أقلام حرة

أنا وفيصل القاسم والثورات العربية / يحيى أبوزكريا

yahya_abozakariaيكون مجحفا ومجانبا للحقيقة الذي ينكر ما للزميل والصديق العزيز فيصل القاسم صاحب برنامج الإتجاه المعاكس في قناة الجزيرة من أدوار وأدوار في تنامي الوعي الثوري وحتمية الثورات العربية وضرورة إسقاط الطغاة،

 ومنذ جمعنا الإتجاه المعاكس في القرن الماضي  فقد آمنت كما آمن فيصل القاسم بضرورة أن يكون للشعوب العربية دور في القضاء على حركة الظلم التي كبلّت الإبداع والتنمية والمبادرة الحضارية، وحولّت الشعوب العربية إلى كائن مشلول وتابع .

 وكان كلما يدعوني الزميل والأخ العزيز فيصل إلى برنامجه كنت أحرص أن يكون الطرف الآخر من رجالات السلطات العربية أو الرسميين العرب، وهكذا وضعنا خارطة طريق لتفكيك الطاغية، وتهشيمه بالكامل، كان القرار أن نتكلم عن الطاغية العربي بكثير من اللاإحترام لأنه لا يستحق الإحترام حتى يتسنى للشعوب العربية أن تنتقل من دائرة الخوف إلى دائرة الجرأة والشجاعة ..

وكان لقائي مع رئيس الحكومة الجزائرية السابق رضا مالك الذي إنسحب من الحلقة  راسما لهذه الإستراتيجية، وقلت له بدم بارد " رئيس حكومة وينسحب تعست إذن "  وهددني ولم أبال بتهديداته ..وكانت هذه الحلقة  من أنجح الحلقات التي شكلت إضافة لقناة الجزيرة .

  وكانت مقدمات فيصل القاسم الإستهلالية أشبه ببيانات الثورات، وقد زادتها المؤثرات الموسيقية الحادة قوة وشرعية، وأصبح برنامج الإتجاه المعاكس أشبه بوقود الثورات العربية، ولا شك أن تراكم الوعي والثورة والقيام والنهوض الشعبي الذي كانت تخلفّه حلقات الإتجاه المعاكس ساهم في بلورة وعي عربي ثائر على الوضع القائم ...

وما زلت  أتذكّر عندما جمعني فيصل القاسم باللواء حازم حمادي المسؤول بجهاز أمن الدولة المصري، وأخذ يتبجح بكونه مسؤولا عن أمن الدولة فقلت له :  "إذا كنت تمثل أمن الدولة فأنا أمثل أمن الشعوب "

وفي حلقة أخرى طالبت الشعوب العربية بالدخول إلى قصور حكام العرب وقصّ شواربهم، وصفعهم في الميادين العامة بعد إعتقالهم من قبل الثوار، كل هذه المواقف دفعت أنا وفيصل أثمانا باهضة لأجلها غير أن النتاج في الشارع العربي كان كبيرا وعظيما وهذه الثورة التونسية والثورة المصرية خير دليل على ذلك .

 آلاف الرسائل كانت تردني من تونس وخصوصا عندما فضحت ليلى الطرابلسي في برنامج الإتجاه المعاكس في حلقة توريث الحكام لأولادهم، وكان ذلك في أوج قوة زين العابدين بن علي ونظامه ..لقد لجأت أنا وفيصل إلى إستراتيجية قوامها ما يلي :

تناول الطغاة بشكل مباشر وبدون حرج – لتحطيم وتهشيم الهالة التي أحاطوا  أنفسهم بها .

إختيار اللغة المباشرة والإبتعاد عن أنصاف الجمل

التركيز على المصاديق والمعلومات المعروفة والمجهولة للشارع العربي

التأكيد على قدرة الشباب العربي على تغيير المعادلات وبناء غد عربي جديد

التأكيد على أننا أصحاب بديل، فلا نصف الداء دون تقديم الوصفة الحضارية البديلة

التنديد بحركة الظلم التي تحيق بالشعوب ودعوة المظلومين إلى الثورة، وفي آخر حلقة لي في الإتجاه المعاكس حول التوريث قلت في نهاية الحلقة " أن هذه النجاسات – أبناء الحكام - لا يجب أن تبقى في المشهد العربي "

كان فيصل القاسم فدائيا بأتم معنى الكلمة وهو يكسر كل الطابوهات والحواجز والقيود، وكنت مثله جريئا محبا للشهادة، على قاعدة الحديث النبوي الشريف : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وعلى قاعدة الشاعر الفلسطيني معين بسيسو : هي كلمة إن قلتها تموت إن لم تقلها تموت، إذن قلها ومت ....

حلقات كثيرة كانت بيني وبين فيصل القاسم، كان هو المايسترو، وكنت أجيد أغنية الثورة وتقديم مظلومية الشعوب العربية والحصيلة كانت مشهدا إعلاميا منحازا للشعوب وا لمظلومين والمقهورين ، كنت كما كان فيصل ننحاز دوما للملظومين والفقراء والمقهورين والمذبوحين  والعراة، وكنا نرفع الصوت بأن العراة هم أصحاب الشرعية في أرض صادرها الطغاة .

 حلقات كثيرة منها  حلقة  "قانون الوئام المدني في الجزائر " مع رئيس الحكومة الجزائريّة الأسبق رضا مالك سنة 1999، والثانية بعنوان التغلغل الصهيوني في المغرب العربي مع أبي بكر ولد عثمان رئيس جمعية التطبيع مع الكيّان الصهيوني في موريتانيا  سنة 2000 ، والحلقة الثالثة عن الجيوش العربيّة مع الوزير اللبناني السابق ميشيل إدة سنة  2002 ،  والحلقة الرابعة عن السياحة العربيّة البينيّة مع الأمين العام للسياحة والفنادق العربيّة خالد سليمان سنة  2002 والحلقة الخامسة عن الشارع العربي مع الدكتور موفق الربيعي من العراق سنة  2002 ، والحلقة السادسة عن الإنهيار العربي الشامل مع المؤرخ المصري أحمد عثمان سنة 2003 ، و

الحلقة السابعة عن العنف بين السلطات والجماعات في شهر ماي سنة 2004 مع عبد الرحيم علي، والحلقة الثامنة عن محاكم التفتيش في إسبانيا وقضية تيسير علوني في شهر يناير 2005 مع الإسباني إغناثيو، والحلقة التاسعة في لندن عن الدولة الغربية والدولة البوليسية في ضوء تفجيرات لندن في شهر أوت 2005 مع أحمد أبو مطر، والحلقة العاشرة عن المصالحة في المغرب في شهر يناير 2006 مع أحمد شوقي من المغرب، ثم توالت الحلقات عن قدسية الحاكم العربي، والتوريث، ووزراء الداخلية العرب، والإعلام العربي، وغيرها من الحلقات، حلقات عالجت مشروع الحاكم العربي ومخابراته وإعلامه وسبب طغيانه وإرتباطه بالإرادات الدولية .

هذه الحلقات أصبحت جزءا من الذاكرة العربية، وباتت بعض الجمل المستخدمة  في هذه البرامجي بيني وبين فيصل القاسم محل إستظراف في مواقع المظلومين والمقهورين والذين كانوا يرددونها بإستمرار ، وكنت كلما ألتقي  بمواطن عربي يقول لي : أنت وفيصل لماذا لا تخافان أبدا، وقال لي آخر من الجزائر : علمتني كما علمنا فيصل الجرأة وعدم الخوف، شكرا لكما لقد أنتجتما مدرسة الشجاعة العربية المعاصرة .

في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا العربي، أقول لأخي فيصل القاسم مبروك يا فيصل إننا نرى تهاوي وإنهيار من كنا نتحدث عنهم في أوج قوتهم، لم ترعبنا سجونهم، ولم تحرفنّا إغراءاتهم، وبقينا على العهد نشهد سوية إنبلاج الفجر العربي الجديد ..

شكرا مجددا يا فيصل .

 

بقلم / يحيى أبوزكريا

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1666 السبت 12 /02 /2011)

 

اقرأ ايضا

أضف تعليقا

معلومات إضافية