أقلام حرة

كيف يراك الآخرون (2): خرافات عن السنة / صائب خليل

saieb khalilترددت قليلاً في الإستمرار بمشروع مقالات "كيف يراك الآخرون" بعد تحذير من عدد من الأصدقاء بأن الظرف غير مناسب،

لكن ما أثارته مقالة لي تتساءل عن الدور الأمريكي في إرهاب الهاشمي، من ردود فعل من بعض الأفراد من الجانب الشيعي جعلتني أدرك أننا أمام هاوية كبيرة إن لم نسرع ونحاول أن نتكاشف بالحقائق.

تلك الردود تحمل "بصمات" الجانب الأمريكي، كما يقولون، خاصة بما صاحبه من تشهيرات وأساليب استفزاز وتنظيم عالي، عرفتها في مرات سابقة في مقالات أزعجت ذلك الجانب أكثر من غيرها. كان الغضب دفاعاً عن أميركا لا عن الشيعة، فلم يهاجم الشيعة أحد، لكن التجاوب مع ذلك الغضب، من الجانب الشيعي من القراء، وتصديقهم السهل بأن القصد من هذه المقالة هو إبعاد التهمة عن المجرمين "السنة" وإلقاؤها على الأمريكان، كان جرس إنذار بالنسبة لي، خاصة حين تبين ان البعض يلجأ إلى ما أعتبره شتائم نابية، ويقولها ببرود من يتحدث عن حقائق بسيطة. هذه "الحقائق" الشتائمية، تستند إلى حقائق مكبرة، وأخرى مجتزئة، وأيضاً عدد من الـ"أساطير" التي لا أساس لها، وهي التي دعتني لكتابة هذه المقالة كجزء طارئ غير مخطط في مجموعة "كيف يراك الآخرون".

 

الشرخ الإعلامي بين الشيعة والسنة كبير ويكبر، ومحاولات ردمه أو تحجيمه من قبل القيادات الدينية والحكومة وبعض المثقفين لا تتناسب مع الجانب الذي يسعى إلى توسيعه وتعميقه قدر إمكاناته، والدليل على ذلك هذه الصعوبة المتزايدة في إجراء أي حوار بين الطرفين. لقد وصل الأمر أن ما كان يعد شيتمة أخلاقية منحطة، صار يعتبر نقلاً "للواقع" وأن الإحتجاج على تلك الشتيمة محاولة لتزوير الواقع من الجانب الآخر. وما كان يعتبر تهمة خطيرة تثير الغضب، صار أمراً طبيعياً و"حقيقة" مؤكدة لدى الجانب الآخر.

فحينما يكتب أحدهم أن "الإرهاب سني" متهماً ثلث الشعب العراقي بأنهم إرهابيين، قد لا يقصد الإساءة بقدر ما يقصد نقل ما يراه حقيقة واضحة. ومن يكتب أن السنة "جعلوا الإرهابيين ينامون مع أخواتهم"، على انحطاط التعبير، فإنما يستند على ما تعود سماعه وقوله دون أن يرفضه أو يناقشه أحد.

في الجانب الآخر هناك بذاءات لا تقل عن هذا، فتسمع عن "أولاد المتعة" من بعض السنة، وهو يقولها بهدوء مثير للقلق وكأنه ينقل حقيقة، وليس شتيمة وسخة بحق أناس لم يسيؤا له بشيء.

وعندما يغضب أحد من الجانب المقصود بالشتيمة، فأن القائل يفتح فمه دهشة: "اليست هذه هي الحقيقة؟ لماذا تنكروها؟".

لا يصعب الرد على هذه "الحقائق"، وهنا تكمن المصيبة. بعض المنطق يكفي وبعض القراءة تكفي، وبعض الحديث مع الآخر يكفي، لكن هذا الرد لا يأتي.

****

 

السنة تربوا أجيالاً على كره الشيعة

 كم سنياً تعرفون ربى أولاده على كره الشيعة؟ أنا لا أعرف ولا واحداً! هل دخل شيعي يوماً في بيت صديق سني له والتقط كلاماً من الأهل يحث على قتل الشيعة أو كرههم؟ هل قال طفل سني يوماً بالخطأ أمام شيعي، شيئاً ينبئ عن أن أهله كانوا يعدونه لقتل الشيعة أو لكرههم؟ أنا لا أقصد هنا الحديث العابر أو كلام أطفال أو عجائز هنا وهناك، وإنما أن يدل على تربية منظمة من أجل ذلك الهدف.

كيف يزوج الكثير من السنة بناتهم ويتزوجون من نساء مجموعة ينوون القضاء عليها؟ لماذا يسمون أولادهم علي وحسين وحسن وفاطمة؟ لماذا يصلون في راوه وعنه التراويح بالدعاء للإمام علي والحسن والحسين وفاطمة الزهراء أكثر مما يصلون لأبي بكر وعمر، كما أخبرني أبي؟

في أكبر مساجد اسطنبول، بحثت عمداً في الزوايا عن إسم "علي" فوجدته برفقة بقية الخلفاء، بنفس الخط ونفس الحجم. هل هذه تصرفات طائفة تريد أن تربي أجيالها على كره الطرف الآخر والقضاء عليه؟

****

 

الإرهاب سني!

عندما ترفض ذلك يبادر أحدهم: "هل سمعتم بشيعي فجر نفسه بين السنة"؟

وأسأل أولاً كم هم الإرهابيين الذين "فجروا أنفسهم" أو تم تفجيرهم، أمكن التعرف على شخصياتهم؟ ومن هؤلاء، كم واحد تمت دراسة دوافعه (وكيف؟) ليتبين انها طائفية؟

 

ثانياً: الشيعة يبادرون فوراً إلى التفسير الطائفي، فيما بينهم وفي إعلامهم، فيبقى في البال أن الذي فجر نفسه سني يريد القضاء على الشيعة، حتى لو لم يثبت شيئ، أو ثبت غير ذلك فيما بعد، بينما الامر ليس كذلك بين السنة. ففي حادثة جامع أم القرى، لم يسارع السنة إلى اتهام الشيعة بالأمر، ولو أنهم فعلوا، لترسخ في أذهان الناس أن المفجر شيعي طائفي، حتى لو لم يثبت شيء من ذلك رسمياً.

 

ثالثاً:هذه إحصائية حكومية قدمتها الحكومة "الشيعية" وليست السنية، ونشرها موقع "عراق القانون"، عن تصريح للناطق الرسمي باسم الحكومة علي الدباغ، تقول بأن أعلى نسبة من ضحايا الإرهاب هم في المدن السنية: "تأتي محافظة ديالى كأكبر نسبة من الشهداء مقارنة بعدد النفوس تليها الأنبار ثم نينوى ثم بغداد، بينما سجلت محافظة المثنى أقل عدد من الشهداء بلغ (94) شهيداً لكل الفترة."(1)

 

أنا لا أريد الإستنتاج أن للشيعة حصة أكبر في الإرهاب أو أنها مساوية للسنة، فأنا أؤمن تماماً أن لا الشيعة ولا السنة لهم اية مصلحة في إرهاب بعضهما البعض، وفي حقيقة الأمر لم ولن يهمني طائفة من ينفذ العملية رغم أني ادعو في كل الأحوال إلى إنزال أشد عقوبة ممكنة به وبمن أسهم معه في الجريمة. لكن القضاء على الإرهاب في العراق وتحقيق الأمن لا يتم إلا بمعرفة مصدر تفريخ الإرهابيين وتدريبهم وإعداد الجريمة وتنظيمها، وهو ما لم يكشف عنه إطلاقاً في اية جريمة، وهو ما يشككني في تبعية اعلى الهرم الأمني في العراق.

من وراء جريمة التاجي؟ من نظم جريمة كنيسة سيدة النجاة؟ من وراء تفجير البرلمان؟ وعندما أسأل "من؟" فإني أبحث عن آخر الخيط الذي يطمئنني أن الموضوع تم اجتثاثه، أما ما يحدث فهو إعدام المجرمين المنفذين (إن حدث.. لا أحد يعلم بما يحدث) وتخليص المخططين للأمر من الشهود على إرهابهم. هذا البحث هو ما يدعوني إلى التساؤل عن من وراء تنظيم جرائم الهاشمي، وليس محاولة تخفيف الجرم عنه أو إزاحة التهمة عن السنة.

****

 

معظم أو نسبة معتبرة من السنة إرهابيين، ويريدون القضاء على الشيعة

لو كانت نسبة عالية من السنة إرهابيين، أو لو كان موضوع القضاء على الشيعة موجوداً لديهم كهدف، لما بقي شيعي واحد في العراق في زمن السني الأكثر وحشية صدام حسين، ولا في معظم الدول العربية ذات الحكومات السنية أو الأكثرية السنية، فلماذا أجل هؤلاء الإرهابيين السنة ذبح الشيعة حتى يفقدون السلطة؟ لماذا سمحوا أن يفوتوا تلك الفرصة التي ينتظرونها 1400 عام؟ علماً أنهم كانوا يحكمون المنطقة، إن قبلنا منطق الطائفيين، معظم تلك الـ 1400 عام؟ لماذا لم يقض الصفويون عندما استلموا الحكم، على السنة الذين كانوا يريدون إبادة الشيعة ويخلصوا أهلهم من هذا الخطر الداهم؟

 

ألا يكفي هذا برهاناً على تخريف هذه القصص الأسطورية التي تمزق الشعب لتخدم لصوصه؟ ألا يكفي هذا لتنظيف رؤوسنا من هذا الوهم التافه الذي حشوه بها؟

****

 

لماذا إذن أنتخب السنة الإرهابي طارق الهاشمي؟

عندما انتخب السنة طارق الهاشمي، لم يكن إرهابياً، لا في نظرهم ولا في نظر الحكومة التي قبلته مشاركاً. وإن كان هناك من يلام على ذلك فهو المالكي الذي كان يعلم به دون ان يخبر به أحد. أن تصرف السنة تجاه الهاشمي عندما عرف تورطه الإرهابي، هو في رفض الأغلبية الساحقة له، وعدم قدرة حزبه إخراج أية تظاهرات لدعمه سوى ما قدرت بعشرات الأشخاص، وفي عدد من تصريحات المراجع السنية التي طالبت بمحاكمته وطالبته بتسليم نفسه.

المالكي كما يقول بنفسه مازال يحتفظ بمعلومات عن إرهابيين آخرين من السياسيين، فإن تم انتخابهم من قبل السنة أو غيرهم، فمن الذي سيلام غداً عندما يأتي الوقت المناسب حسب تقدير المالكي للكشف عن حقائقهم؟ من سيكون المسؤول عن إيصال إرهابيين إلى السلطة بكل ما يتيحه لهم ذلك من هويات خاصة وسيارات خاصة وحمايات مسلحة وقدرات مالية وسياسية؟ إنني أطرح السؤال مسبقاً، لعل البعض يفكر فيه قبل ان يتكرر ما حدث، ويستعمل لتكبير الشرخ الكبير في المجتمع العراقي.

****

 

ماذا عن المقابر الجماعية؟

يجب أن لا نخلط صدام حسين وأجهزته التي كانت تمتلئ بالسنة والشيعة، مع موقف السنة، فهذا الخلط قد يكون بريئاً لدى البعض، لكنه خبيث لدى الآخر الذي يكرر طرح قائمة البعثيين السنة ويلفت نظره بعيداً عن قائمة البعثيين الشيعة التي وضعت أمامه قبل دقائق (من قبل شيعي آخر، بريء من الطائفية).

نعم لم يصب السنة من أذى ما اصاب الشيعة أو الكرد من صدام والبعث، لكن هل يعني هذا أن السنة كانوا مع صدام وجرائمه؟ هل يعني أن مدينة شيعية عانت الأكثر مثل الدجيل، يمكنها أن تعتبر مدينة شيعية أخرى عانت أقل، بأن الأخيرة كانت مع صدام؟

السنة في زمن صدام ، مثل غيرهم تماماُ، لم يكونوا قادرين حتى على الدفاع عن أنفسهم عندما يوجه غضبه إليهم. بل لم يستطع حتى أقرب المقربون إليه أن يرجوه حتى العفو عن شخص واحد، فقتل عدد من رفاقه الذين حاولوا ثنيه عن عزمه في قتل البعض من رفاقهم حين استلم السلطة العليا في البلاد، وتكرر ذلك في مناسبات تالية. بل أنه أغتال إبن خاله الذي رباه عندما كان لقيطاً، وعاش معه كما يعيش مع أخيه، لمجرد إحساسه بأنه قد يمثل رجاءاً يأمل به الناس التخلص من ظلمه؟ هل كان إبن خاله شيعياً؟ هل كان أزواج بناته الذين قتلهم من الشيعة؟

****

 

السنة لا يتحملون العيش دون أن يحكموا

أنا لم أشعر في يوم من الأيام أني لا أستطيع أن أعيش دون ان أحكم، بل أني لم احاول أن "أحكم" في يوم من الأيام، ولم أشعر في يوم من الأيام أني كنت أحكم، ولا أعرف أحداً من أصدقائي من السنة يشعر بمثل هذا الشعور الخرافة. وإن أخذنا مجمل ما قمت به، فأن مجمل كتاباتي كانت في صالح خيار وصول شيعة إلى الحكم، حتى الناقدة منها لم تكن يوماً موجهة لإسقاط الحكومة الشيعية، سواء للمالكي أو الجعفري، ولا توجد لدي مقالة واحدة تتجه بهذا الإتجاه.

في المقابل لدي عدد كبير من المقالات التي تحذر المالكي والدعوة من التزوير في الإنتخابات لصالح العراقية ومن قبل الأمريكان، ووقفت بوجه هؤلاء حينما حاولوا عرقلة "الحكم الشيعي" من خلال فرض بقايا البعث عليه شريكاً في الإنتخابات وثم السلطة ودعوت المالكي وغيره إلى نبذ فكرة حكومة الوحدة الوطنية وسخرت من شراكة علاوي وانتقدت الشيوعيين بشدة لإنضمامهم تحت قائمته يوماً ووقفت مع المالكي حين كان الكل ينهال عليه في بداية تسلمه السلطة ويقع تحت الضغط الأمريكي الشديد، ووقفت مع الجعفري حين جاءت كونداليزا رايس لتزيحه ووقفت مع الصدريين حين كان المالكي يصول بهم داعياً إياه إلى محاولة حل المشكلة سلمياً واستنزاف كل الفرص لحقن الدماء وسخرت من "صولة الفرسان" التي كانت مؤامرة أمريكية في رأيي للتخلص من اشد خصومهم وإيجاد شرخ في صفوف الجانب العراقي الأكبر.

هل هذه كلها، وأشياء أخرى كثيرة نسيتها، تدل على تصرف شخص يطمح إلى الحكم؟

أبعدوا السياسيين القادة السنة، والقياديين الشيعة، وكل القياديين، من يبقى "لا يستطيع الحياة بدون حكم"؟ أنا لا أعرف مجانين من هذا النوع، إن كان غيري يعرف فهذا متروك له.

غريبة هي فكرة، "الطائفة التي تحكم"...هل أحس بعضكم ممن تعامل مع أصدقاء سنة له، أنهم كانوا يحسون انهم "يحكمون" في وقت صدام؟ ربما بعض التكارتة، (ليس كلهم بالتأكيد، فأنا أعرف منهم من يخجل أن يكتب خلف إسمه "التكريتي") ، ربما بعض الشيوخ في الرمادي والفلوجة... وواصل إلى السلطة هنا وهناك. أما كطائفة، كناس، كطلاب وموظفين نساء ورجال وشباب...من رأيتم من كان يشعر انه يحكم، ومتى صارت عنده هذه عادة لا يستطيع الإستغناء عنها إلى هذا الدرجة؟

 

أمي قضت سنيناً من عمرها تطارد وراء السجون في زمن البعث بحثا عن أخيها المرحوم جميل منير، وسنيناً أخرى تبكي أخاً آخر لها قتله مجرموا البعث صبيحة 8 شباط، في فراشه، هو توفيق منير. ولا أدري إن كان هناك الكثير من النساء من دعت الله أن يخسف الأرض بصدام أكثر منها. لا ادري إن كانت أم قد أخبرت أولادها بقدر ما أخبرتنا عن جرائم الحرس القومي في عنه، تحفظها بالتفاصيل الدقيقة والتواريخ والأسماء، وتتحدث بها بحرقة كأنها حدثت أمس، فتخيلوا شكلي لو أخبرها أنها كانت واهمة في حزنها وألمها لأنها كانت "تحكم" دون أن تدري، لأنها سنية!

****

 

ما قصة الإرهابين الذين يفتح لهم السنة أبواب بيوتهم ليناموا مع نسائهم، كما يصرّ بعض الشيعة؟

سألت أحد أقربائي هذا السؤال فقال: "كلام فارغ". قلت "لا ليس كذلك ، هناك قناعة واسعة بأن هذا حدث. أرجوك أن تتقصى" قال: "سأستفسر لك عن التفاصيل وأخبرك". ثم بعد يومين أرسل لي ما يلي:

 

"سألت أخي اليوم: هل سمعت بأي عائلة في مناطقنا زوجت بنتها الى المجاهدين؟ الجواب : نعم سمعت (الكلام لأخي) بحالة واحدة فقط ليس في حديثة ولا عانة ولا راوة ولا حصيبة وانما في قرية المعاضيد حيث زوج رجل ابنته لمجاهد من السعودية. "

 

واضاف "هؤلاء جاءوا لمحاربة الأمريكان، وقد قتلوا مئات من الجنود الأمريكان قبل أن يتحولوا  فجأة من مجاهدين الى ارهابيين وبدأوا بذبح الكثير من أهل المنطقة."

 

وأكمل "ذهبت يوماً لزيارة صديقي في القائم فقال لي: في أحد الأيام طرق باب البيت واذا بمجاهد سعودي ومعه مجموعة من الشباب وأسلحتهم فطلب منه أن يختبئوا في بيته لأنهم مطاردين من قبل الجيش الأمريكي. يقول لي صديقي وهل كان لي خيار سوى أن أقول تفضلوا. يقول بقوا فترة قصيرة وبعدها غادروا واشتبكوا مع الأمريكان في منطقتنا ودمروا ناقلة جند أو عربة مدرعة لا أذكر ولقد أخذني صديقي الى موقع الحدث."

 

هذا ما يتحدث به السنة عن القصة، هذه هي "الحقيقة التي يرونها" فهل من غرابة إذن أن يغضبوا من تلك التهمة ويروها شتيمة وسخة؟

القصة إذن، شخص واحد حسبما يقول، ربما شخصان أو ثلاثة في مناطق أخرى، لا يدري بها أخيه، زوجوا إبنة لهم لمن كانوا يعتبرونه "مجاهداً"– هذه قناعته - جاء لمحاربة المحتل وليس لقتل الشيعة، ومحاربة المحتل إن لم تعتبر واجباً مقدساً لدى البعض كما هي الحال لدى جميع الشعوب التي تحس بأن كرامتها في استقلالها، فهي على الأقل أمراً مفهوماً حتى لغير هؤلاء. ولا يشبه في شيء إرهابياً طائفياً يأتي ليقتل أبرياء من الطائفة الأخرى، دع عنك من يقتل نفسه من أجل قتل بضعة أشخاص لا يعرفهم من الطائفة الأخرى، وهي قصص خرافات لا يجب أن يعقلها أي عقل سليم.

هل غريب أن يحترم سنة من يقاتل الأمريكان؟ ألم يحارب الكثير من الشيعة المحتل؟ من حارب المحتل أكثر من جيش المهدي بمختلف فئاته، من الشيعة؟ هل هؤلاء إرهابيين أيضاً أم يمكن تفهم دوافعهم ويجوز لمن يريد إطلاق إسم "مجاهدين" عليهم دون أن يغمز أحد بعبارة "المقاومة الشريفة"؟

 

لقد فهم سكان هذه المناطق أن هؤلاء جاءوا لمساعدتهم ضد الإحتلال الذي بدا حينها أنه باق، فرحبوا بهم، بحدود تم تصويرها بشكل آخر تماماً. ثم حين تبدل هؤلاء بإرهابيين صارت العلاقة بينهم علاقة تضاد وقتل كل منهما من الآخر الكثير، وساعد الشيعة الناس مساعدة كريمة في القضاء عليهم، وحسب الكثير من الشهود كان الأمريكان هم من يمنع العراقيين من إنهائهم ويسهلون لهم الطريق للإفلات، مثلما حدث في ديالى وغيرها.

 

كيف تحولت قصة زواج لمقاتل ضد الأمريكان، إلى قصة أن السنة يسمحون للإرهابيين القادمين للقضاء على الشيعة، بالنوم مع نسائهم؟ من الذي حولها؟

****

 

أسئلة بسيطة تكفي لدحض خرافات خطيرة، لكن الأكثرية لا تطرح على نفسها الأسئلة عن تلك القصص الغريبة، مادامت تلك القصص تلقي بالسوء على الآخر. أسئلة بسيطة: كم سنياً تعرف زوج ابنته لإرهابي؟ كم شيعياً تعرف كان "إبن متعة"؟ وحين تأتي الأجوبة بالنفي القاطع، عندها يفتضح الإعلام الخبيث وما يبثه في الرؤوس من سموم!  فلا يعقل أن نقول أن السنة يزوجون الإرهابيين دون أن نعرف مثالاً واحداً منهم، ولا نسمع بذلك إلا من خلال الإعلام، ولا يعقل أن نقول أن الشيعة أولاد متعة دون أن نعرف مثالاً واحداً منهم، وقد عشنا معاً كل هذا الزمن الطويل!

 

يجب أن لا نستهين بالأمر، فتحطيم هذه الأساطير والخرافات، يعني تحطيم أساس كبير تعب الإحتلال على ترسيخه وكلفه الكثير من الأموال، وهو ضروري لبقاء تأثيره على البلاد من خلال بقائها ضعيفة مشتتة لا تستطيع أن تجمع إرادة سياسية للإستقلال الإقتصادي والسياسي، فلا تطلب من أحد إعفائها من مقاطعة دولة ثالثة ، ولا تشتري إلا من أفضل وأرخص المصادر، ولا "تدعم" حكومة معادية وشعبها بأشد الحاجة لكل دينار، ولا تصوت لقرار ليست مقتنعة به في الجامعة العربية أو الأمم المتحدة ولا تضطر للخجل أمام شعبها لقرار ليس في صالحه أو صالحها، خضوعاً لأية ضغوط.

لذلك سوف تعرقل كل المحاولات لردم الهوة بين مكونات الشعب العراقي، وخاصة بين الشيعة والسنة، بعد النجاح الساحق في فصل العرب والكرد، وسوف تواجه أية محاولات قد تبدو جدية التأثير بكل الوسائل الشريفة وغير الشريفة لمنعها وتخريبها.

 

................

(1) http://qanon302.net/news/news.php?action=view&;id=13639

 

أضف تعليقا

معلومات إضافية