ملف: المرأة في أسر العبودية المعاصرة

المرأة في عصر الجاهلية الجديدة

mayada aboshanab2688-MAYADAاستغاثة من صميم الألم نطلقها، إلى كل نساء الكون في يوم المرأة العالمي، من صحيفة ومؤسسة "المثقف"، للتضامن مع المرأة مسلوبة الإنسانيّة.

نحن والأخريات

amira-albaldawiشاعت في سبعينيات القرن الماضي أغنية يقول مطلعها (عد وأنا أعد ونشوف ياهو أكثر هموم) .. هذا العام عندما اقتربت ذكرى يوم المرأة وتأملت ماذا اكتب عن المرأة في العراق من وجداني وذاتي وما احب، لم أجد سوى تعداد آلامها وانتهاكاتها ومظلوميتها .. فهل كان للمرأة هذا العام انجازات سوى الصراخ والعويل على الابناء والاحبة ... هل كان لها مشهد سوى ركضها هاربة من نيران القذائف تحمل ولدها او تجره وهو ممسك بثيابها او تحمله في احشائها ... ألم نشهدها صورا متراكمة في كل الصحف والقنوات الفضائية والمواقع الاليكترونية في مخيمات النزوح حيث الخروج من الدفء الى خيمة تعصف بها ريح الشتاء الباردة وتبللها الامطار والانتقال من الأمان في حمى الاسرة والزوج والابناء الى الخوف والهلع من الاختطاف او الاسر او ..او بعد فقدها حماتها ولم يبق معها الا الصغار ...فتعالين يانساء العالم لنعد ونحصي اين نحن وانتن اين؟؟ حصلتن على جوائز الاوسكار لأنجازكن الثقافي والفني، حصلتن على جائزة نوبل لأنجازكن العلمي، والعديد من المداليات الذهبية لأنجازاتكن الرياضية، كم واحدة منكن دخلت موسوعة غينس لكسرها الرقم القياسي في غرائب الممارسات والاذواق والافعال، كم واحدة منكن تربعت على أعلى المناصب وتسلمت اكبر المسؤوليات في بلادها ... ودعوني أحصي لكن انجازات العراقيات كما وثقتها تقارير أممية .. في موجة النزوح الجماعي في عام 2014 بلغ عدد النازحين بسبب هجمات داعش (2،5) مليون شخص للنساء (51%) اي مايعادل مليون وربع أمرأة نازحة، تشكل النساء اللواتي اعمارهن (25-59) عاما 34% منهن بينما الاطفال منهن والصغيرات بأعمار من (الولادة – 14) سنة يشكلن 37% من النازحات، ويتوقع تقرير مكتب الامم المتحدة في العراق (يونامي) ان اعداد الارامل الذي بلغ 1،6 مليون ارملة سيزداد بشكل لافت بسبب اعمال داعش الاجرامية، كما اوضح التقرير انه لاتوجد احصائية لأعداد المختطفات لدى (داعش) او اللواتي تعرضن للأتجار بالبشر حيث افتتح داعش مكتب في الموصل لبيع النساء والفتيات اليزيديات،اما اللواتي تعرضن للأغتصاب او اي من حالات العنف الجنسي فلم يصرحن بمعاناتهن وفضلن الصمت خوفا من وصمة العار . تلك نبذة عن ويلات تعرضت لها المرأة في العراق خلال سنة، ولكن علينا ان لاننسى ان هناك نساء عراقيات ابدعن وبرزن كالطالبات الاربعة اللواتي اخترعن طريقة خاصة لتنقية المياه لأستعمالها في الرحلات الى الفضاء ، وانجازات في فن العمارة انجزتها المبدعة زهاء حديد، ولكن هؤلاء النسوة القلائل جدا لايعشن في العراق وانجازاتهن كتبت بأسماء البلدان التي يعشن فيها او المؤسسات التي يعملن لصالحها ... فمن للعراق ؟ ومن للنساء العراقيات ؟!!

 

13/3/2015

المرأة بين استعباد الماضي وأزمة الحاضر

rasha ghanimابتعدت المجتمعات العربية إلى حد كبير عن تعاليم الدين السامية التي كرمت المرأة وحفظت حقوقها وأصبحت تتبع العادات والتقاليد المتوارثة التي تحرم على المرأة كثيرا من الحقوق التي كرّمها بها الله، كما تأخذ من الغرب أسوأ العادات الغربية كاهتمام المرأة بمظهرها وحسنها وجمالها أكثر من عقلها ودورها في المجتمع . فتفني عمرها تهتم بجاذبيتها كأنثى ولا تهتم بإنسانيتها، وتهتم بالشكل ولا تهتم بالجوهر.ومن العجب أن ما توارث من الإرث الفلسفي عند كثير من الفلاسفة مثل أفلاطون وسقراط وأرسطو وفكرتهم المجحفة للمرأة كان أقوى من الفكر الديني كما أن الأفكار السيئة عن المرأة اكتسبت ثوبا دينيا كفكرة خطيئة آدم وخروجه من الجنة كان سببها حواء فهي رمز الغواية والفتنة فالأدوار التي أعطيت لها كان أغلبها شريرا.

عاشت المرأة منذ بدء الخليقة عدا العصر الفرعوني، مهضومة الحقوق "فلا ينبغي أن ننظر إلى قضيتها على أن الحكم قد صدر فيها مقدما عن طريق الواقع القائم، أو الرأي العام السائد بل لا بد من فتحه للنقاش على أساس أنها مسألة عدالة"

فالمرأة على مر التاريخ كائن حي كتب عليه أن يستعبد من جراء عادات وتقاليد بالية فوجدت المرأة نفسها في حالة عبودية الرجل وذلك لانحراف فهمه عن قواعد الدين وقيمه الحقيقية التي حددت بوضوح وظيفة كل من الرجل والمرأة معا

عندما حلّت أوضاع الضعف والتخلف في شرايين العالم العربي والإسلامي منذ القرن السادس عشر الميلادي، كانت المرأة أكثر تضررا وأشد تخلفا بسبب حرمانها من التعليم، ووضعها على هامش الحياة العامة فانتشر الجهل وحصر وظيفتها في الإنجاب والتربية والطهي ولا تعتبر هذه الوظائف تقليدية للمرأة أو قليلة الشأن ولكن نشير هنا إلى تمكين المرأة علميا ومهنيا وعدم حرمانها من توعيتها وتثقيفها حتى تقوم بالعمل المنوط لها سواء بالبيت أو خارجه ؛لأن إهمال جانب من الجوانب سيؤدي إلى شل وظيفتها التربوية وإلى تدهور الأسرة والمجتمع، أما عندما تشعر بقيمة نفسها واحترام ذاتها ستثمر جهودها البناءة لمجتمعها.

وبقدر ما أعطي للرجال من حقوق إنسانية وسياسية وفي مجال الحرية والمساواة وفي حق المواطنة للوطن وبمعزل عن الانتماءات الدينية والقومية والعرقية، كذلك أعطت للمرأة حقوقاً مساوية للرجل في كافة المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، كفلها لها الدين مثل الرجل تماما، على الرغم من كل ذلك تعيش المرأة في حاضرها أزمة انعدام الأخلاق كإهانتها من قبل الأب والأخ والزوج، وسلب حقوقها، وعدم الاهتمام بتغذية عقلها وفكرها، فنجد بعض النساء يتنازلن طواعية وبإرادتهن عن حقوقهن التي كفلت لهن، وبسقوط المراة تسقط الأسرة ويتراجع الجوهر الإنساني المشترك، ويصبح كل البشر أفرادا طبيعيين لكل منهم مصلحته الخاصة التي تصطدم وتتصارع مع مصالح الآخرين. وعندما زادت التوعية من قبل الهيئات المنوطة للدفاع عن حقوق المرأة تقدم كثيرات من النساء تطالبن بحقوقهن في الاشتراك في الانتخابات البرلمانية، وأن يكون لهن حق الاقتراع أو التصويت ونجحن في تحقيق تلك المطالب وغيرها بفضل مثابراتهن وحرصهن على إعلاء قيم مجتمعهن.

فيا كل امرأة في وطني، أنت لست نصف المجتمع كما وصفوك فأنت الكون كله... فبإبداعك وثقافتك وفكرك وجهدك وصبرك وجمال روحك أعطيت الحياة طعمها ووجودها وسر خلودها وديمومتها.

المَـرأة و التفسير "المقدَّس"

saida taqiما عاشـته المـرأة في العـالـم العـربي الإسلامي وتعيـشه من تضيـيق وتمـيـيز وظـلم وطغــيان واستغلال وانتهاك واستباحة وتقتيل، عاشته المرأة في المجتمعات المتقدمة إبان القرون المظلمة بطرق أخرى، ومازالت تعيشه في كل العالم المتخلّف بمستويات مختلفة. قد لا تكون المقارنة أو القـياس مع وجود الفـارق الشاسع مسعِـفَين، لكن التـاريخ الإنساني واحد وأخطاؤه وعِبره واحدة..

المرأة كانت دوماً الحلقة الأضعف في حلقات الاستبداد البشري، حتى ذلك الذي مورس باسم الفقه أو باسم الكنيسة. فمثلما كان عليها أن ترضخ لكل سلطة تصادر كل حقوقها باسم المـقـدَّسات، كان عليها أن تستسلم أمام سـطوة التفسير البشري للنص الإلهي، بل وعليها أن تؤمن كامل الإيمان بـتأويل قاصر وفج للآيات القرآنية وبتعسُّف بيِّن في الموضوع من الأحاديث النبوية. إنها مطالَـبة بأن تلزم الصمت وأن تتصالح مع كل اعتداء تتعرّض له إنسانيتها، لأن الفقهاء ـ أو مثلما هم في الكهنوت "رجال الدين" الذين يمـتلكون "التفويض الإلهي" للحديث باسم رب الكون ـ يمتلـكون في جعبتهم استدلالات يمكنها تحريم كل مـباح وإبـاحة كل محرم، ويمكنها كذلك النظر إلى المستحب أو المكروه من زوايا أخرى متعارضة.

إن الأصلَ في عـرف من يمـتـلـكون "التـفـويـض الإلهي" "رجـلٌ" معـصوم من الخطأ. ولهم في الفتاوى والاستدلالات التي يصرِّفونها وفق ما يشتهون أداةٌ مشهورة تقضي بأن "المرأة" إنسان غير كامل الإنسانية أو الأهـلية أو القـدرة أو العقل أو الدين. فهـم يطالـبونها بمـوجب تلك الفـتـاوى والاستدلالات بـأن تخرس صوت العقل وأن تقبع تحت سلطة الرجل ووصايته طلباً لرضاه، وأن تلبي احتياجاته وتستجيب لما يحبه منها، دون أن تكـون لها ـ في عـرف الفـقه الذي وضعـوه ـ احتـياجاتٌ تنفـرد بها، على الرجل أن يلبيها، ومواطنُ تحبِّها فيه عليه أن يستجيب لها. لذلك كان عليها أن تخصِّب الحياة وأن تقـوِّي الـنسل لـبناء الأجـيال والشـعـوب والأمـم. وكان مطـلـوبا منها من جهة ثانية أن تلزم التـسامي وأن تلجـم جسدها وتمنحه لمالكه الشرعي كي يستمتع به بأن تمكِّن زوجها أو "مالكها" من كل حقوقه على جـسـدها الذي يمتـلكه متى شـاء وكيـف ما شـاء بمـوجـب "السـلـطـة الديـنـية" و"القـوامـة" و"الحـرث الحـلال"، وخـشــية "النـشـوز" و"اللـعـان" و"الضرب غير المبرّح" و"التعدُّد" أو خشية البيع من جديد في سوق النخاسة...

و كانت مسؤولياتها في هذا الجانب (و مازالت في أوطاننا إلا من رحمهن الله) مضاعــفة؛ فهي تحاسَب على ما يخــصها، وتحاسب كذلك على ما يخــص الرجل الذي له أن ينفرد بالقــيادة والقوامة والعصمة، وأن ينعَم بامتيازاتها.

إن عملية تنشئتها تتم وفق موقف مختل ومريض يجمع في تعامله معها بين متعارضات في منظور واحد، فهي الإنسان الناقص والأنثى العورة والجـسد المشتهى الفاتن والأمومة المعطاء التي لا تكل ولا تمل ولا تــتوانى عن العطاء استجابة لأدوار قد حـدِّدت لوجودها في الحـيـاة، ومُرِّرت إليها عبر ضوابط التربـية التي كانت تميِّـز منذ الطـفـولـة بينها وبين شقـيقـها أو قريـبها على مسـتـوى التـعـامـل والتـنـشـئة والتـدجـيـن والإكـراه... وكانـت (و مازالـت) كل الأوامـر والنواهي تمضي في اتجاه واحد تشحن به الفتاة أو الطفلة قبل أن تدرك معنى الأنوثة. فعليها هي الأنثى أن تلزَم العفة والحشمة والاستجابة لكل قـيود الأعراف المجتمعية مهما كانت قاسـية أو متغـطرسة، وعليها كذلك أن تتحمل وحدها مسؤولية انحراف الذكر وضلاله وإطلاقه لصوت شهوته ونهمه الجنسي دون أي رادع أخلاقي أو اجتماعي أو ثقافي أو ديني، بـتكميم جسدها وتغليفه حرصا على تسامي "الذكر" المصطَـنع. وعليها بمفردها لاحقا عند اتهامها ـ حتى دون إثبات شرعي يستوفي شروط الإقرار البيِّن المؤكد أو شهادة أربعة شهود عدول بواقعة المِرود في المكحلة والرشا في البئرـ والحدود شرعاً تُدرأ بالشبهات.. عليها بمفردها أن تتحمل العقاب قتلاً في قضايا الشرف بعيدا عن بنود القانون ومراسيم حقوق الإنسان الدولية، أو جلداً حتى الموت على عيون الأشهاد، دون أن يلحق أيُّ إيذاء شريكَها الجنسي في واقعة الاغتصاب/الزنى المُفترض دون إثبات شرعي.

هذا الواقع البـشع الذي يخـتصر المـرأة في وعـاء للتـخصيـب والحـمل، أو سـرير للمـتعة وللهجران، أو جسد للاشـتهاء والتكـمـيم، أو تـابـع للخـدمـة وللضـرب قد يُـسـبى ويـباع في سـوق النـخـاسة مثلما يُستـثمر في زواج المـتعـة وغيره، مثْـبتٌ في سـجـلات المـحاكم وتوثـيـقات الحقوقيين وهـيـئات المجتمع المدني، فحين يستقوي الاستبداد الاجتماعي والجمعي بسلطة تأويـل الديـن وتفسيره يغدو الأمر صعب التغيير، رغم التوقيع السياسي للدول العربية والإسلامية على البيان العالمي لحقوق الإنسان والتزامها بحماية بنوده.

لا يرتبط الأمر فحسب بنظرة فئة متطرَّفة في كل شيء إلى المرأة في المجتمعات العربية الإسلامية، اتخذت تلك الفئة من "فـقـه" اصطنعـته على مقاسِها قـوتَها واسـتـبدادَها في كل الأزمنة، وإنما يرتبط بنظرة الذات "الجمعية" العـربية الإسلامية إلى المـرأة وإلى هويتها وإلى حقها في الحياة بعدالة وكرامة. وهي نظرة "جمعية" يحملها المجتمع بأكمله للمــرأة منذ قرون ساد فيها ذلك "الفقه" وبحثَ لنفسه عن أسباب الخلود بعيدا عن الفكر أو الوعي أو أسباب التغيير.. فالثــقافة "الذكـورية" التي استبـدت بتـفـسير الـدين من منطـلقـاتها القاصرة، واستبدت بإضفاء طابع التـقـديس على نـص التفـسـير البـشري قطعت أشواطا في المغالاة والتشدّد في صلتها بالمرأة. وتعيد تلك الثقافة إنتاج ذاتها "المعصومة من الخطأ" في التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية. وتتحمل المرأة عزلاء من كل حـماية شرعية أو قانونية أو أخلاقية أو اجتماعية أو فكـرية توابع ذلـك التفسير ونوازغه، فالجهـود الفـكرية والقانونية التي تبذل ما زالت غير قادرة على استيعاب كل فئات المجتمع وعلى التغلغل عميقاً في ثوابته. وقد تحمل المرأة صنيعة "المجــتمع الذكـوري المتـشدد" بـدورها، نـفـس النـظـرة الـدونية لـذاتها في كثير من الأحـيـان وتشارك في ترسيخها، عن جهل مركَّب أساسه تقديس التفسير البشري للدين، وتمرِّرها بدورها دون وعي أو إدراك عبر التربية للجيل اللاحق.

لا يختلف الأمر عما كانت تـمـارسه السـطـوة الـذكـوريـة بـرعايـة سـلـطـات الكـنـيـسـة و"التفويض الإلهي" في مجتمعات الكهنوت في حق المرأة. فقد احتاج الوضع إلى أكثر من ثورة تحريـرية لإعـادة النـظـر إلى الـمـساواة بين المـرأة والـرجل من منـطلـقات العـدالـة والتكامل، ولم يفضِ ذلك إلى تجاوز إرث الماضي كلياً. لأجل ذلك منذ بدء التعامل مع مفهوم "التمكين" (Empowerment) في أفق الدراسات الإنسانية والثقافية لفائدة الفئات التي تم تاريخيا اقصاؤها وتهميشها، برزت إلى السطح رؤى وتصورات مدهشة أنثتِ العالَم وسعت إلى أن تعيد إليه معايير التوازن المنشود. لكن في أوطـاننا الأمر ما زال صرخةً في واد، لا تلقى الأصداء المرجوة منها لأسباب اجتماعية بالدرجة الأولى، أساسها تسيـيد تأويل واحد للنص الديني. وهو تأويل قاصرٌ مغرِق في الظاهر والالتصاق بالحرفية، ملتزِمٌ بأنساق لا علاقة لها بالدين قد تم التشكيك في صلاحها. لأن ذلك التأويل البشري قد أملـته سياقات سيـاسية وفكرية معيّنة في تواريخ وجغرافيات ندرك تفاصيلها، لكنه لا يملك حـق التـقـديس ولا يُـقـنع بصوابه أو بحسن اجتهاده في ضوء مـفاهـيم "إعمال العـقـل" و"درء السيئة بالحسنة" و"تحريــم قـتل النــفس" و"العـدل" و"الـحـق" و"العفو" و"المودة" و"الرحمة" و"التعاون" و"الجمال"... غير أن ذلك الاجتهاد البشري سائد بـقـوة العُـرف والعـادة النافـذين، تبلغ قوتهـما في مـداها التـقـديـس وفي سـطوتها الـقـتـل. وللأسف لا يرى ذلك السائد من التأويل البشري للتنزيل الإلهي، في المرأة سوى التـابع النّـاقص والعـورة الفـاتنة والخادم المُلبِّي لاحتياجات الرجل.

و للمرارة غدا وضع انحسار فـعـل الاجتهاد وانحصار آفاق التأويل القاصر للوحي الإلهي ـ بفعل التـقـادم التاريخي والبـؤس الحالي وسـيـاسات التجـهيل والإلـهاء التي تنهـجها الـدول ومؤسساتها وأجهزتها الاستخباراتية ـ في بعض المناطق والأقطار المنكوبة بأوهام "الجهاد المقدَّس" بمثابة "تفويض إلهي"، يمتلك بموجبه ذلك "الحيوان العاقل" فاقدُ البصيرة والبصر الذي يرى نفسه خليفة للإله على الأرض، "إلـهاً" ظالما يمتلـك بالطغـيان الأجـساد ويمثِّـل بها ويسفـك الدماء ويستـبيح الحـرمات ويقبض الأرواح ويحرق الأخضر واليابس ويحطم التاريخ والحضارة...

 

وضع المرأة في فترات النزاعات المسلحة والحروب

samar mahfod1تعاني النساء والفتيات تجربة النزاع المسلح بالطريقة نفسها التي يعاني منها الرجال والفتيان. فإنّهن يتعرضن للقتل، والإصابة، والإعاقة، والتعذيب. ويتم استهدافهن بالأسلحة ويُعانين من التفكك الاجتماعي والاقتصادي. كما يعانين من التأثير النفسي ويُعانين من آثار العنف قبل وأثناء وبعد الهروب من مناطق القتال. وكثيرًا ما يعرضهن للمزيد من الأذى والعنف. العنف القائم على الجنس والعنف الجنسي كالاغتصاب، والزواج القسري، والحمل القسري، والإجهاض القسري، والتعذيب، والاتجار، والاستعباد الجنسي، فالنساء هن ضحايا الإبادة الجماعية والعمل القسري.

يعرّف الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد النساء في مادته الأولى العنف كالتالي: “يقصد بالعنف ضد النساء أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل، أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء أوقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة “.

تعني عبارة “العنف ضد المرأة” أي فعل من أفعال العنف قائم على النوع الاجتماعي ويؤدي إلى أذى بدني أو جنسي أو نفسي للنساء والفتيات. ويشمل العنف القائم على النوع الاجتماعي والممارس ضد النساء (العنف الممارس ضد المرأة بسبب جنسها) أفعالاً موجهة ضد المرأة بسبب كونها امرأة أو تؤثر على النساء بصورة غير متناسبة.

ويتضمن العنف ضد المرأة:

ـ العنف في العائلة أو المنـزل

ـ العنف في المجتمع

كما يعرف العنف في الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، والذي وقعته الأمم المتحدة سنة 1993 بأنه ( أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ضد المرأة ، والذي ينجم عنه أو يخيّل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو جنسية أو نفسية للمرأة , بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية , سواء أوقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة ).

ونجد في التعريف العالمي توضيحاً شاملاً لما هو العنف الموجه ضد المرأة بحيث يتضمن التعريف الأفعال التي من شأنها إلحاق الأذى بالمرأة حتى لو لم تؤدي إلى ضرر.

أشكال العنف الموجه ضد المرأة ...

1- العنف الجسدي.

2- العنف النفسي.

3- العنف الجنسي.

4- العنف الاقتصادي.

5- العنف القانوني.

6- العنف المجتمعي.

7- العنف السياسي.

8- العنف الثقافي

اما الجزء الذي يحتاج الى دراسة اعمق فهو وضع المرأة في زمن النزاعات والازمات المسلحة

ـ العنف في النـزاعات المسلحة، الذي ترتكبه القوات المتنازعة والجماعات المسلحة على السواء، مثل الهجمات ضد المدنيين الذين هم في معظمهم النساء والفتيات في أغلب الأحيان والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي.

في أوقات النزاعات المسلحة سواء أكانت بين الدول أو داخل الدولة الواحد تكون النساء الأكثر عرضة من بين المدنيين للعنف ولانتهاكات حقوق الانسان من قبل الجنود أو المسلحين، ومن أوجه العنف الممارس على المرأة أوقات النزاعات المسلحة: تستهدف النساء سواء كضحايا للعنف الموجه ضد المدنيين أو الخطف أو القتل وقد يرتبط العنف بالتهديد الموجه لناشطات في الشأن العام وزعيمات سياسيات على يد قوات جهادية تستنكر عمل المرأة ونشاطها في الشأن العام وتعتبره مخالفة للعرف والتقليد المجتمعي.النزوح الداخلي واللجوء الخارجي : تتعرّض النساء أسوة بكافة المدنيين إلى ويلات النزوح في حالات النزاعات المسلحة وخاصة النزاعات والحروب الداخلية، وتعتبر النساء والأطفال الأكثر تضرراً في حالات النزوح والالتجاء إلى المخيمات اذ يتوجب على المرأة تحمل وطأة فقدان الممتلكات والسكن والإرهاق النفسي والجسدي خلال عملية النزوح وكثيراً ما تصاحبها حالات الخطف والاغتصاب ومروراً بالعيش في المخيمات التي تفتقر إلى أدني وسائل الراحة من مسكن ومأكل وندرة في الخدمات الصحية لأنها تفتقد إلى الخصوصية كالحمامات المشتركة والحشر في أماكن ضيقة وبأعداد متزايدة مع أناس غريبين عنها.تتعرّض النساء الى حالات الخطف والأسر والاعتقال من جانب الدولة أو القوات المسلحة وخاصة في صفوف الناشطات أو العاملات ضمن وحدات المساندة والدعم إلا أنّهن يخضعن لظروف نفسية ومعيشية قاسية مغايرة لما يتعرض له الرجال فإنّهن مهددات بالأذى النفسيّ والجسديّ كون مراكز الاعتقال غالباً لا تكون مجهزة لاحتياجات النساء وتراعي خصوصيتها والخوف من تعرضهن لاعتداءات جنسية داخل المعتقلات أو في ساحات المعارك.

وتؤدي النزاعات المسلحة إلى تأثير بالغ على حياة النساء. مثل تغيّر الدور الاقتصادي والاجتماعي، وتفكك الأسر، ، والقيام بأعمال شاقة يؤديها عادة الرجال مثل الزراعة وتربية الماشية ورعايتها، والهجرة إلى المدن لأجل العمل فيها. كما تقل فرص الزواج وتزداد العنوسة، وتقل فرص المرأة في اكتساب مركز اقتصادي واجتماعي,هذا وأدى انتشار النزاع المسلّح وتطوّر وسائل القتال إلى زيادة معدلات الخسائر في أرواح العسكريين والمدنيين. وأدى ذلك إلى زيادة عدد المفقودين والمشردين والأرامل من النساء، وهو أمر يؤثر على حياة النساء والمجتمع بوجه عام. فالترمل يغير الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للنساء في البيت والمجتمع المحلي، كما يغيّر من بنية الأسرة، وينال من الأمان الشخصي للنساء ومن هويتهن وقدرتهن. وتعاني زوجات المفقودين من المشكلات التي تعاني منها الأرامل، ولكن دون اعتراف رسمي بوضعهن، وهو ما يخلق لهن مشكلات معينة.

ويستخدم العنف الجنسي ضد النساء أو أفراد من عائلاتهن باعتبار ذلك من وسائل التعذيب وانتزاع الاعترافات والمعلومات ولجرح كبريائهن وإنزال العقاب بهن، وكثيراً ما ينظر إلى الاغتصاب كمكافأة للجنود والمحاربين.

وقد يحدث الاعتداء الجنسي على المدنيين والنساء خاصة في أماكن متعدد سواء في المنزل أو في مخيمات اللجوء وتستهدف النساء جنسيا من قبل الرجال سواء أكانوا مقاتلين أو مدنين، قوات عدو أو قوات صديقة لإشباع الرغبات الجنسية تحت تهديد السلاح وكثيراً ما تمرّ هذه الحوادث في أوقات النزاع دون إيقاع العقاب بمرتكبيها،.

من الخطأ التركيز على هذه القضية لأنّ مثل هذا التركيز على بُعدٍ واحد من قضية أوسع نطاقاً يطمس ويحجب العديد من القضايا الحرجة التي تهم النساء اللاتي يعشن خلال النزاعات، بما في ذلك التشريد القسري، واستهداف النساء ومعاقبتهن بسبب كونهن ناشطات أو بسبب أقربائهن من النشطاء الذكور، والدفع نحو الزواج المبكر أو الزواج بالإكراه أو زواج الأطفال بسبب عدم الاستقرار، وافتقار الفتيات والشابات إلى الأمن. تتضمن قائمة الانتهاكات أيضاً زيادة العنف الأسري ، والافتقار إلى فرصة الحصول على الطعام والمأوى والرعاية الصحية، وانقطاع التعليم، والاتجار بالنساء واستغلالهن ، وذلك من بين انتهاكات أخرى عديدة.

بما أن ظاهرة العنف ضد المرأة ظاهرة قديمة وكبيرة الاتساع منذ أن كانت في العصر الجاهلي تباع المرأة وتشترى، وتوأد في التراب وهي حية، فلا نتوقع أن يكون حل هذه الظاهرة أو علاجها آنيا وبفترة قصيرة. وإنما لابد من كونه جذريا وتدريجيا من أجل القضاء عليها أو الحيلولة إلى إنقاصها بأكبر قدر ممكن. وذلك عبر:العمل على تكوين مؤسسات تهتم بشؤون الاسرة توفر اماكن للمعنفين الذين لا يقبل اهاليهم الرجوع اليهم ويكون بهذه المؤسسات اخصائيون اجتماعيون واخصائيون نفسيون قادرون على العلاج النفسي وقانونيون للعمل على توضيح الحقوق القانونية للمعنفين والدفاع عنهم كذلك يكون لهذه المؤسسات فروع مكاتب للارشاد والتوجيه في مجال الاسرة وتعمل على نشر الوعي بين الاهالي لاهمية استقرار الاسرة.

ان واقع المرأة في تراجع نسبي كبير، يمثل مجمل التراجع في تقدم المجتمع المدني العربي. اذ لا يمكن تحقيق تقدم في قضية المرأة طالما ظل مجتمعها قبليا في مبناه وعلاقاته، ويحرمها من الحقوق السياسية المتساوية ومن فرص النمو والتعليم والتقدم في تطوير قدراتها الخاصة ووعيها، ومشاركتها في عملية التنمية الإنسانية والاقتصادية لمجتمعها.

فهل نتوقع، في اطار واقع متعثر مدنيا، ان نحرز تقدما في مجال انجاز نهضة نسائية واجتماعية تغير واقع المرأة، ويفتح امامها وأمام مجتمعاتنا آفاقا جديدة، وامكانيات أخرى تعمق دورها ومسؤوليتها؟ هل انتهت الظاهرة القبلية لقتل النساء بحجة شرف العائلة..؟ هل تقلص الاضطهاد المنزلي ضد النساء؟ هل انتهت الظاهرة من القرون الحجرية بتشوية الأعضاء التناسلية للإناث؟ لن أتحدث مجدداً عن الظلم والغبن الذي تعيشه المرأة في مجتمعاتنا، ولا عن القوانين العنصرية المتخلفة التي تظلمها,عنف داخل الدول نفسها ومنه عدم المساواة سواء بالعمل أو الراتب ومنع المناصب الكبرى عن المرأة ، تتعرض المرأة غالبا للاضطهاد الجسدي والجنسي، ، تطارد حتى في رزقها مما يجعل العكس هو الذي يحصل، التميز في التعليم، كما التميز في الوظائف، محاربتها في حقها بالتنقل. يضاف اليه االتمييز في المنزل وتفضيل الذكر على الأنثى منذ الصغر، وهذا التفضيل ينتج عنه اضطهاد وضغط على الفتاة منذ الصغر، وغالباً ما تكون الأنثى هي التي تبذل الجهد في المنزل. ناهيك عن التعرض دائماً لعنف جسدي ونفسي، الضرب والتلفظ بألفاظ مؤلمة لها. لا يجب أن ننسى زواج الصغيرات وما ينتج عنه من وأد لطفولة الفتاة الصغيرة إن العنف ضد المرأة هو عنف ضد الإنسانية عموماً وضد المجتمع والحياة الطبيعية، ولقد استشرى بطرق فظيعة، حول العالم الاجحاف ضد المرأة قد يكبر ويزداد إذا لم يحد من مصادره الكثيرة.. لا يكفي أن نقول إننا ضد زواج الصغيرات، ونغض الطرف ولا يكفي أن نكون ضد التميز، ونسمح بالتميز في العمل والمناصب وحتى بعض أحكام الحضانة.

وقد أثبتت التجربة أن القوانين الوضعية لم تتمكن من إعطاء المرأة حقوقها وحمايتها، وإن كانت ترفع الشعارات لصالحها.

ومن طرف آخر نشر هذه التوعية في المجتمع الذكوري أيضا، عبر نشر ثقافة احترام وتقدير المرأة التي تشكل نصف المجتمع بل غالبيته.

إن الدور التي تلعبه وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة في بث العديد من الثقافات إلى جميع المجتمعات سلبا أو إيجابا واضحة للجميع، لذا من الضروري تعميم هذه التوعية لتصل إلى هذه الوسائل لتقوم بالتغطية اللازمة لذلك.

ولابد من تضاعف هذه الجهود بالنسبة إلى وسائل التلفزة لحذف المشاهد والمقاطع التي توحي من قريب أو بعيد إلى تدعيم ظاهرة العنف ضد المرأة.

في يوم عيد االمرأة، ورغم العديد من المحاولات الجادة لحماية المرأة من العنف، فإن هذه الظاهرة لا تزال تبعاتها تتخطى كل التوقعات، خاصة بدول العالم العربي.

وأصبحت هذه الظاهرة أكثر سوءا مع انعدام الاستقرار السياسي واستمرار الحروب في المنطقة العربية، منذ بدء ما يسميه البعض بالربيع العربي

 

أن أكون امرأة

hyam qabalanحدّدت لي احدى الصحف كتابة مقال سيقرأ في مؤتمر نسائي في "الصين"، وسيترجم هذا المقال الى اللغة الصينية، الألمانية، والانجليزية والفرنسية،، وذلك بمناسبة يوم المرأة العالمي، وستقرأ كلمتي غيابيا لعدم تمكني من السفر .

جاء في كلمتي :" من الصعب أن أصف شعوري كوني امرأة ، وبأنني ولدت أمرأة وليس رجلا ، اذ يفصل بين اختياري وواقعي خيط رفيع يتأرجح بين القوة والضعف ، بين الجبال الشاهقة والمروج الرائعة الجمال المتكئة على حواف أنهار تحتسي الخوف تارة وتارة تتمرّد .أعود الى ذكريات ما تزال تسكنني ، حين كنت طفلة صغيرة تدرج في ساحة البيت تحيط بها أحواض الحبق ورائحة الزعتر وألوان تبهر البصر في حديقة غنّاء لا تعرف الذبول ، وأعود الى حيث الماء يحتويني ، هناك في رحم أمّي لم ير أحدهم نموّي من ساعة لساعة ومن يوم ليوم ، وبأنّ النهار كالليل وبالعكس ، وعندما فتحت عينيّ للمرة الأولى بعد الصرخة الأولى ، استطعت تمييز أمّي من بين الذين أحاطوا بي ساعة ولادتي و(الداية / المولّدة) في القرية تبتر الحبل السري ، ورأسي يطلّ متحسسا يدها التي كانت تمسح عن جبيني ووجهي ما نزفه الرحم ، فولادتي كانت مستعصيّة .تحولت علاقتي بأمّي لعلاقة بين أنثى وأنثى كلّ منهما تحمل نفس الألم والأمل ، الحلم ،والفرح ، المستقبل المرسوم والقدر المكتوب ، المجهول ،، والسراب .

شعور باللذة والانتعاش يغمرني كوني "مختلفة" شعور يمنحني امكانيات غير عادية أو مألوفة من تحقيق أعمال ربما يعجز عنها الرجال ، هذا ليس غرورا ،، انما الاحساس بامرأة تتجول داخلي ، تحلم وتتمنى وتصرّ على تحقيق الحلم ، فأكون المرأة الأفضل لدى قيامي بمهام ملقاة على عاتقي خاصة اذا كانت المهام صعبة ولا يتحمّلها الرجل .أدري أنّه من الصعب أيضا على المرأة أن تسبق الزمن وتصمد أمام عالم كبير ورحب ان لم تكن قوية وعنيدة ، وبرأيي امرأة كهذه يجب أن تتسلّح برجلين صلبتين وجسد من حديد لأنّ كلّ صغيرة وكبيرة تواجهها ستؤدي الى معاناة وألم وخوف من المجهول والمستقبل ، من استمرارية تنفيذها المهام الصعبة التي تعترض طريقها في البيت مع العائلة أو في العمل والمحيط ،...وحتى أكون امرأة يجب أن أتحلّى بالرّقة والتسامح والتنازل ، وبالصمت وغضّ النظر ، حتى أستطيع العيش داخل مجتمع كمجتمعي ،، !

انّ المرأة بطبيعتها تملك مشاعر جياشة ، فهي محبة للآخرين ، تتصرّف حسب مشاعرها ، قلائل هنّ النساء العربيات اللواتي لا ينجرفن وراء القلب والمشاعر ، وبهذا انتصار ربما للرجل وخاصة الشرقي المتسلّط بطبعه ، عصبيّ المزاج ، يفقد أعصابه لأتفه الأسباب وعلى المرأة أن تتحمّله فهو نتاج تربية لعقلية قبلية متوارثة ، حتى اليوم ما تزال المرأة تعاني من نفسية مكتئبة نتيجة عدم قدرتها على التعبير والمواجهة ، وقد يكون هذا من الأسباب المتعددة التي أخّرت من تقدّم المرأة العربية ونيلها حريتها الفكرية على الصعيدين الاجتماعي والسياسي .

حتى أكون امرأة يجب عليّ أن أتحوّل لطفلة مطيعة ، ناعمة الملمس ، بريئة ، نقية ، تحمل على ظهرها خطيئة العالم ،وتتخلّى عن أحلامها التي خبّأتها عمرا تحت الوسادات المرتعشة وفي صندوقها السريّ بين الحلى والجواهر ، وورقة الرباط المقدس ،، وخواتم الملح .

أنا فخورة كوني امرأة ، أشعر بلذّة المعاناة ،فالوضع لن يكون مختلفا لا الآن ولا غدا ولم يكن بالماضي ، اذ أنّ الوضع لا يختلف ان كنت ربة منزل هنا أو هناك ، الاختلاف هو أنّ المرأة العاملة خارج بيتها تواجه صعوبات جمة ومشاكل كثيرة قد لا تواجهها المرأة القابعة في البيت والتي تملك الوقت والراحة الجسدية والنفسية أيضا ، لا يسيطر عليها الاحساس بالضغط منذ الصباح حتى عودتها للمنزل ، المرأة العاملة لا تفكر فقط بأولادها وعائلتها بل الأفكار المتشابكة تغلّف وجودها ، تحيط بها من كل صوب ، يكفيها الاحساس بواجبها نحو عملها والمحيطين بها . انّ همزة الوصل بين عالم المرأة في البيت وخارجه من الأسباب الكافية لحيرتها وتواجدها داخل اطار لا يمكن التخلي عنه بسهولة وهو التفكير بغيرها من الذين تقابلهم يوميا وتتعامل وتعيش معهم ساعات طويلة خلال اليوم . على المرأة قبل كل شيء أن تحمل " دستور" التضحية وتعلّقه فوق رأسها في غرفة نومها ، تقرأه قبل النوم وفي الصباح : أن تؤمّن لعائلتها أسباب الراحة ، من جو مريح وبيت نظيف وأكل صحيّ ، وبعدها يأتي دورها في مواجهة العالم الواسع الذي يفرض عليها الصمود ويمنحها الفرصة الأخيرة بالتفكير بنفسها كانسانة تملك حقوقا كغيرها تماما ، هذه الفرصة تأتي في آخر درجات السلم حيث تتعثر بثيابها الفضفاضة لدى صعودها أول درجاته نحو الرقيّ والمواجهة .

كوني امرأة أحلم بمجتمع متطور ، متفهم لأفراده باختلافهم ، في اللون والدين والجنس ، أحلم بتقدم تكنولوجي وبثقافة عالية وتطور يلحق بركب الحداثة في جميع المجالات ، وأن أكون امرأة يعني : الحرب بين الفرح والألم ، بين الأحلام المحلّقة بأجنحتها وبين المعاناة والخوف من الآتي ، فمخيف هو الشعور بالوحدة والغربة حين تكون الفجوة بين الأحلام وتحقيقها كبيرة ، بودي أن أكون امرأة مستقلة ، لا أعيش تحت أي سلطة تدعوني لكسر عصا الطاعة ، ورميّ الدستور في سلّة المهملات ، لأنها الحرب التي لن تنتهي ، فالرجل لا يمرّ بحالات استثنائية تواجه المرأة ، كالولادة مثلا وتحمّل الآلام ، وهي مهمة تؤدي الى أعراض مستقبلية لا تحدث للرجل من ضعف الجسد والقوة والمجهود أثناء تقدمها بالسن اضافة لأعمالها المنزلية والسهر في مراحل التربية المبكرة لأطفالها ونموهم الجسدي والذهني ، مقارنة بالرجل الذي يحافظ على جسده القوي فيواصل أعماله بشكل طبيعي وحيوي ولائق.

من الخطأ والخطيئة أن ينسج المجتمع من جيل الى جيل فكرة أن المرأة ولدت لتكون أمّا ، محبة ، حنون ، تحافظ على أسرتها وتخلص لزوجها ولذويها ، تضحي من أجلهم جميعا وتتخلّى عن مركزها الاجتماعي من أجل زوجها وأسرتها .

انّ المرأة العربية وفي أيّ مكان مخلصة ، تضحي بروحها وتحافظ على العلاقة الأسرية ، وفية لزوجها حتى بعد وفاته محاولة المحافظة على ارتباطها بعائلته ، فتعيش على ذكراه ، تغوص في سرير من الفراغ النفسي والجسدي ، ذكرى الوفاء والخوف من المجتمع ، من الثرثرة والقيل والقال وحياكة الحكايات المختلفة ، المرأة الشرقية هي رمز للتضحية ، تضحي بأحلامها من أجل اسعاد أسرتها وتمرّ الأيام فتنسى نفسها وتعيش داخل وهم من الأمل حتى موتها .

ما يثير دهشتي هو ما يجري الآن من (ثورات عربية ربيعية) انطلق فيها صوت المرأة عاليا مطالبا بالحرية ، ولم تكن الحرية بمنأى عن تفكير المرأة سابقا ، لكن اشتعال الشرارة الأولى للثورة أسرعت في هذا التلاحم بين المرأة والرجل وما يثلج القلب نزول المرأة الى الشارع للتعبير عن نفسها ككائن لا يختلف بحقه عن الرجل ، وأن مشاركتها بملحمة الدفاع عن الشعوب الثائرة لم يكن مطلبا انما كونها المرأة ، الأم والأخت والصديقة والحبيبة ، ومن هنا أتوقع بداية لثورة جديدة فيها قد تطالب المرأة بالاعتراف بصوتها الهادف سياسيا واجتماعيا وثقافيا وأعتبرها أنا شخصيا نقطة التمفصل الحركي الذي سيؤدي الى حراك قريب تشارك فيه المرأة مع الرجل من أجل حرية الانسان والشعب واسترداد كرامة الوطن ومجده وتاريخه ، ولن يتحقق النجاح بحراك المجتمع الاّ بوقوف المرأة جنبا الى جنب مع الرجل وليس وراءه ..!

الإرهاب ضد المرأة

asmaa mohamadmustafaثمة كم هائل من الموروثات السلبية التي تغلب سلوكيات البعض من الرجال، او بالأصح الذكور، تجاه المرأة، من غير أن يتوقفوا مع ضمائرهم لحظات، ليفكروا بأنّ المرأة مخلوق له حق الحياة بكرامة وبما يتناسب مع إنسانيتها .

المشكلة بالأساس تكمن في الوصاية التي يتعامل بها ذلك البعض مع المرأة، حتى لو لم تكن فردا من عائلته، فهو يفرض نفسه وصيا حتى على الأخرى التي لايمت لها بصلة أيضا، فنراه يحاول فرض سيطرته عليها وهو مالايحق له، ويتعامل معها ومع أفكارها بسخرية وتهكم أحيانا، ويحاول التقليل من شأنها وشأن أي عمل تقوم به او تبدع فيه، ويتحرش بها في الشارع مع إنه لايرضى بأن تتعرض بنات أسرته للتحرش .

المفارقة أن بين هذا الكم غير الواعي من الذكور أصحاب شهادات عليا للأسف يتوهمون أن المرأة بلاعقل وأنها وجدت لإرضاء الرجل وإشباع رغباته فقط .

هؤلاء يحاولون تقييد المرأة ووضعها في زاوية ضيقة تروق لمخيلاتهم المريضة، لأنهم وعلى مايبدو، يخشون المرأة، فالرجل الحقيقي، القوي، المبدأي لايخشى المرأة بل يساندها ويدفعها الى الأمام من خلال دعمه المعنوي لها، ويعدها شريكا حقيقيا له .

نأتي الى مسألة استخدام التكنولوجيا او ماأتاحته من مساحة حرية واسعة جدا، لها جانبان : إيجابي وسلبي، ومايهمنا هنا هو الاستخدام السلبي او السيء . هؤلاء الذكور المتخلفون يسمحون لأنفسهم بالتضييق على حرية المرأة وحقها في استخدام الأنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، فنراهم يتجاوزون الحدود معها ويرسلون لها رسائل او صورا خادشة للحياء، وإذا لم تستجب لأغراضهم الدنيئة قاموا بمضايقتها أكثر من خلال الألفاظ غير اللائقة والإتهامات الجاهزة الموجودة في عقولهم المريضة .

ترافق هذه الظاهرة ظاهرة قبيحة أخرى برزت مع دخول الأنترنت الى العراق، هي محاولة البعض تسقيط الآخر إذا مااختلف معه، فيقوم بتشويه سمعته عبر المواقع الألكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وهو امر يتعرض له الرجال والنساء، لكن تأثيره على المرأة أشد بسبب حساسية وضعها في مجتمعاتنا .

هذا الإرهاب الألكتروني او الفيس بوكي تصدت له صفحة بعنوان : " معاً لفضح إرهاب فيس بوك ضد النساء "، اجتذبت مؤيدين، وتعرضت أيضا لهجوم وتهديدات من معارضين، وهم ينقسمون الى فئتين باعتقادنا : فئة مسيئة مليئة بالعقد تقف ضد المرأة وتنظر اليها على أنها سلعة وتابع، وأن وجودها في شبكات التواصل الاجتماعي لابد أن يكون لسبب غير أخلاقي، من وجهة نظر مريضة، وأنها بالضرورة تريد إقامة علاقات مع الرجال عبر استخدامها هذه المساحة التكنولوجية، وهذه هي نظرة الإنسان الفاسد الذي يحكم على الآخرين من خلال سلوكه الشائن، وهي كذلك نظرة الشخص المتخلف الذي ليس له عقل يميز .

الفئة المعارضة الأخرى تضم أشخاصا لايفهمون أهداف تلك الصفحة، وبالتالي يحكمون عليها من خلال منشوراتها التي تفضح سلوكيات البعض بنشر رسائل يبعثها سيئون الى النساء، متصورين جهلاً أن تلك المنشورات تحرض على تخريب الأخلاق من خلال مايرونه فيها من عبارات غير لائقة هي بالأصل محتوى الرسائل الموجهة من أشخاص ضالين الى نساء، جرى نشرها بقصد فضحهم وليس ترويج الألفاظ البذيئة . وقد تعرضت القائمات على الصفحة الى تهديدات بالقتل، ولربما تكون من مراهقين ومجرد حبر على ورق للترهيب فقط، وربما لاتكون كذلك .

نحن مع أن تأخذ المرأة حقها بنفسها، لكننا أيضا مع وقوف الأسرة مع المرأة التي تعنيها ، حين تتعرض لإساءة، بأن تتصدى للمسيء، لا أن تطلب من المرأة أن تنزوي وتبتعد عن الأنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي حفاظا على سمعتها وراحة بالها . إن الإنسحاب والانزواء وترك الساحة للمسيئين لن يحل المشكلة، مايتطلب شجاعة ومقدرة على المطاولة الى أن تحصل المرأة على الأمن في العالمين الواقعي والافتراضي .

حقيقة ينبغي للضالين والمتخلفين والمسيئين أن يفهموها وهي أن المرأة مخلوق إنساني له قيمته الكبرى في الحياة، وأن الأرض خلقت لها مثلما خلقت للرجل، وعليهم إعادة التفكير في وصايتهم المَرَضية التي تحركهم في تعاملهم معها، إذ إن هذه الوصاية نوع من الإرهاب الذي يمارسونه ضدها، يحاولون به أن يتحكموا في تفكيرها وكلامها وطريقة لبسها وعملها وخياراتها في الحياة .

الأسرة متهمة هي الأخرى بأن لها يداً في الإرهاب ضد المرأة، فهي مسؤولة عن التربية، وينبغي للوالدين أن يكفا عن التعامل مع أبنائهما على أساس أفضلية الولد على البنت، بل عليهما أن يقوما بتوعية الابن الذكر منذ الصغر بأهمية وجود بنت في الأسرة، ويعلماه أن لايتحرش بالأخريات وإنما يحترمهن، حتى يعرف كل واحد حدوده .

هذا مانطالب به الأب المتعسف مع بناته، والأم التي تقف ضد ابنتها لمصلحة ابنها، حقا او باطلا . وهذا النوع من الأمهات الذكوريات ناجم عن الموروثات السلبية والاعتقادات المخطوءة، نضيف لها التشجيع المستمر من المجتمع للذكر كي يسيء الى الأنثى، وإن كان تشجيعا غير مباشر، هذا كله خلق ذكورا بلاضمائر ولاعقول، وجبناء يستخدمون عضلاتهم ضد المرأة فقط ما أسهموا في نكوص المجتمع الى الوراء .

لكننا في الوقت نفسه لاننكر وجود رجال إيجابيين متفتحي الذهن ومتحررين من الرواسب المتخلفة، يحترمون المرأة، وهم بالمقابل يستحقون التقدير والاحترام منها، لاسيما أن منطلقهم في الاحترام أنها هي التي ولدت الرجل .

سبَايَا داعِش .. نِساء من عالم آخر!

yasamyna hasybiليس العنف القائم على التمييز الجنسي في الحروب شيئا جديدًا على مجتمعاتنا بل هو جزء لا يتجزأ من التاريخ العربي وقد تمّ التعبير عنه بالرقّ والسّبْي ليصبح مرادفا لإهانة جسد المرأة وترسيخا لعادات المجتمعات الجاهلية في الغزو والغنيمة.

ومجيء الإسلام لم يُلْغِ الرقّ كما هو الشأن مثلاً لظاهرة وأد البنات بل قيّده بشروطٍ، وشجع على ثواب عِتق الرقاب وتحسين معاملة السبايا والأسرى ووجوب الإحسان إلى مِلك اليمين والإرتقاء به من "الشيئية" إلى الإنسانية.

ولهذا، وعلى أساس عدم إلغائهِ، تبارى الفقهاء و"أدعياء الفقه" في إخضاع النصوص القرآنية فيما يخص الرقّ لتأويلات اجتهادية "ذاتية" يُــوَلِّفونَها بتوْلــيفة إجتماعية لتساير مقاصد الزمان ومصالح الغزو والحروب وتخدم الغرائز والشهوات.

وظلتِ العادات الجاهلية في سبْي النساء هي السائدة رغم الإسلام، (إلا فيما ندَرَ)، وعُوملتِ المسْبيات على مرّ التاريخ، كمتاع تابع للرجل، بل اني لا أبالغ حين أقول بأن أعداد السبايا تزايدَت بفعل الفتوحات الاسلامية، وهذه حقيقة لا استنكار لها في كتب التراث والتاريخ.

ومع أنه في عصرنا انتهت أسباب الرّق بموجب معاهدات حقوق الانسان، إلاّ أن هذه "التأويلات الفقهية الذاتية للرّق" أصبحتِ اليوم اعتماداً ومرجعًا لأمراء التنظيمات التكفيرية ويسّرتْ لهم السّبيَ بما يوافق الجهل بالرسالة السامية للإسلام وبما يخدم مصالحهم السياسية والغرائزية، فاسترقّوا النساء كغنائمَ حربٍ تُشَيَّئُ، تباع وتشترى دون مراعاة لإنسانيتها.

ويشهد العالم اليوم، ونحن في القرن الواحد والعشرين، جرائما مخجلة في حق المرأة على أيْدي فاقِدِي الإنسانية والضمير من التكفريين الذي يصفون أنفسهم بالإسلام -دون غيرهم- والذين استغلوا الوضع المزري في الأوطان العربية بعد ما سُمي -كذبا- بالثورات وانتهزوا الأوضاع السياسية الفوضوية لإهانة المرأة في جسدها وفي إنسانيتها ولتصعيد العنف ضدها بشكل مطرد، جاعلين منها "أداة تغرير" بالشباب الضائع بغية انضمامهم إلى التنظيمات التكفيرية، يروجون للجنس ويعلّلون ممارساتهم بتأويلات محَرَّفة لمفهوم "الجهاد في الإسلام".

ممارسات ليست في حقيقتها سوى تأويلات شهوانية محكومة بضوابط "مشرعنة" من شيوخٍ غيّبوا مفهوم الإسلام الصحيح ليتماشى وفق إيديولوجيات وتوجهات تمنحهم المصداقية لإحياء الاستعباد.

ورأينا هوْل ما يفعله هذا الفكر التكفيري بالنساء في مناطق خاضعة لسيطرته، خصوصًا في نساء الأقليات بما لا يتفق مع أخلاقيات الإسلام أو مع المعاهدات الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والتي تعتبر ممارسة الرق جريمة، حيث قُدمت تقارير من مجلس حقوق الانسان عن قتل أزواج السبايا وأبنائهن وبيعهن كمِلك يمين، وعن الاغتصاب الجماعي لغير المتزوجات بغض النظر عن بلوغهن من عدمه وتزويجهن قسرًا أكثر من مرة في إنكار فاضح لإنسانية المرأة التي كرمها الله وجعل أصلها الحرية وليس الرقّ.

بل الأسوأ من هذا، تطالعنا كل يوم بيانات للتنظيم التكفيري بخصوص السبي والرقّ، توزع في المساجد على من يدّعون "الجهاد" كهذا البيان الذي لا يمكن للعقل السليم ان يستوعبه:

"سوق بيع النساء والغنائم شهد انخفاضاً كبيراً، الأمر الذي أثّر على إيرادات الدولة الاسلامية وعلى تمويل صولات المجاهدين فيها، لهذا ارتأت هيئة بيت المال وضع الضوابط والأسعار بخصوص بيع النساء والغنائم"

مما يجعلنا نطرح السؤال مشدوهين: في أي زمان نحن بالضبط؟

وهل وصل الحدّ إلى وضع "تسعيرة" لكل امرأة وِفق عمرها في وثيقة بعنوان "أسعار بيع الغنائم"؟

إنها وصمة عار في تاريخ البشرية الحديث!

 

المخجل حقّاً..

هو أن هذه المجاهرة الفاضحة للتنظيم التكفيري داعش بممارساته الاجرامية في حق النساء لم تلقَ من العالم الإسلامي والغربي ومن الامم المتحدة سوى التنديدات النظرية رغم كمية التقارير الموثّقة والصادرة عن المنظمات الانسانية ومجلس حقوق الانسان.

وبالرغم من أن اتفاقية جنيڤ الخاصة بالرّق لعام 1926 تعتبر أن:

"أسر شخص ما واحتيازه وبيعه أو مبادلته والتخلي عنه للغير"(المادة 2 ) جريمة يعاقب عليها القانون.

وبالرغم من أن القانون الدولي يُحَرّم جرائم الاضطهاد والاسترقاق أو العنف الجنسيّ وبيع النساء أو إرغامهن على الزواج القسري وفقاً للمادة 23 من الشرعية الدولية الخاصّة بالحقوق المدنية والسياسية..

وبالرغم من ان الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلنت في 2002 أن يوم 2 ديسمبر هو "اليوم العالمي لإلغاء الرقّ"..

إلا أنه ولحد الان، ما زالت المحكمة الجنائية الدولية تتلكأ ولأسباب سياسية في ملاحقة التنظيم التكفيري داعش وكأن سبْي النساء واغتصابهن وقتلهن وبيعهن ليس كافيًا للإدانة الجنائية.

 

فأين هو ضمير العالم؟

ولماذا يقف المجتمع الدولي موقف المتفرج على جرائم السبْي والقتل التي تُرتكب باسم الإسلام في حقّ النساء بالمناطق المنكوبة على نطاق غير مسبوق؟

جرائم يعتبرها التنظيم التكفيري داعش تكتيكًا وحرباً نفسية ضد الحكومات العربية والدولية!!

 

كيف لنا في ظلّ هذا الشكل من "الرقّ الحديث" بالوطن العربي، أن نتحدث عن "اليوم العالمي للمرأة" وعن منجزات الثورة والديمقراطية والحريّة التي أحرزتها المرأة على سبيل مشاركتها للرجل في التفعيل السياسي والاجتماعي في الوقت الذي تباع فيه النساء بـ 200 دولار او أقل في سوق الرقيق وتُوزع كغنائم حرب بإسم الإسلام؟

 

فعوض أن يُرفع الحيف عن النساء في المناطق المتضررة بسبب كذبة اسمها "الربيع العربي"، أصيبتِ المرأة، وأُصيبَ معها المجتمع الانساني بهول هذه "النكبة"، ودفعت وما تزال ضريبة "الثورات العربية" من كينونتها الانسانية في ظل أفكار إيديولوجية تكفيرية ونظرة مشوهة للنساء من قِبل التنظيمات الأصولية المتطرفة.

فمتى سيتحرك المجتمع الدولي لإيقاف هذه الجرائم الفظيعة على أرض الواقع ويحمي المرأة في مناطق النزاع المسلح من الخطف والاغتصاب والسبْي والقتل والتزويج القسري؟

متى ستعلن الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان والهلال الاحمر تضامنا فعليا ولامشروطاً مع السبايا على أرض الواقع وبذل مجهود جاد و"عاجل" من اجل تحرير المختطفات وانقاذ حياتهن عبر أحكام جنائية دولية تلاحق هذا التنظيم التكفيري وتدينه بجرائم حرب ضد الانسانية؟

 

وفي انتظار أن يحصل ذلك..

ما تزال الحكومات العربية تتناحر فيما بينها من أجل المصالح السياسية وما زال مستقبل المرأة مجهولا في خضم هذا السقوط الهائل في مستنقع الرق والعبودية.

سقوط يعززه غياب فاضح للقوانين التفعيلية والصارمة ضد هذه الممارسات الاجرامية وانعدام أو ندرة في برامج المساعدات الإنسانية بهذه المناطق المنكوبة اضافة الى عدم توفير الدعم المعنوي والنفسي لهؤلاء النساء المسْبيات والمغتصبات في ظل نظرة سلبية للمجتمع إزاء ضحايا الاغتصاب.

 

لكن، من المؤكد طبعاً..

أن المنظمات النسائية العربية على اختلافها لن تألو جهدًا للاحتفال باليوم العالمي للمرأة.

وستتحدّث سيدات أنيقات يجلسن وراء مكاتبهن الفاخرة باسم المرأة في الوطن العربي، في الوقت الذي تعاني فيه نساء بالعراق وسوريا وليبيا وبكل المناطق الخاضعة للتنظيم التكفيري المتطرف والمدعم من حكومات الإرهاب، من صمت عربي ودولي مستهجن وكأنهنّ نساء من عالم آخر!

 

ياسمينة حسيبي

 

المرأة تحت وطأة الجرم المغلف بالاسلام

ayat habaتتعرض المرأة اليوم لكثير من مظاهر العنف، بدءاً من الاغتصاب الجماعي، والجماع بالإكراه، مروراً بالحمل والاجهاض غير الامن، وانتهاء بحوادث التمثيل بجسدها والقتل امام اولادها او زوجها او ابوها (مغتصبات مسبيات) ضحايا لا ذنب لهن، بحاجة لرعايتهن صحياً ونفسياً وماديا، ولأن معاناة المرأة التي تعرضت لعنف جنسي لا تحصى بل ان الآثار الناجمة عنه اكثر منها القلق المزمن، وفقدان الثقة بالآخرين، واضطرابات صحية ونفسية متعددة، كالاكتئاب العميق، والاضطرابات الطمثية والآلام الحوضية، وآلام الجهاز التناسلي وحالات الكآبة المؤدية الى الأفكار الانتحارية‏ كل ذلك سيؤثر على حياتها المستقبلية، وتنعكس سلباً على صحتها الجسدية والنفسية، والعاطفية والجنسية، ولهذا السبب كثير منهن يبقين بلا معيل، والقليل منهن من يحظين بفرصة الزواج...‏

 ومع غياب الباعث السياسي او ضعفه، فقد اصبح (الاغراء والترغيب) وحالة الهياج الجنسي المتوحش اُسلوب اتبعته التنظيمات التكفيرية لكسب المزيد من المقاتلين الى صفوفها، حتى نجحت في خلق بيئة ثقافية جديدة يكون فيها الحصول على (سبي) من النساء الهدف الاسمى والأعلى لتحقيق غايات المنضمين تحت لوائها من مقاتلين متعددي الجنسيات وعوامل مساعده لجذب المزيد من الانصار.

ومع ان (التوحش الجنسي) و(سبي النساء) خلق حالة من الإنكار والرفض سيطرت على المجتمع المسلم حيال هذه الممارسات والافعال التي لا تمت الى الدين الاسلامي والمجتمع الاسلامي بصلة وانتج حالة من التفاعل المجتمعي الإيجابي الذي بدا في الفصل بين الدين الاسلامي الرحيم المحمدي وبين دين المذاهب التكفيرية المتوحشة التي استخدمت الاسلام غطاء لتمرير مشاريعها وأجندتها مما دفع الكثير منا الى الدعوة لمراجعة موروثنا الديني والتشخيص عن اي اسلام نتحدث؟؟

ان استحضار الموروث الديني والثقافي كان اللبنة الاولى لتبرير عمليات سبي النساء وبيعها مثلا، فما زالت بعض المساجد ودور العبادة تفتخر بالفتوحات الاسلامية بعد الرسول والتي بلا شك كانت الاطماع محركها الأساسي في الحصول على المزيد من الارض والمال وسبي النساء وإرغام اَهلها على الخضوع والتبعية.

ان لوم (داعش) والجماعات التكفيرية ومحاولة فصلها عن تاريخنا وموروثنا فيه الكثير من الإجحاف ومجافاة الحقيقة، فمازال الفقه الاسلامي بمختلف مذاهبه يجيز مثل هكذا ممارسات ضد كل ما هو غير مسلم، كما ان تاريخ ما بعد الرسول الاكرم والحروب والفتوحات والارهاب والترهيب الذي حصل حتى بين المسلمين أنفسهم وحادثة كربلاء خير برهان على ان ما يحصل اليوم هو امتداد لما حصل بالأمس.

وإذا ما سلمنا بما يذهب اليه فريق من المسلمين من تفسيرات تبرر حالات السبي حسب الروية الفقهية الاسلامي كما جاء :(اولا: الإسلام لم يشرع سبي النساء، بل هو نظام كان يتبع به قبل الاسلام، وقد كانت له مصادر كثيرة تسترق بها النساء، فحصرها الإسلام بمصدر واحد وهو القتال المشروع مع الكفار. وان سبي النساء الكافرات من قبَل المسلمين قد يجر عليهن خيراً عظيماً، اولها الدخول فيدين الله اضافة للمال والعلم مثال على ذلك صفية بنت حيي بن اخطب وجويرية بنت الحارث وقد كان سبيهما في ان يتزوج النبي صلى الله عليه واله وسلم بهما، اي شرف ممكن ان تحظى به السبايا في عهد النبي. وللعلم لم تسبى النساء في الإسلام لمجرد كفرها، بل تسبى المقاتلات للمسلمين في المعارك آنذاك، والمهيجات للكفار على القتال.

ثانيا: إذا أُسرت المرأة مع زوجها وصارا في ملك رجل واحدٍ من المسلمين: فإنه لا ينفسخ عقد الزوجية بين تلك الكافرة وزوجها ويبقيان على عقدهما، وهذا عكس ما يحصل في ايامنا هذه. ولا يجوز للمسلم أن يجامع المرأة المسبية مباشرة حتى يستبرئ رحمها، فإذا كانت حاملاً فبوضع حملها، وإذا كانت ليست حاملا فبحيضة واحدة).

ان تجفيف منابع هكذا أفكار دموية متوحشة تحتاج منا مراجعة شاملة لموروثنا الديني يكون القران منطلقه والعقل اساسه، لتشخيص مكامن الضعف والهشاشة التي استخدمتها هذه القوى التكفيرية ومن يقف خلفها في استقطاب المئات من المجرمين المستعدين للموت بدافع ديني غريزي ففي الحياة الدنيا نساء مسبيات (استغلال النساء تحت غطاء الاسلام وجعلهن عبيد جنس يجري بيعهن لمن يدفع أكثر اضافة الى جبرهن على العمل الاعلامي عبر الفيس بوك لاستقطاب اكبر عدد من الشباب للتنظيم الداعشي الشاذ) وفي الآخرة حور عين جميلات.

 

د. آيات حبة

 

ضيفات شرف

hala moradحزني على امرأةٍ وجودُها في بيتها كضيف الشرف، عليها واجبُ خدمةِ الزوج والأولاد ولا حقَ لها في استضافة والدها العاجز لأيامٍ قليلة تتقاسمُ خدمته مع أشقائها، الحجة أنها امرأة وأن أشقاءها الذكور أولى بخدمته، هل يفرّق الوالدُ في محبتها عنهم حين تغرد له أول تغريداتها؟ هل يميزها في مشاعر الخوف وهي في عز المرض؟ وهل حرمانُها من رعاية والدها العاجز هو تكريمُ من زوجها لها؟ لوالدها؟ أم تدعيمٌ لفكرة مجتمع ذكوري لا يستحق سوى الوأد!...

هل لهكذا امرأة أُطلق يومٌ سموه يومَ المرأة؟

لأول مرة أقول إن المراة الحاضرة باستقلاليتها المالية تحررتْ فعلا من هكذا ذكور لتكونَ كل أيامُ العام ملكها، ودام عزكم يا عجائزنا ولا أذلكم الله.

 

في العالم العربي هناك: أنتَ وهو وهم، وهناك: أنتِ وهي وهن، وهناك نحن، لمَ تتخبط الحياة بنا؟ طبعا بسبب عدم اعتراف الحق لكل صاحب حق؟

اليوم يوم المرأة العالمي أو العربي؟ لا أعرف...

لكن أعرف أنه برغم وصول المرأة فعلا للكثير من حقوقها ورغم تخطيها الرجل باقتناص الفرص منه لكن هناك صبايا كثر في عدة مدن عربية ما زال الأخ يحرمهن من حق التعبير ومن حق الإرث.

مازال الزوج يحرمها من حق حضانة الأهل العاجزينبحجة شقيقها أولى برعايته العاجز رغم أنها سترث بعد وفاته وسيتابع هذا الزوج عملية الإرث المنتظر.

مازال الأب يحرمها من حق التعليم واختيار الزوج.

وما زال الابن يتولى ربما ولاية أمرها ويحرمها من حق الطلاق من أبيه.

ومازال ومازال...

في العالم العربي رجالٌ كثر ما أخذوا حقوقهم ولا نالوا بعضها، لكن هناك نساءٌ كثر اضطررن لأخذ دور الرجولة لحماية أنفسهن من سلطة الرجل الظالم..

يا رجال العالم رفقا بكم وبها وبهن ولكم أقول المرأة حاضرة ٣٦٦ يوما مع الأيام الكبيسة ههههه، وهذا مقالٌ أشاكس فيه الرجال لأشير إلى أنني غير مقتنعة أبدا بفكرة وجود يوم عالمي للمرأة لأنه تأكيد على أنها مهمشة باقي أيام العام والمرأة - أكرر - حاضرة وحاضرة دوما.

هو مؤذي أن تكون المرأة مجرد ضيفة شرف في بيتها حقوقها غير واجبة مع وجوب فرائضُها، مؤذي أن يكون في القرن الحادي والعشرين رجل يُصدر قرارا ولا يناقشه معها قبل أن يصدره كفرمان لا تراجع عنه.

المراة الأم تحاور ابنها وتناقشه وتنسق معه هل يعقل لها أن تصبح أسيرة أحكامه حين تعجز؟ في هذا اليوم أقول لكل الرجال والنساء فكروا بعجائزنا فإنهم نسجوا لنا حرير الحب ولا بد أن نكافئهم بمثل ما نسجوا.

 

هلا مراد

 

سبيّ النساء في التاريخ

adnan aldhahirهل ظاهرة سبي النساء، بنات حوّاء، هي ظاهرة جديدة أفرزتها الرأسمالية والعولمة وتوابعهما من إرهابيي القاعدة وداعش؟

كلاّ، قطعاً كلاّ، وسأحاول تتبّع مسار هذه الظاهرة بدءاً من الميثولوجيا الإغريقية في بلاد اليونان بلاد سقراط وأفلاطون وأرسطو حتى يومنا المشؤوم المأزوم هذا.

لماذا تُسبى النساء ؟ تُسبى بنات حوّاء لأنَّ المرأة جميلة ولأنها ضعيفة جسدياً وفسيولوجياً وبايولوجياً ثم إنها وعاء وحوض لزرع وإنجاب المزيد من الرجال الأقوياء السابين والنساء الجميلات المسبيات. تُسبى لتُقتنى كأية قُنية ثمينة جميلة يتفاخر بها سابوها ومن باعها أو أهداها ومن اقتناها جاريةً في قصوره ترقص وتغني وتعزف وتقاسمه فراشه حين يرغب هو السيّد والمالك المُطاع. وحين تتقدم السنّ بها يبيعها في أسواق النخاسة والإتجّار بالجنس والرقيق أو يهديها بضاعةً من الدرجة الثانية أو الثالثة

Second Hand

لمن يشاء من عناصر حاشيته أو الأصدقاء المقرّبين.

إنها ظاهرة ذات وجهين : فروسية وبطولة الناهب والسابي ثم حيازة واقتناء " دُمية " جميلة تزيّن قصور سابيها وتبعث فيها روح المرح والطرب من رقص وغناء وبهجة.

الإغريق وسبي النساء :

قصة ولوحة خطف ( سبي ) باريس لهيلينا قصة معروفة سواء في الميثولوجيا الإغريقية أو في عالم الفن حيث تزيّن لوحة الخطف هذه جدرانَ بعض المتاحف العالمية وقد رأيتها بعيني ذات يوم قبل عقود ربما في متحف اللوفر في باريس أو في المتحف البريطاني في لندن أو في بعض المتاحف النمساوية وربما رأيتها في متحف المتروبوليتان الأمريكي للفنون الجميلة في نيويورك. خطف هيلينا هي عملية سبي للمرأة لأنها اُختطفت جبراً وغصباً وعلى الضد من رغبتها وبخلاف قرارها الشخصي وإلاّ كيف يكون السبي وما تفسيره ومغزاه ؟ بدأ السبي منذ قديم الزمان وأسست له حضارات سبقت الدين الإسلامي وداعش بآماد وقرون طويلة.

ما كان وضع المرأة في أزمان إمبراطورية وأباطرة روما ؟

ليس لديَّ حول هذه المسألة إلاّ القليل من المعلومات أفادني بها بعض المختصّين بتاريخ روما قبل وبعد اعتناقها للديانة المسيحية. قالوا : كانت المرأة يومذاك سلعة رخيصة يتم تداولها كعبدة ويمارس الرجال الجنسَ معها في المحلات العامة ولا سيّما في الحمّامات العمومية وكانت كثيرة يومذاك في روما كأنها صُممت أساساً لتيسير هذا الغرض. هذا سبي صريح وسبي قبيح للمرأة وهي مُنجبة وهي حاضنة وأم الرجال في الجنس البشري فكيف ساغوا لأنفسهم معاملتها بهذه الطرق المتدنية عُرفاً وديناً وخُلُقاً وفِطرة بشرية ؟ هل كانت لديهم شرائع وقوانين خاصة بالزواج وهل كان الزواج في روما متعدداً قبل وبعد المسيحية؟ لا علمَ لي بذلك.

وماذا عن وضع المرأة في جزيرة العرب قبل الإسلام ؟

لا يحتاج المرء إلى عبقرية كبيرة ليستنتج أنَّ غزو قبيلة عربية لأخرى ولأسباب شتّى ستنجم عنه عمليات سبي للنساء والأطفال ويحتفظون ـ إذا لم يقتلوا ـ كل من يستطيع حمل السلاح قوّةً ضاربة لغزو قبائل أخرى في مناسبات كثيرة أخرى. قبل السلب والنهب وسبي الذراري والعيال تُهدم المنازل ويتم حرق كل شئ قابلٍ للإشتعال والحرق وحين تهدأ النفوس الثائرة الهائجة يترك الغازون " الأبطال الميامين " القرية أو المدينة أو "السَلَف " المنكوب محترقاً يجلله الحداد والسواد وبضعة آثار متبقية قاومت أو لم يصلها لهيب الحرائق. وما مصير النساء الناجيات من الموت والحرائق ؟ تُسبى ليفعل الغزاة بها ما يشاؤون من زواج بالإكراه أو بيع في الأسواق أو تركهن في البيوت جواريَ وسراري وخادمات للطبخ والتنظيف. الغزو وسبي النساء وجهان لعملة واحدة تتمم إحداهنَّ الأخرى ولا تنفصل عنها.

الغازي سابيٌّ ساديٌّ والمغزوّةُ سبيّة مسبية.

هناك قول ينسب للسيّدة عائشة أم المؤمنين كجواب على من سألها عن حال الزواجات بين عرب ما قبل الإسلام إنها قالت : كانت هناك حالات متعددة للزواج قبل الإسلام . كان هناك الزواج الأحادي بين رجل وامرأة .. وكان هناك الزواج المتعدد كأنْ يتزوج الرجلُ ما يشاء من النساء ثم كان هناك نوع آخر من الزواج يشترك فيه عدد من الرجال بالزواج من إمرأة واحدة فقط وإذا ما حملت هذه الإمرأة وأنجبت يكون لها حق اختيار أحد أزواجها أباً للمولود الجديد.

ومقارنة سريعة بين ما كان يحدث في روما من ممارسات جنسية في الحمّامات العمومية بين الرجال والنساء أضع أمام القارئ الكريم ما جاء في القرآن من كلام حول ممارسة الجنس لواطاً بين الرجال والرجال في منتديات ومجالس سمر وسهر العرب زمان الجاهلية :

( ولوطاً إذْ قال لقومهِ إنكمْ لتأتونَ الفاحشةَ ما سبقكمْ بها من أحدٍ من العالمين.إئنكمْ لتأتونَ الرجالَ وتقطعون السبيلَ وتأتونَ في ناديكمْ المُنكرَ فما كان جوابُ قومهِ إلاّ أنْ قالوا ائتنا بعذابِ اللهِ إنْ كنتَ من الصادقين / سورة العنكبوت الأيتان 28 و 29 ).

إذاً الرومان أفضل من عرب الجاهلية لأنهم كانوا يمارسون الجنس السوي بين ذكر وأنثى وليس بين رجل وآخر ... ما كانوا من قوم لوط !

من تعلّمَ ممّنْ، الرومان من العرب أم العربُ من الرومان ولكنْ بعد أنْ قلبوا المعادلة السويّة ومارسوا الجنس شاذّاً لواطاً بين رجل ورجل ؟ في القرآن إشارات كثيرة تخص هذا الأمر وردت صريحةً في آيات بعض السور أذكر منها ما يلي :

1ـ [[ واللذانِ يأتيانها منكمْ فآذوهما فإنْ تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إنَّ اللهَ كانَ توّاباً رحيما / سورة النساء الآية 16 ]].

فآذوهما ... ما نوع ومقدار هذه الأذيّة وكيف يتم التثبّت من توبة من مارس الجنس لواطاً ؟ هذا يعني أنهم كانوا يمارسونه في العَلَن وقد يمارسونه سرّاً إذا تطلّب أمر الصيانة ودفع المكاره والأذى ! هذا سبي ومن يسبي الرجلَ يهونُ عليه سِباء النساء .

2ـ [[ ولوطاً إذْ قال لقومهِ أتأتونَ الفاحشةَ ما سبقكمْ بها من أحدٍ من العالمين. إنّكمْ لتأتونَ الرجالَ شهوةً من دون النساءِ بل أنتمْ قومٌ مُسرفون / سورة الأعراف الآيتان 80 و 81 ]]

3ـ [[ ولمّا جاءتْ رُسُلنا لوطاً سئَ بهمْ وضاق بهمْ ذَرْعاً وقالَ هذا يومٌ عصيب. وجاءَ قومُهُ يُهرَعونَ إليهِ ومنْ قبلُ كانوا يعملون السيئاتِ قالَ يا قومِ هؤلاءِ بناتي هُنَّ أطهرُ لكمْ فاتقوا اللهَ ولا تُخزونِ في ضيفي أليسَ منكمْ رجلٌ رشيد / سورة هود الآيتان 77 و 78 ]]

مسكين الشيخ الكبير لوط ! يعرض بناته على قومه الذين هُرعوا إليه لكي يغتصبوا رُسل الله والسماء الذين وفدوا عليه ليبلّغوه بأمر سماوي ما. هل كانوا سيغتصبون الربَّ نفسه لو جاء يزورُ نبيّه لوطاً ؟ ما يمنعهم من إتيان ذلك ؟

ما كانت لدي عرب الجاهلية الأولى والثانية التي سبقت الإسلام حمامات عمومية ربما لندرة الماء في جزيرة العرب القاحلة لكنْ كانت لديهم نوادٍ ومجالس يجتمعون فيها للسمر والسهر ومناقشة قضايا السلم والغزو والحرب فضلاً عن قضايا التجارة وبمَ يتاجرون ومع أيٍّ من الشعوب والأمم المجاورة يتاجرون.

مارس عرب الجاهلية " سبيَّ " الرجال في نواديهم عَلَناً وعلى رؤوس الإشهاد وكان ذلك أمراً طبيعياً مقبولاً كما يبدو فحرّمه الدين الإسلامي لأنه مخالفٌ لفطرة الإنسان السوي فالمرأة للرجل وهذا لتلك.

وكيف كان الوضع في الإسلام ؟

((أقرر ابتداءً أنَّ تعدد الزوجات في نظري هو شكل آخر من أشكال سبي النساء)).

خلفت الإمبراطورية العربية الإسلامية إمبراطوريتي اليونان والرومان، أخذت الفلسفة ومبادئ الطب من الأولى ولم تأخذْ شيئاً من الثانية وتلك ظاهرة فيها غرابة وعجب رغم احتكاك المسلمين بالروم وكثرة ما وقع من حروب معهم خاصة في بلاد الشام حيث انتقلت بالكامل من سيطرة الروم إلى أيدي العرب فغدت بعد حين عاصمة الخلافة الإسلامية بعد انتصار معاوية على الخليفة الرابع علي في معركة صفّين. هذا موضوع آخر علاقته بموضوع مقالي علاقة ضعيفة.

نعم، جاء الإسلام وأتى معه القرآن كتاباً ودستوراً يُحدد ويقرر أموراً حياتية دنيوية كثيرة منها موضوع المرأة وشروط الزواج والميراث والطلاق وما يترتبُ عليه من حقوق للزوجة الطالق. لنرَ ما قال قرآن المسلمين بحق المرأة المسلمة أصلاً والكتابيّة التي أسلمت فيما بعد.

أجد مأساة المرأة مُجسّدة في سورة النساء من القرآن فإنها المسبيّة حقّاً وفيها من المهانة لها الشئ الكثير لكنَّ الإنصاف يقتضي الإقرار بأنَّ الأحكام الواردة بشأنها هي أفضل للمرأة في الإسلام مما كانت عليه زمان الجاهلية حيث تعدد الزوجات بلا حدود هو العرف الذي كان سائداً فضلاَ عن فوضى تعدد الأزواج وتقاسمهم إمرأة واحدة لا تعرف بالضبط من هو والد وليدها.

تحديد الزواجات الشرعية بأربع نساء بالطبع أفضل من فوضى الزواجات المفتوحة بدون حدود. ولكن ماذا عن مقولة " وما ملكت أيمانكم " الشهيرة ؟ وماذا عن تجاوز النبي محمد للحدود التي رسمها هو للزواجات التي أقصاها أربع حيث فارق الحياة وفي عصمته تسع زوجات لا أربع ؟ هل فكّر بمصير الزوجات التسع وما قد تؤول إليه مصائرهنَّ بعد وفاته ؟ هل كان سلمان رشدي في " آياته الشيطانية " مُحقّاً في رسم صورة مجسدّة لحياتهنَّ ـ وفيهنَّ شابات ـ وقد غدونَ أرملات ؟

تعالوا نقرأ القرآنَ معاً :

[[ وإنْ خفتمْ ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكمْ من النساءِ مثنى وثُلاثَ وربُاعَ فإنْ خفتمْ ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكتْ أيمانكمْ ذلكَ أدنى ألاّ تعولوا / سورة النساء الآية 3 ]]. هذا سبي حقيقي للمرأة.

طيّب، وماذا عن المسبيات من بلاد الفرس والروم وما وراء النهر والقوقاز من جورجيات وشركسيات ؟ وماذا عن الجواري والسراري من المشمولات بمقولة " ما ملكت أيمانكم " ؟ أليس هذا سبياً صريحاً بل ومجزرة بحق بنات حواء زهرة وزينة الحياة الدنيا ؟ المرأة سيّدة وزينة الدنيا ومُنتجة ومُديمة حياة البشر بنت وأخت وأم الناس جميعاً تباع في أسواق النخاسة وتُشترى وتُستباحُ ! كيف يحترمُ الرجل نفسه والمرأة تُهان وتُستباحُ أمام عينيه بل وبرضاه وإشباعاً لنوع خاص شاذ من المتعة والإستئناس ؟ الذي يستبيح ويهين المرأة إنما يستبيح ويهين الرجل صنوها في الحياة شريكها ... أباها ... أخاها ... إبنها ... زوجها وأب أولادها. يا ناس ! صححوا المعادلة وأقيموا الحق وعدّلوا الميزان.

لعلَّ أول حادثة سبي في الإسلام هي تلك التي وقعت في طفوف كربلاء عام 61 للهجرة حيث سبى جيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية نساء وبنات وشقيقات الحسين بن علي بعد المقتلة الرهيبة التي نفّذها هذا الجيش بالحسين ومن معه من الشباب والرجال. خليفة وقادة وجيش جرّار من المسلمين يسبون حرائرَ مسلمات جدّهنَّ رسول الإسلام محمد بن عبد الله ويحملونهنَّ [ على القُتب ] من كربلاء حتى دمشق عاصمة الخلافة الإسلامية المغتصبة.

لا أتكلمُ عن سبي واستباحة الدواعش في سوريا والعراق لحرائر المسيحيات والإيزيديات والشبكيات وبقية الطوائف إنما أحاول الكلام عن السبي كظاهرة إجتماعية ـ سياسية ـ إقتصادية عصفت في الشرق الأوسط أخيراً باسم الدواعش حاملي المذهب الوهابي التكفيري التيميِّ الذين لم يتركوا أمراً إلاّ استباحوه واستباحة النساء في رأس قائمة الجميع.

ما كان وضع المرأة في الحضارات القديمة في العراق ، في سومر وبابل وآشور مثلاً ؟ الوضع غامض في سومر سوى ظاهرة الموت الجماعي حيث كانت تُدفن المرأة الحيّة مع زوجها الميّت فهل هذا سبي للمرأة قبيح أم لا ؟ لِمَ لمْ تحتج وتعترض نساء سومر على هذه الظاهرة وما الذي يجعلها تفضّل الموت على حياتها بعد زوجها ؟ ما كان هذا ديناً في نظري لكنه كان تقليداً اجتماعياً سارياً وسائداً ففرض نفسه بقوة تُضاهي قوة الدين. نعرف أنَّ في الشرق القديم كانت هناك ملكات شهيرات ومنهنَّ قائدات عسكريات ومقاتلات فذّات كالزبّاء ملكة تدمر وقبلها الملكة الداهية بلقيس ملكة سبأ ثم كليوباترا فرعونة مصر. فلماذا انتكس تاريخ البشر لينقلبَ على مملكة المرأة وسلطانها وجبروتها فتخلّت أو أُجبرت على التخلي عن مكانتها وعن حقوقها التي اكتسبت وتوارثت لتغدو أخيراً عبدةً وأمةً مُختلفٌ ألوانها وجنسياتها تُباع في الأسواق وتُشترى وسبيّة سلعةً للراغبين من الرجال وخاصةً المقتدرين والموسورين منهم ؟

اليوم يرى العالم الدواعش السود يسبون حرائر العراق وسوريا وخاصة الإيزيديات والشبكيات والمندائيات والمسيحيات ويعرضوهنَّ سبايا في أسواق النخاسة فهل عاد ثانية زمنُ الغزو والفتح وسبي الأطفال والنساء على مرآى ومسمع العالم "المتمدّن والمتحضّر" والغارق في العولمة وتمدد الأسواق الرأسمالية والجشع السرطاني الخبيث للمزيد ثم المزيد من إقامة القواعد العسكرية البرية والبحرية والجوية لإبتزاز وتهديد العالم وحصار بعض بلدانه شرقاً وغرباً ؟

 

عدنان الظاهر

شباط 2015

 

متى تعيش مجتمعاتنا أنوثة ناعمة لننعم بالمحبة والسلام؟

hashem mosawiأستطيع أن أجزم بأن الوجود بمجملهِ قد أتى من تفاعل بين عنصرين رئيسيين، إنه ليس الذكر والأنثى بالذات، بَلْ الأحرى أن نقول أنهما عنصرا (الفحولة) و(الأنوثة).

والعنف على سبيل المثال هو عنصر ذكوري في الإنسان حتى لو قامت به أنثى، وهناك البُخل وهو عنصر أنثوي حتى لو إذا كان البخيل رجلاً، فأين البُخل من الرجولة؟ إنني أتناول عنصري الفحولة والأنوثة كعناصر وقوى مجردة. وكما نعرف أن كل ذكر فيه نسبة معينة من الأنوثة، وأن كل أنثى فيها نسبة ما من الفحولة زادت أم نقصت، وأعتقد أن العنصرين المذكورين هما العنصران الأساسيان في هذا الكون، الأنوثة والفحولة، المانح والمستقبِل (بكسر الباء) الفعال الدافع العنيف والمستقطب الساكن الهادئ(1).

687-HASIMتعتبر نظرية باخوفن حول (حق الأم) التي صدرت عام (1681م) أول وأهم نظرية درست مكانة المرأة وسلطتها في المجتمعات القديمة. وقد اعتبر باخوفن أن السلطة التي تمتعت بها المرأة في العصور الغابرة كانت حقاً طبيعياً لها، لأن الأنثى هي الأصل. وبالرغم من أن المرأة أضعف من الرجل فسيولوجياً، إلا أنها احتلت في الأزمنة الغابرة مكانة اجتماعية واقتصادية ودينية عالية في العائلة والمجتمع والسلطة وبذلك انتصرت على قوة الرجل الفسيولوجية، وذلك لأن المرأة، تتماثل مع الطبيعة والأرض، فهي أصل الخصوبة وإنتاج الحياة. كما أن الزراعة كما يشير باخوفن، قامت على اكتاف الشعوب الأمومية، لأن الأنثى تقلد الأرض، والزواج إنما يمثل منذ أقدم الأزمنة علاقة زراعية بين الأم والأب. وأن مبدأ الزراعة هو الذي رفع الأنثى إلى رمزٍ مقدس(2).

والحقيقة أن نظرية باخوفن كانت قد حددت عام (1861م) بدء تاريخ العائلة، وهو العام الذي صدر فيه كتاب (حق الأم) لباخوفن. وقد أشار أنجلز في كتابه (أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة) إلى أن هذا الحدث انما يعني (ثورة كاملة)(3).

 

مكانة المرأة في العصور القديمة

تركت لنا الحضارات القديمة في وادي الرافدين منذ العصر الحجري الحديث )النيوليتي) عدداً مهماً هاماً من المعلومات الأثرية كالتماثيل والرقم الطينية والرموز والأساطير والملاحم التي كانت تعبيراً عن الديانات الزراعية الأولى التي تمحورت حول إلهة واحدة أطلقوا عليها (الأم الكبرى( أو (سيدة الطبيعة) التي تظهر في أغلب الأماكن على شكل امرأة حبلى أو مرضعة أو امرأة عارية الصدر وهي تمسك بثديها بكفها في وضع عطاء تارة، وترفع بيدها الثانية باقة من سنابل القمح أو باسطة ذراعيها في وضع من يستعد لاحتواء العالم تارة أخرى، أو راكبة ظهور الحيوانات المفترسة.

والعصر الحجري الحديث هو العصر الذي اكتشف فيه الإنسان الزراعة وتدجين الحيوانات وظهور أولى القرى الزراعية وتطور صناعة الفخار وظهور الآلات الحجرية المصقولة الذي استمر حوالي ثلاثة آلاف سنة، أي في الفترة الزمنية الممتدة بين (5000-8000 ق.م.) التي تعتبر طفرة في تاريخ التطور البشري، وهي الفترة التي يفترض فيها أن المرأة كانت قد احتلت مكانة عالية في أغلب المجتمعات البشرية القديمة(4).

حدثت بدايات الثورة الزراعية في شمال وادي الرافدين وفي الأراضي الفلسطينية، كما في حضارة جرمو(5) فالنساء اللواتي قمن بجمع الحبوب والفواكه تعلمن غرس البذور في التربة للحصول على ما يكفي لمعيشتهن. لقد خلفت الزراعة أول شكل من أشكال ‌)اقتصاد الوفرة) الذي وفر الطعام للعائلة البشرية. كما تعلمت المرأة تدجين الحيوانات والسيطرة عليها ومن ثم عمل الأواني الفخارية لحفظ الطعام، إضافةً إلى استخدام الأواني الطينية والحجرية وكذلك استعمال الأدوات الحجرية المصقوله في قطع الأشجار وغيرها(6).

لقد كانت الزراعه عاملاً مهماً في نشر وتداول واتساع عبادة الآلهة الأم التي ارتفعت إلى مستوى التقديس وأصبحت الأم هي سبب اخصاب الأرض لأن القدسية تكمن في صفات الاخصاب والحمل والولادة، التي هي من اختصاص المرأة وحدها. وتظهر إحدى الدمى الطينية للآلهة الأم والتي اكشفت في تل حسونة بوضوح الأعضاء الأنثويه البارزه.

وتأتي أهمية فكرة الخصوبة عند المرأة من أهمية التكاثر الذي يعتبر جوهر حياه الإنسان المادية والروحيه وكذلك من الزراعه الي تعتمد على خصوبة الأرض، وأخذ الإنسان يربط بين الخصوبة والمرأة التي تزرع الأرض وترعاها. وبذلك تحولت الخصوبه إلى رمز مقدس تمثلها المرأه الأم ثم الإلهة حيث لم يكن الرجل يعرف دوره في الإخصاب، إلا بعد أن تعرف على دور المطر في اخصاب الأرض والزراعه(7). وقد أشارت معظم الأساطير القديمه وفي جميع الحضارات التي تعود في تاريخها إلى العصر الحجري الحديث إلى وجود علاقه ثنائيه بين الأرض والمرأة وبين المرأة والقمر، مثلما هناك علاقة بين الشمس والقمر. والعلاقة الأقوى نجدها بين المرأه والقمر، التي تكشف عن حقيقة واحده ومبدأ واحد هو أن القمر من أديم الأرض وجزء تابع له. ولكون القمر من القوى الغيبية الغامضه التي أثارت رهبه الإنسان وروعه وخيالاته وكذلك رغبته في الكشف عن أسراره، فقد توجه الإنسان إليه بالتقديس ولم يتوجه إلى الشمس، التي لم تثر في نفس الإنسان التساؤل والخيال، ولأن الشمس أكثر ثباتاً وانتظاماً ورتابةً، في الوقت الذي يكون فيه القمر اكثر حركة وتألقاً وتغيراً وتغييراً. فالقمر يدور في حركة أزلية هي أشبه بحركة الطبيعة في تغير فصولها مثل الأنثى في دورتها الشهرية الأزلية. ولهذا اعتبر الإنسان القمر أُنثى كونية، وهو في ذات الوقت الأم الكبرى، والدة الكون وواهبة الحياة. وهكذا ساد الاعتقاد بأن القمر أنثى وأنه يجسد الآلهة الأنثى أو الأم الكبرى، مثلما ساد الاعتقاد بأن القمر هو الذي ينفخ الحياة في أرحام النساء(8).

 687-HASIM2ومن الملاحظ أن أغلب التماثيل والمنحوتات والرموز التي اكتشفت في الشرق القديم عموماً وفي بلاد الرافدين خصوصاً جاءت على شكل إلهة أنثوية ترمز إلى الأم الكبرى التي أُطلق عليها اسم (عشتار)، أو (أنانا) أو ‌)تيامات). وفي كنعان أُطلق عليها عشتروت وفي مصر ايزيس وعند الأغريق ارتميس وفي روما القديمة افروديت وديانا وفينوس وفي الجزيرة العربية اللات والعزى ومناة. وما زالت خصوبة الأرض في المجتمعات الزراعية مقترنة بخصوبة النساء.

وعشتار في وادي الرافدين هي الإلهة الأم وهي الأخت والحبيبة والزوجة، وهي ربة الحياة ومنبع الخصوبة، وهي في ذات الوقت، رمز الدمار والهلاك. فهي ربة الحرب والحب وسمير اللذة، وهي القمر وكوكب الزهرة ، وهي البتول الطاهرة والبغي المقدسة في آن واحد.

 

تقول عشتار:

أنا الأول، وأنا الآخر

أنا البغي، وأنا القديسة

أنا الزوجة، وأنا العذراء

أنا الأم، وأنا الإبنه .. إلخ

إن أهمية عشتار تعكس مكانة المرأة التي كانت تحتلها دينياً واجتماعياً واقتصادياً. فقد كانت موضع رغبة واحترام وتقديس. فمن جسدها نشأت الحياه ومن صدرها انبثق نبع الحياة.

وقد اتفق أغلب الاثنولوجيين على أن الديانة التي سادت في العصر الحجري الحديث الأول كانت ديانة زراعية ارتبطت بالطبيعة. وكان جوهر تلك الديانات البدائية هو تقديس المرأة، وهذه القدسية إنما تعبر في الحقيقة عن المكانة الاجتماعية والدينية العالية التي كانت تتمتع بها المرأة انذاك.

وقد عزز الدور الاقتصادي الذي حملته المرأة على عاتقها منذ البداية دورها ومكانتها الاجتماعية والدينية العالية، حيث كانت المرأة المسؤول الأول عن الاستقرار، والمُنتج الأول للغذاء ورعاية الأطفال والدفاع عنهم وتأمين سُبل العيش والحماية لهم، في الوقت الذي ما زال فيه الرجل صياداً أو راعياً للمواشي وليس له دور متميز في العائلة. فالمرأة هي أول من اكتشف الزراعة وأول من صنع الأواني الفخارية وأول من دَجَّن الحيوانات الأليفة. كما تميزت المرأة عن الرجل بخصائص أُخرى وذلك بسبب دورها كأم تحمل وتلد وتربي الأطفال وترعاهم وتحميهم. ولهذا كانت المرأة ومنذ البداية مسالمة وضد العنف دوماً.

 

الإنقلاب على مكانة المرأة وسلطتها الدينية

إن تطور الزراعة والرعي والاستقرار في حواضر زراعية، وتشكل التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية وتطور مُلكية الأرض والمواشي، كانت قد ساعدت الرجال في السيطرة على وسائل الإنتاج الجديدة. فمع بداية الألف الخامس ق.م. توصل الرجال إلى اكتشاف المعادن وتطويعها واستعمالها في صناعة الأدوات المختلفة وخاصة المحراث وتسخير الثيران في حرث الحقول الكبيرة إضافة إلى ترويض المواشي التي اصبحت تكفي لسد حاجة الناس من اللحوم، في الوقت الذي كانت فيه النساء تزرع الأرض بأيديهن. وبعد امتلاك الرجال قطعاناً كبيرة من الماشية لم يعودوا صيادين، بل استقروا في أماكن ثابتة. وهكذا توسعت القرى لتصبح مدناً كبيرة تضم الرعاة والصيادين والفلاحين، وأخذ الرجال من الآن يتولون مقاليد الأمور، وبدأ الانقلاب الفعلي على سلطة المرأة من قبل الرجال، الذين استخرجوا المعادن من باطن الأرض وطوعوها وطوروا الزراعة وامتلكوا المواشي واكتشفوا المحراث ثم العجلة التي أصبحت وسيلة فعالة لصناعة الأواني الفخارية ومن ثم تطور صناعة الأسلحة والأدوات ذات الطابع الرجولي كالرمح والفأس والمطرقة والسكين التي تتفق مع القوة العضلية للرجال. ومذاك حولوا القرية الزراعية إلى مدينة وجعلوا المعبد مر كزاً لها(9).

كما تطورت الحياة الدينية بالتدرج مع سيطرة الرجال على وسائل الإنتاج. فبجوار الإلهة الأم ظهر الأله الأب والأله الأبن، وأصبح أب السماء في نفس أهمية أم الأرض، وقام بالتدرج بإزاحة دور المرأة المركزي من الحياة الدينية وهكذا حَلّت المأساة الكُبرى.

وهكذا يؤكد لنا التاريخ بأن المجتمع الذكوري (القبيلة) هجمت على المجتمع الأنثوي (القرية الزراعية أو المدينة) فجرى العنف والإكراه وسالت الدماء، لكن في النهاية أنتج ذلك إخصاباً مُعيناً ظهر على شكل حياة جديدة أو مجتمع جديد ذي علاقات وثقافة ولغة وروح جديدة، باختصار أنه إنتماء وهوية جديدة.

واليوم فأن المجتمعات التي تعيش في ظل طبيعة اقتصادية صعبة (وأستطيع أن أجزم بأن أكثر مجتمعاتنا العربية الحالية اليوم هي منها)، تتطلب العمل الشاق والعضلات والعنف شئنا أم أبينا فأن شأن الأنوثة فيها يتناقص. وهناك نماذج لا حصر لها يتدنى فيها شأن المرأة والأنوثة إلى الحضيض، وقد تُعامل معاملة الأنعام فتُضرب وتُقتل لأبسط الأسباب. أما في المُدن المُرفهة والمتقدمة اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، حيث تتجمع الثروات البشرية والمادية، فهناك تفقد القوة العضلية قيمتها ويُصبح التفوق رهناً باللسان والحكمة بل وحتى بالمكر والدهاء والتصنع، ولطالما تفوقت المرأة في تلك الميادين لدرجة أنها سادت وعُبدت فساد التقزز والنفور من كل أنواعه الفحولة والعضلات والحركة والعنف. وهاهي المجتمعات الغربية اليوم شاهدة حية على سيطرة الأنوثة (الأنوثة وليس بالضرورة المرأة). هناك أكثر التيارات الثقافية والرغبات العامة والتيارات الاجتماعية والأعراف والقوانين تكون لصالح الأنوثة.

 

..................

المصادر

1- د.هاشم عبود الموسوي، المرأة في الشرائع القديمة لحضارات وادي الرافدين، مقالة نُشرت على موقع مركز النور الإلكتروني، 17/11/2012، www.alnoor.se/article.asp?id=177733

2- Bachofen, Das Mutterrecht, Frankfurt,m,1980

3- إبراهيم الحيدري، النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب، دار الساقي، بيروت، 2003.

4- كافين رايلي، النظام الأمومي والنظام الأبوي، ترجمة عبد الوهاب المسيري، عالم المعرفة، الكويت، Kuwait culture org، خزعل الماجدي، أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ، عمان 1997، ص27.

5- خزعل الماجدي، نفس المصدر، ص78-79.

6- كافين رايلي، نفس المصدر.

7- خزعل الماجدي، نفس المصدر، ص90-121.

8- إبراهيم الحيدري، أثنولوجيا الفنون التقليدية، دار الحوار 1884، ص 103 و ص125.

9- كافين رايلي، نفس المصدر.

المرأة كائن جنسي!!

النظرة التي يُراد لها أن تسود وتتأكد في العالم العربي والإسلامي أن المرأة كائن جنسي وحسب، وإن دورها ينحسر في تأدية واجباتها الجنسية والإنجابية لا غير!!

هذا موضوع حساس وخطير ويحتاج إلى جرأة ومجازفة وشجاعة، وقدرة على تناوله من جوانبه المتعددة، وسأحاول أن ألقي الضوء عليه بإختصار وتركيز، لأنه يحتاج إلى مقالات وربما كتب لزعزعة الرؤى والتصورات المتحجرة والنظرات العقيمة المستنقعة في دياجير أوعية الضلال والبهتان وأقبية العجز والإمتهان.

الجنس غريزة تشترك فيها جميع المخلوقات في مملكة الحيوان وغيرها من ممالك الخلق المتنوعة، التي وجدت في الأرض وفي غيرها لكي تحافظ على التواصل والبقاء، بإستمرار نوعها وتفاعله مع المستجدات والتطورات التي تفرضها حالة الدوران الدائبة لكوكبنا، أو وعائنا الذي نعيش فيه.

والجنس طاقة تتحدى الموت وتسعى لتأكيد الخلود الحي فوق التراب، ولولا الجنس لما بقيت أحياء على وجه البسيطة.

أي أن الجنس سلوك حتمي ولازم ولا بد منه، فهو جذوة الصيرورات وموئل النماء والعطاء.

وفي المخلوقات الأخرى للجنس مواسم ومواعيد معلومة، تتحقق فيها النشاطات الجنسية ما بين الذكور والأناث، للوصول إلى التكاثر بالإنجاب أو بغيره من وسائل التكاثر.

وفي البشر يكون النشاط الجنسي في أصله موسميا أو ضمن مواعيد تقررها الأنثى في حقيقة السلوك وطبائعه، لكنه سلوك متواصل وقد يكون يوميا أو أسبوعيا أو أكثر أو أقل، إعتمادا على الحالة الفسيولوجية أو الهرمونية أو النفسية، فبعض الأمراض النفسية قد تتسبب بممارسات متكررة للجنس في اليوم الواحد وبعضها يؤدي إلى إنطفاء هذه الرغبة، وهناك عوامل عديدة لا تحصى تساهم في تقرير السلوك الجنسي.

وللسلوك الجنسي إشارات، من قبل الذكر والأنثى، وفي جميع المخلوقات، ولا يمكن للجنس أن يتحقق بدونها، وإلا يُعد إعتداءً أو إغتصابا أو إمتهانا.

ووفقا لمنظور أن المرأة كائن جنسي وحسب، يتم السعي إلى تدثيرها وطمرها بالملابس حتى لا يُرى منها أي شيئ، وكأن رؤية جزء من جسم المرأة يثير شهية الذكر البشري، ويغريه بالإقدام على ممارسة الجنس، وكأن الذكر البشري لا هم له ولا عمل عنده إلا أن يمارس الجنس، وهذا يتنافى مع القدرات الفسيولوجية والهرمونية والبدنية، فممارسة الجنس تحتاج إلى طاقات متنوعة، وهو إستنزاف لقوة الذكر وإخماد لما فيه من القوى البدنية والنفسية والهرمونية وغيرها.

فالذكر البشري لا يمتلك الأهلية مهما إدّعى وتوهم على أن يمارس الجنس بتكرار كل يوم، ولا يمكنه القيام بنشاطات جنسية متواصلة، ومن واجبه أن ينشغل بأعمال وهموم ومسؤوليات، فهذه فرية وأوهام وتصورات خالية من الأدلة والبراهين.

ومن الناحية الأخرى كيف يقبل الذكر البشري أن يوصف على أنه مخلوق جنسي وحسب، ولا يمتلك أي دور في الحياة سوى أن يُثار من قبل الأنثى، وهذا منافي لطبيعة الأشياء، فالبشر في بدايته كان عاريا تماما، ولا تزال بعض القبائل الأفريقية حتى اليوم تعيش عارية، وما لوحظ وجود تفاعل جنسي بين الذكور والإناث كما نتوهم ونتصور، بل أنها تؤسس لمجتمعات منظمة وذات تقاليد وأعراف وتفاعلات لا علاقة لها بالجنس، ومنظر الجنسين عاريا مألوف ولا يثير الغرائز الجنسية، ذلك أن للجنس لغته البدنية ومسوغاته الأخرى، التي تجتذب الذكر والأنثى وتضعهما في لحظة المواقعة اللازمة لإرضاء ما فيهما من الرغبات المتوافقة.

ولا فرق إن كانت المرأة متخفية بالملابس أو عارية تماما، لأن ممارسة الجنس تتطلب إشارات ولغات، ولا فرق بين المرأة المتخفية في الملابس والعارية في التخاطب الجنسي، أي أن القول بمنع المرأة من إظهار جسمها أو جزء منه، إنما هو نوع من التضليل وناجم عن شعور الذكر بالخوف والضعف، مما يدفعه لخداع نفسه وفرض سيطرته على الأنثى وفقا لأوهامه، وإنحرافات رؤاه ونوازعه النفسية المريضة.

ففي المجتمعات المعاصرة، لا يعني أن ظهور المرأة بملابسها الحديثة ووفقا للموضات المتجددة والمتنوعة، أنها ترسل بإشارات جنسية أو إغرائية وتثير الذكور وتدعوهم لممارسة الجنس معها، إن ذلك السلوك يمنحها شعور بالذات والقيمة والحرية والإرادة والقوة والأهمية، وهذه من ضرورات التفاعل الإنساني الصحيح ، وبما أنها إنسانة حرة وذات إرادة وإستقلالية فأن عليها أن تختار ما يناسبها من الملابس، وكيف يعجبها أن تظهر بين الناس.

والأنثى في المجتمعات البشرية وعلى مر العصور لها أدوارها الإجتماعية والثقافية والسياسية والإبداعية، وغيرها من الأدوار المهمة التي أثرت في مسيرات الحياة والتأريخ الإنساني، وما عليها إلا أن تظهر بما تراه وتختاره، ولا يحق للذكر أن يملي عليها ما يجب أن تلبسه وما تُظهره أو لا تُظهره إلا بتوافق وتفاعل وإنسجام.

 

وإذا كانت المرأة مخلوق جنسي، فما هو الرجل؟!

إذا أقر بما يدّعي فأنه هو كذلك مخلوق جنسي، وعليه أن يهذب سلوكه ويراعي مشاعر المرأة ولا يُظهر من جسمه شيئا، قد يكون غريبا هذا الطرح، لكن إدعاءات الرجل تسوغه وتفرضه، إذا كنا موضوعيين ومعقولين.

إن إختصار المرأة بالأنوثة وحسب إجحاف، كما أن إختصار الرجل بالذكورة وحسب إجحاف.

فعليهما أن يعيدا النظر في المفاهيم، لأن ذلك يشير إلى عدم فهم ما بين المرأة والرجل، وقصور في الإدراك المتبادل.

فما يرتديه الرجل أو المرأة هما اللذان يقررانه وفقا لمعطيات الواقع الذي هما فيه، وما يرونه مناسبا وملائما.

فلكل حالة ما يناسبها من الملابس والأزياء.

 

د-صادق السامرائي

 

أنثر حروفي الولهى على فاتنتي

jawadkadom gloom"في يوم المرأة العالمي ... إليها ابنتي الغالية وهل غيرها تروق لي"

اسمحوا لي قارئات وقرّاء المثقف الاعزّاء أن أزفّ اليكم تهانييّ بمناسبة عيد المرأة العالمي في الثامن من آذار ، ولْتأذنوا لي بفسحة صغيرة لأكتب شيئا عن صغرى بناتي التي تقطر نبلا وتنضح حنانا غير مألوف وتندى بإنسانية طافحة ليس لي فحسب انما اتسعت للأبعدين والأقربين على السواء

هي شغاف قلبي ونضارة بصَري ومعين شِعري ووحْي كتابتي ونتاج صُلبي وصفاء مائي وأرى من خلالها كلّ فتياتنا ونسوتنا التي نطمح ان يرتقينَ الى مصاف المرأة في العالم المتحضّر مع الاحتفاظ بجواهر ودرر أخلاقنا الساميّة التي تتسم بالعفاف والحشمة والخلق السامي الرفيع

ابنتي نحتَها الله بإزميل روحه ، نقّعها بماء الطهارات الفيّاضة وغسل محيّاها من ندى السماء وزوّقها بضيائه السماويّ وأخذ من نجومه تألّقها وصبغهُ في اعماقها

هي اذًاً منحوتة الله بيديه وأول جناه من زرعهِ الرطيب الخصيب الناعم الملمس والآسر الملبس ، يسحر العقل والفؤاد ، هي نبتٌ تشتهيه الارض ويهفو اليه الماء ويحسده ضوء الشمس

هذا الاخضرار في الروح والانفتاح في العقل والعذوبة في الرواء يندر وجوده الان بين ظهرانينا فكل شيء اضحى امّا يابسا قابلا للكسر او ليّنا راضيا بالعصر او رمادا بخسا او فتاتا لايسمن ولايغني من جوع او ماء اجاجا لا يطفئ ظمأً او وحْلا يزلق الاقدام ويعمي الابصار

كم من الينابيع النقية الريّة تتدفق من روحها جرَيانا يترع العطشى ويطهّر الاجساد ويروي الاخضر واليانع ويُحيي اليابس

كم من الرقيّ يرتسم في اعماقها حتى كاد ان يطفح سواقي من السخاء والعطاء والمروءة والنبل والتسامي

انتِ اغنية الشحرور والحسون والكناريّ العاشق تنبعث من اصواتها وتغريداتها حنوّا ودفئا وموسيقى لم تألف او تعرف النشاز والزعيق والصياح والدويّ ، اصوات تطربني وتُحيلني الى قشعريرة تدبّ منها الاحاسيس والمشاعر وتلامس جلدي كما لم تلمسه غانيات هوليوود وراقصات السامبا والتانغو من سمراوات الكاريبي وجعجعة الثورات اللاتينية بنزقها وصدقها وغجريات " الفلامنكو " ودبكاتهنّ الناقرة في أعماقي

انتقاكِ الورد عريشة له تظللينه من حرائق الشمس وتحمينه من هجير الرياح وتحرسينه من عبث القاطفين الاّ على العشاق المولعين بتقديم زهورهم الى حبيباتهم كي يبقى الحب شرعة وفرمانا تمسكين زمامه ؛ اصطفاك الربيع ناشرةً عطره وسحره واعتداله ونشَرَك ضوعا يغور مازحا في لُبِّي ، يفوح عبقا من شميم نجد وخزامى تيماء بني عذرة وبيلسان الساحل اللازوردي وأقاحي شِعْب بوان وملاعب الزهور الشيرازية فأنت ثمرة قلبي / امتلأت يناعةً واغرورقت بالأريج وتوّجت بميسم الحنوّ والعطف والبهجة

ماهمّني لو رزقني الله سواك فأنت عندي طِيب الخاطر والغيم الماطر والشهد الساحر والفرح الآسر والبلسم الشافي الوافي

انتِ عافيتي التي تقوّمني ووتدي الذي ارتكز وضمادي حين تنزف اوجاعي ومصل دوائي حين أنهك وتجرحني الحياة قهرا وحزّا بسكّينها المسنونة الحواف

انت حبّة الدواء التي تبقيني اتنفس واكتب واسمع كل جمال الالحان وهزج الاقحوان والبيلسان وميس الريحان ومذاق الزعفران وقهوتي الساخنة التي تنتظر ارتشافي

أسميتُكِ " فاتنا " لاني موقن تماما انك فاتنتي حين يُحزنني الكدر ويغرقني الهمّ وانك من ينتشلني من قيعان الادغال وأكوام الاشواك وبرك الوحل لتنقلني الى حقولٍ خضر وواحات ريّا ومهادٍ مليء بالأحلام والغبطة والجذل

كم كان دعائي طائرا الى الله بسرعة البرق حين طلبت من خالقي ان يكرمني انثى من ملائكته لتتمثّل في صورة انسانة افتتن بها في هذه الدنيا السريعة الخطى وأنا الذي تتحرك خطوتي مهلا وخفّة في مشية وئيدة رتيبة لكنها تزخّ فيّ عزما وإرادة بالغتين

كنتِ وقودا لي يحرّكني من بستان بهجة الى جنائن سعادة وستبقين ماكنة جسدي التي لا تنطفئ وستبقين حصاني الذي يمهّد لصهوتي مقعدا وثيرا لنسرع معا الى شواطئ قُـزحية الالوان ، يحرسني طيف شمسي من الوان الفسيفساء الممتعة النظر والتي تصبغها ريشة روحك الفاتنة تماما مثل اسمك ، بنعومة يدك الرحيمة التي استعارت نعومة يد الماء فأحسّها تربت على كتفي حانية دافقة بزخّات من مطر الرعاية ويملأني نشوة ودلالا لم ينله جدّنا جلجامش من عشتروت وتهبين لي سلاما اكثر رقّة من رفيف حمامة بيكاسو

انت جناحاي اللذان يرفعانني الى فضاء البهجة كما ترتفع الصقور الى قمم الجبال فخرا وزهوا عاليين وعكّازي الصلب الذي يعينني في طرقات الحياة المليئة بالمطبّات والعثرات الجسام والأخاديد المخيفة والخنادق الصعبة العبور

تحاياي لكِ ولكل امرأة بارّة مثلك ، ومعذرةً لك لأني أثقلتُ كاهلك وأعجزتني شيخوختي وأنت الخفيفة الظلّ الوافرة الأعباء

كلّ عيد وأنت بخير في يومك الثامن من آذار ولكل نسائنا عسى ان أراكم السنة المقبلة وانتنّ في أسعد حال

 

جواد غلوم

 

علامات استفهام كبرى مكتوبة بالخط العريض في اليوم العالمي للمرأة

mohsin alafiأنت الأنثى التي طاوعها جسدها وكيانها وفكرها، أن تكون للرجل، أنت ذلك الكائن البشري الذي سرَّه أن يكون أُمًّا بعاطفة قوية، أنت من تحَمّل الصعاب من أجل استئناف البشر مسيرته على هذه الأرض، أنت ذلك الماء المتدفق الذي لم ينضب ونخاف أن يأتي عليه يوم فيجف نبعه الصافي العذب .

أنت من ملك الدنيا حين عانقْتِ المولود الجديد الذي رسمْتِ له خطوات وئيدة على هذه الأرض، فكيف ينساك وقد كنت له السند في المهد وفي صباه؟، لا شك أنك غافلة عما يحدث من أجلك ولأجلك، وحتما لا تعرفين الحقيقة .

كل ما وهبوك كان حرية ملفوفة بزَيٍّ مكشوف، حرية أنستك مجدك وعظمتك التي أغدق أريجها في سراديب الماضي، ترى أكل ما يزَفُّ إليك حب ؟طبعا لا!! وألف لا !!، كُلٌّ يريد منك شيئا، فيفعل من أجلك ما يرضي غروره، وكل ضوء أخضر يسمح لك بالعبور تليه أضواء أخرى حمراء، حُمْرَة شملت كل أنواع الاستغلال في شتى أبعاده، فكنت بذلك آنية بين أرجاء المكاتب، ومصباحا من مصابيح المهرجانات الملونة، وشمعة منيرة في شتى الإحتفالات و.......

تُعْقَدُ الصفقات على إيقاع جمالك، وأنوثتك، وتقال:" نعم" بعدما قيلت: "لا"، ويباع العطر وأنت تحملينه، وتعرض السيارة للبيع وأنت إلى جانبها، و...فهل تعتقدين أن كل هذا رفعة وعظمة وعزة وأنفة؟، عجبت من أمر رجل لا ترتسم البسمة على محياه إلا وهو إلى جانب النساء، هل هذا هو طبع الرجل العربي الذي تحرر من غَضِّ البصَر حين تحررت المرأة في بيئة غريبة عن نوع تحررها ؟

أيعقل أن تبيع المرأة نفسها بثمن بخس ؟

لا بد أنها لا تدري من أمرها شيئا وهي تساق إلى الدَّمار الذي أسرف في استغلال أنوثتها، ليجردها من كل ما يميزها .

أرادت المرأة أن يكون لها ما لشقيقها الرجل من الحقوق فصدح صوتها عاليا مطالبا بها فحق لها ذلك، ولكنها حين مُكِّنت من ذلك فقدت أشياء وأشياء تحت عنوان ما آلت إليه أوضاعها، ونحى إليه حالها، ليتها تستفيق من سبات المكائد التي أوقعتها في شرك نخاسة من نوع آخر، فهاهي ذي تباع وتشترى بطريقة حداثية ابتدعها أصحاب النزوات والنوايا السيئة، لتخرج إليهم كاسية عارية .

وها نحن اليوم نقف مشدوهين أمام كل أنواع المعاناة التي تعانيها حين خرجت إلى الشارع، وحين تقلدت المناصب في مجتمع لم يهيئ لها ظروفا لتنعم فيه بكرامتها أولا، إذ لا زلنا والعالم بأسره، لم نصل لمرحلة النضج الذي يجعل من المرأة إنسانا لا تُتَابِعُ كل حركاته وسكناته العيون، ولا تستهدفه النزوات والأغراض، و لابد من تهيئة مجتمع جديد يسمح للمرأة أن تكون تلك العفيفة الطاهرة التي تساهم في بناء مجتمعات سليمة، فتدير ظهرها لكل حق أريد به باطل، وبين هذا وذاك، وماجرى وما كان، علامات استفهام كبرى مكتوبة بالخط العريض في اليوم العالمي للمرأة .

 

العنف ضد المرأة .. تحليل سيكولوجي

qassim salihyتوطئة: يحتفل العالم في الثامن من آذار من كل عام بيوم المرأة العالمي.ويعدّ العنف الموجّه ضدها أحد ابرز القضايا التي شغلت اهتمام الحركات التحررية والمنظمات الانسانية التي دفعت الامم المتحدة الى تثبيت عبارة (العنف ضد المرأة) بدورتها الستين (2005) بقرارها (48) وعرّفته بأنه (أي فعل عنيف تدفع اليه عصبية الجنس ويترتب عليه، او يرجح ان يترتب عليه أذى او معاناة للمرأة، سواء من الناحية البدنية البدنية او الجنسية او النفسية).

وكان لعلم النفس الدور الرائد في التنبيه الى الآثار السلبية لهذه الظاهرة الخطيرة، ليس فقط على صعيد المرأة الذي يؤدي في حالات الى انتحارها، بل وعلى صعيد الأطفال والمجتع ايضا، وذلك عبر دراسات ميدانية تخصصية على مدى اكثر من نصف قرن، واليه يرجع تزايد الاهتمام العلمي بدراستها.فبعد ان كان عدد الدراسات عنها بحدود (400) دراسة، ارتفع عددها الى عشرات الالاف في بداية القرن العشرين .. ولعلم النفس ايضا يعزى الفضل في وضع البرامج لمعالجة اخطر تهديد تتعرض له المرأة.

المفارقة، ان دور علم النفس في هذه القضية الخطيرة .. مغيب سواء على صعيد الحكومة (التي سيست حتى هذه القضية)او المجتمع، باستثناء المنظمات الدولية ذات الشأن العاملة في العراق .. ومن هنا يأتي تقديم هذه الدراسة.

 

تحديد مفهوم:

يعني العنف ضد المرأة اي سلوك یصدر من الرجل بطابع فردي أو جماعي، وبصورة فعلیة أو رمزیة أو على شكل محاولة أو تھدید أو تخویف أو استغلال أو التأثیر في الإرادة، في المجالات الأسریة أو المجتمعیة أو المؤسسیة، سواء أكان ھذا الرجل أب، أخ، عم، خال، زوج، إبن، زمیل، أو أي رجل آخر قریب أو غریب بقصد إیذائھا جسدیا أًو جنسیا أًو نفسیا أًو لفظیا، أو بقصد التحقیر والحط من شأنھا أو الانتقاص منھا، أو انتھاك حقوقھا الإنسانیة أو القانونیة أو كلیھما، مما یتسبب في إحداث أضرار مادیة أو معنویة أو كلیھما بغیة تحقیق غرض شخصي لدى المعنَفِ ضد المرأة الضحیة.

 

انواع العنف

ليس العنف ضد المرأة نوعا واحدا كما هو شائع في ثقافتنا، بل انواع نوجزها بالآتي:

العنف الجسدي:

كل سلوك عدواني یھدف إلى إیذاء جسم الضحیة وإلحاق الضرر بھا سواء كان بالضرب أو التعذیب بالكي والحرق أو شدّ الشعر أو الرمي والقذف من مكان لآخر. ویعدّ العنف الجسدي من أشد انواع العنف واكثرها شيوعا، ویتراوح من أبسط أشكال الضرب الى اخطرها الذي یتسبب بترك آثار وتشوھات على جسد الضحیة يسبب لها آلاما نفسية، وينتهي بافضعها .. القتل.

 

- العنف الجنسي:

السلوك الذي یتمثل باستغلال الضحیة جًنسیا سًواء أكانت قاصرة أو بالغة .. بالغصب ولیس بالرضا، بصورة اعتداء دون رضاء المرأة، سواء المتزوجة أم غیر المتزوجة كالاغتصاب والتحرّش والإرغام على المحرمات الجنسیة الشاذة.

 

- العنف النفسي:

محاربة الضحیة معنویا وًمحاولة إیذائھا وإذلالھا نفسیا بًإیجاد المعنف لنفسه الأعذاركأن تكون تحت مسمى الدین أو السلطة أو غیرھا.ویتجسد بالحبس وتقیید الحریة، فرض الحجاب، الطرد، الھجر، الجفاء، التحقیر .. وكذلك إذلالھا وإشعارھا بالدونیة أو الشتم والتحقیر .. واتھامھا بالجنون أو التھدید التي تؤدي الى قتل الطاقات العقلية والاصابة بامراض نفسية مثل الاكتئاب والانكفاء على الذات.

 

-العنف اللفظي:

وفیھا تكون الألفا ظ الجارحة ھي الوسیلة التي یستخدمھا المعنَفِ ضد ضحیته بما یؤدي إلى إیذاء مشاعرھا مثل السب أو الشتم أو أي كلام یتضمن التجریح، أو وصف الضحیة بصفات مزریة تشعرھا بالإھانة أو إنقاص قیمتھا الاعتباریة.

ولا ينحصر العنف الموجه ضد المرأة بالأسرة (أب، زوج، أخ .. )كما هو شائع، بل هنالك ثلاثة مصادر اخرى، هي:

 

- العنف المجتمعي

ويقصد به العنف الممارس من قبل المجتمع ضد المرأة الضحیة، الناجم عن موروثات الأعراف والتقالید الاجتماعیة والتفسیر الخاطئ للدین التي تسوغ أو تسھّل أو تعطي الحق بشرعیة ممارسة العنف ضد المرأة وتقیید حریتھا، وممارسات تنتھك حقوق المرأة التي قد تكون على شكل تحرّش أو تحمّل أي نوع من التمییز الجندري. وتكون بیئتھا الأماكن العامة والمنتزھات وطوابیر الانتظار والشوارع.

 

مفارقة:

في العراق .. (جاد) النظام الديمقراطي على المرأة بنوع جديد من العنف هو (العنف الطائفي).فقد استغل او اضطر او اجبر الرجل الشيعي على تطليق زوجته السنّية، وكذا حدث للرجل السنّي المتزوج من شيعية .. حتى لو كان لديهم اولاد وبنات وصلوا مرحلة الدراسة الاعدادية!.

 

- العنف المؤسسي

هو العنف الممارس في المؤسسات الحكومیة وغیر الحكومیة متمثلا بًالقوانین والتعلیمات والتشریعات والأوامر والنصوص التي تتبنى التمییز، في دوائر حكومية أوقطاع خاص,تقرّه عادات المجتمع ومعترف بھا قانونا أو بصمت من المؤسسة القانونیة الرسمیة.

 

مفارقة:

في شریعة حمورابي، قبل كذا الف سنة!، نص يعطي الزوجة حق الطلاق في حالة عدم ترك زوجها ما يكفي لأعالتها، او تقليله من قيمتها، او رغبته في الزواج من أمرأة سيئة الأخلاق,فيما القانون العراقي لا يجيز لها الطلاق ويساند الخيانة الزوجية من قبل الزوج .. الا في فراش الزوجية!.

 

العنف الأسري

توصلت الدراسات الميدانية الى تحديد اهم اسباب العنف الاسري بالآتي:

• عدم فهم كل من الزوجين لنفسية وطباع الآخر، والتمسك بالرأي، و(العناد العصابي).

• كيفية الانفاق على الأسرة اذا كانت الزوجة موظفة، والاختلاف ما اذا كان الانفاق مسؤولية الرجل أم يجب عليها ان تشاركه.

• الزواج عن طمع او كسب مادي او جاه اجتماعي او مكانة سياسية، ونشوء ازمة حين لا يستطيع احد الطرفين تحقيق ذلك.

• عدم نضوج عقلية الزوج او الزوجة لمواجهة امور الحياة، وفي حالات الزواج المبكر تحديدا.

• الغيرة العصابية.

• وجود عاهات جسمية لدى احد الزوجين تؤدي الى الاحساس بالنقص والانكفاء على الذات او زيادة حاجته الى الطرف الآخر.

• عجز رب الأسرة عن تأمين حاجات الزوجة والأطفال.

وشخصّت دوافع هذا النوع من العنف بثلاثة اصناف:

أولا: دوافع ذاتية: تكمن في شخصية الانسان، ناتجة عن:

أ:عقدة نفسية ناجمة عن سوء معاملة وعنف في الطفولة تدفعه الى التعويض،

ب:نمذجة الطفل سلوكه على سلوك اب يستخدم العنف.

ثانيا: دوافع اقتصادية .. تفريغ الأب لشحنات الخيبة والفقر.

ثالثا: دوافع اجتماعية .. تقاليد تفرض على الرجل التصرف بقوة وعنف، والا نظر له بأنه ضعيف.

خصائص شخصية الرجل المعنف

كثيرة هي الدراسات السيكولوجية التي اهتمت بهذا الموضوع .وقد حدد الدلیل التدریبي الإرشادي صفات الزوج الممارس للعنف بالآتي:

سرعة الغضب والشك، تعكر المزاج، شدة الامتعاض، الحساسیة الشعور بخیبة الأمل، الخوف وعدم الإحساس بالأمان، انخفاض تقدیر الذات، الشعور بعقلیة الخاسر، عدم القدرة على تحمّل المسؤولية، الغيرة العصابية، تعاطي المخدرات وإدمان الخمر، حب التملك، النظرة الدونية للمرأة، وممارسة الجنس باعتباره نوعا من العدوان.

وتوصلت دراسات تتبعية الى ان الرجل الذي يمارس العنف ضد المرأة كان من الذين لديه مشكلات في التفاعل مع الأقران، ضعف في المهارات الاجتماعية، البعد عن الواقعية، والشعور بالنبذ الاجتماعي، وضعف القدرة على تحمّل الغموض،

اساليب تنشئة أسرية خاطئة، والاحساس بانه كان ضحية.

 

استنتاجات .. وتوصيات.

يعدّ علم النفس اكثر العلوم الانسانية انشغالا بالعنف ضد المراة.وما قدمناه هو خلاصات مركزة لأسبابه ودوافعه وانواعه ومصادره والخصائص الشخصية للرجل المعنف.

ونشير هنا الى استنتاجين:

الأول: مع ان العنف ضد المرأة موجود حتى في المجتمعات المتقدمة، اذ تفيد دراسة حديثة ان امرأة واحدة من كل عشر نساء في المجتمع الفرنسي .. تتعرض الى العنف، فان احصاءات منظمة الصحة العالمية ومنظمات نسائية عربية ومؤسسات حكومية تفيد بأن نسب العنف ضد المرأة في البلدان العربية هي من بين الأعلى على مستوى العالم .. وان اقسى ظاهرتين لهذا العنف هما جرائم الشرف والطلاق التعسفي.

والثاني: ان الحكومات العربية بلا استثناء لا تكترث بدور علم النفس والطب النفسي في دراسة هذه الظاهرة واقتراح سبل معالجتها .. وعليه فاننا نوصي بالآتي:

- قيام اقسام علم النفس وعلم الاجتماع في الجامعات باجراء دراسات ميدانية تتقصى اسباب العنف ضد المرأة في مجتمعاتنا ومؤشراتها الاحصائية، وتواترها وآثارها النفسية على الرجل المعنف والضحية والاطفال.

- قيام وسائل الاعلام بالتوعية العلمية عبر برامج وكتابات يتولاها اختصاصيون بعلم النفس والاجتماع.

- تخصيص اقسام او اجنحة في المؤسسات المعنية بالصحة النفسية، تتولى عملية التأهيل النفسي لمرتكبي العنف الجندري.

 - اجراء فحص نفسي من قبل استشاريين بعلم النفس والطب النفسي لكل راغب في الزواج يؤكد سلامته النفسية من الاسباب والعقد التي تدفعه لارتكاب العنف ضد المرأة.

ان حجم هذه الظاهرة الاجتماعية والاخلاقية الخطيرة أخذ يكبر في المجتمعات العربية لاسيما تلك التي تعيش اوضاعا سياسية غيرة مستقرة .. والعراق بشكل خاص.وعلى افتراض ان بعض الحكومات العربية ستوليها اهتمامها، فان اجراءات الحد منها ستكون ناقصة وغير مضمونة الديمومة ما لم يكن لعلماء النفس الدور الرئيس فيها.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

 

المرأة بين منهج الدين ومنهج الأخلاق.. أين هو الخلل؟!

من العسير الخروج على القاعدة العامة، التي يتشكل منها الوجود الأنساني ومحيطه الأديان السماوية الألهية، والتشريعات الوضعية البشرية.. والتي تقوم على أن المرأة قبل أي قانون أو تشريع أو أية أحكام اجتماعية استولدها العرف الأجتماعي أو القبيلي أو العشائري أو المذهبي أو العرقي.. هي أنسان قبل كل شيء.. المرأة أنسان.. ولا أحد في هذا العالم يستطيع أن يلغي هذه الحقيقة الوجودية.

وعلى أساسها يمكن، ومن خلال هذه الزاوية، النظر إلى أن المرأة مكون وجودي أنساني لا غنى عنها.. لا من قبل الرجل ككائن أنساني يشاركها في كينونة الوجود، ولا من لدن المجموعات أو المجتمعات البشرية أينما كانت!!

ولكن.. أين هو الخلل، الذي في ظله تستلب المرأة في حريتها وانسانيتها وحتى في وجودها؟، في أي زاوية يقبع هذا الخلل وفي أي رأس يعشش؟، هنا هو السؤال الكبير.!!

- لأن الأديان السماوية جميعها قد أحكمت بنصوصها أهمية المرأة في الوجود الانساني، ولا خلاف في ذلك إلا في بعض التفسيرات التي شرعها (الأنسان) - وليست التشريعات التي وضعها الله عز وجل بقدر - والتي ترى وتجتهد بما تريد وبما يناسبها في امور تنطوي في بعض اوجهها على الوجه القسري في التسلط وغياب الثقة في التعامل والقيادة.. وبهذا يضع البعض المرأة في خانة أدنى مرتبة من الرجل، ربما بسبب مقاسات القوة العضلية.. ولكن القوة ليست وحدها معياراً كافياً يضع الرجل في قمة المرتبة الأولى، بل ان العقل الانساني هو الاساس الذي يحكم معامل القوة لدى البشر، فما نفع القوة إذا غاب العقل.. قد تكون المرأة اكثر عقلانية من الرجل، وربما العكس، وقد يكون ذلك بحكم الثقافة والموروث الناجم عن العادات والتقاليد والنظرة المتوارثة عبر القرون.

- البعض من التشريعات يصوغ العلاقة الكائنة بين الرجل والمرأة على اساس (القدرة) فينتج عن ذلك (تبعية) دونية للمرأة حيال الرجل.. وهذه صياغة قسرية وغير انسانية، لأنها تنتج نمطاً من (عبودية) قسرية هي في حقيقتها صنيعة البشر.. لماذا؟ لأن الرجل قد يكون خائفاً من أن لا تكون سلطته (رجولية)، بمعنى القدرة في القوة والقدرة على القيادة حتى لو كان الأمر خارج نطاق (العقل).!!

- البعض.. في نظرته الدونية لشريكة في المكون الأنساني يفصح عن كون المرأة (عورة) يتوجب إخفاؤها عن الأنظار بهذا التوصيف المزري.. ويجتهدون في كل شيء لهذا الأخفاء.. الغرب أدرك هذا وعمل على العكس.. فكشف (العورة) واستباح العفة وفضح المستور بأسم الحرية.. حرية المرأة وحَوَلَ جسد المرأة وذاتها إلى سلعة رخيصة، فأسقط عنها قيمتها الأنسانية.. والهدف من ذلك ليس فقط إثبات العكس، إنما (إثارة) النزعة التطرفية في مجرى النظرة إلى حرية الفرد وحرية الرأي وحرية التعامل، التي تدخل في خانة الرذائل.. وهنا.. يصطدم الأمر بموضوعة الأخلاق - ولهذا حديث مؤجل- له فلاسفته الكبار مثل " سبينوزا " - الدين والأخلاق.!!

- من يصنع الدين.. ومن يصنع الأخلاق؟!.. هذه أسئلة غريبة ولكنها ليست صعبة بل ممكنة.. الدين من عند الله عز وجل الذي أنزل الكتب السماوية وخاتمتها القرآن الكريم على الرسل وآخرهم نبي الأنسانية محمد (ص).. والدين نصوص مقدسة لا اجتهاد فيها، وهي نصوص في القيم والأخلاق تصلح في كل زمان ومكان.. فسر البعض من هذه النصوص عبر مئات السنين تفسيرات دخلت خانة الأجتهاد.. فظهرت اجتهادات لا أول لها ولا آخر تراكمت فولدت إرثاً هائلاً من وجهات النظر والرؤى حتى لحالات لا تستوجب التفسير وتعد مخالفة للنص ومشوهة للمضمون ومشوشة للمعنى والمقصد وخارجة عن سياقها التاريخي.. هذه الأجتهادات في التفسير أنتجتها عقول (بشر) وليسوا آلهة حتى ولو كانوا صالحين متدينين ولهم مكانتهم في سلم المعرفة والصلاح.. ولكنهم ليسوا أنبياء معصومون.. الأنبياء وحدهم المعصومين.. لماذا؟ لأنهم يوحى لهم، وما يتحدثون به ليس من عندهم إنما من عند الله.. وهنا ايضاً يقع الخطأ في مسائل الخلط.. لأن التفسيرات والأجتهادات تمر عبر (عقول) بشرية هي في حقيقتها (غير كاملة) بل تتكامل على وفق التراكم المعرفي الأنساني.. أنه عقل يتكامل ولن يصل إلى درجة الكمال.. والكمال لله فقط.

تنتج (العقول) تفسيرات قد تكون خاطئة أو غير صائبة أو غير مكتملة أو غير ناضجة تؤدي إلى تداعيات وانقسامات في التطبيق.. أما النصوص الألهية فحاشى ان تكون خاطئة او ناقصة او ظالمة للمرأة أو الرجل ولا للبشرية أينما حلت.. فهي نصوص وجدت أساساً من اجل صلاح البشرية وعصمتها من الخطأ والأنحراف عن منظومة القيم التي تضمنتها وفي مقدمتها الأخلاق.. (وإنكً لعلى خلق عظيم).. ومثل هذه النصوص السماوية واضحة ولا غبار عليها (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم) الآية 13.. بمعنى.. إن الذكر والأنثى بنو أب واحد وإمرأة واحدة.

 

إذن.. من يخل بهذه المعادلة التشريعية التي أحكمت العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس (التقوى)، التي جوهرها منظومة القيم؟ دعونا نؤجل البحث عند الحديث عن جوهر العلاقة الكائنة وغائيتها الوجودية، ونركز على الجانب القيمي الذي تحدده المجتمعات البشرية.. وهنا أيضاً تكمن إختلافات تتحكم فيها شروط ذاتية لنشأتها وتكوينها، كما تتحكم فيها ظروف تلك الأزمنة الموضوعية في تحديد القدرة على حكم المنطق، الذي يتعامل مع موضوعة العلاقة بين الرجل والمرأة وبالعكس، والنظرة الأجتماعية لهذه العلاقة، والتي تحدد معاييرها منظومة القيم التي يصوغها ذلك المجتمع او التجمعات البشرية في ازمنة متعاقبة، تُرَتِبُ (تراكمية) في المفاهيم، كما تُرَتِبُ (تحولات) قيمية قد تكون نسبية تقتصر على تلك المنظومات من القيم.

- منظومة القيم في كل مجتمع هي التي تحدد طبيعة العلاقة والتعامل القيمي والأخلاقي بين أفراد المجتمع.. وهذه المنظومة لا ينتجها العقل الأنساني من فضاءات أو خيالات، إنما هي نتاج راسخ يمثل إنعكاساً لنصوص دينية مقدسة، فضلاً عن موروث القيم المتراكمة مثل: قيم الشجاعة - وهي مشترك انساني لدى كل شعوب العالم - والنزاهة، والأستقامة، والعدل، والوفاء بالعهود، والمساواة، والتعاطي مع مكون الأخلاق الأنسانية، والنبل في التعامل.. كل هذه القيم تشكل المعطى الأنساني الذي يقوم على (احترام الكينونة الأنسانية سواء كانت انثوية أو ذكورية).

- معيار الأخلاق.. يرتبط بالعدل ويرتبط بالمساواة ويرتبط بالحقوق، كما يرتبط بالحرية (التي يجب أن تتوقف عندما تبدأ حرية الآخرين..)!!

قال الله تعالى يخاطب الرسول الكريم (إنك لعلى خلق عظيم..).. لماذا لم يقل، إنك عادل أو إنك منصف أو إنك شجاع أو إنك نزيه أو إنك وفيَ أو إنك شهم عظيم؟.. لأن الأخلاق.. هي مدخل كل عناصر منظومة القيم في أي مجتمع.. وهي المعيار الأساس الذي يشير إلى الصلاح أو إلى الأنهيار والتفسخ!!

- دعونا ننظر إلى الحضارات.. وهي تنمو وتترعرع ثم تشيخ وتنحدر إلى، إما الموت والأندثار أو إلى سبات عميق قد يدوم قرون.. لماذا؟ لأن هذه الحضارات وهي في تكوينها الرئيسي وليس الثانوي، الأصلي وليس الفرعي.. تقوم على مرتكزين أساسيين - وهنا نتحدث عن الحضارات الأصيلة وعددها ست حضارات ولا نتحدث عن الحضارات الفرعية التي اندثرت وانقرض بعضها - وهما: المرتكز (المادي) والمرتكز (الأخلاقي)، لكي تستقيم أركان الحضارة على أساس منظومة قيمها وتحقق التوازن بين المرتكزين على وفق الثبات النفسي والأستقرار في البناء المادي والأعتباري للحضارة.

متى تنهار الحضارة.. ومتى يتفسخ المجتمع؟ حين يختل التوازن بين المرتكزين المادي كقاعدة بناء متطور والأخلاقي كمنظومة قيم تكفل تماسك خلية المجتمع من التفكك وهي العائلة.. الحضارة تنهار حين تبتعد كثيراً عن اخلاقها وتنغمس في مادياتها بحيث تصبح مأخوذة بمعايير مادية تقيس على أساسها كل شيء حتى القيم.. عندئذٍ تمسي المعايير الأخلاقية معايير مادية فيحل التفكك ثم التمزق ثم التفسخ ثم الضمور والأندثار عن طريق الصراع!!

- ما نراه تفسخ مخيف لقيم الغرب.. وتزمت مخيف لقيم الشرق.. في الغرب تستباح قيمة المرأة وتحول إلى سلعة بأسم الحرية.. يقول البعض: أن المرأة حرة، وحريتها هي المسؤولة عنها، وجسدها هي حرة في ان تمنحه لمن تريد أو ترغب ولا سلطان لأحد عليها فهي حرة في جسدها ايضاً.. هذا المنطق ينظر ألى الأمر من زاوية فردية واحدة وكأن المرأة تعيش وحدها دون مجتمع، وتتصرف كفرد وليست جزءًا حيويًا في عائلة تتشكل في عوائل هي في وجودها المتراص تشكل المجتمع.. فإذا دخل السوس إلى الوحدات البشرية تهتك تدريجياً المجتمع البشري.. الدين ينصح ويرشد إلى طريق الصواب، والكنيسة لا تقوى، لانها لا تستطيع أن تقف بوجه الحرية المجردة من الأخلاق!!

- الحضارة العربية الأسلامية، من الحضارات العريقة الأصلية، وإن عاشت سباتاً طويلاً بفعل السطوة والهيمنة الخارجية التي تمنعها من النهوض والتطور.. وإن أرض العرب هي مهبط الرسالات السماوية التي اختارها الله من دون غيرهم من الأقوام.. لماذا لم تنزل الرسالات ويظهر الأنبياء في أوربا مثلاً أو في أقوام آسيا أو أفريقيا.. لماذا كان التخصيص العرب وارض العرب؟ لأن منظومة القيم لدى تلك الأمم والشعوب غير قادرة على احتضان الرسالات السماوية، ولأفتقارها لـ(منظومة قيم أصيلة) قادرة على النهوض بأعباء حمل الرسالة والتبشير بها، فهي الوعاء القادر على تحمل المسؤولية التاريخية والقيمية والأخلاقية للعالمين.. وحين وصل العرب المسلمون الى اقاصي الارض للتبشير بالرسالة الاسلامية، لم تعترض عليها شعوب تلك الدول والممالك، ولم تقاومها تلك الشعوب، بل ارتضت بها وآمنت بنصوصها وقيمها الاخلاقية وعدالة متجهها.. لماذا؟، لأن العرب المسلمين لم يكونوا استعماريين، ولأن انظمة تلك الممالك لم تكن عادلة، وان منظومة قيمهم لم تكن مرضية عنها من لدن تلك الشعوب التي كانت مسلوبة الأرادة ومقموعة وتعاني من غياب العدالة كما تعاني من الأستلاب والقهر والتمييز اللآإنساني..!!

- جاء العرب المسلمون الأوائل لينشروا منظومة القيم الانسانية بين شعوب العالم، وليس استلاب حريتها واذلالها وقمعها ونهب ثرواتها.. وعلى اساس هذه الحقائق تعايش العرب المسلمون في اسبانيا اربعة قرون، حل في ربوعها العدل والمساواة التي لم تألفها تلك الشعوب من قبل!!

كيف اختلف الأمر الآن؟ منْ عكسَ واقع الحال في منظومة القيم (العربية الأسلامية) الأصيلة الى الحد الذي اختل فيها معيار الأخلاق ومعايير قيمية اخرى، ومنها تكريس النظرة الدونية الى المرأة؟!

- معالجة موضوعة المرأة لا يجوز ان تكون مجتزئة تستل من لائحة المشكلات التي تعانيها الشعوب.. إنما هي واحدة منها، ومعالجة كل المشكلات في منهج موضوعي واحد، ومعالجة موضوع المرأة يكون في صلبها.. لماذا؟ لأن الأشكالية القائمة هي إشكالية تطور شعوب يجب أن يكون تطوراً صحيحاً يأخذ مساره الصحيح على قاعدة منظومة القيم نظاماً ونظاماً دستورياً يشترط تنشيط العرف والثقافة الأنسانية.. ولا بأس في أن يأخذ موضوع المرأة حيزاً خاصاً في معالجة وضعها في المجتمع العربي الأسلامي.. بعيداً عن التزمت في الرأي والتحجر على المفاهيم، والأنفتاح على العصر بثقافة تعتمد على الثقة بالنفس في مسائل المرأة وحريتها ومكانتها القيمية والأنسانية في المجتمع.

- في اوربا، وفي ظل منظومة القيم السائدة انتشرت ظواهر أو ظاهرات غريبة وتفاقمت منذ بداية السبعينيات من القرن المنصرم، ولا رادع لها قانونياً، ولا عرفاً اجتماعياً، ولا قراراً كنسياً، كظاهرة (تبادل الزوجات) وظاهرة (عدم اعتراض الزوج أو الزوجة على قيام أي منهما بصداقات خارج إطار الحياة الزوجية) وظاهرة (أن تبيت الزوجة ليلة في الأسبوع مع من تريد ولا اعتراض لدى الزوج، لأنه يماثلها في ذلك)!!

فالأنحرافات الفردية تحدث في كل مكان، ولا تعرف مجتمعاً محدداً، غربياً كان أم شرقياً، مسيحياً بوذياً يهودياً أم مسلماً.. ولكن مثل هذه الأنحرافات وهي تتحول إلى ظاهرات عامة مسكوت عليها عرفاً اجتماعياً ودستورياً تشريعياً واحكاماً كنسية، فالأمر يدخل عندئذٍ في دائرة الضوء والدراسة والبحث عن المسببات والعوامل التي حولت الأنحراف الفردي إلى ظاهرة لا يكترث لها المجتمع، على الرغم من سلبياتها الكارثية على الوحدة الأجتماعية التي تُكَوِنُ المجتمع ومنظومته القيمية!!

والتساؤل هنا.. ما هو دور الدولة حيال هذه الظواهر.. وما هو دور المؤسسة الدينية منها؟

- يقول البعض.. أن المرأة مسؤولة عن جسدها، ولا سلطان لأحد عليها، وهي تستطيع ان تمنحه لمن ترغب أو تشاء.. لأنها هي المسؤولة عنه، وهو حقها ولا احد يسلب منها هذا الحق أو حريتها في ذلك؟، هذا الكلام صحيح في مضمونه المجرد وعلى مستوى المنطق المجرد ايضاً.. ولكن إين هي حرية المجتمع عند تلك الحدود؟ فحرية المرأة هي جزء أساس من حرية المجتمع.. والحرية هنا بمفهومها العام الواسع هي حرية المجتمع التي لا تتجزء، وتتوقف حرية الفرد، كما قال "منتسيكيو" و "جون بول سارتر" و"سيمون دي بوفوا" عندما تبدأ حرية الآخرين.

- المجتمع، أي مجتمع، في حريته المكفولة بمنظومة القيم معني بالمحافظة على كينونته من الأنهيار والتفسخ، لماذا؟ لأنها مسؤولية تاريخية واخلاقية، وخلافها ينهار المجتمع ويتحول إلى افراد لا رابط بينهم سوى الغرائز!!

- ينبغي أن يصار إلى تفهم سيكيولوجية المرأة.. ماذا تريد وماذا تحب؟!

ربما تكون هذه التساؤلات سهلة، ولكنها في النتيجة تصب في متلازمة لها مدلولاً واضحاً يتعلق بالرابطة الاجتماعية وبالخلية التي يبنى على اساسها المجتمع كينونته الأنسانية:

المرأة بحكم تكوينها الأنثوي وتدفقها العاطفي وجمال روحها وجسدها ومكانتها في العائلة والمجتمع، تريد (الحب والأحترام والصدق والصراحة والرعاية والحماية).. هذه هي الأساسيات وليست الثانويات، وبحكم تكوينها أيضاً تحب المرأة (أن تكون جميلة وقادرة على انتزاع إعجاب الرجل كأنثى وأن تظهر بما يجعلها محط جذب الرجال والنساء في آن، وتحاول أن تكون كالزهرة التي تفوح بعطرها لتجذب أسراب النحل إليها)!!

هكذا خلقها الله.. قطعة من جمال.. ليس هناك امرأة ليست جميلة أبداً. ولكن.. هنالك إشكالية محضة حين يختل التوازن عندها بين (الأساسيات) وبين (الثانويات)، فترجح أو تُرَجَحْ عندها الثانويات على الأساسيات، فتتحول طواعية ربما بدون وعي ذاتي كافٍ إلى جادة الثانويات فتنغمس كلياً أو جزئياً في بركها التي تقود إلى التحلل أو الخروج عن الخط الصحيح المتوازن... لماذا تقبل المرأة لنفسها أن تكون سلعة.. صحيح أن الشركات الكبرى والصغرى تعمل على استثمار المرأة كسلعة في كل شيء؟ وهذا الأمر لا يقاس عليه.. ولكن تأثيره الفاضح كبير على عقول وأذهان المجتمع في غياب الروادع التربوية والحصانة القانونية والدستورية، ليس تسلطاً فوق رقاب المرأة إنما تسلطاً فوق رقاب الشركات الرأسمالية التي تسعى إلى الربح ولا غير الربح حتى لو هتكت المجتمع وانحدرت المرأة إلى مستوى الأنحطاط!!

- ويقبع خلف هذه الشركات، التي لا تعد ولا تحصى، فكر معروف يستهدف الربح الفاحش، كما يستهدف في بعض جوانبه أو لا تهمه النتائج، التي تنتهي بالتفسخ والإستلاب وبالتالي الأنحطاط الأخلاقي.

- من المسؤول عن هذه الشركات؟ الدولة مسؤولة.. النظام الأجتماعي مسؤول.. القوى السياسية والدينية مسؤولة.. بمعنى هي المعنية بوضع حدود وضوابط لهذا العبث واللآمبالاة حفاظاً على (وحدة العائلة) و(وحدة المجتمع).. والعمل على كبح جماح هذه الأفكار التي تُسَرَب عبر المظاهر المفروضة على الذوق العام - لسنا معنيون بالتفاصيل - ولكن النظام الرأسمالي، هو هكذا.. يسير بدافع الحصول على اكبر كمية ممكنة من الأرباح، ومهما أنحطت الأخلاق.. وتراكم الثروة، مهما تفسخ المجتمع.. وتلازم (الثروة والقوة)، مهما انحدرت الأمور إلى الأنحطاط.

الدين.. لا يُقرُ العودة بالحالة إلى ما قبلها حين تسلب المرأة وتستلب من محيطها وتعرض سلعة تباع كالرقيق.. الدين يرفض نهج الرقيق.. الدين يرفض العودة إلى وأد الطفلة التي خلقها الله بقدر لأنها أنثى.. الدين يحاسب على الأرتداد بالحالة إلى ما قبلها حين عامل الأقدمون المرأة على أنها (تابع) وانها (عورة) و(لا قيمة لها إلا بالرجل).. الدين يُحَرمُ المساس بروح المرأة وكرامتها، ووضعها الله شأنها شأن الرجل على وفق معيار (الأيمان) و (التقوى).. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. فهي ليست أدنى من الرجل ولن تكون.. وهي ليست تابعاً للرجل.. ومن غيرها، كحقيقة تنعدم الحياة، كذلك الرجل.. وكليهما مصدر ديمومة الحياة، وكليهما في وحدة الوجود الكلية.. وإن معالجة مشكلات المرأة لا تنفصل عن معالجة مشكلات الرجل.. ومعالجة مشكلاتهما معاً ليست مجردة عن معالجة مشكلات المجتمع في مكوناته الأجتماعية والأقتصادية والثقافية والنفسية.. فمن الصعب ان تكون المعالجات (مجتزئة)، ومن الصعب الحديث عن معالجة جزء من حالة، وفصلها عن معالجة أجزاء الحالة العامة برمتها، فذلك يمثل خللاً في التفكير وعطلاً في تراتيبية العقل واولوياته.

الأخلاق.. التي تشمل، كما أسلفنا، مجموعة القيم، معنية بها مناهج التربية وقبلها الأعراف السائدة والتشريعات الناتجة عنها.. فهي منبع القيم، التي ترفض الشك، وترفض منهج الغلو، وترفض مسلك التزمت والتعصب والأتيان بحالات رفضتها الأديان من قبل.. إنها العلاقة الرصينة بين الرجل والمرأة القائمة على أساس الحب والأحترام والصدق والرعاية والحماية والتراحم.. وخلاف هذا الأساس يرفضه منطق الدين ومنطق الأخلاق.!!

د. جودت العاني

26 / 2 / 2015

 

المرأة: (عبدة للعبد)

jamal moustafaحَـيَّـيْـتُـهُـنَّ        بـيـومـهـنّـهْ

مِـن سـودهـنَّ  وبيـضـهـنّـهْ

الجواهري

 

المرأة: (عبدة للعبد)

و

النص(المقدس) قامعـا

 

عـنـوان هذا المقال من وحي قصيدة لعبد الوهاب البياتي يصف فيها حال المرأة في الشرق العربي الأسلامي (عبدة للعبد في الشرق الأجير)، وهي فعلا كذلك ولا يمكن تحريرها بمعزل عن تحرير الرجل الذي يمثل دورين في سياق هذه المأساة فهو من جهة (عبد) ومن جهة آخرى (رب) أو نائب رب.

ما هو النص المقدس؟ خلطة من الرؤى والتعاليم والوصايا والوعود

والوعيد، تقمصت دور(ثابت سماوي) في مواجهة(أرضي: متغير)

وما تَرتب عن التعارض بين الأثنين هو جوهر الأزمة المعقدة التي عصفت بمجتمع تأسس على أزدواجية قهرية لحاجة الثابت الى عكاز يعينه على مسايرة المتغير ومن هنا بدأ العقل التبريري والأعوجاجالمنطقي تحت ضغط تأويل النص المقدس كي يتلائم مع المستجد دون المساس بحرفـيّة النص المقدس مما أفرز ولايزال إنفصاما مزمنا بينالباطن والظاهر في مجتمع مقموع تراتبيا حيث يقمع الفوق من هو دونه ولكن الأنثوي هو العنوان الأبرز لمختلف ضروب القمع الكبرى، كل ذلك بفعل إصرار سدنة الدين على استمرار لا عقلانية ما جاء في النصالديني المقدس حرفيا دون مساس او تغيير، أيْ:على المتغير أن يتكيف مع النص الثابت وليس العكس فأية عقدة بلا حل هذه العقدة التي تخنق المجتمعات الأسلامية المتمسكة بثابت تظنه أزليا وهو ليس أكثر من إنبثاق تاريخي تكلس من فرط الأيدي التي تتمسح بجداره (حائط مبكاهم)، فإذاارادوا تبرير امتهانهم ولا عقلانية مواقفهم تجاه المرأة قالوا: إن المرأة ناقصة عقل ودين وحين يسأل سائل كيف؟ يردون عليه بأنها تنقطع عن الصلاة بسبب الطمث فهي ناقصة دين من هذا الجانب وناقصة عقل لأن شهادة أمرأتين كشهادة رجل واحد، هذا هو منطق مجتمع تشوه منطقهمن كثرة خنوعه لذلك النص الديني اللامنطقي، ولكن البنية القمعية هذه على الرغم من كونها شديدة القسوة فهي هشة في العمق وما إن يتصدى لها خصمها الأوعى والأصلح لقيادة اللحظة التاريخية حتى تتهشم وتتلاشىوهذا ما يستثمره الغرب العولمي حاليا، وما هي إلا لمسات ومساحيقعلى وجوه الممثلين وبعض الطبول العصرية وينزاح الستار ويبدأ عصر جديدويندحر قديم متخشب آن له أن يغادر غير مأسوف عليه.

الدين في جوهره عبودية تتمثل في كون الأنسان عبداً تحت رحمة قوة قادرة على محقه إذا أرادت، قوة غير مطالبة بتبرير ما تفعل، فما بالك إذا كان ذلك الأنسان امرأة خاضعة لعبودية مزدوجة. (أليس عبدا في الصميم سيد العبيد؟ الشاعر محمود البريكان).

إن نشأة الأديان في عهد الرق قد حتم هذا التوجه في ظل هيمنة الرجل المطلقة على كل شيء.

(أن أبناء الله رأوا بنات الناس انهن حسنات) هكذا تقول التوراة في سفر التكوين، وفي هذه الفقرة مفتاح لفك ألغاز موقف النص الديني من المرأة الذي كان ولا يزال موقفا مرتابا من المرأةفإن للمرأة سحرا خاصا ذا تأثير على(أبناء الله !)، سحـرا يتجاوز جمالها الخارجي الى كيانها كله فهي ألصق بالطبيعة باعتراف النص الديني نفسه فالذكور(أو صفوة الذكور) أبناء الله ليسوا طبيعيين مقارنةبالأنثى بينما حواء- واسمها يعني فيما يعني الحياة - منهاتأتي الحياة، كل هذا جعل من(أبناء الله) عنصرا قلقا في الملحمة البشرية انعكس على شكل نصوص(كتبها الله لصالح أبنائه!) أثرت وما زالت تؤثر على مليارات من البشر عبر التاريخ والى أجل غير مسمى.

 

(وقال (يهوا): تكثيرا أكثر أتعاب حبلك بالوجع تلدين أولادا والى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك) هكذا يرى يهوا أو الله التوراتي المرأةفهل أختلف النص المقدس الأسلامي جوهريا في مخاطبته المرأة عما كان عليه في النص التوراتي؟

(قال انه من كيدكن إن كيدكن عظيم) والسؤال هنا: كم مرة قيلت هذه الأفكار في الحياة اليومية وكم مرة اقتبسها واستشهد بها الرجل، وكم تتردد على مسامع الملايين في العالم عند سماعهم للقرآن؟ وللقارئ أن يتخيلهذا التحامل غير المبرر من خالق على مخلوقته، إن عقدة الأنثى التي كرسها النص المقدس لم تقف عند حد وتسللت الى كل نشاط بشري، خذ الفن مثلا وتحت عنف هذه النظرة أجهز الأسلام على فن النحت بالضربة القاضية فخسرت ما تسمى بالحضارة الأسلامية فنا من أعرق الفنون وبسبب هذه النظرة حرمت الموسيقى واقتصر الغناء على النص المقدس ومن دون مصاحبة آلة موسيقية وبالتأكيد تحريم ذلك على المرأة فصوتهاعورة أي: في صوتها إغراء. وقد يتبجح أحدهم بأن الحضارة العربية الأسلامية لم تخنق الفنون بل أزدهرت في ظلها وهذا غير صحيح لأن الذي أجازالغناء من الخلفاء(غير الراشدين) لم يكونوا ملتزمين دينيا وغير مرضي عنهم كمسلمينقدوة في الأيمان بمعنى آخر، إزدهرت الفنون والآداب في الحضارة الأسلامية ولكن ليس بفضل ومباركة النص المقدس إنما رغما عنه وعصيانا له وقد فعل الحكام المسلمون بعد سيطرتهم على الهند ما فعلوا بالفنون الهندية العريقة في المعابد، معبد كاجوراو كمثال فهذا المعبد تحفة فنية خالدة وقد حاول المسلمونتهشيم ما فيه من كنوز ومنحوتات ايروتيكية ولكن أتباع تلك المقاطعة ردوهم خائبين وحاولوا في معابد آخرى ولم ينجحوا إلا بشكل جزئيوأكثر تخريباتهم شهرة هو نسفهم تمثال بوذا في افغانستان وما فعله داعشفي كنوز الموصل الأثرية ولن تتوقف بربريتهم حتى يجبروا على ذلك جبرا.

تفكيك النص الديني كفيل بوضع اليد على أصل الجرح أو الشرخ الذي تعمقحتى تحول الى طبيعة ثانية، طبيعة تغذيها وتسهر على بقائها مفاهيم وقيموتشريعات ونمط أسَري وأدب وفنون وإرث موغل في التاريخ، ولأن المسيحية واليهودية قد تبناهما الغرب كنظام وحضارة فقد خرجا من التأثير الفعلي على الواقع المباشر وبقي تأثيرهما مقتصرا على الوجدان الجمعي بينما لا يزال الأسلام يتحكم في المسلم تحكما شبه مطلق وخاصة المرأة. فعبر مؤسسة الزواج تتجلى عبودية فاقعة ويكاد المشرع الأسلامي هناتحديدا يعترف بوضوح في ان الزوجة عاهرة لمشتريها الذي يدفع لهـاثمن احتكارها مقدما ومؤخرا وإلا فما الذي يمنع ان يكون الزواج خيارامتبادلا وعقدا بين شريكين متكافئين بلا دفع يترتب عليه قيومية يسيطرفيها الذكر على الأنثى، والعجيب ان اللغة تفضح جوانيات مسكوتا عنها، خذ مثلا (طلقها) أي حررها من سيطرته أو (فما استمتعتم به منهنفآتوهن أجورهن فريضة) الأستمتاع هنا للرجل وماذا عن المرأة ألا تتمتعهي الأخرى فلماذا يعطيها (أجورا)؟ منطق غريب أقل ما يقال عنهانه منطق يعتبر المرأة بائعة هوى، ومثل هذا كثير لا حصر له وكلهمنبث في صميم العلاقات الأجتماعية الأسلامية، هذا ناهيك عن زواج القاصرات وهو شذوذ جنسي لا غبار عليه وزواج المتعة والمسيار وغيرهكلها أشكال من العلاقات غير المتكافئة بين رجل مهيمن وامراة لا حوللها ولا قوة. هل أدلكم على تجارة تنجيكم؟ تجارة؟ كيف؟ وتنجينا منماذا وممن؟ تنجيكم من عذاب أليم. ولكنني لا افهم بالتجارة ولا أحبها،أنت إذن من الضالين ومن المغضوب عليهم مأواك جهنم وبئس المهاد.

وقد تآزر النظام القمعي والمؤسسة الدينية على حراسة التقاليد وهي تقاليد قامعة للمرأة في الصميم. المجتمعات العربية كانت قد تقبلت ما هي عليه وكأنها راضية إلا طليعة تلك المجتمعات المؤمنة بالتغيير التي كانت ولا تزال هامشية غير مؤثرة تقريبا، ثم انعطف التاريخ فيالعقدين الأخيرين بغتة فتزلزل المعتاد شبه المسكوت عنه وطفح الإسلام السياسي على السطح الذيكشف البؤس المخبأ الذي طالما تبجحوا به باعتباره التشريع الذي يصلح لكل زمان ومكان ثم انتفخ القيح بسرعة فاتضحت الدمامل فاقعة على الجلد لكل ذي بصيرة وعقل غير معتقل، أما المؤمنون فهم يحوقلون.

فصرنا نسمع في الخبر العاجل كيف يذبح المؤمن وكيف يحرق وكيف يسبيويجلد ضحاياه في الساحات العامة على مرأى ومسمع الجميع ليرهب بذلك عدوه الذي هو بالضرورة عدو الله مقتديا بسنة السلف الذابح وهذه نتيجة حتمية لتشوه ظل يتفاقم كميا مستشريا كالسرطان من بلد عربي الى آخرحتىجاءت لحظة تحوله النوعي فصار أشبه بعصاب جماعي هستيري حاد.

عكس الدين في كثير من وجوهه نفسية المهيمن مالك العبيد، البطرياركينائب الرب مجازا والرب فعلا وواقعا، عكس الدين كمرآة صقيلةمشاغله وحاجاته في الدرجة الأولى ثم زادوا عليها بعد ذلك رتوشا ً من هنا ومن هناك و دسوا بعض المقبلات للإيحاء بشمولية كاذبة ولو كان الدين ذا مرونة لما حارب الصوفية ونكّل بأنقى رموزها، الديني الرسمي وهابيا كان أوسلفياأو حتى شيعيا لا يثق بالصوفية لأنها تخلع مخالبه التخويفية، الصوفية شعارها الحب خالصا وفي هذا مقتل للمؤسسة الدينية وحرمان لها من امتيازات معنوية ومادية كبرى فصرخ الفقه الرسمي ولا يزال بوجه الصوفية الأعمق منه، الفاضحة له: إنها بدعة وكل بدعة خروج عن القطيع وهذا أشد ما يخشاه الدين الذي احتكر الله بعد تحويره فصار لايهدد ويعربد غيرة على الله بالمطلق ولكن خشية على صورة لله هومن رسمها وهي أبعد ما تكون عن الكمال، صورة هجينة خلقتحروبا وما زالت بين أتباع صورة الله ألف وصورة الله باء وجيم وحاء الىآخر الأبجدية.

سيد العبيد هذا رفعَ النسبي الذي يتمرغ فيه الى المطلق رغبة منه في الحفاظعلى امتيازاته المادية والمعنوية، وحتى الآن وبعد تغيرات كبرى اجتاحت العالم كله، وقد تهرأت تلكالقيم التي فصلها على مقاسه إلا انه لا يزال يرفض أي تجديد وهو محق في ذلك فإن منظومته العقائدية ستتفكك بمجرد الشروع في إنعاشها بقيممعاصرة تقدمية،إذ يميل الدين غالبا الى التشدد ويرتاب بأية مرونة وتجدد، فالداعيةوالشيخ والمرجع والفقيه توفيقيون ومبررون وبعضهم اقرب الى البلاهةمن فرط جهله بكل ما هو معاصر وحديث ولمنسمع عن رجل دين مسلم مثلا متابع لتطورات الشعر الحديث والرواية والسينما،ناهيك عن سماع الموسيقى والغناء فكيف يمكن التحاور مع مومياآت كهذه؟ ما أسهل التلويح بالنار والعذاب والسعير عند المتدين وما أشد القسوة المتغلغلة في اللغة والحوار والقيم والعادات والأعراف من جراءهذا الفهم السيء للعبادة، فالدين عند المسلم هو قبل كل شيء إلتزام ببغاوي بالشعائر وخوف من عقاب مروع لا يتناسب والجرم الذي اقترفهالعبد المسكين وهذا يعني ان الدين يعتبر الأنسان كائنا فاسدا في طبيعته ويجب تذكيره في كل حين بهذا الفساد المتأصل فيه حتى لا ينسى، هذا ينسحب على الرجل والمرأة لكن الدين يعتبر حواء هي الأسرع الى الأنحراف من آدم ولا يعتبرها طاهرةفهي نجسة بسبب الحيض وهذه النظرة يهودية في الأصل ثم تبناهاالأسلام والنجاسة هنا لا تعني فقط ان جسدها غير نظيف بل تتوغل أكثر لتشمل الروح والجسد معا ولك أن تتخيل وتتخيلي حجم القسوة وانعدام الأفق العقلاني في هذه النظرة وهي في الحقيقة تكشف تبرمه بانقطاع المرأة عن تلبية شهواته أثناء فترة الحيض، فالمرأة موضوع استحواذ جنسي أناني بهيمي ليس إلا.

فما أكذبها من قيم وأسقمها وحتى الشرف اختزله العربي والمسلم الى ما يتعلق بالفروج وحفظها فقط وكأن الشرف هو فقهالنكاح الشرعي والتقيد به وليس مهماً أن تكون مرتشيا، سارقا، عميلا،جاسوسا الخ، كل هذا مسموح به و لا يمس سمعة الرجل إلا بشكل عابر ولا يقارن بضبط ابنته مع حبيبها مثلا ً.

مجتمع منخور يطارد الضحية ويقتلها، مجتمع مخصي بتعاليم تتلبس لبوس الشرع وما هي إلا أغلال لحراسة العفن من حرارة شمس التحولات، مجتمع ذكوري لا يمكن خروجه من وحله الأبدي إلا بمعجزة وليس هناك من معجزات، هناك معجزات لفظية فقط يحتكرها هو نفسه فما الحل؟ لا حل إلا بانهيار منظومته المتهرئة من داخلها بفعل تناقضاتها الداخلية الخانقة التي كلما تفاقمت، عجّـلت بالخلاص.

أما سبي المرأة وختانها القسري وتغطيتها بالبراقع فإن الغرب بلدانا وحضارة انسانية تقود العالم، مدانة لأنها تسمح بهذه الـ(شناعات) في القرن الواحد والعشرين ولا عذر للعالم كله في التفرج على ذلك وعدم القيام بعمل فوري وحاسم لكنْ ربما سكوت الغرب الرسمي حتى الآن من أجل تنضيج طبخة سيأكلها العربوالشرق الأوسط كله، فالغرب كقوة قائدة للبشرية في هذا العصرليس بريئا مما يجري ولا اعني هنا بالغرب سوى الغرب الرسمي وليس الحضارة الغربية. وهكذا تتفاقم أزمات ودمار وفظاعات لم تخطر على بال انسان قبل عقدين من الزمان، كل هذا تمهيد ربما لظهور صاحب زمان عولمي: مهدي منتظر من قبل الجميعقريبا.

اللغات هي الأخرى كونها قد تقعـدت في تلك العهود ما زالت تحمل بصمات السيطرة الذكورية ففي اللغة العربية يتفوق الذكوري على الأنثوي في أبنية وصيغ كثيرة ومن حسن الحظ أن العربية مرنة يمكن تحييدها بشكل أو بآخر.

بفضل الشابكة العنكبوتية وصل صوت المرأة الكاتبة والفنانة فهناك غزارةعددية واضحة بالكاتبات لا تخفى على المتابع وهذا من نِعم وبركات الغربالتكنلوجية. نحن بحاجةالى مئات كنوال السعداوي في دفاعها العقلاني عن المرأة، بحاجة الى انخراط الشاعرة والقاصة والصحفية في التصدي لكتابة صادمة والتخلص من ربقة القاموس الرومانسي المستهلك في الشعرتحديدا، حتى لو اضطررن الى الكتابة بأسماء مستعارة، المهم تمرير قصيدة خارج المقبول عرفيا ودينيا ومؤسساتيا، ونحن بحاجة الى بيان نؤكد فيهبراءة (الله)نـا من ما يقترفه (الله)هم.

على المرأة الكاتبة تطليق اسلوب الرجل الكاتب واجتراح اسلوب انثوي يتوازى مع ابداعات الرجل كتفا لكتف.

لو أن عددا من الكاتبات ينخرط في إطلاق موقع على الشابكة العنكبوتيةيستقطب كل ما هو تنويري حول المرأة العربية ويكون نافذة حرة مفتوحة على هواء نقي بعيدا عن وصاية الرجل، فإن موقعا كهذا سيكون له دورتثقيفي مهم جدا بشرط أن تتولى إدارته وتحرير مواده كاتبات لا تشوب علمانيتهن شائبة.

الإسلام والأديان السماوية الأخرى لن تغفر للمرأة دورها الريادي في التجرؤوالأكل من الشجرة المحرمة (رمز الوعي والرفض للقسمة الضيزى).الأسطورة الدينية تتحامل على الأنثوي بشكل سافر حتى الأفعى كرمز أنثوي آخر مجازي لم تسلم (ولا يقولون ثعبان)، متهمة إياها بإغراء حواء، فلا غرابة أن يترسخ في الوعي الجمعي هذا الشرخ اللاعقلاني مؤثرا في سلوك امة بكاملها،وحتى في خدمة المقدس وعبادته الجماعية تظل المرأة مهمشة لا يسمح لها بدور قيادي فلا يمكن ان تصبح المرأة إمامة مسجد ولا قارئة قرآن

ولا رئيسة قضاة ولا حتى شاهدة مساوية للرجل فشهادة رجل أمي تعادل شهادة امرأتين متعلمتين ولا يسمح بصلاة مختلطة بين الجنسين ولا.. ولا.

يعنف المسلم ويقسو على امرأته فلا يُحاسب بل ينصحه الموروث الدينينصيحة غير ملزمة: رفقا بقارورتك ايها العبد لا تهشمها فإنها هشةفيزداد إعجاب المسلم بموروثه ويتعمق ايمانه ولو فكر قليلا لوجد فيهذه النصيحة إهانة للمرأة إذ اختزلها الى مجرد زجاجة قابلة للكسر بسهولةوسيطلع عليك من يدعي التعمق بكلام العرب وو.. ولكن هل أم كلثومومارجريت تاشر وانديرا غاندي ورابعة العدوية ووو قوارير؟! هذا يشبه ان تقول المرأة مخاطبة امرأة اخرى رفقا بكيس الحيامن وتعنيرفقا بالرجل.

لا جدوى من استعطاف رجل الدين وتقبيل يديه عسى أن يتكرم بفتوى معتدلة تجرم بعض السلوكيات البربرية، ففاقد الشيء لا يعطيه، وليس هناك رجل دين واحد يقبل بالدساتير العلمانية و يسمح مهما كان معتدلا بالسفور والمساواة بالميراث وتغيير قانون الطلاق ومن دون هذه الحقوق الطبيعية والمنطقية والتي تقرها دساتير الأمم المتحضرة فستبقى المرأة عبدة للعبد في الشرق الأجير.

عندما تنطع النسبي في تمثيل دور المطلق جنح به التلفيق الى (لامنطق متعال) هربا الى الأعلى في مواجهة المنطق عسى أن يتهيبه العقل وينظر اليه كـ(ما فوق وما بعد عقلي) فيخضع الى لامنطقه المتعالي، ولن يحتار بعد ذلك أتباع هذا اللامنطق المتعالي في إيجاد التخريجة الزئبقيةلتربيع الدائرة.

بهذه الحركة الإلتفافية المريبة في العصور القديمة انسرق المطلق وتم

إقحامه بقالب(تابوت) ذكوري لا رجعة عنه وهي لحظة فاصلة بين ما قبلها ومابعدها وقد كانت المرأة أكبر ضحاياه وما زالت.

النص المقدس بذرة مريبة ولو لم تجد الماء والتربة الحاضنة لخلقتها لتترعرع شجرة السياط بأوراقها الدائمة الصفرة، بأبابيلها الكامنة في أقفاصها المعلقةعلى الغصون التي تهتز ماطرة سجيلا إذا ما مر من تحتها فيل فرّ أصحابه وبقي وحده تحت ظلها الكابوسي وعفت عنه فقوي خرطومهالذي أخذ عنها فأخذوا عنه وهكذا توالت العنعنات تترى كسلسلة من غبار ملتفة على رقبة الأفق ولكن ما من شجرة قادرة على خنق الأفق فالحرب سجال والأفق يغني متحشرجا، مبحوح الصوت: آه آه يا قصبة الحرية المرضوضة في روحي.

قد يعتبر البعض سطوري هذه إنفعالية لا تعالج أو تسلط الضوء على

هموم المرأة في بلداننا المبتلاة بالفساد والحروب والتيارات الدينية السلفيةولكنني لا أرى قامعا دائما لتطلعات المرأة أشد من الدين بتجلياته كافة خاصة نصه المقدس وهو الأصل الذي يرفعه الخوارج والدواخل، وكلما عداه لا يعدو كونه تفرعا عن المقدس الديني، وخلاص المرأة من هذاالكابوس مرهون بخلاص المجتمع كله والتغيير قادم لا محالة لكن ليس بلافواجع ومخاض أليم، أليم كما يبدو.

 

جمال مصطفى

 

إصلاحية الفكر الأنثوي

mohamad talatمصطلح "الأنثوية" وكل ما يتصل به من دعوات لحقوق المرأة يمثل أحد أشد المصطلحات إثارة واستفزازا في المجتمع العربي الإسلامي سواء أكانت جمهوريات أو ممالك. فقد ساء الوضع أكثر بعد الربيع العربي، خاصة وأن الحركة النسائية عقدت الآمال على هذا الربيع لتغيير المفاهيم في التعاطي مع قضايا المرأة وحريتها سواء على الصعيد السياسي ومشاركتها أو على الصعيد الاجتماعي وحقوقها الشخصية. وهذا ظنا منها بأن الحركة المجتمعية الثورية سوف تقدر وتثمن مشاركة المرأة في الميادين أثناء الحراك الثوري في مصر وتونس تحديدا، والمغرب بشكل خاص، لكن آمالها قد خابت أو تعطلت بفعل فاعل، فمن هذا الفاعل..؟!

ففى ظل المطالبة بالتغيير لاتساع هامش الحرية السياسية في الحقوق والواجبات.. تصر المؤسسات الإسلامية على ضرورة استبعاد أي تغيير أو تأويل لحرية المرأة في ممارسة تجديدية حقيقية لدور فعال لها في المجتمع استنادا على النصوص الفقهية بعورة المرأة ونقص عقلها في الحالة الاجتماعية، وعدم جواز مشاركتها السياسية استنادا على عدم الولاية لها.. الأمر الذي وجد له صدى لدى المؤسسات السياسية السيادية صاحبة القرار في البلاد، حيث اعتمدت هذه النصوص القديمة منهجا لها، لكن تتعامل به من خلف الستار.. وهذا بالتحريض الشعبي بإثارة النص الديني لدى نفوس الأغلبية المجتمعية الأكثر أمية في هذه البلاد، للوقوف أمام الطموح النسائي ومشاركته الفعالة ليكون ندا اجتماعيا أو صاحب قرار سياسي سيادي في بلاد يحكمها التخلف والرجعية في ظل اتفاق ضمني بين المؤسسة السياسية والدينية بخروج المرأة من دائرة القمة المجتمعية، لتبقى مجرد تابعة ومؤيدة لا تخرج أبدا عن الدور المرسوم لها سياسيا أو دينيا.

أغلب الظن أن المرأة العربية قد لا تعرف ذلك، وتقبل الطُّعم السياسي والديني في قبولها الدور المنوط لها والمحدد سلفا حتى لا تخرج عن النص أو السطر. فالمشاركة البرلمانية للمرأة أغلبها محصورة في الدور الشكلي مجرد قطع ديكور تتحرك وفقا لمخطط القرار السياسي "الذكوري"، وهكذا لا يختلف دورها الحزبي. أي نعم هناك مجموعة نسائية أدركت ذلك وغردت خارج السرب، لكن هل أثرت في المجموع.. هل هناك من تبعها؟!!!

بكل تأكيد باتت الحرب أكثر ضراوة بين النساء والنساء في صراعهن حول التمثيل الحزبي أو البرلماني، وانتقل هذا الصراع لحد كبير وفج بين أطياف العمل النسائي فيما بينهن. وهذا بلا شك ضَرَبَ الحركة النسائية في مقتل. ولعل خير شاهد على ذلك الحركة النسائية المصرية بقيادة هدى شعراوي التى تبنت زينب الغزالي كنموذج أنثوي طليعى مؤمن بحرية المرأة الليبرالية بصحيح الفهم الإسلامي، لكن حياد زينب الغزالي فيما بعد، وانضمامها لجماعة الإخوان الإرهابية ضربت حركة هدى شعرواي في الصميم.

أما عن حرب النساء للنساء على صعيد المشاركة الدينية فحدث بلا حرج. فمازالت هناك نسوة مؤمنات كل الإيمان بعدم أهليتها مثل الرجال، وللرجل حق الولاية عليها. وتعد ناشزا إن عصت أمره إلى آخر تلك المقولات الفقهية التى تروج لها ألسنة المؤسسات الإسلامية عبر وسائل الإعلام ومنابر المساجد. فلا غرابة إذن من ظهور بعض الممارسات العنيفة من المرأة على المرأة، فإجراء عمليات تزويج القاصرات تتم غالبا برضا الأم والنساء الكبيرات في العائلة؛ حيث لهن دور كبير في تجهيز الطفلة الصغيرة لهذه العملية وبيعها باسم الزواج، وهي ظاهرة قوية مازالت تمارس حتى الآن بكل جهل وعنف في كل من مصر والمغرب، فضلا عن قبول الأم بإجراء عملية الختان لابنتها وهي ظاهرة أليمة تمارس حتى الآن بكل قسوة في مصر..

زواج القاصرات والختان مسألتان يتم العمل بهما بإيمان جاهل تقوم به المرأة المنومة دينيا والتابعة للمؤسسة الإسلامية، إذ تُخدِّم الأخيرة بشكل ضمني على المؤسسة السياسية، والتي تعمل على أن تبقى المرأة كمًّا مهملا يتم استغلاله في التحريك السياسي لصالح النظام في أغلب الأنظمة القمعية أو في أسوأ الحالات، وكما جنسيا يتم استغلاله باسم الزواج العرفي الأكثر انتشارا في مصر. وكل هذا بالطبع لا يتم إلا بمباركة فقهية سياسية.

بلا شك أن أفدح خسارة مُني بها العقل الأنثوي هو القرار المتعسف بإقفال باب الاجتهاد الأنثوي- على الصعيد السياسي والديني- بل والسخرية منه والنظرة المنحطة لطلائعه، وتعطيل فاعلية الحركات النسائية العربية، وحصرها فيما رُسم للمخيلة الشعبية الذكورية عبر الإعلام والصحف والسينما والتليفزيون، باعتبارهن مجموعة من النساء العوانس (المسترجلات) المطلقات الأرامل الحاقدات... إلخ.

الخروج عن النص والظهور الأمعة والأنانية والغرور الأجوف والمسعي الفردي للطلائع النسائية المنشقة التي تسعي بكل وسيلة لمصالحها الضيقة على حساب الحركة الأم.. في مجملها قد يؤدي إلى مهلكة الحركة النسائية ككل، وبلع العضوة المنشقة في أتون المصلحة والمنفعة التي لن تستفيد منها بشيء سوى أن الآخر الذكري(الديني/ السياسي) سيستفيد أكثر منها.

وقد استفاد بلا شك من هذه الصورة السلبية الواقع البرجماتي السياسي الذي استغل المرأة وحركتها في التمثيل الحزبي والبرلماني والوزاري أو على مستوى القانون في إعطائهن بعض الحقوق القليلة كنوع من تبيض ياقة النظام أمام العالم.

ومن هنا وجب ضرورة إصلاحية الفكر الأنثوي وتجديده. إذا أراد العقل الجمعي الانخراط في العصر العولمتي والمشاركة الحيوية فيه، فعليه أولا الإصغاء إلى استفهاماته الأنثوية والتحديات والعوائق التي تحول بين الطموح النسائي كشريك في النور وليس تابعا في الظل. وثانيا الاجتهاد في تجديد فهم الدين للمرأة، وربطه بديمومة الاستمرار لمواكبة التطور المجتمعي وتحولاته بغية المشاركة في إنتاج حضاري عربي إسلامي- شرق أوسطي- أنثوي.

وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن الفكر الأنثوي حين يتم التأصيل له كرؤية حضارية يمكنه في تلك الحالة التواجد وفرض أطروحاته على الواقع. وهذا الأمر يتطلب من الحركة النسائية أن تجدد باستمرار أدواتها المعرفية، وتحاول اكتشاف المنطق الداخلي للنص للمجتمعي وقوالبه المتأرجحة بين الثابت والمتحول من أجل فهم ينفتح على حركية الحياة ويواكب تطورها المستمر. وبالتالي لن يتحقق هذا المسعي إلا بالنقد الداخلي للحركة النسائية ذاتها والوقوف على مواطن العطب وعلاجها، ليس بشكل مثالي، فالعالم ليس مثاليا، بل بشكل يتماشى مع واقعية المتغيرات المجتمعية التي تسيطر على الواقع النسائي في المجتمعات العربية الإسلامية.

فماذا بعد 8 مارس، وهذا الزخم كما يقال ضجيج بلا طحين، فقد تحول الاحتفال إلى حفل تأبين في سرد مثالب ومحاسن الحركة النسائية المغفور لها. وحصر الإعلام لهذا اليوم في استضافة بعض الكاتبات أو الفنانات المشهورات للحكي عن أعمالهن العظيمة ومشوارهن القاسي في مجتمع ذكوري إلى آخر تلك الحكايات الملفقة الكاذبة أحيانا.. وفي بعض الحالات تنظم بعض الجمعيات الخروجات النسائية للميادين للاعتراض أو ما شابه ذلك.. كلها تصرفات لا تليق بالمرأة ومكانتها الحقيقية، فعليها أن تبتكر آلية جديدة لفرض ذاتها وقنص حقها بتأصيل نقدي وفكري؛ فلا يزال دور المرأة في الدساتير العربية مهملا، والنظر لها كجزء مُستغل من السياسات الحزبية. واعتبارها كائنا غير مؤهل ولا يصلح للمشاركة في خلافة الأرض (دينيا). وحصرها (رأسماليا) كسلعة جنسية في أبشع الصور الاستعراضية والشعبية والفنية. وإبقائها اجتماعيا في طور المستبعد والمستعبد والمنبوذ والمهمل والمحتجب.

كل هذه التحديات المتوارثة صخور نارية.. عثرات متتالية تواجه الفكر الأنثوي العربي في صراعه الأخير في أن يكون أو لا يكون في ظل الرهانات السياسية والمجتمعية التي تشدها المنطقة، إذ تستعرض طائفة من المشاغل الراهنة لمستقبل الأمة العربية ومصير الشرق الأوسط الجديد الذي بالضرورة سوف يعمل آليا على إصلاح العقل الإسلامي والسياسي العربي. وهي فرصة عظيمة يجب على الحركة النسائية أن تستفيد منها وتحقق من خلال أهم مكسب ألا وهو تنقية الحركة ذاتها من الخلط الفقهي والسياسي ليس من عقول عضواتها فحسب، بل من عقول النساء أجمع داخل دائرة نفوذهن في مجتمعهن.

 

د. محمد طلعت

 

في اليوم العالمي للمرأة

abdulah alfyfyiتاريخيًّا، ظلّ المجتمع الذكوري يتكالب على النساء، وفي الوقت نفسه ينظر إليهنّ نظرةً دونيَّة. لا فرق في ذلك بين غرب وشرق، ولا بين أتباع دينٍ وآخر. وفي العصر الحديث تعدَّدت الأقنعة، من وأد المرأة اجتماعيًّا وثقافيًّا، إلى تعريتها، وتسليعها، والمتاجرة بها، وحَيْوَنَتها.

في الغرب كانوا حائرين أ بَشَرٌ هي، أم حيوان، أم شيطان؟! وقد اجتمع مؤتمر (ماكون)، في القرن الخامس عشر الميلادي، لبحث هذا الإشكال العويص، وانتهى من مباحثاته إلى أن المرأة النصرانيّة حطبُ جهنم؛ لأنها بِلا روح، واستثنى منهنّ جميعًا (مريم العذراء)، فقط لا غير! لا لشيء إلّا لكونها أُمّ (المسيح بن مريم)؛ وذلك يشفع لها في النجاة من جهنم! وقد عُدَّ ذلك تطوُّرًا تاريخيًّا في النظرة إلى المرأة! وقبل ذلك، وفي عام 568م، عقد (الفرنسيّون) مَجْمَعًا عِلميًّا مهيبًا خاصًّا لدراسة هذا الموضوع الجَلَل: تُرى هل المرأة إنسان؟ أم شيطان؟ أم ماذا؟ وبعد بحثٍ مستفيضٍ، توصَّلوا إلى نتيجةٍ مفادها: أن المرأة إنسان «في الظاهر»، ولكن إنما خُلِقت لخدمة الرجل، بوصفه «الإنسان الحقيقي»! ولذا كانت المرأة إلى القرن الثامن عشر تُباع وتشترى، كالمتاع في (أوربا). وجاء في القانون الإنجليزي لعام 1805م جواز بيع الرجل زوجته. وكان ثمنها المنصوص عليه (ستة شلنات) لا أكثر! وقد عُدَّ كذلك تطوُّرًا حضاريًّا لافتًا في ذلك القانون أن وَضع شرطًا لبيع الرجل امرأته، أن توافق هي!

-2-

إن الشكّ في إنسانيّة المرأة، والموقف العنصري منها في النصرانيّة، على سبيل الشاهد، إنما جاء مستندًا على مواقف الكنيسة من المرأة. مواقف كانت تذهب، تارةً، ووفقًا للكتاب المقدس، إلى أن شهادة مئة امرأة بشهادة رجل واحد، حسب العهد القديم. أمّا حسب العهد الجديد، فإن عليها أن تَخْرَس في الكنيسة، وأن تكون خاضعةً، خادمةً، لزوجها. وأن خير ما تتعلَّمه المرأة «السكوت والخضوع للرجل»! وأنْ ليس الرجل من المرأة، بل المرأة من الرجل، وهو تاج رأسها. وتكفيها جريرةً أنها أغوته للخروج من الفردوس، فقد اقترفت إثمًا أبديًّا مبينًا وخطيئة لا تُغتفر! وأن على المرأة إمّا أن تغطِّي شَعرها أو أن تحلقه نهائيًّا. استنادًا إلى ما ورد في (الإنجيل): «فأُريد... كذلك أَنَّ النِّسَاءَ يُزَيِّنَّ ذَوَاتهنَّ بِلِبَاسِ الحِشْمَةِ، مَعَ وَرَعٍ وتَعَقُّل، لا بضَفَائِرَ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ لآلِئَ أَوْ مَلاَبِسَ كَثِيرَةِ الثَّمَنِ، بَلْ كَمَا يَلِيقُ بِنِسَاءٍ مُتَعَاهِدَاتٍ بِتَقْوَى اللهِ بِأَعْمَال صَالِحَةٍ. لِتَتَعَلَّمِ المَرْأَةُ بِسُكُوتٍ في كُلِّ خُضُوعٍ. ولكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ ولا تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلًا ثُمَّ حَوَّاءُ، وآدَمُ لَمْ يُغْوَ، لكِنَّ المَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ في التَّعَدِّي. ولكِنَّها سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ في الإِيمَانِ والمَحَبَّةِ والقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ.» «وأُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وأَمَّا رَأْسُ المَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، ورَأْسُ المَسِيحِ هُوَ اللهُ. كُلُّ رَجُل يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ ولَهُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ، يَشِينُ رَأْسَهُ. وأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ ورَأْسُهَا غَيْرُ مُغُطَّى، فَتَشِينُ رَأْسَهَا، لأَنَّهَا والمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. إِذِ المَرْأَةُ، إِنْ كَانَتْ لا تَتَغَطَّى، فَلْيُقَصَّ شَعَرُها. وإِنْ كَانَ قَبِيحًا بِالمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ، فَلْتَتَغَطَّ. فَإِنَّ الرَّجُلَ لا يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ ومَجْدَهُ. وأَمَّا المَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ المَرْأَةِ، بَلِ المَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ. ولأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ المَرْأَةِ، بَلِ المَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ. لِهذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا، مِنْ أَجْلِ المَلاَئِكَةِ...». وكذلك ما ورد في «العهد القديم/ التوراة»: «وكَانَتِ الحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ البَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لا تَأْكُلا مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» فَقَالَتِ المَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الجَنَّةِ نَأْكُلُ، وأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي في وَسَطِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ اللهُ: لا تَأْكُلا مِنْهُ ولا تَمَسَّاهُ لِئَلَّا تَمُوتَا». فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلانِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وتَكُونَانِ كاللهِ عَارِفَيْنِ الخَيْرَ وَالشَّرَّ». فَرَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وأَكَلَتْ، وأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. وسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا في الجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ في وَسَطِ شَجَرِ الجَنَّةِ. فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟!». فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ في الجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لا تَأْكُلَ مِنْهَا؟» فَقَالَ آدَمُ: «المَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ المَرْأَةُ: «الحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ». فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ البَهَائِمِ ومِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ البَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. وأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وبَيْنَ المَرْأَةِ، وبَيْنَ نَسْلِكِ ونَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». وقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».»

وتارةً أخرى، كان يحدث ذلك الاضطهاد للمرأة اتِّباعًا لبقايا موروثات اجتماعيّة، إغريقيّة أو رومانية أو غيرهما، كانت لا ترى المرأة إلّا شرًّا في الحياة، وإنْ كانت شرًّا لا بُدّ منه! ومَن شاء معرفة تاريخ المرأة في بعض المجتمعات الأوربيّة، وما جاورها، كـ(روسيا)، فليقرأ «رحلة ابن فضلان»، (-312هـ= 924م)، حيث وصف أنه كان لبعض ملوكهم أربعون امرأة، لفراشه فقط. وكان إذا مات سيّدٌ، لا بُدّ أن تُقتل إحدى نسائه معه وتُحرَق، بعد ممارسات طقوسيَّة بذيئة، وفي غاية الوحشيَّة والبشاعة.

على أن حقوق المرأة ليست مرتبطة بالتحضّر بالضرورة، كما أن الهيمنة الذكوريّة اجتماعيًّا لا علاقة لها بالمجتمعات البدائيّة، بالضرورة كذلك. فكم من مجتمعٍ بدائيٍّ أكثر عدلًا وعقلًا من مجتمع يدّعي التحضّر!

-3-

أمّا العرب الأقدمون، فلقد كانت معظم آلهتهم العتيقة مؤنَّثة، وتصوَّروا ملائكة الرحمن إناثًا. ولكن يا لمفارقات المجتمعات البشريّة وما بينها من تضادّ القِيَم، وتحوّلات الاتجاهات، حتى في الأُمّة الواحدة. فجاء فيهم وأد المرأة، لأسباب اقتصاديّة واجتماعيّة، وتوارثوا سبي النساء في الحروب واضطهادهن. ورسّخ الشِّعر العربي صورة المرأة العورة، المرأة التي لا تستحقّ الحياة، وهي عِبء على الرجل وعلى الحياة، مثلما جد في شِعر (البحتري) و(أبي تمام) و(المعرّي). [انظر كتابي "نقد القِيَم العربيَّة الإسلاميَّة"، (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2005]. وصوّروها دُميةً، ومادّة لذّةٍ للرجل، بلا حياء ولا ضمير.

أجل، ما انفكّ الشِّعر العربيّ- في صورته الشوهاء- يُغذِّي روح التفاخر القَبَلِيّ، ومضامين الغزو، والنهب، والسلب، والسبي، والإعلاء من عادات استباحة الخصوم، دمًا ومالًا وعِرضًا. وقد بقي فخر الشعراء العرب معروفًا بالغَدر، وبالظُّلم، ووأد البنات- جسديًّا أو ثقافيًّا- وهجاء خصومهم بأنهم: «قُبَيِّلة لا يغدرون ولا يظلمون»، كما في بيت (النجاشي الحارثي، -40هـ= 660م) في هجاء (بني العجلان):

قُـبَيِّـلَةٌ لا يَغـدرون بذِمَّـةٍ ** ولا يظلمون الناسَ حـَبَّةَ خَـرْدَلِ

فمن العيب لدى العرب أن لا يكون المرء غدَّارًا ظلومًا! و«الظُّلم من شِيَم النفوس»، كما قال حكيم الشعراء الأكبر (أبو الطيِّب المتنبي).

ثمّ ها هم أولاء كبار الشعراء الإسلاميين يتفاخرون ويمدحون أسيادهم بالبربريّة الهوجاء في استباحة الأعداء، وبسبي النساء والأطفال في الحروب. ها هو ذا (أبو تمام الطائي) يمدح الخليفة العباسي (المعتصم) في بائيَّته المشهورة في فتح (عموريّة)، بقوله:

كَم نيلَ تَحتَ سَناها مِن سَنا قَمَرٍ

وتَحتَ عارِضِها مِن عارِضٍ شَنِبِ

كَم كانَ في قَطعِ أَسبابِ الرِقابِ بِها

إِلى المُخَدَّرَةِ العَذراءِ مِن سَبَبِ

أَبقَت بَني الأَصفَرِ المِمراضِ كَاِسمِهِمُ

صُفرَ الوُجوهِ وجَلَّت أَوجُهَ العَرَبِ

بيضٌ إِذا اِنتُضِيَت مِن حُجبِها رَجَعَت

أَحَقَّ بِالبيضِ أَترابًا مِنَ الحُجُبِ

ويقول (أبو فراس الحمداني) كذلك:

إِنْ زُرتُ خَرشَنَةً أَسيرا

فَلَكَم أَحَطتُ بِها مُغيرا

وَلَقَد رَأَيتُ النارَ تَنـ

ـــتَهِبُ المَنازِلَ وَالقُصورا

وَلَقَد رَأَيتُ السَبيَ يُجــ

ــلَبُ نَحوَنا حُوًّا وحُوْرا

نَختارُ مِنهُ الغادَةَ الــ

ــــحَسناءَ والظَّبيَ الغَريرا

أمّا (أبو الطيِّب المتنبي)، فيقول:

وأَمسى السَّبايا يَنتَحِبنَ بِعَرقَةٍ ** كَأَنَّ جُيوبَ الثاكِلاتِ ذُيولُ

إنها ثقافة عالميَّة عريقة في ظلم الرأة. لا علاج لأمراضها إلّا بتحكيم قوانين في العدالة الإنسانيّة، تعلن القطيعة مع تلك الموروثات المريضة. فالإنسان ما لم يعصمه عقل، ويحكمه قانون إنساني صارم، هو أكثر توحُّشًا من الحيوان. وما الظواهر «الدواعشيَّة» والإرهابيّة اليوم إلّا وليدة تلك المدارس الثقافيَّة

-4-

في مقابل ذلك، وفي متابعة سيرورة السلوك الاجتماعي الغربيّ مع المرأة، يُلحظ أنه لمّا تقرّر لدى حكماء الغرب أن المرأة لا تخلو من بشريّة، انتقلوا إلى مرحلة جديدة، إنما طوّروا فيها سلوكهم القديم ليجعلوا المرأة سلعةً معروضةً، ومتعةً عموميّةً للذكور، وَفق سلوكهم الحديث. والغريب أن المرأة نفسها ظلّت تستسلم لذلك حديثًا، كما استسلمت لمثله قديمًا، بل هي كثيرًا ما تُناضِل من أجله باستماتة، وتراه حُريَّتها؛ فهي بذاك حفيدة تلك الجارية التي كانت تَنْذُر نفسها للقتل والحرق مع سيِّدها، كي تَلْحَق به في الجنّة، حسب وصف ابن فضلان لمشاهداته في المجتمعات الأوربيّة! وهنا يتجلَّى الارتهان للسلطة الذكوريّة. والمرأة حينما ترضى بدرجةٍ أقلّ من تلك الدرجة التي هيّأها الله لها، عقلًا وروحًا وجسدًا، متنازلةً عن كامل حقوقها الإنسانيّة، إنما تُسهم في إهانة نفسها بنفسها، على نحوٍ أفظع من الإهانة الذكوريّة لكرامتها.

لقد اتُّخذت المرأة وفق الحضارة الغربيّة- العريقة في نظرتها المحتقرة إلى المرأة- مطيّةً تجاريّة؛ لأنها في نظرهم تصلح لتلك الوظائف الحيوانية والشيطانية الإغرائيّة جميعًا؛ لتوافرها على خصائص المخلوقات الثلاثة: الحيوان، والشيطان، وبعض الإنسان. وما أزياء المرأة، التي ابتكرها الغرب في العصر الحديث، دون سائر الشعوب «المتخلّفة»، إلاّ إرثٌ تاريخيٌّ عن نظرته السلبيَّة إلى المرأة. وما كانت المرأة الغربيَّة هكذا تلبس قبل القرن العشرين.

-5-

لا فرق إذن، فواقعنا المعاصر وريث تراث التخلّف والظلم، اختلفت الأقنعة والوأد واحد! مع أن المتتبع سيلحظ أن وضع المرأة العربيّة وحقوقها العامّة قد آلت إلى تدهور في القرون الأخيرة، وذلك بسيادة تيارات دينيّة ومذهبيّة متشدّدة، عزّزت نزوعًا اجتماعيًّا موروثًا. وبذلك انحطّت مكانة المرأة المعنويّة عن ذي قبل؛ إذ يشهد تاريخنا الاجتماعي أنها كانت أفضل ممّا هي عليه الآن، كما تشهد الوثائق المكتوبة على مقدار ما كانت تحظى به من احترام لا تعرفه اليوم. فلقد كانت تلقّب، مثلًا، بـ"السيِّدة"، وبـ"الحُرّة"، وهما لقبان يستنكف بعض من في نفوسهم جاهليّة عن منحهما المرأة، دون أن يدركوا بأنهم بذلك الاستنكاف إنما يهينون أنفسهم هم، بإهانة أُمّهاتهم وبناتهم وأخواتهم أو احتقارهن! بل إن بعضًا ليشتمّ من لقبين مثل هذين دعوة إلى تحرير المرأة، بما يكتنف مفهوم "تحرير المرأة" في تلك العقول من رِيَب وارتيابات؛ ما ينمّ، في ذاته، عن موقف من المرأة، على أنها غير جديرة أصلًا بأن تكون "حُرّة"، بل أن تكون "أَمَة"، أو شِبْه أَمَة!

-6-

كُـلُّ الدُّنْـيَــا الأُنـْـثَـى ، وعَلَـيْـــ

ـها كُـلُّ الأُخْـرَى سَـوْفَ تَـدُوْرْ

* * *

مَـنْ قـالَ : « الأُنـْـثَـى شـَـيْـطـَانٌ »؟

فابْـنُ الشَّيْطَانِ هُـوَ الـمَـغْـرُوْرْ!

مَـنْ قـالَ : « الـمَـرأةُ عـارٌ » فَـهـْـ

ــوَ وَلِـيْـدُ الـعَـارِ أَتـاكَ يَـخُـوْرْ

الـمَـــرأةُ مَـنْــزِلَــةٌ عُـلْـــيــَــا

بَـيْـنَ الإِنسـَــانِ وبَـيْـنَ النُّـــوْرْ

وُئِـدَتْ فـي بَـحْـرِ غِـيَــابٍ ، وابْـــ

ـتُـزَّتْ - دَجَـلًا - في بَـرِّ حُضُوْرْ

* * *

سَـلْ (لَـيْـلَى) / (لُـوْ أَنـْـدِرْيـَـاسَ):

ما ذَنـْـبُـهُما إنْ جُــنَّ صُقُــوْرْ؟!

مَـنْ كُــلُّ الـمَـرأةِ صَــيْـدُهُــمُ:

جِـنْـسًا ، أو مُـلْكَ يَـدٍ ، وبَخُـوْرْ

مُـذْ (قَـيْـسٍ) حـتى (نِـتْـشَـةَ) والسَّــ

ــوْطُ الـضَّارِيْ بـَـرْقٌ مَـسْطُـوْرْ

وكـذا يَـحْـكِــــيْ (زارادِشـْـــتُ)

فـي جَـهْــلٍ نِـسْـبِـيٍّ مَشْهُــوْرْ

كَـتَـبُـــوا : هِـيَ حَـيَّــــةُ آدَمَ ، أو

قـالُوا : مَـوْتُ الرَّجُـلِ الـمَغْـدُوْرْ

* * *

أَ ذُكُـــوْرَةُ هـذا الكَــوْنِ بِـــنـَـا؟

أَمْ أَنَّ الأُنـْـثَـــى داءُ ذُكُـــوْرْ؟

هَـمَـسَـتْ ، فـارْتَـفَّ نَـوارِسـُـهـــا،

وتَـكَـسَّــرَ صَمْـتٌ مِنْ بَـلُّـوْرْ:

أُنـْـثَـى .. ذَكَــرٌ .. ذَكَــرٌ .. أُنـْـثَــى،

لا فَـرْقَ ، ضَحـايـا هُمْ ونُـذُوْرْ

تَـئِـدُ الأُنـْـثَـى الأُنـْـثَـى ، وتُـمَـــزِّ

قُ شَـرْنَـقَـــةً أُنـْـثَى الزَّنْـبُـوْرْ!

وسَـيَـلْـتَـهِــمُ الجُـــبُّ يُـوْسُـفَـــهُ

ويـُحَمْلِـقُ فـي وَجْهِـيْ كالعُـوْرْ

* * *

لا تُـغْمِـضْ عَـيْـنًا ، وافْـتَــحْ بِــــيْ

فـي الشَّمْسِ نـَهارًا .. جَنَّـةَ حُـوْرْ!

وارقُصْ- قالتْ - رَقْـصَ « التَّـنْـغُوْ »،

بـِيْ مُلْـتَـحِـمًـا وبِـلا مَـحْـظُـوْرْ

تَـرَ (مَـرْيَــمَ) فـي عَـيْـنِـيْ تَصْحُـوْ

و(خَـدِيْـجَـةَ) مِنْ شَفَـتَيَّ تَـفُـوْرْ

فالـمَــرأةُ مَعْـدِنُــــكَ الأَرْقَـــــى

وبِمَعْـدِنِـكَ الأَرْقَـى سَـتَـثُــوْرْ!

 

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

19 فبراير 2015