قضايا واراء

اللا شعور الاستثنائي / حسين سرمك حسن

husan_sarmak«قلة الشخوص هو ما يفرضه المنطق الداخلي للقصة القصيرة، إنّ فضاءها شعري لا يحتمل الضجيج أبداً».

«التألق البلاغي الشكلي يهدد بلاغة الفعل القصصي،

 لا أجري وراء اللغة الرنانة ولا وراء المهارة اللغوية لذاتها ولا وراء اتساع مساحة القصة.. كل هذه النوايا خارج الفن».

«محمود عبد الوهاب»

 

ملخص:

تدور قصة «عابر استثنائي»(1) حول امرأة متزوجة تلمح شيخاً يمشي بتثاقل في الشارع فتتعاطف معه فوراً وتبدأ بالتفكير بالشيخوخة مجسدة ذلك في تساؤلاتها – ومحورها حالة الرجل الشيخ – التي بدأت بتوجيهها إلى زوجها الذي كان يتناول طعامه بلا مبالاة. كانت الزوجة منفعلة بسبب حالة الشيخ المهدم الذي تصورته مريضاً وتعيساً في حين كان الزوج يرد عليها ببرود وعقلانية ولا اكتراث في النهاية يجابه الزوج زوجته بالصمت.. ينظف أسنانه ويترك الحنفية سائبة يرتطم ماؤها بحوض المغسلة محدثاً أصواتاً مختنقة.

 

التحليل:

إذا اعتبرنا الرجل الكهل مثيراً خارجياً EXTERNAL STIMULUS فإن وجوده المباشر بالنسبة للزوجة وغير المباشر بالنسبة للزوج قد أثار استجابتين نفسيتين بل متناقضتين: الأولى هي استجابة الزوجة المفرطة من حيث نوعها وكمها والتي اندفعت بحماس في إضفاء سمات مؤثرة ومؤلمة على الكهل وإلى حد التساؤل المرّ  عن مصيرها الشخصي، أما الثانية فهي استجابة الزوج المعقلنة المسمومة والذي كان يزرد طعامه ببرود ولا مبالاة ويطرح التنظيرات حول المصير الفردي ويمضغها كما يمضغ قطع اللحم، هناك استجابة مهمة ثالثة هي استجابة المبدع سنؤجل بحثها حين نناقش مضامين رؤيا القاص التي طرحها في مقالته المهمة: قص القص.. سيرة حياة قصة قصيرة(2).. فما الذي يحكم الاختلاف بل والتناقض بين الاستجابتين وهما لزوجين تعايشا نفيساً سنوات طوال؟

لقد علمنا التحليل النفسي أن من الجوهري أن ننـزل عن المغالاة في تقدير خاصة الشعور قبل أن يصبح في مستطاعنا أن نكّون أي رأي صحيح في منشأ ما هو نفسي.. ومن الواجب أن نفترض أن اللا شعور هو الأساس العام للحياة النفسية، فاللا شعور هو المنطقة الأوسع التي تضم بين جوانبها منطقة الشعور الأضيق نطاقاً فكل ما هو شعوري له مرحلة تمهيدية لا عشورية، بينما قد يظل اللا شعوري على هذه المرحلة ولا يفقد مع ذلك حقه في أن نسلم له بكل قيمة العملية النفسية، فا اللا شعور هو الواقع النفسي الحقيي وهو في طبيعته الباطنة مجهول منا، نجهله قدر جهلنا بحقيقة العالم الخارجي، كما أنه لا يمثل لنا بوساطة معطيات الشعور إلا مثولاً ناقصاً على نحو ما يمثل العالم الخارجي بوساطة رسائل أعضائنا الحسية. أما الشعور الذي كان مطلق القدرة يوما ما وكان يحجب كل شيء عداه فهو عضو حسي مجعول لإدراك الكيفيات النفسية: هذا هو كل عمله، ولا نستطيع أن نرى في الإدراك الشعوري إلا وظيفة خاصة بنظام معين ويشبه الأنظمة الإدراكية من حيث خصائصه الميكانيكية، أي أنه قابل لأن يتهيج بوساطة الكيفيات ولكنه عاجز عن أن يحتفظ بآثار التغييرات: أي أنه خالٍ من الذاكرة، إذ ليس من المعقول أن ذات النظام يستطيع أن يحفظ تغيرات عناصره حفظاً أمنياً مع بقائه رغم ذلك مستعداً لاستقبال مناسبات التغيير أي يقوم بوظيفتين، «الذاكرة والإدراك معاً(3)» وهنا يثور التساؤل المهم: ما هي طبيعة ذكرياتنا وأين تحفظ وما هو فعلها؟

إن ذكرياتنا ذات طبيعة لا شعورية في ذاتها ولا تستثني من أعمقها انطباعاً فينا. إن موقعها في اللا شعور وجزء منها يقع في منطقة قبل الشعور وهو الجزء الذي نستدعيه بجهدنا الإرادي... ومن الممكن جعل ذكرياتنا شعورية ولكن الذي لاشك فيه هو أنها تظل قادرة على أن تحدث كل أثارها وهي في وضعها اللا شعوري(4) إنها في حركة دائبة ضاغطة... تبحث عن منفذ عبر ستار الشعور وقبضته الرقابية.. وعلى أساس هذا المخزون المرجعي تقاس أهمية وفعل المثيرات الخارجية ويحدد اللباس (الرمزي) لها.. أهمية الأشياء تنبع من الداخل لا من الخـارج.. يستـطيع أي طفل الجلوس مع أسد إذا لم يختزن صورة سلبية سابقة للأسد.. ومن هناك.. من اللا شعور تأتي شحنة الانفعال  الساخنة لتعلق بالفكرة (الشعورية).. ومن هناك نبدأ (بإسقاط) انفعالاتنا الذاتية على الأشخاص والأشياء والحوادث لتكسبها معان رمزية ذات حدود فردية واسعة ومتنوعة يختلف فيها كل فرد عن الآخر مهما كانت درجة رسوخ علاقتهما وتماثلهما النفسي الظاهر.. من هناك تأتي الموجة – الصاخبة أحياناً – فتغمر المثير – الشخصي أو الشيء أو الحادث – وتجعله «استثنائياً»..

ترى الزوجة العابر الكهل يرفع رأسه أحياناً ويديره بتثاقل صوب المارة والمباني المحيطة بجانبي الشاعر.. إلى هنا تبدو هذه الملاحظة (منضبطة) شعورياً ومعقلنة.. ولكن حين يقول الراوي – ومن وراءه القاص: «التفتت نحوه فوجدته يدب طرقاً كأنه يحسب خطواته بانتظام، وكأن شيئاً ما في داخله ينكسر، كان يجرجر قدميه مثل حيوان جريح».. فإذا كان حساب خطوات الكهل يمت بصلة أكثر وثوقاً برصد الخارج المادي المحايد فإن (انكسار الداخل) يمثل معاينة غائرة لا تتوفر للمرأة مستلزمات التقاطها وقد أمسكت بها من خلال (معرفتها) هي نفسها.. هذه المعرفة التي اكتسبت شحنتها الانفعالية من (الداخل).. لا شعور المرأة هو الذي رأى انكسار الرجل العابر وداخله الممزق في حين كان عين الشعور تحسب عدد الخطوات وانتظامها وترقب الهامة المطرقة.. عين الداخل السرية الراصدة.. صراعات الداخل العميقة المؤرقة هي التي جعلت الحوار بين الزوج والزوجة.. بعد أن وضعت الأخيرة شجيرة الظل وفتحت النافذة – يأخذ منحى متناثراً ومتناقضاً.. المشهد واحد لكن زاوية النظر الداخلية مختلفة.. ففي حين انصب اهتمام المرأة على هم الكهولة (هل نشيخ نحن أيضاً؟) والتي زرعتها في مركز اهتماماتها في تلك اللحظة صورة الشيخ العابر نجد أن الزوج كان غارقاً في ازدراد طعامه بـلا مبالاة ويجيب على تساؤلاتها الجادة – جادة بالنسبة لها.. لاهتمامات داخلها – بإجابات مستخفة أو أنها – في أقل تقدير.. تسطح الأمر وتوغل في تسفيهه..

وحين نقول إن التساؤلات التي أطلقتها الزوجة كانت جادة وحاسمة بالنسبة لها فذلك لأن من الغريب أن يتساءل فرد عن حقيقة وجودية كبرى هي من المسلّمات رغم قسوتها الباهضة من منا سيفلت من خنجر الموت الباشط؟ من يتحمل رؤية حجارة حائط العمر تتهاوى واحدة بعد الأخرى بعد أن ركز فوقه منتشياً في ذروة شبابه؟ إن تساؤل أي فرد يفترض فيه النضج واستيعاب حقائق الوجود عن مسلمات وجودية يعبر عن إنكار حاد في الواقع وقد يشي بدرجة من النكوص الطفلي. وهذا هو ما يقع فعلاً على المستوى العميق من دوافع الفرد المستترة التي يشكلها اللا شعور حسب قانون التناقض الأولي الـPRIMARY PARADOX الذي يحكمه وفيه يعترف الفرد بثناء الآخرين في الوقت الذي لا يقر فيه بثنائه الشخصي.. وهذا في وجه من وجوهه تعبير عن القدرة الكلية – OMNIPOTENCE الطفلية – إن التساؤل الإنكاري الذي طرحته الزوجة يعكس – وهو يحاول إبعاد شبح أمر مقرر شامل وعام هو الكهولة المقبلة – شدة وقع هذا الحدث في نفسها ودرجة  القلق المستعر الذي يثيره في داخلها غروب شبابها البهي.. وقد عبرت عن كل تلك الدوافع المقلقة.. من حيث لا تدري – حين صاغت إرهاصاتها في صورة تساؤل: «لماذا كنت أحس بأنه مختلف؟ كان يقطع الشارع وكأنه يودع مدينته، هل تعتقد بأنه مريض؟».

وتتسع الهوة بين الانهمام المؤلم الذي يعتمل في صدر الزوجة بسبب انكسار الكهل العابر وبين تلك الاستكانة واللا مبالاة الجليدية التي يظهرها الزوج.. لقد أخبرته زوجته قبل قليل بأنها شاهدت الكهل الكئيب هذا الصباح ولكنه عاد ليتساءل عمن تقصد بقولها إنها «رأته يقطع الشارع وكأنه مريض...» إن المسافة النفسية شاسعة بين العالمين.. لقد فاضت أمواج تماهي الزوجة مع الكهل الكسير حتى بلغت حدود الافتراض بأنه مريض ولا يستطيع أن يتحمل مرضه وحده...».. في حين كان الزوج يرى في ذلك إسرافاً منها في الخيال.. وهذه المساجلة الظاهرة حيناً والمغلفة حيناً آخر تعبر في الواقع عن اصطفاف متقابل أسسه القاص بين نظرة أنثوية مثلتها الزوجة ونظرة ذكورية مثلها الزوج.

وقد جعل القاص – بذكاء ممزوج بمكر الفنان الذي يجيد صنعة تغليف علامات انحيازه بأردية الفن الأخاذة – لمسات الأنثى واضحة ومفعة بالحيوية والتمسك بالحياة.. لقد استهل قصته بمشهد عن الزوجة وقد أتت بشجيرة ظل إلى بيتها.. شجيرة هي رمز للأنوثة والعطاء والنماء في حين جعل الرجل – الزوج ينهمك بفعل يومي غريزي نتشارك فيه مع جميع الكائنات.. ثم كان الفعل الثاني للمرأة – الزوجة التي هو أنها أبعدت شفتي الستارة البنفسجية عن بعضهما فانسل ضوء الشمس فضياً عبر مخمل الستارة إلى الصالة.. وهي حركة مقصودة عزز من خلالها القاص الصورة المشرقة للمرأة وفعلها الجمالي في مسار أحداث القصة.. في الوقت الذي كان فيه يلاحق أفعال الرجل الفجة والغارقة في اليومي التافه ليقيم مقابلاً سلبياً ذكورياً – تجاه النموذج الأنثوي الإيجابي الذي طبعه الانهمام بالجانب المستتر ولكن المقلق من حركة الحياة.. فأول سمة رصدها القاص م الرجل هي رفاهة الشخص المظهري (قميصه الأبيض الأنيق وربطة عنقه نصف المفتوحة..) وهي سمة تعزز المفارقة بين الطرفين بدرجة أشد.. ففي حين لا يشير القاص إلى أية مسحة جمالية محددة في مظهر الزوجة عدا فعلها المنسق مع هاجسها المؤرق المرتبط بلعبة الموت والحياة المريرة نجده يثب إشارات جمالية عن مظهر الزوج مع تأكيد أكبر على فعل لا يتسق والهم العام الذي سيطر على أجواء القصة.. وقد تمثل هذا الفعل المتناثر في ازدراد الزوج اللا مبالي للطعام.. وقد أوصل القاص المفارقة حدودها القصوى حين جعل الزوج يطرح (أرقى) استناجاته المتعلقة بالموت والحياة بعد أن يكمل قطع اللحم ويبعد الطبق الذي أمامه ويعلن متخوماً: «اسمعي يـا عزيزتي، لابدّ لنا من إحدى النهايتين: إما أن نموت صغاراً أو نعيش حتى نشيخ، هل بإمكاننا أن نفعل غير ذلك؟...» لقد كان هذا الاستنتاج البارد ولكن الحقيقي ختام التبعية الغريزية المذعنة في حين كان احتجاج المرأة الساخن ولكن الإنكاري بداية التمرد اللا شعوري وكون الذات عصية على الفناء...

لقد كانت الزوجة المسكينة تسند خدها إلى راحة يدها – في حركة هي تعبير عن استكانة اليائس المحاصر... «واجمة لا تصغي إليه» فلا يحد الزوج (اللوح) النفسي  الذي تنعكس عليه استجاباته وتضيع في الفراغ التواصلي الهائل سخونة الاستجابة المقابلة..

ثم يصمم القاص حركة أخرى يسأل فيها الزوج الغافل عن خنجر «المثكل» على حد وصف جلجامش – زوجته وهو منهمك في ابتلاع قطع اللحم:

- هل كان تعيساً إلى هذا الحد؟

- فيكشف من خلال ذلك انهمامه المقابل ولكن بذات الموضوع الساخن المؤرق – حلول النعامة تنعشها الأرض الرملية وأرض الموت صخرية قاسية – وتعبر الزوجة عن قسوة صخرة الموت الرهيبة من خلال إسقاط صاروخ لانفعالاتها التي تحتمل التأجير على العابر الاستثنائي بقولها: «إنه وحيد مهموم بشيخ في كل لحظة» وتأتي الحركة المقبلة صاخبة في قسوتها وتعسفها حيث يصمت الزوج ولا يجيب بأي شيء ويترك «الحنفية سائبة يرتطم ماؤها بحوض المغسلة محدثاً أصواتاً مختلفة».. إهمال.. وفوضى.. وغفلة ذكورية لا تصحو وتطلق سهام جعبتها (المعرفية) إلا بعد أن تمتلئ جعبة  الأحشاء الحيوانية.. وحين تنطلق سهام التعليقات والمداخلات فإنها تنفلت من فم «مليء برغوة معجون الأسنان».. ولم تهزه خيوط الشيب التي ظهرت في مقدمة شعر زوجته.. وهي إشارة واضحة لعجلات قطار سيسحقنا جميعاً اسمه: الزمن..

ولأن القاص (محمود عبد الوهاب) هو من بين الرواد المجددين الذين تميزوا بالإنارة التي تستلزمها الدقة والصرامة في (صنع) القصة التي تأتي رشيقة وبلا ترهات وفيها كل حركة مقصودة ولكل شيء معناه مهما كان بسيطاً فقد انعكست هذه المهارة على هذه القصة التي جاءت محكمة خطط فيها القاص لأدق التفاصيل بدراية واقتدار... فحين تبعد الزوجة شفتي الستارة وينسل ضوء الشمس كاشفاً (العدة) الذكورية: الأشواك والملاعق والصحون يبقى جزء من الضوء يلتف حول كتف الزوج كأنه أفعى على حد تعبير القاص وتطرح المرأة سؤالها الحاسم مباشرة: هل نشيخ نحن أيضاً؟ وهو السؤال الذي أربك كل شيء.. لا أدري.. هل جاء رمز الأفعى هنا عفواً وبلا قصد.. بالنسبة لقاص مقتدر و(مفكر) مثل (محمود) أنا أشك في ذلك.. ورغم أننا لا نستطيع الجزم بقصدية قاطعة إلا أنّ ما مرّ بنا من تحليل لوقائع القصة المرتبطة بطرفيها الرئيسيين: الزوج والزوجة وطبيعة الدوافع الحاكمة في أعماق كل منهما يتيح لنا القول بأن هذا الرمز – الشبيه بالأفعى – لم يأتِ عبثاً.. وأغلب الظن أن القاص أراد بذلك خلق حالة من الإيحاء والتداعي إلى محنة الطرد الفردوسية الأولى الـتي اضطلعت بها بجدارة حواء – الأم فقد أوشكت عبر سؤالها الحاسم هذا رغم بساطته، على أن تدفع بآدم – الزوج من جديد إلى جحيم الشقاء وتطرده من (فردوس) الاستكانة والمهادنة والتسطيح.. ولأن الطرد الأول ارتبط بشقاء المعرفة ولأن كل محاولات حواء – الزوجة في تحقيق الإغواء المعرفي الذي سيترتب عليه إلقاء الزوج – الرجل في أخطر مصيدة وجودية – مصيدة معنى هذه اللعبة السوداء المسماة: الحياة والموت – قد باءت بالفشل فإن القاص يعود وحسب لعبة الترميز الحلمي التي برع بها من قبل – إلى إعلان نفض يدي حواء – الزوجة من محاولة الإغواء المقدسة هذه.. لقد أنهى الرجل – الزوج الطبق الذي أمامه وازدرد قطعة اللحم الأخيـرة متمسكاً حتى النهاية بحبال ظلام الخديعة.. وهنا يعلن القاص بحق أن محاولة إنقاذ ضوء المعرفة – ضوء الخلود أصلاً – قد أجهضت.. «فانزلقت بقعة من الضوء على صدره فسقطت على أرض الصالة بين قدميه..» وقد يعتقد البعض أن من التعسف تفسير هذه (الفسح) السردية وفق معان رمزية واسعة وهي لا تزيد – في حقيقتها – عن محطات لاسترداد أنفاس الشخوص – ومن ورائهم المبدع – وتوفير وقفة تأملية – ومن ثم وصفية قد تهبط أحياناً إلى مستوى الحشو.. ولكن كل من أدرك بدقة (عمل الحلم) والفعل الإبداعي شكل من أشكال علم الحلم – سيطرح الدهشة جانباً لأنه يمسك بالدليل القاطع من خلال تحليل الأحلام على أن مـا يتكرر في المحتوى الظاهر يتمتع بقيمة رمزية عالية في التعبير عن أفكار الحلم.. ولذلك لم ينسَ القاص العودة إلى بقعة الضوء التي تشكلت كأفعى أولاً ثم هوت إلى الأرض ثانياً..

ونفس هذا التفسير ينطبق على خاتمة القصة التي أشار فيها القاص إلى أن الزوج لم يجب زوجته بشيء وترك الحنفية سائبة يرتطم ماؤها بحوض المغسلة محدثاً أصواتاً مختلفة.. وهي مفردة تنسجم تماماً مع المناخ النفسي الناتج عن تصارع الواقعين المتناقضين.. لقد أوصلت سلسلة الإحباطات واللا اكتراث التي أبداها الزوج تجاه محنة زوجته.. أوصلت الزوجة إلى مرحلة الاختناق.. «كانت واجمة لا تصغى إليه، وقد أسندت خدها إلى راحة يدها» ويعلمنا التحليل أن بإمكان عمل الحلم تمرير غاياته من خلال آلية «الانتقال» التي يوظف عن طريقها أبسط الأشياء بقعة الضوء، الحنفية..إلخ بل وأكثرها تفاهة كمحمل تعلق به الرغبة اللا شعورية وتتستر بأغطية.. بل والأكثر من ذلك فإن «الانتقال» وبالتالي تمرير الرغبة يكون أكثر نجاحاً وفعلاً كلما كان مغرياً ومحرفاً وعالقاً بأشياء بسيطة.. والارتطام والاختناق الذي يسببه ماء الحنفية (يختم) القصة بصورة تقرب من آلية «الإنضاج الثانوي» في عمل الحلم وهي الأمثولة التي يدخل بها عقل الحالم، بمقدار ما يقترب من الفكر اليقظ، شيئاً من النظام، المصطنع بدرجة أو بأخرى، على منتجاته الحلمية.. أو كما يقول «هافلوك إيليس»: «إننا نستطيع أن نتصور الأشياء بالطريقة التالية: يقول الشعور النائم: ها قد جاء سيدنا، الشعور اليقظ، الذي  يعلق أهمية كبرى على العقل والمنطق هيا لنأخذ الأشياء، ولنرتبها – فأي ترتيب كان، يكون مناسباً – قبل أن يدخل فيحتل المكان..».

والآن: هل كان هذا العابر استثنائياً فعلاً؟ وهل ستسعفنا لعبة (ثريا النص) التي يحاول بعض المبدعين إيهامنا بفعلها – المكتوب يعرف من عنوانه – فيما لو كان العنوان «شجيرة الظل» أو «حيرة» مثلاً؟ إن العابر الكهل لم يكن يحمل أية سمة استثنائية على الإطلاق وهو لا يختلف عن أي كهل عابر آخر نراه في الشارع خلال حياتنا اليومية.. ماذا نتوقع من رجل كهل غير أن يكون متثاقلاً وذا مشية واهنة؟ ما الذي يجعلنا نعتقد أن الكهل العابر الفلاني منكسر في الداخل ويبدو مثل (حيوان جريح)؟..

إن (استثنائية) الداخل.. الحال الاستثنائي الضاغط ودوافع الزوجة العميقة والانفعالات المترتبة عليها هي التي جعلت العابر الكهل يكتسب وضعاً استثنائياً.. يكفيه أنه زعزع الوجود المستكين لامرأة وهز بقوة وعنف شجرة آمالها الرخية في الحياة الفتية المزدهرة.. أجهض تلك السعادة الباذخة التي وفرتها شجيرة الظل التي احتضنتها المرأة قريباً من القلب.. كانت المرأة تقول: لماذا كنت أحس بأنه مختلف؟» لتشير من دون أن تدري إلى استثنائـية الداخل.. وإلا فلماذا لم يحس الزوج بأن الكهل مختلف؟.. إن إدراك الفعل الكاشف للعنوان (عابر استثنائي) لا يتم إلا بعد الإحاطة بالصورة الكلية (الجشطلت – GESTALT) التي يوفرها تحليل القصة النهائي وإلا ما الذي يضيئه عنوان قصة المبدع «محمد خضير» المئذنة – وهي تتحدث عن يوم في حياة (مومس) سابقة؟..

نأتي الآن إلى السؤال الأكثر حساسية وجوهرية وهو: ما علاقة نفسه؟ ما هي تمظهرات حضوره في النص؟ وهل (يموت) المبدع بعد ولادة النص الصعبة؟

الإجابة الشافية عن هذا السؤال تنقلنا إلى مناقشة وتحليل (قص القص.. سيرة حياة قصة قصيرة) وهي رؤيا القاص حول الكيفية التي ولدت فيها قصة (عابر استثنائي) ولكنها في حقيقتها ومراميها نظرة شاملة في شروط الخلق الإبداعي..

 

تحليل (قص القص.. سيرة حياة قصة قصيرة)

يقول المبدع: (قبل ضحى ذلك اليوم من عام 1993، لم تكن قصة (عابر استثنائي) حتى مجرد غمغمة في داخلي، إنها لم تبعث بإشاراتها بعد..) من هنا يضع القاص أصبعه على جرح الخلق الإبداعي.. فالدفعة الأولى لأي فعل خلق وابتكار تأتي من الداخل.. نحن نجمع الحطب طوال أيام وشهور كما يقول (غوته) وننتظر الشرارة.. فمتى ترسل (القصة) شرارتها التي  تشعل الحطب تؤجج حرائق الإبداع؟ في كثير من الأحوال يبدأ الفعل الإبداعي.. على الخلق على شكل نداء غامض.. غير محدد.. حركة تململ في الداخل مشوشة ومربكة هي أصلاً تململ المكبوت اللا شعوري.. إنها الحركة الجينية الأولية: «لكن محاولة نمها بناء كينونتها..».. ويخطئ من يتوقع أن مرحلة التوقع والانتظار هذه مشحونة بانفعالات سارة وملذذة فقط.. إنها مشحونة تماماً أو ممزوجة بالألم.. «أخذت أتأهب لاستقبالها – القصة – في صحوة الحواس وانفتاح المخيلة مثل عاشق يترقب في قلق دائم عودة حسنائه في قطار قادم يجهل ساعة وصوله..».. إنها مرحلة قلق دائم وألم ممض – يقولون إن انتظار الموت أقسى من الموت نفسه – الرغبة اللا شعورية اللائبة دائمة الحركة وتبعث بآلاف الإشارات التي ينبغي ترتيب مؤشر المذياع لالتقاط ترددها الموجي الصحيح.. «ظللت أتفحص الأمكنة من حولي وأتطلع إلى الوجوه وأنصت إلى أصوات المارة لعلّني أقع على بشارة الآتي ورغبة لا تهدأ تغويني على أن أضع هذا الرهق البهيج على الورقة..» هكذا يمتزج ألم المخاض بلذة الرجاء والخلق.. حالة أسرة – برغم ألمها – من التوتر والترقب والشعور بشيء موشك على الحدوث ولكنه عصي على التحديد والتعريف.. هذا هو الحال عند تململ المكبوت وضغطه على جدار الرقابة.. وإذا كانت سطوة الشعور وقبضته الكابتة ترتخي أثناء النوم لتتيح لعمل الحلم لعبة الخلاق في التعبير عن الرغبات المكبوتة فإن المبدع يعمد إلى إضعاف الرقابة في اليقظة من خلال ملكة التخيل «باللعبة الخيال – كما يقول القاص –» وفيها يبدأ المبدع «بتكسير مدينة الواقع وتحرير ناسها وشوارعها وجسورها وأسواقها وحتى فضائها الذي سرعان ما يتخلق في داخلي إلى فضاء عجيني أصنع منه ما يروق لي..».. ومثلما يحصل من آليات الانتقال والتكثيف والتشخيص والتريز والإنضاج الثانوي التي تقدم المنتجات الحلمية يحصل لدى المبدع وهو يحاول تشكيل نصه في العمل الإبداعي: «كما في الأحلام تكون الكتابة. عمليات باطنية متداخلة، منطقية ولا منطقية، تجميع الحدث والصور والاستجابات وتحويرها بمكر.. عمليات شطب وتقديم وتأخير وتكثيف وتوسيع وانضواء في وحدة عمل.. وأنا مثل الحالم أنكر بصمت..».

ويؤسس الحلم بناءة المعقد عادة على بقية من بقايا حوادث النهار ليمرر من خلالها الرغبة اللا شعورية.. وهذا ما حصل للقاص: «تأتي الأمور مصادفة أحياناً أو هكذا اعتدنا تسمية ما نجهل أسباب حدوثه فلعل للمصادفة قوانينها المجهولة..» ولم يكن الأمر صدفة.. لقد جمع الحطب ويبس وجاءت الشرارة – الصدفة تقاطع ضرورتين – وكنت الشرارة حدث عابر يحصل مئات المرات يومياً لكنه صار «حدثاً استثنائياً» - أصبح القارئ يعرف سر اللعبة – حكمته المصادفة البيضاء البريئة التي جمعت القاص بتلك العينين اللتين (اخترقتاه) في ضحى ذلك اليوم «من بين ورقتي شجرة الظل التي كانت تحملها على ذراعيها المعقودتين».. «ومضة العينين مازالت تقدح في الرأس، أما صاحبة الومضة فلم أتبين شكلها بوضوح...» فما الذي مثلته ومضة عين بالنسبة للقاص؟ وكيف اخترقته؟ وكيف استثمر القاص عملية (الاختراق) هذه؟

في التحليل هناك (مرونة رمزية) واسعة يحكمها ما أسميه بـ(الموقف النفسي) الشامل للفرد (جنسه، تاريخه النفسجنسي، ثقافته..إلخ) وعليه فقد تمثل (ومضة العين) أكثر من معنى ولكننا نستطيع تحديد المعنى الرمزي الأكثر رجحاناً من خلال عدة طرق منها دراسة الأثر أو النتيجة التي خلقها (تعرض) الفرد للرمز.. أي أن نحلل الكيفية التي استثمر فيها القاص هذا المثير (ومضة العين).. لقد قام القاص بعملية (قلب) جذرية حين باشر بكتابة قصته.. لقد اخترقت ومضة عيني امرأة رجلاً هو القاص على أرض الواقع ولكن على أرضية النص اخترق مشهد العابر الكهل الزوجة.. أي أن القاص (قلب) جنس الفرد المخترق – بكسر الراء – والمختـرق – بفتحها -.. كان المثير أنثى واقعاً فأصبح ذكراً نصاً، وكان المستجيب ذكراً واقعاً فجعله القاص أنثى في القصة، أما نوع الاستجابة فقد كانت – من جانب القاص – انبهاراً بومضة العينين.. اختراق.. سيطرة المرأة.. عمل دائب.. لذة – المنجز الإبداعي = حل.. «لم تغادرني المرأة منذ تلك اللحظة حتى قبيل الشروع بكتابة القصة، فقد بقيت تتحرك في رأسي وكأنها تتحرك في غرفتها الخاصة.. أشهر وأشهر من الحذف والتعديل والإضافات في الرأس حتى حصلت القناعة بمباشرة الكتابة..» أما في النص فقد كانت الاستجابة انفعالاً محزناً مفرطاً من قبل الزوجة لمرأة الكهل العابر.. سيطرة صورته المنكسرة ومرضه المفترض.. تفكير دائب – إنهمام بالكهولة المقبلة = معضلة. وفي كلتا الحالتين كان المثير عابراً وسريعاً في حين كانت الاستجابة ممتدة وطويلة (مفرطة في نوعها وفي كمها وهذا اللا تناسب هو الذي يستدعي أعمال مشرط التحليل عادة).. وانفعال الزوجة وهي كيان متخيل من صنع مخيلة القاص لا يفسر إلا بانفعال المبدع نفسه – وقد تطابق الانفعالان فعـلاً في حـدتهما – مـن يستطيع فصل المبدع عن شخوصه؟ من يستطيع إعلان موت المؤلف؟ - ولأننا اتفقنا على أن نعود من الأثر إلى العلة فإن معالجة موضوع الكهولة أو قلق الموت في الواقع يعني أن ومضة عين  المرأة كانت ومضة (ميدوزية) إذا جاز التعبير.. خاصية.. ملتهمة.. مهددة.. أشعلت في أعماق القاص التهديد بالخصاء والشعور بالعدم ورهبة عجلات قطار الزمن الذي لا يعرف المهادنة ولا المساومة.. ولأ نرجسية (أنا) المبدع قد هُددت فإنها تهرع إلى استخدام آلياتها الدفاعية لتخفيف ألم التهديد لتحقيق تماسك ظاهري من خلال (الإسقاط) و(الانفصال) و(العقلنة).. فالقاص الآن يسقط مشاعره على المرأة – الزوجة.. إنه لم يخبرنا في سيرة حياة هذه القصة عن طبيعة المشاعر التي أثارتها فيه ومضة عيني المرأة – كان من الممكن أن يكتب قصة عاطفية بفعل هذه الومضة -. لقد غيبها خلف ستار تفصيلات الفعل الفني.. والعلامات والدلالات اللغوية.. وما هو أقل إيلاماً لـ(الأنا) هو الوقوف على منصة المتفرج – الواصف – الراوي بضمير الغائب حيث تزداد شقة المسافة النفسية بين (أنا) المبدع و(أنوات) شخوصه المستحدثة.. إن (الأنا) الآن يقوم بـ(إدارة) الحوادث ولم يعد هدفاً لها.. يقول القاص: «تبدأ مسودتا «عابر استثنائي» الأولى والثانية بهذه البداية - «رآها تحمل شجيرة الظل على ذراعيها المعقودتين.. غير أن هذه البداية خضعت فيما بعد لعمليات تعديل أصبح فيها (فاعل) التبشير والرؤية (المرأة) بدلاً من (الكهل) بقرينة استبدال ضمير المذكر بالمؤنث  (رآها) في المسودة الأولى و(رأته..) في البداية المعدلة..» الشعور الآن يبرع في صياغة مبررات التعديل والإخراج المعقلن للاستهلال الجديد – الإنسان حيوان تبريري وليس كائناً منطقياً – فيطرح لنا مبررات التبشير والرؤية والتلاعب بالضمائر.. (أنا) المبدع يتخفى الآن خلف (أنا) المرأة.. ويصف ألمها وانفعالاتها بالشيخ الجريح وهو دور يعزز نرجسيته المهددة.. ويعمد المبدع إلى توسيع هذا الدور من خلال الاضطلاع بمعالجة هم وجودي شامل هو الموت وهي مهمة تعزز الشعور بالاقتدار من جهة وتمهد نسبياً للسيطرة على القلق المرتبط بمصدر التهديد من جهة أخرى..

ومن أجل الإمعان في تغييب أصل المحنة بدلاً أن يعمل التخييل على بناء واقع مواز أوسع وأكثر غنى وتشابكاً – شرح بيت الشعر يكون أطول من البيت عادة – ولذلك «تجاوزت القصة مفردات الواقع المرئي الذي لم يكن يتعدى بالأصل غير ثلاث مفردات (امرأة – رجل – شارع) إلى (امرأة – زوج – كهل – شجيرة الظل – سياج مدرسة – صالة بيت – مائدة – أطباق – أصوات: ضجيج الطلاب – ارتطام ماء الحنفية..». ورغم أن القاص يعتبر العلاقة الأولى حينما التقى الرجل المرأة مصادفة في الشارع علاقة اعتباطيـة  - وهي ليست كذلك وهو يهون من أمرها كي يحرف انتباهنا – فإن العلاقة الجديدة – بتراكم علاماتها – مـا كان لمعناها ودلالاتها أن تستقيم وتتوهج لولا ذلك المعنى الاستثنائي للعلاقة الأولى – ألم يكن لقاء المرأة بالكهل اعتباطياً وغير مخطط له مثله مثل لقاء القاص بالمرأة وكلاهما صار استثنائياً بفعل المرجعية اللا شعورية؟ - العلاقة الثانية ذات مقاصد يحددها القاص كنتاج لتراكم العلامات في القص بشكل تتابعي لأربع وحدات سردية:

الوحدة الأولى – إشفاق على الكهل.

الوحدة الثانية – حيرة وتساؤل.

الوحدة الثالثة – التفكير بالكهولة.

الوحدة الرابعة – الخوف من تقدم السن.

وهنا يبرز مأزق العلامات والبنيويات حيث أفلتت من القاص وحدة ستراتيجية من وحدات السرد والبناء القصصي، إما لأن النظر إلى النص كحجارة هندسية متسلسلة (بنى فوق وتحت) يؤدي إلى التعسف في التوصيف حين تكون إحدى الوحدات ممتدة بين ثنايا وأوصال الوحدات الأخرى، أو حين تغيب انتباهة المبدع فلا يلتقط الوحدة المهمة بفعل تأثيرات المقاومة النفسية اللا شعورية التي تخلق نوعاً من «العمى النفسي» - كم من الأطباء  والمثقفين يرفضون تصديق طروحات التحليل حول الجنسية الطفلية؟ - لقد أغفل القاص وحدة مهمة تتمثل في الموقف الإنكاري للزوج الذي امتد من منتصف القصة وحتى نهايتها.. وبخلاف ما قاله القاص في لقاء أجراه معه الشاعر «حسين عبد اللطيف»(5) من أن الكاتب لا يتمراى نفسه في نصه، إنه لا يجد ذاته فيه، إنه يجد الآخرين وبعضاً من ذاته..» فإن كل ذات القاص قد ظهرت في هذا النص مقسومة إلى وجهين: وجه إيجابي منفعل بإفراط بموضوعة الكهولة ومن ثم الموت مثلته المرأة – الزوجة ووجه سلبي مفرط في الإنكار – وهو موقف دفاعي لأنا الكاتب – والتسطيح الانفعالي والعقلنة الباردة وقد جسده الرجل – الزوج.. أي أن وحدة خامسة – إضافة إلى الوحدات السردية الأربع – قد أهملت يمكن أن توصفها كما يأتي:

الوحدة الخامسة – إنكار الكهولة وعقلنتها

ويلتقي الوجه الإيجابي ممثلاً بالزوجة بالوجه السلبي ممثلاً بالزوج عند نقطة (المثير – الكهل) الذي سيشكل (وحدة مستترة) إذا جاز التعبير سنضفي عليها أهمية استثنائية من نقطة أكثر عمقاً.. هذا الكهل هو أنموذج مفترض لما ستؤول إليه حال القاص بعد زمن قد يطل أو يقصر.. وما انفعال شخوص المبدع (الزوجة والزوج) إلا تعبير عن انفعال المبدع ذاته بصورته المقبلة ولذلك فقد جاء فعله الإبداعي في صورة تجسيد لـ«ثنائية وجدانية» أو «تضاد عاطفي – Ambivalence» مؤلم تمثلت الشحنة الإيجابية للعاطفة من خلال الانحياز المفرط لما سأكونه أنا بعد زمن.. فهذا الكهل هو (أناي) الأثير شئت أم أبيت وليس من المعقول أن يترك منكسراً مجروحاً بهذا الشكل المثير للرثاء والشفقة.. ولكنه يثير فيّ – في نفس الوقت – شحنة سلبية مضادة.. فالعجز إذ يثير الرثاء في وجه من وجوهه فإنه يثير الاحتقار والمقت في الوجه الآخر ولابدّ لي أن أنكره أو أن أعقلنه وأسطحه إذا جثم على تفكيري كمصير لا فرار منه..

لنحاول الآن سبر أغوار العمل الإبداعي الذي حاول القاص تفسيره في (قص القص) ولكنه من وجهة نظر التحليل النفسي في صيرورات اللا شعور التي يعبر عنها الحلم – Dream Work – أفضل تعبير.. فتحول أفكار الحلم أو الرغبة اللا شعورية أو الحلم الكامن إلى حلم ظاهر هو عمل الحلم وهو المثال الأول المعروف عن الطريقة التي تنتقل بها مادة نفسية من شكل تعبيري إلى شكل آخر لا نتوصل إلى فهمه إلا عن طريق منهجي.

«إن أفكار الحلم ومحتوى الحلم الظاهر يبدو لنا كترجمتين تؤديان في لغتين مختلفتين معنى بعينه، أو بعبارة أصح: إن محتوى الحلم الظاهر يبدو لنا كأنه نقل لأفكار الحلم في نمط مختلف من التعبير، نمط يحق علينا أن نعرف رسم حروفه وقواعد نحوه – هذا سينقلنا بعد ذلك إلى شكل التعبير اللغوي – فالمضمون الظاهر يأتينا فيما يشبه الكتابة المصورة. كتابة يجب علينا أن ننقل رسومها رسماً فرسماً إلى لغة أفكار الحلم (أي المضمون الكامن) فمن الجلي أننا ننساق إلى الخطأ حين نقرأ هذه الرسوم بحسب دلالتها المصورة لا على حسب علاقتها الرمزية هب أمامي لغزاص من الألغاز المصورة: منـزل أرى على سطحه مركباً، ثم حرف واحد من الحروف الأبجدية، ثم شخص يجري منـزوع الرأس.. إلخ قد انزلق إلى النقد معلناً أن هذه الصورة غير معقولة في كلها وفي أجزائها: فما شأن المركب بسطح المنـزل؟ وكيف لرجل أن يجري منـزوع الرأس؟ ثم إن الرجل أكبر حجماً مـن المنـزل وإذا كـان المـراد بكل هذا هو أن يصور منظراً طبيعياً فليس هذا محل الحرف الأبجدي، فالطبيعة لا تعرف الحروف الأبجدية. ولكن من الواضح أننا إنما نوفق إلى الحكم على هذا اللغز حكماً صحيحاً حين ندع جانباً أمثال هذه الانتقادات الموجهة إلى الصورة في مجموعها وفي أجزائها، وحاولنا بدل ذلك أن نبدل بكل عنصر من عناصر الرسم مقطعاً أو كلمة يمكن تمثيلها بهذا العنصر على نحو من الأنحاء. فإن فعلنا، فقد لا تخرج لنا منه كلمات خالية من المعنى، بل قول من أجمل ما جاء به الشعر وأفصحه، والحلم لغز مصور من هذا القبيل، ولقد أخطأ المتقدمون في مجال تفسير الحلم فنظروا إلى اللغز نظرتهم إلى لوحة مصورة: فكان أن بدا لهم – من حيث هو كذلك – خالياً من المعنى، مجرداً من القيمة»(6).

فإذا وضعنا في حسابنا العامل الجوهري المضاف في الفعل الإبداعي وهو الدور المتميز للشعور – وبتعبير أدق لما قبل الشعور – في (الإخراج) من جهة وكون عمل المبدع يجري بشكل كبير – على الأقل ظاهراً – خلال اليقظة من جهة أخرى أمكننا القول بأن العمل الإبداعي (الحلمي) في قصة (عابر استثنائي) قد سار وفق المسار التالي:

ومضة عيني امرأة (عابرة) – ألهبت في القاص تهديداً بالانخصاء والخوف من الكهولة وقلق الموت – (معضلة) اختمار الفكرة في لا شعور القاص عدة أشهر – الفكرة الشعورية الجديدة لا تبزغ إلا إذا حصلت القصة (حلم يقظة، حلم إبداعي) – حل.

ثم (تصوير) القصة – حلم المبدع على الشكل الآتي:-

- الكهل (المثير الخارجي = «أنا» القاص في كهولته وعجزه) = «أنا» القاص في حاضره أو في أنموذج الشباب المتخيل وعنفوانه – استشارة الثنائية الوجدانية أو التضاد العاطفي الذي تم تجسيد شقيه من خلال:-

أ- الزوجة = الشحنة الموجبة = انفعال مفرط = المرأة = البقاء (رغبة).

ب- الزوج =  الشحنة السالبة = إنكار وعقلنة = الرجل = الفناء (تهديد).

-وقد تم تأثيث الصورة بمفردات تعزز الرغبة في البقاء أو تنكر تهديد الفناء أو تؤكده ويمكن تصنيفها كما يلي:

أ- مفردات الرغبة في البقاء – (شجيرة الظل، ضجيج التلاميذ، ضوء الشمس، مفردات مائدة الطعام).

ب- مفردات إنكار التهديد بالفناء – (ازدراد الطعام – سقوط بقعة الضوء على الأرض، رغوة معجون الأسنان، الحنفية السائبة).

ج- مفردات تؤكد الفناء – (خصلة الشيب)، وإذا حاولنا وضع مقابلة بين ما جرى في الواقع من حوادث في النص (الواقع المتخيل والمضاف) فسنجد أن التقابلات تجري وفق التسلسل الآتي:

الواقع..............النص

1- المثير ـــ ومضة عين الأنثى – منظر كهل عابر

2- المستجيب ـــ رجل (القاص) – امرأة (الزوجة)

3- نوع الاستجابة ـــ قلق ملذ  - قلق مؤلم من الكهولة المقبلة

4- طريقة الاستجابة ــ المرأة تتحرك في رأس القاص أشهر وأشهر – صورة الكهل لا تفارق مخيلة المرأة

طريقة الاستجابة ـ منجز إبداعي بتمويل من اللا شعور           انهمام بالكهولة والوحدة بفعل صراعات اللا شعور

- وإذا حاولنا تمثيل العملية كاملة في شكل تخطيطي تقريبي فسنقترح المخطط الآتي:

صورة مخطط (لا أستطيع رسمه)

لقد لاحظ التحليل أن مضمون الحلم أقصر بكثير من كل تلك الشبكة من الأفكار التي يبدو وكأنه بديلها. ثم إن الحلم ينجم عن حادث عديم الأهمية وقع في النهار السابق لليلة الحلم. ولكننا لاحظنا أن النص الإبداعي (القصة – حلم يقظة المبدع) أكثر طولاً ولعل ذلك يعود إلى طبيعة (المادة الأولية) التي تتوفر لعمل الحلم حيث لا يمتلك غير الصور كأداة للتعبير عن أفكاره في حين تتوفر للقاص اللغة بثرائها المعروف. وهذا ما حصل أثناء نمو وولادة قصـة (عابر استثنائي) التي لم تكن تتعدى في البداية غير ثلاث مفردات (امرأة – رجل – شارع) – نسي القاص شجيرة الظل – فأصبحت في النص (امرأة – زوج – كهل..إلخ) وكل ذلك (التحريف) من أجل التعبير عن فكرة النص الأصلية – الرغبة اللا شعورية – فكرة كتابة قصة عن مصير الفرد وكهولته. يقول القاص: «إن التعديل الذي حصل في بداية القصة في نقل (الرؤية) من الكهل إلى المرأة يمنح القصة إقناعاً بطروحاتها، ولو حدثت الرؤية، على العكس، من الكهل لانغلقت الدلالة المحمولة وانتفت، فإن التفكير بالمصير القائم – الكهولة – عند الكهل لا يكون مأساوياً مثلما يكون التفكير بالمصير القادم لكهولة امرأة شابة» ومن الواضح الآن – بعدما قمنا بفك خيوط الرغبة العنكبوتية – أن هذا التعديل لم يخضع لدوافع (فنية) أو دلالية خارجية ولا لاستكمال شروط (البنية) القصصية بل أجرى استجابة لدوافع لا شعورية عميقة ويترتب على ذلك أن استبدال ضمير المذكر بالمؤنث (رآها..) إلى (رأته..) – بل وكل مفردات اللغة السردية – قد جاءت محكومة بشروط رغبة الداخل وصراعاته.. كان من الممكن أن يصمم القاص بداية أخرى تبدأ بضمير المذكر (رآها..) حيث يلمح الزوج امرأة عجوز محطمة تمشي بتثاقل في الشارع فيشتعل في أعماقه همّ الكهولة ويوجه تساؤلاته المؤلمة إلى زوجته التي انهمكت بازدراد قطع اللحم... ولا أعلم مدى أهميةى شهادة الروائي (مهدي عيسى الصقر) (7). صديق (محمود) ورفيق رحلة عمره – في تشخيص التثبيت النفس لـ(محمود علي) موضوع الحب الأصلي (الأم) والذي تمظهر في صورة ولاء مطلق وملتهب للمدينة – الأم البديلة – البصرة العظيمة. يقول القاص (الصقر): «في أوائل الستينات من هذا القرن انتظرت جامعة (كمبردج) في بريطانيا طالب بعثة من العراق يسعى للحصول على شهادة الدكتوراه في الأدب اسمه (محمود عبد الوهاب).. وخطر ببال (محمود) أن يستفيد من هذه الفرصة ويرى الدنيا قليلاً.. فغادر مدينته البصرة قبل موعد الدراسة بضعة أشهر في طريقه راق له أن ينـزل في (بيروت). وهناك جاء من يحمل إليه نبأ وفاة أمه.. ومع هذا النبأ المحزن توصية من أخيه (أحمد) ينصحه بمتابعة السفر وعدم التفكير بالعودة لأن عودته سوف تضيع عليه الفرصة النادرة ولن تعيد الحياة للراحلة.. لم تكن هذه الحقيقة غائبة عن (محمود) بالطبع إلا أنه – الحديث لا زال للصقر – اتخذ من وفاة أمه ذريعة فرجع طائراً إلى العراق – إلى البصرة..»..

وللأسباب ذاتها يجهض (محمود) مشروعاً آخر للحصول على شهادة الدكتوراه في جامعة  (عين شمس).. حيث يحظى بإعجاب أساتذته في مصر ويشجعونه على الاستمرار لكنه يهجر كل شيء فجأة ويعود إلى البصرة مرة أخرى.

-مرة ثالثة يتقدم للحصول على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة بغداد ويقبل وعندما يحين موعد البدء بالدراسة يتخلف عن الذهاب (ترى كيف استطاع هذا الإنسان أن يصبر على السنوات الدراسية في الكلية ببغداد؟).. وفي كل هذه الأحوال يكون السبب هو الشوق إلى البصرة.. وكالعادة ينبري الشعور – بعد أن يسوقنا اللا شعور إلى حيث يريد حسب نقط ارتكاز عقدة الحاكمة – لتبرير وتوصيف الفعل و(إخراجه) فكرياً.. لقد عاد القاص من بيروت وأجهض مشروع الدراسة في بريطانيا لأنه سمع (فيروز) تغني: «يا جارة الوادي..» كم مرة سمعها في البصرة؟ هل يحتاج الفرد إلى مسافة (نفسية) ومكانية معينة عن موضوعات حية كي تتململ حاجته إليها؟ قد تكون أشجار (بيروت) أكثر خضرة من أشجار البصرة وهوائها وحرارتها أكثر لطفاً لكن رائحة الصدر الحاني الذي ضمنا بدفئه غير موجودة، المدن علاقات وليست بنايات – ثم هل وضع اللا شعور خطة ماكرة وذكية حين جعل القاص لا يسافر إلى بريطانيا بصورة مباشرة ويفكر بأن ينـزل أولاً في (بيروت) «ليرى الدنيا قليلاً..»؟ هل يكسر المثبت نفسياً المسافات لمعالجة البعد عن موضوع الحب الأول والأخير؟.. ألهذا السبب أيضاً – كما يقول (الصقر): «إن مشاريع الزواج، عند محمود، مثل مشاريعه للحصول على شهادة الدكتوراه – لا تصل مرحلة لتحقق أبداً»؟..

وقد نقل القاص عبارة أخرى عن «كافافيس» في الفقرة الخامسة والأخيرة من مقالته تقول «لتكن (إيثاكا) في فكرك دائماً، والوصول إليها هو مقصدك لكن لا تتعجل سيرك، الأفضل أن يدوم السفر سنين عديدة، وأن تصل إلى الجزيرة غنياً بما كسبته في الطريق، لا تتوقع أن تعطيك «إيثاكا» ثراء.. لقد منحتك «إيثاكا» الرحلة الجميلة، فما كنت تخرج إلى الطريق لولاها، وليس لديها أن تعطيك أكثر من ذلك..» فإذا كان (محمود) يفسد السفر كل مرة ويتعجل السير في كل رحلة ويصل (البصرة) سريعاً فإن (أوديسيوس) سيكون (مثالاً) بالنسبة له.. وسيكون التعلق برحلة الأخير الأسطورية شكلاً من أشكال التعويض والتماهي النفسي.. فهل فرضت دوافع الداخل هذا الاهتمام الساخن برحلة (أوديسيوس) الرهينة نحو «إيثاكا».. باختصار هل سيصبح «أوديسيوس» عابراً استثنائياً في حياة (محمود عبد الوهاب)؟.. تحية لمبدعنا الكبير..

 

.......................

هوامش:

(1و2و5و7) مجلة (الأقلام) العدد الأول لسنة (2000).

(3و4و6) تفسير الأحلام – سيجموند فرويد – ترجمة مصطفى صفوان – دار المعارف – مصر بدون تاريخ.

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1761 الاربعاء 18 /05  /2011)

 

أضف تعليقا

معلومات إضافية