قضايا واراء

الحلاج: فلسفة الفردانية المتسامية (2)

إن استهلاك أنا – هو  في أنا - أنت هو استهلاك الأنا في الحق وبروز أنا الحق باعتبارها فردانية الروح المبدع  في وجدها للوجود، الذي يؤدي إلى تضافر التحدي والاندهاش في المواقف،

و"شطح" الأقوال والأعمال. أما في الواقع فلا شطح، لان الإبداع الحقيقي "شطح". والحلاج في كله هو شطح التحدي والاندهاش، كما في قوله: "لو ألقي مما في قلبي على جبال الأرض لذابت! وأني لو كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار! ولو دخلت الجنة لانهدم بنيانها"! لقد أراد القول، بان وجدانه أقوى من الحجارة لأنه اشد حرارة من كل نار. بل أن نار وجدانه قادر على التهام نار القيامة وهدم بناء (حجر) الجنة،لأنها شعلة الحق (المطلق) تحترق بذاتها. وهو الوجدان الذي  يلّف الروح المبدع  في الدورة الدائمة للتحدي والاندهاش:

عجبت لكلي كيف يحمله  بعضي

ومن ثقل بعضي ليس تحملني ارضي

وهي مفارقة مميزة لوحدة الاندهاش والتحدي في الإبداع. فالروح المبدع هو حصيلة الكل الثقافي والكوني، الذي يعاني من حمله الكلّ في فردانيته. وهو أيضا حال يستهتر فيه الوجدان المقيّد بمعايير الحق. فإذا استبطن العقل الوجدان فانه يبدع  فعلا متوازنا، وإذا استبطن الوجدان العقل، فانه يبدع استهتارا متساميا. وتجربة الحلاج هي تجربة الاستهتار المقيّد بالحق، والتي كثّفها في أحد طواسينه قائلا:

 إفهام الخلائق لا تتعلق بالحقيقة

 والحقيقة لا تليق بالخليقة.

 الخواطر علائق،

 وعلائق الخلائق لا تصل إلى الحقائق.

 الإدراك إلى علم الحقيقة صعب

 فكيف إلى حقيقة الحقيقة

وحق الحق وراء الحقيقة

والحقيقة دون الحق.

*  *  *

الفرّاش يطير حول المصباح

إلى الصباح،

ويعود إلى الأشكال فيخبرهم

عن الحال، بألطف المقال

ثم يمرح بالدلال

طمعا في الوصول إلى الكمال

*  *  *

ضوء المصباح - علم الحقيقة

 وحرارته – حقيقة الحقيقة،

والوصول إليه – حق الحقيقة.

*  *  *

لم يرض بضوئه وحرارته

فيلقي جملته فيه

والأشكال ينتظرون قدومه

ليخبرهم عن النظر

حين لم يرض بالخبر.

فحينئذ يصير متلاشيا متصاغرا متطايرا

فيبقى بلا رسم وجسم واسم و وسم،

فبأي معنى يعود إلى الأشكال؟

وبأي حال بعد ما صار؟

من وصل وصار إلى النظر

استغنى عن الخبر،

ومن وصل إلى المنظور

استغنى عن النظر

*   *   *

لا تصحّ هذه المعاني

للمتواني ولا الفاني ولا الجاني

ولا لمن طلب الأماني

كأني كأني! أو كأني هو 

أو هو أني: لا يروعنني إن كنت أني!

*    *   *

يا أيها الظانّ

لا تحسب أني "أنا" الآن

أو يكون أو كان

لا بأس إن كنت أنا

و لكن لا  أنا!

إن هذه الأنشودة المكثّفة لتجربة الانفراد في الحق تكشف عن انه لا طريق إلى بلوغ  الحق إلا بنزع الأنا عن الأنا، بالاحتراق في الحقيقة تلاشيا وتصاغرا وتطايرا فيها بحيث لا يبقى من أنا الأشكال (العادية) رسم ولا جسم ولا اسم ولا وسم. أي أن تصير أنا بلا أنا. وهي الذروة العليا في إبداع الحقيقة، لأنها أسلوب صيرورة "أنا الحق" ونموذجها الفردي. آنذاك تصبح "أنا الحق" الصوت الناطق بحقائق المطلق. لان المعنى الوحيد الممكن لعودة الأنا بعد تلاشيها وتصاغرها وتطايرها ذرات في نار الحقيقة هو وجود كلهّا المتجدد، أو ما دعاه الحلاج  يوما "بركوب الوجود بفقد الوجود". فهو الوجود الذي تتلاشى فيه أنا الماضي والحاضر والمستقبل في " أنا الحق"، باعتبارها الوجدان المستهتر بفردانية إخلاصه للحق. من هنا تجليها الدائم في صور الاستهلاك الوجداني لوحدة الغيبة والحضور، والصحو والسكر، والفناء والبقاء، والفرق والجمع.

ففي الغيبة والحضور يمكنها التجلي في:

قد كنت اطرب للوجود مـروّعا    طورا يغيّبني وطـورا أحــظر

أفنــى الوجود بشاهد مشهوده     أفنـى الوجود وكـل معنـى يذكر

 

وفي السكر والصحو يمكنها التجلي في:

كفاك  بأن السـكر  أوجـد كربتي    فكــيف  بحال  السكر والسـكر اجدر

فحالاك لي حــالان:صحو وسكرة    فــلا زلت في حــاليّ أصحو واسكر

و في الفرق والجمع يمكنها التجلي في:

الجمع أفقدهم – من حيث هم – قدما    والفرق  اوجدهم حينا بلا اثر

فالجمع  غيّبتهم  الفرق  حضرتهـم    والوجد والفقد في هذين بالنظر

إن الإخلاص في الأحوال هو فردانية الإخلاص للحق، وبالعكس أيضا. وهو أمر يضع الروح المبدع في هيئة التحدي الوجداني واستهلاك مفارقاته الدائمة في الأحوال.

ففي المحو أوصله إلى بلوغ:

أنا عندي محو ذاتي   من اجلّ المكرمات

وبقائي في صـفاتي   من قبيـح السيئات

سئمت روحي حياتي   في الرسوم الباليات

فاقتلوني واحـرقوني   بعظامي الفانيـات

وفي الهوى وصل إلى:

إذا بلغ الصبّ الكمال من الهوى   وغاب عن المذكور في سطوة الذكر

يشــاهد حق حين يشهده الهوى  بأن كمـال العاشـقين مـن الكـفر

وهو الحال الذي جعله مرة يقول:

كفرت بدين الله والكفر واجب    عليّ، وعند المسلمين قبيح !

انه الوجدان الذي يلفّ الروح المبدع في إعصاره، ويجعل من حركات الروح والجسد مفارقات لها معناها الجميل في المواقف والأفعال:

إذا ذكرتك كاد الشوق يتلفني      وغفلتي عنك أحزان وأوجاع

وهي المفارقة التي تتجلى في كل شئ، لأنها تنبع من تلقائية الحقيقة. ففي الجسد يمكنها أن تتجلى في مظاهر الذل:

ذلوّا بغير اقتدار عندما ولهوا    إن الأعزاء إذا اشتاقوا أذلاء

لان من شروط الهوى، كما يقول الحلاج، إن المحب يرى بؤس الهوى أبدا أحلى من النعم. أما في القدر، فيمكنها التجلي في الحال الذي وصفه يوما بقوله:

ما حيلة العبد والأقدار جارية        عليه في كل حال، أيها الرائي؟

ألقاه في اليّم مكتوفا و قال له        :إياك! إياك! أن  تبتلّ  بالماء!

وهي المفارقات التي لا يمكن الخروج منها إلا  بوجدان الكلّ (الحق) أي بالوجدان المتكامل في تجربة الحقيقة ومعاناتها. فالوجدان المستهتر  بفردانية الإخلاص للحق هو الوجدان الدائم  للكلّ. وتجربة الحلاج هي تجربة الكلّ وفي كلهّا حب الكلّ. فهو يعشق الحق ( الكلّ)،لان الحق بداية وغاية حبه التام:

لبيك لبيك يا ســريّ  ونجـــوائي    لبيـك، لبيــك، يا قصدي ومعنائي

أدعوك بل أنت تدعونـــــي إليك     فهـــل ناديت إياك أم ناديت ايائي

يـاعين عين وجودي يا مـدى همـمي     يـا منطقي وعـــباراتي وإيمائي

يـا كـلّ  كليّ  وكلّ الكلّ ملتبــسـي    وكــــلّ كلّـك ملـبوس بمعنائي

يا مـــن به علقت روحي، فقد تلفـت    وجدا فصـرت رهـنا تحت أهوائـي

وليس الكلّ في نهاية المطاف سوى أجزاءه  في الأنا:

أني لأرمـقه والقــلب يعـرفه     فمــا يترجـم عنه غير إيمـائي

يا ويــح روحي من روحي، فوا   أسفي عليّ مني، فأني اصل بلوائـي

كأننـي غـــرق  تبدو  أنامله  تغّوثا وهـو في بحـر من المــاء

وليـس يعلـم ما لاقيت من أحد    إلا الذي حـلّ منــي في سـويدائي

 

وهو الحلول الذي يجعل الكلّ احب من أجزائه:

يا موضع الناظر من ناظري   ويا مكان السرّ من خاطري

يــا جملة الكلّ التـي كلهّا  أحبّ من بعضي ومن سائري

 

وهي المحبة التي تتكشف فيها حقيقة الأنا:

هويت بكلّي كـلّ كلّك، يا قدسي    تكاشفني حتـى كأنك في نفسـي

أقلبّ قلبي في سـواك فـلا أرى    سوى وحشتي منه وأنت به أنسي

 

وتصبح الأنا وعاء الوجود في تقبلها الوجداني لكل ما فيه (الوجود والكون) وإعادة  نضحه من مسامات معاناتها المخلصة:

و صار كليّ  قلوبا  فيك واعية     للسقم   فيها  و للآلام   إسراع

فان  نطقت فكلي  فيك  ألسنة   وأن  سمعت فكليّ  فيك  إسماع

 

آنذاك تنهدّ الفوارق والبين والحواجز والعلائق والعوائق والغربة والاغتراب ويصبح الكون (والوجود) والأنا كلا واحدا في الهموم والمعرفة:

لما  اجتباني وأدناني وشـــــرّفني     والكل بالكل أوصاني وعرّفني

لـم يبق في القلب والأحشاء جارحة     إلا واعرفــه  فيها  ويعرفني

 

وهي المعرفة التي تخلق الهمّ الموّحد، أو ما اسماه الحلاج  بانشغال كلّ الأنا بالكلّ:

شغلت جوارحي عن كل شغل       فكليّ  فيك   مشغول   بكلي

 

إن الانشغال الكامل للكلّ (الفرداني) بالكلّ (المطلق)  يجعل من "الاتحاد" و"الحلول" الملجأ النهائي للروح المبدع في إخلاصه للحق. ويصير الحق المصب الأخير لروافد الأحوال الدائمة للروح المبدع، بحيث يؤدي إلى صيرورة الأنا المتوحدة  في الذكر والأحوال والروح والجسد. ففي الذكر:

ذكره ذكري وذكري ذكره         هل يكون الذاكران إلا معا ؟!

وفي الأحوال:

مزجــت روحك في روحي كما          تــمزج الخمرة بالماء الزلال

فإذا   مّسك     شئ    مّسني         فإذا  أنت أنا  في  كل  حال

وفي الروح:

جبلت  روحك  في  روحي  كما      يجبل  العنبر  بالمسك   الفتق

فإذا    مّسك    شئ      مّسني    فإذا  أنت   أنا   لا     نفترق

و في الجسد:

أنا  مــن أهوى  ومن  أهوى  أنا    نحــن  روحان  حللنا بدنا

نحن، مــذ  كنا على عهد  الهوى    تضرب  الأمثال للناس بنــا

فــإذا  أبصـــرتني أبصـرته    وإذا أبصـرته أبصـــرتنا

أيها  الســـائل  عن  قصتنــا    لـو  ترانــا لم تفرّق  بيننا

روحه روحـي و روحي روحــه   مــن رأى روحان حلّت بدنا؟!

إن الاتحاد بالمطلق والحلول فيه يعني تذويب حقائقه في الروح المبدع ، أو ما ادعاه النفرّي يوما بصيرورة "الحقيقة صفة الأنا"، أو "الحقيقة أنا". أي ذوبان الأنا والحق واندماجهما. آنذاك تصبح "أنا الحق" مصدر الإبداع وشكل تجليه . والحلاج أحد نماذجها المثلى.

*** 

• إن هذا المقال مدعوم من جانب مؤسسة (الصندوق الروسي العلمي الإنساني) المتعلق بمشروع دراسة التصوف الإسلامي (رقم 080300105a).

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1181 الاحد 27/09/2009)

 

 

 

أضف تعليقا

معلومات إضافية