يمكنكم الاحتفاظ بالتعليقات قبل الانتقال للموقع الجديد 

 


 

 تحية واعتذار

 تعتذر اسرة صحيفة المثقف عن مواصلة التحديث لحين افتتاح

موقع المثقف الجديد

تحليل قصيدة " السوق القديم" للسياب / ميسون الطائي

فى قصيدة "السوق القديم" للسياب والتي كتبت في عام 1948 ضمن ديوان "أزهار وأساطير",  

يجد القارئ نفسه منجذبا ألى نص شعري يجمع بين حب الوطن الأم والحنين أليه و حب المعشوقة والتعلق بها مع أحساس متنامي بالغربة وما يصاحبها من شعور بالمرارة والفقد. يأتي أستخدام الشاعر للكلمات بطريقة تعمق أحساسه الحزين بالغربة, غربة ألروح, الغربة الداخلية وغربة الرحيل عن الوطن و عدم القدرة على الأنسجام مع معطيات الواقع الحالي. السياب الشاب ألريفي ألذي ترك قريته جيكورالواقعة في جنوب العراق في عام 1943لأغراض ألدراسة في دار ألمعلمين ألعالية في بغداد متخصصا في ألأدب ألأنكليزي, غير أن قدومه ألى ألمدينة أثر عميقا في روحه وكان غريبا فيها يرفضها سياسيا, أجتماعيا, و ثقافيا, متمنيا ألعودة ألى جيكور مسقط رأسه, بيته وحلمه. حيث تأتي القصيدة تجسيدا للواقع النفسي الذي يعيشه السياب, تعلقه وأرتباطه بالريف ألذي يمنحه ألحب وألحياة وحلمه ألمستمر بالرجوع أليه.

غير أن غربة السياب في المدينة تعد امتدادا لغربته منذ طفولته, اذ عاش السياب غريبا منذ صغره حيث توفيت أمه, وتزوج أبوه لتحل جدته محل والدته والتي توفيت ايضا لتحرم السياب من حنانها مما جعله دائم البحث عن المرأة التي تحل محل أمه أو جدته, ولم يوفق في هذا أيضا فلجأ الى حب أمرأة خيالية. و أصبح متأزما يعاني من غربة, حب ضائع وتعلق بالمرأة "السراب".

يتميز النص الشعري للسياب "في السوق القديم" بأستخدام المؤثرات والمشاهد الصورية التي تعطي الشعور بعدم الوضوح في الرؤية والضبابية خاصة عندما يصف المكان الذي يعيش به في غربته كل شيئ غير واضح ويظهر من وراء الدخان, حاضره ومستقبله في هذه المدينة مجهول وأحيانا معتم وكئيب. بينما تظهر صور أخرى مجاورة وموازنة هي صور مضيئة ومقمرة عندما يتذكر الشاعر مسقط رأسه, وحبيبته في بلدته التي يتطلع أليها بحب ولهفة.   تتوالى مشاهد النور والظلام حسب الموقف النفسي للشاعر. يظهر السياب رغبته بالفرار من الواقع الى قريته ويتضائل الأمل كثيرا ويحل محله أليأس او التمني.   نلاحظ على مدار القصيدة بأن مشهد الليل وما يصاحبه من ظلمة, حلكة وفزع يمتد ليعبر عن الظلمة الداخلية في روح الشاعر وحالة السكون والوداع المرتبطة باللون الأسود, اضافة الى عامل الغموض والمجهول الذي يقترن بالسواد.

تتفتح القصيدة على نحو هاديئ وتتعاقب المشاهد بتكرار العناصر الستة المتمثلة في " الليل, السوق القديم, غمغمات العابرين, الغريب, نور خافت, دخان" والتي تلتقي حول نقطة واحدة لتنقل لنا أحساس الشاعر المتنامي بالغربة التي طال ليله فيها والخوف من المجهول الذي يترقبه قلقا من ما قد تخبأه له الأيام حتى أنه أصبح يتوقع الموت وينتظر لحظة أنطفاءه في غربته. في المدينة التي عمقت من غربة السياب يبقى المكان والزمان ثابت فالليل لا ينتهي والمؤثرات الصورية توحي باليأس الكآبة وعدم الراحة, يتسرب الموت ببطيئ تدريجيا مع تطور القصيدة وتقدمها ويتناغم مع حركة الدخان المتصاعد, كأن السياب في حلم مستمر وكأن هناك تداخل في الصور, هذيان وعدم رغبة في تصديق الواقع الأليم مع الهرب الى عالم الذكريات كنافذة يطل من خلالها الى عالم يحلم به.

 

يرسم لنا السياب صورة الليل ليوحي للمتلقي عتمته الداخلية التي يعاني منها الشاعر المغترب ويتبعها بكلمة " السوق القديم" والتي أختارها السياب كعنوان لقصيدته لتشير مجازا الى المدينة وصخبها, كلمة "السوق" ترمز الى المدينة الصاخبة المزدحمة بالعابرين, كما ان السوق يوحي بعدم الأستقرار, بينما كلمة "قديم" تحمل دلالة التعب, الشيخوخة الملل والرتابة وعدم التجديد. ثم نسمع خطى الغريب الذي يظهر أثرها فجأة في الصورة لتكتمل مع صوت الريح واللأ نوار الخافتة الحزينة:

الليل والسوق القديم

خفتت به الأصوات إلا غمغمات العابرين

وخطى.. الغريب

وما تبث الريح من نغم حزين

في المقطع الثاني يبدأ الشاعر بمناجاة نفسه بحديث أقرب الى المنولوج ليتسائل بهدوء :

كم طاف قبلي من غريب

في ذلك السوق الكئيب

فرأى وأغمض مقلتيه, وغاب في الليل البهيم

 

يظهرالدخان فجأة وكان هذا المشهد بداية لمشهد تصاعد الدخان الذي لا نعرف مصدره و كدلالة على الحلم والخيال وعدم القدرة على التحقيق. يرى السياب ما رآه قبله من المغتربين عبر الدخان المتطاير حلما صعب المنال ويسمع غناءا وأصواتا تذكره بوطنه او قريته حيث تتناقض الصورة التي تخرج عبر الدخان مع الصور الكئيبة في المقطع الأول و بداية المقطع الثاني, لتبرز صور مضيئة وليالي مقمرات على العكس من "الليل البهيم ذو ألأنوار الضبابية الخافتة" التي يعيشه المغترب في الليل " السوق القديم" مدينة الأغتراب. يعبر الشاعر عن الصورة المشرقة لقريته في هذه الأبيات:

والريح تعبث بالدخان

الريح تعبث, في فتور وأكتئاب, بالدخان

وصدى.. وغناء

يذكر بالليالي ألمقمرات.. وبالنخيل

 

في المقطع الثالث ينتقل السياب مرة أخرى الى صورة الليل الكئيب في المدينة التي يعيش فيها حيث الضوء خافت و ضئيل كالغبار, هو ضوء مختلف لا يوحي بالبهجة والنور والألق بالعكس هو سبب لتراكم الظلال, والظل يوحي باللون الغامق أو اللون الرمادي.. مرة اخرى هناك المغيب الذي يصوره السياب كبضاعة تتكدس ألوانه المعتمة على رفوف السوق القديم مما يوحي بغياب الأمل وتكدس الأمنيات دون تحقق وتكدس الليالي وتتابعها وما تعبر عنه من قتامة نفسية المغترب المكتئبة فالليل لا ينتهي كحزن المغترب اللامتناهي.

الكوب يحلم بالشراب وبالشفاه

ويد تلونها الظهيرة... والسراج

أو النجوم

ولربما بردت عليه, وحشرجت فيه الحياة

في ليلة ظلماء.. باردة الكواكب والرياح

في مخدع سهر السراج به

وأطفأه... الصباح  

 

شعور السياب بالمرارة يعكس عدم قدرته على التكيف والأندماج في المجتمع الجديد فالروح عطشى للرجوع, والكوب متلهف لدفيئ يد شاربه دلالة على روح الغريب التي ملت الأشياء وفقدت شهيتها بملذات الحياة او حتى بالأشياء الأساسية حتى صار الكوب يشتكي من برودة, عتمة وكآبة شاربه, بينما يتنبأ السياب ويحلم بألأنطفاء المفاجيء للروح التي يشتاق الكوب الى دفئها. يواصل السياب رؤيته الضبابية لمستبقبله عبر الدخان, والدخان رمزمهم ومؤثر صوري يتردد على مدار القصيدة ليظهر الأمل والتفاؤل احيانا ثم يخبو فجأة كسحابة جميلة يغفو على أطرافها الشاعر لزمن ليسقط منها على صخرة الغربة. كما ان الدخان يذكر بحركة الزمن والتسرب البطيء للعمر بشكل رتيب.

 وتستمر رؤية السياب المتأملة من خلال خيالاته ما وراء الدخان صورة مستقبله وهي صورة ضبابية غير واضحة رمادية منعكسة كالظلال يرى من خلالها رموزا حسية توحي بالوداع وتجسد الموت هذا العامل المجرد كالمناديل وما تحمله من دلالة البكاء, الرحيل والوداع, ثم يتحول الدمع فجأة الى اللون الأرجواني واللون الأحمر وما يحمله من دلالة التوجس والخطر كما يتحول الدخان الى نار ولهب وينزلق المشهد تدريجيا نحو الكارثة ونحو خطر داهم وهو هاجس كثيرا ما صاحب السياب والح عليه بعد أن تفاقم المرض عليه وهو هاجس الموت ويرمز الوجه الشاحب الى السياب ومرضه حتى يقترب الموت هذه المرة ويظهر بأسمه الصريح بعد أن كان يختبئ خلف ستارة "الغياب, الدخان, الشحوب, برودة اليد وحشرجة الحياة"  عندما ينطق به الدم هذا الشيء المحسوس ليغمغمغم "مات مات"وهكذا يتنبأ السياب لنفسه بالفناء في غربته. ويستخدم السياب الأستعارة المجازية ليظهر المناديل والدم كعناصر تحل محل الأهل والأقارب في وداع الغريب, الأعلان عن موته ورثائه :

ورأيت من خلل الدخان, مشاهد الغد كالظلال

تلك المناديل الحيارى.. وهي تومئ بالوداع

أو تشرب الدمع الثقيل.. وما تزال

تطفو وترسب في خيالي

هوم العطر المضاع فيها

وخضبها الدم الجاري

لون الدجى وتوقد النار

في المشهد الخامس يكرر السياب مرة أخرى عناصر الزمان والمكان والمؤثرات الصورية الأخرى ويذكر متلقي النص بالمناخ العام للنص الشعري, كأنه يروي قصة, او أنه حلم يتكرر وتتتابع الأحداث الكئيبة المرعبة, فالوقت هو الليل وهو وقت ثابت لا يتغير, المكان السوق القديم, المؤثرات الصوتية غمغمات العابرين دلالة على عدم الأستقرار وعدم الراحة كما انها تعكس شعور السياب بألأسى لعدم قدرته على التكيف والأنسجام في مدينته الجديدة, فالأشخاص بالنسبة له هم مجرد عابرون كالأشباح لايعنيه ما يقولون كلامهم عبارة عن غمغمات واصوات غير مفهومة, ثم خطى الغريب البطل المجهول, صدى خطاه يسمع مرة أخرى ليتجه نحو مستقبله ألمحتوم.

يستمر السياب في تأمل الأشياء ويصف كل ما حوله, يحاور ويخاطب ما يحيط به من أشياء, يتأمل الكوب والمناديل ثم تظهر الشموع في المشهد الخامس ربما عرفنا هنا مصدر الدخان الذي يرى الشاعر من خلاله مستقبله حيث ينتقل ببطيء وتأمل في نصه الشعري من الدخان ألمتصاعد نزولا الى سبب هذا الدخان وهي الشموع. ربما أن الدخان ألمتصاعد من الشموع كان شرارة الوحي التي الهمت السياب لكتابة قصيدته الغنية بالمشاهد الصورية والتوقعات من خلف الدخان, فحركة ألدخان المتصاعد توحي السياب وتذكره بحركة المناديل الملوحة, كما ان ألوان لهيب الشمعة ينعكس تدريجيا على أختياره لمفرداته "لون الدجى, النار" كما أن لون شعلة لهيب الشمعة يذكر الشاعر بلون الدم الذي "يقطر ثم يقطر" هذا التكرار في أستخدام هذه المفردة تذكرنا بعملية ذوبان الشمعة التي تقطر منها مادة شمعية أشبه بالدموع. يخاطب الشاعر الشموع كأنه يخاطب سنوات عمره. فالشموع ترمز للأمل وتحمل دلالة التمنيات الضوء المنبعث من الشموع يذكره مرة أخرى بالليالي المضاءة المفعمة بالأغاني المحببة و همسات النخيل في قرية الشاعر, غير ان هذا المشهد المحبب الى روح الشاعر والموسيقى الناعمة التي تتسرب الى وجدانه تخبو وتصمت من جديد, لأن مشاهد الفرح في حياته أصبحت حلما سرعان ما ينتهي:

تلقين ضوءك في أرتخاء مثل أمساء الخريف

في ليلة قمراء سكرى بألأغاني في الجنوب

نقر (الدرابك من بعيد)

يهامس السعف الثقيل به ويصمت من جديد

 

ثم يشبه السياب قلبه بالشموع وهذه المرة نرى الدخان المتصاعدمن لهيب قلب الشاعر الذي لم يتلمس الراحة التي كان يحلم بها بالقرب من حبيبته في أحضان قريته. هو يشبه قلبه المحترق بالشموع, في الماضي كان يحلم بالحب وألأستقرار في قريته التي يعشقها :

وكان يحلم في سكون, في سكون

بالصدر, والفم, والعيون

والحب ظلله الخلود.. فلا لقاء ولا وداع

لكنه الحلم الطويل

غير ان ذلك لم يتحقق ليحترق قلبه ويذوب ببطيء كذوبان الشمعة, ليختفي كالأختفاء التدريجي لشراع السفينة خلف الأفق. هكذا فكل شيئ جميل في حياة الشاعر يختفي, تدريجيا, يحترق, يذوب, يخبو ويصمت. أمل الشاعر, روحه, قلبه, الحلم بالرجوع الذي يختفي خلف الضباب, الليالي المقمرة وأصوات الغناء في بلد الغريب.

بعد أن هجر السياب قريته, يصبح قلبه خالي ومهجور ليعبر في هذا التشبيه المجازي بالغربة الداخلية التي يعاني منها وعدم القدرة على الأرتباط بعلاقة حقيقية مع المرأة التي ظل يحلم بها ويناجيها في قصائده. ففي الريف هناك العادات والتقاليد الشديدة التي تحول دون اقامة علاقات عاطفية حقيقية ليظل السياب يحلم بحب أمرأة تسكن قلبه المهجور. غير أن المرأة في المدينة تختلف عن المرأة في ألريف, حيث أنه وجد المرأة معه على مقاعد الدراسة, المرأة التي تناقشه, تقرأ الشعر وتشارك معه في الحياة ألسياسية. لكن لم تكن هناك علاقة متكافأة معهن فكل اللواتي أحبهن كان بينه وبينهن حواجز, وقد تنعكس هذه الحقيقة على قصيدة السياب في المقاطع الأخيرة عندما تظهر فجأة شخصية أخرى الى جانب ألبطل لتجلب معها الأمل والضياء, ولتحذره من خطر داهم :

ما زال لي منها سوى أن ألتقينا منذ عام

عند المساء, وطوقتني تحت أضواء الطريق

ما يثير الأنتباه في المقطع العاشر من القصيدة بأن الشاعريذكر  بأن المرأة التي تظهر فجأة في حياته تحذره بأنه سيكون غير قادر على السير نحو قريته, وحبيبته التي تسكن بعيد لأن قدماه تكون قد سمرت وهو تعبير مجازي, وتنبأ من خلاله الشاعر بأن نهايته ستكون في عدم قدرته على السير وهذا ما تحقق في الواقع عندما أصيب السياب بالشلل الذي اقعده عن ألمشي في الستينيات:

قدماك سمرتا فما تتحركان ومقلتاك

لا تبصران سوى طريقي ايها العبد ألأسير

ليصرخ السياب رافضا الأستسلام والرضوخ, وهكذا ينتقل من لحظة التسليم المطلق الى لحظة التحدي والأمل لينهي قصيدته التي بدأت بهدوء وأستسلام بصرخة تحدي :

فصرخت: سوف أسير ما دام الحنين الى السراب

في قلبي الظامي دعيني أسلك الدرب البعيد

.............................................

أنا سوف أمضي ! فأرتخت عني يداها والظلام يطغى.

 

هكذا يصور السياب الأغتراب كموقف وحالة انسانية مشتركة ويرى انه أمتداد لأعداد كثيرة من المغتربين الذين سبقوه في معاناتهم في بعدهم عن أوطانهم. كأنه يرى ويخمن فناؤه ونهايته في الغربة كهؤلاء الذين مروا قبله وكانوا يحلمون مثله بخيالات تتصاعد بتصاعد الدخان. وتبدو القصيدة أكثر سلاسة وأنسيابية, لتتناغم مع حركة وأنسيابية الدخان المتصاعد ويتحقق ذلك من خلال أتباع السياب لأساليب الشعر الحر, وتحرره من اتباع الأساليب التقليدية وأسلوب المشاهد الصورية وأستخدام التعابير المجازية والتكرار التي تزخر بها القصيدة ليصور المتناقضات الحب والموت, الليل والنهار والأضواء, الحياة والموت. حيث أن هناك تداخلا في الصور ليعبر عن ألصراع والتداخل بين االزمن الماضي البعيد والحاضر المعتم, والمستقبل الأليم.  

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2208   الاربعاء  22/ 08 / 2012)

أضف تعليقا

معلومات إضافية