كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

ضياء نافع: ثلاث نقاط حول كتاب بلقيس شرارة: هكذا مرت الايام

diaa nafieالنقطة الاولى: قرأت – وبكل متعة وسرور واندهاش – كتاب السيدة بلقيس شرارة، الصادر عام 2015 عن دار نشر المدى في بغداد والموسوم – (هكذا مرت الايام)، والذي رسمت فيه بلقيس صورة قلمية وثائقية مدهشة الجمال لذلك الجيل و سمات عصره منذ اواسط القرن العشرين في العراق الملكي وعبر العراق الجمهوري اللاحق.

 عندما قرأت عنوان الكتاب طرحت على نفسي رأسا سؤالا محددا، وهو - هل استخدمت بلقيس في عنوان كتابها كلمة (الايام) محاكاة لعنوان رواية اختها الراحلة أ.د. حياة شرارة - (اذا الايام أغسقت)؟؟، ولكني لم أفصح حينها عن هذا السؤال لاي شخص من حولي ابدا، لاني لم اطلع على الكتاب عندها، ولهذا كنت أخشى (واتردد) ان اتحدث عن ذلك علنا. الان، وبعد ان قرأت كتاب بلقيس شرارة - (هكذا مرٌت الايام) الممتع والرائع و العميق بكل ما تعني هذه الكلمات من معنى ، استطيع ان اعلن عن قناعتي الشخصية (كدت أقول استنتاجي !)، ان بلقيس قد استخدمت كلمة - (الايام) في عنوان كتابها فعلا محاكاة لعنوان رواية اختها حياة، ان لم يكن عمدا او قصدا فانه انعكاس للوعي الباطن و الكامن في اعماق العقل و القلب والروح . هل ارادت بلقيس ان تقول للقراء و لحياة ايضا في كتابها هذا- وبشكل غير مباشر - ان (ايامها مرٌت) بشكل يختلف تماما عن(ايام) حياة التي (أغسقت)؟؟؟

 لقد تذكرت الان وانا اكتب هذه السطور استنتاج المخرج السوفيتي المشهور ايزنشتين الذي ذكر في وصيته الادبية، ان غوغول حاول ان يكون مثل بوشكين وبمكانته وقيمته واهميته الادبية، ولهذا فانه كان يحاكي نتاجات بوشكين طوال حياته في بناء بعض اعماله الفنية وخصائص ابطاله وصورهم وتصرفاتهم ... الخ . (انظر مقالتنا المترجمة بعنوان - بوشكين وغوغول في وصية ايزنشتين).

 

النقطة الثانية 

تتناول هذه النقطة الفصل الخاص بالكتاب حول زيارة الاتحاد السوفيتي لمدة شهر باكمله في نهاية عام 1958 . لقد سافر آنذاك وفد من العراق الجمهوري الى موسكو برئاسة أمين العاصمة وبقي هناك طوال شهر باكمله وذلك بدعوة من امين العاصمة السوفيتية موسكو، وكان رفعة الجادرجي ضمن اعضاء هذا الوفد، وقد رافقته زوجته بلقيس، (لم افهم كيف استطاع رفعة ان يسافر مع زوجته في ايفاد رسمي ولمدة شهر باكمله؟). هذا الفصل يحتاج الى تأمٌل، لانه يجسٌد افكارا وانطباعات عراقية عن الاتحاد السوفيتي في تلك المرحلة، (وهي حقيقية لانهم كانوا متعاطفين مع الاتحاد السوفيتي ونظامه السياسي)، رغم انه من الواضح ان بلقيس كتبت هذا الفصل بعد مرور عشرات السنين على تلك الزيارة، لدرجة انها نسيت ان ستالين كان يرقد في تلك الفترة جنبا لجنب مع لينين في الساحة الحمراء وبمرقد خاص لا زال موجودا (ومن المؤكد ان الوفد العراقي قد زاره)، وقد تم – كما هو معلوم – رفع جثمان ستالين من هذا المرقد بعد المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي زمن خروشوف، واعيد دفنه في الساحة الحمراء جنب الزعماء السوفيت الاخرين، ولكن وراء المرقد ذاك. لقد كتبت بلقيس انهم سافروا الى تبليسي عاصمة جورجيا لان هناك يوجد قبر ستالين !! وهذا خطأ طبعا . وهناك نقطة اخرى في هذا الفصل تبين ان بلقيس كتبت هذا الفصل بعد عشرات السنين ايضا وهي الاشارة الى الكاتب الروسي سولجينيتسن، والذي لم يكن له في فترة تلك الزيارة اي وجود في الاتحاد السوفيتي . وباختصار، فان تلك السطور عن الزيارة تعكس اراء متاخرة جدا لبلقيس عن الاتحاد السوفيتي وليست مرتبطة بوقت تلك الزيارة، ولكنها – مع ذلك – تحتاج الى تأمل والى تحليل دقيق، واتمنى ان تسنح لي الفرصة يوما ان اتناول بالتفصيل ما جاء في ذلك الفصل ضمن سلسلة مقالاتي بعنوان – (عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو) .

 

النقطة الثالثة

تحدثت بلقيس في فصل خاص عن اختها حياة شرارة وانتحارها . تكمن اهمية هذا الفصل في ان بلقيس وضعت النقاط النهائية والحاسمة على الحروف - كما يقولون – بشأن هذا الموضوع، اذ لا زال هناك من يظن (ولحد الان) ان حياة لم تنتحر بل تم قتلها او تصفيتها او حتى اغتيالها لاسباب سياسية بحتة ...الخ.

تذكرت المثقفة الرائعة حياة والشهور الاخيرة معها في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد، وتذكرت كيف جاءت الى القسم مرة واعلنت ان خدمتها بلغت 25 سنة وانها الان تستحق التقاعد، وانها ترغب بالسفر الى لندن والالتحاق باختيها وان ذلك افضل لها ولابنتيها. حاولنا ان نوضح لها ان السلطات آنذاك ألغت هذا القانون، وان معظم الاساتذة يتمنون ذلك للتخلص من ضغوط الوضع السياسي الرهيب والوضع الاقتصادي الصعب زمن الحصار (خصوصا وان الجميع كانوا يعرفون ان الاساتذة العراقيين في دول الجوار يعيشون في بحبوحة)، ولكن حياة رفضت حتى الاستماع الينا، وقد فهمنا انها تمر بازمة روحية شديدة، وحاولنا التخفيف من دروسها والتزاماتها ودوامها، ولم يكلفها القسم بالاشراف على الدراسات العليا رغم انها كانت البروفيسورة الوحيدة بيننا، بل انها حتى اعتذرت - قبل ايام ليس الا - من رئاسة لجنة المناقشة لاول اطروحة ماجستير في القسم لطالب الماجستير حسين عباس بعنوان (جوانب التشابه والاختلاف بين نتاجات تورغينيف ومحمد عبد الحليم عبد الله) باشراف د. محمد يونس ، وحتى رفضت ان تكون عضوا في تلك اللجنة .

وبالتدريج أخذت تلك الازمة الروحية والنفسية عند حياة بالازدياد والتضخم لدرجة انها رفضت حتى استلام راتبها مرة،

لانها ذهبت الى قسم الحسابات ووجدت الباب مغلقا، و اضطررنا ان نذهب الى الحسابات وناخذ الراتب ونوصله اليها في غرفتها مع المحاسبة، ثم انقطعت حياة عن الدوام بعدئذ، و حاولنا ارجاعها عبثا، اذ ارسلنا اليها زميلاتها في الكلية لاقناعها بالعدول عن تلك الخطوة، وتذكرت موقف المرحوم أ.د. محمد يونس الذي كان رئيسا لقسم اللغة الروسية آنذاك، والذي كان يجب عليه ان يوجه لها انذارا تحريريا بضرورة الدوام والا تعتبر مستقيلة وبالتالي تفقد كل حقوقها (وكان هذا يعني في ذلك الوقت موقفا لا تحمد عقباه امام السلطة!)، وكيف انه استشار رئيس الجامعة أ.د. عبد الاله الخشاب بعد اكثر من شهر على انقطاعها عندما زارنا في كلية اللغات، وكيف دافعنا جميعا عنها امام الخشاب وطلبنا مراعاة وضعها النفسي الخاص، وقد اقتنع الخشاب بذلك، وهكذا اقترح رئيس الجامعة ان يوجه لها رئيس القسم د. محمد يونس رسالة شخصية بخط اليد يرجوها بشكل اخوي وودي العودة الى الدوام، وقد كتب د.محمد رسالة رقيقة جدا لها وارسلها بيد احد الاصدقاء فعلا، ولكن حياة رفضت استلامها، بل ورفضت حتى استلام الراتب الذي ارسلته الكلية لها ، وتذكرت كيف حاولنا ارسال استمارتها للحصول على قطعة ارض في مسقط رأسها مثل بقية الاساتذة، وكيف اننا (دبرٌنا) ارسال ذلك الطلب بعد ان سحبنا من اضبارتها نسخة من هوية الاحوال المدنية دون علمها وذلك لانها رفضت حتى تقديم الطلب نفسه، وقد ظهر اسمها فعلا - فيما بعد - في قوائم الاراضي التي تم منحها لجميع التدريسيين .

الذكرى العطرة للمرحومة ألاستاذة الدكتورة حياة محمد شرارة، هذه المرأة الموهوبة و المثقفة بعمق، والتي ساهمت بابداع وتميٌز في حركة الثقافة العراقية المعاصرة تأليفا وترجمة وتدريسا، والتي كانت - ولازالت لحد الان - تمثٌل الوجه المشرق والحقيقي لقسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد ولخريجي الجامعات الروسية بشكل عام.

  

جميل حمداوي: القصة القصيرة جدا في المملكة العربية السعودية

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب سيميوطيقا القصة القصيرة جدا بالمملكة العربية السعودية، بالتوقف عند مبدع سعودي معروف في الساحة الثقافية العربية هو حسن علي البطران، بالدراسة والوصف والتحليل النقدي، انطلاقا من رؤية نقدية مغربية معاصرة،  تروم دراسة الأدب الخليجي بصفة عامة، والأدب السعودي بصفة خاصة . ومن ثم، فالكتاب - في الحقيقة- عبارة عن مقالات ودراسات نقدية حول  حسن علي البطران ، كنا نشرناها - سابقا- في الصحف و الكتب والمواقع الرقمية هنا وهناك، ثم جمعناها - اليوم- بين دفتي الكتاب.

وهذا الكتاب أيضا عبارة عن دراسات جادة ورصينة وحداثية من جهة، وأبحاث لسانية وسيميائية وتداولية نظرية وتطبيقية من جهة أخرى. والغرض منها هو التعريف بالقصة القصيرة جدا بالمملكة السعودية بنية ودلالة ووظيفة، بالتوقف - خصوصا- عند المبدع السعودي حسن علي البطران. لذلك، استفدنا كثيرا من المرتكزات المنهجية لكل من المقاربة السيميوطيقية والمقاربة الميكروسردية على حد سواء.

هذا، ويتخذ الكتاب طابعا نظريا وتعريفيا تارة، وطابعا تطبيقيا علميا فيه اجتهادات وآراء ومحاولات شخصية تارة أخرى. ومن ثم، فالكتاب مرجع علمي مفيد للباحثين في مجال القصة القصيرة جدا بالمملكة العربية السعودية. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يسعفهم هذا الكتاب في الانفتاح على آليات المقاربة السيميوطيقية من جهة أولى، والتعرف إلى مكونات المقاربة الميكروسردية وسماتها من جهة ثانية، وتمثل مختلف مبادئ السيميائيات النظرية والتطبيقية من جهة ثالثة.

ونرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة داعيا لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير، أو ادعاء، أو نسيان، أو خطإ ، أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

.........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

القصة القصيرة جدا في المملكة العربية السعودية / د. جميل حمداوي

 

نبيل عودة: بحث توثيقي للباحث نادر زعبي: حكاية أرض وصمود!!

nabe  odaيتناول الباحث نادر زعبي في كتابه المذكور تصدي السكان العرب في الجليل لمخططات مصادرة أراضيهم خلال فترة الحكم العسكري بين الأعوام 1949- 1966، كما جاء في تصديره للكتاب.

يحوي الكتاب مواد توثيقية هامة جدا لمن يريد دراسة وفهم واقع الجماهير العربية في إسرائيل وما واجهته من تحديات بالغة القسوة والعنف بعد نكبة شعبهم الفلسطيني، عمليا يوضح الكتاب ان البقية الباقية من الشعب الفلسطيني فوق تراب وطنها كانت أشبه بالناطور لحماية الوجود الفلسطيني وتشريشه في ارض الوطن والدفاع بكل الوسائل النضالية الممكنة عن الأرض وعن مختلف الحقوق المدنية والإنسانية، في فترة كانت الأشد سوادا التي واجهتها الجماهير العربية الباقية في وطنها.

الباحث تناول أكثر السنوات التي تعرضت فيها الجماهير العربية الفلسطينية لسياسة ابرتهايدية بالغة الشراسة والعنف، وكان واضحا ان بقاء هذه الأقلية لم يكن في حساب القيادات الصهيونية.

يفتتح الباحث كتابة بتقديم عرض عام عن نتائج حرب عام 1948 وانعكاسها المأساوي على الجمهور العربي الذي تفسخت عائلاته ودمرت بلداته وفقد معظم أراضيه. والحديث عن مجتمع فلاحون أي لا حياة له بدون الأرض. مجتمع وجد نفسه في عاصفة أفقدته كل مقوماته كمجتمع وشعب وهيئات.

ضمن هذا العرض يوضح الباحث انه من مجموع (1.970.000) مواطن فلسطيني، بقي بعد النكبة (150) ألف عربي فقط، موزعين كالتالي: 65% في الجليل، 22% في المثلث و 13% في النقب. يوضح الباحث ان هذا التحول الديموغرافي الذي حول أصحاب البلاد من أكثرية إلى أقلية مضطهدة منكوبة، شكل ضربة قاصمة للعرب المتبقين في وطنهم. القيادات الصهيونية والسياسية للدولة الإسرائيلية اعتبرت العرب خطرا أمنيا ففرضت عليهم قوانين الطوارئ الانتدابية ومن ضمنها جهاز الحكم العسكري، عمليا هو جهاز حكم خاص بالجماهير العربية فقط. تحكم هذا الجهاز بحياة الأقلية العربية، قيد حقها بالتنقل داخل وطنها للبحث عن عمل ولقمة خبز ، سيطر على مختلف الوظائف الرسمية خاصة جهاز التعليم. كما يوضح الباحث ان السلطة الإسرائيلية اعتبرت العرب في إسرائيل "طابورا خامسا"..

طبعا رغم الواقع السياسي الحرج والأحكام العسكرية وخنق المجتمع العربي بحرمانه من ميزانيات تطوير، وغياب فرص عمل ، وإرهاب بوليسي ضد أي محاولة احتجاج، إلا ان الجماهير العربية قامت بعمليات احتجاجية ومقاومة، وهي كما يوضح الباحث لم تحظ بأي بحث جدي وشامل. ويقدم الباحث في كتابة وثائق هذا النضال وتشعبه وأشكاله وتطوره.

من المواضيع الهامة التي يطرحها الباحث أساليب مصادرة الأرض العربية وتهجير أصحاب تلك الأرض أحيانا لبناء بلدات يهودية على أنقاض البلدات والأراضي العربية.

يوضح الباحث ان قوانين مصادرة الأراضي في إسرائيل هي من فترة الانتداب البريطاني، ومنها قانون مصادرة الأرض للصالح العام (اقرأ لصالح اليهود فقط) وتقدر مساحة الأرض المصادرة حتى عام 1966 بمليون دونم .يتميز القانون الإسرائيلي بشبكة واسعة من القوانين والأنظمة التي أقرت بهدف نهب الأرض العربية، منها قوانين الطوارئ، قانون أملاك الغائبين، أي الفلسطينيون الذين طردوا من وطنهم أو هربوا خوفا من المجازر، قانون تركيز الأراضي، وغير ذلك من صلاحيات مختلفة لوزير المالية.. عمليا دولة إسرائيل الصغيرة وضعت قوانين أراضي مختلفة وكأنها إمبراطورية لا تغيب الشمس عن أراضيها. هذا الأمر ادخل تغييرات ديموغرافية واسعة لتخفيض نسبة المواطنين العرب في مراكز تواجدهم ورفع نسبة المواطنين اليهود.

الكتاب يوثق المساحات المصادرة وأشكال الاحتجاج التي مارستها الأقلية العربية، ومعظمها كانت عرائض ورسائل واجتماعات شعبية.

الكتاب يتناول بالتفصيل مصادرة أراضي المواطنين العرب الذين لم يغادروا أوطانهم ، ولا يشملهم قانون الأموال المتروكة أو الحاضر غائب، وهو قانون يسمح بمصادرة أملاك من غادر وطنه وعاد متسللا بعد إعلان الدولة ، لذلك يعتبر انه حاضر الآن وكان غائبا مع إعلان الدولة أي ليس مواطنا له حقوق أو أملاك. كذلك لم يشمله إحصاء السكان، فمنح هوية حمراء وتعني انه مقيم وليس مواطن وهو معرض للطرد وراء الحدود، وكانت هناك معارك قضائية واسعة للحصول على الهوية الزرقاء التي تعني عدم إمكانية الترحيل، وقد اشتهر وقتها المحامي الشيوعي حنا نقارة الذي أخذ على عاتقه تحصيل الهويات الزرقاء.

ولم يحظى الكثير من العائدين بعد أحداث حرب 1948 بهويات زرقاء، مما كان يعني تعرضهم للطرد من الوطن، أو القتل كمتسللين، أو الحصول على هوية حمراء تعني أنهم مقيمون ( أو "ضيوف" حسب الصيغة الرسمية حتى ايجاد حل منه الطرد من الوطن) وليسوا أبناء هذا الوطن.

كما قلت اشتهر وقتها المحامي الشيوعي حنا نقاره، وأطلق علية الناس لقب "محامي الشعب" ، وكانوا ينشدون له الأهازيج الوطنية فرحا بتحصيله للهويات عبر المحاكم الأمر الذي كان يعني البقاء في الوطن وعدم اعتبار الفلسطيني "متسللا" ( أو ضيفا) مرشحا للطرد وراء الحدود.

من تلك الأهازيج النضالية :

طارت طيارة من فوق اللية الله ينصركو يا شيوعية (اللية اسم مكان في الجليل)

حنا نقاره جاب الهوية غصبا عن رقبة ابن غريونا ( بن غوريون – أول رئيس لحكومة إسرائيل)

وتطورت ثقافة شعبية غنائية كجزء من النضال والصمود ضد التشريد، يذكرها الشاعر والمناضل حنا إبراهيم ( كتابه: ذكريات شاب لم يتغرب )وهي أغاني تحدي كانت تنشد في حلقات الدبكة والمهرجانات النضالية ومنها:

يا أبو خضر يللا ودينا الزرقات والحمرا ع صرامينا (أبو خضر هو اسم شرطي مارس العنف ضد العرب، والزرقات والحمر هي الهويات)

هذا وطنا وع ترابه ربينا ومن كل الحكومة ماني مهموما

يقطع نصيب ال قطع نصيبي لو انه حاكم في تل أبيب

توفيق الطوبي وإميل حبيبي والحزب الشيوعي بهزو الكونا (من أبرز قادة الحزب الشيوعي آنذاك)

ويتلقف الشبان الكرة ويعلو نشيد المحوربه ( نوع من الغناء الشعبي الفلسطيني) :

لو هبطت سابع سما عن حقنا ما ننزل

لو هبطت سابع سما عن أرضنا ما نرحل

طبعا هذا الجانب النضالي أبدع فيه الحزب الشيوعي بقياداته الطليعية في ذلك الوقت.

هذه لمحة أضفتها لفهم الواقع الذي ساد المجتمع العربي الفلسطيني ، واقع تعيس ، لكن أبناء الشعب الفلسطيني لم يرفعوا أيديهم مستسلمين، وكان يوم الأرض (1976)عاصفة غضب شلت فكر الاستمرار في مصادرة ما تبقى من أراضي وهي قليلة جدا، إذ تقدر مساحة الأرض بملكية عربية اليوم أقل من 3.5% وكانت أكثر من 95% قبل قيام دولة إسرائيل..

هذا الكتاب وثيقة هامة ضرورية لكل مثقف وقارئ يريد ان يعرف حقائق الواقع من مصدرها الأول وبدون مزايدات سياسية.

 

الكتاب: حكاية.. ارض وصمود

الكاتب: نادر زعبي

إصدار جمعية ربوع الخير – كفر مندا - 2015

.......................

*- نادر زعبي – كفر مندا– باحث في موضوع الجغرافيا السياسية وعلوم البيئة ويواصل دراسته للقب الثالث ولدية العديد من الأبحاث والوثائق الهامة التي ستنشر قريبا.

 

صدور كتاب: علم التاريخ لشوقي الجمل

934-tarصدر حديثا عن المكتب المصري للمطبوعات كتاب "علم التاريخ" للمؤلف شوقي الجمل

حاول الكاتب في هذا الكتاب الذي يقدمه للباحثين في مجال التاريخ أن يعالج موضوعين  مترابطين ومتكاملين يصعب فصل أحدهما عن الآخر:

الموضوع الأول: نشأة علم التاريخ منذ بدأ على شكل قصص وروايات، ثم تطور مع تطور المعرفة الإنسانية. وقد تعرض الكاتب لدور العرب في هذا المجال والشوط الذي قطعوه فيه فخصص فصلاً لذلك.

934-tarكذلك تعرض لوضع علم التاريخ بين العلوم الأخرى والآراء المختلفة التي أثيرت حول هذا الموضوع.

كما أشار للعلوم الأخرى الوثيقة الصلة بعلم التاريخ، وبما يجب أن تتوفر في الباحث التاريخي من صفات ومميزات ليمارس هذا العمل بمفهومه الصحيح السليم.

الموضوع الثاني: فهو يتعلق بالمنهج الذي يجب أن يلتزم به الباحث في هذا الميدان حيث بدأ الكتاب مع الباحث منذ اختياره لموضوع بحثه وحتى تنسيق المادة التاريخية تمهيداً لعرضها على هيئة موضوع متكامل متجانس ومترابط.

وقد اعتمد الكاتب في كل ذلك على القواعد المتعارف عليها والتي أصبحت الأسس الرئيسية التي يقوم عليها البحث التاريخي.

كما عرض الكاتب آراء وأفكار العديد من المؤرخين الذين برزوا في هذا الميدان واهتموا بهذه الدراسةـ دراسة منهج البحث التاريخي.

 

 

جميل حمداوي: أدب الأطفال في بلدان الخليج العربي

jamil hamdaouiنقدم، في كتابنا هذا، نظرة بانورامية عامة حول أدب الأطفال في منطقة الخليج العربي من أجل التعرف إلى هذه الظاهرة الفتية، باستقراء أبعادها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتاريخية، والثقافية.

وإذا كانت أوروبا قد عرفت أدب الأطفال، منذ وقت مبكر، بالمفهوم العلمي لأدب الأطفال، فإن دول الخليج العربي لم تعرف هذا الأدب إلا في بدايات القرن العشرين. بل هناك من يذهب بعيدا إلى أن العرب عرفوا هذا الأدب منذ فترة قديمة، وأنهم سبقوا أوروبا واليابان في ذلك.

وعلى أي حال، فقد اعتمدنا، في هذا الكتاب، على مقاربة تاريخية تعتمد على التتبع الزمني لظاهرة أدب الأطفال في منطقة الخليج العربي، متتبعين التسلسل الكرونولوجي، وتمثل التحقيب التاريخي .

وتستند منهجيتنا، في دراسة أدب الأطفال في الخليج العربي، إلى  مجموعة من المعطيات المنهجية الأساسية، مثل: دراسة الذاكرة التاريخية، والاهتمام بدراسة السرديات الطفلية، باستقراء القصص والروايات والحكايات كما وكيفا، و دراسة مسرح الأطفال من جهة، وشعر الأطفال من جهة أخرى.

 ولم ننس كذلك كتب المعارف والفنون والموسوعات المعجمية وكتب النقد التي تؤرخ لظاهرة أدب الأطفال في بلدان الخليج العربي. وكنا نبحث وننقب في مجال الصحافة، بتتبع تاريخ الجرائد والمجلات، واستكشافها كما وكيفا. بل كنا نهتم أيضا بدور النشر والطبع والتوزيع التي تعنى بإخراج إنتاجت أدب الأطفال إبداعا ودراسة ونقدا.

وقد أنهينا دراستنا بتقويم أدب الأطفال في كل بلد خليجي على حدة بغية معرفة أسباب التعثر والتقدم، واستجلاء الأسباب الذاتية والموضوعية التي كانت وراء انتعاش أدب الأطفال أو ركوده وتراجعه.

وقد وجدنا صعوبات جمة في استجماع المعلومات المتعلقة بأدب الأطفال في بعض البلدان الخليجية، مثل: قطر، والبحرين، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان...

و نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن أخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وماتوفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

...............................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

أدب الأطفال في بلدان الخليج العربي / د. جميل حمداوي

 

سلام البهية السماوي: صدور ديوان شعري جديد

933-khadomعن دار أور للطباعة والنشر في بغداد صدر مؤخرا ديوان شعري بعنوان: (تراتيل الدمع) للشاعر العراقي كاظم ال وحيد العنزي .

الديوان يحتوي على 100 صفحة وقد احتوى على ثلاثين قصيدة توزعت على اربعة نوافذ:933-khadom

نافذة انين الغربة ودموع من القلب ووجدانيات واخيرا فراشات غزل اضافة الى المقدمة والاهداء وكلمة شكر والخاتمة والفهرست وسطور عن حياة مؤلفه , سطر الشاعر في ديوانه الجديد معاناة المغترب والحنين العالي للوطن ثم انتقل في نوافذ اخرى يخاطب فيها وجدانه في قصائد للوالدين ومرثية حزن وقصائد ذاتية غلب طابع الحزن عليها لما يشعر الشاعر بالفخر والكبرياء امام قسوة الزمن ومعاناة الظروف وبين محطات الحزن والاغتراب ولغة الوجدان رسم لنا لوحات لعشق الحبيبة والغزل الجميل من خلال نافذة سميت فراشات غزل التي احتوت على خمسة عشر قصيدة تلونت بكلمات شفافة ولوعة المحب وهذا هو الاصدار الثاني بعد ديوانه الشعري الاول (ابوذيات من الغربة) اصدره عام 2012 .

 

سلام البهية السماوي - ملبورن   

 

جميل حمداوي: سيميوطيقا المسرح في الوطن العربي

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب موضوع (سيميوطيقا المسرح) نظرية وتطبيقا ووظيفة، على أساس أن المسرح نص أو عرض زاخر بالعلامات الصوتية والسمعية والأيقونية واللغوية والبصرية والحركية. بمعنى أن المسرح فن سيميائي مركب بامتياز، مادام يستند إلى الرموز، والإشارات، والعلامات، والأيقونات، ويجمع بين ما هو لفظي وماهو بصري. ومن ثم، فالمقاربة السيميوطيقية هي المنهجية الأكثر قدرة على تفكيك علامات المسرح وتركيبها.أي: إن هذه المقاربة هي الأصلح لتحليل النصوص والعروض المسرحية في مختلف مكوناتها وسماتها الفنية والجمالية والسينوغرافية والإخراجية.

ويلاحظ أن السرد والشعر قد استفادا كثيرا من السيميوطيقا العامة نظرية وتطبيقا.في حين، لم يستعن المسرح والسينما بالمقاربة السيميوطيقية إلا بعد أن استنفذت هذه المقاربة العلاماتية كل إمكانياتها المنهجية والنظرية والتطبيقية في مجالي السرد والشعر مع فلاديمير بروب(V.Propp)، وغريماس(Greimas)، ورولان بارت(R.Barthes)، وكلود بريمون (C.Bremond)، وجوزيف كورتيس(J.Courtès)، وميكائيل ريفاتير(M.Rifaterre)، وجوليا كريستيفا (J.Krestiva)، وجاك مولينو (J.Molino)...

وعليه، فقد كانت حلقة براغ (Prague) سباقة إلى الاهتمام بسيميائية الفن بصفة عامة، وسيميوطيقا المسرح بصفة خاصة. وبعد ذلك، توالت الدراسات والأبحاث المتخصصة في مجال سيميوطيقا المسرح، بالتركيز على سيميوطيقا التشخيص أوالتمثيل، وسيميوطيقا اللغة المسرحية، وسيميوطيقا الفضاء المسرحي، وسيميوطيقا السينوغرافيا، وسيميوطيقا الإخراج، وسيميوطيقا الرصد، وسيميوطيقا النص الدرامي...

ومازالت الدراسات السيميوطيقية في النقد العربي بصفة عامة، والنقد المغربي بصفة خاصة، محدودة ومعدودة إلى حد كبير؛ لأن المسرح العربي يغلب عليه النقد الصحافي أو الفني أو التاريخي أو الانطباعي أو السوسيولوجي... وقلما يهتم بالنقد السيميوطيقي من أجل مقاربة النص أو العرض المسرحي تفكيكا وتركيبا.

 لذا، فكتابنا هذا محاولة متواضعة في هذا المضمار العويص، يروم التعريف بالسيميولوجيا من جهة، وتحديد مفهوم سيميوطيقا المسرح من جهة أخرى. دون أن ننسى الدراسات المغربية والعربية التي تناولت هذه السيميوطيقا الدرامية بشكل نظري أو تطبيقي. ثم قدمنا كذلك، في هذا الكتاب،  نماذج تحليلية من العروض الأمازيغية في ضوء سيميوطيقا المسرح.

وفي الأخير، أتمنى من الله أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا كثيرا،  وأحمده على علمه ونعمه وفضائله.

 

د. جميل حمداوي

...................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

سيميوطيقا المسرح في الوطن العربي / د. جميل حمداوي

 

 

خالد التوزاني يصدر: الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي

931-khalidعن منشورات دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، صدرت الطبعة الأولى، بداية غشت 2016، من كتاب "الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي" للكاتب والناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني، لينفتح في مقاربته لأدب الرحلة على أشهر الرحلات العربية، مركزا على ثيمة / موضوعة العجيب باعتبارها محط اهتمام الرحالة والمتلقي معاً، ومصدر إمتاع ومؤانسة، وبوابة التغيير الداخلي للذات الإنسانية المحلقة في آفاق النفس والعالم، مؤكدا بذلك قيمة الأدب في التنمية البشرية ودور الرحلة في تقوية الشخصية وتربية النفس على قيم الصبر والتعاون والتعارف..، وغيرها من القيم التي تسهم الرحلات في إشاعتها.

931-khalidلم تكن الرحلة حدث سفر وتجوال في المكان أو في الوهم والخيال فحسب، بل هي ترجمة حقيقية لرغبة الكائن في الخلاص من شرطي الزمان والمكان والعدم. وكذلك، هي تعبير عميق عن رغبة دفينة في التغيير الداخلي، تنشأ متوازية مع الحاجة إلى تجارب جديدة، أكثر من تعبيرها في الواقع عن تغيير مكان، فالرحلة وإن كانت رحلة في المكان، إلا أن المقصود بالمكان، في معظم الرحلات، هو مكان المجتمع الآخر أو الثقافة الأخرى، والمجتمع والثقافة كائنات زمانية بالضرورة، وفهم الحاضر فيها يتطلب بالضرورة معرفة بالماضي، بل وتشوفاتها نحو المستقبل أحيانا. وبتعبير آخر، تعتبر الرحلة انتقالا من حضيض الرغبات والأهواء، إلى مدارج علوية من الجهاد الروحي والفكري والحضاري. وهكذا فإن كتاب "الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي" سيتيح للقارئ العادي والمتخصص السفر الممكن في عوالم الرحلة العجيبة بما توفره من لذة وفائدة وما تقدمه من موائد دسمة من العجيب المنبث في كل حركة وانتقال وتحوّل وارتقاء..

تتفنن نصوص بعض الرحلات في تشكيل العجيب والغريب بألوان من الدهشة والحيرة والجمال، فيغدو كل شيء في الرحلة عجيبا، ليس لأن أصحاب الرحلات كانوا يزينون نصوصهم ببعض العجائب رغبة في إثارة انتباه المتلقي وتشويقه، وليس استجابة لذوق القارئ المَيَّال إلى العجيب فحسب، وإنما كذلك، لأن ما رآه الرحالة كان شيئا عجيبا حقا بالنسبة إليه، فـأكثر الناس حكما على الأمور بالغرابة هم أكثرهم ترحالا، حيث يواجهون "الجديد" دائما ويكسرون ألفة المكان والثقافة، فينقلون عالما جديدا مغايرا لما سحقته الرتابة وقتله الملل، ولذلك لم تكن غاية الرحلات إبداع عالم عجيب بقدر ما كانت التعجب من العالم الموجود، فكل ما في العالم موضوع للعجب عند التأمل فيه، إلا أن الاعتياد عليه والأنس به، هو ما يذهب بالحيرة، ويذهب بلذة الحياة أيضا، ولذلك لم يرتق من لم يرحل ولم يتطور من لم يذق عجيب المشاهدات.

إذا كان العجيب في الإبداع الأدبي يروم إفزاع المتلقي وإثارة انفعاله، فإنه في أدب الرحلات يستهدف تحقيق أبعاد تربوية ومعرفية وعرفانية خادمة لسمو الإنسان وجماله الخُلقي وبنائه النفسي المتوازن. وإذا كان هدف العجيب في الأدب عموما يعمل على فضح الواقع وتعرية المعاني المختفية في شقوقه وتخومه، واستدراج الظواهر المهملة في الزوايا إلى الحديث عن نفسها والإفصاح عن مكنوناتها وأسرارها، فإنه في أدب الرحلات محاولة لتغيير ذلك الواقع من خلال اقتراح حلول بديلة تعيد التوزان المفقود وتعين المرء على تجديد حياته وصناعة واقع مغاير ينسجم مع تطلعاته وأحلامه في قوة التمكين، انسجاما مع ضرورة الهجرة والرحيل من مكان الاستضعاف إلى مواطن القوة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾( سورة النساء، الآية: 97). لتشكل الرحلة نافذة للتغيير الإيجابي عبر تحويل العجيب إلى مألوف، والمستحيل إلى ممكن.

هكذا، تبدو الرحلة ميداناً معرفياً وثقافياً غنياً بالدلالات والرموز، ومجالاً خصباً يشي بقصة جهود الإنسان وجهاده ساعياً إلى اكتشاف مجاهيل الكوكب الأرضي مرتاداً آفاقاً جديدة، رغبة في إدراك بعض أسرار الكون وفهم سلوك البشر وطرائق عيشهم وغرائب المخلوقات وعجائب الموجودات.. فالرحلة بهذا المعنى درس تجريبي ومدرسة تعلم الإنسان خبرات جديدة في الحياة، وترشده إلى استخلاص العبر والمواعظ عبر مواقف غير مألوفة ومَشاهِد لم يعتد على رؤيتها والتفاعل معها، فيكتسب بهذا الاحتكاك قوة وصلابة، ولعل ذلك ما دفع الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون إلى القول: "إن السفر تعليم للصغير وخبرة للكبير". وأكثر من ذلك، يذهب أحد الأدباء الفرنسيين إلى القول: "إن الرحلات تشكل أكثر المدارس تثقيفاً للإنسان". إن كل هذه الأهمية التي يحظى بها أدب الرحلات تجعل البحث في عجيبها وغريبها أمرا ممتعا ومفيدا، وفي الآن نفسه مغامرة علمية لا تخلو من صعوبات، ولا شك أن القارئ سيستفيد من هذه الرحلة، التي هي رحلة في عجيب الرحلات؛ فإذا كان خوض الرحلة أمرا في غاية الروعة والجمال، فإن "أروع الرحلات هي التي نقوم بها في رحلات الآخرين".

لم يزين أصحاب الرحلات نصوصهم ببعض العجائب استجابة لذوق القارئ الميَّال إلى العجيب والغريب فحسب، وإنما كذلك لأن ما رآه الرحالة كان شيئا عجيبا حقا بالنسبة إليه، وبذلك لم تكن الغاية من تدوين الرحلة، إبداع عالم عجيب، بقدر ما كانت التعجب من العالم الموجود. فلا عجب أن تُعلن بعض الرحلات انفتاحها على العجيب والغريب بدءا من عتبة العنوان ومرورا بما في النص الرئيس من كثافة لحقل العجيب وانتهاء بما تتركه من انطباع لدى القارئ، حيث تؤسس بذلك الإعلان أفق انتظار يرتبط بالنوع نفسه، فيجد المتلقي نفسه مدفوعا لتتبع عجائب الرحلة واقتناص لحظات من السفر الجميل والممتع. وبذلك، يمارس العجيب فتنته وسحره على الرحالة والمتلقي.

إن عجيب أدب الرحلات يتجاوز الإمتاع والمؤانسة إلى نقل ثقافة الرحالة واهتماماته وانشغالاته التي هي – في الحقيقة- جزء من انشغالات الإنسان في كل زمان ومكان، ومن ثم يمكن أن تساعد دراسة عجيب أدب الرحلات على فهم عقلية الإنسان زمن تدوينه للرحلة ومعرفة طبيعة تفكيره وتمثله للذات والآخر والمحيط، فأهمية نصوص العجيب ومظاهره تتجاوز ماهو من اختصاص الأدب والنقد، إلى ماهو من مهام البحث في علوم أخرى مثل علم الاجتماع وعلم النفس والباراسيكولوجيا، وغير ذلك من الحقول المعرفية التي تروم فهم الإنسان.

ويعتبر هذا الإصدار حصيلة بحث طويل وتأمل عميق في أدب الرحلات امتد لعدة سنوات، وأثمر رؤية جديدة لمفهوم الرحلة، حاول فيه الكاتب والناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني الجمع بين الأدب و بعض العلوم الإنسانية وخاصة علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ، لتقديم عمل أكاديمي يستحق القراءة والتداول.

 جدير بالذكر أن الكاتب والناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني، له جملة من المؤلفات المنشورة منها، كتاب "أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية"، وكتاب "جماليات العجيب في الكتابات الصوفية" وكتاب "التراث المغربي: التحديات والأبعاد التنموية" وله عدة مقالات منشورة في مجلات علمية محكمة، كما حصل على جوائز في النقد الأدبي منها: جائزة أحمد مفدي للدراسات النقدية بالمغرب، وجائزة الاستحقاق العلمي من مؤسسة ناجي نعمان العالمية للأدب بلبنان.

 

 

معمر حبار: العرب واللغة العربية من خلال أبي القاسم الشابي

moamar habarسبق لصاحب الأسطر أن أنهى قراءة كتاب "مذكرات الشابي"، أبو القاسم الشابي، وكتب حوله مقال بعنوان "مذكرات الشابي".

وقد ذكر الأديب الشاعر أنه ألقى محاضرة بعنوان "الخيال الشعري عند العرب". فعاد لمكتبة جمال ليقتني كتاب "الخيال الشعري عند العرب"، أبو القاسم الشابي، الطبعة الأولى 2013، بيت الحكمة، الجزائر، من 96 صفحة.

تطرق الكاتب إلى الأدب العربي بشكل عام والشعر العربي، معتمدا على خصائص العرب والأدب العربي عبر العصر الجاهلي، والعصر الأموي، والعصر العباسي، والعصر الأندلسي. موضحا خصائص كل عصر، وما يميّزه عن غيره من حيث نظرة الشاعر والأديب في تلك الفترة للعرب والأدب العربي، وبعض القضايا كالحب، والمرأة، والجمال، والطبيعة، وحديث القلوب والصدور.

ينطلق الكاتب الأديب من فكرة أساسية ، ثم يعود إليها في الخاتمة ليؤكدها، وهي أن العرب عبر العصور الأربعة، لم يكن لهم خيال شعري، وكانوا ينظرون إلى الطبيعة والجمال والمرأة من ناحية المادة والجسد، معتمدا على عيّنات لكبار شعراء العصور الأربعة. ومن حين لآخر يقارنها ببعض عينات من الأدب الغربي، ويرى بأن ذلك يعود..

1. طبيعة المنطقة العربية الصحراوية القاسية التي أثرت على سلوك العربي، فأمسى جزء من ضراوتها وقساوتها في التعبير عن الجمال بما يسئ للجمال، أو لا يحسن التعبير عن الرقيق بما يناسبه من رقة.

2. آلهة العرب تفتقر للجمال عكس آلهة الأمم الأخرى التي كانت تعبّر عن الرقة والجمال. والآلهة عند العرب لاتنطوي على الخيال، ولا تمثل مظهرا من مظاهره أو عاطفة من عواطف الإنسان.

3. باعث العرب لعبادة الأصنام لم يكن من ورائها العنصر الجمالي الرقيق الباعث على الحب والحياة.

4. وأساطير العرب لا تشرق بالحياة والفن.

5. العرب في جميع العصور لم يهتموا بالطبيعة عبر أشعارهم. ويرى الكاتب أن التغني بالطبيعة لم يرقى إلى المستوى المطلوب في العصر الأندلسي ، رغم توفر الطبيعة الخلابة، وذلك بسبب الإفراط في الشهوات فأمات الأحاسيس.

6. وشعراء العربية سواء في المرحلة الجاهلية وما بعدها كالأموي، والعباسي والأندلسيي، لم يشعروا بتيار الحياة المتدفق في قلب الطبيعة إلا إحساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة الحسّ ونشوة الخيال.

7. كان العربي يقف أمام الطبيعة وقفة الأخرس الذي لا ينطق، والأعمى الذي لا يبصر أضواء.

8. إهتمام العربي بالظاهر المحسوس.

9. شعراء العربية لم يشعروا بتيار الحياة المتدفق في قلب الطبيعة إلا إحساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة الحسّ ونشوة الخيال.

10. وشعراء العربية – هكذا يسميهم – لم ينظروا إلى الطبيعة نظرة الحسّ الخاشع إلى الحي الجليل، إنما كانوا ينظرون إليها نظرتهم إلى رداء منمّق وطراز جميل لا تزيد عن الإعجاب البسيط.

11. لم يجعل العرب لشعرائهم آلهة وملائكة تكلمهم كما كان في الأساطير من سبقوهم، بل جعلوها شياطين تصقل لسان الشاعر.

ثانيا: المرأة عند العرب.. ونظرة الأدب العربي إلى المرأة، نظرة دنيئة سافلة منحطة، وأنها جسد ومتعة من متع العيش الدنيء. وإهتمام الشاعر العربي بجسد المرأة مهما كان عصره وتقواه ومجونه، فإن مرد ذلك إلى إهتمام العربي بالظاهر المحسوس. ولا فرق بين شعراء الجاهلية، والأموي ، والأندلسي ،والعباسي ، رغم تباعد الزمان وتغيره، في وصف المرأة من حيث الجسد والشهوة. وشعراء الجاهلية وشعراء الإسلام ، يتفقون جميعا ولا يختلفون في وصف المرأة على أنها شيىء وجسد، رغم تغير الزمان واختلاف الشخصيات من عاقل وماجن.

وتحت عنوان " الخيال الشعري والمرأة في رأي الأدب العربي " ، يقول.. حرم العرب الجمال السماوي، ولم يكن لديهم من فنون الجمال على اختلاف فنونه غير فن واحد هو "المرأة"، فتغنوا بمحاسن المرأة.

وتجاوزت المرأة عند العرب كل حدّ حتى أصبحت هي اللحن الجميل الذي تستهل به القصائد، وهي الكلمة السحرية التي تنفتح لها كنوز الشعر، وحتى أصبحت عندهم كآلهة الشعر.

والمرأة عند الشاعر العربي لا تعدو كونها جسدا ومنهلا للشهوات. أو ليفاخر أبناء البادية أنه قدير على تصبي النساء والعبث بهن.

وابن الرومي هو الوحيد الذي تحدث عن جمال المرأة ككائن مستقل عن الجسد، وأن مصدره النفس الخالدة.

وشعراء العرب يحسنون وصف المرأة  شكلا، لكن هذا العمل يحسنه الجميع، لكن لاتظهر معه مزية الشاعر على غيره، وليس من وظيفة الشاعر.

وإهتمام الشاعر العربي بجسد المرأة مهما كان عصره وتقواه ومجونه، فإن مرد ذلك إلى  إهتمام العربي بالظاهر المحسوس.

والأسباب التي دعت بالشاعر العربي إلى النظر إلى المرأة من زاوية الجسد والشهوة، هو نظرة الرجل للمرأة على أنها مثل للؤم والغدر، والخسّة، والخبث. ضف لها إنعدام الحرية للمرأة، وليس هذه الحرية التي لاحظ لها من كرامة المرأة.

وقد تفشى الأدب الخليع بشكل منكر لدى الأدب العباسي.

لاتختلف نظرة الشاعر العربي للطبيعة نظرته للمرأة، فهي عنده محض مادة وإشباع شهوات الجسد، بل ربما سمت نظرة بعض الشعراء إلى الخمر، حين لم تسم نظرته إلى المرأة.

المرأة عند شعراء العرب متعة ولهوا، تساوي بين الفرس السّابق والخمر العتيق.

وكلهم سواء الشاعر الماجن كأبي نواس، أو العاقل الرزين كامرىء القيس، لايختلفان في وصف جسد المرأة.

لافرق بين شعراء الجاهلية وشعراء الأندلس والعباسي والأموي، رغم تباعد الزمان وتغيره في وصف المرأة من حيث الجسد والشهوة.

شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام ، يتفقون جميعا ولا يختلفون في وصف المرأة على أنها شيىء وجسد، رغم تغير الزمان واختلاف الشخصيات من عاقل وماجن.

وكل ما أنتجه الذّهن العربي في مختلف عصوره، قد كان على وتيرة واحدة. ليس له من الخيال الشّعري حظّ ولا نصيب. ولا يهمها من المرأة إلاّ الجسد البادي. وكل ماانتجه العقل العربي كان مطبوعا على غرار واحد، ومطبغا بصبغة واحدة.

ويرى عبر صفحات 51 - 57وما بعدها،، أن  المرأة في الأدب لم تظفر من الخيال الشعري ولو كان يسيرا. ونظر إلى المرأة نظرة مادية لا عمق فيها ولا ضياء.

وكان الشاعر في العصر الجاهلي والأموي صادقا في ميله للمرأة وشغفه، وإن لم يتحدث عنها إلا من الناحية الجسدية.

وأما الشاعر العباسي والأندلسي فقد قضت المدنية على منبع الرجولة، فأصبح أكثر حديث عن المرأة كاذبا لا تحس حرارة الحب، ولا صدق بالرغم من جميل الرّنة وخلاب النسق.

ثالثا: العربية والعرب من خلال العصور الأربعة.. قسم الكاتب الأدب العربي إلى 4 أدوار: الدور الجاهلي، والدور الأموي، والدور العباسي، والدور الأندلسي. ومن خلالها بحثه عن الطبيعة، وحظها من الخيال الشعري، ومنها..

الشعر الجاهلي كالشعر الأموي لم يهتم بجمال الطبيعة وكان "نادر كل الندور"، وعلى قلته وندرته "لم يكن من النوع الذي يشعل خيالا وحسّا".

وكان أدب العصر الأموي والعباسي لايعرض لوصف مناظر الطبيعة إلا إذا دعت الضرورة دون أن يسهب في الوصف ويشبع القول. وكان يصف الطبيعة ،  كما رآه دون أن يخلع عليه من حلّة من شعوره، وعبق من عواطفه.

أما في العصر العباسي، فقد إصطبغت الحياة الإسلامية بحضارات عديدة متباينة كالروم والفرس، الذي أتقن أهلها اللغة العربية، وكتبوا الشعر بلغة ما ألفه العرب. .وشعراء العرب سكنوا المدن والعواصم وعاشوا في أوساط جميلة، وهجروا البادية. ولم يتطور الأدب العباسي ، لأن الطبيعة لم تكن بالقدر الكافي الذي يفجّر العواطف، كما هو الحال في الأدب الأندلسي.

لكنه يرى أن الشعر العباسي أدق وأصدق شعورا من الأدب الأندلسي، رغم أن الأدب الأندلسي أحفل بهذا الفن من الأدب العباسي وغيره. ويرى أن التغني بالطبيعة لم يرقى إلى المستوى المطلوب في العصر الأندلسي ، رغم توفر الطبيعة الخلابة، وذلك بسبب الإفراط في الشهوات فأمات الأحاسيس. وكان الشعر الأندلسي رقيقا طليا، لكنه قليل الحظ من عمق الشعور. وكان لبعض شعراء الأندلس شغف بالطبيعة، فشغلتهم اللذة والهوى عن الإفصاح. فكان شعرهم أقل من الشعر العباسي، الذي كانت طبيعته أقل خلابة وجمال. ويمتاز الأدب الأندلسي بديباجة ناعمة، وتعبير عذب ناصع، ووصف دقيق جميل، لكن ليس وراء ذلك عاطفة حادة، أو إحساس عميق.

رابعا: العوامل التي أثرت على الروح العربية.. إبتداء من صفحة 80، يرى أن بتداء  الروح العربية خطابية مشتعلة لاتعرف الأناة في الفكر ، ومادية محضة لاتستطيع الإلمام بغير الظواهر مما يدعو الى الاسترسال مع الخيال. فالروح العربية أبدا متنقلة، وهي ابدا حائمة. فالخيال لا يعتمد على الخطابة والحماس، ودقّة الاحساس تستلزم المزاج الهادىء.

لم يكن الشاعر العربي كما هو في عصرنا على أنه رسول الحياة لأبنائها الضائعين. بل كانوا لايفرقون بين الشاعر والخطيب من أنه حامي القبيلة ، والمستفز لنخوة الحمية في ابنائها، والمناضل عن اعراضها بلسانه. فالشاعر ينظم خطبته والاخر ينثرها نثرا. ومنها ان للنزعة الخطابية كثرة المترادفات في اللغة العربية كثرة هائلة. ومنها ميل العرب الى الايجاز. لأن طبيعة العرب الخطابة، والخطابة منشؤها حدّة الطبع، ومن كان حادا كان متسرّع عجول، عجول في حكمه، في فعله، في قوله أيضا، وهذا يناسبها أخصر الأسلوب، وذلك هو الإيجاز.

ثم إن الطبيعة لم تكن معهم سخية، ولم تمنحهم ريشة الفن، ولا ضربت عليهم سحر الجمال، فظلت محرومة من ذلك الجمال الإلهي الذي يغمر النفس يما يفيض عليها من سعادة الحس ونشوة الشّعور.

فهو كالصحراء التي نشا فيها، لايعرف رغد العيش ولا محبة السلام، ولا يفقه دعة الحياة، ولا غبطة العيش ، وإنما هو ثمرة جامحة كالرياح، ظامئة كالهواجر، متضرمة كشمس الظهيرة، لاترتوي ولا تشبع، ولا تسكن إلى الراحة، ولا تخلد إلى السّكون، لأن الحياة الثائرة تجعل همّ الناس في السنتهم، لان الكل يريد قود الجميع بلسانه.

وعبر صفحات 87- 94، يذكر العوامل التي اثرت الروح العربية عبر الأدب الجاهلي، والأموي، والعباسي، والأندلسي، وهي..

لم يكن هناك تغير في العصر الأموي، وبقيت على ماكان العصر الجاهلي، ولم تختلط بالشعوب.

وجاء العصر العباسي، حيث اختلاط الشعوب والحضارات، واستوطن كثير من العرب المدن والامصار. وظهر نوع جديد من الادب العربي، وهو الادب الطبيعي، لكن دائما بنفس نظرة الجاهلي والاموي للطبيعة، لايتحدث الا عن اللون والشكل.

والشعر العربي في الاندلس ، طبع بطابع الأرض الجميلة، وصقلته بصقيل ذلك الوسط. فجددوا في المظاهر كالأوزان ولم يجددوا في الجوهر والروح.

 ترجم العرب فلسفة اليونان والإغريق، ولم يترجموا الأدب الفارسي وغيره، تكبرا منهم وإعتقادهم أن الشعر العربي وعلى رأسه الشعر الجاهلي هو أفضل ما في الدنيا، وأن غيره لايستحق القراءة والترجمة، والسبب في ذلك غرور العرب، ضف أنها تحتوي على الوثنية. وعدم إطلاع العرب على آداب الأمم الأخرى، بالإضافة ما تركه النقاد من تمجيد وتهوين، وما خلفه العرب لأبنائهم من ميراث روحي لأبنائهم، ساهم في انحطاط الادب العربي.

خاتمة.. ذكر الكاتب الأديب جوهر الكتاب في صفحتي 18-19، حين قال.. "وإن على حساب ما في الإقليم من جمال وروعة تكون شاعرية الأمة". و " على حساب طلاقة الجو أو قطوبه تكون نفسيات الأمم والشعوب ".

يستعمل الشابي مصطلح " شعراء العربية"، ولا يستعمل مصطلح " شعراء العرب". لم يذكر الأسباب صراحة، لكن القارىء المتتبع يمكنه أن يتكهن بذلك.

تحدث عن مساوىء الايجاز عند العرب، والعرب تفتخر بكون لغتهم تمتاز بالإيجاز. ولأول مرة في حياتي أقرأ عن مساوىء الإيجاز.

ذكر أن جبران خليل جبران، والادب الغربي، كانوا أفضل من شعراء العرب عبر كافة العصور في التحدث عن المرأة، بعيدا عن انها شيء وجسد، كما يذكر العرب في أدبهم وأشعارهم.

يعيب في صفحة 92 على العرب الذين يطالبون بالإبقاء على نفس نسق الشعر الجاهلي من بداية وخاتمة وغرض. ويستنكر على الذين يرون أن الأدب العربي ما هو إلا مجون، ولهم، وكذب، وأن أصدق الشعر أكذبه. ويرى أن هؤلاء بقوا في الشكل دون الجوهر.

من محاسن الكتاب، أن القارىء يقف على الشابي الأديب، والبليغ ، والفصيح، بعدما عرفه بأنه الشاعر الرقيق. ومن الظلم للرجل أن يحصر في بيت ".. إذا الشعب أراد يوما الحياة... لابد أن يستجيب للقدر "، وهو أكبر بذلك بكثير من حيث الوصف، والنقد.

إمتاز الشابي بجرأة لم يعهدها العرب في نقد الأدب العربي والشعر العربي، وعلى رأسه الشعر الجاهلي. وبيّن بعضا من نقائص إعترته عبر كافة العصور، ويرى أنه من الأخطاء الفادحة، أن يظل العرب يتمسّكون بسلبيات تضر بعصرهم، وبأساليب لاتتماشى ويومهم، ويطالب بأدب عربي يرقى لمستوى تطلعات الأمة، وأن يكون حلا لأوضاعها التي لا تشبه أوضاع ذلك الزمان.

 

 

جعفر عبد المهدي صاحب: عرض كتاب: فصول من تجربتي في الفكر والسياسة، للمفكر اللبناني كريم مروة

jafar abdulmahdisahibقبل أن ندخل في عرض محتويات الكتاب الذي أمامنا لابد أن نسبق ذلك بذكر البطاقة التعريفية للمناضل والمفكر الأستاذ كريم مروة.

- ولد المؤلف عام 1930 في بلدة حاريص الواقعة في جنوب لبنان بالقرب من الحدود مع فلسطين.

- سليل عائلة لبنانية عريقة أنجبت رجالاً مفكرين وكتاب كبار، والده الشيخ أحمد مروة، رجل دين مستقل وغير مرتبط بأي مؤسسة دينية.

- أكمل كريم مروة دراسته الثانوية في بغداد إذ كان تحت رعاية ابن عم والده الأديب والمفكر المعروف حسين مروة.

- عاد الى لبنان وعمل في مهنة التعليم لمدة سنتين، وفي عام 1953 إلتحق بالدراسة الجامعية في الجامعة اللبنانية بقسم الأدب العربي، وفي نفس العام انتمى للحزب الشيوعي اللبناني.

- قبل أن ينهي عامه الأول في دراسته الجامعية تم تكليفه بقرار حزبي للعمل في قيادة اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي.

- أختير في مطلع عام 1963 كممثل لحركات السلم العربية في مجلس السلم العالمي ومقره فينا، واستمر بمنصبه هذا حتى نهاية عام 1964.

- بعد عودته من فينا الى لبنان عام 1964 أصبح عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني وبقي يشغل هذا المواقع حتى عام 1999.

- ساهم مع بعض من رفاقه الشباب في حركة تجديد الحزب (1966- 1968) والتي كرست استقلالية الحزب الشيوعي اللبناني عن المركزية السوفيتية التي كانت سائدة وقتذاك.

- انتخب عام 1984نائباً للامين العام للحزب، وبقي بهذا الموقع حتى عام 1993.

- قرر في عام 1999 عدم الترشيح لأي موقع قيادي حزبي وتفرغه للعمل الفكري وتوجهه لإجراء البحوث والدراسات وكتابة المقالات وتأليف الكتب.

- صدرت له الكتب التالية:

ماذا بعد حرب تشرين، بيروت، دار الفارابي 1974.

كيف تواجه الأزمة في حركة التحرر الوطني العربية، بيروت، دار الفارابي 1974.

المقاومة: أفكار للنقاش عن الجذور والتجربة والآفاق، بيروت، دار الفارابي. 1985.

حوارات: مفكرون عرب يناقشون كريم مروة في القومية والاشتراكية و الديمقراطية والدين والثورة، بيروت، دار الفارابي 1990.

جدل الصراع مع إسرائيل وجدل السلام معها، بيروت، دار الفارابي 1994.

الوطن الصعب:الدولة المستحيلة، بيروت، دار الجديد 1995.

حوار الايديولوجيات بين أفكار ماركس وأفكار دينية، بيروت دار الفارابي 1997.

من ذاكرتي الفلسطينية، بيروت، دار المدى 1998.

نحو جمهورية ثالثة، بيروت دار الفارابي 2001.

كريم مروة يتذكر، بيروت، دار المدى2002.

تأملات في عالم اغد، بيروت، دار المدى 2003.

عشية أفول الامبراطورية، بيروت، دار الفارابي 2003.

جورج حاوي، بيروت، دار النهار.2005.

الفكر العربي وتحولات العصر، دار الفارابي 2006.

أزمة النظام العربي وإشكاليات النهضة، بيروت، دارالانتشار العربي 2006.

الظاهرة العراقية، دار المدى 2007.

الشيوعيون الأربعة الكبار، دار الساقي 2008.

البحث عن المستقبل، دار الساقي 2009.

فلسطين وقضية التحرر في سير وابداعات المثقفين الفلسطينيين، بيروت، الدارالعربية للعلوم ناشرون 2012.

ملامح الشخصية اللبنانية، بيروت، الدار العربية للعلوم 2014.

فصول من تجربتي، بيروت في الفكر وفي السياسة، الدار العربية للعلوم ناشرون 2015.

بعد استعراضنا لسيرة حياة المفكر كريم مروة، نتوجه الآن بعرض لكتابه الأخير (فصول من تجربتي الشخصية)، فهذا الكتاب يضم 14 فصلاً وجل فصوله تتمحور حول البحث في مستقبل لبنان والوطن العربي، وتبلغ عدد صفحات الكتاب 390 صفحة، قامت بنشره الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2015. وسنقوم الآن بعرض الفصل الأول من الكتاب على أمل استعراض بقية فصوله لاحقاً.

منذ أيام الشباب، نحن في العراق خصوصاً، كنا نقلّب صفحات التاريخ الحديث لمعرفة خفايا المعضلة اللبنانية فمرت علينا مرحلة الاستقلال في 22 نوفمبر 1943 وإعلان الميثاق الوطني بعد ثورة بشامون التي قادها وزير الدفاع الوطني مجيد أرسلان ورئيس مجلس النواب صبري حمادى والوزير الحبيب أبو شهلا والذين أجبروا المفوض السامي الفرنسي على إطلاق سراح رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس وزراءه رياض الصلح وبعض وزراء والقادة الوطنيين مثل عادل عسيران وكميل شمعون وعبد الحميد كرامي وسليم تقلا، الذي كان قد اعتقلهم في قلعة راشيا. ولكن قراءة صفحات التاريخ لوحدها غير كافية لمعرفة الحقائق الكامنة ما بين السطور. وهذه الأمور لا يعرفها إلا باحث من نفس البيئة موضوع البحث. ومن هنا تأتي أهمية كتاب الأستاذ كريم مروة ليكشف لنا الكثير من الأسرار الكامنة وراء الخطوات التاريخية في مسيرة النضال اللبناني من أجل الاستقلال. ويعد هذا الكتاب مادة دسمة لمعرفة الظاهر والباطن في حياة لبنان الدولة والمواطنين اللبنانيين.

لقد كرس الأستاذ مروة الفصل الأول لمستفبل لبنان واليسار الذي يحتاجه لبنان. فهو يناقش الموضوع بعقل متفتح معززاً أفكاره بتجربة سياسية طويلة وغنية وبدون تعصب وانحياز، إذ أهم ما يتميز به هذا الرجل الباحث أنه قد عصرته التجارب خلال سني نضاله التي أصبحت رصيداً فكريا يشار له بالبنان في بلاده لبنان والوطن العربي.ً

 فقد استعرض ظروف الحرب الأهلية في لبنان وما انتهت إليه بعد توقيع اتفياقة الطائف، ومحاولة العديد من الأطراف العربية أن تلعب دوراً ما في الوضع اللبناني الداخلي أو فرض الوصاية عليه، وحتى محاولات ضم لبنان الى سوريا في عهد الرئيس حافظ الأسد الذي كان يردد في أكثر من مناسبة عبارته الشهيرة ( نحن شعب واحد في دولتين ). وقد واجهت الوصاية السورية اعتراض من قبل جميع الفصائل السياسية اللبنانية ما عدا حزب الله وحركة أمل فهما الحليفان الأساسيان لتلك الوصاية.

وأشار الأستاذ مروة الى دور حزب الله في تحرير الأرض اللبنانية من براثن الاحتلال الإسرائيلي ولكن بنفس الوقت بقي هذا الحزب مناصراً للوصاية السورية على لبنان، وكان من المفترض، حسب رأي المؤلف، أن يبادر الحزب الى إهداء دوره في المقاومة الى الدولة اللبنانية، بعد انتهاء دوره في تحرير الأرض أسوة بما فعلته كل المقاومات في تاريخ العالم المعاصر.

وتصاعدت المقاومة ضد سياسة الوصاية السورية وما رافقتها من عمليات الإغتيال السياسي لعدد من رموز مقاومة الوصاية والتي كان أبرزها اغتيال الرئيس الحريري، الذي حرك الرأي العام اللبناني والإقليمي والعالمي، مما أرغم القوات السورية على الخروج من لبنان بفعل ضغط المقاومة الداخلية وضغط الخارج.

ويتناول الأستاذ مروة في هذا الفصل موضوع الديمقراطية المرجوة ووجهات النظر المختلفة فيها إضافة الى مناقشة وضع النظام السياسي اللبناني وما تؤول إليه سياسة المحاصصة وإشكالياتها المفتعلة التي عطلت تكّون لبنان كوطن لجميع اللبنانيين، وعطلت قيام دولة مدنية حديثة. ويسلط الباحث الضوء على الطابع الشكلي للديمقراطية دون الالتفات للجوهر، فنظام المحاصصة الطائفية قد شاركت في صياغته وحياكته الطبقة السياسية المهيمنة منذ استقلال لبنان وبعده، وهي تنظر الى الواقع بايديولوجيات ضيقة الأفق تجعل مصلحتها الطائفية فوق مصلحة الوطن.

وتحت عنوان فرعي (فصل الدين عن الدولة ومجلس شيوخ العشائر) يطرح الأستاذ كريم جوهر الفكرة المتمثلة في تحرير الدين من سوء استخدامه وتحرير الدولة من سوء هذا الاستخدام. ويشرح بشكل مسهب مفهوم الدين ومفهوم الدولة ووضع النظام السياسي في لبنان وتأثير تلك المظاهر علية منذ اكثر من نصف قرن، أي منذ استقلال البلاد الى يومنا هذا. ويرى الأستاذ مروة بأن بناء دولة ديمقراطية مدنية وعصرية لا يتم إلا بالتخلص من عقدتين رئيسيتين وهما فصل الدين عن الدولة وإلغاء الطابع الطائفي، وهذا يتطلب التعامل بحذر مع هاتين العقدتين لصالح تقوية عود الدولة المدنية الديمقراطية.

ومن أجل توضيح الرؤية المستقبلية للدولة المنشودة يرى الأستاذ مروة ضرورة إجراء تعديلات لأربعة قوانين جوهرية، الأول قانون الانتخابات وهنا يصطدم المؤلف بجدار الطائفية مرة أخرى فيطرح موضوع تعديل القانون بشكل جوهري يحرره من الطائفية وإلغاء التوزيع المذهبي في التمثيل،الانتخابات بمستويين الى جانب الأخذ بمبدأ والذي بموجبه ينتخب نصف النواب على قاعدة النسبية، أي جعل لبنان دائرة انتخاب واحدةوالنصف الثاني تعتمد فيه الطريقة الفردية.وبهذه الحالة يجري التدرج في ترسيخ الوعي الديمقراطي لدى المواطن.

والقانون الثاني هو قانون اللامركزية الادارية، الذي سن في جو ظروف خاصة . فيتم تعديل هذا القانون وبالشكل الذي يضمن حل المعضلات التي تواجه انتخابات المحافظات والأقضية، على أن يكون مشابهاً لقانون التمثيل النيابي من حيث اعتماده على النسبية ويكون عصرياً وديمقراطياً.

القانون الثالث الذي يجب تعديله هو قانون الأحوال الشخصية وبالشكل الذي يجعله أسوة بسائر القوانين خاضعة لمباديء الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان والذي يؤمن للمواطن الإختيار الحر لأحوالهم الشخصية سواء كانت الدينية أوالمدنية. والى جانب ذلك يتوجب في التعديل توحيد جسم القضاء وإلغاء المحاكم الدينية وجعلها جزءاً من محاكم الدولة المدنية، وجعل القضاة الشرعيين خاضعين لإعداد أكاديمي لا تتحكم في تعيينهم المؤسسات الدينية وارتباطاتها السياسية.

والقانون الرابع قانون الأحزاب والجمعيات،وأولى التعديلات الواجبة لهذا القانون هو إزالة أي دور لوزارة الخارجية ومؤسساتها الأمنية، فالحرية أما أن تكون كاملة أ لا تكون.والنقطة الأخرى التي يجب الأخذ بها بنظر الاعتبار، العمل بالتدرج لمنع الدين والمؤسسات الدينية في الحياة السياسية، لأن الاستمرار في تأسيس الأحزاب الدينية يقود الى إفساد الدين وقيمه في الممارسة السياسية باعتبارها شأناّ خاضعا للتغيرات. وعلى العموم أن تدخل ادين في السياسية يؤدي الى تشويه دور الدولة والوظائف المدنية المسؤولة عنها.

ويناقش المؤلف أيضاً أمور جوهرية أخرى بالنسبة لحياة الدولة ومن تلك الأمور قضية فصل السلطات واستقلال القضاء والرقابة، والمؤسستين العسكرية والأمنية، ونظام المعرفة وحقوق الإنسان، و ملخص قراءته لليسار الجديد وهو حصيلة وخاتمة الفصل الأول من الكتاب حيث يرى الأستاذ المؤلف بأن ظروف المرحلة الراهنة بكل تعقيداتها وتداخلاتها تستوجب استخدام تسمية اليسار بدلاً من لفظ الشيوعي أو الاشتراكي مع الاحتفاظ بالمنطلقات الفكرية التي وضعها كارل ماركس. ويرى الأستاذ مروة أن انهيار الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا قد ولّد قاعدة اجتماعية جديدة تختلف عما كانت عليه في السابق فاليسار الحديد هو ليس لطبقة بعينها حصراً كما كانت عليه (البروليتاريا) في زمن الشيوعية. فقد أظهرت العولمة الى ولادة فئات جديدة كالطبقة الوسطى أو ما بقي منها، فضلاً عن جمهور كبير من الأجراء ومن المهمشين، هؤلاء جميعاً يشكلون جيشاً من المعنيين في التغيير الديمقراطي أكبر مما كان عليه الأمر في الزمن الماضي.

أما الصيغة الجديدة المفترضة لليسار فمن الصعب تحديدها لكنها بالقطع هي لن تكون هي ذاتها التي اتخذت صيغة أحزاب شيوعية بالشكل الذي حدده لينين عم 1919 وهي لم تعد صالحة لزماننا هذا. أما برنامج اليسار الجديد فيمكن تحديده على ضوء الواقع المعاش بالاستناد على أربعة أمور،

الأمر الأول: إن غياب وتغييب دور الدولة يجعلها بمواصفات شبه دولة التي في ظلها لم تتحقق الأهداف الت قامت من أجلها في سيادة الحق والقانون ودولة كل المواطنين. لذا يتوجب على اليسار الجديد أن يحقق هدفاً جوهرياً استعادة الدولة لدورها وتحويلها الى دولة مدنية حديثة.

 الأمر الثاني: التعامل مع الحالة الطائفية الطاغية على الساحة اللبنانية ومواجهة افرازاتها السلبية من خلال النضال من أجل تحرير ما يمكن تحريره مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأحزاب الطائفية السائدة ذاتها ليست كلها في موقف واحد وبعض منها ممكن أن يتحالف مع اليسار وفق محددات وشروط واضحة.

الأمر الثالث: يتعلق بالخراب الذي أصاب الوطن في مختلف الأصعدة وما يرافق ذلك الخراب من انتشار الفساد. ويتطلب من اليسار ليس الاستنكار والاحتجاج بقدر السعي الدؤوب عن طريق النضال وتقديم المقترحات الكفيلة للحد من الفساد وفضح الفاسدين.

 الأمر الرابع: يتعلق بسوق العمل وتضاؤل امكانياته مما يجعل الأيدي العاملة تتجه نحو اللجوء الى الهجرة و بقاء غير القادرين عليها في العيش في ظروف البؤس، وهذا يتطلب من اليسار العمل لتجميع مؤسسات المجتمع المدني بهدف تحويلها الى قوة سياسية واجتماعية ضاغطة في تجاه إعادة الدور للدولة ولوظائف مؤسساتها بشكل كامل وصحيح.

ولابد من أن نشير هنا الى أن أفكار كريم مروة هذه المتعلقة باليسار الجديد نجد لها جذور مبكرة فقد طرحها وبكل شجاعة مع رفاقه الشباب في الحزب الشيوعي اللبناني في الفترة 1966- 1968 من أجل الاستقلالية الفكرية وعدم تبعية المركزية المفرطة التي فرضها الكرملين على الأحزاب الشيوعية في شتى أصقاع الأرض. وعندما نصف هذه الخطوة بالشجاعة فعلينا أن نتصور الظرف الزماني الذي حدثت فيه، حيث القبضة الحديدية البريجينيفية الصارمة وانسياق بقية الأحزاب، في مختلف أرجاء الأرض، وراء خطى موسكو انسياقاً تاماً.

 وهذا ما يذكرني بنكتة عراقية تقول، الشيوعي ابن بغداد عندما يسمع النشرة الجوية، في عز الصيف، يحمل المظلة بسبب سقوط المطر في موسكو! ومعلوم أن أشهر الصيف في بغداد ينعدم فيها المطر كلياً.

وختاماً يمكن لنا القول إن كتاب الأستاذ المفكر كريم مروة عبارة عن غابة غناء يحوي الكثير من الثمرات المفيدة الناضجة اليانعة التي لا يستغني عنها كل مفكر أو باحث يطلب زاداً علمياً رصيناً.

 

عرض البروفسور دكتور جعفر عبد المهدي صاحب

أوسلو – مملكة النرويج

 

محمد الدعمي يصدر كتاب: تحت العمامة.. حكايات حسية وعاطفية من مدينة الحرام

930-aldamiثمة مغناطيس فاعل يكمن في دواخل سمير. لذا، فقد أظهر سمير تأثير هذه الـ"كاريزما"، المتولدة من كيميائه الحيوية المتفردة، على حسان "مدينة الحرام" على نحو متذبذب القوة عبر الأعوام، بين مؤشر صاعد وآخر نازل. إلا أن تأثيرها يستقر الآن على أدنى مستوياته.

930-aldamiفي هذه الحكايات الإسترجاعية، يصطحب سمير ضيفه الثقيل، الملاك "إيروتيكا" في رحلة لإستعراض أهم محطات سيرته الحسية والعاطفية، المباشرة والمنقولة: مذ كان فتى صغيراً لم يبلغ سن الإلتحاق بالمدرسة الإبتدائية، عندما استغلته "بادية" جسدياً لتبلغ ذروة غير ممكنة، حتى بلغ سن الرجولة عندما طلبت "عذراء" منه أن يقدم لها إبناً، بصراحة؛ وعبر شريط مثير من التجارب العصية على النسيان. من بينها دروس "حكيمة" في علم الـ"سيكسولوجي" التطبيقي، وعبقرية أصابع "ملاك"، وآثار اصابعه على رفيقة سفره، وهي تفعل المعجزات، وفخ دموع "وفاء" الموجعة، وممارسة "شريفة" الحب معه بمحض الصدفة، واغتصاب "عواطف" جماعياً غدراً، ناهيك عن توظيفات "إيفا" لمهاراتها الجسدية الحميمة للتجسس لصالح دولة أجنبية، من بين سواها من الحكايات الطريفة والمشحونة بالدلالات. تلك هي الحكايات التي ترسبت الواحدة تلو الأخرى أوراقاً في موسم الخريف، لتستقر منسية في قعر منجم ذاكرة بطل الحكايات، متراكمة هناك حتى "لحظة" إضطلاع "الملاك إيروتيكا" باستخراجها وتحليلها قبل بضعة أشهر على سبيل توظيفها لإكمال تأليف كتابه الضخم، (تاريخ العلاقات الجسدية والعاطفية لمواطني مدينة الحرام).

 

يمكن الحصول على نسخة من الكتاب من موقع الناشر createspace من خلال الرابط التالي:

https://www.createspace.com/6331193

أو من خلال موقع أمازون :

https://www.amazon.com/Under-Turban-Passion-Tales-Haram/dp/1533677247/ref=sr_1_fkmr0_1?ie=UTF8&qid=1465618220&sr=8-1-fkmr0&keywords=under+the+torban+%2Fmuhammed+al+dami

 

 

 

بكر السباتين: زهرة الهايكو ونكهة الحياة.. صدور ديوان: بين ضفتين للشاعرة هدى حاجي

929-hudaلا بد ونحن غارقون في زحام المدن ويبابها من طلة خاطفة على حديقة النور، وربما وسط ما يكتنف الإنسان من ضغوطات حياتية، وفي عمق غابات الإسمنت والشرفات المتقابلة، يمكن للقارئ تنسم عبير أزاهير "الهايكو" مزروعة في أصص ملونة، توضع على الشرفات؛ كي يتأملها وهي تحاور زهرة النور، أو تتوارى في صمت المكان، فتتهادي على ألوانها فراشات الدهشة، ويغزل النحلُ من رحيقها القصيد.. تتبادل مع السنونو بهجة السفر والعودة بحكايات الفصول الأربعة وأسرار المعابد في قمم الجبال، والطيور التي تبني أعشاشها في قلوب الشعراء، لتلتهمها حدقات العيون المتربصة، أو ترتوي من ينابيع الروح وبحيرات الود لتلتقط من خدود اللحظة بريق دمعة تُبَرْعِمُها ، فيفوح شعرُ ""الهايكو""، وتتجلى الروح والنفس بطيبهِ المنعش

هذه النفحة جاءت من وحي المجموعة الشعرية الجديدة للشاعرة التونسية هدى حاجي الصادرة عن دار العين للنشر في القاهرة يونيو ٢٠١٦ تحت عنوان "بين ضفتين" والتي جاءت في قسمين:

الأول بعنوان "الهايكو"" بين ضفتين."

والثاني الذي ترجمه كاتب مقدمة المجموعة، نزار سرطاوي إلى الإنجليزية بعنوان:

.929-huda""الهايكو" بلسانيْن"

وقد استهلت الشاعرة مجموعتها بهذه الزهيرة الفواحة، قائلة:

"زهرة "الهايكو"

لا تحتاج التراب والماء

بريق دمعة يبرعمها"

ففي هذه النفحة المعطرة بأجمل الصور الشعرية، تختبئ كل الأزمات الحياتية في عمق اللحظة؛ لتمر الدهشة إلى عينيّ المتأمل فتنغلقان كعدسة التصوير، على صورة بهية تسجل في الذاكرة السطحية؛ كي يتزود هذا المُتْعَبُ (أو المتجلي) بطاقتها الإيجابية، في منطقة متوارية عن ضجيج الحياة، كأنها رحلة لحظية إلى سكون الطبيعة وأحضانها المحفوفة بالجمال والخيال، بعيداً عن زحام المدن.

 

    وكما قال الناقد والشاعر نزار سرطاوي في معرض تقديمه لهذه الباقة الشعرية:

" إنها "الهايكو"، هذه الزهرة التي لم يمضِ على تفتحها أمدٌ طويل، الزهرة التي يطلّ برعمها على الدنيا بلا تراب ولا ماء. فهي تستقي من بريق دمعة. ذلك أنّها تفيض من روح شاعرةٍ تتقصّى الضوء وتلتقط لمعاته حتى من بريق دمعة.

هذه هي قصيدة "الهايكو" بإيجازها وسرعتها وتكثيفها وبصورها الاستثنائية التي تستثير الوجدان، وبذلك الإحساس المفاجئ بالاستنارة الذي تستشعره القارئة أو القارئ وكأنَّ شعلةً قد أضاءت مكانًا خفيَّا في العتمة."

 

وقبل قطاف زهرة ""الهايكو"" المورقة بأجمل الصور الشعرية، والفواحة بطيب المعنى، لا بد من تسليط الضوء على هذا النوع من الشعر الذي انتشر عالمياً وأصبح له متذوقون وأنصار يستلهمونه وفق شروطه اليابانية أو يخبئون بين بتلاته أسئلة لا تستيقظ إلا لتختبئ من جديد؛ لكنها ستوقظ في القارئ الانتباه ولو بعد حين.

وفي هذا السياق، كيف نتفهّم تجربة هدى حاجي وتحليلها وفق شروط شعر ""الهايكو"" وقواعده اليابانية؟

 لأجل ذلك ينبغي الولوج إلى ًعالم هذا النوع من الشعر والتعرف به،

فما هو شعر "الهايكو"؟

 

     تعرفه الموسوعة الحرة على أنه “نوع من الشعر الياباني، يحاول شاعر "الهايكو"، من خلال ألفاظ بسيطة التعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة. تتألف أشعار ("الهايكو") من بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا (باليابانية)، وتكتب عادة في ثلاثة أسطر (خمسة، سبعة ثم خمسة.

 

ومن الملاحظ أن التعريف ذكر أرقاماً تتعلق بعدد الأسطر والمقاطع وتوزيع الكلمات على أساس الرقم الفردي. وهي أيضاً ترتبط بالأعمار والمواسم حيث أن الأرقام الفردية عند اليابانيين تثير التفاؤل.

 

ويرجع تاريخ "الهايكو" الحديث الى عام 1892م بظهور قصائد الشاعر الياباني (سيكو شايكي ). وتعتبر الشاعرة اليابانية ” هيساجو سوجيتا” من أشهر شعراء "الهايكو" والتي اعتمدت القصيدة عندها في بناء "الهايكو" على أساس المشهد الأمامي و المشهد الخلفي. إذ تَتَملك الشاعر براءة الطفولة وهو يصف المشهد حسياً مستخدماً مفردات بسيطة وفطرية الدلالات وآنية من خلال عناصر مترابطة. كأن الشاعر في غيبوبة البوح لا يريد أن يغوص في أعماق البحيرة مكتفياً بمشهدها الخارجي البسيط.. فهو يصور المشهد حسياً ويبتعد بالمتلقي عن مطاردة الغاية في النص. إنها اختزال لمشاعر وأحاسيس الشاعر الانطباعية في سبعة عشر مقطعاً وفق التراكيب في اللغة اليابانية. وكما قال الدكتور باسم القاسم في دراسة له عن شعر "الهايكو":

"ما تفعله تقنية (سوجيتا) هو التخلص من هذه الممارسة واستبدالها بالـ (هارموني) بين مشهدين في لوحة واحدة أحداثهما متواكبة ومتوافقة زمانيا ومكانيا بالنسبة للهايكو إنها تجعل "الهايكو" يدخل في حالة من ( المحو) لذاته ولغته لا تريده أن يفتعل شيء من أحداث النص أو في أحداث النص كذلك ..ولكنها تقنية تحتاج إلى مهارة ودرجة تنقية للذهن عالية ..هي تماماً مثل أن تنسج وشائج تدمج الكائنات في حكمة وجود واحدة" .

 

 

 

ولمزيد من الفهم لهذا النوع من الشعر، لاحظ هذه اللقطة اللحظية المفخخة في النص التالي للشاعر الياباني باشو:

“صفصاف أخضر (مشهد أمامي)

تتقاطر أغصانه على الطمي

أثناء الجزر”( مشهد خلفي)

هنا يتأمل الشاعر الطبيعة فتدهشه اللحظة ويصورها الطفل القابع في أعماقه على نحو مشهد أمامي لشجرة الصفصاف التي حركت دلالاتها مشاعره وهي تتحرك في المشهد الخلفي الذي يتمثل بالمد وهو يعكس صورتها بلونها الأخضر ليختطفها الجزر.

وفي سياق التعريف بهذا النوع من الشعر الذي يشبه اللقطة أو الومضة السريعة التي تشغل العقل في لحظات ثم تكيفه مع الفكرة المختزلة حتى يستحلب طعمها.. ولولا بعض الخصائص التي تميز شعر "الهايكو" وفق شروطه في الأدب الياباني لقلنا بأن الومضات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي إذا ما كتبت في سطر واحد منثور فإنها تصنف من شعر "الهايكو" شكلا وليس مضموناً. فما هي خصائص هذا الشعر إذاً؟

وللتعرف على هذه الخصائص، سنأخذ “الومضة اللحظية” التالية كمثال للشاعرة اليابانية (كوباياشي إسّا):

“سُئل عمره

فرفع يده

ملابس الصيف”

ومن الملاحظ في هذا النص بأن شعر "الهايكو" يربط المشهد الحسي بدلالة موسمية (الصيف) إشارة إلى معالم الطقس الموجودة في بيئة اليابان الغنية؛ دلالة على المواسم الأربع.

فتجدون أيضاً الإشارة للحيوانات ( مثل السلحفاة التي ترمز إلى طول العمر)أو النباتات تعبيراً عن المشاركة مع البيئة التي ألهمت الشاعر، بناءاً على الحالة النفسية التي يكون فيها الشاعر وهو يطبق عينه على خاتمة مشهد لحظي، ليتأملها، ومن ثم يكتبها قبل أن تنمو في عقلة فتخرج عن شروط "الهايكو". واليابانيون يحررون أنفسهم من الأزمات باللجوء إلى الطبيعة من خلال التأمل وفق العقيدة البوذية (اليوغو). علماً بأن هناك عيد في اليابان يسمى (يوم الاحتفال بالربيع) في الحادي والعشرين من مارس، يقدم فيه الناس الشكر للطبيعة ويعربون عن حبهم للكائنات الحية. وفي منتصف سبتمبر (الخريف) يحتفل اليابانيون بتأمل القمر وهو في حالة البدر ويفتحون النوافذ أو يلجأون إلى الجبال لمشاهدته. وهذا يدل على العلاقة الروحية بين الشاعر الياباني بالمواسم والطبيعة.. ويمكن من هذا المدخل فهم علاقة "الهايكو" بالحالات النفسية و السياقات الاجتماعية و الثقافية التابعة لتلك المواقف من منظور ياباني على اعتبار أن عمق دلالة المفردة عند الياباني تختلف عنها لدى الشعوب الأخرى. كل هذا يُلخّص في صورة ذهنية مُركّزة و مبسّطة في إطار تجربة فردية لتلك اللحظة كما هو الحال في النص أعلاه.

وفي النص أعلاه حينما سئل الطفل عن عمره يخرج يده مشيراً إلى عمر الخمس سنوات وبالتالي قد يكون وقت الاحتفال به حسب مراسيم "شيتشي(سبع سنوات) – جو (خمس سنوات)- سان ( ثلاث سنوات)”و هي الأعمار التي يُحتفل فيها بصحة وسلامة الأطفال في اليابان. حيث يصطحب الآباء أبناءهم إلى المعبد القريب منهم للدعاء. ويستند اختيار سني العمر الفردية إلى الاعتقاد بأنها أرقام تدعو إلى التفاؤل، ويرسم الأطفال على أكياس الحلوى صورتين لطائري الكركي والسلحفاة واللذان يرمزان إلى طول العمر في اليابان.

أما “ملابس الصيف” فتدل على عادة إخراج ملابس الصيف و تخزين ملابس الشتاء، أي في الشهر الرابع من السنة. وكأن المؤشرات إلى المواسم والأشهر لا بد أن تتوفر في نصوص "الهايكو".

ولقطة "الهايكو" تشبه الصور التذكارية في موسم ما. ومن هنا يأتي الربط بين "الهايكو" ومواسم الأعياد. ويمكن التوصل إلى النتيجة التالية في أن أصالة شعر "الهايكو" تنبع من تقاليد الشعب الياباني وخصوصيته. لذلك فإن تقليد هذا النوع من الشعر من قبل شعراء لا ينتمون إلى شعوب شرق آسيا (كونهم يتمتعون بسمات متقاربة وتجمعهم تقاليد ذات أصول فكرية ودينية واحدة)؛ فإن إبداعاتهم ستكون تقليداً باهتا للشكل على حساب المضمون.. لأن المفردة والدلالة اليابانية لا تنسجم مضموناً مع شبيهاتها لدى الشعوب الأخرى ولو توافقتا بالشكل.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم التجارب العربية في شعر "الهايكو" تذهب إلى استبدال الطبيعة بالإنسان، ما يدرجها في تصنيف آخر هو شعر "السِنْرْيو" والذي يعرفه سرطاوي في سياق تقديمه للمجموعة:

" السِنْرْيو (بتسكين النون والراء). فقصيدة السِنْرْيو، التي يرتبط اسمها بالشاعر الياباني سِنْرْيو كاراي (1718 – 1790)، تشترك مع قصيدة "الهايكو" في كافة الخصائص باستثناء الموضوع. إذ أنها تستبدل الطبيعة بالإنسان، فتتحدث في كثير من الأحيان عن جوانب الضعف الإنساني، وربما تميل إلى السخرية، بعكس "الهايكو"، التي تتميز بجديةً أكبر ".

فهل تحققت شروط "الهايكو" لدى الشاعرة التونسية هدى حاجي؟

تقول الشاعرة في إحدى قصائدها:

"غيوم سوداء(مشهد أمامي)

فراشة نائمة

برعم يحلم بالربيع"( مشهد خلفي)

فالغيوم السوداء العميقة أوحت بالمطر الذي طرق أحلام الفراشة ليستنهض الربيع، وهي لقطة قد توحي بالأمل.

***

"في آنية الكرستال(مشهد أمامي)

أضمومة الإكليل البري

تموت يانعة"(مشهد خلفي)

تقال فيمن يجزل العطاء  حتى الرمق الأخير، ففي المشهد الأمامي تنطبع صورة الإناء وفي قلبه ضمة الورد، التي تبعث بدورها في القلوب السعادة، رغم أن الحياة تتسلل خارجة من عودها الرطب.

***

"في المتحف(مشهد أمامي)

غزالة محنّطة

مازالت تعدو"(مشهد خلفي)

المتحف في هذا المشهد يوحي بأشداق الموت المتربص، والغزالة الميتة كأنها تقفز إلى المشهد الخلفي فتحرر المعنى ليركض في ذهن المتلقي حياً كالأمل.

***

"العالم ليس موحشاً(المشهد الأمامي)

أنصت للبراعم

همهمات تؤنسك"(المشهد الخلفي)

ففي المشهد الأمامي الربيعي غير الموحش تعلمك البراعمُ معنى الحياة.

***

وقد ترجم نزار سرطاوي مجموعة كبيرة للشاعرة إلى الإنجليزية، ضمت للديوان تحت عنوان:

"هايكو بلسانين" وقد لاقت أشعار هدى حاجي المترجمة قبولاً جيداً لدى كبار النقاد الأمريكيين، وإليكم ما أورده المترجم سرطاوي حول ذلك في خاتمة مقدمته للمجموعة قائلاً :

"في مطلع هذا العام 2016 اتصلت بي الشاعرة والناقدة الأميركية (يوتي مارغريت سين)، عضو مجلس إدارة وتحرير مجلة كاليفورنيا الفصلية California Quarterly التي تصدر عن جمعية الشعر في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة، وطلبت مني أن أرسل لها عددًا من القصائد التي ترجمْتُها إلى الانكليزية من الشعر العربي المعاصر، ليتم اختيار إحداها للعدد القادم من المجلة. وقد بادرتُ بإرسال قصائدَ لخمسةٍ من الشعراء والشاعرات من أقطار عربية مختلفة. وفيما بعدُ تلقيت رسالةً من محررة العدد، تعلمني فيها بقبول ثلاثةٍ من نصوص "الهايكو" لهدى حاجّي. أما باقي الشعراء فلم تأتِ على ذكرهم. (نشرت نصوص "الهايكو" المذكورة في المجلد 42، العدد الأول، 2016.) وهذه شهادةٌ ضمنية لهدى تأتي من مجلةٍ متخصصة بالشعر، وأيضًا من شاعرةٍ وناقدةٍ حصيفة مثل سين، تكتب "الهايكو"، وتتمسك بالكثير من تقاليده اليابانية الأصلية، بما فيها نموذج الـ 5-7-5 الذي أشرت إليه سابقّا. ورغم أن القصائد تفقد بعضًا من ألقها حين تُترجم إلى لغة أخرى، فإن قصائد هدى اجتازت هذا الحاجز الشائك بسلام. وهذا يشير صراحةً إلى ما تتمتع به نصوصها من قوةٍ وتأثير وما تتميز به من حِرفيةٍ تؤهلها للانتقال إلى الطبقة الأولى من شاعراتِ وشعراءِ "الهايكو" في العربية.

النصوص الثلاثة التي قبِلتْها مجلة كاليفورنيا الفصلية تستحق التأمل. لذا أوردها هنا رغم أنها تجيء في الفصل الأخير من هذه المجموعة، "هايكو بلسانين"، الذي يضمُّ عددًا من نصوص هدى كنت قد ترجمتها إلى الإنكليزية عام 2015 ونُشِرت في غير مجلة إلكترونية، ولاقت استحسانًا وترحيبًا من قِبَل القراء:

في المتحف

غزالة محنّطة

مازالت تعدو

~ ~ ~

ساعة الغروب

تكلّمني شجرة

بلغة الطير

~ ~ ~

منتصف يناير

شجرة تفاح عارية

في البرد القارس"

 

في الخاتمة لا بد من الإشارة إلى أن شعر "الهايكو" آخذ في الانتشار السريع ليشق طريقه في المشهد الثقافي العربي باقتدار، وأصبح لديه مريدوه من القراء، ما جعل الشعراء ينخرطون في أتون هذه التجربة القادمة من اليابان وقد أدرك شعراؤها مبكراً قيمة الوقت منذ قرون، ولعل بساطة "الهايكو" وقدرته على تحمل اللحظة التذكارية المبسطة في الشكل، والعميقة بالأسئلة؛ قد أغوت جيلاً جديداً من الشعراء الذين وجدوا ذواتهم في هذا اللون الجميل من الشعر المفخخ دون تكلف في المشاعر، فهي لقطة يأخذها العابرون معهم وقد تنكهت بالقيسوم والزعتر، في زحام المدن كي تضيء لهم شيئاً في الذاكرة مع تقاسيم الزرزور والدوري.

المراجع:

1- بكر السباتين- شعر “"الهايكو"” الياباني والصور التذكارية" في 29مايو 2016 / جريدة صوت العروبة

2- نزار سرطاوي- مقدمة الديوان

3- ديوان" بين ضفتين"

4- الموسوعة الحرة

 

 

 

 

 

 

جميل حمداوي: الإعلام الأمازيغي بمنطقة الريف.. الواقع والآفاق

jamil hamdaouiلا يمكن للثقافة  الأمازيغية أن تنتعش وتزدهر، بأي حال من الأحوال، إلا عن طريق الإعلام المسموع والمكتوب والمرئي. ومن هنا، فالراديو والتلفزيون والسينما والإنترنيت والصحافة والكتاب من الآليات المهمة في عملية التواصل والتبليغ، بهدف نقل الرسائل الملفوظة وغير الملفوظة ، وإيصال الشفرات الذاتية أو الموضوعية إلى الآخرين من أجل تلقيها وتفكيكها وتأويلها من جهة، وتمثلها إيجابا أو سلبا من جهة أخرى.

بيد أن الإعلام السمعي والمرئي لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة، سواء أكانت عامة أم خاصة، إلا بوجود الإمكانيات المادية والمالية والبشرية والتقنية، وتحقيق الديمقراطية ميدانيا، ووجود قضاء نزيه وعادل، وتوفير الطاقات الإعلامية المثقفة والمتجددة من أجل السمو بالإعلام المغربي تقنية وتفاعلا وترابطا، والرفع من مكانته وطنيا وعربيا ودوليا.

وبناء على ما سبق، فقد ظهر الإعلام الصحفي المكتوب بمنطقة الريف في سنوات الثمانين (1987م) من القرن العشرين مع جريدة (الصدى) التي كان يصدرها منعم شوقي بإقليم الناظور لرصد القضايا المحلية والجهوية والوطنية والدولية. وبعد تسع سنوات، وبالضبط  في سنة 1996م، ظهرت أولى جريدة بمدينة الحسيمة هي (الخزامى) لصاحبها محمد البقالي .

 وبعد ذلك، توالت الصحف المحلية بمنطقة الريف ، وظهرت الجرائد الجهوية والوطنية والمجلات التي ترتبط بالنطاق الأمازيغي الريفي، وتعبر عن القضايا الأمازيغية والهموم المحلية. أما الصحافة الإلكترونية في منطقة الريف، فلم تنتشر بشكل مكثف وموسع إلا في السنوات الأولى من العقد الأول من الألفية الثالثة.

إذاً، ما واقع الصحافة المكتوبة بمنطقة الريف؟  وما العوائق والمشاكل التي تعاني منها هذه الصحافة؟ وما الحلول والاقتراحات الممكنة؟ وما واقع الإعلام الأمازيغي السمعي وآفاقه الممكنة؟ هذا ما سوف نرصده في هذا الكتاب الذي بين أيديكم.

ونرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وماتوفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

............................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

الإعلام الأمازيغي بمنطقة الريف.. الواقع والآفاق / د. جميل حمداوي

 

 

أسعد الاماره: عرض كتاب الصحة النفسية وبعض أساليب المعالجة للدكتور باسم فارس الغانمي

asaad alemaraمن المعروف لدى المشتغلين في مجال الصحة النفسية، وعلم النفس المرضي والاضطرابات النفسية أو السواء النفسي، أن هذا التخصص الدقيق في علم النفس والطب النفسي متحرك ومتجدد، وبحاجة لتحديث مستمر في كل موضوعاته،  لأن الإنسان في وجوده يتفاعل مع الآخرين. أن علم الصحة النفسية هو علم قائم على التطور والتكيف، ليس علم كلاسيكي جامد، واظهرت لنا البحوث الميدانية أن التطور المستمر لا يعيق التكيف، وهنا لابد أن نفرق بين دراسة موضوع الصحة النفسية بمحاولة صادقة والنظر بموضوعية دون تشويه لحقائق الاحتياجات الشخصية وإن كانت غير مقبولة اليوم، لكنها ستكون مقبولة في المستقبل، وهو  التطور بعينه، فالواقع المعاش  يظهر لنا كيف أن الفرد أو المجتمع أو الكائنات الحية بصفة عامة كانت تحتاج على مر الزمان إلى قدر من التكيف مع قدر من التطور، فالتكيف التام يؤدي إلى درجة من الجمود والملل، ويقول د. محمد شعلان: قد تنتهي بالموت أو على الأقل تتساوى معه.

أحيانًا ينفعل الإنسان  ويفكر بعنف مع نفسه بسبب الضغوط الحياتية اليومية المتغيرة ومستجدات الحياة اليومية السريعة فضلا عن الأوضاع السياسية التي أشرك السياسيين جميع شرائح المجتمع في بلداننا العربية، فأصبح الهم العربي ديالكتيك وجود الإنسان ومن ثم أنعكس ذلك على حياة الناس وفي أدق تفاصيلها، فلم يعد العلم أكاديميًا بحتًا، أو يدرس في أروقة الأقسام العلمية والكليات والجامعات، إنما أصبح همٌ مستمر ودائم، وقول مؤسس التحليل النفسي "سيجموند فرويد" ان صاحب الهموم صاحب خمور ، يعاقرها ويدمنها، لذا بات الاهتمام بدراسة صحة الإنسان النفسية وإنعكاساتها على مجمل صحته البدنية، أمر لا جدال فيه،  فظهرت الاضطرابات النفسجسمية "السيكوسوماتيك" بانواعها، وبرزت مظاهر جديدة لم يألفها القدامى من المشتغلين في علوم النفس والطب النفسي، وهي أضطرابات ما بعد الصدمة والتي يطلق عليها" PTSD" وتصنيفات أخرى جديدة.

تناول هذا الكتاب الذي صدر من مكتبة الأنجلو المصرية في القاهرة بمصر للدكتور باسم فارس الغانمي الأستاذ في كلية التربية للبنات بجامعة الكوفة موضوعات جديدة مستحدثة لم تتناولها التصنيفات السابقة لعلوم النفس مستندًا على فكرة قالها عالم التحليل النفسي المصري الشهير البروفيسور " مصطفى زيور" أن محك الفحص يتغير إذا ما تبين أن ما كان موضوع المحك قد تغير. ذلك أن الفحص ليس فحصًا للمعرفة فحسب وإنما هو فحص لمحكها أيضًا،  لذا فإن موضوعات الصحة النفسية دائمة التغير والتبدل مثلما هو الحال بالفيروسات التي يصنع لها علماء الأدوية مضادات حيوية، أذا لم تجدد وتتحدث  هذه المضادات لن تواكب تطور الفيروسات، ومن ثم تنتصر على مقاومة الإنسان.

تناول هذا الكتاب  موضوعات أساسية في مجال الصحة النفسية منها:  تعريفها، ومعاييرها، ومؤشرات الشخص السليم والأسرة السليمة، ومفهوم التوافق والتكيف والصراع النفسي وسيكولوجية الرياء والنفاق وسوء التوافق الأسري، والأمن النفسي للطفل،  وأساليب المعاملة الوالدية، وسيكولوجية الغيرة والحسد، وسيكولوجية الكذب والتدليس فضلا عن موضوع التلصصية.

أستعرض المؤلف موضوع القلق وقلق المستقبل، والرهاب وانواعه، وأفرد لموضوع الضغوط النفسية مجالا واسعا وانعكاساتها على الشعور بالإنهاك وأضطراب التواصل الاجتماعي، وموضوع التوحد واضطراب الكلام والافازيا والنسيان. كما تناول في الفصل الخامس الاضطرابات العقلية بأنواعها، مثل الفصام والاكتئاب العقلي الذهاني، ومحاولات الانتحار لدى هذه الشريحة من المرضى. تناول كتاب الصحة النفسية في الفصل السادس الشخصية المضطربة وأنماطها، وتناول أيضًا الإدمان، وكذلك الذكاء والتخلف العقلي ونماذج من الاختبارات والمقاييس النفسية.

أن موضوع الصحة النفسية هو جماع بين التكيف والتطور، وبين التقبل والرفض، وبعبارة أخرى الجمع بين الأضداد في اطار واحد كما يقول الدكتور "محمد شعلان" لذا فإن موضوعات هذا الكتاب هي محاولة اجتهادية جادة نحو مفهوم جديد للصحة النفسية لا سيما أن الصحة النفسية كما عبر عنها الدكتور "عبد السلام عبد الغفار" هي الحالة النفسية العامة للفرد، والصحة النفسية السليمة هي حالة تكامل طاقات الفرد المختلفة بما يؤدي إلى حسن استثمارها، ومما يؤدي إلى تحقيق وجود الفرد، ويختلف الناس فيما بينهم من حيث مدى سلامة صحتهم النفسية.

 

د. اسعد الاماره - استاذ جامعي وباحث نفسي

 

حسيب شحادة: الصدى.. بقلم: جريس عوّاد.. عرض ومراجعة

haseeb shahadaجريس عوّاد (جامع وصائغ بتصرّف)، الصدى، مئة قصّة وقصّة، قصص قصيرة ذات مغزى. الناصرة: الياس عوّاد م. ض. طبعة ثانية مزيدة ومنقّحة، تموز (يوليو) ٢٠٠٩، ١٧٢ ص. من القطع المتوسّط. قدّم له القاضي المتقاعد خليل عبود، وظهّر له المحامي وليد الفاهوم، والدكتور خالد تركي.

هذا الكتاب هو باكورة أعمال المهندس المدني النصراوي، السيّد جريس عوّاد، تبعته خلال مدّة قصيرة، ثلاثة كتب وهي:

أ) مورد الأمثال، مئة مثل ومثل. الناصرة: إلياس عوّاد م. ض.، ط. ١، ٢٠١٠، ط. ٢، ٢٠١١، ١٤٥ ص. من القطع المتوسّط. قدّم له الأستاذ فتحي فوراني وظهّر له الكاتب والإعلامي نادر أبو تامر.

ب)  101 Expressions and Terms تعابير ومصطلحات، مصادر ومعاني (هكذا في الأصل! لم أوفّق تقنيًّا في وضع الرقم 101 قبل أوّل كلمة إنجليزية كما في الأصل)، الناصرة: إلياس عوّاد م. ض.، ط. ١، ٢٠١٠، ط. ٢، ٢٠١٢، ١٩١ ص.  من القطع المتوسّط. [لا أدري ما الداعي لإضافة عنوان بالإنكليزية هنا، فهو لا يتماشى وما بعده بالعربية. المقصود: مائة وواحد من التعابير والمصطلحات أو: مائة تعبير وتعبير/ومصطلح، على منوال عناوين كتبه الأخرى، وهي تذكّر القارىء بالاسم - ألف ليلة وليلة]. قدّم له الشاعر رشدي الماضي، المهندس جريس عوّاد، معدّ الكتاب وصائغه، وظهّر له الدكنور حبيب بولس.

جـ) إبداعات وشخصيات. باقة من أجمل الأقوال المأثورة ونُبَذٌ عن سِيَر قائليها. الناصرة: إلياس عوّاد م. ض.، ط. ١، ٢٠١١، ط. ٢، ٢٠١٢، ٣٦٨ ص. من القطع المتوسّط. قدّم له الكاتب والروائي محمد علي طه والمهندس جريس عوّاد، معدّ الكتاب وصائغه، وظهّر له حنّا أبو حنّا.

أوّل ما يلاحظه الباحث، هو غزارة نتاج السيّد جريس عوّاد، قرابة التسعمائة صفحة في غضون سنوات قليلة، وصدور طبعة ثانية، وهذه ظاهرة نادرة في العالم العربي، بالرغم من عدد النسخ المحدود عادة في كلّ طبعة. لا شكّ في أنّ هذا النتاج التنويري الترشيدي، هو ثمرة يانعة لجهود دؤوبة ومخلصة في المطالعة الجادّة، والبحث عن الجديد والمفيد، الجميل والممتع، في شتّى مجالات العلم والمعرفة الإنسانية.

ممّا لفت انتباهي في البداية أيضًا، الجملة الأولى في تقديم القاضي عبّود ”أحب اللغة العربية الجميلة، بل اعشقها، ولكني عندما أقرأ مادة تظهر وكأنها ليست بالأدب، عندها أهتم بالمضمون.“ (ص. ٩). هذا لا يعني أن الكاتب لا يهتمّ بالمضمون في الكتابات الأدبية، بل المقصود، في تقديري، إيلاء المحتوى الاهتمام الأكبر في الموادّ غير الأدبية. ويحضرني هنا رأي اللغوي المعروف، أبي الفتح عثمان بن جني (ت. ١٠٠٢م.)، في خصائصه، بشأن العلاقة بين الألفاظ والمعاني. كرّس ابن جنّي لهذه العلاقة الهامّة بابين معنونين بـ ”باب في الردّ على من ادّعى على العرب عنايتَها بالألفاظ وإغفالها المعاني؛ باب في قوّة اللفظ لقوّة المعنى“. وممّا يقوله ابن جنّي هناك باقتضاب شديد: هذا الباب من أشرف فصول العربية؛ المعاني عند العرب أقوى من الألفاظ؛ العناية بالألفاظ تخدم المعاني؛ الوعاء السليم يحفظ ما فيه؛ هناك نصوص شريفة الألفاظ رفيعتها ولكنها مشروفة المعاني خفيضتها [هذا البنط منّي]؛ العرب تحلّي ألفاظها وتدبجها وتشيها، وتزخرفها، عنايةً بالمعاني التي وراءها؛ الألفاظ خَدَم للمعاني، والمخدوم - لا شك - أشرفُ من الخادم؛ غلبة المعنى للفظ، وكون اللفظ خادما له، مُشيدا بهِ، وأنه إنما جيء بِه  له، ومن أجلهِ؛ فزادوا في اللفظ لزيادة معناه؛ تكثير اللفظ لتكثير المعنى؛ فإذا كانت الألفاظ أدلة المعاني، ثم زيد فيها شيء أوجبت القسمة له لزيادة المعنى به؛ [أُنظر: الخصائص تأليف أبي الفتح عثمان بن جنّي، حققه محمّد علي النجّار، الأستاذ بكلية اللغة العربية. الجزء الأول. بيروت: دار الهدى للطباعة والنشر، ط. ٢، ١٩٥٢، الباب ٣٣، ص. ٢١٥-٢٣٧؛ ج. ٣، ص. ٢٦٤-٢٦٩].

كتاب ’الصدى‘ قد نُقل حتّى الآن إلى أربع لغات، العبرية، الإنجليزية، البلغارية (بعنوان معناه: الهدية المخفية) والمكدونية؛ كما قُدّم مسرحية من انتاج مسرح إنسمبل فرينج في الناصرة. هناك دلائل واضحة تشير إلى رواج هذا الكتاب في البلاد وفي بلغاريا، وبخاصّة على ما يبدو، في أوساط الشباب، أمل المستقبل، إذ لا نكشف سرًّا إذا ما قلنا إنّ أمّة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين. رواج مثل هذه الأعمال التثقيفية، بعكس رواج كتب الطهي والدين والجنس، تنمّ في تقديري عن ظمأ معرفي فكري جدّي لدى القرّاء، ولا سيّما، الأجيال الصاعدة التي تتعرّض لموجات جارفة من الصرعات الاجتماعية المتواترة. والسيّد عوّاد، يُهدي هذا الكتاب أيضًا إلى الباحثين عن الحكمة كتمهيد للسعادة، وكشمعة لإنارة الطريق، وصنّارة لالتقاط البسمة.

بين دفتي ’الصدى‘، وهو أيضًا اسم القصّة الثامنة ص. ٢٧-٢٨، مائة قصّة وقصّة  قصيرة بمعدّل صفحة ونصف لكل واحدة، كلّها مجهولة المؤلِّف باستثناء اثنتين، على ما يبدو، بعضها عربي الأصل والبعض الآخر أجنبي. يصرّح  السيّد عوّاد في مقدّمته أنّه قام ”بصياغة معظمها، مع بعض التصرّف، لتصبح بقالب أدبي ولغوي جميل“، كما ترجم بعض القصص من لغات أخرى. لا يعرف القارىء أيّة قصص طالها قلم عوّاد، ولأيّ مدى عدّل في النصّ الذي اعتمده، وهل كان مشمولًا في كتاب أم على الشبكة العنكبوتية. كما لا يعلم القرّاء ما هي القصص المترجمة إلى اللغة العربية ومن أية لغة/لغات نُقلت. بإيجاز شديد، لا نتكلّم هنا عن دراسة علمية أكاديمية موثّقة بل عن مائة قصّة وقصّة قصيرة اختارها السيّد عوّاد. وثمة حكمة أحاول جهدي السير على هديها منذ زمن طويل، يذكرها عوّاد في مقدمته ”اللهم أعطني القوة كي أقبل ما لا يمكن تغييره، والشجاعة كي أجرؤ على تغيير ما يمكن تغييره، والحكمة حتى أميّز بينهما“. ينسب عوّاد هذه الحكمة إلى المفكّر ب. هـ. ليدّل هارت (B. H. Liddell Hart, ت. ١٩٧٠) في حين أن بعض المصادر تذكر أنّها بمثابة دعاء فيلسوف إغريقي (أنظر مثلًا: http://www.jamaliya.com/printPage.php?id=745) ومصادر أخرى كالوكيبيديا تنسبها للاهوتي الأمريكي راينهولد نيبور (Reinhold Niebuhr1892-1972).

لجميع القصص تقريبًا غايات نبيلة وعِبر سامية، فهي عُصارة تجارب الشعوب على مرّ الأزمنة والعصور؛ وهي تصبّ في إطار الحقول الدلالية التالية: الصِّدق والصداقة، الكرم، الإخلاص، الصبر والمثابرة، الوفاء، التسامح، العدل، الاتّحاد قوّة، القناعة، الحبّ، السعادة رحلة لا محطّة، حريّة الاختيار، التريّث، التركيز على الجانب الإيجابي، قدوة للغير، فرز الغث عن السمين، القناعة، الأمل، الحذق والفطنة، الحكمة، الخير والشرّ، النجاح، تطوير الذات، الخطيئة، إبدأ بنفسك فالتغيير يبدأ من الداخل، عدم الاتّكال على الغير، عدم الأنانية ومساعدة الغير، رحابة الصدر، الواقعية، العاطفة، الدفء العائلي، الطمع، تضحية الأمّ، داو السبب قبل النتيجة، الفعل لا القول، المعاملة الحسنة والكلام الطيّب. لا عجب إذن في أنّ عيّنات من هذه القصص قد اقتبسها معلمو ومعلمات بعض المدارس في البلاد، كما أظهر لي المحرّك المعطاء والضروري، غوغل. [أنظر:

https://sites.google.com/a/taiba.tzafonet.org.il/arabic/kalimat

https://sites.google.com/a/sisters.tzafonet.org.il/fourthgradec1/home/ahdth-tghyyr-ayjabya

من القصص التي تمتّعت  في قراءتها: قصة صديقين (ترد في الشابكة تحت عنوان: حدوته مسيحية) ص. ١٥؛ حجارة حياتنا الكبيرة ص. ٢٩-٣٠؛ الأسوار والجسور ص. ٣٣-٣٤؛ الحمار الميت ص. ٣٨؛ كيف نواجه مصاعب الحياة؟ ص. ٤٦-٤٧؛ حمار الفلاح ص. ٤٨؛ بيدك أن تختار (ربّما من الأفضل القول: لك أن تختار) ص. ٥١-٥٢؛ دعوة ”الحب“ أم ”الثروة“ أم ”النجاح“؟ ص. ٥٥-٥٦؛ محادثة مع حكيم، ص. ٥٧- ٥٨؛ نعل الملك، ص. ٦٣؛ إدارة الغضب ص. ٦٤؛ ما أروع أن نسعد الآخرين، ص. ٦٨-٦٩ (كنت قد ترجمت هذة القصّة ونشرتها منذ أوائل هذا القرن تحت عنوان: النافذة، أنظر أدناه)؛ الصحن الخشبي والجد العجوز، ص. ٨٧-٨٨؛ الساحرة والزوجان، ص. ٩٩؛ ألأم التي تملك عينًا واحدة (يبدو نقلا عن الإنجليزية ومن الأفضل: الأم بعين واحدة)، ص. ١٠٣-١٠٤؛ دائمًا توجد طريقة للمساعدة، ص. ١٣٤؛ رائحة الكراهية، ص. ١٤٥؛ الغني والفقير، ص. ١٥٥؛ الزوجة والحماة، ص. ١٦٤-١٦٦ (أطول قصّة)؛ ”لعلُّه خير“، ص. ١٧٠. بضع قصص هذه المجموعة، كانت قد وصلتني إلكترونيا بالإنجليزية من أصدقاء، ومن موقع باسم سارة، وقد نقلتُها إلى العربية قبل سنوات عديدة، ونشرتها في منابر مختلفة على الشابكة.

لغة ’الصدى‘ وأسلوبه سليمان سلسان بصورة عامّة، يستسيغهما كلّ قارىء. مع هذا تجدر الإشارة إلى وقوع بعض الأخطاء والهفوات اللغوية، أنوّه هنا ببعضها حسب ورودها في الكتاب، على أمل تصحيحها في الطبعة الثالثة إن شاء الله. أعيد وأكرر ضرورة وجود مدقّق لغوي لدى كل دار نشر، وإلا فعلى صاحب الكتاب أن يدفع عمله للمدقق أوّلًا قبل طباعته. همزة القطع وهمزة الوصل: ص. ٩ س. ٩، ١٣- ٢٠، ص. ٣٤ س. ٤ من الأسفل؛ ص. ١٢ س. ٨ و ٩ من الأسفل: تحمل قيما وعبرا، أن هنالك عددًا؛ ص. ٢٤ س. ٥ من الأسفل؛ مكان تنوين الفتح قبل الألف، ص. ٣٨ س. ٣؛ ص. ٣٩ س. ٢ من الأسفل، سَبَحَ؛ ص. ٤٤ س. ٧، انهم من يجعلونكم؛ ص. ٤٦ س. ١١، القهوة المغلية، س. ١٥القهوة الغنية؟!؛ ص. ٤٧ س. ٤؛ ص. ٤٨ س. ٢ ربما عميقة بدلا من غائرة؛ ص. ٤٩ س. ٤ شاهدت، س. ١١ طالبًا؛ ص. ٥١ س. ٥ من الأسفل: الابنتان؛ ص. ٥٤ رفضوه ولن يعرفوا؛ ص. ٦٦ س. ٣ يملأونه؛ ص. ٦٩ س. ١٣جدارًا أصمَّ؛ ص. ٨٠ س. ٣ ابنتيه؛ ص. ٨٣ س. ٧ بدون باقٍ؛ ص. ٨٨ س. ٥-٦  فوق وجنتيها، الذي ينبغي (المصدر مصري؟)؛ ص. ٨٩ س. ٢ يملك أراضي شاسعة؛ ص. ٩٣ س. ٢، ٨ من الأسفل: التأمين، دولارًا؛ ص. ١٠١ س. ٢ الحُبّ مختفٍ؛ ص. ١٠٢ س. ٢، ٥ راعٍ، ليبعدوا؛ ص. ١٠٨ س. ٦ ربما تشذيب بدلا من تهذيب؛ ص. ١٤١ س. ٦ متخلّفًا؛ ص. ١٤٨ س. ٧ من الأسفل رؤيتِ إذا أردت التشكيل؛ ص. ١٤٩ س. ٥ طلبت مني، س. ٤ من الأسفل ويرون؛ ص. ١٦٧ س. ٦ وأخواته؛ ص. ١٧٠-١٧١ الإصبع والكأس عادة مؤنثتان. وأخيرًا لا بدّ من إيلاء موضوع الترقيم العناية الكافية وتشكيل انتقائي درءً للالتباس.

مع هذا، يستحقّ السيّد الكاتب والمهندس جريس عوّاد، كلّ الشكر والتشجيع على اختياره الموفّق وصياغته وإلى الأمام!

فيما يلي قصّتان نقلتهما من الإنجليزية ونشرتهما في مواقعَ عديدة على الشابكة منذ مستهلّ هذا القرن، القصّة الثانية وردت في كتاب الصدي تحت رقم ٣٥، ص. ٦٨-٦٩.

 

قصتان‏: شجرة المتاعب،‏ النافذة

كنت قد تسلّمت هاتين القصّتين القصيرتين بالإنجليزية بالبريد الالكتروني،‏ من صديق لبناني وارتأيت أن أنقلهما إلى اللغة العربية، ليطّلع عليهما الراغبون. في‏ القصّتين مجهولتي‏ المؤلِّف مِسحة عطرة من الحكمة البسيطة، والإنسانية العميقة نحو الغير‏.

 

شجرة المتاعب‏:

اكتريت نجّارًا لمساعدتي‏ في‏ ترميم بيت قديم في‏ المزرعة‏. وبعد أن انتهى من‏ يوم عمله المضني‏ الأوّل، وجد أن إطارًا مفرّغا‏ (منفّسا‏) من الهواء، قد أدّى إلى تضييع ساعة عمل، وكما أن مِنشاره الكهربائي‏ تعطّل، وكذلك شاحنته الخفيفة والقديمة‏.       

أرجعتُ‏ النجّار بسيارتي‏ إلى بيته، وكان صامتا كالحجر‏. عند وصولنا إلى بيته، دعاني‏ للدخول والتعرّف على عائلته‏. وعندما توجّهنا نحو الباب الأمامي‏ توقّف النجّار برهة قصيرة من الزمن بجانب شجرة، ولمس بكفّيه رؤوس الأغصان‏. وحال فتح الباب تحوّل النجّار بصورة‏ غريبة‏. ولّى الوجوم والعبوس من على وجهه، وارتسمت ابتسامة عريضة على محياه، عانق ولديه الصغيرين وقبّل زوجته‏. بعد ذلك رافقني‏ إلى السيارة، ومررنا بالشجرة ذاتها ولم أستطع كبت حبّ‏ الاستطلاع، فنبق سـؤال عمّا رأيته‏ يفعل من قبلُ‏.

آهٍ،‏ هذه شجرة متاعبي،‏ أجاب‏. أعلم أن لا مندوحة من مواجهة المتاعب والمصائب في‏ العمل، إلا أنّ‏ هناك أمرًا واحدًا مؤكّدًا،‏ لا‏ غبارَ‏ عليه وهو‏: هذه المتاعب والمصائب، لا دخلَ‏ لها في‏ البيت مع زوجتي‏ وأولادي‏. إنّي‏ أُعلّق تلك الهموم على الشجرة كلّ‏ مساء، عند عودتي‏ إلى البيت‏. وفي‏ الصباح، التقطها من جديد،‏ ومن الطريف المضحك،‏ أضاف النجّار مبتسمًا،‏ عندما أخرج في‏ الصباح لالتقط تلك الهموم والمتاعب، أجدها أقلّ‏ عددًا مما تركت من قبلُ‏.

 

النافذة

مريضان‏ يعانيان من مرض عُضال‏ يقبعان في‏ غرفة واحدة في‏ المستشفى‏. كان‏ يُسمح لأحدهما أن‏ يجلس على سريره ساعة واحدة كل عصر، ليتسنّى له تفريغ‏ السائل من رئتيه،‏ وكان سريره بجانب النافذة الوحيدة في‏ الغرفة‏. أمّا الرجل الآخر فكان عليه تمضية الوقت كلّه مستلقيًاعلى ظهره‏. تحادث الرجلان طوال ساعات وساعات من دون انقطاع،‏ عن زوجتيهما وأسرتيهما، منزليهما ومهنتيهما، الخدمة العسكرية وأماكن الإجازة والاستجمام‏.  

في‏ كل‏ يوم بعد الظهر، عند جلوس الرجل الذي‏ بجانب النافذة، كان‏ يقضي‏ الوقت وهو‏ يصف لجاره في‏ الغرفة كلَّ ما كان ممكنًا رؤيته خارج النافذة‏. في‏ مثل هذه الفترات ذات الساعة، كان الرجل المستلقي‏ يحسّ‏ بالحياة والبهجة تدبّان في‏ كيانه، عند استماعه لما‏ يجري‏ من نشاط وتغيير في‏ العالم الخارجي‏.

كانت النافذة تطلّ‏ على حديقة عامّة، وهناك بحيرة جميلة، حيث‏ يسبح البطّ‏ والإوزّ‏، والفتية‏ يطلقون مجسّمات القوارب على سطح الماء‏. عشّاق في‏ عنفوان الشباب‏ يتمشّون متشابكي‏ الذراعين، وسط زهور ذات ألوان قوس قزح كافّة‏. أشجار ضخمة تضفي‏ روعة وبهجة على المنظر، ومشهد جميل لأفق المدينة‏ يتجلّى عن بُعد‏. وعند وصف الرجل الذي‏ بجانب النافذة كلّ هذا بتفاصيل فاتنة، كان بميسور الرجل المستلقي‏ في‏ الجانب الثاني‏ من الحجرة، أن‏ يُغمض عينيه ليتخيّلَ‏ تلك المناظر الخلابة الأخّاذة بكل مجامع الإحساس والشعور‏.

ذات عصر دافىء، وصف الرجل الذي‏ بجانب النافذة عرضًا عسكريًا مرّ‏ من هناك‏. وبالرغم من أنّ الرجل الآخر لم‏ يتمكّن من سماع الجوقة الموسيقية، إلا أنّه كان في‏ مقدوره أن‏ يرى رؤية القلب، كلّ‏ ما كان‏ يسرده عليه الرجل الآخر بكل دقّة وتفصيل‏.     

مضت أيام وأسابيع، وذات صباح، جاءت ممرضة لإحضار الماء للاستحمام، وإذا بالرجل الذي‏ بجانب النافذة جثة هامدة‏. قضى نحبه بكل هدوء وسكينة، أثناء النوم‏. حزنت الممرضة عليه حزنًا شديدًا، ونقلت الجثة إلى مكان آخر في‏ المستشفى‏. وفي‏ أقرب فرصة سانحة، طلب الرجل الآخر أن‏ يُنقلَ‏ إلى السرير المحاذي‏ للنافذة، فقامت الممرضة بتلبية تلك الرغبة، بكل ترحاب وسرور‏.    

ببطىءٍ ووجع واضحين، اتّكأ الرجل على كوعه، ليلقي‏ نظرته الأولى على العالم الخارجي‏، ليمتّع نفسه بما تراه عيناه‏. وإثر جهد جهيد تمكّن من إلقاء نظرة إلى الخارج، فارتطمت بجدار أبيضَ‏ شاحب‏. سأل الرجلُ‏ الممرضةَ‏ ما الذي‏ أرغم زميله المتوفّى لوصف كل تلك الأمور الجميلة، خارج هذه الغرفة‏. أجابت الممرضة قائلة إن ذلك الرجلَ،‏ رحمه الله،‏ كان ضريرًا ولم‏ ير حتى ذلك الجدار‏. ثم أردفت قائلةً،‏ ربّما أراد فقط أن‏ يشجعك ويشدَّ‏ على‏ يديك‏.

 

الخاتمة

هناك سعادة عظمى في‏ إسعاد الآخرين، رغم ظروفنا الخاصّة‏. الحزن المشارك فيه‏ ينتصف،‏ أما السعادة المشارك فيها فتتضاعف‏. إذا نويت أن تشعر بالغنى فعُدَّ‏ كلَّ الأشياء التي‏ بحوزتك والتي‏ لا تُقتنى بمال‏!

Today is a gift, that’s why it is called the present

سمّي‏ الحاضر حاضرًا لحضور هبة الله‏!

 

ابراهيم السكوري يصدر: أمواج خارج البحر

928-sekouriعن منشورات "رونق المغرب"، صدرت مؤخرا للقاص المغربي ابراهيم السكوري، مجموعة قصصية بعنوان: "أمواج خارج البحر"، تقع المجموعة في 97 صفحة من الحجم المتوسط، وتضم 25 قصة قصيرة، منها: "قصة"، "ورطة"، "صفعة زوج"، "جميل بثينة"، "وسائل الإعدام"، "خيانة"، "خمسون درهما"، "عيد"، "وشم"، "بياض"، "أمواج خارج البحر"، تتصدر غلافها لوحة تشكيلية للمبدعة خديجة المسعودي.

928-sekouriوالكاتب ابراهيم السكوري، قاص وفاعل جمعوي من مواليد  تزروت/ تمكروت/ زاكورة. حاصل على شهادة الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض بمراكش، سنة 2005. خريج المركز التربوي الجهوي بمراكش سنة 2003، والمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بإنزكان سنة 2013. طالب باحث بماستر البيان العربي، قيمه التداولية ومناهج تأويله. الفوج الأول 2015/2017 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض بمراكش. نشر نصوصه الإبداعية في العديد من المنابر الإعلامية وشارك في بعض الملتقيات والتظاهرات الأدبية الوطنية.

 

خديجة ڭراڭي التمسماني تصدر: تعاويذ على مقام الخريف

927-gueraguiعن منشورات "رونق المغرب"، صدر مؤخرا للشاعرة المغربية خديجة ڭراڭي التمسماني، كتاب شذرات بعنوان: "تعاويذ على مقام الخريف"، يقع الكتاب في 91 صفحة من الحجم المتوسط، ويضم 82 شذرة.

927-gueraguiوالكاتبة خديجة ڭراڭي التمسماني، شاعرة وفاعلة جمعوية وحقوقية من طنجة،  خريجة قانون عام شعبة العلاقات الدولية، عضو نشيط في العديد من الجمعيات الثقافية والحقوقية، لها مساهمات شعرية في بعض المنابر الإعلامية الورقية والإلكترونية، والأمسيات والملتقيات الأدبية، ولها مجموعة من الأعمال المخطوطة في الشعر والسرد.

 

أسعد الاماره: عرض كتاب علم النفس الاجتماعي للدكتور فجر جودة النعيمي

asaad alemaraتعد الدراسات التي تتناول موضوعات علم النفس الاجتماعي من الأهمية التي يتناولها ليس الباحثون في مجال التخصص في علم النفس وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا فحسب، بل في المجالات العلمية المعرفية الآخرى مثل التأريخ والجغرافية وعلم الأديان المقارن، والعلوم الطبية والهندسة المعمارية والفروع الآخرى منها، حيث تتناول موضوعات علم النفس الاجتماعي السلوك الفردي والجمعي للإنسان في المجتمعات البشرية بشكل عام، وتتناول الفرد وشخصيته في الريف والمدن، والحواضر والمجتمعات الصناعية والقبلية، فضلا عن انها تدرس الفرد وشخصيته الوطنية والقومية، والدراسات عابرة الثقافات، لذا يجب علينا أن نشير بإيجاز إلى أنه صار من المألوف بين المشتغلين بالعلوم النفسية والاجتماعية، وبالآخص دراسة موضوعات هذا التخصص بطابعه العام  فيما يتعلق بدراسة القيم والتغير الاجتماعي، فضلا عن دراسة مصادر كثيرة للمعلومات يخضعونها للتحليل والتفسير، وعلى رأس هذه المصادر الأعمال الأدبية والفنية والفلكلورية وغير ذلك من المواد الإعلامية، ولعل الدكتور فجر جودة النعيمي تناول في هذا المضمار بمؤلفه " علم النفس الاجتماعي" عن موضوعات بعضها أساسية وآخرى متجددة، فطرحه لمعنى النظرية واثباتها، ومن ثم عرضه لبعض النظريات الأساسية في علم النفس الاجتماعي منها النظرية السلوكية، ونظرية الإدراك المعرفية، ونظرية القواعد والادوار، وهناك نظريات آخرى متخصصة جدًا منها نظرية جونز وديفز في الاستنتاج التوافقي وموديل "كيلي".

تناول في كتابه علم النفس الاجتماعي أيضًا موضوعات مهمة في تفسيراتها النفس- اجتماعية مثل نظرية المؤامرة Conspiracy Theory   والإسناد و"العزو"  المجتمعي Societal Attributions .

إن دراسات وموضوعات علم النفس الاجتماعي أثارت لدى الباحثين في مجالات العلوم المعرفية والعامة أكثر من المختصين، فطريقة تفكير أفراد مجتمع ما، هو تعبير عن اتجاهاتهم، ومكوناتهم الفكرية واساليب التعامل التي يستخدمونها، تناولها هذا الكتاب بطريقة علمية أكاديمية مستعرضًا لبعض المؤثرات منها طرق الاقناع، وأساليب الاذعان، والتباين بين الاتجاه – السلوك والتناشز المعرفي.

تناول المؤلف في هذا الكتاب خصائص القادة، وسمات الشخصية، والتفاعل والقيادة، وأفرد في الفصل السابع موضوعًا مهمًا هو السلوك العدواني، مستعرضًا التعريف وقياس السلوك والتفسير البيولوجي والاجتماعي، والبايواجتماعي، وموضوعات آخرى ذات صلة بالدوافع الخاصة بتكوين السلوك العدواني عند الرجال والاناث، فضلا عن العنف الأسري، وأطلق عليه تسمية العنف خلف الابواب المغلقة، وهو إيذاء الاحبة، وتعرض لموضوعات مهمة في هذا المجال منها العنف المؤسسي، والعدوان الواسع" الحرب". واستعرض الكاتب في هذا المؤلف مجالات السلوك الاجتماعي الايجابي ومن موضوعاته: لماذا يساعد الناس بعضهم بعضًا، واستعرض ايضًا النظريات المفسرة له ومنها تفسير نظرية التعلم الاجتماعي، وعمليات العزو Attribution Process ، والتأثيرات المعيارية والتعاطف والاستثارة، والنموذج الموقفي للمساعدة، ونموذج "لاتن ودارلي"، وتجربة "بيليفين وآخرين". تناول موضوعات اجتماعية مهمة في مجال علم النفس الاجتماعي وهي سرقة المحلات، والغش في الامتحانات، وموضوعات أخرى. يستعرض أيضا في هذا الكتاب موضوع اللغة كوسيلة اتصال، وكيفية استخدام اللغة الصامتة والدلالات الاجتماعية للكلام، والنظرات والاتصال بالعيون، وتعابير الوجه، بمعنى أدق موضوع لغة الجسد مع استخدام الإيماءات وأوضاعها المختلفة.

بحث هذا الكتاب في الفرد وتكوينه، وخصائصه، وواقعه، وانفعالاته في جوانبه النفسية،  وقولنا إذا كان علم الاجتماع يبحث في الجماعات ذاتها، فإن علم النفس الاجتماعي زواج بين مجالي هذين العلمين علم النفس وعلم الاجتماع، فلم يهتم بالفرد في حد ذاته، ولم يهتم بالجماعة لذاتها، وإنما أهتم بدراسة الفرد داخل الجماعة، كيف يؤثر فيها ويتأثر بها، ونود أن نلفت الأنظار إلى أن الموضوعات الوارده في هذا الكتاب موضوعات تهم الجميع الباحثين والمتخصصين، والقراء من المهتمين بالثقافة والمجتمع.

 

د. اسعد الاماره - استاذ جامعي وباحث نفسي

 

عبد الجبار الرفاعي: استغلال الأيديولوجيا للدين.. حوار مع الصديق د. فالح مهدي في مراجعته النقدية لكتابي"الدين والظمأ الأنطولوجي"

abduljabar alrifaiكتب الصديقُ د. فالح مهدي مراجعةً نقديةً لكتابي "الدين والظمأ الأنطولوجي" من منظور مختلف عن المنظور الذي أتبناه في كتابي هذا. فكتبت له: كتابتك اعتز بها، ذلك أنها كانت أقرب للمنهج الغربي الحديث في البحث والنقد العلمي، وهو منهج يفتقر اليه الكثير من الكتابات في شرقنا العربي، التي تبتعد عن النص، وتنشغل بالكاتب أحياناً، وتنزع للمدح والثناء أو الذم والهجاء.

كل كتابة تكشف لي ثغرات كتابتي، وتحيل الى مرجعيات غير مرجعياتي، وتحاكم أفكاري من منظور مختلف، تمنحني فرصة لمراجعة مرجعياتي، وفحص أفكاري، وترشدني لنقد وثوقياتي ومنطقي في التفكير والتعبير.

 أكرر امتناني لحضرتك، لأنك حرّضت عقلي على التفكير في الايمان خارج الايمان، والتفكير في الدين خارج الدين، والتفكير في التدين خارج التدين، والتفكير في التراث خارج التراث، والتفكير في أفكاري خارج أفكاري.

 لا أزعم أني نجحت في التحرر من ذاتي، ذلك ألا تفكير خارج الذات، كل تفكير يلتبس بـ"الذات". تداخل تفكيرنا بذواتنا حتمي، يصعب علي الفرار من أحكامي المسبقة القابعة في أعماق عقلي، ويتعذر علي فهم العالم خارج رؤيتي للعالم التي تشكلت في سياق تربيتي وبيئتي وثقافتي وديانتي، ويشق عليّ التفكير بأفكاري خارج أفكاري المترسبة في ذهني والمولودة في فضاء دراستي وتدريسي ومطالعاتي وخبرات حياتي، ويصعب عليّ عبور آفاق انتظاري.

 أود عاجلاً توضيح مايلي:

1. كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" يشدو لحنَه الخاص، خطيئتُه أنه لم يكرّر الأصوات المكررة في أدبيات الجماعات الاسلامية، أو غيرها من أدبيات الجماعات اليسارية والقومية، التي يغرق المجالُ العام في مجتمعاتنا في شعاراتها ومقولاتها ودعواتها وأحلامها وأوهامها، منذ أكثر من قرن. 

"غيرُ الاسلاميين" من بعض القراء أزعجهم دفاعي الشديد عن الايمان والدين والوحي والنبي الكريم "ص"، ودعوتي لتدين ينشد إغناءَ الروح والأخلاق. كذلك أزعج بعضَهم اكتشافُهم  أني كائن روحاني أخلاقي ميتافيزيقي مؤمن، وامتعض البعض الآخر من تمسكي بالصلاة والفرائض العبادية وتديني التقليدي، إذ فوجئوا بأني مازلت حتى اليوم وسأبقي ألجأ لطقوس تدين أمي.

كما أن معظمَ الاسلاميين أزعجهم ايماني وتفكيري الحرّ، ونقدي لإحراقهم الدين في عربة الأيديولوجيا والصراعات على السلطة والمال والنفوذ.

 لا أستطيع حين أكتب أنْ أُزيّفَ تفكيري، أو أكذب، أو أتملق أحداً. لا قيمةَ لكتابة تتملق القراء. ما قيمة صوتي حين يصبح صدى ببغاء تكرّر أصواتاً لا تفقهها. الكتابة هي الكاتب، كلُّ كاتب أصيل يكتب ذاتَه، وينسج من ألوان حروفه لوحةً تحيل إلى: مسبقاته ومعتقداته وفكره وأفق انتظاره وأحلامه.

2. الدين في مفهومي يمكن أن تستغله الأيديولوجيا فينقلب إلى سم يدمّر الحياة، ويحطم الحضارة والتمدن البشري، مثلما تستثمره بعض الجماعات الدينية اليوم. ويمكن أن يكون الدين مفارقاً للأيديولوجيا، كما هو دين أمي وأمك ودين أبي وأبيك، ودين الحلاج وأبو اليزيد البسطامي وجلال الدين الرومي وايكهارت والدالاي لاما ... الخ. فيكون عذباً خلّاقاً، يمنح الحياةَ معناها، وطاقتَها الحيوية الايجابية، عبر تكريس الحياة الروحية، وإثراء الحياة الأخلاقية.

ربما لا تستطيع أنت تذوق حالات الروح وفضاء إشراقها وتجربة تساميها عبر وصالها بالحق خارج سياق الأيديولوجيا، ذلك أن تذوق الحالات لا طريق له سوى القلب، وما كان طريقُه القلب يضل العقلُ الطريقَ اليه غالباً.

علماً أن اختزال الكائن البشري في العقل ينطوي على تبسيط تكذبه علوم الانسان في القرن الأخير، وأنت تعرف جيداً المواقفَ النقدية الجذرية لعلم النفس التحليلي، وفلاسفة ومفكري "معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت"، وغيرهم من فلاسفة ومفكري فرنسا في القرن العشرين، لمنطق العقل الوضعي، وفضحهم العقل الأداتي، الذي يتجاهل اللاشعور والمتخيل والأسطورة والرمز، ويتعاطى مع الانسان بوصفه كائناً يسيّره العقل فقط.

لقد أوضح فلاسفةُ ومفكرو الغرب في القرن العشرين أن كارل ماركس الذي فضح تزييفَ الأيديولوجيا للوعي البشري في كتاب (الأيديولوجية الألمانية) وغيره من آثاره، لم تتحرر كتاباتُه من بصمة أيديولوجية، بل

كانت آثارُه هي أيضاً ضحية استغلال أيديولوجي، واكبنا تطبيقاتِه على المجتمعات البشرية في سنوات طويلة من القرن العشرين، وبرر ستالين، وجماعة "الثورة الثقافية" في الصين، وبول بوت في كمبوديا ، في سياقه  ذلك المنطق الأيديولوجي كلَّ انتهاكات الكرامة البشرية، والمجازر الوحشية التي ارتكبوها.

3. "معنى المعنى" ما أقصده منه هو ذروة المعنى، أو كثافة المعنى، وهو أبعد مدى من المعنى، وأعمق منه. ويمكن أن نتعرف على "معنى المعنى" في آثار الكثير من الفلاسفة واللاهوتيين الذين تناولوا تعبيرات المعنى في اللغة والدلالة والعلامة والاشارة والرمز، وتجلياته في العقل والروح والعاطفة. وفي مطالعة كتابات شلاير ماخر ودلتاي ونيتشه وهوسرل وهيدغر وغادامير وبولتمان وتيليش وريكور ورولان بارت وأمبرتو ايكو وغيرهم ما يضيء ذلك. كذلك يمكننا اكتشاف معنى المعنى في آثار فلاسفة الاشراق والحكمة المتعالية، ونصوص التصوف والعرفان.

4. لو بطل التعميم تبطل العلوم، العلوم تنشد التعميم والارتقاء من الجزئي إلى الكلي، ومن الجزء إلى الكل، ومن الخاص إلى العام. لو بطل التعميم لاندثر التقدم في كل معارف وفنون وخبرات ومهارات البشر، ولم تتطور ويهتدي الانسان من خلالها كل يوم لاكتشاف القوانين العامة للطبيعة، وسنن النفس والمجتمع.

حين يتعطل منطق التعميم لا تتعطل علوم الطبيعة فحسب، بل علوم النفس والمجتمع. فلماذا يصبح حديثي عن الدين وتعبيراته، بوصفه ظاهرة أصيلة عامة كلية مشتركة في الحياة البشرية، ليس دقيقاً.

5. اشارتكم إلى عدم تمييز الكتاب بين (الذات الفردية) و(الهوية المجتمعية)، إذ أشرتم بقولكم: (في تقديري إن الذات والتي بطبيعتها شخصية ليست الهوية التي أطلق عليها الرفاعي"شخصية"...). والذي ورد في سياق تعليق على حديثي عن "الأنا الشخصية"، وبيان أني أعني بها: (الذات الفردية والهوية الشخصية، والتي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري. فمن دونها يفتقد كل انسان ذاته، ويصير نسخة مكررة متطابقة مع نموذج محدد مصاغ سلفاً).

من الواضح أن (الهوية) لا ترادف (الذات). سياق الحديث يدل على أني استعملت الهوية هنا وفي هذا المورد فقط بمعناها اللغوي لا الاصطلاحي، لذلك خصصتها بأني أعني بها (الذات الفردية والهوية الشخصية) بغية تفسير ما أقصده. وماورد في الفصل الأول من الكتاب يؤشر بوضوح في عباراتي للتمييز الذي أقمته بين الذات الخاصة (الأنا)، والـ(هوية) المجتمعية.كما تشي بذلك هذه النماذج من عبارتي: (فائضُ هويتي يسجنُ ذاتي، ويصادرُ حريتي .. أنا لست أنا، يفرض علي انتمائي لهويتي ألا أكون أنا؛ كي تتطابق صورتي مع ما تنشده هويتي). 

  6. نقدكم لكتابي (الدين والظمأ الأنطولوجي) يستقي من رؤيتكم للعالم، وللدين أيضاً، بوصف الدين كما ترون منتجاً بشرياً، وهي رؤية أحترمها، وإن كنت لا أتبناها. لا أنكر أن فهم وتأويلات وتمثلات الدين بشرية.

 رؤيتكم للعالم والدين من الطبيعي أن تختلف عن رؤية للعالم وللدين لمؤمن لا يشرق قلبُه إلاّ بحب الله وتجليات جماله، كما هو (أنا)، إذ إني أتذوق تجليات جمال الله في كل شئ، ولا أستطيع تذوقها إلاّ عبر تديني وايماني. هذه الرؤية خلاصة عمر تجاوز الستين عاماً، تكرس في دراسة الدين والعلوم الاسلامية والانسانية، وتجربة حياتية لنمط ايمان وتدين اقترن بسياحة وأسفار مزمنة لكائن لن يكفّ شغفُه الأبدي عن متعة أسفار الروح والقلب والعقل، متعة الطريق لدى هذا الكائن على الدوام تنسيه متعةَ الوصول، إنه لن يبلغ محطةً إلاّ ليرحل منها إلى ما هو أعلى وأثرى منها، وهكذا. إنها أسفار لن تبلغ مدياتها النهائية مهما امتد به العمر، ذلك أنها مسكونة بغبطة السير التي تشغلها عن الوصول.

 هذه هي خلاصة شديدة لتجربتي الدينية التي أعيشها، ورؤيتي للعالم، وفهمي للايمان والدين، والتي لا أنشد فرضَها على أي كائن بشري في هذا العالم، ولا أحسب أنها خشبة الخلاص الحصرية لكل البشر.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

...........................

 

منهجية عبد الجبار الرفاعي

د. فالح مهدي

 لقد كتب الكثير عن عبد الجبار الرفاعي، وهو يستحق دون ريب عبارات الثناء والتقدير التي وردت في كل تلك الكتابات. لم تكن تلك الكتابات بدافع الإطراء والمديح لذلك الرجل الدمث الأخلاق، المفكر الذي ينزع إلى أنسنة الدين، إنما كانت تتلاقى مع أطروحات الكتاب.

 في قراءتي هذه سأغرد منفرداً، اعتمادا على منهجي الذي يدرس الظاهرة الدينية في ضوء المكان. من المؤكد هو أنني لم أقرأ كل ما كتب عن عبد الجبار الرفاعي، إنما وفي ضوء ما كتبه عنه أصدقاؤه تلامذته ومريدوه، وفي ضوء ما قرأت من نقد ومراجعات لعمله.

 يضعنا عبد الجبار الرفاعي من البداية ودون مواربة أمام إشكالية الكتاب الأساسية، والمتمثلة بالفقر الوجودي لعالم لا دين فيه. ففي الصفحة 6 يذهب إلى الآتي: "الفقر الوجودي حقيقة يتفق عليها الكثير من الفلاسفة والمتصوّفة والعرفاء، لكن ربما يقال : لماذا الدين هو سلّم  الكمال لا غيره ؟..". ويستمر في طرح الأسئلة. وفي تلك الفقرة نفسها يتساءل عن دور الفنون والآداب في الحد من ذلك الظمأ، ويشير إلى أن المعرفة والشوق إلى الإبداع ذات أهمية قصوى لكي يحس الكائن الحي أن لوجوده معنى.

  وفي ضوء ثقافته وسعة أفقه لم ينكر أن لكل ذلك أثرا في إغناء الوجود الإنساني، إنما وفي تلك الصفحة نفسها يؤكد: "لكن ذلك كله أيضا لا يغنيه عن الحاجة إلى الدين، ولا يكون بديلاً عن الدين، وإن قدّم له شيئا مهما يهبه الدين ...".  

 كما أشرت ليس من أخلاق عبد الجبار الرفاعي المخاتلة واللعب بالكلمات، فهو أمين أشدّ الأمانة إلى ما يعتقد أنه صحيح. لذا فإن جوهر كتابه مع تعدد مقالته يصب في الدفاع عن الفكرة القائلة: ليس هناك من حياة تستحق العيش دون إيمان ودون دين.

تلك المقولة تجد صداها وجوهر وجودها في الحيز العمودي، ذلك أن الدين بوصفه مفهوما وفهما للكون، تفسيرا وتأويلا وأيديولوجيا، طقوسا ومعابد، من نتاج ذلك الحيز. أما الحيز الأفقي فهو فقير في إنتاج عقائد ماورائية. ما موجود من عقائد وأديان في العالم المعاصر هي من بنات الحيز العمودي.

عبّر الكاتب بأمانة عن ثقافة ذلك الحيز الذي هو جزء منه. لذا فإننا لن نجد صعوبة في فهم عبارة: الدين سلّم الكمال، ولا يمكننا أن نتخيل أمراً آخر في ضوء ثقافة المكان التي أنتجت الدين.

 ثقافة عبد الجبار الرفاعي الواسعة والمنفتحة على كل النوافذ، لم تمنعه عند الكلام عن الإنسان، من اللجوء إلى التعميم، إذ نجد في الصفحة 8 ما يلي: (الإنسان  يبحث عمّا يتجاوز الوقوف عند سطوح الأشياء والاكتفاء بظواهرها ... انه يفتش على الدوام عمّا هو أبعد مدى ... إنه في توق لاكتشاف "معنى المعنى" ...)!

عن أي إنسان يتحدث عبد الجبار الرفاعي هنا؟  فهو لم يأتِ الى هذه الدنيا يوم أمس، بل إن تجربته في الحياة، وفقر حال والديه وضعه أمام سكتين، إما أن ينتقم من ذلك الماضي، ويتحول إلى كائن رخيص، أو أن يترفع عن كل ذلك. ودون تردد اختار السير على السكة الثانية، حيث تجد في سلوكه حبه للإنسانية، ترفّعه، موضوعيته، وقدرته الهائلة على التسامح والتسامي. إنه على دراية من أن عبارة إنسان تضم تحت جناحيها مشارب، واتجاهات، ميول ومواقف، أذواق وحساسيات .. الخ ، بيد أنه لم يتوانَ من استخدامها بمعناها المطلق.

عندما تلتقي به يذهلك حكمه على من يعرفهم، دون أن يتخلى ولو لهنيهة عن موضوعيته ورقته، فيقول: إن فلانا متمكن بيد أنه وعر في سلوكه، وإن فلانا مع أن الدنيا فتحت له أبوابها إنما بقى يعاني من عقدة نقص الأقليات... الخ.

 استعماله لمفردة "إنسان" وعلى ذلك النحو غير دقيقة في تقديري، لا اجتماعيا ولا انثروبولوجياً، ولا ثقافيا ولا نفسيا. عبد الجبار الرفاعي على دراية بأن الناس مشارب واتجاهات، وليسوا سواسية كأسنان المشط: لا في سلوكياتهم، ولا في ردود أفعالهم، واندفاعاتهم، ورهافة حسهم، وتألق ضمائرهم، واستعدادهم لبيع أنفسهم...الخ.

لوم يكتفِ بذلك، بل ذهب الى مقولة متمثلة بشوق ذلك الإنسان الى البحث عن معنى المعنى! لا اعرف ماذا يعني الرفاعي بمعنى المعنى، ذلك أن البحث عن المعنى لوحده أمر شاق من الناحية المنهجية، فما بالك بمعنى المعنى؟

منهجه ذاك أدى به إلى إيجاد مصطلح أطلق عليه "الأنا الخاصة"،إذ يبدأ القسم الأول من كتابه بتعريف تلك الذات، وفي ضوء منطقه وعقلانيته، يقوم بتعريفها على النحو الآتي: "وإنّما نريد بها الذات الفردية والهوية الشخصية والتي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري. فمن دونها يفتقد كل انسان ذاته ويصير نسخة مكررة متطابقة مع نموذج محدد مصاغ سلفاً..." ص 15 .

   في تقديري إن الذات والتي بطبيعتها شخصية ليست الهوية التي أطلق عليها الرفاعي "شخصية"، ذلك أن مفهوم الإنسان عن نفسه يبدأ وينمو ويتفاعل وينضج في ضوء تجاربه ومراراته وخيبات أمله، أو إحساسه المرضي والنرجسي المتمثل بتضخم تلك الذات. هذا الشعور ينبع من إدراك الفرد لوجوده وكينونته. البعض يعرّف الذات بوصفها إناءً يستقر فيه الوعي أو الشعور والاستجابات  لخبرات وتجارب تنطوي على ألم وسرور. عملية التفاعل تبدأ عندما يقوم المرء بوعي تلك الذات كموضوع، أي إدراكه لنفسه بنفسه وتقييمه لها، أو الفكرة التي يكوّنها الفرد عن نفسه.

 أما الهوية، فهي كموضوع مستقلة عن الذات ومرتبطة بالثقافة والمكان، التاريخ والجغرافية، التقاليد والعادات. وتعرّف بوصفها مجموعة القيم والمثل والمبادئ التي تقوم عليها الشخصية الفردية والجماعية. فبدون هوية لا يستقيم أمر الذات، إذ إن هناك علاقة ديالكتيكية بين المفهومين ولا يقوم أحدهما دون الأخر. هوية الفرد هي لغته وثقافته وتاريخه. الهوية مرتبطة على نحو لا فكاك منه بمفهوم الثقافة.

ولا يغفل الكاتب هذا المفهوم، فيبذل جهداً واضحاً لتطويره، فنجده يقول في الصفحة 16 "لا تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلا عندما تتحقق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لا تتحقق من دون فعل ... الذات البشرية وجودها وصيرورتها الحرية، وحيث لا حرية تنطفئ الذات ...".

 وقبل الحديث عن الحرية، تنبغي الإشارة إلى أن الذات البشرية لا تتحقق دون أن يكون لها وجود، لذا فالأصوب هو أن الحياة الإنسانية لا تبدأ إلا عند وجود تلك الذات أولاً وتحققها ثانياً.

لا يكتفِ عبد الجبار الرفاعي بذلك، بل ربط ما بين الذات والحرية وتوصل إلى نتيجة مفادها  "وحيث لا حرية تنطفئ تلك الذات". إذا أخذنا تلك المقولة العميقة على نحو مطلق، نجد أنها سليمة. بيد إننا أمام كاتب مؤمن، وهو يعلم قبل غيره أن الإيمان والدين، لاسيما في الأديان التي لم تخرج من ماضيها ولم تقم بقراءة جادة ونقدية لكثير من الطقوس والمفاهيم، يحدّ من تلك الحرية.

  الكاتب يصّر على مسألة الشعائر والطقوس، إذ يذهب في الصفحة 73 إلى الآتي: "لا يتكرس الاعتقاد، وينتج الإيمان، من دون العبادة والطقس الخاص بهذا الدين. ليس هناك اعتقاد، وإيمان منبثق عنه، من دون تقليد محدد للعبادة. لا إيمان بلا حدود وعبادات وشعائر وسنن مرسومة. لا إيمان إسلامياً بلا صلاة إسلامية ... ".

في هذه النقطة بالذات، أختلف كلياً مع عبد الجبار الرفاعي، في قناعاتي أن الدين منتج من المنتجات الأساسية للحيز الدائري. الطقس فعل إيديولوجي، فرضته العقلية الدائرية، قائم على المقايضة "أعطني لأعطيك". ولو نظرنا الى ثقافة عصر الصيد والعصر الزراعي والذي لا زال قائماً، نجد أن مفهوم المقايضة جليّ ومن الأسس الجوهرية لمفهوم الدين والإيمان، ففي كتابي القادم: البحث عن جذور الإله الواحد، نقد الأيديولوجية الدينية، دراسة عن هذا المفهوم.

 عبر مفاهيم الطقوس والصلوات يقوم عبد الجبار الرفاعي بإعادة بناء الإله الدائري. إله الكون لا يحتاج إلى طقوس وعبادات.

  الرفاعي على علم بأن التفكير يتوقف عن ممارسة نشاطه عندما تغلق الأسئلة المفتوحة، وهو على يقين من انهيار  الايدولوجيا أمام تلك الأسئلة (راجع ص 122)، إلا إنه يعتبر الطقوس والصلوات فعلاً إيديولوجيا، بل من ماهية الدين وجوهره.

 ولإثبات وجهة نظره يخصص صفحات معظم هذا الكتاب للتفريق بين الدين والأيديولوجيا، ففي الصفحة 148 من الفصل المخصص لنقد شريعتي (103-150) نجده يقول: "إنّ ما أفضت إليه أدلجة الدين هي عبودية الإنسان للأيديولوجيا، واستلاب الأيديولوجيا لروحه وقلبه وعقله، وإقحامه في أحلام رومانسية ووعود خلاصية موهومة". لو كان الكلام متعلقا بالأيدلوجيات فحسب لأعلنت إعجابي بذلك الفهم المتميز، إلا أن الرفاعي يفرق بينها وبين الدين. في حين لا يستقيم أمر أي عقيدة في تقديري دون أدلجة وطقوس وعبادات في مجال الدين، مسيرات ودعايات، إعلام وثقافة، كبش فداء (الطقس ديني إلا أن الفاشية والنازية والستالينية حولته إلى طقس علماني وذلك بإيجاد أعداء وتشخيصهم ومن ثم تصفيتهم، وقد استخدم صدام حسين هذا السلاح على نحو مفرط).

لقد أصاب الرفاعي الهدفَ بتفكيك فكر شريعتي ونقد ما جاء فيه، ذلك أن شريعتي يفرق بين التشيّع العلوي والتشّيع الصفوي وهو مُصيب في ذلك، بيد أن تشّيعه لا يمكن له أن يقف على قدميه دون أيديولوجيا. كل ما كتب باسم هذا الرجل هو إيديولوجيا لا غير. وأكاد أن اكون على يقين من اتفاق الرفاعي معي في هذه النقطة بالذات.

الدين من دون إيديولوجيا لا يمكنه أن يستمر على قيد الحياة. الدين كما يؤكد الرفاعي نفسه معتقدات وطقوس وعبادات، وهذا يعني الخضوع لمشيئة رب أو أرباب تحيكها المخيلة الدينية.

الدين يولد إيديولوجيا، فهناك عقيدة (تتحول إلى كتاب)، وهناك رب مهمته الأولى إنقاذ من يؤمن به. في كل العقائد (توحيدية أم تعددية) يقوم الدين بصناعة أحلام رومانسية (ينسبها الرفاعي الى الأيديولوجيا)، ويقوم بنشر وعود خلاصية موهومة، إذ تنشئ تلك الأحلام والوعود من لحظة قيام ذلك الدين، أي لحظة التأسيس. البناء الأيديولوجي لا يبني صروحَه من دون لحظة التأسيس تلك.

كما ان الرفاعي يقيم علاقة بين الدين والأخلاق، مستندا في ذلك الى نفي الفيلسوف ايمانويل كانط "الاعتقاد النظري بالله، لكنه رأى الاعتقاد الأخلاقي به راسخاً لا يتزعزع" (ص170)،  ومن ثم يؤكد وفي تلك الصفحة نفسها "ان الأخلاق إنما تقود على نحو لابدّ منه على الدين ... الإنسان لا يتحلى بالأخلاق لأنه متدين ، انما يتدين لأنه اخلاقي".

لا اعلم كيف توصل الرفاعي إلى تلك الأحكام المطلقة! من أين جاءه اليقين من أن الإنسان يتدين لأنه إخلافي؟

عند التأمل ودراسة ما قام به عدد من أهم الباحثين في موضوع فلسفة القانون، توصلنا الى قناعة  بأن وجود الأخلاق أملته ضرورات العيش المشترك. وبما ان الإنسان كائن اجتماعي، لذلك أوجد عادات وتقاليد أصبحت ملزمة بمرور الزمن، كاحترام الآخر، رعاية اليتيم ، مساعدة الفقير، احترام الأبوين... الخ. هذه القواعد وغيرها كثير لم تنشأ بفضل الدين بل اقتضتها الضرورات الاجتماعية والعيش المشترك.

  كل ما فعله الدين هو أنه احتضن تلك المبادئ السامية. ولو عدنا الى قانون حمورابي مثلاً، بوصفه الأكثر كمالاً في قوانين العالم القديم، فسنجد أن حمورابي أوجد قانونه لأن ربه شمش طلب منه ذلك، إنما وعند التدقيق نجد أن حمورابي قام بتقنين ما وجد في قوانين السومريين قبله بمئات السنين. بل إن السومريين أنفسهم قاموا بصياغة ما اعتاد عليه القوم في تلك اللحظات من التاريخ الإنساني.

لا ادري إذا كان يعلم الصديق عبد الجبار الرفاعي من أن  أكثر من ثمانين بالمائة من السويديين لا يؤمنون بوجود إله خالق، ولا يؤمنون بأي دين، بيد أنهم من أكثر شعوب الأرض خلقاً!

اللحظة الانطولوجية أو الوجودية، تلك التي تتساءل عن جوهر الحياة الإنسانية وعن أصل الوجود، ولِمَ نحن هنا، والى أين سنذهب مثلاً، لا علاقة لها بالأخلاق البتة، بل بحساسية الإنسان ورهافة حسه، والى بيئته الثقافية، والى حيّزه الذي ولد وترعرع فيه.   

قبل أن أنهي ملاحظاتي هذه بودي الإشارة إلى أحد فصول الكتاب، الذي يأخذ بتلابيب النفس نتيجة صدقه وعفويته وعمقه، واقصد بذلك الفصل الثاني. فتحت عنوان "نسيان الإنسان" راجع الصفحات 29- 101، دعانا الرفاعي لتلك الرحلة الممتعة في ماضيه، في طفولته، في عذاباته، في فقر أهله، في موت أبيه المبكر. هذا الفصل يصلح أن يكون عملاً روائياً مستقلاً فهو ممتع للغاية.

وختاما لم يبقَ أمام الرفاعي في تقديري سوى هدم الأسوار التي بناها بين الدين والايدولوجيا، ليرى بأم عينيه أن ذلك التفريق هو الوهم بعينه.

 

د. فالح مهدي - مفكر وأكاديمي عراقي مقيم في باريس.

جريدة المدى، الصادرة في 17-7-2016.  

 

محمد ثامر يصدر: المفهوم الدولي للاستعلال الجنسي للاطفال

926-mohamadthamirمن بيروت وبغداد مكتبة السنهوري  صدر كتاب للبروفسور الدكتور محمد ثامر السعدون استاذ القانون الدولي بكلية القانون جامعة ذي قار الموسوم (المفهوم الدولي للاستعلال الجنسي للاطفال). ويستعرض الكتاب عبر اربعة فصول صعوبة أو استحالة تحديد المفهوم الدولي لهذا المصطلح كما يقارن الكتاب بين اساليب الحماية الدولية في مختلف القوانين ومنها القوانين العراقية بشكل خاص.

926-mohamadthamirكما يسلط الضوء على تجربة الاتحاد الاوربي وخصوصا القوانين السويسرية التي اباحت الحرية الجنسية بتمام 16 سنة..والجديد في هذا الكتاب ان الكاتب افرد الفصل الاول ليحلل هذه الظاهرة من خلال النصوص والصكوك الدولية وتقارير الامم المتحدة ولجنة حقوق الطفل ووفق اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكوليها دون الرجوع لاي مصدر اخر  بل بالاستعانة بتجربة الكاتب في ميدان حقوق الانسان. ياتي هذا الكتاب ليشكل الرقم 36 من مجموع الكتب التي الفها البروفسور.

 

جميل حمداوي: الوشم في الثقافة الأمازيغية.. مقاربة سيميو- سوسيولوجية

jamil hamdaouiيتميز الإنسان الأمازيغي، عن باقي الأجناس البشرية الأخرى، بظاهرة الوشم(Un tatouage)، وهي ظاهرة اجتماعية ونفسية وأنتروبولوجية وحضارية وثقافية ووجودية وهوياتية. ومن ثم، يعتبر الوشم ميسما سيميوطيقيا وأيقونيا دالا بامتياز، مادام يتخذ هيئات تشكيلية وحروفية وبصرية متنوعة، في أبعادها البنيوية والدلالية والوظيفية، تحيل على الصراع الوجودي والثقافي والحضاري القائم بين الفرع و المركز، أو بين  المهمش والمهيمن . وبالتالي، فالوشم هو الذي يميز الإنسان الأمازيغي كينونيا وأنطولوجيا، ويفرده سيميائيا وعلاماتيا عن باقي الشعوب والإثنيات والأعراق الأخرى، بمجموعة من الخصائص والسمات النفسية والاجتماعية والثقافية والحضارية .

إذاً، فالوشم عبارة عن وثيقة هوياتية وحضارية مكتوبة، أو هو بمثابة لوحة فنية تشكيلية تجريدية أو مشخصة متعددة الأبعاد والزوايا والخطوط والرؤى المتشابكة، تجسد صراع الإنسان الأمازيغي مع ذاته أولا، ومع واقعه المجتمعي ثانيا، ومع الآخر ثالثا. ويعد الوشم أيضا مدونة أنتروبولوجية  تعبر عن كينونة الإنسان الأمازيغي، ووجوده الطبيعي والثقافي، ورصد لمعاناته الذاتية والموضوعية، وتصوير لتضحياته الجسام من إثبات ذاته وكيانه والدفاع عن مصيره. والوشم كذلك شهادة حقيقية وصادقة عن تطور الإنسان الأمازيغي ثقافيا وحضاريا، و التعبير عن هويته وكينونته وإنسيته ووجوده الحضاري في تامازغا الكبرى، أو بين ربوع شمال أفريقيا بصفة خاصة.

إلى جانب ذلك، يعبر الوشم - ثقافيا وفلسفيا- عن رغبة التخلص من سلطة الدليل الصوتي والفونولوجي  من جهة، وسيادة ثقافة المركز المهيمن من جهة أخرى، باستبدالهما بسلطة الكتابة التي تعني التحرر الوجودي، والسعي الجاد نحو فرض  الذات، والتعبير عن قوة الهامش الثائر، وتثبيت الانتماء الهوياتي، والرفض المطلق للتهميش والتغريب والإقصاء والنظرة الدونية إلى الآخر.

وهكذا، يبدو لنا أن المجتمع الأمازيغي مجتمع موشوم بامتياز، وموجود بوشمه الثقافي والحضاري والسوسيولوجي، على الرغم من موقف النص الديني الإسلامي الرافض للوشم. وقد أضحى الوشم - اليوم- علامة سيميوطيقية وثقافية دالة على الهوية والنضال والتحرر، وتعبير  صارخ عن رفض مطلق لسياسة التهميش القائمة على الانتقاء اللغوي من جهة أولى، والاصطفاء  الاجتماعي الطبقي من جهة ثانية، والنظرة الاحتقارية إلى الآخر المخالف من جهة ثالثة.

ومن هنا، فالموضوع الذي نخوض فيه يتعلق بظاهرة الوشم عند الإنسان الأمازيغي، بالتوقف عند مجموعة من المباحث، كتعريف الوشم لغة واصطلاحا، و رصد بنية الوشم ومواقعه وأدواته، واستجلاء دلالاته المختلفة، واستكشاف مختلف تجلياته ووظائفه ومقاصده المباشرة وغير المباشرة.

 

د. جميل حمداوي

.....................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

الوشم في الثقافة الأمازيغية.. مقاربة سيميو- سوسيولوجية / د. جميل حمداوي

 

اسعد عبد الله: ملحمة تكسير الأصنام قبل الهجرة ومحاولات التعتيم

asad abdulahفي التاريخ الإسلامي تم تغييب الكثير من الإحداث المهمة، بسبب أرادة الطغاة وسعيهم للتفرد، فرفضوا أن تشرق شمس الحقيقة، مما تسبب بسيطرة الباطل طويلا، ليتكون دين السلطة الهجين، منذ عهد الأمويين، ومن تبعهم من الفقهاء وأهل الحديث وكتاب التاريخ والعقائد، ليشكلوا دين هجين بعيد عن روح الإسلام، يحمل بداخله جبل من  الخطايا، ففي الماضي أنتج عشرات الفرق المنحرفة، وفي عصرنا كان نتاجه الأخوان والوهابية والسلفية والقاعدة والدواعش.

أن سبب استمرار الانحراف، عدم تصدي المؤسسات الدينية العربية، لقضية الفقه المنحرف والروايات الإسرائيلية والكاذبة، التي تملى التراث، ليصبح هذا الفقه العجيب والروايات المكذوبة قاعدة لكل فرقة ضالة.

نناقش هنا حدث أسلامي مهم تم تغييبه، بإرادة السلطة الحاكمة منذ الأمويين وما تلاها، فقط لان بطل الحدث لا يحبه القوم، أنها قصة تكسير الأصنام قبل الهجرة.

بين يدي كتاب مهم وهو (تكسير الأصنام بين تصريح النبي وتعتيم البخاري) دراسة في الميثولوجيا والتاريخ ورواية الحديث، للكاتب السيد نبيل الحسيني، يناقش قضية تاريخية تم تجاهلها بسبب السياسة، وهي قضية تكسير الأصنام قبل الهجرة، فقد تم تغييبها تماما لولا رحمة الله، التي حفظتها في بطن احد أهم كتب القوم، حيث قام الرسول الأعظم (ص) والإمام علي (ع) ليلة الهجرة بتكسير الأصنام وخصوصا صنم هبل، الإله الأهم عند القرشيين، حادث كالزلزال هز مكة، وصرف الأنظار عن هجرة النبي، فهبل المقدس عندهم قد تحطم.

أولا نتساءل لماذا قريش تقدس وتحترم هبل، مع وجود عشرات هبل مئات الإله الأخرى؟

 

إلهة قريش وتمييز هبل

كان لقريش العديد من الإلهة، تقدم لها شتى أنواع الطاعة والتقديس، وكانت العبادة مرتبطة بالتجارة والمكانة الاجتماعية، مما جعلها مرسخة بعقلية العرب، إلى إن جاء الإسلام وحارب هذا الانحطاط بالاعتقاد، لكن كانت حرب طويلة لأنها ليست حرب عسكرية، بل حرب إيمان وعقيدة، وكان لقريش اله تعظمه اشد التعظيم، إلا وهو هبل، ذلك الصنم مكسور اليد الذي يعتقد انه تم جلبه من الشام، وكان مكسور اليد فقام القرشيون المؤمنون به، بتشييد يد من الذهب مكان الكسر.

نتساءل هنا لماذا تعظم قريش الصنم هبل، لماذا تعطيه هذه القدسية؟

من الأسباب المهمة لتعظيم "هبل" (إن عمرو بن لحي جاء به فنصبه في جوف الكعبة ووضعه على بئرها، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه، فكان الرجل أذا قدم من سفره بدا به قبل أهله بعد طوافه بالبيت وحلق رأسه عنده) { السيرة الحلبية ج1 ص17}.

وكان أمام الصنم هبل سبع أقداح، فإذا شك بمولود ضربوا الأقداح فإذا خرج قدح "ضريح" ألحقوه به، وإذا خرج قدح "ملصق" دفعوا الطفل،  وقدح عن الميت، يخبرهم عن مصيره، وقدح على النكاح، وقدح مكتوب به "غفل" إذا اختلفوا فيمن يحمله منهم ضربوه به فعلى من خرج يحمله، وقدح فيه " بها" وقدح فيه " ما بها" إذا أرادوا أرضا يحفروها للماء.

هذا النهج رسخ الاحترام والتقديس في حياة القرشيين لهبل، عن باقي الالهه، خصوصا مع تسليمهم التام للقداح الهبلية، للتحكم في حياتهم بهذا الشكل الغريب،  فأصبح لهبل رأي فاصل في الأنساب والإعراض، فتصور مقدار ما حصل من فجائع فقط لان القدح ألهبلي اخبرهم إن الطفل غير شرعي، وأيضا يدلل على انتشار الانكحة الفاسدة، مثل نكاح الاستبضاع ونكاح العشرة، التي كانت موجودة في حياة القرشيين، بالإضافة لصاحبات الرايات الحمر، أو إن هبل يخبرهم بمصير الموتى، هل هو معذب أو معافى، خصوصا إن لقريش إيمان بحياة أخرى.

 هذه الأمر يكشف عن تجذر الاعتقاد بهبل  في مجتمع قريش عن الارتباط العميق بهبل بواسطة أقداحه السبعة، فكم كان داهية من وضع فكرة الأقداح،كي يكون حضور فعلي لهبل، ومما يعني إن عملية تغيير المعتقد ستكون صعبة جدا بل هي أصعب من تحريك الجبال، فتصور حجم الجهد الذي قام به الرسول الأعظم (ص).

 

عملية تكسير الأصنام

الحقيقة إن كتب التاريخ والصحاح تذكر إن عملية تكسير الأصنام جرت على مرحلتين، الأولى قبل الهجرة والثانية في عام الفتح، لكن هنالك حملة جبارة للتعتيم على قصة تكسير الأصنام وتفاصيلها قبل الهجرة، خصوصا إن من قام بها فقط النبي الخاتم (ص) وابن عمه علي ابن أبي طالب(ع)، ولأنها تمثل اكبر عمل لإذلال كبرياء قريش، وترسم فضيلة عظيمة للأمام علي، وهو الخصم الكبير لأتباع السقيفة، ومن تبعهم في العصور اللاحقة، لذلك نجد أن نقل الوقائع عبر كتب الحديث والتاريخ أخذت إشكال متعددة حسب مقدار العداء والحقد.

أولا: بعضهم عتم عليها كليا، كأنها لم تحصل نهائيا، وتجاهلها بشكل عجيب، مثل البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجة.

ثانيا: منهم من ذكر الحادثة لكنه عتم عن تعيين الليلة وعن هوية الصنم الذي كسره الرسول الخاتم والإمام علي، مثل احمد ابن حنبل والنسائي وابن أبي شيبة والموصلي والزيلعي.

الثالث: منهم من صرح بهوية الصنم وعتم عن ذكر الليلة، لكي تختلط الأمور على الناس ويصبح النظر متجه إلى يوم الفتح فقط، مثل الخطيب البغدادي.

الرابع: ذكر الواقعة بتفاصيلها، ولم يفعلها إلا الحاكم النيسابوري جزاء الله خيرا لأنه ذكرها بتفاصيلها، فذكر الحاكم عن علي (ع) قال: (لما كان الليلة التي أمرني رسول الله (ص) إن أبيت على فراشه، وخرج من مكة مهاجرا، انطلق بي رسول الله (ص) إلى الأصنام، فقال: اجلس، فجلست إلى جنب الكعبة، ثم صعد رسول الله (ص) على منكبي ثم قال "انهض" فنهضت به ، فلما رأى ضعفي تحته قال " اجلس"، فجلست ، فأنزلته عني، وجلس لي رسول الله (ص) ثم قال لي : يا علي اصعد على منكبي،فصعدت على منكبيه ثم نهض بي رسول الله فخيل لي إني لو شئت نلت السماء، وصعدت إلى الكعبة، وتنحى رسول الله (ص) فألقيت صنمهم الأكبر وكان من النحاس موتدا بأوتاد من حديد إلى الأرض، فقال لي رسول الله (ص) : عالجه، فعالجته ، فما زلت أعالجه ويقول رسول الله (ص) " إيه، إيه"، فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه، فقال: دقه، فدققته فكسرته ونزلت. {المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ج3، ص5}

فالحديث أولا يحدد بوضوح تاريخ حادثة تكسير الأصنام، بخلاف الكثير من أهل الحديث والتاريخ  ممن كان جهدهم لإخفاء التاريخ، كي تختلط مع حادثة عام الفتح، لأسباب تتعلق بالسياسة أو الحقد الكبير على الإمام علي، من قبل الحساد المنافقين والحاقدين والساعين للحكم بالقوة، فكيف يقوم القوم بتوثيق فضل كبير لا يدانيه فضل لعدوهم الأكبر" الأمام علي".

 

مضامين تكسير الأصنام

أولا: إن عملية تكسير الأصنام تكشف زيف من جاء إلى الرسول (ص) وادعى انه امن به، بمعنى كشف المنافقين، فمهما لبسوا من أقنعة فان قضية تكسير إلهتهم فاضحة لهم، وعدائهم لمن كسر إلهتهم ستكون كاشفة لباطنهم النتن، حيث سيتأثرون وسيحزنون.

ثانيا: في قصة إبراهيم (ع)، كان تكسير الأصنام الإعلان عن بداية مرحلة جديدة، وهي مرحلة المواجهة والقتال، كذلك عمل الرسول الأعظم (ص)، فأبى إن لا يهاجر إلا إن يكسر الأصنام ليلة الهجرة وخصوصا كبير إلهتهم "هبل"، واستعان بابن عمه الإمام علي في عملية تكسير الأصنام، ثم جعله يبيت مكانه ويهاجر سرا نحو يثرب.

ثالثا: توضيح تاريخي من قبل النبي (ص) على مكانة الإمام علي من الإسلام، كمكانة إسماعيل من إبراهيم (عليهما السلام)، وهارون من موسى (عليهما السلام)، فالمواجهة والإحداث كانت دوما تحتاج لعون، والعون لا يكون إلا الوصي، لذا سارع اغلب رواة الحديث والكتاب مؤرخين التاريخ ممن يوالون السلطات الأموية والعباسية، إلى التعتيم عن هذه الحادثة، لأنها على الضد من توجهات السلطة التي كان إباؤها رموز الكفر وضحية تكسير الأصنام.

رابعا: من الذي كسر هبل؟ سؤال طفولي تم إبعاده عن ذاكرة المجتمع العربي، كي لا تتوسع الأسئلة، ليكتشف حقيقة الأدوار التي قام بها الإمام علي، وتنكشف معه أكاذيب إلف وأربعمائة عام، التي تراكمت ودعمتها السلطة، قرن بعد أخر لتثبيت واقع حصل على حين فلتة، كما عبر احدهم عن منجزهم السياسي.

خامسا: كان الحدث الأهم في الفتح هو إسقاط هبل، رمز الكافرين، لكن نجد رواة الحديث الملتصقين بالسلطة جاهدوا وبمكر كبير للتعتيم وتضييع الحدث، لأن الحدث مرتبط بالأمام علي، الذي كسر صنمهم الكبير هبل، ولكن قصة التكسير حفظها الله في صدور آل بيت النبي، وبعض الخلص من الصحابة، والقلة من الرواة والكتاب الذين التزموا المهنية العلمية في كتابة الحديث والتاريخ، وهكذا بقيت القصة ولم تزول.

 

اسعد عبد الله عبد علي - كاتب وأعلامي

 

 

محمد بونيل: كل فن يحمل نوراً إلى الآخر..

mohamad bounilمنصور عبروس، أكاديمي جزائري من مواليد 23 سبتمبر/ أيلول 1956 بمدينة تيزي وزو/ الجزائر، اشتغل سابقاً أستاذاً بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالجزائر العاصمة، بعدها أتم دراساته العاليا بفرنسا، وهو حاصل على شهادات عليا في كل من جامعات باريس نانتير وباريس سوربون بفرنسا، تخصص بسيكولوجيا الفن والجمليات، يشغل حالياً منصب مكلف بمهمة الثقافة والاتصال على مستوى مدينة باريس.

صدرت للأستاذ عدة مؤلفات في الفنون البصرية الجزائرية، نذكر من بينها (الفنانين الجزائريين، معجم بيوغرافيا، 1917-1999 صدر سنة 2002 عن دار النشر القصبة بالجزائر)، من بين إصداراته كذلك (معجم الفنانين الجزائريين 1917 - 2006، صدر سنة 2006 عن دار النشر لارماتون - باريس/ فرنسا)، ثم يليه كتابه الموسوم على النحو التالي: (الفن في الجزائر، دليل بيبلوغرافيا 1844 - 2008، بمساعدة الأكاديمية سعدية سباح التي تشغل حالياً مهام مديرة المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بمدينة تيبازة؛ حيث صدر هذا الكتاب سنة 2009 عن دار النشر القصبة بالجزائر)، وصدر له أيضاً كتاب آخر بعنوان: (الجزائر، الفنون البصرية: معجم بيوغرافيا 1900 - 2010، سنة 2011 عن دار النشر لارماتون بفرنسا).

أضف إلى قائمة كتبه الطويلة، وهي متعددة وغنية، من حيث الأخبار والسير الذاتية للعديد من الفنانين الجزائريين المتخصصين في الفنون البصرية، يجدر بنا الإشارة إلى آخر أعماله من مؤلفاته الفنية في نفس التوجه والمنهاج الخاص بسير الفنانين الجزائريين والإشادة بإبداعاتهم وتألقهم في هذا التخصص، الفنون البصرية (الجزائر: الفنون البصرية قرن من الإبداع والمبدعين 1896 - 2014، صدر سنة 2015 عن دار النشر الجزائرية دليمان - Dalimen)

كتابه هذا تم إصداره بدعم وإشراف من وزارة الثقافة الجزائرية في إطار التظاهرة والحدث الثقافي العربي، قسنطينة عاصمة للثقافة العربية التي امتدت فعالياتها الأدبية والفكرية، والثقافية والفنية، والإبداعية على مدار سنة؛ حيث أسدل عليها الستار هذه السنة (2016)، في ذكرى احتفالية يوم العلم المصادف لـ16 أبريل/نيسان من كل سنة - كما كان حاضراً أي الكتاب هذا والدار النشر التي أصدرته - دليمان/Dalimen، سنة (2015) ضمن الطبعة العشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر العاصمة - SILA، للتلميح أن كتابه الصادر سنة (2011) بباريس عن دار النشر الفرنسية لارماتون.

1040-mansor

كتابه هذا قد تم التطرق إليه من خلال أحد المقالات الصحفية الصادرة باللغة الفرنسية، وهذا من خلال صفحات (جريدة الوطن الجزائرية بتاريخ يوم الجمعة 3 أغسطس/آب2012)؛ إذ عنونت صاحبة المقال الصحفية نوال بوساحة مادتها الإعلامية باللغة الفرنسي [Mansour Abrous se lit bien dans les bibliothèques anglo-saxonnes]؛ حيث ذكرت أن مؤلفات الفنون البصرية الجزائرية لصاحبها منصور عبروس هي موجودة في إحدى أشهر المكتبات، وهذا بالولايات المتحدة الأميركية وبالتحديد بالمكتبة العمومية بمدينة نيويورك، وكما جاء في نص المقال الصحفي "إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية، إنه بالمملكة المتحدة؛ إذ باستطاعتنا استشارته أيضاً في واحدة من أشهر المكتبات الجامعية بالبلاد؛ إذ يتعلق الأمر بالمكتبة الجامعية بكامبريدج"، كما قد دعمت إحدى الصحف الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية سنة (2014)، عما سبق ذكره، وهذا من خلال مقالة صحفية من توقيع الصحفية المتميزة سهام بونبي [Sihem Bounabi] المختصة في الشأن الثقافي والفني، والإبداعي التي تشتغل لدى صحيفة "لاتريبون La tribune" الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية.

إذ كتبت في مقالها الذي نشر بتاريخ يوم الأربعاء 15 يناير/كانون الثاني 2014، "مؤلفات هذا الشغوف بالثقافة الجزائرية لا سيما عرفت تكريساً لدى القراء الأنجلو - سكسون، بما أن المكتبات المرموقة العمومية لمدينة نيويورك ومكتبة جامعة كامبريدج التي اقتنت العديد من إصداراته، والتي تسهم كذلك، إلى تطلعات المؤلف لترقية وبالتالي قيامه بتعريف الثروة وخصوبة الفنون الجزائرية".

اسمحوا لي أعزائي القراء من المهتمين ومحبي الفنون البصرية عامة والفنون البصرية الجزائرية خاصة، أن أضعكم في الصورة، وهذا من خلال نظرة سريعة وموجزة عن آخر كتاب منصور عبروس الصادر كما ذكرت آنفاً سنة (2015) عن دار النشر الجزائرية (دليمان Dalimen/)، معجمه الأخير هذا بلغ عدد صفحاته ما يعادل 860 صفحة، يشمل على أزيد من 4500 سيرة بيوغرافية للفنانين، رسام الكاريكاتير، خطاط، السيراميك، الديكور، مصمم، جرافيك، المنمنمات، رسام، مصور فوتوغرافي، نحات ومصور فيديو، كما وقد روج له من خلال قيام الدكتور منصور عبروس في النصف الثاني من شهر يناير 2014، بجولة ماراثونية هنا في الجزائر، وهذا بتقديمه لمحاضرات في المعاهد الفرنسية لكل من الجزائر العاصمة، وهران، وتلمسان، وسيدي بلعباس، وعنابة.

كما قد شمل برنامج جولاته التي ساقته إلى كل من مدارس الفنون الجميلة لكل من مدينتي سيدي بلعباس ووهران، وهذا بدعوة منها، ومن دواعي التذكير أن كتبه الصادرة من قبل، والتي تحمل اسم صاحبها الكاتب منصور عبروس حالياً موجودة في العديد من المكتبات العالمية، أو تلك التي هي تابعة للجامعات أو للمراكز الثقافية، أو حتى المكتبات التي تخص المتاحف، وهذا في العديد من الدول الأجنبية عبر نطاق واسع لتك الفضاءات العلمية، والثقافية، والفنية، والإبداعية والتي هي موجودة عبر القارات الخمس.

وفي عجالة من ذلك أذكر بعض تلك المكتبات الوطنية التي يوجد بها مؤلفات الفنون البصرية الجزائرية للكاتب الدكتور منصور عبروس، كعينة من ذلك، المكتبة الوطنية بالصين، والمكتبة الوطنية الفرنسية، والمكتبة الوطنية الألمانية، والمكتبة والمحفوظات بكندا، والمكتبة الوطنية للفن بالمملكة المتحدة بريطانيا، والمكتبة الوطنية بجمهورية التشيك، والمكتبة الوطنية للفن بمملكة الدنمارك، والمكتبة الوطنية الأسترالية، هذه الأخيرة تعتبر بمثابة تراث وطني تفتخر به أستراليا، وتحتوي على العديد من الوثائق والمطبوعات حتى الصور الفوتوغرافية المهمة والقديمة توجد بحوزتها كأرشيف وطني، يحاكي حقبة تاريخية من تراثيها الإنساني والعالمي لتلك البلاد، -أستراليا- تستحق وبجدارة شرف ذلكو وهي قارة بحدة ذاتها تتربع على مساحات شاسعة وواسعة، المكتبة الوطنية الأسترالية باختصار هي من أهم وأشهر المكتبات في المنطقة وعلى النحو الدولي، وإلى حد هذه الأسطر لا تزال مؤلفات الفنون البصرية للكاتب منصور عبروس تقتني من طرف كبريات المؤسسات الفنية والثقافية، وحتى منها تلك العلمية كالجامعات عبر أزيد من أربع عشرة دولة تشمل الخمس قارات.

عزيزي القارئ المتعطش إلى المزيد من المعرفة في هذا التخصص (الفنون البصرية الجزائرية) كيف تفسر اقتناء هذه الكتب من طرف أضخم مكتبة على وجه الأرض، وهذا في الجزء الآخر من الكرة الأرضية على مقربة من المحيط الأطلنطي، وبالتحديد في الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ توجد كتبه ضمن سلسلة لا متناهية للعديد من الكتب، هذه الأخيرة تعود لمشاهير السياسة، والفن والثقافة، وحتى الرياضة حاضرة بجميع أصنافها، وهذا في أكبر مكتبة وهي "مكتبة الكونغرس الأميركي"، "هي المكتبة الأكبر، والأكثر تكلفة، وأماناً في العالم".

هكذا نقشت هذه العبارة على قبة مبنى توماس جيفرسون، وهي البناية الرئيسية لمكتبة الكونغرس، التي تعتبر من المعالم البارزة في عاصمة الولايات المتحدة الأميركية (واشنطن)؛ حيث تبلغ مساحتها 39 هكتاراً، وطول رفوفها 856 كيلومتراً، تضم المكتبة ما يزيد على 130 مليون مادة مختلفة، منها ما يزيد على الـ 29 مليون كتاب، ومواد مطبوعة بـ460 لغة، وأكثر من 58 مليون وثيقة. تُعَد المكتبة أكبر مرجع في العالم للمواد القانونية، والخرائط، والأفلام، والصور الفوتوغرافية، وحتى المعزوفات الموسيقية.

فيما مضى استعان البروفسور عمر كارلي [Omar Carlier] أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة باريس (7) بفرنسا، وهذا بغية إتمامه أحد أبحاثه، وكان ذلك بالتنسيق مع فريق عمل مكون من دكاترة ومختصين في العديد من المجالات العلمية التابعين لمخابر [SEDET-CNRS] المشهورة بجديتها ونتائج أبحاثها القيمة، لقد وثق البروفسور عمر كارلي نتائج أبحاثه المتوصل إليها رفقة الفريق العامل معه من خلال كتاب تم إصداره في هذا الشأن من قِبل دار النشر الفرنسية [لارماتون] سنة 2010، أخذ هذا الإصدار العنوان التالي: [IMAGES DU MAGHREB, IMAGES AU MAGHREB (XIX-XXe siècles) Une révolution du visuel ؟]

من جملة أبحاث البروفسور عمر كارلي، التي دوَّنها على صفحات هذا الإصدار، بحيث تطرق من خلالها إلى مؤلفات الفنون البصرية الجزائرية للدكتور منصور عبروس، واستشهد بها، آخذاً بعين الاعتبار ما جاء فيها من أخبار الفنانين الجزائريين الذين أبدعوا في الفنون البصرية.

كلمتي الأخيرة، يا حبذا لو تحذو المكتبة الوطنية الجزائرية وباقي المؤسسات الثقافية والجامعات العلمية في بلادنا حذو الاحتراف باقتنائها لمثل هذه المراجع الفنية حتى يتسنى لها ويكون بإمكانها رفع التحدي في مثل هذه التخصصات (الفنون البصرية في الجزائر) ومواكبة الجديد في هذا الشأن والتعرف على كل كبيرة وصغيرة، وهذا ما قد يعزز مكانتها في المجال الفني، ويسمع صوتها في هذا التخصص (الفنون البصرية) ويعطيها صورة مشرفة من خلال تلك الكوكبة من الفنانين، سواء كان ذلك على المستوى الوطني أو الإقليمي، أو حتى القاري؛ ولِمَ لا على المستوى الدولي كهذه العينات التي ذكرتها، فكتب الفنون البصرية لصاحبها الأكاديمي والكاتب منصور عبروس لخير دليل على ما جاء في ورقتي هذه.

 

بقلم: محمد بونيل – فنان وكاتب

 

عقيل العبود: محمد اراكون نحو تاريخ مقارن للاديان التوحيدية.. دراسة بحثية

akeel alabodتوطئة: لست بمتدين على الطريقة التقليدية، ولا بلبرالي على الطريقة العلمانية، بل متعلم وقارئ على الطريقة الأكاديمية، ولهذا وانا أضع نفسي امام طاولة البحث لقراءة واستقراء افكار محمد اركون من خلال مؤلفه نحو تاريخ مقارن للاديان التوحيدية، والذي يتناول فيه مسالة الدين بطريقة تختلف تماما عن السياقات التقليدية، اجد نفسي مترددا بعض الشئ في توصيف ما يقول، سيما وانه اي المؤلف بطريقة شاملة وتفصيلية، يتناول موضوع الدين وفق إشكاليتين: تتعلق الاولى بمقولة المقدس كونه يحتاج الى اعادة تفكيك وتركيب لنقله من صورته الجامدة الى صورته المتحركة، بينما تتعلق الثانية، باشراك العقل في تحليل الغاز شفرة هذا المقدس، بغية الوصول الى الموافقة اوالرفض.

لعل هذا بحسبه يفيد في الحصول على مقدمات جديدة، من خلالها يتم اعادة صياغة المقدمات القديمة، بعد تحليل مكوناتها الخطابية- التاريخية.

علما ان هنالك تاريخا، وتراثا، ونصا، وتحليلا، وخبرا وهذه المفردات جميعا بلا استثناء، تحتاج الى بحث وتفكر وتداول، لتسهيل ما يطيب لي تسميته بعملية الهضم الابستمولوجي لما جاء به الدين بناء على جميع المفردات أعلاه.

اذن اراكون يريد ان يتجاوز المفهوم التقليدي للفهم الديني للنص من خلال اخضاعه للفهم الحداثوي عبر دائرة محاكاة استقرائية، واعادة تفسيره، جازما بعدم القطع بحقيقة ما بسمى بالايمان القدسي ان صح ذلك. فهو يعتقد هنا انه بإلامكان تحديث القديم عبر الإضافة والحذف والتغيير، ذلك عبر انشاء مفاهيم جديدة في النص، متجاوزا ما يطلق عليه" النصية الابستمولوجية" في تفسير المدلولات اللغوية للنصوص التي جاءت بها الكتب السماوية، وهذا واحد من اهم الأشكالات الشرعية كان قد وقع به اراكون، والسبب يعود الى موضوعة الثابت من المقدس في الاديان؛ كيف نفهم الثابت من الأحكام، ونتعامل مع المتغير منها، كيف يصار الى فهم الثابت والمتغير في النص. هنا بإزاء ما تقدم، اشعر كما لو ان ذبذبات مغناطيسية تكاد ان تعتري طريقي؛ تمنعني احيانا من الوصول الى الهدف المنشود، باعتبار ان هذا يحتاج الى المزيد، المزيد من البحث والتدبر، ويدعو للحرج باعتبار انني امام مسؤولية شرعية تدعوني احيانا للرد على أفكار محمد اراكون، فهو يقول: ""ينبغي العلم ان مفاهيم من نوع المقدس او الحرام، والطاهر، والوحي، وكلام الله،والتراث، الخ. هي نتاج الفاعلين الاجتماعيين، أي البشر البشر الذي يعيشون تاريخهم الخاص. انهم هم الذين ينتجونها، لكنهم يتوهمون بعدئذ انها متعالية عليهم او نازلة عليهم من السماء""[1 ] . هنا نسي اراكون ان التوهم هذا الذي يقول عنه هو متوالية خبرية فيها من المسند بحسب ما يسمى "بعلم الكلام، وعلم الرجال"، حيث هنالك الصحة والإسناد في الخبر عندما تكون "العنعنة"؛ مفهوم حجية الخبر كما تقول الأصول العملية، مرتبط بالكلام المنقول عن هذا وذاك من الثقاة اي اهل الثقة، كونه حجة، والحجة قطع في الحكم. هنا اجد نفسي امام مسالتين الاولى، محاورة الأشكاليات الخاصة بالبحث، والثانية حاجتي الماسة للإحاطة التامة بقراءات محمد اراكون، ومشروعه الفكري باعتبار انه يعد منهجية متكاملة للبحث تجمع التاريخ، بالدِّين، بالسياسة وبالفلسفة، لذلك تراني امام تحد يحتاج الى دراية وبصيرة وخبرة حصينة في هذا الباب. مثلي مثل لاعب يحتاج الى مهارة فنية فائقة لاجتياز الموانع الخاصة بسباق الساحة والميدان، ما يجعلني مترددا من الاشتراك في السباق خوفا ربما من الإصابة او التعثر. ولكن ونظرًا لتلهفي لخوض هكذا نوع من المسابقات اوالمباريات، تراني قد قررت الاشتراك حاملا معي صولجان المسؤؤلية الاخلاقية والمعرفية، والشرعية لهذا النوع من الدراسات وبكل تفان وجدية. ولا يفوتني طبعا في نهاية المطاف ان اهدي جهدي المتواضع هذا الى صديقي، ورفيق درب مسيرتي المعرفية والفكرية، الأخ الباحث الدكتور محمد عبد الرضا شياع، أستاذ الادب المقارن في الجامعات العربية والذي شجعني لان اطرق هذا النوع من البحوث، ليتني أكون موفقا في سفري، هذا الذي يحتاج الى مواكبة ومشقة.  

 

مقدمة:

منهجية البحث في كتاب محمد اراكون- خارطة الفهرسة والبحث

نظرا للأهمية، وبغية تسهيل قراءة فصول الكتاب مع المحتويات للقارئ الكريم، اعتمدت الخطوات التالية كطريقة للبحث في الموضوع المذكور:

١. حول عنوان الكتاب

٢. مدخل مهم لمقدمة المترجم

٣. مقدمة حول حياة المفكر محمد اراكون

٤.دواعي البحث بحسب اراكون محمد

٥. خارطة البحث الخاصة بالمؤلف

٦. مدخل مهم للفصل الاول

٧. مدخل مهم للفصل الثاني

٨. مدخل مهم للفصل الثالث

٩. مدخل مهم للفصل الرابع

١٠. مدخل مهم للفصل الخامس

١١. مدخل مهم للفصل السادس

١٢. مدخل مهم على ضوء فهرس الاعلام

هنا أودّ الإشارة الى ان الطريقة التي اتبعتها في توضيح كل فصل من فصول الكتاب هو انني انتخبت مجموعة ترتبط مع بعضها من المقاطع، ومن خلال هذا الترابط، اعتمدت طريقة التفسير والتعليق الذي من خلاله تتم التحشية، بطريقة يصبح هنالك جسرا بيني وبين أفكار الكاتب من جهة، وبيني وبين القارئ من جهة اخرى، ما يسهل العبور الى محتويات كل فصل من الفصول، علما ان كل فصل يحتوي على مجموعة من الأسطر محصورة بين الأقواس، مع ملاحظة ان الأقواس المزدوجة تعني ان هنالك أقواسا ضمنية في النصوص المنتخبة وهي من المتضمنات الخاصة بالمؤلف نفسه، علما اني استعملت القوسين الطوليين مرة واحدة للإشارة الى ملاحظتي المتداخلة مع المؤلف. معتمدا طريقة المحاكاة المباشرة، اي التعقيب المتواصل، وقد تم ترقيم كل الأقواس بحسب الأسطر وأرقام الصفحات، والاشارة اليها في الهوامش أسفل البحث، ليتسنى للقارئ الكريم مراجعة الكتاب بسهولة من خلال عرض وتناول النقاط الاساسية في هذا المنجز والتي ينبغي الوقوف عليها، وتاكيدها خدمة للجهد الذي قام به محمد اراكون في كتابه هذا، باعتباره مساحة تتسع في رؤيتها الشاملة لمناقشة جميع الإشكاليات المذكورة بدون خوف اوتحيز لهذه الجهة اوتلك.

 

حول عنوان الكتاب:

مما لا شك فيه ان ابرز الاديان التوحيدية التي أراد اراكون محمد ان يبحث في تواريخها بغية المقاربة فيما بينها عبر استقراء وتأويل بعض ما جاءت به من نصوص، هي اليهودية، والمسيحية، والإسلام، وهذه الاديان جميعا بعد مسالة التوحيد، تشترك في نصوصها في مسالة المحبة والتسامح والابتعاد عن العداوة والبغضاء، وتحكيم العقل والشعور في التعامل مع مطلق الانسان، كون الرب هو واحد في جميع هذه الاديان، فهو الامر بالمعروف والناهي عن المنكر، فلا يوجد رب للإسلام، وآخر لليهودية، وآخر للمسيحية، لان رب عيسى، هو رب محمد، وموسى، ولهذا لا تجد ان هنالك تخالفا في المنهج التبشيري والانساني لهذه الاديان، فقد نهت الديانة اليهودية النفس الانسانية عن العمل القبيح، مثلها مثل المسيحية، ومثل الديانة الاسلامية ايضا،

وهذا ما دعا الفلاسفة لان يتفقوا وان اختلفوا في طرائق البحث في مقولة الأخلاق، باعتبارها واحدة من الموضوعات الاساسية لجميع هذه الاديان، ما يشجع لان يكون هنالك منهجا إبستمولوجيا اخلاقيا، بجانب علم اللاهوت.

""ففي اليهودية نجد ان التوراة تنص على ما يلي: "لا تفعل لأخيك ما تكره ان يفعله لك"". وقد عزز علم الفلسفة هذا الارتباط ما يجعله حقيقة علمية ومعرفية للارتقاء بثقافات المجتمعات والامم، حيث قدم كانط وغيره من الفلاسفة ارائهم في هذا الباب. "فهدف الانسان على هذه الارض ليس ان يكون سعيدا في نظره وإنما يكون اخلاقيا". فالأديان ترتبط مع بعضها البعض بناء على حقيقة المنشأ كونها اي هذه الاديان تعود في اصلها الى الديانة الإبراهيمية اولا، وحاجة الشعوب الى التنوع الثقافي والحضاري ثانيا[2 ] .

 

مقدمة المترجم: ٧-٨١

 توطئة:

لعل من اهم المقدمات التي ينبغي الإشارة اليها هو ما جاء به مترجم كتاب محمد اراكون، هاشم صالح، حول اشكالية ما تم تسميته بالنزعة الانسانية، والتي جاء فيها: ""ليس غريبا اذن ان يكون موضوع النزعة الانسانية هو المسيطر على فكر محمد اراكون منذ البداية وحتى الان، اي منذ أطروحته الكبرى التي نشرناها عن دار الساقي قبل ثلاثة عشر عاما. قصدت "نزعة الأنسنة في الفكر العربي. جيل مسكويه والتوحيدي". ليس غريبا ان تكون الام الانسان، أينما كان ولأي دين اوعرق اومذهب انتسب هي هاجسه الاول ومحور كل فلسفته. وهو يتالم كثيرا لان هذه النزعة اختفت من ساحة الفكر العربي الاسلامي بعد انقضاء العصر الذهبي. فبزوال تنويرنا ايام العباسيين الأوائل والبويهيين والفاطميين والاندلسيين، زالت النزعة الانسانية من فكرنا وعقلنا وافقنا، ودخلنا في عصور الانحطاط الطويلة التي هيمن عليها فكر الفقهاء اللاهوتي المضاد للفلسفة ولكل نزعة إنسانية""[3 ] .

والمعنى ان هنالك تجاذبا فكريا اخلاقيا بين مقولة الانسان من جهة، ومقولة الضمير-المقولة الاخلاقية، التي استقطبت هذا النوع من التجاذب بفعل انتمائها الانساني من جهة اخرى. ولكن الذي استباح هذه المقولة هو ارتباط علم اللاهوت مع نظام المؤسسات والتيارات الدينية والقومية المتعصبة التي قولبت هذه النزعة بناء على مفردات المصالح الخاضعة لسياستها، والتي تضع شروط الهيمنة الفكرية فوق المبادئ العامة التي تقتضيها مصلحة الانسان. هنا بناء على تطورها الانثروبولوجي، تخضع النزعة الانسانية الى مسالة الوعي الإيكو-اجتماعي؛ اقصد التطور التاريخي الذي تشترك السياسة، وثقافة المجتمعات في بناء صيرورته التكوينية، حيث لغة الاختلاف من عصر الى عصر. "يرى محمد اراكون ان النزعة الانسانية تجسدت في العصر الذهبي اوالكلاسيكي من عمر الحضارة العربية الاسلامية، اي طيلة القرون الستة الاولى من عمر الاسلام وحتى موت ابن رشد وسقراط اخر معقل للفلسفة في الأندلس. بعدئذ دخلنا في العصور الانحطاطية.....ويرى اراكون ان النزعة الانسانية قد بلغت ذروتها في العصر البويهي، اي في القرن الرابع الهجري، اذ انتشر الادب الفلسفي بشكل واسع وتشكلت طبقة كوسموبوليتية من الكتاب والمفكرين والمبدعين في شتى المجالات"[4 ] . هنا بفعل ما تقتضيه شروط القانون الاخلاقي لهذه النزعة، وبغية الوقوف بوجه "ايديولوجيات" التخلف والجهل، صار من الملح ان تتشكل طبقة من المثقفين والمفكرين والتي هدفها الوقوف مع الانسان وتشجيع مجالس الثقافة والابداع، خاصة المرتبط منها بالأدب والفلسفة، لما لذلك من أهمية. "لنعد الى الماضي الكلاسيكي والعصر الذهبي الذي سبق الانحطاط، بالطبع، ظلت الثقافة الدينية موجودة، وحتى مسيطرة على الجماهير الشعبية، اومن كانوا يدعونهم آنذاك بالعوام. لكن الثقافة الفلسفية والأدبية ذات الطابع العلماني سيطرت تقريبا على الفئات العليا من المجتمع وعلى كبار الأدباء والمفكرين والشعراء"[5 ] .

لعل من اهم الإشكاليات المطروحة في البحث المذكور، هو هذا الصراع القائم بين ما تقتضيه شروط الحاجة الى ثقافة العقل، دون الحاجة الى مرجعية الدين من جانب، وبين ما تفرضه سلطة الدين لتقويض مشروع الفلسفة من جانب اخر، سيما وان ثقافة الفلسفة تقتضي النهوض بمشروع العقل دون التقيد بما تفرضه سلطة الدين، بينما ثقافة الدين تقتضي الزام العقل بالارتباط مع ما تقتضيه شروط هذه السلطة، حنى وان كانت على حساب العقل في معظم الأحيان.

"هناك نزعتان انسانيتان، لا نزعة واحدة: الاولى هي النزعة الدينية، والثانية هي النزعة الانسانية العلمانية"[6 ] . مما لاشك فيه ان العلمانية كمفهوم تعني التحرر من سلطة الدين، والإنسان بحكم الواقع مقولة واقعة بين نزعتين الاولى دينية، والثانية لا علاقة لها بالدِّين، وعليه يكون الانسان عرضة لهذا النوع من النزاع، فهو طرف تم الاتفاق على ان يكون في منطقة الحياد، وهذه المنطقة محكومة بنوعين من الأحكام؛ الاولى تقييدية، والثانية تحريرية، فالدين يفرض شروطا على العقل، بينما العلمانية تسعى الى تحرير العقل من سلطة هذه القيود، هنا ونظرًا لحاجة الانسان الى ديمومة المعرفة، وللتخلص من هذه التجاذب، نشأت مدارس وحلقات دراسية، شكلها العلماء والفلاسفة المتاخرون، هذه المدارس، وجدت ان لا تعارض بين الدين والفلسفة، لو تم فعلا انشاء مدارس تأخذ على عاتقها تجاوز حواجز الصراع بين الاديان، والثقافات المختلفة، هذه المدارس من خلالها، يصار الى فهم مشترك وحوار يوحد الحضارات، بل يرتقي بها الى اعلى مستويات المعرفة. "كانت الفلسفة معززة مكرمة قبل الف سنة، في العصر الذهبي، ايام المأمون والمعتزلة والكندي والجاحظ والفارابي ومسكويه والتوحيدي وابن سينا وابن رشد الخ. لكنها ممنوعة الان في القرن الحادي والعشرين! ليست محرمة على مستوى الإعدادي والثانوي فحسب، بل ايضا على صعيد التعليم العالي والجامعات، وتقتصر المناهج التعليمية هناك على التحذير من الفلسفة، وتدرس آراء تكفر الفلاسفة كاراء الغزالي في ابن سينا والفارابي، واراء ابن تيمية في ابن رشد وابن عربي"[7 ] .

كم كان عصر المأمون مزدهرا حافلا بمجالس العلماء والخطباء، وكم من العلم تلك الإنجازات التي من خلالها تعلم الناس علوم الطب والفلك والكيمياء، وتلك كنوز من خلالها عرف الغرب تلك الحضارة بشق الانفس فرضت ابجديات مفاتيحها لينهل العالم من فيضها. ولكن وبحسب ما حصل، فان السلطان مقولة لها نصيب في انتهاك معالم هذه المنارات التي امتدت لتزهو بعلمائها وحكماء عصرها. وهذا له علاقة تاريخية بما حدث إبان عصر ارتد المتوكل فيه "على سياسة اسلافه المأمون والمعتصم والواثق...وذلك عن طريق محاربة المعتزلة والانتصار للحنابلة المعادين لأي تاثر بالفكر الإغريقي"[8 ] . لم يرق الامر هذا لطغاة العصر الذي أعقب عصر المأمون فكانت السياسة داء لتصفية النبوغ المعرفي، وراحت الحجج والأقاويل تتلى تحت عناوين الحفاظ على الدين من الانحراف والخروج عن احكام الشريعة، فكانت الفتوى اشبه بقرارات النطق بأحكام الإعدام والموت، اما الدين فقد صار شماعة للحلال والحرام. وهذا ما فرض على العامة طوقا، بموجبه تراهم يعلنون التزامهم بمظاهر الدين، خوفا من سلاطين الاستبداد، الذين فرضوا الدين كوسيلة للاضطهاد والتضليل، على حساب العقل، والكرامة، والضمير. "أيا يكن من أمره، فان المشكلة هي ان عامة المسلمين تختزل الدين الى مجرد الالتزام بالمظاهر الخارجية والطقوس والشعائر الشكلانية، وهذا ما ينتقده اراكون هنا"[9 ] .

 

مقدمة حول حياة المفكر محمد اراكون

تعد الكتابة عن تاريخ اي إنسان مسالة مهمة في مساعدة الباحث لاستقراء الحيثيات الحقيقة للمكون الفكري للشخصية التي يراد تناولها، اوالكتابة عنها، باعتبار ان التعامل مع التاريخ يعد دراسة واستقصاء لمفردات الزمان والمكان، وما يرتبط بهما، أويدور حولهما من احداث وتغيرات. لذلك اليت الابتداء بالفصل السادس من الكتاب، كونه به يستدل على الدواعي والاسباب الحقيقية التي من خلالها نمت ونشأت الجذور الخاصة بالفكر الاراكوني ان صح التعبير. فهو في مذكراته يقول: ""ليست مذكرات شخصية بقدر ما هي مذكرات عامة ايضا، لأنني من خلالها سوف ادرس التاريخ الانتروبولوجي للفضاء المغاربي كله وليس للجزائر وحدها... [اذن هو حاضر ليشهد حقبة سياسية كانت المغرب فيها بكل مناطقها؛ "بفضائها" الذي يشمل ليس "الجزائر وحدها"، بل ] المغرب الأقصى وتونس وموريتانيا وليبيا، اي خمس دول الخمسة شعوب"". فهو مؤرخ من طراز الخبرة لثقافة مجتمعات، كانت فرنسا فيه حاضرة في المشهد السياسي، وكانت تاثيرات التيارات القومية التي تبلورت إبان عصر تمثل فيه فرنسا الدولة التي تريد ان تفرض هيمنتها على "الفضاء المغاربي" وكان الدين قد تمت ادلجته بناء على ابجديات الصراع بين لغة الاحتلال الفرنسي آنذاك، وثورات الشعوب المغاربية. وبهذا مفردات الدين، كانت قد نشأت في رحم هذا المخاض، الذي جمع الصراع السياسي مع الصراع الديني. وتحت مظلة هذا الصراع، محمد اراكون نفسه، امام محطة تفرض عليه استدراج جميع الحيثيات السياسية والدينية، بغية الوصول الى إحاطة علمية تاريخية متكاملة. لذلك قال: "لقد فرض الاسلام نفسه علي كدين وكتراث خاص اوخصوصي؛ كموضوع محوري ينبغي استكشافه بشكل علمي وتاريخي دقيق. وفي مسارات حياتي المتلاحقة والمتوسعة باستمرار كالدوائر المتدرجة، كانت قريتي" تاوريرت ميمون" نقطة الانطلاق الاولى"[10 ] .

تعتبر قرية تاوريرت ميمون، مثل قرية جيكور في تأثيرها على الادب السيابي، فاراكون، يصف التاريخ السياسي، وطبيعة انتمائه الثقافي الى الأحداث والقصص التي تزامنت في عصر، جعلت منه اكثر التصاقا بالطبيعة، اكثر تآلفا مع النشاط الثقافي من النشاط الديني نفسه؛ اقصد اكثر التصاقا بثقافة المقولة، باعتبار انها كيان له القدرة على التفاوض والتفاعل. ""كان الكاتب المعروف مولود معمري قد صور بشكل رائع قرية" تاوريرت ميمون" في روايته الجميلة " الهضبة المنسية"... كانت اهميتها تعود الى مضمونها....بخاصة ان مناضلي حركة التحرير الوطني استغلوها لصالح قراءة معينة هي القراءة الأيديولوجية التي تغذي نضالهم السياسي الهادف الى التحرر من الاستعمار..... لقد غادرت قريتي ومسقط راسي وعائلتي لأول مرة في سن العاشرة، وذلك لكي التحق بابي في قرية عين العبرة في منطقة وهران ""[11 ] . ومعمري مولود، كما هو معروف كاتب وروائي من الطراز الاول. لقد وجد اراكون نفسه ذات يوم، مناصرا لحركات التحرير التي تهدف الى تخليص البلاد من وطأة الاستعمار، فكان مولعا بالقراءات العامة، اكثر من ولعه بخصوصيات الدين وحيثياته الخاصة وما يفرضه على الحياة. ""أنا لا أدافع عن أطروحة محددة وضيقة، انما اتحدث عن ضرورة اعتماد "استراتيجيات جديدة للتدخل العلمي" من اجل تشخيص مشاكل العالم الاسلامي بشكل صحيح تمهيدا لحلها...مثلا قانون الأحوال الشخصية""[12 ] .

فهو اراد ان يصوغ مقدمات بموجبها يصبح الانسان أكثر ارتباطا مع ذاته المتعالية، ليفرض هيبته من خلال عقله؛ هذه الدائرة التي لها القابلية لان تصبح اكثر اتساعا وهي تخوض إشكاليات الصراع، ولكن وللاسف بقي العقل محاطا بشرنقة القيود التي فرضت عليه، خاصة الدينية منها، وأهملت إعداد لها لا حصر لها من المنجزات، وبقي مساحات الفكر مشرنقة بإطواق الخوف من المحاكم التي أعدها السلطان.

""كنت قد نشرت حتى الان حوالي عشرين كتابا بالعربية عن دار الساقي ودار الطليعة في بيروت. ولكن لم أر حتى الان اي عرض نقدي جاد لها في الصحافة الجزائرية حتى كتابي عن "النزعة الانسانية والإسلام" الذي نشر مؤخرا بالفرنسية في الجزائر ذاتها""[13 ] .

الانسان هنا يحتاج الى تحكيم العقل للارتباط مع النصوص وفقا لمبدَأَي القبول والرفض. هنا يصبح من الضروري مناقشة ما يسمى بحسب اراكون محمد: "المدونة النصية الكبرى للاعتقاد الإيماني...العقبات الابستمولوجية" [14 ] . لكن محمد اراكون هنا، يريد ان يتجاوز المقدس، ويعتبره سلطة جامدة، يجب ان يتم تحريرها من مساحات هذا العرش الذي يفرض على الاخرين إقصاء العقل. وهذا القول جعل محمد اراكون امام اشكالية مهمة، باعتبار ان هناك قانونا سماويا لا يمكن التعالي عليه، والعقل متناه بطبيعته، لذلك فهو غير قابل لتجاوز اللامتناه.

 

دواعي البحث بحسب اراكون محمد

لعل من اهم دواعي البحث في مؤلف محمد اراكون نحو تاريخ مقارن للاديان التوحيدية، هو هذا التسيب الفكري الذي نمر به اليوم، سيما ونحن نخوض صراع عصر يدب الاضطراب فيه، وتعم بين ثقافاته واديانه الفوضى، ذلك عبر خطابات الفتاوى المتطرفة، والتي من خلالها تتصارع هذه الأديان ويكفر الناس بعضهم بعضا. هو العجز، اوالقصور الفكري، هذا الذي يتطلب فهمًا دقيقا لطبيعة الاختلافات الخاصة بالمجتمعات، والتي ابرزها اللغة، وأنماط التفكير الذي يرتبط مع الجانب الحضاري. هو تاريخ ارتبطت جذوره بمنهجية تضليلية تزعمت ادارة الواقع الديني بطريقة ديماغوجية، وفرضت قيادتها من خلال سيادة الدين، حتى أضحى العقل قاصرا لا يقوى على البحث في مدارات المعرفة، فبقيت الأزمة تعتصر ارادات الامم، والشعوب هكذا على هذا النمط من الأزمات. "انهم لم يتبنوا المنهجية الابستمولوجية اوالمعرفية العميقة التي اتبناها والتي تؤدي الى تشخيص الأمراض والمشاكل التي تعاني منها المجتمعات الاسلامية من عربية او تركية او فارسية الخ"[15 ] .

لذلك يصبح من الضروري البحث عن المسميات الدقيقة التي تختبئ خلفياتها ونتائجها خلف الأسياج المسورة لعروش السلاطين، لعله يصار الى تخليص الشعوب من الجهل والاضطرابات، التي منشأها هذا النوع من التفاصيل. ان الحياة تفرض منهجا متكاملا يتطلب مساحات، بموجبها تتحقق لغة المفاعلة والمصاهرة بين الثقافات والاديان، بطريقة يجعلها متالفة متحالفة، ويحررها من دوامة الجهل، والتعصب، والاستبداد.

 

خارطة البحث الخاصة بالمؤلف

بفصوله الستة، وبأربعمائة، واحدى وثلاثين ورقة ومن الحجم الكبير، المفكر محمد اراكون، يناقش موضوعات تكاد من الأهمية ان تكون دليلا لفهم المباديء الاساسية لهذه الديانات عبر هذه المجموعة من العناوين:

مقدمة وتتكون من: مدخل الى فكر محمد اراكون، التنوير العربي الاسلامي والنزعة الانسانية، العصر الذهبي والتنوير، الاسلام والنزعة الانسانية(٧-٨٣).

الفصل الاول: الفصل الاول عنوانه المسالة الاخلاقية في الفكر الاسلامي ومحتوياته: اشكالية عامة لبلورة اخلاق تليق بعصرنا، مصادر الاخلاق، الدين، الفلسفة، الثورات العلمي، الى أين تذهب القيم (٨٣-٢٣٩).

الفصل الثاني: التفكير في الفضاء التاريخي المتوسطي وموضوعه، نحو تاريخ متضامن لشعوب وثقافات حوض المتوسط(٢٣٩-٢٧٤).

الفصل الثالث: الوسطاء الثقافيون الثلاثة: نحو الفضاء العقلي القروسطي، العقلانية المنطقية المركزية والحقيقة الدينية، الأُطر الاجتماعية للمعرفة: سوسيولوجيا الفشل والنجاح، من اجل التوحيد الفكري للفضاء المتوسطي(٢٦٧-٣١١).

الفصل الرابع: صورة الاخر: التشكيل المتبادل لصورة الاسلام والغرب ويناقش

الاخر في النصوص الكبرى لليهودية والمسيحية والإسلام، الاخر في النصوص الفلسفية الكبرى، ملاحظات أولى على كل ما سبق من اسشهادات، الصراع بين أوروبا والغرب من جهة والشرق من جهة اخرى(٣١١-٣٤٣).

الفصل الخامس: علاقتي بيواكيم مبارك ولويس ماسينيون، ويضم يواكيم مبارك، ولويس ماسينيون(٣٤٣-٣٧٣).

الفصل السادس وهو عبارة عن مقابلتان مع محمد اراكون(٣٧٣-٤٢٥).

وأخيرا فهرس الاعلام(٤٢٥-٤٣١).

 

الفصل الاول: ٨٣-٢٣٨

يشير عنوان الفصل الاول والذي هو المسالة الاخلاقية في الفكر الاسلامي والتقلبات التي تعرضت لها على مدار التاريخ الى ثلاثة محاور أساسية وهي: اشكالية عامة لبلورة اخلاق تليق بعصرنا، مصادر الأخلاق: الدين، الفلسفة، الثورات العلمية، والى أين تذهب القيم.

 

توطئة:

مما لاشك فيه ان مقولة الخلود حتما وفي كل الاديان لها قيمتان؛ الاولى دينية مقدسة، والثانية أخلاقية. فالسيد المسيح(ع) نموذج يحتفى به بناء على هذا القياس. هذا اضافة الى ان هنالك شىء اخر يكاد ان يكون مقدسا الى الأبد وهو الموت او الاستشهاد في سبيل إعلاء كلمة الله وموضوع الحرب العادلة، التي كتب عنها "القديس اغسطينوس" وهو معناه إعلاء لغة التعظيم من اجل ألمبادىء السامية التي أرادها الخالق و مفهوم الحرب العادلة. ولكن بقي ان نفهم ان "المشروعية الالهية على مبادئ الاخلاق" هو الأساس الذي يجب العمل عليه في فهم الحقائق المقدسة للأديان؛ فهمها بطريقة تضمن لنا جميعا مسارا صحيحا وتجسيدا صحيحا للمعنى الحقيقي لا المحرف للنص؛ اي الابتعاد عن مصالح السياسة والسلطان.

"ينبغي العلم ان تأميم الاسلام واستخدامه كاداة فعالة لصالح الأنظمة السياسية كان قد ابتدا مع عهد الأمويين في عاصمتهم دمشق عام ٦٦١ ميلادية"[16 ] .

 نعم كان معاوية يستخدم المنبر كوسيلة إعلامية ضد خصومه في الفكر والثقافة والمعرفة، وكان يزيد ابن معاوية قد استخدم الوسيلة ذاتها يوم أعلن الحرب على الحسين بن علي وهم عائلة رسول الله. اذن الدين آنذاك لم يكن وسيلة للتعبئة الاخلاقية والروحية التي جاء بها رسول الاسلام محمد (ص)، بل ارتدى عباءة السياسة لأغراض العداء والتصفية. "يستحيل تصور وجود ذروة اخلاقية وروحانية عليا ذات حصانة لا تنتهك"[17 ] .

لقد انتهكت حقا حصانة الخلق الرفيع والفضيلة والنصوص التي تدعو الى احترام الانسان. لقد تم التجاوز على جوهر الدين؛ الصورة الحقيقية التي لاجلها تم اختيار الأنبياء؛ الغايات النبيلة للاديان انتهكت، لتحل محلها غايات السلاطين، فكان الدين لم يبق منه الا المظاهر الزائفة.

 ""الخصم التاريخي المدعو بالغرب كان قد لعب دورا كبيرا ومهيمنا في تشكيل "عدو ديالكتيكي" سماه بمحور الشر وحصره بعالم الاسلام عموما. وقد فعل ذلك لكي يحله محل العدو الشيوعي الذي انهار فجاة عام ١٩٨٩""[18 ] .

هنا بفعل نمو المنظمات والتيارات الاسلامية المتعصبة، وهي وليدة ما أنجبته مخططات السلاطين ودهاقنة العصور البغية؛ وبعد ان توالت احداث الصراع التي أنتجتها مخططات الاسلام السياسي، انقسم العالم وفقا لما فرضته اليات الحروب بين عالم الغرب وعالم الشرق؛ اقصد الثقافة الغربية التي تمثلها الديانات المسيحية واليهودية وباقي الأقليات من جانب، والديانة الاسلامية وثقافتها التي نمت وترعرت تحت ظل الصراع الشرق أوسطي من جانب اخر. لعبت السعودية دورا في مربعات المصالح، كما كان للصراع العربي الاسرائيلي دورا آخراً. لقد تحول الصراع السياسي والعسكري الذي كان قائما بين حلف وارشو والاطلس، الى صراع بين الاديان. هنا في خضم هذا الصراع، تجد ان هنالك افتراقا بين ما تفرضه سياسات الحكام القائمة على التخاصم والتنازع من جهة بسبب ما تفرضه لعبة المصالح، وافكار الفلاسفة وعلماء الفكر بناء على ابجديات المنفعة الاخلاقية.

 "ساقارن بين محمد عبد الوهاب والفيلسوف الألماني إيمانويل كانط! لا شئ بينهما سوى أنهما متعاصران زمنيا من دون وجود اي معاصرة معرفية اوابستمولوجية بين الرجلين. فالأول اي محمد بن عبد الوهاب، ولد عام ١٧٠٣ وتوفي عام ١٧٩٢. وأما كانط فقد ولد عام ١٩٢٤ ومات عام ١٨٠٤. بمعنى اخر، فقد شغلا القرن الثامن عشر كله تقريبا"[19 ] .

هنا بين هذا الخط وذاك، بين هذا النمط من السلوك وذاك، المتضادان يفترقان بطريقة تثبت للعالم، ان العلم الذي نهض بمقولة الأخلاق، هو هذا النمط من المعرفة التي تبحث مفرداتها عن وسيلة يسمو الانسان بها؛ الفلسفة مدرسة يعشقها الانسان كما آلهة تحميه من الحروب والموت، والجهل والكراهية. هذه الآلهة هي نفسها آلهة حماية الانسان من الشر والعنف، هذه الآلهة تحتاج الى فهم دستورها الاخلاقي ليتم تطبيق فقراته بشكل سليم؛ بشكل يتناسب مع لغة العصر الجديد.

 "ينبغي ان نسعى لبلورة علم اخلاق جديد يناسب عصرنا في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين"[20 ] .

لذلك تصبح الحاجة الى تشييد مدرسة شاملة؛ بها يستوفي العقل شروط المواجهة، نحن بحاجة الى إعلام قوي، الى فلاسفة اشداء، الى متنورين لمواجهة الخطاب المتشدد لكل الاديان.

"ان العقل الذي يسيطر على الخطاب المؤمن الارثوذكسي غريب كليا وراديكاليا عن المعرفة التاريخية-النقدية، والالسنية، والاجتماعية-الأنتروبولوجية. هذا يعني ان العقل الأصولي الذي يسيطر على أغلبية المسلمين اليوم بعيد كل البعد عن أنوار المعرفة الحديثة. ينبغي العلم ان المجال العقلي الذي دشنه فكر ابن رشد(م. ١١٩٨) كان قد محي من الوجود من قبل الفكر الذي كان يدافع عنه سلفه الغزالي(م. ١١١١)، وهو الفكر السلفي الأصولي المغذى والمقوى من قبل الخط الحنبلي الطويل المتواصل منذ اقدم العصور وحتى انتشاره العالمي على يد البترودولار في عصرنا الراهن. وهذا البترودولار ليس فقط سعوديا. نقول ذلك ونحن نعلم كيف ان البترودولار من اي جهة جاء هو العدو اللدود لإسلام التنوير المرتقب"[21 ] .

لقد فعل الماضي فعلته، حين تم إقصاء الفكر الصحيح، كان ينبغي على الاسلام ان يتصدى للأفكار التي تهتك حرمة الاسلام، تعتدي عليها، كان على العقل الاسلامي ان يعمل بخطابات ابن رشد في الفلسفة تلك التي من خلالها يصبح هنالك مساحة واسعة من المقارنات والمقاربات الثقافية، كان ينبغي ان يكون هنالك حوارا حضاريا يتبنى الفكر بأوسع مدياته، كان ينبغي ان يكون هنالك تآلفا بين الديانات وخطابا يحمل بين مدياته ابجدية الحوار المتفتح الذي يحترم الافكار التي جاء بها ابن رشد ويتصدى للفكر الظلامي المنحرف الذي تغذيه السعودية اليوم بناء على لعبة المصالح النفطية.

ان عملية الانتماء الى ما جاء به ابن رشد، تحتاج الى التحليل الدقيق للنص القراني والتوراتي والانجيلي، حتى يصار الى صياغة معادلة ابستمولوجية تضع النص بجانب المعرفة، تزاوج بين الدين والفلسفة، كما محاولة للمفاعلة بين اللوغوس والميتوس، اي بين المنطق الفلسفي، والمنطق اللغوي، وهذا يساهم في فهم النص الديني بطريقة معتدلة ومتوازنة.

"ينبغي العلم ان الخطاب النبوي من توراة وانجيل وقرآن يتموضع في جهة الميتوس اكثر منه في جهة اللوغوس...يعتمد في تركيبته اللغوية على المجاز الباهر والكناية والاستعارة والقصص الرمزية والبلاغيات اللغوية عموما اكثر مما يعتمد على الخطاب المنطقي العقلاني"[22 ] .

لقد تبنى القران كما باقي الكتب السماوية طريقة الميتوس المبني على اساس الأمثلة والحكايات، والقرائن ما يجعل ان هنالك متبنى تفرضه الخطابات السماوية، والذي على أساسه قامت الفلسفة اليونانية؛ بمعنى اعتمدت على فكرة اللوغوس الذي يعتمد العقل لفهم حقيقة الوجود. ان مقولة اللوغوس من خلالها يتم فهم المعنى الحقيقي لفكرة الخلق، ولكن يبقى هنالك فراغ، نحتاج الى تداركه، حيث كما يقول اراكون: ""ينبغي العلم ان الصلات التي تربط بين انبثاق اخلاق"حجديدة" وبين تقدم السياسة الإيكولوجية اوالبيئوية لم توضح ولم تبلور بشكل كاف حتى الان. وينبغي العلم ان لا الكتابات حول الأخلاق ولا بالطبع الخطابات السياسية سوف تساعدنا على تجاوز الاخلاق الوعظية الحالية الشائعة"". الخلاصة في نهاية المطاف، هو ان المسالة الأخلاقية تتطلب العمل المشترك على فهم البعد الحقيقي للمسألة الاخلاقية من خلال تبني منهج على اساسه يتم تحليل الفضاء الحضاري لكل شعب من الشعوب من حيث اللغة وطبيعة التركيبة الاجتماعية التي فرضتها الجغرافية السياسية والدينية، وهذا يساعد على فهم جدلية " الصراع بين اللوغوس والميتوس، اوبين العقل والأسطورة"[23 ] .

 

الفصل الثاني: ٢٤١-٢٦٦

توطئة:

موضوع الفضاء التاريخي المتوسطي واشكالياته من المسائل التي تحتاج الى توقف وتأمل، باعتبار ان القضية تتوزع اطرافها عند مطبات تحتاج الى تحليل، اساسها هذه الايديولوجيات السيا-دينية المتناحرة، وهذه الايديولوجيات تتبناها رؤؤس أموال، من خلالها تتحول لغة التبشير الى إعلام تؤثر عليه تداعيات الوضع المضطرب لاخطبوطات العجلة السياسية في المنطقة.

" انه صراع قديم جدا ومتكرر بين عالم الاسلام من جهة، وعالم المسيحية واليهودية من جهة اخرى"[24 ] . فعندما يتحول التبشير الديني الى نظريات أيديولوجية تلتزمها السياسات المتصارعة، وعندما تتحول إبستمولوجيا الدين الى فكر عدائي قائم على اساس التقسيم الجغرافي بين الامم والشعوب، سيقود حتما الى صراع، مكوناته ستكون سببا في الخراب والعنف. المصيبة ان التاريخ فرض مقولته القائمة على هذا الصراع ابان بداية الاسلام حتى الأحداث المتفجرة بالصراع اخيراً.

"المفكر ريمون لول كان من أصل إسباني وبالتحديد كاتلاني، اي من منطقة كاتالونيا المتوسطية التي عاصمتها برشلونة .. ان هذا المفكر .... الذي ينتمي الى القرن الثالث عشر ذو شخصية قوية ومسار فكري حياتي نموذجي ومؤلفات اسرة... كتاب الوثني المشترك والحكماء الثلاثة"، يفرض على كل قارئ من معاصرينا اليوم العديد من المقارنات والتاملات....والاحتجاجات الاستنكارية ضد جميع انواع الانحرافات"[25 ] . هنا المسؤولية تتطلب من الجميع إيجاد الفرص المتاحة للمكونات الابستمولوجية بين الاديان، من خلال العمل على متابعة موارد الإخفاق والفشل في تلاقح الثقافات بعيدا عن التعصب والتناحر.

 "لكي اتبع حلقات هذا الانعكاس في التطور التاريخي بين كلا الجانبين أوكلتا الضفتين كنت قد تحدثت عن ضرورة تأسيس علم جديد بعنوان: سوسيولوجيا الاخفاق والفشل اوالتراجع والقهر. بمعنى لماذا فشلت الفلسفة في العالم العربي الاسلامي وتراجعت؟ هذا في حين انها بكل قوة قي العالم المسيحي الأوربي في اللحظة التاريخية ذاتها؟" لقد أورثت الصراعات التاريخية بين الاديان فوضى اجتماعية، اقتصادية، واخلاقية، استطاعت السياسات ان تستثمرها من خلال تشجيع الفرقة والانقسامات بين الطوائف والقبائل والمذاهب، بغية تحقيق سيطرتها هنا في هذا المكان اوذاك. [26 ] .

ان فكرة تبني مؤسسات معرفية على نمط علم الاجتماع تنهض بالفكر التاريخي الديني، وتضع بصمات جديدة، بموجبها يتم تجاوز الثغرات التي خلفتها صناعة الحروب بين الاديان على مد التاريخ.

"هنالك حقيقة واضحة جلية للعيان اكثر فاكثر وهي تتمثل في ما يلي: ان الاسلام

المعاصر(١٩٥٠-٢٠١٠) ليس فقط جاهل بالمكتسبات الأكثر تحريرا للحداثة التي حصلت في أوروبا منذ القرن السادس عشر، بل هو ايضا جاهل بحداثته الخاصة بالذات والتي حصلت في العصور الوسطى"[27 ] .

الاسلام بالذات يحتاج الى نهضة حداثوية على نمط الفكر التنويري الذي ساهم بانعاش المد الحضاري الثقافي في أوربا. وخير مساعد في تبني هكذا نوع من المشاريع هم المتنورون والمستشرقون الذين تأثروا بالمد الحضاري للإسلام ابان العصر الذهبي؛ في زمن ابن سينا والفارابي". ينبغي العلم ان الفكر الاسلامي كان قد اثر على ريمون لول، وبخاصة من خلال فكر الفارابي ولكن ايضا فكر ابن سينا وابن سبعين. كان ريمون لول مرتبطا بتيار الأفلاطونية الجديدة اكثر مما كان مرتبطا بتيار المدرسانية السكولاتية الرائج في جامعة باريس آنذاك"[28 ] .

نعم فهنالك المدارس، والحلقات الثقافية، وهنالك نسيج من خلاله انتشر تأثير الفكر الاسلامي، ريمون لول نموذج استطاع ان ينقل أواصر الترابط بين الفكر الغربي والشرقي. "وبهذا المعنى سيكون من المفيد الاطلاع على بعض الدراسات العلمية التي كان العالم الاسلامي ينتجها في عصر ريمون لول. وسيكون من المفيد ايضا القيام بترجمات عديدة للتعرف الى ثقافة العالم العربي والإسلامي آنذاك، ثم للتعرف الى بعض عناصر النظام الفكري الذي شكله ريمون لول"[29 ] . وهذا حقاً يرتبط بعنوان الفصل الثالث الذي يعد ستراتيجية مهما لتبني منهجية جديدة للحوار الحضاري بين الاديان.

 

٨. الفصل الثالث: ٢٦٩-٣٠٩

توطئة:

الوسطاء الثقافيون الثلاثة: ابن رشد، ابن ميمون، وتوما الأكويني، هو اهم ما جاء في مدخل العنوان الرئيس الذي يناقشه هذا الفصل. هنا من الضروري الاشارة الى ان هنالك تواصلا في السقف الثقافي بين حضارة الغرب والشرق عبر هؤلاء الذين انتخب أفكارهم اراكون، ليؤسس مقدمة تستقطب هذا النوع من التفاعل، فابن رشد استطاع ان يقوض أركان النظريات الجامدة في الفكر الاسلامي، وفي ذات الوقت فان لأفكار ابن ميمون وتوما الأكويني أثر بارز في تقارب الفلسفة الغربية مع الشرقية. "" كلنا يعلم ان الإسبان الكاثوليك الذين طردوا اليهود والمسلمين بكل الحماسة الاندفاعية والدينية....قد فعلوا كل ما يستطيعون لمحو اثار "الهيمنة" الاسلامية المعتبرة نجسة من وجهة نظرهم: بالمعنى الديني لمفهوم طاهر/نجس""[30 ] .

الإسبان بفعل هذا النمط من التعصب حطموا كل الجسور المعرفية لحضارتي الشرق والغرب، فنظرتهم تأدجلت بناء على كراهية دينية وعرقية لها جذور تاريخية، اضافة الى نمط حياتهم الذي يقوم على اساس الفوضى الاستعلائية للملكية، هم يبحثون عن استعباد الشعوب آنذاك، خاصة التي تتبنى الاسلام. هنا بناء عل ما تقتضيه مصلحة المعرفة، ونظرا لاختلاف المستويات بين المفكرين، يصبح من الضروري الاشارة الى أنماط الاختلاف بين المفكرين وطرائق تفكيرهم.

"انه لمن المهم ان نلفت الانتباه منذ الان الى ضرورة التفريق بين موقعين للفكر اوالمفكرين؛ فهنالك اولا الذي يبحث ويكتب داخل نظام من الحقيقة مرتبط قليلا اوكثيرا بسلطة الدولة اوبسيادة دينية مراتبية هرمية تجمع في يدها بين السلطة الروحية والسلطة السياسية. وهناك ثانيا المفكر الذي يشتغل في ظروف الأقلية مثل ابن ميمون....اما توما الأكويني فكان يؤلف ويتدخل في القضايا العامة تحت المراقبة الصارمة للمرجعية العقائدية الكاثوليكية. وكان مثل ابن رشد يرتكز على سلطة معينة في الوقت الذي يحاول فيه اغناء الشروط الفكرية لممارسة هيبته الروحية"[31 ] .

لقد فرضت نظرية السلطة نموذجا قاصرا عن فهم اي فكر يتبنى تحرير الانسان من العبودية، الكنيسة آنذاك مارست سلطة استعبادية استبدادية ضد اي فكر يتبنى مقولة الحرية وحاربت جميع الأفكار والأيديولوجيات التي نشأت كرد فعل على المرجعيات الدينية المتعصبة.

"ينبغي العلم ان ابن رشد كان قد طرد من قبل جماعته، اي أمة المسلمين، بصفته زنديقًا، نجسا، بل حتى بصفته يشكل خطرا على الدين الحق، او الدين الوحيد الصحيح، اي الاسلام. ولكن اذا كان المسلمون قد طردوه من فكرهم ونبذوه من برامج تعليمهم منذ القرن الثالث عشر، فان الأوربيين راحوا يستقبلونه بالاحضان على الضفة الاخرى من المتوسط. نعم لقد استقبلت الجامعات الأوربية المسيحية فكره وفلسفته ومؤلفاته وراحت تدرسها وتشرحها وتترجمها وتستفيد منها وتبني عليها نهضتها المقبلة"[32 ] . المشكلة التي وقعت بها الحضارة الشرق-اوسطية هي انها حاربت كما الكنيسة المتعصبة عقول الفكر والتنوير، وكان ابن رشد ضحية هذا النمط من العقول. "وكما في العصور الوسطى، يستخدمون الله، والدين الحق، والشرع الموحى به، ويخلطونها كلها، بشكل مشوش، بحقوق الانسان والأرض القومية والعدالة الدولية وحق العودة والارهاب وأسلحة الدمار الشامل، ونلاحظ، منذ خمسين سنة حتى اليوم، ان الخطاب السياسي والخطاب الديني، وحتى الخطاب التاريخي الصحيح، والهيئات الدولية المكلفة تطبيق القانون، فشلت جميعا في إيقاف المجزرة ووضع حد للإذلال والقهر وسحق الحقوق المبدئية"[33 ] . لقد تأسست منظمات وتيارات وحلقات تدعو لاستغلال الفكر الديني، من اجل الاستحواذ على مساحة اكبر من المؤيدين. فكان الدين الطريق الاسلم لحماية المخططات الهادفة الى هذا النمط من الاستعباد. "" في ما يخص تراث الفكر الاسلامي كما بالنسبة لجميع أشكال العقل الديني والعقل الحديث عموما، اقترح منهجية اخرى، هي المنهجية " التفكيكية الانقلابية الراديكالية". فهي وحدها القادرة في رايي على القيام بنقد راديكالي لجميع أنظمة الفكر الموروثة عن الماضي ولكل أنظمة العقائد واللاعقائد التي ترافقها""[34 ] . لقد أورثت مقولة السلطة منهجية تعتمد على أفكار لا علاقة لها بقدرة العقل الإبداعي، فكانت النتيجة سيادة الفكر الذي اعتمد ما فرضته ايديولوجية الفوضى السياسية.

 

الفصل الرابع: ٣١٣-٣٤٢

توطئة:

صورة الاخر وموضوعة التشكيل المتبادل لصورة الاسلام والغرب حيث يعتمد المؤلف نوعين من النصوص وهي الدينية الخاصة بالكتب المقدسة، والنصوص الفلسفية وقضية الصراع بين أوروبا والغرب من جهة والشرق من جهة اخرى. يعتبر هذا المدخل من اهم الإشكاليات التي يتكئ عليها الفصل اعلاه، ليطل بجميع موضوعاته

 ""في ما يخص السياقات الاسلامية، عربية كانت أوغير عربية، نلاحظ ان "الضيافة" مثلا محكومة من قبل قانون اجتماعي-سياسي-اخلاقي دقيق جدا وصارم. وهذا القانون سابق لتعاليم الدين ومستمر بعدها على هيئة تداخلات معها، فقد كان موجودا قبل الاسلام""[35 ] . من الضروري الاشارة الى ان هنالك سياقات اجتماعية لها مبررات تاريخية، هذه السياقات نشأت قبل ان يأتي الاسلام، ما يفيد بان هنالك قوانين وأعراف لم يغيرها الشارع المقدس. ولهذا افترق ما جاءت به الشريعة عن الدين. وهذا فصل مهم في باب الاختلاف بين القانون الاجتماعي، والقانون الديني.

ولهذا تجد ان هنالك منهجية تأسست على اساس هذا اللون من التفاوت بين القانونين. اضافة الى هذا، فان هنالك فرق في اللغة وطريقة التفسير التي جاءت به الكتب السماوية، ما يفيد ايضا بان هنالك قانونا استنباطيا يرتبط مع انماط التفكير الخاصة بالسياقات اللغوية، وهذا ايضا يضيف انقساما جديدا بين العامل الديني، وعامل الثقافة الخاص باللغة؛ بمعنى اننا نحتاج الى مستشار اجتماعي، وآخر لغوي لمطابقة النصوص الدينية والعمل عليها.

""من المعلوم ان المسيح نطق بالآرامية وهي لغة سامية كالعبرية والعربية. لكن رسالته كتبت باللغة اليونانية في الاناجيل ولم تكتب بالآرامية، اللغة التي نطق فيها. وبدءا من تلك اللحظة، حصل انقسام بين الدين والفلسفة لان اليونانية هي لغة الفلسفة كما هو معلوم. كان بول ريكور قد زحزح "فكرة الذات كآخر" من مجالها التقليدي الى الارضيّة اللغوية والالسنية للهوية السردية القصصية. وإذا ما تبعنا فكرته فإننا نجد ان الانتشار التاريخي للمسيحية داخل الدائرة اللغوية العقلانية الإغريقية-الرومانية واللغات الأوربية الحديثة المتفرعة عنها كانت له انعكاسات كبرى لم تدرس حتى الان من قبل علم اللاهوت ولا. من قبل التراث الفلسفي .. المسيح تكلم شفهيا بالآرامية لكن كلامه سجل كتابه باليونانية اولا ثم ترجم الى اللاتينية ثانيا والى اللغات الأوربية الحديثة ثالثا كالفرنسية والانكليزية والالمانية الخ""[36 ] .

المسيح تكلم بالآرامية ولكن هذه اللغة نقلت باليونانية، ثم ترجمت الى اللاتينية، وهذا يعد اختلافا حاصلا في التفسير اللغوي. هذا الاختلاف ولد انقسامات، الانقسامات لم تكن على وتيرة واحدة او نمط واحد، حيث ان هنالك انقسامات اخرى حصلت في النسيج الاجتماعي.

 

" لكن لنعد الى الماضي البعيد مرة اخرى. عندما تحرر اليهود سياسيا في أوروبا بعد الثورة الفرنسية، حصل انقسام اخر بين اليهود والمسيحين من جهة، والمسلمين من جهة اخرى"[37 ] .

لقد كان لهذا الانقسام اثر ديني ونتائج الت الى البحث عن مفاهيم جديدة للحقيقة، هذه المفاهيم نتج عنها اختلاف القراءات والتفسير في الكتب السماوية.

""ومفهوم الحقيقة هنا مقصود بكلا المعنيين، اي بمعنى صحة نقل كلام الله من جهة، وصحة تفسير مضامينه من جهة اخرى. في ما يخص المسالة الاولى نحن نعلم ان القران أشعل مناقشة خلافية مع الدينين الاخرين حول ما يدعوه ب"التحريف""[38 ] .

إذن هنالك صراع اسمه صراع التفسير ناتج عن الاختلاف اللغوي، هذا الصراع أنتج خلافا على أساسه، تم استخدام مقولة الدين للتحريف والتشويه، هذا التشويه بموجبه حدثت معارك وفتن وحروب وكان للإعلام والتكنولوجيا دورا بارزا في هذا الصراع.

 

الفصل الخامس: ٣٤٥-٣٧١

توطئة:

يناقش فيه المؤلف علاقته بيواكيم مبارك ولويس ماسينيون كملحق بحسب ما ورد في قوله: "وفي بداية شهادتي هذه عن يواكيم مبارك، اشعر بالحاجة لان أضيف ما كتبته عن ماسينيون كملحق لهذا النص"[39 ] .

ماسينيون هنا يرفض فكرة الخروج عن المقدس، ويطرح فكرة الاستبطان لفهم المقدس، باعتبار ان هنالك مناشدة روحية لا علاقة للعقل بها، فالنص ليس خاصا بدين دون اخر، انما هو نسيج متكامل يرتبط بجميع الاديان، والعقل لا يحق له لان يحاكم المقدس بناء على المقدس نفسه.

"المجال الإبراهيمي" نسبة الى ابراهيم الخليل ابي الاديان التوحيدية الثلاثة"[40 ] . بمعنى ان فضاء الديانات الإبراهيمية جميعا يربطها مجال واحد هذا المجال يعود الى ابراهيم الخليل.

فالتوحيد اساس هذه الاديان.

 "أصبحوا الان في الغرب يتساءلون عن مستقبل الاديان التقليدية؛ هل سوف تستمر اولا؟ وكيف لا؟ كما أصبحوا يتساءلون عن إمكانية الخروج المتسارع من الأُطر الدينية وشيفراتها المعنوية الصانعة للتاريخ"[41 ] .

في الغرب يعتقدون ان الخروج عن النصية الابستمولوجية، اي القفز على المقدس عامل مساعد لتفكيك هذه الاديان واعتبار المقدس فيها قابل للطعن والتغيير. خاصة وان بعض النصوص الواردة في الكتب المقدسة كالقران تستخدم كفتاوى للحروب.

 "ان جميع الاديان الحية أصبحت تستخدم اكثر فاكثر اما من اجل خلع المشروعية على" الحروب المقدسة"، وأما من اجل سد الفراغ الروحي والأخلاقي الناتج من العولمة الرأسمالية التي لا تعترف الا بالماديات والربح والمنافسة المحمومة والفعالية الاقتصادية"[42 ] .

وهذا يعد ذريعة للخروج عن هذه النصوص بحسب آراء المتشددين من باقي الديانات، كما انه ايضا فتح الباب على مصراعيه امام بعض الفضائيات لبث حملات إعلامية هائلة ضد الاسلام مثلا كما يحصل اليوم في الغرب، ما يدعو الى فك حلقات الارتباط مع القران والإسلام وبالاستعانة احيانا بأفكار على نمط اراكون، لذلك من باب الاهمية، يحرص ماسينيون لويس على معنى الايمان، فيكتب بثقة الى محمد اراكون، باعتباره فهم الاسلام، وهذا مقطع من نص رسالته الى محمد اراكون:

"اعتقد ان إيمانك الاسلامي تعرض للزعزعة بسبب تطبيق المنهجية التفسيرية العقلانية على الكتب المقدسة. وهي اذا ما طبقت على العهدين القديم والجديد تؤدي الى الشكوك نفسها"[43 ] .

لا يمكن اعتماد المنهجية التفسيرية العقلانية على كتاب سماوي كالقران دون غيره، باعتبار ان الاديان التي يتم البحث فيها الان تعود الى منشأ واحد، ولو حصل هذا مع القران مثلا سيعرض جميع الكتب السماوية الى ذات الأشكال، لذلك يعد الامر هذا تزعزع عن الاسلام كدين. وهذا ما تستغله اليوم جماعات من المتشددين المسيحيين وغيرهم.

 ""انني أقول غالبا للماحكين المسيحيين ضد الاسلام من نوعية الغلويري (اي الأب المبجل روبيرتوفوسا) ما يلي: لا تفعلوا ضد الآخرين ما لا تحبون ان يفعلوه لكم. فشتم المسلمين عن طريق" حديث الإفك" اوقصة" زينب بنت جحش" هي عملية سهلة يكثر منها المبشرون البروتستانيون في المشرق. ولكن ينبغي ان يدركوا ان هذه العملية قد تنقلب عليهم. فالآخرون ايضا يمكن ان يدسوا بعض التلميحات المغرضة ضد يسوع وأمه""[44 ] .

 

الفصل السادس: ٣٧٥-٤٣٣

توطئة:

وموضوعه مقابلتان مع محمد اراكون

"" كانت وزارة الشؤون الدينية في الجزائر تنظم مؤتمرا كبيرا، مكلفا من الناحية المادية، تحت عنوان:" مؤتمرات الفكر الاسلامي". وقد حصل ذلك على مدار عشرين سنة أوأكثر بين عامي ١٩٦٩و ١٩٩١. وأصبح هذا المؤتمر السنوي بمرور الزمن عبارة عن مؤسسة رسمية حقيقية.... احسست بالحاجة لان ادشن علما جديدا تحت اسم "علم الإسلاميات التطبيقية""[45 ] .

هذا العلم سيعد قاموسا ومنهجا متكاملا من خلاله يتم دراسة اهم الإخفاقات التي حصلت للإسلام وعلاقته مع باقي الاديان وبالعكس.

 "في الواقع، ان رجال الدين التقليديين أومن أدعوهم بالمشرفين الرسميين على المقدس الديني يراقبون أي كتاب يتحدث عن الاسلام، فاذا كان تفجيريا من الناحية الفكرية اي تفكيكيا وتحريريا، فانهم يمارسون عليه الرقابة الصارمة ويمنعون انتشاره وقراءته قدر الامكان"[46 ] .

هنا من الضروري الفصل بين الالتزام والتعصب، فالارتباط بالمقدس وعدم تجاوزه لا يعني التزمت ومحاربة الافكار " ينبغي ان نبدأ بالعلوم الاجتماعية اولا، لا بعلم اللاهوت. اذا كنت لا تمتلك الأدوات والمناهج الفكرية الحديثة التي اثبتت فعاليتها، فإنك لا تستطيع ان تُمارس علم اللاهوت بشكل جيد"[47 ] .

من المهم بناء جسور اجتماعية أنثروبولوجية تناقش مستويات ومراحل التطور المعرفي للمجتمعات.

 

فهرس الاعلام: ٤٢٥-٤٣١

مدخل:

وهي مجموعة من مختلف الأبحاث والدراسات في اللاهوت، والفلسفة، والسياسة، والاجتماع، وغيرها وتتضمن افكار ومقدمات ابن خلدون، ابن الرواندي، ابن رشد، ابن سينا، ابن المقفع، اغسطينوس (القديس)، الافغاني جمال الدين، الخراساني، ابو مسلم، الغزالي، ابو حامد، هيكل، محمد حسنين، يوحنا بولس الثاني(البابا)[48 ] . لعل الموضوعات التي ناقشها اراكون تعد من ابرز الموضوعات التي يناقشها محمد اراكون في الوقت الحاضر، كونها تم فرش بساطها على اساس ارتباطها مع اهم الافكار والمقدمات التي نوقشت من قبل هؤلاء الاعلام ومنجزاتهم المهمة.

 

١٣.خلاصة البحث

هنا ابتداء، اراكون أراد ان يقول ان مقولة الدين لم تحظ بوصف واحد، فهنالك مؤثرات عرضية، واخرى ذاتية، اما العرضية فتدخل في موضوع السلطة، والسياسة، وانثروبولوجيا الطابع النظري للثقافات الدينية، بينما الذاتية تمثل سلطة المقدس- حيث تم بفعل المؤثرات العرضية تم تفريغها من محتواها الذي كان قائما على فلسفة العقل حتى بدلا من ان تنهض تلك الفلسفة تم اجهاضها لتحل بدلا عنها لغة الانصياع الى المنقول من الأخبار والاحاديث وتغييب سلطة العقل لاستقراء المضامين المعرفية التي تنسجم فكريا مع درجات التقبل المنطقي؛ بمعنى كيف نجعل الحكم الشرعي مواكبا لتفسير العقل القابل لاستيعاب الشروط والمفردات المنسجمة مع منطق التشريع الديني. فموضوعة تهافت الفلاسفة والتي تقول ان لا حاجة للدين بالفلسفة كانت مفتاحا وبابا لتسييد هذا النوع من التراجع الفكري للفلسفة، حتى وبامرة الحاكم اسقطت الحصانة المعرفية عن فلسفة بن رشد فتهافتت، وتهافت معها كتاب "تهافت التهافت" ذلك الذي اريد به ان يقال ان الابستمولوجية مقولة الدين، والفلسفة هي الطريق الأسلم للتعامل مع ما جاءت به تعاليم السماء، ولكن للأسف لقد تم الاعتداء على إبستمولوجيا الدين وبقي العقل قاصرا للتعريف بمعنى هذه الابستمولوجيا، وكان ذلك فراغا لم تستطع سلطة الدين ان تتلافاه فيما بعد تحت ظل عرش السلطة، فكان لهذا الفراغ أثر سلبي على الدين، حيث بدلا من "الفكر التنويري" كان "الفكر الظلامي"، وبدلا من التحاور والتآلف كانت الفرقة وكان الاختلاف. لقد نشا الصراع ليؤسس وعيا لا يرتقي لفهم ما جاءت بها الاديان، فبدلا من الارتباط بمقولة الذات الإلهية، صار الارتباط بمقولة السلطان. وراحت مساحة الفتن تتسع على مر العصور والأزمان. فالقضية قضية صراع ايديولوجي وليست إبستمولوجي، باعتبار ان مقولة الدين اقرب لارتداء ثوب السياسة من مقولة الفلسفة التي أعلنت استقلاليتها وتفردها عن مقولة السياسة لكي لا تستباح. في مؤلفه، محمد اراكون أراد ان يضع القاريء امام حقيقتين نحتاج الى البحث فيهما؛ الاولى تاريخية، مرتبطة مع سلطة الحاكم وعلاقة الفتوى الدينية بذلك، والثانية ابستمولوجية معرفية، فالصراع الفكري سببه صراع تاريخي وهو الذي قاد ويقود العالم اليوم باتجاه الفجوة بين هذا الدين وذاك.  

 

عقيل العبود

.......................

المصدر:

اراكون محمد، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، دار الساقي بيروت لندن، ترجمة وتقديم هاشم صالح، الطبعة الاولى 2011

 

هوامش البحث

[1 ] راجع ص ٤٠٠، المقطع الثاني، سطر٤-٦

[2 ] راجع ص٦٢، المقطع الثاني، سطر١، راجع ايضا راجع ص ٦٣ المقطع ٣، سطر ٤

[3 ] ص٩، المقطع الثاني، سطر١-٩.

[4 ] المقطع الثالث، سطر١-٤، راجع ايضا القسم الرابع سطر ١-٣، ص١٢

[5 ] المقطع الثاني، سطر١-٤،ص١٥

[6 ] المقطع الثاني،سطر ١- ٣،ص١٦

[7 ] المقطع الثاني،السطر الأخير ص٢٠، سطر١-٥ ص٢١.

[8 ] راجع ص٢٤، سطر ٢-٤.

[9 ] راجع ص٢٧، المقطع الثاني، سطر١-٣.

[10 ] راجع ص٣٧٦ المقطع الثاني، سطر ١-٤، اقرا ايضا،ص ٣٧٩.

[11 ] راجع ص٣٧٧، سطر ١-٦. راجع ايضا ٣٧٨، المقطع الثاني سطر١،٢

[12 ] راجع المقطع الاول ص٣٩٢سطر١-٣

[13 ] راجع المقطع الثاني، سطر(١-٤)، ص٣٩٢

[14 ] راجع المقطع الثاني،السطر الأخير، مقطع٢ ص٣٩٨، ص٣٩٩سطر١،٢، مقطع ١.

[15 ] راجع ص٣٨١، سطر٢-٤، المقطع الاول.

[16 ] راجع ص ٩٠-٩٣، راجع ايضا ص١١١، المقطع الثاني سطر١-٢

[17 ] راجع ص١١٣سطر ١٤

[18 ] راجع ص١١٦المقطع الثاني ١-٤

[19 ] راجع ص١١٩، سطر ١-٥، المقطع الاول

[20 ] راجع ص١٣٨، المقطع الثاني، سطر (١-٢).

[21 ] راجع ص١٩٥.

[22 ] راجع ص ١٩٤

[23 ] راجع ص ٢٣٤، المقطع الثاني، ١-٤، راجع ايضا ص١٩٤،المقطع الاول٣-٢

[24 ] راجع ص٢٤٣سطر٤،٥، المقطع الاول.

[25 ] راجع ص٢٤٣سطر ٨، مع ص٢٤٤سطر١-١١

[26 ] راجع ص٢٤٦سطر٥-٩

[27 ] راجع ص٢٤٧ سطر١-٤، المقطع الثاني.

[28 ] راجع ص٢٦٥سطر١-٣

[29 ] راجع ص٢٦٦، المقطع الثاني(١-٤).

[30 ] راجع ص٢٦٩سطر٨-١٠

[31 ] راجع ص ٢٨٠ المقطع الثاني سطر١-٩

[32 ] راجع ص٢٩٤، المقطع الثاني، سطر ١-٦

[33 ] راجع ص 306، المقطع الاول، سطر ٨-١٣.

[34 ] راجع ص ٣٠٨، المقطع الثاني سطر ١١-١٤

[35 ] راجع المقطع الثاني، سطر١-٤،ص 319

[36 ] راجع ص٣٢٥-٣٢٦.

[37 ] راجع ص٣٢٧المقطع الثاني سطر١-٣

[38 ] راجع ص٣٤١، سطر ١-٣

[39 ] راجع ص ٣٤٥سطر١-٢، المقطع الثاني.

[40 ] راجع ص٣٤٥سطر ٤، المقطع الاول.

[41 ] راجع المقطع الثاني، السطر (١-٣)ص٣٥٨

[42 ] راجع ص٣٥٧، المقطع الثاني، ثانيا١-٤

[43 ] راجع ص٣٦٨سطر١-٣

[44 ] راجع ص٣٧٠-٣٧١ المقطع الرابع١-٦.

[45 ] راجع ص٣٨٢، المقطع الثاني سطر ١-٦

[46 ] راجع ص٣٩٢،٣٩٣ السطر ٧-١٠، المقطع الثاني.

[47 ] راجع جواب السؤال التاسع، المقابلة الثانية، ص٤٢٠

[48 ] راجع جميع الصفحات الخاصة بالفهرسة.

 

صدور رواية: مولى الحيرة للكاتب الجزائري إسماعيل يبرير

924-moulaرواية "مولى الحيرة" للجزائري إسماعيل يبرير بحثا عن الحياة في القصيدة والتصوّف والسياسة والحب

صدرت مؤخرا رواية جديدة للكاتب الجزائري إسماعيل يبرير بعنوان "مولى الحيرة"، وتقع الرواية في 424 صفحة من القطع المتوسط، وهي نص متشابك عبر أكثر من جزء، وعدد من الفصول التي تشكّل كلّ جزء، وبعناوين مستقلّة وموحية يسعى يبرير إلى تقديم نمطه الرّوائي المختلف، حيث يركّز مرّة أخرى على العمق الجزائري من خلال بطله الرّئيسي "بشير الدّيلي" وباقي الشخوص/الأبطال الذين يشاركونه أحداث الرّواية.

تدور الرّواية في مدة زمنية تقارب الستة عقود، تبدأ منذ منتصف الخمسينات وتنتهي في سنة 2015، ورغم أنّ التركيز كان على الحقبة السبعينية ثمّ التسعينية وأخيرا على الألفينية، إلا أنّ الروائي عاد أكثر من مرّة إلى الثورة الجزائرية وما جاورها، قبلها بقليل وبعدها بقليل، وفي عودته كان المنظور السياسي والسؤال حاضران بقوة، حيث أنّ والد بطله بشير الديلي كان شهيدا، وقد سعى أن يعرف قبره المجهول دون جدوى، وفي غياب هذا الوالد الشهيد نشأ الدّيلي وحيدا بين جدّيه، وتعلّم في مدارس مدينة الجلفة (جنوب العاصمة الجزائرية)، ثمّ اشتغل في دار البلدية، ورافقه هوسه بالشّعر طوال حياته، فقد كان يحلم بكتابة قصيدة، من أجل هذا التهم الشعر العربي والفرنسي والمترجم، ليكوّن بذلك ثقافة كبيرة في الشّعر.

924-moulaكان البطل على الدّوام يساريّا إلى أن شعر في لحظة أنّه فقد انتماءه لليسار وأنّ الوطن كلّه يمضي بلا وجهة واضحة، ولعلّ افتراقه عن رفاقه الذين شكّلوا معه نفس الانتماء السياسي جعله يصبح مجرّد مواطن يبحث عن وطن وسكينة.

تطفو أكثر من قصّة حبّ في رواية "مولى الحيرة" فقد اختار إسماعيل يبرير أن يدوّن لنا الحكايات المتقاطعة لعشق بشير الدّيلي وحبيبته التي لم يمنحها اسما، واكتفى بوصفها بالخونية، أي العارفة، ثمّ هناك حكاية أخرى للتالية التي أحبّت يحي الشاب الأخرس الذي يملك الكثير من المواهب من بينها حبّه الخطّ العربي ورغبته في رعاية النباتات، وهناك قصّتا حب مكرّرتين للشاب فاتح الباقي الذي يبدو تائها، ولسبب مجهول جعل الكاتب كلّ قصص حبّه فاشلة، بل إنّ ابرزها كان ما حصل بين التالية ويحي حيث تزوّج كلّ منهما آخر وبقيا يتساءلان عن حبّهما، أما بشير الدّيلي فقد ضيّع حبيبته بمجرّد أن تزوّجها بعد أن اختارت فجأة التصوّف.

الدّيلي الذي تعب ليكتب قصيدة كبيرة تصنع له المجد، هو ذاته الأب الذي نسي ابنه مينا، وبدت علاقتهما جدّ متشنجة، ولا يمكن أن يعودا إلى علاقة مقبولة إلى في آخر الرواية، لكنّها عودة أقرب إلى الصداقة ولا يبدو فيها الدّيلي معنيّا بصفة الأب.

ويظهر جليّا أن جميع ابطال الرواية وعبر فصولها كانوا يفتّشون عن معنى لحياتهم، في التصوّف أو الشعر أو السياسة أو الحب. في رواية إسماعيل يبرير يوجد الكثير من الأشخاص الثانويين، وبعضهم يبدو أقرب إلى السّعي للحصول على متّسع في النّص، فبايزيد وهو رجل أعمال معروف بالفساد، وجد الفرصة ليموت وقد قدّم الكثير من الخدمات لأهل الرّواية، كأنّ الروائيّ يقول لنا أنّ رموز الفساد لا تعني دائما الفساد؟

هناك درجة عالية من الاعتناء بالنباتات والاشياء، بل أن النبات والوقت والسماء والماء والأثاث والحيوانات كلّها مشاريع شخوص أو حالات، بالإضافة إلى حضور الشّعر عبر مقاطع وأبيات لشعراء عرب كبار كالمتنبي وعنترة ومجنون ليلى، ولمتصوّفين معروفين كرابعة والحلاج وابن الفارض.

راهن إسماعيل يبرير على بناء صعب إلى حدّ ما، إذ قسّم الرواية إلى جزئين هما: "الطبقة الأولى" و"الطبقة التالية"، وبينهما فصل طويل بعنوان: "مسعى حفيد العنب" وهو يشبه رواية داخل رواية، حيث يتحوّل فجأة إلى حكاية أخرى هامشية، كأنّها محطّة استراحة أو فاصل سردي. وهناك بعض الفصول التي تبدو مثل "إكسسوار"؛ على غرار فصل "صيد الحكاية" و"فصل الحكاية". ولكنّ البداية والنهاية كانتا عبر فصلين بعنوانين هما: "تحرير، مفتتح بمثابة مداعبة" و"افتراض، بمثابة منفذ".

ويحضر مجدّدا "الرّائي" الذي كان مصوّبا في روايته السابقة "وصيّة المعتوه" لكنّ حضوره هنا كان أقلّ حدّة حيث اقتصر على أحلام بشير الدّيلي فحسب، ما جعل الكاتب يهتمّ بلغته ويصبع عليها نوع من الحكمة المقصودة.

تكاد تكون رواية "مولى الحيرة" حالة من الاحتفاء بحيّ القرابة، هذه هي الجزئية المهمة، فالحيّ هو أيضا بطل مواز، بطل تقصّد الكاتب أن يجعل له بلاغة هو الآخر فأثّثه بحالات وشخوص واقترح الحكايات، لنكون روايته واقعية سياسية ناقدة، ولكنها رواية حب ولغة ودهشة، ورواية مليئة بالرّموز حيث يجب أن تقرأ على مستويات مختلفة.

تعتبر "مولى الحيرة" رابع روايات إسماعيل يبرير المنشورة بعد "باردة كأنثى"، "ملائكة لافران"، "وصية المعتوه، كتاب الموتى ضدّ الأحياء"، كما صدر له ديونا شعر "طقوس أولى" و"التمرين أو ما يفعل الشاعر عادة" ومسرحية "الرّواي في الحكاية"، وقد توّج بعدد من الجوائز الأدبية في الجزائر وخارجها، كان آخرها جائزة الطيب صالح العالمية للرواية عن رواية وصيّة المعتوه.

 

 

 

جميل حمداوي: مسرح الشباب بالمغرب

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب مسرح الشباب بالمغرب باعتباره ظاهرة ثقافية وفنية لافتة للانتباه، وظاهرة اجتماعية صحية في المجتمع المغربي، من حيث نتائجها الإيجابية التي تتجلى بوضوح في تـأطير الناشئة المغربية، وتكوينها تكوينا فنيا وجماليا وأخلاقيا وتربويا. ومن ثم، يحمل  مسرح الشباب رسالة نبيلة، ويتقلد مسؤولية جسيمة  بامتياز، تتمثل في  رفع مستوى الوعي المعرفي لدى الشباب. وبالتالي، تسمح لهم بحرية التعبير - أدبيا ودراميا-  عن قضايا الذات والواقع الموضوعي، والإحاطة بمشاكله العديدة الشائكة عبر المعالجة الجدية، والانتقاد الصارخ . ناهيك عن رصد  الهموم الداخلية للشبان، واستبطان دواخلهم الشعورية واللاشعورية بارتجالية تامة، وعفوية صادقة، وحوارات متقدة.

ولايمكن الحديث إطلاقا عن أمة متحضرة وواعية وراقية دون مسرح وثقافة جمالية وفنية، فالأمم المتقدمة تعرف بعدد مسارحها ومدارسها ومعاهدها وجامعاتها.

وعليه، يمكن الحديث عن أنواع عدة من المسرح. فهناك المسرح المدرسي، ومسرح الطفل، ومسرح الشباب، والمسرح الجامعي، ومسرح الهواة، ومسرح الكبار، والمسرح الاحترافي، والمسرح التجريبي...

هذا، وقد اهتم المغرب مبكرا بمسرح الشباب داخل المؤسسات التعليمية والتربوية ، وداخل الجمعيات والنوادي المدنية أو المنضوية تحت لواء مندوبيات وزارة الشباب والرياضة. كما عرف المغرب مسرح الشباب بصيغ متعددة. ومن أبرز هذه الصيغ مسرح الهواة الذي سما بالمسرح المغربي إبان السبعينيات من القرن العشرين إلى أوج التفوق والتقدم والازدهار.

وقد تم تفعيل مسرح الشباب في صيغة إخراجية جديدة مع سنوات الألفية الثالثة ، وسهر عليه مشرفون أكفاء غيورون على مسرح الشباب، بعد أن لاحظوا كثرة النوادي الشبابية، وتعطش الجيل الجديد إلى الممارسة المسرحية نظريا وتطبيقا. لذا، سارعت وزارة الشباب والرياضة إلى تلبية حاجيات الشباب المغربي، بعقد مجموعة من المهرجانات الجادة والطموحة، وكان آخرها  المهرجان الوطني العاشر سنة 2015م.

ومن المعلوم لدى الجميع أن هذه المهرجانات المسرحية الشبابية الإقليمية والجهوية والوطنية قد حققت نجاحا كبيرا لكثرة النوادي المشاركة ، ووفرة العروض المقدمة على خشبات المسارح. علاوة على الحضور الكبير للجماهير الغفيرة من المواطنين للاستمتاع بالفرجة الدرامية الشبابية التي قدمتها طاقات ومواهب شابة من ذكور وإناث لها باع متميز،  لايمكن الاستهانة بها في مجال التشخيص والإخراج والسينوغرافيا.

وأتمنى أن يلقى هذا الكتاب الذي ينصب على مسرح الشباب بالمغرب تأريخا وتوثيقا وتحقيبا ونقدا ودراسة وتوجيها اهتمام القراء الأفاضل، حيث يجدوا فيه ما يعجبهم ويرضيهم. ونعتذر لهم عن كل نسيان، أو سهو، أو تقصير، مادمنا بشرا ناقصين. وما توفيقي إلا بالله جل علاه،  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

د. جميل حمداوي

..................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

مسرح الشباب بالمغرب / د. جميل حمداوي

 

علجية عيش: مَوْعِدٌ مع المَوْت.. مع منصف المرزوقي ورحلته في البحث عن سرّ الموت والخلود

eljya ayshقبل أن يكون رئيسا لجمهورية تونس فقد عمل الدكتور منصف المرزوقي كطبيب أعصاب، بحث عن نهاية الإنسان، فاتجه إلى كتب الطب ليسألها عن سر الموت، ولكنه استغرب سكوتها المطلق، فاتجه إلى شعر إلى إيليا أبو ماضي، لأن شعره احتل موضوع الموت فيه مكانة بارزة، وصفه ببراعة المشاعر التي يثيرها وجوده حاول إيليا فكّ " الطلاسم" لكنه لم يقدر، لأن الموت معجزة حتى الفلسفة لم تطرح المشكلة، فاتجه إلى الموسيقى.. إلى موسيقى فرانز شوبرت لتشرح له مأساة الرجل وهو في الواحدة والثلاثين، وجمال وروعة الثلاثيات والرباعيات

موعد مع الموت مقتبسة عن كتاب "الطبيب والموت" للدكتور منصف المرزوقي طبيب مختص في طب الأعصاب صادر عن الدار التونسية للنشر عام 1983 وهو يحتوي على 160 صفحة تضاف إليها صفحتين للفهرسة تحدث فيه المرزوقي عن سر الموت ساخرا من الطب ومن تعازي الفلاسفة ومن أسطورة الخلية الأولى قال عنه الدكتور محمد بن صالح مقدم الكتاب أن المرزوقي لم يكتف بالتطبيب داخل عيادة أنيقة كالتي يمتلكها أغلب زملائه، ولأنه لم يعمل على أن يصبح نائبا برلمانيا ليبدأ الحلم بالوزارة، لكنه ظل يحشر نفسه في كل المشكلات دون استئذان حتى أنه صار يتحدث عن الموت..، وقد كتب منصف المرزوقي كلمات جميلة على ظهر الكتاب قال فيها: " أترى الموت تتويج الإخفاق، إخفاق المعجزة.. معجزة الحياة، والخوف اولى بوادر الوعي بعبث الجهد وفشل الحيّ أم هل هو تتويج هذه المعجزة: السكينة المطلقة.. اللاحركة..اللامبالاة المطلقة.. الاكتمال.. والكمال أخيرا، إن كان الموت ظاهرة طبيعية مبرمجة، داخل نواة الخلية وإن كان الخلود فكرة مسمومة، فما هو التفسير الممكن علميا للقَبْلِ والبَعْدِ وذلك في عطار التصور الجديد للكون .

كانت رحلة طويلة تحدث فيها منصف المرزوقي عن الموت وهو آخر موعد يفكر فيه الإنسان لانشغاله بالحياة وزخرفها’ الكل يبرم موعدا مع شريك له يبرم معه صفقة تجارية، أو حبيب ليقضي معه يوما ربيعيا أو..أو..، إلا الموت، غير أن المرزوقي كان جليسا مع الموت تحدث عنه وعن مراحله فيقول: منذ مائة سنة والإنسان يناضل في سبيل تجاوز الموت، منذ مائة ألف سنة والإنسان يكذب على نفسه كما يفعل الطبيب أمام المحكوم عليه بانتصار السرطان، يتكلم الإنسان عن الموت ..، أين هي الحقيقة لست أدري..؟

ما للقبور كأنما لا ساكن***فيها وقد حوت العصور الماضية

طوت الملايين الكثيرة قبلها*** ولسوف تطوينا وتبقى خالية

أين المها وعيونها وفتونها*** اين الجبابر والملوك العاتية

زالوا عن الدنيا كأنهم لم يولدوا***سحقهم كفّ الفضاء القاسية

"إيليا أبو ماضي"

وهو يتحدث عن الموت وصف المرزوقي حالة فتاة أصيبت بورم في المخ ولا أمل في علاجه، تذكره هذه الحالة بالرباعية الخالدة لفرانز شوبرت (الصبية والموت)، كان المرض سنة 1926 ينحر أحشاء شوبرت وهو يعلم أنه على موعد قريب مع النهاية أو الموت، لذلك كلن لا ينفك عن التأليف، إنها السنة التي يكتمل فيها رباعيته الخالدة من سلّم ري مينور re mineur المطبوعة بطابع الحزن المتسلسل غلى قلب الفنان، وهو يعاني من البرد في غرفته الحقيرة في شتاء فيينا وبينما كانت شوارع فيينا تتغطى بالثلوج كان شوبرت يصبُّ عُصارة روحه على الصفحات لبيضاء.. فقر مدقع ومرض قاتل، وشباب ضائع، ذلك هو الجَوُّ الخانق الذي عاش فيه شوبرت..، الثورة أما القدر لا تجدي، لذلك سيعيد شوبرت هدوءه وينطلق نغم هادئ حزين، يبدأ حوار درامي بين صوت الفيولون وتضرّع الكمنجات، وتكون الموسيقى الصراع بين هذين الخصمين يرتفع صوت الكمنجات وكأنها تحكي بؤسها وهي تبكي وتتخبط وتتوسل..، لقد تقرر على الفتاة إجراء عملية جراحية، هاهي استسلمت للموت طائعة

فتجهمت وتلفتت مرتاعة***كالطير أيقن أنه مأسور

و تحيرت في مقلتيها دمعة***خرساء لا تهمي وليس تغور

وجمت فأمسى كل شيء واجما***النور والأطلال والديجور

الكون أجمع ذاهل لذهولها***و كأن الأرض ليس تدور

سكت الغدير كأنما التحف الثرى***و سها النسيم وكأنه مذعور

و كأنما الفلك المنور بلقع***و الأنجم الزهراء فيه قبور

إيليا أبو ماضي

هي الآن نائمة على طاولة العمليات، وها هي فظاعة الموت وعبثه تعبث بجدائل شعر الفتاة، والجراح يهم بفتح الجمجمة، على كل حال المعركة خاسرة مسبقا، كانت الرباعية الخالدة من أجمل وأصفى وأروع الألحان تفتقت عنها عبقرية موسيقار، كانت مزيج من حنان دافئ فيه براءة روح شوبرت...، فيه حزنه الساكن وهو يكتب بتلك السرعة التي جعلت منه أحد أكابر الموسيقى قبل ان يخطفه الموت وهو في عمر الزهور..، وتتواصل الكمنجات في عزفها الهادئ المسالم الوديع..، تتخلله بعض الضربات العنيفة للفيولونسال، لكن الكمنجات لا تهتم..، تتابع عناءها..، لقد ولّى الرّعب، وولّى الخوف، ولّت الثورة..، إنها لحظات الاستسلام للموت ويمتزج الفن مع الموت النهائي، ورباعية فرانز شوبرت (الصبيّة والموت) هي لوحة للرسَّام "يالدوين قرين تمثل الموت ممسكا بشعر الفتاة التي لم تتجاوز ال18 من العمر، كانت تفاصيل جسمها توحي بأنها الينبوع الذي سيتفجر منه سيل الحياة العاتي، إنها على موعد مع الموت، ليقطف روحها مثلما تقطف الزهرة، وهي لم تعطر بأريجها العالم، أو مثلما تنطفئ نجمة قبل أن يهتدي بنورها بحَّار أو يحلُمُ على ضوئها شاعر مُحبّ وهاو عزرائيل يراقص الفتاة الرقصة الأخيرة.. هي الآن على موعد مع الموت، لماذا توقظ جراحنا أيها المرزوقي..؟، يقول منصف المرزوقي: الموت فظاعة في الكبر لأنه يحصد إنسانا عبّأ ما عبّأ من التجارب، وهو فظاعة عند الطفولة، لأن الطفل لا يفهم..، يموت ولا يدري أنه عاش، لأن الشباب أمل وطموح وتوثب إلى تحقيق الأماني التي وضعتها فيه الحياة..، وتنتهي الرباعية..، كانت الحركة الراقصة هي رقصتها الأخيرة مع الموت وماتت الفتاة بعد أسبوع وغمر الصمت الغرفة، ليسكنها بردُ الموت

فتبسّمت وبدا الرضا في وجهها***إذ راقها التمثيل والتصوير

عالجتها بالوهم وهي قريرة***و لكم أفاد الموجه التخدير

يبكين في جنح الظلام صبية***إن البكاء على الشباب مرير

يا ليل أين النّور..؟ إني تائه***هل ينبثق، أم ليس عندك نور

أكذا نموت وتنقضي أحلامنا***في لحظة وإلى التراب نصير

إيليا أبو ماضي

إنها معجزة الموت والحياة يقول المرزوقي تجعلنا نقف مشدوهين أمام إعجاز الخلية وروعة ودقة القوانين، التي تسير تعاملها مع بقية الخلايا وتصيبك الدهشة أمام مراحل تطور الجنين عند كل الكائنات

لقد رأيت النمل ***يسعى مثلما أسعى لرزقي

و له في العيش***أوطار وحق مثل حقي

قد تساوي صمته***في نظر الدهر ونطقي

فكلانا سائر يوما إلى***ما لست أدري

إيليا أبو ماضي

يدعونا المرزوقي لنتوقف مرة ونسبح بخيالنا لنتذكر ملحمة الخلية الأولى وصبرها الطويل وهي تجاهد للبقاء، نحدق في العالم وكأننا نراه لأول مرة ونتمتع بمعجزة الرؤية، قد يكون الموت تتويج هذه المعجزة، السكينة المطلقة، اللاحركة، اللامبالاة، اللااكتمال والإخفاق أخيرا، قد تمشي في الشارع وفجأة وبدون سابق إنذار تخسف بك الأرض، حادث مرور بسيط، في أي لحظة يمكن أن تبتلعك الهاوية، الحرب، رصاصة طائشة، سكين مجنون، سقوط طائرة، أو غرق باخرة، قائمة المطبات الكبرى طويلة، أما المطبات الصغرى فهي خيبة أمل عيث الصدف بالمصير، حب فاشل و..و..الخ، غدا ستكتب عنك الجرائد ويتلقى أهلك وذويك التعازي الواحدة تلو الأخرى وهكذا تبدو لحياة في بعض الأحيان تافهة مبتذلة، هكذا يقول المرزوقي لقد ذهب كل شيء مع الريح وذهبت الأحلام..، خلقت المستشفيات لانتظار الموت.

تساءل همنجواي مرة وهو يمشي : متى تتفتح اليابسة تحت رجلي ولتبتلعني؟ يقول المرزوقي باعتباره طبيب أعصاب: "إنه الخوف من الموت ولهذا نرى الزعماء يمشون ومعهم مسدس يخفونه، حتى أصيبوا من مرض اسمه الخوف من الخوف"، بمرور السنين يصبح الخوف الهاجس الوحيد والمرض الحقيقي لا يوجد دواء للخوف يضيف المرزوقي إلا بعض العقاقير لتخدير العقل والحواس، لكنها لا تجدي شيئا فهي كمن يحاول إطفاء حريق بملاعق القهوة، ثم يضيف: "الطب كذبة بسيطة"، أهكذا هو الطب أيها المرزوقي؟، كم مرة في اليوم تكذب فيها على المرضى ؟ وهل هي كذبة بيضاء؟ وقد اعترفت بنفسك أنك تعلمت الكذب أو بالأحرى التمثيل، تعلمت الرياء والخداع رحمة بالإنسان وتعلمت كيف ترسم على شفتيك ابتسامة سخرية، وتهز كتفك بازدراء، نعم يا دكتور أنتم الأطباء ممثلون من الطراز الأول تخلقون السيناريوهات كما يخلق الفنان اللوحات وترتجلون حسب المواقف والشخصيات.

يتساءل المرزوقي قائلا: أي عضو من أعضائي سيطلق سفارة الإنذار الأولى؟ الرئة، المخ، الكبد القلب أم الدم؟ بماذا سأشعر وأنا أحس بدبيب الموت في أحشائي، وتتسارع الأفكار والخواطر والهواجس بالمرزوقي وبي أنا أيضا.. وربما بكم أنتم كذلك..، هل جرّب أحدكم ظلمة الموت يوما، أو برودته؟ أنا جربتها أو بالأحرى تخيلتها وجسدتها ككائن واقف أمامي، سأخبركم كيف جربت ظلمة الموت ولكن بشرط أن تجربوها أنتم كذلك.. أوكي.. هيا لنبدأ..، ابق بمفردك في غرفة، أقفل النافذة واغلق الباب بالقفل حتى لا يدخل عليك أحد، أطفئ النور، استلق على سريرك استرخي قليلا.. وأغمض عينيك لا تفكر في عملك أو في مشروع الغد،لا تفكر في أسرتك ولا في حبيبتك ولا حتى في من تشاطرك وسادة نومك، سوف ترى لا محالة شبح الموت قادم، هاهو يتسلل ببطء، يقترب منك، يسكن جسدك، أنت ميّتٌ الآن..، الوضعية حرجة .. أليس كذلك لا تقل شيئا، لا تضيع وقتك في الإلحاح السمج الثقيل، وإن نهضت فلن تنهض إلا بصعوبة، تنظر إلى وجهك في المرآة، ولن تعرفه فقد حفرته تجاعيد الخوف من الموت..

وإذا شيخ في الصحراء *** كالزورق في عرض البحر

أعياه الصلح مع الماء *** واضاع الدرب إلى البرِّ

يمشي في الأرضِ على مهلٍ *** وعلى حذر لكن يمشي

كالشاة تُسَاقُ إلى القتل *** بعصا جبَّارٍ ذي بطشِ

إيليا أبو ماضي

اتجه المرزوقي إلى كتب الطب ليسألها عن سر الموت استغرب سكوتها المطلق، فاتجه إلى شعر إلى إيليا أبو ماضي، لأن شعره احتل موضوع الموت فيه مكانة بارزة، وصفه ببراعة المشاعر التي يثيرها وجوده حاول إيليا فكّ - الطلاسم - لكنه لم يقدر، لأن الموت معجزة حتى الفلسفة لم تطرح المشكلة، فاتجه إلى الموسيقى.. إلى موسيقى فرانز شوبرت لتشرح له مأساة الرجل وهو في الواحدة والثلاثين، وجمال وروعة الثلاثيات والرباعيات..، ربما المرزوقي لم يطربه صوت فيروز وهي تردد: "زروني كل سنة مرّة.."، أو قول أحد الفنانين المتشائمين .. " هذا وطنك ولاّ جيت برَّاني، يا راس المحنة لله كلمني.."..، يقول المرزوقي، أريد أن أعلم ما الذي ينتظرني في ذلك اليوم الهام، وأنا محمول على النعش، هل سيكون العبور مؤلما مخيفا؟ بماذا سأشعر وأنا أطلق آخر نفس لي، والحياة تنسحب من ضلوعي كالموج عند الجزر أو كالرمل يتسرب من يد أتعبها تشنّج العضلات، لماذا أنت متيقن بأن أمثالك لا يذهبون إلى الجَنَّة؟ كم من مريض قتلته خطأ من الممكن أن تزعجك مثل هذه الأسئلة..

أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور

فحياة فخلود أم فناء فدثور

أكلام الناس صدق أم كلام الناس زور

أصحيح أن بعض الناس يدري

لست أدري.. ولماذا لست أدري.. لست أدري

إيليا أبو ماضي

 

أما البحث عن أكسير الخلود، أصبح الزمان غير محدود، يا له من عالم مجنون، أنت لا تساوي قرشا طالما لم تعرف أصحاب النفوذ (صدقت أيها المرزوقي) لكن إتاحة الفرص تتطلب منك ومني التواري والاختفاء ذلك هو قدرنا، من البديهي أن الموت هو ضمان التجدد فالخلق، وبالتالي ضمان حياة الحياة، كانت الحضارات والإمبراطوريات وة قبائل البدو في قلب الصحراء أو في الفيافي وفي الغابات الجليدية تشيخ وتهرم ككل الكائنات الحية، وكان الموت يتسرب إليها وأعراض الموت معروفة: الغرور، لجمود، التحجر، التعجرف، الترف وسيطرة الطقوس و..و..، اين كل ما شيّدوه؟ لقد انتهى كل شيئ وذهب مع الريح، عبثا، فكروا في الخلود، حفروا في الصخر آلاف اكيلومترات عبر مئات السنين، كان أعظم عمل قامت به الإنسانية في حربها الخاسرة مع الموت.. هو اسمي واسمك واسم أجدادك الذين هم أجدادي، كل ذلك مسجّل في الذاكرة وظنوا انهم سيتغلبون على الموت، لكن الكون العجوز على " موعد مع الموت " آن له الأوان لأن يتقاعد، ينسحب ويرتاح، أهدرت حياته الجياشة كل طاقاته ونضب منه الوقود، انطفأت آخر نجمة، عمّ الظلام المطلق والسكينة المطلقة..

هل شعر أحدكم بسكينة المقابر.؟ حقا أن انتظار الموت مؤلم والهرب منه مؤلم كذلك وبعض كيفيات الموت غاية في البشاعة، لقد بحث المرزوقي عن سر الموت في كتب الطب، في الشعر، في الموسيقى وحتى في الفلسفة، لكنه لم يعثر عليه، حاول أن يراه ويلمسه لكنه لم يجده، لكنني أنا وجدته، أتذكر يوم كانت أختي تلفظ أنفاسها كنت أشعر ببرودة الموت، كنت أمسك بيدها، ساعتها كنت أشعر بالبرودة تتصاعد رويدا رويدا، كانت أمي تثبّت نظراتها إلىّ حتى لا أصرخ بصوت عال، احتراما لروح أختي حتى تخرج بسلام، لكنني لست أدري كيف جمدت وتجمد الدم في عروقي، وبقي هاجس الموت يطاردني وتلك الصورة البشعة ترافقني إلى اليوم، قبلها حضرت في تغسيل ابن أخي، عشت برودة الموت قبله بوفاة والدي، ثم عمي وجل أفراد عائلتي، لم أعد أخاف من الموت، بقدر ما تقلقني الوحدة، وأنت تعيش آلام الفراق، وهاهو منصف المرزوقي يلجأ أخيرا إلى الدين وهي المحطة الأخيرة لمعرفة سر الموت وبرودته، يقرأ للفيلسوف "لاوتسو" ذلك الفيلسوف العجوز ولا وتسو من أكبر عباقرة البشرية وهو صاحب كتاب " الصراط وفضيلته"، قال لاوتسو: "كل شيء عائد إلى الأصل، ومادتنا عائدة إلى الأصل، غلى نقطة الصفر التي شهدت بداية كل شيء، بعد المدّ يكون الجزر، يصف لاوتسو الصراط فيقول: أنا لا أعرف له اسما لذلك سميته الصراط، لا أعرف عنه شيئا لذلك أقول أنه أكبر يصفه بأنه أزلي قارّ لا يفنى إن نظرت بالعين فلن تراه لأن اسمه من لا يرى وأن أصغت السمع فلن تسمعه لأن اسمه من لا يسمع وإن لمست باليد فلن تلمسه لأن اسمه من لا يطوله اللمس، هو شكل بلا شكل، صورة بلا صورة، سراب، اتجه نحوه فلن ترى وجهه اتبعه فلن ترى له ظهرا، ومع ذلك فإن الصراط هو أم كل الكائنات عنه تولدت وإليه تؤوب الصراط إذن يجعلنا ندرك الصلة بين الخالق والمخلوق، هي إذن صلة الترابط والتلاحم حتى" يكتمل الناقص".. هذا الإبداع الإلهي نجده في كل مكان وزمان..، في ضحكة طفل..خرير ماء.. قطرة ندى.. يد ممتدة.. قلب خافق.. نور على نور.. حفيف أشجار.. ركض غزال.. موجات تداعب الصخر.. مجرات تتفجر... كله جَمَالٌ وإعْجَازٌ.. عبقريةٌ وكل هاته الأبّهة عندما تتلألأ النجوم في ليلة صيف.

 

علجية عيش بتصرف

 

آمال محمد: في كتاب أطياف: تراوغ الظمأ للشاعر حسن العاصي

922-hasanصدرت مجموعة شعرية جديدة للشاعر الفلسطيني المقيم في الدانمارك حسن العاصي بعنوان "أطياف تراوغ الظمأ"عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام في القاهرة

يضم الكتاب أربعون قصيدة نثرية، ولوحة الغلاف للفنان التشكيلي عدنان يحيى، والإهداء إلى جميع الذين قضوا في المتوسط ولم يصلوا.

 

الدخول إلى هيكل حسن العاصي

يبدأ من هناك .. من العبارة التي طرحت ذاكرتها على ورق النوايا

 من الحزن الذي انتفض تحت  وهم الشمس وهي تغرز صحوها  حول  رجفة الجفن المتعب..

922-hasanوأول اليقظة حرف يتبع شغف صاحبه نحو الضوء

نحو الباب الذي يفتح مصراعيه للطارقين المتلهفين

للقابضين على جمرة التراب وفي نفوسهم يقين لما تحمله الكلمة من جواهر وأجوبة  تتيح نفسها لمن يجرؤ

وهل أوسع من قصيدة حرة مفتوحة لتحمل ذاك الشجن

قصيدة تكسر قالب النمطية الضيق وتنطلق حاملة مشاعر صاحبها خارج قفص الرقم والحساب

فوق مستوى البحر وجداول السبب والوتد وما سجله الخليل وما سهى عنه

ولندخل الأسباب ونقيم في دارة العاصي لحظات

نتأمل التكوين الذي قدر منازل الكلمة  وبروجها  وأقعدها  وجذرها حول فلك المعنى

وأطعمها نثرات  النفحة التي تبث الروح في العبارة .. التي  ترفعها عن غبارها وحتى تلفظ  أوصالها  " شعرا

وأحتار وكل عباراته تومض بالنبض العتيق

باليقظة التي تبث أتراحها على قارعة الرماد، قارعة الوجود اللحظي .. "وما طغى الوهم على صوت القلب"

 

في قصيدة ومضات قدرية

 على بُعدِ وشمٍ من النَّبضِ العتيقِ

عثرتُ على يَقظتي

وَضعتُ يَدي على قارعةِ الرَّمادِ

أُلوِّحُ بالماءِ

كيْ يسيل صَدى الحزنِ

وأَتلاشى مثلَ أجنحةِ المطرِ

 

يقدم لنا الشاعر فلسفة الوجود يشرح الماهية القدرية وبجمل بسيطة بليغة

ويقدم بعفوية "  نطفة من أثمن نطاف الوهج النثري وأعمقها

فإدخال صفة القدم على النبض الذي استيقظ في عروقه 

يحيلنا إلى الإافلاطونية وغراسها الأولية والتي تؤمن بوجود نفحة قديمة وفي كل كائن محدث

وهذه النفحة هاجعة وحتى تلتقي بالكائن القادر على حمل نورها ونيرها

فتبدأ بالشروق متخذة من الجبين مسكنا ومن القلم أداة

وحتى إذا ما التقيا على النية النقية والاستحقاق التطوري ،فاضا  " يحملهما مركب الحرف ويحرسهما  طيفه الملائكي

بالنتيجة الحرف أو الكلمة وجه من وجوه اليقظة

علامة جبرية تدق على الذاكرة وحتى تسيل حاملة ثمار تجربتها ومرورها على قارعة الرماد " على الوجود المادي

وحتى إذا ما عادت النفس إلى بارئها أو مسكنها الحقيقي أو وجودها الفعلي الثابت  الأعلى

"تذكرت" ووسيلتها في ذلك الحرف والذي يعبر بين الممالك والحجب لا يمنعه حارس ولا ملك

العبارة إذن ليست بالسهولة التي نعتقد

ولا هي غامضة أو عابرة ... بل هي منازل لها شأنها وميقاتها وأسبابها

ولعل الشاعر العاصي من أيقظ الأقلام النثرية " القادرة على التعبير عن تلك المنزلة

القادرة على العبور والتوازن بين صدى الحزن العتيق وبين الماء الذي يخفي الحريق

حريق النفس العليا وقد ضاقت بمحدودية الجسد

واشتهت العودة أو اليقظة

لعل تلك النطاف أو الغراس والتي يدسها الشاعر العاصي في جمله" واعيا أو غير واع "  هي أهم ما يميزه قلمه

هي الصلة التي ترفع مقام الحرف  وتبث فيه الروح

وما الروح إلا النفحة التي تلقي بهالتها على العبارة رافعة ترددها إلى مقام الشعر

ذاك هو الإيقاع المصمت " الإيقاع الداخلي والذي يستشعر الميزان وقيم الأرقام الجذرية والنسبية

وبحس داخلي يتفوق على الحاسب العروضي النمطي ..  

   شعائر نثرية متراصة بحبل من مَسّك .. ومعان مجنحة تتطيب من نفح الوريد تقول المشهد وبجرعة ضاقت حتى اشبعت

...تلك فورة النثرية ومقام من مقاماتها العليا وقد استدعت أجنة المعاني وباطنها المرصود

لغير المأهول ولا المطروق .

 

أربعون قصيدة تطل من جب الخبايا

حاملة   نطاف يقظتها  وأجنة حريقها وهي تمر على الأرض الخراب

وقد أودعت حبرها ملكوت  الشعر المنثور... رفعته على أسنة البلاغة  وتوارد المعاني وما يسقطه شجر المجاز من ثمر

وتلك الثمرات لا تأت صدفة ولا تعطى لمار

بل تلقى في القلب وبقدر مسبوق  قديم

يتراءى بين النبض والنوايا

بين الواقع وما تلقيه الظلال من رماد يتنفس تجربة الحياة

 

والشاهد حرف ..

حرف مصمد  أحادي القطب هاجع وحتى تلفظة النوايا

فيخفق وينبض بالعروق والفعل والفكر

يتخلق وكيان صاحبه فيصيرا كتلة تئن بالواقع المعاش والواقع المنظور

وبعد ألا يزهر كل هذا الصراخ

 ألا يرفع نعشه على أكف الورق العذري

وقد هيأ للقلم بصره " ومد الحبر أرضه  ومن ظل اليقظة التي طافت حول أسئلة الوجود وإلى اليقين

وقد اتخذ من الكلمة جسدا تتعاطي مع قضايا الفكر والفلسفة وفوضى الواقع

وفي كل قصيدة ولادة تشهق بموقف الشاهد العاصي على هذه الفوضى

يدخلها جزعا ويخرج منها مطمئنا واثقا أنه في صخب المقام  .. أنه على حافة الصراط  يسقط تجاربه

وأوراقه  آملا في الخروج وإلى المقام الأعلى

... تجربة الشاعر العاصي، تجربة تستحق الخوض فيها وكلما مضيت في غابته الكثيفة الممطرة

كلما أدركت أننا أمام قامة فكرية نذرت حرفها لما بعد المقام

لما بعد الفوضى والتي امتدت إلى كل نواحي حياتنا    

ولم تنقصه الجرأة في طرح قضايانا سواء الفكرية أو السياسية أو الفلسفية

وقد وظف قدرته البلاغية العالية  ودقة تصويره وخياله الواسع كعامل طرح

رفع هذه القضايا أمام البصر مكللة بطوق المنطق وسعة البصيرة وجمال التعبير المميز في لغة الشاعر  أنها تأتي بقواميس الفلسفة المتخمة المعقدة

وتجدلها بعبارة طيعة " سهلة صعبة

صعبة لمن وقف على الرصيف ولم يعبر نهر النثرية وسلواه

سهلة لمن بلل أكفه بأجنة الخلاص وحاز على بذرة المعنى الصغيرة "الشاسعة"

وتلك لغة المستقبل " اللغة التي تقول الدهر بعبارة

اللغة  التي تفصل المارين عن الماضيين عن الباقيين،

اللغة التي تنتقي وتفاضل،

 

آمال محمد - شاعرة وناقدة أردنية

 

 

علاء هاشم مناف: النظرية الإستطيقية للسينما.. دراسة تحليلية لسينما الحداثة وما بعد الحداثة

إن الحركة التنظرية والنظرية للفن تنطلق من الرؤية الاختلافية للزوايا المتعلّقة برؤية الموضوع المراد مناقشته، ونحن ناقشنا في هذا الكتاب الخصوصية الفعلّية لسينما الدوجما والمحكومة بالإطار المنهجي، هذا من ناحية، اما من الناحية الأخرى فقد ناقشنا المراحل التاريخية لنشوء الحركة السينميّة، وقد إنصب الجهد في تصنيف بعض المدارس التي سبقت سينما الدوجما لان سينما الدوجما هي نتاج لمدارس وحركات سينميّة سبقت هذه المدرسة، وكانت سنّة التطور والتغيير التي تفضي في النهاية، الى دفع الحركة السينميّة إلى أمام لإستشراف تاريخ الفن السابع، بعد ان تم رسم تلك الإحداث السسيولوجية والسيكولوجية وعلاقة ذلك بالقاعدة التحتيّة للإقتصاد التي تقوم ببلورة المرتسم الثقافي والانتقال بعد ذلك الى أحدث الأساليب في الحركة السينميّة ومن أساليب عملية التغييّر على مستوى الفن السابع هي (سينما الدوجما) لقد كان لتاريخ السينما وفق نمطية، ونصيّة الاتجاهات ونظرياته، وعدم إمكانية الحسم في كل مرحلة تاريخية لأن التطوّر والتغيّر هو سمة الحياة، وهذه السمة هي سمة تطوريّة وإجرائية، فالفن السابع هو ليس بحاجة إلى تحديد ماهيته، وأن حدوده التفصيليّة هو أمر تحدده إجراءات التطور، وهذا الأمر لم يفقد قيمته مع المراحل التاريخيّة بل بقيت قيمّة هذه البصمة التاريخية مطبوعة وبشكل واضح، والدليل على ذلك هو ما تحقق من منعطفات إبداعية في السينما، والبعض من هذه الابداعات كان منطلقاً تأسيسياً ساهم في تأسيس إتجاهات ومدارس وحركات سينميّة كانت قد أثرت في اساليب الاخراج على مستوى العالم، وقد أسهمت هذه الاتجاهات في تطور الفن السابع، بعد ان تم استكشاف إمكانات، كانت قد أحدثت قراءة جديدة لعملية الإبداع السينميّ، وكان المتعّين من هذه التطورات، قد توضّح من خلال التطورات الفعلية المرتبطة بالانشطة البنائية للمخرجين وهذه إجابة تقييّم لطبيعة، عدم إمكانية الحسم إلاّ وفق عملية التجريب الترسندالية والقيام بتأسيس زمكانات تحسسّية، تأسس على ضوئها المنحى القيمي التقني للفن السابع .

لقد كان انتشار سينما الدوجما في العالم، وكان صداها واضحاً وعميقاً في شريحة الشباب الواعي من السينمائيين الأوروبيين ورغم كل الاعتراضات على ما حملته سينما الدوجما من مبادئ في شروطها التي تم تثبيتها في ميثاق العفّة وهي عشر نقاط كنا قد ناقشناها في هذه الدراسة وبشكل مستفيض .

نقول رغم ما حملته شروط سينما الدوجما من قواعد ضد الاستطيقيّة التي عرفناها في تاريخ صناعة السينما، وما حملته سينما الدوجما من إشكالية في تاريخ السينما إن الجهود التي عملت على إشاعتها وتطبيقها سينما الدوجما كانت كما يلي :-

1. اعطاء جرعة خفيّة ومحفّزّة لمنطق الخيال، وخلق جانب مهم من عملية الإصرار والتحدي ؟.

2. تشجيع المخرجين على عملية الإبداع الجديدة، وإخضاع بما يتوافق مع الرؤية المدركة للشعور، بأن تلك العمليات من المؤثرات البصرية والضوئية والصوتية والموسيقيّة كانت قد غطّت على منطق الحدث في الرؤية أو السيناريو أو الممثلين .

3. الدوجما هي عمل سينمي ومدرسة سينميّة جديدة تدعو الى عمل سينميّ متحرر من كل القيود التي وضعت كقوانين إستلابية، ودعوة إلى الخروج عن تلك المؤثرات المصطنعة والعودة بالصناعة الفيلمية إلى صدقها وأساسياتها في البحث عن الصدق، وعن اكتشاف منطق القوة في الصناعة التقنية للفيلم لكي يكون أداة تعبيرية عن مشاعر الإنسان الحقيقيّة .

4. الدوجما هي التعبير عن إحساس الإنسان لما بعد الحداثة، والتعبير عن همومه الفكرية، والابتعاد عن التزييف والخديعة والكذب، عن طريق تلك الألاعيب التقنيّة في السينما .

5. إن التوظيف التقني لسينما الدوجما، هو ربط مشاعر المشاهد في أيقونه وبوتقة الأحداث الفيلميّة، والاقتراب من الجودة لصورة ذلك الوسيط الرقمي . من الصورة الفيلميّة للسينما،

أخيراً نقول : لقد كانت الوقفة الثورية لسينما الدوجما التي عبرت فيها عن ذلك التمرد الفكري والتقني، بعد ارتكازها على الارث التاريخي للسينما وتقنياتها الجدلية التاريخية .   

 

الدكتور علاء هاشم مناف

..................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

النظرية الإستطيقية للسينما.. دراسة تحليلية لسينما الحداثة وما بعد الحداثة / علاء هاشم مناف

 

جعفر عبد المهدي صاحب:عرض كتاب: ا. د. عبد الإله الصائغ ورماد عودة طيوره المهاجرة (1)

jafar abdulmahdisahibفي نهاية فبراير شباط من العام الحالي وصلتني نسخة من كتاب البروفسور دكتور عبد الإله الصائغ الموسوم (الطيور المهاجرة ورماد العودة) مع إهداء جميل بخط المؤلف.

ولسوء حظي مع صديقي الصائغ  تزامن وصول الكتاب مع بدء زرقات الأبر في عيوني في غرفة عمليت مسنشفى درمن حسب قرار طبيب العائلة على أن استمربزرق الأبر كل اسبوعين حيث أذهب 50 كيلو متراً من بيتي الواقع في بارومز فيرك الى مدينة درمن التي تضم في مستشفاها قسم عيون متخصص وعالي التقنية. وبعد كل عملية ارجع الى بيتي بسهولة وبدون منغصات ولكن تبدأ الآلام في عيني بعد ثلاث ساعات من العملية، آلام تصاحبها حرقة شديدة وانهمار الدموع والرشح بشكل مزعج للغالية ولم أتخلص من الألم إلا بعد أن أتناول حبة فالييوم خلافاً لتوجيهات الطبيب الذي لا ينصح بأخذ المنومات. هذه هي الطريقة الوحيدة في اجتياز محنة الألم وحرقة العينين.

ولسوء حظي مع عضيدي الدكتور الصائغ تزامن وصول الكتاب مع وصول مسودة أطروحة دكتوراه أنا مشرف عليها في جامعة قرطاج التونسية، وجامعة قرطاج من الجامعات الحكومية الرسمية الرصينة في تونس الخضراء، ولأول مرة أكلف بالإشراف على أطروحة دكتوراه فيها، وهذا يعني يجب أن أبذل جهداً استثنائياً حفاظاً على سمعتنا الأكاديمية.

هذان الأمران، علاج العيون والأطروحة، ساهما في امتصاص جل وقتي وأصبحت بسببهما معزولاً عن العالم الخارجي. ناهيك عن ذكر المشاغل الجانبية فقد تسلمت هدية الكاتب الأستاذ طارق حربي، كتابه الموسوم (جمهورية رفحاء). لم يسعفني الوقت كي أقرأه وأكتب عنه في الصحافة رغم أني أعرف محتواه من الألف الى الياء حيث شرفني الأستاذ طارق بمراجعة مسودته قبل دفعه الى النشر في القاهرة.

ومن المشاغل الأخرى المجمدة التي تم تأجيلها لظروفي الصحية والأكاديمية وصول كتابين ضخمين مهداة ليَّ  للمفكر اللبناني الكبير الأستاذ كريم مروة الأمين المساعد لسكرتير الحزب الشيوعي اللبناني. الكتاب الأول بعنوان (فصول من تجربتي: في الفكر والسياسة، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون 2015) والكتاب الثاني بعنوان (ملامح الشخصية اللبنانية، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون 2014). وينبغي أن نكتب عرضاً لواحد منهما.

ونحن في هذا الجو المزدحم بمزدحمات وتدافعات القراءة والكتابة  والمشوش صحياً وصلني عتاب مؤثر من عزيزنا الدكتور الصائغ سوف أذكر الجانب العتابي فيه وأترك مقدمته الطويلة الذي خصصها للاطراء الى الدرجة التي يخجلني فيها، فقد جاء في عتابه قوله: (...تمنيت أن تكتب عن كتابي الجديد رقمه  31 وأنت الوحيد الذي أرسلت لك الكتاب حالما طلبته مني فأرسلت لك نسختي الوحيدة وطلبت من هم في العراق، طلبت من جواد الحطاب نسخة واحدة فارسل لي نسختين مع ان النسخة الواحدة تكلف مئة دولار بالبريد السريع المضمون ولحد الساعة لم يكتب أحداً عن كتابي الجديد الذي ازدان غلافة بعباراتك التي أسعدتني واخجلتني معاً. انتظر منك مقالة تنشرها في الحوار المتمدن ومركز النور وموقع المثقف. تحياتي).

 40-abdulelahsayeg2

الكتابة عن الصائغ ضياع:

بعد  قرأت عتاب البروفسور الصائغ انكببت على كتابه حال رجوعي من مستشفى العيون في درمن وأخذت أتصفحه وأتأسف على ما سيحل بنسختي من الكتاب من تلف أوراقه حيث يتساقط الدمع عليها رغماً عني.

أقول للصائغ إن اخوَّتنا  لاتحتاج الى دليل ولا أقول كما قال الشاعر:

كم من صديق باللسان وحينما              تحتاجه قد لا يقوم بواجب

جرب صديقـــــك ان تحتاجه           إن الصديق يكون بعد التجارب

الكتاب عبارة عن بحر مائج تتلاطم فيه أمواج الأدب والعلم والنقد الأدبي والسياسة وأدب الأخوانيات ومجمل سيرة حياة عالم وعلم من جهابذة العراق، نعم الحديث يدور حول الموسوعي الدكتور عبد الإله الصائغ. والكتابة عن الصائغ تعني الضياع مابين الأمواج المتلاطمة بين العلم والسياسة والشعر ولنقد الأدبي والعمل الموسوعي وأدب الأخوانيات وتاريخ البلدان. وأدب الرحلات ...الخ. نعم الكتابة عن الصائغ ضياع  إجباري وبجدارة.

وذات مرة كتبت عن الدكتور الصائغ، في خضم قيادتي لحملة انقاذ حياته عندما أَلَّم به المرض في خريف عام 2012 ووجهت رسالة مفتوحة الى وزير التعليم العالي الذي كان يلقب بـ (الأديب) قلت له فيها: " ...  سعادة الوزير : من عادتي لا أحب السجع ولا التزويق اللفظي ولا التيه في توريات الحديث. ولا من عوائدي ان أطلب مطلباً شخصياً لأطرق أبواب المستغعفين الذين أصبحوا ولاة أمورنا في عراقنا الحالي.

رأيت من الأفضل ان أبدأ بطرح موضوع بحثي بقصيدة بدوية في النخوة قالها شاعر بدوي يدعى  أخو تكفى) أأمل من السيد الوزير التمعن في مضامين أبياتها قبل ان ينظر في طلبنا:

علم العفا وعفاك يا وافي الكيل ........بساطه أبشّرك في خير وعفا

نكفي بعضنا وانتكافا على الشيل...واللي تعب من الحطّ والشيل يكفا

من ذاق حرّ القايله يعشق الليل........ومن شبّ ضّوه ليلة البرد يدفا

لاعاد ليلٍ ٍ كنت به في حرى سهيل..وخايلت نوضٍ يخطف العين خطفا

امسيت من جيل ٍ ولا هوب ذا جيل......واصبحت والاّ ديرتي شبه منفا

كنّا على فال الشحم والمعاميل........ونفوسنا انقى من نقى العدّ واصفا

وانا ولو راحت بقولت : تساهيل..صلف وصروف الوقت تحتاج صلفا

ياترج جدّاني زحول الرجاجيل...........يحرم فلا لي عنك ياترج مقفا

إمّا لطمنا العيل والاّ الطم العيل..........مادام شبّ النار مندوب الأطفا

خل ابرهه الأشرم على ذمّة الفيل.........وانظر لشيٍ مايوصفّه وصفا

ياذيل والله ماتجي راس ياذيل............علمٍ ماهو يغبى ولاهوب يخفا

واللي حما بيته بطيرٍ ابابيل................ماجيتك ادوّر لمن راح واقفا

ولا جيتك اطلب منك بن ٍ ولا هيل......جيتك وجرح الظلم غاديه يشفا

جيتك بكلمة كنّها صعقة الويل..........إن قلت تكفى . لا تهاون بتكفى

تكفى تراها كلمةٍ تقطم الحيل..............لا بالله الا تنسف الحيل نسفا

تكفى ماهي لمعقبين الفناجيل..........تكفى لصلف وعادة القرم صلفا

تكفى ترى تكفى لها هدرة السيل......في صدر حرًّ ينتف الطيب نتفا

تكفى ترى تكفى لها تسرج الخيل..إن كان لك بالخيل سرج ٍ و عسفا

تكفى تبيّن كلّ لاشٍ وحلحيل............تسمع لها بالصدر هبدٍ ورجفا

تكفى وتكفى ماتساق لمهابيل...........تكفى تخلي القرم لاشٍ وهطفا

تكفى تجنّبني هل القال والقيل.........مانيب من ينكف على كل ملفا

تكفى تراني من قروم ٍ مشاكيل...........حمّاية الساقه بسيفٍ وشلفا

تكفى ترى تكفى تهز الرجاجيل..ولولا صروف الوقت ماقلت تكفى

وتابعت الكتابة لـ (الأديب) شارحاً حال البروفسور الصائغ الى أن قلت له: " والله لو كان هذا الرجل أمريكياً لوضعوا له تمثالاً أمام بيتهم الأبيض، ولو كان كان إسرائيلياً أمام كنيستهم، ولوكان روسياً أمام كريملينهم، ولو كان ألمانياً أأمام بوندستاغهم. نعم هذا هو أحد رموز أكاديمينا ومفكرينا وأدبائنا المعاصرين، أنه البروفسور دكتور عبد الإله الصائغ".

وهذه السطور الأربعة الأخيرة من الرسالة اختارها الأستاذ الجليل ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف العربي، لتكون على الغلاف الثاني للكتاب.

كتاب الطيور المهاجرة ورماد العودة صدر عن مؤسسة المثقف العربي في سدني – استراليا 2015. ويقع الكتاب في 816 صفحة من القطع الكبير، قامت بنشره وتوزيعه دار ميزوبوتاميا – بغداد. وهو حوار مفتوح مع البروفسور دكتورعبد الإله الصائغ استغرق أربعة أشهر،أجاب فيها على ستة وتسعين سؤالاً، شارك في إدارة الحوار واحد وعشرون مثقف وفنان وأديب وناشط وأكاديمي. ويتكون الكتاب من ثلاثين حلقة وتقديم بقلم الأديب الفاضل ماجد الغرباوي رئيس مؤسسة المثقف العربي وهو محرر الكتاب أيضاً.

الحلقة الأولى: أجرتها صحيفة المثقف، فطرحت على عزيزنا سؤالاً: كيف يقدم الصائغ نفسه لقراء صحيفة المثقف؟ فبدأ الصائغ بجواب تفصيلي أول سطر منه قوله: هذا المبتدأ أحبه كسؤال محرج تتكسر بضوئه المرايا....ويتابع القول: الصائغ عبد الإله هو نجل السيد علي الصائغ الحسيني العذاري المرعبي وأبن الزرقاء ابنة مرشد النجف الشيخ محمد الحسين عميد أسرتي زيارة وألبو صيبع...كتبت في مدينتي النجف الأشرف مباحث في الأزمنة والأمكنة والأعلام، وكل ما يمت الى النجف أمت له، ولكن بعد تنقيته من سفلس العمى وسرطان العصبية، حتى قال المنصفون إن كتابات الصائغ الانتقائية خير الكتابات، لكن النجفيين أشعروني بعقوق غريب، غادرت النجف بل العراق عام 1991 وتغربت من أجل أن لا يتسخ شغاف الروح، حتى الساعة لم أر النجف ولم يرني العراق، أدركتني الشيخوخة منتصف الطريق وأدركت الغربة أول الطريق وأدركني العقوق آخر الطريق... ويذكر الصائغ المواقف المميتة التي واجهته خلال حياته ولكن الموت لم يتعرض له ويستشهد ببيت شعر جميل للمتنبي:

يحاذرني حتفي كأني حتفه      وتنكزني الأفعى فيقتلها سمي.

وينهي الصائغ إجابته قائلاً: كنت ولا زلت أردد، من يشاء أن يبكيني فليبكيني حياً، وملعون من يبكيني ميتاً.

الحلقة الثانية: أدارها الكاتب الأديب  سلام كاظم فرج من العراق. وكرست لدور الصائغ المحوري في تشكيل ندوة عشتار عام 1968، مع الإجابة على سؤال: بعد مرور كل هذه السنين، هل ترون أن الشعر وثيق الصلة بموضضوعة التصوف والعرفانيات والماوراء أم إنه انصاع لليومي والهامشي والهموم العابرة البسيطة، وهل يمكن للشعر في عالم اليوم أن يكون محرضاً كما كان عليه الأمر عند الجواهري الكبير أو السياب في قصائده التي سبقت  هل كان حباً \) أعني قصائده السياسية المحرضة؟

الحلقة الثالثة: حاوره فيها الأديب والأعلامي نشأت المندوي – أمريكا.  ومحور الحلقة دار حول محنة المبدعين في أعمارهم بين العيش والشهادة على الدنيا. ويسأله المندوي أيضاً  عن التفكيك والاختلاف بين تشريح القصيدة العمودية وبين الشعر الحر بما فيه قصيدة النثر.ويجيب الصائغ إجابة مسهبة تتقدمها عبارته التي يذكر فيها بأن ترسيم الحدود بين نص ونص هي في بلورتها المركزية هي مشكلة الحداثة والقدامة. لقد لفتت انتباهي عبارة (ترسيم الحدود) وهي عبارة فنية خاصة بالقانون الدولي العام. وهذا يعني أن الصائغ حتى في استرساله فأنه يطعم كلامه بما تجود به موسوعيته الغنّاء.

الحلقة الرابعة: من نصيب الباحث والناشط فرزدق غازي  زاهد – أمريكا.  في بداية اللقاء وجه له سؤلاً حول اي الجامعات التي عملت بها هي الأقرب الى قلبك؟ فأجاب الصائغ جواباً مفعماً بالكياسة والدبلوماسية إذ أنه يحب كل الطلاب وكل الجامعات التي اشتغل بها من جامعة الكوفة الى جامعة الموصل وجامعة طرابلس وجامعة صنعاء وكلية تكساس بولاية جورجيا وكلية هنري فورد في مشيغن. ولكن أفصح الصائغ عن حبه الحقيقي حينما اعتبر ثمان سنوات جميلات عمل بها في جامعة الموصل وثمانية أعوام زاهيات عمل بها في جامعة طرابلس، " ثماني سنوات في الموصل وثماني سنوات في طرابلس أي ست عشرة سنة هي أجمل عمل سني عملي الأكاديمي بل وأجمل سني عمري ". والحلقة الرابعة هذه لها خصوصية منفردة لاأن المحاور الأستاذ فرزدق هو نجل صديق الصائغ منذ الطفولة  وزميله في العمل الجامعي وهو البروفسور دكتور زهير غازي زاهد. فسأله عن مساحة الرفقة بينه وبين والده وكم هو عمقها؟

الحلقة الخامسة: كرست لملخصات وإيجازت، رسائل متبادلة بين الدكتور الصائغ والدكتور زاهد، وحديث الصائغ عن ندوة الأدب والفنون المعاصرة في النجف مطلع ستينيات القرن الماضي، والحلقة الخامسة برمتها مكرسة لاظهار الوشائج التي تربط زهير غازي زاهد وعبد الإله الصائغ. ويذكر الصائغ في نهاية الحلقة عدد لا بأس فيه من قصائده الشعرية، حيث بدأ ذلك بقصيدة جميلة بعنوان النجف الأشرف:

مدينتي

 أزقة تفضي الى أزقة تفضي الى أزقة

فيها السراديب بيوت النمل

يا نمنمة المغيب

يا رملها والطيب

يا غابة القبور والأشباح

يا جرحها تلعقه الأشباح

مدينتي تنَّور

يولد فيها النور

يحرق فيها النور

أحبها أحبها لو شربت دمائي

أحبها كوناً بلا أسماء

أحبها

حين بكت على الأشواك جلنار

واختنق المدار في جمجمتي وغصت لا قرار

جمجمة السيد لا تغيث

بسملة الميت لا تغيث

تعويذة استسقائنا والمطر النثيث

لا تغيث

مدينتي كركرة غيبها المغني

تبت يداه ثملاً وتب

الأكل السحت فما أغناه هذا الوطن البستان

والنهران والغرين والذهب

السيد الحميري

وفارقت جيراناً وأهل مودة

ومن أنت منه حين تدعى وتنسب

فأنت غريب فيهم ومتباعد

كأنك مما يتقونك أجرب

الحلقة السادسة والسابعة: حاوره فيهما  د. صالح الرزوق، أديب ومترجم سوري.

في الحلقة السادسة طرح عليه د. الرزوق سؤالين الأول يتعلق بانتشار أصوات الأدباء من .جيل السبعينات بعد ظهور الانترنت. والسؤال الثاني يتعلق بماهية تأثير الغربة على شعر الصائغ. أما الحلقة السابعة فقد طرح فيها الدكتور الرزوق سؤالاً واحداً يقول: لماذا تركت العراق 1991؟ وأما لمنفاك من نهاية؟

يجيب الدكتور عبد الإله على الأئلة تباعاً بانسيابية صادق يقول" تراثنا الابداعي القريب تحديداً المنجز الذي تركه لنا عظماء مبدعي العراق على مستوى الشعرهناك علي الشرقي ومحمد سعيد الحبوبي ومحمد رضا الشبيبي ومحمد مهدي الجواهري ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب ورشيد ياسين وبلند الحيدري وأنور شاؤول وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة وشاذل طاقة ويوسف الصائغ وعبد الرزاق عبد الواحد . وعلى مستوى السرد الإبداعي جعفر الخليلي وغائب طعمة فرمان ومحمود أحمد السيد ومير بصري وفؤاد التكرلي وعبد الملك نوري ومهدي عيسى الصقر وعبد المجيد لطفي وذنون أيوب وعبد الحق فاضل وعبد الرزاق الشيخ علي وغانم الدباغ وهاشم الطعان وأدمون صبري ويوسف الحيدر.وعلى مستوى الثقافة بعامة ثمة الأب انستاس الكرملي ومصطفى جواد وفؤاد عباس وعباس العزاوي و محمد القبنجي وصالح كويتي وهاشم الخطاط وسليمة مراد وجبرا إبراهيم جبرا وحقي الشبلي ويوسف العاني وعلي الدبو وعزيز علي وجواد سليم ونزار سليم ونزيهة سليم ويوسف ذنون وناجي زين الدين المصرف وخالد صبري الهلالي وعبد الجبار المطلبي وعناد غزوان وجلال الخياط وخديجة الحديثي وعاتكة وهبي الخزرجي وأحمد مطلوب وعبد الرزاق محي الدين وخالد الرحال وشاكر حسن آل سعيد وعطا صبري وحافظ الدروبي. وثمة جيل وسط ضائع بين جيل الرواد وجيل الستينات ونتذكر منهم جمعة اللامي وعبد الرحمن الربيعي وسامي مهدي وجليل القيسي وسركون بولص وموسى كريدي وعزيز سيد جاسم وعبد الستار ناصر وغازي العبادي وحسب الشيح جعفر..."

وعن الغربة وكيف أثرت في شعر الدكتور عبد الإله الصائغ، يجيب الصائغ بجواب مسهب يسترسل فيه ذكريات ليست بعيدة زمنياً بل عميقة جداً في نفسه.فينتهي الى القول " حكومات العراق منذ تموز 1958 لم تلتفت الى البراكين والزلازل التي يكتنزها الموروث الجمعي العراقي، لم تلتفت الى تعريق وتعميق الوطنية العراقية،لم تلتفت الى خطورة التلابس بين الدولة والحكومة بين الوطن والمواطن ، بين الرأي العام الجمعي وبين ركامات الفكر العشائري والعمى الشللي، لم تلتفت الى اندلاع حجم رفع الحدود بين السلطات الخمس: التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية والتكنوقراطية، وكان الذي كان وما كان ينبغي أن يكون، جرت الدماء أنهاراً وأهين الوطن والواطن والحزبي والمستقل والشيعي والسني والكوردي والعربي والتركماني، ودشن الشعب العراقي مليونية الترمل والتيتم والتثكل، وصار السجن حقاً للحكومة وصار المواطن العراقي رقماً قابلاً للاختزال. إطلالة علمية ميدانية محايدة على سجلات الشكاوي لدى مخافر الشرطة ومركزيات الأمن والمخابرات منذ 1958 وحتى 2003 مع تبويب واع منصف سنعرف أن الفرهود واغتصاب العراقيات وتصفية الجسد وتصفية الشرفين الوطني والاجتماعي هي من مياسم تلك العهود مع الأسف ولذلك أقول متماهيا ً مع القائل :

نعد المشرفية والعوالي

وترتبط السوابق مقربات

وما ينجين من خبب الليالي

وتقتلنا المنون بلا قتال

رماني الدهر بالأزراء حتى

فؤادي في غشاء من نبال

نزلت على الكراهية في مكان

ولم يخطر بمخلوق ببال

بدار كل ساكنها غريب

طويل الهجر منبت الحبال

 إذن باتت الغربة وطن وبات الوطن غربة حتى المثقفون فهم بسبب ضغط الحاجة والعوز تأقلم الكثير منهم مع سياسة النجاسة ونجاسة السياسة. الحسد بين المثقفين هو بوصلة الوشائج بين مثقف ومثقف، وبينهم وبين الوطن والمواطن، ويبدو والله أعلم أن التغرب قدر العراقيين منذ القدم، لهذا علينا أن نصلي ركعتي شكر إن بنا رمقاً لم يتسيس أو يتأبلس، ونصلي ركعتي صبر فنحن باقون في مغترباتنا وليس ثمة فجر وراء هذا الليل الطويل الثقيل، وبصدق ربي ليس لدي أدنى شك في أن الوطن بات مسلخاً للذبح وبنكاً للسرقة ومناصب للانتهازيين... كل الحكومات طرحت لعنة الحاكم الضرورة وكل حاكم عراقي يؤسس لمقولة ما ننطيها، فكيف سيختلف مخيالي في الغربة عن مخيالي في العراق، أنا بلا وطن والوطن بلا شعب والشعب بلا حضارة ونقول غنا شيدنا ، أننا أهل الحضارات ورحم الله أمل دنقل الذي عبث ببيت شعر المتنبي فقال:

نامت نواطير مصر عن ثعالبها

وقاتلت بدلاً عنها الأناشيد".

وحول الاجابة عن السؤال المتعلق بالغربة ومدى نهايتها، يقول الدكتور الصائغ بأنه تعرض الى حرب شعواء ضده سلاحها الطائفية ويطلق عليها (التآمر العلني ضدي من أجل ألا أكون في نسيج حملة الشهادات العليا ) وذكر  اسماء بعضهم وأشاد باسماء أخرى وفي مقدمتهم البروفسور دكتور عدنان الدليمي الذي آزره ووقف معت موقفاً مشرفاً وفيما بعد أرتبط معه برابطة صداقة حميمة.

ويستطرد الصائغ في سرد سفر غربته فيقول: " اعذريني يا نجفي الحبيبة، زعلان عليك يا حبيبتي، فانت تُذكرين ولا تتذكرين ، هل أخلع ملابسي يا مدينتي لكي أريك الطعنات ومواضع نشوب الأنياب في جسدي الواهن، أما الوطن فقدكتبت  فيه قصيدة أذكر فقط بيتا واحداً منها:

ما غربتي وطن أغادره

بل غربتي وطن يغادرني

ومشكلة العراقيين قديما وحديثاً أنهم يقدسون العراق ويدنسون العراقي...ماذا قدم العراق للعراقيين؟ النفط العراقي يصل الى أبعد رقيع في الأرض...فما الذي نالنا نحت أبناء العراق؟ دول المهجر تقطع من رغيف مواطنيها وتطعم العراقيين وتسكنهم وتكسيهم وتعالجهم دون أن تشعر الحكومة بالحرج، قبيلة شمر بألف خير وعافية لولا ينقصها الخام والطعام، وهكذا نحن باختصار مروع... شكراً للزميل صالح رزوق فقد منحتني أسئلته سانحة البوح حين أكل الصمت لساني."

يتبع الجزء الثاني.

 

عرض: ا. د. جعفر عبد المهدي صاحب

أوسلو – مملكة النرويج

 

علي المؤمن: الإنشقاق الكامن في حزب الدعوة (43)

ali almomenحل المجلس الفقهي: نذكر هنا بقية محطات الإنشقاق في حزب الدعوة الإسلامية خلال أكثر من 58 عاماً من عمره؛ استكمالاً لما مرّ في الحلقة السابقة:

13- الانشقاق الذي نتج عن قرار مؤتمر الحوراء زينب الذي عقده حزب الدعوة عام 1988 بحذف مادة «المجلس الفقهي» من النظام الداخلي للحزب، وهو المجلس الذي كان يرأسه آية الله السيد كاظم الحائري، وأعضاؤه آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي (الناطق الرسمي) وآية الله الشيخ محمد علي التسخيري وآخرون. ونتج عن ذلك اعتزال عدد من كوادر الحزب، وشكّل بعضهم «حزب الدعوة - المجلس الفقهي»، ولم تكن في هذا التنظيم شخصيات قيادية؛ وما لبث أن انحل بالتدريج. وسبق لمؤتمر الزهراء الذي عقده حزب الدعوة في عام 1984 أن حذف منصب «فقيه الدعوة» من النظام الداخلي بعد قرار السيد كاظم الحائري الإنسحاب من القيادة العامة ومن عضوية الحزب؛ لأن موقع الفقيه - كما يقول - يجب أن يكون فوق القيادة العامة وليس جزءاً منها، وإثر ذلك تم تشكيل «المجلس الفقهي» بشكل جديد (وكان يسمى منذ تشكيله عام 1979 بمجلس الفقهاء)؛ تطويراً لأطروحة «فقيه الدعوة»؛ بهدف تكريس حالة الإشراف الشرعي على قرارات الحزب وعمله؛ وهو ما نص عليه التعديل الذي أجري في النظام الداخلي على مادة “فقيه الدعوة”.

وما لبث الخلاف أن دبّ بين رئيس المجلس الفقهي السيد كاظم الحائري والقيادة العامة في الفترة التي أعقبت تشكيل المجلس؛ فالسيد الحائري يرى أن المجلس الفقهي ليس مرجعية دينية يرجع إليه الحزب عند الحاجة للحكم والفتوى والأذن الشرعي؛ بل هو القيادة الحقيقية العليا للحزب، وأنها ولاية فقهية خاصة بحزب الدعوة؛ يستعاض بها عن تطبيق الولي الفقيه العام لولايته؛ بسبب انشغاله بشؤون الأمة والدولة، وعدم إمكانية تفرغه لشؤون الحزب، ويقصد بالولي الفقيه العام قائد الجمهورية الإسلامية. بينما كانت القيادة العامة ترى أن المجلس الفقهي ليس ولاية فقهية؛ بل مرجعية فقهية يعود اليها الحزب ويحتكم اليها؛ بالنظر لوجود ولاية الفقيه العامة. وانتهى الخلاف إلى توقف المجلس عن أعماله، بسبب اعتراض السيد الحائري على طبيعة تعامل القيادة العامة مع المجلس الفقهي، ولحل هذا الخلاف؛ اقترح السيد الحائري والشيخ الآصفي ربط الحزب بقيادة الإمام الخميني مباشرة، وهو ما كانت ترغب فيه القيادة العامة أيضاً للتخلص من شبهة عدم إيمانها بولاية الفقيه ومن صعوبة تنظيم علاقتها بالمجلس الفقهي، وقد طرحت القيادة العامة هذا الموضوع على السيد أحمد الخميني (نجل الإمام الخميني) خلال لقائها به عام 1985، ولكنه أكد لقيادة الحزب بأن الإمام الخميني لا يتدخل على هذا النحو، وأنه لا يعين ممثلين له في الأحزاب، واستمر الخلاف حتى إصدار مؤتمر حزب الدعوة قراره بحذف مادة المجلس الفقهي من النظام الداخلي، واستعاض عنه بهيئة علمائية شرعية.

 

انشقاقات التسعينيات وخروج الآصفي

14- انشقاق بعض كوادر وأعضاء الحزب عام 1991 على خلفية رؤاهم السياسية والفكرية الليبرالية؛ ولاسيما المرتبطة باستقلال قرار حزب الدعوة عن الجمهورية الاسلامية الإيرانية، وتكريس البعد الوطني فيه، والقبول بفكرة الديمقراطية، وانتهى الانشقاق الى تأسيس «كوادر حزب الدعوة العراقي»؛ الذي كان محمد عبد الجبار الشبوط والشيخ خير الله البصري أبرز الفاعلين فيه. وقد غيّر التنظيم اسمه الى حركة الكوادر الإسلامية؛ والتي مالبثت ان انحلت بعد فترة وجيزة.

15- انشقاق في تنظيم الحزب في أهوار العراق الجنوبية عام 1992؛ بسبب شح الدعم الذي كان يصل إليه، وهو تنظيم مسلح غالباً؛ موزع بين لجنتين؛ إحداهما «لجنة الطف» الناشطة داخل العراق قبل إنحلالها. وكان أبرز الفاعلين في الانشقاق مسؤول تنظيم الأهوار زهير الوائلي.

16- تجميد الشيخ محمد مهدي الآصفي نفسه في قيادة "الدعوة" خلال عام 1998، ثم خروجه من الحزب نهائيا عام 1999. وقد ظل الآصفي ناطقاَ رسمياً للحزب والقيادي الأبرز فيه طيلة ثمانية عشر عاماً (1980 – 1998)، وكان وجوده الميداني المهيمن في الحزب يماثل وجود عبد الصاحب دخيل قبل عام 1971، ومحمد هادي السبيتي قبل عام 1979، وابراهيم الجعفري بعد عام 2003، ونوري المالكي بعد العام 2007.

 

تأسيس تنظيم العراق

17- الانشقاق العددي والنوعي الكبير؛ والذي بدأ بعقد مجموعة من قياديي وكوادر الدعوة مؤتمراً تحت اسم مؤتمر الإمام الحسين (عليه السلام) عام 1999؛ امتداداً لخلافات داخلية حادة. وانتهى المؤتمر الى تأسيس تنظيم جديد حمل اسم حزب الدعوة الإسلامية أيضاً؛ مع تمييزه عن التنظيم الأم بعبارة «مؤتمر الإمام الحسين»، ثم سمي فيما بعد بـ «حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق»؛ الذي انتخب السيد هاشم الموسوي أمينا عاماً له بعد عام 2003، وهو قيادي مخضرم وأحد أبرز مفكري الحزب. وليس لهذا الإنشقاق أسباب فكرية أو سياسية أو تنظيمية؛ بل هو نموذج للانشقاق بسبب الأمزجة وأساليب العمل، ولم يكن سيحصل في أي حزب آخر غير «الدعوة»؛ بل كان سيبقى خلافاً طبيعياً داخل الحزب الواحد. وكان محور الإنشقاق كوادر متقدمة في الحزب؛ أبرزهم الدكتور خضير الخزاعي وعبد الكريم العنزي؛ اللذين التفا حول السيد هاشم الموسوي، وشكلا كتلة منسجمة من كوادر الحزب المنتظمين وأعضائه السابقين (المنقطعين)،  وكان يتعاطف معهم أيضاً القيادي المخضرم عبود آل راضي.

 

خروج الجعفري وتأسيس تيار الإصلاح

18- الانشقاق الذي تمخض عن نتائج مؤتمر حزب الدعوة عام 2007، والذي تم فيه انتخاب قيادة جديدة، واستحداث منصب الأمين العام للحزب لأول مرة في تاريخه، وانتخاب نوري المالكي لشغله؛ بحصوله على أعلى الأصوات؛ بعد أن كان متوقعاً فوز الدكتور إبراهيم الجعفري بالمنصب؛ الأمر الذي أدى الى  خروج إبراهيم الجعفري ومعه عدد من كوادر الحزب؛ أبرزهم عضو المكتب السياسي للحزب فالح الفياض، وبادر الى تأسيس “تيار الإصلاح الوطني”، وأعلن عنه في عام  2009، وشغل الجعفري موقع رئيس التيار؛ بينما يعد الفياض أمينه العام.

19- الانشقاق في «حزب الدعوة - تنظيم العراق»؛ بسبب الخلاف في الصلاحيات وأساليب العمل، وأسفر عن انفصال عدد من كوادر التنظيم وأعضائه؛ يتزعمهم عبد الكريم العنزي، وعقدوا مؤتمراً أعلنوا فيه عن تأسيس «حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم الداخل» عام 2009.

20- انشقاق في "حركة الدعوة الإسلامية"؛ في أعقاب اغتيال أمينها العام عز الدين سليم؛ انتهى بتأسيس "حركة الشهيد عز الدين سليم".

وهناك انشقاقات أخرى؛ فردية وجماعية؛ أسس أعضاؤها جماعات تحمل اسم «الدعوة» أو أسماء أخرى؛ لم تشكل تيارات فكرية أو سياسية أو تنظيمية؛ بل سرعان ما انتهت أو عاد أعضاؤها للتنظيم الأم.

 

الإنشقاق الكامن

لقد ارتكزت الانشقاقات في حزب الدعوة الى خلافات منهجية ومكاسب تنظيمية غالباً، مع خلافات ذات طابع فكري أو شخصي أحياناً؛ كما يحدث في كل التنظيمات الايديولوجية. ولم يكن أي منها خلافاً في إطار السلطة والحكم؛ إذ لم تنزل قطرة دم من أنف أحد من الدعاة طيلة 58عاماً من التصدعات والإنشقاقات في الحزب؛ بل لم يتخلل أي انشقاق لوناً من الصراع العنيف؛ بل لطالماً عاد المختلفون والمتنافسون، أصدقاء وحلفاء غالباً. ولكن الإنشقاق الذي نبتت بذرته في 13 آب/ أغسطس 2014؛ هو انشقاق كامن خطير بسبب السلطة؛ بصرف النظر عن الحقائق والملابسات والتفسيرات، وهذا الانشقاق يحمل في داخله طاقة تدميرية؛ ليس على مستوى الدعوة وحسب؛ بل ستشمل الجبهة الشيعية الداخلية والجبهة الشيعية الخارجية أيضاً.

 

قواعد كبح التشظي

لعل من المهم في حالة حزب الدعوة الذي تتوافر في بنيته العوامل المحفزة على التصدع والخروج والانشقاق؛ تفكيك الأسباب السبعة التي سبق ذكرها؛ في إطار آليات ستراتيجية عملية؛ أهمها:

1- التأسيس لقواعد تفاهم داخلي تحول دون أية انشقاقات جديد؛ والتي من شأنها تعميم ثقافة الإختلاف وترسيخها داخل الحزب والعقل الحزبي. ومن هذه القواعد ما يرتبط بوعي أهمية أن تحمل الخلاف في مجال المتغيرات والعمل السياسي والتقنيات والرؤى التنظيمية وأساليب العمل؛ مهما بلغ حجمه، والقبول بوجود أجنحة داخل الدعوة؛ ككل أحزاب العالم، والقبول بأدوات الفرز الديمقراطي للمؤتمر والقيادة والشورى ولجان العمل؛ مهما كانت نتائجه؛ بصرف النظر عن توجهات أعضائها، إضافة الى إعادة تدوين صلاحيات هيئات الانضباط الحزبي والإشراف والرقابة والمحاسبة في النظام الداخلي للحزب.

2- تنظيم علاقة الحزب بالشرعية الدينية العليا؛ سواء المرجعية النجفية العليا أو ولاية الفقيه؛ لتكون قوة عليا ضاغطة تمنع أي تصدع وتفكك.

3- تنظيم علاقة الحزب وقيادته وأعضائه بالسلطة والحكم والدولة العراقية، ووضع ضوابط ضاغطة في هذا المجال تحول دون تكرار ما حصل في آب/ أغسطس من العام 2014.

4- التأسيس لإطار تنظيمي مشترك يجمع التنظيمات والأجنجة الخمسة التي تنتسب لمدرسة حزب الدعوة شكلاً ومضموناً؛ وصولاً الى إعادة اندماج بعضها أو التنسيق الكامل بينها سياسياً وإعلامياً. 

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

علي المؤمن: أهم الإنشقاقات والتصدعات في حزب الدعوة (33)

ali almomenنقدم هنا توصيفياً لمظاهر الخروج والانشقاق في حزب الدعوة، مع التأكيد على أن معظم أسبابها وعللها لا تزال قائمة ومهددة كما ذكرنا سابقاً:

1- أول خروج رأسي من الحزب كان عام 1959؛ هو خروج محمد صادق القاموسي أحد المؤسسين، ولم يكن بسبب خلاف فكري أو سياسي؛ بل بسبب تفضيل القاموسي التفرغ للعمل في إطار جمعية «منتدى النشر» في النجف الأشرف.

2- أول خروج شبه جماعي عام 1961؛ هو خروج ثلاثة من المؤسسين: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم.

3- أول انشقاق كان يهدد وجود الحزب هو انشقاق السيد طالب الرفاعي والشيخ عبد الهادي الفضلي والسيد عدنان البكاء وجماعة معهم؛ عامي 1963 و1964؛ بعد خروج السيد مرتضى العسكري من قيادة الحزب وإعادة هيكليتها. وتقرر أن تكون القيادة مؤلفة من: عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي والشيخ عارف البصري والشيخ عبد الهادي الفضلي، إلّا أن الأخير كان يصر على أن يكون علماء الدين في القيادة ثلاثة وليس اثنين. وكان الشيخ الفضلي يمثل تنظيم النجف ويعبر عن توجهات الاجتماع الديني النجفي، ويدعمه عدد من علماء الدين من تنظيم النجف؛ أبرزهم السيد طالب الرفاعي والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد عدنان البكاء، بينما كان الثنائي القيادي السبيتي ودخيل يعبِّران عن فعل حزبي صرف؛ لا يفرق بين عالم دين وغيره. وجرت محاولات من الطرفين لإقصاء بعضهما من القيادة بعد أن تحول الى المنشقون الى تنظيم مستقل لحوالي عام تقريباً؛ إلا أن تدخل السيد محمد باقر الصدر بمساعدة السيد مرتضى العسكري؛ وضع نهاية للخلاف، والتئم شمل التنظيمين؛ إلّا أن الفضلي لم يلتحق بالقيادة وفضّل البقاء ضمن تنظيمات النجف.

 

ضغط الإجتماع الديني النجفي

4- الانشقاق في تنظيم الحزب في منطقة الكرادة الشرقية ببغداد؛ الذي قاده السيد سامي البدري في عام 1966؛ بسبب خلافه مع مسؤوله الشيخ عارف البصري، ورغبته في صلاحيات داخل تنظيم جامعة بغداد، وفي تعميق الجانب العقيدي المذهبي في فكر "الدعوة". وائتلف جماعة البدري بجماعة بغدادية تدعى الحركة الإسلامية تضم أعضاء منشقين من منظمة العقائديين، وانتهى الإئتلاف الى تأسيس مجموعة جديدة تبلورت عام 1979 بتنظيم "جند الإمام" .

5- خروج عدد من مؤسسي وقيادات وكوادر الدعوة في الفترة من العام 1969 وحتى العام 1971؛ أبرزهم السيد طالب الرفاعي في العام 1969؛ إثر سفره الى مصر ممثلاً المرجعية الدينية النجفية، والشيخ عبد الهادي الفضلي في العام 1971؛ إثر استقراره في بلده الأصلي السعودية، والسيد عدنان البكاء في العام 1971؛ إثر موجة الإعتقالات التي شنها النظام البعثي ضد حزب الدعوة.

وبخروج الرفاعي من الحزب؛ ثم اعتقال عبد الصاحب دخيل واعدامه العام 1972؛ يكون ستة من المؤسسين قد غادروا الحزب حتى عام 1972؛ أربعة منهم أصحاب الفكرة الأولى: السيد محمد مهدي الحكيم، السيد محمد باقر الصدر والسيد طالب الرفاعي وعبد الصاحب دخيل، وبقي من المؤسسين داخل التنظيم أربعة فقط من مجموع عشرة: السيد مرتضى العسكري، صالح الأديب، السيد حسن شبر والدكتور جابر العطا، وهي ظاهرة غير مسبوقة في الأحزاب؛ أن يخرج من الجماعة أصحاب الفكرة المؤسسة لها؛ ولكن إذا وعينا ضغوطات الاجتماع الديني النجفي؛ الذي ينتمي اليه خمسة من مجموع الستة المغادرين؛ سنفهم أن خروجهم يشكل حدثاً طبيعياً ينسجم مع طبيعة انتمائهم الأصلي للاجتماع الديني النجفي، وكون انتمائهم للحزب هو انتماء فرعي أو مكمل، وبالتالي لم يكون خروجهم من التنظيم خروجاً على الحزب وفكره وسياسته وسلوكه؛ بل تحت ضغط عامل خارجي يمثل انتماءهم الأصلي.

 

الإنشقاق الأهم وهيمنة خط الفقهاء

6- الانشقاق الفكري والسياسي الذي بقي متفاعلاً طيلة عامي  1980و1981، وهو الأهم في تاريخ حزب الدعوة، والذي انتهى بالانتخابات الحزبية التي جرت في مؤتمر الشهيد الصدر في طهران في عام 1981، ولم يحضره القيادي التاريخي محمد هادي السبيتي ومن يمثل خطه من قياديين وكوادر؛ أبرزهم الشيخ علي الكوراني. وكان الحزب خلال مرحلة الإنشقاق قد توزع بين ثلاثة أجنحة:

الأول؛ عرف بـ «جماعة الكوراني» أو «خط البصرة»؛ لانتماء الغالبية الساحقة من أعضائه لتنظيم الحزب في البصرة، ومن أبرز قيادييه الى جانب الشيخ علي الكوراني: عز الدين سليم (عبد الزهرة عثمان ) والدكتور كاظم التميمي والسيد عبد الأمير علي خان. وهم امتداد خط محمد هادي السبيتي في حزب الدعوة.

الثاني؛ عُرف بـ «جماعة الآصفي»، ويضم الى جانب الشيخ محمد مهدي الآصفي مجموعة الفقهاء؛ ولاسيما السيد كاظم الحائري والشيخ محمد علي التسخيري، ويدعمهم السيد مرتضى العسكري والسيد محمد حسين فضل الله ومعظم علماء الدين من تلاميذ السيد محمد باقر الصدر والسيد الخوئي.

الثالث؛ كان على الحياد تقريباً؛ وفيه شخصيات تاريخية؛ كمحمد صالح الأديب والسيد حسن شبر وعبود آل راضي والسيد هاشم الموسوي، وكوادر شابة سطع نجمها حديثاً كالدكتور إبراهيم الجعفري وعلي الأديب، إضافة الى القيادات غير العراقية؛ ولاسيما اللبنانية.

ويمثل هذا الانقسام امتداداً للخلاف الفكري والتنظيمي القديم في مرحلة الكويت بين القياديين القويين في الحزب الشيخ محمد مهدي الآصفي الذي يمثل منهجية (الدعوة ) وخط الفقهاء، والشيخ علي الكوراني الذي يمثل منهجية (الحزب) وخط محمد هادي السبيتي وغير المعممين.

وعلى الرغم من أن الأجنحة الثلاثة قد دعيت لمؤتمر الدعوة العام ( مؤتمر الشهيد الصدر)؛ إلّا أن جناح الشيخ الكوراني لم يحضر ولم يشارك في المؤتمر ولم يعترف بنتائجها ولا بقرارات المؤتمر؛ بما ذلك الإنتخابات؛ بينما كان جناح الآصفي فاعلاً في المؤتمر؛ فضلاً عن اشتراك جميع شخصيات وكوادر الجناح الحيادي. وأسفر المؤتمر عن تسمية (12) شخصاً للقيادة العامة؛ بينهم سبع شخصيات تم انتخابها انتخاباً مباشراً؛ هي: السيد كاظم الحائري ( فقيه الدعوة؛ بالتزكية حسب النظام الداخلي)، الشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد حسن شبر ومحمد صالح الأديب والسيد هاشم الموسوي والدكتور إبراهيم الجعفري وعبود آل راضي، وخمس شخصيات أخرى من الأقاليم الأخرى التي لا تزال تعيش حالة السرية ولم تشترك في الإنتخابات؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والشيخ عيسى قاسم؛  ليكون العدد اثني عشر شخصاً، وهي أول قيادة منتخبة في تاريخ الحزب.

ومثّل تشكيل القيادة الجديدة نهاية واقعية للجدل الكبير المزمن داخل «الدعوة»؛ ولا سيما بعد كتابة القيادة الجديدة لأول نظام داخلي في تاريخ الحزب وإقراره عام 1982. وبموجبه أصدر فقيه الحزب السيد كاظم الحائري حكماً شرعياً يحرم بموجبه استخدام اسم حزب الدعوة الإسلامية إلّا من التنظيم الذي يتبع القيادة الجديدة المنتخبة حصراً ويعمل على وفق النظام الداخلي الجديد.

ونتج عن ذلك تجميع جناح الكوراني أو خط البصرة لعناصره في إطار تنظيم جديد؛ أسموه فيما بعد بـ «حركة الدعوة الإسلامية» التي ظل عز الدين سليم (عبد الزهرة عثمان) يقودها حتى اغتياله عام 2004، وانكمشت الحركة وتعرضت للانشقاق بعد ذلك. وقد جرت عدة محاولات لرأب الصدع بين الطرفين؛ كان يقودها غالباً السيد مرتضى العسكري وغيره، وكاد بعضها ينجح؛ بل تم استئنافها حتى بعد عام 2003؛ إلّا أنها انتهت الى طريق مسدود.

 

انشقاقات إقليمية

7- انشقاق إقليم حزب الدعوة في لبنان في عام 1981؛ وهو انشقاق إشكالي مهم يختلف عن أسباب حل تنظيمات الدعوة في البلدان الأخرى، وانتهى الانشقاق الى تأسيس حزب الله؛ الذي قادته وشكّلت كيانه التنظيمي قيادات وكوادر حزب الدعوة السابقين؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والسيد عباس الموسوي ومحمد رعد وحمود الخنسا ومحمود قماطي والشيخ حسين كوراني والشيخ محمد يزبك والشيخ نعيم قاسم والسيد حسن نصر الله وآخرين.

8- انشقاق في تنظيم حزب الدعوة في البحرين عام 1981؛ تبلور فيما كان يعرف بـ "خط  الإمام".

9- انشقاق في تنظيم حزب الدعوة في المنطقة الشرقية بالسعودية في عام 1981؛ انتهى الى تأسيس "حزب الله الحجاز"

10- انشقاق في لجنة الكويت الخاصة بتنظيم الدعاة العراقيين، وفي تنظيم حزب الدعوة في الكويت الخاص بالدعاة الكويتيين خلال عامي 1981 و 1982، وشكّل بعضهم تنظيم "حزب الله" الكويت، وهو انشقاق خطير؛  تسبب في إشكاليات كبيرة أُقحم حزب الدعوة فيها؛ ولا سيما ما يتعلق بسلسلة التفجيرات التي طالت المصالح الكويتية خلال عامي 1983 و1985، وهي تفجيرات لم يكن حزب الدعوة مسؤولاً عنها، ولاتعلم بها قيادته، ولكنها نسبت الى حزب الدعوة بسبب اتهام بعض أعضاء الدعوة المنشقين فيها. وقد انحل تنظيم "حزب الله الكويت" بعد بضع سنوات.

 

تأسيس "قوات بدر"

11- انشقاق قياديين وكوادر في الجناح العسكري؛ بعد فشل المحاولة الانقلابية التي قادها حزب الدعوة عام 1981 انطلاقا من منطقة «جيزاني الجول» بمحافظة ديالى، وكان أبرز المنشقين عضو القيادة التنفيذية المنحلة مهدي عبد مهدي (أبو زينب الخالصي)، وانتهى الإنشقاق الى تأسيس تنظيم "مجاهدو الثورة الإسلامية في العراق"، ثم التحاقهم بنواة تأسيس "قوات بدر"، ثم تأسيس «قوات سيد الشهداء» ثم " الحركة الإسلامية في العراق" وجناحها العسكري "كتائب الإمام علي".

12- انشقاق عدد من كوادر الجناح العسكري للدعوة ( قوات الشهيد الصدر ) في نهاية 1982 ومطلع 1983؛ بينهم عدنان ابراهيم (أبو علي البصري) أول قائد لـ "فيلق بدر" والتحق بهم هادي العامري ثالث قائد لـ "بدر"، ثم جمال جعفر الإبراهيمي (أبو مهدي المهندس) الذي انشق مع مجموعة من الدعاة في الفترة نفسها عن تنظيم الحزب في الكويت. وكذلك التحق بهم مهدي عبد مهدي الذي سبق أن انشق مع آخرين عام 1982.

جدير بالإشارة الى أن الانشقاقات المذكورة من 7 الى 12؛ لها علاقة بقناعات سياسية فكرية مستجدة للدعاة الخارجين على الحزب؛ تتركز حول منهجية العلاقة بالجمهورية الإسلامية وتبني مبدأ ولاية الفقيه، ورافقت هذه القناعات تأثيرات العامل الخارجي المتمثل ببعض الأجهزة الثورية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحديداً قوات الحرس الثوري.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

علي المؤمن: ظاهرة الإنشقاقات في حزب الدعوة الإسلامية (32)

ali almomenالأسباب العامة للإنشقاق في الجماعات: الأسباب العامة للانشقاقات والتصدعات في الجماعات عموماً، و كيان حزب الدعوة الإسلامية، وكل الكيانات التي تشابهه في المنهج الفكري والنظمي خصوصاً؛ هي أسباب إنسانية ومنهجية عامة. ومن فرضياتها:

1-  إن الانشقاق والتمرد والخروج والتساقط ظاهرة انسانية طبيعية؛ بدأت مع وجود البشرية على الأرض، وكان أول انشقاق هو الذي حصل في بيت آدم (انشقاق قابيل).

2- إن الانشقاقات تكثر في الجماعات الايديولوجية (إسلامية، عنصرية، ماركسية...)، وتزداد كلما ارتفع منسوب الايديولوجيا؛ لأن الايديولوجيا تنطلق من مفهوم احتكار الحق والحقيقة (دوغماتيزم)، بينما تقل الانشقاقات في الجماعات الليبرالية والمصلحية؛ لأنها تتعامل مع مفهوم الحق بوصفه نسبياً ومتعدداً (بلوراليزم)، وتتحمل الخلافات الداخلية ووجود الأجنحة والتكتلات داخلها، وتضيق الجماعات الايديولوجية ذرعاً بالخلافات الداخلية ولا تتحملها، وتحولها الى صراعات ومعارك وانشقاقات؛ لأن كل مجموعة فرعية داخل الجماعة الايديولوجية تدعي امتلاك الحق المطلق الذي يسوغ لها التمرد والتشهير والتهجم والخروج والدم وانتهاك الحرمات؛ فاختلافها تعارضٌ يمنع الاجتماع، ومثال ذلك الانشقاقات الهائلة في صفوف المسلمين منذ وفاة الرسول (ص) وحتى الآن، والتي تفوق كل الأديان والعقائد الأخرى؛ لأن الإسلام هو أكثر العقائد حزماً في الجانب الايديولوجي؛ رغم أن العقيدة الإسلامية هي عقيدة تآلف قلوب وأنفس ووحدة أفكار وتضامن مجتمعي، وكونها تنطوي على كوابح قوية تمنع الارتداد والتمرد والانشقاق.

وبالنتيجة؛ فإن نسبة الايديولوجيا في الأحزاب سيف ذو حدين؛ فكلما ارتفع منسوب الايديولوجيا ارتفع منسوب الخروج على الحزب، ولكن في الوقت نفسه فإن الايديولوجيا المنظمة فكرياً والمدونة بمنهجية استدلالية؛ كفيلة باستمرار حياة الحزب وديمومته، ونرى هذه الظاهرة بوضوح في الأحزاب العراقية الايديولوجية الثلاثة: الحزب الشيوعي، حزب البعث وحزب الدعوة؛ فهي أكثر الأحزاب العراقية تعرضاً للانشقاق منذ تأسيسها؛ ولكنها استمرت بفاعلية ولا تزال قوية في حواضنها الاجتماعية؛ بالرغم من أن متوسط عمرها هو سبعون عاماً.

واللافت أن أعضاء الأحزاب الايديولوجية هم أكثر شعوراً بالمسؤولية تجاه أحزابهم قياساً بأعضاء الأحزاب الليبرالية والنفعية، وأكثر تضحية من أجلها ومن أجل أهدافها.

3- تتشظى الجماعات الايديولوجية في ظل عدم وجود قيادة كارزمية قوية تمسك بخيوط الجماعة، وتشكل عقلاً مركزياً جامعاً، أو في ظل عدم وجود مرجعية عليا روحية تتدخل وتردع وتوجه.

 

الأسباب الخاصة للإنشقاقات في حزب الدعوة

أما الأسباب التفصيلية الخاصة بظاهرة الانشقاق والإنقطاع والتصدع والتساقط في حزب الدعوة الإسلامية؛ فيمكن تلخيصها بما يلي:

1- إن حزب الدعوة الإسلامية هو حزب ايديولوجي تنطبق عليه الفرضيتان السابقتان (2 و3)، والعامل الايديولوجي هو عامل ذاتي بنيوي أساس، وتأثيره في الانشقاق أقوى من العوامل الخارجية. ومن أهم مخرجاته مزاعم الأفراد والمجموعات المنسجمة فكرياً ومزاجياً ومصلحياً داخل “الدعوة”؛ تمثيل الحزب وفكره وسلوكه، واحتكار هذا الحق.

2-  إن حزب الدعوة الإسلامية - من وجهة نظر علم الاجتماع الديني - نشأ في بيئة ضاغطة على أعضائه وطاحنة لانتماءاتهم الفرعية، وتعتمد معادلات معقدة وصعبة، وهي البيئة النجفية الخاضعة لمعادلات المرجعيات والبيوتات والبرانيات والشأنيات، فكان الانتماء لحزب الدعوة يشكل انتماءً فرعياً لعلماء الدين من أبناء الاجتماع الديني النجفي، وليس انتماء أصلياً؛ على عكس انتماء غير المعممين أو المعممين من خارج الاجتماع الديني النجفي؛ فعندما يوضع عالم الدين المنتمي الى الإجتماع الديني النجفي؛ بين خيار الانتماء للحزب وخيار الإنتماء لاجتماعه الديني الأصلي؛ فإنه يختار الأخير؛ لأنه انتماؤه الأصلي والأساس، وهي حالة لا تزال قائمة؛ أي أنها ليست ظاهرة تاريخية في حزب الدعوة.

ولم يتخلص حزب الدعوة من الضغط الهائل للاجتماع الديني النجفي إلّا حينما انتقلت القيادة الى بغداد؛ وتحديداً حين هيمن عليها غير علماء الدين بعد عام 1963. ولو بقي الحزب في النجف قيادة وفكراً وسلوكاً؛ فسيبقى محاصراً بقواعد الاجتماع الديني النجفي؛ ولتحجّم قبل أن يبلغ عامه الخامس؛ لأن الصدام في المساحات المشتركة كان سيأتي لا محال. ولكن في الوقت نفسه؛ حمل التخلص النسبي للحزب من ضغط الاجتماع الديني النجفي؛ حمل معه بذور انشقاقات جديدة، وخلق حالات من الضبابية في انتماء شخصية الحزب الى تفاصيل عقيدة أهل البيت؛ استمرت حتى عام 1975؛ وهو العام الذي جهر فيه حزب الدعوة بانتمائه لكل تفاصيل مذهب آل البيت. ثم عاد الحزب بعد سقوط نظام البعث عام 2003 الى ضغط الاجتماع الديني النجفي، والذي لن يتخلص منه إلّا بتنظيمه وتقنينه؛ بما ينسجم والمنظومة الإجتماعية الدينية الشيعية الأصلية؛ سواء في ظهورها المرجعي أو الولائي.

 

غياب القيادة المهيمنة

3-  طبيعة القيادة الجماعية ونوعية الهيكلية التنظيمية، وعدم وجود قيادة كارزمية ضاغطة مهيمنة؛ في ظل منظومة نفسية اجتماعية عراقية عربية شرقية؛ تعيش رواسب البداوة والريف؛ ظلت ثغرة تنفد من خلالها عوامل الانشقاق والتصدع؛ بينما تقل هذه الظاهرة في ظل وجود قيادة ضاغطة مهيمنة تستمد قوتها من طبيعة البيئة المجتمعية التي تتماهى مع هكذا قيادة وتذعن لها.

4- عدم وجود مرجعية عليا للحزب وقيادته؛ تعمل على حل الخلافات وتردع المخطئين؛ كأن تكون ولاية فقهية أو مرجعية دينية، أو على أقدر تقدير هيئة إرشادية تحكيمية عليا تكون خارج إطار قيادة الحزب والدولة؛ شبيهة بالهيئة الشرعية في حزب الله لبنان، او المجلس العلمائي الراعي لحركة الوفاق في البحرين، وهو ما ينسجم مع طبيعة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

5-  تأثير الفكر التربوي لحزب الدعوة على الداعية، وأساليب صقل شخصيته كـ (قائد في الأمة)؛ وصولاً الى تحوله لواحد من قادة الأمة بوصفه من نخبة الدعوة القائدة للأمة، وخلق حالة المسؤولية لديه تجاه "الدعوة"؛ كونه (دعوة تمشي على قدمين)، وغيرها من مفاهيم كبيرة ومصطلحات أكبر؛ ربما تحفز الداعية على الفعل وتدفعه للعمل والإنتاج والعطاء؛ ولكنها في الوقت نفسه تتسبب في حالات انتفاخ وتعالي لاشعورية ولا إرادية؛ لا ينفع مع بعضها أساليب التهذيب والإرشاد ومواعظ التواضع. ومن جانب آخر فإن الداعية حين يتفاعل وينشط ويقدم؛ ثم يريد ممارسة دور القائد والمسؤول داخل الحزب؛ فإنه يكتشف أنه ليس قيادياً ولا مسؤولاً، ولا يمثل "الدعوة"، ولا (دعوة تمشي على قدمين)؛ بل أن “الدعوة” هي مجموعة القيادات والكوادر التاريخية حصراً، وهذا ما يجعله يتمرد وينشق ويتكتل؛ أما حفاظاً على تاريخه وحضوره في حزب الدعوة من الضياع، أو شعوراً بالمسؤولية تجاه "الدعوة"؛ جراء ما يعتقده أخطاء لدى القيادة.

 

مصالح وتفسيرات

6- الاختلاف في المصالح الشخصية وفي أساليب إدارة المواقع وتسنمها؛ سواء على مستوى المواقع الحزبية أو مناصب الدولة، ويلعب اختلاف الأمزجة وعدم القدرة على تطويعها دوراً مهماً في هذا المجال. ثم في مرحلة الدولة برزت ظاهرة التداخل والجمع بين المسؤوليات التنظيمية والمسؤوليات الحكومية لتلعب دوراً سلبياً أيضاً في الخلافات الشخصية؛ ولاسيما أن الأغلبية الساحقة من الدعاة دخلوا في دوامة العمل الحكومي في العراق بعد عام 2003.

7- التفسيرات والقراءات المـختلفة والمتعارضة للأفكار والأحداث والوقائع المستجدة، وتبني بعض الدعاة أفكار جديدة تتعارض مع الفكر التاريخي للدعوة أو ما نستطيع أن نسميه بالثوابت والتابوات؛ بصورة إفراط وتفريط وعدم توازن. ومن هذه الأفكار المتعارضة: التمسك بقيادة علماء الدين والالتزام بأوامر المرجعية الدينية والذوبان في مؤسسات ولاية الفقيه، أو ما يعاكسها في الاتجاه؛ أي تبني الانتماء الوطني حصراً، والإيمان بالليبرالية والديمقراطية (كفلسفتين وسلوكين سياسيين)، والابتعاد عن قيادة علماء الدين، وظل هذا العامل فاعلاً منذ عام 1979 وحتى الآن؛ بسبب عدم حسم حزب الدعوة موقفه الفكري والسياسي في كثير من الملفات، وتركها لعنصر الفعل ورد الفعل.

8- العامل الخارجي المهم، الذي برز بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو عامل مهم جداً؛ تسبب في تصدعات وانشقاقات عديدة؛ سواء في تنظيم «الدعوة» العالمي أو تنظيم «الدعوة» العراقي، وكان هذا العامل يجد بيئات ملائمة داخل الحزب؛ تتماهى مع النموذج الفقهي والفكري والسياسي والسلوكي الذي تطرحه الأجهزة الثورية في الجمهورية الإسلامية، وقد خفّ تأثير هذا العامل كثيراً بعد عام 2003.

وقد ظلت هذه العوامل (الثمانية) الخاصة؛ تتحوّل بسرعة من القوة الى الفعل بسبب عدم تحمل الخلاف في الرأي والموقف والقراءة داخل الحزب؛ بل يؤدي الخلاف غالباً الى صراع داخلي وتراشق متبادل بالتقصير، ثم انشقاق او خروج فردي او جماعي.

 

أجنحة حزب الدعوة الحالية

هناك ثلاثة أنواع من الانشقاقات الحزبية؛ الفردية والجماعية:

الأول: خروج على القيادة والتنظيم.

الثاني: خروج على النظرية والفكر.

الثالث: خروج على التنظيم والفكر والمنهج معاً.

وقد شهد حزب الدعوة عدداً كبيراً من حالات الخروج الفردية منذ تأسيسه؛ على خلفية تغيير المسار الفكري أو العملي لهؤلاء الأفراد، أو الخلاف مع القيادة، إضافة الى سبع حالات انشقاق؛ لا يزال أربعة منها قائماً الى جانب الحزب الأم.

ويتوزع "الدعاة" حالياً على خمسة تنظيمات؛ تمثل أجنحة مدرسة حزب الدعوة الإسلامية:

1- "حزب الدعوة الإسلامية"؛ أمينه العام نوري المالكي، وهو الحزب الأم؛ أي التنظيم الأكبر حجماً والأهم نوعاً، والذي تجتمع فيه معظم قيادات الحزب التاريخية ورعيله الأول وكوادره الأساسيين. وينتمي اليه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ورئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ويترأس أمينه العام نوري المالكي "ائتلاف دولة القانون"، الذي يعد أكبر ائتلاف سياسي حكومي في العراق منذ تأسيسه عام 2009،  كما يترأس القيادي في الحزب علي الأديب كتلة ائتلاف دولة القانون في البرلمان العراق الذي يضم حوالي ( 103) نائباً، وهي الكتلة الإئتلافية الأكبر في البرلمان بعد عام 2014،  ويمتلك الحزب أكبر كتلة حزبية في البرلمان هي "كتلة الدعوة" التي تضم ( 56 ) نائباً يرأسها عضو مجلس شورى الحزب الدكتور خلف عبد الصمد.

وقد تعرض حزب الدعوة (الأم) الى تصدع خطير في أعقاب قضية استبدال قيادة الحزب مرشح الحزب لرئاسة الحكومة نوري المالكي بقيادي آخر هو حيدر العبادي، وتسبب ذلك في بروز ثلاثة توجهات (لم تبلغ مرحلة تحولها الى أجنحة) في الحزب:

أ‌- توجه الأكثرية الذي يقوده الأمين العام نوري المالكي.

ب‌-  توجه الأقلية الذي يقوده رئيس الوزراء حيدر العبادي.

ت‌- التوجه المحايد الذي يبرز فيه علي الأديب.

كما تعرضت "كتلة الدعوة" الى التصدع والإنقسام الميداني بعد الإعتصامات البرلمانية المطالِبة بإقالة رئيس مجلس النواب العراقي، ووقوف جزء من أعضاء الكتلة الى جانب المطالبين بالإقالة وتشكيلهم ماعرف بـ "جبهة الإصلاح" التي تضم مايقرب من (100) برلماني من جميع الطوائف والقوميات؛ بينما كان الجزء الآخر من الكتلة خارج صفوف المعتصمين ولم ينضموا الى جبهة الإصلاح وبلغ هذا الإنقسام الرفوف العليا للحزب أيضاً؛ فكان رئيس "كتلة الدعوة" خلف عبد الصمد مع المعتصمين وضمن جبهة الإصلاحات، بينما لم يقف القيادي في الحزب علي الأديب رئيس "كتلة ائتلاف دولة القانون" في البرلمان مع المعتصمين. وكذلك لم يكن القيادي في الحزب ورئيس الوزراء حيدر العبادي مؤيداً للمعتصمين وجبهتهم؛ سيما وأن جزءاً منهم كان يدعو الى إقالة رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية أيضاً الى جانب رئيس البرلمان (الرئاسات الثلاثة).  وفي الوقت نفسه؛ عدّت "جبهة الإصلاح" نفسها قريبة من توجهات أمين عام الحزب نوري المالكي؛ الأمر الذي سمح للمالكي بالدخول وسيطاً بين الفرقاء وتطويق الإنقسامات.

2- "حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق"؛ أمينه العام السيد هاشم الموسوي، وهو ثاني أكبر تنظيم كماً ونوعاً بعد التنظيم الأم. ومن أبرز قادته الدكتور خضير الخزاعي نائب رئيس الجمهورية السابق، وهو جزء من "ائتلاف دولة القانون"، ولديها كتلة برلمانية ضمت بعد عام 2014 عشرة نواب ووزيرين في الحكومة.

3- "حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم الداخل"؛ أمينه العام عبد الكريم العنزي؛ وزير الأمن الوطني الأسبق، وهو إنشقاق عن تنظيم العراق، ولديه عضو واحد في مجلس النواب بعد عام 2014، وهو جزء من "ائتلاف دولة القانون".

4- "تيار الإصلاح الوطني"؛ يرأسه الدكتور إبراهيم الجعفري؛ رئيس الوزراء الأسبق ووزير الخارجية الحالي، ولديه ستة أعضاء في البرلمان. ومن أبرز قادته فالح الفياض عضو المكتب السياسي لحزب الدعوة سابقاً ومستشار الأمن الوطني بعد عام 2009.

5- "حركة الدعوة الإسلامية"؛ التي كان يتزعمها عز الدين سليم؛ رئيس مجلس الحكم الإنتقالي الذي اغتيل في عام 2004. وهي أقل تنظيمات مدرسة الدعوة فاعلية على المستوى السياسي والحكومي بعد رحيل أمينه العام. لدى الحركة أعضاء في بعض مجالس المحافظات؛ ولاسيما في البصرة.

والتنظيمات الثلاثة الأولى التي تحمل اسم "الدعوة" متحالفة في إطار "إئتلاف دولة القانون"، وذات منهج فكري وتنظيمي واحد، وقريبة من بعضها سياسياً. أما تيار الإصلاح فمتحالف معها في إطار ائتلاف دولة القانون على مستوى مجالس المحافظات ( البرلمانات المحلية) فقط.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

الأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق (1)

jamil hamdaouiعرف الإنسان، عبر مساره التاريخي، أربع مراحل أو براديغمات (Paradigmes) فكرية أساسية، ويمكن حصرها فيما يلي:

- المرحلة الأسطورية: كان الإنسان القديم يفسر الأشياء ومظاهر الطبيعة تفسيرا خرافيا وميتولوجيا وأسطوريا لا أساس له من الصحة العلمية لغياب فكرة السببية والعلية المنطقية ؛

- المرحلة اللاهوتية: تتعلق بهيمنة الدين والتفكير اللاهوتي على ذهن الإنسان. وتتوافق هذه المرحلة بالضبط مع فترة العصور الوسطى التي عرفت بالتوفيق بين الدين والفلسفة، وتفسير كل شيء باسم الدين اللاهوتي.

- المرحلة الوضعية أو العلمية كما يسميها أوجست كونت (À. Comte) : تنقسم هذه المرحلة، بدورها، إلى المرحلة العلمية اليقينية المطلقة كما عند نيوتن (Newton)، وديكارت (Descartes)، وسبينوزا (Spinoza)، وليبنز (Leibniz)، ورواد العقلانية الكلاسيكية؛ والمرحلة العلمية الاحتمالية النسبية مع إنشتاين (Einstein)، وماكس بلانك (Max Blanc)، وهيزنبرج (Heisenberg)، وتسمى هذه المرحلة العلمية أيضا بالعقلانية المعاصرة التي ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر.

- المرحلة المعلوماتية أو الرقمية: رافقت هذه المرحلة اختراع الحاسوب أو الكومبيوتر الذي أحدث ثورة كوبيرنيكية مقارنة بالمراحل السابقة على مستوى تنظيم المعلومات وتحصيلها وتخزينها رقميا. وقد حققت هذه الثورة قطيعة وسائطية أو ميديولوجية (Médiologique) مع الثقافة الورقية ووسائلها التقليدية منذ منتصف الخمسينيات من القرن العشرين.

ومن هنا، يتناول كتابنا هذا مفهوم الأدب الرقمي وتطوره في الحقلين الثقافيين الغربي والعربي، بالتوقف عند مصطلحات الأدب الرقمي ومفاهيمه وتعاريفه المختلفة، مع تحديد مقوماته ومرتكزاته الأساسية. ولم ننس سياقه التاريخي الذي يستلزم منا تقديم فرش زماني ومكاني، يتتبع مختلف مراحل هذا الأدب ومساراته المختلفة من منتصف القرن الماضي إلى سنوات الألفية الثالثة، بتقديم مجموعة من التصورات النظرية والإجرائية التي رافقت تطور الحاسوب والوسائط الإعلامية والتفاعلية الرقمية والإلكترونية.

وبعد ذلك، قدمنا نظرة شاملة إلى الأدب الرقمي في إطاره الغربي من جهة، وفي إطاره العربي من جهة أخرى. والهدف من ذلك كله هو معرفة مكونات الأدب الرقمي وسماته وخصائصه ومميزاته الجوهرية والثانوية، و تحديد ما هو ثابت، وما هو متغير.

وقد طرحنا مقاربة نقدية عربية جديدة من أجل دراسة النصوص الأدبية والفنية والتخييلية ذات البعد الرقمي سميناها بالمقاربة الرقمية (Approche numérique)، أو المقاربة التفاعلية (Approche interactive)، أو المقاربة الوسائطية (Approche médiologique)، وقد وضعنا لها مجموعة من المبادئ والقواعد النظرية والإجرائية.

ونرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا.

 كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وما توفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

.......................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

الأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق / د. جميل حمداوي

 

إصدار جديد للكاتب المغربي سعيد بودبوز

920-saedصدر حديثا عن دار الأيام للنشر والتوزيع بالأردن، كتاب "سيميائية المركز والهامش في الأدبي العربي المعاصر" للكاتب المغربي سعيد بودبوز. ويتكون الكتاب من 461 صفحة، ويقوم على دراسة أعمال 12 كاتبًا وكاتبة من مختلف الدول العربية، منها: المغرب، تونس، مصر، سوريا والعراق، في إطار تقييم الأدب العربي المعاصر، ويأتي الكتاب بعد إصدار الكاتب كتابًا منذ أشهر بعنوان "مورفولوجيا القصة الحديثة" عن "دار اليازوري" الأردنية للنشر والتوزيع.

 

عن الكاتب:

سعيد بودبوز كاتب وناقد مغربي من مدينة أكنول. أصدر كتابا في مجال النقد السيميولوجي بعنوان "بين ضفة السراء وضفة الضراء" في أواخر تموز 2011920-saed عن مطبعة سجلماسة بمكناس/المغرب، ولقد كتب الدكتور جميل حمداوي عنه دراسة قيمة بعنوان "النقد السيميولوجي بالمغرب-سعيد بودبوز نموذجا" نشرت بالعدد 9 من مجلة الرقيم العراقية. وكتب عنه الكاتب السوري عمران عز الدين أحمد مقالا بعنوان "هم الآن يكنسون الرذاذ على محك السيميائيات"، نشرتها جريدة "العرب" الصادرة بلندن. 

نُشرت لسعيد بودبوز العديد من النصوص والمقالات في العديد من المجلات والصحف المغربية والعربية، منها مجلة "العربي" الكويتية، مجلة "الهلال" المصرية، مجلة "الجوبة" السعودية، مجلة "الإمارات الثقافية"، "المجلة العربية" السعودية"، مجلة "حسمى" السعودية، مجلة "سيسرا" السعودية، مجلة "إشراق المصرية"، صحيفة "القدس العربي"، مجلة "رؤى" الليبية، مجلة "الرقيم" العراقية، جريدة "المستشار" العراقية، "مجلة الرافد"الاماراتية، صحيفة "الزمان" الدولية، مجلة "روز اليوسف" المصرية، جريدة "أكراو أمازيغ" المغربية، جريدة "تاويزا" المغربية، جريدة "الخبر" المغربية، جريدة "سايس أخبار" المغربية، جريدة "العرب " الصادرة بلندن (بريطانيا)، صحيفة "الثورة" السورية، صحيفة "المجلس الثقافي" الليبية، جريدة "الجريدة"، وصحيفة "بيان اليوم" المغربية. وعبر العديد من المواقع الرقمية.

ترجم له الشاعر الفلسطيني "منير مزيد" قصيدة بعنوان "قصيدة من الشعير" إلى اللغتين؛ الإنجليزية والرومانية، وهي القصيدة التي تم إدراجها في أنطولوجيا عربية تحمل عنوان "قلائد الذهب الشعرية".

***

 

 

صدور رواية المنسي لغريب عسقلاني

917-samihصدر حديثا عن دار كل شيء رواية "المنسي" للكاتب الروائي غريب عسقلاني، وتضم الرواية 160 صفحة من القطاع المتوسط، صمم غلاف رواية المنتسي الفنان الدكتور شفيق رضوان.

والمنسي رواية فيها نمط تجديدي حيث تعتمد على اللغة الشعرية والفنتازيا من خلال لجوء الكاتب إلى عدد من الحبكات يولفها لخدمة نص الرواية.

917-samihويقول الكاتب أن المنسي هو الفلسطيني الذي يعيش الغربة منذ غادر مسقط رأسه لاجئا الى بعض وطنه في غزة، ويعود إلى حكاية تغريبة الفلسطيني، للتراسل الفكري والوجداني مع ظله رضاء الخزامي، والرواية تتمرد على البنية التقليدية لاسطرة الحكاية مستندة الى مفردات الواقع والعمل على توليد ضفيرة روائية باستلهام حكايات الماضي.

يذكر ان غريب عسقلاني هو كاتب روائي فلسطيني يقيم في قطاع غزة صدر له عشرات الروايات والمجموعات القصصية، وقلده الرئيس محمود عباس وسام الثقافة والعلوم والفنون" مستوى الابتكار" ويعتبر الروائي غريب عسقلاني من الجيل الثاني من الأدباء الفلسطينيين منذ النكبة، وقد أثرى الحياة الثقافية الفلسطينية عبر مسيرته النضالية والثقافية الطويلة.  

 

الطفل والصورة: أية علاقة؟

jamil hamdaouiيعتبر العصر الذي نعيش فيه عصر الصورة بامتياز. والدليل على ذلك كثرة الصور التي تهيمن على حياتنا الخاصة والعامة، سواء أكانت صورا ثابتة أم متحركة. وقد أصبحت حضارتنا حضارة الصورة بكل المعاني، بما تحمله من ثقافة مرئية وبصرية تسم جميع مرافق الحياة الإنسانية من الأسرة حتى المؤسسات العمومية الصغرى والكبرى.

وقد تطورت الصورة كثيرا في مرحلة (مابعد الحداثة)، وقد رافقت تطور وسائل الإعلام، فأصبحت الصورة البصرية علامة سيميائية تشهد على تطور فلسفة مابعد الحداثة. ولم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الإنسانية، بل أصبحت الصورة هي المحرك الأساس للتحصيل المعرفي، والوصول إلى الحقيقة النسبية. ولاغرو أن نجد جيل دولوز (Gilles Deleuze) - مثلا- يهتم بالصورة السينمائية ؛ إذ يقسمها إلى الصورة - الإدراك، والصورة - الانفعال، و الصورة - الفعل، ويعتبر العالم خداعا كخداع السينما للزمان والمكان، مادامت تخدع حواس الرؤية والإدراك والتبصر، ويبدو ذلك واضحا في كتابيه: (الصورة- الحركة) (1983م) ، و(الصورة- الزمان)  (1985م) .

ويعد الطفل أكثر الكائنات البشرية الحالية استهلاكا للصورة، في عالم تجاوز الحداثة إلى مابعد الحداثة. وقد هيمنت الصورة، بشكل طاغ، على الإنسان على جميع الأصعدة والمستويات. ومازالت هذه الصورة، إلى يومنا هذا، تمارس، بمختلف أنواعها، تأثيرا حقيقيا في سلوك الطفل وتصرفه ونمط تفكيره، سواء أكان ذلك التأثير سلبيا أم إيجابيا.

إذاً، ما مفهوم الصورة؟ وما أهمية الصورة بالنسبة للطفل؟ وما أنواع الصورة التي يتعرف إليها الطفل عبر مراحله العمرية؟ وما وظائف الصورة التي يتعامل معها الطفل؟ وما  علاقة الطفل بالصورة؟ وما أهم المقاربات التي تناولت علاقة الطفل بالصورة؟ وما أنواع الصورة التي يتعامل معها الطفل؟ وما إيجابيات الصورة وسلبياتها؟ وما أهم التوصيات والمقترحات التي يمكن الخروج بها للحد من آفات الصورة وسلبياتها الشائنة؟

هذا ما سوف نتعرف إليه في كتابنا المتواضع هذا، على أساس أن الصورة هي المحرك الفعلي لحضارتنا الراهنة. وهي كذلك وسيلة للتسلية والمتعة والفائدة. وبتعبير آخر، الصورة هي أداة للتأثير، والإمتاع، والإفادة، والحجاج، والإقناع، والحوار، والاقتناع...

و نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وما توفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

.........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

الطفل والصورة: أية علاقة؟ / د. جميل حمداوي

 

صدور كتاب: صفحات شباب بلا قيود وعذابات بلا حدود شواهد وشهود لسعد الأعرجي

916-salamصدر مؤخرا وعن دار اديان للطباعة والنشر، السماوة - العراق كتاب: (صفحات شباب بلا قيود وعذابات بلا حدود شواهد وشهود) لمؤلفه سعد نعيم حسن بهية الاعرجي، مواليد 1960 - السماوة

الكتاب يحتوي على 366 صفحة من القطع الوزيري

وقد بين مؤلفه ان الكتاب ينقل مشاهداته التاريخية التي عاصرها وعايشها والتي تنقل لاول مرة في تاريخ السماوة، وقد اعتبر الكتاب وثيقة يتحدث بكل تفاصيل ودقة لمرحلة التنظيم والجهاد والاستشهاد لحقبة من الزمن المرير الذي عاشته المدينة زمن النظام المباد والتي لم يطلع عليها اي شخص اخر او سمع بها من قبل، معززا بالشهادات والشهود .

916-salam وقد اوضح المؤلف وكما مبين في غلاف اصداره، انه رافق قادة الحركة الاسلامية في درب جهادهم وشاركهم محنتهم ومعاناتهم لم يشأ الله ان يرتحل ضمن صفوف قوافلهم ليبقى شاهدا يروي للاجيال عظمة وعنفوان اولئك الصحب لعل القادم من الانسان يتخذهم قدوة ويتعلم من ارواحهم، كيف يبني الارواح وكيف يؤسس لدولة العدل الالهي ارضية الاسوار الشامخة .

ولذكراهم كتب صفحات عن سيرتهم الجهادية وتنظيماتهم الحركية بانتماءاتهم المختلفة وارتباطاهم المتعددة وعن تضحياتهم ومعاناتهم وشراسة عدوهم وتحديهم لاساليبه الجهنمية وبيان مواقفهم الشجاعة ونشاطاتهم من السبعينيات وحتى مابعد سقوط الطاغية وبحسب الترتيب الزمني للاحداث مرورا بمحطات السجناء وترهيبهم وبابناء الشعبانية وبطولاتهم ومحتجزي رفحاء ومعاناتهم والاضرار التي لحقت بذويهم معززا بشواهد وشهود فاضحة ....

 

سلام البهية السماوي - ملبورن

 

  

 

فشل الإسلام السياسي وأحلام التيار العلماني العراقي (31)

ali almomenأود الإشارة هنا الى موضوع فرعي يتعلق برؤية الجماعات العلمانية للأحزاب الإسلامية الحاكمة وعلاقتها بفشل الدولة العراقية بعد عام 2003، هذه الحركات التي تعبر عن نفسها غالباً بالحراك المدني؛ هي خليط من الشيوعيين والقوميين العرب والعلمانيين المستقلين وبقايا النظام السابق وبعض المرتبطين بالكتل العلمانية السياسية الطامحة للمشاركة في البرلمان والحكومة، ولكل منه خلفياته ودوافعه وأهدافه الفكرية والسياسية في اتهام الإسلاميين بالفشل في إدارة العملية السياسية والدولة والحكومة، وفي المطالبة باستبدالهم بالعلمانيين والمدنيين والتكنوقراط؛ لأن هؤلاء أقدر على إنهاء أزمات العراق، ويضعون لافتة عريضة لهذه المطاليب عنوانها: «فشل الإسلام السياسي»؛ بسبب الايديولوجية الدينية المغلقة للإسلاميين، وانعدام خبرتهم بالحكم وإدارة الدولة، وفسادهم المالي، وارتباطهم بإيران.

 

تناقضات ووقائع

أرى أن هناك تناقضاً بين مطالب التيار العلماني المذكورة وبين مزاعم انتماء مكوناته الى الفكر الديمقراطي؛ فالعملية الديمقراطية تستند الى نتائج صناديق الاقتراع، وليس الى فعل العنف أو الاعتصامات أو التحريض على الاستبدال بالقوة. كما إن اتهام الإسلامي بالفشل، والعلماني أو التكنوقراط المستقل بحتمية النجاح لا يستند الى أي معيار علمي. أما الفساد فلا علاقة له بالايديولوجيا؛ لأنه حالة إنسانية عامة لا تقتصر على جماعة دون أخرى؛ مهما كان نوع انتمائها. ولكن يبقى من حق العلماني أن يحكم؛ كما الإسلامي، وهذا يرتبط بثقة الشعب وأصواته؛ بصرف النظر عن دوافع هذه الثقة وخلفياتها. وقد جربت جميع الجماعات حظوظها في الانتخابات؛ فكانت النتيجة دائما فوزاً ساحقاً للإسلاميين الشيعة؛ فإذا أخذنا الانتخابات البرلمانية

عام 2014؛ سنجد أن ائتلافين إسلاميين شيعيين عمودهما الفقري حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري الإسلامي؛ حصدا أكثر من (170) مقعداً في البرلمان؛ بينما لم يحصد العلمانيون الشيعة من المنتمين الى عشرات التحالفات والائتلافات والكتل ذات الأسماء الكبيرة؛ أكثر من عشرة مقاعد.

 

خيارات العلمانيين لاستبعاد الإسلاميين

فما هو الإجراء في هذه الحالة ليُستبعد الإسلاميون عن الدولة والحكومة والوزارات ودوائر الدولة، ويستبدلون بالعلمانيين أو التكنوقراط المستقلين؟!.

هناك أربعة خيارات:

1- خيار استبدال الشعب العراقي والمجيء بشعب آخر؛ علماني التوجهات؛ لينتخب العلمانيين أو من يطلقوا على أنفسهم المدنيين، وهذا خيار مستحيل.

2- خيار تغيير معادلات الاجتماع الديني والثقافي والسياسي سلمياً لصالح التيارات العلمانية؛ فيتبعه تغييراً تلقائياً في توجهات الشعب العراقي، وهذا الخيار ممكن؛ لكنه يحتاج من العلمانيين الى عقود طويلة من العمل الشاق، بالتزامن مع توقف الإسلاميين عن أي فعل ثقافي واجتماعي وسياسي. وبالتالي فهو خيار بطيء وصعب التحقق وغير مضمون النجاح.

3- خيار تحالف العلمانيين مع قوة إسلامية شيعية كبيرة؛ سواء أحد الأحزاب الكبيرة الثلاث: حزب الدعوة، المجلس الأعلى والتيار الصدري، أو إحدى قوى المقاومة المسلحة الكبيرة الثلاث: منظمة بدر، كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق؛ تحت شعار الإصلاح والقضاء على الفساد ورفض المحاصصة وحكومة التكنوقراط. وبعد نجاح هذا التحالف في اكتساح الساحة السياسية بقوة الشارع وفرض الأمر الواقع؛ وصولاً الى استلام السلطة؛ تقوم الجبهة العلمانية بما تمتلكه من خبرة تراكمية ورثتها من العهد الجمهوري؛ بالانقلاب على الحليف الإسلامي واجتثاثه أسوة بالأحزاب الإسلامية الأخرى المجتثة سلفاً. وهذا الخيار ممكن أيضاً؛ ولكن تحققه في غاية الصعوبة؛ لأن الحركات الإسلامية لا يمكن أن تُستغفل أو تدخل في تحالفات تخسر من خلالها كل شيء، كما لا يمكنها الخروج ـ طوعاً أو كرهاً ـ عن خيمة المرجعية العليا وولاية الفقيه. وقد جرب العلمانيون حظوظهم في التحالف الميداني مع التيار الصدري في تظاهرات واعتصامات الأشهر الستة الأولى من عام 2016، واستطاعوا جر بعض جماهير التيار الصدري الى سلوكيات غير مقبولة قانونياً وسياسياً وإجتماعياً؛ إلّا أن العلمانيين اكتشفوا أنهم أقلية في العدد والعدة وسط أكثرية ساحقة من أنصار التيار الصدري؛ الذين يمثلون أكثرية مذهبية بالفطرة؛ لأن إنقيادهم للسيد مقتدى الصدر هو بدوافع مذهبية. كما اكتشف العلمانيون أن تأثيرهم ينتهي في الميدان ولا يرقى الى قطف الثمار سياسياً، وأن ركوب موجة التيار الصدري؛ ثم الإنقلاب عليه بعد تحقيق أهداف الإطاحة بالإسلاميين والعملية السياسية برمتها أمرٌ مستحيل؛ بل العكس هو الصحيح؛ إذ كانت نتائج التظاهرات والإعتصامات يحصدها التيار الصدري حصراً؛ إن كانت هناك نتائج.

4- خيار القوة والعنف. ويتمثل بحالتين:

أ- الانقلاب العسكري، والعودة الى عهود انقلابات العلمانيين في الأعوام 1958 و1963 و1964 و1968، وخلال ذلك يقوم الإنقلابيون العلمانيون بمنع جميع الإسلاميين من ممارسة العمل السياسي، واعتقال كثير منهم، وإعدام عدد مهم من رموزهم، وإغلاق باب المرجعية الدينية النجفية ومنعها من أي تدخل في الشأن العام؛ وصولاً الى إعادة العمل بالقرار 449 لعام 1980 الموقّع من صدام حسين، والقاضي بإعدام كل من ينتمي الى حزب الدعوة ويروج أفكاره ويعمل على تحقيق أهدافه، وبمعني آخر «اجتثاث الإسلاميين» وحاضنتهم الدينية.

ب-  الاحتلال العسكري الأجنبي والعودة الى عام 1921 حين استورد الإنجليز أميراً علمانياً سنياً غير عراقي ليحكم العراق ذا الأغلبية الشيعية المتدينة بدستور علماني؛ رداً على ثورة الشعب العراقي الوطنية الإسلامية في عام 1920 ومطالبتهم بحكم وطني إسلامي، ثم جاءت الحكومات العلمانية الطائفية الواحدة تلو الأخرى وهي تطبق تعاليم الإنجليز بالصيغ العلمانية الطائفية التي تكشف عنها قوانين وسلوكيات ياسين الهاشمي وساطع الحصري وغيرهما.

 

الإرث الدموي للعلمانيين

وأرى أن الخيار الأخير؛ أي خيار العنف؛ بحالتيه الانقلابية والإحتلالية هو الخيار الممكن الوحيد، لأن الأحزاب والجماعات العلمانية؛ سواء الليبرالية أو الماركسية أو القومية؛ لا تزدهر ولا تنمو ولا تستطيع فرض سيطرتها على الواقع السياسي والسلطة إلّا عبر سلطة القهر؛ سواء في ظل الإحتلال؛ كما حدث بعد العام 1917؛ حين هيمن العلمانيون الليبراليون (المحليون والمستوردون) على الحكم بالطائفية والتغريب والعمالة، أو في ظل الأنظمة العسكرية؛ كما حصل خلال الحكم العسكري القاسمي بعد عام 1958؛ حين هيمن العلمانيون الشيوعيون على الساحة السياسية بالعنف والترهيب وسحل الجثث، أو خلال الحكم العسكري العارفي حين هيمن العلمانيون القوميون الطائفيون على السلطة بالقمع والقتل وحروب الشوارع، أو خلال الحكم العسكري البعثي بعد عام 1968 حين تسلط العلمانيون البعثيون الطائفيون على مقدرات العراق بأبشع أساليب الإرهاب والإفساد والقتل الجماعي والتدمير الشامل للبلاد.

ربما يستطيع العلمانيون والمدنيون الحاليون الإستناد الى خياري الإحتلال والقهر المسلح الذين يمثلان إرث العلمانيين والمدنيين السلف؛ خلال مطالباتهم بإزاحة الإسلاميين عن الحكم، واستبدالهم بحكومة علمانية مدنية مستقلة؛ وإلّا فإن العملية الديمقراطية السلمية والانتخابات الحرة ستبقيان تدفعان الإسلاميين الشيعة الى قيادة الدولة والحكومة؛ لأنهم ثمرة معادلة الاجتماع السياسي والثقافي والديني العراقي، فالحركات الإسلامية العراقية؛ كحزب الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري وحزب الفضيلة ومنظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وغيرها؛ هي حركات لصيقة بالاجتماع الديني والسياسي والثقافي العراقي، وهي جزء أصيل منه، وليس طارئاً؛ بصرف النظر عن أدائها وممارساتها وسلوكيات أعضائها، وهذا الأداء هو ـ في الحقيقة ـ إفراز للواقع الاجتماعي؛ بكل سلبياته وإيجابياته.

 

الوجود الأصيل والطارئ

ومن هنا فإن وجود الحركات الإسلامية الشيعية والسنية، والحركات القومية العربية والكردية (في إطار المكون السني تحديداً)؛ هو تمظهر سياسي طبيعي للاجتماع العراقي، ولا علاقة لذلك بوجودها في السلطة أو عدمه، أو ما تقدمه للناس من خدمات وإنجازات؛ على العكس من الأحزاب الليبرالية والعلمانية غير الإسلامية وغير القومية؛ فهي طارئة على الإجتماع السياسي والثقافي العراقي، ومنفصلة عنه، ولا تهيمن إلّا في ظروف استثنائية؛ كالاحتلال والانقلاب العسكري.

وإذا كان هناك تفكير في إيجاد بدائل لحزب الدعوة والمجلس الأعلى العراقي والتيار الصدري ومنظمة بدر في الوسط الشيعي؛ فلن تكون البدائل غير أحزاب من النوع نفسه والشكل نفسه والمضمون نفسه والممارسة نفسها، ولن يكون البديل ليبرالياً وعلمانياً. وهكذا الأمر بالنسبة لحزب البعث وجماعة الاخوان المسلمين في الوسط السني العربي، والحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني في الوسط السني الكردي؛ فهي أيضاً أحزاب لصيقة بالإجتماعين السياسيين العربي السني والكردي السني. ويمكن المقارنة في النفوذ السياسي لهذه الأحزاب في حواضنها الاجتماعية؛ من خلال نتائج الانتخابات المحلية والبرلمانية منذ 2003 وحتى الآن، وهو نفوذ طبيعي لا يرتبط بموضوعة السلطة واستغلال أدوات السلطة أو النفوذ الإيراني. ربما يكون لاستثمار هذه الأدوات وهذا الدعم دورٌ في رفع منسوب أصوات هذه الأحزاب؛ ولكنه ليس علة نفوذها أو سبباً له، وهذا ما تحدده توجهات الإجتماع السياسي والديني والثقافي العراقي بكل تفاصيله.

 

الواقع الشيعي

فالناخب الشيعي العربي والكردي والتركماني والشبكي يحمل توجهات مذهبية في الغالب، ويدين بالطاعة الى رمزيات دينية مذهبية؛ على رأسها المرجعية الدينية النجفية والحركات الإسلامية، ولا يمكن تغيير هذه الثقافة الأصيلة مطلقاً، والدليل أن اثنين وثمانين عاماً من ثقافة القهر التي مارسها الحكم الطائفي العنصري للدولة العراقية، وخمسة وثلاثين عاماً من ثقافة الاستحالة التي مارسها الحكم الشوفيني البعثي؛ سقطت كلها في لحظة واحدة من آذار عام 1991 (الانتفاضة الشعبانية)، ثم في نيسان عام 2003 (سقوط نظام صدام)؛ لأن بنية الاجتماع السياسي الشيعي العراقي قائمة على ركيزة دينية ثقافية نفسية تاريخية؛ أي أنه ليس تمظهراً سياسياً صرفاً؛ لكي نتوقع مجيء بدائل ليبرالية وعلمانية؛ بل هو خليط من الاجتماع الديني والاجتماع الثقافي والاجتماع السياسي.

 

بين السنّة والكرد

وهو ما ينطبق على توجهات الناخب السني العربي؛ فهي توجهات قومية مذهبية مركبة؛ ولذا تتوزع خياراته غالباً بين الجماعات الإسلامية والجماعات القومية. أما الناخب السني الكردي؛ فتوجهاته قومية غالباً؛ فلا يمكن أن ينتخب غير الأحزاب القومية الكردية؛ بل حتى الأحزاب الإسلامية والماركسية الكردية يتوزع انتماؤها بين العقيدة والقومية. ومن هنا يمكن للحركات الايديولوجية القومية العلمانية أن تنجح بقوة في الوسط السني العربي والكردي والتركماني؛ ولكنها لن تنجح في الوسط الشيعي العربي والكردي والتركماني. وبالتالي فإن الحديث عن بدائل عابرة للاجتماع السياسي الشيعي أو الاجتماع السني العربي أو الاجتماع السني الكردي؛ هو حديث تمنيات ورغبات لا أكثر.

ولا تقتصر مظاهر الاجتماع السياسي الشيعي على العراق وحسب؛ بل هي قائمة في كل البلدان الأخرى؛ من الهند وباكستان وأفغانستان وحتى ايران والبحرين والكويت ولبنان، ولا يمكن أن يكون العراق استثناء؛ لاسيما أنه يتصدر الاجتماع الديني الشيعي منذ أكثر من 1400 عاماً؛ هو عمر الإسلام في العراق.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

قراءة استعراضية في كتاب الخلفية النصية الاسبانية والشعر العربي المعاصر .. بحث في التفاعل النصي

akeel alabodمدخل الى الكاتب والكتاب: المفكر الدكتور محمد عبد الرضا شياع، استاذ الادب المقارن وتحليل النص في الجامعات العربية، يستنبط علاقة الخلفية النصية الاسبانية بالشعر العربي المعاصر من خلال استقرائه لنصوص رموز مهمة في الادب العربي، ذلك على نمط البياتي، محمود درويش، السياب، وغيرهم، على أساس علاقة الدال والمدلول في السيميولوجيا، حيث يقترن الرمز اللوركي بمعناه الثوري في القصيدة العربية بمفهوم الثورة، والشهادة، والتضحية، ذلك وفقا لابعادها الزمانية والمكانية. الكتاب من تقديم الدكتور والمفكر سعيد يقطين، أستاذ التعليم العالي في جامعة محمد الخامس في مدينة الرباط، والكتاب باربعة فصول، وعدد صفحاته أربعمائة، وسبعين صفحة من الحجم الكبير ، اضافة الى الخلاصة، والملحق، ثم المصادر والمراجع- ذلك ما تستدعيه ضرورات الإضافات المهمة في البحث العلمي.

والكتاب من مطبوعات دمشق، تموز، لعام ٢٠١٣.

 

حول عنوان الكتاب:

  عنوان الكتاب يرتكز على ثلاثة مسميات مترابطة ومتلازمة، من خلالها، يفهم القاريء المحتويات، وما يريد المؤلف ان يقول، وهذه المسميات هي الخلفية النصية الاسبانية، الشعر العربي المعاصر، وبحث في التفاعل النصي. والذي تنوقش من قبل جيرار جينيت الذي أسس لمعناه،  كونه مفردة ومقولة مهمة اشتغل عليها المعنيون في الادب المقارن في"علم النص....جوليا كريستيفا المبتكرة الاولى لمصطلح التناص"ص١٣سطر١٢-١٣، ومصطلح التناص ورد في الأنماط الخمسة التي يرتكز عليها التفاعل النصي، وهي"١-التناص،٢- المناصة،٣- الميتانصية،٤- التعلق النصي،٥- معمارية النص".[1].

هنا يصبح من الضرورة الإشارة الى ان هنالك نصا، وتناصا بين نصين وتعاليا نصيا، وتفاعلا نصيا، والتفاعل يعني التعلق بنص اخر، من دون سرقة او احلال، كما ايضا يجب إعطاء القارىء فكرة واضحة عن أشكال التفاعل النصي من حيث الأبعاد الثلاثة" التفاعل النصي الذاتي، والتفاعل النصي الداخلي والتفاعل النصي الخارجي" [2].

وضرورة البحث في هذه الأشكال يدلنا على حيثيات التفاعل من حيث المستوى والمستوى الخاص، حيث كلاهما يخضعان الى لغة الكاتب وثقافته وارتباطه مع ثقافات نصوص اخرى وهذا مهم للناقد كونه يساعده على استدراج جوهر النص ونقاط التقائه مع النصوص الاخرى. [3].

 

بداية الكتاب

استهل الكاتب مؤلفه بالآية ١٣من سورة الحجرات" يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير"

والمقصود بحسب اختيار الآية الكريمة، ان المؤلف أراد ان يوظف النص القراني للبحث في موضوعة التفاعل النصي، بناء على نظرية التنوع الثقافي بين الشعوب، بمعنى انما اريد لهذه الشعوب ان تحكي تواريخ ابطالها ورموزها وفقا لهذه العلاقة المقدسة التي بها تتجاذب وتتأثر وتتفاعل رابطة الانتماء الإنساني.

اما إلاهداء، فقد كتب على شاكلة هذه المرارة التي بين جوانحها يصرخ الصبر؛ يستغيث بحثا عن فضاء امن بموجبه يتحول المغترب الى بطل، يبحث عن رفيق درب، به يستعين لمواصلة هذا الشوط الطويل من الالم- بهذه الصورة من الشقاء يكتب شياع لغته التي عنوانها هذه الأبجدية الموسيقية التي ترنيمتها مقولة اسمها الصبر، لذلك يصرخ بها بلوعة في اول الكتاب، لعله يستنجد برفيق غربته ليحيا متواصلا هكذا حاملا معه مناجاة مغترب في صحراء ليل طويل: "الى التي كانت تجرح أوتار الغربة بريشة الصبر".[4].

والسؤال هو من الذي جعل المؤلف يبحث في تناص هذه العلاقة التي أمواجها تعانقت، لتتشرنق في ابجدية هذا النوع من التلاحم بين النص الإسباني والشعر العربي، كيف استطاع صاحب البحث ان يكاشف حقيقة هذا النوع من التداخل، ينصت اليه، بكل تفاصيله، كيف استطاع محمد شياع ان ينقل لنا حيثيات هذا النوع من الأدلجة في الوعي الشعري بطريقة خاشعة منصتا الى ينبوع هذه الأيقونة التي من أقانيمها نشيد لوركا النموذج، والرمز ؛ ما هو الطريق الذي اعتمد عليه للكشف عن مفردات هذا النوع من التمازج والتلاقح بين الشعر الإسباني والقصيدة العربية؟

"يكشف الانتقال الى قراءة النموذج عبر تيماته الشعرية عن نقلة نوعية على مستوى الأداء الشعري، اذ يتحقق هذا الأداء في ممارسة العبور الذي وسم القصيدتين الاسبانية والعربية بميسمه، فهو عبور مرسوم بنياشين التجربة والمعاناة والتحول، عبور ممهور بدماء وجوع وقهر، انه المعادل الموضوعي للتجربة الإبداعية، فالواقع العربي يمر بمرحلة خطيرة، والشاعر ينزف ويحذر من السقوط والانهيار، وكذلك كان الإسباني"[5].

الموضوع يستقي ملامحه الحقيقية من المدخل الذي أراد المؤلف بحثه عبر مفهوم" علاقة الذات بالاخر" الذي نوقش من قبل الجابري محمد عابد في المعنى "الابستمولوجي"[6].

 اما المعنى الابستمولوجي فقد انطوى على كيفية توظيف مفردات الواقع بحسب التجارب الشعرية المتداخلة بين اسبانيا والعرب، باعتبار ان هنالك طريقا مفتوحا للسفر، هذا الطريق يحمل في بذوره لغة التوظيف الجغرافي والتاريخي للنص" هي تيمة عبور على الصعيدين الفردي والجماعي .. فالحياة كلها في حالة عبور دائم، هذا ما يتوئم الغجر والفجر: فالأول يمثل طفولة شعب، الحالة البدائية المندورة بالعبور الى زمن اخر، ووعي اخر، والثاني يمثل بداية يوم جديد"[7].

في التقديم الدكتور سعيد يقطين يتناول معنى التناص بناء على مفهوم التداخل بين النصوص؛ فهنالك ارتباطا بين النصوص على اساس مقتضيات ما تفرضه الحاجة الى القراءة، وعليه يصبح من الضروري التمييز بين النص، التناص، التأثير والتأثر بين الآداب والثقافات. "والتناص" معناه بحسب المقدم العلاقات بين النصوص، وعليه وبحسب "جيرار جينيت" نوقشت فكرة "المتعاليات النصية" لكي يتم إفراز وطرد شبح مخيف استحوذ كان له دور سيء في ارتكاس الابداع الأدبي- وهي قضية السرقات التي تعرض النص الى التهشم والإقصاء، كونه يمس حرمة وقدسية الابداع. ولذلك تجنبا للاختلاط كان لأطروحة الدكتور شياع أثر جميل في تعريف القارىء  بمعنى التفاعل النصي، والتي اعتمدت الترابط بين" الشعر العربي المعاصر بنظيره الإسباني"[8].

حيث ابتدأ المؤلف مقدمته عن الادب المقارن لكي يعطي فكرة عن مقدمة اشكالية، منها اختلفت الآراء، اوا نطلقت لتبيان المنحنيات المتماسة بين الآداب والثقافات المختلفة- موضوعة التناص، والتفاعل النصي التي تم تحديدها بحسب جنيت

على لسان المقدم بخمسة أنماط وهي:  "التناص، المناصة، الميتانصية، التعلق النصي، معمارية النص". والمقدمة ملخص واضح للفصول المتتالية للكتاب؛ حيث بها أعطى الدكتور شياع الملامح الموجزة والمفصلة للقاريء بما يتناسب وعنوان أطروحته.

الفصل الاول الذي عنوانه الرئيس التفاعل النصي: نحو مقاربة نظرية، موضوعاته بحسب التسلسل: سؤال الكتابة، ماهية النص، حركية العناصر النصية، انسجام النص، التناص، تعدد المقاربات التناصية، القيم التناصية، التفاعل النصي، أنماط التفاعل النصي، التناص، المناصة، الميتناصية، التعلق النصي، معمارية النص، أشكال التفاعل النصي، التفاعل النصي الذاتي، التفاعل النصي الداخلي، التفاعل النصي الخارجي، مستوى التفاعل النصي، المستوى العام، المستوى الخاص.

 

هنا قبل الولوج عبر بوابات المقدمة، كونها ملخص بفصول الكتاب، وما انطوى عليه المعنى التفصيلي للعنوان، لا بد من تبيان ان الفصل الاول من الكتاب لا يخلو من مناقشة "معنى الكتابة" باعتبارها تشبه في كينونتها لغة الإلهام الذي يلد من النفس، فيحرك لواعجها، لتصبح لغة الشاعر أشبه بمكنون إلهامي، يعيش، بل يحيا مع المشاعر، لعلها "الذات الكاتبة" تستخلص الذائقة ؛ ترتقي من خلالها الى طقوس الحكمة ومراتب الابداع. لذلك يقول المؤلف" لعل الفكرة العالقة في الاذهان تجسدت في ملفوظ" الإلهام" الذي يرجع تاريخه الى "هوميروس"[9].

   

ملخص الفصل الاول

من اهم مفاتيح الفصل الاول هو هذه العلاقة الترابطية التلازمية المتواترة بين الذات كمادة تحمل في كتلتها الفيزيائية صفة الوجود البشري من جانب، وارتباطها الوجداني مع الفعل الذي يحمل بين جوانحه لغتين من التفاعل، الاولى ترتبط مع الوعي،  والثانية ترتبط مع اللاوعي، والتاريخ مساحات متصلة تتفاعل في فضاءاتها التباسات الذات، صراعها مع الواقع وكينونتها التي عبرها تتجسد لغة النص. إذن لغة النص تتفتح آفاقها لترتبط مع مفردات الواقع ومكوناته هنا في هذا المكان، او ذاك، وتلك من بذورها تنبت ما يسمى بذرة النص، اي ماهيته الفيزيقية والميتافيزيقية؛ بمعنى عالمها الملموس الذي يتحاور مع مفردات الواقع عبر هذه الديمومة من التفاعل تارة، وعالمها اللاملموس الذي يتحاور مع مفردة الوعي التي بدورها تستبطن حركة التاريخ وانتماء لغة النص الى هذه الحركة. لذلك "علم النص" انطلاقا من "السيمائيات، كان قد نوقش من قبل "جوليا كريستيفا [التي تعد] من المع الباحثين في ماهية النص"، "ومقولة النص" بحسب سعيد يقطين " لا يمكن ان تحدد فقط على مستوى واحد، بل ان يحلل على مستويات عديدة مورفولوجية وتركيبية ودلالية وتداولية... وهذا يتطلب نظرية مركبة تستفيد من السوسيو-لسانيات والسايكولسانيات وغيرها"[10].

والسايكو مشتقة من سايكولوجي، بينما السوسيو من سوسيولوجي، بمعنى علم الاجتماع، وهذا البحث مهم في استكشاف الخلفيات النفسية والاجتماعية، والأخلاقية للشعوب، حيث عبر الثورات والمآثر ، يتم استكشاف الجانب الأسطوري للتضحيات، وهذا ما أشار اليه الباحث وهو في طريقه الى ربط الأنماط الخمسة للتفاعل النصي كما ورد.

ففي موضوعه أنماط التفاعل النصي  يؤكد شياع المعنى الخاص والعام لهذا التفاعل- "خمسة أنماط" ص٥٨ سطر ٥-٧"التناص، النصية المصاحبة، التوالد النصي، الميتانصية والمعمارية النصية"

بينما هنالك" يحدد جيرار جينيت-على قول سعيد يقطين-خمسة أنماط من التعاليات النصية وهي: التناص، والمناص، والميتانص، والنص اللاحق(التعليق النصي)، ومعمارية النص"[11].

 

قبل الانتقال الى الشطر الثاني من العنوان؛ الخلفية النصية الاسبانية،  أودّ الإشارة الى ان المؤلف استعان، اي بنى مؤلفه بناء على ترابط هذه الحيثيات مع بعضها على اساس مبدأ التفاعل بين ثقافة العصر من جانب وتاريخ التشكل النصي من جانب اخر، ذلك على اساس التفاعل الزمكاني، الذي يضاف اليه طريقة الوعي الفني لصاحب النص الجديد، والمعنى يشير الى رمزية البناء المعماري للقصيدة العربية وهي تستحضر مكونات الفن الأدبي للقصيدة الاسبانية كما هو مبين ومفصل في الفصل التالي.

الفصل الثاني، ومدخله الخلفية النصية الاسبانية وآفاق تفاعلاتها. وتتضمن بحسب السياق العصور الوسطى، أناشيد المفاخر، اغاني الميوثيد، مدرسة طليطة للمترجمين، النهضة، العصر الذهبي، العصر الباروكي، اللاثاريو والمقامة العربية، دون كيخوته، النزعة الانعزالية، البحث عن الذات، الاتجاه الحديث، جيل ١٨٩٨، الطلائعيون، جيل ١٩٢٧، السمات المشتركة، فيديركو غارثيا لوركا، غارثيا لوركا: افاق كونية، والشعر العربي المعاصر.

هنا لا بد من الضروري البحث في موضوع آفاق التفاعل بالنسبة الى الخلفية النصية الاسبانية، ما هي هذه الآفاق؟

يقصد بالآفاق؟ الأحقاب الزمنية التي تناسلت أحداثها مع لغة الثقافة الخاصة في اسبانيا انذاك، حيث هنالك عصور ومدارس ازدهرت في ظلها، وايضاً هنالك مفكرون ومعنيون بدراسة وتشجيع النصوص التي ظهرت وقد ذكر المؤلف العصور الوسطى اللغة القشتالية الاسبانية، أناشيد المفاخرة، اغاني الميوثيد، مدرسة طليطلة للمترجمين، النهضة، العصر الذهبي، العصر الباروكي، اضافة الى احداث وتفاصيل لها علاقة بتلبية ارادة النص، تمثيل صيرورته الحسية والنفسية، ناهيك عن تلبية الرغبة السياسية  للنص، الدون كيخوته في زمنه، "ترعرعت احضان الثقافتين الاسبانية والإيطالية"  وبهذا ظهر الاتجاه الحديث يرافقه فلسفات وبنى وتيارات فكرية متعددة-النزعة الانعزالية مثالا.

هنا من الضروري ان نذكر أهمية الموسيقى بالنسبة للشعر، باعتبارها من مكوناته الروحية، فماهية الشعر تفقد الوهيتها لولا هذا الترابط الذي يعد بالنسبة للمؤلف من اقانيم القصيدة، حيث كما جاء: " يبدأ الشاعر كرنفاله الشعري بالفلامنكو الذي يستجمع حضوره معجم اللغة الشعرية اللوركية في كل ظهور"[12].

 

ملخص الفصل الثاني:

من المناسب الذكر ان موضوع الانتقال "من الأسطورة  الى التاريخ"  مهم في فهم وتحليل المكونات الاساسية للأدب الإسباني، ذلك بغية الوقوف على العوامل والمؤثرات الاساسية، اي الحيثيات التاريخية والأدبية لهذه المكونات، هذا ما أريد التوصل اليه بحسب المؤلف؛ فمثلا من العوامل الاساسية لهذه المكونات كما ورد،

"مدرسة طليطة للمترجمين"ص٧٤، المحور الثاني، ذلك باعتبار ان هنالك اثارا دينية، باعتبار ان للمعتقدات الدينية التي جاء بها الشارحون انذاك

دورا بين الثقافة العامة والمعتقد الديني، وما جاء به القديس توما الأكويني كان نموذجا لذلك.

بالمقابل  فللأسطورة دور اخر في تفاعل ما ورد في نصوصها مع الادب الاسباني، كما جاء في ص [13].

ما ورد في نهاية الفصل يعد خاتمة احتوت ما تم بحثه في الفصل اعلاه " فالنصوص/ الافكار ليست نتاجات معزولة، بل هي إنجازات تستعاد بأساليب مغايرة تؤطرها احوال العصر وظروف المكان، انها كائنات حية تعيش تحت قبة سماء واحدة في أزمنة مختلفة تفرض السابقة سلطتها على اللاحقة..."[14]. 

"التقطت الحرب الأهلية الاسبانية(٣٦-٣٩) غارثيا لوركا بطلقات غدر خائنة جعلت اسمه خيوط نور تغطي ارض الابداع الانساني بصمت وألم" ص ١٠٧ مقتل لوركا"....لذلك "أنشده شعراء العالم... والسؤال مطروحا من خلد من؟ الموت خلد لوركا ام لوركا خلد الموت...شهرة لوركا الكونية"

هذا ناهيك عن ان هنالك قراءات من خلالها يصبح الباحث ملما بطرق التفاعل، وهذا يلهمه مشاهد ومحاكاة جديدة... أدونيس مثلا: "فقراءة بودلير هي التي غيرت معرفتي بابي نواس"[15].

هنا من الضروري الاشارة الى علاقة النوع الثاني من الأنماط الخمسة للتفاعل النصي، باعتبارها أنتجت صيغة جديدة ومعادلة جديدة، بل حتى قواعد جديدة للكتابة الأدبية وسياقاتها القديمة، لذلك الميتانصية واحدة من الموضوعات التي اشتغلت عليها نارك الملائكة" اذا ما نظرنا الى الامر من خلال الميتانصية، ينجز آراء نارك الملائكة نفسها تدلل على يقينية هذا الراي... ان الشعر العربي، يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لم يلقي من الأساليب القديمة شيئا، فالأوزان والقوافي والأساليب والمذاهب ستتزعرع قواعدها جميعا، والألفاظ ستتسع حتى تشمل آفاقا جديدة" وهذا يدخل في علم التداوليات، وعلم التداوليات له علاقة باشتقاقات لغوية لها معانٍ جديدة، ارتبط بعضها ب الفلامنكو[16].

يعد الانتقال الى ما جاء في موضوعة المكان الإسباني بحثا نوعيا، باعتباره يعتمد على متابعة الشفرة اللغوية التي يستأنف فيها صاحب النص الجديد اشراقة ما تم تلاوته في النص القديم وتلك مهمة شائقة، حيث على اساسها تتسق مسارات الزمن بناء على مشيئة الزمن الحاضر، اذ المزارات، كما أيقونات تترنم بها الأجيال استحضارا لواقع انساني مشرق، وهذا ما يتجلى واضحا في جميع العناوين الخاصة بالفصل اللاحق.   

 

الفصل الثالث

موضوعاته تندرج تحت عنوان المكان الإسباني نسق في الشعر العربي المعاصر وهي على التوالي: تقديم، المكان الإسباني، الأندلس، قرطبة، إشبيلية، غرناطة، طليطلية، مدريد، الوادي الكبير، النسق المكاني، المتن الشعري، عبد الوهاب البياتي ظاهراتية الوجود، مدريد: الجرح الشعري، غرناطة المكان الضرورة، قرطبة الألفة المفتقدة، محمود درويش القراءة الابيسية، اسبانيا ثوب الحداد، الأندلس :جدلية الداخل والخارج، قرطبة هاجس الرحيل، غرناطة اغتصاب الجسد، محمد علي شمس الدين: الرؤية البسيكولوجية، غرناطة جغرافية الداخل، الأندلس كربلايية المشهد، احمد الطريبق احمد: الحس الصوفي، غرناطة قرطبة الأندلس: سمو الأعماق واستجلاء اصوات الغياب، طليطلية. مدريد: عشق الجذور، على سبيل التركيب.

 

نموذج لنص البياتي - قصيدة الكابوس

"عدت الى جحيم "بيكاسو" وليل الزمن الموغل في قصائد العشق على قبر ملوك الحجر الساحر والألوان

وبهلوانات حريق الصمت في اللوحات".

وفي قراءة اخرى

كان على بوابة الجحيم"بيكاسو" وكان عازف القيثار في مدريد

لملكات المسرح المغتصبات يرفع الستارة

يعيد للمهرج البكارة

يخبئ السلاح والبذور في الارض الى قيامة اخرى وفي منفاه [17].

 

ملخص الفصل الثالث

ان قراءة سريعة لما ورد تحت عنوان المتن الشعري، تعطي انطباعا كاملا للقارئ  بحسب تعبير شياع عن" حقيقة استحواذ الخلفية الاسبانية على نصيب الأسد في تفاعل الشعر العربي المعاصر مع الاخر، وفي هذا التفاعل تسكن العناصر المكانية الاسبانية بوصفها منظومة ثقافية ومرجعية نصية انغمست بها الذات الكاتبة بوعي منها وبدون وعي في مشهد يتفاعل فيه الواحد مع الكل، والمحلي مع الكوني"[18].

"نص محمود درويش...مدخلا للمقاربة المكانية الباحثة عن الخلفية الاسبانية بوصفها نسقا دالا وفاعلا في شعر درويش". هنا بلحاظ الدال والمدلول، اسبانيا-لوركا، تلتقي مع درويش الارض المكان؛ والأرض، والحزن، وبموجب هذه العلاقة التلازمية التوافقية آلاتساقية بين الدال والمدلول، رمز الارض يتم انفتاحها وحضورها مع مواقع تكاد ان تكون اكثر موائمة من النص القديم عند حضورها مع المشهد الجديد، وبهذا يصبح لتجسد الأشياء عنوانا ذَا مؤثرية حماسية، لذلك ورد في الأندلس كربلائية المشهد مع محمد علي شمس الدين، وهنا يصبح للصورة ارتباط مع أمكنة تكاد ثقافاتها تختلف في اللغة والتصور، لكنها تتشابه رموزها من حيث التفاعل" وكمثل أغاني لوركا العميقة-لوركا ذي القبر الضائع والنجوم الدامية على الصدر". هنا المشهد لقطة ما زالت مفرداتها تعوم بِنَا في صحراء من العطش يمتزج الرمل فيها مع الدم، لتصبح كربلاء في مشاعر النص مثل ترنيمة تتأجج فيها لغة الثورة، والقرينة في تعلقها مع "المناصة ... اسبانيا اندلسنا-كربلاؤنا"[19]. 

هنا كخلاصة الى ما جاء به الفصل الثالث، وكمدخل للفصل الرابع، أودّ الإشارة الى ان الارتباط يكاد ان يكون وثيقا بين الفصلين، بطريقة من خلالها يريد المؤلف ان يقول ان المكان الإسباني قد انتقل بكيانه المتجسد عبر ملامح ابطاله المتمثّلة بلوركا، ليرتبط بكينونته؛ متناغما كما أوتار آلة موسيقية، نغماتها تعيش مع القلوب، لتصدح بها الحناجر، لهذا محتويات الفصل الرابع مخصصة لمؤازرة ما جاءت به 'مدرسة' فيديريكو غارثيا لوركا-المدرسة الثورية الشعرية'، لكي يتم على اساسها استقراء الملامح الحقيقية للشعر العربي الثوري كما جاء على نهج محمود درويش، عبد الوهاب البياتي، محمد علي شمس الدين، احمد الطريبق، وبهذه القافلة من الشعراء، يمكن القول مجازا، انه تم إنجاز 'منمقات' ترتبط بذائقتها الفنية مع ما جاء في 'منحوتات' المنمقات الأسبانية والأندلسية الشعرية 

 

الفصل الرابع

ومدخله فيديركو غارثيا لوركا نموذج رمزي في الشعر العربي المعاصر، وفصوله النموذج الرمزي، الدلالة الشخصية، محمود درويش: صور النظام الليلي، عبد الوهاب البياتي: تجليات مشهد الموت، محمد علي شمس الدين: كثافة المشهد الابتهالي، احمد الطريبق احمد: كتابة نشيد البحر، التيمات الشعرية، التعلق النصي، المحاكاة، البدائية والصراع الكوني، الحرية المصادرة وأشباح الموت، الغابة الضائعة والبحث عن الذات، العبور ومخاطر الرحلة، التحويل، نداء المدائن، وشاح الليل، الضدية والتجانس، ميلاد البوح وسوسنة الأسرار، المعارضة، تقاطع اصوات الابداع، قداس الموت بين زمنين، التناقض الظاهري، الزفاف الدامي في ذاكرة التاريخ، التركيب، وأخيرا الخلاصة، وملحق، والمصادر والمراجع.

 هنا بغية توظيف بعض الأمثلة القريبة الى ذهن المتلقي، ولغرض غلق ملف هذه العلاقة بين الخلفية النصية الاسبانية والشعر العربي المعاصر، يستعرض المؤلف فكرة طرحها الجابري، ليتابع من خلالها صيرورة الخط البياني بين النص العربي والإسباني ذلك عبر تثبيت النقطة الدالة لوركا ابتداء من البياتي وانتهاء بشمس الدين، متصلا مع تداعيات الصراع العربي، حيث تنشأ معمارية جديدة للنصوص بطريقة الترجمة الوجدانية والحسية التي يمتلكها المثقف. وما يؤكد هذا الكلام، هو موضوعة الارتباط بين القديم والجديد من النصوص، ما يسمى في بعض المقاطع بالتحويل" استدعاء المادة الشعرية، جزئيا أوكليا، من النص السابق وتحويلها لصالح النص اللاحق...وبما ان التحويل عنصر من عناصر اشتغال التعلق النصي" وهذا كما يبدو مهم في عملية استقراء النصوص، هنا باعتبار ان هنالك ثقافة مركبة تجمع بين المشتغل على النص الحديث، وصاحب النص القديم، ولضرورات آلامانة العلمية وبغية الابتعاد عن السرقات، يجب الإشارة الى مصدر النص الأصلي قبل الاشتغال به، فلا يمكن للأديب اوالمثقف ان يكون أمينا، ما لم يشر الى أصل وعنوان النص الذي اشتغل عليه. 

لهذا نوقش هذا الموضوع في مقدمة الكتاب.

لقد حدد الجابري "نسبة المفكر الى الثقافة" وبهذا التفاعل النصي يتناوب من لغة الى اخرى" لقد اعتمد البياتي في خلق نموذجه اُسلوب القناع...محمود درويش...يوظف به التقنية ذاتها التي اعتمدها البياتي في خلق نموذجه"[20].

 

ملخص الفصل الرابع

هنا بلحاظ استخدام استشهاد لوركا، الرمز يصبح عنوانا للثورة والشهادة، هذا الرمز هو نفسه ينطبق في استخداماته على الواقع للعربي، هذا الواقع المغموس بالتحدي الفكري؛ "هيباتيا" نموذجا سلطة الكنيسة أطلقت عليها النار في القرن الرابع الميلادي، باعتبارها مروجة بحسب تلك التعاليم للفلسفة اليونانية التي تتعارض في قوانينها مع ألمبادىء  التي أثنت عليها الفلسفة آنذاك، حتى صارت رمزا للتعبير الرمزي في القصص والنصوص والكتابات المتنوعة في القرن الثامن على عهد "ديدرو وفولتير في "فرنسا وتولانا في إنكلترا"[21].

بهذه اللغة، وتحت هذه المؤثرات من التجاذب،  الاداب تلتقي والشعر الإسباني نموذجا حيّا لهذا النوع من الالتقاء والتجاذب.

 

الخلاصة:

يقول الباحث"لقد توصلنا....ان نصوص الشعراء العرب قد تفاعلت مع الخلفية الاسبانية من خلال الأنماط الخمسة للتفاعل". ذلك باعتبار ان القصيدة العربية اتخذت من النص الاسباني نموذجا، قرينة للموضوع بحسب الدال والمدلول، فكان الانتماء العربي لخلفية النص الاسباني قد تجلت فكرة التفاعل النصي فيها على المستويين" الخاص والعام"[22].

 

ملحق التعريف بالشعراء [23].

احمد الطريبق احمد، شاعر مغربي، بدر شاكر السياب، الشاعر العراقي، حسن توفيق، شاعر مصري، عبد الوهاب البياتي، الشاعر العراقي، فيديركو غارثيا لوركا، شاعر إسباني، محمد علي شمس الدين، شاعر لبناني، محمود درويش، الشاعر الفلسطيني.

هنا في هذا الباب أودّ ان استعرض بعض نصوص لوركا كونها في واقعها الماساوي تتطابق مع واقعنا الذي نعيش؛ سيما وان الصراع بمفرداته منذ الازل يتسم بمسارين؛ الاول يتعلق بالضحية، والثاني يتعلق بالطاغية، وبين الضحية والطاغية فصول، تتبعها مساحات دموية، هذه المساحات بها تتجلى عظمة الرموز، وبها ترتسم الأبعاد الحقيقة لثقافات الامم. وهذا ما يتفق مع جاء به المؤلف في هذا الصدد تحت عنوان عبد الوهاب البياتي: تجليات مشهد الموت ص٣١١، حيث ورد: "سجل لوركا في شعر البياتي دور الدافع الشعري، حتى انه وسم الشاعر العربي بميسمه، فبدا يتدرج في نتاجاته، وعبر مراحله الشعرية المختلفة" 

والنص أدناه نموذجا على ما قلناه:

"الموت في مدريد

والدم في الوريد

والأقحوان تحت أقدامك والجليد

أعياد اسبانيا بلا مواكب

احزان اسبانيا بلا حدود

لمن تدق هذه الأجراس

لوركا صامت

والدم في انية الورود

وليل غرناطة تحت قبعات الحرس الأسود والحديد"[24].

 

عقيل العبود

....................

المصادر والمراجع.

القران الكريم، النصوص الشعرية العربية القديمة، والحديثة، الدراسات العربية القديمة، والحديثة، الدراسات المترجمة، الأجنبية وتشتمل على: النصوص الشعرية والمسرحية، الدراسات النقدية، المعاجم [25].

 [1] راجع المقدمة ص١١-١٨، ص١٣

[2] راجع٥٦، ٦، ص٦٦، أشكال التفاعل النصي

[3] راجع مستوى التفاعل النصي، ص٦٨

[4] الاهداء، ص٥

[5] راجع التركيب ٤٣٦-٤٣٩،ص٤٣٩

[6] راجع ص ٤٣٦

[7] راجع ص٤٤٠-٤٤١

[8] راجع التقديم(٧-٩).

[9] راجع ص ٢٠ السطر ٨، راجع المقدمة (١١-١٩) سطر١٥-ص١٣

[10] راجع التفاعل النصي نحو مقاربة نظرية(١٩-٦٩). سطر٥،٦-ص٢٥،١٩،٢٧

[11] راجع ص ٥٧، ٥٨ ،٥٩-٦٩،التفاعل النصي، أنماط التفاعل النصي سطر٥-٧

[12] راجع الخلفية النصية الاسبانية وآفاق تفاعلاتها (٧٢-١٣١) العصور الوسطى،اغاني الميوثيد-الادب الاسباني للعصور الوسطى. راجع ص١٢٨-١٣٠،نهاية الفصل الثاني.

[13] راجع، ص٧٣ سطر ٩-١٠، ص٧٦- الادب اليوناني، سطر١-٣

[14] راجع ص ١٠١سطر١٣-١٧(٩٩-١٠٢).

[15] راجع غارثيا لوركا آفاق كونية، ص١١١ (١١٠-١١٤).

[16] الشعر العربي المعاصر، راجع ١١٢،١١٥،١٢٨

[17] المكان الاسباني نسق نصي في الشعر العربي المعاصر(١٣١-٢٨٤) راجع ص١٧١، المتن الشعري(١٥١-١٩٩)،

[18] راجع المتن الشعري ص ١٥١ 

[19] سطر ١٥-١٧ ص ٢٢٤، ص٢٢٤، راجع الأندلس: كربلائية المشهد، ص ٢٦٢-٢٦٣، نفس الصفحة، سطر٣.

[20]ص٣٧٥سطر٣، راجع ايضا فيديريكو غارثيا لوركا نموذج رمزي في الشعر العربي المعاصر ٢٨٦-٤٣٦، ص ،٤٤٢-٤٣٨سطر (٥،٦،٧،٨،١٤،١٥،١٦).

[21] راجع النموذج الرمزي ٢٨٦-٢٩٦،ص٢٨٩

[22] راجع الخلاصة، ص٤٤٥، ص٤٤٦

[23] راجع ملحق التعريف بالشعراء ص٤٤٧-٤٥٦

[24] ص٣١٣-٣١٤- راجع  عبد الوهاب البياتي: تجليات مشهد الموت ص٣١١-٣٢٨،

[25] راجع المصادر والمراجع ٤٥٧-٤٦٥