كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

النورس الجريح مجموعة شعرية جديدة للشاعر العراقي صباح سعيد الزبيدي

777-ZAYDIصدرت في بلغراد للشاعر العراقي المغترب صباح سعيد الزبيدي مجموعة شعرية جديدة كتبها باللغة الصربية حملت عنوان "النـــــورس الجـــــريح" تُضاف إلى مجموعاتة الـ 7 السابقة .

يذكر ان الشاعر العراقي المغترب صباح سعيد الزبيدي ولد في مدينة العمارة جنوب العراق عام 1956 و يكتب الشعر باللغتين الصربية والعربية وصدرت له ايضا 4 كتب شعرية مترجمة لشعراء من صربيا وجمهوريات يوغسلاقيا السابقة وهو الآن مقيم في صربيا – بلغراد منذ /38/ عاما.

تجدر الاشارة ان المجموعة الشعرية طبعت في مطبعة غورا برس / زيمون - بلغراد / صربيا

777-ZAYDIرقم الايداع في المكتبة الوطنية الصربية ببلغراد :

821.163.41-1

COBISS.SR-ID 217840908

الترقيم الدولي :

ISBN 978-86-89695-10-6

تصميم الغلاف : المؤلف

الطبعة الاولى : 2015

ومن منشورات مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد.

sabahalzubeidi@yahoo.com

 

بلغراد / خاص

صدور مجموعة "حدث ذات جدار" لسناء الشّعلان

776-sana"حتميّة انتصار النّضال الفلسطينيّ على الأسوار والمؤامرات والقهر"

في العاصمة الأردنيّة عمان صدرت الطبعة الأولى من المجموعة القصصية الجديدة للأديبة الأردنية ذات الأصول الفلسطينيّة د.سناء الشعلان، وهي تحمل عنوان "حدث ذات جدار"، وهي صادرة عن دار أمواج الأردنيّة للنّشر والتّوزيع لتكون القصة الخامسة عشرة في سلسلة إصدارات الشّعلان في فنّ القصّة القصيرة، وهي تقع في128 صفحة من القطع الصّغير، وتتكوّن من ثلاث عشرة قصّة قصيرة، تحمل على التّوالي العناوين التّالية:" المقبرة، حالة أمومة، الصّديق السّريّ، شمس ومطر على جدار واحد، من أطفأ الشمعة الأخيرة، عندما لا يأتي العيد، وادي الصّراخ، الغروب لا يأتي سرّاً، سلالة النّور، ما قاله الجدار، البوصلة والأظافر وأفول المطر، خرّافيّة أبو عرب.

776-sanaوهذه المجموعة القصصيّة الثانيّة التي ترصدها الشّعلان بشكل كامل للكتابة عن القضية الفلسطينيّة لاسيما في خضمّ التّصعيد الذي تشهده القضيّة في مواجهة الهجمات الصّهيونيّة الشّرسة ضد الهوية الفلسطينيّة وشعبها الصّامد، وهي تقوم على وحدة الموضوع إذ إنّها تدور حول ثيمتين اثنتين لا ثالث لهما، الثيّمة الأولى المعقودة تحت عنوان" قريباً من الجدار" تدور قصص المجموعة حول معاناة الإنسان الفلسطينيّ وصموده في مواجهة جدار العزل العنصريّ الذي بناه الكيان الصّهيونيّ في الضّفة الغربيّة من فلسطين المحتلّة قرب الخطّ الأخضر؛لمنع دخول الفلسطينيين سكّان الضّفة الغربيّة إلى الكيان الصّهيونيّ أو إلى المستدمرات   الصّهيونيّة القريبة من الخط ّالأخضر.يتشكّل هذا الحاجز من سياجات وطرق دوريّات، أو من أسوار إسمنتيّة بدل السّياجات في المناطق المأهولة بكثافة مثل منطقة المثلّث أو منطقة القدس.

وقصص هذه المجموعة تكرّس وحشيّة هذا الجدار الذي تندّد الشّعلان به قائلة :" من واجب الجدار الفاصل أن يخجل من نفسه، وأن يبكي -ولو سرّاً- احتجاجاً على طغيانه واشمئزازاً من وجوده!"، أمّا الثيمة الثانية المسيطرة على هذه المجموعة القصصيّة، فهي معقودة تحت عنوان" بعيداً عن الجدار"، وهي تتحدّث عن معاناة الإنسان الفلسطينيّ المبعد عن وطنه بسبب الجدار العازل، وما يرافق هذا الإبعاد الجائر من ظلم وقهر وإجحاف.

وهذه المجموعة القصصية للشّعلان هي صرخة جديدة في وجه الطّغيان الصّهيونيّ الذي يجابهه الإنسان الفلسطيني الشّريف الحرّ دون توقّف لتحقيق حلمه الأوحد وهدفه المقدّس، وهو تحرير وطنه من براثن النّجس الصّهيونيّ.وهي في سبيل تصوير صمود هذا الشّعب، وتعريّة همجيّة العدوّ الصّهيونيّ، فهي تقدّم شكلاً قصصيّاً يقوم على الخلط بين الشكل القصصي التّقليديّ والأشكال الحداثيّة الجديدة لا سيما شكل القصّة الومضة والقصّة القصيرة جدّاً لأجل نقل المتلقّي إلى عوالم النّضال الفلسطينيّ بكلّ ما فيها من خصوصيّة وإصرار وعظمة.

وتؤّكد الشّعلان على اعتزازها بهذه المجموعة القصصيّة التي تعدّها طريقتها الخاصّة في النّضال لصالح قضيتها الفلسطينيّة في ظلّ هجمات إعلاميّة صهيونيّة شرسة لطمس ملامح هذه القضيّة وتشويه عدالتها.فهي ترى أنّ هذه المجموعة هي تجسّد في قصصها جميعها :""حتميّة انتصار النّضال الفلسطينيّ على الأسوار والمؤامرات والقهر ".

ويُذكر أن الأديبة الشّعلان ذات الأصول الفلسطينيّة هي ناشطة في قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفولة والعدالة الاجتماعيّة، وحاصلة على درجة الدكتوراة في الأدب الحديث ونقده بدرجة امتياز، وعضو في كثير من المحافل الأدبيّة والثّقافيّة والفكريّة والإبداعيّة والتّربويّة، وحاصلة على نحو50 جائزة دولية وعربية ومحلية في حقول الرواية والقصة القصيرة والمسرح وأدب الأطفال والبحث العلمي، كما لها الكثير من المسرحيات المنشورة والممثّلة، فضلاً عن الكثير من الأعمدة الثابتة في كثير من الصحف والدوريات المحلية والعربية، ولها مشاركات واسعة في مؤتمرات محلّية وعربيّة وعالميّة في قضايا الأدب والنقد والتراث وحقوق الإنسان والبيئة إلى جانب عضوية لجانها العلميّة والتحكيميّة والإعلاميّة، وتمثيلها لكثير من المؤسّسات والجهات الثقافيّة والحقوقيّة، وشريكة في كثير من المشاريع العربية الثقافية.وقد تُرجمت أعمالها إلى الكثير من اللّغات، ونالت الكثير من التكريمات والدّروع والألقاب الفخريّة والتمثيلات الثقافيّة والمجتمعيّة والحقوقيّة.وكان مشروعها الإبداعي حقلاً لكثير من الدّراسات النقدية ورسائل الدكتوراة والماجستير في الأردن والوطن العربي.

من أجواء هذه المجموعة القصصيّة :" قصّة "بوابة واحدة لا تكفي: "ليس لهذه البلدة منفذ على الدّنيا سوى هذه البوّابة اللّئيمة في الجدار العازل، إن أُغلقت، وكثيراً ما يحدث ذلك، فأهل البلدة يغدون مجرد سجناء في سجن كبير، جدرانه الجدار العازل، وسقفه السّماء البعيدة.

في كلّ صباح كان يقود شاحنته القديمة بحملها من العمّال الفلسطينيين نحو البوّابة ليواجهوا كبد ساعات من الانتظار والذّل على أمل أن يُسمح لهم بمغادرة البوّابة، لعلّهم يعودون إلى عائلاتهم بأقوات يومهم التّعس، وهو يظلّ قعيد الأرض ينتظر أن يسمح له الجنود بمغادرة المكان، ليعود إليها من جديد في اليوم التّالي.

بوّابة واحدة لا تكفي لعبور أولئك العمّال الفلسطينيين كلّهم، حتى عندما قتل مستدمر لعين عشرين عاملاً منهم على البوّابة بسلاحه الرّشّاش، فقد ظلّت البوّابة الوحيدة لا تكفي، لذلك فقد ركب شاحنته، وأسرع بها، وهوى بها على البوّابة، فخلعها، وحطّم جزءاً من الجدار، وسحق بعض الجنود تحت عجلات شاحنته، فوجد الأرض أرحب دون بوّابة أو جدار أو جنود".

الترجمة قضايا ومقتضيات .. كتاب جديد للدكتور عبد النبي ذاكر

775-nabyكتاب: الترجمة قضايا ومقتضيات، يكاد يحصر بين دفَّتيه جل اهتمامات المقارن المغربي د. عبد النبي ذاكر بالترجمة الأدبية والشعرية والترجمة المستعانة أو ما يعرف بالترجمة الآلية وترجمة المقدس. بالإضافة إلى انكبابه الشيق على دراسة الترجمة القانونية وترجمات الخطاب الإشهاري. كما يقارب، بشكل طريف، مسألة خيانات الترجمة، وتكييفات المترجمين، وحيل التراجمة.وكلها مناولات تكشف عما أبان عنه الباحث في مفتتح دراساته من أن عشق الترجمة 775-nabyإنما هو ترجمة عشق. ولعل انفتاح الدراسات في هذا المؤلَّف على المقاربة اللسانية ونظرية المعنى وتحليل الخطاب والمقارنية، أكسبه عمقا سيكون له، ولا شك، أثره الإيجابي على الباحثين في حقل الترجمة ونقدها والتنظير لها، لِما يشِفُّ عنه من جرأة أكاديمية على ارتياد آفاق تضيف جديدا إلى حقل الترجمة تنظيرا ونقدا وممارسة مغربيا وعربيا.

التسامح والتكفير في الإسلام .. قراءة في كتاب لصالح الطائي

saleh alrazukصدر في بيروت عن دار المرتضى كتاب (أثر النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير) للباحث في شؤون الفكر الإسلامي صالح الطائي.

لا يختلف منهج الكتاب عن أهم القراءات التي انصبت على العقل العربي كثمرة من ثمار إيديولوجيا الصحوة ثم تاريخ العقيدة. ولا سيما القراءة العمودية التي تجدها عند محمد أركون أو هشام جعيط. مع إضافات لها نفحة إيمانية تراها عند مفكرين آخرين كالسوري يوسف العش والعراقي ماجد الغرباوي.

وهذا يعني أن الكتاب يتألف من تحليل مدني ومادي لظاهرة روحية. يعني قراءة تاريخ الاسلام لتنظيفه من الشوائب والإصافات.

منذ المقدمة يميل الكاتب لترجيح دور الكلمة في التنبيه والتحذير (ص٣) مما يدل على عفاف نفسي تجاه استعمال القوة. ومن الشائع جدا اللجوء إلى القوة في تصحيح الأخطاء التي أدمن عليها الأفراد أو الجماعات. فانتهاك القانون له عقوبة.

و يتفرع عن هذه القناعات تمييز أساسي وهام بين العقيدة والإسلام السياسي. فالباحث يقول (ص٥): إنه بعد عصر البعثة أصبح لدينا إسلامان: عقائدي مهمل ومعطل، وسياسي له وجود على أرض الواقع.

و مهما كان الموضوع خلافيا جميعنا يؤمن أن الإسلام يأالف من وجهين: إيمان وعمل. وبناء مجتمع ودولة. وهذا يعني أنه مثل كل الإيديولوجيات أو السرديات الأساسية ينطوي على ذات وموضوع.

و لذلك إن التفسير له أهمية بناء دين جديد.

و هذا هو مكمن الصعوبة.

كيف نفصل بين الناحية الروحية وطرق تنفيذها؟.

وأعتقد أن الباحث قدم إجابة جازمة فيما يسميه (وهن القوانين)، فالمجتمع الإسلامي الذي يفترض أن يجبّ ما قبله، عرف ردة أو نكوصا عقليا مخيفا بالعودة إلى سلوك وأخلاق المجتمع البدوي (ص ٦). وهذا يستمر في وعينا الى هذه اللحظة.

فبالإضافة للتخلف والارتباك الحضاري لا نزال نحمل ازدواجية بالمعايير.فالإنسان العربي اليوم من غير جوهر. إنه مثل الفاقد للشيء.

يعيش في جملة من الأوهام التي تدل على نقص في الوعي وعجز في المصارحة (*).

إنه إنسان تلفيقي. من غير شخصية واضحة. وفي محفظته عدة هويات.

قليل من الإسلام الذي يرثه بالتربية والعادة. وقليل من العروبة التي تضيع في زحمة السوق والبضائع المستوردة وإغراءات القوة. مع الكثير من علامات التخلف الناجمة عن هزيمة مشينة وقلة الثقة بالذات.

وهنا أود أن أضرب مثالا من تاريخ حزب له يد طولى فيما نحن فيه. وهو حزب البعث. فمؤسسه ميشيل عفلق يتكلم عن دور تاريخي للإسلام في صياغة معنى الهوية العربية. ولكنه لم يتكلم عن الدين المجرد. فهو حزب علماني لا ديني.

بينما قواعد حزبه في غالبيتها تسيء التفسير.

إنها نفس الشعوب البدوية التي أنهكت الإسلام بعللها. فلم تستوعب دروس وأحكام الماضي. وسقطت في الحفرة للمرة الثانية. مما يدل على قلة وضعف في محرك الإيمان. ألم يحض الحديث الشريف المؤمن كي لا يلدغ من جحر مرتين؟.

إنه بتحميل القومية العربية لتفسيرات من الإسلام لا يلغي الرسالة المحمدية فقط ولكن يستهين بها.

ما حاجة الإسلام لحزب سياسي لا يتوجه للبشرية جمعاء.

وما حاجة البعث لعقيدة إسلامية ترى كل الشعوب والأعراق متساوية كأسنان المشط؟!!.

إن الحدود بين الحزب السياسي والدين ليست تحريمية فقط بل هي إلغائية.

و أي إسقاطات تفترض معها جريمة الشبهة. وتدل على قلة في الوعي. وعلى استلاب روحي. على ضعف يحتاج لأدوات إضافية أو داعمة لتلافيه. وإذا كان لا بد من عودة الوعي الإسلامي بشكل صحوة سياسية. على الأقل البعث له مشروع لا يتضافر مع إحياء الدين ولكن مع استيعاب العناصر النشطة والمستيقظة التي فيه.

ولم يتكلم أحد عن بعث إسلامي أو اشتراكية ينقلها الوحي.

وللأسف إن المشروع البعثي لا يخدم المعنى الحديث لمفهوم المواطنة. فهو حزب إيديولوجي يفرض على الجميع الانصهار في نفس البوتقة، وهذا يضعه في حالة استنفار تصل لدرجة الصراع مع المكون الإسلامي.

ولا داعي لضرب الأمثلة. ولا ضرورة لجر النقاش عنوة إلى استشراء روح البداوة الجاهلية وعصبية العشائر في أحزابنا. الأمر الذي يتنافى مع أسس الدعوة.

وأرى أن الباحث لم يقصّر في تشخيص هذا المرض حين تكلم عن مشكلة تبديل المكان والإبقاء على الرأس في موضعه ( ص٦)، وهو ما يسميه الدكتور قاسم حسين صالح بـ ( الحول الحضاري)**.

وهذا برأيه هو السبب وراء الانحرافات التي ساعدت على تضخيم وانتشار عادة التكفير.

لقد كانت الذات المتضخمة والتي لا تستطيع أن ترى شيئا خارج كينونة تتحلى بأخلاق الدكتاتور. كل ما هو ليس أنا لا حق له في الحياة. لقد حملت الذات بوادر الإنكار، والذي اتخذ عدة وجوه: إنكار عقلي لا يرى شيئا وراء حدود إيديولوجية قسرية. وإنكار روحي لا يعترف بالحكمة المرجوة من التدرج في التصورات. وبالتالي في الإيمان. فما الغاية من توفير كتب سماوية وعدة أديان لو أن الخليقة جاءت مغلقة على حدود تجربتها منذ لحظة النشوء.

وكما قال الباحث إن محمدا جاء ليتمم مكارم الأخلاق (ص ١٣) لا ليخترعها.

وإن قوانين التعايش التي وضع النبي أسسها كانت جزءا من الدين. ومن رسالته في البناء والتحرير. (ص ١٦)، ولذلك إن حروب الردة قراءة خاطئة لفرض التكاليف أو الإجبار عليها (ص ١٦).

وهي تأتي ضمن استراتيجية التكفير والأمر بالقتل. لتحقيق أجندا سياسية تبدل من خريطة المجتمع الإسلامي.

لقد اخترقت السياسة والصراع على تقاسم الحكومة عدة نزاعات مسلحة في بواكير الإسلام، والاختلاف حول الأسماء لا يبدل من الجوهر. إنها ليست ذات علاقة وطيدة بالرسالة. ولكنها خلاف يصل لدرجة الطمع في ملء الفراغ الذي تركه النبي. وأرى أن الإيديولوجيات الأساسية كلها تمر بمثل هذه الانقسامات. ولن أنوه بالصراع المرير بين أجنحة الحزب الشيوعي ولا أجنحة حزب البعث ولكن أشير لأزمة الاشتراكية الدولية. دائما تتولد عنها انشطارات تقود في الختام إلى نشوء أحزاب صغيرة منشقة.

وأرى أن المدونة لم تنظر لحروب الردة بمرآة واقعية. لقد أضافت لها ما يلهب عقول البسطاء. حتى أنها اقتربت في بعض التفاصيل من ألف ليلة وليلة او سيرة عنترة العبسي.

فالامتناع في الظاهر لا شك تقف وراءه أسباب لها علاقة بمركز القرار السياسي (ص ١٦).

وهذا لا يختلف كثيرا عن حرب عبدالناصر في اليمن أو سياسة قوات الردع في لبنان. لقد كانت هذه الحروب بمسوغات نظرية تعبر عن مشروع سياسي مائة بالمائة.

ولم تكن لتتم ويرافقها سفك الدماء لعقود ما لم تباركها اتفاقيات دولية.

و لنتذكر هنا أن حروب الردة وقعت في شبه الجزيرة العربية وهو المجال الحيوي لمشروع دولة المدينة المنورة. بينما حرب عبد الناصر تجاوزت الحدود وقفزت من وادي النيل إلى جنوب الجزيرة.

يعني إن حربه تفتقد حتى لمبررات نابليون في الزحف على مصر. فإذا رأى نابليون أن الابيض المتوسط حوض لثقافة جامعة ماذا رأى عبد الناصر في اليمن؟.

لقد ابتعد عن قواعد المحيط الواحد (ص١٦) التي هي أساسية في تحقيق التفاهم كما يرى الباحث.

وهذا لون آخر من إيديولوجيا التكفير. والذي دفع ابن رشد ثمنه في الأندلس في فترة محرجة من تاريخ الإمبراطورية الإسلامية.

وأعتقد أن التكفير وتعريض فكر ووجود الآخر للإتلاف والإهدار والحرق هو نوع من الدكتاتورية التي لا يستوعبها تفكير إسلامي يرفع رايات الانسجام. ويعترف بالتنوع والتخالف لحكمة إلهية ( ص ٢٠).

لقد دخلت حروب الردة في استراتيجية تطهير البعثة من المتنبئين. ولو قمت بجرد لمن يدخل في عداد هؤلاء لرأيت أن نصفهم من بين المعارضة السياسية ذات الميول لتأويل النص وليس تجميده وقتله ومنعه من التطور. وفي كتاب وجيه فارس كيلاني لا تلمس فرقا بين كونفوشيوس والحلاج ومسيلمة وأبي الطيب المتنبي. فهم لديه من الدعاة المتألهين الذين كانوا يدعون لأنفسهم من غير شرع إلهي. مع أنه يعترف أن ثورة مسيلمة كنت أصلا ضد استئثار قريش بحكم كل الارض (ص ٥٢)***.

و مثله كتاب عمر عنايت (العقائد). يرى أن الاسماعيلية طائفة مرتدة ارتكبت الفظائع وتستحق التكفير وإقامة الحد****.

يحدد الباحث نقطة نشوء عقيدة التكفير بوفاة الرسول الكريم وبداية عصر الخلافة ( وأظن أنه يشير تعريضا لفترة أبي بكر (رض) والتي شهدت عدة حروب ردة). ثم القرنين السابع والثامن الهجريين حين وضع ابن تيمية قواعد هذا الاتجاه (ص ٢٦).

ويعزوها لدخول الأخلاط. ولا سيما اليهود الذين استفادوا من استراتيجية انفتاح الخلافة وتدخلوا في تفسير النص المقدس وأسهموا بشكل مباشر في انتشار عقيدة التكفير (ص ٢٩).

فقد تحول الإسلام على أيديهم إلى خليط (ص ٣٢)،لا يحمل من شؤون الرسالة السماوية إلا نصف الحقيقة. ولا يتمسك من تعاليم وأخلاق عصر البعثة إلا بالقشور وما يخدم البلاط.

لقد تطورت عقيدة التكفير من سياسة البلاط التي تخدم نوازع شخصية وقبلية. وتربط الماضي المشكوك بنقائه وإسلامه مع الحاضر الذي لا يختلف في شكله ومعناه عن أي انقلاب عسكري يصل لدرجة الثورة.

فاستبدال الشورى بالتوارث لا يعدو أن يكون انقلابا على ديمقراطية نوعية إلى أتوقراطية بلا ضمير ولا أخلاق.

و لذلك كانت الفتوحات في تلك الفترة هي استمرار لسياسة الغزو الذي تشنه القبائل قبل الإسلام للبحث عن المغانم والسبايا.وهنا يسأل الباحث نفسه السؤال الصادم التالي: لماذا كانت الفتوحات تدك أسوار الأمبراطوريات الغربية ولا تقترب من الحبشة التي لجأ إليها الرسول الكريم في أزمته. ناهيك أنها لم تفكر بالتبشير في وسط وجنوب القارة الإفريقية وهي بلا حدود ولا موانع مع القيروان أو الفسطاط (ص ٢١).

إن انتقال الحكومة والسلطة من بين أيدي الصحابة الى أيدي الطلقاء ( ص ٣٥) كانت له نتائج مأساوية ومفجعة. وعلى رأسها تمكين روح الانتقام والضغائن.

ومن هذا الصدع المؤلم تسللت الهزيمة لدولة الخلافة وقادت إلى أكبر نزوح وإعادة توطين طال الصحابة. فقد اعتكفوا في الثغور. ثم اعتصموا في أخويات لها معنى واحد وهو الاحتجاج على مصير الرسالة المحمدية والنكسة التي لحقت بها.

ومن هؤلاء ولدت حركة الإسلام السياسي المعاصر الذي انتهج عقيدة التكفير الشامل على طريقة الخوارج (ص ٣٧). ولا أشك لحظة واحدة أن هذه الفرق تعاني من اختلال نفسي وو تتبنى منطق النظارة السوداء العدمي.

و إلا ما معنى أن تكون الأناقة وأطايب الطعام من السنة النبوية والأضرحة نوع من التجديف والتعالي والزهو الممجوج والمرفوض؟.

و بذرة هذا التناقض هي التي تسبب ازدواجية في المعايير وانهيارات في المنظومة. فلا تعرف الفرق بين الجهاد وإلقاء النفس في التهلكة.

و ربما تعود ظاهرة التفجيرات الانتحارية لقراءة من سبع قراءات نزل بها القرآن واختلف حولها المعلمون وغلمانهم في أوقات لاحقة (ص ٥٤).

و هذا سهّل على السياسيين الإساءة للقرآن. حتى أن الحجاج استغل فترة التنقيط والتشكيل لإلغاء مفردات من النص المقدس لتبرير مآرب لها علاقة بالسلطة (ص٥٥).

و لا داعي لأنصح بالعودة إلى كتاب فوكو (الكلمات والأشياء) والذي يدرس فيه جينيالوجيا الظواهر العقلية وكيف أن السمات تتحول مع الزمن إلى كتلة ذات بناء مختلف. وكيف أن السلطة هي التي توجه ما يجوز وما لا يجوز. فتندثر حقائق وتحل محلها أفكار غريبة تتحول إلى بديهيات.

إن اللغة مجرد وعاء للمعاني. ولا يمكن الاكتفاء بالنص خارج السياق. حتى أن الاستعمار كان في أعقاب الحرب العالمية الأولى لونا من ألوان التثقيف والتطوير. وتحول في أقل من ٥٠ عاما بعد دخول ثقافة الزنوجة على الخط إلى رذيلة من الرذائل.

ونحن في نزعتنا لتفكيك الاستعمار نقتات على الضغينة التاريخية التي حمل لواءها العرق الأسود (بسبب سياسة الاسترقاق) والعرق الأحمر بسبب سياسة الإبادة.

و لم يكن لدينا جديد، وكل شعاراتنا القومية في التحرير مستقاة من مصادر هي أساسا سوفييتية المنشأ. قبل صعود تيارات الإسلام السياسي.

و أؤيد الباحث أن المشكلة الأساسية في استراتيجية التكفير هي التعارض بين نسبية العقل السياسي والمطلق الديني (ص ٧٠). ومثل هذا التعارض هو المسؤول عن تحوير المطلق إلى شموليات ودكتاتوريات أدت فيما أدت إليه لحركة أفكار معكوسة. عوضا عن تصعيد الغرائز كان الاتجاه ينصب على البحث عن قالب مناسب يستوعبها ويضع الشرائع والقوانين لها. وهكذا نفذ سهم القدر وانفجر الخلاف بين الفرقاء بما يسمى حروب الردة.

يأتي هذا الكتاب للأستاذ الطائي ضمن نفس السلسلة التي تعيد قراءة الإسلام وتحض على الاهتمام بالمواءمة الاجتماعية. يعني هو لا يدعو إلى ناسخ ومنسوخ بعد انتهاء عصر النبوة. ولكنه لا يريد أن يسير في ركاب فوكوياما وينظر إلى الإسلام وكأنه رأسمالية لا ترى في مرآة العالم سواها. ولا تستطيع أن تعترف بالآخر. وتحتكر الديمقراطية لنفسها.

و لكن تبقى ثلاث نقاط لا بد من الإشارة إليها.

الأولى أنه في مناقشته لرأي مصطفى الزرقا عن الفقه في الإسلام نقل عنه ثمانية أدوار ( ص ٦٨). كان السادس والسابع والثامن منها مجرد دور واحد. كيف نفهم أن الدور السادس يبدأ من منتصف القرن السابع بظهور مجلة الأحكام العدلية عام ١٢٩٣ للهجرة. يوجد هنا فرق أربعة قرون على الأقل. ثم ينقل عنه أيضا أن الدور السابع بدأ من ظهور المجلة وحتى اليوم. والثامن بعد استقلال بعض الدول الإسلامية.

إن التداخل بين هذه المراحل واضح، حتى أنه يجوز إلغاء الثامن. أو على الأقل دمجه مع ما قبله.

النقطة الثانية، هي في طبيعة النظرة للربيع العربي. فالباحث يعتقد أنه خطة مبيتة لإذلال الدول العربية وإفشالها(ص١٢٠). والواقع أن الدول العربية أفلست بعد النكسة. فقد استمر عصر الصحوة القومية لعشرين عاما. كانت الحكومات العسكرية فيها عوضا عن مواصلة مهتمها في تثوير المجتمع عمدت إلى بناء ترسانة عسكرية كتبت لها الهزيمة في أول حرب تخوضها.

و المتتبع للخط البياني يجد أن القوميين خسروا حربين مع إسرائيل هما حرب ٦٧ ثم حرب ٨٢. مقابل انتشال انتصارين دبلوماسيين كانا مجاملة من المجتمع الدولي للصين والاتحاد السوفييتي. وهما حرب ٥٦ في مصر. وحرب تشرين في ١٩٧٣ . وحتى هذه انتهت باتفاقيات كامب ديفيد ذات الشروط المجحفة واتفاقيات أوسلو التي دمرت وحدة الشعب الفلسطيني.

النقطة الثالثة وهي عن حروب الردة. ويعتقد الباحث أنها جزء من عقيدة التكفير أو ارهاص بها (ص ١٣٧). فقد كانت أسبابها الحقيقية الامتناع عن دفع الزكاة للمركز وليس الامتناع على وجه الإطلاق. فهي لا تنكر الفريضة ولكن تنظر في أساليب أدائها. وهذا دليل على ضعف في الخضوع لمشيئة الحاكم وليس ضعفا في حد من الحدود.

وربما كانت توجد نوايا بصناعة فيدراليات وليس خطة للانفصال والاستقلال. وهذا موضوع شائك وليس هنا مكانه.

 

صالح الرزوق

هوامش:

* انظر مقالتي: أوهام المجتمع العربي، منشورة في مجلة صوت التقدم والإشتراكية، جامعة حلب، ١٩٨٢.

** انظر:المواطنة في تحليل للشخصتين المصرية والعراقية، منشورة في المثقف / ع٣٣١٧/ ٥-١٠-٢٠١٥.

*** الدعاة من المتألهين والمتنبئين والمتمهدين. المطبعة العربية. مصر. ١٩٢٣.

****منشورات دار العصور. ١٩٢٨.

إصدار جديد ثاني: التطرف عقيدة وليس ظاهرة

saleh altaeiلست من هواة الإكثار، ولكن محاولة اللحاق بأحداث عصرنا المتسارعة، تجعلنا نتحزم بألف حزام عسى أن لا يفوتنا منها شيء قد يكون مهما، أو نقصر في شيء قد يكون أكثر أهمية، أو نتهم بأننا لا نواكب الأحداث ولا نسهم في معالجة الظواهر السالبة التي تتهدد استقرار البلاد والعباد.

من هذا المنطلق تراني أعمل دائما على كتابين أو أكثر في وقت واحد، ليس قتلا للفراغ؛ الذي أملك منه الكثير الكثير، بعد أن تقاعدت وهاجرت إلى حيث يندر الأصدقاء والمعارف، ولا حبا بتكرار الظهور، فتكرار الظهور أمسى أشد خطرا من العزلة، ولا تقليدا لمن سبقنا من فطاحل الرجال.!

إن الروايات التاريخية، تذكر أن الشيخ جلال الدين السيوطي أنجز أكثر من تسعمائة بحث خلال عمرة العملي، والشيخ باقر المجلسي، أنجز سفره الخالد بحار الأنوار بأكثر من مائة مجلد، وابن حجر ابتدأ بكتابة سفر الأسفار الرائع والشرح الأوفى لصحيح البخاري (فتح الباري) في أوائل سنة 817هجرية، وعمره آنذاك 44 عاما، وفرغ منه في سنة 842هجرية، فجمع فيه شروح من قبله على الصحيح حتى زادت موارده فيه على (1200) كتاباً من مؤلفات السابقين له، ضمنها لأكثر من (15) مجلدا حسب الطبعات، وهناك من أنجز أكثر أو أقل من هؤلاء، أحجمنا عن ذكرهم للاختصار ودفعا للملل. أصحاب الصحاح والسنن سافروا بعيدا لتتبع الأحاديث وجمعها وبعد أن جمعوا ما استطاعوا بدأوا عملية الغربلة والاختيار فاختار هذا صحيحة من بين (750) ألف حديث جمعها واختار ذاك مسندة من بين أكثر من مليون حديث حصل عليها.!

لقد أنجز هؤلاء العظماء ذلك الإرث العظيم كله في ظرف لم يكن مناسبا للإنتاج الفكري البسيط وليس لمثل هذا الإنتاج الكبير، حيث كان التنقل فيه من أصعب ما يكون، والحصول على المادة يحتاج إلى معارك وخصومة مع الوقت والإنارة والمداد وريشة الكتابة ونوع القرطاس وأشياء كثيرة أخرى. وهم في هذا على خلاف ما نحن عليه اليوم حيث الطاقة الكهربائية والإنارة والتكييف؛ اللذان نتحكم بهما، والحاسبات والانترنيت بكل ما فيه من مكتبات ومعلومات، حتى باتت الكتابة لا تحتاج منك سوى الجلوس في مكانك ومتابعة كل جديد.! لكننا حتى مع هذه المعطيات الحضارية نجد أنفسنا نخوض صراعا ضروسا مع الوقت، مع أننا نملك الوقت كله.

إن هذه الإشكالية المعقدة وضعتنا أمام تحد كبير ولاسيما وأن السباق مع الزمن المعاصر يحتاج إلى آليات وعدة تختلف عن عدة وآليات من سبقنا، من أهمها اختزال المادة بعدد قليل من الصفحات دون التأثير على المعنى، لأن القارئ نفسه لم يعد يشبه قارئ الأمس، فبالأمس لم يكن هناك ما يشغلهم أو يلهيهم، وكانت القراءة متنفسا وحيدا لكل من يبحث عن متعة للفكر، أما اليوم فالمشاغل والمشاكل والهموم، ملأت كل فراغات وقتنا، حتى أصبحنا نشكو قلة الوقت في وقت نشكو فيه طول وقت الفراغ، فيقول قائلنا: أتمنى أن يصبح اليوم ثمانية وأربعين ساعة لأنجز كل ما لدي.!

سقت هذه المقدمة تمهيدا للحديث عن إصدار جديد آخر من إصداراتي التي رأت النور في هذا الأسبوع، فقد صدر لي قبل عدة أيام أحد كتبي الفكرية عن دار المرتضى في بيروت، وتلاه هذا الكتاب بأيام معدودات.

يتناول هذا الكتاب دراسة إشكالية قائمة بين من يرى التطرف ظاهرة مؤقتة زماننا كفيل بحلها، وبين من يرى أنها تمتد في عمق التاريخ على خلاف الظاهرة التي تنتج عادة نتيجة مؤثر طاري حتى وإن استندت إلى مبادئ قديمة.

تولت إخراج وإصدار هذا الكتاب الكترونيا فلاشيا مؤسسة موسوعة نينوى في ألمانيا؛ التي يديرها الأستاذ طلال النعيمي، والكتاب جاهز للتحميل المجاني من خلال موقعي الرسمي في الرابط أدناه، وهو بالرغم من صغر حجمه إلا أن موضوعه يستحق المتابعة.

http://salehtaei.de/?p=1104

إصدار جديد: أثر النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير

saleh altaeiبعد معاناة وترقب وانتظار، طرح في الأسواق العربية والعراقية كتابي الجديد الموسوم "أثر النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير" وهو الكتاب الأول من سلسلة تتألف من ثلاثة كتب يكمل أحدها الآخر، وسوف تصدر تباعا عن نفس الدار، يهتم الثاني منها في دراسة "أثر النص المقدس في صناعة عقيدة المثلة والحرق" ويغطي الثالث منها الحديث عن "أثر النص المقدس في صناعة عقيدة السبي وتهجير الآخر".

ثلاثة من المواضيع الشائكة والخطيرة؛ التي تتحكم بواقعنا المعاصر، والتي أحدثت إفرازاتها جدلا مجتمعيا ساخنا وخطيرا، نجح في التغلغل إلى داخل الأسرة الواحدة، فأوقع قطيعة بين أفرادها، اتسعت لتشمل مدنا وجماعات، مما حول مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى معسكرات متنافرة، يروج كل منها إلى فكر وقضية تختلف عن غيرها كليا، ولكنها كلها تجتمع تحت مسمى (تطبيق الشريعة الإسلامية استنادا إلى النص المقدس) وتتأطر كلها بإطار الإسلام المحمدي.

وأنت حينما تبحث في (دفوعات) وأطروحة هذه الفرق عن قضاياها، تجدها تستند إلى (النص المقدس)، وحينما ترجع إلى النص، تجده وقد اختلف المفسرون والمؤولون والمؤرخون في معناه حتى تعارضت أقوالهم، فجاء الخلف من بعدهم، وأخذ كل منهم عن واحد من هؤلاء وطبَّع نظريته الفقهية بطابعه، ثم أهمل باقي الآراء، ولم ينظر إلى التعارض أو يهتم به بالرغم من وجود قاعدة فقهية تقول: "يسقط الحديثان بالتعارض". حتى الجماعات المتطرفة التي تنتهج الأساليب الدموية، أكدت على هذه الجنبة، وادعت أن أحكامها مأخوذة من أحكام الفقه المذهبي، ولاسيما فقه الإمام أحمد بن حنبل (رض).!

لقد حاول البعض غض الطرف عن الحقيقة الكبرى، في محاولة منه لترطيب الأجواء على طريقة ابن العربي في كتابه (العواصم من القواصم)، فأدعى أن عصابات الإرهاب والجماعات الإسلاموية الراديكالية المتطرفة هي (دين رابع)، هذا المصطلح الذي تردد كثيرا في الإعلام العربي والإسلامي، في محاولة لتبرئة الإسلام من جرائم هذه الجماعات، وهذا الرأي الغريب مجانب للحقيقة؛ لأن هذه الجماعات، تؤكد أول ما تؤكد على الجانب الشرعي لعملها مهما كان بشعا، فهي حينما تقطع رأس أحدهم تستند إلى روايات تملأ بطون كتب تاريخنا عن قطع الرؤوس، وحينما تحرق أسيرا، تدعي أن النبي (ص) وأبا بكر (رض) وعلي(رض) أحرقوا وأمروا بالحرق، ثم لما تعود إلى كتب التاريخ تجد روايات تثبت هذه الوقائع، بل تجدهم يختلفون فيما إذا ما كان الخليفة الفلاني قد حكم بالحرق ونفذ أم لا، وتجد تأكيدا مأزوما يحاول إثبات صحة الوقائع بالرغم من كونها تبدو في غاية التهافت والضعف، وبالرغم من أن روايات نفي الواقعة لا تقل جدارة وصحة وثباتا عن تلك الروايات التي يستندون إليها؛ هذا إذا لم تكن أصح وأقوى منها، وكأن هناك من أراد ترسيخ فكرة الحرق مثلة!.

في طريقي إلى تأليف هذا الكتاب، واجهتني مصاعب جمة منذ اليوم الأول لبدأ العمل، واستمرت معي لغاية انجازه، وكان آخرها اضطرار دور النشر اللبنانية إرسال المطبوعات عن طريق البحر بكل ما يعنيه ذلك من تأخير ومخاطر؛ لأن عصابات داعش التي تسيطر على الطريق الدولي في غرب العراق، تصادر شحنات الكتب وتحرقها.

أما العنوان فقد اعترض على صيغته بعض الإخوان والأصدقاء باعتبار أن فيه إيحاء إلى أن النص المقدس يأمر بالتكفير، ومن حقهم أن يعترضوا؛ لأن العنوان بمعزل عن المضمون يوحي بذلك؛ لكن الاطلاع على الكتاب يبدد الشك، وهذا ما سعيت إليه من خلال هذه التسمية الصادمة لهذه السلسلة الخطرة التي أردت من ورائها إحداث عصف ذهني قد يدفع البعض للاطلاع على الكتاب.

أما مصطلح (النص المقدس) الموجود في العنوان والمتن، فلا أقصد به القرآن الكريم وحده؛ باعتبار أن هناك من يرى أن حتى التاريخ الإسلامي مقدسا، ولذا رمزت بالمصطلح إلى:

القرآن الكريم

السنة النبوية

علم التفسير والتأويل

منظومة أسباب النزول

منظومة القراءات

مدونات التاريخ الإسلامي

فهذه كلها تعد نصوصا مقدسة عند جميع أو بعض أبناء أمتنا الإسلامية والعربية، نعم هناك من يرى القرآن وحده نصا مقدسا، ولكن هناك أيضا من يرى التاريخ الإسلامي مقدسا أيضا، ولكي يشمل الخطاب جميع هؤلاء، توسعت بهذا الشكل عسى أن أصل إلى النتيجة التي أسعى وراءها نجد وبحياد بعيدا عن كل ما يسيء إلى أحد من المسلمين.

تولت دار المرتضى للطباعة والنشر في بيروت طبع وتوزيع الكتاب في العراق والأسواق العالمية، بواقع 269 صفحة من القطع الوزيري. وسأباشر قريبا بطباعة الكتاب الثاني إن شاء الله تعالى.

 

صالح الطائي

 

 

مقالات في اللاواقعية العلمية

hadi abashusan"إن نظريتي برهان على واقعية اللاواقعية" .. هكذا قال مفكر معاصر في كتابه "اللاواقعية علم جديد يهم الجميع".

قالها واحد من المفكرين العراقيين والذين شربوا ماء الرافدين وعاشوا على أرض العراق وتحت سمائه ولانجانب الحقيقة إن قلنا أن أرضنا قد انجبت أفذاذاً وعباقرة لمعت أسماؤهم على صفحات التاريخ ونحن جزء من أمة حملت إلى العالم قديماً رسالة انتشلته من ظلمات ووضعته في نور أنار ظلمته وأضاء طريقه في الحياة لأنها (أي الأمة) كانت وسطاً بين الناس ترفض التطرف وتميل إلى الإعتدال فكان أبناؤها شهوداً يعملون لدنياهم كأنهم يعيشون إلى الابد ولكنهم لم ينسوا آخرتهم، ولن تغيب عنهم لحظة واحدة، تلك النظرة الشاملة للحياة وما بعدها هي التي ميزت الثقافة التي قدمها العرب إلى الناس. ولما تعلمت الأمم في مشارق الأرض ومغاربها علوم العرب وحضارة العراقيين وآداب الإسلام، عشقوا تلك الإنجازات واعترفوا بتلك المعجزات.

ولكن الحال لن تستمر على ذلك المنوال، فالإنحدار بدأ يدب في جسد بعض الأمم وصعدت أمم اخرى وارتقت سلم المجد وبلغت أوج حضارتها.. وتلك أمم غفلت عن جوانب كثيرة من ثقافتنا إذ لم نكن أمة هامشية، نأخذ ولانعطي كما يدعي الآخرون.. أو نتعلم ولانعلم.. لا، لقد كنا متفاعلين مع الحياة واضفنا لها إضافات بارزة، وواضحة على صفحات التاريخ.. فنأمل وأملنا كبير أن ينهض الشرق من جديد ليقود الإنسانية إلى بر الأمان بعد أن عم التخبط دولاً وأمما وبعد أن ملات الأرض ظلماً وطغياناً وجوراً.

إن العلماء الكثيرون وهم ينتشرون في بقاع الأرض بعيدون عن موطنهم، موطن تملؤه الخلافات السياسية وتمزقه الفتن والإضطرابات وعدم الإستقرار..

إن الشرق عموماً والعرب خصوصاً هم جزء من الإنسانية لاتنقصهم القابليات ولايفتقرون إلى المواهب، إنما تنقصهم الرعاية والعناية من دولهم. فهم أهل الإبداع والحضارة والتقدم والمعرفة الحقيقية إضافة إلى ما يحملونه من قيم ومكارم أخلاق.

أما العلم الجديد فهو فعلاً يهم الجميع إذ يؤسس لنظرية تتناول (اللاواقع) باعتباره جزءً مهماً من الوجود، ضمن سلسلة إصدرات بلغت أكثر من خمسين عنواناً كان آخرها الكتاب الذي يحمل العنوان أعلاه.

فهل من التفاتة إلى المفكرين والباحثين والعلماء من أبناء هذا الوطن فبهم نبني من المستحيل مجداً ومن (اللاواقعية العلمية) واقعاً يكون أكثر ثباتاً وثقة بالمستقبل.

 

المساهمة والتهميش عالمياً

إن مساهمة الشرقيين (عرباً ومسلمين) ممثلين بالعراقيين في انتشال الإنسانية من الجهل والتخلف بكل أشكاله ورفد الحضارة بمقومات التطور المعرفي لم تنقطع قديماً وحديثاً بل توصلت على مدى العصور وآخرها اكتشاف أهم قارة في خارطة الوجود ألا وهي (اللاواقعية) تلك التي ينادي بها المفكر العراقي (شريدا).

إن الإرادة الإلهية قد حملت كل إنسان رسالة تجسدت في مهمة معينة أوكلت إليه فاتسع هذا التكليف ليشمل كل أمة أو مجتمع، فلكل مجتمع دور في بناء هذا العالم حضارة ومعرفة.. وإذا أخفقت شريحة في أداء دورها خسرت البشرية مجالاً مهماً وفرصة لاتعوض ينتج عنهما اختلال التوازن الطبيعي (إجتماعياً وإنسانياً) أفقياً في ذلك الميدان.

لذلك فإن اهتمام الإنسان بالواقع وإهماله اللاواقع يؤدي إلى اختلال التوازن المعرفي عمودياً أيضاً وفي جميع الميادين (علمياً وأخلاقياً وحياتياً). فلايجوز لأي إنسان أن يعيش عالة على مجتمعه ولايجوز لمجتمع أن يعيش عالة على العالم.

وبقدر تعدد الأفراد تتعدد المهن وفروع الإنتاج كما تتعدد الشرائح الإجتماعية في مجتمع ما، صناعية، تربوية، زراعية، تجارية... فأية شر يحة تقصر في أداء واجبها أو إنجاز عملها يؤدي ذلك التقصير إلى شلل في ذلك المفصل، وما ينطبق على الأفراد ينطبق على القطاعات المختلفة عمالية وخدمية، وإن كان هذا في مجتمع معين فإنه ينطبق على المجتمع العالمي.. وإذا لم يؤد كل مجتمع دوره فإنه سيصبح هامشياً وسيساعد على اختلال التوازن الذي يتطلب منا جميعاً المحافظة عليه. وبناء على ذلك فإن على المجتمعات النامية أن تكتشف إمكانياتها ومؤهلاتها وتنهض بواجبها حيث أن التخلف لايعني سوى أن المجتمع المتخلف لم يتوصل إلى اكتنشاف قدراته الذاتية.

وهنا يأتي دور المجتمع الدولي في مساعدة الدول الفقيرة لكي تنهض بواجبها تجاه مجتمعاتها والمجتمعات الأخرى. فتضيف عند نهوضها إضافة جديدة إلى الرصيد الحضاري في العالم وبهذا تكون المساهمة ديناً يجري تسديده..! هذا إذا نظرنا إلى العالم بأنه وجود متكامل يكمل بعضه بعضاً فالقلة المتقدمة تقابلها أغلبية أقل تقدماً. فهل يمكن أن تعيش الأغلبية على جهود الأقلية أم تتجه الأنظار إلى الأغلبية لكي تتمكن بجهودها الذاتية أن تقف (على قدميها) بمصاف الدول الأكثر تقدماً ولو بمساعدة تلك الدول في ذلك، وهو ما يعني الدخول إلى (لاواقع) هذا الوجود الذي يضم العالم بأسره وبما يمثله هذا اللاواقع في الجزء الأكبر منه.

 

نظرية اللاواقعية إضافة نوعية إلى المعرفة البشرية

فهي نظرية علمية، بنت أركانها الأساسية بجهود مضنية ومن أهم تلك الأركان هي (كروية الوجود) بعد أن أثبتت ذلك بالأدلة والبراهين العلمية مستخدمة الوسائل التجريبية فالمنطقية إنطلاقاً من إيمانها بأنه لايمكن إدراك أي مفهوم إدراكاً حقيقياً إلا بعد التعرف على نقيضه أو افتراض ذلك النقيض ولذا فإن الإنسان إذا كان يهتم بالواقع فقط فهو لن يتمكن من فهم واقعه إلا بفهم اللاواقع فهما صحيحاً كي يستخدم ذلك الفهم لمصلحته، ويصح ذلك على الوجود أيضاً إذ لايمكن فهمه إلا بفهم اللاوجود أو الإعتراف به على الأقل.

ويقول مخلف شريده في كتابه (نظرية اللاواقعية العلمية العامة) المنشور في بغداد 2014 ملخصاً معالجات هذه النظرية نقتطف ما يلي:

1- في علوم الرضيات: تطرح مجموعة نظريات في الرياضيات اللاواقعية تتجاوز الثلاثين مبرهنة.

2- وفي علوم الهندسة: تطرح معالجات في الإستقامة اللاواقعية والإنحناء والزوايا اللاواقعية كما تطرح نظريات مهمة في هندسة الوجود واللاوجود.

3- وفي علوم الفيزياء: تطرح قضايا وحلول في الحركة اللاواقعية والسرعة والدوران والشفافية والضبابية وتباين السرع وأهمية ذلك في التعرف على المؤثرات اللاواقعية في الواقع كالمسافة والمساحة والسرعة والضبابية.

4- في الفلك والفضاء: مقارنة القوانين الأرضية بقوانين الفضاء الأخرى وقوانين الكون بالوجود كنظرية الأكوان والتثمين (مكونات الوجود الثمانية) ونسبها وبرهنتها وإثباتها بطرق مختلفة.

5- في المنطق والفلسفة: نظرية المفاهيم وعلاقة المفاهيم المادية بالمعنوية والمطلقة بالنسبية والحقيقة والكمال وعلاقة كل منهما بالأخرى.

6- في علوم القياس: توضيح الأبعاد الزمانية والمكانية والفرص والمجالات القياسية كذلك مقادير الثوابت والمتغيرات ونسبها في كل من الواقع واللاواقع وتدرج الأحداث وحساباتها الضائعة والمحتملة والحقيقية.

وهذه باختصار بعض المعالجات التي تناولتها النظرية وهناك الكثير من الإجابات والحلول لكثير من المسائل الحياتية والطبيعية العلمية والفلسفية والإجتماعية أوضحتها الإصدارات المختلفة لهذا العلم الجديد على مدى أربع وثلاثين عاماً.

 

عرض: هادي عباس حسين

الوجـه الخَـفــي / إيــريـك لــوران

من يقرأ كتاب: "الوجه الخفي لأحداث 11 سبتمبر – الجريمة الكاملة والمؤامرة المتقنة" للكاتب الفرنسي الشهير إريك لوران، سيقف على كمٍّ هائلٍ من التفسيرات المنطقية التي استخلصها الكاتب من مجهود جبّار، تمثل في مسلسل طويل من البحث والتحري والنَّبْش في الأرشيفات، والمقابلات الصحفية...

إذا عدنا الى الكتاب سنجد هذه الشهادة التي ضمّنها إيريك في ثنايا مقدمة كتابه، حيث يقول : "... إن المعلومات التي استقيتها وضمّنتها كتابي هذا، والتي أردتُ إيرادها من دون أية مجاملة، تدحض الحقائق المسلَّمِ بها والمقبولة، وترسم لوحة مزعجة..."، ليعود في نهاية مقدمة كتابه ليتساءل صراحةً لا ضِمنا ويقول بصريح العبارة: "هل يمكن أن يكونَ ثمة ما قبل الـ11 شتنبر؟ وهل يمكن أن يكون ثمة ما بعد الـ11 من شتنبر؟، هل يمكن أن ينتُج عن هذه الأحداث عالمٌ جديد كما يرى عددٌ من المراقبين والمهتميـــن؟، ليختتم إيريك تساؤلاته الجادة بنتيجة صاغها على شكل جملة شرطية جامعة مانعة فيقول: إذا كانت الحقائق كما توقعناها، فإن هذا المنعطف الذي ستسيرُ وِفقهُ الأحداثُ، قد بُنيَ على سلسلة من الأكاذيب ذاتِ خطورةٍ لا سابق لها.

يتتبّع إيريك خيط الأحداث من أفغانستان، بدءً بسقوط الاتحاد السوفياتي في مقبرة الامبراطوريات (أفغانستان)، ويستعرض أحداثَ وخلفياتِ سقوط كابول في يد طالبان، وكيف وظّفت الولايات المتحدة الأمريكية "حميد كرزاي" ضدَّ أمراء الحرب، الذين دعمتهم أمريكا فيما بعد، ضدَّ أمراءَ آخرين. وحسب ما أوردَه إيريك في كتابه، أن الولايات المتحدة، لم تكن مهتمة أبدا باصطياد رموز ورؤوس تنظيم القاعدة، أو تطويع مقاتلي طالبان، بقدر ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية ماضيةً في تنفيذ مخطط بالغِ الدقة والشراسة، واستثمار تلك الهجمات على الوجه الأكمل، وجَنْيِ أقصى قدر ممكن من الأرباح والمكاسب السياسية والمادية والاستراتيجية، وتكريس الأحادية والهيمنة على العالم. فيما سمّاه إيريك لوران بـ (عملية الاحتيال الكبرى في العالم).

يصرّح إيريك في كتابه قائلا: إن كثيرا من الأمريكان كانوا على درايةٍ وعلْمٍ بما كان يُحاك ويُدبّر في الخفاء خلال الأيام التي سبقتْ هجمات الـ11 من شتنبر، إلا أن أحدا لم يُصرّح أو يُلمّح بذلك. وظل السكوت والتزامُ الصَّمتِ هو السمةَ والحالةَ الرائجةَ في تلك الأيام الصعبة والشديدة التقلب.

كانت أمريكا يومها، تعيش صباحها الهادئ، تتدفى بشعاع شمس التاسعة صباحا، وتتحمس لاستقبال يوم جديد، وكذلك كان الأمر في كل من العاصمة المالية –نيويورك- و العاصمة الفدرالية –واشنطن، قبل أن تنقلب الأمور رأسا على عقب، وتتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى بؤرة للأخبار والأنباء المتلاحقة، وموضوعَ وحديثَ كل العالم، ومسرحا لكل عدساته وكاميراته.

على القنوات العالمية الكبرى، سي.إن.إن، الـجــزيــرة، و الـ بي.بي.سي، شاهد العالم طائرات مدنية ضخمة، تحلق بسرعة خيالية على مستويات منخفضة، يعكر هدير محركاتها صفو الأجواء الهادئة،

في بث مباشر، تقتحم الطائرة الأولى بُرج التجارة العالمي من جهة الغرب، بعدها بدقائق طائرة أخرى تستهدف البرج الشرقي رأسا، وتصدمه بقوة لتصير الطائرة كومة من نار تتلظى في كبد البرج.

التحقيق من نقطة الـصفر / للكاتب والمفكر الايطالي "جوليتو كييزا"

سنستعرض الأحداثَ تباعا، ونستجلي الواقع العام في أروقة الإدارة الأمريكية، وبالذات، جناحها العسكري، ونقف عند المتغيرات التي طرأت على السير العادي لهذه المؤسسة شهورا قبل الكارثة.

كان مبرمجا يومها لمكتب الاستخبارات وكل الأجهزة الأمنية الأخرى القيام بتدريبات وعمليات تدخل وهمية، يطلق عليها العمليات الروتينية الوقائية، وهي اصطلاحا قريبة في مفهومها مِن المناورات، ولكنها لا ترقى إلى ذلك المستوى، وتتمتع بسرية كاملة، وتجرى على نطاقات واسعة على عموم التراب الأمريكي. ومع دنو موعد الكارثة كان البانتاغون يسترسل في إصدار تحذيرات وإنذارات بِوُشُوكِ حدوث عمليات إرهابية في الولايات المتحدة، وكان كلما اقترب موعد الهجوم، إلا وكانت الإنذارات والتح1يرات والتقارير أكثر تحديدا ووضوحا، وفي أسابيع فقط قبل الهجوم، أصدرت وزارة الدفاع الأمريكي تحذيرا واضحا باحتمال تعرض الولايات المتحدة إلى هجمات إرهابية بواسطة طائرات مدنية مختطفة.

وفي الـ 11 من سبتمبر تم استنفار معظم وحدات سلاح الجو الأمريكية في عملية مطاردة وهمية لطائرات مدنية مختطفة، وقد أجريت العملية على نطاقات واسعة، واستعملت فيها جل المقاتلات الـ"إف16" الاعتراضية، وعدد من الطائرات المدنية، في حين بلغ عدد احتمالات الاختطاف المبرمجة للتدريب 22 احتمالا، وكان إجمالي الطائرات الجاهزة لحماية الولايات المتحدة من هجمات جوية محتملة، 8 طائرات مقاتلة فقط، منوط بها الاستجابة لأي طارئ يستهدف التراب الأمريكي.

كل هذه المعطيات تستدعي تحليلا ومقاربة للوضع، مع ما ينص عليه قانون السلامة الجوية الأمريكية، فقانون الملاحة الجوية المعمول به في الولايات المتحدة، صارم جدا، إذ يقضي بالإبلاغ عن أية مشكلة تواجه طائرة ركاب أو شحن على أنها اختطاف افتراضي، ويجب حل المشكلة في مدة أقصاها دقيقة واحدة، وإذا لم يحل المشكل يتوجب على المراقب الملاحي أن يطلب تدخل القيادة الفضائية الأمريكية الشمالية،"نـوراد" التي بدورها تستنفر طائرة مقاتلة لتستكشف الوضع وتتصرف في مدة أقصاها 10 دقائق.

هذه التعليمات واضحة ومضبوطة في قانون الملاحة الأمريكي، ومعمول بها منذ عقود وبفاعلية كبيرة جدا، ولكن في أحداث الـ11 من سبتمبر كانت كل الأمور تسير بخلاف القانون والنظم المعمول بها سلفا، ولو أمكن للأمور أن تسير كما هو محدد في قانون السلامة الجوية، لما كانت هناك أحداث وضحايا.

أظهرت التحقيقات التي أجريت بعد الأحداث أن عنصر المفاجأة لم يكن واردا بالمرة، ولم يكن من الممكن تصديق أن طائرة تقلع من المطار لتستهدف أبراجا بشكل مباشر، بل يلزم الربان ترتيبات معينة ليتمكن من تحضير الطائرة للاصطدام، فالطائرات الكبيرة التي تقطع آلف الأميال، تحلق فوق نقطة الـ8000 متر ولا تنخفض عن هذا المستوى إلا عند الاستعداد للهبوط، كما يكلف وقت الإقلاع والتموضع على إحداثيات المسار مدة من الزمن، عبر توجيهات من برج الملاحة، وكل طائرة تقلع أو تهبط فهي متابعة من البرج وفي اتصال دائم معه، وأي انقطاع للاتصال أو انحرافٍ عن المسار، يعتبر اختطافا مفترضا في قانون الملاحة الأمريكي، ويجب التعامل معه فورا، وإذا حسبنا المدة الزمنية التي احتاجها المختطفون لتوجيه طائراتهم وتعديل إحداثيات المسار نحو البرج، نلاحظ أنها تجاوزت 30 دقيقة، ودن أن يتم التجاوب مع المشكل بأي نوع من التدخل، وعامل التأخر هذا تفسره معطيات أخرى أهمها عمليات المطاردة الوهمية التي تم برمجتها في نفس اليوم، والتي تم ربطها بمعظم أبراج الرادار ووحدات المراقبة، فكان من الصعب التمييز بين الاستغاثة الحقيقية والوهمية، وكان تمييز الإحداثيات الفعلية للرحلات الحقيقية من الرحلات الوهمية أمرا صعبا جدا بالنسبة لمراقبي رادارات الأبراج، خصوصا بعد انحراف الطائرات عن مسارها، واتجاهها نحو البرجين، وكان من الخطورة بمكان اتخاذ قرار بتدخل سلاح الجو، دون ترتيبات مسبقة تفاديا لأي تدخل خاطئ ضد أهداف وهمية، قد يفضي الى كارثة، خاصة وأنه تم تضمين إحداثيات التدريبات عمدا وبشكل مقصود لعدد من الرادارات الفعالة والضرورية، والتي كان من المفروض أن تكون في كامل جاهزيتها على مدار الساعة.

استغرق التحقق من وجود عدوان حقيقي على الولايات المتحدة قرابة الـ40 دقيقة، قبل أن تقلع أول طائرة حربية.

بعد الـ5 مساءً تهاوى البرجين على الأرض وصارا حطاما، وأعلِن عن طائرةٍ ثالثة استَهدفتْ وزارة الدفاع –البانتاغون-، وطائرة رابعة ثم التعرض لها وإسقاطها اضطراريا، حسب الرواية الرسمية، ولكن عددا من الخبراء يرفضون هذه الرواية، ويُصرِّون على أن الأحداث كانت مسرحية خبيثة، وعملا إجراميا دُبِّرَ بِليل.

فقد أكد عدد من العلماء الأمريكيين الفيزيائيين والكيميائيين، أنهم خلصوا خلال تحليلاتهم في موقع الحادث، إلى رصد موادَ شديدة الاشتعال، لا تنتمي الى المواد التي تُستعمل في البناء، ومن بين هذه المواد عثروا على " الثرميت" وهي مادة حارة تذيب الفولاذ، وقد أسفرتْ تحليلات الدكتور ستيفن جونس وهو رئيس (منظمة مهندسون وفيزيائيون من أجل كشف حقيقة أحداث الـ11 من شتنبر) والتي تضمُّ 75 بروفيسورا وأكاديميا متخصصا في الفيزياء، أسفرت تحليلاته التي أجراها على عينة من ركام البرجين، إلى وجود مادة الكبريت كذلك، ويرجح بعض المحللين إمكانية شحن الطائرات المعدة للاصطدام بالأبراج بهذه المواد سلفا.

أما عن طريقة سقوط المبنى فتلك مسرحية أخرى كشفها خبراء نسف المباني غير اللائقة، عن طريق التفجير المتحكم فيه، كما أسفرت المقابلات التي قامت بها أطقم البحث مع الناجين من البرجين الى كون البرج تعرض لنسف من أساساته، وكثير منهم خصوصا ممن كانوا في القبو وفي الطبقات السفلى أكدوا سماع ذوي انفجار كبير أسفل المبنى، مما جعل المبنى يتهادى ويسقط رأسيا وينكفئ على نفسه، تماما كما يحدث في الانفجارات المتحكم فيها، وغير منطقي بالمَرَّة أن تتضرر الطوابق السفلى بعد استهداف المبنى في طبقاته العليا، ولكن نتائج التحري أوصلت إلى أن المبنيين كان مخططا لهما أن يزولا، وهذا ما حصل فعلا، ولازالت الحكومة الأمريكية ترفض تفسير سبب الانهيار، وتصفه بالسؤال الصعب، وترجِّح عامل النار التي شبّت في مئات الغالونات من وقود الطائرة كاحتمال ممكن، وهذا ما ينفيه وبشدة خبراء ومهندسوا الأبراج.

 

أما تفجير وزارة الدفاع الأمريكية، فيصفها الخبراء ولجان التحقيق بالفرية الكبرى، إذ نفوا بشدة أن تكون الطائرة هي من اصطدم بالمبنى، ويؤكدون على أن ما استعمل في التفجير لابد وأن يكون صاروخا، أو سلاحا آخر وليس طائرة، وقد بنوا استنتاجاتهم على مجموعة من المعطيات الميدانية والنتائج المختبرية، التي تفسر نوعية الأضرار الذي نجمتْ عن الهجوم، هي نفسها الأضرار الناجمة عن الضربات الصاروخية.

أما الطائرة التي زعم أنها استهدفت البنتاغون فتزن حوالي 60 طنا، وتحمل ما يقرب 5300 غالونا من وقود الطائرة الشديد الاشتعال، ولكن لم يعثر على أية قطعة من أجزاء الطائرة.

هناك تفسير آخر أكثر قوة، توصل إليه المحققون ينفي تماما أن تكون الطائرة هي من اصطدم بواجهة الوزارة، وهو أن جسم الطائرة الكبير كان من المفروض أن يسبب أضرارا في نقاط بعينها من المبنى كنتيجة طبيعية لقوة الاصطدام، ولكن ذلك لم يحصل وضلت مجموعة من النوافذ التي كان من المرجح أن تدخل ضمن نطاق الطائرة، سليمة ولم تتعرض للتدمير، وضلت الحكومة الأمريكية عاجزة عن تفسير الحادث، وضلت متشبثة بروايتها الرسمية.

لم يكتفي المشككون في الرواية الأمريكية التي تنفي أية صلة للإرهاب بالحادث، بل ساروا أبعد من ذلك، وأنتجوا أفلاما حول هذه المسرحية المفضوحة الحبكة، لتعريف الرأي العام العالمي بما يراد من وراء هذه التمثيلية المكشوفة، فكان الكاتب والمفكر "جوليتو كييزا" وهو (عضو البرلمان الأوروبي عن إيطاليا، وأهم الشخصيات التي قادت حملة ضد الرواية الرسمية الأمريكية لأحداث الـ11 من سبتمبر)، بل وأنتج فيلما يشرح فيه الطريقة التي دُبِّر بها الهجوم، والخُدع التي استعملتْ لتضليل الرأي العام الأمريكي والدولي لتبني الرواية الرسمية، بل ويتهم جهات استخباراتية في دول أخرى اتهاما مباشرا بالمشاركة في العملية، ومن بينها باكستان، وينفي أية صلة للقاعدة بالأحداث. وقد أنتجتْ أفلامٌ أخرى تطرقت لنفس الموضوع، ومن بينها، فيلم –رويترز- وفيلم –لوزينغ تشانج- و...،

لقد كان أعظمَ اكتشاف أو لنقل أعظم اختراعٍ أنتجته الدوائر السياسية في للولايات المتحدة الأمريكية بعد هذه الهجمات، هو مصطلح (الإرهاب) الذي تم توظيفه بشكل خبيث للغاية، حسب وصف "جوليتو". والذي وُظف كذريعة تافهة وساذجة لإعلان الحرب على دول وأُمَمٍ أعْرَقَ حضارةً وتاريخا مما يسمى بالولايات المتحدة الأمريكية الحديثة العهد بين الأمم.

وفي نفس السياق، أورد الكاتب الفرنسي إيـريك لـوران تصريحا للرئيس الأمريكي الأسبق جورج دابليو بوش (مهندس مصطلح الإرهـــاب) يقول فيه : إن مَن ليس معنا فهو ضدَّنا، ويُضيف الكاتب الفرنسي تعليقا على هذا التصريح بالقول: ولعله كان من الأجدر لبوش أن يقول " إن الذين يقفون ضدّنا، هم في الحقيقة معنا".

يصرّ إيريك لوران على أن أحداث الـ11 من شتنبـر ما هي إلا مجموعة أكاذيبَ تحيط بها أسرارٌ كثيرة لم تُكشف حتى الآن، و "إن السكوت كان هو السبيل الأوحد لقتل الحقيقة، كما كان هذا السكوت أهم العقبات التي صادفتني خلال إنجاز هذا التحقيق، وكان عليَّ أن أتفاداهُ بقدر المستطاع، رغم أن بعضَ من حاورتهم كانوا يتهربون من الإجابة، ويَلوذون بالسكوت إما خوفا أو انزعـــاجا".

لم تستطع الحكومة الأمريكية عبر لجنتها، أن تخرج بتقرير يفسر سبب انهيار البرجين، ووصفت الأمر بأنه صعب التفسير، ولم تستطع كذلك تحديد الجهات التي مولت العملية.

لقد كانت تلك الأحداث كما جاء على لسان أحد الأمريكيين، كانت النية من وراء هذه الأحداث تشريع سياسات جديدة، والحصول على التمويل لمرحلة جديدة من التحرك الإمبريالـــي، والذي ترجم فعليا بغزو الولايات المتحدة لكل من أفغانستان والعراق، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، وتدمير مدن عمّرت لآلاف السنين، ومازالت آلة القتل الأمريكية تفتك بالبشر والحجر عبر العالم، لتحقيق مشاريع وهمية ليس لها وجود، إلا في أفلام الخيال العلمي وفي مخيلة "آل بوش وكَهَنَتِــه".

ودمتم سالميــــــــــن.

 

الكـاتـب: الـحسـيـن بـشــوظ – المملكة المغربية

"حبُّ امتناعٍ لامتناع" اصدار جديد للشاعر العراقيّ جواد غلوم

769-jawadصدرت عن دار امل الجديدة في دمشق اوائل هذا الشهر / سبتمبر المجموعة الشعرية المعنونة "حبُّ امتناعٍ لامتناع" للشاعر العراقيّ جواد غلوم، وهذه هي المجموعة الثالثة بعد مجموعتيه "حكاية الميمك الحزين" عن الدار العربية للعلوم / ناشرون و"حبال لأرجوحة متعبة" عن دار الغاوون في بيروت.

تتضمن المجموعة ثلاثين قصيدة تنوعت بأشكالها الشعرية بين القصيدة الحديثة وقصائد التفعيلة والعمود الشعري وبمضامين مختلفة تمثّلت اغلبها في هموم ومعاناة الانسان العراقيّ بمختلف شرائحه؛ مثقفا وغير مثقف وهو يعيش أوضاعا غريبة الاطوار في بلاده التي انهكتها الحروب والنزاعات والمصير المحزن والحال البائس لبغداد الان والتي تتبين بوضوح في القصائد (بيتي النائي عن قفار بغداد) و(أسأل سيدتي ولا تجيب) و( تائهٌ في مدينةٍ مفخخة)، كما لاتخلو المجموعة الشعرية من شعر ذي منحىً وجداني موغل في النفس الانسانية كما يتجلى ذلك في القصائد: يدُها التي لوّحت بالوداع، حبّ امتناعٍ لامتناع، C V لجسد متعب يبحث عن وظيفة، منمنماتٌ من فستان عاشقة، أنا وصديقتي الريح المتلوّنة الوجوه وقصائد اخرى

769-jawadكما حفلت المجموعة بانتقاءات من شعر الومضة وقصار المقاطع الشعرية التي تقترب كثيرا من الهايكو وقد توضحت في النصوص الشعرية المعنونة : ومضات في الصداقة، وقصيدة "مضائق"

ولم يخفِ الشاعر الحال والمآل وحالة الانحدار التي أحلّت بجسد الشعر في وطن كالعراق كان كشّافا وضاءً في مسالكه ودليلا وبصيرة للشعر العربي عامة وكيف أضحى بعض الشعراء يتشبهون برعاة السياسة بين مهادن ومعارض في الوسط الثقافي وقد تجلى ذلك بوضوح في قصيدتين بارزتين هما: " شاعرٌ من هذا الزمان " و" احتفاء جرذ في مطبخ اللحمة الوطنية " و" في صالة تجميل القصيدة "

تنوعّت مضامين القصائد وموضوعاتها بتنوّع أشكال الكتابة الشعرية لدى الشاعر وفقا للحالة والتجربة الشعرية التي عاشها الشاعر في بلاد تتأرجح بين الميل والوقوع وقد انعكست هذه الوضعية المربكة في مجموعته بوضوح وديمقراطية عرجاء سقيمة لاتستطيع القيام على قدميها بثبات

هذا وقد صمم غلاف المجموعة الفنان عمار كردية

 

أقصر الطرق لدرء حروب مائية عقيمة

nadheer khazrajiبعد مضي نصف قرن من عمري الفاني، قضيت ثلثيه خارج الوطن مهاجرا مغتربا، رزقني الله عام 2012م زيارة مدن شمال العراق لمرتين، واحدة في رحلة عمل والثاني في رحلة سياحية مع العائلة لقضاء أيام عيد الفطر المبارك، وشمال العراق كأي شمال في أي بلد، بشكل عام، تتمتع جغرافيته بالمرتفعات والوديان والبحيرات الى جانب الشلالات، ولفت انتباهي في هذه الزيارة ضعف المياه الساقطة من بعض الشلالات التي زرناها، فهي لا تشبه الشلالات الواقعية، وقد ساقني فضولي الصحفي الى جانب الفضول المعرفي الى تتبع الأمر، فلاح لي من علٍ خرطوم ماء (صوندة) يسيح منه الماء على سفح جبل فيتساقط الى الأرض كشلال، فسألت دليلنا وهو من سكنة أربيل عن حقيقة الشلال، فابتسم في وجهي وقال بصراحة أنها حنفية ماء، لأننا في غير موسم الشلالات، وأصحاب المطاعم والمقاهي المجاورة لمساقط الشلالات يعيشون على مثل هذه المشاهد التي تستقطب الزائرين والسائحين، والناس بطبيعتها تأتي لهذه المناطق بوصفها مساقط شلالات تبعث في صدورهم البهجة والفرح. مثل هذه الوضع شاهدته في مدينة شانديز من ضواحي مشهد في إيران في زيارتي مع الأسرة في صيف العام 2015م، فالمطاعم والمقاهي تستقطب زوارها على وقع مساقط مياه الشلالات الاصطناعية، ولكن ما يميز شلالات إيران عن مثيلاتها في العراق، أن مضخة الماء في الأولى ظاهرة للعيان وفي الثانية غير مرئية مما يعطي الإنطباع أنها شلالات واقعية.

وأعتقد أن مثل هذا الأمر يحدث في كل المناطق المرتفعة التي ينزل فيها ماء الشلالات في أشهر معينة من السنة وتنقطع في أشهر أخرى، ولأن الطبيعة جميلة يشتاق المرء الى رؤيتها بخاصة في فصلي الربيع والصيف وبقية من خريف، فإن المياه ستظل تهبط بشكل طبيعي أو اصطناعي من اجل إسعاد الإنسان، فلا غنى عن الماء لشربه أو غسله أو طبخه أو تجمّله، واليه أشار الحديث النبوي الشريف: (ثلاث يزدن في قوة البصر: النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن)، وعنه صلوات الله عليه: (أديموا النظر إلى الماء الجاري فإنه يذهب بالغم)، وهذه الثلاثية صارت مضرب الأمثال، ودخلت كقواسم مشتركة في لغة الأدباء ونظم الشعراء، وفيها قال الشاعر:

ثلاثة تجلو عن القلب الحزن ... الماء والخضرة والوجه الحسن

وفي الأمثال: (ثلاثة من الحظ الحسن الخضرة والماء والوجه الحسن)، وفي القصص أن رجلاً نزل ضيفاً على قوم فسأله زعيمهم عن مشتهاه، فقال الضيف: أعزّ مفقود وأهون موجود، ففهم السيد مراده فقال لغلامه: أسقه ماءً.

فالماء للإنسان والحيوان والبيئة والطبيعة وكل ما في الوجود هو حياة، والموت في عدمه، فالكون كله قائم على الماء، وفيه قال الرب الحكيم في القرآن العظيم: (وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) سورة المائدة: 30، ورغم هذه الحقيقة المعجونة في ضمير الإنسان وسلوكه ومراحل حياته ونموه، فإنه يجهل أهمية هذا السائل الحيوي، ولجهله يسرف فيه شرباً وغسلاً وزراعة يتركه يجري في الوديان والأنهار نهباً للبحار والمياه المالحة ولا يحبسه في خزانات أرضية طبيعية وسدود مائية اصطناعية، ولذلك عند انعدامه أو انحباسه يظل الإنسان يبحث عنه في كل مكان، فلا يجده في الأرض ولا في السماء رغم النصب والشقاء والعناء، وحتى يستنزل المطر ويستحصل الماء لزرعه وضرعه، تتوجه الأنظار الى رب المطر، ولكي يأخذ البعد الإنساني المأساوي بوصلته الطبيعية الى من عنده موازين الأرض والسماء، فإن الإسلام أطرّ عملية دفع الجفاف ورفع الجدب وحبس المطر في إطار تعبدي فكانت صلاة الاستسقاء لطلب الماء، يوقفنا على جزئياتها ومسائلها المحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب "شريعة الإستسقاء" الصادر حديثا (2015م) عن بيت العلم للنابهين ببيروت في 56 صفحة ضمّ 90 مسألة فقهية مع 25 تعليقة للفقيه القاضي آية الله الشيخ حسن رضا الغديري سبقها بمقدمة كما سبقها الكرباسي بتمهيد أجمل فيه برؤية حديثة ما فصلته المؤلفات الفقهية.

 

الاستسقاء والاستصحاء

والاستسقاء مصدر استسقى، أي الاستفعال الدال على الطلبية ومراد تحقيق الشيء، واللفظ تحقق فيه معناه التصوري وهو طلب الماء للاستسقاء من أجل الزرع إذا حلّ الجفاف والجدب، وتوسع فيه معناه التصديقي ليشمل طلب عموم المطر والماء من أجل الزرع والضرع ليشمل الإنسان والحيوان وعموم البيئة، فهو ماء للسقي والشرب والغسل وكل ما يمكن الاستفادة منه، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (الاستسقاء: هو طلب السقي عندما تقل المياه ويكون الناس في ضنك وضيق في تأمين الماء سواء للشرب أو لسقي حقولهم ومزارعهم أو دوابهم أو لسائر استخداماتهم للماء).

وعندما يتحقق الجفاف في بلد، فإن الإنسان بفطرته يتوجه الى بارئه يستنجده طلباً للماء، وجاء الإسلام ليضع بلسمه على جراحات الناس بتوجيههم نحو اداء صلاة الاستسقاء القائمة على الصوم ثلاثة أيام وإقامة ركعتي صلاة والخروج الى الصحراء والدعاء لأجل الاستسقاء، على أن يصحب هذه العبادة الاستغفار، لأن الذنب مجلبة للجدب والشر مثلما هو الشكر مجلبة للرزق والخير، وهو مفاد قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) سورة الأعراف: 94، وقوله تعالى: (وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً) سورة الجن: 16، في المقابل ضرب لنا مثلاً في الناكرين لأنعمه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) سورة النحل: 113، وبالشكر تزداد النعم وبعكسها تحل النقم، وهو مفاد قوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) سورة إبراهيم: 7.

ولاشك أن لمسألة الاستسقاء جنبتين مادية ومعنوية، بتنا ندركهما عن قرب وبخاصة مع تطور العلم الذي دلّنا أن السموم الكثيرة والأدخنة المنبعثة من المصانع والمعامل ساهمت على سبيل المثال في الاحتباس الحراري وحدوث شروخ في طبقة الأوزون، كما أن زحف البناء في المدن ساهم بشكل كبير في ايجاد التصحر، وهناك معادلة أقرب ما تكون بالطردية بين الزراعة وغيث السماء، فحيثما يكون النبات يكون المطر وبخلافه الجدب والجفاف، فالإنسان له أن يجر السحاب اليه وله أن يبعدها، فتصرّفه له دخل في المطر، فحيثما أصلح البيئة يكون الماء وحيثما يفسدها ينضب الماء، وهذا ما يعبر عنه في أحد أوجه القضية بالذنوب المحاقة للخير والمجلبة للشر، وفيه تظهر ملامح الجنبة المعنوية، وفي الحديث الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): (إذا فشت أربعة ظهرت أربعة، إذا فشا الزنى كثرت الزلازل، وإذا أُمسكت الزكاة هلكت الماشية، وإذا جار الحكام في القضاء أمسك القطر من السماء، وإذا خفرت الذمة نُصر المشركون على المسلمين).

وفي بعض الأحيان وربما في كثيرها، تكون زمرة قليلة من المذنبين أو المفسدين سبباً في انعدام الخير عن بلدة بكاملها، ولذلك يتوجه الداعي الى الله مستعيذاً به من هذه الشرذمة وإبليسهم، ومن ذلك قوله موسى عليه السلام: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) سورة الأعراف: 155، من هنا فان معظم الأدعية المستحبة قراءتها عند الاستسقاء تشير الى الذنوب وتأثيرها السلبي على الحياة اليومية، من ذلك: (اللهم منك ارتجاؤنا، وإليك مآبنا، فلا تحبسه عنّا لتبطّنك سرائرنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا، وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد)، ومن الأدعية: (يا حي يا قيوم عدد الشجر والنجوم، والملائكة الصّفوف، والعنان المعكوف، وأن لا تردنا خائبين، ولا تؤاخذنا بأعمالنا، ولا تحاصّنا بذنوبنا، وانشر علينا رحماتك بالسحاب المتّئق، والنبات المونق ..)، وفي الدعاء أيضا: (أللهم إنا نعوذ بك من الشرك وهواديه، والظلم ودواهيه، والفقر ودواعيه، يا معطي الخيرات من أماكنها، ومرسل البركات من معادنها، منك الغيث المغيث، وأنت الغياث المستغيث، ونحن الخاطئون من أهل الذنوب، وأنت المستغفر الغفّار، نستغفرك للجهالات من ذنوبنا، ونتوب إليك من عوامّ خطايانا).

ولا أكثر سوءاً من عطش الأرض والانسان والحيوان ودمار البيئة، من هنا وعند رحلة العبادة الى الصحراء: (يُستحب أن يخرجوا معهم الشيوخ والأطفال والنساء العجائز بل العجزة والمعوقين لمزيد الانكسار، كما يُستحب أن يخرجوا معهم أهل الصلاح والورع ممن يظن استجابة دعائهم)، كما: (إذا خرج أهل الذمة معهم فلا يُمنعون لأنهم عبيد الله ولهم أن يطلبوا أرزاقهم)، ولأن انحسار المطر على علاقة مباشرة بالحيوان فإنه: (يُستحب أيضا إخراج البهائم والأنعام لمزيد الرحمة وجلب العطف).

 

سياسة مائية سليمة

وبقدر ما تكون الحاجة الى الصلاة جلباً للمطر مطلوبة ومشروعة، فإن هذا لا يعني التواني عن اتخاذ الخطوات الكفيلة لمنع حصول الجدب أصلاً، ومن الخطوات الجديرة في هذا الاطار مد شبكة سليمة من قنوات السقي والرعي، وبناء مخازن المياة والسدود وحفر الآبار الارتوازية، وتشجيع الزراعة والرعي، والحد من الهجرة السلبية الى المدن وهجران المزارع والمراعي، واستخدام التقنية في تحلية مياه الشرب، وتشجير شوارع المدن وأزقتها، وحمايتها بخطوط من المساحات المزروعة الى جانب انشاء الأنهر والترع والبحيرات الصناعية والاعتناء بما هو قائم أصلاً ، وغيرها.

ولأن المياه من القضايا المهمة في حياة الشعوب تم توقيع المعاهدات والتعهدات الدولية في تنظيم حركة الأنهر في الدول المتشاطئة وتوزيعها والاستفادة منها بشكل عادل وعدم استئثار دولة بالمياه بحجة أن النهر ينبع من عندها أو يمر منها، فكل الدول المتشاطئة لها حق فيه، من هنا يؤكد الفقيه الكرباسي أنه: (لا يجوز منع الشعوب من الوصول الى المياه ومنعها عنهم)، وذلك لأن: (الناس في أي قطر سواسية في حاجتهم الى الماء، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين)، من هنا: (لا يجوز التفاضل بين المسلمين ولا بينهم وبين غيرهم فالجميع في ذلك سواء) بل: (لا يجوز قطع الماء عن الناس حتى في الحروب وإن كانوا غير مسلمين)، وعليه: (لا يجوز منع الماء عن العطاشى)، كما: (لا فرق في إرواء الآخر كونه مسلماً أو كافراً أو من أهل الكتاب، وكذا الحال في الحيوان والشجر)، وتأسيساً عليه: (يجب على الدول المجاورة أو غيرها القادرة على تزويد الدول التي تعاني من نقص الماء إذا كان لديهم فائض، ولا يجوز منع الماء عنهم)، وهذه النقطة الأخيرة هي التي يؤكد عليها عقلاء البشرية ويحذرون من حروب قادمة محورها الماء، بل ويدعو البعض الى مبادلة النفط بالماء، وقد أصبحت الأخيرة حقيقة قائمة في عدد من البلدان إذ تجد قنينة ماء الشرب أغلى من لتر النفط أو وقود السيارات.

والمفيد ذكره أنه بأزاء صلاة الاستسقاء هناك صلاة الاستصحاء، وهو طلب تحقيق الصحو، وذلك عندما تفيض السحاب بمائها على أهل الأرض وتزداد السيول والفيضانات، فالحالة الوسطية هي المرغوبة، على أن بعض الحكومات لفشل سياستها المائية عجزت عن استيعاب الأمطار الزائدة، فيقع التقصير عليها في حال حصول الجدب وعكسه.

وهكذا فلا مناص من الالتفات الى أهمية توفير المياه لبني البشر لمواجهة تحديات المستقبل، وصلاة الاستسقاء عبادة تحقق باذن الله استنزال المطر عندما يسود الجدب البلاد والقحط العباد.

 

صدور كتاب دراسات في أدب الأطفال المحلي للأديب سهيل إبراهيم عيساوي

768-adabصدر حديثا "كتاب دراسات في أدب الأطفال المحلي" للأديب سهيل إبراهيم عيساوي، يقع الكتاب في 136، من حجم الكبير، لوحة الغلاف للفنانة فيتا تنئيل، مراجعة لغوية للشاعر صالح صالح زيادنة، صدر الكتاب بدعم من مجلس الثقافة والفنون في مفعال هبايس، يتناول الكتاب دراسات ومواضيع مثيرة تتعلق بأدب الأطفال المحلي تطرق لأول مرة : دور المرأة في أدب الأطفال المحلي، هل تغيرت صورة الجد والجدة في أدب الأطفال المحلي، الإعاقة وتقبل الآخر في أدب الأطفال المحلي، محاولة كسر الصورة النمطية للثعلب والذئب، التحرش الجنسي في أدب الأطفال المحلي، الخيال العلمي الخاصرة الرخوة في أدب الأطفال المحلي، صورة المعلم، قراءة القصص ضرورة ملحة لنمو ذكاء أطفالنا، البحث عن النهاية السعيدة، أدب الأطفال المحلي في ظل الربيع العربي والحروب الأهلية، أطفال يبدعون بين التشكيك والتشجيع، الكتاب يشكو عزوف القراء، عوامل تعثر أدب الأطفال في العالم العربي، أدب الأطفال أمانة ورسالة . يشار أن الكتاب يعتمد على مئات القصص المحلية، والدراسات الهامة .

 

صدر للكاتب:

1768-adab - وتعود الأطيار إلى أوكارها - (قصائد). 1994

2 - نظارتي - (تأملات) .1996

3 - فردوس العاشقين - (قصائد وخواطر ).1996

4 - وتشرق أسطورة الإنسان - (قصائد ). 1998

5 - بين فكي التاريخ - (بحث تاريخي) .1999

6- غسان 2000- (وهو دراسة عن الشيخ غسان حاج يحيى) . 2000

7- أوراق متناثرة – مقالات 2003

8- قصائد تغازل الشمس (قصائد).2003

9- ثورات فجرت صمت التاريخ الإسلامي. (بحث تاريخي) 2005

10- النحت في ذاكرة الصحراء (ذكريات ومواقف)2007

11- معارك فاصلة في التاريخ السلامي, بحث تاريخي 2008

13- 60 لعبة شعبية، إعداد وترجمة، مشترك مع د .أمين مقطرن، محمد جنداوي، وفيقة أيوب، إصدار وزارة المعارف، 2008

14- عندما تصمت طيور الوطن، شعر، 2009

15- الطريق إلى كفرمندا عروس البطوف – بحث-2010

16- تصبحون على ثورة , بحث سياسي، 2011.

17- على ضفاف نهر الأدب، قراءة في عالم الكتب، 2013

في مجال قصص الأطفال :

18 – يارا ترسم حلما- 2013، ط 2 - 2014، ط 3 - 2015

19- احذر يا جدي –2013

20- طاهر يتعثر بالشبكة العنكبوتية، 2013، إصدار المكتبات العامة ومركز الكتاب

21- بجانب أبي، 2014، إصدار أ.دار الهدى

22 – الأميرة ميار وحبات الخوخ، 2014، إصدار أ.دار الهدى

23- الصياد والفانوس السحري، 2014، إصدار أ.دار الهدى

24 – ثابت والريح العاتية، 2014، وطبعت طبعة خاصة في بيروت –لبنان 2014

25 – توبة الثعلب – بالعربية والعبرية، 2015

26 – دراسات في أدب الأطفال المحلي، 2015

 

صدر عنه:

1-اضاءات في شاعرية سهيل عيساوي، للناقد المغربي محمد داني 2008

2- أدب الأطفال، دراسة في قصص الأطفال لسهيل عيساوي، للناقد المغربي محمد داني، 2015

جوائز حصل عليها المؤلف

- جائزة الإبداع من وزارة الثقافة 2014.

- جائزة ناجي نعمان، عن قصة ثابت والريح العاتية، 2014 .

الكاتب يعمل مديرا لمدرسة ابن سينا الابتدائية بكفرمندا، حرر العديد من المجلات والكتب، نشر القصائد والمقالات والدراسات الأدبية والتاريخية والسياسية، في مختلف الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت، مدون وناشط ثقافي، ترجمت قصائده إلى عدة لغات منها : الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والعبرية والبولندية والرومانية، واشترك في العديد من الموسوعات الأدبية في العالم العربي.

 

دورية رائدة تدرس الدين بوصفه أعمق وأغنى تجليات الروح البشرية

767-refaiيستمر المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي في عمله الدؤوب المتواصل منذ أكثر من عقدين من الزمن، لتحديث الفكر الإسلامي وربطه بقضايا العصر وعصرنته خلال سلسلة كتب قضايا إسلامية معاصرة وفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد.

صدر من آثار عبدالجبار الرفاعي حتى اليوم ٦٥ مجلداً، في ٤٢ عنواناً لكتاب. أما المجلة الفصلية قضايا اسلامية معاصرة، التي مضى عليها عشرون عاماً، صدر منها حتى اليوم 62 عدداً.

وما صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين الذي أسسه ببغداد، أكثر من ٢٠٠ عنوان كتاب، في عدة سلاسل، فقط في سلسلة (كتاب قضايا اسلامية معاصرة) اكثر من ١٠٠ كتاب.

مجلة قضايا إسلامية معاصرة من أهم المجلات المختصة بالفكر الديني في العالم الإسلامي برمته، فقدكرّمها المعهد البابوي في الڤاتيكان بروما، بإصدار كتابه السنوي عام ٢٠١٢ لمختارات من نصوصها بالإيطالية والانجليزية والفرنسية، بوصفها المجلة الأولى في الدراسات الدينية بالعربية في ربع القرن الأخير.

هناك مجموعة من المزايا لهذه الفصلية قلما تجمعها أية فصلية فكرية إسلامية أخرى وأهمها إن المجلة هي مجلة بلاحدود، إذ إنها تجاوزت الحدود المذهبية، وحتى الحدود الاسلامية الخاصة، لتهتم بدراسة الدين وصفه أعمق وأغنى تجليات الروح البشرية، كما تخطت هذه الدورية الحدود الجغرافية العربية، إذ ليس كل المسلمين عرباً، ولا أغلبيتهم، بل أغلبية المسلمين من غير العرب، ولهذا لم تهمل مجلة قضايا إسلامية معاصرة آراء مفكرين مسلمين من غير العرب، من أمثال: داريوش شايغان ومحمد مجتهد شبستري ومصطفي ملكيان من ايران، وفضل الرحمن من باكستان.. وغيرهم.

كما إنها تخطت الدائرة الإسلامية، ذلك انها تعالج قضايا دينية عامة مثل: الإيمان، التجربة الدينية، وفهم النص الديني.. وغيرها مما لا تختص بها ديانة محددة. وهناك من غير المسلمين من قارب الكثير من قضايا تتصل بالإسلام كدين من الأديان، والنصوص الإسلامية، كنص ديني، وهنا يمكن توظيف مقولات فلاسفة ومفكرين غير مسلمين، من أمثال كيركگورد، أنتوني ستورم، وسي ستيفن إيفانز.. إلخ.

767-refaiمن هنا نرى إن مجلة قضايا إسلامية معاصرة تحولت إلى مدرسة فكرية، تعالج كل ما هو يتصل بفهم النص الديني، والمصالحة بين المسلم وعصره. وهي بذلك لا تني في دفاعها عن الايمان والتدين الرحماني الانساني، بلغة اليوم، وتتوسل في دفاعها وتبريرها وتبيينها لمهمة الدين الأصيلة في حياة الانسان، بحشد المفاهيم والمناهج الجديدة في علوم الانسان.

إن مروراً عابراً على قضايا تناولتها المجلة خلال عقدين من الزمن يُظهر لنا مدى حرص عبد الجبار الرفاعي على اقتحام إشكاليات راهنة في التفكير الديني، لم تغامر مجلة اسلامية عربية أخرى بالمجازفة بفتح نوافذها، كما أثارت مجلته هذه أسئلة عميقة،لم يشأ أحد بالأمس أن يفكّر فيها.

ظل الرفاعي مسكوناً بأسئلته، التي لا يولد فيها سؤال حقيقي إلاّ وتتوالد منه باستمرار أسئلة جديدة. الرفاعي يفتش عن مقاربات لفلاسفة دين ولاهوتيين ومتكلمين وفقهاء، تتناول هذه الأسئلة، في سياق فلسفة الدين ونتائج العلوم والمعارف الجديدة، في مجال علوم: التأويل، والنفس، والاجتماع، والانثربولوجيا، وفلسفة العلم..وغيرها.

إنه بدأ بمنهج التعامل مع القرآن، ومقاصد الشريعة، وفلسفة الفقه، وعلم الكلام الجديد، والتراث والحداثة، والعيش سوياً في فضاء التنوع والاختلاف، والتسامح ومنابع اللاتسامح، والإيمان الوجودي، وأرست سفينته أخيراً في مرفأ (الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية). وما زالت قضايا إسلامية معاصرة تعدنا بتناول مشكلات: لغة الدين، والأخلاق والدين، ومشكلة الشرور.. وكل ما يتصل بدراسات فلسفة الدين والإلهيات الجديدة.

في المحطة الأخيرة أي الهرمنيوطيقا توقفت سفينة قضايا إسلامية معاصرة لمدة ثلاثة أعوام. إذ منذ بداية 2013 حتى الآن يشكل الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية عنواناً للمجلة.

ومن وراء هذا العنوان والموضوع، يفتش الرفاعي عن مخرج لـ(إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين)، وإظهار أن الفهم إنما هو ظاهرة بشرية تتصل بوجود الإنسان، وأفق انتظاره وأحكامه المسبقة، في هذا الضوء ينبغي أن تخضع عملية الفهم لمصالح الإنسان.

وبتعبير آخر يعيش عبد الجبار قلقاً معرفياً ومجتمعياً ووجودياً، يدفعه لبذل كل الجهد لاكتشاف جماليات الدين، وآفاقه الرحمانية الانسانية. إنه يقصد تطهير الدين من الفهم المتوحش لشرائح من معتنقيه، إن عبر التنبيه إلى أن فهم الدين ليس حكراً على جماعة محددة، خاصة، إذا كانت هذه الجماعة تتكون من الذين لا يملكون الثقافة الدينية التقليدية، وأما في مواجهة التقليديين المتزمتين، إذ يحاول الرفاعي لفت أنظارهم إلى حقيقة تعدد الفهم، وإلى العوامل الدخيلة في الفهم، وأن هناك متغيرات كثيرة تجعل من العسير التغلب عليها في عملية تفسير النصوص الدينية. وعليه فلا مناص من القبول بتعددية الفهم، كما هو التقليد الراسخ في عصور ازدهار التفكير الديني في الاسلام، واتساع الاجتهاد في الفقه وعلم الكلام والتفسير وغير ذلك من علوم الدين، ونشأة المذاهب الفقهية، والفرق الكلامية.

أصدر الرفاعي العدد الأخير من مجلته مؤخراً، وهو العدد الرابع في موضوع (الهرمنيوطيقا والمناهج الجديدة في تفسير النصوص الدينية – 4). في مقدمة العدد تحدث حسن ناظم عن (تأويلية الفهم)، وهو يحاول الكشف عن الصبغة الإنسانية للفهم، حيث أن الفهم يصبح في نهاية المطاف مكوناً وجودياً؛ أي محدداً لبنية وجودنا في العالم.

ويلي هذا المقال، حوار مطول مع المفكر السوري طيب تيزني تحت عنوان (الهرمنيوطيقا تكشف عن الذاتية التأويلية)، أو مدى تدخل الذات البشرية في معالجة الموضوعات التي تواجهها. ويرى تيزيني أن القراءة في النص القرآني إنما يعني البدء بإنتاج حالة ذهنية تتعلق بالحقيقة والرغبة والتمني والحذر والمطامح والمطامع والخوف مع الرغبة في الدفء.

ويفتتح عبد المجيد الشرفي باب الدراسات في المجلة، بـ(مدخل لمقاربة حديثة لمفهوم التوحيد). متسائلاً هل التوحيد الإسلامي هو التوحيد اليهودي المسيحي نفسه؟ فإن كثيراً من المسلمين يرفضون اعتبار إله اليهود العرقي، أو ثالث الثلاثة إله المسيحيين.كما أن كثيراً من المسيحيين يعتبرون أن الله باعتباره إلهاً خاصاً بالإسلام، هو مختلف عن إله الكتاب المقدس. يحاول الشرفي تقديم فكرة موحدة للتوحيد تبتني على أن جوهر التوحيد متحد عند جميع الأديان، لأن عقيدة التوحيد متجذرة في أعماق كل إنسان.

ويقارب الزواوي بغورة موضوع (التأويل المنهجي)،كما يتطرق وجيه قانصو إلى (رهانات المعنى السياسي عبر النص الديني)، ليُظهر كيف يتم استخدام النص الديني في المجال السياسي. وتأتي مقالة علي مبروك في الاتجاه نفسه ليرصد مسار (الإسلام السياسي من شمولية الإسلام إلى فكرة الحاكمية الإلهية)، التي نظّر ابن تيمية من القدماء، وأبو الأعلى المودودي، وتبعاً له سيد قطب في القرن العشرين.

وقدم عبد الله بريمي دراسة في فكر غادامير تحت عنوان (اللغة نموذج لبلوغ الوعي الهرمنيوطيقي)، مركّزاً على مقولتين رئيسيتين لغادامير، وهما عبارة عن أن الفهم كله تأويل، وأن التأويل كله لساني.

وللباحث المغربي مصطفى الغرافي مقالة تحت عنوان (قراءة النص الديني التأويل بين مطالب العقل وضوابط النقل)، ويجيب العياشي ادراوي في مقالته " الفعل التأويلي والإنتاج المعرفي" عن سؤال العلاقة بين الفعل التأويلي وبين البناء المعرفي.

وهناك مقالة هامة لفيلسوف الدين شلاير ماخر عن (التثقيف للدين)، ترجمها عن الألمانية: أسامة الشحماني، وهي الخطاب الثالث في كتابه الذي تنشره المجلة تباعاً، والذي يصنفه الخبراء بوصفه النص الأول المؤسس لفلسفة الدين في العصر الحديث، وتقوم المجلة بنشره مترجماً للمرة الأولى من لغته الأم. يواصل شلايرماخر فيه نقده لدخول العقل في مجال الدين. ويصف المترجم هذا الكتاب بقوله: (يعد كتاب الفيلسوف الألماني شلايرماخر، الذي ألَّفه عام 1799 تحت عنوان: "عن الدين: حوارات مع محتقريه من المثقفين". من الأعمال الكلاسيكية المهمة في اللاهوت، ويتشكل من خمسة خطابات، جعلها شلايرماخر محصورة بإعادة هيبة الدين وكرامته، بوصفه نظاماً فكرياً وأخلاقياً، ليس محصوراً بعامة الناس وإنما هو لكل المجتمع، وأوله طبقة المتعلمين والنخب الثقافية).

ويتضمن القسم النقدي الأخير في المجلة (أفكار للمناقشة) ملفاً حول ملا صدرا الشيرازي، واتهامه بالانتحال، كتبه حسن اسلامي، ودافع أكبر ثبوت عن ملا صدرا، نافياً عنه الانتحال.

كما يتضمن العدد تعريفاً بكتاب (الايمان والتجربة الدينية)، إعداد وتحرير: عبد الجبار الرفاعي، وهو الجزء الثاني من: (موسوعة فلسفة الدين)، التي بدأ الرفاعي اصدارها مطلع العام الماضي، وهو يعدنا بأنها ستقع في عشرة مجلدات، تبحث الموضوعات الكلية في فلسفة الدين، مثل: (تمهيد لدراسة فلسفة الدين. الإيمان والتجربة الدينية. علم الكلام الجديد. الهرمنيوطيقا وتفسير النصوص الدينية. لغة الدين. التعددية الدينية. الدين والأخلاق. الوحي. المعرفة الدينية. مشكلة الشر).

 

د. مجيد مرادي

باحث وشاعر ايراني. جامعة القديس يوسف في بيروت

صراع الدولة والجماعات لسعد محمد رحيم .. من الاختلاف إلى الاقتتال

saleh alrazukيكفينا سعد محمد رحيم مؤونة تحديد الأفكار الأساسية في كتابه (صراع الدولة والجماعات في العراق) الصادر من أسابيع عن دار سطور (٢٢٠ ص) ويحددها بأربعة بنود عريضة هي:

السياسة والثقافة والهوية والعنف. ويضيف اليها محورا خاصا عن انحطاط القيم (فساد العقول) بتعبير صدقي إسماعيل. وملحقا عن ثورات الربيع العربي وهموما متفرعة عنه.

و من الواضح أن محاور الكتاب في معظمها لها علاقة بالعقل والنشاط الذهني والاختيار . يعني القطاع الواعي من العمل والحياة. باستثناء العنف الذي يحتل لاشعور الأفراد والجماعات. والذي هو أصلا التفسير الوحيد لموضوعة الصراع. عنوان الكتاب، فالثورة والعمل الانقلابي لا شك تعبير عنفي عن أزمة.

ومن الواضح أيضا أن الكتاب لا يتوقف عند تحديد معنى كل محور. وإنما يدخل في شرح الأسباب والظواهر فورا.

في محور السياسة يشير الكاتب أنه لا يمكنها أن تكون بريئة من الميول (ص١٥) . ولذلك نحن نتحدث عن استراتيجية وتكتيك. وعن أجندا قريبة ومعها خطط بعيدة المدى نسخر كل شيء لتحويلها إلى غرض. بمعنى إلى مبدأ يترجم طبيعة التفكير والبنية النفسية للذهن. ولذلك يجب أن نتوقع خلال هذا المسار بعض الإفرازات الجانبية التي تتحول أحيانا بسبب خطأ في التشخيص إلى ظاهرة معاكسة. وضمن هذا البند تدخل ظاهرة القاعدة وبعدها بوكو حرام ومؤخرا داعش. وإذا كان الكاتب يرى أنها نتيجة لسياسة التوسع الإمبريالي وأزمة الاقتصاد في العالم (كأنه يؤكد على ما دأب الباحث صائب خليل على تكراره: أن وراء كل مصيبة في الشرق أمريكا وإسرائيل، أو رأس الإمبريالية العالمية ويدها اليمنى ووكيلها) أنا شخصيا أعتقد أنها ليست إنتاجا للإمبريالية ولا تسويقا لسياساتها. ولكنها حلقة ضمن سلسلة من التفاعلات والخطط.

و أعتقد أن غروب القاعدة وصعود نجم داعش بعد كل تدخل أمريكي أساسي في المنطقة مرة باسم تحالف دولي ومرة باسم حماية الديمقراطية العالمية دليل دامغ على وجود خطأ في سياساتها ذاتها. وهو خطأ متكرر حولته ماكينة البروباغندا الإسلامية إلى نوع من الإثم أو الخطيئة. قلما اتفقت الأرثوذوكسية السنية مع الشيعة على موضوع. ولكنهما بالإجماع تنظران إلى أمريكا على أنها شيطان خرج من وكره أو رمز للاستكبار العالمي. والواقع أن بنية الخطاب الرأسمالي العالمي لا يزال يراوح في مكانه. ولم تنفع معه التحويرات البسيطة بعد موت الإيديولوجيات وسقوط الاتحاد السوفياتي.

و لكن أتفق مع سعد رحيم أن هذا يصدق على العراق. فعبارات الخطاب السياسي بعد سقوط صدام لا تزال متداولة في سوق الشعارات السياسية (ص ٢٢).

إن التركيبة أو الصيغة السياسية لم تتبدل في العالم جوهريا بسقوط الدمية السوفييتية. لقد ذابت الايديولوجيا فحسب أمام المصالح الأساسية للنظام والأمة. أو أمام مصالح الدولة الروسية. وكل ما حصل (بلغة الكاتبة الإفريقية الشابة نوفيوليت بولاوايو noviolet bulawayo) هو تلاعب بالألفاظ. وتجريد للأهداف واختزال. أو أنه اختصار وتحويل.

وعليه لن تختفي ظاهرة الإسلام السياسي والسلفية الجهادية إلا بعد استبدال التكتيك الأمريكي.

و لا يمكن للمرء أن يتوقع ما هي النتائج الوسيطة التي ستنجم عن التكتيك المتبدل. فالتحويل شيء والتبدل شيء آخر. إنهما صيغة رديفة لأطروحة الثابت والمتحول. وهذا وحده يفسر العالم ببنيته الأساسية. إنه يتحرك من حقبة إلى غيرها. ويكفي التذكير بتاريخ الإنسان. فبالانتقال من العصر الحجري إلى الحديدي تبدل واقعه وظروف معاشه ولكن أهدافه الاستراتيجية لم يطرأ عليها شيء. كان البحث عن ملاذ آمن ترافقه غرائز أساسية وفي مقدمتها التوسع أو السيطرة وامتلاك زمام الذات والموضوع في نفس اللحظة.

و يؤكد سعد رحيم على هذه الفكرة بقوله إن لغتنا لا تزال ميكانيكية وأعيد استخدامها آلاف المرات. حتى أنها سقطت في حفرة الوحشة والكآبة (ص١٨).

و لذلك يرى أن مشكلة السياسة في بلادنا أنها تتستر على عيوب المجتمع ولا تبرزها للعيان. وعليه لا يمكن معرفة مكامن العلل ولا الداء الذي ينخر في العظام. وإذا كانت مشاكلنا مركبة (ص٢٧) فهذا لأن سياساتنا مركبة وكوادرنا السياسية تعاني من الالتباس. والفرز يكون على أساس أصحاب الثقة وأصحاب الكفاءة. والثقات لهم الأولوية. ومن هنا تبدأ تراجيديا العجز في الإدارة. إنها إدارة رقابية وأمنية وليست إدارة تطوير.

و أبسط مثال تجده في تنمية موارد النفط. فقد كان سعر البرميل في الثمانينات يبلغ حوالي ٨ دولارات. وتكلفة ترشيد البيئة تصل إلى ٢٠ دولارا عن البرميل الواحد. يعني ما نكسبه من الثروات الباطنية ننفقه على التزاماتنا الدولية. وتغطية العجز لا يكون من خلال التباري في الانتاج وإنما بالقروض والدين العام.

و هو ما برز على السطح بعد انهيار النظام عام ٢٠٠٣. لقد كانت الكارثة مخيفة. ووضعت مستقبل خزينة الدولة في جيوب دول الجوار أو خزائن المدينين (وهو ما نبه إليه سعد رحيم بقوله: إذا ما ستر تدفق النفط الفشل في توظيف الأموال وسوء إدارة الاقتصاد فقد جاء السقوط ليعرض الاقتصاد لصدمات مرعبة- ص ٢٧).

وقد ربط الكتاب بمهارة بين السقوط وضعف الاقتصاد وفشله حين قال: إن التدهور الاقتصادي هو المسؤول أساسا عن الأزمات السياسية والأمنية (ص ٢٨).

ولم ينس أن يستنتج بعد ذلك دور الخلل الاجتماعي. فتدهور الاقتصاد وأمراضه سهلت نشوء مؤسسات عشائرية ودينية استغلت الظروف واحتلت الفراغ الذي يعزل عامة أفراد المجتمع عن الدولة. ووظفته لخدمة مآربها إلى أن تحولت إلى دول متناحرة بمقدورها الهيمنة على آليات المجتمع المدني وأحلامه بالديمقراطية والرخاء (ص٢٩).

وهكذا تحول اقتصادنا إلى عمل ريعي اتكالي، وفر المناخ لخلق فئة طفيلية شرهة، وشرائح اتكالية واسعة، تسعى للحصول على دخل من غير أن تفكر بأداء عمل إنتاجي نافع كما قال بالحرف الواحد (ص٣١).

و في هذا الجو أصبح التسامح سلعة نادرة. فالكاتب يعتقد أن التعصب قد خنق كل امكانيات التفاهم والوعي بالآخر (ص ٤٥). وسأذهب لأبعد من ذلك. برأيي نحن نكيل بمكيالين منذ نشوء معنى الدولة وتأسيس مفهومنا للأمة عليها. لقد سبقت الدولة بالظهور تشكيل الأمة. وهذا بدل لدينا الأولويات. فأصبح الأفراد في خدمة المؤسسة. وليس العكس. يعني المؤسسة كانت تستهلك الأفراد كوقود لبقائها. ولا أستثني أي طور من تاريخنا. منذ بزوغه وحتى هذه اللحظة. لقد كان التسامح ألسنيا وفي مستوى الفراغ السياسي. وبتعبير آخر ينتهي عند حدود وعي المؤسسة بذاتها وأناها الأعلى.

فديمقراطية الشورى في الإسلام كانت وقفا على الصحابة والمبشرين بالجنة. وهذه هي الديمقراطية الأولى. فما بالك بالديمقراطيات اللاحقة. لقد غلب عليها أسلوب التشفي والتصفية. ولم تسلم منه رموز دينية مشهود لها بالزهد وإنكار الذات. وفي رأس القائمة الخوارج ثم ما تفرع عنهم من حركات تصوف غامضة في ظاهرها. ولها جذور جهادية في باطنها.

وغلبت على التصفيات السادية بمقاييس أعتى ماكينة دموية عرفها التاريخ وهم النازيون. فقد لقي ابن المقفع والحلاج مصيرا مروعا ولا أعتقد لأسباب إيديولوجية بحتة. ولكن لشبهات لها علاقة بحصانة البلاط ورموزه.

***

وكذلك في محور الثقافة. لا ينفق سعد رحيم وقتا في التمهيد لمعناها. ويدخل إلى الموضوع من باب الدال وليس المدلول. ويحصر كل كلامه عن المثقف بمطلق المعنى وعلاقته مع السلطة.

فهو يعتقد أن الثقافة تتطور في فضاء معزول عن من يفترض أنهم يبشرون بها، أي المثقفين. ويرى أن المثقف في العراق معزول عن النشاط التفاعلي. متورط بمكاسب آنية. أو خاضع لقيود لا تسمح له بالحركة (ص٤٩).

و بالفعل إن هم المثقف العربي لا يختلف كثيرا عن العدميين والوجوديين الذين انتجتهم الحرب العالمية الثانية. ويكفي العودة إلى رواية (المثقفون) لسيمون دربوفوار لتلاحظ الأنانية المفرطة التي طبعت المثقف الأوروبي. فهو لا يخاف على المجتمع. ويربط المصلحة الوطنية بالرضا والشبع والكفاية.

و إذا كانت هذه الحفرة الوجودية فردية المنشأ في أوروبا. تسمح للفرد بالتحرر من مسؤولياته فقط لينهمك في مهمة تخريب منظم ومؤتمت لأناه الأعلى وفي سبيل ترويج للتفسير الغريزي لمعنى الحياة، فإننا نقفز من فوق هذه الحفرة لنصل إلى نفس النتيجة. فالداء العضال عند المثقف العربي هو في تعليب المشاعر الوطنية وليس في لا إباليته حيالها. وغالبا يكون تعليبا مجوفا. يعني نقدم حزمة من البرامج الغامضة والتي تتبارى في كسب ود السلطة.

وهنا المعضلة.

أن يتحول تحفيز المعاني إلى تبرير للأخطاء.

وهكذا تنبع مشكلة التفسير الخاطئ لمعنى الأصول والتي أفضل الاستعاضة عنها بالينابيع.

فالأصول تحولت إلى مصطلح بغيض ومنافس للعلمنة والوعي (بمعنى وعي الإدراكات أو تحديث الوظائف. يعني الحداثة). لقد تحولت الأصول إلى أداة أو معول يهدم النص. ويضع في مكانه الوحي بالنص. أو المصادر الغائبة والتي تحتاج إلى تعريف.

وفيما أعتقد إن الإدراك بالغيبيات نشاط يطاله الحدس والشك. وتعزله فراغات عن الواقعة المطلوب التعامل معها.

و مثقفو الايحاءات تحولوا بشخصهم إلى ظاهرة مرعبة. لديها خاصة التخاطر. وكأن كل واحد منهم نائب عن الوحي، بمعنى أنه نائب عن الوسيط في مصدر التشريعات.

وهذا لم يقفل الدائرة على العقل ويلغيه. ولكنه أغلق الدائرة على التفسير الإنساني للجماعات. لقد أصبحت كتلة أو عصابا جماعيا وليس وعيا جماعيا. وهو ما يسميه سعد رحيم بإعادة انتاج المعرفة المقنعة بالموروث والمقدس. (ص٥١).

و هو ما يربطه هشام شرابي بآليات انتاج المثقف التي تعود إلى مجتمع زراعي تقليدي غير حديث تشابهت فيه القيم مع أخلاق العصور الوسطى مع استثناءات جزئية في مراكز المدن الأساسية فقط (ص١٥)، كما قال في كتابه الكلاسيكي: (المثقفون العرب والغرب، دار النهار للنشر.١٩٧٨).

وفي مثل هذا الجو كان لا بد من تغريب المثقف عن حياته وفضائه النفسي. وتحوله إلى أداة بيد السلطة. مثلما تحول الإعلام من وسيلة توعية إلى بوق يخاطب أدنى أنواع الغرائز. ونجم عن ذلك مثقف مشوه ومريض ومعزول عن ذاته(ص ٦٧).

حتى أن المثقف تساوى بنظر السلطات مع المتعلم. وهذا موجود في أهم مؤسسة لدينا وهي الجيش. والذي نطلق عليه أحيانا اسم الجيش العقائدي. يعني أنه في خدمة إيديولوجيا بعينها ولا يساوي بين جميع الفرقاء. ففرز وتصنيف أفراد الجيش يكون على أساس مثقف (يعني متعلم) وغير مثقف (جاهل أو أمي).

ولا أعلم بالضبط من أين جاءت هذه الفكرة. ولكنها تفيد فكرة الثقافة الشعبية.

و أستغرب تماما أن تساوي مؤسسة عسكرية كالجيش بين المدون والكاتب المبدع. وكأنها لا ترى الفرق بين نشر المعلومات وانتاجها. وهو ما أدى إلى موت المثقف العضوي (ص٦٩)، ودخوله في غيبوبة تشبه الذهان.

و أعتقد أننا أسأنا أصلا لمعنى المثقف العضوي. فالفكرة أصبحت تشبه غسيل الأفكار القذرة والترويج للخرافات والطقوس السياسية. وأصبح لكل حزب منابره وأدباؤه. وغطى المال السياسي على القيمة الحقيقية للكاتب.

وعلى سبيل التذكير فقط أشير لفؤاد الشايب. أمين عام مكتب رئيس الجمهورية بعد الاستقلال في سوريا. لطالما نظرنا إليه على أنه مؤسس للقصة الفنية. مع أن مجموعته (تاريخ جرح) صدرت عام ١٩٤٤ بينما سبقه العجيلي في تركيب قصة ناضجة وواضحة المعالم بعشرين عاما.

و لولا دخول العجيلي البرلمان وإدراته لعدة وزارات في فترة الانفصال ربما أسدلنا عليه ستار النسيان.

هذا ما جرى مثلا لفاضل السباعي الذي عانى من غربة مضاعفة في سوريا بالرغم من سبقه وريادته في فن الرواية. وأجزم أن السبب له تفسيرات سياسية. فقد عبر عن منطق الثلاجة السياسية. وحمل أفكار الطبقة الخاسرة للسلطة. ودفع الثمن مثل غيره من أبناء الارستقراطيات التي تشبه المعادن الباردة.

و كان مصيره لا يختلف عن مصير باسترناك وبطله الدكتور زيفاكو.

ويجد سعد رحيم أن الحل لمضاعفات الاغتراب ليس في المثقف العضوي ولكن في العودة إلى ثقافة الحياة. فهي التي تضمن لنا التغلب على ظلاميات التسلط والإملاءات من جهة والاستلاب من جهة ثانية. بحيث لا يكون المثقف تابعا إلا لنفسه ولموجبات وفروض أهدافه في هذه الحياة.

وهكذا نلغي أعباء التخلف والانحطاط والجهل ونعود إلى الحرية والمدنية (ص ٧٩).

غير أن فن الحياة، لا يعني نسيان القدر الحتمي؛ الموت، بل تقبّله كجزء من قوانين الوجود (ص ٨٠). وأضيف مع سعد رحيم: إن الحياة هي الرد الطبيعي على الموت والعدم لو استعملنا المصطلحات السوسيرية.

***

وفي محور الهوية يقفز الكتاب مباشرة إلى الانحرافات التي لحقت بالمعنى. دون أن يتوقف عند معناها ذاته.

و يرى أنه معنى خرج عن مساره الطبيعي (ص ٨٥). فقد تحمل هذا المفهوم إسقاطات تشوبها كل الشوائب. من التحجر والاستعلاء العرقي الأجوف الذي لا يستند على حقائق ومعطيات ملموسة. وحتى التفسيرات الغامضة التي تحمل قدرا لا يستهان به من الشوفينية واللاأدرية. وقدرا مماثلا من الأشكال قبل الدولتية لهذا المفهوم (ص ٨٧).

ولا يسعني إلا التأكيد والموافقة. فمفهوم الهوية لا يختلف برأيي عما جرى للثورة البلشفية. لقد تحولت بعد الدخول في لعبة الدولة إلى نوع من التسلط الأعمى. حتى أصبحت الدولة غاية بحد ذاتها. بمعنى أنها تحولت من الثورة إلى قوة عاتية تعارض التحول.

و هذا هو العبء الذي تعاني منه كل أمراض الهوية المزعومة. لقد أصبحت هدفا بلا مضمون. ثم أداة بلا هدف. يعني غاية تكتفي بذاتها.

و لا يسعني أمام هذه الظاهرة إلا أن أنعي مفهوم الهوية وأعلن مع غيري عن إفلاسها. أو الدخول في طور ما يسمى موت الهوية. مثل موت الإنسان وموت التاريخ إلى آخر هذه السلسلة.

وطبعا هذا لا ينتقص من مفهومنا للانتماء ومحدداته مثل الالتزام والإدراك والمسؤولية.

لقد عانت الهوية من فساد الطبقة التي تبشر بها. إن لم أقل حسر نظرها وتخلفها المعيب والمخجل.

و استفحلت باسم الهوية الرقابة على الحريات الخاصة والعامة. ووصل الأمر إلى درجة تحريم الإنترنت بحجة أنها تتسبب في ضياع الأصالة. وكأن التخلف والتحجر هما الوسيلة الوحيدة لضمان حساسية وطنية نظيفة.

و إلى تجريم الفكر المتوسطي بحجة أنه يساوي بين الضحية والجلاد، وبالأخص أنه يشتمل على عضوية إسرائيل. وكأن كيان هذه الدولة غير موجود في محافل نعترف بها ونتسابق على إرضائها.

إن اقتران الهوية بجو يشبه كثيرا ثلاجة حفظ اللحوم أو سراديب الموتى لا يمكنه أن يخدم توسيع مفهوم المواطنة الإيجابية. بالعكس هو خدمة لا متناهية لمن يهمه تنمية حساسيات الفئات الرجعية والسلفية والتي تقاتل بكل قواها لإعادة عقارب الساعة إلى الخلف.

وبكل أسف إن تمسك أحزابنا الوطنية التي أفرزتها حروب الاستقلال بمعنى الهوية وكأنها لوح محفوظ أو وحي أو قرآن حولها إلى أداة قمع وتأخير. وهذا يعني أنها سقطت في الحفرة الوجودية لإعدام الميت.

إن الهوية لم تعد التزاما طوعيا ولكنها واجب سياسي له دلالة. وبمجرد الكلام عن هوية يتبادر إلى الذهن الأصالة والمحافظة وسواها من العناوين الكريهة والممجوجة والتي أفضل استبدالها بمبدأ الينابيع والجوهر والماهية.

فالاسم يدل على المسمى وليس على المعنى المجرد.

و للتوضيح.

تدل النازية على فترة شئيمة من تاريخ ألمانيا وأوروبا. ولكن ألمانيا لا تعني بالضرورة الحزب النازي وهتلر.

وهكذا الهوية. أصبحت تدل على فئة لديها أهداف سياسية تعاني من الانطواء والسلبية. كأنها دم بارد لا يتحرك في شرايين المجتمع.

بينما الينابيع لا يزال مفهوما بريئا يقبل التعديل والتفسير والحوار.

ولذلك يرى الكاتب(وهذا اجتهاد شخصي منه كما يقول) أن الإيديولوجيا لا تفسر الهوية دائما. والعكس هو الصحيح. فالانتماء والاختيار هو الذي يحدد ماهية الإيديولوجيا. ومادتها. ومقارباتها. ويضرب مثلا على ذلك بداعش التي يمكنها أن تجد مرجعية في غير ابن حنبل لو أنه ليس موجودا. ومثلها الخمير الحمر. بوسعهم إسناد أفعالهم العنفية وتبريرها بنظريات غير ماركسية لو لم يكن لماركس وجود مادي في تاريخ الأفكار (ص ٨٩).

لكن هوية الأفراد والمجتمعات لا تنفصل أيضا عن هوية المكان. وهو ما يسميه سعد رحيم (عبقرية المكان ص ٩٧). وأعتقد أن هذا المصطلح وطني وعروبي بامتياز. وهو من نتاج الأفكار الرومنسية التي نادت بها الثورة الفرنسية. فجمال حمدان تكلم بكثير من الشاعرية عن عبقرية مصر باعتبار أنها صورة مجازية لواقع متبدل. أو بالأحرى لواقعة تعود للتصعيد. وكان في ذهنه ثورة الضباط الأحرار. بمعنى أنه ربط العمل الانقلابي بالواقع الذهني لمعنى الحرية. أو بالأدق التحرر.

و مثله تكلم زكي الأرسوزي عن عبقرية اللغة العربية ورأى أنها تعني ذاتها. فهي حاملة لتاريخية الظاهرة. وهي إسقاط لعلاقة رحمانية بين الطبيعة والحكمة المبتغاة من التعبير أو النشاط الألسني التداولي.

وعليه أكد أن الهوية العراقية هي حضارة ولا تقبل الدحض (ص٩٨). ولكنه لم يصل إلى درجة إسقاط الأساطير الافتراضية على معنى العراق. فأن يكون اسمه مشتقا من اسم أوروك لا يدل على واقعه الجغرافي ولا السياسي. وأجزم أن العراق بصورته الحالية لا يعني أنه حقيقة مؤبدة. وكذلك ليس باليد ضمانات أنه لن يهضم أو يبتلع أرضا جديدة. فالصورة السياسية لكل المنظومة في الشرق الأوسط نتيجة حدود سائلة ومعاهدات. ولا يزال أمام العراق ملفات كثيرة مفتوحة مع تركيا وإايران والكويت قبل إعلان صورته النهائية على الملأ.

إن الخريطة الحالية لبلداننا هي رماد احتراق الإمبراطوريات السابقة. ولذلك لا أعول كثيرا على الطبيعة والجغرافيا. حتى الجغرافيا متبدلة. وإنسان العصر الحديدي غير إنسان العصر الحجري. ونفس القول ينسحب على معنى الهوية الوطنية قبل ٢٠٠٣ وبعدها. من تفسير مركزي إلى فدراليات تضم مكونات لم يسبق الاعتراف بها.

و لا أعتقد أن سعد رحيم يختلف معي في النتيجة. فقد ذكر بالحرف الواحد أن حقائق السياسة تتولد عن صراع المصالح (ص ٩٨). والخرائط تتبدل بحسب الشروط والمتغيرات (ص ٩٩). وأحيانا تخلق السياسة جغرافيا متوهمة يتحكم بها عاملا القوة والمصالح (ص ١٠٢).

وقد خلقت سياسات الفراغ أو العطالة والترهل التي أصابت دولنا الضعيفة نتيجة العجز في تحميل وإسقاط المعارف والتقاليد على القانون، ونتيجة سوء رعاية العقد الاجتماعي، اختزلات في الهوية الوطنية (يسميها سعد رحيم: مقدمات للانسلاخ ص ١٠٨) تسببت بإحلال مؤسسات قبل دولتية محل احتكار العنف بيد الدولة. وبروز ثقافة عاجزة ومشبوهة لا يمكن للحداثة أن تصل اليها (ص١٠٨)؟..

و لكن ماذا يعني سعد رحيم بالحداثة؟..

هل هي أحكام قيمة أم طور من أطوار العقل أم مجرد أداة؟..

أعتقد أنه يربطها ببنية النظام الجماعي. فهي عنده كل كتلة أو مسطح يلغي مجتمع الدولة. بمعنى آخر إنها اقتصاد بلا أدوات انتاج ينتظم في مؤسسات. ويدير مصادر الثروات حسب خطة محكمة. وتغيب عنه التناقضات الطبقية (ص ١٠٩).

وعليه تغلب المحاكاة على أدوات الانتاج والتعبير. بمعنى أنها تنظر إلى سواها وليس إلى ذاتها. وأحيانا تكون فردية في الموضوع، فالموضوعات لا تتشابه ولكن تتجاور وتلغي بعضها البعض. وهذا لا يتسبب في التناحر فقط ولكن في إيقاظ مشاعر الإلغاء والعنف. أو كما يقول في القضاء على الوعي بالمجتمع وأهدافه (ص١١٠). وعدم حصول تقدم ملموس في مجالات العمران والتقنية والإدارة (ص١١٢).

و يمكن تلخيص الفكرة كلها في المراوحة في المكان والالتزام بفكر عشائري يعوق بناء المجتمع المدني ومؤسساته.

***

وقد آذن هذا الجو الموبوء بولادة آليات العنف.فالحاضنة جاهزة. وكل الظروف تواتي تناميه. لقد استشرى مرة بدواعي التحرير والاستقلال. ومرة بدواعي الديمقراطية. حتى أصبح الإكراه والقسر يبدو كأنه قدر البشرية (كما ورد بالحرف الواحد). ولا سيما إذا قرأنا حقيقته في ضوء حركة الرأسمال ودوافعه (ص ١١٣).

ويبدو أن الكاتب يربط العنف بالإرهاب. ولا يرى فرقا بينهما. لذلك سأل نفسه: إذا ما كانت ثورات الربيع العربي أنعشت الإرهاب؟..

وهذا السؤال بحد ذاته إضافة لنفس المعضلة. هل ما يجري من انتكاسة للواقع السياسي ثورة؟..

لا يمكن الإجابة بشكل جازم. لأن انتفاضة ١٩٩١ في جنوب العراق اعتبرت في حينها ثورة. مع أنها تحمل نفس كوادر وشعارات الدولة الشرعية اليوم.

إن الغموض السياسي وعدم وضوحنا في إدارة الأزمات لا يترك مجالا لليقين.

فانتفاضة الحوثيين في صعدة قبل عقدين أصبحت بنظر المجتمع الدولي اليوم انقلابا ضد الشرعية. ناهيك عن الاصطفافات والتحالفات. فعدو الحوثي بالأمس هو حليفه القوي وشريكه اليوم.

و قد شاب مفهوم الإرهاب غموض يصل لدرجة الشك بمعناه وأدواته. فحركتا حماس وحزب الله إرهابيتان بنظر الولايات المتحدة. وهذا هو الشيء الوحيد المشترك بينهما. إنهما أدوات انقلابية لفرض واقع مختلف على الأرض.

وعلى مدى خمسة عقود كان مبدأ الكفاح المسلح كله يحمل وصمة الإرهاب. مع دمغة وتوقيع من الأمم المتحدة. وقد طالت العقوبات الأفراد والكتل أو الجماعات.

و كان دريدا وقبله فوكو قد سحبا البساط من تحت هذه الاتهامات. باعتبار أنها تعبير عن سلطة القوة ولها سياق إدراك ميول سياسية وليس وعي إيديولوجيا. يعني هي جزء من البروباغاندا وليس عالم الحقائق. ولا أعتقد أن أحدا ينكر المسافة التي تفصل بين الوظيفة function والتحديد النفعي للمفهومات biased concepts.

لذلك أرى مع سعد رحيم أن كل تلك الأسئلة التحريفية ليست ذات مغزى. والأجدى إعادة صياغتها بالشكل التالي: هل أدت الانتفاضات الأخيرة دورا إيجابيا غير إضعاف سلطة المركز وتشتيت مراكز القوة؟ (ص ١٤٥).

لا توجد إجابة فورية. ولكنه في الباب التالي وبعنوان (عالمنا الذي يتهرأ) بمعنى الذي يتداعى (وهذا التعبير لغينوا أتشيبي) يلاحظ أن العنف الموجه ضدالذات بسلوك مازوشي غريب وعجيب ينتقل ليطال الموضوع وهو الدولة بسادية لا ينقصها التشفي والانتقام. ليتطور في لمح البصر إلى نوايا دامية وعنفية يمكن أن ترسم الحدود العريضة لمعنى الإرهاب المنظم أو إرهاب المؤسسة المجهولة التي ليس لها تعريف في القاموس الدولي.

ورافق ذلك كله شعور حاد بفقدان المعنى والعمق والجدوى. مع توسع الفوارق الطبقية (ص١٦٧).

وكانت النتيجة بناء اقتصاد ضار يقترف الجريمة ضد الموارد بدم بارد. وذلك من خلال تقوية الأعراف العشائرية وانعاش الطقوس التي تشجع على الخرافة والهدر وتنمية الثروات غير المشروعة التي لا تتجه نحو تراكم رأسمالي وإنما تستغل في شراء الذمم وتوسيع مساحات دولة الظل (ص ١٧٥). وأود أن أسميها دولة السقوط من الجنة. أو دولة شجرة الخطايا. فهي مؤسسة لها حدود طرية. بمعنى حدود غير واضحة. غامضة. تنشأ تلبية لعالم اللاشعور والغرائز.

و هذا هو مغزى الكتاب. الاختلاف والصراع. وهو اختلاف بنيوي وصراع على الغرائز. اللاشعور المكبوت يعمل على إلغاء الشعور المدان والذي فقد أهليته وشرعيته.

 

 صالح الرزوق

كتاب "جدران تونس" رجْعُ صدى الثورة في إيطاليا

ezzeddine  anayaحازت الثورة التونسية موضع مركز الثقل وسط حراك كوني، هزّ أطراف عدة من عالمنا الراهن، وِفق توصيف أستاذة التاريخ السياسي في جامعة روما لاورا غواتزوني. فالاستثناء التونسي جديرٌ بالتمعن بعين فاحصة، داخل خصوصية التاريخ السياسي والاجتماعي لهذا البلد، وداخل الإطار الجيوسياسي الذي تدور في فلكه تونس.

766-inayatيندرج كتاب المستعربة الإيطالية لوتشي لاكوانيتي المعنون بـ"جدران تونس" والصادر عن منشورات إيكسورما بروما، ضمن هذا التملّي في الاستثناء التونسي، من خلال التأريخ لفنّ الشوارع العفوي (فنّ الغرافيت) الذي اجتاح البلاد، والذي تحولت بموجبه الجدران الصامتة إلى صفحات ناطقة لكتابة خواطر الناس. فالكتاب عبارة عن ريبورتاج فني عبْر حيطان تونس وشوارعها، خلال الفترة المتراوحة بين 2011 و 2014، تستعيد عبره لوتشي أصوات الحالمين في الأرض. فثورة تونس هي ثورة لفنّ البسطاء أيضا، ولأحلام الناس الذين طالما كُمِّمت أفواههم.

كنت قد عرفتُ لوتشي لاكوانيتي منذ سنوات، حين كانت طالبة تتردد على محاضراتي في كلية الدراسات الشرقية في روما، وقد لمحتُ فيها شغفا بالدارجة التونسية جنب الفصحى، حتى أني كلّما لاقيتها أترك الإيطالية جانبا لأتحادث مع تونسية. أيقظتْ بداخلي شجنا إلى أزقة تونس وساحاتها، حين حدّثتني عن مخطط بحثها، الذي ليس حشدا لرسوم وشعارات، بل هو تدوينٌ بالنص والصورة لسنوات لاهبة في تاريخ هذا البلد، قبل الثورة وبعدها. وهو بالفعل ما تبيّن لي عَقب صدور الكتاب في 176 صفحة، فقد وجدتُ المؤلَّف رصدا فنّيا نبيها لتحفّز تونس لبناء كتلتها التاريخية -بالمفهوم الغرامشوي- أملا في النجاة، في ظل بحرٍ لجّي عربي يغشاه موج من فوقه موج. حيث تبني تونس نموذجها بحكمة وبصيرة لتسوية تلك الإشكالية المزمنة، بين الإسلام السياسي والدولة المدنية، وهي المشكلة التي ضلَّت طريقها في بلاد عربية أدمنت التعاطي اللاعقلاني مع الظواهر الدينية.

فاللافت في كتاب لوتشي لاكوانيتي أنه توثيق مزدوج بالكلمة والصورة للتحول الذي شهدته تونس، كما خربشت وقائعه أنامل محترفة وأخرى مبتدئة، لعقول مسيّسة وقلوب حالمة. يأخذك فيها الكتاب من سحر الشابي في "وأطلَّ الصباح من وراء القرون" إلى حكمة القول الشعبي "الجوع كافر بالله".

 

الكتاب: جدران تونس.. رسوم الثورة

المؤلفة: لوتشي لاكوانيتي

منشورات إيكسورما، 2015 روما

عدد الصفحات: 176ص.

 

عزالدين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما-إيطاليا

مرآة الأمم في مذكرات القمم

nadheer khazrajiما يميز حياة البشرية وما يحيط بها أن كل شيء قائم على التفاضل، لا أحد يشبه أحداً، ولا ذو نفس يشبه ذا نفس، ولا ثمرة تشبه أخرى، ولا بيئة مماثلة لثانية، ولا سلعة تشبه أختها، وهذا التفاضل هو الذي يعطي للحياة رونقها وحيويَّتها وديمومتها، فلو تساوى الناس في كلِّ شيء ما عاد للحياة طعمٌ، ولو تساوت الثمار ما عاد للذوق أثرٌ، ولو تساوت السلع ما عاد للسوق حراكٌ، ولو تساوى الرجال ما عاد للنسل من بهجةٌ، ولو تساوت النساء ما عاد للجمال سحرٌ.

والحياة الرتيبة بالنسبة لبني الإنسان حتى في حال التفاضل والتمايز هو موت آجل، فكيف إذا غاب التفاضل؟ فلا شك أنه موت عاجل، وهذه حقيقة مسلّم بها، يعيشها كلُّ إنسان في كل مراحل حياته، وحتى في الموت تتفاضل الجنائز ومراسيمها وإن كان المآل إلى حفرة ينام فيها الغنيُّ والفقيرُ والعزيزُ والذليلُ، على أن التفاضل يترك أثره في الحياة الدنيا لصاحبه ومن يلوذ به، ويبقى معه في قبره وبرزخه وعند الوقوف للحساب ويسري هذا التفاضل على الجزاء، فالجنةُ جنةٌ ولكنها مراتبٌ حسب تفاضل روادها في عالم الدنيا، والنارُ نارٌ ولكنها دركاتٌ حسب تسافل روّادها في عالم الدنيا.

ولكن هل التفاضل بين جنس البشر تكويني ليس للإنسان دخل فيه؟ تتمايز الأجوبة، فالعقلاء يدركون أن التفاضل هو من سنخ عمل الإنسان، وهناك مؤثرات تساعد الإنسان على تسلق سلم التفاضل ولكن الخطوة الأولى تعود لإرادته، لأنها هي التي تخلق من القليل الكثير، وخوار الإرادة لها أن تحيل الكثير قليلاً، والفاشلون وحدهم يرمون الخيبة على رب العباد تارة وتارة على الآباء وأخرى على الظروف، وبالطبع فإن الإرادة وحدها لا تكفي إن لم تسدد بالعقل السليم والتفكير الحليم تلحق بهما دعوات الوالدين، وتحيط بكل مفردات الإرادة وتوابعها الإيمان بواهب الخير.

فالأمر كل الأمر عائد للإنسان، وكما في قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً) الإسراء: 84، فالنتائج تسوقها أفعال العباد منظورة فيها إرادة رب العباد، ولذلك نرى في الحياة الدنيا عظماء صالحين وجبابرة طالحين، ونرى نجباء عاملين وعاملين جبناء، ونرى ملوكا قاسطين وقاسطين ملوكا، ونرى عالماً فاضلاً ونرى عيلماً فضيلاً، إذن فالتمايز قائم بين جبهتي الخير والشر، وهو قائم بين أفراد جبهة الخير نفسها وأفراد جبهة الشر نفسها، وهذه سنة الحياة الدنيا وتوابعها في عالم الممر وعالم القبر ونتائجها في عالم المقر، والإنسان الناجح هو الذي يقفز على الملمات ويتصيد المسرات، والإنسان العاجز هو الذي يرمي الناجز بحجر ويبكي غدر الدهر.

وهذا التفاضل هو الذي يدفع الانسان الجاد إلى البحث عن مقومات النجاح، فإن وجدها عمل بها وإن تعثر في رحلة البحث ووجدها عند غيره أخذ بها، ولعل واحدة من أهم مقومات المرحلة الثانية هي قراءة الآخر (خيراً أو شراً) وسبر حياته والوقوف عند محطاتها للاستزادة والاستفادة وبلوغ الريادة أو الاعتبار والاتعاظ وتجنب الزيادة، وهذا السبيل يسَّرته المذكراتُ الشخصيةُ التي يكتبها أصحابها ويتركونها ثروة للآخرين، بغض النظر عن نوعية الكاتب، فنجاحه في مكان يقدم للقارئ عوامل الفلاح حتى يأخذ بأحسن منها، وفشله في مكان يهديه على طبق من ذهب تجربة مرة حتى يتقي المحظور والوقوع في المحذور.

 

مرآة الأمم

فالمذكرات هي بواقعها قراءة ذاتية من واقع الحياة تشكل مرآة للأمة بخاصة إذا كان مذكرات عظيم من العظماء في أية جنبة من جنبات الحياة، وإذا جاءت المذكرات بقلم فاضل من الفضلاء عن عيلم من العلماء، فهي وإن لم تستغرق كل لحظة من لحظات المكتوب عنه، لكنها تشكل ثروة معرفية وحصيلة علمية وكتاباً مفتوحاً للقراء ينهلون منه التجارب، وهذا ما لاحظته عند قراءتي لكتاب (المحطة الثانية في مسيرة الداعية) بقلم المؤرخ والأديب الفقيد عبد الحسين حسن الصالحي المولود في كربلاء المقدسة بالعراق سنة 1353هـ والمتوفى في طهران سنة 1435هـ والمدفون في قزوين، الصادر حديثا (2015م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 127 صفحة من القطع المتوسط، يبرق في أحداقنا "ومضات من سيرة المحقق آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي" صاحب الموسوعة الحسينية (دائرة المعارف الحسينية) الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، منذ غادر العراق قهراً سنة 1391هـ (1971م) واستقراره في لندن مرغماً سنة 1406هـ (1986م).

ولا يخفى أن صاحب القلم أينما حلَّ أو رحل، لا تنفذ محبرته يجري يراع معرفته على بياض أوراقه يُسوِّدها بما يجود به المداد وبما يرى ويسمع، ويفكر ويحلل، ويستطلع ويستقرئ، وهو متقد الذهن يبحث عن جديد يضعه بين يدي قرائه المنظورين وغير المنظورين، وهذه خصلة جميلة وجدتها في الموسوعي الشيخ الكرباسي، وهي واحدة من تميزه وتفاضله، وخصلة لمستها في كتابات المؤرخ الصالحي الذي كان له حضوره المعرفي في العراق وإيران ولبنان من خلال كتاباته المتنوعة ومشاركاته في الموسوعات الإسلامية الكبرى، وهذا الحس العلمي لدى المؤرخ الصالحي هو الذي دفع به إلى كتابة سيرة مُيسَّرة عن حياة الشيخ الكرباسي بعد أن اجتمع به في لندن سنة 1426هـ (2005) لأسابيع محدودة كانت كافية لأن يستذكر فيها الصالحيُّ ذكرياته مع الكرباسي، ويترجم اللقاءات المتعددة معه في المركز الحسيني للدراسات بلندن إلى كتاب أنهاه في 13 رجب 1426هـ (19/8/2005م) بعد أربعة أيام من رجوعه إلى قزوين حيث مسكنُه، ورأى النور في بيروت بعد رحيله بعام.

يتناول الكتاب (المذكرات) الهجرة القسرية الأولى للمحقق الكرباسي من العراق حيث مسقط رأسه كربلاء المقدسة في 5/12/1366هـ (1947م) إلى إيران في 10/11/1391هـ (1971م) وسكنه في طهران وقم المقدسة التي غادرها يوم 19/6/1393هـ (1973م) إلى بيروت ودمشق سنة 1395هـ (1975م) وبعدها الاستقرار في لندن سنة 1406هـ (1986م) ولازال، وهذه محطات أربع لأربع هجرات، ركز فيها الفقيد الصالحي على المحطة الثانية من حياة المحقق الكرباسي بعد محطة العراق، التي شكلت منعطفاً حاداً في انطلاقته الكبرى إلى عالم إنشاء المؤسسات العلمية والثقافية في عدد من البلدان وتأليف الموسوعات المعرفية الكبرى، وأهمها دائرة المعارف الحسينية في نحو 900 مجلَّد صدر منها حتى الآن مائة مجلد، وموسوعة الشريعة في نحو ألف عنوان طبع منها حتى الآن 53 كتيباً، وموسوعة الإسلام في البلدان طبع منها حتى الآن ستة كتب، ناهيك عن كتب التفسير ودواوين الشعر ودراسات حديثة في العروض، وغيرها من المؤلفات في حقول مختلفة.

 

وتلك الأيام

ويلاحظ في المذكرات أن المؤرخ الصالحي انطلق من المحطة الثانية في حياة المحقق الكرباسي ليعود بنا إلى أيام العراق تارة وإلى أيام الشام والمملكة المتحدة تارة أخرى، في محاولة منه للإحاطة ولو بقدر من سيرة الكرباسي منذ ولادته، وفي هذه الرحلة المعرفية في إطار المحطة الثانية تنقل بنا إلى وقائع وحوادث من التاريخ القريب والبعيد، ينقلها مرة من مشاهداته الشخصية حيث عاش في العراق وإيران وزار الشام، وثانية من مشاهدات الكرباسي نفسه وثالثة من مرويات التاريخ، وهو في كل مرة يضعنا على تفاصيل حادثة هنا وواقعة هناك شكلت بمجموعها مجرى التاريخ الحديث حيث نشأة العهد الملكي في العراق ونشأة العهد الشاهنشاهي في إيران، وقيام العهد الجمهوري في العراق وتقلباته وتعدد انقلاباته ونشأة الجمهورية الاسلامية في إيران، وما أحاط بالمنطقة من مؤامرات خارجية وداخلية عملت وتعمل على تمزيق العالم الإسلامي إلى أوصال ودويلات ونهب الأموال والخيرات.

وفي المجال العلمي، فإن المذكرات تضعنا على تاريخ النهضة العلمية في الحواضر الإسلامية الكبرى وبخاصة تلك التي نشأ فيها المحقق الكرباسي دارساً ومدرساً، وهي معلومات بعضها تفصيلية لا يعلمها الا القليل، وهي تفاصيل وبخاصة عن الحاضرة العلمية في كربلاء المقدسة سيجدها القارئ في مذكرات الفقيه الكرباسي نفسه، التي حبسها عن النشر إلى أجل غير معلوم، فضلا عن أرجوزة في أكثر من ألفي بيت يتابع فيها الأديب الكرباسي حياته مُعرِّجاً على تفاصيل الحواضر العلمية التي تنقَّل بين أروقتها حتى صار يُشار إليه بالبنان.

اختار المؤلف في تتبع مسيرة المحقق الكرباسي أهم المحطات، وهو في رحلة الانتقال من محطة العراق إلى محطة إيران ومحطة الشام التي لها علاقة مباشرة بالمحطة الثانية، دون الخوض في تفاصيل الأيام والسنين، ولهذا جاءت عناوين المذكرات متسلسلة انطلاقاً من: (البداية) من كربلاء المقدسة نحو (الحدود الإيرانية) في (قصر شيرين) ومنها إلى (كرمانشاه) ثم (طهران) والسكن في (بيت شاهبور) حيث التقى صاحب المذكرات في هذا المنزل الواقع في ميدان شاهبور وسط طهران بعدد من المراجع والشخصيات العلمية من قبيل آية الله العظمى السيد أحمد الخونساري، وزعيم حزب الجمهورية الاسلامية فيما بعد آية الله السيد محمد البهشتي، وغيرهما.

وما هي الا فترة قصيرة ويأخذ المحقق الكرباسي طريقه إلى (مدرسة مروي) وفيها قام بتدريس السطوح العالية. ولأنه كان على علاقة مباشرة بقادة الثورة الاسلامية خلال شبابه في العراق ووجود زعيمها في النجف الأشرف وحضور الدرس على يديه، فإنَّ المحطة الثانية في إيران لم تخل من مشاكل أمنية يسجل الصالحي في المذكرات بعضها تحت عنوان (مع الدوائر الأمنية) لأن الشيخ الكرباسي: (كان يتحرك في ظلِّ والده قدس الله سرّه وعدد من أعلام هذه المدينة –كربلاء المقدسة- الذين رفعوا راية النضال ضد الحكم الاستبدادي الظالم الذي كان قائماً في إيران آنذاك)، وتاريخه النضالي السابق إلى جانب قادة الثورة الاسلامية في إيران، لم يثنه عن ممارسة دوره العلمي والمعرفي في إيران فكان من (نشاطه في طهران) كما يشير الصالحي أن: (واصل في طهران تحركه العلمي فقضى معظم وقته بين حضور دروس أعلامها، والتدريس والبحث وتوطيد العلاقات الاجتماعية، بل وشبه السياسية مع العلماء المعارضين للنظام).

وبعد أشهر من العمل والتدريس في طهران تحصل (الهجرة إلى قم) وممارسة دوره من خلال حوزتها العامرة ليلتحق في (حلقات الدرس) عند مراجع التقليد الكبار السيد محمد رضا الگلبایگاني والسيد محمد كاظم الشريعتمداري والشيخ كاظم التبريزي والشيخ هاشم الآملي والشيخ كاظم الحائري والشيخ محمد حسين الكرباسي، وإلى جانب هذا لم ينقطع عن (التدريس) إذ: (بدأ بتدريس السطوح العالية، المكاسب والرسائل للشيخ الأنصاري في إحدى زوايا أواوين صحن السيدة فاطمة المعصومة(ع)، وحضره في الغالب عدد من الطلاب العرب المهجرين لحاجتهم إلى مواصلة دراستهم باللغة العربية التي كانت آنذاك قليلة الإنتشار في قم)، وخلال نحو عام توطدت علاقاته (مع علماء قم)، ورأيه فيهم: (إن العلماء الذين حضرت عليهم مثلهم كمثل الأزهار والرياحين فإن كل واحد منهم له نكهة علمية خاصة وسلوك مميز في التدريس)، وأعلام قم يختلفون من حيث (الأساليب العلمية)، وفي هذه الفترة برز (الفكر السياسي) كما ظهرت في حوزة قم المقدسة المدرسة الوسطية بين المدرستين الأصولية والروائية.

وتبدأ الأنظار تتجه خارج إيران في (سفرة لبنان الاستطلاعية) واللقاء مع الشهيد السيد حسن الشيرازي في بيروت، وتمخض عن لقاء بيروت (فكرة الهجرة) وحضرت معها (الحيرة) في ترك الأب والأم، ونيل (رضا الوالدين) وبعدهما (مع حرمه)، وصار العزم على الهجرة بخاصة (بعد أن تزايدت المضايقات) من السلطات الإيرانية بسبب دوره القديم والجديد وعلاقته الطيبة مع قادة الثورة الاسلامية، وهكذا أعدَّ العدَّةَ و(الاستعداد للهجرة) من إيران إلى تركيا ثم سوريا ولبنان، فكان لابد من (الوداع والهجرة) والاستقرار في بيروت، وقد تحين الفرص من أجل (زيارات خاطفة) إلى إيران، ولم تخل الزيارات على قلتها من (ملاحقة الأمن) فرجع إلى لبنان، ولم يثنه هذا والثورة الإسلامية في أوجها من السفر إلى فرنسا مرتين و(لقاء باريس) في نوفل لو شاتو (Neauphle-le-Château) حيث: (نقل رسالة شفوية من الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى الإمام الخميني، ومن الحركات السياسية الوطنية في بيروت سواء اللبنانية منها أو الفلسطينية) ومؤدى الرسالة: (إنتقال الامام الخميني- الذي كان ينوي العزوف عن باريس بعدما لم تمدد له السلطات الفرنسية فترة بقائه فيها- إلى دمشق أو بيروت). وعندما سقط نظام الشاه و(بُعيد الثورة) عاد الشيخ الكرباسي ليأخذ والده آية الله الشيخ محمد الكرباسي للعلاج في بيروت من مرض سرطان الدم، ولكن الوالد المعظم بعد عودته إلى إيران أُصيب بعارض قلبي حمله إلى بيروت مرة أخرى ولكن الأب وجد لا فائدة من العلاج فرجعا إلى قم وبعد أيام (نعي الوالد) في 5/6/1399هـ (1979م)، وأقيمت الفواتح في قم وطهران وإصفهان وآبادان وغيرها في داخل ايران والعراق ولبنان وسوريا، ولمقامه العلمي الكبير: (حضرها المراجع والأعلام وأوفد الإمام الخميني من طهران وفداً علمائيا للمشاركة في تشييعه وحضور مجلس التأبين كما حضره المراجع الآخرون).

ومرّ المؤرخ الصالحي على (مؤسسات المهجر) التي كان للمحقق الكرباسي الدور المباشر وغير المباشر في إقامتها في عدد من البلدان منها مؤسسة الوفاء والحوزة العلمية في السيدة زينب بدمشق، لكن الكرباسي يعود ثانية إلى (حمل الأمانة) وكانت هذه المرة جثمان السيد حسن الشيرازي الذي اغتيل في بيروت سنة 1980م وحمله إلى قم ليدفن داخل الحضرة الفاطمية.

ويعود الصالحي ليذكرنا بشخص الكرباسي و(نتاجه) المعرفي الذي توجّه بعد انتقاله من بيروت إلى لندن بدائرة المعارف الحسينية ثم ينهي سفره القيم بمقاطع من قصيدة من نظم الفقيه الكرباسي يتناول فيها مجريات المحطة الثانية، وهي قصيدة من منظومة في أكثر من خمسة آلاف بيت ضمها ديوان مخطوط بعنوان (مركب الألفين من شذا القرنين) يؤرخ المحقق الكرباسي لمسيرته شعراً بعد أن أرخها نثراً في مذكرات من مجلدات عدة.

مذكرات وذكريات تحكي قصة حواضر علمية وحوادث سياسية ورحلة معرفية، حمل ثقلها الكرباسي على ألواح ظهره سبعين عاما، أبان فيها المؤرخ الصالحي بعض أحمالها، تكشف للقاصي والداني علة التفاضل والتمايز بين بني البشر.

 

د. نضير الخزرجي

 

أول رواية عراقية تتناول مجزرة سبايكر وأحداث سنجار

jawad alhatabتتحدث عما تعرضت له المرأة الإيزيدية من عنف واضطهاد على أيدي عناصر داعش

 

أصدرت الشاعرة والروائية العراقية وفاء عبدالرزاق، روايتها الجديدة التي تعتبر أول رواية تتناول أحداث سنجار وما تعرضت له المرأة الإيزيدية من عنف واضطهاد على أيدي عناصر داعش الإرهابية، مثلما ترصد المؤلفة في طي الأحداث جريمة سبايكر وتعامل الشخوص مع وقائعها.

 

تقول عبدالرزاق عن روايتها "رقصة الجديلة والنهر"، إنها أرادتها أن تكون "شاهدا أدبيا يعبر الأزمة ليحكي للأجيال عن هذه الجريمة البشعة التي ارتكبها وحوش العصر ومؤيدوهم بحق مكوّنات الشعب العراقي".

 45-wafaa2

وتضيف المؤلفة لـ"العربية.نت": "هذه الرواية هي ثمرة جهد يصل حدّ الإعياء في بعض الليالي، وسهر بوصل الليل بالنهار، حتى اكتملت كما أردتها صفعة مدوّية على تاريخ وأسماء مرتكبي جرائم العصر في سبايكر وسنجار وفي الموصل والأنبار وديالى، وقتلة الأطفال والأبرياء في المدارس والأسواق والمناطق الآمنة".

تحدّث الشاعر والناقد عبد السادة البصري عن رواية "رقصة الجديلة والنهر"، قائلا "أن تعيش مأساة الإنسان في أي مكان لهو الشعور الحقيقي بالإنسانية، وإذا كان هذا الإنسان من جلدتك وابن وطنك فالشعور هنا يتعاظم أكثر، وفاء عبدالرزاق المبدعة البصرية العراقية متعددة المواهب تشارك ضحايا سبايكر وكوباني المأساة بعالم السرد الروائي الكبير في روايتها الجديدة الصادرة حديثا".

 

انتقاء خاص

ويشخّص الناقد ناصر الأسدي، أبطال وفاء عبدالرزاق في روايتها هذه، على أنهم "انتقاء خاص، يتحركون على الورق وهم موتى، لكنهم جسدوا حراكا حيا في ضمائرنا كأبطال كونيين سجلوا سفر العراق المعاصر".

 

يشار إلى أن الرواية قد صدرت عن "مؤسسة المثقف" في سيدني بأستراليا، ودار العارف لبنان، وصمم غلافها الفنان الكبير" مطيع الجميلي"، أما الروائية والشاعرة وفاء فهي من مواليد البصرة جنوب العراق، وتقيم في بريطانيا، ولها أكثر من 40 كتابا في مختلف التخصصات الأدبية، وحازت على العديد من الجوائز المحلية والعربية والعالمية، كما تناولتها عدّة أطاريح أكاديمية وكتب لنقاد معروفين.

 

بغداد - جواد الحطاب

عن العربية نت

قراءة في كتاب صراع الدولة والجماعات في العراق

nabil alrobaeiفي مرحلة متقدمة من استفحال أزمة صراع الدولة مع الجماعات الطائفية والعرقية في العراق، مما أدى إلى خسارة الدولة جزء من هيبتها ووسائل الضبط والسيطرة على الواقع الأمني للمواطن، والفصل في المسائل الحقوقية وتحولها أداة بيد من انتزعوا منها ذلك الامتياز، والعودة بها إلى ما قبل الدولتية، فطغيان سلطة المؤسسة الدينية الطائفية أو القبلية أو الجماعات المسلحة مما يؤدي إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإسقاطها بشكل تام، والعمل باستقلال كامل أو شبه كامل عن مؤسسات الدولة بأعراف وقوانين مختلفة.

صدر للكاتب سعد محمد رحيم كتابه الموسوم (صراع الدولة والجماعات في العراق) عن دار سطور للنشر والتوزيع، الكتاب يحتوي على (220) صفحة من القطع الصغير، ذات طباعة جيدة وخالية من الأخطاء اللغوية والطباعية . احتوى الكتاب على قراءة جيدة لواقع الدولة وصراعها مع الجماعات العرقية والطائفية ودور لغة الخطاب السياسي والديني في العراق،وموضوعة الديمقراطية التي لا تتكرس في الوعي الجمعي والسلوك العام إلا بتفعيل مبدأ التسامح، وأسباب الفشل في إدارة الدولة لمواردها، فضلاً عن دور المثقف والسلطة في واقع حياة المواطن العراقي، والأسباب الحقيقية لاغتراب المثقفين، وتحليلات الاقتصاد السياسي للعنف، وخاتمة الكتاب حوار على موقع الحوار المتمدن مع الكاتب سعد محمد رحيم.

764-statأكد الكاتب سعد محمد رحيم في ص16 على دور "الخطاب الاجتماعي والخطاب التعليمي والخطاب الديني/ الطائفي بلونها الناري الصارخ، وهو لون مصنوع أكثر مما هو طبيعي"، ومن الممكن التأكيد على دور الخطاب والإعلام للقادة السياسيين في الوضع الاجتماعي والسياسي العام للبلد، فقد تبنى أغلب القادة السياسيين الخطاب العرقي والطائفي في دغدغة عواطف أبناء المجتمع العراقي، ولغة السياسي اليوم أصبحت هي المهيمنة على جزء واسع من وعي أبناء المجتمع، كما أن الخطاب الديني الطائفي لهُ تأثير خطير على أبناء الرافدين من خلال استخدام المصطلحات الخاصة بالطقوس الدينية والتراث القديم، مما أدت إلى انعدام الفرصة للحوار وفق الجانب الديمقراطي في النقاش، وتحصن عقول السياسيين والطائفيين والعرقيين بالتحليل والنقد وإقصاء الآخر.

كما أكد الكاتب في ص29 حول مصادر الثروة السائب وقد " أرسى دعائم مؤسسات المجتمع الأهلي الدينية/ الطائفية والعشائرية على حساب مؤسسات المجتمع المدني، فيما أضحت الأخيرة نفسها أحياناً ساحة لاغتناء فئات متسلقة انتهازية طارئة عليها، وجدت فرصتها في استثمار هذا المجال المقبول والمشروع لمصالحها الأنانية الخاصة" لذلك أصبح المشروع المدني الديمقراطي هو الضحية بسبب صراع المؤسسات الطائفية والعشائرية فضلاً عن الفساد ونهب المال العام واستنزاف الموارد في غير مجالاتها وقنواتها، مما حذا بالاقتصاد العراقي إلى الانهيار وتولي الأمراض والعاهات وتدهور الواقع المعيشي العراقي.

وهنا يعتب الكاتب على دور المثقفين التنويريين في العراق إذ أكد من خلال قوله في ص49هم " لا يشغلون سوى مساحة ضيقة وهامشية من الحقل الثقافي الذي يدور فيه الصراع حول المعنى، وغالباً ما تعلو أصوات المثقفين بالشكوى من حالة تهميشهم"، لكن المثقف العراقي أصبح مغترب وانعزالي بعد عام 2003م بسبب سياسات الحكومات ما قبل 2003م، وقد أخفق المثقف في إيجاد خطاب ثقافي مؤثر في المجتمع العراقي فضلاً عن دوره الكبير ومسؤوليته الوطنية والأخلاقية " لكن أقول للمثقف الدور في إنشاء الخطاب الثقافي التنويري ومأسسة فعالياتهم الثقافية من خلال فضاء التواصل والتحاور مع فئات المجتمع ونبذ ثقافة العنف بجميع أشكاله.

من خلال مطالعتي للكتاب أجد الكاتب متفهماً لواقع صراع الدولة والجماعات وما أصاب مؤسسات الدولة العراقية بعد انهيار النظام من محاولات تصفية البنية التحتية للثقافة في البلد، ولكنه يتساءل في ص71"أليس الخراب الحاصل اليوم يعود في أحد أسبابة الرئيسة إلى هذا النزيف الثقافي المريع الذي أفرغ وما زال يفرغ البلد من نخبه وعقوله وإمكانياته الإبداعية تاركاً المجال لأدعياء ومحبي السلطة من أشباه المثقفين والموتورين والمتعصبين ضيقي الأفق من أصحاب الفكر العشائري والطائفي والشوفيني وشذاذ الآفاق ليعبثوا بمستقبل البلاد ويدفعوها باتجاه الهاوية؟" مع العلم المثقف في الوقت الحالي يحلم في دولة المؤسسات والمجتمع المدني والعلمانية والتعددية والحرية بمعناها الكوني، لكن المثقف العراقي أصبحت جسوره تنهار مع أبناء المجتمع بسبب جلوسه في مملكته العاجية، وانشغال ـبناء المجتمع بدعاة الأصولية والهويات الضيقة والطقوس الدينية .

في الوقت الحالي أصبحت المؤسسات الراعية للطائفية والأثنية والعرقية تضفي هاله من القداسة والرهبنة على الجانب الديني مما أدى إلى الصراع بين مذاهب الدين الواحد لغرض الاستحواذ، وفي ص108 أكد الكاتب "لا نأتي بجديد حين نقول أن مثل هذه المجتمعات المنقسمة على نفسها تكون أكثر عرضة للصراعات المسلحة ويكون السلم الأهلي فيها مهدداً على الدوام، إذ تنمو العصبيات والمغالبة في الحصول على الامتيازات مع الميل لممارسة العنف" وسبب هذا العنف جيوب اللصوصية والفساد من جهة وبروز جيوب سرطانية في جسد الاقتصاد الريعي من جهة أخرى فضلاً عن التبذير للموارد بلا شعور وطني، فأولئك الذين يغرفون من مصادر الثروة السائبة يديمون التناحرات الطبقية والعرقية والطائفية واللجوء إلى العنف والإرهاب والكراهية وخاصة في مجتمع ذات اقتصاد ريعي.

أخيراً الكتاب في هذا الظرف مهم جداً للقارئ والمثقف العراقي كونه يدرس مقاربات ورؤى نقدية حول أربعة محاور هي (العنف، السياسة، الثقافة، الهوية) .

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

كتاب "إمبراطورية التفويض السماوي" رصدٌ لمنابع النهضة الصينية

ezzeddine  anayaأحدثَ "مشروع كلمة" الإماراتي نقلةً نوعيةً في الترجمة من الإيطالية إلى العربية، بما رفد به المكتبة العربية من أعمال قيّمة من المنتوج الثقافي الإيطالي، تناهز الخمسين عملا في ظرف لا يتعدّى بضع سنوات. ورغم أن تدريس الإيطالية وآدابها حاضرٌ في جامعات تونس ومصر والمغرب والأردن والسعودية وغيرها، وأن تجارب بعضها يزيد عن نصف قرن، مع ذلك تبقى حلقة الترجمة فيها الأضعف والأوهن. لا يعود ذلك إلى تدنّي الإمكانيات، كما يقال عادة، بل إلى تراجع فاضح للعربية في أوساط الدارسين للغات الأجنبية ومنها الإيطالية، ولأن الدرس الأكاديمي في الترجمة فيه كثيرٌ من اللّغو وقليل من الفعل، يترك الدارس تائها بين أسئلة: ماذا نترجم؟ وكيف نترجم؟ ولماذا نترجم؟ وهلمّ جرا من ضروب الخطل.

763-ezadinكتاب "إمبراطورية التفويض السماوي" المترجَم من الإيطالية والصادر أخيرا عن "مشروع كلمة"، يأتي ضمن ذلك الخيار الواعي الذي انتهجه القائمون على هذه المبادرة. فرغم الأهمية الكبيرة والمتنامية التي باتت تحتلها الصين في التاريخ العالمي للقرن الواحد والعشرين، وفي المشهد الدولي الراهن، إلا أن مكتبتنا العربية لا تزال تفتقر إلى أعمال رصينة تتناول بالبحث والتمحيص الحضارة الصينية، ولا سيّما خلال الفترة ما قبل الحديثة والمعاصرة. ففي الواقع، لا سبيل لفهم الصين المعاصرة سواء كان هذا على مستوى البعد الجغرافي-السياسي، أو على مستوى القوة الاقتصادية، أو على مستوى الهوية الاجتماعية والثقافية بمعزل عن تاريخ الإمبراطورية الصينية. من هذا المنطلق كان الحرص على ترجمة كتاب "إمبراطورية التفويض السماوي: الصين بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر" لمؤلفه «باولو سانتانجيلو»، أستاذ تاريخ شرق آسيا في جامعة روما الإيطالية، وأحد أهم الباحثين الإيطاليين المتخصّصين في الدراسات الصينية. وقد أعد الترجمة الدكتور ناصر إسماعيل وراجعها الأستاذ بجامعة روما عزالدين عناية.

يتناول العمل في ثلاثة عشر فصلا كافة مظاهر الحياة والمجتمع في الإمبراطورية الصينية، في الفترة المتراوحة ما بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر خلال حكم سلالتي مينغ وتشينغ. فيعرض أولا لتاريخ العلاقات الصينية الأوروبية منذ إرهاصاتها الأولى في القرن السادس عشر، وتطور هذه العلاقات من خلال مقاربة تتجاوز النزعة المركزية الأوروبية التقليدية التي دأبت على التعاطى مع التاريخ الصيني وفق قوالب نمطية استشراقية قديمة. ينتقل بعدها المؤلف إلى تسليط الضوء على تنظيم السلطة الإمبراطورية في تلك الفترة، وعلى علاقاتها مع الشعوب التابعة والمجاورة لها، وتقديم شرح مفصل للحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية وتطورها مع التركيز على تحليل العوامل التي ساقت إلى خسارة الصين لتفوقها العلمي والثقافي، وإلى اضمحلال الإمبراطورية أمام الضغوط الغربية واليابانية في القرن التاسع عشر.

كرّس الكاتب بعض الفصول لتناول التقسيم الطبقي والهرمي للمجتمع الصيني مُبرزا دور البيروقراطية الصينية والمرأة والعشيرة والتنظيمات النقابية في حياة الصينيين، إبان حكم سلالتي مينغ وتشينغ. وركّزت الفصول الختامية على الجوانب الدينية والفكرية للإمبراطورية الصينية، وعلى المؤسسات الثقافية والمدارس الفكرية والأدبية التي بلغت قدرا مدهشا من التطور في تلك الفترة، وساهمت مساهمةً رئيسةً في إثراء الحياة الثقافية والسياسية. ختاما تعود أهمية هذا العمل إلى محاولته الجادة والحثيثة لإعادة النظر في التصورات والأحكام الشائعة عن الحضارة الصينية استنادا إلى رؤية شاملة ومتعددة الأقطاب لكافة مظاهر هذه الحضارة.

مؤلف العمل هو «باولو سانتانجيلو» أستاذ تاريخ شرق آسيا والدراسات الصينية في جامعة روما الإيطالية "لاسابيينسا"، والمشرف على بعض الدوريات العلمية الهامة والمتخصصة في الدراسات الصينية والآسيوية على غرار «Ming Qing Studies» و«Studies Bulletin of Portuguese Japanese»، علاوة على نشره للعشرات من الأبحاث والدراسات العلمية في العديد من الدوريات الأكاديمية الدولية. من مؤلفاته الأخرى في هذا الشأن «العواطف في الصين الإمبراطورية» (1997)، و «مشاعر الحب في الصين من خلال بعض الأعمال الأدبية» (1999)، و «تاريخ الصين» (2005)، و«تاريخ الفكر الصيني» (2012).

مترجم الكتاب ناصر إسماعيل، باحث أكاديمي مصري بجامعة جنوة الإيطالية، سبق أن ترجم كتاب "الفكر الجمهوري"، وروايتي "الإقالة من الحياة" و"حكاية الدهّان". ومراجع الكتاب عزالدين عناية، جامعي تونسي يدرّس بجامعة روما، يشرف على نخبة من المترجمين لنقل المنتوج الثقافي الإيطالي إلى العربية.

 

د. عز الدين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما

إنقاذ وإحياء الموروث العمراني كتاب جديد للدكتور هاشم عبود الموسوي

761-hashimصدر اليوم عن دار دجلة في عمان-الاردن كتاباً جديداً للدكتور هاشم عبود الموسوي وبالاشتراك مع الدكتور المهندس محمد صباح الشابندر وبعنوان (إنقاذ وإحياء الموروث العمراني).

761-hashimتضمن الكتاب فصلاً تطرق فيه المؤلفان إلى العلاقة بين التراث والحداثة في العمارة .. وكيفية الحفاظ على المباني والمواقع التراثية والآثارية كونها المرايا الصادقة التي تعكس تاريخ وحياة المجتمعات والحضارات والتي استقرت في البلدان المختلفة .. كما دوّن الكتاب المساعي الدولية والاقليمية والمحلية للمساعي المبذولة من أجل إنقاذ وإحياء الموروث العمراني في كل أنحاء المعمورة

الكافرة" رواية علي بدر الجديدة"

760 aliصدرت حديثاً عن منشورات المتوسط رواية "الكافرة" لـ علي بدر، وتروي الكافرة قصة فاطمة التي تعيش في مدينة نائية سيطر عليها المتشددون الإسلاميون وأجبروها وعائلتها على خدمتهم. قُتل والدها في عملية انتحارية، بعدها تزوجت من شاب عاطل عن العمل يبحث عن مجده الضائع في عملية انتحارية لينعم بوعد الحوريات، ويلبس ثوب البطل بعدما كان الفشل حليفه في الحياة. بعد موته قرر الإسلاميون تزويجها إلى عنصر من جماعتهم المسلحة لكن هذه المرة لم تمتثل لأوامرهم وقررت اللجوء إلى أوروبا. اتفقت مع أحد المهربين الذي ساعدها في الوصول إلى بروكسل ولكنه كان قد اغتصبها في طريقهما إلى هناك. فور وصولها تنزع فاطمة النقاب، وتتحول من فاطمة إلى صوفي لتتقمص شخصيتين، فاطمة التي تعمل صباحاً مع شركة تنظيف، وصوفي الفتاة الأوربية التي تذهب إلى البار لتعود كلّ ليلة مع شاب وسيم، لتنتقم من زوجها الذي أخبرها أن سبب قيامه بعملية انتحارية هو حصوله على سبعين حورية في الجنة، فتقرر مضاجعة سبعين شاباً في أوربا إلى أن تقع في قصة حب معقدة، تزيد الرواية حبكة وثراء.

يتقصى علي بدر في هذه الرواية جذور العنف في الشرق الأوسط عبر تقنيات سردية بارعة، ممزوجة بلغة شعرية شفافة هذه المرة. تلعب الرواية هنا دوراً مهما في استقصاء وتحليل التطرف في مجتمعاتنا، عبر جسد المرأة الذي يتحول إلى مدونة يكتب عليها الرجال عنفهم وقسوتهم وحبهم وخذلانهم. هذه الرواية هي رواية الأنوثة المقهورة ولكنها القاهرة أيضاً، حيث تكشف عن هشاشة الثقافة الذكورية وانسحاقها. ومن خلال هذه الترسيمة يتنقل السرد سياسياً وجغرافياً من بغداد إلى بيروت حيث الحرب الأهلية، ومن الشرق الأوسط إلى أوربا حيث التجربة الاستعمارية.

يعيد علي بدر في هذه الرواية تقنياته التي عرفت بها رواياته السابقة، الدراسات الثقافية، أدب ما بعد الاستعمار، الأنثربولوجيا وأدب الاعتراف الجنسي، ممزوجة هذه المرة بلغة شعرية مميزة.

رواية الكافرة جاءت في 232 صفحة من القطع الوسط

 760 ali

المؤلف علي بدر

علي بدر روائي عراقي حصل على العديد من الجوائز، وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية، صدر له: بابا سارتر 2001، شتاء العائلة 2002، صخب ونساء وكاتب مغمور 2003، الوليمة العارية 2004، الطريق إلى تل المطران 2005، الركض وراء الذئاب 2006، مصابيح أورشليم 2007، حارس التبغ 2008، ملوك الرمال 2009، الجريمة الفن وقاموس بغداد 2010، أساتذة الوهم 2011.

 

عن المؤلف:

أعظم مؤرخ للتواريخ الهامشية وللقصص والحكايات المهملة والتي يصوغها بإطار ساخر، بل يُعد علي بدر من أبرز الأصوات في الرواية العربية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، وتُرجمت أعماله إلى لغات أوربية عديدة.

الصحفية الأميركية ماري وايمبل

 

رواياته ثرية اللغة والأحداث، حين تقرأها تتمنى أن تطول مئات الصفحات الأخرى، فقط لتشعر أن هذا النسيج الآسر من الكتابة الروائية يستمر ولا ينتهي.

الصحفي البريطاني شولتو براينز في صحيفة الأندبندت البريطانية

 

يعد علي بدر واحدا من أبرز كتاب الجيل العربي الجديد، ذلك الجيل الذي اصطلحنا علي تسميته في مصر بجيل التسعينات لأنه الجيل الذي بدأ ممارسة الكتابة والنشر بشكل جدي مع تسعينات القرن الماضي. والواقع أن علي بدر هو أحد أغزر كتاب هذا الجيل انتاجا وأرهفهم موهبة.

الدكتور صبري حافظ في صحيفة أخبار الأدب المصرية

 

روايات علي بدر تتضمن مجموعة متنوعة من السجلات، أحداثها تجري في أوقات مختلفة وأماكن بعيدة عن بعضها البعض، يسلط النور على عالم من التعقيد والثراء والحوار المفتوح، ويحمل في الوقت ذاته خصائصه ودينامياته الذاتية، عالم من الحيوات الصغيرة، ومن السكارى ومدمني المخدرات، والحانات، والعاهرات، فضلا عن المثقفين والسياسيين، كل هذه الشخصيات في الواقع قريبة جدا منا، وإن نتصورها أنها قصص خيالية إلا أنها من الأدب العظيم بل هي درس بالغ الثراء للبشرية جمعاء.

عالمة الاجتماع الفرنسية سونيا دايان هرزبرون في الكانزان ليترير الفرنسية

 

إصدار: 2015

عدد الصفحات: 232

الطبع الوسط

التعليم والنظريات الحديثة

abdulrazaq alghalibiبعد اطلاعي على كتاب (أهمية التواصل في عملية تعلم اللغة الانكليزية) في الطريقة التواصلية مع الاشارة الى مناهج (اللغة الانكليزية الجديدة في العراق) ارى الجهد الاستثنائي الذي قام به المؤلف حيث قام بترجمة الكثير من المصادر والمراجع واعتمدها في تأليف هذا الكتاب حيث تأكد هذا من خلال استعراضه الصفات الاساسية للطريقة التواصلية وتحليل كتاب اللغة الانكليزية الجديد (فرص العراق) من ناحية وحداته والمهارات التي يدرسها كمثال حي تطبق فيه الطريقة التواصلية بشكل حي، وانواع التعليم والتقويم فيه والصفات العامة لهذا النوع من المناهج حيث اشار الى اهدافه العامة والخاصة والمواد الدراسية واجرءاته . فقد اشار الى اهدافه التعليمية (الاحماء والمهارات الاساسية وورش العمل التواصلية ودراسة المفردات) وفعالياته (التحضير والتقديم والتمارين وحل المشكلات والنحو المصغر) والانشطة المخصصة للعمل في المجموعات الصفية (الالعاب والاغاني والادوار المسرحية والمشروع اللغوي والمقابلة الشخصية والعصف الذهني والمعلومة المفقودة).

كما اشار الى فوائد العمل بالمجاميع الصفية في تعلم اللغة الانكليزية قي منهج في العمل التفاعلي والاعتناق اللغوي والسيطرة الذاتية عند المعلم. وكذلك فصل انواع التقييم التكويني والتحريري والرسمي و والتقييم البديل الذي يشمل النمط الفردي

والمجلة اللغوية والمؤتمر اللغوي الحي ومحافظ الطلبة اليومية والمشاهدة المستمرة والمشروع اللغوي الحي وقد قام بمقارنة كتب المتوسطة مع كتاب الرابع الاعدادي.

اقترح بناءا على كل ذلك ان تطبع وزارة التربية هذا الجهد العلمي الذي يؤرشف الطريقة التواصلية والكتاب المنهجي الجديد المبني على الطريقة التواصلية حيث يحتاج زملاءنا التدريسيون الى الكثير من هذه الجهود والكثير من الدورات التدريبية لكي يتمكنوا من تدريس هذا المنهج الذي لم يعتادوا عليه حيث رزخ العراق تحت طريقة بنيوية لسنين طوال عجاف والله من وراء القصد.

 

الاستاذ الدكتورمحمد جاسم بطي منصور السعيدي

كلية التربية الانسانية - جامعة ذي قار

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

أهمية التواصل في عملية تعلم اللغة الانكليزية / عبد الرزاق عودة الغالبي

 

خير السمت في تناول الحقوق على ضوء العلاقات الست

nadheer khazrajiتتفاوت الأفهام في التعاطي مع مصطلح (الحقوق) المتداول في الكتابات والأدبيات والمقالات والدساتير، فكل منا يمر على هذا المصطلح المقدس، ولكن بالتأكيد ليس كل منا يدرك مدياته ومساحته في التطبيع على أرض الواقع، إلا إذا تم التسالم بين الناس مائة في المائة على فهم معناه ومصداقه، وهذه حالة مثالية يصعب تحققها في عالم الإنسان الذي يحب أن يأخذ دون أن يعطي، وأن يستأثر بحق الآخرين الى جانب حقه دون وجه حق، مع انه بفطرته السليمة يدرك حدود الحق الذي له والواجب الذي عليه، ويتلمس نقاط التماس مع حقوق الآخرين الذي يشاركونه الحياة من إنسان أو حيوان أو جماد.

ولأن الحقوق وإدراك معانيها وقواعدها من المسائل الملازمة لحياة الإنسان من قبل ولادته ومن بعد وفاته، فإن الدساتير السماوية والأرضية انعقدت كلها على توضيح هذه الحقوق وبيان معالمها، وتفكيك شبكات الحقوق وخيوطها بما تجعلها قدر الإمكان واضحة لكل إنسان التي تحكمه تلك الدساتير.

ولاشك بملازمة الحق للحرية، فلا يمكن إعمال الحق من دون حرية ولا إعمال الحرية من غير القدرة على ذلك، والقدرة هي بحد ذاتها حق، ولذلك قد تبدو الحرية والحق متطابقين في آن واحد، على أن النظرة للعميقة لهما يظهر أن الحرية مقدمة على الحق، لأنه بتوفر الحرية يأخذ الحق مجراه في عالم التحقيق، فاسنشاق الهواء النقي في الحدائق العامة على سبيل المثال هو حق مشروع يتقاسمه الناس، ولكن إذا تم منع الإنسان ذاتيا بحجزه أو عرضيا بوضع سياج حول الحديقة، فيظل الحق ممنوعاً من الصرف، لا يُعرب إعجامه الا الحرية.

وحتى يكون الإنسان على بينة من حقوقه وحقوق الآخرين ونقاط الالتقاء والتقاطع، يسعى المشرعون الى إشاعة ثقافة الحقوق واحترامها، وفي هذا الاتجاه صدر حديثاً (2015م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت كتيب "شريعة الحقوق" للفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي، وهو جزء من ألف شريعة في أبواب الحياة المختلفة، حيث ضم الكتيب نحو 160 مسألة شرعية رئيسة وفرعية، تناولها الفقيه الكرباسي بأسلوب جلي إلى جانب 35 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة المعلق وتمهيد المؤلف، الى جانب كلمة الناشر التي وضعت النقاط على الحروف فيما يحتويه هذا الكتيب الذي صدر في 56 صفحة.

 

الحق والوجوب

لا ينفك الانسان بفطرته السليمة البحث عن حقوقه المشروعة ونيلها، لأن الحق كتعريف كما يؤكد الفقيه الكرباسي: (هو الأمر الذي يقتضي تنفيذه لصالح الآخر أو لنفسه على سبيل الوجوب أو الاستحباب) أو بتعبير الفقيه الغديري في تعليقه على المسألة: (الحق هو الأمر الذي يقتضي استيفاؤه، وتنفيذه في الحياة، لنفسه أو لآخر)، وفي الإصطلاح الفقهي فإن: (الحق هو الأمر الذي يرى الشرع اقتضاء تنفيذه وجوباً أو اختياراً من باب الأفضلية أو الجواز، مثل حق الفسخ وحق الشفعة وحق التأليف وهكذا).

ويلاحظ في التعريف وجود أمر واقتضاء تنفيذه وجوباً أو استحباباً ويدور هذا الحق في محيط الإنسان وغيره، وأما متعلقاته فهي عند الكرباسي: (الأعيان أو المنافع أو الممارسات أو الاعتبارات)، فمن الأعيان: (حق مالك العقار بالتصرف بأرضه يقيّد تصرفه بما لا ينافي حقوق جاره)، ومن المنافع: (حق المستأجِر للبيت، فالمستأجر مُلزَم بالشروط التي اتفقا عليها)، وهذا الحق كما يعلق الفقيه الغديري: (غير قابل للانتقال إلا بالإذن أو برضى المالك)، ومن الممارسات: (حق ولاية الأب على ابنه القاصر)، ومن الاعتبارات: (حق استخدام اسم شخص في شركة أو مؤسسة فانه يتحقق ضمن الاتفاقات وبحاجة الى رضاه).

وإذا قلنا بتبع الحقوق للحرية، فإن صاحب الحق له كامل الحرية في أن يتنازل عن حقه كلاً أو بعضاً: (كما في المهر والصداق) على سبيل المثال، فهو حق من حقوق الزوجة ولها أن تسقطه بعضه أو كله، كما أن الحق: (قابل للشراكة بين طرفين أو أكثر، وقد يكون في أشخاص، أو في مؤسسات) مع توفر: (شرط تعيين الحُصص وتحديد السهام بالتفصيل دون الإجمال فإن الإجمال قد يسبب الغرر والضرر والخلاف) كما يعلق الشيخ الغديري على المسألة السابقة، كما ان: (الحق يتوارث من شخص إلى آخر حاله حال المال، وهناك موارد لا يمكن فيها التوارث)، كما ان: (الحق قابل للبيع والشراء في بعض موارده)، وكذلك: (يقبل الهبة والوقف شرط رعاية أحكامهما) كما يعلق الفقيه الغديري على المسألة السابقة.

وبشكل عام فإن: (الحقوق تتأتى بجعل شرعي أو بجعل الإنسان والذي يُعبّر عنه بالحقوق المدنية أو الوضعية في قبال الشرع)، كما يؤكد الفقيه الكرباسي في التمهيد، مضيفاً أن الحقوق الشرعية: (منها أخلاقية ومنها أحكام شرعية ومنها أحكام جزائية، فالأولى في الأعم الأغلب هي حقوق أفضلية لا تصل حد الإلزام، والثانية في الأعم الأغلب هي حقوق إلزامية، والثالثة حقوق إجرائية في الأعم الأغلب)، وأما الحقوق المدنية أو الوضعية فهي محترمة بشكل عام: (والاسلام لا يخالف ما كان منها لا يخالف الشريعة القائمة على المصالح والمفاسد من بابها العريض وتطبيقاتها الدقيقة، مقدّما المجتمع على الفرد في حال التعارض فيما إذا لم يكن هناك مخرج للجمع بين الحقّين).

 

الحق والعلاقات الست

ما فتئ الفقيه الكرباسي يؤكد في كتاباتها المتنوعة، إن كانت في موسوعته الحسينية الفريدة (دائرة المعارف الحسينية) أو موسوعته الفقهية (سلسلة الشرائع)، أو كتاباته في الأغراض الأخرى، على ضرورة رعاية العلاقات الست من أجل خلق أمة محافظة، وهي علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبأخيه وبالمجتمع وبالسلطة والبيئة، فلربه حقوق واجب الاطاعة والإذعان لها، ولنفسه حقوق، ولأخيه حقوق، ولمجتمعه حقوق، وللدولة حقوق، وللبيئة حقوق، وبرعاية مجموعها يستقيم أمر الأمة، فتأكل من تحتها ومن فوقها.

وبالطبع فان إدراك مثل هذه الحقوق ضمن سياقات العلاقات الست بحاجة الى انسان على دراية بأن: (الحق الواجب محرّم تركه بل يجب العمل به بالشروط التالية: العِلم والعقل والبلوغ وعدم الإسقاط)، فمن حقوق الله الواجبة على الإنسان: (أن لا يُشرك به، وأن لا ينسب اليه الظلم، وأن يعبده، والشكر على النعم)، وبالعبادة تتحقق السعادة للإنسان في الدارين وبالشكر يزيده الخالق من خير العاجل والآجل. ومن حق الإنسان على نفسه: (حق المعرفة وحق الإشباع) ومقتضى ذلك: (أن يسعى الإنسان الى تغذية الحواس الباطنة سواء العقلية منها أو النفسية بالمعرفة والمعلومات ولا يجوز منعها من ذلك)، ومن مقتضى حق الإشباع المتعلق بالجوارح والأعضاء: (اقتناء الماء والطعام وغيرها من العناصر لتغذية جسمه وأجهزته ولا يجوز منعها منها). ومن حق الآخر على الإنسان، على سبيل المثال، حق احترام الوالدين وطاعتهما في الحلال والترحم عليهما بعد رحيلهما، ومن الحق انفاق الوالدين على الأبناء وحضانتهم وتربيتهم وتعليمهم، ومن الحق النفقة على الزوجة، ومن الحق نصيحة الصديق والجار وحضور افراحه وأتراحه، وبشكل عام فإن: (حق الآخر على الإنسان قسم منه واجب وقسم مستحب). ومن حق المجتمع: حق الأقارب وحق الجار وحق المؤمنين وحق المواطنين وحق التعليم وحق الفقراء والمعوزين وحق الأموات، وتحت هذه الحقوق وغيرها تدخل تفريعات كثيرة تنتهي كلها إلى بناء شبكة عميقة ومتشعبة ومتينة من العلاقات الإجتماعية السليمة. ومن حق الدولة الشرعية العمل ضمن السياقات وعدم مخالفة القوانين، ومن هذا الحق واجب عدم خيانة الوطن والمحافظة على الممتلكات العامة، وكذلك: (حق الشرعنة حسب الشريعة الإسلامية إن كانت الدولة إسلامية، وحسب القوانين الإنسانية العادلة إن لم تكن إسلامية). ومن حق البيئة وجوب المحافظة عليها وسلامتها وحسن استخدامها وما فيها من حيوان ونبات وأنهار ومعادن وجبال ووديان وفضاء، فالبيئة وسلامتها تدخل ضمن مسؤولية الإنسان وحقها عليه.

إذن وبتعبير الفقيه الغديري في المقدمة: (فلله تعالى حقوق على عباده وكذلك لعباده عليه تعالى شأنه، وللإنسان حقوق على أفراد نوعه وكذلك للحيوان على أفراد جنسه، وللأزمنة حقوق على كل من يستفيد منها بوجه من الوجوه، وكذلك للأمكنة حقوق على أصحابها والمستفيدين منها، وهكذا لجميع ما خلق الله تعالى حقوق على غيرهم سواء في ذلك الموجودات السماوية والأرضية والبحرية والبرية، فهذا من أعظم النعم وأكرم المنن من الرب الكريم أنه لم يهمل في بيان الحقوق من كل ما يتعلق بها إجمالا وتفصيلا، حكماً وموضوعاً، شروطاً وقيوداً، إطلاقاً وتقييداً).

لقد دلّت تجارب الأمم والأقوام على مر التاريخ، أن الأمة المتزنة في تعاطيها مع الحقوق ضمن سياقات العلاقات الست، أمة يسودها الوئام والسلام، وهي أمة قادرة على وأد الأمراض الاجتماعية والإقتصادية وغيرهما في مهدها، ولها أن تفرض احترامها على الأمم الأخرى، وهي بالتأكيد أمّة مرحومة.

 

د. نضير الخزرجي

 

حدائق البؤس .. قراءة نقدية في قصيدة الشاعر الجزائري الدكتور خليفه احميم: شبحي يقتات مني

abdulrazaq alghalibiمقدمة: لاول مرة تصدمني الغصة ويجتاحني الالم حين اقرا نصا يصف الفقر كهيلمان تسبح فيه الكلمات والحروف باحواض يابسة عطشى وهي تلبس اغوار السواد ووميض الالم الجارف الذي ياخذ بيدك نحو عالم كفيف من الشعور المظلم وانت تتصفح الكلمات والحروف ولا تجد فيها مجالا من رطوبة او موطئ اصبع من فرح او وميض سعادة.. اسلوب حي مؤلم مبكي يجعل جلدك مقشعرا مرة و زاحفا اخرى .. قرات كثيرا ولم يصادفني مرة اسلوب مزدحم كاسلوب هذا الشاعر في وصف البؤس وتراه امام عينيك وهو يتعذب ويقتلي على نار هادئة ، تدرك حينها انها الشاعرية المفرطة في احساس هذا الشاعر...فهو يعيش نصوصه لا يكتبها... فقد امطرنا بوابل من الكلمات البائسة وكأنه وجه نحونا رشاشا من طلاء اسود ليطلي به احساسنا بالكرب قسرا ويجعلنا معلقين بين الانبهار وذرف الدموع....وايهما نختار...!

 

القييم الجمالية في النص

تظن حين تقرأ القصيدة بعمق ان هذا الشاعر قد عاش الكلمات فعلا او انها شدت متسلسلة برأس قلمه ولسانه كمسبحة صوفية متجانسة الخرز وهو يتأرجح بين نفسه وظلها البائس.....ينتمي نصه الفلسفي الى المدرسة الواقعية تحت نظرية الادب للمجتمع مع صبغة خفيفة من الرمزية تظهر مرة وتختفي تارة تحت ظلال المباشرة رغم انه ياتي الينا في كل مرة من وراء السرد الشعري يوهمنا بسريالية الحدث فيخلط علينا الامور ثم يكتب باسلوب شيق .....انه شاعر موهوب واعتقد انه لا يدرك موهبته.....يستهل لوحة الالم :

مَرَّتْ كَأَنَّهَا حَفْنَةٌ مِن أَشْلَائِهَا.. تُبَاهِي بَقَايَاهَا

لاَ حَفْلَةٌ هُنَا وَلاَ نَوْمُ طِفْلَـة

أُمٌّ تَرتَادُ رَغِيفَ الأَمْسِ ..تَحْضُنُ مُنَـاهَا ...

تُقَبِّلُ رِيحَ أَنَينِهَا ..تَرُشُّ البَلَاء

رُزَمُ الفَاقَةِ تُوقِدُ لَهِيبَ مُحَيَّاهَا

تُوقِظُ رُقَعَ رِدَائِهَا الذِي أَحْيَاهَا

تَختَزِلُ تَـجَــاعِيدَ الخَـــلاَء

هُنَـاكَ فِي رُكْنِ الحَفَــاء

يمرر الكلمات العطشى فوق انف المتلقي وكأنها نسائم عليلة تنعش انفه و بين طياتها حصى وتدمي عينيه وكأنه اراد منه ان يضحك وهو يبكي في الوقت نفسه ...هو نفسه مبعثرة اشلاءا..... و يفرض علينا جدلية وسؤال كبير تكمن في البرادوكس ، حفنة من اشلاء يريد هنا ان يقول ان الجوع اودى بها ان تكون حفنة من اشلاء تباهي ما بقي منه من روح....وكان الشاعر يريد يصعب الامر علينا وعلى نفسه حين جعل رغيف الخبز بعيدا عن متناول يد نفسه الغارقة في البؤس الى اذنيها..... يكاد ان يكون املا او نجما علق في السماء...هي ام تحتضن بلاء فوق بلائها وجوع طفلة فوق جوعها ويا ليت الرغيف لا يزال حارا فهو رغيف الامس قد بات ويبس.... يكاد الشاعر ان يصب جام غضبه عليها ويلجم حصانه حين يدلق رصاصا حاميا من فقر ومسكنة وينزع كل اثواب الانسانية عنها حتى تصبح عارية تماما حتى من جلدها ...هي كيان اسمه البؤس يسير على قدمين لو استطاع ، ، من ثقل الجوع والالم.......يا له من شاعر قاس....

تَمْكُثُ بَرَاءَةٌ تَغْتَـرِفُ الصَّبْــر

دُمْيَتُهَا وَقْـدَةُ حَـرٍّ مُمَـزَّق

غُرْفَتُهَا جِدَارُ أَلْوَاحٍ وَ دُسُر

يَسْتَنِدُ بِرَثَّةِ ظَهْرهِ إلَى بَقَايَا الحَجَر

إِلَى أَكْوَامِ الحُفَـر ..

إِلَى يَبَسِ الشَّجَــر..

نَعْلُهَا النِّصْفِيُّ جِلْدٌ مُفَتَّق

فُتَاتُ قَرْعِهَا خَطْوٌ مُشَقَّق

مَالِي وَ نَصِيبِي مِنَ الحَلْوَى ؟ تَأَوَّهَت المَكْلُومَة

لَا مَأَوَى يُشْعِرُنِي بِالدِّفْءِ وَلَا مَنْ يَمْنَحُنِي بَصِيصَ أَمَـل

شَبَحِي يَقْتَاتُ مِنِّي أَزْرَارِي المَعْدُومَة

يهجم عليها مرة اخرى ويدميها بؤسا بعد ان عراها من جميع اثواب الانسانية المهترئة ليجعلها براءة بيضاء ينث منها كل شيء الا الصبر يفيض امامها فتغترف منه لتطفيء شيئا من الظمأ المعكوس فوق طفلتها حرا ، تلعب بهذا الالم والبؤس دمية...وهذا اعمق تعبير قرأته في وصف البؤس.....ويعود هذا العبقري ويغوص في اصول المعنى ويبهرنا بقاموسه العجيب المخبأ برأس قلمه حين يخيط الكلمات في الاداء الشعري الرمزي ويسافر عميقا نحو جذور المعاني كغواص يتصيد اللؤلؤ في غمار بحر مليْ بالمحار...يأصل الكلمات بعلمية الاختصاص، فهو يعمل طبيبا، ويجعل بؤسها غرفا من شجر... ويجر الشاعر اختصاصه العلمي فيلتجأ الى استخدام الدلالات الحيوية في قصيدته شجر وحفر....و...و... ولا يسلم نعلها من هذا التاصيل و سكين قلمه الحادة فينهال عليه طعنا وتجريحا..... يذكرني هذا الشاعر في تلك الجزئية بالشاعر الانكليزي (بيتر موريل وقصيدته الرائعة كيمياء الربيع ...فقد انعكس عمله الكيميائي في شعره) .يهدأ الشاعر قليلا ويشفق عليها هذه المرة بأن يطالب لها بحصة من الحلوى...اهو حلم...؟ اظن انه ذرف دمعة ساخنة هنا حين دخل الشعور طيات نفسه الممزقة وحن عليها قليلا ربما بكى عن عجز من بحث وراء بصيص من الامل متعلقا بين نفسه و شبحها الذي بدأ ينهش في لحمه.....فيعود يبحث من جديد فيقول:

يُؤنِسُ طِفْلَتِي .. يُحْرِقُ دَمْعَتِي .. يُجْهِضُ فَرْحَتِي ..

يَنتَظِرُنِي جَسَدًا مُتَلَعْثِمًا عِنْدَ آخِرِ أَجَــل

بَنُو البَشَرِ مَا عَادَ نَحِيبُ حَمَامَاتِي يُؤَثِّـثُـهُم

مَا زَالُوا يَتَمَرّغُونَ بِوَادِي اللَّامُبَالَاةِ والبَلَل

بَلَغَتْ بِي حِبَالُ الغُصَّةِ مُنتَهَاهَا

لاَ أَعْرِفُ لِلنَّسَائِمِ عَبِيرَهَا وَ لَا شَذَاهَا

لاَ أَدْرِي أيُّ قُفْلٍ يُدَثِّـرُهُم ؟

أَيُّ صُبْحٍ يُزيِلُ غَفْوَتَهُم ؟

اظن ان الشاعر الكبير خليفة ،هنا قد هدأت نقمته على نفسه قليلا وبدأ يبحث عن الاشياء التي حرمت منه طفلة نفسه المعذبة من معاني الحياة الكريمة ولم يبقى شيئا يؤنسها سوى الدمع الحارق والاشياء المدمرة التي تجهض الفرح حتى صار جسدها ممزقا وأتكأ على حافات الفناء...ارى الشاعر يلتفت بعنف وحنق نحو المجتمع ليصب اوار غضبه و لومه الحارق فوق رمة هذا المجتمع اللا مبالي بما يحث للفقراء والبؤساء حين فرغت كل الجعب المكتضة بالصبر وبلغت الغصة عنده نهاياتها ....فهو شاعر بارع في السرد الشعري المتسلسل ويصرخ في مسامعهم وكأنهم قد اقفلوا في زق من خمر فخدروا ولن يستيقظوا من نومهم العميق حتى بصراخه العميق مسامعهم الصماء الخدرة....يا له من شاعر بارع الكلمات بالمعنى والحدث والسحر والاحساس بخيط من ذهب و بشكل اسطوري رهيب لا يجاريه احد.........

الجُوعُ يَحْكِي تَفَاصِيلَ جُثَّتِهِ .. مِقْصَلَةً يَقْتَرِف

وَ العَرَاءُ يُدَنْدِنُ تَعَارِيجَ حُبْكَتِه ..مَخَاضًا يَحْتَرِف

يَـــا أَنْتُم .. هَلْ رَأَيْتُم ؟

شَمَّـعْتُمْ فِي وَجْهِهَا كُلَّ بَصِيص

بِشَكْلٍ لاَ يُتِيحُ النّظَر.. وَلَا جَبْرَ الضَّرَر

وَلَوْ إطْلاَلَةٌ خَاطِفَةٌ عَلَى أمَلِ الْخَلاَص

فَهَلْ مِنْ مَحِيصٍ .. إذَا الْخَطْبُ جَاء؟

كَيْفَ لِخُطُوَاتِ أَرْمَلَةٍ تَتَبَعْثَر

كَيْفَ لِفُؤادِ طِفْلَةٍ أَنْ يَتَكَسَّر ؟

أَعَلِمْتُمْ .. كَمْ لِلْحِرْمَانِ الضَّرِيرِ مِن حَبَّةِ رَصَاص؟

يَا أَنْتُم .. هَلْ تَذَوَّقْتُم رَثَّةَ كِسَاء؟

أَحْشَاءٌ تُقْرَع .. دُمُوعٌ تُصْفَع ..وَ مَوْتٌ يُصْرَع

رَبِّ أَنْتَ المُرْتَجَى.. أَنْتَ الرَّحْمَانُ يَوْمَ القِصَاص !

وتشتد عصبية الشاعر حين يكشف عن سر هذا المارد الكبير والشبح النهم ،الجوع الذي بدأ يقتات من جسد الشاعر ...في تلك المنطقة بالذات ارخى الشاعر الحبل و فتح الشاعر قبضته السريالية وناول الكرة نحو المتلقي وافصح قليلا عن مفتاح قصيدته بعد ان كشف سر هذا العملاق الكبير الذي اكتسح دولا ومزق قارات من هذا العالم اللامبالي بقوله جثة الشاعر هي جثة هذا العملاق الذي بدأ يتحاكى عنها ويشهد المجتمع على هذا المارد وجرائمه البشعة ويلومهم على صمتهم وغفلتهم ومساعدتهم هذا المارد النهم وعزفهم عن مساندة ضحاياه من الفقراء والمساكين...بدأ يفصل تقصيرهم بذكر الجرائم المقترفة بحق الارامل حين خطف المارد ازواجهن والاطفال حين سرق اللقمة من افواههم وكمية الحرمان التي تركها الجوع في جسد هذا العالم الكسيح واسهب بتذكير هذا المجتمع بالجوع الذي ينخر ولا يزال وسيبقى ، في جسد هذا العالم الكسيح ...دأب الشاعر ايضا يلوم هذا العالم الضرير على العري وكمية الالم التي سببها مع الجوع في احشاء الفقراء وكمية الدموع التي ذرفت من نوم بلا عشاء ...اراه امامي وهو يرفع يديه الى السماء ليشكو الى الله ويدعو الى القصاص من الجوع واسبابه......

نص كبير لشاعر شاب كبير....اتعبني تحليله وامتعني في نفس الوقت فهو تحد سافر من شاعر مقتدر لقدرة ناقد قد اكون وفقت......اعتذاري الكبير لهذا الشاعر الكبير الاستاذ الشاعر خليفة احميم...ربما استطعت منه ومن سبر اغوار نصه...عذرا.........

بقلمِ : خليفة احميم

 

النص الاصلي للشاعر الجزائري الدكتور خليفة احميم

شَبَحِي يَقْتَاتُ مِنِّي *

مَرَّتْ كَأَنَّهَا حَفْنَةٌ مِن أَشْلَائِهَا.. تُبَاهِي بَقَايَاهَا

لاَ حَفْلَةٌ هُنَا وَلاَ نَوْمُ طِفْلَـة

أُمٌّ تَرتَادُ رَغِيفَ الأَمْسِ ..تَحْضُنُ مُنَـاهَا ...

تُقَبِّلُ رِيحَ أَنَينِهَا ..تَرُشُّ البَلَاء

رُزَمُ الفَاقَةِ تُوقِدُ لَهِيبَ مُحَيَّاهَا

تُوقِظُ رُقَعَ رِدَائِهَا الذِي أَحْيَاهَا

تَختَزِلُ تَـجَــاعِيدَ الخَـــلاَء

هُنَـاكَ فِي رُكْنِ الحَفَــاء

تَمْكُثُ بَرَاءَةٌ تَغْتَـرِفُ الصَّبْــر

دُمْيَتُهَا وَقْـدَةُ حَـرٍّ مُمَـزَّق

غُرْفَتُهَا جِدَارُ أَلْوَاحٍ وَ دُسُر

يَسْتَنِدُ بِرَثَّةِ ظَهْرهِ إلَى بَقَايَا الحَجَر

إِلَى أَكْوَامِ الحُفَـر ..

إِلَى يَبَسِ الشَّجَــر..

نَعْلُهَا النِّصْفِيُّ جِلْدٌ مُفَتَّق

فُتَاتُ قَرْعِهَا خَطْوٌ مُشَقَّق

مَالِي وَ نَصِيبِي مِنَ الحَلْوَى ؟ تَأَوَّهَت المَكْلُومَة

لَا مَأَوَى يُشْعِرُنِي بِالدِّفْءِ وَلَا مَنْ يَمْنَحُنِي بَصِيصَ أَمَـل

شَبَحِي يَقْتَاتُ مِنِّي أَزْرَارِي المَعْدُومَة

يُؤنِسُ طِفْلَتِي .. يُحْرِقُ دَمْعَتِي .. يُجْهِضُ فَرْحَتِي ..

يَنتَظِرُنِي جَسَدًا مُتَلَعْثِمًا عِنْدَ آخِرِ أَجَــل

بَنُو البَشَرِ مَا عَادَ نَحِيبُ حَمَامَاتِي يُؤَثِّـثُـهُم

مَا زَالُوا يَتَمَرّغُونَ بِوَادِي اللَّامُبَالَاةِ والبَلَل

بَلَغَتْ بِي حِبَالُ الغُصَّةِ مُنتَهَاهَا

لاَ أَعْرِفُ لِلنَّسَائِمِ عَبِيرَهَا وَ لَا شَذَاهَا

لاَ أَدْرِي أيُّ قُفْلٍ يُدَثِّـرُهُم ؟

أَيُّ صُبْحٍ يُزيِلُ غَفْوَتَهُم ؟

الجُوعُ يَحْكِي تَفَاصِيلَ جُثَّتِهِ .. مِقْصَلَةً يَقْتَرِف

وَ العَرَاءُ يُدَنْدِنُ تَعَارِيجَ حُبْكَتِه ..مَخَاضًا يَحْتَرِف

يَـــا أَنْتُم .. هَلْ رَأَيْتُم ؟

شَمَّـعْتُمْ فِي وَجْهِهَا كُلَّ بَصِيص

بِشَكْلٍ لاَ يُتِيحُ النّظَر.. وَلَا جَبْرَ الضَّرَر

وَلَوْ إطْلاَلَةٌ خَاطِفَةٌ عَلَى أمَلِ الْخَلاَص

فَهَلْ مِنْ مَحِيصٍ .. إذَا الْخَطْبُ جَاء؟

كَيْفَ لِخُطُوَاتِ أَرْمَلَةٍ تَتَبَعْثَر

كَيْفَ لِفُؤادِ طِفْلَةٍ أَنْ يَتَكَسَّر ؟

أَعَلِمْتُمْ .. كَمْ لِلْحِرْمَانِ الضَّرِيرِ مِن حَبَّةِ رَصَاص؟

يَا أَنْتُم .. هَلْ تَذَوَّقْتُم رَثَّةَ كِسَاء؟

أَحْشَاءٌ تُقْرَع .. دُمُوعٌ تُصْفَع ..وَ مَوْتٌ يُصْرَع

رَبِّ أَنْتَ المُرْتَجَى.. أَنْتَ الرَّحْمَانُ يَوْمَ القِصَاص !

بقلمِ : خليفة احميم

 

بقلم: عبد الرزاق عوده الغالبي

 

العربي كما يراه الياباني

moamar habarمقدمة القارئ العربي.. كتبت على صفحتي وأنا أتصفح الصفحات الأولى من الكتاب. أنا الآن بصدد قراءة كتاب "العرب وجهة نظر يابانية"، للأستاذ الياباني نوبوأكي نوتوهارا، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2003، ألمانيا، من 142 صفحة . الكاتب الياباني عاش 40 سنة في المجتمعات العربية، تعلّم اللغة العربية، وترجم عدّة كتب من العربية إلى اليابانية. أنا الآن في الصفحة 6، إستحييت أن أنقل لكم ماذكره عن واقعنا العربي، والذي ينافي الإسلام كما قال. أرجو أن أجد مايرفع الهمم، وأطلب دعواتكم.

وحين إنتهيت من قراءة الكتاب، قلت.. إنتهيت منذ قليل من قراءة كتاب "العرب وجهة نظر يابانية"، للأستاذ الياباني نوبوأكي نوتوهارا. إحتفظت بملاحظات شخصية رهيبة مفزعة حينا ومفرحة حينا آخر عن الكاتب والكتاب، سنفردا لها مقالا حين ننزل باليابسة، بإذنه تعالى. متّع الله الجميع بما هو أهل له.

وطريقتي في الفهم، أن كتاب الأستاذ الياباني "العرب، وجهة نظر يابانية"..فضيع رهيب، لاأنصح به أصحاب القلوب الرقيقة، لذلك سأحاول أن أستفيد منه فيما يخص القواعد التي أشار إليها الأستاذ الياباني في فهم المجتمعات، وكيفية التعامل معها.

ولا أريد أن أضيف للقارئ آلاما يعيشها يوميا، بل أسعى للتخفيف بالوقوف على الحكم اليابانية، وهذا وجه من أوجه قراءة الكتب.

عن الكاتب والكتاب.. يلمس القارئ في صفحة 15، أن الأستاذ الياباني درس اللغة العربية إبتداء من سنة 1961، وترجم أول رواية عربية إلى اليابانية سنة 1969. مايعني أن الياباني تعلّم اللغة العربية إلى حد ترجمة روايات عربية ذات مستوى عال في ظرف 8 سنوات فقط، منها هذا الكتاب الذي بين يديك، والذي كتبه باللغة العربية مباشرة، حيث أن القارئ لايلحظ إطلاقا أنه يقرأ لأجنبي لمستواه الجيد في اللغة العربية. الياباني أبدع في وصف العرب بلغتهم العربية، ويتعلم لغة قوم فيتفوق عليهم بلسانهم العربي المبين. والكاتب الياباني حين كتب كتابه هذا، كان في 60 من عمره، كما هو مبيّن في صفحة 138، مايعني أنه كان في كامل نضجه ومسؤولياته.

الياباني يفتخر باللغة العربية.. يقول الياباني في صفحة 71، أن هناك كلمات عربية عديدة تصلح لأن تكون لمعنى واحد، بينما في اللغة اليابانية والانجليزية كلمة واحدة لمعاني متعددة. ويقول أن هذا يعبّر عن فقر اللغات وغنى اللغة العربية، ويعترف أنه أخطأ في ترجمة قصة فلسطيني بسبب فقر اللغة اليابانية واللغات الأجنبية.

مستقبل العربية في اليابان.. يرى في حوار له مع جريدة، أن اللغة العربية لها مستقبل جيد في اليابان. والشركات التجارية والمصارف والهيئات الاقتصادية تتجاذب اليابانيين الخريجين باللغة العربية للعمل لديها.

الياباني يحب العرب بطريقته.. تألمت كثيرا وأنا أقرأ للأستاذ الياباني عن العرب في صفحة 18، فهو.. يحب العرب كثيرا، فقد قضى 40 سنة بين ظهرانيهم، لكنه مجبر أن يذكر عيوبهم وجرائمهم وتخلفهم. ويتساءل هل أصمت لأعبّر عن حبي لهم؟. وباعتباري عربي أقوله لك..

لاتصمت وأنت الصادق، فيكفينا أننا إمتهنا وظيفة إخفاء الحقيقة عن أنفسنا وأبناءنا وأحفادنا، طيلة قرون من الصمت والقمع. والحمد لله الذي أنطقك الذي أنطق كل شيء.

الياباني يعترف بأخطاءه.. يعترف الأستاذ الياباني في صفحة 22 وما قبلها، أن اليابان أجرمت في حق شعوب وعليها أن تعترف بهذه الجرائم وتضع لها حدا. ومن هنا جاءت عظمة الكاتب الياباني، فهو يعترف بجريمته، بل يعترف أن أخطاء المجتمع الياباني كانت من وراء إلقاء القنبلة الذرية في هيروشيما وناكازاكي. ومجتمع يعترف بأخطاءه تجاه الغير وبأنه كان سببا في مآسيه ومصائبه، لهو مجتمع عظيم يستحق أن يتخذه المرء قدوة في الاعتراف بجرائمه تجاه نفسه أولا، وتجاه مجتمعات أخرى ثانيا.

الياباني ينقل الحضارة العربية.. إستطاع الأستاذ الياباني أن ينقل الأدب العربي إلى اللغة العربية، وينقل وصف المجتمع العربي إلى اللغة اليابانية. هل إستطعنا أن ننقل الثقافة اليابانية إلى اللغة العربية؟. لماذا نحرم أنفسنا فضل نقل محاسن الحضارة اليابانية إلى اللغة العربية. إنه في ظرف 8 سنوات من تعلم اللغة العربية، أصبح الأستاذ الياباني مبدعا في اللغة العربية، مترجما بامتياز، ويقوم بتدريسها في اليابان. هل 8 سنوات لتعلم اللغة اليابانية مدة طويلة. ولماذا لايفتح فرع اللغة اليابانية بالجامعات الجزائرية والجامعات العربية لحد الآن؟.

قمع العرب يلاحق الياباني.. كم هو مسكين الأستاذ الياباني حين لحقه القمع العربي وهو في اليابان، حيث يقول في صفحتي 35-36..

لاأسطيع أن أذكر أسماء الدول العربية حتى لاأتعرض للمنع. ولا أستطيع أن أذكر أسماء أصدقاء عرب حتى لايتعرضون للقمع. فاكتفى بقوله.. دول عربية، دولة عربية، زميل لي، صديق عربي.

قراءة الياباني المباشرة للعرب.. يرى في صفحة 124، أن اهتمام الكتاب اليابانيين بالحضارة العربية لا علاقة له بالسياسة. ويرى أن الاهتمام الياباني بالعرب كان عبر الأوربي والأمريكي ثم انتقل الياباني إلى المجتمعات العربية مباشرة.

ويعترف في صفحة 125، أن الدراسات الشرقية للمجتمعات العربية كانت تعتمد على الكذب وتشويه الحقائق، لذلك أمسى الياباني يعتمد في فهم العرب على القراءة المباشرة والاحتكاك المباشر بالعرب دون واسطة أوربية أو أمريكية

وصية ياباني للعرب.. يعيب على العرب أنهم يعرفون القليل عن اليابانيين ويتفهم ذلك، ويعاتب بشدة ويعيب عليهم عدم اهتمامهم بالحضارة العربية الاسلامية، ويوصي بالاهتمام بها مباشرة وتجاوز مرحلة الترجمة إلى المباشرة

المجتمع العربي كما يصفه الياباني.. يصف العرب، الذين عايشهم مدة 40 سنة، فيقول في صفحة 9، أن القمع بكل أشكاله مترسخ في المجتمعات العربي. وفي صفحة 11، يقول أن العرب يخبؤون الحقائق التي يعرفونها حق المعرفة. وتساءل في صفحة 13، بمرارة فقال، لماذا لايستفيد العرب من تجاربهم؟. لماذا لاينتقد العرب أخطاءهم؟. لماذا يكرر العرب الأخطاء نفسها؟.

في صفحة 32، يرى الأستاذ الياباني، أن بيوت العرب نظيفة من داخلها، لكن الأوساخ والقاذورات، تجدها بمجرد أو خطوة تخطوها خارج البيت، معلّلا ذلك بقوله إن عدم المسؤولية من وراء ذلك ومن وراء التخلف الذي يعيشه العرب.

يرى في صفحة 29، أن الياباني كذلك يخاف، لكنه يبحث دوما عن أسباب الخوف وطرق مواجهته، بينما في الدول العربية، هناك أشخاص يهددون الناس ويخيفونهم ليحققوا منافع شخصية.

ويرى في صفحة 36، أن هناك محرمات في المجتمعات العربية لايمكن بحال الاقتراب منها، وهي السياسة والجنس والدين. وفي صفحة 37، يقول أن في الدول العربية، السلطة والشخص شيء واحد، لايمكن الفصل بينهما.

يرى الأستاذ الياباني في صفحات 49-51، أن فكرة الخلود التي يعتمد عليها العربي، دفعته إلى أن يجعل من الحاكم العربي، الحاكم الخالد لايجوز نقده أو التعرض إليه، ومن الأحزاب السياسية أحزابا خالدة تسعى لتثبيت الحاكم الخالد.

يرى في صفحة 40، أن القمع العربي يبدأ في البيت والمدرسة. وفي صفحة 43، يقول أن المجتمع العربي على العموم ليس عنده إستعداد ليربي المواهب ويقويها،   45 بل يرى في صفحة 45، أن الجسد مقموع في الدول العربية.

الحلول كما يراها الياباني.. كان الأستاذ الياباني صادقا مخلصا محبا للمجتمعات العربية، وهو يحاول أن يفهم المجتمعات العربية من خلال الدين والثقافة وعادات وتاريخ وجغرافيا العربية، لذلك تقرّب منهم عن طريق فهم اللغة العربية وقراءة القرآن والأحاديث النبوية، ولم يكتفي بمعرفة عرب المدن، بل دخل لعمق البادية باعتبار العربي بدوي بطبعه، والبداوة تمثل بحق حقيقة المجتمع العربي.

يعترف الأستاذ الياباني أن اليابان عاشت أيضا التخلف الذي تعيشه المجتمعات العربية، بسبب الديكتاتورية العسكرية وقمع الحريات، لكنه يستدرك قائلا، أن اليابان إستطاعت أن تتحررمن الديكتاتورية العسكرية وقمع الحريات، لذلك تراه يتعجب، كيف للمجتمعات العربية مازالت ترضى لنفسها أبدية الحكم وتسلط الأحذية وتسعى إليه وتدعو له. وطالب المجتمعات العربية أن تثق بنفسها، ولا تثق في السلع والأفكار الغربية التي تستوردها، حيث قال في صفحة 64، أن الثقة لاتستورد. ويوصي بقيام حركة إجتماعية، يقوم عليها العرب والتخلي عن العمل الفردي، كما ذكر ذلك في صفحة 103.

ويرى في صفحة 139، أن مستقبل العرب مرهون بحل مشكلة القمع وتثبيت الحرية. وهذا هو محور كتابه، وقد تطرق إليه ثم عاد اليه في خاتمة الكتاب، مايدل على أهمية الموضوع بالنسبة لليابان والنصيحة الغالية التي يقدمها للعرب. ويقول أتمنى أن أرى وجوها عربية باسمة غير متوترة، وأن يتعلموا مواجهة مشاكلهم بأنفسهم ومباشرة

يعترف الأستاذ الياباني، أن اليابان مرت بمراحل تخلف وتقهقر كالتي يعيشها المجتمع العربي الآن وربما أكثر، لكن إستدرك اليابان هول تخلفه واستطاع أن يواجهه ويتغلب عليه بالحرية والمسؤولية. لذلك تراه يتأسف بشدة للوضع المزري الذي آلت إليه المجتمعات العربية، فيوصيها بقوله في صفحة 18، أن الحرية هي باب الانتاج وباب التواصل والحياة النبيلة والقمع داء عضال.

 

معمر حبار

 

قراءة في كتاب واحد مصري للكاتب الصحفي وليد علاء الدين

صدر عن دار صفصافة كتاب: "واحد مصري.. خطاب مفتوح لرئيس مصر"، للكاتب والشاعر الصحفي وليد علاء الدين، والغلاف للكتاب من تصمم الفنان السوداني ناصر بخيت، عن لوحة الفنان المصري د. محمود حامد. الكتاب يجي في "254" صفحة من القطع فوق المتوسط، تنتهي بسيرة ذاتية للمؤلف، والتي ستكشف لك الكثير حين تنتهي من قراءة ذلك الكتاب، ومقسم إلى أجزاء ثلاثة الأول منها يضم مجموعة من مقالات الكاتب والتي تم نشرها ضمن مساحته الأسبوعية –كل ثلاثاء- التي أفردتها له جريدة المصري اليوم في موقعها الإليكتروني، وهو يحتل أكبر المساحات من حيث عدد الصفحات على طول الكتاب، ثم الجزء الثاني والذي يأتي في إطار العنوان "تدوينات على هامش الثورة"، وثالثًا –وأخيرًا- دراسة وتحليل للشخصية المصرية ودعوة من الكاتب لتفكيك المصطلح "أنا مصري" أو محاولة الوصول للمعنى الأعمق وراء التعبير "مصري".

 

هل كتب وليد علاء الدين من داخل الصندوق أم من خارجه؟:

ترصد السيرة الذاتية للمؤلف ردحًا من عمره قضاه في عالم الصحافة ناهز العشرين عامًا، عاش معظمها خارج حدود الوطن –مصر- وهو ما يجعلنا أمام السؤال الذي جعلناه عنوانًا هنا، وبقراءة الجزء الأول ثم الثالث، تكتشف على الفور أن الكاتب رجل مصري مهموم بقضايا وطنه، والذي يدين بكل الولاء له، ويدهشك كم التفاصيل التي يعرفها عن هذا الوطن، وكم المزالق التي يقع فيها الآن، إلا أنه ببراعة الصحفي ورهافة الشاعر استطاع أن ينظر إلى الصورة من أعلى قليلا، لكنه ليس علو الزيف أو التعالي على الواقع، بل علو الباحث عن التفاصيل وحياده الملزم بقول الحقيقة مهما كانت مرارة واقعها المصري، وعناوين المقالات داخل هذا القسم تؤكد على أن الكاتب غمس نفسه عن عمد في تلك الإشكالية –النظرة المحايدة- إلا أن الجديد فيها أنه قدم نظرة محب ومهموم بتقدم وطنه وجب عليه التجرد من شيفونيات مطلقة تسيطر على كثير من المصريين، إذ يدعي واحدهم قولا "أنا مصري"، دون ان يعرف ما لهذه الجملة البسيطة من مسئوليات يحملها المواطن، وتحملها الحكومات، بل يحملها رأس السلطة المصرية، ويطرح أفكاره التي تحلل الوضع المصري شديد التعقيد في تلك اللحظة الراهنة من تاريخ هذا البلد. هكذا صنع الكاتب لنفسه معادلته الصعبة –وهي في رأي كاتب المقال- من أبدع ما في الكتاب- إذ قرر فجأة أن يعلن أن "بصلة المحب ليست بخروف"، فالرجل ينز بمحبة وطنه والانتماء، إلا أنه لا يراه خارج سياق اللحظة التاريخية وخارج السياقات التي يوضع على اعتبارها هذا الوطن –المحب- على خارطة الأمم التي تسعى لخير أولادها.

تأمل معي عناوين الجزء الأول، ولنقفز مثلا إلى هذا العنوان "هل يستحق الشعب المصري الثقة؟" ص 73 –وترصد حالة المصريين في أعقاب أحكام البراءة في قضية القرن- وهي مقالة كاشفة لما نقول عنه حين يصرح فيها "..... إلا أنني في كل مرة أشعر امام هذه العبارة بالارتباك مهما تغيرت صيغتها......" فالكاتب –البعيد جسدًا عن الواقع المصري- ناله ما نال الشارع من هذا الارتباك، ويبحث عن أسبابه بموضوعية –فهو خارج الصندوق بشكل ما- فيصطدم بمفهوم الثقة، وأي ثقة يريدها الكاتب، ومنها ينطلق إلى سلسلة مراجعات –من صميم الصندوق وداخله- حتى ينتهي بعد طرح هذه الفكرة إلى أنه "يستحق الشعب المصري الثقة لأنه –بشكل أو بآخر- أعاد الأمور إلى نصابها، ولكن –الخشية كل الخشية- أن يكتفي بذلك، من دون أي طموح في تطوير شكل ومضمون هذا النصاب". هكذا كتب وليد من خارج الصندوق المصري ما هو من صميم الصندوق.

 

مغامرة شجاعة وواعية:

يميل البعض إلى أن المقالات تحمل في أسباب كتابتها أسباب مواتها والنسيان، خاصة إذا كانت تناقش الشأن المتداول أو اليومي أو واقع الأرض، وهو ما ينتبه له "وليد علاء الدين"، فيجعل محور كل مقالاته "الفكرة" وليس الحدث والواقع، إذ يطرح الرجل فكرته، ويمثل لها بالحدث الآني كمثال توضيحي، فمتى انقضت أزمة الواقع، بقيت الفكرة الخالصة يمكن التعويل عليها في مواضع مكانية او زمانية لاحقة بل ويمكن أن يستثمر فيها إلى ما شاء الله، إذن فالكاتب استطاع أن ينفذ إلى معادلة خاصة تجعل من طرح الفكرة ونقاشها الأمر الاولى بالحوار والتفاعل، حتى لو ضرب لها مثالاً آنيًا من أرض الواقع. وتجي مقالة "اصنع كهربتك بنفسك" ص 135، إذ يقدم بعض الأفكار القابلة للمناقشة والتداول بالاتفاق أو الاختلاف حولها، عن أزمة والطاقة في مصر، ويجعل من قضية التيار الكهربائي مثالا للطرح الذي يقدمه لأزمة الطاقة وهو طرح أساسه الإبداع الخلاق في حلول غير متداولة يمكن أن تساهم في حل الازمة، وفيها يعرض تجربة إمارة دبي –بدولة الإمارات العربية المتحدة- في هذا الصدد، ويتحسر الرجل على غياب الحلول الإبداعية في جسد علاج الأزمات المصرية، يقول في ص 137: ".......... كما يمكننا ان نرتقي قليلا من مساحة "التحسر" إلى مساحة "التأمل"، فنتأمل كيف أن الفكرة ليست فقط بسيطة وعملية –في إشارة لما فعلته إمارة دبي- إنما هي مذهلة إلى حد يجعلها شبيهة بخيال الشعراء والمبدعين، وما أحوجنا في مصر إلى الكثير من الخيال يسحبنا من مستنقع الرتابة والروتين. ..........".

يعرف الكاتب كيف يسوق لفكرته وكف يدلل عليها بهكذا بساطة، وبعيدًا عن التظير المفرط، وتجنبًا لشبهة "أستاذية"، يقدم أمثلة عملية لتلك الأفكار التي يطرحها عبر مقالاته، وهو منهج اعتمده الكاتب –تقريبًا- على مرّ المقالات داخل الكتاب. هكذا ضمن "علاء الدين" أن تظل فكرة –كأزمة الطاقة- هي الأولى بالبحث والتأمل، من مجرد أزمة كهرباء يتعرض لها المواطن المصري.

 

ما الجديد الذي قدمه وليد في أسلوبية الكتاب؟

أسلفنا بأن الرجل طوال الوقت يحاول أن يجعل من نفسه المتأمل من خارج الصندوق، ومن دون إغفال لكونه متورطًا في كل تفاصيله-، إلا أنه يتحول في مقالاته تلك إلى منحي جديد ومبتكر –ولعله ليس أول من فعل- إذ يستثمر شخص الكاتب وحس الشاعر وخيال المسرحي، ومشهدية الروائي السارد ويجعلها تقنيته المميزة لمقالاته، فينتج لنا "أسلوبية خاصة وجديدة" في كتابة المقال الصحفي المتواتر، مخالفًا بذلك ربما أشهر المدارس الصحفية التي تعلم فن كتابة المقال، فيقرر هنا –أيضًا- أن يكتب من خارج صندوق المقال الصحفي، ويخرج بمقاله الذي يطرح الأفكار المثيرة للتساؤل، من باب الإجابات إلى باب الأسئلة، فمع كل فكرة يقدمها تلمح ثمة سؤال أكبر وأعمق من وراء الطرح، وليس مجرد تقديم الحل أو الإشارة إلى ما يمكن عمله، وإن توهمنا ذلك في الظاهر. ولعل تدخل "الشاعر/ المسرحي/ الروائي/ القاص/ الرحالة" في المقال هو ما أنتج لنا خصوصية هذا الأسلوب الذي يقدمه لنا "وليد" خلال مقالاته، فمثلا تجده يقدم مقالًا كاملاً في صورة الحوار المسرحي، بل يجعلك –ومن خلال حبكة سردية ما- تصنع مشهدصا يوازي مشاهد المسرح، وتامل معي مقاله "جنات العبقرية المصرية" ص 183، بل تجد المقال يكاد أن يتحول إلى مشهد مسرحي صريح له مكان وزمان وشخوص، ويقطعه إلى مشاهد كما جاء في مقال "مشهد يومي" ص 163.

ورغم ذلك لا ينسى الكاتب بأن جمهور القراء في المقال ربما يحتاج إلى لغة سهلة وبسيطة، فتراه –رغم فصاحة اللغة وسهولتها- لا يمانع أن يضمن المقال حوارًا بالعامية، يطرح من خلاله السؤال الأعمق والفكرة المحور في المقال، وهذا ما يمثله مقال "بس أنا نفسي أتجوز" ص115، والذي يتناول فكرة منظومة علاج الحكومة لمرضى فيرس "C"، ففي المقال ومنذ اللحظة الأولى –وبغض النظر عن العنوان- يقول في مفتتح المقال "بص يا سيدي..عيب أكلمك عن الزحمة والعشوائية وما شابه ذلك من أمور باتت في بلدنا من باب العشرة التي لا تهون هذه الأيام ............"، هكذا يمزج بين مستويات اللغة بوعي وتمكن، فيزيد مقالاته رصانة وقربًا، وهو يعرف كيف يورط القارئ في الفكرة، ويتركه أما السؤال، لتبدأ رحلة البحث –معًا- عن الإجابات.

تدوينات على هامش الثورة:

يقدم "علاء الدين" في هذا الجزء من "ص"221 وحتى "ص 238"، نموذجًا لكتابة تتطور كل يوم، "كتابات الحياة الافتراضية" من منشورات "العالم الأزرق الفيسبوكي"، والتي انتبه بعض الباحثين إلى دراستها، فتجيء فقرات هذا الجزء كنوع من التوثيق للأفكار أكثر منه للمنشورات التي نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهنا فضل الكاتب أن ينشر تلك المنشورات بلا تحريف أو معالجة –تمامصا كما فعل مع المقالات- وكأنه يريد أن يقدم الفكرة لحظتها والسؤال الذي ألح عليه يومها، غير منشغل بطول أو قصر هذا التدوين.

هنا أراد "الكاتب" أن يحفظ ذاكرته الحياتية ويجعل تلك المنشورات "مُفكِّرة" تطرح الأفكار، ومن خلال هذا الطرح تضمن الحفاظ على الذاكرة التاريخية للحدث الآني وحمايته من التآكل أو النسيان والتحريف، وكأنه عود على بدء القديم فيُذكر نفسه أن الكاتب في زاوية ما ربما يمثل ضمير عصره، الذي يحميه من الزيف والتحريف، وذلم في الفترة من (1/2/2011 وحتى 1/7/2013".

صدمة الخروج:

قدم "وليد علاء الدين" في هذا الجزء الأخير من الكتاب من ص 239 وحتى آخر الكتاب دراسة تم نشرها –كما صرح الكتاب- في مجلة أدب ونقد "2006"، وفيها يحاول تحليل الشخصية المصرية تحليلا محايدًا ومتجردًا، شديد الانتماء لمصريته تلك التي مثلت إشكالية الفكرة التي طرحتها الدراسة وناقشت زوايا، وطرحت لبعض التحليلات والتصنيفات لتلك الشخصية المصرية –المتوهمة زعمًا- ومنها "شخصية المحتال" ص 243، و"شخصية الكامن" ص 244، و" شخصية المنسحب" ص 245، وبعدها يحاول أن يطرح رؤية تاريخية حول تلك الفكرة القومية التي تنبني عليها عبارة "أنا مصري"، ويتتبعها تاريخيًا في سرد شيق وماتع، إلى أن ينتهي إلى السؤال/ الفكرة التي تسأل عن اختراق هذا النموذج المصري.

كما أسلفنا، اعتمد الكاتب أن يثير الفكرة والأسئلة حولها، فيما يشبه العصف الذهني بينه وبين القراء، ولم يعنه بقدر ما أن تكون النماذج الواقعية التي شرح بها أفكاره العميقة تلك وقدم من خلالها أسئلته الصحفية والإبداعية، لم يعنه أن تقدم الإجابات التي تريحه باعتباره "واحد مصري"، قدر ما انشغل بتحفيزه وإثارة ذهنه.

استثمر الصحفي "وليد علاء الدين" كل من الشاعر والمسرحي والروائي وقاص أدب الرحلات في طول مقالاته وكتاباته تلك، مما يجعل الفعل الكتابي المُدقق داخل هذا العمل عملا متميزًا يضيف إلى شخص الكاتب، ويؤكد على على ما حرص على أن يثبته ولو من خلال نقده وأنه "واحد مصري" مثل كل المصرين مهموم بهذا البلد، لا يغفل ولا يطرف عنه كبقية المغتربين عنه ممن حكمت علهيم أقدارهم أن يحملوا أوطانهم في طياتهم وجنبات روحهم، فيبدون كأنهم حين يناقشون واقعه بأنهم يناقشون من خارج الصندوق، في حين ان الحقيقة أنهم متورطون حتى النخاع في داخل مرمى هذا الصندوق.

أدعوكم لقراءة "واحد مصري"، وأتطلع إلى قراءة روايته الأولي –وليست كتابه الأول- فيبدو أننا أمام نموذج وتجربة كتابية عرفت كيف تصنع من نصها الجيد دليلاً على إبداعها.

 

مختار سعد شحاته

Bo Mima

روائي، وباحث أدبي.

قراءة في صراع سليم اسماعيل

khadom almosawiكتابه الوحيد الذي ختم به صفحات من تاريخ، اجملها بالسطر الثاني بعد كلمة الصراع، عنوان الكتاب، مذكرات شيوعي عراقي، وأضاف (البصري) لقبا له على الغلاف وخاتمة الكتاب والإهداء. سليم اسماعيل، ابو عواطف، مناضل شيوعي وقيادي في الحزب الشيوعي العراقي، عضو لجنته المركزية ومسؤول منظمته الجنوبية وكادره الرئيس في بيوت الطباعة السرية للإعلام الحزبي خلال الفترات الصعبة من العمل السري في العهود المتلاحقة، الملكية والجمهوريات.

في الاهداء والشكر والتقديم اشارات معبرة عن تسجيله لما اورده في صفحات الصراع. ولم يشرح لماذا اختاره عنوانا لمذكراته. عن أي صراع يتحدث، وبأي فهم يعبر عنه، إلا انه اقتحم الاوراق وثبت ما لديه وما عاشه خلال الايام القاسية التي اختارها، انتماء وسيرة نضالية في حقب متنوعة ومتتالية. ورغم ذلك اكتشف انه بحاجة الى العودة الى الكثير من القضايا والحوادث في المستقبل، "وآمل من كافة الاخوة، ممن عاشوا هذه الاحداث، ان يوثقوها، وآمل منهم ذكر ما فاتني ذكره، مع شكري"!. كما في كلمات الاهداء اختصار لسيرته وتعبير عن مضمونها: "الى كل الذين ضحوا بحياتهم وبأعز ما يملكون من اجل حرية وطنهم، الى كل الذين استشهدوا وتغربوا وتيتموا، الى والدي اللذين ماتا دون ان احضر ماتميهما، الى كل من يقارعون الظلم والنظام الدكتاتوري في العراق....". وأكد في التوطئة: اسرد في هذه الرواية ان صح التعبير، فصولا من عملنا ونضالنا والمعاناة التي رافقتنا طوال سنين من اجل سعادة شعبنا ورفاهيته. (...) ان كل ما اورده هنا من ذكريات عبارة عن احداث حقيقية مستقاة من الواقع الذي عاشه صاحب هذه الرواية".... في هذه الخلاصة صورة عن حياة الشيوعي العراقي الذي حاول المؤلف ان يستذكرها ويقدمها في صراعه النضالي اليومي.

فصول الكتاب الاولى مشوقة، وواضحة العناية بكتابتها باسلوب روائي، تشد قارئها عن قصة هروبه ورفيق له من سيارة السجن والانتقال بين الارياف والقرى وصولا الى مدينته البصرة وعائلته عائدا كما خطط للحزب والكفاح الوطني السري. وكرر هذه الحادثة في سرده المتسلسل بعدها في موقعها من السيرة التي يستمر فيها في خمسة اقسام وأربعة وعشرين فصلا، مجموع الكتاب الذي يلخص سيرته وحياته او يستجمع فيها ما بقي في الذاكرة وخطه قلمه. واختياره للعناوين اعطاها رونقا ادبيا اضافيا لما حملته من معان سياسية. الابطال فيها كثر، الامكنة وطيبة الناس، النساء والرجال والأطفال، الذين يساعدون الهاربين ويحمونهم ويتحملون اضطهاد السلطات وممارساتها القمعية، بروح عالية وشهامة انسانية متميزة. نجح الكاتب في تسجيلها، وحسب موقعها من السيرة والأيام. متواصلا الى القسم الثاني، الذي عنونه: البصرة.. البدايات والطريق الصعب. حيث التاريخ والطفولة والإرهاصات الاولى، العائلة والمدرسة والمدينة، التاريخ وتحولات الزمان.. وبقي خط السرد فيها متقاربا ومتموجا في تفاصيل مذكراته كما اراد لها ان تسجل، وباسلوب التتابع التاريخي مع انتقالات الامكنة، من المدينة الاولى واحيائها وقصباتها الى المدن الاخرى. ساعيا الى توثيق للمتغيرات وظروفها، وإشارات مهمة للتاريخ عما عاشه وسط التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ثبت اولى اللقاءات التي أثرت في وعيه ودفعته الى الانتماء الى الحزب، من خلال فعاليات لاتحاد الطلبة العام ونشاطات ثقافية عامة وفرق رياضية وأخرى سياسية ومشاركة في تظاهرات وصدامات. عام 1950- 1951 (هكذا سجله...) رشحه ابن عمته علي الشعبان، عضو الحزب الشيوعي، الى الحزب وزوده بوثائقه ومطبوعاته. ونشط في يوميات الكفاح والعمل الحزبي فشارك في الاضرابات والمظاهرات العمالية، ونوّه الى دور الرفيق حميد بخش، سكرتير المنظمة الحزبية في البصرة، وأطلق عليه صفة "الداينمو المحرك للعمل"، وكلف بمسؤولية اللجنة العمالية في شركة النفط. وبسبب نشاطاته اعتقل ورحّل مع منظمه الاول ابن عمته الى سجون بغداد، فحضر اول محاكمة له، كشيوعي، عام 1953. وبعدها كرّت فترات الاعتقال والسجون والهروب منها. من سجن رقم واحد في بغداد الى اخرى ومنها الى سجن مدينة الكوت.. حيث وصف الحياة فيه، التي تعكس مشهد السجن وفعالية الشيوعيين فيه، حيث يحولونه الى مدرسة نضالية. عاشها الشيوعيون في معظم السجون في تلك الفترة وكتب عنها اغلب من سجل مذكراته، لاسيما المجازر الدموية التي كابدوها في اغلب تلك السجون. ومن ثم التفكير بالهرب من السجن والعودة الى الحزب، وهو ما تفرغ له او قدمه كصورة اخرى لمراحله النضالية التي شارك فيها، والتي تنقل خلالها بين بيوت مؤجرة لمهمات النضال السياسي السري وطباعة الصحف والبيانات الحزبية، وسجون موزعة في المدن العراقية. او يمكن اختصار سيرته/ مذكراته بينهما، بين السجون والعمل الحزبي السري، بين بيوت الطباعة ودروب الاختفاء. ولا ينسى الاشارة الى المحطات السياسية الداخلية والخارجية، من حكومات القهر واضطهاد الوطنيين والأحلاف مع المستعمرين الى الرعب من أي مظهر ثوري داخل او خارج العراق، مثلما حصل مع انتصار ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 في مصر، حيث دفع الشيوعيون العراقيون، بعد الاحتفاء بها، حسب الاحصائيات المتوفرة، ثمنا باعتقال اكثر من 312 سجينا شيوعيا في بغداد (ص 114). وتوقف عند سجن "نقرة السلمان" الذي نقل اليه من سجن بعقوبة بعد فشل محاولة هروب. وكعادة الشيوعيين يحتفلون في اية فرصة تتاح لهم ويعملون بدأب لانجاز مهماتهم الوطنية، فيستذكر دور قيادة سلام عادل للحزب ونجاحه في لم شمله، وصدور جريدة مركزية باسم اتحاد الشعب، وانعقاد الكونفرنس الحزبي الثاني 1956. وواصل سيرته من السجن الى المراقبة الى الخدمة العسكرية الى الهرب من جديد والعودة الى مقرات الطباعة واللقاء بسلام عادل مواجهة والعمل سوية في الطباعة السرية. واصفا الغرف السرية للطباعة وخلايا العمل فيها، والتعلم منها بمواصفات وضعها لمثل هذه المهمة. ولم يخل هذا العمل من مخاطر الكشف والقبض عليه من الشرطة والعودة مرة اخرى للتحقيقات والسجن ودوران الدورة او الحلقة الاخرى في سلم السيرة الشخصية. وفي السجون التقى نماذج مختلفة من الاشخاص، مروا بحالات ضعف وانكسار او قوة وصمود. ذكر مثالا لها كما عاد من جديد الى الطباعة هاربا ومتفرغا لها، للحزب والكفاح الوطني.

في القسم الثالث وعنوانه: ثورة 14 تموز وفترة قاسم، افرد له الفصول التاسع والعاشر والحادي عشر، من التهيؤ للثورة والعمل في بغداد الى تقرير انحراف الثورة والاعتقال في البصرة عام 1962. منتقلا الى القسم الرابع وعنوانه: انقلاب 8 شباط 1963 وحكم العارفين. واضعا له خمسة فصول حسب التدرج التاريخي. في فصل التهيؤ شرح اللقاءات التي كان يعقدها سكرتير الحزب مع عضو المكتب السياسي جمال الحيدري وعمال المطبعة وظروفهم وبيانات الحركة السياسية، اضرابات الفلاحين والعمال والجنود، وجريدتهم السرية. ومن ثم النهوض الكبير للشعب كله، بعد انتصار الثورة، وتشكل النقابات التي قادها الحزب وضمت بين 250- 300 ألف عامل، والجمعيات الفلاحية التي ضمت اكثر من 400 ألف فلاح، وقادها الشيوعي المعروف كاظم فرهود. وضم اتحاد الشبيبة الديمقراطي حوالي 120 ألف شاب وشابة، الى جانب اتحاد الطلبة العام ورابطة المرأة التي عقدت مؤتمرها الاول في بغداد، وضمت 40 الف امرأة. كما تشكلت لجان المقاومة الشعبية المسلحة، ولجان الدفاع عن الجمهورية وأنصار السلام ومنظمات اجتماعية متنوعة ونقابات المهندسين والأطباء والاقتصاديين، وجمعيات الكسبة والحرفيين والنوادي الرياضية. (ص 202). ورغم كل هذا النشاط والحراك سجل ملاحظات على عمل الحزب بغياب ستراتيجية واضحة المعالم، من اجل حكم ديمقراطي حقيقي او استلام السلطة التي يهدف كل حزب سياسي او تنظيم ثوري لها. وأشار الى التراجعات التي حصلت وانحراف السلطة، وتكرار الاخطاء ايضا مع حزب البعث في السبعينات، وتقديم التضحيات. وبين كل ما ثبته من التواريخ التقريبية، سجل تاريخ 1/5/1961 يوم عقد قرانه من رفيقته ام عواطف. ومثل بعض من احال القاريء الى مصادر اخرى لمتابعة الاحداث والارتباطات والتشابك السياسي، قام هو ايضا، وهذا ما يلفت الانتباه عند من يتنكب لنشر مذكرات شخصية، اذ يمكنه الاعتماد على مصادر بحثية وأكاديمية داعمة او موضحة للحدث، ويثبت رأيه وموقفه منها هو شخصيا لتكون مصدرا للقاريء او الباحث، والإطلاع على دوره وقدراته ومعالجته للإحداث او المنعطفات، دون ان ينسى انها مذكراته هو شخصيا. وانتقل في الفصول التالية لدورة اخرى من السجن والهروب والعودة الى المطبعة في بغداد. وإصدار جريدة طريق الشعب بعد انتكاسة شباط 1963، كما ذكر، ومن ثم الاشارة الى الاحداث المأساوية وذكر بعض الاسماء دون تفاصيل عن ادوارهم التي قدمت الكثير للحزب والكفاح الوطني، والمفترض انه يعرف ذلك، وتلك حالة متكررة عند اخرين ايضا، لأسباب سياسية حزبية وتعبير عن وعي حزبي ضيق الافق والتوجه، انكار بعض الادوار الرئيسية والمهمة لمناضلين نذروا حياتهم للحزب والشعب والوطن، واجتهدوا في سبل نضالهم. والملاحظة هذه واضحة لان كل كاتب سيرة ومذكرات يتطرق الى ما يحيط به سياسيا وإنسانيا ويعكس ادراكه ومواقفه منها ايضا.

وينتهي الكاتب في القسم الخامس الذي وضع له عنوانا تفاؤليا: مسيرة الاعوام القادمة، في ثمانية فصول، بدأت مع مسيرة نشاطه في الكونفرنس الثالث، والمؤتمر الثاني للحزب، اب - ايلول 1970، وظروف العمل الحزبي، والصراعات الفكرية الداخلية والانقسامات والمواقف من تطورات الحركة الوطنية، وتجربة الكفاح المسلح والتحاقه بها ولقطات منوعة من يوميات الاحداث، وصولا الى المساهمة في عقد المؤتمر الرابع للحزب عام 1985 وتقييم الفترة السابقة وتوافقه مع طروحاته وما نتج عنه، وتكليفه بمهمة تنظيم كردستان، سكرتيرا لمنظمة الاقليم، وما حصل له فيها، وما حدث بعدها في العراق، من حروب الدكتاتورية وصراعات القوى السياسية الى نهاية المطاف في الخروج من كردستان واللجوء الى المانيا، خاتمة للسيرة والكتاب.

يستعيد القاريء للصراع الكثير من المحطات والنضالات التاريخية للحركة العمالية والفلاحية والوطنية عموما، وصور الكفاح السري وظروف التحدي للمناضلين والحزب في الطباعة وإعادة البناء الحزبي، ويطالع اراء للكاتب في سياسات الحزب وتنبيهات مهمة، قد يتفق القاريء معها او يختلف، ولكنها تبين مواقفا خاصة للكاتب، تثير اسئلة عنها وفي حينها فهل سيبقى في موقعه القيادي؟، وليس في وقت الكتابة للصراع في مسكن مريح في المانيا.

يبقى اصدار مذكرات شخصية، ومع التطورات التقنية الالكترونية، مهمة لمعرفة الاراء الشخصية والمواقف الفردية، التي لها موقعها ومكانها في التحليل والبحث التاريخي والسياسي، ولها مواصفات وشروط يتطلب تتبعها كي تكون فعلا حاملة اسمها ومعناها. وهنا تسجل ملاحظات عامة على الكثيرين الذين نشروا مذكراتهم من القيادات الحزبية في العراق خصوصا، من شتى الانتماءات، تتعلق بضرورة اعتماد الموضوعية وشحذ الذاكرة والاستعانة بالوثائق والدراسات الاكاديمية كمكملات لها واغناء لمحتوياتها وتعميق لصفحاتها وإضاءة الشهادة التاريخية الموثوقة. فيكون غريبا ملاحظة الانكار والتنكر او التجاهل المتعمد في صفحات كثيرة لادوار معروفة ولمشتركات معلومة ولجهود مبذولة تنقص من مصداقية المتنكرين لها اكثر مما يُستهدف منها او لا تعطي للمذكرات او الاستذكارات او المقالات نزاهة المناضل وشجاعة الكاتب وصدق الكتابة. لاسيما انها للتاريخ، وللتاريخ حساب وكتاب...

 

كاظم الموسوي

.........................

* اعتمدت في القراءة على نسخة الكترونية، لم تشر الى تاريخ ومكان اصدار النسخة الورقية.

الترجمة حقل واسع خصب لنمو التجارب الانسانية

abdulrazaq alghalibiالترجمة عالم جميل من السحر والبراعة، لا يمكن لاحد ان يخوض غماره، الا من امتلك قدرة ادبية، وكان شاعرا كبيرا ذا ارث عميق في عالم الشعر، بل كان متذوقا بارعا في معاني الكلمات، ويمتلك احساسا بالكلمة ومعناها، وكيفية نقلها الى المتلقي، لتكون قريبة من اصل الكلمة، وخاصة عندما تكون الترجمة لقصائد شعرية لشعراء من بلدان مختلفة، كل واحد منهم له طابعه واسلوبه في الكتابة وطريقته في التعبير ورموزه الخاصة لا يصال ما يريد قوله، وقد استطاع الاستاذ (عبد الرزاق عوده الغالبي) من خلال ارثه الثقافي ومن خلال ما كتب في عالم الادب والقصة والشعر، ان يتقن هذه المهمة الصعبة، وان يبحر بشجاعة في عوالم تلك الباقة من الشعراء، لينقل بعض قصائدهم وما تحتويه من ارث كبير ومورث جميل لبيئتهم ومجتمعهم، فالمتلقي عندما يطلع على هذه القصائد المترجمة يشعر انه يقرا قصائد قريبة من نبض كلماتها الاصلية، ويمكن ان يجد من خلال قرأتها لذة الشعر، وطراوة الكلمة، ونكهة التعبير بين سطور الكلمات الشعرية المترجمة، ويجد الصورة الشعرية المرسومة بدقة في التعبير بشفافية عما تحتوي القصيدة، لتشعر انك في عالم القصيدة الفعلي، كما ظهر في قصيدة (الشحرور ازرق العينين) و(سليا) و(الذوق) و(الحمم المتوهجة) و(كيمياء الربيع) و(الزهرة البرية)

استطاع (الغالبي) في تلك القصائد ان ينقل الاحساس الشفاف بالكلمة وبجمالية القصيدة، اذ حافظت كل قصيدة على الرمز وقوة المعنى، وعلى اسلوب الشاعر في التعبير الجمالي الاصلي واظهار الصورة الشعرية الحقيقية، ليصور لوحة فنية بالوان جميلة وزاهية، واظهار الارهاصات والتناقضات التي تتبناها تلك النصوص الرصينة كما تمكن المترجم من ان ينقل للمتلقي صورة رائعة بأمانة ادبية، ومن هنا اشد على يد (الغالبي) في تجربته الترجمية تلك التي استطاع من خلالها نقل انساق مختلفة من القصائد الشعرية، لانساق ثقافية مختلفة ليظهر قدرة ادبية متميزة يمكن ان تكون نواة مثمرة لترجمات اخرى .

 

د. اسماعيل هاشم الياسري

دكتوراه في النقد الادبي

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

العبور الى الضفة الأخرى / ترجمة: عبد الرزاق عودة الغالبي

سوسيولوجيا الأدب والنقد

jamil hamdaouiيعد علم اجتماع الأدب (Sociologie de la littérature ) فرعا من فروع علم الاجتماع العام. ويهتم هذا التخصص بدراسة الظواهر الأدبية والفنية والجمالية في ضوء المقاربة السوسيولوجية، باستخدام المنهجية الكمية من جهة، أو المنهجية الكيفية من جهة أخرى، أو هما معا. ويعني هذا أن الأدب يعكس المجتمع، أو هو بمثابة مؤسسة مجتمعية كباقي المؤسسات الأخرى التي لها دور هام داخل النسق الاجتماعي الوظيفي. ومن ثم، فالأدب له تأثير كبير في المجتمع. كما للمجتمع تأثيره الخاص في الأدب.إذاً، هناك عملية تأثير وتأثر متبادلة. ومن ثم، فالأدب هو نتاج بيئة المبدع وظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والحضارية. وهو كذلك إفراز من إفرازات الحياة المجتمعية القائمة على التناقضات الجدلية، والصراع الطبقي، والتفاوت الاجتماعي. وبالتالي، يعبر الأدب عما هو مجتمعي. بمعنى أن الأدب وثيقة اجتماعية صادقة، تستجلي كل الوقائع والأحداث التي يعرفها المجتمع، ويعبر عنها المبدع بأسلوبه الفني والبلاغي الجميل. وأكثر من هذا فالأدب هو سجل مجتمعي يلتقط تفاصيل الحياة اليومية والواقعية، بكل جزئياتها المختلفة والمتنوعة، إما بطريقة انعكاسية مباشرة، وإما بطريقة ضمنية قائمة على التماثل.

إذاً، ما مفهوم علم اجتماع الأدب؟ وما أهم محطاته التاريخية؟ وما روافده؟ وما أهم اتجاهاته؟ وما أهم تصوراته النظرية والمنهجية؟ وما واقع سوسيولوجيا الأدب في الساحة الثقافية والنقدية العربية الحديثة والمعاصرة؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(سوسيولوجيا الأدب والنقد)، على أساس أن علم اجتماع الأدب تخصص سوسيولوجي مهم لدراسة الظواهر الأدبية والفنية والجمالية والإبداعية، في ضوء النظريات والمقاربات والمنظورات السوسيولوجية المختلفة، بغية مقاربة الأنساق الاجتماعية التي تتحكم في الآداب فهما وشرحا وتفسيرا وتأويلا.

و نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وماتوفيقي إلا بالله.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

سوسيولوجياالأدبوالنقد / د. جميل حمداوي

 

انصهار الآفاق وصراع التأويلات .. في العدد الجديد 61 – 62 من مجلة قضايا إسلامية معاصرة

758-refaieتواصل مجلة قضايا إسلامية معاصرة تطلعها الصبور لصناعة آفاق جديدة للتفكير الديني في الاسلام؛ بجدية وثقة وشجاعة. عبر اجتراح أسئلتها غير المكررة، وانشغالها في اللامفكر فيه في التفكير الديني، واقلاعها الجسور عن هموم الماضي وانشغالاته. ففي عددها الجديد 61 – 62 "شتاء وربيع 2015" عالجت: الهرمنيوطيقا وتفسير النصوص الدينية (4)، ومع تكريسها ثلاثة أعداد سابقة للموضوع ذاته، ووعدها بالاستمرار في تغطيته أيضاً في عددها القادم، غير انها أدركت ان الأزمة العميقة لعالم الاسلام اليوم ترتد الى ما تزخر به المدونة الفقهية من فتاوى واجتهادات تنتمي الى عصور أحكام السبي والاسترقاق والاماء والجواري، والتكفير والارتداد، وأحكام أهل الذمة ونظام الملل "العثماني"، وحروب المذاهب، وصراعات الفرق والطوائف، والبنية التحتية والمرجعيات التي تستقي منها تلك الفتاوي. عملت هذه المجلة منذ صدورها قبل 19 عاماً، على فتح نوافذ ضوء في الجدران المتصلبة والانتقال: من التفكير الديني القديم الى فلسفة الدين، ومن علم الكلام القديم الى علم الكلام الجديد، ومن آليات وأدوات النظر الفقهي القديم إلى توظيف مناهج التأويل الجديدة في تفسير النصوص الدينية، بغية الدفاع عن الدين والايمان بلغة العصر ومنطق معارفه وعلومه، واخراج المسلم من معاركه المتلاحقة مع العصر ومعطياته المتنوعة.

تصدرت العدد كلمة التحرير لاستاذ كرسي اليونسكو في جامعة الكوفة في العراق د. حسن ناظم، الذي تولى وزميله د. علي حاكم تعريب كتاب غادامير "الحقيقة والمنهج"، والذي هو أخصب عمل في أنجز في الهرمنيوطيقا في القرن الأخير. شدّد حسن ناظم في بحثه الموسوم: "تأويلية الفهم" على أن "الفهمَ تأويلٌ دائماً، ومن هنا فإن التأويلَ هو الفهمُ بشكله الصريح" حسبما اكتشف غادامير.

يسلّطَ ناظم في سياق (بحثه الضوءَ على بعض مشكلات الممارسةَ التأويلية عبر "الفهم"، وثمة ظروف تحفّ بنا تجعلنا نسلّط الضوء على "الفهم" الذي يحدّد وجودنا ومواقفَنا؛ لأنه من "الفهم" نفسه نحن ننطلق في ممارسة الوجود، ليس فقط على صعيد مواقفنا النظرية وآرائنا الفكرية، بل على صعيد أفعالنا الموجّهة من هذا "الفهم" نفسه بعد أن يُحكم قبضتَه علينا. هذا "الفهم" منغزر فينا، كامن في ذواتنا على هيأة "أحكام مسبقة", وكلاهما، "الفهم" و"الأحكام المسبقة"، يشكّلان بعضَهما بعضاً، وكلاهما يوجّهان تأويلَ النصوص).

وفي حوار مطول مع المفكر المعروف د. طيب تيزيني، حاوره فيه مدير تحرير المجلة: محمد حسين الرفاعي. يكشف تيزيني عن أن وظيفة الهرمنيوطيقا تتمثل في؛ انها تكشف عن الذاتية التأويلية، حيث تدخل ذوات البشر في الموضوعات التي تواجهها. وان الدائرة النصية التي ينطلق منها الباحث، من أجل الذهاب إلى النص تتسع عمقاً وسطحاً، وتشتمل على حقول معرفية مختلفة خمسة:حقل تاريخي وتراثي زماني، حقل سوسيوثقافي، حقل إثني، حقل جغرافي مكاني، وحقل جغرافي سوسيوإقتصادي. مع إضافة دائرة سادسة محتملة، هي ذات البعد الثقافي السيكولوجي. ويلاحظ أن تلك الدوائر الخمس تتداخل فيما بينها؛ إحتكاكاً وتفعيلاً، أو تهميشاً، أو تأجيجاً، أو تفضيلاً لواحدة أو أخرى على الأخريات.. إلخ. إن ذلك تضبطه حيثيات الذهاب إلى النص الديني. وماينبغي التنويه به هنا هو أن النص القرآني ترك مساحة أو مساحات متحركة، بحيث يمكن القول بأن النص المذكور أدرك خصوصية "الإرسال والتلقي"، فأنت تتلقى الرسالة النصية المقدسة، وتنتج إجابتك سلباً أو إيجاباً، أو بطريقة إيجابية سلبية، وفق ماتقتضيه ثنائية المعارف والمصالح، أو بحسب ما تمليه الدوائر الخمس المذكورة، وما يترتب على العلاقات الإيجابية أو السلبية القائمة بينهما. وقد أسس النص القرآني في بنيته، كما في وظائفه ورسائله، لمثل تلك التعددية المتمثلة بالدوائر الخمس أو الست، كما بثنائية المعارف والمصالح. أسس النص لإحتمالات وإمكانات التغاير في إستيعابه، حيث أشار إلى أن"الناس أجناس"، وأن أفهامهم لا تمثل خطاً واحداً غير قابل للتساؤل، فأتى ذلك بوضوح وبمواقع متعددة منه، كما في الآية: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة"؛ "لكم دينكم ولي دين"؛" لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً؛ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"؛ "لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي"؛ "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر".. إلخ. إن ذلك أسس لقاعدة تبنى عليها إحتمالات الحوار والتآخي والصراع، مما لم يكتف بالتأكيد على الإستمرار في فتح النص ضمن الدوائر الخمس الثنائية بين المعارف والمصالح، وفتح جيوب أخرى جديدة عمقت مفهوم "النص المفتوح"، في ضوء القراءة والتفسير والتأويل. يشير د. تيزيني الى امكانية إعادة قراءة الأديان بمزيد من العمق، في كونها هُوية البشر، وأسس قيمها الأخلاقية، وذلك على نحوٍ يلبي التحولات العظمى، التي تطرأ الآن على مفهوم " القراءة " الأكثر عمقاً في عصرنا. ومن شأن هذا أنه يساعد المسلمين والمسيحيين خصوصاً على اكتشاف مزيد من العمق في فهم الدين في المسيحية كما في الإسلام. وواضح ان الإمعان في التعمق بالأديان، وفي إحترامها الكبير، سيوسّع دائرة التعددية والتسامح والوسطية. وهذا يعني إدراكاً معمقاً لضرورة وضعها محترمةً مع أنماط التفكير البشري الأخرى، مثل العلوم بمختلف تجلياتها وخصوصاً منها العلوم الإجتماعية والإنسانية.

758-refaieيكتب المفكر التونسي د. عبد المجيد الشرفي مدخلاً لدراسة قضية اشكالية هامة تتناول: نشأة وتطور عقيدة التوحيد. فيشير الى أنّ القضيّة اليوم، أنّ الأقنعة الغيبيّة والدينيّة بصفة عامّة، التي كانت تغطّي المؤسّسات الاجتماعيّة قد سقطت الواحد تلو الآخر، بفضل الاكتشافات المهمّة في علوم الإنسان والمجتمع خلال القرنين الماضيين، لتكشف الوجه الحقيقيّ لهذه المؤسّسات، فهي هشّة، ونسبيّة، وينبغي بناؤها وتوطيدها باستمرار. وهنا يتحتّم على المؤمن الحصيف والواعي بالتحوّل الجذريّ الطارئ على منزلة الدين في المجتمع، العودة، بشكل ما، إلى إيمان روحيّ وأخلاقي يعطي للتوحيد عظمته، ويبقيه أفقا صالحا في عصرنا، باعتبار أنّنا نشهد اليوم أزمة كونيّة عميقة في القيم، الّتي اقتصرت على البحث عن المادّة والنجاعة، وباعتبار أنّنا نشهد أيضا توظيفا للدين وأدلجة له بشتّى الطرق، وقصره على مجموعة من الإلزامات الشكليّة، وكلّ ذلك بواسطة قراءة حرفيّة للنصوص التأسيسيّة، وتشبّث مرضيّ بالموروث.

وقدّم أستاذ الفلسفة المعاصرة بقسم الفلسفة، في جامعة الكويت د. الزواوي بغوره دراسة تناولت: التأويل المنهجي والموقف من المنعطف اللغوي. وأوضح أن الموضوع الذي يعنينا بحثه هو تعيين منزلة اللغة في الفلسفة التأويلية، وبيان حدودها، وبخاصة أن هذه الفلسفة التأويلية تستمد قوتها المعرفية من علم لغوي ظهر في القرن الثامن عشر وما يزال يقدم الكثير من الفتوحات ونعني بذلك، فقه اللغة.كما تعتمد على تجربة تاريخية وثقافية غنية، عرفتها ألمانيا في العصر الحديث وتجسدت في الإصلاح الديني، وتعمقت تحليلاتها بما زودتها الفلسفة الظواهرية من تقنيات وطرائق، علما أن الظواهرية فلسفة في اللغة والمعنى بالدرجة الأولى، وأن الصراع والسجال مع المدرسة التحليلية والمنطقية الانجلوسكسونية، دفعها إلى تجديد طرائقها وتعميق قضاياها. وتحقيقا لذلك، فإننا سننظر في عنصرين متكاملتين هما المسار التاريخي للتأويلية، والمسار الفلسفي الخاص بالفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وما قدمه على صعيد التأويل واللغة.

وتناول أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية د. وجيه قانصو دراسة تحليلية لـ" النص الديني ورهانات المعنى السياسي". وان معنى النص نتاج عملية احتكاك شخصية أو جماعية للنص. ذلك أن النص لا يملي معناه الخاص، لأن هذا المعنى ببساطة غير موجود وجوداً خفياً وكامناً قبل عملية القراءة، بل يتشكل تدريجياً أثناء عملية القراءة، وتكتمل حقيقته التصورية مع نهاية فعل التلقي واكتمال عملية الفهم، والتي يسهم فيها النص والقارئ معاً، وفق شروط تلق خاصة. فلا ينتجه كل من النص والقارئ بشكل مستقل عن الآخر، ولا يمليه أي طرف على الآخر بنحو الإرغام، بل هو ثمرة مسار من الإملاء والإملاء المضاد، لكل من الطرفين ضد الآخر، المقاومة والمقاومة المضادة بينهما، إلى أن تستقر المواجهة على تسوية معنى معين أو توازن واستقرار بين قوة الدفع والجذب التي يمارسها كل طرف على الآخر. ولا يستلزم القول بأن النص معرض للإدلاء بمعان متناقضة ومتضاربة أو معانٍ عشوائية، بحكم قابلية النص لكل معنى. فالنص ليس مسؤولا عن أي تناقض أو تعارض يحصل، بل هو أثر من آثار التنوع البشري والتباين المحتمل والممكن بين المتلقين للنص، الناتج عن اختلاف بيئتهم وانتماءاتهم وميولهم الشخصية، إلى ما هنالك من المتغيرات التي لا يمكن حصرها بين الأشخاص والجماعات.كما أن عشوائية المعنى تكون محتملة أيضاً إذا كانت ضوابط فهم النص وقواعد التفكير عشوائية. أي إن العشوائية ليست من توابع النص، بل من توابع عملية التلقي نفسها، إذا كانت محكومة بمزاج عشوائي متقلب، فردي أو جماعي، لا تحكمه قاعدة أو آلية منضبطة.

كذلك تناول أستاذ الفلسفة بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما د. محمد المزوغي " فلسفة التأويل عند جياني فاتيمو"، وفاتيمو فيلسوف إيطالي لم يترجم إلا القليل جداً من كتاباته بالعربية. يكتب المزوغي: إن أكثر الأفكار التي تُقلق فاتيمو وتثير فيه ردّة فعل متشنجة هي القول بأن الهرمنيوطيقا لها موضوع محدّد، وغايتها هي الوصول إلى الحقيقة؛ بمعنى تطابق ما في الأذهان لما في الأعيان. لم يبق أمام فاتيمو إلاّ تصوّر الهرمنيوطيقا على أنها مِيتَا - نظريّة لكلية الظاهرة التأويلية، كإطلالة من أي مكان على الصراع الدائم للتأويلات، أو على لعبة التأويلات. النتيجة هي أن تقبّل هذا التصوّر يعني اختزال الهرمنيوطيقا في مسألة خيار ذوقي، لا بل ربما لا يتعلق الأمر بخيار، وإنما بتسجيل حالة روحية غير قابلة للتفسير للذات أو الايصال للآخرين. إن كل ما تقدمه الهرمنيوطيقا بشأن موضوعها النظري هو تاريخ، سواء بمعنى "تاريخ أعمال" أو بمعنى "تاريخ أحداث"، أو ربما أيضا بمعنى خرافة، (nel senso di una favola أسطورة، لأن هذا التاريخ يقدم نفسه كتأويل وليس كتوصيف موضوعي لأحداث عينيّة.

كما يكشف أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة د. علي مبروك عن المراوغة التأويلية للإسلام السياسي: والانتقال في شعاره "من شمول الإسلام إلى الحاكمية". إذ يقول مبروك: ان الفكرة الملحة لديهم هي الانتقال من اعتبار السلطة جزءاً من الإسلام إلى اعتبارها جزءاً من الألوهية. لقد أقام "المودودي" بناء مفهوم الحاكمية ـ الذي هو المفهوم الأكثر مركزية في خطابه على الإطلاق ـ على بعضٍ من الأفكار التي استعارها من منظِّر السلفية الأكبر "ابن تيمية"؛ وهي الأفكار التي يبدو أنها قد وصلته عبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي كانت أفكاره قد وفدت إلى شبه القارة الهندية منذ القرن التاسع عشر. وتكاد فكرة "ابن تيمية" التي ميَّز فيها بين توحيد "الألوهية" وتوحيد "الربوبية" أن تكون هي الأساس الذي أقام عليه مفهوم الحاكمية. ويترتب ذلك على حمولة المعنى التي أعطاها "ابن تيمية" لكل واحدٍ من نوعي التوحيد. إذ فيما توحيد الربوبية عنده أن الله هو الحاكم وحده لعالم الكون، فإن المعنى الذي يعطيه لتوحيد الألوهية يشير إلى أن الله هو وحده الحاكم المسيطر في عالم الإنسان. ما يتبناه المودودي من توحيد السلطة يقوم على التسوية بين مجال الكونيات ومجال السياسات، اللذين لا تستقيم التسوية بينهما أبداً. فإن ممارسة السلطة في كل واحدٍ من المجالين لا تتحقق على الشاكلة نفسها أبداً. فإذا كان الله يمارس سلطته في مجال الكون والطبيعة من خلال القوانين والسنن الكونية، فإن هذه القوانين والسنن هي ذات وجودٍ أنطولوجي موضوعي؛ وعلى النحو الذي تكون فيها مستقلةً على نحوٍ كامل عن كل عمليات الفهم. وبعبارة أخرى، فإن ما تتميز به من الوجود الأنطولوجي الموضوعي يجعلها تشتغل دوماً، وعلى النحو نفسه، سواء كانت موضوعاً لفهم البشر أو لم تكن. وإذا كان المودودي يتصور أن الله يمارس سلطته في مجال الاجتماع والسياسة من خلال القوانين التي أنزلها في كتب الوحي، فإن هذه القوانين لا تتميز بالوجود الموضوعي الأنطولوجي نفسه الذي تتميز به القوانين الكونية والطبيعية، لأنها تتبدَّل بحسب أوضاع المُخَاطَبين بالوحي. ولهذا فإن القوانين الموحاة في الكتب المقدسة لا توجد أبداً في استقلال عن عمليات الفهم البشري لها؛ والتي هي عمليات متحولة بطبيعتها. ومن هنا فإن قوانين الاجتماع والسياسة ـ حتى التي نطق بها الوحي ـ تظل قابلة للتبدُّل والتغيير عكس القوانين الكونية التي لا تقبل التغيير والتبدُّل أبداً. وبالطبع فإن قابلية قوانين الاجتماع والسياسة للتغيير والتبدُّل يرتبط بكونها لا توجد في استقلال عن عمليات الفهم؛ وعلى النحو الذي يستحيل معه الإمساك بها في حضورها الإلهي السابق على دخول الفهم الإنساني في تركيبها. وغنيٌّ عن البيان أن دخول الفهم البشري في تركيب هذه القوانين إنما يؤول إلى أن سلطة الحكم بها ـ في مجال الاجتماع والسياسة ـ لابد أن تكون إنسانية في جوهرها. وإذ تكون السلطة في مجال الاجتماع والسياسة إنسانية في جوهرها، فإنه ليس من معنى للقول بإلهيتها إلاّ إسباغ قداسة الإلهي على ما لا يمكن إلاّ أن يكون إنسانياً.

وكتب استاذ السميائيات والتأويليات- جامعة مولاي إسماعيل، الكلية المتعددة التخصصات، الرشيدية في المغرب د. عبدالله بريمي عن " اللغة نموذج لبلوغ الوعي الهرمنيوطيقي لدى هانز جورج غادامير"، عالج فيها كيف أن النص لا يعدّ محض قطعة من الماضي، بل يظل يتمتع بالمعنى إنتاجا وتداولا كلما تمّت قراءته. ويتم تجاوز المسافة التاريخية بين الماضي والحاضر عبر العلاقة التي يقيمها المؤول مع النص بتوسط اللغة. ولذلك تعدّ اللغة عملا وعنصرا أساسيا في اتصال التراث وربط الماضي بالحاضر. وإن التراث أو التقاليد المكتوبة ليست قطعة جامدة من الماضي، إنها على العكس من ذلك، فهي تشكل امتدادا في الحاضر وتطلّعا نحو المستقبل؛ إنها في عرف گادامير ليست موضوعات قارة تتميز بسكونية بحتة، لا رابط بينها، وإنما هي لغة حية تشعّ بالرموز والمعاني وتختزن كمّا دلاليا هائلا يجسّد استمرار ذاكرة الماضي في الحاضر بحيث تصبح جزءا لا يتجزأ من عالمنا الخاص.

أما أستاذ الفلسفة المعاصرة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة د. أحمد الفرحان، فاهتم بـ " تأويل الحياة الكتابية للذات الاعتقادية عند ريكور". وشرح إنّ ما يدفعه إلى دراسة كيفية "تأويل الحياة الكتابية للذّات الاعتقاديّة" عند بول ريكور هو الكشف عن نمط وجود الذّات المؤمنة، بوصفها ذاتاً تعتقد في قدرتها على الاستجابة لنداء أعمق، يأتيها من وراء محدوديّة الحجاج الفلسفي في الاستدلال على المعنى التراجيدي للوجود الإنساني في العالم. إنّ الاعتقاد عند ريكور، في نظرنا ومن خلال قراءتنا وتأويلنا لنصوصه، يقف خلف كلّ قدرة للذات على الفعل والمبادرة بما هو إيمان عميق بأنّ القدرة على الإبداع والتجديد ممكنة مادام الذكاء الهرمنيوطيقي في فهم الذات عبر تأويل الوساطات التي تتوسّط فهمها للذات من علامات ورموز ونصوص ممكنة. ولا يتأتى هذا الإمكان إلاّ باغتناء ملكة الخيال من خلال القراءة المبدعة للنصوص، المؤسِّسة لمعنى وجود الإنسان في العالم، وأعظم هذه النصوص وأكثرها خلوداً تبقى الأساطير والنصوص الدينية المؤسِّسة للجماعات البشرية.

وقدّم أستاذ الفلسفة الغربية المعاصرة بجامعة قسنطينة 2، الجزائر د. إسماعيل مهنانة: "مدخلاً إبستمولوجياً لمسألة النص". أوضح فيه أن مصدر كل معارفنا عن الإسلام الأّول، وحياة النبي مؤسس الديانة، بما في ذلك البحوث الاستشراقية، هو كتب السيرة الكبيرة، التي كتبت في معظمها بعد حياة النبي محمد بأكثر من قرن ونصف، كما أن هذه السير بدورها تتناسل كلها عن بعضها، وتعود إلى سيرة ابن اسحاق في معظمها. إن السيرة هي شكل من أشكال الأدب تشبه القصة والرواية، أكثر مما هي تاريخ علمي، ولهذا فمعظم الأحداث والمواقف والأقوال التي تنقلها يشوبها الخيال الأدبي والشعري، وقد كتبت عادة في ظروف سياسية متباينة، وهذا ما يفسر تباين الروايات، حيث أن أب السيرة كلها كان غرضه تأييد أو تفنيد المواقف السياسية المختلفة للخلفاء ومناوئيهم، بذكر موقف مشابه حدث في حياة النبي، مما يعني أن بعضها اختراعا محضا.

واهتم الباحث المغربي في البلاغة وتحليل الخطاب د. مصطفى الغرافي بـ"قراءة النص الديني

والتأويل بين مطالب العقل وضوابط النقل". فخلص الى أن كل قراءة للقول القرآني المعجز تظل محاولة تنشد الإحاطة بالمعنى الواحد والمطلق الذي تضمنته "رسالة" السماء إلى الأرض. وبذلك لا تخرج جميع القراءات، مهما اختلفت مشاربها وتباينت مقاصدها، عن كونها سعيا إلى التطابق مع القصد المتعالي والممتنع لخطاب يتميز عن سائر الخطابات الأخرى بأن باثّه ليس له أي حضور مادي. وبذلك تغدو القراءات المختلفة التي أنتجها المفسرون قديما وحديثا أثرا للمعنى. إذ يتعلق الأمر على الحقيقة بمعانٍ تأويلية، ليست قطعا هي المعنى الوحيد المقصود، لأن "معاني القرآن" قابلة للتعدد والاتساع مع الزمن، لكون باثّها يتملك معرفة مطلقة لا حدود لها، تلائم المعرفة الإنسانية في جميع العصور مهما تقدمت وتطورت.

وتناول الباحث المغربي د. العياشي ادراوي "الفعل التأويلي والإنتاج المعرفي". فأشار الى طبيعة العلاقة القائمة بين الفعل التأويلي من جانب، والبناء المعرفي من جانب آخر؛ استناداً إلى زاويتَيْ نظر مختلفتين متكاملتين، تتمثل أولاهما في اعتبار "كل معرفة تأويلا"؛ ما يعني أن النتاج الفكري والرمزي والثقافي والعلمي، و الحقائق الموصولة به على اختلافها، ذات جوهر تأويلي. ومن ثم لا قيمة لها "في ذاتها" وإنما قيمتها فيما تخضع له من قراءات وتفسيرات وتأويلات. وعلى هذا الأساس يكون المنطلق ـ كما يقول نيتشه ـ" لا توجد حقائق وإنما هناك فقط تأويلات. أما الزاوية الثانية فتتجلى في النظر إلى "التأويل بما هو معرفة"، أي بوصفه مسلكا للحقيقة واليقين، وآلية لبناء الأنساق المعرفية والأنظمة الفكرية. وتبعا لهذا لا يكون النشاط التأويلي أداة هدم ونسف، بل وسيلة بناء معرفي وتوليد دلالي، على نحو ما هو راسخ في تصور الفكر الإسلامي للممارسة التأويلية. وبالنظر إلى ذلك يكون المنطلق أنه "لا توجد تأويلات فقط وإنما هناك حقائق أيضا". الأمر الذي يفضي إلى وجود أنموذج معرفي قابل للاتساع والامتداد، والانفتاح والتجدد، بحسب تجدد الظروف التاريخية والسياقات الاجتماعية، وبحسب تغير الشروط الفكرية والثقافية التي تفرض، في الغالب، أسئلة جديدة ومتطلبات مغايرة، تُوجب مراجعة المنجز، وإعادة النظر في المتحقق، وفق عقل تأويلي استفهامي، ورؤية تصحيحية تجاوزية.

وواصل المترجم العراقي المقيم في سويسرا د. أسامة الشحماني تعريب الخطاب الثالث من كتاب شلاير ماخر عن الألمانية. وأشار الى أن شلايرماخر في خطابه الثالث يواصل نقده لدخول العقل مجال الدين، وتركيزه على كون الإيمان ضرباً من ضروب الاختلال والانحراف بالأفكار إلى ما لا يحتمله العقل بتقنيته البراغماتية المحكومة بضوابط لا يمكن للدين قبولها. لقد ثبّت شلايرماخر في هذا الخطاب الارتباط الوثيق بين الدين والفن، إذ يقول: "الدين والفن يقفان جنباً إلى جنب، كما ترتبط روحان بعلاقة ودية داخلية، وفيما إذا كانت علاقتهما مشوبة بشيء من الغموض والابهام، ويعاقب فيها كلُّ منهما الآخر، فذلك أمرٌ مجهول بحاجة لأنْ نتمعّن فيه مراراً". وبناءً على هذا الفهم قوّض شيئاً من المسلمات الفلسفية التي كانت سائدة في التعاطي مع موضوعة الدين، مشيداً فهماً مغايراً للدين ولوجدان المتديّن. وتلك واحدة من الأفكار التي أدخلت شلايرماخر فيما بعد في جدل ونقاشات حامية الوطيس قادته لأن يدافع عنها في كتابه "المناجاة" مفصلاً فيه ما أجمله في هذا الكتاب.

وكعادتها نشرت المجلة في باب "أفكار للمناقشة" مرافعة هامة بين باحثين متخصصين في فلسفة صدر المتألهين الشهير بملا صدرا الشيرازي. الأول لا ينفي عن الشيرازي الانتحال وسلخ آثار ونصوص من فلاسفة آخرين، والثاني ينقد ذلك، ويسعي للتدليل على عدم صحته.

فقد ذهب د. حسن اسلامي الى أن هناك افراطا وتفريطا في الحديث عن الشيرازي. فمثلاً كتب علي أصغر حلبي: (لا تكمن أهمية فيلسوفنا في تأليفه كتابا ضخما بحجم الأسفار، وإنما تكمن أهميته في بيان بضعة مسائل بديعة، لا يتجاوز بيانها أربعين صفحة، ولو أن هذا الرجل العظيم قد اكتفى بطرح هذه الأفكار في رسالة مختصرة، لكفى نفسه وكفانا مؤونة قراءة موسوعاته).كما نقل اسلامي قولاً يبالغ في قيمة منجز ملا صدرا، إذ يكتب رضا نجاد بأن: الذي لم يغترف من معين الفلسفة الصدرائية غرفة، فهو خارج عن دائرة الإنسانية، معتبرا جميع أفكاره فاقدة للقيمة. (وفي عصرنا الراهن إذا قدر لفيلسوف أن يحيط علما بجميع الفلسفات الشرقية والغربية، ولم يستنشق عبير الجنة من الأسفار الأربعة، وسائر مؤلفات صدر المتألهين، لن يكون في واقع الأمر واصلا إلى عمق الفلسفة، وعاش حياة بائسة ووضيعة).

لكن الباحث أكبر ثبوت دافع عن اتهام الشيرازي بالانتحال في بحث ناقش فيه ما أورده د. اسلامي. وأخير رد الأخير على ثبوت مفنداً دفاعاته.

يتضن العدد أيضاً مراجعة لكتاب "الايمان والتجربة الدينية"، اعداد وتحرير: د. عبدالجبار الرفاعي. وهو الجزء الثاني الذي صدر حديثاً من؛ "موسوعة فلسفة الدين".وفي الختام تضمن العدد نقداً للعدد الماضي، أعده د. قحطان جاسم.

هذا عرض مقتضب سريع لمواد المجلة، التي تقع في 400 صفحة، ولا شك في انه لا يغني عن مطالعة للموضوعات الغنية المتنوعة التي استوعبها العدد.

مبادىء علم الاجتماع الاقتصادي

jamil hamdaouiيعد علم الاجتماع الاقتصادي(La sociologie économique) فرعا من فروع علم الاجتماع العام. ويعني هذا التخصص دراسة الظواهر الاقتصادية في ضوء المقترب السوسيولوجي، بفهم أشكال الاقتصاد وتفسيرها، وربط الصلة بين المنافع الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية. علاوة على ذلك، فعلم الاجتماع الاقتصادي هو ذلك العلم الذي يعنى بدراسة الأنشطة الاقتصادية، من إنتاج، وتوزيع، وتبادل، واستهلاك.ومن ثم، فالسوسيولوجيا الاقتصادية هي دراسة للنظام الاقتصادي، في مختلف بنياته، وأشكاله، وأنساقه، وأنشطته، ودوراته، ووظائفه، وعلاقاته، مع التركيز على الأفعال الاقتصادية العقلانية والهادفة في سياقاتها المجتمعية.

إذاً، ما علم الاجتماع الاقتصادي؟ وما مواضيعه؟ وما تاريخه؟ وما رواده قديما وحديثا؟ وما تصوراته النظرية والمنهجية؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(مبادىء علم الاجتماع الاقتصادي)، على أساس أن علم الاجتماع الاقتصادي هو علم مهم للبحث عن العلاقة التي تجمع بين الظواهر الاقتصادية وبنية المجتمع. ويعني هذا أن المجتمع الإنساني يعرف مشاكل معقدة وعويصة جدا، ولايمكن معالجتها أو تشخيصها إلا في إطار اقتصادي. والعكس صحيح أيضا، فكثير من الظواهر الاقتصادية لها ارتباط وثيق بالمجتمع من جهة، وبأفعال الأفراد والمجتمعات من جهة أخرى. ويعني هذا كله أن النشاط الاقتصادي يقوم به الفرد البشري بتعاون وتضامن وتبادل مع الأفراد الآخرين، ضمن سياق مجتمعي معين. لذلك، تتخذ الظواهر الاقتصادية طابعا اجتماعيا، مادامت ترتبط برغبات الأفراد وحاجياتهم وحوافزهم وأنشطتهم. كما أن الاقتصاد في خدمة توازن المجتمع وتماسكه وانسجامه ليس إلا.

و نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وماتوفيقي إلا بالله.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

مبادىء علم الاجتماع الاقتصادي / جميل حمداوي