كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

ملاحظات على كتاب جديد عن محمود درويش

faroq mawasiالسياسي نبيل عمرو مستشار الرئيس ياسر عرفات، وقد كان وزيرًا للإعلام- أصدر حديثًا كتابًا جديدًا عن حياة صديقه محمود درويش اليومية، همومه ومرضه وتساؤلاته، والكتاب كاسمه "محمود درويش في حكايات شخصية"- رام الله: مؤسسة محمود درويش.

لن ألخص الكتاب المهم، ففيه مقدمة مميزة للكاتب خيري منصور، وفيه مقابلات أجراها نبيل مع الشاعر، وسأدع المهتمين يبحثون عن الكتاب، ففي قراءته فائدة.....

لا شك أن هناك ملاحظات لي على الكتاب، ولست أبغي هنا إجراء عرض نقدي، فاعذروني إذا اكتفيت ببعض ما لاحظته من إشارات.

...

المأخذ الأول الذي تنبهت له وأحببت أن أشير إليه أن الكاتب يذكر في فصل "بوابة مصر"، ص 47 أن درويش دخل مصر في عهد الرئيس عبد الناصر، فكتب:

"لقد رحب عبد الناصر بحضور محمود درويش إلى مصر متجاوزًا حرج أنه قادم من إسرائيل"،

وفي مكان آخر يكتب:

"إلا أن الشاب الذي احتضنه عبد الناصر وفتحت له عاصمة العروبة أبوابها....."،

وكذلك: "ظل محمود عارفًا بجميل عبد الناصر ومحمد حسنين هيكل مدى الحياة" (ص 48).

.........

الصواب يا أخي نبيل أن محمود درويش لم يلتق عبد الناصر في القاهرة، ففي سنة 1970 خرج محمود من البلاد متوجهًا إلى موسكو بقصد الدراسة، ونحن نعلم أن الرئيس المصري رحل إلى الرفيق الأعلى في 28 أيلول سنة 1970، فإن التقاه فإذّاك في موسكو، وكان أحرى بك أن تعلم، فقد كنت سفير فلسطين في موسكو لفترة طويلة!

...

وصل محمود في التاسع من فبراير 1971 إلى القاهرة أول مدينةٍ من العالم العربي تطأها قدماه. وعقد ظهر الخميس 11 فبراير مؤتمرًا صحفيًا التقى فيه بالكتَّاب والأدباءِ والشُّعراءِ والفنَّانين والصحفيين والمراسلين العربِ والأجانبِ في مبنى الإذاعةِ والتليفزيون بالقاهرة. وقدَّمه محمد فائق وزير الإعلام المصري وقتذاك.

ويومها قال محمود في إطار "بَيَانٍ" كَتَبَهُ:

"ولكنَّ عذري أنني أصبحتُ أُحسُّ أنني أقتربُ يومًا بعد يومٍ من نقطةِ العجز عن القيامِ بالواجبِ كمواطنٍ أولاً وكشاعرٍ ثانيًا.. لقد أصبحتُ تمامًا مشلولَ الحركةِ والحريةِ تمامًا في بلادي من ضراوةِ الكبتِ والتعصُّبِ.. وأصبحتُ لقمةً سَهْلَةً في فَكِّ العنصريةِ الإسرائيليةِ.

وأصبحتُ مُعَلَّقًا على مطاطِ الصيغِ الدبلوماسيةِ لكي أنجوَ من القانونِ الإسرائيليِّ.

إنني لا أشكو ولكنَّ شعرةَ معاوية بيني وبين القانون الإسرائيلي قد انقطعت وطاقتي على الاحتمال قد نفدت.

....

وعدم الدقة يظهر كذلك لدى الكاتب في تحديد مكوثه في القاهرة "سنتين" (ص 48)، والصواب أنه مكث ما يقارب السنة - حتى سنة 1972، إذ توجه إلى بيروت، ودليلي على ذلك كتاب أحمد جواد مغنية:

الغربة في شعر محمود درويش 1972 - 1982، أو فترة الاقامة في بيروت.

(الكاتب عمرو يذكر أنه وصل إلى بيروت سنة 1973، ص 49.)

...

ومن الخطأ قول الكاتب: "أنه وهو في بداية العشرين من عمره كان يجلس في غرفة واحدة مع محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وغيرهم من الأوزان الثقيلة في عالم الأدب" (ص 48).

والصواب أنه احتفل بعيد ميلاده الثلاثين هناك.

مع ذلك يبقى كتاب نبيل في عداد الجميل.

 

 

القاص فرات صالح وعربته التي تحرسها الأجنحة

jasim alayff"عربة تحرسها الأجنحة"* المجموعة القصصية الأولى للقاص فرات صالح،مع حجمها الصغير، فأنه يقسمها على (ثلاثة كتب)؟!.دون أن يُعرفنا على الأسباب المؤدية لمثل هذا التقسيم؟!. (الكتاب الأول)، احتوى على ثمان قصص و(الثاني) تسع و(الثالث) سبع، وبعضها قصص قصيرة جداً، وأغلبها في (الكتاب الثاني). ثمة وشائج وتأثيرات متبادلة بين ما يكتبه القاص (فرات صالح) من قصص وقصيدة النثر، كونه يمارسهما معاً،ونلاحظ أنه قد عمل على المزاوجة بين توجهات واشتراطات ومهيمنات بعض قصائد النثر،الراهنة، والسرد في أغلب قصص المجموعة،التي حملت بين طياتها ملامح وتوجهات شعرية ودرامية مع مساحة ما لاستنطاق ذوات الشخصيات القصصية. القاص وفي مجموعته، اعتمد على الأسلوب الأبلاغي وهو من الأساليب التي تعتمد على تلخيص الإحداث والبؤرة الواحدة دون التشظي والإسهاب الفائض عن الحاجة في مثل هدا النوع من القصص، ومن هنا كان إيقاع القص مقتصداً وسريعاً مما أضاف عليها الإمتاع والومضة والمفارقة التي كما أوضحنا تكاد تتميز بها بعض قصائد النثر حالياً،كما عمد القاص(صالح) لاستخدام تيار الوعي مع استثمار روح الدعابة سردياً، عبر المفارقات الساخرة التي انطوت عليها غالبية القصص. تبدو قصصه وثيماتها هي مشاهداته اليومية وتجاربه الشخصية الحياتية التي يعيد سردها، ويحاول أن يرتقي بها فنياً دون أن يضع لتقبلها محددات واشتراطات خارجية، تاركاً للمتلقي تقدير صدقها أو عدمه، وهي بمثابة شفرات،ملغزة، رامزة، يتمنى قبولها من قبل المتلقي المرتبط به في الحلم وأمل الحياة المشتركة وعوالمها التي تعاش مرة واحدة في هذا العالم، ويجهد القاص عبر قصصه ومنحاها أن تكون بفضائل إنسانية وعلاقات متينة، خالية من الرذائل، والموت المجاني الذي عصف بنا سابقاً وما يزال. يلاحظ أن المهيمنات في قصص (عربة تحرسها الأجنحة) مبنية على وفق تقنية التوجه الذي يعتني بتقليل جرعات سرعة السرد وتكثيفه باتجاه تسليط إضاءة ساطعة على تفصيلاته الموجزة وهذه التوجه يسهم مع تقنية الوصف لإتمام البناء الفني في القصص وخاصة القصة التي حملت اسم المجموعة ونعني بها(عربة تحرسها الأجنحة) ومعها قصة ( التمثال) ففيهما نجد الراوي يتابع حركة الأشخاص بتفصيل مكثف - مختلف وتتوفر في هذا الجانب السردي كل العناصر الضرورية التي تهيئ للمتلقي متابعة الحدث وارتباطاته بالمشاهد التالية، ويلجأ القاص إلى الوصف المرتبط بالسرد الفني لغرض إضاءة التفاصيل ومكوناتها ومنها، النخل،وهو يهوي بلا رؤوس، بل فقط جذوع لتكون بدائل عن جسور متقطعة، وبعضها مهدم تماماً، وفي هذا المشهد تتضح مأساوية الخراب والدمار الذي أصاب الخارج بسبب الحروب المتواصلة وعبثيتها، وباتجاه فضح الخراب الداخلي الذي لحق بالشخصية المحورية، وفي ظهورها المكثف تندفع العربة باتجاه مجهول كما في مشاهد القصة، التي تلخص حوادث الانتهاك والتعسف الذي يطال الفتاة ، من خلال التركيز فيها على الفتاة فقط ليكشف بعض التفاصيل الضرورية، ومنها، ابتسامتها المخفية خوفاً أو حياءً، وجسدها وبدانته. والقصة الثانية (التمثال) لا تبدو وقائعها فائضة أو تخضع لإضافات بشكل مباشر أو ضعيف قياساً بنهاية القصة،التي يطرح القاص فيها إمكانياته السردية بوضوح، عندما يستثمر سرد الإحداث فيها مع انه توجه في السرد لصالح الوصف وربطه بين التوجه الخيالي والواقعي فيه، ثمة في القصتين إنجاز تقني يظهر فيه التوازي المتوازن بين زمنين، هما زمن الحكاية بالتوازي مع زمن السرد. ونرى إن بعض الشخصيات في مجموعة (عربة تحرسها الأجنحة) مهزومة وتعاني من فراغ وقحط حياتي- روحي، وتحاول أن تعوضه بالقراءات الفكرية الجادة - المتنوعة،وبعض القصص فيها إيغال في الوصف التسجيلي، لكنها تكشف عن آفاق وتوجهات ورهافة لغة القاص، مع اقتصادها العام وانفتاحها على التوجه الشعري أكثر من الجانب السردي الذي يتميز بالتقنين والرصد المحايد. بعض قصص المجموعة، تقع ضمن جنس القصة القصيرة جداً ومنها: رحيل، وشطرنج، والمقعد الفارغ، ومذيع، وشارع الجثث الأليفة، ومصطبة، ودوامة، وزيف، و(ترافك لايت) وكانت بسطر واحد فقط: " سيدة جليلة تشمخ بأنفها منتصبة مترفعة، مدت كفها الحمراء فتوقف سيل السيارات في الشارع". نرى هنا ذهاب القاص إلى الإبلاغ الخارجي دون مبرر من خلال الأوصاف التالية:"جليلة، منتصبة، مترفعة". وكان على القاص أن يذهب عبر توجهاته الفنية الكشف عن شخصية قصته بحيادية. وقصص البندقية، و(الباب..الباب..يا محمد) وهي مبنية على أسئلة مقتصدة - رامزة وتقع بين الطفل ومعلمته، فبعد أن رسم الطفل (محمد) بيتهم دون باب؟!. تسأله معلمته باستغراب عن سبب اختفاء الباب؟!. عندها يرد الطفل (محمد):" لكي لا يستطيع أبي الخروج منه إلى الحرب؟!"، وهذا الوعي العميق - المدهش، ومع رهافة تلك المشاعر الإنسانية والتي تكشف عن تمزّقُ الروح والقلب،بسبب غياب الأب والقلق على مصيره، في ذلك الزمان، لكن الجواب، في الواقع، أكبر من عمر الطفل(محمد) ووعيه، وكان يمكن أن يعالج القاص اختفاء الباب على لسان المعلمة، وثمة قصص أخرى هي سرب حمام ابيض، وحكمة المهرجين، ونوح، وأعوام الأب السعيدة، ومع حجمها الطويل نوعاً ما، لكنها تقع، كما نرى، في مكونات القص القصير جداً وتشترك معها في هذا المنحى قصة"بقعة زيت"،والتي هي حصيلة "المشغل السردي في البصرة"، وقد صدر في كتاب مستقل وحمل العنوان المشترك الذي هو "بقعة زيت"، بالتزامن مع مهرجان المربد الشعري الثالث- ط1- مطبعة الغدير- وبإشراف:"رمزي حسن ومحمد سهيل احمد وثامر العساف" وقد صممه - عبد الحميد الدغمان ولوحة غلافه لـ"ناصر قوطي"، وكان الإصدار الأول واليتيم للمشغل السردي البصري، وقد تضمن (10 ) نصوص للقصاصين: عبد الرزاق الخطيب، وعادل علي عبيد، وباسم القطراني، وفرات صالح،وناصر شاكر الأسدي، وناصر قوطي، ورمزي حسن، وكامل فرعون، وعبد الحليم مهودر، والراحل فاضل حسن الكعبي، وكانت برؤى وأساليب سردية مختلفة في الأشكال والمضامين، خاصة بكل منهم . كما احتوى الكتاب على قراءات متنوعة للنصوص الواردة فيه قدمها: علي عباس خفيف ومحمد سهيل احمد ومقداد مسعود وثامر العساف.

 

* دار الصباح للطبع والتوزيع - الغلاف: للفنان صدام الجميلي.

قولي لهم أماه .. ان يتذكروا

khadom almosawiقولي لهم اماه .. ان يتذكروا، عنوان جميل لكتاب ممتع.. قصص قصيرة، ذكريات، يوميات، شهادات من سيرة ذاتية لمثقف عضوي، شارك فيها وعاش تفاصيلها وسجلها بامانة ونشرها تحت هذا العنوان. "قولي لهم اماه.. ان يتذكروا" كتاب جامع بأشكال ادبية وأنواع فنية وقدرة ابداعية.. وقد تكون القصص والذكريات التي سطرها المؤلف من اوائل التجارب المتفردة عن الكفاح الوطني الثوري للشعب البلغاري. وقد ترجمت بعضها الى العربية، وللمترجم الراحل ميخائيل عيد، الذي ترجم هذه المذكرات، وغيرها من النصوص الابداعية لكتاب مشهود لهم، ودور الثقافة والنشر السورية دور محمود في هذا النشر والإعلام. كما حفلت المكتبات العربية وخصوصا جهود مترجمي دار التقدم للنشر في موسكو بما نشر من الادب السوفييتي عن مراحل النضال الوطني للشعوب السوفييتية ضد الفاشية والنازية ومن اجل التحرر والتقدم والأمن والسلام العالمي. حيث انتشرت في اللغة العربية من ابداعات وملاحم الشعوب السوفييتية للروائي المعروف بدونه الهادئ، ميخائيل شولوخوف وقصصه الاخرى والعديد من الكتب التي من بينها والتي لا تنسى لمن قرأها، رائعة نيقولاي استروفسكي "والفولاذ سقيناه"، وفادييف في "الحرس الفتي". وآخرون وروائع اخرى خلدت ابطالها وقصصهم عن حب الحياة والأمل في التضامن من اجل انهاء دخان الحروب وبناء عالم جديد، للشعوب التي كابدتها وعاشت صفحاتها، في الاتحاد السوفييتي وبلغاريا وغيرها من الدول الاخرى التي لها مؤلفاتها بالتأكيد.

مؤلف هذا الكتاب اسمه غينو غينوف- فاتاغين، مناضل مشارك في حرب التحرير البلغارية من العبودية والاستغلال والاستبداد. ورغم ذلك سجل في تقديمه: ليس هذا الكتاب تسجيلا متتابعا للطريق الكفاحي لجيلنا وإنما هو نتف مقتطعة من مراحل المسيرة النضالية. بينما كتب الناقد البلغاري تودور يانتشف عن الكتاب: قصة وثائقية صريحة ومؤثرة حول البطولة. وهو يقرأ النص: "يمكن النظر الى قصة الجنرال غينو غينيف، الذي عرف باسمه الانصاري المجيد فاتاغين، الوثائقية الرائعة "قولي لهم اماه.. ان يتذكروا" التي تقتطع لحظات هامة من الحياة، والنضالات، والمصاعب، والمأثرة الثورية لفصائل الانصار من سريتي "خرستو بوتيف" و"فاسيل ليفسكي". وما السمات المميزة لهذا العمل الابداعي غير الكبير حول المقاومة، الذي هو فني بقدر ما هو وثائقي، لان المؤلف بعث الى الحياة من جديد كل ما لمسه اثناء سنوات حياة شبابه في حركة الانصار، بعثه وكأنه في وقتنا الحاضر بتلك الاصالة من المشاعر التي تجعلنا ننفعل معه، نفرح ونعاني مع المصائر الانسانية". وواصل الناقد قراءته لنص الكتاب وكتب عن تجربة المؤلف السياسية والقتالية وتطوراتها العملياتية وتقدمه الشخصي فيها، حيث كان احد الناشطين والمنظمين للحركة الانصارية في مدينته بلوفديف وقائدا لها مما اتاح له ان يضمن كتابه مادة حياتية غنية.

ولد المؤلف فاتاغين في 21/6/1920 في قرية تابعة لمحافظة بلوفديف منحدرا من عائلة فلاحية، وعمل في منظمات شبابية وحركة الانصار المقاومة حتى الانتصار والتقدم في المناصب القيادية للحركة السياسية والعسكرية الشعبية في بلاده. وأصدر كتبا عديدة غير هذا الكتاب عن شخصيات بلغارية مقاومة وعن فنون الحرب والاختبار والزمن لكل صباح حالم في بلغاريا.

والكتاب في طبعته العربية الاولى في 462 صفحة من القطع المتوسط، صدر في دمشق عام 1982، ولم يذكر تاريخ الاصدار بلغته الاصلية، وأية طبعة اعتمدت في الترجمة. استهل المؤلف كتابه بوصف للمنطقة التي بدأ النضال فيها ومجموعة الشباب التي انتظمت في حركة المقاومة. ورصد بذكاء وذاكرة حية حيوات من اشترك معه من الاشخاص، والصعوبات والظروف التي واجهتهم والأيام التي مرت عليهم، او التي عاشوها في تلك المنطقة وفي ذلك الزمان. قسم الكتاب الى فصول قصيرة ووضع لها عناوين مستلة من مضمونها، بأسماء ابطالها او بالأماكن التي تمت فيها. موثقا فيها وقائعها وأحداثها بمصداقية واعتراف حقيقي فيها. ناقلا ما حصل، من بطولات وانتصارات، من خسارات وفقدان، من خيانات وغدر، من نكسات وتعقيدات، من شهادات ووقائع، تثبت ثراء تلك التجربة وغنى تلك الايام. ليعدها لصوت الشعر وتذكر بوتيف الذي ترنم فيه ووضع عنوان الكتاب من فقراته، لتروي الام، كل القصة، كل الصفحات، كل السجل، وان يتذكروا. ليتذكر من بعد كل من عاش التجربة او جاء بعده، زمنيا، ليعرفوا تاريخ الوطن ونضال الشعب. لتعرف الاجيال التضحيات والدماء الزكية التي عبدت الطريق وبنت البلاد ونهضت بالأمة لما ترنو له وتصبو اليه.

في صفحات الكتاب سطور ممتعة فعلا عن الاحداث اليومية التي عاشها المؤلف، عن اللقاءات والنشاطات والأعمال الانصارية. كما ان المؤلف مثلما خاض التجارب تلك عرف اهمية التاريخ فيها ولها، او وضع حكمه امامه وهو يكتب ما ضمته فصول الكتاب. كتبها بأسلوب شيق ورصد مستمر لسيرها كما عاشها واشترك فيها. اورد تفاصيلا عن اللقاءات مع غيره من المناضلين ومن هم وما هو دور كل منهم، وكذلك عن الاسماء المتغيرة والحياة السرية التي خاضها. كتب: "التاريخ اصدق حكم على الانسانية. لا احد يستطيع ان يبدله، وان يسبقه او ان يدفعه الى الامام، حتى محاولات الشطب عليه بقلم او الدخول فيه او الهروب منه كلها ضلال عابث. ثمة مراحل في تطور التاريخ تتحتم فيها تحولات نوعية نادرة في جميع مجالات الحياة. مراحل تتوتر فيها القوى الاخلاقية والجسدية الى اقصى حد فتحيا فيها قيم الشعوب المعنية في اتجاه واحد.." ص 107.

ضمن المؤلف في صفحاته الاخيرة كيف احس بالنصر، بأيام الحرية مثل حلم لا يصدق. حين تستمر الثورة ويبدأ الزمن الذي لا يتكرر. وهو مقتنع بدروس التاريخ وأهميتها ولهذا انهى الكتاب بما قاموا به في المدينة من بناء بيت تذكاري لكل الشهداء ليبقى دائما اللقاء بهم وتذكر البطولات التي اجترحوها من اجل هذه اللحظات الجديدة.

كتاب "قولي لهم، أماه، ان يتذكروا"، عن المقاومة وأدبها، سجل شعب وكفاح جيل، بنى وأنجز ما استطاع اليه، واثبت في فصوله صفحات بطولة ووفاء لمن اسهم فيها وفي خيارات شعبية وإرادات وطنية، وأيام لها تاريخها ومستقبلها. رغم تاريخ صدوره وتقلب الاحداث في البلاد يبقى صورة وشهادة لأيامه وزمنه ووثيقة تاريخية للأجيال التي تميز بينها والمستقبل الذي تنشده. ويظل الكتاب وما صدر معه وأمثاله وما توفر منها الان في المكتبات العربية من تلك الكتب رواية تتجدد، ونموذج تسجيل امين له نكهته وروحه وأهميته، عن تلك الايام وتلك اللحظات ومقارنة بما يأتي وسيأتي بعد.

هامش للتاريخ: في التجربة العراقية لحرب الانصار سجلت ايضا تجارب وفعاليات واجتماعات وحفلات، وصدرت كتب عنها ايضا، وتقارير ونشرات.. شاب كثير منها للأسف ما يؤشر الى عكس المطلوب منها، او ما لا يليق بها. وخصوصا التقصد او الامعان بوعي او بجهل لتهميش وتهرب من الحقيقة ووقائعها رغم كل ما فيها من اعتبارات اخلاقية في ثناياها ودماء شهداء ابطال ضحوا خلالها ولحظات صعبة مرت على الابطال الحقيقيين فيها. لاسيما حالات تغافل تصل الى مستوى تزوير او تشويه الوقائع التي مازال اشخاصها احياء يعيشون بيننا، وعدم ادراك مهمة التوثيق التاريخي والشهادات الامينة لها، والصدق في التعبير عنها. اورد المؤلف غينوف- فاتاغين في نص له بان "التاريخ مثل المدرسة، فيه طلاب جيدون واردياء. البعض يفهم فورا، والبعض الاخر يجب ان تقنعه" ص 340. فان بعض الكتب والمواد الاعلامية التي صدرت ونشرت ولا تتمتع بالمعرفة الحقيقية والموضوعية والبحث الجاد من اجل التاريخ والشهادة المخلصة له تسقط في الصنف الثاني من الطلاب، وتحسب عليه، وتكشف عن امراض تنتقد بشدة بينما تمارس بصلافة، كالمكارثية ولكنها معكوسة هنا، فمثلما كانت تحارب الاصوات التقدمية حوربت هذه الاصوات في تلك الكتابات رغم الزعم بصفتها السياسية او الحزبية، وكذلك مرض الاقصاء الذي يحارب هو الاخر ايضا ولكنه يمارس هو الاخر ايضا في تلك الكتابات والإصدارات الاعلامية. وتلك قضية يتطلب الانتباه لها وإعادة النظر فيها والتراجع عن ارتكاب الاخطاء او الاستمرار فيها، كي تكون الكتابات شهادات جميلة ونقية ومحترمة من الجميع، من الاصدقاء و"الأعداء"، ان وجدوا، ومن الكتّاب أنفسهم لجهودهم وسمعتهم المهنية وحساب التاريخ. (قد نعود للتفصيل في قراءة وتوضيح ما صدر من تلك المطبوعات لاحقا وكشفها بموضوعية، هنا اشارة فقط وتنبيه علمي للتاريخ)!.

 

قراءة في كتاب: موضوعات سياسية وفكرية معاصرة

mohamadali mohyiadeenعن موقع الناس الاليكتروني صدر كتاب جديد للشيوعي المخضرم الأستاذ والرفيق جاسم الحلوائي (موضوعات سياسية وفكرية معاصرة) ضم بين دفتيه دراسات ومقالات سبق وأن نشرها في الموقع المذكور أو في جريدة طريق الشعب ومواقع الكترونية متعددة.

والمقالات بشكل عام تناولت قضايا مفصلية وأحداث تاريخية خالطتها الضبابية ومواضيع فكرية تحتاج إلى استجلاء وتوضيح، فكان للأستاذ الحلوائي شرف استجلاء خفاياها ودراستها بموضوعية عز وجودها لدى الملتزمين فكريا، فهو لم يحاول لّي الحقائق أو التجاوز عليها، وتبرير واقعة أو موقف، واتخذ الحيادية منهجا، يقول ما له وما عليه، ولا يتحيز لجانب دون آخر، ويترك للحقائق أن تأخذ دورها في البروز والجلاء من خلال المناقشة الدقيقة للوقائع والأحداث، استنادا لما تحت يديه من وثائق، أو ما تختزن ذاكرته من أحداث.

ولم يتردد الكاتب في مقالاته من الاعتراف بمواطن الضعف والزلل، أو تشخيص الخلل في مواقف كان في صميمها، وأحداث أسهم فيها، فكان لموضوعيته ميسمها الظاهر، فقد أعتمد المصادر المختلفة في مناقشة بعض الحوادث العاصفة في تاريخ العراق عبر ستة عقود من مشاركته في الأحداث السياسية الجارية في العراق.

والمؤلف من الطلائع الأولى التي أسهمت في البناء الشيوعي الخالد في العراق، واسهم في العمل السياسي منذ العهد الملكي حتى يومنا هذا، وظل لصيقا بشعبه وحزبه، يعمل بحيوية ودأب ونشاط يفتقر له شباب هذا الزمان، فهو شيخ بين الشيوخ، وشاب بين الشباب، يقرأ ويكتب ويحاضر وله نشاطه الدائب في الجوانب النضالية الأخرى، لم تغيره السنون والأعوام، ولم تثنيه صعوبات الحياة وصروفها، فظل ذلك المناضل الصلب المؤمن بحتمية الانتصار في المعركة، وضرورة العمل في أحلك الظروف دون هوادة أو وهن.

والحلوائي عندما يعالج القضايا التاريخية والفكرية، ينطلق من خلفية ثابتة عاشت الأحداث وأسهمت بها، أو اطلعت على دقائق أسرارها ووثائقها، وبحسه الدقيق وبحثه المتواصل يستجلي مواطن الصدق، ويكشف مواضع الخلل من تحليله للأحداث ودراستها بروح ناقدة بعيدا عن أي تعنت ، بل يترك للحقائق أن تأخذ طريقها من خلال تسلسل الأحداث وتدافعها، ويدعم ذلك بوثائق كتبها مراقبون أو مشاركون، كما هو الحال في قضية كركوك التي استند فيها لتقارير الجهات الأمنية في إثبات الوقائع وهو ما نقض الادعاءات والتخرصات التي طالما انطلق منها المتصيدون في محاولاتهم لإلصاق التهم وافتعال الأحداث.

والمقالات المنشورة التي احتواها الكتاب قد خضعت عند نشرها في المواقع الالكترونية لمناقشات وتعقيبات وردود ولو أضيفت التعليقات والردود المهمة في ذيل المقالات لأصبحت أكثر غناء وفائدة فيما أثير حولها من سجالات فيها الكثير مما يستحق الذكر في تغطية جوانب أخرى وردت في المقالات أو برزت بعدها.

فالحلوائي مجدد في الفكر والأسلوب، ويؤمن إيمانا عميقا بضرورة التجديد والخروج عن إطار القديم الذي لا يواكب العصر، وإيجاد منطلقات جديدة تنسجم والتقدم الكبير الذي وصل إليه العالم اليوم، وضرورة التماشي مع العصر وتجديد الرؤى والأفكار وفق سياقها التاريخي، لذلك كان له دوره في إشاعة الديمقراطية والتجديد في مؤتمر الحزب الخامس –مؤتمر الديمقراطية والتجديد- الذي وضع الأسس الفكرية السليمة للخروج من الأزمة التي مر بها اليسار، وهو تجديد للايدولوجيا وخروج من أسار المركزية نحو أفاق الانفتاح دون الخروج عن تمسكه بالخيار الاشتراكي.

فالأحداث التي عصفت بالمعسكر الاشتراكي كانت من ابرز الدوافع لان يقوم الحزب بتجديد أطره التنظيمية ورؤيته الفكرية والسياسية بما ينسجم ونظريته التي لم يتخل عنها، وعمل على تطويرها بما ينسجم وطبيعة المرحلة وما فرضته الظروف، والأوضاع الذاتية التي مرت بها الحركة الشيوعية في العراق.

ويرى أن النتائج البارزة للتجديد والديمقراطية، هي انتظام عقد مؤتمرات الحزب وكونفرنساته، وانتظام اجتماعات لجنته المركزية، وطرح الوثائق الحزبية على المنظمات للمناقشة، والاستفتاء على المواقف السياسية، وانتخاب الهيئات ا لهيئات القيادية وأعضاء اللجنة المركزية، وتحسن الخطاب السياسي والاهتمام بالرأي والرأي الآخر، وتنشيط الصراع الفكري، رغم ان الحزب لم يتخلص من جميع الشوائب والعيوب.

وبحث بشكل مفصل التحالفات السياسية للحزب الشيوعي العراقي، وسعيه الحثيث لتوحيد الخطاب الوطني للخروج من الأزمات أو تحقيق الأهداف التي يسعى إليها، لأن التحالفات تجمع وتنسق بين القوى المتحالفة، وهو نهج سياسي ثابت في سياسة الحزب تجسدت في كل برامجه، فقد سعت قيادة الرفيق الخالد فهد لبناء جبهة وطنية لمواجهة الاستعمار البريطاني، وكتب الرفيق الشهيد حسين محمد الشبيبي أول دراسة عراقية شاملة حول الجبهة الوطنية تحت عنوان(الجبهة الوطنية الموحدة.. طريقنا وواجبنا التاريخي) وهي دعوة منظمة لبناء جبهة وطنية راسخة تسهم في دفع الحركة الوطنية إلى أمام، وكانت الجبهة الوطنية لخوض انتخابات 1954 البذرة الأولى التي أثبتت أهمية بناء التحالفات وإقامة الجبهات لتحقيق التقدم المنشود، تلتها جبهة الاتحاد الوطني التي تكللت جهودها بالخلاص من النظام الملكي وانبثاق الجمهورية العراقية، والجبهة الوطنية والقومية التقدمية عام 1973 التي من نتائجها التقدم الكبير للعراق في المجالات الاقتصادية والعمرانية والثقافية، وبعد تفكك عراها انحدر العراق نحو الهاوية وضاعت منجزات الجبهة في المعارك العبثية التي خاضها النظام.

وعمل الحزب الشيوعي على إقامة جبهات متعددة لجمع المعارضة العراقية وتوحيد جهودها، الجبهة الوطنية القومية الديمقراطية، والجبهة الوطنية الديمقراطية، والجبهة الكردستانية، ولجنة العمل المشترك، ورغم ما خالط أعمال هذه الجبهات من عثرات ونواقص إلا أنها أسهمت بنحو أو آخر في بلورة الرؤى والأفكار الكفيلة بالخلاص من الدكتاتورية.

واعتبر ثورة الرابع عشر من تموز 1958 انقلاب تحول إلى ثورة شعبية في لحظة تاريخية واحدة. فتحالف العسكر مع القوى الوطنية يخرجها عن كونها انقلابا محضا، والجماهير الشعبية أسهمت في الثورة وخرجت صبيحتها لإسنادها ودعمها، وكان الحزب الشيوعي قد بلغ قواعده وأنصاره للإسهام فيها، وبذلك فان صفة الانقلاب العسكري يراد منها نزع مشروعيتها، وهو ما يسعى إليه البعض ممن تضرروا منها وأزاحتهم عن مراكز القرار.

وفي تناوله لمؤامرة الشواف اعتمد على مصادر أنصار المؤامرة، وبين حجم الدعم الخارجي لها والدول التي كانت ورائها، والجهات الداخلية التي وفرت السبل للقيام بها، وان ما أثير حول الأحداث التي رافقتها كان في صميم المؤامرة ومن تجلياتها، وارتكب القائمون بها والواقفون خلفها أعمالا إجرامية أدت إلى ما حدث فيها من تجاوزات، وقد ارتكب القوى الرجعية الداعمة لها جرائم كبرى، وقتل المئات من الوطنيين والديمقراطيين من قبل العصابات الرجعية، في ظل صمت مطبق من إدارة الموصل المحلية أو حكومة بغداد،واعتمد في ذلك على مصادر مستقلة كانت شهادتها كشف لحجم المؤامرة وما رافقها أو أعقبها من أحداث. ولم يتجاهل الأخطاء التي ارتكبت من قبل منظمة الحزب الشيوعي في سياق قمع المؤامرة.

ودرس بموضوعية أحداث كركوك وآثارها واعتمد مصادر محايدة ووثائق وتقارير حكومية، أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن وراء الأحداث جهات خارجية وداخلية أرادت من خلالها عزل الحزب الشيوعي وإضعافه، تمهيدا للانقضاض على ثورة تموز وإزاحة عبد الكريم قاسم عن السلطة، وهو ما تيسر لهم في 8 شباط 1963، وأشار إلى مسؤولية شركات النفط والإقطاعيين ورجالات العهد البائد في إذكاء الفتنة وإثارة النزاع، وكان الصراع في كركوك صراع قومي بامتياز وليس للحزب الشيوعي العراقي أي علاقة في تلك الأحداث، بل كان ضحية لها، فاعترافات الطبقجلي في المحكمة العسكرية العليا الخاصة أشارت إلى ضلوع القنصليات الأجنبية في الأمر ومشاركتهم بدفع الأمور إلى المواجهة المسلحة، والمسيرة التي نظمتها جبهة الاتحاد الوطني كان يسير في مقدمتها مدير شرطة كركوك وكبار ضباط الفرقة الثانية، وحاولت القوى الأخرى التعرض لها، فقام مدير الشرطة بتحويل مسار التظاهرة المناوئة، وعند اقترابهم من مقهى 14 تموز انهالت عليهم الحجارة من السطوح، ودوت بعد ذلك أصوات أطلاقات نارية لا يُعرف مصدرها، فاضطرب النظام، وما عاد بالإمكان ضبط الجماهير، وقام الجنود وبعض المواطنين بنهب بعض المحلات وحدثت تصفيات لإغراض شخصية سقط خلالها بعض القتلى ، وفي اليوم التالي قام جنود كورد بقصف دارين للسينما وبعض الدور في محلة القلعة، وأرسلت قوة عسكرية لمواجهتهم وتبادلوا معهم إطلاق النار، وكان لمصر دورها الكبير في إذكاء الفتنة، وإشاعة الأراجيف من خلال إذاعة صوت العرب، وكان تقرير مدير شرطة كركوك آنذاك الذي ساهم في المسيرة قد أشار إلى براءة الشيوعيين من الأحداث، لكن السلطة كان هدفها النيل من الحزب الشيوعي وإضعافه فكان ما كان من خطاب قاسم في كنيسة مار يوسف وتنديده بالحزب الشيوعي رغم علمه ببراءة الحزب مما حدث.

وأشار المؤلف للظروف والملابسات التي أحاطت بانقلاب 8 شباط/1963 وما سبقه، والقوى الداخلية والخارجية التي أسهمت فيه لتحقيق مصالحها بعد أن أصدرت حكومة الثورة القانون رقم 80 الذي انتزع من الشركات النفطية امتيازاتها في استخراج النفط العراقي، وبين معرفة الحزب بالانقلاب وتحذير قاسم من المؤامرة، ولكن إجراءات قاسم لم تكن بالمستوى المطلوب، وكان ما كان من نجاح الانقلاب والهجمة الشرسة على الحزب وتصفية تنظيماته وقتل قادته وتدمير مراكزه التنظيمية والمقاومة البطولية للشيوعيين وأنصارهم في مواجهة الانقلاب، وما قام به الحرس القومي من انتهاكات صارخة وجرائم بشعة يندى لها الجبين، وكان لصمود قادته الحزب وكوادره في مواجهة التعذيب أثره في إذكاء الحماس الثوري فشكلت المفارز الأنصارية في الفرات الأوسط، وأشار إلى آخر ما كتبه الشهيد سلام عادل في تقييمه للانقلاب وأنه بدأ فكريا وسياسيا منذ أواسط عام 1959 عندما استسلم قاسم للقوى السوداء، وان السبب في سيطرة الانقلابيين هو العزلة التي أصابت دكتاتورية قاسم عن الشعب والقوى الوطنية وهو تشخيص حي لنجاح الانقلاب.

وانتفاضة حسن سريع تلك الانتفاضة البطولية ضد نظام البعث، درسها الكاتب وحلل حيثياتها وملابساتها استنادا لآراء من ساهم فيها أو كتب عنها وما توفر لقيادة الحزب من معلومات عنها، ويرى أن الانتفاضة كان مقدرا لها النجاح لو اعد لها بشكل جيد غير متسرع، ولكن اعتقال بعض رموزها دفع الآخرين للإسراع بتنفيذها، فقدموا موعدها في 3 تموز بدلا من الخامس منه، وهو ما اثر بشكل كبير على نجاحها لعدم علم أكثر العاملين فيها بالموعد الجديد ، إضافة لفشل الثوار في اقتحام سجن رقم واحد وإخراج الطيارين منه، ولو قيض لهؤلاء المشاركة في الثورة لكان حليفها النجاح، ورغم ذلك فهي أثبتت عجز أعنف موجه إرهابية على قتل الروح الثورية للشعب العراقي، وكانت عملا بطوليا حقا شابه التسرع وأدى إلى أضرار جديدة بالحزب.

وتناول الحركة الكردية في تحليل رائع لملابساتها من خلال بحثه (ترسيخ الديمقراطية في العراق الضمان الأكبر لتحقيق طموحات الشعب الكردي القومية) استعرض من خلاله مسيرة الحركة الكردية وأسبابها والإخفاقات التي رافقتها، والأخطاء التي وقعت فيها من خلال تحالفات مريبة مع قوى لا تريد الخير للشعب الكردي وتعادي قضيته، مثل تحالفهم مع البعثيين في مواجهة حكومة قاسم بدلا من التحالف مع القوى الوطنية الأخرى المؤيدة لنضال الشعب الكردي والمؤمنة بحقوقه المشروعة في إقامة حكمه الذاتي وهو ما أشار إليه مسعود برزاني في كتاب عن (البرزاني والحركة التحررية للشعب الكردي) ولو قيض للتحالف بينهم وبين الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين النجاح لكان قاسم مجبرا على تحقيق الطموحات المشروعة للشعب الكردي، ولكن تحالف الكرد مع البعث كان أحد الأسباب التي أوصلت العراق الى ما حدث في 8 شباط الأسود.

وركز على النظرة القومية الضيقة التي كانت محور أخطاء الحركة الكردية، وعدم تشخيصها لحلفائها وأعدائها من خلال تحالفها مع شاه إيران والدول الاستعمارية الذي انتهى بتوقيه اتفاقية الجزائر عام 1975 وما لحق من هزيمة فكرية وسياسية وعسكرية بالحركة الكردية، ولو اتجهت الحركة الكردية صوب العمل لبناء عراق ديمقراطي من خلال التحالف مع القوى الديمقراطية لكان الانتصار مؤكدا، وهو ما عليهم تداركه في الوقت الحاضر والعمل على ترسيخ الديمقراطية في العراق.

وفي مقاله الذي تناول تعويضات خسائر الحرب العراقية الإيرانية، بين بما لا يدع مجالا للشك مسؤولية الطرفين للحرب وتحملهم مسؤولية التعويضات، فالعراق يتحمل المسؤولية منذ نشوبها عم 1980 وحتى قرار مجلس الأمن الدولي في تموز 1982 الذي قرر إيقاف الحرب ورفض إيران للقرار حتى أجبرت على إيقافها في 8-8-1988 لأسباب معروفة.

وعالج موضوعا نظريا شائكا هو الديمقراطية ودكتاتورية البروليتاريا، فالديمقراطية بالياتها المعروفة تتعارض مع مبدأ دكتاتورية البروليتاريا، لأن الدكتاتورية ثورية ترفض تداول السلطة وفصل السلطات، وإذا ما جرى القبول بتبادل السلطة فلم يعد هناك مكان للدكتاتورية، وهو ما دفع غالبية الحركة الشيوعية العالمية للتخلي عنها، ومنها الحزب الشيوعي العراقي في مؤتمره الخامس، مع الإشار إلى ما جاء في وثائق مؤتمره التاسع عند تطرقه لرؤيته في بناء الاشتراكية التي تتمثل في إنهاء الاستغلال وتحقيق القيم الإنسانية الرفيعة، وكرامة الفرد، وإشاعة الديمقراطية، استنادا للخصائص الوطنية والقومية والثقافية والنفسية والدينية، والاستفادة من التطور والتقدم الحضاري، والدروس المستخلصة من التجارب الاشتراكية السابقة، وأن شروط تحقيق الخيار الاشتراكي تتم عبر عملية نضالية طويلة الأمد من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية الحقيقية، والتوزيع وفق مبدأ (كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله).

إضافة لمواضيع أخرى عن التراث الاشتراكي في برنامج الحزب الشيوعي العراقي، وحوار بمناسبة الذكرى الثمانين لميلاد الحزب الشيوعي العراقي أجراه الإعلامي داود أمين، ورسالة الى الدكتور حسين شعبان تناول فيها رأيه في كتاب (عامر عبد الله النار ومرارة الأمل) وما فيه من افتئات على الحقيقة، وتجاوز للواقع، وإهمال لشروط البحث العلمي، وتلاعب بالتاريخ، وتزوير للوقائع، خصوصا في قضية كركوك، والانتقاص من دور الشهيد سلام عادل في قيادة الحزب، واعتبار عامر عبد الله القائد الحقيقي من وراء ستار، وهي تخرصات لفقها حسين شعبان وأذاعها دون الاستناد لوثيقة أو بيان.

وفي الختام فقد شكل كتاب الأستاذ الحلوائي بمجمله حلقات مترابطة أضاءت جوانب معتمة، من تاريخ العراق الحديث استنادا للوثائق والمصادر التاريخية الرصينة وما عايشه أو أسهم فيه خلال عمره النضالي الطويل، وهي تنم عن قدرة فائقة على مناقشة الحوادث وقراءة التاريخ وفق منهج يعتمد المصداقية والحيادية.

علم الاجتماع بين الفهم والتفسير

jamil hamdaoui المعروف أن علم الاجتماع (Sociologie /Sociology / Sociologia) يدرس الظواهر المجتمعية دراسة علمية من جهة. أو من جهة أخرى، يحاول فهم الفعل الإنساني وتأويله داخل بنية مجتمعية ما، برصد مختلف الدلالات والمعاني والمقاصد التي يعبر عنها هذا الفعل أثناء عملية التفاعل والتواصل الاجتماعي. ومن ثم، يعتمد علم الاجتماع على ثلاث خطوات منهجية أساسية هي: الفهم، والتفسير، والتأويل.

ومن يتأمل علم الاجتماع بدقة، فسيجد أن هناك منهجين مهيمنين: منهجا علميا موضوعيا يتكىء على التفسير السببي والعليَ، ومنهجا ذاتيا إنشائيا تأمليا وأخلاقيا وتأويليا يقوم على الفهم. ويعني هذا أن ثنائية الذاتية والموضوعية حاضرة في مجال العلوم الإنسانية بشكل لافت للانتباه. وفي هذا الصدد، يقول إدغار موران (Edgar Morin): "هناك نمطان من السوسيولوجيا في مجال البحث الاجتماعي: سوسيولوجيا أولى يمكن نعتها بالعلمية ، وسوسيولوجيا أخرى يمكن نعتها بالإنشائية . وتعتبر الأولى بمثابة طليعة السوسيولوجيا.في حين، تعتبر الثانية بمثابة المؤخرة التي لم تتحلل،بشكل مناسب، من إسار الفلسفة، ومن المقالة الأدبية، والتأمل الأخلاقي. يستعير النمط الأول من السوسيولوجيا نموذجا علميا كان بالضرورة هو نموذج الفيزياء في القرن التاسع عشر. ولهذا النموذج ملمحان، فهو آلي وحتمي في آن واحد، إذ يتعلق الأمر، في الواقع، بتحديد القوانين والقواعد التي تؤثر، تبعا لعلاقات سببية، خطية ومنتظمة، في موضوع تم عزله، وفي مثل هذا النموذج يتم استبعاد كل مايحيط بالموضوع المدروس من موضوعات أخرى. يضاف إلى ذلك أن هذا الموضوع المدروس يتم تصوره كما لو كان مستقلا استقلالا كليا عن شروط ملاحظته.ولاشك أن مثل هذا التصور يستبعد من الحقل السوسيولوجي كل إمكانية لتصور ذوات أو قوى فاعلة أو مسؤولية الذوات وحريتها.

أما في السوسيولوجيا الإنشائية، فإن ذات الباحث تحضر، بالمقابل، في موضوع الباحث، فهو ينطق ، أحيانا، بضمير المتكلم، ولايواري ذاته...لقد كان مفهوم الذات غير مستساغ من قبل المعرفة العلمية ؛ لأنه كان مفهوما ميتافيزيقيا ومتعاليا...في حين، إن تقدم المعرفة البيولوجية الحديثة، يسمح، اليوم، بمنح مفهوم الذات أساسا بيولوجيا. فماذا يعني أن يكون الإنسان ذاتا، اليوم؟ إنه يعني أن يضع الإنسان نفسه في قلب عالمه...فالذات هي، بالجملة، الموجود الذي يحيل على ذاته وإلى الخارج والذي يتموضع في مركز عالمه."

وبناء على ما سبق، يتأكد لنا أن ثمة طريقتين في التعامل مع الظواهر المجتمعية، إما أن نعتمد على الطريقة الوضعية التفسيرية في تبيان العلاقات الثابتة التي توجد بين الظواهر والمتغيرات، وإما أن نعتمد على طريقة الفهم لاستجلاء البعد المجتمعي، من خلال فهم أفعال الذات وتأويلها.

إذاً، هل يمكن دراسة الظواهر المجتمعية في ضوء العلوم الفيزيائية أو الطبيعية أو التجريبية على أنها أشياء ومواد وموضوعات، كما يقول الوضعيون، بما فيهم: سان سيمون(Saint-   Simon)، وهربرت سبنسر(Spinser)، وإميل دوركايم(E.Durkheim) ، وأوجست كونت(A.Comte) ؟ أم ندرسها في ضوء المقاربة الذاتية أو التفهمية كما يرى فلهلم ديلتاي(Dilthey) وماكس فيبر(Max Weber)؟ أم يمكن الجمع بين هذين المنهجين في دراسة علم الاجتماع كما يرى لوسيان ڭولدمان (Lucien Goldmann)، وأنتوتي غيدنز(Giddens)، وبول ريكور(P.RICŒUR)؟ وبتعبير آخر، هل يتأسس علم الاجتماع على منهج التفسير أو منهج الفهم أم هما معا؟ أم ينبغي البحث عن بديل مغاير للعلمية أو البحث عن منهج سوسيولوجي أصيل لدراسة الإنسان بصفة عامة، والظاهرة المجتمعية بصفة خاصة؟

هذا هو الموضوع الذي سوف نتوقف عنده بالرصد والتحليل والوصف والنقد.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

علم الاجتماع بين الفهم والتفسير / د. جميل حمداوي

 

قصة حياة للإمام ميلود أحمد فواتيح

moamar habarدخلت الحلاق، وأخذت مكاني، وشرعت في قراءة كتاب، "قصة حياة"، للإمام الفقيه،الأستاذ احمد فواتيح ميلود، وحين حان دوري، تنازلت لمن هو بعدي، إلى غاية أن إنتهيت من قراءة الكتاب، في نفس الجلسة فكانت هذه الأسطر،

ميلود والمولد، يقول الشيخ،أطلق علي إسم ميلود، تيمنا بالمولد النبوي الشريف، وكانت لعائلة فواتيح، وهي من العائلات العريقة، مكانة متميزة في العهد العثماني.

الوالدين والأخوة، والده 1914-1985، بقرية بني هاشم، هو الأخضر بن فيلالي بن بوعمران بن ماموش بن أحمد فواتيح، وهو من حفظة كتاب الله تعالى، بجامع سيدي دحمان، الموجود بمدينة القلعة، وتولى التدريس بجامع قرية بني هاشم، وتولى تحفيظ القرآن بكتاب القرية، فأصبح محل احترام سكانها، وأثناء الثورة الجزائرية، كلف بمهمة القضاء في منطقته، وسجن من طرف الاستدمار مرتين، وحفظ الشيخ، كتاب الله تعالى في قريته على يد والده رحمة الله عليه،

ووالدته 1924- 2003، هي رابحة حرطاني بنت جلول، والشيخ، أخ لثلاثة بنين، وثلاث بنات.

أثر جمال القرية والصالحين، يتحدث عن قرية بني هاشم، بفخر واعتزاز، ويقول، أن، "هي من أجمل القرى التي حباها الله بالمياه العذبة وحقول الأشجار المثمرة والهواء المنعش في وسط طبيعة خلابة تسر الناظرين"، ويقول عنها أيضا،"وقرية بني هاشم هي أحب إلى القلب والنفس"،

وفي كل مرة يذكر، أن قريته يحدها من الجهات الأربع، أضرحة لأولياء الله الصالحين، ويذكرهم بالإسم وتاريخ الميلاد والوفاة، حين يثق في المعلومة التي بين يديه .

ويبدو أن صفاء الطبيعة، وصفاء ساكنيها الأوائل، أثر على صفاء فكره، وحفظه، وسلامة الصدر.

الوعدة، عرفت قريته ومازال، بيوم يعرف بالوعدة، ويقول عن فضائلها، "تحمل كل معاني التضامن والتراحم والتآلف والتقارب فيما بين الناس، لأنه يجمع أبناء القرية وضيوفها من القرى والمدن المجاورة في هذه الوعدة لتجديد المحبة والمودة وتمتين أواصر الألفة والقرابة.".

مدرس القرآن والقرية، يصف المكان الذي تعلم فيه القرآن، فيقول، "كان تعليم أطفال القرية في كتاب صغير مفروش بالتراب، سقفه من خشب وقصب، جدرانه مبنية بالحجارة، وكنا نطلق عليه إسم "الشريعة"، ولكنه كان عامرا بالايمان ونور القرؤآن، وكانت السعادة تغمر قلوب الجميع، الشيخ والمتعلم وسكان القرية. وكان الناس يعتقدون أن القرية الخالية من الشيخ المدرس لتعليم القرآن الكريم فالشيطان هو شيخها.".

الدراسة والشيخ والظروف، في سنة 1965-1967، أرسله والده إلى مدينة القلعة، لمواصلة دراسته في كتاب سيدي دحمان،التي يعود تاريخها إلى القرن السادس الهجري، وكانت عاصمة لبايلك الغرب الجزائري، ومشهورة بعلماءها العاملين،

ورغم أن الكتّاب، يشبه الكهف، إلا أنه تخرج الكثير من حفظة القرآن الكريم، والتحقوا بالثورة الجزائرية، وقد تعلم على شيخه سي العربي القلعي، ويصفه قائلا،

" كان مدرسا بشوشا هادئا في مشيه وكلامه، يحذرنا في كل لحظة من الكسل والغياب عن الكتّاب، ويوصينا بنظافة الجسد واللباس وزالنفس والمحيط الذي نعيش فيه، كانت حياة الطالب في المسجد صعبة وشاقة يعاني فيها آلام الجوع القاتل والبرد القارص وكان معظم الناس في هذه الفترة يعانون الفقر المدقع".

وعن ظروف العيش، يقول،" كنا نأكل في الكتّاب الذي يتحول إلى مرقد في الليل، إذ كنا نتناول فيه خبز الشعير بالماء وفي أحسن الأحوال باللبن".

أدوات العلم، يتحدث عن أدوات العلم، فيقول، "كان الصبر سلاحنا لحفظ القرآن وطلب العلم، ومن أدواتنا للتعلم أذكر أولا اللوحة رفيقتنا الدائمة في جلساتنا الطويلة، والقلم مصقول من قصب حر، والدواة".

حافظ القرآن، يصف حافظ القرآن، قائلا، "كان محل ثقة عند كل الناس ويتولى عدة مهام في المجتمع ومنها فض النزاعات وفك الخصومات وإصلاح ذات البين وتوجيه الناس على ضوء كتاب الله وعقد قران النكاح".

إلى وهران 1967-1971، يقول عن دراسته، في سنة 1967 سافرت إلى وهران لمواصلة دراستي، لاستكمال حفظ القرآن الكريم على يد شيخ مغربي اشتهر بتعليمه كتاب الله برواية ورش وعلى الطريقة المغربية، بالإضافة إلى شرح معاني القرآن الكريم بمسجد حاسي المحقن،

ثم أرزيو، "تنقلت إلى مسجد القطن، وكنت أتلقى دروسا متنوعة في مساجد أخرى، ومنها دروس الفقه التي كنت أتلقاها على يد الشيخ سي محمد بلفرد، إمام مسجد الكبير. ويصف شيخه، فيقول،

"كان شيخا جليلا عظيما، أعطاه الله بسطة في الجسم والعلم والأخلاق،ولا نراه إلا في لباسه العربي الأصيل من عمامة وعباءة وبرنس، وكان هذا الهندام يزيده مهابة واحتراما بين الناس"، ويقول بأني، "وأديت بالناس في هذا المسجد أول صلاة التراويح".

في الشلف 1971-1993، إلتحق بعين مران ولاية الشلف، فيقول، تابعت فيها دراستي في الفقه والعقيدة وعلوم اللغة والأخلاق، تحت إشراف الشيخ الفاضل الحاج أحمد هجان اليوسفي.ويصف شيخه، فيقول،

"وهو فقيه حافظ صاحب أخلاق حميدة وعلم غزير، وكان آيةو في الحفظ والذكاء، يحرص اشد الحرص على تعليم طلابه، وكان لايقبل أبدا من الطالب أي غياب مهما تكن أعذاره. كان شديد الحب لطلبته، يتفقدهم في كل وقت بمرقدهم، وهو من حبب لنا تعلم الفقه والنحو والصرف والعقيدة وغيرها من العلوم الشرعية، وتعرفنا على أمهات الكتب فأصبحنا بفضل توجيهاته نحب المطالعة فتوطدت علاقتنا بالكتاب".

مع العالم الجيلالي البودالي الفارسي، أثناء تواجده بالأصنام سابقا، الشلف حاليا، وبمسجد النور بمدينة أولاد فارس، يقول، إلتقيت بالمصلح العالم العامل الشيخ الجيلالي الفارسي الذي كان جارا لي، وكان هذا العالم الجليل يلقي فيه علينا دروسا قيمة في التفسير والسيرة والمنطق واللغة، دامت من 1983 إلى 1993.

40 سنة مع المحراب، يقول عن نفسه، قضيت أكثر من أربعين سنة في رحاب المنبر إماما وخطيبا ومدرسا، وكانت بدايتي الأولى سنة 1972، والتحقت بسلك الأئمة بوزارة الشؤون الدينية منذ سنة 1977، وانتدبت للتكوين بمعهدي تمنراست والبليدة 1984-1985. وفي سنة 2001 نجحت في مسابقة المفتشين للمساجد، ثم تنازلت عن الوظيفة الإدارية مفضلا عليها رسالة الإمام فعدت بشوق إلى رحاب المنبر، ثم انتقل إلى غليزان سنة 1993.

حضور دائم، بعد أن عدد المساجد التي مر بها، وألقى بها الدروس، وأمّ فيها الناس، يقول، خلال كل هذه المراحل التي توليت فيها الإمامة، لم أتخلف يوما عن مهمة التدريس إذ كنت أقوم بتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم علوم الشريعة، وعلوم اللسان، وأحكام التلاوة، للصغار والكبار، ومنذ 2002 وهو يقوم بتكوين الأئمة بالمعهد الإسلامي لتكوين الإطارات الدينية.

من مؤلفاته،

        صوت المنبر في خطب الوعظ والإرشاد 2004.

        تراويح في نوادر فواتيح 2013

        الرموزالفقهية في الأحكام الشرعية 2014

        قصة حياة 1435 هـ - 2014

له حصة مع إذاعة غليزان، بعنوان، حديث الصباح، منذ 2007 إلى يومنا هذا.

تأخير الشيوخ، وأنا أقرأ كتاب، قصة حياة، للشيخ الأستاذ ميلود احمد فواتيح، أول ملاحظة لفتت إنتباهي، وأول تعليق كتبته في حينه على، صفحة الإهداء،

حين أهدى الشيخ كتابه، وضع شيوخه في المرتبة الأخيرة،

نسأل الله أن تكون زلة قلم، وهفوة عابرة، وأن تستدرك في الطبعات القادمة.

خلاصة القارئ، الكتاب صغير الحجم، هو إلى السيرة الذاتية أقرب،تنقصه محطات كثيرة غنية في حياة المؤلف، رغم أنه إستعان بالصور لتسهيل قراءة الكتاب، إلا أن حالتها السيئة وعدم وضوحها أساء للكتاب، ناهيك عن إنعدام أرقام الصفحات،رغم أنها موجودة في الفهرس، وإنعدام دار النشر، ومكان النشر، وإن كان يبدو، أنها الطبعة الأولى 1435 هـ - 2014، وفي منطقة من مناطق الجزائر، وربما في غرب البلاد، وعدم إعتماد المؤلف على التاريخ الهجري، حين تستدعي الضرورة ذلك.

ويبقى كتاب، "قصة حياة " 1435 هـ - 2014، للشيخ الأستاذ ميلود أحمد فواتيح، وسيلة علمية نافعة لطلبة العلم، وتأريخا لظروف القاسية التي مر بها العلماء في الجزائر، ونافذة نيرة يطل من خلالها المرء على جهود علماء الجزائر، الأحياء منهم، والأموات.

صدر حديثا للكاتب محمد داني كتاب: أدب الأطفال .. دراسة في قصص الأطفال لسهيل عيساوي

668-adabصدر حديثا كتاب جديد للأديب والناقد والباحث المغربي محمد داني، تحت عنوان " أدب الأطفال- دراسة في قصص الأطفال لسهيل عيساوي" يقع الكتاب في 174 صفحة من الحجم الكبير، ورق مصقول، تزين لوحة الغلاف للفنانة فيتا تنائيل .                    

ورد في مقدمة الكاتب "وأتنمى أن تكون هذه الدراسة فاتحة لدراسات أخرى بحول الله، وأن يتم الالتفات لهذا الأدب الجميل، ويكشف عنه الحجاب ليساهم كما في الماضي في تنشئة الطفل الاجتماعية وتطوير شخصيته، وتنمية ميوله ورغباته، وصقل خبراته القرائية، وتنمية رصيده اللغوي .. والله من وراء القصد." يقسم المؤلف كتابه الى فصلين، من مواضيع الفصل الاول: "في تحديد المفهوم: ماذا نعني بأدب الأطفال"، "من هو الطفل؟ "، "أسس أدب الأطفال وأهدافه"، أدب الأطفال والقيم، أشكال ومجالات التعبير الأدبي في أدب الأطفال"، "مسرح الطفل"، "أناشيد الطفل" وأدب الأطفال في العديد من الدول : بريطانيا، فرنسا، أمريكا، روسيا، المانيا، اليابان، الدانمارك، ايطاليا، مصر، الامارات العربية المتحدة، البحرين، المغرب، تونس، لبنان، فلسطين، ليبيا، الجزائر، العراق، الأردن، أما ابرز عنوانين الفصل الثاني، فقد كان تطبيقيا، إذ خصص لدراسة قصص سهيل عيساوي السبع والموجهة للطفل، وهي: (يارا ترسم حلما- طاهر يتعثر بالشبكة العنكبوتية- احذر يا جدي- بجانب أبي- الصياد والفانوس السحري- الأميرة ميار وحبات الخوخ- ثابت والريح العاتية - "ماذا تقول القصص السبع؟"، ا"لزمن في الكتابة القصصية لسهيل عيساوي"، "الفانطاستيكي والعجائبي"، "مكونات العمل القصصي عند سهيل عيساوي"، توظيف الصور والرسومات، القيم والمبادئ التربوية"، "القاسم المشترك بين هذه القصص "، "خاتمة: مهارة سهيل عيساوي وصنعته"، يتضمن البحث عشرات الجداول التي بناها المؤلف، واعتمد على عشرات المراجع العربية والأجنبية .                    

668-adabمحمد داني كاتب وناقد من المملكة المغربية..من مواليد مدينة الدار البيضاء ومن حيها الشعبي العريق الحي المحمدي..تابع دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية بنفس المدينة..وتابع تعليمه الجامعي بالدار البيضاء وفاس.. مارس مهنة التربية والتعليم لمدة 16 سنة، واليوم يعمل مفتشا تربويا للتعليم تخصص العربية ...

نشر كتاباته بالجرائد الوطنية والعربية (الاتحاد الاشتراكي- العلم- أنوال- الأنوار- البيان- بيان اليوم الثقافي- السياسة الكويتية- صوت الأحرار الجزائرية..) .. كما نشر بعض كتاباته ببعض المجلات المغربية والعربية (علوم التربية- التنشئة الاجتماعية- مجرة- سمات- أطياف..).

من مؤلفاته: الكتابة والرهانات - حفريات الكتابة - تجليات في نون النسوة: قراءة في الإبداع النسائي - تجليات نصية:قراءة في الإبداع الرقمي (ج1 و2) - القصة القصيرة الجزائرية: الحاج بونيف نموذجا - إضاءات في شاعرية سهيل عيساوي - في شعر وشاعرية مصطفى الشليح - الشاعر الأصيل: محمد علي الرباوي - محمد علي الهاني شاعرا - النص الأدبي في المدرسة الابتدائية(أطروحة تقدمت بها في التربية والديداكتيك) - النحو العربي: دراسة في الأخطاء(أطروحة جامعية) - في العالم السردي لمحمد صوف - حوارات حميمية (3 أجزاء) - أوراق نقدية - أقوى من البحر(رواية) - تحولات(قصص قصيرة) - مارويكوس نيغرا (قصص قصيرة جدا) - نغمات على رنات مقام النهاوند (شعر) – الشيخان (قصص مترجمة) - (فن الزجل من خلال زجليات إدريس مسناوي أمغار- 2014)...مشاركة في كتاب جماعي عن نجيب محفوظ تحت عنوان(ضمير الرواية العربية) إشراف وزارة الثقافة البحرينية 2013.

وقيد الطبع(في المنجز السردي للدكتور نور الدين محقق)و(التعليم الأولي)..و(في شعرية الرواية)...

القدس

كتــاب: ثائر في قرن الدماء "سعيد بن جير" .. ريادة في التأليف وحصافة في الفكر

لعل اسم الموسوعي الباحث الرائد في الفكر الإسلامي - أحيا الله قلمه السيال وأمد في عمره - استاذنا الفاضل صالح الطائي اللازال يمدنا من فيض علمه علماً ويوقفنا على جذوات النيران اللاهبة، التي ظلت تسعَّر نيرانها نقاشاً، بل وفي أحيان كثيرة تسيل الأرض دماءً من صراع طويل، لم يفد منه الَّا من أرسل سمومه بنبيذ الفتن، وسدد سهامه بأيدي غيره من أهل الدار أنفسهم منذ بدء كتابة التاريخ الاسلامي ولاتزال الأقلام المأجورة تستبطن الحقائق، بل وتزيد الأمور تعقيدا، فغابت الحقائق وأظلت طريق هديه أوأضاع قبساً لو ام أمسك به؛ لأنار به دربه، إنَّها العمايات بل العماهات .

والطائي يبحث دائما في المختَلف فيه وهذا هو اسلوبه في جُلِّ كتاباته فيشخِّص الأسباب، وفي كثير من الأحيان يضع حلولا من خلال وصوله بإثبات الحقائق   بالأدلة القاطعة والبراهين الناصعة .

ويبدو أنَّ عنوان الكتاب (ثائر في قرن الدماء" سعيد بن جبير") يوميء للقاريء من أنَّ الباحث سوف يضيء لنا نضال شخصيات أخرى جهرت بصوتها، بل حملت سيفها ضد حكَّام ذلك العصر الموغل بالدماء، والمتوهج بالبغي والسطوة وسياسة الرعية بالقوة والجور، وسلب إرادتهم، فكانت أول ثورة ضدهم، هي ثورة الإمام الحسين عليه السلام، فظلت الثورات تترى على أعقابها، بينما غدت الدماء تسيل دون توقفِ لها .

ولعل الطائي في كتابه كان حريصاً على أن يكون بمنتهى الشفافية والموضوعية، وهو يطرح مفاهيمه وأفكاره بفيض من النقاشات والحوارات التي أمدَّت الفهم بخيوط من الاشعاع الفكري، إذ تجعل من المتمعِّن يقتنع بطرحه المهذب تدعمه مصادر متعددة استلَّ منها ما يسدد آراءه، ويقوي بها حجته .

ونقف معه في كثير مما طرحه في كتابه الجليل إلَّا أننا نختلف معه في أشياء أشار اليها من بعيد، لكنه لم يخض فيها وهي من الجوانب المهمة التي عليه الافاضة بها؛ كي لايكون هناك تساؤل ولربما يتوهم البعض فيأخذها على عواهنها فمثلاً في صفحة 33 يصف الأمويين من أنَّهم طعنوا الاسلام من الداخل، وهم قاصدين ذلك ما أسماه الباحث بـ (ثقافة السياسة) ويبدو لي على الرغم من أنَّ الأمويين أساءوا بمحصلتهم النهائية كثيرا للاسلام، وهذا مُتَّفَق عليه، ولو أكد الباحث على اليهود وبعض المجوس لكان أدق ؛ لأنَّ الأمويين تجلببوا جلباب الاسلام ولم يستهدفوه بقصد من الداخل ولا ننسى مقولة جدهم عتبة بن ربيعة عندما عجز من إقناع الرسول بترك أمره مقابل منحه المال والسلطان، فعاد الى قومه بغير الوجه الذي ذهب به فطلب من قومه: (أن يخلوا بينهم وبين محمد، وأن يتركوه لشأنه، فإنْ يقتله العرب، فقد كفوهم شرَّه، وإن يظهر عليهم فسيكونون أسعد العرببه، فملكه ملكهم وعزّه عزّهم ... هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم).

لذا يرجى من استاذنا الطائي البحث في أثر اليهود والى اليوم في تشويه صورة الاسلام وموقف الأمويين منهم، كي تصحَّ المعادلة . ويردُّ الباحث في جانب آخر واصفاً الأمويين بقوله (إنَّ وجود تشيع قوي متماسك في ذلك الوقت المبكر من عمر الرسالة كان يقلق السياسيين المسلمين الذين أرادوا مصادرة العقيدة الاسلامية وفكرها لخدمة مطامعهم السياسية) بل نقول : النفع أي لم يقصدوا ضرب الاسلام، وإنما الانتفاع من سلطته وتمرير أهدافهم في حكم الناس والعيش برخاء دون ان يشغلوا بالهم في أمور الاسلام الحقيقية، فهم يصرُّون على بقائه وإن كان جسداً بلا روح .

وقد ذهب الطائي في نقاش واسع من (ص 94-100)، من أنَّ سعيد بن جبير كان يقرأ القرآن في ليلتين، إذ ينقل ما رواه الذهبي قوله (ما مضت عليَّ ليلتان منذ قتل الحسين إلا أقرأ فيهما القرآن إلا مريضاً أو مسافراً) ولعله قادر على ختمه في ليلتين، لكن الطائي يدلي بشبهات تقصَّد روايتها ابن كثير في تاريخه وابن خلكان في وفياته: (إنه كان يقرأ القرآن في ركعة واحدة) ويرد الطائي على ذلك: من أنَّ سعيد بن جبير لربما كان يقرأ ثلاث مرات سورة الإخلاص التي تعدل ختم القرآن، ونرى أنَّ من نقلَ الخبر وأراد الدس أو عدم فهمه لعلاقات المجاز في علم البلاغة حتى لدى المؤرخين، وهم ينقلون الأخبار ويملونها في القراطيس حسب فهمهم، وأن ابن جبير عاش في عصر الحِجاج اللغوي جدير به أن يتحدث بلغة العرب البليغة، إذ إنَّ أحدى علاقات المجاز هي الكلية: وبها يطلق اسم الكل ويراد به الجزء كقوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (المائدة 38)، والمقصود بالأيدي أصابع اليد اليمنى عدا الإبهام . كذلك قوله تعالى : (يجعلون أصابعهم في آذانهم) (البقرة 19). فإنَّ الأصبع لايوضع كلّه في الأذن، وإنما طرفه فحسب، وقوله تعالى وحرَّمنا عليه المراضع) (القصص)12 . ويراد ثدي المراضع، وهذا كثير في كلام العرب، إذ ينقل لنا ابن سعد في طبقاته ج 8 /377 بقوله (أخبرنا سفيان عن حماد قال: قال سعيد بن جبير: قرأت القرآن في ركعة في الكعبة) وهذا الحديث يدل على ما أشرنا اليه وفي (ص378 من الجزء نفسه): إنَّه كان يقنت بقدر خمسين آية. ولعل ذكرهم بطرق القول المختلفة بإضافتهم عليه لاسيما أرباب المآرب والطاعنين بالرجالات السائرة على الهدي القويم مثلما أشار الاستاذ الطائي .

وهناك مسألة أخرى، هي مسألة الغنائم في الفتوحات وقول الرسول الأكرم (ص): (مَن قتلَ قتيلاً فلهُ سَلْبُهُ) هل يتعارض مع فتوحاتهم إذا ما سأل سائل على هذا المبحث مع أن الفتوحات كانت حروباً مع غير المسلمين؟ ولابد للطائي أن يطرح موازنة بين سلوكيات المقاتل في عهد الرسول وبين المقاتل الأموي، كي تتضح لنا الرؤية الموضوعية للنقاش .

اعتزازنا الكبير بأستاذنا الفاضل صالح الطائي المتسم بالحوارية، والموضوعية، كما أنَّه اعتمد على مصادر من يرد عليهم في مسائل خلافية مهمة . نتمنى له دوام الصحة، ولقلمة الديمومة والاستمرار والتجديد .

ضرورة التدقيق والتوتيق .. قراءة أولى لمقالة لزكريا محمد

faroq mawasiصدر العدد الثامن من مجلة (ميس)، الثقافية- 2014، ويرأس تحريرها الأديب أسامة ملحم، وهي مجلة ثقافية حاشدة وواعدة بالمواد الإبداعية.

أثار انتباهي مقال الأديب زكريا محمد "رجب مضر ورجب ربيعة"، والكاتب يؤلف في هذه الاهتمامات التاريخية، ومن كتبه "نخلة طيـَئ"- كشف لغز الفلسطينيين القدماء، "عبادة إيزيس وأوزيروس في مكة الجاهلية"، "ديانة مكة في الجاهلية- الحمس والطلس والحلة".

.لا أملك من هذه الكتب إلا أولها، غير أني هنا أتناول المقالة التي في المجلة بملاحظات سريعة:

• كاتبنا الباحث لا يحفل بنقاط هامة في رأيي، وفي هذا المقال الذي تصفحته:

..أولاً لا يذكر تفاصيل المصادر، فقد استعمل المصدر: "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"- لجواد علي في عدة اقتباسات، ولكنه لا يذكر في أي جزء وفي أية طبعة ولا في أية صفحة!!! وعلى غرار ذلك كتاب ابن كثير "البداية والنهاية"، "صبح الأعشى" للقلقشندي، وقس على تلك!

..

ثم،

رأيت في المقالة أنه يكثر من لفظة (نعتقد) بمعنى الظن (ص 18، ص 22، ص 23 من المجلة ، ونحن نعرف أن (اعتقد) معناها أيقن وصدّق وما عقد عليه القلب والضمير، وكان أحرى به لو قال: في تقديري، في رأيي، ويُظن، أحسب....،

...

وإني لأسأل من ناحية أخرى:

لماذا يكتب بعض الباحثين لغة الجمع: قدمنا، نستنتج، ونرى، كتابنا....

الأجدر في رأيي أن يتحدث الباحث بلغة المتكلم، فهي أصدق وأدق، وأكثر تواضعًا.

....

ورأيت في المقالة أنه يستخدم من الأشهر الهجرية "جمادى الأول، جمادى الآخر" (ص 14 من المجلة) والصواب هو جـُمادَى الأولى، جُـمادَى الآخرة. وفي هذا السياق لا أنسى ما أتعبني به أستاذ في الأدب العربي، فقد أصر على أن مثتنى (جُمادى)- جُمادتان، علمًا بأن الصواب هو (جُـمادَيان)، فالألف الرابعة وما فوق تقلب ياء، مثل مثنى (كبرى- كبريان) و(مستشفى- مستشفيان).

..

لن أتتبع مقالة زكريا محمد الجدية والذكية التي تطرح مسائل تاريخية، ولكني أرجو أن ينتبه إلى ملاحظاتي المحبّة، ومن خلال الرضا بهذا الاجتهاد الرائد المميز، ولا ريب أن الكاتب يتفق معي بضرورة التدقيق والتوثيق.

 

آليات التعبير في شعر أديب كمال الدين .. كتاب للدكتور رسول بلاوي

667-balawiعن منشورات ضفاف، صدر حديثاً في بيروت، كتاب "آليات التعبير في شعر أديب كمال الدين" للناقد والأكاديمي الدكتور رسول بلاوي (أستاذ مساعد في جامعة خليج فارس/ إيران؛ وعضو الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية وآدابها). وهو كتاب نقدي تناول تجربة الشاعر أديب كمال الدين بالدراسة والتحليل، عبر المنهج الوصفي– التحليلي، مُركّزاً، على مجاميع الشاعر الأخيرة: النقطة، أقول الحرف وأعني أصابعي، أربعون قصيدة عن الحرف، رقصة الحرف الأخيرة، الحرف والغراب.

667-balawiاحتوى الكتاب على ستة فصول مع مقدمة هي: اللغة الشعريّة، التواصل بالرموز (الحروف) ودلالاتها، استدعاء الشخصيات التاريخية، التكرار، التناص، الألوان؛ يقع الكتاب في 152 صفحة من القطع المتوسط.

 

 

دقائق حائرة مع صاحب الحدائق الناظرة في الرسالة الصلاتية الباهرة .. قراءة في كتاب

husen abusodكنت في جولة بمعرض الكتاب المقام على هامش مهرجان الغدير العالمي فاستوقفني عنوان (الرسالة الصلاتية) لفقيه أهل البيت العالم المتهجد الشيخ يوسف العصفوري البحراني صاحب كتاب (الحدائق الناظرة) المتوفي سنة 1187، والكتاب يحتوي على تعليقات الشيخ محمد امين زين الدين، استوقفني العنوان وتذكرت كتابا قيما عن الصلاة حققه العلامة السيد حسين الشامي وجدت فيه فائدة عظيمة وامورا ملفتة للنظر ومدعاة للتفكر كما وتذكرت حاشية الشيخ الغروي على كتاب العروة الوثقى (كتاب الصلاة) المتضمنة لنكات عديدة فريدة تفتح مدارك السالكين. فاقتنيت الكتاب بثمن زهيد، وصار لي صاحبا اثناء تجوالي مابين النجف وكربلاء وبغداد ولقد أصر بناني على التأشير بالقلم على بعض المواضع التي تدعو الى التأمل والتفكر. وقد وجدت صاحب التعليق الشيخ محمد امين زين الدين يفترق عن البحراني في الرأي في أمور عديدة، كما أن المؤلف نفسه يذكر اقوالا عدة متعارضة في المسئلة الواحدة مما يؤكد عدم وجود نص جلي واضح عن المقام النبوي بغرض اتباعه بلا تردد لاسيما اذا استحضرنا قول النبي (ص) صلوا كما رأيتموني اصلي، فلا احد يستطيع ان يدعي رؤية الرسول وهو يصلي، وانما هي محاكاة لأباءنا وعلمائنا الذين تفرقوا فيما بينهم الى مذاهب ومشارب ولكل مذهب طريقته في الصلاة فلم يتفقوا حتى على البسملة هل هي جزء من السورة ام خارجة عنها ؟ وهل تلفظ ام لا ؟ وهل يخفت بها او يجاهر؟ ناهيك عن التفصيلات الاخرى للصلاة.

لقد اعجبتني مقدمة المؤلف وخاتمته المحشى بالسجع القويم المعبر عن قوة البلاغة والتمكن من الفصاحة.

وقد انكشف لي بأنه لايمكن معرفة كيفية صلاة النبي لان كل حزب يقدم كيفية معينة من الصلاة يؤكد في النهاية التعارض الموجود بين الروايات والتي قد تؤدي الى سقوطها جميعا، والامر لا يختص بالصلاة فحسب وانما بمقدمات الصلاة ايضا كالوضوء والاذان، ويقول الشيخ البحراني في ص 17 (ان غسل اليدين اتفاقا نصا وفتوى مبتدأ بالمرفقين على الاظهر الاشهر فلايجوز النكس واما في غسل الوجه فأنهم جوزوا النكس وحول غسل الوجه مرة او مرتين قالوا غسل الوجه مرة والمشهور استحباب مرة ثانية وقيل بالتحريم وهو الاقرب عندي من الادلة ) فأي هذه الصفات هي صفة وضوء النبي ؟

والاختلاف بين العلماء كيفية الصلاة شمل كل شيء حتى مسح الرجلين وتعريف الكعب

ويرى الشيخ البحراني في ص 21 بأنه يستحب بدء الرجل في غسل اليدين بغسل ظاهر الذراعين في الغسلة الاولى وفي الغسلة الثانية بباطنهما مع انه يرى في ص 17 تحريم الغسلة الثانية.

وحول الجمع بين الصلاتين على سبيل العادة والدوام يورد الشيخ مسئلة تثبت عدم جواز الجمع مطلقا رغم جوازه احيانا لقول ابن عباس كنا نصلي مع النبي سبعا سبعا وثمانيا ثمانيا أي (احيانا وليس دائما)

يقول الشيخ في ص 24: ان من كان به سلس البول فأنه يتوضأ ويجمع بين الصلاتين بوضوء واحد ويصليها في وقت واحد ويفرد الصبح بوضوء، وهذا يعني بأن الجمع بين الصلاتين يجب ان يرتبط بأسباب منها الخوف والخطر والمطر بل وحتى الكسل إلا ان لكل صلاة وقته، وهناك نصوص تدل على افضلية التفريق بين الصلوات ذكرها صاحب من لايحضره الفقيه وغيره من ارباب الحديث. وقد رأيت رصد الاختلافات والتناقضات في الامور المتعلقة بالصلاة لاثبات ان معرفة صفة صلاة النبي باتت من المستحيلات ولا اهمية لأدعاء الكل وصلا بالحقيقة، ويقول الشيخ عن النوافل في صفحة 53: لقد ورد في الاخبار مايدل على الرخصة في سقوط بعض النوافل والنقصان عن أربع وثلاثين فروي انها ثلاث وثلاثون بأسقاط الوتيرة، وروي انها تسع وعشرون بأسقاط الوتيرة وأربع من العصر وروي انها سبع وعشرون وهكذا.

ولعل اكثر مايثير حنقي هو حمل بعض العبادات على التقية مع ان الامام صرح بكيفيتها لشيعته والعبادات من الاهمية بمكان بحيث لايجوز الاخبار للمخالف فضلا عن المؤالف بغير الصحيح لأنه نوع من انواع كتمان العلم فكيف يتم الافتاء للأصحاب بالعبادات بناء على التقية؟ ومثل هذا كثير في كتب الاصحاب وفي هذا يذكر الشيخ في ص 57 كلاما اراه خطيرا وهو: (والتحقيق ان جملة ما يمكن حملها على اخبار القول المشهور وما كان منها صريحا فهو محمول على التقية لأطباق العامة قديما وحديثا على القول بذلك وقد استفاضت الاخبار بالأخذ بخلافهم)، علما بأن هناك تشددا واضحا في العبادات لايتوافق مع الافتاء بغير الصحيح على سبيل التقية كما ان عبارة ودليله محمول على التقية تتكرر في اماكن عدة من الكتاب. وفي الكتاب امور كثيرة يجدر التوقف عندها والاسهاب فيها مثل القنوت وسأفرد بحثا للقنوت بعد ان تكون حاشية الغروي للعروة الوثقى في متناول يدي لأن فيها تفريعات شتى وروايات كثيرة.

ولكني اردت من تناول هذا الكتاب ان اتوقف عند امر يؤرقني دائما وهو صلاة الجماعة وشروط الامام وتعدد الصلوات في المراقد المقدسة في الوقت الواحد، يقول الشيخ في ص 121: إن الجماعة مستحبة في الصلوات اليومية استحبابا مؤكدا وقد ورد الحث عليها حتى استفاضت الاخبار بأستحقاق حرق بيت تاركها عليه مع تهاونه بها وسقوط عدالته ووجوب هجرانه وجواز غيبته مضافا الى ماورد فيها من الثواب العظيم والاجر الجسيم (انتهى كلام الشيخ). وقد رأينا بأن الاستحباب لايتوافق مع العقوبات الكبيرة المفروضة على تاركها من قبيل سقوط عدالته وحرق بيته، ولكننا نتجاوز هذا الامر الى ماهو اهم وهو امام الجماعة والشروط التعجيزية التي وضعها الفقهاء مما ادى الى عزوف الناس عن الجماعة والصلاة فرادى حتى داخل المساجد، انهم يريدون ان يكون امام الجماعة معصوما، فهو إذا كذب او ارتكب الصغائر سقطت عدالته، أ ليس كل ابن ادم خطاء؟ ويعضد هذا القول بان الشارع المقدس لم يبين الأخطاء والهفوات المسموح بها لأمام الجماعة والتي لا تسقط معها العدالة.

ومن الشروط التي ذكرها الشيخ هوان يكون امام الجماعة اعلم الموجودين وافقههم والبلوغ والعدالة وطهارة المولد بلا خلاف نصا وفتوى، ويجيز الشيخ امامة العبد شريطة ان يكون أفقه الجماعة وأعلمهم وهو شرط عجيب ليس أعجب منه سوى جواز امامة الاعمى اذا كان له من يسدده الى القبلة وهو تحصيل حاصل يستبعد صدروه من صاحب علم وفطرة. وفيما يخص طهارة المولد فهو امر ظاهري وتكلف واضح لايمكن التحقق منه ابدا.

وينقض شرط البلوغ روايات جواز امامة الصبي المميز المراهق وهي روايات أرجح من روايات المنع، وهل يقدم الصبي المراهق لعلمه او فقاهته او صباحة وجهه ام لحسن قراءته، اذن فأنه يجب ان يتقدم الاقرأ على الاخرين لعلاقة الصلاة بالقراءة الحسنة الصحيحة والصوت الشجي.

والشيخ يقول في ص 130: ثم انه يقدم الاعلم الافقه على الاظهر وفاقا لجملة من محققي متأخري المتأخرين،وان كان خلاف ماهو المشهور فأنهم قدموا هنا ( الأقرأ ) على ( الاعلم) والادلة العقلية والنقلية تدفعه وقولي بتقديم الأقرأ يعضده الاشتهار وهو دليل قوي واذا تساوى الجميع في القراءة ولن يتساوون فالاعلم واذا تساووا ولن يتساوون فالاكبر سنا، ولماذا التركيز على تحقيق متاخري المتأخرين وترك المتقدمين الذين يجوزون إمامة الصبي المراهق، ثم يدخل الشيخ في اطناب لا طائل منه في تفسير المعنى المراد بالأقرأ وهل هو اتقان الحروف وإخراجها ومخارجها أو الأعرفية بالاصول والقواعد او الاكثر قراءة او الاجود بحسب طلاقة اللسان وحسن الصوت وجودة المنطق واللحن وكل هذا يختصره الشرح الصحيح المختصر للاقرأ وهو الاجود قراءة وأداء للفظ القران على الوجه الصحيح وهو اختيار الشيخ محمد زين الدين في الحاشية ص 130. وحول العدالة وهو شرط ومعضلة إلا ان يكتفى بحسب الظاهر وكفى ولكن الشيخ يقول في ص 123: والمراد بحسب الظاهر أن يكون الانسان معروفا للقيام بالواجبات العلمية والعملية والقلبية والقالبية مجتنبا للمحرمات كذلك غير مصر على شيء من الصغائر الخ ...ولأجل التوصل الى ذلك يقول: ولابد من نوع معاشرة وصحبة لمعرفة ذلك مع ان الاشتهار يكفي عن الدخول في تفاصيل قد تسوء الانسان ولاتسره وأعجب من كلامه (أن يكون معروفا بالقيام بالواجبات القلبية والقالبية) ولا أدري كيف السبيل الى الواجبات القلبية وهي قلبية مستترة لا يعلمها الا الله تعالى، وعلى العلماء إعادة النظر في شروط امام الجماعة والاجتهاد فيها بغية التسهيل ولتمكين الناس من الاقبال على الصلاة جماعة بدلا من الفرادى ليتحقق الهدف الأسمى في جمع الكلمة فضلا عن الثواب المضاعف.

وفي ختام الكتاب يدعو الشيخ البحراني الذي اتضح انه من الاخباريين يدعو الى الاخذ بالاحتياط في جميع الامور ويورد قولا للنبي عليه الصلاة والسلام رواه الامام الحسن عليه السلام (دع ما يريبك الى مالا يريبك) وهو قول لايناسب هذا المقام البتة، لأنه خلاف الاخذ بالاحتياط وهو تأكيد على ان الرسول الاكرم لم يخير بين أمرين إلا وأختار ايسرهما والعمل بالاحتياط عمل بما لم يؤد اليه الدليل.

ويقول الشيخ البحراني في الختام: ولنقطع الكلام حامدين للملك العلام على ما أفاضه من ضروب الانعام وأياديه الجسام التي من جملتها الفوز بسعادة الاختتام مصلين على نبيه واله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام وأسأل المولى العلي القدير أن يقبل هذا الجهد من عبده الفقير الحقير والحمد لله رب العالمين.

وإذا وفقني الله تعالى واسعفني الوقت سأكتب رسالة في بيان اضطراب الاخبار في كيفية الصلاة الصحيحة مستفيدا من مجموعة روايات كتاب الصلاة لحريز السجستاني الكوفي وحاشية الغروي على كتاب الصلاة.

 

الذات والوعي بالتاريخ كتاب جديد عن سرود شعيب حليفي

666-haleefصدر للكاتبة د. شميسة غربي كتاب جديد عن المنجز السردي لشعيب حليفي بعنوان "الذات والوعي بالتاريخ" عن دار تيميقاد للنشر سلسلة معالم نقدية، وهو الكتاب الثاني للكاتبة بعد مؤلفها الأول " شعيب حليفي: أوراق في السيرة والرحلة " .

666-haleefفي كتابها الجديد قدمت شميسة غربي إحدى عشر قراءة نقدية في بعض مؤلفات حليفي وهي: لا أحد يستطيع القفز فوق ظله – تراب الوتد – أسفار لا تخشى الخيال – زمن الشاوية – رائحة الجنة .وقد قاربتها انطلاقا من مكون الذات وحضوره اللافت في " لا أحد يستطيع القفز فوق ظله " و " أسفار لا تخشى الخيال " وكيفيات تمظهره بين التسجيلي والتخييلي عبر لغة سردية ذات معجم استطاع أن يبني لغة خاصة بالكاتب .كما قاربت الكاتبة عنصر الوعي بالتاريخ وطرق تمثله في أيقونة الشاوية من خلال نصوص تراب الوتد وزمن الشاوية ورائحة الجنة .

 

الدجل الديني: الاستخارة

ahmad alkinaniالخيرة والاستخارة معناها طلب الخيرة بحسب اللفظ العربي لصيغة " استفعل" واستخار الله سأله ان يوفقه في اختيار ما فيه مصلحته .

وتوجد طرق مختلفة لاخذ الخيرة بالسبحة او بالقرآن، لكن الشائع منها ان تأخذ المسبحة ذات المئة وواحد حبّة باليد وتسمّي الله ثم تصلّي على النبي وتأخذ قبضة منها فتسحب حبّتين، حبّتين، فإن بقيت حبّتان فغير صالحة، وإن بقيت حبّة واحدة فهي صالحة .

اما في القرآن فالطريقة السهلة المتبعة وهي ان يسمى باسم الله ثم يفتح القرآن لا على التعيين ثم يقرأ اول بداية اية على الجهة اليمنى فان كانت تبشر بالجنة وبالخير بشكل عام فهي جيدة، وان تتحدث عن جهنم واصحاب السعير فهي غير جيدة، وتختلف الجيدة من غير الجيدة بحسب تفسير المستخدم للايات غير واضحة الدلالة .

ويمكن مراجعة كتاب مفاتيح الجنان لمؤلفه عباس القمي احد اعلام الدولة الصفوية اذ يجد القارئ الكريم تفاصيل وافية عن الاستخارة وطرقها ...

ولم يغفل اصحاب الخيرة خدمات الانترنيت وكيفية الاستفادة من الويبسايت لتسهيل مرور المستخدمين وعرض طرق ووسائل استخدام الخيرة، او طرح نتائج الخيرة بالقران اذا ما استوقفتهم اية لم يعرفوا كيفية تفسيرها، واشهر المواقع لخدمات الخيرة هو موقع الاخباريين وموقع الشيخ محسن ال عصفور:

http://ekhbarion.com

www.al-asfoor.com

وتعتبر الخيرة هي الاخرى احدى وسائل الدجل الديني الذي يمارسه بعض المتمرسين لغرض جمع عدد اكبرمن الناس ومن خلالهم يرسموا لانفسهم صورة مكبرة محاطة بهالة من القداسة وبالتالي بسط النفوذ الديني وهو بطبيعة الحال مقدمة للجذب المادي .

وقد يتراءى للناظر الى قضية الاستخارة من بعيد كيفية جمع الاموال على عمل لا يأخذ بأزاءه اي مقابل، فالذي يستخير للناس يقوم بعمل مجاني فكيف نصفه بالدجل؟

لكن في هذه النقطة بالذات يكمن الدجل .

العملية تبتدء عند رجال الدين بالجلوس في مصلاهم وبعد اتمام الصلاة تجتمع الناس لاخذ الخيرة، ثم تتطور فتأخذ ابعادا اكبر حيث تنهال عليهم المكالمات التليفونية من كل مكان لعرض خدمة الخيرة، ومن خلال المكالمات ومصدرها يرصد المتصل وتبدا العلاقة فان كان من اصحاب رؤوس الاموال عرض عليه المشاريع الخيرية ومساعدة الفقراء والبؤساء فيرسل اليه رقم الحساب البنكي وينهمر البذل، ويذهب ريع هذا البذل كله للفقراء والبؤساء !!!.

وهذه العملية بحاجة الى درجة كبيرة من الحذق والذكاء يتقدمها التظاهر بالقدسية المفرطة ثم القدرة على فهم شخصية المقابل حتى يتسنى للمستخدم اعطاء تفاصيل اكثر عن حالة الشخص من خلال الاية المنتقاة للخيرة، فأن كان شابا تختلف حالته لو كان كهلا، والمرأة تختلف عن الرجل، بالاضافة الى معرفة الجو العام السائد والمشاكل التي يعاني منها الناس،وهذا لا يتسنى لكل احد، والقصص في هذا المجال كثيرة جدا سيقف عليها القاري الكريم خلال هذه السلسلة من مقالات الدجل الديني :

في اوخر ثمانينات القرن الماضي برز بطل من ابطال الخيرة تقلد منصبا دينيا رفيعا وانتخب احد خمسة مراجع تقليد يحق للناس الرجوع اليهم في الفتيا والاحكام، لا لفقاهته ولا لعلمه او ادارته لشؤون الناس اذ لا يملك شيئا من ذلك وانما هوالاعلم بأمور الخيرة ...هكذا اشيع صيته حتى بلغ الافاق، فقررت ان اره عن قرب بمعية احد الاصدقاء الذي صار يسبح بأسمه ليل نهار ويعده فلتة الزمان بالتقوى والصلاح، وما ان دخلنا المسجد لرؤية الشيخ واللقاء به حتى اذن للصلاة وكان المسجد يغص بالمصلين، فكبر الشيخ للصلاة وبدا البكاء والنحيب فكان يقرأ أيات من القرأن ثم تأخذه نوبة من البكاء والعويل وهكذا الحال في الركوع والسجود، ركوع طويل مصحوب بالويلات والاهات وسجود اطول تنتابه فترات من السكون وحبس الانفاس، فكانت اطول صلاة صليتها في حياتي شعرت حينها بالضجر والملل وندمت اشد الندم، لكنها تجربة استكشافية عليَ ان اكمل فصولها .

وما ان انتهت الصلاة حتى ادار الشيخ وجهه للمصلين وكانوا قد شكلوا حلقات نصف دائرية وبطريقة منظمة جدا، فبتدأ الشيخ بالاشارة الى اول المصطفين وبين يديه القران يفتحه لاعلى التعيين ثم يومئ بيده بأشارة معينة يفهمها المتلقي، ثم ينتقل بالاشارة الى الثاني ويفتح القران ثم يومئ بطريقة مختلفة مفهومة له ايضا، وهكذا تستمر العملية الى الثالث والرابع ...لكنها لا تأتي على كل المحلقين اذ يعدون بالمئات، فالمحضوض من حجز مكانا له في الصف الاول لتشمله الايماءات والاشارات بعد ختام الصلاة، والا عليه ان يأتي في الغد مبكرا .

والملاحظ ان الشيخ يكتفي بالايماء بأشارات اصبحت مفهومة للحاضرين ولا يتكلم مطلقا لانها مهمَة اشبه بالمستحيلة ان اراد افهام الحاضرين عما ستوؤل اليه الخيرة وما هو تفسير الايه المختارة، لكن قد يقع هناك التباس في الاشارة، فقد يشير الشيخ باشارة دالة على جودة الخيرة لكن المتلقي يفهمها بالخطأ وهنا المشكلة الكبرى، فاشارات اليد وقسمات الوجه هما اللذان يحددان نتيجة الخيرة، فأن اشار بيده الى الامام مع علامة الرضا فهي جيدة، وان اشار الى الخلف مع علامة عدم الرضا فهي غير جيدة، ولو اشار الى اليسار فهي متوسطة الا انها مقبولة، اواشار الى اليمين فهي متوسطة ايضا لكنها تميل الى انها غير مقبولة .. الذي حدث ان احدهم لم يتلق الاشارة الصحيحة فلم تكن واضحة له، فسألني: هل رأيت الشيخ عندما اشار الى نتيجة استخارتي؟

اجبته نعم نعم، ففرح كثيرا لاني وفرت عليه الكثير من الوقت، فقال كيف رأيته يشير؟

فأشارت بسبابتي الوسطى الى الاعلى وقلت :هكذا رأيت .

فحدق الرجل في وجهي ولم ينطق بشفه .

 

والسؤال : ما الذي يجعل مئات المصلين يوميا على موعد مع هذا الشيخ لاخذ الخيرة؟

لعله الالتزام بتعاليم الدين والاحكام الأمرة بالاستخارة قبل الاقدام على فعل ما، وهي ثقافة روج لها من قبل المتاجرين بالدين جعلوا الاقدام على فعل ما من دون الخيرة اساءة للظن بالله، ورووا من على المنابر احاديث بهذا المضمون ، لكن حصل هناك تفريط في امر الخيرة حتى وصل الحال ببعض الملتزمين دينيا ان يحمل المسبحة في جيبه فأن اقدم على اي فعل مهما كان عاديا اخرج مسبحته وبدا يعد حباتها فأن فضلت واحدة اتكل على الله وذهب وان بقيت معه حبتان اقفل راجعا .

ويشتد امر الخيرة في الزواج على الخصوص ليصبح من المسلمات الشرعية على ولي امر المرأة وهو الاب في الاغلب ان يستخير الله ان اقدم شابا لخطبة ابنته ممن يرضى خلقه ودينه وان لم يفعل فمصير هذه الزيجة الى الطلاق لا محالة، فيذهب هذا الاب المكبل الارادة المسلوب الحق حتى في رسم حياة سعيدة الى فلذة كبده ويلتجي الى الشيخ اعلى الله مقامه لينهي هذه العلاقة بجرت سبحة او فتحة قرآن .

حكى لي احدهم انه اراد الزواج واثناء الخطبة طلب منها ان تستخير الله قبل ان تتخذ القرار بالقبول او الرفض، وكان رد الفعل انها اعلنت موافقتها فورا من دون الرجوع الى الخيرة ...وهنا تسأل الرجل ما الذي يدعوها الى الاستعجال في مثل هذه الحالات رغم ان الخيرة تعطيها الوقت الكافي للرد وبأدب في حال الرفض تمسكا بالخيرة ...وظهر فيما بعد ان الخيرة كانت سببا لانهاء علاقة بين اختها مع من تحب بعد اصرار الشيخ المقرَب من الوالد على الخيرة .

والاهم في موضوع الخيرة انها كيف اصبحت ثقافة راسخة روج لها الحمقى من الخطباء وجعلوها من المسلمات رغم هشاشة الادلة عليها ...هذا ما سأجيب عليه في الحلقة القادمة .

وقبل ان انهي الكلام علي ان اسجل شكري العميق على ردود الافعال من قبل القراء الكرام على ما عرضته في الدجل الديني سواء كانت أراء موافقة او مخالفة . للتعليق اوابداء الرأي او اضافة شي غفلته.

سمير نقاش .. نقش عراقي في الذاكرة

nabil alrobaeiلأجل المحافظة على التراث والأدب العراقي وذكريات يهود العراق أدرك الكاتب والباحث مازن لطيف ذلك من خلال اهتمامه بنشر التراث الإنساني والأدبي والديني وتأريخ المدن العراقية وما يخص الذاكرة العراقية، ليفيد المجتمع بالاطلاع على هذا التراث، وليسهم في النهضة الثقافية والعلمية في المجتمع العراقي، وتدوين أدبهم وذكرياتهم من خلال إصداراته الجديدة، كان من ضمن انجازاته في هذا المجال، كتابه الذي يخص الروائي العراقي سمير نقاش،

الذي اهتم بالشخصية العراقية من خلال رواياته الواقعية، وقد جسدت خصائص وصفات العراقيين. سمير نقاش العبقري الذي يسير ضد التيار معتمداً على مواهبه وذكرياته في بغداد المدينة التي أحبها وعشقها وكتب أغلب شخصيات رواياته عن الشخصية العراقية البغدادية التي عاش فيها ثلاثة عشر عاماً لا غير.

صدر عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر للصديق مازن لطيف كتاب تحت عنوان (سمير نقاش..نقش عراقي في الذاكرة) وهو اعداد وتحرير لمقالات وحوارات صدرت بحق الروائي نقاش من قبل كتاب وأدباء وصحفيين عراقيين عرفوا سمير نقاش عن كثب، الكتاب يحتوي على أربعة فصول ذات 150 صفحة من القطع المتوسط، تقديم د. سامي إبراهيم.

سمير نقاش الروائي العراقي الحالم بالعودة إلى بلاد الرافدين، ولكن بعد عام التغيير 2003 لم يتحقق حلمه، بسبب رفض الدستوري العراق لإعادة الجنسية العراقية لليهود العراقيين المهجّرين منذ منتصف القرن العشرين، تنحدر عائلته إلى عصر الخلافة العباسية، وكان جد سمير نقاش المباشر مهنته نقش غلاف كتب التوراة والقرآن،فيتم زخرفته وتذهيبه، وهي المهنة التي انتقلت لنقش منائر مسجد الكاظمين السبعة المعروفة، وهكذا انتقل اسم العائلة فنسى الناس الاسم الأصلي الذي هو آل شعيد.

هؤلاء هُم من كانت لهم بصمة في جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والفنية والتربوية، ولهم دور في بناء الدولة العراقية الحديثة بعد عام 1921، يصف الكاتب مازن لطيف سمير نقاش في ص7 يقول: هذا اليهودي المبدع الذي خلق في صيرورة روحه ومنتجه الأدبي الروائي والصحفي الحسّ الأقرب للوطنية والانتماء، بالرغم من قسوة التهجير والمنفى التي سكنت هاجسه الروحي وعكسه في مشاعر روحية، وتناقضات أيقظت في الذات التوراتية، لسمير نقاش مسارات الحكمة والسرد والبقاء وفيا للمكان الرافديني وثقافته".

كتب نقاش رواياته بالعربية لأنه يعتبرها اللغة الأم أما اللغة العبرية فيعتبرها الزوجة، فهو يفضل لغة الأم على الزوجة ولذلك لم يحصل نقاش على دعم من المؤسسات العبرية في فلسطين، يصفه د. سامي موريه يقول في ص16: أمامنا عبقري أبى السيّر مع التيار بل تعمد السيّر ضد التيار معتمداً على مواهبه الأدبية..هذه النفس الأبية التي أتت في غير وقتها وغير الشروط الثقافية والتاريخية التي تستحقها مواهبه".

سمير نقاش اصبحت بغداد في نظره أرض الميعاد والجنة الموعودة، رحل عن الحياة ولم يحقق حلمه بسبب الظروف السياسية التي مرَّت على العراق، كان النقاش يعشق لغته البغدادية، يتكلم بها ويكتب رواياته بهذه اللغة الجميلة ، يقول الباحث رشيد خيون في ص23:سمير نقاش العالم في اللهجة البغدادية، يرى أن ما يكتبهُ من مفردات هي لغة البغداديين العباسية، وأن اليهود ظلوا يتداولونها حتى في مهاجرهم ومنافيهم".

لم يتوقف النقاش عن الكتابة والنشر بالعربية وكانت روايته الأخيرة (شلومو الكردي وأنا والزمن) هي العمل من الأدب الراقِ، ووثيقة تأريخية حول جوانب مجهولة من حياة أقليات عاشت على الحدود الملتهبة بين إيران والدولة العثمانية، تؤكد الروائية أنعام كجة جي في ص26 من الكتاب "أن الرواية (شلومو الكردي وأنا والزمن)هو شلومو كتاني (ابو سليمان) اليهودي الإيراني الأصل الذي كان يقيم في صبلاغ وهي بلدة كردية على الحدود مع العراق..وفيها ولد شلومو أواخر القرن التاسع عشر ثم عاش حتى قارب المائة".

يؤكد الكاتب عبد اللطيف الحرز في ص31"أن سمير نقاش قيمَّة جدلّية غنية لكونه بذاته شخصية إشكالية، فهو يهودي العقيدة، عربي اللسان، عراقي التكوين، والبنية والعقل والقلب حتى النخاع، وسمير نقاش قيمّة جدلّية بسيرته الفادحة الألم حيث تم طرده من العراق بلا أي سبب"، يعتبر الروائي العراقي نقاش لمبدعه الإنجازي في مجال الرواية والقصة والمسرحية ذات قيمّة اشكالية حيث بقي يحافظ على النكهة العراقية لهجة وطرق تفكير، والتدقيق في تفاصيل الأمكنة وطبيعة الحضارة العراقية.

أما الكاتبة فاطمة الحسن فتؤكد من خلال مقالها (سمير نقاش العائد إلى بغداد دائماً) في ص 41"يقترب سمير ويبتعد عن بغداد ويحب كل ما فيها، بغداد التي تركت مساميرها في القلب"، لكن سمير نقاش لهُ الدور الكبير في إدخال شخصية اليهودي العراقي في عالم الأدب، لأبعادها الدرامية وصفاتها المتميزة، كان أدب سمير نقاش يمثل أدب المنفى والرحيل العراقي، فهو قد جسّدَ تلك الروح العراقية المعاندة الفظّة بجنونها بحب العراق وعاصمتها بغداد وأحيائها القديمة.

أما الفصل الثاني من الكتاب فيشمل حوار حول فليم (إنسى بغداد) للمخرج العراقي سمير جمال الدين،عندما سأل المخرج سمير جمال الدين عند لقاءه بالروائي العراقي سمير نقاش لغرض إخراج فلمه الرائع وهو يوثق حياة يهود العراق في إسرائيل عن اللغة التي يرغب بالحديث بها كان جواب النقاش: وهل هنالك غير اللغة العربية كي نتحدث بها عن حياتنا في بغداد"، كان من ضمن مَن التقى بهم جمال الدين شمعون بلاص وسامي ميخائيل وسمير نقاش وموسى خوري وإيلا حبيبة شوحيط، وهي متخصصة في السينما الإسرائيلية، الفلم الوثائقي إنسى بغداد الذي رصد حياة كتاب يهود العراق، وقد تذكروا مسألة تهجيرهم من العراق في اربعينات وبداية خمسينات القرن الماضي، يقول سمير نقاش من خلال الفلم"أنا أرفض أن تكون إسرائيل بلداً لي، هذه البلاد أجرمت بحقي وطحنتني، هذه ليست بلادي".

أما الفصل الثالث فقد كان يمثل حوارات الأدباء والكتاب مع الروائي الراحل سمير نقاش، الذي حاوره الأديب الراحل شريف الربيعي عام 1990، وكان سؤال الربيعي لسمير نقاش حول تركه لإسرائيل والسفر إلى إيران عام1958 كان جواب سمير نقاش ص69"أسمّي نزوح يهود العراق إلى إسرائيل (مأساة) أما مأساة عائلتي الشخصية فلا يمكن أن أغفرها لإسرائيل . لقد حاولت عام 1958 الوصول مع خالي إلى إيران، لتدبير أمورنا ثم نقل العائلة كلها إلى هناك، ولما لم يكن ثمة علاقات دبلوماسية يومئذ بين إيران وإسرائيل فقد اضطررت أن أمكث ستة شهور في تركيا حتى رَتّب لنا أصدقائنا مسلمون عراقيون تأشيرة دخول إلى إيران".

لقد كانت هجرة يهود العراق أسوأ هجرة إلى إسرائيل، فكل مهاجر من بلد أخر كان يحمل جواز بلده وكان بوسعه مغادرة إسرائيل إذا لم تعجبه الأحوال، أما يهود العراق فقد بيعوا لإسرائيل بمعنى الكلمة، كانت حالتهم صعبة في العيش بسبب نفوذ اليهود الأشكناز (الغربيون)، مما أدى إلى صعوبة وصول يهود العراق إلى مراكز النفوذ والمراكز المهمة في إسرائيل من خلال التدرج الوظيفي، فاليهود الشرقيين معروفون باعتدالهم ويعتبرون إسرائيل جسماً غريباً في حياتهم لأنهم كانوا جزءاً عضوياً من المجتمع العراقي، والتفاهم كان قائماً بين أبناء المجتمع العراقي.

كان سمير نقاش فخور بيهوديته ولكنه كان متعاطفاً مع أبناء جلدته، وهو ليس مع الصهاينة، عندما سأله الأديب شريف الربيعي عن الفرق بين اليهودية والصهيونية؟ في ص79 من الكتاب، كان جواب النقاش"الصهيونية حركة سياسية غريبة وملحدة، أما اليهودية فقيّم، واليهودية دين، واليهودية عالمية"، لقد عاش النقاش حياته الصعبة بسبب محاربة المؤسسات الأدبية الإسرائيلية لنتاجه الأدبي ورفضوا دعمه مادياً لغرض النشر، وقد أوصدت أبواب الرزق بوجهة، لذا فكان يعيش من خلال (السوق السوداء) التي لا تدر ربحاً لهُ، مما كان أحد الأسباب لجعل النقاش يفكر بمغادرة إسرائيل، إضافة إلى سبب آخر رفضه الكتابة باللغة العبرية وإنما باللغة العربية لتمسكه وعشقه للغته الأم، إسرائيل لم تهتم بيهود الشرق وخاصة العراقيين، وإسرائيل قائمة على النهج الغربي المناقض لكل ما هو شرقي، فهي لا ترغب بنشر نتاج الأدب الشرقي وخاصة نتاج الأديب سمير نقاش، لذلك كان يقول نقاش في ص88:"أنا اعيش داخل إسرائيل في (قوقعة)، لم أتأثر بالثقافة الغربية السائدة في إسرائيل، ولم أجد لغتها لحد الآن".

كتبت عدة دراسات ورسالات ماجستير ودكتوراه في أدب الراحل سمير نقاش ، منها رسالة ماجستير حول أدب نقاش لطالب الماني الجنسية ،وأطروحة في الإيطالية، وكتبت الكثير من الأطروحات في انجلترا والسويد والمانيا وامريكا وهولندا، يؤكد نقاش من خلال لقاءاته الصحفية على أنه الانسان الذي"لا يمكن أن يخرج من جلده؟ أنا كإنسان، عراقي أصيل، بكل جوارحي، احمل بجنباتي تاريخاً شديد القدم من العراقية، تكويني كله عراقي، لغتي، عاداتي، الطعام الذي أحبه، الموسيقى التي أفضلها، الأناس الذين أرتاح إليهم، كل ذلك عراقي بحت".

أما الفصل الرابع من الكتاب فقد شملَّ شهادات بحق النقاش بعد وفاته، منهم (صلاح حزين، محمد علي الأتاسي، د.علي ثويني، خالد المعالي، د. علي القاسمي، زهير كاظم عبود)، يقول د. علي القاسمي في رثاء النقاش ص134:"سمير، يا صنو روحي، أنا وأنت غريبان، أنا وأنت عاشقان، أنا وأنتَ قتيلا هوىّ فتّاك.أخبرني سمير، هل عرَفت السر في هذا الحنين؟ هل اكتشفت تعويذة السحر التي يقلّدها هذا العراق الذي جعل جميع ضحاياه، يلهجون بحبّه، يحنّون إليه، يبكون عليه كما يبكي القتيل حبّاً بقاتله؟ ألم تتكشّف لكَ الحقيقة يا سمير، وانتَ تلفظ أنفاسك الأخيرة بعيداً عن بغداد ووادي بغداد وأهل بغداد؟ في تلك اللحظة التي فارقتُ فيها روحك جسدك، هل تكشّفت لك الحقيقة، في تلك اللحظة البرزخيّة وأنت بين عالم الفناء وعالم البقاء؟ أخبرني سمير، أرفع صوتك قليلاً فانا لا أسمعك على البعد، قُل لي كلمة السِرّ فأنا أخشى أن أغادر هذا العالم كذلك وأنا أجهل سرّ عذابي.ما أعجب وفاءك وإخلاصك للعراق، يا سمير، كنتَّ تقول: إنّي يهوديّ، ولكتني لست بخائن، كيف أخون أرضاً ممتزجاً بثراها رفات آبائي وأجدادي". رحلَّ سمير نقاش في 7 تموز 2004 عن عمر ناهز 66 عاماً، ولم يحقق حلمه بالعودة إلى العراق، بل رحلَّ وهو يحمل في داخله ألم الفراق لبلاد الرافدين، لكنهُ ترك لنا أدباً عراقياً أصيلاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية

عراق ما بعد 2003

khadom almosawiاصدرت المؤرخة الامريكية الدكتورة فيبي مار Phebe Marr كتابا بعنوان: تاريخ العراق المعاصر، The Modern History of Iraq، قبل هذا الكتاب الذي صدرت ترجمته بعنوان: عراق ما بعد 2003، وقام المترجم ايضا بترجمة الاول، ونشره على شكل اجزاء متفرقة. وكذلك تتمة للفترة التالية وحتى الاحتلال. ورغم حسن اختيار وعناوين اعلامية إلا انها توزع جهود البحث، وتفقد ارتباطاتها الزمنية للقارئ المتابع والمهتم بسير التاريخ، وطبيعة الكتاب الجامع والبحث الاكاديمي، وخشية من الجوانب التجارية للناشر ومن يساعده في هذا الشأن. (رغم ان قراءة كتب بحجم معقول، لا يتجاوز كثيرا عن مئة الى مئة وخمسين صفحة من الحجم الكبير، مثيرة للاهتمام والنقل والتوزيع ومشجعة للقراءة في الزمن السريع!).

اما الكتاب الجديد: عراق ما بعد 2003، فتتابع الباحثة الامريكية تاريخ العراق المعاصر بعد احتلاله بقيادة بلدها، والمؤلفة سيدة امريكية متزوجة من اكاديمي عراقي، الدكتور لؤي بحري، وباحثة معروفة في شؤون الشرق الاوسط ومعنية بدراسة العراق الحديث، وأستاذة جامعية متقاعدة وحاصلة على الدكتوراه في التاريخ ودراسات الشرق الأوسط من جامعة هارفارد، وعملت بالتدريس في جامعة الدفاع القومي الأميركي، وفي جامعة تينيسي، وجامعة ستانيسلاس بولاية كاليفورنيا. ولكنها كغيرها الكثر من الكتاب والباحثين والمؤرخين الامريكان خصوصا يحاولون القراءة التاريخية دون الاشارة الى الدور الخطير لأجهزة بلادهم في التخريب والدمار الذي تسبب جراء خطط وقرارات الولايات المتحدة الاستعمارية والمشاريع الامبريالية. لاسيما وان اكثر ما نشر من كتب تم بدعم من مؤسسات امريكية معينة تغطي على الدور الخطير لبلادها في الكوارث التي حلت في العراق وغيره. وفي تقديم المترجم للكتاب عرج الى الكتاب الاول الذي صدر عام 1985، وذكر ان المؤلفة تناولت فيه العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1920 الى بواكير ثمانينات القرن الماضي، واعتبره "تناولا ينم عن براعة حيث بات هذا الكتاب مرجعا مهما للدارسين والباحثين في الشأن العراقي". وواصلت الباحثة الكتابة عن الفترات اللاحقة، حتى الكتاب الاخير الذي صدر لها عام 2012، وأشاد به ايضا، كالعادة، بأنه "تحليل تاريخي اخاذ مدعم بمعلومات دقيقة توصلت اليها من مصادر عديدة بضمنها زيارات مستمرة الى العراق للوقوف على مجريات الاحداث عن كثب فضلا عن تقديمها لتحليل عميق للشؤون الاقتصادية والثقافية العراقية في الفترة محل البحث". ولكنه ختمه بتنبيه " ان الافكار والتحليلات التي يحتويها الكتاب تعود الى المؤلفة". ولم يذكر ان الباحثة تشغل منصب كبير الزملاء في معهد السلام الأميركي بالعاصمة واشنطن. وهو الذي كلفها وقدم لها الدعم في البحث والسفر لأكثر من مرة الى العراق، حسب تقديمها، وحاز المعهد على سمعة سيئة بعد تعيين دانييل بايبس Daniel Pipes عضوا في مجلسه بقرار من الرئيس الاميركي خلال عطلة الكونغرس. ومن المعروف أن اغلب الباحثين في المعهد من المؤيدين للصهيونية وليس من العادة تعيِين خبراء يفضحون تدخلات وكالة المخابرات المركزية، حسب باحث امريكي في اطروحة له عن دور المخابرات الامريكية في انقلاب عام 1963 في العراق، وبالتأكيد يتغافل الباحثون عن عمليات الاجهزة الامريكية في الشؤون الخارجية وفي التدخلات العسكرية والانقلابات وغيرها في العالم.

يتألف الكتاب من ثلاثة فصول، بعد مقدمة المترجم وتوطئة المؤلفة، ومن عناوينها تؤكد الباحثة رؤيتها الامريكية لأوضاع العراق بعد الاحتلال. والفصل الاول بعنوان: المحاولة الامريكية لبناء الامة في العراق 2003- 2006، والفصل الثاني بعنوان: اضفاء الاستقرار على العراق، 2007- 2011. والفصل الثالث: التغيير الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي في العراق 2007-2011، والمراجع. ومن العناوين يمكن القول ان الباحثة في الكتاب نقلت ما كان تصورات امريكية لدور استعماري جديد لما كان المستعمرون وإرسالياتهم القيام به والادعاء بشعارات ملفقة ومخادعة لوقائع النهب والتدمير وصناعة الكوارث. وان قراءتها التاريخية تفيد باسترجاع الوقائع والأحداث التي تمت خلال الفترة موضوعة البحث. ومن هنا تقرأ الموضوعات وتسلسلها. التي حددت المؤلفة، في توطئتها، جهدها في "موضوعات عدة قد هيمنت على تاريخ العراق منذ عام 1920 الى الوقت الحالي. وتمثل الموضوع الاول في اقامة وإنشاء دولة جديدة ضمن الحدود التي منحها البريطانيون الى العراق في عشرينيات القرن العشرين وبحث زعماء العراق عن هوية ثقافية ووطنية قادرة على توحيد اطياف البلاد العرقية والدينية والاجتماعية المختلفة.(..) ويتمثل الموضوع الثاني في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهي عملية بدأت في اواخر القرن اتاسع عشر بيد انها تسارعت تسارعا كبيرا في سبعينات القرن العشرين، على الرغم من انها تعرضت لجملة من النكسات مؤخرا تمثلت بالحرب والعقوبات والاضطراب الاجتماعي. وثمة موضوع ثالث، اكثر اهمية، يتمثل في تطور المؤسسات والإيديولوجيات السياسية وتداخلها مع المجتمع الداخلي والعالم خارج العراق". وسعت "لإظهار عوامل التغيير والاستمرار في اليات العراق السياسية فضلا عن تفسير نتائج وجود نظام شمولي وحشي، على شاكلة نظام صدام حسين، على المجتمع، وتأثير الاحتلال الاجنبي على النظام السياسي الذي ينبثق في العراق اليوم". وأشارت الى موضوع رابع يتمثل في الهيمنة الاجنبية وتفاعل الدولة المنبثقة حديثا مع الغرب وجيران العراق والبيئة الكونية. ورأت ان "مستقبل العراق يشوبه الارباك في نهاية العقد الاول من هذه الالفية، فمن الافضل فهمه من خلال منظور تاريخي" (ص10- 11).

لعل اسئلة كثيرة تثار هنا عند استعراض الفصول، ومنها النتائج التي اوصلت الشعب العراقي الى ما هو عليه الان بعد سنوات من الاحتلال والتدمير والنهب الامريكي خصوصا للعراق. وكذلك الخلاصات منها والدروس، وهي بمجملها اسباب وتداعيات لخطط الغزو والاحتلال ومشاريع النهب الاستعماري والهيمنة الامبريالية، وكل الخطوات التي اشارت لها بقراءة تاريخية هي من بين اسباب ما حل بالعراق اليوم. وبالتأكيد لم يكن في خطط الامبريالية الامريكية مشروع بناء امة، بل العكس هو الذي بدرت بداياته، او ملامحه عبر ما اعلنه نائب الرئيس الامريكي جو بايدن من مشروع تقسيم للشعب والوطن العراقي، وقدم بالتالي مؤشرا واضحا وردا "امريكيا" على العنوان. واعترفت الباحثة ان وضع العراق قبل الاحتلال لم يكن ورديا وما جاء به الاحتلال "غير السديد" لم يغير من الصورة، بل زادها "انهيارا سياسيا واجتماعيا غير مسبوق وبحلول 2006 دفع الاحتلال العراق الى الاقتراب من حافة الدولة الفاشلة". وخلال سنوات البحث ركزت الباحثة على ابرز المحطات التاريخية التي حصلت في العراق منذ قرار الغزو والاحتلال الى قرارات الحاكم الامريكي بريمر وتداعياتها الداخلية، واعترفت هنا ايضا، "كانت ولاية بريمر، من 11/5/2003 الى 28/6/2004، حاسمة في صياغة مستقبل الاتجاه السياسي والاجتماعي في العراق، ولكن على نحو سلبي في معظمه، فقد كان جهدا وجيزا من الولايات المتحدة الامريكية لإقامة حكم مباشر ومحاولة طموحة لبناء امة". ورغم ذلك فان وقائع الحال بينت ان فكرة الباحثة هذه لم تقدم العراق ولم تستطع ان تحقق المخططات المرسومة له.

قراءة تسلسل الاحداث السياسية في العراق تعطي خط سير مكشوف للمآلات التي انتهت اليها. حتى الخطوات المفروضة كتسليم الحكم للعراقيين والانتخابات وكتابة الدستور وغيرها من الخطوات والمحطات التي اشارت لها وحصلت فعلا لم تمكن العراق من التقدم بما يخدمه ويحدثه على جميع الصعد. وهو ما اقرته في ختام فصلها الاول. "وبحلول نهاية عام 2006، كان العراق ينهار، وان احتلالا ومشروعا طموحا لبناء امة، الذي بدأ بطموح اكبر مما يحتمله الواقع، قد اخذ بالانحلال، وكان المجتمع العراقي يتفكك طبقا لاعتبارات عرقية وطائفية، في حين ان حكومة منتخبة حديثا، مؤلفة على نحو رئيس من الساسة الذين كانوا ناشطين في المنفى، قد اضطلعت للتو ببنية سياسية جديدة، ومع ذلك غير مجربة. وكانت الولايات المتحدة الامريكية قد انهت تهديدا واحدا. نظام اقليمي عدواني. لكنها اوجدت تهديدا اخرا. دولة فاشلة على نحو محتمل" (ص 83). والأسطر الاخيرة كشفت سببا من اسباب الغزو والاحتلال الذي لم يرد ذكره او بحثه، او تحميل المسؤولية عنه.

في الفصل الثاني او الموضوع الثاني واصلت الباحثة وصفها للتطورات السياسية والاجتماعية وانعكاساتها على العراق وعلاقاته الامريكية ودول الجوار والاستقرار والتأزم بين مكوناته التي اسهمت الادارة الامريكية في تأجيج التوتر داخلها ومحاولة ضبط الايقاع بقواتها العسكرية وخططها السياسية. مركزة على دور الانتخابات والتيارات المتصارعة. كما ان الباحثة خلصت ان البيئة الثقافية والسياسية للقيادات والتيارات السياسة لعبت دورا في التوترات والصراعات الداخلية ولم تشر ابدا الى المشاريع والخطط الاستعمارية وقواعد عملها القديمة والجديدة. فرأت "ان القادة الجدد لعام 2010، سواء كانوا من سياسي الخارج ام الداخل، قد تلقوا تعليمهم في الشرق الاوسط وكانوا يحوزون على اواصر قوية معه، بدلا من الغرب. وكانت الشخصيات الشيعية الرئيسة، مثل المالكي، وقادة المجلس الاعلى الاسلامي، والسيد الصدر، قد تلقوا تعليمهم في العراق وتلقى المنفيون تعليمهم في ايران وسوريا. وكانت النخب ذات التعليم الغربي، مثل علاوي والجلبي، تتلاشى من المشهد حيث حل محلهم جيل اكثر شبابا ليس لديهم تأثر كبير بالغرب. وقد ساعد هذا الامر، الى حد ما، في تفسير انبثاق قيم وممارسات اكثر تقليدية بما فيها التحول نحو هويات اكثر طائفية وقرابوية". هذه الخلاصة تكشف مسار البحث وتضع نقاطا مهمة في المهمات التي ادارتها ادارة الاحتلال وقامت بها في العراق نموذجا، وقبله ومعه في افغانستان ايضا، الذي لم تدرسه المؤرخة الامريكية.

وتابعت في الفصل الثالث، مستندة الى قائمة طويلة من المصادر وأوراق البحث عن التطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خلال فترة البحث، ولاسيما بعد عام 2007، بعودة حياة طبيعية لحد ما، برأيها. وحصول تقدم في المجالات المختلفة مع بعض النكسات، وتطورات في الاتفاقات الاقتصادية والاستثمار الاجنبي، وقطاعات النفط والاتصالات وغيرها. إلا انها اشارت ايضا على الرغم من التطورات الواعدة، "ما برح الاقتصاد العراقي يواجه عوائق عدة في تطوره وفي امكانية توفير احتياجه الطويلة الامد. فقد بقيت نسبة البطالة في العراق مرتفعة للغاية، وظل الطلب على الكهرباء يتجاوز حجم التجهيز، وكان الحصول على ماء نظيف والاهتمام بالصحة العامة الاوطأ في المنطقة" (ص184). ورصدت ما جرى في شتى المجالات بالأرقام والدراسات والمقالات المنشورة، الكثيرة عنها. لاسيما ما تعلق بالقوى العاملة والتعليم والصحة، وما حدث فيها خلال تلك الفترة. وموضحة المعوقات والفساد ونسب البطالة والعمل الرسمي والتوظيف في الجيش والشرطة وقوى الامن والخدمات وغيرها، مما يعني في النهاية بقاء او ابقاء الحاجة ماسة للإدارة الامريكية ودورها في تقديم الدعم والمساعدة في كل تلك المجالات والأصعدة العراقية.

وظل الموضوع الرابع كما سمته الابرز في توقعات الباحثة، وسمته مستقبل العراق، وفيه الرؤية التي ارادت ان تختم كتابها بها. مؤكدة "بعد ثماني سنوات من الاحتلال، فان العراق الجديد مازال قيد البلورة، ويبقى اتجاه البلد المستقبلي يشوبه الحيرة.." (ص206). ورغم ذلك رأت ان نزرا من الاستقرار والتوازن بين قواه الداخلية اسهمت في شكل نظامه السياسي وتبني صيغ جديدة اكثر ديمقراطية للحكم وانفتاح على العالم الخارجي. وشعرت بعد كل ما قدمت ان قوى التغيير تواصل التنافس مع نماذج واطر تقليدية للحكم - السلطوية، والقرابوية، وعلاقات تستند الى المحسوبية- التي يصعب تغييرها. وفي هذا التحول اكدت ان التحديات المترابطة تواجه قادة العراق الجديد، هي:

التحدي الاول: تعزيز التماسك الوطني العراقي بالاستناد الى درجة من الاجماع بين طوائفه المختلفة.

التحدي الثاني: تطوير موارد العراق الاقتصادية واصلاح نسيجه الاجتماعي المتهريء.

التحدي الثالث: وهو الاخطر في ادارة الحكم ورغم كل التطورات اذ يقتضي تغيير سجل النظام الجديد وتحسينه عما كان في العهد السابق.

اما التحدي الرابع: تطوير التماسك الداخلي وتوفير بيئة امنة وممارسة دور اقليمي اكثر اهمية.

وختمت بعد ذكر رؤيتها هذه بالأسطر التالية: "وسيكون الوقت وتوفر بيئة خارجية اكثر ايجابية تسمح للبلد وقيادته بالتعامل مع مشكلات العراق والتحديات الكثيرة التي يواجهها هي العوامل الاهم لتحقيق تقدم في التغلب على هذه التحديات. وبعكسه قد ينزلق العراق في الاضطراب واللاتماسك، وهما السمة الرئيسية لفترة ما بعد عهد صدام، وفي واقع الامر، لمعظم تاريخ العراق المعاصر". وهكذا تختم المؤرخة كتابها عن العراق بعد الاحتلال وفي فترة الاحتلال. وقد اشارت الى مراجع ومصادر كثيرة تلفت الانتباه في عددها وحجمها وأهميتها، وقدرتها على المراجعة لها وتجميعها، وبالأخير بينت سعة توفر المعلومات عن العراق في تلك الفترة، واهتمام مراكز البحث وأجهزة المخابرات الامريكية خصوصا في الشؤون الداخلية العراقية والتقارير المتابعة لكل المجالات. ويظل كتاب الباحثة الاستاذة فيبي مار في جانب منه مادة لاسترجاع ما حصل في العراق ابان الاحتلال وما حدث فيه، في عهد سمي بالجديد ولكن المخاطر فيه كثيرة.

اسم الكتاب: عراق ما بعد 2003، المؤلفة فيبي مار، ترجمة مصطفى نعمان احمد، المراجعة العامة: احسان عبد الهادي الجرجفجي، منشورات دار المرتضى، بغداد ط1/ 2013، 233 صفحة من القطع الكبير.

 

صدور كتاب: أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية للمؤلف الدكتور خالد التوزاني

665-khalidاستهلت دار كنوز المعرفة في الأردن منشوراتها لسنة: 2015م، بإصدار كتاب جديد للباحث المغربي الدكتور: خالد التوزاني، يحمل عنوان: "أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية"، وقد جاء الكتاب في طبعة فاخرة وأنيقة ذات غلاف جميل وملون تزينه صورة معبرة عن العجيب في الثقافة العربية والثقافة الغربية حيث تتضمن مخلوقات غربية ومخيفة ومرعبة تشكل رصيدا من الموروث العجيب في الثقافتين معا أو المشترك الإنساني في كل مكان وزمان، ويقع الكتاب في أزيد من مائتي صفحة، ويبدو واضحا حجم الاهتمام بهذا الإصدار النقدي الهام من خلال جودة الطباعة واختيار أفضل أنواع الورق إضافة إلى خلو الكتاب من كل الأخطاء المطبعية وهفوات الإخراج، ولعل هذه الميزات الفنية تشكل طابعا مميزا يطبع كل منشورات دار كنوز المعرفة بالأردن والتي تحرص على الإتقان سواء في الطباعة بأحدث الآلات والبرامج والمتخصصين أو من خلال انتقاء الكتاب والمؤلفين الذين ينجزون أعمالا علمية مشرفة.

665-khalidيقدم الباحث المغربي الدكتور خالد التوزاني في كتابه: "أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية" مقاربة تنظيرية وتأصيلية لموضوع العجيب من خلال تبني مصطلح "أدب العجيب" بديلا لما يتداوله النقاد العرب من مصطلحات مثل العجائبي والفانتاستيك.. مبررا اختياره بمقاربة شمولية للموضوع تتجاوز الثقافة العربية الإسلامية إلى استنطاق الثقافة الغربية وكشف مدلول الفانتاستيك وأصوله وتحولاته في هذه الثقافة وسياق هجرته نحو حقل التداول العربي. حيث يؤكد المؤلف الدكتور خالد التوزاني ذلك بقوله: "إن اختيارنا لمصطلح "أدب العجيب" باعتباره الأقرب إلى الصواب في التعبير عن نمط الإبداع القائم على توظيف العجيب والغريب، وهو الأنسب لتحليل النص العربي. أما لفظ "الفانتاستيك" بوصفه جنسا أدبيا أو تقنية في الكتابة، أنتجته ظروف تاريخية وقيم ثقافية غريبة عن واقع الإنسان العربي وتاريخه، فيمكن تداوله من باب توسيع الرؤيا وتعزيز أفق القراءة والتأويل. علما أن أدب العجيب في الثقافة العربية ليس مستقلا، وإنما يشمل كل كتابة غير مألوفة، وبناء على ذلك توجد ملامح هذا الأدب في مختلف حقول المعرفة؛ ففي أدب الرحلة يوجد العجيب، وفي كتب السير والتاريخ وأدب المناقب والكرامات، وغيرها من مجالات انتعاش العجيب في الثقافة العربية الإسلامية، والتي تحتاج لبحوث مستقلة، يمكن أن تسهم نتائجها في فهم العقلية العربية ونفسية الإنسان العربي التي تعايشت مع الوحي وخلقت ألفة مع الغيب وما وراء الطبيعة، وكانت لها رؤيتها الخاصة نحو الكون والوجود".

يندرج موضوع هذا الكتاب ضمن حقل الآداب والعلوم الإنسانية، ليعالج ظاهرة العجيب في الثقافتين العربية والغربية، في محاولة لتأصيل أدب العجيب وخاصة في الثقافة العربية الإسلامية، مع الاستفادة من معارف الآخر البعيد عنا ثقافيا وعلميا والقريب منا جغرافيا في سياق التقارب الإنساني المشترك والاندماج الحضاري المأمول، استجابة للحاجة الفكرية والمجتمعية لوضعنا العربي الراهن، من تجديد للفكر وتخليق للحياة الاجتماعية وإحياء لقيم النهوض والارتقاء.

هكذا يناقش الكتاب قضية ثقافية وأدبية تشغل المجتمع العربي المعاصر وخاصة الفئة المشتغلة بنقد الإبداع عموما، حيث يتتبع ظاهرة العجيب في الثقافة العربية الإسلامية سواء في التراث العربي القديم أو الحديث والمعاصر، فيقارب مفهوم العجيب وتجلياته في هذه الثقافة كما يسافر إلى ثقافة الآخر لاستجلاء العجيب فيها، ليس من باب المفاضلة وإنما من أجل إبراز الخصوصيات داخل نوع من التكامل والانفتاح. وذلك درءا للتصور الذي يرى أن أدب العجيب أو الفانتاستيك مصدره الغرب وأنه ظاهرة وافدة على الإبداع العربي في سياق التجريب، حيث ينطلق الكتاب من فرضية أساس مفادها أن العجيب متأصل في الثقافة العربية الإسلامية وله خصوصياته وروافده ووظائفه التي تختلف عما هو موجود في الثقافة الغربية.

ومن هنا فإن هذا الكتاب يطمح إلى الإسهام في تنوير النقد الثقافي المعاصر ولفت انتباه النقاد والمبدعين العرب إلى ضرورة الاستعانة بالتراث العربي الإسلامي في معالجة ظواهر تبدو مستجدة أو وافدة من الثقافات الأخرى وهي في واقع الأمر موجودة في تراثنا العربي، فقط تحتاج إلى من ينفض عنها غبار النسيان ويعيد إبرازها للعيان، مع ما يترتب عن هذا التوجه من إحياء للثقة بالنفس وتعزيز للقدرات العربية وإيمان بالمحلي قبل العالمي وإعادة الاعتبار لجزء من الثقافة العربية الإسلامية كثيرا ما تم إهماله وتهميشه.

 

محتويات الكتاب:

يقوم كتاب "أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية" في ضوء تصوره العام على مقدمة وبابين اثنين وأربعة فصول، ثم خلاصة واستنتاجات، ثم فهارس الكتاب.

عرض المؤلف الدكتور خالد التوزاني في مقدمة كتابه: "أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية" السياق العام الذي دعاه لتأليف هذا الكتاب ويتعلق الأمر بالرغبة في تجاوز الاضطراب الحاصل في الفهم والتداول لهذا النمط من الأدب من قبل المشتغلين بالنقد الأدبي، ومن ثم خدمة النقد العربي المعاصر وفق رؤية علمية دقيقة تغوص في عجيب الثقافتين العربية والغربية لتؤسس آفاقا من التثاقف المثمر بين الثقافتين في احترام للخصوصيات وأخذ بعين الاعتبار للمحلي قبل العالمي، والتراثي والتاريخي قبل الوافد والغريب. وهكذا خصص المؤلف الباب الأول لبحث "أدب العجيب في الثقافة العربية: المفهوم والتجليات"، وفيه فصلان:

الفصل الأول: "مفهوم أدب العجيب"، تتبع فيه دلالات العجيب في اللغة والقرآن الكريم وفي بعض كتب العجائب والغرائب، وقارب رسالة العجيب وبعض إشكالاته، ثم عرّف المفاهيم المجاورة له. والفصل الثاني: "تجليات أدب العجيب"، استقرأ فيه كتب العجائب والغرائب، وكيف تحوَّل العجيب المرعب إلى جميل معجب، ثم عرض في الأخير خصوصيات العجيب الإسلامي وبعض تحولاته الكبرى.

أما الباب الثاني، فخصصه الكِتاب لدراسة "أدب العجيب في الثقافة الغربية: التأسيس والهجرة"، وفيه فصلان:

الفصل الأول: "تأسيس الفانتاستيك"، استعرض فيه المؤلف مفهوم أدب العجيب في الغرب أي الفانتاستيك، وتتبع تحولاته وكيفية انتقاله من حقل المقدس إلى فضاء الأدب، كما تناول عوامل ظهور الفانتاستيك إلى أن تأسس جنسا أدبيا. أما الفصل الثاني: "هجرة الفانتاستيك"، فقد استعرض فيه الكاتب أهم المقاربات العلمية التي اتخذت من أدب العجيب موضوعا لها، ثم تتبع انتقال الفانتاستيك من فضاء التداول الغربي إلى حظيرة النقد العربي في سياق الحداثة والتجريب وكسر جمود الواقع، مختتما هذا الفصل بتحديد مجمل مواقف الباحثين والنقاد العرب تجاه الفانتاستيك وقضية نقله للتداول العربي مع ما ترتب عن ذلك من كثرة للمصطلحات الدالة على أدب العجيب.

ثم ختم المؤلف الدكتور خالد التوزاني كتابه: "أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية" بخلاصة واستنتاجات تضمنت جملة من النتائج التي توصل إليها المؤلف والتي خلص إليه عمله في مقاربة أدب العجيب. ويتضمن هذا الكتاب قائمة غنية بالمصادر والمراجع التي اعتمدها المؤلف في كتابه والتي تمثل مكتبة متخصصة في موضوع العجيب يمكن أن تفيد الباحثين والدارسين.

ويعتبر هذا الكتاب الأول من نوعه في الوطن العربي الذي يقارب موضوع "العجيب" بنظرة شمولية معمقة تبحث في المفهوم داخل الثقافة العربية القديمة وتنبش في التراث الغربي كذلك بغية المقارنة وإبراز الخصوصيات داخل نوع من التكامل والانفتاح المفضي إلى نتائج مهمة تجعل من النص العربي العجيب نصا متفردا بسمات موضوعية وفنية لا يجوز إسقاط تمثلات الآخر الغربي عليه، إلا إذا كان المراد هو تطوير أدوات التحليل في أفق تكييف المنهج الغربي وتحويل النظرية الغربية لتناسب النص العربي، أو أن يتم استنباط المنهج انطلاقا من النص وهو التوجه الذي يميل إليه المؤلف.

ومن بين الخلاصات التي يذكرها المؤلف الدكتور خالد التوزاني في كتابه: "أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية" قوله: "إن أدب العجيب باعتباره حصيلة أدبية وفكرية وثقافية، يمثل نشاط البنية الذهنية الشعورية واللاشعورية في ارتباط بالظواهر الاجتماعية، ليس حكرا على ثقافة دون أخرى، فهو وإن حضر في الغرب باسم "الفانتاستيك"، فهو عند العرب "عجيب" قديم ومتأصل ومتجدد باستمرار في بنية التفكير العربي". ليؤسس بهذه النتيجة بعدا عالميا للعجيب ونمطا إبداعيا لا تخلو منه ثقافة من الثقافات، ينبغي أن يُعامل انطلاقا من الثقافة المحلية بعيدا عن أي إسقاط خارجي عنها.

ومما يعزز من أهمية كتاب " أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية" ويرفع من قيمته العلمية كون مؤلفه الدكتور خالد التوزاني باحث أكاديمي مغربي متخصص في الأدب المغربي والأندلسي والتصوف ونقد الإبداع، حاصل على شهادة الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية، حول موضوع العجيب في الكتابات الصوفية، بميزة مشرف جدا مع التنويه بالعمل الجاد والعمل على طبع البحث، من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس/ المملكة المغربية. وهو أستاذ باحث ومؤطر في مجالات الفكر والإبداع الصوفيين والتدقيق اللغوي وتقييم البحوث الأكاديمية، وهو حاصل على شهادة الإجازة في علم النفس ودبلوم مركز تكوين الأساتذة وشهادة الماجستير في الأدب المغربي، كما استفاد من عدة دورات تكوينية وتدريبية في مجالات تخصصه، وهو عضو في عدة مؤسسات علمية منها عضو مؤسس للمركز الأكاديمي الدولي للدراسات الصوفية والجمالية. وله مجموعة مقالات ودراسات نشرت في عدد من المنابر الإعلامية الورقية والرقمية، ومن أبرز كتبه: جماليات العجيب في الكتابات الصوفية، وهو الكتاب الأطروحة الذي نال به المؤلف شهادة الدكتوراه، وهو من منشورات مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بوجدة التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالمملكة المغربية.

التلفيقات العنصرية .. والسينما النازية

jasim alayffالدكتورة (جوليانا داود يوسف)، الأستاذة في جامعة البصرة، سبق أن قدمت تراجم أدبية و ثقافية وسينمائية في مجلات الثقافة الأجنبية وآفاق عربية ومجلة الطليعة الأدبية وبعض الصحف العراقية، وكذلك المجلات والدوريات الجامعية العراقية والعربية المحكمة.انفردت (د.جوليانا) مؤخراً بتقديمها ترجمة في كتاب مستقل عن جزء من الكتاب الموسوعي "رؤى الأمس" للناقد السينمائي الانكليزي" جيفري ريتشاردز" وكانت الترجمة مختصة بـ(السينما النازية) ووضع هوامش الكتاب المخرج المسرحي والباحث الأستاذ " خالد السلطان. منذ اندحار( النازية) بعد الحرب العالمية الثانية، ثمة دراسات ومؤلفات تحليلية ونقدية تناولت البُنى والمرتكزات والتمفصلات الأساسية - العنصرية التي ارتكزت عليها أفكار وتوجهات الدولة (النازية) في ألمانيا وقد تناولت تلك الدراسات، النظام النازي على مستوى الإنسان، وكيفية التمكن منه، وتجذير الأيديولوجية والممارسة التي مكنت النظام في ذلك . وهذه الدراسات المتعددة كانت متباينة بالنظر لتباين وجهات نظر كتابها ومنطلقاتهم الفكرية، لكنها استطاعت أن تبحث، المكونات والتوجهات والحيثيات الجوهرية للمنطلقات الفكرية والممارسات العملية الاستبدادية للظاهرة النازية من جوانب عدة في أهمها الجوانب السياسة والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وقد ترجم بعضها إلى اللغة العربية،لكن أغلبها يقع في الجانب السياسي والفكري فقط لتوجهات النظام النازي وما صاحب تلك التوجهات والممارسات من فظائع وكوارث طالت البشرية خلال الحرب العالمية الثانية، و تم التطرق- قليلاً- إلى الجوانب الفنية - الثقافية التي أفرزتها الفكرة والممارسات "النازية" وعنصريتها، خاصة في الجانب السينمائي ونشاطاته التي اعتمدتها المؤسسات الإعلامية للدولة النازية والتي كان يقود نشاطها الدكتور"غوبلز" صاحب المقولة الشهيرة:" كلما اسمع كلمة ثقافة.. أتحسس مسدسي"، بعض المؤرخين و الكتاب يؤكد إن هذه العبارة ليست له وانه قد اقتبسها، أو نُسبت له، دون أن يذكروا المصدر، لكن من الثابت أن (د.غوبلز) قد عمل، بتواصلٍ ممنهجٍ، على أن تُروج السينما(الألمانية)، توجهاتها السياسية الديماغوجية وخرافاتها الأيديولوجية عن نقاء العنصر الجرماني، كما أسهم د.(غوبلز) بشكل كبير في تأطير فكرها الإيديولوجي- العنصري إعلامياً.المدهش في الأمر إن بعض الأنظمة العالمية التي حاربت الدولة (النازية) وانتصرت عليها، بعد الحرب العالمية الثانية، استعارت خطابها في ما يخصها من توجهات فنية- ثقافية، خاصة أنظمة الحكم الشمولي في العالم. كما شمل هذا التوجه بعد ذلك العالم العربي، والعراق زمن النظام السابق الذي قدم صورة وخطاباً أبشع وأقسى مما كان عليه الخطاب والممارسات النازية، فقد قام على اختزال الشعب العراقي بكل عمقه الحضاري المعروف في صورة" القائد الضرورة"، وتم تسمية الجهاز الإعلامي (الصدامي) بـ(الفيلق) مزيناً ولائم الدم في الحروب العبثية - اللامجدية والخاسرة من خلال تسخير ميزانية ضخمة وتوزيع المنح والهبات وشراء ذمم كثير من الشخصيات العراقية والعربية الإعلامية والسياسية و الثقافية - الفنية،وستبقى تلك الصفحات هي الأسوأ في تاريخ الثقافة العراقية-العربية. وقع كتاب د.جوليانا داود يوسف،على(252 ) من القطع المتوسط/ط1 – شركة الغدير للطباعة والنشر المحدودة- البصرة-2014. وكان إضافة للمقدمة في أربعة فصول.الأول:"الأيديولوجية النازية"ص(9 -44 ) وتتم فيه متابعة تعيين (أدولف هتلر) رئيساً لوزراء ألمانيا عام 1933 وبعد سنوات قليلة على تعينيه حقق النازيون بزعامته برامجهم المتوجهة وفق التوجهات العملية الخاصة بالتوجه القومي الاشتراكي وتوجهاته النازية. عندها و خلال الاستفراد بالسلطة ألغيت جميع الأحزاب والمنظمات السياسية والاتحادات والنقابات العمالية والمهنية،كما تم تعليق الحقوق المدنية-الدستورية الخاصة بالحقوق الفردية، وتم تطهير السلطات القضائية والإدارات المدنية من العناصر المعارضة للتوجهات القومية النازية، واضطلعت منظمة الشبيبة الهتلرية بالعمل على إعادة تربية الأجيال الجديدة خاصة الشباب والجنود وصغار الضباط وتلقينهم مبادئ الفكر النازي كما أسهمت من جهة أخرى جبهة العمل ومنظمة عصبة المزارعين في إعداد العمال والمزارعين على وفق التوجهات الفكرية والقيم النازية، ولسلامة امن النظام وتطبيق أوامره وتوجهاته الصارمة، تم إنشاء جهاز أمني - مخابراتي بالغ الخصوصية والتعقيد وعلى درجة عالية من الكفاءة. أما الفصل الثاني فكان بعنوان:"ليني ريفينشتاهل- التوثيق والخرافة" ص(45 -90 ) إن التاريخ والواقع يكشفان أن السينما النازية لا تملك الموهبة والقدرات الجادة فنياً، ولكن يمكننا استثناء المخرجة السينمائية" ليني ريفينشتاهل" وذلك لقابيلياتها وموهبتها في توظيفها الخرافة المستندة إلى الفكر القومي النازي خاصة في فيلميها التسجيليين" انتصار الإرادة " و " الاولمبياد" وهما الأهم تمثلاً واستنطاقاً للمبادئ النازية ويمكن عدهما الأساس من اجل فهم الفكر النازي في تجلياته السينمائية، التي عمدت إلى إنتاج توجهات مضادة للخصوصية الفردية وللذاتية الإنسانية،فقوة المجتمع في توجهات الفكر النازي تكمن في اضمحلال الإرادة الفردية وذوبانها في إرادة الأمة والتي يتمثلها ويعبر عنها ويجسدها شخص (الفوهرر) المستبد وحده فقط. يؤكد" جيفري ريتشاردز" بأن أفلام":"ليني ريفينشتاهل"من حيث البناء والأسلوب معاً، قمة الفن السينمائي الألماني، التي لم تصل إليها السينما الألمانية في الفترة التي انتهت بصعود "هتلر" إلى السلطة، وكانت الميزة المهمة لتلك الأفلام تكمن في جماليتها المرئية أو البصرية المفعمة بالصور الذهنية، إضافة إلى الجمالية التي أضافتها الموسيقى التصويرية على أجواء الأفلام. الثابت تاريخياً أن الفكر القومي النازي توجه لتحقيق واقع قيام (إمبراطورية)تكون متواصلة و تتجاوز الألف عام وتتسيد العالم كله ولأجل ذلك عمدوا لتقديم برنامجٍ متكاملٍ من الطقوس والمراسيم الاحتفالية المليئة بالرموز القومية، بغية تعزيز ذلك الوهم الإمبراطوري، ففي النفس البشرية رغبة ما تتوق إلى تحقيق نوع من المباهاة والعظمة، وقد شرعوا في إشباع تلك الرغبة عن طريق التلاعب بعواطف الجماهير الألمانية، من خلال توجهاتهم الثقافية عبر وكتبهم ورسوماتهم وأفلام تلك المرحلة التي كانت مشبعة بطقوس الاشتراكية القومية النازية، التي ستخلف الكنيسة والدولة معاً، وكانت الرموز الأساسية للطقوس النازية تتمحور حول الأزياء والأعلام وتماثيل.وتناول الفصل الثالث:" الأفلام الروائية النازية"ص(91 -182) وفي هذا الفصل يتضح إن القسم الأكبر من الأفلام النازية "يتجاوز إشكاليات الواقع الألماني وينحو إلى الاستغراق في اللهو وإشاعات الخيالات الهروبية.و كلما ازداد الوضع الألماني سوءاً نتيجة للاخفقات والهزائم العسكرية في الحرب العالمية الثانية ازدادت تلك الأفلام بشكل مضطرد (....) كما انعكس الفكر القومي الاشتراكي النازي العنصري، بشكل كبير حتى في الأفلام الترفيهية المحضة" ص(94-95 ).أما الفصل الرابع فكان بعنوان "اليهودي الأزلي والانكليزي الخائن"(ص183) ونكتشف فيه أن الناقد السينمائي الانكليزي" جيفري ريتشاردز" يؤكد:"أضمر النازيون أشد مشاعر العداء والحقد ضد اليهود والبريطانيين على السواء. وكان العداء بمثابة حجر الأساس الذي أشاد عليه هتلر ايدويولوجيته النازية الهمجية".لكن الهامش الأول الخاص بهذا الفصل يذهب إلى أنه في الغالب:" تقع الكتابات الأوربية في انشوطة الدعاوى الصهيونية المتنفذة في معظم الأوساط السياسية والاقتصادية والإعلامية الأوربية. فالنازية كحركة سياسية ونظام لم تؤسس من أجل محاربة الجنس اليهودي. إنما جاءت كمحصلة لبعض الظروف التاريخية والسياسية" . من الثابت تاريخياً إن سياسة العداء لليهود،في أوربا تحديداً، ليست مقتصرة على الحقبة النازية فقط، وصورة اليهودي البشع والجشع تم تقديمها، من قبل شكسبير، كمثال، في مسرحية( تاجر البندقية)،كما عرفت أغلب الدول الأوربية ذلك المنحى، أما ألمانيا فقد عرفته وتعاملت به منذ القرون الوسطى وقبلها، واتضح الأمر بقوة في حقبة الملك "فريدريك الكبير"، ويمكن هنا مراجعة مصادر كثيرة، وفي تقدرينا المتواضع، أن كتاب"جاك أتالي" المعنون"كارل ماركس أو فكر العالم- سيرة حياة" والذي ترجمه عن الفرنسية"محمد صبح"- دار كنعان- دمشق. فيه الكثير من التفاصيل التاريخية الموسعة حول هذا الشأن. وقد الحق في كل فصل من كتاب د. جوليانا هوامش عدة تضمنت معلومات مهمة تاريخية وفنية، وثمة أكثر من(25 ) صورة وثائقية سينمائية، مع التعريف بها احتواها متن الكتاب.ما قدمته د.جوليانا داود يوسف في كتابها مساهمة مهمة في سد الفراغ الثقافي السينمائي المعرفي والنظري حول ظاهرة "السينما النازية" وتوجهاتها العنصرية الخاصة في تكريس صورة (القائد) الفرد الذي يختزل الجميع عبر توجهاته المتسمة بالقوة والإكراه والبطش، والتي مازالت تنتظر مَنْ يتصدى لها بالكثير من الدراسات البحثية - الثقافية، والسينمائية،بالذات،المهمة والضرورية للسينمائي العربي وللقراء العرب.

إصدار تاريخي جديد .. ثائر في قرن الدماء

saleh altaeiبمناسبة صدور كتابي الجديد: "ثائر في قرن الدماء .. سعيد بن جبير"

بعد كل ما عانيناه ونحن نقلب صفحاتنا الموروثة يجب أن لا ننخدع بالصور الجميلة المنقولة عن تاريخنا الإسلامي، فالجمال كان حيزا صغيرا فيه لا أكثر، وحقيقة تاريخنا لا تفرح ولا تسر، فهو لم يكن بريئا، ولم يكن منزها، ولم يرق لأن يمثل أنموذجا للمجتمع السامي والتاريخ الأسمى والعقيدة التي جاءت رحمة للعالمين؛ بعد كل تلك الأحداث الدموية الجسام التي اخترقت نقاء صورته، فملأت صفحات كثيرة منه بالسواد والوجع والدم.

وما كادت الأمة تطوي الصفحة الأولى من هذا التاريخ؛ بعد انتقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى؛ الذي تتحدث الكثير من الأخبار انه (ص) مات مقتولا بالسم، وبعد أن عانى ما عانى من وجع السلوك المنحرف لبعض من أعلنوا الإسلام ظاهرا وبقوا على صنميتهم في السر؛ حتى افتتحت الصفحة الثانية من التاريخ بارتداد أغلب القبائل العربية، ومن لم ترتد منها امتنعت عن دفع الزكاة، وجلس مجموعة ثالثة على الحياد، تنتظر ما تسفر عنه مماحكات المدينة في البحث عن (خليفة)، وهنا وهناك تنبأ رجال ونساء، أو أشهروا نبوتهم التي أعلنوها في عصر البعثة، وبقيت ضامرة محاصرة.

656-salih

في بداية هذه الصفحة، انطلقت حشود جيش الدولة الذي يمثل الإسلام، واكتسحت كل تلك البقاع التي يسكنها المسلمون المرتدون، أو الممتنعون عن دفع الزكاة، أو المشكوك بولائهم، أو الذين لديهم مسائل ثأر مؤجلة مع بعض قادة الجيش الإسلامي، فأوغلت فيهم قتلا وأسرا وسبيا وتشريدا وتنكيلا؛ وبشكل أقل ما يمكن أن يقال بحقه أنه كان في منتهى العنف؛ لدرجة أن قادة الجيش الإسلامي وخلافا لكل تعاليم النبوة وأحاديث الرحمة وحديث (لا تجوز المثلة ولو بالكلب العقور)، استخدموا رؤوس القتلى أثافي لقدور الطبخ، وطبخ أحدهم بعض الرؤوس وأكل منها تشفيا.

أما حديث "رفقا بالقوارير" فقد داسته سنابك خيل الجيش الإسلامي، ومرغته بالتراب والوحل، فدخل قادة وأفراد الجيش المسلم على النساء الأسيرات، ونزوا على السبايا المسلمات؛ في ليلة مقتل أزواجهن؛ قبل أن تُسْتَبرأ أرحامهن، خلافا لما جاءت به عقيدة الإسلام.

وفي هذه الصفحة، وبعد هذا التاريخ بزمن يسير، قتل خليفة المسلمين أبا بكر (رض) بالسم، وقتل خليفته عمر (رض) اغتيالا وغيلة، وقتل خليفته عثمان (رض) بثورة قدم رجالها من الأقطار الإسلامية، ولم يتصدى لهم أحد من المسلمين؛ بما فيهم ذلك الجيش الجرار المنتصر (جيش الردة والفتوح والشام)، وخلال بضع وثلاثين عاما كانت الفوضى قد عمت عاصمة الإسلام، وفتحت الباب لعصر الفتن الذي حذرهم نبي الله منه. وانقضت هذه السنوات بحلوها ومرها لتفتح مع بدء خلافة علي (عليه السلام) صفحة دموية جديدة؛ هي بالتأكيد نسخة مطورة عما سبق.

في هذه الأثناء سل السيف المسلم الذي قصَّر بالدفاع عن الخليفة عثمان وهو يراه يقتل أمامه، وتهيئا لقتال مسلم آخر؛ ولكن بحجة جديدة لا علاقة لها بالردة أو العصيان. تحرك هذا الجيش الجرّار وكان جميع رجاله من المسلمين، وجلهم قاتل تحت راية الإسلام لنشر الإسلام إسلامي؛ إلى البصرة طلبا للملك والإمرة بحجة الإصلاح، ووقعت أكبر المجازر في تاريخ صدر الإسلام فيما أطلق عليه المؤرخون اسم (حرب الجمل)، هذه الحرب الضروس التي وصفها الطبري بقوله على لسان أحدهم: "لما كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى فنيت، وتطاعنا بالرماح حتى تشبكت في صدورنا وصدورهم؛ حتى لو سيرت عليها الخيل لسارت.. ولقد كانت الرؤوس تندر عن الكواهل، والأيدي تطيح عن المعاصم، وأقتاب البطون تندلق من الأجواف، وكانت حصيلة هذه الحرب من الأيدي المقطوعة والعيون المفقوءة ما لم يحص عددها".

هذه الحرب التي ذكر الطبري في تاريخه: أن أكثر من ستة آلاف مسلم قتلوا فيها. وقال ابن أعثم في تاريخه: "قتل من جيش علي ألف وسبعمائة، ومن أصحاب الجمل تسعة آلاف". وقال ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد: "قتل يوم الجمل من جيش عائشة عشرون ألفا، ومن أصحاب علي خمسمائة". وقال اليعقوبي في تاريخه: "قتل في ذلك نيف وثلاثون ألفا".

ثم ما لبثت فتنة الشام أن ذرت قرنها لتوقع مجزرة إسلامية جديدة حينما دفع معاوية المسلم والوالي الإسلامي الجزية والإتاوة إلى النصارى الروم ليأمن شرهم، ويتفرغ لقتال خليفة المسلمين المنتخب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأرسل في بداية الأمر قادته الكبار الشرسون مثل بسر بن أرطأة وغيره؛ ليعيثوا في الأرض فسادا، ويهاجموا الأبرياء في مدنهم، ويقتلوا قوافل الحجيج، ويسرقوا متاعهم،لإضعاف عدوهم الذي يقود الأمة دون النظر إلى هيبة الدولة الإسلامية وحرمتها.

ثم بعدها قاد الصحابي معاوية بمساعدة الصحابي عمرو بن العاص أكثر من مائة وخمسين ألف مقاتل مسلم، وتوجهوا بهم نحو العراق، بحجة طلب الثأر ظاهرا، والسعي إلى السلطة والملك في الخفاء، فدارت (مطحنة صفين) التي قتل فيها سبعون أو مائة أو مائة وعشرون ألف مسلم من الصحابة والتابعين على اختلاف الروايات؛ بالسيف المسلم الذي تُمسكُ به أيدي ثلة على عدد الأصابع من الصحابة وأغلبية من غيرهم؛ لا يميزون بين الناقة والبعير، ولا يعلمون إن كان خليفة المسلمين علي بن أبي طالب أول الناس إسلاما؛ يصلي أم لا!.

وقبل أن تهدأ نار صفين، ثارت نائرة الخوارج، وهم القراء المبجلون الموحدون المتمسكون بالكتاب والسنة؛ تمسكا لم يتجاوز تراقيهم (حناجرهم)، ودارت (مهلكة النهروان) لتلطخ دماءُ المسلمين مساحة أخرى من جغرافية العالم الإسلامي.! وطويت هذه الصفحة الدموية المليئة بالوجع.

ومع بدء الصفحة الثالثة عادت جيوش الشام الإسلامية فتحركت لتقاتل في هذه المرة خليفة المسلمين المنتخب الحسن بن علي (عليه السلام) قبل أن تنقضي ثمانية أيام فقط من بدء ولايته، وانتهت المعاناة بالصلح.

ثم بعد عقدين لا أكثر من الزمن تحرك الجيش الإسلامي لمقاتلة الحسين (عليه السلام) ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ وآل رسول الله (رضوان الله عليهم أجمعين)، فدارت معركة كربلاء التي سقط فيها الكثير من المسلمين قتلى، وسقط خلالها الأعم الأغلب من أولاد علي بن أبي طالب وبقية الطالبيين!.

في هذه الصفحة بالذات حدثت وقائع أقل ما يقال فيها أنها لا تمت إلى الإسلام بأي وأبسط صلة نظرا لكثرة الدماء التي أريقت فيها؛ من المسلمين ومن غيرهم، بعد أن انتهكت حرمة الإسلام وبقاعه المقدسة، فعلى مدى عدة سنين من تاريخ الإسلام في هذه الصفحة، أحرقت الكعبة المشرفة بيد المسلمين أنفسهم مرتان!. وأبيحت كرامة المدينة المنورة مدينة الرسول وموطن الصحابة وبيت الأنصار، وانتهكت أعراض نساء وبنات الصحابة فيها، فحملن من سِفاحٍ، وتحول رجالها إلى عبيد وخِول للخليفة المسلم الشامي بعد أن دمغوا بختم العبودية!. وبعدها سن قانون دفع الجزية على من أسلم من الشعوب خلافا لما نص عليه الإسلام، وذلك بحجة أن خزينة الدولة الأموية تحتاج إلى أموال هؤلاء أكثر من إسلامهم.!

كل هذه الأمور الشاذة والمنكرة دفعت أقرب الناس للحكومة إلى الثورة عليها، فبين ليلة وضحاها تحول القائد الأموي عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي من قائد جيش من جيوش الفتح إلى ثائر على السلطة، وساع إلى إسقاطها، فقاد مائتي ألف مسلم ليحارب الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق؛ الذي جاء هو الآخر بمائتي ألف مسلم لمقاتلة رجال الثورة، فالتقى أربعمائة ألف مسلم ليقتل بعضهم بعضا لا دفاعا عن الإسلام وإنما دفاعا عن كرسي الحكم!.

وسط هذا الحشد من الرجال كانت كتيبة (القراء)، التي ضمت جميع قراء مكة والمدينة والبصرة والكوفة وغيرها،ولم يتخلف عنها سوى أربعة فقط، من الكتائب المميزة والفاعلة في ثورة ابن الأشعث. هذه النخبة التي إذا لم تكن تمثل الاندكاك الحقيقي بالعقيدة؛ فإنها في أقل تقدير تمثل الشريحة الأكثر قربا واهتماما بالدين من غيرها من الشرائح، والتي تعرف أكثر من غيرها حدود التشريعات الإسلامية.

وأن يثور القراء عن بكرة أبيهم ويلتحقوا بابن الأشعث لمقاتلة جيش الدولة الإسلامية فذلك يعني بالتأكيد أن الانحراف، بما فيه انحراف السلطة الإسلامية عن عقيدة دين الإسلام كان قد وصل إلى درجة يأثم من يسكت عنها تبعا لحديث (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) ولاسيما بعد أن وصل دفق دماء الأبرياء من المسلمين ومن غيرهم حد الطوفان؛ حينما كانت الجيوش الإسلامية تجوب الأرض وتفتح البلدان، فتقتل وتأسر وتغنم وتسبي النساء، وتفرض على الشعوب المغلوبة تزويد الجيش الإسلامي بخيرة أبنائها ليقاتلوا في مقدمته إخوانهم من الشعوب التي تجاورهم؛ قبل أن يتقدم الجيش الإسلامي ليجهز على من بقي، ويحقق النصر فينسب إليه.!

أما نهاية ثورة ابن الأشعث التي دامت من 81 ولغاية 83 هجرية، فقد اجتمعت فيها كل موبقات التاريخ البشري وكل التوحش الإنساني والاستهانة بالبشرية، إذ قام الحجاج بن يوسف بقتل من أسره من الثوار، فبلغ عددهم أكثر من مائة وثلاثين ألف مسلم، قتلوا على يده بدم بارد وهدوء أعصاب، رافقها الكثير من التهكم والنكات السمجة والاستهزاء بالكائن البشري، خليفة الله في أرضه.

وكان التابعي الجليل المفسر والمحدث والقاضي والعلم والنحوي سعيد بن جبير واحدا ممن اشتركوا في هذه الثورة، وواحدا من الشهداء الذين قطع الحجاج رؤوسهم؛ وهو جذلان فرحا بما أنجز، ويكفي هذا التابعي الجليل فخرا أن المسلمين بأطيافهم اجتمعوا على حبه وتقديره وتقديمه على غيره، في وقت نسوا فيه الحجاج ودرسوا قبره، فلم يعد له ذكر إلا حينما تذكر فضائع التاريخ.!

إن كل ما تقدم من حديث لا يمثل سوى جزء بسيطا من أحداث القرن الإسلامي الأول، الذي يطلق عليه اسم (خير القرون) باعتبار أنه مفضل على جميع قرون التاريخ. وهي بآلامها وقسوتها وفجيعتها وتوحشها تنزع عنه هذه الخيرية، هذا إلا إذا ما كان لهذه الخيرية تفسير آخر لا نعرفه.

ومن يريد الاستزادة والتأكد من صحة حديثنا عليه أن يراجع كتب التاريخ الإسلامي، وسيجد أحاديث وقصصا من أغرب قصص الخيال السادي الدموي التي لا تقارن بها أعمال المجرمين الدواعش التي لا تحمل سوى جزءً من سيماء سمات تلك الانتهاكات الكبيرة الأولى.!

ولغرض كشف الحقيقة وتبرئة الإسلام من هذه الأعمال الوحشية التي نسبت إليه، وضعت هذا الكتاب تحت عنوان (ثائر في قرن الدماء، سعيد بن جبير) الذي تولت دار المرتضى اللبنانية مشكورة طباعته وتوزيعه.

يقع الكتاب بـ(384) صفحة من الحجم الوزيري. وهو واقعا مقدمة وتمهيد لكتاب جديد آخر أسميته (الحكم الشرعي لسبي وتهجير الآخر) سبق وأن أرسلته إلى سوريا لطباعته، فقرر الناشر تحصيل موافقة قسم رقابة المطبوعات في وزارة الإعلام السورية نظرا لخطورته، وبعد أن تأخر صدور الموافقة لأكثر من ثلاثة أشهر، سحبت الكتاب منهم، وأقوم حاليا بإعادة مراجعته وتدقيقه لأرسله إلى بيروت لنشره.!  

 

  

بدل رفو المزوري سفيراً لقصائد الحب

664-badalهو ذا الأديب الكوردي بدل رفو المزوري، يواصل العمل الدؤوب على مشروعه الكبير، في ترجمة عيون الشعر النمساوي، إلى اللغتين العربية والكوردية، منذ أن وطأت قدماه أرض بلاد النمسا الجميلة، التي أبهرته، كجغرافيا، وكشعب، لتكون وطنه الثاني، بعد كوردستان العراق، مهد الطفولة والحلم الأول.

وبدل الذي تذوّق أكثر من حرمان، منذ أن انفتحت عيناه على الحياة، ليفتقد أشياء كثيرة،كضريبة لوجوده، دفعة واحدة: الوطن، الأب، الفرح، مادام وطنه مكبلاً،بأصفاد من نار، تحت نير قبضة،دكتاتورية، استبدادية، شمولية، قلّ نظيرها في العالم بأسره، وقد حكمت بالنار والحديد، وكي تخطف يد المنية أبيه، وهو لا يزال يتهجّأ الألوان والمفردات، ويُشطب في معجمه على الفرح، ولا يبقى لدنه إلا الحلم، بوّابة مشرعة،على اللانهايات، توازن في روحه معادلة الحياة الأكثر صعوبة على الإطلاق.

من هنا، فإن أديبنا بدل وجد في اللّغة أساطين يمكن للحظته أن تستوي عليها، بعد أن تخيّر رسم عمارتها وفق ما يراه، كي نكون أمام هرولاته ولهاثه، تحت وطأة الحلم، وتغدو هذه المفردة وسيلة اتصاله بمن حوله، في إهاب قصيدة، بمختلف أشكالها، إبداعاً، وترجمةً، وروحاً، قبل ذلك كله .

وبدل رفو توأم الحلم، لم يجد بداً حين ضاقت به أمكنته الأولى الأثيرة، مسقط رأسه ، وقصيدته، وغدت قاب قوسين وأدنى من الانتهاء في دهاليز- غرف الأسيد- وهو المبدع الذي لم يهادن راياتِ اللّحظة، ولم يعرف في حياته غير قول كلمته، كلمة أعماقه، لذلك فهو لم يجد بداً من الانخراط مكرها ً في لجّة – الهجرة المليونية-في استهلالة العقد الأخير من الألفية المنصرمة،مع أبناء جلدته من الكورد ، حين لاحقت الكورد رائحةُ موت جديد، على مقربة زمانية من مأساة حلبجة،كي ينجو بأعجوبة من بين براثن أظفار الموت، ويتجاوز فخاخ الحدود التي تجزّىء خريطته، ويحط ّالرّحال بعد رحلة المتاعب في أرض بعيدة، سرعان ما يألفها، ويجد فيها الأم الرؤوم، والصدر الحنون، بعد أن غدا على ُبعد آلاف الأميال من أمه التي يحتفظ كلّ منهما بصورة الآخر في بؤبؤ العين، ومسامات الروح، أو بين ثنيات الحلم آفاقه المفتوحة على الأسئلة .

664-badalولعلّ ظروف الحياة الجديدة، والإصرار على البقاء، بل البقاء واقفا ً، من قبل أديبنا، عاضّاً على الجراحات الشاسعة في أديم الروح، لم تمنعه من تعلم لغة موطنه الثاني، وهو الذي يتقن في الأصل لغات أخرى، إلى جانب لغته الكوردية الأم كالعربية والإنكليزية والروسية، لتكون الألمانية اللّغة التي ستأخذ بلبّه ولبابه، ويتجاوز عالم التحدث والكتابة بها إلى الإسهام في اللعبة الإبداعية بها، كما العربية والكوردية، ولتصبح هذه اللغة أداةً للتواصل مع من حوله في محيطه الجديد، يتوغل في أعماق لحظتهم، ويقف على الينابيع الثرّة لإبداعاتهم، ليعرب أخيراً عن اندغامه في تذوّق جمالياتها، منبهراً بها أيّما انبهار، كي يسعى بعدئذ، ليترجم وفاءه لهذا الشريط الزّمكاني، الذي آواه من منفى، ودثّره من برد، وحماه من جلاد، و غسل روحه من جراح، ومنحه مفاتيح الدفء والحب، والتفاؤل، رداً على واقع الاستلاب الذي يهدده،كي تتشكّل النقلة الإبداعية لعموم تجربته الكتابية، وهو   يعيش وطأة الصّدمة الجديدة في الخطّ البياني الحياتي لديه، فكان أن أقدم على إنجاز – أنطولوجيا الشعر النمساوي في العام 2008، مترجمةً إلى اللغة العربية، ليعرّف قراء هذه اللغة بالشعر النمساوي، عبر لغة جميلة، سلسة، مشوّقة، كي تنحفر في أذهاننا كقراء لها أسماء قامات إبداعية نمساوية عالية، ولنعرف النمسا إبداعاً، وهو لعمري أبهى ضروب المعرفة،كما نعرفها جزءاً ذا خصوصية في خريطة أوربا، والعالم، في الوقت نفسه الذي قدم أنطولوجيا مماثلةً لهذا الشّعر النمساوي بلغته الكوردية، الأم، مترجماً ما تهجس به روحه، من حب سرمدي للشعر، قبل أن يترجم محض نصوص إبداعية، كي يكون حاضراً في شتى النصوص المتخيرة، وكأنه محض شريك لمبدعيها واحداً واحداً .

وأديبنا بدل الذي عرفته على امتداد سنوات طويلة، شاعراً وصحفياً ومترجماً، ذا حضور لافت، عاملاً معه عن قرب في أحد المنابر، ومن ثم صديقاً عزيزاً، أعده من أسرتي، بحق،وسفيرا ً- بالتالي – لأهله، وأبناء جلدته إلى العالم،سفيراً فوق العادة، للعالم إلى العالم، هو من أولئك الذين لا يملّون من ترجمة تفاصيل حلمهم، ولعلّ ذلك كله ما دعاه لئلا يكلّ أو يملّ، حيث يواصل عبر هذا السفرالجديد الذي يقدمه لنا،تحت عنوان – قصائد حب نمساوية للأرض والإنسان،وهو عبارة عن أنطولوجيا جديدة، حتى وإن لم يدرجه تحت هذه التّسمية، كي نكون أمام عدد كبير من الشعراء، والشواعر النمساويين، في إبداعات من قصائد تتمحور في إهاب الحب، حب الأرض والإنسان،وهما أسطونا الحب الحقيق،وقوامه على الإطلاق.

ولعلّ قراءة تشكّل هذه الحديقة الإبداعية التي يضعها أديبنا بين يدي قارئه، تبين أن هذه المختارات المائزة في المفردات المكونة لها، تنمّ عن ذائقة مائزة، وهي بالتالي :قصيدة مترجمها، خاصة وهي تبدو وكأنها مكتوبة – في الأصل – باللغة المترجم إليها، وتظهر تدرّجات لغتها خصوصية كلّ تجربة، بل وكل اسم على حده، وهو ما يدلّ على أن المترجم كان ينقل هذه النصوص إلى اللغة المترجم إليها بحبّ عارم، حب هو من دعامات الترجمة الناجحة التي نشعر في حضرتها أننا إزاء نصوص تنبض بالحياة، على خلاف الكثير من النصوص المترجمة- آلياً – هنا وهناك، و التي تفتقد إلى مقوّمات الشعرية .

وتأسيساً على ما سبق كلّه، إن الجهود الكبيرة التي يبذلها المترجم لبناء الجسور بين آداب وثقافات الشعوب- وبخاصة أن الشعر روح الثقافة والفن - من خلال الترجمة بين عدة لغات، ومن بينها هذه النافذة المضيئة على الشعر النمساوي، لهي دليل كبير على سمو روح هذا الأديب والمترجم، الذي يجد في الشعر نسغاً لروزنامته اليومية، وهو ما يحدو به، لكسر أية سدود تحول دون التواصل بين أبناء القرية الكونية، القرية التي يشدو سكّانها بأغنية واحدة، كلّ بصوته، بيد أنها – في النّهاية – قصيدة الحبّ الكبير، وهل من حبّ أعظم وأسمى من حب لبناته الرئيسة : الأرض والإنسان ؟

تحية – الحبّ- إذاً إلى الأديب الكردي العالمي اللامع بدل رفو وهو يضع بين أيدينا هذه السّوناتات الجميلة، لتكون هويّة روح شعب، وعصارة إبداعه العظيم، ولندرك – مرّة أخرى – أنّ الإبداع الإنساني واحد،   وإن تلونت أصداؤه، وتناءى صانعوه، مكانياً، مادامت خريطة الشعر واحدة ....!

 

ابراهيم اليوسف

الامارات

جدل الإنسان .. اصدار علمي جديد للدكتور اسعد شريف الاماره

صدر كتابنا الموسوم جدل الإنسان "قراءات نفسية اجتماعية" عن الدار المنهجية للنشر والتوزيع في عمان - الاردن، ضم الكتاب موضوعات تتناول الإنسان في جدله الدائم مع موضوعات الحياة المتنوعة في السواء واللاسواء، في شعوره بالتفوق أو الدونيه، في إنفعالاته واستسلامه لضغوط الحياة، أو مواجهته لها وهي ما يطلق عليها "اساليب التعامل معها" بمدخل علمي يتناسب وشخصية كل فرد منا ونمط تعامله ، يتناول أيضا موضوعات تظهر قوة تأثير الاعلام على مسار الحياة العامة وتكوين الاتجاهات من خلال التأثير النفسي والمعرفي والعصبي حتى يتغير السلوك الفردي والجمعي لشريحة واسعة من الناس ومنها الشباب أو الامهات ، يعرض أيضا قوة تأثير الدين في مواجهة الاكتئاب، وكيف تمنع قوة الإيمان لدى الإنسان من تجنب الانتحار أو تأجيله ولو مؤقتا ، إنها جدلية التشبث والاستمرار في الحياة رغم الألم الذي يئن منه الإنسان من دوامة إضطراب الاكتئاب وعواصفه التي تشعر المصاب به بالذنب وارتداد مشاعر اليأس والحزن الشديد فضلا عن الميل الشديد نحو الصمت وعدم الكلام وأوهام الشعور بالدونية، وكيف أن الإيمان بالله يمنع فعل الإنتحار المادي بإنهاء المعاناة لكي يتخلص المريض من هذا الألم، وموضوعات اخرى مثل الاسرة ومسار التنشئة الاجتماعية الصحيحة. الدين وتأثيره في مسارات التنشئة الاجتماعية، وموضوعات أخرى تمس الإنسان مباشرة .

هذا الكتاب في الحقيقة رحلة نفسية – اجتماعية داخل النفس وخارجها، واسلوب التعامل مع أحداث الحياة لا بسبب تكوينها الداخلي فحسب، وإنما بتأثير العوامل الخارحية منها أيضا، ندعوا قارئنا الكريم بسبر أغوار هذه النفس مع متعة المعرفة وهو جزء منها، لانها.. هو في رحلته بهذا الجدل غير المنتهي.. تمنياتنا للجميع الإستمتاع الفكري والنفسي بهذا المنجز العلمي ومن الله التوفيق.

 

مؤلف الكتاب : الدكتور اسعد شريف الاماره

دكتوراه في علم النفس والارشاد النفسي  

عن كتاب (أيام الموت) لموفق احمد واشياء اخرى

rafed aliمن المفارقات الغريبة التي حصلت لي، في شتاء عام 2000، كنت مقيما في مدينة المانية على حدود لوكسمبورغ، واذا بي اجد تجمعا في مقهى يرتاده الجزائريون في المدينة، محلقين حول جهاز التلفاز المعلّق على الحائط المقابل لمدخل المقهى، متابعين لاحدى الأفلام التسجيلية التي كانت تبثها قناة المانية.

اكتشفت ان هذا الفيلم تسجيلي، محوره الهجرة غير الشرعية، وقد قام بتصويره بطله الحقيقي، وهو كردي عراقي، قام بتهريب مجموعة من اقاربه، من شمال العراق باتجاه بريطانيا.

لم افهم سر تعلق رواد المقهى بالفلم، حتى همس لي احد الاشخاص الجالسين: "نحن نتعلم من الفلم مجانا." هكذا قالها مبتسما..

سالته باستغراب: “ما لذي تتعلمونه؟".. اجابني: سنساءل من قبل محققي الهجرة عن المحطات التي مررنا بها الى هنا، هذا الفلم يقدم مادة مدهشة، مجانية للمعرفة، بإمكاننا ان نرى لون ارضيات المطارات المتعددة التي مرّ بها ابطال الفيلم، شكل المطارات من الداخل، ملابس الشرطة، شعارات الطائرات، ادق التفاصيل المهمة التي يسال عنها ضباط الهجرة عند التحقيق في طلبات اللجوء، ثم اكمل.. نحن الجزائريون والمغاربة لسنا محظوظون مثلكم ايها العراقيون، فطلبات لجؤنا لا تقبل، ربما شددنا الرحال الى سكندنافيا، هناك سنروي قصصنا من وحي تفاصيل هذا الفلم.

الفلم كان شاهدا خطيرا على معاناة طالبي اللجوء في تحمل مخاطر التنقل عبر الحدود ما بين البلدان، فضلا عن مشقة الطرق الوعرة، وقلة الغذاء، والماء، والبرد، وقساوة الجو، وموت البعض اثناء الطريق.

 949-rafid

الصورة لغلاف الكتاب الصادر باللغتين الهولندية، والعربية عن دار دي بوك فبريك للطباعة والنشر-هولندا 2013

استعدت احداث هذا الفلم التسجيلي، وانا اقرا كتاب صديقي الفنان المبدع موفق احمد الموسوم ب (ايام الموت) الصادر عن دار دي بوك فبريك للطباعة والنشر في هولندا، بدعم من منظمة امبلوي التابعة لهيئة العمل التطوعي لمساعدة اللاجئين في ماسترخت-هولندا.

في هذا الكتاب الصادر باللغتين العربية، والهولندية، توثيق لتجربة المبدع موفق احمد في معاناته اثناء مغامرته في الرحيل نحو الحرية بعيدا عن بلاد الموت المستدام، نحو غربة قسرية، ومستقبل مجهول.

هو الكتاب الاول، في اعتقادي الشخصي، الذي وثّق هذه التجربة المهمة عبر التشكيل فضلا عن الكتابة، مما جعل القاريء يعيش أجواء تقترب من عالم المؤلف الذي روى قصة نجاته من موت محقق.

 949-rafid2

الصورة للفنان موفق أحمد موقعا كتابه أيام الموت لوزيرة الهجرة الهولندية

المدهش في هذا العمل الإبداعي ليس فقط النص الذي تناول سيرة ذاتية، انما العمل الإبداعي الذي صاحب النص المثير للمتلقي، وهي اللوحات ال 38 التي تضمنها الكتاب، والتي رسمها موفق أحمد اثناء احتجازه من قبل سلطات الهجرة اليونانية لفترة دامت 128 يوما بسبب دخوله لليونان بطريقة غير مشروعة. هذه اللوحات رسمها موفق على قصاصات ورقية، بقلم واحد، استطاع ان يحصل عليها خلسة عبر مترجمة عراقية الأصل، قامت بالترجمة له اثناء التحقيق معه من قبل سلطات الهجرة اليونانية.

روت هذه الاعمال الابداعية قصّة الهجرة، وهاجس الموت الذي صاحبها، بمزيج من واقعية موفق احمد، و تداعياته اثناء اللحظات التي اقترب فيها جسده المتعب من الانتقال نحو السماء، يوم تركه المهربون وحيدا، مغمى عليه من الاعياء، وسط غابة تعج بالذئاب، بعد ان سرقوا كل مايملك، حتى اوراقه الثبوتية.

هذا التداعي، قاد في اعتقاد كاتب هذه السطور الى ان تحمل بعض اللوحات، فضلا عن النص، شكلا فنيّا سرياليا، حيث اختلجت الرؤى، بالواقع، ثم بحلم الخلاص.

 

الكتاب مثير جدا، ولعل من اكثر ماشدني اليه هو اسلوب موفق في الرواية، التي اجزم ان دراسته لعلم النفس، ثم تدريسه لهذا العلم اكاديميا في بقاع مختلفة من العالم العربي قبل وصوله الى اوروبا، اثر كبير في ادواته الفنية التي جعلت الرواية ممتعة للغاية.

اتمنى على موفق ان يستمر في الكتابة فضلا عن الرسم، فأسلوبه الروائي مثير، حيث تتجلى قراءاته الواسعة، وثقافته العميقة التي كونت شخصيته الفنية، والأدبية فيها بشكل جلي، ولعل القاريء لهذا العمل الفني ،الادبي لا يعدم ملاحظة العمق الفلسفي لموفق الذي تحولت بعض سطور كتابته الى مقولات فلسفية مثل التداعي الذي قاد موفق في استذكار صديقه الشهيد عباس في حوارية ما بين الموت والحياة حيث يتحدث اليه عباس الشهيد:"ما زلت ياصاحبي تعيش الغفلة..فقد رفض الرب لجؤنا الى فردوسه بحجة ان من متنا من اجله ما هو الا محض سراب. لست الوحيد الذي يدفع فواتير الاخرين..لست انا الوحيد من تخمر بين فخذيه الوطن حد التعفن. لست الوحيد بلا قضية..لست الوحيد من يبحث عن منفى جديد."

 

ومضات:

ومضة أولى: كان معروفا بان السخرية هي فلسفته في الحياة. لم اره منكسرا، او مهزوما.

في اللحظات التي تحدث فيها اليّ عن مأساة عشقه الأول، كان مبتسما، وعند حديثه عن الخراب الذي حلّ بجيله أيام الحروب العبثية للطاغية المجرم صدّام، وعن أصدقائه ممن ابتلعتهم الحروب، وثكلت اهليهم، ومحبيهم بهم، كان مبتسما، يرويها بدعابة.

يخيّل لمن تعرف اليه مثلي في تسعينيات القرن المنصرم، ان موفق متاثر بزوربا اليوناني، لا حزن يحطمه، بل يقويه.

 

ومضة ثانية: لا أدري كيف استطاع ان يصمد في صنعاء (المحافظة جدا) مدرسا ردحا من الزمن !!!

كل شيء، وكل حدث تحول لديه الى كوميديا. مرة كان يروي لنا كيف ان أخو مدير المدرسة التي كان يعمل بها اتى ليلقي السلام على أخيه، وكان موفق حينها في غرفة الإدارة. اكتشف موفق ان اخينا في الله طيّار، وكان في طريقه لاخذ اطفاله (الذين اتى بهم معه لزيارة عمهم) الى المطار في جولة بالهليكوبتر من اجل تسليتهم. حينما علم اخينا الطيار بان موفق عراقي، دعاه الى هذه الجولة مع الأطفال بالهليكوبتر.

ومما اذكر أيضا انه كان منزعجا من قرار مدير المدرسة الذي وجّه جميع الأساتذة يوما ما، بالتناوب على مراقبة الطلبة الداخلين الى الحمامات الصحية اثناء الاستراحة، لشكه بان امرا ما يحدث هناك.

حين روى موفق لي هذه الحادثة كان بمنتهى الصرامة، لكن طريقته في الرواية عكست الكوميدي الذي بداخله، وللقاريء الكريم ان يتصور ردة فعل من كان مستمعا لموفق حينها.

وللعلم، فان موفق اسم على مسمى في ما يخص مقالبه مع المتاسلمين الذين عمل معهم، وكيف نجا من بطشهم، ولا اعتقد ان المجال هنا مناسب لرواية بعض من تلك المواقف التي تضحكني بشدة كلما تذكرتها.

 

ومضة ثالثة: لم اره ينتقد او يعاتب شخصا ابدا. ومما اذكر عنه روح المبادرة للمساعدة التي يتمتع بها بايثار، سواء أكان بعمل فني كما حصل عدة مرات (كالاحتفال بمرور ثلاثين عاما على وفاة السيّاب في مركز الدراسات والبحوث اليمني بالعاصمة اليمنية صنعاء، حينما نفذ عملا تشكيليا مهما خاصا بهذه المناسبة)، او ما كان على الصعيد الإنساني، ومنها الحادثة الاتية:

صادف ان أستاذا جامعيا عراقيا كان يعمل في كلية التربية في محافظة حجّة اليمنية واسمه (فرهود)، ان وقع في مشكلة مع جهاز الامن السياسي اليمني بسبب أخيه المقيم في المانيا.

فرهود هذا عبارة عن نكتة (او هكذا صوره لنا الصديق الدكتور عليّ حسن مزبان) الذي كان يعمل معه في نفس كلية التربية.

كان لفرهود اخ تاجر في المانيا، استطاع ان يقتع نائب مدير جهاز الامن السياسي اليمني آنذاك ويدعى محمد الصرمي (وهذا هو اسمه الحقيقي) بالعمل التجاري معه.

ويبدو ان الشريكان اختلفا يوما ما، فما كان من الصرمي الا ان القى القبض على فرهود للضغط على أخيه.

طبعا اخو فرهود لم يهتم مطلقا لامر أخيه.

المفارقة، ان العراقيين أيضا لم يهتموا لامر فرهود الذي كان متصابيا (رغم بلوغه الخمسين حينها)، حيث كان يصبغ شعره بطريقة مضحكة، ناهيكم عن ملابسه التي كان يبتاعها من سوق البالات (أبو الزنابيلي)، وطبقا للدكتور عليّ حسن مزبان، كان فرهود أستاذا لمادة (فقه الانكحة)، وكان يحمل شهادة ماجستير في هذا العلم المهم من اندونيسيا، وهي شهادة طبقا للدكتور مزبان، مكتوبة باللغة الاندونسية، ولا احد يعلم كيف استطاع فرهود هذا اقناع جامعة صنعاء بتعيينه أستاذا بها.

لا أزال أتذكر يوم طلب من الدكتور علي حسن مزبان ان يخطب لفرهود احدى طالباته اليمانيات، حينها بدا الدكتور علي مزبان تعريف الجمع بمعنى اسم فرهود، واستعمالات الاسم الدارجة في العراق، حينها انتفض فرهود، وصاح: يا اخوان، انا اسمي مختلف تماما عما ذكره اخي علي، اسمي يقرأ بضم الفاء، وليس بفتحها، وهو لذلك ذو معنى مختلف تماما.

عودا الى ماساة فرهود، لم يزره في معتقله احد سوى موفق احمد، وكان انسانا معه. أتذكر ان موفقا كان يناشد الجميع التوسط لدى الصرمي من اجل اطلاق سراحه، ويقول بالدارجة:" اخوان...اخوكم فرهيد ترى بسويسرا...يمعودين تلاحكوا عليه"

تحية لموفق أحمد المبدع، والانسان

 

رافد عليّ

بيتربرة في 25 كانون الثاني / يناير 2015

 

 

سبعة أعوام من رحلة تعزيز الموروث الثقافي

asmaa mohamadmustafaمع إطلالة كل عام جديد، تطل مجلة الموروث على عيد من أعيادها السنوية، ومع كل عيد نجدها في نمو مستمر وأشجارها تينع إثماراً، وهي تواصل مسيرتها وسط توهج شعلة ضوئها في سماء وطن هو بأمس الحاجة الى مثل هذه المشاريع الثقافية، التي تحتفي وتفتخر بموروثها الإبداعي في مختلف المجالات .

قدمت مجلة "الموروث"، المتخصصة في الموروث الثقافي المادي وغير المادي للعراق، منذ ولادتها في دار الكتب والوثائق الوطنية يوم الرابع والعشرين من كانون الثاني 2008، وعبر رحلتها القصيرة في حسابات الزمن، مايجعلنا نعتز بها ونزداد ارتباطا بها وحبا لاستمرار العمل فيها، وهي بما أنطوت عليه أعدادها من جهد عبّر خلاله العاملون فيها عن إمكانيات وتصورات، غدت مجلة لها مكانتها في مجال الصحافة الألكترونية، بعد أن حرصنا على أن تكون موضوعاتها بحجم أهمية إرث البلد وواجب المسؤولية الثقافية .

إن توقفنا عند ماحققته المجلة عبر سنواتها السبع الفائتة وهي تقطع أشواطاً من الجهد والمثابرة والحرص على تنفيذ رسالتها الثقافية والأخلاقية التي تتضح من عنوانها وأهمية تخصصها لاسيما في هذه المرحلة المليئة بالتحديات والتي تتعرض فيه موروثات البلد الى أعمال تخريبية تهدف الى طمسها وتغييب صفحات من تأريخ العراق فضلا عما تعرضت له موروثاته من سلب ونهب أبان الإحتلال الأمريكي للعراق في نيسان 2003، نقول إن توقفنا عند ماحققته المجلة يجدد فينا العزم على مواصلة مشوار إبراز حضارة البلد وثقافته وموروثه وعبر صفحات وزوايا تتجدد على مستوى الموضوع والرؤية الفنية والجمالية لاسيما وهي تصدر عن الدائرة الثقافية الأكثر تميزاً، دار الكتب والوثائق الوطنية، خزينة العراق العلمية والثقافية، وأحد أهم الروافد الثقافية في البلاد اليوم من خلال فعالياتها المتعددة، ومنها الموروث بالتأكيد .

ويتزامن توقفنا وتأملنا لمسيرة المجلة مع الذكرى السابعة لتأسيسها، مع افتخارنا بأنها استطاعت خلال سنواتها السبع أن تؤسس قاعدة قراء نوعيين، يعانق وجودها الألكتروني بين مواقع ألكترونية كثيرة حقيقة تفردها بهويتها ونهجها في إبراز الموروث الثقافي العراقي المادي وغير المادي بهدف الحفاظ عليه من الضياع، وهو الهدف الأساس من تأسيسها في العام 2008 .

هذا الهدف هو الذي جعل المجلة تعرض موضوعاتها بأسلوب مهني سلس يصل الى النخبة وغير النخبة، ذلك أن هدف المجلة هو الوصول الى الجميع .. المثقف والانسان العادي، المختص وغير المختص، في رحلة التوعية بأهمية موروث البلد والحفاظ عليه كونه الذاكرة التي ينبغي لنا حمايتها من الانقطاع .

نعود قليلاً الى البداية، كان عدد العاملين في المجلة أربعة : المشرف العام ـ المدير العام لدار الكتب والوثائق الوطنية ـ ومديرة التحرير، ومصممتين من قسم تكنولوجيا المعلومات، شكلوا جميعا فريق عمل متعاضد ومتفاعل، فتبادلوا الأفكار ووجهات النظر حول اسم المجلة وتصميمها، ومن أعماق روح الفريق الواحد المتكاتف خرجت المجلة الى الضوء بتخصص فريد ومهم في عالم الصحافة الألكترونية، لتجد استقبالا مشجعا من القراء لهذه الولادة المؤمَل لها بالكثير، وشيئا فشيئا أخذ الوليد ينمو ويكبر، وتزداد مهامه مع إتساع أبوابه وصفحاته، فإنضم الى فريقها محررون ومحررات من قسم الإعلام والعلاقات في الدار، ومن بعض الأقسام الأخرى، واستكتبت أكاديميين وكتابا وصحافيين مازالوا يتواصلون معها ويتابعونها، وسط حرصها على استبيان آراء متابعيها وأفكارهم ومقترحاتهم بين حين وآخر، ذلك أنها حرصت ومنذ البداية على مواصلة التقدم بخطى ثابتة وصولا الى هدفها الأسمى في تعزيز أهمية الموروث العراقي .

 

وخلال رحلتها كُتب عنها أنها مجلة تخوض غمار الإعلام الجاد والرصين في استلهام التراث الرافديني، وتتسم بالتنوع والطرح المغاير الجديد والحرفية والمهنية والذوق الإبداعي .

وكُتب عنها أيضا أنها مجلة تمثل خطوات لحماية التراث، ودائما ما يجد فيها قراؤها ما يثري هدفها المتميز في الحفاظ على موروثنا في المجالات كافة وتعزيزه وتطويره، وتقديمه عبر طرائق متنوعة متجددة، تمنحه الكثير من الألق وتحافظ على أصالته وتظهرها بصور وأشكال ومضامين تلامس ذائقة القارئ والمتابع بكثير من الذوق والجمال.

وكتب عنها أن متابعيها لم يجدوا في أبوابها ما يجعلها نسخة مكررة لغيرها من المجلات التي تعنى بالتراث او الموروث، كذلك لا تلتقي في التصميم والإخراج وطريقة العرض، وتنوع المضامين، مع غيرها من الدوريات او المجلات الورقية والألكترونية، هذا يمنحها بطبيعة الحالة شخصية مستقلة مهمة تنم عن أصالتها وقدرة ملاكها الإعلامي والعملي الفني على تقديمها بما يتسق مع الموروث ويعززه ويحميه، ويظهره بطريقة تليق به .

وقيل فيها أنها تسلط الضوء على تراث العراق وثقافته بعيدا عن الأهداف التجارية والدعائية . وأشار متابعون الى تميزها ودقتها في اختياراتها للموضوعات، وملاحظتهم تصميمها الفني المريح للبصر وكذلك يقال عن ألوانها، بحيث أنها لاتشبه إلا نفسها . وقيل أيضا إنها تتسم بالدقة في التبويب والإخراج واختيار المواضيع المتوافقة مع المضمون .

ولعل المطلب الأكثر ورودا الى المجلة هو أن تطبع ورقيا أيضا، لكي تكون في متناول من يفضل المطبوع الورقي، في الوقت الذي تسعى الدار الى تحقيق هذا المطلب او الهدف، وهو أحد أبرز خططها خلال هذا العام .

ومع هذا الطموح تواصل المجلة حرصها على تبني وطرح أفكار جديدة كي تبقى نابضة بالحياة والقيم والأهداف الثقافية والفكرية التي تعنون بها رسالتها الوطنية والإنسانية . وقد كان تجددها واضحا خلال سنواتها السبع حيث نزلت الى الميدان عبر باب جمعة المتنبي الذي يتولى تحريره فريق من الشباب مهمتهم تغطية النشاطات الثقافية كل يوم جمعة، فضلا عن زوايا حيوية أخرى، يرتبط بعضها بمايدور في ذهن القارئ من آراء وأفكار بشكل مباشر، الى جانب طرقها باب الإعلام المرئي من خلال تنفيذ تقارير إخبارية مصورة من المؤمل عرضها في قناة "الموروث" في يوتيوب، مستفيدة من الفضاء الألكتروني ومميزاته بأقصى ماتستطيع .

وختاما، ونحن نتأمل بيتنا الصحافي الثقافي الألكتروني الذي كبر بأبنائه المخلصين من مختلف الأعمار والخبرات والتخصصات الإعلامية والتاريخية والمكتبية والفنية، يسعدنا أن نرى " الموروث" تواصل رفع شعلتها في هذا الفضاء الواسع، لتعانق النور دائما .

مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" في عددها الجديد:

659-rifaieإضاءة النقاش حول موضوع "الهرمنيوطيقا والمناهج الجديدة في تفسير النصوص الدينية"

كالعادة يتضمن العدد الجديد 59 – 60 "صيف وخريف 2014"، من مجلة قضايا اسلامية معاصرة مجموعة دراسات وحوارات ومناقشات ومراجعات نقدية، مضافا الى ملحق خاص بعنوان: "ستون عدداً ستون عاماً"؛ بمناسبة صدور العدد الستين، بالتزامن مع بلوغ مؤسس المجلة ستين عاماً، قدّم له مدير التحرير د. محمد حسين الرفاعي بنص يشير الى تجربة ما يقارب العشرين سنة من التفكُّر، ومن [الفكر بوصفه تساؤلاً]؛ إحتفاءً بصاحبها. ويوضح مدير التحرير: ان مهمة هذه المجلة كانت ومازالت، تحيا في: متعة الطريق، وليست ذاهبةً إلى التلذُّذ بالوصول؛ كل وصول هو موت التساؤل بعامَّة. فقد أحيت المجلة، وتُحيي، في كل عدد، لا فقط ذاتها، ولا فقط التساؤلات في العقول، بل فوق ذلك، أحيت الحياة في الفكر الديني المعاصر الناطق بالعربية في مجمله. ومن أجل ذلك، كل ما قدمته وتقدمه، هو يواجه - ولا يستثني أحداً أو جماعة أو مجتمعيَّاً في الفكر- كل الأجوبة التي من شأن الفكر، ومن شأن الواقع، في بلداننا العربية. هي حاولت، وتحاول، في كل مرة، بناء عالَم روحيِّ أجمل، أرقى، وأنقى.. فوق ذلك، ما هو الأهم، الذي ذهبتْ وتذهب إليه، هو هذا: الحرص على إنسانيَّة الإنسان في بلداننا العربية كُلّها، ورعاية الوجود لهذا الكائن الفذ.

659-rifaieواستهل العدد رئيس التحرير د. عبد الجبّار الرفاعي بمقدمة تحت عنوان "ستّـــــــــون"، أشار فيها الى ان: صدور هذه الدورية كان إيذانا بتدشين مسار جديد لتحديث التفكير الديني، يستلهم أفقا يضئ لنا ما ينبغي أن يكون، بدل أن نلبث الى ما لا نهاية فيما كان. أفق لا يدعو لإقصاء الدين، بل يشدّد على أن الدينَ هو منطلق أية عملية للنهوض والتنمية والتحديث في مجتمعاتنا، يكون رأسمالُها ومادتُها المحورية الشخصَ البشري؛ كيفيةَ تربيته وتأهيله روحيا وأخلاقيا، وأن الدين هو المنبع الأساس في بناء حياته الروحية، وتطهير حياته الأخلاقية، وحماية الكائن البشري من الاغتراب الكوني، والقلق الوجودي، والعبثية، واللامعنى. ولم تترقب قضايا اسلامية معاصرة أسئلة يطرحها الآخر لتجيب عنها، مثلما كان يفعل المتكلمون، بل بادرت هي لصياغة أسئلتها الجديدة وغير المألوفة في حقل الدراسات الدينية في الحواضر التقليدية. كذلك لم تنشغل بأسئلة الفكر العربي المكررة منذ ما يُعرف بعصر النهضة، ولم تستأنف الإجابات المتداولة عنها، ببيان وشرح مختلف، وانما اجترحت إجاباتها الخاصة. إجابات ابتعدت عن الذرائعية والإنتقائية، وحاولت أن تحلّل المعرفة الدينية في ضوء التجربة التاريخية للاجتماع الإسلامي، وسياقات هذه التجربة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وتدرس هذه المعرفة بوصفها جزءاً من التاريخ، وليست خارج مجال التاريخ، وكأنها عابرة للواقع وللزمان وللمكان.

وكتب افتتاحية هذا العدد علي المدن، وهو مثقف ديني عراقي، وأحد أبرز أبناء هذه التجربة، بكتابة شهادة تتحدث عن: موقع قضايا إسلامية معاصرة في مسار محطات تشكيل التفكير الديني في العراق، في المائة عام الأخيرة، واعتبر لكل محطة مجلة ناطقه بتطلعاتها وأحلامها .. وصنفها في محطات ثلاث. ففي المحطة الأولى كانت: مجلة "العلم"، التي أصدرها السيد هبة الدين الشهرستاني عام 1910، فيما كانت في المحطة الثانية: مجلة "الأضواء"، الصادرة عام 1960م في النجف عن جماعة العلماء، اما المحطة الثالثة الحاضرة، فكانت مجلة "قضايا إسلامية معاصرة"، التي أصدرها عبدالجبار الرفاعي في منفاه، عام 1997، قبل أن يعود هو الى وطنه 2003 ويكتب على غلافها اسم "بغداد".

في توصيف دقيق اعتبر المدن مجلة "العلم"، ممثلة للمرحلة الرومانسية، و مجلة "الأضواء"، ممثلة للمرحلة الثورية، و مجلة "قضايا إسلامية معاصرة"، ممثلة للمرحلة الواقعية. وصنف كل منها تبعا لإشكالية البحث، كما يلي:

1- تقنية؛

2- وأيديولوجية؛

3- وإيبستيمولوجية / أنطولوجية.

 

ونشرت المجلة حوارا موسعا مع الشيخ محمّد مجتهد شبستري، بعنوان "معنى المعاني"، تناول فيه نشأته وتكوينه، ورحلته الروحية والقلبية والعقلية، وخلص الى ان تيار تحديث التفكير الديني في الاسلام، قد عاش أفراده وترعرعوا في صلب المجتمع الديني، وكانوا بصدد الترويج لحرمة الإنسان وكرامته، وسعوا إلى أن يستفيد المتدينون من المعارف الحديثة؛ بما يتواكب مع حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وما إلى ذلك، وقد حققوا نجاحات كبيرة في هذا المجال. وإن هذه الجهود - خلافا لما ينسب لنا - ليست استنباطا واستخراجا للديمقراطية وحقوق الإنسان من القرآن، وإنما هي عبارة عن إدخال حقوق الإنسان والديمقراطية في صلب حياة المسلمين وواقعهم الاجتماعي. وإن مستقبل مجتمعنا سوف يثبت أن البذور التي غرسها هؤلاء الأفراد في حقل ثقافتهم الدينية كانت تبشر بنتائج وثمار طيبة.  

واستهل باب "دراسات" د. علي مبروك ببحثه "قولٌ عن النخبة والقرآن والخطاب"، الذي شدد فيه على ان: المشكلة ليست في نصوص القرآن، بل في الطريقة المستقرة التي رسَّخها الخطاب للتفكير فيها، فإن ذلك يعني أن حلّ المشكلة لا يكون أبداً في استعادة نصوص الدين السمحة، والاكتفاء بالتأثير على الجمهور بسمو بلاغتها. بل الحل يكمن في تفكيك البنية المعرفية العميقة للخطاب الديني المهيمن الذي يوجّه النصوص؛ لكي تنطق بما يريده منها، ولو كان هذا الذي يريده منها يتعارض مع ما يسعى خطاب القرآن لتثبيته. وبالطبع فإن الخطاب يمارس هذا التوجيه لدلالة النصوص من خلال جملة قواعد يفرضها، ويُلزم بالتعامل معها وكأنها من مسلمات الدين، التي لا يجوز حتى مجرد التفكير فيها؛ وذلك من قبيل الناسخ والمنسوخ والإجماع والعبرة بعموم اللفظ وغيرها من القواعد، التي باتت لرسوخها من قبيل ما يستحيل أن يكون موضوعاً لتفكيرٍ أو سؤال.

وعالجت الدراسة الثانية لويرنرج. جينروند " تطور الهرمنيوطيقا اللاهوتية مــن البدايـــات إلـــى عصـــر التنويـــر"، ترجمتها: زهراء طاهر. تلتها دراسة هامة لفيلسوف الدين الشهير بولتمان، ترجمها: د. علي حاكم صالح، شرحت وحللت "مســـــــألة الهرمنيوطيقــــــا"، وكيف إن مشكلة التأويل هي، بالضبط، مشكلة الفهم. و إن شرط التأويل هو حقيقة أن المؤول والمؤلف كائنان إنسانيان؛ يعيشان في العالم التاريخي نفسه الذي يحدث فيه الوجود الإنساني كوجود في بيئة يرتبط فيها الفهم بأشياء وأشخاص آخرين. ومن الطبيعي أن ينتمي التأويل إلى رابطة الفهم، التي تتضمن أيضاً الأسئلة والمشكلات، الصراع والمعاناة، المتعة والانسحاب المذعن.

وتناول الباحث المغربي د. عبدالله بريمي في دراسته الموسومة: "من رمزية الشّر إلى الهرمنيوطيقا"، تحليل ريكور لرمزية الشّر، وكيف أن الرمز من يُظهر قصدية مزدوجة؛ قصدية حرفية يتم بموجبها تحديد معنى العلامة كما هو متعارف عليه في أبعاده المباشرة، ولكن انطلاقا من هذه القصدية الأولى يمكن التطلع إلى قصدية ثانوية؛ "وهكذا ففي مقابل العلامات التقنية، الشفافة كليا، والتي لا تقول إلاّ ما ترغب في قوله، فإن العلامات الرمزية تكون كثيفة، هذه الكثافة هي التي تشكل العمق الذاتي للرمز " . فالرمز هو الذي يساهم في تحريك المعنى الأول ويجعلنا ننخرط في صلب المعنى الكامن. وهو يقوم على بنية دلالية محددة، هي بنية التعابير ذات المعنى المزدوج.

وأيضا حاول الباحث المغربي د. فؤاد مخوخ شرح "هرمنيوطيقا الرموز في الأسطورة والدين"، بالاستناد إلى فلسفة إرنست كاسيرر(Ernst Cassirer) حول الأشكال الرمزية، واستنطاق نصوصه التي تحدث فيها عن الأسطورة والدين وإنتاجاتهما الرمزية، وحدّد فيها كيفية فهم بنيتهما وعناصرهما، وذلك من خلال نقطتين رئيستين: الرمزية الأسطورية والدينية جزء من بنية العالم الإنساني، وسمات الوظيفة الرمزية الأسطورية والدينية.

اما الباحث المغربي الثالث د. أحمد الفرحان فقد تحدث عن " النص المقدس في ضوء العصر الهرمنيوطيقي للعقل عنــد جــان غرايـش"، ومسعاه نحــو إختـلاق فلسفـة الـديــن. وكيف انه

سعى إلى الكشف عن الدور الذي شغلته مشكلة الدين الذي امتدّ قرونا طويلة من التفكير في مختلف أنماط التأويل. فتبيّن له أنّ التأويل ممارسة عمليّة تدخل في تكوين الظاهرة الدينية ذاتها. ولم يعد مبرّرا اليوم القول فقط إنّ الظواهر الدينيّة في أمسّ الحاجة إلى مناهج التأويل لفهم معانيها، كما أنّ القول إنّ تأويل الظواهر الدينية يثير إشكالات عدّة هو قول يسكنه نوع من الادعاء الفارغ بإطلاقيّة الظاهرة الدينية عن سياقاتها التاريخية والإنسانية.كما يدفع غرايش من خلال استشكاله للظاهرة الدينية فلسفياً إلى إعادة التأمّل في مستقبل المعتقدات الدينية داخل المجتمعات الحديثة. فثمّة صورة جديدة للإيمان في الأفق شاهدة على تحوّل وظيفة" الاعتقاد" في جوهرها، تحوّل يشهد بدوره عن اغتناء التجربة الدينية للإنسان بإبداعاته الفكرية والثقافية والفنية والعلمية. وتمنح النظرية الهرمنيوطيقية، في نظر غرايش، التي تتّخذ من "النص" وساطة لفهم الذات إمكانية إعادة صياغة حياتنا وتصرّفاتنا ومعاناتنا في ضوء المستجدات المعرفية والثقافية للعالم المعاصر، وإذا كان النص المقدّس يظلّ متميِّزا عن باقي النصوص الأخرى فإنّ تميّزه هذا لا يعني امتلاكه "سحرا" يتجاوز طاقة العقل الإنساني على الفهم، أو يتجاوز حركية التاريخ، بل يكمن تميّزه في تعددية أصواته وتعدديّة مستويات الخطاب فيه، كما يكمن في التناغم الذي يحدثه بين "الفهم المسبق" للقارئ وبين أشكال الحياة التي يحملها عن التجارب والخبرات الإنسانية عبر التاريخ البشري.

وفي دراسته "الوظيفة المعرفية للمجــاز في خطاب ابن عربي"، فسّر الباحث والناقد البحريني د. علي الديري، طبيعة تركيب خطاب ابن عربي، فهو مركّب من مفاهيم فلسفية عقلية، وتجارب صوفية وجدانية ذوقية، وهو يستقي مصادره من جهات كثيرة: فقهية، وفلسفية، ومنطقية، وقرآنية، ولغوية، وسردية، وسيرية، وصوفية، وأحاديث نبوية، ونصوص قرآنية، يتركّب خطابه من هذا الكلّ في وحدة تأويلية فائقة القدرة في إسباغ معناها على الأشياء كلها. وقد اتفق أغلب الدارسين على نسبة هذا الكلّ الذي يشكّل خطابه إلى "وحدة الوجود".

وفي نص مكثف درس مدير تحرير المجلة د. محمَّدحسين الرفاعي، في الحلقة الثانية من بحثه الموسع: " الفكـر العربـي المعاصـر وتسـاؤل الهـرمنيوطيقـا ممارسة إبستيمولوجية من أجل الهرمنيوطيقا في الفكر"، وخلص الى: إننا في ضرورة ثورة معرفيَّة في الفكر، نحيا في [اليوميَّة]: ثورة في الفكر هي لا تقوم إلاّ بعد التنصُّل من كل ضروب [الإيمان- بـ -...]؛ التنصُّل من الإيمان بالفكر العربي المعاصر في مجمله، أوَّلاً، وفوق كل شيء. لأنَّ [عصر- الفضيحة] الذي نحيا فيه، لهو ناتجٌ عن كل الضروب الإيمانيَّة في الفكر العربي، في تناوله للموضوعات: لموضوعاته هو. في هذه الطريق، الطريق إلى الثورة المعرفيَّة، لابُدَّ من التوقف، طويلاً، في خمس لحظات معرفيَّة:

اللحظة المعرفيَّة الأولى: إبستيمولوجيا السوسيولوجيا: التي تتناول كل ضروب الإنحطاط المعرفيّ، وتمارس [فضح- الأوهام]، ضمن عمليَّة [الهدم- البنّاء].

اللحظة المعرفية الثانية: سايكولوجيا الإنسان في حقل الدين: تقوم على التساؤل: كيف يمكن إخصاء الإنسان دينيَّاً؟ أي كيف يتم سلب الإرادة من كائن ليست الإرادة مُضافة إليه؟ أي ما هي الوظيفة التي تؤديها الديانة، في العالَم الجوّاني الخاص بالفرد؟ والموضوع؟ داخل الفرد هو الموضوع.

اللحظة المعرفية الثالثة: سوسيولوجيا اللغة الدينيَّة: هي تتناول اللغة، واللغات داخل اللغة الدينية، حينما تأتي إلى مستوى [الواقعيِّ- المجتمعيِّ].

اللحظة المعرفية الرابعة: سوسيولوجيا الدين، بعامَّة: التي تتناول موضوعاً إسمه المعرفة التي تُنتج من داخل الدين، حينما تأتي إلى مستوى [الواقعيِّ- المجتمعيّ].

اللحظة المعرفية الخامسة: سوسيولوجيا المعرفة: التي تتناول موضوعاً إسمه المعرفة التي تُنتج من داخل الدين، وتُنتج من خارجه، حينما تأتي إلى مستوى [الواقعيِّ- المجتمعيّ].

← حينما يفكر المفكر يكون قد قال شطراً كبيراً من علاقته بذاته وعلاقته بعصره، حتّى لو لم ينطق بكلمة. هذا يعني: إن ما هو في قوله يُقال، لا يُقال إلاّ، أوَّلاً وفوق كل شيء، عنه هو نفسه. وليس يمكن أن يصدق إلاّ، أولاً وفوق كل شيء، عنه هو نفسه.

← يشير العنوان إلى الطريق؛ طريق هو من أجل البناء. ولكن، الإنتماء لا ينتظر أن نسير على طريق. الإنتماء ليس طريقاً تُسلك. الإنتماء ليس كذلك، إنتظاراً؛ لأنَّ الإنتماء إلى العالَم روحيَّاً لهو إنتماء ميتا- علميٍّ.  

كذلك شدد محمد حسين الرفاعي، على ان من يفضح الأوهام ينبغي أن يكون حذراً من: 1- ألاّ يتحوَّل هو نفسه إلى وهم؛

و2- ألاّ يتحوَّل فضح الأوهام هو بدوره إلى وهم.

وواصلت المجلة في باب "أفكار للمناقشة" نشر الفصول 4 – 7 من: "نظرية القراءة النبوية للعالم"، للشيخ محمد مجتهد شبستري، وأردفتها بنقد تقويضي مفصل، لباحث ايراني خبير في فلسفة الدين، هو: د. آرش نراقي، بعنوان: "نقد نظرية القراءة النبوية للعالم، فرضيات غير المؤمنين في فهم القرآن، في ضوء آراء محمد مجتهد شبستري".

وقدم الباحث العراقي د. عباس أمير قراءة نقدية لكتاب شبستري، عنونها: "الإنسان كائناً تأويلياً، والدين ضمن أفقه العرفاني المرهف .. قراءة نقدية في كتاب:الهرمنيوطيقا ـ الكتاب والسنة".

وتضمن ملحق العدد "ستون عدداً ستون عاماً" مجموعة مساهمات، كالتالي: " إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، إنقاذ لأجيال عربية اكتوت بنار التوحش الديني"، للأستاذ حسن العمري. و " مجلة تصنع مرحلة تاريخية جديدة: قضايا إسلامية معاصرة ودورها في تحديث التفكير الديني"، د. فؤاد جابر كاظم الزرفي. و "مشروع عبدالجبار الرفاعي: التفسير الثالث للدين .. رواية الجيل الثاني"، د. مشتاق الحلو. و "برزخ المتديّن العقلاني"، د. حسن ناظم. و "عبد الجبار الرفاعي: الإنسان غاية الدين ومحوره"، د. علي حاكم صالح.

و ندوة عُقدت في الجزائر حول مجلة قضايا إسلامية معاصرة، لتقويم ستين عددا، صدرت منها في ثمانية عشر عاما، ودورها في انبعاث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وتحديث التفكير الديني في العالم العربي. شارك فيها:

1- د. الحاج دواق، أستاذ فلسفة الدين، جامعة باتنة، الجزائر. "محرر ومنسق الندوة".

2- د. شراف شناف، أستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها، بجامعة باتنة، الجزائر.

3- د. الشريف طاوطاو، أستاذ بقسم الفلسفة، بجامعة خنشلة، الجزائر.

4- أ. بشير ربوح، أستاذ الفلسفة الغربية المعاصرة بقسم الفلسفة بجامعة باتنة، الجزائر.

5- د. فوزية شراد، أستاذة فلسفة اللغة ونظريات التأويل، قسم الفلسفة بجامعة باتنة، الجزائر.

6- د. اليمين بن تومي، أستاذ في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة سطيف2، الجزائر.

هذا مستخلص لمواد هذا العدد الممتاز لمجلة قضايا اسلامية معاصرة، وهو يؤشر فقط لشئ من نوع المساهمات التي يضمها، ولا يغني عن العودة اليه ومطالعته.

مالك بن نبي من خلال شهادته على الثورة الجزائرية (2)

moamar habarمقدمة حول مقدمة الكتاب، يتحدث مالك بن نبي في كتابه، TEMOIGNAGES SUR LA GUERRE DE LIBERATION، عن الثورة الجزائرية، من حيث الزمان، والأشخاص، والقادة، والاستدمار، والأفكار التي ضمنها كتابه،

يرى في صفحة 31، أن الثورة الجزائرية، لم تتلقى الدعم الكافي كما تلقته مصر، أثناء العدوان على قناة السويس،

وفي صفحة32، يقول أن الولايات المتحدة الأمريكية،رفضت التدخل، لمساندة القضية الجزائرية يومها، وطالبت من فرنسا، إيجاد، "حل ديمقراطي"،

وبن نبي، يستهزئ من الموقف الأمريكي، ولا يدرجه ضمن سلوك الدول المتحضرة.

البهيمية الفرنسية، وفي صفحة33، يرى أن، الحضارة، تحمي الإنسان، وتضع بينه وبين البهيمية حاجزا، لكن لانرى في السياسية الفرنسية اليوم، الحاجز الذي يفصل الإنسان عن الحيوان، فالاستدمار عند بن نبي، وصل درجة البهيمية.

التعذيب صناعة فرنسية، يصف التعذيب في عهد الاستدمار الفرنسي، فيقول، أن وحشية فرنسا، قبل أن تقتل، تستخرج من الجسد واللحم الإنساني، كل أنواع العذاب،

وعندما لايجدون مايفعلون بالضحية، وبعد كل أنواع التعذيب، يتبولون فوقه ويرمونه، إنهم يتدربون على اللحم الجزائري،

ويرى في صفحة45، المستدمر الفرنسي، ينقش أفكاره، فوق الجسد الجزائري، إثر التعذيب، والجسد الجزائري، هو مادته الأولية،

المعامل الاستدماري ومجازر فرنسا، وفي صفحة 46، منذ قرن والاستدمار الفرنسي يطرد الجزائريين إلى الجنوب، ويبقى في الشمال بالقدر الذي يخدم إستدماره، بعدما سيطر على الأراضي الخصبة،

وفي صفحة 46، السلوك الاستدماري، في أشكاله المختلفة، لايحتاج لأوامر فوقية، إنما يقوم به المستدمر من تلقاء نفسه، وبناء على تقاليد ورثها، وهو مايسميه بن نبي، بالمعامل الاستدماري، والنتيجة ستكون حسب مايريده الاستدمار، ويرى كذلك، أن، المجازر التي كانت تقوم بها فرنسا،لها بعد فلاحي اقتصادي،

أسس المعامل الاستدماري، يرى في صفحة 48- 49، أن، أسس المعامل الاستدماري، تقوم على العوامل التالية،

أولا، الميدان الروحي، توظيف الإمام في عهد الاستدمار الفرنسي، لايتم وفقا لحاجات المجتمع، إنما وفقا لأغراض أمنية إستدمارية، فيتحول حينها، العامل الروحي إلى عامل محطم للروح، وتثبيط للعزائم،

ثانيا، الميدان الفكري، تحول التعليم إلى وسيلة في خدمة الشيء، وأمست شيئية الجزائري، أداة سهلة في الآلة الفلاحية للمستدمر، فهو وسيلة فاعلة لعربته، وقطيعه، التعليم إذن، أمسى وسيلة تقهقر العقل، والإنسان،

ثالثا الناحية الاقتصادية، المعامل الاستدماري، جرّد الجزائري من كل وسيلة، ترفع مستواه، وجعله في خدمة المستدمر، وفي خدمة من سلّطه عليه،

إذن، حسب بن نبي، النظام الاقتصادي الذي يعتمد على إفقار الشعب الجزائري، يعتمد على، مؤسسة التثبيط، ومؤسسة تسفيه الإنسان،ومؤسسة التموين، ومؤسسة التفقير

وفي صفحة 49، يؤكد على قاعدة ذهبية، حين يقول، يجب التأكيد على التركيبة الجوهرية للاستدمار، لفهم طبيعته الأساسية،

من أساليب الإبادة، يرسم في صفحة 50، أن، العلاقة القائمة بين الإبادة والأراضي الخصبة، فيقول، الاستدمار يعتمد على إبادة المجتمع الجزائري، بشكل مكثف، حتى يقوم بالحد من النمو الديمغرافي، وتصحيح المنحنى الديمغرافي، لتخفيف الضغط على الأراضي الخصبة، وطردهم منها بالإبادة، وإبقاءها تحت المستدمر، وذلك بإبادة كل من، الشيخ، المرأة، والطفل، لابد من خلق فراغ، تجاه الشمال،

إختيار الضحايا، يرى في صفحة51، الاستدمار يختار ضحاياه، فهو عندما يشعل النيران، يريد مسبقا، إبادة بعينها، منها أن الاستدمار في مجازر 1945، أباد في قالمة، كل من يحسن القراءة والكتابة،

حين يغير الاستدمار جلده، يرى في صفحة52، أن، الاستدماراستطاع أن يكيف مبادئه، مع متطلبات الثورة الجزائرية، لكن تكييف المبدأ، لايعني تغيير الطريقة، بل أعطاه صبغة جديدة، تتناسب والظروف الجديدة، يدخل ضمن هذا الإطار، العوامل الثلاث، لمعامل الاستدمار،

الإبادة والاستيلاء أساس المفاوضات، يرى في صفحة54، أن الظروف ليست ناضجة بما فيه الكفاية، لايجاد حل ظاهر يرضاه الجميع، معنى هذا أن، الإبادة لم تبلغ بعد الأهداف المرجوة منها، فالإبادة والتعذيب، هي التي تخلق ظروف المفاوضات،التي يريدها المستدمر،

فالاستدمار حسب بن نبي، يسعى لتغيير مبادئه، لكن بإبقاء طبيعته الأصلية، مع بعض التغييرات الطفيفة، التي تخدم طبيعته الاستدمارية، المبنية على الإبادة، والاستيلاء على الأراضي، والتعذيب.

مظاهرات ومسيرات لإنقاذ الجزائر، يطالب مالك بن نبي، في صفحة 55، بالمظاهرات. المسيرات، تجمع الأطفال، النساء، والرجال المخلصين، لإرغام صناع القرار، ليقوموا بواجبهم، ويرى، أن، الإنسانية إذا استطاعت أن تنقذ الشعب الجزائري، فإنها قد أنقضت شعبين،

الأول من الإبادة، والثاني من الجريمة، وإذا استطاعت أن تحقق هذه المعجزة، استطاعت أن ترسم لنفسها طريق السلام،

في الحلقة القادمة، سيتطرق صاحب الأسطر، إلى الجزء الثاني من الكتاب، انتظروه،بإذنه تعالى،

 

صدور "عام النّمل" للدكتورة سناء الشّعلان

662-sanaaعن مكتبة سلمى الثقافية للنشر في مدينة تطوان المغربيّة صدرت المجموعة القصصّيّة الجديدة للأديبة الأردنية ذات الأصول الفلسطينيّة د.سناء الشعلان بعنوان" عام النّمل"، وهي تقع في 130 صفحة من القطع الصّغير، ولوحة الغلاف هي للفنان المغربي الشهير عبد النّور القشتول.وهذه المجموعة القصصيّة كانت قد فازت بالجائزة الأولى في عام2008 في المسابقة"ملامح الثّقافيّة" التي أجرتها مكتبة سلمى بتنسيق مع جريدة ملامح الثّقافية في حقل المجموعة القصصيّة في العام 2008.

ويقول عبد الهادي بن يسف مدير مكتبة سلمى عن مجموعة "عام النّمل": "هذه المجموعة القصصيّة قد زكتها للفوز بجائزة المكتبة في عام 2008 اللجنة الفاحصة للأعمال المتنافسة على جوائز المسابقة، وقد تكوّنت اللّجنة من خيرة أدباء مدينة تطوان ونقّادها، وهو:د.نجيب العوفي، ود.محمد أنقار، ود.خالد أقلعي، ود.عزيز البازي، ود.سعاد النّاصر.وقد نالت الفوز باستحقاق لما لهذه المجموعة من سلامة اللّغة وإتقان الرّوابط بين وقائع كلّ قصّة، كما أنّ هذه المجموعة تحمل سمة نوعيّة من الأدب الرّفيع الذي يمتزج ببعض من الخيال والتّشخيص.وقد لاقت هذه المجموعة بعد صدورها عن مكتبة سلمى كلّ التقدير والاهتمام في المشهد الثّقافي الإبداعي والنّقدي والأكاديمي المغربيّ".

662-sanaaويضيف عبد الهادي بن يسف قائلاً:" يُذكر أنّ مكتبة سلمى كانت دائماً في صفّ الأدب الملتزم، ولها سلسلتان من المنشورات؛الأولى منهما تنشر الدّراسات والبحوث المختلفة، والثّانية تنشر في مجال الإبداع من قصة ورواية وشعر ومسرح.وقد نشرت مكتبة سلمى لمبدعين ونقّاد وباحثين مغاربة وعرب".

ومجموعة "عام النّمل" هي مجموعة قصصيّة تتكوّن من 8 قصص قصيرة تقوم على التّجريب والخلط بين تثيمات التّهشيم والسّرد المتداخل والمتوالد واحتضان القصّة القصيرة الطّويلة لعدد كبير من القصص القصيرة جدّاً المتوالدة عنها، وذلك في مغامرة تجريب تعمل على تقديم القصّة القصيرة في حالة من التحفّز والمرونة والذّكاء والاتّساع الذي يسمح لها بأن تكون ناقلاً أميناً للمشهد الإنسانيّ بكلّ ما فيه من تناقضات وأزمات وإكراهات وأسئلة كبرى ولهاث وتدافع ومعاناة وأحلام، وقادرة في الوقت نفسه على انتقاده وتقويض دعائم فساده.

وتقول الشّعلان حول هذه المجموعة:" أنا فخورة بصدور هذه المجموعة القصصيّة التي وُلدت بشراكة مع مكتبة سلمى المغربيّة، وذلك بعد فوزها بالجائزة الأولى في جائزة ملامح الثّقافيّة في عام 2008، وهي فرصة ذهبيّة لي لكي أطلّ بقصصي على المشهد الإبداعي العربي لاسيما المغربيّ الذي أحترمه، ويعنيني أن تكون لي بصمتي الواضحة فيه إلى جانب عمالقته في الحقول الإبداعيّة والحضارية كافّة، وهذه المجموعة هي استمرار طبيعي لمسيرتي القصصيّة التي تمخّضت عن عدّة مجموعات قصصيّة".

وتضيف قائلة:" هذه المجموعة هي مجموعة الثّورة بامتياز، فعام النّمل لم يكن سوى العام الذي ثارت به مملكة النّمل على الظّلم والجبروت، وهزمت مملكة الإنسان المتغطرس الجبّار، هذه المجموعة القصصيّة تتخيّر أبطالها من الشّرائح كافّة ليكون أبطالاً ثائراً على منظومات قمعيّة مختلفة ابتداء بالذّات وقهرها واستلابها للإنسان مروراً بقمعيّة الجسد والأفكار والقناعات والعادات والتّقاليد انتهاء بقمع المجتمع والأفراد والمصالح والإكراهات والتعسّف والفساد والظّلم والاضطهاد والتّميز.في هذه المجموعة القصصيّة استطاع أبطالها أجمعون أن يقولوا: لا، وهذا انتصارهم الأكبر والأساسي الذي سوف تنساق في فضاءاته باقي الانتصارات الإنسانيّة التي هي حقّ طبيعي ومكتسب للإنسان مادام يصمّم على أن يحصل على حقّه، وينتصر به على الظّلم والاضطهاد والاستلاب".

ويُذكر أنّه قد صدر للأديبة الشّعلان عدّة مجموعات قصصيّة منها: تراتيل الماء، ورسالة إلى الإله، وأرض الحكايا، ومقامات الاحتراق، وناسك الصومعة، وقافلة العطش، والكابوس، والهروب إلى آخر الدّنيا، ومذكرات رضيعة، والجدار الزجاجي.فضلاً عن عدد من المجموعات القصصية المشتركة مع أدباء أردنيين وفلسطينيين ومصريين وعراقيين وعرب.

كما تُرجمت الكثير من قصصها إلى الكثير من اللغات مثل الإنجليزية والفرنسية والكردية والبلغارية والبولندية والإسبانيّة والإيطالية والتّركية وغيرها.كما أنّ قصصها كانت هدفاً للكثير من الدّراسات الأكاديميّة والنّقديّة وأطروحات الماجستير والدّكتوراه في شتّى أنحاء الوطن العربيّ.

 

 

إصدار جديد للباحث إدريس جنداري

660-gendarصدر للباحث إدريس جنداري، عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود والمركز الثقافي العربي، كتاب جديد بعنوان: " من أجل مقاربة فكرية لإشكاليات الربيع العربي: العروبة – الإسلام – الديمقراطية ". ينشغل الكتاب بمقاربة إشكاليات فكرية ذات طابع نظري، وفي الآن ذاته ينشغل بالراهن السياسي العربي المنفجر على إيقاع المد الثوري، ويحاول مقاربة بعض أسئلته الشائكة. يتناول الكتاب، من منظور جدلي يتداخل فيه البعد الفكري بالبعد السياسي، ثلاث قضايا أساسية هيمنت على النقاش الدائر في الساحة الفكرية والسياسية العربية، ولذلك فقد جاء الكتاب على شكل ثلاثة فصول متكاملة.

إن الكتاب وهو ينشغل بأسئلة الربيع العربي، فإنه لا يحضر باعتباره تحليلا سياسيا ينشغل باللحظة ويسعى إلى القبض عليها إنه، أكثر من ذلك، يسعى إلى التموقع باعتباره مقاربة فكرية تتعامل مع أحداث الربيع العربي، من منظور جينيالوجي تتحكم فيه شجرة أنساب فكرية حيث تحضر اللحظة السياسية باعتبارها حلقة في سلسلة تطور ضاربة في أعماق النسق الفكري والسياسي والاجتماعي، وكذلك من منظور أركيولوجي لا يكتفي بمعطيات الممارسة العملية ولكنه يتجاوز ذلك إلى تدشين حفريات فكرية تقود نحو تحديد طبيعة الممارسة السياسية .

660-gendarمن هذا المنظور، إذن، تعامل الكتاب مع مسألة الوحدة العربية، ليس كمعطى جاهز ولكن باعتبارها مسألة قابلة للمراجعة في ضوء المعطيات الجديدة التي يفرضها الزمن العولمي, ولعل هذا هو ما قاد الباحث إلى القيام بقراءة نقدية لتصور الإسلاميين والقوميين للعلاقة بين العروبة والإسلام باعتبارها تصورا إيديولوجيا، في الحالتين، فاقدا لروح الممارسة الفكرية المنهجية، وضمن هذا السياق استحضر الباحث مفهوم الكتلة التاريخية باعتبارها آلية يمكن أن تحسم الكثير من الخلافات الإيديولوجية، وذلك باعتبار أن التشكيلات الإيديولوجية في الثقافة العربية لا تعبر عن الممارسة العملية بقدر ما هي تعبير عن انشغالات الماضي التراثي أو حاضر الآخر الغربي، وفي نفس الآن يمكنها أن تحسم الكثير من الصراعات العرقية والمذهبية التي تهدد العالم العربي بالانفجار.

و في علاقة بهذا المنظور الفكري دائما، تعامل الكتاب مع مسألة الديمقراطية، ليس باعتبارها ممارسة سياسية وحسب ولكن كذلك باعتبارها تجسيدا فكريا يخضع لمنظومة قيم ضاربة بجذورها في أعماق الثقافة العربية-الإسلامية. ولذلك، فقد اعتبر الباحث أن تحقيق الرهان الديمقراطي في العالم العربي، لن يتم فقط من خلال مدّ ثوري يسقط الأنظمة القائمة ويستبدلها بأخرى، ولكنه يخضع كذلك لممارسة فكرية تكون قادرة على استئصال أورام الاستبداد من داخل النسق الثقافي العربي.

في الأخير، عرض الكتاب لبعض التحديات التي يواجهها الربيع الديمقراطي العربي. في علاقة بالداخل، استحضر الباحث التحدي الإسلامي وخلص، من خلال التحليل، إلى أنه يمكن أن يعيد إنتاج نفس النسق السياسي الاستبدادي إن لم يخضع لمراجعات فكرية عميقة، وتناول الباحث كذلك التحدي العرقي، وخلص إلى أنه يشكل خطرا كبيرا على وحدة العالم العربي لأنه ينسجم مع أجندة خارجية تسعى إلى عرقلة التحول الديمقراطي في العالم العربي. أما في علاقة بالتحديات الخارجية، فإن أبرز تحدي عرض له الباحث يرتبط بالكيان الصهيوني الذي استثمر، لعقود، في سلعة الاستبداد، حيث كان يسوق للعالم العربي باعتباره قلعة استبدادية محصنة، ولذلك فقد كان التسويق للوجود الصهيوني في المنطقة، باعتباره نموذجا للديمقراطية الليبرالية، ضروريا من أجل المحافظة على المصالح الإستراتيجية الغربية. كل هذا يجعل الكيان الصهيوني، اليوم، متوجسا من أي نجاح يحققه العالم العربي، على طريق الديمقراطية، لأنه سيفقده مبرر وجوده في المنطقة، وهذا ما يشكل خطرا وجوديا عليه، لذلك فإنه لن يقف مكتوف الأيدي في مواجهته.

وتبقى هذه المحاولة الفكرية حلقة ضمن سيرورة ممتدة، شكلتها النخبة الفكرية على امتداد أكثر من قرن من الزمن، وهو إذ يسعى إلى مقاربة مجموعة من الأسئلة الفكرية والسياسية، فهو لا يسعى إلى صياغة أجوبة نهائية، في الأخير، لأن الممارسة الفكرية هي مجال النسبية، بامتياز، نظرا لما يؤطرها من خيارات منهجية ومرجعيات فكرية.

 

"لحن بأصابع مبتورة" الديوان الثاني للشاعرة المبدعة سميرة عبيد

661-samiraصدر مؤخراً ديوان شعر "لحن بأصابع مبتورة" للشاعرة سميرة عبيد عن دار فضاءات في عمّان، وهو الديوان الثاني في مسارها بعد تجربة" أساور البنفسج"، ويقع الديوان الجديد في103 صفحات، موزعة إلى19 قصيدة، تحمل العناوين الآتية: بورتريه لآخر العنقود، نوتة، صورة، جنون، يد رجل ينام في قلب الصورة، قناع، إبرة، قطر التارخ، جميرا، بنفسجة بغداد، هواء النيل، زهرة، وجدان، غياب، خرس، أمي، عازفة، الموريسكي، تناهيد سوريا.

661-samiraالذات في هذا الديوان تصارع ثقل الجسد التواق إلى لحن يعيد تشكيل أصابع الروح التي فقدت قدرتها على أن تعزف أحلامها المؤجلة المرتبطة بممكنات الوجود والعالم، كما تعمد الشاعرة إلى تشييد متخيل لعالم الصحراء تتغيأ من خلاله الشاعرة توسيع المعنى ونحت خصوصيتها، فهي تؤول الصحراء بألحانها وفق ما تحلم بها أصابع الذاكرة الباحثة عن الماء والاخضرار، ومن ثمة تبلور الشاعرة شعريتها على المحاكاة الساخرة، وأحيانا على الما بين بين،. وقد صيغت هذه النصوص بلغة شعرية مسكونة بوهج السرد التي تكتنز دلالات احتمالية عميقة نهضت على التكثيف والاختزال دون الخوض في التفاصيل.

قضايا اسلامية معاصرة .. ستون عددا في تحديث التفكيرالديني

659-rifaieجاء صدور هذه الدورية إيذانا بتدشين مسار جديد لتحديث التفكير الديني، يستلهم أفقا يضئ لنا ما ينبغي أن يكون، بدل أن نلبث الى ما لا نهاية فيما كان.

هكذا افتتح الدكتور عبد الجبار الرفاعي صاحب الإمتياز ورئيس التحرير العدد 59- 60 من مجلة قضايا اسلامية معاصرة الذي تضمن حزمة ثرية من الحوارات والدراسات وتزين بملحق عنوانه: (ستون عددا ستون عاما).

قضايا اسلامية معاصرة مجلة فلسفية رائدة متخصصة تعنى بالهموم الفكرية للمسلم المعاصر عبر سعيها الدؤوب لإزاحة الركام عن الإشكاليات الراهنة التي تواجه التفكير الديني المعاصر، تطرح في كل عدد حزمة من الأفكار والرؤى والحوارات لبناء عالَم مفاهيمي وفكري وروحي سعيا لأنسنة فهم النص الديني للخروج به من أسوار الإيديولوجيات المغلقة إلى فضاء التعارف والتكامل الإنساني الرحيب.

659-rifaieافتتاحية العدد جاءت تحت عنوان: (المسألة الدينية ومحطات الوعي الثلاث في الثقافة العراقية (للكاتب العراقي المتخصص في الفلسفة وعلم الكلام علي المدن الذي نوه بمكانة المجلة في عالم الفكر المعاصر بقوله: (إن ما يميز قضايا إسلامية معاصرة هو هذه الإطلالة الممتدة على تجارب قرن كامل مع الأفكار والمناهج، تجارب فيها الكثير من ضيق الأفق وسعته، والكثير من الاستلاب والرفض، والكثير من السطحية والعمق. هذه التجربة الفريدة التي أتيحت لها، جعلتها تتجاوز تلك العثرات، لتتعامل بروح نقدية منفتحة، واستيعاب أعمق لمناهج الفكر الغربي ومفاهيمه ونظرياته، مع مراجعة وفهم أشمل وأكثر واقعية لتراثنا الإسلامي. إنها إعادة لفحص واستجلاء الأسئلة القديمة، مضافا لها تلك الأسئلة الجديدة التي أفرزتها التطورات الهائلة في علوم الاجتماع والنفس والألسنيات والمناهج وغيرها، في ضوء تصور أكثر تحررا من ضغوط الهوية والمواجهة الأيديولوجية).

ثم لا يلبث القارىء وهو يتصفح هذا الكنز الفكري العميق إلا أن يجد نفسه مبحرا في حوار ثري عميق مع المفكر محمد مجتهد شبستري الذي يصف أول لقاء له بالمفكر علي شريعتي بأن أسلوبه في الكلام وتحليله للمعلومات كان ممتعا وأخاذا، وكانت كتبه تمثل مادة خصبة .

وفي هذا العدد نقرأ للدكتور علي مبروك أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتستوقفنا تحليلاته عبر مقالته: (قولٌ عن النخبة والقرآن والخطاب) التي لايسعنا إلا أن نقف مليا متأملين عند قوله: (حل المشكلة لا يكون أبدًا في استعادة نصوص الدين السمحة، والاكتفاء بالتأثير على الجمهور بسمو بلاغتها. بل الحل يكمن في تفكيك البنية المعرفية العميقة للخطاب الديني المهيمن الذي يوجه النصوص؛ لكي تنطق بما يريده منها).

يحتفي قراء مجلة قضايا اسلامية معاصرة بالعدد الستين، تقضهم الذكريات، ويبهجهم فضاء الفكر، يطلقون لرحيق أقلامهم العنان، وينظمون أفكارا تثمن الرائد والمشروع، منهم الباحث الأردني حسن العمري المتخصص بالفلسفة الإسلامية عبر مقالته: (إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين انقاذ لاجيال عربية اكتوت بنار التوحش الديني) يبين فيها الأثر الكبير لمجلته الأثيرة بقوله: (قضايا إسلامية معاصرة مشروع الباحثين عن دين لا يزاحم الحياة، بل يرفدها بمعاني الانطلاق والعقلانية والروحانية والجمال والبهجة والابتكار والتنمية وإعمار الأرض).

من جهة أخرى يستشرف الباحث والأستاذ الجامعي العراقي المقيم في لندن الدكتور فؤاد الزرفي المكانة الكبيرة التي ستتبوأها المجلة بقوله: (ستصبح مجلة قضايا إسلامية معاصرة عنوانا لمرحلة جديدة في تحديث التفكير الديني، تماما كالعروة الوثقى والمقتطف والرسالة والهلال . وإن أية محاولة لكتابة تاريخ لمسيرة الفكر الإسلامي المعاصر لابد وأن تضع قضايا إسلامية معاصرة كواحدة من أهم الدوريات العربية المتخصصة في تحديث التفكير الديني، التي ساهمت في إعادة بناء هذا التفكير).

وكان مسك ختام العدد ندوة عن المجلة أقيمت في الجزائر عنوانها (أثر مجلة قضايا إسلامية معاصرة في انبعاث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد) شارك فيها نخبة من الباحثين الجزائريين الذين لمسوا عن كثب المقاربات المعرفية والطروحات العميقة للمجلة.

 

المرأة العراقية تألق وعطاء .. الأديبة زينب فخري أنموذجا

ali algheziللمرأة مكانة مهمة في الإسلام وقد شرفها الله عز وجلّ في القرآن الكريم بسورة النساء التي تعد من السور السبع الطوال، كذلك خصها الرسول الكريم (ص وآله) في الكثير من الأحاديث، والمرأة العراقية تميزت عن غيرها من النساء بصبرها وتفانيها ووعيها وثقافتها وطريقة إدارة بيتها فهي أكثر حنكة من أي امرأة عربية وهذه حقيقة تاريخية موروثة. وبالرغم من إن مجتمعنا ذكوري وهيمنة للرجل في جميع المؤسسات المجتمعية لكن المرأة العراقية المثقفة أثبتت جدارتها من خلال دورها البارز والمهم في بناء الحضارة ورقيها كونها صانعة الحياة وأم ومربية، واستطاعت الدخول لعالم المعرفة والثقافة والأدب وأصبح لها دور مميز في كافة المجالات.

ولا يخفى على أحد أنّ للعلم والمعرفة والثقافة والإبداع أثرا بالغاً في تهذيب النفس والارتقاء بها إلى مدارج الكمال.

والأديبة والإعلامية زينب فخري هي عراقية مع سبق الإصرار وتُعدّ أنموذجاً عراقياً، يحتفي بها دائما كونها رسمت خطاً بيانياً في واقع حياتها من خلال إكمال دراستها الأكاديمية في علوم القرآن وبكالوريوس لغة فرنسية، موهوبة من خلال حياكتها للحروف وتوظيفها في قصص متنوعة نالت إعجاب المتلقي .

أديبتنا زينب فخري متعددة المواهب صدرت لها أخيراً المجموعة القصصية (على الرصيف) وتحتوي على أكثر من ثلاثين نصا يضم قصص قصيرة (عراك، حلم، جرح، موظفة، موظف، أرملة، السيدة الغنية، زهرية) واخرى قصص قصيرة جدا (على الرصيف، متشائم، الحب الصامت، نهاية حب، انبهار، كابوس، هجرة، عزلة، انتصار، اهانة، كاتب، صحفي، ردة فعل، ذكريات، زوجان، امتحانات، قطرة ماء، استغلال، ديك، خيانة، الزحف، تأخر) .إضافة إلى عدد من النصوص القصصية المنشورة في عدّة مواقع الكترونية منها: قعر المجهول، نازحة، أصم، أمنية امرأة، جنون، زيارة أم، أنا سبايكر.. وهي قصص من مجموعتها القصصية الجديدة ( سبايكر) التي نالت إعجاب النقاد والمتلقين .

ومن المفرح حقاً أن تتحول بعض قصصها إلى أفلام، إذ تحولت قصة (أرملة) إلى فيلم من تميثل أميرة جواد وإخراج فاضل صدام العقابي، وقصصها الأخرى: عراك، وحلم، وسبايكر ونازحة وقعر المجهول في الطريق إلى ان تتحول إلى أفلام سينمائية. ويؤكد طلاب معهد الفنون الجميلة/ قسم السينما أنهم وجدوا ضلالتهم في قصصها فهي توثق لمرحلة مهمة مما يمرّ به العراق، فقصصها تتناول معاناة العراقيين سواء كانوا نازحين أو أطفال أو نساء فاتهم قطار الزواج وغيرها.

وتسعى الكاتبة في مجموعتها الثالثة إلى توثيق بعض معاناة أطفال العراق وتسربهم من الدراسة، وما يتعرضون له من حيف وظلم مخيف ينذر بنشوء جيل جديد من أطفال (الشوارع) الناقم على المجتمع.

والأديبة زينب فخري إضافة لمواهبها الأدبية فهي صحفية متمكنة عملت في عدّة صحف عراقية محررة ومديرة تحرير وأدمن لعدّة مواقع الكترونية، ونالت عضوية نقابة الصحفيين بدرجة عضو عامل، متمكنة في اللغة والترجمة تجيد ثلاث لغات: الفرنسية، والانكليزية، والفارسية . حاضرت في عدّة جامعات أهلية، مختتمة حياتها موظفة في وزارة الثقافة.

هذه المرأة العراقية التي يجب أن نرفع قبعاتنا إجلالا لها كونها أنموذجا عراقياً يحتذي بها في كافة المحافل الأدبية والثقافية .

 

 

سعد الشلاه في إصدار شعري جديد: ديوان كفّ أمّي

658-asmaضمن منشورات المركز الثقافي للطباعة والنشر، صدر حديثا (كانون الثاني 2015) في سوريا، باللغة العربية مجموعة شعرية صوفية جديدة للمُبدع والشاعر العراقي سعد الشلاه تحت عنوان (كفُّ أمّي). ويتكوّن الديوان من أربعين قصيدة كُتبت كلّها في العراق بين سنوات مختلفة من حياة الشاعر. ومن بين قصائد الديوان يُذكر على سبيل المثال لا الحصر: (كفُّ أمّي) وهي القصيدة التي منها اقتبس عنوان المجموعة الشعرية كاملة، ثم نصوص أخرى كـ: (سيدة النجاة، رباعيات، شاعر بابلي وواقفا).

صدر الكتاب بـ 208 صفحة من الحجم المتوسط، وكَتبت عنه الناقدة والمترجمة الدكتورة أسماء غريب المقيمة في إيطاليا، دراسة نقدية مطولة تقول في هذا الجزء منها: (لَيْسَ مِنْ السَّهْلِ أَبَداً أَنْ تَقْرَأَ لِسَعد الشلاه دُونَ أَنْ تُصِيبَكَ حَيْرَةٌ تُدْخِلكَ فِي دَوّامَاتٍ بِلَا قَرَارٍ مِنَ التِّيهِ وَالسُّؤَالِ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ عَلَيكَ أَنْ تقُومَ بِهِ هُوَ أَنْ تَخْلَعَ النَّعْلَيْنِ أَمَامَ جَذوَةِ قَبَسِ نخْلتهِ وَتَتْرُكَ خَلفَكَ بِدْلةَ التأنّقِ الأكَاديمِيّ وَمَعَاوِلَ البَحْثِ "العِلمِيّ" المُتعَسّفةِ الَّتِي عَادَةً مَا تُغْلِقُ بَصَرَ البَاحِثِ وَبَصيرَتَهُ فَتَجْعَلَ مِنْه بَبّغاءً أَهوجَ يَحْسِبُ أَنَّ كُلَّ النُّصُوصِ تَتَحَدَّثُ بلغةٍ وَاحِدَةٍ وَتَنْتَهِجُ طرُقاً يَحْسِبُهَا تُوصِلُ إِلَى بَرِّ الأَمَانِ وَهِي فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ تُنَاقِضُ بِشَكْلٍ فَاضِحٍ حَرَكَةَ الرّوحِ وَالجَسَدِ. كُلُّ هَذَا لَأَنّ طَبِيعَةَ هَذَا الدِّيوانِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ تَأْبَى أَنْ يَسْتَبِدَّ بِهَا عَقْلُ "نَاقِدٍ" أَوْ تأويلاتُ حارِسٍ يَدَّعِي ملكِيَّةَ مَقَالِيدِ الحَرْفِ وَالكَلِمَةِ. كَيْفَ لَا وَسِرّ اللَّذَّةِ فِي قصائدِ هَذَا الشَّاعِرِ هُوَ تَحَوُّلُ المَعْنى وَتَغَيُّرُهُ، لَا ثُبُوتُهُ ودَيْمُوميتُهُ، بَلْ كَيْفَ لَا والأصْلُ فِي كُلِّ المَوْجُودَاتِ التَّحَوُّلُ وَالتَّغَيُّرُ الَّذِي إذا لَمْ يُدْرِكْهُ البَاحِثُ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِه مُتْعَةَ تَذَوُّقِ مَا فِي هَذَا الدِّيوانِ مِنْ لَذِيذِ الثِّمارِ الوَاحِدَة تِلوَ الأخرى؟!).

 658-asma

لوحة الديوان هي من إنجاز د. أسماء غريب.

وقد سبق للشاعر أن صدر له ديوان شعري آخر بعنوان (تانغو ولا غير) سنة 2014 في إيطاليا عن دار أريانا للنشر والتوزيع باللغتين العربية والإيطالية.