كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

النقــد المسرحي المغربي بين جـــدلية الكـم والكيـف

jamil hamdaouiعرف المسرح المغربي الحديث والمعاصر، إبان القرن العشرين، مجموعة من المقاربات النقدية التي استهدفت قراءة الإبداع الدرامي تحليلا وتقويما وتوجيها وأرشفة. وقد بدأ النقد المسرحي المغربي في شكل كتابة صحفية انطباعية تأثرية، كما يبدو ذلك جليا في المقالات المنشورة في الجرائد والمجلات الوطنية والعربية والدولية على حد سواء.

بيد أن المسرح المغربي قد عرف تحولا نوعيا في سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي، مع مجموعة من الباحثين والدارسين الأكاديميين الذين تناولوا المسرح إبداعا ونقدا ونظرية، في شكل رسائل وأطروحات جامعية، وأبحاث أكاديمية جادة ورصينة، أنجزت  في رحاب المعاهد والجامعات المغربية من جهة، وفي نظيراتها الفرنسية من جهة أخرى.

 علاوة على ذلك، فقد انفتح النقد المسرحي المغربي، ابتداء من ثمانينيات القرن الماضي إلى غاية العقد الأول من الألفية الثالثة، على مجموعة من المناهج النقدية الأكثر حداثة وراهنية ومعاصرة، في إطار التجريب والتأصيل والتأسيس، مستفيدا في ذلك، بطريقة من الطرائق، من نظريات الحداثة وما بعد الحداثة في الغرب.

ويعني هذا أن المسرح المغربي قد عرف مجموعة من المراحل التاريخية، في تطوره الجدلي، بنية ودلالة ووظيفة وسياقا ومرجعا. ويتماثل هذا التطور الفني والدرامي، بطبيعة الحال، مع تطور المجتمع المغربي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفنيا. وقد ترتب على كل هذا أن شهد النقد المغربي مجموعة من الطفرات على مستوى الكم والكيف من جهة، وعلى مستوى النظرية والتطبيق والرؤية من جهة أخرى.

إذاً، ما أهم المراحل التاريخية التي مر بها النقد المسرحي المغربي بصفة عامة، والنقد المسرحي في الجهة الشرقية بصفة خاصة ؟ وما أهم المقاربات النقدية التي عرفها هذان النقدان الوطني والجهوي ؟ وما مميزاتهما على مستوى الكم والكيف؟ وما خصائصهما على مستوى النظرية والتطبيق والرؤية؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا الميتانقدي هذا الذي عنوناه بـ(النقــــــد المسرحـــــي المغربــــــي بين جدلية الكم والكيف)، على أساس أن النقد المسرحي المغربي قد تبوأ مكانة كبيرة على الصعيد العربي ، مادام قد اكتسى طابعا حداثيا على مستوى الممارسة النظرية والتطبيقية تجريبا وتحديثا وتأصيلا وتأسيسا. وحقق كذلك طفرة متميزة على مستوى الكم والكيف.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة،  وأحمده على فضائله التي لاتعد، ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

.....................................

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

النقــد المسرحي المغربي بين جـــدلية الكـم والكيـف / د. جميل حمداوي

 

"عروس الرّماد" إصدار جديد للشاعرة سناء الحافي

871-SANAAصدر عن دار الوطن للطباعة والنشر في العاصمة المغربية الرباط، المجموعة الشعرية الرابعة للشاعرة والصحفية سناء الحافي، والتي جاءت بعنوان "عروس الرماد"، وقد بلغت صفحات المجموعة ٢٠٠ صفحة، تناولت فيها الشاعرة مزيجاً مميزاً من القصائد تباينت بين القصائد العمودية وقصائد التفعيلة والنثر، وتنوّعت مواضيعها بين إسقاطات الحب ولواعجه والخيبة وإكراهاتها،و تمرّد الأنثى وتماهي الآخر في حبّ الذات .و كما جاء في حديث خاص، قالت الحافي عن مجموعتها الجديدة: (عروس الرماد هي ميلاد آخر لكلّ تجربة عِشتها ومازلت أقتصّ منها الصبر، ورماد كلّ ما تبقى من لوعة الحياة وهمومها وتجاربها.. عروس الرماد حكاية واحدة لأنثى الانتظار والحب وركام الاغتراب .. ولأنثى التمرّد والكبرياء)..

871-SANAAيذكر أن الشاعرة الحافي كتبت القصيدة العمودية باحترافية كبيرة حيث لقّبها البعض بخنساء عصرها وقدّم لها الشاعر اليمني طلال الدبعي لقب: خنساء الزمن الجديد وقد اصدرت الحافي ثلاث دواوين تحت عنوان حورية المنافي- شمس النساء- المرايا والجدران) ولها قيد الطبع رواية جديدة تختزل فيها المعاناة بين الحب والحرب. اما على الصعيد المهني، تشغل حاليا منصب مدير العلاقات الدولية بوكالة الامم المتحدة بالاردن وفي الجانب الاعلامي فقد شغلت منصب رئيسة تحرير أول مجلة أدبية نسائية بتعيين من سمو الشيخة خلدية ال خليفة وقد لاقت مجلتها أصيلة اهتماما واسعا من الأوساط الأدبية في العالم العربي .كما قام الإعلامي فالح حسون الدراجي بتكليفها بادارة مكتب جريدته الحقيقة العراقية في العاصمة الأردنية عمان . ولها أعمدة أسبوعية في بعض الجرائد العربية منها: القدس العربي والصباح الكويتية والحقيقة العراقية .. تتناول فيها قضايا الشعر وفنون الأدب بعين النقد والتحليل.

 

الاهمية التربوية للاستجواب السقراطي

hatam hamidmohsinمن الصعب  تصور مفكر نقدي جيد يفتقر بنفس الوقت الى نزعة الاستجواب العميق . كذلك لا يمكن تصور شخص ما اكتسب المقدرة التامة على الاستجواب اكثر مما فعل سقراط. يتبع ذلك ان اولئك المهتمين بالتفكير النقدي هم مهتمون ايضا بفن الاستجواب العميق، وان تعلّم الفن السقراطي هو نقطة الانطلاق الطبيعية.

الاستجواب السقراطي هو طريقة محكمة يمكن استخدامها في ممارسة التفكير في عدة اتجاهات ولعدة اغراض، من بينها استكشاف الافكار المعقدة، للوصول لحقيقة الاشياء، افتتاح القضايا والمشاكل، كشف الافتراضات، تحليل المفاهيم والتمييز بين ما نعرف وما لانعرف، اتّباع المضامين المنطقية للفكر و السيطرة على النقاش.

من بين الكتب الهامة التي تناولت هذا الموضوع كتاب فن الاستجواب السقراطي(1) الذي يركز على آليات الحوار السقراطي وعلى الادوات المفاهيمية التي يجلبها التفكير النقدي للحوار السقراطي وكذلك على اهمية الاستجواب في تنشئة الذهن المنضبط.

الكتاب يتضمن:

- تصنيف الاسئلة السقراطية بالارتكاز على مفاهيم التفكير النقدي

- نصوص الاستجواب السقراطي

- آليات الاستجواب السقراطي

- دور الاسئلة في التعليم والتفكير والتعلّم

- سقراط، الطريقة السقراطية، التفكير النقدي

- نماذج من التعليم  تتضمن حوارا سقراطيا

- تحليل نصوص لحوار سقراط نقلا عن ايوثيفرو افلاطون

- المزيد عن سقراط.

العامل الاساسي في التمييز بين الاستجواب السقراطي والاستجواب بحد ذاته هو ان الاستجواب السقراطي منهجي ومحكم وعميق وعادة يركز على المفاهيم الاساسية والنظريات والقضايا والمشاكل.

الاستجواب السقراطي يشار له عادة في عملية التعليم، وهو كمفهوم اكتسب رواجا  في العملية التعليمة، خاصة في العقدين الماضيين. المعلمون، الطلاب، او اي شخص مهتم في استخدام التحقيق الفكري العميق  يمكنه بناء استجواب سقراطي والانخراط  في هذه الاسئلة. الاستجواب السقراطي جرى استخدامه ايضا بكثافة في التحليل النفسي.

 

التربية – بيداغوجي

عندما يستخدم المعلمون استجواب سقراط في التعليم، فان هدفهم هو اختبار تفكير الطلاب ومعرفة مدى فهمهم  لموضوع معين او لقضية معينة، ولنمذجة الاستجواب السقراطي  للطلاب او مساعدتهم في تحليل مفهوم او خط معين من التفكير. كان على الطلاب تعلم الاستجواب السقراطي لكي يمكنهم البدأ باستخدامه في التفكير في قضايا معقدة، في فهم وتقييم تفكير الآخرين واتّباع نتائج تفكيرهم وتفكيرغيرهم. في الحقيقة، سقراط ذاته اعتقد ان الاستجواب هو الشكل الوحيد للتعليم الذي يمكن الدفاع عنه.

في التعليم، يمكن للمعلمين استخدام استجواب سقراط  لهدفين اثنين:

1- السبر العميق لتفكير الطالب، لمساعدة الطلاب في البدء بالتمييز بين ما يفهمون و ما لا يفهمون (ولمساعدتهم في تطوير تواضع فكري في العملية).

2- تنمية مقدرة الطلاب على طرح اسئلة سقراطية، ومساعدتهم في اكتساب ادوات فعالة ومؤثرة من الحوار السقراطي لكي يتمكنوا من استخدام هذه الادوات في الحياة اليومية (في استجواب انفسهم والآخرين). لهذه الغاية، يستطيع المعلمون  نمذجة ستراتيجيات الاستجواب التي يريدون من الطلاب استخدامها والمنافسة فيها. كذلك، يحتاج المعلمون تعليم الطلاب وبشكل مباشر على كيفية بناء وطرح اسئلة عميقة. علاوة على ذلك، يحتاج الطلاب الى الممارسة لتحسين مقدرتهم الاستجوابية.

الاستجواب السقراطي يؤكد اهمية الاستجواب في التعليم. انه يكشف الاختلاف بين التفكير المنهجي والتجزيئي. انه يعلّمنا النبش تحت سطح الافكار. يعلمنا قيمة تطوير عقول استجوابية في بناء تعليم عميق.

 الاسلوب التالي يعرض لنا التكامل في الاسئلة السقراطية في الصف الدراسي ويكشف لنا عن الكيفية التي يساعد بها في تطوير متعلمين نشطاء ومستقلين.

1- جعل الطلاب يوضحون تفكيرهم مثل،"لماذا انت تقول ذلك؟، هل تستطيع التوضيح اكثر؟

2- تحدّي الطلاب حول الافتراضات، مثل"هل هذه هي الحالة الدائمة؟، لماذا تعتقد بصحة الافتراض هنا؟.

3- الدليل كأساس للنقاش، مثل"لماذا تقول هكذا؟، هل هناك سبب للشك بهذا الدليل؟.

4- وجهات نظر ورؤى بديلة. مثل"ما هي الحجة المعارضة؟، هل يمكن او هل يستطيع احد النظر للمسألة بطريقة مختلفة؟.

5- الآثار والنتائج

مثل"ولكن لو حدث شيء ما ،ماذا سينتج عنه؟، كيف سيؤثر ذلك؟

6- استجواب السؤال

"هل تدرك سبب طرح هذا السؤال؟، لماذا السؤال مهم؟،"اي من اسئلتك هي الاكثر نفعا؟.

ان فن الاستجواب السقراطي مرتبط جوهريا بالتفكير النقدي لأن فن الاستجواب هام جدا لتميّز الفكر. ما تضيفه كلمة "سقراطي" لفن الاستجواب هو المنهجية والعمق والاهتمام الدائم في تقييم حقيقة او مصداقية الاشياء.

التفكير النقدي والاستجواب السقراطي كلاهما يبحث عن المعنى والحقيقة. التفكير النقدي يوفر الادوات العقلية لفحص وتقييم وربما اعادة تشكيل او اعادة توجيه تفكيرنا وافعالنا. هذا ما وصفه المصلح التربوي جون ديوي بـ "الاستجواب الفكري" Reflective Inquiry". في الاستجواب الفكري يعيد  المفكر طرح الموضوع في الذهن، مجريا عليه اعتبارات جادة ومتواصلة. الاستجواب السقراطي هو تركيز واضح على بناء الاسئلة المحكمة والموجهة ذاتيا لتحقيق ذلك الهدف.

 

علم النفس psychology

الاستجواب السقراطي يُستخدم ايضا في العلاج النفسي، كـ اسلوب لإعادة الهيكلة المعرفية اثناء العلاج الادراكي . الهدف هنا هو كشف الافتراضات والدليل الذي يدعم تفكير الناس بشأن المشاكل.

 من بين الاسئلة السقراطية في العلاج الادراكي عند التعامل مع الافكار الاوتوماتيكية المؤذية للمريض هي التالي:

1- كشف القضية:"ما هو الدليل الذي يدعم هذه الفكرة؟ وما الدليل ضد كونها حقيقية؟

2- تصوّر بدائل معقولة:"ما هو التفسير او وجهة النظر الاخرى للموقف؟ لماذا حدث الشيء الآخر؟

3- اختبار مختلف النتائج المحتملة:"ما هو الاسوأ، الاحسن،القابل للتحمل،المحصلات الاكثر واقعية؟

4- تقييم تلك النتائج: "ما تأثير التفكير او الاعتقاد بهذه المسألة؟ ما هو التأثير المحتمل للتفكير المختلف والذي لم يعد يؤمن بهذه العقيدة؟

5- البُعد:"وفيه يتم تصوّر صديق او فرد معين في نفس الموقف او ينظر للموقف بهذه الطريقة، فماذا ستقول له ؟

الاستخدام الجيد للاستجواب السقراطي يمكّن المعالج من تحدّي الحالات المنعزلة والمتكررة للتفكير اللامنطقي للفرد  بينما يبقى على موقف منفتح يحترم المنطق الداخلي حتى لما يبدو من افكار لامنطقية.

 

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) فن الاستجواب السقراطي للمؤلفين Richard Paul and Linda Elder الصادر عن مؤسسة التفكير النقدي عام 2007.

 

خصائص الكتابة النسائية في القصة القصيرة جدا

jamil hamdaouiمن المعروف أن الكتابة النسائية هي التي تشخص أدبية الأنثى في علاقتها بالرجل، وتجسد همومها الشعورية و اللاشعورية، وصراعها الذاتي الداخلي والخارجي، عبر المناجاة، والبوح، والاعتراف، والتمرد، واستخدام أساليب التذويت والتبئير الشخصي. لكن أهم مايميز الكتابة النسائية هو إثبات الهوية أوالخصوصية الأنثوية، والدفاع عن استقلالية المرأة في اتخاذ قراراتها المصيرية ، دون الاستسلام لضغوطات الرجل وأوامره ونواهيه.

كما تصور هذه الكتابة النسائية ذلك الصراع الجدلي بين الذكورة والأنوثة من جهة، وتمزق الأنثى ذاتيا وموضوعيا من جهة ثانية. وغالبا، ما يكون بين المرأة و الرجل صراع جدلي، أو تعايش وائتلاف حميم. لذلك، تحضر عقدة الرجل كثيرا في الكتابة النسائية إلى جانب مقومات الجسد، وما يتصل به من زواج، وطلاق،وحب، وأسرة، وجنس، وجمال، وأنوثة، وسن، وبكارة، وعنوسة، وإنجاب، وحرية، وعمل،  ومسؤولية ...

علاوة على ذلك، تتسلح الكتابة النسائية بسلاح التأنيث أو المؤنث في مواجهة الذكورة التي تحيل ، في متخيل المرأة، إما على الرجولة، والفحولة، والقوامة، والقوة، والمسؤولية، والقيادة...؛ وإما على الغطرسة، والتحرش، والعنف، والاستعباد، والاغتصاب، والترهيب، والظلم...

وإذا كانت أغلب الكتابات النقدية النسائية تناولت هذا النوع من الكتابة في حقول الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والنقد، والسينما...، فإنها لم تتناولها في مجال القصة القصيرة جدا.لذا، يعد هذا العمل أول كتاب، في اعتقادي، في الوطن العربي، يتناول مميزات الكتابة النسائية وخصائصها في القصة القصيرة جدا إن بنية، وإن دلالة، وإن سياقا.

إذاً، ما مفهوم الكتابة النسائية أوالنسوية؟ وما النقد النسائي أو النسوي؟ وما مميزات الكتابة النسائية وخصائصها في القصة القصيرة جدا بنية ومعنى ووظيفة ورؤية؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(خصائص الكــتــابــة النســائية فـي القصة القصيرة جـدا)، على أساس أن القصة القصيرة جدا هي الجنس الأدبي الذي اعتمدت عليه مجموعة من المبدعات والناقدات من أجل إثبات وجودهن في الساحة الثقافية المغربية من جهة، أو في بلدان أخرى من الوطن العربي من جهة أخرى.

ونرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ونشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة، ونحمده على علمه وصحته وفضائله التي لا تعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

.................................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

خصائص الكتابة النسائية في القصة القصيرة جدا .. مــقــاربـــة ميــكــروســرديــة / جميل حمداوي

 

ذكريات.. حلم.. ثورة وحب.. "طَلّ وشَرَر" لرغيد النحاس

abas alimoradفي كتابه "طلٌّ وشَرَر" يجول  دكتور رغيد النحاس بين تجارب مر بها معايناً لما يدور حوله، وما يدور في خلده وما يعتمر في فؤاده، يبرع في نقل الكلمات المصِورة حيناً والمصَورة أحياناً والمثقلة بمعانيها التي يريد النحاس أن يوصل بين ثناياها وبدون مواربة أو لفٍ ودوران ثورته، وبعكس الثورات التي ترافقها الفوضى والتدمير تنتظم رؤيته في نقداً اجتماعياً، سياسياً وثقافياً، فهو غضب وشرر حيث يلزم، وهو الطلُّ الذي يُرطب الإيجابيات، سواء على المستوى الإجتماعي أو الفردي، يقول في الصفحة 274 الزوابع ضرورية أحياناً لبلوغ الربيع الجميل، ويدلل على ذلك من خلال استثنائية الرئيس جمال عبد الناصر والذي لم تكن له مطامع سوى المطامع الوطنية رغم اعتماده على ثلّة من السفاحين على رأسهم السراج … (ص 17).

لا يجيد النحاس اللياقات حتى لو نفرّ من حوله المنافقين الذين لا يرأف بهم ومعه الحق كل الحق لأن أنصاف الحلول ما هي إلا مقدمة لمشاكل أكبر وأكثر تعقيداً.

869-aliيضع النحاس إصبعه على جراحنا في الوطن والمغتربات، أفراداً وجماعات، وهذا ما يلخصة في "حوار عربستاني"( ص 213) وحتى أنه لا يتوانى لحظة في نقده الشديد للإستقامة السياسية، والتي يرى أنها تكريس لمشروع النفاق البشري وليشهر بهذا النفاق واللاإستقامة ومن وجهة نظري، وقد  كرس دكتور النحاس في كتابه نصاً بهذا العنوان من الصفحة 76 حتى الصفحة 85.

يحث الدكتور النحاس في كتابه على المشاركة وأن لا يعيش المرء على الهامش أو بالأحرى مهمشاً نفسه خصوصاً في استراليا، ومما يعطي المصداقية لدعوته ما جاء في " طلٌّ وشَرَر" عن تجاربه بين لبنان وسوريا أو في بريطانيا وأستراليا التي يتحدث عن ديمقراطيتها التي اعتبرها أكثر من مجرد صندوق الإقتراع (صفحة 50)، وقد تحدث عن هذه الديمقراطية في أكثر من موقع، والدليل الإضافي على عدم رغبته وقوف موقف المتفرج كان اطلاقه لمجلته كلمات مع ما كلفته من جهد ومال وقت من أجل بناء جسور التواصل بي الثقافة العربية والثقافة الإنكليزية. ونرى ذلك أيضاً من خلال حرصه على أهمية التربية والثقافة في تبيان معالم الفروقات البشرية في العادات والتقاليد والمعتقدات، وفي الوقت نفسه توضيح التماثل الشديد بين جوهر البشرية، بغض النظر عن الفروقات السطحية (ص 119، مؤسسة للإستخبارات الثقافية)، وبسبب البعد الإنساني لشخص الدكتور النحاس فإلى جانب اهتماماته السياسية والإجتماعية والثقافية والفنية فتراه يطلق صرخة إنسانية بمطالبته تكريس مفهوم "الأخلاق البيئية "(ص 140). وهذا دليل الحرص على مستقبل الارض ومن عليها.

    يعبر دكتور رغيد النحاس بقارئة شوارع الشام التي نقل منها ذكرياته مع جده ووالده وحكايات التجار في أسواق المدينة، حتى أنه في الصفحة 258 خصص "جده" بعنوان خاص في كتابه.

الجانب العاطفي لا يغيب عن الكتاب، ولا يريد الكاتب أن يفوّت أي فرصة ليطلع قارئه على قوة حبه وعمق هذا الحب،  حيث يبوح بهذا الغرام مصارحاً معشوقته بما يدور بين القلوب من كلام ، ففي قصيدة "أنا… وأنتِ" صفحة 299:

….

لكنّي أعرفكِ!

أعرف من أنتِ ومن أين أنت.

بين القلوب قد يدور كلام.

أعرفكِ من أزلٍ

مرسومٍ قبل التكوين،

قبل الأرز، وقبل الأهرام،

قبل الأبجدية…

 بقي أن نقول، أن هذه المراجعة لا تغني عن قراءة الكتاب الغني بتجارب وصور إنسانية متعددة قد يكون لكل قارئ حصته من هذا "الطلّ والشَرَر".

 

عباس علي مراد

سدني

 

نحو نظرية أدبية ونقدية جديدة (نظرية الأنساق المتعددة)

jamil hamdaouiيقصد بنظرية الأنساق المتعددة (Polsystèmes) تلك النظرية التي ارتبطت بمدرسة تل أبيب الإسرائيلية، ويمثلها كل من: إيتيمار إيفان زوهار (Itamar Even-Zohar)1، وتوري جدعون (Toury Jadaon)، وشيلي ياهالوم (Shelly Yahalom)، وزوهار شافيت (Zohar Shavit). ومن أعضائها في الخارج النمساوي ماريو فاندروسكا (Mario Wandruszka)، والبلجيكيان جوزي لامبير(Lambert)، وريك فان غورب ( Rik Van Gorp )، والكنديان: آني بريسي(Annie Brisset)،  وكليمون موازان (Clément Moisan)...

ويقصد بنظرية الأنساق المتعددة تلك النظرية التي تؤمن بوجود أنساق ثقافية وأدبية متعددة ومتداخلة ومتفاعلة داخليا وخارجيا.ومن ثم، تتجاوز هذه النظرية النسق السكوني المغلق عند البنيويين اللسانيين السوسيريين، وتنفتح على نظرية ديناميكية وظيفية، تسمى بالبنيوية الديناميكية، أو البنيوية الوظيفية.

ومن ثم، يمكن الحديث عن مجموعة من الأنساق أو الحقول الثقافية، كالنسق الأدبي، والنسق الفني، والنسق الديني، والنسق الإيديولوجي، والنسق التاريخي، والنسق المجتمعي، والنسق السياسي، والنسق الاقتصادي...ويتفرع كل نسق،  أوما يسمى أيضا بالحقل  بمفهوم بيير بورديو (P.Bourdieu)، إلى أنساق وحقول فرعية.

وهكذا، يتفرع نسق الأدب الرفيع إلى أنساق فرعية، مثل: الأدب المقارن، والأدب الشعبي، والأدب المترجم، وأدب الأطفال، وأدب الشباب... ويبدو أن كل حقل أو نسق عبارة عن ساحة حرب وتنافس وصراع ورهان وهيمنة ضمن ما يسمى بلعبة الأدوار. وقد توجد أجناس أدبية سامية ورفيعة ومقدسة معترف بها مؤسساتيا، وأجناس سفلية وهامشية غير معترف بها.بمعنى أن هناك أجناسا كبرى تسيطر على المركز كالشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية... وفي الوقت نفسه، هناك أجناس أدبية في شكل أنساق فرعية توجد في الهامش أو المحيط، مثل: اليوميات، والمذكرات، والمقامة، والرسائل، والوصايا... ويمكن للأنساق الفرعية أن تتنافس وتدخل في صراع جدلي لتهيمن على موقع الصدارة. فليس ثمة أنساق منعزلة أومحايدة، بل هناك أنساق متفاعلة ومترابطة ومتداخلة، وفق مرجعيات سياقية وتناصية مختلفة، تتضمن عناصر ثابتة ومتغيرة، ويحدث بينها صراع وصدام وتنافس وتوتر .ومن ثم، لابد من وضع البنية النسقية ضمن سياقها التاريخي والتطوري، وضمن النسق السيميوطيقي العام.

إذاً، ما مفهوم نظرية الأنساق المتعددة؟وما مرتكزاتها النظرية والمنهجية؟ وما سياقها التاريخي والإبستمولوجي؟ ومن هم أهم روادها وأعلامها ؟ وما إيجابياتها وسلبياتها؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(نحو نظرية أدبية ونقدية جديدة (نظرية الأنساق المتعددة))، على أساس أن نظرية الأنساق المتعددة لها تأثيرها الواضح والجلي في مجال الترجمة، واللسانيات، والثقافة، والأدب بصفة عامة، والأدب المقارن بصفة خاصة.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة، وأحمده على علمه وصحته وفضائله التي لا تعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

............................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

نحو نظرية أدبية ونقدية جديدة (نظرية الأنساق المتعددة) / د. جميل حمداوي

 

..........................

1- Lambert, J. : La littérature comme système complexe. Un modèle descriptif pour l’étude de la littérature (à paraître : Preprint, Departement Literatuurwetenschap KULeuven) 1982.

 

 

كتابان كربلائيان يجمعهما "الاخلاص"!

nadom alseoudشعرت بزهو خاص يوم ان وصلني كتابان معا من اخوين اعتز بهما وآنس لمجيئهما او مواكبتهما لما يشغلني ويشاغلني، وقد تميز هذان الكتابات بان مؤلفيهما كربلائيان عاشقان لفعل الكتابة ذاته قبل ان يقدما نفسيهما ك "مؤلفين" وهذا مما سيزيد من مسؤوليتهما تجاه المتلقين والقراء عموما،كما انني قد شعرت بمتعة قرائية حال ان اكملت الكتابين مع ان مسارهما كان مختلفا (وان هدفا معا الى الاخلاص للتاريخ والمعاصرة) فالكاتب الاول (اعني الدكتور علاء محمد حسن الكتبي في كتابه: سمية شهيدة الاسلام الاولى) قد توغل طويلا في طيات التاريخ الاسلامي حتى وجد ضالته في شخصية قد تكون منسية ولم يركز عليها الدارسون ولا المؤلفون بشكل كاف يظهر ملامح الدور الذي تصدت اليه خلال فجر الدعوة، من هنا وجدت المؤلف قد توجه صوب التراث مقلبا صفحاته بدقة، وتكمن اهمية الكتاب بان الدكتور المؤلف قد وقف مليا امام شخصية " سمية " وحقق هدفه بان اخرجها من دائرة النسيان الى وهج الذاكرة فكانت (دراسة تاريخية) بحق، اما الكاتب الثاني (وهو الكاتب الصحفي عبد عون النصراوي في كتابه: وجوه عرفتها) فقد شغل نفسه ووظف امكانياته حتى يظهر ويستنطق بعض الوجوه التي التقاها وزاملها واستقطر منها ما هو مفيد وباق، بمعنى ان النصراوي حقق حضورا لافتا بمعاصرته للوجوه التي جالسها وحاورها،ثم ان كتابه ضم نمطا كتابيا وصحفيا فريدا واعني به " الحوار الصحفي " وطالما قرانا له حوارات منشورة في الصحف والمجلات التي يعمل بها او يراسلها داخل وخارج العراق ولكن النصراوي اقدم على خطوة هامة وهي انه جمع " 52 " حوارا واصدرها في كتاب كبير يعد من الندرة هذه الايام!!.

 

*(سمية شهيدة الاسلام الاولى)

لئن كان عنوان الكتاب الرئيس كما اوضحنا فان اللافت ان المؤلف الدكتور علاء الكتبي اضاف عنوانين فرعيين ليكمل بهما المعنى الذي قصده : ام عمار بن ياسر / اعظم شهيد في سبيل الولاية.. ولو اننا قد جمعنا العناوين الثلاثة في ترتيب اخر لتوصلنا الى جملة واحدة مكتملة المعنى لا الى عنوان ثلاثي !،واذا علمنا من صفحات البحث اننا امام رسالة علمية (نال بها الكتبي اجازة اكادمية) لادركنا مدى شغف الباحث بمستهل التاريخ الايماني حتى ايقظ شخصية من السبات التي تغلفت به ونفظ الغبار عنها واعادها الى مركزها ودورها في حركة التاريخ، وحسنا فعل الباحث حين اختار المحقق السيد محمد رضا الجلالي ليكون مشرفا وفاحصا لهذا البحث التاريخي المعمق بسبب سمعته العلمية وسعة صدره لما قاله تلميذه من احداث ومقولات وشخصيات ما كان لها ان تظهر بهذا الشكل الناضج لولا المواكبة بالنصيحة والمحاجة بالصواب وان شرد .

ولكي ينسجم هذا المؤلف مع وصفه بانه " بحث رائد" كما قال كاتبه في مقدمته فانه قد ولج بحثه من ابواب عدة : مقدمة وخمسة فصول، الفصل الاول قسمه الى اربعة مباحث، والفصل الثاني في خمسة مباحث، اما الفصل الثالث فقسم الى اربعة مباحث، والفصل الرابع فجاء في ثلاثة مباحث اما الفصل الخامس وهو الاخير فقد احتوى على مدخلين عمليين وتاتي بعد هذه الفصول الخاتمة .

وتوجب علينا الضرورة – قبل مغادرة هذا الكتاب – ان نعي

حجم المسؤولية التي سعى اليها المؤلف د . علاء الكتبي حين ذكر في مقدمته : عندما فكرت بالكتابة حول شخصية الشهيدة سمية وجدت امامي عقبة لا يمكن تذليلها الا اذا مكثت ردحا من الوقت افكر وابحث في هذا الموضوع وليس ذلك سلس المطلب سهل المرام لكل من طلب ذلك بل لا بد لي ان اتحمل مشقة كبيرة وسبب اختياري لهذه الشخصية هو قلة انتشار سيرة النساء الصحابيات العربيات المسلمات في البحوث والدراسات التاريخية، ولكونها اول شهيدة نالت الشهادة في عصر الرسول الكريم (ص) .. ونرى في هذه الكلمات اجابة منطقية لوصف هذه الرسالة العلمية بانها " بحث رائد "!.

 

• (وجوه عرفتها / حوارات)

هذا كتاب جديد في موضوعه محدد في اختياراته ومتواصل في اصداره، فهو يغذ السير نحو اعلام العراق ويتوقف ازاءهم محاورا اينما كانوا ويجمع حصيلتهم ويؤشر صوب حركتهم وتميزهم راصدا في كتاب متسلسل ما يجمع هوياتهم كونهم اعلام اصلاء، وكان سروري بالغا حين جاءني الصديق والزميل عبد عون النصراوي بنسخة من كتابه المميز (536) صفحة من القطع الكبير فقد تعرفت من خلاله على جهود" 52 "باحثا واديبا ومحققا ومقاليا وان كنت على تماس مع الكثير منهم، والمفرح في الامر ان النصراوي قد وضع على غلاف كتابه هذا عبارة (الجزء الاول) وهذا معناه ان هناك جزءا ثانيا وربما ثالثا في طريق النشر طالما ان مؤلفنا مستمر باظهار الحوارات عبر الصحف والمجلات مما يعطيه تميزا صحفيا هو اجدر به ويدعونا جميعا لانتظار (قاموس حوارات) لا شبيه له !.

لقد ميّز الزميل النصراوي مؤلفه الكبير هذا ببصمتين اثنتين:

اولاهما انه خص ّ الاحياء فقط بلقاءاته وحواراته وكان هذا في زمن اجرى فيه حواراته اما بعد نشرها في صحف ومجلات فتكون هذه الحوارات ثبتا لانشطتهم ومرجعا ل " الراحلين " منهم، وثانيتهما انه لم ينشر في كتابه مقالة او دراسة او شعرا .. الخ بل اكتفى بنشر نمط حواري صحفي ووسمها بكونها " حوارات " ليس الا، وعلى القارئ الايجابي استخلاص جملة من المعارف والفوائد من البصمتين التي اشرنا اليهما انفا .

لقد علمنا – من خلال التمهيد الذي كتبه المؤلف عبد عون النصراوي – انه فكّر بهذا الكتاب منذ حوالي عشر سنوات ليترجم من خلاله حياة اعلام العراق، وهو مسعى يختلف عن باقي التراجم التي صدرت عن حياتهم .. ومن المقدمة – التي دبجها الدكتور علاء الكتبي –عرفنا جليا ان هذه" التجربة " اللافتة ما كان لها ان تظهر بهذا الشكل لولا المساعدة التي قدمها الكتبي لصاحب الكتاب (حيث كنت رابط الوصل بين الطرفين من حيث المكان والزمان وتحت عنوان لقاءات وشهادات ادبية جرت تلك اللقاءات مع رموز البلد ...)،والذي يطالع هذه المجموعة من الحوار يتوصل بيسر الى ان كاتبها النصراوي لم ينهج فيها النهج الابجدي او الانتقائي لاعلام العراق

(وانما نهجت فيها نهج البحث عن الشخصيات البارزة في التاريخ المعاصر .. وهذا التفرد جعلني اتحرى عن الشخصيات التي لها بصمات في تاريخ العراق وفي النهوض بالحركة الثقافية والادبية

والعلمية فيه ..)،واقولها – كخلاصة عامة – ان كتابا جامعا كهذا تتجدد اهميته مع كل قراءة ولا تتوقف الفوائد المستدرة منه كما يمكن النظر اليه على انه " قاموس " سيتكامل في وقت قريب !.

 

ناظم السعود

 

تاريخ المسرح العربي

jamil hamdaouiيستند المسرح إلى مجموعة من المكونات الفنية والجمالية، مثل:النص الدرامي، والفعل الدرامي، والصراع، والحوار، ووجود الممثل المشخص إلى جانب المتفرج الراصد. علاوة على فنون الغناء والإنشاد والرقص. ويضاف إليها ، في الثقافة الغربية، المخرج ، والدراماتورج، والخشبة، والبناية (العلبة الإيطالية)، والديكور، والسينوغرافيا. وقد أصبح المسرح أب الفنون جميعها، وصار مسرحا شاملا ومركبا ومتعدد الأنساق، يضم كل اللغات والخطابات التواصلية.

ولايمكن فهم المسرح واستيعابه إلا بمعرفة تاريخ نشأته من جهة أولى، ورصد تطوره ونضجه وازدهاره من جهة ثانية، والإشارة إلى ضعفه وتوقفه واضمحلاله من جهة ثالثة. وينطبق هذا على المسرح الغربي والعربي على حد سواء.

وما يهمنا في هذه الدراسة هو التوقف عند تاريخ المسرح العربي - مغربا ومشرقا- بالتحقيب والتحليل والدراسة والتقويم.  ولاسيما أن المسرح العربي يثير عدة أسئلة مؤرقة، ويطرح إشكاليات عويصة، يمكن صوغها على النحو التالي: متى عرف العرب المسرح؟ وما محطاته التاريخية مشرقا ومغربا؟ وهل يمكن التأريخ له بسنة 1848م مع صدمة الحداثة وفترة الاستنبات الماروني؟ أم بالرجوع إلى التراث العربي لاستقراء ظواهره الفنية الاجتماعية للبحث عن الأشكال الدرامية والطقوس الاحتفالية واللعبية؟ وإلى أي مدى يمكن الحديث عن حضور المسرح العربي وغيابه؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(تاريخ المسرح العربي)، على أساس أن هذا المسرح عرف عدة محطات زمانية ومكانية، في مساره الفني والجمالي والدرامي، لابد من استكشافها محطة محطة، بغية إعادة بناء هذا التاريخ بشكل علمي دقيق.

ونرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ونشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة، ونحمده على علمه وصحته وفضائله التي لا تعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

تاريخ المسرح العربي / د. جميل حمداوي

 

الكُرد القَيمُرية (7-8هــ/ 13-14م)

866-jutyarعن دار تموز بدمشق صدر  كتاب (الكُرد القَيمُرية) للكاتب والباحث والاديب جوتيار تمر... وهو كتاب تاريخي يؤرخ كل ما يتعلق بوجود القبيلة القيمرية الكوردية التي تمتد جذورها التاريخية عميقا في المنطقة، وظهرت بشكل واضح وقوي في العهد الايوبي.. وكان لهم دور كبير في التاريخ الكوردي بصورة خاصة والاسلامي بصورة عامة...

866-jutyarالكتاب من المؤمل ان يعرض ضمن اصدارات دار تموز في معرض (هه ولير) اربيل الدولي خلال هذا الشهر.. وهذا غلاف الكتاب كما وصلني من دار النشر.

 

قراءة في كتاب: الدين والظمأ الانطلوجي للدكتور عبد الجبار الرفاعي.

801-jabarوجه يفيض سلاما، تعلوه ابتسامة مشرقة، لا تملك حين تراه إلا أن تحبه من أول وهلة، قلب مملوء بالإيمان، وعقل متوقد لايدع صاحبه يسكن لحظة، اشتغالاته تتمحور حول تحديث التفكير الديني، دخل عبر كتابه الأخير وبجرأة في منطقة اللا مفكر فيه، إنه الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي.

ولد الرفاعي في عام 1954 حصل على مجموعة من الشهادات العلمية، أهمها الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، يمتلك رؤية فلسفية انسانية، تنحاز للايمان والعقل، يعمل بلا كلل منذ عقود على بسط قيم التعارف والتواصل والحوار، ويسعى حثيثا لتحديث مناهج التفكير الديني عبر رؤية تتجاوز القراءة الموروثة، وقراءة تواكب العصر، وتبتكر مناهج تفكير جديدة وآليات نظر معاصرة .

801-jabarتعد انجازات الرفاعي العلمية مسار جديد في تحديث التفكير الديني، تمنحنا أفكاره الثرية ورؤاه العميقة حزمة من المفاهيم  الفلسفية والعرفانية والإيمانية، تجعلنا أكثر جاهزية للولوج إلى مستقبل واعد يعترف بانسانية الإنسان عبر مساعدته على اكتشاف ذاته وتزويده بالمعارف والمهارات والتقنيات التي تساعده على فك أغلاله التي تمنعه من اطلاق ممكناته، تملأ روحه بالحب، وعقله بالفلسفة، وقلبه بالإيمان، تحثه على الرقي برفق في معارج الكمال الإنساني.

الرفاعي كفاءة فكرية راسخة، عرفته حلقات الدرس معلما متميزا، كتبه مختبرات علمية لطلبة الدراسات العليا في مختلف أنحاء المعمورة، مقالاته تفيض بالشحنات الإيمانية التي تُحدث تحولات في كيمياء الروح، وتوقظ الإيمان القابع في أعماق الذات، تحفز العقل على التفكير، يدرك قارىء كتبه أو من حظي بلقاءه عمق هذا المفكر، وسعة آفاقه الرحيبة.

 

قراءة في كتابه: (الدين والظمأ الانطلوجي).

عنوان آسر، لمفكر فذ، أشواق روح، وسيرة قلب، واسئلة عقل، صوت غفران، قاموس فكري، ومعجم عرفاني، سياحة فلسفية، علوم ومعارف وفنون شتى ، مكتبة في كتاب، نقد تحليلي أنتج حفرا في بنية أنماط التدين، ودراسة عميقة ودقيقة في مداخلها التراثية، وقراءة واعية في مفاعليها المعاصرة، زاد للروح الظمأى، معراج قلب أصابه الوله، ومتعة للعقل المتوقد، ذخيرة نفيسة لاتقدر بثمن سيعود بها القارىء حين يقرأ كتاب الرفاعي الجديد :(الدين والظمأ الأنطلوجي).

دراسة في البعد الغائب حول طبيعة الدين وأنماطه وتجليات ظواهره، مقاربة فكرية لتحرير الدين من خاطفيه وانقاذه من التوظيف المخيف كآلة للقتل والإبادة والتدمير واعادته إلى مهمته الأصيلة في الحياة البشرية ووضعه في نصابه الحقيقي بعيدا عن الإتجاهات المغالية في التعاطي معه نفيا نخبويا أو توظيفا ايديولوجيا .

كتاب (الدين والظمأ الأنطلوجي) رسالة لإحياء الحياة الروحية والأخلاقية تتجلى بفك الإشتباك بين المتدين وعصره من خلال طرح رؤى فلسفية عرفانية لبناء حياة تستند إلى الإيمان والعقل عبر تبني مفهوم الإنسانية الإيمانية انقاذا لإيمان الجيل في زمن توحشت فيه بعض أنماط التدين .

حفر الرفاعي في كتابه الجديد في جيولوجية الروح والعقل، ساح في ملكوت العرفان، حلق في فضاءات المعرفة، أمتعتني أفكاره الثرية، ترك في قلبي نداوة، وفي روحي صفاء، أعاد تشكيل منظومة أفكاري، تابعت سيرة الرفاعي الحافلة بالإنجازات التي أوردها في كتابه، رأيته طفلا في قريته النائية يعاني الضنك والحرمان، رافقته صبيا في المدرسة، أسرتني تحولاته الفكرية، أذهلتني اعترافاته، وجرأته في طرح الأفكار، أعجبتني اختياراته للكتب التي يقرؤها، حين يتعرض لإغواء الكتب المثيرة.

استجابة لرغبة مجموعة من أصدقاءه كتب الرفاعي مؤلفه الجديد: (الدين والظمأ الأنطلوجي) عشرات المقالات دبجها تلامذته وعشاق القراءة حينما أصدر الرفاعي كتابه الجديد، سكب فيه من روحه، ووضع فيه خلاصة تجربته الروحية، مستذكرا تحولاته الفكرية إلى أن أصبح صوت غفران كما يصف نفسه في كتابه الأخير.

يعني الرفاعي بالظمأ الانطلوجي الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، ظمأ الكينونة البشرية، لأن وجود الإنسان يجعله محتاجا دائما إلى ما يثريه، فهو كائن متعطش على الدوام إلى مايرتوي به، هكذا يبين الرفاعي مفهوم الظمأ الانطلوجي في مقدمة كتابه وعلى غلافه الأخير.

الانطلوجيا أحد مباحث الفلسفة و تعني علم الوجود، وحيثما كان للإنسان وجود على الأرض لم يفارقه ظمأه للمقدس، وهنا سيحضر الدين ليلبي ارواء هذا الظمأ كتاب الرفاعي الجديد يملأ فراغا كبيرا، ويسد حاجة فلسفية وايمانية ملحة، فالكتابة في البعد الأنطلوجي شحيحة في عالمنا العربي .

يؤشر الرفاعي بعقل مفكر، وروح متوثبة، وبصيرة نافذة، مأزق التفكير الديني ولحظته التاريخية الراهنة، ويطلق صرخة تحذر من مغبة ترحيل الدين من مجاله الروحي القيمي الأخلاقي إلى المجال الإيديولوجي عبر زجه في عالم الصراع والتنافس على المغانم.

ومن جهة أخرى، وبمبضع الجراح الخبير يكشف أسباب ازدراء بعض النخب للدين واحتقارهم للتدين ويعلل موقفهم الفكري من زاويتين الأولى فهمهم الساذج المبتذل لحقيقة الدين والثانية رد فعلهم على أنماط التدين الإيديولوجي الشائع .

هكذا تحدث الرفاعي في كتابه: (الدين والظمأ الانطلوجي) .

- أعمق المعاني هي تلك التي نتذوقها، لكن تضيق كلماتنا عن استيعابها، ويتعذر على قوالب ألفاظنا البوح بها.

- من يفشل في اخماد حرائق ذاته يتعذر عليه اخماد حرائق العالم.

- مسار المعنى في حياة الإنسان لاتبتكره إلا الأحلام الكبيرة، لاتنجزه إلا الأرواح المتوثبة، لايراكمه إلا الصبر الطويل، لايشبعه إلا الإيمان.

- كل من يفشل في ابتكار صورته، وتغريد لحنه الخاص، ورسم بصمته الفريدة، يخطف بصره كل ضوء، فتتشكل شخصيته ظلا لغيره، ويقتبس على الدوام كل صوت يسكر سمعه.

- تتفشى الأفكار الهشة في البيئة الفقيرة عقليا، وتزدهر الأفكار المركبة في البيئة الغنية عقليا، أفكار كل بيئة تشبهها .

مئتان وسبعون صفحة مجموع نصوص كتاب الرفاعي الجديد، تضمنت شروحا ومعالجات لمفهوم الظمأ الأنطلوجي للمقدس من مداخل متعددة في خمسة محاور ينقلنا الرفاعي عبرها إلى أفق بديل يكشف فيه عن الحضور الحقيقي للدين في كيان الكائن البشري وحاجته الوجودية الدفينة إلى مايروي ظمأه الأنطلوجي للمقدس .

 

جاسم السدر

 

 

تعليقات حول كتاب "سيظل رسول الله مهما أساؤوا" للسيد إبراهيم أحمد

abdulkadir kabanلا يزال وطننا العربي يسخر وبكل وسائل الإعلام المختلفة التي ظهرت في عصر العولمة من عباد الله المستضعفين من دين الإسلام، وأكبر دليل هو ما شهدته أمة محمد عليه الصلاة والسلام في هذه السنوات الأخيرة من موجة من الفيديو كليبات التي استخدمها نفر من أصحاب النفوذ لإذلال عبد ضعيف لم يقترف خطأ في حق فنانة لبنانية مشهورة، سوى أن القادر سبحانه وتعالى اختبر هذا الزمن في حكمة إلاهية بالغة ذكرتنا في هذا المقام بكتاب للسيد إبراهيم أحمد تحت عنوان "سيظل رسول الله مهما أساؤوا"، لكن تلك الفنانة التي تزوجت وأصبحت أما لطفلتين اليوم أبت أن تخاف الله في حكمه البالغة، وأكبر دليل آخر كليب طرحته صدم المجتمع العربي ككل لإيحاءاته المفتعلة ظهرت من خلاله "كملكة للبطيخ"، حتى أن هناك العديد من الأئمة في أرض الجزائر قالوا أنها افتعلت أن تعيدنا إلى زمن "سيدنا لوط عليه السلام وقومه" وخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام الذي بشرته الملائكة بنهايات قوم لوط النبي.

من يفتح كتاب "سيظل رسول الله مهما أساؤوا" سيلاحظ أنه مقسم إلى ثلاثة أبواب كما يلي: - الباب الأول يحمل عنوان "إصرار المسيء" أين قسمه الكاتب بدوره إلى فصلين حمل أولهما رسالة إلى من آذى رسول الله عليه الصلاة والسلام وصب عليه حقد قلبه حيث نقرأ المثال التالي: "...عليك أن تدرك على من صوبت رصاصاتك الطائشة، فلقد صور لك جهلك وأعماك حقدك أن فعلك لن يقابله رد فعل بمثل هذا الحجم، لأن من صورته في هذه الصور المهينة بحسب خيالك المريض، يعيش في قلب ألف مليون وخمسمائة مليون مسلم، تدق نبضاتهم في كل صلاة بالصلاة والسلام عليه..." (ص 14)، هذا يعيدنا إلى من صور الفيديو كليبات المهينة تلك مستهزئا بحكمة "الرجل الزين" ذلك الشاب المستضعف الذي أنطق الرحمن في حقه ملائكة الأيمان لشؤون يعلمها هو وحده في غيبه، ولا تزال الناس تناقش هذا الأمر الذي يستحسن أن يكون فيه جميعنا من الجاهلين بإذنه تعالى.

أما الفصل الثاني فعنونه إبراهيم أحمد "أعادوا الإساءة، فعاود الإسلام التقدم" أين نقرأ مثالا آخر عن سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي دعا جميع الناس أن لا يسخر قوم من قوم مخافة من غضب الله وسخطه في الأولى والآخرة: "نعم، كان جاهلا وليس هو فقط بل كل من أيدوه وناصروه وهم يرقصون نشوة  وطربا ويطلقون صيحاتهم الخرقاء بأنهم أحرار في التعبير عما يعتقدون، وهذا ما يثبت حجم الآلة الإعلامية الضخمة التي تصور لهم الإسلام ورسوله بكل هذا السوء..." (ص 20).

الباب الثاني جاء تحت عنوان "الإساءة إلى الأنبياء" وحمل فصله الأول عنوانا يشير إلى الإساءة إلى شفيع أمته – محمد صلى الله عليه وسلم- يوم الدين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، هو الذي عرف المقاومة من كفار قريش وأهل مكة منذ الوهلة الأولى، لأنهم رأوه جميعا خطرا على نفوذهم وحياتهم الدنيوية الزائلة، ولكن الله أيده بنصره كما أيد كليمه موسى عليه السلام في وجه فرعون الطاغية وسحرته، ولنا في كتاب السيد إبراهيم أحمد العديد من الأمثلة عن أسماء معروفة في التاريخ ومنها من كانت ديانته المسيحية ورغم ذلك تطاول شر تطاول على خير خلق الله في المعمورة الحبيب محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

الفصل الثاني حمل العنوان الآتي "الصور والرسوم المسيئة للمسيح عليه السلام"، حتى سيدنا عيسى ابن مريم العذراء لم يسلم هو الآخر من البشر حيث نعتوه بالشاذ جنسيا كما ذكر إبراهيم السيد في كتابه، وآخرون جعلوه أنثى عارية تماما على الصليب، وهذه هي السخرية بعينها وهم قالوا أنها حرية التعبير والرأي ولكن يقول ربنا في قرآنه العظيم: "ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين" (سورة آل عمران: الآية 54).

جاء الباب الثالث موسوما "حرية الإساءة" إذ قسمت إلى أربعة فصول كالآتي: - الفصل الأول "حرية التعبير المراوغ" أين نقرأ مثلا: "لقد أوهمونا أن حرية التعبير مقدسة مطلقة، وجعلونا نتخبط في الانتقال بين المربعين، مربع حرية التعبير ومربع الحرية الشخصية، والفرق بينهما واضح، فرسم أي شخصية بشكل ساخر مهما كان منصبه أو مكانته هي حرية تعبير، وتصوير الإنسان على أي موضع دون إذن منه بنشر هو اعتداء على حرية شخصية." (ص 69).

- الفصل الثاني "الاحتجاج: حلال لهم وحرام علينا" أين جاء المثال التالي: "...لا أدري على من هان عليهم دينهم من أبناء الإسلام كيف سيقنعوننا بعدم الاحتجاج احتراما لحرية التعبير بعدما ثار أهل حرية التعبير ضد من عبروا عن آرائهم بحرية ضد دينهم ورموزهم ومعتقدهم." (ص 73).

- الفصل الثالث جاء يحمل العنوان الآتي "الهولوكست محرقة: تحرق من ينتقدها" ومعنى "الهولوكست" يعني الصخرة المقدسة التي تتحطم فوق قمتها كل ما يسمى بحرية التعبير عند أهل الغرب، وبحسب رأي إبراهيم أحمد جميع الحكومات والمحاكم لا تسمح مطلقا بأي مقالة أو كاريكاتير أو أي مقابلة تلفزيونية أو أي كتاب يدعو إلى معاداة السامية، كما لا يجرؤ أي كاتب أو مؤرخ على إنكار الهولوكست إلا أولئك القلة التي تهورت وفعلتها فنالها ما نالها.

- الفصل الرابع "حرية التعبير فقط.. لإهانة الإسلام" عنوان يكشف كراهية الآخر الشديدة لديننا الحنيف ورسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، بل يبيح الإهانة لشخص نبينا الكريم تحت ظلال ما يسمى "حرية التعبير" أعمى الله قلوبهم وأبصارهم أكثر فأكثر.

خلاصة القول هو أن البشر لا يحق لهم السخرية بغيرهم مهما كانت مكانتهم الإجتماعية ومهما بلغ نفوذهم فوق المعمورة، لأن قدرة القادر سبحانه وتعالى فوق الجميع، ولا بد أن نحمل خلق النبي الأمي المذكور في التوارة والإنجيل الذي يعتبر مفتاحا لكل القيم الدينية والإنسانية وخير ختام قوله تعالى: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" (سورة الأحزاب: الآية 56). ولا يفوتنا مثال من هذا الكتاب القيم أين يقول الباحث الإنجليزي لايتنر ما يلي: "إني لأجهر برجائي بمجيء اليوم الذي به يحترم النصارى المسيح احتراما عظيما وذلك باحترامهم محمدا، ولا ريب في أن المسيحي المعترف برسالة محمد وبالحق الذي جاء به هو المسيحي الصادق".

 

بقلم عبد القادر كعبان*

كاتب صحفي جزائري

.........................

المصدر

(1) السيد إبراهيم أحمد: سيظل رسول الله مهما أساؤوا، دار ناشري، 2011.

 

ما لا يعرفه الولدان عن تراث الآباء في البلدان

nadheer khazrajiالعودة الى تذكر مقاعد الدراسة وأيامها لمن ناف على الخمسين من أمثالي، هو الحنين بعينه الى تذكر الأيام الخوالي، وأيام الصبا والشباب التي لن تعود أبداً إلا لمن حمل قلب الشباب في كل مراحله العمرية، وقليل ما هم، في زمن تتقاذف على النفوس حمم المتاعب والمصاعب والفتن الإجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحاصر المرء من كل جانب، ولا يكاد يبين يمينه من شماله.

في خضم الذكريات المطرزة بألوان الطيف الندية وأحلام الصبا الوردية التي ذبلت مع الزمن، عادت بي الذاكرة الى مقاعد الدراسة في مسقط رأسي كربلاء المقدسة، في إعدادية القدس، إلى سبعينات القرن العشرين، إلى تلك الوجوه التي كنا نلتقيها صباح كل يوم من أساتذة وطلبة، بعضها نذكرها بالخير أحياءً أو أمواتاً وبعضها حملت شرها الى قبرها لتورطها في دماء أساتذة وطلبة، وبعضها مازالت مثلنا تتنقل في جبهات الحياة من معركة الى أخرى بين كر وفر إلى أن يحط على كتفها طائر المنون، وبعضها حافظت على طراوة روحها رغم رمادية الواقع الذي كان يسوده شعار (من ليس معنا فهو ضدنا)، وهو شعار عاد ليبرز من جديد بعد أربعة عقود من الحصار النفسي والقمع الروحي، عاد ليتصدر الموقف السياسي العراقي في غفلة تامة ونسيان مطبق كلّف العراق الويلات منذ قرون طويلة ومازال، كأنّ آيات النذير الربوبية وخطابات التحذير النبوية نزلت في العراق لا في الجزيرة، ومع هذا فإن النسيان هو سيد الموقف!

في خضم أمواج الذاكرة المتنافرة، تراءى من عدسة الأيام المقعرة أطلس العالم وخرائط الدول العربية وغير العربية التي كنا ندرسها، إذ كان يقوم مدرس الجغرافية الأستاذ رسول نامليتي الحائري برسمها على السبورة ويتولى شرح البلد وموقعه من خطوط الطول والعرض وما يتعلق به من جزئيات.

الأستاذ النامليتي، وهو عمُّ المداح والرادود الأممي الشهير الملا باسم الكربلائي، من الصور الجميلة المحفورة في جوانيات الذاكرة، لدماثة أخلاقه وحسن تعامله مع الطلبة رغم صبيانية بعضنا وسعة صدره وأسلوبه الشيق في إيصال مادة الجغرافية الى المتلقي، وهو واحد من ضحايا شعار المعية والضدية الملازم لأحوال الأمة العراقية، فرمته شظايا الشعار المغلَّف بالطائفية السياسية المقيتة خارج أسوار الوطن، وعلى منواله راح الخلف يتبع آثار السلف في لفظ أمثاله، سيان عندهم إن كان من حملة شهادة الأصالة (ألف) أو التبعية (باء)، آخذين بتلابيب البلد الى الخراب، كما حوّل صاحبهم من قبل، خضراء العراق إلى يباب.

ذكريات بشهدها وعلقمها، من وحي مرحلة الدراسة ومعالم حدود الدول وجغرافياتها، أشعل فتيلها الجزء الثاني من كتاب (معجم المشاريع الحسينية) للمحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي، الصادر نهاية عام 2015م (1436هـ) عن المركز الحسيني للدراسات في لندن في 638 صفحة من القطع الوزيري.

 

جغرافية المنشأ والحال

كما في الجزء الأول من باب (معجم المشاريع الحسينية) الذي صدر عام 2010م، وهو واحد من ستين باباً من أبواب دائرة المعارف الحسينية، عمد المحقق الكرباسي الى تناول نشأة دول الكرة الأرضية وفق الحروف الهجائية، لينتهي في نهاية المطاف الى بيان الحضور الإسلامي بتفرعاته المذهبية في هذا البلد أو ذاك وما نهضت فيه من مشاريع على علاقة بالنهضة الحسينية وتوابعها، وذلك وفق الحروف الهجائية، فضم الجزء الأول دول: آذربايجان، إثيوبيا، الأرجنتين، الأردن، ثم أرمينيا التي كانت عندها تقع حدود ولاية الكوفة في القرن الأول الهجري، فيما ضم الجزء الثاني دول: إريتريا، إسبانيا، أستراليا، إستونيا، أفريقيا الوسطى، أفغانستان، الإكوادور، ألبانيا، ألمانيا، الإمارات العربية المتحدة، أميركا، وإندونيسيا.

قراءة مستفيضة يقدمها المؤلف عن كل بلد، معززة بالأرقام والمتون التاريخية والحديثة من مصادر ومراجع كثيرة إلى جانب القراءة الميدانية، مستعيناً في بعضها بمواطني البلد المعني أو بالمسلمين الذي هاجروا إليها واستوطنوها، ولاسيما فيما يتعلق بالجانب العقدي الذي له تأثير كبير على قيام حضارة وموت أخرى، أو ظهور حكومات وضمور أخواتها.

 لقد ثبت من خلال استقراء واقع المسلمين خارج شبه الجزيرة العربية، أن الإسلام تجذر وضرب أجرانه في أرضية البلدان التي دخلها بسلاح العلم والثقافة والأدب والتجارة والسياحة، أما التي دخلها تحت حمأة السلاح انتهى به الأمر الى الخروج قسرا عبر بوابات القهر والحظر والموت الزؤام، وإندونيسيا وإسبانيا اللتان تابع الكرباسي نشأة الإسلام فيهما بشيء من التفصيل، شاهدتان على ما ترشَّح من السيفين، فإندونيسيا التي دخلها الإسلام أفراداً ووحدانا في القرن الثالث الهجري (العاشر الميلادي) يعيش فيها نحو 250 مليون إنسان، و95% منهم مسلمون وقد تجذرت في نفوسهم تعاليم الإسلام، وإسبانيا التي يزيد نفوسها اليوم على 46 مليون نسمة فإن 3% منهم مسلمون في حين أن الإسلام دخلها في القرن الاول الهجري (الثامن الميلادي) ركبانا وبقي فيها لقرون وكان المسلمون يعدون بالملايين إلى جانب أقلية مسيحية.

شتان بين دخول ودخول، وشتان بين مداد ومداد، فدخول الوحدان أنتج دولة كبيرة يرفع بين ظهراني أهلها الأذان منذ قرون مديدة، ودخول الركبان أضاع دولة كبيرة تقرع بين ظهرانيهم اليوم الأجراس منذ قرون بعيدة، والمداد الأسود ترك ثقافة تقبّلها أهلها بقبول حسن، والمداد الأحمر تذكّره أرباب السياسة المؤدلجون فأعملوا السيف في رقاب المهاجرين المستوطنين وفي بني جلدتهم حتى يعودوا إلى نصرانيتهم أو يذوقوا حرّ الموت، فلم يبق من الإسلام في إسبانيا إلا بقايا آثار إسلامية ومساجد تاريخية استفاد منها الإسبان في تحريك عجلة السياحة واستقطاب السياح من أقاصي الدنيا وأباعدها، على أن الخمسة بالمائة في اندونيسيا مظهر من مظاهر الإسلام الذي لا يقسر الآخر على الدخول في الدين والعمل بقاعدة (لا إكراه في الدين)، وأما الثلاثة في المائة إنما هي تعكس حجم المسلمين القادمين الى إسبانيا مؤخرًا كعمال ومهاجرين من شمال أفريقيا ومن غيرها وآلاف من الإسبان الذي دخلوا الإسلام بعد أن قرأوه أو تعرفوا عليه عبر احتكاكهم بالمهاجرين والذين استوطنوا إسبانيا، فلم يبق للمسلمين بعد سقوط الأندلس من باقية، وهذا يظهر حجم المداد الحمراء المضادة التي كانت تتقطر من سيوف الأوروبيين والإسبان التي لم تع قاعدة (لا إكراه في الدين) و(لكم دينكم ولي دين).

وأهم ما يمكن استخلاصه من تجربة المسلمين في إندونيسيا بحيث جعل منها أحد أركان انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا هو أن الدعوة الاسلامية كانت سلمية، وأن الدعاة الأوائل كان بعضهم من طبقة التجار، وأن الإسلام صنع الشخصية الإندونيسية ولهذا فهم لا ينسون فضل الأوائل عليهم. في حين أن الإسبان تذكروا ركبان المسلمين القادمين من شمال أفريقيا ونسوا كليا فضل الإسلام على عموم أوروبا، وازدهار التجارة والصناعة والزراعة والعلوم فيها حتى كان بابوات روما وقساوسة الفاتيكان يرتادون جامعات إسبانيا الإسلامية، ولأن الغضب الديني أعمى البصيرة نحو بعد أن أسقطوا الممالك الإسلامية إلى تدمير معالم الثقافة الإسلامية، فعمدوا الى حرق مكتبة قرطبة التي كانت تضم 400 ألف كتاب معظمها من المخطوطات، ومكتبة غرناطة التي أُحرق منها نحو مائة ألف كتاب ومخطوط، وهكذا في بقية المدن، وأقاموا محاكم التفتيش ونصبوا المقاصل والمشانق وأفران الحرق والسلخ.

ويواصل المحقق الكرباسي في استعراض جوانب من نشاطات المسلمين الأوائل في كل من إندونيسيا وإسبانيا وفضلهم على البلدين، وما آلت إليه ونحن في القرن الخامس عشر الهجري (مطلع الألفية الثالثة الميلادية)، ودور المسلمين في كلا البلدين والبلدان الأخرى التي ضم شرحها هذا الجزء من معجم المشاريع الحسينية، ومعالم الثقافة الحسينية فيها، قديما وحديثا.

 

سبق إسلامي

 يسجل التاريخ الإسلامي أن إريتيريا وعاصمتها (أسمرة) هي أول دولة خارج إطار جزيرة العرب دخلها الإسلام في السنة الثامنة من الهجرة، ويسجل التاريخ أن هذا البلد استخدمه الأمويون في نفي بعض معارضيهم إليه، كما أن عدداً من المعارضين ممن ناصر حركة الإمام الحسين(ع) ونهضته اتخذوا من اريتريا مركزاً لهم بعيداً عن أعين السلطة، وفيها سكنوا وتناسلوا ومنهم من نسل عقيل بن أبي طالب(ع) وكانوا يعرفون بـ (الجبرتة).

وعندما ينتقل المحقق الكرباسي للحديث عن أستراليا ونشأتها، يرى أن الشعب الأبورجيني سكان أستراليا الأوائل تعرفوا على الإسلام قبل أن يحتكوا بالمسيحية، إذ: (تعد إستراليا أكبر جزيرة مسكونة في العالم وتقع في أقصى الشرق، ولم تكن مكتشفة حالها حال قارة أميركا، ولكنها اكتشفت قبلها، وذلك للتواجد السكاني في الجزر الغربية منها مثل أندونيسيا وماليزيا، وكانت هجرة المسلمين إليها قبل هجرة الغربيين إليها، حيث بدأت هجرة المسلمين بشكل عام قبيل الاكتشاف المنسوب الى كريستوفر كولومبوس عام 897هـ (1492م) لأميركا وذلك من خلال إبحار التجار والصيادين الإندونيسيين إليها)، مستشهداً ببعض المظاهر الإسلامية لدى سكان أستراليا: (فالشعب الأبورجيني ما يزالون يعيشون حياتهم البدائية حتى وقتنا هذا ولديهم عادات وتقاليد كالختان ومراسم الزواج واحترام شيخ القبيلة ودفن الموتى مما يؤكد اتصالهم بحضارة إسلامية قديمة قبل أن يصل إليهم الإنسان الأوروبي، وقد قرئ القرآن ورفع الأذان قبل أن تدق نواقيس الكنائس على أرض أستراليا، وخير دليل على ذلك مئات المساجد التي بناها الأفغان في وسط استراليا منها ما هدم ومنها ما حوّل إلى متاحف أثرية).

وأما ما يتعلق بدولة إستونيا، وهي من دول البلطيق وعاصمتها (تالين)، والتي يشكل المسلمون فيها 8% من عدد سكانها البالغ نحو أقل 1,4 مليون إنسان حسب احصائيات عام 2015م، فإن الإسلام دخلها عام 25 للهجرة، أي في القرن السابع الميلادي، وذلك بدخول الإسلام إلى القوقاز الكبرى، على ان مصادر أخرى ترى أن نسبة المسلمين هي 14% من سكان إستونيا الذين فيهم نسبة كبيرة ملحدة، ومع لا دينية النظام السياسي فإن الإسلام يعاني من مضايقات، وحسب تعبير المؤلف: (ورغم أن الدولة علمانية إلا انها لا تفسح لهم –المسلمون- المجال حيث لازال التيار النصراني مسيطر عليها، وهي تُهمِّش الأمور المتعلقة بالمسلمين، ويحاول المسلمون أن يستأجروا قاعات كبيرة لأجل الإحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية).

ويعّرج المحقق الكرباسي على قارة أفريقيا ثانية للحديث عن دولة أفريقيا الوسطى وعاصمتها (بانگي) التي يشكل فيها المسلمون 60% من عدد سكانها البالغ نحو 4,7 مليون إنسان حسب احصائيات عام 2015م، على أن بعضهم يقلل النسبة الى 28% عازين ذلك إلى حملات القمع والتهجير للمسلمين، وبخاصة ما أصاب أتباع أهل البيت(ع) من قتل وتهجير بسبب تحالف عصابات استئصالية محسوبة على المسيحية مع نظرائها محسوبة على الإسلام. ويرى الكرباسي أن الإسلام دخلها في القرن الثالث الهجري بشكل بسيط ثم انتشر في القرون التالية، وكما في دول جنوب شرق آسيا فإن للتجار المسلمين تأثيرًا إيجابيًا على دخول الإسلام إلى أفريقيا الوسطى فضلا عن الطرق الصوفية التي لازالت الى اليوم تمد جذورها في الدول الافريقية.

أما الحديث عن أفغانستان، فهو حديث عن تاريخ طويل وعريض لبلد دخله الاسلام عام 21 للهجرة، ويبلغ سكانه حسب احصاءات 2015م نحو 32 مليون نسمة و99% منهم مسلمون منقسمون قوميا على الپشتون والهزارة والطاجيك والأوزبك والتركمان وغيرهم، وهم متوزعون مذهبيا على الأحناف 57% والإثني عشرية 35% والإسماعيلية والعلوية 5% ومذاهب أخرى2% و1% من بوذ وسيخ ونصارى.

وأفغانستان كغيرها من البلدان التي دخلها الفكر التكفيري الإجتثاثي تعرض أهلها الى مذابح وتهجير واستباحة للمحرمات وقتل على الهوية المذهبية والقومية واللغوية وإبادة بشرية، يشير المحقق الكرباسي في مطاوي الكتاب إلى أهمها.

ومن آسيا ينتقل المحقق الكرباسي الى أميركا الجنوبية متحدثا عن الإكوادور وعاصمتها كيتو، التي يشكل المسلمون نحو 3% من سكانها البالغ عددهم نحو 16,3 مليون إنسان حسب احصاءات عام 2016م، ويرى أن الإسلام دخل هذا البلد في القرن التاسع الهجري (ق15م) عبر مسلمي الأندلس، وبتقديره: (إن العامل المهم للدخول في الإسلام يكمن في أخلاقية الإسلام وعقلانية قوانينه)، وهذه الوصفة ليست خاصة بالاكوادور وإنما في كل بلد، لأن الأخلاق هي رسالة الإسلام كما قال النبي محمد (ص): (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وهي رسالة صدق صدّقها رب الأرباب: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وأما العقلانية فهي صفة قوانين الإسلام وشرعه التي لا تتناقض مع العقل السليم، فما أقره العقل السليم أقرّه الشرع القويم، فالإسلام دين الفطرة، ولهذا يتقبله المرء البسيط بقلبه ويتقبله المرء المتعلم بقلبه وعقله إذا ما قرأه قراءة واعية، وتأكيداً لهذه الحقيقة يورد الكرباسي تجارب عدد من الإكوادوريين الذي تأثروا بأخلاقية الإسلام وعقلانيته وتقبلوه بصدر رحب.

ويلاحق الكرباسي بوصلة الأبجدية العربية ليغرز سنبلة تحقيقه في قارة أوروبا متحدثا عن نشأة ألبانيا وعاصمتها تيرانا، وحلول الإسلام فيها، وهو البلد الإسلامي الذي يبلغ نفوسه نحو 4,4 مليون نسمة منهم 11% من غير المسلمين، وقد دخله الإسلام في القرن الأول الهجري (ق7م)، ولشدة تأثرهم بالإسلام فإنهم إلى عهد قريب كان بعض أدبائهم وشعرائهم ينظمون ويكتبون الألبانية بحروف عربية، واشتهرت ألبانيا في العهد العثماني بمساجدها التي نافت على الثلاثة آلاف مسجد ناهيك عن المعاهد والكتاتيب والمكتبات، وانحسرت هذه الأرقام بعد خروج ألبانيا عن الدولة العثمانية، وبخاصة بعد وقوعها تحت هيمنة الحكم الشيوعي في العقود الماضية.

ويؤيد المحقق الكرباسي ما ورد عن الواقع المذهبي والعقدي في ألبانيا: (إن حب أهل البيت عبارة عن عقيدة مشتركة بين جميع الألبان سواء كانوا شيعة أو سنّة وسواء كانوا مسلمين أو مسيحيين).

وعلى جانب آخر من أوروبا يتناول المؤلف ألمانيا ونشأة الإسلام فيها، وهو البلد الجرماني الذي يشكل المسلمون 17% من نحو 82 مليون إنسان، حيث يعود البعض بتاريخ الإسلام فيه الى القرن الثاني الهجري (ق 9م) على شكل أفراد، ولكن الوجود الحقيقي للمسلمين تكاثف في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري (ق 20م) حيث بدأت المساجد تظهر معالمها بشكل جلي، وحسب تقارير عام 2001م فإن في ألمانيا نحو 2000 جمعية إسلامية مسجلة رسميا ونحو 2200 مسجد ومركز وحسينية، ومع حصول النكبات في الشرق الأوسط في العقود الثلاثة الماضية ازدادت هجرة المسلمين الى ألمانيا كما ازدادت معها الجمعيات والمراكز والمساجد والحسينيات.

ويتحول الكرباسي من أوروبا الى آسيا متحدثا عن دولة الإمارات العربية المتحدة البالغ نفوسها نحو 2,4 مليون نسمة، خمسهم من الشيعة و1% من غير المسلمين، وهي جزء من جزيرة العرب التي دخلها الإسلام في حياة النبي محمد (ص)، ومن الناحية التاريخية كما يرى المؤلف فإن سكان الإمارات هم من اليمنيين والشاميين والإمارات الخليجية وقبائل الشحوح والبحارنة واللواتية والأفارقة والعجم والبلوش والهنود (ألبانيان) والأوروبيين، وقبائل الحبوس.

ومن مياه الخليج ينتقل المحقق الكرباسي الى المحيط الأطلسي غربًا متحدثا عن أميركا التي يمثل المسلمون نحو 6% من سكانها البالغ عددهم نحو 296 مليون إنسان حسب إحصاءات 2016م، وقد كثر الكلام حول اكتشافها ونشأتها، ويرى المؤلف من خلال بعض الدلالات والمعالم التاريخية: (إن المسلمين وصلوا الى هذه القارة – أميركا- قبل كولومبوس بنحو القرنين من الزمن)، ناهيك عن حملة كولومبوس نفسها عام 1492م (897هـ) حيث: (كان مع كولومبوس مجموعة من المسلمين الإسبان فيكون للمسلمين دور في اكتشاف قارة امريكا)، بل وإنَّ إسم القارة كما تقرر بعض المصادر التاريخية مأخوذ من كلمة (أميركم) العربية.

وبالقرب من أميركا يبحر الكتاب الى كوبا، وحديث الدكتور ألبرتو ليون باشيكو (Alberto Leon Pacheco) الذي كتب باللغة الغاليشانية مقدما على الجزء الثاني من معجم المشاريع الحسينية، مؤكدا حسب قراءته للنهضة الحسينية: (إن حياة الإمام الحسين وشهادته تقدم لكل المسلمين درسًا في التضحية والتفاني والصبر ابتغاء مرضاة الله، ومع أن الحسين فقد كل رجاله ولكنه ثبت على موقف الحق ولم يتردد).

ووقف الدكتور ألبرتو ليون باشيكو المحاضر في معهد لاجاس الطبي (lajas medical institute) في مدينة بيامو الكوبية، وهو من المسيحيين الرومان الكاثوليك، مندهشاً أمام الموسوعة الحسينية المختصة بشخصية الإمام الحسين(ع) ونهضته، وحسب قوله مخاطباً من لم يطلع على حجم الموسوعة داعيا إياهم للوقوف عليها: (تتألف دائرة المعارف الحسينية من 900 مجلد، ويبدو من السهل القول ذلك ولكن يبدو من المستحيل الإقرار بهذه الحقيقة حتى تشاهد ذلك بنفسك)، وهذا الجزء الذي قرأه الدكتور باشيكو والذي حمل الرقم 93 من مجموع الأجزاء المطبوعة التي بلغت نحو مائة مجلد حتى الآن، يحكي هذه الحقيقة التي يصعب هضهما حتى للمقربين من المؤلف فكيف بالأبعدين!  

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

الدكتور الصلابي والاستعمار العثماني

saleh altaeiلم يكن تاريخنا القديم مستباحا في حقبة ما من حقبه فحسب، فقد ثبت وبالدليل القاطع أنه لا زال يتعرض إلى الاستباحة في كل يوم على يد المؤتمنين عليه أنفسهم، ومن هؤلاء المؤتمنين الدكتور الليبي علي محمد الصلابي؛ الذي وضع عشرات الكتب تناول فيها دراسات من التاريخ الإسلامي وفق منهجية معاصرة ظاهرا، ولكنها في كل جوانبها موروثة حرفيا عما سبق وأن ارتكبه المؤرخون الأوائل من تحريف وخلط وتشويه.

ومن بين جميع مؤلفاته، اخترت كتابه (الدولة العثمانية عوامل النهوض والسقوط) أنموذجا لهذا التحريف لما يحويه هذا الكتاب من تهافت وتعارض، علما أن ما فيه ينسحب على جميع كتبه ومؤلفاته الأخرى.

بداية قال الدكتور الصلابي عن سبب تأليفه الكتاب، أنه جاء بهدف: "كشف الزور والبهتان الذي تعرضت له الدولة العثمانية من الأقلام المسمومة، وبيان بطلان من سمَّى الحكم العثماني استعمارا، وقرنه بالاستعمار الغربي، كالاستعمار الفرنسي والانكليزي".

ومن فحوى كلامه نعرف الغاية من وضع هذا المؤلف، وما يهدف إليه الرجل من وراء تأليفه، فهو لا يعدو كونه مجرد محاولة متأخرة لتبييض وجه الاستعمار العثماني الطائفي الأسود ليس أكثر.

 

فإذا كانت الهيمنة العثمانية التي سلبت منا كل قيم الحياة، ونشرت في أوطاننا كل أنواع  التخلف والجهل والطائفية؛ التي نشكو من تداعياتها إلى اليوم لا تسمى استعمارا، فكيف يكون الاستعمار إذاً؟!أليس هذا هو الهدف الأسمى للمستعمر على مر التاريخ؟

ولكي يدعم الدكتور الصلابي هذه الفكرة، جاهد ليخلق فضائل زائفة وينسبها إلى السلاطين العثمانيين، لا من خلال تفكيك الوقائع ودراسة الآثار أكاديميا، ولكن من خلال العزف على فكرة الطائفية المقيتة وحدها دون سواها، مراهنا على النفس الطائفي عسى أن يكسب من خلاله بعض المؤيدين لمشروعه المنحرف، وقد سمى تلك الفضائل المختلقة: (الأعمال الجليلة للدولة العثمانية)، ومن تلك الأعمال التي يدعي الدكتور الصلابي أنها جليلة: (نصرة أهل السنة، وحماية الأماكن المقدسة. ومنع انتشار المذهب الاثنا عشري الشيعي الرافضي إلى الولايات الإسلامية) وهي كل الأعمال التي تميز استعمار الدولة العثمانية عن غيره من الاستعمار، الذي استهدف الأمة بكل مكوناتها، وأكد على بث النفس الطائفي، وإذكاء الفتن الطائفية، وهي كلها صفات تربط الاستعمار العثماني مباشرة باستعمار دول بعينها مثل فرنسا التي حاولت من خلال سياستها الفرانكفونية سلب ثقافات وحضارات الشعوب التي استعمرتها، وأجبرتها على تقليد الثقافة الفرنسية بما في ذلك وجوب تعلم لغتها، وترك اللغات المحلية.

إن هذا التلميع الكاذب لا يكاد يصمد أمام التعارض الذي وقع فيه الدكتور الصلابي خلال توسعه بالحديث عن الدولة العثمانية وسلاطينها، فهو بعد أن مدح بعضهم بما ليس فيهم، اعترف صراحة بالانحراف الكبير الذي وقع به الآخرون؛ ومنهم السلطان عبد المجيد بن السلطان محمود؛ الذي قال عنه: إنه (اعتنق فكر الماسونية، وقام بعلمنة الدولة؟).

فكيف تتوافق الماسونية اليهودية مع العقيدة الإسلامية التي يتبعها السلاطين؟ وكيف بأمة إذا كان أمير المؤمنين فيها ماسونيا منحرفا؟!

فضلا عن ذلك تبدو الأسباب التي ساقها الدكتور الصلابي ليعزو إليها سقوط الإمبراطورية إما بعيدة كليا عن منهج وشريعة وروح الإسلام، وعن الحقيقة والواقع؛ مثل ادعائه أن انحراف الأمة عن مفاهيم الدين، كان من أسباب السقوط، أو ساقها من أجل أن يشرك الأمة مع السلاطين في حمل وزر سقوط الإمبراطورية، مثل ادعائه أن (انتشار مظاهر الشرك والبدع والانحرافات في الأمة الإسلامية، وابتعاد الأمة وانحرافها عن شرع الله، وضعف أخلاق الأمة)، كانت من أسباب السقوط.

وهي كلها مؤشرات لا علاقة لها بسقوط الإمبراطورية، ولكنها تشخص الحال الحقيقي لمأساة لأمة، بعد أن قادها السلاطين العثمانيين الجهلة، لأنهم هم من أوصلها إلى هذا الحال المزري بسبب سياستهم الغبية الطائفية الجاهلة.

وإن كان الدكتور الصلابي قد قال حقا، فذلك القول الحق، ينحصر فقط فيما أعزاه إلى السلاطين من قصور تسبب في سقوط الإمبراطورية، مثل قوله: (إن من أسباب سقوط الدولة العثمانية:  ضياع القيادة الربانية، وانتشار الظلم في الدولة، وما أصابها من الترف والانغماس في الشهوات، وجور السلاطين، وتحول العلماء إلى ألعوبة بيد الحكام، كانت أهم أسباب السقوط).

 فكيف تكون الدولة إسلامية حقا وفيها كل هذه المخازي وهذا الانحطاط؟ وكيف تقاوم دولة ما السقوط وقياداتها تحمل كل هذا الانحراف؟

إن هذه المحاولات البائسة تعمل على تجهيل الأمة، واستغفال العقل المسلم، وتسهم في زرع الطائفية بين مكوناتها، وهي أولا وأخرا؛ لا تعدو كونها من سنخ تلك المحاولات المريضة البائسة التي قام بها ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن العربي ومن هم على شاكلتهم ممن أبتلينا بهم في عصرهم، ولا زالت أفكارهم وأقوالهم تتسبب في فرقتنا وبعدنا عن بعضنا.

وأكبر رد على ما جاء به الصلابي هو الموقف الموحد لكثير من المذاهب الإسلامية، والكثير من مثقفي الأمة وباحثيها ومفكريها؛ الذي عد سيطرة العثمانيين على مقاليد أمتنا الإسلامية أحد أكبر أسباب تخلفنا واختلافنا.

 

صالح الطائي

 

فلسفة التعليم: مواطن الفشل ومداخل الاستدراك

zouhair khouildiأعد الدكتور زهير الخويلدي كتابا في غاية الثراء، ليرسم معالم مشروع متكامل لإعادة بناء أنظمة التعليم في العالم العربي.

ولو جاز لهذا المشروع أن يجد صدى لدى مؤسسات التعليم العربية، أو لدى إدارات التعليم على مختلف مستوياتها، أو حتى لدى أفراد من جيوش المعلمين، فلن يكون من الصعب تخيل نهضة عربية شاملة تعود لتأخذ بنا الى مسار التقدم الذي تخلفنا طويلا عن السير فيه.

التعليم هو مفتاح كل تقدم. وفي المقابل، فانه ما من أمة تخلفت إلا لأنها أهملت التعليم لتدفع بأجيالها نحو الهباء.

وها نحن هنا، في بيئة التطرف التي تحولت الى وباء شرس للإرهاب، نكاد نقدم الدليل على أن الجهل، وتفشي الأمية، والتراجع الحاد في مستويات التعليم، قد وفر بيئة شاملة من سطحية المدارك وانحطاط الفهم، الأمر الذي تحول الى مستنقع تجوز فيه كل كارثة.

وعدا عن الفساد والاستبداد (وهما ظاهرتان متلازمتان)، فان مسالك العنف الأخرى كانت على الدوام تعبيرا عن فشل اجتماعي وسياسي وثقافي وتربوي أعم وأشمل.

لقد وضع الخويلدي في هذا الكتاب يده على جرح نازف. ويستطيع المرء أن يراهن على أن كل طالب اختبر السلم التعليمي من أدناه الى أعلاه، ويتسم بمقدار معقول من الكفاية المعرفية، يدرك تماما مواطن ذلك الفشل، بل أنه يستطيع أن يراه، رؤيا العين، في كل مدرسة ومعهد وجامعة.

والخويلدي مفكر عربي جعل من الفلسفة معتركا حيويا من أجل رؤية ناضجة لتحليل وفهم المشكلات الحضارية التي ظلت الأمة العربية تدفع ثمنها الباهظ كل يوم.

وهو بسعة الأفق الذي ينطلق منه، وبقدرته الفذة على تقديم الفلسفة بلغة سلسة وقريبة الثمار، فانه من بين القلائل من المفكرين العرب الذين فتحوا مجالات للتفكير وحولوها الى مسارات عمل يمكن الأخذ بها للنهوض من الكبوة التاريخية التي ندفع ثمنها منذ سقوط بغداد في العام 1258 حتى الآن. ولئن سقطت بغداد بعد أخرى عدة مرات في عالمنا العربي، فان ثورة في أنظمة التعليم، ورؤية جديدة لمستلزماتها، ونهضة تبدأ من المدارس والمعاهد والجامعات، هي التي تشكل الأفق الوحيد المتاح للخروج من مآسي تاريخ لم يظلمنا بقدر ما ظلمنا أنفسنا فيه.

وهذا كتاب ونبراس!

إنه دعوة، صادقة وعميقة، للاستدراك، من المكان الأكثر فاعلية لبدء الاستدراك.

 

عن دار أكتب. 2016

 

عبدالجبار الرفاعي وأنطولوجيا الحرية

801-jabarفي  تقديمه للكتاب، يحدد المفكر الاسلامي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بأن هناك (ظمأ  أنطولوجيا) للمقدس، أو هو الحنين للوجود، أوظمأ الكينونة الناقصة الباحثة عن  تكاملها الوجودي، إذ أن لكل موجود نمط كماله من جنس كينونته. وهو يقرن  الدين، بالفن، والفلسفة، ويرى ان الفنون تثري وجود الكائن البشري وتمنحه السعادة والسكينة، وهي ترسم ما نتخيل، وتطرح أسئلة ميتافيزيقية، وتنشغل بتصوير عوالم الموت والحياة المبهجة والمحزنة، وتعالج قلق الاغتراب فالفنون تلوّن العالم بالجمال، لكنها بلا طقوس الدين، أو عباداته.

الانسان يطلب الأبدية. الدين بخلاف الفن، يُخلّد الانسان، الذي يطلب الأبدية، ويسعى الى التسامي نحو التكامل في ما بعد الحياة، ويخلع الدين هالة سحرية على العالم الدنيوي، على وفق ايقاع موسيقى الوجود اللامتناهية.

ترتبط الطقوس الدينية عضوياً - كما يؤكد الرفاعي- بصيرورة الوجود، وبلوغ معنى المعنى، بتوالد تأويلاته وتعدديتها.

وفي مقاربة الرفاعي للدين مع الأيديولوجيا، يرى ان الأخيرة تخفض من طاقة الدين المقدسة، وترحله بعيداً عن مضمونه الأنطولوجي، وتتغافل عن حقيقة (الموت) الوجودية العميقة والصادقة.

801-jabarسبق للكاتب المسرحي الروسي (غربوءدوف) ان كتب مسرحية بعنوان: (ذو العقل يشقى)، وهذا الامر نجده من متبنيات (الرفاعي) الذي يكمل طرف هذه المقولة، بأن (أخو الجهالة يمرح)! وهو يرى ان (الذات) بطبيعتها باطنية، عميقة، ينتابها القلق، واليأس، والغثيان، وان تحقيق وجودها يتم (بالحرية) ومن خلال انجاز (الفعل) يتحقق امتلاء الذات، لأن الحرية تمثل الارادة، وتتخذ بوساطتها المواقف من الحياة والوجود.

وهو يخشى، بوصفه مفكراً حرّاً، ان تنميط (الذات) في مجموع مجهول الملامح، يمحو هويتها المتفردة. ينجذب الرفاعي، بحساسية مرهفة، الى نسج شبكة من خيوط ثمينة، تتفاعل فيها الفلسفة بالتصوف بالعرفان. وكل ذلك يتطلب نظراً وتدبراً وتفكيراً، في استكناه الذات، واثراء الوجدان، لا الانجرار وراء روح القطيع، كما يؤكد (الرفاعي).

وكأنه يعيد – ايضاً- مقولة سقراط (اعرف نفسك)، فيدمج الفلسفة بروح المتصوفة على لسان (أبو اليزيد البسطامي)، الذي كما تذكر الحكاية، بحث عن نفسه منذ أربعين سنة فما وجدها. وهذا الحرص على اكتشاف الانسان لذاته، توجبه الضرورة القائلة بأن اكتشاف العالم من حولنا، يبدأ من اكتشاف الذات، كما يشدد (الرفاعي). ينحاز الرفاعي الى الذوق، وإشراق الحالات، فيدوّن قولاً للشيخ محيي الدين بن عربي: "قوالب الالفاظ، والكلمات، لا تتسع لمعاني الحالات".

وبالتأكيد لا يذهب الكاتب الى نفي الآخر، او الغائه، لأنه يبقى مرآة الذات، وهذا ما يقتضيه التنوع والاختلاف، بخلاف تلك الوثوقية التي تنمط التفكير قسرياً، وتركز أحاديته.

يقدم الرفاعي مدونة عن حياته، بجرأة، ومكاشفة، وبوح وصدق مع الذات، وهو يقول: (حاولت ان اكتب مستحضراً بعض جروح طفولتي وفتوتي وشبابي وكهولتي، ووشم ذاكرتي بالمدن والمجتمعات والمهام والوقائع والكتب والأفكار والمفاهيم والشعارات)....

ذلك لأنه يدرك كما يقول هو بنفسه: (ان من يعترف بخطئه في مجتمعاتنا يغامر بفقدان هويته، ويكون الطرد والنفي واللعن مصير كلّ من ينتقد قبيلته، وطائفته وحزبه).

ولد – الكاتب- في قضاء الرفاعي بقرية (آل حواس) عام (1954) بمدينة الرفاعي.

للمكان أهمية استثنائية في حياة البشر، لأنه ليس شيئاً ميتاً، صامتاً، بل انه بصمة الهوية كما يراها الرفاعي، انه صوت الكائن اللامسموع، انه صورته اللامرئية، وكأنه هنا ينقل احساساً مقارباً للفيلسوف (ميرلوبونتي)، الذي يجد الجسد البشري، هو مكان منغرس في الوجود بما يحمله من نداء الكينونة الجامع بين المرئي، واللامرئي، بوصفه انشودة الحياة.

وللطرافة يذكرالرفاعي - انهم كانوا في القرية يقلبون حرف الجيم- ياء. فقام احد الطلاب مخاطباً والده (بوجه جازع جوعان)، بدلاً من (بوية يازع يوعان).

في موقف من النظام التربوي والتعليمي في مدارسنا، يرى ان ثمة وحشية متفشية شكلت دوافع العنف وأرضية للنزعات العدوانية في مجتمعنا، وساقتنا لحروب دموية مجنونة.

وفي تناص مع (سيمون بوفار)، التي تقول: ان المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك، يقول (الرفاعي) لا يولد المرء عدوانياً، لكن المجتمع يصيره عدوانياً.

ويذكرنا بقول (الامام علي): لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم، فهم خلقوا لزمان غير زمانكم. وكذلك في تلميح آخر الى سعة حلم علي، حين قال: لا تقتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه.

يقترب الرفاعي من هيدجر، ويذكّرنا بمقولة (كيركجارد): (الانهيار الديني ناجم عن كثرة الكلام في الدين)، وهذا ما يقتضيه عروج الذات من مكابدات الطريق نحو الحق، وان الايمان، هو تجربة تنبعث من ذات الانسان.

وفي التفاتة لماحة، يقارن الرفاعي بين الكتابة الاصلية للفيلسوف، حين تترجم الى لغات أخرى كالشرقية مثلاً، نجد فيها ان الفلسفة، أو الفكر الغربي الحديث والمعاصر، تختلف وتتباين تفسيراته وتمثلاته، تبعاً للغة المترجم لها، فمثلاً –كما يكتب الرفاعي- ان مارتن هيدجر يتحقق بالفارسية عبر العرفان والموروث الايراني. و(فوكو) يتحدث الينا عبر الترجمة بالعربية في سياق انساق مسلماتنا ورؤيتنا للعالم.

يؤمن الرفاعي بأن الحضارات العظمى انبثقت عن اسئلة مصيرية عميقة كبرى، لأن: (السؤال رحمة الفكر) كما يقول هيدجر.

ويذهب كيركجارد الى ان الايمان يعتبر البرهان العقلاني، خصمه اللدود. بوصفه تجربة ذاتية باطنية، وليست مقولات ذهنية تخص سياقات العالم الخارجي.

ولأن كيركجارد، وهيدجر، ينطلقان من موقف (انطولوجي)، وان اختلفا بالمنهج، والفكرة، والهدف، لكنهما أعطيا تفسيراً يتفوق على الجزئية (الوجودية) التي تتقلص كثيراً على المستوى النفسي الذاتي، ولا تتمدد الى الآفاق الانطولوجية الأوسع، والأكثر تغلغلاً في (الماهية) وعدم فصل الظواهر عن جواهرها.

لذلك يقارب (الرفاعي)، طروحات هيدجر، فيما يخص الكينونة (الأنطولوجية)، التي هي الدوام في الحضور، والمجهول الاعظم، كما يرى (مارجوري جرين)، ليست هي ما يخص موجودات مثل: منضدة، كرسي، بل ذلك الذي يتجاوز أشياء العالم، الى ما ورائها الدائم

وتتكون من الصيرورة (الدوام) والظاهرة غير المتغيرة، والفكر الذي يوجد هناك بالفعل، وما ينبغي ان يكون او لا يكون متحققاً من قبل. ويقترح علينا هيدجر للخروج من هذا العماء الا نبحث عن الأشياء الكائنة، بل ان نبحث عن"الكينونة" ذاتها.

وبمثل ما يقارب ايضاً (الحرية) والمسؤولية والاختيار عند (سارتر)، والمرئي، وغير المرئي عند (ميرلوبونتي) نجده، يتوقف بجدية عند (كيركجارد) وهو من مؤسس الوجودية المؤمنة، الذي قدّم اطروحة الدكتوراه، عام (1854) الموسومة (فكرة التهكم)، وتناول فيها (سقراط)، وبخطاطة سريعة، يقسّم كيركجارد رتب الوجود (الانطولوجي) الى (مدرج حسّي) ويطرح (دون جوان) ممثلاً لهذا المستوى، بما فيه من قوة وجدانية، وشهوانية مندفعة، ترهن نفسها للحاضر (الآني)، ببرهة نزوية منتقاه من الحاضر، ولا تركن للماضي، بل تحذفه. والمستوى (الثاني) هو (الأخلاقي)، المؤطر بضوابط أخلاقية، تجعل الزوج يحرص على سمعة بيته، والكفاح من أجل بنائه، بعيداً عن التجاذبات الحسية الخاصة بكينونة المرأة، والتي ينبغي ان لا تذهب الى التطرف (المقابل) من الزهد، بوسطية، أخلاقية، تحدد بسهولة الحياة اليومية الزوجية. اما المستوى (الثالث) فيخص المنعرج (الديني)، وهو يقع ما فوق الاخلاق، وطاعة مطلقة لله، كما فعل النبي (ابراهيم الخليل) حين اراد التضحية بابنه (اسحاق)، وهي الطاقة التي بوساطتها، عفا الله عن الذبح، لينجو ابنه من الذبح بفضلها، ذلك لأن (الحصول على كل شيء، يكون بالتخلي عن كل شيء)،كما يفصّل ذلك عبد الرحمن بدوي.

كيركجارد، يرفع من راية الحب عالياً، بوصفه اشبه بينبوع متدفق، أبدي لا ينضب، وهي حركة تنطوي على خلود، لكي يرن نداء الله في وعي الفرد الذاتي. هذا الفيلسوف بلغ من الصدق مع نفسه، كان قد اشهر معاداته للكهنة، متهماً اياهم باستغلال الدين، من اجل منافع دنيوية زائلة، فرفضوا حضور مراسيم طقوس وفاته ودفنه.

لكنه، قام باجراء مراسيم الدفن على وفق طقوس كنسية كاملة، حتى ان (كيركجارد) ترك خطيبته، لمروره بأزمة نفسية (سوداوية) خاف على حبيبته من ان يبهض رفيقته هذه، بما ابتلي به من تأزمات نفسية مقلقة، متشاءمة.

وتضمّ قائمة الرفاعي، اسماء وجودية وانطولوجية، لا تتميز من بعضها الاّ بالدرجة، لا بالنوع، ويحاول ان يمرّن ذاته على المغايرة، واسقاط التابوات، سواء فيما يكتبه، ويحرره من طرح أفكار مضادة للسائد، او في تبشيره بمواقف فلسفية تتعارض مع منطق الفكر السلفي، الاصولي، والتفلت من خطوط حمراء فيها تحذيرات عقائدية، وطائفية، والاحساس بالغبطة بصحبة فلاسفة وجوديين، جرى تشريحهم، وتقبيحهم، بجهل مريع، وتلفيقات مرائية حمقاء. وهو على سبيل المثال، لم يعر اهتماماً لوصمه الالحاد لسارتر، او نازية هيدجر المبكرة، التي قرأها قراءة مغايرة للسائد، المألوف.

 ولغرض التدليل سنقوم باستعراض وباختصار كبير، لاطروحة هيدجر الفلسفية، التي يرى فيها ان وجودنا، مرآة للكينونة التي تتحدد؛ (بالانوجادية)، التي تتحرك بأهداف متوقعة، وما يمكن ان يكون عليه الانسان، بالتجاوز (ترانسندنتال)، والثانية (الوقائعية) التي تخص العالم، عالمي الذي قذفت اليه، وليس الطبيعة الميتة، وهو ليس من صنعي، ولكني لا أكون نفسي بدونه، بلا فصل بين ذات وموضوع بين نفسي والعالم. والثالثة (الخسران)، حين ننسى الكينونة من اجل كائنات جزئية تمثل اللاجدوى، والثرثرة والفضول، تحت ضغط (الهم) الذي يحتم علينا الاندفاع للامام، لكي نصنع شيئاً جوهرياً، دون جدوى.

يعاني (هيدجر) من هذا التفكك بسبب مصالح يومية متهالكة، ممن نعيش بين ظهرانيهم من رفاق الطريق، وما يجره ذلك من امزجة متقلبة، وجار ثرثار، في وجود يومي مبعثر.

فالحرية، تنتظر مني ما سأفلعه بمحددات الوراثة، والبيئة، سواء في توتر (التاريخي)، او (الحاضر) اللاتاريخي (المحض).

يوزع (هيدجر) القلق، والضمير، والمصير، ولتحديد عرضية الماضي، وتوقعات المستقبل، وتفكك الحاضر. ولكي يكون الانسان نفسه، عليه ان يتحرر من اوهام الناس، بحرية منفعلة قلقة، تكشف عن علاقة جوهرية تخص عدمية الانسان، هذا الوجود نحو الموت، هو الذي يجعل من القلق امكانية انطولوجية، ولتفادي الخسران، فان العزلة عند الناس هو خلاصي من الذين يقتحمون خصوصيتي، فيصبح (الموت) وعلاقتي به، هو الحادثة الوحيدة التي تخصني بشكل فريد، ومطلق.

و(بالضمير) نهرب من العبودية الى (الحرية)، المبهم هو ما أخلقه انا في التمسك بقدرتي الباطنية، بدلاً من تشتيت نفسي، تبين هذا، وذاك، وانما بالرجوع الى نفسي، وزمني المنطلق من الحاضر، الذي يجب عليّ انجازه، ولكني لا استطيع انجازه، لكنه مصيري الأصيل الذي العبه من أجلي انا نفسي، لا من أجل الجمهور الذي يصفق من أجلي.

هيدجر، وجد عند الاغريق اتساع الكينونة عند (سوفوكلس) في مسرحياته، وفي شذرات بارمنيدس، وهيرقليطس، قبل ان تتقولب الفلاسفة لدى سقراط ومن جاء بعده من فلاسفة، وكتاب، سؤال الوجود، هذا، قد نجده عند شاعر مثل نبي، يتلفظ بالكينونة، بلغة هي منزل الوجود، فيما يخص مبحث الكينونة، رتب: الحقيقة، واللغة، والشعر. بالشعر يتجلى الاله المخفى في الليل الكوني.

درس الرفاعي في (الحوزة) المقدمات والسطوح والبحث الخارج حتى صار فقيهاً، درس اللغة والفقه والاصول وعلوم الحديث والتفسير والمنطق والفلسفة والعرفان وعلم الكلام، وهو يثبت حديثاً (للنبي محمد): (ان الشريعة اقوالي، والطريقة أفعالي، والحقيقة احوالي). في مجتمع تكثر فيه السوءات، يقول الرفاعي: (لقد وفّرت عليّ مواقف الغدر والخيانة والكيد والتآمر من بعض من كنت احسبهم اقرب الاصدقاء- الكثير من الجهود في اكتشاف النزعات العدوانية الغاطسة في النفس البشرية). وهنا يحضر قول (ابن عربي) ان (المحبة هي اصل الموجودات)، وهذا يضمر مقته للكره والاحقاد وعند ذوي النفوس المريضة.

يلتفت الرفاعي الى ضرورة الشك، ويثبت رأي (الغزالي) بـأن الشكوك موصلة للحق، فمن لم يشك لم ينظر ولم يبصر ويبقى في العمى والضلال، وكأن هذا النمط من حيرة الشك، هو ما عناه النبي في حديثه، (اللهم زدني تحيّرا)، ذلك لأنها تضيء الروح.

ثم ينتقل بنا الى سلطة الاسلاميين في الحكم، فيراهم لم يعرفوا من الدين سوى الظفر بالغنيمة، ويرى ان السلطة ستمسي مقبرتهم التي يدفنون فيها، لأنهم انتهكوا انسانية الانسان باسم الاسلام، وهدروا كرامته ولم يفيدوا من فلاسفة ومفكرين أحرار، ممن عاشوا الدين بوصفه حباً وجمالاً وقداسة، ويحرك اكثر القيم تفوقاً. حسبما يؤشر شلايرماخر.

الرفاعي يرى البعد الانطولوجي للدين يتمثل في الايمان بالحياة الروحية، والاخلاقية، لانها جوهر الدين.

على المستوى العمودي (الأركيولوجي)، والأفقي (الاجتماعي)، والمضمون الأنطولوجي  يتحقق بالتذوق، لا بالادراك الذهني، وبذلك يكف الدين عن ان يكون أداة صراع على الثروة والقوة والسلطة، ولا ينحرف الدين باتجاه الأيديولوجية للاهوت العبودية، ويحافظ على انطولوجية الحرية. فالرب اله للجمال والحب والرحمة، وليس للقبح والحشية.

 

د. عقيل مهدي

عميد كلية الفنوان الجميلة في جامعة بغداد

 

 

سمرقند الجابري وعلب كبريت

865-samarصدر مؤخرا عن دار الروسم للصحافة والنشروالتوزيع المجموعة القصصية (علب كبريت) للاديبة سمرقند الجابري و تقع المجموعة ب 63  صفحة وصمم الغلاف واخرجها  الاستاذ جمال الابطح، وتضمنت  علب كبريت 16 قصة قصيرة، وقد فاز البعض منها بجوائز  محلية وعربية وعالمية .

جاء في الاهداء

الحرف نور

خضر هي الكلمات

وانا ...

865-samarفرس تكره الظلام

علماني  رقصة الضوء

درباني الاغتسال بالعشق

لهما : امي، ابي

سمرقند الجابري شاعرة وقاصة عراقية حاصلة على بكلوريوس فنون 1998

عضو نقابة الفنانين العراقيين

عضو جمعية  الفنانين العراقيين

عضو الاتحاد  العام للادباء والكتاب في العراق

عضو مؤسسة النور للثقافة والاعلام

عضو رابطة شعراء العالم / امريكا 2005

عضو رابطة القلم الدولية / لندن 2006

عضو نقابة الصحفيين

عملت في مجال التدريس وكذلك في اعداد وتقديم برامج الاطفال وعملت مراسلة صحفية لبعض الصحف، عملت في شبكة الاعلام العراقي 2007

الاصدارات

عشرون / مجموعة شعرية 1997

بصمات قلب / مجموعة شعرية 2007

دبان صغيران / مجموعة قصصية 2008

اكثر من قمر لليلة واحدة / مجموعة شعرية مشتركة / نادي الشعر 2009

عيون اينانا  مجموعة مشتركة  باللغة العربية  والالمانية

حصلت على العديد من الجوائز

جائزة الابداع من الامارات العربية المرتبة الاولى 2007

جائزة الابداع المرتبة الخامسة لمجلة الصدى 2009

الجائزة الاولى الذهبية في الشعر  / نادي الصيد العراقي 2011

اضافة الى العديد من الجوائز الاخرى المحلية

 

علي الزاغيني

 

 

الغجر.. ذاكرة الأسفار وسيرة العذاب

"آه يا أسى الغجر

أيها الأسى النقي المتفرد أبدا

يا أسى درب خفي

وصبح بعيد" لوركا

في سرد معرفي منوع وشبه شامل يقدم الكاتب والصحفي العراقي جمال حيدر للمكتبة العربية إصدارا مميزا حول سيرة الغجر وعوالمهم المجهولة، فعبر أكثر من 200 صفحة من الحجم المتوسط يتناول حيدر جانبا مهما من سيرة وتاريخ أقلية الغجر، مؤكدا من خلال مقدمته على أن تطورات ومتغيرات متسارعة حدثت خلال العقود الأخيرة قادت نحو تغيير تلك الصورة النمطية التي يقترن فيها الغجر دائما بنعوت ومواصفات دونية تقلل وتحط من قيمة ذواتهم .

لقد كان الأدب بمثابة الطريق الآمن الذي عبرت من خلاله مسيرة تلك التطورات والمتغيرات المتسارعة، فرهانات التمرد والتطلع نحو الحرية وفضول البحث عن المجهول والمخفي في عالم الغجر أغرت الكثير من الكتاب والأدباء والفنانين وجعلت الغجر موضوعا رئيسا في كتاباتهم وإبداعاتهم، فها هو ميغيل سرفنتيس يمجد الغجر في روايته " دون كيخوته" بينما قدمهم جورج دي بيزيه في اوبرا كارمن وتناولهم فيكتور هيجو في روايته " أحدب نوتردام " وبوشكين في ملحمة الغجر ومكسيم غوركي في " الغجر يصعدون إلى السماء" ولوركا في مجموعته " أغاني الغجر" .

فمن هم الغجر يا ترى؟

وما هي أبرز عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم؟

وكيف عاش ويعيش الغجر في عالمنا العربي وفي بلدان العالم الأخرى؟

وماذا عن علاقة الغجر بالموسيقى والغناء وذاكرتهم الغنية بالأساطير؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها جمال حيدر في كتابه الصادر في مطلع عام 2008 م عن المركز الثقافي العربي ببيروت والدارالبيضاء والمعنون بــ " الغجر ... ذاكرة الأسفار وسيرة العذاب" .

 

سؤال الهوية والجذور

هم نتاج زواج الجان وهم من رفضوا إيواء السيدة مريم العذراء خلال هروبها بمعية يوسف النجار والطفل إلى مصر، وهم أيضا نتاج مجامعة حواء لأدم بعد موته، وهم نسل قابيل الذين حكم الله عليهم بالتشرد فلقد جاء في سفر التكوين " متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتك، تائها وهاربا تكون في الأرض" وهم كذلك من حكم الله عليهم بالشتات بعد ما استجاب حداد غجري لطلب الجنود الرومان وقام بوضع مسامير لصلب السيد المسيح . .....

هذه بعض الروايات والحكايات التي نسجتها المخيلة الشعبية حول الغجر في العديد من بلدان العالم، روايات وحكايات كانت كفيلة بإشاعة أجواء الازدراء الاجتماعي تجاه الغجر الذين يرى مؤلف الكتاب إنهم جاؤوا أصلا من الهند وليس من مصر، فالربط بين مصطلحي " egypt » " و "gypsy " وهي التسمية الشائعة التي تطلق على الغجر بالإنجليزية هو ربط ضعيف وغير موضوعي يستند على حكاية شعبية روسية تقول بأن جيوش فرعون غرقت عند اجتيازها البحر ولم ينج منها إلا فتى وفتاة تزوجا فيما بعد وكانا بمثابة آدم وحواء الغجر ......

عموما فإن الرأي القائل بأن جذور الغجر ترجع للهند يجد دعما قويا في كتاب الشاهنامة الذي دون فيه الشاعر الفردوسي رواية تاريخية تتحدث عن قبيلة غجرية تدعى لوري نزحت بعد أن أرسلها ملك الهند شانكال عام 420 ق.م إلى بلاد فارس تلبية لطلب " بهرام غور" ملك فارس الذي رغب في جلب أكبر عدد من المغنيين والعازفين إلى فارس لكي يقوموا بالترفيه عن فقراء شعبه، " جمع شانكال إحدى عشرة مجموعة من المغنيين المتجولين وحدد لهم مسالك الطريق نحو بلاد فارس، وحين وصلوا منحهم الملك – بهرام غور – البذور والماشية وخصص لهم الأرض ليحصلوا بواسطتها على رزقهم للعمل على ترفيه شعبه من دون مقابل ومع نهاية العام الأول ترك الغجر الزراعة بعدما استهلكوا البذور، ليغذوا بالتالي عبئا على البلد الفقير، غضب " بهرام غور" منهم وأمر بمصادرة ممتلكاتهم وآلاتهم الموسيقية، وأمرهم بالتجوال والغناء في أرجاء البلاد لكسب لقمة عيشهم، ثم اضطروا إلى مغادرة بلاد فارس بحثا عن رزق ومأوى جديدين، ومن هنا بدأت مأساة شعب لم تنته لغاية الآن".

 

قيم وعادات وتقاليد

تمسك الغجر بقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم حال دون انصهارهم في المجتمعات الأخرى، كما حال دون نجاح المحاولات السياسية الرامية لتوطينهم، وعلى الرغم من أن جهل الغجر بالكتابة وعدم وجود لغة مدونة خاصة بهم أدى كما يقول مؤلف الكتاب إلى ضياع المعاني الأصلية للقوانين التي توارثوها جيلا بعد جيل، فإنه يمكن تدوين ورصد العديد من قيمهم وأعرافهم ومن بينها على سبيل الذكر لا الحصر ما يتعلق باحترام الغجر للمرأة وتقديسهم للأنثى، فبالإضافة إلى أن الأطفال الغجر يحملون كنية الأم، ويتكلمون بلهجة والدتهم إذا كان الأب والأم من جماعتين غجريتين مختلفتين، فإن معظم جماعات الغجر تقوم بعبادة القديسة سارة الغجرية، أو سارة السوداء التي يعتقد الغجر بأنها عاشت على شواطئ نهر الرون، واشتهرت بمعرفة الأسرار ( وإنها ذات ليلة حلمت أن القديسات الثلاث اللواتي كن حاضرات خلال صلب السيد المسيح، سيأتين على متن قارب وأن عليها مساعدتهن، رأت سارة بعدها القديسات القادمات على متن قارب صغير تتقاذفه أمواج البحر الهائج، وكاد القارب يغرق فرمت بردائها على الأمواج ليغدو بمثابة المعبر الآمن نحو الشاطئ، شكرت القديسات سارة وقمن بتعميدها كقدسية، لتقوم تاليا بدورها بنشر المسيحية بين أبناء قومها )

عبادة القديسة سارة كما يشير جمال حيدر، تعد من المعتقدات المهمة لدى الغجر، فهم يحجون إليها ويقومون بالسير في ردهات معبدها حفاة وحاسري الرأس، كما يسيرون نحو البحر والغطس في مياهه ضمن احتفال صاخب .

على صعيد الأعراف الاجتماعية هناك عدة أنواع من الزواج الغجري من بينها الزواج بالخطف الذي يتم بصورة رمزية من خلال إقدام الفتى على خطف محبوبته والاختفاء عدة أيام ثم العودة لمخيم الجماعة الغجرية لاستكمال إجراءات الزواج، ويلجأ الغجري عادة للسحر إذا حامت شكوكه حول إخلاص زوجته، (حيث يجبر زوجته على السير حافية القدمين على أقراص مصنوعة من خشب الزيزفون رسمت عليها رموز بدائية، كذلك يعمد إلى إخفاء تمائم تحت وسادة زوجته فإن رقدت وغفت طويلا تكون غير مذنبة، أما إذا سهدت فيعني ذلك أنها خانت العلاقة الزوجية)

على الصعيد السياسي يوجد لدى الغجر شكل بدائي من الحكم يتم من خلاله انتخاب رئيس القبيلة وأم القبيلة ويحدد عادة رئيس القبيلة مسار الجماعة الغجرية ويعتبر حضوره مهما في إجراءات إتمام الزفاف إذ بدونه يعتبر عقد الزواج لاغيا، وتبلغ مدة حكم رئيس القبيلة حوالي سبع سنوات وفي حال تجديد انتخابه يحق له أن يكون له مثل العديد من رؤساء الدول العالم الثالث أي أن يتواجد على قمة هرم السلطة مدى الحياة.....

للغجر أيضا سلوكيات وعادات أخرى من ضمنها كرههم للماء وميلهم نحو ارتداء الملابس المزركشة والمرصعة بالأزرار اللماعة والشارات المذهبة والجواهر المزيفة وكذلك الإكسسورات المصنوعة من العملات المعدنية القديمة وساعات الجيب والأقراط الطويلة، هذا بالإضافة لحبهم للوشم والخيول،أيضا لدى الغجر تصور سلبي لمفهوم السرقة، "إذ يعتبر الغجر أن كل الأشياء الموجودة في الطبيعة هي ملك الخالق وحده وللإنسانية الجمعاء، وبالتالي ليس من حق أحد أن يتهمهم بالسرقة" .

 

الغجر حول العالم

سيرة الغجر في بلدان العالم سيرة تتضمن الكثير من الوقائع والحقائق التي يصعب اختزالها في سطور أو مباحث محدودة، فهي غنية بالأحداث والمعطيات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي جعلت من الغجر مادة ثرية بالمعلومات المتعلقة بالمسار التاريخي والآني لماضي وواقع أقليتهم فعلى الصعيد العربي نجد أن الغجر تواجدوا بالمنطقة العربية منذ سنوات وقرون عدة وانتشروا في الكثير من البلدان، فهم مثلا في العراق يتواجدون في حي الكمالية ببغداد، وكذلك في حي المستوطنة الذي يقع على الطريق الواصل بين مدينتي الزبير وصفوان جنوبي العراق ومنطقة أبو طراريد الواقعة على الطريق الواصل بين مدينتي الديوانية وعفك ومستوطنة السحاحي التي تقع على الطريق الواصل بين مدينتي الموصل وحميدات وأيضا يتواجد غجر العراق في مستوطنة العثمانية الأميرية إحدى ضواحي مدينة الناصرية .

ومن أبرز الأفخاد التي ينتمي إليها غجر العراق " البوخزام، البوعبيد، البوعطار، البوباردو، البوحيلو، البوسويلم، البوطحيمي، البوثينوان، البونصيف، البودلي..."

في سوريا يحظى الغجر بوضع حقوقي جيد فهم يحملون بطاقات شخصية باعتبارهم مواطنين وتستقر الكثير من عوائلهم في بيوت ثابتة داخل المدن، كما أن العديد من غجر سوريا يعملون في مهن رسمية .

" يعرف الغجر في مدينة حلب بالقرباط، فيما يطلق عليهم في الساحل السوري تسمية المطاربة، في حين يلقبون في الشمال الشرقي من البلاد بالقرج، أما في ضواحي دمشق فتطلق عليهم تسمية الرياس، وفي منطقة الفرات يسمون بالحجيات، وفي جنوب سوريا يلقبون بالنور ."

في مصر التي وصل إليها الغجر قادمين من تركيا منذ يربو عن قرنين ينقسم الغجر إلى ثلاث جماعات هي " الغجر/ الحلب/ النور" ينتشر الغجر في الوجهين القبلي والبحري بينما ينتشر الحلب في الصعيد، أما النور الذين يشتهرون بالسرقة وتسريح نسائهم منذ الصباح إلى ساعات الليل ليأتين بالغلة من نقود التسول والسرقات فهم يقطنون في مناطق عديدة أشهرها ميامي والعصافرة في الإسكندرية وكفر الدوار بالبحيرة والتبين والغيوم وإمبابة وأبو قتاتة بالجيزة .

"وتشتهر جماعات من غجر مصر بعلاج الحيوانات واصطياد الثعابين وتصليح الأقفال وصناعة المراجيح وتجارة الخردة والعطارة وألعاب السيرك مع حيواناتهم المدربة من قردة وكلاب وثعابين وأسود ونمور، وتعتبر عائلة الحلو المنحدرة، من أصول غجرية من العوائل المتخصصة في هذا المضمار" ويعد الثراء عاملا هاما ورئيسيا عند أغلب جماعات الغجر الموجودة في مصر، لذلك يتنافسون بإحراق العملات الورقية أو إلقاء النقود المعدنية في الأنهار أو ذبح اكبر كمية من الأغنام في مجالس التحكيم .

في الجزيرة العربية وصل الغجر منذ ما يربو عن ألف سنة قادمين من إيران ومناطق أخرى، وهم الآن يعملون في حرف عدة من بينها الحدادة والنجارة والسماسرة والنسيج وصناعة السكاكين والخناجر والسيوف.

عموما للغجر امتدادات عدة في بلدان عربية أخرى وأيضا في البلدان والشعوب غير العربية يتطرق إليها مؤلف الكتاب عبر سرد عميق يميط من خلاله اللثام عن المآسي التي واجهها الغجر في تلك البلدان وبالأخص الأوربية منها، فلقد تعرض الغجر منذ وصولهم لأوربا في منتصف القرن الرابع عشر إلى شتى صنوف العنف المادي والمعنوي وهم كاليهود لازالوا إلى الآن يتذكرون جرائم الإبادة التي ارتكبها النازيون ضدهم إبان الحرب العالمية الثانية والتي نجم عنها مقتل الآلاف منهم في أفران الغاز تحت ذريعة أنهم من الجماعات المنحطة، وفي وقتنا الراهن يتم استهدافهم كلما تفاقمت الأزمات الاقتصادية في أوربا حيث يتحولون إلى ورقة رابحة لصرف الأنظار عن تلك الأزمات فيتم حرق منازلهم وقتلهم وطردهم من عملهم بحجج وذرائع شوفينية صرفة.

ولأن الدولة كما يقول عالم السياسة الفرنسي جورج بوردو تشبه الإله الروماني " جانوس" ذي الوجهين، العابس الذي تطبعه كل الأهواء والألاعيب السياسية والمشرق الذي يعكس حكم الحق، فإن تلك الانتهاكات حدثت بالتزامن مع جهود أجيال جديدة من الغجر نجحت في كسر حاجز الصورة النمطية عنهم بمواصلة تعليمها وتسلم مناصب مهمة وتوظيف ورقة مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني من أجل الدفاع عن قضاياهم والحصول على أكبر قدر من المواطنة

 

الكمان وحيدا .. وحزينا

ارتبط الغجر بالموسيقى عزفا وغناء ورقصا "وتعتبر موسيقى الفلامنكو الدليل الأكثر سطوعا على تطور الموسيقى الغجرية، حيث نمت تلك الأنغام في أحضان قيم الأندلس التقليدية المتوارثة، لتغدو أهم أنواع الموسيقى المفعمة باستعراض الأسى والخسارة التي عاشتها المنطقة مند قرون"، كذلك أبدع غجر تركيا في اختراع فن " الأراجوز" وكلمة " أراجوز" بالمناسبة هي كلمة تركية تعني صاحب العينين السوداويين، وهي التسمية المطلقة على شخصية غجرية فكاهية وساخرة كانت بمعية أحد الوجهاء الأتراك بإسطنبول وتعرضت للعقاب من قبل أحد السلاطين الأتراك نتيجة حنثها بوعد الانتهاء من بناء جامع بمدينة بورصة التركية في القرن الرابع عشر الميلادي . ...

في ختام زيارته لعوالم الغجر يستعرض مؤلف الكتاب جمال حيدر الحديد من أساطير الغجر ومن بينها أسطورة بعنوان " الكمان وحيدا..... وحزينا"تقول تلك الأسطورة :-

" مارا... شابة غجرية تقطن إحدى الغابات برفقة والديها وأشقائها الأربعة وقعت مارا في غرام شاب غير غجري معروف بالشجاعة، غير أنه لم يعرها انتباها، رغم جمالها، فالتجأت إلى الشيطان طلبا لمساعدته لاستمالة الشاب وان يقع في حبال عشقها .

وافق الشيطان وطلب منها أن تسلم إليه جميع أفراد أسرتها، فصنع من أشقائها الأربعة أوتارا ومن والدها صندوقا مجوفا، أما والدتها فصنع منها القوس، ليغدو بالتالي أول كمان في تاريخ البشرية لتعزف عليه مارا وتسحر الشاب ويقع في غرامها، غير أن الشيطان كعادته لم يكشف بذلك فأبعدهما عن الغابة لتبقى آلة الكمان وحيدة وحزينة .. مر غجري بسيط في الغابة ليجد الكمان ويتعلم العزف عليه ليطوف المدن والقرى ناشرا الحانة في كل مكان".

هذه هي أبرز تفاصيل الزيارة المعرفية الشائقة التي قام بها جمال حيدر إلى عوالم الغجر المجهولة، زيارة سيتعرف القاري على المزيد من مضامينها وأسرارها عند مطالعته لسطور هذا الكتاب الذي نجح حيدر في كتابته بلغة مفهومة ومبسطة بعيدة عن ما وصفه فيليب برو بعالم التعبيرات المخيفة للمتلقي......

الجهد المبذول في هذا الكتاب جهد يستحق الاحترام والتقدير وذلك الرغم من كل الملاحظات المتعلقة بترتيب وتصنيف فصوله الثمانية وغياب الإحصائيات ورأي المؤلف في العديد من المحاور والوقفات التحليلية شكرا جمال حيدر....

 

بقلم: عـز الدين اللواج

كاتب وباحث ليبي

 

قراءة في نصوص من كتاب (خمّارة البلد) للأديب سلمان ناطور

hyam qabalanبين منفى ومنفى وخمارة البلد التقى مبدعان، واحد حمل ريشته وراح يخربش العالم،والثاني يكتب بقلمه عن ذاكرة وطن وذاكرة انسان.

بين غربة حالم وبين كأس اجتمع عاشقان لوطن واحد، ومن خلال صور كاريكاتيرية خاصة لناجي العلي تجاوز الأديب سلمان ناطور في كتابه خمارة البلد حلم المنافي وفسحة الأمل، في لقاء سريع عبر خط الهاتف ولمرة واحدة مع حامل الريشة ناجي العلي، كان يفصل بينهما خط الهاتف الممتد تحت البحار من حيفا الى لندن، انقطع الخط وتساءل سلمان :ربما عاملة البدّالة الدولية تنصت الى كلامنا،لم يجب على سؤال ناجي كيف حال (السّجرة) ؟ اتفقا أن تكون مجموعة سلمان الجديدة أحمد الحاضر في الوطن، حنظلة المغترب، فاطمة في المخيم ورابعة بنت عبد القادر، كلّ هذا وناجي وسلمان يعيشان حالة من الخيال والتحليق العبثيّ والسخرية المميتة، وفي قلب كلّ واحد حنين وشوق ملتهب وغضب ..!

استمر ناجي بالرسم والحلم، بماذا كان يحلم هذا المغترب الذي يدعى ناجي العلي؟ هل كان يحق له أن يحلم؟ اذن لماذا قتل تساءل سلمان.

هذه الجزئية من الحلم المنزوعة من (فسحة الأمل) وكأنّ المعركة في عبثية الأحلام مبنيّة فقط على فسحة من أمل، هي شيفرة اذن،هي اللغة الواحدة بين المغترب في الوطن والمغترب في المنفى،غربة الذات وغربة الروح،غربة المكان والدخول في حالة من التأمّل،قد يعتقد البعض أن الغربة هي فقط الانسلاخ عن المكان عن الأرض وعن البيت وعن العائلة بينما تكون الذات في حالة من التشظي والاغتراب داخل الوطن فهل من الممكن أن تغيّر فسحة الأمل الواقع بكل ما فيه من ألم وضياع؟

في قصة سلمان التي حمّلها عنوان : حمل ريشته وراح يخربش العالم، أكتب ما تشاء وأنا أرسم ما أشاء،يلتقي فيها وطنان حين سأل ناجي العلي عن (السّجرة) قرية ناجي العلي والتي تقع على تلة متوسطة الارتفاع الى الجنوب الغربي من مدينة طبرية وتحيط بها قرى لوبيا وطرعان ومجموعة من الخرب فيها معالم أثرية وتاريخية ومن أبرز أحداثها معركة الشجرة التي استشهد فيها القائد عبد الرحيم محمود عام 1948، تحيط بالشجرة حطين وكفر كما وكفر كنا وعرب صبيح اضافة الى مستعمرة السجرة اليهودية " بالسين"حيث تمّ هدم القرية وتشريد أهلها وتوزّع اللاجئون على مناطق حمص ودرعا ولبنان والأردن، وناجي العلي هجّر من القرية عام 1948 بعمر عشر سنوات الى مخيم عين الحلوة في لبنان، وبدأ بالرسم على جدران المخيم والحفر بالطباشير .

سؤال ناجي لسلمان عن قريته كان يبحث عن طفولته الضائعة التي فقدها والتي زارته في أحلامه وهي كما يقول سلمان : لا تبعد عنّا أكثر من ساعة ليست ضوئية بل تثبّتها عقارب (السايكو) اليابانية العازلة للماء والمقاومة للصدمات.

بماذا كان سيجيبه سلمان لو تواصل الخط بينهما هل سيزرع في نفسه الأمل ويجبر بخاطره وبأنّ (السجرة) بخير وكل شيء على ما يرام ؟ مثلما تركها،، تلك القرية المهجورة المنتظرة على تلال الوعد عودة أهل القرية الى بيوتهم والتي تركها ناجي طفلا صغيرا تجاوز العاشرة فقط، ماذا سيقول له وهو يدرك أنّ خمارة البلد سيأتي يوم وتغلق، هل كان أبو نواس سيقيم فيها طويلا بعد أن (عاج الشقيّ على رسم يسائله)؟ وما معنى أن يختزن في ذاكرة ناطور بيت الشعر لأبي نواس الملقب بشاعر الخمرة وعلاقته بخمارة البلد التي ضمّت الصعاليك والفقراء والهاربين من الواقع ؟ ففي مفهوم النّواس الخمرة تبعد الشاعر عن البكاء والخمرة تفرّق بين الروح والجسد، أي ينسى شاربها الواقع وتأخذه الى التأمّل في الكون بعيدا عن المشاكل والاحساس بالوجع، بعيدا عن واقع لا حلّ له، ومن الشقي هنا غير الشاعر الذي يبكي على الأطلال التي هجرها ؟   فيتوارد الى الذهن بيت لامرىء القيس (اليوم خمر وغدا أمر) والسؤال هل بقي من الأمر الاّ صيغة الفعل وأمر السلطان لجلاده أن ينزل على ظهر الفقير الصعلوك خمس جلدات أو بأن يأمر بمكافأة مرتزقة ؟ هذا هو الحال يا ناجي العلي، الأمر والنهي ربما يشكّلان الحد الفاصل بين الاّمر والمأمور والظالم والمظلوم والسيّد والعبد .

هذه الاشراقات المجنّحة لكلّ من صديقين لم يلتقيا بل سخرا من واقع دفعهما للكتابة والرسم، سخرية مشبعة بالغضب تحفّها ومضات ضاحكة قليلة تترك على المحيا رائحة صفراء بلون الحلم العابث ربما يقلب الأمور أو يغيّر شكلها ولونها وتبقى خمارة البلدة يجلس فيها صديق فقير هو نفسه الصعلوك الذي صوّره ناجي العلي على صفحات (المهماز) يرفع كأسا ويهمس : اليوم خمر وغدا أمر، لم يكن يعرف هذا المسكين أن اليوم الضوئيّ أطول بكثير من عشية وضحاها، وحين علم أمرؤ القيس بمقتل والده قال بعد فراغه من اللهو: ضيّعني صغيرا، وحمّلني دمه كبيرا، لا صحو اليوم ولا سكر غدا، اليوم خمر وغدا أمر، وفي الخمارة يكتب سلمان ما يشاء ويرسم ناجي العلي لها ما يشاء هي حالة من التحليق العبثيّ بروح تحترق تنفصل عن الجسد بلحظات مسروقة من واقع تكالبت عليه الكوارث وامتدت اليه الايادي لتلوي عنق ليله.

كلّ شيء الآن تغيّر وكبر، الاّ ناجي العلي ظلّ طفلا تجاوز العاشرة فقط، حاملا ريشته وقلمه يخربش العالم كما تحمل قصفة (التين)، يخربش على التراب ويرسم أحلام طفولته مع أصدقائه الذين حين كانوا يشاغبون يأمروهم (روحوا انطروا التينات)،، أليست هذه مهمة أيضا، حماية التينة أو نواطير التينات الذين حملوا الرسالة من منفى الى منفى لكن ليس من تينة الى تينة؟

أوجعتنا يا صديقنا الراحل الأديب سلمان ناطور، في نصّك لست ناطور الذاكرة فقط بل (الناطور) لبيوت من كومة حجارة وأشواك عالقة على سطوح المنازل وبأنّ ما بقي من سؤال ناجي العلي عن قريته (السجرة) هو أصدق شهادة على همجية تنبت من تحت سياطها تينة ما زالت تورق وتحمل وتحمل ..!

من كتاب (خمّارة البلد) للأديب سلمان ناطور قصص كاريكاتيرات خاصة لناجي العلي: هيام مصطفى قبلان

 

الحق في العلمانية.. كتاب جديد في المكتبات

863-mobarakعن دار أفريقيا الشرق صدر حديثا (2016) كتاب معنون بـ"الحق في العلمانية" للباحث مبارك أباعزي. جاء الكتاب في 136 صفحة، وهو من القطع المتوسط. وجاء ضمن مواده: محنة العقل الناقد، العلمنة في التراث الإسلامي، موسم الهجرة إلى الشام، براءة داعش، التكفير والتقتيل، العلمانية والإلحاد والأخلاق، الإسلام السياسي وصول سياسي.

863-mobarakنقرأ في مقدمة الكتاب قول الكاتب: "التبس الدين بالسياسة لما أصبح ملاذَ الوصولية السياسية في محراب عبادة الأهواء والمطامع، حتى أصبح عسيرا على الناس مَيز خطاب الآخرة عن خطاب الدنيا، ومقاصد الله من مقاصد الشيطان".

ونقرأ فيه أيضا: "إن فضل فصل الدين عن السياسة، وجميلَ ضمان حرية المعتقد، وترسيخ هوية واحدة هي هوية الوطن، تلك في نظري أهم الفوائد التي يمكن أن يجنيها القارئ من هذا الكتاب".

 

 

وشهد شاهد كتاب جديد للأديب المغربي ميمون حرش

864-hirshبعد إصدارات أربعة في صنف السرد يطل علينا الكاتب المغربي ميمون حرش، هذه المرة، عبر جنس المقال بمؤلف عنونَه بـــِ "وشهد شاهد "، وهو إصدار ه الخامس في طبعته الأولى عن مكتبة سلمى الثقافية بحمامة الشمال تطوان، كتب مقدمتَه الناقدُ الخضر الورياشي، ورسم لوحته الفنان الأمازيغي عبد الرحمان الصقلي، .

864-hirshالمؤَلف متوفر للقراء في كل نقط البيع التابعة لشركة سوشبريس بمختلف المدن المغربية، وهو عبارة عن مقالات وشهادات من الواقع المعيش تتماهى في مجملها ما بين البعد السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، وحضور الجانب المحلي فيها لافت ...

والكاتب والقاص ميمون حرش ابن مدينة الناظور المغربية، عضو اتحاد كتاب المغرب /فرع الناظور، كاتب عام جمعية “جسور للبحث في الثقافة والفنون ” الحريصة على تنظيم، كل سنة، المهرجان العربي للقصة القصيرة جداً..

نال عدة جوائز، منها جائزة النور للإبداع العراقية عام 2014..

صدر له:

- "ريف الحسناء"في القصة القصيرة سنة 2012- مطبعة Rabat Net( الطبعة الأولى)، والطبعة الثانية سنة 2015 عن منشورات الموكب الأدبي / وجدة.

- " نَجِــيُّ لَيْلَتي" في القصة القصيرة جدا ًسنة 2013- مطبعة Rabat Net،

-  "النظير" في القصة القصيرة 2015 مطبعةRabat Net،

- "ندوب" في القصة القصيرة جداً 2015- مطبعة Rabat Net..،

هذا فضلا عن المشاركة مع ثلة من المبدعين العرب في مُؤلفات:

- "عطر الفجر"في القصة القصيرة جداً..

- "إشراقات" كِتاب رقمي في القصة القصيرة جداً..

- "جسور" في القصة القصيرة جداً ..

 

 

أوراق الدفلى رواية جديدة للروائية نيران العبيدي

862-neeranصدر عن دار ضفاف للنشر (الشارقة - بغداد) رواية جديدة للكاتبة العراقية المغتربة نيران العبيدي بعنوان (اوراق الدفلى). تتحدث الرواية عن حكايات البطلة التي كانت بمرارة اوراق شجرة الدفلى، وعن علاقتها بشكل واخر باليسار العراقي.

862-neeranوهي بعملها هذا وإن كان عملا روائيا لكنها تحاكي أحوال اليسار وما اصابه من تحولات على مر السنين. وقد سبق لدار ضفاف للنشر أن أصدرت للكاتبة رواية (منعطف الصابونجية) التي حازت على اعجاب كبير من القراء والنقاد، وقد كتب عنها الكثير من الدراسات

 

النثر العراقي المعاصر باللغة الروسية

هذا حدث ثقافي كبير ومتميٌز وبارز في روسيا الاتحادية بالنسبة للعراق بلا أدنى شك. لقد صدر كتاب بالروسية عنوانه – (لؤلؤة الشرق)، وبعنوان ثانوي تحته هو – النثر العراقي المعاصر.

 يقع الكتاب في 432 صفحة من القطع المتوسط، وقد اصدره  فرع (اتحاد ادباء روسيا) في مدينة بطرسبورغ  نهاية عام 2015 وباشراف اندريه  أندريوشكين  واولغا فلاسوفا.

 يتضمن الكتاب المذكور مجموعة مختارة من رواية وقصص طويلة وقصيرة  عراقية، والتي تم ترجمتها من العربية مباشرة الى الروسية لادباء عراقيين معروفين . كانت تصدر مثل هذه الكتب في الفترة السوفيتية بين حين وآخر، لكن هذه الظاهرة توقفت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، ولم يصدر اي كتاب يتضمن نتاجات الادباء العراقيين منذ ذلك الحين حسب علمنا . والآن يصدر مثل هذا الكتاب بعد ربع قرن من الزمان وبهذه الصيغة الواسعة والمتنوعة، اذ تضمن  الكتاب نتاجات  مجموعة كبيرة من الادباء العراقيين المعاصرين، وهنا بالذات تكمن اهمية هذا الكتاب طبعا وقيمته بالنسبة للعراق وثقافته ومسيرة الحركة الادبية فيه .

 يحتوي الكتاب على ثلاثة فصول .  توجد في بداية الفصل الاول مقدمة تقع في 13 صفحة بعنوان (روحية الادب العربي) بقلم اندريوشكين، الذي ذكرنا اسمه اعلاه كواحد من المشرفين على هذا الكتاب. تتناول هذه المقدمة سمات الادب العربي عموما وخصائصه والعراقي بالذات طبعا وتؤكد على (المستوى الرفيع) لهذا الادب، وتشير المقدمة الى بعض اسماء الادباء العراقيين الكبار وتعتبرهم (معروفين عالميا)، وتشيد بالاسماء الادبية الجديدة، والتي تنشر نتاجاتهم في هذا الكتاب بالروسية لاول مرة . بعد هذه المقدمة تأتي رواية سامي النصراوي بعنوان (لؤلؤة الشرق)(والتي اطلق عنوانها على هذه المجموعة القصصية باكملها) وتقع الرواية في 126 صفحة (عنوان الرواية الاصلي بالعربية  هو – ما وراء الاسوار، ولكن مترجمتها المستشرقة الروسية المعروفة اولغا فلاسوفا (وهي احدى المشرفين على الكتاب كما أشرنا اعلاه) ارتأت تحوير عنوان تلك الرواية بهذا الشكل على ما يبدو، ولا ادري لماذا، ولا ادري ايضا هل تمتلك الحق بذلك، وربما اعتبرت المترجمة هذا العنوان الجديد جذٌابا  للقارئ الروسي اكثر من العنوان الاصلي، ويشير كاتب المقدمة الى العنوان الاصلي للرواية، ولكنه لا يعطينا تبريرا او سببا  لتبديله بهذا الشكل) . ثم ينتهي الفصل الاول هذا  برواية سعدي المالح (بانتظار فرج الله القهار) (يسميها الكتاب - رواية قصيرة) وتقع في 72 صفحة.

الفصل الثاني  لهذا الكتاب جاء بعنوان (القصة القصيرة العراقية المعاصرة) ويتضمن قصصا ل (13) قاصا عراقيا، وهم حسب تسلسلهم في تلك المجموعة القصصية كما يأتي --

محمود السيد //  محمد ابراهيم محروس   // حسن بلاسم // جبار ياسين // سلمان رشيد سلمان //  صباح الربيعي  // حسن العاني //  لطفية الدليمي  // سلوى زكو // خضير الحميري   //  هناء حسن غايب  //  محمد خضير  // يوسف الشيخ  //، وقد تم  اختيار القصص  من مصادر عديدة  ومتنوعة (انترنيت، كتب ...) منها  مجموعة القصص العراقية التي صدرت بالعربية والانكليزية في كتاب بعنوان – (جروح في شجرالنخيل) الصادر في بيروت عام 2007، والذي ارسلته مشكورة في حينها زميلتي الدكتوره سلوى زكو، الصحفية والاديبة العراقية المبدعة .

 الفصل الثالث في الكتاب جاء بعنوان (قصص كلاسيكيٌ القرن العشرين)، ويبتدأ  بادمون صبري  ، ثم عبد الملك نوري،  ثم شاكر خصباك واخيرا  سعدي يوسف.

يختتم واضعا المجموعة القصصية هذه كتابهما  بتعريف وجيز عن كل الادباء العراقيين الذين جاءت نتاجاتهم في هذه المجموعة القصصية، ومن الواضح تماما ان تلك المعلومات الوجيزة كانت غير متناسقة وليست على وفق نظام موحد ودقيق،  لأنها تعتمد وتستند على المصادر العراقية ، وهي كما هو معروف نادرة ومرتبكة جدا او غير موجودة اصلا بالمعنى العلمي والسليم، اذ لا يوجد لدينا مع الاسف دليل لادباء العراق او لتاريخ الادب المعاصر عندنا (عدا محاولات شخصية قام بها بعض الباحثين، وهي محاولات علمية جادة طبعا ولكننا لم نحاول ايصالها الى المكتبات العالمية، بل لم نفكر حتى بذلك، ولم نفكر ايضا بترجمتها الى اللغات الاخرى). والحديث عن هذا الموضوع يؤدي بنا الى نقطة اخرى مهمة جدا، وهي اننا لم نحاول ايضا تقديم ادبنا (وليس فقط ادبنا) الى العالم، ولا يوجد بالروسية مثلا كتاب او حتى كتيب عن جواد سليم او الجواهري او او او... الخ، ولهذا كله، فاننا يجب ان نكون شاكرين وممتنين لاندريوشكين وفلاسوفا وفرع اتحاد ادباء روسيا في بطرسبورغ والى كل الذين ترجموا من العربية الى الروسية هذه المجموعة القصصية العراقية، والى كل من ساهم بانجازها (وأخص منهم بالذكر اوليغ بافيكين – مسؤول العلاقات الخارجية في اتحاد ادباء روسيا، والعراقية المقيمة في روسيا الدكتورة يافعة يوسف جميل – استاذة اللغة العربية في جامعة بطرسبورغ، اذ انهما أدٌيا دورا هاما في انجاز هذا العمل الابداعي الجميل). لقد قام هؤلاء جميعا بعمل هائل لتقديم ادبنا الى القراء  في روسيا، واننا يجب ان نصفق لهم .

من نافل القول ان أشير، الى ضرورة دراسة هذا الكتاب في قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد دراسة تحليلية عميقة وشاملة، اذ يمكن لهذه الدراسة ان تمنحنا عدة مواضيع لكتابة اطاريح ماجستير في علم الترجمة المقارن بين اللغتين العربية والروسية . وأخيرا، ربما يتبنى اتحاد الادباء والكتٌاب العراقيين لمناسبة صدور هذا الكتاب توصية بشأن وضع اسس للتعاون اللاحق مع اتحاد ادباء روسيا (خصوصا وانه  يوجد اتفاق تعاون مشترك بينهما)، بحيث نرى في المستقبل اصدارات بالروسية لنتاجات ابداعية عراقية في روسيا، واصدارات بالعربية لنتاجات ابداعية روسية في العراق، وذلك بشكل دوري ومنتظم ومحدد، وعلى وفق اسس  خطة علمية رصينة تبتعد عن الاجتهادات الذاتية.

 

أ.د. ضياء نافع

 

مجلة دراسات البصرة في عددها الجديد

qusay askar (قبل البدء اود ان أوضح اني لا أحبذ ان اكتب عن موضوع ما او كتاب ما يتحدث عني وعن ادبي لكن وانا اطالع مجلة دراسات البصرة التي وصلتني قبل ايام قرأت بحوثا ممتازة حسب رأيي فوددت ان ابين وجهة نظري وملاحظاتي عن تلك المجلة)

 في البصرة هذه المدينة العراقية  العريقة صدر العدد العشرون  السنة العاشرة ٢٠١٥،من مجلة (دراسات البصرة) وهي مجلة علمية محكمة نصف سنوية تصدر عن مركز دراسات البصرة والخليج العربي  التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي / جامعة البصرة.

والمجلة أساسا مختصة بالشان البصري ماضيا او حاضرا او مستقبلا ، وقد اشتمل العدد الذي نحن بصدد الحديث عنه على المواضيع التالية:

دراسة تأثير الأنواء الجوية على مياه شط العرب.

دراسة بعض العوامل المؤثرة في حدوث مرض داء السكري في محافظة البصرة- دراسة احصائية تطبيقية.

860-qaysواقع خدمات الإرشاد التربوي لدى طلبة جامعة البصرة.

فقهاء البصرة الشيخ عبد الهادي الفضلي انموذجا دراسة في اثاره.

الشعر المهجري المعاصر قُصي عسكر نموذجا

صور الطبيعة في شعر السياب قصيدة (أنشودة المطر) انموذجا.

جمال الطبيعة في شعر ابي نؤاس.

دواعي الشعر وحوافزه  في الادب العربي القديم.

وهناك ايضا بحث باللغة الانكليزية عنوانه :

Salinity Intrusion In SHATAL-ARAB RIVER

تسرب الملوحة الى مياه شط العرب

  والذي يلقي نظرة على المواضيع أعلاه يجد انها تراوحت بين  الفيزياء والطب وعلم النفس والدين والأدب ، ولعل المواضيع الطبية والعلمية مهمة لكون من الف فيها مختصين بل هم  اساتذة قديرون لكن الذي يعنينا نحن المنتمين الى عالم الادب ان نستعرض البحوث الادبية  المنشورة في تلك المجلة.

البحث الاول عن شعر المهجر للباحثة الدكتورة السورية هدى صحناوي استاذة الادب العربي في كلية الآداب بجامعة دمشق وقد اختارت شعر الشاعر المهجري قُصي الشيخ عسكر انموذجا حيث وردت في بحثها المعاني التالية:

مقدمة البحث ذكرت الباحثة فيها هجرة العرب في ستينيات القرن الماضي  واستمرار تلك الهجرة الى اليوم ثم سعة تلك الهجرة وما خلفه المهاجرون من نتاج ثقافي في بلدان المهجر الجديدة.

  وذكرت الباحثة في مقدمتها سبب اختيارها الأديب قُصي عسكر فذكرت ان اول ثلاث مجموعات صدرت للشاعر طبعها في دمشق ، ودراسته في جامعتها،اما السبب الثاني فهو نتاج الشاعر اذ يرى بعض النقاد والأكاديميين مثل الناقد العراقي الدكتور عبد الرضا علي ، والباحث الأردني الدكتور عبد الرحيم مراشدة ، والباحث الدكتور هادي نهر ان الشاعر عسكر مجدد الادب المهجري المعاصر. والسبب الثالث هو تاثر الشاعر بما شهدته الحياة الثقافية من نشاط خلال وجوده في دمشق ثم هجرته  الى أوروبا فيما بعد.

  ثم يأتي التمهيد الذي يعرف معنى أدب المهجر وذكر المصطلح الذي يعني الوطن البديل والاغتراب، ثم تأتي الشاعرة الى ذكر مواضيع الاغتراب التي ذكرها الشاعر وهي الوطن،الوطن هو الشاعر نفسه،الوطن مجموعة من المتناقضات الايجابية، الوطن هو التاريخ المقدس، الكائن الحي، الوطن هو قلب الشاعر، الوطن البديل، اما المفهوم الثاني فهو الحنين والحنين المركب الذي يختفي بمفردات مماثلة، الحنين لازمة ضرورية، اتجاه الحنين ، المفهوم الثالث المكان، ومن ذلك نجد احتواء المكان للزمان،وحركة مكان باتجاه مكان اخر، سبق الزمان على المكان، والمكان الجزئي او الصغير، وتعالج الباحثة ايضا الزمن وتقسيماته عند الشاعر فتعرفه وتبين أنماط الزمن ومرادفاتها والزمن النفسي، وقد تضمن البحث جداول مقارنة ورسومات بيانية وايضاحية .

اما البحث الثاني فكان بعنوان صور الطبيعة في شعر السياب / قصيدة أنشودة المطر انموذجا للباحث للدكتور سلام حديد رسن ، فقد بدا الباحث بحثه بملخص مفاده ان صور الطبيعة تشغل حيزا كبيرا في شعر السياب  سواء الحية منها ام الصامتة لتوصيل الامه وعواطفه الانسانية ، وفي التمهيد يعالج الشاعر الصورة اولا  لان الشعر فن استخدام الصور الموحية والمعبرة ثم كان المفهوم الثاني وهو عنوان الشاعر والطبيعة حيث ظهرت علاقة السياب مع الطبيعة بشكلين الاول علاقة خاصة بالبيئة التي عاش فيها وهي قريته او مدينته وكل مافيها من ريف ومظاهر طبيعية حية او جامدة ، ويكون الشكل الثاني علاقة عامة بمظاهر الطبيعة وعوالمها اي العالم والكون الفسيح.

والنقلة الثالثة التي نجدها في البحث القصيدة محور البحث وهي أنشودة المطر ثم تأتي النقطة الرابعة وهي بعنوان القصيدة ورؤيا الشاعر فيشير الباحث الى امر مهم هو ان الشاعر كتب هذه القصيدة خارج العراق، وهو هارب من السلطة عام ١٩٥٢ اذ عد النقاد قصيدة أنشودة المطر تحولا نوعيا في المنجز الشعري للسياب، وفي الشعر العربي المعاصر برمته، يمكن ان نسميها القصيدة النقلة وقد اطلق الشاعر اسمها على اهم دواوينه ، واهم ما ميز قصيدة أنشودة المطر ما عدا البنية الموسيقية الجديدة هو انها جمعت بين الرومانس والطبيعة والسياسة.

  كذلك لم يغفل الشاعر البناء الفني في القصيدة  لقد أورد الباحث ان نجاح المطلع او المقدمة يكمن في الموازاة بين عيني المرأة والطبيعة وهذا امر لا شك فيه ويرى ان تعبير" شرفتان راح ينأى عنهما القمر" امتداد للصورة الاولى وهذا ايضا صحيح لكنه نسي وهو ابن البصرة ان جيكور تقع على جرف شط العرب وسط غابة نخل ومقابلها عبر الجرف الثاني غابة نخيل لمنطقة " الشلهة" فهناك غابتان فعلا يمر بهما شط العرب فتصبح الأنثى هي النهر وعيناها هما الغابتان ومازال المنظر كما هو ولا أظن ان الحرب خربته وفق تصوري، فمن دون مفهوم وجود غابتين لواقع رَآه الشاعر وعايشه لا يمكن فهم الصورة.

 ويتحدث الباحث في موضوع الأسطورة  فيرى ان الأسطورة والعودة اليها من قبل الشاعر ليست حلية جمالية بل ان السياب وظف الأسطورة مستغلا مافيها من دلالات فكرية عميقة فنجد انه كرر بعض الأساطير في شعره مثل أسطورة الحياة والموت  مستدلا - الباحث- برأي الناقد الدكتور عبد الرضا علي الذي يرى ان في شعر السياب ثيمات أسطورية متكررة افاد منها الشاعر في تركيب صوره.

الموضوع الاخر الذي أشار اليه الباحث هو قضية التكرارمثل كلمة مطر الذي تتكرر في القصيدة  وغيرها من كلمات ذات دلالات موحية ككلمة محار وغيرها.

والموضوع الأخير في البحث هو التلميح ويعرفه الباحث انه الإشارة الى حدث او قصة مشهورة من دون ان يتم التعريف بهذا الحدث او تلك القصة  مثل الإشارة الى كلمة ثمود التي وردت في قصيدته الشهيرة أنشودة المطر.

البحث الثالث كان عنوانه "جمال الطبيعة في شعر ابي نواس" للباحثة وجدان صادق صدام الذي تناولت فيه رؤية ابي نواس الشاعر البصري الشهير للطبيعة وتعامله معها وتفاعله وانفعاله بها فرات في التمهيد ان الطبيعة احد مصدري الجمال في الكون ، فيما حددت المصدر الثاني بالفن، فأشارت الى تفاعل الشعراء القدامى مع الطبيعة حتى دخلت عالم ابي نواس وشعره فجعلت احد مواضيع بحثها الليل والأفلاك عنوانا نحى ابو نواس في شعره اليه بحكم  انهماكه في مجالس الشرب فجاءت بعض صوره لتنهج  منهج  القدامى مضيفا اليها الشاعر نفسه التجديدي فهو خلال سهرته مع الخمرة يتحدث عن الليل والأفلاك وطلوع الفجر فيقارن بين الليل ومظاهر الطبيعة  والأفلاك فهو  ينبه  جماعته الهاجعين الى غياب الجوزاء وارتفاع كوكب النسر ، ونجده يتحدث عن مظاهر الطبيعة من حيوان ونبات وانهار وأشجار ولا يقف عند هذا بل يذكر الاطلال. وهو الموضوع الثاني الذي ذكرته الباحثة  فتشير ان الشاعر ذكر الاطلا ل في مقدمات قصائد المدح التي اتجه بها الى ممدوحه مع كونه يصرح احيانا انه مضطر الى ذلك حتى انه يذكر الخمرة مع ذكره الاطلال.

ولكون المملكة العربية توسعت في زمن الشاعر وانقطع كثير من العرب عن اجواء البادية واسبابها  فظهرت في شعر الشاعر نتيجة لذلك مفردات جديدة نادرا ما استخدمها الشعراء القدامى مثل مفردة  السفن جمع سفينة التي جعلتها الباحثة عنوانا لآخر البحث.

الموضوع الرابع

دواعي الشعر وحوافزه في الادب العربي القديم للدكتور خالد صكبان حسن  الذي تحدث فيه الباحث عن دوافع الشعر وحوافزه فتطرق الى الدواعي النفسية  التي تلقي بظلالها على الشاعر كما حدث لجرير في احدى الحالات التي باشر بها الهجاء ، ومن ذلك الإشارة الى الحروب وهي رأي ابن سلام الذي لا يسلم الباحث بصحته فيرى انه ليس بالحروب وحدها يُستدعى الشعر.

  ومع أهمية البحوث التي استعرضناها فان لنا بعض الملاحظات التي لا تقلل من مركز المجلة العلمية ولا من البحوث تلك لانه ليس هناك من شيء متكامل مائة بالمائة  فنسجل ادناه بعض الملاحظات التي تختلف وجهة نظرنا من خلالها  مع الباحثين المحترمين، وهي:

ذكرت الباحثة الدكتورة صحناوي انها اتبعت ثلاثة مناهج في دراسة شعر الشاعر قُصي الشيخ عسكر وَيَا حبذا لو اضافت المنهج النفسي الذي يضفي على الدراسات الادبية الجامعية غنى ويبرز صور الشاعر واستعارته من خلال إسقاط نفسيته عليها.

في البحث الذي عنوانه " صور الطبيعة في شعر السياب" عرف الباحث الدكتور سلام حديد رسن  الصورة كونها" ما تولده اللغة في الذهن من صور ، بحيث تحيل الكلمات او العبارات اما الى تجربة ما او الى انطباع حسي" فقال ماتولده اللغة  من صور ولو قال من تراكيب لصح  اذ ان تعريف الشيء بنفسه لا يجوز من الناحية المنطقية كما  نقول علم الكيمياء هو العلم الذي يعالج الموضوعات الكيمياوية فنعرف العلم بنفسه والكيمياء بنفسها  وكان على الباحث ان يعتمد احد تعاريف الصورة ومنها هذا التعريف(هي المادة التي تتركب من اللغة بدلالتها اللغوية والموسيقية، ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والطباق وحسن التعليل ) زِد على ذلك ان الناقد السوري المعروف الدكتور المرحوم نعيم اليافي قد عرف الصورة ودرسها  دراسة موضوعية كان على الباحث ان يرجع الى مؤلفاته.

في البحث الذي بعنوان "جمال الطبيعة في شعر ابي نواس" اشارت الباحثة الى ذكره السفن  في شعره بعد اتساع رقعة الدولة وبروز مظاهر حضارية  جديدة  لكنها لم تشر الى انه كان يلغي الاطلال وذكرها في قصيدة المدح لمصلحة الخمرة اي ان العملية عنده اما ان تكون ابداًلا لتصبح الخمرة عوضا عن الاطلال او تعويضا نفسيامثل قصيدته التي مدح بها الخليفة ولم يبدأ بوصف الطلل بل الخمرة:

غرد الديك الصدوح    فاسقني طاب الصبوح

واسقني حتى تراني  حسنا عندي القبيح

قهوة تذكر نوحا   حين شاد الفلك نوح

نحن نخفيها فيابى   طيب ريح فتفوح

بُح صوت المال مما  منك يشكو ويصيح

اما البحث الموسوم بعنوان " دواعي الشعر وحوافزه في الادب العربي" للدكتور خالد صكبان حسن. فيمثل برأينا خروجا عن خطة المجلة التي ثبتت في ورقتها الاولى انها تعنى بكل ما يخص البصرة من أدب وأدباء وشعراء وقصاصين وكتاب ونقاد وفنانين وعلماء ومجالات اخرى ، وقد ذكر الباحث في بحثه آراء كتاب غير بصريين هم. ابو الفرج الأصفهاني، المرزوقي صاحب الحماسة، ابن قتيبة الدينوري، ابن رشيق القيرواني، ابن طباطبا العلوي، ابن منظور، وذكر رأي اثنين من نقاد البصرة وكتابها هما الجاحظ  وابن سلام الجمحي .

   يبقى البحث بصورة عامة جيدا لكن ما اثار استغرابنا انه لا يخص البصرة بل هو في عموم الادب  العربي والنقد.

  على أية حال هذه ملاحظات عامة  لا تقلل من أهمية تلك البحوث ولعلنا نلتقي مع بحوث اخرى في إعداد اخرى تخص الادب البصري وتبين فعاليات أبناء تلك المدينة وجهودهم في نشر الثلقافة والمعرفة  لا في تلك المدينة فحسب بل في البلاد العربية كلها وابرز دليل على قولنا ان الجامعات العربية تدرس الان في كلياتها النحو البصري وتدرس ايضا شعر السياب  بصفته رائدا للحضارة الشعرية المعاصرة.

 

 

هيئة الكتاب المصرية تصدر رواية سحر البحر

861-karubiصدرت رواية (سحر البحر) للروائي المصري اشرف الخريبي عن مطبوعات الهيئة المصرية العامة للكتاب وتعرض بمعرض الاسكندرية للكتاب 2016 جاءت رواية سحر البحر  في 140  صفحة من القطع المتوسط  تحمل عالما من الشاعرية في تصويراتها المبدعة مع الفكرة المتفردة والتركيب اللغوي المميز لتقترب كثيرا من الشعر وتقول الناقدة المغربية مالكة عسال أن هذه الرواية قد تشبعت بالحداثة في سردها وعالمها الفريد، في مبناها، ومعانيها 861-karubiالمتنوعة ودلالتها،بصياغتها الفنية،والمرامي المستهدفة، وبتشكيلاتها السردية، فالذات المبدعة تمردتْ بوضوح على الوعي الجمالي المألوف، مهشمة المتداول من الأنظمة الأدبية الروائية،الذوقية والجمالية لتؤسس لها آفاقا جديدة، زارعة بذرة الشك في القيم الإنسانية السائدة،متجاوزة المعاني المباشرة الواضحة، لتجسيد رؤى فنية تهتم بالجوهر دون السطح،واللب دون القشور، في بناء مختلف يربط بين الأحداث والشخصيات والزمان والمكان بكل جزئياتها وتفاصيلها في قالب فني مُدهش قافزا عن الحشو والتفسيرات الزائدة لتحقيق التأثير والمتعة والإقناع، لذا اتخذت بلاغة الصور، ومتانة الاستعارة، وانتقاء الألفاظ اتجاها فنيا فريدا، اصطفى فيه المبدع من بين الروائيين المحدثين، باستجابته لقضايا إنسانية، بالتعبير السردي على مواقفه في بعدها الكوني ....

 

الترويكا العراقية وخيولُنا الواهنة

jawadkadom gloomدعوني أعزاءنا القرّاء استعر مفردة الترويكا الروسية لأجرجرها الى واقعنا العراقي ولو لفظيا مادامت تأبى السير في طرقاتنا الوعرة جدا، هذه العربة المسماة بالترويكا والتي تسحبها ثلاثة خيول منتقاة في قوّتها وتحمّلها المسافات الطويلة كانت واسطة النقل الأسرع في روسيا القيصرية وتتجاوز سرعتها الخمسين كيلومترا في الساعة وقد اعتمدت وقتذاك في نقل السكان من النبلاء وعلية القوم وكذا البريد السريع بين المدن المتباعدة آلاف الكيلومترات بما في ذلك المراسلات الحكومية الهامة والسرية وظلت واسطة النقل المفضلة حتى بعد مدّ خطوط السكك الحديدية ووصولها الى سيبيريا

منذ ان اختار السائس الاميركي ثلاثة خيول واهنة خائرة القوى وهي الشيعية والسنية والكردية لتجرّ ترويكا العراق المتهالكة من عثرات الدكتاتورية ومطبات الحكم الأحادي والحزب الحاكم الذي كمد على صدورنا طوال خمسة وثلاثين عاما ونيف، كلها قمع وسجون وحروب، سخرنا كثيرا من هذا الثلاثي غير المرح مع ان همومنا كانت أكثر ثقلا من الجبال لأننا نعلم علم اليقين بان الجياد الاثنية والقومية رخوة الزمام امام جموح شعب متعطش هائج للحرية انعتق توا غير مصدق انه خرج من زنزانة مغلقة بإحكام طوال تلك العقود الثلاثة والنصف

مثل هذا الاختيار المريب من لدن الكاوبوي الاميركي على قيادة العراق أشعرَنا بأننا أمام بلد سيتآكل حتما وتنهك قواه تدريجيا حتى يصل الى ما يسمى بالدولة الهزيلة بحيث يكون كل حصان مستقلا بإسطبله وحده يتسيد فيه وحده تاركين عربة العراق قابعة تنتظر من يحرّكها ؛ ومن اين لنا تحريكها اذا كانت جياد النجيفي وعائلته مثلا ؛ استحوذ عليها الدواعش وأقامت مهرجانها ومسيرتها محتفلة في شوارع ام الربيعين بانتصارها ودخولها فاتحةً ثاني اكبر مدن العراق امام برابرة الالفية الثالثة فكان حريّا بنا ان نطلق عليها  ام الخريفين خريف السلطة وقيادتها الفاشلة وخريف الاحتلال الداعشي

وفي جلسات الندب والبكاء الشيعية التي تقام في عاشوراء وها هي امتدت الى شهور اخرى كان جاري وصديقي البكّاء المؤمن جدا يحضر التعازي والمراثي الحسينية ليذرف الدموع  فور ان يسمع الخطيب او "الروزخون" كما نسميه هنا في العراق وتهطل دموعه نحيبا يصاحبه العويل وقد سألني مرة عن هذا المكنّى ذي الجناح المسمّى "ميمون" ودوره في معركة الطفّ فقلت له ان هذا الحيوان هو حصان الإمام الحسين وقد اضفى عليه كتّاب السيرة الحسينية الكثير من الصفات الفاضلة وأشبعوه إحسانا وإكراما .. غير ان صاحبي الصديق هبّ في وجهي غاضبا منفعلا وفي غمرة انفعاله وقال لي انه كم بكى عليه مرارا في مجالس التعزية ظنا منه انه احد شهداء معركة الطفّ ومن الرجال الخُلّص الذين رافقوا الامام الحسين المظلوم في كربلاء وحالما قلت له حقائق هذا " الميمون" اخذ يندب حظه العاثر وبلادته البائنة ويعاتب نفسه قائلا : مااشدّ سذاجتي فكل هذا البكاء الذي سفحته كان من اجل حصان !!!

هدّأته فقلت له مواسيا لاتحزن فالخيل معقود بنواصيها الخير وهل نسيت أنها كانت تنال من الرعاية والاهتمام ما يفوق كثيرا متطلبات وحاجات المواطن العراقيّ الاساسية، ألم يكن صدام حسين يفضّلها على شعبه ويهيئ لها خيرة الاطباء البيطريين ولها أجمل مكان تمرح فيه في إسطبلات حديقة الزوراء الغنّاء الخضراء وسط بغداد وكان يجلب لها الأعلاف المتميزة المخلوطة بالتفاح وخيرة الفواكه والجزَر يوم كان الحصار ينهش اللحم والعظم والشحم من اجساد العراقيين حتى ان العمال العاملين في تلك الإسطبلات يحسدون هذه الخيول على نعيمها اذ كانت الفاكهة وأطايب ماتتناوله الخيول شبه مفقودة في اسواق العراق ـ والويل الويل لمن يأكل ثمرة من ثمارها أو قضم شيئا من تفاحها اذ كان حرس الإسطبلات يتشممون أفواه العاملين عند خروجهم الى بيوتهم بعد انتهاء الدوام للتأكدّ من انهم لم يقربوا طعام تلك الخيول المدلّلة غير انها بعد الغزو الاميركي وسقوط الطغيان لم تسلم من امتهان كرامتها وإذلال أصالتها بعد ان سلبها السارقون من إسطبلاتها وأخذوا يستخدمونها في جرّ عربات النفايات وقناني الغاز والنفط والحطّ من قيمتها ورِفعتها وأصالتها

يا للعراق المنكوب من أهله ومن قادته ومن خارج حدوده، حصونه وأحصنته هدّها الانهاك والتعب والاستلاب وها هي في أسوأ حال وهيكله المنخور أصلاً تنوشه السهام من كل جانب ولا يدري أيهّا يتّقي حتى غدا طروادة العصر الحديث وضحية المكر والخداع الاميركي ؛ فاذا كان الحصار الاغريقي لطروادة قد دام قرابة عشر سنوات ولم تركع فما على العدو سوى ابتداع حيلة السلام الظاهر (ملمس الافعى الناعمة الجلد، الجميلة القشرة) لكن الجوف والباطن الخفي، ما اكثر سمومه وما اشدها قتلا وهي تماما نفس الخديعة التي مرّرها العم سام وزبانيته، بشّرونا بالتحرير والانعتاق من حقبة الدكتاتورية فهزجنا رقصا وهللنا فرحا وابتهاجا اول الامر، لكن الصدمة التي تلت الغزو ما أكثر مرارتها، ففي جوف حصانها الخشبي طلعت علينا مخلوقات عجيبة غريبة في سلوكها ؛ خليط من الطائفيين والموتورين والمنتفعين والثأريين والكارهين وفاغري الافواه من حيتان النهم والسلب والاستحواذ ممن لايشبعون لو ملكوا الارض كلها رفعوا أبصارهم الى السماء طامعين بها مرخصين لانفسهم انهم يد الله وظلّه في الارض ووكلاؤه وأوصياؤه وبقيّـته، يلهجون بالسلام زيفا وخديعة، وبطانتهم الحروب وخفاياهم ان يداس على تراب العراق بنعالهم ويملؤونه نجساً ودما واحترابا من خلال مليشياتهم التي جاءت وراءهم، هؤلاء البطانة من (انوركسيا الهزال الوطني) المصابين بفوضوية الانتماء لاتربطهم بالعراق سوى الطفولة الهشّة وجلّهم من مزدوجي الجنسيات ولم يترعرع حبّ المنبت والمحتد في سرائرهم بشكل عميق ؛ ومهوى قلوبهم أوطانُهم الثانية التي نضجوا وتربّوا فيها واكتسبوا سمات وصفات لاتمتّ الى بلادهم الاولى، والحبل السرّي العراقيّ قد انقطع عن بطونهم منذ ان رحلوا عنه، هكذا مكرت اميركا ببلادنا تماما مثلما مكر الاغريق بطروادة فأطلقوا المحاربين من جوف الحصان بذريعة السلام والإنقاذ فاذا بدعوة السلام تنقلب حربا شعواء ودماء نازفة وإبادة لشعب منهك من ويلات الدكتاتورية ليقع في ويلات الحروب الداخلية والنزاعات وبثّ الكراهية باوسع نطاق، وغزاة غريبو الاطوار يأتون زرافات ووحدانا تحتل بقاعا واسعة وميلشيات مؤسسة من هذا الطرف او ذاك من جنسيات داخلية وخارجية فاشتبك الحابل بالنابل والعالي بالسافل والسمين بالناحل وصارت أجزاء بلادنا مستعمرات عثمانية وساسانية وأجندات ومجنّدون داعشيون ومتأفغنون وعربان تأسلفوا وتلثّموا، صرنا سوقا للرقيق والسبيّ والنخاسة ومشاجب لاسلحة لا ندري من ايّ منشأ وكيف وصلت الينا واجندات متعددة يأتي بها الأعراب والأغراب كلها هجينة علينا حتى اضحت بلادنا أرخبيل النزاعات المذهبية ورياحه العاتية تأتينا من كل حدب وصوب من اقصى الغرب الاميركي ومن القارة العجوز حتى تصل الشرق العثماني والفارسي وكلها تصبّ بردها وسمومها وغبارها وصقيعها وكأننا مكبٌ التيارات السياسية بأنواعها وانحنت رقابنا وأُرغمنا على القبول على الإرادات المفروضة علينا من الخارج فكانت النتائج دولة هزيلة تتآكل وتذوي يوما بعد اخر حتى تنهك تماما بحيث تفتقد الى النفوذ واستقلالية القرار نهائيا

هل يوجد اكثر من هذا التشويه والمسخ والقباحة والاهانة لبلدٍ أنشأ منذ اول ظهوره نمطا حضاريا متفرداً للرقيّ؟؟

هل يصحّ ان تكون كلّ هذه الفوضى والعبثية والاستهتار بالإنسان لوطنٍ رسخ القانون في أول مسلّة؟؟

حتى متى يتم تغليب القدرات العسكرية وتغييب القدرات العقلية البنّاءة كي نبني إنسانا ونظاما ومدنيةً ووطنا ناهضا؟

لا شئ عندي سوى ان اكتب وقد خارت قوانا ونهكنا حقاً، فما عليّ الاّ أن أذعن لما قال محمود درويش في قصيدته المؤثرة المليئة تفاؤلا: " لماذا تركتَ الحصانَ وحيدا "؟

" وفي الصحراء قال الغيبُ: اكتبْ

فقلتُ : على السرابِ كتابةٌ أخرى

فقال : اكتبْ ليخضرَّ السرابْ

فقلتُ : ينقصني الغياب

وقلت : لم اتعلّمِ الكلماتِ بعد

فقال لي : اكتبْ لتعرفَها

لتعرفَ أين كنتَ وأين أنت

وكيف جئتَ ومن تكون غدا

ضع اسمكَ في يدي واكتبْ

لتعرف من أنا واذهبْ غماما في المدى

فكتبتُ: "من يكتبْ يرثْ ارض الكلام

ويملك المعنى "

الخلود والمجد لك يا درويش لكننا متى نملك (المبنى) الذي نريد ترتيبه وتنسيقه وتعميره بأيدينا ؟؟ !

 

جواد غلوم

 

كتاب ا. د. سعيد جاسم الزبيدي من معجم الجواهري

qusay askarلعل من يقرا شعر الجواهري يجد صعوبة ما في فهمه ومعرفة صوره وتشبيهاته ما لم يرجع في كثير من المواضع الى القواميس اللغوية والمعاجم التي تختص بالمفردات واشتقاقاتها لكون الجواهري شاعرا يستند الى التراث في تركيب صوره الشعرية ومعانيه وتقديمها باطار عصري جديد.

وفق هذا المنظور انصب  جهد الاستاذ الباحث الدكتور سعيد الزبيدي أستاذ النحو العربي بجامعة نزوى ليقدم للمكتبة العربية كتابا جديدا عنوانه (من معجم الجواهري) جمع فيه ووثق ودرس الفاظ الجواهري التي قدمها لمحبي شعره ودارسيه بقالب جديد يتتبع جذر الكلمة اللغوي والصرفي وكيفية تصرف  الجواهري في اللغة من  خلال مقدرته على استيعابها واضافته معنى جديدا او أزاحها نحو معنى جديد اخر.

859-jawahriيبدأ الكتاب بتقديم  للاستاذ الدكتور طارق الجنابي الذي طالب من المعجميين اللغويين ان يؤلفوا المعاجم في لغة الشعراء المعاصرين لان القدامى أهدروا كثيرا من كلمات الشعراء وانتخبوا منها مايناسبهم تأتي  بعد ذلك كلمة المؤلف اذ تحدث فيها عن علاقته بالجواهري والكبيرين اللذين رافقاه في زيارته الى جامعة الموصل وهما الراحلان الدكتور مهدي المخزومي والدكتور علي جواد الطاهر وعن تكليفه من قبل رئيس جامعة الموصل هو والدكتور عبد الرضا علي لجمع مادار في الأمسية التي نظمتها الجامعة للجواهري وطبعه  ثم وضح المؤلف ان فكرة المعجم كانت تراوده زمن اعداده رسالة الماجستير.

بعد التقديم والمقدمة المهمتين يباشر الدكتور الزبيدي معجمه وفق الترتيب الهجائي  فنعرف ان الكلمات تندرج ضمن الإحصاء ادناه:

حرف الألف   ١٠        حرف الباء  ١٨                الضاد      ٧                    اللام     ٧      

التاء        ٤             الثاء       ٣                  الطاء         ٨                  الميم         ٩

الجيم    ١٠               الحاء   ٢٢                    الظاء       ٣                     النون  ٢٣

الخاء    ١٢               الدال      ٩                 العين         ٢٤                   الهاء   ٦

الذال     ٨              الراء       ٣١                الغين       ١٧                     الواو١٤

                                                             الفاء          ١٧

الزاي    ٦              السين     ١٨               القاف        ٩                     الياء ١ كلمة واحدة

الشين       ١٨          الصاد      ١٧             الكاف      ٨

 اي ان  مجموع المفردات  بلغ ٣٣٩ كلمة  بل بيتا من الشعر فالمؤلف بهذا العمل المعجمي أعطى للقاريء فكرة عن طبيعة شعر الجواهري اللغوية، ويدل الامر على الجهد الزمني الذي بذله في جمع مادته التي لابد ان تكون اضطرته ان يراجع شعر الجواهري كله ويتمعن فيه وينعم النظر  مرات ومرات حتى اخرج هذه المفردات ليوضح اشتقاقاتها وتصريفها واراء اللغويين فيها القدامى منهم والمحدثين. من خلال ذلك نفهم طرق الجواهري اللغوية من التامل في المفردة في خلق صوره الشعرية وابتكار المعنى من هذه الطرق التي كشفها لنا المعجم الوسائل التالية:

اولا: التوسع في اللغة:

مثل صفة الابيق يستشهد الباحث بالبيت :

وفروا خفافا فرار الابيق.       يحن الى ربقة الأسر

ثانيا :توليد الكلمات بالاستفادة من المساحة الصرفية في علم الصرف الذي أغلقه القدامى وفق موازين وضعوها أصبحت معروفة شانها شان قواعد اللغة . يقول الجواهري:

مألومة غير مشكور لها سهر   على الحقوق ولا مرعية ذمم

ويقول الدكتور سعيد الزبيدي في اثناء تعليقه على البيت استنادا الى كتاب العين " اشتق الجواهري من الثلاثي اسم مفعول (مألومة) بدلا من متألمة، وهو تصرف جريء".

ثالثا: التزام قواعد بعض لغات القبائل مثل لغة قبيلة بني أسد والخروج عن اللغة السائدة المألوفة "لغة قريش":

وبت ترى مصر اسيانة     تناغي بها مجدها المندثر

فقد استعمل الجواهري اسيانة على لغة بني أسد وليس اسيى على وزن فعلان فعلى.

او كقوله " متعوب" الذي اتبع فيه لغة بني تميم لان الكلمة من تعب ونقول تعب بفتح التاء وكسر العين ومتعب بضم الميم وسكون وفتح  يقول الجواهري:

هواجسا عن فؤاد منك متعوب

رابعا : عالمية الكلمة

لاطلاع الجواهري الواسع  على اللغة العربية من اصولها التراثية فانه  احيانا يختار مفردات عربية تشترك  اللغة العربية فيها مع  لغة اخرى فقد أشار الباحث الزبيدي الى كلمة تحريش يقول الجواهري :

وأوسعها الرذاذ السمح لثما    ففيها من تحرشه اضطراب

فالحرش والتحريش هو أغراؤك إنسانا والتحريش الاغراء بين القوم والكلاب  وفق معاجم اللغة التي يورد ذكرها الدكتور الزبيدي ، اما في  في وسائل الاعلام البريطانية ومنها التلفاز فتتردد كلمة التحرش harsh وفي الدنماركية harsk وهناك قانون في بريطانيا ضد التحرش ويعنون به التعرض للفتيات بكلام او غيره لان التحرش وان كان لفظيا فان فيه نوعا من القسوة  وقد جمع الجواهري المعنيين في بيته الذي أورده وهو من قصيدته " يافا الجميلة":

وأوسعها الرذاذ السمح لثما  ففيها من تحرشه اضطراب

أللثم نوع من الإغواء لطيف والتحرش والاضطراب فيهما عنف.

اي ان ما يثيره الجواهري فينا من حس لتتبع المفردة في اصولها القديمة يدفعنا ايضا الى ملاحظة موقعها عالميا اما مسالة أصل هذه الكلمة أهو عربي ام لاتيني ام جرماني فهذا مبحث اخر يندرج تحت عنوان الكلمات المشتركة بين العربية واللغات الاخرى.

 

خامسا: الاشتقاق الحديث

سوف نتحدث عن الاشتقاق والغلط الشائع  في الترقيم السادس اما الاشتقاق الحديث لما يرد من اسماء اجنبية وأسماء أماكن وشعوب كما اشتق الجواهري المفردات التالية من اصولها غير العربية:

تتركوا تارمنوا    تنكلزوا تهودوا

نقول اشتقاق كالمفردات السابقة تقبله لغتنا العربية لكون الكلمات المذكورة أعلاه لها خصوصية معينة واية لغة تظل حية لابد ان تستوعب المعاصرة والتحول وما يجري ضمن سياق التطور وما يلبي رغبة ابنائها وحاجتهم للتواصل مع الامم الاخرى ونظرتهم لتلك الامم وثقافتها لكن الموضوع يختلف  تماما حين نتطرق الى قضية الخروج عن القياس فيما يخص الموازين اللغوية والصرفية للغة العربية نفسها وهو الترقيم الآتي في مقالتنا هذه.

 

سادسا: الإزاحة والخطأ الشائع

  عنوان الإزاحة replacement دخل اللغة العربية متاخرا ، والخطأ الشائع هو المصطلح المألوف عند المختصين في اللغة مثل الدكتور مصطفى جواد والأستاذ محمد جواد جلال ان الحديث عن الخطا. الشائع يعود الى  أربعينيات القرن الماضي حين كان المرحوم مصطفى جواد  يصحح الالسن عبر برنامجه الاذاعي الشهير " قل ولا تقل "  .اتذكر في ستينيات القرن الماضي حين كنت ادرس شعر أمريء القيس وبقية شعراء عصر مقابل الاسلام والصرف والنحو والمنطق وشعر الجواهري على يد استاذي الكبير المرحوم محمد جواد جلال وقتها لم يكن موضوع الإزاحة قد استقر بصفته مصطلحا بعد ففي ذلك الوقت حمل  اللغويون مايخرج عن القواعد الصرفية وما يخرج بالكلمة من معناها الأصلي الى معنى اخر لاعلاقة له بالمعنى الاول هو من الغلط الشائع  والسبب هو انه بعد مرحلة نضج اللغة التي استقر كمالها  بعد العصر الأموي والعصر العباسي الاول جاءت مرحلة  عصر التدوين القومي للأمة ووضع قواعد اللغة والصرف والاتفاق على معاني الكلمات من قبل العلماء المختصين فلا يمكننا ان نتلاعب بتلك القواعد والاصول التي وضعها من كانوا الأقرب الى المنبع من ضمن تلك الكلمات التي بقيت عالقة في ذهني كلمة صامد التي يرى فيها الاستاذ محمد جواد جلال انها تدل على القصد والله الصمد هو المقصود  حتى وصل  الي كتاب الدكتور سعيد الزبيدي فوجدته يستشهد ب١٧ موضعا للجواهري وردت فيها كلمة صمد منها البيت:

وقارع كاس الموت بالصبر صامد    وأفزعه من اسارها ماترسبا

وقد أشار الاستاذ الزبيدي الى رأي اللغويين الذين لم يقروا كون صمد ثبت وأورد الرأي الثاني ايضا وهو رأي صاحب معجم مقاييس اللغة الذي يرى ان الصمد يعني القصد والصلابة ايضا.

وَمِمَّا اختلف فيه ايضا كلمة برر بمعنى سوغ

  التفت الى كلمة  مبرر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي حين أمرني المرحوم الدكتور فهد عكام المشرف على رسالتي للماجستير ان احذف كلمة مبرر  وأثبت مكانها مسوغ لان كلمة مبرر غلط شائع  وقد  اعتدت على ادراج مسوغ دائما فيما اكتبه من مقال وظننت ان وجود تلك الكلمة في شعر الجواهري من باب الخطا الشائع او الإزاحة بالمفهوم الحالي  حتى وصل الي كتاب الدكتور سعيد واطلعت فيه على مواضع كلمة مبرر وبرر وهي سبعة منها هذا البيت:

يستاق كل طريدة ويبيحها   ويجيء كل جريرة ويبرر

ثم استناد الدكتور الزبيدي الى كتاب العين الشهير في معنى بر الكلام وان الجواهري استند في استعماله معنى الكلمة المعاصر الى معنى قديم ذي صلة بالاستعمال الحديث فاشتق من بر برر ومبرر.

  اما القياس الصرفي الخاطيء فيمكن ان  نضرب مثلا فيه بقول الجواهري:

مسّه الظلم فعادى أهله  وامترى    البؤس فحب البؤساء

  بائس  الفقير الشديد الحاجة المعدم       جمعها بائسون

بئيس  الشجاع   جمعها بؤساء

 يقول الدكتور سعيد الزبيدي " القياس يتيحه حملا على شاعر وشعراء، وعالم وعلماء" وهذا رأي أقره عليه سوف اعلق عليه حين أدلي برأيي الخاص حول موضوع الإزاحة، لكن اطلاع الزبيدي الواسع على اللغة وتعمقه فيها وتخصصه يمنعه من ان يسوغ الغلط للجواهري في مواضع الغلط التي لا يمكن تصريفها من حيث الأمانة اللغوية والعلمية فيقول عن استعمال الجواهري لكلمتي " حراء" و " حرانة" " وفي كلتيهما مخالفة لغوية ؛فكيف نوجه هذا الاستعمال ؟"

 

سابعا: الخطا المتعلق بالقافية والوزن

حول البيت ادناه:

ولا اشتكى جانب فرط الجفاف به       الا ارتمى  جانب مخضوضر آنق

يعلق الدكتور الفاضل سعيد الزبيدي على قول الباحث مقداد محمد شكر قاسم الذي يرى ان " الجواهري تلافيا لانكسار الوزن ينقص من الألفاظ ويضرب لهذا مثلا بلفظ آنق" فيقول" وليس هذا صحيحا فالجواهري لم يرتكب ذلك تلافيا لانكسار الوزن بل استعملها على ما وردت في المعجمات ". ان سعة اطلاع الجواهري على اللغة العربية نحوها وصرفها جعلته يختار من سعتها التي لم يحط بها مثله احد ما يوحي إلينا انه وقع في الخطا وهذا ما سأطرحه ايضا في وجهة نظري الخاصة.

وجهة نظر

منذ ستينيات القرن الماضي تأثرت تأثرا كبيرا بشعر أمريء القيس والمتنبي والجواهري حتى كدت احفظ شعر هؤلاء كله وكان من شغفي بالجواهري انني كنت اشتري أية صحيفة او جريدة تنشر قصيدة له فاكاد احفظ تلك القصيدة مسافة الطريق من سوق الهنود حيث باعة الصحف في العشار الى بيتنا في التنومة حتى اني حفظت قصيدة " طيف تحدَّر" وقصيدة" وفى لها نذرا" و " لقد اسرى بي الأمل"قبل ان أصل الى منزلنا . قصيدة واحدة نشرت له في احدى الجرائد تخص العمل الفدائي لم اعجب بها على الرغم من شغفي بالعمل الفدائي الذي تطوعت فيه فيما بعد فقد استثقلت القصيدة التي مطلعها " جل الفداء وجل الخلد صاحبه" لا ادري ربما لأنني لا أحب هاء السكت  التي تلصق نفسها بالقوافي.

المهم انني في تلك المرحلة لم أكن لاعي تماما الخروج عن النحو والصرف والإزاحة والغلط الشائع لكني اكتشفت بعض الكلمات عند الكبير الجواهري فوددت لو ان الباحث القدير الدكتور سعيد الزبيدي أضافها الى معجمه وامل ان يبادر الى إضافتها في الطبعة الثانية لان هذه الكلمات من وجهة نظري تدل على خصوصية الجواهري التي عني بها  في معجمه القيم.

قبل ذكر الكلمات اود ان ابين وجهة نظري في الإزاحة فأقول ان موضوع الإزاحة يعني ان تحل كلمة محل اخرى  وهي الكلمة البديل فأجد ان الإزاحة اما تكون ذات علاقة مباشرة  ولها في لغتنا العربية موضوع مستقل يسمى نائب عن المصدر مثل ضربت ضربا  فنحذف ضربا ونأتي بالبديل كقول أمريء القيس:

اذا التفت نحوي تضوع ريحها  نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

اي تضوع ريحها تضوع الصبا لحذف تضوع وأثبت مكانها نسيم

وتتجلى صورة الإزاحة في قوله تعالى " فمهل الكافرين امهلهم رويدا" فالاصل فمهل الكافرين امهلهم  امهالا ثم حذف امهالا ووضع اروادا وحذف اروادا ووضع رويدا وهي مصغر ارواد وهذا نوع من الإزاحة الراقية والصياغة الفنية العالية .

وهناك ازاحة غير مباشرة  تعتمد على التشبيه بين الكلمة المزاحة والبديل  كقول الجواهري:

حييت سفحك عن بعد فحييني  يا دجلة الخير يا ام البساتين

بمراجعة القواميس نجد ان السفح للجبل وكان على الجواهري ان يقول جرفك فالجرف للنهر لكن الوقع الموسيقي لكلمة سفح أقوى غير ان هناك علاقة تشبيه بين سفح الجبل وجرف النهر فالمسافة من الضفة الى بداية ماء النهر منحدرة تشبه انحدار سفح الجبل فثبتها الشاعر للنهر وهي تخص  الجبل.

الكلمة الاخرى التي وددت لو وردت في " من معجم الفاظ الجواهري"

وددت ذاك الشراع الرخص لو كفني      يحاك منه غداة البين يطويني

كل المعاجم اللغوية تشير الى ان  الرخص الشيء الناعم الرقيق اما الشراع فيجب ان يكون من قماش قاس ثخين قوي يقاوم الرياح  فكان على الشاعر ان يأتي بكلمة مثل صلب او مايعادلها في وصف الشراع لكن الجواهري نظرا لمشهد دجلة الجميل والزوارق في الماء ثم قسوة الموت مقابل الكفن الأبيض الناعم  أزاح اية كلمة تخص الخشونة  وجاء بالبديل وهو كلمة رخص.

الكلمة الاخرى التي أحياها الجواهري وكانت ميتة  هي كلمة علج التي لها اكثر من معنى يقول  ضمن قصيدة "وفى لها نذرا" :

لاعتاض عن حلب العصير مشى به علج وطافا

ويقول صاحب لسان العرب في كلمة علج " العِلْج: الرجل الشديد الغليظ؛ وقيل: هو كلُّ ذي لِحْية، والجمع أَعْلاج وعُلُوج؛ ومَعْلُوجَى، مقصور، ومَعْلُوجاء، ممدود: اسم للجمع يُجري مَجْرَى الصفة عند سيبويه.

واسْتَعْلَج الرجل: خرجت لحيته وغَلُظ واشتدَّ وعَبُل بدنه.

وإِذا خرج وجهُ الغلام، قيل: قد اسْتَعْلَج.

واسْتَعْلَج جلد فلان أَي غلُظ.

والعِلْج الرجل من كفَّار العجم، والجمع كالجمع، والأُنثى عِلْجة، وزاد الجوهري في جمعه عِلَجة.

والعِلْج الكافر؛ ويقال للرجل القويّ الضخم من الكفار: عِلْج.

وفي الحديث (* قوله «وفي الحديث فأتني إلخ» الذي في النهاية فأتى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بأربعة أعلاج إلخ.): فَأْتِني بأَربعة أَعْلاج من العدوّ؛ يريد بالعلْج الرجل من كفار العجم وغيرهم.

وفي حديث قَتْل عمر قال لابن عباس: قد كنت أَنت وأَبوك تُحِبَّان أَن تَكْثُرَ العُلُوج بالمدينة.

والعِلْج حمار الوحش لاستعلاج خلقه وغلظه؛ ويقال للعَيْرِ الوحشي إِذا سَمِن وقَوِيَ: عِلْج.

وكلُّ صُلْب شديد: عِلْج.

والعِلْج الرَّغيف؛ عن أَبي العَمَيْثَل الأَعرابي

فايا من المعاني المذكورة اعلاه يقصد الجواهري ، لا أظنه يقصد  معنى من المعاني السابقة غير ساقي الحانة المعني بخدمة الزبائن serviceهذا الاستخدام الحضاري  في بعث كلمة  قديمة  يختلف عما الفناه عن الاعلام العراقي  من إطلاق كلمة علوج على جنود التحالف  في اثناء الاحتلال  للعراق حيث سمعنا كلمة علوج تتردد من وسائل الاعلام باحدالمعاني القديمة وهو الأجنبي الكافر.

الكلمة الاخيرة   تخص التصريف اللغوي  الذي  حدده اللغويون القدامى بصيغ منتهى الجموع وعددها١٧  يمكن جمعها في الأبيات الثلاثة:

في السفن الشهب البغاة صور  مرضى  القلوب. والبحار عبر

غلمانهم للاشقياء عمله  قطاع قضبان لأجل الفيلة

والعقلاء شرد ومنتهى  جموعهم في السبع والعشر انتهى

ثم وضعوا حدودا لكل تصريف  فبائس بائسون  تجمع جمع مذكر سالم فليست من صيغ منتهى الجموع . وبؤساء على وزن  فعلاء  جمع بئيس وهو ذو القوة والبأس  اما الجواهري فكان يكسر احيانا  الحدود تلك كما وجدته في كلمة سلع   

 

المذكورة في قصيدة " فتى الفتيان":

وبالسلع النوافذ في عروق

حيث جمع كلمة سلع بفتح السين وسكون اللام وهو أخدود او حفرة في اليد بسبب الكبر والعمر على سلع بضم السين وفتح اللام على وزن فعل في حين يقول صاحب لسان العرب ان السلع تجمع على سلوع على وزن فعول مثل قصور وهذا تصرف من الجواهري في كسر الحدود بين الموازين الصرفية ولعل اخر الكلمات التي في ذهني التي او ان أضيفها الى هذا المعجم المهم هي كلمة رشا القديمة التي أصبحت تعبيرا مستهلكا واستعارة او تشبيها تقليديا والعجيب ان الجواهري اوردها في شعره في نهاية عقد السبعينيات فقال يصف بائعة السمك في براغ:

تلتفت كالرشا النافر

وهذا يدل من حيث الظاهر على ان الشاعر ظل متعلقا بالتراث ومفرداته الى وقت متاخر ولعلي أكون مصيبا او لا حين اذهب الى ان الرشا والفتاة هما رمز الجمال والوداعة بل الغزلان دائما ضحية مثل السمك ان احد أطراف المثلث الجمالي الرشا... السمكة... الفتاة  جعلها الشاعر عنيفة كون مهنتها تتطلب العنف والقسوة  ربما يدل ذلك على ان الشاعر بتمسكه بالكلمة القديمة الرشا وربطه إياها بالعنف ينعي فحولته لنتذكر انه ولد عام ١٩٩٨ والقصيدة كتبها عام ١٩٦٨ او عام ١٩٧٠ اي كان قد تجاوز السبعين عاما لذلك كله وددت ان يضم هذا المعجم الراقي  تلك الكلمات وهذا مجرد اقتراح لا يقلل من قيمة هذا السفر المهم الرائع ، فكل التقدير للباحث القدير الدكتور سعيد الزبيدي على منجزه هذا الذي يشكل منبعا مهما من منابع فهم شعر الجواهري ومعرفة اللغة العربية من حيث الاعراب والتصريف ومعاني الكلمات.

قبل الختام أحب ان أشير  الى  اني  وجدت من حاول  التأليف في  الفاظ الجواهري لا وفق الترتيب  المعجمي  الذي  نحن بأمس الحاجة  اليه  لكن وفق  العنوانات  كما فعلت  الجزائرية  مليكة  خذيري في أطروحتها  التي عنوانها " التوليد الدلالي  في ديوان  الشاعر محمد مهدي الجواهري" غير ان كتب الدراسات لاستغنينا عن المعاجم قط.

 

التعريف بالأسماء المذكورة وبعض الإشارات في هذا المقال:

الازاحة

تعنى الازاحة بالنصوص الشعرية والاستعارة لكن يمكن ان نحمل بعض المعاني الحديثة محمل الازاحة في اللغة وتكون اما بالتصريف مثل استحم فإذا جاء أديب مثل جبران واستعمل تحمم بمعنى استحم فهذا يدخل من باب الإضافة فكأنه أزاح عبر الصرف كلمة عن معناها ليضيفها الى معنى كلمة اخرى او ان يزيح الشاعر كلمة من معناها سفح مثلا للجبل  الى معنى اخر هو النهر، وهو رايي الشخصي لا الزم به احدا ووفق هذا الرأي يمكن ان نقبل الكثير من الغلط الشائع.

 

الدكتور سعيد الزبيدي أستاذ وباحث في اللغة وشاعر درس في عدد من الجامعات وهو الان أستاذ اللغة في جامعة نزوى، استقبل الجواهري خلال زيارته الى جامعة الموصل عام ١٩٨٠ مع مجموعة من الأكاديميين منهم الدكتور مهدي المخزومي' والدكتور علي جواد الطاهر ' والدكتور عبد الرضا علي، وفي يوم ٢/٢/١٩٨٠ ألقى قصيدة في حفل تكريم الجواهري من أربعة وثلاثين بيتا مطلعها:

اطلق جناح القوافي أيها الغرد       فما يشنف اذان الورى احد

 وقد طرب الجواهري للقصيدة . من مؤلفات الدكتور سعيد الزبيدي

من معجم الفاظ الجواهري

أفق يمتد

سؤال في التفسير

المشكل في القران الكريم

في مواجهة النص

وغيرها من الكتب القيمة والجدير ذكره ان الدكتور سعيد الزبيدي احد ابطال روايتي " الثامنة والنصف مساء" حيث يشارك بطل الرواية الدكتور عبد الرضا علي البطولة في عمل نبيل غامرا حين قاما بتنفيذه زمن الطغمة الحاكمة في بغداد قبل الاحتلال.

 

الدكتور طارق الجنابي  ولد عام ١٩٣٦ في سدة الهندية ،أستاذ فاضل وعالم لغة قدير درس النحو في العراق واليمن ودعي محاضرا في جامعات ألمانيا والأردن، من مؤلفاته:ابن الحاجب النحوي، ابو بكر الانباري، وله عشرات البحوث المنشورة .

فهد عكام: المرحوم الدكتور فهد عكام خريج فرنسا أكاديمي متنور درس في جامعة دمشق وجامعة صنعاء  اشرف على رسالتي للماجستير .حين سالت طلاب الدراسات العليا في جامعة دمشق اي أستاذ يمكنني ان اساله ليوافق ان يشرف علي فأشاروا الى الدكتور فهد لانه عالم وانه ديمقراطي لا يرغم الطالب على ان يتبنى آراءه وهو من الأكاديميين الذين استفدت من توجيهاتهم وارشاداتهم.

 

لغة بني أسد

لها بعض الخصوصية مثل الكسكسه وهي قلب. السين كافا فيقولون لبيس بدلا من لبيك او الكشكشة وهي قلب الكاف شينا ولها بعض التوسع في الصرف كما أورده الدكتور الزبيدي.

 

لغة بني تميم

من خصوصيتها انها تقلب الجيم ياء ومازلنا في البصرة والخليج نقول دياية اي دجاجة وريلي بدلا من رجلي وقد بدا بعض الشباب يتحرجون من تلك اللهجة .

 

الاستاذ محمد جواد جلال

مدرس ثانوية، واسع المعرفة والاطلاع على اللغة العربية وهو لا يقل في هذا المجال عن منزلة الدكتور مصطفى جواد. بعد ان أسس كل من السيدة نازك الملائكة والدكتور حسن البياتي زمن عبد السلام عارف قسم اللغة العربية في جامعة  البصرة استدعيا الاستاذ محمد جواد جلال للتدريس في القسم وكان وقتها متقاعدا وعلى الرغم من تمكن نازك من اللغة العربية  الا انها تعترف بالاخطاء الشائعة التي تفوتها فيكشفها لها كان بيته رحمه الله مفتوحا لتعليم اي راغب في العلم من دون اجر فتتلمذت على يديه ودرست الفلسفة والمنطق والنحو والصرف وشعر أمريء القيس والمتنبي والجواهري وله آراء فريدة في شعر المعاصرين من مؤلفاته كتيب عنوانه " في علوم القران" وهو بحث لغوي أهداني نسخة منه عليها اهداء بخط يده واظن ان الكتاب مازال في مكتبة منزلنا في البصرة.

 

مليكة خذيري

باحثة جزائرية حصلت عام ٢٥١١/٢٠١٢ من جامعة باتنة على درجة الدكتوراه عن أطروحتها عن التوليد الدلالي في شعر الجواهري ، الاطروحة في٥٠٠ صفحة  أحصت فيها كلمات الشاعر حسب المواضيع ومن الكلمات التي ذكرتها ولفتت نظري  كلمة " مبصبصون " من بص او بصبص:

ومبصبصون كانهم عن غيرهم    مسخ ومن اثار

 

القوة الناعمة: فن الحرب.. فن الحياة

fatima almazroweiكنت اقرأ في كتاب يحمل عنوان: فن الحرب، من تأليف سون تزو، وما يميز هذا الكتاب أن عمره يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وقد طلب تأليفه ملك الصين في تلك الحقبة من سون تزو، لما عرف عنه من الانضباط العسكري والمهارة في التخطيط ورسم الاستراتيجيات القتالية.

 بعد أن وضع الكتاب بين يدي الملك، أصدر قراراً بتعيين مؤلفه قائداً عاماً للجيش الصينية، وقد حقق إنجازات كبيرة على ساحة المعركة. ضم الكتاب الكثير من المقولات العسكرية التي تساعد القائد في ساحة القتال، وكيفية إدارة الجند، والاستفادة القصوى من إمكانياتهم الفردية لتنعكس على الجهد الجماعي للجيش بأكمله، كما تحدث عن التموين والروح المعنوية للجيش، وغيرها كثير من التوجيهات الدقيقة والهادفة.

ويقال إن الكتاب يحتوي على ستة آلاف جملة ضمن 13 باباً، جميعها تدور في الجانب العسكري، ويعتبر هذا الكتاب من أقدم الكتب في التاريخ البشري وفي المجال العسكري خاصة، ويعتبر البعض أن الكثير من النظريات العسكرية الحديثة تم بناؤها من الأفكار التي جاءت فيه.

من أهم المقولات التي احتواها الكتاب: "جميع الأمور المتعلقة بالحرب تعتمد على الخداع – الحرب خدعة -فعندما نستطيع الهجوم، يجب أن نبدو كما لو كنا عاجزين عنه، وعندما نناور ونتحرك بالقوات، يجب أن نبدو خاملين، وعندما نقترب، يجب أن نجعل العدو يظن أننا بعيدون.

وعندما نكون بعيدين، يجب أن نجعل العدو يظن أننا قريبين".

ويقول في موضع آخر من الكتاب عن الاستراتيجيات القتالية: "أعلى درجات البراعة العسكرية، هي إعاقة خطط العدو بالهجوم المضاد، يليها منع قوات العدو من الالتحام ببعضها بعضاً (عزلها وقطع خطوط الاتصال والإمدادات) يليها الهجوم على جيش العدو في الميدان، وأما أسوأ السياسات فهي حصار المدن ذات الأسوار العالية". وبطبيعة الحال مثل هذه الخطة باتت مستهلكة ومعروفة على نطاق واسع، لكن إذا تذكرنا أن الكتاب تم تأليفه قبل خمسة قرون من الميلاد، فعندها ندرك أننا أمام منجز كان سبق لزمنه. أيضا الكتاب في مجمله يتحدث عن الجيوش البرية، ولا يوجد جوانب أخرى من القوات، مثلما هو واقع في عصرنا الحاضر، مثل سلاح الجو والدفاع الجوي والبحرية، ونحوها.

لكننى توقفت عند عدة إشارات خرجت بها من هذا الكتاب من أهمها ما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والتنموية، والتي هي أيضاً لا تقل أهمية في التخطيط والبناء، ليس في ساحة المعركة، وإنما في ساحة الرقي الحضاري ومسابقة الأمم في مجالات حيوية لا تقل أهمية، حيث يمكن إسقاط عدد من تلك الخطط والرؤى العسكرية وتنفيذها في جوانبها المدنية، وهو ما يثبت في نهاية المطاف، أن الحياة العسكرية على مختلف أنواعها جزء لا يتجزأ من حياة أي مجتمع بشري.

لطالما قرأت كتباً في الأدب والفلسفة والعلوم، لكنها المرة الأولى التي أقرأ فيها كتاباً بمثل هذا القدم والتاريخ الطويل، وإن كان التاريخ الذي تم تحديده ضارب العمق في الزمن، مما يجعل التصديق به أمراً قد يجده البعض صعباً، ولاسيما أن هناك مقولات تتحدث عمّن كتب هذا المنجز وتجيره لاسم أسطوري، وهناك من يقول إن تلامذة هذا القائد ومحبيه هم من قاموا بتأليفه تكريماً له، وآخرون يذهبون إلى أن معظم الكتاب الأصلي ضاع واندثر، وما بقي منه أعيد كتابته مراراً وتكراراً، وحدثت الزيادة والنقصان فيه، وجميع هذه المقولات تؤشر لشيء واحد وهو استحالة أن يكون هذا الكتاب عمرة سبعة آلاف عام.

 لكنني لا أنكر أن الرحلة في عمقه كانت ممتعة وجميلة ومفيدة، وكأنك تلعب الشطرنج .

 

 

سوسيولوجيـا الثقافـة

jamil hamdaouiتتكون الحضارة (Civilisation) من مفهومين أساسيين هما: التكنولوجيا (Technologie) والثقافة (Culture). فالتكنولوجيا هي كل ما أنتجه الإنسان على الصعيد التقني والعمراني والآلي والرقمي والمادي. في حين، تعني الثقافة كل ما أنتجه الإنسان على الصعيد المعنوي، مثل: الآداب، والفنون، والفلسفة، والعلوم، والمعارف، والتراث، والعادات، والتقاليد، والأعراف.أي: تعني كل المنتج الفكري والعلمي والأدبي والفني. وبذلك، تكون الحضارة ذات طابع مادي (التكنولوجيا) من جهة، وذات طابع معنوي (الثقافة) من جهة أخرى. ومن ثم، فالحضارة هي كل ما أنتجه الإنسان وأبدعه على المستويين: المادي والمعنوي.

ولايمكن الحديث عن حضارة الإنسان وسموه الثقافي إلا بعد انتقاله من مرحلة الطبيعة التي كان فيها الإنسان يشبه الحيوان إلى مرحلة الثقافة التي أصبح فيها الإنسان يحتكم إلى العقل والمنطق والقانون ومؤسسات الدولة...  ومن هنا، تعبر الثقافة عن مدى تطور الإنسان وتحضره، بعد أن كان يعيش حياة التيه والخوف والفوضى في مرحلة الطبيعة، أو حياة بيولوجية عضوية تشبه حياة الحيوانات الغريزية والوحشية. لكن بعد اكتشاف الكتابة، بدأت مرحلة  الثقافة والتدوين والتسجيل والتوثيق ، وقد تحولت بعض الثقافات إلى حضارات إنسانية خالدة عبر التاريخ، كثقافة الإنسان العراقي، وثقافة الإنسان الفرعوني، وثقافة الإنسان الفارسي، وثقافة الإنسان اليوناني، وثقافة الإنسان العربي، وثقافة الإنسان الأسيوي (الياباني بصفة خاصة)...

ومن جهة أخرى، ترتبط الثقافة بسياقها الاجتماعي والمعرفي والحضاري.أي: هناك عملية تبادل وتفاعل بين الثقافة والمجتمع؛ فالثقافة تؤثر في المجتمع، والمجتمع يؤثر في الثقافة . ويعني هذا كله أن الثقافة تعكس مختلف الصراعات والتطاحنات و التناقضات الجدلية التي توجد في المجتمع على جميع الأصعدة والمستويات، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم دينية أم فكرية... ومن ثم، تعبر الثقافة عن واقعها أو معادلها الموضوعي بطريقة انعكاسية مباشرة كما هو الحال في الكتابات الواقعية الساذجة، أو بطريقة مادية جدلية بمفهوم كارل ماركس(Karl Marx)، أو بطريقة تماثلية متوازية (Homologie) بمفهوم لوسيان كولدمان(Lucien Goldmann).

 إذاُ، تحمل الثقافة ، في طياتها، أبعادا طبقية واجتماعية وإيديولوجية،  فضلا عن مقصديات ونوايا وخلفيات مباشرة وغير مباشرة.

إذاً، ما الثقافة لغة واصطلاحا؟ وما علاقتها بالحضارة؟ وما أهم مفاهيم الثقافة؟ وما أهم محددات الثقافة؟ وما أهم العوامل التي تتحكم في عملية التغير الثقافي؟ وما أهم المقاربات الأنتروبولوجية والسوسيولوجية التي اهتمت بالفعل الثقافي؟ هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(سوسيولوجيا الثقافـــة)، على أساس أن الثقافة تتأثر بأوضاعها المجتمعية إيجابا وسلبا من جهة، وأن الثقافة لها دور كبير في المحافظة على المجتمع أو تثويره أو تغييره من جهة أخرى.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة، وأحمده على علمه وصحته وفضائله التي لا تعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

....................................

للاطلاع كاملا على الكتاب في مكتبة المثقف

سوسيولوجيـــا الثقافـــة / د. جميل حمداوي

 

كتاب يخترق الزمان

857-jabarتنبيه الأمة وتنزيه الملة للنائيني يتحول الى نموذج ارشادي ومنبع الهام للكتابات في الفقه السياسي الشيعي

صدرت عن مركز "دراسات فلسفة الدين" في بغداد و"دار التنوير" ببيروت، الترجمة الجديدة لكتاب "تنبيه الامة وتنزيه الملة" للفقيه الكبير والاصولي العظيم، الذي يعد أحد العمالقة الثلاثة مع الشيخ ضياء الدين العراقي، والشيخ محمد حسين الاصفهاني لمدرسة اصول الفقه في مدرسة النجف الاشرف .

  الشيخ محمد حسين النائيني ولد عام 1276هجرية في مدينة نائين من توابع اصفهان .. هاجر الى العراق عام 1303 هجرية الى النجف الاشرف .. ويعد الشيخ من أبرز التلامذة المتميزين للميرزا السيد محمد حسن الشيرازي، صاحب الفتوى الشهيرة، التي أدت الى ماعرف بثورة التنباك، وبعد رحيل الميرزا الشيرازي اتجه الى كربلاء بصحبة السيد حسن الصدر، وبعدها عاد الى النجف الاشرف، ليكون من أبرز تلامذة الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب  الكتاب الشهير في أصول الفقه "كفاية الاصول" الذي ظل المرجع ومادة التدريس في الحوزة العلمية حتى اليوم.

857-jabar قام د. مشتاق الحلو بترجمة الكتاب إلى العربية ترجمة دقيقة، تجاوزت وصوبت كل الاشكالات والمشكلات التي وقعت فيها ترجمة الاستاذ صالح الجعفري وغيره .. وقدم لهذه الترجمة عبدالجبار الرفاعي بمقدمة رائعة وضافية، تناول فيها مفهوم الدولة، وتطورات هذا المفهوم في مدرسة النجف من الشيخ النائيني الى السيد السيستاني، ويعني المفكر الاسلامي عبدالجبار الرفاعي بمدرسة النجف، كما يكتب: "المضمون الثقافي والمعرفي والفقهي والاجتماعي للحاضرة العلمية العريقة التي نشات في النجف، بعد هجرة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي من بغداد الى النجف سنة 448 هجرية، ثم تواصلت في الفترات التالية حتى اليوم".

ويقسم الدكتور الرفاعي التفكير في مفهوم الدولة ونظمها في مدرسة النجف الى ثلاث مراحل:

1- مرحلة وحقبة التفكير خارج المدونة الفقهية، وكانت بدايات هذا التفكير منذ مطلع القرن العشرين حتى تمام النصف الاول من هذا القرن، وياتي كتاب " تنبيه الامة وتنزيه الملة " ضمن هذه المرحلة.

2- المرحلة الثانية : وتبدا منذ مطلع الخمسينات، أي في العقد السادس من القرن العشرين، في هذه المرحلة، دخل التفكير اطار المدونة الفقهية، منذ ان كتب الشيخ محمد مهدي شمس الدين، كتابه "نظام الحكم والادارة في الاسلام" سنة 1954م ، وصدر في بيروت سنة 1955م ، في هذا الكتاب يرفض الشيخ شمس الدين الديمقراطية.

3- المرحلة الثالثة عودة التفكير الى خارج اطار المدونة الفقهية، وفي هذه المرحلة وبعد ثلاثة عقود تدخل مدرسة النجف المرحلة الثالثة عبر اجتراح مسار للتفكير يتجاوز المدونة الفقهية، فتصبح الديمقراطية عند الشيخ شمس الدين هي الحل الوحيد للمجتمعات الاسلامية، وكأن الشيخ يقترب مع النائيني، وان كان لا يتطابق معه، إذ كان الشيخ النائيني يفكر بمشروعية شعبية الهية دستورية، وان كان لم يتحدث عن نظم دولة وهل هي منبثقة بتمامها من الفقه أو لا.

كتاب " تنبيه الامة وتنزيه الملة " جاء افرازا لمرحلة جثم فيها الاستبداد السياسي بظله البغيض على الامة، وصادر حرياتها، وانتهك كرامتها، ولم يبق امام الامة من خيار سوى النهوض بوجه المستبدين لاسترداد كرامتها المهدورة .. جاء هذا الكتاب كنتيجة للجدل الفقهي الدائر فيما عرف بالمشروطة والمستبدة، المشروطة تعني الملكية المقيدة بدستور، والمراقبة بمجلس رقابي فيه مجموعة من الفقهاء، وهذا المجلس يخضع لمجلس آخر مكون من فقهاء يشرف عليه، حتى لايكون فيما يصدره المجلس الرقابي مايشي بمخالفة الاسلام، حسب تصور الشيخ النائيني رحمة الله عليه.

الثورة الدستورية التي هب الشيخ النائيني مدافعا عنها مدعوما بفتاوى استاذه الشيخ محمد كاظم الخراساني، لها فقهاؤها وانصارها وجمهورها، مقابل حركة المستبدة "الملكية المطلقة"، التي لها أيضا فقهاؤها وانصارها ومن يتعاطف معها، ومن الفقهاء الذين وقفوا مع الملكية المطلقة " المستبدة "، والتي يسميها انصارها " المشروعة"، الفقيه الشيخ فضل الله النوري ، المولود في الثاني من ذي الحجة ، عام 1259هجرية، والذي كان من قادة الحركة الدستورية، ولكنه حسب رأيه يذهب إلى ان المشروطة فيها انحرافات تخالف الاسلام، فعارضها بشدة، ودفع حياته ثمنا لمواقفه رحمة الله عليه.

الشيخ النوري هو من تلامذة المرجع الشهير الميرزا محمد حسن الشيرازي صاحب فتوى تحريم التبغ التي أجهضت الامتياز الاحتكاري الممنوح من الشاه القاجاري في ايران للشركة البريطانية. وبعد بلوغ الشيخ النوري درجة الاجتهاد عاد الى طهران. له مؤلفات عديدة منها: "رسالة في قاعدة ضمان اليد"، وهي رسالة فقهية، وهناك رسالة اصولية "رسالة في المشتق" ، ولديه حاشية على كتاب "شواهد الربوبية" لصدر المتالهين الشيرازي .. في هذاالجو الصاخب انتشرت رسالة "تذكرة الغافل وارشاد الجاهل" التي تشن حملة شديدة على الحركة الدستورية، وشاع أن مؤلفها هو الشيخ فضل الله النوري. في هذا الجو ايضا، وكرد فعل على الافكار المناوئة لحركة المشروطة، ألف الميرزا النائيني كتابه " تنبيه الامة وتنزيه الملة" ليدعم الحركة الدستورية في طروحاتها الى تدعو الى الدستور وتقييد صلاحيات الملك.

وهذا الكتاب تجاوز زمنه، ومازال ملهما لكثير من المفكرين والفقهاء في تأصيل الفقه السياسي، يقول الشيخ د. عبدالجبارالرفاعي: "تنبيه الامة وتنزيه الملة هو النص الوحيد من كل تلك الكتابات الذي اخترق الزمان، وتحول فيما بعد الى نموذج ارشادي، ومنبع الهام للكتابات والرؤى والآراء في الفقه السياسي الشيعي، يمكننا ملاحظة تاثيره في دستور "جمهورية ايران الاسلامية"، وبعض الآراء في الفقه السياسي للسيد محمود الطالقاني، والشيخ مرتضى المطهري، والسيد محمد باقر الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين ، والشيخ حسين علي منتظري، وأخيرا السيد علي السيستاني".

يعد كتاب " تنبيه الامة وتنزيه الملة " نقلة نوعية في الفقه السياسي الشيعي، انطلق فيها الشيخ النائيني من قيمتي: العدالة ، والحرية ، في الاسلام، بوصفهما قيمتان أساسيتان وحاكمتان، وهما غير قابلتين للنسخ والالغاء، ومن هذين القيمتين انطلقت رؤيته للحكم، وتشريحه للاستبداد الذي هو اساس تخلف الامم .. الكتاب يعتبر خطوة متقدمة ومنعطفا في التفكير باتجاه تأصيل فقه سياسي يهتم بالدولة ومشاغلها واشكالياتها، وايجاد مخرج لحالة انسداد الافق السياسي.

 

الشيخ زعيم الخيرالله

 

 

مقدمات في نقد الثقافة الشعبية للدكتور محمد الحراق

858-mohamadصدر عن الراصد الوطني للنشر والقراءة، طبعة 2016 ، كتاب: مقدمات في نقد الثقافة الشعبية: الرأسمال اللامادي بين التنميط الفلكلوري والاستثمار التنموي، للباحث المغربي الدكتور محمد شداد الحراق، في 120 صفحة من الحجم المتوسط. وقد تم تقديمه وتوقيعه بالدورة22 للمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء.

858-mohamad ينطلق هذا العمل من قناعة أساسية ترى أن أي منجز نقدي للتراث الشعبي يحمل في ذاته رسالة تصحيحية للمشهد الثقافي، ويساهم في تقديم خدمة علمية لتراث الأمة عبر تشريح الظواهر الفنية والموروثات الثقافية، وعبر إضاءة جوانبها وتشريح موادها بغية ضبط مواطن الخلل فيها وتطهير كيانها من كل الأجسام الطفيلية الغريبة التي تلوّث صفاءها أو تعيق تحقيق وظائفها التربوية والجمالية والحضارية.مما سيساهم لا محالة في إخراجه من دائرة الإبداع الفلكلوري العفوي والبسيط المفصول عن جذوره التاريخية وعن فلسفته وعن عمقه الفكري، وسيؤدي حتما إلى تصحيح صورته الجريحة وإلى ترميم كيانه المتصدع، حتى يصبح إرث السلف علامة إبداعية ورمزية حية ودالة على الثقافة الحقيقية للإنسان في هذا الوطن، ورافعة للتنمية، ومصدر فخر واعتزاز للناشئة ، تستمد منه الأجيال القادمة قيم الخير والجمال والعبقرية، وتتشرّب منه روح الإبداع وهوس الخلق وألق الابتكار.

يتضمن الكتاب مقدمة وستة مباحث، جاءت كالتالي:

مقدمة: نحو وعي جديد بالموروث الشعبي

المبحث الأول: المنتج الشعبي أو إبداع الهامش

المبحث الثاني: صورة الموروث الشعبي ومسؤولية المثقف

- الصورة النمطية للموروث الشعبي..

- مسؤولية المثقف

المبحث الثالث: الفلكلور والمتاجرة بالدين

- الظاهرة العيساوية وطقوس التطهير

- الظاهرة الكناوية والولاء لمملكة الجن

- المواسم الدينية الفلكلورية وانتعاش الخرافة

المبحث الرابع: المثل الشعبي وسؤال القيم

- الفردانية وسحق الآخر

- صناعة ثقافة الإحباط

المبحث الخامس: عاشوراء .. الصورة المعكوسة للمقدس

- موسم الاحتجاج الأنثوي

- طقوس تناسل الشعوذة

المبحث السادس: الحلقة.. من صناعة الوعي إلى صناعة الابتذال

- الحلقة.. مسرح الهامش ومدرسة البسطاء

- الحلقة.. فن يحتضر على مقصلة الابتذال

خاتمة