كتب واصدارات وقراءات

زيد الحلي فارس الصحافة المتوثب يشرب قهوته من قعر الفنجان .. اكثر من صراع في محتوى غير محتدم

siham-alshujeiriحين ينفرط عقد التاريخ وينزلق على السنة صادقة، ينساق مثل حبات الدر واللؤلؤ في نهر صاف لا يغلفه طمى السدود المفترضة، ذلك ان الانفراط من ذاكرة نقية يتطاير مثل نثيث المطر في أول الغيث، ينث هنا وهناك، وتنزوي منه شذرات زرقاء لا نستطيع ان نحبس أنفاسنا لالتهامها، بل قد تتدلى فوق أشجار انثيالاته بعض سنوات تطيح ببعض بنود الذاكرة، لكن ذاكرة الحلي زيد الصحفي اللامع، -الذي ألقم بكر حماس حروفنا في الصحافة حزمة خلقه وحرفنته قناديل وشموع- حشدها رغم صهيل الوقت كي يمسك بإطراف بعض تلك السنين، هذا لكل الناس طبعا، اما الحلي زيد فقد جمع خزين ذكرياته ونتاج مسيرته الصحفية في بودقة صافية بلورية، ذات نكهة مشتعلة بالصدق، لأن سنوات عقده بكر صلبة يقظة مستريحة، فحين انفرطت بين أصابعه، جمعها مرة واحدة في كم قميصه، وربطها مثل راهب قديس في ناقوس ديره، يلوك القدر ويرسم صولجان الزمن بين خطوط يده.

بالتأكيد الحلي زيد يملك اكثر من كم قميص مربوط بذاكرة ناعمة مثلما يملك اكثر من عباءة لتغطية الغث من سنواته لا خوفا او خجلا بل كبرياء روح وعفة قلم، وترفع عن الصغائر والصغار وهي وهم كثر، لم يمرغ ذاكرته بالصدفة، بل اتكأ على ماء نقاءها، ذاكرة ناعمة، شفافة، راصدة، نقية، صافية، نذيرة، لذيذة، حلوة رغم علقم مراحلها المر، حاضرة، متيقظة، أمينة، متأهبة، صادقة، زجاجية، ماسية، فسفورية، مملوءة بالمحبة، محبة النور والصفاء، باكر لم يمسسها لظى الكره وحريق الانتقام، بيضاء مثل كف طفل وليد، ذاكرة ليست خشنة، بل لها ملمس الحرير، ليست متشظية، وغير مغفلة او غافلة، ليست خائفة، ولا شامتة، وغير متوعدة، ولا مهددة، بل متحفزة، ذاكرة رفيعة مترفعة، متصالحة، بعيدة عن الغلظة والتشفي، لا تكظم الغيض بل تقظمه، تغفو بين أصابع الحلي حكايات تمتلئ بشغاف التجلي ولا تسير إلا باتجاه الحقيقة، لم يستحلب ذاكرته، ولم تلح عليه باستحضار السواد من المحن بل بياضه الذي يغشاه كظله، وهو يلتمسها، ويتوسلها المزيد من البياض الناصع ولا ذكرى غير البياض بل نثر عطرها بين أصابعه وأفرط نقاءها من سمرة انتماءه لعالم الصحافة في مطبوع ثمين معنون(50عاما في الصحافة-ذكريات صحفي في أربعة عهود) أصدرته دار أمل الجديدة بدمشق بطبعته الأولى لسنة 2012، إذ وضعه الحلي بين يدي مدوناً إهداء لي: (سهام الشجيري.. تاريخ ممتد من الجذور)

 

• بلا عكازات وبلا رتوش

لم يلمع مبراته حين بدأ أول السطر، بل موسق جمله، لأنه يؤمن ان المهنية الصادقة هي كالنهر اندفاعا، والعاصفة هبوبا، والصباح القا، والنسمة بوحا، واستغنى عن ممحاة تريد ان تمحي التوهج، توهج ذاكرته، وتدلي سنواته مثلما يتدلى عنقه للإبداع والتواصل، لكنه استعمل ممحاته لمحو ما لصق به من أدران حاسديه، وكأن التاريخ ليس ببعيد، بل جعلنا نعيشه ونلمس دقائقه، وساعاته، وسنواته، بل كنا نحمل معه أوراقه أينما حل ونهرول معا حتى نستنطق سطوره ونلحق به اين قاده إبداعه، وأين أوصله إصراره وطموحه، هي ليست ذكريات عابرة، وليست حكايات عن عالم مليء بالحكايات الغريبة والعجيبة، وليس حديث سرد عن مهنة وصفت بمهنة المتاعب وبالسلطة التي يقيس العالم بها درجة حرارة الشعوب، كان الحلي يقيس بالصحافة درجة حرارة الناس والسلاطين وروحه، ترى ماذا اضمر بعد؟ وهل كان محراره يجس نبض التاريخ كي يأتي بعد خمسين عاما ليقول لأجيال الكترونية بان طعم الصدق والأمانة هو مذاق فاعل لتوصيل الغايات بالأهداف، وهو الصحفي وكاتب المنوعات ومعد برامج إذاعية، رصد فيها ما تنشره الصحافة العراقية، ومن يقترب منه يتعلم الكثير في فنون الصحافة، إذ نقش على أطراف أصابع الشباب حرفة الصحافة حينما غمس أطراف أنامله بين أوراقهم، وهم يذهبون إليه لاستجداء نصيحة تنتشلهم من فوضاهم وتخبطهم في بداية مشوارهم الصحفي باختيار الموضوعات الصحفية، ويبحثون عن مؤتمن ناصح فكانت نصائحه خرز يتلامض في طريقهم، منحهم رحيق حرفيته ومهنيته، بدماثة خلقه المعهودة يشجعهم على الدخول من الباب الحقيقي للصحافة، وهو باب الصدق والموضوعية والحقيقة، فكانت نصائحه قلادة تأبطها جيدهم وهم يتلمسون موقعهم في مملكة صاحبة الجلالة، وهو ما دعاه ليأخذ بيد كل من يعتقد بإبداعه وان له مستقبل ما في العالم الذي اختاره، وشواهده في ذلك كثيرة، جاد في سرد تفاصيلها بين طيات مؤلفه الثر.

كتب عنه رباح ال جعفر(إذا كان للحقيقة وجهان كما يرى الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته سلام الأوهام فان لزيد الحلي وجها واحدا في الحياة فلا عكاكيز ولا ملكات ولا رتوش، وهو مثل أي إنسان لا يستطيع ان ينكر نفسه ولا يهدر تجربته التي بدأت في سنة 1964 حين دخل جريدة العرب البغدادية وكان عمره 17 سنة) والحلي صحفيا وظف تجاربه في رحم ذكرياته، وهو صاحب قلم متميز في تحقيقاته او في صياغة الخبر او كتابة العمود اليومي او الأسبوعي مع قوة اختياره عناوين الأخبار والتحقيقات الصحفية مما يدلل على خبرته وتجربته الطويلتين، واستحق بجدارة لقب الصحفي اللامع ومع اشتعال الذاكرة، فأن فراشات سنواته بقيت يافعة متطلعة للمزيد بعد ما يقرب من خمسين عاما، ظل قلمه مشرعاً، يتغنى بما تيسير له من بوح المفردات، وحين أتصفح سنواته واغبش من انتظاري في لج إبداعه لعلني الاحق عبير أيامه، لم يجادل، فقد جانب الجدل سرده ولم يسرد فقد جانب السرد جدلياته ورؤاه، حفر سنواته مبتعدا عن الزهو والغرور، رغم اعترافه انه لربما مسه بعض جنون الغرور لكن صدمة ما أوقفت زحف ذلك في روحه، فكان رمز للعطاء.

 

• ثورة روحية

كأني بملايين الحروف انتفضت على قلم الحلي الرشيق، لكنه لجمها بمداد روحه وإبداعه، لان مدن كلماته صافية مثل حبة خردل شفافة، مستيقظ في كل حروفه، غير قلق ولا أهاب، حتى حينما تمر رياح ذكرى الألم بين صدغيه وفي خاطره، كان قد اقترب اكثر مما ابتعد عنه الآخرون، ينبت زيتونا وأبا، نلمس بين طيات ذاكرته أضواء باهرة مرة وظلام دامس أخرى، لكن الأضواء الباهرة احتوت الظلام الدامس بل حسرته في أقبية استطاع الحلي ان يكممها بكم قميصه الإنساني دون ان يلتفت، وحين راح قلمه يسطر ما تمليه ذاكرته من أسماء كانت هناك أسماء أخرى بقيت عصية عليه، واعتقد هنا ان الحلي قبل ان ينوي او يشرع باستحضار ذاكرته وسنواته، دخل في ثورة روحية، استحم بالقرفة والقرنفل وماء الورد والنعناع، وارتدى أجمل ثيابه، وتعطر بالياسمين والمسك، مثلما رايته أول مرة، كان أنيق الهندام والروح وما زال، لأنني حين لمست عبير حروفه عندما نطقت الكلمات وكأني به يمسح عبير ماء الورد والنعناع بجسد الحرف، حين وقفت حروفه أمامي وأمسكت بأطراف الذكريات، كنت أهدهد أصابعي، واغرس عيوني في محجر الأوراق، علني اقرأ ما يقوده لي بشكل غير الذي عرفته، لكن حروفه نبأتني إنهما لا يفترقان أبدا، ماسات مجلوة تنتظر البريق في غبش الأيام.

يسحب الحلي قراء ذكرياته من عضد قلوبهم كأنهم سياح، جابوا معه المدن والدول والأمسيات، واللقاءات، وقاعات التحرير، وأفكار الموضوعات، وطيات الكتب التي يحملها للقراءة مرة وأخرى ليهديها سواء السبيل الى قارئ عابر، صافحوا معه الرؤساء والفنانين والناس العابرين في زوايا الحياة، حضروا معه المؤتمرات والدعوات والغزوات، دون ملل، هاتفوا شغله وحبيباته المفترضات، تداهمهم أفعى هندية كما داهمته في الهند او يتلبسهم الفضول لرؤية غرائب المشاهير مثل فضوله لدخول الحمام الخاص بالممثلة المشهورة جينا لولو بريجيدا، ويجالسونه وهو يضحك بملء شدقيه مع عتاة الكوميديا العربية، يجول بنا في المدن والمطارات العربية والأجنبية، وطأت أقدامنا معه في ديار بلاد الله الواسعة وانبهرنا مثله في ديار الأندلس ومصر واليمن وفرانكفورت وباريس والهند، وكل بلاد الله الواسعة، واتكأنا معه على سور الصين العظيم متأملين مثله قدرة الإنسان على البناء، ولم نتملل من القراءة، ذلك ان الحلي ظل محافظاً على رونق حروفه وبريقها طيلة (290) صفحة، إذ أبعد سرده عن التقليدي من المؤلفات ولم يحصرها بفصول ومباحث، بل منحها عنوانات منفصلة لكل حكاية لكنها تتوشج بعرى الاستمرار كأنها حكاية واحدة، شأنها شأن السير الذاتية للمبدعين، وهو المؤمن بأهمية العنوان لأنه مثل وجوه الصبايا وما عداه فهو تحت الثياب، حثته خطاه باتجاه تقديم دروس وعبر مجانية للأجيال التي تلج عالم الصحافة، فهو يتحدث عن الموهبة والمهنية والحرفنة وكنت اعتقد وانا اقرأ إهداء الكتاب لولده البكر الذي فقده مبكرا، ان ذلك اجتر رحيق إبداعه لكنه حين امتشق وجعه، غلفه بين طيات قميصه ليوسم حزنه برسوم كانت خير ابتهاج للرابض في خيلاء المقبرة، لذلك ارتضى ان يستمر ويكتم صراخه، ويداوي آهاته بآهات الحروف علَه يشفى فهل تشفي الحروف الجروح؟ ربما؟ لكن للحزن أنياب لا يرتد إليها طرفها أبدا.

تماماً مثلما نقلب صفحات الذكريات فأننا نعتقد للوهلة الأولى ان ذاكرته سرقها الألم والوجع، مثلما سرق دجلة أحلام ولده البكر، لكن الصبر كان اكبر من ضياع اختطاف ضوء القمر والنجوم كما يصفه، إذ لم تتعكز ذاكرته على عضد هش، ولم تتوسل بهذا الخيط او ذاك، وحاول في هذه المذكرات-الذكريات، كما يحلو له ان يسميها، ان لا يجعل الغبار يتطاير عنها، فيصيب البعض بالعطاس او الاختناق كما قال في مقدمته، لذلك قام برش سطوره بالماء ليحول دون ذلك، تحاشيا لزعل هذا او ذاك، محاولا ان يكون في ذكرياته مثل جبل لا يهتز، وبالمقابل يكون مثل طفل وديع رقيق يهتز لكل شئ، هو لم يستدن من الغد الهارب ولم يحرك الساكن المجهول، ولم يدفع ديون الأمس رغم كثرتها، ولعله يتوكأ على ما تبقى من رحيق العمر، لكن ذاكرته بكر شابة لم يداهما الهرم، ولم تنشبها سهام الأيام، ولذا حين أراد ان يكون صحفيا، عاش الاحتراق بوهج التجربة وكان بجنون الشباب وعقل الشيوخ، الكلمة عنده يجب ان تكون مثقلة مثل شجرة مثقلة بثمارها، وان لا تكون سطحية لا تعني أحدا، وكلما ثقلت الكلمة بالمعاني ازدادت شفافية ورونقا، حاول مسك خيوط القمر في الليل، لينسجها من جديد لكن الليل أعمى، تزود من ناي آهاته، نغمات حاول بها إعطاء فرح قد زال، والعمر يسقط من سقف جمجمته شعرة شعرة، هل تجرع نخب النهايات؟ يسأل أوراقه وهو يدنو منها بصمت، أم ان روحه تنز من بين أصابعه، فيتلو نجواه واحتراقاته ويصفيها أشواقه ولهفته، هل كانت محاريث خشبية؟ أم أسلحة مهنية، متمرسة، يفخر بها، وكأنما أرواح الذين تعرف عليهم في قراءته البكر، شكلوا دروعا مطمئنة حوله، ولم يخف اندهاشه من تلك الصور والرسوم، التي افترشها أمامه وبدأ يلتقط منها حكايات تليق بعصامي مثله، لكنه وصفها بخربشات السحرة وكتبة التعاويذ، ولم يغريه أبدا طيلة مشوار حياته المرتقى السهل، إذا كان المنحدر وعرا فالزمن يمشي بقطار اللاعودة، وعلى المرء ان يغذ السير الى تحقيق مبتغاه بقوة، كان حلمه بان يقرأ الناس اسمه، وكبر الحلم مثل بالون في سماء المخيلة، فالصحافة كما يصفها وعاشها لاحقا جميلة جذابة وخفيفة كالفراشة البيضاء التي لا تحط إلا على الأزهار في المساكب النظيفة، رغم تضاريسها الموغلة بالوجع والرصد والذبول والعطش والانتظار والترقب بوميض الروح قبل وجيب القلب.

 

• شارع الصحافة

شخوص ذاكرته تقترب من رسغه، فيلثمها ويتحسس أنفاس دفئها، يتعلق بذيولها خوفا من ان تنسحب وتتركه، حجز تلك الشخوص في جوف ذاكرته التي ضاقت وتضيق ذرعا بالرغبات والأحلام والأسئلة العصية على الإجابات، هو متصالح مع الزمن، محاولا إعادة بعث ما خزنته ذاكرته من ثقب صغير فيها، دون القفز عليها، ففي ثنايا قلبه حكايات وقصص، دونها حرقة الحزن ولوعة الأسى وسطرها على وجناته، دموعه التي لم تنفك عن مقلته، إذ ان ذاكرته هي فعل استحضار مؤقت للزمن الماضي، بكل مكوناته وانفعالاته وشجونه وشخوصه، ولعلنا حين نتصفح هذا الألبوم والمضي في الاستذكار كأننا كمن ينبش القبور ويعيد بعث الحياة في تلك الذكريات وتحويلها الى أجساد متحركة ومتكلمة تلاحقه مثل قناص، تضحك بغرسه مرة، وتعكر صفو حروفه مرات، بدأ حياته محررا وسيبقى محررا كما يقول بفعل التواضع وسيماء المتواضعين، إذ امن ان الصحافة ليس لها مواعيد والصحفي لابد ان يكون يقظا، حتى وهو نائم، وان يشرب قهوته من قعر الفنجان لأنه متوثب دائماً وكثيراً ما سأل نفسه عن معنى ان يطل بعد نصف قرن من رحلة الصحافة على ماض محرضاً ذاكرته المتورمة بالأحداث، لان تبوح بما تختزنه بين جنباتها.

وها هي الذاكرة تقوده الى شارع الصحافة الذي يعشق، لان ذاكرة البشر قد تبلى لكن ذاكرة الأمكنة تظل عالمة بتفاصيل الأشياء وهو حال شارع حسان بن ثابت شارع الصحافة العراقية في عصرها الذهبي، ينقل لنا مشاهده بأسلوب نقي، وكانت صورة المشهد الصحفي الذي دخل اتونه إذ يصفه لنا بأنه مشهد متماسك وقوي ولا يسمح بدخول عنصر جديد إلا لمن تلامس روحه خلاياه وقد أعانه طموحه على دخول ذلك المشهد بقوة وهو الذي امتلك ناصية الموهبة في كتابة الخبر الصحفي لأنه واسع الاطلاع كثير الأسفار، متعدد الثقافات والتجارب، بانورامي الرؤى، شبابي التوجه، تكتنف شخصه الألفة والتعاون، والتنقل الدائم بين الإذاعات بحثا عن الأخبار العربية والدولية وتسجيلها ومن ثم تحويلها الى الورق وإرسالها للتنضيد، ذلك ان ميزة العمل الإعلامي الدقة والمصداقية، وقد علمته التجربة ان الصحافة ليست آلات طباعة وقصاصات ورق وأداة شهرة، وليست حروفا او خطوطا وألوانا على ورق، إنما في الأساس والأصل الصدق والدقة والحرية ففي ذلك الثالوث تحيا الصحافة ومن دونها تصبح قصاصات ورق وحروفا بكماء، خرساء لا تشع ولا تضئ ويكون لصاحبها شهرة عرجاء، إذ ان الفخر ليس ان لا تكبو، بل الفخر ان تنهض كلما كبوت، لقد كادت بعض الحوادث التي سردها الحلي، ان تخمد حرائق الاندفاع المهني في دمه وتسكن الجليد في أروقة شرايينه لكن ذلك لم يحدث، فلم يهرب، بل بقي واقفا بصلابة، لان الإنسان والصحفي على وجه الخصوص الذي يصر على عدم تجاوز الخطأ سيبقى يراوح في ذات المكان الذي بدأ منه وكأنه توقف على حائط الحياة، ولكن روح المغامرة تبقى إحدى جينيات الصحفي تسري في دمه، إذ تنبه مبكرا لألوان العمل وإلا أصبح أسيرا في حلقة ضيقة في فضاء الصحافة، انه بمثابة رسالة تحمل ضياء للسائلين وزادا للمسافرين وأنغاما للمكتئبين وغذاء للجوعى ودواء للمرضى وشرابا للعطشى، غير انه بالرغم من ذلك كان يحمل نوعا من الرغبة لممارسة دوره كصحفي مسؤول، وهذه هي الصحافة، الخدمة العامة هي مبرر وجودها والصحفي الحق هو من ينشد الخلق ويبشر به لا الرصد فقط والكشف لا التسجيل وإعادة التكوين لا النقل.

ان الإنسان بنى الكثير من الجدران وتجاهل ضرورة بناء الجسور لكنه في مشواره المهني حاول بناء العديد من الجسور كان من أهمها تلك الأسماء التي كانت مخبأة في جدران ذاتها حتى جاء من يجلوها لتصبح معلماً في دنيا الثقافة العراقية، وسرَه مساهمته في بناء تلك الجسور الفنية، وتعلم كيف يكون تلميذا في محراب من هم أسن منه في التجربة والحياة، وحين عاد الى أوراقه القديمة وجدها اصفرت وتقصفت، وتهرأ بعضها بفعل الزمن وتداعياته ممسكا بعصاه السحرية حتى يلملم سطورا تؤرخ حضوره في مملكة صاحبة الجلالة، والحلي كان دائما تتفوق لديه غريزة الصحافة والسبق فيها على دعوات السياسيين وهو هنا حاول تجميع شتات أفكاره وحزم حقائبه لإنهاء مرحلة اللاقرار واللامكان وهو ما تجسد في تشابك عمله بين الإذاعة والصحافة وهو تشابك لم تكن له يد فيه بحسب وصفه، إنما للظروف أحكامها كمن يخرج يوميا من مسرح ليذهب الى مسرح آخر غير انه توقف أمام مسرح لم يقدم لجمهوره سوى الدراما التراجيدية توقف في ساحة حياته الحقيقية الصحافة المكتوبة وهي بمثابة خطوط متحركة متسلسلة تأخذ من الحياة ثم تبلور ما تأخذه وتنسقه لتقدمه بعد ذلك عطاء حسنا جديدا يستهوي العقول والقلوب وقد فعل، كما ان التجاذبات السياسية كانت في ذلك الحين على أوجها وقد مارست الصحافة دورها في تنوير الرأي العام وأصبح الإقبال على الصحافة وقراءة الصحف لازمة يومية لآلاف المواطنين ومنهم السياسيين والمثقفين والقارئ لما بين سطور تلك الصحف يجد ان بعضها كان يمثل اتجاهات ورؤى سياسية معروفة وهي ممثلة لأحزاب وحركات سياسية دون ان تعلن هذه الصحف عن ذلك، حيث العمل اليومي الذي رافقه مثل ظله عقودا كان حلوَها ومرَها يسيران سواء بسواء على سكة قطار حياته دون كلل، حيث تبدأ مسارات حياته المهنية في أوسع مدى وأعمق تأثير في فترة مهمة في تاريخها المعاصر واعتقد ان متابعة تلك المسارات ربما تفيد في قراءة حوادث هي ابعد مما جاءت به سطور الحلي وخير من تفيده صفحات هذه التجربة الحياتية والمهنية هو من يبرع في قراءة مابين السطور والحاذقون في معرفة علم تحليل المضمون، لكنه إنسان لم يركن يوما الى أوهام وأحلام اليقظة ولم يقترف سوى صولات فرسان الصحافة وهو فارسها الفذ.

 

• الصحافة عيون الناس

كان إيمان الحلي شديدا بان الصحافة هي عيون الشعب التي ترى، وآذانه التي تسمع، ولذلك ينبغي ان تكون تلك العيون ثاقبة وواضحة يشع منها الصدق وان تجعل من الأذان آلات لاقطة مرهفة الحس تأخذ الأنباء عن قرب لتردها الى القراء نورا وصدقا، هو لم يكتب عن الذين وقفوا بالضد منه او وضعوا حجر عثرة في طريق طموحه المهني، لأنه يسمو على العتاب، يبتعد عن الغلظة، ويقترب من التسامح، لان الفرق بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء يوم جوع وساعة عطش ومثل هذا النموذج لم يستطع مسايرة التطور وهو قصير النظر ويملؤه الحسد، وحين احتفظ الحلي بأرشيفه فهو خزنته وخزينته مثلما احتفظ بصور كبار السياسة والأدب والفن والعلوم والتاريخ، كما انه منذ ولج الصحافة استهواءه العمود الصحفي ولذلك فقد أسهب في بلاغته عنه، حين يكتب أيا كانت أفكار تلك الأعمدة ينقحها بحرق الأعصاب حرقا نازفا صبورا، إذ يذكر بان ولادة عمود صحفي ناجح عسيرة ومخاضه صعب، انه نمط من الكتابة يكره التعبيرات المتوارثة، ويبحث عن المفردات الرفيعة راقية المورد والجريان والمصب، سامية الإيراد والموضع والمنزلة، والعمود الناجح هو من يحفل بالصور الحياتية، المشحونة المؤتلفة الملونة المفعمة بالعواطف وباللفظ المتفجر المعبر الموحي جميل النسق في أنماطه وبناه الأسلوبية بلغة متدفقة برعشة الانسياب والاندهاش في صياغاته التعبيرية بكل حيثيات الجمل القصيرة السهلة الممتنعة وأدواتها الايصالية.

واللغة الصحفية في كتابة العمود مطلوبة بل هي أساس الأساس فإذا استعملها الصحفي المتمرس بكتابة العمود بذكاء ومهارة وموهبة وإتقان يتلهف لقراءة ما جاء في ذلك العمود، وسر أسرار العمود المقروء ان لا يكتب كتابة خمس كلمات ان كانت ثلاث تكفي، فالاقتصاد في الجمل مطلوب مع دقة التعبير ورشاقة في سرد المعاني، إذ ان الكلمات هي النقود التي يتعامل بها الصحفي، فلم يسرف بهذه النقود ولم يعرضها بكثرة خشية تدنيها من كثرة الإسراف، كما ان العمود الصحفي ضد القوالب والمساطر الجاهزة، انه يطير كفراشة ملونة في سماء الإبداع الصحفي يصهر المرتجل مع المنسق الأفقي مع الشاقولي التقاطع مع التوازي يصخب كالبحر ليهدأ كالنسيم ويترقرق شاعرية وعذوبة وصفاء ليعمق فلسفة وأفكارا وأراء ربما يموت في البداية ليحيا في النهاية او العكس ليؤلف قوس قزح ساحر الألوان، ومهما يكن موضوع العمود فلابد ان يكون موجزا قويا متماسكا في عباراته وذا حضور جمالي مع البساطة ويمتلك قوة الحجة مع السلاسة ودقة التعبير والوضوح والتجرد عن الهوى الشخصي والبعد عن التذبذب والتلون وعرض الأشياء بغير حقيقتها فالقارئ شديد الذكاء وشديد الحساسية في هذا الجانب والحذر من الإطالة عند الكتابة فإنها تقف عقبة أمام قوة البلاغة وهو احد أهم أسس العمود الصحفي المقروء، ان كاتب العمود ينبغي ان يسعى لان يكون عموده مثل زهرة أينعت وشجرة أثمرت أعظم ما يكون الزهر والثمر، والعمود مجال مفتوح للتأويل وبحره عميق الأسرار، ومسالكه وعرة لكنه يبقى عالما جميلا ساحرا إذا امتلك كاتبه أدواته ووظف تجاربه وثقافته توظيفا بعيدا عن القصدية، تعلم الحلي في وقت مبكر من حياته اختيار مسميات لتلك الأعمدة تدلل على معان وإشارات ذات أبعاد باطنية مثل (همس وصراخ) و(فم مفتوح..فم مغلق) و(للذكرى) وهي وسيلة باعتقاده تلفت انتباه القارئ والمسؤول في وقت واحد.

ثم يمضي بنا للحديث عن فن أخر من فنون الصحافة، التحقيق الصحفي، إذ أن أدوات كتابة التحقيق الصحفي إذا لم تتوفر للصحفي فلم يستطيع ان يلم بعدة أساسيات مهنية، قبل ان يلج هذا الباب المهم فهو يجب ان يكون مندوبا صحفيا بالدرجة الأولى وضليعا باللغة ومتفهما لسيناريو مايريد تناوله، ذكيا في اختيار لقاءاته، متفهما لمهنة التصوير، فيتعاون مع زميله المصور في اختيار اللقطات التي تخدم موضوعه، وهذا درس مهم لشباب الصحافة الجدد الذين يرغبون اقتناء مثل هذا الفن.

وعن طباع وأساليب معاصريه في العمل الإعلامي، يذكر عن بعض رؤساء التحرير الذي عاصرهم وعمل معهم، بان منهم من كان يرى العاملين في الصحيفة مثل نحلة للسع فقط وينسى ان لها عسلا وبعضهم يرى فيهم نحلة للعسل فقط وينسى إنها تلسع وبعضهم أدركوا ان للنحلة لسعة وعسلا في آن واحد، وكان آخر مشبوب العاطفة، صادق الوجدان، من طراز البناة، وله رؤى مستقبلية وتفهم دور الصحيفة في الريادة الإعلامية، فيما وصف غيرهم بأنهم أصحاب أقلام رشيقة، وهذا هو شان الصحفيين الكبار أنهم يمتلكون ذاكرتين ذاكرة إنسانية مدربة على الحفظ وذاكرة مكتوبة بشكل رؤوس أقلام عن الكلام او بشئ من التفصيل ان الصحفي هو الذاكرة الجمعية للمجتمع وهو شاهد عيان على عصره، ان التجربة، نبات بطئ النمو، فلا تغتر بتجربتك، فسيكون زملاؤك قريبا بمثل تجربتك وربما أحسن منك، كما ان الأحماض القوية تأكل أوعيتها ، لان الصحفي الواعي ينتزع مشروعية شهرته من وعيه وطموحاته وقدرته على تطوير نفسه والقدرة على حث الآخرين للتعاون معه في إيصال الإبداع الى حيث الوجود، وبذلك تنمو عنده رشاقة الأسلوب في الكتابة.

في لقاء منشور يقول الحلي:الصحافة والحياة، صنوان لا يفترقان، كلاهما ، يكمل الآخر، فإذا ما نظرت الى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية في بلدنا العزيز العراق، فستراها مضطربة بشكل كبير لان الصحافة هي انعكاس لكل الحياة لكنها الآن اختلفت، إذ ان ثقافة الدماغ والاستيعاب قلت فيما اتسعت ثقافة العيون.

خمسون عاماً من تجربة فارس الصحافة العراقية، على النشأ الجديد ان يتوقف عندها للتأمل والعبر، واستلهام الدرس، سيقرأ عن أدق تفاصيل الذكريات عن حقب في الصحافة لها معنى، ورجال لهم ادوار تستحق ان يقبل الناس على قراءتها.

 

قراءة في كتاب"كل الاشياء مشرقة"

585-hatamاثنان من كبار الفلاسفة المعاصرين هما سين كيلي Sean Kelly رئيس قسم الفلسفة في جامعة هارفرد و هوبرت درايفس Hubert Dreyfus من جامعة كاليفورنيا / بيركلي صدر لهما كتاب (كل الاشياء مشرقة) وهو كتاب فلسفي غير نمطي شديد الخصوصية. وخلافا لمعظم كتب الفلسفة يحاول كتاب (كل الاشياء مشرقة) معالجة الموضوعات الوجودية الهامة وإثارة الجمهور العام من القراء غير المتخصصين. الكتاب يخلو من الرطانة و الصيغ المنطقية. اسلوبهُ غير الرسمي، يشي بالصراحة المباشرة و يخلق المتعة في القراءة.

يركز الكتاب على فكرة مألوفة وهي ان زماننا عدمي يصعب فيه الحصول على المعنى والانجاز. غير ان (كل الاشياء مشرقة) لا يهدف فقط الى تشخيص امراضنا الروحية وانما لعلاجها ايضا." العالم باشكاله المختلفة هو عادة عالم الاشياء المقدسة المشرقة. لكن الاشياء المشرقة تبدو الآن بعيدة. هذا الكتاب قُصد منه ان يجعلها قريبة مرة اخرى".

كيف يمكن للكاتبين تحقيق هذه الوعود الطموحة؟ العنوان الفرعي للكتاب (قراءة الكلاسيك الغربي للعثور على المعنى في العصر العلماني) ربما يدفع المرء للاعتقاد ان توصيات الكاتبين ستكون حول قراءة المزيد من الادب باعتبار ان الكتب العظيمة في الفكر الغربي تنطوي على تلك "الاشياء المشرقة" المحيرة.

في الحقيقة، باستثناء هوميروس و ميليفيل ، فان المؤلفين الكنسيين وضعا بعملهما الرائع التفسير التاريخي لكل الاشياء المشرقة ، وان النقطة الاستثنائية والمزعجة احياناً في الكتاب باعتباره رحلة دالة مكثفة للفكر الغربي هي ليبيّن كيف واين اخطأ الفكر الغربي: كيف قادنا مفكرونا التقليديون الكبار بعيداً عن جنة هوميروس التي كنا فيها يوم ما لنجد انفسنا الآن في مناخ روحي كئيب.

وهكذا اُتهم اوغسطين بصياغته للمسيحية بطريقة "لا تخلق معنى لتجسيد المسيح المجسّد"، اما دانتي فقد أضاع فرصة التصحيح هذه باختياره تفضيل الالوهية المجردة على عذاب الحب البيتريسي(1) البعيد المنال، غير ان ما هو اكثر تدميراً ربما عقلانية ديكارت وتأكيده على ان الذات الداخلية تسبب اغتراباً عميقاً ينهي الارتباط الطبيعي بالعالم الذي تمتع به الاغريق القدماء حين ادركوا انفسهم وفقا للامزجة العامة والمشتركة، فكانوا منفتحين على العالم الخارجي بطريقة يصعب ادراكها من جانبنا نحن الذين ننظر الى الامزجة كخبرة خاصة.

585-hatamان تأكيد ديكارت وكانط على السيادة الفردية وتجلياتها المعاصرة يتجسد في الروائي المبدع ديفيد فوستر والس ، الذي جسّد في انتحاره اليأس المعاصر. " ما هو مقدس لدى والس هو شيء ما نفرضه على التجربة، لا يوجد شيء من ذلك اطلاقاً ". هذا يبدو مرة اخرى في تناقض واضح مع استعداد اليونانيين القدماء للتكيّف مع الواقع الخارجي. وكما يلخّص المؤلفان المسألة، "الرؤية الحديثة باننا مسؤولون كليا عن تجاربنا انما تقف في تضاد راديكالي مع الفكرة الهوميروسية باننا نعمل افضل ما في وسعنا حينما نفتح ذواتنا لنكون منجذبين نحو الخارج"

كيف اذاً نتجاوز العدمية القائمة على الحرية وفق افكار ديكارت و كانط و والس ونعيد انجاز طريقة هوميروس اليونانية الطبيعية والفورية في ان نكون جزءاً من العالم؟ جواب الكاتبين هو معقد وغامض وربما محبطاً. فمن جهة هو يستلزم بناء مواقف جرى تجاهلها منهجيا في حياتنا المعاصرة: الامتنان، الاعجاب،الحب . ومن جهة اخرى يتطلب ان نكون في آن واحد واقعيين وتعدديين حول القيمة، عبر تعلّم رفض الشك. علينا ان نتوقف عن البحث المستمر عن المعاني المختبئة، ونقبل المتع البسيطة والسعي الهادف في ظاهره نحو القيمة. ان انواع المعرفة والمهارة المطلوبة في الاعمال الحرفية الجادة مثلاً هي ذات مغزى وقيمة بطريقة تبدو فيها بطبيعتها ضد العدمية.

وما هو اكثر غرابة ربما ادّعاء كيلي و درايفس ان جمهور الرياضة يمكنه تقديم تجربة عامة مشتركة عن النشوة الجماعية. حتى الشيء البسيط جداً مثل فنجان قهوة قد يكون ممتلئ بالمعنى لو جعله المرء احتفالاً طقسياً ذو مغزى بذاته او ببيئته بدلاً من ان يكون عاما واداءاً لوظيفة بلا معنى.

بعض القراء قد يجدون هذه الامثلة مثيرة للسخرية ، وربما لن ينجذبوا لفكرة ان الراحة والامتنان لوجبة طعام عائلية قد تكون الاساس في هزيمة الاغتراب العدمي. والبعض قد ينزعج من ضحالة كتب تاريخ الفكر الغربي. هذه الشكاوي ربما تكون مبررة. لكننا لانزال يتوجب علينا تقدير المساهمات الاصلية والمثيرة احيانا لدرايفس وكيلي في الحديث عن المعنى والقيمة حتى لو كانت طريقتهما في النهاية، في التعامل مع مشاكلنا الروحية والفكرية هي بدرجة ما توحي انهما يشعران بالشك فيسألان، مرة اخرى ماهي المشكلة ؟

 

كتاب "كل الاشياء مشرقة"صدر في 10 نوفمبر 2011 عن دار free press في 254 صفحة.

.....................

الهوامش:

(1) الحب البيتريسي اشارة الى الشابة Beatrice(1266- 1290 ) التي تنتمي لمدينة فلورنس الايطالية، وعُرفت بملهمة الشاعر الكبير دانتي، فكانت الحافز الرئيسي له في كتابه )الحياة الجديدة( Vita Nuovaعام 1295 وهو تعبير عن الحب الرقيق في القرون الوسطى. وكذلك كانت بيتريس المرشد الروحي لدانتي في الكوميديا الالهية. كان ابوها Folco Portinari يعمل مصرفياً. يذكر دانتي انه قابلها مرتين فقط تفصل بينهما تسع سنوات لكنه تأثر جداً بهذين اللقاءين الذين حملا حبه لها طوال حياته.

 

"كاباريهت" رواية للروائي حازم كمال الدين

584-kamalعن دار فضاءات في الاردن صدرت للروائي حازم كمال الدين رواية جديدة بعنوان: كاباريهت

تتناول الرواية شخصية امرأة عراقية يُختطف زوجها في بغداد من جهة مجهولة وما يترتب على ذلك الاختطاف.

وأدناه تجدون ما كتبه الناقد العربي الكبير ياسين النصير على غلاف الرواية.

 

584-kamalنص ياسين النصير: هذه الرواية

هذا النص الروائي لا يكتبه إلا حازم كمال الدين، رجل المسرح الخبير بتمارين الذاكرة والجسد، والممعن حد الهوس بكتابة نصوص مغايرة للسياق. هذه المرة يرسي حازم قلمه على أرض العراق، وعبر سفرات عديدة - كاد ان يقتل في أحدها- يرصد لنا المتغيرات عبر انزياح صورة الواقع اليومية المأساوية لتصبح صورة فنية ابلغ بكثير من صور الواقع، ها هو يمزج بين سردية ممسرحة على أرض بغداد القديمة والحديثة، وتطلعات ممعنة بالكاريكترية الساخرة عن مستقبل العراق، ومن خلال شخصيات تجمع هي الأخرى بين داليا السندباد وداليا علاء الدين، وداليا الزوج المختطف، هذه الذكورية والأنثوية تتشرب كل تفاصل الرواية، لتغطي الألسن والأزياء والأتربة والرياح والإشاعات، فبغداد لا تمسك بلغة واحدة، فالكل يعيش ضمن ثنائية الذكورة/الأنوثة، مثل هذه الثنائية الطائرة في سماوات بغداد ومعاركها، يقلّب حازم كمال الدين بغداد الحاضرة الغائبة عبر وضعية ما يحدث في الواقع باسلوب فنطازي ساخر، وبطريقة ممسرحة يمكن أن تبدل الشخصيات مكياجها في كل مشهد فلا يهم ان تكون واقعية ترى ما يحدث او متخيلة ما سوف يحدث، فالممكنات قائمة في كل نقطة تفتيش وساتر وحاجز، وعبر مشهد "تمثيل" للواقع عبرالرسم، نرى بغداد وما يحدث فيها مرئية بعيون وأقلام وألوان مجموعة من الفنانين المؤجرين لتدوين خرائب الدمار. لايهم أن تتبع شخصية داليا التي اختطف زوجها، أو ان تعيش معها وهي تتنقل بين ممالك الطوائف وحصونها المسيجة بالدين والكونكريت، فالرواية مجس حاد لخربشة كل الصورة القديمة التي خرجنا بها قبل التدمير واحتفظنا بها في الذاكرة، وعند أية عودة للعراق، نجد أن يداً شيطانية تعمدت تخريب تلك الصور المختزنة بالذاكرة العراقية المهاجرة، أما الذاكرة العراقية التي عاشت وتعيش المآسي المركبة فقد مُحيت بممحاة الحروب والطوائف والفساد. شيء ما يحدث كما لو كنا في فلم سينمائي غريب، لا بأس من أن نعثر بين أونة واخرى عبر السرد على نتف من مدينتنا، فالخراب لايمكن تعميره إذا كانت النفوس خربة، ومثل هذه الحكاية جديرة بأن تقرأ لتضيف عليها فهي نص مفتوح وما عمله حازم هو أن فتح لنا باب الدخول لقراءة نص بغداد المفتوح والذي يجعل أي قارئ للرواية غير مكتف بما يقرأه سيضيف الكثير وسيغير الكثير فما زالت بغداد حبلى كما يقول النص بالمحتملات وما كتبه حازم كمال الدين إلا جملة استهلالية واخزة وغامضة للدخول إلى نص العراق الكبير، رواية تقرأ.

 

ياسين النصير

اوراق من يوميات حوذي كتاب جديد رحمن خضير عباس

583-rahmanصدر عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للقاص العراقي المقيم في كندا رحمن خضير عباس مجموعته القصصية «أوراق من يوميات حوذي».

المجموعة تتضمن ثماني قصص قصيرة، وتمثل عصارة لتجربة الهجرة عن الوطن، تلك الهجرة بهمومها ومكاسبها؛ بأشجانها ومسراتها، والتي تتحول الى قَدَرٍ ومصير، فلم تكن المجموعة مجرد أوراق من يوميات عابرة، بل هي تجارب حياتية تعرَّض لها من وجدوا أنفسهم فجأة على قارعة الانتظار في أرصفة العالم... لحظات يمتزج فيها الحقيقي والمتخيل لتؤسِّس مسرحًا لأحداثٍ صغيرة في محتواها؛ كبيرة في تأثيراتها، حيث تزخر المجموعة بأناس محبطين يبحثون عن الخلاص، كما تزخر بالمُدن، وكأن قطار العمر يجري بدون توقف بين هذه المُدن والمحطات، للبحث عن سقف يحمي إنسانيتهم .. وحيث تتساقط الأوراق واحدةً إثر أخرى، لتسجل جملة من المواقف والاحتمالات، وحسابات الربح والخسارة.

583-rahmanأحداث تنأى عن الوطن؛ ولكنها تبقى معلقة في حبل مشيمته.. يقدمها القاص «رحمن خضير عباس» إلى القارئ؛ وكأنه يقترح عليه أسئلة لم تزل معلقة وتبحث عن أجوبة.

قصص المجموعة: المقامة الكاريكاتيرية/ مـُدن و متاهـات/ أسـوار/ شقة في المنعطف جذور ملَّتْ من الوقوف/ اللوحة/ أوراق من يوميات حوذي/ النهر

 

 

سجين الشعبة الخامسة*

صدر في بغداد وعن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع كتاب بعنوان سجين الشعبة الخامسة بطبعته الجديدة من تأليف السيد محمد السعدي، الكتاب يتناول جزء من مسيرة النصير الشيوعي العراقي محمد السعدي (لطيف) منذ تفتح عينيه على الفكر الشيوعي واليساري لحين ما وجد نفسه لاجئا سياسيا يقيم في السويد بعد ان عز على العراق ان يعيش فيه ابناءه البررة ومنهم السعدي ومدينته ديالى (مدينة البرتقال) وقريته الهويدر وما ادراك كم دهدرت الهويدر من دماء زكية على طريق الوطن الحر والشعب السعيد.

لذلك جاء اهداء الكتاب الى اصحاب تلك الدماء التي تدهدرت في كل بقاع العراق (إلى زنابق الرافدين ـ شهداء الحركة الشيوعية في العراق)

المقدمة جاءت بقلم السيدة أزهار أحمد الشيخلي وبعنوان (الشعبة الخامسه) وثائق تاريخية وأصوات منسية، ومما جاء في المقدمة: (كتاب الشعبة الخامسة  منجزا أدبيا مهما فهو يعنى بالمبنى والمعنى على حد سواء فقد كتب بأسلوب أدبي حافظ على موضوعية الأحداث ومصداقيتها بالدرجة الأولى وسردها وفق نسق أدبي درامي . . عكس ثقافة كاتبه الواسعة ودقته في نقل الحدث وأمانته في التدوين...)

يبدأ لنا النصير لطيف قصته مع الشعبة الخامسة بعنوان (زنزانة رقم 3) ليروي لنا حكاية رعب عن 87 يوما قضاها في هذا المبنى, يسبقها بمقدمة عن ظروف العمل السري في تنظيم الداخل، وتنظيم الصدى والتنظيم في الوسط الطلابي ودوره في انقاذ بعض رفاقه من قبضة الغول ونقلهم الى ما يسمى بالمناطق المحررة في كردستان، وصولا الى يوم 7 ــ 6 ــ 1987 حيث وقع في قبضة الاستخبارات العسكرية لينقل الى الزنزانة رقم 3 في الشعبة الخامسة .

وفي محطة اخرى بعنوان (مدن كردستان تنتفض) يروي لنا السعدي مخاطر وصعوبات الانتقال بين  الجبل وبغداد لضرورات العمل الحزبي والمآسي في بغداد من اعتقالات وتصفيات، في انتقالات سريعة بين الكفاح الانصاري والانتقال من قرية الى اخرى او من كهف الى اخر في ربوع كردستان ومخاطر العمل في الداخل وصولا الى الكارثة، كارثة اعتقال وسجن مجموعة من الرفاق على يد رفاقهم وتعذيبهم بحجج واهية لتصل الحالة الى استشهاد احدهم (الشهيد الخالد منتصر) على يد رفاقه، والاغرب في كل ذلك هو ترأس لجنة التحقيق من قبل طبيب يدعى مهند البراك (صادق) والذي كان يوما ما طبيبا معالجا للشهيد منتصر الذي يعاني من مشاكل صحية في الكليتين، ليستغل هذا الطبيب الوضع الخاص لمريضه ويعذبه في المكان المناسب ليقضي عليه سريعا ومن ثم يلتزم الصمت الى هذا اليوم عن ظروف استشهاد الشهيد منتصر ومكان رفاته وبمباركة من قادة الحزب الحاليين، وتم تشتيت المعتقلين الآخرين بأمر من الانتهازي المحترف عزيز محمد في محاولة للتخلص منهم علهم يقعون في يد الخصوم، وهذا ما حدث مثلا للنصير الشهيد سامي حركات. وفي خضم هذه المعاناة يمر السعدي بالفقيدة الدكتورة حياة شرارة، التي درسته الادب الروسي في جامعة بغداد / كلية الآداب وتركت اثرها عليه، ليستعير مقطعا من احد نصوصها الادبية، اشارة الى مهاجمة الرفاق على المخالفين للقيادة بالرأي هجوما اكثر ضراوة من هجوم الخصوم وما تركه من اثر في النفوس، وعلى سمعة الحزب وتاريخه وجماهيريته ونفور الكثير منه بسبب تلك الأساليب .

ثم يعود بنا لطيف الى  الهويدر القرية التي نشأ فيها وكانت ملعب صباه ومن ثم نضوج وعيه الفكري والسياسي، ليحكي لنا تاريخ تلك القرية وما قدمت للمجتمع العراقي من شخصيات كان لها الأثر الواضح في مختلف المجالات، وما عانى اهلها من تعسف واضطهاد فكري وسياسي، ومن الهويدر ورمانها الذي يسلم على القلب عند تناوله كما يقول الكاتب، ينتقل بنا في رحلته تلك الى ذرى جبال كردستان، ليحكي لنا بقية المسيرة الانصارية والنضالية بقضها وقضيضها، الوجه الحسن لها والمتمثل بشباب آمنوا ايمانا عميقا بالشيوعية ولبوا نداء حزبهم بالتوجه الى جبال كردستان لمحاربة نظام الدكتاتور الرابض في بغداد، لقد قاتلوا وناضلوا بكل امانة واستبسال مضحين بكل شيء في سبيل الوطن والحزب ودفعوا دمائهم رخيصة في سبيل ذلك، والوجه الآخر، الوجه القبيح لحركة الانصار، المتمثل ببعض القادة الذين تاجروا بدماء الشباب الثائر تماشيا مع مصالحهم الشخصية وميولهم الشوفينية وحفاظا على كراسيهم في الصف الاول وللتغطية على عيوبهم واخفاقاتهم المستمرة، لذلك لم يتقبلوا اي رأي حزبي مغاير لنهجهم وتصدوا له بعنجهية صارمة، تغاضوا او تساهلوا مع الكثير من حالات الاندساس العميق والغائر في جسد الحزب ضمن لعبة القط والفأر، ويستمر لطيف، يروي لنا قصة تسلله المريبة نحو الداخل واعتقاله في بداية المشوار وانتقاله بعدد من المعتقلات والزنازين وصولا الى بغداد ومعتقل الفضيلية مع وجبة دسمة من التعذيب والاهانات يتفنن بها محترفيها في كل محطة من تلك المحطات وصولا الى الشعبة الخامسة، وما ادراك ما الشعبة الخامسه. نترك احداثاها وعذابتها للقارئ الكريم حتى لا نفسد عليه تتداخل وتناقض المتعة والالم، متعة القراءة لأحداث خفية والم الواقع المرير والمبكي لدهاليز الشعبة الخامسة .                                            

* بهذا ينهي لطيف رحلته تلك معنا، رحلة المناضل الشيوعي والنصير المقاتل الذي اصر على التمسك بخيوط المبادئ الشيوعية والوطنية معا رغم كل المطبات والمساومات والمخاطر ليبقى الطريق امامه نيرا وواضحا كوضوح الشمس في رابعة النهار، ولينتهي به المطاف لاجئا مقيما في السويد مبتعدا عن المخلفات النتنة لتلك التجربة ومتمسكا بوجهها الناصع، مبتعدا عن الامتداد السلبي لتلك التجربة وذلك الوهم الذي يسمى منظمة الانصار ورواتبها ورتبها المشبوهة وقائدها ذلك الملازم الذي اصبح في غفلة من الزمن جنرالا يملأ صدره بالأوسمة والنياشين ويقرر كما يشاء ويشتهي من يستحق تلك الرتب العسكرية الوهمية ورواتبها التقاعدية المجزية ومن لا يستحق ويجب ان يحرم منها، ليكون لطيف من ضمن من حرمت عليهم تلك الامتيازات لمواقفه السابقة واللاحقة والصريحة، وليستقبل قرار التحريم بابتهاج وتشرف رغم المضض والشجن الذي يساور المناضل على هذا الانزلاق والانحدار نحو الهاوية لمسيرة اريد لها ان تكون نموذجا يقتدى به، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .

تحية للعزيز ابو بيدر لهذا السرد والطرح الممتع، واستذكاره لكل او غالبية اصدقاء ورفاق المسيرة ومعظمهم من الجنود المجهولين في تاريخ الحركة الشيوعية والوطنية العراقية، متمنين له العمر المديد ليتحفنا بما  في جوده من ذكريات الطريق الطويل .

سجين الشعبة الخامسة جاء بـ 355 صفحة من القطع المتوسط من ضمنها مجموعة من الملاحق والوثائق والصور ومنها صورة خال المؤلف الشهيد البطل خزعل السعدي .          

* تسمية الشعبة الخامسة تطلق على موقع مديرية الاستخبارات العسكرية الواقع على نهر دجلة الخالد في جانب الكرخ وهي تظهر للشخص العابر من الرصافة الى الكرخ على جسر الأئمة في نهايته اليمنى كمنطقة خضراء توحي لناظرها انها منتزه عائلي او منتجع سياحي وهي كذلك ولكن من طراز خاص، تتكون تلك المديرية من عدة شعب واقسام واشهرها هي الشعبة الخامسة والمختصة في التحقيق والتحقق مع منتسبي المديرية نفسها ممن تسول لهم نفسهم في تجاوز التعليمات والضوابط او ارتكاب اي مخالفة، ولكونها اقذر وابشع شعب المديرية حيث يقوم المنتسبون فيها بتعذيب زملاء لهم او ضباط كانوا يعملون تحت امرتهم اشد العذاب والاهانات لاستخلاص الاعترافات منهم، لذلك طغى اسمها (الشعبة الخامسة) على اسم المديرية، ولعل من اسمائها الشهيرة الاخرى (الحوت)، باعتبار ان من يبتلعه الحوت لا مخرج له ثانية للحياة. ورغم اختصاصها العسكري وبسبب شمولية النظام الحاكم وتنافس قادة الاجهزة الامنية في الولاء لرأس النظام فقد تداخلت الاختصاصات واخذت الاستخبارات العسكرية تدخل انفها في كل شاردة وواردة وحتى وان كانت مسألة مدنية .

 

بغداد 3 / 7 / 2014           

 

 

النسر وشعراء من وطن الثلج والنار ..اصدار جديد للشاعر بدل رفو

582-badalانتلوجيا جديدة لشعراء الكورد ينتمون الى مدارس شعرية متنوعة وتجارب مختلفة في اول عمل كبير يضم 66 شاعرة وشاعرا من كوردستان وكل شاعر مع بعض اعماله الشعرية وسيرته الذاتية وصورته الشخصية

يعد هذا الكتاب الخامس عشر ضمن مسيرتي الادبية في ربط الثقافات الانسانية فيما بينها

582-badalوفي زيارتي الاخيرة الى كوردستان صدر لي على نفقة دولة النمسا كتاب وطن جديد (قصائد من النمسا) انتلوجيا جديدة لشعراء النمسا

كتاب النسر يعد ضمن مشاريع بغداد كعاصمة للثقافة العربية وتوزيع الكتاب على الضيوف العرب والموسسات العربية للتعرف على الثقافات الكوردية والتي تصب في منابع الادب الانساني

 

 

صدور رواية حق اللاعودة للكاتب مراد ماهر

581-maherصدر عن مجموعة النيل العربية للنشر والتوزيع بالقاهرة  للكاتب مراد ماهر رواية: حق اللاعودة.

تعتمد الرواية على تعدد الأصوات وعلى وجود وجهات نظر متعددة داخل النص الروائي، ويتم تداول سلطة الحكي بين عدد من الرواة يجسد كل منهم وجهة نظره المختلفة، الأمر الذي منح ثراء لمستوى السرد الروائي.

 

من اجواء الرواية

581-maherلا تتهميني بالجنون، ولا تتهميها بالعبث.

الجنون أحيانًا يصبح أول مراحل نمو العقل، والعبث أحيانًا يصبح أول ذكريات الجنون.

لا تشفقي عليّ لأجل ذكرياتي فأنا لست إلا شحاذًا وهبهُ الله قوة البدن فتناساها ليستمتع بتسول البقاء،

ولا تشفقي عليها لأجل هُويتها فهي ليست إلا قديسةً بالوراثة، لا تملك من مقومات قدسيتها سوى ما وهبها الله من تراتيل نُقشت فوق صحيفة قيدها .

لا تتعجبي أو تشعري بانعدام المنطقية أو الحكمة في سير الأحداث..

كل المعطيات التي تكاتفت في رصها لمنحي أو منحها لونًا من ثراء الاختيار أو براعة الانتقاء كانت تنتهي بشكل أو بآخر على عتبات اللامنطقية المفرطة

هكذا تقابلنا

 

 

التلوث الإشعاعي في العراق للبروفسور د. كاظم المقدادي

khalidjawad shbaylقبل أكثر من عام وتحديداً في 13 /4/ 2013 استمعت الى محاضرة في المركز الثقافي العراقي في ستوكهولم للبروفسور الدكتور كاظم المقدادي، عن تلوث البيئة العراقية بالإشعاع مصادره ومخاطره وعلاجه...حيث استحوذ هذا الموضوع على اهتمام واسع من الجمهور وقد أبلى المحاضر بلاء حسنا في توضيح هذا الموضوع الهام وتذليل الصعوبات مستخدماً الوسائل التوضيحية ومتدرجا بالموضوع بسلاسة مستندا الى معلومات ميدانية وإحصائية ومستقيا الجانب النظري من أوثق المصادر العلمية، وكم منّيت نفسي أن تصبح هذه المحاضرة القيمة بين دفتي كتاب لتصل الى أوسع قطاع من القراء، من أجل رفع مستوى الثقافة البيئية وإدراك مخاطرأعتى أنواع التلوث وهو الإشعاعي وقد راح ضحيته أنفس بريئة من المواطنين لاسيما الأطفال والنساء .. وها قد وقعت بين يدي نسخة ورقية من كتاب التلوث الإشعاعي في العراق ج1 للبروفسور المقدادي والذي كان نواته تلك المحاضرة، وكنت في نقدي لكتاب البروفسور مجيد القيسي عن اللغة البغدادية قد وعدت القاريء الكريم أن أتوقف مع كتاب أ.د. كاظم المقدادي عن التلوث الإشعاعي موضوع اليوم.

والبروفسور د. كاظم المقدادي، شخصية غنية عن التعريف، فقد عرفته كاتبا في قضايا الطب والصحة الوقائية في الصحف العراقية منذ بداية السبعينات، ورغم كونه طبيبا فقد برع في هذا المجال وزاد عليه تخصصا عاليا من جامعات عالمية مرموقة، وتجاوز نشاطه اختصاصه الى قضايا البيئة التي نشط في مجالها كاتبا مناضلا نضالا مركبا علميا وسياسيا فاضحا الأكاذيب من الغرب والتكتم من النظام السابق على مخاطر التلوث الإشعاعي الذي يعتبر أخطر أنواع التلوث وأكثرها فتكا بالانسان والحيوان والبيئة فهو القاتل الصامت الذي يتسلل بهدوؤ وبطء ،،، وتتسم كتابات المقدادي بالنزاهة العلمية والجرأة الادبية وقدرة كبيرة في تذليل المواضيع الصعبة وجعلها في متناول فَهم القراء..

وهذا هو الجزء الأول المخصص للتلوث الأشعاعي من اليورانيوم المنضب، مما يشي بأن جزءً أو أكثرً سيليه، قوامه 321 صفحة من الورق الصقيل عن دار فيشون ميديا-السويد، طبع بدعم من المركز الثقافي العراقي في السويد. لست بصدد عرض هذا الكتاب القيم الذي عرضه مؤلفه في مدخل الكتاب فأحسن العرض والتعريف بكتابه، موضحا أهمية وهدف كل مفصل، ويمكنني أن أقسّم الكتاب الى ثلاثة محاور رئيسة: المحور العلمي المحض المتعلق بالكيمياء الإشعاعية Radiochemistry وهو من المواضيع العلمية المحض Pure science ما ألزم المؤلف جهوداً إضافية لتبسيطه للقاريء غير المتخصص، حين قدم تركيزا على المصطلحات والمفاهيم المتكررة من قبيل أشعة ألفا و بيتا وغاما شارحا طبيعتها الجسيمية أو الموجية وتاثيرها الفيزيولوجي الاختراقي والآيوني على خلايا وأنسجة الأجسام الحية وما يترتب على ذلك من مخاطر حالية ومستقبلية مع توضيح بالصور والدايغرامات العلمية. كما بين طرق قياس الأشعة ووحداتها العلمية وأجهزة القياس، ومن المهم أن المؤلف بين مصادرهذا التلوث في السلم وفي الحرب..

أما المحور الثاني ويتمثل في عرض تاريخي مكثف لتاريخ التلوث الإشعاعي وارتباطه بالحروب أو الهجمات الخارجية على العراق، حيث توقف المؤلف على قصف المفاعل النووي العراقي "تموز" في التويثة من قبل الطيران الاسرائيلي عام 1981 ولم تعرف مخاطر التلوث حيث تستر النظام وحذر الأطباء وأجهزة الإعلام من مغبة كشف أو تسريب أي معلومات عنه. ومع حرب الخليج الثانية عام 1991 يسجل التلوث قفزة عالية لا يمكن إخفاؤها حيث قصف مفاعل "لاما" في التويثة تدميراً تاما لمختبراته ووقوده المشع ما تسبب في كارثة حقيقية اضطر رئيس الطاقة الذرية العراقية وقتذاك في مؤتمر الطاقة الذرية العالمية المنعقد في فينا أيلول 1998 أن يكشف عن أرقام مذهلة من القصفين السابقين 81 و91 بدون أن تتخذ إجراءات ناجعة لمعالجة خطر الإشعاع! ما فاقم اتساع رقعة التلوث في العراق بفعل الغبار والرياح والنباتات والحيوانات المتغذية عليها الى المناطق المكتظة بالسكان والمدن!وكانت ثالثة الأثافي بل الطامة الكبرى هي في الهجوم الامريكي عام 2003 لأسقاط النظام السابق في نيسان، حيث تكشفت عن جريمة لا يمكن السكوت عنها وهي استخدام أسلحة فتاكة قذائفها من اليورانيوم المُنَضَّب Depleted Uranium، والتي أدت الى تلويث العراق إشعاعيا بشكل خطير وهو ما يعد سابقة خطيرة بعد استخدام القنابل الذرية في ناغازاكي وهيروشيما عام 1945. ولا بد من الوقوف هنيهة مع اليورانيوم المُنَضَّب أو المستنفد وهي تسمية مضللة تعني بقايا خامات اليورانيوم بعد أن استخلص منها اليورانيوم المُخَصَّب Enriched Uranium المشع بطرق التركيز المعروفة، ويعرف علميا اليورانيوم المنضب بأنه يحتوي ما لا يقل عن 0,711% من اليورانيوم 235. ويستخدم في إنتاج الأسلحة والتجارة..وتعتبر الولايات المتحدة تمتلك أكبر خزين منه تليها روسيا ففرنسا. وبعد قصف أمريكا لمفاعل التويثة عفي نيسان عام 2003 تم نهب الأواني والمعدات وحاويات الكعكة الصفراء من قبل الأهالي بتشجيع أو سكوت ومرأى من القوات الأمريكية مما تسبب بكارثة فعلية لسكان المنطقة وما جاورها...ناهيك عن الأماكن التي أستخدمت فيها المقذوفات المصنوعة من اليورانيوم المخضب، وهو أمر من الناحية القانونية يلزم من اسرائيل والولايات المتحدة بتقديم التعويضات خاصة للذين راحوا ضحية هذا السلاح الخبيث، وهذا ما فصله الدكتور المقدادي بزياراته الميدانية للمناطق الملوثة..

أما المحور الثالث فهو الكشف عن تكتم النظام السابق لعشر سنين عن حجم التلوث وعن الإصابات البشرية والبيئية من عام 81 الى عام 91 بعدها كشف عنها لأغراض سياسية، كما فضح الكاتب سيل الأكاذيب والتضليل وشراء ذمم الإعلاميين وقلة من العلماء الذين برّروا وزوّرا الحقائق لصالح مستخدمي هذه الأسلحة وقد تصدى لهم نخبة كبيرة من العلماء الشرفاء الذين ثبّتوا الحقائق وبينوا مكامن الكذب ودوافعه السياسية، كما تصدى للنواقص والطرق المتعثرة في المعالجة الجادة من قبل الوزارات المعنية البيئة والصحة في تقديم المعلومات والمنجزات في حصر التلوث وتوعية المواطنين من أخطاره، بل ورسم خريطة التلوث مع كمية الاشعاعات الموجودة في مختلف أنحاء العراق، لقد سلط البوفسورالمقدادي الاضواء على هذه الحقائق وبسطها للقاريء وبذل جهدا مضنيا من أجل أن تكون سلسة للقاريء، لذلك جاء هذا الكتاب ليكون مرجعا مهما لكل من يريد أن يستفيد منه في نشر الوعي البيئي والتنبيه على مخاطر التلوث والطرق العلمية لمعاجتها..ونظرا لخطورة التلوث الاشعاعي اقترح على وزارة التربية والتعليم ضمّ موضوع البيئة ومخاطر التلوث الى المناهج الدراسية ليدرس كمادة علمية فهل هي فاعلة ذلك؟!

أقترح على الأستاذ الدكتور المقدادي بأيجاز الجزء الكيميائي الإشعاعي او إلحاق ثَبْت بالمصطلحات والتعريفات والمفاهيم العلمية ليسهل على غير المختصين فهم مادته العلمية،،كما أتمنى أن يُغيَّر تصميم الغلاف الخارجي ليكون بمستوى الكتاب القيم، فالتصميم بدا فقيراً غير جميل في هذه الجماجم الاربعة وصورة الأشعة السينية لكف وقد لصقت عليها عبارة قف الإنكليزية، وكأن الكتاب كتاب موت وليس كتابا علميا يسلط الضوء على عوامل الهلاك من أجل أن تبقى ورقة الحياة خضراء نضرة؛ وكذلك اللون الوردي والكتابة باللون الأحمر ما ألغى الكونتراست الضروري جداً لإبراز العنوان وإسم المؤلف كل هذا جعل التصميم منفّرا للرائي،، فمثلاً يمكن استحدام الإشارة العالمية الدالة على الإشعاع وجعلها ضمن الإشارة المرورية الدالة على المنع وهي دائرة وخط مائل باللون الأحمر، ويُحبَّذ إضافة وردة بأوراق خضر معبرة عن الوجه النظيف للبيئة؛ وطبعا هذا مجرد اقتراح للطبعة الثانية..

قبل أن يستفحل التلوث الاشعاعي بفعل استخدام المفاعلات وعدم صيانتها، بل وانفجاراتها الكارثية أو بفعل الحروب، كانت قضايا البيئة تعنى بشكل أساس بالتلوث البايولوجي، والتلوث الكيميائي، والأمطار الحامضية وما ظهر من تغيرات على البيئة كالانحباس الحراري، والتصحر وارتفاع درجة الحرارة على كوكبنا وكذلك التلوث الصوتي،،،وكان نشطاء المحافظة على البيئة يلاحقون في البحر والبر نقل النفايات الذرية ويمنعون التخلص منها في الصحارى أو المحيطات، وكانت منظمات الخضر تبذل جهودا كبيرة بعدم السماح للناقلات بالتخلص من نفايات الزيوت في البحر، التي تكون بقعا عائمة من الزيوت تمنع الهواء الضروري للكائنات البحرية ما يؤدي الى نفوق أعداد كبيرة من الثروة المائية بل هناك أنواع من الأسماك الحساسة قد انقرضت أو في طريقها الى الانقراض، لقد خاض هؤلاء نضلات مشرفة في صيانة البيئة وفضح المؤسسات التي ساهمت في قطع الغابات المطيرة في البرازيل وتحويلها الى مراعِ للأبقار كمصدر حيواني لشركات اللحوم بما في ذلك مكدونالد سيء السمعة...

لكن قليلا من سمع ببعض المعتقدات الدينية التي من صلب عقائدها الحفاظ على البيئة مثل حركة جبكوChipko movement وهي حركة جذورها الدينية قديمة في شمال الهند، ومن أهم مبادئها المحافظة على الاشجار والحيوانات، وتجددت في بداية السبعينات في مقاطعة أوتار برادش عندما نوت الحكومة قطع الاشجار في الهملايا حيث لعبت النساء دورا متميزا في عناقهن للأشجار وأفشلن المشروع وقدمت ضحايا والحركة من مبادئها الهامة هو اللاعنف، وقد نالت هذه الحركة إعجاب العالم وألهمت كثيرا من المنظمات لا سيما حركة Träkrammare السويدية أو معانقو الاشجار الذين لعبوا دورا قلّ نظيره في إفشال مشاريع الحكومة في قطع الأشجار لإنشاء الطرق السريعة لا سيما E6 في مقاطعة بوهوس تزعم هذه الحركة التي ما زالت نشطة اليسار الجديد السويدي. وهنالك نِحلة بشنوي Bishnoi الهندية في مقاطعة راجستان التي تعني 29 مبدأ، أسس هذه العقيدة المعلم جابهيشوار قبل 450 عاماً، وتتمحور هذه العقيدة بالعناية بالبيئة النباتية Flora والحيوانيةFauna وتعتبر هذه العقيدة من أكثر العقائد إنسانية، فهي لا تعرف العنف أبدا، ومن مبادئها التسعة والعشرين، ثمان تتعلق بالمحافظة على النبات والحيوان، وخمس للعبادة، والباقي للقضايا الصحية والغذائية والاجتماعية، ومنذ نشوئها خاضت معارك سلمية من أجل حماية الغابات والحيوانات، وهم نباتيون في طعامهم. لا أود الأستغراق في هذا الاستطراد إنما هدفت أن أعرّج على مفارقة، وهي كيف تحاول هذه الملل الفقيرة المحافظة على البيئة وكيف تلوث الأمم الغنية البيئة؟ وفي ذلك حكمة!    

 

الاخلاق في المجتمع

الاخلاق هي الطريقة التي يعيش بها كل فرد حياته، لكنها على الاغلب تتعلق بالطرق التي نتفاعل بها مع الاخرين. وبهذا يمكن التفكير في الاخلاق بطريقتين: اما من منظور الفرد ضمن المجتمع، او من وجهة نظر المصلح الاجتماعي. بكلمة اخرى، أستطيع السؤال: "كيف يجب ان اتصرف تجاه الناس حولي؟" او السؤال، "كيف يجب ان يُنظّم المجتمع؟"

هذان المنظوران للأخلاق كلاهما ورد ضمن أخلاق عمانوئيل كانط  ذات الصفة الالزامية والمطلقة التي أطلق عليها بـ Kant’s Categorical Imperative، والتي تؤكد اننا حينما نتصرف في حياتنا، فيجب ان نتصرف كما لو كنّا نشرّع قواعد لكل المجتمع: "نتصرف وفي نفس الوقت نكون فيها ضمن قانون عالمي دون اي تناقض"، كتب ذلك كانط مؤكدا "انه لا يستطيع عمل استثناء اخلاقي لذاته. لأن الناس الآخرين هم صنّاع لقواعد اخلاقية تماما كما انا، هم يستحقون ان يُعاملوا كغاية بذاتهم، بدلاً من ان يكونوا مجرد وسائل لغاياتي الخاصة". لذلك فان اخلاق كانط هي حول الواجبات التي ندين بها للآخرين.

ولكن هناك اتجاه اخلاقي آخر، يبرز حينما نأتي لإدارة المجتمع ، وهو اتجاه يزداد قبولاً وشعبيةً. عندما نسأل كيف يجب ان يتصرف حكام المجتمع سواء كانوا رؤساء او امراء او مدراء مستشفيات، فان العديد من الناس يقولون ان قراراتهم يجب ان ترتكز على ما يُحتمل ان يكون لها افضل النتائج لجميع الناس الذين يتأثرون بها. هذا الاتجاه في الاخلاق يسمى بـ التحصيلي consequentialism، لأنه يرى ان الناس يجب ان يقرروا ما يجب القيام به من خلال النظر للنتائج المحتملة لطرق السلوك المختلفة والمتنافسة.

لذا نحن نستطيع النظر الى الاخلاق اما من منظور فردي، او من منظور الحكومات والمجتمعات والمصلحين الاجتماعيين. بعض فلاسفة الاخلاق النفعيين – بمن فيهم جون ستيوارت مل – كانت لديهم احيانا الرغبة في التأرجح من احد الاتجاهين الى الآخر، او على الاقل لا يكونوا واضحين حول ما يتحدثون عنه في وقت معين. لكن مؤسس النفعية Jeremy Bentham (1748-1832) لم يكن فقط فيلسوفا وانما ايضا مصلحا اجتماعيا (ومصمم للسجون). كتاباته كانت تنصب اساسا على تحسين المجتمع وكان اتجاهه تحصيليا او نفعيا (يعتمد على المحصلة). بالنسبة لبنثام يرى ان اختبار اي مؤسسة قائمة، او اي اصلاح مقترح، هو ان نسأل: هل ان محصلته ستزداد ام ستقل من حيث الكمية الكلية للسعادة في العالم؟

يرى Stuart Greenstreet ان عقوبة السجن لا تعمل كوسيلة لمنع الجريمة، ذلك لأن ارتفاع نسب تكرار الجريمة من الذين اُطلق سراحهم يعني ان السجن يساهم حقاً في زيادة نسبة الجريمة. هو يؤكد ان الطريقة الفعالة لخفض الجريمة هي بازالة جذور الجريمة الكامنة في  الفقر والحرمان . يقوم غرينستريت بتقييم السجن بطريقة نفعية، ويجادل بان له نتائج سيئة بسبب ارتفاع نسب تكرار الجريمة. السجون هي جامعات للجريمة، خاصة في المدى البعيد. واذا كان الهدف من نظام العدالة الجنائية هو حماية أفراد المجتمع بدلا من الرغبة بالانتقام من المعتدين، عندئذ فان معالجة الفقر تكون هي الطريقة الاكثر فاعلية . غير ان هذا الموضوع لازال يترك لنا سؤالين بلا اجوبة. اولا، ماذا عن الجرائم  التي يرتكبها الناس ذوي الوظائف الجيدة والتعليم اللائق؟ التحرر من الفقر لا ينهي مشكلة معاقبة مثل هؤلاء الاشرار. وثانيا، ماذا يجب ان نعمل تجاه المجرمين الذين اُلقي القبض عليهم لكننا لانزال في طور عملية ازالة الفقر، وهي العملية التي تأخذ عدة عقود؟

 

 

 

قرات لك كتاب: "القرد العاري" لمؤلفه "ديزموند موريس"

moslim alsardahتضمُّ فصيلةُ القرود 193 نوعًا من القرود (كالغوريلا، والسعادين، وغيرها) يكسو أجسادَها فروٌ كثيفُ الشعر .. إلا نوعًا واحدًا فقط من هذه 193 نوعًا ، جسدُه عارٍ من الفراء. والاسمُ العلميُّ لهذا النوع من القِرَدة هو (هوموسابين)،

وهذا النوعُ من فصيلة القردة كائنٌ لطيفٌ وطريفٌ جدًّا، ليس لخلوّ جسدِه من الفراء فحسب، وإنّما لأنّه يقضي معظم وقته في مراقبة سلوك بقيّة أفراد أقربائه القردة، ودراسة الشروط المعيشية والجنسية لها ولبقيّة الكائنات الحية (ويسمّيها عادة الحيوانات) كما لو كان كائنًا مختلفًا عنها مستقلّ المنشأ!

 ولعلّ أطرف ما فيه أنّه يتباهى بدماغه، مُفاخرًا بأنّه أضخم دماغ بين الكائنات الحيّة، بينما يتجاهل ويتستّر على حقيقة أخرى يعرفها جيّدا: أنّه صاحبُ أكبرِ عضوٍ تناسلٍ بين مختلف القِردةِ في فصيلته!!

يقولُ الناشرُ إنّ الكتابَ قد نجح في إعادة الإنسان إلى مكانه الحقيقي من رفّ المخلوقات !

كتاب يبيّن أنّ الإنسان رغم ضخامة دماغه، لا يزالُ مثل أسلافه القردة، بدائيًّا في ممارسته لحياته الجنسية والعاطفية والاجتماعية ... بل إنّه في سلوكه وعاداته (كآداب الطعام مثلًا ) لا يزالُ بدائيًّا لا يختلف كثيرًا عن باقي أفراد قبيلة القِردة!

وهو كتابٌ يحرّضُ تفكير القارئ ويستفزّه، بل يمنحه فرصةَ للتأمّل في ذاته ونقدِها كما يلقي الضوءَ على الأسباب الخفية التي تكمن خلفَ تصرُّفات المحيطين به من القِردة العُراة !(هذا ما يقوله ناشر الكتاب، ويحاول المؤلِّف أن يثبته في كتابه).

يطلُّ مؤلّف الكتاب العالم الإحيائي "ديزموند موريس" على الإنسان من خلال زاوية جديدة علمية مجرّدة من أيّة آراء سالفة، نظرة جديدة لن تأخذ بعين الاعتبار كلّ ما سبق من نظريات عن أصل الإنسان (في الدين والعلم والخيال والأدب والاجتماع والاقتصاد ....إلخ). ومن ثَمَّ، فالآراءُ التي يصل إليها قد تلتقي بالنظريّات السابقة أو قد لا تلتقي .

الكتابُ يتكوّن من ثمانية فصولٍ يركّز فيها على دراسة الحاجات الأساسية (للحيوان الغريب قيد الدراسة) الجماع والجنس، الولادة، حبّ الاكتشاف، الاقتتال، التغذية، الاستراحة، الحيوانية ......... يخرج منها بخلاصة في تصنيف هذا الكائن .

لقد قرّر إطلاق تسمية القرد العاري على الإنسان .. وليس القرد الذكي أو القرد صانع الأدوات أو القرد الصاعد إلى القمر فهذه كلّها صفات غير جوهرية في ذات القرد العاري كونها لا تعدو مظهرًا من مظاهر تكييفه مع الحياة في عصر ما وضمن ظروف معيّنة أنّه يستطيع أن يؤكّد حقيقة علمية وحدة بأنّ هذا الكائن عارٍ من الفراء! 

في الفصل الخاصّ بالجنس يصفُ المؤلّف التواصل الجسدي وصفًا مفصّلًا مع تسمية الأشياء بأسمائها من قبل الأمانة العلمية وبمعزل عن قيود المجتمع والتأريخ والتقاليد ....فهو يقارن بين سلوك الإنسان والقرد خلال عملية التواصل محاولًا أن يثبت لنا بأنّ الفرق ليس أساسيا، وإنّما هو نتيجة محاولة الإنسان التكييف مع واقعه الطبيعي.

فالفروق مثل إطالة عملية (التحضير) قبل الوصول لدى الإنسان وتفاصيل جنسية أخرى يجد لها تفسيراتٍ جديدةً وجريئة إلى أبعد حدٍّ ..

 

الشيءُ ذاتُه نجدُه يطبّقه في بقيّة فصول الكتاب .. محاولًا إثبات أنّ سلوك الإنسان في التغذية والاقتتال وتربية الأولاد وحبّ الاكتشاف هو في جوهره مطابق لسلوك القردة في مثل هذه الحالات .. وكلّ ما يبدو من الخارج كفروق أساسية .. ليس سوى عوارضَ وأقنعةٍ متغيّرة يلجأ إليها في تكيّفه مع الطبيعة خلال صراعه من أجل البقاء .

أمّا لماذا فَقَدَ الإنسان فروَه .. فيرجع إلى عوامل طبيعة ومعيشية واجهها قطيع من القرود ذات يوم ما، وعصر ما، وحدث التبدّل تلقائيًّا وهو لا يعلق أيّة أهمّية على الصورة الخارجية للإنسان من حيث الشبه بالقرد بقدر ما يركز على التطابق بين الإنسان والقرد في السلوك والغرائز والحاجات الطبيعية الأساسية .

 هنالك تشابه كبير وجوهري بين سلوك الإنسان وسلوك القردة

مع فارق واحد سطحي هو أنّ على سلوكه قشرةً رقيقةً جدًّا من أقنعة التحضر الموهوم، وعن جسده سقطت قشرة رقيقة من الشعر فصار الإنسان قردًا عاريًا لا أكثر!

 لم يذكر المؤلّف أين هي الحلقة المفقودة في نظرية داوين (الكائن الحيّ أو حلقة الوصل بين تطوّر القرد إلى الإنسان)

لذلك يطرح السؤال الأساسي .. أين الدليل على أنّ أصل الإنسان قرد؟ .. أين الحلقة المفقودة؟

 لنجد الجواب في هذا الكتاب فالإنسان المعاصر هو الحلقة المفقودة

فالإنسان الحالي ليس بعدُ (إنسانًا) بالمعنى التي تُصوّره العقائد والأديان والمُثل والنظريّات المثالية ولم يتوصّل بعدُ لنيل استحقاق لقب (الإنسان) وفي الوقت نفسه هو لم يعد(قردًا) تمامًا ولكنّه أقرب إلى القرد من الإنسان ..

لذلك فعوضاً عن التنقيب عن الحلقة المفقودة في الثلوج والجبال والوديان والكهوف .. يقترح المؤلّف أن يحدّق الإنسان في المرآة ليرى الحلقة المفقودة !!!

 واليك رابط الكتاب لغرض تحميله عن طريق :

1- تظليل الرابط

2- نسخ الرابط copy      

3- لصق paste   على بحث google  

4- التحميل من الرابط المذكور .

5- او لصق الرابط على برنامج  (idm)

وقراءة ممتعة وشكرا لكم

http://thevoiceofreason.de/download.html?id=215

 

مسلم يعقوب يوسف السرداح

 

خطوات في الاتجاه المعاكس مع صالح الرزوق وصباح الانباري صالح الطائي

saleh altaei"قراءة انطباعية في كتاب "الاتجاه المعاكس في كتابات صباح الأنباري" للدكتور صالح الرزوق"

لا أدري إن كان للمهنة التي يمارسها الشخص انعكاسا على شخصيته وطريقة تفكيره ولاسيما، وأنها تأتي متأخرة عن مراحل النمو والنشأة والتطور، بما فيه التطور الفكري والسلوكي، بمعنى أنها تأتي إلى بيئة معدة سلفا ومناسبة لاحتضانها والمفروض بها أن تتأثر لا أن تؤثر في ذلك، ولكن الظاهر أن بعض سلوكيات المهنة تطبع الإنسان بسلوكها وتسحبه من خصوصيته إلى خصوصيتها لتعطيه أشياء من أشيائها ونفحات من روحها وقبس من جوهرها؛ فيحدث الامتزاج الدلالي.

كما لا أدري إن كان المكان يُطبِّع المرء بطباعه ويبوءه صفات بيئته وأجوائه ولكن الظاهر من خلال التجربة والمعايشة أن للمكان أثرا على سلوك الإنسان، وكلما تحضر المكان وتمدن، تطور معه سلوك أهله نحو الأحسن لأن المثقف والمتحضر يشعر بمكنون الجمال أكثر من الآخرين.

معرفتي البسيطة بالدكتور صالح الرزوق كادت أن تقودني عنوة إلى الإيمان بهذه الحقيقة، حقيقة أن المهنة والمكان تؤثران على المرء وتتفاعلان مع وجوده، بعدما وجدت دكتور الكيمياء الذي يعطي دروسه في كلية للزراعة قد تعلم من الكيمياء أن يقوم بالتحليلات والتفاعلات ليصل إلى حقيقة المكونات، وتعلم من المواد الكيماوية أن تفاعلها مع بعضها ينتج مواد ومركبات تختلف كثيرا عن الأصل، وتعلم من مراقبة الزرع كيف أن حبة يحيطها الموات تتحول بوجود العوامل المساعدة والبيئة الصالحة إلى عود رفيع يتشظى ويتفرع ليتحول بصبر إلى شجرة وارفة تغدق خيرا وعطاء، وتسهم في دوام الحياة وبث المحبة والجمال.

وإذا ما كانت المساحات الشاسعة من صحراء العرب الخالية من كل محسوس، والمتلفعة بثوب لونه رملي أصفرا مغبرا، والتي يحيطها الخطر، ويتلبسها الموت قد ولدت أكثر الأنبياء شهرة ومشاكسة في التاريخ، فإن بيئة الرزوق التي تحيطها الرهبة والخوف والخطر، وحالة الوحدة القسرية التي فرضت عليه عنوة يبدو أنهما تعاونتا سوية لتخلقا من رجل الكيمياء حكيما تأخذه الرهبة واحترام الماضي أن يتحول إلى نبي في زمن اللانبوة، فيكتفي بهضم حكمته علها تثمر كما يثمر الزرع.

وحينما يتحول الخوف إلى هاجس يومي ترتسم صوره الجميلة والبشعة على وجه الحياة بكل مفاصلها، تتساوى النظرة إلى الأشياء ويموت الحلم بالمستقبل، ويقل الالتفات إلى المصير، ويصبح الإنسان ابن لحظته التي يعيشها، يختزل حياته وتجاربه وما تعلمه طوال عمرة في كل دقيقة من دقائقها، حيث التركيز على الجوهر والأصل والمعدن والمكون، دون النظر إلى البراقع الزائفة التي تفقد أهميتها، بل وتتلاشى وكأن قوة النظر تخترقها لترى ما تحتها، حتى لو كانت قد قدت من صخر.

وحينما يتصيد المرء أيام حياته التي يعيشها من بين فكي الموت ليجلس في آخر النهار ينظر إلى دخان سيكارته يخترق جو المكان، يشعر أنه لا زال على قيد الحياة، وانه نجح فعلا في سل يوم آخر من بين أسنان المستحيل ليضاف إلى رصيد الوجع التاريخي الذي تركه خلفه، تتحول الدقيقة إلى ثروة غير قابلة للتبذير إلا في المكان الصحيح الذي ينتج دقائق إضافية.

هذا هو صالح الرزوق الإنسان والفنان بلا رتوش، رجل يحلم أن تتحول الدمعة إلى ابتسامة في زمن البكاء، من دون أن يُشعر الآخرين بجبل همومه الذي تنوء بثقله العصبة. ومتى ما عاش الإنسان هاجس التشظي يتطبع بروح المقاومة والانقلاب على المألوف، ولكنه ما إن يجد انقلابيا مثله حتى ينجذب إليه وكأن بينهما رابط سري لا تراه العيون المجردة. ولذا لا غرو أن يجد في صباح الأنباري ضالته التي يبحث عنها، فصباح هو الآخر، كما يصفه الرزوق في مقدمة الكتاب: "يمكن اختصار تجربة صباح الأنباري مع الدراما بفكرة بسيطة: هي الانقلاب عليها وإعلان موتها. فمسرحياته الصامتة وما كتبه من مونوداما وحواريات طويلة تعتبر خروجا على القوانين الثابتة وطويلة الأجل لفن المسرح"

صباح الأنباري الذي تمرد على قيود النمطية من أجل الإبداع والتألق، هذا الأديب الذي "اختار الشعر أن يخرج من قيود الإيقاع المنضبط ليدخل في إيقاعات غامضة لا تعرف التكرار ولكنها تعاني من الرتابة". هو الآخر مسكون بحب التجديد، حب التحرر من قيود فرضها الواقع، ربما أملا في صنع واقع جديد أحلى وأكثر رتابة. ولذا خاض عوالم الشعر والمسرح والسرد الروائي والنقد الأدبي؛ ليرسم بانوراما جديدة يشعر الإنسان من خلالها بدفق الحنان الموجود في الكلمة رغم معاناتها من وجع الواقع المرير، كمحاولة للنجاة، أو للبحث عن خلاص، من خلال "تفتيت العقل الواحد وبحركة إبدال بسيطة في إلغاء دور الأب الإله وتوزيع سلطاته".

إن من ينجح في عملية الإبدال التي تعني تفكيك الموروث والواقع واستنطاق المفردات بحثا عن الحقيقة الضائعة بين أكداس الزيف التاريخي، هو وحده الذي يقدم وثائق "تدين ما نتعرض له من تشوهات وغسيل دماغ واستنزاف وتخويف" وقد نجح صباح الانباري في مهمته هذه وتحول إلى شاهد على عصر مملوء بالزيف والنفاق، ولذا أخرج صالح الرزوق من صومعة عزلته التي فرضتها عليه تلك الحياة القاسية التي تعادي الأذكياء، وجعله وهو المهموم من فراق ثورة وعبد الرزاق؛ يرسم ملامح التجديد التي يصبو إليها من دون أن تظهر عليه عوامل الحزن المعتلج في صدره.!

صحيح أن الدكتور الرزوق استغل مناسبة التعمق في دراسة نتاج صباح الأنباري ليضخ كما كبيرا من المعلومات الشيقة والعلامات الدالة والأمثلة المركزة التي تمرس على التعامل معها إلا أنه لم ينسى مربط فرسه، وأقصد الحديث عن الأنباري، فهو يوظف كل معلومة من تلك التي يطرحها في البحث ليختزل تجربة الأنباري في أحد جوانب هذا الحديث، وبذا يتحول عمله النقدي إلى درس تربوي تعليمي، يحتاجه الجميع سواء كانوا نقادا أم أدباء.

ولأن أسلوب الرزوق التفكيكي الذي يبحث من خلاله عن أصغر جزئيات العمل ليعاملها كجزء من الكل، ولا يكتفي بالعناوين البارزة التي تخدع أحيانا؛ لدرجة أنه يبدو وكأنه يعري الموضوع المستهدف بالدرس من كل خصوصياته، تراه يلجأ عادة إلى الاستثناء والتوضيح لكي لا تلتبس الأمور على المتلقي، فهو بعد أن عرى الأسلوب المسرحي للأديب والناقد الأنباري من خصوصياته حتى بدا كحسناء تلبس (البكيني) على شواطيء هاواي، عاد ليقول: "ولكن أرجو أن لا يفهم أحد أن مسرحيات الأنباري قد تخلت عن ورقة التوت، وكانت فنا من غير ثياب ولا ذاكرة. إنه لم يكشف عن عورات فن المسرح ولكنه كان جريئا في الكشف عن عورات بعض المسرحيات المبتذلة، فقد التزم بعدة عناصر أساسية لا يستقيم فن المسرح من دونها، مع تعديلات من الوزن الثقيل".

ووفق مفهوم الجزئية هذا تراه مثلا يبحث عن المؤشر الأهم في شخصيات أعمال الأنباري، ولا ينخدع ببهرجة الأسماء اللامعة، فيقول: "أما المؤشر الأهم فهو في الشخصيات. وهي على نوعين: إما نهارية وذات سلوك (تواصلي) له دور في تراكم الخبرات والأداء والمعرفة. أو أنها عامة وشاملة، وترادف بمعناها الغرائز الأساسية

كالجوع والموت والحياة والرغبة الجنسية وسوى ذلك. بمعنى أنها حامل أو رمز، وقيمتها تنويرية".

ولا يقف عند هذا الحد وإنما يتابع جانبا آخر من جوانب الشخصيات في العمل، مثلا يتابع تعداد الحضور الذكوري والحضور النسوي فيه، فيقول: "ولا يفوتني هنا أن ألاحظ القسمة غير العادلة بين الذكور والإناث. لقد كانت المسرحيات ذكورية بامتياز. وبلغ عدد الذكور بالمقارنة مع الإناث عدة أضعاف". وهذا ما لم ألحظ أحدا من النقاد قد اهتم به من قبل، في الأقل على حد علمي المتواضع.!

بل ويتابع المضمون النفسي للشخصيات، بنفس أهمية متابعة النسبة الجندرية، ليخلص من وراء ذلك إلى معرفة التوجه الفكري الذي يتحكم برؤى الأديب الأنباري فيجعله يختار أنماط شخوص أعماله، ولذا يقول: "لم تحمل شخصيات صباح الأنباري جينات شكسبير المضطرب والمحموم، ولكنها كانت ذات نفوس معقدة. ولذلك لا يمكن أن نربطها بنمط الإنتاج الإقطاعي الذي خرجت من معطفه دراما شكسبير بألوانها القاتمة، وكأنها درس يلقيه في الظل عن التطورات المكبوتة لمجتمع القرون الوسطى، حيث أن الأمير هو البطل الشعبي الذي يبشر بالخلاص، والذي يتركب من دائرة نصفها واقع ونصفها الآخر خيال لا يتحقق".

واعتقد أن الأنباري الذي يعتقد أن الإنسان يعقل بصريا أكثر مما يعقل سمعيا هو الذي وضعه في هذا الموقف التفكيكي. فالأسلوب المتفرد للأديب الأنباري استفز روح المعرفة عن الدكتور الرزوق؛ الذي أراد بدوره تلخيص شخصية الناقد والأديب الأنباري بكلمة (ثائر) بكل ما تنضوي عليه هذه الكلمة من معانٍ ومفردات توضيحية، ودلالات بعضها يمس شغاف قلوبنا التي تتحسس من الثورات بفعل ما أصابنا من جرائها على مر التاريخ، ولذا تراه يقول: "بما أن صباح الأنباري رفع راية العصيان والثورة ضد العقل الذي أنتج أصول الدراما، فقد وصل بعد سلسلة من التجارب إلى فضاء أو بيداء ألسنية. صامتة وبلا صوت وتمتلئ بالإشارات والدلالات والفراغ، أو ناطقة لكن بلسان أعجم، بلغة مرتبكة بالكاد تعرف معانيها"

إن كتاب "الاتجاه المعاكس في كتابات صباح الأنباري"، عمل نقدي ثقافي تعليمي في منتهى الروعة والإجادة، وفيه من الإفادة ما يسعى إليه كل أديب يحترم موهبته،

وفي الوقت الذي يقول فيه الرزوق عن أعمال الأديب الأنباري: "ومع ذلك كانت نصوص الأستاذ صباح الأنباري بالنسبة لي أشبه باكتشاف معين لا ينضب من المشاعر الأصيلة واللغة الرشيقة. وقلما اجتمع كل هذا التماسك في البنية مع مصادر الرعب والعنف والدمار التي توفرت في مراحل حياته بمستوياتها" أقول: إن هذا العمل الكبير للدكتور صالح الرزوق لم يأت لتخليد وتفكيك أعمال الأديب الأنباري فحسب وإنما جاء لينشئ مدرسة جديدة في فن النقد الأدبي.

أشد على يد الدكتور صالح الرزوق وأهنئه على هذا الانجاز الرائع الكبير، وأبارك للناقد والأديب صباح الأنباري هذا النشاط الكبير، فتعاونهما المثمر رفد المكتبة العربية بمعلومات ثقافية أدبية لا غنى عنها للجميع

 

الحداثة الشعرية العربية بين الممارسة والتنظير كتاب جديد للاستاذ الكبير الداديسي

580-kabirبعد كتب (تحليل الخطاب السردي) وكتاب (شعر المدح في عصر المرابطين) والكتاب البيداغوجي المتعلق بتحليل مؤلفات مقررة في البرنامج التعليمي بالمغرب صدر مؤخرا للأستاذ الكبير الداديسي كتاب جديد حول الحداثة الشعرية العربية بين الممارسة والتنظير ، الكتاب صدر عن دار الراية للنشر والتوزيع وتضمن بعد المقدمة ثلاثة فصول كل فصل متضمن لمحاور موزعة الشكل التالي:  

الفصل الأول: إطلالة على الحداثة الشعرية العربية وفيه تمت معالجة المحاور التالية

مقدمة الفصل فيها تم الوقوف على الحداثة بين المفهوم والمصطلح .. مع الوقوف على مفهوم الحداثة الشعرية العربية

1. الحداثة الشعرية العربية: نظرة تاريخية موجزة ، كان هذا الفصل محاولة لإبراز أن الحداثة والتحديث في الشعر ليس مرتبطان بزمان ومكان أن الشعر العربي عبر تاريخه عرف حركات تحديثية حاولت التمرد على ثوابت الشعرية العربية

2. الحداثة الشعرية العربية أصيلة أم دخيلة ؟؟ بعد حصر مفهوم الحداثة الشعرية العربية خلال العصر الحديث في الشعر الحر، حاول هذا الفصل مناقشة قضية الاختلاف بين اعتبار الشعر الحر دخيلا عن الثقافة العربية، واعتباره أصيلا نبث في تربة عربية أملته شروط اجتماعية معينة

3. ماقبل الحداثة: هذا الفصل وقف عند المراحل التي سبقت ظهور شعر الحداثة( الشعر الحر) وكيف شكل الحطاب الرومانسي بمدارسه واتجاهاته صلة وصل ن ومرحلة انتقالية بين الشعر الكلاسيكي والشعر الحداثي

4. ما الحداثة الشعرية العربية: التركيز على بعض خصائص شعر الحداثة، وسمات التجربة وموقفها من الموروث الشعري

5. الحداثة / المعاصرة: تعدد المصطلحات التي تتقاطع ومصطلح الحداثة، ويبقى مفهوم المعاصرة من أهم هذه المفاهيم، لذلك حاول المحور إبراز دراسة المفهومين وإبراز الاختلاف بينهما

6. ما الذي يجعل من نص ما نصا حداثيا ؟؟ عرض للمواقف واستخلاص لسمات النص الحديث

580-kabirالفصل الثاني تصور نازك الملائكة للحداثة الشعرية العربية

1580-kabir. مقدمة رغم الاختلاف حول أول من فجر عين الشعر الحر تبقى نازك الملائكة من رواد هذه الحداثة الشعرية العربية

2. جذور حداثة نازك الملائكة: من أين استمدت نازك الملائكة هذه التجربة؟ هل استفادت شيئا من تاريخ الشعر والنقد العربيين؟؟

3. تنظير نازك الملائكة للحداثة الشعرية العربية: نازك الملائكة نموج للكتاب الذين جمعوا بين النقد والإبداع ، الوقوف عند كتاباتها النقدية وخاصة مؤلف (قضايا الشعر المعاصر) ما ميز تجربتها النقدية

4. نازك الملائكة في مواجهة التجديد: على الرغم مما أحدثه الشعر الحر من زعزعة للقيم الشعرية الموروثة .. فإن نازك الملائكة وقفت في وجه كل تطرف في التجديد

5. حداثة نازك والتأثير الغربي: تنوع مشارب تجربة الشعر الحر، بعد إبراز جدور التجربة في تاريخ الشعر العربي ، حاول هذا المحور مناقشة بعض تجليات التأثير الغربي في تحديث نازك الشعري

6. حداثة نازك الملائكة في الميزان: رصد لبعض المواقف من تجربة نازك الملائكة بين مؤيد ومعارض

الفصل الثالث: بعض تجليات الحداثة في شعر نازك الملائكة

1. مقدمة

2. على مستوى الإيقاع

3. الأسطورة والرمز في شعر نازك الملائكة

4. الغرابة والغموض في شعر نازك الملائكة

5. نازك الملائكة بين نقدها وشعرها

6. على مستوى المضامين

وفي الختام اختتم الكتاب بخلاصة تركيبة وفهرست لأهم المصادر والمراجع التي اعتمدها المؤلف

 

تخنيث الغرب .. مفاهيم التجديد والحرب والدولة في الإسلام الجديد كتاب للدكتور محمد الدعمي

579-damiصدر للدكتور محمد الدعمي كتاب جديد باللغة الإنكليزية بعنوان (تخنيث الغرب: مفاهيم التجديد والحرب والدولة في الإسلام الجديد). يستثمر هذا البحث الأكاديمي الموثق جدليات التأنيث والتذكير التي إعتمدها الإسلاميون الجدد لإنتخاب ما يؤازر خطابهم الإنتقائي من سرد تاريخ الإسلام بعد الهجرة النبوية المباركة فقط، أي بعدما إضطر المسلمون لإستبدال الكلمة بالسيف للرد على أعدائهم. ونظراً لتوهم الإسلاميين الجدد أن الدين تاريخ، والعكس صحيح، كما يفعل ذلك بسطاء المسلمين، يغدو إسلامهم "الجديد" ليس من الإسلام بشيء. هو لايمت بصلة لإسلام هؤلاء المتقين الذين نراهم يسارعون إلى المساجد للصلوات، لأنه يشيع عبادة صراع وعنف وكراهية، بدلاً عما يشيع له الإيمان الحق الذي يشتق إسمه من لفظ "سلام". لقد أنتج منظرو الإسلام الجديد مفاهيمهم التنقوية في التجديد والحرب وبناء الدولة مرتكنين إلى إفتراض خاطيء مفاده أن الدين المنزّل قابل للتجديد بهدف تعبئة الشبيبة الساخطة أصلاً على أوضاعها الخانقة في معظم الدول الإسلامية من أجل العمل على إستلام السلطة عبر العالم الإسلامي لبناء دولة إسلامية عالمية تقتفي أثر دولة الخلافة التاريخية، بغض النظر عما طرأ من متغيرات، وعما شاب مؤسسة الخلافة من إختلالات قادت إلى تدهورها، ثم نهايتها على أيدي عدو خارجي. وعلى طريق تفعيل برنامجهم هذا، إرتجع الإسلاميون الجدد إلى أرشيف المعارضات الشيعية عبر التاريخ، مع إشارة خاصة إلى تجارب"إخوان الصفا" و"الحشاشين"، لبلوغ حلم سلفي قوامه تلك الدولة المنتظرة. نظراً لإعتماد الإسلاميين الجدد جدليات التذكير والتأنيث المستوحاة أصلاً من نظرة صحراوية دونية للمرأة، ومن ترسبات الإستثمار الكولونيالي للعالم الإسلامي في العصر الحديث، فانهم واصلوا جدلهم لـ"تخنيث" العالم الغربي في محاولة لقلب خطاب ذلك العالم الصناعي الذكوري الذي سبق وأن إخترق العالم الإسلامي الذي كان سكونياً ومحجباً، منتهزاً فرصة مراحل النكوص والتردي التي ألمّت بالشعوب الإسلامية حقبة ذاك. يقودنا الأستاذ الدعمي لتفحص عدد من تشكلات وتشعبات الإسلام الجديد، مع إشارة خاصة إلى ظهور الحركات الإرهابية.

579-damiالمؤلف:

Muhammed Al Da’mi

العنوان:

Feminizing the West: Neo-Islam’s Concepts of Renewal, War and the State

الناشر:

(Bloomington, IN: Authorhouse , 2014),pp.234

 

يمكن الحصول على نسخة من الكتاب من المواقع أدناه:

 

Authorhouse

http://bookstore.authorhouse.com/Products/SKU-000906774/Feminizing-the-West.aspx

 

Amazon

http://www.amazon.com/Feminizing-West-Neo-Islams-Concepts-Renewal/dp/1491865229/ref=sr_1_1?s=books&ie=UTF8&qid=1393354738&sr=1-1&keywords=Feminizing+the+west%2FMuhammed+Al+Da%27mi

 

Barnes and noble

http://www.barnesandnoble.com/w/feminizing-the-west-muhammed-al-dami/1118731160?ean=9781491865224

 

 

قراءة في كتاب: اختزال المسافات للدكتور عماد عبد السلام رؤوف

كثيرةٌ هي الكتب التي أُلِّفت عن أم كلثوم، فتناولت حياتها سيرةً وتاريخاً، وبحثت في علاقاتها بأعلام عصرها من الشعراء والملحنين، وعرَّجت على ذكر طرائف من حياتها، وأثبتت نصوص كلمات أغنيها، وغير ذلك من شؤون.

وكنت قد قرأتُ معظم ما نُشر من تلك الكتب، كما كنت قد حضرت بعض حفلاتها في أوائل عقد السبعينات، فوجدت أنه لما تزل ثمة فجوات في حياتها لم تملأ، وأسئلة لم تجد لها إجابات، مثل: لِمَن كانت تؤدي أغانيها، وكيف تمارس تأثيرها في نفوس متلقيها، وما طبيعة ذلك التأثير، ولماذا يبقى مدداً طويلة يتجاوز عدداً من الأحقاب، وما هو سر حالة (الوجد) التي يلتقي فيها الفرح والحزن، وما هو دور جمهورها في أغانيها، وما إلى ذلك من أسئلة كثيرة .

وإذا كان بعض الناس يستنكر على مثلي، كوني متخصص في الوثائق والمخطوطات والتاريخ، لا في الفنون الموسيقية والغناء، أن تشغله مثل هذه الأسئلة، فذلك لأن الاحساس ليس شرطاً لمن يختص بمثل هذه الفنون فحسب، وإنما هو شرط أساس لمن يعمل في مجال التاريخ أيضاً، فالماضي لا يدرك إلا بإحساس قوي وتصوره حياً، بل تمثله مفعماً بالحيوية ليتمكن - من بعد - من وصفه وكتابته، وهكذا فليس بمستنكر أن تكون لي تأملات متواضعة في محاولة لفهم ما تلجلج في النفس من أسئلة تبحث عن إجابات.

ولابد لنا أن نذكر أنه لولا مؤرخي العصر العباسي لم عرفنا فنانين كبار مثل زرياب واسحاق الموصلي وغيرهم، ولم يجد المجتمع عصر ذاك أية غضاضة في أن يكتب مؤرخ عن موسيقي، بل أنهم عدوا (الأغاني) مصدراً مهماً من مصادر التاريخ نفسه.

 

مدخل

هل ما أدّته أم كلثوم خلال مسيرتها الفنية الطويلة كان غناءاً أم طرباً أم ماذا، وفي تقديرنا، وتقديرها هي، أن ليس كل الغناء طرباً، وإنما كل طربٍ في أصله غناءاً، ومعنى ذلك أن الغناء هو مجرد أداء بلحنٍ لنصٍ ما، أما الطرب فهو الصعود بمستوى هذا الأداء إلى مستوى فني أرقى، يقرب من مرحلة الوجد الذي يؤدي بالسامع إلى حالة تملك وجدانه وتنفذ إلى داخل نفسه، فهل أداء أم كلثوم هو طرب كما وصفت هي نفسها في أحد لقاءاتها.

إن تحديد المصطلح، اي مصطلح، لظاهرة ما أمر ميسور إذا اتفق عدد من الناس على دلالته، بمعنى أن يصطلحون عليه دلالة على ما يَرَون، أو يسمعون، أو يعقلون، فالاصطلاح لا يقع إذن إلا على ظاهرة يراها أكثر من واحد، ويتفق الجميع على مدلوها العام، ولننظر لأداء أم كلثوم هل يمكن أن يكون ظاهرة من الظواهر حتى يكون لها من الاصطلاح ما يوافقه، ويتفق الناس على مدلوله، ونقول انه لا يمكن أن يكون ظاهرة أصلاً، ومن ثم يستحيل أن يعبر عن مدلوله لفظ، أما لماذا لا يشكل ظاهرة، فلأن الناس لم يسمعوا مثل أدائها شيئاً من قبلُ ولا من بعدُ، ولم يعاصرها من أدى مثلها أحد، فهي وحيدة في أدائها على نحو كامل، فريدة في عصرها وفي ما تلاها من عهود، فكيف تكون ظاهرة إذن، والصحيح في تقديرنا أنها حالة، حالة فرد، جاء ومضى، وترك وراءه تراثاً غنياً من أداء نادر، فلا ثانٍ لها في فنها لنُطلق على هذا الفن اسماً مشتركاً، يكون مصطلحاً، يمكن أن ينطبق عليها وعلى من يشاركها، أو حتى يشابهها فيما أدّته.

نعم لقد تحدَّثت مرة عن الطرب، بما يفهم منه أنها تقصد ما تؤديه، بيد أن هذا المصطلح يمكن أن يشمل كل من نفذت كلمة أو نغمة إلى داخله فحركت احساسه [1]، وربما تمايل تعبيراً عما تملكه من إحساس، والمطربون بهذا المعنى كثيرون، أو قليلون، بحسب ادراك المتلقين ورَهافة حِسِّهم، إلاّ أن نوع ما أدّته أم كلثوم يعلو على هذا أيضاً ويتجاوزه بمراحل عديدة، فالأمر أكثر تعقيداً في النفس من تحريكٍ لإحساس، أو هزةٍ في وجدان، للحظة من زمن أو لحظات، وإنما نوع من مخاطبة إحساس الإنسان والسمو به إلى مستويات وجدانية عالية، لا يمكن أن يعبر عنها مفهوم الطرب ، على روعته، بأي حال، وقد وصفها بعض من سمعها في حلب حين غنت سنة 1931 أن أم كلثوم خارقة من خوارق الطبيعة، بينما وصفها آخرون أن غناءها "شيء لا يستطيع الإنسان وصفه" [2]. وما دام الأمر كذلك فمن العبث أن نجد مصطلحاً يعبر عن نوع أدائها، وما تفعله بجمهورها وهي واقفة على خشبة المسرح، فلا يبق لنا من بعد ذلك إلا أن نتوقف عن محاولة الاشتقاق والتعبير، ونكتفي بالقول بأن ما كانت تؤديه هو أداء وحسب، والأداء بحسب اللغة هو العطاء، لقد كانت تعطي وتعطي، فماذا كانت تعطي؟.

ولنبدأ بأم كلثوم نفسها، لقد كانت تعرف ما تعطي علم اليقين، لكن المشكلة أنها كانت بشكل عام قليلة التحدث عما تعرف، ربما لأنها لو تحدثت لبَدَت في حديثها أكثر معرفة مما تتحمله مناسبة الحديث نفسها، وأذكر أن إعلامياً لبقاً سألها مرة: كيف تستطيعين أن تمارسين كل هذا التأثير على سامعيك، فلم يكن جوابها إلاّ: ما اعرَفش، أهي دي حالة من ربنا، وضحكت، وفي الحقيقة فإنها أجادت في الجواب على الرغم من بساطته وعفويته، فلو قالت أنها تعرف لاضطرت أن تفصل القول في أدائها على نحو يتجاوز إدراك الكثيرين من السامعين، ومن ثم سيُحمل الجواب على محمل التعقيد، ولا شك في أنه سيبدو جواباً بعيداً عن التواضع الذي طالما تحلت به. ومع ذلك فجوابها لم يكن يخلو من معنى مستتر، فقولها أنه حاجة من ربنا، يعني أن هذا الأداء، وليس الصوت وحده كما يتردد على ألسنة الكثيرين، هو هِبَة من الله تعالى، وتشمل هذه الهبة اختيار اللفظ، وبضمنه المناسبة التي أدت إلى صياغة معناه، واختيار اللحن، وبضمنه احساس ملحنه في لحظة تفاعله العميق مع اللفظ، ثم أخيراً أداءه بصوتها، وبضمنه- وهنا الأمر الأعقد- ما تحسه، وتثيره في الوقت نفسه، من إحساس لدى السامعين.

إن الذين وصفوا صوتها بأنه هبط من السماء، أو صعد إليها، توقفوا عند عذوبة ذلك الصوت وقوته، وهذا عنصر من عناصر ذلك التفاعل المعقد الذي ينطوي عليه أداء، أو عطاء، أم كلثوم [3]، أما العناصر الأخرى فلها حديث آخر..

 

اشكالية الأنا والآخر

لمَن كانت تؤدي أم كلثوم؟ إن سؤالاً كهذا يمكن أن يجيب عليه كثيرون بسرعة: لجمهورها، ألم يكن لها جمهور واسع تستعد كل شهر لمواجهته في أغنياتها الشهيرة، بل هل يمكن أن نتصور مطرباً أياً كان يغني إلا للناس؟ إن هذه الإجابة يمكن أن تناسب السؤال لو كان السؤال نفسه لا يختص بأم كلثوم، أما أن يكون مختصاً بها بالذات فذلك الجواب بعيد عن أن يكون موفياً بموضوع السؤال، نعم كانت أم كلثوم متعلقة بجمهورها تعلقهم بها، وتحترمهم احترامهم لها، وهو أحد أسرار نجاحها، وكانت حريصة كل الحرص على إرضائهم بالإعادة كلما ارتفعت أيديهم بالتصفيق لها، ولكنها كانت مع ذلك لا تغني لهم، إنما كانت تغني لنفسها، وتسعى لإرضاء نفسها، وتلك معادلة معقدة بحق، حيث تصبح الذات معبرة عن الآخر، ويصبح الآخرون معبرين عن الذات، فأم كلثوم حينما تؤدي تكون وجمهورها (حالة وجدانية) واحدة، وهذا وحده يفسر إصرارها على أن تكون أغنياتها المذاعة على الجمهور هي التي تؤديها في حفلاتها التي يحضرها العدد الغفير من الناس، لا في استوديوهات الإذاعة المغلقة التي لا تخاطب فيه إلا المايكروفون فحسب.

إن أداءها إذن هو نتاج تفاعلها مع الجمهور، وهو تفاعل لا يسهل تعريفه بأي حال، فالتفاعل لا يكون إلا بين ذاتين مستقلتين، بينما هي تكون، في الوقت نفسه، في حالة تواصل أو إندماج مع الذات الأخرى، أعني جمهورها.

تغني أم كلثوم أمام جمهور حاشد يصفق ويبكي ويضحك في وقت واحد، ومع ذلك فالمتأمل لوجهها لا يكاد يرى فيه إلا مشاعرها وحدها، فهي لا تبتسم أو تضحك تقديراً لإعجاب الجمهور كما يحدث للمغنين، بل المطربين عادة، وإنما لأن المعنى الذي تؤديه يدفع إلى ذلك، ويرتقي به إلى لحظة السرور المطلق، اسمع إليها وهي تؤدي كلمات (الآهات) لبيرم التونسي:

باتْ الســُّرور كلّه       بيني وبينك مِتقسِّم

           والزهـــر ويّانـــــــــا         يُنظر لِنـا ويتبســـَّم

تجد أن صوتها كله ينطوي على السرور كله، المعبر عن حالة النشوة التي تعيشها في تلك اللحظة، وهي في الوقت نفسه تعبر عن لحظة النشوة التي يفترض أن عاشتها صاحبة الحكاية التي وصفها التونسي.

هي لا تُسرّ لمرأى جمهور مسرور ومنتشي، وإنما تسر لأنها تعيش لحظة تفاعل، وتواصل، مع اللحظة التي عبَّرت عنها الكلمة، فإذا ما انتشى الجمهور انتقل إليها هذا الإحساس مرة أخرى، ومن هنا يمكن أن نقول أن ما بينها وبين جمهورها يشبه أن يكون دائرة مغلقة، تحس بالمعنى، المختبئ بالكلمة، فتعبر عنه سروراً أو أسى، وهي في وجد كامل، فيتأثر الجمهور بذلك الإحساس، فيتصاعد عنده في حالة من الوجد أيضاً، فإذا بأم كلثوم تفنى في جمهورها ويفنى الجمهور في أم كلثوم، ويصبحان في توحُّد فريد لا يكون إلاّ لها وحدها.

فِضِلتْ أعيش في قلوب الناس

                 وكل عاشــق قلبي معـــاه

 

أم كلثوم لا تبتسم حينما يعبر المعنى عن كره، أو ضيق، أو ملالة، كما يحدث عند معظم المؤدين، فهي هنا في حالة من الاستقلال أو الانفصام عن الجمهور، والجمهور هنا هو من يتأثر بإحساسها في تلك اللحظة، فيسري إليه المعنى المؤدى، وهو ما سماه الصوفية قديماً (باستدعاء الوجد). وحينما يهب منبهراً باكياً ضاحكاً يكون قد ارتقى من (الإستدعاء) إلى (الوجد) نفسه، وتكون حالة الوجد قد تملكته، فلم يعد يحتمل أن يبقى مستقلا أو منفصلا عما تعبر هي عنه، ويسري ذلك التعبير إليها فيكون الجميع، هي والجمهور، حالة واحدة، تشبه أن تكون (نرفانا) [4] من السعادة المطلقة، وهذه الحالة هي التي سماها الصوفية بالوجود، يعنون بها المرحلة العليا والأخيرة من الوجد. (حاسين إننا نحب وبس) [5]. لقد اختزلت أم كلثوم هنا المسافة بين (الأنا) و(الآخر).

 

بين الفرح والأسى

ومع ذلك كيف يكون الأسى العميق، الناجم عن الإحساس بالغدر، والظلم، والهجر، والتشفي، والرغبة في الإيذاء، والانتقام، سعادة مطلقة، إنه لا يكون إلا إذا ارتقى المؤدي والمتلقي إلى حالة (الوجد) الذي تحدثنا عنها، ففي هذه الحالة، وحدها، لا يتبق ثمة فرق في التلقي بين الألم والفرح، وبين العذاب والعذوبة، وبين البكاء فرحاً والبكاء ألماً، فالمتلقي فرح حينما يبكي، وهو يبكي حينما يعم الفرح كيانه، بل هو يشجيه الأنين، ويتلذذ بعذابات الحبيب، وهو يضحك مع الضاحكين، ويبكي مع الباكين، ومع ذلك فهو لا يعلم لِمَ يضحك ولم يبكي، إنه إذن في حالة من الوجد وكفى، وإذا كان القدماء، لا سيما كثير من الصوفية، لم يجدوا للوجد تعريفاً، لأن (العبارة لا تقع عليه) على حد تعبيرهم، أي أن الكلام – لمحدوديته- غير قادر على الإفصاح عن مضمونه، فإنه يصعب أن تسأل أحداً من جمهور أم كلثوم عن طبيعة ما يحس به من مشاعر وهو مستغرق في سماع أدائها.

وأذكر أن مذيعة سألت الكاتب الكبير عباس محمود العقاد في توقف بين وَصلتين من وصلات حفلة لها في دار سينما قصر النيل بالقاهرة، أي أغانيها أجمل، أو أيها أثر في نفسه أكثر من الأخرى، أجاب العقاد وهو في حالة من الوجد، أنه لا يعلم، ولا يريد أن يعلم، لأنه ما سمعه في تلك الوصلة بهره ولم يترك له مجالا للتفكير، أليس عجيباً أن يعجز كاتب عظيم كالعقاد أن يعبر ولو بكلمات عن شعوره في تلك اللحظات، أو أن يتذكر بعض أغانيها فيقارن بين كلمات هذه وتلك، ويوازن بين لحن هذا المقطع أو ذاك، وهو الذي اعتاد على أنواع من المقارنات والمقاربات في جميع ما تناوله من مباحث الفكر، لكنه كان في حالة من العجز عن ذلك كله، وكان عجزه نفسه يعبر عن أنه في وجد لا يستطيع، بل لا يريد، أن يخرج من قيْدَه، فيعود إلى العالم من حوله كما فعل قبل أن تغني أم كلثوم تلك الوصلة، ولم يجد من الألفاظ ما يسعفه في وصف ما كان عليه. ويذكرنا هذا العجز بأولئك الصوفية الذين أقرُّوا بأن الوجدانيات القلبية (يصعب تصوّرها وتصويرها). وهكذا فقد اختزلت أم كلثوم المسافة بين الفرح والأسى.

 

بين السكون والحياة

وإذا كان الوجد في ظاهره عجزٌ وغيابٌ عن الواقع، فإنه ليس ضعفاً إنسانياً، أو انكفاءاً على الذات [6]، وإنما هو غيابٌ عن شيء، لتتجلى في مقابله أشياء، وهو عجز عن التعبير والوصف لأن المعاني المختبئة في الألفاظ أكبر، وأعمق، مما يمكن أن يؤديه اللفظ، فإن هذا هو ما يحسه جمهور أم كلثوم بمجرد أن تتوقف عن الأداء ولو للحظة، إنه يشعر بروح تملأ نفسه، وطاقة تملك قلبه، وارتقاء إلى عالم لم يكن يراه لعلوه، وسمو إلى سماء لم يكن يطالها من قبل [7]، وهذا (الإمتلاء) و(الإمتلاك) و(الإرتقاء) و(السمو) هو بالضبط ما يحسه الجمهور، وهذا هو العنصر الآخر من عناصر ما سمي بملائكية صوتها، أي القدرة على الصعود بالنفس، والارتقاء بها، وليس عذوبة الصوت وقوته كما ذهب من أحس بالحالة وعجز أن يدرك إلا أحد عناصرها.

ليس من سمات (الوجد) الذي يعيشه جمهور أم كلثوم أنهم يشعرون بالحياة تنبض في دواخلهم فحسب، وإنما هي تنبض في كل شيء حولهم أيضاً، من الشجر والزهر والطير والورد والشمس والقمر والكواكب والليل، بل وحتى الجمادات، ولا نقصد بالحياة هنا معناها (البايالوجي) البحت، وإنما سريان روح فيها تجعلها (تحس) و(تتبسم) و(تنظر) و(تبكي) و(تغار)، تشارك المحبين حالة السعادة التي يعيشونها، حتى إذا انطوت صفحة تلك الحالة، زال كل شيء، أو تبيَّن أنه لم يكن قائماً أصلاً، أو أنه - في أقصى تقدير- مجرد ظل يبتعد كلما حاول محب قد فشل في حبه اللحاق به، فكما كان الوجد قد اختزل المسافة بين الحزن والفرح، وبين الواحد والكثرة، وبين المحب والآخر، فإنه اختزلها بين الحي والميت أيضاً، أو بين الموجود وغير الموجود، فالميت حي بما يسري فيه من روح الحبيب، فإذا ما انقطع عن السريان لم تختفي الحياة في ذلك الحي، فيبدو ميتاً، وإنما يختفي الحي نفسه، ويغرق الجميع في الظلام، فهو لم يكن حياً، أو موجوداً، إلا به. اسمع إليها وقد اكتشفت اختفاء كل شيء بعد زوال الحبيب:

تعال شوف الطير أهو نام           من قبل وفت النوم في ظلام

واتبدل الزهر البســـام             لا عطر ينعش ولا أنغام

دا الأنس كان أنت

والإنسجام أنت

   والزهر كان أنت

والابتسام أنت

فالكون كله محض خيال، وهو إن بدا (صرحاً) موجوداً فبالحب وحده، حتى إذا ما زال الحب، هوى ذلك الصرح، فعاد كل شيء عدماً.

كل شيء في العالم ساكن إذن فإذا سرى فيه الحب، انبعث حياً متوثباً متحركاً، فإذا وضعنا بدل كلمة الحب كلمة أخرى هي (الروح) أصبحت الفكرة صوفية تماماً، قال بها صوفية أمثال ابن عربي وعبدالكريم الجيلي وغيرهما. لقد اختزلت ام كلثوم هنا المسافة بين الموت والحياة، والسكون والحركة.  

 

بين الواحد والكثرة

وجمهور أم كلثوم ليس في وفرة عدد، أو امتلاء لمدرجات مسرح، أو صخب معجبين، فكثير من المغنين اليوم تمتلئ بهم مدرجات الملاعب حيث لا تكفي القاعات والمسارح، ويعلو صخبهم وصياحهم حتى يصم الآذان، فلا يسعف المغني لإيصال صوته إلى سامعيه إلا مكبرات الصوت الضخمة، إنما هو شيء أبعد من هذا، وأكثر عمقاً، إنه مناجاة الإنسان الذي يعبر عنه هذا الجمهور، في دواخله، وفي أعماق أحاسيسه، وأذكر أنها سئلت يوما على من كنت تنظرين في وصلتك الأخيرة، فذكرت أنها كانت تنظر إلى رجل كفيف النظر يجلس في أحد الصفوف، وتبدو عليه مظاهر تأثر شديد، فهذا الأعمى اختصر في نظرها الجمهور كله، فلم تعد تبصر إلا إياه، وكان يكفي عندها أن ترى قسمات وجهه فيتجلى أمامها ما يفعله أداؤها من أثر من نفسه، وذبذبة في خلجاته، وهي لم تكن تخصه بالنظر لمجرد أن ترى قدرتها في التأثير، من باب الإعجاب بالذات، وإنما لأنها كانت تدرك بأنه طالما اختزل الوجد المسافة بين الفرح والحزن، فإنه اختزل المسافة بين الواحد والكل، ففيها تنطلق مشاعر الكل، وفي هذا الكفيف تنطلق مشاعرها هي.

 

بين الشكل والمضمون

كيف كانت أم كلثوم (تستدعي) الوجد، بحسب اصطلاح الصوفية، أو ترتقي بالمتلقي إلى حال الوجد كما نقول نحن؟ إنها تحفظ نصاً اختارته بعناية فائقة، وأدته بمهارة عالية، فأين موطن التأثير على المتلقي حتى يرتقى إلى الوجد المنشود؟ لا يكفي هنا القول أنها كانت تؤدي اللفظ بصوتها العذب المتمكن، وبحسب اللحن الموضوع، لأنها في هذه الحالة تكون مغنية أو مطربة في أقصى تقدير، وفي الحقيقة التي يعرفها كل من سمعها أنها حينما تعيد الجملة، كلها أو شطراً منها، أو حتى لفظاً، أو حرفاً، لا تكرر أداء اللحن، وإنما تعيد أداءه بصورة جديدة تماماً مستخدمة مقامات متنوعة للغاية، ومع أن هذا أمر صعب ويحتاج إلى مهارة فائقة في معرفة جزئيات المقامات الموسيقية، لكنها لا تفعل ذلك لمجرد التنويع، وإنما لتعبر عن معان عديدة مختبئة وراء كل لفظ تؤديه، وهنا يجب التوضيح، فهي لا تحمل اللفظ معان مختلفة، كأن يكون اللفظ (مانيكانا) تضفي عليه في كل مرة ثوباً جديداً، ثوباً يعبر عن الأمل، وآخر يعبر عن اليأس، وثالث يعبر عن التوسل..الخ، وإنما الأمر على الضد من ذلك تماماً، إنها تكتشف، وتكشف، في اللفظ الواحد عدداً عجيباً من المشاعر والأحاسيس المختلفة، بعضها يناقض بعضها الآخر، وبعضها يتوافق معه، فتمضي في الغوص في المعاني العميقة والمستترة وراء اللفظ، توقظ في كل مرة تؤديه فيه احساساً خفياً، وشعوراً غافياً ما كان ليظهر لولا هذا التنوع الهائل في الأداء، إنها في الواقع لا تلون (المانيكان) بما تلبسه من أثواب اللحن والمعنى، وإنما تجعل (المانيكان) ينبض بالحياة نفسها .

إن أبسط لفظ يتكرر مثلاً في أغنيات أم كلثوم هو (آه)، فيندر أن لا تنطوي أغنية على أكثر من (آه) واحدة، وربما آهات عديدة، كما في أغنية (الآهات)، ومع أن هذا اللفظ يمكن أن يؤدي إلى أكثر من معنى، أهمها (التوجع) فإن أم كلثوم استطاعت أن تطلق من خلال هذين الحرفين مخزوناً من المشاعر والأحاسيس الهائلة التي يمكن أن تموج في وجدان إنسان، هنا آه تعبر عن اليأس، وأخرى تعبر عن الأمل، وثالثة تعبر عن الغضب، ورابعة تعبر عن الحزن، وخامسة تعبر عن غير ذلك من المشاعر، إنها تطلق إذن طاقة وجدانية من خلال لفظ واحد، والمهم أنها لا تأتي بالطاقة من خارج اللفظ، فتضفيه عليه، وإنما هي تطلقها من داخله، ومثل ذلك كلمات أو جمل عادية مثل (حبي) و(حبيبي) فهذه الألفاظ مُجَّت لكثرة ترددها على ألسنة المغنين، بسبب اقتصارهم في أدائها على معنى واحد، إلا أن أم كلثوم تكتشف فيها مرة بعد مرة، وبالتتابع الشديد، معان أخرى وأخرى، فتعيد الحياة للفظ باكتشافها روحه الكامنة وراءه، فإذا بها روح وثابة، حية، متمردة ساعة، ومستكينة أخرى، وهكذا الأمر في كل أغنياتها، وأظن أن قدرتها على اكتشاف روح الكلمة، والجملة، لا الوقوف عند معناها الظاهر، هو الذي جعلها تتجاوز اللحن الذي يضعه الملحن لهذه الكلمة أو الجملة، فمن المعروف أن الملحن يضع أكثر من لحن لجملة معينة، حتى تعيد أداءها على وفقه، ولكن أم كلثوم تتجاوز في أدائها ما يضعه الملحن من ألحان لتلك الجملة، فتؤديها على وفق ألحان عديدة تضعها ارتجالاً تكشف في كل منها احساساً مختلفاً، مثال ذلك أنها حينما غنت أغنية (الأوِّله في الغرام) من كلمات بيرم التونسي، وألحان زكريا أحمد، تجاوزت ألحان الأخير مرات عديدة، حتى لم يعد المتلقي يتذكر اللحن الرئيس الذي وضعه، وتحول أداء جملة مثل (اسعفيني يا عين وبالدمع جودي) إلى تعبير مجرد عن لوعة حزن تارة، واستعطاف للعين تارة أخرى، ونهر لها تارة ثالثة، ويأس منها تارة رابعة، وهكذا، وربما كان بيرم يريد أن يعبر عن ذلك كله في هذه الجملة، ولكن كيف له أن يفعل إلا أن يكتب شرحاً مطولاً لها يتجاوز ما يمكن أن يكون شعراً مغنى، شرحاً يعبر فيه ما جال في أعماق نفسه من مشاعر متضاربة، وهنا استطاعت أم كلثوم أن تكشف كل ما جال في أعماق هذه النفس.

لقد اختزلت ام كلثوم هنا المسافة بين الشكل والمضمون، أي بين اللفظ ودلالاته، وهو بالضبط ما يمكن أن نسميه (إبداعاً)، وسمته هي (حاجة من ربنا).

 

بين الكامن والمعلن

أي قدرة امتلكتها فتاة قدمت من أعماق الريف في التوغل في أعماق النفس البشرية، فتصف (المستخبِّي فيه) [8]، إنها تذكر بأدائها الطبيب النفساني الذي يدع مريضه على (أريكة) ثم يبدأ باكتشاف مجاهل نفسه، من خوف، وقلق، وأمل، وحب، وانتقام، ويأس، وسكينة. وأم كلثوم لا تتحدث عن تجربة الشاعر الذي نظم كلمات ما تؤديه، وإنما تتحدث من خلال ذلك عن النفس الانسانية مطلقاً، ومن ثم فهي تخاطب كل انسان في ثوابته التي لا تتغير، ومن هنا يحس كل واحد من سامعيها أنها تخاطبه هو دون غيره من السامعين، بل تحاوره في صخب وصمت معاً، في ثورته وفي سكونه، وفي كبريائه وفي ذلِّه، وفي حبه وفي انتقامه، على حد سواء. وعلى الرغم من المتعة التي يحسها الجمهور، بحكم ارتقائهم الجمعي إلى مستوى الوجد – كما ذكرنا- فإن السبيل إلى ذلك الارتقاء هو العلاقة العميقة والمفعمة بالحيوية التي تقيمها أم كلثوم مع ثوابت النفس الإنسانية لكل فرد من ذلك الجمهور الواسع. كثير ما روى مستمعون لأم كلثوم كيف أنهم أحبوا واقترنوا برفيقات أعمارهم متأثرين بأغنية من أغانيها، وكيف اقترنت مراحل من حيواتهم، أو حيواتهم كلها، بأم كلثوم، لقد لخَّصت هذه السيدة بأدائها كل أحاسيسهم بعمق، أو أنها أخرجتها إلى السطح، تماماً كما يفعل الطبيب النفساني حينما يخرج، بالتداعي الحر، ما هو كامن من إحساسيس لدى من يشعرون بمتاعب في حياتهم ، فلا يغادرون عيادته إلا وهم في حال أفضل، لأنهم أدركوا سر ما كان يؤرقهم. لقد اختزلت أم كلثوم هنا المسافة بين الكامن والمعلن في النفس الإنسانية.

 

بين ماض وآت

على أن أم كلثوم لا تحاكي، أو تؤكد، احساس مستمعيها فحسب، كأن تثير أشجان الحزين، كثيرون من المغنين يفعلون ذلك، وينالون قبول مستمعيهم لأنهم يساعدونهم على البكاء أحياناً، وعلى الفرح في أحيان أخرى، وفقاً للحالة التي هم عليها، إلا أن أم كلثوم لا تحاكي، وإنما تحاور، فقد تساعد الحزين على الارتقاء فوق أحزانه، وأن تجعل المسرور أقل سروراً ولكن أكثر نضجاً ووعياً بحاله، وهي تفعل ذلك من خلال قدرة فائقة في استخدام أنواع عديدة من المقامات لأداء لفظ واحد، وأذكر أنها حينما سافرت إلى سوريا سنة 1931 في أول رحلة فنية لها، وأدت بعض أغانيها هناك، نقد أحد النقاد عليها [9] أنها تستخدم مقاماً حزيناً للتعبير عن معنى مبهج، وبالعكس، فإنها ربما استخدمت مقاماً مفرحا للتعبير عن معنى حزين، ولم يجد لذلك تفسيراً إلا بعدم تسجيل المقامات الشرقية بحسب النوتة الغربية!، وواضح أنه راعى هنا ما كان عليه الغناء في عهده، حين يؤدي المغني لحناً حزيناً لإثارة شجن سامعيه، مع أن أم كلثوم لم تكن تفعل ذلك، وهو ما فاته إدراكه، إنها كانت تحاور سامعيها بأن تساعدهم على أن تخرج من أعماقهم كل ما هو مختزن فيها من أحاسيس تتراوح بين أنواع من المتناقضات. ولأن هذه الأحاسيس متناقضة بطبيعتها، ومتقاطعة، فلا يمكن التعامل معها على وفق مقام واحد، مهما كان تأثيره محدداً. لقد تنقلت مثلا بين أنواع من هذه الحالات في أغنيات (رباعيات الخيام)، حيث ساعدت كلمات هذه الأغنية في تصاعد أحاسيس مستمعيها، من الدعوة إلى الفرح، إلى التفكر، إلى التأمل، إلى الندم، إلى طلب الرحمة، وفي أغنية (الحلم) حينما تتصاعد في التعامل مع أحاسيس مستمعيها من الترقب، إلى التلهف، إلى التشوق، إلى التخيل، ثم تنتهي فجأة باليقظة حيث يكتشف أن الأمر لم يكن إلا خيالاً وحلماً، فتتنقل بالسامع بين الواقع والوهم في جدلية عميقة تدور في أعماقه، ومثل ذلك في أغنيتها (شمس الأصيل) حينما تبدأ بالتصاعد من خلال تقديم صور متتابعة، مفعمة بالإحساس، لمشهد النيل في الليل الساكن، وصورة القمر وهو يظهر ويغيب بين الغيوم، وقدود المتمايلات على شاطئه، حتى إذا ما امتلأ السامع إحساساً بما حوله، كشفت له أن هذا الإحساس لم يكن إلا صورة حبه لحبيبته، فإذا ما وعى ذلك وأدركه، كان فراق الحبيب وغيابه، وكان ذلك الفراق مثل غياب القمر وراء الغيوم، لتنتهي الأغنية بحالة من الأسى العميق، وهناك أغان عديدة يمكن أن نتلمس فيها هذه الكثرة من الأحاسيس المتناقضة مما ذكرنا، وكل ذلك يتجاوز تصنيف تلك الأغاني على أنها (أغان حزينة) أو (أغان فرحة) على النحو الذي تصنف بها الأغاني عادة.

أن هذه الحوارات المستمرة لثوابت النفس الإنسانية هي وحدها السبب في أن تبقى لأم كلثوم مكانتها الفنية العالية في خلال عصرها، مع أن معظم متلقيها اليوم لم يدركوا ذلك العصر، وهي التي جعلتها حاضرة في حياتنا مالئة عصرنا الذي لم تدركه هي! إن أم كلثوم هي الفنانة الوحيدة التي لا تتحول أغانيها لتوضع على الرفوف العالية للإذاعات، وإنما ظلت تسيطر على وجدان المتلقي جيلا بعد جيل، متجاوزة حدود الزمان، حتى أن معجباً بها صرخ مرة، في تعليق له على الفيسبوك: إن صوت أم كلثوم هو الوحيد الذي سيسمع حتى يوم القيامة! وكان الأديب يوسف السباعي قد لاحظ من قبل أن أم كلثوم "عاشت عدة أعمار فنية، كانت فيها همزة الوصل بين أجيال وأجيال" [10]

لقد اختزلت أم كلثوم إذاً المسافة بين زمن وآخر.

 

اطلاق روح اللفظ

تختار أم كلثوم الكلمة قبل أن تختار ناظمها، والأساس في ذلك الاختيار أنها تسعى لاكتشاف المعاني التي يمكن أن تكون مختبئة وراء هذه الكلمة وفي ثنائاها أيضاً، لتتمكن من أن تطلقها، أو تكشفها، لجمهورها.

وقد كاد الموسيقار محمد عبدالوهاب أن يلمس هذا المعنى حين ذكر أن دورها في الاغنية يشمل "خلق الكلمة والمعنى، وأحياناً فكرة الأغنية كلها" [11]. وفي الواقع فإنها لم تخلق الكلمة بالمعنى الدقيق للكلمة، لأن للكلمة شاعر نظمها، وكذلك فكرة الأغنية، وهي لم تخلق معناها، لكنها اكتشفت معان عديدة لها بالغوص في أعماقها. لقد أحاط بها شعراء كبار، وهم يتمنون أن تؤدي شيئاً من أشعارهم، وأكثرهم كانت لها صلات شخصية بهم، لكنها لم تشأ أن تختار أحدهم لتغني له، وإنما كانت تختار النص أولاً، وفي ضوء ذلك تختار ناظمه، ولو أنها أخذت بالضد من هذه القاعدة، لغنَّت لرامي كل أغانيها، لكنها غنَّت له لأنه كان، بحكم صوفيته، الأقرب فهماً لأسرار حوارها مع جمهورها، ومع ذلك غنت لغيره من شعراء عصرها، بل لشعراء عصور سلفت، وبعضهم من المشهورين بينما كان بعضهم مغموراً تماماً.

وكثيراً ما كانت تغير لفظاً في قصيدة، ليس لأنها (تقيلة) كما تقول، ولكن لضعف إحساسها به، وليس ذلك الضعف قصورها في فهمها له، وقد كانت قارئة جيدة للأدب العربي عامة في كل عصوره، وإنما لأن من الألفاظ ما يكون ناقص الدلالة، ومنها ما يكون غنياً بها، كما هي الأجسام يكون منها العليل، ومنها الصحيح أيضاً، لقد كانت قادرة على نحو مبهر في تمييز الألفاظ الصحيحة، أي التي لو أدتها لأطلقت منها مشاعر شتى، عن تلك التي لا تعبر إلا عن القليل. وحينما رفض أحد الشعراء إحداث تغيير أرادته، اعتذرت عن أداء القصيدة كلها، بل أنها أنهت صلتها بناظمها.

وبلغ من عناية أم كلثوم بكل نص أدته وتبنيها له أنها بدت وكأنها الناظمة الحقيقية لكل ما أدته. أو أنها في الواقع أدت قصيدة واحدة نظمتها هي على ألسن أولئك الشعراء، فعلى الرغم من التنوع الشديد في معاني تلك القصائد وغاياتها، إلا أن تأملها يظهر أنها كانت تعبر عن روح واحدة لها مواقف متقاربة من الحياة، فكأنها من نظم شاعر واحد. وهكذا يمكنك أن تتبع المعنى الواحد يتطور، أو يتأكد، في عدد من الأغاني، فيكمل كل منها ما تؤديه في اغنية أخرى.

لا تختار ام كلثوم إذن كلمات شعرائها فحسب، وإنما تختار وقت أدائها تلك الكلمات، وهذه مسألة مهمة لا أظن أنها أثارت ما تستحقه من الملاحظة، ولا نقصد هنا أنها كانت تختار من النصوص ما يوافق مناسبة وطنية أو دينية مثلاً، كما يفعل الكثير من المغنين، وإنما كانت تختار من اللفظ ما من شأنه أن يطلق طاقة روحية في نفس المتلقي، من نوع ومستوى ما مر بنا، بغض النظر عن أن يكون النص وطنياً أو دينياً أو حتى عاطفياً، لأنها لم تكن تخاطب المناسبة لفظاً مباشراً، وإنما (إشارة) كما يقول الصوفيون، مثال ذلك أنها حينما أرادت حض المصريين على تجاوز حالة الضعف في موقفهم من البريطانيين الذين كانوا يهيمنون على مصر ويحتلون القناة، اختارت أن تؤدي أغنية دينية لا وطنية أو سياسية، فكانت قصيدة (سلوا قلبي) لأحمد شوقي، لأنها تضمنت روحاً من الحماسة الملتهبة مقابل اليأس السائد، فلا "تؤخذ الدنيا إلا غلاباً"، وليس بانتظار ما تجود به أيدي المستعمرين، من خلال المفاوضات السقيمة كما كانت الأمور تجري عهد ذاك، وإذ قامت ثورة 1952 شعرت أم كلثوم بضرورة دعم الإحساس الوطني ودعم الجبهة الداخلية بإلهاب روح جديدة قوامها الاعتداد بالنفس والثقة والإرادة، فلم تختر قصيدة وطنية مما نظمه شعراء تلك اللحظة العصيبة التي كانت تمر بها بلادها، وإنما أبيات انتقتها بعناية من قصيدة قديمة مضى على نظمها نحو خمسة عقود، هي (مصر تتحدث عن نفسها) التي نظمها شاعر النيل حافظ ابراهيم قبل الحرب العالمية الأولى، ومن يقارن بين أصل القصيدة وبين ما انتقته أم كلثوم من أبياتها يكتشف على الفور أنها أطلقت في تلك الأبيات المختارة روح القصيدة لا شكلها، وذلك أنها حذفت الأبيات التي تفقد القصيدة تركيزها وأبقت قلبها فكأنها أعادت نظمها وهكذا بدت وكأنها نظمت في سنة أدائها، ومن تلك الأبيات ما يدعو الثوار إلى وحدة الرأي إذ أن (عثرة الرأي تردي) فلم يفهم أحد منها إلا أنها تقصد ما كان يمر به ثوار يوليو من اختلاف في اختيار طريق التغيير والثورة لا ما كان يقصده حافظ ابراهيم قبل نحو خمسين عاماً.

إن ما كانت تفعله أم كلثوم لم يكن إذن اختياراً لأبيات، وإنما إعادة تشكيل القصيدة عن طريق حذف كل ما من شأنه أن يعيق انطلاق روحها كما مر بنا. ومثل هذا ينطبق على قصائد عديدة اخذتها من دواوين لشعراء رحلوا، فأعادت ترتيب أبياتها، بعد حذف ما رأته خارجاً عن الفكرة التي أرادتها، مثل (حديث الروح) لشاعر الباكستان إقبال، حيث اقتبست أبيات من قصيدتين للشاعر، فوصلت بينها بأن أعادت ترتيبها لتبدو قصيدة واحدة، تعبر عن روح واحدة، وتحاور في النفس أحاسيس عديدة.

وصفت أم كلثوم ذات مرة نص الأغنية كقطعة القماش، إن كان فاخراً متماسكاً أجاد الخياط في (تفصيله) وإن كان رخيصاً مبتذلاً جاء صنيع خياطه مثله، فنقطة البدء لدى أم كلثوم إذن هي الكلمة، ثم يأتي كل شيء من بعدها. لقد غنت أم كلثوم لشعراء عديدين إذن، نظموا قصائدهم لها، إلا أنها في الواقع أدت قصيدة واحدة نظمتها هي على ألسن أولئك الشعراء، فعلى الرغم من التنوع الشديد في معاني تلك القصائد وغاياتها، إلا أن تأملها يظهر أنها كانت تعبر عن روح واحدة لها مواقف متقاربة من الحياة، فكأنها من نظم شاعر واحد. وهكذا يمكنك أن تتبع المعنى الواحد يتطور، أو يتأكد، في عدد من الأغاني، فيكمل كل منها ما تؤديه في أغنية أخرى.

 

لقد اختزلت أم كلثوم المسافة بينها وبين الآخر

واختزلت المسافة بين الواحد والكل

واختزلت المسافة بين زمن وآخر

واختزلت المسافة بين الحزن والفرح

واختزلت المسافة بين الكامن والمعلن

بل اختزلت المسافة بين الحياة والموت...

 

كتاب: مملكة ألكراهيّة .. قراءة سايكولوجية للسلوك ألتأريخي للوهابيّةِ ألسعودية

abduljabar noriكتاب مملكة الكراهيّة للكاتب ألأمريكي (دورغولد) ترجمة محمد جليد، بيروت منشورات الجمل 2014 ويقع ألكتاب ب 446 صفحة، جُلّ فصولهِ حول عدوانيّة السعودية ألوهابية {يعد واحداً من أهم ألكتب ألتي صدرت لحد ألآن، بل أخطرها على ألأطلاق في هذا ألكتاب فضح لدور ألمملكة ألسعودية وآل سعود في رعاية وأسناد وتمويل ألأرهاب في ألعالم أجمع، وتأتي خطورة هذا الكتاب في ألدور ألقذر الذي لعبتهُ ألوهابية المهيمنة في ألسعودية بعد أكثر من قرنين من تأسيسها، ويبقى ألنظام ألسعودي وألمنظومة ألداعمة الرئيسية وألأساسيّة لشبكة ألأرهاب ألدولي، ولأنّها ليست فقط أنتجتْ آيديولوجيّة حفّزتْ ألأرهابيين فحسب بل قدمّتْ قوّةً بشريّة وأعتمادات مالية طائلة لتمويل عمليات ألرعب وألقتل ألجماعي للناس ألأبرياء، وتكمن أهمية ألكتاب أيضاً في أنهُ أفرد فصلاً تحدث فيهِ عنْ ألمجازر ألتي أرتكبها آل سعود من خلال ألوهابية في مدينة كربلاء سنة 1802 حين أستباحوا ألمدينة ألمقدسة حيث قتلوا أكثر من أربعة آلاف بين طفل وأمرأة وشيخ وشاب ونهبوا ضريحي ألأمامين ألحسين والعباس ودمروها ثُمّ هجموا على النجف ألأشرف ولكن أهالي ألنجف صدوا هجومهم ألبربري "مقدمة / ملف مملكة ألأرهاب/ عبد ألزهره البياتي"} أنتهى، ويسلط ألكتاب ألضوء على قضايا خطيرة في مقدمتها ألأرهاب ألدولي ألجديد، ألمتمثل بألأحزاب ألأسلامية ألمتشددة ألتي تأثرت بفايروس ألوهابية ألسعودية في آسيا ألوسطى وألشرق ألأوسط ألعربي، وتحوّلتْ ألى أدوات قتل ودمار للحرث والنسل في أفغانستان وسوريا والعراق ودول ألربيع ألعربي ألتي أبتليتْ بالقاعدة ألأرهابية  وألتي جيّرتْ ألثورة لنفسها .

قدم كاتب (مملكة ألكراهيّة) رود جولد قراءة نفسيّة للسلوك ألتأريخي للوهابية ألسعودية، وتوصّل ألى أنّ هذهِ الدولة مؤسسة على كراهيّةٍ دينيّةٍ تصنّفْ كلْ ألبشر أعداء وفي مقدمتهم "ألمسلم" عندما كفّرَ ألمذهب ألشيعي وأحل دمهُ، ووصفهم ب (الرافضة)  ووصف مذهب ألسنة والجماعة ب (ألمرتدين) وألغرب كافر يؤجل مقاتلتهُ ألا بعد تصفية ألحساب مع عبّاد ألقبور، أما غير ألمسلمين فيخضعون ألى " ذلْ " ألجزية، ويؤكد (جولد) أنّ ألوهابية وآل سعود وجهان لعملة واحدة، وأنّ "حقيقة تأريخية " بدون ألوهابية فأنّ ألعائلة ألمالكة لن تصمدْ ولن تكون قيادة في ألجزيرة العربية بل لن تكون هناك دولة في ألأصل، وبوضوح أكثر فأنّ سلوك ألعائلة ألمعتلْ وألفاسد لا يجعلها تحضى بصفةٍ دينية بل هناك كثيرون في الداخل والخارج ينظرون ألى تصرفاتها ومواقفها وسياساتها بأنّها مخالفة للشرع ألأسلامي، وجدوا ألمؤسسة ألوهابية تضفي عليها هذهِ ألصفة فتكون ألوهابية أحدى ضمانات ألسلطة ألسعودية في ألبقاء – رأي ألمؤلف - وهي وراء شن ألحروب وغزو ألمناطق منذ عقد تحالف بين ألوهابية وآل سعود يقول أنّ ألغارات ألقبلية باتتْ تتم بوصفها (فريضة دينية)، لقد شرعنتْ ألوهابية ألجهاد ضد ألمسلمين لأول مرّة في ألتاريخ ألأسلامي، وأنّ قتل أولئك ألذين رفضوا ألأنضواء وأعتناق ألوهابية وجوب ألجهاد ضدهم ومصادرة ممتلكاتهم يعتبر ذلك عملاً محموداً، أنّ سمة ألشرك ألتي ألصقها ألشيخ محمد  بن عبد الوهاب وأتباعهِ من بعدهِ بكافة ألسالكين لغير طريقتهِأ أنطوتْ على شحنة كراهيّة هائله، كما أنّ تدمير قبور ألصحابة وزوجات ألنبي بأعتبارها أماكن لممارسة ألشرك بحجة ألتوسّلْ بها من غير ألله وهكذا هدّمَ ألمساجد وألآثار ألتأريخية في أهم بقعة مقدسة وتغيير معالمها – وكما أليوم في ألموصل بتأريخ 11-6-2014 دمر أحفادهم آثار ومعالم ألموصل ألتأريخية وألحضارية وألتراثيّة لأرضاء أحقادهم  ألتأريخية ألدفينة – ومن ألناحية التاريخية حتى بعد وفاة ألشيخ محمد بن عبد ألوهاب عام 1791 كانت ذراع ألوهابية ألسعودية أمتدتْ ألى أقصى ألخليج فكانت عُمان وألبحرين تدفعان ألجزية، ويكشف ألمؤلف عن سرٍ خطير {خيانة ألغرب ألأوربي وأمريكا بأستعمال هذهِ ألحركة ألراديكالية ألمتطرفة كجناح عسكري للوصول لأهدافها ألميكافيلية بأمتياز} وهذهِ بعض ألأمثلة : أولاً/ أنّ  ألبريطانيين تحالفوا مع أبن سعود لأقامة دولة سعودية مضادة للأمبراطورية ألعثمانية خلال ألحرب ألعالمية ألأولى، ثانيا/ألأمريكان ألذين ورثوا ألبريطانيين الهيمنة على المنطقة لم يدركوا طبيعة وحقيقة ألمشكلة التي سيواجهونها في المستقبل  وهي تعلم علم أليقين بأنّ السعودية مؤدلجة بالوهابية ألمقيتة العدوّة للجميع ولكن أنانية أمريكا للحصول على النفط السعودي ألذي ينتج عشرة ملايين برميل يومياً جعلها تغض ألنظر عن مساويء هذهِ ألعائلة ألتي سجلّتْ أرض الحجاز بأسمها وراثياً ألى ألأبد منذ أكثر من 120 سنة !!!، وتخبط أمريكا ألبراغماتي حالفتْ وتبنتْ (طالبان) في أفغانستان ضد ألروس  بحجة مكافحة ألشيوعية ولكن ما أنْ أنقلب ألسحر على ألساحر في 11 سبتمبر، ويؤكد ألمؤلف بأنّ آل سعود بآيديولوجيتها ألراديكالية ومزاوجتها ألكاثوليكية مع الفكر ألوهابي جعلت منها دولة ألكراهية، وأثني على ألمؤلف حين يذكر أنّ جملة أمراضٍ نفسيّة وعقد مركبة في هذهِ ألعائلة ألحاكمة جعلتها تكره كل ألعالم، وأفرد ألمؤلف فصلاً كاملاً في ألأدلة ألنفسيّة على وهابية ألسعودية : 1- أن ألمملكة ألسعودية كيان أستُخدِمتْ كأداة لفرض ألنسخة ألوهابية . 2- ألشيخ محمد بن عبدالوهاب ترك خلفهُ مجموعة كاملة من ألأعمال ألثيولوجيّة أُعدّتْ لأثارة ألحرب . 3- يؤكد جولد أنّ ألوهابية تعتبر وصفة للعنف وألأرهاب وألحرب ويعتبرهُ ألسبب ألجوهري في ألتوتر ألراهن في ألعالم ص 122 من ألكتاب. 4- ويذكر جولد أنّ ألسعوديين يخططون لتحطيم (الحضارة ألغربية) . 5- ويوضّح أنّ مملكة ألأرهاب تمثل كياناً منغلقاً تُتَخذْ فيهِ ألقرارات بواسطة عدد قليل من ألأمراء وعلماء ألدين لا يربو عددهم عدد أصابع أليد . 6- وأنّ ألسعوديين يستخدمون (سلاح ألنفط) لأجبار ألولايات ألمتحدة لكسب ألفيتو لصالحها . 7- أساس فلسفة ألكتاب يقوم على أبتلاء آل سعود بكم من ألعقد وألأمراض ألنفسيّة في ألكراهيّة وألعداء للبشرية أجمع، ولعلهً يكون ألجواب لهذا السؤال : لماذا تدعمْ السعودية ألأرهاب ألعالمي ؟؟؟ -----

ويقول الكاتب ابراهيم علاء الدين (الحوار ألمتمدن) في مداخلة لهُ حول كتاب مملكة ألأرهاب ضمن محور السايكولوجيه ألتأريخيّة (لآل سعود ألوهابي) : ففي تلك ألمملكة هناك متخصصون في غرس كل اشكال ألكراهية وألبغضاء بين الناس .. وهم افراد يحكمهم ألتعصّبْ وتحركهم ألهمجيّة .. ومع ذلك يدعون أنّهم يدافعون عن حرية ألرأي وحرية التعبير، بينما لو عرضوا أنفسهم على أطباء  نفسيين لوجدوا أنّهم يعانون من عُقَدْ نقص تأريخيّة تحصرْ جهودهم في ألرغبة وألأنتقام، ويتابع ألكاتب .. في مملكة ألكراهيّة مشروع يبررهُ مواطنو ألمملكة بأنهُ ردة فعل على فداحة ألجريمة ألتي أرتكبها ألآخر وغضب ألآخر مرفوض حتى لو كانت مقدساتهُ تتعرّضْ للأمتهان وحديثهم ينطلق من ألأزدراء وتسفيه آراء ألآخرين، وفي مملكة الكراهية قوانين ثابتة لا تقبل النقاش وألأعتراض وفي مقدمتها " العمل على أقصاء ألآخر" ونفيهِ وتدميرهِ إنْ أمكن – وهذهِ عُقدة ألأنا ألنرجسيّة – ويجوز أستخدام كل أنواع ألأسلحة وفي مقدمتها ألكذب وألأفتراء وألتزوير وألأنتقائية، فهي تتقن ثقافة ألكراهية لكل جنس ولكل مكوّنْ ولكل دين أو مذهب أو قوميه عربي أو مسلم شيوعياً كان أو علمانياً أو لبرالياً .. (وتكون عقدتها ألنفسية هنا براغماتية بأمتياز ) / أنتهى .

 ولها أطماع أمراطورية لمد نفوذها داخل ألجزيرة وخارجها عندما أستعملتْ درع الجزيرة في قمع أنتفاضة ألشعب ألبحريني، وكذلك خلق حجج واهية مع نفس دول الخليج بأن لها حدود متنازع عليها مع ألأمارات وقطر، وتدخلها ألسافر في ثورات ألربيع ألعربي والتي جيّرتْ ألأنتصار للقاعدة ألأرهابية وألتي أعتبرتها ألجناح ألعسكري لها بأغداق أموال ألنفط ألهائلة عليها على حساب فقر شعوب ألجزيرة وبيوت ألصفيح والحرمان وغسل أدمغة ألشباب في تفجير أنفسهم على ألأبرياء للأستعجال في ملاقات ألحور ألعين وخاصةً في مملكة ألكراهية  تسحرهم ألأنثى.

 

عبد الجبار نوري / السويد

الإسلام الآخر: من تحطيم الأصنام إلى الرؤيوية المهدوية كتاب للدكتور محمد الدعمي

578-damiصدر للدكتور محمد الدعمي بحث أكاديمي موثق بالمصادر الغربية بعنوان (الإسلام الآخر: من تحطيم الأصنام إلى الرؤيوية المهدوية) عن الدار العربية للموسوعات/ بيروت.

578-damiيتألف الكتاب (المكون من 239 صفحة) من ستة فصول، هي: (1) التشيع كمشكلة معاصرة: الإستقبال الغربي ودور العلماء، (2) رواد التشيع، (3) تواصل روح التمرد: من الرفض السكوني إلى الثورة المسلحة ثم الهيمنة الصامتة، (4) إنساني أم عربي التمركز: التشيع والآصرة الفارسية، (5) الغلو: من عبادة الأبطال إلى الأسطرة، (6) التشيع من تحطيم الأصنام إلى الرؤيوية المهدوية.

   تنطوي تحليلات الكتاب على تنظيرات جديدة، ليس فقط في حقل قراءة التاريخ العربي الإسلامي، وإنما كذلك في مسألة التشيع، أصولها وتطوراتها وإحتمالاتها المستقبلية.

 

لإقتناء نسختك يرجى الدخول إلى هذه الروابط:

Authorhose:

www.authorhouse.com

Amazon:

http://www.amazon.com/Other-Islam-Idol-Breaking-Apocalyptic-Mahdism/dp/1491825952/ref=sr_1_fkmr0_1?s=books&ie=UTF8&qid=1384212932&sr=1-1-fkmr0&keywords=the+other+islam%2Cmuhammed+alda%27mi

 

الاعاقة العقلية .. كتاب جديد للدكتور مدحت ابو النصر

577-nasrصدر عن مجموعة النيل العربية كتاب جديد للدكتور مدحت ابو النصر، بعنوان الاعاقة العقلية.

والإعاقة العقلية هي التي يعاني فيها المعاق من قصور فكري وظيفي، أو عدم اكتمال النمو العقلي نتيجة لعوامل وراثية أو بيئية، أو لاجتماعهما معًا، ويعاني المعاقون عقليًا نتيجة لذلك من ضعف في القدرة على الفهم والإدراك، والتعلم، والتكيف الاجتماعي. تناول الكتاب الإعاقة العقلية بشكل علمي مُفصّل، وقد اشتملت فصول الكتاب على أمثلة عديدة لكل نوع منها، تم من خلالها تقديم تعريف لكل إعاقة، وتحديد لأنواعها والمؤشرات الدالة عليها والأسباب المؤدية إليها 577-nasrوالمشكلات المترتبة عنها، كما قدّم الكتاب بعض ملامح الاهتمام والرعاية الموجهة إلى متحدي الإعاقة العقلية. تناول الكتاب موضوع الإعاقة العقلية بشكل علمي مبسط، ليستفيد منه كل من القارئ العادي المهتم، والطالب والباحث في مجال رعاية وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة في كليات ومعاهد الخدمة الاجتماعية وأقسام التربية الخاصة، وكذلك العاملين مع ذوي الاحتياجات الخاصة، سواء في المؤسسات الحكومية أو الجمعيات الأهلية العاملة في مجال رعاية وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة

 

عزاء الفلسفة

كُتب "عزاء الفلسفة" في القرن السادس الميلادي وهو من أشهر واكثر الاعمال عمقاً للثيولوجي المسيحي والفيلسوف بوثيوس (480-524). قام بوثيوس St. Boethius بتأليف هذا العمل العظيم حينما كان في السجن وقبل وقت قصير من تنفيذ عقوبة الموت بحقه.

ان كتاب عزاء الفلسفة اتخذ شكل حوار بين بوثيوس و"السيدة فلسفة"حيث يناقش مختلف القضايا الهامة ذات الثقل الاجتماعي مثل الاخلاق وطبيعة الله وعلاقة الله بالعالم ومشكلة الشر والطبيعة الحقيقية للسعادة.

كان لعزاء الفلسفة صدىً واسعاً وتأثيراً كبيراً في القرون الوسطى وفي عصر النهضة، حيث انشغل به الفلاسفة والمؤرخون والثيولوجيون والشعراء وقاموا بدراسته بشكل مكثف. ولازال الكتاب حتى اليوم يحظى بالاهمية الكبرى بين القراء.

ان الكتاب الثالث من عزاء الفلسفة وهو الكتاب الرئيسي والأطول من بين الاجزاء الخمسة يبدأ بالاغنية الفلسفية الاخيرة التي وردت في الجزء الثاني. وعلى طول الخط، يخبرنا بوثيوس ان اغاني الفلسفة امتزجت بأروع المقاطع الموسيقية، ذلك لأن الموسيقى هي صناعة فلسفية.

لقد اصبح بوثيوس اكثر حيويةً، وان النقاشات المقنعة التي وردت في الكتاب الثاني جعلتهُ مستعداً للمزيد من العلاجات وقادراً على مواجهة تحديات المصير. الفلسفة اذاً تبلغ بوثيوس ان موضوع محاضرتها القادمة سيكون حول السعادة الحقيقية. السعادة التامة والحقيقية يمكن بلوغها فقط عبر حيازة الخير الاسمى الذي تتجسد فيه جميع الخيرات الاخرى.جميع الكائنات الانسانية ترغب بالسعادة الحقيقية لكن الاكثرية من الناس ينقادون الى الخطأ عبر الرغبة بالاشياء الزائفة والمؤقتة.

تستمر الفلسفة بتوضيح ما يعتبرهُ اغلب الناس اشياءاً خيرة. التحرر من الحاجة(الثروة)، الاحترام(الشرف)،السلطة، او الشهرة، او مجرد المتعة، او تلك الرغبات المركبة والملتبسة، مثل الرغبة بالثروة لأجل السلطة والمتعة، او السلطة لأجل النقود والشهرة، وحتى اولئك الذين يرغبون بالشراكة الزوجية والاطفال لأجل المتعة. الجمال وقوة الجسد يمنحان السلطة والاحترام وهما شكلان من تلك الرغبات.جميع هذه الرغبات هي لأجل السعادة.

غير ان المشكلة التي تبرز هي حينما تتعامل الانسانية مع هذه الخيرات كهدف نهائي او كممر للسعادة. حالة السقوط من جنة عدن جسدت سعي الانسان للسعادة في هذه الخيرات الوضيعة والتافهة والمتعددة بدلاً من السعي نحو الخير المطلق لله.

قبل ان ينشد بوثيوس والفلسفة انشودتهما القريبة من الله- مصدر جميع السعادات، تمر الفلسفة في كل من هذه الخيرات الارضية المفترضة. الثروة حالما تتم حيازتها تصبح مصدراً للقلق. الجمال الفيزيقي والقوة هما شكل من الوهم تخلقه رغبة الاخرين برؤية الجمال في الجسد. كذلك، الجمال الجسدي والقوة يتلاشيان بسرعة بفعل عامل الزمن والمرض. الرجل في الموقع الوظيفي الاعلى ينال الشرف والاحترام لكن الموقع الوظيفي لا يمنح الحكمة او الفضيلة لمن يمسك به. الفلسفة تؤكد في العادة ان الوظيفة العليا تخلق الفساد والانحطاط بدلا من السمو بصاحبها. الاخلاق لها قيمة داخلية حالما تُنجز، ستمنح قيمتها لمن يحوز عليها، لكن الشيء ذاته لا يصح على الوظيفة العليا. اذا كان لدى الملك او المسؤول سلطة، فان الاكتساب المستمر للمزيد من السلطة سيجلب المزيد من السعادة. ولكن لا توجد هناك امبراطورية على الارض تحكم كل الانسانية، لذا فان الحاجة المتأصلة للسلطة في السلطة ذاتها تمنح عدم السعادة لمن لديهم السلطة.

في الجزء الثاني من الكتاب الثالث تبدأ الفلسفة بشيء من التحذير،"الشهرة، في الحقيقة هي شيء مخجل ومخادع". هي تجادل بعدم وجود ما هو اكثر خجلاً من الشهرة غير العادلة. ايضا، شهرة الكائن البشري لا يمكن ان تنتشر لجميع الناس في العالم، تماما كما هي السلطة لا يمكن ان تحكم كل البشر. كذلك فان شرف العائلة لا يمكن ان يمنح الفضيلة ،الاً في المعنى السلبي كونها تشجع النبيل لعدم التفريط بذكريات الاسلاف.

اما المتعة الجسدية فهي تحظى بأقل الاهتمام من جانب الفلسفة. هي تنظر اليها بعدم التقدير وترى ان السعي نحو المتعة مليء بالقلق وان تحقيقها مدعاة للخيبة والحزن. انها ليست صحية، حتى تلك المتع الزوجية او حب الاطفال ايضا تجلب العديد من الاحزان. وبما ان هذه الاشياء الخيرة ليست تامة ، فهي غير قادرة على اعطاء السعادة التامة لأي كائن بشري.

يتفق بوثيوس والسيدة فلسفة على ان اي او جميع هذه الخيرات الارضية لا يمكنها جلب اي قياس للسعادة الحقيقية، ولذلك يستمران في التساؤل حتى بعد مرحلة الكفاية"sufficiency"التي تشبع رغبة الانسانية بالسعادة الحقيقية. هنا يبدأ بوثيوس بطرح برهان جزئي عن وجود الله. بما ان بوثيوس والفلسفة يتفقان على ان الانسانية ترغب بالسعادة الحقيقية، فان ذلك المستوى يعني ان هناك خير مطلق. السيدة فلسفة اثبتت ان لا شيء من الخيرات الارضية ولا جميعها تشكل خيراً مطلقاً، وعليه فان شيء ما خارج الارض يجب ان يكون هو الخير الاعظم.

السيدة فلسفة تربط الكفاية بالقوة،فهي تقول بما ان الوجود الكافي في كل الاشياء(لم يعد يرغب باي شيء اخر) سيكون قويا بما يكفي ليعيش بمعزل عن الهموم الارضية. لذلك، فان الشيء الكافي سوف لن يحتاج الى شيء، وسيمثل قوة عظمى وبذلك سيستحق الاحترام العميق.

جميع هذه الشروط للسعادة النقية تتخذ مختلف التسميات لكنها تشتمل على نفس الجوهر. يرى بوثيوس ان هذا الوجود السعيد والمكتفي هو الله. الوحدة التي ينجزها الله هي جوهر الرغبة بكل الاشياء. بوثيوس والفلسفة ينهيان الكتاب الثالث بانشودة تطلب المساعدة في العثور على الطبيعة الحقيقية للسعادة.

تحليل

ان حجة"عدم الاكتمال"للشهرة والسلطة ربما تبدو ضعيفة للقارئ الحديث. اين الاعجاب والتقدير لما يمتلكه المرء من اشياء جميلة؟ لماذا طبقا لبوثيوس والسيدة فلسفة لا نستطيع ان نكون سعداء ببعض السلطة والشهرة او ببعض الجمال الجسدي والقوة، حتى لو لم نمتلك كل هذه الاشياء بشكل دائم وتام؟.

يرى بوثيوس ان عدم الكمال في هذه الخيرات يبيّن كم هي ناقصة بالفعل. اشباع اي من هذه الرغبات هو مجرد رغبات خاطئة نحو سعادة الله الحقيقية التي يمكن الحصول عليها بشكلها التام والكلي. ربما هناك بعض الثغرات في جدال بوثيوس ولكن ينبغي النظر الى حوارات بوثيوس في سياق ايمانه المسيحي.

لماذا، على سبيل المثال، لا نستطيع اعتبار تحقيق بعض الاشياء الخيرة كالشهرة والنقود او قوة الجسد مصدراً للسعادة الحقيقية المستمرة على الارض، على الاقل حتى موعد الموت والانتقال الى الله؟ يرى بوثيوس ان لا وجود لكائن بشري دون رغبات بعيدة، وان اي اكتساب لهذه الرغبات الارضية انما يشجع الناس فقط على طلب المزيد منها. وبينما نجد بعض الناس مطمئنين بقناعتهم في الحاجات الاساسية، الا انهم لم يُخلقوا سعداء بالحصول على هذه الخيرات الارضية،وانما فقط عبر مصدر روحي للسعادة. لذا سيكون حتى اولئك الافراد غير الجشعين لا يزالون عاجزين للوصول للسعادة على الارض.

ربما يبدو هذا للبعض نقاشا متشائما، ملقيا اللوم على الطبيعة الانسانية. يجب الاشارة الى ان بوثيوس اعتبر ايضا اي سعادة على الارض ستمثل انكاراً لله وهي الفكرة التي لم يكن راغبا في الافصاح عنها بسبب مسيحيته- الاقتراح بان الكائن البشري يمكنه ان يكون سعيداً بمعزل عن الله سيجعل من الانسان مردافا من حيث القداسة لله حسب بوثيوس.

ان البرهان على الله الوارد في هذا الكتاب اعتبرهُ معظم الثيولوجيون برهانا جزئيا ولم يكن هو الموضوع المركزي للكتاب. يؤمن بوثيوس ايماناً مطلقاً بوجود الله، وان قرّاءه يتفقون معه. غير ان البرهان يرتكز على عدم كفاية الرغبات المؤقتة، وهو في الواقع برهان سلبي. وبسبب انه غير ارضي فهو يجب ان يكون روحيا. غير ان البرهان صمم بعناية وبجمالية عالية. ولا يمكن اعتبار البرهان خاطئاً فقط لأنه سلبي. نقاشه حول الجمال البدني والمتعة الجسدية لا ينال موافقة اغلب القراء. ان نقاش بوثيوس بشكل عام يوازن بشكل دقيق بين عدم كفاية الرغبات الارضية وبين تحقيقها، الهيكل العام للنقاش يبدو سليماً.

ان الانتقال من الرغبة بالسعادة الحقيقية الى وجود الله لم يكن مفاجئاً. حيث بُني ذلك بعناية طوال الكتاب الثالث ويركز بدقة على رفض اي نوع من السعادات الارضية الممكنة. قضايا الالحاد او الاشكال الروحية الاخرى للسعادة لم تُناقش في الكتاب حيث ان وجود الله لم يكن هو موضوع الكتاب، بل هو الاستنتاج المنطقي لمتحدثين اثنين يؤمنون سلفا بوجود الله. التركيز هو على الجدال المنطقي حول الرغبات الارضية التافهة.

 

.......................

كتاب عزاء الفلسفة .. The Consolation of Philosophy.. صدر عام 2007 للكاتبة اليزابيث سمث عن دار GradeSaver™ .. في الولايات المتحدة.

 

العـــــــهر الســـياســـــي .. "البترونعاج" نموذجاً

adnan oayeedعلى قناة العربية العظيمة، ذات المصداقية العالية، والتوجه العروبي السعدني الوهابي المعادي لكل ما يعمل على إقامة الدولة العبرية، والتطبيع مع الكيان الصهيوني، أو إقامة أية علاقة معه من تحت الطاولة أو من فوقها. وفي برنامج بانورما الذي أرادت الكهرباء في بلدي التي يعمل على قطعها باستمرار الدواعش وجبهة النصرة رضي الله عنهما وعن آل سعود وآل جاسم الذين يمددونهم بتقوى أئمة الوهابية و رجالات الإخوان الصالحين، وبركات البترودولار. أن أسهر حتى الساعة الثالثة صباحاً يوم الجمعة تاريخ 20/6/2014 مستغلاً العودة المتأخرة للكهرباء لأتابع هذه البرنامج معاداً.

ما لفت انتباهي قول أحد المحاورين من السعودية، وهو الدكتور "وحيد حمزة هاشم" أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك عبد العزيز، الذي حدد بطرحه جوهر المشاكل التي تعاني منها المنطقة العربية اليوم، والتي تشكل هاجساً أخلاقياً لدى كل مواطن شريف في عالمنا العربي، وعلى رأس هؤلاء الشرفاء الذين يشعرون بعمق المسؤولية تجاه ما يهدد آمن وسلامة ومستقبل هذه الأمة، وهم أمراء "البترونعاج".

أما هذه المشاكل (المصيبة) التي حددها الدكتور "وحيد حمزة هاشم" فهي:

1 - الخطر الإيراني الذي يريد التوسع في المنطقة ويحولها إلى منطقة فارسية شيعية.

2- خطر "الإخوان المسلمون" الإرهابي الذي يهدد المنطقة بعدم الاستقرار .

3- خطر المتطرفين الإسلاميين (داعش والنصرة) الذين لا يعرفون إلا القتل والدمار، وهم يريدون إرجاع الأمة العربية والإسلامية إلى الوراء.

4- خطر روسيا والصين الذين يدعمان النظام السوري الظالم المستبد ضد الثوار المطالبين بالحرية والعدالة.

5- خطر عدم وقوف الولايات المتحدة بحزم وجديَة أمام التهديد الإيراني للمنطقة، والتخلي عن أصدقائها التقليدين.

إن قراءة سياسية عقلانية أولية لهذه الإشكاليات السياسية المطروحة هنا عبر قناة العربية السعودية، و من أحد الأكاديميين الموالين لسياسات آل سعود، تشكل في الفقه السياسي المعاصر (عهراً سياسيا) لتوجهات "البترونعاج" في المشرق بشكل عام والوطن العربي بشكل خاص، نستطيع تأكيدها عبر تحليلنا لهذه الإشكاليات تحليلاً منطقياً.

الإشكال الأول، الخطر الإيراني في المنطقة ورغبة إيران في تحويل المنطقة إلى منطقة فارسية شيعية: والسؤال كيف تستطيع إيران أن تحقق هذه الأهداف في المنطقة، والمنطقة بعمومها سنية، والشيعة بكل طوائفهم يشكلون الأقلية فيها وخاصة في سورية ولبنان بيضة القبان في الهلال الشيعي المزعوم. هذا من جهة؟. ومن جهة ثانية، إذا كانت إيران تريد فعلاً كما تقول سياسة البترونعاج، القضاء على العروبة وتحويل المنطقة إلى منطقة فارسية، فلماذا يحارب أمراء الخليج وعلى رأسهم آل سعود، الأحزاب القومية العربية، ويعتبرنها أحزاباً علمانية كافرة، لأنها لا تأخذ بمفهوم الأممية الإسلامية الوهابية، وأن من تحاربه اليوم، هو النظام السوري، آخر معاقل البعد القومي العربي. وتعتبر القوميين كفرة وزنادقة في كل المنطقة العربية؟. إن مَنْ يخاف مِنْ (تفريس) المنطقة، عليه أن يدعم الفكر القومي، وهذا لم يتحقق من قبلهم. أما من جهة ثالثة، فإن التوجه السياسي الإيراني الحالي وكما جاء في دستور الدولة الإيرانية هو توجه إسلامي أممي. بمعنى هو ضد التوجهات القومية. وهذا يفند ادعاء الإشكال الأول عندهم. بل هو إدانة لهم هم عندما نأخذ بعلاقات قطر مع أردوغان ورغبتهم في إقامة المشرع الإسلامي بلباس الخلافة الإسلامية السنيَة المفوته حضارياً. أليس هذا عهر سياسي؟!.

الإشكال الثاني، خطر (الإخوان المسلمون): وهنا يبرز العهر السياسي بكل تجلياته لآل سعود وهو: كيف تدعي السعودية أن الإخوان إرهابيون، ويشكلون خطراً على المنطقة، وهم يدعمون الإخوان في سورية بكل أشكال الدعم المادي والسياسي والعسكري، وأن نسبة كبيرة من المعارضين الإخوان السوريين يقيمون في السعودية؟. ثم كيف يشكل الإخوان هذه الخطورة وآل سعود يعلمون علم اليقين أن قطر هي من يقدم لهم كل الدعم ليس على مستوى المنطقة العربية فحسب، بل والتنظيم العالمي له. أما موقفهم من إخوان المسلمين في مصر ووضعهم تحت قائمة الإرهاب، ودعمهم للحكومة العلمانية المصرية، والعلمانية في الفقه الوهابي كفر وإلحاد، والعلمانيون كفرة وملحدين، كما أفتى المجمع الفقهي السعودي. إن موقفهم هذا تجاه الإخوان، هو خدمة لمصالحهم الإستراتيجية في المنطقة، وفي مقدمتها كسر ظهر الإخوان حتى لا يتمددوا إلى دول عربية أخرى بعد أن استفحل أمرهم في ليبيا وتونس ومصر وسورية، وهو قابل للظهور في الأردن بأي لحضه، ومن ثم إمكانية تمدده إلى السعودية ذاتها. لذلك لا بد في العهر السياسي السعودي من محاربتهم، لا لكونهم إرهابيين كما يقول آل سعود، وإنما هم العدو السياسي الحقيقي الذي يشتغل على الوتر الديني مثلهم، ومن المدرسة السلفية ذاتها التي يشتغلون عليها، وهذا ما يخيف آل سعود الذين يدعون أنهم الوحيدون حماة الدين الإسلامي السني في العالمين العربي والإسلامي..

الإشكال الثالث، خطر الجماعات الجهادية الإسلامية على المنطقة (داعش وجبهة النصرة). أي القاعدة بشكل عام: والسؤال هو: من كان وراء دعم تنظيم القاعدة بشكل عام في أفغانستان، غير أمراء "البترونعاج" وعلى رأسهم آل سعود وأمريكا؟!!. ثم من يقدم اليوم الدعم لكل الجماعات الإسلامية المتطرفة في سورية ولبنان والعراق وعلى رأسها داعش وجبهة النصرة، أليس السعودية وقطر بمساعدة تركيا ورضا أمريكي وغربي؟!!. ثم من فتح لهم قنوات الفتنة الجزيرة والعربية وأورينت ووصال وكل القنوات الدينية التي كانت ولم تزل تعمل على التحريض الطائفي؟!.، وأخيراً من يستطيع أن ينكر تصاريح وزير خارجية آل سعود التي تؤكد دائما على دعم الجماعات المسلحة في سورية بالمال والسلاح، وها هو اليوم يتهم الحكومة العراقية بالطائفية، ويعتبر ما تقوم به داعش ليس أكثر من ثورة شعبية ؟. أليس هذا عهر سياسي؟!.

الإشكال الرابع، خطر روسيا والصين في دعمهما للنظام السوري الذي يمارس الظلم والاستبداد ضد شعبه: والسؤال هل يحق لآل سعود بشكل خاص أن يتكلموا عن الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة؟. ثم لماذا يحكمون على سياسية روسيا تجاه سورية بأنها سياسة تخريبية؟. عموماً لم يعد خافياً على أحد ما هي أهداف آل سعود وحكام الخليج من ضرب سورية ونظامها، ويأتي في مقدمة هذه الأهداف ضرب إيران، والهدف الثاني ضرب مصالح روسيا في المنطقة ومحاولة تحويل سورية إلى معبر لنفط وغاز قطر وسعودية إلى أوربا لمنافسة الغاز الروسي في هذا الاتجاه، وبالتالي من حق روسيا أن تدافع عن مصالحها. وهذا الدفاع الروسي عن مصالح روسيا عبر دفاعها عن سورية ودعمها لها ضد قوى التطرف، هو (أمر غير محمود) كما يقول جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز. أليس هذا عهر سياسي؟!.

المشكلة الخامسة والأخيرة في أجندة البترونعاج:، هي الخطر الأمريكي في المنطقة المتمثل في عدم جدية أمريكا في محاربة إيران وضرب سورية والوقوف مع حلفائها الحقيقيين في المنطقة:

نعم إنهم حلفاء أمريكا الحقيقيين في المنطقة وليس غيرهم... أمريكا التي تقدم كل الدعم للكيان الصهيوني، وتقف ضد مصالح العرب والمسلمين في كل مكان، هي تشكل اليوم بنظر آل سعود وأمراء الخليج خطراً حقيقياً على حكم الأسر المالكة في السعودية والحليج، لأن انتصار العراق وسورية ولبنان على الإرهاب يعني الخطوة المتقدمة إلى طريق إنهاء وجود هذه الأسر القروسطية في عقليتها وحكمها، لا سيما بعد أن كُشفت ادوار هذه الأسر على مستوى تآمرها وخيانتها للعروبة والإسلام وسفك الدم العربي في ما سمي بثورات الربيع العربي تحت مظلة الحرية والعدالة المزعومة بإسم الدين . إن كل هذا التآمر لم يعد خافياً على أحد، وبالتالي إنها بداية النهاية لهذه الأسر شاء من شاء وأبى من أبى.

 

كاتب وباحث من سورية

عرض كتاب "التلوث الاشعاعي في العراق" للمؤلف الاستاذ الدكتور كاظم المقدادي

عندما استلمت نسخة من هذا الكتاب كهدية من الكاتب لم يكن لي تصور عن مدى علمية وغنى ودقة معلومات الكتاب رغم كون الكاتب معرفا لي باكاديميته وعلميته ورصانة كتاباته ومؤلفاته البيئية السابقة لسبب بسيط هو اني لم ارى لفترة طويلة بالعربية كتاب علمي رصين يبحث بموضوع مثير للجدل يتضمن دراسة علمية وتحليلية وتوثيقية لمشكلة راهنة تتعلق بحياة الملايين من ابناء شعبنا العراقي.

البحث في التلوث الاشعاعي في العراق امر شغلت به الاوساط العلمية والبيئية والصحية والمعادية لانتشار الاسلحة النووية منذ استخدام امريكا لذخائر اليورانيوم عام 1991 في حرب الخليج يدفعها اليه شعور بان تداعياته البيئية والصحية تم التغطية عليها عمدا لتخوف مرتكبيها من الادانة بجرائم حرب وما يتبع ذلك من تعويضات مالية هائلة. وسواء كنا على اطلاع بالمصادر العلمية او الاصوات االتي تدعي بوجود او عدم وجود اضرار صحية لذخيرة اليورانيوم المنضب فان الكاتب لا يخفي انحيازه العلمي عبر تكريس الكتاب لتوضيح الادلة والوقائع والاثباتات والتقارير الطبية والعسكرية التي تؤكد اضرار استخدام هذه الاسلحة وتسليط الضوء على التداعيات الصحية في العراق.

وهذا ما دفع المؤلف الاستاذ الدكتور كاظم المقدادي المتخصص في طب الاطفال وطب المجتمع والخبير بالصحة والبيئة وبالتلوث الاشعاعي والاضرار الصحية والبيئية لاستخدام اسلحة اليورانيوم لوضع هذا الكتاب للقارئ العربي، سواء كان عاديا او متخصصا. وبينما يعالج الكاتب مسائل علمية في الاشعاع والتلوث الاشعاعي ، تراه يطلعك على اخطار التعرض لليورانيوم ودرجة التلوث به ومن امور اخرى ما كانت تخطر لك ببال.

كتاب "التلوث الاشعاعي في العراق" كتاب علمي قبل كل شئ، اذ يعالج مسائل تخص الاشعاع واضراره وطبيعته وخصائصه ويسلط الضوء على مصادر الاشعاع والجرعة الاشعاعية والتأثيرات البيولوجية ومبادئ الوقاية وطرق كشف وقياس الاشعاع، ولكنه بسط هذه المسائل العلمية لدرجة تقربها من ذهن كل قارئ، ومن عجبي انه استطاع ان يستعوبها في هذا الكتاب، وان يعرضها بشكل جذاب. ضم الكتاب على مدخل وثلاث وعشرين فصل وملحق. نقرا في المدخل تعريف بالكتاب وتأكيد على ما يطرحه المؤلف بالنسبة للكتاب من انه "موقف معري للتضليل، ونهجه المناؤئ لاسلحة اليورانيوم، معرفا بها وباضرارها الصحية، مركزا على الواقع البيئي والصحي الراهن في العراق، مستعرضا بشكل واف كم هائل من الادلة والمؤشرات، الغنية بالجداول والاشكال الاحصائية وبالصور الحية، كي يتأكد كل مهتم موضوعي ومنصف كم الوضع خطير، ولماذا يلح المؤلف وزملائه منذ سنين طويلة على ضرورة اتخاذ الاجراءات والمعالجات والحلول المطلوبة". ويختم الكتاب بعرض صور كثيرة للامراض الخبيثة والتشوهات الخلقية ولركام الحرب، ولعمليات الكشف عن الاشعاع، بالاضافة الى اشكال توضيحية هامة.

ويبحث الكاتب في عدة فصول من الكتاب عن اجابات لعدة اسئلة مهمة وهي لماذا يتم تجاهل مخاطر اسلحة اليورانيوم على البيئة والصحة والحياة، ولماذا لا توجد دراسات اشعاعية ميدانية، ولماذا يتم التستر على التسرب الاشعاعي والسكوت على جريمة اسرائيل في ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، ويستغرب من تبريرات المسؤولين العراقيين لتقصيرهم في مثل هذه المهمة، وعدم مطالبتهم بحق العراق بالتعويضات المشروعة. كما يتسائل عن سبب تجاهل سلطة الاحتلال تحذيرات العلماء العراقيين وسماحها بنهب مركز هيئة الطاقة النووية العراقية، وعدم تقديمها خرائط للمناطق التي تعرضت الى القصف باستخدام ذخيرة اليورانيوم وذلك لغرض المساعدة في الكشف عن مصادر التلوث ومعالجته.

الكتاب يسلط الضوء على كم كبير من التقارير العلمية والعسكرية والمسوحات الميدانية وبضمنها عدد كبير من الدراسات التي اجراها علماء عراقيين ودوليين حول التلوث الاشعاعي والتي تؤكد صحة استنتاجات الكاتب حول المستوى العالي للتلوث بالاشعاع والمواد السامة خصوصا في محافظات البصرة وميسان وذي قار والمثنى وبابل والنجف وكربلاء وواسط والانبار وديالى وبغداد، ويخصص الكاتب فصلا يتناول النفايات المشعة ومصادرها ومعالجتها وطرق التخلص منها، كما يتناول الاجراءات التي اتخذتها السلطات لتنظيف البيئة العراقية من النفايات المشعة. يذكر الكاتب استنتاجا مهما للعالمة الهولندية ريان تولي التي تفقدت التويثة حول مقدار استلام الفرد الساكن في المنطقة من الاشعاع في نصف ساعة ما يعادل الحد الاقصى الذي يستقبله الفرد الاعتيادي خلال عام كامل، ويذكر رأيا خطيرا للعالمة الامريكية لورين موريه وهو ان البيئة في الخليج اصبحت مشعة بالكامل وانها سوف تضل مشعة الى الابد.  

الكتاب ثمرة عمل كبير و"مؤلف العمر" كما وصفه الكاتب، احاط بكل ما له علاقة بالاشعاع وتأثيراته، ويمثل طرحا موضوعيا للاشكاليات التي سببها استخدام اليورانيوم المنضب من خلال اطلاع الدكتور المقدادي على العديد من المراجع، وميله الى الدقة والعمق والتحليل العلمي لكل قضية من قضايا الاشعاع. وفي نهاية الكتاب يطرح الكاتب سؤال وجيه هو "الى متى يستمر التخبط وسوء الادارة والتبريرات الواهية، بينما كل يوم يمر والتلوث الاشعاعي موجود يسقط المزيد من الضحايا الابرياء؟". انه كتاب ثمين انصح بقراءته، وادعو وزارت البيئة والصحة والتعليم العالي الى دراسته والاستفادة من المعلومات المتوفرة فيه.  

  

دستور الحياة بين اللوح المحفوظ والفهم المغلوط

nadheer khazrajiتعدُّ محافل القرآن السمة البارزة في كل المدن والأقضية والنواحي والبلدات التي يتواجد فيها المسلمون في بلدان إسلامية أو غير اسلامية، فمحفل قراءة القرآن وتجويده وترتيله هو جزء من الحياة اليومية للإنسان المسلم الذي يعكف على تعلم كلام الله عملاً بوصية من نزل عليه القرآن: (خيركم مَن تعلم القرآن وعلّمه)، وقد أخذت عدد من المحافل على عاتقها فتح دورات لحفظ القرآن ككل أو أجزاء، وكثرة مسابقات تجويد القرآن وحفظه المحلية والعالمية تكشف عن التوجه النوعي نحو الاهتمام بخلق جيل قادر على تجويد وترتيل القرآن الكريم وحفظه.

وعهدي بمحافل القرآن الكريم بدأت منذ الصغر في مدينتي كربلاء المقدسة منذ نحو عام 1970م على يد الأستاذ الملا حمود الحاج مهدي النجار الحِمْيَري (1926- 2004م) وانتهت مع خروجي من العراق عام 1980م فتى مراهقاً وانشغالي بما ينشغل به المهاجر السياسي، ولكن هذا لم يمنعني من قراءة القرآن الكريم ترتيلا وتجويدا في المحافل العامة والخاصة بين الفينة والأخرى وحسب الطلب، وتنظيم محافل القرآن وبخاصة في شهر رمضان وادارتها في بعض الأحيان، وحسب الطلب أيضا، ولكنها لم تعد في صلب الاهتمام كما كنت في أيام الصبا.

مرة أخرى ساقني الحنين الى محافل القرآن وأنا في زيارة قصيرة للدار البيضاء (المغرب) في طريقي الى دكا عاصمة السنغال أواخر يناير كانون الثاني عام 2011م لحضور مؤتمر عاشوراء الدولي الخامس الذي انعقد في جامعة دكا من قبل مؤسسة المزدهر الدولية يوم 29/1/2011م، فمجالس ترتيل القرآن وحفظه التي تشتهر بها محافل القرآن في المغرب عالقة في ذهني لكثرة ما أراه في القنوات الفضائية وبخاصة في شهر رمضان الكريم، فساقتني قدماي الى أقرب مسجد في وسط المدينة القريب من فندق "دو لوفر" الذي أقمت فيه لليلتين، وجلست معهم بعد صلاة العشاء ارتل ما يرتلون وبطريقتهم الجماعية، ورغم تعودي على محافل القرآن، إلا أنَّ الخوف تملكني هذه المرة خشية أن أدعى لقراءة القرآن فيظهر عجزي وضعفي عن الأداء والقراءة السليمة، ولسبب بسيط للغاية يقع فيه كل من هو قادم من المشرق العربي، فالرسم القرآني لعدد من الحروف والكلمات هو غير الذي تعودنا عليه بما تحت أيدينا من مصحف، وبالتأكيد فإن المغربي إذا أراد أن يقرأ من المصحف الذي بأيدينا سيقع في المشكلة نفسها، مع أن القرآن واحد، ولكن صورة الرسم القرآني واختلافها في بعض الحروف بين المشرق والمغرب يجعل المرء يقع في الخطأ إذا ما أراد الترتيل أو التجويد حتى دون أن يقصد ذلك، وحمدت الله أن المحفل القرآني انتهى دون أن يكون لي حظ في المشاركة الفردية.

بالطبع فإن الاختلاف البسيط في الرسم القرآني لا يجعل القرآن مختلفاً، فهو المحفوظ ما بين الدفتين إن كان بالرسم المشرقي أو بالرسم المغربي، ليس فيه تحريف أو نقص أو زيادة، كما يؤكد الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب "شريعة القرآن" الصادر حديثا (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 63 صفحة، وهو من ضمن سلسلة "الشريعة" في نحو ألف عنوان، وقد تضمن شريعة القرآن 90 مسألة فقهية في أحكام القرآن و37 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا بن حسين مزمل الميثمي الغديري، مع مقدمة للمعلق وتمهيد واسع بقلم الشيخ الكرباسي يسلط الضوء على القرآن الكريم وما يتعلق بنزوله وعلومه.

 

ثورة قرآنية

يرى الفقيه الكرباسي ان القرآن الكريم هو: (كتاب علم وعمل، وكتاب يجمع فيه كل ما يُسعد الإنسان في تعلمه أو تنفيذه، فهو كتاب قانون يحدد الأعمال والسلوكيات على أرض الواقع ما يتعلق بالنفس والأطراف، وكتاب يعطيك ما تحتاجه من العلوم والقوانين لفهم الواقع الذي تعيشه لتكتشف منه العلوم)، ولأنه كذلك فإنه يدعو وبشدة الى: (الكشف والبحث واستخدام القوة والسلطان للوصول الى الحقائق التي أُودعت في القرآن). وبالركون إلى قوله تعالى: (ونزل عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) سورة النحل: 89، فإنه يؤمن ايماناً كاملاً انه: (ورد في القرآن كل ما يمكن أن يتطرق اليه الفكر البشري وكل ما تحتاجه هذه البشرية وما يلامسه من أشياء وسُنن ولكن على شكل أسس وكليات، على الإنسان كشفها في أي اتجاه كان)، ويعتقد الفقيه الكرباسي ان هذا النص القطعي هو بمثابة: (بشرى نلمسها كل يوم عندما يأتي العلم الحديث ليكتشف أمراً جديداً نفتخر به)، ولكن البشرى هذه تبقى ناقصة إذا لم يسعَ المسلم الى اكتشافها بنفسه دون أن يعول على اكتشافات الآخرين ويجر الحسرات: (فالقرآن أودعت فيه أسس كل العلوم، وقد استدل أئمة أهل البيت(ع) به على مناحي العلم والمعرفة إلا أنه بحاجة الى التدبر في آيات الله وكلامه).

ولطالما سمعت الفقيه الكرباسي في مجالسه الخاصة والعامة متحدثا عن تلازمية العلم والقرآن وهو يؤكد على أهمية اكتشاف العلوم كافة من خلال التدبر في القرآن، ويعبر في الوقت نفسه عن أسفه لانشغال المسلمين بأمور بعيدة عن الواقع، تاركين العلوم لغيرهم يخترعون ويبدعون ويكتشفون، وإذا ما ظهرت العلوم للواقع تبارى المسلمون لنسبتها الى نصوص القرآن أو السنة الشريفة، في حين يجدر بهم أن يكونوا السباقين الى اكتشافها ما داموا يملكون النصوص الكلية المنتشرة في مطاوي القرآن والسنة. من هنا فإن الفقيه الكرباسي أشار على الحوزات والمدارس العلمية للمذاهب الاسلامية كافة أن يتفرغ طلبة العلوم الدينية ضمن خطة ممنهجة وثابتة الى متابعة كل آية قرآنية وكل حديث شريف واكتشاف ما تحمله النصوص من علوم لصالح البشرية بالتنسيق مع المراكز العلمية والمؤسسات المعنية.

وهذه الخطوة من الأهمية بمكان، كما يؤكد الفقيه الكرباسي، لا تكتمل إلا بالرجوع الى أهل البيت(ع) الذين عندهم علم الكتاب، فأهل الذكر في الآية الكريمة: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) سورة الأنبياء: 7، هم: (في عهد القرآن هو الرسول(ص) وأهل بيته المعصومين(ع) ومن هذه الآية أو من فلسفة نزول القرآن الذي فيه تبيان كل شيء يمكن فهم حديث الثقلين، وارتباط هذا الرسول الصامت بذلك الكتاب الناطق، حيث يقول الرسول(ص): إني مخلف فيكم الثقلين، الثقل الأكبر القرآن، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي، هما حبل الله، ممدود بينكم وبين الله عز وجل، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا)، ويتساءل الكرباسي: (بل من يعرف غيرهم بواطن هذه الآيات وخلفياتها، ومن يعلم تفسيرها العلمي وما تحمله من علوم غيرهم).

وتأسيسا على ذلك فليس لأحد، كما يؤكد الفقيه الغديري في تعليقه، تفسير القرآن كما يحلو له ما لم يرجع الى أهل بيت النبوة، ذلك: (إن الله تعالى لم يمنح ولم يسمح لأحد أن يفسر القرآن برأيه الخاص احترازاً من زلّة الأقلام عن طريق الصواب، فأمر بالرجوع إلى أهل البيت(ع) حيث قال: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. فنحن مأمورون بالسؤال من أهل الذكر لأننا لا نعلم ما هو الواقع المراد من القرآن الكريم في كثير من الأحيان وبالأخص في المتشابهات، وأهل الذكر هم العلماء بمعاني القرآن بل بأسراره ورموزه، وهم الراسخون في العلم الذي جعلهم الله تعالى أوعية علمه وحكمته).

إذن، إذا كان الإيمان قائما على أن القرآن فيه تبيان لكل شيء، فإن الأمر بحاجة الى ثورة قرآنية لفهم آياته بالتعاون والتنسيق بين كل الدوائر العلمية والمعرفية، وتفعيل العلوم النقلية والعقلية والعلمية مع بعضها، كما يشدد على ذلك الفقيه الكرباسي وتؤيده وقائع الأيام والثورات العلمية في المجالات كافة.

 

بين ظهرانيهم

ولقد ارتبط شهر رمضان الكريم بالقرآن الكريم، فهناك ملازمة من حيث النزول ومن حيث الارتباط القلبي بالقرآن في أيام شهر رمضان الكريم والحث على القراءة والمداومة عليه وارتفاع مؤشرات الثواب في هذا الموسم العبادي، الذي يعبر عنه بربيع القرآن، فالقرآن الكريم قائم بين ظهراني المسلمين في كل حين وآن، ولكنه اقترن مع الصيام حيث يتوجه المسلمون الى تلاوته والتدبر فيه، فالاستحباب كما جاء في المسألة السابعة راجع إلى: (قراءة القرآن بشكل عام ويستحب ختمه بين حين وآخر في الأسبوع أو الشهر أو السنة أو في شهر رمضان، وأقلّه كل ثلاثة أيام)، وأما في شهر رمضان كما جاء في المسألة الثامنة: (يتأكد قراءة القرآن في شهر رمضان وفي مكة المكرمة).

والظاهر كما يؤكد الفقيه الكرباسي أن شهر رمضان لا يلازم القرآن الكريم فقط من حيث نزوله فيه ككل في ليلة القدر، بل الكتب السماوية جميعها: (فقد أُنزلت الصحف على النبي آدم(ع) في السابع والعشرين منه سنة 6879 ق.هـ، وعلى النبي شيث "هبة الله"(ع) في الثاني منه سنة 5950 ق.هـ، وعلى النبي ادريس(ع) في الثامن عشر منه سنة 5838 ق.هـ، وعلى النبي إبراهيم(ع) في الأول منه سنة 2230 ق.هـ، ونزلت التوراة في السادس منه سنة 1528 ق.هـ على النبي موسى(ع)، والزبور في الثامن عشر منه سنة 911 ق.هـ على النبي داود(ع)، والإنجيل في الثاني عشر منه سنة 612 ق.ه على النبي عيسى، والقرآن في الثالث والعشرين منه سنة 13 ق.هـ على النبي محمد صلى الله عليه وعلى من تقدم عليه من الأنبياء وعلى آله الطيبين الطاهرين).

ومن مفاد النصوص الداعية الى الاهتمام بالقرآن الكريم فانه: (يجب العمل بمقتضى القرآن وتفصيل آياته وأحكامه، ولا يجوز هجره بعدم العمل بأحكامه) كما جاء في المسألة الخامسة، لأن الإسلام في واقعه محكوم بالعبادات والمعاملات معاً، فاذا حسنت العبادات حسنت المعاملات. ولذلك شاع على الألسن مقولة (الدين المعاملة)، وهذا القرآن الذي بين أظهرنا اليوم هو الذي نزل على خاتم الرسل والأنبياء(ع) بلا تحريف أو زيادة ونقصان، بل ويذهب الفقيه الكرباسي في المسألة الثالثة أنه: (يجب على المسلم الاعتقاد بأن كل ما في القرآن هو منزل من قبل الله وهو صحيح ليس فيه لبس)، ويزيد الفقيه الغديري في تعليقه: (جملة وتفصيلاً، حكماً وموضوعاً، أصلاً وفرعاً، كلاً وجزءاً).

ومن يقترب من القرآن الكريم ويتدبر في آياته، يشعر بأهميته كدستور حياة على مستوى الفرد والأمة والبشرية أجمع، فهو كما يؤكد الفقيه الكرباسي في التمهيد: (كتاب علم وعمل، وكتاب يجمع فيه كل ما يُسعد الإنسان في تعلمه أو في تنفيذه)، وما نراه اليوم من انحراف لدى طبقات من الأمة عن جادة الصواب، ونسبة كل شاذ الى القرآن والدين إنما هو من الزيغ عن مراد القرآن وعدم الرجوع إلى أهل الذكر، والفتيا على ضوء الفهم القاصر للآيات، ولذلك يشدد الفقيه الكرباسي في المسألة الحادية والخمسين على انه: (يجب التوقف على ما لا يفهمه القارئ من معنى القرآن، ومن أراد الاستدلال بآياته أو استنباط أحكامه، لابد من تعلّم ناسخه من منسوخه، بل وتعلم اللغة العربية بكل علومها، وتعلم العلوم الشرعية بكل أنواعها ليتمكن من فهم القرآن)، من هنا يضيف في المسألة الثامنة والسبعين انه: (لا يجوز تحميل القرآن رأي الإنسان، بل الواجب فهم القرآن وتحميل رأيه على الإنسان)، ولكن كم من الأدعياء يحذون حذو الصالحين ويرجعون إلى أهل الذكر لفهم مراد القرآن؟ بالتأكيد كثر الأدعياء في هذا الزمن الذي صارت فيه الفتيا شغلة كل متكسب بالدين، وكما يقول الشاعر:

لَا تَصْحَبَنَّ عُصَابَةً حَلَقُوا الشَّوَارِبَ لِلطَّمَعِ

بَيْنَا تَرَاهُ مُصَلِّيًا فإِذَا بَصُرْتَ بِهِ رَكَعَ

يَدْعُو وَكُلُّ دُعَائِهِ مَا لِلْفَرِيسَةِ مَا يَقَعُ

وهذا لسان حال عدد غير قليل من المجموعات التي تحمل الناس على غير ما أتى به محمد بن عبد الله(ص)، وما أكثرهم في هذا الزمن، الذي أصبح فيه الحق باطلا والباطل حقّا، حتى صارت الأمة طعمة سائغة لمن هبّ ودبّ، يسرق خيرها ويمزقها أيدي سبأ، وصار الدين محل سبّة في وسائل الإعلام الأجنبية بسبب إساءات أدعياء الدين الذي ضيعوا الثقلين، أحدهما أو كلاهما، فأضاعوا المشيتين!

المجلات الثقافية والفكرية في بلادنا: مجلة الآداب

shaker faredhasan"الآداب" من المجلات الادبية الثقافية الشهرية التي صدرت في هذه البلاد في الثمانينات من القرن الماضي. أسسها ورأس تحريرها الكاتب والصحفي الراحل عفيف صلاح سالم، وبدأت بالصدور في أواخر عام 1983 .

حملت "الآداب" رسالة ثقافية وفكرية وسياسية، وخصصت صفحاتها للثقافة والفن، وذلك لإيمانها بأهمية ودور الثقافة في توليد وتشكيل الوعي الجمعي والارتقاء بالإنسان وتبصيره بما يدور حوله، وسعت الى تقديم الثقافة الجديدة التي تسهم في خلق الوجدان الوطني الملتزم بالقيم الإنسانية والاجتماعية والثورية .

وعن ردود الفعل لدى القراء كتب محررها المرحوم عفيف سالم في استهلال العدد المزدوج من المجلة (الثاني والثالث كانون ثاني 1984) قائلاً :"أثار صدور العدد الأول من "الآداب" ردود فعل مشجعة لدى القراء، وتنوعت ردود الفعل هذه ما بين رسالة التهنئة والتحية وبين تقديم الاقتراحات والآراء والانتقادات . والمهم في الموضوع أن جميع الرسائل الخطية والشفهية التي وصلت إلى "الآداب" تصب في المحصلة النهائية في تيار السير بهذه المجلة قدماً إلى الأمام . ولا غرابة إذن والحالة هذه أن تعتز مجلة "الآداب" الحديثة الولادة برد الفعل ذاك. فهو يؤكد حقيقة أساس تقول أن القارئ الفلسطيني في هذه البلاد على استعداد ليتفاعل مع كل من يقدم له المادة الأدبية والثقافية الجادة بالقدر الذي تتجاوب فيه هذه المادة مع أفكاره وآماله وتطلعاته .

ثم يضيف: " وهذا التفاعل هو الذي شجعنا، على الرغم من الصعوبات المالية الخانقة التي تعاني منها، فنحن نتأثر من الوضع الاقتصادي العام الذي تسبب في إغلاق العديد من الصحف اليومية الغنية في إسرائيل، نقول إن هذا التفاعل من جمهور القراء هو الذي شجعنا على الاستمرار في الطريق . فهذا التفاعل جاء مؤشراً هاماً على اننا نسير في الطريق الصحيح . ونحن نؤمن إيماناً مطلقاً بأنه في نهاية الأمر لا يصح إلا الصحيح ".

وحرصت "الآداب" على نشر المواد الأدبية والفكرية ذات المنحى التقدمي الملتزم بقضايا الشارع والجماهير، واهتمت بنشر الأدب الإنساني النضالي التقدمي الذي أنتجه الكتاب والأدباء في فلسطين والعالم العربي، إيماناً منها بضرورة تعزيز وترسيخ الثقافة الوطنية الفلسطينية وتعميق الفكر التقدمي سواء كان طبقياً ام ديمقراطياً قومياً .

كذلك طرحت "الآداب" قضايا ومسائل جوهرية وهامة، ثقافية وسياسية، من أبرزها قضية القمع الثقافي الذي تمارسه السلطات الاسرائيلية بحق الثقافة العربية الفلسطينية .. وبهذا الشأن كتبت تقول: "إن الحرية والديمقراطية كل لا يتجزأ، وأباطرة قمع الثقافة الإنسانية ومصادرة حق الأديب الفلسطيني في التعبير عن إنسانيته وإغناء ثقافته الوطنية والإنسانية، لن يتوقفوا عند هذا الحد، بل سيشجعهم صمت الزملاء اليهود على الإمعان في تنفيذ مخططهم، وهو إلغاء الفكر الإنساني والتقدمي لدى الكتاب اليهود أنفسهم أيضاً ".

وكانت في المجلة زاوية شهرية ثابتة بعنوان "صفحات من دفتر خاص" لمحررها المرحوم عفيف سالم، وهي عبارة عن أوراق في الثقافة والأدب، وذكريات من الماضي، ومن أهم ما نشره في هذه الزاوية عن الشاعر الفلسطيني الراحل معين بسيسو ـ نجمة الشهادة الفلسطينية .      

وخصصت المجلة ملفات ومحاور خاصة منها ملف "بيروت" الذي تضمن العديد مما كتبه الشعراء والكتاب العرب عن معركة بيروت الصمود.

كما آثرت المجلة إجراء لقاءات وحوارات أدبية مع عدد من المبدعين المحليين، من ضمنهم الشاعر والروائي والكاتب ابن المجيدل والناصرة المرحوم عيسى لوباني وغيره .

وكانت في المجلة أيضاً زاوية نقدية واستعراضية للكتب والمجلات الصادرة في تلك المرحلة بعنوان "متابعات نقدية" للكاتب ناجي ظاهر.

ومن ابرز الكتاب والشعراء الذين ظهرت كتاباتهم في مجلة "الآداب" نذكر :"عبد الرحمن عواودة، وليد الفاهوم، فتحي القاسم، ناجي ظاهر، شوقية عروق، مصطفى مراد، إيمان مصاروة، سناء السعيد، عدنان الصباح، سامي الكيلاني " وغيرهم .

وظلت "الآداب"" تصدر بانتظام حتى إغلاقها بقرار عسكري إسرائيلي بتهمة "التحريض".

وفي المحصلة، فان "الآداب" كانت صوتاً للمظلومين والمسحوقين في معركتهم العادلة من اجل الخبز والحرية، وحرصت على إسماع الرأي والرأي الآخر، وانحازت إلى قضايا الإنسان والحرية، وشكلت منبراً فاعلاً للثقافة الوطنية التقدمية الديمقراطية والفكر العمالي الطبقي .

اللغة العامية البغدادية .. أصولها وأبنيتها ومعجم ألفاظها د. مجيد محمد علي القيسي

majed alkayssiاللغة العامية البغدادية .. أصولها وأبنيتها ومعجم ألفاظها .. كتاب للدكتور مجيد محمد علي القيسي

يقع الكتاب في 430 من الحجم الكبير، وهو منشور كاملا في مكتبة المثقف.

يمكنكم الاطلاع عليه عبر الرابط ادناه

اللغة العامية البغدادية .. أصولها وأبنيتها ومعجم ألفاظها د. مجيد محمد علي القيسي

 

الاسلام والحداثة .. مواقف ومواقف مضادة للدكتور جميل حمداوي

jamil hamdaouiالاسلام والحداثة .. مواقف ومواقف مضادة للدكتور جميل حمداوي، كتاب جديد يقع في 80 صفحة من الحجم الكبير.

 

يمكنكم الاطلاع عليه في مكتبة المثقف عبر الرابط ادناه

 

الاسلام والحداثة .. مواقف ومواقف مضادة / د. جميل حمداوي

المجلات الثقافية والفكرية في بلادنا .. مجلات لم تعش طويلاً..!

shaker faredhasanكان قد صدر في هذا البلاد الكثير من المجلات الأسبوعية والشهرية والفصلية والدورية، التي لم تعش طويلاً واحتجبت مبكراً، نذكر منها مجلة "الحوار" الأسبوعية الشاملة التي صدرت بالناصرة في الثمانينات، عن مؤسسة "الحوار " للعلاقات العامة، وكان يحررها ويشرف عليها المحامي زهير سعد، واهتمت بالشأن السياسي المحلي والفلسطيني والعربي.

ومجلة " الفكر الجديد" الفصلية للبحوث والثقافة التي صدر عددها الأول في آب 1989 لصاحبها ورئيس تحريرها الصحفي والسياسي صليبا خميس، الذي كان يطمح بان تكون صفحات المجلة مفتوحة لكل أصحاب وجهات النظر من إخواننا الفلسطينيين على اختلاف معتقداتهم الأيديولوجية والفكرية والسياسية . وقد أفردت مساحاتها لنشر الدراسات والأبحاث المتعلقة بالقضية الوطنية الفلسطينية والثقافة والتراث الفلسطيني،ولكن حلم صاحبها لم يتحقق باستمرارية وبقاء المجلة.

ومنها ايضاً مجلة "اللاز "الثقافية الأدبية الفنية الشاملة، التي صدرت في التسعينات عن مؤسسة اللاز للصحافة والإعلام في ام الفحم . وكان رئيس مجلس إدارتها وتحريرها محمود شفيق اغبارية، ومدير تحريرها محمود الشرقاوي، وسكرتير تحريرها الكاتب عدنان عباس، أما التخطيط والمونتاج فللخطاط احمد فريد حسن . وعلى صفحات المجلة قرانا الكثير من المقالات والنصوص في مواضيع مختلفة شارك فيها د. فاروق مواسي، عدنان عباس، شاكر فريد حسن، ياسر بقاعي، د. توفيق مصالحة، وجدي حسن جميل، محمود الشرقاوي وغيرهم.

ومنها كذلك مجلة "الهوية " التي كانت تصدرها الحركة الوطنية "أبناء البلد" كلسان حال لها . وتركزت موضوعاتها في الشأن السياسي الفلسطيني والهم الإنساني التقدمي.

وكذلك مجلة "شؤون أكاديمية" الفكرية الثقافية الفصلية، التي كانت تصدر في القدس في أواخر الثمانينيات، بالتعاون مع مؤسسة "حلقة الأكاديميين العرب" للأبحاث والدراسات التنموية . وكان صاحب امتيازها ورئيس تحريرها الدكتور احمد الطيبي، وسكرتير تحريرها الشاعر عبد الناصر صالح، ومستشار البحث العلمي مازن ابو عيطه.

وعملت هذه المجلة على نشر الأبحاث والدراسات الأدبية والتاريخية والعلمية والتراثية.

بالإضافة إلى مجلة "48" الفصلية التي أخذت على عاتقها نشر نتاجات أعضاء الاتحاد في ألوان الأدب المختلفة، ومجلة "اضاءات " التي كان يرأس تحريرها الشاعر سميح القاسم، ومحررها المسؤول وعضو هيئة تحررها الكاتب الناقد نبيه القاسم، وتخصصت في نشر الإنتاج الأدبي والشعري والقصصي والنقدي المحلي .وأيضاً مجلة "الطلائع" السياسية والثقافية الشهرية، التي أصدرها الشاعر الراحل مصطفى مراد في يافة الناصرة سنة 1992، وتوقفت عن الصدور بعد نحو عام .

                                  

أبحاث في الفكاهة والسخرية .. كتاب يستقرئ المُضْحِك بين "المتون الأدبية والوسائط الجماهيرية"

576-maraصدر حديثا ضمن منشورات (كلية الآداب والعلوم الإنسانية- جامعة ابن زهر بأكادير، ودار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط- المغرب)، كتاب جديد (غطى 332 صفحة من الحجم الكبير) موسوم بعنوان (أبحاث في الفكاهة والسخرية- الورشة الخامسة 2014). وهو ثمرة لندوة علمية احتضنتها سابقا رحاب كلية الآداب ذاتها، يومي: (29- 30 يونيو 2012)، ونسق أعمالها د. أحمد شايب بصفته رئيسا لفريق البحث في "الفكاهة والسخرية في الأدب والثقافة" التابع للكلية نفسها، ثم نظمها بمعيته أعضاء الفريق تحت عنوان: <<المضحك بين المتون الأدبية والوسائط الجماهيرية>>، شارك فيها أساتذة باحثون من مختلف التخصصات، ينتمون إلى جامعات مختلفة وينطلقون من خلفيات معرفية ومرجعيات ثقافية ولغوية وعلمية متباينة، كما عرف كذلك مشاركات لثلة من طلبة الماستر والدكتوراه، الذين يدرسون في وحدتي: "علم النص وتحليل الخطاب، والتواصل وتحليل الخطاب".

576-maraوتُطلعنا محتويات الكتاب، بقائمة ضمّت أسماء الباحثين المساهمين في تدبيج حروف مضمونه بأفكارهم ورؤاهم وتصوراتهم العاكسة لمواقفهم الخاصة، واختزلتها عناوين مواد كل منهم على حدة، وهم على التوالي: <<بديعة الطاهري- فاطمة إيدير- عبد الغني الخيرات- رشدي المنيرة- عادل أيت أزكاغ- عبد الوهاب صديقي- رابعة سوساني- وئام المددي- عبد الرحيم حيمد- عثمان بيصاني- محمد شقير- محمد بوستة- خديجة بلحياح- أحمد شايب- محمد مفضل- عمر بنعمي- علي البوجديدي- عز العرب قرشي>>.

كل هؤلاء، قدموا مداخلاتهم في أعمال هذه الورشة التي تنوعت في لقائها النصوص المدروسة في لغتها بين العامية والعربية والفرنسية والإنجليزية والعِبْرية، ودارت فيها البحوث المقدمة حول ما يستقرئه الموضوع من أعماق مخفية في بطن متون أدبية وشعرية وبلاغية، وفي فنون الرسم والصورة والتواصل بألوانها وأشكالها المتعددة.

وإذا كان الضحك إجمالا، يشتغل في العادة، باعتباره مَيْسَمًا إنسانيا كليا، وأمميا مشتركا عرفته كل الثقافات والجماعات والألسن، ويستعمل كأسلوب لنشر البهجة الغميسة في قهقهته، ولبعث المتعة والتسلية وتوليد الفكاهة البريئة، وانتزاع الابتسامة من الوجوه العابسة والمتعبة، وإظهارها في افترار حسَنٍ يُرمق في لباقة الضحك وطرافة المُضحك ولطفه، في البيت والمدرسة والشارع وفي جميع الفضاءات المحتضنة للإنسان أينما كان، وفي صفوف الجمهور المنخرط في عمليتي الفرجة والتفاعل الجماعيين، مباشرين كانا أم عكس ذلك، في السينما والمسرح وفي مختلف الوسائط الجماهيرية، الافتراضية والمقروءة والمرئية، أو من خلال بسطها بين الأفراد والأصدقاء والمعارف في الاجتماعات البشرية المقامة هنا وهناك على نحو شفوي، ويسعى الإنسان إلى إقامتها في أفراحه الجديدة، بمثل ما تم إحياؤها في احتفالاته ومواسمه القديمة في تاريخ اجتماعه عبر مرّ الأزمنة والعصور.

فإنه أصبح يمارس طورا آخر، كما كان ديدنه دائما، لكن بقوة هذه المرة، والآن؛ في ظل الثورة الرقمية والتطور العلمي والتقدم الصناعي والتقني والتكنولوجي الذي يعرفه واقعنا المعاصر بشكل مهول وعلى منوال متسارع يشهد سطوة للصورة واكتساحا للآلية التي أضحت تزاحم الإنسان في حياته وطبيعته ونمط عيشه، - يمارس- وظيفته الخطابية كآلية نقدية وإستراتيجية حجاجية وطريقة للبوح، ويحضن رسائل تنبئ بمعانٍ يصبو الضحك إلى توصيلها، وتحرض جوهر خطابه على التوسع والانفتاح لإسباغ دلالات على كنه مقاصده العميقة، التي تجعل الأبواب مشرعة لبروز تعليقات وقراءات وتفسيرات ممكنة، بل وتأويلات أخرى محتملة تمس شتى جوانبه وزواياه وآفاقه المنتظرة في الأدب والعلم والفن والحياة.

بعض من هذه التأويلات المحتملة، وجزء من تلك الرسائل والمعاني المحلقة في أجواء الفكاهة والسخرية، هي ما حاولت جميع أقلام كاتبات وكتاب هذه الأبحاث رصدها ومقاربة موضوعاتها، بحثا عن الضّحك والمُضْحك والساخر بأصنافه وأبعاده وتجلياته، من زوايا مختلفة من خلال ربطه بالخطابات المتنوعة في الآداب والعلوم الإنسانية، وفي الخطابات السياسية التي كانت في تماس مباشر بالترافق مع التحولات السريعة التي عرفها الشارع العربي إبان انتفاضات العرب واحتجاجهم الشعبي في ربيع الثورات، ثم في وَصْل خطاب الفكاهة والسخرية، فضلا عن جماليته في الفن الأدبي وبيانه، ببلاغة لغة الخطاب الثقافي وشِعرية الحركة وبلاغة الإيحاء وخفة الإشارة وجمالية اللقطة واللمحة الذكية، في فنون الصورة وأساليب الأداء وتقنيات الاتصال والتواصل الجماهيرية الوسائطية المتعددة، في المسرح والسينما والكوميديا والبيداغوجيا والتربية والصحافة والكاريكاتور واليوتوب والفيسبوك والزجل والأدب الشعبي.. وغيرها.

ونلمس من بين ما يطمح أن يلامسه الكتاب ويقدمه من تجديد وإضافات في هذا المجال، من خلال قراءتنا لبعض مما جاء في كلمة تقديمية لأبحاثه، كالآتي: <<.. وكما سعت بعض الأبحاث إلى تسليط الضوء على صلة السخرية بالهجاء والحجاج والبلاغة والغرابة والتصوير الكاريكاتوري والإشارة والإيماء. فإن أبحاثا أخرى حاولت ارتياد بقاع جديدة في عالم المضحك، وسعت إلى مقاربته في سياقات ومواقف جديدة: في الصحافة والسينما والشبكة العنكبوتية. وطرحت قضايا تتعلق بانتهاك السخرية للخطوط الحمراء وزحزحتها واختراقها للحدود المحمية، وتحديها للسلطة والإكراهات السياسية والدينية والقانونية، وعلاقة المضحك بالآخر القريب والبعيد، وكيف يصبح الاختلاف حافزا على الضحك: ضحك الاستقبالRire d’acceuil أحيانا، وضحك الإقصاء Rire d’exclusion في أحايين أخرى.

وتعتبر الكوميديا نوعا سينمائيا بامتياز، فالأفلام الأولى بالأبيض والأسود تشهد على هذه الصلة القديمة والمتجددة، وسيرا في هذا الاتجاه حظيت بعض الأفلام المغربية باهتمام بعض الباحثين (نماذج لسعيد الناصري، وداود أولاد السيد)، وتم تناول المضحك فيها من خلال الحوار والمواقف ووصف الشخصيات.

وكما احتفت هذه الورشة والتي سبقتها بالمضحك الشفوي وبالمضحك في المكتوب والمطبوع والمتون المدونة، فإنها دشنت آفاقا جديدة للبحث في المضحك الرقمي والافتراضي والسخرية المابين-وسائطية intermedialحيث تغدو السخرية في الفيسبوك أداة للنقد والفضح والتحريض والإقناع والاستفزاز وإعادة الاكتشاف متوسلة ببلاغة وسائطية جديدة تتميز بالحوارية والتشاركية والتفاعل، وتشكل سلطة مضادة للسلطة المهيمنة>>.

وفي سبيل الختم، يجدر بالذكر كما هو معلوم، أن هذا الفريق المنكب حاليا على الإعداد لأشغال ورشته السادسة التي ستجري إقامتها في هذا الشهر (يومي: 20- 21 يونيو2014)، بعد نشره المنتظم لخمسة منها، يرمي في عموم ورشاته إلى تعميق مظاهر المضحك والساخر في الأدب والثقافة، وذلك من خلال أيام دراسية وتداريب تهدف إلى إشراك عموم الطلبة في هذا الموضوع، وتختص كل ورشة بجانب من جوانب البحث في الفكاهة والسخرية في الثقافة والأدب ( الفكاهة والسخرية في الأنماط الحكائية، والكوميديا، والنكتة، والكاريكاتور، والفكاهة والبيداغوجيا، والفكاهة والإشهار، والفكاهة والفولكلور، والفكاهة والثقافة الشعبية، والفكاهة والسينما، والفكاهة والأنترنيت... إلخ).

وختاما، يدعو أعضاء فريق البحث، مختلف الباحثين من مختلف التخصصات داخل المغرب وخارجه إلى المساهمة بدراساتهم في الورشات التي ينظمها.

 

عادل أيت أزكاغ- المغرب

مبادئ الاقتصاد السياسي / جون ستيوارت مل

كانت اول طبعة لـ "مبادئ الاقتصاد السياسي" لجون ستيوارت مل صدرت عام 1848، ثم توالت عدة طبعات للكتاب كان آخرها الطبعة السابعة عام 1871. "الاقتصاد السياسي"كان مصطلح القرن التاسع عشر استخدمه الكتّاب للاشارة الى دراسة الحقل الذي نسميه اليوم بالاقتصاد الكلي macroeconomics، غير ان ممارسي هذا العلم، مثل آدم سمث و مل وديفد ريكاردو و كارل ماركس كانوا فلاسفة اكثر مما هم تجريبيين قياسا بالاقتصاديين المعاصرين. في هذا الكتاب، يختبر مل العمليات الاقتصادية الاساسية التي يقوم عليها المجتمع وهي: الانتاج، التوزيع ، التبادل، تأثير التقدم الاجتماعي على الانتاج والتوزيع، ودور الحكومة في الشؤون الاقتصادية.

الجزء الاول من الكتاب يتعامل مع الانتاج ويبدأ بتحديد المتطلبات الاساسية لوجود الانتاج وهي:العمل والاشياء الطبيعية. العمل ربما يُعرّف كوكيل او عنصر اساسي للانتاج، مع انه ليس كل عمل يقود الى انتاج اشياء مادية . العمل ينتج ثلاثة انواع من المنافع. الاول هو خلق اشياء لإستعمال الانسان، حيث يمنح العمل للاشياء المادية الخارجية خصائص تجعل منها اشياءاً قابلة للاستعمال. ثانيا، بعض الاعمال تجعل الانسان قادراً على خدمة المجتمع بالاضافة الى خدمة نفسه، مثل عمل المعلمين والاطباء. المنفعة الثالثة هي العمل الذي يمنح المتعة والتسلية، وهو لا يجعل الناس الاخرين اكثر انتاجية ولا يؤدي الى خلق سلعة ملموسة. بالاضافة الى العمل والاشياء الطبيعية، يتطلب الانتاج رأس المال، الذي بدونه لا يمكن ايجاد انتاج . من حيث الجوهر، يُقصد برأس المال المخزون المتراكم من ناتج العمل.

بعد ان يناقش مل مظاهر وتجليات رأس المال، مثل رأس المال الثابت مقابل المتحرك، يبدأ بفحص الاشكال الاجتماعية للانتاج،مثل التعاون، تركيبة العمل والانتاج على نطاق صغير او كبير الحجم، وزيادة العمل، التي تؤدي الى زيادة رأس المال بالاضافة الى زيادة الانتاج . اخيراً، يفحص مل الانتاج من الارض ويعترف بان مثل هذا الانتاج يختلف عن الانتاج الناجم عن العمل ورأس المال، طالما ان الانتاج من الارض محدود ولا يُحتمل ان يزداد كثيرا.

الجزء الثاني من الكتاب يعرض التوزيع كما يتجلى في تخصيص الملكية والناتج. يناقش مل تاثير توزيع مثل هذه العوامل كالمنافسة، العادات، العبودية، ملكية المزارعين، ومختلف انواع العمالة، الاجور، الارباح، والايجارات. يعترف مل بالفرق بين العمال والرأسماليين(هو يضع مالكي الاراضي في هذا الصنف)، كلا الصنفين يتقاسمون ناتج العمل.

في الجزء الثالث، يعالج مل موضوعات التبادل والقيمة، معرّفاً الاخيرة بعبارات العرض والطلب. يرى مل ان القيمة نسبية، لأنها تعتمد على كمية شيء آخر او اشياء اخرى. لا توجد هناك زيادة عامة او هبوط عام في القيمة،لانها تزداد فقط عندما يُفترض الهبوط وتهبط فقط عندما تُفترض الزيادة. يدرس مل النقود وعلاقتها بالعرض والطلب ، كلفة الانتاج، والائتمان(الذي هو بديل للنقود). كذلك، هو ينظر بتأثير الائتمان على الاسعار، وظيفة العملة، التجارة الدولية والقيم، واسعار الفائدة.

الجزء الرابع يتعامل مع العلاقة بين تقدم المجتمع وشؤونه الاقتصادية. يعرّف مل التقدم الاجتماعي كشكل من زيادة المعرفة، الحماية الجيدة للمواطنين والملكيات، وتحويلات الضرائب لتكون اقل ظلما، تجنب الحرب، وزيادة رفاهية الناس الناتجة عن تحسين قدرات الاعمال، بما فيها الاستخدام الفعال للمواطنين من خلال التعليم. يلاحظ مل ان التقدم الاجتماعي ليس بلا حدود وان الظروف العامة السائدة ربما تصبح جامدة اذا لم يتحسن الانتاج واذا توقف تدفق راس المال من الدول ذات الوفرة في رأس المال الى الدول الاقل وفرة. هذا الاعتراف بحالة الجمود يقود مل للتفكير في مستقبل طبقات العمل، والتي يتوقع مل ان ترتفع فوق القيم البطرياركية للمجتمع وستصبح متحررة بالتعليم. الطبقة العاملة الجديدة المتحررة سوف تخلق تغيرات هائلة في المجتمع.

الجزء الخامس يحلل تأثير الحكومة على المجتمع، مجادلاً بان وظيفة الحكومة يمكن تقسيمها الى ضرورية واخرى اختيارية . الضرورية هي تلك التي لا تنفصل عن جوهر فكرة الحكومة، مثل الأمن والحماية والضرائب. جميع الاشياء الاخرى التي تقوم بها الحكومة هي اختيارية وعرضة للتساؤل. يختتم مل بدراسة موضوع تدخّل الحكومة في حرية الفرد. حيث يزعم ان الحكومة يجب ان تقيد نفسها دائما لتقوم فقط بعمل ما هو ضروري. اولاً، يجب على الحكومة ان تمنع وتعاقب السلوك الفردي الذي يؤذي الناس الاخرين، مثل استخدام القوة،الغش، او الاهمال. ثانيا، الحكومة يجب ان تعمل لتقييد وحتى ازالة الطاقات الكبيرة التي تنفقها دولة معينة في ايذاء دولة اخرى. ثالثا، الحكومة يجب ان تحول مثل هذا السلوك المدمر الى تحسين في اوضاع الانسان، اي، تحويل قوى الطبيعة لتعمل من اجل تقديم اعظم الخيرات المادية والمعنوية. اخيرا، يقترح مل ان الحكومة يجب ان تتبنّى سياسة عدم التدخل في خيارات الافراد ومنحهم حريات غير مقيدة لكي يستطيع الناس العيش بسعادة دون قيود.

تحليل 

في "مبادئ الاقتصاد السياسي" يحوّل مل الاقتصاد الى مجال فلسفي حيوي للتحقيق عبر استكشاف ما يريده الناس حقا وما يمكن ان يقيسه الاقتصاد ويقيّمه. اتجاه مل في الاقتصاد مرتكز على الايمان بتفوّق الاشتراكية، التي يتم بها الانتاج الاقتصادي عن طريق التعاونيات المملوكة للعمال. لهذه الغاية، يجادل مل بان قوانين الانتاج ربما تكون قوانين طبيعية، لكن قوانين التوزيع تُسن من جانب الانسان. وبكلمة اخرى، الثروة هي الغاية النهائية لناتج العمل، لكن توزيع الثروة يتم ويتقرر بقرارات ورغبات الناس (النخب) وهو ليس جزءاً من نظام الطبيعة. مل يذهب بعيدا في هذه الفكرة، مؤكدا ان قوانين الانسان والمؤسسات يمكن ويجب ان تقرر كيفية توزيع الثروة. وهكذا، بالنسبة لمل، الاقتصاد يرتبط بإحكام بالفلسفة الاجتماعية والسياسة.

يعتقد مل ان المجتمع سوف يستمر بالنمو و التغيير، لكنه يعترف ان مثل هذا التغيير هو مقيّد بمقدرة الارض والعمل، كلاهما يجب التعامل معهما بعناية طالما اي منهما لا يستطيع الاستمرار بانتاج كمية متزايدة لكي يشبعا الطلب المتزايد. يوافق مل مع توماس مالتس بان السكان يجب السيطرة عليهم لكي لا يصبح عددهم اكبر من الطعام المتوفر.

يناقش مل فوائد المنافسة الحرة وفوائد الطاقات الاجتماعية المفضلة التي تطلقها المنافسة. هو يذهب الى ان المجتمع حين يتخندق لحماية اعضائه من المنافسة، ستكون النتيجة جمود وكسل افراده. ولذلك، من المهم تشجيع المبادرات الذاتية والمسؤولية الفردية، واعتماد سياسات حكومية لا تضعف او تثبط هذه القوة الايجابية. ورغم ان هذا لا يعفي الدولة من مسؤولياتها في توفير الامن والرفاهية لمواطنيها، فان مل فعلا يعدّل موقفه العام من عدم تدخل الدولة بالقول ان الاحتكارات الخاصة يجب منعها، الفقراء يجب العناية بهم، وتعليم الاطفال يجب ان يكون متوفرا بالشكل المناسب. يعتقد مل بحزم ان المواطن المتعلم جيدا والمتنور هو وحده يستطيع مساعدة المجتمع في النهوض والنمو وفي خلق التغيير والتقدم. كذلك، يسمح التعليم للطبقات الدنيا لتصبح اكثر نشاطا اجتماعيا واكثر مسؤولية.

احدى اهم الملاحظات على المبادئ هي انه يدعو الى حقوق متساوية للمرأة. وكما ان الفقراء بحاجة للتحرر من اعتمادهم على المجتمع المركب طبقيا، ذو التوجهات البطرياركية، كذلك المرأة تحتاج للتحرر من الاعتماد على الرجل. وهكذا، يدعو مل الى عدم منع المرأة من البحث عن عمل في المجالات المحسوبة للرجل.

أهم مظهر في كتاب "مبادئ الاقتصاد السياسي" هو استخدام الطريقة العلمية في تحليل السياسة، وبهذا فهو يطرح تطبيقاً عملياً لأفكار نظرية. هذا أعطى دفعة جديدة للفكر الليبرالي وذلك بوضع مختلف مفاهيمه وقيمه ضمن عالم الفعل السياسي والاجتماعي، وبالارتكاز على صرامة العلم.

 

أنيس صايغ .. تكريم مستحق

575-ineesبجهد مثابر موصول، صدر كتاب "دراسات وأبحاث في القضية الفلسطينية"، تكريما لذكرى الباحث والأكاديمي والمناضل العربي الفلسطيني الكبير الراحل: "الدكتور أنيس صايغ" في حدود سبعمائة وثمانين صفحة، مزينة بصورة للدكتور أنيس صايغ ولمنزله في طبريا كغلاف قام بتصميمه المهندس رياض جوهرية. الكتاب الذي صدر عن "منتدى الفكر الديمقراطي" و"دار البيروني للنشر والتوزيع" في عمَّان، تولت جمعه وإعداده وتهيئته للنشر لجنة مكونة من السادة: أحمد السعدي، إياد الشقيري، جواد يونس، مازن النشاشيبي وعبدالله حمودة (مقررا). وقد ضم الكتاب بين دفتيه عشرات المقالات والمطالعات لرفاق وتلامذة 575-ineesللراحل الكبير ولمناضلين ومثقفين وكتاب، تم توزيعها على أقسام الكتاب السبعة، إضافة إلى مقدمتين، كتب الأولى منهما السيد "خيري الدين أبو الجبين" "رئيس لجنة تخليد ذكرى المجاهد أحمد الشقيري"، فيما كتب المقدمة الثانية السيد" عبدالله حمودة" نيابة عن لجنة إصدار الكتاب، ثم خصصت الصفحات الأخيرة من الكتاب لعدد من صور الراحل من مجموعة السيدة ليلى الخالدي.

الانسان بين الدين والتديّن

عندما يصبح اسم الانسان عنواناً لمسار، وعلامة مفارقة تُرصَد في وسط الضوضاء، يكون العمر قد أثمر فعلاً وأفاض.

عندما يقترن الفكر بالعمل، تتوهّج النفس مشرقة أبهى ألوانها فترسل "إشاراتٍ وتنبيهاتٍ"، توقظ وعي الآخر من سباته العميق.

عندما تلوحُ في أفق المعنى محاولاتٌ جديدةٌ تُنبىء بقراءة مختلفة عما سبق، تُمطر السماء فيضاً من أمل على عقول أضناها العبث.

يبدو فعل الكتابة في وسط الحراك القائم على الساحة العربية الاسلامية أمراً غير ملح، والمستفيدون منه قلائل، لكن الاصرار على هذا الفعل عمل جبار في حدّ ذاته، يقاوم اليأس ويدحض القنوط ليرفع النفس العاقلة الى مرتبة التأمل والتفكّر والابداع.

يشكّل كتاب "إنقاذ النزعة الانسانية في الدين" للدكتور عبد الجبار الرفاعي محطة مشرقة في ظلمة التعصّب والغوغائية والكراهية التي تكبّل العقل وترمي به في متاهات مضنية.لم يكتفِ المؤلّف بالاحتجاج على ما يُرتكب من عنف باسم الدين. كما لم يرُق له التوقف عند الدفاع عن الدين في وجه التيارات المادية والالحادية المتطرّفة. حطّ رحال قلمه عند الدفاع عن الدين ليحميه من الدين نفسه، من الفهم الخاطئ لمضمونه المشرق. حاول ان يشير الى مكامن الاشراق الانساني الراقي في التجربة الدينية، هذا الاشراق الذي يصدّ كل محاولة لالغاء الآخر، ويحرّم العنف، ولا يستعبد الانسان.المهمة انقاذية، والمبادرة جريئة، والخطاب ثوري انقلابي يستحق وقفة تحليل وتأمل.

تتكشّف في طيات الكتاب ملامح الفلتات الصوفية التي جذبت قلم المؤلّف وأخذته بعيداً حيث الاشياء لها وهجٌ آخر، والكلمات لها معانٍ تتجدّد بتجدّد قارئها. يبدو جلياً في الكتاب مدى غرق صاحبه في مياه المعنى الصوفي. انه ومنذ الصفحة الاولى يفتتح البحث بقطرات ترشح من معين ابن عربي: "واعلم ان الشفقة على عباد الله أحقّ بالرعاية من الغيرة في الله". فكتاب الدكتور عبد الجبار لا يُقرأ فقط من عنوانه، انما ايضاً من العبارة التي صدّر بها الصفحة الاولى. قولٌ لابن عربي ملفتٌ فعلا في تقديمه الشفقة على الوضع الانساني، وما يعانيه من اضطهاد باسم الدين، وجعله هذه الشفقة أولوية يجب الانتباه اليها اكثر من "الغيرة في الله". لماذا هذا الانقلاب في تظهير فهمٍ للدين مغايرٍ عما هو سائد وسط الحملات التكفيرية؟ لماذا جعل الانسان في المقام الاول؟ هل ما نشهده اليوم من انزلاقات نحو العنف المدمّر والقابض على انفاس الحياة هو فعلاً تديّنٌ يجب نشره واتباعه؟ هل هذا ما يبغيه الدين حقاً في دعوته السماوية؟

اسئلة قادت مسار الكاتب نحو شاطئ الانتروبولوجيا التي تظهّر عمق البعد الانساني في الدين، وجعلته يبحث عن تجارب صوفية وفلسفية وكلامية من أجل تدعيم خطاب الانسنة وتهميش الخطاب التكفيري والتدميري. هو الذي بات يرى في التديّن فعلاً مضاداً للدين. هو الذي أتعبته التجربة العراقية، وقطعت بوحشيتها انفاس البهجة في قلبه. هو المجبول بصراخ المعذّبين، والمتّـشح بأنات المتألّمين التي تتردّد اصداؤها في صوته. لقد تحوّل التديّن في نظره "الى اعصار عاصف يجتاح الحياة، ويحطم كافة المكاسب المدنية والحضارية والمعرفية للبشرية. انه سادية وجدانية ومعرفية، تتلذّذ بقتل الضحية واستباحتها، ومازوشية فظيعة تحتفل بتدمير النفس وهتكها".( عبد الجبار الرفاعي، انقاذ النزعة الانسانية في الدين، بيروت، دار التنوير، ط2، ص198 )

ان من يقرأ بعمق فصول الكتاب كافة يجد ان الرابط الاساس في ما بينها يكمن في هذا القلق الملح من اجل محاربة اصحاب الايادي السود التي شوّهت ملامح التجربة الدينية الراقية بإنسانيتها، عن طريق الفساد، والتطرّف، والتعصّب، والقتل المتبادل، وهدر الدماء البريئة ...انه القلق على الحضارة والتمدّن والمعرفة وما أنتجته التجربة الانسانية عبر تطوّر التاريخ. يرى جيداً الكمّ الهائل من الدمار الذي سبّبه التطرّف في التديّن إن في بلده العراق أو في الأماكن المختلفة التي ضربها إعصاره العاصف بالبشر. ينتقد القراءة الحرفية المغلقة للنصوص المقدسة مبرزاً مدى الأذى الذي تسبّبه على ارض الواقع السياسي والاجتماعي. انه أذى يضرب عمق التجربة الدينية عينها، ويكرّس الانغلاق على الذات، وينفي الآخر في دائرة التكفير.هذا الواقع المتردّي أسهم في نشوء جماعات تحتكر تمثيل الدين، وتهيمن على كيفية فهمه وعيشه في آن. يرى في ذلك عملية "انتهاك لإنسانية الانسان"، و"تزييف لأهداف الدين"، و"اهدار للقيم الروحية". ان ما قامت به هذه الجماعات الدينية على صعيد فهم النص المقدّس ليس سوى " قراءة حرفية مغلقة"، حصرت نفسها بالمدلول اللغوي "الساذج"، وأشاعت " تفسيراً قمعياً للنصوص، تقبع خلفياته وقبلياته النفسية والثقافية في الصحراء والمحيط البدوي المغلق على العالم، كما وتحارب بلا هوادة القراءات التي تتخطّى المعنى السطحي، وتغور في الأعماق، مستلهمة المضامين الروحية الغنية في النص، ومستوحية رؤيته الرمزية المعنوية الجمالية، مثلما فعل المتصوفة والعرفاء والفلاسفة والاشراقيون، وغيرهم ".( عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص 199 )

ان هذا النهج في التعاطي مع النصوص المقدّسة أدّى الى حجب الوجه الحقيقي للدين الذي تجلّى لدى العديد من المستنيرين. يشدّد د.الرفاعي على ان رسالة الأديان ومقاصدها الكلية بعيدة كل البعد عن فحوى ما تقوم به الجماعات المتديّنة. فرسالة الأديان تكمن في " إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس".

يقدّم المؤلف للطبعتين الاولى والثانية من كتابه بنصين يجدر بالقارئ التوقف عندهما؛ لأنه يوضّح من خلالهما الاستراتيجية التي سيعتمدها في مقاربة موضوعه، كما انه يرسم الأهداف التي وضعها نصب عينيه عندما قرّر جمع نصوصه تحت عنوان: "إنقاذ النزعة الانسانية في الدين". يمكننا تلخيص هذه الأسباب التي دفعته الى وضع هذا الكتاب بما يلي:

أولاً: تسجيل الاحتجاج على الواقع المأساوي للدين في المرحلة الراهنة.

ثانياً: نقد تزييف الدين من قبل الاسلاميين.

ثالثاً: الحرص على ابراز النزعة الانسانية في الدين والدفاع عنها.

أما الأهداف التي يبغي العمل عليها فهي التالية:

أولاً: الدعوة الى فهم آخر للدين يخالف الى حدّ بعيد فهم الجماعات المتدينة التي فرضت تصورها الخاص بالقوة، مبرّرة استخدام العنف الديني.

ثانياً: الحث على القيام بتأويل مختلف للنصوص الدينية، من خلال العبور من المنظومة المغلقة لفهمها التقليدي نحو قراءة شاملة تأخذ بالاعتبار نظامها الرمزي.

ثالثاً: تقديم تفسير لا يختزل الدين في اطار المدونة الفقهية وحدها.

رابعاً: اكتشاف وظيفة الدين الاصلية التي تكمن في انتاج معنى لحياة الكائن البشري.

خامساً: التشديد على النزعة الانسانية في الدين، والتوقف عند توضيح تصوره لهذه النزعة.

اما المنهج الذي اتبعه في بلوغ الهدف فيمكن تحديده بخطوات ثلاث :

أولاً: الابتعاد عن القراءة التقليدية للنصوص المقدسة عن طريق توظيف منهجيات ومفاهيم وأدوات ومعطيات المعرفة البشرية والعلوم الانسانية لتأويل هذه النصوص في ضوء متطلبات العصر. نجده يستفيد بقوة هنا من مكتسبات الانتروبولوجيا الدينية ومنهجها الخاص في مقاربة الدين.

ثانياً: الحرص على عدم ترحيل الدين من حقله المعنوي القيمي الأخلاقي الى حقل آخر يسيطر فيه القانون على الروح، لكي لا يغدو الدين مجرّد ايديولوجية سياسية صراعية.

ثالثاً: الاهتمام بطرح الأسئلة أكثر من تثبيت الأجوبة النهائية، وفرضها على القارئ، وذلك في سبيل تنمية التفكير النقدي، وطرق باب المسكوت عنه والممنوع التفكير فيه، وعدم التوقف عن التحرّي واعادة النظر في المسلّمات، والابتعاد عن تكرار الشروح التي عّطلت برأيه التفكير الديني وسجنته في اطار الترسيمات التقليدية المغلقة . ان الاستفهام العميق في نظره يستوجب القلق المعرفي الذي يؤمّن للتفكير الشرط الضروري للابداع والديناميكية اللازمة للتطور.

يمكن عد المنهج النقدي بمثابة العصب الرئيس الذي يسيّر خطوات الباحث في كتابه هذا. فالتفكير بالنسبة اليه هو النقد، "ونقد المعرفة الدينية مقدمة لكل نقد، ولا تنطلق عجلة الاصلاح الديني الا من خلال مراجعة وتقويم وغربلة الموروث، والجرأة في استبعاد كافة المفاهيم والمقولات والعناصر العميقة والمعطلة للتحديث والبناء والتنمية الشاملة". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص 13- 14)

ما الذي يقصده المؤلف بالنزعة الانسانية للدين؟

ان التحدّث عن النزعة الانسانية في الدين يحيلنا مباشرة الى محمد أركون الذي حاول في اكثر من موضع ان يبرز النزعة الانسية في الاسلام بخاصة في القرن الرابع الهجري، جيل مسكويه والتوحيدي وغيرهما، وذلك منذ أن أعدّ اطروحة الدكتوراه في السوربون، ونشرها في ما بعد تحت عنوان:نزعة الانسنة في الفكر العربي. كما نذكر أيضاً من مؤلفاته: "معارك من أجل الانسنة"، و"الاسلام والانسنة"، وغيرهما كثر إذ نجده يفصّل القول في نماذج انسية سطعت عبر التاريخ الاسلامي، ان في المناظرات، او المؤلفات، او الممارسات اليومية. نراه يركّز على العلاقة الوطيدة التي تربط بين زوايا ما يسمّيه بالمثلّث الانتروبولوجي: العنف، المقدّس، الحقيقة، لكي يفسّر ما يُرتكب من أعمال مدمّرة باسم الحقيقة الدينية عبر التاريخ، مستخدماً مناهج علوم الانسان والمجتمع، بخاصة الانتروبولوجيا الدينية،ومسلّطاً الضوء على مدى انفتاح بعض المفكرين على العقلانية والتسامح وقبول الاختلاف.

يحدّد الدكتور عبد الجبار الرفاعي مفهوم "الانسانية بالدين" في خمسة معانٍ، يمكن تلخيصها بما يلي:

المعنى الاول: الخلاص والتحرّر من "نسيان الانسان"، والاعتراف ببشريته ومكانته في الارض. من هنا ضرورة تصويب علاقة المؤمن بربه، وتحويلها من حال الرعب الى الابتهاج بالوصال مع معشوق جميل.

المعنى الثاني: عدم التنكيل بالجسد ومحاربة طبيعة غرائزه وقمعه على حساب الايديولوجيا والفهم المبسّط للتربية الروحية.

المعنى الثالث: الدعوة الى السلام واحترام كرامة الكائن البشري، والعمل على دراسة الاديان ومقارنتها للكشف عما هو مشترك وعن منابع السلام فيها.

المعنى الرابع: التحرّر من التفسيرات التعسّفية للنصوص ومن الصور النمطية للاله، وذلك عن طريق ثلاث خطوات منهجية:استلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية التنزيهية عبر التاريخ، ومن ثم بناء الهيات عقلانية مستنيرة.ان هذا الامر سيؤدّي برأي المؤلف الى ترسيخ صورة رحمانية للاله تبرز صفاته الجمالية وأسمائه الحسنى ورحمته الواسعة.

المعنى الخامس: تحقيق المصالحة بين المتديّن ومحيطه والعصر الذي يعيش فيه عن طريق متابعة منتجات العلوم والتكنولوجيا التي تتسارع خطواتها في تبديل العالم والمحيط. ان هذا من شأنه ان يحرّك العقل ويُخرجه من حال السكون والتلقّي، ويبدّل رؤية المتديّن للحياة والكون. اذا اردنا ان نتوقف عند هذه المعاني الخمسة التي يقترحها المؤلّف لمفهوم "الانسانية في الدين"، يمكن ان تتكشف أمامنا عمق النزعة الانسانية التي تطبع عمق شخصه ونظرته للأمور. من البيّن انه غارقٌ في التأمّل الذي يرفع الانسان الى قيمة راقية في حدّ ذاتها. لا يقبل بتشويه هذه القيمة او المسّ بها على حساب ازدهار بعض الاديولوجيات التي تسخّر الدين لمصالحها الخاصة. انه يعمل من الزاوية الانتروبولوجيا الدينية، والمفكر النقدي المتمرّس بالعلوم الاسلامية، لكي يحرّر صورتين بارزتين في الفكر الديني: تحرير صورة الله وصورة الانسان في آن معاً من التشويه الذي اصابهما. يشدّد على اهمية العقل في انتاج خطاب جديد ورؤية حديثة للعلاقة التي تربط بين الانسان وربه. يسعى من خلال التركيز على النزعة الانسانية في الدين إلى إظهار صورة مغايرة تماماً لما تشهده الساحات العربية الاسلامية من بثّ على موجة التطرّف والتزمّت الاعمى الذي لا يفيد الدين بشيء، انما على العكس، فهو يقوم بتشويش رسالته السامية، وتشويه وجه الله فيه. لا ينتقد ما يحدث من زاوية المفكر الملحد، ولا من وجهة المادي المتطرّف، انما من زاوية المؤمن المتحرّر والمتذوّق لجمالية الدين وتسامي رسالته الراقية.

نجد المؤلّف يفرّغ قسطاً وافراً من النقد في وجه خطاب الاسلاميين متوقفاً عبر فصول الكتاب عند ابراز حجم الأذى الذي ألحقوه بالدين وبالفكر الديني. لقد عمل هذا الخطاب على "تلويث المجال الاجتماعي العام، وتهشيم مرتكزات العيش المشترك في مجتماعاتنا"، وتبرير استخدام "انماط همجية متوحشة من العنف الديني". ينتقد المؤلّف في السياق عينه السلوك السياسي لهذه الجماعات بعد ان استلمت السلطة في بعض الدول لأنها اختزلت التنوّع الاثني والديني والمذهبي، واستخدمت الديمقراطية بشكل مصطنع لتحقيق اهداف خاصة لا أكثر، مع تجاهل الفلسفة الديمقراطية وما تتضمّنه من حريات وتداول سلمي للسطة. يعيد النظر في سلوكهم السياسي معتبراً اياه بمثابة اعادة احياء لقيم القبيلة وتشكيلاتها القديمة، وهم يعودون سنين الى الوراء مفرطين في استهلاك التاريخ.

يتحدّث المؤلف عن الالهيات الجديدة التي بإمكانها ان ترسم حدود المقدّس والدنيوي، وتكشف عن الاقنعة التي تستر ما هو دنيوي لكي تجعله مقدساً. وهي تشير ايضاً الى أن الانسان يحتاج الى المقدّس بشكل دائم، حتى ان الحياة "لا تطاق" من دون المقدس، كما أنها لا تطاق ايضاً عندما يبتلع المقدس كل ما هو دنيوي ويخلع عليه الوشاح الديني، حارماً العقل من تجلّي ابداعاته ومكاسبه في مجالات الحياة المتعدّدة.

ان من يقرأ كتاب الرفاعي يلمس عن قرب الهمّ الذي يشغل فكره. انه على مدى فصول الكتاب لا ينفكّ يبرز الوجه المشرق للدين خلافاً لما يظهره الخطاب السلفي والممارسات الضيّقة لمن يتبنّى هذا الخطاب، كما ويبرز الحاجة الملحّة والمتزايدة اليوم أكثر من أي وقت مضى للفكر النقدي المنفتح على المعرفة وتجربة الآخر، في آن معاً. انه في تشديده على الوجوه النيرة التي أضاءت تاريخ الفكر الاسلامي بالفكر النقدي المتجدّد والمتحرّر من القيود الضيقة التي تسجن الفكر في إطار ايديولوجي ضيّق، يريد ان يلفت الانتباه الى ما يخالف مضمون الخطاب السلفي الطاغي اليوم، والذي يقتحم الشاشات ومختلف وسائل الاعلام بشكل واسع.

أردنا من خلال هذا البحث ان نسلّط الضوء على مفهوم الرفاعي الخاص بالدين والنزعة الانسانية فيه، اعتقاداً منا بأن في ذلك إضاءة على نموذج من الخطاب الاسلامي المعاصر المناهض للتقوقع والتعصّب وتكفير المختلف، والذي نحتاج اليه اليوم بقوة. من هنا اخترنا أن نتوقف عند فصلين من الكتاب هما: "الدين هو الذي يمنح الكائن البشري معنى لحياته وسلوكه"، و"الأخلاق والنزعة الإنسانية في الدين"، وذلك من باب الإضاءة على المفاصل النقدية الرئيسة في فكر الرفاعي.

 

 

الدين بحث في أفق المعنى:

يتناول في الفصل الأول معنى المقدّس ويميّزه عن الدين كخطوة أولى، ثم يتوقف عند مفهوم الدين ودوره في حياة المؤمن كما في المجتمع من خلال حوار مع علي السومري نُشر في صحيفة الصباح العراقية. أما في الفصل الحادي عشر فنجده يبحث في مسألة التأليف في الاخلاق في الفكر العربي طارحاً علاقة الانسان بالتديّن ومفصلاً القول في ضرورة "إنقاذ النزعة الانسانية في الدين".

يبدأ الفصل الأول بالبحث في مفهوم المقدّس، فيرى المؤلف انه يتسع لأكثر من معنى، بسبب ارتباطه بشبكة واسعة من العلاقات المفاهيمية، وبنظام من المراجع والأحكام القيمية. ويستعرض من ثم مختلف المعاني التي يشير اليها هذا مفهوم، (مثل المتعالي، وما يرتبط بالدين،... ألخ)، وما يقابله من مفاهيم (مثل دنيوي، ومدنّس، عادي، ورجس،... ألخ). ثم يميّز بين المقدس والديني شارحاً أن مجال المقدس اوسع على صعيد التداول بوصفه مرتبطاً بطبيعة المجتمعات وحدوده فيها. يرى ان كل شيء يُمنح بُعداً قيمياً يتجاوز الوجود البشري، يمكن النظر اليه كمقدس على نحوٍ ما، لأن الإنسان يصنع مقدّساته، وهي ليست وليدة الصدفة. بمعنى آخر، "إن تكوين أية فكرة عن ما هو "مقدس" إنما يخضع لفهم الانسان ونظرته الى وجوده ووجود العالم الذي يحيا فيه. من هنا نجد ان أشكال المقدس وتمثلاته قد تتنوّع وتتعدّد لدى الانسان تبعاً لثقافته حتى انها تخرج عن المسألة الدينية التي تبدو للوهلة الاولى انها الميدان الحصري له فقط". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص17)

ان هذه النظرة للمقدس مشبعة بالانفتاح على عالَم الانتروبولوجيا الرحب، ومتحرّرة من الاطار المرسوم مسبقاً لهذا المفهوم لتغوص به في العمق. فالمقدس ليس محصوراً فقط بما يحدّده الدين، انما بات مرتبطاً بما يراه الانسان ايضاً. هنا تبدو جلية النزعة الانسانية التي توجه التحرّي المعرفي لدى الرفاعي. بيّن كم إن عمل الإنسان وهمومه الفكرية لها الأثر الكبير في تحديد المفاهيم، ومن بينها مفهوم المقدس.

يرى ان فضاء المقدس رحبٌ، مفتوحٌ على اللامتناهي، لا يمكن حصره بمجال ضيّق الافق، اذ أنه يرتبط بتنوّع الثقافات والمجتمعات والازمنة." فكل شيء سواء كان انساناً أو كائناً آخر أو زماناً أو مكاناً، يمكن أن يغدو مقدساً في اطار مشروطية معينة. من خلال انتروبولوجيا الدين، وسوسيولوجيا الدين، وعلم نفس الدين، والهرمنوطيقا، بوسعنا أن نتعرّف على تجلّيات المقدس وتعبيراته وطبقاته ونفوذه وعوالمه ومجالاته". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص18)

يبدو هنا واضحاً كم أن هذه النظرة للمقدّس منفتحة وواسعة، تفسح المجال أمام المزيد من الغوص في أعماق التجربة البشرية وعدم حصرها ببعد واحد من دون سواه. يتجلّى في هذا النهج المنحى الإنساني في الدين، وتسقط من ثم مبررات استخدام العنف واستبعاد الآخر ورميه في دائرة الكفر والهرطقة، لمجرّد انه خالف الرؤية الاحادية للمقدّس. نلحظ ان المؤلف يتناول موضوع الفصل بين المقدس والمدنس من الناحية الانتروبولوجية، فنجد ان مقاربته موقعة بختم الانتروبولوجيا الدينية، وسوسيولوجيا الدين أكثر مما هي دينية بحتة. نجده يتحدث عن الدين وعن وظيفته في المجتمع من وجهة علوم الانسان والمجتمع، وفي ذلك دليل واضح على انفتاح فكر الرفاعي وسعة افقه.

يتوقّف المؤلّف عند دراسة معنى الدين انطلاقاً من وظائفه لكي يبحث في الحاجة اليه، إذ يعتبر ان الاشياء يمكن ان تُعرّف بوظائفها. يحدّد الرفاعي وظيفة الدين بعملية "انتاج المعنى". الانسان بطبعه قلق يبحث في الماوراء عن معنى لما يحدث من حوله، لما يشاهده من ابداعات وما يعيشه من أحداث. فالدين " يضيء ما هو مظلم في حياتنا، ويكشف عن الجمال في الأشياء، بل انه يقتصر على كشف جمال الأشياء...".(عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص19)

ملفتٌ هذا التحديد لمهمّة الدين وربطها بالجمال، وكأن المؤلّف يغوص في عمق الانسان فيراه قلقاً يبحث عن الجمال، فإذا بالدين يقوم بالمهمّة ويؤدّي المطلوب. ان في هذه الوظيفة دعماً لحياة المؤمن لكي يتمكّن من تحمّل الصعاب، والصبر في أزمنة الشدّة. يستطيع المؤمن في نظره أن يرى جمال الاشياء فينظر اليها " متناسقة مع عناصر الكون ونظامه، لترتسم معه لوحة مشرقة". كذلك يعد نمط إنتاج الدين نمطا روحيا، مرتبطا بالمعنى، بتعبير آخر، يخلع الدين " معنى لا يمكن أن تمنحه الوسائل والأدوات الأخرى التي يمتلكها الانسان، ويتنوّع هذا المعنى بحسب تنوّع الظروف والأحوال، واستعداد الأشخاص الروحي، ومستوى اطلاعهم على الفكر الديني، ووعيهم الحياتي وثقافتهم". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص19)

يربط هنا بشكل واضح بين وظيفة الدين ومستوى وعي الافراد وثقافتهم. بتعبير آخر، ان المعنى الذي يمكن للدين أن يضفيه على حياة البشر يتعلّق بشكل مباشر برؤية هؤلا للوجود البشري، لحدود هذا الوجود وإمكاناته. من هنا يأتي دور الوعي البشري في انتاج المعنى وخلع القدسية على الاشياء. مرة أخرى تنجلي في هذا السياق النزعة الانسانية ليس للدين فحسب، انما النزعة الانسانية عند المؤلف عينه. انه يحاول أن يبرز بوضوح الدور البشري في عملية البحث عن المعنى، أي بتعبير آخر، انه يسلّط الضوء على المنحى الانساني في وظيفة الدين. هذا ما تركّز عليه أيضاً الانتوبولرجيا الدينية في سياق بحثها عن الحس الديني وتجلياته في المجتمعات البدائية عبر التاريخ.

 

 

لكن يبقى السؤال عن الحاجة الى المعنى؟ ما أصلها؟ وما هو دورها بالتحديد؟

يلحظ المؤلّف ان العديد من التيارات الفلسفية المعاصرة حصرت مهمّة الفلسفة بالبحث عن معنى الحياة والوجود والعالم. وفي المقابل نجد ان وظيفة الدين تكمن في انتاج المعنى، لذا نراه يعتبر ان هذه المهمّة من " أخطر المهمّات في الحياة، وفي العالم الذي نعيش فيه". ومن ثم يضيف قائلاً:" يقدّم الدين جهازَي تفسير وتأويل، وهو على ما يبدو النظام العلاماتي الوحيد الذي يولّد المعنى، ويقوم على تفسيره وتأويله. على عكس الأنظمة الأخرى التي تترك " للمستسلم/ المتلقّي/ المستمع/ القارئ" حرية فهم المعنى، وتحليله، وتفسيره وتأويله". كما أن الدين يخترق مجال الخيال، فيشكّله ويصوغه ويعيد تكوينه،(...). ويذهب بعض المفكرين الى أن معركة المستقبل يحسمها من يستطيع السيطرة على مجال الخيال". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص 21)

ان في هذا النص معانٍ تستوجب التوقف عندها.يقارن المؤلف هنا بين الدين الذي يولّد المعنى وباقي الأنظمة الأخرى التي تقوم بالوظيفة عينها. فالدين يقوم بتوليد المعنى من دون أن يترك الحرية للمتلقّي بأن يقوم بعملية التفسير والتأويل، انما يحصرها بنفسه على عكس الانظمة الأخرى المولّدة للمعنى، ويقوم بكل ذلك مستخدماً الرموز والطقوس كوسيلة فعّالة في هذا المجال. ويضيف أن الدين يتمكّن من اختراق الخيال فيعيد تشكيله وإنتاجه من جديد، أي يسيطر عليه بالكامل، فيصبح المؤمن راضخاً لمقولات الدين، وللمعاني التي يسبغها على الأشياء، من دون اي تساؤل او مراجعة موضوعية. ويشير المؤلف في هذا السياق الى غنى الدين بالرموز التي تخترق حياة المؤمن بتفاصيلها اليومية الدقيقة، مما يفيض على المؤمن سيلاً من المعاني لا ينضب.(تابع ص22)

ان هذا الامر يدفع الكاتب الى التوقّف عند الأخلاق والنزعة الانسانية في الدين، باحثاً عما يمكن تسليط الضوء عليه من أجل إبراز مفهوم مختلف للتديّن، يركّز فيه على المحبة والرحمة والتراحم. من هنا يمكن أن ننتقل الى الفصل الحادي عشر من كتاب المؤلف.

التديّن والأخلاق:

ان من يتتبّع مسار الكتاب يعثر على بعض التكرار الذي يبرّره المؤلّف منذ المقدمة، كون المضمون هو عبارة عن مجموعة مقالات ودراسات ومقابلات سابقة أراد جمعها في صفحات تحمل عنواناً واحداً، لما في هذه النصوص من ترابط، يوحّدها همٌّ معرفيٌ رابضٌ على قلب الرفاعي وعقله. لذلك لن نقوم بعرض مختلف ما ورد في الفصل الحادي عشر من الكتاب، لأن فيه بعض التكرار لمفهوم الدين ووظيفته والحاجة اليه، والتركيز على أن الانسان كائن متديّن قلق يبحث بطبيعته عن معنى للأشياء والأحداث والكون...سنعمل في هذه الفقرة على إبراز الخط الذي يربط برأينا بين مختلف فصول الكتاب، محاولين استخراج الاهداف التي من أجلها وضع الرفاعي كتابه هذا.

من هنا يمكن أن نسأل لماذا كل هذا الكلام على الدين، وأهميته، والحاجة اليه، والاصرار على عدم التخلّي عنه؟

لماذا التركيز على ابراز النزعة الانسانية في الدين؟ ومن بعد التركيز عليها، يتمّ الكلام على إنقاذها. إنقاذها ممن تحديداً؟

ان ما سنقوم به تالياً ينحصر في الاجابة على هذه الاسئلة الثلاث، من خلال قراءتنا للفصل الحادي عشر.

تتضمّن فصول الكتاب بمجملها تركيزاً على اهمية الدين في المجتمع والتاريخ وعلى الحاجة الأنطولوجية اليه من اجل تسكين القلق المعرفي والوجودي الذي يضرب عمق الوعي البشري منذ أقدم العصور. اذا توقفنا عند الموضوع الذي اختاره عبد الجبار ليبدأ به فقرة: تدين ضدّ الدين، في الفصل الحادي عشر، يمكن أن تتكشّف لنا الحقيقة التالية: كون مفكرنا عراقياً، ينتمي الى معاناة هزّت ضمير البشرية في نهايات القرن السابق، وما زالت فصولها مشتعلة، تُلقي بحممها ملطِّخةً رقيّ التجربة الدينية وجمالها وطهارتها في هذا البلد العريق كما في بلدان أخرى مجاورة، كونه عراقياً اذا، قد جعله يعيش اختباراً مريراً ومدمّراً لكثير من الثوابت الراسخة في الذهن كما في القلب.كونه عراقياً مخضرماً، عايش واختبر عمق الألم وقساوة المعاناة، جعله يزجّ بنفسه في متاهات الأسئلة المقلقة، والموجعة التي تضع الانسان في مواجهة مع ما كان ينظر اليه على انه صواب او خطأ.كونه عراقياً يشهد كل يوم أحداثاً تهزّ الكيان وتقلبه رأساً على عقب، أجبره على ان يطرح السؤال حول حقيقة التديّن واستثمار الدين في السياسة، وانزال التجربة الروحية وإقحامها في الصراعات الضيقة المبنية على سياسات لا دخل لها بالماوراء، ولا بذلك العطش الذي ينهش أعماق الكائن البشري ليدفع به نحو ينابيع المطلق.

الحدث الجلل، مشهدٌ شبه يومي، يتكرّر بسيناريوهات مختلفة، انه هذه المرة، تفجير سيارتين مفخختين عند بوابة الجامعة المستنصرية في بغداد عام 2006. وناقل الخبر ليست وسائل الاعلام المتأهبة لتغطية شراسة البشر على الارض، انما هو شاهدٌ من أهل البيت، من طلبة المعرفة والعلم الذين انتفضوا في وجه الجهل والتعصّب والغوغائية، انه محمد حسين ابن المؤلف الذي صادف دخوله الى الجامعة لحظة الانفجار.

ان هذا الحدث، كما غيره مما عاشته عائلة الرفاعي وغيرها من العراقيين، كان له الاثر الواضح في عمل الكاتب على تنقية صورة الدين من التديّن الأعمى والغارق في التقوقع والتعصّب ونفي الآخر والاطاحة به لمجرّد انه تجرّأ وركب موجة الاختلاف او الخروج عن الخطاب السائد. ان " انقاذ النزعة الانسانية في الدين" صرخة في وجه العنف، وصفعة على خدّ التطرّف، وتفجير لحجج الجماعات السلفية الواهية، ومحاولة اظهارها في المقلب الآخر من التجربة الدينية حيث لا رحمة ولا محبة ولا شفقة ولا أخلاق...لقد شوّه هؤلاء التديّن وحوّلوه إلى بؤرة موبوءة بالعنف والتخلّف تبتلع البشر كما الحجر وتحوّل الابداع الفكري والحضاري الى مجرّد ركام. انه تدمير للذات وتلذّذ مرضي بما يحصل.

يستشهد المؤلّف في هذا السياق بالدكتور محمد طالبي معلناً : " ان العنف هو الذي قتل الحضارة الاسلامية ". ويشدّد على تأكيد هذا الواقع من خلال قراءة تاريخية لما جرى ويجري في يوميات شعوب عديدة. في صدد تحليله لخطاب الجماعات السلفية التي تبرّر العنف وتدعو اليه عن طريق غسل الادمغة بمساحيق الوهم والتصورات الخيالية، يرى الرفاعي ان هناك علامة فارقة تميّز هذا الخطاب يمكن تحديدها بما يلي: التشديد على " ضرورة تبنّي آراء السلف ومواقفهم بتمامها، وهروبها دائماً الى الماضي، وارتيابها من كل ما من شأنه أن يطلّ على المستقبل، أو يتعاطى مع الواقع بعقلانية نقدية مستنيرة، وسعيها المتواصل لتبجيل الذات، وعدم الكفّ عن امتداحها، واصطناع صورة رومنسية مثالية لها(...) فيما تصنع صورة للآخر ليست بريئة، يصبح فيها كل ما يمتّ اليه من معارف ورؤى ومفاهيم وقيم...وغير ذلك، رجساً مدنساً، تجب مناهضته(...). وتفنّن هذه الجماعات في تجييش المهمّشين والمحرومين، وتتخذهم مادة لبناء ثقافة خاصة بالانتحار وتمجيد الموت، يكون أحد روافدها صورة الآخر المشوهة، التي تصير منبعاً لكراهيته، والغضب المتّقد عليه ". ( عبد الجبار الرفاعي،المصدر السابق، ص200)

ان هذا النص يبرز بوضوح التناقض الذي يقوم عليه الخطاب السلفي، ومقدرته على التلاعب بوعي المحرومين والمستضعفين وغيرهم ممن زاغ بصرهم عن الحق والمنطق. ينصبّ جهد المؤلف على دحض هذا الخطاب، ورأب الصدع الذي خلّفه في الوعي من خلال العمل على إظهار النزعة الإنسانية في الدين بعامة والاسلام بخاصة. انه اعلن حرباً شرسة ضدّ التطرّف والانغلاق، مواجهاً العنف بالنظر الى مواضع الرحمة في الدين عن طريق مناقضة ما يسمّيه بـ "القراءة الفاشية للنصوص"، هذه القراءة التي تولّد جماعات تسير ملتحفة بأكفانها نحو مصيرها المحتوم.

انه يدعو الى القيام بنهضة معرفية هامة يمكن تلخيصها في الخطوات الآتية:

- مراجعة نقدية للتاريخ

- قراءة تحليلية للنصوص

- تقويم الموروث من منظور مختلف

- الابتعاد عن الرؤية الاحادية والذهنية المغلقة

- محاولة استيعاب القيم الانسانية المنفتحة

- الخروج من الالهيات التقليدية نحو بناء الهيات عقلية مستنيرة

- طرح تساؤلات جديدة تفضي الى التحرر من الصورة النمطية للاله

ان هذه الخطوات تشكّل بحد ذاتها مشروعاً فكرياً ذا مسار نقدي منفتح على المعرفة. انه يحمل في طياته رؤية تنويرية عقلانية مبنية على الانفتاح، والتحرّر من الافق الضيق، والخروج من سجون الماضي،والتوجّه نحو ثقافة الرحمة والاخلاق في التعاطي مع الآخر، ومع التعدد والاختلاف.

من هنا نجد مفكرنا يسلّط الضوء على التجربة الصوفية التي عرفها تاريخ الفكر الاسلامي. انها تجربة تستحق فعلا التوقف عندها ملياً في هذا الزمن تحديداً لما فيها من رقي في الاخلاق، وانفتاح في النظر الى الله والوجود والآخر. يستعرض في سياق هذا الفصل اسماء عدّة سطعت في سماء التصوف ليشير الى تجلّي النزعة الانسانية في الدين والتديّن، مطالباً بإنقاذها من الخطاب المدمّر المستفحل في كل مكان. ان ما يقوم به الرفاعي محاولة راقية لإنقاذ الدين من دون استخدام العنف، فينقض بذلك كل الحجج الواهية التي تدعو الى استباحة دم الآخرين وإراقته في سبيل تحصيل حقوق السماء.

ان توقفه عند ابن عربي، والبسطامي، ورابعة العدوية، وجلال الدين الرومي، وغيرهم هدفه وضع الأصبع ليس على الجرح انما على النزعة الانسانية في الدين التي من شأنها أن تلحم الجرح وتداوي آلامه المريرة. ان الاشارة الى المتصوفة لا تعني الالتزام بكل مبادئهم وسلوكياتهم، اذ ان انقاذ النزعة الانسانية في الدين تتطلب حالة متوازنة تؤسّس على الإنسجام بين متطلبات الجسد وتنمية الروح في آن معاً، وعلى نحو متصالح مع العالم. ان التناغم مع ايقاع الكون والغوص في الانتماء الى الوجود أمران ضروريان للمحافظة على النزعة الانسانية للدين. فالانسان في النهاية كائن طبيعي منخرط في العالم ومجبول من عناصره، من دون التغاضي عن بعده الوجودي كما الفكري والروحي.

يبدو انطلاقاً مما سبق مسارُ الرفاعي واضحاً في كتابه هذا: البداية مع الخطوة الاولى في تحديد مفهوم الدين، والنظر في الحاجة اليه من خلال التحدّث عن وظيفته، وابراز قيمته الانسانية الراقية، وذلك نقضاً ودحضاً لما خلّفه الخطاب السلفيّ من كوارث على الصعيد الاجتماعي كما السياسي والديني والمعنوي، لتأتي الخطوة التالية التي تكمن في التركيز على نماذج من الخطاب الصوفي والاخلاقي الذي أضاء التاريخ بإنتاجه، لكن تمّ تهميشه واستبعاده. الاستنتاج الاساس الذي يمكن الخروج به بعد قراءة الكتاب هو الدعوة الى بناء الهيات جديدة اكثر عقلانية، وانسانية، الهياتٍ متحرّرة من قيود "القراءة الفاشية" وما خلفته من ركام حولها.

نختم بهذه الخلاصة التي ينهي بها الكاتب الفصل الحادي عشر لما فيها من جدية وغنى وعمق في كيفية التعاطي مع مسألة التديّن: " ان السبيل للتخلّق بأخلاق الرحمن انما يتحقق عبر انقاذ النزعة الانسانية في الدين، واضاءة أبعاده الاخلاقية والمعنوية والرمزية والجمالية، وتطهير التدين من كافة اشكال الكراهية والاكراهات".(عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص210)

يبقى لنا ان نعمل مع المؤلف في سبيل تعزيز اخلاقيات المحبة، وتدريب المشاعر على القيم النبيلة، والسعي وراء اكتشاف الطاقة الاجابية في العالم والتواصل معها. ولتحقيق كل هذا المشروع الفكري الراقي والنبيل علينا، على حدّ تعبير الرفاعي " استيحاء صفات الرحمة والمحبة والسلام ونحوها من الرحمن ".

 

د. نايلة ابي نادر

 

د. هاشم عبود الموسوي يصدر مجموعتين شعريتين

574-hasim1عن دار حوران في دمشق صدرت مجموعتان شعريتان للشاعر العراقي هاشم عبود الموسوي

وبسبب الظروف التي تمر على الشقيقة سوريا فلم تتوفر الفرصة لتوزيعهما

بالاضافة الى ذلك فقد فُجع الشاعر الدكتور هاشم عبود الموسوي بنبأ وفاة صاحب الدار المرحوم يوسف الجهماني المثقف والكاتب والمترجم السوري الحصيف

والذي سبق واصدر له عدة كتب ودوواين شعرية

وقد عزى عائلة الفقيد بهذا المصاب الأليم

574-hasim 

معلومات إضافية