كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

رئاسة المرأة للعرب

moamar habarكتاب "المرأة وحقوقها السياسية في الفقه الإسلامي"، للأستاذة اسمهان قصور، دار جسور، الجزائر، الطبعة الأولى 1433هـ - 2012، من 120 صفحة..

أهمية الكتاب تبدأ من صفحة 57، حيث ناقشت المناهضين لتولية المرأة الشؤون السياسية، ثم طرحت وجهات النظر المؤيدين لتولية المرأة للشؤون الاسلامية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وتطبيقات من السنة النبوية والتاريخ الاسلامي..

ووصلت إلى نتيجة مفادها، أن المرأة لايحق لها أن تتولى الإمامة العظمى، ومن حقها أن تشارك في غيرها كرئاسة الدولة، والوزارة ، والسفارة ، والمجالس البلدية والولائية، والبرلمان ، والقضاء.

فيما يخص قوله تعالى "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، البقرة - الآية 228، تقول الأستاذة في صفحة 57- 58..

الهو دليل على الدرجة في معناها القوامة على الأسرة هو أن الآية وردت وسط آيات تتعلق بالطلاق والنكاح. الآية خاصة برئاسة الرجل للبيت مقابل المسؤولية التي تحملها. إذن هي درجة بيعية لابد منها لكل مجتمع، إذ ليس من الحكمة ترك المجتمع الأسري دون أن يعرف له رئيس وإلا كانت الفوضى.

أما فيما يخص الآية الكريمة "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.."، النساء - الآية 34، تقول في صفحة 58..

السلطة التي أعطيت للرجل إنما كانت مقابل المسؤولية التي حملها. ولاعلاقة للآية بالشؤون السياسية ومسألة الولاية، وإنما تتعلق الآية بالشؤون الزوجية ومعناها أن الرجال أهل قيام على نسائهن بتأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم. وبما أن الأسرة تقوم على الاختلاف في التسيير، أعطيت الرئاسة للرجل لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على التنفيذ، ومن ثم كان هو المطالب شرعا بحماية المرأة والنفقة عليها، وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف.

وفيما يخص قول سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، تقول في صفحة 60..

الأحكام الفقهية لايمكن الاستناد على أحاديث الآحاد، ولذلك فإننا لايمكن الاستدلال بهذا الحديث لحرمان المرأة من حقوقها السياسية.

وفيما يتعلق بالإجماع، ترى في صفحة 62-64، أن المرأة ساهمت في البيعة الثانية وقد لبت نداء الله ورسوله وقبلت الدفاع عن دينها بنفسها ومالها وقد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقبول بيعة النساء أسوة بالرجال.

وقد كان المسجد مكان الشورى، وكان رئيس الدولة يعلن تشريعاته أو مقترحاته من المنبر ولكل فرد سواء كان رجلا أو إمرأة أن يناقشه. وكانت تشترك مع أهل الحل والعقد برأيها فيأخذون به من غير أن ينكر عليها أحد، مما يعتبر إجماعا سكوتي منهم على جواز مشاركة المرأة في الحياة العامة. وقد تزعمت حركة المعارضة ضد الإمام علي والتابعين، وكانت لها الرياسة الفعلية، فقد كانت تتولى كل شيء بنفسها لقوة شخصيتها وذكائها وحسن تدبيرها.

وفيما يتعلق بالقياس، ترى الأستاذة في صفحة 65-67.. قياس الإمامة العظمى على الصلاة قياس غير مسلم به، ليس من شروط الإمامة العظمى أن يكون الإمام أهلا لإمامة الناس في الصلوات.

ثبت بالإجماع عدم تأثير الولايات الخاصة، فكذا القضاء لأن المناط هو القدرة على الولاية دون نظر لعموم أو خصوص.

القاعدة العامة هو مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وأن ماورد من التفرقة في بعض الأحكام الشرعية يعد استثناء لهذا المبدأ ولا يجوز القياس على الاستثناء طبقا للرأي الراجح بين علماء الفقه الإسلامي.

وتنقل في صفحة 71-72 عن الإمام الطبري وابن حزم جواز تولي المرأة القضاء مطلقا بجميع أنواعه، كما أن الأحناف يرون أن تتولى المرأة القضاء في الأموال بقبول شهادتها فيها، ولأن القضاء كالشهادة.

وفيما يخص قوله تعالى "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، البقرة - الآية 228، تقول في صفحة 73-74..

المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق. وليس المراد بالمثل المثل لأعيان الأشياء إنما المراد أن الحقوق بينهما متبادلة وأنهما أكفاء، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها إن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه فهما متبادلان في الحقوق والأعمال.

وفيما يتعلق بالآية الكريمة "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ"، التوبة - الآية 71، تقول في صفحة 75-76..

الآية تبين فرض الأمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على النساء كالرجال يدخل فيه ماكان بالقول وماكان بالكتابة ويدخل فيه الانتفاء على الحكام من الخلفاء والأمراء والملوك والأمراء فمن دونهم، وكانت النساء يعلمن هذا ويعملن به. فالآية تعني أن الرجال والنساء شركاء في سياسة المجتمع وأن السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ليست إلا أوامر بالمعروف ونواهي عن المنكر.

وفيما يخص قوله تعالى " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، الممتحنة - الآية 12. ترى أن آية البيعة دليل على صحة البيعة من المرأة وجواز اشتغالها بالأعمال السياسية.

وفيما يتعلق بالسنة النبوية وتنقل الأستاذة عبر صفحة 77-78 ، أن سيّدتنا زينب بنت سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أجارت زوجها السابق أبا العاص، ووافقها سيدّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك. وقد أجارت سيّدنا أم هانىء رجلا من الكفار يوم فتح مكة.

مايدل على صحة إجارة المرأة وأمانها. وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم للمرأة الحقوق السياسية بأن أجازها لها الأمان في السلم والحرب.

وذكرت أيضا أن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ برأي سيّدتنا أم سلمة في صلح الحديبية، حين قالت له "يارسول الله انطلق أنت إلى هديك فانحره فإنهم سيقتدون بك".

وتنقل كذلك مبايعة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد الأنصار في العقبة الثانية وكان من بينهم امرأتان. وفي هذه البيعة شاركت المرأة بالعهد السياسي على نفسها ومالها وهذا مايعني اشتراكها في الحقوق السياسية.

أما فيما يتعلق بإجماع علماء المسلمين، تنقل في صفحة 79، جواز المرأة وأمانها، والإجارة والأمان عمل من الأعمال السياسية التي أقرها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمرأة تتمتع بنفس الحقوق السياسية التي للرجل، ولا يحرم عليهما إلا ماحرمته النصوص القطعية كالإمامة الكبرى.

 

معمر حبار

 

خضير الزيدي ورواية أطلس عزران البغدادي

nabil alrobaeiيوثق الروائي العراقي خضير فليح الزيدي حياة ومصير ما تبقى من المكون اليهودي في العراق بعد عام 2003م، هذا المكون الذي كان أحد أهم مكونات المجتمع العراقي، وقد افتقدتهُ العاصمة بغداد وباقِ المدن العراقية، كانت بداية الهجرة منتصف أربعينات القرن الماضي، ثمَ لعبت الحكومة الملكية العراقية الدور في هجرتهم الجماعية عام 1950/1951م ، حيث بلغ عدد المهاجرين 120 الف عراقي يهودي غادروا البلد إلى فلسطين، ثم ختمتها الحكومة الشمولية عام 1969م بعمليات الخطف والإعدام والاعتقال والتغييب، حتى عام 1973م لم يبق منهم إلا عدد قليل من هذا المكون الذي قارب تواجده في العراق زهاء 2500 عاماً، وبعد عام 2003م لم يبق منهم إلا عدداً لا يتجاوز أصابع اليد.

صدر عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد رواية مصورة للروائي خضير فليح الزيدي تحت عنوان (أطلس عزران البغدادي)، تحتوي الرواية على 235 صفحة من الحجم المتوسط ذات طباعة جيدة خالية من الأخطاء المطبعية واللغوية، الرواية تمثل حال ما تبقى من هذا المكون في العاصمة بغداد، وما تعرضوا لهُ من حياة صعبة في بعض الأحيان، والاعتداء عليهم أبان حكم البعث وما بعد عام 2003م، الحادث الأول كان من قبل شاب فلسطيني استخدم سلاحه الرشاش للقضاء على من تبقى منهم، إلا أنهُ لم ينل مبتغاه، والحادث الثاني من قبل ميليشيا إسلامية شيعية أرهبت أبناء هذا المكون بالاعتداء على ساكني كنيس مئير طويق.

تضم الرواية 26 فصلاً، متماسكاً ومترابطاً في أحداثها وحبكتها، ومصير شخوص الرواية نماذج بشرية رئيسية من خلال المتابعة عرفنا عنها أدق التفاصيل في سير غورها، وبطل الرواية عزران البغدادي ومحاولة تصفيته وتدخل جهات خارجية لإنقاذه، إلا أنه ظل شبحاً يخيف أهالي بغداد ويقض مضاجعهم. كانت الرواية تجربة مشوقة قد أعطى الزيدي كل فصل من فصول الرواية عنواناً مناسباً ينفرد به والفصول هي: عزران يرسم المصائر، الناس تشبه بعضها، أنف المحرّر، الشورجة معدة جائع، في مطبخ عزران، رصيف باب الأغا، اختطاف الوادي، تفاحة العشق الشهية، عينا المخصي، منظمة إخوان، الأمسية الشفافية – لندن، لمّ شمل، سائق الصرصور، موت بقرصة ذبابة.

الرواية عبارة عن رسائل متداولة بين السيدة نورا والصحفي محمد رياض الوادي المحرر في مجلة نوارس، وهي رسائل فضائية مرسلة عبر البريد الالكتروني من إحدى شخوص الرواية (نورا) تؤكد أن الروائي جزء من المبنى السردي، لنقل الأخبار عن طريق بطل الرواية عزران الملاحق لتحركات الناس ومتابع أخبارهم الصغيرة والكبيرة، بالرغم من أن السارد الأول والمهيمن على وقائع الأحداث هو الروائي نفسه، كما أن ثيمة الرواية تضع أمامنا حياة المكون اليهودي المضطهد داخل البلد، وخطورة حياتهم، ومحاولاتهم إنقاذ أنفسهم وسط فوضى الرؤية، بعد ما يسمى بعام التغيير.

ذكر الروائي الزيدي في صفحة 22 حول حادث وقع بالقرب من جدار الكنيس مئير طويق قال "في صبيحة يوم 5/11/2012 وتحديداً في الساعة التاسعة والنصف حدث، كان معظم الضحايا هم من المارة بصف الحائط، انفجار سيارة مفخخة في بغداد.. على مقربة من معبد مئير طويق، المعبد الشاخص هذه الساعة في حين السعدون على مقربة من شارع المدرسة الآوسية"، الرواية توثق أعداد اليهود في العراق حسب وثيقة ويكيلكس 2010/2011، في صفحة 27 ذكر الروائي أنهُ" لم يعد هناك سوى ثمانية يهود عراقيين يعيشون في بغداد... وإن عدد اليهود كانوا عشرين يهودياً في عام 2003م، لكن هذا العدد انخفض نتيجة تقدم السن لمعظم المتبقين بالهجرة (العنف الطائفي)"، كما ذكر الروائي حقيقة ارغب أن اعلق عليها وهي "انهُ كنيس طويق كان مغلقاً في بغداد وتحويل كنيس آخر في الديوانية إلى ورشة نجارة"، أقول لكن الحقيقة كما أنا متأكد منها أن كنيس البصرة كما هو معروف قد تحول إلى ورشة نجارة بعد عام 2003 وأن الكنيس في مدينة الديوانية (التوراة) قد تم إزالته من قبل بلدية الديوانية عام 1973 وتم بناء على أرضه مجمع حوانيت بدلاً من الكنيس وهذا عكس ما نقله الروائي الزيدي في صفحة 27.

ذكر الروائي الزيدي في صفحة 79 على لسان الصحفي محمد رياض الوادي أخبار مقبرة اليهود في بغداد /الحبيبية وحوارهُ مع الحارس ودفان المقبرة عن آخر جنازة وصلت المقبرة، فكان الجواب من قبلهُ " في عام 2008م جاءتني آخر جنازة ليهودي بغدادي وهذا كما ترى هو قبره.. رجل مُسن يدعى إبراهيم ناحييم، جاءت جنازته سراً من الناصرية"، والخبر قد نقلهُ الروائي حقيقي ودقيق.

الروائي الزيدي يسرد أحداثاً حقيقية عن واقع حال من تبقى من يهود العراق ، ومن هم وافتهم المنيّة وسنوات رحيلهم، كما نقل الزيدي في روايته طريقة هروب النقيب الطيار منير روفا إلى إسرائيل عام 1969م وفق المهمة رقم (007) مع الطائرة الروسية الصنع ميغ 21،ودوره في التعاون مع المخابرات الإسرائيلية للتعرف على تكنلوجيا السلاح الجديد (ميغ21) التي أصبحت جزءاً رئيسياً من ترسانة السلاح الجوي في مصر والعراق. الرواية دقيقة في نقل الأحداث، كما ينقل عبرّ الرواية واقع حال يهود العراق المعتدلين وخميرة المجتمع المدني، ولا زال البعض منهم يعرفون بيهوديتهم في كردستان العراق.

في صفحة 171 ذكر الروائي الزيدي دور الدكتور نعيم دنكور في تقديم المساعدات كمنحة مالية، حيث قدم في عام 2014 اكبر هدية لجمعية الملكية للطب وذلك تبرعا لمساعدة الشباب الذين يرغبون بالتخصص في دراسة الطب وقد بلغت مليون جنيه استرليني، ويعتبر اكبر متبرع لمعهد كريك في لندن والذي يعتبر من اكبر مركز البحوث الطبية الحيوية في اوروبا. وفي صفحة 174 ذكر الروائي دور يهود العراق في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمة، ولهذا أقول الروائي الزيدي قل نقل تجربته الجديدة نحو التجريب والحداثة، ولتثبيت المصداقية السردية للمتلقي، وهي تجربة جديدة في الرواية العراقية.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

التفسير إنتاج متبادل للمعنى بين المفسِّر والنص

832-jabarفي العدد الجديد 63 – 64 (صيف وخريف 2015) لمجلة قضايا اسلامية معاصرة

لم تخصص دورية عربية مهتمة بالأديان خمسة أعداد للهِرْمِنيوطيقا والتفسير الجديد للنصوص الدينية مثلما فعلت مجلة قضايا اسلامية معاصرة، التي أنتجت على مدى عامين ونصف أكثر من 2000 صفحة في هذا الموضوع. والذي هو موضوع بالغ الأهمية؛ إن من حيث إضاءة النصوص ووضعها في السياق الراهن، أو من حيث عبور ما هو مكرر من قراءات، تنتمي لمراحل تاريخية مضت وانقضت، ولم تعد متطلباتها موجودة، وهي عبء تنوء بحمله النصوص، ويعطل حياة المسلم المعاصر.

   في عددها الصادر توا تواصل هذه الدورية نهجها الذي دشنته قبل عشرين عاما؛ لتصدر للمرة الخامسة عددها المرقم 63 – 64 (صيف وخريف 2015)، في 424 صفحة معالجا أيضا: "الهِرْمِنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية".. اتسع العدد لمساهمات جادة لمفكرين وباحثين معروفين، بدءا من كلمة التحرير فيها، التي اهتمت بمنجز الشيخ أمين الخولي، بوصفه "رائدا للدرس الهِرْمِنيوطيقي باللغة العربية"، حسب توصيف رئيس التحرير د. عبدالجبار الرفاعي، الذي دلل على تجاوز الشيخ أمين الخولي وجهة الإحياء والإصلاح، التي بدأت مع الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في القرن التاسع عشر، وتواصلت فيما بعد مع الشيخ محمد عبده، ومن تلاه، و استطاع أن يشتق نهجاً، يتلمس في ضوئه درباً مغايراً لما عرفناه من أصول ومبادئ في قراءة وتفسير النصوص الدينية. فمع الخولي، وللمرة الأولى، يتصدع جدار الدرس اللغوي والبلاغي التقليدي، كما تنفتح الفلسفة الأخلاقية في التعليم الأزهري على أفق جديد. ظل الخولي مسكوناً بفكرة التطور، واستبدت به هذه الفكرة، إلى الحد الذي استند إليها بوصفها مرجعية لإعادة بناء المعارف الاسلامية، وآداب وعلوم اللغة العربية. ولم يتردد في الدفاع عن نظرية التطور الدارونية في الأحياء، وأصرّ على تبريرها ومنحها المشروعية، في ضوء ما يحاكيها ويقاربها من إشارات في "رسائل اخوان الصفا" ، وآثار ابن مسكويه، وابن سينا، وابن الطفيل، ممن ألمحوا أو صرحوا بتصنيف الموجودات في سلم تراتبي، يحتل فيه الإنسان الذروة في تكامله، فيما يليه الحيوان، فالنبات، إلى أدنى مرتبة، وهي الجماد. وشغف الخولي بالتجديد إلى الحد الذي كان برأيه هو الثورة الكبرى في كل قرن، إذ يقول: "إن ذلك التجديد على رأس القرون هو ذلك العمل الثوري الكبير الذي تحتاجه الأمة، كأنما هو ثورة اجتماعية دورية".  

   توسع الخولي في تطبيق فكرة التطور على علم الكلام والفقه واللغة، بل في تعميمها لتشمل أبعاد الوجود البشري المعنوية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية كافة. وأصر على أن التطور هو الناموس الشامل في الخلق والحياة، وليس ناموساً خاصاً بعلم الأحياء فقط. ففي نقاشه مع شيخ الأزهر رفض الشيخ الخولي انحصار التطور ببعض أحكام العبادات، فذهب إلى أن "التغير والتطور سنّة شاملة في الأصول: العقائد والعبادات والمعاملات، وفي هاتين الأخيرتين شريعة الإسلام هي انتخاب ما نراه أيسر عملًا وأصلح للبقاء". ولا يتردد في القول بأن "تطور العقائد ممكن، وهو اليوم واجب لحاجة الحياة إليه، وحاجة الدين إلى تقريره، حماية للتدين، وإثباتاً لصلاحيته للبقاء، واستطاعة مواءمة الحياة، مواءمة لا يتنافر فيها الايمان مع نظر ولا عمل".

تظهر فرادة الشيخ أمين الخولي في محاولته الرائدة بتوطين الهِرْمِنيوطيقا والمناهج الجديدة في تفسير النصوص الدينية، في المجال التداولي العربي. بعد استقراء وتتبع يمكن القول إن الخولي هو أول هِرْمِنيوطيقي بالعربية، وربما في عالم الإسلام. إذ لا أعرف أحداً سبقه إلى ذلك.لم يقتصر الخولي على علم النفس في الدعوة لتوظيفه في التفسير، بل رأى ضرورة الانفتاح على علم الاجتماع والعلوم الإنسانية، خاصة علوم التأويل الحديثة، فيما ينشده من تفسير. ولعلنا لا نجانب الصواب حين نقول إنه استقى رؤيته الجديدة للتفسير من الهِرْمِنيوطيقا الألمانية. وهو ما تجلى بوضوح في حديثه عن "أفق المفسّر"، فلم تعد عملية التفسير في مفهومه تلقّياً سلبياً صامتاً للمفسّر، وإصغاءً من المفسّر لما يمليه عليه النص، لا دور فيه للمفسّر سوى الكشف عن المعنى الكامن في العبارات، وإنما أصبح التفسيرُ في رأي الخولي عملية إنتاج متبادلة للمعنى، يشترك فيها المفسّر مع النص. وذلك ما شرحته الهِرْمِنيوطيقا الحديثة، بوصفها "فناً للفهم" ، أو قراءةً للقراءة، أو فهماً للفهم، أو تفسيراً لكيفية تلقي المفسّر القارئ للنص، وطريقة إنتاجه للمعنى المقتنص منه، في ضوء: أفق انتظاره، ورؤيته للعالم، وإطار ثقافته، ومسلماته وأحكامه المسبقة.

تحدّث الخولي عن هذه الفكرة بوضوح في قوله: "إن الشخص الذي يفسّر نصاً يلوّن هذا النص– ولاسيّما النص الأدبي – بتفسيره له وفهمه إياه. وإن المتفهم لعبارة هو الذي يحدد بشخصيته المستوى الفكري لها، وهو الذي يعين الأفق العقلي، الذي يمتد إليه معناها ومرماها، يفعل ذلك كله وفق مستواه الفكري، وعلى سعة أفقه العقلي.. لأنه لا يستطيع أن يعدو ذلك من شخصيته، ولا تمكنه مجاوزته أبداً.. فلن يفهم من النص إلاّ ما يرقى إليه فكره، ويمتد إليه عقله. وبمقدار هذا يتحكّم في النص، ويحدد بيانه". .

ربما اقتبس أمين الخولي مصطلح "يلوّن النص" من التعبير المشهور للمتصوف الجنيد البغدادي : "لون الماء لون الإناء" . وذلك يؤشر للأهمية الفائقة لنصوص المتصوفة والعرفاء، وطرائقهم في تبصر واكتشاف ما لبث مجهولاً خارج فضاء مفهومهم للحقيقة الدينية، وتجربتهم الروحية، ومناهج قراءتهم للنص، خارج أسوار أصول التفسير والفقه الموروثة، مثلما يصطبغ الماء بلون الإناء، يؤشر الخولي في تحليله للكيفية التي يغدو فيها النص مرآة تنعكس فيها ألوان صورة المفسر، وأحكامه المسبقة، ليتشكل معناه في ضوء ما يرسمه أفق انتظاره.

832-jabarإن الموقف الارتيابي من الهِرْمِنيوطيقا غير مفهوم ، فضلاً على أنه غير مبرر، ذلك أن الهِرْمِنيوطيقا سواء كانت: فناً، أو علماً، أو اتجاهاً، أو منهجاً، أو أداة للفهم، ليست إلاّ ضرورة يفرضها وضع التراث في سياقه الزماني المكاني الثقافي الخاص. وهي تبوح بأنه ليس هناك فهمٌ نهائيٌ للنص، فكلُ قراءة له تاريخية، مشتقةٌ من عصر القارئ، ونظام إنتاج المعنى في عالمه، ورؤيته للعالم، وأفق انتظاره، وأحكامه المسبقة.

نشرت المجلة حوارا مع المفكر الايراني داريوش شايغان، تحدث فيه عن مفهوم "الوعي الهجين". استعار شايغان فكرة"الجذمور" من الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، فبين أن أصل الترابط المتبادل يتجلى في جميع أبعاد الحقيقة، ففي الثقافة يتخذ الترابط شكلا "جذموريا" ، تصطف فيه جميع الثقافات بجوار بعضها، مشكلة بذلك لوحة فسيفسائية. في الفلسفة مثلا، تتجلى هذا الظاهرة ضمن طيف من التفاسير المتنوعة، بعد أن فقدت الحقائق الميتافيزيقية العظمى اعتبارها حاليا، فتحوّل الوجود المنهار إلى مسار من التفسيرات المتنوعة لا نهاية لأمده. وفي الهوية، يتجلى هذا الارتباط المتبادل في ظاهرة يمكن تسميتها بـ"البساط المرقع" . أما في الإعلام والصحافة، فيتجلى ذلك في الفضاء المجازي الذي وسّع من شبكات التواصل على المستوى العالمي. وهكذا في العلوم، ظهر نموذج جديد يتخطى الثنوية الديكارتية، ليؤسس شبكة حيوية من الاتصالات الشاملة والمتبادلة في كافة مستويات الحقيقة. وأشار شايغان إلى أن الهوية التراثية تفتقر إلى الرؤية التي تلقي الضوء على الذات، وتسهل عملية تقييمها تاريخيا. وليست هناك رؤية قادرة على ذلك، بمعنى تكون مشرفة ومطلة من الخارج، وذات منظور نقدي، سوى تلك الرؤية التي ظهرت وترعرعت في الغرب منذ ثلاثة قرون. وأضاف شايغان أنا أقول بضرورة خصخصة التراث. فلا يمكن تعريف التراث بوصفه أمرا كليا. التراث أمر نسبي وليس له مفهوم عام وشامل. ولا يخفى أن التراثيين كانوا في راحة من أمرهم، فقد كانوا بمنزلة الشخص الذي يحمل عنوانا دقيقا ويعرف من أين أتى وإلى أين سيذهب. خلافا للمجددين والحداثيين حيث يفتقرون إلى هذا العنوان، الأمر الذي يحتم عليهم تدبر طريقهم بأنفسهم، ومن الواضح أن هذه عملية شاقة ومعقدة للغاية. وفي ختام الحوار يجيب شايغان بطرافة عن سؤال المحاور حول موقفه من الموت، فيقول: (لو تم تقسيم جميع نعم الدنيا، لما طمعت بأن أحصل على كل ما حصلت عليه، لذلك أجد التفكير في الموت أمرا ممتعا، فإنه يعني لي التحرر، ووضع خاتمة لقصة طويلة، لذلك أجد نفسي غير خائف من الموت).

يستهل العدد دراساته بما كتبه د. الزواوي بغوره عن (منزلة التأويل في فلسفة ميشيل فوكو)، فيذهب إلى أن بحث ميشيل فوكو في التأويل يندرج في إطار مشروع طموح يخص إقامة موسوعة عامة لمختلف التقنيات التأويلية التي عرفها الفكر الغربي منذ الإغريق إلى يومنا هذا. وفي نظره، فإن اللغة والثقافة الهندو - أوروبية، تقوم على فكرتين أساسيتين: (الأولى) هي: "الاعتقاد بأن اللغة لا تقول بالضبط ما تعنيه، وأنها تتجاوز دائما صورتها اللفظية الصرفة. و(الثانية) أن هناك أشياء أخرى في العالم تتكلم دون أن تكون لغة". هاتان الفكرتان مازالتا قائمتين إلى اليوم في الثقافة الغربية، وتمارسان تأثيرهما على مختلف النظم التأويلية التي عرفها الفكر الغربي. و لكن فوكو اقتصر على منظومة التأويل في القرن التاسع عشر، بعد أن قارنها بمنظومة التأويل في عصر النهضة القائمة على التشابه. إن كتاب: تأويل الذات، و مجموع الأبحاث المتعلقة بتاريخ الجنسانية، تشكل منعطفا جديدا في فلسفة ميشيل فوكو، وذلك لأنها تجسد نقلة في الموضوع، نقلة من مسائل السلطة إلى مسائل الذات والأخلاق والجمال، وبشكل خاص علاقة الذات بالحقيقة أو: "كيف تشكلت الذات من خلال ظواهر وعمليات تاريخية مختلفة، أي ما يمكن تسميته في ثقافتنا بمسألة حقيقة الذات"

يتمثل موضوع: تأويل الذات، في مختلف التقنيات التي تتبعها الذات في معرفة ذاتها، أو السيطرة على نفسها، أو حكم نفسها بنفسها. وهو موضوع شغل فكر عديد من الفلاسفة منذ سقراط. ولقد تم التعبير على هذا الموضوع، بمفهوم (الاهتمام بالذات) الذي أخذ أشكالا مختلفة باختلاف الحقب التاريخية. ويخلص الزواوي بغورة إلى أنه وبالاعتماد على التأويل التاريخي، درس ميشيل فوكو، ثلاثة مجالات أساسية هي المعرفة، والسياسة، والأخلاق. وهو ما حاول الفيلسوف في أخريات حياته، أن يلخصه في عبارة الانطولوجيا التاريخية التي تقوم في تقديرنا، على منهج التأويل التاريخي، بحيث لم يعد التأويل تقنية أو موضوعا، وإنما أصبح طريقة في تحليل المواضيع التي درسها، وذلك لأن المجال الأساسي لبحث الفيلسوف هو التاريخ. وفي تقديرنا، فإن التناوب القائم بين ما سماه بالوصف الأركيولوجي وبين التحليل الجنيالوجي يعد من صميم عمل المؤرخ والفيلسوف على حد سواء، رغم ما ذهب إليه بعض الدارسين من قول بتعارض الطريقتين بلغ عند بعضهم درجة القطيعة. إن ما سعى إليه ميشيل فوكو هو البحث في التاريخ عن تشكيلات خطابية، تقوم كما قال على نوع من (السياسة العامة للحقيقة) التي تقرر ما هو حقيقي وما غير حقيقي، وأن تنظيم المعارف أو الممارسات الخطابية مرتبط بأشكال إنتاج وتوزيع السلطة أو الممارسات غير الخطابية. وهو ما أدى إلى ظهور وانبثاق مواضيع الذات والهوية والجنس أو بعبارة موجزة، تشكل الذات الحديثة.

في العدد أيضا يدرس د. محمد المزوغي (عودة الديني ومشروعية تأويل الكتاب المقدس في فكر الفيلسوف الايطالي جياني فاتيمو). فيوضح أن فاتيمو ليس هو الوحيد الذي فهم العلاقة الحميمة الممكنة بين النقد ما بعد الحداثي للعقل التنويري وإعادة إحياء الدين، ذلك أن فكر ما بعد الحداثة أو "الفكر الضعيف"، من حيث تأكيده على التعددية الراديكالية لوجهات النظر للعالم؛ من حيث رفضه لأية فكرة تأسيس نهائي وقاطع، من حيث اشتباهه في أي نوع من أنواع المقولات الثنائية الثابتة التي تزعم وصف مناطق منفصلة تماما من الواقع، يُعقّد الحياة على الملحدين المحدثين، كما قال جون كابوتو، ومن شأنه أن يجعل الفكر محصّنا، إن لم يكن معاديا للإلحاد. الفكر الحديث، لم يَعد فكرا إلحاديا مناضلا، بمعنى أنه لا يُنَظّر صراحة إلى بطلان الدين، وعلى العموم فإن صمت الفلسفة عن الله، يبدو اليوم، خاليا من أية مبرّرات فلسفية معقولة. إن ما يسمى بالأسباب النظرية الوجيهة التي يُرسي عليها الفلاسفة براهينهم لإنكار وجود الله تستمد عناصرها من المادية، أو هي مُشتقّة من الوضعية والتاريخانية، لكن مع عصر ما بعد الحداثة أصبحت هذه الفلسفات تنتمي، وفقا لفاتيمو، إلى (مرحلة عفا عليها الزمن تماما من سيرورة تنوير العقل. الآن، حتى هذه السرديات البعدية فقدت مشروعيتها بحلول نهاية الميتافيزيقا). يكتب المزوغي: يرى فاتيمو أن التأويليّة، مثل الفيروس (التّشبيه لفاتيمو)، الذي يُصِيب كل شيء يقترب منه. فهي، من جهة، تختزل الواقع إلى رسالة، وتُقصي بالتالي أي تمييز بين علم طبيعي وعلم روحي، لأن حتى العلوم الدقيقة تتحقّق من صدق قضاياها أو تُكذبها فقط ضمن نماذج مسبقة. وإذا كانت الوقائع لا تتمظهر إلاّ كتأويلات، فإن التأويل ذاته يتبدّى كـ"الـ" واقع: الهِرْمِنيوطيقا ليست فلسفة، يقول فاتيمو، بل هي اعلان عن الوجود التاريخي ذاته في عصر نهاية الميتافيزيقا.

أما د. حسن الخطيبي فتناول في بحثه (هرمنيوطيقا هانز جورج غادامير: من سلطة المنهج الى تاريخية الفهم).. يقول الخطيبي: إن كل عمليات بناء المعرفة والثقافة والفكر لا تتم إلا عبر آلية التأويل، بل إن الحياة برمتها لا تستقيم ولا تكون ذات معنى إلاّ بالتأويل، والانتقال من "المعنى" الى "معنى المعنى"، فالحياة بمقتضى الظاهر فقط تبدو مستحيلة، ولا يمكن أن تعاش، فتسمية الأشياء هو تأويل أولي يجعل الحياة ممكنة. التأويل يزيل الغرابة عن النصوص التي تفصلنا عنها مسافة تاريخية وثقافية ليدسها في الألفة. الهِرْمِنيوطيقا تقتحم كل المجالات المرتبطة بالوجود الانساني، وهذا ما يبرر راهنيتها، ويبرر حاجة الناس إليها في زمن هيمنت فيه التقنية بدرجة خطيرة. إن هدف الهِرْمِنيوطيقا عند غادامير هو الوصول إلى فهم الآخر ومحاولة النفاذ إليه، حتى نكتشف المعنى الذي يحتوي عليه، ومن ثم فإنها صورة من صور التواصل. لقد ركز غادامير كثيرا على الحوار لأنه هو السبيل للتعرف على الآخر،كما يعلمنا أنه لا يمكن لأحد الطرفين أن يكون وحده محقا في رأيه، مما يفتح الطريق نحو الحوار مع الآخر بمعزل عن إرادة الهيمنة التي تفرض على شركاء الحوار الخضوع والامتثال الى حقيقة معينة يرتضيها طرف دون آخر، وبذلك يكون الحوار إنتاج المعاني وصياغة الاحكام وتشكيل التصورات. هذه الحقيقة مبدعة، وهي مشاركة وليست امتلاكا.

يتضمن العدد مجموعة أبحاث جادة أخرى، فقد درس د. مصطفى الغرافي منطق الفهم في (النص والتأويل). كما عالج د. شراف شناف (تأويل العقل الحداثي العربي لجدل اللاهوت والناسوت). اما د. محمد جنايد الحداد فتحدث عن (الهِرْمِنيوطيقا الفلسفية عند بول ريكور). وكتبت إليزابث سوشلر عن (تفسير الكتاب المقدس ولاهوت التحرير). وبحثَ (قصدية المؤلف في الهِرْمِنيوطيقا) أورليك مارتنسون. وفي دراسته تناول علي المدن (الواقع والممارسة واشكالية التعالي في التفكير الديني في الاسلام). وفي باب (أفكار للمناقشة) واصلت المجلة نشر الفصلين الثامن والتاسع من (نظرية القراءة النبوية للعالم) للشيخ محمد مجتهد شبستري. وختمت المجلة هاجر القحطاني بمراجعة لكتاب عبدالجبار الرفاعي (الدين والظمأ الأنطولوجي).

 

علي جبار

 

عبدالجبار الرفاعي ومعضلة الوجود

801-jabarلم يكن الرفاعي في كتابه الاخير "الدين والظمأ الأنطولوجي" يتحدث عن الدين على مستوى الازمة او الدفاع او التفسير، بل كان يتحدث بلغة براغماتية شفافة، او كان يكتب بهدف براغماتي شفاف، ولعل بعض القراء يستغربون مثل هذا الاستعمال باعتبار ان هذا المصطلح، اي البرغماتية، يمثل نزعة دنيوية حادة، وهو احدى اساءات الفهم للمصطلحات الفلسفية الغربية، كما هو مع الفلسفة التي ظلمت من قبل دعاتها قبل اعدائها، اقصد الفلسفة الوجودية، فإن البرغماتية هنا بلحاظ تحصيل الارتواء الوجودي، اي الارتواء من الوجود حتى الثمالة، السكر بلا خمرة عنب او تمر، بل السكر بارتشاف اكبر قدر من الحيوية الوجودية، التي تنبعث من ذات هذه البديهية الصارخة في المنحى الكلاسيكي لفهم الوجود، واضيف اننا ايضا مسؤولون عن توسيع هذه الحيوية واثرائها، رغم انها هي الاساس في كل انطولوجيا، كما تقول المدرسة الكلاسيكية لتفسير الوجود، وليس هنا مجال تحرير المعركة بطبيعة الحال .

801-jabarعبدالجبار الرفاعي عطشان لمزيد من الحياة، لأن الحياة خلقها الله لنتشربها جرعات صاخبة، وليس نقطة نقطة، الحياة مرتع للارتواء، وهي مفتوحة عليك لتجرع منها الكثير دون ملل، ولكن بشرط ان يكون الارتواء جاذبا لمزيد من الثراء النفسي، العلو، المافوق على مذهب كارل يسبرز، هذا الفيلسوف الذي احبه كثيرا . تقرا الكتاب للتغذي، ولكنك لا تتغذى لانك تريد المزيد، يفتح شهيتك على الافق البعيد، بعيدا عن تعقيدات الدليل العقدي الغارق بالحدود والرسوم، المترفع عن جدل الكلام، لانه جدل يبدو لم يؤمن به عبدالجبار الرفاعي بعد رحلة عمر في دراسة وتدريس الفلسفة، وبعد سفرة طويلة مع الامكان والواجب والممتنع، الشدة والضعف، العلة والمعلول، عالم العقل والمثال والمادة، يتجاوز كل هذه البحار ليرسو بسفينته على أطراف بحيرة جميلة، هي عصارة هذه البحار، روحها، هدفها، الا وهو الايمان بلا تعقيد، الايمان هو الطريق، بل هو ذات الطريق الى الراحة، الى الاستقرار، الى نفث النفس الذي يعقبه هدوء ... هدوء الوجدان، وليس الوجود شخصيا.

قد لا اؤمن بكل ما طرحه عبدالجبار الرفاعي في كتابه الاخير، بل هو هذا الذي يجب ان يكون، فلا معصوم في هذه الحياة سوى الله، ولكن وجدت فيه راحة نفسية، او وجدانية، وانا المكلوم طوال حياتي بحظ عاثر لا اعرف سببه، فكان للرفاعي شيء من الفضل عليّ، ترى هل هو من باب التخدير؟

الدعوة التي اطرحها هنا هي التحويل الثوري للدين، أو الفهم الثوري للدين، ولكن ليس بعنوان ثورة الدم، بل ثورة الروح على الجامد، ثورة الوجدان على الوجود الكسيح، ثورة الخبز النظيف.

علي شريعتي كان ابن مرحلته، يجب او بنبغي، او كما ارى: ان علي شريعتي اعطى كثيرا، من اجل توضيح مهمة الدين في مرحلة معينة او حالة خاصة، وعليه كان مظلوما بعض الشيء، إذ ان مفهومه للدين هو مرحلة في فهم الاسلام، او مرحلة في طرح الاسلام.. ولكن والحق يقال: ان طرح مفهوم شريعتي كمستقبل وصيرورة يحمل الكثير من المخاطرة، إذ لا اجد الاسلام سوى دين يشبع ظمأنا.

تحية للصديق الاخ، صاحب الفضل علي، ابو محمد، عبد الجبار الرفاعي.

 

الشريد ... غالب الشابندر

الربيع العربي الملغوم.. إستشراف الأزمات القادمة

jamal alatabiلم يمنع الثلج النرويجي الدكتور جعفرعبد المهدي صاحب، إذ إختار منفاه بعيدا، من أن يوقظ فينا الروح الساخنة، وهو يتناول بالدراسة والبحث قضايا عصرنا التي تتدفق في عقله وضميره بالتحليل العميق والرصدالماهر، إذ أغنى هذا الرجل مكتبتنا بأكثر من عشرين كتابا، صدرت له عن دور نشر عربية وأجنبية، وعشرات المقالات والدراسات في ميادين السياسة والفكر والمعتقدات الدينية القديمة، والإجتماع والفلسفة، وعدّ باحثاً متخصصا في معرفة ومتابعة الشؤون البلقانية،لسعة إطلاعه فيها،لأنه درس وتخرج من جامعة بلغراد (اليوغسلافية)، وعمل لسنوات طويلة في معاهد وجامعات ليبيا مدرّسا وباحثاَ،ونال جوائز عدّة، لنشاطاته ومشاركاته الفكرية والأكاديمية .

إن صدور كتابه الأخير(الربيع العربي الملغوم)، هو الذي دعاني الى البدء بسيرته الذاتية أولا، وهو غني عن التعريف، إذ أزعم ان قلة من المتخصصين والمتابعين من لم يتوقف عند منجزه الفكري،وأسمح لنفسي نيابة عن هذه القلة لأقول : ان القارىء العراقي، لعقود من الزمن ظل محروما من التعرف على الجهد الفكري الإنساني، بسبب سياسات القمع، ومصادرة الحريات التي مارستها الديكتاتوريات، وانظمة الإستبداد، والحروب والحصارات، أبشع ما فيها، أنها انتجت فجوة تاريخية تراجع فيها العقل العراقي، وقدرته على الإبداع .

   قدم الدكتورجعفر كتابه الصادر مؤخراً عن (دار نيبور للطباعة والنشر) إستشرافاً مستقبلياً لمجرى الأحداث في المنطقة العربية وما جاورها، معتمداً على تخصصه الدقيق المقترن بالتجربة الميدانية، إذ حاول الكاتب أن يسلط الضوء على علاقة (الربيع العربي) بالوضع في البلقان، وأحسب انها دراسة جديدة لم يتناولها باحث آخر، فيعود بالقارىء إلى إتفاقية (دايتون*) للسلام في البوسنة، والتي عدّها الكاتب، المفتاح الفعلي للدخول في أجواء العولمة السياسية والإقتصادية التي يشهدها عالم اليوم .

     وتتلخص رؤية الكاتب، بأن المخطط الغربي عمل على خلق بؤرالصراع في أطراف المنطقة العربية، في الدول التي تحكمها أنظمة إسلامية (أفغانستان، الشيشان، البوسنة، كوسوفو) وتأجيج عوامل التناقض والإحتراب فيها بين القوميات والاديان والطوائف،وأستدراج قوى (الإسلام السياسي) للدخول بقوة لحلبة هذا الصراع، لخلق المبررات في إستهداف البنى الإقتصادية والإجتماعية في هذه الدول وصولا للغايات ذاتها في منطقة أخرى مجاورة (الشرق الأوسط)، ويعتقد الكاتب كذلك ان من بين المرامي الاخرى الأساسية، العمل على إستهداف الدين الإسلامي برموزه ومقدساته .

ولكي يصل بالمتابع لهذه النتائج، قدم الكاتب جهداً طيباً في تتبع بدايات (الربيع) في بلدان ومدن اوربية (بودابست، براغ، وارشو، فرنسا، المانيا)، ومن ثم (الربيع العربي) الذي تشبّه بالأحداث التي سبقته، عبر سلسلة من الإحتجاجات والتظاهرات المطالبة بالحرية وحقوق الإنسان، والعدالة الإجتماعية، بمجابهات حادة مع سياسات الإستبداد والديكتاتورية والحزبية الضيقة ، والإنغلاق الفكري .

وقدم لنا الكاتب توضيحا لأسباب إختياره معاهدة (دايتون) عنواناً لدراسته، فهي برأيه، من أخطر الإتفاقيات الدولية الموقّعة في القرن العشرين، لأنها مهّدت الطريق لنهج العولمة، وشرعنت سياسة التدخل، وأجازت تحطيم سيادة الدول، وفتحت الطريق نحو محاكمة رؤساء الدول خلافا لمبدأ الحصانة المتعارف عليها دولياً، وخرق قاعدة التوازن في العلاقات الدولية والمحكومة بمبادىء القانون الدولي العام .

في (دايتون) تمت التسوية، ونجح (الراعي) الأمريكي في فرض سياسته على الأرض وتم إقتسام الارض بين الأطراف التي قاتلت من أجلها .إن مايريد الكاتب الوصول إليه من إستنتاج، بصدق وواقعية، وهو العارف بلغة وتاريخ بلدان الأزمة، والشاهد الميداني على أحداثها من مصادرها الأصيلة، هو القول، بأن الإتفاقية وما تضمنه من إحتلال مقنن، وضعت حجر الأساس لإحتلال العراق عام 2003، وكانت المهر المقدّم لعقد نكاح (الربيع العربي) على سنّة الولايات المتحدة ورسولها حلف الناتو، وما تمخض عنه من نتائج كارثية، وعلى حد تعبيره (الطامة الكبرى)، بصعود القوى الظلامية والرجعية التي تلبست بثياب الدين،وخطفت ثمار الربيع العربي، بالقفز الى السلطة في تونس ومصر (قبل التصحيح)، وليبيا، تزامنا مع سيول من الدماء والحرائق غير المنقطعة في العراق وسوريا واليمن، تستند الى عقيدة مريضة، وفكر ظلامي متشدد، إستهدف الحياة والوجود الإنساني .

إن المشهد المقبل كما يراه الكاتب، فيه الكثير من الضبابية والتشوش، وخطابه وإن تضمن إشارا ت للتنبيه، إلا انها تدل على كثير من مخاوف ومخاطر تحيق بهواجسه التي تريد الحفاظ على المشروع الوطني، وبقدر إخلاص الكاتب الى وطنيته وإنفتاحه على التجارب الإنسانية، فإنه قلق على مستقبل تعبث به الإرادات الدولية والإقليمية، على وفق مخططاتها الشريرة بإعادة تشغيل سيناريو (دايتون) من جديد في المنطقة .

وفضلا عما قدمه الدكتور جعفر من قراءة متأنية للتاريخ القريب، ورؤى ذات دلالات عميقة لمستقبل المنطقة، فانه أضاف الى بحثه ببلوغرافيا بأسماء الأعلام، من سياسيين وقادة دول،فإختصر الجهد والوقت في السؤال لدى القارىء، عن دور كل منهم في الأحداث التي تناولها، معززة بالأرقام والتواريخ، ولغزارة المعلومات فيها، فإنها لوحدها، تعد مرجعا مضافا لما قدمه من جهد أكاديمي رصين يستحق التقدير والقراءة .

 

جمال العتابي

......................

* دايتون: إحدى مدن ولاية أوهايو الأمريكية التي تم فيها توقيع الإتفاقية بين أطراف النزاع في البوسنة والهرسك بإدارة الرئيس الامريكي كلنتون في 25/تشرين الثاني/ 2005

  

عبد الجبار الرفاعي في تحرره من الأيديولوجيا وظمأه للدين الانطولوجي

801-jabarيأتي كتاب المفكر الاسلامي عبدالجبار الرفاعي (الدين والظمأ الانطولوجي) من منشورات مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير ببيروت 2016 في سياق سلسلة من مؤلفات لباحث خبير تدرب جيدا في مسالك البحث المعرفي، وجهد كثيرا في التمكن من ادواته البحثية، وتعمق كثيرا في تجاربه وتحولاته الدينية من الايديولوجي للانطولوجي، ومن الحزبي السياسي للمفكر الحر والباحث المتامل المتفتح عل رحاب الآفاق الانسانية، والمختلف في العقيدة والدين والفكر. هذا باختصار هو المفكر والباحث الرصين عبدالجبار الرفاعي في ماهيته المعرفية الراهنة المواكبة للعصر. ويمكن ان نفهم رسالة كتابه ومضمونه ضمن هذا السياق والتي تحددت في اطار الفصل بين دين ايديولوجي؛ تحكمه المقولات الجاهزة، والعبارات الحماسية، والتعبئة الشعبوية، والغاء الذات، وطمس اشواقها الجوانية... دين انتشرت بضاعته وسادت مهيمانته في سوق الجماعات الدينية، التي اتخذت من الدين مرجعية جزمية يقينية في اقصاء الآخر المختلف، واغتياله واختطاف انسانيته، لصالح الايديولوجيا، وغاياتها العمياء في السلطة، ومغانمها والطقوس وشكلانياتها، مقابل دين آخر يرسم الرفاعي هنا معالمه، ويخطط خرائطه، ويلوّنه بقلق تجربته، وهواجس اشتياقه في رحلة البحث والمكابدات، والتحرر من سجون الوراثة البيولوجية، والحزبية. ذلك هو الدين الانطولوجي (التعبير ماركة خاصة ينحتها عبدالجبار الرفاعي). دين الخلاص من ربقة أسوار الايديولوجيا الضيقة.. دين المحبة الايمانية، والنزعة الانسانية، التي لا تتسع لها أدبيات الجماعات الدينية، سواء كانت في: منابرها، او فتاواها الفقهية، او مقولاتها اللاهوتية، او قصور سلاطينها الجديدة،او دهاليزها السرية.. دين الفطرة الاول، والجوهر الانساني الاول، الدين المنقذ من دين الايديولوجيا من قبضة وحوش الارهاب التي تزور وتلوث اسم الله. اسم الله هو المحبة والرحمة والجمال والسلام والحياة، وهذه الوحوش تتخذ منه قناعا لاشاعة الكراهية والقسوة والقبح والعنف والموت. انها تتخذ من الدين ذريعة للوصول للسلطة ومغانمها،كما حصل في عدة بلدان في المنطقة.. يكتب الرفاعي: (تستبعد الجماعة من صفوفها عادة كل شخص يستفيق، فيعود لذاته ويتعرف عل يأسها وخوفها وحزنها وغرائزها ومشاعرها وعواطفها وحاجاتها واحلامها وتطلعاتها وهمومها وآلامها وغضبها وفرحها وترحها ومرضها وسقمها وصحتها وحياتها وموتها. من هنا تحرص ادبيات الجماعات الدينية على مناهضة ورفض الثروة الفلسفية ومدونة التصوف والعرفان في الدين، وتتهمها بالهرطقة والخروج عن الدين، وتحذر اتباعها من الاطلاع عليها والنظر فيها، وهو موقف تتضامن وتلتقي فيه تلك الجماعات باسرها) ص19من: الدين والظمأ الأنطولوجي.

 

اعترافات ومكاشفات الدين والظمأ الأنطولوجي:

801-jabarالكتاب يبدو وكأنه خلاصة أسفار الرفاعي نفسة، ومكابدات تحولاته لبلوغ شواطئ الدين الانطولوجي، واشباع ظمأه للمقدس، الذي شوهته ثقافة الايديولوجيات، وقراصنة السياسة، والطاعات العمياء في ثقافات هذه الجماعات من طلاب السلطة والطامعين بمغانمها، والتي قضمت عقود طويلة من حياته (قبل ربع قرن دخلت حياتي فضاءا جديدا، تحررت فيه من آخر بقايا ما ترسب في وجداني من السلبية والتعصب والعدوان حيال الآخر المختلف، لكن لم امتلك ذلك الا بعد مراجعات ومكابدات ومعاناة شاقة، عملت فيها أولا عل تحرير صورة الله في روحي من الكدر الذي شوهها، والظلام الذي حجب نورها، وثانيا تطهير حياتي من بقايا سموم الكراهية التي ظلت ترتد لقلبي لتفتك به)، ص79 من الكتاب. ولهذا بدأ الكتاب، وكأنه سيرة روحية قلبية عقلية، حفلت بأقصى درجات الصدق والصراحة مع الذات، وكأن الرفاعي في حضرة كاهن الاعتراف ليتحرر من ذنوب السجون، التي كبلت حرية التفكير لديه، وحبست اشواقه الانسانية في قمقمها، وحجرت تبتلاته الصوفية التي ظهرت في مؤلفاته الاخيرة، وكتاباته المحررة من قبضة الايديولوجيا، وترجمها خطاب معرفي منسل من قراءات ممزوجة بلغتين حيويتين اشتبكتا في وعيه، بكل اصنافها المعرفية وجمالياتها اللغوية، هما اللغة الساحرة للرفاعي، والفارسية التي أجاد بها وترجم منها وعنها.

 

مدونة روحية قلبية عقلية:

من بوابة الغلاف تشعر بأنك بصدد أسفار عبر مدونة تناغي القلب لا العقل، تناغي الروح لا الفكر، المبرمج بأفق ايديولوجي محدد، وكان الرفاعي قد سبقه في (انقاذ النزعة الانسانية في الدين)، فالتدين لدى الرفاعي هو غير التدين الذي يتجلى لنا اليوم في سلوكيات جماعات العنف الديني، او جماعات الدين السياسي، الذين امتطوا صهوة السلطة في ظروف ملتبسة، بما سمي (بالربيع العربي )، ولذا فهو يحاكم بصرامة وعدالة تاريخه الشخصي، الذي كان أسيرا فيه للايديولوجيا ومفاهيمها الجاهزة، وشعاراتها الحماسية، وتزييفها للرؤية وآفاق المعرفة بموقف أحادي لا يقبل الحوار والتعايش مع الآخرين، الايديولوجيا التي اخفت عن الرفاعي صورة الله الحقيقية كل سنواته الحزبية، لذا فظمأه الانطولوجي للدين، هو الخلاص من ذلك التاريخ، والتحرر من تلك الهيمنة والانطلاق لعالم أرحب في انسانيته وآفاقه، واحتواء المخلوقات الانسانية بالمحبة والمشاركة والتعايش بفضاء جميل يحتمل الجميع، والاهم من ذلك انها محاولة لانقاذ الدين من براثن وحوش الدين الايديولوجي؛ حكاما ومعارضين، وبعض رجال دين، وكأنه في ذلك يقتفي سيرة الحلاج والسهروردي ومولانا جلال الدين الرومي ومريده شمس الدين التبريزي، وجميع معلمي الحب وفقهاء التسامح وجواهر الحكمة التي بددتها قتامة الدين الايديولوجي.

 

ومضة في روح الرفاعي:

مهمة كتلك ليست هي مهمة معرفية محضة، بقدر ما هي رسالة وجدانية تتحملها مسؤولية الباحث الذي كابد مشاقات رحلة الوصول للدين الانطولوجي بكل خساراتها والتياعتها، واشراقاتها؛ لبلوغ شاطئ الدين الآخر المضاد للدين، الذي ظهر كوحش نهم في افتراس الانسانية، والغاء الآخرين واقصاءهم عن مسرح الحياة، او كما تنفذه بحذافيره النصية الجماعات الدينية.

الومضة التي تشتعل في روح الرفاعي يجد انه من الامانة ان ينشرها، او يزرع فسائلها في مشغله المعرفي، وهواجس التحول من الظلمة للنور لابد ان تتموج للآخرين، والا ما قيمة الثقافة والفكر، ان لم يسارع المفكر الانساني بانقاذ حريق العالم واطفاء شروره، التي تأتي في ايامنا للاسف غالبا من جماعات وافكار ومقولات تنتمي للدين، بشكل من الاشكال وتتمظهر به. كان الرفاعي في يوم ما متحمسا لترويجها، والدفاع عنها، والتزام سلوكياتها الاقصائية، ورغم ان الرفاعي يعترف بانه مازال لايستطيع التخلص نهائيا من رواسب تلك الثقافة؛ بما يجعله مترددا في تعرية مفاصل سيرته الفكرية والحزبية والانسانية كلها، الا انه قدم لي عل الاقل سيرة من المكابدات والالتياعات الحقيقية ،لم اقرأ شبيها لها في تعرية الجماعات التي كان منتميا لها ذات يوم، وجعل من كتابه ورؤاه محكمة افتراضية لكل هؤلاء حزبيين وسلطويين (اكتشفت في وقت مبكر اشخاصا من زملائي الاسلاميين "مات الانسان في داخلهم"، ثم هتكت تجربة السلطة في العراق عورات بعضهم فـ"مات الله في قلوبهم". انهم ممن نسوا الله فأنساهم انفسهم، ووظفوا كل ما وهبهم الله من ذكاء ومهارات في الكيد والغدر واستهداف البشر والنيل منهم والتآمر عليهم. ادركت انه لامختبر للاخلاق في مجتمعاتنا كالسلطة.لم تتبدل شخصية الكائن البشري عل كرسي السلطة، كما يظن البعض، وانما يتفجر كل ما هو مترسب في اعماقها .. مجموعة ممن عاشرت من الاصدقاء قبل السلطة فضح ظفرهم بالكرسي كل ما هو رديء مختبئ في داخلهم من هشاشة الشخصية، هذر اللسان، تبلد الشعور، موت الضمير، نرجسية الذات، وانطفاء الروح ) ص 33 .

 

علي شريعتي الايديولوجي:

ربما وجدت خروجا للرفاعي عن هدوئه وموضوعيته (ان لم اكن خاطئا) في الفصل الخاص بالدكتور شريعتي، والذي اتخذه نموذجا متاحا وشعبويا للاسلام الايديولوجي مقابل الدين الانطولوجي، وانا اعتقد ان الرفاعي كان شجاعا في تفكيك خطاب شريعتي وحماسياته الثورية، لانه مازال حتى يومنا هذا يحتل مكانا مرموقا في وجدان شريحة ليس قليلة من القراء في عالمنا العربي. ويبدو ان الرفاعي كان مغاليا في وضع مثال شريعتي اسوة بامثلة اخرى، كسيد قطب، او ابو الاعلى المودودي، وغيرهما من منظري أدبيات العنف للجماعات الدينية في تاريخنا المعاصر. ربما كان على الرفاعي وضع خطاب شريعتي في سياقات المنطقة التاريخية التي افرزته المعيا ومشاكسا؛ بوصفه وليد او نتاج الثورة الطلابية اليسارية التي اجتاحت العالم، ابان ستينيات القرن السابق، التي برز فيها شريعتي، واكتمل خطابه وظهرت ملامحه التبشيرية لدى اوساط الشباب والطلبة خاصة.

 

ذروة الكتاب:

الفصل الرابع من الكتاب اعتقد انه الذروة او الرسالة التي اراد الرفاعي من قارئه اللبيب تمثلها والتبشير بها، وهو تأصيل وصياغة الدين الانطولوجي، وازالة الالتباسات في غموض المصطلح ومطابقته للواقع، وحشد الامثلة الواقعية لمضاده النوعي. واعتقد انه كان موفقا فيه كخلاصة او نهاية لكتابه الانطولوجي هذا. رغم ان الحوارات الملحقة بالكتاب مع اهميتة اجوبتها، والتي تقع في سياق مقارب لما يطرحه الرفاعي في مؤلفاته، لكني وجدتها فائضة الحاجة عن كتاب اقتصرت مهمته عل رسالة نبيلة، وتأصيل انساني لمشروع وملامح الدين الانطولوجي، الذي اختطفته جماعات الارهاب واسلاميو الحكم.

ختاما يشدد الرفاعي على أن (الظمأ الانطولوجي للمقدس يجتاح كل كائن بشري بوصف هذا الكائن يتعطش للامتلاء بالوجود،كي يتخلص من الهشاشة ويجعل حياته ممكنة في هذا العالم الغارق بالالام والاوجاع، وتكون له القدرة عل العيش باقل ما يمكن من المرارات والاحزان، ويخرج من حالة القلق للسكينة ومن اللامعنى للمعنى ومن السوداوية... مع تفشي ثقافة التكفير في حياتنا، وتشبع وعي الناشئة بها، وترسبها في طبقات اللاوعي العميقة في شخصية ابنائنا، لايمكننا بلوغ عتبة السلام والعيش الكريم في أوطاننا، من دون صياغة ميثاق للمواطنة يكون النصاب فيه هو الانتماء للوطن والمساواة في الحقوق والواجبات ) ص 191.

 

توفيق التميمي

 

خير الأثر في تدوين المعاجم والسير

nadheer khazrajiمن نعم الله على العبد نسيانه لصفحات من الماضي القريب والبعيد من سجل حياته اليومية، فالإنسان في مسيرته اليومية كالحدثين الليل والنهار، هناك نور وظلام، هناك بقعة ضوء ومساحة عتمة، دورة من الحياة ينتظم في سلكها كل الناس بلا فرق في المقامات والشأنيات، فكما تشرق الشمس على الأخضر واليابس والجبال والبحار والحضري والبدوي، فإن الظلام يحل على الجمادات والنباتات والحيوانات وكل دابة تتنفس على وجه الأرض وهكذا هي الحال في دورة الحياة مع الإنسان الذي يتنقل بين الضحكة والدمعة، بين الفرح والترح، بين الغنى والفقر، يتذكر شيئاً وينسى اشياءً، يستذكر بعضا من التاريخ ويتناسى أبعاضا منها، يستغرق في الماضي الوردي مستحضراً ما يسر نفسه ليشغل فراغها ويسد عليها منافذ الريح السوداء القادمة من ثنايا حاضر مؤلم، ويشرد من ماضيه الرمادي أو الأسود مستحضراً كل أدوات التبرير ليشغل النفس اللوامة عن فتح ملفاته بما يعكر عليه صفو يومه وحياته.

قد يعتقد البعض أن كتابة السيرة الذاتية أمر سهل وهين، فما على الإنسان إلا أن يسرد تفاصيل حياته ويسطرها على الورق لتجد طريقها الى المطابع ومن ثم الى رفوف المكتبات ليدفع القارئ من حر ماله حتى يقرأ تجارب الآخر في حقول الحياة المختلفة، فلو كان الأمر كذلك لما مشى أكثرهم الى أصحاب قلم لكتابة سيرتهم أو عرضها على كاتب بارع او محرر خبير ليعيد صياغة السيرة الذاتية بما يتوافق مع اللغة الأدبية الاحترافية التي تكتب بها، لأن السيرة الذاتية هو فن بذاته وإن كانت الأدوات هي نفسها التي يستخدمها صاحب مقالة سياسية أو ثقافية، ولا يجيد هذا الفن الا نزر قليل، وإلا لأصبح كل صاحب قلم راوية وقصصي (سيناريست).

ومن الطبيعي أن يعمد صاحب السيرة الى شطب الكثير من الذكريات المؤلمة على نفسه أو التي تصيب شظياتها المؤلمة نفوس صحب آخرين، وقد يعمد البعض وخلافا للأمانة التاريخية الى اختلاق صور جميلة لنفسه أو يلبس آخرين أثواباً غير حقيقية، زاعماً لنفسه ما ليس له وسالبا عن غيره ما هو حقيق به، على طريقة معظم الأفلام والمسلسلات التاريخية التي ليس لها نصيب من الواقع الا عشرة او عشرين بالمائة والبقية من خيالات المؤلف والمخرج، حتى يظن المشاهد ما رأه حقيقة وليس هو بكذلك.

وفي المقابل، فإنه ليس من السهولة الكتابة عن شخص وتدوين سيرته الذاتية حياّ كان أو ميتاً، ولهذا اختلفت كتب المعاجم والسير التي اشتهرت بها المكتبات العربية، من كاتب لآخر، ولهذا اختلف تقييمنا للمعاجم ومؤلفيها، فربما لصقنا بمؤلف صفة الصدق لتقصيه الحقيقة، وآخر الكذب لتعمده ذلك، وثالث المبالغة لأنه يسبغ على المترجم له ما زاد عن الواقع تعظيما، ورابع التحامل ببخس الناس حقهم وحجب ما لهم أو الحاقه ما ليس من حقهم.

فالكتابة عن الآخرين وبيان سيرتهم الذاتية ربما دخلت في منطوق قوله تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا)، النساء: 58، فلا مبالغة ولا تحامل، ولا إفراط ولا تفريط، وهذا المعادلة السليمة لمستها في تعامل المحقق الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي مع الأشخاص الذين يترجمهم في مطاوي دائرة المعارف الحسينية التي يعكف على التأليف والتحقيق فيها منذ عام 1987م حتى بلغ المطبوع منها أكثر من مائة من مجموع نحو 900 مجلد.

ولما كانت المعاجم مختلفة المشارب، فإن كل قسم منها اعطى المؤلف حقه حسب المشرب الذي ورد إليه صاحب السيرة، وبين أيدينا الجزء الرابع من (معجم الشعراء الناظمين في الحسين) الصادر مطلع العام الجاري 2016م (1437هـ) في 582 صفحة من القطع الوزيري عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، تناول فيها المحقق الكرباسي الجانب الأدبي والنظمي في سيرة الشاعر الحسيني دون الجوانب الأخرى، متتبعاً الجانب الأدبي من حياة الشاعر دون الولوج الى تفاصيل حياته اليومية.

 

ما وراء التقصي

ربما يعتقد أكثرنا أن كتب المعاجم والسير من المجالات التي يسهل التأليف فيها، وهو أمر يتوهم فيه هذا البعض، لأن الإقتراب منه يكشف العقبات والمصاعب، وهي حقيقة عجنت طينتها وعانيت منها ولازلت منذ أن صار التنقيب عن السير الذاتية جزءاً من عملي التحقيقي في دائرة المعارف الحسينية، وهذه الحقيقة يؤكدها المحقق الكرباسي في أكثر من موضع، حيث يفصح عنها في نهاية الجزء فيؤكد بحسرة: (في نهاية المطاف أود الإشارة الى أن تحصيل المعلومة من الشعراء كما هو الحال في غيرهم يجهدنا كثيراً بل كل العاملين معنا، أما الأموات فإن الكتب ضنينة جداً بالذين نريد بيان سيرتهم الأدبية، وبالكاد يمكن الحصول على المعلومة وفي بعض الأحيان بحاجة الى الرمل والاسطرلاب –كما يقال- حتى يمكن الوصول إلى النزر القليل إن لم يكن هناك تضارب في سيرتهم ممن ترجموه ولو باختصار). ولا يذهبن الظن بأحد بأنَّ الصعوبة لصيقة بالأموات، بل ربما الأحياء في بعض الأحياء اكثر صعوبة، حيث يؤكد الكرباسي: (وأما الأحياء منهم فإن الاتصال بهم هو الآخر متعب ويحتاج في بعض الأحيان الى الالتماس والتمني بل يصل الى حالة التسوّل بعد التوسّل، وكم اتصلنا هاتفيا أو أرسلنا مرسلين الى الأحياء منهم وبعد اللتيا والتي –كما يُقال- لم نحصل إلا على ما لا يقابل تلك المساعي حتى بات الضجر بادياً على محيا العاملين معي، ولولا أنهم يعتبرون أنفسهم خداماً للإمام أبي عبد الله الحسين- روحي وأرواح العالمين له الفدا- لما كانوا يستمرون في اتصالاتهم رغم كثرة وسائل التواصل في عصرنا الحاضر).

كان بإمكان المؤلف أن يكتفي، بخصوص الراحلين منهم، بما مذكور في المصادر والمراجع، وبالنسبة للأحياء ما تناثر من سيرهم الذاتية في المصادر والشبكة العنكبوتية (الانترنيت)، ولكن إذا انتهج هذا المنحى ما عادت الموسوعة الحسينية دائرة معارف بحق وحقيقة، وصار حالها كحال أي كتاب يعمد مؤلفها الى تسجيل حضوره في عالم التأليف.

ولطالما عبر الكرباسي، خلال سبر السيرة الذاتية للشعراء، عن أسفه الشديد لما حلّ بنتاجات الشعراء من ضياع وفقدان، كان للعامل السياسي دوره الكبير في حرمان الأمة من أدب شعرائها، وبخاصة الأدب الحسيني الناهض الذي تعرض أصحابه للمطاردة والإبادة من أجل قمع صوت الحق الذي تمثل في قوافي الشعراء، ولما كان صوت القافية أكثر وقعا من قرقعة السيوف، فإنَّ النهاية المأساوية هي حليف كل صاحب قافية متحررة من ربقة الجبت والطاغوت، ومن هنا وعلى سبيل المثال فإن المؤلف عندما يتابع سيرة الشاعر البحريني أحمد بن محمد بن منصور الدرازي الشاخوري البحراني المتوفى عام 1815م، يقول فيه: (وقد فُقد شعره الحسيني بل ربما كل شعره، وبذلك خسرت المكتبة الإسلامية من جراء الإضطهادات المتتالية التي وقعت على أتباع مدرسة أهل البيت(ع) الكثير من أعماله الأدبية وغيرها). ومن هؤلاء الشاعر اللبناني أحمد بن منير الرّفا المتوفى عام 1153م، فقد كان ولاؤه لأهل البيت وشعره فيهم وهجاؤه لناصبيهم العداء سببا من أسباب ضياع ديوانه الذي كان موجوداً حتى النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وحسب استقراء الشيخ الكرباسي: (من المحتمل أن فقدان ديوانه كان بسبب تشيعه ولاحتوائه على الكثير من الهجاء والقذع لناصبي أهل البيت(ع) العداء ولمبغضيهم والذي دفع بهم لإخفاء ديوانه وإتلافه)، وقد تعرض الشاعر الرّفا خلال مسيرته الأدبية للسجن في قلعة دمشق وبعد إطلاق سراحه بفتره عزموا على صلبه فهرب منهم.

ولقد كان لتبحر الشيخ الكرباسي في العلوم المختلفة وتمكنه منها، بمقام القارب الذي يسعف كل من خانته المعرفة، ولهذا فإن درج السيرة الأدبية للشعراء لا يخلو من ملفات تظهر تدخل المؤلف لتصحيح ما يراه خطأ، فمن ذلك قول أحد الشعراء في تأريخ ولادة الشاعر العراقي أحمد بن محمد الموسوي المؤمن المتوفى سنة 1990م، من بحر الرمل:

قلتُ للصحب هلمّوا أرّخوا: ... غيهبُ الأفق ميلاد أحمدْ

ولوقوف المؤلف على شعر التأريخ (الجمّل) فإنه يقرر: (ولا يخفى أن هذا لا يصح مع ما ذكره مترجمه لأن مجموع المفردات الأربع تقدر بـ (1367) ويختلف عما ذكره في تأريخه 1321هـ بفارق 46 رقماً، وبالقطع فإن الخطأ جاء في البيت لا في تاريخ الولادة حيث لا يناسب تاريخ الترجمة، ولو أبدل "غيهب" إلى "خارق" لصح التاريخ والمعنى).

ومن ذلك ينفي المحقق الكرباسي وجود إمرأة شاعرة باسم أدمى بنت علي بن أبي طالب الهاشمية حيث ورد اسمها لأول مرة في كتاب "أنوار الشهادة" للشيخ محمد حسين اليزدي المتوفى سنة 1297هـ (1880م) وهي ترثي أخاها الإمام الحسين(ع) حيث تقول من بحر الطويل، وهي تخاطب الزمان:

أسأت بقومٍ أسسوا كلَّ رحمة ... وأسررتَ قوماً أبدعوا كلَّ بدعةِ

وأبكيت عمداً عين آلِ محمدٍ ... وأضحكت جهلاً سِنَّ آل أميَّةِ

فهذا البيتان من مقطوعة من خمسة أبيات، أوردها الكرباسي بوصفه شعراً حسينياً، وبعد رد النسبة لعدم وجود ابنة للإمام علي(ع) باسم أدمى، يتابع مصدر النسبة من منظار الأدب فيؤكد: (إن ضعف الأبيات يدلنا على عدم صحة النسبة، بل هي من نظم من ليس بعربي أنشأها على لسان حال إحدى قريبات الإمام الحسين(ع) والمناسبة المذكورة أنها أنشأتها على جسد الإمام الحسين (ع) غير صحيحة).

 

عالمية القضية

لم تكن كربلاء، بقعة أرض فقط، تطل من غربها وجنوبها على صحراء الجزيرة العربية ومن شرقها وشمالها على عمق العراق أرض السواد الخصب، وإنما تقدست بثاويها القادم من المدينة المنورة والذي سبق أن سكن الكوفة لخمس سنوات، ولأنه رفع راية تحرير الإنسان من نير السلطان، دار اسمه في البلدان، وأشار اليه كل بنان، فانطلقت الحناجر تصدح بنظم البيان بكل الألحان، فكان لكل قطر شعراؤه الذين قرظوا النهضة الحسينية وإمامها وسيدها رثاءً ومدحاً.

ولكثرتهم وتنوعهم وتوزعهم في البلدان فإن الجزء الرابع من معجم الناظمين لا يزال يراوح عند حرف الألف، فبدأ بأحمد وانتهى بأسعد، وقافلة الشعراء بلا عد، وهم بازدياد بلا حد.

وكان للجزيرة العربية السبق من حيث العدد يليها العراق ثم لبنان ومصر واليمن وإيران والمغرب

وسوريا والبحرين والأندلس وتركيا، فمن السعودية حظي المعجم بأحد عشر شاعراً وهم من حيث تاريخ الوفاة أو الولادة: أحمد حمزة الماجد (1402هـ)، أحمد عباس الرويعي (1415هـ)، أحمد محمد الأحسائي (1247هـ)، أحمد محمد السبعي (860هـ)، أحمد محمد الصفار (1270هـ)، أحمد محمد النمر (1380هـ)، أحمد معتوق العيثان (1387هـ)، أحمد منصور القطان (480هـ)، أحمد منصور خميس (1352هـ)، إدريس عبد الباقي آل قمبر (1399هـ)، وأديب عبد القادر أبو المكارم (1397هـ).

وحظي العراق بتسعة شعراء هم: إحسان كريم الحكيمي (1408هـ)، أحمد الحلي (ق 13هـ)، أحمد محمد الرمّل (1380هـ)، أحمد محمد العطار (1215هـ)، أحمد محمد المؤمن (1412هـ)، أحمد محمد رضا القزويني (ق 15هـ)، أركان حسين التميمي (1387هـ)، أسعد الغريري (1373هـ).

وحظي لبنان بسبعة شعراء هم: أحمد خليل حجازي (1391هـ)، أحمد محمد سعد (1436هـ)، أحمد محمود الدر العاملي (1397هـ)، أحمد منصور الكاخي (1361هـ)، أحمد منير الرفا (548هـ)، اسحاق شاكر العشي (1345هـ)، أسد الله محمد رؤوف مرتضى العاملي (ق 15هـ).

وحظيت كل من مصر واليمن بستة شعراء، والمصريون هم: أحمد حسن محرم (1364هـ)، أحمد محمد الفيومي (770هـ)، أحمد محمد الكناني (1353هـ)، أحمد محمد فهمي (1391هـ)، أحمد موسى عفيفي (1411هـ)، أسعد عبد الغني العدوي (639هـ). ومن اليمن: أحمد محمد السقاف (1431هـ)، أحمد محمد الشامي (1429هـ)، أحمد محمد أحسن العجري (1386هـ)، إدريس حسن القرشي (872هـ)، إسحاق مالك الأشتر (61هـ)، أحوص شداد الهمداني (ب67هـ).

وحظيت إيران بثلاثة شعراء هم: أحمد مطلب المشعشعي (1168هـ)، إسحاق مظهر الإصبهاني (678هـ)، أسعد علي الزوزني (492هـ). فيما حظيت البحرين بشاعرين هما: أحمد محمد العصفور (1230هـ)، وأحمد مهدي الخطي (1306هـ)، ومثلها سوريا وهما: إدوار نقولا مرقص (1368هـ)، وأسعد أحمد علي (1356هـ)، ومثلهما في المغرب وهما: أحمد محمد الدَّباغ (1355هـ)، وأحمد مسعود الحسني (1041هـ). فيما حظيت الأندلس بشاعر واحد هو: أحمد محمد القسطلي (421هـ)، ومثلها تركيا وهو: أحمد محمد الصنوبري (334هـ). وضم المعجم ثلاثة شعراء غير معروفين أو لم يتم التعرف عليهم وهم: أحمد محمد السقا (ق 15هـ)، أحمد محمد الهاشمي (61هـ)، وأدمى بنت علي الهاشمية (ق 1هـ).

 

أغراض حيوية

تابع الكرباسي في حياة الشعراء الأدبية، الأغراض الأخرى من قصائدهم دون الحسينية التي أخذت محلها في دواوين القرون، وهو ما يعطي للكتاب غنى وتنوعاً ورغبة في قراءته وتحسس قوافيه بأنامل القلب والتغني معها على أوتار الروح، ومن ذلك قول الشاعر المصري أحمد محمد الكناني الأبياري المتوفى عام 1934م، من الخفيف وهو يعارض العذال:

بهجةُ الروح للوصال دعاني ... يا خليليَّ في غرامي دعاني

يا خليليَّ لستُ للنصح أُصغي ... خلِّيا النصحَ واتركاني وشاني

كيف أصغي لعذلِ لاحٍ تخلَّى ... لا يُعاني في حبِّه ما أُعاني

وهي حقيقة لا غبار عليه، فالمحب غارق في بحر حبيبه لا يلوي على شيء إلا القرب والوصال وإن ساقه الزمن من حال الى أسوأ حال، ولا يهم نوع الحبيب ما دام الهيام هو الهيام، كأنه يكون غزالة في الحارة أو ظبية مرت بجانبه، أو زوجة اندك حبها في قلبه اندكاكا، ومحبوب المتصوف في أكثر الأحيان رب الأحباب ورب الأرباب.

وعن الشيب فحدث ولا حرج، فأصعب شيء على المرء بعد عوادي الزمان أن يرى الشيب يخط صدغه أو يحتل مساحة كبيرة من رأسه ومحاسن وجهه، فهذا الشاعر اليمني أحمد بن محمد السقاف المتوفى عام 2010م يبكي شباباً ذهب مع ريح الزمان، فينعى نفسه من الوافر:

بكيت على الشباب بدمع عيني ... فلم يُغن البكاءُ ولا النَّحيبُ

فيا أسفا أسفتُ على شبابٍ ... نعاهُ الشيبُ والرأسُ الخضيبُ

عريتُ من الشباب وكان غُصناً ... كما يَعرى من الورق القضيبُ

وإذا كان البعض يشكو المشيب، فإن البعض الآخر يناجي الديار التي حلّ بها أو طاف عليها، يناشد القريب والبعيد، الجماد والإنسان، يدعوه أن يوصل سلامه الى الساكن بها، فهذا الشاعر العراق أحمد بن محمد العطار المتوفى عام 1800م يحدوه شوقه الى الديار المقدسة في الحجاز فيخاطب البرق من بحر الطويل:

أيا برقُ إن جزتَ المنازلَ فآبلغَنْ ... سلامَ مقيمٍ لا يزالُ على العهدِ

إذا مرَّ لي ذكرُ العُذيبِ وبانِهِ ... تذكرتُ في أيام قُربكُم وِردي

سقى منزلاً بالسفح سفحُ مدامعي ... وحَيّا الحَيَا رَبعاً خصيباً على نجدِ

وبعض يخاطب الدهر يرجوه لم شمل الرفاق من بعد طول فراق، فهذا الشاعر المغربي أحمد بن مسعود الحسني المتوفى عام 1633م، يتحسّر على حبيبه الذي باعدته الديار وأبعدته الأيام، ينتظر الظرف الذي يجمعه ولو بسماع صوته، فينظم من الطويل:

ألا ليت شعري هل أُلاقيك مرّة ... وصوتُك قبل الموت ها أنا سامعُ

فيا دهرنا للشتّ هل أنت جامعُ ... ويا دهرنا بالوصل هل أنت راجعُ

وتجارب الحياة كثيرة، في الإيجاب دافعة وفي السلب مانعة، والحياة الهانئة لمن يلزم سبيل الرشاد، ولما كانت الشرور تقف متوثبة على أبواب فم المرء تحت عضلة اللسان، فإن الشاعر القطيفي أحمد بن منصور آل خميس المولود عام 1933م، يدعونا الى أخذ الحيطة والحذر من زلات اللسان، فينظم من الكامل:

احفظْ لسانك ما حَيَيْتَ فرُبَّما... ماتَ الفتى من عثرةٍ بلسانِهِ

ولا تطلُقنَّ عَنانَهُ في فتنةٍ ... فالفتنة الضراءُ رأسُ سنانه

وانطق به في ذكر ربِّكَ حامداً ... كيما تفوزَ غداً بَغَرسِ جِنانِهِ

وأخيراً وليس آخراً فإن الشاعر المصري أحمد بن حسن محرّم الدمنهوري المتوفى عام 1945م، أراه كأنه ينشد بيننا اليوم وهو يرى ضعفنا وخوارنا والقوى العظمى تأخذ بتلابيب مقدراتنا توقع بيننا البغضاء والحروب على وقع القومية تارة وتارة على وقع الطائفية، تبيعنا السلاح لنتحارب وتبتاع نفطنا بأبخس الأثمان، فيدعو الشرق، من بحر البسيط:

هبّوا بني الشرق لا نومٌ ولا لعبُ ...حتى تُعدَّ القوى أو تُؤخَذَ الأُهُبُ

كونوا بها أمَّةً في الجهر واحدةً ... لا ينظرُ الغربُ يوماً كيف نحتربُ

ماذا تظنون إلا أن يُحاطَ بكُمْ ... فلا يكونُ لكم مَنجًى ولا هَرَبُ

وهذا هو واقع الحال اليوم، ويكاد الغرب أن يعيد استعباد المسلمين كما فعل في القرنين التاسع عشر والعشرين، لولا بقايا أمل وقوة عربية ناهضة هنا وقوة إسلامية فاعلة هناك تحول دون عودة الماضي الأليم.

ولا يخفى أن المؤلف وضع لنفسه لازمة في أجزاء دائرة المعارف الحسينية المطبوعة، وذلك في أن يلحق بكل إصدار جديد مقدمة أجنبية تتناول فحوى الكتاب، وفي هذه الجزء قدمت الإعلامية الاستونية الدكتورة جليزافيتا كاتلين كورنيليا (Jelizävetä Cätlyn Korneeliä)، الممثل الأعلى لمنظمة الصحفيين الدولية (IJO) في الأمم المتحدة رؤيتها عن النهضة الحسينية والأدب الحسيني والناظمين فيه، وبعد قراءة لواقعة الطف كتبت: (باعتقادي أن تقدم الاسلام وانتشاره لم يعتمد على استخدام السيف من قبل المؤمنين به، وإنما جاء نتجية للتضحية العليا للحسين .. للنهضة الحسينية صدى عالميا، لقد ضحى الحسين بكل شيء رافضا الاستسلام لسلطة مستبدة، لم يعبأ في حركته للقوة المادية والعدة والعدد التي عليها السلطة الحاكمة، فكان إيمانه أقوى من كل قوة مادية، ولذلك أصبحت تضحياته الجسيمة منارة لكل مجتمع وكل أمة بغض النظر عن المعتقد والدين).

وعبرت المستشارة الإعلامية السابقة لرئيس وزراء استونيا يوهان بارتس (Juhan Parts) في تقديمها لمعجم الناظمين عن قناعتها: (إن الكلمات لا يمكنها أن تغطي حقيقة شخصية الإمام الحسين، فهو تجسيد للمحبة، تجسيد للبسالة والتضحية والتفاني، كل إنسان ينبغي أن يتعلم الدرس من حياة الحسين ويهتدي بهداه، وهو مثال الحركة في الطريق السليم).

وحول الأدب الحسيني ودور الموسوعة الحسينية أكد الدكتورة جليزافيتا كاتلين كوميليا: (إن الشعراء في كل أنحاء العالم لم يتوقفوا عن النظم المدهش في النهضة الحسينية، استمر منذ قرون، وسيستمر الى أن تموت البشرية كلها، وإن الموسوعة الحسينية هي واحدة من الإصدارت المتميزة أبداً، تتابع شخصية الحسين من ألفها إلى يائها، وهي في واقعها مشروع كبير حبّر كلماتها وسطرها عالم متعدد المواهب والقدرات هو الشيخ محمد صادق الكرباسي الذي يُمثل واحداً من العقول المفكرة المبدعة في عالم التأليف).

في اعتقادي أنَّ باب السير والمعاجم من هذه الدائرة هو في واقعه مدرسة معرفية يقدمها المحقق الكرباسي للقارئ والباحث في كيفية كتابة السيرة الذاتية حسب الغرض الذي تقتضيه، كأن تكون سيرة الشخص المعني من جانبه الأدبي أو العلمي أو السياسي أو التربوي أو الرجالي، أو عموم السيرة الذاتية في الجوانب كلها.

 

د. نضير الخزرجي

 

الصندوق الأسود لأنيس منصور.. قراءة في كتاب: آخر 200 يوم مع أنيس منصور لـمجدي العفيفي

831-hayilبين الحركة والقابلية، أو الزمان والمكان، تظهر الحادثة.. منها ما يمضي بدداً إلى العفاء، لتفاهته، أو رتابته، أو لضآلة عنصر التفاعل فيه.. وآخر يدخل التاريخ، إشارة إلى عظمة مصدره، أو ضخامة أثره، ويصبح مصدراً لكل خبر أو قصة أو أي متجدد من حديث الناس وثالث يتميز بما فيه من عنصر الخارق، ونكهة البطولية، وظهور أثر التفاعل العنيف أو الخصيب، أو الأخلاقي في ملامحه، الرابع ما يبتدعه فنان منطلقاً من الواقع، أو محلقاً في أجواء الخيال، أو مازجاً بين الراهن والسابق أو المفترض والواقعي ومن هذا الأفق يصدر العطاء السردي..

كيف؟ الحادثة تقع، يراها الفنان يحاول تجسيدها لتخليدها، شأن كل ذي موهبة ليضيف المثل أو الأكمل إلى الناقص. وفي سبيل ذلك يسلك سبلاً عدة بأساليب مختلفة، قد تنتسب إلى ما سمي بالمدارس، أو تستقل، أو تتصل بجانب، وتتباين بآخر.

هكذا يمكن اختصار التعريف بنوع الكتاب الذي وصلني منذ أيام بعنوان " آخر 200 يوم مع أنيس منصور" للدكتور مجدي العفيفي، ولو لم يكن لهذا المنجز من حظ يمكن الكتابة عنه سوى أنه عن " أنيس منصور" لكفى. وثمة ما يجب توضيحه بدءا عن هذا النوع من الكتب، السير والمذكرات والمراجعات.

هذا النوع من الكتب لا يكتب له مكان في صفحات التاريخ إلا حين يضاف إليه، أو يتحدث، عن عنصر المنعطفات السياسية في حياة المؤلف، كما أن قيمته تنعدم أحياناً كثيرة إذا خلا من هذا العنصر، و من أهم السير الروائية والمذكرات العربية التي يمكن ذكرها بهذا الصدد السيرة الروائية " الخبز الحافي" لمحمد شكري في حديثه عن اليوم المشؤوم في تاريخ المغرب وهو يوم الإنتداب الفرنسي، و " كم بدت السماء قريبة" لبتول الخضيري ويذكر حرب إيران والعراق، وغيرهم كثير، و مع ذلك فالنمط العربي في كتابة المذكرات يختلف تماما عن النمط الغربي، فالنمط العربي يلتزم بقيود صارمة من العادات والتقاليد خلاف النمط الغربي الذي لا يلتزم بشيء، و هناك من جمع بين النمطين كحسين البرغوثي في " الضوء الأزرق"، و لعل أكثر من كتب في هذا الجنس من أجناس التأليف هم أصحاب المناصب السياسية والقادة العسكريين الذين خاضوا في أيام ممارساتهم الوظيفية تجارب كثيرة وحروبا في أغلب الأحيان مثلوا فيها أدوارا هامة فأصبحوا فيما بعد صناديق سوداء لتلك المراحل والفترات والمنعطفات التاريخية والسياسية، ومن ذلك مجموعة من المذكرات لقادة عسكريين شاركوا في ثورات محلية وخارجية كأولئك الذين شاركوا في أيام الزعيم جمال عبدالناصر في تحرير اليمن من بقايا الملكية بعد ثورة 1962 وحتى 1970، وسواهم كثير..

831-hayilإن المثير جدا والدافع لكتابة هذه القراءة عن كتاب " آخر 200 يوم مع أنيس منصور" هو أن الكتاب يتحدث عن أديب و كاتب و أحيانا - كما يأتي في هذا الكتاب أو " الصندوق الأسود" - سياسيا و دبلوماسيا ابتعثته القيادات السياسية لتمثيل دور هام في قضايا قومية لا احد يعرف تفاصيلها و مواقفها غيره، وهذا التلميذ الوفي لمعلمه " مجدي العفيفي".  

لقد كان مجدي العفيفي محظوظا جدا إذ عاش آخر 200 يوم ملازما للموسوعي أنيس منصور صاحب المائتي مؤلف، و أكثر حظا بحصوله ومعرفته لهذا الكم من الأسرار التي نجدها في كتابه عن حياة أنيس منصور.

لقد كان أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أقرأ عنوان هذا الكتاب " آخر 200 يوم مع أنيس منصور" تلك الأعمال العظيمة في عوالم الفن " العشاء الأخير" و " كلمات سبارتاكوس الأخيرة " لأنه فعلا كتاب عظيم يجمع بين الواقعية والحقيقة والفن و أقول ذلك لأن الفن يكذب دائما ليقول الحقيقة أما أن تجد فنا يقول الحقيقة ويلتزم بالواقعية فهذا هو الإدهاش في حد ذاته.

ينطوي الكتاب كما يظهر من غلافه على ثلاثة تصنيفات " مذكرات ومراجعات واعترافات" جاءت في 550 صفحة فيها سبعة فصول، الأول تقاسيم على قيثارة أنيس منصور، والثاني مذكرات أنيس منصور السياسية في مشواري "السري" بين القاهرة وتل أبيب : مهام سياسية مباشرة، والثالث في مذكراته العاطفية الخاصة" حكيت وبكيت" كان يحكي كثيرا.. ويبكي اكثر، والرابع: مذكراته الصحفية في (بلاط صاحبة الجلالة كانت لهم أيام)، والفصل الخامس : نبوءات.. واعترافات ومكاشفات، من خلال الأحاديث الأخيرة معه.. والسادس : (نحن أولاد أنيس منصور)، والفصل السابع : صورة نادرة من الصندوق الأسود..

- لماذا هذا الكتاب وما هي قيمته؟

إن هذا الكتاب يذكرني بتقليد تلتزمه القبائل في أفريقيا، يسمى تقليد " أكين" وسيرة القبيلة بل ووجودها مرهون بشخصية "أكين" وهذا التقليد.. تقليد أكين " عليه أن يحكي دائماً تاريخ القبيلة وأمجادها وسيرتها منذ البداية.. وعندما يشعر "أكين" هذه الشخصية المختارة التي تحكي بكبره وقرب فنائه عليه أن يورث كل ما كان يحكيه عن القبيلة وتاريخها وحاضرها و أمجادها لـ "أكين " آخر .. ولعل هذا الوصف ينطبق على أنيس منصور وكاتب الكتاب مجدي العفيفي..

أكثر من ذلك أن العرب قديماً، كانت تسمي الشيخ الكبير بالشيخ الكنتي (مِن كنتُ) لأنه يحكي قصصه، يحكي كثيرا، يحكي أكثر من الذي لا يجد ما يحكي لأنه لا يزال في دوامة الأحداث . و يحكي أكثر ليعيد بناء هوية قوامها صنع الحدث، لكنها اليوم بعيدة عن تلك الفاعلية، هي، بعبارة محددة، مهددة بالفناء و تريد البقاء و (الوجود).

ومثل الجماعة يحكي الفرد ليجدد هويته، وليستبصرها عميقا، وليمدها بمعرفة تبدو – وهماً - معروفة من قبل لكنها تغدو معروفة- حقاً- عبر التشفير الرمزي ؛ أي تحويلها إلى أشكال رمزية كما يرى السيميائي كاسيرر. وبذلك تنتقل من هلام مفكك يتمدد في الوعي واللاوعي إلى صور محددة في الإدراك المتعيّن باللغة.

تمارس الذوات المفردة حكاياتها لتعلن عن وجودها (أنا أحكي إذن أنا موجود)، فوجودها بدون الحكي يعني الوجود غير المبين. اللغة داخل خطاب السرد هي من يهبنا صورةً بنيوية، و إلا فنحن حكايات مشتتة ؛ حكايات لا هوية لها، ولا تأخذ هويتها إلا بالسرد. لماذا تموت حكايات عظيمة وتفقد وجودها؟ لأنها ببساطة لا تحكى.

هكذا يرتبط الحكي بالجماعة كما يرتبط بالفرد. أيّ جماعة تحكي لتشكل هويتها، تحكي لتكون، وفي عوالم أقطاب الدراسات الثقافية فإن الحكي هو الأمة The Narration Is The Nation، و كل حكي يشمل " مجموعة قصص وصور ومشاهد وسيناريوهات وحوادث تاريخية ورموز وطقوس قومية ترمز إلى أو تمثل التجارب المشتركة والمآسي والانتصارات والويلات التي تضفي على الأمة معنى. و إذا كان الأمر كذلك، فالأمة تحكي لتعيد تشكيل ذاتها ؛ لترسم معالم هويتها ؛ لماذا يحكي السود رحلة العذاب والعبودية بين أفريقيا والعالم الجديد؟ ولماذا يحكي اليهود الشتات؟ ولماذا يحكي العرب سيرة أجدادهم في هذا الزمن بالذات ؟ و حتما نجد إجابة كافية لهذه التساؤلات وندرك أكثر من ذلك قيمة هذا الكتاب ونحن نقرأ هذا السِفر الأخير من حياة " أنيس منصور" ..

قبل أن أختتم هذه القراءة أعرِّف – لمن لايعرفه- بالدكتور مجدي العفيفي فهو رئيس تحرير دار أخبار اليوم بمصر وسبق له أن وضع على رفوف المكتبة العربية بين 16 كتابا متنوعة في المجتمع والأدب والنقد والثقافة منها " المرأة والسياسة، وعبّـــاد يتحرر من الشمس، ولغة الأعماق البعيدة.. في قصص يوسف ادريس القصيرة، وغيرها

 

بقلم / هايل المذابي

 

السُّخْريَّة في مَتَاهَاتِ مُزْهِر بِنْ مَدْلُول

yousif abolfawzالحديث عن الكتب، فيه متعة، بغض النظر عن كونك تحب هذا الكتاب أم لا تحبه، فكيف اذا كنت منحازا للكتاب أساسا؟ والأنحياز لكتاب " متاهات أبو المعيد "، للكاتب والصحفي مزهر بن مدلول، الصادر عن "دار الرواد المزدهرة" في بغداد خريف 2015، بـ 185 صفحة من القطع المتوسط وبغلاف جميل وموحي من تصميم شاكر عبد جابر، يأتي ليس لكون الكاتب صديقي ورفيقي في النضال، في ايام حركة الانصار الشيوعيين العراقيين، وزميلي في العمل في "طريق الشعب"، بل لأن اسلوبه السهل الممتنع، والمترع بالصدق والمحمل بالسخرية المُرّة يشدك لصفحات وتفاصيل الكتاب، المستوحاة من تجربته الذاتية في ظل ظروف اجتماعية وسياسية معقدة عاشها العراق في العقود الاخيرة من القرن الماضي.

ويبدو عندي أن مزهر بن مدلول لا يلاقي صعوبة ما عند الكتابة، فهو يكتب بسهولة وشفافية، ويغرف من مياه نهر الحياة من حوله متى يشاء، تدفعه لذلك طبيعة الحياة التي عاشها في واقع العراق الكارثي المحمل بالحزن والهموم، والذي تكثر فيه المفارقات التي تندرج تحت عنوان "شر البلية ما يضحك "، والتي يجيد قصها وروايتها، عن نفسه وعن الناس من حوله، فيأتينا أسلوبه مشبعا بكوميديا سوداء، أو ما يسميه البعض " الضحك من خلال الدموع " !

829-AbuAlMeaaddفي مقدمة الكتاب، وفي اول سطورها، يشير مزهر ابو مدلول الى (بعد ظهور كتابي الاول"الدليل،تجربة ومعاناة نصحني بعض الاصدقاء ان يكون مشروعي القادم مشروعا روائيا) ــ ص 7 ــ، وليس سراً، أني كنت ضمن هذا "البعض"، بل وربما من الاوائل. فبعد صدور كتاب "الدليل تجربة ومعاناة " للكاتب في عام 2014، وجدت كقاريء ان مزهر يملك اسلوبا في الكتابة نحن بحاجة له، وتحديدا القاريء العراقي، فكانت النصيحة لكتابة رواية بالاستفادة من هذا الكم الهائل من التجارب المختلفة في أماكن جغرافية عديدة، والنماذج المتنوعة من الناس التي مرت خلال شريط حياته، والتي تصلح لتكون شخصيات روائية، خصوصا وان اسلوبه في القص الذي ظهر به في كتابه الاول يشجع على ذلك، لكن مزهر كما يبدو أختار اسهل الطرق وقدم لنا في متاهاته صفحات من سيرته الذاتية بأسلوب حمل الكثير من صنعة الكتابة القصصية.

عنوان الكتاب "متاهات أبو المعيد" ـ العنوان وحده يجبرني للأبتسام وحتى القهقهة ! ــ يقودنا الى حجم الاسئلة الكبيرة والثقيلة التي ينوء بها الكاتب، وأن لجوءه الى اسلوب السيرة هنا، ربما جاء من الحسنات، أذ وجدنا ان الكاتب يسلط الضوء على مساحات معينة من حياته، وحياة العراقيين بصدق عال وموجع، بعيدا عن رتوشات العمل الروائي، التي تدفع اليها شروط صنعة العمل الادبي، التي تحتاج الخيال، وايضا بعيدا عن الوقوع في فخ ان يقدم الكاتب نفسه كسوبرمان وبطلا فذا، على غرار ما صرنا نقرأ للبعض ممن كتبوا سيرهم الذاتية روائيا، والذين يحاولون ان يكتبوا تأريخا مزيفا لانفسهم بهذا الشكل أو ذاك. فهذا الطفل الذي ولد في قرية نائية ( بين قطعان الغنم ولدتني أمي) ــ ص 9 ــ، من قرى الناصرية، واذ ينتقل للمدينة لاجل الدراسة في مدارسها يلاحقه لقب "ابو المعيد"، الذي يقال عادة للقادم من القرية للنيل منه، وصار مزهر يسمع ذلك حتى داخل بيته: (ان اخي "رهيف" الذي كان يقابلني ويقاسمني "بادية التشريب "، نظر في وجهي ساخرا وقال لي " أمشي ابو المعيد" ! فغرت فاها ... "حتى انت يا بترويس"!!) ــ ص 26 ـ 27 ــ . ومزهر في كتابه حَوّل هذا اللقب بطريقة ساحرة وساخرة من لقب للحط من قيمة المنادى به الى لقب للزهّو به، فهو يروي لنا بسلاسة كيف جاء الفنان "حسين نعمة" الى مدرستهم باحثا عن اصوات جميلة بين الطلبة ليشكل منها جوقة لتؤدي معه اغنيته الشهيرة "يا نجمة" : (وعندما جاء دوري ودخلت الامتحان وكنت اتوقع ان اؤدي شيء من الأبوذية لداخل حسن او ناصر حكيم او اخرين لكنه قال لي : غني المقام العراقي وابدأ بـ "آمان آمان".. لم اسمع بها في حياتي. ضحكت وتلعثمت وتاه صوتي ولما وضعت كفي على خدي استعدادا للغناء، نسيت المفردة، وبدلا من ان أقول "آمان آمان" قلت : انااااام .. اناااام !. فضحك حسين نعمة، وقال : "أمشي ابو المعيد"!) ــ ص 31 ــ .

هل يمكن ان تمسك نفسك من الضحك من "أبو المعيد" هذا؟!

مزهر بن مدلول في صفحات كتابه لا يسخر من نفسه، بقدر ما يسخر من واقع مر، متخلف عاشه مع اهله وابناء شعبه منذ " قالوا بلى"! والا كيف نصف واقعة ان يخرج المذيع في التلفزيون في المقهى ويقول"بيان اول"، فيتطافر الناس هاربين، بمشهد يصفه مزهر بكاريكاتيرية، ظانين ان انقلابا جديدا وقع، وصاحب المقهى عبثا يصرخ بهم .. ( ولكم مسلسل مو انقلاب .. يمعودين فلوس الجايات !) ــ ص 40 ــ، أو حين كان مطاردا في بغداد بدون مال او سكن واراد العودة الى مدينته الناصرية، وبعد ان دار طويلا، لجأ لاقحام نفسه بدور مساعد السائق "السكن" في السيارة المتوجهة الى الناصرية من " كراج النهضة "، في مشهد يثير الدموع قبل الضحكات وهو يحاول ان يجبر السائق ليتذكره، ولم يشفع له اسم والده، لكن نفع معه ادعاء قرابته لصاحبي دكانين في الناصرية يبيعان المواد الغذائية وجل زبائنهم " من السواق واهل الريف الذين يترددون على كراج الشطرة " ــ ص 107 ــ .

ولجأ الكاتب لاستخدام الكلمات المحكية، ونثرها تقريبا في اغلب صفحات الكتاب، لكنها لم تأت مقحمة على النص والحوارات، بل جاءت لتعطي النص نكهة البيئة التي يحكي عنها الكتاب، والمستوى الاجتماعي والثقافي للشخصيات، مثلما مر بنا في بعض من المقتطفات التي اوردناها .

والكاتب في متاهاته، ينحاز بشكل واضح للفقراء والمسحوقين والمناضلين لاجل حقوقهم وسعادتهم، وابرز الدور العدواني والتخريبي لمنظمات حزب البعث في المجتمع العراقي، ولم يستطع الا ان يسخر منهم ومن مظاهراتهم، فيحكي لنا كيف اندس هو وصاحب له في تظاهرة.. (خرج المعلمون البعثيون في تظاهرة للتأييد والتصفيق) ــ ص 43 ــ، وكيف لتخريبها راحا يهتفان داخل المظاهرة بهتافات مغايرة اثارت غضب البعثيين. ولم تكن السخرية عند مزهر اسلوبا للحط من الاخرين بقدر ما كان لانتقاد وتبيان معارضته لاسلوبهم في الحياة، من هنا نجده سخر من "ارستقراطية" والده الذي تزوج من سبع نساء (كان يسرف في تبذير أمواله بطريقة غبية من اجل ان يكتسب الشهرة التي يتمتع بها خيار القوم) ــ ص 57 ــ ... (وفي هذا العرس ايضا، نحرت المئات من الخراف، وكان أبي واقفا يضع على رأسه ريشة بيضاء ! متفاخرا بما قدمه من ولائم كبيرة، لا يستطيع تقديمها الا من كان وزيرا في الحكومة!، وبهذه الطريقة، ولهثا وراء الشهرة، بدد ابي ثروته من دون ان يشعر بالندم!) ــ ص 58 ــ .

الكتاب حوى الكثير من المواقف الطريفة والتفاصيل المعاشة، حكيت بأسلوب بارع، ومشوق، تدفع للايمان بأن للكاتب مزهر بن مدلول قدرة على انتاج عمل روائي يحتاجه القراء بأسلوبه المفعم بالسخرية المرّة .

وحوى الكتاب قسما حمل عنوان (نصوص جبلية) شغلت الصفحات 139 ـ 182، حوى نصوصا تحدثت عن بعض من سنوات تجربته في كردستان، الا اني وجدت ان هذه النصوص تختلف في اسلوبها عن القسم الاول من الكتاب، وكأنها كتاب ثان، اذ ربما بحكم نوعية التجربة واجواءها النضالية، دفعت الكاتب لتناولها بشكل اكثر جدية، فخفت فيها روح السخرية، وصارت تميل للتأمل أكثر. وعلى العموم، فهو كتاب جدير بالقراءة، بمحتواه وأسلوبه.

ويذكر أن مزهر بن مدلول مواليد الناصرية عام 1955، عاش فيها ودرس في مدارسها، ثم اضطرته الظروف السياسية في العام 1979 الى ان يغادر العراق ليتشرد في الصحراء ويعيش في الجبال. التحق بقوات الانصار الشيوعيين وبقي هناك حتى عام 1990، ثم اقام بعد ذلك في دولة الدنمارك .

صدر للكاتب عام 2013 كتابه الاول بعنوان (الدليل.. تجربة ومعاناة)، وهو ايضا كتاب من السيرة، وتحت اليد ثمة مشاريع كتب أخرى .

 

يوسف أبو الفوز

 

آلية التلقائية في توثيق بعض تجارب الشخصيات الثقافية العراقية

828-jasimمن النادر أن يجد القارئ، في هذه الأيام، تجارب ثقافية مختصرة تضم قيماً سائدة في الشعر والسرد والفلسفة في كتابٍ واحدٍ بصفحاتٍ متتالية. أنهيتُ اليوم قراءة كتاب يخلو من التلقين والمواعظ والدعاية . كما انه لم يكن مبشراً جوالاً لمضامين معينة أو لموضوعات محددة، بل حدد هويته،منذ البداية، أنه يصبو إلى التاريخ والتوثيق عبر القدرة على التحليل والتدقيق. في القسم الأول اخذ أشكالاً مختلفة في (الشعر) بينما (القسم الثاني) من الكتاب تخصص بالتوجه إلى (السرد القصصي والروائي). جميع صفحات الكتاب وعددها 150 كان هدفها طامحاً إلى تغيير وعي قارئ الشعر والقصة من خلال عرض ومناقشة جميع النقاط،التي ما زالت تثير جدلاً وخلافاً في القضيتين الأساسيتين، الشكل والمضمون. أما القسم الثالث منه فقد تخصص في كشف الرؤية عبر الجانب الفلسفي - الأخلاقي - الثقافي. هناك الكثير من عشرات الصفحات تندرج في خانة الذكريات والمذكرات كنت قد قرأتها على صفحات الصحف اليومية بقلم الكاتب البصراوي (جاسم العايف) الذي أعلن، هنا، إعجابي بأسلوبه، متميزاً بالدقة والسلاسة، يتدفق فيه العلم عن الفعاليات الأدبية والفنية في مختلف المراحل التي غلفت البصرة بكبت حرية التعبير وضيق النشر. كتاب اليوم،الذي أنهيتُ قراءته، وصلني، هدية من مؤلفه (جاسم العايف)، بعد انتقاله من يدٍ إلى يد، جوالاً من دولة إلى دولة، من طائرة إلى طائرة، حتى استقر أمام عيني قارئا لصفحاته المعدودة خلال يومين وبضع ساعات. وجدتُ فيه دمجاً بين مضامين جديدة وأساليب جديدة بقوة جاذبة للقراءة . أول شيء أقوله،هنا، أن الكتاب، المؤلف والمكتوب في مدينة البصرة، لكنه المطبوع والمنشور في مدينة النجف. بالنظرة الأولى سألت نفسي: كيف ولماذا نشأت جادة أو جسر بين مدينة كبرى مشهود لها بالتأليف والنشر وبين مدينة صغرى مشهورة،أيضاً، بالتأليف والنشر ..؟ هل أصبحت المدينتان تتعاونان على الاشتراك 828-jasimفي تنمية الوعي العراقي..؟. هل صار بالإمكان تنشيط حركة المؤلف في البصرة وتحريك نشر منتجه في مدينة النجف..؟. الجواب على هذه الأسئلة قدمها كتاب عنوانه (مقاربات في الشعر والسرد). أعجبتني هذه المعادلة الواقعية، خاصة وأن كتاب البصراوي (جاسم العايف) صدر من منشورات مجلة (الشرارة) النجفية، بقدرة عالية من الدقة والطباعة والجمال، بتصميم الغلاف رائقاً خلقه الفنان (جواد المظفر) وبمجمل الإخراج الفني كان من فعل الفنان (محمد الخزرجي). المعنى الأول لسمة هذا الكتاب هو أنه نتج عن عمل جاد لدار نشر شيوعية في بلدة محافظة معنية بالسياحة الدينية والدراسات الفقهية. في القسم الأول من الكتاب وجدت مستوى معبراً عن بعض حالات الشعر والشعراء أخضع المؤلف أغصانها وأورادها وأثمارها لدراسة مكثفة معززة بنقاش فكري فيه تشديد على تصوير المضمون الشعري وأساليب الشعراء، بكاميرا حساسة حملها المؤلف جاسم العايف. تنقل الكتاب بين شعر الشعراء مهدي محمد علي وحسين عبد اللطيف والشاعر الشاب مهدي طه، الذي وُجدتْ جثته غريقاً عام 1975 في نهر الحكيمية المجاور لأجهزة القمع البوليسية القمعية في مدينة البصرة. كانت سطور المؤلف جاسم العايف إدانة قاسية لصفحة من صفحات أرشيف نظام صدام حسين المختفية أساليبه النازية، آنذاك، خلف الشعارات الوطنية الزائفة في فترة الجبهة الوطنية. كانت هذه السطور تعبيراً عن شرف الكلمة في الحديث بشيء من التفصيل المكثف عن حياة وقيم وتجارب ضحايا النظام الدكتاتوري. كذلك كانت شخصية الشاعرة أطوار بهجت والشاعر عبد الخالق محمود والشاعر ثامر سعيد موضع الدراسة النقدية من قبل جاسم العايف خلال فترة ما بعد سقوط نظام صدام حسين. انتقل المؤلف إلى مناقشة موضوعة هامة عن جدل الشعر من خلال كتاب خالد خضير الصالحي. كما وظّف فسحة من صفحات كتابه للحديث عن فعالية راقية حول قصائد الشعر العربي انشأ معناها و تجاربها والتزاماتها ومنجزاتها الدكتور سلمان كاصد . بكتابةٍ كثيفةٍ مركزة،استهدف جاسم العايف مهمة تعزيز ثقة الدكتور سلمان بقصيدة النثر، بما تحمله من ديناميكية وأحاسيس غير مصطنعة في عصر التقدم العلمي والتكنولوجيا، مع انعكاس صورة القصيدة التفعيلة والكلاسيكية على جماعة شعراء قصيدة النثر. خطوة أخرى بهذا التسلسل الشعري في القسم الأول من كتابه قال جاسم العايف آراء صادقة بمقالة تعاقبية حول بدر شاكر السياب وانشودة المطر، مقدماً بذلك شيئاً من الصور النقدية الملموسة في العلاقة بين الشعر والتطور، بين الشعر والثقة بالتجديد، بين الشعر والاختيار الإبداعي. ربما حاول في تطرقه إلى الشاعر الأمريكي براير ترنر أن يدخل إلى ميدان الشعر العالمي بأسلوبٍ عالٍ من المقدرة على الكشف،والتوازي، والمجازفة. القسم الثاني من الكتاب خصصه المؤلف إلى واقع تجارب بعض الروائيين والقصاصين العراقيين. كانت النقطة المركزية في مقالاته قد تركزت على الرغبة في دور الروائي والقصاص، على كشف العلاقة بين الإنسان العراقي والنظام، بين الإنسان والمجتمع، بين الإنسان والحاجة المادية، بين الإنسان وأخيه الإنسان، بين الإنسان والأمل، بين الإنسان والألم . تناول نماذج عديدة من العاطفة والطبيعة والوعي وحركة البطل وتفحصه نقدياً في منظور روائي وقصصي لدى كتابات محمد سعدون السباهي داخل كتابه ( كوكب المسرات ) ولدى زيد الشهيد في رواية (أفراس الأعوام) ولدى زهير الجزائري في (أوراق جبلية) ولدى (غائب طعمة فرمان) في ديناميكية أعماله الروائية، ولدى جميل الشبيبي وشخصياته الثنائية في (مدن الرؤيا). كذلك قام جاسم العايف بشكل ضمني و صريح في ملاحظاته عن المجموعة القصصية المعنونة (انكسارات مرئية) للقاص ياسين شامل. كما تضمن الكتاب جماليات المسرح بين الأنثروبولوجيا الوصفية والعلوم الاثارية وتحديدات هيغل في (الجمال الفني) كمدخل لحوار ضمني مع الدكتور كمال عيد في كتابه عن (الجمال المسرحي) إضافة إلى معارف الموسوعة الفلسفية السوفيتية ترجمة سمير كرم. في ميدان المسرح وثقافته تناول جاسم العايف الذاكرة الخصبة للناقد المسرحي حميد عبد المجيد مال الله حيث الرمزيات والمواقف والسلوكيات في بحثه داخل عدد من المسرحيات العراقية من وجهة نظر النقد المسرحي التطبيقي. اختتمتُ قراءة كتاب العايف بمتعة وفائدة وسرور بما قدمه من معلومات دقيقة صادقة آخرها عن الباحث خليل المياح و(استقلالية العقل أم استقالته). هنا نفهم آثار السيرة الذاتية والسيرة السياسية في خلق الشعور الوطني العميق من وجهة نظر فلسفية مقرونة بالثقة الثقافية العامة. تكتمل في الصفحة الأخيرة من الكتاب الغاية الأساسية، التي زرعها المؤلف، فقد اتّحد قلمه مع واقع عالم الشعراء والقصاصين والباحثين في مدينته البصرة وغيرها إذ تابع،بمعظم صفحاته،تخوم الناشطين الثقافيين، البصريين بصورة عامة، لتأمين حاجتهم إلى التوثيق الذكي الغني بالمعرفة والمعلومات الصادقة والتحليلات والذكريات بغية إحلال صفة التوسط بين الباحثين في المستقبل عن العالمين الداخلي والخارجي المتعلقين بالثقافة العراقية.اعتمد المؤلف على متابعة الذات، والعائلة،والمجتمع، والأضداد، والاضطهاد السياسي، في خلق تطبع الشاعر والروائي والقاص والناقد والمسرحي والباحث، مع المحتوى الاجتماعي لتحويل ديناميكية الثقافة إلى أداة نضالية ضد العزلة والانعزال، ضد السيطرة والخضوع، ضد خنق الحرية، ضد تحويل الناس إلى جرذان خائفة في ظل جمهورية الخوف، تحت حراب أنظمة القهر والدكتاتورية،،سواء من زمان مولد النازية والفاشية لدى هتلر وموسوليني وفرانكو وصدام حسين وبنوشيه، أو من ركام هيروشيما ومولد الحروب غير المنتهية،حتى الآن،في منطقة الشرق الأوسط، مستلهماً منها أن فنون الإنسان تشكّل حكمة من أحكام عادلة دوّنها جاسم العايف، بتحاليل عادلة وصادقة، في كتابه الغزير، الذي ضم 150 صفحة من تجارب الثقافيين في الوطن العراقي، الثقافيين المتساندين، المجددين، من أجل أن يكون العطاء الإبداعي جزءاً من التاريخ.

 

جاسم المطير

إصدار جديد حول القصة القصيرة جدا بالناظور لمؤلفه عبد الملك قلعي

827-salikصدر مؤخرا، عن مطبعة نجمة الشرق، كتاب جديد بعنوان: "القصة القصيرة جدا بالناظور إبداعا ونقدا (2001-2014) - مقاربة ببليوغرافية تحليلية -" لصاحبه عبد الملك قلعي. يقع في 78 صفحة من الحجم المتوسط، صمم غلافه الخارجي المبدع محمد خالدي.

827-salikونقرأ على ظهر الغلاف مقتطف من تقديم الأستاذ عبد الواحد ابجطيط "وقد اختار المبدع والصِّحافي عبد الملك قلعي؛ صاحبُ هذا البحث، أن يَشتغلَ بموضوع مهمّ وسَمَه بـ"القصة القصيرة جدا بالناظور إبداعًا ونقدًا (2001- 2014) - مقاربة ببليوغرافية تحليلية-"؛ حيث رامَ بالأساس تقديم ببليوغرافيا شاملة لهذا الفن الوليد بإقليم الناظور: إبداعًا ونقدًا، وكذا تحليل متن الأضمومات القصصية الناظورية، الصادرة في هذه الفترة، ومُلامَسَة جمالياتها الفنية، وخصائصها الموضوعية، عِلاوة على تناول الدراسات النقدية المواكِبَة لهذا الفن بالمنطقة.

وقد بَذل الباحث مجهودًا كبيرًا، في هذا العمل المتميّز، الذي نتوقع له نجاحًا مُهمّا، واستحسانًا كبيرًا، من طرَفِ المهتمين والناقدين؛ باعتباره لبنة مُهمّة تَنضاف إلى صَرْح القصة القصيرة جدا".

 

وطن بلا تأشيرة.. يهود مازن لطيف

naeem mohalhalلم اعرف احدا أعتنى بالأقليات العراقية هذه الايام مثلما يفعله الناشر والكتاب (مازن لطيف) صاحب دار النشر (ميزوبوتاميا). وربما ذلك الاحساس الذي يسكن فلب مازن هو ذلك الاحساس الطيب والنقي والوطني للذاكرة العراقية في انتمائها الى اللحظة التي صنعت ذلك الخليط العجيب من الاعراق والمذاهب والديانات والطوائف والقوميات في مكان واحد منذ ايام سومر والى اليوم فكانت سومر وبابل ويهود الصبي وصابئة البطائح ومسيحي الحيرة ومسلمي الفتح العربي وتركمان دولتي الخروف الابيض والاسود وفرس دولة نادر شاه وازابكة واذري وطاجيك دولة المغول والكرد في انسابهم وتعدد طوائفهم وما ابقته ثورة الزنج في سواد البصرة .

هذه الفسيفساء المنقوشة على آنية الخزف التي اسمها العراق ظلت منذ ازل الكتابة واساطير الواح الطين تمثل شيئا من فرادة المكان وخصوصيته . وبهذه الخصوصية وارثها وتراثها اعتنى (مازن لطيف) فكانت اصدارات داره تحمل عناوين شتى للمكان واصوله واعراقه ومنه التراث اليهودي في العراق ثقافة ورموزا وامكنة.

اخترق مازن لطيف التابوه الهش الذي ظل يتحامل على التراث اليهودي الذي كانت له بصمة مميزة في تحفيز وتطوير الحضارة العراقية مطلع القرن العشرين في السياسة والاقتصاد والطب والادب والتعليم ، وما نشره مازن في هذا الجانب ابقى لدينا شيئا من الاعتزاز بالتنوع الثقافي والعرقي والحضاري في الذاكرة العراقية .واعتقد أن عملا تنويرا كهذا يستحق الاشادة عندما تعلم الاجيال الجديدة مثلا أن النهضة الموسيقية العراقية الحديثة التي تسيل عذوبة في حنجرة سليمة مراد ومنيرة الهوزوز وسلطانة يوسف هي من صنع الملحن اليهودي صالح الكويتي وأخيه داود الكويتي . وان الرواية العراقية في بواكيرها ابدع فيها الكتاب اليهود ، وان اول وزير مالية في الدولة العراقية هو اليهودي ساسون حسقيل . وان اغلب معلمو المدارس العراقية في جنوب العراق ووسطه وشماله كانوا من أبناء الطائفة اليهودية .

أعتقد أن اليهود الذين يعتني بهم وبتراثهم مازن لطيف هم مواطنين عراقيين صالحين ممتلئين وطنية وحبا وأنتماءً من اجل بلاد الرافدين وأن القسر الذي مارسوه عليهم في التهجير خلال العهد الملكي كانت له ظروفه التاريخية والسياسية التي كانت مجحفة بحق الكثير منهم من الذين كانوا يؤمنون انهم ولدوا على ضفاف انهر ميزوبوتاميا ويجب ان يموتوا على ذات الضفاف.

 

نعيم عبد مهلهل

 

قراءة في كتاب" الفتوحات العربية في روايات المغلوبين" لحسام عيتاني (2- 2)

alaa allami- هل دمر العرب المسلمون تمثال عملاق رودوس؟

فاتني أن أسجل أمرا له دلالاته وهو أن الكتاب الباحث حسام عيتاني الذي أقتبس منه هذه النصوص ممنوع في جميع الدول العربية على ما يقال، وهو ضمن عدد كبير من الكتب المرقونة في القائمة السوداء، ولا أدري ما صحة ذلك، وهل هو ممنوع في أغلبها أم في كلها، ولكني لا أستبعد الاحتمال الأول لما عودتنا عليه الرقابات الحكومية العربية الغبية والتي لا تعرف الفرق بين كتب البحث العلمي وكتب الخواطر والسرد الإنشائي السطحي.. وسيتأكد لنا ذلك من الفقرات التالية التي تصلح لتكون وثائق دفاع مهمة عما يزعم الحكوميون العرب الدفاع عنه، ولكنهم يمنعونه ويعاقبون من يتداول أو يحوز أو يدرس وينشر وثائق كهذه في كتب بحثية ذلك لأن هؤلاء الرقباء الكسالى عقليا يرتعبون من المنهجية النقدية والاحتكام للحقيقة والوقائع التاريخية التي يعتمدها المؤلف.

لنبدأ بتمثال عملاق رودوس لذي زعم بعض المؤرخين من القرن التاسع عشر أن العرب المسلمين دمروه ونقرأ ما كتبه عيتاني (وفي سياق الفتوحات، نشأت مجموعة من الأساطير عن أعمال هدم وقتل قام بها المسلمون، منها ما لا يصمد أمام الفحص التاريخي، على غرار حديث ميخائيل السرياني عن تدمير المسلمين لتمثال عملاق رودوس وبيعهم معدنه إلى تاجر يهودي من حمص. ويوضح هويلاند أنه ما كان للعرب القيام بذلك لسبب بسيط هو أن التمثال انهار قبل مئات الأعوام من وصولهم الى الجزيرة "رودوس". ص 103 عيتاني / ص 642 هويلاند ( Hoylland) في كتابه "رؤية للإسلام/ غير مترجم".) في الحلقة القادمة سنناقش ما كتبه المؤلف حول أسطورة إحراق مكتبة الاسكندرية الذي اتهم به الفاتحون العرب المسلمون.

 

- هل أحرق العرب المسلمون مكتبة الاسكندرية؟

كتب الباحث حسام عيتاني (ثمة مسألة عاد كتاب معاصرون الى تناولها بعدما أسرف باحثون غربيون في تكرارها كدليل على همجية الفتوحات العربية هي تلك المتعلقة بإحراق مكتبة الاسكندرية.) ثم ينقل لنا الباحث على ص 127 وما بعدها روايتين حول الحدث، الأولى، تؤكد الإحراق، وأخرى تنفيه بشكل قاطع وموثق. الرواية الأولى هي رواية أبو الفرج غيريغوريوس بن العبري. وخلاصتها أن قائد العرب المسلمين عمر وبن العاص الذي يصفه بـ"الرجل العاقل صحيح الفكر" اجتمع إلى يحيى غرماطيقوس النحوي وهو رجل دين مسيحي على مذهب اليعاقبة وله خلافاته مع الكنيسة، وأن هذا الأخير هو الذي أخبر بن العاص بأمر كنوز مكتبة الاسكندرية العلمية وخصوصا من كتب الحكمة "الفلسفة" فكتب الأخير الى الخليفة عمر بن الخطاب يستفتيه في أمرها، فأمره بالاحتفاظ بما يتوافق منها مع القرآن وإعدام ما خالفه. فشرع ابن العاص بتفريق الكتب على الحمامات كحطب لها ظل يستوقد ستة أشهر. هذه هي خلاصة رواية ابن العبري.

الرواية المضادة التي تسوقها الباحث هي للباحث أي بتلر في كتابه " الفتح العربي/ ص424 / غير مترجم" فيكتب عيتاني نقلا عن بتلر سبعة استنتاجات تنفي رواية ابن العبري وخلاصتها تلك الاستنتاجات هي:

1- أن هذه القصة ظهرت بعد خمسمائة عام من الحدث.

2- أن تفاصيلها تبين عبثيتها.

3- أن بطلها الذي يسميه ابن العبري يحيى غرماطيقوس كان قد مات قبل زمن طويل من الفتح العربي.

4- أن اثنتين من كبريات المكتبات التي يمكن أن تكون القصة تشير اليهما كانتا قد اختفتا من الوجود قبل مئات الأعوام من الفتح العربي.

5- أن أدبيات القرون الخامس والسادس والسابع لم تتضمن أي ذكر لهذه المكتبة.

6- لم يذكر المؤرخ والأديب يوحنا النيقوسي - وهو أسقف قبطي من معاصري حدث فتح مصر في 642 م حيث عاش من 625 وحتى نهاية هذا القرن، السابع وله كتاب منشور باللغة العربية عن تاريخ الكنائس القبطية وبابواتها في مصر ذلك العهد. ع ل - أي شيء عن هذه القصة في كتاباته.

7- في حال وجدت مكتبة كهذه لكانت قد نقلت محتوياتها خلال 11 شهرا من الهدنة التي تفصل بين توقيع الهدنة ودخول جيوش العرب المسلمين الى المدينة...

ولم يكن تفنيد رواية ابن العبري مقصورا على بتلر بل أن المؤرخ غيبون ( Gibbon ) فنده أيضا في كتابة " التاريخ /ص 357 / غير مترجم )، كما يذكر عيتاني. في الحلقة القادمة سنتوقف نقديا عند بعض استنتاجات الكاتب التي أوردها بعد هذا المقتبس والتي نعتقد أنها تشكو من خلل منهجي في موضعين على الأقل.

- وقفة نقدية .. العرب ليسوا ملائكة ولكنه السياق:

ولكن المؤلف، وبعد أن يستعرض قصصا واتهامات أخرى بإحراق مكتبات في مناطق أخرى، يحاول أن يبقى متساوقا مع منهجيته التي أراد لها ألا تكون تبرئةً لطرف تاريخي ما أو إدانةً لآخر فيخلص إلى القول ( ومن دون المبالغة في تفسير قضية إحراق المكتبات سواء تلك التي أحرقها العرب – كان الباحث قد ضرب مثلين على ذلك بما قال أنه إحراق العرب لمكتبة (كتسفون الساسانية) وأعتقد انه يقصد "طيسفون" التي يسميها العرب "المدائن" ويعتقد آخرون أن كلمة مدائن آرامية وكان اسمها قبلا " سلوقيا نسبة الى الملك الإغريقي سلوقوس وريث الاسكندر المقدوني، وإحراق مكتبة الأزهر بعد استيلاء صلاح الدين الأيوبي على مصر دون توثيق أو تفاصيل يعتد بها. ع ل - أو المغول في بغداد وفي قلعة "ألموت" مركز الإسماعيليين النزاريين قرب بحر قزوين، يمكن التأمل في مآل المكتبات ومصائرها كعينات، ليس على مكانة الثقافة في العالم العربي في نظر حكامه وغزاته فحسب، بل أيضا على الصروف الرهيبة التي ما فتئت تصيب هذه النواحي، مانعة تكامل عملية تراكم معرفية وسياسية واجتماعية ضرورية لأي شكل من أشكال النهضة. وإذا كان العرب أبرياء من إحراق مكتبة الاسكندرية، فإن ما فعلوه هناك وفي غيره من البلدان المفتوحة بحسب شهادات أبناء تلك البلدان لا يقل خطورة عن تدمير معلم حضاري أو مكتبة تاريخية، فالضرائب التي فرضها الحكم العربي لم تكن بالأمر البسيط بالنسبة للمصرين أو العرب. ص129 ).

ولنا على هذا الكلام مأخذان منهجيان : الأول هو أن الباحث لم يكن موفقاً علمياً في خلطه لسياقات مختلفة مع بعضها، وتحديدا حين جمع وساوا نوعيا – بالمعنيين الحضاري والتاريخي للكلمة - بين العرب الذين فتحوا العراق بعد حرب دموية رهيبة ضد الفرس الساسانيين المحتلين للعراق آنذاك ولم تذكر المصادر المعروفة أي ذكر لعملية إحراق لمكتبة في "طيسفون" المدائن وبين العرب وشركائهم الذين بنوا بغداد وحضارتها كأول حضارة متعددة الأعراق، وراقية الإنجاز، في الشرق والعالم القديم تحت مسمى الحضارة العربية الإسلامية، وبين غزاة طارئين كالمغول الذين هدموها ودمروا مكتباتها. كما أنه لم يكن صحيحاً جمع هذه السياقات كلها بسياق أحداث قلعة الاسماعيليين في "ألموت" ذات الانجاز الثقافي المحدود بمحدودية التمرد الثوري الاسماعيلي هناك، وثمة الكثير مما يؤكد ذلك، من الوقائع والشهادات التي وردت في كتب تاريخية وحتى في أعمال أدبية منها الرواية التاريخية "قلعة ألموت" لليوغوسلافي فلاديمير باترول وكرر بعض معطياتها الكاتب اللبناني الفرانكوفوني نبيل معلوف في روايته "سمرقند".

المأخذ الثاني هو اتكاء الباحث على عبارة " بحسب شهادات أبناء تلك البلدان"، لتأكيد خطورة ما فعله الحكم العربي في البلدان المفتوحة – ونحن نتحدث عن سنوات وعقود الفتح الأولى - بدلا من أن يقدم لنا تلك الشهادات لأبناء تلك البلدان موثقة تاريخيا كما فعل مع غيرها من الشهادات التي أثبتت أن العرب لم يدمروا تمثال عملاق رودوس ولم يحرقوا مكتبة الاسكندرية إلا لماما ومرة أو مرتين وفي سياق حديثه عن موضوع آخر بما يجعل كلامه هنا أقرب إلى محاولة استباقية وعديمة الجدوى علميا لأي نقد متوقع لكتابه بأنه منحاز إلى روايات الغالبين أي العرب وكان عليه هنا مثلا وتحديدا أن يخصص فصلا بل فصولا لشهادات أبناء البلدان المفتوحة ويناقشها بصبر وعمق ودراية وتوثيق شهاداتهم ومصادرها. أرجو أن يكون واضحا أنني لا أريد إثبات عكس مضمون ما قاله الباحث، فالغزو غزو، والحروب حروب، وفيها من المآسي والفظائع ما يمكن تصوره وما لا يمكن، وما يمكن افتراضه وما لا يمكن، فلا العرب ولا سواهم من فاتحين وغزاة كانوا ملائكة بأجنحة بيضاء، ولا أبناء البلدان المفتوحة ما يزالون معاصرين فنتأكد من حقيقة واقعهم وشهاداتهم، إنما كان الجميع، الغزاةُ والمغزوون، بشراً يعيشون ظروفا مجتمعية وتاريخية وحضارية معينة، وإنما أردتُ التأشير على الخلل المنهجي في المقطع الأخير لمؤلف هذا الكتاب الذي يبقى عملاً مهماً ونادراً في ميدانه. وربما يكون الباحث قد صحح لاحقا هذا الخلل جزئيا حين جاء ببعض الأمثلة على تجاوزات الحكام العرب المسلمين في عصور لاحقة بدءاً من العصر المضطرب والذي انتقل الحكم فيه من الأسرة السفيانية إلى المروانية في دمشق إبان العهد الأموي.

 

رابط لتحميل نسخة بي دي أف من الكتاب:

https://ia801006.us.archive.org/19/items/Ketab0531/ketab0531.pdf

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

مرافعة عن جوهر الدين ألقاها محام بارع في محكمة الضمير

801-jabarالآن أكملت قراءة كتاب أستاذي وصديقي المفكر د. عبد الجبار الرفاعي (الدين والظمأ الانطولوجي)، وأردت أن أشارككم هذا التأمل فيه.

منذ عنوان الكتاب (الدين والظمأ الأنطولوجي) يربط المفكر عبد الجبار الرفاعي بين ما يراه احتياجاً لاستكناه الغيب وتشوفاً للمجهول وعطشاً إلى ينبوع الوجود من جهة، وبين الدين من جهة أخرى، باسطاً على صفحات الكتاب رؤى ناصّة على أن هذا الظمأ الراكز في جبلّة الإنسان ليس له رواء إلا بالدين.

لكن الالتباس واقع في الاثنين معاً، في عبارة (الظمأ الوجوديّ) ذات التركيب الشعريّ والموحية بجذرٍ عرفانيّ، كما في لفظ الدين، بل أزعم ان الأخير أشدّ التباساً وابعد عن أن يكون له معنى واحد في الأفهام يناظر واحديته في الأسماع.

فما الدين؟ أهو الجملة المكونة من الشرائع عبادات ومعاملات ومن العقائد والأعراف ونمط العيش، أهو النصوص الأولى فقط أم يمكن أن يستوعب النصوص الدائرة في فلكهما، هل الدين هو الاسم الآخر للتديّن من عبادات وطقوس، أم هو محض الإيمان قبل ترجمته على هيئة مخصوصة، هل تدخل المؤسسة الدينية في ملاك ما يمكن أن يسمى ديناً؟

801-jabarمعلوم عند كلّ متأمل ذي بصيرة أن تأريخ فكرة ما هو عينه تأريخ مَن تعاقبوا على الاستيلاء على هذه الفكرة، تبنياً وإشهاراً أو صرفاً واستثماراً. وبحديثنا عن الدين فنحن لا يمكننا إغفال الآثار العميقة التي خلفتها فيه باطناً وظاهراً صنوف الحركات السياسية والمدارس الكلامية والفقهية والفلسفية، حدّ ان الدين ـ في بعده التأريخي ـ ليس شيئاً آخر سوى هذه الآثار التي وسّعتْ رقعة انتشار الدين أفقياً في الوقت الذي عمقتْ مواطن التناحر فيما بين معتنقيه على ما نرى من شيوع للطائفية والمذهبية وتناحر يبدأ من الدرس الدينيّ الصرف وينتهي إلى مقابر ومستشفيات.

لكنّ هذه الآثار هي ما يتوجّه إليه الباحث الدكتور الرفاعي، مزيلاً طبقاتها شيئاً فشيئاً، كأنما يعمد في قرارة نفسه إلى ترسّم هذه العبارة المضيئة (ان ترددي في الآثار يوجب بعد المزار) المنسوبة طوراً إلى الحسين بن علي (ع)، وطوراً إلى ابن عطاء الله السكندري. وقد اتضح جلياً ان عمل الباحث محض قبول كنائيّ لعمل العارف الذي لا بدّ أن يبدأ أولاً بالتخلّي (أي بإزالة العوالق والشوائب) وصولاً إلى التحلّي فالتجلّي، فهو يقرّ بعطش الإنسان إلى ينبوع الغيب لكنه يرى بأن هذا الينبوع مردوم اليوم بأحجار وأقذار تعيق الوصول إليه، ومهمته تتحدد بإزالة كل ذلك وصولاً إلى ما يسمية تارة بالجوهر وتارة بالمعنى وأخرى بالدين الانطولوجي تفريقاً له عن الدين الايديولوجي.

لا يغالط الباحث نفسه ولا يخدع أحداً، فهو يقرر منذ البدء انه منشغل بالدين انشغالاً عميقاً استغرق حياته بأكملها (سيرته التي رواها في الكتاب بأسلوب أخاذ شاهد على ذلك)، ليس لحياته معنى من دون هذا الانشغال الدينيّ الذي باشره منذ طفولته وجداً وشغفاً ثم عبادة وانخراطاً في الإسلام السياسيّ ثم بحثاً ودرساً معمقاً وصولاً إلى ما هو عليه الآن من مهمة عسيرة تتمثل في الدلالة على جوهر دينيّ يراه منسياً ومعنى لا يكاد يلتفت إليه أحد.

أكثر من أيّ وقت مضى، فإن الباحث الديني المستنير اليوم، ينخرط بوضعٍ هو أقرب إلى حالة الطوارئ منه إلى استرخاء البحث الأكاديميّ، ذلك ان ما يستجره الدين الآن من كوارث وحروب أهلية وإشاعة للبغضاء والتفرقة لم يعدْ خافياً على أحد فنحن جميعاً شهوده وشهداؤه، وان تجنّب بقاء الدين مولّداً للكارثة غير ممكن إلا بالالتفات إلى الدين نفسه ومساءلته ومحاولة التعرّف إلى الغريب فيه، إلى جرثومة الخلل التي جعلته موطن البغضاء والتناحر ومحرضاً على كراهية الإنسان للإنسان.

البحث حالة طوارئ يراد منها إنقاذ الدين، جوهره أو معناه، وليس صدفة ان الكتاب هذا يأتي بعد كتاب آخر للباحث عنوانه (إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين). وكما ان عنوان (الدين والظمأ الانطولوجي) يتستر على مصادرة مؤداها ان هناك ظمأ وجودياً لا يرويه إلا الدين، فإن في عنوان الكتاب الآخر مصادرة بيّنة ذات ثلاث شُعب:

أولها أن هناك نزعة إنسانية في الدين.

والثانية: إن هذه النزعة في خطر.

والأخيرة: ان هذه النزعة الإنسانية يمكن إنقاذها.

وأحسب ان هذه المصادرة الثلاثية   تهيمن على كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) برمته. لكنْ هل يمكن لنا مؤاخذة الباحث على ارتكابه مصادرة كهذه؟

المسألة باعتقادي أعمق وأعقد من أن نباشرها بتخطئة أو تصويب منطقيّ، فكلما كان مدار الحديث عن الغيب وتجلياته في النفس كان الأمر متعلقاً بتجربة روحية ذوقيةٍ لا سبيل إلى البرهنة عليها أو التثبت منها بحثياً، وتتأكد الحيرة إذا ما عرفنا ان هذه التجربة استغرقت عمراً بأكمله بحيث باتت هي الإنسان ذاته.

وأنا أمام حيرة أستاذنا الرفاعي أتذكر حيرة الفيلسوف المعاصر آلان باديو في حديثه عن الحبّ وإقراره أكثر من مرة ان في حديث الفيلسوف عن الحبّ لا مفرّ له من أن يجرّ وراءه سلسلة مُصادرات.

مشروع الرفاعي يبلغ مع هذا الكتاب مدى بعيداً في تنزيه الجوهر الإنسانيّ الذي تنطوي عليه الصناعة الإلهية (الدين)، فمع ان مشروعاً كهذا يجد له في العرفاء والمتصوفة آباء مؤسسين، إلا انه في الوقت عينه ينأى بنفسه عن تصوّف الانعزال والتطيّر من الناس.

نبهني الكتاب إلى إفادةٍ قلما فكرت بها ملياً قبل قراءته، تتعلق ببراءة المؤسسات الدينية كالحوزة والأزهر مثلاً من الحركات المسماة إسلامية، فالمؤلف يستقصي أسماء قادة هذه الحركات العنفية وأبرز ممثليها لنجد معه أنْ لا أحد منهم قد تخرّج من هذه المؤسسات، وهي نقطة غاية في الأهمية لم أكنْ ملتفتاً إليها.

الكتاب ـ باختصار ـ مرافعة عن جوهر الدين ألقاها محام بارع في محكمة الضمير.

 

أحمد عبدالحسين (شاعر وناقد عراقي)

صدور كتاب: معجم الأساطير والحكايات الخرافية الجاهلية للدكتور قصي الشيخ عسكر

824-askarفي العاصمة الأردنية عمان صدر عن دار الوراق للنشر والتوزيع معجم الأساطير والحكايات الخرافية الجاهلية للأديب والكاتب العراقي الدكتور قصي الشيخ عسكر.المعجم من الحجم الكبير مجلد تجليدا أنيقا بورق صقيل ويتألف من 391 صفحة.إن ماصنعه قصي الشيخ عسكر يعد من القواميس الجديدة فهو – المعجم- مرتب ترتيبا أبجديا لكل مايتعلق بالأساطير والخرافات في عصر ماقبل الإسلام حيث يقول المؤلف في المقدمة " إن إيحاءات بعض الأساطير العالمية والعربية امتدت إلى وقتنا الحاضر كأننا نخلد فيها ماضينا العريق"،فالأساطير العربية التي انتشرت في عصر ماقبل الإسلام تمثل في أحد جوانبها تاريخا قديما للعرب يدلنا على كثير من جوانب حياتنا الحاضرة التي قد تبدو مغلقة نوعا ما،هذا من ناحية ومن جانب آخر نجد أن القاموس جديد كل الجدة من حيث توفر الشروط القاموسية والتزام المؤلف بها إذ أن الالتزام بالترتيب الهجائي للأساطير يساعد الباحث على ضمان الوقت وتوفير الجهد.إن شاعرا مثل امريء القيس حيكت حوله بعض الأساطير نجده في حرف الألف والغزال في حرف الغين ولم نجد تأليفا يخص الأسطورة عند العرب قبل هذا المصنف.

824-askarلقد أتحفنا القاموس بكثير من المعلومات حيث استغرق العمل فيه كما يذكر المؤلف في مقدمته سنوات وهذا من شروط العمل المعجمي فما من قاموس أو معجم إلا ويتطلب وقتا وجهدا وصبرا واهتماما بالتفاصيل الدقيقة. لقد ضمت المكتبة من قبل قواميس لغوية كلسان العرب والقاموس المحيط وتاج العروس للزبيدي وغيرها من المعاجم والآن أصبحت تضم معجما عن الأساطير له علاقة وشيجة باللغة والأدب والتاريخ.

 

عدنان المشيمش

 

أمين الخولي وشايغان وريكور وغادامير وشبستري في عدد جديد من مجلة (قضايا إسلامية معاصرة)

821-qadayaفي بغداد، وعن (مركز دراسيات فلسفة الدين)، صدر العدد الجديد 63/64 من مجلة (قضايا إسلامية معاصرة)، الذي يشرف عليها المفكِّر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ويحررها كل من الأستاذ محمَّد حسين الرفاعي والسيدة إنتزال الجبوري.

يضمُّ في محوره الجزء الخامس من العلاقة بين الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية، وشارك فيه مفكرون وفلاسفة من مختلف دول العالم؛ نساء ورجال، داريوش شايغان (الوعي الهجين/ حوار)، وحسن الخطيبي (هرمنيوطيقا غدامير)، علي المدن (الواقع والممارسة)، محمَّد المزوغي (عودة الديني وتأويل الكتاب المقدس عند جياني فاتيمو)، محمَّد شبستري (نظرية القراءة النبوية للعالم)، محمَّد جنايد حداد (الهرمنيوطيقا الفلسفية عند بول ريكور)، اليزابث فيورينزا (نحو هرمنيوطيقا نسوية لتفسير الكتاب المقدس)، أورليك مارتنسون (قصدية المؤلف في الهرمنيوطيقا)، الزواوي بغورة (منزلة التأويل في فلسفة ميشيل فوكو)، شراف شناف (أنسنة الخطاب الديني)، عبد الجبار الرفاعي (أمين الخولي رائد الدرس الهرمنيوطيقي بالعربية)، مصطفى الغرافي (النص والتأويل)، هاجر القحطاني (من تغيير العالم إلى تفسيره).

***

821-qadayaدراسة لافتة يفتتحها هذا العدد بقلم الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن ريادة الشيخ أمين الخولي العربية في التأويل، يقول الرفاعي: "إن فرادة الشيخ أمين الخولي تظهر في محاولته الرائدة بتوطين الِهرمنيوطيقا والمناهج الجديدة في تفسير النصوص الدينية، في المجال التداولي العربي. وبعد استقراء وتتبع يمكن القول إن الخولي هو أول هرمنيوطيقي بالعربية، وربما في عالم الإسلام. إذ لا أعرف أحدًا سبقه إلى ذلك".

حوار مهم يضمُّه العدد مع المفكر الإيراني داريوش شايغان نهض به حميد زارع ورضا كريمي عن إشكاليات الوعي الهجين، وحديث رائق عن كتاب شايغان (السحر المعاصر) أو (النور يسطع من الغرب)، ومسببات تأليفه ونشره، والرسالة التي يضمها، وحديثه عن حياته بين إيران وفرنسا.

للفيلسوف الفرنسي فوكو نصيبه في هذا العدد وهو ما كتبه الدكتور الزواوي بغورة من الجزائر عن منزلة التأويل في فلسفية ميشيل فوكو، وهو ما يمثل التفاتة طيبة من مجلة قضايا معاصرة لتسليط الأضواء على هذه المسألة، لا سيما أننا تعرفنا إلى فوكو كأريكولوجي وجينالوجي.

الدكتور محمَّد المزوغي من تونس يأخذنا في دراسة ماتعة إلى تجربة الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو في عودة الديني وتأويل الكتاب المقدس أو إعادة تملك التراث الديني، وهو أمر مهم في مجرى تفكير هذا الفيلسوف.

الدكتور حسن الخطيبي من المغرب يكتب عن هرمنيوطيقا غدامير من سلطة المنهج إلى تاريخية الفهم، وهي هرمنيوطيقا تتأسس على العقل التواصلي بحسب قراءة هابرماز لفلسفة مواطنه غدامير.

الباحث المغربي الدكتور مصطفى الغرافي يأخذنا في دراسة شائقة إلى عوالم النص والتأويل كمحاولة تأويلية منه لقراءة منطق الفهم. والدكتور شراف شناف من الجزائر يكتب بحثاً عن أنسنة الخطاب الديني ويقرأ بمقتضاه تأويل العقل الحداثي العربي لجدل اللاهوت والناسوت.

ونبقى في التأويل حيث يكتب الدكتور محمَّد جنايد الحداد من المغرب أيضاً دراسة عنوانها الهرمنيوطيقا الفلسفية وفهم الدين عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور.

ومن الدراسات المترجمة التي يضمها هذا العدد دراسة بقلم الباحثة الرومانية الأصل ألمانية المولد اليزابث شوسلر فيورينزا نحو هرمنيوطيقا نسوية لتفسير الكتاب المقدس.. تفسير الكتاب المقدس ولاهوت التحرير دعت فيها الباحثة إلى ضرورة أن يتخلى اللاهوتيون التحرريون عن المنظومة الهرمنيوطيقية السياقية في تفسير الكتاب المقدس، وأن يصوغوا من داخل سياق لاهوت نقدي تحرري منظومة جديدة تكون غايتها الممارسة التحررية، وتتخذ تلك المنظومة العلاقة النقدية بين النظرية والتطبيق، وبين نصوص الكتاب المقدس وحركات التحرر المعاصرة منهجاً له. الدراسة بترجمة الدكتورة رندة أبو بكر.

الآية 35 من سورة النور في (القرآن الكريم) تتناولها دراسة الباحثة السويدية أورليك مارتنسون قصيدة المؤلف في الهرمنيوطيقا: آية سورة النور 35 عند الطبري والغزالي مثالاً، وهي دراسة لافتة كونها تأتي من مستعربة أمضت سنوات من عمرها وهي تبحث في شؤون الفكر العربي الإسلامي، ترجم الدراسة الدكتور أبو بكر أحمد باقادر.

كذلك يضم هذا العدد دراسة للباحث العراقي المتخصص بشؤون الفلسفة الإسلامية علي المدن بعنوان الواقع والممارسة دراسة في إشكالية التعالي في التفكير الديني في الإسلام. إلى إيران مرة أخرى ودراسة بقلم المفكر الإسلامي محمَّد شبستري جاءت إلى عنوان الكلام النبوي في رؤية أخرى، وهي الفصل الثامن من سلسلة فصول كتابه (نظرية القراءة النبوية للعالم) بترجمة الأستاذ حسن مطر.

الباحثة الأستاذة هاجر القحطاني تتناول بقراءة دقيقة وماتعة كتاب المفكِّر الإسلامي الدكتور عبد الجبار الرفاعي (الدين والظمأ الأنطولوجي للمقدس)

صدور: The Convoy of Thirst لسناء الشعلان

The convoy of Thirst 1استقبلت الأديبة د.سناء الشعلان العام الجديد 2016 بإصدار مجموعتها القصصيّة الصّادرة بالإنجليزية بعنوان:

The Convoy of Thirst

وكانت المجموعة قد صدرت مسبقاً باللغة العربيّة تحت عنوان "قافلة العطش" في عام 2006، كما صدرت باللغة البلغارية تحت عنوان Керванът на" "жаждата" في عام 2013.

وقد قام بترجمة القصص إلى الإنجليزية الأديب الاسترالي من أصول لبنانية عدنان قصير الذي أشار إلى فخره بشراكته للأديبة الشعلان في نقل هذه المجموعة إلى الإنجليزية مشيراً إلى أنّه قد اختار هذا العمل من أعمال الشّعلان ليترجمه إلى الإنجليزيّة لأنّه رأى أنّه مشحون بثيمات إنسانيّة ونماذج بشرية يجدر أن تقدّم للأخر بكلّ ما في ذلك من موروث إنسانيّ يتوافر على تاريخ عشقي عملاق عند العرب، فالحبّ هو ديوانهم الإنساني الأعظم، كما أشار إلى أنّ هذه القصص جذبته لما فيها من تجربة إنسانيّة تنتصر للمحبّة على أشكال الكره والبغضاء والقطيعة، فهذه المجموعة في رأيه هي رسالة حبّ إنسانيّة موجّه لكلّ البشريّة، ومن المهم أن تقدّم للأخر عبر ترجمتها إلى أكثر من لغة لتكون شكلاً من أشكال الرّد الراقي على الحرب الإعلاميّة الشنيعة التي تُشن في الوقت الحالي ضدّ الإسلام والعروبة لتشويههما، وحرمانهما من تاريخهما الحضاريّ حيث الإنسانيّة والإنجاز والمحبة والإخاء وتقبّل الآخر.

وقد أنهى عدنان قصير كلامه عن المجموعة بقوله :" إنّها مجموعة تنتصر للحبّ والخير والجمال، ولذلك صممت أن أنقلها إلى قرّاء العالم ولا سيما إلى الشّعب الاسترالي الذي أحبّه، ويسعدني أن أهديه هذا الجمال والدفء الموجود في هذه المجموعة القصصيّة الراقية الجميلة التي بذلت الكثير من الجهد والوقت كي أترجمها إلى الإنجليزية لا سيما أنّ ترجمتها ليست بالأمر السّهل نظراً لجزالة لغة الشّعلان وصعوبة الارتقاء إليها، ونقلها إلى الانجليزية دون الانتقاص من جمالها وقوتها وسحرها".

والمجموعة صادرة في العاصمة الأردنية عمان عن دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، وهي تقع في 177 صفحة من القطع المتوسطّ، وتتكوّن من 16 قصة قصيرة، وهي، وهي تعرض بجرأة تنميطات مختلفة للحبّ وأشكال متعدّدة للحالة الشّعوريّة والسّلوكيّة المرافقة له، وتتجلّى هذه التنميطات في ثنائيات جدلية: كالوصل والحرمان، واللقاء والفراق، والتقارب والتباعد، و الرضا والغضب، الحزن والسعادة، ويستولي في هذه المجموعات على حيز كبير من المفارقات والتجاوزات الواقعية.

فقصص المجموعة تدين بالكثير لاستيلاد مفردات التراث والفنتازيا والخرافات والأساطير. فنجد تراث الوأد حاضرًا في القصة، كذلك خرافات الكنوز الموقوفة لرصد خرافي، وفنتازيا مشاركة الجمادات في الأحداث، فنجد القراءة واللعبة البلاستيكية والأرواح الراحلة عن أجساد أصحابها والقطط البيتية الأليفة والجنّيات تعشق، وتكون لها تجربتها الخاصة مع الحبّ، الذي يقدّم في هذه المجموعة على أنّه بديلٌ موضوعي للسعادة والهناء والسلام.

والقصص تجنح إلى طرح الحزن والفراق والهزيمة والفشل قرينًا شبه دائم للحبّ، وكأنّه تجسيد للواقع الحياتي المهزوم والمسحوق الذي يعيشه أبطال القصص، وتبقى القصص مفتوحة على التأويل والتجير والتفسير، فهل الحبّ هو علاقة خاصة لها محدّداتها الخاصة؟ أم هو صورة اجتماعية من صور المجتمع بكلّ ما في مشهده الإنساني من أحلام وأماني وتناقضات وأحزان وانكسارات؟ أم هو بحث عن صيغة جديدة للبحث عن الفردوس المفقود في هذه الحياة؟

 

The convoy of Thirst 1من أجواء المجموعة القصصيّة:

 

The Rain Forecaster

: "He closes his eyes, sharpens his senses and puts his index finger in his mouth till it gets wet with his saliva then raises it in the air so can sense the direction of the wind. He looks at the western horizon then he says that the rain will fall in one hour, in one day or in a month. His predictions come true and the rain falls at the time predicted. Sometimes he shakes his head in a quiet showy gesture and says with indifference: “no rain for the present”, and leaves without waiting for a grant or a gift.

He knows that no farmer is going to give him a present after he tells him that there will be no rain in the near future. He actually doesn’t worry about presents from the farmers which are no more than few eggs or a box of fruits and vegetables or a few pennies which they save cautiously and carefully.

At the same time he doesn’t care about presents given to him by friends, acquaintances or relatives as they don’t have much value. The presents are not usually an appreciation and celebration of his exceptional talent rather an expression of joy when the rain falls or an expression of gloom when there is no rain. Rain is not a matter of interest for city dwellers, the only interest of rain for them is what to wear in the morning or how to organize invitations or weekend trips.

The admiration of the audience or the praise he receives from beautiful women for his talent and his accurate rain forecast is enough for him."

شيء ما يعنى ربما يكون الحب.. اصدار أدبى جديد لأحمد الغرباوى

820-hobتحت عنوان ( شيء مايعنى .. ربما يكون الحب..!) صدر الابداع الادبى الجديد للأديب أحمد الغرباوى عن دار الأمل للنشر والتوزيع فى 176 من القطع المتوسط..

ويحتوى الكتاب بين دفتيه على 40 لوحة ابداعية من فن النثر الأدبى.. يتجلى فيه الكاتب على جدار الفن الخالص.. وهو نوع الأدب الذى برع فيه الكاتب العربى العالمى الراحل جبران خليل جبران فى ابداعاته( المتنبى) و(رمل وزبد) و( المصطفى) و( حدائق النبى ) .. وغيرها

820-hobويعرج هذا فن ابداعى.. يأخذ من الشعر جموح المشاعر والأحاسيس.. ويجنح بالخيال على مناطق الفكر.. ويسير فى دروب العقل بحكمة ومنطق الكاتب وحده.. وخبراته الحياتية المعاشة والثقافية.. فهو يطرق أبواب العقل من خلال لغة مكثفة.. شاعرية وخيالية بصورها المتعددة التى تتجلى فى العديد من لوحات الكتاب التى تجسدها ( براءة هوى) ..(العاشقان)..(الحب هبة الرب).. (أمير الحب ).. (شيطان الهجر).. (لا.. ليس أنت ).. و(من العشق ما عمى).. وغيرها من التجليات الادبية..

ويعتبر هذا الاصدار السابع للكاتب أحمد الغربـــــاوى بعد مجموعـــــاته المسرحيــــة (المتحزمون) و(السقوط إلى أعلى) و(سائق الموتى) ومجوعته القصصية (حب حتى أطراف الأصايع)..الخ

وتجدر الاشارة الى أنه سبق وحصل على العديد من الجوائزالثقافية والادبية أشهرها المركز الاول فى المسرح والثانى فى القصة من وزارة القوى العاملة والهجرة بالاضافة الى المركز التاسع فى المسرح تليفزيون الشرق الاوسط بروما..

ونشرت أعماله فى جريدة الجزيرة والمسائية ومجلات القافلة والدعوة السعودية.. بالاضافة الى الاعلام المصرى..

 

قراءة في كتاب: الفتوحات العربية في روايات المغلوبين لحسام عيتاني (1-2)

alaa allamiمعلومات طريفة ومهمة كثيرة يستقيتها القارئ لكتاب الباحث حسام عيتاني "الفتوحات العربية في روايات المغلوبين"، الممنوع في جميع الدول العربية. وهو كتاب مهم ونادر المثيل، إذْ لا وجود لروايات أخرى معروفة ومنشورة عن موضوع الفتوحات العربية في كتب أخرى غير روايات الغالبين أي العرب المسلمين، كتاب عيتاني مهم وثري وموثق بشكل علمي دقيق، ستكون مفيدةً قراءتُهُ بعينين نقديتين منتبهتين. من تلك المعلومات: أن الكلمة الصينية التي تعني العرب هي "تا شي" وفي الفارسية القديمة "تازي" وفي الآشورية " طايايا أو طايايو" وجميع هذه الكلمات ترجع إلى "الطائي" نسبة الى قبيلة طي العربية القحطانية المعروفة.

معلومة أخرى في هذا الكتاب، تقول إن الرومان وأهالي الشام من غير الرومان، قبل الفتح الإسلامي، كانوا يسمون العرب "الإسماعيليين" ولكن نسبة إلى النبي إسماعيل الابن الأكبر للنبي إبراهيم، وليس نسبة للإمام إسماعيل بن جعفر الصادق الذي شاع اسم الفرقة التي تنتسب إليه وبدأت نشر دعوتها في القرن الهجري الثاني والتالي له. ويسمى العرب أيضا لدى هذه الأوساط " الهاجَريين أو المهاجرين " ولكن ليس نسبة للهجرة الإسلامية بل إلى هاجر زوجة النبي إبراهيم الخليل، وأخيرا أطلق بعض المؤرخين ورجال دين مسيحيين قدماء على العرب اسما ذا مضامين "عنصرية تحقيرية" هو (السراكينو / السراسنة) وكانت تطلق على المزيج الإثني من المسلمين المكون من العرب والبربر وغيرهم والذين غزوا جنوب أوروبا، وحتى لأشباههم في المشرق العربي، وهي ذات الكلمة التي حاول بعض كتاب مواقع التواصل الاجتماعي الخلط المفتعل والسطحي بينها وبين كلمة " الشراقوة/ قاف حميرية گـ " التي تطلق على الجنوبيين العراقيين، والغريب أنها استعملت من قبل مثقفي الحكومات بذات المعاني العنصرية التحقيرية، وقد ناقشتُها مفنداً في الفصل العاشر من كتابي (الحضور والأكدي والارامي والعربي الفصيح في لهجات العراق والشام ص 227) وفي مناسبات أخرى لا تحضرني.

819-hosamitani-النعمان بن المنذر وابنه الحسن وكيف تنصرا: معلومة أخرى طريفة ومهمة وجديدة لم أسمع بها من قبل، من كتاب الباحث حسام عيتاني والذي ذكرته في منشور لي مساء أمس "#الفتوحات_العربية_في_روايات_المغلوبين " مفادها أن ملك المناذرة "اللخميين" النعمان بن المنذر، كان له ابن يسمى الحسن، وكان النعمان على دين الأحناف. الغريب أن الكلمة الأخيرة كانت تعني عبّاد الأصنام والأوثان وليس الموحدين الإبراهيميين كما مكث ورسخ في أذهاننا نحن أبناء هذا العصر، وهذا أمر يحتاج الى وقفات علمية وتمحيصية بهدف تبين ومقاربة الحقيقة في هذا الصدد. لنقرأ هذه الوثيقة التاريخية المهمة التي كتبها ماري بن سليمان في "تاريخ فطاركة كرسي المشرق من كرسي المجدل 1899" ونقلها عيتاني في كتابه (كان النعمن - أغلب الظن بالإمالة أي لفظ الألف الممدودة كفتحة مثلما يلفظها الشاميون في عصرنا. ع ل- بن المنذر ملك العرب شديد التمسك بدين الحنفاء، يعبد "العزيّ " وهو كوكب الزهرة، فلحقته ضربة من الشيطان ولم ينفعه كهنته في شيء، فشفاه شمعون أسقف الحيرة وسيبر يشوع أسقف لاشوم وأيشو عزخا الراهب فتنصر – أصبح مسيحيا- واعتمد ولداه "؟" المنذر والحسن بعده. وكان الحسن أشدهم تمسكا بالنصرانية وكان لا يمنع تقدم – ربما من التقدمة أي النذور والقرابين الدينية ع ل – المساكين إذا دخل البيعة = المعبد). ونعرف أيضا أن الحروب والعداء كانا هما الحالة الروتينية بين الدولتين العربيتين المسيحيتين دولة المناذرة اللخميين حلفاء الفرس غرب العراق، ودولة الغساسنة حلفاء الروم جنوب شرقي بلاد الشام، وقد بلغت تلك الحالة ذروتها في استيلاء الملك المنذر الغساني على عاصمة المناذرة " الحيرة" وإحراقها سنة 578 ميلادي ولكنها لم تمت بل أعاد المنذر الرابع بناءها ونهضت مجددا لفترة أخرى!

سيقول العدميون والذين يقرأون نصف المشهد التاريخي، جاهلين أو مهملين النصف الآخر منه: لا جديد تحت الشمس العربية. ولكنَّ هؤلاء العدميين يهملون النصف الآخر من المشهد حيث الملك العربي المسيحي المنذر الرابع يقود حملة استقلالية ضد الفرس ولكن حملته – للأسف - تنتهي بهزيمته وبإعدامه وتفكيك مملكته من قبل الملك الفارسي خسرو برويز سنة 602 م . إنها النهاية المؤسفة ذاتها التي انتهت إليها قبل المنذر الرابع، محاولة الملكة التدمرية الجميلة زنوبيا- أفضل دائما لفظها " زنوبة" ع ل- ضد الإمبراطور الروماني أورليان وجيوشه وانتهت بهزيمتها ونقلها الى روما أسيرة حيث ماتت هناك حسب أقوى الروايات سنة 274 م. ثم جاء العرب المسلمون فاتحين فأنهوا سطوة ووجود الامبراطوريتين الرومانية والفارسية إلى الأبد وحتى هنا انقسم عرب العراق والشام قسمين: قسم قاتل مع العرب ضد الفرس كقبيلة بني شيبان بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني البكري وقسم قاتل مع الرومان ضد العرب كأيهم بن جبلة الغساني، وهذا هو ديدن التاريخ دائما: أبيض وأسود ورمادي.. أما شجرة الحياة فخضراء دائما.

 

-الجزية ليست اختراعا للعرب المسلمين:

الجزية ليست اختراعا للعرب المسلمين بل كان الفرس والرومان يفرضونها قبلهم على الأقليات لنقرأ: (ففي هذا السياق أخذ العرب المسلمون الكثير من ممارسات الامبراطوريتين – الفارسية والبيزنطية - حيال الشعوب الخاضعة للاحتلال كالجزية التي كان البيزنطيون والفرس يفرضونها على أبناء الأقليات. فالمسيحيون واليهود والبوذيون كانوا يدفعون ضرائب مضاعفة إلى الساسانيين الزرادشتيين، في حين كان اليهود عرضة لممارسات مشابهة في المناطق البيزنطية المسيحية/ ص55). أنا هنا أسجل شذرات من وقائع تاريخية موثقة ولستُ في معرض تسجيل براءات أو إدانات معينة ضد أي طرف تاريخي ورد ذكره.

 

فرض الأديان بالقوة قبل الإسلام :

فرض الدين من قبل دولة الغالبين على الشعوب والأقليات المغلوبة كان تقليدا معروفا قبل الإسلام. ولعل آخر مثال عليه هو حملة التنصير القسري لليهود في شمالي أفريقيا وفي عموم الإمبراطورية البيزنطية، بناء على أوامر الإمبراطور هيراكليوس سنة 632 م، أي قبل أربعة أعوام من معركة اليرموك وهزيمة الرومان البيزنطيين فيها أمام العرب المسلمين. لنقرأ (تعاليم "يعقوب المعمد حديثا" وهي نص سجالي دفاعي مع اليهود كتب على الأرجح في أفريقيا عام 634 م، ويعتبر من سلسلة النصوص الدفاعية المسيحية التي ازدهرت في القرنين الخامس والسادس، وتركزت على تفنيد الشريعة والتقاليد الدينية اليهودية والدفاع عن الكنسية والعقيدة المسيحية وخصوصا بعد اعتراض اللاهوتي مكسيموس على التنصير القسري لليهود الإمبراطورية البيزنطية بناء على أوامر هيراكليوس سنة 632 م وبالأخص ليهود قرطاجة وشمال أفريقيا. وجاءت التعاليم لتبين صحة تنصير اليهود الذين ما عاد من داع لتمسكهم بدينهم بعد ظهور المسيح. ص 63) ويعقوب الوارد اسمه في هذا النص هو تاجر يهودي فلسطيني سافر إلى قرطاجة/ قرب تونس العاصمة اليوم، ومرَّ بمحنة التنصير البيزنطي القسري وكان من ضحاياها. هل ثمة حاجة للتذكير بأنني هنا لا أدافع عن ممارسة فرض الدين – أي دين كان أو عقيدة كانت - بالسيف أو الابتزاز المالي بل أسجل حقيقة تاريخية يقفز عليها البعض لأهداف ذاتية ولا علمية؟ وعموما، فالخلاصة هي أن العرب المسلمين "لم يخترعوا الترومواي" بل وجدوه في محطة التاريخ فاستخدموه كسائر الغزاة والفاتحين في ذلك العصر. أما من يريدون العودة إلى استعمال ذلك "الترومواي" في السفر اليوم إلى المريخ فهم ليسوا إلا مختلين عقليا "من داعش وأخواتها"!

 

- كيف نظر الروم البيزنطيون إلى العرب قديما:

كثيرة هي الأمثلة التي يوردها صاحب الكتاب موضوع القراءة والاقتباس على نظرة الروم البيزنطيين العنصرية التحقيرية إلى العرب قبل وخلال الفتح العربي الإسلامي وإذا ما وضعنا هذه الأمثلة في سياقها التاريخي فنستطيع أن نفهمها مثلا ضمن نظر المهزومين الذين يعتبرون أنفسهم أكثر تطورا مدنيا إلى المنتصرين القادمين من صحراء قفر لم تقدم حتى ذلك الوقت مدنية أو حضارة معروفة ومرموقة خارج دائرة السهل السومري العريق ومتداده الآشوري شمالا والشامي غربا.

فعن " الحوليات الجورجية / مصدر قديم من القرن الثاني عشر وغير مترجم إلى العربية" يروي لنا الكاتب أن إمبراطور الروم جال في مناطق إمبراطوريته لكسب الناس ضد جيوش العرب الموشكة على الزحف ضده والتقى في مدينة بغشتاتسيك راهبا نصرانيا فحذره الراهب قائلا( اهرب من أولئك الذين طردوا سارة - لأن السراسنة أي العرب كانوا يسمَّون " خدم سارة" - فقد أعطى الله شعبهم الجنوب والشرق والشمال . إنهم نجوم جواله يغلبون من لا يتجول) وبعد معركة مؤتة التي هزم المسلمون فيها وقتل فيها ثلاثة من قادتهم جاء أحد خصيان الإمبراطور ليوزع رواتبهم وعندما جاء العرب – حلفاء الروم - لتلقي رواتبهم على جاري العادة أبعدهم الخصي قائلا (بالكاد يستطيع الإمبراطور دفع رواتب جنوده ، وأقل من ذلك بكثير أن يدفع لهذه الكلاب " فانصرف العرب مستائين من هذه الحادثة / ص 92 ) أما ديونسيوس التلمحري (من المسيحيين اليعاقبة كغالبية العرب المسيحيين عهد ذاك، وهم على خلاف مع المسيحيين البيزنطيين الخلقيدونيين) فقد اعتبر ظهور وانتصار العرب عقابا من الله للبيزنطيين بسبب فساد الروم البيزنطيين وانحرافهم عن الإيمان الصحيح وأخذهم بالهرطقة ووصف العرب بأنهم (أحط بني البشر وهم أكره الناس وأقلهم إحراما بين الشعوب وكانوا مصيبة أرسها الله للبيزنطيين ). أما ميناندر بروتكتور فقد تحدث عن (فظاظة العرب وعدم أهليتهم للثقة ) وكتب ثيوفيلاكت سموكاتا عنهم (وهم متقلبون وعقولهم غير ثابتة وأحكامهم لا تقوم على أساس صحيح من التعقل). وقال المؤرخ البيزنطي من القرن السادس سكولاتيكوس كلاما لا يخلو من الحكمة والاستشراف الاستراتيجي، قال (خير وسيلة لقتال العرب هي الاستعانة بعرب غيرهم لقتالهم) ويقينا فهذه "الفكرة الثاقبة" ماتزال صالحة ومأخوذا بها بشكل مستمر من قبل أعداء العرب التقليديين أي الغربيين! يتبع قريبا

 

علاء اللامي

كاتب عراقي

.....................

رابط لتحميل نسخة بي دي أف من الكتاب:

https://ia801006.us.archive.org/19/items/Ketab0531/ketab0531.pdf

 

مذكرات الصحفية العراقية ميادة العسكري

nabil alrobaeiصدر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر للكاتبة جين ساسون كتابها الموسوم (ميادة ابنة العراق)، الكتاب يحتوي على (463) صفحة من الحجم المتوسط، مزود بالصور للصحفية ميادة العسكري، الصور تخص سيرة حياتها خلال تواجدها في العراق مسقط رأسها حتى هجرتها نهاية تسعينات القرن الماضي.

الكتاب عبارة عن مذكرات للصحفية (ميادة العسكري)، عن الحقبة الزمنية التي عاشتها في العراق، وتاريخ عائلتها، وما تعرضت لهُ من اعتقال وتعذيب في سجون النظام البعثي السابق، فضلاً عن أن ميادة هي حفيدة الأستاذ ساطع الحصري من والدتها، فوالدتها سلوى ساطع الحصري، وحفيدة مؤسس الجيش العراقي في العهد الملكي جعفر العسكري لوالدها، ووالدها هو نزار مصطفى جعفر العسكري.

للكاتبة جين ساسون عدة مؤلفات منها: (مغامرة حب في بلاد ممزقة)، تمثل القصة الحقيقية لجوانا، وهي امرأة مناضلة من كردستان العراق، هربت من العراق بسبب سياسات النظام السابق القومية، كما صدر لها كتاب (إنه بن لادن)، يمثل حياة بن لادن وكل شيء عنه لحال لسان زوجته وابنهُ، وصدر لها كتاب (سمّو الأميرة)، وهو كتاب يمثل وقائع من قلب العائلة المالكة في السعودية وخفايا تمكنت من الظهور وأسرار معلنة، كما صدر للكاتبة جين ساسون كتاب(حلقة الأميرة سلطانة)، وكتاب (بنات سموّ الأمير)، وهي اعترافات خطيرة وحميمية لأميرة سعودية من العائلة الحاكمة. أّما كتاب (لأنك ولدي) فهو الكتاب الذي تابع امرأة أفغانية تبحث عن طفلها المفقود، و كتاب (طيار سمتية وطفل أسير)، وأخيراً كتاب (ميادة ابنة العراق).

الكتاب الأخير يمثل تاريخ حقبة حكم البعث والدكتاتور صدام حسين، وسلوك القوى الأمنية مع أبناء العراق ومع المعارضين سواء من الأحزاب المعارضة أو من المنتمين لحزب البعث، الكتاب يبين دور عناصر مخابرات صدام في تعقب وتعذيب المعارضين لهُ بشتى الأساليب والطرق الدموية، حتى لم يسلم من التعذيب مدير الأمن العام في النظام فاضل البراك، ثم التصفية الجسدية لهُ، وهذا ما نقلته من خلال الكتاب الصحفية ميادة العسكري.

الكتاب عبارة عن مذكرات الصحفية العراقية ميادة العسكري وعلاقتها بالكاتبة جين ساسون، وما نال ميادة من يوم اعتقالها حتى يوم إطلاق سراحها بتوسط من المرافق الشخصي لصدام حسين (عبد حمود)، تعرضت ميادة العسكري خلال الاعتقال لأبشع حالات التعذيب، مع العلم إنها كانت في وقت سابق قد أجرت لقاء مع رأس النظام صدام حسين وحازت على جائزة نقدية منه، وهو من المعجبين بكتاباتها وعمودها في الصحافة الرسمية العراقية، وكذلك لقاءاتها الصحفية مع مدير الأمن العام فاضل البراك المقرب لعائلتها، ولقائها الصحفي مع علي هاشم المجيد (علي كيمياوي) ابن عم صدام حسين، كل هذا لم يشفع لها عند اعتقالها من مكتبها الواقع في شارع المتنبي.

من خلال مذكرات ميادة العسكري التي نقلتها لنا الصحفية جين ساسون، تنقل لنا الكاتبة حال المعتقلات في سجن الأمن العامة الواقع في منطقة البلديات في بغداد، كان سبب اعتقالهن لأسباب واهية لا يتطلب كل هذا التوقيف والتعذيب، لكن خوف النظام وعناصر أمنه كان يتلذذ باعتقال السجينات واغتصابهن، حتى أصبحت عملية التجاوز الجنسي والجسدي للسجناء السياسيين في سجن البلديات.

كانت الزنزانة رقم (52) في سجن مديرية الأمن العامة في البلديات تشهد حالات التعذيب بوسائل لا يطيقها الجسد والروح الإنسانية، اعتقلت ميادة العسكري في تموز 1999م، الاعتقال كان من خلال مفرزة أمنية يقودها مقدم الأمن (محمد جاسم السعدي) وزملاؤه، وسبب الاعتقال لمساهمة مكتبها الطباعي في طبع بعض كتب الأدعية الشيعية، فضلاً عن طبع بعض الجهات المعارضة للنظام منشورات تفضح النظام وقد تم توزيعها قرب مكتبها، ففي صفحة 36 ذكرت الكاتبة حول عملية الاعتقالات حيث قالت:"(في نظام صدام حسين، عندما يعتقل فرد من الأسرة تكون الأسرة كلها متهمة.. حتى الأجنّة في الأرحام)"، كانت الزنزانة رقم (52) كما وصفتها ميادة: ذات رائحة عفنة جداً إلى حد أنني اعتقدت أن ميتاً مزمناً غطى أرضيتها الصغيرة"، الزنزانة رقم (52) تضم مجموعة من المتهمات تجاوز عددهن (18) سجينة، ومن ضمن السجينات سمارة التي كان سبب اعتقالها هو تسجيل والدها اسمها باسم جدها، وبعد أن كبرت تزوجت بعمر مبكر جداً لرجل عراقي قتل في الحرب العراقية الإيرانية.

كانت وسائل التعذيب في سجن مديرية الأمن العامة في البلديات حسب ما ورد في الكتاب في صفحة 64 ، ذكرت ميادة: "حينما أمر المحقق مساعديه ليبدأوا بربطي وصاروا يشدوا وثاقي إلى الكرسي الذي جلست عليه... حالما وضعوا قطبي بطارية على كلتا أذني... وقبل أن أتمكن من المقاومة والاعتراض راح المحقق المهذب!! يفتح التيار الكهربائي ويغلقه. الألم الذي شعرت به اكبر من ألم الولادة، وكلما توقف الألم قليلاً أعاد تشغيل الجهاز مرة أخرى".

كانت تهمة إحدى السجينات التجسس لصالح إيران، والجلادون في سجن البلديات لن يتوقفوا عن تعذيبها إن لم تعترف بكونها جاسوسة لإيران أو إسرائيل، بهذه التهمة سواء أكان ذلك تلفيقاً أم نتيجة التعذيب والخوف فهم سيعدمونها.

وصفت ميادة العسكري صدام حسين من خلال مذكراتها في هذا الكتاب في صفحة 88 بأنهُ "الشخصية الكارزمية مقلداً (فيدل كاسترو) في حين كان يعمل بدأب في الوقت نفسه على تصفية خصومه داخل الحزب والدولة والمجتمع".

في زمن النظام السابق نظام حزب البعث والدكتاتور صدام حسين، كان النظام يقوم بعمليات تصفية جسدية مع كل المعارضين من العراقيين، كانت تتم عمليات التصفية عشوائياً، من خلال متابعة الأحداث من خلال مذكرات ميادة العسكري، أجد لم تشفع لها مكانتها الصحفية من الاعتقال أو نسبها كحفيدة لجعفر العسكري، الرجل الذي أسس الجيش العراقي وكان من أشهر قادته، فضلاً عن أنها حفيدة ساطع الحصري مؤسس الفكر القومي العربي وقريبة نورس السعيد.

في عراق البعث لا يشفع للبشر شيء أبداً، فالداخل لأروقة الأمن والمخابرات العراقية مفقود والخارج منها مولود، من خلال الكتاب تمكنت الكاتبة جين ساسون من سرد وقائع قصة الصحفية والكاتبة ميادة العسكري ونساء الظل السجينات اللواتي شاركنها زنزانة الأمن العام، وبحكم خبرتها الصحفية والأدبية نقلت لنا ميادة الصورة الحقيقية للحدث في ذلك الدهليز المظلم لأمن النظام، ليشعر القارئ بما حدث في تلك الحقبة المظلمة، وليعيش حياة السجينات المتهمات لحظة بلحظة.

الكتاب يحتوي على الأسماء الصريحة والحقيقية للسجينات ولأزلام النظام وعناصر مديرية الأمن العامة، الكتاب حصد مبيعات هائلة في العالم أجمع، ولا تزال أحداثه تتفاعل بقوة في أوساط العراق كافة، وأصبح الشغل الشاغل على صفحات النت والصحف العربية والعالمية.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

مشاعر عابرة للحدود والأدب التركي مثالها

nadheer khazrajiما يميز المشاعر والأحاسيس أنها عابرة للحدود اللغوية والقومية والدينية والمذهبية، لأن الحدود في واقعها من صنع الإنسان جاءت كمرحلة متأخرة عن ذات الإنسان وكيونيته وفطرته، فهي موضوعة غير مقدرة ومجعولة غير متجذرة، تأتَّت مع مرور الزمن وتوطنت في النفوس ألفتها وتآلفت معها دون أن تدرك مخاطرها السلبية، فالإنسان هو الذي يصنع الحدود ويصطنعها، وتختلف الحدود من دائرة لأخرى ويستطيل قطر الدائرة الواحدة وتتعدد، حتى لتحل الحدود وبالاً على البيت الواحد، فلا يعد التفاهم قائماً وحرمة الدار تصبح عرضة لأنانية الأولاد أو سطوة الآباء غير المبررة، وتفقد الحرمة قدرة المسك بتلابيب الدار وأهله ولا أهل الدار يعترفون بحرمة، فتضرب الحدود الفاصلة بأطنابها بين النفوس.

فالإنسان السوي يحزن لحزن مواطنه ويفرح لفرحه، والإنسان السوي يتعاطف مع البعيد عندما تحل عليه نكبة عارضة أو طبيعية، يتعاطف معه شعوريا ونفسيا وماديا، والإنسان السوي يفرح لفرح الآخر القريب والبعيد، وهذه الخصال والسجايا أصيلة في ذات الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم مظهراً وذاتاً، فلا حدود بين المشاعر ولا سدود تصد حركة الأحاسيس ولا ربايا تمنع رياح العواطف، هكذا كان الإنسان الأول وهكذا هو وهكذا سيظل لا تبديل لفطرة الله التي فطر الناس عليها.

ولم أجد حادثة أو واقعة أخذت صداها ومداها وتتسع بأثرها لتلف الكرة الأرضية، مثلما هي واقعة الطف بكربلاء عام 61 للهجرة، فما من أمة طرق سمعها مأساة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه إلا وفتحت باب مشاعرها تستحضر القادم من غور الزمان وبعد المكان، تستجليه بصراً وبصيرة، وتستهويه عِبرة وعَبرة.

ولأن الشعراء خير من ينضد عقد المشاعر، فإن الإمام الحسين(ع) تنقل بين أبياتهم وتوقف عند قوافيهم الضاربة بريشة الأحاسيس على أوتار عود الناس ونياط قلوبهم، لا حدود ولا سدود رغم ترددات الأمواج الأموية الطويلة والقصيرة والمتوسطة المدى العابثة بالتاريخ وحوادثه، فما من لغة حية او محلية إلا وللحسين(ع) ذكر في صدور أبيات شعرائها وأعجازها، وهذا ما استطاعت دائرة المعارف الحسينية في كشفه من خلال الجهود المضنية التي يبذلها مؤلفها المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في رصد المنثور والمنظوم ذات العلاقة بالنهضة الحسينية، ومن لآلئ الموسوعة الحسينية، هو صدور الجزء الأول من (ديوان الشعر التركي) في نهاية العام 2015م (1436هـ) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 574 صفحة من القطع الوزيري، ليأخذ موقعه من المكتبة الحسينية الى جانب ديوان الشعر العربي والأردوي والفارسي والانكليزي والپشتوي وغيرها، في إطار (الحسين في الشعر الشرقي) من دائرة المعارف الحسينية التي يعكف الدكتور الكرباسي على تأليفها تحقيقاً وتمحيصاً منذ عام 1987م وحتى مطلع العام 2016م حيث بلغ عدد الأجزاء المطبوعة مائة وواحد (101) من نحو 900 مجلد.

 

العربية حاضرة

وكما لا يمكن الفصل بين القرآن الكريم واللغة العربية، وتأثير الكتاب المقدس على بقاء اللغة وصقلها وديموتها، فلا يمكن الفصل بين اللغة والعربية ولغات الشعوب الأخرى التي لامسها الإسلام واحتك بها من قريب أو بعيد في التاريخين الأقصى والأدنى، فما من لغة قريبة من الدائرة الإسلامية إلا وللعربية بصمتها في تأسيسها كاللغة الأردوية أو تأثيرها كاللغة التركية بشقيها الآذري والاستانبولي.

ورغم أن الأقوال مختلفة حول نشأة اللغة التركية وآدابها، بين من أرجعها الى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وبعضهم يرجعه الى ما قبل الإسلام بفترة، لكن المحقق الكرباسي يوجه بوصلته نحو كعبة القائلين: (إن الأدب التركي أخذ مدة طويلة حتى برز تحريرياً، وكان ما بين القرن السادس الميلادي وحتى القرن الحادي عشر الميلادي يتداول عبر الحوار، وقد عبّر عنه القائل بـ "الأدب الشفوي" حيث يذكر بأنه تم اكتشاف نُصب تذكارية لقبائل الگوكتورك "Gok Turk" علیها بعض الكتابات الأدبية، وفسّرها الناقل بالشعر، وذكر أن الفترة الحقيقية لبروز الشعر كان حين دخل الأتراك في الإسلام).

ولشدة تأثير العربية على آداب الشعوب الشرقية ومنها التركية، فإن مقارنتها بين ما قبل الإسلام وما بعده تظهر هذه الحقيقة للعيان، وفي بعض الأحيان من غير جهد لغوي أو معرفي، فعلى سبيل المثال قول الشاعر من العهد الجاهلي:

ياروكْ تنگريلَرْ يارْليكازونْ ... ياواشيم بيرْلَهْ

فلا يمكن اكتشاف تأثير العربية عليه، على أن البيت ورد بالأبجدية الانكليزية وليست العربية كما كانت عليه اللغة التركية حتى عام 1923م عندما حرّم أتاتورك الأبجدية العربية، ويبدو أن النسخة الأصلية ضاعت مع التحويل، ولكن الترجمة الحرفية الى الأبجدية العربية تظهر الكلمات هكذا، وترجمة البيت باللغة العربية كما جاء في ديوان الشعر التركي للكرباسي هو التالي:

فليكُنْ أمرُ إلهنا النورانيْ ... ناعمَ الطبعِ شريف المعانيْ

ولكن في القرن العاشر الهجري ينظم الشاعر محمد بن سليمان الفضولي المتوفى عام 963هـ، فينشد من قصيدة بعنوان راه نجات (طريق النجاة):

مرحبا أي نور رُويوندَنْ مُنوَّر كائناتْ ... جوهرِ ذات شريفون جامعِ حُسنِ صفاتْ

ورغم أن البيت هو ترجمة حرفية لنص بالأبجدية الانكليزية كما ورد في المصدر وغاب الأصل بسبب السياسة الأتاتوركية، لكن العربية واضحة عليه وضوح الشمس، وترجمته العربية كما أورده الكرباسي هو:

يا مرحباً بنورِ بصرِهِ المُصبحِ الذي صارَ يُنير الكائنات

وجوهرُ ذاتهِ الشريفِ غدا جامعاً لحُسنِ الصفاتْ

وبالطبع فإن العربية التي أثّرت في اللغة الفارسية، انتقل تأثير الثانية الى اللغة التركية بخاصة وأن الأقوام التركية الآذرية كانت ولازالت على احتكاك مباشر بالأقوام الفارسية، وقد انعكس تأثير العربية والفارسية على التركية في حديث الشارع وعند الأدباء والشعراء، ولهذا فلا غرو أن تقرأ بيتاً من الشعر التركي لتجد كلمات اللغات الثلاث تشكل الصدر والعجز، ومن ذلك بيت الرمل المثمن المخبون المحذوف للشاعر علي بن محمد النسيمي المتوفى سنة 821هـ حيث يقول:

فصلِّ على مرشدنا شاه ولايتْ ... كَمتَرْ قُولويومْ مَنْ عَلينين أو شاه كَرَمْدير

حسنْ باشيمينْ تاجي، حسينْ گؤزْومْدَهْ نَمْديرْ ... إمام زين العباد، باقر، مِهْرِ حَرَمْدير

والترجمة التي أوردها الكرباسي جاءت على النحو التالي:

اللهم صلِّ على مرشدنا سلطان الولاية التي ضاءتْ

مَلِكُ أهلِ الجود فلعليٍّ عبدٌ أنا وهو المديرْ

تاجُ هامي الحسنُ والحسينُ بماء عيني جديرْ

زينُ العبادِ إمامي وذو المعاجزِ باقرٌ والغدير

حيث يُلاحظ في البيت كلمات عربية وفارسية الى جانب التركية مثل (فصلِّ على مرشدنا) للعربية و(شاه ولايت) للفارسية.

ويعتقد المحقق الكرباسي أن اللغة الفارسية كانت هي لغة الأدب عند الأتراك: (ومن هنا فإن أكثر الذين نظموا الشعر من الأتراك نظموا بالشعر الفارسي، ومن المعلوم أن الشعر الفارسي العمودي أُخذ من العرب، بينما أخذ العرب من الفرس ما يسمى بالشعر الحر، وكان التبادل الثقافي والأدبي على قدم وساق بين هذه الحضارات الشرقية).

 

نماذج كربلائية

يُلاحظ في الجزء الأول من ديوان الشعر التركي الخاص بالنهضة الحسينية الذي ضم 202 مقطوعة في 547 بيتاً لثمان شعراء، بدء انطلاقته من القرن السابع حتى العاشر الهجري، رغم أن واقعة كربلاء حصلت في القرن الأول الهجري، وأن مدنيَّة الأتراك ظهرت في القرن السادس الميلادي أي قبل ظهور الاسلام بقرن، وبعضهم يرجع ظهور الأدب التركي الى القرن الثامن الميلادي أي القرن الثاني الهجري أي بعد واقعة الطف، وكما يؤكد الكرباسي: (ظهر الأدب في ثلاث اتجاهات: الاتجاه الجغتائي، والاتجاه الآذري، والاتجاه الأناضولي، وأبرز ما كتب باللغة الجغتائية هي السيرة الذاتية التي وضعها بابر مؤسس الأسرة المغولية في الهند والتي تعرف باسم بابرنامة، أي "كتاب بار" المؤرخ قبل سنة 937هـ (1530م) وهو كتاب نثري غير منظوم، ومن أقدم من كتب في الأدب التركي الآذريه الصوفي عماد الدين النسيمي المتوفى حدود سنة 821هـ (1418م)، وأما في الأدب الأناضولي فأقدم من كتب فيه هو الشاعر الصوفي يونس أمره المتوفى سنة 721هـ (1321م)).

ولعلّ أكبر التأثير المتبادل بين الأدبين العربي والتركي والذي ساهم في ظهور الأدب الحسيني في جانبه النثري، هو الاحتلالات التركية للعراق وايران وأفغانستان وجانب من تركيا والشام في القرن السابع الهجري، واحتكاك الأتراك المباشر بالأدب العربي بعامة والحسيني بخاصة، وقد سبق الاحتلال التركي توغل المماليك الأتراك في الحكم العباسي منذ القرن الثالث الهجري، وظهور الأدب التركي كأدب منثور ومنظوم في القرن الخامس الهجري، أما بالنسبة للشعر الحسيني باللغة التركية فإن أقدم ما وصلنا هو في القرن السابع الهجري كما يؤكد البحاثة الكرباسي، والأسباب كثيرة، ولعل أهمها أن الأدباء الأتراك كانت الفارسية هي لغتهم نثراً وشعراً مثل الشاعر التركي الحكيم قطران العضيدي التبريزي المتوفى سنة 465ه، الذي نظم في الحسين(ع) باللغة الفارسية.

ولقد انعكس انحسار الأدب المنظوم باللغة التركية بوضوح على عدد من الشعراء الذين نظموا في الحسين(ع)، ولهذا ظهر في القرن السابع شاعرٌ واحد هو محمد بن ابراهيم الخراساني المتوفى سنة 670هـ، وفي القرن الثامن اقتصر على الشاعر يونس بن إسماعيل أمره المتوفى سنة 721هـ، وكذا الحال مع القرن التاسع الذي وصلنا بيت واحد للشاعر علي بن محمد النسيمي المتوفى سنة 821ه، كما توصل اليه الشيخ الكرباسي، ولكن النقلة النوعية حصلت في القرن العاشر حيث ازداد عدد الشعراء مع ارتفاع مؤشر المقطوعات الحسينية وأبياتها، وبلغ عدد الشعراء خمسة، وهم حسب التسلسل الزماني: السلطان اسماعيل بن حيدر الصفوي الخطائي المتوفى سنة 930هـ وله 17 مقطوعة من 57 بيتاً، محمد بن سليمان الفضولي المتوفى سنة 963هـ وله 141 مقطوعة في 394 بيتاً، حيدر السيواسي المتوفى سنة 998هـ وله 14 مقطوعة في 43 بيتاً، وهادي التبريزي المتوفى في القرن العاشر في 8 مقطوعات من 26 بيتاً، وخامسهم وآخرهم علي أصغر الذهني التبريزي المتوفى في القرن العاشر الهجري وله قصيدة واحدة تضم 45 بيتاً، وسنجد في الأجزاء التالية من ديوان الشعر التركي ارتفاعاً ملحوظاً من حيث عدد الشعراء والقصائد كلما اقتربنا من عصرنا الحالي.

وتعددت الأغراض الشعرية التي تناول فيها الشعراء الإمام الحسين(ع)، فبعضهم ذكره وهو صغير يلعب مع جده محمد(ص) وبعضهم ذكره كبيراً وهو يشارك حروب والده علي(ع)، وبعضهم ركّز على ذكر الحسين(ع) وما جرى في كربلاء عام 61، ولاشك أن عاشوراء هي ملهمة الشعراء الأمر الذي خلق وفرة كبيرة في الشعر وزيادة في أعداد الشعراء من كل حدب وصوب بعيداً عن المذهبية بل وحتى الدينية، حيث وجد الشعراء بمختلف مشاربهم في شهادة الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه وأسر عياله قمة التفجع الباعث على الإلهام في أبهى صورها، فهذا الشاعر يونس بن إسماعيل أمره يستحضر الوجع العاشورائي فينظم، ما ترجمته:

من وجع كربلاء سقوط المجاهدين شهداءَ فخارِ

وقُربانا فاطمةٍ هما في الأمَّة شُبَّر وشُبَيرِ

من كربلاء انثال النورُ من أسودِ شعرِهِ الأندى

والمضرَّجان بدمائهما هما شُبَّر وشُبَيرِ

فشبّر هو الإسم العبري للإمام الحسن(ع) الذي تقطع كبده دماً من السم وشُبير إشارة الى الامام الحسين(ع) الذي تضرّج بدمه في كربلاء، وكلاهما قُتلا بأيدٍ أموية.

وهذا الشاعر علي بن محمد النسيمي يقول في بيت ضمن قصيدة مقصورة:

خلِّق نفسك اللَّوامةَ واسألْ يقيناً تَنَلْ

وإنْ قصدتَّ الشهادةَ فاجعل إمامَك حسينَ كربلا

وهي دعوة من الشاعر لكل البشر في الإقتداء بسيرة سيد الشهداء(ع) الذي قدّم كل شيء من أجل المبدأ وصالح الإنسانية.

وهذا السلطان اسماعيل بن حيدر الصفوي الخطائي تتراءى أمام حدقتي الشعور معالم المدينة المقدسة فينظم من قصيدة رباعية وترجمتها:

فلنأت كربلا أرض الحُزنِ الأليمْ

حتى نُقيم مأتمَ القلبِ الكليمْ

ولنُرسلَ بكاءً دموعَ القلبِ السليمْ

يا وجعي يا حسين سلطاني حسينْ

وهذا الشاعر محمد بن سليمان الفضولي المدفون في شارع باب القبلة على بعد بضعة أمتار من الحرم الحسيني الشريف، ينظم ما ترجمته:

إن سألوني عن منزل مصائبي قلتُ: في نينوى بلاءُ مجمعيْ

لكان جوابَ الكونِ القصيرِ إنها كربلاء كربلا

ونينوى هي واحدة من أسماء مدينة كربلاء وهي الأراضي الممتدة شمال شرق مركز كربلاء من مصب نهر العلقمي الى جنوب سدة الهندية.

 

عمل عظيم وشخصية عظيمة

لاحظ المحقق الكرباسي وهو يتناول الأدب التركي المنظوم أموراً عدة، ربما أهمها:

أولا: إن اللغة التركية في العهد الاسلامي كانت تكتب بالأبجدية العربية حتى 29/9/1923م تاريخ مجيء مصطفى أتاتورك للحكم الذي أبدلها بأبجدية لاتينية.

ثانيا: إن المتحدثين باللغة التركية لا ينحصرون بتركيا الحالية، فهناك عشرات الملايين الأتراك في إيران وآذربايجان وتركمانستان وتركستان وداغستان وقيرغيزستان وأرمينيا وأوزبكستان والعراق، وغيرها يتحدثون بها.

ثالثا: إن الأتراك كأمَّة يرجعون بجذورهم الى النبي نوح (ع) عبر ابنه يافث المسمى ترك.

رابعا: اللغة التركية من فصائل اللغة الآلتائية التي ظهرت منها أسر لغوية تركية مختلفة متوزعة عبر الدول الناطقة باللغة التركية، وأشهرها: التركمانية، الجغتائية، الأويغورية، الآذرية، الأذربايجانية، القيرغيزية، التتارية، الأوزباكستانية، البشكيرية، والأسطنبولية.

خامسا: رسم الخط في اللهجات واللغات التركية يختلف من قوم تركي الى آخر ومن بلد الى آخر، وبعض التغيير ناتج من تحولات سياسية مثل اللغة الاسطنبولية التي كتب بالأبجدية اللاتينية، والتركية الآذربايجانية التي كتبت بالأبجدية الروسية.

ولكن القاسم المشترك لكل هذه اللغات بما يخص الأدب المنظوم، أن معظم الشعراء الترك كانوا يتحدثون باللغتين الفارسية والعربية أو بإحداها، وقد أحصى الشيخ الكرباسي 201 شاعراً تركيا حتى القرن العاشر الهجري، وأكثرهم نظم باللغتين الفارسية والعربية أو بإحداهما، وأحصى 21 منهم أي 10 في المائة منهم كان ينظم باللغة العربية منهم: أبو القاسم الخطامي التبريزي المتوفى في القرن الخامس الهجري، أبو زكريا الشيباني التبريزي المتوفى سنة 502هــ، الخواجه هام الدين التبريزي المتوفى في القرن السابع الهجري، زركوب الطاهري التبريزي المتوفى سنة 712هـ، ابن يحيى الشبستري المتوفى سنة 720هـ، شمس مغربي محمد شمس الدين التبريزي المتوفى سنة 808هـ، والشاعر الشهير محمد بن سليمان الفضولي من أعلام وشعراء القرن العاشر الهجري.

وبالقطع هناك شعراء ترك آخرون من بين القائمة نظموا باللغة العربية، ولكن لم يصلنا شعرهم العربي.

ولا يخفى حرص المؤلف الشديد على دعم ما يكتب ويحقق فيه بمجموعة كبيرة من الفهارس المفيدة، وامتاز الجزء الأول من ديوان الشعر التركي بفهرس خاص بمعجم لمفردات اللغة الآذرية والاستانبولية وما يقابلهما باللغة العربية والفارسية وترجمتها العربية ضم 2071 مفردة تضمنتها أبيات هذا الديوان فقط، وهي خدمة أدبية ومعرفيه يقدمها الكتاب لقرائه، فضلا عن تحديد بحور شعر الديوان مع ما ورد عليها من زحافات وعلل وذلك: (تسهيلا لمن يريد أن يقدم دراسته على ما ضمّنه واحتواه هذا الجزء وغيره من الأجزاء) وهي تسعة بحور: الهزج، الرمل، المجتث، المضارع، المتقارب، الرجز، المنسرح، الخفيف، والمقتضب، هذا إلى جانب تشكيل الأشعار بالحركات: (وما ذلك إلا لتسهيل الأمر على القارئ والباحث)، مع ترجمة النص التركي الى العربي ترجمة نثرية مسجّعة وذلك: (طبقاً لما وضعه الشاعر ليكون أكثر وقعاً في النفوس وعلى الآذان إن تُليت) ولكن: (لا تعد هذه الترجمة حرفية ولا هي مضمونية بل وسطيّة).

هذه العمل الأدبي الرزين المرتبط بالنهضة الحسينية جلب أنظار الصحفي هوانك جيونكرين (Hwang Gyeong-rin) وهو من مدينة غومسان غان (kŭmsan-gun) في مقاطعة تشنغتشونغ نامدو (Ch'ungch'ŏngnam-do) في كوريا الجنوبية، فأبدى إعجابه الشديد وذلك بعد أن: (اطلعت على دائرة المعارف الحسينية التي تحيط بمعارفها واحداً من أعظم الشخصيات تمجيداً عبر التاريخ، وهو الحسين سبط رسول الاسلام محمد. لقد تناهى الى علمي المشروع المعرفي الذي يتولاه العلامة الشهير الباحث المقيم في لندن وهو الشيخ محمد صادق الكرباسي الذي كتب وحرر أكثر من 900 مجلد عن الحسين القائد).

وهذا الإعجاب جعله يكتب مقدمة باللغة الكورية ملحقة في نهاية الديوان، قال فيها: (إنَّ هذا الديوان يكشف عمق الجهد اللامتناهي وغير القابل للتصديق للمؤلف الذي تناول التفاصيل الدقيقة لشخصية الحسين بن علي. إنه رجل عظيم يكتب عن شخصية عظيمة ليصبح مشروعه العلمي والمعرفي عظيما كما رأينا في هذه الموسوعة).

ويبدي المحقق الدكتور محمد صادق الكرباسي في ثنايا الديوان أسفه لما حصل من تحريف لأبجدية اللغة التركية ورسم كتابتها، وهي حقيقة شاطره الرأي كل صاحب رأي معرفي، وفي الحقيقة فإن السياسة الأتاتوركية حاولت في أحد أسباب محاربتها للعربية الإقتراب من أوروبا والتماهي معها مصلحة المجتمع التركي كما كان هو الاعتقاد السائد آنذاك، لكن الغرب وبعد مضي قرن من الزمان ينظر الى تركيا بوصفها بلداً شرقياً مسلماً يعود بجذوره الى السلطنة العثمانية التي احتلت البلدان الاوروبية، ولا يريد الإعتراف بتركيا أو إدخالها في منظومة الوحدة الأوروبية رغم أنها جزء من منظومة حلف الناتو (الأطلسي) والحربة التي تلوح بها الولايات المتحدة في وجوه الدول العربية الرافضة لسياستها في المنطقة.

 

د. نضير الخزرجي

 

عباقرة خالدون

alhasan alkyriيحمل هذا الكتاب الذي نطل عليه اليوم عنوان "عنترة بن شداد". وهو لصاحبه محمد كامل حسن المحامي، ومنشور ضمن سلسلة "عباقرة خالدون" والتي هي من منشورات المكتب العالمي للطباعة والنشر ببيروت سنة 1988. ينقسم هذا الكتاب إلى ستة فصول؛ بحيث يعالج كل واحد منها جانبا من جوانب الحياة المريرة التي عاشها هذا الشاعر المسمى عنترة بن شداد العبسي. وخلاصة القول أن هذا الشاعر الفحل لم يستطع الباحثون والنقاد والمنقبون في سيرته أن يعرفوا عنه الكثير سوى أنه كان ابن جارية سوداء تدعى "زبيبة"، والتي أنجبته بعدما حبلت به من "شداد" الذي لم يعتبره ابنا ولم يعترف به سوى كعبد لديه. إلا أن عنترة تحرر من هذه العبودية وأسس لنفسه مقاما ومكانة عالية. فأصبح الفارس الشجاع والمحارب الصنديد والعاشق الولهان الذي أحبه الناس وأعجبوا به وبشعره.

كان هذا الشاعر يعيش فقط على حب عبلة. وهذه هي الحقيقة الوحيدة المؤكدة في حياة عنترة بن شداد العبسي. كانت عبلة أو "عبل" كما يسميها في أكثر من قصيدة نور حياته وعلة عيشه. إلا أنها لم تكن تبادله الحب نفسه بل كانت تصده عنها. أما والدها "مالك" فقد كان يكره عنترة كرها شديدا؛ بحيث كان كلما طلب منه عنترة الزواج من ابنته طلب منه في المقابل مهرا كبيرا لا يستطيع شخص في وضع عنترة تقديمه. وهكذا، فقد كانت قصة حب عنترة قصة مليئة بالحزن والأسى. ولأجل عبلة دخل السجن وعاش مع الأطياف وحاول النسيان. ولأجل حب عبلة هذه، جادت قريحة عنترة بأشعار بقيت خالدة إلى اليوم حتى صار اسمه مقترنا باسمها. وقد كان عنترة الشاعر أسود البشرة وأشعث الشعر ثم فارسا مقداما أحبه الصغير والكبير. أما حبه لعبلة فهو حب عذري صادق قوبل بالرفض من طرف محبوبته. لقد عاش حياته لعبلة إلا أنه لم يتزوجها كما لم يتزوج غيرها.

 

بقلم. ذ. لحسن الكيري*

** كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية - الدار البيضاء - المغرب.

قراءة نقدية لكتاب: أجراس الرعب من التكفير إلى التفجير

ahmad alkhozaiكتاب أجراس الرعب من التكفير إلى التفجير، للباحث الإسلامي الموريتاني سيدي محمد ولد جعفر، احتوى هذا الكتاب على مائتين وثلاث صفحات من الحجم المتوسط .. والذي أثار ضجة كبيرة في الأوساط المحلية الموريتانية والإسلامية، واتهام الكاتب بأنه تناول شخصيات مقدسة في التاريخ الإسلامي بالنقد والاتهام، وتطرق لأحداث بالتحليل والتفسير مخالف لما وصل إلينا عنها، وبذلك اعتبره الكثيرين بأنه قد تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء، لتسليطه الضوء على هذا الجانب من تراثنا الإسلامي، الذي يعده معظم المسلمين مقدسا لا يجب المساس به   .

إلا أن من يطلع على هذا الكتاب يجد إن الكاتب بقي محافظا على خيوط اللعبة التي لم يخرج عن أطرها العامة اغلب الكتاب العرب والمسلمين الذين ينحدرون من جذور وخلفيات إسلامية تقليدية، ويحاولون وضع أنفسهم في موضع التجديد والتقييم والنقد والتحليل للمشهد الإسلامي الحالي من خلال الغوص في بعض الجزئيات السيئة في تراثنا الإسلامي، دون المساس بالثوابت والرموز التي يقدسها جمهور مدارسهم الفكرية ومنبعهم البيئي والثقافي الفطري الذي نشؤ فيه وعليه .

يتألف كتاب الباحث سيدي محمد ولد جعفر من أربعة فصول، قسم فيه التاريخ الإسلامي للقرون الثلاث الأولى .. تحدث في الفصل الأول عن الإسلام المكي إلى بيعة الرضوان، وتطرق فيه إلى إشكالية اسلام أبي طالب، ومن اسلم أولا، ولم يخرج برأي واستنتاج واضح وجلي لبحثه هذا، واكتفى بان عزا هذا الخلاف الى الصراعات السياسية بين الفرق الإسلامية، والانحياز الأعمى للفرد لطائفته وانتمائه العقائدي .. والقي اللوم على جميع الطوائف والمذاهب حول هذا الاختلاف الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم .

وهذا ضعف واضح في طريقة البحث والتحليل اللتان اعتمدهما الباحث، كون هذه الأمور على الرغم من محدوديتها التاريخية إلا انها كانت تمثل منعطف خطير وكبير في تحديد التوجه العام للأمة الإسلامية،وخاصة في القرن الأول الهجري،وما آلت إليه الأحداث بعد وفاة النبي (ص) وما جرى في سقيفة بني ساعدة، الذي كان الشاخص الأبرز الذي انطلقت منه الاتجاهات الفكرية، التي أوصلت المسلمين إلى ما هم عليه الآن .

ثم تناول الصحابة وقسمهم إلى ثلاثة مجاميع، أصحاب بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة في السنة السادسة للهجرة قبل صلح الحديبية، وهؤلاء أضفى عليهم المؤلف الكثير من التقديس ولم يخض في سيرهم حتى عند تصديهم للمشهد السياسي بعد وفاة النبي محمد (ص) .

أما المجموعة الثانية من الصحابة فهم الذين اتبعوه بإحسان، وهؤلاء اعتبرهم المؤلف بأنه لا يمكن حصرهم بفترة زمنية محددة، مشيرا إلى أفضلية من رأى النبي بالمشاهدة العينية على الآخرين على شرط أن يكون مسلما .

وبذلك لم يخرج المؤلف عن تصنيف الشيخ البخاري المثير للجدل والذي اعتبر الصحابي فيه ( هو كل من رأى النبي حتى لو كان من بعيد ودون تمييز ).

والمجموعة الثالثة هم من ساءت سيرهم، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، حيث تناول المؤلف بعض الأحاديث في سيرته وفضائله، التي أوردتها كتب الحديث، وحاول تحليلها وتفنيد البعض منها، وهذا ما اثار حفيضة الاخرين عليه، واثاروا ضجة كبيرة حول هذا الكتاب.

ويختم الباحث كتابه بالبحث عن جذور ونشاة الفكر التكفيري الإسلامي عند الجماعات المتطرفة في مصر وشمال افريقيا، وتأثرهم بجزء كبير من هذا التراث السيئ لبعض الصحابة والتابعين، واختلاط مفاهيم الجهاد عند هذه الجماعات بين ما أراده النبي (ص) والصحابة الأوائل من بعده، ويقصد الخلفاء الراشدين الأربعة، جاعلا الفتوحات الإسلامية الأولى في عصر الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل جزء من الجهاد المشروع، الذي دعا إليه الإسلام .. وأشار إلى أن هناك نوعان من الجهاد هما (جهاد القران وهذا ما قام به النبي (ص) والخلفاء الثلاثة من بعده، والنوع الآخر هو جهاد السلطان والاستبداد في العهدين الأموي والعباسي ).. والذي يعزوا سبب هذا النوع من الجهاد إلى حب الدنيا والطمع بالغنائم والنساء، وان عمليات القتل المجاني حسب تعبيره والظلم والاستبداد، وقتل المخالفين في الرأي والعقيدة قد بدء مع ظهور الدولة الأموية، واستمر مع الدولة العباسية .

وقد تناسى الكتاب سيد محمد ولد جعفر في طرحه هذا، أن هناك بون شاسع بين ما قام به النبي محمد (ص) من غزوات داخل حدود شبه الجزيرة العربية وبين ما جرى من توسع عسكري باسم الدين من بعده تجاوز حدود الجزيرة العربية، إضافة إلى غياب النصوص المقدسة الصريحة التي تدعوا المسلمين لنشر الإسلام خارج حدودها بالقوة والسيف .. حيث كل الآيات الكريمة التي وردت في القران الكريم في هذا الجانب كانت تنص على جهاد الدفع، وان آخر ما أوصى به النبي الأكرم محمد (ص)، وهو على فراش الموت (أجيزوا الوفد واخرجوا المشركين من جزيرة العرب والثالثة قال انس ابن مالك لقد نسيتها ) .

إضافة إلى انه لم يذكر الكثير من حوادث القتل المجاني كما وصفها هو، بأنها قد بدأت في صدر الرسالة وفي حروب الردة، ولم تبدأ في العصر الأموي، وما فعله خالد ابن الوليد في مالك ابن نويرة خير دليل، وقتله له والزنا بزوجته كونه امتنع عن إعطاء الزكاة وهو على ملة الإسلام، كما جاء في (البداية والنهاية لابن كثير الجزء السادس) .. (فأرسل أبي بكر (رض) خالداً في جيش ليستفهم الأمر وكان معه عبد الله بن عمر وأبي قتادة .. فأسر مالكاً هو وقومه بعد أن خرج مالك وقومه لاستقبالهم بلا سلاح، فقتلهم وأمر برأس مالك بن نويرة فجعل بين حجرين وطبخ على النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ولم تنضج رأس مالك لكثرة الشعر فيها).. وفي رواية (المسعودي في مروج الذهب) .. طبخت الرؤوس فنضجت إلا رأس مالك لأنها كثيرة الشعر.. ثم زنى بامرأة مالك كما ذكر (ابن حجر العسقلاني في الإصابة الجزء الخامس) .. (إن خالدا رأى امرأة مالك وكانت فائقة الجمال فقال مالك بعد لامرأته قتلتيني )، ويعني سأقتل بسببك .. وذكر (الطبري في تاريخ الأمم والملوك الجزء الثالث) .. دخل خالد إلى مسجد رسول الله(ص) وعليه قباء وقد غرز السهام في عمامته، فأتاه عمر بن الخطاب (رض) .. (فكسر السهام وقال قتلت أمريء مسلم ثم نزوت على امرأته والله لارجمنك بأحجارك( .

هذا دليل واضح على إن الفكر التكفيري المتطرف الذي يشهده عالمنا الإسلامي المعاصر لم يستمد وحشيته وهمجيته من العصر الأموي فحسب، كما ذكر المؤلف بل إن له جذور أقدم من ذلك تمتد إلى صدر الرسالة الإسلامية .

وفي جانب آخر من الكتاب،يعزو المؤلف إلى أن سبب نمو واستفحال الفكر الإسلامي التكفيري المتطرف في الوطن العربي الآن،إلى غياب المشروع القومي العربي الوحدوي الذي شكل فراغا فكريا للكثير من أبناء الأمة العربية، أدى إلى استقطابهم من قبل دعاة التطرف والتكفير .

وهذا أيضا ضعف في تشخيص المشكلة من قبل المؤلف، لان أصل نشوء التطرف هو .. أولا ما وصل إلينا من تراث إسلامي سيئ خضع للتحريف والتزوير على أيدي السلاطين والأمراء، وتقديسه للكثير من الصحابة الذين أعدهم المتطرفون قدوة لهم وسلفا صالحا وهم بالأصل قتلة وسراق .. وثانيا النظم الدكتاتورية المستبدة التي حكمت اغلب بلدان الوطن العربي في النصف الثاني من القرن الماضي، والذي يعد الفكر القومي من أسوئها وأكثرها انحطاطا، كونه لبس لباس القومية بالطائفية كما حدث هنا في العراق أبان حكم القوميين والبعثيين له.. والسبب الثالث في نشأة التطرف والتكفير هو شعور الكثير من الشباب المسلم بالإحباط نتيجة انتشار البطالة،وعدم القدرة على الزواج،والتهميش والإقصاء الذين يعانوه في بلدانهم، وغياب التعليم والمبادرة الفردية، والتي هي من مهام الحكومات التي تقوم بالتشجيع عليها ودعمها، والمناهج الدراسية المحرضة على العنف والتطرف وعدم تقبل الآخر رفضه .

كل هذه الأسباب وغيرها ساعدت في نشوء التطرف الاسلامي والفكر التكفيري، ولجوء هؤلاء الشباب للبحث عن الخلاص من بؤسهم هذا في الحياة الأخرى، حيث الحور العين والطعام والنعيم الأبدي كما يعتقدون، فاتخذوا من ما يسمونه الجهاد سبيل لتحقيق هذا الهدف، عن طريق تفجير أجسادهم في الأسواق والطرقات ومدارس الأطفال لاعتقادهم بكفر الآخر، وإنها الوسيلة الأسهل والأسرع لوصولهم إلى الجنة، إضافة إلى قيامهم بالأعمال الوحشية من ذبح وصلب وتمثيل بالجثث، كنوع من التطهير الروحي حسب ما يعتقدون .. هذه هي الأسباب الحقيقية لنشأة التطرف والتي تجاهل ذكرها مؤلف الكتاب.

لكن بالرغم من كل الهفوات التي رافقت هذا المنجز الفكري للباحث سيدي محمد ولد جعفر، إلا انه يعد إضاءة مهمة في هذه العتمة الفكرية التي يشهدها عالمنا الإسلامي المعاصر، وخطوة تستحق الإشادة كونها تناولت موضوعا يتحاشى الكثيرون المرور به أو التنويه عنه، من قريب أو بعيد، وسط هذا الكم الهائل من الجهل والأفكار الظلامية، وفتاوى التكفير المحيطة بنا .

 

احمد عواد الخزاعي

لا يمكن بقاء العراق موحدا في المستقبل القريب الا بنظام فدرالي

صدر قبل أشهر كتابا جديدا للمؤرخ الالماني واستاذ العلوم السياسية (Michael Wolffsohn) يتناول موضوع السلم العالمي والمخاطر المحدقة به، وقد توقع المؤلف إنهيار دولا كبرى، مثل الصين، وعدم إمكانية بقاء دولا عديدة في العالم موحدة بسبب طبيعة (نظام الدولة الوطنية غير الفدرالية) التي تقوم عليه أنظمة هذه الدول. ولقد تحدث المؤلف عن مستقبل العراق وأسباب الصراعات في هذا البلد وإحتمال إنهياره وتفككه في حال عدم الاسراع في تطبيق النظام الفدرالي فيه.

قراءة المؤلف لمستقبل العالم قائمة على دراسات تطبيقية (empirically) تناولت بالبحث مفردات واقع العالم والصراعات القائمة فيه وتلك التي ستحدث في المستقبل القريب، وذلك تأسيسا على حقيقة إنتهاء عهد نظام (الدولة الوطنية الموحدة)، والتي تحكمها دولة مركزية لم تقوم على قاعدة (حق التقرير الذاتي) للمجموعات البشرية الاجتماعية والاثنية والدينية ـ الطائفية، بل إعتمدت على قاعدة (الرابط الوطني) الذي أثبت التاريخ القريب أنه هشاً وسرعان ما ينهار في لحظة ضعف الدولة المركزية، كما حدث لجمهوريات الاتحاد السوفيتي وجيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا. كما تأكدت من خلال دراسة المؤلف حقيقة أن الدول الاكثر تعرضا لتفككها وإنهيارها في المستقبل القريب هي تلك التي رسم حدودها المنتصرون في الحربين العالمتين الاولى والثانية، وكذلك تلك التي إستقلت بعد عهود من الاستعمار ورسمت حدودها الجغرافية السياسية بشكل مصطنع ومن خلال المشاريع الدولية والتي لا تقوم على حقائق التنوع البشري في تلك الدول، وبالاخص منها الدول التي تضم شعوبا ومجموعات بشرية إثنية ودينية ـ طائفية متعددة، أو ما تسمى بالدولة ذات الشعوب المتعددة (multiethnic state)، مثل العراق وإيران.

وبعد أن إستعرض المؤلف أنماط الانظمة الفدرالية حسب المجموعات البشرية التي إستخدم المؤلف للتعبير عنها المصطلح المعروف في علم السياسة وهو (مجتمعات الاتصال) (communication Sciences)، فقد أكد على أن في دول مثل العراق لا يصلح نظاما فدراليا قائما على نمط واحد من الانماط الفدرالية، بل الافضل أن يقوم النظام الفدرالي في مثل هذه الدول على الاخذ بانماط فدرالية متعددة في وقت واحد، وحسب تكوين هذه المجموعات التي تفرز كل واحدة منها مصالح مختلفة. فمرة يقوم النظام الفدرالي على أساس لغوي، ومرة على أساس إثني، ومرة على أساس جغرافي وأخرى على أساس ديني ـ طائفي، ويمكن أن تستعمل كل هذه الانماط في دولة فدرالية واحدة ذلك بسبب إختلاف أساس وجود (مجتمعات الاتصال) فيها.

و العراق الحديث الذي تأسس كاحدى نتائج الحرب العالمية الاولى وسقوط الدولة العثمانية والتي رسمت حدوده بشكل مصطنع، يضم فيه (مجتمعات اتصال) متعددة ومختلفة في اسس وجودها (آئلة حتما الى الدخول مستقبلا في الصراعات والحروب الداخلية ـ حسب توقعات المؤلف). ففي جزءه الشمالي تعيش (مجموعات اتصال) لها مميزاتها (الاثنية واللغوية والدينية ـ الطائفية) التي هي غيرها في المنطقة الغربية، وهذه المنطقة الغربية تتميز عن وسط وجنوب البلاد بسماتها الدينية ـ الطائفية وتشترك مع وسط وجنوب العراق في اللغة. وحتى داخل كل منطقة من هذه المناطق فان هناك تنوع وتعدد في (مجتمعات الاتصال). فليس كل المنطقة الغربية (وحدة مجتمع اتصال) واحدة، وليس في منطقة وسط وجنوب العراق ما يمكن ان يكون (وحدة مجتمع اتصال) واحدة.   حيث يمكن أن تتبنى الدولة العراقية الفدرالية المستقبلية ـ حسب رؤى المؤلف ـ أنماط من العلاقات الفدرالية المتعددة حسب مميزات كل (مجموعة اتصال).

و كما هو معروف في الانظمة الفدرالية وجود مستويين من الادارة هما: مستوى الاتحاد ومستوى المقاطعات، حيث لكل حسب دستور النظام الفدرالي صلاحياته وواجباته، فان من الضروري في حالة العراق أن تكون عملية اصدار القرار وسن القانون والتشريع قائمة على وجود (مجلس فدرالي) يوازي (مجلس البرلمان الاتحادي) ويمثل حكومات المقاطعات والوحدات الفدرالية مجتمعة. حيث يخصص الدستور الفدرالي (قوة قرار) لازمة للحصول على الموافقة او لتعديل قرار او تشريع او قانون ما، لحتى تصبح كل القرارات والقوانين والتشريعات صادرة بموافقة كل (مجوعات الاتصال) وتمثل مصالحها، ولكي تكون صمام أمان يمنع سطوة أغلبية (مجموعة إتصال) واحدة وهيمنتها على القرار في الدولة الفدرالية المستقبلية.

و هذا يستدعي تطور أمرين ملازمين الى قيام النظام الفدرالي ألا وهما: تطور وتجذر التحول الديموقراطي في العراق. وهذا الامر وكذلك أمر تشريع قانون فدرالي يلبي هذه المطامح يستدعي كتابة دستور عراقي جديد، أو القيام باعادة كتابة الدستور الحالي لكي يلائم (دمقرطة) و(فدرلة) العراق بشكل جدي.

والمؤلف يحذر في دراسته من مخاطر إنهيار السلم العالمي من خلال توقعاته لنشوب الصراعات الداخلية والاقليمية في دول العالم التي مازالت تتبع قاعدة نظام (الدولة الوطنية) في المستقبل القريب، وبالتالي نشوب حروب عالمية. لذلك فهو يدعو الى اضطلاع قوى العالم التي تريد الحفاظ على السلم العالمي الى أخذ المبادرة للعمل على (فدرلة) العالم، تفاديا لوقوع الكارثة التي يراها المؤلف حتمية.

 

شاكر أحمد

أنوار تتفيأ معناي كتاب يرصد تجربة الشاعرة المغربية نجاة الزباير

818-NAJATصدر كتاب "أنوار تتفيأ معناي .. قراءات في المنجز الشعري للشاعرة المغربية نجاة الزباير"عن منشورات أفروديت في طبعته الأولى 2015 ، وقد ساهم في إنجازه ثلة من الدارسين المغاربة والعرب، وهم:

818-NAJATد. حسن الغرفي، د. أحمد بلحاج آية وارهام، د. علي القاسمي، د. أ. عبد الله بن أحمد الفيفي، د. العياشي أبو الشتاء، الأستاذ وجدان عبد العزيز، د. إبراهيم الحجري، الأستاذ نعمة السوداني، الأستاذ الطيب هلو ، الأستاذة جنة نجية، و الأستاذ راسم المدهون.

وقد تناولوا الدواوين التالية: لجسده رائحة الموتي، أقبض قدم الريح، قصائد في ألياف الماء، ناي الغريبة، فاتن الليل، خلاخيل الغجرية، والكتاب الشعري/ النثري رسائل ضوء وماء.

يقع الكتاب في 116 صفحة من القطع الكبير، وقد قامت بتوزيعه شركة سبريس .

صدر حديثا للدكتور محمد نوحي: المثقف بين مآلات التعبير وإكراهات التغيير

817-nohiبعد تجربته الشعرية الأولى التي توجت بإصدار ديوان مواكب العشق، صدر حديثا للكاتب والاكاديمي المغربي الدكتور محمد نوحي كتاب جديد تحت عنوان: المثقف بين مآلات التعبير وإكراهات التغيير عن أيارت غرافيك للطباعة بأكادير. والكتاب من الحجم المتوسط (19×15) ويشتمل على 141 صفحة. فمن منظور ابستيمولوجي نقدي متبصر، يحاول المؤلف ملامسة العديد من القضايا المحورية المرتبطة بالمثقف والثقافة من قبيل المثقف بين الاستقلالية والتبعية، والمثقفون والجماهير الشعبية، والمثقفون ومجتمع المهرجان، والمثقفون والإعلام، والمثقف ومشروع الحرية والتحرر، والجغرافيا السياسية لأدوارالمثقف ليختم الكتاب بمحور مهم يتجلى في تنمية الرساميل الكبرى لمجتمع التنمية.

817-nohiوكما يوضح المؤلف من خلال خلفية الغلاف، فالكتاب في العمق منخرط في المساهمة في الإجابة على الانشغالات والاهتمامات التالية: ماهي معايير ومحددات مفهوم المثقف؟ أين يتموقع المثقف في العلاقة الجدلية بين السلطة والمعرفة؟ ما هي حدود العلاقة بين النخبة المثقفة والمجموعات المهمشة؟ ما الثابت والمتحول في مواقع المثقف من التحولات السياسية والمنعطفات التاريخية الكبرى؟ وما هي الأدوار الطلائعية التي يمكن للمثقف أن يضطلع بها؟  تلك بعض الأسئلة الملحة والحرجة التي تتغيى هذه الدراسة تسليط الضوء عليها من أجل المساهمة في هذا الموضوع المألوف والمعقد والمتشابك في آن واحد، وذلك من خلال مساءلة للنقاش الدائر حول فكر وخطاب وتاريخ المثقفين على مستوى الرؤية النظرية والممارسة العملية.

 

بعد تجربته الشعرية الأولى التي توجت بإصدار ديوان مواكب العشق، صدر حديثا للكاتب والاكاديمي المغربي الدكتور محمد نوحي كتاب جديد تحت عنوان: المثقف بين مآلات التعبير وإكراهات التغيير عن أيارت غرافيك للطباعة بأكادير. والكتاب من الحجم المتوسط (19×15) ويشتمل على 141 صفحة. فمن منظور ابستيمولوجي نقدي متبصر، يحاول المؤلف ملامسة العديد من القضايا المحورية المرتبطة بالمثقف والثقافة من قبيل المثقف بين الاستقلالية والتبعية، والمثقفون والجماهير الشعبية، والمثقفون ومجتمع المهرجان، والمثقفون والإعلام، والمثقف ومشروع الحرية والتحرر، والجغرافيا السياسية لأدوارالمثقف ليختم الكتاب بمحور مهم يتجلى في تنمية الرساميل الكبرى لمجتمع التنمية.

    وكما يوضح المؤلف من خلال خلفية الغلاف، فالكتاب في العمق منخرط في المساهمة في الإجابة على الانشغالات والاهتمامات التالية: ماهي معايير ومحددات مفهوم المثقف؟ أين يتموقع المثقف في العلاقة الجدلية بين السلطة والمعرفة؟ ما هي حدود العلاقة بين النخبة المثقفة والمجموعات المهمشة؟ ما الثابت والمتحول في مواقع المثقف من التحولات السياسية والمنعطفات التاريخية الكبرى؟ وما هي الأدوار الطلائعية التي يمكن للمثقف أن يضطلع بها؟  تلك بعض الأسئلة الملحة والحرجة التي تتغيى هذه الدراسة تسليط الضوء عليها من أجل المساهمة في هذا الموضوع المألوف والمعقد والمتشابك في آن واحد، وذلك من خلال مساءلة للنقاش الدائر حول فكر وخطاب وتاريخ المثقفين على مستوى الرؤية النظرية والممارسة العملية.

 

صدور كتابين للباحث العراقي عبد اللطيف الحرز

816-latifصدر في بغداد عن دار نورس كتابان للباحث العراقي عبد اللطيف الحزر، الأول تحت عنوان (الظمأ الأنطولوجي، مقدمة تفسيرية نقد رغبات الجموع ونقضّ أخلاقيات التماثل (قراءة تمهيدية لتكوين عبدالجبار الرفاعي للمصطلح)، جاء فيه حزمة من المعالجات في بيان تكوينات تاريخية وفكرية لتكوين المصطلح الفلسفي الاسلامي منذ الكندي وحتى ما بعد ملا صدر الشيرازي، للدخول في اسئلة اشكالية من قبيل: ما هي حكاية "طيور بلاد الحجاج والحلاج" في تكوين حلقة نقدية في مدينة قم الإيرانية؟!. وهل ثمة أقنعة رمزية تحجب السيرة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي في تنقله بين أفقين متعارضين من رؤية الحياة والدين، وانتقاده لعلي شريعتي؟ وبأي آليات يمكن الغوص والكشف عنها، كي نصل إلى التكوين الخِطر لنحت مصطلح الظمأ الأنطولوجي؟! . ما هي حكاية "الجيل الأخلاقي الأخير"، وأي علاقة لهم بدخول الحرب زمن الخراب الشامل؟! وكيف ظهر المصطلح الفلسفي عربياً، وكيف تطور 816-latifمن البصرة والمغرب وشيراز وأصفهان، وبأي مرجعيات وأسلاف ولّد ملا صدرا الحكمة المتعالية؟! وأي تناقض لعلماء الفقه المعاصرين في موقفهم السلبي من العرفان والفلسفة؟!. وبأي معنى تمت القطعية الأبتسميولوجية في معنى الواقعية بين فلسفة الوجود وفلسفة الذات؟! وبأي أنتاجيات جديدة ظهرت الحركة النقدية بين الإسلاميين المثقفين حينما انتقلوا من الأديولوجيا على الهرمنيوطيقا وفلسفة الدين؟! وبأي وعود جديدة تم طرح انتقادات جديدة لعلي شريعتي وما هي مصائر الدفاع عنه برؤية وقراءة جديدة؟! وهل هناك مضمرات نقود جديدة لخطابات الإلحاد المعاصر وفق رؤية إيمانية مركزيتها الذات وتقلب وجوه النقاش الفكري المشترك بين الكندي وابن رشد، وتوما الأكويني وصدر المتألهين الشيرازي؟! وأين هي الثغرة التي تم طمسها في منجز الحكمة المتعالية، وهل يمكن اليوم عرض طرق أخرى في الدفاع عن الله وإنهاض آمال المُقدَّس؟!)

 

بينما الكتاب الثاني حمل عنوان (الحُسن الفائق، مباحث صوفية في اشراقات الخير وخلاص الفروقات المذهبية) تحدث فيه الحرز عن قراءات طباقية بين الشيخ الكيلاني ومتصوفة آخرين وقراءات جديدة عن ابن تيمية والعلامة الالوسي وبعض البحوث الروحية المتعلقة بابن سينا. والكتب حمل ذوقيات صوفية جديدة

حذام يوسف والحب وأشياؤه الأخرى

ali zagheeniصدر مؤخرا عن دار سطور للنشر والتوزيع المجموعة الشعرية الثاني (الحب وأشياؤه الأخرى) وتقع المجموعة ب 67 صفحة من الحجم المتوسط وصمم الغلاف والمخطوطات الداخلية الفنان فهد الصكر وتضمنت المجموعة اكثر من خمسين نصا، وقدم المجموعة الأستاذ الناقد علوان السلمان .

وقد جاء في الإهداء

الى أجمل روحين ..

الى أبي وأمي مع الاعتذار ..

وهنا لابد من ان نتطرق الى جزء من المقدمة التي كتبها الأستاذ الناقد (علوان السلمان) الشعر فلسفة الحياة تعبر عن الوجود .. واسلوب للتجاوز عبر الانحراف والانزياح عن المألوف وتقاطعاته مع الواقع والذاكرة والحلم .

والشاعرة حذام في قصائدها (الحب وأشياؤه الاخرى) التي تتشكل من مقاطع قصيرة بمثابة زوايا نظر او مرايا متعددة تعبر عن لمحات فكرية او رؤى حليمة تسعى الى تحقيقها الشاعرة متعمدة فيها الضربة الادهاشية مع تكثيف وإيجاز العبارة واقتصاد في اللغة ..

اعلم انك غادرت ..

منذ الف وهم

وانت ليس هنا

تشكل حروفا من اللا معنى

يا ااااااااااا انت

ستبحث عني كثيرا

ولن تجدني ...

فالنص يحمل في طياته عمق الدلالة النفسية بقوة تعبيرية مكتنزة في روح التمرد للخروج الى الحلم والحرية من داخل التجربة الذاتية لتعرية الواقع .. بدءا من عتباتها النصية المتميزة بقصر جملها التي تتراوح مابين الكلمة او الكلمتين غلب عليها المجاز والمفارقة في اشتغالاتها الشعرية التي تثير التأويل والدهشة بوساطة الانزياحات اللغوية المتعاقبة والتشكيل البصري والحسي ..

ومن الجدير بالذكر ان للشاعرة حذام يوسف قد أصدرت مجموعتها الاولى (لك مبتدأ الحروف) عام 2012 ومجموعة شعرية مشتركة صادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين بعنوان (رفيف الثريا)

والشاعرة حذام يوسف عملت في مجال الأعلام منذ عام 2005 ولا تزال وهي:

عضو نقابة الصحفيين العراقيين

عضو مؤسسة النور للثقافة والأعلام

عضو النقابة الوطنية للصحفيين العراقيين

عضو منتدى نازك الملائكة

عضو منتدى الإعلاميات العراقيات

وقد حصلت على عدد من الجوائز والدروع خلال مسيرتها الادبية والاعلامية وكما لها دور فاعل ونشط بالمشاركة في جميع الانشطة الانسانية والمشاركة في جميع التظاهرات السلمية في ساحة التحرير وشارع المتنبي، وهي ناشطة في مجال حقوق الانسان والمراة، وكما اجرت العديد من الحوارات الثقافية مع عدد كبير من الادباء العراقيين، وهي محررة للصفحة الثقافية في جريدة كل الاخبار ومعدة ومقدمة برامج في اذاعة المدى .

 

مستطرق

815hotheamايها المار من ساحة التحرير

تذكر .. ان اصوات الشباب

غردت كثيرا هنا ..

قبل ان تخنقها تهديدات الغربان !

ايها البائع المتجول

لا تنسى ان تترك بضاعتك

لتكون فداء لك حين تمر قوافل الجرذان

حذام ..

تذكري انك الى الان لم تكتبي سطرا على عتبة الوطن

...........

 

لوم

اشعر بالاسف..

عندما اتذكر

ان جسدي اشتاقك كثيرا

ويداي سعت اليك

لكن صوتا بداخلي

سحبني الى الخلف

اشعر بالاسف

لاني عندما كنت معك

لم اكن انا

............

انحناءة

اغصاني تدنو منك

تسجد .. تتلمس احلامي

تدعوك لرسم حكاياتي

تدعوك لتكون الاقرب

في حرفي

في لحني

وفي الواني

...........

الحب وأشياؤه الأخرى

اعلم انك غادرت ..

فمنذ الف وهم

وانت ليس هنا

تشكل حروفا من اللا معنى

يااااااا .. انت

ستبحث عني كثيرا

ولن تجدني

ستكتب عني كثيرا ..

ولن تقرأني

س ....... تبقى تحبني

لكن الذي في داخلك

سيبقى يلعنك

ايها البدوي المتحضر

لم تكن الا انت

تغادر حروفنا الاولى

وتقتل أغنية على عتبة الوهم

ارجوك

لا تبحث عن جدائل حروفي

فلن تجد سوى .. احرف العلة

.........

 

حتما

على حافة الموت

سلسلة من الأجساد

مطأطأة جماجمها الى المجهول!

على حافة الطريق..

تتزاحم الوجوه

وتتساقط الملامح فوق بعض

على حافة الحياة

هناك دوما ... ولادة

 

علي الزاغيني

 

 

ليلة تسليم جلجامش لليهود.. كتاب جديد للدكتور حسين سرمك حسن

ع814-sarmakن دار ضفاف (الشارقة / بغداد) للطباعة والنشر، صدر مؤخراً كتاب جديد للدكتور حسين سرمك حسن عنوانه: (ليلة تسليم جلجامش لليهود -  فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي) (287 صفحة من القطع الكبير).

افتتح الكتاب بعيارة للعلّامة العراقي الآثاري الراحل "طه باقر" يقول فيها:

(ملحمة جلجامش، التي يصح أن نسميها اوديسة العراق القديم يضعها الباحثون ومؤرخو الأدب المحدثون بين شوامخ الادب العالمي . ولعلني لا أبالغ اذا قلت انه لو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين، من منجزاتها وعلومها وفنونها شيء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة بأن تبوّأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة . إن ملحمة جلجامش أقدم نوع من أدب الملاحم البطولية في تاريخ جميع الحضارات، وإلى هذا فهي أطول وأكمل ملحمة عرفتها حضارات العالم القديم، وليس هنالك ما يُقرن بها أو ما يضاهيها من آداب الحضارات القديمة قبل الإلياذة والأوديسة في الأدب اليوناني (جاءت بعد ملحمة جلجامش بثمانية قرون) .


814-sarmakثم جاء إهداء الكتاب على الشكل التالي:

إلى "قارىء الطين"

العلّامة العراقي الراحل

الآثاري الفذّ

" طه باقر "

تقديراً لجهوده الرائدة في ترميم الذاكرة العراقية، ولكونه أوّل من قدّم جلجامش العظيم ليكون أنموذجاً للشخصية العراقية المبدعة في الفكر والبناء .

في المقدّمة يبيّن المؤلف الحافز الذي دفعه إلى وضع هذا الكتاب بالقول:

(تصاعدت في الثقافة العربية منذ أكثر من عقدين – وبوتائرَ سريعةٍ وخطىً واسعة - ظاهرة كشف ومراجعة ما يُسمّى - وفق المصطلح الحداثي - بـ "التناص" بين التوراة من جانب، والتراث الأسطوري للشرق الأدنى القديم من جانب آخر، وتحديداً أساطير مصر والعراق وسورية القديمة بما عُرف عن امتلاك هذه البلدان من تراثٍ أسطوريّ هائل هو بمثابة الكنوز المعرفيّة التي لا تٌقدّر بثمن، ومن ريادات مؤصّلة ومشهودة في مجال الفكر الميثولوجي، خصوصاً في ما يتعلق بالجانب الديني) .

ويبيّن أن هذه الظاهرة ليست جديدة:

 (وهذه الظاهرة ليست جديدة، حيث أشار إليها الآثاريون والباحثون في مجال الأسطورة  منذ أن بدأت الإكتشافات الأركيولوجية لمنجزات حضارات الشرق الأدنى القديمة، وبشكل خاص الحضارات العراقية (السومرية والأكدية/البابلية والآشورية)، والحضارة المصرية الفرعونية، ثم الحضارة السورية لاحقاً، فقد تنبّه هؤلاء إلى وجود تشابهات تصل أحياناً حدّ التفاصيل الدقيقة والتعابير اللغوية التصويرية المتطابقة، بين ما جاء في التوراة من أسفار، والنصوص الأسطورية العراقية والمصرية القديمة، حتى أننّي قرأت ذات مرّة أنّ الباحث الآثاري البريطاني "جورج سمث" (1840 – 1876 م) وكان يقوم بتدقيق لوح أُرسل من مكتبة الملك آشور بانيبال عام 1872، ووجد أنه يتضمن أسطورة خليقة بشكل أكثر دقة ووضوحاً من قصة الخليقة التوراتية، قد قفز من كرسيّه وخرج من مكتبه واندفع في القاعة، وقد انتابته حالة من الإثارة الشديدة، حتى أنه بدأ يتجرد من ملابسه، وسط ذهول الحاضرين . كان منفعلاً ومنهوساً بالتشابه، الذي شاهده بأمّ عينه، بين أسطورة الخليقة البابلية وقصّة الخليقة التوراتية)

لكنه يرى إن هذه الظاهرة قد اتسعت وصارت أكثر خطورة على الثقافة العربية عموماً والعراقية خصوصاً، وإن من الواجب على الباحثين العرب استنفار إمكانياتهم للتصدي لها، لأنها ستصبح واحدة من المعاونات على توفير المناخ النفسي والعقلي لتقبّل أطروحة "الدولة اليهودية":

(أمّا الآن، فقد اتسعت دائرة هذه الظاهرة، واشتدت خطورتها، لأنّ الباحثين – بحسن نوايا الباحث العلمي، أو بالتخطيط المقصود والغايات المسبقة لبعض دور النشر – قد استسهلوها، وصاروا يعمّمونها على كل شيء، حتى صرنا نقرأ الكتب عن "التناص" بين جلجامش العظيم بطل الملحمة العراقية الشهيرة، التي هي أول نص ملحمي مكتوب في تاريخ البشرية، وبين يوسف التوراتي !! أو بين الإله البابلي مردوخ خالق الأكوان حسب أسطورة الخليقة المعروفة ويوسف التوراتي أيضاً .

ولأنني مؤمن – بحدود طبعاً - بـ "نظرية المؤامرة – conspiracy theory" التي تُطبّق على أرض الواقع كلّ يوم، ونلمس نتائجها المؤذية ضد هذه الأمّة في كل لحظة وعلى المستويات كافّة، خصوصاً الثقافية منها، التي تمسّ عقل الأمة وشخصيتها، فإنني أعتقد أن اتساع هذه الظاهرة، وبهذه الدرجة من التصاعد، سوف يتأجّج مع إصرار الكيان الصهيوني على إعلان دولته في "إسرائيل" اللقيطة كدولة ذات هويّة دينية يهودية . فتأسيس حركة "التناص" بين الفكر التوراتي الذي يستند إليه هذا الكيان، وفكر المنطقة – الشرق الأوسط تحديدا بدوله العربية الأساسية الثلاث: العراق ومصر وسورية التي تمتلك أعظم كنوز هذه المنطقة الأسطورية، وببعدها الديني المميّز، ودورها في بناء شخصيّة الأمّ’ الحضارية - يهيّْء الأرضية الثقافية، ثم الإستعداد العقلي والنفسي لاستقبال وجود هذه الدولة االيهوديّة بفكرها التوراتي .

ولهذا أعتقد أنّه قد آن الأوان لأن يتصدّى الباحثون العراقيون والعرب – وبصورة علمية وموضوعية محكمة – للردّ على هذه الظاهرة المؤذية التي صار باحثون معروفون يسقطون في شباكها، بفعل الإنسياق مع عدواها النفسية وصخبها الفكري أولاً، والسعي النرجسي لتحقيق "الإكتشافات" الجديدة في إطارها ثانياً، والإنبهار – رابعاً - بطروحات الحداثة ومصطلحاتها مثل التناص والإزاحة والقلب والزحف والمهيمنات وارتحال المفاهيم، والإخصاء والسلطة القضيبية البطرياركية والسلطة المترياركية وتراجيديا الألوهة الشابة القتيلة وغيرها من المفاهيم والمصطلحات التي صارت توظّف في غير مواضعها حتى وصل بنا الحال أن نقرأ أن النبي يعقوب التوراتي "متناص" مع البطل الأسطوري العراقي العظيم "أنكيدو" . ولا ننسى – خامساً – دور بعض دور النشر في تشجيع هذا الإتجاه من خلال تيسير سبل النشر والمكافآت المغرية للكتب التي تؤلّف في هذا الإطار) .   

 وعن أهميّة كتابه هذا يقول المؤلف:

(قد يكون كتابنا هذا هو الردّ الجاد الواسع والشامل الأوّل على أطروحات هذه الظاهرة، وضعناه بعناء وسهر وملاحقة تفصيلية لأدق الأفكار والفرضيات المطروحة، وغوص تحليلي في عمق المرتكزات التي تقوم عليها هذه الظاهرة، متوخّين بساطة الأسلوب وبعده عن المصطلحات المعقّدة واللغة المتعالية لتحقيق أفضل فهم لدى أوسع قاعدة من القرّاء، ومنطلقين من الإيمان بحقيقة أنّ التردّد أو التأخّر في مواجهة هذه الظاهرة، سيجعلها تستشري، وتستفحل، وتسوق بفعل تيارها المغري باحثين آخرين من الشباب العرب خصوصا، لنصحو يوماً، ونجد أن جلجامش العظيم قد تمّ تسليمه لليهود وفكرهم التوراتي الكهنوتي) .

ثم جاء الكتاب في فصلين رئيسيين يتضمنان عشرات العناوين الفرعية:

 الفصل الأول: التناص المُدمّر

الفصل الثاني: ليلة تسليم جلجامش لليهود

مع ثلاثة ملاحق:

# الملحق رقم (1):

تناص آخر يعيد أسطورة "شعب الله المُختار" إلى الحضارة السومرية !! (أسطورة إله الدمار "إيرّا")

# الملحق رقم (2):

حول قميص يوسف

ملحق رقم (3):

هل هذه التوراة هي توراة موسى ؟

مع عيّنة من أخطاء وتحريفات وتناقضات التوراة !

هذا الكتاب هو الرابع والأربعون في سلسلة نتاجات الباحث والناقد حسين سرمك حسن

 

 

 

الكاتب المغربي محمد بنلحسن يصدر مجموعة قصصية بعنوان: حب فايس بوكي

813-marأصدر الكاتب المغربي الأستاذ محمد بنلحسن مجموعته قصصية: "حُب فَايْس بُوكِي، الطبعة الأولى دجنبر2015، تتألف من تسع وثلاثين نصا؛ متنوعا بين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا.

المجموعة تناول جديد لأحداث وقضايا مختلفة عن تلك التي عهدها الناس في حياة الواقع، واستغوار مغاير لأمزجة وسلوكات شخصيات وهمية ذات أسماء مستعارة، وهويات غامضة، يعرضها السارد على القارئ مستعملا قلما  كالعاكس الضوئي، من أجل تسجيل شرائح بوحها في لحظات انفلات من رقابة العقل، والسلط المحايثة في عالم الحس والمحاسبة.

813-marإنه ببساطة ما يشبه النقل غير المباشر لبعض ما يقع  بين الرجل والمرأة، على ركح العالم الافتراضي، خلال الدردشة الحميمية؛ التي تحتضنها شبكات التواصل الاجتماعي، خلف الحواسيب الغارقة بين الخيوط الملتبسة والمتشابكة للشابكة العنكبوتية ...

إنه نمط من الكتابة التسجيلية للعلاقات الثنائية الافتراضية على مساحات غامضة في محيط الفضاء الأزرق؛ حيث تتعدد الأصوات والأصداء، وتلتبس الهويات البيضاء الشفافة، بالهويات المقنعة ذات الوجوه المترعة بالزرقة الحالمة !! حيث لا مكان للالتزام والمسؤولية المباشرة..

كما أن المجموعة انفتحت على معاينة علاقات الذكر والأنثى؛  كما تتبدى ظلالها ومخلفاتها في مسرح الحياة، وعرج على مخاضات الربيع العربي موثقة الشخوص التي قدحت شراراته الأولى، مع الانخراط في استكشاف التحولات التي شهدها الوطن، ورصد المواقف والمواقع التي أثثها تموجات الفاعلين الجدد....دون السهو عن إسدال الستار عن الأقاصي الحميمية  للذات الساردة، وتدوين ما يعتمل في دروب الباطن وشعابه زمن التفاعل مع نوع حرج من الأخبار والأحداث والوقائع...

والمجموعة الجديدة محاولة لالتقاط صورة  معبرة ودالة عن حقيقة الذات الإنسانية في تموجاتها النفسية والاجتماعية؛ لاسيما حين تورطها في شبكة العلاقات البينية والغيرية حيث تحضر النرجسية والأنانية بثقل مضاعف ....