كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

الخالدون مئة.. والعظيم واحد

reem abolfadlيقول الشاعر...

كم مات قومٌ وما ماتت مكارمهم‏ .. وعاش قومٌ وهم في الناسِ أموات‏

فالخلود فى اللغة هو الدوام أو البقاء، وخلود الإنسان ليس دوام شخصه بالتأكيد، بل دوام ذكره

قد يكون تخليد ذكر الشخص لمناقبه ،أو مثالبه

كتاب " الخالدون مائة وأعظمهم محمد" من أشهر الكتب المترجمة فى الفترة الأخيرة ، وقد ترجم إلى 15 لغة، ووصلت مبيعاته إلى أكثر من 5 مليون نسخة

تحدث فيه الكاتب بشكل سردى ونمطى إلى حد ما عن مائة شخصية على مر العصور ممن خلد التاريخ ذكرهم،بصرف النظر عن رؤيتي لهذه الشخصيات

مؤلف الكتاب "مايكل هارت " وهو فيزيائى فلكى حصل على شهادات فى العلوم، والفلك، والرياضيات يعمل فى هيئة الفضاء الأميريكية، ويعشق دراسة التاريخ

كانت هذه معلومات كتاب الخالدون مائة، ومن من عادتي قبل أن أقرأ كتابًا أتصفحه، فإما وجدته يستحق القراءة ؛ فأعود لبدايته لأقرأه عن شغف، وأجد فيه من المتعة بقدر ما أجد من الإفادة

وإما أجده كتاباً يخلو من المتعة وربما الإفادة ، ولكن يدفعنى إليه الاطّلاع ، والمعرفة ولو عن شمول، وليس خصوص

ولكن مع هذا الكتاب الذى آثار اهتمام الغرب والعرب معًا وجدت أنني لابد من أن أطلع بشغف، وأن استقرأ بوعي بعيدا عن المتعة، وأن أحاول التجرد من مشاعر غالبتني منذ قراءتى للكتاب ، حتى أتمكن من رصد ما له، وما عليه

فالرجل ليس أديباً ولا باحثاُ إسلاميا، وإنما هو ينتمى لعالم الأرقام والمعادلات و1+1=2

وسأبدأ بما له وما ورد فى الكتاب من حقائق وثقّها كاتب ليس مسلم ولا عربى، مع العلم إنه ليس أول غربي تناول شخص وحياة أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام

فقد تناول الكثير من المستشرقين المنصفين شخصية رسولنا الكريم" محمد "عليه الصلاة والسلام، وهذا إقرار منهم بدور الرسالة المحمدية فى بناء الحضارة الغربية التى لطالما غرقت فى عصور مظلمة قبل الإسلام

ونحتاج لكتب حتى نجمع فيها كل ما قيل عن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، فعلى سبيل المثال وليس الحصر

يقول" وليام موير" المؤرخ الإنجليزي فيقول في كتابه (حياة محمد): (لقد امتاز محمد عليه السلام بوضوح كلامه، ويسر دينه، وقد أتم من الأعمال ما يدهش العقول، ولم يعهد التاريخ مصلحًا أيقظ النفوس وأحيى الأخلاق ،ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل نبي الإسلام محمد)

ويقول "توماس كارليل" : (قرأت حياة رسول الإسلام جيدًا مرات ومرات، فلم أجد فيها إلا الخُلُق كما ينبغي أن يكون، وكم ذا تمنيت أن يكون الإسلام هو سبيل العالم).

أما عالم اللاهوت السويسري د."هانز كونج" فيقول : ( بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم)

إذاً ف"مايكل هارت" لم يحقق للإسلام نصرًا ، ولم ينصف من أنصفه الخالق

 

فإعجاب "مايكل هارت" بشخصية وسيرة محمد عليه الصلاة والسلام ليس بجديد، وتصدره لمائة شخصية من وجهة نظره كان بناءً على مقياس أن يكون الشخص خالدا، ويأتى ترتيبه فى سجل الخالدين بحسب أعماله

فالكاتب يرى أن قيمة الإنسان وخلوده تنبع من عظمة الأثر الذي تركه خلفه، ولذلك فهو يرى أن العظماء والساسة أهم من رجال الفن والأدب والعلم، ومن هنا يرى "مايكل" أن "محمدا" يستحق أن يكون على قائمة الخالدين للأسباب التالية

* أن التأثير النسبي ل"محمد" على الإسلام كان أكبر من تأثير "عيسى" و تأثير بولس على النصرانية مجتمعيَن.

* أن "محمداً" له تأثير فى التاريخ ،فهو القوة الدافعة وراء الفتوحات العربية ،ويمكن تصنيفه كأشد الناس تأثيرا فى التاريخ

* أن "محمداً" لم يكن قائدًا دينيًا فحسب (مثل عيسى) ، بل كان أيضاً قائدًا في شؤون الدنيا.

* اعتبر "محمدا "من أشد القادة السياسيين تأثيرًا في التاريخ ، فالفتوحات العربية في القرن السابع لا زالت تلعب دوراً فعّالاً و مؤثراً في التاريخ البشري ، إلى يومنا هذا.

* أن الجمع بين التأثير الديني و التأثير الدنيوي هو الذي جعله يشعر أن "محمدًا" يستحق أن يُعتبر أعظم الأفراد تأثيرًا في التاريخ.

* الدورالأساسي الذي لعبه "محمد" فى الدعوة إلى الدين الجديد

كانت هذه شهادة "مايكل هارت" الذى قيمها، وبلورها بنظرة عقلية بعيدة عن الإيمان به

وحين يشهد العدو، والكافر به.. فهذا دليل على عظمته

حين يتفق القاصي والداني.. والطائع والعاصي.. تصبح عظمته بيّنة كشروق الشمس من مشرقها

حين يحتكم كاتب غربى لا يعترف بالإسلام دينًا إلى الأدلة العقلية فقط دون النظر للأدلة النقلية.. فهذه وثيقة ودليل على عظمته

إنه عظيم رغم أنف من لا يرى ذلك، إن عظمته حقيقة لا ينكرها إلا جاهل، أعمى، عنيد، حاقد

فليخسأ الكافرون، والمشوهون والطاعنون، وراسمو الرسوم المسيئة

فلتخسأ القنوات الفضائية المغرضة، والمواقع الإلكترونية التى لا هم لها إلا النيل من سيرته العطرة

على الصعيد الآخر فما كتبه "مايكل هارت" و"هانز كونج" "ووليام موير" و"لامارتين" وغيرهم لن يزيدنا قناعة، ولا إيماناً بالنبى بعد ما جعله الله خير الخلق، وفضله الله على سائر النبيين وأرسله للعالمين كافة

إن كتاب" الخالدون مائة" لا يمثل لنا وثيقة، ولا يحقق لنا نصرا بعدما نصره الله ...

فلدينا كتاب به وثيقة تقول" وإنك لعلى خلق عظيم"

         

لدينا كتاب مقدس أنزله رب من سطروا كل هذه الكتب، وجعل نبيه رحمة للعالمين "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

لدينا كتاب سبق كتاب "مايكل هارت" بقرون يقول لنا "لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة"

وبرغم شهادة "مايكل هارت" فى كتابه التى يعدها البعض رفعة للإسلام ورسوله، إلا أنني أرى سقطات فى كتابه ترجمها "أنيس منصور" دون أى تعليق ، ربما لأمانة النقل

فقد قال "مايكل" أن محمد هو الذى وضع عقيدة الألوهية، والتعاليم والشرائع الأخلاقية فى الإسلام، كما إنه وضع الطقوس التعبدية فى الإسلام

بل كانت السقطة الكبرى حين قال إنه واضع النص الإسلامي المقدس "القرآن" ، وقد وصفه بأنه مجموعة من الإيحاءات التي اعتقد "محمد" أنها أوحيت إليه من الله ، ويقول أن هذه الأفكار التى مثلت أفكار محمد وضعت بعد ذلك فى صورة كتاب ذى سلطة يسمى "القرآن"

وهو بذلك يكون منكرا لمعجزة القرآن، والوحي، والرسالة

له ما يعتقد، من إنكار أو تصديق ، فهذه عظمة الإسلام التى تكفل حرية الاعتقاد لكل شخص، ولكن أن ننقل اعتقاده، ونصفق، ونهلل له.. متغاضين، أو غافلين.. فتلك مشكلة عظيمة

أما ترتيب القائمة التى رتبها "مايكل هارت" فقد كانت لى عليها مآخذ كثيرة

فقد عجبت من مرتبة "بوذا" التى احتلت المرتبة الرابعة

و ساءنى تقدم "جانكيز خان" القائد المغولى فى المرتبة 21 على مرتبة أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" الذى جاء فى المرتبة 51

واستفزنى" بوذا" الذى جاء فى الترتيب الرابع، وتقدم على ترتيب "موسى " عليه السلام الذى جاء فى المرتبة ال16

اعترض وأرفض   صيغة العنوان و" أعظمهم" لأن صيغة أفعل التفضيل تعنى أن هؤلاء المائة عظماء؛ لكن يفوقهم فى العظمة محمد

فكيف تصير الملكة إيزابيلا الأولى التى أنشأ فى عهدها محاكم التفتيش عظيمة ؟

وكيف يصبح نابيلون بونابرت الذى غزا مصر، ودهس مساجدها بالخيول عظيمًا؟

وكثير ممن تتضمنهم القائمة قد يكون ذكرهم خالدا، ولكن ليس كلهم بعظماء

ومن هنا أقول أن عنوان الكتاب من الأنسب أن يكون "الخالدون مائة..وعظيمهم محمد"

المؤلف مايكل هارت

شكرا لكتابك... ولكنه دليلكم أنتم..... فلدينا كتابنا ،ومرشدنا، ووثائقنا، والتى تحترم عقولنا، وتدعونا للتدبر والتبصر

ريم أبو الفضل

 

 

ذاكرة الأسامي .. كتاب جديد للقاص محمد الفشتالي

954-qahبالقاهرة صدر حاليا للمبدع المغربي محمد الفشتالي كتاب ''ذاكرة الأسامي''عن مؤسسة ''روافد للنشر والتوزيع'' المصرية. كتاب في مائة وثمان صفحات، بغلاف أنيق؛ نقرأ على ظهره: ''سادرا انطويت، بل اندفنت غارقا في قناعي... كيف لي أن أغير الآن على السابق واللاحق مما ابتليت به؟؟. نسيت كل الأسماء التي كانت تراودني. نسيت اسمي أيضا!. تناهت إلي أصوات خفيضة، كأنها مكتومة. صوبت عيني باتجاه غرفة يشع منها نور شفيف أحمر... أواه...أجساد مشتبكة في عراك حميم!. دارت بي الدنيا. في هاته اللحظة ترجيت أن يكون الانتظار قاتلا كعادته؛ على الأقل لأولي أدراجي، ولا أرى أبا الخفافيش القوي الرهيف؛ يعود من جديد...كلمات ترتعش، وتذوب في موسيقى خافتة؛ تنساب، تتعرج، تصعد القمة، وتسري في أجسام محمومة. تضاعفت دقات قلبي، وتسارعت. تحطمت أعصابي، وفرغت من أي إحساس. نسيت كل الأسامي، بما فيها اسمي. سقطت ذاكرة الأسماء...''.

954-qahوجدير بالذكر أن هذا الكتاب المعروض الآن ضمن منشورات روافد المصرية في معرض البحرين للكتاب؛ يضم بين دفتيه ثلاثة عشر قصة قصيرة. والمجموعة القصصية هاته تعد الثانية للقاص محمد الفشتالي، بعد مجموعته الأولى '' قطار المدينة'' الصادرة عن وزارة الثقافة المغربية سنة 2005.

 

خواطر على هامش الشمس ديوان جديد للشاعر المغربي المصفط العمري

653-almustafaصدر للشاعر المغربي الأستاذ المصطفى العمري ديوان شعر تحت عنوان: "خواطر على هامش الشمس" يقع في في 98 صفحة عن دار الوطن للصحافة والنشر والطباعة.

653-almustafaيتحدث الشاعر عن همومه ورِيته للكتابة الشعرية في لوحات كستنائية.

وقد قدم لهذا العمل الأستاذ الشاعر محمد شيكي.

كتاب الوسط الاجتماعي .. لمالك بن نبي (3)

moamar habarالمقدمة الثالثة: قراءة كتب مالك بن نبي، بصفة عامة، وقراءة كتابه، الذي بين أيدينا، Le Livre et le Milieu Humain، يتطلب الوقوف على بعض المفاتيح الضرورية، لفهم الكاتب، والكتاب، والوقوف على الأفكار التي تطرق إليها، والمتمثلة في المفاتيح التالية،

الوسط الإنساني، يقصد بن نبي، بمصطلح الوسط الإنساني، الاستدمار، والمستدمر، والقابلية للاستدمار، والظروف، المحلية، والدولية،

وبن نبي، تعمد التركيز على الوسط الإنساني، دون التركيز على الوسط المادي، لأنه يعتقد، أن، الإنسان هو المركز، إذا تغيّر، تغيّرت المادة التي بين يديه، وأصبحت طيّعة مطاعة، ولو كانت صعبة المنال.

القابلية للإستدمارأولا، بن نبي عاش ويلات الاستدمار، لكنه ظل يركز على القابلية للاستدمار، ويعتبرها من العوامل الأساسية في عدم نشر كتبه، وأفكاره، ومنعه بالجهل تارة، وبالتعمد تارة أخرى، فحرمت نفسها، فضل بن نبي، وفضل فكره، وكتبه، وشخصه.

ظروف الفكر الماركسي، يعود بن نبي كثيرا، للظروف التي أحاطت بالفكر الماركسي، وكتاب رأس المال، لماركس، ويرى أنها كانت إيجابية لانتشار الكتاب والفكر الماركسي، وكانت من عوامل التطور والنجاح، ويتساءل على إثرها بن نبي، لماذا كانت ناجحة له، ولم تكن ناجحة، لكتبب وأفكاري، رغم أن كتابه وأفكاره، كانت الأحسن والأفضل،

والسؤال الذي يطرحه المتتبع، فيما تكمن الظروف التي أحاطت بالفكر الماركسي؟، وكيف أصبحت من عوامل النجاح؟، وكيف يمكن الاستفادة منها لإنجاح الفكرة؟، وكيف يمكن التخلي عن السلبيات التي حملتها، وكانت بذور فناءها؟،

الظروف وليس الفكر، بن نبي لايتطرق للفكر الماركسي، ولا يعنيه، إنما يتطرق في كتابه إلى الظروف التي أحاطت به، وبتعبيره، الوسط الإنساني، الذي أحاط بالفكر، ومدى تأثيره وانتشاره،

فبن نبي يحمل فكرا مستقلا، لكنه يبحث لهذا الفكر عن الظروف المناسبة، والمساعدة، ويبحث في نفس الوقت عن الظروف التي تقف عائقا أمامه، وتمنعه من الانتشار، والتأثير.

يتحدث بن نبي، عن العوامل الشخصية، التي منعته من عدم التطرق،للأشخاص الذين وقفوا ضد الكتاب، والتي لم يذكرها في صفحة 29، لأن أصحابها، مازالوا على قيد الحياة،

والسؤال الذي يطرحه المتتبع، من هم هؤلاء الأشخاص؟، لماذا لم يذكرهم؟، وهل هناك من المعنيين من ذكروه في كتاباتهم، ومذكراتهم؟ .

القواعد الخمس، النقاط الخمسة التي ذكرها بن نبي في صفحتي 30-31، بالغة الأهمية، وتعتبر من الأسس النظرية، التي يعتمد عليها فكره وكتبه، لذلك وجب الوقوف عندها جيدا، وتخصيص دراسة لها، وإفرادها بالأهمية والمتابعة، وتعتبر من المفاتيح الأساسية، لفهم كتابه هذا، والظروف التي أحاطت به، ومنعته من الانتشار، وكيفية التعامل معها، ومواجهتها.

حلم بن نبي، بن نبي، حين ألف كتاب، الإفريقية الأسيوية، كان يحلم بوحدة إفريقية أسيوية، لذلك أصيب بصدمة عنيفة، ويبدو أنه بالغ مبالغة شديدة في الحلم، لذلك كانت صدمته عنيفة شديدة.

إهتمام الاستدمار بكتب بن نبي، يرى بن نبي عبر صفحات الكتاب، أن الاستدمار الفرنسي، كان يهتم كثيرا، بفكره وكتبه، وكتابه الإفريقية الأسيوية بالذات، ليمنعه من النشر، أو يشوه أفكاره، أو يسلط عليه من يسيء إليه، أو يأمر جهاته بتجاهله، وهذا الحالات ذكرها بن نبي عبر كتابه،

ويبقى دائما السؤال معلقا، لماذا الاستدمار، يهتم كثيرا بفكر مالك بن نبي، ويسعى من خلال وسائل الصراع الفكري، لمواجهته؟، ومنع أفكاره من أن يكون لها، الاحتكاك،والتأثير.

الحياة الشخصية لبن نبي، رفض بن نبي، رفضا شديدا،التطرق لحياته الشخصية، عبر صفحات الكتاب، رغم أنها مهمة في فهم بعض القضايا والأفكار، المطروحة والمتضاربة،

ويبقى السؤال، لماذا بن نبي لم يتطرق لحياته الشخصية؟، وماهي الدوافع التي دفعته لذلك؟، وهل هناك شخصيات من وراء حجب حياته الشخصية ؟، ومن هو؟ .

وهذه الأسئلة، تجعل المتتبع يقف على الحياة الشخصية، لبن نبي، الظاهرة منها والخفية، والتي كان لها أثر في أفكاره، وكتبه، وحياته.

وسائل الاستدمار، بن نبي، حين يتعرض لوسائل الاستدمار الفرنسي، التي وقفت دون انتشار، كتبه وأفكاره، يقول دوما، دون التطرق لوسائل الاستدمار، لأنه يرى أن القابلية للاستدمار، هي المهمة، وهي التي كانت من وراء الاستدمار، والأرضية الخصبة له،

ومن ناحية أخرى، لايريد أن يتطرق للتفاصيل الجزئية للاستدمار، لأنها تخفي الاستدمار، وربما هناك أمورا أخرى منعته من ذلك، وعلى المتتبع أن يحاول كشفها، والوقوف عليها إن استطاع.

الصراع الفكري، لفهم كتابه هذا، وكتاب الإفريقية الأسيوية، وأفكاره، وكتبه، لابد من إعادة قراءة كتابه، الصراع الفكري في البلاد، الذي يعتبر الركيزة الأساسية لفهم بن نبي، والظروف القاسية التي تعرض لها، ومنعته من الانتشار، ومنعت العالم من قراءة وفهم كتبه في تلك الفترة،

وأهمية كتاب، الصراع الفكري، تكمن في كون حياة بن نبي، الشخصية، والفكرية، معتمدة عليه، وأن كل كتبه، تنطلق من كتابه هذا، وهو مايستوجب الدراسة المتأنية، وربط الكتاب، بماضي بن نبي، وأفكاره، وشخصه، لتتضح الصورة جيدا.

الحكومة الجزائرية المؤقتة، يتحدث بن نبي في كتابه هذا، بحسرة وأسى شديدين، عن موقف الحكومة الجزائرية المؤقتة في تلك الفترة، وكيف أساءت إليه، وإلى أفكاره، وكتبه، حين رفضت أن يكون من وفد باندونغ، وحين حرمته من حضور ملتقى خاص بكتاب الإفريقية الأسيوية، وحين لم تساهم في نشر كتابه، ولم تعره أي إهتمام .

إن علاقة بن نبي بالحكومة الجزائرية المؤقتة، تستوجب إعادة النظر من المهتمين والمتتبعين، والدارسين لفكر بن نبي، وسيجد لامحالة، أسرارا كثيرة، تساعد في الفهم، وتجلي غموضا كبيرا، وتعطي كل ذي حق حقه،

ومن ناحية أخرى، المطلوب من أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة، الذين مازالوا على قيد الحياة، أن يركزوا على هذه النقطة، وعلى علاقتهم ببن نبي، وكذا المهتمين بالتاريخ الجزائري، والثورة الجزائرية، باعتبار الأحداث كانت في تلك الفترة، وتبقى الحقيقة، هي المعيار والمقياس في الفهم والتحليل.

إنطباعات شخصية، يندرج كتابه هذا، ضمن الانطباعات الشخصية التي أخرجها بن نبي للسطح، ويفهم من الكتاب، الهموم التي لحقته، جراء عدم نشر كتابه، الإفريقية الأسيوية، بالكم الذي كان يرغب فيه، وبالطريقة التي كان يريدها، من ناحية مساحة الانتشار، والتعليق الجيد، وتبني أفكاره،

ضف لها، أنه، كتاب بعيد عن، العمق الفكري، وعالم الأفكار، فهو يتطرق للظروف التي حالت دون الكتاب،بأسى وحسرة.

معاناة بن نبي مع كتابه، كتابه، الفكرة الإفريقية الأسيوية، لم ينتشر بالقدر الكافي، بل إن بن نبي يقول، النسخ القليلة من كتاب، الإفريقية الأسيوية، قام بتوزيعها بنفسه، وعلى حسابه، فكانت صدمته أشد وأبلغ،

كتاب الصدمة، بن نبي صدم كثيرا، في قادة مصر، حين أهملوا كتابه، وقادة باندونغ حين لم يعطوه حقه، والحكومة الجزائرية المؤقتة، حين تجاهلته، والاستدمار الفرنسي، حين حارب أفكاره، والقابلية للاستدمار، حين لم تسعى لقراءة كتابه، وفهم أفكاره، والمفكرين الذين شوهوا فكره، وتجاهلوا قيمته، فكان بحق هذا الكتاب، كتاب الصدمة.

العالم المتعفن وبن نبي، يفهم من خلال تصفح الكتاب، أن العالم، لم يكن بحاجة لبن نبي، وأفكاره، وكتبه، ولم يهتم به، وهذه من الأخطاء التي حرمت العالم أجمع، فضائل فكر بن نبي، وعمق أفكاره، وإيجابيات كتبه، حسب مايفهم من كتابه، ويرى كذلك، أن، مستوى القارىء، ودرجة الوعي للمجتمع، لم تكن متوفرة، لفهم بن نبي، وكتبه، فكان الحرمان، والإقصاء، حرم العالم، وأقصي بن نبي.

عذراً لكم ولشط العرب

khadom finjanربما لا تعلمون بالضبط من أين بدأت حكايتي مع شط العرب؟، وكيف كرست وقتي وجهدي لخدمة ممراتنا الملاحية ومياهنا الإقليمية المرتبطة بها؟، وربما لا تعلمون بما أنجزته وحدي حتى الآن من أجل الدفاع عن مسطحاتنا المائية وحمايتها والذود عنها، لكنني اعتذر لكم اليوم، واعتذر لشط العرب، وأعلن عن فشلي وضعفي في مواجهة الخلايا السرطانية، التي تسببت في تفاقم ظاهرة الانكماش، وأعلن لأول مرة عن عدم قدرتي في العوم ضد التيار في بحرنا الإقليمي المعزول في رقعة منزوية بين (أم قصر) و(خور الزبير). .

652-khadomأحيانا أجد العزاء بالحكمة التي تقول: اليد الواحدة لا تصفق، فارفع عقيرتي بالصياح، وأوجه ندائي إلى العراقيين في الداخل والخارج، فيأتيني الصدى مجلجلاً من محطات الغربة والاغتراب، من القلوب المليونية المفعمة بحب الميزويوتاميا، من الذين لا قدرة لهم على صناعة القرار، ولا التأثير عليه، ولا حتى مناقشته مع أصحاب الحل والعقد، فارفع صوتي مرة أخرى بالعويل والبكاء، وأصيح بالخليج: يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى، فيرجع الصدى كأنه النشيج: يا خليج يا واهب النكبات والمصائب والردى، ثم انهض من جديد لاستنفر طاقتي كلها في البحث عمن يعينني ويؤازرني في هذه المعركة التي قل فيها الناصر، وانشغل عنها المتاجر، وهرب منها الخاسر، وتآمر فيها الفاجر، وعبث بها المقامر. .

صار بيتي منذ أعوام صومعة صغيرة، أعتكف فيها، وانصرف في عزلتي إلى الكتابة، فأواصل نشاطاتي في الذود عن حقوق العراق الملاحية، والتعبير عن أوجاعه وآلامه بأروع النصوص واللوحات والمواقف وبلا هوادة. كنت حريصا على حماية ارثنا البحري والتعمق في دراسته، حتى أصبحت مسكونا بمسالك خور عبد الله، و(الروكا)، و(السد الخارجي)، و(السد الداخلي)، و(مدخل الفاو)، وانعطافات (سيحان). .

لكنني وجدت نفسي في نهاية النفق المظلم أغرد خارج السرب، فغرقت سفينتي في بحار التهميش، التي سيسخر منها التاريخ، وتمزقت أشرعتي في عواصف التنكيل والتشويه والتشويش. بيد إني مازلت أتباهى بكتاباتي الجريئة، التي استنهضت فيها الهمم الوطنية الصادقة، فكتبت سلسلة من المقالات ابتدأتها في جريدة (المنارة) بـ (عراق بلا سواحل)، وأشرت إليها في جريدة (الزمان) بـ (كيف انكمشت سواحلنا ؟؟)، وأنهيتها في جريدة (المستقبل العراقي) بـ (حتى لا تضيع موانئنا النفطية). .

كنت قبل عام 2003 من ذوي المجرمين، فأصبحت اليوم من (المجرمين) في تطور غير متوقع ضمن تصنيفات الافتراء والتنكيل، كان خصومي فيما مضى من الوصوليين والانتهازيين الباحثين عن الفوز بتكريم السلطة، اما اليوم فقد كرمتني السلطة بطريقتها الخاصة، فعزلني بعض أقطابها، ووضعوني في خانة النسيان، وصار خصومي الجدد من الوزراء والنواب وكبار المسؤولين، وفزت في الوقت نفسه بباقة من الأصدقاء الجدد من الوزراء والنواب وكبار المسؤولين. .

652-khadom2كنت أول من كشف أسرار التغيرات الجيولوجية السلبيىة في مصب شط العرب، وأول الرافضين لأسمه الأعجمي الجديد (أرفند رود)، وأول من سلط الأضواء على الانتهاكات الكويتية في حوض خور عبد الله، وأول من فضح تجاوزاتها على الممر الملاحي الوحيد المؤدي إلى أم قصر، وأول من أطلق التحذيرات من احتمال ضياع موانئنا النفطية تحت وطأة الانكماش الهائل في مسطحاتنا البحرية. .

وهكذا احتشد ضدي الذين وقفوا وراء هذا التقهقر المريع، فسرت وحدي في هذه المسالك الوعرة إلى أن تَحَامَتْنِي العشيرةُ كُلّهَا وأفردتُ إفرادَ البَعِيْر المُعَبَّدِ، فصار بيتي هدفاً للغارات والمداهمات الليلية المتكررة، من دون أن اقترف ذنباً أو ارتكب إثماً، ومما زاد الأمر سوءا إن كبار المسؤولين صاروا هم الذين يناصبوني العداء، تارة يتهمونني ظلما وعدوانا بتهريب النفط، وتارة يزعمون إنني شيخ القراصنة، وما إلى ذلك من الاتهامات الباطلة، وكل القصة وما فيها أنني ارتويت من مياه شط العرب، وكنت صادقاً معه ومع القوارب والسفن التي رفعت أشرعتها في ضيافته. .

طلب مني النجيفي التحدث عن الآثار السلبية لميناء مبارك، فوقفت وسط البرلمان وقرأت لهم قصيدة (يا صبر أيوب)، قال لهم وزير الخارجية: اسكتوا فنجان فقد كفر، فلم يفزع لي أحد، فجاءني الدعم على الفور من النائب الغيور (محمود عثمان)، الذي دافع عني تحت قبة البرلمان بلسان عربي فصيح، فقال للوزير: اسكت أنت، ودع فنجان يتكلم عن مياهنا الإقليمية المنهوبة والمسلوبة والمنكمشة ولا تقاطعه. .

قال لي صديقي محافظ البصرة: ستكون أنت المستشار البحري المعول عليه، فاعترض المعترضون، الذين لا يفقهون في البحر، ولا يجيدون السباحة في النهر، ثم تجاهلوني وتعمدوا تهميشي، ربما لأنني لم أنتم في يوم من الأيام إلى كتلة سياسية تحتضنني وترعاني وتدعمني، وربما لأنني كنت صادقا في انتمائي إلى ديني وعروبتي وإنسانيتي، فرفضت التآمر على وطني، ورفضت التفريط بأرضي ومياهي، ورفضت أن أكون معصوب العينين وسط التحركات المريبة عند مقتربات حدودنا البحرية. .

أتعس ما أمر به اليوم هو شعوري بالغربة في بيتي ووطني، وشعوري بالخذلان بين أهلي وجيراني، أما كيف تكون الغربة في الوطن ؟، وكيف يعيش الإنسان غريبا في بلده ؟، فتلك مسألة لا يفهمها، ولا يحس بها إلا نحن الذين عشنا في العراق تعساء في أوطاننا، تعساء في منافينا، تعساء في نومنا، تعساء في يقظتنا، وكأننا خلقنا تعساء، وكتب علينا أن نعيش غرباء، ونموت غرباء. .

حتى أصدقائي البحريين الذين وقفت معهم وآزرتهم في يوم من الأيام تنكروا لي، وصاروا من المتفرجين الشامتين المتهكمين، ومنهم من انضم لقافلة المتعالين بعدما سنحت له فرصة التحليق فوق سواري سفننا المعطوبة، فلم اندهش عندما قال لي أحدهم: لن أنفعك ولن أدعمك لكنني لن أضرك. .

لا أريد مالاً كالذي كان لقارون، ولا سلطاناً كالذي كان لفرعون، إلا بمقدار ما يعينني على العيش بسلام ومواصلة القراءة والتّفكر والإبداع والكتابة. ربما تكفيني كلمة طيّبة أشعر من خلالها أنّي لم أُضيع وقتي سدى حين كنت أسهر الليالي الطّوال في القراءة، والبحث، والتّرجمة، والمراجعة، بغية نشرِ نورِ المعرفة البحرية بين النّاس، فالمعرفة حقٌّ للبشر قاطبة.

اشعر أن الكلمة الطيبة التي تقال لي بعد نجاحي في مشواري المهني، ونشاطي البحري هي التّكريم الذي أرجوه، والفرح الذي أنتظره، والوسام الذي أضعه على صدري، وأفاخر به الدّنيا. .

ليس هذا التّكريم منّةً من أحد ، وإنما هو حقٌّ طبيعي وواجبٌ على النّاس الذين كرست حياتي لخدمتهم. إنّ قصّة البشرية برمّتها، إنّما هي قصّة الإبداع والتفوق، التي كتبت فصولها أقلام أولئك الذين أناروا بضوء عيونهم دروب الإنسانيّة الظّلماء، وكتبوا بمداد قلوبهم قصّة الحقّ والخير والجمال، ونكران هؤلاء إنّما هو نكران القيم النّبيلة كلّها، وجحودٌ للسّمو الرّوحي، واضمحلال لحياة الأمم التي لا تحيا ولا تسمو ولا تخلد إلا بهم. ولا شكّ في أنّ تكريم المبدعين أو نكرانهم هو أمر نسبي، يختلف من أمة إلى أخرى تبعاً للظّروف، التي تعيشها هذه الأمّة أو تلك. .

لكنني أقولها وبتجرّد، إنّه من المؤسف أن يكون الجحود والنّكران والعزل، مصير الرجل الذي سبق أقرانه في كتابة مسودة قانون الموانئ العراقية، والتعليمات الصادرة بموجبها، وكتابة مشروع السلطة البحرية العراقية، وسبق أقرانه في كتابة آلاف المقالات والبحوث، وكان أول من خط بيده مسودة قانون السلطة البحرية المقترحة، ومازالت صفحات الصحف والمجلات العراقية تشهد له في إثراء المكتبة العراقية بكل ما يتعلق بتاريخ ومستقبل شط العرب والمياه الإقليمية العراقية.

لقد أفنيت عمري في سبيل استعادة أمجاد العراق البحرية، وفي سبيل بسط سلطة العراق على مسطحاته المائية، وتعزيز سيادته ورفعته وسموه. وكم كان قائل هذا البيت صادقا، حين قال:

يبقى الأديبُ غريباً في عشيرته

زوّاره الخوفُ والحرمانُ والنَّكدُ

وهذا ما نلمسه اليوم، حينما يستبعد صاحب الخطوات الرائدة، ويعزل بعيدا خارج السرب في الزمن الذي تعثرت فيه مسيرتنا الحرجة، وفي الزمن الذي تراكمت فيه كبواتنا وسقطاتنا، فعذراً لكم ولشط العرب الذي صار مستودعاً للنفايات، وعذراً لخور عبد الله الذي صار ملكاً صرفاً للكويت، وعذراً لمياهنا الوطنية التي فقدناها في خضم تداعيات الانكماش نحو الداخل، وعذراً لمياهنا الإقليمية التي سنفقدها بعد بضعة أعوام في ظل التنازلات السخية التي سنمنحها طوعاً أو كرهاً لدول الجوار، فلا قدرة لي وحدي على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية، التي تستدعي استنفار جهد الدولة كله في التصدي لها، فاعذروني مرة أخرى فلن استطيع أن أوصل صوتي إلا في حدود المساحات الضيقة المتاحة، فما باليد حيلة، ولا رأي لمن لا يطاع، وما كل ما يعرف يقال في بحر الظلمات. .

 

صدور كتاب (محطات سياحية) للباحث بنيامين يوخنا دانيال

651-banyaminصدر حديثا عن مطبعة (بيشوا – اربيل – العراق) 2015 كتاب حديث للباحث في شؤون السياحة والفندقة ( بنيامين يوخنا دانيال) وتحت عنوان (محطات سياحية)، ويتضمن (36) مقالة في موضوعة السياحة وهي: السياحة الايكوثقافية كأحد اشكال السياحة المستدامة، الاحياء الفقيرة تسترعي انتباه السياح الاجانب في ماليزيا، التحالف العالمي للسياحة الاصلية، بمناسبة اليوم الدولي للشعوب الاصلية (9 آب): السياحة الاصلية، السياحة التطوعية، السياحة المجتمعية الثقافية، السياحة المجتمعية، السياحة المظلمة في تايلاند، السياحة واهميتها للمجتمعات المحلية، اليوم العالمي للسياحة 2014: السياحة والتنمية المجتمعية، ايبولا يهدد السياحة في غرب افريقيا، بومبي: اهم وجهة للسياحة المظلمة في ايطاليا، بمناسبة اليوم العالمي لنيلسون مانديلا (18 تموز): معتقل مانديلا: 651-banyaminوجهة رائجة للسياحة المظلمة، جسر الفن في سنغافورة، حديقة الاوركيد الوطنية في سنغافورة، حديقة خاوخيو المفتوحة للحيوانات في تشونبوري – تايلاند، حديقة الفراشات العامة في كوالالمبور، السياحة الايكولوجية في ولاية ساراواك الماليزية، السياحة العرقية في فيتنام، السياحة الاصلية في استراليا، السياحة التطوعية في تايلاند، السياحة العرقية في ولاية ساراواك الماليزية، المجاميع العرقية تعزز السياحة الايكوثقافية في تايلاند، سياحة مراقبة الطيور في ماليزيا، المتحف الوطني للنسيج في كوالالمبور، المجموعات العرقية تستأثر باهتمام السياح الاجانب، مشاريع سياحية صديقة للبيئة في تايلاند، معهد بحوث السياحة المظلمة في انجلترا، منارة بيركيمبار بيتروناس في كوالالمبور، المنتجات الحرفية اليدوية في بانكوك . منتزه الطيور في كوالالمبور، بمناسبة اليوم العالمي للبيئة: التغيرات المناخية تهدد السياحة في الدول الجزرية الصغيرة النامية، بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف: الاهمية السياحية للمتاحف، سوق السفر العالمي بلندن 2014، مهرجان كامولان يعزز السياحة العرقية في الفلبين . ويقع الكتاب في (118) صفحة من القطع المتوسط، وهو الكتاب ال (24) للباحث في حقل السياحة والفندقة .

كتاب الوسط الاجتماعي لمالك بن نبي (2)

moamar habarالمقدمة الثانية، يواصل صاحب الأسطر، عرض الحلقة الثانية من كتاب، Le Livre et le Milieu Humain، للأستاذ مالك بن نبي، رحمة الله عليه، التي ستنصب حول، بعض الملاحظات التي،استطاع أن يتوصل إليها صاحب الأسطر من قراءته للكتاب،

فكر بن نبي والفكر الماركسي، يرى بن نبي في صفحة 27، أن الظروف التي أحاطت بكتابه الإفريقية الأسيوية، أكثر تعقيدا من تلك التي أحاطت، بالفكر الماركسي، المتمثلة خاصة في، العالم المستعمر،وأخرى من العالم المستعمر،

وكأنه يريد أن يقول، إن أي مفكر، مهما بلغ شأنه، لو أحاطت به تلك الظروف، التي أحاطت بي، فإنه لن يبلغ مابلغه، ووصل إلى ماوصل إليه.

الظروف والأشخاص الذين كانوا وراء عدم الإعلان، يرى بن نبي، أن كتابه الذي بين أيدينا، لم ينشر في حينها، لأسباب لم يرد أن يتطرق إليها، ولأسباب تتعلق، بأشخاص مازالوا موجودين على قيد الحياة،

ومثل هذه الملاحظات، يجدها القارئ، متناثرة عبر كتب بن نبي، حين يمتنع عن ذكر أشخاص، أو التطرق لأفكار بإسهاب وتفصيل، مايستوجب التطرق، للظروف التي كانت من وراء الحجب، وعدم الفصح، وكذلك الأشخاص الذي كانوا سببا في عدم الإفصاح والإعلان.

حلم بن نبي، يدعو بن نبي إلى، الوحدة الإفريقية الأسيوية، ويبدو أنه في تلك الفترة، يعتبر مثل هذا الطلب، حلما صعب المنال، لذلك أصيب بالخيبة، وتلقى صدمة عنيفة، فيما يخص، كتابه الذي لم ينشر، وفكرته الأسيوية التي لم تتحقق.

معاناته مع الحكومة الجزائرية المؤقتة، يتحدث بن نبي عن معاناته مع، الحكومة الجزائرية المؤقتة،بحيث لم توجه له دعوة لحضور، مؤتمر باندونغ، ولم توجه له الدعوة، لجائزة كتاب الإفريقية الأسيوية، رغم أنهم من أبرز الكتاب، ويبدو أنه تعرّض لنفس المعاناة، مع الحكومات المتعاقبة، بعد إسترجاع السيادة الوطنية.

إستفادة الصهاينة من فكر بن نبي، يرى بن نبي في صفحة 48، أن كتابه الإفريقية الأسيوية، لم تستفد منه الدول، العربية، والافريقية،والأسيوية، واستفاد منه الصهاينة، حين أنشأت بن غوريون، في ديسمبر 1948، معهدا للدراسات الإفريقية، وجلبت المفكرين من كل أنحاء إفريقيا وأسيا، وتسعى لتكون الروح التي توجه الفكر الافريقي الأسيوي،

يفهم من خلاله كتابه هذا، أن، بن نبي عانى الصراع الفكري، من قبل نشر الكتاب، وأثناء نشره، وبعد دخوله الجزائر، إذن فالصراع الفكري، عند بن نبي، قديم، راسخ، وله جذور في الماضي، وتمتد إلى يومنا هذا .

الصين والهند والحكومة المؤقتة، يرى بن نبي، أن كتابه، الإفريقية الأسيوية، لم يلقى رواجا في، الهند، والصين،لأسباب خاصة لم يذكرها، رغم أنهما من الدول الأساسية لباندونغ، وعدم الانحياز، والإفريقية الأسيوية،

ويبدو، أن رفض هذه الدول لكتابه، والإهمال الذي لقيه من طرفهما، من عوامل الصدمة التي رافقته، وتحدث عنها مرارا،

وفي نفس الوقت، يتطرق لتجاهل، الحكومة الجزائرية المؤقته، لكتابه وأفكاره، ويرى أن موقفها، كان دافعا لجفاء الدول الإفريقية الأسيوية، تجاه أفكاره وكتابه، وشخصه، ماجعله يتعرض للصدمة بشكل عنيف، ومن أقرب الناس إليه، وممن يحتمل أنهم يحملون فكره، وينشروه.

الوسط الإنساني سبب فشل الكتاب، يرى بن نبي،أن كتابه الإفريقية الأسيوية، كان من المفروض، أن يلقى نجاحا، لأنه كتاب نافع، لكن المشكلة في الوسط الإنساني، الذي أحاط بكتابه وأفكاره، المتمثل خاصة في، الاستعمار، والقابلية للاستعمار، والظروف الدولية يومها .

بن نبي سبب الفشل، لماذا بن نبي ألقى بكامل ثقله من أجل كتابه، الإفريقية الأسيوية، ولماذا انتظر منه الصدى الجيد، والأثر الطيب،

هذه الأسئلة، تبين أن موقفه من الكتاب، كان من عوامل الصدمة التي تعرّض لها بن نبي، ومن أسباب حدّة مزاجه، وعنفه أحيانا.

فالعيب إذن، في الظروف التي أحاطت بالكتاب، والذين لم يعرفوه، ولم يعطوه حقه من التقدير، وليس في الكتاب، ولا صاحب الكتاب، وهذه من أبرز ميزات بن نبي، أنه معتز بأفكاره، وإنتاجه.

فرص النجاح الضائعة، يرى أن سبب فشل كتابه، ليس في القيمة الفكرية التي يحتويها، فكتاب الإفريقية الأسيوية، قيم كغيره من كتب بن نبي،

ويرى أن سبب فشل الكتاب، يعود لفرص النجاح التي أحاطت به، كتلك التي أحاطت بكتاب، رأس المال، لماركس، والوسط الإنساني،الذي إكتنفه، فكانت عاملا من عوامل نجاحه، وكانت في نفس الوقت، عاملا من عوامل فشل كتاب بن نبي.

خيبة بن نبي في الساسة، يبدو من خلال القراءة للكتاب، أن الصدمة التي تعرّض لها بن نبي، سببها، أنه علّق آمالا طويلة عريضة على الساسة، في، مصر، والجزائر، وزعماء باندونغ في الهند والصين، فخيّبوا ظنه، بعدم الاهتمام به، وعدم دعوته، وعدم نشر كتبه .فكانت صدمة عنيفة،أثرت على حاضر، ومستقبل مالك بن نبي،

بالإضافة إلى كونه، كان من المفروض أن ينظر للكتاب،الإفريقية الأسيوية، كغيره من الكتب، ولا يلقي له كل هذا الاهتمام المبالغ فيه، فيصاب بهذه الصدمة، غير المنتظرة.

إستقلالية بن نبي، بن نبي مستقل في فكره، لم يتبع الرأسمالية، ولا الاشتراكية،ولم يتبع أيّ منهم، ويظهر هذا جليا، في نقده لكلا المدرستين.

الكتاب، عبارة عن عرض للظروف الشخصية، والمحلية، والدولية، التي أحاطت ببن نبي، كشخص، وكاتب، والتي لم تسمح له بالظهور، كما كان يتوقع، وينتظر.

الثقافة والاقتصاد، يرى بن نبي، أن، الثقافة والاقتصاد، عماد فكرة، الإفريقية الأسيوية، وذلك بالاعتماد على الثروات المحلية، والثقافة المحلية، وجعلها فاعلة، حيث يمكنها أن ترقى للعالمية، وتكون قاعدة إقلاع لهذه الدول.

الحلقات القادمة،

ترقبوا الحلقة الثالثة بعنوان، مفاتيح لفهم الكتاب.

والحلقة الرابعة بعنوان، مايراه بن نبي من خلال كتابه

والحلقة الخامسة، لم أحدد لها العنوان بعد، إلا بعد أن أنتهي فيما هو بين أيدي.

 

"خوفناك كهوست" جديد الكاتب أسامة العمري

650-wafaaصدر حديثاً عن دار أطلس للنشر والتوزيع بالقاهرة المجموعة القصصية "خوفناك كهوست" للكاتب أسامة العمري، و قد استطاع الكاتب من القصة الاولى أن يسبر أغوار العقل بجرعة فلسفية راقية استطاع تمريرها بانسيابية بالغة في نص يحمل الكثير من التساؤلات وهي يعيد انتاج قصة العالم العربي الشهير الرازي عندما مر ببستان وخلفه 300 تلميذ يطلبون العلم طلاب العلم فخرجت عجوز وسئلتهم من هذا الملك؟! فقال: هذا ليس ملك، هذا الفخر الرازي الذي يعرف ألف دليل ودليل على وجود الله! فضحكت العجوز وقالت: لو لم يكن عنده ألف شك وشك على وجود الله لما أحتاج إلى ألف دليل ودليل! قام الكاتب بانتاج القصة بحرفية مستدعياً عدة معاني فلسفية، فعصارة الشريعة في كل ملة هي أن تحب الخالق فوق كل مخلوق، وإن غايه العلم ان يؤدي الى الايمان لا الى الشطط . حيث يستعرض الكاتب صراع نفسي يعيشه بطل قصة الحضرة بين ما يعهده من خطى ابيه في حلقات الذكر والتمجيد لله سبحانه وتعالى وبين قناعاته وأفكاره ، 650-wafaaفصور الكاتب بطل القصة في حالة من الصراع المفتوح بين عقل نهم يرغب بالاستزادة في العلم، ولكنه لم يجد بغيته في محدودية علم ابيه واجتهاداته التي رأها قاصرة امام نطاق العلم والاجتهاد البشري فيأتى الاب في صورة المتشبث بمعرفته الراضي بها فيرد على ابنه حين اشتد النقاش بينهم " نحنُ أرْبابُ أحْوال، لا أصحابُ أقْوال، لنْ ينالَ المُشاهدَةَ منْ تركَ المُجاهَدَة . ،ما إنْ أُخاطِبُهُ بالعِلْمِ و المنْطِقِ إلّا و يُقاطِعُنى لا تنشرْ عِلْمَكَ ليصدّقَكَ النّاس، انشُرْ علْمَكَ. ليصدّقُكَ الله." استطاع الكاتب أن يتحلل من اللغة الفلسفية الثقيلة الى لغة تتناغم بين البساطة والعمق بألفاظ قريبة الى النفس وجعل النهاية مفتوحة ليشحذ عقل القارئ ويتركه ليصنع الحل كما يشتهي ومع خيارات التأويل فبرع اسامة العمري في تشويق القارئ وتركه ظمآن دون ارتواء وبات على القارئ أن يكمل القصة فكأنما يستدعي قول روسو :ايها الشاب ...عليك دائماً بالإخلاص والصدق والتواضع. إن جهلت شيئاً، اعترف بجهلك، كثرة العلم تؤدي إلى رقة الإيمان. العالم يزدري مشاعره العامة ويود لو يتميز بنزعة خاصة به. الفلسفة المغترة بتفوقها تقود إلى التعصب. تجنب كل مغالاة والزم دائماً سبيل الحق أو مابدا لك حقاً على الفور. اصدع بإيمانك في جموع الفلاسفة وبين الملتزمين ادعُ إلى التسامح. قد لا يؤازرك أحد، لكن رضاك على نفسك يعفيك من استجداء رضى الآخرين

قراءة في كتاب الباحثة ليلي أنفار (3): شمس الدين التبريزي

aesha momadالرومي- دين الحب (Rûmi- La Religion de l’Amour

تعددت القصص والحكاوي حول لقاء مولانا جلال الدين الرومي بشمس الدين التبريزي، لكن ما يهم، كان هو ذلك اللقاء، ولادة مولانا جلال الدين الرومي الحقيقية التي وثقت بعناية, كان ذلك في 9 نونبر 1244 فيما أطلقته عليه المؤلفة "مرج البحرين" استشهادا بالآية القرآنية. كان ذلك أهم لقاء في حياة مولانا حتى أننا نجد ابنه سلطان ولد يذكر شمس الدين التبريزي عندما وثق لسيرة والده قبل ذكر برهان الدين محقق أو جده بهاء الدين ولد.

يقول سلطان ولد في كتابه ولد نامه:" بعد انتظار طويل، أخيرا، رأى وجهه وظهرت له الأسرار، واضحة كالنهار. رأى ما لا يُرى وسمع ما لم يسمعه أحد أبدا. لأنه في اشتياقه قد استنشق عطره، دون حجاب. وثملا بالعشق وغائبا عن نفسه، أضحى أمامه كل شيء ولا شيء ".

ويذكر شمس الدين التبريزي لقائه بمولانا في كتابه "مقالات" حيث يقول:

"أول كلامي مع مولانا كان سؤالي له: إذا كان بايزيد البسطامي صادقا عندما قال أنه كان يسير على نهج المصطفى، لماذا لم يتصرف مثله ولماذا قال "سبحاني" بدل أن يقول "سبحانك؟"

لأنه كان صافيا وذا روح مشرقة

فهم مولانا في الحال ما أردت قوله

أخذ قولي في كامل عمقه

رأى إلى أين يؤدي هذا الكلام

عذوبة الكلام

أصبح ثملا

ورغم أني لم أدرك ذلك بنفسي

فتلك الثمالة أثارت انتباهي لعذوبة كلامي.

لم يرد في مقالات شمس ولا في مؤلفات سلطان ولد أي جواب لهذا السؤال رغم أن الكثير من كتاب سيرة مولانا قد حاكوا قصصا حول هذا اللقاء واختلقوا إجابات كان الدافع من ورائها إبراز مكانة مولانا جلال الدين الرومي.

تقول ليلي أنفار: "البارع في سؤال شمس أنه لا يستوجب منك اتخاذ أي موقف، بل يطلب من الذي يتقن الاستماع:

ما معنى أن تكونا صادقا؟

ما معنى السير على نهج الرسول؟

ما معنى نشوة اللقاء؟

أين أنت من معرفتك بنفسك، أنت الذي تظن أنك تتبع بايزيد والرسول معا؟

أين أنت من السكر والرشد؟

هل فككت طلاسم هذا التناقض المحوري؟"

في الحقيقة، لا يمكن تخيل أية إجابة لسؤال بلاغي كهذا، كان الغرض منه الدخول في سكر تواصل خاص بهما فقط.

"شمس الذي يوجد في موضع وسط "بين مدرسة الشطح ومدرسة الزهد"، لا يعتبر السكر إلا لحظة للترقي الروحي، ويعتبر أن بايزيد قد توقف في السكر ولم يستطع أو لم يعرف كيف يتجاوز سكره" ل.أ

لكن رغم التشكيك في صدق تلك الحكايات، ومنها رواية فروزنفر ثم رواية الجامي ، فإنها تظهر ما غيره شمس في مولانا جلال الدين الرومي.

"بصحبة شمس، لم يقم فقط باكتشافات جديدة، لقد دخل إلى بعد آخر.......دخل بكل كينونته وسط العشق الإلهي ووُضع مباشرة في حضرة الله، وهذه التجربة التي لم ينقطع أبدا عن إنشادها أفنته وأعادت ولادته من جديد".ل.أ

يقول مولانا في شأن ذلك:

كنت ميتا، فأصبحت حيا

كنت بكاء، فأصبحت ضحكا

ملك العشق قد أتى وملكي صار بدون حدود.

قلب شمس حياة مولانا جلال الدين الرومي رأسا على عقب.

 

خير دليل على أن شمسا كان شخصية حقيقية وليس مجرد أسطورة كما زعم البعض، هو اكتشاف مجموعة كتاباته "مقالات" خلال الأربعينات، والتي تم نشرها في السبعينات. "أصالة وحداثة فكره والاستعارات الي يستخدمها، مواقفه العنيدة حيث يختلط اللين بالعنف، قوة نثره الشعري، كل ذلك يسهم في جعله جذابا بشكل استثنائي. ولمرات عديدة، قراءة ذلك النص، يجعلنا نفهم سر الاضطراب الذي أحدثه في شخصية بمنزلة الرومي"ل.أ.

تعددت ألقاب شمس، فسمي "قطب الصوفية" و"سيد أولياء الله" و"إمبراطور مجانين العشق" لكن الإسم الذي بقي خالدا كان "شمس الدين" أو "شمس الحق". ولعل الأفلاكي كان الوحيد الذي وافانا بالإسم الكامل: مولانا شمس الحق والدين محمد بن علي بن مالك داد. يقول الأفلاكي في مناقب العارفين:"في مدينة "تبريز"، كان الصوفية والمعلمون الروحيون يلقبون شيخنا شمس الدين ب"التبريزي" نسبة إلى المدينة، لكن الرحل ذوي القلوب المضيئة كانوا يلقبونه ب"الطائر".

غادر شمس مسقط رأسه تبريز وعاش جوالا ينتقل من مكان إلى مكان، يكسب رزقه من أي عمل أو حرفة لكي لا يكون شبيها بهؤلاء الدراويش الذين يعيشون على الهبات والصدقات مقابل بضع كلمات من الحكمة. قابل مجموعة من الشيوخ والعلماء لكنه لم يفصح لأحدهم عن شخصيته الروحية، ولعل ذلك كان السبب في أنه لم يذكر من طرف أي أحد منهم .

يقول شمس في مقالاته:

ما وراء هؤلاء العلماء البارزين

الذائعي الصيت بين الناس والمحتفى بهم فوق منابر الوعظ وفي اللقاءات الروحية

هناك خادمون للحق

يعملون في خفاء.

كان شمس باحثا عن رفيقه الروحي. لم يجده في تبريز ولا في أي رحلة من رحلاته إلى بغداد أو دمشق أو حلب. كان يقول:

عندما تركت مدينتي

لم أعثر على أي معلم

لم أجد شيخي

إنه موجود

لكن أنا الذي تركت مدينتي من أجله

لم أجده

لكن العالم لا يخلو من المعلمين.

"لكن صوتا داخليا كان يخبره بأنه سيقابله يوما ما، هناك، في الغرب

 

وفي جزء آخر من "المقالات" كان يقول:

سألت الله أن يعرفني على أصدقائه لأجالسهم

قيل لي من خلال رؤيا: "سوف تكون صديقا حميما لأحدهم

" سألت، "أين يكون؟

" وفي الليلة الموالية أتاني الجواب، "إنه في الأناضول"

عندما رأيته بعد ذلك قيل لي: "لم يحن الوقت بعد"

"كل شيء بأوانه"

تثبت ليلي أنفار من خلال بحثها أن لقاء شمس بمولانا بقونية لم يكن مجرد صدفة ولم يكن أول لقاء. فمن المرجح أن شمسا قابل مولانا بدمشق حيث كان يدرس، لكنه هذا الأخير لم يكن بعد على استعداد لتلقي تعاليم شمس. لكن بعد اللقاء، تغير كل شيء. ترك مولانا حصص الوعظ وابتعد عن مريديه لكي يهب نفسه كليا لشمس مما أثار الأحقاد ضد هذا الأخير، فكان عليه أن يغادر قونية تاركا مولانا يقاسي تجربة الفراق المؤلمة.

كان هذا ما ذكره سلطان ولد في كتاباته، لكن مقالات شمس تذكر غير ذلك حيث يقول في أحد النصوص:

لست قادرا على أن أطلب منك السفر

لذلك سأتحمل هذا العبء من أجلك

فالفراق ينضج الروح

بعد الفراق نقول: لماذا لم أتبع أوامره ونواهيه؟

مقارنة مع ألم الفراق، كان ذلك سهلا

استطيع أن أسافر خمسين مرة من أجلك

عندما أرحل

فذلك من أجلك

وإلا ما الفرق عندي بين الأناضول أو الشام

مكة أو قسطنطينة

لا أبالي بذلك

لكن،

الفراق ينضج الروح ويكمله.

غرق مولانا في حزن شديد بعد غياب شمس وابتعد عن كل مظاهر الحياة على عكس ما تخيله المريدون، لكن شمسا "كان بمثابة الأستاذ الذي يعرف تماما ما ينقص روح تلميذه. كانت هناك مرحلة للانتظار وبعدها جاء اللقاء، ثم بعد ذلك مرحلة الفراق، وهي المرحلة الأساسية من أجل التدرج نحو العشق. حقيقة، فإن مولانا عرف تغيرات جذرية عند اكتشاف شمس. وعلى حسب الصورة التي يستعملها بطريقة مستمرة، فقد جرب "الاحتراق"، لكنه لم يكن في نظر شمس قد غاب واحترق كليا. ففي الفراغ الذي تركه غياب شمس، يمكن للرومي أن يدرك المكانة الحقيقية للمعشوق، والاحتراق الفعلي، الذي من دونه، لا يمكن للعشق أن يصل إلى مرحلة النضج ولا يستطيع الروح أن يدرك الكمال"ل.أ

وبعد الفراق والاشتياق جاء اللقاء، رجع شمس بصحبة سلطان ولد محققا طلب مولانا، ويمكننا تخيل السعادة التي أعقبت ألم الهجر، حيث يذكر سلطان ولد في كتاباته:

"جلس مولانا بالقرب من شمس، كانا مثل شمسين في سمت سماء واحدة. وبدأ شمس بالكلام: قد عاد أخيرا إلى الحياة. عبر كلامه، الكل كان يطير نحو العشق وينفصل عن ذاته......دام ذلك بعض الوقت: بصحبة ملوك العالمين، كان الناس أكوابا وكان الملكان كالشراب، كانوا كالليل وكانا هما صباحين مشرقين. كان الملكان كالربيع وكان الناس كسهل في مرحلة الخصوبة".

لكن بعد برهة من الزمان، لم يعد مولانا يجالس أحدا سوى شمس، كما أنه زوجه ابنته بالتبني، فكان ذلك كفيلا بإثارة أحقاد المريدين حول شمس مدبرين له المكائد للتخلص منه واسترجاع شيخهم الواعظ. اختفى شمس إذن في أواخر سنة 1247 حسب ما جاء في بعض المراجع، لكن إذا فكرنا في العلاقة التي كانت تجمعه بمولانا حسب ما استخلصته ليلي أنفار، يصعب علينا تصديق بعض الروايات التي تقول بهروب شمس خوفا من أعدائه، لم يكن لشمس أن يتخلى عن مولانا من أجل سبب تافه كهذا. فقط، قد دون في مقالاته أنه ذاهب بدون رجعة. وغادر قونية تاركا مولانا في صراع مع الألم دونه في الديوان الكبير.

يمكننا أن نتوصل إلى أن شمسا غادر مولانا فقط لأنه لقنه كل ما يجب تلقينه، وأن الحضور الجسماني لم تعد له أية فائدة مقارنة بالعلاقة الروحية التي نسجت بينهما إلى الأبد. فالشعلة التي هيجها شمس ستظل مشتعلة إلى الأبد. لقد أشعل نارا لن تنطفئ وستلتهم العالم عبر شعر مولانا. وهناك بيت شعري حيث يتحدث شمس إلى مولانا فيقول:

"أنا الريح وأنت النار

أنا الذي أشعلتك"

كانت تلك العلاقة ما وراء الزمان والمكان والأجساد، وتحولت آلام الفراق وحرقة الاشتياق إلى التحام روحي قد يفسده تواجد الأجساد. يذكر سلطان ولد نصا مؤثرا حول وصول والده غلى هذه المرحلة:

"لم ير شمس الدين التبريزي في دمشق، بل رآه بداخله، وقد ظهر كأنه القمر. يقول: مهما تباعدت أجسادنا، دون جسد أو روح، لسنا سوى نور واحد. إن رأيته أو رأيتني أيها الباحث، فأنا هو وهو أنا.......لماذا نستمر في قول أنا وهو حيث أنا هو وهو أنا؟ أو كل شيء هو وأنا بداخله. ما آخذه وما أعطيه منه هو، إنه كالإنسان وأنا كالظل. بدون الإنسان كيف يتواجد الظل؟....إنه كالشمس وأنا كقطعة صغيرة، إنه كالمحيط وأنا كالقطرة."

كان مولانا قمرا يعكس ضوء الشمس الخالدة، ف"في ليل العالم، لم يكن باستطاعة احد أن يتمنى الحصول على نور شمس لولا مرآة الرومي" وقد جاء ذلك في إحدى مقالات شمس:

"مولانا هو البدر الكامل

لا احد يستطيع الوصول إلى شمس روحي

لكن القمر سهل البلوغ

لن يستحمل الناظر شعاع الشمس ونورها

والقمر لا يستطيع الوصول إلى الشمس

يجب على الشمس أن يذهب إليه"

ويلاحظ في لأشعار مولانا أنه يأخد صورة القمر في كثير من الصور المجازية حيث يقول في إحدى رباعياته:

أنت الذي تذيبني، أنا، قمرك

لقد دعوتني هذا المساء

هل ستأتي بقربي؟

تقول لي:" كن متأكدا، أنا ملكك، سأجعلك حيان لأني أنا روحك".

ستبقى علاقة مولانا بشمس لغزا لن يستطيع احد فكه، لقاء عنيفا لمحيطين فجر إنتاجا أدبيا منقطع النظير، يقول عنه مولانا في إحدى أغزاله:

أنت سمائي وأنا أرضك

إني مذهول: ماذا قررت لي أن ألد؟

ماذا تعرف الغرض عن البذرة التي زرعتها أنت؟

أنت من خصبها

أنت الوحيد الذي يعرف ما تحمل بداخلها.

كل تلك التعابير المجازية التي تتحدث عن شمس، سواء كان ماء أو شمسا....الخ، فهي تشرح للمتلقي أن مهمة شمس قد انتهت وكان لزاما عليه المغادرة .

تقول الباحثة أن الدراسات والبحوث الأخيرة لعلي موحد "Movahhed" تشير إلى أن شمسا قد توفي ودفن ب "خوي" "Khoy"، مدينة صغيرة بالقرب من تبريز، لكن لا أحد يعرف تاريخ ميلاده أو وفاته "كان طائرا يتعذر الإمساك به، قادما من اللامكان متوجها نحو المجهول" ل.أ

 

بقلم عائشة موماد

 

كأنها هي .. مجموعة قصصية للقاصة فوزية حماد

648-sanstitreأشجان امرأة .. تأخذ القارئ الى حيز من شجنه الدفين ونواحه الخافت...

الحياة التي تتعدد وتتداخل وتتقاطع تلويناتها تظل مجالا شاسعا للقول بالمتعة التي تنهل من خساراتها وانكساراتها وتفاصيلها المأخوذة بالشجن وهل ثمة من طعم للكتابة بغير هذا الشجن..انها الحالة الوجدانية التي تمنح الكائن ضروبا من التجوال الحارق والمحير ..انها الحالة تنتصر على الآلة لتوليد السياق الابداعي الكامن في ذات الكائن..و أي كائن ..

من هنا تكون الكتابة فسحة للعزاء والسلوى في أتون هذا اليومي الذي يسلب الانسان أحيانا شيئا من انسانيته ..النبل والقيم والعرفان والوفاء..و.. و..ليظل على انحداره وسقوطه..مثل هذا السقوط المدوي الذي نرى ونشهد..

648-sanstitreومن هنا ندخل عوالم الكتابة لدى القاصة فوزية حماد التي أخذتنا طوعا وكرها الى بستانها القصصي الذي مهرته ب " كأنها هي..." لنلمس هذا الشجن الدفين الذي ميز وطبع الخط السردي في مجمل قصص المجموعة وتفاصيل كتاباتها..

"...أتطلع من عالمي المفرد أرفع رأسي تتسلق عيناي القامات العملاقة حولي تنشد يدي الفكاك تفلت فأنطلق سعيدا متأملا ما شتتني...

فجأة لا أجدك تغيبين عني أركض للحاق بك أتمسك " بالسفساري " لأتبين بعد مسافة أنني سرت خلف امرأة أخرى غيرك يا أمي ".

انها لعبة الحنين والضياع في هذا السرد المشحون بالحنين والانكسار حيث المرأة التي تنشذ الى قيمها من تلك الينابيع الأولى وتعطي للآخرين ولكنها غالبا بل في عموم الأحوال تلقى النكران ..

هي الخسارات التي تفوح روائحها في قصص الكاتبة فوزية حماد بكثير من الوجع والآه

تجاه خرائب الذات والآخرين ولكن القاصة هنا تسعى لترميم ما تداعى من كينةنتها عبر الكتابة في تجليات معانيها ورمزيتها وعباراتها ..

قصص على قصرها تشد القارئ بعيدا عن الحشو الزائد والافتعال السردي ..هي تذهب مباشرة الى الموضوع..الى جوهر الأشياء بأسلوبها الخاص الذي تسمه ببساطة الحكي وعمق الألم..

" رسالة صيفية".." العاشرة ليلا "..امرأة في الفخ ".." سراب " .. " مخالفة ".." لوحة " ....." الكابوس " .. " النذل ".. " لقاء " ..عناوين لقصص قصيرة سعت فيها وخلالها وبها القاصة فوزية حماد الى الوصول الى ترجمان فني أدبي تقصدا لابراز الوعي الدفين بالكتابة كتعبير صادق عن الأشواق والشجن وفق نظرة ثاقبة تجاه العالم والأشياء والعناصر والتفاصيل ..

" ..لحظة الوداع وقبل ضياع ملامحك بين آلاف الملامح وعدتني برسالة مطولة...و منذ عودتي وأنا أرقب ساعي البريد يمر كل يوم بلا رسالتي فيقتلعني اليأس من حضن الأمل..أرصد غيابك وهول الفراغات داخلي فيتملكني الفزع..."

تواجه الكاتبة في هذه القصص كونا من الحنين والخيانات والانتظار والوحدة والقلق والحسد وغير كل ذلك ولكنها تنتصر بالكتابة على الخواء وبأسلوب فيه اللعب على المخاتلة وكسر أفق الانتظار ..و هكذا..

انها لعبة القص الممتعة تلهو بها الطفلة الكامنة في دواخل القاصة فوزية حماد ..ضمن تخير أسلوب قصصي يبعد بل ينشد النأي عن المتداول والمعروف من المتاح السردي الملون بالافتعال والفبركة والايهام بالاشتغال القصصي..

هي أشجان امرأة .. " كأنها هي ... " فسحة من القص تقترحها الكاتبة فوزية حماد وهي لا تلوي على غير أخذ القارئ الى حيز من شجنه الدفين ونواحه الخافت ..في هذا اليومي المربك والمقيم في القلق..

المجموعة صدرت عن دار البراق للطباعة والنشر والتوزيع في مائة صفحة وهي من الحجم المتوسط وعلى الغلاف لوحة للرسام الأمريكي الجنسية الايراني الأصل روسوللي..

موكب عزرائيل رواية للمستشار سامي سراج الدين

649-sharصدرت عن دار اكتب للنشر والتوزيع بالقاهرة رواية المستشار سامي سراج الدين الأولى "موكب عزرائيل"

يبدو عنوانًا غريبا ، لكنه الأنسب للحالة التي تتخلل الرواية في تأرجح بين اليأس والأمل، فالكاتب هنا - رغم قتامة العنوان - يبث في نفوسنا الأمل تدور أحداثها في دولة خيالية، شعبها وحكامها وواقعها وأحداثها تتشابه مع أمثالها في مصر، لكن دون تتطابق. تدور أحداث القصة بشكل متوازي بين موظف كادح – وفاسد أيضا – من جهة (إبراهيم)، ومن الجهة الأخرى رئيس جمهورية طاغية (جلال). حياة إبراهيم أشبه بحياة الملايين من أبناء الطبقة المتوسطة الدنيا، لا تختلف عنها سوى في حبه العميق لزوجته الشمس التي تمثل بالنسبة له مصدر إلهام في حياته اليومية. تتشابك الأحداث، وتتسبب "شمس" في أن يلتقي مصير البطلين، بالصدام تارة ثم بالحوار تارة أخرى.

 

من أجواء الرواية

649-shar"هكذا يرى الناس الحياه من على ارض بلادنا: مجرد خيوط متشابكة، يبحثون من خلالها على ثغره ينفذون منها، فلا يجدون… منهم من يبحث عنها فى خطب المشايخ.. ومنهم من يبحث عنها فى قصه حياه جيفارا.. ومنهم من يبحث عنها فى كتاب هتلر.. بل وأغلبهم قد يأس من البحث عن تلك الثغرة، ووفر جهده للبحث عن قطعه خبز فى سله مهملات، او فى جيوب الآخرين.. هذه هى بلادنا"

ديوان "مصحف الأحوال يليه حديث الأشكال" نكهات مُوغلة في أحراش المفارقة العذراء

najat zebayerعن منشورات أفروديت صدر الديوان الجديد" مصحف الأحوال يليه حديث الأشكال" للشاعر الكبير أحمد بلحاج آية وارهام ، هذا العمل القيم الذي جسد تجربة صوفية فريدة لا سابق لها في الشعر العربي المعاصر.

وضمن حوار مطول مع الشاعر وقفنا عند هذا الديوان الذي يقول عنه:

" هذا الديوان يبادهك بنكهات مُوغلة في أحراش المفارقة العذراء، والتركيب اللامتوقع، والخيال المتفلت من جواذب الذاكرة. فهو فسيفساء الروح التي تتكلم لغة ما قبل الطين، حين تصَّاعد في معارج المعارج برفارف خُضْر، وتروم الذوبان في اللانهائي، وكأنها نَفَسٌ من أنفاسه.

وهذه النكهات تُجَلِّيها الشّياتُ الخمس التالية:

1ـ روْحَنَةُ اللغة، وإفراغها من أصداء الثقل المادي التي تشدها إلى غوايات الحمإ المسنون، بحيث لا ترى من الوجود إلا ذاتها.

2 ـ صَبُّها في أواني القَرْأَنَةِ ( = القرآنية) التي تشع وتتناسل فيها المعاني وأضدادها، بطرائق يصير فيها الوجود فتنة غرَّاءَ، ووجودُ النسيان نقطةً لتأسيس وجودٍ للوجود.

3647-bilhj ـ تلألؤُ خيالها المنهمر من حضرة الحضرات تلألؤَ المستحيل في أحناء الحياة.

4 ـ مفارقتها للمقول الصوفي على مستوى النظم، والشحنة البصائرية.

5 ـ تلميحها إلى كوجيطو شعري من أجل الوجود المنسي.

هي إذن مفاتيح خمسة للدخول إلى هذه الشعثريات التي ينحجب فيها المعنى ليقول فواكهَ اللامعنى، التي تَعِبَ هايدجر في البحث عنها داخل المتن الهُولْدِرْلِيني."

نقرأ من الديوان:

وَجْهُكَ مِفْتَاحِي

بِهِ تَفْتَحُ بَابَ أَزَلِي

ذَاتُكَ جِذْرِي

أَسْكَنْتُهَا مَشِيئَتِي

فَاُجْلِسْ

عَلَى رُكْبَتَي اُلْخَيَالْ

لاَ تَلْتَفِتْ لِمَا سِوَاهْ

وَ لاَ تُطِعْ أَرْضَ أَحَاسِيسِكَ

إِنْ بَاضَتْ بِهَا اُلْأَحْوَالْ

إِجْلِسْ

تَجِدْ شَجَرَةَ اُلْكَوْنِ تَفِيضُ نُورًا فِي رَاحَتِكْ

أَغْصَانُهَا أَنْفَاسُكْ

وَزَهْوُ فَاكِهَتِهَا إِرَادَتُكْ.

 

مكتب أفروديت

ازمة العقل العربي المعاصر

646-qasimعن (الدار العربية للعلوم ناشرون ) في بيروت،صدر لنا كتابنا السادس والعشرون الموسوم (ازمة العقل العربي المعاصر) وفيما يأتي تقديم الدار للكتاب.

"أزمة العقل العربي المعاصر" كتاب جديد للدكتور قاسم حسين صالح/مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية يرتكز فيه على تحليل "سيكوبولتك" للوضع العربي الراهن، يعتمد أسلوب الشرح والتفسير والتفكيك والتأويل لآليات اشتغال العقل العربي في معالجته لأزمات هي من نوع المنقطع - المتصل في قضايانا المصيرية عبر (مقالات) تنفتح على غير حقل ومجال وتواكب الأحداث والتطورات وقراءة الاتجاهات.

في الكتاب مساجلات وحوارات ونقاشات تفتح أمام القارئ إمكان النظر والعمل في قراءة ما يستجد وما يحدث أو يفاجئ ويصدم. يقول الكاتب تحت عنوان "التناقض بين الفكر والسلوك في الإسلام السياسي": الملاحظ على العقل العربي أنه يعيش أزمة تفكير.. وأنه بشكل عام يقع في المستوى الأدنى من التفكير، فيما الذين يرتقون إلى المستوى الإبداعي يغادرون الوطن إلى الدول الراعية للمبدعين. والتفكير في العقل العربي هو من النوع المتقبل الذي يؤدي بالضرورة إلى مقاومة التغيير، فيما العقل العالمي المعاصر يمارس مستوى متقدماً من التفكير يطلق عليه التفكير الناقد.. من خصائصه: الدقة، الاستدلال، تقويم الحجج، التفريق بين الرأي و الحقيقة، رؤية الوجه الآخر للأحداث، الاتجاه نحو الجديد من الأفكار، التحليل الدقيق والموضوعي لأي ادعاء أو اعتقاد للحكم على مدى صحته وصدقه وقيمته.. واستخدام قواعد الاستلال المنطقي في التعامل مع المتغيرات والأحداث...".

646-qasimولا يقتصر الكاتب في النظر حول التناقض بين الفكر والسلوك في الإسلام السياسي، بل يدخل في عمق الأزمات الراهنة ويلقي الضوء على التحديات الجسيمة والمشكلات المزمنة، ويطرح أسئلته حول الهوية والحقيقة والحرية والعقيدة والثقافة السائدة؛ ثم يحاول إعادة النظر في كل تلك المفاهيم ويدعونا للعمل معاً يداً بيد حتى لا نغرق جميعاً؛ مستحضراً عمليات الإبادة الجماعية على مرّ التاريخ الإنساني وجرائم القتل من قبل السلطة في معظم الدول العربية التي تحاول الإطاحة بأنظمتها الديكتاتورية، والعلاقة الشائكة بين الأنظمة العربية والمثقفين، والعلاقة بين العقل العربي والسلطة، والإرهاب والشخصية الداعشية، متتبعاً الأحداث في العراق والبلدان والعربية بما يعنيه التنافس والصراع السياسي بين الأطراف المتنازعة وكل ذلك من موقع الباحث والمهتم بعلم النفس السياسي الهادف إلى معرفة سيكولوجيا الحاكم والمحكوم وتبيان دور اللاوعي الجمعي في العقل العربي عموماً والشخصية العراقية بشكل خاص بما فيها نماذج القداسة والبطولة والعظمة والنجومية، التي تحاول أن تصنع إنسانيتنا بعقلية التملك والقبض والتحكم، ولكن.. هل من سبيل لكسر ما تكدس وتراكم وتجذر؟. هذا رهان الكاتب على الأفراد أولاً قبل أي شيء وفي التاريخ

كتاب الوسط الاجتماعي لمالك بن نبي (1)

moamar habarمقدمة حول المقدمة: بمجرد مارأيت الكتاب على رفوف مكتبة وسط الشلف .. وتأكدت أنه جديد .. لم أطلع عليه من قبل .. إشتريته دون أن ألتفت لسعره.. إنه كتاب .. Le Livre et le Milieu Humain.. للمفكر مالك بن نبي .. دار سمر.. الجزائر..الطبعة الثانية .. دون ذكر سنة .. إلا أن المقدمة..كانت بتاريخ أوت 2007 .. ويضم 76 صفحة .. من الحجم الصغير.

الحلقة الأولى من التطرق للكتاب .. ستكون لمقدمة رحمة بن نبي .. بنت مالك بن نبي .. لاعتبارات، منها..

هي بنت الكاتب .. المعلومات القيمة التي ذكرتها.. لأول مرة أقرأ لها .. بعد أن قرأت لها حوارا مدويا.. عبر صفحات إحدى اليوميات الجزائرية .. الأسلوب العالي، الذي ميّز مقدمتها.. بعض الأسرار التي احتوتها المقدمة .

طبيعة الكتاب.. الكتاب عبارة عن دراسة موجهة لمجلة مصرية .. ولأسباب لم تعرف لحد الساعة .. إمتنع بن نبي .. من نشر الكتاب .. ويبقى السؤال قائما .. ماهي هذه الأسباب؟.

تاريخ صدور الكتاب .. جاء في الصفحة الأولى من المقدمة .. أن بن نبي كتب في أوراقه يقول.. منذ 13 سنة.. تركت لدى مسقاوي سنة 1972 .. كتابا، ونسيته مطلقا.. وعليكم باسترجاعه..

وبإنقاص 13 سنة من سنة 1972 .. نتحصل على سنة 1959 .. وهي السنة التي تم فيها تحرير كتاب.. وبالضبط أواخر سنة 1958 .. لأن بن نبي بعد صدور كتابه.. فكرة الإفريقية الآسيوية.. أواخر 1956.. انتظر عامين ليصدر كتابه .. Le Livre et le Milieu Humain.. الذي بين يدي القارئ والناقد الآن ..

لمعرفة بن نبي لابد من معرفة كما مسقاوي .. أفردت رحمة بن نبي في مقدمتها، جزء معتبرا، للتطرق عن.. كمال مسقاوي .. ووصفته بكونه من أعيان شمال لبنان. وأنه كان متابعا لبن نبي، طيلة فترة .. 1956- 1963 .. وكان وفيا له .. طيلة شبابه.. وساهم في نشر وتعريب كافة كتبه .. وبن نبي أعطى له وثائقه، حين دخل الجزائر..والتي لم يستطع حملها معه من القاهرة.. التي غادرها سنة 1963 .. إلى طرابلس ليبيا .. ثم الجزائر.. في ظروف غير واضحة ..

السؤال المطروح.. ماهي الأسباب التي أدت ببن نبي إلى الخروج من مصر؟ .. ولماذا مر بطرابلس ليبيا بالذات؟ .. وماهي هذه الظروف الغامضة التي أحاطت برحلته؟ ..

واضح جدا أن كمال مسقاوي .. كان وفيا جدا لبن نبي .. وأن بن نبي كان يثق فيه ثقة مطلقة، لاشبهة فيها .. بدليل أن طيلة تواجد بن نبي في مصر.. لم يثق في غير مسقاوي .. ولم يقدم تراثه وفكره ، لأحد غيره .. وهو مايرفعه ويجعله أهلا للثقة .. إذن لفهم مالك بن نبي .. لابد من معرفة كمال مسقاوي .. ودراسة علاقته مع بن نبي .. والظروف الظاهرة والباطنة .. التي ميّزت تلك العلاقة.. وإستخراج الكنوز التي لم تكتشف بعد.

لابد من معرفة ماذا جرى في سنة 1972.. في أواخر أيام بن نبي .. ترك وصية لكمال مسقاوي .. يوصيه فيها بالتصرف في تراثه الفكري .. وكتبه .. منها كتاب Humain..Le Livre et le Milieu .. الذي بين يديك ..

إذن لابد من الوقوف مطولا .. حول سنة 1972 .. التي سبقت وفاة بن نبي.. فيبدو أنها كانت حبلى بالأسرار .. وبن نبي.. كان يشعر برحيله .. لذلك كان حريصا على تدوين الوصية.. ولعل كمال مسقاوي ، يعتبر من مفاتيح سنة 1972 .. وشاهدا .. وفاعلا.

مع كتاب فكرة الإفريقية الآسيوية.. لفهم كتاب .. Humain..Le Livre et le Milieu .. الذي ألفه سنة 1959 .. لابد من قراءة وفهم كتاب .. فكرة الإفريقية الآسيوية.. الذي ألفه سنة 1956 .. لأنه يشرح الظروف التي أحاطت بكتاب .. الإفريقية الآسيوية..

في الحلقة القادمة .. سنتطرق للظروف الدولية والمحلية .. التي أحاطت بكتاب.. فكرة الإفريقية الآسيوية.. حسب مايراه بن نبي ..

أسبقية بن نبي.. ترى رحمة بن نبي .. أن كتاب.. Humain..Le Livre et le Milieu .. يعتبر نظرة مسبقة من بن نبي .. للعلاقة القائمة بين الكتاب والكاتب في الدول العربية والإسلامية .. وهذا هو مكمن الفائدة الأساسية لهذا الكتاب .. وسبب نشره .

أسئلة حول نشر الكتاب .. لماذا لم ينشر هذا الكتاب من قبل؟ .. لماذا بقي كل هذه السنوات دون نشر؟ .. هل نشر ضمن كتبه أم لا؟ .. هل ترجم أم لا؟ .. هل هناك كتب لبن نبي ، مازالت دون نشر لحد الآن؟ .. هل لسن أبناء بن نبي دور في النشر، أوعدم النشر؟ ..

مالك بن نبي وابن خلدون .. تتحدث صاحبة المقدمة عن أسباب فشل كتاب .. فكرة الإفريقية الآسيوية.. وتقول، أن.. المجتمع الأمي.. المسيطر عليه عبر الثقافة الشفهية .. والخرافات.. لايمكن لمثل هذا المجتمع .. أن يضمن نجاح لكتاب .. فكرة الإفريقية الآسيوية.. وكما أنه لم يستطع ضمان المقدمة لابن خلدون.. التي بقيت مجهولة لمدة قرون .. حتى اكتشفها الوسط الغربي وعرفها للعالم .. وكذا للعالم الإسلامي .. التي رأت النور عنده ..

صاحبة المقدمة .. تقارن .. بن نبي.. بابن خلدون ..وتقارن .. كتاب.. فكرة الإفريقية الآسيوية.. بكتاب.. المقدمة.. مايدل على حجم الصدمة التي تعرض لها بن نبي .. لأنه كان يقارن نفسه بابن خلدون.. ويقارن كتابه بالمقدمة .. فيشترك معه في .. تجاهل الأمة لكتابه .. وأفكاره.. رغم الجهد الذي بذله لأجل الرفع من مستوى الأمة.. أو الوسط بتعبير بن نبي.

تواضع رحمة بن نبي .. طيلة المقدمة..لم تقدم رحمة بن نبي .. على أنها بنت مالك بن نبي .. ولم تتحدث لما يشير إلى ذلك ..وتعاملت مع الكتاب .. على أنها كاتبة كغيرها من الكتاب .. وتستعمل إسم .. بن نبي.. دون ألقاب عائلية.. ولا أوصاف عالمية.. فأحسنت الأدب .. حين كانت أمينة في النقل.. والعلم.. حين كانت صادقة في الوصف .. ولم تنساق وراء عاطفة البنوة.

العيب في الوسط وليس بن نبي .. أكدت صاحبة المقدمة .. أن العيب ليس في بن نبي .. ولا في كتابه .. فكرة الإفريقية الآسيوية.. إنما العيب في الظروف الدولية المتمثلة في .. الصراع بين المعسكرين.. والحرب الباردة.. وسعي كل من المعسكر الشرقي والغربي .. للاستحواذ على مناطق نفوذ.. وكذا الظروف المحلية، المتمثلة في.. الفقر.. والجوع.. والأمية.. والقابلية للاستدمار.

كتابين لبن نبي.. ذكرت رحمة بن نبي .. في مقدمتها .. أن بن نبي له كتابين، بالإضافة إلى الكتب المنشورة، هما..

Vocation de l’Islam II..

L’Islam sans l’Islamisme.. الذي طبعته .. دار سمر .. الجزائر 2006.

ويعترف صاحب الورقة .. أنه لم يقرأ هذين الكتابين.. ويبقى يتساءل.. هل وجهة العالم الإسلامي من جزئين؟ .. أم من جزء واحد؟ .. وهل هو من الكتب التي لم تطبع من قبل؟ .. وهل ترجمت؟ .. وهل نشرت بأسماء أخرى؟ .

بشارة بكتاب .. فكرة الإفريقية الآسيوية.. قالت رحمة بن نبي .. في آخر صفحة 18 .. وهي آخر صفحة من المقدمة .. أنه بتاريخ 10 سبتمبر 1956 .. وضمن كتاب .. L’Islam sans l’Islamisme.. يوجه بن نبي .. للشعب الجزائري، قوله.. كتاب.. فكرة الإفريقية الآسيوية..سيكون له تأثير فاعل على إتجاه الثورة الجزائرية البعيدة عن الفلك الغربي والقوى الغيبية التي أصبحت أقيس القوة التي تريد أن تبقيها أو تجلبها ..

إذن بن نبي بشّر بكتاب .. فكرة الإفريقية الآسيوية..عبر كتاب.. L’Islam sans l’Islamisme..

ماضي أفكار بن نبي .. ترى صاحبة المقدمة .. أن الأفكار التي عرضها.. مالك بن نبي .. في كتابه فكرة الإفريقية الآسيوية.. كان قد تطرق إليها، عبر ..

مقال له بعنوان .. de Genève à Colombe.. عبر .. la République Algérienne .. بتاريخ 07 ماي 1954 .

وعبر كتابه .. Vocation de l’Islam II.. مابين 22 جانفي 1951و 05 ديسمبر 1951.

وبعد .. صاحب الأسطر .. هو الآن بصدد القراءة الثانية لمحتوى كتاب.. Humain..Le Livre et le Milieu .. ويضرب موعدا للقارئ.. والناقد.. في الحلقات القادمة .. ليتطرق لمحتوى الكتاب .. ويعرضه .. بإذنه تعالى.       

حول تخلي الحزب الشيوعي عن خط آب 1964 وذيوله .. رد على الأستاذ همام عبد الغني المراني

jasim alhalwaniنُشر في موقع الناس في 17 كانون الأول مقالاً بقلم الأستاذ همام عبد الغني المراني تحت عنوان "مرةً أخرى مع خط آب 1964 وآثاره المدمرة". لقد أبدى الكاتب ملاحظات على المساجلة التي دارت بيني وبين الكاتب كريم الزكي، وكان نصيبي منها ملاحظتين وسأبدأ، برد على مقاله، بهما:

يشير الأستاذ المراني في ملاحظته الأولى إلى أن: قول الأستاذ الحلوائي ان الحزب كان قد تخلى عن خط آب في اجتماع اللجنة المركزية في نيسان 1965"، وأقول صراحة انني اسمع بهذا "التخلي" لأول مرة، بعد مضي خمسين عاماً على الحدث . فقد كنت آنذاك " من الكادر المتقدم "، وفي تنظيم مهم، وكنت قريباً من اللجنة المركزية، فلم أبلغ بقرار كهذا مطلقاً، بل انني لم اسمع به إلا من خلال مقال الأستاذ جاسم الحلوائي، رغم اننا كنا " نأكل ونشرب" نقاشات وصراعات حول هذا الموضوع ..." (رابط المقال مرفق).

في الحقيقة أنني أستغرب شديد الاستغراب من هذ القول لأن أبرز كتاب عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي والموسوم "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" للكاتب عزيز سباهي يعنون الفصل الرابع من الجزء الثالث من كتابه على النحو التالي: "التخلي عن خط أب وحديث "العمل الحاسم"، ويذكر مقتطفات من تقرير اللجنة المركزية الصادر في نيسان 1965، سنشير إليها لاحقاً. ويتناول الموضوع ذاته، الكتاب المكمل لكتاب عزيز سباهي والموسوم "محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي - قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي"، لكاتب هذه السطور. وقد تولى الحزب طبع الكتابين وتوزيعهما.

وهناك العديد من الكتب والمذكرات التي أشارت إلى تخلي الحزب عن خط آب في نيسان 1965. وآخر ما اطلعت عليه هو جزء من مذكرات الفقيد ثابت حبيب العاني، المنشور في الحوار المتمدن بتاريخ 20 كانون الأول، تحت عنوان "خط آب في مذكرات الفقيد ثابت العاني" وعنوانها في المذكرات هو: "التخلي كلياً عن "خط آب" ومما جاء فيها: "وبسبب هذه المعارضة الواسعة في الحزب لخط آب، فلم يكتب لهذا "الخط" الاستمرار سوى بضعة أشهر. وجرى التخلي عنه لاحقاً في اجتماع اللجنة المركزية في نيسان عام 1965.

إن البيان، أو بالأحرى التقرير، الذي صدر عن اجتماع اللجنة المركزية في نيسان 1965 قد تخلى فعلاً عن خط آب. فبدلاً من الدعوة إلى تماثل نظام عبد السلام عارف مع نظام عبد الناصر، والذي كان يدعو إليه خط آب، فإن التقرير الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية في نيسان 1965، واستنادا إلى عزيز سباهيً وحنا بطاطو، "قد تضمن تعديلاً أساسياً في سياسة الحزب. إذ طالب بإسقاط الحكم الدكتاتوري العسكري، والدعوة إلى إقامة حكومة ائتلاف وطني ديمقراطية، تنهي الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها البلاد، وتصفي مخلفات انقلاب شباط، وتحقيق الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان. وقالت اللجنة المركزية في تقريرها: إن الحزب الشيوعي "حامل الرسالة التاريخية للطبقة العاملة" وجد ليبقى، وإن "تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي" العراقي قد فشلت، ومع كل الضجيج المثار عن "الاشتراكية" فإن سياسة السلطات " تتناقض سياسياً واقتصادياً وأيديولوجياً، مع أبسط مفاهيم ومتطلبات البناء الاشتراكي"، ودعا الحزب الشيوعي الناصريين إلى الانسحاب من الحكم، والانضمام إلى صفوف المعارضة الشعبية"1.

ما هو الاستنتاج الذي يمكن أن يستنتجه المرء من ادعاء الكاتب المراني بأنه لم يسمع بالتخلي عن خط آب "إلا من خلال مقال الأستاذ جاسم الحلوائي". هناك احتمالان، فأما أن الكاتب همام عبد الغني لم يكن قد اطلع على تقرير اجتماع اللجنة المركزية في نيسان 1965، وهو كادر متقدم، وأنه لم يطلع على مذكرات قادة الحزب وأهم الكتب عن تاريخ الحزب الشيوعي العرقي، فهذه مصيبة، أو أنه أطلع على ذلك ولكنه لم يميز الفرق النوعي السياسي والفكري بين خط آب وتقرير نيسان، وفي هذه الحالة، فإن المصيبة أعظم.

ويواصل الكاتب فيذكر ما يلي: "أما الملاحظة الأخرى : التي لفتت نظري في مقال المناضل الحلوائي، وهي من نفس المنطلق والتبرير، قوله " ان المناضلين الذين رسموا خط آب، ما أن وطأت أقدامهم ارض العراق حتى احسوا بخطأهم وتراجعوا عمه (عنه)"، وهذا الكلام يغاير الحقيقة تماماً ففرسان خط آب 1964، بقوا مصرين على ذلك النهج حتى بعد ادانته بشدة في اجتماع تشرين الأول 1965..."

مع الأسف أن الكاتب لم يكن أميناً في استشهاده وإن نص ما جاء في مقال كاتب هذه السطور هو "...أن أبرز قادة ذلك الخط ما أن وطأت أقدامهم الواقع، واقع العراق وواقع المنظمات، حتى أخذوا يعيدون النظر بتقديراتهم الخاطئة". لا يجوز إطلاقاً عند الاستشهاد بمقتطف من كاتب تغيير حرف واحد من النص حتى ولو كان خطأ نحوياً أو حتى مطبعياً، ومن الممكن تصحيح مثل هذه الأخطاء وحصر ذلك بين قوسين. ومن مقارنة النصّين سيجد القارئ أن الكاتب المراني أعاد صياغة نص كاتب هذه السطور على هواه، في محاولة لتسهيل تفنيده!؟

لنرى الآن هل ان كلام كاتب هذه السطور يغاير الحقيقة، كما يدّعي الكاتب المراني؟ إن أول من وصل إلى العراق من قادة الحزب هو بهاء الدين نوري، أحد منظري خط آب، وذلك في تشرين الثاني 1964، كما جاء في مذكرات العاني المشار إليه أعلاه. ووصل بعده الفقيد عامر عبد الله، أحد أبرز المساهمين في تحرير وثيقة خط آب، بحوالي الشهر. ومباشرة بعد وصولهما أخذت أدبيات الحزب تجري تعديلاً في خطابها باتجاه إدانة النظام والتشكيك بإخلاصه للقضايا الوطنية. ففي بيان صادر من الحزب الشيوعي العراقي في 22 كانون الأول 1964 لمناصرة المناضلين من "اللجنة الثورية"، الذين اعتقلوا بتهمة تدبير انقلاب ضد الحكم، جاء فيه: "إن شعبنا يري استمرار سياسة الإعدامات والمشانق استهتاراً بلائحة حقوق الإنسان، وبجميع مبادئ العدل والقانون والقيم الخلقية، واستجابة لإرادة الاستعمار والرجعية. إن شعبنا يتساءل: من المسؤول عن هذا الاستهتار بأرواح أبناء الشعب ومصادرة حرياتهم؟ إن القوى القوميىة المشتركة في الحكم، تسيء إلى سمعتها وإلى الوحدة نفسها، إذا لم تتخذ موقفاً صريحا وحازمأ ضد هذه السياسة الهوجاء"2

لا شك بأن هذا الخطاب يختلف عن خطاب خط آب ويؤكد، بدون لبس، ما ذهبت إليه وهو: " أن أبرز قادة ذلك الخط ما أن وطأت أقدامهم الواقع، واقع العراق وواقع المنظمات، حتى أخذوا يعيدون النظر بتقديراتهم الخاطئة" وأضيف الآن، وشرعوا بتغيير خطابهم السياسي.

وما يورده الكاتب عزيز سباهي في هذا الصدد يعزز رأيي ويلقي الضوء على ظروف تخلي الحزب عن خط آب، فيذكر ما يلي: " وإذ وجد رفاق اللجنة المركزية العائدون، والذين أسهموا في وضع الخط السياسي لآب، إن القاعدة الحزبية ومعظم شبكة الكادر الحزبي، ساخطة على هذا الخط، راحوا يعيدون النظر في قناعاتهم السابقة، وقرروا التخلي عما توصلوا إليه في براغ قبل أشهر، وشرعوا يعيدون النظر أيضاً في خطابهم السياسي إلى الشعب. وقد زاد من حماستهم في هذا الشأن، ان حكومة عبد السلام عارف شنت في آذار 1965، الحرب من جديد، على الشعب الكردي، ودخلت في مباحثات مع شركات النفط للمساومة معها، وأصدرت محاكمها أحكاماً جديدة بالإعدام ضد عناصر وطنية بدعوى أنها قاومت انقلاب شباط، وكانت يومها نزيلة سجونها ومواقفها طول هذا الوقت". ويستطرد الكاتب سباهي القول "وفي خارج البلاد أيضاً كانت قيادة الحزب تعيد منذ ربيع 1965 النظر في سياسة الحزب. إذ دعا سكرتير الحزب، عزيز محمد، في آذار 1965 القادة في الخارج إلى اجتماع تطرق فيه إلى أن بياناً سياسياً سيصد قريباً عن مركز الحزب يعيد النظر في سياسة الحزب العامة، وقد جرى توزيع مسودته على نطاق ضيق[اللجان المحلية]لغرض مناقشته.3

أما إدانة خط آب فقد تقرر بإجماع الحاضرين، في اجتماع تشرين الأول 1965، وكان كاتب هذه السطور حاضراً في الاجتماع، وتقرر نشره. وقد نشر بمربع صغير في النشرة الداخلية المسماة "مناضل الحزب" التي صدرت بعد الاجتماع المذكور مباشرة.4   ويشير ثابت حبيب العاني إلى ذلك أيضاً في الجزء المنشور من مذكراته الذي مر ذكره. مع ذلك يقول الكاتب المراني لم يصدر "بيان عن الأجتماع ومقرراته" في حين كان هذا القرار واحداً من أهم قرارات الاجتماع.

مع ذلك فقول الكاتب " ففرسان خط آب 1964، بقوا مصرين على ذلك النهج حتى بعد ادانته بشدة في اجتماع تشرين الأول 1965..." فيحتاج إيضاحاً. إذ أن هناك التباساً لدى الكاتب، فهو يخلط الخط السياسي الجديد بأساليب الكفاح وتنفيذ تلك الأساليب. فبعد إقرار الخط السياسي الجديد، تفجر في الحزب صراعاً فكرياً حول أساليب الكفاح، وكانت هذه القضية واحدة من الأمور التي بحثها اجتماع اﻠ(25) في تشرين الأول، وإن هذه التسمية لهذا الاجتماع لم تأت اعتباطاً أو تهكماً كما يتصوره البعض ومنهم الكاتب المراني، وسأوضح ذلك لاحقاً.

نعود لأساليب الكفاح. كان هناك اتجاهان رئيسيان في اجتماع تشرين الأول 1965. لقد عبر عامر عبد الله عن أحدهما في مطالعته، (وهو واحد ممن يسميهم المراني بفرسان آب الذين أصروا على ذلك النهج)، ويمكن تلخيصها، كما يشير إلى ذلك عزيز سباهي أيضاً، بالمبادرة إلى استخدام قوى الحزب في الجيش لانتزاع السلطة بانقلاب عسكري، ينهض به الحزب الشيوعي وحده. إذ أن القوى الوطنية الأخرى لا ترغب في مساندة انقلاب عسكري يقوم به الشيوعيون. وبرّر دعوته إلى "العمل الحاسم" لكون النظام الحاكم يعيش أضعف حالاته، بعد أن خرج عليه القوميون الناصريون، وينصرف جيشه إلى محاربة الشعب الكردي. وحذر عامر عبد الله من تفويت الفرصة، فعبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء، يسعى إلى اتخاذ إجراءات من شأنها أن تعزز مكانة النظام.

بينما رأى بهاء الدين نوري، أن الحزب لن يستطيع القيام بانقلاب عسكري لوحده، وحتى لو نجح الحزب في بادئ الأمر، فإنه سيواجه تحالفاً واسعاً من قوى مضادة، تعادي الشيوعية، وإن نجاح الانقلاب يتطلب تأمين تعاون القوى الوطنية الأساسية في البلاد.

وبعد مناقشات واسعة أقر الاجتماع بأغلبية كبيرة خطة "العمل الحاسم". وتقرر تشكيل وحدات مدنية عسكرية لدعم الانقلاب. وسمي هذا التنظيم ﺒ"خط حسين". وقرر الاجتماع الحصول على تأييد ودعم القوى الأخرى، لاسيما القوى الكردية، والقاسميين والقوى القومية التي تنادي بالاشتراكية. كما جرى التأكيد على أن لا يُقدم الحزب على عمل بمفرده، إلا إذا تعّذر الحصول على دعم الآخرين، وأن تكون قيادة الحزب قد تأكدت من أن الظروف مؤاتية تماماً لنجاح الانقلاب. والتأكيد الأخير كان ضمن الرسالة التي أرسلت من قادة الحزب في الخارج في إثر اجتماع دعا إليه سكرتير اللجنة المركزية الرفيق عزيز محمد وعقد في براغ بحضور أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية الموجودين في الخارج، ولجنة تنظيم الخارج في 18 – 19 من تشرين الثاني عام 1965. وعرضت على الاجتماع التقارير المرسلة من بغداد عن الاجتماع.5

بعد اجتماع تشرين الأول 1965، لم تكن هناك معارضة تذكر حول ضرورة استخدام العنف لإسقاط حكم عارف، ولكن النقاش ظل يتواصل حول أساليب الكفاح وكيفية التنفيذ في أجواء يشوبها التوتر وحتى تبادل الاتهامات. وكانت هذه الأجواء محصورة في بغداد. وكان كاتب هذه السطور بعيداً عنها ولم يكن طرفاً فيها.   فقد أعتقل بعد اجتماع تشرين الأول 1965 بعشرة أيام، وهرب من المعتقل مع المناضل عمر على الشيخ، بعد أن قضى فيه ستة أشهر. ونُسب فور هروبه من المعتقل سكرتيراً للمنطقة الجنوبية. وما سمعه هو أن اتهامات كانت توجه من مناصري العمل الحاسم إلى عناصر في قيادة الحزب بدعوى أنها تعرقل التنفيذ، في حين سمع من الطرف الآخر، اتهامات بأن أنصار العمل الحاسم يرومون القيام بمغامرة مصيرها الفشل لعدم توفر أهم مستلزمات نجاحها. وهذا الصراع، حول أساليب الكفاح وكيفية تنفيذها، استمر بعدئذ بين اتجاهين تبلورا في وثيقتين واحدة تدعو إلى تهيئة مستلزمات الانتفاضة الشعبية المسلحة، وكان كاتب هذه السطور أحد المشاركين في كتابتها، والأخرى تدعو إلى الانقلاب العسكري، كتبها الفقيد عامر عبد الله وطرحت الوثيقتان للمناقشة على اللجان المحلية. وقد جرى تعشيق المشروعين في وثيقة واحدة في اجتماع كامل للجنة المركزية عقد في شباط 1967. إن هذا الصراع لم يكن له علاقة بخط آب السياسي والفكري، بل بأساليب الكفاح التي من ِشأنها أن تحقق الهدف الأساسي الوارد في تقرير نيسان، ألا وهو إسقاط الحكم الدكتاتوري العسكري وإقامة حكومة ائتلاف وطني ديمقراطية.6

أما لماذا سمي اجتماع تشرين الأول في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي باجتماع اﻠ(25)؟ لقد سمي الاجتماع بهذا الاسم، لأنه لا هو بالموسع للجنة المركزية ولا هو بالكونفرنس، ولا هو بالاستشاري، ولذلك سمي باجتماع ﺍﻟ(25)، وهو عدد حضوره. فتحت الضغط والإلحاح استجاب المركز الحزبي الذي يقوده بهاء الدين نوري بالوكالة إلى عقد اجتماع حضره سبعة أعضاء من (ل.م) وعضوان مرشحان، وستة عشر كادراً حزبياً متقدما، جميعهم من بغداد باستثناء أثنين أو ثلاثة، فأصبح المجموع (25). ونظراً للارتباك الذي رافق تنظيم الاجتماع، فلم يحضره أي مندوب من منظمة الفرع في كردستان، بالرغم من وصول وفد كبير منهم إلى بغداد، كما لم يُشارك في الاجتماع أي مندوب من الخارج لا من قادة الحزب ولا من كوادره، وكان مجموع المؤهلين منهم لحضور مثل هذا الاجتماع يتجاوز عدد الذين حضروه!!، بينهم سكرتير اللجنة المركزية ولم تحضره ولا رفيقة واحدة. ولم تقدم إلى الاجتماع أية وثيقة للمناقشة. فالتسمية لم تأت اعتباطاً ولم تكن للسخرية.7

لقد جلب انتباهي في الجزء المنشور من مذكرات الفقيد ثابت حبيب العاني المرفق، قوله " وانتقد (الاجتماع الذي عقد في براغ والمذكور أعلاه) الظروف الشاذة التي أدت إلى عقد "اجتماع 25"، بما يعني ادانة "اجتماع 25".

لا توجد أية إدانة لاجتماع اﻠ(25). وفي رسالة قادة الحزب في الخارج إلى المركز الحزبي في الداخل، والتي مر ذكرها، إقراراً بالإجراءات التي توصل إليها اجتماع اﻠ(25) بشأن قيادة الحزب، ووافقوا على أن يستمر المركز القيادي في بغداد بنشاطه حتى ينعقد المؤتمر الثاني للحزب، أو حتى أن يعقد الحزب كونفرنساً أو أن تعقد اللجنة المركزية اجتماعاً كاملاً لها. وكانت أية إدانة لاجتماع اﻠ(25)، يعني سحب الشرعية من قيادة الحزب في الداخل لأنها كانت منتخبة من الاجتماع المذكور، ولم يحصل ذلك، كما هو معروف.8

على أي حال، يبدو لي أن وهَم الكاتب المراني، حول عدم تخلي الحزب عن خط أب ورسمه خط سياسي وفكري جديد في نيسان 1965، دفعه لارتكاب خطأ كبير عندما نسب رفع شعار إسقاط السلطة الذي ورد في تقرير نيسان إلى اجتماع تشرين الأول عنوة، حيث يقول ما يلي: "وفي نهاية الجلسة الأولى للإجتماع، حيث تقرر ادانة خط آب ورفع شعار اسقاط السلطة". ومن حقنا أن نسأل كيف رُفع الشعار ولم تصدر وثيقة من الاجتماع؟ كما يؤكد ذلك الكاتب همام نفسه حيث يذكر "لم يصدر بيان عن الأجتماع ومقرراته، كما جرت العادة لإجتماعات قيادة الحزب..." ولنضع السؤال بصيغة أخرى، كيف يبدل حزب سياسي سياسته 180 درجة بدون وثيقة تعلل ذلك؟ الجواب واضح، هو أن الوثيقة كانت موجودة والشعار مرفوع منذ نيسان، والمظاهر الايجابية التي ظهرت على المنظمات بدأت بتلك الوثيقة، ولا زال كاتب هذه السطور يتذكر ذلك. فقد كان سكرتيراً لمنطقة بغداد أنذاك، ومساهماً في إقرار الوثيقة في اجتماع اللجنة المركزية التي أقرته، وهناك تفاصيل عن هذا الاجتماع بعضها طريفة في كتاب كاتب هذه السطور "الحقيقة كما عشتها".9

لقد اعتبر الكاتب همام عبد الغني المراني ادعاء الكاتب كريم الزكي "كانت قيادة الحزب الشيوعي العراقي تعمل جاهدةً لحل الحزب وتذويبه في حزب السلطة" مجرد عبارة غير دقيقة وردت بسبب الحماس، بدلاً من إدانة ذلك باعتباره تشويهاً لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي المجيد. هذا بالرغم من معرفة المراني بأن ما يدّعيه كريم شيء، وانتهاج سياسة خاطئة شيء آخر مغاير تماماً، على حد تعبير الكاتب المراني ذاته.

ومن أجل أن يبرر خطأ كريم، راح الكاتب يقوّل كريم أقوالاً لم يقلها، عندما يذكر: " كما ان عبارة "كانت قيادة الحزب الشيوعي العراقي تعمل جاهدةً لحل الحزب وتذويبه في حزب السلطة" هي الأخرى غير دقيقة، فانتهاج سياسة خاطئة شيئ و "تعمل جاهدةً لحل الحزب وتذويبه في حزب السلطة" شيئ آخر مغاير تماماً، رغم انني اوافق [على. ج ] رأي الكاتب، ( لم يرد الرأي الذي سيذكره في مقال الكاتب كريم، كي يؤيده!؟ ج) بأن خط آب لو قُدر له ان يستمر لفترة طويلة، ولم يواجه ذلك الرفض القاطع من كوادر وقواعد وجماهير الحزب لوصل الى تلك النتيجة، رغم انها مستبعدة تماماً في العراق، استناداً لمكانة وجماهيرية الحزب ونفوذه الأدبي والسياسي وجذوره العميقة في المجتمع العراقي".

لو كان هذا الرأي قد ورد في مقال كريم، لما علق كاتب هذه السطور عليه أصلاً رغم مآخذه الأخرى على مقاله" أما إذا أضيفت للأسباب التي استبعدت فيها احتمال ذوبان الحزب في الاتحاد الاشتراكي العربي، ما يلي:"...ولتركيبة الحزب الشيوعي العراقي القومية غير القابلة للذوبان في منظمة قومية عربية" لاتفقت مع هذا الطرح تماماً. أما حل الحزب، الذي ورد في ادعاء كريم، فهو أمر غير ممكن، فليس هناك جهة تملك مثل هذه الصلاحية، بما في ذلك المؤتمر الوطني للحزب. فقد أوجدت الحزب الشيوعي العراقي ضرورة اجتماعية تاريخية، وعندما تنتفي هذه الضرورة، فعند ذاك تنتفي ضرورة وجوده أيضا.

لقد لاحظنا كيف دلس الكاتب عبد الغني أخطاء الكاتب كريم، أما عندما وصل الأمر لإبداء ملاحظاته على مقالي، فقدم لها وجهة نظره في كتابة التاريخ، والتي يعوزها عنصر مهم في كتابة التاريخ، حسب فهمي وتجربتي المتواضعة في هذا الميدان، ألا وهي الأدلة الموثقة وخاصة في الأمور الخطيرة، وعدم الاعتماد على الذاكرة، خاصة عندما يبلغ الإنسان من العمر عتيّاً. فالقارئ غير مجبر على تصديق الكاتب، أما الأدلة الموثقة فمن شأنها إقناع القارئ. وفي هذا الاطار، من الضروري هنا التمييز بين ما هو مهم وخطير وموضع خلاف، وبين ما هو غير ذلك.

يذكر الكاتب عبد الغني في مقاله ما يلي:"ان هذه الأحداث مضى عليها نصف قرنٍ من الزمن، وأصبحت تاريخاً يفترض بمن يتعرض لها او يتناولها، ان يكون دقيقاً وأميناً في تسجيلها، اذا كنا نريد فعلاً ان نصون تاريخ الحزب ونحافظ عليه من التشويه والأجتهادات الشخصية". هذا صحيح ولكن لماذا لم يذكر ذلك في مقدمة المقال، وجاءت بعد أن أنهي ملاحظاته على مقال الكاتب كريم وجعلها مقدمة لملاحظاته على مقال كاتب هذه السطور؟ فالأمر واضح فهو يريد الإيحاء للقارئ بأن كاتب هذه السطور لم يكن دقيقًا وأمينا و...الخً. وبصرف النظر إن كان يوحي او لم يوح، فسأترك للقارئ أن يحكم من منهما لم يكن دقيقاً وأميناً؟ ومن منهما يحرص على تاريخ الحزب الشيوعي العراقي من التشويه، كاتب هذه السطور، أم الأستاذ همام عبد الغني المراني ؟

 

رابط مقال الأستاذ همام عبد الغني المراني

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/is/17d1.htm

رابط جزء من مذكرات الفقيد ثابت حبيب العاني

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=446746

 

...............

هوامش

1 - عزيز سباهي "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" الجزء الثالث ص47 و48. نقلاً عن بطاطو، الكتاب الثالث، 359.

2 - عزيز سباهي، مصدر سابق ص 47.

3 - عزيز سباهي، مصدر سابق ص 46.

4 - جاسم الحلوائي "محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" ص318.

5 - المصدر السابق، ص 318. راجع كذلك عزيز سباهي، مصدر سابق ص53 و56.

6 - جاسم الحلوائي "محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" ص 325.

7 - المصدر السابق ص317. أنظر أيضاً عزيز سباهي مصدر سابق ص 52.

8 - عزيز سباهي، مصدر سابق ص56.

9 - جاسم الحلوائي "الحقيقة كما عشتها" ص247.

 

عرض كتاب "مقدمة في تأريخ العربية"!!

645-sadiqالمؤلف: الدكتور إبراهيم السامرائي

عدد صفحات الكتاب (89) من الحجم الصغير

منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقية\ سلسلة الموسوعة الصغيرة (53) \ تشرين الثاني 1979

السعر 50 فلسا\ دار الحرية للطباعة - بغداد.

رقم الإيداع في المكتبة الوطنية - بغداد 1714 لسنة 1979.

الكتاب عبارة عن تلخيص مكثف بسبعة فصول وتمهيد وخاتمة، بقلم عالم بارع بلغة الضاد ومطلّع على لغات غيرها، ويمكن عرضه كالآتي:

 

أولا: تمهيد

645-sadiq"لعل العربية من أحفل اللغات بالدراسات التاريخية"

" وسيكون من غرضي في هذه المشاركة الموجزة الوقوف على الحقائق التي إبتعد عنها المتقدمون بسبب منهجهم الذي إتبعوه"

"ولن نستطيع أن نفهم العربية وكيانها بل أننا لا ندرك حجمها الحضاري إن لم نحسب للحدث القرآني الحساب الدقيق، ذلك أنه قد برهن أن العربية فيه قد تجاوزت حدود الإنسانية المحضة"

ويرى أن نبدأ بمعجمية تأريخية معتمدين على لغة القرآن لأنها تزودنا بطائفة من المدلولات مما يكشف سعة العربية وقدرتها على تطوير الألفاظ والدلالات.

 

ثانيا: مقدمة في تأريخ العربية

يشير إلى أهمية معرفة شيئ من تأريخ العربية لأننا نجهل الكثير من أولية هذه اللغة العالية، ويجد أن الدارس للشعر الجاهلي يخرج بنتيجة مضللة، لأن نصوصه لا تخلو من عناية وصنعة تجعلها لغة خاصة.

كما أن الشعر الجاهلي يقدم نموذجا لغويا موحدا، مما يشير إلى أن العربية قبل الإسلام بما يقرب من قرن ونصف قد عرفت " التوحيد" فكانت لغة المجتمع العربي القديم ، لكن الحالة في رأيه لا تتفق وواقع العرب حينذاك.

ويجد أن عربية التنزيل هي العربية السائدة في عصر النبوة، ولا يريد أن يبحث في إعجاز الآيات المحكمات ولا في بلاغة تلك اللغة العالية، التي أخذ بها العرب لما إشتملت عليه من بيان رائع وإحكام دقيق وإضابة للدقائق من المعاني والأفكار، ويبدو لأنه كان يرى بأن أجيالا من علماء اللغة قد أشبعوا هذا الموضوع بحثا وتحليلا وإعرابا ودراسة معمقة.

 

ثالثا: العربية التأريخية:

هذا فصل يصفحاته (9-31) ويقول أن اللغات السامية عرفت طائفة من الحروف لربط أجزاء الجملة لكن العربية تميزت بوجود طائفة منها مما لا تجده في تلك اللغات.

ومن هذه المسائل إستعمال حروف الجر، وإنقسم اللغويون إزاءها ما بين بصريين وكوفيين وآخرين، ومضت الرؤى في "إنابة" حروف الجزم والنصب بعضها عن بعض، ونشأة "التضمين" اللغوي. ويرى بإستعمال مصطلح حروف الإضافة وليس الجر.

"إن الكلمة فعلا كانت أو إسما تنصرف إلى معان عدة، ومن ثم فلا بد لها من إستعمالات مختلفة"، فيشير إلى ما جاء في إستعمال الحروف في التنزيل مثل (في، على)، (الباء، عن)، (له، عليه)، (إلى، مع)، (إلى، اللام)، (على، من)، (من، الباء)، وغيرها من الحروف التي كانت تستخدم في لغة العرب والتنزيل بمعانيها ودلالاتها.

ويبدو أن تطور العربية ووقوفها على سياقات إستعمالية ثابتة قد تجاوز هذا الإستخدام.

"إن اللغويين النحاة لم يقصروا التضمين على الأدوات أي الحروف بل تجاوزوا ذلك إلى الأفعال"، "والغرض من التضمين إعطاء مجموع مَعْنَين".

فالمجاز والتوسع من طرائق العربية في العلاقة بين اللفظ والمعنى، مما يمكن بهما أن تتناول طائفة كبيرة من الألفاظ.

وهذه فرائد تأريخية تختلف فيها العربية عن غيرها.

"ولن نستطيع أن نفهم جوهر العربية ولا كيانها وثقلها الحضاري إذا لم نحسب للحدث القرآني حسابا دقيقا ونوليه الجزء الأوفى من عملنا اللغوي".

ويستنتج أن جهودا قد بُذِلت لتكون لغة التنزيل لغة عامة يعرفها عامة العرب، لكن لغة القرآن والحديث ما استطاعت أن تأتي على الدارج من اللغات الخاصة.

ومن تلك الآثار ما يتصل بأصوات العربية وطريقة أدائها، وعلاقة الأصوات الصائتة والصامتة بتناسب وتوافق، "فلست واجدا صوتا من الأصوات الصامتة إلا وجدته مسبوقا أو متلوا بصوت من الأصوات الصائتة، ثم أنك لا تجد صوتا صامتا متلوا بآخر صامت كما يحدث في لغات سامية وغير سامية".

فالعرب لا يبدؤون بالساكن وإنما بالمتحرك.

وهناك حروف ليست من أصل البناء أدخلت لتكون عمادا وسلما للسان إلى الحرف الساكن.

ويبدو في رأيه أن اللغة العربية قد تهيأت لها الظروف الحضارية اللازمة لإنضاجها، بينما اللغات السامية الأخرى عجزت عن تجاوز مرحلة البدء بالنطق بساكن فإنقرضت.

كما يبحث في الإدغام والترادف وإلتقاء الساكنين والفعل الثلاثي ودلالات حركة أوله للإشارة إلى الماضي والمستقبل، والقواعد الوزنية في ضبط الأفعال ، فالفعل الثلاثي مثلا له ستة أوزان، "أن الأفعال العربية قبل أن يكون لها نظام الأوزان الستة عرفت حالة من عدم النظام والإستقرار ثم جنخت مع مرور الزمان إلى شيئ من النظام".

وفي هذا يشير إلى قدرات اللغة العربية على التفاعل مع عصرها وتطوير أدواتها النحوية والتعبيرية وبنظام متميز وميزان قويم.

 

رابعا: من تأريخ لغة القرآن

يرى المؤلف أن لغة التنزيل العالية قد إستقرت وإلتزمت الإعراب الذي لم يكن شائعا على نحو ما إلتزمت به نصوص القرآن، ويجد أن العربية بلهجاتها المتعددة لم تكن متقيدة بالضوابط الثقيلة.

ولهذا فأن ضبط قراءات القرآن وجمعه أسهمت في قوة اللغة وتواصل إنضباطها وقواعدها.

ويقول "إن اللحن الذي يتصل بالإعراب كان بسبب أن اللغة في عصر القرآن لم تستقر في حدود وضوابط محددة"

"كأن لغة الشعر الجاهلي لغة خاصة وهي مادة مشتركة بين الشعراء الجاهليين، أو قل أن للشعراء في الجاهلية والإسلام مادة من عربية مشتركة لا بد أن يتزود بها من يباشر هذا الضرب من الأدب"!!

 

خامسا: في المعجم العربي القديم

"ربما كانت العربية بدعا من أخواتها اللغات السامية وذلك لأننا نعرف من أمر تأريخ اللغات شيئا يفوق ما نعرفه من بدايات العربية"

"لقد أدركت العربية الجاهلية المتمثلة بنصوص الشعر الجاهلي مستوى عاليا من حيث الأسلوب..."

مما يشير إلى إنقطاع الصلة بينها وبين النقوش القتبانية واللحيانية والثمودية التي عثر عليها في جنوب الجزيرة.

"إذا كانت القصيدة الجاهلية قد أدركت في مبانيها ومعانيها هذا القدر السامي من الإجادة في البناء الموسيقي والتوفر على شيئ كثير من الفكر الإنساني، فلابد أن تكون المواد الأدبية الجاهلية قد تطورت تطورا عظيما، ومن ثم فلابد أن تكون قد سبقت هذه المرحلة من النضج مراحل أخرى لا نعرف عنها شيئا".

كما يتناول قضية الإنتحال والإفتراء والمفتعل المصنوع ومسألة الرواة ومن يسمون "النحارير"، وهم الذين يأتون بأسماء وإشتقاقات غريبة تسببت في تنوع وتعدد التسميات للشيئ والألفاظ الغريبة النافرة التي تلصق بالموصوف.

 

سابعا: العربية والمصطلح العلمي

"العربية إحدى اللغات الحية، وهي إحدى لغات سامية إندثرت معالمها وإنمحت أصولها فلم تبق إلا هذه اللغة القديمة"

"فأعود إلى العربية لأقرر أنها اللغة الحية وأنها ثبتت إزاء العصور. وأنها كانت خير وسيلة للإعراب عن حضارات مزدهرة، وآية ذلك أن العلم القديم بفكره وفلسفته وسائر ألوانه لم يكن له من وسيلة غير هذه العربية السمحة"

"أننا لا بد أن نسلّم أن العربية لغة متطورة وأن عربية عصرنا الحاضر غير العربية القديمة"

"ثم علينا أن نقرر أن هذه العربية الفصيحة قادرة على أن تكون إحدى اللغات العالمية للإعراب عن الحضارة الحديثة"

ويذكر تحديات العربية بقوله "ومع كل هذا أننا نواجه مشكلات في العربية بسبب أننا لا نملكها كما كان أسلافنا يملكون منها. وأننا قد نعزف عنها شاعرين أم غير شاعرين إنسياقا عن مفهوم خاطئ ضال هو أن هذه اللغة قاصرة عن مواجهة الفكر الحديث."

كما يؤكد عل التفصير في تعلمها وتعليمها وأساليب تدريسها.

"إن العربية ليست بدعا بين اللغات وأنها ليست غريبة ومعقدة كما يدعي جمهرة من المثقفين العرب. وأنها تملك من وسائل الحياة ما يقرر أنها لغة عالمية المستوى كما يؤكد ذلك علم اللغة الحديث"

ويجد أن من الضروري الإقرار بأن العربية لغة حديثة ، مما ينبني على هذا أن لابد لنا من أدب وفكر ونحو وأسلوب ومعجم حديث.

"لقد كان للنحاة الأوائل مصطلحهم الدقيق الذي عبر عن نضج كبير وإدراك تام لسمو هذه اللغة بحيث لم تستطع القرون المتلاحقة أن تضيف إلى المعجم النحوي شيئا من مصطلح جديد"

ويشير إلى مشكلة المصطلح، ويجد أن الأقدمين فتشوا عن اللفظ السهل الذي لا ينصرف إلى معان كثيرة، وكذلك إلى التعريب.

"إن مشكلة المصطلح مشكلة خطيرة ينبغي أن ننظر إليها نظرا جادا، وذلك لأننا في حقبة حرجة نقف فيها من الحضارة الحديثة موقفا خاصا يفرض علينا أن نكون واعين أشد الوعي"

 

ثامنا: التعريب مشكلة

ويتناول في هذا الفصل التعريب ويسهب في كلمة تعريب وإشتقاقاتها ومعانيها ودلالاتها، ويؤكد أن العرب عندما توسعت تفاعلاتهم مع المجتمعات الأخرى إستطاعوا أن يعرّبوا العلوم دون تكلف وعناء بل وجدوا في العربية قدرات مطلقة للتعبير والإستيعاب.

"وأرى أن يفيد علماء عصرنا من تجارب المتقدمين في تهيئة المصطلح العلمي وأن يكون لهم من سعة النظر لتقبل المصطلح الأعجمي إن لم يخالف كثيرا أبنية العربية وأصولها"

ويبدو لي أن العربية ذات قدرات لا محدودة في التعريب، لأن أصوات ابجدياتها تكاد تتوافق ما أصوات الأبجديات في اللغات المعاصرة كالإنجليزية، وهذا يعني أن لا توجد معوقات في التعريب، وإنما العلة في الجد والإجتهاد.

 

تاسعا: حال العربية ومصيرها

ويلخص تحدياتها بأنها قذفت في الخضم الحضاري الجديد وعليها أن تخوض المعترك وتتحدى مثلما فعلت في العصور السالفة، فالعربية قد مرت بمثل هذا التحدي منذ عصر صدر الإسلام وتمكنت من الإستيعاب والتواصل والتطور.

وبعد أن يسلسل التحديات التي تجاوزتها العربية عبر العصور يقول: "أ ليس من الغريب أن يشك أصحابنا من أهل هذا العصر الحديث في قدرة العربية وإستيعابها للعلم الجديد، ولما يسمونه تكنولوجيا"!

"ولو عرف هؤلاء هذه اللغة وثقِفوا منها ما ثقِفوه من اللغات الغربية لغيّروا من رأيهم ورجعوا إلى الصواب"

"إن العمل على رعاية العربية الجديدة بمصطلحاتها وإستعمالاتها ينبغي أن نؤمن به ونخطط له نحن معاشر العرب ولا أخص قطرا واحدا"

ويدعو في ختام الفصل إلى لغة عربية جديدة بألفاظها ومصطلحاتها ومعاجمها التي تتواكب بها وتعاصر.

 

الخاتمة:

"هذه صفحات من العربية التأريخية التي سلخت من عمرها قرونا طويلة وتقلبت عليها الأحداث وعايشت حضارات عدة وإستطاعت أن تكون لغة العالم المتحضر طوال قرون سلفت"

"ولم يكتب للغة من اللغات العامرة في التأريخ القديم أنها إحتفظت بحيويتها خلال قرون طويلة على نحو ما حدث للعربية، فلم تندثر ولم تمت وإنما ظلت حية متطورة مستجيبة لتبدل الظروف والأحوال"

"في طوقنا أن نبعث فيها أنماطا من حياة جديدة وهي جد متقبلة لهذا الجديد فهل ترانا حققنا كثيرا"؟

وستبقى العربية وتتطور وتستوعب المستجدات لحيويتها وقدراتها اللغوية المتميزة والإشتقاقية الكامنة فيها.

تحية للغة الضاد الوفية الوافية الحسناء!!

 

د-صادق السامرائي

13\12\2014

.................

*المؤلف من أعلام اللغة العربية في القرن العشرين، وهو خريج جامعة السربون 1948، وله أكثر من خمسين كتاب في اللغة والنحو وحقق عددا من كتب التراث العربي وكتب الشعر.

في انتظار البرابرة بين ادوار سعيد وقسطنطين كافافيس

marwa  kreidiehالاسرائيليون والفلسطينيون جنبًا الى جنب ام وجها الى وجه؟

اسم الكتاب "في انتظار البرابرة" تكريما لذكرى ادوارد سعيد يختصر بعمق حالة حضارية عاشها الرجل طيلة نصف قرن حاول فيها ان يشرح قضيته الفلسطينية للغرب من منظور مختلف؛ وفي نهاية عمره كان يرى ان الحل يكمن في فكرة دولة ثنائية القومية تاركا للشباب الفلسطيني والاسرائيلي تقرير مصيرهم فإما ان يُفني احدهم الاخر او يعيشوا بانسانيتهم جنبا الى جنب.

عنوان الكتاب يتماهى مع قصيدة رائعة قسطنطين كافافيس التي تحمل الاسم نفسه، و الذي عاش في الاسكندرية أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين وتجسد حالة الانتظار لاعداء متخيلين وتحمل مغزى يوحي بان التخلي عن العداوة سيفتح افاق لانسانية رائعة وهذه فحوى الكتاب وهذه هي رسالة سعيد اما القصيدة فيقول كافافيس فيها:

ما الذي ننتظره في ساحاتنا العامّة؟

سيأتي البرابرة اليوم !

لماذا هذا الجمود في مجلس الشيوخ؟

لماذا استيقظ امبرطورنا مبكرًّا،

ولماذا يجلس على العرش مرتديًّا تاجه ؟

سيأتي البرابرة اليوم !

والامبراطور ينتظر لاستقبال رئيسهم

حقا لقد استعد ليقدم له قرطاسًا

حفر عليه العديد من الألقاب وأسماء الشرف ...

 

وفي نهاية القصيدة يشرح سبب انتشار الفوضى:

لأن الليل جاء ولم يأت البرابرة

ويقول بعض العائدين من الحدود

أن لم يعد هناك برابرة

والآن ماذا سيحصل لنا إذا لم يكن هناك برابرة ؟؟

فقد كانوا في شكلٍ ما، حلاً ممكننًا

 

القصيدة إذن تصور حالة الانتظار التي تدخل في تشكيل هوية التجمعات البشرية التي تفترض على الدوام وجود عدو لها ومؤامرة تُحاك ضدها، وسواء كان هذا العدو عدوَا متخيّلا أم عدوًّا حقيقيًّا، و"العدو" هو الذي يُحدد الهوية التي يضعها كحاجز وسياج عالٍ بمقابل الآخر، كما يكون وجوده وسيلة مستأنفة لتأجيل الضرورات الداخلية ومطلبات الشعوب، الأمر الذي جعل الاوضاع الداخلية متعفّنة، وذريعة دائمة من قبل السلطات، لاعلان حالة طوارئ مستمرة... فالانتظار يطرح كحلٍ للمشكلات التي لا يرغب المسؤولين في معالجتها ومواجهتها من جهة، كما انه مخدر ممتاز للشعوب من جهة اخرى .

وقد جاء اختيار عنوان الكتاب " في انتظار البرابرة " ذكيا للغاية كونه يتناول مجموعة من الدراسات والوثائق التي تجسد رؤية سعيد الانسانية والتي تم عرضها خلال مؤتمر عقد في اسطنبول دام يومين نظمته منشورات متيس ودائرة علم الاجتماع في جامعة بوغازي خلال شهر أيار 2007.

وتكمن اهمية الدراسات انها قدمت من باحثين متنوعين عرب واجانب منهم الياس الخوري وجوزيف مسعد، وملتم آهيسكا الذي تناول مأزق الحداثة في ثنائية الغروبة والاستشراق اضافة الى غوري فيزواناثان الذي ناقش بعمق قضية الدين والنقد العلماني في فكر ادوارد سعيد والناقدة جاكلين روز التي تناولت الواجهة السياسية للادب السردي ... كما جاءت الابحاث غنية ومتنوعة وتكتنف جوانب كثيرة في حياة سعيد بدءا من علاقة المثقف والمنفى المزدوج وصولا لطروحات سعيد في حل الدولة ذو القوميتين .

الكتاب حرره موجي غورسوي سوكمن و باشاك ارتور وترجمه محمد عيتاني وصدر في بيروت عن دار كريدية للطباعة والنشر، هو احياء للسلام ولذكرى سعيد الذي فتح آفاق تواصلية مع المعرفة الواسعة والغنية والمنوعة والدراسات الحاسمة التي قام بها، والعودة إليها ويتناول جوانب مضيئة تناقش سلطة الادب في مكافحة التقليد كما يتناول نقد الدنيوي للفكر الديني المسيحي في نقاشات ادوارد سعيد مع الفيلسوف ماسينيون المتعاطف مع الصوفية والباطنية، حيث يمكن تتبع موقفه المضاد للسلطة الى بعض الجذور الدينية.

لقد توفي إدوارد سعيد في العام 2003 مخلفاً وراءه تراثاً مميزاً ومعقداً بقدر ما كان هو بحد ذاته مميزاً واستثنائياً. يسلّم العديد بمن فيهم أولئك الذين لا يؤيدون أفكاره ولا يتعاطفون مع مواقفه بأنه واحد من أهم النقّاد الناطقين باللغة الانكليزية الذين عاشوا خلال السنوات الثلاثين الأخيرة. وتعود شهرة سعيد إلى حد ما لكونه مثقفا ومفكرا إنسانيا حرا ومستقلا وشموليا، كما تعود لكونه ناشطاً عمل بلا كلل لصالح القضية الفلسطينية.

أخيرا، في عصر ازدحام المعلومة وفي معارض الكتب المكتظة بالاصدار يقف المرء متحيرا، ولقد جذبني اسم الكتاب قبل مضمومه حيث كنت قد ترجمت قصيدة كافافيس قبل اعوام عن الفرنسية وتناولت ابعادها المستفادة في تكوين الهوية الانسانية، نعم لقد احببت سعيد في طروحاته الانسانية التي زخمت بها كتاباته في المرحلة الاخيرة التي عكست نضج التجربة حين آمن فيها ان الانسان لا يحيا بسلام الاخر جزءا من هويته الحضارية . رسالة نحتاجها في ظل الحروب الدامية وهي ان لم نحيا معا بسلام فسنفنى جميعا !

 

مروة كريدية

 

اللقاء العالمي لقراءة كتاب "بينما ينام العالم"

zaynab saidبينما ينام العالم لسوزان ابو الهوى، هو الكتاب الذي رشحته المنظمة الدولية Librarians and Archivists with palestine، أمناء الارشيف الفلسطيني،--وهي عبارة عن شبكة من أمناء المحفوظات الفلسطينية، المتضامنين مع شرعية الحق الفلسطيني وقضيته العادلة ونضاله المشروع، تأسست 2013- للقراءة في اللقاء التواصلي الذي سيكون منسقا بين الجمعيات الثقافية في كل بقاع العالم والذي ينضوي تحت شعار ONE BOOK كتاب واحد، ستجرى القراءة يوم الاثنين 24 يناير 2015. سيقرأ الكتاب في عدة مدن بالعالم، في بروكلين ونيويورك بالولايات المتحدة الامريكية، ثم نيويورك وبرادفورد فوينتشيستر ثم برادفورد ببريطانيا، بديفيلاك بفرنسا، ومالمو وستوكهولم بالسويد، فكولومبيا، وبمونتيريال بالكيبيك بالمكتبة الاسلامية وبطورونطو بكندا، وديربورن، وكلوفردال بكاليفورنيا، واوبرطال بالمانيا، وبنيوأورليان، و ببيروت بلبنان، ورام الله بفلسطين وفي ايطاليا سيقرأ الكتاب بتريستي، بالمقهى القديم بسان باولو، بتورينو، بروما وميلانو وباري، وبولونيا فكالياري وميسينا ونابولي ثم البندقية الذي تسهر على تنظيمه كل من Giuseppina Fioretti وEnrica . ولدت الكاتبة أبو الهوى من ابوين فلسطينيين من جنين ونزحت الى الولايات المتحدة الامريكية بعد حرب 67 درست الطب وعملت كطبيبة، وبينما ينام العالم هي روايتها الاولى والوحيدة، نشرت بعشرين بلد وتعتبر من الكتب الاكثر مبيعا بالسويد وبريطانيا وامريكا، وقد كتب الكتاب باللغة الانجليزية وترجم الى 24 لغة، ويحكي عن تاريخ فلسطين، من خلال تاريخ أربعة أجيال متعاقبة لعائلة فلسطينية، حملوا وجع الأرض، وأجبروا على ترك أرضهم بعد الاستيطان الاسرائيلي، وعاشوا وجع التمزق والشتات دون وطن. عائلة كانت رمز العائلة الفلسطينية عاشت وتعايشت مع وضع أقل ما يقال عنه بالصعب، وكانت شهيدة وشاهدة على أفول وطن وولادة آخر، كانت الولادة الأولى للوجع مرتبطة بالمنفى، بالحرب وضياع الأرض والوطن، كانت مرتيطة باللجوء ومصير الانتظار على فوهة ضياع في بزوغ فجر للثورة، فقدان الاهل والأحبة وانتزاع الأطفال من أمهاتهم ومنحهم ليهوديات لا ينجبن، الطعن في حق الأمومة والتوغل حتى الصميم في مشهد الدم، هي كذلك رواية سوزان مبارك، تحكي قصة ضحايا ذهبوا بخطى واثقة إلى الأمام وفقط بفضل عنصر الحب استطاعو الاستمرار ونقل الحقائق ومشاهد الدم والوجع للباحثين عن سبل للحقيقة. استهلت الكاتبة مطلع الرواية بـ:"أرادت آمال أن تحدق في عيني الجندي عن كثب، ولكن فوهة يندقيته الآلية التي ضغطت على جبينها لم تكن لتسمح بذلك، ومع ذلك، فقد كانت قريبة بما فيه الكفاية لترى أنه يرتدي عدسات لاصقة . تخيلت الجندي يميل نحو المرآة لوضع العدسات في عينيه قبل أن يرتدي ملابس الخروج استعدادا للقتل. حدثت نفسها :" ما أعجب الأشياء التي نفكر فيها في تلك المساحة بين الحياة والموت". تقول الكاتبة :" هذا الكتاب هو تاريخ عائلة عربية عاشت ستين عاما من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.وإذا كان يحكي عن الماساة السائدة والاليمة فهو أيضا يميط اللثام عن تاريخ الحب، الحب بين مواطن وأرضه، بين أم وفلذات كبدها، بين رجل ومحبوبته، حب بين الاصدقاء، وضعت قلبي في كل صفحة من صفحات هذه الرواية، أتمنى أن يلامس -"بينما ينام العالم"- قلوبكم وعقولكم، ويذكركم بعادة انسانيتنا" .

 

وللمشاركة والتواصل المرجو الاتصال بالمنظمين أسفله:

 

-        Trieste,Italy: nadapretnar@gmail.com

-        Torino, Italy: omar.dogliani@gmail.com

-        New Orleans, La : lalhawk@gmail.com

-        Roma, Italy : chiara.comito@arabismo.org

-        Milano, Italy:jolanda.guardi@gmail.com

oppure     giacomolonghi@gmail.com

-        Bari, Italy: moresisilvia@gmail.com

-        Bologna, Italy: francesca.biancani@unibo.it

-        Cagliare, Italy: pamelamurgia@alice.it

-        Messina, Italy: ufficiostampa@mesogea.it

-        Napoli, Italy: monica.ruocco@gmail.com

-        Venezia, Italy: pinafioretti@hotmail.com

 

زينب سعيد

 

 

مارينا تسفيتايفا وبوشكينها

أصدرت الشاعرة الروسية الكبيرة مارينا ايفانوفنا تسفيتايفا (1892 – 1941) كتيبا عنوانه (بوشكين..ي)، اي بوشكينها الذي يخصها، او الذي - كأنما - تعود ملكيته لها، وهو عنوان صعب بالنسبة للترجمة العربية، فاذا كتبناه هكذا – (بوشكيني) حسب قواعد الضمائر المتصلة (مثل كتابي او صديقي ..) فانه سيعني بالعربية صفة من الاسم (بوشكين)، اي بوشكيني النزعة او الاتجاه ..الخ، واذا كتبناه (بوشكيننا) فانه سيبتعد قليلا عن المعنى الذي قصدته الشاعرة تسفيتايفا نفسها، و التي ارادت ان تقول ان الشاعر الروسي الكبير بوشكين هو خاص بها فقط وليس (بنا نحن)، وعليه يجب على المترجم ان يجد البديل اللغوي الذي يمكن ان يعبر عن ذلك العنوان، وليست هذه بالمهمة السهلة، اذ تقتضي الاستطراد والشرح الاضافي مع ضرورة الحفاظ في نفس الوقت على بساطة وجمالية ورشاقة هذا العنوان المتفرد ودقته، ولهذا استعملت هنا الضمير الثالث (الغائب) في عنوان مقالتي هذه وجعلت من الشاعر الروسي بوشكين – بوشكينها، للتعبير عن عنوان كتيب تسفيتايفا ذاك، واذكر ان زميلي في جامعة بغداد الدكتور جميل نصيف التكريتي طلب مني مرة في بغداد اي كتاب روسي عن بوشكين من مكتبتي الشخصية لغرض ترجمته من الروسية الى العربية ضمن منشورات وزارة الاعلام العراقية لانه حصل على موافقتها لترجمة كتاب تسفيتايفا هذا ولكنه اصطدم بصعوبة ذلك وعدم استطاعته انجاز ترجمته واقعيا، فاعطيته كتاب الباحث الروسي بيتروف عن بوشكين والذي ترجمه فعلا الى العربية ونشرته وزارة الاعلام العراقية في حينها، وقد اطلعت شخصيا   على كتيب تسفيتايفا هذا وفهمت ان الدكتور جميل نصيف التكريتي كان محقا بموقفه ذاك فعلا لانه لم يطلع في حينها على كتيب هذه الشاعرة بدقة وبالتفصيل – قبل اقتراحه ترجمة الكتاب -، ولم يقرأ بامعان كل سطوره الذاتية البحتة، والتي كتبتها تسفيتايفا في فترة هجرتها من روسيا، والتي عكست فيها كل حنينها الى طفولتها وايامها الخوالي في وطنها روسيا وهي في هذا البعد والحنين والغربة، وبالتالي فان هذا الكتيب لم يكن مناسبا فعلا لترجمته الى اللغة العربية لانه صعب ومعقد جدا بالنسبة لترجمته الى العربية، و لانه لا يرسم صورة شاملة و متكاملة لبوشكين - الشاعر والكاتب الروسي الكبير بالنسبة للقارئ العربي او حتى بالنسبة للقارئ الاجنبي بشكل عام .

ان كتيب تسفيتايفا عن بوشكين - قبل كل شئ - هو صورة قلمية ذاتية جدا لافكارها عن بوشكين وتصوراتها الشخصية البحتة عن هذا الشاعر العملاق ليس الا وقد كتبته للقارئ الروسي بالذات فقط والذي يفقه ويتفهم بعمق اهمية بوشكين وقيمته وروعته وتميٌزه منذ نعومة أظفار هذا القارئ كما يقال، وانه بالتالي لا يمكن ان يمثٌل للقارئ غير الروسي صورة متكاملة لبوشكين ابدا، او ان يرسم لوحة شاملة لكل ابعاد ادبه وشاعريته المتنوعة والعبقرية والتي كانت تستوعب كل جوانب الحياة الروسية آنذاك و تعكس كل تعقيداتها وتناقضاتها ومشاكلها الاجتماعية و تجسٌد كل ابعادها الانسانية في نفس الوقت طبعا .

يقع هذا الكتيب (الذي اصدرته تسفيتايفا عام 1937 خارج روسيا، اذ انها هاجرت منها في عام 1922 وعادت اليها عام 1939) في صفحات قليلة نسبيا ليس الا، وهو ليس عملا ادبيا متكاملا، او بحثا نقديا لنتاجات بوشكين الهائلة والمتنوعة جدا والمتميزة، وانما هو خواطر وذكريات كتبتها تسفيتايفا نثرا – ولكنه نثر بقلم شاعرة كبيرة ومتميزة طبعا –، والذي يمكن اعتباره دراسة ذاتية سايكولوجية لانطباعاتها – كشاعرة - اثناء طفولتها حول ابداع بوشكين، وانه كلمات شاعرة روسية في القرن العشرين عن شاعر روسي عملاق في القرن التاسع عشر، كلمات مصاغة بنثر شاعري نسائي رشيق وانيق وذاتي جدا .

لم يتقبل النقد الادبي الروسي في حينه هذا الكتيب بشكل ايجابي عموماواعتبره وكأنه محاولة (للاستحواذ الشخصي) من قبل تسفيتايفا على شاعرية بوشكين، مما اضطر الشاعرة ان تبدأ بالدفاع عن كتيبها هذا، مؤكدة ان لكل مبدع روسي يوجد رأي ذاتي بشأن بوشكين لانه عظيم ومهم وكبير في مسيرة الادب الروسي، وبالتالي فان هناك حق لكل مبدع روسي ان يعبٌر عن وجهة نظره تجاه بوشكين وأن يعتبره كاتبا خاصا به ويرتبط بشكل او بآخر مع مسيرته الابداعية الذاتية وان يسميه (بوشكينه)، وانها لم تقصد (الاستحواذ !) عليه وجعله ملكا لها كما يدعون ، وانما ارادت ان تتحدث عنه من وجهة نظرها ومن الزاوية التي تنظر اليه منها وما الذي يمثٌله وما الذي يعنيه بالنسبة لها. ومن الطريف ان نشير الى وجهة نظر الشاعرة الروسية الكبيرة آنا أخماتوفا حول ذلك الموضوع، اذ ان أخماتوفا كانت ترى ان تسفيتايفا (.. بعيدة عن بوشكين اكثر من ثلاثة فراسخ ..)، ولم تكن تعترف ابدا بتناسق تسفتايفا مع شعر بوشكين وتناغمه معه، وعلى الرغم من ان أخماتوفا كتبت كثيرا عن بوشكين، الا انها – حسب ما أشار اليه نقاد الادب الروسي وهم على حق - لم (تتجاسر !) ابدا ان تكتب عنه كما كتبت تسفيتايفا، ولم تعتبره (بوشكينها)، رغم انها كانت تؤكد دائما على كتاباتها حول بوشكين، بل انها أشارت الى ذلك حتى في رسائلها الى ستالين، عندما طلبت منه الافراج عن ابنها من المعتقلات آنذاك (انظر مقالتنا بعنوان - رسالتان من آنٌا أخماتوفا الى ستالين – من وثائق الادب الروسي) .

ختاما لهذا العرض السريع لكتيب تسفيايفا نقدم للقارئ بعض السطور منه، والتي يمكن ان تعكس طبيعة ذلك النص وذاتيته وحلاوته -

(يبدأ فصل الرواية الموجودة على طاولة كل جداتنا وامهاتنا – وهي للروائية شارلوت برونتي الكاتبة الانكليزية في القرن التاسع عشر – عن سر الغرفة الحمراء .. في الغرفة الحمراء كان هناك دولاب سريٌ .. لكن قبل الدولاب السري كان هناك شئ آخر، كانت لوحة في غرفة نوم امي وعنوانها – المبارزة .. هناك ثلج وغصينات سوداء لاشجار و شخصان بالاسود يقودان شخصا ثالثا من تحت ابطيه نحو الزلاقات، وشخص آخر بمفرده وهو يذهب وقد بدا ظهره فقط ... الذي يحملونه – بوشكين، والذي يذهب – دانتيس . دانتيس دعا بوشكين للمبارزة، انه استدرجه الى حيث الثلج، وهناك، بين الاشجار السوداء الخالية من الاغصان، قتله .

اول شئ عرفته عن بوشكين – بانهم قتلوه، بعدئذ عرفت ان بوشكين – شاعر، وان دانتيس – فرنسي . دانتيس كان يكره بوشكين لانه لا يستطيع ان يكتب قصائد ...واستدرجه الى حيث الثلج، وهناك قتله باطلاقة مسدس أصابت بطنه..وهكذا علمت وانا في السنة الثالثة من عمري وبصورة اكيدة بانه توجد لدى الشاعر بطن .. وعندما استعرض كل الشعراء الذين التقيت بهم طوال حياتي – أتذكر بطونهم .. التي غالبا ما كانت شبه جائعة ...)

سعد محمد رحيم .. عن بروتوكول الرواية

saleh alrazukيقدم كتاب (سحر السرد: دراسات في الفنون السردية) لسعد محمد رحيم الصادر عن دار نينوى بدمشق في نهايات عام ٢٠١٤ قراءات وتأملات في فن الرواية. إنه أقرب للانطباعات والرأي الشخصي الذي يستند لتذوق الكاتب ولتجربته الخاصة. فهو أيضا قاص وروائي. وحاز على جائزة الإبداع العربي مرتين، الأولى عام ٢٠٠٠ عن روايته (غسق الكراكي)، والثانية عام ٢٠١٠ عن مجموعته القصصية (زهر اللوز).

يمهد الكتاب لنفسه بمقدمة مختصرة يتغزل فيها بالرواية، التي يعتقد أنها هي (الحياة نفسها بتشعبها وتعقيدها ص ٦)، وأنها (حاجة بيولوجية لا مندوحة عنها كالماء والغذاء والحب ص ٥). ثم يرى مع كالفينو (أن المخيلة، أصل كتابة الرواية، هي مصدر لتطوير العلم ص ١٣). ويعود لاحقا ليؤكد أن (المخيلة البصرية تسبق التعبير اللفظي) ص ١٣.

و هذه بالفعل هي النتيجة التي يختتم بها الكتاب نفسه أيضا. حين يقول في الصفحات الأخيرة إن (المكتوب يحل محل الواقع) ص٢٠٠٢ و(الحقيقة إن هي إلا ما يسجله التاريخ ويكتبه في مدوناته وليس الحقائق الملموسة التي يطويها الزمن ص ٢٠٠٣).

و ليثبت سعد محمد رحيم هذه الأطروحة، أن الواقع الذي نعيشه هو من إنتاج الذهن وهو أيضا خلاصة لرغباتنا ولميول ونظريات نظام المعرفة، يختار من فن الرواية الموضوعات التالية: أدب المدينة، والسيرة الذاتية، وأدب ما بعد الكولونيالية، وأخيرا الاستشراق أو الشرق كما يراه الرحالة.

لقد كان الواقع هو نتاج للنشاط الإنساني الذي تحركه تصورات وأفكار. أو نشاط معرفي. ولذلك كانت الرواية واحدة من الهبات الكثيرة التي قدمتها لنا المدن (ص ٢٩).

غير أن المدينة بحد ذاتها هي واحدة من عطايا الخيال الذي مهد لنشوء تجمعات سكانية ثم أنجز الدخول في العصر الصناعي. وعليه إن الخيال ليس نتيجة ولكنه سبب أو محرض (ص ٢٩).

و يضرب على هذا الافتراض مثال سرفانتس ودون كيخوتة. ويرى أن مبدأ المحاكاة المعكوسة واضح. فالفارس الخيالي المصاب بالخبال وضعف الذاكرة، كان ظلا لذهنه، وهو إحدى ضحايا إغواء السرد الذي وضعه في عالم من الخيال والمثل العليا (ص٢٩).

ولذلك أحد أهم عوامل ولادة الرواية هو اكتشاف الفرد لنفسه ولكيانه كمعطيات حرة وغير مشروطة (ص٣٣).

و المدينة في الرواية ليست واقعية تماما. إنها ليست نسخة من المكان، واللغة التي هي وسيلة وأداة العمل الأدبي لها استقلال نسبي عن عالم الأشياء (ص٣٥) وهي تشير للشيء دون أن تسمح له باستغلالها أو أن يحل محلها.

وقل نفس الشيء عن المدونات والسير. إنها كما ورد بالحرف الواحد تلاعب بالفن والعالم. فهي لا تحاول أن تكشف الغطاء عن محتويات الذاكرة بكل ما فيها. ولكنها تناور.. تخفي شيئا وتكشف الستار عن شيء. وعليه إنها إعادة سرد وتركيب للواقع. ويمكنك قراءتها على أساس أنها فن للذات. ولا يمكن أن تكون موضوعية بأي حال من الأحوال (ص ٧٤).

و في هذه المعمعة لا يجد سعد رحيم مندوحة من السؤال التالي: هل يمكننا أن نثق بالسير التي يكتبها الأدباء؟ (ص٧٢).

و جوابه بلا تردد إنها نص أدبي، له مرجعية في الواقع، ولكن ليس بالضرورة أن تتطابق معه (ص ٧٦).

وهذا أيضا هو حال أدبيات المقاومة وحال الروايات التي ترصد تفكيك الاستعمار. إنها تحاول جهدها أن ترسم صورة للغرب كما تراه بعينيها وليس كما هو في الحقيقة. ويقول سعد رحيم عن ذلك تحت عنوان (أدب ما بعد الكولونيالية) إن (الغرب صناعة) ص ١٠٨ وفرض ذلك على أدب المقاومة مهمة مزدوجة هي (إزاحة في اللغة والأسلوب تعادل الإزاحة غير الإجبارية في المكان) ص ١٠٩. ودائما بهدف إعادة ترتيب العلاقات بين القوة - السلطة والمعرفة. وتعرية الفرضيات الزائفة التي أسقطها الغرب على نفسه (ص ١٠٩).

و هذا بأبسط أشكاله، كما ورد في الكتاب، مصادرة لأدوات الغرب بهدف إعادة كتابة تاريخه من زاوية مضادة (ص ١١٠).

و أهم الأمثلة على ذلك عبد الرحمن منيف ونيبول، مع الاحتفاظ بالفرق الاستراتيجي بين الكاتبين. فالأول وضع الإنسان المحلي في متاهة لا تدانيها إلا غربته عن جوهر ذاته، وبنفس الوقت كشف الغطاء عن الوجه الدميم والاستغلالي للامبريالية (ص ١١٤). بينما الثاني يتكلم عن الإحساس بالذنب وعن مشاعر الندم مع الإقرار بالرذيلة التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة. وهذا كما يعتقد سعد رحيم ناجم عن الوعي بالهوية وبأسلوب إشكالي ومتحول. أو بسبب أنه أصبح على أعتاب تغيير مسار قدره (ص ١٢٦- ١٣١).

و بالمثل إن الغرب يعمل على إنتاج المشرق من خلال النص. وانطلاقا من رؤية مركزية لا تسمح لأي شيء بالنمو والتطور خارج معاييرها (ص ١٤٥).

و باستمرار يمكن الطعن بموجبات ودواعي هذه النصوص التي بمعظمها هي نتاج الاحتكاك من خلال موجات الارتحال وإرساليات التبشير. إنها تعاني من ثلاث مشاكل بغيضة: ١- الإحساس بالتفوق العرقي، ٢- والأحكام والصور الجاهزة، ٣-

السطحية والتسرع (ص١٤٨).

و يضرب أمثلة على ذلك بمدونات لامارتين وجيرار دي نيرفال، حيث يبدو الشرق وكأنه طاووس شمسي مزهو بنفسه، وتحدوه الخيلاء والغرور في كافة نواحي الحياة. دون أن تنسى مظاهر السحر والتراخي والثروات والكنوز الدفينة. وكأن المشرق طبقة من بشر يعيشون خارج منطق التاريخ.

و في نهاية الكتاب ملحق هو مجرد بورتريهات لمجموعة من دهاقنة ورواد الأدب الإنساني العالمي. وهم هيرمان هيسة وماركيز وكونديرا ودافيد معلوف. مع بورتريه خاص بنجيب محفوظ وعالمه.

و إن كنت لا أرى أرضية مشتركة بينهم، إلا أنك تفهم من طريقة العرض والتبويب والتفسير، أنهم جميعا بدأوا بكتابة رواية محلية عن معاناة الإنسان والمدينة بأسلوب المحاكاة، وانتهوا بطريقة حداثية تصور العالم الداخلي للمكان وشخصياته.

***

لا شك أن الكتاب رحلة موفقة في الدهاليز والسراديب الخلفية لفنون القول الروائي. كيف بدأ من خلال الاهتمام بالمكان (الموضوع) ثم انتقل للاهتمام بالشخصيات (تفكيك الموضوع) لينتهي بنوع من التبتل والورع حيال الذات وهمومها وعلاقاتها (الأنا الاغترابية).

و لكن لي ملاحظتان حول الاطروحة نفسها. الأولى هل حقا أن الرواية هي منحة من المدينة والتجمعات السكانية؟..

برأيي إن بداياتنا الأدبية ملتبسة وغامضة. وغير التداخل بين الأجناس والأنواع كان الوعي الفني محكوما بوظيفة الأدب التي يغلب عليها التنوير والإصلاح. ولذلك انطلقت البواكير من الريف (وأول رواية عربية مكتملة فنيا هي زينب لحسين هيكل وتحمل عنوان أخلاق ومناظر ريفية). وسبقها روايات متسلسلة عن حياة البدو ولا سيما العادات العشائرية ومنها الثأر ووالانتقام وأهمها أعمال لسليم البستاني ونعمان عبده قساطلي.

لقد كانت أقرب ما تكون لتعريب قصص المغامرات والفروسية ذات الإطار التاريخي. بعد تحويل مادة الذكريات لإسقاطات عن واقع التخلف. مع استغلال بعض الفرص لتمرير دروس وعظات في الأخلاق والسلوك.

و لكن. نعم. منذ الاستقلال بدأت الرواية تأخذ طابعا تحليليا بعيدا عن التوجيه وصوت الكاتب المرتفع.

و يبدو أن مشكلة الفعل والفعل المضاد كانت هي الحبكة الحقيقية. فقد استأثر أدباء فترة الاستقلال بالروايات الوطنية وأدب المدينة. بينما تخصص أدباء الإنقلابات (ما ندعوه بالثورات وهذا مصطلح تكتيكي) بالريف. كانت معاناة الفلاح مع أرضه تشبه معاناة الجندي مع سلاحه. كلاهما يندرج تحت علاقة رموزية لها مدلول نفسي. أو لنقل معنوي. وربما من هذا الوهم الذي يعبر عن تواطؤ مسبق بين الفكرة النظرية والتطبيق العملي جاء اسم مديريات التثقيف في القوات المسلحة التي قادت تلك الانقلابات، لقد اختاروا لها اسم إدارة التوجيه المعنوي.

الملاحظة الثانية.. هل حقا أن الرواية هي أساسا مرتبطة بالتوسع في المكان، سواء بطريق رحلات الاستكشاف أو الغزو والاستعمار؟..

لا أستطيع أن أقبل أن حساسية فن الرواية لها علاقة استراتيجية بالمكان والجغرافيا. فالحروب الرومانية وفتوحات المسلمين لم تقدم رواية واحدة. وإن كانت الملاحم والقصائد الطويلة معروفة.

و الفرق بين الشعر والنثر لا يختلف حوله إثنان.

إن الشعر فن يحتاج لمستمع والمسرح لمشاهد بينما الرواية بحاجة لقارئ. وهذا يعني ضمنا لمتعلم.

و باعتبار أن التعليم لم يشمل الإنسان العادي إلا بعد الثورات التي كان هدفها الأول هو الحريات وبالأخص حرية الرأي فقد تأخر ظهور فن الرواية.

لقد جاءت الرواية لتعبر عن أزمة الإنسان مع تاريخه. وبكل بساطة مع الفراغ النفسي الناجم عن البطالة المقنعة. أو طبيعة العمل الروتيني الذي يحتاج لآلية تساعدنا على قهر إحساسنا به.

و إذا كان الفراغ في بدايات نشوء الاستعمار القديم هو مشكلة خاصة بالنخبة وأصحاب الثروات فإنه في العالم الثالث هو مشكلة الأفراد. كل من هرب من الضغط السياسي ليدخل في دورة لا متناهية من البحث عن طريقة للاستقرار والتعويض. أو من دخل في جهاز الدولة وتحول لموظف لديه مهمات وواجبات غامضة تخلق نوعا من المسافة بين الأدوات والأهداف.

و لم تتحول الرواية للاهتمام بالمكان الجامد والأشياء غير العاقلة إلا بعد فقدان الإنسان الغربي لإيمانه واكتشافه لقانون اللاجدوى والعبث. ولم لا نقول اكتشافه لتفاهة الإنسان أمام قوانين السلوك والحياة.

و بالمقابل لم تنتقل هذه الاساليب للعالم الثالث إلا بعد التحرير والاستقلال وخيبة الأمل من الأنظمة الوطنية.

و في روايات إلياس خوري المبكرة مثل عن (علاقات الدائرة) و(أبواب المدينة) نظرة ميكانيكية للحياة. كأنها مجرد استنساخ ولحظات وصور تتكرر بلا نهاية.

و ربما يرى سعد محمد رحيم معي نفس هذا الرأي، فقد قال: إن الرواية الحديثة هي البحث اليائس والمضني عن اليقين،

و الذي نفترض وجوده في مكان ما خارج ذواتنا (ص ٢٤).

صدور كتاب "رحلتي مع جامعة الكوفة" للعيسى

sanaa alshalan"الرّجل عندما يكون رحلة عطاء، والرّحلة عندما تكون خلوداً"

في العاصمة الأردنية عمان صدرت الطّبعة الأولى من كتاب"رحلتي مع جامعة الكوفة" للأستاذ الدّكتور عبد الرّزاق عبد الجليل العيسى.وقد وقع الكتاب في 416 صفحة ملوّنة من القطع الكبير.وتكوّن الكتاب من ستة فصول وأربعة ملاحق، وقد عُقدت هذه الفصول والملاحق تحت عناوين:الفصل الأوّل"البداية والمسيرة"، الفصل الثّاني "مواقف لا تنسى"، الفصل الثّالث"استراتيجيّة إدارة الجامعة"، الفصل الرّابع"مسيرة الجامعة وتطوّرها"، الفصل الخامس"بعض مظاهر التّميّز في جامعة الكوفة"، الفص السادس"استقلاليّة الجامعة والتّحدّيات"، الملحق الأوّل"رحلتي مع جامعة الكوفة في صور"، الملحق الثّاني"رحلتي مع إعمار الجامعة في صور"، الملحق الثالث"أصداء وتغطيات إعلاميّة لرحلتي مع جامعة الكوفة"، الملحق الرّابع"رحلتي مع جامعة الكوفة في عيون من عاصروني".

والدّكتور العيسى الذي يشغل الآن منصب المستشار الثّقافي العراقيّ في الأردن كان قد شغل عدّة مناصب مرموقة في خدمة العراق، منها منصب المستشار الثّقافيّ العراقيّ في لندن، ورئيس جامعة الكوفة العراقيّة لست سنوات، وغيرها من المناصب الأخرى، كما أنّه حصل على عدّة ألقاب علميّة وتربويّة وأكاديميّة رفيعة، منها:لقب أفضل رئيس جامعة في العراق للعام 2010، ولقب الأستاذ المتميّز علميّاً والمعروف عالميّاً للأعوام2008 و2009، فضلاً عن حصوله على عشرات الجوائز والتّكريمات والدّروع.وعضويّة المجالس والأنديّة والمؤسّسات والمجلات والمنتديات الفكريّة والعلمّية والتّربويّة والبحثيّة، إلى جانب مشاركته في عدد كبير من المؤتمرات والنّدوات وورش العمل والمبادرات، ونشره الأبحاث العلميّة الرّصينة باللغة العربيّة والإنجليزيّة ومشاركته في الأعمال الخيريّة والخدمة المجتمعيّة، والإشراف على الأطاريح والرسائل العلميّة والمؤتمرات والمبادرات والأبحاث العلميّة والمنشورات الأكاديميّة والعلميّة والإعلاميّة التّربويّة.

وقد تصدّر الدّكتور العيسى كتابه بقوله:"لم يكن حلمي ومشروع حياتي أن أدير مؤسّسة حكوميّة ما، أو أن أتبوّأ مركزاً رفيعاً في الدّولة؛فهذه ليست أحلام رجل يبغي الخلود، وحفر اسمه في سِفْر التّاريخ والحضارة والعلم، إنّما كان حلمي أن يكون علمي وعملي حجّة لي بين يدي ربّي ، وأن تكون لي يدٌ بيضاء طاهرة على أبناء وطني، وأن أشارك مشاركة مخلصة في بناء الإنسان العراقيّ عبر مشروعي التّربويّ والتّنمويّ في التّنميّة البشريّة.وهذا لا يكون إلاّ بالعلم؛فوحده الذي يخلق الإنسان، ويصنع الحضارة، ويبني المجد، ويكتب اسم الوطن بماء الخلود".

هذا الكتاب يقول صراحة ليس هناك خلود في سِفْر البشريّة دون التّقيد بشرطه الأزليّ، وهو العطاء بهدف خدمة الإنسانيّة وبناء معمار البشريّة ودفعها نحو مدارج الحضارة والمدنيّة والرّقيّ والإبداع والإخلاص في إيثار الآخر على الذّات وتقديم الجماعة والأمّة على الفرديّة والمصلحة والمكسب الشّخصيّ، ولما كان العطاء وفق هذه المعطيات صعباً ونادراً، ولا يتقنه إلاّ قلّة من البشر، كان الخلود نادراً عزيزاً لا يدركه إلاّ صفوة البشر ونخبة من أنجبت الإنسانيّة من أبنائها الرّواد.

وعندما تغدو حياة إنسانٍ ما رجلاً كان أم امرأة رحلة عطاء فإنّه دون شكّ يكون إنساناً قد قرّر بإصرار وعزم أن يحفر اسمه في مسلّة الخلود، ورام دون انقطاع أو كلل أو توانٍ أن يضع لبنة مهمّة في معمار المنجز الإنسانيّ، ومن يرافق الدّكتور عبد الرّزاق عبد الجليل العيسى في كتابه "رحلتي مع جامعة الكوفة" يدرك أنّ درب الخلود صعب، وأنّ الإنسان عندما يحمل نبراس العلم والإصلاح والبناء عليه أن يقدّم نظير ذلك تضحيّات عملاقة من عمره وراحته وسعادته وأحلامه وأفراحه الشّخصيّة ومكاسبه الذّاتيّة، ويخلص في نهاية المطاف إلى أنّ رحلة الحضارة هي رحلة الخلود.

هذا هو الشّعور الذي رافقني منذ بدأتُ رحلة المراجعة اللّغويّة لهذا الكتاب ، وقد خلتُ أنّ الأمر هينٌ سهل المنال، ولكّنني وجدتُ نفسي أحار ماذا عليّ أن أكتبَ عن كتاب هو رحلة إنسان نحو الخلود والبقاء وانتصار الزّمن على الفناء كما هو انتصار المنجز على الجغرافيا والتّحدّيات والتّابوات والمعيقات وأعداء الإصلاح والإبداع والإنسان والوطن والخير والنّماء، لكّنني انتصرتُ على حيرتي هذه عندما رأيتُ أنّ الكتابة عن الخالدين والخلود هي ضربٌ من المتعة والتّطهّر من أدران الواقع المدنّس بالعابثين والمفسدين والخائنين.

643-sanaلا أستطيع أن أدّعي الحياديّة والموضوعيّة وأنا أكتبُ كلماتي هذه، إنّما أشعر بانحياز مشرّف تجاه رحلة الدّكتور العيسى التي لا يملك الإنسان إلاّ أن ينظر إليها بإكبار وتقدير وإجلال وهو يواكب تفاصيلها، ويعايش محنها، ويشهد منجزاتها ومفاخرها، أنا بحقّ أشعرُ بالفخر والاعتزاز وأنا أقدّم لكتاب هو في واقع الحال أنموذج لمسيرة تستحقّ الاحتذاء والتّكرار بل وتعليمها لمن أراد أن يسير على منوال البناء، وأراد أن يخوض تجربة بناء جامعة رياديّة تضطلع بدورها التّربويّ والتّعليميّ والحضاريّ والوطنيّ والإنسانيّ بل والأخلاقيّ.

ومن هذه النّقطة بالتّحديد تبدأ أهميّة الكتاب؛فهذا الكتاب ليس مجرّد سيرة ذاتيّة لمنجِزٍ مُقدّر، وليس بطبيعة الحال مذكّرات غافية في النّسيان، بل هو يشكّل علامة وحالة نادرة في تاريخ العمل الجّامعيّ والإدارة الجامعيّة، كما يعدّ منهجاً في البناء، ونستطيع أن نقول إنّه الكتاب الأوّل من نوعه- في حدود علمي ومطالعاتي ومعرفتي- الذي يقدّمه رئيس جامعة عربيّة حول تجربة قيادة جامعة عربيّة، والانتقال بها من مجرّد جامعة بكليّات متناثرة في الأحياء السّكنيّة لمدنية النّجف وبعدد مبانٍ لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ومساحات أرض فارغة وآمال مهدورة ومبانٍ غير كافية أو مناسبة وكوادر غير مدرّبة إلى جامعة رياديّة تحصد المرتبة الأولى على مستوى الجّامعات العراقيّة، كما تحصّل أرفع المراتب بين الجامعات العربيّة إلى جانب تحقيق مراتب متقدّمة ومشرّفة في كثير من التّصنيفات والتّقييمات العالميّة.

فنحن لم نشهد من قبل رئيس جامعة عربيّة يقرّر أن يكرّس وقته صادقاً لأجل أن يضع تجربته كاملة بين يدي من يرغب في الاستفادة منها؛فطالما اعتدنا على أن ترحل التّجربة مع رحيل صاحبها، وتهدم المسيرة بعد إبعاد قائدها، ولذلك لقلّما شهدنا العمل المؤسّسيّ في مجتمعاتنا العربيّة التي تهوى أن تهدم ما بناه غيرها، لتبدأ من الصّفر من جديد، بدل أن تكمل المسيرة بعد من بدأها، ولذلك لا نراوح مكاننا في مدارج الحضارة، في حين يجري الآخرون في مدارجها بخطىً عملاقة، ويتركوننا خلفهم أمّة تتغنّى بمجدها البائد، وتقف على أطلال عظمائها ومآثرها، وتبكي على واقع حالها.

ولكن الدّكتور العيسى صمّم على أن يكون حالة خاصّة في مفهوم العطاء والتّعليم والتّغذية الرّاجعة والمشاركة بالتّعلم وتبادل الخبرات وتعميم التّجربة الإنسانيّة ومشاركة خطط النّجاح وإشهار ملامح الفشل وهنات التّقصير لأجل القضاء عليها في الخطط المستقبليّة، ولذلك قام بكلّ جرأة وتفانٍ وصدقٍ برصد تجربته في بناء جامعة الكوفة بكلّ ما فيها من ملامح ومنجزات وتحدّيات، وقدّم لنا كتاباً سحريّاً يمكن أن نسمّيه" كيف تبني جامعة ناجحة؟".فهذا الكتاب يصلح أن يكون درساً استراتيجيّاً لكلّ من بغى أن يبني مؤسّسة تعليميّة، وأن يستثمر الإنسان والأرض والتّاريخ والجغرافيا والعلم والمعطيات لأجل الرّهان على مستقبل مزهر عبر بناء الإنسان واستثماره.

والطّريف في هذا الكتاب أنّ مؤلّفه تكلّم فيه بكلّ صراحة ووضوح وشفافيّة، وباح بتفاصيل تجربته كلّها دون انتقاء أو إقصاء، بل اعترف بمواطن النّجاح والفشل، وقيّم التّجارب والمراحل، وفصّل في الأسباب والمعطيات، وحلّل الظّروف والأفعال، وقدّم لنا صورة كاملة وصادقة للمشهد الجامعيّ في جامعة الكوفة بسلبياته وإيجابياته كلّها دون تكتّم أو إخفاء أو تجميل.

أستطيعُ القول إنّنا في حاجة إلى مبادرات مشابهة من المبدعين والبناة والمربّين والقياديين لأجل تزويد النّشء بخطط ودروس ومناهج واتّجاهات ومبادرات تفيدهم في بناء منجزهم الحضاريّ، وتعفيهم من التّخبّط والوقوع في الأخطاء التي وقع فيها من قبلهم؛فتراكم الخبرات وتبادلها –كما هو معلوم- ليست قيماً تاريخيّة وحسب، بل هي أرثٌ إنسانيّ في ضروب النّجاح، وخارطة طريق للبشريّة كي لا تكرّر أخطاء السّالفين، وتعويذة إنجاز وحظّ للعاملين.

ويبدو أنّ مؤلّف هذا الكتاب قد حدّد هدفه قبل أن يشرع في تأليفه، ولذلك فقد التزم بهذا الهدف عبر منهجيّة واضحة محدّدة الملامح تقودنا في رحلة زمنيّة تعرّج على تفاصيل الوصفة السّريّة لـ "بناء جامعة ناجحة"، وتهب تفاصيل دقيقة لذلك، يقدّمها المؤلّف بصدق وحياديّة دون مبالغات أو مجاملات أو استعراض، وهذا ما يجعل الكتاب يتّجه نحو التّجربة الجمعيّة، وينتصر على الذّاتيّة وتمجيد الذّات؛فمؤلّفه لا يبحث عن أكفٍّ تصفّق له، ولا يبغي تكريماً أو شهادة له، وقد نالها جميعاً، وهو من حصل على لقب رئيس الجامعة المتميّز والمعروف عالميّاً، ولقب الرّئيس الجّامعيّ المتميّز بين رؤساء الجّامعات العراقيّة قبل أيام من انتهاء فترة إدارته لجامعة الكوفة التي بدأت في 7/5/2006، وانتهت في 19/7/2011، واسمه محفورٌ في ذاكرة كلّ من عمل معه، كما هو محفورٌ في سِفْر الجامعة بكلّ منجزاتها ومآثرها وتميّزاتها، ولكنّه بكلّ تأكيد كان يبغي أن يقدّم تجربة خالصة وكاملة لكلّ من أراد أن يسترشد بها في بناء مماثل أو تجربة تحاكي تجربته أو يريد أن يأخذ الدّروس والعبر والفوائد منها في سبيل أن يقوم بواجبه المقدّس في خدمه وطنه وشعبه وإنسانيّته، بل يمكن أن يكون هذا السّفْر منهجاً استراتيجيّاً لجامعة الكوفة في القادم من منجزها ومستقبلها لاسيما أنّ الكثير من الخطط والمشاريع التي بدأها الدّكتور العيسى في جامعة الكوفة لا تزال في طور الإنجاز والتّحقيق، وتحتاج إلى أن تُستكمل كي تستوفي خطّة البناء المأمولة مراحلها جميعاً؛فهذا الكتاب خطّة للقادم من مستقبل هذه الجامعة، لا كتاب تاريخ للماضي البائد.

ومن ناحية ثانية يمكن القول إنّ هذا الكتاب هو وثيقةٌ تاريخيّة شاهدة على حقبة مهمّة في التّاريخ الحديث للعراق، كما هو سجلٌ لتجربة الإنسان العراقيّ بما فيه من معاناة وتحدّيات وألم وحرمان وظلم في ظلّ أنظمة استبداديّة جائرة استحلّت اغتصاب حقّ الإنسان العراقيّ وسرقة عمره وتبديد أحلامه دون رادع عبر عقود طويلة من الاستلاب، إلى جانب أنّ هذا الكتاب يشكّل شهادة شاهد عيان على المشهد التّعليميّ الجامعيّ العراقيّ بكلّ ما فيه من تحدّيات ومشكلات ومعضلات وأحلام وطموحات وممكنات وإكراهات؛هذا الكتاب باختصار شهادة على عصر وحقبة من تاريخ العراق والنّجف وجامعة الكوفة وأهلها وتدريسييها وموظفيها وطلبتها بكلّ صدق وإخلاص وحياديّة، إنّه تجريم لمن يستحقّ التّجريم، وتمجيد لكلّ من يستحقّ التّمجيد، وتصويب لكلّ ما يستحقّ التّصويب، وتكريس لقيم الإنجاز والإبداع والتّشجيع والإخلاص والمحبّة والتّسامح والبعد عن الفرقة والطّائفيّة والإقليميّة والعنصريّة بأشكالها جميعاً.

والأمر اللاّفت للنّظر في هذا الكتاب أنّ مؤلّفه كان يتكلّم بكلّ صدق عن تفاصيل تجربته في جامعة الكوفة التي بدأت منذ عام 1980 عندما عُيّن تدريسيّاً في كليّة الطّب، وانتهت في يوم 19/7/2011 عندما غادرها بعد أن كان رئيسها منذ يوم 7/5/2006، ولذلك فهو لا يخجل من أن يتكلّم عن معاناته الشّخصيّة وعن معاناة غيره، كذلك يحلّل النّتائج في ضوء عرض المعطيات والأسباب بكلّ وضوح وصراحة، وهو ينقل إلينا التّحديات التي واجهته في العمل في الجامعة ومن ثمّ في إدارتها مبيّناً وشارحاً وتاركاً لنا الحكم عليه وعلى تجربته وعلى رحلته في ضوء النّتائج والمآلات والنّهايات دون أن يخشى لومة لائم أو تهديد متسلّط، وكأنّه يقول لنا بملء فيه : "من يرد الإصلاح لا يخشى في الحقّ لومة لائم".

وهذا الالتزام الواضح بالمصداقيّة يجعله يوثّق التّفاصيل بالأسماء والتّواريخ ويعرضها وفق مشهدها التّاريخيّ والاجتماعيّ والنّفسيّ، كما يجعله يعزو الفضل إلى أهله دون جحود أو إقصاء أو نكران، فيذكر أسماء ومواقف كلّ من ساهم في دعم بناء جامعة الكوفة أو قام بدور رياديّ أو أخلص في عمله أو أبدع في إخلاصه، وهو بذلك يوزّع نجاح إدارته على كلّ من ساهم في ذلك دون أن يستأثر بالفضلّ كلّه لنفسه، وهذا مخالف لعقليّة المسؤول العربيّ التي تسند في الغالب – للأسف- النّجاح كلّه إلى ذاتها، وتنكر جهود الآخرين جملة وتفصيلاً.

ومن ناحية أخرى تدهشنا متابعة المؤلّف لأدقّ التّفاصيل في عمليّة بناء جامعة الكوفة، فنحن لا نقرأ في كتاب رجل مرّ في تاريخ جامعة ما، أو مرّت الجامعة في سيرته، بل نقرأ كتاباً يؤّرخ لحياة إنسان متلخّصة في منجزه في هذه الجامعة، حتى نجده يعمل في أيّام العطل لساعات متأخّرة من الليل، ويأخذ عمله إلى بيته، ويهجر النّوم ليعمل ليل نهار طوال سنوات ليحوّل الجامعة من حلم بعيد إلى واقع حقيقيّ ملموس.ولذلك نجده يتابع كلّ مرحلة، ويشارك في تفاصيل كلّ خطوة ، ويتشاور مع الثّقات والمراجع والمتخصّصين وأهل التّجربة والخبرة والعلم والإبداع في سبيل تحصيل الأفضل وتحقيق الأمثل، ويقرّب منه كلّ من يريد أن يعمل بإخلاص، ويتصدّى لكلّ فساد أو تهاون أو إهمال، وفي الوقت ذاته يكون شاهداً على كلّ نجاح، وحاضراً لكلّ بداية وانطلاقة، وداعماً لكلّ عمل؛فهو ليس أسير مكتبه في رئاسة الجامعة، بل حاضراً في كلّ ميدان وفعاليّة ومؤتمر وتظاهرة، ومشاركاً متفاعلاً في كلّ مشروع رائد يحتاج إلى دعمه.بل نجده يعرف أسماء بعض طلبة الجامعة المبدعين، ويدعمهم في مشاريعهم وإبداعاتهم وتميّزاتهم، كما هو يرصد كلّ حدث صغيراً كان أم كبيراً دون أن تفوته شاردة أو واردة.

ومن هذا المنطلق نجد الكتاب يزخر بالإحصاءات والجداول والأرقام الدّقيقة والتّواريخ والوثائق والمرفقات والصّور التّوضيحيّة التي يقيّد بها مسيرة البناء لتكون مرشداً لمن أراد الاسترشاد، وهذا أمرٌ قلّ أن نجده عند مسؤول عربيّ ما؛فقد اعتدنا على الصّورة السّلبيّة السّائدة عند المسؤول العربيّ الذي ينام في العسل، ولا يستيقظ منه إلاّ عند خروجه من وظيفته دون أن يقف على أمر ما، أو يتذكّر أيّ تفاصيل مهما بلغت أهمّيتها.

ولا نرى الجامعة في هذا الكتاب من منظور داخليّ ضيّق، وكأنّها مجتمع افتراضيّ مفصول عن بعده المجتمعيّ، بل نرى الجامعة عبر مساحاتها المجتمعيّة وعلاقاتها الإنسانيّة وملامح المجتمع النّجفيّ بخصوصيته ومعطياته كلّها، فنرى الجامعة تدخل في شراكات مع المجتمع المحليّ، وتقدّم خدمات كثيرة له في قطاعات متعدّدة من منطلق شعارها "التّنميّة البشريّة وخدمة المجتمع بحلّ مشاكله"، كما نرى رجالات المجتمع النّجفيّ المخلصين يقدّمون خدماتهم لهذه الجامعة، ويحرصون على حضور فعالياتها، ويشاركون فيها، ويدعمون مسيرتها.

وفي هذا الكتاب نستطيع أن نرى تجربة رائدة في الخروج بالجامعة من المحليّة الضّيقة المفروضة بحكم نظام استبداديّ قمعيّ إلى فضاءات العالميّة بكلّ ما تتيح من اتّصال مباشر بالعلم وجديده ومعطياته، فالجامعة التي رفعت شعار" لنبدأ من حيث انتهوا" قد حرصتْ على أن تطّلع على تجارب الجامعات العالميّة في حقلي التّعليم والإدارة الجامعيّة، ولذلك كان هناك توقيع اتفاقيّات، وتبادل كوادر، وإرسال دورات، وتكثيف التّواصل المباشر والحوار المفتوح عبر افتتاح قاعات المؤتمرات الفيديويّة المشتركة عبر الأقمار الصّناعيّة التي امتدّت خدماتها إلى تشكيل مؤتمرات تجمع طلبة إعداديّات النّجف الأشرف وإعداديّات من دول شتّى، دون الاقتصار فقط على طلبة الجّامعات.

وقد وقع الكتاب في مقدّمة وستة فصول وأربعة ملاحق؛ففي الفصل الأوّل منه استعرض المؤلّف بداية رحلته مع جامعة الكوفة عندما عُيّن تدريسيّاً فيها في عام 1980 بعد أن عاد إليها يحمل درجة الدّكتوراه في الكيمياء العضويّة المعدنية من أرقى الجّامعات العالميّة في بريطانيا، وهو يعرض في الفصل مسيرته الأكاديميّة العلميّة والأكاديميّة والإداريّة موثّقة بالشّهادات والوثائق الرّسميّة.أمّا في الفصل الثّاني المعقود تحت عنوان "مواقف لا تنسى"، فهو يعرض ملامح رحلته في جامعة الكوفة عبر التّوقّف عند محطات:رئاسة فرع الكيمياء الحياتيّة، واللّجان الامتحانيّة والتّدقيق، والتّغيير والتّرديّ في القيم الأكاديميّة، ورئاسة لجنة استحداث كليّة الصّيدلة، وواجبات ومهام وإشكالات، وحماية الجامعة والحفاظ على ممتلكاتها خلال أحداث عام 2003، وانتخابات القيادات الإداريّة في الجامعة، وإدارة الجامعة بعد الانتخابات، وانتخابه عضواً لمجلس المحافظة، وتكليفه برئاسة الجامعة.

أمّا الفصل الثّالث من الكتاب فهو يرصد استراتيجيّة المؤلّف في إدارة جامعة الكوفة بكلّ تحدّياتها وخططها وآليّات إنجازها مع رصد ملامح الإنجاز والتّطوّر والابتكارات والإنجازات الجديدة وفق برامج عملها وخطوات إنجازها.

في حين أنّ الفصل الرّابع المعقود تحت عنوان " مسيرة الجامعة وتطوّرها يأخذنا في رحلة في مسيرة تطوّر الجامعة عبر زيارة وحداتها جميعاً، ورصد مراحل إنجازها وتطوّرها واستحداثها وتوسّعها، وهناك وقفة تفصيليّة عند تكوين وتطوّر ونماء الكليّات التّالية:كليّة الفقه والطّبّ والتّربية للبنات والآداب والإدارة والاقتصاد والعلوم والهندسة والزّراعة والصّيدلة والقانون وطبّ الأسنان والتمّريض والطّبّ البيطريّ والرّياضيّات والحاسوب والتّربية الرّياضيّة والآثار والتّراث والتّخطيط العمرانيّ والأقسام العلميّة وأقسام الدّراسات العليا والمراكز والوحدات البحثيّة.فضلاً عن الوقوف عند تزايد أعداد الطّلبة والمراكز التّدريبيّة واستحداث الخطط التّطويريّة والمراكز والمكاتب الاستشاريّة التّعليميّة والبحثيّة والمختبرات والمكتبات.

وهو يعرض لنا النّشاطات العلميّة للجّامعة والمؤتمرات والنّدوات والحلقات الدّراسيّة وتطوّرها فضلاً عن الحديث عن التّرقيات العلميّة والإيفادات والبعثات والزّمالات والاتّفاقيّات الثّقافيّة والفعاليات والنّشاطات اللامنهجيّة والمبادرات والتّطوّر في الخدمات الفنيّة والثّقافيّة والعلميّة .

أمّا الفصل الخامس المعقود تحت عنوان " بعض مظاهر التّميّز في جامعة الكوفة" فهو يعرض ملامح الإنجاز والتّطور في الجامعة عبر التّوقّف عند خطط هذا المنجز وعرض استراتيجيّته وخطواته ومراحله.

أمّا الفصل السّادس فهو معقود تحت عنوان " استقلاليّة الجامعة والتّحدّيات"، وهو يعرض بصراحة وجرأة معركة المؤلّف إبّان رئاسته لجامعة الكوفة من أجل تحقيق استقلاليتها متحدّياً جملة من العوامل الضّاغطة التي تدفع الجامعة نحو عدم استقلاليتها، وقد قسّم المؤلّف هذه المرحلة على فترتين زمنيتين، وهما:فترة ما قبل عام 2003م، وفترة ما بعد عام 2003م.

وفي الملحق الأوّل من الكتاب يأخذنا المؤلّف في رحلة مع جامعة الكوفة عبر استعراض صور من هذه المسيرة من أرشيفه الشّخصيّ.

وعند هذه الصّور يتركنا المؤلّف لا نملك إلاّ أن نعجب بهذا الإنسان الأبّ والمربي والمواطن المخلص الذي عرف كيف يخلد في ذاكرة وطنه وشعبه وكلّ من عرفه، وهو من يقول برضا وهدوء وثقة وسلام مع النّفس والآخر :" لقد راهنتُ على إخلاصي وعلمي وحلمي وعلى بناء الإنسان العراقيّ، وبذلتُ جهدي موفوراً من صحتي ووقتي وفكري وعمري وعملي وشبابي ومالي، وجرتُ على راحتي وجسدي وأحلامي الشّخصيّة وحاجاتي الإنسانيّة وحقوق أسرتي لأجل أن أكون المربيّ المخلص والمواطن الصّالح".

أمّا الملحق الثّاني من الكتاب المعقود تحت عنوان"رحلتي مع إعمار جامعة الكوفة" فقد عرض بالصّور الفوتوغرافيّة بعض أهم مراحل الإعمار والبناء في جسم مباني جامعة الكوفة.في حين أنّ الملحق الثّالث من الكتاب المعقود تحت عنوان " أصداء وتغطيات إعلاميّة"، فقد قام بمتابعة مادتّه وجمعها وائل عليّ الطّائي الذي بذل جهداً واضحاً في رصد أصداء نشاطات الدّكتور العيسى إبّان كان رئيساً لجامعة الكوفة في وسائل الإعلام مقدّماً بذلك مساحة إلكترونيّة خصبة شاهدة على هذه الحقبة من الإنجاز، وللقارئ أن يطّلع عليها، ويحكم على منجزها.

وأخيراً جاء الملحق الرّابع معقوداً تحت عنوان " رحلتي مع جامعة الكوفة في عيون من عاصروني" ليقدّم لنا بعض شهادات لبعض من عاصروا تجربة الدّكتور العيسى في إدارة جامعة الكوفة وخدمة المجتمع الكوفيّ.

ومن الواضح أنّ ترتيب الفصول بهذا الشّكل يعطينا مراحل تدرّج مشروع إدارة الجامعة وفق خطط شاملة للإصلاح والبناء والتّطوير وتحقيق الجّودة والتّميز، فهذا التّرتيب هو خطّة عمليّة وفق أمثلة ونماذج إبداعيّة لكيفيّة قيادة جامعة نحو النّجاح، ومن كان يبحث عن منهج لذلك أو مراحل متدرّجة مرتّبة عمليّاً فعليه أن يطّلع على هذا الكتاب الذي يبدأ بعمليّة البناء من البنية التّحتيّة، ويتدرّج بها إلى أن يصل إلى تنمية الإنسان واستثمار المعطيات كاملة وفق منظومة الحاجات والمتطلّبات والمأمولات.باختصار هذا الكتاب هو الوصفة السّحريّة التي يملكها المؤلّف لخلق جامعة تحقّق أهداف وجودها.

ومن يملك بعد قراءة هذا الكتاب ألاّ يعجب برجلٍ اختار أن تكون حياته رحلة للعطاء والجمال والمحبّة والخير؟! هذا هو الدكتور العيسى الذي أخلص لمدينته النّجف، ولجامعة الكوفة، ونال الخلود بعمله الموصول المخلص.فطوبى له من مربٍّ مخلص أمين.

إنّ هذا الكتاب لم يكن في نظري مجرّد وثيقة عصر أو ذخيرة حقيقيّة تشكّل إضافة نوعيّة إلى المكتبة العربيّة لاسيما التّربويّة والإداريّة منها، ولم يكن كذلك تجربة عمليّة نادرة وحسب يخطّها تربويّ وإداريّ عريق لأجل أن يقدّم تجربته بكلّ إخلاص لغيره من باغي الإحسان والإجادة والإصلاح والإخلاص، بل كان لي بمثابة الدّرس الأخلاقيّ والتّعليميّ والإنسانيّ في الحياة؛لقد كان من حسن طالعي أن تولّيتُ مراجعة هذا الكتاب لغويّاً، ومن هنا بدأتْ رحلتي مع هذا الكتاب الذي شكّل إضافة حقيقيّة إلى رصيد تجاربي ومفاهيمي وأولوياتي وإلى حصيلة معارفي وأفكاري وآمالي، لقد تعلّمتُ الكثير من الدّكتور العيسى ومن كتابه ابتداءً ومن تلك الحوارات المطوّلة التي دارت بيننا أثناء فترة المراجعة اللّغويّة للكتاب، فأدركتُ حينها إدراكاً حقيقيّاً نابعاً من معرفتي به أنّ هناك بشراً لا يزالون ثابتين على مواقفهم الأخلاقيّة الرّفيعة على الرّغم من الإغراءات والإكراهات، وعلمتُ –آسفة- كم دفع من أثمان باهظة مقابل ثباته على مبادئه طوال حياته؛فقد عانى كثيراً من الاضطهاد والظّلم والاستلاب هو وأسرته في أثناء النّظام السّابق الحاكم في العراق، ولكنّه ظلّ على الرّغم من ذلك مصمّماً على البقاء وطنه العراق وهو من يملك الكثير من الفرص المغرية كي يعمل ويعيش في دول الخارج في أفضل الظّروف، ولكنّه صمّم على أن يعيش في وطنه، وأن يخدمه وهو الذي أخذ منه أخاه سعداً شهيداً وعدداً من أبناء عمومته، كما أخذ منه أخاه إياداً معتقلاً سياسيّاً لبضع سنين، وبعد ذلك تتالت الأثمان الباهظة التي دفعها دون توقّف لكثير من قوى الظّلام الغاشمة الظّالمة مقابل إصراره على مواقفه الأخلاقيّة الثّابتة في الحياة والعمل والفكر والتّعليم والإنتاج والإدارة.وما بالى بخسائره جميعاً، وما انحنى لظالم، وما هادن فاسداً، وما رافق جائراً، وظلّ ذاته بكلّ ما فيها من طهارة وعفّة والتزام بالمبدأ، فطوى النّسيان والعار من حاربه، وظلّ هو أبيض نقيّاً دون أن تدنّس تاريخه الطّويل شائبة أو وصمة انتقاص أو إساءة.

كثيراً ما كنتُ أسأل الدّكتور العيسى كيف استطعتَ أن تحتمل هذا القهر كلّه؟! فكان يبتسم ابتسامته الهادئة الطّيبة التي يعرفها كلّ من قابله، ويقول لي بثقة واطمئنان:"إنّ الله مع النّاس الخيّرة الطّيبة".فتشيع في نفسي أجمل معاني الإيمان العميق بأنّ الله لا يتخلّى عن عباده الطيّبين.

تعلّمتُ من الدّكتور العيسى كيف يكون الإنسان كبير الرّوح والنّفس والأمنيات والأمل والإصرار على الرّغم من ضيق الظّروف والمعطيات، وكيف يكون كريماً محبّاً متسامحاً على الرّغم من ضنّك الحياة، وكيف يستدعي الإنسان أجمل ما في نفوس طلبته وزملائه ومحبّيه وأقاربه من معاني الخير والعطاء عبر الحثّ والصّبر والملازمة الدّاعمة لهم والقدوة الحسنة، لقد أصبح عرّابي الذي يقودني نحو المحبّة والخير والعطاء، ويلحّ على نفسي وعلى أنفس من يعرفونه لأجل القيام بأدوارهم الإنسانيّة بكلّ إيجابيّة وإخلاص، وعلّمني كذلك أنّ الإنسان الحقيقي هو أكبر من الحقد واليأس والضّعف والعنصريّة بأشكالها كلّها، بفضله غدتْ عندي مفاهيم جديدة حول الإنسان الحقيقيّ والرّجل الشّهم والمربي الفاضل والمؤمن الذي لا تهزّ الصّعاب إيمانه وإخلاصه وصدقه.

هذا الكتاب لم يكن كتاباً مرّ في حياتي أو مررتُ في تاريخه، بل كان مدرسة لي، علّمتني أن أكون أكثر إيماناً بنفسي وبالآخر وبقيم الحقّ والعطاء، أمّا الدّكتور العيسى فقد علّمني بكلّ إخلاص أن أكون إنسانة بحقّ، وهذا أجمل درس تعلّمته في هذه الحياة، فشكراً لك يا دكتور عبد الرّزاق العيسى لأنّك جعلتني أعبر إلى مرحلة أرقى من نفسي بفضل التّعلم منك والنّهل من معين قلبك الكبير الذي يتّسع للدّنيا قاطبة ثم تظلّ فيه مساحات شاسعة تتّسع للمزيد من البشر الباحثين عن إنسان حقيقيّ لا يتكرّر هو أنت.

 

القاص والفنان التشكيلي مظفر لامي في "سِتار النخيل"

642-mizhirتعمل حركة الترجمة على اطلاع ثقافات على ثقافات شعوب اخرى، وبما يعمل على تلاقح العقل وانفتاحه، ومنه العمل على دفع عجلة التطور الى الامام، ولابد أن نتذكر ماقامت به الترجمات الناقلة الى اللغة العربية من فتح مبين للعقل العربي في اطلاعه على الفكر الاغريقي مثلاً ومنه ترجمات المنطق الارسطي والمسمى "الأرغانون" وغيرها من الثقافات والعلوم الاخرى.

وتعد تجربة الاديب والفنان التشكيلي"مظفر لامي" في كتاب ترجمته المعنونة"سِتار النخيل" وهو حوارات مع مشاهير الادب من روائين ونقاد، مؤشر كبير على هذا التوجة الخاص به والنافع لتلقينا الثقافي .

ولخاصية المادة المترجمة مترجم خاص لها، فلا يتوفق العقل التقني مثلاً اوالاقتصادي والبايلوجي والمتقدم لغوياً، في ترجمته لمجموعة شعرية مثلاً ولأي منتج لجنس ادبي أخر، اضافة الى خاصية إمتياز وميل وقرب الاديب المترجم للغة المادة المترجمة، ومن إنقاناته الموشحة لروح الفن اللغوي المترجم، كما في اختصاص وتوفيق الاديب المعروف - جبرا ابراهيم جبرا -في نقل روحية النص الشكسبيري من لغته الام الانكليزية الى لغتنا العربية، والشاعر العربي - خليل خوري- في نقله شعر- شارل بودلير- من الفرنسية وغيره من المنتج الفرنسي، وترجمات الشاعر حسب الشيخ جعفر للادب الروسي،

642-mizhirومنه يتأتي كتاب"ستار النخيل- تجربة في هذا المسار الابداعي ومن خلال ترجمته لحوارات كتاب لهم الأثر في المشهد الثقافي العالمي، وتعد تجربة الترجمة هذه للكاتب-مظفر لامي- اغناء له، لطبيعتها المعرفيةEpistemology والمعلوماتية-lnformatics يضيفها لتنوع مجالاته الابداعية الاخرى، في الادب القصصي وكذلك تجربته المعروفة في الفن التشكيلي، ومنه نعرف ان اللامي مجانب نشط للحراك الثقافي وبجميع وجوهه ومنها الادبية والفنية ومتعلقاتها.

ولكونيته الضامنة لروح اللغة الادبية، نراه وقد مارس ادب الترجمة، لما يجول في روح كلام المحاورة لهؤلاء ذوي التاريخ الفكري في الكتابة الروائية والنقد الادبي وغيرها من المقاربات،

وقد ضم الكتاب تسعة حوارات لكتاب عالمين معروفين بعطائهم - وهم (انتوني بورخس، ميلان كونديرا، جاو اكسينغيان، ميشيل دوسوختو، جون ماري غوستاف لوكليزيو، الان فانكيلكروت، فليب روث، اورهان بامورك، توني موريسون)،

هؤلاء الكتاب في حواريتهم كشف لإمور لم تختلف عن مألاتهم الفكرية داخل اعمالهم بل موضحة ولمجانبات ومرافقات اخرى لهم، من خطاب ادبي، ويرجع هذا لطبيعة الوسط وضروف نقله.

ويبقى لهؤلاء الكتاب وقع مؤثر في المشهد العالمي لمائزة اشتغالاتهم العضوية المحركة للتفكير والمثيرة للإنتباه، داخل الوسط المليء بالاسئلة والضوضاء.

فمن - بورخس حتى توني موريسون –كانت هناك اجابات مهمه تعلقت بالمأزوم الانساني وقد كشفت عنها هذه الحوارات المتسمة بالصراحة واحيانا على شاكلة المشاسكة المؤكدة لحقيقة وضعها الخطابي الاول، لا لاغية له.

وفي مقدمة الكتاب ص5يؤكد المترجم-مظفر لامي ومن قولته "في الحوار ثمة افتراض دائم، ان هذا الجهد المشترك بين المحاور والاديب انما يتمخض عن تقديم خلاصة لانصهار الفكر في التقننية عبر التجربة الذي يتصدى لها الحوار، وهو أمر لايتحقق دائما، وحين يحصل يكتشفأن سعة و وضوح معلم التجربة المقدمة هو العامل الحاسم في ذلك"

ويذكر الكاتب المترجم ايضاً"لذا لايبالي بعض الكتاب من التصريح ان العمل الفني هو من يجيب وليس الوصف والتصريحات"ص6

ومن الحواريات وفي رد بورخس- نموذجا"أن هوليود هي قوة افساد كبيرة في عالم السرد، رجال السينما يطالبون دائماً بمعرفة دوافع شخصية".

ويذكر بورخس في قوله حول اساليبه التعبيرية "انني لم اكتفي بالكتابة بل أؤلف الموسيقى ايضاً ولو كانت لي معرفة بالرسم لرسمت"مما يدلل تنقله الابداعي وهو المؤلف لاكثر من اربعين كتابا روائيا ومنها نيله لجائزة النوبل.

كذلك في جواب الروائي -ميلان كونديرا- عن مدى تأثره بالروائين الكبار فرد"تأثير علي؟لا...اني شيء اخر، انا تحت ذات السقف الجمالي الذي ابدعوه، لكني لست تحت سقف-بروست- او جيمس ولا همنغواي (بالرغم كل ما اكنه له من اعجاب"ص31

وكل الحوارات التي ضمها الكتاب، كانت لادباء نالوا جائزة النوبل وجوائز اخرى تقيماً لجهدهم الابداعي في المشغل الادبي العالمي، ولهم حذور واضح داخل المشهد الثقافي عموماً،

وننتظر الاديب والفنان والمترجم – مظفر لامي - بإضافات لترجمات اخرى لبعض الاعمال الادبية، لما له من ثقافة ترجمة تتماها مع لغته الادبية، ونقلها الفني لروح اللغة الادبية المترجمة.

 

ثلاثة اصدارات أدبية عن منشورات "الأفق"

641-afif"الانهيار" للكاتب عفيف شليوط، "قصائد المدينة" للشاعر رشدي الماضي و "عيون القدس" للشاعرة نبيهة راشد جبارين

 

صدر عن منشورات مؤسسة "الأفق" للثقافة والفنون ثلاثة كتب أدبية، مجموعة قصصية جديدة للكاتب عفيف شليوط بعنوان "الانهيار"، ومجموعتان شعريتان، الأولى "قصائد المدينة – حيفا تفّاحة كلّما جرّحتها تبتسم!!" للشاعر رشدي الماضي، و"عيون القدس" للشاعرة نبيهة راشد جبارين.

 

641-afif"الانهيار"، مجموعة قصصية للكاتب عفيف شليوط

هذا الكتاب هو المجموعة القصصية الثالثة للكاتب عفيف شليوط، بالاضافة لسبعة نصوص مسرحية وكتاب دراسة توثيقية حول المسرح الفلسطيني، وكتاب آخر مقالات نقدية حول المسرح المحلي.

يشمل الكتاب ثماني قصص قصيرة وهي: "الانهيار"، "كهنة من ثلج"، "البحث عن وطن"، "القادم الجديد الى هنا" ، "لحظة عابرة" ، "لوحده" ، "الخمول" و "الضياع".

 

"قصائد المدينة"، قصائد للشاعر رشدي الماضي

يشمل هذا الديوان 26 قصيدة موجهة بأكملها لمدينة حيفا، وهذا هو الديوان الثاني الذي يصدر للشاعر عن منشورات الأفق ، فقد أصدرت في العام الماضي ديوان شعري بعنوان "هُدهُد خارج نبوءة المطر".

صممت غلاف الكتاب عبير خميس، وقام بتصوير صورة الغلاف حمودي غنّام.

 

"عيون القدس" ، قصائد للشاعرة نبيهة راشد جبارين

هذا هو الكتاب الأول للشاعرة نبيهة راشد جبارين في مجال الشعر، بعد أن أصدرت مجموعة من قصص الأطفال. يشمل الكتاب مجموعة قصائد موجهة لمدن ومواقع فلسطينية مثل: القدس، الناصرة، يافا، حيفا، عكا، غزّة، وهي عبارة عن رسائل عشق ومحبة وانتماء.

تم اهداء الكتاب "الى كواكب الأرض الزاهرات، الى مدن بلادي الساحرات، مواطن الجمال والآيات". صمم الكتاب والغلاف مكتب B.Top في حيفا.

هذا وتعتزم ادارة مؤسسة "الأفق" للثقافة والفنون الى تنظيم سلسلة فعاليات ثقافية احتفاء بهذه الاصدارات.  

نقد كتاب: نقض أوهام المادية الجدلية- الديالكتيك للدكتور محمد سعيد مضان البوطي (5-5)

adnan oayeedالجدل كما تراه الماركسية: تقرر الماركسية إن المسألة الأساسية للفلسفة لم تعد معرفة الواقع فحسب، بل وتغييره أيضاً. فالعلاقة الجدلية بين الفكر والواقع، والعمل على تغيير هذا الواقع ظلت تشكل الموقف الفكري الأكثر جدية وحسماً في رد حَمَلَةِ الفكر الماركسي على الفلاسفة والمفكرين المثاليين الذين نظروا في هذه المسألة المتعلقة بطبيعة العلاقة بين الفكر والواقع.

لقد جاء أن الفكر المثالي بعمومه ومنه (فكر البوطي) كما تبين معنا، هو فكر يقر بأن الفكر هو من يوجد الواقع، إن كان ممثلاً بالله كما تقول المثالية الموضوعية، أو من فكر الإنسان ذاته كما تقول المثالية الذاتية، أو أن الإنسان غير قادر على معرفة مرجعية هذا الفكر كما تقول (اللاأدرية). أما الماركسية فتجد أن الفكر هو نتاج الواقع، -أي الواقع ممثلاً بالإنسان وعلاقته مع الطبيعة والمجتمع -أثناء إنتاج الإنسان لخيراته المادية، فالواقع المادي ممثلاً بالطبيعة والعلاقات اجتماعية ينعكس في ذهن الإنسان، والإنسان يقوم بدوره عبر الدماغ بتحليله والعمل على ترميزها بإشارات أو رموز أو لغة فيما بعد من أجل التفاهم مع آخيه الإنسان لحل مشاكلهم المتعلقة بطبيعة علاقتهم مع الطبيعة ومع بعضهم معاً مادياً وفكرياً. وهذه العملية هي في حالات دائمة من الصيرورة والسيرورة في تطورها وتبدلها.

أما مفهوم الجدل، فالماركسية تقول: إن الناس في سياق سعيهم إلى المعرفة والنشاط العملي يضعون لأنفسهم دائماً أهدافا محددة، ومهاماً معينة، بيد أن وضع الأهداف وصياغة المهام لا يعنيان تحقيق المنشود، فمن المهم للغاية هو إيجاد السبل والوسائل والطرق الكفيلة لتأدية هذه المهام أو الوظائف المطروحة. إن هذه الطرق والأساليب والوسائل المحددة للبحث النظري والنشاط العملي هي ما تسمى بالمنهج. ومن المستحيل أن تحل أية مشكلة دون استخدام المنهج. فالأمور لا تحل بشكل عشوائي أو اتكالي. ومن هذه المناهج الكثيرة التي وضعها الإنسان لنفسه يأتي المنهج الماركسي المادي الجدلي، الذي يعتبر مفتاح معرفة لكل العلوم في ميادين الطبيعة والمجتمع.

وإذا كان الجدل (الديالكتيك) في العصور القديمة كان يعني فن الجدل والنقاش للوصول إلى الحقيقة بكشف المتناقضات في حجج الخصوم وحالها، إلا أنه صار عند الماركسية (منهجاً لمعرفة الواقع وتغييره. وهو يستند إلى انجازات العلم والخبرة الاجتماعية والتاريخية. ويقر الجدل بأن الكون هو عبارة عن عملية سرمدية من الحركة والتجدد واضمحلال القديم وميلاد الجديد.).(40).

يكتب إنجلز: ( بالنسبة للفلسفة الجدلية لا يوجد شيء مطلق أبدي، فهي ترى على كل شيء وفي كل شيء أثر السقوط الحتمي. ولا يمكن أن يصمد لها إلا العملية المستمرة للميلاد والاندثار، عملية الصعود الذي لا ينتهي من الأدنى إلى الأعلى.). (41) .

بعد عرضنا هذا لمفهوم الجدل كما تراه الماركسية، والذي نستطيع تحديد دلالاته على انه علم قوانيين حركة المادة بكل أشكالها، سأقوم الآن بعرض أهم ما يتعلق بهذه الماركسية بشكل مكثف من حيث المفهوم، وعلاقاتها بالشيوعية، ثم عرض أهم قوانينها ومقولاتها.

ما هي الماركسية؟.

قبل الدخول في هذا الموضوع، دعونا بداية أن نقدم تعريفاً أولياً للماركسية.

الماركسية في سياقها العام، هي منهج علمي يقوم على تحليل الظواهر وإعادة تركيبها أو بنائها، ولم تكن في يوم من الأيام نظرية أو مذهباً جامدين. والماركسية لا تعني الاشتراكية أو الشيوعية، كما أشرنا في موقع سابق من هذه الدراسة، فالشيوعية والاشتراكية نظامان اقتصاديان واجتماعيان، يصل تطور قوى وعلاقات الإنتاج فيهما إلى مرحلة تاريخية تسمح بطرح ومناقشة وتطبيق المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المتعلقة بهذين النظامين.

إن مسائل الفكر الاشتراكي والشيوعي وتطبيقاتهما قد طرحت أساساً قبل وجود الماركسية كما اشرنا ايضاً في هذا السياق سابقاً، مع غض النظر هنا عن مثاليتها أو علميتها. وبالتالي، مع سقوط التجارب الاشتراكية والشيوعية وانهيار منظوماتها عالمياً، يَفرض علينا أن نقوم هنا بتصحيح بعض المقولات أو المفاهيم التي أصبحت دراجة وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث راح الكثير من الكتاب والمفكرين الليبراليين والمتدينين وحتى بعض الماركسيين يقولون بأن سقوط المنظومة الاشتراكية يعني سقوط الماركسية، وهذا دفعهم أيضاً لطرح مفاهيم جديدة، تتعلق بالماركسية وإعادة توصيفها، مثل : "المذهب الماركسي" و "غياب الصفة العلمية للماركسية"، و"الماركسية أصبحت إطاراً أيديولوجياً تقليدياً"، وغيرها من المفاهيم والتوصيفات التي برأيي، هي بحاجة ماسة إلى التوضيح .

في ردنا على ادعاء مذهبية الماركسية نقول: إن الماركسية لم تكن مذهباً في يوم من الأيام، لا من حيث تسميتها من قبل من طرحها من جهة، ولا من حيث طبيعة قوانينها ومقولاتها من جهة ثانية. فالماركسية كانت ولم تزل منهجاً في التفكير، لها قوانينها ومقولاتها ممثلة في ( المادية الجدلية والمادية التاريخية)، والتي يمكن وصفها مجازاً بالنظرية العلمية. فنعتها بالمذهب، هو لصق صفة الجمود بها، والجمود ليس من صفات الماركسية التي من أولى قوانينها الحركة والتطور والتبدل.

أما لجهة القول: بغياب الصفة العلمية عنها، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف غابت الصفة العلمية عنها وهي لم تزل كمنهج تتمسك بكل مقولاتها وقوانينها التي قامت عليها؟، وهي القوانين والمقولات ذاتها التي منحتها الصفة العلمية، مثل الحركة والتطور والتبدل والتطور الحلزوني، والعلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون والجزء والكل والداخل والخارج ولتحولات الكمية والكيفية، وكذلك قولها بنسبية الحقيقة وغير ذلك. .

أما لجهة نعتها بالآيديولوجيا التقليدية، أي الآيديولوجيا التي وصلت إلى مرحلة الجمود وفقدان قدرتها على مجارات قضايا العصر، وبخاصة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، فهذا النعت أيضاً غير وارد لسبب أساس وهو: إن الآيديولوجيا في سياقها العام عندما تقوم في جوهرها على الحركة والتطور والتبدل، لم تعد أيديولوجيا تقليدية (جامدة) من حيث بنائها ووظيفتها، بل هي تتحول إلى "وعي مطابق". أي وعي يجاري الواقع الملموس بالزمن الملموس، دون اللهاث وراء الحدث اليومي المباشر ونسيان الأهداف الإستراتيجية التي هي من صلب المنهج الماركسي.

هذه مسائل إشكالية وخلافية في الآن ذاته، ساهم في نشرها وتعميمها كما اعتقد من شعروا بخطورة المنهج الماركسي على مصالحهم، وبخاصة الطبقات الاستغلالية، ويأتي على رأسها الطبقة الرأسمالي التي صرفت مليارات الدولارات من أجل تشويهها ومحاربة من تبناها فكرياً وعملياً تحت شعارات كاذبة، مثل الزندقة والكفر والإلحاد والإباحية والاستبداد، لا لشيء، إلا كونها تقوم بتحليل الواقع تحليلاً علمياً منطقياً يؤدي بالضرورة إلى الوصول لكشف الواقع وتبيان سلبياته وضياعات الإنسان فيه وحالات غربته واستلابه بفعل ممارسة القوى المستغلة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وبالتالي مساهمات حواملها الاجتماعين من كتاب وباحثين ومفكرين بإنارة العقول نحو طريق العدالة والمساواة واحترم الرأي والرأي الآخر وتحرير المرأة والمواطنة وبناء دولة القانون وكل ما يساهم في تحقيق سعادة الإنسان وأمنه واستقراره في المجتمع. هذا في الوقت الذي سادت في الغرب وأمريكا نظريات ومذاهب فكرية وممارسات عملية على كافة المستويات، حملت بذاتها كل الصفات السلبية التي حملوها للماركسية ومعتنقيها أو المؤمنين بها، كالوجودية والفرويدية والدارونية الاجتماعية وكل ما يمت لما بعد الحداثة من نظريات النهايات (والموت) التي زادت في غربة وتشيء الإنسان واستلابه وغير ذلك، ومع ذلك لم تحارب هذه النظريات، بل فتحت قاعات العلم والعرض وقنوات الإعلام بكل اتجاهاته لها في أوربا والأمريكية وغيرها من دول العالم.

أما مسألة التشظي الماركسي التي تمثلت في تعدد المدارس الماركسية، فهذه مسألة لا ترتبط بطبيعة الفكر الماركسي ذاته وممارسته، وهو الفكر الذي يؤمن بخصوصيات الواقع وتاريخيته وتعدد تجاربه، وإنما ارتبطت بالتجارب الاشتراكية، وهذه المسألة بالذات أشار إليها منظرو الفكر الماركسي بدقة، ومنهم لينين على سبيل المثال عند مخاطبته قادة الأحزاب السياسية التي تبنت الطريق الاشتراكي في التنمية آنذاك واعتبرت أن التجربة الاشتراكية السوفيتية هي الأنموذج الأمثل الذي يجب أن يقتدي به قائلاً: ( يخطئون هؤلاء الذين يقولون إن ذلك اللون الرمادي صالح لكل زمان ومكان). وهذا ما أثبتته التجربة، حيث فرضت الظروف الموضوعية والذاتية للشعوب والدول التي اتخذت الاشتراكية طريقاً للتنمية العديد من التجارب الاشتراكية، مثل التجربة الروسية، والتجربة الصينية، والأوربية، وتجارب دول العالم الثالث. أما التجربة الاشتراكية التي تبنتها أحزاب الطبقة العاملة في الغرب مثلاً، فهي تجربة براغماتية بحت شجعت الطبقة الرأسمالية على قيامها، إن لم نقل سيطرت عليها بشكل غير مباشر رغبة منها في السيطرة على طموحات وإرادة الطبقة العاملة في الغرب، وهذا ما تم بالفعل، فكل الأحزاب التي تدعي الاشتراكية ومارست السلطة تحت يافطة "حزب العمال" هي لا تختلف في توجهاتها وحواملها الاجتماعية - وبخاصة قياداتها - من حيث العمل لمصلحة النظام الرأسمالي، بدءاً بحزب العمال الفرنسي، مروراً بالحزب العمالي البريطاني، وصولاً إلى الاشتراكية الدولية ممثلة بكل أحزابها على مستوى الساحة الدولية العالمة. وهذه التجربة الاشتراكية الروسية، قد اعتمدت على الطبقة العاملة كعمود فقري في بناء الاشتراكية، بينما الصينية اعتمدت على الفلاحين، ودول العالم الثالث قاد الفعل الاشتراكي فيها البرجوازية الصغيرة والانتلجينيسيا، وفي مقدمتها قوى الجيش... ألخ.

أما الحديث عن نهاية الماركسية وخمود شعلتها، (نظرية التغريغ الأيديولجي) وما هي مقاربتنا لبداية جديدة لها، فهذا يدفعنا للتساؤل من جديد، هل من المعقول أن تخمد أو تنطفئ شعلة كل ما هو علمي وعقلاني ويقول بالحركة والتطور والتبدل بأنه أمر حتمي في هذه الحياة؟، وهل استمر في تاريخ البشرية غير من يحمل هذه الصفات العقلانية والعلمية؟، ثم أين هم من وقفوا ضد كوبونيك وهارفي، وسقراط، وأبن رشد، وغيرهم ممن حملوا مشعل العلم والعقلانية.

أعتقد أن أزمة الماركسية هي أزمة معرفة بها أولاً، ثم أزمة حوامل اجتماعية مثقفة لم تصل بعد إلى مرحلة وعي الذات ثانياً، وأخيراً أزمة من لم يستطع بعد أن يفهم أن الماركسية ليست الاشتراكية أو الشيوعية، فالدعوة إلى العدالة طرحت قبل الماركسية بمئات السنيين، وستظل تطرح في التاريخ الإنساني من قبل من يؤمن بالعدالة الاجتماعية، ماركسياً كان أم غير ماركسي . ثم أن مسألة الجدل الماركسي ليست خاصة بماركس اليهودي، أو إنجلز أو لينين، إنما هي مقولات هيراقليطس وابن خلدون وغيرهم الكثير. بل لنقل هي مقولات دينية إسلامية لمن يعطي مساحة للعقل في قراءته أول آية (إقرأ باسم ربك...)، هذه الآية التي تدل بل تؤكد على ضرورة وأهمية الوعي بالنسبة للإنسان..أليست الحرية هي وعي الضرورة ، وان القراءة هي أول أبواب الوعي؟!.

 

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

..............

40- أسس المعارف الفلسفية. مرجع سابق. ص14 .

41- المرجع نفسه- ص14

 

 

قضايا اسلامية معاصرة المجلة العراقية الرائدة في فلسفة الدين

527-qadayaخُلقتُ شغوفا بالكتب، عاشقا لرحيقها، متابعا لجديدها، تأسرني أفكارها، مطلقا لعنان خيالي رسم صور كتابها، أصبح بيني وبين باعتها في شارع المتنبي ألفة وود، هناك في شارعي الأثير في عام 2003م وعند أحدى المكتبات وقعت عيني على إسم مجلة سيكون لها أثر لايمحى فيّ وفي الكثير من أقراني القراء انّها مجلة: (قضايا اسلامية معاصرة) مجلة متخصصة تعنى بالهموم الفكرية للمسلم المعاصر، صاحب امتيازها ورئيس تحريرها المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي .

عناوينها أخاذة، كتابها أعلام الفكر وسلاطينه، كنز معرفي لايقدر بثمن، ليست مجرد مجلة فحسب، بل مجرة فكرية وهاجة، صنفها المعهد البابوي في حاضرة الڤاتيكان في روما أهم مجلة في الدراسات الدينية بالعربية في ربع القرن الأخير، وأصدر نهاية عام ٢٠١٢ كتابه السنوي في ٣٢٠ صفحة،ضم ترجمات لبعض نصوصها بالانجليزية والفرنسية والايطالية.

خُلقتُ شغوفا بالكتب، عاشقا لرحيقها، متابعا لجديدها، تأسرني أفكارها، مطلقا لعنان خيالي رسم صور كتابها، أصبح بيني وبين باعتها في شارع المتنبي ألفة وود، هناك في شارعي الأثير في عام 2003م وعند أحدى المكتبات وقعت عيني على إسم مجلة سيكون لها أثر لايمحى فيّ وفي الكثير من أقراني القراء انّها مجلة: (قضايا اسلامية معاصرة) مجلة متخصصة تعنى بالهموم الفكرية للمسلم المعاصر، صاحب امتيازها ورئيس تحريرها المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي .

عناوينها أخاذة، كتابها أعلام الفكر وسلاطينه، كنز معرفي لايقدر بثمن، ليست مجرد مجلة فحسب، بل مجرة فكرية وهاجة، صنفها المعهد البابوي في حاضرة الڤاتيكان في روما أهم مجلة في الدراسات الدينية بالعربية في ربع القرن الأخير، وأصدر نهاية عام ٢٠١٢ كتابه السنوي في ٣٢٠ صفحة،ضم ترجمات لبعض نصوصها بالانجليزية والفرنسية والايطالية.

527-qadayaمن صفحاتها يتدفق التسامح العذب، وتتأنسن العقائد الحادة، عقول تتفاكر، وأفهام تتثاقف، واحة معرفية رحبة يتجلى بين سطورها إسلام حضاري رحماني يسمو بالأفكار ويحررها من أسر الإيديولوجيات المغلقة ويعبر بها إلى فضاءات التكامل والإخاء الإنساني المأمول.

مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد الذي تصدر عنه المجلة معلم حضاري أنجز اكثر من ٢٠٠ كتابا في تحديث التفكير الديني، استكتب أعلام العصر في مختلف المعارف والعلوم التي تسعى إلى بلورة رؤى معاصرة تواكب المتغيرات وتستجيب بعقلانية وواقعية للمآزق الفكرية المعاصرة، وتحفر في بنية التخلف المعرفي وترسم أطرا للتعامل الواعي مع معطيات العصر وتوظفها في خدمة الواقع الراهن، ترفع من سوية الإنسان المعرفية، وتسمو بروحه وتتناغم مع أشواقه الواثبة لصناعة عالم إنساني أرحب.

ماكان لهذا المركز الفكري الثقافي الخلاق، ذو الثراء المعرفي العميق، والمجلة التوعوية الرائدة ، أن يريا النور لولا الترسانة الفكرية التي وقفت من ورائهما، وتجسدت بمدير مركز دراسات فلسفة الدين ورئيس تحرير مجلة (قضايا إسلامية معاصرة) الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي .

644-jabarالرفاعي قامة فكرية سامقة، فيلسوف إنساني، وداعية للحب والسلام، يمتلك رؤية فلسفية حول الإصلاح وتحديث مناهج الفكر الديني، حاز الخمائر المعرفية من أعلام عصره، ودرس وتضلع بالفلسفة حتى تمكن من مزج عبيرالإيمان بوهج العقل فأصبح علما لايبارى وأستاذا تهفو للقائه المنتديات والمحافل العلمية، ساهم في عشرات المؤتمرات والندوات والحلقات الدراسية.

ألف عشرات الكتب الفكرية، وأسهم في تطوير الإشتغال المعرفي الحديث، يعد كتابه (إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين) علامة بارزة للرقي الفكري المعاصر، يأتي استجابة للحاجة الملحة لفهم إنساني يتصالح مع العصر ولاترفضه متطلبات الواقع الراهن .

طرح فيه رؤيته وخلاصة تجربته الطويلة التي أكدها بقوله : ان السبيل للتخلّق بأخلاق الرحمن انما يتحقق عبر انقاذ النزعة الانسانية في الدين، واضاءة أبعاده الاخلاقية والمعنوية والرمزية والجمالية، وتطهير التدين من كافة اشكال الكراهية والاكراهات.

ما أحرانا ونحن نواجه اليوم فحيح التكاره ودعوات التقاطع إلى أخذ الترياق الفكري والمناعة المعرفية من معين الرفاعي لنحصن بها أجيالنا ونرقى بسويتهم الفكرية إلى آفاق السلام والتسامح والتعايش .

من صفحاتها يتدفق التسامح العذب، وتتأنسن العقائد الحادة، عقول تتفاكر، وأفهام تتثاقف، واحة معرفية رحبة يتجلى بين سطورها إسلام حضاري رحماني يسمو بالأفكار ويحررها من أسر الإيديولوجيات المغلقة ويعبر بها إلى فضاءات التكامل والإخاء الإنساني المأمول.

مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد الذي تصدر عنه المجلة معلم حضاري أنجز اكثر من ٢٠٠ كتابا في تحديث التفكير الديني، استكتب أعلام العصر في مختلف المعارف والعلوم التي تسعى إلى بلورة رؤى معاصرة تواكب المتغيرات وتستجيب بعقلانية وواقعية للمآزق الفكرية المعاصرة، وتحفر في بنية التخلف المعرفي وترسم أطرا للتعامل الواعي مع معطيات العصر وتوظفها في خدمة الواقع الراهن، ترفع من سوية الإنسان المعرفية، وتسمو بروحه وتتناغم مع أشواقه الواثبة لصناعة عالم إنساني أرحب.

ماكان لهذا المركز الفكري الثقافي الخلاق، ذو الثراء المعرفي العميق، والمجلة التوعوية الرائدة ، أن يريا النور لولا الترسانة الفكرية التي وقفت من ورائهما، وتجسدت بمدير مركز دراسات فلسفة الدين ورئيس تحرير مجلة (قضايا إسلامية معاصرة) الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي .

الرفاعي قامة فكرية سامقة، فيلسوف إنساني، وداعية للحب والسلام، يمتلك رؤية فلسفية حول الإصلاح وتحديث مناهج الفكر الديني، حاز الخمائر المعرفية من أعلام عصره، ودرس وتضلع بالفلسفة حتى تمكن من مزج عبيرالإيمان بوهج العقل فأصبح علما لايبارى وأستاذا تهفو للقائه المنتديات والمحافل العلمية، ساهم في عشرات المؤتمرات والندوات والحلقات الدراسية.

ألف عشرات الكتب الفكرية، وأسهم في تطوير الإشتغال المعرفي الحديث، يعد كتابه (إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين) علامة بارزة للرقي الفكري المعاصر، يأتي استجابة للحاجة الملحة لفهم إنساني يتصالح مع العصر ولاترفضه متطلبات الواقع الراهن .

طرح فيه رؤيته وخلاصة تجربته الطويلة التي أكدها بقوله : ان السبيل للتخلّق بأخلاق الرحمن انما يتحقق عبر انقاذ النزعة الانسانية في الدين، واضاءة أبعاده الاخلاقية والمعنوية والرمزية والجمالية، وتطهير التدين من كافة اشكال الكراهية والاكراهات.

ما أحرانا ونحن نواجه اليوم فحيح التكاره ودعوات التقاطع إلى أخذ الترياق الفكري والمناعة المعرفية من معين الرفاعي لنحصن بها أجيالنا ونرقى بسويتهم الفكرية إلى آفاق السلام والتسامح والتعايش .

 

الوجه الآخر لنيوتن ومايكل هارت

moamar habarفي أقلّ من ساعة انتهيت من قراءة كتاب: "نيوتن"، للأستاذ عبد الله لعريبي، ضمن سلسلة مشاهير العالم، دار كليك للنشر، الجزائر، الطبعة الأولى 2007، من 48 صفحة ..

الكتاب بسيط جدا .. وسهل الحمل والقراءة .. إعتمد صاحبه على الاختصار .. وقليل من المراجع .. وركّز على محطات بعينها .. يريد عمدا أن يلفت القارئ إليها..

صاحب الأسطر لن يتطرق إلى الجانب العلمي الدقيق لنيوتن .. وكذا نظرياته العلمية .. فهذا علم له أهله وأصحابه .. لكنه يتطرق لبعض الملاحظات .. التي استوجبت التوقف والتأمل ..

طرد الكبار .. جاء في صفحة 09 .. أن أمه "أخرجته من المدرسة، بعد أن شكا مدرسوه أنه لايهتم كثيرا بما يقولون" .. وظاهرة طرد العظماء والعلماء من المدارس .. تحتاج لوقفة .. ودراسة .. فكم من طفل حدّثنا عنه التاريخ .. أنه طرد من المدرسة .. بحجة الكسل .. والتهاون .. والضعف .. إذ به يمسي من كبار .. المنظرين .. والكتاب .. والمخترعين ..

دور المنافسة .. الصراع الذي عاشه نيوتن مع معارضيه .. واتهامه بالسرقة العلمية .. والسطو على النظريات العلمية.. ساهم بشكل كبير في تفجير طاقاته .. وبروز مواهبه العلمية .. وتميّزه في اختراعاته .. مايدل على أهمية الصراع الفكري .. والمنافسة العلمية.. في تفجير الطاقات .. والمواهب.

نيوتن بين مادحيه وقادحيه .. القارئ جين يتصفح الكتاب .. .. يلفت إنتباهه، أن الأستاذ عبد الله لعريبي ذكر .. آراء المؤيدين لنيوتن.. والمعارضين له.. تحت عنوان.. "نيوتن بين مادحيه وقادحيه" .. صفحة 45 ..

إن النقد.. يرفع .. القائل .. والمعني.. ولا يضر الناجي .. ولا يسىء للمعصوم .. ومن إعتبر النقد إهانة .. ظل أسير جاذبية الأرض .. ولن يعلو .. ولن ينعم بخفة .. وصفاء السماء .. والفضاء.

إعتمد صاحب الكتاب على كتاب.. "الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" .. لمايكل هارت ..

إنصاف عالم الفلك.. تحدث صاحب الكتاب في صفحة 46،عن مايكل هارت، فقال .. "العالم الفلكي الرياضي المعاصر مايكل هارت، الذي يعمل في هيئة الفضاء الأمريكية" ..

والقارئ والمتتبع، حين يقف جيدا على هذه الصفات العلمية .. يعلم جيدا .. أن الموضوعية التي إمتاز بها مايكل هارت .. في كتابه "الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" .. كانت مبنية على حقائق علمية مجردة .. لم يشبها حقد .. ولا حسد .. مايدل على أن العلم .. إذا كان لغاية نبيلة سامية.. توصل لكل ماهو سامي .. حتى لو عارض قناعاته .. وما تربى عليه .. كما هو الشأن مع كتاب .. "الخالدون مائة ..".

 

قراءة في كتاب ليلي أنفار (2): التكوين والتدريب

aesha momadالرومي- دين الحب .. Rûmi- La Religion de l’Amour

كنت نيئا، ثم نضجت، ثم احترقت.....

لا يمكن تجريد تصوف مولانا جلال الدين الرومي من إطاره العام، أي الإسلام المحمدي، رغم ابتعاده عن صلابة الشريعة وعن التصوف المؤسساتي كما تفعل بعض التيارات الغربية.

" في هذا المنحى، فقد كان دائما وفيا للتقليد، حرا في فكره، متميزا في رؤيته وتناوله للأشياء" ل.أ.

"وإن كان الرومي أمير العشاق، فلأنه عرف أن يَعشق ويُعشق، أن ينشأ ويتلاشى في العشق" ل.أ

من هنا كان لزاما التعريف بمعلميه والمساهمين في رقيه الروحي: الأب "سلطان ولد"، شيخه ومريد والده "برهان الدين محقق" ثم معشوقه "شمس الدين التبريزي". وكما يقول "إريك جوفروا في كتابه "Initiation": "الشريعة، الطريقة، ثم الحقيقة".

نتطرق في هذا الجزء إلى تعاليم الوالد بهاء الدين ولد، ومن بعده مريده برهان الدين محقق الترمذي، ثم نخصص جزءا ثالثا من هذه القراءة إلى الشمس الساطعة: شمس الدين التبريزي.

 

في كتاب "المعارف" لوالد مولانا وفي مصادر أخرى مختلفة، يظهر أن هذا الأخير كان ذا بنية دينية وروحية لا مثيل لهما، وكان صاحب كرامات كثيرة ومريدين كثر. وتقول الباحثة أن "قراءة كتاب "المعارف" يظهر أن بهاء الدين ولد كان شيخا عارفا بالله، منغمسا في جو روحاني غني" ل.أ

لكن حسب ف.ليويس في كتابه "الرومي ماضيا وحاضرا، شرقا وغربا" فالباحث ينكر ذلك ويأتي بدلائل وحجج، ويذهب إلى حد إنكار تأثير بهاء الدين ولد على ابنه، فقد حجب شمس الدين التبريزي كل ذلك وكان شيخه الحقيقي وقطبه الروحي. "في أعمال الرومي نفسه، لا نلاحظ انه ذكر والده أو أشار إلى أعماله أو تأثيره عليه بشكل مباشر"ل.أ

ويعتقد أن سلطان ولد قد وضع أفكارا ومعلومات غير محققة عن أبيه وجده، و"يعزى ذلك إلى حب الانتماء إلى سلالة من علماء الشريعة. كما انه رغم معارضته لبعض سلوكيات أبيه، فقد أراد أن يضفي نوعا من المشروعية الدينية عندما يضع والده داخل إطار عائلي "صحيح دينيا" ل.أ .

وتوالت بعد ذلك السير التي أتت بجملة من الإدعاءات، وتفاقم الجانب الخرافي فيها، حيث اختلط بالوقائع.

لم يحظ بهاء الدين ولد بمثل شهرة ابنه، لكن ذلك لا يمنع من كونه معلما روحيا كبيرا، ساهم في التكوين الروحي لجلال الدين الرومي. "فمن المحاور الأساسية لفكر الرومي، أن الحقيقة الروحية لا تقاس بمعيار الشهرة" ل.أ

لقد كانت حياته الروحية متوجهة نحو عشق الخالق في جميع الحالات وكل الأشياء، لكن ذلك بعيد كل البعد عن وحدة الوجود "Panthéisme" الذي يعتقد بها الفلاسفة الغربيون. ألم يقل سبحانه أنه أقرب إلينا من حبل الوريد؟ كفى بذلك دليلا.

بعد وفاة سلطان العلماء بهاء الدين ولد بسنة، التحق برهان الدين محقق الترمذي بقونية من أجل إتمام ما بدأه الأب بشأن مولانا جلال الدين الرومي، وقد اختلفت الروايات حول سبب مجيئه. هناك من يقول أنه جاء باحثا عن شيخه لكن المنية سبقته، وهناك من قال أن شيخه أمره أثناء الحلم بالذهاب إلى قونية والتكفل بالتكوين الروحي لمولانا. دام ذلك تسع سنوات زار فيها مولانا حلب ودمشق، ودرس علوم التفسير و علم الحديث والفلسفة والحكمة الإشراقية "Théosophie".

كانت هذه المرحلة مناسبة للإحاطة بالعلوم الظاهرية "الشريعة" حتى يتمكن بعد ذلك من ولوج "الطريقة".

يقول برهان الدين محقق في كتاب "ولد نامة" لسلطان ولد مخاطبا مولانا الذي يعتبره كابن له: "مهما كنت بارعا في العلوم وليس لك مثيل: اعلم أن أباك كان يمتلك الأحوال الروحية. ابحث عن ذلك وتتجاوز "علم القال". الآن وقد أصبحت متمكنا من هذا العلم مثلي، ادخل إلى سكر أحواله وجاهد على أن تحصل على إرث أبيك كاملا لكي تكون كالشمس ناشرا للنور، أنت وريث أبيك بالنسبة للقشرة، أنظر، فأنا قد حظيت باللب".

نصح برهان الدين محقق تلميذه بقراءة أعمال والده بغرض استبطان المعاني الروحية من خلال الطقوس الظاهرية، وقد كان الشيخ متعلقا بالصيام والصلاة، وكان يحث على الخلوة من أجل التمرن على الزهد والتأمل، وقد قال في هذا الشأن:

"نستطيع الهروب من كل شيء، ذلك يسير، لكن لا نستطيع الهروب من أنفسنا. فالنفس هي سبب آلامك. لن تعرف الراحة قبل أن تصير "لا شيء" وتفني النفس وشهواتها. مت قبل الموت وادفن "نفسك" في قبر "اللاشهوة"، عندها ستصل إلى السعادة .. (موتوا قبل أن تموتوا) من الأحاديث النبوية التي تأمل فيها الصوفية كثيرا وحاولوا تحقيقها على أرض الواقع عبر مجموعة من المجاهدات. وقد ذكر الرومي مرات عديدة "الموت قبل الموت"، أي التخلي بطريقة قطعية عن النفس وعن كل ما يربطها بالدنيا والابتعاد عن "النفس الشهوانية" للوصول إلى كيفية أخرى للبقاء "mode d'être"تكون هي السعادة الحقيقية" ل.أ

ن الديوان الكبير:

موتوا، موتوا في هذا العشق، موتوا

عندما تموتون في هذا العشق، تحظون بالروح كاملا

موتوا، موتوا، لا تخافوا من هذا الموت

لأنكم ستصلون إلى السماء وأنتم تغادرون هذه الأرض

موتوا، موتوا، انفصلوا عن هذه النفس

فهذه النفس قيد وأنتم لها سجناء

تناولوا الفأس وهاجموا هذا السجن الفارغ

سوف تصبحون ملوكا وأسيادا بعد تدميره

موتوا، موتوا بالقرب من الملك الحسن الوجه

سوف تصبحون ملوكا وأمراء، إذا متم بالقرب منه.

لهذا نلاحظ أنه كان لبرهان الدين محقق تأثير كبير على مولانا نشهده في الحكايات والقصص التي يرويها في آثاره التعليمية. " فالشيخ كان يلجأ إلى القياسات والصور المجازية من أجل شرح مسائل روحية بطريقة ملموسة وجذابة.......وكان هو من شجع الرومي الشاب على قراءة الأشعار ذات الطابع الروحي كمصدر للحكمة والتعلم، حيث أن الأشعار في تلك الحقبة الزمنية، لم تكن تدخل في إطار التكوين الروحي".ل.أ

كان برهان الدين محقق متذوقا للشعر، صانعا منه مصدرا لإلهامه وطريقة للتعبير عن أحواله الروحية التي يعجز عنها الوصف، وقد ظهر ذلك جليا وبصورة أكثر وضوحا في مختلف أعمال جلال الدين الرومي الذي تهيأ لمدة تسع سنوات للقاء. "هل كان يعلم أن هذا الاستعداد الروحي للقاء الله كان استعدادا للقاء محرق، سيضرم النيران في إلهامه الشعري؟ هل أحس بذلك؟ ليست هناك أية مصادر تستطيع الجزم بذلك" ل.أ.

 

............

ل.أ: مترجم عن ليلي أنفار

ليلي أنفار”Leili Anvar“دكتورة في الآداب، محاضرة وباحثة في الأدب الفارسي بمعهد اللغات والحضارات الشرقيةINALCO

 

كتاب رئيس اتحاد ادباء روسيا غانيتشيف: الكلمة .. الكاتب .. الوطن

حصلت على هذا الكتاب الفخم والرائع والجميل، والذي يقع ب 600 صفحة من القطع الكبير اثناء مشاركتي في اعمال المكتب الدائم لاتحاد ادباء آسيا وافريقيا، الذي انعقد في شهر سبتمبر/ ايلول 2014 في موسكو بضيافة اتحاد ادباء روسيا، اذ قدٌم الباحث والناقد الادبي فاليري نيقولايفتش غانيتشيف رئيس اتحاد ادباء روسيا (منذ عام 1994 ولحد الان) عدة نسخ من كتابه هذا الصادر عام 2013 هدية الى المشاركين في تلك الجلسة، وقد حرصت بالطبع على الحصول على نسخة من ذلك الكتاب، لاني كنت أعرف مسبقا ان الحاضرين سيأخذون نسخهم مجاملة ليس الا لانهم لا يعرفون اللغة الروسية، وانهم سيضطرون لتركها في الفندق عند العودة الى بلدانهم بالطائرة لان الكتب (ثقيلة الوزن !) كما هو معروف في كل المؤتمرات الادبية والاجتماعات الكبيرة وفي كل بلدان العالم تقريبا، واظن ان القراء يتفقون معي بشأن هذه الملاحظة العامة والمتكررة والمؤسفة طبعا . وهكذا حملت معي هذه النسخة من الكتاب بكل حرص واهتمام وحب الى بيتي، واطلعت بعدئذ على مضمونه بشكل دقيق وعميق وبدأت أؤشر بقلم الرصاص – وكعادتي – على هذا الجزء او ذاك من كل فصل من هذا المصدر المهم من مصادر دراسة الادب والتاريخ الروسي وذلك للاستفادة منها في بحوثي ومقالاتي في الادب الروسي وترجماتي اللاحقة حول هذا الادب وظواهره وخصائصه واعلامه، وسوف استخدم بلا شك هذا المصدر الكبير والمهم لاحقا، و لكني اود في هذه المقالة ان استعرض للقارئ العربي هذا الكتاب واتصفحه سوية معه، اولا لاهميته وقيمته الكبيرة في مسيرة الادب الروسي وأعلامه، وثانيا لان كتابات غانيتشيف ودراساته الادبية والتاريخية غير معروفة بشكل عام لهذا القارئ مع الاسف .

عنوان الكتاب كما اشرنا اعلاه هو - (الكلمة / الكاتب / الوطن)، وكل كلمة من هذه الكلمات تقف على غلاف الكتاب في سطر منفصل كليا وتحتها خط، ولهذا فاني قمت بكتابتها هنا ليس عبر الفوارز او النقاط وانما عبر الخط المائل هذا، والعنوان – كما هو واضح - بحد ذاته متميز فعلا، ويثير القارئ بلا شك ، لانه لا يستطيع ان يسبر غوره او ان يعرف عن اي شئ يدور الحديث على صفحات هذا الكتاب الضخم، رغم انه يفهم ان الكتاب هذا يتناول بشكل عام شؤون الادب والادباء وعلاقتهم بالوطن . مقدمة الكتاب جاءت بقلم الكاتب الروسي الكبير فالنتين راسبوتين وعنوانها – القلب لا يخطأ، وهي كلمة جميلة وعميقة والتي وصف فيها غانيتشيف ب – (الكاتب والمؤرخ العالم والشخصية الاجتماعية بكل ما في هذه الكلمات من معان والحامي لتراث الوطن الروحي والمتأمل في اعماقه) . يتضمن الكتاب اربعة فصول، وفي كل فصل مجموعة كبيرة من المقالات، ويبتدأ غانيتشيف في الفصل الاول والذي جاء بعنوان (ابناء وطني العظماء) – وليس من باب الصدفة ابدا – بنشر كلمته في الذكرى المئوية الثانية لميلاد شاعر روسيا الكبير بوشكين، والتي القاها في الاحتفالات التي جرت في مدينة ميخايلوفسكي في 6 حزيران / يونيو عام 1999، والتي جاء فيها – (... بوشكين – هو روح روسيا ..بوشكين – هو الفرح والضياء .. بوشكين – هو انقاذنا .. وها هو ذا اليوم يدعونا جميعا ان نتوحد باسم الحب، باسم الوطن...بوشكين – هو رب الادب ..في البدء كانت الكلمة، والكلمة هي الرب ...)، ثم نقرأ مقالات اخرى في هذا الفصل الاول من الكتاب عن تورغينيف بعنوان – (عبقرية العشق)، وعن غوغول بعنوان – (غوغول يوحد الشعوب)، وعن تولستوي بعنوان – (عبقري الكلمة والفكروالبحث)، وعن الشاعر فيت بعنوان – (صوت روسيا الموسيقيٌ) ولا يمكن تلخيص هذه المقالات بعدة كلمات بتاتا، ثم نقرأ كلمته التي القاها بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد يسينين بعنوان – (امنحوني وطني)، وهو مقطع من قصيدة مشهورة للشاعرالكبير يسينين نفسه، والتي يكتب فيها ما يأتي -

اترك الوطن

وعش في الجنة،

واقول انا – لا اريد الجنة

امنحوني الوطن..

وهناك مقالات اخرى عن ادباء روس كبار مثل دستويفسكي و شولوخوف وحتى بعض الادباء المعاصرين في القرن العشرين مثل ليونوف وتفاردوفسكي، وهذه المقالات كلها – من وجهة نظرنا – تستحق، بل تتطلب حتما الترجمة الى العربية لأنها ترسم بالكلمات صورا قلمية جميلة وعميقة عن كل واحد من هؤلاء الادباء العظام وتحمل في طياتها رأيا معاصرا جديدا وروحية وجمالية مدهشة لا نجدها عند الباحثين الآخرين، وبالتالي تضيف الى القارئ العربي معلومات جديدة ومهمة نوعيا حول هؤلاء الادباء وحول مجمل الادب الروسي وسماته طبعا . ينتقل الكاتب في الفصل الثاني من كتابه الى التاريخ الروسي وارتباطه بالادب، وهناك نجد مجموعة من المقالات التي تتناول بعض الادباء من القرن الثامن عشر بالاساس وصولا الى القرن العشرين، والذين يرتبطون باحداث تاريخية في مسيرة الادب الروسي، بما فيها مثلا، موقف لجنة جائزة نوبل للاداب تجاه الادباء الروس، والتي تبين ان نوبل نفسه اوصى بمنحها الى تولستوي وكيف ان الكاتب الروسي الكبير، الذي كان من المفروض ان يكون عام 1897 اول اديب في العالم حاصل على هذه الجائزة، كتب رسالة مفتوحة الى احدى الصحف السويدية راجيا عدم منحه هذه الجائزة، و تكرر ترشيح تولستوي للجائزة عام 1906، وقد اتصل تولستوي باحد معارفه بالعاصمة السويدية وطلب منه اعلام اللجنة بعدم رغبته بالحصول على الجائزة والا فانه سيكون مضطرا لرفضها علنا، ومن المعروف ان تولستوي كان يريد في تلك الفترة ان يرفض حتى ثروته وملكيته الشخصية .اما الفصل الثالث من ذلك الكتاب فانه مكرس لاخوانه وزملائه ورفاقه من الادباء الروس المعاصرين له ومعظمهم – مع الاسف – غير معروفين للقارئ العربي المعاصر تقريبا رغم انهم ادباء كبار في روسيا اليوم، ويعد هذا الفصل في غاية الاهمية من وجهة نظرنا لانه يتناول هؤلاء الاعلام في روسيا ولكن القراء العرب – مع ذلك – لا يعرفون عنهم حتى المعلومات الاساسية، وهذا بالطبع دليل عدم متابعتنا المعيبة – واقولها بألم ومرارة - لمسيرة الاداب العالمية بشكل عام والادب الروسي اليوم بشكل خاص، ونحن – وهذه طبعا وجهة نظرنا الشخصية المتواضعة - نعد هذا الفصل من اهم الفصول في هذا الكتاب ونعتقد جازمين انه يستحق الترجمة، بل ويقتضي علينا – نحن العرب – ان نترجمه الى العربية كي نتعرف ولو قليلا على ادباء وفنانين روس كبار مثل راسبوتين وغلازونوف وميخالكوف واليكسييف وسوفرونوف وباندرتشوك وكراسنوف واسماء اعلام معاصرين ومثقفين كبار في الساحة الروسية في القرن العشرين وفي الوقت الحاضر الان من القرن الحادي والعشرين، اما الفصل الرابع والاخير في هذا الكتاب فانه جاء بعنوان – (عند ادباء روسيا)، ويضم تلك الكلمات التي القاها غانيتشف عند منح الادباء الروس لميداليات و اوسمة التكريم او الكلمات التي ساهم بها اثناء لقاءات اتحاد ادباء روسيا مع اتحاد ادباء بيلاروسيا (روسيا البيضاء) واوكرانيا او في مؤتمر شعوب روسيا الذي تم عقده في مدينة غروزني الشيشانية ...الخ، والتي تؤكد على الروحية المتعددة القوميات والمنسجمة لتلك الشعوب المختلفة التي تحيا معا في اطار روسيا الاتحادية – البلاد المتعددة القوميات تاريخيا في كيان دولتها العتيدة الاتحادية الواحدة، والتي يجب علينا – نحن العرب بشكل عام والعراقيين بشكل خاص - ان ننظر اليها كما هي فعلا ونتقٌبلها ونعترف بتعايش القوميات العديدة معا فيها وبنجاح تجربتها في هذا المجال، وناخذ منها مثلا حيويا وواقعيا في حياتنا، والذي نحتاجه جدا اليوم ...

"انزعْ عنّي الخُطى" ديوان شعري جديد للشاعرة والروائية فاتحة مرشيد

640-morshidiعن دار توبقال للنشر، أطلقت الشاعرة والروائية فاتحة مرشيد ديوانا شعريا جديدا بعنوان "انزَعْ عنّي الخُطى"، ضمن سلسلة "نصوص أدبية.

يقع الديوان في 104 صفحة من الحجم المتوسط ويضم أربع قصائد: انزَعْ عنّي الخُطى، لن أموت مرتين، عطلة الحب وهلوسات الماء.

ديوان "انزعْ عنّي الخُطى" تجربة إبداعية وازنة يطبعها العمق والتأمل، تُستهل كل قصيدة منها بشذرة من قصيدة "عن الماء" لفريدريش نيتشه

وكأنها محاورة فلسفية تتخذ الشعر قاعدة لها.

جدير بالذكر أن ديوان "انزَعْ عنّي الخُطى" هو السابع في مسار الشاعرة فاتحة مرشيد بعد (ما لم يقل بيننا) الحائز على جائزة المغرب للشعر سنة 2010، (آخر الطريق أوله) 2009، (تعال نُمطر) 2006، (أي سواد تُخفي يا قوس قزح) 2006، (ورق عاشق) 2003، و(إيماءات) 2002.

 

640-morshidiنقرأ على ظهر الغلاف:

في مُواجهة الرّيح

أمشي

وذاكرتي تَزحفُ خلفي

أُضيفُ لها فصولاً

تنزع عنّي فصولا

 

ما أضْيقَ الدّربَ

دون ابتكار الذّكريات

قراءة في كتاب: "الرومي .. دين الحب" لليلي أنفار

aesha momadتستهل ليلي أنفار كتابها عن مولانا جلال الدين الرومي “الرومي - دين الحب” ببيت شعري من ديوان شمس تبريز:

غرق محيطي في ذاته...

مذهل أنا، ذلك المحيط من غير شاطئ

كأنها تدعونا إلى دخول ذلك المحيط الشاسع، إلى عوالم مولانا جلال الدين الرومي من غير رجعة، حيث تقول: “أولئك الذين قرؤوا ودرسوا وأحبوا أعمال الرومي زهاء 800 سنة، مروا بتجربة الدخول إلى محيط من غير شاطئ، تصعب العودة منه”

اعتمد في إعداد هذا العمل على مجموعة من الأعمال السابقة، بغية إعطاء لمحة عن حياة مولانا، وكيفية تأثير سيرته في تكوين أفكاره وصياغة أعماله، حيث اهتمت الباحثة بأعمال كل من:

- بديع الزمان فروزانفر، الذي نشر جميع أعمال مولانا جلال الدين الرومي.

- فرانك ليويس، الذي دون كل ما قيل عن مولانا جلال الدين الرومي في مؤلفه: “الرومي ماضيا وحاضرا، شرقا وغربا”

- الأستاذ علي موحد خوارزمي، الذي نشر كتاب مولانا شمس الدين التبريزي “مقالات”

- الأستاذ محمد استعلامي، الذي نشر ووثق “المثنوي

بالإضافة إلى مراجع فارسية، ترجمت مادتها إلى اللغة الفرنسية:

- كتاب”فيه ما فيه“و”كليات شمس“أو”الديوان الكبير“لفروزانفر

- كتاب”المجالس السبعة“لتوفيق سبحاني

- كتاب”مناقب العارفين“لأحمد شمس الدين أفلاكي

- كتاب”معارف: مجمع المفايز وكلمات السيد برهان الدين محقق الترمذي“

- رسائل سبهسالار لفريدون بن أحمد سبهسالار

- كتاب”معارف“لبهاء الدين ولد

- كتاب”ولد نامه“لسلطان ولد

تؤكد ليلي أنفار على استحالة تقديم جميع جوانب حياة مولانا، حيث فضلت التركيز على الجانب الروحي الذي كان محط اهتمام مولانا جلال الدين الرومي، لذلك كان من الواجب التعريف بالشخصيات التي أثرت في حياته ثم تقديم أعماله ومؤلفاته الرئيسية.

تقول ليلي أنفار:”يجب التأكيد من الآن على أنه من الضروري تناول أعمال مولانا من زاوية روحية صرفة، فلأي مقاربة أخرى تعتبر تفسيرا خاطئا، ومن أجل ذلك علينا الخروج من دائرة التصورات المعاصرة. لقد عاش الرومي في عالم حيث يتآلف الروحي والمقدس واللا طبيعي من أجل تشكيل الحياة“

فالتصورات والتأويلات المعاصرة تغلب عليها المادية بخلاف الوضع أيام مولانا جلال الدين الرومي، حيث كانت الجماهير تتجه إلى تأويل الواقع من خلال نظرة أكثر روحانية رغم احتياجاتها المادية بالطبع، و”كانت الجوانب الدينية والروحية تعطي معنى للحياة وتكون بنية الوجود“ل.أ.

حاول مولانا إيصال كلامه حيث يعجز اللسان عن الكلام، فعالم الروح لا يمكن التعبير عنه، وجماله ينير كل أنحاء الكون. فكان لا بد من خلق لغة للروح تجلت في أشعاره التي جابت العالم وعرفت صدى كبيرا في الغرب، لبعدها الروحي أولا، دون إغفال البعدين الاجتماعي والديني. ف” لتجاوزه الضوابط والبنى التقليدية، قد وصل إلى الكونية“ل.أ، وشيد عالما جميلا، كان”انعكاسا للحب الذي يسكنه“ل.أ.

قدمت الباحثة مؤلفها في جزأين رئيسيين مرفقين بانطولوجيا. تتعمق من خلال الجزء الأول في حياة وسيرة مولانا منذ الولادة حتى الرحيل، وتبرز كل المراحل والرموز التي ساهمت في تكوينه وتغيير منحى حياته، أما الجزء الثاني، فإنه يشكل قراءة معمقة لأعمال مولانا جلال الدين الرومي الشعرية والنثرية ورسما متقنا لعالمه البديع.

اعتمدت ليلي أنفار في خطها لسيرة مولانا جلال الدين الرومي على مجموعة من المصادر، اعتبرتها متكاملة ومتناسقة، وتمكن من تتبع مسيرة الشيخ الصوفي والشاعر المتميز (قد تم ذكر كل المصادر في المقدمة)، وتؤكد أن تعدد هذه المصادر يشكل منجما ثمينا للباحث بالرغم من قولها أن بعضها ذو طابع قداسي وتختلط فيه الحقائق بالخرافات. فشخصية مولانا المشرقة جمعت حوله كثيرا من الباحثين عن الحقيقة وحتى بعض المتطفلين، أناس من كل التوجهات الدينية والانتماءات الاجتماعية التي ساهمت في خلق”أسطورة الرومي“على حد تعبيرها.

فمن أجل ذلك كان من الواجب لدى المؤلفة تحقيق كل المتن على قدر المستطاع ومقارنة الأساطير على ضوء المعطيات التاريخية والنصية، وتقبل بعض السرد الخرافي لأنه يخبرنا بمعطى أساسي، ألا وهو نظرة معاصري مولانا لشخصه وكيفية تلقيهم لتعاليمه وقراءتهم لأعماله.

منا، لن يبقى سوى اسم

إن الاسم الكامل لمولانا هو جلال الدين محمد ابن سلطان العلماء بهاء الدين ولد ابن الحسين ابن أحمد خطيبي، ولهذا الاسم دلالات كثيرة حول آبائه، حيث كان والده سلطان العلماء وهو الذي أطلق عليه لقب”جلال الدين“، وكان جد والده خطيبا.

كما أن للموقع الجغرافي نصيبا من اسم مولانا، فقد لقب ب”الرومي“لانتمائه إلى منطقة الأناضول وقد كانت تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية آنذاك، وسمي كذلك ب”البلخي“نسبة إلى”بلخ“مسقط رأسه وهي مدينة في أفغانستان الحالية، لكن الإسم الشائع والذي أطلقه عليه مريدوه هو”مولانا“في كل بلاد فارس وتركيا.

لا من الشرق ولا من الغرب

عبر مولانا عن لانتمائه لذلك العالم الذي مزقته الحروب وسفكت فيه دماء ملايين البشر تحت قوة الجبروت والغطرسة، في أبيات من الديوان الكبير:

داخل الحرب والدماء...قد دمر التتار العالم....أعلم ذلك

لكن الخراب يخفي كنزا...أي مكروه يستطيع إصابته؟

قد دمر العالم....اعلم ذلك...لكن، ألست صديق ذوي الحياة المحطمة؟

من كان ثملا بك...كيف يلحقه الدمار؟

”هذا العالم الدامي والذاهب نحو الهاوية ليس سوى معبر للوصول إلى بعد آخر. وفي نفس الوقت، كل إيقاع، كل لحظة جمال، كل نظرة تأمل في وردة، في وجه، في الشمس أو المحيط، كلها شهادات على عظمة الخلق، ما وراء كل الآلام“. ل.أ

معلومة جديدة تشير إليها المؤلفة من خلال دراستها لأعمال”فريتز ميير“و”ف.ليويس“، هي أن مولانا لم يولد ب”بلخ“بل ب”فاخش“وهي مدينة صغيرة بعيدة عن”بلخ“في طاجيكستان الحالية. لكن”من أجل رجل عشيرته من عالم ما وراء الأكوان، ويرنو إلى فضاء ما وراء اللامكان، فهذا ليس بالأهمية الكبرى“ل.أ

قد أشار مولانا إلى أهمية الحركة في العالم الطبيعي والعالم الروحي الذي يقابله، فكل الأشياء في حركة دائمة، وتكوين أكبر الصوفية كان من خلال الترحال والسفر، فمن المستحيل أن يكون هناك عالم ثابت وإلا فإن مصيره الهلاك والموت.

فكيف لنا أن نتصور مصير عدد من الرسل والأنبياء دون حركة وسفر: غياب يوسف عن أبيه ورحلته نحو مصر، فراق موسى لأمه، تنقل عيسى وإحياؤه للموتى، هجرة محمد من مكة ثم عروجه إلى سدرة المنتهى للقاء ربه.

يمكن أن نقيس على ذلك هجرة مولانا مع أسرته من مسقط رأسه الذي دمر وأحرق من طرف جيوش جنكيز خان.”الحركة جسمانية كانت أم روحية، فهي مرادف للحياة، للتطهر، للعروج وللنور“.ل.أ

وكما يقول مولانا في كتاب مناقب العارفين لأحمد الافلاكي:”الإنسان الحقيقي هو ذلك الذي ينمو و يرتقي كل يوم. ...التشبث بشيء ما أو الوقوف يؤدي بك إلى الموت“.

 

...................

ليلي أنفار”Leili Anvar“دكتورة في الآداب، محاضرة وباحثة في الأدب الفارسي بمعهد اللغات والحضارات الشرقية”"INALCO

 

معلومات إضافية