كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

الف عام.. للكاتبة العراقية شذى سلمان

914-shadaصدر مؤخرا عن مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر والتوزيع رواية "الف عام" للكاتبة  العراقية (شذى سلمان)، وتقع الرواية في 274 صفحة من القطع المتوسط.استغرق العمل فيها اربع سنوات واربعة وعشرين يوما بالتحديد .. حاولت فيها الكاتبة ان تنتصر للإنسان، ضد الحرب وضد الحاجة وضد انتهاكات الضعفاء ولم تكتفِ الكاتبة باستعراض احداث سنوات الحرب ومحاولة وضعها أمام القارئ بل راحت تفتش عن أسئلته الخاصة فجعلت الرواية تبحث عن إجابة على سؤال من الرابح في الحروب؟ وما هي تأثيراتها على الناس والمجتمع والتعايش والأخلاق؟. رواية تريد أن تثبت أن الحروب هي نتاج عقل سلطة والخاسر هو المواطن الذي لا يذكره التاريخ ،الذي يدون ما تقوله السلطة وما فعلته وهو تاريخ اعور وصاحب فتنة.

914-shada.."الف عام" قصة حب ووطن تشكلت بدون دوافع وانتهت بخذلان الواقع..، قصة يعبر فيها المرء بشدة عن طموحاته، احلامه، رغباته، عاطفته، وما يحمل قلبه وعقله من هموم ومشاعر بالفطرة وبالأكتساب

..الجدير بالذكر..ان الكاتبة شذى سلمان تتميز بقدرة عالية على تصوير  الاحداث ووصفها باسلوب ممتع  يشدك الى عدم مغادرة النص ما لم تكمله..

هذا وللكاتبة اصدار قيد الطبع يحمل عنوان (ورد نيسان) وهو عبارة عن مجموعة نصوص تتحث فيها الكاتبة عن مواضيع مختلفة الهدف منها ايصال رسالة للقاريء ملؤها الحب والايمان بوجود اله رحيم مهيمن على شوؤن هذا الكون الفسيح.

 

كتب: محمـد ثابت

 

 

قناصل فرنسا بالجزائر: أسرى فرنسيين وهدايا فرنسية وحملات صليبية

moamar habarيواصل صاحب الأسطر عرض الحلقة الثانية من الكتاب، بعدما سبق له أن عرض الحلقة الأولى بعنوان " قناصل فرنسا بالجزائر.. غزو واستدمار".  " LES CONSULS DE FRANCE A ALGER , AVANT LA CONQUETE 1579-1830" . EUGENE PLANTET .. ومما جاء في الكتاب..

38 ليس من الضروري التذكير، بأن تكاليف الحملة الفرنسية لغزو الجزائر وصلت إلى 43.610.000 فرنك، تم تغطيتها وببساطة بـ 48.680.000 فرنك،  الموجودة في خزينة القصبة. والاسطول الفرنسي الذي توجه للجزائر بتاريخ 1830.5.25، كان يضم 38.000 عسكري، و4500 حصان، و103 سفينة.

41 تصف فرنسا عظمة الجزائر، فتقول.. كل يخضع أمامهم، وبواخرنا تنحني حين تلتقي بسفنهم. يقيمون الضريبة على البحار وكأنها أملاكهم. الاستيلاء على كل السفن. الاستيلاء على السلع. بيع العتاد والأشخاص. طلب حاجات خارجة عن المألوف. إستغلال التبريرات لاستعباد البحارة الفرنسيين.

44 أسرى أوربا وفرنسا لدى الجزائر: عدد الأسرى الفرنسيين والأوربيين الذين ألقت عليهم القبض البحرية الجزائرية، ويعاملون معاملة العبيد، كبير جدا. ما تطلب من فرنسا التوسط لدى الجزائر لإطلاق سراح العبيد بأموال باهظة جدا كلّفت الخزينة الفرنسية الكثيروأرهقت القناصلة الفرنسيين بالجزائر، وحرمتهم من التمتع بمزايا القنصل، لأن الأموال الفرنسية كانت تذهب لتحرير العبيد الفرنسيين بالجزائر، منها..

سنة 1578: كان في الجزائر حوالي 25000 أسير فرنسي، وإيطالي، وإسباني أو مالطي. سنة 1635: كان 30000 أسير فرنسي وأوربي بالجزائر. سنة 1691: كان 36000 أسير فرنسي وأوربي بالجزائر. سنة 1750: كان 7000 أسير فرنسي وأوربي بالجزائر. سنة 1830: كان 500 أسير فرنسي وأوربي بالجزائر.

وما يجب ذكره، أن كل من تستولي عليه البحرية الجزائرية يعامل معاملة العبد. والفرنسي ذكر أن هناك 06 أسواق للعبيد بالجزائر، و14 سوق عبيد بتونس التابعة يومها للجزائر. ويباع الرأس الواحد ما بين 150 و6000. وتدفع لأجله الضرائب.

وذكر الكاتب أنواع المهن المهينة التي تسلط على العبيد الفرنسيين والأوربيين. بل هناك من القناصلة الفرنسيين من تعرّض للأسر. وكلما كان العبد  ذا قيمة، كلما إرتفع سعره.

وواضح جدا أن الغزو الفرنسي للجزائر مرده تعامل الجزائر مع الأسرى الفرنسيين على أنهم عبيد من جهة، والأموال الطائلة التي كانت تصرف لأجل تحرير هؤلاء الأسرى العبيد، ناهيك عن الإهانة التي كان يتعرض لها القناصلة الفرنسيين. والكاتب يذكر بالتفصيل أنواع الإهانة والذل، لمن أراد أن يعود إليها.

51 – 52 هدايا فرنسا للجزائر: بمجرد ما يصل قناصلنا في الجزائر، يقدمون هدايا ثمينة غالية للداي خصيصا، تصل قيمتها إلى 5000 جنيه إسترليني. والهدية المقدمة، كانت ترتفع قيمتها وثمنها، عبر الزمن..

6400 جنيه إسترليني سنة 1742 .. 13200جنيه إسترليني سنة 1763 .. 16600 سنة 1774 .. 48500 جنيه سنة 1791.. 80000 جنيه سنة 1805.. 160000 جنيه سنة 1811 .. 113000 جنيه سنة 1814

بالإضافة إلى قائمة طويلة من الهدايا الثمينة، ذكرها الكاتب فيما نقلها عن القناصلة الفرنسيين، تقدم لحاشية الداي ومعاونيه. ومن المعنيين بالهدية، المكلف بتنظيف الطرقات، ويقول..

وفي المقابل ورغم كل هذه الهدايا الثمينة الغالية، لا نتلقى من الجزائريين كلمة شكر. وغالبا ما يصرخون في وجوهنا بشأن قيمة وجودة الهدايا، ما نضطر لتلقي الإهانة من جديد. ولا يقدمون لنا سوى بعض الأحصنة العربية التي ندفع ثمنها مسبقا، مع بعض جلود النمر، ومناديل مطرزة. والهدية الوحيدة التي تسلمها الجزائر للمبعوثين الفرنسيين، تقديم الطعام لمدة 3 أيام لطاقم السفينة.

ويتحدث الكاتب عن أن هدايا بريطانيا للجزائر، تفوق بكثير مثيلاتها الفرنسية، ما يجعلها أكثر حضوة عند الجزائر من فرنسا.

ويتطرق الكاتب عبر صفحات الكتاب إلى الحقد الفرنسي على الإنجليز، لأن لهم مكانة لدى الجزائريين، ويسعون لكي يقطعوا الطريق أمام الإنجليز تجاه الجزائر. ويذكرون في مراسلات القناصلة الفرنسيين، وسائل منع التقارب الانجليزي الجزائري والحد منه، ويصفون بحقد كيف أن الانجليزي يتقرب للجزائري.

53 -55 الحملات الصليبية ضد الجزائر: الحملات المسيحية الأوربية ضد الجزائر بدأت سنة 1518. ثم توحدت أوربا ضد الجزائر تحت رابطة الامم المسيحية، منها ..

سنة 1541 حملة بقيادة إسبانيا، وبدعم من البابا بول الثالث. تبعتها 5 حملات إسبانية. ثم حملة سنة 1560. وحملة سنة 1775. وحملة سنتي 1783 و1784، التي قصفت الجزائر مرتين، وحطمت 400 منزل. وحملة سنة 1509، غزو وهران من طرف الاسبان، لكنهم فشلوا في الحفاظ عليها سنة 1792. وحملة بريطانيا سنة 1671 لاحتلال بجاية. وحملة بريطانيا من جديد سنة 1816، محملين بالقنابل و32 سفينة حربية. وحملة بريطانيا سنة 1824، لكن الحملة لم تنجح في ما أقدمت لأجله. والحملة الهولندية سنة 1662 و1770 و1772 و1767.

البابا بنوا XIV، وفي سنة 1750، يجتمع بقادة أوربا لغزو الجزائر، وضمت الحملة 12000 جندي للنزول في وهران. وبعد 30 سنة البابا بيي VI، يطالب بحلف دول المتوسط لغزو الجزائر.

الحرب الصليبية الاولى كانت سنة 1541، وبرعاية البابا الثالث. والثانية سنة 1664، و1682 و1683، و1688،  و3 اخرين. ثم تبعتها الحملات البريطانية، والحملات الهولندية. وكانت كل محاولة تقوي الجزائر وتزيدهم كراهيتهم لنا. ويتأسف الكاتب الفرنسي بكون فرنسا خاضت 15 حملة صليبية ضد الجزائر فقط. 

56 كل الدول الاوربية المسيحية كانوا مخيرين بين الحرب أو الضريبة. وذكر الكاتب الدول باسمها. والكثير منهم إشترى غاليا حياده المطلق، بعدما لم يستطع تلبية مطالبه بمفرده، فاستعان بالجزائر. وأجبر مبعوث نابليون على دفع 160.000 فرنك سنة 1815، طبقا لقائمة وضعها الداي بنفسه لأنه لم يمتثل لتعاليم الجزائر.

57 اشترت سردينيا معاهدة سلام مع الجزائر بمبلغ 216000 سنة 1764. وذكر الكاتب دول أوربية اخرى. وفي سنة 1799 تحالفت فرنسا مع روسيا لضرب الجزائر. وفي سنة 1814 طرحت المسألة الجزائرية في مؤتمر فيينا للقضاء عليها نهائيا من طرف تحالف القوى المسيحية.

58 بتاريخ 1816.6.4، نادت الدول الأوربية بتحرير العبيد البيض فقط، دون العبيد السود.

59 سنة 1817، الزمت أوربا في مؤتمر اكس لاشبيل، بوضع حد للجزائر وغزوها نهائيا.

60 الدول الأوربية التي ساهمت في الحملة ضد الجزائر هي.. فرنسا، وبريطانيا، وبروسيا، وروسيا، والنمسا، وإسبانيا، والبرتغال، ونابل، وسردينيا، وطوسكان، وسردينيا، والولايات الرومانية، والدنمارك، والسويد، وهانوفر، والدول الأوربية المنخفضة. وفي سبتمبر 1819، استقبل الداي المبعوثين الاوربيين ليعلموه بالتهديد الاوربي الموجه له إن لم يخضع لطلباتهم. فأجابهم بأنه لايستطيع تلبية رغباتهم والتخلي عن وظيفة تفتيش السفن، ليعرف العدو من الصديق. وقد خرج الداي من التهديد قويا.

61 قال جنرالات فرنسا يومها: فرنسا لم تكتفي بمعاقبة الجزائر بل محتها من الوجود. وخلال 20 يوم، إحتلت فرنسا الجزائر، وهذه خدمة للمسيحيين.

مايجب ذكره في نهاية عرض الكتاب، أن المؤلف الفرنسي كتب كتابه هذا بمناسبة الاحتفال بمرور 100 عام على إحتلال واستدمار الجزائر، أي كتبه سنة 1930. وكأن الكاتب يهدي كتابه هذا للمستدمرين الفرنسيين، ويشكرهم ويزيد في عزمهم على احتلال الجزائر والتمسك بها، كما جاء في آخر صفحة من الكتاب، صفحة 62.

وما يؤلم النفس وهي تنهي قراءة الكتاب، أن فرنسا كانت تتهافت لتقديم الهدايا الثمينة والغالية، ويعاقب القنصل الفرنسي من طرف الجزائر، لأنه تأخر في تقديم الهدايا. وترد الهدايا حين لا تعجب الجزائر، وكل هذا دون أن تتلقى فرنسا كلمة شكر، وذلك باعتراف قناصلة فرنسا بالجزائر.

واليوم، تقدم الجزائر الحصان البربري الأصيل، والسرج المطرز باليد، والبرنوس العربي الأصيل ليشتمنا فيما بعد .. العشيق والسكير.

 

معمر حبار

 

صدور كتاب أشكال من الخطاب الفلسفي العربي

913-zuhar"ما يحتاجه الإنسان المعاصر اليوم ليس تطبيق الإسلام بحذافيره وإنما بذل الجهد لفهمه على ضوء ثقافة العصر ومعرفة أين يبدا الديني وينتهي السياسي ورسم الحدود الفاصلة والواصلة بينهما"1

ظهر للعيان كتاب "أشكال من الخطاب الفلسفي العربي" الذي صدر عن دار ومكتبة البصائر ببيروت بعد تقديم ايداعه ببغداد من طرف المركز العلمي العراقي سنة 2014 وبعد طبعه بلبنان سنة 2015 وقد جاء في طبعة أنيقة ضمت قرابة 400 صفحة وقد قام بالإخراج الفني المبدع ليث عباس علي ولقد انقسم إلى بابين: الأول يهتم بورشة "عالم النص اللامحدود" ويتناول الثاني مسالة "آفاق الكينونة الجديدة".

لقد حاول المؤلف رصد حركية الفكر في التجربة الفلسفة لحضارة إقرأ والناطقة بلغة الضاد وركز جهده التأصيلي على سرد تجارب من الكتابة المختلفة ولقد أهدى عمله إلى كل منحاز إلى الشعب ومرابط على الرأي المخالف والى كل ملتزم بالحقيقة الثورية في كل موضع نظر وموقف والى كل مساهم في المراجعة النقدية ومتصالح مع الثقافة الوطنية والى كل مرافع على أولوية المقاومة والصمود والاسترجاع.

913-zuharوالحق أن هذا التأليف يندرج ضمن برنامج عمل اصطلح على تسميته من طرف المؤلف بتشريح العقل العربي الإسلامي ويأتي في مرحلة لاحقة على مقابسات النظر والعمل وكونية القول الفلسفي عند العرب.

من المعلوم أن الكاتب الفلسفي يحاول تسليط الضوء على التراث الفلسفي العربي بصورة جديدة وذلك من خلال السعي إلى الإفلات من ضيم القراءة الاستشراقية التي تري في الفلسفة الإسلامية مجرد ترجمة عربية للتراث الإغريقي ويريد القطع مع النظرة الافتخارية التي دأبت على تمجيد الذات الجمعية وفق نرجسية حضارية مغالية ونقد الخطاب المدحي الذي وقع ضحية التمركز على الذات وأعاد إنتاج الفشل.

لقد تطرق المؤلف في هذا الكتاب إلى قضايا حساسة وأحداث مصيرية تفجر حولها سجال تأويلي كبير وحاول رأب الصدع وإيجاد مصالحات سردية وبحث في المناطق المظلمة حاملا فانوس التنوير والعقل.

كما مارس التفكير الهرمينوطيقي مع شخصيات فلسفية معروفة وانتهى إلى نتائج واستخلاصات غير معهودة ونفض الغبار على أسماء مغمورة وتفطن إلى أهمية بعض الكتب النادرة وبلور مقارنات بين معارف متباعدة وأجرى حوارات بين نظريات غير متعاصرة وأطلق حركة الجدل بين الأنساق الساكنة.

لقد ربط بين عودة التفلسف إلى حضارة اقرأ وقيام فلسفة المستقبل من خلال إحياء العقل والسؤال عن الإنسان وفتح آفاق الكينونة وتشغيل حركة تأويل النص بصورة لامحدودة والمر بالصداقة كقيمة ايتيقية.

لقد أعلن المؤلف في هذا الكتاب الحرب على الجهل والخرافة وشرع الصراع مع الباطل والزيغ واعتصم بالحكمة والنقد وشجع التجديد بتحقيق المواءمة بين الفكر والشعر وبين العلم والدين وبين الفلسفة والشعب.

لكن "لا يمكن للشعب أن يخلق ذاته ويهتم بالأجيال إلا تحت الآلام المبرحة والمخاض العسير وكذلك لا يستطيع أي شعب أن ينشغل بالفلسفة إلا في هذه الوضعية القصوى كحالة المعاناة والتدهور والحرب."2 فهل من ضرورة لكي نمنع الفلسفة ونمتنع عن التفلسف نحن العرب اليوم؟

 

د زهير الخويلدي -  كاتب فلسفي

..........................

الإحالات والهوامش:

[1]  الخويلدي (زهير)، أشكال من الخطاب الفلسفي العربي، دار ومكتبة البصائر ، بيروت، طبعة أولى، 2015، ص18.

[2]  الخويلدي ( زهير)، أشكال من الخطاب الفلسفي العربي، مصدر مذكور،ص378.

 

 

أسئلة الدين والظمأ الأنطولوجي

801-jabarيمكن أن نضع كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي (الدين والظمأ الأنطولوجي) في سياق أسفار البحث عن المعرفة العميقة، تلك التي تخص الذات وكينونتها، والوجود وأسئلته، والفكرة وحمولاتها، الجسد وعلائقه بالحياة والموت، والدين وجوهر الايمان.

يضعنا الرفاعي أمام فضاء هذه الثنائيات، عبر كشوفاته واعترافاته وقراءاته، إذ يجوسُ عبرها عوالم شخصية ومعرفية وتاريخية، وعبر تصورات تدخل في إطار رؤاه الإيمانية العميقة، وأسئلته النقدية المفتوحة على مفاهيم التجديد والإصلاح، والنزوع الى استكناه سرائرها، وجدالها ومثقفاتها التي تمسُّ العقل والحدس والميتافيزيقيا..

الإنسان- بوصفه- هو هاجس الكتاب، بوصفه أكثر أسرار الوجود غموضا، مثلما هو الجوهر الوجودي للفكرة الدينية، فهو صانع العمران والمعرفة، وهو خليفة الله في الأرض، هو المؤمن والعابد، مثلما هو الخطّاء والقاتل والعبد والباحث والمُستبد، وهو المشغول بالحدْس والعرفان والميتافيزيقيا التي تقوده جوهر(لدّني) في الاشياء والمعارف خارجة عن المنطق والواقع، إذ هي تخص سرَّ علاقته بالدين، والدين كما يقترحه فهمه الرفاعي ليس المُدوّن، والمكشوف في الكتب، وفي الرسائل فقط، بل هو جوهر السؤال المتعالق بشغف الذات المؤمنة وهي تبحث من خلال (الظمأ الأنطولوجي) عن المعنى الغائب وعن الخلاص، ف(عبر البعد الأنطولوجي يمكننا العبور الى جوهر الدين، وبه يرتوي ظمؤنا للمقدس، وبه نتذوق الأبعاد الجمالية فيه، وندرك مايفيضه الدين في عالمنا) ص11

الظمأ الأنطولوجي يتحول هنا الى شفرة موجهة في كتاب الرفاعي، فهو مصدر للتحفيز، مثلما هو مجال تبئيري للكشف والإفاضة، ولعل التقاطع في النظر الي حمولات هذه الشفرة هو ما يؤدّى الى توليد الكثير من الاشكاليات الوجودية وحتى المعرفية، فالطريق العرفاني للدين يقود الى التلذذ بمعرفة الذات الانسانية عبر مقاربة الذات الالهية، وحتى الطريق البرهاني يُفضي الى أسئلة تتعلق بمعرفة الوجود والذات الرائية وكل الثنائيات التي يتعالق بها الإنسان، لكن البعض يَقْسرُ بحثه عن الظمأ الأنطولوجي من خلال القسْر الأيديولوجي، حتي يُغلق مفهوم الإيمان في حدود العُصاب، والكراهية والتكفير والتأثيم والتبعية للجماعة ولفقهها العدمي. 

يتمحور كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي(الدين والطمأ الأنطولوجي) والصادر عن مركز دراسات فلسفة الدين/ بغداد، ودار التنوير للطباعة والنشر/ بيروت/ 2015 حول ست عتبات مقترحة للقراءة.. 

801-jabarتبدأ العتبة الأولى(نسيان الذات) من توصيفات هذه الأنا بوصفها القوة المحركة لجوهر الأشياء، فهي (الأنا الخاصة) الأنا الذاتية التي تعي وتلتذ وتشارك وتفكّر، إذ( لاتبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلّا عندما تتحقق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لاتتحقق دون الفعل، فالوجود الإنساني لايصل الى الامتلاء الّا بالفعل وحده) ص16

ونقيض هذه الأنا هي(الشخصية المستعارة) كما يرى الرفاعي، تلك التي الشخصية الغارقة بعُصاب الجماعة، وضعف قدرتها على التفكير الحر، وممارسة أنويتها بحرية وإرادة، وهذه الشخصية المُسطّحة هي نواة فكرة التابع والخاضع وصناعة الجماعة العنفية وسيادة روح القطيع، كما أن هذه الشخصية هي المجال الذي تتشكل فيها ملامح تنميط الكائن وتجريده من قوة الفعل والمغامرة والنقد والاختلاف والاحتجاج والثورة، لأن هذه المظاهر تتقاطع مع مهيمنات الجماعات التي تشرعن فكرة الشخصية التابعة، ومن هنا(تحرص أدبيات الجماعات الاسلامية على مناهضة ورفض الثروة الفلسفية ومدونة التصوّف والعرفان في الاسلام، وتتهمهما بالهرطقة والخروج عن الدين، وتُحذّر أتباعها من الإطلّاع عليها والنظر فيها، وهو موقف تتضامن وتلتقي فيه تلك الجماعات بأسرها) ص19

العناوين الفرعية في هذه العتبة والتي تخص موضوعات (الانسان كائن عميق، الإيمان خيار شخصي، الحق في الاختلاف) تنحاز الى فكرة ماتكشف عنه الذات الواعية، والتي تجد فرادتها وأنستها في فعل الممارسة والموقف والخيار، إذ هي جوهر التعبير عن النزعة الانسانية في الإسلام، والتي اشتغل عليها الرفاعي في أطروحاته كثيرا..

في العتبة الثانية (نسيان الإنسان) يضعنا الباحث الرفاعي أمام سيرة وعيه الشخصي والعائلي، وطبيعة مكوناته المعرفية، والتجذّر الايماني الفطري في شخصيته، ومكابداته التي عاش يومياتها في بيئة اجتماعية وتعليمية صعبة وفقيرة، فضلا عن التعرّف على التحولات الفكرية الصادمة والتي غمرته بأسلتها، وحقائقها وضروراتها واشكالياتها، فهو يعترف بوجوده وسط عالم تُصارعه الأفكار والأوهام والأنماط، وأن قوة حيازته للوعي والحدْس المُبكّر جعلاه ينأى بالنفس عن الشطط والانحيازات غير الواعية..هذه السيرة هي ذاتها سيرة وعيه القلق، سيرة شكّه العميق، ذلك الذي جعله أكثر توقا البحث عن المعرفة والحقيقة، رغم رهابه من تدوين هذه السيرة، لانها تعني مواجهة مع عالم مُتشيء وغائر في مدونات التاريخ، وفي مهيمنات مركزياته السياسية والفقهية، وأحسب أن تسميته للسيرة ب(الاعتراف) يجعلنا أمام قراءة مفارقة، وأمام كشوفات فيها من الجرأة الحذِرة، أكثر ما فيها من المغامرة غير المحسوبة النتائج، فهو يضع الجرأة بوصفها نقدا لكل مظاهر القبح، بما فيه قبح الحاكمية، وقبح العزلة عن الحياة والعمل والمعرفة والجمال وفهم الواقع.. يقول الرفاعي: أدركت أنه لايلذ العيش إلّا بالخلاص من الفهم التبسيطي للواقع، وأن رؤية الوجود بعين واحدة تحجب جماليات الوجود، وأنّ الحياة لاتطاق من دون تذوق جماليات الوجود ص81.

فلسفة الاعتراف كما نقترح تسميتها رهينة بالاسئلة الوجودية التي بدأ يطرحها وعيه مبكرا، إذ أدرك الكثير من المفارقات والأوهام والالتباسات التي يعيشها الناس، وتسود في اوساطهم الاجتماعية، وداخل مجالاتهم العبادية والطقوسية، وعلائقهم داخل الجماعات المقهورة بوعي استلابي واخضاعي.

العتبة الثالثة في الكتاب (المثقف الرسولي علي شريعتي، ترحيل الدين من الأنطولوجيا الى الأيديولوجيا) تنحني على مقاربات لأفكار شريعتي وأطروحاته حول الثورة والخطاب الديني والإصلاح، يستهلها الرفاعي بتقديم إيجاز عن التيارات الدينية في إيران، ليضع أطروحات شريعتي في سياقها الفكري والتاريخي، إذ يجد في مقولات الحداثة واللسانيات والفيللوجيا وفلسفة التاريخ مجالا رحبا للحديث عن(دعوته الحماسية للعودة الى الأصالة، والهوية الحضارية، والذاتية) ص110

علي شريعتي أنموذج للمثقف الثوري الذي يسعى الى تقديم قيم المضمون الثوري للإسلام، من منطلق دعوته لمواجهة كل مظاهر الفساد والتردي والمنكر، وأنّ هذه المواجهة هي مسؤلية اخلاقية وثقافية وشرعية تخص رجال الدين مثلما تخص المثقفين الآخرين..

قراءة الرفاعي لأطروحات شريعتي تبدّت أكثر في مقارباته حول موضوع الأيديولوجيا، لأنه من الذين ينحازون للتفسير الثوري، والذي( يتطلب قراءة ايديولوجية للدين أو» أدلجة الموروث الديني» والموروث كما يرى يفتقر الى مثل هذه القراءة) ص119لكن شريعتي -كما يرى الرفاعي-(يغالي بوظيفة الايديولوجيا) ويغفل عن تمثلاتها وتحولاتها، والتي تحولت الى مصادر لتوليد الدوغمات القومية واليسارية والسلفية، كما أنّ (النسق المغلق) للأيديولوجيا يجعلها بعيدة عن التفاعل والقبول بالأفكار الأخرى وبتنوع مرجعياتها، بما فيها المرجعيات الدينية والطائفية، كما أنه يعني التقاطع مع تحقيق العدالة التي يهدف لها الدين، فالرفاعي يرى أنّ (الطريق الى العدالة لا يمرّ من خلال أدلجة الدين، لأن الأدلجة تُفسد الدين)123-124

العتبة الرابعة (التجربة الدينية والظمأ الأنطولوجي للمقدس) تنطلق من وعيٍ فلسفي لهذه التجربة، ولإدراك فواعلها على مستوى معرفة الله وتحسس حضوره عبر هذه المعرفة، والتي يجد فيها الرفاعي باعثا لتوصيف إيمانه الديني، الايمان الذي تتجوهر فيه تلك المعرفة واهتماماتها بتفسير التجربة الدينية، وكشف آثارها ب(في بناء الحياة الروحية، وبيان العلاقة العضوية للتجارب الدينية بإرواء الظمأ الأنطولوجي) ص154

العتبة الخامسة(أية دولة بلا حياة روحية وقيم أخلاقية) تنفتح على مقاربة ظاهرة الإرهاب الإسلاموي الذي أثارته داعش بوصفها تعبيرا سياسيا وتاريخيا وشرعيا في أزمة فهم النص الديني، ومحنة تكفير الآخر وتأثيمه وأخضاعه الى فقهيات الاستعباد والاستغلال من منطلق القسر الفقهي في النظر الى مفاهيم الايمان والكفر والسبي والشرك وغيرها، والتي أسهمت في تكريس قيم العنف والكراهية والقتل تحت يافطة الفتوى الملتبسة بالعودة الى مايُطلق عليه تضليلا بالاسلام النقي..

أحتوت العتبة السادسة على حوار مع الدكتور الرفاعي سلّط الضوء فيه على أطروحات مثيرة للجدل حول الدين والتدين والايمان والدولة والأيديولوجيا والسلف الصالح، فضلا عن قراءاته العميقة للعديد من الكتّاب المعنيين بالخطاب الإسلامي، واشاراته لمخاطر أدلجة الدين وتغييب القيم الروحية، إذ أنّ مظاهر العنف والتصلّب والتطرف هي جزء من غلوِ وتضخم هذه المخاطر التي باتت تهدد البنى المجتمعية وقيم الأخلاق والتعايش والمحبة وتشوه النزعات الإنسانية لأي ظمأ أنطولوجي للمعرفة والجمال والإيمان

 

 

حقيقة إتهام حزب الدعوة بعدم طاعة المرجعية الدينية (24)

ali almomenحزب البعث يتهم الصدر والدعوة بالعداء للمرجعية

في العام 1979؛ بالتزامن مع تحرك الإمام السيد محمد باقر الصدر؛ كانت عناصر الأمن والمخابرات وحزب البعث في النجف الأشرف؛ تستند الى مصطلحات ومعايير دينية مدروسة في نصحها للشباب المؤمن الناشط، تنصحهم أن لا يتورطوا مع جماعة الصدر العملاء المعادين للمرجعية الدينية؛ لأن الصدر هو ضد المرجعية، ولديه حزب يحارب المرجعية، وهؤلاء خطر على الشيعة، وإن الصدر عميل أميركي وعميل للخميني، وإن الخميني هو عميل أميركي أيضاً.

ولم يكن هذا النوع من آلتهم المدروسة بعناية في الغرف المظلمة لأجهزة المخابرات العراقية والإقليمية والعالمية؛ بعيدة عن مسامع الناس في الأوساط الدينية أو القريبة منها اجتماعياً؛ فقد كان يتحدث بها بعض المعنيين وغير المعنيين؛ متدينين وغير متدينين؛ كأنها أمر بديهي غير قابل للنقاش، كما كان الحديث عن عداء (جماعة الصدر) للمرجعية والحوزة وخطورتهم على الشيعة؛ هو الشائع الذي يركز عليه رجال الأمن والمخابرات والبعثيون أكثر من غيره؛ بهدف التنكيل بالدعاة وتعميق الفرقة بينهم وبين الاتجاه العام في الحوزة العلمية والمتدينين التقليديين.

في هذه الفترة؛ لم يكن السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة الإسلامية؛ المستهدَفين الوحيدين من هذه الهجمة؛ بل كان كل التيار الإسلامي السياسي الشيعي متهماً بهذه التهم أيضاً؛ تزامناً مع اندلاع الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الإمام الخميني؛ الذي كان يمثل قيادة هذا التيار؛ بل كان بعض المتدينين المحافظين الشيعة يقولون: (الخميني يريد إسقاط الشاه الذي هو الملك الشيعي الوحيد في العالم).

 

هجمات المهجر الإيراني

وفي مرحلة المهجر الإيراني؛ بدءاً من عام 1979؛ تطورت تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الى تهمة أخطر؛ وهي عدم إيمان الحزب بولاية الفقيه، وإن الدعاة هم ضد مبدأ ولاية الفقيه، ولا يوالون مصداقها، وهذه التهمة تعني؛ وفقا لمبدإ ولاية الفقيه؛ خروجا نظرياً على ولي الأمر مبسوط اليد، وكان المناوئون لحزب الدعوة من الفرقاء السياسيين الشيعة العراقيين المتواجدين في إيران يغذون هذه التهمة؛ على خلفيات مليئة بالمفارقات والتناقضات؛ فكانوا يقولون للجمهور العراقي في إيران: بأن حزب الدعوة لا يؤمن بالمرجعية الدينية، ويقولون للإيرانيين الحكوميين: بأن حزب الدعوة لا يؤمن بولاية الفقيه، وبالتالي؛ لم يكن بعض الإيرانيين المتشددين يتهمون حزب الدعوة بعدم الإيمان بالمرجعية؛ بل العكس؛ يقولون: بأن حزب الدعوة تابع لمرجعية النجف؛ وبأنهم (جماعة الخوئي)، ولا يؤمنون بولاية الإمام الخميني، فكان الدعاة يواجهون نيران تهمتين متعارضتين؛ وهي مفارقة تستند الى شبهة واقعية؛ لأن حزب الدعوة هو ابن مدرسة النجف بالفعل، ونتاج نظرية السيد محمد باقر الصدر الفقهية السياسية، وتأسس في كنف مرجعية الإمام الحكيم وتأثر بها، وإن كثيراً من قيادات الدعوة وكوادرها وأعضائها يقلدون الإمام الخوئي؛ وإن أكثر علماء حزب الدعوة هم من تلاميذ السيد الخوئي، ولكن في الجانب الفعلي كان حزب الدعوة في حالة حرب دموية شاملة مع نظام البعث، ويتماثل فقهياً وفكرياً ومنهجياً وميدانياً مع نظام ولاية الفقيه.

 

اتهامات المدرسة النجفية

بين تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الدينية الى تهمة عدم الإيمان بولاية الفقيه؛ كانت تبرز حزمة المفارقات التي تخلقها ثلاثة أطراف معنية؛ تنتمي الى البيئة العراقية الدينية بشقيها التقليدي والسياسي، والبيئة الإيرانية المؤمنة بمبدأ ولاية الفقيه، وبعض الدعاة الذين تركوا التنظيم.

في إطار المدرسة النجفية وامتداداتها خارج العراق؛ التي ترمز عادة الى توجهات الوسط الديني الشيعي بشقيه التقليدي والإصلاحي؛ ظلت تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الدينية،وعدم الالتزام بأوامرها؛ تستند الى المعطيات التالية:

1- إن حزب الدعوة هو حزب سياسي ديني؛ يعتمد ايديولوجية غير مسبوقة في الوسط التقليدي الديني والحوزوي؛ فهو يؤمن بإقامة دولة إسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي؛ وهي نظرية غير مقبولة ـ غالباً ـ في هذا الوسط؛ لقول بعضهم بحرمة قيام راية ودولة إلا على يد المعصوم أو اذنه؛ وفق جزء من الموروث الفقهي الشيعي، ولكن السيد محمد باقر الصدر أسس نظرية فقهية جديدة قام عليها حزب الدعوة؛ قلبت موازين الفقه السياسي الاسلامي لمدرسة الإمامة، فكانت نظرية السيد الصدر تعتمد الشورى في قيادة العمل في أول أربع سنوات من عمر الدعوة (1957 ـ 1961)، ثم طوًر نظريته بعد ذلك؛ حين اعتمد نظرية ولاية الفقيه؛ بالمضمون نفسه الذي طرحه الشيخ محمد رضا المظفر في كتاب “عقائد الإمامية”  والإمام الخميني في كتاب “الحكومة الإسلامية”، وفي النتيجة؛ كان من البديهي أن تتعارض نظرية حزب الدعوة في العمل الاسلامي السري وفي تأسيس الدولة الاسلامية في عصر الغيبة مع النظرية الموروثة الحاكمة في الحوزة العلمية، وبالتالي؛ ظهور نوع من عدم الانسجام مع هذا الوسط؛ وصولاً الى ما أسماه خصوم الدعوة بعدم التبعية للمرجعيات الدينية.

2- إن حزب الدعوة كان يريد تنفيذ منهجه ومشروعه في التحرك الخاص؛ بعيداً عن تأثيرات مكاتب المرجعيات؛ لأن هذه التأثيرات وخصوصياتها تتعارض مع مشروع “الدعوة” وخصوصيته، وكان هذا مدعاة لتهمة أكبر؛ هي العداء للمرجعية.

3- إن حزب الدعوة لم يتبن مرجعية بعينها؛ بل حرّر أعضاءه من ضغط تقليد مرجع بعينه؛ بالنظر لتعدد المرجعيات واختلاف رؤاها الفقهية أحياناً، وتوجهاتها ومواقفها السياسية والاجتماعية والفكرية أحياناً أخرى.

4- في الفترة التي أعقبت وفاة مرجع الطائفة الإمام الحكيم؛ انقسمت المرجعية النجفية العليا بين الإمام الشاهرودي والإمام الخوئي، وحدث فراغ نسبي في قيادة الشأن العام؛ أي قيادة الواقع الشيعي التي كان يمسك بها الإمام الحكيم؛ في الأبعاد الاجتماعية والإصلاحية والسياسية؛ الأمر الذي دفع الثنائي القيادي لحزب الدعوة؛ عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي؛ لطرح فكرة ((الساحة لمن يتصدى لها)) و ((القيادة لمن يتقدم))؛ على اعتبار أن القيادة فعل وليس منصباً؛ كما كانا يثقفان عليه الدعاة، أي ان المرجعية؛ من الناحية المصداقية الواقعية وليس المفهومية؛ إذا تصدت للشأن العام أو قيادة الأمة؛ كما كان في مرحلة الإمام الحكيم؛ فإن “الدعوة” ستسير خلفها، وتكون قيادة الأمة للمرجع المتصدي المبسوط اليد، وإذا لم تتصد المرجعية الدينية للشأن العام ولقيادة الواقع الشيعي، وحصرت نشاطها في الشأن الخاص؛ أي البعد العلمي والديني المحض؛ فإن حزب الدعوة سيضطر لملء الفراغ والتصدي للشأن العام؛ أي لقيادة الأمة، و كانت هذه الفكرة من أهم المؤاخذات النظرية التي استثمرها خصوم «الدعوة» في الوسط الديني ضد الحزب.

5- حين تبنى حزب الدعوة مرجعية السيد محمد باقر الصدر؛ بعد أن طرح رسالته العملية (الفتاوى الواضحة) في منتصف السبعينيات؛ أصبحت الأغلبية الساحقة من وكلاء الصدر هم من علماء الدين الأعضاء في حزب الدعوة؛ بواقع 80 وكيلاً داعية من مجموع وكلاء السيد الصدر الـ 100 في داخل العراق وخارجه، ولكن لم تفرض قيادة الحزب على أعضائها تقليد السيد الصدر؛ بل كانت تروج لمرجعيته في أوساط الدعاة والمناصرين؛ في وقت كان معظم الدعاة يقلدون السيد الخوئي، وبذلك أصبح هناك خروج على المألوف الراسخ؛ والمتمثل في عدم تقليد الدعاة للمراجع الأكبر سناً والأشهر في الأعلمية؛ ولاسيما المرجع الأعلى السيد الخوئي، لصالح تقليد السيد محمد باقر الصدر، وهو فقيه شاب في بداية أربعينيات عمره؛ وهو ما تم تصنيفه أيضاً عدم تبعيته للمرجعية العليا، بل هناك مقترح طرحه الثنائي القيادي محمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل في عام 1971 على السيد محمد باقر الصدر؛ بأن يعلن الصدر عن مرجعيته، وتروج لها «الدعوة» وتنشرها؛ لملء الفراغ القيادي في الساحة الشيعية، وكان السيد الصدر حينها بعمر 36 سنة، وهو خروج كبير على المألوف؛ رغم ما كان السيد الصدر قد بلغه من المستوى العلمي والفقهي العملاق، ولكن فكرة إعلان المرجعية اكتملت عند السيد الصدر في العام 1974.

6- حين أعلن المرجع السيد محمد باقر الصدر عن مشروع الثورة؛ بايعته قيادات حزب الدعوة في إقليم العراق على الموت في طريق مشروعه، وأصدر المجلس الفقهي للدعوة الذي يضم: آية الله الحائري، آية الله الآصفي، آية الله التسخيري، آية الله العسكري، آية الله فضل الله وغيرهم؛ فتوى شرعية في عام 1979 بالانتقال الى مرحلة العمل المسلح، وكان من البديهي أن يتعارض التحرك الثوري للسيد الصدر والعمل المسلح لحزب الدعوة مع التوجهات المعلنة للمرجعية النجفية العليا؛ وهو ما يمثل عدم التزام بمواقف المرجعية.

7- إن حزب الدعوة دخل في مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وأصبح جزءاً من منظومة ولاية الفقيه التي لا تؤمن بها المرجعية النجفية كمبدإ فقهي.

( يتبع ..)

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

ثوابت المرجعية الدينية وولاية الفقيه وموقف حزب الدعوة (23)

ali almomenالمرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت؛ تمثل نيابة الإمامة في عصر غيبة الإمام، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات وواجبات وحقوق ترتبط بالجوانب العلمية والدينية والمالية والاجتماعية، وعلى أساسها تكون للمرجع الديني ولاية أو قيمومة حصرية على جملة من شؤون المجتمع الشيعي؛ كالولاية على إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، والولاية على الحقوق والأموال الشرعية؛ جباية وتوزيعاً؛ كالخمس والزكاة والصدقات ومجهول المالك وغيرها، والولاية على القضاء والتحكيم بين أفراد المجتمع، والولاية على الأمور الحسبية ذات العلاقة بالجانب النظمي الإجتماعي. ويتوسع بعض الفقهاء في إعطاء مساحة أوسع للفقيه؛ لتشمل الولاية على الحكم والدولة. ومرد الاختلاف بين الفقهاء بشأن ولاية الفقيه هي هذه المساحة فقط؛ أي الولاية على الحكم، ولايختلفون على باقي مجالات ولاية الفقيه.

وعليه فإن المرجعية الدينية وولاية الفقيه مصطلحان مرادفان؛ فكل مرجع هو ولي فقيه أيضا؛ بناء على إجماع الفقهاء، ولكن هناك وليا فقيها ذا مساحة مقيدة تقتصر على الفتوى والأموال والقضاء والحسبة، ولا تشمل الحكم، وكذلك هناك ولي فقيه ذو مساحة عامة مطلقة؛ تشمل ولاية الحكم أيضا. وهذه الشمولية لا يختارها الفقيه بناء على رغبته الشخصية أو رؤيته السياسية؛ بل هي قضية علمية فقهية؛ يتوصل اليها الفقيه عبر الاستدلال والاستنباط العلمي الفقهي، وخلال هذا الجهد العلمي قد يتوصل الى شمول ولاية الفقيه على الحكم أو لا يتوصل، وحينها يحدد موقفه الواقعي حول نوعية تصديه للشأن العام؛ أي بناء على قناعته العلمية

الفقهية.

 

آراء الفقهاء بشأن مساحة الولاية

ومن الفقهاء المعاصرين القائلين بولاية الفقيه العامة: الإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر والسيد علي الخامنئي. أما

الفقهاء المعاصرون القائلون بولاية الفقيه الخاصة؛ فمنهم السيد الخوئي والسيد علي السيستاني. وبصرف النظر عن القول بالعموم والخصوص؛ فإن المرجعية

الدينية أو ولاية الفقيه ظلت منذ أكثر من 1100 عام (أي منذ غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر) تقف على رأس النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وهي التي أوجدت هذا النظام بالتدريج وبلورته وحفظته من الضربات المتوالية والإنهيار. وتشكل الحوزة العلمية الشيعية مركزاً لهذا النظام، وهي ليست جامعة لتدريس العلوم الإسلامية وتخريج علماء الدين وحسب؛ بل هي مركز النظام الديني الإجتماعي الشيعي، ولذلك يقف المرجع الأعلى على رأس الحوزة العلمية ويقودها على كل الصعد.

 

بين الخامنئي والسيستاني

وعلى مستوى المصاديق فإن المرجعيتين الدينيتين الشيعيتين الأبرز اليوم هما مرجعية السيد علي الخامنئي؛ القائل بولاية الفقيه العامة، وهو المرجع الأعلى

والولي الفقيه في إيران، ومرجعية السيد علي السيستاني؛ القائل بولاية الفقيه الخاصة، وهو المرجع الأعلى في النجف الأشرف. وتستحوذ هاتان المرجعيتان على ما يقرب من 75 بالمئة من مساحة النفوذ الديني في الوسط الشيعي في كل العالم؛ وهو الوسط  الذي تبلغ كتلته السكانية نحو ( 400 ) مليون مسلم شيعي.

 

فرضيات الواقع الشيعي

وبما أن حزب الدعوة الإسلامية تأسس في وسط هذا النظام الاجتماعي الديني ولا يزال يعمل في إطاره؛ فهو جزء منه، ويخضع لمعادلاته. وكان عدم الالتفات الى بعض هذه المعادلات أو تصور القدرة على تغيير بعضها الآخر؛ يتسبب في حدوث توترات بين “الدعوة”؛ كحزب إسلامي شيعي دعوي تغييري سياسي، وبين منظومة المرجعية الدينية؛ بصفتها رأس هرم النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وعليه؛ فإن النظرة الى المرجعية الدينية تتجاوز القناعات الفكرية والاجتماعية والسياسية؛ لتندك بالواقع ومتطلباته، وأهم فرضيات هذا الواقع:

1- إن المرجعية الدينية العليا ليست مرجعية علمية فقهية وحسب؛ بل هي منظومة دينية اجتماعية؛ تقف على رأس النظام الديني الإجتماعي للطائفة الشيعية الإمامية في العالم، ولهذه المنظومة معادلات ثابتة وسياقات عمل ونظم فرعية وتقاليد؛ أقلها أهمية هو الموضوع العلمي المرتبط بالدراسة والفتوى، وأكثرها أهمية هو أسلوب إدارتها للشأن العام. وعمر هذه المنظومة أكثر من أحد عشر قرناً، أي أن المرجعية وحوزتها هو الوجود الأصيل والثابت الوحيد في النظام الديني الاجتماعي الشيعي. أما حزب الدعوة؛ الجماعة الدعوية السياسية؛ فهو وجود عارض متغير يعمل في إطار النظام الديني الاجتماعي الشيعي، ولم يتجاوز عمره ستة عقود. وبالتالي فحزب الدعوة والمرجعية الدينية ليسا متساويين في الشأنية الدينية الاجتماعية (الاجتماع الديني الشيعي) ولا مساحات العمل والتصدي، ولا التأثيرات المعنوية، ولا هما متشابهان في الوظيفة والماهية، ولذلك لا يمكن القول بوجود علاقة متكافئة، أو علاقة ندية، أو إمكانية تبادل مواقع إدارة النظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ بل هي علاقة المتغير بالثابت، والفرع بالأصل، والتابع بالمتبوع.

2- بصرف النظر عن الأسانيد الروائية والعقلية لمبدأ المرجعية والحاكمية والولاية، وتطبيقاته وتحولاته وتطور منظومته؛ فإنه قبل كل ذلك يمثل أمراً واقعاً قائماً ضاغطاً، وينبغي لحزب الدعوة التعامل معه تعاملاً واقعياً لا تعاملاً معيارياً؛ أي التعامل مع منظومة المرجعية العليا كما هي كائنة، لا كما ينبغي أن تكون من وجهة نظر الحزب، وأن لا يتعارض عمل الحزب مع سياقات ونظم منظومة المرجعية العليا؛ سواء قبِل بتفاصيل هذه المنظومة أو لم يقبل، وسواء كانت صحيحة برأيه أو خاطئة. صحيح أن مدرسة "الدعوة" هي مدرسة السيد محمد باقر الصدر التغييرية النهضوية؛ ذات المنهجية المعيارية النقدية؛ ولكن ليس من شأن حزب الدعوة ووظيفته الحديث عن إصلاح منظومة المرجعية وسلوكياتها؛ لأن إصلاحها شأن داخلي خاص بالمنظومة نفسها، ويمكن لعلماء الدين "الدعاة" من الصف الأول (المجتهدون والفضلاء) المساهمة في عملية الإصلاح والتقويم، والاستفادة من آراء الدعاة (أكاديميين ومثقفين وباحثين) ودراساتهم ونقودهم وتقويماتهم الداخلية الخاصة، وتكون مساهمة هؤلاء العلماء بصفتهم الحوزوية وليست الحزبية. وفي المقابل تمتلك المرجعية العليا ومنظومتها الحق في الحديث عن إصلاح “الدعوة” وتقويم فكرها وسلوكها؛ بل أن هذا جزءاً من وظيفتها الدينية الإجتماعية.

3- من أجل أن يكون تعامل حزب الدعوة مع المرجعية العليا تعاملاً واقعياً ومنتجاً ومثمراً؛ ينبغي للدعاة فهم منظومة المرجعية وسياقات عملها وحركتها ونظمها الفرعية وتقاليدها؛ فهماً توصيفياً دقيقاً؛ بدءاً بمدخلية البيوتات، وأساليب تدوير الحقوق الشرعية، ودور الأصهار والأولاد، وأساليب اختيار المرجعية العليا، وطرق الاعتراف العرفية بمرجعية ما، وطبيعة عمل الكيانات غير العراقية وغير العربية في الحوزة، وانتهاء بالفرق بين المعمم والآخوندي، ولهجة التخاطب والتدريس في الحوزة. وينبغي القبول بها جميعاً والتعامل معها كما هي؛ لا كما ينبغي أن تكون من وجهة نظر الدعاة كنخبة واعية مثقفة تغييرية؛ كما سبق أن ذكرنا. علما إن ما يعيه الدعاة في هذه المنظومة هو الأقل تعقيداً فيها؛ كالجانب العلمي والفتوائي والتبليغي؛ لأنه الجزء الطافي من جبل الجليد.

4- إن منظومة المرجعية الدينية بطبيعتها هي منظومة تقليدية في بناها وأساليب عملها وحركتها، أما المحاولات الاصلاحية في الحوزة فلم تلامس ثوابت هذه المنظومة يوماً، ولن تستطيع ملامتسها؛ بل تلامس التفاصيل والمتغيرات. وما حركات المراجع المصلحين المعاصرين في الحوزة؛ وأهمها حركة السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر؛ إلا موجات وتيارات تأتي وتؤسِّس، ثم يبقى منها ما يتوافق مع ثوابت المنظومة المرجعية التقليدية. وحتى منظومة ولاية الفقيه المتمثلة بالإمام الخميني ثم السيد علي خامنئي؛ بالرغم من قوتها المعنوية والمادية، وكونها أكبر مرجعية دينية في ايران، ومشاريعها لإصلاح الحوزة القمية؛ ولكن تدخلها اقتصر على التنظيم ومأسسة النظم الفرعية، ولم تتدخل في الثوابت التقليدية لمنظومة المرجعية؛ فبقيت المنظومة تقليدية في ثوابتها، ومنظمة ومؤسَسِية في متغيراتها، بل لم يكن تدخل الولي الفقيه بصفته سلطة الدولة؛ ولكن بصفته المرجعية، وكونه رأس هرم النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وهي الصفة التي تجد قبولاً غالباً لدى الحوزة العلمية ومنظومة المرجعية.

5- إن المرجعية تمثل دائما الأبوّة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية؛ وإن كان بعضها ناقداً للمرجعية أو متمرداً على جزء من ثوابتها ومتغيراتها، أو كانت المرجعية لا تتوافق منهجياً مع هذه الوجودات المتغيرة العارضة، فحزب الدعوة –مثلاً- كوجود تغييري إصلاحي ناقد؛ يمتلك منهجيات قد لا تتطابق مع منهجية المرجعيات التقليدية؛ فإنه ظل يحظى منذ تأسيسه بحماية ودعم المدارس الرئيسة في الحوزة النجفية: مدرسة السيد محسن الحكيم الإصلاحية ومدرسة السيد أبي القاسم الخوئي التقليدية ومدرسة السيد محمد باقر الصدر التغييرية؛ رغم الاختلاف المنهجي بين هذه المدارس من جهة، واختلاف منهجيات حزب الدعوة مع بعضها من جهة أخرى، وكانت هذه المدارس بشخوص مراجعها الثلاثة حاضنة لحزب الدعوة ومدافعة عنه وداعمة له مادياً ومعنوياً. وبالتالي فالمرجعية العليا هي (أم الولَد) التي تستوعب أبناءها وتحتضنهم وتخشى عليهم الضرر؛ وإن أخطؤوا بحقها أو بحق الواقع الشيعي.

 

الدعوة" ليست مدرسة فقهية "

6- إن حزب الدعوة غير معني بترجيح مرجع ديني على آخر في جانب التقليد، ولا ترجيح مبدإ فقهي على آخر ترجيحاً فقهياً؛ لأن “الدعوة” ليست مدرسة فقهية أو مرجعية علمية أو جهة خبروية لكي ترجح ـ مثلاً - مبدأ ولاية الفقيه العامة (المبدأ السائد في الدولة الإيرانية)، على مبدأ ولاية الفقيه الخاصة (السائد في الحوزة النجفية)، أو العكس. قد يكون هذا الترجيح طبيعياً من الفقهاء وعلماء الدين "الدعاة" من الصف الأول (المجتهدون والفضلاء)؛ بصفتهم العلمية الدينية كخبراء، وليس بصفتهم الحزبية؛ ولكن ـ في الوقت نفسه ـ لا مسوغ للمجتهدين الدعاة لفرض آرائهم على الحزب ليتبناها رسمياً. أما اختيار حزب الدعوة غطاءً شرعياً يتفق ومتبنياته الفكرية ومدرسته التغييرية؛ مفهوماً ومصداقا؛ فسيكون ضرورياً لترشيد موقفه الشرعي وإخراجه من حالة الإحراج في الالتزام بجميع الآراء الفقهية ومصاديقها، وللتخلص من التجاذبات الداخلية والنقاش المستمر بين الدعاة. فالدعاة متعارضون في مواقفهم الشرعية حيال ثنائية المرجعية والولاية، ويخرجون أحياناً على الاعتدال والتوازن في القول والتفسير والتطبيق؛ فهناك من يرى ان المرجعية الدينية مؤسسة دينية علمية تبليغية تنتج معرفةً وفقهاً، ولو أنتجت رأياً في الشأن العام فهو رأي إرشادي غير ملزم لغير مقلدي المرجع، وهناك من يعطي المرجعية النجفية العليا (مرجعية السيد السيستاني تحديداً) ما لا تريده ولا تعتقد به؛ فيقول أنها قيادة الأمة، وأن آراءها أحكاما ولائية ملزِمة، وهناك من الدعاة من يؤمن بولاية الفقيه بمصداقها السيد علي خامنئي ويدافع عن هذا الخيار بشدة. ولذلك فإن خلاص “الدعوة” من التبعات السلبية للتجاذبات بين المرجعيات أو الخلافات داخل الحزب حول المرجعيات؛ يكمن في النأي بالنفس عن التدخل في الشأن المرجعي والحوزوي، وعدم ترجيح مرجعية على أخرى؛ باستثناء من أجمعت الحوزة على مرجعيته العليا.

7- هناك رواسب فكرية وواقعية؛ رغم انتهاء مفعولها؛ إلّا أنها لا تزال تشكل شبهات حول حزب الدعوة بخصوص علاقته بالمرجعية؛ كفكرة “تصدي شورى المؤمنين لمشروع إقامة الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة وقيادتها”، وفكرة “الساحة لمن يتصدى لها” أو “الساحة لمن يتقدم”، ونبرة “قالت القيادة وقالت المرجعية”، والمنهج النقدي للدعاة حيال النظم العرفية للمرجعية والحوزة وتقاليدهما. ولعل حسم “الدعوة” موقفها من هذه الأفكار والشبهات سيجعل العلاقة النفسية والواقعية بين حزب الدعوة ومنظومة المرجعية أكثر نجاحاً وإنتاجاً.

8- إن حظوة حزب الدعوة لدى المرجعية العليا النجفية ولدى ولاية الفقيه في ايران في مرحلة ما بعد سقوط نظام البعث العام 2003 وحتى الآن؛ هي حظوة متميزة ومتفردة عن جميع الجماعات الإسلامية الشيعية العراقية الأخرى؛ كالتيار الصدري والمجلس الأعلى ومنظمة بدر وحزب الفضيلة وحركة العصائب وكتائب حزب الله وغيرها؛ فهناك أسباب موضوعية كثيرة جعلت حزب الدعوة هو الأقرب الى السيد السيستاني وبيته من جميع الحركات الشيعية العراقية الأخرى، وظل خياره الأول في الدفع باتجاه إدارة الدولة وقيادة الحكومة، وكذا الحال بالنسبة للسيد الخامنئي؛ الذي يعدّ حزب الدعوة خياره الأول أيضاً في هذا المجال. وحتى خلال ملابسات الترشح لرئاسة الحكومة العراقية عام 2014 وتشكيلها؛ فإن قرار السيد السيستاني كان مع مرشح بديل لنوري المالكي؛ على أن يكون من حزب الدعوة تحديداً، وأن يختاره نوري المالكي نفسه، وهي ثقة كبيرة توليها المرجعية العليا لحزب الدعوة ولشخص أمينه العام، لاتحظى بها الجماعات الأخرى. أما السيد الخامنئي فكان يرى الإبقاء على نوري المالكي رئيساً للوزراء لدورة ثالثة، وفي حال كانت هناك ظروف قاهرة تحول دون ذلك؛ فإن البديل ينبغي أن يكون من حزب الدعوة أيضاً. ورأي المرجعين السيستاني والخامنئي لا يزال هو نفسه منذ العام 2005 وحتى الآن. ولذا يرى الدعاة المقربون من مركز القرار المرجعي في النجف وإيران بأن التخطيط المنهجي لاستثمار هذه الأسباب وتحويلها الى برامج عمل؛ ستنتهي دائما لما فيه المصلحة المشتركة للمرجعية العليا وحزب الدعوة والواقع الشيعي.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

تاريخ الفلسفة اليونانية وخصائصها

jamil hamdaouiهذا الكتاب الذي بين أيديكم عبارة عن دراسة فلسفية استطلاعية ومسحية ذات طابع نظري وتاريخي. ومن ثم، فهي تروم دراسة الفلسفة اليونانية تحقيبا ونشأة وتطورا وتمذهبا ، مع تحديد أعلام هذه الفلسفة ، واستجلاء سياق ظهور هذه الفلسفة ونشأتها، وتبيان طبيعة كتابتها الأسلوبية والمنهجية، ورصد مواضيعها المتنوعة، واستكناه إشكالياتها المختلفة، وتحديد خصائصها.

ولم تكتف هذه الدراسة بآلية التعريف والرصد والتفسير والتحديد، بل قدمت فرشا تاريخيا للفلسفة اليونانية في نشأتها التاريخية، ورصد تطورها عبر العصور التاريخية، بالانتقال من فلسفة ما قبل سقراط، إلى عهد سقراط الذي يضم فلسفة السوفسطائيين من جهة، وفلسفة سقراط من جهة أخرى.

ثم، تناولنا فلسفة أفلاطون في الفصل الثالث، وفلسفة أرسطو في الفصل الرابع. ثم خصصنا الفصل الخامس بالمدارس الفلسفية التي ظهرت بعد وفاة أفلاطون وأرسطو، كالمدرسة الأبيقورية، والمدرسة الرواقية، والمدرسة الكلبية، والمدرسة الميغارية، والمدرسة القورينائية، والمدرسة الشكية، والمدرسة الإسكندرية.

وأخيرا، حددنا مجموعة من المميزات والسمات والمواصفات التي تطبع الفلسفة اليونانية من حيث الموضوع، والشكل، والمنهج.

ثم، أنهينا كتابنا هذا بخاتمة شاملة موجزة ومقتضبة تضم أهم الخلاصات والنتائج التي انتهينا إليها في كتابنا هذا.

هذا، و يتخذ الكتاب طابعا تاريخيا من جهة ، وطابعا تعليميا وبيداغوجيا من جهة ثانية. وبالتالي، يمكن لهذا الكتاب أن يكون مرجعا علميا مفيدا للباحثين في مجال الفلسفة في الجامعات العربية بصفة عامة، والجامعات المغربية بصفة خاصة.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة، داعيا لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير، أو ادعاء، أو نسيان، أو خطإ، أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

...................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

تاريخ الفلسفة اليونانية وخصائصها / د. جميل حمداوي

 

 

فاتحة مرشيد تصدر روايتها الخامسة تحت عنوان "التوأم"

911-mrasheedعن المركز الثقافي للكتاب، بيروت/الدار البيضاء، 2016، صدر العمل الروائي الخامس للدكتورة فاتحة مرشيد، تحت عنوان "التوأم".

الرواية تحكي قصة مخرج سينمائي يتأرجح بين الواقع والخيال، بين الذاكرة والنسيان، بين السر والعلانية.. بين توأمين وامرأتين.

تنهل فاتحة مرشيد من بحار الشعر وفضاءات المعرفة، من هشاشة الإنسان وقوته القاهرة، من خبايانا وأسرارنا، من جراحنا المشتركة وأزماتنا الوجودية لتقدم لنا رواية فائقة العمق والتأثير.

نقرأ على ظهر الغلاف:

"هناك مكان بداخلي، بعمق أعماق ذاتي لا يستطيع أحد الوصول إليه، مكان مُحصّن، أهرب إليه كلما شنّت الحياة حربها علي ولفتني بالضياع المضاجع.

911-mrasheedمكان آمن كأنه حضن أمي، أو قسط من الفردوس. عماده الجمال والحب غير المشروط لذاتي.

مكان محفور بين النُّدب الدفينة، أحس فيه بالأمان وبالحرية.

أعيد فيه ترتيب مسودة حياتي، أنقحها، أشطب على فصول منها وأضيف أخرى وفق مزاجي...

هذا المكان ارتطمت به في غمرة انزلاقي نحو الجنون كما يرتطم من يهوي من أعلى سقف عمارة بسيارة على الرصيف تنقذ حياته.

كان آخر باب يفتح لي قبل باب الجحيم.  ومن ذاك الحين وأنا أحفظ مفتاحه بين الرموش لأن أمكنة كهاته لا تقبل أكثر من ذات."

إنها رواية البحث عن هذا المكان/ الملاذ الذي يوجد في أعماق كل منا.

البحث عن توأمنا، على اعتبار أن "لكل توأمه وحظه من الحنين" كما جاء في ديوانها "ما لم يقل بيننا" الحائز على جائزة المغرب للشعر.

تقع رواية "التوأم" في 176 صفحة من القطع المتوسط، وهي الرواية الخامسة للأديبة الطبيبة فاتحة مرشيد بعد أعمالها السردية الناجحة: "لحظات لا غير"2007، "مخالب المتعة"2009، "الملهمات" 2011 و"الحق في الرحيل" 2013.

 

 

مالكوم إكس والثورة الجزائرية

moamar habarكتاب "مالكوم إكس، سيرة ذاتية"، للأستاذ اليكس هالي، ترجمة ليلى أبو زيد، بيسان للنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 2000، من 362 صفحة، يتحدث فيه عن حياته الشخصية، ورحلته، وعلاقته بساسة الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض قادة العرب وإفريقيا، وتأثره الشديد بما رآه ولمسه في الدول العربية، ويعطي صورة قاتمة صادقة عن مستوى العنصرية التي بلغتها الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف الستينات فقط،  ومما جاء في الكتاب..

تحدث في الفصل الثامن عشر، ابتداء من صفحة 263، عن رحلته في منتصف الستينات لبعض الدول العربية منها الجزائر، وبعض الدول الإفريقية، وفرحته الشديدة جدا بلقاءه بالمجتمع الإفريقي وقادته  حتى أنه قال، إن أفضل هدية تلقيتها من إفريقيا هي لقاءه بنكروما.

وتمثلت مهمته وهو يزور إفريقيا وبعض الدول العربية، في عرض الصورة القبيحة والحقيقية التي يعيشها الأمريكي الأسود، من عنصرية واضطهاد وتعرضه لكل ألوان الإهانة والإذلال، ويعطي لذلك أمثلة. ويطلب العون والمدد من الدول الإفريقية لمحاربة التمييز العنصري الذي يعانيه الأسود الأمريكي، ويطالب بشدة التعاون في إطار ما يسميه الأفرو أمريكي.

ويتحدث أيضا عن النفاق الأمريكي، الذي يتظاهر أمام الأفارقة بأنه معهم ويناصرهم، وهو في الحقيقة يستغل خيراتهم الطبيعية أبشع إستغلال.

ويقول للأفارقة، إن الأمريكيين الذين يتوددون إليكم الآن، هم أنفسهم الذين يمارسون أبشع أنواع التمييز ضد إخوانكم السود في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويقول لهم، وأنتم تتحدثون عن الميز العنصري في جنوب إفريقيا، تحدثوا عن التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية، وحاربوه بشدة.

والخلاصة أنه يعرض على الأفارقة التمييز العنصري الذي يعيشه الأمريكي على يد الأمريكي، ويطلب منهم مساعدة الأمريكيين السود للتحرر من العبودية والتمييز العنصري، والرفع عن كاهله كل أشكال الذل والهوان.

أريد أن أقول من خلال هذه الإطلالة، أن الأمريكي الذي عانى من العنصرية مدة 400 عام، والأحداث العنصرية التي تطرق إليها صاحب الكتاب تعود لسنة 1964، أي بعد نصف قرن، حين كانوا يترجون الأفارقة لإزالة الميز العنصري، يصبح للولايات المتحدة الأمريكية..

رئيسا أسودا، وكان لها وزيرة خارجية سوداء، ووزير دفاع أسود، ومندوبة لدى الأمم المتحدة الأمريكية سوداء، ومرشحة للرئاسيات بدعم من رئيسها الأسود.

فماذا إذن عن العرب بعد 15 قرنا؟.. هل فيهم أسود يحكم؟. وأسود يقاضي؟. وأسود يؤم الناس؟. وأسود سفير؟. وأسود وزير؟.. وهم أمة طغت عليها والسمرة السواد.

وصف مالكوم إكس الجزائريين حين زار الجزائر، في صفحة 278،  وبتاريخ 19 ماي 1964 .. "كان الجزائريون ثوريين حقا عايشوا الموت عن قرب فلم يعودوا يرهبونه.

وقال في صفحة 284، وهو يفتخر بالثورة الجزائرية.. " الثورة تحطيم نظام وإقامة نظام آخر مكانه كما حدث مع الثورة الجزائرية التي أخرجت الفرنسيين الذين كانوا هناك منذ مائة عام "..

يرى مالكوم إكس في صفحة 288، أن.. اليهود كانوا عاملا من عوامل تهجير السود في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في الأحياء التي يسكنونها. وكانوا عاملا من عوامل العنصرية المسلطة على السود يومها.

ويواصل قائلا.. "والمهزلة أن هؤلاء اليهود أنفسهم يجدون صعوبة كبرى في جعل البيض يقبلونهم".

 

معمر حبار

 

نحو نظرية تربوية جديدة (البيداغوجيا الإبداعية)

jamil hamdaouiجرب المغرب بصفة خاصة، والعالم العربي بصفة عامة، نظريات تربوية عدة، كنظريات التربية الحديثة، ونظرية الأهداف السلوكية، ونظرية الجودة، ونظرية الشراكة، وبيداغوجيا المجزوءات، ونظرية الكفايات والإدماج... وما زال البحث مستمرا لإيجاد نظريات تعليمية أخرى موجودة في الساحة التربوية الغربية من أجل تجريبها في مدارسنا ومؤسساتنا الوطنية تقليدا واستيرادا واستنباتا، قصد تطبيقها وممارستها رغبة في التحقق من نجاعتها وفعاليتها.

والهدف من هذا البحث الدؤوب عن المستجدات التربوية النظرية والإجرائية هو تجديد الوضع البيداغوجي والديدكتيكي، وإيجاد الحلول الممكنة للمشاكل التي يتخبط فيها تعليمنا من المستوى الابتدائي حتى المستوى الجامعي . والسبب في ذلك أن تعليمنا يخرج أفواجا كثيرة من الطلبة الحاصلين على الشهادات العليا كل سنة. بيد أن هذه الشهادات تبقى دون مردودية عملية أو واقعية ؛ إذ سرعان ما يجد هؤلاء الطلبة أنفسهم، بعد التخرج مباشرة، عاطلين عن العمل، أو يتخرجون بدون كفاءة أو مهارة أو حرفة أو مهنة وظيفية، تساعدهم على تدبير شؤون حياتهم، على الرغم من حاجة المجتمع الماسة إليهم. وهذا ما دفع الكثير من الدول العربية، ومنهم المغرب، إلى استيراد النظريات التربوية الغربية التي وضعت في سياق غربي له خصوصياته المميزة، بتكييف تصوراتها النظرية والتطبيقية مع أوضاعنا المحلية، واستنباتها بشكل تعسفي لا يراعي خصوصياتنا، مع السعي الجاد إلى زرعها في تربة تأبى الاستجابة؛ نظرا لاختلاف بيئة المصدر عن بيئة المستورد الذي يرى في هذه النظرية المستنبتة حلا سحريا لإنقاذ الوضع التعليمي المتدهور تطبيقا للمقولة الرائجة:" يتأثر المغلوب دائما بالغالب".

وندعو في هذه الدراسة المتواضعة إلى تطبيق نظرية تربوية جديدة في العالم العربي، سميناها بالنظرية الإبداعية أو البيداغوجيا الإبداعية (La pédagogie créative).

إذاً، ما البيداغوجيا الإبداعية؟ وما سياقها الظرفي؟ وما فلسفتها وغاياتها وأهدافها؟ وما مرجعياتها النظرية؟ وما أهم مرتكزاتها المنهجية والتطبيقية؟ وكيف يتم تنزيل هذه النظرية ديدكتيكيا تخطيطا وتدبيرا وتقويما؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(نحو نظرية تربوية جديدة: البيداغوجيا الإبداعية)، على أساس أن البيداغوجيا الإبداعية تصور تربوي عربي جديد، يجمع بين الأصالة والمعاصرة على مستوى المرتكزات النظرية والتطبيقية.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة، وأحمده على علمه وصحته وفضائله التي لاتعد ولا تحصى. وأستغفره عن أخطاء اجتهادي في هذا الكتاب. وقد صدق الله العظيم: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"

 

د. جميل حمداوي

.....................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

نحو نظرية تربوية جديدة (البيداغوجيا الإبداعية) / د. جميل حمداوي

 

إنهيار التنظيم العالمي لحزب الدعوة (22): حزب الدعوة يخلق محورية عالمية للعراق

ali almomenبعد أن كان العراق تابعا من الناحية السياسية طيلة قرون من عهود الاحتلال المتوالية؛ فإنه استحال محورا عربيا وإسلاميا بفعل مؤسستين سياسيتين ايديولوجيتين عابرتين للحدود؛ هما:

1- الجناح اليميني لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي حول العراق منذ عام 1968 الى محور للحركة القومية اليمينية البعثية في جميع البلدان العربية.

2- حزب الدعوة الإسلامية الذي حول العراق منذ اوائل الستينيات الى محور للحركية الإسلامية الشيعية في كل البلدان التي يتواجد فيها الشيعة بسبب امتداداته التنظيمية والفكرية في هذه البلدان.

والمحورية العراقية التي خلقها حزب الدعوة وحزب البعث؛ تقابلها المحورية المصرية التي خلقتها جماعة الإخوان المسلمين والقيادة الناصرية، والمحورية السورية التي خلقها الجناح اليساري لحزب البعث، ولذا فقد أضاف حزب الدعوة للعراق إضافة نوعية في هذا المجال، ولو كان حزب الدعوة قد تأسس في بلد آخر غير عراق البعث، وزمان آخر غير زمن صدام؛ لكافأته الدولة على عطائه هذا؛ إلّا أن الدولة التي لا تحترم علماءها وعظماءها وتعدمهم، وفي مقدمهم المفكر الإنساني العالمي الكبير السيد محمد باقر الصدر؛ فإنها لا تتردد في تدمير عشرات التنظيمات الفكرية التأسيسية العابرة للحدود من أمثال حزب الدعوة؛ من أجل حماية نفسها من أي خطر محتمل مهما بلغت قيمته الإنسانية.

 

عوامل إنحسار التنظيم العالمي للدعوة

وقد أثرت عوامل ذاتية وخارجية على فقدان حزب الدعوة بريقه العالمي، بدءا من أوائل الثمانينيات، وذلك بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتفاعل الشيعة في كل العالم معها، وتمدد نفوذها الديني والثقافي والسياسي في جميع الأوساط الشيعية الإسلامية الحركية والمتدينة في العالم، ومن بينها تنظيمات حزب الدعوة في معظم البلدان، وقد تزامن ذلك مع التنحي التدريجي لمعظم الفقهاء وعلماء الدين الكبار عن قيادة حزب الدعوة؛ سواء بوفاتهم أو تصديهم للمرجعية الدينية أو تسنمهم مواقع قيادية في مؤسسات غير عراقية، أو اختلافهم مع توجهات حزب الدعوة السياسية والفكرية الجديدة، ومن أبرزهم: السيد مرتضى العسكري والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد كاظم الحائري والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد مهدي الآصفي، وكذلك خروج معظم القيادات غير العراقية من التنظيم؛ كالشهيد محمد هادي السبيتي والشيخ علي الكوراني، ثم بروز العامل الموضوعي المتمثل بانهيار تنظيمات حزب الدعوة في البلدان الأخرى؛ والتي فقد إثرها حزب الدعوة قيادات تاريخية بحرينية ولبنانية؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والشيخ محمد يزبك والشيخ حسين الكوراني والشيخ نعيم قاسم والشيخ عيسى قاسم والسيد عبد الله الغريفي والشيخ عبد الامير الجمري وغيرهم، في حين أن وجود القياديين والكوادر غير العراقيين، ولاسيما اللبنانيين وذوي الأصول الإيرانية؛ بالنظر لتنوع خبراتهم الاجتماعية وكفاءاتهم الثقافية؛ كان سببا أساسيا في سطوع حزب الدعوة وانتشاره وقوته.

ومن جانب آخر؛ أسهم البعد الذاتي المتمثل بانحسار الشخصيات العلمائية النجفية في القيادة والكادر المتقدم؛ بدور مهم في انحسار الهم العالمي لحزب الدعوة، وتحوله الى حزب عراقي وطني، مع احتفاظه بقواعده العقادية النظرية الإسلامية الأخرى، ولاسيما بعد سقوط النظام السابق وتسلم الحزب للمفاصل الأساس في الحكومة بعد عام 2003، وهنا تعامل حزب الدعوة تعاملا واقعيا مع من تبقى من أعضائه وأنصاره من غير العراقيين؛ فقد ألغى ارتباطهم به؛ بهدف دفع الضرر عنهم في بلدانهم؛ كي لا يتهموا بالارتباط بحزب حاكم في دولة أجنبية، وكذلك الحيلولة دون ضرب الواقع العراقي الجديد؛ بحجة وجود أجنحة غير عراقية لحزب الدعوة، وكونه حزبا غير وطني.

 

الحاضنة النجفية

جدير بالإشارة إن حزب الدعوة عاد مندفعا إلى النجف بعد عام 1979 خلال تحرك السيد محمد باقر الصدر؛ بعد فترة برود بدأت عقيب وفاة الإمام السيد محسن الحكيم عام 1970. ثم أبعدته الظروف الضاغطة عن النجف بعد إعدام الإمام السيد محمد باقر الصدر عام 1980، واستمر الإبتعاد الجغرافي حتى عام 2003؛ حين عاد الحزب بهدوء وانسيابية الى حاضنته النجفية. ولكن لا تزال هذه العلاقة غير مؤصلة فقهيا وفكريا، كما لم يتمظهر هذا التأصيل سياسيا؛ وإن كانت العلاقة وطيدة وتاريخية منذ عام 2005؛ حين تسلم ممثلو الحزب رئاسة الحكومة العراقية، ولا تزال هذه العلاقة محكمة وقوية، وإن تخللتها ملابسات خلال تشكيل الحكومة العراقية في عام 2014؛ على اثر إبلاغ المرجعية العليا النجفية قيادة حزب الدعوة باختيار رئيس وزراء جديد؛ الأمر الذي أدى الى تنحي نوري المالكي عن استحقاقه الانتخابي لمصلحة محازبه حيدر العبادي.

وظل حزب الدعوة بعد عام 2003 يوازن سياسيا في علاقته بين المرجعية النجفية العليا وولاية الفقيه في إيران؛ وإن كانت توجهاته العامة نحو المرجعية العليا النجفية، وهذا التوازن يعود الى وجود تيارات فكرية متعددة في حزب الدعوة بهذا الشأن؛ فهناك تيار يؤمن بولاية الفقيه ومصداقها الإمام الخامنئي، وهناك تيار يعود بالتقليد والتبعية الى الإمام السيستاني، وهناك تيار لا يزال يؤمن بالفكر السياسي للسيد محمد حسين فضل الله.

 

إلغاء التنظيم العالمي

لقد بدأ تاريخ حزب الدعوة في فجر أحد أيام عام 1956، وانطلق في ضحى أحد أيام عام 1957، وأخذ يسجل أولى مراحله في ظهيرة عام 1958، وحمل اسم “الدعوة” في عام 1959، وكانت هذه السنوات الأربعة مثل مرحلة بزوغ “الدعوة” وشروقها، ومثل عقدا الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مرحلة السطوع بالنسبة لحزب الدعوة، واستمرت مرحلة سطوع “الدعوة” في لبنان حتى عام 1982؛ وهو العام الذي غرب فيه حزب الدعوة اللبناني، وكذا حزب الدعوة الإيراني في العام نفسه؛ ثم حزب الدعوة الكويتي في عام 1983، وحزب الدعوة البحريني في عام 1984، وفي السعودية وعمان والإمارات في أواسط الثمانينيات، وفي باكستان أواخر الثمانينيات، وفي افغانستان في عام 1988، ثم توالي انهيار باقي تنظيمات “الدعوة”في الأقاليم والمناطق؛  حتى تم إلغاء القيادات الإقليمية ولجان المناطق غير العراقية، ثم إلغاء القيادة العامة (قيادة التنظيم العالمي)، وإفراز قيادة عراقية فقط؛ عرفت بـ ((قيادة الحزب))، ولم يبق من تنظيمات حزب الدعوة سوى التنظيمات العراقية؛ التي تمكنت بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003؛ من إعادة بناء نفسها ولملمة خطوطها داخل العراق، بعد عودة قيادات الحزب وكوادره من المنافي، والظهور كأبرز الأحزاب الحاكمة.

 

فروع الحزب والبلد الأم

لقد انحل التنظيم العالمي لحزب الدعوة وهو في أوج سطوعه وقوته، وبظاهرة لا مثيل لها في أحزاب العالم العابرة للحدود الجغرافية، ولكن اللافت أن انهيار التنظيم العالمي للحزب لم يؤثر تأثيرا مميتا على جسد الحزب في بلده الأم؛ العراق؛ لأن الانهيار لم يكن ناتجا عن صراعات فكرية وسياسية وقومية داخل “الدعوة”؛ وإنما ناتج عن الظروف السياسية التي أحاطت بتنظيمات الحزب داخل البلدان التي كانت تتواجد فيها؛ وأبرز مظهر لهذه الظروف هو العلاقة الإشكالية بأنظمة هذه البلدان.

وبشأن صعود وهبوط تنظيمات حزب الدعوة في البلدان الأخرى؛ لديّ مشروع كتاب أعمل عليه منذ فترة؛ عنوانه “الحركية الشيعية العالمية: إرث حزب الدعوة الإسلامية في لبنان والكويت والبحرين”، وفيه تفاصيل عن انتشار تنظيمات حزب الدعوة في خارج العراق واستقطابها الكثيف والنوعي للنخب الشيعية، وأسرار الانهيار المفاجئ لهذه التنظيمات؛ وهي في ذروة قوتها.

 

خلاصة ثنائية العالمية والمحلية

1- إن حزب الدعوة الإسلامية ليس حزبا عراقيا بالأساس ولا محليا أو إقليميا؛ بل حزب عالمي؛ وإن كان العراق هو جغرافيا التأسيس والانطلاق والقيادة، وتستند “الدعوة” نظريا في عالميتها الى عالمية الإسلام.

2- تأثر حزب الدعوة الإسلامية واقعيا في بناء نظرية العالمية بوجود أحزاب وتيارات قوية في العراق عابرة للحدود؛ كالحزب الشيوعي وجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير والتيار الناصري وحزب البعث.

3- الذي مكن حزب الدعوة من تطبيق مبدأ العالمية في نظريته هو انتماؤه للاجتماع الديني والثقافي والسياسي النجفي؛ إذ تعد النجف عالميا الأنموذج الأبرز للحاضرة العابرة للحدود في تأسيسها وبنيتها الاجتماعية والدينية وتأثيرها المعنوي والسياسي؛ باعتبارها العاصمة الاجتماعية الدينية للمسلمين الشيعة في العالم.

4- يعد حزب الدعوة التنظيم الأم للحركات والجماعات الإسلامية الشيعية في البلدان العربية.

5- بدأ التنظيم العالمي لحزب الدعوة بالانهيار ابتداءً من عام 1982؛ حين استحال تنظيم لبنان الى حزب جديد حمل اسم حزب الله، ثم انحلال أقاليم ايران عام 1982 والكويت عام 1983 والبحرين عام 1984 وأفغانستان عام 1989، وكل الأقاليم والمناطق والمحليات التابعة.

6- تمثلت أبرز أسباب انهيار التنظيم العالمي لحزب الدعوة في قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتمكن قيادة الإمام الخميني من اجنذاب معظم الإسلاميين الشيعة الحركيين، وقمع الأنظمة الحاكمة، والتجاذبات الفكرية والتنظيمية داخل الحزب.

تحول حزب الدعوة الإسلامية خلال عقد التسعينيات وما بعده الى حزب عراقي، واستبدل اسم قيادته من القيادة العامة الى قيادة الحزب؛ بعد إلغاء القيادة العامة والقيادات الإقليمية، وتكرست عراقية “الدعوة” بعد عام 2003، واستحال حزبا إسلاميا وطنيا كما حدد النظام الداخلي لعام 2008 هويته السياسية.

7- كانت طريقة انهيار هيكلية القيادة العامة للحزب وتنظيماته غير العراقية وحجمها؛ يندر نظيرهما عراقيا وعربيا وإقليميا وعالميا.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

تجربتا حزب الدعوة في البحرين وإيران: الشروق والغروب (21): حزب الدعوة في البحرين

ali almomenحظي تنظيم حزب الدعوة في البحرين بأهمية كبيرة؛ بالنظر للطبيعة الديموغرافية والتوزيع المذهبي؛ إذ يبلغ عدد الشيعة حسب تقديرات عقد الخمسينيات من القرن الماضي نحو 80 بالمئة من عدد السكان، ويغلب عليهم التدين؛ فضلا عن معاناتهم الشديدة من الحرمان والتمييز الطائفي، ولذلك كان الدخول الى الساحة البحرينية سهلا جدا ومرحبا به عند النخبة الشيعية البحرينية، وقد وصله عبر علماء الدين البحرينيين الذين كانوا يدرسون في النجف الأشرف، أو البحرينيين من خريجي جامعة بغداد، وكان الرجل الذي حمل معه أمر تأسيس فرع للدعوة في البحرين هو عالم الدين البحريني الشيخ سليمان المدني القادم من النجف الأشرف؛ بعد أن أقام فيها حتى عام 1967، ودرس في حوزتها وتخرج من كلية الفقه، وهو أول بحريني ينتمي الى الدعوة، والتحق به فيما بعد الشيخ عبد الأمير الجمري والشيخ عيسى قاسم والسيد عبد الله الغريفي والشيخ العريبي وآخرون، وهم دعاة الجيل الأول في البحرين.

 

تجربة النخبة البحرينية

وبالرغم من أن دخول الدعوة الى البحرين كان في حدود العام 1965؛ إلّا أن لجنتها القيادية تأسست في العام 1968 على يد الشيخ سلمان المدني، وسرعان ما استقطب الحزب عدداً كبيراً من النخبة الشيعية المثقفة، وبلغت ثقة الحزب بنفسه كبيرة الى مستوى دفعته لدخول الانتخابات البرلمانية عام 1972، وفوز عدد من أعضائه وتشكيل كتلة برلمانية تحت اسم « الكتلة الدينية» برئاسة القيادي الداعية الشيخ عيسى قاسم، كما حصل نائب آخر من أعضاء حزب الدعوة هو عبد الله المدني على منصب أمين سر المجلس الوطني البحريني، كما أسس الأخير مجلة باسم «المواقف» الأسبوعية؛ كانت تعبر عن آراء الدعوة وكتلتها في البرلمان، وهي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم التي ذكرت خبر إعدام الشيخ عارف البصري وإخوانه الأربعة في العام 1974، وانتهى الأمر برئيس تحريرها الداعية عبد الله المدني الى الاغتيال طعناً بالسكاكين في العام 1976. وكان الدعاة يمتلكون عدداً من المؤسسات الدينية والخيرية؛ أهمها جمعية «التوعية الإسلامية» التي ترأسها الشيخ عيسى قاسم؛ لتكون إحدى أهم واجهات حزب الدعوة. وعلى الرغم من كل هذه النشاطات فقد ظل اسم الحزب سرياً وتنظيمه بالغ السرية، وينشط من خلال الواجهات فقط.

 

أحرار البحرين

وفي لندن كان التنظيم المعارض الأهم للنظام البحريني هي حركة «أحرار البحرين»؛ التي كانت إحدى الواجهات السياسية لحزب الدعوة، وترأسها منذ نشوئها العام 1981 الداعية الدكتور سعيد الشهابي عضو قيادة الدعوة في بريطانيا، والذي أسس فيما بعد مجلة «العالم» في لندن، وضمت الحركة جميع الدعاة البحرينيين المقيمين في بريطانيا وأوروبا، ومعظمهم من الطلبة الجامعيين والخريجين. ولكن حل حزب الدعوة نفسه في البحرين العام 1984 على اثر الاعتقالات في صفوفه والتهديد بإعدام أعضائه. وكان الفقهاء البحرينيون الثلاثة الأبرز: الشيخ عبد الأمير الجمري والشيخ عيسى قاسم والسيد عبد الله الغريفي؛ قياديين في حزب الدعوة؛ حتى حله العام 1984. بيد أن مسؤولية التنظيم الرئيسة تحملها الشيخ عيسى قاسم بعد تنحي الشيخ سليمان المدني عن القيادة وتفرغه للعمل رئيساُ للمحكمة الجعفرية العليا. وقد حقق تنظيم الدعوة في البحرين إنجازات سريعة خلال ثمانية عشر عاماً من عمره؛ فقد كان معظم أعضاء البرلمان من الاسلاميين الشيعة في السبعينيات، ثم بعض الوزراء؛ أعضاء في حزب الدعوة. وحتى بعد حل الحزب؛ بقيت تركة حزب الدعوة غنية وكبيرة؛ فكان معظم قادة وأعضاء المجلس العلمائي الشيعي، ثم كثير من مؤسسي حركة «الوفاق» وقادتها وكوادرها؛ أعضاء سابقين في حزب الدعوة؛ فضلاً عن عدد كبير من نواب حركة «الوفاق الوطني» وبعض الحركات والجمعيات الأخرى في داخل البحرين وخارجه.

 

حزب الدعوة والكفاح المسلح في إيران

وعلى مستوى إيران؛ كان الداعية الشاب الشيخ مهدي علي أكبر العطار يسهم في دعم تنظيم «حزب ملل إسلامي» بشراء السلاح من بادية النجف في أوائل ستينيات القرن الماضي؛ وهو الحزب الذي أسسه الداعية الإيراني المهاجر من النجف السيد محمد كاظم الموسوي البجنوردي العام 1960، وكان يحمل أفكار حزب الدعوة ومنهجيته، وهو الذي فجر الكفاح المسلح ضد نظام الشاه، بعد انهيار حركة السيد نواب صفوي. وكان جهاز المخابرات الإيراني (السافاك) يعد «حزب ملل اسلامي» الفرع الإيراني لحزب الدعوة، وهو ما قرأته أيضاً في منشور صادر عن حزب «توده» الشيوعي الايراني العام 1962، فكان الشيخ مهدي العطار يذهب بالسيد كاظم البجنوردي الى بادية النجف لشراء السلاح من عشائر المنطقة، ثم ينقل السيد كاظم السلاح الى ايران. وفضلا عن «حزب ملل إسلامي» المستقل عن قيادة «الدعوة»؛ فقد كان لحزب الدعوة تنظيم آخر في إيران يرتبط بقيادته في العراق مباشرة، وكان رابطه مع القيادة السيد حسن شبر، وقد تأسس في أوائل ستينيات القرن الماضي أيضاً، ومن قيادييه السيد محمد حسين الطهراني أحد علماء الدين في طهران وإمام جامع القائم، وقد اسهم الحزب في «انتفاضة 15 خرداد» في ايران العام 1963 (ضد الشاه) وغيرها من الأحداث؛ وصولاً الى أحداث الثورة الإسلامية.

 

 

خصم «الدعوة» اللدود

وتوسع تنظيم «الدعوة» في ايران مع موجات الهجرة والتهجير من العراق الى ايران بدءاً من العام 1969؛ تزامناً مع الإجراءات القاسية التي اتخذها نظام البعث ضد الحركة الإسلامية في العراق. ولكن القيادة العامة لحزب الدعوة أصدرت أمراً في العام 1982بحل التنظيمات الإيرانية للحزب ؛ لإيصال رسالة إيجابية الى الجمهورية الإسلامية؛ وهي الفترة التي كانت فيها علاقة حزب الدعوة متوترة مع بعض أجهزة الجمهورية الإسلامية، ولاسيما قسم «حركات التحرر» في قوات الحرس الثوري؛ وهو القسم الذي كان يترأسه مهدي هاشمي، الخصم اللدود لخط السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة، وقد أعدم العام 1983 بتهمة ممارسة القتل قبل الثورة وبعدها، والتخابر مع دولة اجنبية ( ليبيا).

 

عالمية " الدعوة" نتاج عالمية النجف

عندما بدأت تنظيمات «الدعوة» تنتشر في البلدان الأخرى في أواسط الستينات؛ دخل في الحزب أعضاء لم تكن تربطهم بالنجف أو العراق غير رابطة الولاء الديني للمرجعية النجفية، ولكن تحول ولاء هؤلاء الدعاة الى النجف من ولاء ديني محض الى ولاء سياسي وفكري أيضاً؛ إذ أصبحت المرجعية الفكرية والدينية للسيد محمد باقر الصدر هي بوصلتهم، فضلا عن بوصلتهم التنظيمية والسياسية المتمثلة بقيادة حزب الدعوة الموزعة بين النجف وبغداد.

والحقيقة أن تنوع الانتماءات الاجتماعية الأصلية للدعاة لم يؤثر في خلق اتجاهات وميول متباينة في إطار «الدعوة»؛ لأن البيئة النجفية التي أوجدت حزب الدعوة الإسلامية؛ هي بالأساس بيئة صاهرة  للأعراق والانتماءات الاجتماعية؛ إذ ظلت البيئة النجفية طوال مئات السنين قادرة على صهر جميع الوافدين في بوتقتها؛ سواء كانوا من العراقيين الحضر من المدن الأخرى، أو العراقيين أبناء الريف، أو بدو نجد والأردن والشام، أو الإيرانيين الفرس والأذربيجانيين، أو أبناء شبه القارة الهندية، أو الهزارة والطاجيك في أفغانستان؛ فضلاً عن العرب من البلدان الأخرى، وفي مقدمهم اللبنانيين والخليجيين؛ فتراهم بعد فترة يتحولون الى أبناء للبيئة النجفية بكل تفاصيلها، وهذه الخاصية التي تتميز بها النجف ربما تكون فريدة من نوعها عالمياً من زاوية علم الاجتماع، وهي القدرة على صهر الآخرين؛ أي أن النجف هي بالأساس مدينة عالمية وليست عراقية محضة في بعدها الإجتماعي، فضلاً عن الديني. وحين نتحدث عن النجف فلا نقصد بها المدينة والإدارة المحلية والشوارع والأزقة والمباني؛ بل نقصد النجف الحاضرة العلمية الدينية والعاصمة المعنوية الشيعية، وهي مواصفات استثنائية ليست مصطنعة؛ بل تمثل تراكماً تاريخياً طبيعياً بدأ قبل نحو ألف سنة، ولا تشبه أية مدينة في العالم. وهكذا حين نقول بأن حزب الدعوة بدأ نجفياً وبقي هكذا في مرحلة انطلاقه وانتشاره؛ فإننا نقصد طبع الحزب بطابع الحاضرة النجفية في اجتماعها الديني والسياسي والثقافي وفي أنساقها الانثروبولوجية؛ وهو طابع عقائدي وعابر للحدود الجغرافية:

 

عوامل تحول عالمية حزب الدعوة من تنظير الى واقع

وقد ظهرت هذه الحقيقة في حزب الدعوة بشكل واضح؛ فلم تكن عالمية حزب الدعوة نتاجا لنظرية مؤسسيه وحسب؛ بل انعكاسا لعالمية البيئة النجفية التي تأسس ونشأ فيه حزب الدعوة، ولو تأسس حزب الدعوة في مدينة أخرى لما تحققت هذه القاعدة النظرية والعملية في بنائه. وفضلاً عن هذه العوامل الموضوعية؛ فإن هناك ثلاثة عوامل ذاتية ترشحت عن عالمية البيئة النجفية؛ كان لها التأثير الأساس في نقل عالمية حزب الدعوة من النظرية القائمة على أساس عقائدي متمثلا بعالمية الإسلام الى التطبيق الواقعي:

1- وجود علماء الدين في صدر قائمة مؤسسي حزب الدعوة وقيادييها وكوادرها، والمعروف أن عالم الدين يكون البعد الاسلامي العالمي في شخصيته قوياً جداً، وينعكس على حركته بشكل طبيعي، فضلاً عن أن معظم هؤلاء العلماء الدعاة تنقّل بين بلدان متعددة، وكان وكيلاً للمرجعيات الدينية.

2- صعود قياديين وكوادر غير عراقيين لقيادة حزب الدعوة ومفاصله التنظيمية الأساس، ولاسيما اللبنانيون وذوو الأصول الإيرانية؛ بل كان تأثير البيئات اللبنانية والإيرانية والكويتية يوازي ـ في بعض المراحل ـ تأثير البيئة العراقية في توجيه مسارات حزب الدعوة.

3- التأثر بعالمية التنظيمين الإسلاميين السنيين الكبيرين: جماعة الأخوان وحزب التحرير، والتنظيمات الشيوعية العالمية والتنظيمات القومية العربية، وهو تأثر اجتماعي بديهي؛ لأن الأخوان والتحريريين والشيوعيين والقوميين كانوا يعيشون في ضمن مجتمع واحد مع المتدينين.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

حزب الدعوة في لبنان: تجربة فريدة (20): ثنائية الوطنية والعالمية في نظرية حزب الدعوة

ali almomenأكدت أدبيات حزب الدعوة الإسلامية على أن المرحلة الرابعة من مراحل حركة “الدعوة” هي حاكمية الإسلام، أي تأسيس الدولة الإسلامية في أحد الأقاليم، ومنها يقوم الحزب بالانطلاق الى بناء الدولة الإسلامية الكبرى التي تضم الجغرافيا الإسلامية دون حدود. ومن هنا تنطلق نظرية حزب الدعوة في عالميتها؛ باعتبارها نظرية إسلامية؛ وكون الإسلام دينا عالميا ودعوته عالمية، فكانت هذه الركيزة هي الثانية بعد ركيزة العقائدية، أو هي من أهم مظاهرها.

 

نظرية عالمية

كما أن انتماء مؤسسي “الدعوة” وأعضائها الأوائل الى عدة بلدان إسلامية؛ يؤكد طبيعة تحرك حزب الدعوة ومساحته الجغرافية والاثنية؛ إذ أنهم لم يكونوا يطرحون “الدعوة” كحركةً عراقيةً أو عربية؛ وإن كان العراق يمثل محور هذه الحركة وركيزتها؛ بل يطرحونها حركةً إسلاميةً عالميةً؛ انسجاماً مع نظرية عالمية “الدعوة”، وشأنها شأن الحركات الاسلامية الكبرى، أو الحركات الايديولوجية العربية والعالمية. وقد عمل حزب الدعوة؛ ربما دون تخطيط منه؛ على تكريس العراق قاعدة ومحورا للتحرك التنظيمي الإسلامي الشيعي؛ في مقابل الحركة السلفية التي ترتكز الى مرجعية العربية السعودية، وجماعة الأخوان المسلمين التي ترتكز الى محورية مصر. وبذلك شكّل هذا البعد العالمي للدعوة إضافة نوعية للعراق؛ الذي أصبح مركزاً للأطراف التنظيمية الشيعية في المنطقة. وقد امتد حزب الدعوة الى خارج العراق؛ منذ أوائل الستينيات، وأصبحت له فروع قوية في معظم البلدان التي يتواجد فيها الشيعة، وهي ظاهرة جديدة بالكامل لم يعرفها التاريخ الشيعي من قبل.

 

تحول «الدعوة» الى مدرسة حركية عالمية

وأصبحت الشخصيات التي أسست حزب الدعوة أو انتمت اليه في مرحلة من المراحل بمرور الزمن؛ النخبة الإسلامية الشيعية العربية التي تقود الواقع الإسلامي الشيعي في البلدان العربية؛ على الرغم من أن كثيراً من هذه الشخصيات قد ترك العمل التنظيمي والحزبي؛ ولكنه يبقى في النتيجة خريج مدرسة “الدعوة”؛ والتي أصبحت في ما بعد تمثل التيار المنظم في مدرسة السيد محمد باقر الصدر. فعلى سبيل المثال؛ إذا أخذنا المرجعيات الدينية؛ فسنجد أن أربعة من مراجع الدين المشهورين كانوا أعضاء في حزب الدعوة الإسلامية؛ هم: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر من مراجع النجف، السيد محمد حسين فضل الله من مراجع لبنان والسيد كاظم الحائري من مراجع قم. كما أن عشرات الفقهاء والمجتهدين وأساتذة البحث الخارج في الحوزات العلمية؛ كانوا أيضاً أعضاء في “الدعوة” .

 

الدعاة تعاقبوا على قيادة العراق

ثم إذا أخذنا العراق ولبنان والبحرين كنماذج جغرافية؛ سنجد أن معظم قادة الحركات الإسلامية وكوادرها وناشطيها الإسلاميين كانوا من الدعاة، ففي العراق نرى أن معظم القادة السياسيين الإسلاميين الشيعة بعد سقوط نظام صدام عام 2003؛ كانوا أعضاء في حزب الدعوة؛ فالإسلاميون الأربعة الذين تعاقبوا على رئاسة مجلس الحكم؛ ثلاثة منهم كانوا في مرحلة ما أعضاء في “الدعوة”: الدكتور ابراهيم الجعفري والسيد محمد بحر العلوم وعز الدين سليم، وكذا الشخصية السياسية الإسلامية الأبرز بعد السقوط؛ أي السيد محمد باقر الحكيم؛ كان من مؤسسي “الدعوة” وأعضائه المهمين. ثم تعاقب على حكم العراق منذ عام 2005 وحتى الآن (2016 ) ثلاثة من الدعاة: ابراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي، وهكذا عشرات الوزراء ومئات النواب وكبار المسؤولين.

 

حركة موسى الصدر

وعلى مستوى لبنان؛ فقبل مبادرة السيد موسى الصدر الى تأسيس حركة المحرومين في عام 1974 وجناحها المقاوم حركة “أمل” في عام 1975؛ كان حزب الدعوة هو العنوان الإسلامي الشيعي السياسي الوحيد في لبنان، وبقي على قوته ونموه المطرد حتى في ظل حركة السيد موسى الصدر ومؤسساته التي اكتسحت الساحة الشيعية اللبنانية، وكان السيد موسى الصدر لا يرى في حزب الدعوة منافسا لحركته؛ بل مكملاً فكرياً وداعماً عقائدياً لها؛ لاسيما أن كثيرا من الكوادر العقائدية في حركة “أمل” كانوا أعضاء في حزب الدعوة، كما كان بعض مسؤولي “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى” هم كوادر وقياديون في حزب الدعوة، ولاسيما نائب رئيس المجلس الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وكان ذلك يعضد الخط المؤمن العقائدي في حركة أمل والمجلس الشيعي، وهو ما كان يطمح اليه السيد موسى الصدر؛ على اعتبار أن الحزب والحركة يستوعبان جميع أبناء الطائفة الشيعية على مختلف اتجاهاتهم ومشاربهم وأفكارهم وسلوكياتهم.

 

المجلس الشيعي الأعلى في لبنان

وقد كان السيد موسى الصدر في أجواء التحضير لتأسيس حزب الدعوة منذ اليوم الأول، وقد طلب منه ابن عمه السيد محمد باقر الصدر في عام 1957 أن ينضم الى جهود تأسيس الحزب؛ إلا أنه فضل وهو في طريق استقراره في لبنان أن يمارس عملا تنمويا عاما مفتوحا ينسجم مع ظروف الحرمان الشديد الذي تعاني منه الطائفة الشيعية في لبنان بسبب التمييز الطائفي والفقر الاقتصادي والإقطاع السياسي، ولذلك لم يكن يرى في حركة ابن عمه السيد محمد باقر الصدر وصديقيه الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله سوى مكمل لحركته وداعم لها، ولذلك كان يعلم بتفاصيل عمل حزب الدعوة في لبنان، وبوجود الدعاة في داخل حركة “المحرومين” وحركة “أمل” و”المجلس الإسلامي الشيعي”. صحيح أن بعض قياديي حزب الدعوة وفي مقدمتهم السيد محمد حسين فضل الله اعتذروا للسيد موسى الصدر بعدم الانضمام للمجلس الشيعي الأعلى الذي أسسه السيد موسى الصدر؛ إلّا ان ذلك لم يؤثر في طبيعة العلاقة والتنسيق بين الطرفين.

وقد كان تنظيم حزب الدعوة في لبنان ثاني أهم تنظيم دعوي بعد العراق؛ فقد كان الدعاة اللبنانيون؛ بحكم تميزهم العددي والنوعي هم الأكثر تأثيراً في عمل الحزب بعد الدعاة العراقيين؛ بل تجاوز تأثيرهم الدعاة العراقيين في الفترة من عام 1971 الى عام 1979؛ حين أصبح القيادي اللبناني محمد هادي السبيتي هو الرجل الأول في قيادة الحزب.

 

تأسيس “حزب الله” في لبنان

وحين قررت أجهزة الجمهورية الإسلامية الإيرانية احتضان الإسلاميين اللبنانيين الذي كانوا يتوافدون عليها منذ العام 1979 بهدف المبايعة والتنسيق وطلب الدعم؛ وكان كثير منهم من الدعاة؛ فإن هذا التنسيق انتهى في العام 1981 الى قرار تأسيس حزب إسلامي جماهيري علني مقاوم يؤمن بولاية الفقيه ومصداقها فكراً وعملاً؛ أطلق عليه اسم “حزب الله”؛ فكان تنظيم حزب الدعوة هو العمود الفقري لهذا الحزب الناشئ عام 1982، حتى ان معظم مؤسسي “حزب الله” كانوا قياديين في إقليم حزب الدعوة اللبناني، كما كان جميع الأمناء العامين الذين تعاقبوا على قيادة الحزب: الشيخ صبحي الطفيلي، السيد عباس الموسوي والسيد حسن نصر الله؛ من أعضاء حزب الدعوة الإسلامية القدامى؛ فضلاً عن رئيس شورى “حزب الله” الشيخ محمد يزبك ونائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم والقائد العسكري لـ “حزب الله” عماد مغنية ورئيس المجلس السياسي السيد ابراهيم امين السيد ورئيس كتلة “حزب الله” في البرلمان محمد رعد، ومعظم وزراء حزب الله الذين دخلوا الوزارات المتعاقبة، وكثير من أعضاء المجلس السياسي وأعضاء البرلمان، وكثير من القادة الأمنيين والعسكريين،  بل كان الشيخ صبحي الطفيلي أول أمين لـ “حزب الله”؛ عضوا في القيادة العامة لحزب الدعوة ومشرفا على الخطوط العراقية لحزب الدعوة في سوريا، والمسؤول المباشر للأمين العام الحالي نوري المالكي بعد هجرته الى سوريا في نهايات عام 1979.

 

الثنائية الشيعية الحاكمة في لبنان

وبعيدا عن “حزب الله”؛ فإن كثيرا من قيادات حركة “أمل” (قبل تشكيل حزب الله) كانوا أعضاء في حزب الدعوة. أما الشخصيتان الدينيتان والفكريتان الأبرز بعد السيد موسى الصدر؛ فكانا - قبل اعتزالهما التنظيم مطلع ثمانينات القرن الماضي- من قيادات حزب الدعوة؛ وهما: رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين والمرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله؛ بالرغم من أنهما متعارضان في مجمل المواقف داخل الساحة اللبنانية. وانتهت علاقتهما بالقطيعة الكاملة منذ أواخر الثمانينيات؛ وتحديداً في عام 1988 عند اندلاع الحرب الأهلية الثانية بين حزب الله وحركة أمل، بل حتى الشخصيات المعارضة التي برزت ضد ما يعرف بـ (الثنائية الشيعية) التي حكمت الواقع الشيعي اللبناني، ويقصد بها ثنائية حركة “امل” و”حزب الله” الحاكمة؛ فقد كانوا أعضاء في “الدعوة”؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والسيد علي الأمين وغيرهما.

 

الجناح العسكري لحزب الدعوة اللبناني

وكان حزب الدعوة في لبنان قد أسس جناحا عسكريا تحت اسم “قوات الصف المجاهدة” في نهاية سبعينيات القرن الماضي؛ لحماية شيعة لبنان، وكان من أبرز قادته عماد مغنية؛ الذي كان ينشط مع حركة “فتح” الفلسطينية في الوقت نفسه، وطلب ممثلون عن قيادة حزب الدعوة في لبنان وجناحه العسكري من القيادة العامة لحزب الدعوة في عام 1980 تمويل هذه القوات وتسليحها؛ ولكن القيادة لم تكن تمتلك لا المال ولا السلاح لكي تعطيها لتنظيمها في لبنان؛ سوى خمسة آلاف دولار؛ قالت القيادة إنها تستطيع تقديمها له؛ فكانت تلك من المسوغات الواقعية لتوجه قيادة حزب الدعوة اللبناني الى الإيرانيين لطلب دعمهم ومساعدتهم؛ وصولاً الى حل الحزب في لبنان؛ وتأسيس “حزب الله” بديلاً عنه.

 

أجيال الدعاة اللبنانيين

وأبرز الجيل الأول من الدعاة اللبنانيين: السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين ومحمد هادي السبيتي والشيخ مفيد الفقيه والشيخ حسن ملك والشيخ عبد المنعم المهنا والسيد علي الامين ومهدي السبيتي وحسن شري والشيخ علي الكوراني والشيخ صبحي الطفيلي وغيرهم، وهم جيل الدعاة الرواد الذين انتموا الى الحزب في الفترة من عام 1958 وحتى عام 1965، وهذا يعني أن حزب الدعوة دخل لبنان في وقت مبكر؛ ربما لا يتجاوز السنة الأولى من عمر الحزب. أما الجيل الثاني فأبرز دعاته: السيد عباس الموسوي والشيخ نعيم قاسم ومحمد رعد وعماد مغنية ومحمود الخنسا والشيخ حسن عبد الساتر والشيخ حسين الكوراني والشيخ محمد يزبك ومحمد فنيش ومحمود قماطي وهاني قاسم وحسن حدرج والشيخ راغب حرب والسيد ابراهيم امين السيد وغيرهم، وهو الجيل الذي انتمى الى الدعوة في نهايات عقد الستينيات والى منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي. ويضم الجيل الثالث مئات الدعاة اللبنانيين؛ لعل الأبرز منهم: الشيخ محمد كوثراني والدكتور علي فياض والسيد حسن نصر الله وغيرهم، وهو الجيل الذي التحق بالدعوة بعد العام 1975.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

كتاب: رسائل إلى الله .. استطلاع عفوي جسور ومؤشرات نفسية خطيرة

husan sarmakيحمل كتاب "رسائل إلى الله" للكاتب "وجيه عبّاس" (263 صفحة) (بلا دار نشر وبلا تاريخ نشر) أهمية خطيرة آنية ومستقبلية. ننتهي من الأهمية المستقبلية أولا بالقول أننا جميعا – حتى من لا يدرك هذه الحقيقة منّا – نكتب للتاريخ الذي سوف يحتفي بما نكتبه بعد زمن على طريقته التي يراها مناسبة لما كتبناه – مُكبرا أو لاعِنا، مبتهجا أو آسيا .. إلى آخره – واحتفاء التاريخ تعبير مجازي فمن يحتفي هم الناس ولا قيمة لأي شيء من تاريخ وعلم وفلسفة وفن وسياسة واقتصاد من دون الإنسان؛ هذا الإنسان – وهنا نأتي إلى الأهمية الآنية الخطيرة لهذا الكتاب – الذي حاول وجيه عبّاس "استطلاع" جوانب من ردود أفعاله المختزنة على محنته التاريخية عبر عمله الجسور هذا. فآنيّا، يرسم وجيه عبّاس صورة سوداوية مُنذرة يبدو أن لا أحد من المعنيين بالتسبّب في هذه المحنة التاريخية الخانقة وإدارتها  قد اطلع عليها ليلتقط درسها الأهم في مجاله وهو أن الاحتقانات النفسية والاجتماعية والدينية – وحتى اللغوية المعبّرة عن هذه الاحتقانات – في داخل المواطن العراقي قد بلغت الزبى وأنها تُنذر بطوفان من الانفجارات العاصفة التي ستأتي على الأخضر واليابس ولن تبقي ولن تذَر. وقد يكون في هذه الإحتقانات جانبا من تفسير سمة "الفرهود" وسمة "العنف" التي ميّزت مراحل كثيرة من تاريخ هذه الأرض (هناك عشرات من قصائد رثاء الفرهود الدموي للمدن السومرية والبابلية !) . فحين "ينكص – Regressed  " المواطن بالمعنى النفسي التحليلي ويرتد إلى مراحل مبكرة من الاستعانة بالقوى الماورائية لمواجهة إحباطات وتعدّيات واقعه، فإن من معاني ذلك انه علامة مُنذرة على قرب تحوّل هذا المواطن إلى سلوك عنفي – ثأري – عشوائي – عنفي – ساحق قد تشتغل فيه أدواته "الحيوانية" المختزنة في لاوعيه، وهي الأدوات الأولى التي يرتد إليها حين تتوقف سلطة العقل الرادعة القامعة – المكروهة لاشعوريا – فالحضارة إبنة القمع والتضحية بالحرية الفردية ذات المضمون "الطفلي" من أجل طرف مقابل اسمه "الآخر" وتحت التهديد بشخصية اجتماعية قامعة اسمها "القانون" . واستطلاع وجيه عباس هذا يعلن ذلك بوضوح – على لسان اصحاب الرسائل العفويين البسطاء الذين لا يحسنون التمنطق والاستثقاف فيفلتون مشاعرهم عارية صادمة .. وهؤلاء – وهنا مكمن من مكامن الخطورة – هم "مادة" التشكيل الجمعي الناكص الذي يُسمّى "الحشد – Crowd" المخيف الذي – مثلا - أهار سجن الباستيل المرعب بأظافره في الثورة الفرنسية. ومن الطريف والخطير الإشارة إلى أن الثورة الفرنسية بدأت بمقدمة سلوكية نفسية اجتماعية لم يلتفت إليها الملك ولا مستشاره وتمثلت في قيام أهالي باريس وبحماس غريب بحملة هائلة لقتل الفئران والجرذان. وكان هذا التصرف "استطلاعا" سلوكيا حركيا له دلالاته النفسية التحليلية (هل هناك مسؤول عربي لديه مستشار نفسي؟.. طبعا لا، لأن المسؤول العربي منزّل من السماء ويفتهم في كل شيء في حين أنه مرعوب من الداخل ويخشى السلطة الأبوية للطبيب النفسي!).

وكتاب "رسائل إلى الله" هو استطلاع نفسي أدبي إذا جاز الوصف لعيّنة من الشعب العراقي (390 رسالة إلكترونية تقريبا) تطوّع أفرادها (أو طلب منهم وجيه) لنقل رسائلهم الإلكترونية الموجّهة إلى الله سبحانه بعد أن ضاقت بهم السُبُل وصار من اليسير عليهم – وهذه مفارقة سياسية واجتماعية كبرى – أن يخاطبوا الله الرؤوف الرحيم بعد أن عجزوا عن توصيل صوتهم إلى الساسة المُحصّنين (فأمراء الحروب آلهة جديدة لم تتعرف عليك (على الله)، وعلينا نحن اللانسمّى أن نكون بطاقات التعريف بينكما – ص 10). وبروحه التحرّشية شبه المجنونة – وفق الفهم النفسي العلمي والإبداعي الخلّاق للجنون و "اللاطبيعية – Abnormality" المعروفة يلخّص وجيه جوهر مشروعه :

(إلهي . هذه اصوات عبيدك العراقيين يضجّون إليك بالدعاء والشكوى تبرعتُ أن اوصل اصواتهم إليك. اخترنا أن يكون علي بن أبي طالب حامل بريدنا إليك لأنه رسول أمين وقريب من محمّدك الغريب بين يدي المطاوعة فلا أحد يستطيع الدنوّ منه إلّا بعد أن يأكل (طن كَتِل) . لهذا اخترنا أبا الأيتام ليوصل الرسائل مختومة إليك – ص 10).

والرسائل هذه ليست مختومة، بل مفضوحة ومعلنة بأقصى الاصوات الجارحة المجروحة؛ أصوات تحمل حرقة أرواح موجوعة مألومة مختنقة، الختم الذي تحمله هو ختم اليأس القاتل الجاثم على القلوب المتعبة. واليأس خصوصا حين يكون عاما شاملا ينفض فيه الإنسان يديه من كل شيء هو المقدّمة المنذرة بالإنفجار الشامل الصاخب العاصف:

 مصطفى أومن: الغوث الغوث ...

مرتضى الكعبي: ليش هيج؟... مو تعبنه

سارا احمد: صبرت هواي علينا يارب ... كلش هواي

ابو هاشم: الهي امشي عليك العباس ارحم العراقيين

هذا اليأس يصل اقسى مستوياته وأقصاها حين يرتد العدوان على الذات فيتمنى المرء الموت أو الإنتحار :

 يعقوب الخزاعي: الشعب العراقي يريد الموت وﻻ العيش مع هكذا سياسيين دمّروا البلد.. لولا ان الانتحار حرام لانتحر جميع الشعب....

واليأس يرافقه عادة "دوار عقلي" يعبّر عن انشلال القدرات الإدراكية الموصلة للتأويل الدقيق وتفسير الأحداث بعيدا عن عبودية المُقدّر . يظهر هذا الدوار والإنشلال في "الصيغة التساؤلية" التي طغت على أغلب الرسائل، فالمواطن العراقي وصل إلى حدّ لا يستطيع معه تفسير "مصيره" وما بلحق به من فجائع ومحن يومية متصلة ومتواصلة منذ فجر التاريخ :

منتظر علي مجيد: سؤالي :الم يكتفي البرزخ من اموات العراق؟؟

الم تكتفي الجنة من شهداء العراق؟؟الى متى واين وكيف ولماذا؟؟؟؟؟؟؟؟؟

Haidar Basim :رسالة إلى الله مالك الملك وحاكم الكون الرحمن الرحيم . والجبار العظيم .. ألم تكتفي سمائك من وجعنا؟ ألم ترتوي أرضك من دمائنا؟ ألم يحن الوقت ليعود الوضع آمن ويخضع الناس لحكم القانون؟ أما أكتفيت من دماء علي والحسين وأولاد الحسين وأصحاب الحسين؟ أما أكتفيت من جثث الحروب التي كتبتها على هذا الشعب؟ أما أكتفيت بالمقابر الجماعية؟ بالاعدامات؟ بحرب ايران؟ باحتلال الكويت؟ بأحتلالنا؟ أما كفاك تعذيباً لنا؟ إما أن تهدها فوق رؤوسنا أو تفرجها سريعاً فأنت صاحب الفرج العالي بلا درج .....

ولا صلة للجهة التي يخاطبها أصحاب الرسائل بمصائبهم من الناحية الموضوعية التاريخية والاجتماعية .. إنها جهة محايدة إذا دق الوصف. وما يقوم به هؤلاء الأفراد هو  نوع من العدوان المُزاح أو المنقول – Displaced Aggression"  حيث يوجّه الفرد شحنات نقمته الحارقة نحو الأب الأكبر المتعالي بعد أن أعمى الدوار العقلي المؤسس على اليأس بصيرته الناقدة فلم تعد ترى الطغاة الفعليين من الآباء الأرضيين الصغار. لعل في هذا جانبا من تحليل نفسي لمعاني الآية الكريمة التي يدعونا فيها الله إلى أن نذكره كذكرنا لآبائنا : "اذكروني كذكركم آبائكم" :

Kassam Hassan :يا الله أهلنه الطيبين العراقيين الفقرة الهم عتب وياك،،، ليش نسيتنه وتاركنه بيد الحرامية والمجرمين.

Ödâý Albably : اتمنى اتغيّر مقولة" كيفما تكونوا يولى عليكم"، لاننا سنبقى هذا الشعب سليل ذاك الشعب الذي بافعالنا توالت علينا الظلمة لظلمنا انفسنا، فارجوا تغييرها..

ووجه عملة هذا العدوان الآخر هو العدوان المرتد على الذات كما قلنا والمعبّر عنه بهذه الروح المازوخية السوداء التي تبخس الذات وتمزق الإعتبار الذاتي وتسحق القدرات والإرادة وتمعن في الإدانة الذاتية والجمعية حدّ الإهانة المضمرة والمعلنة :

Ammar Painter :طبنه مرض احنا مو خوش اوادم جان ماء صار بينه هيجي

ابو عادل الكيتب :رسالتي يا رب انت تعلم.... لماذا ﻻ نتعلم..!

 الكاتبة مروة البغدادي :أنا حسنة الظن به، مايحدث وسيحدث مقرر في كتابه لكن لي سؤال يثيرفضولي :هل نحن نستحق ذلك أم نحن أستحققناه بما تعج به قلوبنا؟

Haider A Abass :شوكت تتغير انفسنا لان احنا مكادرين نغيرها..فقط نريد نتغير نريد من نمشي بالشارع منذب الكلينس لو كطف الجكارة من جامة السيارة نريد نصير اوادم بدون قوانين بس غيّرنا ...ترة مبينا خير نغير نفسنا.

Caesar Ali: اللهم شتسوي بينة,نستاهل

Hassan AL Musawi :اللهم طيح حظنه خلصنه واخلص لاأحنه عباد ونرتجي الجنه من انموت ولا أحنه من الكافرين ..خلصنه ياربي واخلص

Dhiaa Jaber :اللهم ان اهل العراق لايستحقون العيش على هذه المعمورة لان فيهم المنافق وفيهم من يرضى بالذل وفيهم الساكت عن الحق وفيهم من يقتل باسم الدين وبأسمك وفيهم من ينشر الفاحشة وفيهم الساسي الناهب لاموال الشعب وفيهم من ينظر بعين واحدة ليأخذ الحق له ويغض الطرف عن حقوق الاخرين اللهم واسألك ان تعفو عن الاطفال لانهم ابرياء لم تتلوث ايديهم بوباء ابائهم ... اللهم امين

إن هذا الدوار الذي يعاني منه العراقيون هو في الحقيقة "دوار تاريخي" يمتد منذ فجر خليقة هذه الا{ض حتى هذه اللحظة، وكل القرائن والمممكنات تشير إلى أنه سوف يستمر لدهور مقبلة . إنّ مشاعر كتّاب الرسائل الطافحة – والعاطفة طاغية على العقل في المخاطبات كلّها – تعكس عجزا حقيقيا عن تفسير سرّ لعنات هذه الأرض الذي يشبه "القدر" المُلغز العصي على الفهم والتأويل. لم يبق أمام الجميع، وفي ظل هذا "الدوار التاريخي" سوى التسليم بالميتافيزيقا .. هناك لعنة مُقدّرة على هذه الأرض التي تُسمّى العراق .. وعلى هذا المواطن الذي يُسمّى "العراقي" وخلاصة هذا الفهم "شعار" مكتنز وشائك يقول :

"العراقي حيوان مُذنب"

مثلما صاغ أرسطو شعارته الشهيرة "الإسنان حيوان اجتماعي" و"الإنسان حيوان سياسي" .. يلتقط وجيه عباس هذا المفتاح الذي تستغلق الأمور في ظله فيقول في مقدّمته :

(حين أوجدتني في العراق يا سيدي علمتُ أنك لم تطرحني في الأرض اعتباطاً؛ العراق وطن لتكفير الذنوب . وهل هناك ذنب أكبر من أن أكون عراقيا يحيط بي هذا العالم وأنا مشدوه عنه بذنوبي الحقيرات؟ - ص 8) .

سلام الجمل: الهي الى متى ندفع ثمن الخطيئة التي اقترفها جدنا الاكبر " قابيل "؟؟ للعلم فقط، هو ليس جدنا وحدنا وحسب، وانما جد كل البشر، لماذا ندفع نحن الثمن منذ ان دخل " قورش " ارض بابل والى اليوم؟ارجوكَ اجبني ! ان كنتَ تسمعُ وترى، و انتَ تسمعُ وترى ! كما قلت لـ عبديكَ هارونَ و موسى ..!

سلمان الدراجي: من لايرحم لايرحم احنا اللة سبحانة وتعالة لا ينضر لنا لكثرت ذنوبنا نرى الباطل ونحن ساكتين

وفاء العبيدي: الهي وربي وسيدي عشت سنين عمري لم ارى في بلادي غير لون الدم اﻻحمر واخاف ان اموت وما زال هذا اللون يغطي ارضي

الهي اصلح حال بلادي باصلاح اهله وارني سماءه وارضه ومائه بالوانها الحقيقية.

 

بلاد اللونين : الأحمر والاسود هذه حملت أغرب اسطورة خليقة في الكون فيها يُخلق الإنسان العراقي من طين ودم في النسخة البابلية، وفي النسخة السومرية يحصل تطرّف أشد فيُخلق الغنسان العراقي من دم فقط في حين يُخلق الإنسان في كل اساطير الخليقة في الكون من طين وماء . ومِن أين أخذ الدم الذي مزجته الإلهة "مامي" بالطين؟ أُخذ من جسد إله متمرّد مزّقوا شرايينه !! ولمزيد من التفصيل راجع كتابنا الأخير "ليلة تسليم جلجامش لليهود" الصادر مؤخرا عن (دار ضفاف - الشارقة/عمان) - 2016).

ومن نتائج هذا الدوار هو "البحث" الدائم المدوّخ عن مخرج من هذه المحنة العصيبة . هذا ما يطبع أغلب الرسائل، فالكل "يبحث" و "يفتش" عن منفذ للخلاص ولكن في صيغة تساؤلية تعبّر عن اهتزاز اليقين والشكّية الممزقة . هذا يبحث عن تفسير .. وهذا عن وطن بديل .. وهذه عن قائد .. وهؤلاء عن "منقذ" .. والكل يفتش عن "الفرج" .. وكلهم – أو أغلبهم – غير متأكدين من أن هذا الاختيار هو الحل الناجع . إنّهم يشكّون في خياراتهم نفسها ويُحاصَرون بأحاسيس مؤرقة من المخادعة الذاتية . ولو راحعت تاريخ العراق الطويل لوجدت أن من سمات الواقع العراقي هو أن مواطنه "يبحث" و"يفتش" عن "شىء" ضائع منذ فجر التاريخ . ولهذا كانت هذه الأرض أول من قدّم فلسفة "المنقذ" إلى البشرية :

علي الخشاتي: الهي..... هل يوجد حل للعراق ام نبحث عن بلد آخر

مصطفى الحسيني: نحمدك ونشكرك يا رب على كل ما ابتليتنا وعجل لوليك الفرج وسهل له المخرج يااااااا الله......

Abeer Almussawi :ربي اسألك الامان للعراق ربي اسألك رئيس عادل للعراق

فاضل الماجدي: ربي ارزقنا بدكتاتورعادل

 

ولكن وسط كل هذا الدوار يتفق المُرسِلون على الشكوى والنقمة على جهتين محدذدتين هما : السياسيون ومزوّرو الدين :

Mashtaq Al Khdree :رسالتي.... هي دعاء اليك يا رحمن يارحيم....

خلصنا من حثالة البشر وهم السياسيين الارهابيين بعبوه ناسفه بسكته قلبيه باي شي انت المحيي المميت والاسباب كثيره لديك .

Tariq Nizar: رباه رفقاً بعُبَيدِك العراقي .. الذي تاه بأرضِك... وحاربه عبدكَ العربي قبل الاجنبي .. وسرق نفطاته قطيع من السياسيين الانتهازيين .. قطيع احلَ لنقسهِ الخدمة الجهاديه وشرعنها إنصافاً لنفسه عند جهاده في بارات الغرب الكافر وحفلات المجون الصاخبه .. وحَرَمَ على الشعب المهتلف ... قانون تقاعدهِ ...وميزانيته البائسه ... رباه لك المشتكى ....

قيس الاسدي: اللهي خلصنا من كل سياسي غير شريف ولا يحب وطنه فهؤلاء من جلب البلاء علينا فارحمنا منهم

Mohanad Naji :سبحانك ربي انجنا من القوم السياسين انهم انتهكوا حرماتك واحلوا الحرام وحرموا الحلال اللهم اخسف بهم الارض الاهي انهم فرقوا شملنا ..سبحانك ربي اجب دعوتي وخرجنا من هذا المحنه .

Abdullah Laith Alkhfajee : اللهم خلصنا من مدعين الدين وصل على الحبيب محمد وآله اﻻطهار

فايق أموري ألشيخ :انت اعرف بمن ظلمنا وسرقنا ومن كان يلبس ثوب الدين والوطنية وهما منهم براء اطلب منك يالله ان نراهم وهم مخزيين مفظوحين يتبرا منهم ذويهم ويصبحون عبره للاولين والاخرين.

Mohamed Al-Qasier : الهي ....خلصنا من العمائم الزائفة و اللحى العفنه و الاحزاب الاسلاموية النفعية اصحاب المفخخات و الخلافات و ابدلنا اسلاميين عارفين و صادقين و معتدلين ....اللهم عرف الجميع ان تربية العقول اولى من تربية اللحى

ويبقى مسار البحث الأخطر والذي عنده سوف يشيب الولدان هو حين يتأخر الجواب الإلهي وهو أمر معتاد ومتوقع لأن الله سبحانه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، وهي ثقافة تتطلب التضحيات المؤسسة على الدقة في التشخيص والإمساك بعروق المحن لاقتلاعها من جذورها، وهذا ما لا يمكن توفيره في ظل حالة الدوار التاريخي والآني . وعندها ستكون ردة الفعل عاطفية عنفية عاصفة خصوصا عندما تراهن جهات على مطاولة مثل هذا التأخير، فتفاقم اليأس، فالانفجار .. فالحريق .. فالفرهود من جديد والذي سيخفي آثار الجريمة ووثائقها:

علي باسم : اختتم رسالتي بكلماتي .. إلهي خصم الحجي .. نرجو تدخلك الشخصي في العراق لأن ميحلها غيرك لو يحضر الحمزة ..

 

خاتمة شعرية

قد يكون من التعسف القول إن الشعر خسر شاعرا مهما مثل وجيه عباس، وأن الأخير خسر الشعر – ولو وقتيا – مقتنعا بأولوية النزول إلى ساحة المواجهة المباشرة بعيدا عن مجازات اللغة وألعابها الساحرة. لكن الشعر سيبقى يلاحقه ويشدّه مذكرا إياه بمضمار مجده التاريخي. ويمكنك سيّدي القارىء أن تقارن بين رسائل الاستطلاع و"الاستطلاع" الشعري التالي لتعرف الفارق الشاسع بين الآني والتاريخي. كان جلجامش يكرّر ويلهح باستمرار :

-أريد أن أجعل لي اسماً .. أريد أن أجعل لي اسماً ..

ضاع كل ما بناه من الحجر واللازورد وبقيت الكلمة .. الملحمة .. الشعر ..

من قصيدة عصماء لوجيه عنوانها "في حضرة النبي" أختم بهذه الابيات :

 إيهٍ أبا الزهراءِ حسبُ مواجعي

إنّي أتيتُ إلى ثراك مشرّدا

وأنا العراقُ ودون قبرك وحشةٌ

تلد المنافي الليل حزنا سرمدا

يا أول الغرباء حسبك أننا

غرباء دينك لو يُقال تهوّدا

سبعون طائفة تفرّق بينها

دمك الغريب فأيّ ساريها حدا

وطني قتيلٌ بين ألف محمدٍ

ومحمدٌ وطني القتيل تشرّدا

وطنٌ من الموتى، وألف عمامةٍ

تفتي بموتك لو أتيتك مولدا

يفتون أن يد الطغاة كريمة

إذ تُفتدى، ويد الجياع هي الفدا

مدّوا رقاب الساجدين معابرا

لخليفة الرحمن حتى يقعدا 

................ 

هل كان دينك ركعة وسجودها

ولحىً ومسبحة تُدار ومرقدا؟

أم كان دينك في الكتاب مذاهبا

شتّى وأربابا وربّاً أوحدا؟

 

حسين سرمك حسن

 

مفكرو حزب الدعوة الإسلامية من الروّاد إلى المعاصرين (19)

ali almomenإن إعادة بناء نظرية حزب الدعوة الإسلامية وفكره وهيكله التنظيمي؛ ليست عملية ارتجالية، أو إجرائية مرهونة بالانفعالات السياسية اليومية؛ بل هي عمليات معقدة بحاجة الى دراسات معمقة وحوارات موضوعية هادئة؛ يقوم بها أصحاب الاختصاصات؛ المنظرون والمفكرون والباحثون؛ وبينهم فقهاء وسياسيون؛ بعيداً عن التجاذبات السياسية والمصالح الشخصية والمزايدات والجدل والتصريحات الإعلامية.

وهذا الموضوع يقود الى استفهام مهم حول الفئة التي تناط بها هذه العملية المعقدة، التي تكمن صعوبتها في أن إعادة البناء النظري والتطبيقي لا تبدأ من الصفر، ولا تقوم على أرض منبسطة؛ بل على بناء قائم عميق وقوي ومتجذر في العقول الظاهرة والباطنة للدعاة، ولذلك تكون مواصفات هذه الفئة خاصة وصعبة أيضاً، ولعلها لا تكون من فئة المنظرين والمفكرين التقليديين في “الدعوة”؛ الذين اعتاد الدعاة على قراءة كتبهم ودراسة أفكارهم والاستماع الى محاضراتهم، في حين أن توصيف المفكر الحزبي والمنظر الدعوي في مرحلة السلطة والتطبيق السياسي وميدان العمل تختلف عن توصيفه في مرحلتي البناء والمعارضة، ولذلك ليس هناك تعريف متجدد وعصري محدد للمفكر أو المنظر الحزبي الإسلامي؛ لكي يكون معياراً دقيقاً يمكن تطبيقه؛ بل هناك معايير نسبية، وتطبيقها نسبي أيضاً، وتخضع لزواية نظر كل باحث أو مؤسسة بحثية. 

 

المنظرون الإبداعيون

وربما ينطبق على المفكر والمنظر الذي يحتاجه حزب الدعوة؛ معيار من يمتلك نظرية إبداعية في مجال معين، ولكن لا يشترط به أن يدون نظريته أو إبداعه الفكري في كتاب أو دراسة، بل هناك من المنظرين والمفكرين الشفاهيين الذي يعتمدون الكلمة والمشافهة والتدريس والميدان في التعبير عن نظرياتهم، وهؤلاء كانوا ولا يزالون موجودين في حزب الدعوة. ولكن على مستوى المفكرين المدونين؛ فأعتقد أن مرحلة أجيال الرواد من مفكري “الدعوة” ومنظريها البارزين محلياً وإقليمياً ودولياً؛ لم يعد لها وجود غالباً؛ ولاسيما أن مرحلة العمل السري (مرحلة البناء التي استمرت من 1957 وحتى 1980) والسنوات العشر التي أعقبتها؛ أفرزت الكثير من المفكرين والمنظرين الذين يندر مثيلهم الآن، ويندر وجودهم في أي حزب اسلامي في العالم، إذا ما استثنينا جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وأبرز هؤلاء: السيد الشهيد محمد باقر الصدر والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد كاظم الحائري والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ أحمد الوائلي والشيخ عارف البصري وعبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي والدكتور داود العطار والسيد هاشم الموسوي وغيرهم. ويمكن القول إن السيد هاشم الموسوي هو الآن آخر الأحياء ممن لا يزال في حزب الدعوة من ذلك الجيل، أما الأحياء الآخرون؛ كالحائري والتسخيري؛ فلم يعودوا في تنظيمات “الدعوة”؛ بل تغيرت اتجاهاتهم العملية غالبا.ً

 

كوكبة المفكرين

ومن أبرز الفقهاء والمفكرين الذين يستند أعضاء حزب الدعوة الى أفكارهم وكتاباتهم في موضوعات الفكر العام، ويدرسونها ويشرحونها في حلقاتهم: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد حسين فضل اللَه، السيد مرتضى العسكري، الشيخ عبد الهادي الفضلي، الشيخ محمد مهدي الآصفي، السيد كاظم الحائري، الشيخ محمد علي التسخيري وآخرون. كما ظل الدعاة منفتحين على الفكر السياسي والحركي للمفكرين الإسلاميين السنة؛ سواء المستقلين أو المنتظمين في الجماعات الإسلامية، ولاسيما جماعة الأخوان المسلمين. ثم انفتحوا على النتاج الفكري الإسلامي الإيراني بعد العام 1979؛ ولاسيما فكر الإمام الخميني والشيخ مرتضى المطهري، أما في الفكر الداخلي الخاص بالدعاة؛ فإن أهم من كتب فيه: السيد محمد باقر الصدر ومحمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد هاشم الموسوي وآخرون.

 

محطات قاسية

وحزب الدعوة؛ كغيره من الأحزاب الفكرية التأسيسية هو حزب نخبوي في فكره وأعضائه، وجماهيري في تأثيراته وامتداداته الثقافية والسياسية، ومن الطبيعي أن يكون في صفوفه عدد كبير من المنظرين والمفكرين والكتّاب، إلّا أن أربعة عوامل أساسية اسهمت في ضمور هذا النوع المتعارف من المفكرين والمنظرين في صفوفه بعد العام 1972:

1- مرحلة الانكشاف النسبي للسلطة منذ العام  1971 وما بعدها؛ أكلت نخبة مهمة من مفكري حزب الدعوة وشخصياته التنظيرية؛ ممن أعدمهم نظام البعث أو طمرهم في السجون، وأبرزهم: عبد الصاحب دخيل والشيخ عارف البصري وعدنان سلمان النعماني والشيخ حسين معن ومحمد بداي السالم وهادي شحتور وعبد الأمير المنصوري ومحمد هادي السبيتي وغيرهم.

2- خروج نخبة مهمة من المفكرين والشخصيات التنظيرية من الحزب في مرحلة المهجر؛ وخاصة في عام 1981 وما بعده؛ لأسباب متعددة، وأبرزهم: السيد مرتضى العسكري والشيخ علي الكوراني والشيخ محمد علي التسخيري والسيد كاظم الحائري ومهدي عبد مهدي والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ حسين الكوراني والسيد موسى الخوئي وآخرون.

3- وفاة كثير من الشخصيات في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي؛ كالدكتور داود العطار والسيد عبد الأمير علي خان وغيرهما.

4- وفاة آخرين من شخصيات الدعوة أو خروجهم من الحزب بعد سقوط نظام صدام العام 2003. وأهمهم: عز الدين سليم والشيخ مهدي العطار والدكتور إبراهيم الجعفري وغيرهم.

 

مرحلة الباحثين والكتاب

ويمكن القول؛ إن مرحلة أفول المفكرين والمنظرين في حزب الدعوة الإسلامية التي بدأت بعد منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ أعقبها بروز ظاهرة جديدة أو مرحلة جديدة تنسجم وطبيعة الظرف التاريخي الموضوعي والتجاذبات الذاتية التي عاشتها “الدعوة”، وهي مرحلة الباحثين والكتاب؛ والتي لم يعرفها حزب الدعوة من قبل بالكم والنوع الذي أصبحت عليه في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ومن أبرز هؤلاء الباحثين الدعاة: الدكتور داود العطار، السيد هاشم الموسوي، عز الدين سليم، الشيخ عبد الزهرة البندر،  السيد حسين الشامي، غالب الشابندر، محمد عبد الجبار الشبوط، السيد عبد السلام زين العابدين، حسن السعيد، ياسين مجيد، السيد محمد الحسيني، عبد الجبار الرفاعي، السيد علي المؤمن، عادل رؤوف، جواد كسار، علي التميمي، صلاح عبد الرزاق، الشيخ فؤاد المقدادي، السيد سليم الحسني، ابراهيم العبادي، شلتاغ عبود، وغيرهم. وإذا ما استثنينا السيد هاشم الموسوي وعز الدين سليم والدكتور عبد الزهره البندر؛ الذين اسهموا في كتابة الفكر الداخلي لحزب الدعوة وفكره الحركي؛ فإن من تبقى من هذه الأسماء عملت في حقول فكرية أخرى لا تدخل في صلب فكر “الدعوة” ونظرياته الخاصة؛ بل عملوا ـ غالباً ـ في إطار الفكر الإسلامي أو الفكر السياسي العام، وكانت لهم نتاجاتهم الكمية والنوعية الملحوظة، وبالتدريج؛ لم يبق من هؤلاء الباحثين أيضاً منتظماً في حزب الدعوة إلّا القليل.

 

معايير واعتراضات

وإذا طبقنا معيار الإبداع النظري والفكري والميداني؛ بصرف النظر عن التدوين؛ فلا يمكن استبعاد أسماء كثيرة؛ كان لها حضورها أيضا؛ أمثال مهدي عبد مهدي والشيخ مهدي العطار والسيد عبد الأمير علي خان ونوري المالكي والدكتور ابراهيم الجعفري وعلي الأديب والسيد حسن النوري والشيخ عبد الحليم الزهيري والدكتور خضير الخزاعي والدكتور طارق نجم وغيرهم.

ولعل الإشارة الى هذه الأسماء ستثير كثيراً من الاعتراضات وعلامات الاستفهام؛ بدافع القرب والبعد النفسي والسياسي للمعترضين؛ ولكنني لم أذكرها إلّا استناداً الى معايير علمية معتمدة في كثير من مراكز الأبحاث والدوريات العالمية،  ولعل من الدوريات المهمة التي تعتمد مثل هذه المعايير: مجلة “فورين بوليسي” الأميركية العلمية المحكمة؛ التي تنشر سنوياً قائمة بأهم مئة مفكر على مستوى العالم، وتذكر أسباب اختياراتها. وهي معايير مقبولة ومعقولة، وأنا أعتقد بصحتها؛ رغم عدم إيماني بخلفيات اختيار كثير من مصاديقها. هذه المعايير على نحوين:

1- الإنتاج الفكري الإبداعي؛ سواء كان مكتوباً أو شفاهياً.

2- الفعل الفكري والميداني الإبداعي؛ سواء كان فنياً (الإخراج السينمائي مثلاً) أو سياسياً أو عسكرياً أو إعلامياً أو صناعياً.

 

معايير "فورين بوليسي"

فمثلاً في قائمتها لعام 2012؛ وضعت دورية “فورين بوليسي” شخصية مثل قائد المعارضة الميانمارية “آنغ سان سوشي” في المرتبة الأولى، كأهم مفكر في العالم لعام 2012، ووضعت مدير الموساد السابق “مائير داغان” في المرتبة الرابعة عشرة، و”رجب طيب أردوغان” في المرتبة 28، وصاحب شركة مايكروسوفت “بيل غيتس” في المرتبة 32، ولكن المفاجأة تأتي عندما نرى أنها وضعت الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني الشهير “يورغن هابرماس” في المرتبة 88، وهابرماس ( مواليد  1929) هو أهم مفكر الماني حي على الإطلاق، بل أحد أهم فلاسفة الاجتماع السياسي على مستوى العالم خلال العقود الأربعة الأخيرة، ويعتبر بمصاف “كارل ماركس” و”مارتن هيدغر”، أما الفيلسوف السياسي السلوفيني العملاق “سلوفاي جيجيك” فقد جاء في المرتبة 92، ولو كانت مجلة “فورين بوليسي” قد اعتمدت المعايير التقليدية المتعارفة في ساحتنا لوضعت “هابرماس” و”جيجيك” في احدى المراتب العشر الأولى قطعاً.

 

مرحلة الحصاد التاريخي

ومن هنا؛ فإن مدرسة “الدعوة” تضم اليوم عدداً غير قليل من النخب دون شك، ولكن؛ في الوقت نفسه؛ يجب الإذعان بأن مرحلة المفكرين والمنظرين التقليديين الرواد قد انتهت، وأن مرحلة الباحثين الذين برزوا في عقدي الثمانينيات والتسعينيات؛ آخذة بالأفول أيضا؛ بسبب خروج معظمهم من التنظيم، وفي المقابل يعيش حزب الدعوة اليوم مرحلة مفكري الفعل السياسي والميداني، وهي مرحلة مصيرية جديدة بدأت بالتبلور بعد دخول الحزب معترك الدولة والحكم عام 2003، ولا تزال تفرز شخصيات مهمة، وهي في الواقع مرحلة إثبات الذات والحرص على استمرار التجربة أكثر من أي مرحلة اخرى، ويمكن تسميتها بـ “مرحلة الحصاد” التاريخي، رغم كل ما يكتنفها من ملابسات وإشكاليات وأخطاء، وهي المرحلة الأهم في تاريخ حزب الدعوة؛ بل وفي تاريخ مدرسة أهل البيت في العراق.

 

تلخيص النظرية والفكر

يمكن تلخيص نظرية حزب الدعوة الإسلامية وفكره وعقائديته وعالميته وتحولاته الفكرية والواقعية في النقاط التالية:

1- إن حزب الدعوة ليس حزباً سياسياً، بل حزب عقائدي ايديولوجي؛ وإن كان يمارس العمل  السياسي؛ إذ إن العمل السياسي ليست وسيلته الوحيدة؛ بل إحدى وسائله، وإن الوصول الى السلطة ليس هدفه النهائي؛ بل أداته لتحقيق أهدافه وغاياته النهائية؛ والمتمثلة بتأسيس الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية؛ وصولاً الى غاية تعبيد طريق دنيا المسلمين باتجاه الآخرة.

2- إن المرحلة الفكرية التغييرية السرية لحزب الدعوة استغرقت في اقليم العراق ما يقرب من 22 عاما، وهو وضع لم تألفه التجارب الحزبية، وكانت هذه المرحلة تنطوي على متغيرات وأفكار تأسيسية وتحركات ووقائع نوعية.

3- إن التضحيات البشرية التي قدمها الحزب في العراق، وقوانين وأساليب تصفيته؛ لا نظير لها في التجارب الحزبية المحلية والعالمية.

4- إن حزب الدعوة هو أول حزب إسلامي شيعي عربي يصل الى السلطة في بلد عربي، ويستحوذ على رئاسة الحكومة فيه سنوات طويلة؛ إذ لم يسبق لأية جماعة شيعية في البلدان العربية أن ترأست الحكومة في أي بلد عربي.

5- إن التحولات الفكرية وبروز جدلية العلاقة بين النظرية والتطبيق التي رافقت مسيرة حزب الدعوة ظلت تحصل بفعل ضغوطات الواقع الخارجي المحيط بالدعوة، وهي ضغوطات عميقة ونوعية تفوق قدرة الدعوة على الصمود والاحتفاظ بنظريتها كما هي في مرحلة التأسيس.

6- إن إعادة بناء حزب الدعوة الإسلامية نظرياً وفكرياً وهيكلياً؛ باتت مطلباً ملحاً ومصيرياً لا يختلف عليه الدعاة المنتظمون وغير المنتظمين؛ بهدف الخروج بصيغة تأصيلية متجددة تحافظ على أهم ثوابت “الدعوة”، وتوائم الواقع العراقي بكل تعقيداته.

(يتبع)...

 

إصدار جديد: علي بن أبي طالب الحاكم الديني للدولة المدنية

saleh altaeiعجزت الحضارات القديمة والحديثة عن بناء الدولة المدنية خارج نمطها التقليدي المعهود، بعد أن عجزت عن احتواء مشروعها الرائع بصيغته النظرية، وإذا ما كانت الحضارات القديمة معذورة لأنها لم تستوفي عناصر البناء، لا أعتقد أن هناك من يقبل العذر من الحضارة المعاصرة، فهي بالرغم مما وفره لها العلم من آليات، تبدو أكثر عجزا عن أمس، وأكثر بعدا عن حقيقة الدولة المدنية، فالإنسان الذي هو رأس مال الدولة المدنية لا زال في حضارتنا المعاصرة مجرد سلعة كمالية مثل جميع السلع الأخرى، لها سعرها وقيمتها ومعدل طلب عليها؛ لا حسب اختلاف البلدان جغرافيا وسياسيا واقتصاديا فقط، وإنما حتى داخل البلد الواحد والمدينة الواحدة!

وبذا يبدو الحديث عن فكرة أو مشروع بناء دولة مدنية في الأيام الأولى لبدء التاريخ الهجري، ثم تتكرر التجربة في أواخر العقد الهجري الثالث، وتحديدا في زمن خلافة علي بن أبي طالب(عليه السلام)، يبدو مجرد سفسطة فارغة لا معنى لها، ولاسيما وأن هذا الدستور سرعان ما انهار، وسرعان ما تحولت علاقة السلم المقترح بين المكونات إلى نزاعات حربية دموية،  انتهت بجلاء اليهود عن جزيرة العرب، وخسران الدولة لأحد مقوماتها.

910-salihبمعنى أن التجربة الأولى، فشلت ولم تنجح في التماهي مع مشروع دولة الإنسان! كما أن عليا (عليه السلام)؛ صاحب التجربة الثانية، لم يحظى بوقت للراحة والتفكير بعد أن شغلوه بالرد على الحروب الكبرى الثلاثة التي كتب عليه خوضها، لتأخذ جل وقته، وتغطي كامل مدة حكمه تقريبا وتعرقل مشروعه بالكامل، فضلا عن أن الدولة المدنية المقترحة لم تر النور، لا في التجربة الأولى، ولا في التجربة الثانية، ولم تترك أثرا بعدها، يستدل بواسطته عليها، ولم يفكر أحد بإعادة تجربة البحث عنها وإحيائها؛ خلال الأربعة عشر قرنا المنصرمة من عمر الإسلام!

هكذا يبدو الموقف من خلال الصورة المتخيلة، وهو موقف يبدو طبيعيا ومتساوقا مع ما حصل بالفعل على أرض الواقع، لكن هل ينكر أحد ما أن ملامح الدولة المدنية تبدو ظاهرة بشكل جلي في بنود دستور المدينة المنورة، الذي اقترحه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي العهد الذي كتبه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ممن كانوا في يثرب حينما دخلها؟

إن ملامح الدولة المدنية تبدو واضحة من خلال فقرات الدستور النبوي؛ الذي أكد على وجود المكونات المختلفة، بما أطلق عليه اسم (أمة) مثل: "وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم" وتبدو أوضح من خلال تأكيد المشروع على الرابطة التي تربط كل مكون(أمة) بالمكونات الأخرى، فالأمة وفق هذا المنطق لا يراد منها الرمز إلى توحد في الانتماء الديني مثلا، بل يراد منها الرمز إلى التوحد في المشروع السياسي، مكانيا وكيانيا، وهذا ما تهدف إليه الدولة المدنية تحديدا. إذ جاء عن أنصار الدولة المدنية المعاصرة قولهم: "فالدولة المدنية تعرف على أنها اتحاد من أفراد يعيشون في مجتمع يخضع لنظام من القوانين مع وجود قضاء يطبق هذه القوانين بإرساء مبادئ العدل، فمن الشروط الأساسية لقيام الدولة المدنية أن لا يخضع أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر، فثمة دائما سلطة عليا هي سلطة الدولة يلجأ إليها الأفراد عندما تنتهك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك"

نعم قد لا يكفي أن يكون هناك نجاح في تطبيق بعض مباني الدولة المدنية لإطلاق اسمها حرفيا على ما حدث في صدر الإسلام، لكن من المستحيل بل من المجحف أن لا يتم الاعتراف بمباني الدولة المدنية حينما نجد عهدا آخر يكتبه علي بن أبي طالب(عليه السلام) إلى واليه مالك الأشتر(رضوان الله عليه) ينضوي على جميع مباني الدولة المدنية المعاصرة حرفيا!

قتل مالك الأشتر قبل أن يصل مصر للعمل بالعهد، وانشغل علي (عليه السلام) في تلك الحروب العبثية التي أثاروها لعرقلة مشروعه الإصلاحي، وقتل صاحب المشروع غيلة، وتحول نظام الحكم إلى ملكية كسروية قيصرية، ليتحول الإسلام بعد مرور (40) عاما فقط إلى دين دولة لا دين أمة، ويتحول نظام الحكم إلى دكتاتورية وراثية عشائرية، لا ديمقراطية وتداول سلمي للسلطة، فضاعت كل تلك المشاريع العظيمة، لكننا لا نعدم وسيلة التمكن من رؤيتها في عقول الرجال العظماء الذي خططوا لها! وهي إن فشلت عمليا في ترسيخ وجودها فإنها أثبتت نظريا أن مشروع دولة الإنسان كان قائما وسائرا نحو التطبيق.

هذا ما أردت التحدث عنه في كتابي الجديد الموسوم "علي بن أبي طالب الحاكم الديني للدولة المدنية" الصادر عن منشورات دار الفكر اللبنانية؛ والذي تناولت فيه

تفكيك الرؤية الإسلامية للعلاقة بين المواطن والدولة والسلطة والمواطنين الآخرين؛ من خلال الثقافة العلوية للدولة المدنية وبمنظور جديد. فالدولة الوطنية الدستورية القائمة على التعددية الحزبية والسياسية وتنوع التيارات الفكرية والثقافية لم تكن غائبة عن المشروع العلوي؛ الذي نجد فيه مفاهيم غاية في الرقي، تتزاحم لكي تحول الإنسان من رقم مهمل إلى كائن سام مملوء بالكرامة والسعادة والسلام، ولكن السياسة العربية التي عرقلت المشروع الإسلامي برمته، هي التي عرقلت نمو هذه الدولة المدنية العلوية، وعرقلت تحولها إلى أنموذج رائع للدولة اليوتيبية التي يحلم بها الإنسان على مر التاريخ.

يقع الكتاب في (132) صفحة حجم النصف، وهو الكتاب الأول من سلسلة كتب تبحث في بعض المشاريع المشتركة بين الدين والعلمانية.

 

صالح الطائي

 

رؤية فقهية في حقيقة الشهادة والعمليات الإنتحارية

nadheer khazrajiالحياة هي الحياة .. مسرح مليء بالمشاهد والحوادث والتجارب والتحديات، تعلق بأغصان الذاكرة بعضها وتذوب في تيزاب النسيان كثيرها، وما علق منها تتساقط أهدابها كلما تقادم الزمن، وبعض الذكريات شهدية المذاق وأخرى أشد من العلقم، ولكل ذكرى دورها الخفي في حياة صاحبها.

بين يدي كتاب "شريعة الشهادة" للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا (2016 م) في 47 صفحة من القطع الرقعي عن بيت العلم للنابهين في بيروت، أعادني بالذاكرة الى آذار مارس 1982 م وحينها كنت أمتهن العمل الصحفي، وكنت في مهمة إعلامية أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988 م) لتغطية عمليات تحرير شوش ودزفول أو ما عُرف عنها من الجانب الإيراني بعمليات (فتح المبين) التي انطلقت بنداء (يا زهراء)، تنقلت حينها مع عدد من أقراني من الشباب بين الجبهات الخلفية والإمامية مسجلا ما تراه العين ليكون مادة إعلامية، وبعد أن انتهت العمليات العسكرية التي استمرت ثمان أيام (9-17/3/1982م)، سمحوا لنا بالتقدم الى الخط الأمامي ومشاهدة الأرض الحرام، وكنت حينها وأنا خلف الساتر الترابي ألحظ على البعد حركة بعض القطع العسكرية العراقية، وزحفت قليلا الى المواقع العسكرية العراقية المهجورة والتقطت بقايا صحف بغدادية كانت تتحدث عن انتصارات عظيمة ومطاردة فلول الفرس المجوس(!) .

ومما سجلته عدسة العين وبقيت مخزونة في ذاكرة الأيام، مشاهد الفرح الكبير الذي غمر الشباب الغض من الحشد الشعبي (البسيج) الذين كانوا يتسابقون على الموت من أجل استعادة مدنهم التي أقحم فيها نظام صدام حسين الجيش العراقي لاحتلالها لتحقيق أجندات خارجية لازال العراق يعاني من ويلاتها حتى يومنا هذا، وحيث كنا نتحرك خلف الساتر الترابي لا نملك سوى عدستنا وقلمنا وبقايا أوراق، كان بعض الشباب يسير على الساتر فرحا نشوانا بكامل بدنه أو بنصفه، ولقد أنستهم فرحة الإنتصار حقيقة الطرف الآخر الذي لازال يمسك بالبندقية رغم أنه فقد أكثر من خمسين ألف جندي بين قتيل وأسير في حرب طخياء لا طائل منها، وبلغة فارسية ضعيفة مفهومة مصاحبة للغة البدن، توجهت الى بعضهم بالنصيحة طالبا منهم النزول من على الساتر لتفادي القنص من بعيد أو تشخيص المنطقة للهاون أو المدفعية، فردّ علي أحدهم والحبور أخذ من جناحيه مأخذا: (برادر مَن، نه ترس، با يك گلوله شربت شهادت را مي نوشم) (لا تخف يا أخي، إنها رصاصة واحدة وبعدها أتناول كأس الشهادة)، لم يُقتل هذا الشاب في تلك اللحظة، ولكن قذيفة هاون جاءتنا وانفجرت بالقرب منا لاحت شظاياها سيارتنا، ثم انطلقنا الى موقع آخر خشية أن يبللنا بقايا كأس لا ينبغي سقوطه فوق الساتر.

كلمات الشاب المتطوع لتحرير أرضه، هي في ذاتها معبرة وذات دلالات عميقة على حب الاستبسال وعدم الخوف من الموت، ولكنها في معيار الشرع وحسابات العرف العسكري مردودة على صاحبها، إذ لا يصح شرعا وعرفا أن يعرض المرء نفسه لخطر الموت وهو يستطيع تفاديه، كما من العبث اطلاق العيارات النارية دون جدوى إن كان في المعركة أو خارجها.

 

مفهوم الشهادة

لا شك أن التبادر هو الحبل السري بين المفردة اللغوية ومفهومها، فالصلاة هي الدعاء من الناحية اللغوية ولكن الذي يتبادر الى الذهن عند سماعها هي هيئة الصلاة اليومية من نية وتكبير وقيام وركوع وسجود وتشهد وسلام، والشهادة مفردة أثيرية والمتبادر منها عند الذهن هو الموت قتلًا في سبيل الله، ولكن كلمة الشهادة من الناحية اللغوية تعني الحضور والشهود، ولم تأت في القرآن صراحة بمعنى القتل، وإنما القتل في سبيل الله هو الشهود بذاته، ولذلك يُقال للمقتول في المعركة الحقّة بأنه شهيد لأنه يشهد بدمه على أحقية ما هو عليه وبطلان ما عليه الطرف الآخر، وشهوده هذا حجة على غيره في تولي أولياء الله والتبري من أعدائهم، وعززت الروايات والأحاديث مفهوم الشهادة عندما سمّت المقتول في سبيل الله شهيدا.

هذه المفردة التي تهفو إليها أفئدة المضحين تناولها الفقيه الكرباسي في التمهيد وفي 75 مسألة فقهية مع 14 تعليقا للفقيه آية الله حسن رضا الغديري، الذي اعتاد أن يقدم لكل (شريعة) جديدة بمقدمة ضافية من سنخ موضوع الشريعة.

 فالشهادة كما يعرفها الفقيه الكرباسي في التمهيد بأنها: (مصدر شَهِد بفتح أوله وكسر ثانيه ومضارعه يشهَدُ مفتوح العين وهو القتل في سبيل الله، وأصل المفردة تعيين الحضور والإخبار عما شهده وحضره، واستُعير القتل في سبيل الله باعتبار قيامه بشهادة الحق في أمر الله جل وعلا، والشهيد إسم مفعول كما في قتيل بمعنى المقتول، والمشهد بفتح الميم اسم مكان استشهاد الشهيد، والمُستشهد بضم الميم هو المقتول في سبيل الله)، ويضيف الكرباسي مؤكدا: (ولم تُستخدم المفردة في مختلف صياغتها في القرآن الكريم بمعنى القتل في سبيل الله ولكنها استخدمت في روايات الرسول (ص) وأهل بيته الأطهار)، فالآية 169 من سورة آل عمران جاء فيها: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، وفي الآية 4 من سورة محمد (ص): (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)، وفي الآية 154 من سورة البقرة: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ)، و في الآية 74 من سورة النساء: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)، وغيرها من الآيات، نعم هناك آيات أربع كما يضيف الكرباسي في التمهيد لها دلالات على معنى القتل في سبيل الله، وهي: (النساء: 69، النساء: 72، الزمر: 39، والحديد: 19) وهي إشارات غير مباشرة إلى الموت شهيدا، حيث أن المؤمنين بأجمعهم هم شهداء بالمعنى اللغوي، كما في قوله تعالى في الآية 143 من سورة البقرة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).

وأما الروايات التي تشخّص الشهادة بالقتل في سبيل الله فهي كثيرة، ومنها قول الرسول الأعظم محمد (ص): (ما من أهل الجنّة أحد يسرّه أن يرجع إلى الدنيا وله عشرة أمثالها، إلا الشهيد فإنه يود أن يردّ الى الدنيا عشر مرات فيستشهد لما يرى من فضل الشهيد).

 

الشهادة وتنوعاتها

يرى الفقيه الكرباسي أن: (الشهادة الشرعية هو الذي يُقتل ضمن حرب قائمة بين المسلمين وأعدائهم، سواء كان في ساحة القتال أو على جنباتها، إذا كان ضمن معادلة الحرب)، وحصر الشرعية بالشهادة بلحاظ مراسيم ما بعد الموت لأنه: (مَن ثبت شهادته فإنه لا يُغسّل ولا يحُنّط ولا يُكفَّن بل يُدفن بثيابه ودمائه)، وبخلاف ذلك: (إذا لم تكن الحرب شرعية أي دون إذن المعصوم (ع) أو المجتهد الجامع للشرائط في حال غيبته، فالمقتول في مثل هذه الحروب لا يُعد شهيدا شرعيا، ولا يمكن أن يسقط عنه الغسل والحنوط والكفن ولا يصح وصفه بالشهيد).

ولكن هل اقتصر مفهوم الشهادة على الموت حصرًا، وهل أجر الشهادة مقتصر على المقتول في سبيل الله، وهل اختصت الشهادة بالذكور دون الإناث وبالبالغين دون القاصرين، وهل اختصت الشهادة بالمسلم فقط؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها الفقيه الكرباسي في طي المسائل الفقهية التي يتناولها، ليخلص إلى أن للشهادة مصاديق أخرى غير الذي يُقتل في ساحة المعركة، ومن أمثلة ذلك، حراس الثغور: (إذا كانت فرقة من المسلمين يحرسون الحدود أو أن فرقة يداوون الجرحى أو يؤمّنون المؤونة للجيش المقاتل فهاجمهم العدو وقتلهم فهم شهداء في نظر الشرع وإن لم يُقتلوا في ساحة المعركة)، وموت الغدر شهادة: (فلو قتل العدو أحد المقاتلين غدرا فالمقتول شهيد)، وموت حرب المدن شهادة: فـ (في الحروب الحالية التي تكون فيها الأمة كلها في خطر لأن العدو يهاجم بالقنابل والصواريخ سواء يكون إطلاقها من منصات أو من الطائرة على المدن والسكان فإن من يُقتل منهم شهيد)، والكل يدخل تحت خيمة الشهادة إذ: (لا يشترط في الشهيد الذكورة والأنوثة، ولا العقل والجنون، ولا البلوغ والتكليف ولا شيء آخر)، من هنا فإن (المرأة وضع عنها القتال ولكن لو قُتلت في المعركة من خلال قيامها بأمور أخرى كتضميد الجرحى وتصليح السلاح وإيصال المؤن، أو اضطرت الى الدفاع عن النفس أو كانت في حرب دفاعية فقُتلت فإنها شهيدة شرعية)، وأهل الكتاب والذمة شهداء: (إذا كان في دولة إسلامية أهل ذمة من النصارى واليهود والمجوس فقُتلوا من قبل العدو وإن كانوا على عقيدتهم فهم شهداء إذا كانوا مع المسلمين مدافعين عن الوطن أو في حروب الصواريخ والقذائف، فلا يُغسّلون ولا يُحنّطون، ولا يكفّنون)، وإن اختلف معه الفقيه الغديري في تعليقه وفيه: (قد يصعب إطلاق "الشهداء" عليهم، بل هم ينالون ثواب الشهداء أو التخفيف في العذاب، والله العالم)، وقتيل التفجير شهيد: (إذا قُتل المحارب وهو في طريقه إلى القتال ولو بسبب التفجيرات فهو شهيد)، وقتل الحادث شهيد: (مَن قُتل وهو في طريقه الى القتال بسقوط طائرته أو سيارته من شاهق، فالظاهر أنه شهيد أيضا).

وهناك من يتصف بالشهادة وينال أجر الشهيد وفقا لما ورد في عدد من الروايات والأحاديث: (بمعنى أن أجره أجر الشهيد ولكن يُغسّل ويُحنَّط ويُكفَّن)، مثل: (طالب العلم متى ما مات وهو في طلب العلم مات شهيدا)، وكذلك (ورد في حق مَن كان في انتظار الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف)، أو (مَن مات على حب آل محمد (ص))، أو (مات على الطهارة)، أو (مَن جاهد نفسه)، أو (مات في حالة مداراة الناس)، أو (مات بعد الحج أو العمرة في غضون سنة)، أو (مات على وصيةٍ حسنة)، أو (مات بعد إقامة بعض الصلوات المندوبة أو تلاوة بعض السور القرآنية أو قراءة بعض الأدعية)، أو (مات في الكدّ لعياله أو في غَرَق أو تحت جدار أو ما شابه ذلك فإنه في حُكم الشهيد)، أو (من مات بالسم غيلة من قبل العدو) فهو في حكم الشهيد، أو (من جُرح في المعركة ولم يمت ومات بعد ذلك بسبب ذلك الجرح) فهو بحكم الشهيد، أو (المرأة النفساء إذا ماتت في حكم الشهيدة)، أو (من توفي في سبيل الوالدين)، أو (مَن مات عن مرض عضال)، أو (مَن مات في يوم الجمعة وليلتها)،  ومما يحسب في عداد الشهداء من يموت حرقا، ولكن أجر الشهيد مشروط بـ: (أن يكونوا ملتزمين بالعقيدة والأحكام الشرعية فلا يكونون من العاملين بالمحرمات ولا من التاركين للواجبات، ومن الموالين للرسول (ص) وأهل بيته (ع))، وإلا فهو ميت كغيره من الأموات.

 

انتحار لا استشهاد

لا شك أن الإبتعاد عن منهج (الراسخون في العلم) يوقع المرء في أخطاء قاتلة وإن تلبّس بلبوس الإسلام، فالموت حقّ لا مناص منه (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) سورة الرحمن: 27، ولا يمكن للإنسان أن يخرج من مملكة السماء إلا باذن رب السماء (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) سورة مريم: 95، ولكن لا ينبغي له أن يذهب برجله الى الموت من غير عذر شرعي، وفي استحصال العذر الشرعي لابد من الاحتكام الى الراسخين في العلم أو من ينوب عنهم من الفقهاء الصائنين لأنفسهم والحافظين لدينهم والمخالفين لهواهم والمطيعين لأمر مولاهم، وإلا سقط المرء في وحل أنصاف الفقهاء ومن دونهم من المتفيقهة الذين يقدمون صكوك الغفران وجنة ورضوان لمن يقدم على قتل عشرة من المسلمين على غير مذهبه، أو يفجر المفخخات في الأسواق والمحال العامة أو يتمنطق بحزام ناسف بين السكان، بدوافع مذهبية ملؤها الحقد والكراهية، حتى يعجل على نفسه تناول الطعام مع نبي لهم لا يعرف من الدنيا الا الموت والسيف وليس هو الذي قال فيه رب الخلائق: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) سورة الأنبياء: 107.

فالموت المشروع في سبيل الله من أجل الوطن والعرض والمال والدين يتحقق فيه (الشهادة) ولأهل الشهيد أن يفتخروا به وهم مرفعو الرأس، كما (إنَّ تمنّي الشهادة في سبيل الله أمر محبوب شرط أن لا يكون هدفا بل لنيل الجزاء)، كما يؤكد الفقيه الكرباسي، أما الموت تحت عنوان (العمليات الإستشهادية) فليس على شيء وإن تصور البعض أنه فيه غرضا نبيلا، ذلك أن: (العمليات التي تُعرف بالاستشهادية حتى وإن كان الهدف منه نبيلا لا تجوز، وتعد انتحارًا)، لأن (الشهادة ليست هدفًا، فمن ذهب للقتال لأجل الشهادة ففي شهادته إشكال)، و(إذا سئم امرؤٌ من حياته والتحق بالجيش ليموت فهو إنتحار مبطّن)، ثم إن: (الإنتحار محرّم مهما كانت الظروف)، إلا (إذا أقدم استشهاديٌّ على عملية انتحارية فإن كان غافلا عن حرمتها بل تصور جوازها فلربما لا يُعد من المنتحرين، ولا يُعاقب)، نعم (إذا أجاز حاكم الشرع القيام بعملية استشهادية في ظروف معينة وبشروط دقيقة فلا يجوز إشاعتها بل تختص بموردها)، وحتى في حالة الشهادة فهناك مستحقات لا تسقط عنه فـ (الشهيد تُمحى ذنوبه التي بينه وبين الله ولكن لا تسقط من ذمّته حقوق الناس فلابد من أدائها).

إنّ النتيجة المستخلصة من (شريعة الشهادة) تتمحور في الفهم الحقيقي لمعنى الحياة التي ينبغي أن تقود صاحبها الى إعمارها وبنائها، فكل الأديان والشرائع منذ أبينا آدم (ع) إلى خاتم الأنبياء والرسل محمد (ص) نادت بالبناء والعمران، وأن الفوز برضوان الله وجنانه يتأتى من خلال إحياء النفوس وقيادة الناس إلى ما فيه خيرها في دنياها وأخراها، ومن يطلب الشهادة فليطلبها من معينها بعد أن يكون قد بلغ من العمر عتيّا في خير نفسه وصلاح عباده، فالموت عندها هو بداية مرحلة جديدة من الفوز العظيم والنعيم المقيم، مثلما قال أسد الله الغالب علي بن أبي طالب (ع) عندما ضربه الخارجي عبد الرحمن بن ملجم على رأسه بالسيف وهو صائم يصلي في محراب الكوفة ليلة القدر 19 شهر رمضان عام 40 هـ (فزت وربِّ الكعبة).

 

د. نضير الخزرجي

 

دعوات لإعادة بناء حزب الدعوة الإسلامية (17)

ali almomenتطرح بعض أوساط حزب الدعوة مشروع مأسسة الحزب؛ في إطار عملية إعادة بناء شاملة؛ تنسجم مع التحول السياسي الجذري الذي شهده العراق بعد عام 2003؛ ليوائم الحزب نفسه مع هذا التحول الذي لم يحصل بقراره وتخطيطه وتنفيذه، وتكون عملية المأسسة لاحقة لعملية تحديد هوية حزب الدعوة الفكرية ونظريته وغاياته وأهدافه الدعوية ومشروعه السياسي، ويرتبط جزء مهم من إعادة البناء بهيكلية حزب الدعوة، وهي مهمة تقترن بوجود مثلث أضلاعه: العقل المؤسَسي، الثقافة المؤسَسية والمواصفات القياسية، وبدون حضور هذا المثلث في كيان الحزب؛ لن تنفع المأسسة وضوابطها وكل أشكال العمل المؤسَسي، وستكون عملية إعادة البناء الفكري والتنظيمي مشوهة وعشوائية.

وسبب التأكيد على أهمية العقل المؤسَسي والثقافة المؤسَسية يعود الى جملة عوامل تمثل بيئة طاردة للعمل المؤسسي في “الدعوة”:

1- موروث “الدعوة”؛ الذي يكشف نمط العلاقات داخل الحزب، ولا سيما ما يرتبط بتعامل القادة والكوادر المؤثرين داخل منظومة الحزب.

2- موروث الاجتماع الثقافي العراقي، ولاسيما الريفي الذي يهيمن على مساحة مهمة من الثقافة السلوكية، وحضور القوالب الاجتماعية التقليدية قبل المؤسسة.

3- موروث الاجتماع الديني الشيعي، ولا سيما ازدواجية حضور عالم الدين الداعية بين موقعه الديني وموقعه الحزبي؛ ما يتعارض مع تطبيق صحيح للعمل المؤسسي.

هذه الموروثات الثلاثة تؤكد أهمية إيجاد ثقافة العمل المؤسَسي ونشرها وترسيخها أكثر من إيجاد المؤسسة الحزبية نفسها، وبعد نجاح الخطوة الأساس هذه؛ يمكن الانطلاق في رحاب إعادة بناء المؤسسة الحزبية وهيكلتها وتجديد فكرها النظمي والتنظيمي، ويمكن في هذا المجال اعتماد أربعة مصادر:

أ- نظرية حزب الدعوة وفكره الموروث.

ب- النظام الاجتماعي الديني الشيعي وخصوصياته.

ت- الخصوصية العراقية في مجالات الاجتماع والسياسة والعقل المنتج والمستهلك.

ث- النظريات الحزبية الغربية الليبرالية، والتجارب الحزبية الشيوعية الايديولوجية؛ في البناء المؤسساتي التنظيمي.

وسينتج عن عملية إعادة البناء والمأسسة المعتمدة على المصادر أعلاه:

حزب عراقي، إسلامي، شيعي، حضاري في الجانب الفكري والنظري، يستند الى نظرية “الدعوة” الأصلية، والى الواقع العراقي الجديد وخصوصياته، تنظيم مؤسَسي قوي رصين فاعل سياسياً ودعوياً، معايير ضاغطة تحول دون حصول تصدعات وانشقاقات وتمرد وخروج.

 

هيكلية جديدة

ويمكن تصور هيكلية جديدة لحزب الدعوة الإسلامية تنسجم مع الخصائص الأربع السابقة؛ تتألف من:

1- قمة هرم الحزب؛ تتكون هيكليته من خمسة أركان متكاملة:

ا-  مؤتمر الحزب: تحضر له وتديره لجنة مستقلة؛ يشترط في أعضائها ألا يكونوا أعضاء في هيئة الإشراف والقيادة التنفيذية، وعدم الترشح لعضويتهما. ويتم في المؤتمر انتخاب هيئة الإشراف والقيادة ومجلس الشورى.

ب- هيئة الإرشاد: وهي لجنة إشراف ورعاية وتحكيم عليا؛ تكون داخل الجسد الحزبي، ولكنها منفصلة في هيكلها وأعضائها عن القيادة ومجلس الشورى وباقي مؤسسات الحزب، عدد أعضائها ثلاثة الى خمسة من الدعاة الرواد (فقهاء ومثقفين)؛ أحدهم الأمين العام، ويسميها مؤتمر الحزب. وهي بمثابة العقل المركزي للحزب، والضابط لفكره وحركته وعمل قيادته ومؤسساته، ويكون تنظيم العلاقة بالمرجعية الدينية العليا وتحديد مصاديقها من اختصاص الهيئة، ولا يمارس أعضاؤها أي عمل حكومي، أوعمل تنفيذي داخل الحزب؛ باستثناء ما يرتبط بالمؤسسة الدعوية للحزب؛ التي سيأتي الحديث عنها، وينبثق عن الهيئة ثلاث لجان عليا:

أولاً: لجنة القضاء والتحكيم.

ثانياً: اللجنة الفكرية.

ثالثا: لجنة التنسيق الخارجي (خاصة بالدعاة السابقين وأنصار الدعوة من غير العراقيين).

ت- الأمين العام؛ ويمثل رمزية الحزب؛ ويمتلك صلاحيات متابعة أعمال القيادة التنفيذية والتنسيق بين المكاتب واللجان ومؤسسات الحزب؛ عدا هيئة الإرشاد، ويتم انتخاب الأمين العام من مؤتمر الحزب، وهو عضو في هيئة الإرشاد، ويترأس اجتماعات القيادة التنفيذية، وينبثق عن الأمانة العامة تسعة مكاتب ومؤسسات: نائب الأمين العام، مكتب المعلومات.، مركز الدراسات، أكاديمية “الدعوة”، هيئة دعم الحشد الشعبي، مكتب العلاقات العامة.، مكتب التخطيط والميزانية، المكتب الاقتصادي، مكتب الأمين العام.

ث- القيادة التنفيذية: وهي بمثابة السلطة التنفيذية، وينبغي أن تكون متفرغة للحزب، ويكون اشتراك بعض أعضائها في العمل الحكومي استثنائياً، وبقرار من هيئة الإرشاد، كما تتمتع قراراتها الأساسية بالشرعية بعد مصادقة هيئة الإرشاد؛ حسبما يحدده النظام الداخلي، وتمسك القيادة التنفيذية بجسد الحزب وأجنحته الثلاثة كما سيأتي.

ج- مجلس الشورى؛ وهو بمثابة السلطة التشريعية للحزب، ولكن لا تتمتع أي من قراراتها الأساسية بشرعية التنفيذ قبل إقرارها في هيئة الإرشاد؛ حسبما يحدده النظام الداخلي، ولا يمكن الجمع بين عضوية هيئة الإرشاد والقيادة ومجلس الشورى، وتنبثق عن مجلس الشورى هيئتان:

أولا: هيئة الرقابة والتقييم الحزبي والسياسي والمالي والحكومي؛ الخاصة بتقييم أداء الدعاة في الحزب والدولة؛ إدارياً وسياسياً ومالياً، وتقييم اداء حلفاء “الدعوة”، واقتراح الدعاة وأنصارهم للمناصب في الدولة.

ثانيا: هيئة التخطيط الاستراتيجي.

وتقوم هاتان الهيئتان ولجان المجلس الأخرى برفع قراراتها وتقاريرها الى هيئة الإرشاد مباشرة؛ للمصادقة أو الدراسة أو الاطلاع، كما يتوزع أعضاء المجلس على لجان ثابتة؛ تستوعب كل مجالات عمل الحزب.

هذه الأركان المتكاملة الخمسة تحافظ على روح “الدعوة” وانسيابية تحولاتها وتنفيذ قراراتها وسلامة فكرها ومسارها السياسي، وتعمل على تجديدهما تلقائيا، وفي الوقت نفسه تجدد التنظيم والفكر، وتحاصر الانشقاقات والخروج من التنظيم.

ويوضح النظام الداخلي المقترح أسلوب تنظيم علاقة الحزب بالمرجعية الدينية عبر هيئة الإرشاد، ويبين مواصفاتها العامة وتسميتها.

2- جسد الحزب: يتألف جسد الحزب من ثلاثة أجنحة رئيسة تكمل بعضها؛ ينسق بينها الأمين العام، ويمكن إطلاق تسمية مكتب أو مؤسسة أو هيئة أو جناح عليها، ويتوزع أعضاء القيادة التنفيذية على رئاسة الأجنحة وعضويتها:

أ- الجناح الدعوي: ويختص بشؤون المشروع الدعوي للحزب؛ بما في ذلك الإنتاج الفكري الإسلامي، وشؤون الحوزات وعلماء الدين والوكلاء والمساجد والحسينيات والخطباء والشعائر، والتبليغ والإعلام الديني.

ب- الجناح السياسي: ويختص بشؤون المشروع السياسي للحزب؛ بما في ذلك الدولة والحكم والعمل السياسي والإعلام والعلاقات.

ت - الجناح التنظيمي: ويختص بشؤون المشروع التنظيمي للحزب؛ بما في ذلك تنظيمات “الدعوة” ومكاتبها في العراق والعالم، وشؤون الطلبة والشباب والعمال والعشائر والنقابات والاتحادات المهنية ومنظمات المجتمع المدني.

 

تجديد تعريف الداعية

لاشك أن إعادة بناء نظرية “الدعوة” سيلقي بظلاله أيضاً على مفهوم المنتمين اليها وتعريفهم، والمقصود بهم “الدعاة” أو أعضاء حزب الدعوة الإسلامية، والداعية بالمعنى الاصطلاحي الإسلامي المعاصر العام هو من يدعو الى الإسلام وتطبيق أحكامه وشريعته في المجتمع أو الدولة، أما “الداعية” بالمعنى الخاص بحزب الدعوة الإسلامية؛ فهو المنتمي الى “الدعوة” تنظيماً وفكراً ومنهجاً وسلوكاً، أو الذي خرج من التنظيم وظل مؤمناً بفكره ومنهجه وسلوكه. وهذا الإيمان الفكري والسلوكي يستدعي أن يكون عضو حزب الدعوة داعيةً إسلامياً أيضاً؛ ليس على مستوى تدينه الفردي وسلوكه الشخصي وحسب؛ بل على مستوى أداء واجباته الدعَوية؛ كالتبليغ الديني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوة الناس لتطبيق أحكام الإسلام ومكارم الأخلاق وغيرها، وبذلك ينطبق عليه مفهوم الداعية بالمعنى الإسلامي العام أيضاً.

ومصطلح “الداعية” منتزع من “الدعوة” وليس من الحزب، أي أنه يشير الى الانتماء للدعوة بمفهومها العقائدي، وليس الى الحزب بمفهومه السياسي، أو ـ بكلمة أخرى ـ التوصيف العقائدي للمنتم وليس التنظيمي. وبالتالي فإن مصطلح “الداعية” ينطوي على أعباء عقائدية ثقيلة وتبعات سلوكية شاملة، وهو ما كان حزب الدعوة يشدد عليه قبل عام 2003؛ أي قبل حدوث التحولات الفكرية والسياسية في الحزب. أما صفات “الداعية” أو عضو حزب الدعوة على وفق واقع العراق بعد عام 2003 والنظام الداخلي لحزب الدعوة لعام 2008؛ فلعلها دخلت في دائرة إعادة النظر والتجديد أيضاً، وسيترشح ذلك تلقائياً في إطار عملية اعادة بناء نظرية حزب الدعوة ومشروعه الدعوي والسياسي الجديد، وسيتبين التوصيف الجديد لأعضائه وشروطهم ومواصفاتهم وواجباتهم؛ فيما لو كانوا هم دعاة للإسلام؛ بكل ما يعنيه هذا المصطلح، أو أنهم أعضاء في حزب سياسي، أو يجمعان التوصيفين معاً.

 

المستويات الأربعة للدعاة

ويعود الخلاف حول هذه التوصيفات الى الفروق الجوهرية والشكلية بين أربعة مستويات من الدعاة والعاملين للإسلام:

الأول: الداعية بالمعنى الاصطلاحي الإسلامي العام، وهو الإنسان المؤمن الملتزم بالمعتقدات والأحكام الشرعية في فكره وسلوكه، المعبأ بالثقافة الإسلامية التراثية والعصرية، المتعلم، المنتج للأفكار، الناقد للواقع؛ لأن مهمته تتلخص في الدعوة الى الإسلام وشريعته، وتغييرالواقع، والتأثير في المجتمع، والتبليغ بالثقافة الاسلامية، ونشر الوعي الديني، والتبشير بالمشروع الاسلامي في أبعاده المختلفة الفكرية والسياسية، أي أنه نموذج النخبوي الإسلامي، ولا يمكن أن يكون الداعية سياسياً أو عسكرياً محترفاً؛ بل أنه يمارس السياسة والعمل العسكري لأهداف دينية دعوية، أي أنه داعية ومبلغاً ومبشراً قبل أن يكون سياسياً، وإذا لم يكن الداعية بهذه المواصفات سقطت عنه صفة الداعية بمعناها الإصطلاحي، قد تكون مهنته الفلاحة أو البناء أو الطب أو التعليم، ولكنه ينبغي أن يكون مثقفاً ومتفقهاً ومنتجاً؛ ليكون بمستوى أهداف الدعوة وأعبائها.

الثاني: “الداعية” بالمعنى الإسلامي الحزبي الخاص؛ أي “الداعية” العضو في حزب الدعوة الإسلامية؛ الذي تنطبق عليه جميع مواصفات وشروط والزامات الداعية بالمعنى الإسلامي العام، وتضاف عليها أعباء دعوية جديدة خاصة؛ لا تقل ثقلاً نوعياً وكمياً عن المواصفات العامة، وترتبط بمشروع حزب الدعوة الخاص؛ بعقائديته والتزاماته التنظيمية والسلوكية والسياسية والاجتماعية.

الثالث: “الداعية” بالمعنى السياسي الحزبي الخاص؛ أي العضو في حزب الدعوة، وهو الذي يمارس عملاً حزبياً وسياسياً في إطار المشروع التنظيمي والسياسي لحزب الدعوة الإسلامية؛ في حال استحال حزب الدعوة حزباً سياسياً لا علاقة له بالمشروع الدعوي، وهذا التعريف للداعية، أو عضو حزب الدعوة بتعبير أدق؛ لايشترط فيه أن يكون هذا العضو مثقفاً متفقهاً منتجاً ناقداً مغيراً.

الرابع: العامل للإسلام بالصيغ الشعائرية الطقسية، وهو مستهلك للأفكار والثقافة، وينشط في محور إسلامي؛ مسجدٍ أو حسينية أو جبهة عسكرية أو جمعية دينية، ولا يشترط في هذا الشخص أي من مواصفات الداعية وواجباته الثقافية والتبليغية والتغييرية.

 

توصيفات ما بعد 2003

ولذلك لا يمكن اعتماد توصيفات أدبيات حزب الدعوة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات لأعضائه على واقع ما بعد عام 2003؛ كما يعتقد معظم الرواد منهم، قد تكون هذه التوصيفات مجدية فيما لو أبقي حزب الدعوة الإسلامية على تعريفه لنفسه كما كان في تلك العقود؛ بغاياته وأهدافه التغييرية الانقلابية الكبرى، وعقائديته وعالميته، ومشروعه في إقامة الدولة الاسلامية الفكرية، وتطبيق أحكام الشريعة في المجتمع، هذه هي ماهية “الدعوة” أصلاً؛ فلو بقي الحزب متمسكاً بها؛ سيكون المنتمي إليه داعية إسلامياً وليس عضواً في حزب سياسي، أما إذا قبل حزب الدعوة بالاستحالة والتغيير الماهوي؛ حتى الجزئي منه؛ فإن ذلك يستتبع تغييراً حتمياً في تعريف الداعية، ووضع قواعد ومعايير جديدة لوصف عضو حزب الدعوة، وعلى أساس ذلك سيتم تقرير نوعية ثقافته وميزانها وحجمها، ومناهج تثقيفه وتدريبه، وطبيعة سلوكياته الخاصة والعامة، كي يكون التقرير هنا لكائن واقعي قائم وليس مفهوم ذهني مجرد.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

عناق لدفيد غروسمان

haseeb shahadaדויד גרוסמן, חבּוק. תל–אביב, הדפסה עשרים, 2015. طبعة أولى ٢٠١١، رسومات بقلم رصاص: ميخال روڤْنِر. الصفحات (وعددها ٢٩) غير مرقّمة، النصّ مكتوب بخط اليد ومنقّط تنقيطًا كاملًا، اللغة عادية وفيها مسحة من العامية في بعض المواضع.

يُعتبر دفيد غروسمان (١٩٥٤ـــ)، المقدسي المولد، من أشهر الكتّاب اليهود في اللغة العبرية في إسرائيل وفي العالم. أبوه يتسحاك، بولندي الأصل، وأمّه ميخائيله ابنة البلاد. دفيد الذي خدم في المخابرات العسكرية، نشيط في قضية السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، متزوّج له ولدان الآن، إذ أنّ ابنه ’أوري‘ قُتل في حرب لبنان الثانية عام ٢٠٠٦. غروسمان يحمل شهادة الـ ּ.B. A في موضوعي الفلسفة والمسرح من الجامعة العبرية منذ العام ١٩٧٩، عمل في إذاعة ”صوت إسرائيل“ مراسلًا، وممثّلا ومقدّم برنامج. إنّه يكتب لكلّ الأجيال، وتتّسم كتابته بحسّ نفسي واجتماعي مرهف، ويمتزج فيها الواقع بالخيال. تُرجمت مؤلّفاته للغات كثيرة، قرابة الثلاثين لغة، وحاز على جوائز كثيرة ورُشّح لجائزة نوبل على كتابه ”وقع خارج الزمن“. من كتبه نذكر: ابتسامة الجدْي؛ أنظر مادّة ”حبّ“؛ الزمن الأصفر (ترجمه إلى العربية: محمد حمزة غنايم، كفر قرع: دار الشفق، ١٩٨٨)؛ كتاب القواعد الداخلي؛ حاضرون غائبون؛ لتكن لي السكّين؛ شخص للركض معه؛ إني فاهمة الجسد؛ امرأة تهرب من البُشرى؛ يقع خارج الزمن (حول ابنه أوري، قائد دبّابة)؛ حصان يدخل البار؛ سلسلة قصص إيتمار؛ لغة أوري الخاصّة؛ لا تهتمي يا روتي. نُقل أرشيف كتاباته في خريف العام ٢٠١٥ إلى رفوف المكتبة الوطنية والجامعية في الجامعة العبرية في القدس.

”أنتَ حلو“، قالت أمّ ابن، عندما راحا للتنزّه في الحقل قبل الغروب.

إنّك نغش لدرجة، لا مثيل لكَ في العالم كلّه.

حقًّا، لا مثيلَ لي؟ سأل الابن.

هذا واضح، قالت الأمّ ”أنتَ واحد ووحيد!“

تابَعا المسير ببطء.

حلّق فوق رأسيهما سِرب كبير من اللقلق، هاجر إلى بلاد أخرى.

ولكن لماذا؟ سأل الابن ووقف:

لماذا لا نظيرَ لي في العالم كلّه؟

”لأنّ كلّ واحد هو وحيد وخاصّ“، ضحكت الأمّ  وجلست على الأرض.

”تعال اجلس بجانبي“، قالت.

وكذلك صَفَرت لكلبتهما، ’عجب‘، للجلوس معهما.

”إنّي لا أريد أن أكون هكذا وحيدًا في كلّ العالم! “، قال الابن.

”لِمَ لا؟ إنّه رائع أن تكون هكذا، هكذا فريدًا من نوعه!“، قالت الأمّ.

”ولكن أنا هكذا وحيد“، قال الابن.

”أريد أن يكون لي مثيل“.

”إنّك لستَ وحدك“، قالت الأمّ.

”إنّي معك، وأبوك معك أيضا“.

”تعال، اجلس بجانبي“، قالت، ”أُطبز، ضعِ القفا على الأرض“.

الابن لم يجلس. أصبحت عيناه فجأةً كبيرتين وعميقتين.

”ماذا، ولا نظيرة لك أنتِ أيضًا في العالم كلّه؟“

”لا، لا يوجد،“ قالت الأمّ.

”إذن، أنتِ أيضًا وحيدة؟“

”أبدًا لا، عندي أنتَ وأبوك ..“

”لكن، لا أحد مثلك بالضبط، مَخْلق منْطَق؟“

”هذا، غير موجود،“ قالت الأمّ.

”إذن أنتِ لوحدِك،“ قال الابن.

”ماذا، لست وحيدة، لك فقط؟“

ابتسمت الأمّ ورسمت بإصبعها دوائر على الأرض،

”أنا قليلًا لوحدي، وقليلًا مع الكلّ...“

… وهذا جيّد بالنسبة لي، أن أكون قليلًا هكذا وقليلًا هكذا.“

بدأت الشمس في الغروب، وغدت السماء حمراء تقريبا.

”إني أشعر بالوحدة،“ قال الابن بهدوء.

”ولكن يا حبيبي،“ قالت الأمّ ، ”أنا معك!“

”ولكن أنتِ لستِ أنا!“

صمَتا. كان الهواء مفعمًا برائحة زكية، رائحة التراب والعشب،

وطنين ذبيبات وحشرات صغيرة، رقصت وطارت في كلّ مطرح.

الابن ربّت الكلبة التي ربضت بجانبه: ”عجب أيضا؟“، هو سأل.

”ماذا، عجب أيضا؟“، سألت الأمّ.

”أهناك واحدة مثلها فقط في العالم كلّه؟“

”نعم“، قالت الأم وربّتت هي أيضا

فروةَ عجب الغضّةَ،

”هناك عجب واحدة كهذه في العالم كلّه“

على الأرض، بجانب أرجُل الابن والأمّ ، مشى نمل.

قافلة طويلة من النمل، ربّما ألف نملة.

كانت كلّ واحدة شبيهة جدّا بالأخرى، حقًّا ألف توأم من النَّمْل.

ولكن عندما نظر الابن عليها عن كثب، لاحظ أن هناك نملة واحدة

تسير بسرعة، ونملة أخرى تمشي ببطء،

وأخرى تحاول جاهدةً جرّ ورقة كبيرة،

وأخرى تجرّ حُبيبة فقط. وكانت هناك نملة واحدة

صغيّرة، تعدو إلى الأمام، وإلى الخلف بجانب القافلة. ظنّ الابن

أنّها ربّما فقدت والديها، وهي تبحث عنهما.

”سأل: هذه النملة، هنا، تعلم أنّ هناك واحدة، لا غير مثلها في كل العالم؟“

والأمّ قالت: ”إنّي لا أستطيع معرفة ذلك.“

فكّر الابن قليلًا، ثم سأل: ”لأنّكِ لست هي؟“

”لأنّني لستُ هي،“ أجابت الأمّ.

أخيرًا، عادت النملة الصغيّرة إلى داخل القافلة،

وسارت سويةً مع سائر النمل. ظنّ الابن، قد

تكون النملتان الكبيرتان السائرتان بجانبها والديها.

وسأل: ”إذن، من كلّ واحد في العالم، هناك واحد فقط؟“

”من كلّ واحد، يوجد واحد فقط،“ قالت الأمّ.

”إذن كلّ واحد، الكلّ، لوحدهم؟“

”الكلّ لوحدهم قليلًا، ولكنّهم معًا أيضا. إنّهم لوحدهم، ومعًا في آن واحد“.

”كيف يجوز الوجهان، هذا وذاك؟“

”ها أنت واحد ووحيد،“ قالت الأمّ، ”وأنا كذلك واحدة ووحيدة،

ولكن إن عانقتك الآن،

فلن تكون وحيدًا، وأنا لن أكون وحيدة،“

”إذن عانقيني،“ قال الابن، واستند إلى أمّه.

الأمّ ضمّته إليها، أحسّت أن قلبه ينبض بقوّة.

والابن أيضًا أحسّ بقلب أمّه. عانقها بكل ما أوتي من قوّة.

”الآنَ، لستُ لوحدي،“ فكّر في نفسه، وهو في قلب العناق،

”الآنَ، لست لوحدي، الآنَ لستُ لوحدي.“

”ألا ترى،“ همست له الأمّ،

”من أجل هذا بالضبط أوجدوا العِناق.“

 

ترجمة حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

عرض كتاب: أدب الحكمة والنصيحة في العراق القديم

sabiha shobarعن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع  صدر للأديب والناقد الأستاذ عبد العزيز لازم كتاب عنوانه (أدب الحكمة والنصيحة في العراق القديم)، اهداه الى النفوس الجليلة التي غادرتنا، بعد أن ألقت بيانها العاطر حول مواسم النهرين، كما أهدى الكتاب الى أبيه وأمه اللذين عاشا بين هذه السطور التي بقيت مفتوحة تنتظر الربيع، كما أهداه الى زوجته التي   شدت الرحال معه الى بقاع الغربة، من أجل شد الأزر وشحن الكلمات بالمعاني الأعلى،كما أهداه الى أقماره الذين كانت عيونهم تغذي باتجاه الحقائق الوجدانية لأهل الوادي ، وقد عرف الكاتب بالمعنى البسيط لكلمة بلاد الرافدين،وهي المنطقة الكائنة في شمال وشمال غرب عنق الزجاجة  المتكون من اقتراب نهري دجلة والفرات، وهي منطقة جغرافية تضم بغداد،وتقع الى الجنوب من مدينة بابل الامتداد التاريخي المعاصر لمملكة بابلونيا العريقة، ويوضح الكاتب الأستاذ عبد العزيز لازم ان المعنى الأوسع للتسمية، فيطلق اسم ما بين النهرين على المنطقة المحصورة، بين جبال زاخروس في الشمال الشرقي، وخاصة الهضبة العربية في الجنوب الغربي، ممتدة من الخليج العربي في الجنوب الشرقي نحو جبال طوروس في الشمال الغربي، ويوضح مؤلف الكتاب ان مما له دلالة كبرى، التأثير الفكري والروحي من منطقة الحوض الداخلي للرافدين نحو المناطق المحيطة بالوادي، بعد اكتشاف نظام الري وتأسيس النظم الادارية، نقلت العالم الى مرحلة حضارية، فصلت ما بين التاريخ وما قبل التاريخ، فظهر العراقيون الأوائل كرسل حضارة وامتد وجودهم الى جميع ساحل البحر الأبيض المتوسط من الجنوب الشرقي، ومن الجزيرة العربية، وساهم هذا الانتشار بانتقال التقاليد والقيم الروحية والأدبية للمجتمع العراقي القديم الى جميع المناطق المحيطة، وتحولت تلك القيم الى عناصر مكونة للنسيج  الوجداني لشعوب المناطق المجاورة وانتقلت الحكمة العراقية، وشكل ذلك حافزا لسكان تلك المناطق كي يندفعوا باتجاه منبع الثروة في بلاد الرافدين، وأسس ذلك نوعا من الترابط والتلاقح جعل الكيان القاطن في البلاد ملونا، مما جعل المؤرخين يعتبرون  بلاد ما بين النهرين كيانا متميزا عن الحضارات المجاورة، ذات الكيان الاجتماعي الواحد، وان الثقافة العراقية تكونت من ثقافات وطنية تمتلك مميزاتها الفكرية والروحية،..

أشار مؤلف الكتاب الأستاذ عبد العزيز لازم  ان ملحمة كلكامش قد سبقت الملاحم التي كتبها عظماء الاغريق والرومان، الذين اطلعوا على انجازات العراقيين الأدبية والفكرية،، وان بلاد ما بين النهرين قد شهدت خلال الحكم الاسلامي نشوء تنظيم جديد قائم على أساس التوحيد، الذي لم يقتصر على وحدانية الله، بل تضمن توحيد المكونات الاثنية تحت مظلة واحدة، عززت أواصر العيش المشترك،، ويرى مؤلف الكتاب الأستاذ لازم ان جميع الأعمال السومرية، الأدبية والدينية قد كتبت بصيغة شعرية،، باستثناء الأقوال الماثورة والأمثال، وان الدراسة التحليلية لمحتويات النصوص بدأت منذ أربعينات القرن الماضي، وبين الناقد لازم انه عثر على اسطوانة طينية تعود الى عام 2400 قبل الميلاد،تضمنت أحداثا ساهم فيها معبودان سومريان مثل انانا وانكي، جعلت العلماء يرجحون حقيقة ان السومريين قد باشروا بتسجيل أعمالهم الأدبية منذ 2500 قبل الميلاد تقريبا..

908-adab يشير مؤلف الكتاب ان أدب الحكمة والنصيحة يركز على مجموعة الحكم والأمثال والأقوال المأثورة، التي تمنح دروسها الاخلاقية، منطلقة من الحياة اليومية، غايتها ترسيخ الأسس الاجتماعية، وقد اعتنى العراقيون الأوائل بالعائلة باعتبارها الوحدة الأساسية لبناء المجتمع، كما اهتموا بالفوارق الاجتماعية والمرأة،كما اهتموا بالقضايا الثقافية، وقد تأسست مدارس متخصصة، كان من مهامها اعداد هذه الحكم والنصائح وتنظيمها، وادخالها في مناهج التعليم المدرسي، وقد استقطبت المدرسة السومرية رجال العلم والثقافة للقيام بترتيب تلك الحكم، وقد سار الأكديون  والبابليون والآشوريون على نهج السومريين في العناية بأدب الحكمة والنصيحة، وان العديد من الألواح الأدبية، جاءت بلغة مزدوجة من السومرية والاكدية، وكان الأدب يملك خاصية الابداع الفني،..

 

أغراض الأدب السومري

 يشير مؤلف الكتاب ان العراقيين قد عرفوا بانتقاء المواضيع ذات الأثر المصيري،على حياة الناس، وتفضيل الطاقات الدرامية فيها، مستهدفين ايقاظ وتنشيط الفضائل، واتصف القول المأثور بالايجاز وبلاغة الحجة، واتجه نحو الرمز محملا الأشياء والحيوانات الأليفة المعاني والمقاصد، واتصل هذا الأدب بالاحاجي والقصص الخرافية، وأصبحت العائلة كيانا اجتماعيا تتعزز فيه حقوق الانسان، وان  مجموعة الامثال والاقوال المأثورة ركزت على محاور عديدة، مثل الموقف من العمل، والفوارق الاجتماعية، الاسرة والعلاقات العائلية، ومحور مكانة المرأة، ومحور الموقف من الثقافة والمعرفة، ومحور الأخلاق العامة..

يعلل مؤلف الكتاب سبب  التكرار في عرض مثل او حكمة واحدة اكثر من مرة، في عدد من فصول الكتاب، بان معنى المثل المتكرر يمكن ان يكون دالا على اكثر من موضوع،ففيما يتعلق بالزواج والأطفال مثلا يقول  السومري واصفا الأعزب بانه متهرب من المسؤولية( ان الذي  ليس له زوجة اوولد لاتحتمل انفه القيد) وقد جاء المثل الاكدي اكثر وضوحا( ان الشخص الذي لايعول زوجة ولا يعول ابنا، انه شخص لايؤتمن، ذلك الذي لايعول نفسه) وتصف حكمة أخرى المرأة غير المتزوجة بانها كالحقل غير المزروع، وأشارت الحكمة الاشورية والبابلية ان المرأة العزباء تشبه المنزل الذي ليس له صاحب.

 لقد شدد الحكيم السومري على فكرة الاختيار الحر بين الزوجين، والى وجود علاقة ما بين الزوجين قبل الزواج، يتودد فيها الفتى لفتاته، واعدا اياها بتحقيق المنافع والرفاهية، التي تحلم بها ان وافقت على الزواج منه: ( أيتها العذراء، لم يعطك أخوك الأفضلية، فلمن يجب أن تعطى الأفضلية؟)

 وهناك الكثير من الأقوال على ألسنة الفتيات يطلقن رغبتهن في اختيار الفتيان المؤهلين كي يكونوا أزواجا لهن. تروي لنا القصة السومرية ان عشتار أمسك يدها تموز وعانقها، بينما كانت هي ترقص وتغني، لكنها حاولت التخلص منه بحجة انها لاتستطيع ان تبرر تأخرها لأمها، الا ان تموز دبر لها حيلة بان تدعي للأم انها كانت مع صديقتها..وفي نهاية القصة الشعرية، يذهب تموز الى الأم ويخطب عشتار، فتوافق ويتم الزواج..

 يوضح مؤلف الكتاب الأستاذ لازم ان المهر لم يكن اجباريا في العراق القديم، فقد يقدم الشاب او الوالدة مبلغا من المال الى والد العروس، الا ان من المعروف ان المهر لاضرورة له، في ذلك الزمان، وهناك بعض الهدايا المالية تقدم الى والد الزوجة، وتختلف هذه الهدايا من عائلة الى أخرى، وقد قالت الحكمة( ان من نحب  سوف نحمل نيره) ومن واجبات الزوج صيانة الزوجة  والانفاق عليها، وواجب الزوجة تحمل مسؤولياتها في المنزل، وقد حظيت المرأة ذلك الزمن بالتكريم الكبير، وتقول الحكمة( ان المرأة مستقبل الرجل)، ووصلت لنا حكم كثيرة حول تقويم سلوك الأبناء، ومعاناة الآباء من  أجل اسعاد اولادهم وأثبتت المدرسة العراقية كفاءتها،  في اعداد العلماء وذوي الفكر المتقدم، يقول الأب لابنه( اذهب الى المدرسة وقف أمام معلمك، واسمع دروسك، احضر الى المنزل، ولا تتجول في الشارع)، كما شدد الحكيم العراقي على أهمية العمل في حياة الانسان، باعتباره هوية الانسان الحقيقية، وقال المثل :0( ان من يكسب رزقه يقابل بالتقدير)..

 

الموقف من العمل والفوارق الاجتماعية

يبين مؤلف الكتاب انه على اثر ابتكار أنظمة الري،تخلص جنوب وادي الرافدين من الاعتماد على هطول الأمطار في الزراعة، فتقدم الانتاج الزراعي، وارتفع مستوى معيشة السكان، وساعد ذلك على نشوء حاجات ذات طابع أساسي، تبين طموحات الانسان العراقي نحو التقدم، مما ادى الى ابتكار المحراث الحديدي الأول، ونول الحياكة ودولاب الفخار، والعجلة الأولى في التاريخ، كما توصل الانسان العراقي الى صنع أدوات البناء، واستجابة لمتطلبات التطور صنعت القاطرة الأولى، التي دفعت المجتمع الى تقدم حضاري كبير، وساهم التطور الصناعي في تطوير العلاقات الاجتماعية، وظهرت الحاجة الى الكتابة، التي كانت تشبه المسامير المصلوبة على ألواح من الطين( بسمارك منك أيتها اللوحة) وهذا القول يعني تمجيد اللحمة الاجتماعية، وفي المجتمع الطبقي تكونت العلاقات الهرمية،بين المجموعات الاجتماعية، التي يرتبط  تكوينها بالنشاط الاقتصادي، طبقة النبلاء في قمة السلم الاجتماعي، نليها طبقة الاداريين، ثم الكهنة، فالتجار ثم جماهير العامة، وظهرت فئات متخصصة في قطاع الانتاج، مثل الصناع والحرفيين، الذين كانوا يعملون لصالح الحكومة،وتطورت بعض المشاريع الخاصة، باعتبارها جزء من اقتصاد السوق، وصدرت قوانين تنظم هذه العلاقات، سبقت قوانين حورابي وقد ساهم العراقيون بالانتاجين : المادي والابداعي العفوي الذي اتجه الى تقويم السلوك، ودرس الحكيم العراقي مسالة الفقر، وبين انها جماعية، محاولا تقديم الحلول لها، حاثا على مساعدة الفقير( اعط الطعام للجائع والنبيذ للعطشان)، وقد اكتشف الحكيم العراقي ان جودة الشيء تعكس جودة المواد  الأصلية المكونة له، (اذا كانت عجينة البيرة فاسدة، كيف تكون البيرة جيدة المذاق) وهذا يعني ان فساد الشخص دليل على فساد البيئة،  وقد وجدت بعض العائلات  الفقيرة في الطفل الذي تنجبه كنزا كبيرا، كما تعبر الحكمة التالية(لايضرب الرجل الفقير ابنه مرة،انه يحتفظ به الى الأبد، يعامله كالكنز).

 

الزواج والعلاقات العائلية

يشير مؤلف الكتاب الأستاذ عبد العزيز لازم،الى ان مفهوم العائلة قد تطور، عبر المراحل التاريخية المتعددة، استجابة للظروف الاقتصادية  والحاجات الحياتية، وهناك نوعان من العوائل، الأول يطلق عليه اسم العائلة النواة، وتتكون من الوالدين والأولاد،  والنوع الثاني يسمى العائلة الموسعة، التي يضاف اليها الأجداد وبعض الأقارب، ويبين مؤلف الكتاب انه يوجد نوع ثالث، هو العائلة الأحادية، التي يعيش فيها الأطفال مع اب او ام، غير متزوج  اومطلق أو أرمل،وكان دور العائلة الاقتصادي واضحا فيما قبل التاريخ، الرجال يقومون بالصيد، والنساء يقمن بتجميع الصيد واعداد الطعام، والعناية بالأطفال، وقد تغيرت بنية العائلة بعد انتقال المجتمع الى الطور الزراعي، ثم الى الطور الصناعي، فأصبحت العائلة العراقية وحدة أساسية، يقوم عليها البناء الاجتماعي، تقدم نتاجا نوعيا، رفد المجتمع بالقيم والطاقات الابداعية في مجال الأدب والفنون، و نقلت الأعمال الابداعية من الشفاهية الى الكتابة..

كانت الفتاة السومرية ترغب أن تضمن حياة مرفهة، مع زوج قادر، على توفير أسباب السعادة لها وكانت تريد ان يتوفر زوج المستقبل على صفات عديدة كما تقول الحكمة: (عيناي عينا اسد، وجسمي جسم الملاك الحارس، وشفتاي تنطقان بالسحر والفتنة،فمن سيكون زوجي شديد  الفحولة؟)..

يوضح مؤلف الكتاب انه في عهد حمورابي ظهرت عادات وتقاليد تحدد أسلوب الاقتران فكانت جميع ترتيبات الزواج تتم بين عائلتي الفتى والفتاة، وكان والد الشاب يختار زوجة ابنه، وترسل بعض قطع الأثاث الى بيت والد العروس، ثم يقدم الشاب او والده مبلغا من المال، الى والد العروس. وكان الزواج المبكر سائدا في عصر  السومريين،وهناك أمثلة عديدة،  تنتقد المبالغة بالسن المبكرة، ووجه  الحكماء النصح للأزواج بضرورة العناية بالزوجات صغيرات السن، ومقابلتهن بالصبر الكافي حتى يبلغن درجة النضج الجسماني، وكان تعدد الزوجات ظاهرة مألوفة، وجدت أسبابها في المجتمع العراقي القديم، وكان الطلاق ذا أسباب متعددة،عقم الزوجة وسوء تدبيرها، وعدم الاتفاق مع الزوج، وكان يكفي للرجل ان يقول لزوجته( انت لست زوجتي) فيتم الطلاق، وكان يحرم ذلك على الزوجة،،، وقد  ربط العراقيون القدماء بين سعادة الانسان والانجاب، فالسعيد من كثر أهله  وعياله، لأنه بذلك يكتسب احترام الناس، وقالت الحكمة: (أفضل النساء هي التي في بطنها غلام، وتحمل على وركها غلام، ويمشي وراءها غلام)..

 يشير مؤلف الكتاب الى ان العراقي قد اهتم ببناء منزله، وشدد على التعاون الروحي في البناء، والحرص على تشييد المنازل حسب ما يخدم البيئة المناخية والنفسية، وقد أكدت الحكمة أهمية التعاون (يد على يد، يبنى منزل الرجل، حقد على حقد يدمر منزل الرجل) وقد ابتكر السومريون مواد بناء متطورة، تساعدهم في  تشييد أبنية أكثر ارتفاعا، وأكبر قدرة على مقاومة عوامل الهدم،، وبنوا المعابد العالية، ويعتقد بعض المؤرخين ان الزقورات قد مهدت لبناء الأهرام، في الحضارات المجاورة،

 

مكانة المرأة

يشير مؤلف الكتاب الى ان المرأة  دخلت بنشاط في الحياة الروحية للبلاد، فالنساء المنتميات الى قطاعات اجتماعية قادرة على وضع التماثيل الشخصية في المعابد، كن يقدمن تماثيلهن في وضع  التعبد، معتقدات ان صلواتهن ستكون متواصلة، من خلال وضع الرمز الشخصي، في الوقت الذي يمارسن فيه أعمالهن اليومية، وكانت  التمااثيل بالزي السائد، المكون من رداء يتدلى من أعلى الكتف الأيسر، ويبقى الكتف الأيمن عاريا، وكان شعر الرأس يلف على شكل لفائف مظلومة، وكانت المرأة ابنة أبيها، والزوجة في ظل ارتباطها بزوجها، وكانت الأم ترعى أولادها، ومن النادر ان تمارس المرأة دورا خارج نطاق الالتزامات العائلية، ما عدا بعض النساء من العائلات المالكة، او النساء المرتبطات بالرجال المتنفذين، وقد اهتم المجتمع بتدريب الفتيات منذ الطفولة، على الأدوار الحياتية التقليدية للزوجة والأم وربة المنزل، وكان من مهام ربة المنزل، بالاضافة الى تعلم طحن الحبوب وغزل النسيج وحياكة الملابس، وصنع المشروبات، وخاصة تخمير البيرة، وهذه الأنشطة ذات الطابع الانتاجي قادت المرأة الى خارج حدود المنزل، واتجهت الى بيع المنتوجات التي تقوم بها، وقد مارست المرأة ادارة الفنادق او الحانات او الخانات،وتعلمت النساء كيف يكن قابلات كفوءات، وكيف يصنعن الأدوية المناسبة لأمور الولادة / وساعدت الظروف الاقتصادية والمعيشية النساء ان يساهمن في حركة الانتاج، وكانت الفتاة العراقية حين تبلغ سن الزواج تصبح جزء من عائلة خطيبها وحين يتوفى الخطيب قبل العرس، عليها ان تتزوج احد اخوانه، فتتعزز بذلك اللحمة العائلية، ويرى مؤلف الكتاب ان المرأة في العصر السومري،قد نالت حرية أكبر في المساهمة في البناء الاجتماعي العام،مما نالت في العصور اللاحقة،،وقد أورد المؤلف نصا بالغ الجمال يبين مدى حب الفتيان للأم( انها مثل الضوء الساطع في الأفق، انها كأنثى الظبي في الجبال، انها كنجم الصباح الذي يسطع حتى في الظهيرة،، انها كالذهب والفضة، ان أمي كأمطار السماء،، المياه التي تؤدي الى نمو أفضل للبذور، ان امي كحديقة من السرور مليئة بالسعادة، ان أمي كشجرة النخيل المحملة بأطيب الثمار)..

 

الموقف من الثقافة والمعرفة

يرى مؤلف الكتاب ان النشاط المعرفي في العراق القديم،مر بثلاثة مرتكزات أساسية، اولها الكتابة المسمارية  وثانيها المعبد، وثالثها المدرسة العراقية، وان هذه المرتكزات شكلت حواضن خصبة للثقافة العراقية، التي أمدت الحضارات اللاحقة، بنشاط علمي وثقافي كبيرين، وبين المؤلف ان هناك عوامل عديدة، ساعدت على اصالة الثقافة العراقية، أبرزها انها حاجة  ضرورية لتحقيق التطور في الحياة الانسانية، فالسومريون وجدوا في التعليم استجابة لحاجتهم في مسك  السجلات، التي يدونون فيها أعمالهم، وينظمون أعمال حسابات المعبد، والمراكز الحكومية÷، وقد استعمل السومريون الألواح الطينية، لتدوين أعمالهم، ثم جففوا تلك الألواح، في أشعة الشمس او تنانير النار، لتكون  الكتابة دائمة، وكانت المدارس ملحقة بالمعابد، لأنهم يعتبرون العلم مقدسا، وبقي تلقي العلم يجري في دور العبادة خلال مراحل الدولة الاسلامية، وقد مجد الاسلام العلم وقال الرسول (يوزن مداد العلماء بدم الشهداء) وكانت المدرسة السومرية حكرا على الذكور من العائلات الغنية، ولقد سميت المدرسة العراقية الأولى باسم (أدبا)، أي بيت الألواح، وكان المعلمون يمارسون الشدة في معاملة الطلاب، وكانت وظيفة الكاتب او (الناسخ) تكسب المتخرج في أدبا منزلة عالية في المجتمع، نتيجة الخدمات الكثيرة والمهمة التي يؤديها، واستمرت السومرية لغة التعليم  خلال الفترتين : البابلية والآشورية، وقد قالت الحكمة:

0(الكاتب الذي لايعرف اللغة السومرية، كيف يستطيع توصيل الترجمة بشكل دقيق؟)..

 

الأخلاق العامة

يرى مؤلف الكتاب ان موضوع الاخلاق تعرض الى كثير من الاخنلاف، وان الدين كان حاضرا في جميع القيم الاخلاقية التي تكونت لتنظيم حياة المجتمع،فالملوك الذين حكموا باسم الآلهة، كانت أوامرهم ذات قوة روحية، لايمكن مناقشتها، وكان رفضها يعتبر عصيانا يعرض الرافضين الى العقاب،وقد ساهم النشاط العلمي والاقتصادي، في تأسيس قيم اخلاقية تساعد في تننظيم المجتمع،وكان الملوك والحكام ذلك الزمان،لايميلون الى الاستبداد في نظم الحكم التي اتبعوها، تجاه رعاياهم، وقد غاص الحكيم في تفاصيل الشخصية العراقية، وتوصل الى ان البيئة الصالحة تؤدي الى خلق النموذج الانساني الصالح، قالت الحكمة( الحبة الهزيلة تنمو ولكن ماذا نفهم منها؟) يرى مؤلف الكتاب ان هذه الحكمة تعبر عن سعة الأفق التي تميز بها العراقي القديم، وان النمو في الظاهر ليس الغاية القصوى، من الجهد البشري الساعي الى تفجير طاقة الانتاج المثمر، وان البحث عن النوع يشغل فكر الانسان، ويبين الأستاذ عبد العزيز لازم انه في (سفر متي) الاصحاح السابع ما يلي (من ثمارهم سوف تعرفونهم) وهذه الحكمة تبين قوة البحث عن جوانب مجهولة في النفس الانسانية، يقول الحكيم البابلي (انه انسان جيد تماما، لكنه يتلفع بالظلام) فالحكمة السابقة تتحدث عن شخص جيد، لكنه مشغول بأمور، تنسيه ما يتوجب عليه من التعامل الانساني، المنفتح مع المحيط، فيعيش في تناقض بين طبيعته الخيرة وعزلته عن الناس، كما تحدث الحكيم العراقي عن حب الانسان للوطن، الذي احتواه  وقدم له كل ما يمكن من أجل الحياة،( هل يتقاضى الهور- المستنقع- ثمن القصب الذي فيه، أم تتقاضى الحقول ثمن خضارها؟) كما اهتمت الحكمة العراقية بالدفاع عن الحقوق التي تتعزز  في حالة السلام:(ان خرجت وأخذت حقل عدوك، فالعدو سيأتي ويأخذ حقلك) ودعت الحكمة البابلية الى الاحسان الى العدو كن كريما مع عدوك كما مع تنور عتيق، لاتشمت بعدوك عندما يتهاوى،عندما يتعثر لاتسمح لقلبك بالابتهاج).

 واعتنى الحكيم العراقي بتنظيم الطعام وعدم الافراط في تناوله (ان الذي يأكل كثيرا جدا، لايستطيع النوم) ودعا الحكيم العراقي الى تقوية الصداقة لتعزيز السلم بين الناس (تدخر الصداقة لأيام الضيق، اما الذرية فهي للمستقبل)..

يشير مؤلف الكتاب الى مسلة حمورابي،الذي يقرر انه انتدب من قبل  الآلهة، كي يجعل العدالة تسود في الأرض، للقضاء على الفاسدين والأشرار، وقد ركزت قوانين حمورابي على الأمور المدنية، وكانت تهدف الى توفير الحماية الى جميع الناس، ويقدم حمورابي درسا عميقا في اعلاء شأن الحياة الانسانية، باحترام القوانين، وكان حمورابي رجل دولة وسياسة وادارة من الطراز الأول، يعلم الناس ان اي قوة حقيقية تستمد جوهرها من العدالة، ومن  القانون الذي هو أداة تطبيقها،...

 

عرض: صبيحة شبر

 

العرافة وقصص أخرى مجموعة قصصية للأديب جواد عبد الكاظم محسن

909-arafaعن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة صدرت حديثاً للأديب القاص جواد عبد الكاظم محسن مجموعته القصصية الأولى (العرافة وقصص أخرى)، وقد تصدرت المجموعة (كلمة لابد منها) جاء فيها: (لم يجتذبني عالمُ القصة كثيراً كما اجتذبني عالمُ الشعر الذي دخلتُه مبكراً منذ مطلع السبعينيات  نظماً ونشراً، أما القصة فلم أبدأ بكتابتها ونشرها إلا في عقد الثمانينيات ودخلتها أول ما دخلتها على استحياء قبل أن أجدَ مقبوليةً واضحةً لما كتبتُ .. وقد وضحتْ لي هذه المقبولية عند اشتراكي في مسابقة مجلة (التضامن) اللندنية للقصة القصيرة جداً سنة 1986م، وتحقيقي نتيجةً متقدمةً فيها، ومن خلال ما كتبه محرر إحدى الصفحات الثقافية في الصحافة العراقية سنة 1988م، وهو يقدم إحدى قصصي المنشورة في صفحته تقديماً حسناً) .

909-arafaوأضاف المؤلف في كلمته (ولكن مع كلّ ذلك ظلتْ تجربتي مع القصة محدودةً ومتواضعةً وإن نشرتُ عدداً قليلاً مما كتبتُ فيها، وقد اخترتُ مِن كلّ ما نشرتُ أو عثرتُ عليه مخطوطاً في أوراقي المحفوظة هذه المجموعة من القصص القصيرة والقصيرة جداً لتطبع وتوضع بين يدي الأدباء الأصدقاء والقراء الكرام.

لماذا أردتُها أن تطبعَ وتنشرَ دون غيرها؟

والجواب لأني أردتُ أن أقولَ فيها شيئاً سيدركُه القارئ اللبيب بالتأكيد عند قراءته لها).

تضمنت المجموعة سبع عشرة قصة قصيرة وقصيرة جدا هي : العرافة، الفتاة الغريبة، الرحيل إلى السماء، أحلام خطيرة، علاوي، بائع النفط، صدق، كفى بالأجل حارسا، من مقالب السراج، مفارقة، واحدة بواحدة، الجار الغريب، لن يضيع الخير، الصورة، كاتم الأسرار، الرجل المبصر، الفلاح والغيمة .

وكان الكاتب قد نشر عددا منها في الصحف والمجلات المحلية خلال العقود الماضية، وهي ذات مضامين إنسانية في ثيمتها، وارتكزت أفكارها على نصرة القيم السامية للحق والخير والعدل والجمال، وأغلبها منقول من الواقع المحلي، وأبطالها حقيقيون عاشوا معنا في الماضي، وما يزال بعضهم يقيم بيننا، وإن تغيرت الأسماء، وتبدلت الأشكال .

تقع المجموعة في اثنتين وسبعين صفحة من القطع الصغير، ورقم إيداعها في دار الكتب والوثائق ببغداد 1198 لسنة 2016.

 

 

 

قناصل فرنسا بالجزائر غزو واستدمار

moamar habarكتاب: EUGENE PLANTET «  LES CONSULS DE FRANCE A ALGER , AVANT LA CONQUETE 1579-1830 « , ALEM EL AFKAR , ALGERIE, 88 pages.

يتطرق لعلاقة الجزائر بفرنسا قبل الاستدمار الفرنسي، ويعطي صورة للتوتر القائم بين الدولتين، والنظرة العنصرية والحاقدة التي سادت فرنسا تجاه الجزائر. وفي نفس الوقت يبرز القوة التي إمتازت بها الجزائر، وكذا مراحل الضعف التي مرّت بها ، خاصة قبل العدوان الفرنسي.

جاء في صفحة 8 من الكتاب.. رفضت الجزائر طلب فرنسا المتكرر بشأن إقامة سفير فرنسي بالجزائر. ما جعل فرنسا تتوسط عبر الباب العالي ، ولم تأتها الموافقة إلا بعد 14 سنة من الانتظار.

وأرسلت فرنسا رجلا ذا قيمة ليتوسط من جديد بالباب العالي لدى الجزائر، لإعادة العلاقات إثر التوتر الذي نشب. ويصل إلى الجزائر سنة 1628، محملا بالهدايا والطاعة، ويعيد العبيد، ويشتري السجناء الفرنسيين بالجزائر، الذين إختطفتهم الجزائر عبر البحار، ويعيد الديون المترتبة على فرنسا، ويطلب من الجزائر أن تعامل الفرنسيين الذين تلقي عليهم القبض في البحار بالرحمة واللطف.

وفي سنة 1675 إستفسر السفير الفرنسي بالجزائر لدى الداي ، عن سر المضايقة التي يعانيها في حركاته، والتي وصلت غرفة نومه، فأجابه الداي " وظيفتك قليلة مقارنة بأهميتك ".

وعن الحملات التي شنتها فرنسا لغزو الجزائر، يقول في صفحات 22-25..  الحملة الأولى الفرنسية لاستدمار الجزائر كانت بتاريخ 1682.7.12، وفشلت الحملة بسبب إضطراب البحر، ودام قصف الجزائر لمدة 3 مرات.

والحملة الثانية كانت بتاريخ 1683.6.26، تتقدمها 50 سفينة، إستمر قصف الجزائر مدة يومين، حيث تم تدمير 500 بيت، وقتل ألف جزائري.

وفي جوان 1688، تقصف فرنسا الجزائر بـ 10420 قذيفة، محطمة البيوت والمساجد، ومراكز تجميع المياه، وبيت الداي. وأخذ قائد الحملة على عاتقه، أن يقابل كل صرخة إستغاثة بالمزيد من القتل، مقابل الفرنسيين الذين قتلوا في الجزائر.

وعن نوايا فرنسا لاستدمار الجزائر، يقول في صفحة 28.. يكتب القنصل العام الفرنسي بالجزائر سنة 1792..

هناك وسيلتين لاستدمار الجزائر، المال والقوة. والأولى تؤخر الثانية والتي لا يمكن الاستغناء عنها.

وعن دور اليهود في تجويع الجزائريين، وسيطرتهم على مقدرات الجزائر، يقول في صفحات 31- 33..

اليهود هم الذين يحتكرون القمح في الجزائر، وتقدر ديونهم على فرنسا إلى غاية سنة 1795، بمبالغ كبيرة جدا. إستعانوا بالداي لرد ديونهم المترتبة على فرنسا. وفعلا اعترفت فرنسا بديونها المترتبة على اليهودي باكري، الذي كان يحظى برعاية فائقة من طرف الداي مصطفى.

31 الجزائر تعلن الحرب على فرنسا، وتأسر القنصل مولتيدو ومن معه.

32 نابليون وفي رسالة له بتاريخ 1802، يهدد بكونه ليس من عاداته أن يعيد الديون لأصحابها. وبأنه حطم المماليك، لأنهم طالبوه بديونهم المترتبة عليه. ويهدد الجزائر بـ 80.000 جندي ينزلون على سواحلها، وبأنه سيحطم الجزائر إن هي لم تطلق سراح القنصل وأصحابه.

33 طالبت الجزائر فرنسا بـ 200000بياستر، لإطلاق سراح القنصل الفرنسي والمرافقين له.

33 حدثت مجاعة بالجزائر سنة 1805، بسبب إحتكار اليهود والسيطرة على مقدرات الجزائر والقمح خاصة، وحماية الداي لهم.

وفيما يخص البدايات اللأولى لفرنسا لاستدمار الجزائر، يقول في صفحة 34.. شرعت فرنسا وبجدية في إحتلال الجزائر وتحطيمها. وكان ذلك سنة 1763، حين حاولت احتلالها انطلاقا من مدينتين. وفي سنة 1808، بعثت فرنسا قائدا لها، لمعاينة المدينتين الجزائريتين، التي يمكن دخول فرنسا عبرها واحتلال الجزائر بصفة نهائية.

 

التحولات المفصلية الكبرى في تاريخ حزب الدعوة الإسلامية (15)

ali almomenظلت التحولات في الفكر السياسي لحزب الدعوة الإسلامية مطبوعة بطابع إقليم العراق، ومنسجمة مع الواقع الموضوعي الذي تصنعه الأحداث المفصلية الكبرى؛ وهي ثلاثة مفاصل:

 

1- مفصل تأسيس حزب الدعوة الإسلامية عام 1957:

في هذا المفصل استند حزب الدعوة الى دراسة السيد محمد باقر الصدر الفقهية حول جواز قيام الحكم الإسلامي في عصر الغيبة؛ من خلال الأدوات الحزبية؛ التي توفر وسائل كثيرة للوصول الى الحكم الإسلامي، ثم أستند حزب الدعوة على نظرية الحكم التي كتبها السيد محمد باقر الصدر لاحقاً؛ والتي تعتمد مبدأ الشورى في قيادة الحزب لنفسه وللدولة ولمشروع تطبيق الشريعة ولمشروع الدعوة العالمية، وما يتخلل ذلك من ممارسة الجهاد الدفاعي وبذل الدماء والتصرف بالأموال وتحديد مصالح الأمة ومفاسدها.

 

2- مفصل تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979:

في هذا المفصل تراجع حزب الدعوة عن مبدأ قيادة الحزب للدولة ولتطبيق الشريعة ولمشروع الدعوة العالمية؛ لأنها على وفق مبدأ ولاية الفقيه مناطة حصراً بالولي الفقيه المبسوط اليد؛ ولا سيما أن الحزب تبنى مبدأ ولاية الفقيه في البعد النظري، وبايع مصداقها الإمام الخميني قائداً، ولم يكن هذا سبب التراجع مقتصراً على تبني الحزب لمبدأ الولاية؛ بل لأن الواقع الشيعي المتدين (المساحة التي يتحرك فيها الحزب) لم يعد يسمح لأي مؤسسة شيعية أخرى بالتحرك سياسياً دينيا على المستوى العالمي؛ في ظل وجود مؤسسة ولاية الفقيه؛ التي اكتسحت الساحة الشيعية في كل العالم خلال أشهر معدودات.

وتبع ذلك؛ تثبيت مبدأ رقابة فقيه الحزب ( آية الله الحائري ) أو المجلس الفقهي على “الدعوة” وتوجيه فكره وسلوكه السياسي على وفقه المحددات الشرعية، ولكنه سرعان ما ألغي مفهوم فقيه الحزب؛ بمسوغ التعارض مع وجود الولي الفقيه العام (الإمام الخميني)، وبسبب رؤية بعض فقهاء الحزب بأن تكون الرقابة ابتداءً، وعلى كل مفاصل الحزب، وليس بصورة عودة الحزب أو لجانه الى الفقيه عند الحاجة.

 

ولاية الفقيه ومرجعية فضل الله

ولم تكن الإشكالية ذات أهمية في ظل وجود الإمام الخميني؛ ولكن أهميتها ازدادت بعد وفاة الإمام الخميني وصعود فقيه جديد لسدة الولاية (آية الله الخامنئي)، وحيال ذلك بدأ بعض أوساط “الدعوة” يتصدرهم الشيخ محمد مهدي الآصفي (الناطق باسم الحزب) يقاتل فكرياً وتنظيمياً لتحويل علاقة الحزب بولاية الأمر (وهي نظرية الآصفي المتماهية مع مبدأ ولاية الفقيه) وقيادة السيد الخامنئي الى علاقة ولاء وانقياد، وليست علاقة إرشاد وتوجيه، بينما بدأت رموز أخرى في القيادة تتجه تدريجياً نحو بلورة مشروع مرجعي آخر خارج إيران والنجف؛ هو مرجعية آية الله السيد محمد حسين فضل الله في لبنان؛ الذي ظل الأقرب الى نظرية حزب الدعوة الأولى وفكره وقيادته؛ لأنه كان من أعضائه الأوائل ومن قياداته الفكرية والسياسية عقود طويلة، وأصبح رأي قيادة الحزب في موضوعة الدولة والحكومة والفقه السياسي يتبنى عملياً ما يذهب اليه السيد فضل الله، وفضلاً عن القرابة النفسية والفكرية والسياسية والتاريخية بين فضل الله وحزب الدعوة؛ فقد كانت هناك حاجة واقعية للطرفين للسير بمشروع موحد، وكان أركان مشروع مرجعية فضل الله في مساحاته العراقية والسورية والخليجية والإيرانية والأوربية هم الرموز الرسمية وغير الرسمية الأبرز لمدرسة “الدعوة”؛ أمثال: نوري المالكي والشيخ عبد الحليم الزهيري في سوريا، الدكتور إبراهيم الجعفري والسيد حسين الشامي في بريطانيا، الشيخ مهدي العطار في إيران، السيد عبد الله الغريفي في البحرين والخليج وكاظم عبد الحسين في الكويت وغيرهم.

 

تيارات داخل حزب الدعوة

وظل المفصل الثاني هو الأكثر إثارة للجدل الفكري في أوساط مدرسة “الدعوة” ولا يزال، وقد ترشح عن هذا الجدل مجموعة من التيارات الفكرية داخل الحزب في ثمانينيات القرن الماضي؛ أهمها:

أ-  التيار الذي يدعو الى تحويل حزب الدعوة إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة الإسلامية الإيرانية؛ كأداة تنفيذية؛ من خلال الاندماج بالمؤسسات الثورية الإيرانية، مثل “جهاد البناء” أو “الحرس الثوري” وغيرهما، ولم ينجح هذا التيار في تحقيق مسعاه؛ فانشق رموزه عن الحزب، واندمجوا بالفعل في المؤسسات الثورية الإيرانية؛ ولاسيما قوات الحرس الثوري، وقام قسم منهم بتأسيس “قوات بدر” بإشراف مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وأصبحوا قادة وآمرين لها، وهي القوات التي تأسست ابتداءً باسم “فوج الشهيد الصدر” في بدايات عام 1983، ثم تحولت الى لواء أطلق عليه اسم “لواء 9 بدر”، ثم “فرقة بدر”، ثم “فيلق بدر”، و”منظمة بدر” حالياً.

ب- تيار يدعو الى بقاء حزب الدعوة مستقلاً كلياً في نظريته وقيادته ومؤسساته عن قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومؤسساتها، وتكون بينهما علاقة تعاون وهموم مشتركة، واصطدم هذا التيار بالواقع الفكري والسياسي الشيعي الذي تتصدره إيران، وانشق أصحابه عن الحزب أيضاً، وأسسوا مجموعة إسلامية مدنية تدعو الى الوطنية العراقية والحكم الديمقراطي.

ت- تيار يتبنى مبدأ “ولاية الفقيه” ويبايع مصداقه الإمام الخميني؛ مع الاحتفاظ بخصوصية حزب الدعوة المنفصلة عن إيران الدولة والحكومة تنظيمياً وسياسياً، وكان هذا التوجه يفرق بين الدولة الإيرانية ككيان جيوسياسي له خصوصياته، والحكومة الإيرانية كمؤسسة محلية تدير الدولة الإيرانية، وقيادة الإمام الخميني كقيادة عامة لكل الأمة الإسلامية، وظل هذا التيار هو الأكبر عدداً والأهم نوعاً في حزب الدعوة، وظل مسيطراً على قيادته ولجانه ومفاصله منذ عام 1981، وينقسم هذا التيار العام إلى عدة نزعات تفصيلية؛ لا يزال بعضها موجوداً داخل الدعوة أو في إطار مدرستها العامة.

 

الإشكاليات الشرعية والاجتهاد الجماعي

وتطرح هنا تساؤلات في إطار إشكالية لها علاقة بموضوعة الشورى وولاية الفقيه وشكل الحكم الذي يدعو له حزب الدعوة وغيره من الحركات الإسلامية التي تدار قيادتها بالشورى أو أدوات الديمقراطية؛ دون وجود فقيه حاكم على قراراتها،  وتدور هذه التساؤلات حول طبيعة القرارات السياسية في الحزب، باعتبار أن كثيراً منها ليست قرارات سياسية محضة أو إدارية أو تقنية؛ بل هي قرارات دينية شرعية (أحكام شرعية)، أو أنها قرارات سياسية مقبولة شرعاً، وترتبط بملء منطقة الفراغ (على وفق توصيف السيد محمد باقر الصدر)، أو منطقة التفويض التشريعي ( كما قاربتها في أطروحتي الدكتوراه )؛ ولاسيما القرارات ذات الصلة بالأعمال الجهادية والعسكرية والأمنية، وما يترتب عليها من تصرف بالدماء والأموال والأراضي، وإذا كان بعض القرارات السياسية؛ ذا بعد ديني شرعي؛ فهل تقتضي الشورى أن يكون هناك “اجتهاد جماعي” تقوم به القيادة بأجمعها كون رأي الأكثرية هو النافد بمقتضى سيرة العقلاء؟، وهذا اللون من الاجتهاد يعد بادرة فريدة في تاريخ الفقه الشيعي، أما إذا لم تكن هذه القرارات أحكاماً اجتهادية؛ بل يفترض أن تستند إلى حكم شرعي أو غطاء شرعي أو إمضاء فقيه؛ فمن الذي يقوم بذلك؟ هل هو أي فقيه يمكن أن يرجع اليه الحزب، أو فقيه واحد ثابت هو فقيه الحزب، أم جماعة من الفقهاء المتحركين أو الثابتين؟.

وسبق لحزب الدعوة أن أجاب على هذه التساؤلات في عقد الثمانينيات من القرن الحالي؛ بعد أن ظهرت بقوة في أوساطه خلال الأعوام 1979ـ1981؛ ولكن التطورات الواقعية والانتقالات المرحلية والنظام الداخلي الجديد لعام 2008 أعادت هذه التساؤلات مرة أخرى، وكما ذكرنا؛ فإن حزب الدعوة لم يحسم بعد عام 2003 موقفه الفكري والفقهي حيال الدولة الديمقراطية والدولة الإسلامية، والعلاقة الفكرية والمنهجية بمبدأ ولاية الفقيه والمرجعية الدينية مبسوطة اليد ومصاديقها، ويرى بعض قياديي حزب الدعوة أن “هذه الإشكاليات هي جدليات نظرية صرفة”، وربما لا تحتاج الى تأصيلات فقهية وفكرية عاجلة؛ لأن الحزب لم يبتل بها عملياً، أو بالتعبير الشرعي “ليست محل إبتلاء”، وفي حين حلت مجموعة من الحركات الإسلامية؛ كحزب الله في لبنان من خلال الهيئة الشرعية المرتبطة بالولي الفقيه، ومنظمة بدر في العراق عبر الارتباط المباشر بممثل الولي الفقيه، وحركة الوفاق في البحرين، من خلال إشراف المجلس العلمائي الذي يضم وكلاء المرجعيات الدينية؛ فإن حركات أخرى؛ كحزب الدعوة؛ لا تزال تكتفي بقرارات قياداتها السياسية؛ مع الرجوع الى أحد الفقهاء في الموارد التي تحتاجها أو تعترضها.

 

3- مفصل تأسيس العراق الجديد والمشاركة في الحكم عام 2003:

في هذا المفصل تبنى حزب الدعوة الإسلامية سلوكاً عملياً يستند الى تبني آليات الديمقراطية في العمل السياسي والوصول الى الحكم؛ بعد أن ظل يرفض نظريتها منذ تأسيسه، ويعدّها مبدأً علمانياً يتعارض مع النظرية السياسية في الإسلام، ولكن إزاء هذه الإشكالية طرح حزب الدعوة عدداً من القواعد الشرعية التي تسوغ له الدخول في نظام حكم يستند الى النظرية الديمقراطية؛ كقاعدة “التزاحم”، وقاعدة “دفع الضرر والمفسدة وجلب المصلحة”، وقاعدة “الضرورة” وغيرها، كما أكّد بأن الدخول في عملية سياسية قائمة على الديمقراطية لا يعني قبول حزب الدعوة بفلسفة الدولة الديمقراطية المدنية وأسسها النظرية العلمانية الوضعية، بل إنه يقبل بآليات عمل الديمقراطية دون فلسفتها، وخلال ذلك حصل الحزب؛ كغيره من الجماعات الإسلامية الشيعية العراقية؛ على عدة أذونات شرعية من المرجعيات الدينية لدخول العملية السياسية؛ ولا سيما من السيد علي السيستاني والسيد علي الخامنئي والسيد محمد حسين فضل الله.

 

المثلث الفقهي الميداني

وتوثقت علاقة حزب الدعوة كثيراً في هذه المرحلة بمرجعيتي السيد السيستاني والسيد الخامنئي، وبذلك ظل يوازن بين مثلث فقهي ميداني: الخامنئي وفضل الله والسيستاني، ولكن على المستوى الفكري؛ ظل حزب الدعوة متوقفاً عند حسم رأيه في موضوع المبدأ الفقهي السياسي الذي يتبناه في موضوع الحكم؛ وإن كان تبنيه لولاية الفقيه عام 1981 لا يزال قائماً نظرياً في فكره الفقهي السياسي، ولم يتم إلغاؤه رسمياً.

وشهد هذا المفصل تجاذباً وتشتتاً فكرياً وسياسياً أكبر من المفصل السابق؛ ولاسيما على المستويات التالية:

أ- الموقف النظري والواقعي من المرجعية الروحية؛ والذي يتوزع على ثلاثة محاور: مبدأ ولاية الفقيه ومصداقه السيد علي الخامنئي، وما أطلقوا عليه المرجعية المؤسسة ومصداقها السيد محمد حسين فضل الله، والمرجعية العليا النجفية ومصداقها السيد علي السيستاني.

ب- الدخول في مشروع المعارضة العراقية ذي الصلة بالولايات المتحدة الأميركية، وما يتضمنه من إشكاليات فقهية وفكرية وسياسية.

ت- المشاركة في حكم دولة غير إسلامية، والقبول بمبدأ الديمقراطية في ممارسة السلطة.

ث ـ الخبرة في إدارة الدولة وشبهات الفساد الإداري والمالي.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

حزب الدعوة الإسلامية بين التجديد الإصلاحي والانقلابي (16)

ali almomenبما أن حزب الدعوة لم يجب على الإشكاليات (السابق ذكرها في الحلقة الماضية) إجابات رسمية مؤصلة فقهياً وفكرياً؛ فقد أدى ذلك الى تشتت فكري دون شك، وهذا لا يعني عدم وجود محاولات تأصيلية نشرها بعض قادة الدعوة؛ كالدكتور ابراهيم الجعفري ونوري المالكي والسيد هاشم الموسوي والسيد حسين الشامي وآخرين؛ ولكنها ليست مواقف فكرية رسمية مثبتة في ثقافة “الدعوة”، وربما يعود هذا الخلل الى عدم وجود مراكز دراسات تأصيلية معمقة في حزب الدعوة؛ تأخذ على عاتقها الخوض في هذه المهمة، فضلاً عن انقطاع صدور نشرة “صوت الدعوة” الداخلية في هذه المرحلة؛ والتي من شأنها حل هذه الاشتباكات الفكرية وتثبيت الكلمة الفصل حيالها، ولعل الدراسة الفكرية الأهم حول هذا الموضوع هي دراسة الأمين العام لحزب الدعوة نوري المالكي التي نشرها في مطلع العام 2015 بعنوان: “الحركات الإسلامية وتجربة المشاركة في الحكم”، والتي قارب فيها مجمل الإشكاليات والجدليات التي اعترضت الحزب خلال المفصل الثالث (مفصل تأسيس العراق الجديد والمشاركة في الحكم العام 2003)؛ إذ قارب موضوع  مشاركة الإسلاميين في دولة غير إسلامية، وفي ظل ظروف استثنائية؛ بالطريقة المنهجية نفسها التي استخدمها المفكرون الإسلاميون المصريون واللبنانيون والإيرانيون، وجزأ المالكي الديمقراطية الى فلسفة والى أدوات، ورفض فلسفة الديمقراطية لتعارضها مع فلسفة الإسلام ونظرية “الدعوة”، واستنادها الى فكر علماني ومناخات اجتماعٍ سياسي وثقافي وديني لا علاقة لها بمناخات المسلمين وخصوصياتهم، ولكنه دافع عن الأدوات الديمقراطية؛ باعتبارها أدوات فنية تتناسب والخيارات العقلانية، ويمضيها الإسلام، كما فكك إشكالية مشاركة حزب الدعوة في حكم العراق بعد العام 2003؛ أي في حكم دولة غير إسلامية وفي ظل ظروف الاحتلال، وقدم لذلك مسوغات فكرية وواقعية.

 

غورباتشوف إسلامي

ولكن تبقى هكذا إشكاليات أساسية بحاجة الى دراسات موسعة وجهد فكري جماعي ينتج عنه نظرية كاملة تحسم الجدل الدائر بين الدعاة أنفسهم، أو بين الدعاة وخصومهم النوعيين. ولا يختلف الدعاة حول أهمية حسم هذه الإشكاليات في إطار عملية تجديد نظرية “الدعوة” وفكرها وإعادة بناها ونظمها؛ ولكنهم يختلفون في منهجية التجديد؛ فمنهم من يعتقد بالتجديد الانقلابي الشامل؛ وصولاً الى صيغة سياسية وطنية عصرية، ومنهم من يدعو الى تجديد إصلاحي تدريجي؛ وصولاً الى صيغة إسلامية وطنية؛ تحتفظ بأصالة نظرية الدعوة وتعتمد أدوات عصرية. ويعتقد دعاة التجديد الانقلابي بأن التجديد الإصلاحي التدريجي هو إصلاح ترقيعي وغير مجدٍ، بينما يرى دعاة التجديد الإصلاحي تجربة التجديد الانقلابي خطيرة وذات نتائج تدميرية؛ وستأتي بغورباتشوف إسلامي ينفذ منهجيتي (البيريسترويكا والغلاسنوست)؛ ليكون فيه حزب الدعوة من الماضي. ومقتضى هاتين المنهجيتين إنهاء وجود الموروثات الفكرية التقليدية في “الدعوة”، وعزل الحرس القديم التقليدي، أو تحويلهم الى مستشارين في أحسن الأحوال، وتطبيق سياقات وأنساق تنظيمية جديدة لم يألفها الدعاة. والحقيقة أن في مثل هذه الحالات تبرز الحاجة الى تكامل بين العقل التقليدي والنظرية التقليدية والموروثات الفكرية والتنظيمية والحرس القديم من جهة، والعقل التجديدي المؤسَسي والأدوات التجديدية من جهة أخرى؛ ليكون التجديد منهجياً علمياً؛ لضمان أصالة الدعوة وعصريتها وقوتها واستمرار تأثيرها الاجتماعي والثقافي والسياسي.

 

بدائل فكرية

وفي إطار التوازن بين التمسك بنظرية “الدعوة” وثوابتها الأصلية، وضغوطات الواقع العراقي؛ يمكن البحث عن ثوابت جديدة منسجمة مع الواقع ومقبولة من النظرية؛ لتكون البدائل الفكرية لأسس النظرية السياسية للدعوة؛ ليتحقق مفهوم توطين نظرية “الدعوة”، ومنها مثالاً:

1- الإسلامية الحضارية بجرعاتها المقبولة شرعاً وعرفاً، وكما يفرضها الواقع العراقي؛ بديلاً عن النظرية المتخمة بالايديولوجيا.

2- المذهبية المعتدلة العقدية الفقهية؛ بديلاًعن اللامذهبية أو المذهبية الطقسية.

3- التغييرية الاجتماعية؛ بالمفهوم القرآني؛ بديلاً عن التغيير بمفهومه الحركي.

4- الاصلاحية؛ بديلاً عن الانقلابية؛ في الحكم وشكله وبنيته، والدولة ومؤسساتها.

العصرية؛ بمعنى عصرنة الخطاب الإسلامي وانفتاحه، وتحديث الوسائل والأساليب الحزبية والشكل التنظيمي.

5- الوطنية؛ بمفهومها المقبول شرعاً؛ بديلاً عن العالمية وعن تصدير الشريعة الى العالم.

 

ثورة المشروطة

لم يفرق تراث الحركات الإسلامية؛ ومنها حزب الدعوة ـ ككل التراث السياسي الاسلامي ـ بين مصطلحات الدولة والحكومة والنظام السياسي، وهو الأمر ذاته بالنسبة لمفاهيم الحاكمية والسيادة والشرعية والمشروعية؛ كما درجت عليه الدراسات الحديثة في فروع الفقه السياسي الاسلامي والقانون الدستوري الاسلامي؛ التي افترضت أن الشرعية والحاكمية تعالجان البعد الايديولوجي الفكري الفقهي للدولة الاسلامية؛ بينما تعالج المشروعية والسيادة البعد القانوني الحديث للدولة الاسلامية.

وكان الفقهاء الإيرانيون المعاصرون أول من استخدم هذه المصطلحات ـ ذات الجذور العربية ـ باللغة الفارسية في بحوثهم وكتاباتهم خلال ثورة المشروطة في إيران عام 1906؛ كالشيخ الميرزا النائيني والشيخ عبد الله النوري، وكذلك مراسلات الشيخ الآخوند الخراساني والسيد عبد الله البهبهاني والسيد كاظم اليزدي والسيد محمد الطباطبائي (فقهاء المشروطة والمشروعة)، واختلطت بالمصطلحات القانونية والسياسية الغربية الحديثة التي كان يطرحها المثقفون العلمانيون في ثورة المشروطة، وكان اختلاط المصطلحات والمفاهيم أحد أسباب الملابسات فكرية وسياسية وأعمال عنف شديدة بين دعاة التغريب من جهة، وبين دعاة المشروطة ودعاة المستبدة (وكلاهما ينتمي الى جبهة التأصيل) من جهة أخرى، وعند ترجمة هذه الكتابات الى العربية وقع المترجمون أيضاً في إشكاليات فكرية وقانونية أساسية؛ ولاسيما ما يتعلق بمصطلحات مشروعة ومشروعية وشرعية وحاكمية وحكومة ودولة وغيرها؛ على اعتبار أن استخداماتها العربية ومداليلها القانونية تختلف عنها بالفارسية؛ بالرغم من أن جميع جذور هذه المصطلحات عربية، ثم تعمقت إشكالية المصطلحات بعد دخول ترجمات كتب الشيخ أبو الأعلى المودودي من اللغة الأوردية الى العربية، وتبنتها الحركات الاسلامية المصرية، ونقلها عنهم الإسلاميون الشيعة، ولذلك حديث تخصصي طويل طرحناه في مطلع تسعينيات القرن الماضي خلال ترجمة رسالة الشيخ الميرزا النائيني وبحوث الشيخ عميد زنجاني وغيرهما.

 

نظام الدعوة السياسي

وبالانتقال الى الجانب المنهجي؛ كمدخل لبحث موقف حزب الدعوة من الديمقراطية؛ فان بحث النظام السياسي في فكر “الدعوة” يعتمد على ثلاثة أنواع من المصادر:

1- مصادر فكر حزب الدعوة في موضوع الحكم؛ ومنها نشرة “الأسس” التي كتبها السيد محمد باقر الصدر، وبحوثه التالية المجموعة في كتاب الاسلام يقود الحياة، لاسيما “لمحة فقهية” و”الدولة الاسلامية”، وبحث “شكل الحكم” المنشور في العدد 32 من نشرة “صوت الدعوة” الداخلية، وكراس “شكل الحكم” المعدل سنة 1981، والنظام الداخلي لعام 1982، ومقالات متفرقة موجودة في ثقافة الدعوة ( قسم الفكر السياسي). ومن هذه المصادر يتم استخراج البعد الفكري للدولة في فكر الدعوة.

2- الكتب المنهجية القانونية في مواد النظم السياسية والقانون الدستوري والقانون الدولي؛ لاستخراج التعريفات العلمية لمصطلحات الدولة القانونية وأركانها والسيادة والحكومة الشرعية والحكم والنظام السياسي؛ لتكييف الدولة الفكرية التي يتبناها حزب الدعوة مع الدولة القانونية التي يعترف بها القانون الدولي.

3- مصادر الفقه السياسي الإسلامي والقانون الدستوري الإسلامي كما كتبها الفقهاء القانونيون الإسلاميون؛ أمثال الشيخ عباس علي عميد زنجاني والدكتور محمد هاشمي والدكتور مصطفى محقق داماد؛ بهدف الاستفادة من التكييفات الفقهية والفكرية الإسلامية المعاصرة لموضوع الدولة المقبولة إسلامياً ( فقهياً ) والمشروعة قانونياً.

ومن خلال الموائمة الفكرية الفقهية القانونية؛ يتم تقديم رؤية “الدعوة” في نظام الحكم والدولة، والقواعد الشرعية التي تسمح للدعوة بالمشاركة العلنية الرسمية في نظام غير إسلامي؛ مع الأخذ بالاعتبار حجم ونوع ومجال المشاركة، أي أنها رؤية تعبر عن موقف حزب الدعوة النظري والعملي؛ على وفق ما يتطلبه واقع الدولة العراقية في مرحلة ما بعد عام 2003، ليكون التكييف الفكري مرتكزاً الى دولة قائمة؛ بكل ملابساتها الفكرية والشرعية؛ وهو تكييف يوفق ويوائم بين الدولة الفكرية التي يؤمن بها حزب الدعوة وتأسس بهدف إقامتها، والدولة العراقية التشاركية القائمة من جهة اخرى، والدولة القانونية كما يعترف بها القانون الدولي والقانون الدستوري من جهة ثالثة.

 

بحوث ودراسات

والدراسات الناجحة التي يعول عليها علمياً في موضوع مشروعية الدولة القانونية وشرعيتها الاسلامية، هي التي تستخرج مصدر الشرعية الأرضية للدولة ومصدر شرعية الحكومة؛ سواء كان إذن الفقيه أو العقد الاجتماعي أو رأي أغلبية الأمة، أو الثلاثة معاً. أما البحوث الفقهية المحضة أو التنظيرات العامة (اللازمكانية) في مجال النظرية السياسية الاسلامية والنظام السياسي الاسلامي والدولة الاسلامية ونظام الحكم؛ والتي يفيض بها التراث الفقهي والفكري والفلسفي الإسلامي، فلم تعد هناك حاجة اليها؛ لأنها تتحدث عن الدولة كمفهوم ذهني مجرد؛ لا زمان لها ولا مكان؛ خارج الواقع الجغرافي والتاريخي، وغير محكومة بقواعد القانون الدولي والقانون الدستوري وحقائق الجغرافيا.

وعلى صعيد بنية الدولة؛ فإن رؤية حزب الدعوة الأصلية اليها هي رؤية ايديولوجية؛ فهو يدعو الى الدولة الفكرية؛ أي الدولة المتشكلة على أساس عقائدي فكري، وليس على أساس قانوني وضعي، ويقصد بها الدولة الإسلامية التي تعمل على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بكل تفاصيلها وفي كل مجالات الحياة، وكذلك الأمر بالنسبة للأمة؛ فهو يؤمن بالأمة المتشكلة فكرياً وعقائدياً، وليس الأمة المتشكلة قومياً أو سياسياً.

 

التأصيل الأساس والمرحلي

وتفرض هذه الحقائق على حزب الدعوة نوعين من التأصيل للدولة أو النظام السياسي الذي يتبناه:

النوع الأول: التأصيل الأساس؛ الذي يتطابق مع نظرية “الدعوة” وفلسفة وجودها، بمعنى أن يكون هذا النظام اسلامياً خالصاً؛ بكل أبعاده العقائدية والفقهية الشرعية التي حددتها أدبيات حزب الدعوة وأسسها، وليس نظاماً توليفياً، ويكون هذا التأصيل خاصاً بالدولة التي يهدف حزب الدعوة الى تأسيسها في زمان ما ومكان ما، ورغم مثالية هذا الهدف؛ ولكنه يرمز الى التصاق حزب الدعوة بركائزه الدعوية السياسية الأصلية. وهذا اللون من التأصيل أنتجه الإمام الخميني؛ إذ عمل في نظريته “الحكومة الإسلامية” على نسف كل أنواع الأنظمة الوضعية؛ واستبدلها بدولة الولي الفقيه، وهي صيغة مختلفة من الناحية الدستورية عن كل النظم السياسية المعروفة.

النوع الثاني: التأصيل المرحلي؛ الذي يراعي حقائق الزمان والمكان ومتطلباتهما، وفيه يتنزل حزب الدعوة الى القبول بأنساق وضعية وآليات أرضية من نتاجات مشاريع حضارية أخرى؛ كالديمقراطية والليبرالية والمدنية مثلاً، مع الأخذ بالاعتبار أن لا يمثل هذا القبول قراراً سياسياً تتخذه القيادة؛ بل خيار فكري قائم على دراسات وبحوث منهجية. وهذا اللون أنتجه الشيخ الميرزا النائيني خلال “ثورة المشروطة” في إيران؛ إذ عمل في رسالته “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” على التوليف بين ثلاث ركائز:

1- الدولة الوطنية الملكية ( موروث الأمة الإيرانية)

2- النظام التعددي الانتخابي على وفق القانون العصري ( آليات الديمقراطية)

3- سياقات التشريع المقبولة فقهياً (إشراف الفقهاء الدينيين على التشريعات)

ومن خلال هذه النظرية حقق الميرزا النائيني هدفي المشروطة والمشروعة في آن واحد، وهو ما يحتاجه حزب الدعوة تحديداً في عراق ما بعد العام 2003.

(يتبع)...

  

بقلم: د. علي المؤمن

 

الاقتصاد الداروني واشكالية التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة

hatam hamidmohsinهذا الكتاب يسعى لتطبيق نظرية التطور على الاقتصاد، مجادلاً بان الاستهلاك يمكنه كالتطور،ان يسير منفلتا بلا قيود للاضرار بالمجتمع بالاضافة للافراد.

عند النظر الى الانهيار الاقتصادي الاخير، سندرك دون ريب  بان المنافسة الاقتصادية السيئة التنظيم او الغير منظمة يمكنها ان تخرج عن السيطرة  كي تضر بالمجتمع والافراد معا. لكن هذه المحصلة لا تثير الدهشة لدى اولئك الواعين لأفكار دارون حول المنافسة في العالم الطبيعي – تلك الافكار المنجذبة بذلك النمو المفرط في ذيل الطاووس او بذلك الحجم الكبير لقرون الايل.

هذا هو الجدال الرئيسي للكاتب روبرت فرانك في نيويورك تايمز في كتابه الاخير (الاقتصاد الداروني:الحرية، المنافسة والخير العام)  وهو الكتاب الذي يجادل بقوة ضد التحررية. المؤلف يعلن على نحو جازم بانه بعد مائة سنة من الآن ،سيتم الاعتراف بشارلس دارون كأكبر مفكر مساهم في نظرية الاقتصاد الحديث، ليحل محل آدم سمث كمفكر مؤسس للاقتصاد. يكتب فرانك

"انا اضع تنبؤاتي على ضوء تمييز متقن وشديد الاهمية بين رؤية دارون حول العملية التنافسية ورؤية سمث. اليوم يتم تذكر سمث جيدا حول نظريته في اليد اللامنظورة، والتي طبقا لبعض اتباعه الحديثين، ترى ان قوى السوق اللاشخصية توجّه السلوك الجشع للافراد لانتاج اعظم الخير للجميع. من الملائم القول ان التصوير المتفائل لنظرية اليد اللامنظورة لنتائج السوق غير المنظم اصبح الحجر الاساس للرؤية العالمية للنشطاء المضادين للحكومة. هم يعتقدون ان التنظيم غير ضروري لأنهم يرون ان قوى السوق السائبة يمكنها الاعتناء في الاشياء بعمق وفق تضاد  مع المصالح الواسعة لنوعهم الخاص  . يتنبأ الكاتب بانه في وقت ما سيُنظر الى اليد اللامرئية كحالة خاصة لنظرية دارونية اكثر عمومية. العديد من العقائد الجيدة للتحرريين والتي هي جديرة بالتصديق التام ضمن اطار سمث،لا تبقى حية ابدا مع الدارونية .

يتألف الكتاب من 12 فصلا مع ملاحظات وفهرس:

1- الشللية

2- وتد دارون

3- لا نقود على الطاولة

4- تجويع البهيمة.. ولكن اي بهيمة؟

5- وضع استهلاك اللحوم ضمن النظام الغذائي

6- الجناة والضحايا

7- قواعد الفاعلية

8- "انها نقودك.."

9- النجاح والحظ

10- الصفقة الكبرى؟

11- فرض الضرائب على النشاطات المؤذية

12- اعادة النظر في معارضة التحرريين.

في هذا الكتاب، يجادل فرانك بان فكرة اليد اللامنظورة لسمث هي في الحقيقة حالة خاصة ضمن القاعدة العامة للمنافسة المرتكزة على ملاحظة دارون بان "بقاء الاصلح" للافراد ليس دائما هو الافضل للجماعة. هذا قاد بالنتيجة الى "سباق تسلح" حيث ان السلوك الذي يوفر مكاسب قصيرة الاجل لأفراد معينين يقود الى ضرر هائل للجماعة. فمثلا، ذكر الطاووس ذو الذيل الملون والكبير او القرون الكبيرة للايل تجذب معظم الاناث وهكذا ،تنجب معظم الذرية، التي تحوز على سمات الذيل الملون الكبير او القرون الطويلة. ولكن حتى عندما تكون هذه السمات مفيدة لذكر الطاووس والغزال بنقل جيناتهما الى الجيل القادم، فانها ستكون ضارة بالجماعة لأنها تجعل هذه الحيوانات اكثر حساسية امام الحيوانات المفترسة. هذه الملاحظات تتصل بالمفهوم الاقتصادي الذي يعرف بـ "positional good " او السلع ذات القيمة الخاصة للفرد وحيث الشيء او السمة تُقيّم فقط من جانب مالكها لأنها ليست ملكا للآخرين.

ان الانهيار المالي لعام 2008 يعود جزئيا لجشع القطاع المالي الذي استغل متوسط مناورات العائلة الامريكية في سعيها لشراء بيوت كبيرة في مناطق سكنية متميزة بسبب المزايا التعليمية والاجتماعية التي ينالها اطفالهم. وبنفس طريقة ذكر الطاووس المتبختر بذيله المزخرف فان هذه البيوت فيها العديد من المساوئ، مثل الحجم الكبير الذي يحتاج الى استهلاك طاقة كبيرة  والمزيد من قروض الاسكان، التي تنقل المصادر المحدودة لمالكي البيوت بعيدا عن الاستثمار الحكيم في طرق اكثر عملية.

هذه الحجج توضح ايضا "المآساة التاريخية للعام"كمثال على استحواذ المالك على جميع السوق، حيث يتمتع المجتمع بفوائد السعر المنخفض للسلع والخدمات ولكن بالتزامن مع مساوئ الاعتماد على استعباد العمال وافتقار البيئة الآمنة والمستويات الصحية اللائقة. في هذه الاثناء ،الشركات الفردية التي استثمرت في المصالح البعيدة المدى لعمالها عبر تحسين اجورهم وظروف العمل خسرت اعمالها للمنافسين الذين انتجوا سلعا اقل سعرا عبر تجنب هذه النفقات غير الضرورية. التحسين السوسيواقتصادي قد حدث فقط عندما وضعت الحكومات قيودا على حرية الشركات كي تعمل طبقا لنفس القواعد . العمال استلموا مزيدا من النقود وعانوا من القليل من الاصابات. زيادة اجور العمال وتحسين الصحة سمح لهم بشراء المزيد من السلع والخدمات والتي بدورها زادت ارباح الشركات.

المؤلف يجادل بطريقة مقنعة بان العودة الى اقتصاديات عدم التدخل الحكومي سوف لن يحل تعاسة الاقتصاد. على طول الكتاب ،يُظهر الكاتب مرارا بان الاقتصاد غير المنظم يعظّم فوائد الفرد في الاجل القصير بينما هو ضار للمصالح البعيدة المدى ولمصالح الجماعة.

ولكن كيف تتم معالجة التباين بين مصالح الفرد والجماعة؟ الكاتب يرى ان احسن حل هو عبر فرض ضرائب على السلوك المؤذي للجماعة وللمصالح البعيدة المدى. هذه الضرائب يجب ان يعاد استثمارها لاحقا في الجالية.  وستكون لها  فوائد اضافية بتقليل ديون الحكومة  وتوفير خدمات عامة افضل بدون الحاجة الى تضحيات مؤذية لأي شخص. بعض الناس يحتج بان هذه الضرائب على السلع الضارة هي هندسة اجتماعية كما لو انها  شيء سيء. هذه المعارضة تقليديا تتجاهل حقيقة ان كل قانون وقاعدة يشكل هندسة اجتماعية، وكما يلاحظ المؤلف "البديل الوحيد للهندسة الاجتماعية هو الفوضى التامة". الضرائب هي طريقة ارخص واقل اذى  للحد من السلوك المؤذي قياسا بالقوانين او التعليمات العلاجية".

هذا الكتاب المبدع هو بالتأكيد سيحفز على التفكير بالاقتصاد بطريقة مختلفة عما كان سائدا من قبل،سواء وافقنا ام لم نوافق مع استنتاجات الكاتب . طلاب الاقتصاد ونظرية التطور سيستفيدون كثيرا من التفكير بالحجج المعروضة في هذا الكتاب.

 

حاتم حميد محسن

........................

كتاب الاقتصاد الداروني: الحرية،المنافسة، والصالح العام للكاتب Robert H. Frank صدر عن جامعة برينستون عام 2011.    

 

تعليقات على ما ورد في كتاب جاسم الحلوائي: موضوعات سياسية وفكرية معاصرة (2)

تحت عنوان (أثوره كانت ام انقلابا عسكريا؟) الوارد في صفحة 57 وما يليها من كتاب جاسم الحلواىي المعنون (موضوعات سياسية وفكرية معاصرة)، يلاحظ القارئ الكريم ان النص ادناه هو كامل ما ورد في الصفحة 57 الى نهاية المقطع الأول في صفحة 58 – ولم نغير أي شيء سوى وضع علامات (أ . ب . ج . د . هـ . و) الى المقاطع في سياق الفصل لتسهيل العودة لها :- أ – (ان الخلاف حول تسمية ما حصل في يوم 14 تموز 1958 في العراق ليس امرا شكليا، بل هو نابع من الخلاف حول طبيعة الحدث) .

ب – (فهذا الحدث اجرى تغييرا جذريا في النظام وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك تغير طبيعة علاقات الطبقات الاجتماعية. فقد قرر هذا الحدث مصائر بعض الطبقات ومستقبلها، بحيث صار بعضها جزءا من تراث الماضي) .

ج – (وكان ذلك لصالح نمو وتطور طبقات وفئات أخرى. ولهذا أنصاره وخصومه) .

أ – مكرر – ان عدم اطلاق صفة الثورة على ما حصل يوم 14 تموز 1958، من شأنه ان ينتزع عنها مشروعيتها التاريخية، وهذا ما يسعى اليه خصومها وفلولهم، ولكن والحق يقال ليس الخصوم وحدهم من يعترض على تسميتها ثورة، بل ان هنالك وسطا غيرهم ومن ابناءها الذين ساندوها وضحوا من اجل تحقيق أهدافها، يشاركهم هذا الرأي .

د – والسبب في ذلك يعود الى شكل الحدث الذي اخذ شكل انقلاب عسكري، وتحول الى ثورة شعبية في لحظة تاريخية واحدة، ومنذ اليوم الأول لوقوع الحدث، اثار ولا يزال يثير جدلا حول طبيعته، ومما زاد من هذا الجدل وعمقه هي مسيرة الثورة المتذبذبة ونهايتها .

هـ - فهناك من لا يكتفي بتحميلها مسؤولية الحكم العسكري الفردي الذي انتهى بانقلاب شباط الفاشي في عام 1963 فحسب، بل ويحملها ظلما كل ما اعقبها من انقلابات وأنظمة دكتاتورية، وما رافقها ونتج عنها من عنف وحروب وكوارث مختلفة حتى يومنا هذا .

و – ان الخلاف الرئيسي حول تسمية الحدث، او بعبارة ادق تحديد طبيعته ينحصر في مفهومين هما (الثورة) و(الانقلاب العسكري) وهذا الخلاف ليس شكليا، وكما اسلفنا، وانما جوهريا، فالثورات عبر مراحل التاريخ البشري لعبت دورا في تغيير مجرى التاريخ وتقدمه وهي تكتسب مشروعيتها من ضروريتها التاريخية، خلافا للانقلاب العسكري الذي لا مشروعية له، فما هي الثورة وما هو الانقلاب العسكري؟؟ هذا هو نص ما ورد في صفحة 57 بالكامل والجزء الأول من صفحة 58، ثم ناتي على بقية المقال – كل ما يرد بين قوسين لاحقا هو من الآراء الواردة في المقال أعلاه .

لقد ورد في – أ – أعلاه (ما حصل في يوم 14 تموز 1958 في العراق ليس امرا شكليا) ثم في - أ - مكرر – (ان عدم اطلاق صفة الثورة على ما حصل يوم 14 تموز 1958، من شأنه ان ينتزع عنها مشروعيتها التاريخية)

- يلاحظ ان الحلوائي استخدم في الحالة الثانية مذهب الجبر، حتى يفرض ما حدث في يوم 14 تموز 1958 (ثورة)، واستخدم أيضا القسر مثل (ان عدم اطلاق صفة الثورة) وهذا يمتد الى كل من لم يطلق عليها صفة الثورة – وصنفهم في خانة (الخصوم وفلولهم) الجبري من يتبع مذهب الجبر وليس الجدل، والجدل هو تحليل الحقائق التاريخية الملموسة – فهل تخلى الحلوائي عن الجدلية – الماركسية واصبح جبريا؟ نعود الى الفقرة - أ - مكرر – (من شأنه ان ينتزع عنها مشروعيتها التاريخية)، الحلوائي لم يوضح لنا (المشروعية التاريخية) او يشرحها بالتفصيل، وما هي ماهيتها؟ وعمقها التاريخي؟ هل هي تتطابق مع التاريخ او تتنافر معه " مع التاريخ "؟ ما هو وجه التطابق او النفور؟ مثلا (التطابق والنفور) بين 14 تموز 1958 (الحدث، الثورة) وبين الثورة الامريكية او الثورة الفرنسية 1789 او ثورة أكتوبر 1917 الروسية التي اقامت الاتحاد السوفيتي السابق وروسيا الحالية، او الثورة الصينية 1949 التي اقامت جمهورية الصين الحالية، وان كان هناك اختلاف بينها وبين هذه الثورات فما هو وجه الخلاف؟ وهل تحقق للعراق يوم 14 تموز 1958 ما حققته الثورات المذكورة لبلدانها؟ خلاصة القول ان الحلوائي يلخص لنا (المشروعية التاريخية) بتفسيره الوراد في - و - من موضوعاته وكالاتي :- (فالثورات عبر مراحل التاريخ البشري لعبت دورا في تغيير مجرى التاريخ وتقدمه، وهي تكتسب مشروعيتها من ضروريتها التاريخية) .

فهل لاحد من القراء ان يقتنع بهذا التفسير؟ الم يفسر الحلوائي بعد اللف والدوران - التاريخ بعد الجهد بالتاريخ - على نمط وفسر الماء بعد الجهد بالماء - .

نعود الى - أ - مكرر - (من شأنه ان ينتزع عنها مشروعيتها التاريخية، وهذا ما يسعى اليه خصومها وفلولهم)، لنرجع الى - ب - (فقد قرر هذا الحدث مصائر بعض الطبقات ومستقبلها، بحيث صار بعضها جزءا من تراث الماضي) ثم في - ج - (وكان ذلك لصالح نمو وتطور طبقات وفئات أخرى) ننبه القارى الكريم ان الحلوائي كتب هذا الموضوع عام 2014 واحداث 14 تموز في 1958 بمضي المدة الزمنية 56 عاما فمن أي مقبرة جاء الحلوائي (بالخصوم وفلولهم) بعد ان جعلهم (بحيث صار بعضها جزءا من تراث الماضي) ثم جاءت طبقات وفئات جديدة كما جاء في - ج - أعلاه، اليس هذا منطق متناقض في كلام الحلوائي ليحيي الأموات ويخرجهم من مقابرهم ليجعل منهم (خصوم وفلولهم) لنعود الى - أ - مكرر - ونرى (ولكن والحق يقال ليس الخصوم وحدهم من يعترض على تسميتها ثورة، بل ان هنالك وسطا غيرهم ومن ابناءها الذين ساندوها وضحوا من اجل تحقيق أهدافها، يشاركهم هذا الرأي)

- ليلاحظ القارئ الكريم ان الحلوائي حشر (الخصوم مع الأبناء) في سلة واحدة - وهم يشاركونهم هذا الراي .

فقط للتذكير، من رفع شعار (كفاح - تضامن - كفاح)؟ أليست قيادة الحزب الشيوعي العراقي آنذاك - أي من ابناءها وانت احد كوادر هذا الحزب ومسؤول لواء - محافظة حاليا - في أي سلة تضع الحزب الشيوعي الذي رفع هذا الشعار؟ سيقول الحلوائي ضد الدكتاتورية العسكرية، في وقت لاحق او يسكت ولا يجيب .

ولكن انت يا حلوائي لم تذكر - الدكتاتورية العسكرية في كل مقالك كصفة للنظام الذي حل بعد 14 تموز 1958 .

لكن الحزب الشيوعي العراقي شخصها كالاتي :- كل ما يرد ادناه قامت بنقله السيدة ثمينة ناجي يوسف في كتابها سلام عادل - الجزء الثاني - 2 -  صفحة 107 :- وهي تعلم (جماهير كردستان) جيدا بان حقوقها القومية هي جزء من الحقوق الديمقراطية المهضومة للشعب العراقي بأجمعه، ولا يمكن تحقيقها دون كفاح مشترك وثيق ضد الاستعمار وضد الاقطاع وضد السياسة الدكتاتورية التي تفرض الان على البلاد، وهي تعلم كذلك بان الازمة الراهنة في كردستان هي جزء من الازمة السياسية والاقتصادية العامة للبلاد .

- فاين التغيير الجذري الذي اجراه الحدث وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية - كما في - ب - من مقالتك العتيدة؟ هل الحزب كان على صواب عام 1962 ام انت عام 2014؟

 

خالد حسين سلطان - بغداد 

 

مقدمة للمنجز "ومضات الكتاب" الظلال للمؤلف حسن فياض

مقدمة: لانَنْفي إطلاقا أن الأدب بكل أنواعه وتنوعاته وليد ُعصره، تتحكم فيه الظروف الزمانية والمكانية قبل كل شيء انطلاقا مما هو موجود وسائد، وكلما تغير العصر، إلا وكان التجديد في الأدب على أنقاض سلبيات القديم محتفظا بخيط إيجابي رفيع تمتد ذؤابته لتعلق بأغصان الجديد فتنمو وتكبرلتعطي أدبا ناضجا، وهكذا يتطور الأدب نحو الأرقى، بتأسيس أشياء حديثة وجديدة تتجاوز المألوف، بشكل مدهش وغيرعادٍ، بقفزة نوعية على ماسبق، فتبقى خالدة، تساير التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعيشة، لأن الأديب لايكتب من فراغ، بل من تجارب لملمها من حوزة الآخرين، أو المحيط المعيش، أو موروثات ثقافية تسربت إليه عبر الأجداد، فينطلق من النهايات ليخلق بدايات، بتشكيل منتَج جديد مشحون بجوانب فنية من نوع آخر، تنفخ في صوره طاقات جديدة تُحدث تغييرا على المستويين معا :شكلا ومضمونا، ودون شك الأشياء الجديدة تَخلُق جدلا قويا بين رافضيها و مؤيديها .. والقصة القصيرة جدا أو الومضة، أتت بها سيرورة تاريخية مثل سائر الأشكال الفنية والأدبية الأخرى، تحكّمت فيها متطلبات العصر بكل تغيراته وأنماطه.

 

1) تعريف الومضة أو القصة القصيرة جدا

ماهي القصة القصيرة جدا أو الومضة على حد قول بعض النقاد الذين حبذوا هذا المصطلح ؟؟؟ولمَ سميت الومضة ؟؟ وماهو تعريفها ؟؟...

لقد أطلق النقاد عدة أسماء على هذا الجنس الجني الأزرق، الذي نبت من الأرداف دون إذن من أحد، وأمطروه بعدة ألقاب وعدة مصطلحات، لكن لاأحد منها استقر بشكل رسمي متداول ...سموها: لسعة نحلة / قبصة ملح /وخزة إبرة /قضمة /لطمة /حفنة ألفاظ /شذرة /نتفة شعرية /قصة لحظة /ومضة برق/حبة عدس ..إلى آخره..

 وإلى حدود كتابة هذه السطور لم يوضع للومضة تعريفٌ مقنع يُقتَدى به، أو يُتّخذ نموذجا معروفا بشكل ملموس وواضح، لأنها تتميز بعدة خصوصيات، تجعلها في كل تعريف تنفلت من بين الأصابيع، تارة ينعتونها بشذرة سقطت سهوا من قصيدة النثر، وأخرى يرونها وليدةَ الأمثال الشعبية أو الحِكم بشكل متطور مناسب للعصر،  ...غير أنه مهما كانت الأحوال، ومهما كانت الصعوبات، فلابد أن نجد مخرجا لنضع تعريفا للومضة ولو بشكل تقريبي، انطلاقا من خصوصياتها وبعض العناصر التي تتميز بها وتساهم في بنائها : يمكن القول أن القصة القصيرة جدا أو الومضة، هي جنس من الأجناس الأدبية، تعتمد التكثيف بجمل قصيرة جدا، تتركب من ألفاظ قليلة خالية من الزوائد والحشو والوصف، مفخخة بالإيحاء والتلميح والترميز والمجاز، بكل ماتعنيه الكلمة من استعارات تتركب في صور شعرية،  لتعمق المعنى وتوسع الدلالة، فتشكل لوحة لها بعد دلالي عميق، تنتهي أخيرا بقفلة صادمة مدهشة ..

لو اختلف النقاد في التسمية أو التعريف فالومضة جنس أدبي فرض نفسه ليس من فراغ، بل أتت به سيرورة تاريخية، تدحرجت عبر موجاته ليصل إلينا في نضجه الكلي، وإن قوبل بالرفض من قبل البعض بالسخرية والتهكم، والمقارنات مع القصص العادية، التي تعتمد اللغة التقريرية المباشرة في بناء هرمي، ينطلق من المقدمة منحدرا في شلال وصفي للأحداث المتلاحقة، وقوفا عند حل العقدة، حيت يستوعب القارئ نفس المعنى لدى القراء الآخرين وينتهي الأمر.

 

2) ومضات الكتاب من منظوري الخاص

الكتاب الذي بين يدي، يتضمن ومضات متنوعة، بمواقف متعددة وتيمات متنوعة، لها أبعاد سياسية وثقافية واجتماعية، وحتى الإبداعية، لكن ليست باللغة المعروفة المتداولة بشكلها المألوف، ولا بطريقة وصفية مطنبة مكتنزة بالشروحات، زاخرة بتفسيرات تبعث على الملل، وإنما بحبكة قوية، وتكثيف شديد، يلاعب اللغة ويراقصها في مراوغة عجيبة، لتنمو وتتجدد داخل الفن القصصي، فتنطق بأشياء ليست أحيانا على بال المؤلف، وقد يلتقطها القارئ بعمقه الفكري وجرابه المعرفي الممتلئ، ومهارته في الغوص بين تموجاتها الصاخبة، وهو يذرع عبابها ليصل إلى المحار حيث الدّرر، وحين يقترب من شطها يصطدم بقفلة مدهشة ...ولنأخذ على سبيل المثال قصة (الأديب) (عرّى بنات أفكاره، تحرش بهن النقاد).

لاحظوا معي هذه القصة الجميلة التي سأبحر قد المستطاع في نهرها العميق بغض النظر عن العنوان ...

عرى بنات أفكاره : الأفكار هي إشراقات، لملم الكاتب شتاتَها من المجتمع بكل أوضاعه المأساوية والموجعة، والسارة، من خلال نظرة تأملية عميقة لما يجري ..قد تكون أفكارا عن معتقدات دينية لبعض الطوائف المذهبية، أو التيارات المنغلقة أو المنفتحة ..أوأفكارا سياسية يمينية متطرفة تحابي السلطة، وتخدم آراءها وتدعم توجهاتها، وتصفق لسياستها ...أو أفكارا يسارية متحررة لها بعد إنساني واسع، تناشد العدالة في المواقف والآراء المختلفة، والحرية في التعبير والمساواة في إبداء الرأي بكل ديمقراطية ودون تمييز، وقد تكون أفكارا فلسفية بنزعة إنسانية متجذرة في الطبيعة، للبحث في مكونات الوجود، وعناصره، والقدرة القادرة على ضبط أشيائه ، والكشف عن المنطق الذي يحركها، والتفحص بعين ثاقبة في جوهرها للبحث عن الحقيقة، باعتبار الوجود بكل أسراره وإبهامه نقطة هامة للتأمل والتفكير فيه بعمق، أو أفكارا حرة لاتقبع تحت توجه سلطوي أو سياسي أو ديني، بل لها نزاهتها وموضوعيتها في رؤية الأشياء على حقيقتها دون إملاء أو مهادنة، أو محاباة ؛تواجه المعارك ببسالة نقدية صارمة ، وصراع مرير لمواجهة الأوضاع المختربة، والقيادات المهيمنة، والسياسات غير الصحيحة والخطاطات الفاشلة ...

وهذه الأفكارتشرق في خلد المؤلف حسن الفياض، تتراكم في مسودة ذهنه، تكلمه في صمت، ويحاورها في ظلام العيون المطبقة، داخل زوايا مظلمة يحجبها الكتمان، تختلج في الوجدان، وتعتمل في الذهن، تحركها نبضات القلب في الخفاء، فتجري جريان الدم في العروق ...وقد رفع عنها الكاتب الحجاب والأستار، وأنزلها على الورق لتصبح عارية مكشوفة للجميع، ليقتحم بها حلبة الصراع بين مايحلم به ويتمنى تجسيده على الواقع، والحائل المنتصب ضد تحقيق ذلك، من ظروف غير مواتية، والإمكانات الغائبة، والآليات الحصرية، فيحاول تحقيق حلمه في الإبداع باجتراح تركيبات مناسبة، وصياغات تحتضن توثباته الثقافية لترميم النفس وإسكات خلجاتها ...وهنا تتجمع على حدائقها جحافل النقاد ليقلبوا ترتبتها، وينبشون عن دررها المتخفية، أي قراءة مابين السطور: قراءة تركيبية باطنية /تحليلية/تشريحية، تقوم على تشَرْذُم النص، وتفكيك شبكة العلاقات المعقدة بين مكوناته، من تيمات وحمولات اللغة، والجانب الفني بمختلف عناصره، والأدوات التي اشتغل عليها الكاتب .. وهذا النوع من القراءات يُعَد إبداعا ثانيا من منظور القارئ، عبر تأويل حازم له قواعده وأسسه، لكن دون تجاوز حدود مقصد الكاتب كي تكون قراءة موضوعية بانية وليست فوضوية عبثية ...لن أطيل فهذا باختصار شديد محاولة توسيع رقعة ومضة (الأديب) بالشروحات والتفسيرات المقصودة، وكيف اختزلت في ألفاظ قليلة، لتفسح المجال لشساعة المعنى، وتوسيع الدلالة، ومن وجهة أخرى لتعطي للقارئ إمكانية قراءتها من زاويته الخاصة، ومنهجه المعتمد، وطريقته التفكيكية وطقوسه المألوفة التي تساعده على فك تشفيرها ...

 

الخاتمة:

لن أتحاشى الصواب إن خرجت بنتيجة سارة جدا، حول هذا المنجز الرائع (ومضة الكتاب) للمؤلف حسن الفياض، وقلتُ بكل موضوعية ونزاهة أن ومضاته في صغر حجمها تختزل العالم برُمّته بشكل رفيع جدا، تنطلق كالنيازك تشع بضوئها الفوسفوري إلى صميم القلب، فتترك حَرّ وخزة مربكة لعدة اعتبارات :

ــ أولا بلغتها الرشيقة التي هي بخفة الفراشة وثقل المعني ..

ــ ثانيا عمق الدلالة

ــ ثالثا أسلوب مجبول بالاستعارات والانزياحات والإيحاءات والترميز..

ــ رابعا التكثيف

ــ خامسا تخاطب في القارئ حدوسه وفكره، وقدراته ..وبالتالي إعطاؤه إمكانية ليصبح بقراءته مبدعا ثانيا ..

ــ سادسا القفلة المدهشة الصادمة التي تترك أثرها على لسان الوجدان ...

ــ سابعا نصوص زئبقية برخاوة السمكة، لايمكن القبض عليها إلا بعد جهد جهيد ..ولن يستطيع أي كان القفز على أسوارها، إن لم يكن محترفا، ومسلحا بأجنحة معرفية لها مهارتها في التحليق ..

أخيرا أحيي أخي حسن فياض على ثقته الكبيرة في في شخص مالكة عسال وتسليمي نصوصه لقراءتها ...مودتي وتقديري

 

من علم المنطق إلى المنطـق التخييلي

jamil hamdaouiهذا الكتاب الذي بين أيديكم عبارة عن دراسة نظرية وتطبيقية، غرضها هو التعريف بالمنطق، سواء أكان منطقا صوريا تقليديا أم منطقا رمزيا، مع التوقف عند أربعة مفاهيم إجرائية أساسية، يمكن الاستعانة بها في تحليل النصوص والخطابات الأدبية والنقدية، وهذه المفاهيم الأساسية هي:  المنطق الصوري والرمزي (La logique formelle et logistique)، ومنطق الجهات أو منطق القضايا الموجهة (Logique des modalités)، والمربع المنطقي (Le carré logique)، ومنطق العوالم الممكنة (Les mondes possibles).

وقد كان النقد الأدبي العربي، لأمد طويل، بمعزل عن المنطق ودراساته ونظرياته وقواعده ومفاهيمه.بمعنى أنه لم ينفتح على الحقل المنطقي للاستفادة من أدواته النظرية لتطبيقها على النصوص والخطابات  الإبداعية، بل اقتصر على المقاربات المرجعية والفنية والجمالية واللسانية والسيميائية، ولم يستفد من المنطق وتصوراته الإجرائية.

أما النقد الغربي، فقد استفاد كثيرا من المقاربة المنطقية، كما هو حال السيميائيات التي ركزت كثيرا على المربع المنطقي في تحليل النصوص تفكيكا وتركيبا، وقد ربطته بالبنية العميقة على أساس أنه هو المسؤول عن توليد الدلالات السطحية والظاهرة. كما استفادت اللسانيات التوليدية التحويلية لنوام شومسكي (N.Chomsky) من المقاربة المنطقية في وصف الجمل وتفسيرها تحويلا وتوليدا. علاوة على المقاربات البلاغية والحجاجية التي استثمرت مبادىء المقاربة المنطقية على المستويين: النظري والتطبيقي.

وعليه، يطرح كتابنا النقدي هذا المقاربة المنطقية أداة إجرائية لقراءة النصوص وتحليلها وتأويلها ، باستكشاف مختلف الجهات المنطقية والزمانية والاعتقادية والأخلاقية والقضوية.ثم، دراسة المربع المنطقي أو التقابلي أو السيميائي لمعرفة بنياته ومكوناته ومنطق دلالاته. ثم، دراسة منطق العوالم الممكنة في علاقة بالمرجع الواقعي.

هذا، و يتخذ الكتاب طابعا تعليميا وبيداغوجيا تارة، وطابعا علميا فيه اجتهادات وآراء ومحاولات شخصية تارة أخرى. ومن ثم، يمكن أن يكون الكتاب مرجعا علميا مفيدا للباحثين في مجال النقد الأدبي المعاصر في الجامعات العربية بصفة عامة، والجامعات المغربية بصفة خاصة.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة، داعيا لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير أو ادعاء أو نسيان أو خطإ أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

من علم المنطق إلى المنطـق التخييلي / د. جميل حمداوي

 

 

إصدار جديد للدكتور محمد الحافظ الروسي "في البلاغة والتصوف"

906-alhafedضمن منشورات دار الأمان بالرباط صدر أخيرا للدكتور محمد الحافظ الروسي كتابٌ جديد بعنوان "في البلاغة والتصوف".

يتضمن هذا الكتاب الواقع في 121 صفحة من القطع الكبير مجموعةً من الأبحاث والدراسات المرتبطة بمجالي التصوف والبلاغة، من بينها: أجناس الكلام في مخاطبة الموتى والخبر عنهم، وفصاحة عثمان بن عفان ورفع إشكالات متعلقة بها، ومفهوم المعاني العُقْم عند الجاحظ وأثره في البلاغة العربية، وتحقيق مسألة "فأقبل بهما وأدبر" من حديث الوضوء، وشرحُ أول أبيات قصيدة "الدعاء الناصري"، وعلى هامش كتاب "فيوض" للدكتور حسن الوراكلي...

906-alhafedوقد قدَّم لهذا الكتاب الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بودرع بكلمة عنوانها "الخِطابُ البلاغيُّ في بَلاغَة الخِطاب"  نقرأ منها: " هذا فنٌّ لطيفٌ من فُنون التأليف في بلاغة القول، وبابٌ من أبوابِ العلم في رصد وُجوه الحكمة في بناء ما بُني على نَمط من العلم مخصوص، جَمَعَ مباحثَ في تأمل خصائص الكَلام المُنْتَقى وما يُميزه عن غيره في النَّظم والنحو والأسلوبِ والمعْنى، مما لو تأملتَه لوجدْتَ أنّ التأليفَ في خصائص بلاغة الكلام مقدمةٌ لا يَستغني عنها قارئُ الكلام البليغ ومُلتمِسُ فوائِده.

فقد جَمَعَ الكتابُ بين مَزيتين كُبرَييْن من مزايا التأليف في بلاغة الخطاب، أولاهما أنه نَظَرَ في نصوص بليغةٍ ذاتِ قيمةٍ قوليّةٍ وإنجازيّة عاليةٍ، والثانية أنه لَفَتَ انتباه القارئ إلى قيمَة المقاييس اللغوية ومَفاتيح المعرفَة البلاغية.." (ص05).

تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب هو الإصدار الخامس للدكتور محمد الحافظ الروسي بعد مؤلفاته: مظاهر تعظيم شعائر الله تعالى من خلال حجة الوداع (2007)، وظاهرة الشعر عند حازم القرطاجني (2008)، ومالي لا أرى الهدهد؟ (2009)، ودراسات أدبية وإسلامية (2011).

 

 

 

وقفات مع الكاتب رشيد الخيون (1)

ali alkendiاولا: دواعي البحث: في هذه المقالات المتواضعة التي اكتبها هنا ليس لي من هم سوى ايضاح بعض النقاط التي تجاهلها الكاتب رشيد الخيون والذي اكن له كل التقدير والاحترام خاصة واني اتابع معظم كتاباته جذبني اليه بقلمه الهاديء الذي يسير حثيثاً نحو الحيادية والاعتدال رغم انه ممتليء ببعض الافكار التي قد تضغط عليه احياناً كي ينتصر لها هنا او هناك، احترمه واحترم ثقافته وسعة اطلاعه وشوقه الى تحري كل النقاط التي تزيد كتاباته اصالة ورقياً لكن ماذا نفعل واحينا تعوزنا الجراة في تنقيب بعض الاحداث او المواقف، او يبهرنا الاعلام فنتراجع عن بحث اخرى حتى لكأننا نسلم بما تسالم عليه الاخرون رغم وضوح الغش والملابسات فيما نرى، عموما هذه مشكلتنا في واقعنا المعاصر منذ عقود منذ ان اصبح للافكار من ينتجها ومن يدافع عنها .

اما سبب انتقاداتي لكتابه (لاهوت السياسة) ومافيه فهو يقترب من نفس الاسباب التي جذبتني اليه فرجل ذو خبرة طويلة مع قلم مستقل ومداد يرويه من عرقه كيف يقع في هكذا ملابسات، هذا هو الذي دفعني ان اناقش بعض افكاره ناقدا مرة ومعاتبا اخرى ومجاريا له في ثالثة على انني سانتقي من كتابه مجالاً واحداً لا اريد الخوض في غيره، حددت ذلك من خلال العنوان الاكبر لمقالاتي وهو وقفات في قراءة الخيون للمرجعية الشيعية في كتابه لاهوت السياسة.

ولعل اول ما واجهته من مشكلة هي ان ان عنوان الكتاب كان يحكي عن الاحزاب الاسلامية المعاصرة لكنه افرد مساحات كثيرة وكبيرة للمرجعية، قد يكون هناك تماس او علاقة في بعض الجوانب مباشرة او غير مباشرة مع الاحزاب والعمل الحزبي، الا انها كان من الضروري ان تذكر تلك العلاقة في طي البحث حول هذا الحزب او ذاك لا ان تفرد فصول للمرجعية وفصول للدعوات المهدوية وفي الحقيقة ان اعطاء تلك المساحة لا يناسب عنوان الكتاب او ما مكتوب على الغلاف فهو لا يشير الى تلك الجهتين لا من قريب ولا من بعيد