كتب واصدارات وقراءات

قراءة في كتاب: ثورات في الواجهة .. من الحركات الفنية العربية إلى بيداغوجية ثورية

zaynab saidعن دار ميميسيس ايتيروطوبيي باوديني- ميلانوMIMESIS ETEROTOPIE N.177، صدر للباحثة الايطالية PAOLA GANDOLFI، استاذة محاضرة بجامعة البندقية تدرس مادة: "انطروبولوجيا العالم العربي الاسلامي" وجامعة بركامو تدرس: "السياسة الأخلاقية للبلدان العربية الاسلامية المغاربية"، صدر  كتابها الجديد الذي ارتأت باولا عنونته بـ" ثورات في الواجهة: من الحركات الفنية العربية إلى بيداغوجية ثورية" الصادر 2013، مقسم إلى سبعة فصول وهي على التوالي: "أي ثورات في الواجهة"، "سرد التغيير لتشكيل الإطارات المرجعية"، "الحدث الفني ليس خطا تاريخيا"، "تونس: حركات فنية وحركات ثورية"فـ " سؤال الجمال و أسئلة أخرى: بين الجمال والدين وأشكال المقاومة"و " في اتجاه بيداغوجية ثورية" ثم " شهادات".

تبدأ الباحثة كتابها عن الثورات المغاربية وتحديدا الثورة التونسية باعتبارها النقطة التي أفاضت الكأس، الطريق الذي عبد المسيرلحمى الثورات العربية، بتحديد مفهوم الثورة، قائلة إن الكتابة عما حدث يشكل غموضا وجزءا من حدث بدأ منذ الأزل وحتما سيستمر، لذا من الصعوبة بمكان تسميته "ثورة" لأنها لم تبدأ وحملت في أحشائها بذور نهايتها، بل هي دينامية بطيئة، لذا فقد اختارت الباحثة تسميتها بـ" أحداث ثورية" لتحديد الصيرورة الديناميكية للبلدان التي عرفت تصدعا عميقا في بنية سلطتها التقليدية وسقوط النظام، وركزت في بحثها على جانبين هما مساحة الانتاج الفني في السنوات الفارطة، باعتباره شكلا فنيا به يمكن سرد واكتساب أهم ديناميكيات التغيير، فمن خلال الفن تتحقق حركات المقامة والتغيير. اما الجانب الثاني فهو بروز الاسلاموية على رأس البلدان العربية الاسلامية. فقد تفككت النظريات التي تحاول إرجاء المقاومة العربية إلى أي تغيير ديمقراطي. فالمجتمعات العربية انتفضت لطلب الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، وهي مخالفة للثورات التي بصمت التاريخ كالثورة الفرنسبة والروسية والصينية و الكوبية والايرانية حيث أن تغيير النظام السياسي يصاحبه إعادة الهيكلة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وترى الباحثة أن هذه الانتفاضة سبقتها أشكال فنية والرغبة في التغيير وأعطت الوعي للناشئة بمأساة الحياة من خلال أشكال الفن والأدب التي وسمت المرحلة قبل الثورة، أشكال حملت بصمة اليومي وتفاصيله وقدمتها بجرأة ووضوح، فالفن يحاكي الواقع، كما ترى الباحثة، بل يماهيه، ويقدمه بألوان ونغمات وكلمات، ليكون شكلا من المقامة وشكلا من أشكال الرفض، بل وعنصرا أساسيا لتحيقيق الثورة، فالثورة لم تأت من فراغ، بل من عمل جمعوي ومجتمع مدني كان يعمل في صمت، يكد ويجتهد ليظهر الصورة الحية للجمهور الذي هو الشعب. أتت من لغة حية كانت في مستوى كتابة الحقيقة وتقديمها، لغة إنتاج فني لشريحة من الشباب المتمدرس والمتخرج من الجامعات والمعاهد، والمنضوي تحت لواء العمل الجمعوي والمجتمع المدني. وترى الباحثة أنه يجب تقديم الاقتصاد والسياسة في حين أن الحرية تقاس في الامكانيات المتاحة للممارسة السياسية وفي توسيع القاعدة الشعبية، فدون حرية مدنية لا يمكن وجود رؤساء مستقلين ولا جمعيات حقوقية. فالحركات الثورية العربية أعربت عن وجود هذه القاعدة الشعبية التي خاضت هذه العمليات الثورية إلا أن الثورة لم تنتهي بعد، لذا فهذه القاعدة لا ضمان لتوسعها. ولتحقيق أي تغيير يجب في الأول تصوره،  فالأشخاص يرون دائما وجودهم من خلال حياة العوالم الممكنة المقدمة من خلال التصوارت المختلفة، حتى الارساليات الاعلامية، التي تحول حول العالم، التصور الذهني كممارسة اجتماعية تمر من خلال الصورة والمصور ثم الشيء المصور. فجغرافية الصورة الذهنية المتوغلة في تونس هي التي اجترحت أفكار الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة المتمركزة  في الوسط والمزروعة في أشكال فنية وأدبية، فالحركات الفنية ساهمت في تكوين الحركات الثورة. وخصوبة هذا الإنتاج الفني نمى وترعرع منذ وقت طويل، بفضل ديناميكية أوديركرود وأشكال التواصل الحديثة، التي تضمن توصله إلى جمهوره بشكل سريع ومباشر، وهو خطاب ممتلئ حتى الثمالة بالرفض وتعرية عيوب المجتمع وتفاصيل أمراضه المشكل لنسيجه من رقابة ومحسوبية وفساد وزبونية وعنف و...... وهذه الحركات الفنية هي التي شكلت الإطارات المرجعية الهامة للحركات الثورية، فالثورة التونسية، كما ترى الكاتبة، هي ثورة شعبية قبل أن تكون ثورة شريحة الانتلجنسيا. والحدث الثوري التونسي لم تكن له أصول بالعاصمة ولا بالمدن الكبرى، بل بالمناطق المعزولة و الهامشية وقد تولد وانتشر كشكل من الاحتجاج لا من العنف. فقوة الفن وفن القوة لهما حدود قابلة للتغيير فإذا كان النظام يستخدم الفن لترسيخ ديكتاتوريته من خلال فناني البلاط فإن قوة الفن التي تمتهنه الطليعة الحرة من الشباب الخارج من سلطة المساومة قادرة على فك شبكة النظام وتسليط الضوء على الحقيقة كما هي، قادر على اختراق الهامش وتوصيل صوته إلى مراكز القرار، هي كذلك قوة الفن، قوة الحقيقة،   كما تحدثت الباحثة عن جمال السياسة وسياسة الجمال، فإذا كان جمال السياسة يتمظهر في قسمها الحساس بتسليطها الضوء على كل ماهو غير مرئي واستنطاقها لكل جماد، فإن سياسة الجمال هي حين يدخل الفن إلى الساحة الحساسة للسياسة ليولد فكرة ثورة قادرة على تغيير حياة الفرد والمجتمع، لما له من وقع على الحقيقة، لذا على الفن أن يكون خلقا لا أصل. ومستقبل البلد، كما تقول الباحثة، يلعب حول امكانية المجتمع زراعة الوعي النقدي لفتح الحدود لتعلم ثقافة التغيير، واقتراح سياسة ثقافية بديلة، بإقامة معارض وأرشيفات وفتح مجالات للإبداع الفني..وأما عن بروز الاسلاموية على رأس الدول العربية والاسلامية، فقد أشارت باولا إلى أنه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتغيير موازين القوى، أصبحت أمريكا قائدة العالم والقوة الوحيدة المسيطرة، ذات القطب الوحيد، وشكلت النظام الدولي الجديد، وبعد أحداث 11 سبتمر وخطاب بوش، طفى سؤال الاسلام إلى السطح، فارتبط بالارهاب، وكان للمهاجر العربي القاطن ببلاد المهجر نصيب من ضريبة الخوف أداها كاملة. وارتبط بظهور مفاهيم جديدة ما بعد الاسلاموية، اسلام فوبيا أو الخوف من الاسلام، ما بعد الايديولوجية ....

وتخلص الباحثة كتابها بتقديم شهادات لأنطروبولوجيين ومخرجين سينمائيين تونسيين كان لافلامهم وقع كبير على الساحة التونسية لم استشرفوه من مستقبل ولم تنبؤوا به، ولجرأتهم في تقديم الواقع المعاش كما هو، وانتقادهم له، فكان نصيب أحدهم أن يلغى من العرض السينمائي لم يحمله من دلالات وما يقدمه من أخرى، ونصيب الآخر أن يكرم في أرض أخرى ونصيب الاثنان أن يدخلا التاريخ من أبوابه الواسعة. هي قراءة عميقة لانطروبولوجيا الثورة التونسية قدمت تفاصيلها الباحثة وعاشت بعض فصولها بتنقلها إلى مكان الحادث واستشرافها للبعض الآخر، باستنطاقها لفنانيي الشارع المداومون لحفض مسار الثورة، وتدوين ما حدث بتأن حتى لا يشوه المارقون بعض حقائقه. ويبقى السؤال مفتوحا لتحديد ما جرى، ثورة كان أم ربيعا أم.....كان لابد أن يكون وقد كان والأساس ما هو آت، نتمنى اللا يخيب آمال من راحوا ومن ناضلوا ومن......

 

زينب سعيد

 

صدور كتاب "الدليل .. تجربة ومعاناة " للكاتب مزهر بن مدلول

415-fawzصدر عن المركز الثقافي العراقي في السويد ودار نشر فيشون ميديا (Visionmedia) السويدية للكاتب والاعلامي مزهر بن مدلول كتاب "الدليل ـ تجربة ومعاناة"، وجاء الكتاب من 202 صفحة، من الورق الابيض، من القطع المتوسط وبغلاف من تصميم شاكر عبد جابر .

 وقال المؤلف لوكالة (اصوات العراق) " ان الكتاب ضم مجموعة نصوص تقدم مشاهد من السيرة الذاتية لفترة محددة ، سبق ونشر النصوص في صحف ورقية ومواقع اعلامية الكترونية، وتم جمعها في كتاب واحد لتقدم صورة عن جانب من المشهد العراقي في سنوات الديكتاتورية المقبورة ".

415-fawzمن جهته اعتبر الكاتب والروائي يوسف أبو الفوز " ان مزهر بن مدلول يكتب بطريقة لذيذة، طريقة السهل الممتنع، وفي الكتاب يقدم لنا نصوصا ـ لوحات ـ تتكىء على حواف الحكاية وتسرق من الشعر سحره وموسيقاه، فهو يسجل لنا احيانا مشاهد مرعبة بروح ساخرة من حياته، ولا انس لوحات عن رحلته عبر الصحراء، فهي لا تستدر ضحكاتنا بقدر عواءنا ونحن نراه يروي لنا بشكل ساخر مر كيف حشروه لساعة ونصف داخل محرك سيارة لاجل تهريبه الى الكويت".

ومزهر بن مدلول، كاتب وناشط سياسي وفي منظمات المجتمع المدني ، من مواليد الناصرية 1955،  تعرض لمضايقات النظام السابق فأضطر للتخفي لفترة وثم مغادرة العراق بشكل غير شرعي ، والتحق بقوات انصار الحزب الشيوعي العراقي، التي واجهت النظام السابق، وبقي هناك حتى احداث الانفال عام 1988، حيث بدأت رحلته مع المنفى واستقر في الدانمارك منذ 1991.

 

الثروة اللفظية المغامرة في مقامات معاصرة

alwan slmanالمقامة فن ادبي قوامه الحكاية باحداثها وشخوصها وامكنتها وعمادها الاسلوب الذي تزينه المحسنات البيانية والبديعية .. تشكلت فنيا واكتسبت شهرتها واجتازت الافاق مع بداية القرن الرابع الهجري على يد بديع الزمان الهمداني/المتوفي 398هـ والحريري/المتوفي 566 .. مرورا بالزمخشري وابن الجوزي والسيوطي وانتهاء بالمويلحي في (حديث عيسى بن هشام) .. فسباتها حتى نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين الذي ابتهج بظهور (مقامات معاصرة ) نسجت معالمها انامل منتجها زاحم جهاد مطر واسهمت دار ميزوبوتاميا في نشرها وانتشارها/2014 .. بمقاماتها الثلاث والخمسون التي احتضنتها عنوانات تنطلق من فكرة نصوصها كعلامات سيميائية تسهم في اختراق وفك مغاليقها .. كونها تختزل بشكل جزئي الحياة بصورها لتحقيق وظيفة تعليمية واجتماعية وسياسية عبر قيمة بنائية ولغوية منفلتة ومتمردة تستنطق الزمكانية فتكشف عن سياق سوسيوثقافي ..

(ياسادتي ياكرام .. لكم مني تحية وسلام ..

يحدثنا الثقة الجليل .. الصادق بن خليل .. عن احوال الولاية .. بكل دقة ودراية .. في العهد الغابر والماضي العابر .. وعن ذلك الوالي وجبروته .. وعن اسمائه ونعوته .. وعن استبداده وطغيانه .. وظلمه وعصيانه .. ويقول هذا الراوي .. في كتابه الحاوي .. بان الله تعالى خلق الانسان وعلمه البيان .. ووهبه شيئان مهمان .. هما العقل والنسيان .. .) ص9 ..

فالكاتب يعتمد بنية سردية تتخذ مسارا ثابتا .. باطلالته التمهيدية التي تتضمن فعل القول المسند الى راو سارد .. مع غلبة الصناعة البديعية واحتفاظ كل لفظة بمدلولها النصي .. لذا فهي تكثر من الاستعارات وتلائم بين الشعر والنثر مع اقتباس الامثال والحكم وتضمينها والنص المقامي الذي يكشف عن ثقافة منتجها الموسوعية .. فضلا عن كثرة الالفاظ الدالة على الاشياء المحسوسة التي تلامس قضايا المجتمع والواقع .. فيقدم نصا بوحدة سردية قائمة بنفسها مع اعتمادها وحدة المكان والفكرة وهي ترتكز على راو سارد وبطل خيالي متميز بموقعه المركزي كونه يعيش تجاربه وخبراته .. يخلقه الكاتب ويضفي عليه موسوعية معرفية في صنوف الادب وغريب اللغة مع اعتماد فكرة مستحدثة تستبطن فكرة يراد ايصالها عن طريقه بعبارات قصيرة مسجوعة تعتمد التانيق والتزويق اللفظي .. بصياغة واسلوب مغرق في الصنعة اللفظية ..

(اقول ياسادة ياكرام .. ما اجمل تلك الايام .. لافرق بين زيد وعبيد .. ولا بين الجاف والزبيد ولا بين البيات والعبيد ولا بين الجا والجي وبين العجل ياحجي .. توحدت كل الفئات كروافد دجلة والفرات .. لتصب في النهر الاثير .. شط العرب الكبير .. كانهم اسرة واحدة تاكل من نفس المائدة .. يجمعهم الفرح والسرور وتوحدهم المصائب والشرور .. وعذرا ان نسيت او سهوت بعض التفاصيل مما تلوت .. فقد كان اول ناسي اول الناس ولابد من الاشارة وبصريح العبارة بان الوليمة كانت بسبب زفاف حليمة بنت الخياطة نديمة على ابن المختار الشاب المهذب جبار وانتهت الاحتفالية بالهوسة الشعبية (زوجنا وخلصنا منه عروستنه الاحلى منه) .. ومع تغير الزمن وتكالب المحن وانتشار اهل الفرقة والفتن من اصحاب الفتاوي الباطلة والسنن .. تفرق الاب عن الابن وصار السؤال عن الدار قبل الجار وعن الطريق قبل الرفيق ...) ص67 ـ ص68 ..

570-zahemفالكاتب يشد وثاق اللغة ويوليها جل اهتمامه .. لذا فهو يصطنعها بطريقة فنية محكمة .. تولد التلائم والانسجام بين الفاظها لتحقيق اسلوب حكائي متميز باناقة الكلمة وانسجام العبارة التي تستوعب مضامينه التي تداعب فكره الموضوعي .. فضلا عن اعتماده الجمل القصيرة المسجوعة باتكائه على (الموازنة السجعية) .. في خلق صوره الموافقة لطبيعته الانسانية المتصلة والبيئة الاجتماعية كي يحقق بعدها الجمالي الفاعل باكساء عباراته المتماسكة الالفاظ والصانعة للمعنى ابتداء من الاستهلال الذي يفضي الى روح السرد الذي يعتمد التتابعية المكتظة بعناصر التشويق لاستثارة فكر المستهلك بصوره البيانية التي تحلق به الى واحات الوجد باتقانها التعبيري ومضمونها المتكيء على راو يتكرر في جميع المقامات وبطل متحرك زمانيا ومكانيا وهو يطرح حدث طريف او فكرة يراد ايصالها عن طريقه .. اضافة الى تحقيق المفارقة التي تحمل بين طياتها لونا من النقد او السخرية بصنعة لفظية وبلاغية .. .

(وانا اكتم ما في نفسي وافكر في موتي ورمسي واقول ما يقوله المثل بكل جد لا هزل (عرب وين .. طنبورة وين) فانتظرت الصباح الرباح الى ان صاح ديك الصباح فخرجت الى المقهى لابث لصديقي الشكوى .. ) ص13 ..

فالكاتب يحاول ان يسمو باسلوب المقامة ويجعلها نبضا فاعلا والواقع الاجتماعي عبر لعبة سردية واعية تعتمد بناء لغويا وتكثيفا مراعيا لمقتضى الحال بتوظيف المحسنات البديعية والفنية وراو ضمني مضاف يشغل البناء السردي والجمالي عبر صيغة الاسناد التي يلجأ اليها .. انه (الصادق الجليل) الذي يدل اسمه على مسماه لاثبات صدقه في نقله لاخبار مقاماته كونه الشاهد على احداثها مرة واخرى يكون عبدالله بن بهلول او برجا او حرفا .. .. هذا يعني ان البنية الفنية للسرد تنحصر في:الراوي السارد والبطل والحدث وهناك راو ضمني خلف الاسناد ..

اما طبيعة النسق الاستهلالي فيتمثل في الفعل الدال على الحاضر والذي يتضمن قصد المتكلم في نقل الخبر للسامع ..

(ثم نظرت يسارا فاذا بارشاك وما ادراك ما ارشاك مصور الشخصيات من سادة وسيدات ويفضله الملوك والرؤساء ووجوه القوم والامراء ولمحت المصور ارمين مشغولا بالرتوش والتلوين لصور زهور حسين وعند جامع الحيدر خانة وجدت من يغني(ميحانه ميحانه غابت شمسنه الحلو ما جانه .. حيك بابه حيك الف رحمة اعله بيك هذولة العذبوني هذوله المرمروني) ثم بي صاح .. اسمه ياصاح هنا كان مركز النضال والكفاح هنا قال محمد البصير وعبر بالقليل القصير عن الشيء الكثير ..

ان ضاق ياوطني علي فضاكا

فلتتسع بي للامام خطــــــاكا

هب لي بربك ميتة تخــتارها

يا موطني او لست من ابناكا؟ /ص158 ـ 159

فالكاتب يحاول ان يسمو باسلوب المقامة ويجلها نبضا فاعلا منسجما والواقع الاجتماعي بحيزه الفضائي المتنوع مكانيا والذي يشكل خلفية صامتة لها .. كونه لا يعرف الحركة الا بحركة البطل فيتجاوز المالوف .. اما الزمان فهو ستاتيكي لايسهم قي نمو الحدث الذي ينطوي على ثنائية قوامها الصراع بين عالمين واقعي بكل تناقضاته وذاتي بكل احساساته .. فضلا عن اشاعة الحوار الموضوعي خاصة بين الراوي والبطل عبر مفردات موجزة بتركيبها اللفظي المسجوع والتي يغلفها بديع متواتر مع عناية بالمكان (خلفية المقامة) اسما وجغرافية وذاكرة تاريخية .. اضافة الى انه لا يكتفي بالسرد الحكائي بل يضفى مفارقة كاشفة عن واقع مأزوم .. فضلا عن انه يحفل بالحكم والامثال والميكانيزمات البديعية والبيانية لمقصدية تتعلق بالسرد ودلالته .. اما عنصر البنية الفنية فقد اتكأ على (البداية/ الشخصية/الحدث/ الحبكة/ اللغة / ..) فخلق عالما من المبالغات التي تغري بالنزوح من الواقع الى التخييلي ..

وبذلك قدم المقامي نصوصا تهتم بالثروة اللفظية التي تشكل المبنى السردي .. فضلا عن انها تدعو الى قراءة التراث قراءة جادة مع مراعاة الاعتبارات التاريخية والاجتماعية .. .

 

*ناقد وكاتب وشاعر .. اصدر 27 كتابا و7 كتب تحت الطبع

كتاب جمالية اللون في الواقعية المعاصرة .. دراسة في أعمال الفنان هشام بنجابي

568-adnaniصدر مؤخرا بمراكش كتاب جمالية اللون في الواقعية المعاصرة – دراسة في أعمال الفنان الكبير هشام بنجابي لمؤلفه محمد البندوري، واعتبر النقاد والمتتبعون بأن هذا الكتاب النقدي يعد إضافة نقدية قوية في المشهد التشكيلي النقدي العربي والعالمي باعتبار القيمة الفنية الكبيرة للفنان العالمي هشام بنجابي، وباعتبار أن الكتاب يلامس مجال التقنية وخبايا فن البورتريه وإبداء الجماليات المختلفة وتوظيف المفردات التشكيلية النادرة التي تستقي من الواقعية وفن البورتريه الواقعي مادتها الخصبة، بتدرجات لونية جمالية ينسجها الفنان وفق بنائه الفضائي بإضافة عناصر فنية جديدة بما تحمله تقنياته العالية من تغيرات وتجديد، تجعل من المجال اللوني الجميل بناء فنيا منظما في تواشج عميقة الدلالات، عن طريق التعبير بالملامح الواقعية التي تعتبر جوهر أعماله البورتريهية والفيكيراتيف، فاستخداماته الفنية وتثبيته لعناصر البورتريه بانسجام تام بين كل المكونات التشكيلية، يعكسه المزج بين ملامح الألوان الراقية، تبعا لنسق الحياة الجميلة والمفعمة بالحركة. فتجسيد الأشكال المختلفة بموتيفات شكلية يعيد صياغتها بأنساق لونية قوامها الجمال، يمنح أعماله حركة وموسيقية، وهو بذلك يمزج بين الهدوء اللوني، وبين المفردات والأشكال والكتل التي تحرك الفضاء، بتقنيات عالية ومؤهلات كبيرة، واحترافية مائزة تركب بين المنحى الجمالي والتعبير بأسلوب تشكيلي معاصر. فيتجلى حسه الفني في التخفيف والجودة اللونية، والدقة في الرسم. وفي التقاطعات والوصل بين مختلف المفردات الفنية، التي تشكل العمل التشكيلي لديه. فيتحقق في أعماله التجاور والتنوع، ويسعى في كل لون إلى تحقيق تواشج مع لون آخر أو عبر وحدة الشكل والبناء والرؤية والأسلوب، فيفضي ذلك إلى مضامين تكسب أعماله الفنية قيمتها الجمالية والفكرية التي يسعى الفنان من خلال حوارات داخلية لامتناهية تمييز خطابه التشكيلي ليرسي من خلاله التخصص في أسلوب واقعي تعبيري مبني على قاعدة من الألوان الجميلة الراقية المعاصرة، والأشكال التعبيرية المفتوحة، يقارب بها بين المبنى والمعنى وبين التقاسيم النغمواتية، نتيجة إحساس مرهف بالجمال، ومخيلة خصبة تؤهله لتوليد مجموعة من الدلالات بإمكانات فنية هائلة تجد لها طرقا تأويلية متعددة.

568-adnaniإنه بذلك ينتج لدى الناقد أو المتلقي سلسلة من القراءات المتغيرة، كما أن توظيفه لجملة من العناصر التي تنبذ الشكل الواحد للمعنى يجعل من فنه الراقي أداة مصدرية للفهم والإدراك الجمالي داخل المنظومة الواقعية التشكيلية. إنه يجعل المتلقي قادرا على التجاوب والتفاعل مع فنه بواسطة إعادة تشكيل عناصر العمل الفني ضمن علاقات مغايرة لا ينتهي عندها العمل في حد معين، وإنما ينبئ بدلالات ومعان مختلفة. تساهم في تكثير المعنى وإطلاقه في بنية الخلود بمنهجية دقيقة ووسائل ومواد فنية وتقنية رائقة، تبعا للشروط الفنية الجمالية والمعرفية. نعم إنه امبراطور الألوان، باشتغاله المثير والمتفرد بكل المقاييس والأدوات التشكيلية المعاصرة. يبرع بامتياز كبير في كل أساليب التزيين الفني المتميزة بالخصوبة في الابداع والانزياح عن المألوف في التعامل مع طروحات المادة التشكيلية المشتغل عليها، حيث ينطلق من رؤية جمالية فكرية خاصة، لأنه يرتكز أساسا على الرؤية الجمالية في  التشكيل بقوة في الإبداع والإتقان، وإحالة العمل الفني في عمومه إلى أعمدة الدلالات.

فاتخاذ التوليف والتكامل والتنسيق في التنفيذ، يستنطق المكنون ويغوص في الواقعية الإنسانية بكل تمظهراتها الفنية والجمالية، وتمفصلاتها وتشعباتها، بتفكير وجودي إنساني معبر عنه من خلال جملة من التجليات التي تروم الوجوه الإنسانية، فيوظفها بسيل من الألوان الزاهية الراقية. وهو بذلك يجعل أعماله ناطقة بأبعاد قيمية متنوعة، ليحرك سكون الفضاء بكل محتوياته التشكيلية، إنها وظائف بنائية ودلالية خارجة عن المألوف في لوحاته، يعتمد الاشتغال في المنحى التعبيري الواقعي على مساحات متوسطة وكبيرة، وبكتل وألوان متناسقة وخفيفة وسالبة، مع العناية الفائقة بقيم السطح، وانتقاء الألوان بدقة كبيرة.

إنه مثل كل الواقعيين، وجلي في الفن الواقعي هذا النوع من الدقة في انتقاء الألوان، والدقة في الأداء الفني. وهي سمة تجعل أعمال الفنان الكبير هشام بنجابي  تتعدى حدود الجماليات بالمعايير الفنية الدقيقة، وبذلك فإن كل أعماله الإبداعية تتبدى فيها اجتهادات وابتكارات عامرة بالإيحاءات والدلالات التي تنطلق لديه من سيميولوجية ثقافية تستمد كينونتها من محيطه المعرفي والثقافي والفني بل ومن منتجه التشكيلي الرائد.

إن أصالة الفنان التشكيلي هشام بنجابي تقوده إلى الانصهار روحا في قلب الفن الحضاري العربي الإسلامي والعالمي، حيث تتبدى تجربته الرائدة والغنية في مجال الواقعية المعاصرة وفن البورتريه والفيكيراتيف بجمالية لونية خارقة، من خلال طبعه مجال الفن التشكيلي بإيقاع لوني جمالي جديد، بمنمنمات واعية جمالية خصبة، تمتزج فيها الأساليب الحديثة والمعاصرة في فن الرسم بمرتكزات ومقومات تفضي إلى مسلك إبداعي بديع جديد، يكشف عنه المنحى اللوني الجمالي والدلالي.

إنه فن قائم الذات يشكل آنيا قاعدة فنية لتصريف الرؤية الجمالية المخصوصة للفنان الكبير هشام بنجابي. هذه الرؤية التي تجعل العمل في مجمله يحكمه الالتزام بالضوابط الجمالية الفائقة الروعة. بمظاهر تصورية جمالية إنسانية بالغة التفرد، يفصح عن ذلك بشكل جلي التركيب اللوني المدجج بالخصائص الفنية البالغة المعادلات الموضوعية، كالوجه والطبيعة مثلا، وتطويع كل العناصر التشكيلية حيث يتم التمييز بين النسيج، والشكل، واللون، خصوصا ما يتعلق بخصوصية الصورة، وطرق توزيع مكوناتها، والتعبير عن كنوز شخوصية تتغيا دلالات الألوان الجميلة الرائقة، التي تخضع للمعيار الانتروبولوجي، في التعبير. إن الاحتفاء بالألوان، والشخوصات المحكمة في فضاء غير محدود، وفي سياق التعبير بالتشكيل المعاصر، يضع المادة التشكيلية في قلب الخطاب البصري.

إن تجربته ومراسه - من منظور آخر- في منجزه الإبداعي، يقودانه إلى عوالم تطرح أعماله في نطاق تعدد الرؤى الفنية، فهو يشيئ الأشكال والشخوصات ومفردات الطبيعة داخل الفضاء اللوني وفق وهج فني متعدد الدلالات، وهو إنجاز يمتح من التعبير بالألوان والأشكال كل المقومات الحضارية والبلاغية والمعرفية، وينم عن تجربة عالمة، وخبرة فائقة، من حيث عمليات التوظيف الضوئي والشكلي، وأيضا من حيث  تدبير المجال الجمالي فيما يخص تناسق الألوان وشكلية مزج كل العناصر والمفردات المشكلة للأعمال كأيقونات تروم التجاور والتمازج والتماسك، الذي يصنع التوازن بين كل العناصر المكونة لأعماله، ويفرز التوليف والتكامل والانسجام.

إنه مسار قويم في واقعية الفنان الرائد الكبير هشام بنجابي الذي يتخطى الجاهز، ويروم أسلوبا يتفاعل مع مسالك لونية مختلفة ومتنوعة بتوظيفات خاصة، وبوجدانية وواقعية إيحائية، تدعم القوة التعبيرية المعاصرة.

وهذا مؤشر قوي على أن الفنان الكبير هشام بنجابي يعطي انطباعا بأنه يعمل وفق تصورات ورؤى مركزية، يوزعها وفق طريقته وتجربته الرائدة التي تتجاوز كل  ما هو كلاسيكي إلى ما هو معاصر.

وهو لا يقف عند نمط واقعي منفرد، بل يتجه إلى صناعة شخوصات واقعية متنوعة، وصناعة أشكال من الطبيعة يصيغها في ألوان، بروابط علائقية يكثف بها الفضاء، فتتراءى مطبوعة بخصائص ومميزات، تؤصل لفلسفة قيمية جمالية فريدة، تستجيب لضرورات العمل حتى يتفاعل مع المتلقي والثقافة التشكيلية التفاعلية.

 

 

نظرة في كتاب (المنسيّ والمسكوت عنه في تأريخ المسلمين) للكاتب والباحث الاستاذ كامل (مصطفى) الكاظمي

shawaqi alesaصدر حديثاً كتاب (المنسي والمسكوت عنه في تأريخ المسلمين) للكاتب والباحث الاستاذ كامل (مصطفى) الكاظمي عضو ومؤسس رابطة الكتاب والمثقفين العراقيين في استراليا ورئيس مؤسسة الحوار الانساني في استراليا. والكتاب من اصدارات ملتقى الشيعة الاسترالي.

 يقع الكتاب في خمسمائة صفحة، عن ايه حيات للنشر، وقد اخرج فنياً بواسطة كمبيوتر مؤسسة المجتبى عليه السلام. كانت طبعة الكتاب الاولى بخمسمائة نسخة. أما غلاف الكتاب فصممته نور الكاظمي.

الكتاب يعتبر كتاباً ووثائق تأريخية اعتمد المؤلف في معالجاته التأريخية وفي كل مباحثه على المصادر الحديثة والتأريخية عند المسلمين من اهل السنة ومن مصادرهم المعتبرة.

 الكتاب يعالج قضية مهمة جداً لها ارتباط بحاضرنا الحالي، ولها جذور متأصلة تنال الموروث العقيدي والحديثي الذي وصلنا عن طرق متعددة. وهو الموروث الذي بنيت عليه مبان كثيرة يبرز في مقدمتها إختلاف الرأي بين المسلمين انفسهم في التفسيرات والاراء التي جاء بها الموروث التاريخي والروائي المنقول اما بطريقة سليمة لا يخالجها ادنى شك أو يكون محظ افتراء. وهذا ما احدث الاختلاف والفرقة.

 هذا من جانب ومن الجانب الاخر، فكثير من الاديان الاخرى التي استندت على بعض الموروثات الاسلامية الغير صحيحة والتي منها تكفير الآخر والدعوة الى قتاله لتكون بذلك اداة اتهام واضح للمسلمين في عالمنا المتحضر خصوصا ونحن في غرة الالفية الثالثة.

 كتاب (المنسي والمسكوت عنه في تاريخ المسلمين) جاء ليعالج الاحاديث والروايات الدخيلة والسقيمة او تلك التي تم تحريفها وصياغتها بطرق مغلوطة في مصانع النفعية واروقة السلطان او مما يتنفع به الناقل او لأغراض عبثية تحاول خرق الموروث العظيم الذي بني عليه الاسلام منذ اكثر من الف واربعمائة سنة. فالاسلام له مدارس عديدة ولابد من الباحث او المتقصي لدراسة الاسلام ان يتعرف على بقية المدارس ولا يمكن له الاعتماد على مدرسة واحدة قد يجد في موروثها الكثير من التناقض وبالتالي فان هذه المدرسة لا تمثل بالضرورة جميع تلك المدارس المختلفة.

 ليس خافيا على احد ان الاسلام متهم بالارهاب بعد تداعيات الحادي عشر من سبتمبر، وهنا لابد من معرفة المباني التي بنى عليها الغرب اتهامهم للمسلمين بالارهاب او التطرف الديني. هناك مدارس اوصلت رسالة مفادها ان الاسلام هو الارهاب سواء عبر الموروث الواهم المزيف او المحرف او الدخيل وبذلك اصبحث نظرة المجتمع الغربي على المسلمين ان لم يكونوا ارهابيين فإنهم متطرفون، وهذا ما لايمكن قبوله من قبل المسلمين انفسهم الذين يمثلون مدارس اخرى لم يتم تقديمهم الى العالم كما هي حقيقتهم المرتكزة على التسالم والداعية للسلام وهذه هي مدرسة اهل البيت عليهم السلام التي يسعى المؤلف ان يقدمها كما هي في واقعها وجذرها الاول عبر كتابه هذا رغم ما يصره التأريخ ضدها من مأسي. فياتي بحث الكتاب يدعو الى حوار جاد ومناقشة موضوعية لاعادة النظر في المواريث وخاصة تلك التي أولجت علامات التكفير للاخر والرفض المسبق لرأي الآخر.

 لم يغفل الكتاب عن تتبع الاحداث التأريخية ومراحلها المفصلية في حياة الاسلام والمسلمين، كاشفاً الغطاء عن الخطل الحقيقي الذي اصاب امة الاسلام من بعد رحيل نبيها العظيم محمد صلى الله عليه واله وسلم الى ربه الاكرم. كما يضع الادلة النقلية والبراهين والشواهد التأريخية بين يدي القارئ والمتابع وبين يدي المهتم بدينه ورسالته وهو بذلك يميط اللثام عن الوجه المزيف للحكام الذين توارثوا ونزوا على كرسي الخلافة وقهر الشعوب المسلمة حتى يومنا الحاضر.

 (المنسي والمسكوت عنه في تأريخ المسلمين) ثمرة جهود كبيرة حققها المؤلف منذ العام 2010 وهو يحقق في اصول الروايات والمباني التي اعتمدها الكتب الروائية وكتب الحديث الهامة عند المسلمين من ابناء السنة. فالكتاب لم يعتمد على اي مصدر اخر سوى مصادر ابناء العامة فقط ما خلا القرآن الكريم الذي يعتبر كتاب المسلمين الواحد الموحد دون فارق. والكتاب بذاته ومؤلفه بنفسه يدعوان الاخرين من ذوي الشأن لنقد الكتاب وتقييمه وترشيده وإضافة ما يمكن ان يعتقده الناقد مفيداً في مجال تصحيح مسار الامة وما يخدم مستقبلها الاسلامي.

 

الإعلام الحسيني يستجلي عبر التاريخ الحقائق المضبّبة

nadheer khazrajiمن الأمور التي ظلت عالقة في الذهن من أيام الدراسة في العراق، الرحلات المدرسية التي كانت تقام للطلبة كل عام، وحيث العاصمة بغداد هي قلب العراق فإن الرحلات المدرسية التي كانت تنطلق من كربلاء المقدسة تحط فيها، لكن الوجهة تتغير في كل عام، فمرة الى قضاء المدائن لرؤية طاق كسرى وزيارة مرقد الصحابي سلمان الفارسي المحمدي، ومرة الى مدينة الألعاب، وثالثة الى حديقة الزوراء، ورابعة الى احدى دور السينما، وخامسة الى المتحف الوطني، وسادسة الى المتحف البغدادي، وهكذا، ويبقى القاسم المشترك في معظم هذه الرحلات هو المتحف البغدادي، الشبيه بمتحف الشمع في لندن (مدام توسّودس)، فهو متحف يقع وسط بغداد قرب المدرسة المستنصرية على ضفاف نهر دجلة، مشاهدته تسر الناظرين، حيث يعكس الحياة اليومية للمجتمع البغدادي بطريقة الفولكلور الشعبي، تم افتتاحه رسميا عام 1970م، ثم تعرض للإغلاق بعد عام 2003م وأُعيد مرة أخرى عام 2008م ولازال.

وبعد 35 عاماً على آخر زيارة لهذا المتحف العريق، صممت خلال زيارتي للعراق في نيسان 2014م على تنشيط الذاكرة المدرسية ولأمتع ناظري بالحياة اليومية للعائلة البغدادية، ولكن هذه المرة مع رفيقة العمر وشريكة المد والجزر في الحياة اليومية وليس مع رفاق رحلة الدراسة. لقد بدا رجال المتحف ونساؤه وأطفاله وكل تماثيله المشخصنة التي تربو على الأربعمائة تمثال موزعة في نحو 80 مشهداً، على ما هم عليه حيث مدرسة الكتّاب، وغرفة العرس، وحمام السوق، والمقهى، وزفّة العرس، وعندما اقتربت من صالة الهدايا والصور في الطابق العلوي، حيث تقف مسؤولة الجناح السيد علياء جاسم فاضل، تناهى الى سمعي صوت النائحة وهي تنعى القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب(ع)، الذي استشهد في كربلاء المقدسة عام 61هـ وهو في يوم عرسه كما تقول الرواية التراثية، كل الأصوات الصادرة  من الغرف التي زرتها كانت معروفة الى سمعي إلا صوت الناعية القادم من الغرفة المجاورة لصالة الهدايا، دخلت الغرفة حيث مجموعة من التماثيل لنساء جلسن يعزين السيدة سكينة بنت الحسين (الزوجة المفترضة للقاسم تراثيا) والملاية الناعية تستدر دموعهن بلحنها الشجي على فقد حلو الشباب الذي لم يكتحل ناظراه برفيقة العمر. أثار المشهد فضولي فعدت الى بنت مدينة الكاظمية السيدة علياء أسألها عن تاريخ استحداث صالة عزاء سكينة في عروسها القاسم، فأخبرتنا أن الصالة تم افتتاحها لأول مرة في شهر محرم للعام الجاري 1435هـ (تشرين الثاني نوفمبر 2013م) من قبل الأمانة العام لمحافظة بغداد المشرف المباشر على المتحف البغدادي.

لم يمر افتتاح صالة المأتم الحسيني دون ضجيح من البعض الذي وجده خارج إطار التراث البغدادي، ولكن الأنظمة التي تعاقبت على العراق حاولت تغييب الوعي البغدادي عما هو قائم بين ظهرانيهم وبالقرب منهم من إقامة الشعائر الحسينية منذ القرون الأولى وحتى اليوم.

وكتاب (الإعلام الحسيني عبر التاريخ .. الخطابة مثالاُ) من إعداد الأديب العراقي الأستاذ مهدي هلال عبد الطفيلي الصادر حديثا (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 120 صفحة من القطع المتوسط، هو الذي أرجع الذاكرة الى المتحف البغدادي، فهو يتحدث عن النهضة الحسينية وإعلامها ودور الخطيب الحسيني والناعي والمداح والرادود والنائحة (الملاية) في المسيرة الإعلامية الحسينية، والكتاب في واقعه دراسة موضوعية من وحي الجزء الأول من كتاب "معجم خطباء المنبر الحسيني" للمحقق آية الله الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر في طبعته الأولى عام 1999م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 540 صفحة من القطع الوزيري.

 

سلاح ذو حدّين

لا يمكن إدراك قيمة الشيء إلاّ من خلال الممارسة والاحتكاك العملي، وتحسس الآثار، والذي يشتغل في مجال الصحافة والإعلام، يدرك قبل غيره أهمية هذه المهنة وخطورتها، فهي سيف ذو حدين، لها قدرة جلب المنفعة ودفع المضرة، والعكس أيضا، فقد تملك الأمة السلاح والارادة ولكنها ضعيفة في مجال الاعلام يستحوذ عليها الآخر بإعلامه الذي يدخل حريم العقول والأفكار عبر وسائل مختلفة أصبحت في عالم اليوم متوفرة لدى الفئات العمرية صغيرها وكبيرها، تغزو العقول قبل الغيطان والحقول، ولقد أصاب الناشر في كلمته كبد الحقيقة عندما وجد أن: (الاستناج الطردي المنطقي إن الذي يملك إعلاماً قوياً هو الذي يملك قوة تأثير أكبر في نفس المشاهد أو القارئ أو المستمع، من الذي يملك إعلاماً ضعيفاً أو، لا حضور فاعل له)، ولا يكفي أن يكون المرء على الحق إن لم يستخدم وسائل الإعلام كافة وبالطرق السليمة والنظيفة لدعم منهجه ومنطقه.

وكتاب (الإعلام الحسيني عبر التاريخ) يكشف عن هذه الحقيقة، من خلال بيان مراحل تطور الإعلام بشكل عام والإعلام الحسيني بشكل خاص، وتناول الخطابة كنموذج بارز في هذا الميدان الذي استطاع أن يلهب الأفئدة والألباب، قبل واقعة الطف في كربلاء المقدسة عام 61هـ وبعدها وحتى يومنا هذا، حتى صار المنبر الحسيني هو المظهر الأبرز لتعريف الأمة بحقيقة النهضة الحسينية، وقد عمد الأديب هلال الطفيلي الى قراءة أفكار ورؤى المحقق الكرباسي فيما يتعلق بالخطابة الحسينية من خلال انتخاب عدد من فصول كتاب "معجم خطباء المنبر الحسيني"، الذي يتناول المؤلف في جزئه الأول تفاصيل دقيقة عن الخطابة منذ دبيب البشرية على البسيطة وحتى يومنا هذا.

ولا يخفى أن مراكز الدراسات الاعلامية تُميّز بين ثلاثة مفاهيم ترد في أدبيات الصحافة بأنواعها المقرؤة والمسموعة والمرئية والرقيمة، هي الإعلام والإعلان والدعاية، فالإعلام من حيث اللغة هو الإخبار، ومن حيث المصطلح هو: فن صياغة الحدث بما يجعل المتلقي يتفاعل معه سلباً أو إيجاباً. وهنا تقع أهمية الصياغة على الذي يقوم بمهمة الإخبار، فكلما كان الخبر محبوكا كان أقرب الى عقل المتلقي وضميره يؤثر فيه ويستحوذ عليه ويبلغ به منتهى المراد، وهنا يلتقي مآل الإعلام مع الإعلان الذي مفاده عرض الشيء وإغواء المتلقي للوقوع في حباله وشباكه، وإذا التقى الإعلام مع الإعلان في الحدث الواحد تحققت الدعاية التي هي في أصلها الإغواء والإيقاع، وهنا تكمن الخطورة وجسامة المسؤولية الإعلامية، وذلك عندما يتم الإمساك بخيوط ثلاثي الإعلام والإعلان والدعاية في آن واحد وبقبضة حديدية، وعندئذ أمكن قيادة المجتمع بما يريده اللاعب الحقيقي، فإن كان مع الحق وممثلا عنه قاد الرعية الى جادة الصواب، وإذا كان ناطقاً عن الباطل وممثلا له أركسها في الهاوية من حيث تدري أو لا تدري.

ولخطورة الأمر في بناء رأي عام، فإن الكل من أفراد ومجموعات ومجتمعات وحكومات يسعى عبر الاعلام إلى خلق الحصانة لنفسها وتحصين من هو تحت حمايتها، حتى تستطيع أن تحارب به الآخر الضد. فالذي يملك الحق والحقيقة يسعى الى مواجهة الآخر بالدليل حتى يثنيه عن غيّه ويقدر على مجابهته في المحافل العامة والخاصة، والذي يفتقد لهما يسعى الى ضرب الآخر تحت الحزام عبر بث الأكاذيب وإلباس الدعاية الكاذبة لبوس الإعلام الصادق حتى يطيح بمعنويات المجتمع ويتمكن منه.

وما حصل في كربلاء عام 61هـ واستشهاد الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه في معركة عسكرية غير متكافئة عدة وعدداً، كان الإعلام الكاذب أهم دعامة متقدمة في نشر الهلع بين أهل العراق، حيث غزا الخوف صدورهم لهول الماكنة العسكرية الأموية عبر لسان الماكنة الإعلامية الذي جعلهم أسرى ولمّا تقرع الحرب أجراسها.

 

أداة العقلاء

في المقابل سعت مدرسة أهل البيت(ع) بعد واقعة الطف الأليمة إلى تحصين النفسية المؤمنة عبر الحشد الإعلامي المنبثق من النهضة الحسينية، فكانت عاشوراء ولازالت فرصة طيبة لزرع بذور التحدي ورفض الظلم ومواجهة الانبطاح الداخلي للسلطان الظالم وتعزيز ساتر الإرادة لصد العدوان الخارجي، وهو ما يحاول الكرباسي تبيانه عبر المقدمة المستفيضة من معجم خطباء المنبر الحسيني ويستدل عليه الطفيلي من خلال تعليقاته.

ولأن إشهار السيف وإراقة الدم، أمر تنفر منه النفس الإنسانية، فإن القوة الحقيقية ليست في السيف وإنما في قوة الإقناع واستمالة قلب القريب والبعيد، وهي ما قامت عليه رسالات السماء ودعوات المصلحين، وما يجب أن تكون عليه خطوات الأتباع الذين خاطبهم القرآن (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن) سورة النحل: 125، من هنا كما يقول الطفيلي في المقدمة: (يتطلب الأمر منا كمسلمين وموالين لأهل البيت(ع) النهوض بشكل علمي وموضوعي والنزول إلى الساحة بشكل سلمي ومنطقي لمواجهة المد المزيّف والرياح الصفراء ومقارعة الفكر الضال)، وهذا الدور يؤديه خطباء المنبر الحسيني بوصفهم جنود الحق يقفون في مقدمة الإعلام الحسيني يريدون بخطاباتهم هداية الناس الى سواء السبيل ومنعهم من الوقوع في الخطأ والزلل وعدم تكرار صفحة الذل والخنوع والقبول بالسلطة الظالمة التي تتخذ من الدين مركباً لاستعباد العباد الذين خلقهم الله أحراراً.

فالخطابة بشكل عام، أهم وسيلة عرفتها البشرية على طول التاريخ، ولا يمكن الاستغناء عنها حتى مع تطور وسائل الاتصال والإعلام، لأنها أداة اقناع وعرض منطقي، وهي وسيلة السماء، وعند الطفيلي هي الإعلام التبليغي الذي: (يعد وسيلة من وسائل السماء لتوجيه وإصلاح وهداية المجتمع البشري.. فمن مهام الأنبياء التوجيه والإرشاد والترغيب والتحذير والإنذار، وهذه الأمور تعد في وقتنا الحاضر وسائل إعلام حضارية. وقد وجّه الله تعالى أنبياءه بتلك الوسائل لإقناع الناس ولنشر قيم ومبادئ وقوانين السماء)، فالخطيب الرسالي أو "الخطيب المثالي" كما يصفه الكرباسي عند بيان أصناف الخطباء هو في حقيقته يتبوأ في الحياة الدنيا مقعد الأنبياء والأئمة والأوصياء والأولياء في دعوة الناس الى الخير، وهذا الخطيب كما يؤكد الكرباسي: (لا ينظر إلاّ من منظار المسؤولية ولا تأخذه في الله لومة لائم)، وهذه المرتبة من الخطباء هي أعلاها وتختلف كلياً عن الصنف الثاني وهو "الخطيب المأجور" الذي: (يتسكع على أبواب السلاطين ويتملق الأمراء ويلهج بما يرضي أميره ولو بسخط ربه، وهو من الخطباء المعبر عنهم بوعاظ السلاطين)، كما يقف الخطيب الرسالي على مسافة بعيدة من "الخطيب المرائي" الذي يتصيد بالخطابة غربان السمعة والرياء، كما أن الخطيب الرسالي هو غير "الخطيب المهني" الذي: (اتخذ الخطابة مهنة وحرفة يسترزق منها شأنها شأن سائر الأعمال التجارية)، كما ان الخطيب المثالي هو غير "الخطيب التبركي" الذي يبحث في خطابته عن الأجر والثواب، وصعود أعواد المنبر من أجل البركة كهدف أعلى بغض النظر عن هدفية أصل الخطابة كرسالة.

ويتعقب الأديب الطفيلي مراحل تطور الخطابة الحسينية في سبعة منعطفات تاريخية كما ثبّتها العلامة الكرباسي في معجم الخطباء، فالمرحلة الأولى بدأت مع استشهاد الإمام الحسين(ع) في 10 محرم عام 61هـ وانتهت بالغيبة الكبرى للإمام المهدي المنتظر في 15 شعبان عام 329هـ، والمرحلة الثانية تبدأ من نهاية المرحلة الأولى حتى نهاية القرن السادس الهجري، وتبدأ المرحلة الثالثة من أوائل القرن السابع الهجري حتى أواخر القرن التاسع الهجري، وتنطلق المرحلة الرابعة من حيث انتهت الثالثة حتى منتصف القرن الثالث عشر الهجري، فيما تشرع المرحلة الخامسة من هذه الفترة حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ويستأثر العلامة الكرباسي بالمرحلة السابعة كمرحلة مستقبلية لبناء منبر متين يخاطب البشرية بمراتب عقولها واختلاف ألسنتها وتشابك أهوائها.

ولعل أهم ما تتصف به المرحلة السابعة والمستقبلية من مراحل تطور الخطابة الحسينية كما يمد إليها الكرباسي بصره ويتمناها هو: عنصر التخصص، وعنصر الإقناع العلمي، وعنصر التطبيق العملي، وعنصر اللغة، وعنصر الوسائل الحديثة.

من هنا فإن اجترار الوسائل القديمة والمستهلكة في المنبر الحسيني يبعد الجيل الجديد عنها، المتحدث بلغات وثقافات متنوعة، ولذلك ينبغي للخطيب وهو في مقام الأنبياء من حيث أداء الرسالة ومعالجته لأمراض المجتمع، أن يقف على آخر المستجدات والمستحدثات العلمية الملاصقة لحياة الإنسان اليومية يستفيد منها ويستخدمها لايصال الكلمة الحقة، فالطبيب الناجح هو الذي يجدد قراءاته الطبية والتطبيقات العملية، والخطيب الناجح هو الذي يجدد قراءاته ويشنّف أسماع المتلقي كل عام بالجديد من الأدب المنثور والمنظوم ويتابع ما يدور حوله في العالم.

والمفيد ذكره أن كتاب "الإعلام الحسيني عبر التاريخ .. الخطابة مثالاً" يُعدّ الثاني بعد كتاب "الخطابة في دراسة نوعية شاملة لآية الله الكرباسي" من إعداد القاضي البحريني الشيخ حميد المبارك الصادر عام 2005م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 256 صفحة من القطع المتوسط، يتابع كل منهما وبأسلوبه الخاص المقدمة المستفيضة التي كتبها المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي لمعجم خطباء المنبر الحسيني، وهي في 200 صفحة من القطع الوزيري دخلت حتى في جزئيات لباس الخطيب وزيه ومظهره الخارجي، ولأهميتها فقد اعتمدتها بعض المعاهد والجامعات الخطابية كمصدر تدريس ومرجع لطلبتها.

 

دهاليز الموتى إصدار جديد للروائي حميد الربيعي .. بوتقة الغرائبية والواقعية

hamed-fadilعن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق صدرت للكاتب العراقي حميد الربيعي الطبعة الأولى 2014 من روايته الجديدة (دهاليز الموتى) والرواية التي صممت غلافها أمينة صلاح الدين: هي بوتقة للسرد الشعري والشاعري الحديث. تنصهر فيها الأحداث الواقعية والغرائبية والمفترضة، لإنتاج سبيكة سردية محكمة. تعرض على مساحة 232 صفحة من القطع المتوسط الوقائع التي عايشها ويعشها المجتمع العراقي، وكأنها أحداث غريبة، أو مفترضة .. فالربيعي يحاول أن يعكس هذا الواقع من خلال مرآة المتخيل، أي أنه يجعل من الواقع الذي نعرفه تماماً وكأنه متخيل نترقبه ونخشى حدوثه.. وقد نجح الربيعي في سكب تلك الأحداث على مرآة الرواية في خمسة عشر فصلاً هي / حفلات السفر الصدفية / قشر الرمان / إثبات ما حدث / برغي أصم / ما حدث / ألسنة القواقع / إضافة لما حدث / جرو كليب / ما سيحدث / ولادة الرمل / أظنه قد حدث / وقائع ما حدث / شحاذة السحر المنفلق / صرخة الغرين / القصر / ..  على الغلاف الأخير للرواية نقرأ  رأياً للدكتور حسن سرحان أستاذ الأدب المعاصر / جامعة السوربون حيث يقول: إن الروائي حميد الربيعي، كاتب مولع باستحضار الميثولوجيا الشعبية، تشهد بذلك نصوصه السابقة، يختلط فيها الكوني والديني بالجغرافية السياسية.. تمتاز (أساطير) حميد الربيعي بخاصية أنها لا تدور في أول الزمان، بل في آخره أو (آخر آخره)، حيث تنشأ وتنمو صراعات يستعير بطل الربيعي (أو بطله المضاد إن شئتم دقة أكبر)، مسيرة أسطورية تلونها دوافع تنتمي إلى العصر الذي توظف فيه الحكاية.. هذا المخطط الارثي / الاجتماعي، غير المطابق تماماً للأسطورة المعاد تفعيل حضورها، ينفلت عن الأصل، كي يقترح مقاربات غير تلك التي تصدت لها الأسطورة في نسختها الأولى.. إن تجربة اشتغال الروائي حميد الربيعي على منطقة الاغتراف من الموروث الحكائي الشعبي، بوصفها محاولة مواربة لزحزحة التبئير في فضاء الكتابة من اليومي والعادي، ونقله نحو العلوي والمقدس.. تظل تجربة إبداعية مميزة من منظور سعيها لخلق بنية روائية متفردة، يتداخل فيها الغرائبي بالمألوف، والعجائبي بالممكن، والملحمي بالواقع.. يذكر أن الربيعي سبق له أن اصدر مجموعة قصصية بعنوان تل الحرمل وثلاث روايات هي: سفر الثعابين، وتعالى وجع مالك، ورواية جدد موته مرتين.. من أجواء الرواية: (ليست ببلدي، بيد أنها محطة كالعصفور، أنتقل منها إلى مدن شتى في أصقاع شتى أيضاً، كواحدة من رحلاتي البطوطية، مطمئناً لوجودها على الخريطة.. غالباً ما يكون النِّحس، ذاك الظل إن ارتسم على بلدة تمحى، يلاحقني، هكذا ببساطة في اليوم التالي تتغير جغرافية التأريخ ويطبع أطلس جديد). 

 

الفتحي يعيد افتتاح أبراج التكرير .. عرض لكتاب جديد من تأليف الخبير النفطي سعد الله الفتحي

khadom finjanفي الوقت الذي تكاثرت فيه نقاط التشكيك في عقود تنفيذ مصفى نينوى، يقف فيه خبراء العراق من أبناء نينوى خارج حواجز التهميش المتعمد، وفي مقدمتهم خبير المصافي النفطية المهندس الكبير سعدالله الفتحي، الذي افتتح منذ بضعة أيام أبراج التكرير على صفحات كتابه الموسوعي الجديد (من أبراج التكرير)، من دون أن يحاول مجلس محافظة الموصل الاستئناس بخبرات هذا الرجل المتميز والمتفرد باختصاصه.

صدر الكتاب قبل بضعة أيام عن مؤسسة دار الأيام للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع في (أبو ظبي). وقد أمضى المؤلف خمس سنوات في كتابته لكي يضع أمام الأجيال القادمة سجلا شاملاً بما قام به أجدادهم وآباؤهم من انجازات باهرة شيدوها في مجال المصافي التكرير رغم الظروف القاهرة.

يستعرض الكاتب (الخبير) الأحداث المهنية والتشغيلية التي مرت بحياته، وبخاصة في عمله بوزارة النفط وصناعة التكرير في العراق، وانتدابه للعمل في سكرتارية منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، ويتطرق في كتابه إلى مراحل النهضة الصناعية التي مرت بها المشاريع النفطية والغازية في العراق منذ ستينيات القرن الماضي، والعثرات الكثيرة التي واجهتها في ظروف الحرب والحصار والمضايقات الدولية الأخرى.

567-finjanولد المؤلف (سعد الله عبد الله فتحي مصطفى علي الشمة) عام 1939 في محلة (الخاتونية) بمدينة الموصل، ودرس في مدارسها، ثم أكمل دراسته الجامعية في بريطانيا، فتخرج في جامعة مانشستر عام 1963. عمل بعد تخرجه في معظم القطاعات النفطية العراقية، وتدرج في عمله حتى أصبح مديراً عاماً لمصفى الدورة عام 1976، ثم رئيساً لمؤسسة تصفية النفط وصناعة الغاز عام 1980، وانتدب للعمل في سكرتارية أوبك في فيينا، عاد بعدها إلى العراق ليواصل عمله في تشكيلات وزارة النفط. أحيل إلى التقاعد عام 2002. لكنه مازال يعمل في الخليج العربي بصفة خبير ومستشار لما يتمتع به من خلفية علمية ومهنية وتشغيلية لا يُستهان بها في هذا الاختصاص النادر.

المثير في هذا الكتاب أنه يستحوذ على اهتمام القارئ العادي والقارئ المتخصص على حد سواء، فاللغة البسيطة والمفردات العلمية الشائعة، وأسلوب السرد القصصي المسترسل، الذي لا يخلو من العفوية في الطرح السلس، والعذوبة والطرافة، كلها من العوامل التي تغري القارئ بمواكبة الأحداث والوقائع، فتصحبه معها في رحلة جميلة، تصور لنا ما مرت به صناعتنا النفطية من انجازات باهرة وعثرات قاهرة.

تجاوز (الفتحي) الآن عتبة العقد السابع من العمر، لكنه مازال يتمتع بذات الحيوية التي كان يتمتع بها في عنفوان شبابه، ومازال يحمل في جعبته الشيء الكثير ليقدمه إلى الأجيال القادمة. لا شك أنه ينتمي إلى كتيبة الخبراء الكبار، والمهندسين النفطيين الذي يمثلون الطليعة الوطنية المخلصة، الذين كان لهم الفضل الكبير في إرساء قواعد الصناعات النفطية في عموم المدن العراقية.

ويبقى السؤال: أيعقل أن يعمل الفتحي وفريقه العلمي خارج العراق في الوقت الذي نحن في أمس الحاجة إليه، وفي الوقت الذي ينبغي أن نستثمر فيه خبراته للارتقاء بصناعاتنا النفطية نحو الأفضل؟، ألا يفترض بنا أن نسعى منذ الآن لتكريم الفتحي وجماعته؟، ثم ألم يأن للذين يعملون في الصناعة النفطية أن يستعينوا بخبرات العمالقة الكبار من أمثال عصام الجلبي، وفاروق عبد العزيز القاسم، وجبار اللعيبي، وفاضل علي عثمان، وسعدالله الفتحي وغيرهم من رموز وأعلام الصناعات النفطية؟. أمد الله في أعمارهم جميعاً, وحفظهم لنا ذخراً وسنداً.

 

صدور كتاب تذكاري عن مشروع العلامة الدكتور عبدالجبار الرفاعي

566-rifaiبمناسبة بلوغه ستين عاما اصدرت مجلة الموسم في بيروت كتابا تذكاريا عن العلامة الدكتور عبدالجبار الرفاعي ومشروعه. يقع الكتاب في ٧٦٠ ص، ويتضمن 130 نصا؛ مقالات وشهادات لزملاء وتلامذة الرفاعي، مع ملحق للوثائق والصور..

أعدت الكتاب لجنة تتألف من تلامذته، وهم: مشتاق الحلو، هاجر القحطاني، محمد حسين الرفاعي..

وشارك فيه مجموعة من العلماء والمفكرين والباحثين والاعلاميين؛ العرب والعراقيين والايرانيين؛ وهم:

آية الله السيد كمال الحيدري، آية الله السيد طالب الرفاعي، العلامة د. طه جابر العلواني، العلامة السيد هاني فحص، الأب د. يوسف توما "مطران كركوك"، د. حسن حنفي، د. عبدالله ابراهيم. د. عبدالله السید ولد اباه، د. عادل عبدالمهدي، د. ابوبكر أحمد باقادر، الأستاذ غالب الشابندر، الأستاذ ماجد الغرباوي، الشيخ حسن الصفار، الشيخ حيدر حب الله، الأستاذ الشيخ محمد محفوظ، الأستاذ الشيخ زكي الميلاد، د. صلاح الجابري، د. حسن ناظم، د. علي حاكم صالح، الأستاذ محمد عبدالجبار الشبوط، د. عبدالأمير زاهد، الأستاذ عبداللطيف الحرز، الأستاذ سعد سلوم، د. حبيب فياض، الأستاذ محمد سعيد الطريحي، الشيخ د. طه جابر العلواني، 566-rifaiد. أنطوان سيف، د. وجيه قانصو، د. نايلة ابي نادر، د. محمد همام، د. الحاج أوحمنه دواق، د. سعيد شبار، الأستاذ إبراهيم العبادي، د. ضياء نجم الأسدي، د. عباس أمير، الأستاذ أسامة الشحماني، الأستاذة لطفية الدليمي، الأستاذ جمال جصاني، الأستاذ علي الحسيني، د. علي المعموري، د. فوزي حامد الهيتي، د.مجيد مرادي، الأستاذ علي المدن، د. محسن جوادي، الأستاذ أحمد عبد الحسين، الأستاذ حسن العمري، الأستاذة هاجر القحطاني، الأستاذ مجاهد أبو الهيل، د.لقاء موسى فنجان، د. عبد الرزاق بلعقروز، د.علي الديري، د.علي الربيعي، الأستاذ توفيق التميمي، الأستاذ ادريس هاني، الأستاذ فراس سعدون، الأستاذة رحيل دندش، الأستاذ مولاي محمد اسماعيلي، الأستاذ طاهر آل عكلة، د. مريم آيت أحمد، الأستاذ اسماعيل شاكر الرفاعي، د. ريتا فرج، الأستاذ عبد العزيز راجــل، د. سعاد بديع مطير، د. علي المرهج، الأستاذ سرمد الطائي، د. بتول فاروق الحسون، الأستاذ عبد الله محمد الجنابي، د.عدنان الهلاليّ، الأستاذ محمد صالح صدقيان، الأستاذ محمّد حسين الرفاعي، الأستاذ عبدالأمير المؤمن، د. عبد الجبار شرارة، الأستاذة إسراء الفاس، الأستاذ محمد غازي الأخرس، الشيخ زعيم الخير الله، الأستاذ علي الحيدري، الأستاذ زعيم نصار، د. عقيل مهدي يوسف، د. مهران اسماعیلي، الأستاذ رشيد أوراز، الأستاذ كرار الرفاعي، الأستاذ علي عطوان الكعبي، الأستاذ عماد الهلالي، الأستاذ محمد حسين الحلو، الأستاذ عباس الجبوري، الأستاذ مصطفى المهاجر، الأستاذ نزار حاتم، الأستاذ مصطفى الكاظمي، الأستاذ ابراهيم الوائلي، الأستاذ حميد المختار، د.فخري مشكور، الأستاذ ئاشتي، الأستاذ نادر المتروك، د.حسين علي باقر، الأستاذ علي المحمد علي، الأستاذ محمد ناصر، د. جودت القزويني، الأستاذ حسن مطر، الأستاذ مختار الاسدي، د. مشتاق الحلو.

کما احتوی الكتاب التذكاري على ملحق شمل مجموعة اوراق وشهادات كتبها الرفاعي في حق عدد من العلماء من اصدقاءه؛ اغلبهم فارقوا الحياة، وهم:

المرحوم آية الله السيد محمد حسين فضل الله، آية الله السيد كمال الحيدري، المرحوم العلامة السيد عبدالعزيز الطباطبائي، المرحوم الأستاذ جمال البنا، الشهيد الأستاذ عبدالأمير فرهود، الشيخ خالد فرهود"ابو باقر"، المرحوم الشيخ عبدالصاحب الواسطي، المرحوم الأب بطرس حداد، المرحوم الأستاذ كامل شياع، المرحوم الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، المرحوم د. محمود البستاني، د. جمال الدين عطية، ود. جودت القزويني.

.....................

لماذا تكريم الدكتور عبدالجبار الرفاعي ومشروعه؟

مقدمة الكتاب التذكاري

(كلمة لجنة التكريم: هاجر القحطاني، محمد حسين الرفاعي، مشتاق الحلو)

يبدأ العقم الثقافي حين تنطفئ الأسئلة في الأذهان وتتنحى عن المجال العام، ويؤسس لانطفاء الأسئلة كثير من العوامل، لعل أبرزها أن تفقد المؤسسات النافذة في أي مجتمع قدرتها على تنظيم الناس دون أدوات القهر والعسف.

وفي ظل العقم الثقافي تنمو أحراش الفساد بكل انواعه، وتحاصر المجتمعات بالجهل والخوف، وتسحق كرامة الفرد وحريته، ويخسر "الانسان" قابليته للتحقق الكامل كنوع فذ، لا حدود منظورة لإمكانيات ارتقائه.

لذلك، في بيئة كهذه، فإن من ينتج الأسئلة، ويزرعها، ويحرسها، ويرعاها؛ فرد استثنائي، يقف أمام تيارات عمياء، من الركود والانصياع والتلاشي الحضاري.

بهذه الاسئلة يتخلق فضاء يتنفس فيه افراد استثنائيون آخرون، يحمون حق الجماعة في أن تبقي على بقية من رئتها، تمتص شيئاً من الهواء الطلق. والجماعة، كأي كائن حي تختنق دون هذا الفضاء.

في بداية التسعينيات من القرن الماضي، في الحوزة العلمية بمدينة قم وسط الصحراء الايرانية المأهولة، بدأ شاب عراقي في منتصف الثلاثينات من عمره، يدافع عن أسئلته، ويحررها واحدا تلو الآخر، فينسج منها فضاءً جذاباً، سرعان ما انشدت إليه عقول وأفئدة فتية، زاحمتها أسئلة فتية، وأقلقت سكونها المدجن.

لم يكن راعي الأسئلة فريدا في أسئلته، لكنه كان فريدا في رعايتها ربما، فتلوّن فضاؤه وتعدد وتكاثر. وكأثر طبيعي لأي نمو سليم، تفرعت أغصان لم تكن بالضرورة تكرارا للأصل، بل ربما اختلفت تماما، وابتعدت نحو الطرف المقابل من ذلك الطيف. وبعد جيل كامل من الشغب على الموات، والاشتباك مع الركود، توزع هؤلاء المتسائلون على أصقاع الارض من ايران والعراق، مرورا بأوروبا والولايات المتحدة وليس انتهاءً باستراليا.

وفي بيئة كتلك، فإن كل الأسئلة خارج مختبراتها، مدانة عموما، غير ان بعضها يُطرد وتُلاحق كل تبعاته، تلك هي الأسئلة، التي تشبه أساطير الكيمياء، تحدث تحولات جوهرية في من تصيبه، فيصير المعدن الرخيص نفيساً ولامعاً. أسئلة الدين والعقيدة والإيمان هي من سنخ تلك الأسئلة.

الأسئلة هنا؛ لاذعة وجذرية، لكنها مراوغة ومتناسلة، تبدأ بالاستفهام وتنتهي به، تأخذك من شيء واحد متوقع الى أشياء متعددة مدهشة، قد تتناقض ويهدم بعضها بعضاً، وقد تتكامل فيبني بعضها بعضاً، لكنها في كل الأحوال تعيد صياغة نظرتك الكلية، وتتدخل في جزئيات مختبئة تحت معاطف الموروث والثقافي، واحتيال الأذهان على أنفسها.

وحين تدخل هذه الغابة، فأنت بلا شك تغادر صناديق "الآيديولوجي" الى رحابة "المطلق"، فتبث هذه الصلة الحياة بكلّك. والحياة تحدٍ عظيم لافتراضاتنا الواهية وذعرنا المزمن...

في تلك الغابة، أخذ عبدالجبار الرفاعي بأيدي أصدقائه وتلامذته، معهم تلمّس الطريق الى تلك الصلة المحررة، خاف تارةً كما خافوا، واطمأن اخرى كما اطمأنوا، سبقهم وسبقوه، لكن عينيه ظلتا دائما تحرسان تلك المسافة الطويلة بين السؤال والإشراق.

هنا، نصوص عديدة، تروي قصة هذا الراعي في اضاءات ثرية، لأن قصته هي قصة جيل عراقي مختلف، خرجت ظروفه عن السياق التاريخي الساكن، ورُمي في عراء المضطرب والمتحول واللامضمون، تلقفته السرديات الجاهزة؛ كي تفسر له الماضي والحاضر والمستقبل، وتعلبه في قوالب ردود الأفعال القاصرة على تحديات ظروفه، لكن ضيق أفقها سرعان ما انكشف امام أسئلة صعبة، جاهر برفعها عالياً ذلك الراعي وثلة من رفاقه الشجعان. أسئلة الإنسان المسحوق امام الخديعة والزيف والطمع وصراع الغلبة.

ولأنها قصة جيل وقصة وعي، فقد سارع شهودها للاستجابة الى ذكر شهاداتهم عليها، تابعهم بشغف المهجوس بالبحث عن النور، الصديق مشتاق الحلو، الذي أشرف طوال شهور عدة بصبر وجدّ على متابعة إصدار هذا الملف واعطائه هذه الحلّة الجميلة.

في هذه الشهادات قصص شخصية، وهموم عامة وهواجس معرفية، كتبها رواد فكر، وصحفيون، ومحررون وناشطون وإعلاميون، واكبوا الرحلة في أزمان مختلفة، ومن أماكن متعددة...

ولأن لا مروية بشرية تكتمل بنفسها، فإن هذه الاضاءات على هذه الرحلة الشائقة لا تقدر بثمن، وهي تدور دورة كاملة حول السؤال الأبرز، الذي رعاه الرفاعي طيلة الـ 25 عاما الماضية في سياقه العربي: سؤال اللاهوت الجديد.

وشاح الحروف العربية بألوان الاعظمي وشعر طه

haidar  alwailiصدر عن مطبعة دار الاتحاد البحرينية كتاب للتشكيلية العراقية "فريال الاعظمي" حمل عنوان "لاترفع وشاح ألواني، هناك ينام الوطن".

الكتاب من القطع الكبير بطباعة انيقة جداً ترقى لأناقة وجمال وسحر اللوحات الفنية الحروفية التي تضمنته حيث سحر وجمال الحرف العربي في اللوحات يخطف الالباب. اللوحات الحروفية هي: لوحات توظف الحروف العربية كمادة فنية.

هكذا مشاريع فنية لم تلقى الدعم الكافي "محلياً" في العراق -مع الأسف-، ولو تم فسيكون دون الطموح ولا يسمو لعظمة المنجز وأهميته بالرغم من أن لدينا وزارة متخصصة "وزارة الثقافة".

لا يسعك الا التأمل ملياً وانت تقلب صفحات الكتاب بلوحات حروفية رائعة لشعر هو الاخر رائع للشاعر السوري "لؤي طه" وظفته "فريال الاعظمي" بأجمل ما يكون.

جمعهما سحر الحرف العربي، هذا يعصر الامه ويصوغها شعراً وتلك ترسمه لتبثه روحاً يصرخ في لوحات.

كتب "لؤي طه" واصفا لقاء الحروف كلماتٍ ولوحات بين شاعرٍ وفنان:

(حزينة خطوة المسافر عن بلاده كخطوة التائه لا يدري أين وجهتها، ومشيتُ يا وطني بالغربةِ تجلدُ عاطفتي وحنيني، تنفست من جذور شوقي ولبستُ اسمكَ وشاحاً وصرخت في شوارع غربتي "إني أنزف حنيناً إليكَ يا وطن" هو كان يجلس على رصيف الغربة يستمع لصوت حنيني...

هو المغترب عن وطن تأكل النار من دمشق الياسمين وأنا المغتربة عن عراق ما انطفأت النار عن نخيله منذ آلاف السنين حين يكون الوطن قاسماً مشتركاً ما بين المغتربين يتلاقى به اللون مع الحرف ليكون لوحة).

ويستطرد "لؤي طه" في ذكر ذات اللقاء:

(في مقهى على رصيف الغربة، كنا نجلس في ضيافة الحنين، وفي مساء الولع المبلل بالشجن إلى وطن تتساقط حيطانه وألسنة الموت تأكل أرواح الأحبة. كنا غرباء نتناثر على مقاعد اللهفة نرتشف من وجوه بعضنا ملامح الأمل، وعلى خشب الطاولة المهترئ، مثلما اهترأت ثياب قلوبنا كنا نعبد شوارع العودة. تود لو استطعت البكاء لا لأنك في بيت الغربة حزين، فقط لتغسل وجع الحنين إلى وطنك بالبكاء. بملامح سمراء لم تغير الغربة من نكهة لكنتها العراقية، كانت تحمل علبة ألوانها ولوحة بجسد أبيض لم تمشي عليها خطى الريشة. اقتربت منها وتلوت لها حروف الحنين واستفزها الحرف نثرت ألوانها ونثرت بالقرب منها حروفي وامتزج عطر الياسمين مني برائحة النخيل. هو الوطن من جعلنا نلتقي، فكان العمل المشترك لي مع الفنانة العراقية "فريال الأعظمي" في كتاب يضم أروع ما أبدعت من لوحات وحروف مني تغفو قريبة من ألوانها).

حقيقة بعد أن قرأت ما أقتبسته سابقاً أجدني عاجزاً في وصفه سوى تركه ناطقاً حاله بحاله يقرع باب القلب ليسحر بجماله كل ذي ذوق رفيع.

كتب لي شاعر اللوحات يقول:

(منذ البدء والشراكة ما بيني وما بين الفنانة فريال تمشي بخطى أنيقة ومهذبة، قالت: مني اللون والصورة ومنك الحرف بأجمل صورة لنرسم ونكتب ثلاثة حروف تختصر كل الزمن وكل الحنين وهو "وطن". انتقيت من الأشعار التي بها الحس الوطني، والحروف التي تضبط ايقاع الحنين على أمل اللقاء بأمي على تراب الوطن... كان الكتاب رسالة قصيرة لكنها عميقة تحمل غاية هي أن تمتد الشراكات العربية فنياً).

يتخلل الكتاب دراسة نقدية برع في صياغتها الفنان والناقد التشكيلي العراقي "محسن الذهبي" تطرق فيها لتاريخ اللوحات الحروفية وبداياتها في الأربعينيات على يد الفنانة التشكيلية "مديحة عمر" وكيف استلهمت من اشكال الحروف العربية ووظفتها في بناء لوحة فنية.

ثم يتطرق "الذهبي" لتجربة "الأعظمي" في هذا المجال حيث يقول:

(تشتغل الفنانة "الاعظمي" على ايقاع تكويني ضمن مفارقة مقصودة تأخذ حركتها من اتجاه قراءة النص التشكيلي للكتابة العربية، لتؤكد على فاعلية الحركة الكامنه لروح الحرف المنفرد في مسعى لأستغلال الايقاعات المتشابهة لترتيب التكوين الفني ولخلق صدى انغام مرئية تتخللها فراغات صامته تتحدث عن روح حكائية مشبعة بالشاعرية، فهي تحافظ على الشكل الواقعي للحرف المقروء ولا تتجاوز واقعيته البنائية وهندسته الشكلية تأكيدا لروحانية الحرف كثيمة لها قدسية في ذاكرة المتلقي وتقربا من تجسيدها لروح الجملة الشعرية او الحكائية التي تطرحها).

ويستطرد "الذهبي" بالقول أن الحرف لدى "الأعظمي" هو رمز ايقوني يذهب بعيدا في تأمل فلسفي باطني وأن الحرف لم يعد لغة "تمثيل" بل "تشكيل" تسعى للكشف عن معان من وراء الألوان والتكوينات الحروفية لخلق عوالم ابداعية تتميز بشاعريتها.

بقي الأشارة الى التفاتة حول تصميم الكتاب الذي يستعرض كما أسلفت لوحات حروفية حيث اللافت أنه يبدأ من اليسار لليمين -نظام الكتابة الانجليزية- حيث كان الأولى أن يبدأ من اليمين لليسار -نظام الكتابة العربية- كون اللوحات تمجد الحرف العربي حتى لو كان الكتاب باللغتين العربية والانجليزية حيث توجد ترجمة انجليزية تحت كل ما ذكر عربياً.

ان لوحات وكتاب "فريال الأعظمي" منجز ينضم لقائمة طويلة من منجزات الثقافة العراقية الأصيلة التي خلدها التاريخ وساهمت بأثراء الفكر والثقافة العربية والعالمية.

وددت في الختام أن أشير الى حوارين منفصلين حصلا بيني وبين الفنانة "فريال الأعظمي" والشاعر "لؤي طه"، حقيقة لم أشعر أني أحاور كلاً منهما بمعزل حيث استشفيت من كلامهما روعتهما معاً وهذا ما تمخض عنه كتاب رائع جمع بين روعة الكلمة وروعة اللون، بين شعر جميل يحطم الحدود ويدخل القلب دونما استئذان لـ"سوري" وبين لوحات فنية تنطق بجمال اللون وسحره لـ"عراقية" وكلاهما عذب عذوبة الفرات، وكلاهما يجمعهما الفرات.

 

حيدر محمد الوائلي

 

شاعر في المهجر .. يهرب من ثلوج نيويورك إلي شمس القاهرة

565-parخرج الشاعر المصري فرانسوا باسيلي من مصر لكن مصر لم تخرج منه، وتصف مقدمة ديوانه الجديد شمس القاهرة، ثلوج نيويورك الذي صدر عن دار سندباد للنشر بالقاهرة مؤخرا ما حدث للشاعر قائلة

حمل القاهرة وهاجر إلي نيويورك لتتفجر كتاباته منها شظايا تفتح الجسد والروح علي عوالم الغربة والرغبة في الشرق والغرب

وبين الديوان الأول للشاعر-  تهليلات إيزيس ( 1998)  - وديوانه الجديد ستة عشر عاما جرت فيها مياه كثيرة تحت جسر جورج واشنطون بنيويورك، مدينة هجرته، حيث يقيم حاليا بجسده، وإن كانت اقامته الروحية منذ دهور، وما تزال، في مدينة مسقط رأسه القاهرة. والديوان جسر يحاول به الشاعر مد تواصل يبدو مستحيلا بين عالمه القديم وعالمه الجديد، فالشعر هو حمامه الزاجل الذي يحمل رسائل عشقه وغضبه وعتابه ولهفته إلي وطنه الأصلي،  وهو في نفس الوقت قربان يقدمه الشاعر علي مذبح غربته بكل ما يحمل هذا من مشاعر تيهٍ وبترٍ وتضارب تختلط فيها الأوجاع الوجودية العامة بالأحمال الروحية الخاصة، ومن ناحية أخري فهذا الشعر شظايا متفجرة تتطاير لتشارك الآلام الهائلة التي مرت بها مصر.

 565-parوعن هذا كتب الناقد دكتور صبري حافظ، " منذ أن نشر الشاعر المصري قصائده الأولى في مجلة (الآداب) لفت الأنظار بقصيدته المتميزة، ويعود الشاعر المصري المرموق الى لحظة تاريخية فارقة أسست لأفق مغاير في مصر كما فتحت أمام النص الإبداعي إمكانات جديدة، ترهف الرؤية عن بعد بصيرة الشاعر المقيم في نيويورك، ولا يجد إلا القصيدة كي يعلن صرخة أنطولوجية عميقة وحبا للانتماء لبلده التي دخلت في دوامة، لأنها بلده الوحيد وأسرته الحضن الآسر لوجعه."

الشظايا الشعرية التي تتفجر في قصائد الديوان تأتينا محملة برائحة وثلوج وإثارة مشاهد نيويورك من ناحية، وبدفء إشعاعات شمس مصر الساطعة في قلب الشاعر وفي مدينته القاهرة من ناحية أخري، فتتنقل أحاسيس الشاعر الانسانية والوطنية المتأججة النازفة بين هذين القطبين المتضادين المختلفين في كل شيء، بل هي دائما موجودة في القصيدة الواحدة، مما يزيد من الزخم الشعري ويكثف من أمواجه وتوتراته العاطفية والفكرية، فيما يقدم لنا شرفة فريدة نطل بها علي مدي الإختلاف بين عالم الشرق وعالم الغرب، خاصة في وقت تلعب فيه الولايات المتحدة دورا ملتبسا تجاه ثورتي مصر، فينحاز الشاعر إلي حق شمس مصر في السطوع بقوة وطلاقة نجدها واضحة في قصائد الديوان،  فيقول في قصيدة زهرة اليورانيوم

كنت في القاهرة / نائما علي سجادة التاريخ حاضناً أمسي / ورأيت في رؤيةٍ / أن نيويورك شمس غدي / فمددت يدي / أفتح غيم الغيب والغياب / قلت هجرة بلا إياب / هل للعالم القادم بابٌ غير هذا الباب؟ / نيويورك جسدٌ  / رمي بنفسه علي جسدي / وأنا أخلع أجسادي وألبسها / نيويورك جسدٌ  / وأنا جسدي تائهٌ في اللامكان / جسدان لا يلتحمان / إلا علي فراش الريح والهذيان / نيويورك سيدة الزمان / تقطف مني الروح  / تتعري وهي تأتي علي جسدي وتروح / تأكل كل قطعةٍ  / وتشرب كل قطرةٍ من الجسد الطريح / حتي أصير خاضعا ولا مباليا / تسوقني مكبل القدمين للميدان / فأخلع ما بقي من جسدي / وأعود للبلاد / لأقصف شهرزاد في بغداد  / أو أقطع الطريق إلي دمشق / حيث يخرج المهجرون من بيوتهم عرايا / وتقول لي أنظر إلي التاريخ يهوي / والأساطير شظايا / وقد انتهت كل المعارك بالهزائم / لم يبق غيرك / تظل بقلبك الشرقي منكباً علي الأعلام / تريد رفعها علي التخوم عاليا / متشبثاً وباكيا / تريد إعادة الأيام للأيام / فانزع الأحلام عنك / واترك الأوهام تهوي / كالذبيح من الحمائم / أخرج من الأرض الكئيبة / واحصر علي الآي باد أعداد الغنائم / ماضيك سجنٌ / وأنا أفتح لك / أبواب عالمك الجديد فلا تقاوم/

لكن شاعرنا يتمرد في صراعه مع عالمه الجديد صارخا:

كم مرة أردت أن أهد المعبد / مثل شمشون علي رأسي وأعدائي / ولكني بلا أعداء / ولا أكره إلا / ما ترسلين من صحائف الكيمياء / وأرغفة اليورانيوم  / للجائعين في بلاد البسطاء / لماذا تحولينهم إلي أعداء / وتمزقينهم أشلاء / وهم رفاقنا وأهلنا / ثم تسألينني / لماذا يكرهوننا؟ /

نيويورك/ كم زهرة يورانيوم ستدفنين في جسدي / وكم صاروخٍ عابرٍ للقارات / ستطلقين علي بغداد أو دمشق أو قري بلدي / نيويورك يا روما الجديدة / كل يوم أطالع إنهيار مدينةٍ من مدني / ودمي يسيل علي صفحات الجريدة / كم أورشليم قد التهمت اليوم / يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين

ويقول في قصيدة دامغة يستدعي فيها الشاعر الأمريكي والت ويتمان بعنوان "شهوة والت ويتمان الأخيرة"

  مازال والت ويتمان / هوملس علي رصيف نيويورك / يلقي إليه المارة / بالدولارات والبيتزا / لا يفيق إلا ليسأل / عن أسعار القصائد في وول ستريت / وقد هبطت إلي معدلات خطيرة

تهدد بانهيار كامل / لإقتصاد ما بعد الحداثة / لا تقلق يا والت / قبل إنهيار البورصة بدقائق / سيعلن أوباما أو خليفته الحرب / في مكان ما في العالم / لنصرة الديمقراطية / فتضحك السندات في البورصة / ويرتفع سعر القصائد قليلا / قبل أن ينهار تماما / فلم يعد أحد يقرأ / سوي صفحات المال / والجريمة / والوفيات

  إما حين يتحدث عن مصر، فإن الشاعر المهاجر يستدعي لغة تقطر عشقا وألما ورغبة وأملا،  فيقول في زهرة لوتس تقوم من النوم..  دعيني أدخل التاريخ من أضيق باب / وعلى أسوارك العليا أخر مضرجا / من وطئة اللمسات، من أناملك المشعة بالعذاب / أو على عتبات هيكلك المدمى بالذبائح والمدائح / آتيك أحمل ناي قلبٍ مثخنٍ /  بالمحن الكبرى وآيات الغياب / فعلى أي ذراع أرتمي مستسمحا؟ / وبأي كفٍ أمسح الجمر الذي في وجنتيك / وأزيل عن قدميك أشواك الهضاب؟ / وعلى أي سحاب / أبصر الوحي الذي أوحى لقلبك بالتراتيل / وأقرأ سر بعثك في أي كتاب؟ / وعلى أي ضفافٍ أستريح وليس هذا النهر نهري / ولا أرض المنافي هذه أرضي / ولا المدن الغريبة والقباب / دعيني أعبر البحر الذي بيني وبينك واليباب / هل أبدأ التاريخ من حيث انقضى؟ / وأعيد ما عبرته أزمنةٌ وواراه التراب؟ / أيعود يوماً ما مضى؟! / سأمر من أضيق باب / للمخدع السري حيث رقدت دهرا / في حرير للأساطير العذاب / وأركع لامساً ثوب المحبة والرغاب / فتقوم زهرة لوتس من نومها في راحتيك / وتطل شمسٌ من ربى نهديك / ويسيل نيلٌ حاملاً طفلاً جميلاً كالشهاب / فأقول هذا وعدك الآتي / وسر الموت والبعث / انهضي / يا مصر / للفجر من أوسع باب

  يقول دكتور محمد سليم شوشة عن الديوان:

 فرانسوا باسيلى صوت شعرى مهجرى له خصوصية، صوت يناجى الوطن كما يناجي الصوفى ربه. حالة شعرية لا تختلف عن العشق الإلهى. إنه عشق الوطن فى غربة ليست لها ملامح، هو يحيا فى مصر برغم هذا البعد، غارق فى تفاصيل المكان والذكريات، يحيا فى مصر شعريا برغم أن المكان الآني هو أمريكا أرض المهجر. هنا يتبدى صراع بين أرض المهجر وبين الوطن، وهو صراع حسمت نتيجته لصالح الوطن. هذا خطاب شعرى يتسم بالإيغال فى الشاعرية والصدق، وله ملامح سردية تجعل قراءته ممتعة إلى أقصى درجات المتعة، ويجعل شعر المهجر نموذجًا ممتدًا فى الأدب العربى ونهرًا متصلا عابرًا للقارات وصلة بين الأمم والحضارات، فيغوص فيها بقدر ما يغوص فى الذات الإنسانية، وتمثل تجربته الشعرية مقاربة جادة وصادقة شائقة وجديرة بالاهتمام.

جاء ديوان "شمس القاهرة، ثلوج نيويورك في 160 صفحة وتوزعه دار سندباد في مصر والمكتبات العربية

 

 

الاتجاه المعاكس في كتابات صباح الأنباري

saleh alrazukعن دار ألف في دمشق صدر هذا الشهر كتاب د. صالح الرزوق (الاتجاه المعاكس في كتابات صباح الأنباري).

وفيه يتناول موضوعين أساسيين هما: الحدود بين الأنواع الأدبية والفرق بين الحداثة والتجريب.

بالنسبة للحدود يرى الناقد أن الأنباري مخلص لمفهوم الدراما وليس لشكل وأسلوب المسرح. فهو لا يعول كثيرا على الحبكة أو العقدة المسرحية ولكنه يتمسك بفكرة الأداء على الخشبة بحضور نظارة.

وأهم عناصر فن المسرح المفقودة في كتابات الأنباري هي الحوار في مسرحياته الصامتة والتسلسل في مسرحياته الناطقة. وعليه كان اهتمامه الأول بالحالة النفسية للشخصيات وبمشاعر الخوف والرهبة في جو من العنف والقسوة يذكرنا بمسرح القسوة لانطونين أرتو.

أما بالنسبة لفكرة الحداثة في مسرحيات الأنباري يرى الناقد أنه كاتب حديث ولكن خارج مفهومنا للحداثة الكلاسيكية. بمعنى أنه تجريبي ويلغي نفسه باستمرار.

أحيانا يلتزم بفكرة المسرح كعرض يفترض المشاهدة وأحيانا يقترب من كتابة مونولوجات واعترافات نفسية لا تختلف عن شكل ومضمون القصة الجديدة التي مهد لها الطريق في فرنسا بوتور وكلود سيمون.

بالإضافة لذلك يركز الكتاب على شكلين أساسيين اهتم بهما الأنباري: المونودراما و المسرح التاريخي. و يحاول الناقد أن يجادل موضوعة التاريخ.. هل هو تاريخ فعلي أم أنه تفكيك لأثر التاريخ وتراكماته في حياتنا كأفراد يمثلون جماعات نمطية.

وينتهي الكتاب بحوار ذي شجون يدور بين الناقد والأنباري يتحدثان فيه بصوت مرتفع عن علاقة الفن بالسلطة والمجتمع والذات الفنية.

ويؤكد الكتاب منذ البداية في (التمهيد) أنه مجرد ملاحظات حول المسرح بشكل عام وتجربة صباح الأنباري بشكل خاص. ويدعو النقاد للإدلاء بدلوهم في الموضوع. وبهذا المعنى يقول:

"لقد كانت الغاية من هذه القراءة الموجزة إثارة المزيد من التساؤلات وفتح المزيد من النوافذ على هموم المسرح المعاصر وعلاقته بالفكرة الفنية ثم بالأدوات أو القانون - وهذا عندي هو اللغة والأسلوب. وكلاهما من ممتلكات ومتاع الأب كما يرى روسو ومن بعده لاكان. فاللغة والشكل الفني هما اختراع أبوي. وهذا يعني أن لهما حصانة وحتى لا نقع بالتكرار يجب أن نقع بالخطيئة وأن نحمل وزر التفكير بتحدي القوانين المرعية. وهنا تبدأ المشكلة..

هل أزمع صباح الأنباري على قتل الدراما. وهل شحذ سكاكينه للطعنة القاتلة؟؟.."

 

مضافات أبوابها مشرعة على مدار الساعة

nadheer khazrajiلا يعرف حقيقة المال حق المعرفة إلاّ من أتاه خجلا متسربلاً ثياب الكد والتعب، وربما الفقير هو الأقدر على التشخيص عندما يتسرب إلى جيبه قليل من المال يفوق ما اعتاد عليه، والذي ينشأ في عائلة فقيرة ويشق حياته بعيدا عن الأجواء السابقة يتذوق طعم الغنى، حتى وإن لم يكن يملك ثروة كبيرة، وعلى الطرف الآخر من نهر الحياة فإن الذي يعيش بحبوحة الغنى المادي وبخاصة من الأبناء لا يملك ذلك الاحساس الذي عليه ابن الفقير في تشخيص معنى الغنى والفقر، فمن لم يذق مر الخسارة لا يتحسس حلو الفوز والظفر، ومن لم يذق علقم الفقر لا يقدّر شهد الغنى، ولذلك جاء في الأثر (ارحموا عزيز قوم ذل).

ولأن الأمر كذلك، فإن الإنسان بطبعه وفطرته يحدوه الأمل لأن يحسّن من وضعه المالي، فحتى المليونير لا يكتفي بملايينه ولا الملياردير، وأما محدود الحال والمفلس والمديونير (المديون) فهو دائم التفكير ودائب السعي للخروج مما هو فيه نحو الأحسن، ولعلّ طبقة العمال والموظفين وأصحاب الدخل المحدود من أكثر الطبقات الساعية الى تحسين الحال الاجتماعي والاقتصادي، من أجل بناء أسرة مستقرة ماديا توازن بين متطلبات الحياة الصعبة والراتب المحدود الذي يتصاعد سنويا بحركة سلحفاتية غير محسوسة ومرهقة في الوقت نفسه يتحسسها الأب عندما يكون مطالباً تأمين كسوة الصيف والشتاء وتوفير المعيشة المعقولة لأفواه لا تدرك معاناته، وهي غير معنية من أين يأتي المال، إذ لا حول لها ولا قوة.

وبقدر صعوبة الحياة لأصحاب الجيوب الخفيفة من العاملين والموظفين فإن وتيرة رغبتهم تتصاعد كلما ضاقت عليهم حلقة الحياة، ولذلك يكون السعي الجاد لاستحصال ساعات عمل اضافية او ابتعاث لدورات تدريبية أو تأهيلية من أجل راتب أفضل، بل يستعمل بعضهم وسائل غير نزيهة في هذا السبيل، ولعل من أسوأ اللحظات على الموظف هو عندما يحين موعد تقاعده، فتراه يسعى لتمديد عقد عمله لسنوات أكثر، فراتب التقاعد غير مجز عند الكثير وجلسة البيت قاتلة.

ولكن من أكثر الناس خسارة، مَن تتاح له فرصة العمل الإضافي وبأجور طيبة ولا يستغلها مستأنسا لما هو فيه من الحال متكئا على أريكة الخمول، وربما يشكو البعض من قلة الحال مع قدرته على تحسينها ولو بقدر ولا يسعى لها سعيها، فهذا من خيبة الأمل أيضا، وقد ساقنى الى هذه المقدمة كتيب "شريعة النوافل" للمحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، الصادر حديثا (2014م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 64 صفحة، فالمسائل التي تضمنها وهي 116 مسألة فقهية وتعليقات الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري وهي 14 تعليقة مع مقدمة للمعلق وتمهيد للكرباسي، كلها وفي مؤداها العام تحكي عن واقع الانسان الذي أتاح له رب الأرباب فرصة تحسين واقعه الدنيوي والأخروي نحو الأحسن والأفضل، دعوة مفتوحة أطلقها رب "قل اعملوا" لساعات أجر اضافية غير مقدرة بثمن وبعثات عمل الى فضاءات غير محدودة يصعب على عقل الانسان تثمينها، فسوح الحياة سوق مفتوح للاغتراف من عطاء الله مع قليل من العناء، بحاجة الى ارادة لا ينالها كل انسان.

 

الخير في النوافل

لا وجه للمقارنة بين عطاء البشر وعطاء رب البشر، ولكن التشبيه جاء من باب تقريب الفكرة التي يعايشها الانسان في حياته اليومية. فالعلاوة المالية والمنحة وبدل ساعات عمل اضافية وبدل الابتعاث والسفر، كلها موارد مالية في قبال الراتب الرسمي الذي يتقاضاه العامل والموظف، يتحسس فائدتها وإن قلّت، وهذه المسميات في جانب العطاء الالهي اللامحدود هو ما يطلق عليه بـ "النوافل" في قبال "الفرائض" فالأولى يؤجر الانسان على الاتيان بها والثانية يؤثم على عدم العمل بها وتنجيزها، والفاصلة كبيرة بين الأجر والإثم وبين الثواب والعقاب، واذا كان عطاء البشر في العلاوات محدوداً لعدد من الناس ولساعات محددة فان عطاء الرب مفتوح لكل البشر وبلا حدود، وهذا الفرق بين العطاءين، بل من الظلم الصراح المقارنة بينهما، ولكن من باب المقاربة في الأمثال.

فالعلاوة لدى البشر يقابلها "النفل" لدى خالق البشر، وهي من حيث اللغة كما يشير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (الهبة والزيادة، والنافلة هي: ما يفعله الانسان مما لم يُفرض عليه ولا هو مما يجب عليه، والجمع نوافل، وفي مصطلح الفقهاء، النافلة هي: أعمال العباد التي رغّب الشرع الشريف في القيام بها دون إلزام، لكسب مزيد من القُربى والأجر والثواب، وقد اُطلقت النوافل بشكل أبرز في الصلوات اليومية المستحبة والتي عُرفت بالنوافل اليومية).

ولأنّ النوافل كثيرة وضعها الله رحمة لعباده، فإن كتيب "شريعة النوافل" خصصه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي لبيان أحكام النوافل اليومية، وهي عبارة عن صلوات وركعات وهي ضعف الفرائض اليومية في عدد الركعات أي 34 ركعة، ركعتان قبل صلاة الصبح وثمان ركعات قبل صلاة الظهر ومثلها قبل صلاة العصر، وبعد صلاة المغرب أربع ركعات، وواحدة بعد صلاة العشاء تُصلى من جلوس في ركعتين واحدى عشرة ركعة قبل طلوع الفجر الصادق.

فالنوافل كما يضيف الفقيه الكرباسي: (تزيد من بهاء الانسان المؤمن وتصقل نفسه، وتحلّ عليه بركات ربه الايمانية التي قد لا يحصل عليها في غيرها) وهي في مؤداها العام تسد النقص في الفرائض اليومية الواجبة التي لا يضمن المسلم قبولها عند الله، وقد ورد عن الامام محمد بن علي الباقر(ع): (إن العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها، فما يرفع له إلاّ ما أقبل عليه منها بقلبه، وإنما أمرنا بالنوافل ليتم لهم بها ما نقصوا من الفريضة)، بل من منن الله على عبده أنْ فتح له باب الاغتراف من معين خيره، وزيادة على ذلك أن الله يباهي بصاحب النوافل الملائكة، ففي الحديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): (إنّ العبد يقوم فيصلي النافلة فيعجب الرب ملائكته منه، فيقول: يا ملائكتي، عبدي يقضي ما لم أفترض عليه)، فأية تجارة رابحة هذه، يأخذ المشتري البضاعة بعينها وريعها وربحها وإذا رغب بالمزيد أخذ حيثما يريد، وما أحوج الإنسان إلى مثل هذه التجارة في وقت تعصف به الحياة من كل جانب بخيرها وشرّها، فربما حرفته عن جادة الصواب فتأتي النوافل كما يؤكد الفقيه الكرباسي: (لتصحح مسيرة الإنسان وتصرفاته وتضعه في الجادة الوسطى للحصول على نتائج مادية ملموسة لها ارتباط بالنفس والجسم أيضا، بالاضافة الى القدرات التي يستخدمها الخبير اللطيف في انقاذ عبيده من الوقوع في الهاوية).

 

الوجه الآخر

وعلى الرغم من المغريات التي يقدمها رب الأرباب لدفع المسلم نحو التقرب اليه بالعبادة، فإن النوافل ليس الاتيان بها مستساغ كلها أو بعضها للكثير من الناس، فهي في الوقت الذي تعتبر منّة الله على عباده من باب اللطف بهم، فهي بحاجة الى توفيق منه سبحانه وبإرادة مباشرة من العبد نفسه، لأنه بطبعه يبحث عن المنفعة التي يراها بين يديه شاخصة، والثواب ليس بالشيء المرئي في عالم الدنيا، ولذلك لا يبحث عنه الكل، وإلا لو كان ملموساً لتوجه كل الناس بالفرائض ولم يتخلفوا عن الدرب فيدخلوا في خانة: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) سورة مريم: 59، من هنا يرى الفقيه الغديري في التقديم أن: (الذي يأتي بالنافلة مع الفرائض فهو يقصد بذلك وجه الله من غير الزام، فلعمله هذا مرتبة عالية ومنزلة عظيمة عند المعبود المطاع، وهذا من منن الله تعالى عليه أن منحه هذا التوفيق ليأتي بأعمال وأذكار باختياره التام من لدن نفسه فله أجر عظيم ومقام رفيع).

بالطبع لا ينبغي أن يكون جزيل ثواب النافلة مدعاة للتساهل والتهاون مع الفريضة، فتلك مستحبة وهذه واجبة، ويفترض في الواجبة أن تؤتى بكامل شروطها وضوابطها، وفي الحديث عن الإمام علي(ع): (إِنَّ لِلْقُلُوبِ إقْبَالاً وَإِدْبَاراً فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِض)، ويقول الامام علي بن موسى الرضا: (إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً فإذا أقبلت بصرت وفهمت، وإذا أدبرتْ كلّت وملّت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها)، فالوسطية مطلوبة في كل شيء.

ولا يخفى ان المرور على المسائل الفقهية التي عرضها الفقيه الكرباسي تكشف عن أهمية النوافل اليومية في حياة الانسان، ولذلك هناك تسهيلات كثيرة وترغيبات، ربما لا يصح بعضها في تنجُّز الفرائض، تدفع بالانسان الى الاتيان بها، فعلى سبيل المثال: (يجوز إقامة النوافل من جلوس، ولكن إقامتها من قيام أفضل)، (يجوز الاكتفاء بقراءة بعض الآيات بدل السور الكاملة)، (يجوز إقامة النوافل ماشيا وعلى ظهر الدابة أو المركوب في السَّفر والحضر). ولكن في الوقت نفسه تبقى الشروط الوارد ذكرها في الفرائض اليومية واردة في النوافل اليومية، وهي كما أوردها الفقيه الكرباسي في المسألة التاسعة: (الطهارة، نية العمل، نيّة القربة الى الله تعالى، التقيّد بالوقت، طهارة الجسم والملبس ومحل السجود، التوجّه نحو القبلة، إباحة المكان والملبس، حليّة الملبس، والسِّتْر).

في نهاية المطاف حيث لا نهاية لمطافات الله ومضايفه، إذا عرفنا هذا النزر القليل عن مسائل صلاة النوافل، فلا عجب إذا ما سمعنا أن ولياً من أولياء الله الصالحين كان يصلي في اليوم ألف ركعة، وكذلك لا عجب إذا كان في متناول اليد الاتيان بها وتقصر الارادة عن تفعيلها.

 

الأديان الإبراهيمية قضايا الراهن

sohayla taybiرغم ما يلوح من قواسم مشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، يبقى التحدي يواجه جميعها، وهو كيف تعيش تلك الأديان شراكة الأوطان؟ وكيف تغدو حاضنة لبعضها البعض ولا تكون طاردة؟ ضمن هذا السياق أتت فصول هذا المؤلّف دانية من المعيش اليومي، ومُتابِعة لراهن أتباع تلك الأديان، في تآلفهم وفي تنافرهم. فالكتاب تأمّل في أوضاع الحاضر، وإن أملت الضرورة العودة إلى سالف التجارب، لفهم مجريات الواقع، فأحيانا تكون أُطر استيعاب الآخر مضلّلة، لا تفصح عما يتخلّلها من تناقضات. فالأديان الثلاثة تبدو مقبلة على مواسم تفوق قدراتها التقليدية، ما عادت المدونات الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية كفيلة بحلها.

ومن المفارقات الكبرى في عصرنا، أن الدين المستضعَف المهاجر، بات يستجير بالعلمانية وبالدولة المدنية طلبا للمقام الآمن، ولا يجد ذلك المأمن والملجأ عند رفيقه في رحلة الإيمان، وهو حال الإسلام الأوروبي. في وقت يُفترض فيه أن يكون المؤمن "الإبراهيمي"، بين أهله وملّته، حين يكون في الحاضنة الحضارية لدين من الأديان الثلاثة، لكنه في الحقيقة لا يجد تلك السكينة، وغالبا ما يأخذ صورة الخصم القادم من وراء البحار، ولذلك تواجه دعاة الحوار اليوم تحديات كبرى، آثر مؤلف هذا الكتاب التطرق إليها دون لفّ أو دوران.

مؤلف الكتاب عزالدّين عناية أستاذ تونسي بجامعة روما متخصص في علم الأديان. نشر مجموعة من الأعمال منها: "الاستهواد العربي"، منشورات الجمل؛ "نحن والمسيحية"، توبقال؛ "العقل الإسلامي"، دار الطليعة. ومن ترجماته: "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان؛ "علم الاجتماع الديني" للإيطالي إنزو باتشي؛ "السوق الدينية في الغرب" لمجموعة من الباحثين الأمريكان.

 

الأديان الإبراهيمية قضايا الراهن

عزالدين عناية

دار توبقال المغرب – 2014

 

صحفية جزائرية مقيمة في روما

 

الإسلام وحقوق الإنسان كتاب جديد للدكتور عبد الحسين شعبان

564-shabanصدر في بيروت عن دار بيسان (2014) للدكتور عبد الحسين شعبان كتاب عنوان "الإسلام وحقوق الإنسان" مع عنوان فرعي آخر "المشترك الإنساني للثقافات والحضارات المختلفة".

الكتاب من منشورات المركز الثقافي العراقي في بيروت، وصدر على نفقة وزارة الثقافة، وهو طبعة ثانية مع مقدمة جديدة لكتابه الذي صدر في العام 2001 على نفقة مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني (لبنان).

وقال الدكتور حبيب مالك في الكتاب" لك الحق أن تقبل ولك أن ترفض ما انتهى إليه الدكتور شعبان، لكن لا يسعك الاّ التسليم بشجاعة الطرح..." (مؤسسة شارل مالك) وكتب عنه د. فريد الخازن (الجامعة الأمريكية في بيروت) " لا يمكن الإحاطة بالتيارات الإصلاحية والتحديثية التي تنساب في أوساط المسلمين ما لم تعطِ كتابات الدكتور عبد الحسين شعبان قسطها".

564-shabanوجاء في كلمة الاستاذ سعد الدين بوّاب (مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني): من الإهداء حتى الصفحة الأخيرة من الملحق الأخير، يستعرّض القارئ وجهاً مشرقاً للإسلام، إلتقت مصلحة الأضداد في حجبه...

وبعد ذلك فالكتاب المؤلف من خمسة فصول يحتوي على 12 ملحقاً توثيقياً وهو يتألف من 296 صفحة من القطع الكبير ويقول عنه الناشر (دار بيسان) إنه " مصنّف يغترف من التراث الإسلامي ليقيم مؤلفه الأكاديمي والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، الدليل على رفد الإسلام الفكرة الكونية لحقوق الإنسان، ويناقش فيه المرجعية الثقافية لحقوق الإنسان من خلال المشترك الإنساني، باعتباره الأساس الأول والأهم في الهوّية الثقافية، ويتوقّف عند الفصل والوصل بين الخصوصية والعالمية، والاختلاف والائتلاف، بين النص الدولي والنص " الإسلامي" مقدّماً قراءة جديدة تتجاوز التبعية والتغريب، فيما يتعلق بالتراث والحداثة، ويتوصل إلى التسامح من خلال أسئلة العقل والفطرة إلى الآخر فيبين معناه ومبناه دوليا وإسلامياً.

كيف نقرأ "حول الحرية" لجون ستيوارت مل؟

563-hatamفي عام 1859 نُشر العمل الفلسفي للفيلسوف الانجليزي جون ستيوارت مل(1806-1873) "حول الحرية" on Liberty، الذي قُصد به في الاصل كمقالة قصيرة سعى من خلالها لتطبيق نظامه الاخلاقي في النفعية على المجتمع والدولة. يحاول مل تأسيس مستويات للعلاقة بين السلطة والحرية. هو يؤكد على اهمية الفردية التي تصورها كشرط مسبق للرغبات العليا. انتقد مل اخطاء الماضي في محاولة الدفاع عن الفردية حيث رأى ان المُثل الديمقراطية ادت الى "استبداد الاغلبية". من بين المستويات التي اسسها في عمله هي ثلاث حريات اساسية للافراد، فيها يجيز معارضة التدخل الحكومي، ويضع مبادئ عامة لعلاقة الفرد بالمجتمع، جميعها تشكل العقيدة الكاملة لمل في مقالته.ان المُثل التي عرضها مل في "حول الحرية" بقيت الاساس في معظم الفكر السياسي الليبرالي الحديث. كان "حول الحرية" عملا راقيا ومؤثرا لكنه لم يسلم من الانتقاد.

يبدأ مل في مقدمته بمناقشة الصراع التاريخي بين السلطة والحرية. واصفا استبداد الحكومة، الذي حسب رأيه، يحتاج للتوجيه من خلال حرية المواطنين. هو يصنف هذا التوجيه للسلطة الى اثنتين من الآليات:حقوق ضرورية تعود للمواطنين، وتأسيس رقابة دستورية على افعال الحكومة .

وبما ان المجتمع في مراحله الاولى كان عرضة لظروف مضطربة (مثل الحروب المستمرة او قلة السكان)، فهو اُجبر على قبول حكم "السيد". غير ان تقدم البشرية جعل بامكان الناس حكم انفسهم.يعترف مل بان الشكل الجديد للمجتمع، بدا عصيا على الاستبداد . ورغم الامل الكبير في التنوير، يرى مل ان المُثل الديمقراطية ليس من السهل تطبيقها كما كان متوقعاً. لأنه في الديمقراطية ذاتها، الحكام ليسوا دائما نفس النوع من الناس كالمحكومين. وثانيا، هناك مخاطرة "استبداد الاكثرية"واضطهادها للاقلية التي هي حسب المثل الديمقراطية تتمتع بنفس الحقوق في الدفاع عن حقوقها المشروعة.

 

مشكلة فهم الماضي

563-hatamان التمكن والتعامل بنجاح مع الفكر الكلاسيكي الفلسفي الماضي هو كمن يحاول الحصول على معلومات من مسافر قادم من بلد غريب وبعيد، بلد يختلف كثيرا في عاداته وتقاليده عما لدينا. يتحتم علينا بذل الجهد اذا اردنا حقا فهم الرسالة التي يحملها ذلك المسافر، ولابد اولاً معرفة المكان الذي قدم منه. في حالة "حول الحرية "، سيكون الجهد ضروريا، وذلك لسببين : الاول هو ان نصوص مل كانت مصدراً غنيا للاقتباسات والاستعارات الفخمة :

"الغرض الوحيد لممارسة السلطة بشكل صحيح على اي عضو في الجماعة المتحضرة، وبالضد من رغبته، هو لمنع الاذى عن الاخرين".

"الحرية الوحيدة التي تستحق الاسم، هي في سعينا للخير وبطريقتنا الخاصة ".

"لو ان اي رأي اُجبر على الصمت، فان ذلك الرأي، حول اي شيء يمكن معرفته، سيكون صائباً. ولو اردنا انكار هذا، ذلك يعني اننا معصومون عن الخطأ".

"لو ان كل البشرية عدى واحد، كانت على رأي واحد، وهذا الشخص المنفرد كانت لديه فكرة معاكسة، فان البشرية سوف لا تمتلك المبرر في إسكات ذلك الفرد، اكثر مما لو كان ذلك الفرد لديه السلطة التي تعطيه التبرير في إسكات البشرية."

تلك فقط اربعة امثلة، ونستطيع التمدد بالقائمة لصفحة او اكثر. في اي وقت يُثار فيه الحديث عن تدخل الدولة او حرية الكلام، سنواجه مثل هذه العبارات الرنانة، التي يتداولها الصحفيون وغيرهم دون روية و بلا روح لأنهم لم يتمكنوا من مصادرها.السطور المنتزعة من سياقها قد تخون القصد الذي بُنيت فيه في الاصل. هناك خطر ان تتفسخ الى "دوغما ميتة"(حسب تعبير مل).

اما السبب الثاني، هو ثقافة مل الظرفية وعلاقتها الزمانية والمكانية بنا. مائة وخمسون سنة هي في الواقع ليست فترة طويلة، وان العالم الذي عاشه مل، ان لم يكن ليس بالضبط عالمنا، فهو العالم الذي تطورنا نحن منه. عالمه هو "ثقافتنا السالفة"، وان التشابه بين الحاضر و ذلك الزمن هو بدرجة تجعلنا من السهل تجاهل الاختلافات القائمة .

 

دكتاتورية الاكثرية

يرى مل ان استبداد الاكثرية هو اسوأ من استبداد الحكومات لأنه لا يقتصر فقط على الوظيفة السياسية . اذا كان بالإمكان حماية الشخص من المستبد، فمن الصعب حمايته من استبداد المشاعر والآراء السائدة، لأن الآراء السائدة في المجتمع ستكون الاساس لكل قواعد السلوك فيه. وهكذا لن تكون هناك حماية في القانون من استبداد الاكثرية. يضيف مل، ان رأي الاكثرية ربما ليس هو الرأي الصحيح . التبرير الوحيد لتفضيل الفرد لعقيدة معينة هو انها تفضيل ذلك الفرد. وفي حالات محددة يصطف الناس اما مع قضية معينة او ضدها. الجانب الاكبر حجما هو الذي سيسود، لكنه ليس من الضروري ان يكون صائبا . يقترح مل مستوى او معيار واحد يمكن فيه تقييد حرية الفرد، هذا المعيار الوحيد هو منع الأذى عن الآخرين. يشير مل الى ان حق الحرية لا ينطبق على الاطفال او على المجتمعات المتخلفة. الحرية تصلح فقط حين يكون الناس قادرين على التعلم من النقاش الذي توفره الحرية. يجب الاشارة ايضا الى ان مل لا يدّعي الحرية كحق مطلق، وانما هو يؤسسها على المنفعة وعلى المصالح الدائمة للناس.

 

موقف مل الارستقراطي

يتجلى موقف مل الارستقراطي في نقاشه حول "الحكومة الممثلة"، بان بعض الافراد يجب منحهم اصوات اكثر من الآخرين(اكثر من صوت للناخب). يقترح مل ان اعضاء "المهن الليبرالية" وخريجي الجامعات يجب منحهم اكثر الاصوات لكل واحد وان "المصرفيين والتجار والمصنّعين"يجب منحهم القليل من الاصوات، اما العمالة اليدوية يجب ان تُمنح صوت واحد لكل عامل. حجته كانت مرتكزة على افتراض ان اعضاء القائمة الاولى هم الاكثر ذكاءاً- كونهم انتفعوا من مزيد من التعليم ونجحوا في الامتحانات التي اثبتت ذلك- والمجموعة الاخيرة هي الاقل ذكاءا، وان الاكثر ذكاءا يجب ان يكون لهم التاثير الاكبر على الطريقة التي تدار بها البلاد. في حالة"العامل اليدوي"، يكون عمله روتيني، وطريقته في الحياة تتم عبر الاتصال بافكار وظروف وانطباعات بسيطة وغير متغيرة"، صوت العامل الواحد ايضا يؤدي وظيفة تعليمية بمنح العامل فرصة الاهتمام في الشؤون العامة والتي ما كان بالامكان الحصول عليها دون ذلك. مل ربما كان بطلاً لطموح الطبقة العاملة ولكن، وكما يتضح، هو ليس رفيقا او زميلا لها.

واذا كان من السهل وصف موقف مل بـ "النخبوي"، فهو من الواضح كان مناصراً قوياً لمبدأ المساواة. ولكي نرى ذلك، نحتاج فقط لقراءة "خضوع المرأة" The Subjection of Women، او "الكفاح في امريكا" The Contest in America. في تلك المقالة، هو يعلن عن دعمه الواضح للجانب الشمالي في الصراع ضد ولايات الجنوب الانفصالية، التي يطلق على افعالها بـ "ثورة مالكي العبيد". من الأصح وصف مل ليس بالنخبوي وانما بالمضاد للشعبية، والاثنين لا يحملان دائما نفس المعنى.

 

نظرية مل في النفعية Utilitarianism

ان اول رسالة في النفعية نشرها مل في ثلاث حلقات عام 1861 في مجلة Fraser’s magazine، بعدها اصبحت تلك الرسالة ركناً اساسيًا في الفكر الغربي، حتى الكنيسة بدأت تتبنّى عناصر من افكار مل في النفعية. يعرّف مل النفعية كنظرية ترتكز على مبدأ ان "الافعال تكون صحيحة طبقا لعلاقتها بتعزيز السعادة، وتكون خاطئة حين تنتج المعاكس للسعادة". يعرّف مل السعادة بالمتعة وغياب الألم. هو يرى ان المتعة تختلف في الكمية والنوعية، وان المتع التي تمتد بجذورها الى القدرات العليا هي اكثر وزنا من المتع الادنى قيمة. يرى مل ان انجازات الناس نحو الغايات والاهداف، مثل الحياة الاخلاقية، يجب اعتبارها جزءاً من سعادتهم. يقول مل ان النفعية تتطابق مع العواطف الطبيعية التي تنشأ من الطبيعة الاجتماعية للانسان. ولذلك، اذا اريد للمجتمع احتضان النفعية كاخلاق، فان الناس بطبيعتهم سيجعلون هذه المستويات جزءاً من وعيهم وستصبح ملزمة اخلاقيا. هو يرى ان السعادة هي الاساس الوحيد للاخلاق، وان الناس لا يرغبون اي شيء عدى السعادة.جميع الاشياء الاخرى التي يرغبها الانسان هي اما وسائل للسعادة او انها تدخل ضمن تعريفها . عاطفة العدالة هي في الحقيقة مرتكزة على المنفعة، وان الحقوق توجد فقط لأنها ضرورية لسعادة الانسان.

النظرية النفعية في الاصل تعرضت للنقد لأنها لا توفر حماية كافية لحقوق الافراد، وكذلك لا يمكن قياس كل الاشياء بنفس المستوى، فالسعادة اكثر تعقيدا مما جاء في النظرية.ان مقالة مل في النفعية هي محاولة للرد على تلك الانتقادات ولذلك هو يعرض نظرية اخلاقية اكثر تعقيدا.

نقاش مل في النفعية احتوى على خمسة فصول . الفصل الاول يأتي كمقدمة للموضوع. الفصل الثاني يناقش تعريف النفعية ويعرض بعض الالتباسات وسوء الفهم حول النظرية.الفصل الثالث فيه نقاش حول العقوبات والمكافئات النهائية التي يمكن ان تقدمها النفعية. الفصل الرابع يناقش طرق اثبات صلاحية النظرية النفعية. وفي الفصل الخامس يكتب مل عن الارتباط بين العدالة والمنفعة ويجادل بان السعادة هي اساس العدالة.

 

الطبقة الوسطى

لو نظرنا لخاصية اخرى في اتجاه مل، هي احساسه بانه عاش في فترة مثيرة وحافلة بالاحداث . وكما ان المراقبين في زماننا الحالي يميلون للتعبير عن دهشتهم بالتقدم الراهن للعولمة، كذلك مل اعتقد ايضا انه شهد تغيرات جوهرية . في رأي مل، ان الأعظم اهمية في هذه الاحداث كان ظهورحجم لا بأس به من الطبقة العاملة والطبقة الوسطى . ليس فقط ان الطبقة الاجتماعية الكبيرة اصبحت اكبر حجما، وانما هي تحولت في شخصيتها.لاحظ مل خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ان السلطة الاقتصادية والاجتماعية انتقلت من الأقلية الغنية الى الطبقة الوسطى. فكانت هناك زيادة كبيرة في ملكية وأعداد افراد الطبقة الوسطى في بريطانيا وفرنسا. هو اعتبر الطبقة العاملة كحليف مساعد للطبقة الوسطى، لأن اي منهما ليسا بالقوة الكافية لانتزاع السلطة ولأن الطبقة الوسطى تمثل مصالح العمال.كان مل متأكداً من حتمية الانتصار الليبرالي لأنه يرى ان الاحزاب ستنال الدعم القوي والمباشر من الطبقة الاقوى (الوسطى).هنا يختلف مل عن ماركس في تعريفه للطبقة الوسطى، اذ انه يهتم بكمية الدخل وليس مصدره.هذه الطبقة الوسطى/العاملة الجديدة يصف مل اعضاءها بانهم اناس وقورون، يعملون بمشقة واخلاص، غير متهورين في الانفاق، ينشدون الاحترام، ذوي ضمائر دينية، والأهم من كل ذلك امتثالهم التام للاكثرية.

يرى مل ان الانصياع او الامتثال الاجتماعي conformism جاء عبر عملية تدريجية، وهي نزعة لـ "المساواة في الظروف". انها نفس العملية التي وصفها الكس دي توكوفيل في كتابه "الديمقراطية في امريكا"، ("المساواة في الظروف"هي ما يعنيه توكوفيل بـ "الديمقراطية").يرى مل، بالرغم من وجود اختلافات بين امريكا وبريطانيا، لكنه بالإمكان العثورعلى نفس العملية تعمل في بريطانيا ايضا.

مل يتفق مع توكوفيل بان "الديمقراطية في العالم الحديث هي حتمية".غير ان هناك ظاهرة أقلقت كل منهما وهي ظاهرة "دكتاتورية الاكثرية". مل وصفها بسيادة الافكار والمشاعر، او نزعة المجتمع لفرض افكاره وممارساته كقواعد للسلوك على اولئك الرافضين لها. باختصار، هناك ضغط اجتماعي بعدم الخروج عن الخط. ولكن ما الخطأ في الامتثال الاجتماعي؟ مل يجيب على السؤال باثارة موقف الفرد. الذي يكمن في جوهر فلسفته الاخلاقية النفعية – رؤيته "للطبيعة الانسانية". كنفعي وهو كـ (بينثام)، اعتبر الرغبة بالسعادة هي الشكل الاساسي للحوافز الانسانية. ذكر مل "ان الطبيعة الانسانية ليست ماكنة تُبنى وفق نموذج تؤدي فيه بالضبط نفس العمل الذي وُصف لها، وانما هي كالشجرة التي تتطلب ان تنمو وتتمدد الى جميع الجوانب، طبقا لنزعة القوى الداخلة التي تجعل منها كائنا حيا".وبهذا فان رؤية مل هي ان، خير الفرد، بالنهاية هو مسألة رقي وممارسة لملكاته وقدراته.(في الحقيقة ان كلمة"سعادة"لا تبدو ملائمة للوصف هنا).

يمكن الآن القول ان جون ستيوارت مل الحقيقي يختلف عن الصورة الكاركاتيرية التي رسمها الصحفيون لليبرالي متطرف. اذا اردنا فهم حجج مل بشكل صحيح، نحتاج لمعرفة شيء عن المواقف والاهتمامات التي شحذت قواه، لأنه من هذه الزاوية يكتسب النقاش معناه، بما في ذلك نقاش"حول الحرية".

 

تلخيص

ولكي نلخص السمات الكلية لأفكار مل وكيفية الترابط مع بعضها نقول:

اولاً، اعتقد مل ان تغيرات اساسية كانت تجري في ارض الواقع. هناك مقالة"روح العصر"، فيها يذكر ان: "الانسان ربما لا يكون افضل او أسعد وهو في عمر الـ 20، مما لو كان في السادسة من العمر، ولكن نفس الجاكيت الذي كان يلائمه سابقا سوف لن يلائمه الآن. ملاحظة مل هي ان "البشرية نمت وتضخمت فيها المذاهب والمؤسسات القديمة، لكنها لم تكتسب بعد مذاهب ومؤسسات جديدة".

ثانيا، اعتقد مل ان التغيرات المذكورة – الحركة نحو "المساواة في الظروف"- نالت ترحيبا حذراً. كان هناك نطاق من التطور في الهيكل الاجتماعي والسياسي فيه استطاع الفرد التطور وممارسة قدراته بالكامل. ومن جهة اخرى، نحن انتهينا الى شكل من "استبداد الاكثرية". وهو الموقف الذي يتطلب التعامل معه. هذا الموقف كان مرغوبا، ولكن فقط في ظل ظروف معينة، تلك الظروف يمكن، بفعل عناية الانسان ورؤيته، بلوغها، لكنها ايضا قابلة للضياع. ولهذا هناك

ثالثا، الحاجة لضخ الذكاء ودور المبدعين في اللعبة وهو ما تحدثنا عنه انفاً.

في هذه المقدمة، يسمي مل بصراحة تبريره للحرية بالنفعي. هو يقول بدون تحفظ ان دفاعه عن الحرية لم يرتكز على الحقوق الطبيعية، كتلك التي اقترحها لوك، او على دعوات ميتافيزيقية، كتلك التي اقترحها كانط. بدلا من ذلك، يبني مل نقاشه على ما هو الافضل للبشرية، وهو بهذا العمل يقترح ان جداله يعكس المنافع الفردية والاجتماعية للحرية الانسانية"المنفعة بمعناها الاوسع" المرتكزة على المصالح الدائمة للانسان ككائن تقدمي. الرسالة التي يريد ايصالها مل في "حول الحرية" هي عن "حرية الفكر والنقاش"، هذه الحرية تسهّل النقاش في المسائل الفكرية ومن ثم اكتشاف حقائق جديدة."سعادة البشرية ربما تُقاس بعدد وثقل الحقائق التي بلغت نقطة اللاخلاف حولها"حسب قول مل . في الفصول الاخيرة، يقوم مل بعمل نقاشات نفعية موسعة للحرية، ويبحث عن مواقف يلجأ فيها الى حجج غير نفعية.

 

...............................

المصادر

1- The philosophers Magazine, Mill in our time, August 2009.

2- On Liberty, John Stuart Mill, chapter1, introduction, sparknotes philosophy study guides.

3- John Stuart Mill, social and political thought, critical Assessments, edited by G.W. smith ,Routledge 19 feb 1998.

4- On liberty- Wikipedia, the free encyclopedia.

 

قراءة في كتاب اعتقال العقل المسلم (1)

safaa alhindiفي توطئة كتاب "اعتقال العقل المسلم" يتساءل مؤلفه الاستاذ نبيل هلال: (إن الراصد لواقع أمة المسلمين اليوم لا يعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه الأمة جادة في البحث لها عن دور فاعل يخرج بها من صفوف دول العالم الثالث المتخلف المفعول به دائماً، أم أنها اكتفت بهذا الانكماش والانبطاح طوال هذه القرون. فليس يعد حكيماً من لم يكن لنفسه خصيماً وحسيباً، لذا آن أوان النظر في أحوالنا كي نعرف أين نحن من السبيل إلى استرداد الاعتبار بعد أن صرنا إلى ما نكره. ترى هل لم يبق لنا من أمل إلا في زمن آخر وعلى يد جيل آخر؟ (منذ تشرذم الامة العربية والاسلامية وتفتيتها على يد الاعداء تارة، وعلى يد ابناءها تارة اخرى، لم تستطع امتنا مواكبة العصر ودول العالم الآخر والنهوض بمستوى واقعها الدولي والمحلّي سواء بمستوى التطور التكنولوجي او الاجتماعي او الثقافي او السياسي ...الخ، نظرا للضغوط وحالة الاستبداد والتجبّر والتسلّط السياسي والثقافي والفكري التي مورست على الشعوب العربية والاسلامية من قبل رموزها وحكّامها، حتى صنّفت عالميا وسُمّيت بدول العالم الثالث، الى ان آل حالها وعُرِفت مع مرور الزمن بالخنوع والانبطاح. فلم يعد لها دور في العالم ولا اهميّة تُحسب بين الشعوب والامم المتقدمة. ويعزّي المؤلف اسباب هذا التأخّر وهوان ومذلّة امّة المسلمين، وعدم الاندهاش: الى ان اعداء الأمة عملوا واجتهدوا، بينما نحن تكاسلنا وتقاعسنا عن اداء دورنا المفترض بنا أدائه تجاه امتنا وانفسنا: (ولا يحق لنا أن نندهش ونتساءل عن سبب هوان المسلمين ومذلتهم، فذلك أمر حتمي يتيسر فهمه في ضوء السنن والنواميس. فأعداؤنا عملوا واجتهدوا ونحن تكاسلنا وتقاعسنا. هم صنعوا أسلحتهم التي يقهروننا بها، ولم نقو على صنع شئ – أي شئ – لا الطائرة أو السيارة أو المدفع. هم يحسنون استثمار أموالهم، ونحن نودع أموالنا في بنوكهم، فيستثمرونها في تنمية اقتصادىم وتعظيم قوتهم، ويصادرونها إن عصينا أوامرهم. حكمهم ديموقراطي ولا يقوى حاكمهم على نهب أموال العباد ولا يعلو على القانون، وملوك المسلمين ينهبون أموال بيت المال لأنهم السلاطين والمماليك، ويودعونها في بنوك سويسرا وأمريكا.(لابد لهذه الامة ان بقي في وعيها وضميرها بصيص من امل الحرية والتغيير ان تتمرّد على هذا الواقع المتأزّم على رؤساءها وملوكها ومستبدّيها بثورة سلميّة حرّة وان تُعيد حساباتها وتُحاسب نفسها اذا كانت تسعى فعلا للرفعة التي تُنشدها بدءاً من تطبيق مفاهيم الرقي الانساني، وانتهاءاً بأستعادة مبادءها وقيمها الاجتماعية بين الشعوب. الى ان تأخذ دورها الحضاري بين الامم والحضارات. فمامِن استبداد واستعباد اكثر وقعا على الامم والشعوب من استبداد وتفرّد الرؤساء والملوك بمقدّرات البلاد واموالها وتقييد حريّة شعوبها. وعلى الامة ان تسعى دائما الى النهوض من هذا الواقع وتتقدّم نحو البناء الحضاري.

فأمتنا لازالت تعيش في كثير من قيمها الاجتماعية والثقافية على كلاسيكيا التأريخ ، وكأن هذه الكلاسيكية هي زادنا الدائم الوحيد في نظرتنا الى التقدم والبناء، فالجميع يعلم ان من البديهيات التي لا تسوغ المماراة فيها أن النظرة إلى الحاضر لاتستقيم إلا باستقامة النظرة إلى الماضي، ووضع كل شيء منه في محلّه ونصابه السليم وإعطائه حكمه اللازم، ولكن لايعني هذا ان نبقى متمسكين بالماضي لمجرّد انه من موروثاتنا، فأمتنا لازلت بعيدة بأشواط كثيرة عن اللحاق بأقل الدول تطورا وتقدّما فضلا عن الدول الاولى المتقدمة والمتطورة فعليا. فملوك ورؤساء الامة يكنزون الاموال ويحاربون العلم والبحث والتطوّر وكأن مردوده ظررا على البلاد والعباد، بينما الدول المتقدمة ترصد الاموال الطائلة لتدعم العلم والعلماء والاختراع والابتكار بكل اشكاله وكيفما يكون فهو اساس تقدمها وتطورها ورقيّها الحصاري. فصعدوا الى الفضاء وصنعوا الصواريخ والطائرات ...الخ. بينما نحن ملوكنا يكنزون الاموال في بنوك الخارج ولايهتمّون للعلم ولا للعلماء. (وصنعوا الصواريخ والأسلحة الفتاكة والأقمار الاصطناعية، ونحن بأموالنا الطائلة لا نمارس أي أنشطة بحثية جادة. وكأن البحث العلمي عبث والعلم نفسه ترف، فمازلنا نبحث في السماء عن هلال شهر رمضان بالأعين المجردة مثلما كان يفعل البدوي في البادية منذ 1400 سنة، ولا نثق في الحساب والعلم لتحديد أوائل الشهور القمرية، في حين أنهم صعدوا إلى القمر، وحددوا لسفينة الفضاء موضع هبوطها بدقة، فهبطت به ولم تتجاوزه. ومن بين علمائنا ووعاظنا المعاصرين من يتعجب مِمّن يقول بكروية الأرض، وينفى ذلك، بل يتندر عليه).

  

صفاء الهندي

 

عـن: قراءة في السَّردِ النّسوي العربي للناقد عبد الغفار العطوي

jasim alayff(ثقافة الجسد .. قراءة في السَّردِ النّسوي العربي) كتاب للناقد العراقي (عبد الغفار العطوي)* وهو دراسات نقدية في سبعة كتب، تنوعت بين روايات وقصص قصيرة لروائيات وقاصات عربيات معاصرات حاولن أن يضعن بصماتهن على المشهد الأدبي والثقافي النّسوي المُعاصر، منطلقات من أوضاعهن وحياتهن المحلية. وقد احتوى الكتاب على مقدمة وتمهيد و(6) فصول. اهتمّ الفصل الأوّل منها بـ(فضاء الجسد بين المذكر والمؤنث)، والثاني بعنوان (ضجيج الجسد وملامح المرأة)، أما الفصل الثالث فهو (غريبة فوق أهداب دمشق عذابات المرأة)، وعُنوِنَ الفصل الرابع (حلم الليلة الأولى ولغة الجسد عند المرأة العربية)، الفصل الخامس (مسك الغزال ولغة الجسد عند المرأة)، أما الفصل السادس فكان (حياة المرأة في ذاكرة الجسد)، وختم العطوي كتابه بما( يمكن أن تخلفه المرأة من ثقافة نساء المتعة)، وثمة ثبت بالمصادر والمراجع. والكتاب قراءات مختارة تتعلق بالمرأة وهمومها الخاصّة التي تقف حائلاً في عيشها بسلام دون تمييز جنسي وثقافي وبايلوجي يؤشر وضع المرأة العربية المعاصرة كما هي في الواقع العربي الذي تعيشه، وقد درس العطوي رواية (ثريا نافع) المعنونة (فضاء الجسد/ بيروت. وقصص القاصة (هيفاء بيطار) في مجموعتها القصصية (ضجيج الجسد) دمشق. وكذلك قصص القاصة وفاء عزيز أوغلي/دمشق. ورواية الروائية ليلى العثمان المعنونة(حلم الليلة الأولى) ورواية (مسك الغزال) لحنان الشيخ ورواية الجزائرية أحلام مستغانمي المعنونة (ذاكرة الجسد).وختم العطوي كتابه بدراسة عن رواية (نساء المتعة) للكاتبة البحرينية منيرة سوار. في المقدمة يؤكد العطوي على ضرورة مراعاة الدقة التي تطرحها الكاتبات في كتابه، لأن الصورة التي قدمها للمرأة كانت بمساعدتهن لكنها لم تكتمل لصعوبة الوصول إلى تمام الإيفاء بالغايات والأهداف التي أرادت أولئك الكاتبات توصيلها، وبتواضع تامٍ، يقر بعجز كتابه عن ذلك، لكنه يؤكد الاكتفاء بشرف المحاولة، فكتابات الكاتبات التي وردت في متن كتابه قد انصرفت في كليتها إلى عالم السّرد الذي قدمت عبره الكاتبات قضاياهن بحسب ما ورد في متون كتبهن من صور سردية، ولعلها أفضل طريقة يمكن أن تؤدي بالمرأة للدفاع عن وجودها وفعاليتها البشرية والإنسانية والثقافية في اللحظة ذاتها. من المهم أن نؤكد أن المتون السردية عامة وفي الراوية الجديدة خاصة تجذب مختلف الاهتمامات لموقعها السحري- الفني وقدراتها المترابطة بإمكانيات كتابها الخاصة وقدراتهم على استجلاء الظواهر الشخصية وكذلك التاريخية واليومية الاجتماعية.فالرواية جنس سردي بات منفتحاً على الحياة وتغيراتها وديناميكيتها، ولها القدرة على الاستعانة بكثير من المكونات الفنية والأدبية والثقافية التي تقع في منطقة موازية لها، ودمجها في متنها، وهذا ما جعلها حالياً في كل الآداب القومية- العالمية وبمختلف اللغات جالبة للاهتمام وكما تقول الكاتبة الأمريكية والناشطة المدنية والمصورة الفونغرافية، المنحدرة من أصول أفريقية، الراحلة سوزان سونتاج، الرواية: "تكافح الجفاف العاطفي الذي يشعر به البشر"، مهما كان زمن ومكان ذلك الجفاف. في التمهيد الذي قدمه العطوي في كتابه الذي استند فيه على مراجع كثيرة حديثة وفاعلة في النظر للكتابة النسوية وما يستتبعه من مفهوم "الكتابة النسوية" التي أنتجت بالضرورة "النقد النسوي" لما تتناوله المرأة في كتاباتها فلقد اتَّهمَتْ "فرجينيا وولف" و"سيمون دي بوفوار" وغيرهن الغربَ، بأنَّه مجتمعٌ أبوي يَحرِم المرأة من طموحاتها وحقوقها، وأنَّ تعريف المرأة مُرتَبِطٌ بالرجل، فهو "ذاتٌ" مُهيمِنة، وهي "آخَـر" هامشي وسلبي، وتشترك معهن في هذا الأمر في العالم العربي د.نوال السعداوي وبعض الكاتبات العربيات اللواتي ساهمن في هذا الأمر منذ بعد منتصف الستينات ومنهن ليلى بعلبكي وغادة السمان..الخ، ثم برز في العالم ما يسمى بالـ(كتابة النسَوية) و(النقد النسَوي). وكان"الصراع الاجتماعي قد تركز على الجسد عبر محاولة السيطرة عليه رمزياً أو مادياً بهدف إخضاعه، و قد تحول إلى ساحة صراع بين المرأة والرجل على امتلاكه، الأمر الذي جعله يحمل شفراته الخاصة وفقا لإستراتيجية الأهداف التي ينطلق منها كل من الرجل والمرأة في علاقته مع الجسد ورؤيته إليه"- مفيد نجم. وقد حذر من هذا الموضوع مبكراً، المفكر (ادوارد سعيد)، الذي أكد أن هذا الشأن: "غامض وغير محدد"، وأيًّا كان المقصود بالأدب النسوي، " فإنَّ النقد الذي يهتمُّ به يُركِّز على الاختِلاف الجنسي في إنتاج الأعمال الأدبيَّة شكلاً ومحتوى، تحليلاً وتقويمًا، ولا يتبع نظريةً واحدة أو إجراءات مُحدَّدة، فهو يستَفِيد من النظريَّة النفسيَّة والماركسيَّة، ونظريَّات ما بعد البنيويَّة عمومًا؛ لذا فهو مُتعدِّد الاتِّجاهات" - حلمي محمود القاعود. بالنسبة للمفهوم الديني عامة، وعبر نظرة الفقه المصنوع عن طريق الفهم البشري للنصوص الدينية أو الجهات التي تعمل على تأويل تلك النصوص، وفقاً لمصالحها الدنيوية، وقد استأثرت باهتمام الفقهاء وعلماء الكلام والفلاسفة والمتصوفة كذلك، وقد قدم كل منهم تصوراته حول هذا الموضوع وكانت الغلبة فيها لصالح الرجل عموماً، فعبر تاريخ الأديان ثمة تأكيد عام انه لا يمكن اكتمال صيغة ومكونات وفهم الجسد الأنثوي وتمثيله واقعياً و ثقافياً إلا من خلال قرن الجسد الأنثوي وقراءته بعيون الذكورة ومهيمناتها. عمد الناقد العطوي في كتابه إلى توضيح النظر السائد في العلاقات السيسيو- ثقافية في عالم المرأة من خلال مهيمنتها الدينية، ونظرتها إلى المرأة بوصفها وجوداً يثير إشكالية الرمز والجمال والثقافة ويحاول أن يواجه سلطة الفحولة بندية وسنصل إلى بعض ما قدمه العطوي من رؤى في ما قرأ من متون وفي مقدمتها الفصل الذي تناول فيه رواية ثريا نافع (فضاء الجسد). فالرُّاوية تعنى بالواقع العربي الحاضن لظاهرة التمييز والمصاحب للعنف فجميع نساء ثريا نافع في روايتها مهمشات ومقهورات ومنبوذات ومقموعات.وقد قرأ العطوي الرواية من خلال مهيمنات اكتشفتها الروائية في خلقها منحى ثقافوياً ودفاعها عن عالم المرأة الذي تقضمه الثقافة الأصولية المتسلطة على مقدرات رؤية المرأة العربية في القرن الواحد والعشرين . فالمرأة التي قدمتها القاصة تحمل الغربة الكونية بصفتها امرأة نهج معرفي وليس شخصية تاريخية. وهي تتسم بالإقصاء السايكلوجي الذي يحولها أيدلوجياً خارج مكونات شخصيتها وهويتها الأنثوية. ويرى العطوي أن القاصة في جميع متون قصصها قد سعت إلى أن تجعل النسوة (شهرزادات مستلبات) يمارسن حياتهن في عالم أبوي لا يرحم (ص 50). ومن الضروري أن نوضح ومن خلال المرويات في أن (شهرزاد) لم تكن مستلبة إطلاقاً فهي التي قررت ونفذت ثم انتصرت، عبر الروي الليلي، على السفاح والسياف، وبذا أمنت لنوعها( الأنثوي) ديمومة الاستمرار لحياة نوعها (النسوي- الإنساني)، وبذا فإنها انتصرت، لا كما عدها الناقد العطوي نموذجا للاستلاب النسوي. وفي قراءة مجموعة القاصة "وفاء عزيز أوغلي" "غريبة فوق أهداب دمشق" والتي احتوت على(9) قصص محملة بمكابدات المرأة جسدياً من خلال علاقتها بالرجل، لا حظ العطوي انه من خلال تلك القصص فأن المرأة تقف منعزلة وتنطوي على غربة مع زوجها وأولادها، وكان حتى المكان مساهماً في ذلك. وفي الفصل الرابع يقرأ (حلم الليلة الأولى) للروائية الكويتية ليلى العثمان، التي جالت في تضاعيف شريحة معينة اجتماعياً وهذه الشريحة تعتمد قيماً اجتماعية ومثلاً أخلاقية قارة لكنها- الروائية- لم تسعَ للتوغل في تلك العوالم مكتفية بما أطلق عليه بـ" الكلام الناطق والصامت". كما يتابع العطوي رواية " حنان الشيخ- مسك الغزال" بوصفها وثيقة اغتراب عند المرأة العربية. وفي الفصل السادس يكتب عن رواية" ذاكرة الجسد" للروائية الجزائرية"أحلام مستغانمي" مؤكدا أن مستغانمي معنية بتأكيد" هزيمة المرأة العربية في كل مجالات الحياة". وفي الفصل السادس يدرس رواية" نساء المتعة" للروائية منيرة سوار نموذجاً و نلاحظ أن متن الرواية يهتم فيها بأربع نساء، محاطات ضمن محيط ذكوري برؤى وأفكار حولتهن إلى مجرد كيان هامشي، يستقبل رغبات الرجال وشبقهم بلا حدود. كتاب الناقد عبد الغفار العطوي الذي يعود فيه إلى (33) مصدراً قد احتل فيه الجسد الأنثوي سردياً في الحركة الأدبية النسوية العربية مكان الصدارة، وما سعى إلى تحقيقه هو البحث والنظر في سلم القيم الاجتماعية والثقافية العربية السائدة، والتي تحولت من خلالها المرأة كائناً ضعيفاً ودونياً إزاء الرجل وفحولته مهما كان مستواه الفكري والأخلاقي والمادي. ثيمة الاختلافات الجسدية التشريحية بين الذكر والأنثى لا تنصب في أطر التمايز، بل أنها اختلافات في مهمة الواجبات الطبيعية لكل من جسد الأنثى والذكر، وان نظرية الخلق الميتافيزيقية تؤكد أن المرأة كائن ناقص، رغم اكتماله الجسدي، ومنها انبتت النظرة القاصرة تجاه الأنثى والتي تجسدت في أن لآدم امتياز السبق في الخلق، وتبعية حواء الجسدية التي قادتها إلى التبعية المعنوية، وان حواء لم تخلق لذاتها، وغواية الحية- لحواء، وعري آدم لم يكن معيباً لولا حواء، وحكم عليها بعقوبة التعب والوجع في الولادة لذا تعتمد النظرة الدينية بكل توجهاتها إدانة الأنثى والتوجس منها، ويلعب الخيال والعرف الاجتماعي المتواتر دور الموجه لاحتقارها، و التشكيك حتى في طهارتها الجسدية والمعنوية. والناقد يستشهد ببعض المصادر التي تقوم بتأكيد استنتاجاته فقط، دون النظر إلى الكلية العامة لتلك المصادر التي قد تختلف في متونها الكاملة مع استنتاجاته. كتاب الناقد العطوي على أهميته وموضوعه، قد خلا تماماً من أي دراسة أو إشارة ما، لما قدمته الروائيات والقاصات العراقيات عن هذا الجانب، وهو ما يثير الكثير من الدهشة والاستغراب، مع ثقتنا بحسن نواياه، وجهده في كتابه الذي يهديه أولاً إلى صديقه القاص والروائي البصري (ياسين شامل) عرفاناً، وكذلك إلى الكاتبات والروائيات اللواتي درس ما كتبن في كتابه.  

    

*مؤسسة السياب/لندن-2013.الغلاف:للفنان عبد الكريم الدوسري.   

إصدار جديد: الغيب في القرآن الكريم للكاتب د. مهدي الحسني

mustafa kadomiكتاب جديد قد يتبادر للوهلة الاولى أنه إجترار أو اعادة صياغة لتراكيب لفظية كتبت عن الغيب او عن محكية شأنها كلام لا علاقة له بالواقع وجنبته الروحية على حد لا يتسق مع الجوهر الحقيقي للقرآن الكريم وتكراره لمفردات الغيب فيه. فكثيرون كتبوا في الغيب. وبدءاً فإنه لا يخلو كتاب تفسير أو ترجمة مفسر وكتب عقدية من المصطلح. والغيب مادة في متناول جميع موارد اللغة وموسوعاتها الاصطلاحية.

بيد أن هذا الكتاب، وموضوعه الحساس، لا يعدم الجرأة الكبيرة في تناول الغيب من مسارات لها مساس أوكد بالعلم والفهم والادراك والتأريخ والسياسة والاجتماع والعقيدة والحكم وعلى ما عليه الانسان منذ إنقطاع الوحي عنه والى آخر لحظة من عمر الانسانية. كتاب تناول فيه المؤلف عشرة محاور، كل محور له تأملاته وتطلاعاته نحو المناقشة بعد اذ لم يتمسك المؤلف بما يطرحه كحقيقة لا تقبل النقاش انما يطرحه على بساط البحث والتحاور.

المؤلف شخصه – كما ناقشته في الموضوع قبل طباعة كتابه ومن بعد ظهوره في المكتبة- يرغب ويؤكد انه يكتب لإثارة مكامن العقل وتحريكه لترشيد فكرة الغيب وتفعيلها بالنقد والمحاورة لجني الثمرة وتعميم الفائدة.

الكتاب في مجمل محاوره يقرر ان الغيب مستمر مع استمرارية الحياة البشرية، لم يتوقف على لفظية المصطلح في القران الكريم باعتباره كتاب الرسالة الخاتمة التي انقطع الوحي بعد تمامية نزول آياته واكمال دين النبي الخاتم صلى الله عليه واله. هو مستمر باعتبار ان القرآن الكريم كتاب هداية منذ نزوله وحتى اللحظة الاخيرة من حياة الخلق العاقل في هذه الحياة (فيه تبيان لكل شيء) على الانسان المكلف استنطاقه بإعتباره تفصيل وتبيان لكل شيء ولاجل تحصيل الإرتقاء والتكامل على مرّ الأزمنة المتعاقبة بعد رحيل النبي الأكرم وانقطاع الوحي عن الانسانية.

بعد مقدمة تعريف الغيب ودلالاته، ينحى الكاتب منحى علمياً بتتبعه مفردات الغيب في القرآن الكريم، يسوقها بطرق الاستدلال العقلي وسبيل المقاربة البيانية النقلية. ويخلص ليجعل منها مؤازرة تعضد المعطى الكلي المستمر للغيب في الحياة الدنيا بعد إنقطاع الوحي. وهذا ما يثبت قداسة القرآن الكريم وأهميته في شؤون الانسان طولاً مع الله تبارك وتعالى- التشريع والتكليف العبادي- وعرضاً مع بقية البشر- ذاته وأسرته ومجتمعه وتعامله مع باقي الأجناس.

يستشهد المؤلف بمبدأ النبي سليمان عليه السلام في تعامله مع اصناف ثلاثة من الخلق: الحشرات، الطيور، عفاريت الجن. ويشدد على: اذا كان تعامل هذا النبي عليه السلام مع هذه الأحياء فلماذا لا يمكن التعامل مع الجميع؟

بهذه النظرة والقيمة المعرفية الى الغيب في القرآن، يوفق المؤلف الى مسائل عديدة كل واحدة بإرتباط وقيمة من حيث التشريع والحكم والسياسة ليصل الى العوامل السلبية التي جلدت أظهر الناس في القرن الاول والثاني من حياة الاسلام مستمرة لازالت تسود حتى اليوم والى قيام الساعة.

الكاتب يعتبر الغيب منبع المعلومات للانسان المستخلف في الارض، لكن كيف؟ وبأي آلية يتمكن المستخلف من استشراف المعلومة من الغيب في القرآن؟

هنا يتركز بحث الكتاب على موضوعة اللغة، حيث المجاز والتشبيه والحقيقة وحيث الظاهر والباطن والتفسير والتأويل وحيث المغزى والإشارة، وبالتالي اللغة التي من دون إدراكها بصورة واعية تطابق الواقع القرآني وانساق غيبياته التي يصرخ بها آناء الليل واطراف النهار فلا ولن يتم فهم الغيب.

ببيان آخر: لن يتسنى للانسان فهم الغيب واستشرافه لخدمة حياته من دون اللغة الواقعية التي عناها المؤلف في موضوع بحثه في الكتاب ومنها الحقائق العلمية التي تكفل الزمن ولازال بإكتشافها.

562-mahdiيقدم الكتاب امثلته – بحسب فهم المؤلف لها وبحسب تقديره انها المناسبة والمطابقة للواقع الحياتي المتخدام مع المسيرة الانسانية الطويلة، مع ما لدينا وربما للاخرين كذلك وقفة نقدية او مناقشة في مثل هذه الاراء- بيد ان المؤلف ذاته كما صرح لنا مراراً انه يرغب في تلقي نقداً حقيقياً موضوعياً لكل فكرة يطرحها موضوع الغيب، باعتبار أهميته القصوى التي يوقف المؤلف تطور الانسان واستمرارية حياته عليها باعتباره غيب يحويه القرآن الكريم فيما بين الدفتين.

لم تغفل صفحات الكتاب عن الاستشهاد بالكثير من الحقائق العلمية التي غفل البشر عنها ولم يكتشفها إلا بعد مرور أكثر من ألف سنة على إنقطاع الوحي. وهي حقائق ذكرها القرآن الكريم منها قصة غراب إبني آدم عليه السلام ، ومنها قصة أهل الكهف ( بذكرٍ جاء عليه المؤلف بتفصيل) وفيها التفاتة علمية قيمة تتعلق بجوانب كان الانسان يعتقدها على نحو مغلوط، فبيّنها القرآن ضمن غيبياته التي اكتشفها انسان اليوم ومنها علاقة النوم بحاسة السمع والأذن لا العين وغيرها كثير.

لا ننكر ان الكاتب لم يقطع بآرائه ولم يجعلها جزما بل ان البحث مدعاة لإثارة ذهنية القارئ في المناقشة ومدارسة محاور الاحتمالات.. لأجل جذب الرؤية المناسبة والدفع للمزيد من التأمل والتحقيق ومتابعة الغيب المذكور في القرآن الكريم.

القرآن الكريم عند الكاتب، دستور ومنهج مقدس. وبحسب تعبيره: مشروع حياة وان القرآن الكريم بما هو قداسة يعطي النظرية، ويلزم الانسان (فرداً وجماعة) العمل والتطبيق والممارسة الإيجابية مع مبانيه. فالقرآن الكريم يستخدم الحقيقة والمجاز والاشارة والمثال والتصريح وعلى الانسان التطبيق واكتشاف المراد الحقيقي الواقعي.

وبتقديري، فإن القارئ المهتم لن يترك عينه تمرّ بيسرٍ على الكثير من الموارد التي يطرحها هذا الكتاب، لأهمية تتعلق فتصل ربما الى الإعتقاد والمعتقدات. فمثلا إن الكتاب يستعرض مسائل الحكم والتسلط ومظلومية الناس وأنه يعود الى الصراع الاول الحاصل في فترة محددة ما بعد وفاة النبي الاكرم صلى الله عليه واله، ويقصد بها فترة الخلافة والصراع الشديد الحاصل، يجعله المؤلف في الفكرة لا في الشخوص. وانه في مرحلتهم لن يتعداها الى التالية وههنا حتما سيجد السيد الكاتب من يخالفه في هذا التوجه رغم ان القرآن الكريم يصرح: (تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون)، ورغم ان المؤلف يسوق امثلة وأدلة تعضد رؤيته بيد ان رؤيتنا أيضاً قد يساندنا فيها الكثير من القراء في: ان الآية الشريفة حق، وان: لتلك الأمة ما كسبت ولنا ما كسبنا ولا نسأل عما فعلوه، لكن يبقى الاثر ويبقى المتوارث الذي ألغى او كاد يلغي هويتنا كأمة اسلامية وما نحن نعيشه اليوم من كارثة يبقى كله يتطلب مناقشات وأدلة واقعية لمعالجته.

الكتاب بصفحاته ال 160 لا يدعي إدراكه لكل معاني الغيب الموجود في القرآن الكريم ولا يدعي استشرفه معاني الغيب ومغازيه وجمع اسراره.. بل المؤلف يعلن عجزه وعجز البشرية حتى اليوم عن درك تلك الاسرار التي في باطنها اسرار وألغاز كلها تنتظر من يفككها ويستشرفها ويقدمها لخدمة الانسانية.

سرّ الأسرار في القرآن الكريم ومغيبات الغيوب فيه وهي كلها بقدرته تعالى جعلها قاب قوسين أو أدنى من إدراكنا وفهمنا، لا تحتاج إلا الى من يعرف كيف يستخدم مفاتيح اقفالها. ولهذا نعثر على تصريح للكاتب في ص 74 من كتابه يقول:

(من خلال تجربتي مع القرآن الكريم التي مضى عليها ما يقرب الخمسون عاماً وأنا أقرأ القرآن، أمرّ بآيات كأني لم أقرها منذ ولدتني أمي والمشكلة لا تكمن في عدم الانتباه أو الاصغاء أثناء القراءات السابقة، بل تكمن في الإلتفات الى معنى أو مفهوم جديد أثناء القراءة لهذه المرة الأخيرة، ولو عاش الانسان عمراً طويلاً وهو مستمر على قراءة القرآن لمرّت عليه آيات جديدة في كل قراءة. والسرّ يكمن في المفاهيم والمصاديق والافكار والرؤى التي يستلها القارئ من الآية أو السورة). هذه حالة تدلل على الغنى القرآني.

يذهب الدكتور الحسني الى مسألة التطور وترقي الانسان في سيره بهذ الحياة. فيعتقد أن الأمم السابقة على غير ما نحن عليه من الفهم والادراك وطبيعة التعقل. ولذلك لم ينقطع عن سلالاتها الوحي بل تركز في دورات مكثفة فبعث الله تعالى اليهم اكثر من مائة الف نبي، في حين ان مجتمع ما بعد انقطاع الوحي أي بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلغت الأمة مرحلة الاستيعاب والنضج كضرورة ميدانية لم تقتض غير تعهده تعالى بحفظ القرآن الكريم. طبعاً مع مشروطية التعاطي الواقعي مع تبيان القرآن الكريم./ هكذا يرى المؤلف.

لنا كمتابعين وقراء أن نسأل عن مدى تطابق الرؤية أعلاه مع واقع الأمم السالفة ومع واقعنا كأمة ما بعد الوحي؟

هذه احدى النقاط الجوهرية التي تعرّض لها الكاتب وتستحق البحث باستمكان الدليل والشواهد التأريخية والحضارية والعلمية، سواء كان الدليل يعاضد الرؤية هذه أم يخاصمها، فالنتيجة تصبو الى اعطاء جواب تام عن مسألة انقطاع الوحي عن الانسانية.

في الكتاب أيضاً: تلاحظ إشارات وشواهد اتى بها المؤلف كمقدمات في محاوره العشرة لم تهمل السياسة والدولة ونظرة القرآن لهما. وبذات الحال يستفهم الكاتب عن معان ربما تشكّل في ذهنية قارئ القرآن نوع تناقض كما في آية: (إن الحكم الا لله) و:( وأمرهم شورى بينهم). أو في أمثال آيات القتل والقتال والجهاد المتعارضة مع روح دعوة القرآن السلمية ودعوة الهداية والجدل البناء باللتي هي أحسن واقوم وبالحكمة وبسبل الرحمة الكثيرة التي تروم المودة وتشيع الخير والصلاح والسؤدد بين الناس.

خلاصة مذهب الكاتب ههنا، تكمن في ان التأريخ ورجاله لم ينقلوا الحقيقة، حقيقة ان القرآن الكريم ودعوة الوحي سلمية وخير وان حروب النبي صلى الله عليه واله انما كانت دفاعية عن النفس ونابعة من معتقد ومبادئ النبي المقدس.

وههنا ايضاً يستشهد المؤلف بأقوال وفعال النبي وكذلك لأقوال الإمام علي عليهما السلام تبين المنهج القرآني الكريم في الحياة.

في محور حساس، يتطرق الكتاب الى الصراع بين هوية السنن والمصلحة الضيقة. أو ما يطلق عليه المؤلف صراع بيولوجيا الهويتين فيثير أمثلة تؤدي الى تنافس العمليتين (عملية الهدم وعملية البناء) في الحضارات الانسانية. ثم يستدل من القرآن الكريم على ان الانسان هو صاحب الخطوة الاولى في العمليتين اي في الهدم وفي البناء. وكله – الانسان – أثراً في حركته في العمليتين يمكن استنباطه من الغيب القرآني كما يشدد المؤلف باعتبار ان الغيب بنص القرآن يؤثر على الانسان.

من الامور الهامة ايضاً التي يثيرها المؤلف موضوع تعدد العوالم في المكان والزمان المحددين،،! والعالم عنده يتحمل اكثر من وجود واكثر من عالم..!

قراءتي تشخص أن فكرة المؤلف هذه تؤدي الى رفض فكرة وحدة الوجود، رغم ان الكاتب يسعى جاهداً لتسيير اكبر قدر من الآيات القرآنية التي تعضد فكرته في التعدد. لكن الملاحظ على ان للنظرية العلمية اثرها البالغ في ذهن المؤلف مما تدفعه للقول بالتعددية الوجودية. وهذا ما يلمسه القارئ في اقتباس المؤلف للفكرة من الويكيبيديا في صفحتي 88 و89 من كتابه.

في محور اخر يشبع الكاتب بحثه دون إسهاب بأدلة تتسق لإختياره الأنسب لموضوعة التسالم وهدف الانسان في اعمار الارض بالمودة والسلم، وفي ههنا يقدم الآيات المبرهنة على وجود الحل الناهض دوما لمشكلة الانسان مع اخيه الانسان والتعايش معه في انماط الحياة التي تفرضها السنن.

في جديد هذا الكتاب: محور فكري شيق خصصه الكاتب مستقلاً برهافة متميزة حينما يتكلم فيه عن لغة الإشارة في القرآن الكريم. فلغة الاشارة التي يطلق عليها المؤلف (لغة الجسد) يوضح من خلال بحثه مديات اثرها حتى في اللاشعور. ومن ثم ليُمثّلها بتاثيرات الشخص المتكلم على السامع ويُرجع الفضل في اغلبها الى لغة جسده. بمعنى آخر: التواصل غير اللفظي المسند بلغة الكلام وتاثيرهما معا على المتلقي.

يخلص المؤلف كنتيجة أخرى من نتائج بحثه الى مسألة ان القتال مصطلح يفرق عن مصطلح الجهاد الذي سقط في التفريق بينهما الكثير من الخلق، فبات القتل وجلجلة الحروب منطقاً يحسبونه جهاداً يغنيهم في الدنيا وسينجيهم يوم الآخرة.!

يؤشر المؤلف على جملة امور لها أهمية كبيرة منها فساد الافهام واستخدامها السيف والاحتراب ويبين اسباب اؤلئك مذكراً بأداء النبي الاكرم صلى الله عليه وآله ودعوته المسالمة المنافية والمتقاطعة مع دعوة السيف والقتل ومنطق العنف.

يختم الباحث كتابه في تشخيص أهم العوامل التي أبعدت القرآن الكريم عن قيادته للدولة وأداء مهمته وغايته في سعادة الانسان وتنظيم حياته في مناحيها كلها.

تبقى المسألة أهم من الكتابة ومن المطالعة فقط، في ان تبدى الملاحظات ويمارس النقد ونكت المتلابس فيه ومحاولة استنهاض الادلة اللازمة كي نرى: هل اننا نفهم قرآننا حين نقرأه؟

 

الكاظمي/ ملبورن- مايس

2014

رواية مجانين بيت لحم للكاتب والروائي اسامة العيسة

رواية مجانين بيت لحم للكاتب والروائي المرموق اسامة العيسة، كشفت لنا بعض الستر عن احداث وقعت في المدينة الفلسطينية التاريخية بيت لحم، احداثا لم يكن ليعرفها المواطن البيت لحمي او القارئ لو لم يقرأها في فصول الرواية، لانها كانت مخبوءة، رواية استطيع أن اقول كتبت بسرد ادبي فني لايرغب القارئ في انهائها، لما تحتوي من قصص قصيرة بامتياز بلغة ادبية جميلة، سلسة، متينة، متسلسلة، قوية النصوص متماسكة المتن..انها بناء روائي مشوق قد تصل بأخذك الى نهايات اقرب الى الكلاسيكية لكل قصة.

رواية تتناول قصصاً متنوعة، فهي تحكي تأريخ لاشخاص ومعالم وأحداث بمشاهد مشوقة، حكايات لاشخاص برع الكاتب في سردها بلغة ادبية قد استطيع أن اقول عنها "إنتلجنسيا" ادبية واعدة بعيدا عن الخطابة والتمجيد، انا لاازعم بأني ناقدا بل انا متذوقاً للأدب الجميل والذي هو بناءً معقدا جدا، يجذبك ويجعلك تنهم ونغرف منه ما استطعت لتغذّي به الروح

والتي كثيرا مايعتريها اليباب، لكني هنا وحسب صديقة قارئة ":ساق لنا الراوي العيسة فصول الرواية بشكل ممتع واستطيع أن أقول أخّاذ، ولن أبالغ إن قلت هذه هي الكتابة مابين المنولوجية_والمنودرامية

اللانمطية والذي نحن نفتقرها كما نفتقر الكاتب العضوي المتمكّن، وهذا ما آل اليه أدبنا المحليّ

وأخيرا لايسعني هنا الا ان أقول ومن وحي المناسبة: ايها الكتاب والرواة لاتقتلونا بلزوّدونا  دائما بالجميل من الأدب كي نملأ به جعبنا الثقافية، المقاومة لنقاوم الجراد ألذي يستهدف التهام ادبنا وثقافتنا ليخرجنا من الجغرافيا والتاريخ عراة امام العدو المتربص بنا

ماذا سنجد غير الدهشة .. رحلة مع مسافر مقيم للرحالة باسم فرات

saleh altaeiأدب الرحلات، هذا المسمى الواسع، يطلق عادة على ما يدون عن المشاهدات والسماع والقراءة أثناء رحلة أو مجموعة رحلات يقوم بها الكاتب شخصيا، حيث يسجل ملاحظاته عن تلك الرحلات، ثم يعود ليوثقها حسب أسلوبه وخلفيته الثقافية والعلمية وتخصصه، فتأخذ صورتها من صورة تخصصه، فما يوثقه الشاعر يختلف عما يوثقه عالم الحفريات أو عالم النبات أو عالم الجيولوجيا، ويتحول مثل هذا النوع من الكتابة عادة إلى مصدر مهم من مصادر علوم الجغرافية والتاريخ والاجتماع بسبب معايشة الحدث واقعيا والنقل مشاهدة لا سماعا، مع أن للسماع دورا لا ينكر، وعليه تجد فضلا عن الفوائد الكبيرة لمثل هذا النوع من الأدب، نوعا من التسلية والمتعة لدرجة أنك تشعر أحيانا وكأنك تتجول في المكان الذي يتحدث عنه الرحالة وتعيش معه مغامرته؛ لأن النفس الإنسانية مجبولة على حب الاستطلاع.

جاء أدب الرحلات من خلال تسجيل الرحالة ملاحظاتهم ورؤاهم؛ سواء كانوا مستكشفين أم جغرافيين أم هواة سفر أم موفدين لأغراض سفارة بين حكومتين أم بدوافع سياسية أم جمع معلومات عن منطقة ما، لما تقع عليه أعينهم أو يصل إلى آذانهم بما فيه من  الأساطير والخرافات.

ومع أن التجوال سمة لازمت الإنسان عبر تاريخه الطويل، وحالة فرضتها عليه أنماط الحياة التي كان يعيشها، إلا أن العراقيين القدماء قد يكونون أول من أهتم بأدب الرحلات، ربما من خلال سرد كلكامش البابلي للمخاطر التي واجهته أثناء رحلته بحثا عن ماء الخلود، وكأنهم أرادوا القول أن السفر عبر المسافات بما فيه من تعب ومخاطر يأتي دائما للبحث عن هدف عظيم، فهو عند كلكامش بحثا عن ماء الحياة وعند عنترة بحثا عن مهر الحبيبة. وهو على العموم بحث عن هدف ما يجعل الحياة أكثر جمالا وروعة، ومن العراقيين القدماء أخذ الإغريق هذه الصنعة فكتبوا ملحمة الأوديسا الإغريقية، وجالوا في البلدان. وفي مرحلة من مراحل التاريخ العربي كانت هناك رحلات من نوع آخر مثل ملحمة أبو زيد الهلالي وملحمة الزير سالم أبو ليلى المهلهل ورحلة عنترة العبسي، وغيرها.

ثم شاع بين العرب حب السفر بحثا عن جديد بعد أن فتح الإسلام أقفال قلوبهم وزرع فيهم حب العلم والتعلم. لكن الغريب في الأمر أن أكثر الرحالة المسلمين كانوا من أهل شمال أفريقيا وبلاد الأندلس، مع قلة قليلة من المشرق العربي، وأغلبهم كانوا مكلفين بمهام رسمية، وقلة منهم كانت مهتمة بالعلم والإطلاع. وكأنموذج لهاتين الخاصيتين، نأخذ:

1ـ البيروني: وهو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (ت 440 هـ)، كان فيلسوفًا وفلكيا وجغرافيا وجيولوجيا ورياضياتيا وصيدليا ومؤرخا ومترجما، دخل الهند برفقة السلطان محمد الغزنوي عند فتحها، فلبث فيها أكثر من أربعين عاما يكتب عن جغرافية وثقافة وتاريخ وعقائد ولغات وأصول هذا البلد، فترك ثروة فكرية عظيمة، منها مدونة رحلته (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة)

2ـ سلام الترجمان: الذي قام برحلة إلى حصون جبال القوقاز، والأصقاع الشمالية من قارة آسيا، سنة 227 هجرية، بحثاً عن سد ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، بتكليف من الخليفة العباسي الواثق باللّه؛ الذي رأى في المنام أن السد الذي بناه ذو القـــرنين قــد نُقِبْ، فـــــأفـــــزعه ذلك، وهي الرحلة التي روى قصتها "الإدريسي" في كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)، ورواها "ابن خرداذيه" في كتابه (المسالك والممالك)، والتي اعتبرها المستشرق "دي خويه" واقعة تاريخية جديرة بالاهتمام، وأيده في هذا الرأي مجموعة خبراء منهم خبير الجغرافيا التاريخية "توماشك"

3ـ ابن بطوطة: محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي (703 - 779هـ) وهو مؤرخ وقاض وفقيه من مدينة طنجة في المغرب، ابتدأ رحلته سنة 725 هجرية لأداء مناسك الحج، ثم استهواه السفر طاف في البلاد.

4ـ لسان الدين بن الخطيب: من غرناطة، كتب عن المغرب التي مكث فيها منفيا كتابين، الأول (خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف) والثاني (نفاضة الجراب في علالة الاغتراب)

5ـ ابن خلدون: مغربي رحل إلى بلاد الأندلس وأقام فيها ضيفا على ملك غرناطة من بني الأحمر، وأشبيلية حين أوفده الملك في سفارة إلى حاكمها المسيحي، ثم مصر التي أقام فيها قرابة ربع قرن متقلِّبا بين مناصب التدريس والقضاء. وله في أدب الرحلات، (نفاضة الجراب في علالة الاغتراب)

 6ـ أحمد بن قاسم الحجري المشهور بأفوقاي، وهو رحالة موريسكي هرب سنة 1597ميلادية من بلاد الأسبان، ضواحي غرناطة، خوفا من محاكم التفتيش وسكن بلاد المغرب وعينه سلطانها زيدان الناصر بن أحمد سفيرا له في بلاد أوروبا، فجمع المغامرات في كتابه.

7ـ أحمد بن المهدي الغزال: فقيه وسياسي ودبلوماسي وأديب مغربي، كان الكاتب الخاص للسلطان محمد بن عبد الله، أرسله السلطان سفيرا لدى ملك إسبانيا بين سنوات 1766 - 1767م، فصنف كتاب (الاجتهاد في المهادنة والجهاد)، دَوَّنَ فيه رحلته إلى إسبانيا.

8ـ المكناسي: أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن عثمان المكناسي (توفي 1799م) أصله من مكناس في المغرب، وهو رحالة ومؤرخ ووزير السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي بعثه سنة 1193 هجرية سفيرا إلى إسبانيا، بدلا عن السفير أحمد بن المهدي الغزال، وألف المكناسي (الإكسير في فكاك الأسير) و (البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر)، الذي دون فيه مشاهداته خلال تلك السفارة

9ـ ابن جبير الأندلسي الذي ابتدأ سنة 585 للهجرة أولى رحلاته.

10ـ الإدريسي الأندلسي: محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس يرجع نسبه إلى الإمام الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب(ع)، ولد في مدينة سبتة في المغرب سنة 493 هـجرية، وسكن غرناطة، ولقب بالصقلي لأنه اتخذ جزيرة صقلية مكاناً له بعد سقوط الأندلس، ألف كتابه المشهور (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) والمسمى أيضًا (كتاب روجر) أو (الكتاب الروجري) وذلك لأن الملك روجر ملك صقلية هو الذي طلب منه تأليفه

قبالة ذلك نجد أن أشهر رحالة المشرق، هم:

1ـ ابن فضلان، هو أحمد بن العباس بن راشد بن حماد البغدادي، عالم إسلامي من القرن العاشر الميلادي، أرسله  الخليفة العباسي المقتدر بالله سفيرا إلى ملك الصقالبة (بلغار الفولجا) سنة 921م.

2ـ المقدسي: محمد بن أحمد البشاري المقدسي صاحب (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم)، وهو من بيت المقدس في فلسطين.

أما المسعودي مؤلف (مروج الذهب): وهو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي، فيشك في أصله، قيل أن مسقط رأسه بغداد، وقال ابن النديم: إنه من المغرب، وربما جاء الاختلاف من كونه كان نزيل مصر، وتوفي بها سنة 346

المهم أن هؤلاء الرحالة العرب المسلمون هم المؤسسون الحقيقيون لأدب الرحلات وللدراسات الانثروبولوجية، وإذا ما كانت القواميس قد عرفت الدراسات الانثروبولوجية بأنها: دراسات علم الإنسان الطبيعية والاجتماعية والثقافية، فإن ما قام به الرحالة العرب وما دونوه في مدوناتهم يكاد يكون الأصل الأول لهذا العلم.

الرائع في أدب الرحلات انه لم ينقرض مع ما انقرض من متعارفات إنسانية عبر التاريخ، لأنه بقي إحدى مناطق التوهج التي يبحث فيها العقل الإنساني عن ذاته، وأحد أكبر أسرار العالم المجهول، الذي يبحث الإنسان فيه عما خفي عنه من وسائل إشباع غريزة البحث عن الجديد والمدهش. وإذا ما كانت الرحلات القديمة قد جرت غالبا بأمر السلطان فإن كثيرا من الرحلات المعاصرة جاءت هروبا من السلطان الجائر، ولنأخذ على سبيل المثال الشاعر العراقي الكربلائي باسم فرت، هذا الفرات العذب من أنهر العراق التي تحصى عددا ولا تعد عذوبة، الذي قادته صعوبة الحياة في العراق ومحاولات الدكتاتورية تكميم أفواه الجماهير إلى الهجرة بعيدا لأنه لم يطق أن يغلقوا فمه؛ وهو الشاعر المفوه، هكذا بقليل من الحسابات ودون أن ينظر إلى الوراء حمل بعضا يسيرا من حاجياته الشخصية، ويمم وجه شطر المجهول، ورحل بعيدا، ثم كتب له أن يعيد تنميط الآخر في مخيلتنا من خلال الصور التي رسمها خلال خطوط رحلته من العراق إلى الأردن ثم نيوزيلندا فاليابان فلاوس في كمبوديا، ليضع رحله ويلقي عصاه في أمريكا اللاتينية، وفي الإكوادور تحديدا، وليبدأ من هناك تسطير رؤى مدهشة من عوالم السحر والخيال الممزوج بالحقيقة والفانتازيا من عالم أمريكا اللاتينية السحري متداخل الأعراق والثقافات والأصول، تلك الأقوام التي تقاتلت بوحشية قل نظيرها ثم أعادت ترتيب أولوياتها وتشكيل نفسها. حيث يرى أن السفر حاجة لا غنى عنها [ص90]

ولقد نجح باسم لأنه كان يهدف إلى نقل هذه التجربة إلينا قبل غيرنا، فالرحالة في نظره كطالب العلم يبحث عن مطلبه في أنسب الأماكن، فهو يرى الطبيعة كتابا يقرأ فيه ليتجاوز الامتحان[ص169] وهو في الواقع رحل بحثا عن قصيدة أو ذكرى تكون رصيدا له في قابل الأيام[ص204]

وهو من النوع الذي يكره أن ينقطع ذكره أو يمحى أثره، فطالما أنه يرى الحياة هي الأبدية، فلابد له حتى لو رحل أن يترك ما يذكر الآخرين به: "ففي شيخوختي التي أرجو أن تكون بعيدة سوف يرتد طرفي إلي فلا أرى ما استند عليه سوى هذه الرحلات والمشاهدات والمعايشات فهي عصاي وزوادتي لكن لا مآرب لي فيه[ص204]

كانت الهمسات التي سطرها باسم في كتابه (مسافر مقيم) بأسلوب جديد في أدب الرحلات قد اعتمدت على شاعريته وخياله الخصب وملكته الأدبية وقراءاته العميقة لتاريخ العراق، والإفادة التي حققها من هذه القراءة، بما مكنه من التوغل في امتدادات التاريخ: اللغات والديانات والثقافات والأقوام والإثنيات، وأخير فلسفته التي يؤمن بها، والتي لخصها بقوله: "فشعاري دائما: يجب أن ابتسم حين أواجه الموت لأجعل الابتسامة آخر ما افعله في هذه الدنيا الرائعة، كم احبك أيتها الحياة فأنت أبديتي الحقيقية[[ص49]]

ولذا اختار مكانا قد لا يكون عراقيا آخر قد سبقه إليه، أو ـ في الأقل ـ أقام فيه، وهي الإكوادور، فهو يبحث عن أماكن لم تفك عذريتها خطوات شعراء وأدباء قبله، "فلا قيمة للاماكن التي سبقني إليها شعراء وأدباء ومجانين ومغامرون،لأنها تشعرني بذات الرايات في تراثنا وما ارخص ذوات الرايات" [ص78]

في رحلته الطويلة ربط باسم رؤاه عن البلد الذي أقام فيه، مع رؤاه عن البلدان الأخرى التي مر أو أقام فيها، ثم ربط ذلك كله بالعراق بأسلوب المقاربة والتذكير وكأنه يحث المسؤول العراقي أو يذكره بقصوره وتقصيره، وكان إذا رأى مكتبة قارب ذلك مع بلدان أخرى ثم عاد إلى العراق، وإذا رأى متحفا عمل الشيء نفسه، وإذا رأى متنزها أو حديقة عامة أو مهرجانا تراثيا أو طريقا مزروع الجانبين، ولذا تراه حينما يتحدث عن نيوزلندا التي يقل عدد نفوسها عن أربعة ملايين نسمة يقول: "كل مدينة وبلدة مهما صغرت لابد من مكتبة ومتحف فهما إيقونة البلدة"[ص57]

وحينما يتحدث عن كيتو يقول:"وجدت في كيتو عاصمة الإكوادور عدة متاحف رغم أن نفوس كيتو لا تزيد عن 35% من نفوس بغداد... وقد زرت مستوطنات وقرى للسكان الأصليين هي عبارة عن متحف حي"[ص57] وحينما يتحدث عن لاوس هذه الجمهورية الشيوعية التي تعد احد أفقر عشر بلدان بالعالم، يقول: "ففيها قدر لي أن احضر نشاطات ثقافية هائلة"[ص96] ليربط ذلك بالعراق محاولا الإفادة مما رآه وليقف بوجه ثقافة الإقصاء والكراهية التي تحكم البلد اليوم، ليقول: "فكنت أتساءل ما المانع مقارنة بنيوزلندا وسواها أن يكون لنا في كل محلة بغدادية وموصلية وبصرية ونجفية وكربلائية وكوكوكية متحفا يضم تاريخ المحلة وحرفها وصورا لمشاهيرها... ألا يستحق الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان تمثالا بل متحفا في الكوفة يضم كل ما كتب عنه وهو احد أهم ما أنجبته المنطقة وأكثرهم تسامحا وانفتاحا؟"[ص58] أو كما يقول في مكان آخر متحدثا عن لاوس: "حيث الفقر المدقع والنظام الشيوعي وتعدد مذهل بالتنوع الاثني يربو على مائتي اثنية في بلد تعداد نفوسه ستة ملايين"[ص 82]

إن بغداد بالنسبة إلى باسم فرات بالرغم من جراحها تبقى (مدينة السلام) فلماذا لا نترجم هذه الحقيقة ونذكر الناس بها؟ يقول باسم فرات في حديثه عن ميناء لوبيز أن فيه يافطة مكتوبا عليها كلمة (سلام) بأغلب لغات الدنيا بما فيها العربية"[ص61] فلماذا لا نعمل يافطة مثلها في بغداد؟!

في رحلته الطويلة كان باسم فرات يحمل العراق بين جوانحه وهو يتنقل في أصقاع الدنيا، ولطالما ذكرته صورة ما مهما كانت بسيطة بالعراق، فهو حينما يسمع باعة السمك أو الباعة المتجولين ينادون على بضاعتهم يتذكر مدينته ويتذكر العراق ربما لأنه، وكما يقول: "وأنا الشغوف بمناداة الكسبة حيث انتمائي لهم"[ص62]

لقد اثبت باسم فرات أن السفر لا يمكنه لوحده أن يخلق رجالا، فالثقافة والعلوم العامة جزء مهم في هذه المهمة الكبيرة والصعبة، لأنها تتيح إجراء المقاربات بين الرؤى والمرئي، وما موجود من ذكريات في خزين العقل يستفزه أكثر من منظر تربطه به وشيجة تخلق تحديا، ولمَ لا فعقلاء العالم يبدأون من انتهى الآخرون، ونحن بعد ان تأخرنا كل هذه القرون ممكن لنا أن نفيد من تجارب الآخرين في بناء بلداننا ومستقبل أجيالنا.

انطلقت أضواء هذه الرحلة الشيقة والمدهشة والغريبة في يوم 23 تموز 2012 لتصل بعد ساعات البوح ومحطات الدهشة والخطر في يوم 8 حزيران 2013 إلى نهايتها، ثم جمع باسم حصيلتها في إيقونة، وتقدم بها إلى مسابقة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة في موسمها 2013ـ2014  فحققت الفوز بالمرتبة الأولى، وطبعت بشكل أنيق لتأخذ مكانها في صدارة كتب أدب الرحلات المعاصرة، ولتحقق للعراق مكسبا جديدا لم تسلط عليه الأضواء، إن فوز (مسافر مقيم) لباسم فرات في مسابقة ابن بطوطة، وفوز رواية (فرنكشتاين في بغداد) لأحمد السعداوي في البوكر وكثير من التألق العراقي الذي لم يأخذ مكانه الحقيقي بين العراقيين، لا يمكن أن يسكت عنه، وأنا أرى أن من واجب الحكومة العراقية أن تقوم بتسليط الأضواء على هذه المنجزات الكبيرة، وتكريم الرجال الأفذاذ الذين حققوا هذا النصر العراقي الكبير، تكريما يليق بمنجزاتهم الكبيرة.  

 

د. خير الله سعيد يصدر كتاب: دراسات في الموال العراقي

561-kharعـن (مؤسسة الثقـافـة الشعبية في البحرين - وبالتعاون مع المنظمة الدولية للفـن الشعبي I O V) صدر في مستهل شهر أبريل – نيسان 2014م ، كتاب الباحث العراقي د. خيرالله سعيد (دراسات في الموال العراقي) وهو أوّل دراسة نقدية في هـذا الإطار ، من الناحية الأكاديمية ، أخضعها الباحث الى مسارات تاريخية ورؤية نقـدية تخضع الى المعيار المعرفي – الفني في عملية تحـديد مفاهيم الرؤية النقدية لدراسة فـن الموال العراقي، من حيث النظم وشكل التعامل معه، بوصفه أدباً شعبياً ، انتقل من الفصيح الى العـامي، في سلسلة متطورة تاريخياً، خضعت الى مفاهيم عصرها الأدبية، ومن ثم أصبح هـذا الفـن واحداً من أبرز عـلامات الأدب الشعبي في العـراق، ثم انتقل منه الى بقية الأقطار العربية .

الدراسة ، تقع في 112 صفحة من الحجم الكبير، قُسّـمت الى الأبواب والفصول التالية:

آ- المقدمة .

ب- الباب الأول – وشمل الفصول التالية:

1- الفصل الأول:

561-khar* تمهــيد منهجي .

* تعـريف المـوّال .

2- الفصل الثـاني:

* إشكالية التسمية .

* وزن المـوّال .

* نشـأة المـوّال وولادتـه .

3- الفصل الثالث:

* المــواليـا .

ج – البـاب الثـاني: (أنـواع الموال العراقي) .

1- الفصــل الأول: المـــوّال الربـاعي .

2- الفصل الثـاني: المـوال الخماسي – الأعـرج .

3- الفصل الثالث: المـوال السداسي – الأعـرج (النعمـاني) .

د – البـاب الثالث: المـوال الزهـيري .

1- الفصـل الأول:

* تسمية الموال الزهيري .

* وزن المـوال الزهيري وزحـافاته .

2- الفصل الثـاني:

* استقرار النظم في الموال الزهيري وظهـور الجناس .

3- الفصل الثالث:

* التفـنّـن في نظم الموال الزهيري .

4- الفصل الرابع:

* توشـيحة المـوال الزهيري

هـ - البـاب الـرابع: تطورات النظم في المـوال الزهيري .

1- الفصل الأول:

* المـوال العشيري .

2- الفصل الثـاني:

* المـوال المشـط .

و – البـاب الخامس: دراسات قصيرة عن بعض الموالات المختـارة.

ز – البـاب السادس: نمـاذج من المـــوال العراقي .

ح – الإحـالات والهـوامش .

إن هـذه المحاولة في دراسة الموال العراقي، تكشف عن مقدار الجهـد التاريخي الذي بذله المبدع العراقي لهـذا الفـن البديع، حيث ان دأبـهِ لتطوير شكل الموال ومضمونه وبناءاته استغرقت أكثر من ثمانية قـرون، وهي ملاحظة تستوقف الباحث عن مـدى شغف العراقيين بهـذا الفـن الشعري المتميّز في المجتمع العراقي.

والدراسة تقـدّم كشفاً منهجياً لمعرفة أسرار الوعي عند (المواطن العـادي) وشكل تحسُّسِـهِ للفـنون والآداب التي يعبّـر بها عن أحاسيسه وانفعالاته، بحيث يخلق (المناخ الأدبي الخاص بـه) رغم الأميّـة التي يعيشها في هذه البيئة أو تلك ، من مناطق العراق المتعددة ، والمختلفة بلهجاتها وقوميّـاتها وفولكلورها وعاداتها وتقاليدها، إلاّ انها تتوحّـد في (نظم الموال العراقي) من حيث شكل الممارسة الكتابية في هـذا الأدب الشعبي، التي يكتبها (قاموس) كل منطقة شعبية، له حضوره في مفردات الموال الخاصة ببيئته.

شريعة المُثلة تؤسس للرفق بالإنسان والحيوان حيّا وميتا

nadheer khazrajiبعد ربع قرن من الهجرة اعتدت في كل زيارة الى العراق منذ عام 2003م أن أتجول في العاصمة العراقية بغداد أتمتع بمناظرها وشوارعها وآثارها واستأنس بحركة الناس ذات اليمين وذات اليسار، كل منشغل بالحياة اليومية، وفي العام 2008م وبعد أن تراجعت بشكل كبير عملية الخطف والقتل على الهوية الطائفية بفضل الاجراءات الحكومية، طفنا في شوارع بغداد كعادتنا، وعند مرورنا بشارع "أربع شوارع" في منطقة اليرموك، استوقفتنا مشاهد محلات بيع السمك المسقوف المشوي على الفحم، فأبدى زميلي انبهاره بالمنظر وبعفوية طلب مني الدوران بناظري والتمتع بمشاهد شوي الأسماك في الهواء الطلق، فابتسم السائق وعرف انني وصاحبي لسنا من أهل بغداد، فقال وبنبرة الخارج للتو من معركة رابحة: أتدرون ماذا كانوا يشوون هنا بدلا من الأسماك؟ تساءلنا بنبرة الجاهل بالأمر ونحن نعرف بما سيخبرنا به؟ أجاب: كانوا يشوون البشر المخطوفين بدلاً من الأسماك.

 كان هذا الشارع الذي ننعم بالمرور به الآن من الشوارع الخطيرة والمحظورة في الأعوام 2006- 2008م لكثرة عمليات الخطف والذبح والتنكيل والمثلة وشوي الأجساد، وراح محدثنا ينقل صوراً من عمليات القتل والفتك والتنكيل التي جرت في شوارع بغداد خلال هذه الفترة بدفع من جهات سياسية ومؤسسات دينية عراقية وغير عراقية وجدت في الحرب على الهوية المذهبية ضالتها للكسب الحرام على حساب النفس المحترمة، ومحاولاتها الحثيثة لتغيير الهوية السياسية التي تشكلت بعد عام 2003م كأمر طبيعي لما أفرزته صناديق الاقتراع، ولما هو عليه حقيقة الواقع الديموغرافي والسكاني لبغداد نفسها بخاصة وعموم العراق بعامة.

وتزاحمت في الذهن صور قتل الإنسان والتنكيل به التي جرت في تلك الفترة العصيبة من تاريخ العراق الحديث، وتداعت الذكريات المرّة وأنا أتصفح كتيب "شريعة المُثلة" للفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، الصادر حديثا (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 48 صفحة متضمنة لمقدمة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري مع 22 تعليقة على 75 مسألة فقهية تعرض فيها الفقيه الكرباسي إلى جريمة "المُثلة" وأحكامها.

 

إنسانية الإنسان أولا

من الواضح ان التشريعات، إنما وضعت لتنظيم حياة الإنسان والإنسانية، ولا يخلو مجتمع، صغر عدد أفراده أو كثر، من التشريعات إن كانت دينية أو قانونية أو عرفية أو مجتمعية أو أسرية، وإذا كان الغموض يلف بعض التشريعات وهي بحاجة الى تفسير وتوضيح من خبراء التشريع أو القانون، فإن هناك من الأمور ما هي واضحة لا تتعلق بدين أو تشريع بعينه، يتفهما الإنسان بانسانيته، وإن كانت هي الأخرى بحاجة الى تشريع، ولعلّ مسألة "المُثلة" والتنكيل بالإنسان من الامور التي يستقبحها العقل الإنساني ويرفضها رفضا قاطعاً، لتعارضها تماماً مع انسانية الإنسان إن كان موحدا أو غير موحد.

فالمُثلة التي تعني كما يعرفها الفقيه الكرباسي: (التنكيل بجسم الميت بقطع شيء منه أو ما شابه ذلك)، مرفوضة في ساحة الحرب، فمن باب أولى مرفوضة في خارجها، وبتعبير الفقيه الغديري في المقدمة: (فإن المُثلة من أسوأ الأعمال وأقبحها عند الشارع الحكيم والخالق الكريم، فهي نوع من السبوعية، فعلى هذا لا يجوز للمُقاتل في المعركة أو خارجها أن يمثّل بعدوِّه وإن كان كافراً، فهذا يدل على حرمة الإنسان في الإسلام، هذا الدين الالهي العظيم لا يسمح بأيّة إهانة لأبناء البشر مهما كان الشخص طالحا وعمل عملاً غير صالح، فاحترام الإنسان مُقدَّم على كل شيء، وأقوم من كل ما دونه). فإنسانية الإنسان عند التشريعات مأخوذة بنظر الاعتبار بشكل جدي لا لبس فيه، ولهذا كما يضيف الفقيه الغديري: (والعقيدة لا تسوّغ ما ينافي أصل الإنسانية بأي حال من الأحوال وبأية صورة من الصور حتى مع الكفار والمشركين وعبدة الأصنام وأعداء الإسلام، فالتمثيل بما هو غير مسموح به لما فيه وَهنٌ لأصل الإنسانية بغض النظر عن معتقد الشخص وأعماله)، من هنا فإن الفقيه الكرباسي يؤكد أن حرُمة المُثلة لا تقتصر على المسلم، إذ: (لا فرق في حُرمة المُثلة بين أن يكون المجني عليه مُشركاً أو كافراً أو غير ذلك).

بل ولتعزيز إنسانية الإنسانية، فإن المشرع الإسلامي شدّد على الحرمة في ساحة الحرب نفسها، ولهذا فإن من تعاليم الإسلام ما ورد على لسان النبي الأكرم محمد(ص) من وصاياه للجيش: "سيروا باسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، ولا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبيّا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها"، ومن وصاياه(ص) أيضا: "قاتلوا من كفر بالله ولا تمثّلوا".

 ولا تقتصر الرأفة التي بشّر بها الإسلام على ذات الإنسان نفسه، بل تعداها الى الحيوان، وقد اشتهر عن النبي محمد(ص) قوله: "إياكم والمُثلة ولو بالكلب العقور". وإذا كانت المُثلة محرّمة على الحيوان ومحرمة على الإنسان الميت لحرمته حيّا وميتاً، فمن باب أولى لا يجوز التنكيل والمُثلة به وهو حي، وفي ذلك يرى الفقيه الكرباسي أنه: (كما لا تجوز المُثلة بالأموات، فإنه لا يجوز الموت صبراً للأحياء حتى وإن كان الحي يستحق الموت)، بل حتى في مجال ذبح الذبيحة ينبغي استحضار الرحمة والاحسان، فقد ورد عن نبي الإسلام(ص): "إن الله كتب الاحسان على كل شيء .. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"، وعن حفيده الإمام محمد بن علي الباقر(ع): "فليحذر أحدكم من المُثلة وليحد شفرته، ولا يعذب البهيمة".

والتنكيل أو المُثلة أو تقطيع أوصال الإنسان صابراً وهو حي يكشف عن معدن الإنسان الجاني، وعن ماهيته وطينته، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (إن المُثلة إن تمّت فتدل على الحقد والكراهية التي يكنّها طرف لآخر) والتاريخ القديم والوسيط والحديث يحتفظ في ذاكرته بصور بشعة عن المثلة مارستها المجتمعات البشرية أفرادا ومجموعات بالضد من الآخر، ولأن الفعل تنفر منه الفطرة الانسانية، فإن الجناة ينسبونه لهذا الدين تارة ولذاك تارة أخرى تنصلاً من المسؤولية الذاتية، مما يخلق الانطباع لدى الآخر بأن الدين يميل الى العنف ويشجع على التنكيل والتعذيب، في حين ان الدين وبخاصة الاسلام يهدف في تشريعاته حياة الإنسان وخيرها في الدارين، ولذلك اعتبر القرآن قتل الإنسان بغير وجه حق قتلاً للإنسانية وان احياءها إحياء للبشرية، قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) المائدة: 32.

 

بين القصاص والمُثلة

ربما تقفز الى الذهن شبهة المُثلة على تشريعات القصاص التي سنّها الإسلام، حيث يقتضي في القصاص كما هو مسنون به العمل بالمثل، فمن قطع اصبع انسان عامداً متعمدا فحكمه المثل، وكذا في بقية أجزاء البدن، فحرمان الإنسان من جزء من أجزاء بدنه يقتضي العمل بالمثل مع الطرف الجاني ضمن شروط خاصة مرجعها القانون وحاكم الشرع، إلا ان يعفو المجني عليه أو ولي الدم في حال القتل، فكما تحرم التشريعات المُثلة بالانسان حياً وميتاً تحكم عليه بالمثل إن أساء للآخر، فالقصاص ليس من المُثلة، فكما ان إحياء النفس إحياء للإنسانية فان القصاص في الموارد التي يحكم بها حاكم الشرع هي الاخرى حياة فيها ردع وتخويف عن الاتيان بمثلها، وكما قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: 179.

وإذا كان القصاص يتحقق فيه العمل بالمثل، فإن أحراز المثلية لا تتحق في المُثلة حتى وإن كان المعتدى عليه مسلماً، فالتنكيل تعبير آخر عن انحراف في السلوك وانعدام للأخلاق، والانحراف لا يُقابل بانحراف مثله حتى وإن بدا الأمر من باب "رد الحجر من حيث أتى"، وهذا ما يؤكد عليه الفقيه الكرباسي بالقول: (والاحتجاج بالمعاملة بالمثل ليس دليلا شرعيا ولا هي قاعدة اسلامية لتُعتمد في مثل هذه الموارد، وإن ذهب اليه بعض الفقهاء من المذاهب الاسلامية)، ولذلك كان صبر النبي محمد(ص) على التمثيل بعمِّه حمزة بن عبد المطلب في معركة أحد هو صبر مقدرة، ولم يفعل بالمثل مع تمكنه من ذلك، من هنا فإن الفقيه الكرباسي يؤكد: (إذا مثّل العدو بالمسلمين فلا يكون مسوغاً لأن يعاملوه بالمثل، بل على المسلم أن لا يمثِّل بهم)، كما: (إذا حُملت رؤوس قتلى المسلمين إلى أمرائهم، فلا يجوز للمسلمين المعاملة بالمثل في ذلك)، ولا يمكن الاستدلال بالحلية على تصرفات بعض قادة المسلمين على فرض صحة أصل الحدث، وهنا يؤكد الفقيه الكرباسي وهو الذي يحقق في النهضة الحسينية عبر موسوعته الكبيرة (دائرة المعارف الحسينية) التي بلغ المطبوع والمخطوط منها نحو 900 مجلد طُبع 86 مجلداً: (وأما ارسال المختار برأس ابن زياد إلى الامام السجاد(ع) أو محمد بن الحنفية فعلى فرض ثبوته لا يدل على صحّة عمله، بل الذي يُستشف أنّ حمل الرؤوس كانت عادة جاهلية استهواها البعض ومارسها على خلاف ما أمر به الرسول-ص-).

بل من رحمة الإسلام أنه نهى عند قصاص الموت العمل بالمثل (فلو أنه ثبت القصاص أو الحدّ على مجرم بالقتل فلا يجوز أن يُقتل تصبّراً، بل الواجب أن يُقتل بما يريحه حتى وإن كان هو فعل ذلك)، فإن كان النهي قائما عند قتل البهائم تصبّرا، فمن باب أولى نهيه عند قتل الانسان حتى في مجال القصاص.

يا ترى في مقابل صور الرحمة الإلهية، والرفق بالحيوان والإنسان في الروح والأبدان، بأية خانة يمكن وضع الصور المؤلمة والمقرفة والمقززة للتنكيل والمُثلة بالآخر حيّا أو ميّتاً التي تجري اليوم في بعض البلدان العربية والإسلامية، على خلفية الضد الديني والمذهبي تحت لافتة نصرة الدين والمذهب!!

بالتأكيد .. ما حرّمته الفطرة الإنسانية، وما حرّمه الشرع الإسلامي، لا يحلله أدعياء الدين والمتطفلون على الشرع، والمتفيقهون الذين يجدر بهم أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله.

 

صدر لعبد الحسين شعبان: الانتخابات والتغيير .. الثورة في صندوق الاقتراع

559-shabanتحت عنوان "الانتخابات والتغيير" مع عنوان فرعي "الثورة في صندوق الاقتراع"، صدر كتاب جديد للأكاديمي العراقي – أستاذ فلسفة اللاعنف والقانون الدولي، وذلك عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية في بغداد (آذار/ مارس 2014).

الكتاب يتكون من سبعة أقسام وملحقين، بحث في القسم الأول – ديناميات التغيير والطريق إلى صندوق الاقتراع، والثاني تناول موسم الانتخابات العربية، وخصص الثالث للانتخابات والمعايير الديمقراطية، وكان عنوان القسم الرابع " الانتخابات والأمم المتحدة" وناقش في القسم الخامس الانتخابات والبلدان النامية، أما القسم السادس فقد خصصه للأنظمة الانتخابية وأنواعها.

وشمل القسم السابع إضمامات – الأولى خاصة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول تعزيز الديمقراطية وتوطيدها لعام 2000. أما الإضمامة الثانية، فهي مقالة للباحث بعنوان" الانتخابات وتجربة أمريكا اللاتينية".

559-shabanوجاء في تقديم مركز حمورابي أنه عني بالشأن الانتخابي سواء أكان ضمن التجربة العراقية أم على مستوى " ديمقراطيات" العرب الجديدة، ويعدّ هذا المنجز من أهم مخرجات المركز التي نريد أن تكون أمام بصيرة القارئ العربي والعراقي، لنتعرّف بدقة وتحليل، كما نحته المؤلف بالكثير من الأناقة والشمول والتحليل للمصطلح وآفاقه المختلفة التاريخية والإجرائية والسياسية، لاسيّما وأن الكاتب فارس من فرسان الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان ومعلّم دولي للبناء الديمقراطي.

الكتاب صدر في بغداد وبيروت، وعن مركز حمورابي ودار التوزيع: المحجّة البيضاء، بيروت، ويحتوي على 182 صفحة من القطع المتوسط.

 

"زورق على شاطئ الانتحار" .. شِعرٌ لجورج شامي

557-najiصدر عن مؤسسة ناجي نعمان للثقافة بالمجان كتاب جديد للروائي اللبناني، والشاعر، جورج شامي، بعنوان "زورق على شاطئ الانتحار"، تزيِّن غلافه لوحة بريشة الفنان منير أبو دبس، زميل الكاتب على مقاعد الدِّراسة.

إهداء الكتاب: "إلى روح غزالة أحلامي، أليدا، التي ركع لها المجوس، وصلّوا". ويوضح الكاتب: "كتبتُ هذه الشَّذرات على دفعتَين، الأولى عام 1949، والثَّانية عام 1955، وأنا في قمَّة المراهقة؛ فجاءَت مشحونةً بالقلق والإحباط واليأس. وقد رفضَتْها آنذاك زوجتي لأنَّها خاليةٌ من أيِّ بريق بعيد الرُّؤية والأمل بمستقبل زاهر... ولكنَّني لم أتخلَّص منها، بل حافظتُ عليها في أدراج الرِّياح العاتية، تعصفُ بها وتطير، كلَّما عصفَت عواصفُ الحنين إلى الذِّكريات... وأنا، اليومَ، أنشرُها على المَلأ، من دون أيِّ تحريف، غيرَ هَيَّاب في غياب مَن كانت غزالةَ أحلامي".

557-najiومن الكتاب:

1

أنا مَيْت، تحدَّيت الزَّمان

أقدامي مائعة

تغرسُ في العَدم

حياتي بياضٌ باهت

مريض.

حركتي انتهاءٌ وتلاشٍ.

وهمي ارتجافٌ ومحبَّة.

تكاملٌ ونار.

***

تابوتي سرعة نسبيَّة؛

دورانٌ أعمى.

خطٌ مستقيم، عليه جثَّة

نفسٌ فارغة مخيفة.

***

قبورٌ معتنة، يحياها جسد

ملَلٌ أخرس يملأ الفراغ

***

على ظهري تمدّدتُ

عينايَ آفاقُ... اسوداد

روحي خريفٌ...

ذبولٌ، تفكّكٌ وارتماء.

 

2

جامدٌ تُحدِّقُ بي رمال،

عليها خيال...

سأزوي وتبقى، تحدِّقُ بعدي.

نزوي ألوفًا

نزوي مئات

نزوي جميعًا

وتبقى، رمالاً عليها خيال!

 

3

غابتِ الشمسُ عن واديَّ.

أين أنا...؟ في أيِّ غروب...؟

تهدَّلت الظُّلمات

تظلِّل شحوبي...

فأيُّ كهفٍ يرجِّع صداي؟

***

إنشلَّت بي رؤيتي

انمسَحَت الأبعاد

فأيُّ بدايةٍ هي نهايتي...؟

 

4

على شفير الكون

تمتدُّ هوَّة حمراء.

أعصابي تتجمَّد...

***

تكاملٌ أصفر...

خطوطٌ محدَّدةٌ في غيب

مضعضعة بالأسود.

خيالي يتطاول،

يصدُمُه فراغ.

قدمٌ في العَدم

كفٌّ في البَدءِ.

قمر صبري تصدر: ديمُقشعرية

558-moonصدر حديثاً للشاعرة السورية قمر صبري الجاسم ديوان شعري بعنوان (ديمُقشعرية) وبدأته بإضاءات على لسان الشارع ومدخل ثم انقسم إلى فصول معنونة تحت كل فصل مجموعة قصائد (مشاهد مشوهة – الشخصيات حسب الشعور – أحوال الطقس النفسية – فنون – في فلك الشعر – إعلا...مات – برامج شعرية) فتبدو تلك الفصول كما لو أنها قناة تلفزيونية شعرية. لتشكل قصائد مُتكاملة تتمم بعضها بعضاًعلى تميز كل واحدة منها على حدى وتطرقها لموضوع بطريقة مختلفة وأسلوب مختلف كعادة الشاعرة منذ أول ديوان لها بعنوان (للعاطلين عن الأمل) حين جعلت منه يبدو على شكل

كما تنوعت القصائد بين الشطرين وقصيدة التفعيلة .. وتواريخ كتابة القصائد بين 2003 و 2012 .

المجموعة جاءت ب 124 صفحة من القطع الوسط صدرت عن دار فضاءات في الأردن .

الإهداء جاء إلى لعبتي مها . وكما جاء في الهامش مها من قصيدة لعبتي للشاعر سليمان العيسى .

558-moonوقد صدر للشاعرة: وريقات مبعثرة عن دار النور في دمشق2002

– للعاطلين عن الأمل فاز بجائزة المزرعة عام 2004

– نياشين على صدر قبري عن اتحاد الكتاب العرب 2005

- دعوة للرفق بالكلمات عن دار الحقائق 2007

–أمواج عارية وشيء من هذا القليل عن أكاديمية الشعر في هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث 2010.

- وعن رابطة الكتاب الأردنيين ضمن سلسلة (شعراء عرب معاصرون) مختارات من قصائدها باللغتين العربية والإنكليزية بعنوان (منذ هبّة أول حرف) 2014.

هذا وسيكون حفل التوقيع في جناح دار فضاءات 9G30 خلال معرض أبو ظبي الدولي للكتاب وذلك تمام الساعة السادسة من مساء يوم الأحد الموافق 4 أيار 2014.

 

فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية في العراق .. عامر عبد الله .. النار ومرارة الأمل

zayd alheliكتب الكثير عن عامر عبد الله، القائد الشيوعي العراقي الكبير، والسياسي اللامع، والوزير المتمكن .. وربما هو ابرز من اثير حوله غبار التساؤلات، وهي تساولات مشروعة في احايين كثيرة ، لكن في احايين اخرى تغلفها ستائر النميمة والحقد والحسد !!

صحيح جدا، ان شخصية مهمة مثل عامر عبد الله، لابد ان تحيطها الأسئلة، ومحاولات الغور في استفهامات عديدة، فهو شخصية عامة، تأثرت بالمجتمع العراقي، وأثرت فيه، وأستمر اسمه بالتردد منذ ان شاع صيته كشخصية شيوعية مثقفة، متوازنة الطروحات والرؤى وحتى فجيعة وفاته في ظروف يسودها الغموض في غربته اللندنية ..

وقد تسنى لي الإلمام بجوانب عديدة من هذه الشخصية، لكني اعترف انني، لم ارس على شاطئ امين بصدده، حيث كانت الآراء فيه متباينة، بل متنافرة الى حد عجيب، وتلك في رأيي حالة عراقية بأمتياز، مع الاسف !! .. فما حدثني عنه الاستاذ (ماجد عبد الرضا) يختلف تماما عما ذكره لي الاستاذ حسن العلوي، وما فاض به قي جلسة (عمارتلية) ودودة قبل ثلاثة عقود الاستاذ همام عبد الغني المراني، يناقض ما كلمني الاستاذ عبد الحميد الصافي، ويستمر الحال مع الاستاذ يوسف متي ومالك منصوروالشاعر عبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم .. وخلال عملي الصحفي التقيت مرة واحدة بالاستاذ عامر عبد الله، حيث اجريت معه لقاءا مطولاً نشرته في جريدة " الثورة " منتصف سبعينيات القرن المنصرم، وهذا اللقاء اليتيم لم يرسم صورة، لأتمكن من خلالها اعطاء رأي قاطع بهذا الرجل الذي قرأت عنه الكثير ..

 

سدادة الرأي

واظن ان المفكر الكبير، صديقي د. عبد الحسين شعبان، شعر بحدسه المعروف، مدى شغفي بشخصية عامر عبد الله، فأخذ يحدثني في معظم لقاءآتنا، وهي كثيرة، عن صديقه عامر، كاشفاً صفحات غير معروفة، بعقلية راقية، يرافقها الاتزان دائما، فالعقل عند د. شعبان، بمثابة حارس الذات الذي يصوّب خياراتها، يضبط ايقاعها، يكبح جماحها ويقوِّم مسارها ليبقى حراكها في دائرة المنطق والاحساس الواقعي... وإذا كان الإحساس عنده لغة الروح، واذا كان المنطق لغة العقل، فالحديث عن شخصية هامة ومهمة كشخصية عامر عبد الله يستوجب اتقان اللغتين وإلا سوف لن نفهم الحياة وشخصياتها ولن تفهمنا... لذلك اشعر بالاطمئنان وانا استمع الى حديث ابا ياسر د. شعبان.

ووفق ذلك، ليس غريبا على د. شعبان ان تحتفظ ذاكرته بمعلومات دقيقة، غير مسبوقة عن شخصية عامر عبد الله، لاسيما انه ارتبط معه بصداقة عائلية، وذكريات نضالية اتاحت له، ان يحتك بأدق الامور وتفاصيلها ما يجعله، اهم مصدر يمكن الاعتداد به في الحديث عن عامر عبد الله ... انسانا ومناضلا ومفكرا..

يقول د. عبد الحسين شعبان : يُعد عامر عبد الله من أهم الشخصيات الشيوعية العراقية، والعربية، ليس بحكم المواقع التي تولاّها وهي كثيرة بل لما تركته من تأثيرات فكرية وسياسية على مجمل الحركة الشيوعية بشكل خاص والحركة الوطنية بشكل عام، فهو لم يكن شيوعيا " مسلكيا متقوقعا " في منصبه الحزبي، بل كان سياسيا بارعا وصاحب نظرية ثاقبة، جمع بين الصلابة الفكرية والمرونة التكتيكية، وتمكّن من فن الحوار والسجال والجدل، وامتلك قدرة كبيرة على الاقناع، وكانت صفاته القيادية تتجلى في معرفته ومبادراته..

 

النار ومرارة الأمل

وحين صدركتاب (عامر عبد الله / النار ومرارة الأمل) الذي يتحدث عن فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية من خلال القائد الشيوعي، وبدء توزيعه في بغداد (دار"ميزو بوتاميا" بشارع المتنبي) كنتً اول المقتنين .. قرأتً الكتاب بصفحاته 336 من القطع الكبير، واطلعت على وثائق وصور غير منشورة ... جهد كبير من مفكردؤوب، اغنى المكتبة العربية، بعشرات الدراسات والكتب ..

الكتاب مزيج من الانطباعات والذكريات والحوارات والقراءات والنقد التاريخي، اراد الباحث د. شعبان، من خلاله رسم صورة شخصية لعامر عبد الله في ديناميكيته وأهميته الجوهرية في الحركة الوطنية والشيوعية والعربية .. مع حرص واضح على التمييز بين التأييد والتنديد وبين النقد الموضوعي والانحياز العاطفي، ولعل المتبحر في قراءة ما بين سطور الكتاب يكتشف دون معاناة، خشية الكاتب من ضياع حقائق داخلية وانطماس دورها ومنجزها التاريخي في خضم صراعات وخصومات وادعاءات، وما ينجم عن ذلك من آراء متضاربة تستبد بها النوازع الذاتية والدوافع المصلحية والانحيازات الخاصة ..!

وجميل، ان يشير د. شعبان، الى جزئية مهمه، بالقول انه لم تكن العلاقة الشخصية والصداقة والرفقة وحدها، وراء دوافع الكتابة عن عامر عبد الله، بل " انه يستحق ذلك، فهو واحد من المثقفين الماركسيين العرب الذين امتلكوا فكرا جوّالاً عميقاً، وخصوبة معرفية وثقافية واسعة، ولولا استغراقه في العمل السياسي والحزبي اليومي، لكنّا كسبنا مفكرا او اديباً اضاف إلى المكتبة العربية بشكل عام والماركسية بشكل خاص، رفوفاً من الكتب الرصينة "

اذاً، هذا رأي الباحث د. شعبان، في عامر عبد الله وهو رأي شديد الخصوبة بهذا المناضل الممتلئ طموحاً، وكان هذا " الطموح " ظل، ملازما له، ولربما لايتقدم عليه اي شئ آخر، فلم يكن يرتضي المواقع الدنيا او الثانوية، فقد كان يشعر أنه ينبغي ان يكون في الصدارة وفي المواقع الاولى، وإذا كان لايميل لأحتلال الاول، إلاّ انه كان يسعى ليكون " أصحاب المواقع الاولى " تحت تأثيره، او في الأقل لايقفون حائلاً امام طموحه، وهكذا كانت علاقته مع سلام عادل، فترة توافق وانسجام كبيرين، برز فيها عامر عبد الله مفكرا ومجتهدا ومبادرا وسياسيا لامعا، ولكن في فترات الاختلاف والصراع، انطفأ عامر عبد الله ولحقته التهم والاشاعات التي وصلت حدّ الشكوك !

 

تناقض في الرؤى !

وفي قول، يصل مرحلة الجزم، يؤكد د. شعبان ان فترة استيزار ومن ثم استقالته او تنحيته، جمعت تناقضا حادا في النظر اليه، ومنذ العام 1972 وحتى العام1978 كان عامر عبد يمثل " ثقل الحزب" المحاور مع سلطة البعث، صاحب الحظوة والكلمة المسموعة لدى الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، المفاوض بأسم العراق مع السوفيت ولاسيّما في صفقات الاسلحة، والموفد الرسمي الى اليمن لحل الخلافات بين شماله وجنوبه، والمفوّض الرسمي مع السوريين بخصوص نهر الفرات، والمبادر بتقديم مقترحات للقيادة البعثية بخصوص حرب تشرين 1973 والضاغط بإتجاه المشاركة العراقية فيها، ولحماية دمشق، ولم يكتف بذلك بل ذهب بعدها الى الجبهة المصرية للاطلاع على خط بارليف و(ثغرة الدفرسوار)

على هذا المستوى كان عامر عبد الله، خلال تلك السنوات التي تدفقت فيها مواهبه وقابليته كرجل دولة، وكان الشيوعيون ينظرون اليه بإعجاب، على الرغم من الكثير من الحسد والغيرة التي كانت تعتري الكثير من ادارات الحزب المقرّبة او من القشرة الفوقية في المواقع العليا او المواقع الأدنى من تلك التي كانت تنتهز الفرصة للانقضاض على مواقع الحزب العليا، ولكن حين شنت قيادة "البعث" الحرب على الحزب الشيوعي العراقي، وحدّدت العام 1980 تاريخا نهائيا لتصفيته، واضطرّت إدارات الحزب الى التراجع غير المنظم، بعد ان أحرقت جميع سفنها، بل ومراكبها الصغيرة أيضاً، كان اول من وصلهم اللوم والتنديد هو عامر عبد الله، وجرى التذكير بـ (يمينيته واندفاعه في الخط العروبي متواطئاً مع البعث تارة، إضافة الى مواقفه في الترويج لخط آب تارة اخرى، وبعضهم كان يغمز إلى ابعد من ذلك، ولربما يصل الأمر إلى تقرير العام 1956 وهو التقرير الذي يعتزبه عامر عبد الله كثيرا) !

تساءلت وانا اقرأ هذا الكتاب : ماهو هدف الصديق د. شعبان من كتابه؟

لقد وجدتُ اجابة عن هذا التساؤل في مكان ما من الكتاب، حيث قال د. شعبان " ليس هدفي من هذه القراءة تدوين تاريخ الحركة الشيوعية العراقية او حتى جزءّا منه، فمهمة المؤرخ لها حقل آخر، اضافة الى ضرورة التوقف والتدقيق للعديد من الوثائق، ليس من اليسير توفيرها او الحصول عليها في الوقت الحاضر، تلك التي تخص السياق التاريخي لما قبله وما بعده .. كما ان مهمتي ككاتب وناقد ليست الدفاع عن عامر عبد الله بحكم الصداقة والرفقة، على الرغم من انني لم أخف محاولتي إضاءة الجوانب المشرقة والمضيئة في شخصية عامر عبد الله، وازالة الكثير من الالتباسات ومحاولات التشويه التي تعرّض لها، لاسيما من " ذوي القربى " الذين كان ظلمهم اشد مضاضة من وقع الحسام المهّند، وفي الوقت نفسه، نقد الجوانب السلبية وبعض نقاط الضعف لدى عامر عبد الله وخصوصا في مرحلته اللندنية .. ان هدفي في هذه الكتابة، هو اجلاء بعض الحقائق وازالة الكثير من الغبار الذي علق بشخصية عامر عبد الله وإعادة الاعتبار للجدل والنقد العلميين ازاء واحدة من الشخصيات الشيوعية المؤثرة والتي تركت بصماتها اينما حلت، لاسيما في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية والعربية، ليس هذا فحسب بل على التاريخ العراقي وربما العربي ككل ".

اذاً، عامر عبد الله، لم يكن شخصاً عابراً او أصبح مسؤولاً او عضوا في اللجنة المركزية والمكتب السياسي حسب، بل هو الذي كان قد ملأ هذه المواقع وأعطاها معنى، في حين ظلت فارغة حتى بمن شغلها لسنوات ولفترات اطول، لدرجة تعتّق فيها او اصبح الناس لا يعرفونه إلاّ بصفته تلك دون سواها، وبفقدانها يطويه النسيان أحيانا، ولذلك ترى التشبث بالمواقع لدرجة الاستقتال، ولا غرو أن الاحزاب الشيوعية، وجميع الاحزاب الشمولية لم تعرف إلاّ نادرا ثقافة الاستقالة وجميعها شهدت مؤامرات وحيكت فيها دسائس وصلت احيانا الى درجة الجريمة بسبب الصراع على المواقع والسلطة الحزبية، سواء في ظروف العمل السري او في ظل إدارات الدولة عند الوصول الى الحكم !!

 

جامع الصفات وتناقضاتها ..

ويتبين، لقارئ كتاب الباحث القديرد. عبد الحسين شعبان، مدى مساهمة المناضل الشيوعي عامر عبد الله، في تشكيل وعي نحو جيلين من الشيوعيين، وصارع وجادل واتفق ونجح وأخطأ وأصاب وأخفق ، وتحدّى وساوم، وتقدم وتراجع وتشخصن وتفانى وجلب من المريدين والخصوم ومن الاحبة والاعداء، بل الأخوة الأعداء الكثيرون.. كان الكثيرون يتمنّون ان يقترن أسمهم بأسم عامر عبد الله، حتى من باب النقد او الشتيمة، لكنهم في لحظة معينة كانوا يتمنون ايضا لو لم يكن عامر عبد الله موجودا او حاضراً، لأن وجوده وحضوره سيغطّي عليهم، بل على جمهرة منهم، ولهذا كان عامر عبد الله يسبب لهم غصة كبيرة، حتى وإن كان فردا واحداً وهم حتى لو أجتمعوا بالجملة، فكفته قد تكون الأرجح، ولاسيما لدى أوساط غير حزبية، وجهات عربية كثيرة ..

اعجبني كثيرا تواضع د. شعبان، حين قال في مقدمته، انه لايقدم الوقائع والاحداث في كتابه كمسلمات غير قابلة للنقض او للإضافة او الحذف او التعليق او التعديل او التصحيح، فقد تكون هناك تقديرات وتصوّرات اخرى مغايرة نقدرها، ولهذا (يقول د. شعبان) فأن هدفي هو دفع القارئ والمعني بشكل خاص إلى التفكير والتأمل في وجاهة ماهو معروض من افكار عامر عبد الله، وتقليب وجوه الرأي بالمقارنة والنقد، فالمسألة لا تمس من يؤيد او يخالف، ففي الاولى قد تكون محاباة، وفي الثانية قد تكون تحاملاً !

 

طموح بلا حدود

وحال الانتهاء من قراءة الكتاب، يخرج المرء بأنطباع مفاده، ان عامر عبد الله لم يأخذ حقه، ولم يقّيم التقييم الصحيح، بل تعرّض خلال حياته الحزبية والسياسية إلى الكثير من الإساءات والتشويهات، دون ان يعني ذلك أنه لم يرتكب العديد من الاخطاء، لاسيّما طموحه الذي لاتحده حدود، وكان من ابرز ما تعرّض له حملتان ظالمتان كبيرتان الاولى، العام 1959 وما بعده وصولاً إلى تنحيته من إدارة الحزب، والثانية بعد انهيار التحالف مع حزب البعث في إطار الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في العام 1979 وما بعدها والتي كانت كان احد أكباش الفداء فيها حيث تمت تنحيته وتعرّض لأتهامات وضغوط كثيرة ..

 

اخيرا ...

الكتاب قدم مشهدا عاما للحركة الشيوعية من خلال عامر عبد الله، لجيل نهض بالمهمة النبيلة، تابع الكاتب فصولها في لقاءات واحاديث خاصة، وجال مع عامر في منابره، وما ساهم به من كتابات وآراء، واستقصى تفوهاته النقدية لما يُقال او لايقال، واستجلى حساسيته ومواقفه المعلنة وغير المعلنة، لاسيّما لأبرز مظاهر التحول فيها دون ان يغفل متابعة ما أعقبها من تطورات وتغييرات، بعضها دراماتيكية، واضعا ذلك في مشغل خاص، لفلترة ما هو مناسب منها ومفيد للجيل الحالي وللأجيال القادمة.. وبالخصوص خلاصات تجربة كردستان والكفاح المسلح بما لها وما عليها، وكذلك تجارب المنافي القاسية خلال ربع قرن، وقد استوجب الامر من د.شعبان الإشارة الى عشرات الاسماء والى التوقف عند بعضها بالارتباط مع عامر عبد الله، وكذلك إجراء مقارنات مع جهات سياسية اخرى، عزفت على الوتر ذاته في الصراعات الحزبية والسياسية، سواء كانت في السلطة او خارجها، وكبرت في حجمها اوصغرت ..

كتاب من المهم قراءته .. بانوراما لتاريخ عراقي معاصر ..

 

أرواح هائمة" مجموعة شعرية للشاعرة الفلسطينية وداد عبدالله

556-sabahعن مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد صدرت اليوم الاربعاء 30.04.2014 المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة الفلسطينية وداد عبدالله حملت عنوان"أرواح هائمة" ...

هذا وتضمّ المجموعة التي جاءت في 125 صفحة 80 نصّاً شعرياً .

والجدير ذكره أنّ الشاعرة وداد عبدالله قد فازت بالجائزة الثانية في مهرجان يوم ميزوبوتاميا الدولي للشعر 2012 والجائزة الثالثة في نفس المهرجان لعام 2013 والذي تم تنظيمة من قبل مركز ميزوبوتاميا الثقافي في العاصمة الصربية بلغراد .

تجدر الاشارة ان الديوان طبع في بلغراد – صربيا / مطبعة غورا برس – بلغراد

556-sabahرقم الايداع في المكتبة الوطنية الصربية ببلغراد :

821.411.21'06(569.4)-1

COBISS.SR-ID 206935308

الترقيم الدولي للكتاب : ISBN 978-86-89695-02-1

ومن منشورات مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد.

sabahalzubeidi@yahoo.com

*****

بلغراد / صباح الزبيدي / خاص

 

رواية (فرانكشتاين في بغداد) تتوج بالبوكر

alkabir aldasisiتوقفت أنفاس عشاق الراوية العربية مساء يوم الثلاثاء 29 أبريل 2014 وهم ينتظرون إعلان الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية المعروفة بجائزة البوكر، بعد اقتصار الصراع على المرشحين الستة ضمن اللائحة القصيرة وهم:

1. لا سكاكين في مطابخ المدينة للروائي السوري خالد خليفة

2. فرانكشتاين في بغداد للعراقي أحمد السعداوي

3. طائر أزرق نادر يحلق معي للمغربي يوسف فاضل

4. طشاري للعراقية أنعام كجة جي

5. تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية للمغربي عبد الرحيم لحبيببي

6. الفيل الأزرق للمصري أحمد مراد

وبعد متابعتنا للروايات المرشحة ومسابقة الزمن لقراءة كل الروايات والكتابة عنها قبل إعلان إسم الفائز جاء الإعلان بعد انحصار التنافس بين أربع روايات عقب فوز رواية (لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة) بجائزة نجيب محفوظ، ورواية (طائر أزرق نادر يحلق معي) بجائزة المغرب للكتاب انحصر التنافس بين الروايات الأربع الأخرى...

جاء موعد الحسم مساء يوم الثلاثاء و تم الإعلان عن الفائز إذ (كشف سعد البازعي، رئيس لجنة التحكيم - المكوّنة من الناقد والأكاديمي السعودي سعد البازعي، رئيسا، والصحافي والروائي والمسرحي الليبي أحمد الفيتوري، والأكاديمية والروائية والناقدة المغربية زهور كرّام، والأكاديمي والناقد العراقي عبدالله إبراهيم، والأكاديمي التركي المتخصص في اللغة العربية وترجمة الأدب العربي إلى التركية محمد حقي صوتشين - عن إسم الفائز بالجائزة في حفل أقيم في مدينة أبوظبي مساء اليوم الثلاثاء 29 أبريل 2014. بإعلان رواية (فرانكشتاين في بغداد) للروائي العراقي أحمد سعداوي فائزة بالجائزة التي تقدر بما قيمته 50,000 دولار أمريكي، و ترجمة الرواية إلى اللغة الإنجليزية مع ما يمكن أن يعود على المؤلف من فوائد مادية ومعنوية بعد هدا الفوز....

الرواية صدرت طبعتها الأولى عن دار الجمل في 352 صفحة من الحجم المتوسط تحكي عن حكاية هادي العتاك (المعروف في الرواية بالكذاب) بائع المتلاشيات في حي من أحياء العاصمة العراقية التي تعرف عمليات تفجيرية من حين لآخر عقب سقوط نظام صدام حسين ودخول الأمريكان إذ تبدأ أحداث الرواية في ربيع 2005، استغل هادي العتاك هذه التفجيرات وتناثر أشلاء الضحايا في جمع هذه الأشلاء ولصق بعضها لبعض، وكانت فرحته كبيرة عندما عثر على أخر عضو (الأنف) وتشكيل جثة كاملة لا روح فيها، حلت فيها روح لا جسد لها، فتشكلت شخصية (الشُّسْمَهْ) وتعني بالعراقية الذي لا إسم له، لينطلق هذا الكائن الغريب في عملية انتقام من كل الذين ساهموا في قتله، وأمام تعدد جرائمه، أطلقت عليه السلطات لقب (المجرم أكس) فيما سماه آخرون "فرانكشتاين" ورافق عملية قتله للذين قتلوه عملية قتل الأجزاء المكون له

فكرة الرواية وعنوانها يحيلان إلى الفيلم الأمريكي الشهير المقتبس عن رواية فرانكنشتاين (Frankenstein) للمؤلفة البريطانية ماري شيلي والصادرة سنة 1818..

بعد الإعلان عن الفائز جاء في تصريح الناطق باسم لجنة التحكيم أن هذه الرواية جرى اختيارها (لعدة أسباب، منها مستوى الابتكار في البناء السردي كما يتمثل في شخصية (الشسمه). وتختزل تلك الشخصية مستوى ونوع العنف الذي يعاني منه العراق وبعض أقطار الوطن العربي والعالم في الوقت الحالي. في الرواية أيضاً عدة مستويات من السرد المتقن والمتعدد المصادر. وهي لهذا السبب وغيره تعد إضافة مهمة للمنجز الروائي العربي المعاصر)

هذا وقد تكونت الرواية من تسعة عشر فصلا كل فصل مكون من مشاهد إضافة إلى تقديم من صفحتين ونصف اختار له الكاتب عنوان: التقرير النهائي وعنوانا ثانويا (سري للغاية) اختلفت هذه الفصول التي تدرج عبرها سرد أحداث المتن الحكائي من حيث الحجم، وهذه الفصول هي :

الفصل الأول : المجنونة من الصفحة 11إلى ص 24

الفصل الثاني : الكذاب من ص 25 إلى ص 42

الفصل الثالث : روح تائهة من ص 43 إلى ص 48

الفصل الرابع : الصحفي من ص 49 إلى ص 62

الفصل الخامس : الجثة من ص 63 إلى ص 78

الفصل السادس :الحوادث الغريبة من ص 79 إلى ص 100

الفصل السابع : أوزو وبلوديميري من ص 101 إلى ص 122

الفصل الثامن : أسرار من ص 123 إلى ص 139

الفصل التاسع : تسجيلات من ص 140 إلى ص 155

الفصل العاشر : الشِسمه من ص 156إلى ص 180

الفصل الحادي عشر: تحقيق من ص 181 إلى ص 202

الفصل الثاني عشر : في زقاق 7 من ص 203 إلى ص 225

الفصل الثالث عشر : الخرابة اليهودية من ص 226 إلى ص 246

الفصل الرابع عشر: متابعة وتعقيب من ص 247 إلى ص 259

الفصل الخامس عشر:ه روح تائهة من ص 260 إلى ص 278

الفصل السادس عشر: دانيال من ص 279 إلى ص 299

الفصل السابع عشر: الانفجار من ص 300 إلى ص 322

الفصل الثامن عشر : المؤلف من ص 323 إلى ص 239

الفصل التاسع عشر : المجرم من ص 240 إلى ص 250

وقد انتهت الرواية ببعض الإشارات وفهرس للفصول

هذا وقد جاء في تصدير الرواية التعريف التالي لمؤلفها: (أحمد سعداوي روائي وشاعر وكاتب سيناريو عراقي من مواليد بغداد 1973. صدر له :" عيد الأغنيات السيئة" شعر ورواية البلد الجميل الحائزة على الجائزة الأولى للرواية العربية في دبي 2005 إضافة إلى رواية (إنه يحلم أو يلعب أو يموت) الحائزة على جائزة هاي فيستفال 2010 .. كما يعمل في إعداد البرامج والأفلام الوثائقية وسبق له أن شارك في عام 2012 في "الندوة" - ورشة الإبداع - التي تنظمها الجائزة العالمية للرواية العربية سنويا للكتاب الشباب الواعدين.

بهذا تكون رواية "فرانكشتاين في بغداد" قد فازت بأفضل جائزة عربية باعتبارها أفضل عمل روائي نُشر خلال الإثني عشر شهرا الماضية، بعد اختيارها من بين 156 رواية مرشحة ضمن اللائحة الطويلة تتوزع على 18 بلدا عربيا.

وبالإضافة إلى تتويج الفائز يتم خلال الحفل الذي نظم على هامش معرض أبو ضبي للكتاب تكريم الروائيين الخمسة الآخرين المرشحين ضمن اللائحة القصيرة بجائزة 10.000 دولار أمريكي لكل مرشح، بدعم من "مؤسسة جائزة بوكر" في لندن، وتمويل "هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة" .

وخير ما نختم به هذا المقال ما جاء على لسان ياسر سليمان، أستاذ كرسي الدراسات العربية بجامعة كمبريدج، ورئيس مجلس أمناء الجائزة العالمية للرواية العربية، بقوله: (لقد أبدع أحمد سعداوي في روايته "فرانكشتاين في بغداد" التي جاءت زاخرة بشخوص تتجاوز الواقع وتلتقي به وجها لوجه في آن واحد٬ مثيرة في رحلتها هذه قضايا الخلاص من إرث طاحن لا خلاص لأحد منه على مستوى المسؤولية الفردية والجمعية. وتتألق الرواية بسرد أخاذ وغرائبية جاذبة تستنطق النفس الإنسانية في أحلك ساعاتها. ساحة الرواية بغداد وموضوعها في آخر المطاف يتعدى هذه المدينة ليشمل الإنسان أينما وُجد.) على أن نعود في قراءة تحليلية لهذه الرواية في القريب العاجل

 
 

صدور العدد الجديد من مجلة تشكيل العراقية

ahmad alhiliعن دائرة الفنون التشكيلية التابعة لوزارة الثقافة العراقية صدر العدد الجديد (14) من مجلة " تشكيل"، المتميزة بموضوعاتها ورؤاها الحاذقة، تضمن العدد موضوعاتٍ حيوية متفاعلة مع حركية الزمن والحداثة، من بينها موضوع جاء في صدارة الموضوعات بعنوان (الكرافيكي مظهر أحمد) للكاتب د. جواد الزيدي وهو يتحدث عن تجربة هذا الفنان العراقي المغترب، ومما جاء فيها؛ " إن الفنان مظهر أحمد تلتقي عند لوحته وفي رؤيته مجموعة المتعارضات والأضداد، التعبيري والمجرد، الرسموي والكرافيكي، الحداثة وما بعد الحداثة، الشرقي والأوربي، بوصفها مرجعيات فكرية وأسلوبية، لأنه درس في بغداد وتخرج في معهد الفنون الجميلة وتتلمذ علي يد شاكر حسن آل سعيد ورافع الناصري وأكمل شوطه الأكاديمي في وارشو ويدير حالياً ورشة كرافيكية تجريبية في مدينة فالون بسويسرا.

هناك مقالة مهمة للكاتب والناقد حسن عبد الحميد عن الرسام حسن عبد علوان المتوفى في العام 2013 بعنوان "حكايا وأساطير لونية" وبعنوان فرعي ؛ الرسم على ضفاف الطفولة ومباهج أحلام اليقظة.

أشار الكاتب إلى ما تحمله لوحات علوان من معاني عميقة تستمد ديمومتها من الارث المجتمعي، بما " تفيض فيه من أنهار حب وأشجار تطير، نساء غافيات حالمات بفرسان أحلامهن، طيور ديكة، قباب منائر وشناشيل تنمو وتتداخل بتموجات اللون وغبطة أفراح أبطال هذه الأساطير .."

ومن ضمن المساهمات الأخرى، جاءت المساهمة اللافتة والمطوّلة لـلباحث الأكاديمي د. زهير صاحب، والتي حملت عنوان "الرسوم الآشورية"، دراسة في المضامين الفكرية، ومما جاء فيها ؛ " تغوينا جمالية الرسوم الآشورية بـ (التوضيح)، وتنال اهتمامنا في أحيان أخرى بـ (التجريد)، وفي كلتا الحالتين فإننا لا نرى فيها إلا السطوح، في حين وجد الآشوريون جماليتها عند النقطة التي يندمج فيها التوضيح بالتجريد ..."

ساهم الكاتب والناقد مؤيد البصام بمقالته المعنونة " فنتازيا الحلم وروح الفطرة في أعمال هادي كاظم"، "هذا الفنان الفطري الذي ظهر في سكون وفي غير افتعال، واستطاع أن يكسب اعجاب الذين شاهدوا أعماله التلقائية والنابعة من إحساس عفوي وبساطة في التعبير، مع ما تحمله من التعبير الذاتي لما اكتسبه من الحكايات والقصص الشعبية، أعمال نحتية من الخشب الذي كان يتعامل معه في ورشة النجارة التابعة لكلية الفنون الجميلة في بغداد لبناء ديكورات المسرحيات، ومن ثم لقاؤه بالفنان فاضل خليل الأستاذ في نفس الكلية ..."

ننتقل بعد ذلك إلى مقالة شيّقة للناقد المتمرّس عادل كامل عن الفنان هيثم فتح الله بعنوان " مشفّرات الفوتو- رسم وتدشيناته"، ومن بين مكتشفات عادل حول هذا الفنان والنحات المرموق أنه " لا يقدم نصوصاً فنية بمعزل عن نسق أنها تتضمن اندثارها، جذع شجرة مكسور، صخرة تعرضت لعوامل التعرية، طيور في حالة نشوة، بيوت مكتنزة برائحة سكانها ... إلخ، إنما لم يغفل أن أكثر الأسئلة استحالة على الايضاح، لا تكمن في النص الذي تضمن موته ن بل في الموت الذي تضمن استحالة حدوثه ؛ الومضات، مرة بعد مرة تسمح للزمن أن يشكل علاماته ..."

تطالعنا مقالة مطوّلة للناقد موسى الخميسي بعنوان " الفن التشكيلي والخراف ن الغيبي واللاعقلاني في العمل الفني "، وفيها تحدث عن التجارب الفنية العالمية ضمن هذا الاطار وكذلك تفسيرات وتأويلات مدارس التحليل النفسي .

الكاتب والفنان العراقي المقيم في السويد علي النجار سجّل حضوره أيضاً في هذا العدد، عبر مقالته المعنونة (عمار سلمان ومزاجه العربي) حيث قدم لنا دراسة عن هذا الرسام .

أسهمت الكاتبة زينب أكرم بمقالة بعنوان( لوحات بعبق الماضي) وهي عن الفنانة سوسن عبد الحميد .

الناقد والقاص المعروف جاسم عاصي ترك بصمته أيضاً عبر مقالته الفلسفية ( جدار العين والعقل) حيث تطرّق إلى جذور هذه الثيمة ؛ الجدار عبر العصور والفترات الزمنية المختلفة في تجارب الشعوب والأمم وكذلك في تجربة الفنانين العراقيين ولا سيما جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد .

الفنان ستار لقمان كان له حضوره البهي المزدان بصور رائعة للوحاته عبر مقالة بعنوان؛ (لحظة القبض على ملامح الحياة اليومية) لرئيس التحرير الناقد المعروف صلاح عباس، منوهاً إلى أن ستار لقمان نأى بمواضيعه عن الواقع اليومي المستفز والمضطرب وحلّق بعيداً، وكأنه يروم لغاية أبعد تمهد له صناعة مدينة فاضلة مزدهية ببريق ألوانها، تلك هي مدينة الحنين للماضي الجميل ...

حفل هذا العدد مقالات أخرى، "التجريد، لماذا " للطيب الفنان برهان جبر حسون

تأويل البعد التشكيلي في اللقطة السينمائية، للكاتب حسين السلمان، أصوات المكان، للكاتب الأكاديمي أسعد غالب، و(الاستغراق في معرفة النحت ودلالاته الجمالية/ منحوتات صادق ربيع أنموذجاً) للكاتب خضير الزيدي، كما أن هناك مقالة قيمة للكاتب خالد خضير الصالحي مكرسة عن الفنان عبد الرحمن الساعدي .

وللحروفيات نصيب أيضاً في هذا العدد عبر مقالة بعنوان (لذة الحضور والغياب .. تمائم وحروف ومدن في رسومات هاشم الطويل)، وهي للكاتب د. شوقي الموسوي

الفنان التشكيلية فردوس حبيب، تم تسليط الضوء على تجربتها الغنية عبر مقالة بعنوان( شفافية الرؤية وقيم فن التخطيط) للناقد والخطاط المعروف طه البستاني .

وعند مشارفتنا على الانتهاء من قراءة العدد تطالعنا مقالة مهمة للكاتب عبد الكريم سعدون عن الفنان قحطان الأمين، وهي تحدثت عن أقنعته المتعددة .

ثمة مقالة أخرى تحمل زخماً من الأفكار والرؤى عن فنان الكاريكاتير التجريدي عبد سلمان البديري .

ثم نتوقف لبرهة مع مقالة الكاتب رعد كريم عزيز، التي تحدث فيها ضمن إطار الحلم عما أسماه "المتحف الافتراضي للفن ؛ سقف آمن يلم شتات الفن العراقي"

نشير هنا إلى أن هذا العدد من مجلة تشكيل جاء مزداناً بأوراقة الزيتية والصور الصقيلة بألوانها الخلابة، كانت صورة الغلاف من رسم حسن عبد علوان وهناك وازدان الغلاف الأخير بصورة فوتوغرافية بعنوان (زقاق) بعدسة الفنان هيثم فتح الله .

نستطيع أن نتلمس من خلال هذا العدد والأعداد التي سبقته مقدار الجهد الكبير المبذول من حيث انتقاء المادة الغنية وكذلك في إخراجه وطباعته المميزة، ومما لا شك فيه فإن هذه المجلة الفصلية الرصينة أثبتت وتثبت لنا عدداً بعد آخر بأنها من خيرة المجلات المتخصصة بهذا الشأن، ليس في العراق فحسب وإنما في البلاد العربية بوجه عام ...

 

معلومات إضافية