كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

سورن كيركگورد وعبد الجبار الرفاعي

846-jabarبالمحبة والايمان يستطيع الكائن البشري استرداد ذاته الضائعة

الوجودية فلسفة تقوم على اعطاء مركزية للانسان في هذا الوجود، اي انها فلسفة تعنى بالانسان الفرد، وتنطلق من الانسان الفرد، وغايتها الانسان الفرد، وهي من الفلسفات القائلة بأصالة الوجود في مقابل الفلسفات التي قالت بأصالة الماهية.

 تركزت موضوعات الفلاسفة الوجوديين حول: الذات، الحب، الايمان ، الضمير، القلق، اليأس، الموت... وبعض الباحثين لم يعتبر هذه الموضوعات لها علاقة بالشان الفلسفي، ومصطلح الوجودية نشا في ظروف الاحتلال النازي لفرنسا، واستخدمه جان بول سارتر، ومن هنا نجد اهتمام سارتر في كتاباته بهذه المسائل.

846-jabarيعد الفيلسوف الدنماركي المسيحي "سورن كيركگورد" أبا للفلسفة الوجودية، ومؤسساً للوجودية المؤمنة. عالج كيركگورد في كتاباته: الفرد، الحب، الايمان، والقلق، والخوف، والموت. في تناوله لموضوعة الايمان، يرى كيركگورد: ان الايمان لايقوم على الاستدلال، والاستقراء، وعلوم الطبيعة، وانما هو تجربة ذاتية فردية، وهذه الرؤية الكيركگوردية للايمان هي نفس الرؤية التي يراها المتصوفة والعرفاء، وهي نفس الرؤية التي تبناها باسكال عن الايمان، يقول باسكال: "ان الايمان هو معرفة الله بالقلب دون العقل، وان للقلب دليله الذي لايستطيع العقل ان يفهمه".

وهذه الرؤية للايمان شدد عليها المفكر الاسلامي العراقي عبدالجبار الرفاعي في كتابه الرائع والمتميز "الدين والظمأ الانطولوجي"، فهو يؤكد على أن الايمان يعبر عن حاجة عميقة لكينونة الكائن البشري، وهو يمثل الظمأ للمقدس، وهذه الحاجة والظمأ لايسدها ويلبيها ويرويها الا الايمان.

ومن هنا نجد شبها وتقاربا في الرؤية بين المفكرين كيركگورد والرفاعي. كلاهما يشدد على أنه بالمحبة والايمان يستطيع الكائن البشري استرداد ذاته الضائعة. وانه من خلال ايمان المحبة ومحبة الايمان يتحرر الانسان من اللامعنى واللاجدوى والعبثية والقلق والخوف، ويظفر بالسلام الباطني والطمأنينة والسكينة.

المفكر عبدالجبار الرفاعي، أولى كيركگورد اهتماما خاصاً، وتفاعل مع تجربته، واحتفى بذكراه. اذ خصصت له مجلته "قضايا اسلامية معاصرة" العدد المزدوج (55-56)، وهي المجلة العربية الوحيدة التي احتفت بمرور مئتي عام على ولادة هذا الفيلسوف المؤمن، فنشرت مجلداً يدرس أفكاره ورؤاه وفلسفته الايمانية، بما يقارب 500 صفحة، استوعب مساهمات مترجمة عن الدانماركية والألمانية والانجليزية والفارسية فضلا عن العربية، لفلاسفة وباحثين خبراء غربيين وشرقين من المختصين بفلسفة كيركگورد الايمانية.

كما ألف الرفاعي كتاباً حول فلسفة كيركگورد الايمانية، تناول فيه تجربته، اتسع لعدد من البحوث المكتوبة بأقلام مفكرين وفلاسفة حول كيركگورد، أسمى كتابه "الحب والايمان عند سورن كيركگورد".

إن الاهتمام بكيركگورد يحظى بأهمية خاصة، وذلك لأن كيركگورد قدم رؤية ايمانية للفلسفة الوجودية، يطلق عليها "الوجودية المؤمنة"، وعالمنا اليوم عالم الصخب والضجيج، عالم توارت فيه القيم الروحية تحت سطوة المادية الطاغية، والوجودية المؤمنة محاولة لاسترداد الذات الضائعة، والكشف عن حاجة الكائن البشري للايمان كضرورة لازمة لكينونته وخلاصه من القلق والخوف والضياع.

الوجودية المؤمنة أولت الانسان عناية خاصة، وأعطته موقعا مركزيا في الوجود. الله تعالى أعطى الانسان موقعا مركزياً متميزاً في هذا الكون، وشرّفه، وأسجد له ملائكته، وكرمه ايما تكريم. يقول تعالى: "ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". الوجودية المؤمنة نلتقي معها بأكثر من نقطة التقاء.

مشكلتنا مع الوجودية الملحدة اللادينية، كوجودية سارتر.

موطن الالتقاء الآخر الذي يلتقي به عبدالجبار الرفاعي مع كيركگورد، ان بدايات الاثنين فيها نقاط شبه كثيرة، وتعليمهما متشابه، اذ ان كليهما يمتلك تحصيلا عالياً في علوم الدين واللاهوت، فكيركگورد تربى تربية دينية، وتعلم اللاهوت، وعبدالجبار الرفاعي درس في الحوزة وبرع فيها، وأصبح استاذاً من أساتذتها، إذ درس فيها علوم المعقول والمنقول، وكتب بعض الكتب التعليمية لتلامذة الحوزة.

كيركگورد تمرد على الكنيسة وطقوسها التي جردت الدين من محتواه، وافرغته من مضامينه، وعبدالجبار الرفاعي دعا الى تطوير تقاليد التعليم في الحوزة وتطوير مناهجها، وكل منهما رفض استغلال الدين والمتاجرة به لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية.

ومن نقاط الاشتراك بين الرجلين، أن كليهما أكدا على النزعة الانسانية في الدين، فكيركگورد حارب الفساد في الكنيسة والجرائم التي ارتكبتها باسم الدين، وعبدالجبار الرفاعي تصدى للجماعات التكفيرية التي اختطفت الدين، وسلبت منه روحه وانسانيته وجماله. كل منهما دعا الى الحب، واشاعة ثقافته، فكيركگورد دعا الى الحب، وألف كتاباً عن الحب اسماه "أعمال المحبة". وعبدالجبار الرفاعي يرى الحب دينا يدين الله به، إذ يكتب عبدالجبار الرفاعي: "الدين الذي اعتنقه هو الاسلام الانساني، الرحماني، الدين فيه هو الحب، والحب فيه هو الدين". وهو ماورد عن الامام الباقر (ع): "وهل الدين الا الحب".

كيركگورد يرى ان الايمان له منطقه الخاص الذي يأبى ان يحصر في قوالب وانساق فلسفية مغلقة، ففي قضية الأمر الالهي لابراهيم بذبح ولده، الفيلسوف كانط رأى ان ماقام به ابراهيم من حمل السكين لذبح ولده عملا "غير اخلاقي" ، لكن كيركگورد، قدم تفسيراً آخر، قال فيه: بأن اقدام ابراهيم على ذبح ولده عمل غير اخلاقي وفقاً لقانون الواجب الاخلاقي، الذي قال به كانط. اما وفقاً لمنطق الايمان الذي لايخضع لقانون فهو عمل سام ونبيل.

وانا اجيب عن اشكال كانط باجابة غير التي أجاب بها كيركگورد، وهذه الاجابة استوحيتها من مبحث الأمر عند الاصوليين، فالأوامر عندهم على ضربين:

1- أوامر يراد منها تحقيق المأمور به خارجاً، كأوامر الله للمكلفين بالصلاة والصوم والحج، فالله يريد تحقيق هذه الأشياء المأمور بها خارجا.

2- وهناك ضرب آخر من الأوامر لايريد الله منها ان يتحقق المأمور به خارجاً، وهي ما أطلق عليه بالأوامر الامتحانية، وعلى هذا الاساس لايعد ماقام به ابراهيم (ع) عملا غير أخلاقي، لأن الله لم يرد من خليله ابراهيم تحقيق المأمور به خارجاً، أي لم يرد منه ذبح ولده، بل أراد اختبار ابراهيم (ع) ليرى الناس صدقه واخلاصه.

هناك اكثر من نقطة التقاء، وهناك نقاط افتراق بين كيركگورد وعبدالجبار الرفاعي. وهذا هو شأن الأفكار تقترب وتبتعد، وتتلاقى وتتقاطع. فمثلما هو كيركگورد ينسج الرفاعي رؤية للصلة العضوية بين الحب والايمان، وكيف يتغذى كل منهما بالآخر، فيصير الحب ايماناً، والايمان حباً، إذ يشرح الرفاعي ذلك قائلاً: "كنوزنا مختبئة في قلوبنا، وأنها لا تسفر عن جواهرها إلاّ بالحب. الحب يكرس الايمان،كما الايمان يكرس الحب، فلا ايمان بلا حب. الايمان يعيد خلق الحب في طور وجودي أعلى. الايمان في أسمى مراتبه يتسامى بحبنا ليصبح مشابهاً لحب الله لخلقه. على الدوام ما نربحه نحن دعاة الدين بالحب، يخسره غيرنا من دعاة الدين بالموت والحرب. السفر مع الأرواح الحرة أغنى الأسفار، ذلك أن الأرواح الحرة ضمير العالم، بينما الأرواح الشريرة خيانة العالم. سفرنا مع كيركگورد يدلنا على أن الايمان ضرب من العشق، وأن كل عشق حماسة، لحظة تذبل الحماسة، يموت الايمان. لذلك ينبغي الحذر من التشبث بمسالك اللاهوتيين، التي تطفئ حماسة ايماننا، وتنهك عقولنا، وتستنزف قلوبنا، وتقدم لنا مفاهيم ومقولات محنطة تشرح الايمان، بينما تفشل في انتاج حقيقة الايمان، وجني ثمرات وجوده في حياتنا".

 

الشيخ زعيم الخيرالله

كاتب عراقي مقيم في كندا

اسرار محجوبة بالمتعة للدكتوراحمد الدمناتي

adnan almshamshحين يحجب عنا الستار او الحجاب الأشياء المعنوية او المادية يكون قد اخفى محاسنها عن بصرنا وبصيرتنا لكن المتعة نفسها اذا أخفت الأسرار اثارت فينا رؤيا الجمال حيث تتحول المتعة نفسها الى سر جمالي والسر الى متعة فما يعنيه المؤلف هو أن الموضوعات التي يعالجها ويتطرق اليها هي كلهامواضع تمتاز بالجمال والمعاني العميقة ، لذلك اختار هذا العنوان لمؤلفه " اسرار محجوبة بالمتعة حوارات في الكتابة الإبداعية" ، الذي صدر في القاهرة عن دار غراب والأستاذ الدكتور احمد الدمناتي شاعر وباحث وناقد مغربي معروف تطرق في كتابه هذا الى موضوع حيوي وهام جدا هو قضية ترجمة الشعر هل هي خيانة ام ترويض للغة؟ كما تناول ايضا الرهانات الجمالية في القصيدة السورية المعاصرة التي تمثلت مهمتها في تبني الأنماط التخيلية غير العادية من خلال الإيحاء الداخلي المتفاعل مع قضايا واحداث قد تكون هامشية او مهملة او منسية لكنها تبدو في المساحة الشعرية مهمة ومؤثرة في حين نظنها عادية، ومن الحوارات المهمة التي نطالعها في الكتاب حوار مع الشاعر والكاتب المغترب قُصي الشيخ عسكر الذي نقتطف منه مايلي:

 

* القصيدة امرأة غجرية غير مهذبة خائنة لجميع المواعيد المرتبة معها كيف تلسع هذه الخيانة متخيلك بعد انتظار؟

- أجمل خيانة هي خيانة القصيدة هذا يذكرنا بقول الفرزدق تمر علي لحظة لخلع ضرسي أهون علي من كتابة بيت شعر لماذا كل هذا ؟ لأن الشعر لازمن مقدس له. أنت في الرواية تحتاج إلى أن تجلس تخطط وترسم بعض الأحيان تحدد وقتا للكتابة وربما تدون ملاحظات ما تربط بين الفصول والجمل والفقرات أما في الشعر فقد تشعر برغبة في الكتابة عندئذ تخون القصيدة لتجدها جاءت بعد ساعة أو يوم أو يومين إنها أجمل خيانة وهي خيانة تمنحك الأجمل ولاتجعلك تشعر بغيرة لان القصيدة إذا غابت عنك في موعد ما فهذا يعني أنها حين بعد خيانتها موعدا سابقا ستكون حين تأتي بشكل أجمل وروح أنقى.

كما تضمن هذا الكتاب القيم ملفات عن سير لشواعر عربيّات من سلطنة عمان، مصر، الإمارات، اليمن ، ليبيا،المغرب ، العراق، سوريا، لبنان وفلسطين.

الجدير بالذكر ان هذا الكتاب هو الحادي عشر للمؤلف حيث قدم للمكتبة العربية مجموعة من الدواوين الشعرية والكتب النقدية وكتب الحوارات.

 

عدنان المشيمش

انطلاق (مملكة الأصوات البعيدة) لأحمد الزلوعى

845-hayshaصدرت المجموعة القصصية (مملكة الأصوات البعيدة) للكاتب أحمد الزلوعى مواكبة لفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام تضم المجموعة ثماني عشرة قصة جاءت في ثلاث وتسعين صفحة من القطع المتوسط عن دار روافد للنشر والتوزيع . نشرت أولى نصوص الزلوعى القصصية في أخبار الأدب المصرية ثم توالت عبر الثقافة الجديدة والأهرام والأخبار والمجلة والإذاعة والتلفزيون ودبي الثقافية ورؤى الليبية والكويت وغيرها. كما نشرت دراساته النقدية والفكرية في عديد من المطبوعات المصرية والعربية والمواقع الإلكترونية مثل الكتابة الجديدة ودروب وحكايا والمحلاج وغيرها. تلقى القراء والنقاد قصص الزلوعى بالدهشة والإعجاب في آن. وعبر كثيرون منهم عن فرادة أسلوبه وجدة أفكاره. وقد وصفت الناقدة المغربية ناهد الزيدى المجموعة قائلة (لا يشبه الكاتب أي قاص آخر، لا يشبه إلا نفسه وكتابته وفى نصوصه عمق مبين حد الإدهاش).

845-haysha كما تقرر (بالنسبة للغة يبدو مهما التقرير بأن لغة السرد عند أحمد الزلوعى يانعة طازجة تتسم بألق خاص لاسيما في تقنية الوصف حيث يبرع في تجسيد الثابت والمتحول بأسلوبه التركيبي الجميل .. لغة الكاتب ساخرة في عمقها فهو يطوع لغته لتجهر وتسر وتسخر كيفما شاء موضوع قصته ورؤى شخوصه ) أهدى الكاتب المجموعة إلى روح جده ) إلى جدي في سماوات الرحمة.. لعل الملائكة تسعد بحكاياك كما كنت أسعد (ومن أجواء المجموعة)(آلاف التفاصيل بدأت تتكامل في أذن معتز يوما بعد يوم.. التقط صوته وهو طفل يلهو في مدخل العمارة، وصوت أبيه يناديه ليصعد، وصوت أمه تدعوه إلى الطعام ثم بدأت آذانه تلتقط أصواتا تنطق بلغات غريبة تعرف منها على الألمانية والإنجليزية والأسبانية، وأخرى لا يعرفها خمن أن من بينها السنسكريتية والآرامية والسريانية)..

الكاتب عضو مؤسس لمختبر سرديات المنصورة المعنى بدراسة ومناقشة الأعمال السردية المتميزة. يعمل د.أحمد الزلوعى بالمجال الطبي وهو متزوج وأب لثلاثة أبناء.

 

كتب: محمود سلامة الهايشة

 

دعوة لقراءة المفكر د. عبد الجبار الرفاعي

801-jabarبحكم تربيتي وثقافتي البسيطة فانا لست معنياً بأفكار وعقائد الاسلاميين اليوم، لقد تجاوزتُ مع كثيرين سواي فكرة الدولة الدينية، ووجوب قيامتها لتحقيق العدل والحياة الحرة الكريمة وإشاعة روح المواطنة. فالمنقلب العربي الأخير ينفي الفكرة هذه تماما. وتفيدنا الوقائع العربية بعد احداث الربيع العربي باستحالة قيامة الدولة هذه، وبموجب معطيات كثيرة. حتى بات الإيمان بالدولة المدنية مطلباً وبغية لبعض رجال الدين ومن كلا الفريقين، وأحسب أن الحوزة في النجف كانت قد بينت موقفها من هذه، في أكثر من مفصل. وتأتي ممارسات الحكومات والاحزاب الدينية، التي حكمت والتي تحاول وتسعى للحكم، في العراق ومصر وليبيا وسوريا لتؤكد بشكل قطعي على استحالة قيام الدولة هذه، إن لم تكن قد عملت وتعمل هي بنفسها على تقويض الفكرة، ذلك لأن الحياة الجديدة لا تحتمل هذا النوع من الأنظمة.

801-jabarهل بات الدين ممارسة داخلية، حدودها الجسد والروح، وهل ينصح المفكرون بذلك، وهل نقول بوجوب تقليص فكرة التدين الى أدنى حد، بحيث لا تتجاوز المناجاة الصادقة بين الانسان وربه، بل، ألم تكن فكرة الأديان الأولى هكذا؟ ما الذي يريده الله منا بشكل عام ومجمل؟ ألم تأت التعاليم الدينية لتؤكد للإنسان وجوب أن يكون عاملا على الخير، محباً لأخيه، نافعا في مجتمعه، صادقا، منسجما مع نفسه ومحيطه. أترى أفعالا كهذه بحاجة لنظام وحكومة وجيش وتسليح ومن ثم قتل وتهجير واغتصاب ووو . الحصول على مجتمع كهذا بحاجة الى مفكرين أوفياء لبني جنسهم، تخلصوا من سطوة وقهر النص الى ما هو أبعد من حدود النص نفسه، أما حين يتعارض النص مع فكرة ووجود الانسان فلا وجوب للعمل به.  

ثمة تأسيس مهم وواع في الثقافة العراقية، راح يتشكل خارج حيز الأدب والفنون يعمل عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من خلال كتبه، التي أصبحت بمتناول كثيرين اليوم، وممن يتعاطون المعرفة والفكر والحياة الجديدة، واتخاذ الدين، لا بوصفه عبادات وممارسات تقليدية، بعد انقشاع غيمة التشدد والطائفية والفهم القاصر والضيق للدين ومبادئه، أظنه سيزحف (التأسيس) بمنافعه على القراء الثانويين، من خارج طبقة المثقفين، وسيكون تأثيره المجتمعي شاملاً، في القريب من السنوات لا محالة، ذلك لأن الرفاعي لا يعمل على الإطاحة بالدين، مثلما يدعو البعض من المفكرين العرب، إنما يسعى في مشروعه إلى ما سماه (انقاذ النزعة الانسانية في الدين). وهو عنوان لأحد كتبه. أي أنه يعمل على انقاذ الإنسان من مقصلة النص.

وكأيّ من المتعجلين، الذي أخذوا فهمهم للدين عن الممارسات الشائنة لعناصر القاعدة وداعش والمليشيات أيضاً، ممن يستلون ويتعكزون في تمرير ممارساتهم وتعاليمهم على الكتب والروايات المقدسة (القرآن والحديث وكتب السير)، سألته (الرفاعي): ما إذا كانت هناك نزعة انسانية في الدين؟! لم يجبْني، إنما هداني لقراءة كتابه (انقاذ النزعة الانسانية في الدين)، ثم أنه تكرم وأهداني نسخة من كتابه (الدين والظمأ الأنطولوجي). وهكذا رحت، مأخوذاً بنوع جديد من الفهم، العابر لحدود النصوص إلى ما هو انساني وحياتي، يمس روح وجسد المخلوق، من غير تشدد وعنت، ومنذ السطور الأولى وجدتني مع رجل مفكر، فيلسوف، يخرق الفهم التقليدي للدين بروح صافية، ملقياً بمئات النصوص المتشددة وراء ظهره، غير عابئ بها. وحين سألته ما إذا كان قد قرأ رواية (قواعد العشق الأربعون) لأليف شافاق؟ قال: طالعتها وقت صدورها، وروجّتها لتلامذتي وزملائي.

واضح أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي يسعى بشكل غير مباشر الى تقويض أفكار ابن تيمية وسيد قطب، الأفكار التي تعد المرجعية الرئيسة لداعش والقاعدة والاخوان، ومثل ذلك يمكننا القول بان أفكار الرفاعي الجديدة ومشروعه في التنوير يتجاوز حدود ذلك إلى فك شيفرات تقاليد وتعاليم الحوزات الشيعية، فهو يشير الى ذلك بقوله: ربما لا تتطابق أسفار روحي وقلبي وعقلي من بعض الأحبّة، لكن ما يشفع لي هو أنني أمضيت أربعين عاماً، تلميذاً ومعلما في الحوزة.

 

بقلم: طالب عبدالعزيز

شاعر وكاتب عراقي.

غوغول بقلم فيريسايف

فيكينتي فيكينتيفتش فيريسايف – كاتب روسي ولد عام 1867 وتوفي عام 1945، اي انه اديب مخضرم – حسب مفاهيمنا ! - لأنه عاش في عصرين مختلفين جذريا مرٌت بهما روسيا، اذ انه ولد وبدأ بنشر نتاجاته في الامبراطورية الروسية اولا وعلى مدى خمسين سنة باكملها، ثم استمر هكذا في الاتحاد السوفيتي وعلى مدى حوالي ثلاثين سنة، ولم يرفض ثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917 او يقف ضدها، ولم يهاجر من روسيا السوفيتية الى اي دولة من دول الغرب كما فعل معظم الادباء الروس آنذاك، ولكنه – مع ذلك - بقي محتفظا طوال حياته بمواقفه الفكرية المتميٌزة والخاصة به.

فيريسايف – أديب متعدد المواهب، فهو روائي وقاص وناقد ادبي ومترجم كبير(حاز على جائزة الترجمة عام 1918)، ولامجال هنا للحديث تفصيلا عن كل جوانبه الابداعية المتنوعة هذه . كتب فيريسايف عن دستويفسكي وتولستوي وبوشكين وغوغول كتبا تحليلية عميقة جدا لا زالت تمتلك اهميتها لحد الآن، ونود ان نقدٌم للقارئ في مقالتنا هنا عرضا – ليس الٌا- لواحد من كتبه النقدية تلك وهو بعنوان – (غوغول في الحياة)، الذي اصدرته دار نشر (اكاديميا) السوفيتية الشهيرة في موسكو ولينينغراد عام 1933، والذي اعادت دار نشر – (موسكوفسكي رابوتشي) (العامل الموسكوفي) طبعه بموسكو عام 1990 نظرا لاهميته العلمية الكبيرة وقيمته في مسيرة النقد الادبي الروسي، ولأنه (الكتاب) كان مفقودا في الاسواق منذ طبعته الاولى عام 1933 رغم مكانته وتميٌزه لدى القرآء الروس المهتميٌن بابداع غوغول وحياته .

يقع الكتاب هذا في 640 صفحة من القطع المتوسط ويتناول سيرة حياة الكاتب الروسي الكبير غوغول (1809 – 1852)، ويمكن القول بلا شك انه كتاب فريد فعلا في تاريخ الادب الروسي وبهذا الشكل الفني غير الاعتيادي والمبتكر حول غوغول، اذ استخدم فيريسايف في هذا الكتاب الرسائل فقط لا غير، الرسائل التي كتبها غوغول للآخرين واجاباتهم له، وكذلك استخدم رسائل الادباء الآخرين المعاصرين له فيما بينهم حول غوغول ، وقد استطاع فيريسايف خلال تلك المقاطع المختارة من هذا العدد الهائل جدا من الرسائل تلك ان يرسم صورة حقيقية متكاملة وتفصيلية وموضوعية جدا لسيرة حياة غوغول وابداعه بصورة جميلة جدا و مدهشة وفي غاية الدقة والابتكار.              

تحتوي طبعة موسكو الثانية للكتاب عام 1990 على مقدمتين، الاولى كتبها ايغور زولوتوسكي خصيصا للطبعة الثانية تلك وتقع في 12 صفحة وعنوانها – (بورتريه العبقرية الغريبة)، و المقدمة الاخرى (الثانية) بقلم الكاتب فيريسايف نفسه، والتي كتبها خصيصا لكتابه في نيسان / ابريل عام 1932 بموسكو، و تقع في 6 صفحات. يمكن اعتبار مقدمة زولوتوسكي بمثابة بحث علمي متكامل حول هذا الكتاب، والذي حدد في عنوانه بشكل دقيق الهدف الحقيقي لذلك النتاج، و يكمن – من وجهة نظر الباحث، وهو على حق - في رسم صورة قلمية (بورتريه ) لعبقرية غوغول المدهشة و الغرائبية (ان صح التعبير) عن طريق ترتيب وتنظيم رسائله ليس الا حسب تسلسلها الزمني، هذا الترتيب والتنسيق المرتبط حتما، والمنطلق طبعا من الفهم العميق لسيرة حياة غوغول وابداعه . لقد أشار زولوتوسكي الى مسألة مهمة جدا في مقدمته تلك، وهي ان هذا الكتاب يتميٌز قبل كل شئ في انه (لا يخضع للتقييم الايديولوجي المسبق)، ولهذا فانه يمتلك (اهمية خاصة جدا)، اضافة الى ان هذا الكتاب يجسٌد (شرف الوثيقة) و (نموذج الاحترام والتقدير للرأي الآخر)، اي لهؤلاء الذين يمتلكون وجهة نظر اخرى قد لا تتطابق مع رأي المؤلف او حتى تتناقض معه بعض الاحيان، ويؤكد زولوتوسكي كذلك على ان هذا الكتاب هو أبرز عمل بالروسية عن غوغول في القرن العشرين في روسيا، انطلاقا من (سعة المواد والشهادات و العمق الثقافي للمعرفة ..)، ويتوقف كاتب المقدمة عند نقطة اساسية في مسيرة الكتب النقدية والتحليلية عن غوغول، وهي ان كل تلك الكتب جاءت تحت تأثير بيلينسكي ورسالته الى غوغول بشكل او بآخر الا هذا الكتاب، اذ انه اعتمد على رسائل غوغول فقط قبل كل شئ، وفي هذا تكمن – حسب رأي زولوتوسكي – قيمة هذا الكتاب واستثنائيته في القرن العشرين (انظر مقالتنا بعنوان رسالة بيلينسكي الى غوغول) . اما بشأن مقدمة فيريسايف نفسه، فانه لم يستطع في فترة الثلاثينات الستالينية المعروفة ان يتطرق الى ذلك بشكل علني وصريح، ولكنه واقعيا حقق هذا الهدف على صفحات كتابه الجميل والمهم والاستثنائي ذاك وبكل معاني تلك الكلمات.

يوجد 16 فصلا في هذا الكتاب وكما يأتي – (اسلاف غوغول) (نقرأ هناك مراسلات تعود لعام 1875 فصاعدا حول اجداد غوغول ووالده ووالدته وقصة زواجهما الغريبة)// الطفولة والمدرسة // السنوات الاولى في بطرسبورغ . الوظيفة . بداية النشاط الادبي //

التدريس في الجامعة // المفتش العام // خارج الحدود // في روسيا // خارج الحدود // في روسيا // في الخارج . التسكع // مراسلات مع الاصدقاء // السفر الى الاماكن المقدسة // في روسيا // اوديسا // السنوات الاخيرة // المرض والموت . // ، وبعد هذه الفصول هناك فصل كامل كتبه المؤلف فيريسايف عنوانه – ملاحظات، ويقع في 18 صفحة باكملها، ويتضمن تعريفا دقيقا وتفصيليا (وحسب التسلسل الالفبائي طبعا) بعشرات الاسماء التي ورد ذكرها في الكتاب، ثم يأتي فصل آخر بعنوان – ملاحظات ويقع في 42 صفحة كتبه بيزنيسوف يتضمن تعريفا حول كل فصل من فصول الكتاب، ثم يأتي فصل خاص باسماء مختصرات المصادر المستخدمة في التعليقات يقع في 44 صفحة، ثم يأتي اخيرا دليل حسب تسلسل الحروف الروسية لكل المؤلفين والوثائق التي تمت الاشارة اليها في هذا الكتاب .

كتاب فيريسايف حول سيرة حياة غوغول واهمية نتاجاته وابداعه – عمل عملاق في تاريخ النقد الادبي الروسي ومسيرته، وهو عمل علمي هائل لا يمكن ببساطة تقييمه والكتا بة عنه، اذ انه فعلا يرسم صورة متكاملة وموضوعية ودقيقة جدا لغوغول وابداعه ومكانته الكبرى والمتميٌزة في تاريخ الادب الروسي والعالمي .

 

أ.د. ضياء نافع

 

شعراء من الزمن القريب وبعيده ينحتون على الصدور أبياتا مخمّسة

nadheer khazrajiيمثل الخبز جزءاً لا يتجزأ من المائدة في كثير من بلدان الأرض، وهو أب الطعام وأمه وأساسه، لا يستغني عنه أي إنسان مهما كان مقامه، فقيراً أو غنياً، حاكماً أو محكوماً، فالفقير يستغني مقهورا عن الكثير من الثمار والفواكه والأكلات ولكن كسرة الخبز حاضرة في أدامه وطعامه، والغني له أن يستحضر طوعاً الكثير من الأطعمة والثمار والفواكه ويملأ بها سفرته وطاولته ولكنه لا يستغني عن كسرة الخبز فهي جزء لا يتجزأ من غذائه، فرغيف الخبز المتكون من الطحين والماء والملح والخميرة عضو أصيل في سفرة الفقير والغني على السواء وشاخصة في سفرة الراعي والرعية لا فرق.

ويقع الإختلاف في نوعية رغيف الخبز وما يتخلله من مواد إضافية، وفي النار المستخدمه لخبزه، وفي أشكاله، وفي اليد الماهرة التي عجنته، وما أشبه ذلك، فهناك الخبز العراقي والخبز الإيراني والخبز الأفغاني والخبر المصري والخبز الفرنسي والخبز الانكليزي وأمثالها، ولكل نوع هيئته وميزته ومذاقه، ويتمايز الرغيف حتى في المدينة الواحدة، ولكل من هذه الأنماط طلابها وتعدد موارد الاستفادة منها، وبشكل عام فإن الطحين الذي يشكل المادة الأساس في صناعة الخبز، للخباز أن يموضع العجينة بأصابعه ويطوّعها كيفما يشاء مثلما يقلب النحات عجينة الطين بين أنامله فيصنع منها ما يريد من هيئات وأشكال فنية تعجب الناظرين وتسرهم.

والمسمطات الشعرية لدى الشاعر هي بمقام عجينة الطحين لدى الخباز وعجينة الطين لدى الفنان النحات، له أن يسخِّر الصدر والعجز من البيت الواحد بما يشاء من أنواع الشعر وهو ما يطلق عليه بالمسمطات أو التسميط، والكلمة مأتية من السمط أي: الخيط فيه الخرز، وفي الإصطلاح: ما قفي من الشعر أرباع بيوته وسمط على غير روي القافية الأصل، والتسميط في الشعر هو أن يتعامل الشاعر مع بيت شعر أو مقطوعة أو قصيدة لغيره أو له، فيضيف عليها شطراً أو مجموعة أشطر فيخرجها من هيئتها القديمة الى هيئة جديد تحمل مواصفات الشاعر الأصل وما أضافه الشاعر الجديد وأبدعه، ومن فنون التسميط هو التخميس المأخوذ اسمه من الرقم خمسة، حيث يضيف الشاعر المبدع ثلاثة أشطر على شطري بيت لشاعر آخر في أغلب الأحيان إلا القليل حيث يعمد الشاعر الى التخميس على بيت له أو مقطوعة أو قصيدة من بنات مشاعره، ومن مواصفات التخميس أن يتحد روي الأشطر الثلاثة الجديدة مع صدر البيت الأصل أي الشطر الرابع من البيت المُخَمَّس، ومن الإبداع في التخميس أن يخرج المُخَمِّس من الغرض الذي كان عليه البيت الأصل الى غرض آخر، كأنه ينقله من المديح الى الرثاء وبالعكس، أو من قضية إلى أخرى، وهذا جزء من فن التخميس وتطويع خميرة الشعر.

ومن فنون التسميط التثليث وذلك بإضافة شطر واحد على البيت الأصل المتكون من شطري الصدر والعجز، والتربيع وذلك بإضافة شطرين على البيت الأصل، وهكذا في التسديس والتسبيع، ومن التخميس أيضا هو التشطير والتخميس معاً، كأن يضيف المبدع أربعة أشطر على صدر البيت الواحد ومثلها على عجز البيت فيتكون تخميسان، أو أن يقسم البيتين الى أربع أشطر ويخمسها فتتكون أربعة أبيات خماسية الأشطر، وهلّم جرّا.

 

إبداع وتجديد

هذا الإبداع من المسمطات الشعرية تناول فنونها بالتفصيل الأديب الدكتور محمد صادق الكرباسي في الجزء الأول من (ديوان التخميس) من باب (الحسين في الشعر العربي القريض .. المسمَّطات) الصادر عام 2013م في 452 صفحة من القطع الوزيري عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، وفي الجزء الثاني من ديوان التخميس الصادر نهاية عام 2015م عن المركز نفسه يتابع الشاعر الكرباسي في 412 صفحة من القطع الوزيري ما أبدعه الشعراء من التخميسات في النهضة الحسينية مبتدءاً بما انتهى اليه في الجزء الأول وفق الحروف الهجائية، حيث ضم الجزء الثاني 133 عنواناً بدءاً من حرف الألف بالرقم 16 حتى الذال المفتوحة بالرقم 148، وهذا يعني أن الجزء الأول ضم 15 عنواناً مجموعها 439 بيتاً مخمسًا، فيما ضم الجزء الثاني 447 مخمسًا على أن ثلاثة منها في حرف الألف هي من المستدركات على حرف الألف في الجزء الأول.

في الواقع أن التخميس أو عموم المسمطات الشعرية لها جاذبية خاصة تريح النفس عند سماعها أو قراءتها، وتعطي رونقاً جديداً، على أن الأصالة للبيت الأصل الذي أضاء للشاعر المُخَمِّس طريقه فاهتدى الى التسميط، فالشاعر المُخَمِّس إنما تنقدح قريحته عندما يتأثر ببيت شعر أو مقطوعة أو قصيدة، والتخميس أشبه بلوحة يهديها الفنان الى المحبوب رسم بريشة الود والمحبة خطوط محيا الحبيب فأبدع وأجاد، ولهذا يشير الأديب اللبناني عبد الحسن الدهيني في مقدمة الناشر بقوله: (إن تخميس بعض القصائد أو الأبيات الشعرية، إنما يدل على اهتمام الشاعر المُخَمِّس بتلك القصائد والأبيات لما تمثله من ميزة جمالية وموضوعية).

وليس كل حبيب بقادر على رسم صورة المحبوب، ولذلك إذا أحسن المبدع في تخميسه فهو دليل على قوة شعره وشاعريته ونظمه بما لا يخل بالبيت الأصل، وبتعبير الناشر أن التخميس منطلق للروعة حيث يكشف: (قدرة الشاعر المُخَمِّس الشعرية على إضافة شطوره الثلاثة على كل بيت من الشعر بما يحافظ على ترابط الموضوع والمعنى، والتأسيس لمضمون ومعنى أوسع وأشمل).

ومن أمثلة التأثر بالآخر تخميس الشاعر التونسي ابن حبيش المرسي محمد بن الحسن اللخمي المتوفى بعد سنة 679هـ (1280م) على قصيدة الوزير الأندلسي الشاعر ابن أبي الخصال محمد بن مسعود الغافقي المتوفى سنة 540هــ (1146م)، وهي قصيدة من احد عشر بيتاً مخمساً من بحر الطويل بعنوان "هول المعاد"، ومنها قوله:

فقد كفروا فضلَ الرسولِ ومَنَّهُ ... وضاعَ لديهم ما تلاهُ وسنَّهُ

أحينَ كساهُمُ أمنَهُ روَّعوا آبنَهُ

وذادوهُ عن ماء الفراتِ وإنَّهُ ... لنَهْبُ العوافي من أسودٍ ورَبْرَبِ

ومن ذلك تخميس الشاعر السعودي جعفر بن محمد أبي المكارم المتوفى عام 1342هـ (1924م) على قصيدة الشاعر محمد بن عبد الله أبي المكارم العوامي المتوفى سنة 1318هـ (1900م)، وهي قصيدة من 57 تخميساً من بحر الطويل بعنوان "بني مضر"، يقول في مطلعها:

جرَتْ أدمُعي إذ حجةُ الله في الورى ... لدى كربلا أضحى فريداً مُحَيَّرا

يرى صَحبَهُ شِبْه الأضاحي على الثَّرى

فيا مُضَرَ الحَمْرا ويا أُسُدَ الشَّرى ... ويا غَوْثَ مَنْ يبغي النَّدى ويُريدُ

ويُرى في التخميسين اتحاد الروي مع صدر البيت الأصل لكل منهما.

 

تخميسات منوعة

وإذا كان الأصل في التخميس اشتراك شاعرين في البيت الواحد أو المقطوعة أو القصيدة، فإن من إبداعات هذا الفن من المسمطات أن يعمد الشاعر نفسه الى تخميس ما أنشأه من شعر من ذي قبل، أو أن يُنشئ التخميس على رسله مباشرة، ومن ذلك قول الشاعر الإيراني حبيب الله بن علي مدد الكاشاني المتوفى سنة 1340هـ (1921م) في قصيدة من بحر الخفيف ضمت 60 بيتاً مخمساً بعنوان "نائبات الدهور" جاء في بعضها:

لستُ أنسى الحسينَ حين ينادي ... أهلَ بغيٍ وغدرةٍ وعنادِ

قد دعوتم لنصرتي وَوِدادي

بشحادٍ من السيوفِ حدادِ ... فأينَ نصرُكُمْ وأينَ وِدادي

ومن إبداعات التخميس أن يُشرك المُخَمِّس التشطير مع التخميس، من ذلك بيتان للشاعر العراقي عبد المجيد بن محمد العطار المتوفى سنة 1342هـ (1924م) قام الشاعر الكويتي عبد العزيز بن علي العندليب المتوفى سنة 1424هـ (2003م) بتشطيرهما وتخميسهما فأصبحا أربعة أبيات مخمسة من عشرين شطراً، وفي هذه الحالة فإن الأشطر الثلاثة الأولى والشطر الخامس من كل بيت هو للشاعر المُخَمِّس، ومن ذلك البيت الأولى من قصيدة مخمسة من بحر الطويل بعنوان "أكرم الأنفس":

لذاتكَ يُنمى كلُّ شيءٍ مقدَّسِ ... وباسمِكَ يزهو كُلَّ حفلٍ ومجلِسِ

فَدَتْكَ البرايا يا بْنَ أكرمِ أنفُسِ

لِمهدِكَ آياتٌ ظَهرنَ لفُطرُسِ ... ومجدُكَ يا بْنَ المجدِ أعلى ذُرى المجدِ

وفطرس هنا هو أحد ملائكة السماء تشفّع بالإمام الحسين(ع) وهو في المهد كما في الأثر. وبذلك يكون الشاعر قد جمع بين التخميس والتشطير، وهو نوع محسَّن من المسمطات تكشف قدرة الشاعر على الإبداع وقولبة الشعر وصياغته بما يناسب المقام.

وإذا كان القاسم المشترك في التخميسات الحسينية أن الأشطر المشتركة للمُخَمِّس والمُخَمَّس له كلها في النهضة الحسينية وتوابعها، فإن من الإبداع أن يُصرف التخميس الى النهضة الحسينية حتى وإن كان أصل البيت في غرض آخر لا علاقة له بواقعة كربلاء، من ذلك قول الشاعر المؤلف الشيخ محمد صادق الكرباسي في بيت من بحر البسيط بعنوان "دم المحبوب" خمّس فيه بيتاً لمقطوعة سداسية الأبيات للشاعرة النجدية الخنساء تماضر بنت عمرو السلمية المتوفاة سنة 24هـ (645م)، وفيها:

يا نفسُ هوني على إزهاقِ موهوبِ ... سبطِ الذي يَفتدي عن كلِّ مكروبِ

في مهجتي قد جرى من دمِّ محبوبِ

يا عينُ جودي بِدَمعٍ منكِ مسكوبِ ... كَلُؤلُؤٍ جالَ في أسماطِ مثقوبِ

ويتكرر مثل هذا النمط من التخميس للشاعر المؤلف نفسه في أكثر من موضع.

ولأن الحكمة ضالة المؤمن، فإن الشاعر المُخَمِّس ينحو باتجاه تخميس شعر الحكمة تأثراً بها ودعوة الى التمسك بها والعمل بمقتضاها، من ذلك تخميس الشاعر السعودي المعاصر عقيل بن ناجي المسكين المولود عام 1386هـ (1966م) لبيت منسوب الى الإمام الحسين(ع) من بحر الطويل، وفيه تحت عنوان "منارات الهدى":

سلامٌ .. منارات الهدى وقِبابها ... سلامٌ لجناتِ النَّدى ورِضابها

ديارُ حسينٍ إذ يُقالُ ببابها

إذا جادت الدنيا عليكَ فجُدْ بها ... على الناسَ طُرًّا قبلَ أنْ تَتَفَلَّتِ

فالشاعر استحضر الحكمة الحسينية مُخَمِّساً عليها ليحلق معها في فضاءاتها المعنوية والملكوتية.

وقد يُحلق الشاعر مع المثل مُخمساً عليه، كما فعل الشاعر العراقي راضي بن صالح القزويني المتوفى سنة 1285هـ (1868م) عندما خمَّس ثلاثة أبيات للشاعر البغدادي حيص بيص سعد بن محمد التميمي المتوفى سنة 574هـ (1178م)، وهي من بحر الطويل بعنوان "سلو الحرب عنّا"، جاء في البيت الثالث من التخميس:

تقاضيتُمُ دَيْناً ولَمْ نقضِ دَيْنَنا ... غداةَ أطالَ الدهرُ بالغدْرِ بينَنا

كفى بينَنا فرقًا بما قد تَبَيَّنا

وَحَسْبُكُمً هذا التفاوتُ بينَنا ... وكُلَّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضَحُ

والشاعر والمُخَمِّس يُقارن بين مدرستين في الأخلاق، مدرسة الرسول (ص) الذي قال لأعدائه (إذهبوا فأنتم الطلقاء) ومدرسة بني أمية الذين قتلوا سبط الرسول(ص) وسبوا أهل بيته، وعجز البيت الأصل أو الشطر الخامس ذهب مثلاً.

وَيُلاحظ في التخميس غلبة الذكورة على الأنوثة، وهو أمر طبيعي لكثرة الشعراء الذكور ويلحق بذلك كثرة المخمسين الذكور، ولكن لا نعدم في الجزء الثاني من ديوان التخميس من شاعرة واحدة لها تخميسان، تخمس الشاعرة المعاصرة نجلاء بنت هادي باستي في كليهما على بيت للشاعر العراقي المعاصر السيد محمد رضا بن محمد صادق القزويني المولود سنة 1359هـ (1940م) في ولادة السيدة زينب بنت علي(ع) شريكة الإمام الحسين(ع) في نهضته، تقول في بيت مخمس من بحر المتقارب بعنوان "توارثُ الخُلْق":

عن الكُوَّةِ الشمسُ ردَّتْ يداكِ ... لينعَمَ بالنوم حينًا أخاكِ

توارثْتِ خُلْقًا هُما أورثاكِ

عليٌّ وفاطمةٌ أنجباكِ ... معينًا مِنَ الخَيْرِ لا ينضُبُ

 

شاعر وقافية

تفاوت في هذا الديوان عدد الأبيات المخمسة التي يضمها العنوان الواحد كما تفاوت عدد الشعراء، فبعض الشعراء خمّس بيتاً، وبعض بيتين، وآخر ثلاثة، وغيره قصيدة فاقت عشرة أبيات، وقد يصل التخميس عند بعضهم ستين بيتاً، ولكن بالمجمل فإن الشاعر عقيل المسكين ظفر بعدد أكبر من العناوين حيث استأثر بسبع وعشرين مخمّساً يليه الكرباسي بثمانية عناوين، ومن بعده الشاعر مرتضى السندي الطباطبائي سبعة عناوين، ويليه الشاعر يوسف آل بريه بستة عناوين، ويليه الشاعران عبد العزيز العندليب وياسر المطوع ولكل منهما خمسة عناوين، وأربعة عناوين لكل من الشاعر: حسين آل جامع وصالح الستري البحراني وشاعر ذلك لم يتضح اسمه، وثلاثة عناوين للشعراء: باقر الخفاجي وسلمان التاجر وعبد العزيز شَبِّين ومنصور الجشي، وعنوانان للشعراء: حسين الموسوي البحراني وعبد الغني الحر العاملي ومحمد اللخمي المرسي ونجلاء باستي وهادي الخفاجي، فيما كان المخمس الواحد من نصيب الشعراء: إبراهيم آل مبارك، وهب الرضي، إحسان الحكيمي، أحمد الرويعي، أحمد الدر العاملي، أركان التميمي، جعفر أبو المكارم، حبيب الله الكاشاني، حسن الخطي، حسن إحليل، حسن خشيش العاملي، خضر القزويني، راضي القزويني، سعيد الدبوس، سلمان الخليفة، شاعرا ن لم يقف المؤلف على اسميهما، عباس الترجمان، عباس العسكر، عبد الباقي العمري، عبد الكريم آل زرع، عبد الله الخميس، عبد الهادي التميمي، عقيل اللواتي، علي الخالصي، علي الأمين، علي المرهون، علي المهنا، كاظم الحلفي، كاظم سبيتي، محفوظ العوامي، محمد الفحام، محمد آل محمد، محمد الصفار، محمد علي المظفر، محمد فاتح الهبراوي، محمود السابوري البحراني، منصور المبارك، مهدي اليعقوبي، وسام الطائي، ويوسف الصفّاني.

وتوزعت عناوين الديوان على القوافي والروي على النحو التالي:

الهمزة المضمومة (1)، الهمزة المكسورة (2)، الباء المفتوحة (18)، الباء المضمومة (30)، الباء المكسورة (7)، الباء الساكنة (2)، التاء المضمومة (2)، التاء المكسورة (14)، الثاء المكسورة (1)، الجيم المفتوحة (1)، الجيم المكسورة (3)، الحاء المفتوحة (2)، الحاء المضمومة (4)، الحاء المكسورة (4)، الخاء المضمومة (1)، الدال المفتوحة (9)، الدال المضمومة (10)، الدال المكسورة (19)، الدال الساكنة (1)، والدال المفتوحة عنوانان.

كما توزعت العناوين على عشرة أبحر وبالنحو التالي:

بحر الكامل (43)، الطويل (32)، المتقارب (21)، الخفيف (16)، البسيط (7)، السريع (4)، الوافر (4)، الرمل (3)، البسيط المخلّع (1)، وبحر مجزوء الكامل عنوان واحد.

وكما عوّدنا المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي في الأجزاء السابق من الموسوعة الحسينية، فإن الجزء الثاني من ديوان التخميس، والذي يمثل رقم 94 من أجزاء الموسوعة الحسينية المطبوعة والتي تعدت المائة، قد ضمّ مقدمة باللغة البلغارية للمستشار القانوني ديميتر جوردن هريستو، تناول في بدايتها: (خصائص الشعر الجاهلي وأثره في حياة المجتمعات العربية وتأثيره على شعراء فترة العصر الإسلامي، وأهمية الشعر العمودي القريض في حفظ اللغة العربية وتراث الأدب العربي، بما فيه من بلاغة وقيمة فنية يشكلان مصدراً رئيسا للغة العربية وقواعدها ومفرداتها، وبوصف الشعر القريض سجلاً تاريخيا يوثق الحياة السياسية والثقافية في ذلك الوقت).

وينتقل المستشار هريستو في مقدمته الى تناول الأدب الحديث من الشعر الحر وقصيدة التفعيلة، معرجاً على الأدب الحسيني المنظوم وخواص شعر التخميس ومميزاته ليؤكد وهو يتناول النهضة الحسينية والتخميس على شعرها: (إنّ الإمام الحسين يمثل أعظم إلهام للبشرية، فالتضحية بنفسه وأهل بيته ومن أجل دينه الإسلامي أمر لا يصدق، فحتى غير المسلمين يقفون اجلالاً وتعظيماً لجهوده من أجل الإنسانية والوقوف بالضد من إرهاب السلطة المتمثلة آنذاك بحكم يزيد بن معاوية).

وأضاف المستشار القانوني هريستو، المسيحي المعتقد، وهو يتناول خصوصيات ديوان التخميس وجهد المؤلف فيه: (إن سماحة الشيخ الكرباسي يعد واحداً من كبار العلماء والباحثين بما خطت يمينه من موسوعة كبيرة في شخص الحسين بن علي إلى جانب تمكنه من النظم والتأليف في أبواب شتى ومهارات متنوعة تجسدت فيه جعلته قادراً على تأليف دائرة المعارف الحسينية).

وهذه حقيقة تؤكدها مؤلفات الكرباسي ومصنفاته في الأبواب والأغراض المتنوعة.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

النفس المطمئنة.. عبد الجبار الرفاعي

801-jabarفي أخريات العشرة الأخيرة من القرن العشرين؛ جاءني صديق بمجلّة لم أطّلع عليها من قبل، ولم أكُ أعرف شيئاً من شأنها؛ وقال لي: إنّ فيها نمطاً جديداً من الفكر الديني. كان اسمها: (قضايا إسلاميّة معاصرة)؛ وحين شرعت بقراءتها وجدتُ شيئاً يختلف عمّا هو سائد؛ وجدتُ روحاً تنفذ من وراء الحروف إلى المغزى الإنسانيّ الرفيع الذي ينطوي عليه النصّ المقدّس، ووجدتُ رؤيةً لا تخشى تعدّد القراءة، ومبدأ يرى أنّ الخلق بأجمعهم عيال الله، وأنّهم كلّهم لا ينفكّون من صلة به بنحو ما، وأنّ المحبّة دين، والدين محبّة.

ولم يكن ذلك ممّا يجري مع السائد المتداول؛ إذ بين المنحيين بون بعيد؛ بعد ما بين من يزعم امتلاك الحقيقة، والنطق بأمر الله، ومن يرى أنّ الطرق إلى الله بعدد أنفس سالكيها.

وحين يقع لي عدد آخر من المجلّة؛ أجد المنهج نفسه ينتظم كلّ أبحاثها؛ إذ ينظر كلّ كاتب من كتّابها إلى وجه من وجوه الأمر؛ لتتكامل العناصر، ويتمّ وضوح المقصد. ويطّرد صدور المجلّة؛ عدداً عدداً؛ ووراء ذلك كلّه رجل بعينه، لم يكن اسمه يومئذٍ، ونحن بالعراق، في العقد الأخير من القرن العشرين، في مساقط الضوء؛ لكنّ المجلّة بنهجها تنبئ عن رجل رصين العلم، واسع الأفق، ذي رؤية في الدين تقوم على الرحابة والسعة، تكون المحبّة منها ركناً ركيناً؛ إنّه عبد الجبّار الرفاعيّ.

وكان للمجلّة برؤيتها، وباسم صاحبها أن يتّسع مداها، وأن تجد قرّاءها في المغرب مثلما وجدتهم في المشرق، وأن يأخذ نهجها مكانته في دراسة الدين.

801-jabarوكان صاحبها، الرفاعيّ، حريصاً على نهجه في تفهّم الدين، ومعاناة تجربته في بعدها الروحيّ، وثرائها الوجداني؛ لا يني يبسط رؤيته؛ مرّة بالمقالة يكتبها، وأخرى بالكتاب يؤلّفه. فقد وضع، وهو في سياق بسط الجانب الإنساني من الدين، كتابه: (إنقاذ النزعة الإنسانيّة في الدين ) لكي يُري وجهاً من الدين يكاد يخفى تحت قرون من الاحتراب؛ كانت تُبدي منه ما تريده سلطةٌ جائرة، وتخفي ما فيه أمن وسلام ومحبّة؛ وكلّ نصٍّ إنّما هو قراءتُك له؛ فإذا جئته معبّأ بالبغضاء والكراهية؛ قرأتَ فيك ذلك، وجعلته أداة في محاربة الآخرين؛ وإذا أقبلتَ عليه بالمحبّة والرضا والطمأنينة وجدتَ فيه ما لديك، واستطعتَ أن تُشيع به السلام، والسكينة.

ثمّ وضع في السياق نفسه: (الدين والظمأ الأنطلوجي) "ينشد فيه إسلاماً يقوم على الحريّة، والمحبّة، والسلام"؛ ويروم به "إنقاذ النصّ من سوء القراءة"، "وتحرير التديّن من العنف والتوحّش".

ولقد انزلقت الحوادث، منذ قرون، بالدين نحو ما ينأى به عن جوهره، ويجعله أداة من أدوات السلطة في حكم الناس؛ فتضاءلت عناصر المحبّة، والطمأنينة، والسلام، وزادت عناصر الكراهية، والخوف؛ إلّا ما كان من فئات قليلة أرادت أن يكون الدين تجربة روحيّة، تزيد الأنفس سلاماً وسكينة وأملا،

ولم يكن ذلك مقصوراً على السلطة ورجالها، بل إنّه قدر مشترك بينها وبين من خرج عليها من أحزاب وجماعات؛ إذ كلّهم جعل الدين أداة من أدوات الصراع؛ غافلاً عن بعد الروحي؛ حتّى استحال الدين عامل فرقة، ومدعاة نزاع.

غير أنّ الناس، في عامّتهم، من غير رجال السلطة، ومن غير معارضيهم؛ قد فهموا الدين على أنّه ملاذ، وسكن، وشيء روحي يسمو بالإنسان، ويهبه الطمأنينة ؛ حتّى كان العصر الحديث، وكانت إطلالة الغرب بأيديولوجياته؛ نشأ بين العرب المسلمين من سعى إلى جعل الدين أيديولوجيا، وحزباً يقابل به أيديولوجيات العصر وأحزابه؛ ويريد أن يقيم سلطة على أساس منه؛ فكان من ذلك أن أخرجوا الدين من أفقه الروحي، وهبطوا به نحو معترك السياسة، وما يضطرب فيه من أحابيل وفتن.

وقد خبر الرفاعيّ ذلك، وعرفه في منشئه ومآله، ورأى ما ألحق بالدين من أذى، وما أوقع على الإنسان من جور؛ فكان أن غادر إطاره منصرفاً إلى الدين في صفائه وسموّه، وشرع يدوّن تجربته؛ بالمجلّة التي أصدرها، وأحسن إدارتها، وبالكتب التي ألّفها، وبمركز دراسات فلسفة الدين الذي أنشأه.

جاء كتاب: (الدين والظمأ الأنطولوجي) معبّراً عن تجربة صاحبه، ملابساً ما هو عليه، بعيداً عن النظر المجرد، قريباً من الروح وأشواقها ؛ ذلك أنّ الدين عند الرفاعيّ ملاذ نفس، وسكن روح، وليس جدلاً ومحاججة.

وقف الكتاب عند عنوانات جديرة بالمعالجة؛ من مثل :"نسيان الذات" و"نسيان الإنسان" و"علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا" و"التجربة الدينيّة والظمأ الأنطولوجي للمقدس" وغيرها ممّا هو على شاكلتها. وعالجها كلّها بنحو يُعرب عن مكانة الفرد، وأصالة تجربته، وصدق وجدانه؛ وأن لا شيء يٌخلّ بذلك كلّه مثلُ القسر، والتسلّط، وفرض الأفكار.

يقول: "إنّ أدبيّات الجماعات والأحزاب تتجاهل فردية الكائن البشري، ولا تتحدّث عن الهوية الشخصية عادة. وهو ما يبدو ماثلاً في أدبيّات الأحزاب اليساريّة، والقوميّة، والجماعات الإسلاميّة، التي تتعاطى مع الفرد بوصفه عنصراً يذوب في مركّب هو الجماعة". و"إنّ هذه الجماعات تهتم بكلّ شيء خارج الذات؛ فيما تعدّ الانهمام بالذات أنانيّة وتفاهة، ومروقاً عن الجماعة... من هنا تحرص أدبيّات الجماعات الإسلاميّة على مناهضة ورفض الثروة الفلسفيّة، ومدوّنة التصوّف والعرفان في الإسلام". وعنده أنّ "الإيمان شخصيّ، وهو خيار فردي". وأنّ "الكلام الكثير عن الدين والتبشير به، وتحشيد كتائب عددية من البشر من أجل تلقينهم الإيمان؛ سيفضي إلى نتائج منافية لروح الأيمان والضمير الديني العميق.

ولا شكّ في أنّ ذلك منحى جديد في القراءة والفهم، يريد سعة في المدار الروحي، ويأبى أن يتسلّط بشر على بشر باسم الغيب ومنابعه.

ولكي تتّضح المعالم، وتتبيّن أبعاد التجربة؛ فقد شرع الرفاعي يستعيد أطرافاً من حياته؛ في نشأته الأولى، في قريته النائية، وأخذ يتأمّل في ما كان له، وما كان منه، وما كان من آخرين اتّصلت بهم حياته بنحو ما؛ يقول: "اكتشفت في وقت مبكّر أشخاصاً من زملائي الإسلاميين مات الإنسان في داخلهم، ثمّ هتكت تجربة السلطة في العراق عورات بعضهم فـ مات الله في داخلهم... مجموعة ممّن عاشرت من الأصدقاء قبل السلطة؛ فضح ظفرهم بالكرسي كلّ ما هو رديء مختبئ في داخلهم؛ من : هشاشة الشخصيّة، هذيان الذهن، هذر اللسان، تبلّد الشعور، موت الضمير، نرجسيّة الذات، انطفاء الروح.

كتب "نسيان الإنسان" مستعيداً النشأة، والصبا، وصدر الشباب، وما أحاط بذلك كلّه من نسيان الإنسان، وهدر كرامته، وإغفال كيانه. يقول: "أنظمة التربيّة والتعليم في مجتمعاتنا مشغولة بتكديس المعلومات في ذهن التلميذ؛ من دون أن تعلّمه طرائق التفكير". ويتحدّث، في لقطة بارعة، عمّا في المدارس من عنف يمارسه المعلمون؛ فيقول: "لعلّ معلّمنا يستوفي ديوناً متراكمة؛ من اضطهاد تعرّض له في طفولته من الأبوين، وغيرهما... أو في مدرسته... فيسقط علينا كلّ ما يختزنه لاوعيه من تعذيب وتنكيل وقمع تلقاه في حياته ... المقموع يُمسي قامعاً، والمُعنّف يصير مُعنِّفاً ... أحسب أنّ هذه الوحشيّة المتفشية في مدارسنا هي أحد المنابع الأساسيّة التي شكّلت النسيج الرابض للعنف والنزعات العدوانيّة في مجتمعنا.

وحريّ برجال التربيّة أن يقفوا عند هذه اللقطة البارعة، ويصلحوا الأمر؛ فقد قلّ من عُني بما يقع من عنف في المدارس؛ ولا سيّما الابتدائيّة منها؛ وما يُلحق ذلك من أذى في نفوس الطلبة الصغار. ولا يختم حديثه عن نفسه حتّى يقول: "لله الحمد، منذ غادرتُ الجماعات الإسلامية – قبل أكثر من ثلاثين عاماً – أنا سعيد في حياتي، أعيش سلاماً روحيّاً، وسكينة وطمأنينة، أمضي نهاري – بعد أن أصلي الفجر – في نشوة الإدمان على العمل، أنام وأصحو بسلام؛ من دون خطايا انتهاكات لحقوق وحريّات الناس تلاحقني، أو كوابيس سرقة الأوطان تطاردني". ولا يقول ذلك إلّا رجل صادق؛ لا يكذب نفسه؛ يريد وجه الحقيقة! وعنده أنّ جعل الدين أيديولوجيا يهبط به عن منزلته، ويُضيع جانبه الروحي؛ ولكي يتّضح ما يذهب إليه؛ وقف عند علي شريعتي وقفة تفصّل في حياته وفكره؛ لعلّها أوّل وقفة في العربيّة على هذا النحو من الجرأة والعمق. يقول عنه: "انتهى تشديد شريعتي على الأبعاد الدنيوية للدين إلى تمركز مفهومه للدين على العناصر المتغيرة التي وصلها عضوياً بأدلجة الدين، وأهمل التوغّل في جوهر الدين، ولم يتنبّه لاكتشاف مضمونه الأصيل ومهمته في إرواء الظمأ للمقدّس". ويقول أيضاً: "إنّ ما أفضت إليه أدلجة الدين هي عبودية الإنسان للأيديولوجيا، واستلاب الأيديولوجيا لروحه وقلبه وعقله، وإقحامه في أحلام رومانسية ووعود خلاصية موهومة". والكتاب، من بعد، غنيّ بما يردّ الدينَ على الناس صافياً نقيّاً، بعيداً عمّا انحدر إليه من توحّش، وإيغال في الدم. ومن عرف الرفاعي فقد عرف فيه السكينة، والرضا، والطمأنينة، وقد تجلّى ذلك كلّه في كتابه (الدين والظمأ الأنطلوجي).

 

د. سعيد عدنان

 

عرض لكتاب: الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج .. الحرب السورية بالوثائق السرية

843-abasيقع كتاب: الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج .. الحرب السورية بالوثائق السرية الكاتب سامي كليب في 675 صفحة ويتضمن إلى جانب الإهداء والشكر المقدمة 5 أقسام، إضافة إلى الملاحق، القرارات، الدراسات ومراسلات الجامعة العربية وسوريا.

لقد كتب الكثير من الكتب والدراسات والمقالات عن الحرب على سوريا وفيها، سواء في الغرب او الشرق، وكتاب الإعلامي سامي كليب يتضمن المحطات الرئيسة في الحرب وما قبلها وتداعياتها، وهذه ميّزة هذا الكتاب الوثيقة التي لا بد من الرجوع إليها خصوصاً ان كليب كان حريصاً كل الحرص على التوثيق من المصادر الأساسية التي تشارك في الحدث أكثر وكما قال الكاتب، استغرق إعداد الكتاب سنوات من البحث والقراءات واللقاءات لإخراج الكتاب بالشكل والمضمون الذي رأيناه، وكان الكاتب شديد الحرص في البُعد عن الغرائز والعصبيات، وهو المعروف بمواقفه القومية التي يجاهر بها، ويحرص على الدفاع عنها في عمله الإعلامي المُشاهد او المقروء أو على صفحات التواصل الإجتماعي، ونرى أن كليب يضع مسافة بين المطالبة بالحرية والإصلاحات التي لا يساير في تأييدها وبين العدوان والتصميم المسبق للنيل من سوريا ليس كنظام بل كبلد ودور وموقع يحرص كليب عليه.

وقد سلط كليب الضوء على تجربة الرئيس بشار الأسد ودوره وشخصه قبل وبعد وصوله إلى الحكم ومواقفه من القضايا العربية والمقاومة ثم الحرب على سوريا، وهذا يظهر جلياً في القسم الأولى الذي يحمل عنوان بشار بين مقتل باسل والرئاسة والعناوين الفرعية التي يتألف منها هذا القسم مقتل باسل وموت الأسد الأب ويتساءل الكاتب: "بين مقتل باسل ووفاه حافظ الأسد، أصبحت سوريا برئيس جديد ومصير جديد وغموض كبير". لم يكن أحد يعرف تماماً هل سينجح بشار الأسد فعلاً بأن يكون الوريث ويحافظ على استقرار سوريا وسط هذا البحر من الأسئلة؟ (ص31) وبعد ذلك ينتقل الكاتب إلى نشأة بشار الأسد يتحدث عن سمعة بشار ناقلاً ما تقوله المعارضة رندة قسيس:" أن سمعة بشار الأسد كانت جيدة في الجامعة… ويتميز بخجل وتواضع، ولم يكن أحد يشعر أنه أبن الرئيس حافظ الأسد "(ص33).

يستمر الكاتب في عرض صفات الرئيس بشار الأسد من قبل معارضية ودبلوماسين وكُتّاب وصحافيين أجانب.

ويخصص الكاتب العنوان الثالث من الجزء الأول للتأثيرات السياسية على طفولة الرئيس بشار الأسد (ص39) والتي شكّلت جزءاً من شخصيته السياسية، وينقل الكاتب رأي الرئيس حافظ الأسد عن الأخوان المسلمين ونظرة الرئيس بشار الأسد للجماعة التي يرى الكاتب انها النظرة نفسها تقريباً (ص41).

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى دور الحرس القديم، ويعرض بشكل أساسي لمواقف عبد الحليم خدام التي بدأت تثير الريبة لدى الرئيس بشار الأسد ففي (ص48) يقول: اقترب خدام من الأسد وقال له: "لا يجوز أن يبقى الجيش بدون قائد، فما رأيكم سيدي أن تترقوا الى رتبة عماد؟" سأل الأسد:"وهل هذه الخطوة دستورية؟" أجاب خدام: "نعم". صمت الأسد ثم أكمل تجاهل نائب الرئيس. ويستمر الكاتب في نقل وقائع إلى انقلاب خدام المنتظر الذي يتحدث عنه في الصفحة 55 حتى صفحة 61. يختم كليب القسم الأول من كتابه بالترحيب الأميركي بالأسد رئيساً والمواقف الداخلية ويتحدث عن الأشكال الكبير:"هنا بالضبط، صار الاشكال الكبير بين قائل بأن حافظ الأسد الذي جمَّد الحزب طويلاً أنهى حياته السياسية "بالتوريث" وبين مؤكد أنه لو لم يأتِ بشار لكان الوضع السوري قد افلت من كل ضوابطه كما ذكر فاروق الشرع…" (ص62).

 

القسم الثاني الأسد بين الإنفتاح والتغيير

843-abasيتضمن القسم أربع عناوين فرعية تعالج مسائل الإصلاح والتغيير والعواصف التي بدأت تُثار في وجه سوريا وبشار الأسد، وبداية مرحلة التحدي التي سبقتها محاولة الإنفتاح يقول السفير الفرنسي السابق في دمشق شارل هنري داراغون في برقية إلى الخارجية الفرنسية في مستهل عهد الرئيس السوري الجديد:" أعتقد أن بشار يريد فعلاً الاصلاح لكنه يفتقر إلى الوسائل (ص71)، ويخصص الكاتب مساحة مهمة من هذا القسم ليعرض للدعم الفرنسي للرئيس الجديد والترحيب بمحاولته الاصلاحية، مما أدى إلى زيادة التبادل التجاري بين البلدين لتصبح فرنسا أحد الشركاء التجاريين الأوائل لسوريا (ص73)، ثم ينتقل الكاتب لعرض وافي للحراك السياسي والثقافي الذي رافق سياسة الإنفتاح التي بدأها الرئيس ليصل إلى التساؤل عن السبب لوقف هذا الحراك المدني. ويقول هل كانت شخصية الأسد الرافضة لأي تغيير مفروض عليها فرضاً، هي التي وقفت خلف وقف حركة المجتمع المدني؟ أم الحرس القديم؟ أم القلق من اختراق الدولة السورية من قبل الخارج ص 91.

وهنا ينتقل الكاتب إلى عواصف الخارج من الصفحة 101 إلى الصفحة 107 ويقول الكاتب: "لم تكن الخريطة الأستراتيجية مريحة مطلقاً لبشار الأسد بعد أشهر قليلة على توليه السلطة…" (ص103) وفي نهاية القسم الثاني نرى نهاية الإنفتاح وبداية التحدي ويشرح الكاتب الأسباب التي أدت إلى ذلك ويقول: "نلاحظ مثلاً أن الإنفتاح كان الخيار الأول وليس التشدد والمقاومة الملسحة…" (ص 112).

 

القسم الثالث: إحتلال العراق

لا شك أن زلزال سبتمبر أيلول 2001 كان له تداعياته التي أدت إلى احتلال العراق بالحجج الواهية والأكاذيب التي روجت لها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا عن أسلحة دمار شامل ثبت عدم وجودها. ما حصل في العراق غيّر نظرة الأسد ونرى الكاتب يقول:" ومن جانبه كان الأسد اقتنع بعد اجتياح العراق، أنه لا بد من مقاومة الأميريكيين على الأرض العراقية كي لا يصلوا أرضه" (ص118) وفي الصفحة 119 ينشر الكاتب جزءاً من محضر لقاء الأسد - خامنئي قبل اجتياح العراق.

وبما أن الهدف بعد العراق مرتبطاً بموقف سوريا من المقاومة وإسرائيل وبعيداً عن الهجمات الإرهابية على نيويورك، يوضح الكاتب الهدف من الرسالة التحذيرية والمباشرة التي حملها وزير خارجية أميركا كولن باول إلى الرئيس بشار الأسد في 3 أيار\مايو 2003 (ص121) وينشر الكاتب الوثيقة كاملة (ص122) ويعلق الكاتب على تلك الوثيقة بإختصار: "جاء باول إذاً في محاولة أخيرة، حاملاً جزرات قليلة وعصياً أكثر، راوح كلامه من الإغراءات والتهديدات (ص142) وعن الكاتب جان بيار استيفال يكتب كليب "يجزم الكاتب الفرنسي أن الدعم الغربي للمعارضة السورية لم يكن مستنداً إلى أي رغبة من الإصلاح أو أي شعور بالإنسانية…" (ص142).

إذن بدأت القطيعة بين الأسد والولايات المتحدة الأميركية التي بدأت تمارس كافة أنواع الضغط على سوريا، كما انقلبت فرنسا جاك شيراك على مواقفها السابقة، وبدأ تعاون جديد بين اميركا وفرنسا، وكانت البداية من لبنان اعتقاداً من الدولتين حسبما قال شيراك لبوش: "إذا خرج الأسد من لبنان فسوف يسقط…" (ص162) فكان الرد السوري بالتمديد للرئيس لحود الذي يصفه الكاتب بالحلف المقدس (ص162) كما هو معروف بأن التمديد كانت نقطة القطيعة الحاسمة بين شيراك والأسد (ص166) وعن حقيقة الأهداف القريبة التي يريدها شيراك أولها دفع سوريا لتوقيع إتفاقية سلام مع إسرائيل ثم إخراج سوريا من حلف المقاومة وإبعادها عن إيران، وهذا ما يعتقده سامي كليب من مضمون محضر الجلسة بين الرئيس الأسد والمبعوث الفرنسي المستشار الرئاسي موريس غوردو مونتانيو الوثيقة منشورة (ص169 - 177).

يرى الكاتب أن ما جرى كان يحمل تهديداً مبطناً لسوريا أعقب التهديد الأميركي خصوصاً حين قال:" إذا تورطت اميركا أكثر كما هو الوضع فمن الممكن أن ينقلوا المعركة إلى مكان آخر وقد يكون هذا المكان هو سوريا أيضاَ…" (ص178) وفي الصفحات اللاحقة يعرض الكاتب للحوادث التي سبقت القرار 1559 وتغيير الأسلوب الفرنسي في التعاطي مع سوريا وفي الصفحة 179 يعرض الكاتب علامات استفهام حول مذكرات شيراك وما يتعلق بإغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ومعرفة شيراك المسبقة باحتمال اغتيال الحريري. ويسهب الكاتب في الشرح عن الموضوع في الصفحات التالية وأسباب تغاضي بوش وشيراك عن اغتيال الحريري والأسباب. وينتقل الكاتب للحديث عن دور الحريري في القرار 1559 (ص181) ويذكر الكاتب ان القرار كان فكرة فرنسية في الأصل (ص 183).

يتحدث الكاتب عن خلف شيراك الرئيس ساركوزي وماذا كان يريد من الأسد ويذكر الكاتب أن إيران وحلف المقاومة حاضرين في كل مطالب الرئيس الفرنسي اليميني إلى دمشق (ص191) وينقل الكاتب ما قاله وزير خارجية فرنسا السابق رولان دوما قائلاً :" إن الإسرائيليين يفعلون ما يشاؤون في فرنسا، ويحركون الإستخبارات الفرنسية DST … (ص192) ومن ثم ينتقل الكاتب للحديث عن الموقف الفرنسي من الأحداث في سوريا التي بدأـ عام 2011 وعن اعتراف فرنسا "بالإئتلاف الوطني السوري" وإغلاق السفارة وغيرها من المواقف.

ويسجل الكاتب سامي كليب ملاحظات على الموقف الفرنسي: "أولها أن فرنسا لا تستطيع القول أنها ترافق كفاح كل الشعب السوري…" (ص195)

 

القسم الرابع: الأسد بين تركيا والعرب تعاون فصدام

بداية يركز الكاتب على سياسة تركيا والإنفتاح عبرسياسة صفر مشاكل مع الجيران وخصوصاً سوريا إلى الإنتقال إلى مرحلة الخصومة والعداء حتى التهديد من قبل أردوغان بأنه ذاهب ورفاقه " لتلاوة الفاتحة فوق قبر صلاح الدين الأيوبي، ثم الصلاة في باحات جامع بني أمية الكبير…(ً201) ويكشف الكاتب كذلك عن الطموحات التركية بإعادة المجد العثماني في البلقان والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وينقل في الصفحة 203 مقتطفات من خطاب أردوغان بعد فوز حزب العدالة والتنمية في إنتخابات عام 2013:" لا يحق لنا ان نقول لا دخل لنا بالبوسنة والهرسك أو بمصر أو فلسطين أو سوريا أو العراق لأن تركيا جاثمة على ميراث الدولة العثمانية والسلجوقية…"

ومن الصفحة 205 حتى الصفحة 214 يقدم الكاتب عرضاً تاريخياً للعلاقة السورية التركية من كافة جوانبها الثقافية، الاقتصادية، السياسية، الأمنية…

وفي الصفحة 215 ينشر الكاتب محضر اتصال أردوغان بالأسد في 26 آذار 2011 وما هو الشعور الذي خرج به الأسد من المكالمة خصوصاً الدفع للتواصل مع الأخوان المسلمين والنوايا وهذه ما يؤكده الوزير وليد المعلم (ص220).

وفي الصفحة 222 يُثبِّت الكاتب محضر لقاء الأسد مع أحمد داوود أوغلو بحضور المعلم في 9 آب\أغسطس 2011 والتي تستعرض الأسلوب الإملائي التركي والتهديد المبطن والتخويف من التدخل الأجنبي. وينقل الكاتب رد الرئيس الأسد: "ثم إننا لسنا بحاجة لأحد ليدافع عنا، بما في ذلك تركيا، لأن المشكلة هي بشكل أساسي مشكلة سورية… ومهمتي كرئيس هي حماية الشعب وتطبيق القانون…" (ص229)، والجدير ذكره أن اللقاء تناول مختلف جوانب العملية السياسية والأحداث والإنتخابات وتعديل الدستور وغيرها من القضايا التي تُعدّ قضايا سيادية، وعن هذا يقول الكاتب:"أزعج القيادة السورية أيضاَ أن أوغلو جاء يتحدث "ليس على طريقة الصديق أو الأخ الناصح، وإنما كأستاذ مدرسة يلقي دروساً في كيفية التصرّف داخلياً وخارجياً، ما اضطر الرئيس الأسد لتذكيره غير مرة أنه هوالذي يقرر متى وكيف يحب أن يتصرّف" (ص 245-246) ويتطرق الكاتب في هذا القسم إلى الدور القطري التركي الأميركي، هذه الدول التي اعتبرها حصان الأخوان المسلمين (ص248) ويتحدث الكاتب عن كيفية مسارعة الرئيس الأسد إلى أغلاق كل الأبواب لتقاسم السلطة مع الأخوان المسلمين بما في ذلك أبوب حركة حماس التي راح يشكك بأنها تعطي الأولية في استراتيجيتها الجديدة لمشروع الأخوان وليس للدول والقوى التي دعمتها إيران، سوريا وحزب الله (ص253) ثم ينتقل بنا الكاتب إلى ما جرى بين حماس وسوريا ويعنون في الصفحة 254 لوثيقة رسمية: قصة المبادلات بين الأسد مشعل، فراق الحليفين وتشرح الوثيقة كيف انهارت العلاقة بين حماس وسوريا ومحاولات المصالحة من قبل حزب الله، هذا بالإضافة إلى بعض القنوات الأخرى.

ثم يصل بنا الكاتب إلى المبادرة العربية ويتساءل:"ماذا جرى بين الأسد والعرب، حتى ابتعد العرب؟ لماذا ابتعدوا الآن ووصلوا إلى مرحلة القطيعة ولم يفعلوا حين ضرب حافظ الأسد بيد من حديد حماه في مطلع الثمانينات…" (ص265).

ويستطرد الكاتب أن بعض الجواب في محاضر اللقاءات العربية والسورية خلال الحرب منذ 2011 وينقل لنا محضر بقاء نبيل العربي والأسد في 13/07/2011 (ص 266) ويعلّق الكاتب على اللقاء بقوله:" يتضح من خلال محضر الجلسة أن الأسد كان حتى اللحظة، أي بعد مرور 4 أشهر على بداية الإحتجاجات السورية، يعتقد فعلاً أن الأوضاع السورية قابلة للضبط بالرغم من شكوكه بوجود مخططات عربية وإقليمية ودولية ضد بلاده…" (271)، وبعد ذلك ينتقل الكاتب إلى العلاقات القطرية والسعودية مع سوريا وأسباب تدهورها (ص272) وينقل الكاتب في الصفحة 278 رأي المعارض السوري هيثم مناع عن إرادة دول الخليج دفن الربيع العربي في سوريا، ويسرد الكاتب بعض القصص عن لسان مناع ومنها:" كانت الإجتماعات تحصل في تركيا وكان الإهتمام آنذاك منصباً على الضابط السوري المنشق رياض الأسعد. تبيّن لنا أن مدير مكتبه هو تركي الجنسية اسمه توفيق وهو ملازم في الأمن التركي. الغريب أنه كان هو(توفيق) وليس الأسعد من يقرر من يقابل الأسعد ومن لا يقابل… "(ص280) وعن دور بندر بن سلطان يقول مناع:" الفترة البندرية كانت واحدة من مآسي التآمر على الإنسان السوري وليس النظام" (ص280) ويكثر مناع الحديث عن الهدر والسرقات التي حصلت.

وعن دور قطر والشكوك السورية حول نيتها في إشراك الأخوان المسلمين في السلطة وقلب النظام برمته، ينشر الكاتب محضر لقاء الأسد مع الوفد العربي برئاسة الشيخ حمد في 26 تشرين اول\اكتوبر 2011 (ص283) والتي سارت بنفس أسلوب اللقاءات مع كولن باول والمبعوث الفرنسي والتركي وأمين عام جامعة الدول العربية، وهذا ما يظهره رد الرئيس الأسد: " معناها حين نريد أن نعمل شيئاً علينا أن نقوم بما يحقق مصلحة الشعب السوري. لا نريد أن نعمل شيئاً للغرب، وماذا يسموننا وماذا يقولون عنا، نحن لا يهمنا الغرب…" (ص304)، وينشر الكاتب نص المبادرة العربية (ص307) والنقاش الذي دار بين الأسد والوفد حول بنود تلك المبادرة وتشديد الرئيس على الوضوح الأسد:" إذا كنا بدنا نصدر بياناً، بدنا نكون واضحين، بدنا نفسرها (ص313) وحسب كليب فإن المحضر يكشف أن ثمة تباينات واضحة مع رئيس الوفد القطري حمد بن جاسم (ص322).

وينقل الكاتب (ص 327) عن طريقة ابتزاز السعودية وقطر للدول العربية لتغيير موقفها من الأحداث في سوريا ويعطي مثل عن الضغط على ممثل فلسطين في اجتماع البرلمان العربي آذار 2012 حيث عارض ممثل فلسطين تيسير فقيه تحميل الأسد المسؤولية الأولى للحرب (ص327).

ويتحدث الكاتب عن محاضر ومراسلات الجامعة العربية ودمشق وعن عدم قانونية شرعية قرار الجامعة العربية لفصل سوريا من الجامعة العربية يقول:" بالفعل تم تحضير الدراسة القانونية وتبيّن أن قرار الجامعة غير شرعي، لكن شيئاً لم يتغير" (ص 334) وذلك وفق الدراسة التي أعدتها الإدارة القانونية في الأمانة العامة في جامعة الدول العربية نفسها.

وعن المبادرة العربية في 15/12/2011 يعرض الكاتب عن الخطط الأمريكية لتغيير الوطن العربي عبر الثورات الناعمة (ص347) ويتحدث الكاتب عن دور السعودية وقطر وتركيا والخطط لإطاحة القيادة السورية حسب تسريبات موقع ويكيليكس (ص249).

بعد الحديث عن الأعداء في الأقسام السابقة ينتقل الكاتب إلى القسم الخامس الذي عنونه الأسد والحلفاء.

في بداية هذا القسم يتحدث الكاتب عن علاقة الرئيس الأسد مع الرئيس الروسي بوتين اللذان يوحدهما عدو واحد (ص357) فالعدو الأول هو الإسلام السياسي والثاني: الأطلسي وصواريخه، والثالث: الأطماع النفطية وحرب الأنابيب. وعن هذا الموضوع وعلاقة سوريا بالأمر ينقل الكاتب قول السفير الفرنسي السابق ميشال ريمبو "إنه خلال البحث في ملف النفط اكتشف استراتيجيونا الجيولوجيون فجأة الموقع المفتاح لسوريا…" (ص 363)، وينتقل الكاتب إلى دور موسكو والحل السياسي والتنسيق بين القيادتين الروسية والسورية في ما يتعلق بهذا الموضوع، حيث كانت روسيا تتمنى دائماً التجاوب مع مشاريع التسويات السياسية في جنيف وغيرها لأن موسكو كانت تدرك أن هذا يساعدها تشكيل سدّ منيع في مجلس الأمن حيال أي مخططات غربية ضد الأسد… (ص 373 - 374).

ويعرض الكاتب لدور العراق وينقل محاضر ومرسالات دبلوماسية حول أستياء سوريا من العراق (ص 379) وفي هذا الجزء يتحدث الكاتب عن الدوافع العراقية والتي وحسب الكاتب أعطيت عدة تفسيرات بعضها ربطه بمحاولة جذب دول الخليج مجدداً للمساهمة في دعم الحكومة العراقية… والبعض الآخر اعتبرها محاولة للقول بأن العراق لا يدور في فلك إيران… (ص382) وهذا قبل أن يُظهر موقف المالكي رئيس الوزراء العراقي الذي شنّ حملة ضد قطر والسعودية وتركيا يتّهمهم بدعم الإرهاب في بلاده ووسع علاقات بلاده التجارية الأمنية والسياسية مع سوريا (ص382).

بعد روسيا والعراق يذهب الكاتب إلى العلاقة مع إيران والتي تعود جذورها إلى الرئيس حافظ الأسد الذي وقف مع إيران ضد العراق في حربه عليها، ويتحدث الكاتب عن موقف إيران من الربيع العربي ودعم حليفها السوري على أكثر من صعيد، وفي عنوان فرعي يذكر الكاتب عن تعليمات إيرانية للحرب النفسية في مواجهة التظاهرات (ص394) وينتقل الكاتب إلى الخلفية البعيدة للحرب على سوريا حيث يعنون إيران الهدف قبل الحرب على سوريا، ويرى الكاتب إن الصراع على سوريا ليس مجرد حرب أهلية وأنما حرب بالوكالة على موازين القوى الإقليمية… (ص407)، ويتحدث الكاتب عن الثمن السوري والإيراني للحرب (ص408).

أما في ما يتعلق بالعلاقة مع حزب الله ومحور المقاومة يعنون الكاتب: الأسد بين المقاومة وإسرائيل وحتمية العلاقة مع حزب الله وإيران (ً409) يستعرض الكاتب تاريخ العلاقة بين سوريا وحزب الله وفي الصفحة 410 ينقل ما يرويه النائب حسن فضل الله في كتابه "حزب الله والدولة - الرؤيا والمسار" (كيف أن الفريق السوري اللبناني الذي كان متحكماً في القرار الداخلي تصادم مع حزب الله…) وكيف كان يتم التعامل مع الحزب في مجمل القضايا إلا أنه مع بشار الأسد تغيرت المعادلة، صار الحزب حليفاً استراتيجياً ليس بالشعار فقط…(ص412). ويتحدث عن تطور موقف حزب الله من الحرب على سوريا وينقل مواقف حزب الله التي كان يظهرها السيد حسن نصرالله في خطاباته الذي وصلت قناعته إلى أن المعارضة السورية تقدم أوراق اعتماد لإسرائيل والولايات المتحدة خصوصاً بعد تصريحات برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري وعن نيته قطع علاقته مع حزب الله وحماس، لا بل أن نصر الله ينقل موقف أحد قياديي التنظيمات الإسلامية التي تنوي الذهاب إلى لبنان لمحاربة حزب الله بعد تغيير الوضع في سوريا (ص415) ويتحدث الكاتب عن الدور المشبوه الذي تقوم به عناصر من قوات الأمم المتحدة في الجولان المعروفة (بالأندوف) والتي ثبت تورط عناصر من القوة النمساوية في التحريض ضد الدولة السورية ويذكر الأسماء وأرقام بطاقات أيضاَ (ص417)، وعن الخطط الأميركية والإسرائيلية ضد سوريا يخصص الكاتب جزءاً لهذا الموضوع ويقول:" الواقع أن إسرائيل لم تخفِ يوماً رغباتها في تقسيم سوريا كجزء من خطة لضرب كل مقاومة ضدها (ص419) وحتى وصل بها الأمر كما أصبح معروفاً التعاون بين إسرائيل والمعارضة السورية ويتساءل الكاتب: "إسرائيل والمعارضة السورية متى بدأ التعاون (ص422) ويلاحظ الكاتب أن المطالب الإسرائيلية هي بالضبط التي حملها كولن باول والمبعوث الفرنسي مونتانيو إلى الأسد بعد غزو العراق (ص424).

ويتابع الكاتب عرض المزيد من الحقائق الموثّقة عن خطط اميركا ضد الأسد وسوريا وينقل وثيقة من ويكيليكس التي كُشفت عام 2015 وتوضح الأهداف الأميركية ضد سوريا والخطيرة كما يقول الكاتب لأنها قبل 5 سنوات من اندلاع الأحداث في سوريا ترسم بدقة ما يجب عمله لإضعاف الأسد (ص427).

وفي الصفحة 438 يكشف عن خطط خبيثة لتقسم المنطقة وإشعال الفتن على أسس مذهبية وطائفية وتهجير المسيحيين ويتحدث عن وثيقة مماثلة تبنتها المعارضة السورية (ص439).

وفي الخاتمة يتحدث الكاتب عن تشتت المعارضة ويستشهد بمقال لعبد الباسط سيدا الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري وعضو الإئتلاف المعارض بعنوان :" أي مصير ينتظر سوريا؟". يرى سامي كليب أنه يحمل من الضبابية والأسى بقدر ما يحمل من أي انعدام للرؤيا المستقبلية.

ويفرد الكاتب جزءاً من خاتمة الكتاب لما حققه خصوم العرب من الربيع العربي. ويعدد 9 أهداف أبرزها تدمير دول مركزية وأشغال جيوشها، دفع العرب لكرة العروبة حتى صارت شتيمة أو نكتة عند المثقفين وعامة الناس، نسيان فلسطين، الفتنة السنية الشيعية، إفراغ الشرق من مسيحييه (ص453-454). وعن الأسد يقول سامي كليب: "أما الأسد فإن كنت ضده أو معه، أن كنت تحمّله المسؤولية الأولى للحرب… فإنه لا شك كان الشخصية المحورية الأهم لبقاء الجيش السوري وحلفائه قادرين على القتال حتى اليوم…(ص456).

ويختم كليب كتابه بذلك الحس الكبير والغيور على ما تبقى من كرامة في الوطن العربي، ويرى أن من خطّط لهذه الحرب المدمرة لا يهمه إن حصل إصلاح في سوريا أم لا، ويرى الكاتب أن لا إمكانية للحديث عن منتصر ومهزوم في بلد مُدمِّر القسم الأكبر منه بالحجر والبشر والنفوس (ص456).

وفي نهاية الكتاب يضع الكاتب الملاحق والقرارات والدراسات التي تُغني الكتاب بما تحمله من وثائق ما كان ليعرفها ويطلع عليها المرء لولا هذا الجهد الذي بذله الأستاذ سامي كليب على مدى سنوات طوال ليضع هذا الكتاب الذي يُضيئ على الواقع الذي يحيط بالحرب على سوريا وتداعياتها الإقليمية، الديموغرافية، الجغرافية، السياسية، الإجتماعية والإقتصادية…

 

الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج .. الحرب السورية بالوثائق السرية

الكاتب سامي كليب

الطبعة الأولى: كانون الثاني 2016

دار الفارابي

 

عباس علي مراد - سدني استراليا

 

أدباء عرب في ليالي شهرزاد النقدية

844-NAJATصدر للشاعرة المغربية نجاة الزباير كتاب "حكايات شهرزاد النقدية" وهو عبارة عن نظرات نقدية في نصوص شعرية لأدباء مغاربة وعرب من مختلف الأجيال، ونشر الكتاب مع مجلة الرافد عدد فبراير/شباط 2016 الصادرة في الشارقة.

ويتناول الكتاب نصوص الأدباء: أحمد بلحاج آية وارهام، نزار قباني، أنسي الحاج، هويدي صالح، هشام عودة، محمود درويش، محمد السرغيني، عبد السلام المساوي، مراد القادري، مليكة العاصمي، زهرة زيراوي، محمد العناز، محمد بودويك، طه عدنان، محمد رزقي محمد، محمود النجار، عبد الرفيع جواهري، وداد بنموسى، مولاي مبارك علي آيت أوبهي، نمر سعدي، منير مزيد، سعاد المدراع، حسنة أولهاشمي.

844-NAJATوفي تقديم الكتاب "مزق الليل عباءته، واستباح الزمن جراحاته، وكلما انتعل المساء حكاياته، أطلتْ من أرض الكتابة ناقة البوح تطوي المسافات، وتقتات من الحبر صباحاتها، ها أنا أرقص على النغمات الغجرية، وأتسلل نحو عوالم تجلد ظهر الصمت "وحيك"؛ قالت ذيول السراب المعلقة فوق ظهر رحلاتي المقذوفة في جحيم الأبجدية، تَأَبَّطْتُ منفاي، وفجأة تعثرت قدم قلمي أمام بوابة منقوشة في ذاكرة الاندهاش، مسحتُ غبار الذهول عن لوحتها الذهبية، ثم تهجيت وشمها، وَلَجْتُ مساحاتها، فإذا بِشَغَبٍ آسر يُلقى فوق كتفي رعشتي، وجدت القصائد مبعثرة في باحتها، ومواضيع مشنوقة في كف اختلافها، فبدأت قراءتها على إيقاع مصباح شاحب.

كانت الكتابة عبارة عن مسودات تعرج في خط الغرابة، وكان علي أن أنقل ما فيها كل ليلة من علب الظلام، وكأني شهرزاد تحكي لياليها لشهرياٍر اسمه الوطن".

ويذكر أن نجاة الزباير شاعرة وناقدة وصحفية من المغرب، عضو في مكتب اتحاد كتاب المغرب، رئيسة تحرير كتاب أفروديت الدوري، و تُرجمت أشعارها إلى العديد من اللغات الحية منها الفرنسية، الإسبانية، الإنجليزية، كما شاركت الزباير في أنطولوجيا الشعر النسائي المغربي، لأنطونيو رييس رويس (ترجمة عبد اللطيف الزنان)، والأنطولوجيا الخاصة بمجلة القنطرة الأميركية والتي تضمّ نماذج من الشعر المغربي المعاصر.

وأصدرت نجاة الزباير مجموعة من الدواوين الشعرية منها: "خلاخيل الغجرية"، "ناي الغريبة"، "أقبض قدم الريح"، "قصائد في ألياف الماء"، "لجسده رائحة الموتى" وديوان "فاتن الليل"، إضافة إلى عدد من الإصدارات والدراسات الأدبية والنقدية منها "بوابة منفتحة الأشداق" وكتاب "فاكهة الولائم فوق مائدة العوالم"، وهو دراسة في ديوان "ولائم المعارج" للشاعر أحمد بلحاج آية وارهام، وكتاب "فواكه الصرخة" ويتناول بالنقد أعمال الفنان التشكيلي محمد البندوري، إضافة إلى كتاب "رسائل ضوء وماء".

 

مالك بن نبي: السعادة التي وجدها في سورية ولبنان

moamar habarيتحدث بن نبي في دفاتره سنة 1958، أنه أهدى كتابه "شروط النهضة"، لطه حسين والعقاد، ولم يتلقى إجابه منهما، ووصف موقفها الأرعن بقوله " الصمت المتعالي الأرعن كل من السيد طه حسين ومحمود العقاد". وجاء في صفحة 656 ، أن بن نبي أهدى كتابه "الافريقية الأسيوبة" لعبد الناصر.

وما يجب التركيز عليه أن المصريين من ساسة ورجال فكر وعلماء دين، لم يعيروا بن نبي اهتماما وتقديرا يليق بكتبه وأفكاره، ولم أجد غير الحقد والحسد والغيرة من وراء عدم الاهتمام، لأن بن نبي كان متفوقا، والتفوق يقلق الحاسد المبغض.

بن نبي في صفحة 657، يفرق جيدا بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، حين يقول أن المهندس العربي حين ينتهي من خريطته يقول "هذا كاف"، والمهندس الغربي حين ينتهي من خريطته يقول "وهل هذا يكفي؟". وهنا يكمل الفرق بين حضارتين. وهذه الصورة هي التي يحملها بن نبي في جميع كتبه، حتى أنها أصبحت إحدى الهموم التي يجب التطرق إليه، ومعالجتها وإيجاد حل لها.

يتحدث بن نبي في صفحة 658، عن الضغوط التي تعرض لها كتابه "الافريقية الأسيوية"، من طرف زعماء الثورة الجزائرية ، حين قال..

إنه يتم إعدامه بكل دقة وعناية من خلال استخفاف الزعماء الجزائريين به من ناحية، والموظفين الكبار في السكرتارية العامة للمؤتمر الافريقي الآسيوي من ناحية أخرى. وتجاهلوا عمدا الرسائل التي تطلب كتاب "الافريقية الأسيوية" أو التعريف به.

663 وعن الحركة الإصلاحية، يرى بن نبي في صفحة 663، أن مايميز الحركة الاصلاحية أن هناك "غياب نظرية محددة لدى رواد الإصلاح، أفقدت الحركة أهدافها ووسائلها رغم كله ماحققه من إيجابيات"

ويبدو لصاحب الأسطر وهو يتصفح الكتاب ويتابع رحلة المفكر، أن بن نبي وهو في القاهرة لم يكن له اتصالا بالجامعة المصرية، ومرد ذلك في ما أعتقد.. أن بن نبي إهتم بالترويج لكتبه وأفكاره، وركز كثيرا على الساسة كعبد النصار والسادات يومها، ويتلقى منهم المبالاة وعدم الاهتمام. وكذا طه حسين والعقاد، ثم ان العقلية المصرية لاتقبل منافسا لها، خاصة اذا كان بوزن بن نبي.

أما في سورية ولبنان، فقد ذاع صيته وبقي إسمه، ثم إن الفطرة السليمة للسوري واللبناني دفعته إلى الاتصال ببن نبي والاستفادة منه، ضف لها أن في لبنان وسورية، سبقه تلاميذه كالمسقاوي، وساسة المشرق اتصلوا به ليستفيدوا منه ويتخذونه قدوة في بناء مجتمعهم، والنهوض بالقطاع الذي يشرفون عليه.

واستقبل في سورية من طرف أساتذة الجامعة الكبار، وقد ذكر كمال مسقاوي أسماءهم لمن يريد الرجوع إليهم. وفي كل مرة يستضيفه أستاذ ويعرض عليه أن يلقي محاضرة في الجامعة أو في مكان يجتمع فيه الطلبة والمعجبون، وقد كان لهذه اللقاءات والمحاضرات الأثر البالغ على فكر بن نبي ، حيث تأكد أن أفكاره كتبت لها الحياة من جديد على يد السوريين واللبنانيين، بعدما عانت الاضطهاد والتضييق في القاهرة وعلى يد الساسة والمفكرين والثورة الجزائرية وعلماء الجمعية.

وللتدليل على ذلك يكفي أن بن نبي في صفحة 739، يرتاح في وسورية حين علم ان كتابه "vocation de l’islam"، ترجم إلى "وجهة العالم الاسلامي" ، بعد كل من كتابه "الظاهرة القرآنية" و"الفكرة الافريقية والاسيوية". ويعلق الأستاذ مسقاوي على ذلك قائلا. إرتاح بن نبي من ترجمة عبد الصبور والضغط الممارس عليه.

يفهم من خلال هذه السطور، وفي انتظار الانتهاء من عرض الكتاب، أن بن نبي كان يعيش ضغوطا كبيرة في مصر، من طرف الساسة وعلماء الدين ورجال الفكر والأدب، ووجد الحرية الكاملة في وسرية ولبنان، وانعكس ذلك إيجابا على ابداعاته، التي يتمتع بها القارئ الآن.

سلسلة قراءاتي لكتاب "في صحبة مالك بن نبي" لعمر كامل مسقاوي 12

 

معمر حبار

 

مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" لمالك بن نبي بين السيرة الشخصية والتاريخ وفلسفة الحضارة (1-4)

bobaker jilaliمقدمة: مذكرات شاهد للقرن كتاب أخرجه فيلسوف الحضارة مالك بن نبي عام 1966 باللّغة الفرنسية، وترجم الدكتور (عبد المجيد النعنعي) القسم الأول منه المُسمّى "الطفل" الذي يروي مذكراته في الفترة بين 1905 و1930، وأخرج المؤلف القسم الثاني من الكتاب باللّغة العربية مباشرة، تحت اسم "الطالب" الذي يروي مذكراته في الفترة بين 1930 و1939.

المذكرات في قسميها "الطفل" و"الطالب" تُعبّر عن صياغة تاريخ فرد في ارتباطه بتاريخ بيئة ومجتمع وأمة وإنسانية في حقبة زمنية محددة، كما تُعبّر عن رؤية شاهد بصر وبصيرة للإنسان والتاريخ والحضارة من معايشته لأحداث وظروف كثيرة ومتداخلة وصعبة في الجزائر وفي العالم العربي والإسلامي كجزء من العالم ككل، يشهد على وجود اتجاهين في الفكر والواقع لعالمين مختلفين، عالم يقوده اتجاهه صوب التقدّم العلمي والتكنولوجي والرفاهية المادية والهيمنة واستعمار الشعوب واحتلال الأوطان، وعالم الضعفاء يقوده اتجاهه نحو التحرر، يتطلّع إلى النهضة، يحفظ الفطرة ويتمسك بالتراث ويُحيي قيّم الماضي.

المذكرات يجد فيها كل من المؤرخ والمفكر وعالم الاجتماع وعالم النفس والسياسي والأديب والفنّان وغيره ضالته، أهميتها تكمن في أنّها مرآة تعكس حقبة تاريخية ثقافيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وتعرض صورة العلاقة بين الأنا العربي الإسلامي الجزائري وغيره مما يتقاطع معه في الدين والعروبة والتخلّف والتهيّب من قهر الاستعمار واستبداد الأنظمة وبين الآخر وعملائه كونه استعمارا وثقافة وحضارة وتاريخا.

الهدف من المذكرات ليس الاستمتاع والفخر والاعتزاز وتمجيد الذات كما يفعل البعض، وليس للتاريخ فحسب، بل كشف لتكوين صاحب المذكرات ومكوّنات فكرة وفلسفته في التاريخ ونظريته في الحضارة، وكشف للهمّ الكبير الذي رافقه طيلة حياته وللمطلب الأعظم الذي عاش لأجله، البحث عن حلول لمشكلات الحضارة بغرض التأصيل والتأسيس للنهوض الحضاري في عالم توزع بين قوّي متسلط ومهيمن وضعيف متخلف ومتهيّب.

موضوع دراستنا القسم الثاني من مذكرات شاهد للقرن (الطالب)، تبحث الدراسة في الشهادات التي أدلى بها الطالب على الحوادث والظروف التي عرفتها الفترة بين 1930 و1939 في ارتباطها المباشر بصاحب المذكرات باعتباره إنسانا عاديا، وبكونه جزائريا عربيا مسلما، وصاحب قضية وفكر يجتهد طلبة العلم في دراسته وفهمه. تتبنّى الدراسة الخطة التالية:

1- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، سيرة شخصية

2- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، للتاريخ

3- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، لفلسفة الحضارة

4- مميزات مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"

 

1- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، سيرة شخصية

يمثل كتاب "مالك بن نبي" مذكرات شاهد للقرن العشرين الذي يتألف من قسمين:القسم الأول "الطفل" يروي فيه مذكرات طفولته من سنة 1905 إلى سنة 1930، والقسم الثاني "الطالب" يروي فيه مذكراته وهو طالب في فرنسا من سنة 1930 إلى سنة 1939، فالكتاب سيرة حياة طفل وسيرة حياة طالب، يظهر الفرق جليا بين مذكرات الفترة الأولى ومذكرات الفترة الثانية، ففي مرحلة الطفولة سرد الراوي نشأته الأولى وتكوينه داخل أسرة جزائرية مسلمة ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، أما في المرحلة الثانية فسرد الراوي سيرته داخل حياة جديدة عليه وهو دخيل عليها، فيها تتجسد الحرية وسائر القيّم الإنسانية والحضارة للفرنسيين، في مقابل التخلّف والجهل والانحطاط والقهر والاستبداد الذي طبع الحياة في الجزائر بسبب الاستعمار.

يسرد الراوي قصصا كثيرة عن حياته في فرنسا، فرنسا الحرية والعدالة والمساواة فرنسا حقوق الإنسان فرنسا العلم والحضارة، إلا على الأهالي في مستعمراتها في الجزائر منها تبسة وقسنطينة وأفلو وغيرها من مدن وقرى وأرياف الجزائر، فكل الحقوق مهدورة، الجوع والجهل والمرض، الاستبداد في الفكر والرأي والتعبير، امتهان الكرامة والمسخ الديني والأخلاقي، إفساد حياة الجزائري المسلم بضرب مقومات دينه ووطنه وتاريخه وثقافته.

أثناء الفترة الثانية ومن خلال معاشرته للباريسيين وتنقله بين مدن وقرى فرنسا وتنقّله إلى الجزائر خلال العطل الصيفية وزياراته لأسرته بمدينة تبسة، يتعمّق اكتشافه للاستعمار وتتوسع مداركه، فيطّلع على نواياه وحقيقته، يحيا الاستعمار بوجهين مختلفين، وجه ظاهري ترتسم عليه قسمات الطيبة والخلق الرفيع والذوق السليم والسلوك المهذب وعلامات التحضر، ووجه باطني مخفي تخفيه صورة الوجه الخارجية خصّ به أبناء مستعمراته طُبع على الكراهية والظلم والاستبداد ولا يرضى عن غير هذا بديلا.

وبما أنّ الفترة الثانية تخص حياة الراوي الدراسية والسياسية بباريس وبمدن وقرى أخرى في فرنسا ما بين 1930 و 1939 أي تسع سنوات، وهو من بلد مستعمر سافر للدراسة، استطاع أن يطلع على ما كان يجري في العالم من أحداث سياسية وتطورات اقتصادية وتحولات اجتماعية وثقافية وتقلّبات عسكرية، خاصة وأن الفترة كانت حسّاسة وخطيرة باعتبارها جاءت قبيل الحرب العالمية الثانية ودولة فرنسا كانت من ضحاياها ومن المستفيدين منها في النهاية، وكان الرّاوي من أشدّ الناس تتبعا للأحداث والأحاديث علّه يجد في حديث أو حادث ما يبث في نفسه الأمل في نهاية عمر الاستعمار الفرنسي في الجزائر العربية المسلمة وفي سائر مستعمرات فرنسا.

الجدير بالذكر أنّ الراوي لم يجد أيّة صعوبة في التكيّف مع الوجه الظاهري للإدارة الاستعمارية، ولا مع زملائه في الدراسة، ولا مع زوجه الفرنسية التي دخلت الإسلام، ذلك لرزانته ونباهته وحدّة ذكائه وطيبته وأخلاقه الرفيعة وتحكّمه في اللّغة الفرنسية، لكنّه وجد صعوبة كبيرة مع الوجه الخفي للاستعمار، فلا يضرّ من جرأ وكان صريحا وأظهر السوء، لكنّ الخطر فيمن أظهر الرضا وأبطن الشرّ على سبيل النفاق، ولكون سجية الطالب لا ترضى سوى الذوق السليم والمنطق السليم والفكر السليم، ولا تقبل سوى الحياة السليمة بشروطها جميعا، المادية والروحية، الذاتية والموضوعية، الفردية والاجتماعية، الدينية والدنيوية، الأخلاقية والسياسية، فإنّ الوجود الاستعماري على أرض الجزائر مخالف للحياة السليمة، وهو مظهر من مظاهر التوحّش لا التحضّر، ولا سبيل لتحضر الشعوب المستعمرة إلاّ إذا تخلّصت من الاستعمار ولا يمكنها ذلك إلاّ بالتخلّص من القابلية للاستعمار وهي ظاهرة أخطر من الاستعمار.

يروي "الطالب" الجزائري المسلم من مدينة تبسة في شرق الجزائر المستعمرة، المغترب بفرنسا لطلب العلم والمعرفة ولما لا العمل سيرة حياته بالتفصيل في هذه الفترة "1930- 1939"، منذ نزل بباريس لا يعرف عنها شيئا إلاّ ما سمعه وقرأ، كان ذلك في صبيحة أحد أيام شهر سبتمبر من عام 1930 إلى يوم 22 سبتمبر من عام 1939، حيث تسلّق سلّم الباخرة بميناء عنابة بصحبة زوجته خديجة وهرّتها "لويزه" بعدما قرّر العودة إلى فرنسا وسلحفاة أهدتها له أم أحمد عند التوديع، وكان نعهم صديقه "خالدي" في طريق عودته إلى جامعة "تولوز"، يقول الصدّيق: "وعندما بدأت الأرض الجزائرية تغيب في الأفق، وجدت نفسي أقول وأنا متكئ على حافة الباخرة: يا أرضا عقوقا! .. تطعمين الأجنبي وتتركين أبنائك للجوع، إنني لن أعود إليك إن لم تصبحي حرّة!..بينما بدأ ظلام الليل يسدل ستاره رويدا رويدا على بحر هائج تتراكم أمواجه بعضها فوق بعض".1

سرد الصدّيق قصة نزوله بمحطة ليون بباريس بعدما ترك الوطن والوالدين والإخوة والخلاّن والجيران وتبسة والشرق الجزائري والجزائر، ترك كلّ ذلك تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، وسرد قصصه الكثيرة والمثيرة، مع شوارع باريس ومع الفندق ومع بنات باريس الطائشات ومع بزّته الخارجة عن الذوق المألوف بلونها المشرق، يقول: "هكذا استقبلتني باريس، بوجه بناتها الطائشات الكاسيات العاريات العارضات لزينتهن وعرضهن دون أي شعور بالإثم. ولكنّ لباريس وجوه أخرى لا يكتشفها المرء عند نزوله. وقد كانت تجولاتي الأولى مجرد محاولات غير جريئة للتعرّف عليها في العالم الجديد الذي أصبحت فيه..."2 .

وضع جديد لم يألفه في بلده حيث عفّة الرجال وحياء النساء، حيث حفظة القرآن ودروس الوعظ والإرشاد، حيث يعيش الإنسان على الطبيعة والفطرة. لكنّه لم يكن ينظر إلى وضعه الجديد بعين الإنسان العادي بل بعين ثاقبة لأنّ باريس ليست فقط طيش وفسق وخمر بل لها وجهها الروحي المسيحي والحضاري والعلمي التكنولوجي، الوجه الذي أهّل فرنسا لتحتل الصدارة في القوّة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والعسكرية بين أمم وشعوب ودول العالم، قوّة حوّلتها الإدارة الفرنسية العليا في اتجاه ممارسة الاستعمار والهيمنة والتسلط وقهر الشعوب المستضعفة.

يروي الصدّيق قصته مع "الوحدة المسيحية للشبّان الباريسيين" التي أصبح عضوا فيها رغم أنّه مسلم، انظم إليها لحاجته إلى ضرورات العيش في مدينة باريس، التنظيم الذي شدّ اهتمامه وانتباهه لما يوليه من عناية بالجانب الإنساني من منطلق ديني مسيحي، الأمر الذي نمّ فيه جانبه الروحي كشخصية مسلمة، ولما ينطوي عليه الإسلام من قيّم ودلالات في اتجاه حفظ الإنسان في حياته وكرامته وعقله ودينه وماله، الأمر المعهود في التنظيم الوحدوي الشباني الباريسي، والمفقود تماما في مستعمرات فرنسا، إذ تجد حياة حيوانات المُعمرين في أفضل مما هي عليه حياة الأهالي التي تفتقد إلى أدنى شروط الحياة الإنسانية الكريمة لدى فرنسا حقوق الإنسان والعدالة والحرية والمساواة والتقدم الحضاري.

حال الاستعمار بوجه باطني خفي أنيابه حادّة شديدة القّوّة تفترس وتلتهم الأخضر واليابس، وبوجه ظاهري أبيض ناعم كريم متسامح، هذا التناقض الذي قد يغيب عن الكثير ويتجاهله الكثير من فرنسيين ومن أبناء المستعمرات كان يزيد في احتقان "الطالب" وشدّة غضبه وحزنه، كما يشتد حرصه على ربط كل ما يقع عليه فكره وما تقع عليه عينه - خلال صولاته وجولاته في مدينة باريس وخارجها وعند عودته إلى الجزائر في العطلة الصيفية وفي كل تحرّكاته داخل المدرسة وفي الأماكن العمومية وفي اتصالاته ومع علاقاته وبسائر الأماكن التي كان ينزل بها - بوجهي الاستعمار الظاهري والخفي، ويعمل على التفكير والتأمل في الظاهرتين للتين تتسع لهما حقيقة الاستعمار تحليلا وتفسيرا، فهو الضحية وفرنسا الاستعمارية هي الجلاد، والمشكلة مشكلة قابلية للاستعمار في الأصل والجوهر.

يروي الصدّيق "الطالب" قصّة رسوبه في امتحان الدخول إلى معهد الدراسات الشرقية بباريس، ويسرد مذكراته في اليوميات التي عاشها منتظرا الامتحان، فيصف تلك الحوادث التي مرّت عليه بحلوها وبمرّها، يصف الشوارع والمباني وأحوال الناس ويصف معارفه الجديدة وكل ما هو باريسي تقع عليه عينه، رغبة منه في التأقلم مع الوضع الجديد، والحصول على مقعد دراسي بمؤسسة تعليم عالي، ولما لا الحصول على منصب عمل يقتات منه حتى يُحرر والده من أسر الإنفاق عليه.

جاء خبر رسوبه في الامتحان على لسان مدير معهد الدراسات الشرقية الذي أشعره بعدم الجدوى من الإصرار على الدخول إلى المعهد، فبانت له بكل وضوح الحقيقة التالية: "إنّ الدخول لمعهد الدراسات الشرقية لا يخضع- بالنسبة لمسلم جزائري- لمقياس علمي وإنّما لمقياس سياسي... لقد أدركت في تلك الّلحظة نفسها ما سيتبع عبارات المدير من نتائج عملية دون أن أحللها، إذ لم أكن بعد قد اكتسبت خبرة هذا التحليل، الذي يريني اليوم بكل وضوح درجة القرابة بين هذه العبارات وما قاله لي قبل سنة مدير شون الطرق بمدينة تبسة، عندما سألته عن شروط الإسهام في المزايدة التي تجري كل سنة تحت إشرافه لإصلاح الطرق، أو لفتح طرقات جديدة في الناحية، وقد اهتممت حينئذ باستغلال وسيلة نقل كانت لدي أستطيع بها نقل مواد الطرق من أحجار وغيرها. ولكن عوض أن يدلي إلي بالمعلومات المطلوبة، أدلى إلي سيادته بنصيحة: - الأفضل أن تبيع ما عندك من وسائل نقل إلى مسيو "كانبون" أو مسيو "سبيتري" فإنّ المزايدة بين أيديهما. واليوم بعد أربعين سنة، أرى بكل وضوح أنّ الرجلين، المدير المتواضع لشؤون الطرق بتبسة والمدير المحترم لمعهد الدراسات الشرقية، إنما يتكلّمان لغة واحدة "لغة الاستعمار": فهذا حرمني من أن أصبح مقاولا في مصلحة الطرق وذلك حرمني من فتح مكتب محاماة بتبسة بعد سنوات الدراسة بباريس".3 هذه الحادثة وغيرها كثير تركت في نفسه أثرا بالغا زاده إصرارا على تمسكه بقضاياه العادلة وحقوقه المشروعة في التعلّم وفي الحرية وفي الاستقلال لوطنه وفي الحضارة لشعبه مثل بقية الشعوب المتقدّمة.

ويروي الطالب قصّته مع المعهد اللاّسلكي الذي حقق فيه حلمه في تحصيل العلم من غير اكتراث بمنصب سياسي عالي أو بمركز اجتماعي مرموق أو بجمع المال للثراء، وهي غايات الكثير من الشبان الجزائريين المغتربين في مختلف أنحاء فرنسا، غايات فرّقتهم وحوّلتهم إلى شتات فكري وإيديولوجي دعّمه الاستعمار وأسست له إدارته، فكان ذلك على حساب تكوينهم العلمي والتقني والفكري والثقافي عامة، في الوقت الذي كانت فيه الجزائر في أمس الحاجة إلى نخبة قويّة تفكر في الأوضاع وتحسن تقديرها لها، لتمتلك السبل والوسائل وسائر الإمكانات الروحية والمادية لتخلع عنها ربقة الاستعمار وقيوده الحديدية التي تعاني منها منذ عام 1830.

كانت الأحداث اليومية الباريسية والأحداث في الجزائر والتطورات الدولية تؤثر فيه باستمرار، تؤثر في تكوينه الفكري والسياسي والثقافي عامة، يوميات الحي اللاتيني والصراع بين الاستعمار وعملائه والانشقاق من جهة، وبين الوحدة والإسلام والعروبة والحرية والوطنية والعدالة من جهة أخرى، وقصّته مع معرض المستعمرات الذي ينتقص من المستعمر ويهينه ويقلل من قيّمه الدينية والتاريخية والثقافية، وكان لعلاقته من صديقه "حمودة بن ساعي" تأثيرها الإيجابي الكبير على حياته في نظره فكان يرى في "حمودة بن ساعي" الرجل المثقف الواعي المؤمن بقضيته والمخلص لها، ومن المحطات التي أثّرت فيه وفي حياته معاقبة الإدارة الفرنسية الاستعمارية والده بنقله من طرف رئيسه فاضطر الوالد إلى طلب إجازة ولم يعد إلى عمله حتى وافته المنية فضاعت حقوقه كلّها بوصفه موظفا وكان ذلك بسبب مواقف الصديق السياسية والإيديولوجية من الاستعمار.

يعبّر الصديق عن محنته في والده وأسرته بقوله "كنت أتأثر من هذه المحن التي بدأت تنصب على أهلي بسببي، دون أن أغيّر سلوكي بسببها، بل كانت الأحداث نفسها تزيدني تصلّبا وتحدّيا في نظر الإدارة الاستعمارية، التي بدأت في ذلك الشهر بالذات هر شباط "فبراير" عام 1932 تولي اهتمامها في الأوساط الطلابية بصدى حدث وقع بعاصمة الجزائر حيث أمر الحاكم بمنع أي نشاط لجمعية العلماء في مساجد الوطن".4 وفي هذا الوقت بالذات كان الصراع على أشدّه بين مكونات الحركة الوطنية الجزائرية في الجزائر وفي فرنسا والتي كان لها بعد عربي إسلامي كما كان لها بعد إقليمي مغاربي، الصراع الذي كان يتابعه الصدّيق عن كثب كما كان يتابع التطورات الدولية والحركات التحررية في العالم والحركات الداعية إلى السلام أو تلك الدّاعية إلى الحرب.

أسّس في هذا الوقت الصدّيق برفقة نخبة من المثقفين العرب في باريس "جمعية الوحدة العربية"، يصفها بما يلي: "وكأنّما كانت هذه الدعوة كما يتبيّن للقارئ مقدمة للجامعة العربية الحالية...وفي نهاية المطاف أصبح "محمد الفاسي وبلفريج والطوريس" يمثلون مراكش في الوحدة و"بن ميلاد" مع بعض مواطنيه يمثلون تونس، وأصبحت أنا أمثل الجزائر. وكانت سوريا مع لبنان، ممثلة في شخص فريد زين الدين وبعض مواطنيه ممن يقرضون الشعر. فكانوا عند افتتاح أو ختام كل جلسة، يشنفون مسامعنا بآخر قصيدة لهم في تمجيد العرب".5

يسرد الصدّيق ذكرياته مع مدرسة الكهرباء والميكانيكا بباريس، ومع سفره إلى الجزائر في العطل الصيفية أو عندما تدعوه الحاجة، فيصف الحياة في الجزائر وفي عنابة وفي قسنطينة ويضع يده على أدق التفاصيل، يصف الجغرافيا من دون أن ينسى التاريخ والثقافة بمختلف مظاهرها وغيرها، لارتباطه بموطنه جسدا وروحا، ويعرض ذكرياته مع زوجته خديجة معلقا عليها، ومما جاء في سرده لمذكراته مع شريكة حياته التي قاسمته الأفراح والأحزان وفتحت له آفاق الاطلاع على الحياة الأوربية الغربية الحياة في القرى والأرياف وفي المدن التي عايشها وكثيرا ما وصفها، وهكذا يصفها: "إنني أذكر هذه التفاصيل لأنني أعدّها دالة على التطور النفسي الذي سيجعلني أشد الناس نفورا لكل ما يسيء لذوق الجمال، ولأنّها تفسر ثورتي على بعض جوانب تخلّفنا التي تصبح موضوع السخرية في بعض المجالات، بإيعاز تلك الأوساط التي تتدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لإبقاء الوضع على ما هو عليه، باسم الوفاء للتقاليد عندما نحاول نحن، تحت أي راية تقدمية، أن نغيّره، غير أنّ الاستعدادات التي تدفعني إلى هذا الموقف كانت أصيلة في نفسي، لم أكتسبها اكتسابا بدأت معه تغيير بعض مظاهري منذ وجودي بمدرسة قسنطينة، وإنّما وجودي بفرنسا ومعايشتي لزوجي طوّر هذه الاستعدادات الوراثية إلى أفكار اجتماعية واضحة".6

ومن الذكريات التي استرجعها ووقف عليها وأثرت فيه كثيرا ذكرى وفاة والدته وما تركه فقدانها على الأسرة من تصدع واهتزاز، وفي معرض عودته إلى "تبسة" وبلغه خبر وفاة أمّه، يعبّر عن ذلك قائلا: "فوقفت كأنما نزلت على رأسي صاعقة، وكأنما الأرض تزلزلت تحت أقدامي، وفي لمحة بصر تحولت عواطفي من السعادة القصوى إلى المصيبة الدهماء...كانت الضربة قاسية ولكنني لم أشعر بعد بكل ألمها لأنها جديدة، كنت تلك الليلة أولي اهتمامي لمواساة والدي الذي كان يبكي خلف منديل يخفي وجهه، وكان خالي "أحمد شاوش" الطبيب التقليدي المشهور والمحبوب في المدينة، يصرف كل جهد لمواساتنا جميعا، بذكر نبذ من حياة الرسول عليه الصلاة والسلام."7

سرد الصديق ذكريات حياته بعد وفاة والدته متتالية وعودته إلى فرنسا وكانت تصاحبه دوما صورة الحياة المزرية في الجزائر وصورة الحياة في الغرب الأوروبي، وقصصه مع السفارة المصرية والإيطالية والأفغانية والألبانية وغيرها، قصصه مع البوليس الفرنسي الذي كان يراقب نشاطه واتصالاته بأصدقائه، وشعوره بخيبة أمله في الحراك الوطني الجزائري آنذاك، إخفاءاته في الامتحانات وفي طلبه العمل وفي محاولات سفره خارج فرنسا خاصة إلى أرض الحجاز، بؤسه إلى درجة طلبه الموت، هذه الحال يقول فيها الراوي: "إنّ إيطاليا الفاشية لم تعطني الفرصة، و"سودرية" ومدرسة الميكانيكا والكهرباء خيّبا رجائي، والأمين العمودي لم ينشر مقالي في صحيفته، والمؤتمر الجزائري تبخّر، وخاب ظني في الإصلاح والعلماء المصلحين، وأصبحت أتساءل ماذا أفعل؟ بدأ هذا السؤال الذي طالما تردّد في نفسي بعد خروجي مدرسة قسنطينة، يتردّد على ذهني من دون جواب. وبدأت أشتم في نفسي رائحة الغرق... تنبأ بعض علماء الفلك بكارثة اصطدام ممكنة بين الأرض، وبين أحد الأجرام في السماء. وأتذكر أني قرأت هذا النبأ في صحيفة مسائية بمقهى الهجار، بعد أيام قلائل من عودتي من رحلتي، فتقبلته بكثير من الرجاء. إن المرء يعيش هذه الحالات النفسية عندما لا يبقى أمامه إلاّ رجاء الفناء."8

سرد الصدّيق ذكرياته مع إحدى المحطات الرئيسية في حياته، وهي محطة المؤتمر الجزائري الإسلامي الذي أشرف على إدارته بمرسيليا، المؤتمر الذي أسّسه عدد من المثقفين الجزائريين لأجل تعليم وتثقيف العمال الجزائريين، فتعلّموا حساب اللانهاية والجغرافيا، ودروس في السياسة والأخلاق، سرعان ما أقفل الاستعمار مركز المؤتمر الجزائري الإسلامي وعاد هو وزوجه إلى تبسة، وتعاون مع الشيخ "العربي التبسي"، واختلف معه في طريقة التفكير وفي أسلوب تحليل القضايا والأحداث والحكم عليها واتخاذ القرارات، وكان يتابع التطورات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يعرفها العالم العربي والإسلامي وتشهدها أوروبا الغربية، خاصة الحرب العالمية الثانية التي كانت على وشك الاندلاع، وكان الصدّق ممن يطمعون في تحريرها للشعوب والأوطان من الاستعمار الفرنسي الغاشم، كالغريق الذي يمسك بالقشة على سطح الماء.

سرد الصدّيق بالتفاصيل ذكرياته قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية وهو بتبسة عن حياته وعن حياة زوجه معه وعن هرّة زوجته "لويزة" وعن أسرته وجيرانه وأبناء المدينة وحاكمها والحراك الاستعماري فيها وعن اتصالاته بزعماء الإصلاح وبالمعممين والمطربشين وبغيرهم وعن متابعته للأحداث والوقائع المحلية والدولية، وعن حراكه عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية مع الخطوة الجزائرية في آخر شهر يونيو "حزيران" 1939 ومقاله "لا مع الفاشية ولا مع الشيطانية" واندلعت الحرب الشاملة وقرّر السفر إلى فرنسا تاركا وراءه أرض الآباء والأجداد الأرض التي أبت إلاّ أن تجوع أبنائها وتطعم الأجانب معاهدا إيّاها باللاّعودة إلاّ بعدما تصبح حرّة.

إنّ في قراءة مذكرات الصدّيق "الطالب" على مدى تسع سنوات حفر في حياة فردية جزائرية عربية إسلامية على المستويات النفسانية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وفيها ينكشف مدى التواصل التاريخي والحضاري بين بني البشر وحاجته الملحة إلى ذلك لتستقيم الحياة ويستقر الوضع وتهدأ الأمور فيخلو الجو للعطاء وللفعالية وللمبادرة الفعّالة، وفيها تتبلور حقيقة الحياة في جزائر الاستعمار والقهر والاستبداد وفي فرنسا الحضارة والحرية وحقوق الإنسان، وفيها نكتشف الكثير من جوانب الصراع الفكري والإيديولوجي الذي ميّز الكثير من جوانب الحراك الوطني الإصلاحي وغيره في القيادة وفي القاعدة، كما تتضح الكثير من الأحداث التي عرفتها الإنسانية في هذه الفترة وتنكشف باستمرار عند القراءة الحقائق وتستنبط المعاني والعبر، فالمذكرات هي بحق شهادات قيّمة لشاهد ليس كغيره، هذه الحقيقة تتأكد كلّما قرأنا المذكرات بتأمل وتوأده.

مالك بن نبي وظلم زعماء الثورة الجزائرية له

moamar habarيرى الأستاذ كمال مسقاوي على هامش صفحة 449، أنه وضع عناوين في كتاب "شروط النهضة" لبن نبي - وأظن كتبا أخرى- لاعلاقة لها بالترجمة الفرنسية، إنما كانت مستوحاة من روح اللغة العربية، حتى تناسب طبيعة الكتاب والأهداف التي وضعت لأجله، كاقتبسات عن محمد إقبال وغاندي، التي لم تذكر في النسخة الأصلية الفرنسية، وهذا طبعا بعد أخذ مشورة بن نبي وموافقته على ذلك. ويؤكد في صفحة 470 وما قبلها على الإشراف الشخصي لبن نبي على ترجمة كتابه "شروط النهضة"، وكتب أخرى.

ويرى أن أغلب كتب بن نبي كتبت في الخمسينات، أي أثناء الحرب الباردة. ويرى في صفحة 550، أن كتاب "العفن"، تحدث عن فترة 1931 -1951

إنتهينا من عرض الجزء الأول من كتاب "في صحبة مالك بن نبي"

وسيتم التطرق للجزء الثاني..

يعترف مسقاوي في صفحة 609، وهي أول صفحة من الجزء الثاني، أنه لم يعرف بن نبي إلا بعد صدور "العفن".

ويرى في صفحة 613، أن مفهوم مالك بن نبي حول "القابلية للاستعمار" ومقالاته التي كتبها في ذات الشأن، هي التي جعلت الساسة الجزائريين يثورون عليه، ويمنعونه من المشاركة في الثورة الجزائرية.

يرى بن نبي في صفحة 614، أن مؤتمر الصومام 1956، غيّر مجرى الثورة الجزائرية لصالح فرنسا، ويكفي أنهم استبدلوا كلمة مجاهد إلى مناضل. ويرى أن "مؤتمر الصومام رجع بمفهوم الثورة إلى الوراء".

ويرى في صفحة 614، أن ساسة الجزائر المكلفين بالتفاوض مع فرنسا سنة 1956، كانوا يتفاوضون حول منطقة الحكم الذاتي الجزائري ZAA. وكان بن نبي يرفض هذا التساهل من القادة الجزائريين، لذلك كانوا يحذرون منه ويسيؤون لسمعته، حتى لا يفشل مسعاهم المناهض للثورة الجزائرية، والمتمثل في منطقة الحكم الذاتي الجزائري. ومن يومها أصبحت الثورة دفاعا عن المصالح الشخصية، الذي جاء مع الحكومة المؤقتة لثورة الجزائرية.

يعتبر بن نبي في صفحة 616، إن وضع فرنسا لخط موريس، وقطع الإمدادات عن المقاتلين يعتبر ضعفا من القيادة الداخلية، وهذا الكلام لم يرضي القيادة الجزائرية. ويرى أن الساسة سيطروا على العسكريين إبتداء من مؤتمر الصومام 1956، خاصة بعد تغلغل بعض أفراد الجزائريين الذين كانوا في الجيش الفرنسي.

يرى في صفحة 617، أن زعماء الثورة الجزائرية، عاقبوا بن نبي بأن حرموه من أن يكون مبعوثا للجبهة في المؤتمر الإفريقي الأسيوي، حين رأوا أن السادات قربه وكتب له مقدمة الإفريقية الأسيوية.

وجاء في صفحة 618 ومنذ سنة 1958، وبضبط حين أرسل رسالة إلى جبهة التحرير 29/01/1959، إنقطعت علاقة بن نبي بجبهة التحرير، لأنه رأى إنحرافا عن الثورة من خلال مؤتمر باندونغ، وتم قطع المساعدات المالية التي كانت تقدم له والمقدر بـ 25 ، عقابا له على نقده للسلوكات السيّئة لزعماء الثورة الجزائرية.

يرى بن نبي في صفحة 619، أنه حين كان في مصر سنة 1956، لم يكن هناك ماسينيون شخصيا، لكن خلفه قادة الثورة الجزائرية في محاربته والضغط عليه من خلال البوليتيك.

ويشعر بن نبي في صفحة 620، حين انتقل إلى القاهرة سنة 1956، أنه منبوذ من قبل قادة ثورة التحرير، بسبب سياسة البوليتيك التي يتبعونها ويعارضها بن نبي. وقد تحدث عن هذه الفترة في مذكراته 1936-1958.

622 يرى في صفحة 622، أن بن نبي تفطن متأخرا أن مشروع عبد الناصر لم يكن في مستوى استيعاب مشروع بن نبي، وكان عبد الناصر ينظر اليه على أنه تعداد للكتب. ومازلت أقول أن بن نبي أفرط كثيرا في تملقه لعبد الناصر وتعلقه الشديد به دون فائدة مرجوة.

يتأسف بن نبي في صفحة 624-625 من كون كتابه "الفكرة الافريقية الاسيوية"، لم يتلقى أية كلمة شكر من مصر ولا من الدول التي قدّم لهم الكتاب، ولم يعره أحد اهتماما يليق به. ويتحدث عن التهميش والمرارة التي لاقاها في مصر.

628 يرى في صفحة 628، أن الثورة الجزائرية إنحرفت بعد مؤتمر الصومام 1956. وكان أخطر على الثورة هؤلاء الذين يبدأ أسماءهم بالحروف التالية..

TM. AF. AK.LD ، وعبرهم غدت الثورة من غير روح.

جاء في صفحة 631، أنه وابتداء من سنة 1958 عاش بن نبي العزلة بسبب كره قيادة الثورة له، لانتقاده البولتيك الذي كانت تمارسه، بدليل الاتحاد السوفيتي سابقا، عرض مؤتمر يضم كتاب افريقيا وأسيا، فرفضت قيادة الثورة تسمية بن نبي رغم أنه صاحب ومنظر فكرة باندونغ وصاحب كتاب الافريقية الاسيوية، بسبب مواقفه المعارضة لهم في تسيير الثورة الجزائرية.

جاء في صفحة 641، قول بن نبي: "كم أتمنى الموت لعله أفضل لي". هذه خلاصة الحصار الذي عاشه بن نبي في سنوات 1958 من طرف فرنسا ومصر وقيادة الثورة والاعتقال.

وفي صفحة 642، نقرأ بأن إهداء بن نبي كتابه "الفكرة الافريقية الاسيوية" لعبد الناصر وتحدثه عن فكرة عدم الانحياز، لم يكن يروق لقادة الثورة الجزائرية يومها، لأنه نسب هذه الأفعال للشعوب ولم ينسبها للزعماء كما كانوا يرجون ويسعون، ولذلك واجهوه بالعداء والرفض والاقصاء.

جاء في صفحة 646، أن تغلغل الاستدمار داخل الثورة الجزائرية بدأ من سنة 1958. وأسوء عامل ضرب للثورة الجزائرية هو مؤتمر الصومام لأنه زاغى عن مسار الثورة. ضف لها تدخل بورقيبة ليضع القيادات الاولى تحت الاستدمار. وأن بعض الجرحى الذين ذهبوا لمصر للتداوي رفضوا أن يعودوا للجزائر خوفا من الاعدامات التي تطالهم من طرف الثورة.

649 وفي صفحة 649، جاء فيها أن جبهة التحرير الجزائرية رفضت أن تفوض مالك بن نبي لحضور مؤتمر الافريقي الأسيوي، وشاء أنور السادات أن يكون أمين عام المؤتمر يومها، وهو الذي فوضه بالحضور والمشاركة، وكان هذا انتصارا لبن نبي.

يتحدث بن نبي بمرارة شديدة عن حياته، فيقول في صفحة 650.. عشت 25 سنة تحت فقر العائلة، لكن العامين الأخيرين حين كتبت SOS، وطبعتها على نفقتي الخاصة باللغات الثلاث سنة 1958، حرمتني جبهة التحرير الجزائرية من 25 جنيها كانت تقدمها لي، بسبب مواقفي.

 

سلسلة قراءاتي لكتاب "في صحبة مالك بن نبي" لعمر كامل مسقاوي 11

 

معمر حبار

 

التطور وكيفية نشوء الافكار

hatam hamidmohsinفي كتاب (التطور في كل الاشياء: كيف تنشأ الافكار) ينسب الكاتب Matt Ridley للحرية ما نسبهُ كارل ماركس للاشتراكية من قوة العلم. هو يرى ان التطور يسود ليس فقط في البايولوجي وانما ايضا في التكنلوجيا والثقافة، وانه يجلب التقدم. مقابل ذلك، يرى الكاتب ان المؤسسات الانسانية التي تستند على السلطة العمودية (أعلى - اسفل) تسبب المزيد من الضرر. يذكر الكاتب:

"التغيير في المؤسسات الانسانية، ومنتجات الانسان الثقافية، والعادات هو هامشي وحتمي ولا يمكن الاستغناء عنه. انه يتبع سلسلة من الاحداث تسير من مرحلة الى اخرى، يزحف بدلا من ان يقفز، له زخمه التلقائي بدلا من ان يندفع من الخارج، لا يمتلك هدفا او غاية في الذهن، ويحدث دائما عبر التجربة والخطأ – اسلوب الاختيار الطبيعي".

 

محتويات الكتاب

الكتاب جاء على الشكل التالي:

- تمهيد: النظرية العامة للتطور

- تطور الكون

- تطور الاخلاق

- تطور الحياة

- تطور الجينات

- تطور الثقافة

- تطور الاقتصاد

- تطور التكنلوجيا

- تطور الذهن

- تطور الشخصية

- تطور التعليم

- تطور السكان

- تطور القيادة

- تطور الحكومة

- تطور الدين

- تطور النقود

- تطور الانترنيت

- خاتمة: تطور المستقبل

خلاف الكاتب هو مع اولئك الذين يؤكدون على الانسان الفرد وليس على كامل عملية التطور. لذلك فان الطريقة التي يتم بها تلقين التاريخ ستكون مضللة، لأنها تضع كل التركيز على التصميم والاتجاه والتخطيط، بينما تضع القليل من الاهتمام بالتطور. وهكذا، يبدو ان الجنرالات يربحون الحروب، السياسيون يديرون البلدان، العلماء يكتشفون الحقائق، الفنانون يخلقون الاساليب، المخترعون يصنعون الاكتشافات، المعلمون يشكلون الاذهان، الفلاسفة يغيرون العقول، القساوسة يعلمون الاخلاق، رجال الاعمال يقودون الشركات، المتآمرون يسببون الكوارث، الآلهة تصنع الاخلاق ... مرة بعد مرة نحن نخطئ فهم مسببات الاحداث ، نلوم القارب المبحر بسبب الرياح ، نلقي المسؤولية على المارة في التسبب بالحدث. الطفل يتعلم ، لذا فان المعلم هو الذي يجب ان يعلمه (ليس الكتب او الزملاء)، النوع الحيواني يتم انقاذه، لذا فان المحافظ على البيئة يجب ان يكون هو من انقذه (ليس اختراع الاسمدة المخصبة التي تقلل من كمية ما مطلوب من ارض لإطعام السكان)، الاختراع يتم، لذا فان المخترع يجب ان يكون هو منْ اخترعه (ليس نضوج الخطوة التكنلوجية الحتمية القادمة).هذا الكتاب ذاته مثال على عملية التقدم الانساني كما يراه المؤلف. هو لم يخترع افكارا جديدة كليا، وانما هو يعيد جمع وتركيب وتحليل افكارا من كتّاب في عدة حقول. المؤلف يقتبس من جوزيف هنرش واخرين عن تطور الثقافة. هنرش يرى ان الناس كافراد منعزلين لديهم القليل جدا من الذكاء. بدلا من ذلك، نحن متميزون بين الانواع الحية في مقدرتنا على تراكم المعرفة ونقلها الى الاخرين . وبسبب اننا ننقل المعرفة فان نتائج التجربة والخطأ ستنتقل الى الاجيال اللاحقة. هذا يمكّننا من التقدم في الاقتصاد والتكنلوجيا والاخلاق.

في حقل التكنلوجيا، يقتبس المؤلف من كيفن كيلي وستيفن برلين جونسن. هما يشيران الى ان الافكار"الخلاقة" مثل المصباح الكهربائي والقارب البخاري او نظرية التطور، عادة تحدث للعديد من الافراد في نفس الوقت. هذا لأن المعرفة تتراكم تدريجيا. العلماء والمخترعون يعملون وفق مفهوم "المجاور الممكن" a djacent possible(1) ، اي، المركب الجديد من الافكار التي تصبح متوفرة بعد ان يتم تطوير السابق لها من افكار ضرورية .

وفي الاقتصاد، يكتب المؤلف

"الازدهار نتج ليس بسبب سياسة الانسان وانما بالرغم منها. انه تطور من خارج تفاعل الناس عبر شكل من التقدم الانتقائي المشابه جدا للتطور. وفوق كل ذلك، انه كان ظاهرة لامركزية، انجزتها قرارات الملايين من الافراد ، بالرغم من افعال الحكام. في الحقيقة، من الممكن الجدال ، كما يرى Daron Acemaglu and James Robinson ان دول مثل بريطانيا وامريكا نمت اقتصاديا بسبب ان مواطنيها اطاحوا بالنخب المحتكرة للسلطة".

يرى المؤلف ان الشخصيات التاريخية المؤثرة يحتمل جدا ان تكون شريرة وليسوا ابطالا. لا احد يستطيع ان يكون اكثر تأثيرا من التطور في انجاز التقدم. مع ذلك، هتلر وستالين وماو يمكنهم قتل وتحطيم العديد من الناس. ما نصل اليه من استنتاج هو ان الاخبار السيئة هي من صنع الانسان، وهي عمودية ، ومادة هادفة مفروضة على التاريخ. اما الاخبار الجيدة فهي طارئة وغير مخططة وتتطور تدريجيا.

رغم القراءة الممتعة للكتاب لكن تبقى هناك عدة اسئلة.

اولا، المؤلف يسخر من الدين. هو يذكر"ان الدين ليس فقط ظاهرة من الاعلى للاسفل في ثيولوجيته، وانما في تنظيمه الانساني ايضا. الاديان دائما وفي كل مكان تنطلق و تصر في جدالها من موقع سلطوي".

لكن السؤال هو الم يكن الدين في فترات معينة من التاريخ قوة نحو التقدم؟ الكاتب ذاته يبدو يقترح بان المسيحية لعبت دورا بناءا في التحول نحو الزواج الاحادي والذي ساعد بدوره في خفض العنف. ايضا، هناك سؤال حول ما اذا كان الناس يحتاجون لبعض الانظمة العقائدية التي تؤدي وظيفة الدين. العديد من التحرريين يخشون بان تكون الماركسية والبيئية هما بديل ديني سلطوي.

ثانيا، الكاتب يهزأ بالتطور البطيء للانظمة السياسية. غير انه ربما هناك بعض الفوائد في ذلك. اذا كانت الانظمة السياسية تتطور بسرعة، فمن يمنع من ان لا تصبح اكثر سلطوية؟

اخيرا، الكاتب لا يوضح كيف بقيت فكرة التطور ذاتها نائمة لفترة طويلة، وكيف تستمر لتبدو مضادة للبداهة لدى العديد من الناس. هو يقتبس من الفيلسوف اليوناني ايبيقور حين يصف عالما نشأ بلا آلهة او ملوك. الكاتب يعود باستمرار للقصيدة الفلسفية القديمة"طبيعة الاشياء"للشاعر الروماني Titus Lucretia Carus والتي توقعت المزيد من الافكار الحديثة، لكنها هوجمت بشدة وحتى مُنعت لعدة قرون.

اذا كانت الافكار تنشأ من "المجاور الممكن"، فكيف استطاع البعض من الافراد قبل آلاف السنين ان يتوقعوا افكارا لم تدخل الى ثقافتنا الا في القرن الثامن عشر حينما نشر آدم سمث اهم اعماله؟ ولماذا تستمر فكرة التطور تواجه المزيد من المقاومة اليوم؟ كما يشير المؤلف هناك العديد من المحافظين الدينيين وآخرين يصرون بان البايولوجي يأتي من التصميم وليس من التطور. وهناك العديد من اليسار يصرون بان الرفاهية الاقتصادية تأتي من التخطيط الحكومي وليس من الاسواق. هل سيبقى المناصرون للتطور اللامركزي محكوم عليهم دائما بالاقلية؟ ام انه بلإمكان رؤية التقدم التطوري لدى ذلك الفريق ايضا؟

 

كتاب التطور في كل الاشياء: كيف تنشأ الافكار، للكاتب Matt Ridley، صدر عن دار Harper في سبتمبر 2015 بـ 400 صفحة

         

.............

الهوامش

(1) مفهوم "المجاور الممكن" صاغه العالم ستيوارت كوفمان ليشير الى كل من الابتكار والتغيير الخلاق المحتمل . المجاور الممكن هو عبارة عن نوع من المستقبل الظليل الذي يحلق على حافات الوضع الراهن للاشياء، هو خارطة لكل الطرق التي يمكن بها للحاضر اعادة اختراع ذاته. الشيء الملفت في "المجاور الممكن" هو ان حدوده تتسع مع كل استكشاف له. كل مجموعة جديدة من الافكار تفتح افقا وامكانيات لمجموعات جديدة اخرى. مثال على ذلك لو تخيلنا منزلا يتسع مع كل باب نفتحه فيه. نبدأ بغرفة ذات اربعة ابواب، كل باب يقود الى غرفة جديدة لم نزرها بعد. حالما نفتح احد الابواب في تلك الغرفة، ستظهر امامنا ثلاثة ابواب جديدة، كل واحد يقود الى غرفة جديدة ما كان بالامكان بلوغها من نقطة البدأ.سنستمر بفتح ابواب جديدة وسنتمكن بالنهاية من بناء قصر كبير.

انطلاق (مملكة الأصوات البعيدة) لأحمد الزلوعى

842-hayshaصدرت المجموعة القصصية (مملكة الأصوات البعيدة) للكاتب أحمد الزلوعى مواكبة لفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام تضم المجموعة ثماني عشرة قصة جاءت في ثلاث وتسعين صفحة من القطع المتوسط عن دار روافد للنشر والتوزيع . نشرت أولى نصوص الزلوعى القصصية في أخبار الأدب المصرية ثم توالت عبر الثقافة الجديدة والأهرام والأخبار والمجلة والإذاعة والتلفزيون ودبي الثقافية ورؤى الليبية والكويت وغيرها. كما نشرت دراساته النقدية والفكرية في عديد من المطبوعات المصرية والعربية والمواقع الإلكترونية مثل الكتابة الجديدة ودروب وحكايا والمحلاج وغيرها. تلقى القراء والنقاد قصص الزلوعى بالدهشة والإعجاب في آن. وعبر كثيرون منهم عن فرادة أسلوبه وجدة أفكاره.

842-hayshaوقد وصفت الناقدة المغربية ناهد الزيدى المجموعة قائلة (لا يشبه الكاتب أي قاص آخر، لا يشبه إلا نفسه وكتابته وفى نصوصه عمق مبين حد الإدهاش). كما تقرر (بالنسبة للغة يبدو مهما التقرير بأن لغة السرد عند أحمد الزلوعى يانعة طازجة تتسم بألق خاص لاسيما في تقنية الوصف حيث يبرع في تجسيد الثابت والمتحول بأسلوبه التركيبي الجميل.. لغة الكاتب ساخرة في عمقها فهو يطوع لغته لتجهر وتسر وتسخر كيفما شاء موضوع قصته ورؤى شخوصه) أهدى الكاتب المجموعة إلى روح جده) إلى جدي في سماوات الرحمة.. لعل الملائكة تسعد بحكاياك كما كنت أسعد (ومن أجواء المجموعة) (آلاف التفاصيل بدأت تتكامل في أذن معتز يوما بعد يوم.. التقط صوته وهو طفل يلهو في مدخل العمارة، وصوت أبيه يناديه ليصعد، وصوت أمه تدعوه إلى الطعام ثم بدأت آذانه تلتقط أصواتا تنطق بلغات غريبة تعرف منها على الألمانية والإنجليزية والأسبانية، وأخرى لا يعرفها خمن أن من بينها السنسكريتية والآرامية والسريانية)..

الكاتب عضو مؤسس لمختبر سرديات المنصورة المعنى بدراسة ومناقشة الأعمال السردية المتميزة. يعمل د.أحمد الزلوعى بالمجال الطبي وهو متزوج وأب لثلاثة أبناء.

 

كتب: محمود سلامة الهايشة

 

إدارة اللاوعي الجماعي والجمعي للكائنات البشرية

nabil alrobaeiالخضوع الجماعي لفرد ما يحتاج إلى دراسة التاريخ، كون الفرد لا يخضع لما هو مباشر، وإركاع الجموع واخضاعها تحتاج إلى فهم قوة العقيدة من الناحية الروحية لذلك المجتمع.

في عراق اليوم والأمس أصبح لبعض الزعماء المقدرة على اخضاع المؤيدين لسياستهم من خلال اللجوء إلى منح الامتيازات للبعض دون الآخر، لذا فإن العطايا والهدايا تعمل على تعزيز الولاء لهؤلاء الزعماء، وهذا ما حصل ابان الحقبة الزمنية الماضية للقائد الضرورة، الذي حكم العراق خلال 35 عاماً في السلطة ولم تعترض عليه أي جهة من أفراد الشعب أو المؤسسات الدينية لا في داخل العراق ولا من قبل دول الجوار، علماً أنه قام بحرب مدمرة استمرت ثمان سنوات تجاوز الموت فيها المليون نسمة من الطرفين، فضلاً عن مذابح الأنفال في كردستان العراق، ولم تتحرك أي من المؤسسات الدينية للدفاع عنهم، ثم هجوم قواته على الجارة الكويت عام 1990م وتحطيم المؤسسات الحكومية لهذه الدولة واعقبها المجازر ضد ابناء الجنوب بعد انتفاضتهم في آذار عام 1991م، لكن بعد الغزو الأمريكي للعراق تحركت ضمائر هذه المؤسسات الدينية رافعة بنادقها ضد أبناء العراق من الوسط والجنوب بدعم من تنظيم القاعدة، ومن ثم تنظيم ما يسمى داعش، والسبب لأن هؤلاء الروافض يجب إبادتهم باسم الدين.

إن ما يحصل حقيقة أن هناك أيدي لحكومات ومؤسسات تدعم هذا الاقتتال لاستمرار الإبادة الجماعية واخضاع الآخرين لسلطتهم، فكان الهدف هو خدمة التطرف الديني لقاء فوائد لا غنى عنها وهذا ما يطلق عليه بعض الباحثين بـ(الجمهور الممغط).

إن الصمت للغالبية العظمى من رجال الدين سببه قناعتهم بما يقوم به الحاكم المستبد سابقاً والحاكم المنتخب حالياً من تصرفات شخصية اتجاه شعبه، أو هناك تفسير آخر أن الصمت هو اضعف الإيمان، لكن هؤلاء رجال الدين من سدنة المعبد قد تركوا أبناء بلاد الرافدين يسيطر عليهم الحاكم الظالم سابقاً والمستبدين والفاسدين والسارقين لقوت الشعب بعد عام 2003م دون أن ينطقوا بكلمة واحدة، وحتى وأن نطقوا فليس لهم أذن صاغية من قبل سياسيو الصدفة في عراق اليوم.

لا ننسى ما يحدث اليوم في العراق من ظاهرة التكفير لفئة من المجتمع أو لديانة ما بسبب الاختلاف في العقيدة، إذ أصبح سلاح التكفير يستخدم بإسراف، وقد سنّ شيوخ التكفير فتاوى تدعو إلى قتل الآخر من خلال استخدام الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة، فضلاً عن قناعة هؤلاء القتلة من دخولهم الجنة بعملهم هذا، وسيلتقي بحور العين والغلمان، ويشربوا من انهار الخمر والعسل واللبن، هنيئاً لعملكم هذا إذا كان جزاءه الجنة، وأي جنة تضم رفاتكم الممزقة، وأنا أتساءل، هل هناك أساليب يمتلكها شيوخ الإرهاب لها فاعلية في التأثير على اللاوعي الإيماني ودفعه في الاتجاه الذي يريده، لكن سلطة هؤلاء الشيوخ تمكنت من توجيه وإدارة اللاوعي الجماعي والجمعي للكائنات البشرية إلى دعوة الإنسان للانتحار ولقتل أخيه الإنسان على أساس الهوية الدينية والطائفية، وباسم الدفاع عن الإسلام من خلال الأرث الطويل من مفاهيم وعقائد بربرية هي نتاج أمراض الطفولة الإسلامية لمن يعتقد أن من (فكرّ كفر) لأن الفكر والكفر يحملان نفس الحروف.

والباحث فالح مهدي في كتابه (الخضوع السني والإحباط الشيعي) ص243 يتساءل حول سطوة الدولة إذ قال : كيف تمكن أشباه الرجال في ديمقراطيات عريقة من الوصول إلى السلطة وتجديد ولاياتهم إلى فترات عديدة؟ لذلك لا خلاص لهذا البلد دون ترسيخ مفهوم المواطنة والتعليم والثقافة والنسبية وتداول السلطة بشكل نسبي من خلال فهم أفراد المجتمع لمعنى الديمقراطية ومن يقودهم .

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

صدور كتاب مَدَنِية الإسلام وعولمة الإرهاب

840-zuharقلائل هم أولئك الذين أمكنهم أن يجعلوا من الفلسفة جزءا من حياة الناس. والدكتور زهير الخويلدي واحد من من أقل القليل الذي جعل من الفلسفة متعة خالصة من متع الأدب. بلغته السهلة، وتناوله السلس، ومقارباته التي تمس أوجه الحياة الملموسة، تمكن هذا المفكر البارز من أن يجعل الفلسفة منارة حقيقية تضيء الطريق لملايين الناس.

الفلسفة لم تعد، بفضل هذه المقاربة الحيوية، مشروعا نخبويا، لا يفهمها إلا أولئك الذين يفهمون (أو لا يفهمون) اللغة الملتبسة. إنها أداة تفكير، سهلة.

والسهولة إنما تنم عن فهم عميق. فالمرء كلما كانت لغته أوضح، كلما كانت الفكرة التي تعبر عنها تلك اللغة أوضح.

840-zuharوالمؤلف رجل فكر غارق بأدواته. وكلما ذهبت في قراءته الى مسافة أبعد، كلما عثر على المزيد من الثراء. وثراؤه الخاص يغتني بثراء الآخرين، ويحول مناراتهم الى قنوات ضوء باهر تنير النفق الذي نحن فيه.

وفي هذا الكتاب الذي يحلل فيه الخويلدي ظاهرة الإرهاب في وجهها العولمي، والتحدي الذي تشكله للطبيعة المدنية للإسلام، فانه أضاف جهدا استثنائيا بحق لفهم تلك الظاهرة ولوضعها في سياق أبعد كثيرا من المألوف المتداول.

إنها ظاهرة للتأمل. ومعالجتها تتطلب مواجهة فكرية حقيقية شاملة، وبحثا دقيقا عن أسئلة ما تزال بعيدا عن الوصول الى أجوبة مقنعة.

وسط الكثير من تلك الأسئلة، هنا بعض مما يمكن العثور على تصورات بشأنها: "من يحكم العالم اليوم؟ وماهو العصر الجديد الذي تسير إليه العولمة؟ وماذا تشبه هذه الحروب الجديدة التي تخوضها الجماعات والدول؟ وما المقصود بالجهاد؟ هل ستظل الديمقراطية سياسية معتمدة في القرن الواحد والعشرين؟ لماذا تزداد الفوارق الاجتماعية؟ ما العمل أمام انقسام المجتمعات إلى قسمين: أغنياء وفقراء؟ وكيف يمكن الترفيع في معدلات التنمية والتطور؟ وهل مازال الشغل هو مصدر الإنتاج والثروة؟ كيف يمثل اقتصاد التقاسم محاولة من الرأسمالية لتجاوز انتقاداتها وتجديد نفسها؟ وأي إنسانية لعصرنا؟ من أين أتى الانسان؟ وماهي طبيعة الكائن البشري؟ فيم يختلف عن طبيعة الكائن؟ وهل يوجد العالم بالفعل خارج ذواتنا؟ ومن أين أتت اجتماعية الانسان؟ وماهو محرك التاريخ البشري؟ وما مصدر اللغة؟ وكيف تتكون الأفكار؟ هل الدين أصل الاغتراب؟ ومن أين تنحدر القيم الأخلاقية؟ وما طبيعة الحقيقة؟".

شيئا فشيئا، سوف يجد القارئ تناولا مختلفا لقضية الإرهاب. هذا أولا. ثم أنه سوف يكتشف وجها للفلسفة أكثر إنسانية، وأعمق دلالة، وأقرب الى الحياة. هذا ثانيا. ثم أنه سوف يتعرف، من جديد، على كاتب مبدع، ومفكر أصيل، ومثقف جدير بكل احترام.

عن دار أكتب صدر كتاب مدنية الإسلام وعولمة الإرهاب لندن 2016

قراءة في كتاب: تطهير البلاد من تاثير الاستبداد

ali alkendiلقد كتب الباحثون والمدققون في ظاهرة الاستبداد بعناوين مختلفة وباساليب واشكال متنوعة وكانت تلك البحوث غالبا ما تناقش حالت خاصة وفردية يقع الكاتب تحت تاثيرها ويشعر بخطرها فهو يكتب عن الاستبداد من حيث انه آلة قمع والة حبس وتكبيل، ومن حيث انه طاغية يمتلك كل اسباب القهر والجور، وهذه فكرة يكاد يتفق عليها المألفون والباحثون ممن تعرض لهذا المعنى او لهذه الظاهرة قديما وحديثا، الا ان هذه القراءات والتحديدات لم تلتفت الى نقاط مهمة وجوانب هي اخطر من الظاهرة نفسها، وهذا ليس تقصيرا في تلك الاقلام وتلك الجهود الا أنه لابد من تميز ولابد من تمايز .

الا انني حين قرات كتاب الباحث العالم الشيخ عز الدين البغدادي الموسوم (تطهير البلاد من تاثير الاستبداد) وقد ارسله لي لإبداء ملاحظاتي عليه، وانا اشكر له حرصه وامانته وثقته.

فاني قد وجدت حالة اخرى ودراسة مختلفة عما كتب، وبحدود اطلاعي المتواضع، فلقد وجدت في هذه الدراسة نوعاً جديداً من الابداع وسمواً عالياً في فهم الموقف اذ ان الباحث اعزه الله التفت الى جانب اهم وهو دراسة الظاهرة ليس من حيث النصوص الدينية فقط ، ومقارنتها او تطبيقها على بعض الحالات التي حصلت في التاريخ، بل انه في هذه الدراسة جمع بين قوة فهم النص الديني مع الدراسة النفسية والاجتماعية للمجتمع الذي يقع تت تاثير الاستبداد، والاسباب التي تهيء لتقبل ذلك الاستبداد وماهي علاماته ومظاهره، ومن ثم التاثيرات التي ستبقى وتعقب رحيل المستبد فيما لو حصل مؤثر خارجي ازال ذلك الاستبداد، وقد بين الباحث في التفاتة مهمة الى ان الاستبداد ليس هو الشخص ذاته، وانما هو الثقافة التي ترسخت في الافراد وفي المجتمع، من خلال حكم ذلك المستبد والاساليب التي تبناها لتكريس اذهان المجتمع لتقبل الاستبداد بكل انواعه وصنوفه لدرجة ان يتطبع المجتمع ويألف الظلم والخنوع ولا يشعر بالمظلومية او حتى بالهزيمة ..!!

دعوتي لكل القراء والباحثين المخلصين والى مشايخنا الاعزاء الى قراءة هذا الكتاب قراء واعية واعتذر من تقصير مدادي عن البوح بما يحمله الكتاب من رؤى هامة ومهمة

واسأل الله تعالى ان يسدد الباحث في خطاه الصالحة والاصلاحية لبناء المجتمع الجديد الخالي من العيوب والامراض

 

علي الكندي

 

أثـر التقلبات السياسية العربية الراهـنة في السلوك الاجتماعـــي .. مقاربة سوسيـو سياسية

jamil hamdaouiيندرج موضوعنا هذا (أثر التقلبات السياسيــة العربيــة الراهــنة في السلوك الاجتماعي) ضمن علم الاجتماع السياسي، مادام يدرس أنماط السلوكيات عند الأفراد والجماعات أثناء تفاعلها مع مجتمعاتها، ولاسيما بعد التقلبات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية مع العشرية الثانية من الألفية الثالثة، أو ما يسمى بالثورات العربية أو ثورات الربيع العربي. ومن ثم، يتخذ هذا الموضوع بعدا اجتماعيا من جهة، وبعدا سياسيا من جهة أخرى.

ومن باب العلم، إذا كان علم السياسية يبدأ موضوعه بدراسة الدولة ، وكيف تمارس تأثيراتها في المجتمع، فإن علم الاجتماع السياسي يبدأ بدراسة المجتمع، وكيف يؤثر ذلك في الدولة، أو يدرس العلاقة الموجودة بين المواطنين والدولة ومؤسساتها ، أو يدرس العلاقة التي تجمع الرعية بالراعي، أو يدرس أشكال الهيمنة التي يمارسها الأفراد ضد الجماعات الإنسانية . ويعني هذا أن علم الاجتماع السياسي يدرس الظاهرة السياسية في حضن المجتمع، ويبين مختلف التأثيرات التي يمارسها المجتمع في الفعل السياسي. ثم تفسير الظواهر السياسية في ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية والحضارية...

وإذا كان علم السياسية يدرس الدولة أو السلطة السياسية1 ، فإن علم الاجتماع السياسي يبرز السياق الاجتماعي للظواهر السياسية2 . وبتعبير آخر، يدرس القضايا والمشاكل والمواضيع والعلاقات الاجتماعية المؤثرة ذات الطبيعة السياسية ، وخاصة ما يتعلق بالإيديولوجيات، وقوى الضغط، والأحزاب السياسية، والنقابات، والنخب، والانتخابات. وهنا ،يمكن الحديث أيضا عن سوسيولوجيا التصويت أو الانتخاب أوالاقتراع.

وإذا كان علم السياسة هو علم الدولة أو السلطة السياسية أو دراسة النظم السياسية، فإن علم الاجتماع السياسي هو الذي يدرس الظواهر السياسية في ضوء المجتمع، أو المجتمعات الصغيرة والكبيرة، أو في ضوء المقاربة الاجتماعية أو علم الاجتماع.

وعليه، فعلم الاجتماع السياسي هو الذي يدرس النظام السياسي أو النظم السياسية وتأثيرها في المجتمع. و" المقصود بالنظام السياسي دراسة ظاهرة القوة وتوزعها في المجتمع، سواء أكان هذا المجتمع قبيلة أم دولة قومية أم إمبراطورية أم أي نمط اجتماعي آخر، بالإضافة إلى العلاقة التي تربط بشكل مباشر بعملية تحديد هذه القوة.3 "

وعلى العموم، فعلم الاجتماع السياسي هو علم الدولة من جهة أولى، وعلم السلطة والقوة والنفوذ من جهة ثانية، وعلم النظم السياسية من جهة ثالثة.

هذا، ويدرس علم الاجتماع السياسي عدة مواضيع سياسية شائكة مؤرقة لها علاقة بالمجتمع تأثيرا وتأثرا ، مثل: موضوع القوة، وموضوع السلطة، وموضوع الدولة، وموضوع التطرف، وموضوع العنف، وموضوع الثورة، وموضوع الإرهاب، وموضوع التنشئة الاجتماعية، وموضوع العولمة، وموضوع الديمقراطية، وموضوع النخبة أو الصفوة، وموضوع المشاركة السياسية، وموضوع التنمية السياسية، وموضوع الإيديولوجيات، وموضوع جماعات الضغط، وموضوع النقابات، وموضوع الدستور، وموضوع طبيعة الحكم، وموضوع الانتخابات، وموضوع الثورات والانقلابات والاحتجاجات، وموضوع السلوك السوسيو سياسي...

وترتكز السوسيولوجيا السياسية المعاصرة على خمسة مواضيع محورية هي:

1 دراسة النشأة السوسيو سياسية للدولة المعاصرة؛

2 تحليل موضوع الهيمنة أو الحكم، والتوقف عند اللامساواة الاجتماعية الموجودة بين الطبقات، والفئات، والنخب، والأعراق، والإثنيات...، وتأثيرها في مجال السياسية؛

3 تبيان الأدوار التي تقوم بها الشخصيات العامة والحركات الاجتماعية والمنظمات في ميدان السياسية؛

4 استكشاف علاقات الهيمنة والخضوع داخل المجموعات المجتمعية؛

5 رصد الثورات السياسية وتوصيفها، مع البحث عن مدى تأثيرها في سلوك الأفراد والجماعات إيجابا أو سلبا.

وعليه، ننطلق ، في هذا البحث السوسيو سياسي، من فرضية أساسية تتمثل في العبارة التالية:

أحدثت التقلبات والثورات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية، إبان العقد الثاني من الألفية الثالثة، تأثيرا واضحا وجليا في السلوكيات المجتمعية سلبا وإيجابا.  

وبناء على هذه الفرضية المحورية، نطرح الأسئلة والإشكاليات التالية:

ما مفهوم السلوك؟ وما الفرق بين السلوك النفسي والسلوك الاجتماعي؟ وما حيثيات التقلبات السياسيــة الراهــنة في المنطقــة العربية إبان العقد الثاني من الألفية الثالثة ؟وما مدى تأثيرها في سلوكيات الأفراد والجماعات؟ وما المنهج المتبع في رصد هذا الترابط الموجود بين ماهو سياسي واجتماعي على مستوى السلوكي؟ وما أنماط السلوك الاجتماعي التي تشربها الإنسان العربي بعد ثورات الربيع العربي؟ وما أهم الانتقادات والتوجيهات والاقتراحات التي يمكن الخروج بها من خلال تناولنا لهذا الموضوع ؟

هذا ما سوف نستجليه قدر الإمكان في هذه الدراسة المسحية التي تعتمد على الملاحظة الوصفية الميدانية من جهة، والمقاربة السوسيو سياسية من جهة أخرى.

 

د. جميل حمداوي

.......................

1   محمد فايز عبد أسعيد: الأسس النظرية لعلم الاجتماع السياسي، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1988م، ص:2932.

2   مولود زايد الطبيب : علم الاجتماع السياسي، منشورات جامعة السابع من أبريل، الزاوية، ليبيا، الطبعة الأولى سنة 2007م، ص:6.

3   محمود عودة: أسس علم الاجتماع، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ص:238.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

أثـر التقلبات السياسية العربية الراهـنة في السلوك الاجتماعـــي .. مقاربة سوسيـو سياسية / د. جميل حمداوي

قراءة في كتاب: معنى حياتي للدكتور منذر الشاوي

amir hushamأتذكر جيدا ما كتبه الروائي المعروف نجيب محفوظ في رائعته "السّمان والخريف" ..:" لكنه سيصمد للمحنة، ويتألم .. ثم يحيا، وأخيرا سيجد للحياة معنى".. وهو هذا المعنى الذي يخصّص له أستاذ القانون العراقي الدكتور منذر الشاوي جهده الجهيد فيصدر قبل ما يقرب من السنتين كتابه المعنون ب "معنى حياتي" مع أهداء الى الأب الذي أعطانا الحياة، والأم التي علّمتنا الحياة. ولم يكتف بذلك بل راح المؤلف يفسّر أكثر في ضرورة أن يكتب كل منا كتاب ذكرياته، ليبحث في المعنى وراء الحياة، فتقرأ في غلاف الكتاب الأخير : " أخاطب ذاكرتي، فتخاطبني الأيام: أين أنت من حياة مضت؟ فأجيب: أنها في قلبي وكياني، ولن تزول عبر السنين والأيام. أيام تعارفت فيها وبها مع الحياة، فكانت دهشتي.".

وقد أرتأى الأستاذ المؤلف الاّ أن ينوّه في صفحة أولى في الكتاب الى " أن الحقيقة تبقى ترصد من يتخاذل عن ذكرها، كما تثير خيارا هو الموقف والمسؤولية تجاه الذات". وهكذا يأتي كتاب الذكريات لمنذر الشاوي على ما يقرب من 200 صفحة من القطع المتوسط وعلى عشرة فصول كاملة كانت قد بدأت بفصل أول تحت عنوان " نور الحياة" ولتنتهي بفصل أخير هو "أيام في حياة العراق السياسية" ليشعر القاريء بعد ذلك أن عند المؤلف الكثير مما لم يقله، فينتظر الجزء الثاني من معنى حياة أستاذ قانون، كان يوما وزيرا في الدولة العراقية للعدل والتعليم العالي، وفي فترة من تاريخ العراق عصيبة.

 

البدايات الأولى

ويفصّل الكاتب عبر سرد سلس أنيق العبارة في بدايات الحياة الأولى وسنوات الطفولة، فيأخذ القاريء معه الى رحلة جميلة في عراق العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، حيث ولد الشاوي في بيت جده لأمه في بغداد الكرخ، وليكن بعد ذلك في مدينة العشّار بالبصرة الفيحاء حيث نقل والده هناك مديرا لشرطة البصرة، ليقضي الطفل مع أخوته السنوات الثلاث في دار قريب الى القشلة وهي مقر مديرية الشرطة في المدينة. وهكذا ظلّ المؤلف ينهج في فصول كتابه النهج الحكيم، فتراه في كل فصل يهتم كل الأهتمام بالمكان وبالناس فيصف ويستذكر ويقص ويسرد ويستنتج العبر والدروس ويحاكم أحداث تاريخ مضى ليفهم معنى الحياة، ومن ذلك:

1.المكان: البصرة: "ومن يعش في البصرة لا يمكن الا أن يعشقها، لا لمناظرها فحسب، بل وأيضا وربما أكثر، لخلق أهلها وأدبهم". هذا ما يقوله نصا الكاتب منذر الشاوي.

واللقاء مع بغداد والدار الجديدة للعائلة في منطقة الصالحية، والمحلة وناسها، ودكاكينها وأصدقاء العمر والنشأة الأولى. فتقرأ في طبيعة المكان البغدادي: " وأذا عدنا الى التقاطع وأتجهنا يمينا، فأننا نكون في شارع يمتد الى الشارع العام ذي الممرين في أحدهما دار الأذاعة، وفي الآخر مدرسة المنصور الأبتدائية. وفي الركن المنتهي لهذا الشارع، يوجد بيت رستم حيدر.". ونظل في المكان، فأذا بالمدرسة التي يستذكرها المؤلف بتفصيل يحسد عليه تأخذ فصلا كاملا، فمن مدرسة باب السيف الأبتدائية الى مدرسة المنصور النموذجية، في نهايات العقد الثالث من القرن الماضي، "حيث يشاء القدر أن يجمعنا بباقة من الزملاء في مدرسة المنصور، ولا أوفى وأصدق من زمالة هذه السنين الأولى".. حتى يتذكر أحدهم من أعزائه فيقول عنه أنه : هيكل رياض رأفت .. نلتقي ونفترق عبر السنين وحكم الزمن، تلك هي الحياة في معناها ولا معناها!.". وفي أعداده الثقافي يمر الشاوي القدير على متوسطة الكرخ فيستذكر بتفصيل طبيعة الدراسة فيها ومعلميها، وكذا الأمر مع متوسطة الرصافة في بغداد والأعدادية المركزية المعروفة بمستوى معلميها الممتاز.

 

شخصيات عراقية

2. الشخصيات: وكأن المؤلف يقول لقارئه وهو يعرض بتفصيل لا يمّل وبأسهاب لا يخل، أن الأنسان في معنى من معاني الحياة عنده أنما لا يكون الاّ نتاج هذا التفاعل بين المكان وسكانه من الأقربين والأصحاب والمعلمين والأساتذة وحسب مراحل الحياة المختلفة .. لنقرأ ما يقوله الشاوي في وصفه الجميل لأحد أساتذته في المدرسة المتوسطة: " وكان معلم الرياضيات في مدرسة المنصور صالح كرجي، يهودي الديانة، في الخمسين من العمر، بدين الجسم، متوسط القامة، ذو شعر أسود مسرّح الى الخلف، كفوءا ومقتدرا في أختصاصه، وشديد التعامل معنا، فكنا نخشاه ولا نحبه في قرارة أنفسنا". ومن الشخصيات التي يكتب عنها المؤلف الشاوي ببعض من تفصيل هو الشاعر الشعبي والشخصية العراقية السياسية الصحفية المعروفة الملا عبود الكرخي. فقد جاور الكرخي دار الشاوي في بغداد، "وهكذا كان الملا عبود جارنا ومتقدما في السن.. ولا يوجد شعر على رأسه حيث كان يغطيه بسدارة من الجبن (الصوف) رمزا للوطنية، بأعتبار أن السدارة المصنوعة في أيطاليا لا تمت الى الوطنية بصلة، وللملا عبود عصا يحملها معه دائما عندما يخرج ويداعب بها من (يعجبه) من المارة".

ومن الشخصيات التي كتب عنها الشاوي مستذكرا، السياسي العراقي ناصر الحاني، والذي كان مدرسا متدرّبا في متوسطة الكرخ حينذاك في نهاية الثلاثينيات في بغداد، فيقول المؤلف منذر الشاوي: " وناصر الحاني متوسط القامة قريب الى السمار في سحنته، أسود الشعر، بطيء في مشيته، متزن في خطواته، هاديء الصوت وواثق. وسحرنا الحاني بسعة علمه بالأدب العربي وفتح أمامنا أفاقا واسعة وشجعنا كثيرا على قراءة الكتب الأدبية فتوسعت مداركنا". وتراه يستذكر صادق الملائكة (والد الشاعرة العراقية المعروفة نازك الملائكة) حيث لا ينسى الشاوي مشية الملائكة الهادئة في المدرسة وسيكارة "المزبن" التي لا تفارق شفتيه". ويستذكر أستاذ الفيزياء في الأعدادية، العراقي المعروف ناجي عبد الصاحب، فيقول عنه " وناجي عبد الصاحب ترجع أصوله الى مدينة العمارة، منفتح، معتد بنفسه على الطريقة العراقية، كفوء في مادته، ومدرس للملك فيصل الثاني، جذاب في علميته وشعبيته في آن واحد". ثم يستذكر الكاتب العراقي ذنون أيوب وهو قاص عراقي رائد، فيقول عنه" رأيته يدرّس الرياضيات في شعب أخرى من شعب السنة الثالثة في متوسطة الرصافة. كنا نهابه، بقامته الطويلة الممتلئة ووجهه الأحمر وقبعته الخضراء".

وثم كان لابد من ذكر أساتذة الجامعة في العراق وعلى رأسهم عميد كلية الحقوق التي تخرّج منها الباحث عن معنى الحياة المؤلف الأستاذ منذر الشاوي، فكان الفصل الخاص عن الكلية وأساتذتها ومناهج التدريس فيها. ولعل ما كتبه المؤلف عن الأستاذ منير القاضي عميد الكلية حينها في أواسط الأربعينيات، يعتبر الدليل على الوفاء للرعيل الأول من علماء الوطن. يقول الشاوي " والأستاذ منير القاضي درّسنا ثلاث سنوات متتالية "مجلة الأحكام العدلية"، ورغم تعقيد المجلة التي وضعت في العهد العثماني، فأن درسه الذي يلقيه دون نظر في كتاب أو ورقة، كان من أمتع الدروس عندنا، بفضل سيطرته التامة على الموضوع، وتبسيطه لنا بحيث نشعر معه وكأننا في خضم التعامل الحياتي بعيدا عن التعقيدات المصطلحية والشروح المعقدة لمجلة الأحكام العدلية".

أن كتاب "معنى حياتي" لمؤلفه الدكتور منذر الشاوي لهو رحلة ممتعة في تاريخ الوطن العراقي بمدنه وقصباته ونواحيه وناسه وشخصياته وتاريخه وتقاليده وعاداته وقيمه. وكل ذلك مما يساعد القاريء في المسعى الذي سعى أليه المؤلف وهو أن يكون ما يكتبه ممثلا للعودة " الى وجود الذات والى وعيها وحقيقتها".

 

الدكتور عامر هشام الصفّار

 

فن الإستماع الى أنين حجارة المدن التاريخية

nadheer khazrajiعندما حطت قدماي أرض المملكة المتحدة عام 1990م، كان تعلم لغة أهل البلد واحدة من اهتمامات المهاجر وأساسيات العيش في مجتمع غريبة علينا لغته وعاداته، فكانت السيدة كاتيا (Katia) هي واحدة من معلمات اللغة الانكليزية لغير الناطقين بها في كلية هارو (Harrow College)، وكانت تفتخر بأنها ألمانية أجادت اللغة الانكليزية وأصبحت مدرسة لها، وكانت تمتاز بحرصها الشديد على تلقيننا أوليات اللغة في صف دراسي فيه ألوان من الجنسيات والأعمار ما بين شاب وكهل وكنت حينها في متوسط العمر، وتحرص بين الفينة والأخرى على كسر رتابة التدريس الصفي فتخلق لنا سفرات ورحلات عمل داخل البلدة التي أسكن فيها من أجل خلق مقدمات الإختلاط بالمجتمع الإنكليزي وحملنا على التحدث مع أفراده بالقدر الممكن، وفي إحدى الممرات بشرتنا بالسفر الى المتحف المحلي لبلدة هارو (Harrow Museum) التي اسكن فيها في شمال غرب لندن، وبالطبع تبادر الى ذهني أنني سأكون أمام متحف كبير يضم مقتنيات ولقىً وآثارا تاريخية ربما تفوق ما لدى متاحفنا العربية المعرضة بين فترة وأخرى للنهب والمتاجرة، ولكن المفاجأة أننا دخلنا منزلاً كبيراً آيلا للسقوط في بعض أركانه يضم مقتنيات صناعية وزراعية وتقنية ومنزلية قديمة للغاية مع مجموعة كبيرة من الصور عن حياة سكان المدينة.

انتهت الجولة في أقل من نصف ساعة، فليس هناك ما يشدنا نحن القادمون من الشرق الأوسط الى بيت قديم ومجموعات أدوات قديمة، ولكن بلدية البلدة مهتمة كثيرة بهذا المتحف المحلي وتسوق اليه الطلبة من مستويات عمرية مختلفة للإطلاع عليه وعلى مدار العام الدراسي، وأحد أهدافها في ذلك هو تذكير الأجيال المتوالدة في هذه البلدة بما كانت عليه الحياة في القرون الماضية وبخاصة في عهد الملكة فيكتوريا (Queen Victoria) في الفترة (1837- 1901م) وطبيعة الحياة التي كان يعيشها الأجداد.

مرَّ ربع قرن على أول زيارة للمتحف المحلي لبلدتنا هارو، ومازلت أتذكره كلما مررت في مدننا المقدسة في العراق وأنا أشاهد معول الهدم يطال معالم المدينة القديمة تحت طائلة توسعة المدينة، وكم وددت أن تعمل الحكومة المحلية في كل مدينة على بناء متحف محلي ليس أقل يجمع تراث هذه المدينة المقدسة أو تلك، قلتها من قبل وأكررها، لعل هناك من يحن على تراث بلدته، وربما يكون المسؤول بحاجة الى زيارة المتحف المحلي لبلدة هارو ليدرك أن البلدية لا تفرط بتاريخ المدينة وتحافظ على بيت قديم بمعدات عتيقة لأنه من بقايا عهد بعيد يحمل هويتها.

وكلما قرأت كتاباً أو دراسة عن مراقد الأئمة والأولياء والصالحين المتوزعة في تخوم الأرض وأطرافها، أتذكر تلك المعاول ومتمنيا في الوقت نفسه أن يتم جمع بقايا آثار المدينة في مكان مشهود للقاصي والداني يتذكر به الماضي القريب ويستذكر الأجداد ومساكنهم وأطلالهم، ولا يخلو الأمر من غيور وإن علا صراخ الحجارة العتيقة في بلدتنا القديمة.

وبين يدي الجزء الثامن من (تاريخ المراقد الحسين وأهل بيته وأنصاره) من تأليف المحقق الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 398 صفحة من القطع الوزيري، وهو وإن يسمعنا بين ثنايا الكتاب بعض أنين المدن القديمة، ولكنه يبشرنا في الوقت نفسه بإعمار هنا وإعمار هناك لآثار الإسلام مدعومة بعشرات الصور يبقي الأمة مشدودة الى عظمائها، وهو في طي الحديث عن مراقد ومقامات الذين اشتركوا في واقعة عاشوراء عام 61 للهجرة وما بعدها من رجال ونساء وأطفال تركوا أثراً هنا أو هناك.

 

متابع صبور

تعهد المحقق الكرباسي منذ أن أرسى قواعد موسوعته الفريدة (دائرة المعارف الحسينية) عام 1987م أن يتابع كل ما يقع تحت يده من مراقد ومقامات وآثار على علاقة قريبة أو بعيدة بواقعة كربلاء، ولا يتوقف مركب البحث والتنقيب عند المصادر القديمة والمراجع الرصينة، فالعجلة متحركة تجاوزت في هذا الجزء والأجزاء الأخرى حاجز ما بين الجلدين والطيتين الى النزول الى الساحة ميدانيا والوقوف عند هذا المرقد وذاك المقام وملاحظة تطور العمارة الإسلامية منذ بروز شاخصه وحتى اليوم، وهي متابعة قلّ نظيرها في مثليات كتاب (تاريخ المراقد) الذي يعد أحد الأبواب الستين للموسوعة الحسينية، فمرة يحمل المؤلف نفسه الى حيث المرقد أو المقام أو الأثر الحسيني كما وقوفه بنفسه على مرقد إبراهيم بن مالك الأشتر ومتابعة أحواله قبل أن يتعرض للهدم أثناء الاحتلال الاميركي للعراق في الفترة (2003- 2011م) وأثناءه وبعده والسعي الحثيث لإعادة بنائه، أو أن يبعث بأحد المتعاونين معه في دائرة المعارف الحسينية، كما في مرقد خديجة بنت علي(ع) في الكوفة حيث فوضني للذهاب إليه والوقوف عليه ميدانيا وتثبيت ما رشيح من معلومات على الأرض في طي الكتاب.

فالحركة الميدانية في باب المراقد وفي غيره من الأبواب حسبما يتطلب العمل، أمر ألزم به المؤلف نفسه مهما كلفه ذلك، فليس من أهدافه التأليف المجرد عن التحقيق، وإلا فبإمكانه أن يكتب وهو في قلعة المواجهة مع الزمن والأقدار من أجل إنهاء هذه الموسوعة الكبيرة التي لا يبدو أنَّ لها قرارا وقاعاً.

قد يعتقد البضع من الناس أن التنقل الميداني بين الأضرحة والمقامات، يسهل على الكاتب تدبيج ما يريد تدبيجه، ولكن التجربة التي مرّ بها المحقق الكرباسي تكشف العكس، لأنه على خلاف الزائرين ينظر الى المرقد أو المقام بعيون أخرى لا يراها الإنسان العادي، وهذا ما يحمله مسؤولية أكبر في التقاط كل جزئية في جدار هذا المرقد أو أرضية ذاك المقام، وهو بذلك يوفر خزينا معرفيا لا يعوض، بخاصة إذا كان المرقد عرضة لعاديات الزمان وتقلباته، كما هو حال مراقد أهل البيت عليهم السلام التي تتعرض بين الفينة والأخرى إلى الخراب بمعاول القالين وجهل الغالين ونيران الحكومات الظالمة.

ومن خلال متابعة أجزاء باب تاريخ المراقد، سيكتشف المرء أن المؤلف في كل جزء يستدرك ما فاته من معلومات بانت له مؤخرا، ويستدرك ما استجد من جديد على المرقد الحسيني أو المراقد ذات العلاقة بالنهضة الحسينية، وهذه الميزة التي يتصف بها المحقق الكرباسي نلمسها في أبواب أخرى، وهي في واقعها تقدم درساً لكل باحث ومحقق بأن تكون المعلومة هي مبتغاه حتى لو جاءت متأخرة رغم بحثه وتنقيبه عنها فيما مضى، فيذكرها في أقرب جزء، لأنَّ المعلومة الجديدة هي في واقعها تحفة راقية لا يمكن طمرها أو قبرها وينبغي عرضها وتثبيتها، بخاصة وقد أصبحت أسيرة الكاتب وفي متناول قلمه وعليه أن يطلق سراحها لتكون متداولة بين الناس، ومن يتغافل عن نشر معلومة تحصّل عليها بعد صدور كتابه المعني، إنما يرتكب خطيئة ويساهم في ضياعها، وليس هذا من شأن الباحث المحقق، وتعظم المسؤولية عندما يكون مثل هذا الباحث على رأس موسوعة معرفية كبرى يعود إليها الباحث والمحقق وطالب العلم والقارئ البسيط، ومن خلال تعاملي اليومي مع المحقق الكرباسي، على رغم مشاغله الكثيرة في التأليف إلى جانب أداء وظائفه الدينية والإجتماعية، فإنه لا يتوانى عن الأخذ بالمعلومة ودسها في في أقرب جزء.

كما إن التجديدات والتعميرات في المراقد ذات الشأن بالموسوعة تفرض على الكرباسي الذي تبنى هذه المسؤولية العظيمة بكل جدارة متابعة آخر التطورات وتوثيقها وتصويرها، وهذا ما نلاحظه في الأجزاء الثمانية التي صدرت حتى الآن من باب المراقد.

 

دقائق الأمور

ولأن المراقد ذات الشأن كثيرة ومتوزعة على مساحات كبيرة بين العراق وسوريا وفلسطين ومصر والحجاز، فإن المؤلف أخذ على عاتقه تناوله وفق نظام الحروف الهجائية، وقد انتهى في الجزء السابع الى حرف الراء وهو يستعرض مشاهد رأس الحسين عليه السلام في دمشق وعسقلان والقاهرة والعراق، وفي الجزء الثامن يواصل الكرباسي مع حرف الراء بيان (رؤوس الشهداء) ومشهدهم في دمشق حيث قيل أن فيها ستة عشر رأسا لشباب أهل البيت(ع) احتزها الجيش الأموي في معركة كربلاء ورفعت على السنان من كربلاء حتى دمشق ودفنت عند عودة الركب الحسيني الى المدينة المنورة في مقبرة الباب الصغير بدمشق، وقيل أنها مقبرة تضم رؤوس ثلاثة من شهداء كربلاء على قول بعض المصادر وهم: العباس بن علي(ع) وعلي الأكبر بن الحسين(ع) وحبيب بن مظاهر الأسدي، وأيا كان العدد فإنها معروفة منذ زمن سحيق تابع المحقق الكرباسي مراحل تطور المقبرة منذ القرن السابع الهجري حتى يومنا هذا وقد أخذ من الكتاب 41 صفحة بشروحاتها وصورها، وكان بود المؤلف تقديم شروحات ميدانية أكثر لكن الظروف الأمنية التي تعصف بسوريا منذ عام 2011م حالت دون ذلك، متمنيا أن يستدرك ذلك حالما تتوفر الظروف الأمنية المناسبة.

وبالقرب من الجامع الكبير في دمشق المعروف بالجامع الاموي يقع قبر الطفلة رقية بنت الحسين(ع) وعند بعض المصادر أن القبر يعود لرقية بنت الإمام علي(ع)، لكن الكرباسي من خلال تحقيقاته ينفي رحيل الثانية في دمشق، فالإمام علي(ع) له بنتان بإسم رقية واحدة الكبرى (13- 45) ولدت وماتت في المدينة المنورة، والثانية رقية الصغرى (24- ب 61هـ) وهي الأخرى ولدت وماتت في المدينة المنورة، وقد استغرق الحديث المصور من الكتاب 108 صفحات.

وكما استدرك المؤلف في بداية الكتاب على مرقد إبراهيم بن مالك الأشتر بالقرب من مدينة سامراء العراقية والمشهد الحسيني في القاهرة وحبيب بن مظاهر الأسدي داخل العتبة الحسينية ومرقد الحر الرياحي غرب كربلاء، والمرقد الحسيني الشريف نفسه فإنَّه استدرك في نهاية الكتابة في نحو 40 صفحة لتناول مراقد: الحسن المثنى، حبوة (أم إسحاق) بنت طلحة التيمية، أم خديجة الهاشمية، أم شعيب المخزومية، أم فاطمة الهاشمية، أم كلثوم الصغرى بنت عبد الله الهاشمية، بحرية بنت مسعود الخزرجية، برّة بنت النوشجان الفارسية، جمانة بنت أبي طالب الهاشمية، حبيبة الحبشية، حسنية (أم منجح)، حميدة بنت مسلم الهاشمية، خديجة بنت علي الهاشمية، الرباب بنت امرئ القيس الكلبية، رقية الصغرى بنت علي الهاشمية، رملة الكبرى بنت علي الهاشمية، رملة (أم القاسم) الرومية، ومرقد روضة المدنيّة.

وأخذ استدراك المؤلف على المرقد الحسيني الشريف 71 صفحة من الكتاب تابع فيه المحقق الكرباسي في جانب منه تصنيع الشباك الجديد للمرقد الحسيني في قم المقدسة تحت إشراف العلامة السيد جواد الشهرستاني ونصبه في احتفال رسمي وجماهيري يوم الثلاثاء 22/4/1434هـ (5/3/2013م) بعد إزالة الشباك الفضي القديم الذي يعود بدء تصنيعه لعام 1355هـ (1936م) وجئ به من الهند تحت إشراف المسلمين البهرة ونصب عام 1358هـ (1939م) في احتفال رسمي وجماهيري بحضور زعيم البهرة السلطان طاهر سيف الدين.

ومع الإقرار بجمالية الشباك الجديد للمرقد الحسيني الشريف التي تعكس عظمة الفن الإسلامي، ولكن وودت لو أن حجمه أقل من الذي عليه الآن، فالشباك القديم كانت مساحته الكلية 25,65 متراً في حين أن الشباك الجديد مساحته الكلية 33,86 متراً، أي أنه أخذ ثمان أمتار من مساحة الروضة الحسينية التي هي بالأصل قليلة مما ساعد في خلق التكورات والأمواج البشرية عند الزيارات الكبيرة، وقد لمست ذلك في الزيارة الأربعينية لشهر صفر 1436هـ (2015م) حيث كدت أختنق من الزحمة الشديدة وضيق النفس وذلك لتقلص المسافة بين ضلع الشباك وركن الروضة من الجانب الأيسر للداخل من باب القبلة، وهذا الأمر حمل العتبة الحسينية على البدء بزيادة مساحة الروضة عبر تقليص أعمدة البناء، وكان بالإمكان نصب شباك أصغر حجما حتى من الشباك القديم وذلك من اجل خلق انسيابية في حركة الزائرين حتى دون الحاجة الى تقليص أركان الروضة المقدسة.

ومن جماليات تاريخ المراقد في هذا الجزء والأجزاء الماضية أن المؤلف تناول فيها بالتفاصيل كل جزئيات البناء من آيات وأحاديث وأدعية وأشعار وإرجاعها الى مصادرها، وهذا بحد ذاته جهد استثنائي يظهر رغبة المؤلف في تفكيك المتداخل من النصوص والمتون التي صيغت بخطوط متناسقة تظهر جمالية عالية الدقة.

هذه الجمالية تحسسها الإعلامي الإسباني ريكاردو كاريو (Ricardo Carrio) وهو يقدم للجزء الثامن من تاريخ المراقد، فكتب يقول وباللغة الإسبانية: (ما يمتاز به المسلمون، أن لهم مراقدهم ومقاماتهم التي يقيمونها على جثامين المقدسين من أنبياء وأئمة وأولياء صالحين، وهذه المراقد والمقامات الى جانب المساجد تمثل أماكن مقدسة يلجأ اليها المسلمون وفيها يتعبدون لله، ويحرص المسلمون أشد الحرص على تعمير هذه المراقد والاهتمام بها وهي جزء من تقديم الولاء والاحترام لهذه الشخصية أو تلك لدورها في حياة الاسلام والمسلمين).

وأكد ريكاردو كاريو المسيحي المعتقد أن ما: (يبهرني في هذا المجال ما أشاهده من احترام المسلمين لمرقد سبط نبي الإسلام محمد الإمام الحسين بن علي وزيارتهم المليونية كل عام الى كربلاء يستمدون من صاحب القبر والمرقد العزيمة، فهو قد استشهد من أجل الكلمة الحقة ومن أجل سعادة الناس، وتمثل شهادته معلماً بارزاً من معالم الدين الإسلامي الذي أتى به جدُّه في جزيرة العرب).

ونوّه الإعلامي الإسباني الى انه: (قد ثبت بالتجربة أن الشعب الذي يوثق ويؤرخ لتراثه القديم والحديث هو شعب حي يملك طاقات خلاّقة، وعندما اطلعت على الموسوعة الحسينية للعالم النحرير الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي علمت أن تاريخ الاسلام والمسلمين سيبقى خالدا، فقد قام بتوثيق النهضة الحسينية والتحقيق فيها بشكل علمي وأكاديمي جاد، وقد أعجبني باب تاريخ المراقد وهو من أبواب دائرة المعارف الحسينية الستين، لأن المؤلف تتبع تاريخ مرقد الامام الحسين من أول استشهاده وحتى اليوم إلى جانب ملاحظة مراقد ومقامات أصحابه وأهل بيته الذين كانوا في معركة كربلاء أو أسروا وهي المتوزعة في البلدان مثل العراق وسوريا ولبنان ومصر).

وعبّر ريكاردوك كاريو عن قناعته: (إن الذي يُكتب عنه موسوعة بهذا الكم والحجم لابد وأن يكون عظيماً ولا تتوقف آثاره الطيبة على مريديه ومواليه، بل تنتشر الى غير المسلمين، لأن الامام الحسين رفع لواء الحرية من أجل سعادة الإنسان، وهذا اللواء يرغب كل إنسان الدفاع والنضال تحت لوائه من مسلم أو غيره، كما تكشف موسوعة دائرة المعارف الحسينية عن عظمة شخصية مؤلفها الذي فرّغ كل وقته وما يملك من أجل إنجاز هذا المشروع الموسوعي العملاق الذي بالتأكيد سينفع الإنسانية ولا يكون حكراً على المريدين والمسلمين فحسب).

وهذه حقيقة ساطعة كالشمس في رابعة النهار، فالبشرية تتوق إالى الحرية وتنشد الخلاص، وتلتف حول الراية التي تأخذ بأيديها إلى واحة السلام.

 

د. نضير الخزرجي

 

جدلية العنف والتسامح .. قراءة في المشروع الإصلاحي لماجد الغرباوي كتاب جديد للدكتور صالح الرزوق

1-salih2عن دار نينوى بدمشق صدر حديثا للدكتور صالح الرزوق كتاب بعنوان: (جدلية العنف والتسامح: قراءة في المشروع الإصلاحي لماجد الغرباوي) في 128ص من الحجم الوسط.

 

والكتاب ليس تحليلا لمشروع الغرباوي فقط بمقدار ما هو ميتا نص. بمعنى أن كتابات الغرباوي شكّلت الإطار النظري لمشكلة التنوير والنهضة في الإسلام العربي مع مقارنات من تراث رواد تفكيك الخطاب، ابتداء من هشام الشرابي وألبرت حوراني وانتهاء بطيب تيزيني وجمعة المهدي الغزاني.

اهم محاور الكتاب: الاستبداد العربي، الجهاد في الإسلام، مشروع تحرير المرأة. وهذا افترض أيضا المرور على نظريات التشيع العربي والفارسي وثورة المشروطة في العراق وإيران ودعاة وضع دستور للبلاد وتشكل حزب الإخوان المسلمين ودور سيد قطب في قيادة جناحه العسكري مع أنه في غياهب السجون.

يبني الكتاب أطروحته، مثل ماجد الغرباوي، على فكرة مفادها أن أئمة التنوير والنهضة كانوا محددين بجملة اعتبارات فرضها واقع الدولة العثمانية والدور المركزي لروحانيات الإسلام أو نص القانون الديني في المجتمع. وكلما اقترب العقل من جانب النص زادت صعوبات التخلص من التراث الأسطوري والخرافة وسقطات الأفكار الشعبية التي تحمل زادا لا نهاية له من التجهيل والأمية والاتكال على الفانتازيا. إلى أن أصبح العنف هو القانون الجديد في الإسلام المعاصر.

وترتب على ذلك خنق الروح الأصيلة للإسلام المعروف بالتسامح والتبشير بالمعرفة ونصر الضعفاء.

يقدم الكتاب في النهاية بيبلوغرافيا لأهم أعمال ماجد الغرباوي كمفكر إسلامي يعيش في المنفى.

1-salih 

جاء في مقدمة الكتاب:

لا يمكنني أن أنكر أن كتابات ماجد الغرباوي لها علاقة بالتشريعات والقوانين الإسلامية. ولكنه أساسا مفكر إصلاحي يهتم بما يفيد المجتمع.

وتركيزه على مبدأ المجتمع المدني يدل على ضعف إحساسه بالدولة كجهاز استبداد ورقابة وعلى ترجيحه لمبدأ الحوار وإطلاق الحريات العامة والخاصة. وضرورة تبني علاقات نسبية لا تسيء للدولة من خلال تحجيم دور ما هو ليس من خصوصياتها.

لقد أراد الغرباوي في كل أعماله أن يكون منفتحا على المجال الإنساني للبشرية. ولا يمكن لإنسان أن ينجز ويتطور وهو تحت رقابة صارمة ومجموعة من الأوامر والنواهي.

وميزة الإسلام، مع أنه دين موحد، يدين بالطاعة لجوهر الذات الإلهية الواحدة (الفرد الصمد) أنه أيضا تعبير لتصورات اجتماعية. تسمح للإنسان بالبحث عن ذاته كمفرد وكعضو في جماعة.

 

صدور عدد جديد من مجلة دراسات البصرة

adnan almshamshصدر العدد العشرون من مجلة دراسات البصرة السنة العاشرة ٢٠١٥ وهي مجلة علمية محكمة نصف سنوية تصدر عن مركز دراسات الخليج العربي التابع لجامعة البصرة ومن بين مواضيع العدد:

دراسة تاثير الانواء الجوية على مياه شط العرب للدكتور عبد الحليم علي المحيي وفقهاء البصره الشسخ عبد الهادي الفضلي أنموذجا دراسة في اثاره

للاستاذ علي مهدي نور و

الشعر المهجري المعاصر قصي عسكر انموذجا

للباحة الناقدة الدكتورة هدى سلامة الصحناوي

وسوف نستعرض في الأسطر التالية الموضوع الثالث الخاص بالدكتورة هدى صحناوي الذي تناولت فيه الشاعر البصري المهاجر قُصي الشيخ عسكر ووضعت عنوانا لبحثها هو " الشعر المهجري المعاصر قُصي عسكر انموذجا"حيث توزع الموضوع على مائة وخمسين صفحة تقريبا اي من الصفحة ٩٦ الى ١٤٣.

تبدأ الدكتورة صحناوي بحثها بتعريف الادب المهجري فترى ان المهجر يمكن ان يعرف بكونه " الوطن البديل" وفق العرف الشائع ثم بينت الدكتورة صحناوي سبب اختيار الشاعر قُصي الشيخ عسكر فذكرت عدة أمور منها ان الشاعر عاش فترة طويلة في سورية واهتم بشعره وأدبه بعض النقاد والأكاديميين السوريين مثل أستاذه الدكتور اسعد علي كذلك نجد الشاعر نفسه اصدر ثلاث مجموعات شعرية خلال وجوده في سوريا والاهم من كل ذلك ان شعر الشاعر المهجري يتميز ببعده وقوة سبكه وعمق غوره وصوره الجديدة حيث تذكر " ومن نافلة القول ان نذكر ان هناك ندوة عقدت في القاهرة تطرق فيها عدد من المساهمين الأكاديميين الى أدب المهجر وطرحوا فكرة إيجاد تسمية جديدة لأدب المهجر المعاصر وذكروا ان عدد الشعراء العرب الذين يعيشون خارج بلدانهم لا يقل الان عن ٧٥٠٠ شاعرا وشاعرة ، ففي تلك الندوة حدد الدكتور يوسف نوفل الاستاذ في جامعة عين شمس أدب المهجر بثلاث مراحل الاولى وقد بدأت عام ١٨٦٠ ومثلتها الرابطة القلمية في أمريكا الشمالية ، والعصبة الأندلسية في القارة الامريكية الجنوبية والثانية عام ١٩٤٨ اما المرحلة الثالثة فهي الحالية وياتي في مقدمة شعرائها الشاعر قُصي الشيخ عسكر الذي يعيش في الدنمارك"

وترى الدكتورة صحناوي ان المرحلة الوسطى لا ضرورة لها لانها لم تقدم شيئا جديدا والامر يقتصر على مرحلتين مرحلة جبران والمرحلة الحالية واهم مايميز تلك المرحلة مرحلة جبران ان الشاعر عبر عن حنينه وشوقه الى بلده فرأى فيه اجمل بلد في العالم وتحدث عن طبيعته ومياهه وحسن نسائه وشجاعة رجاله لكن الامر اختلف الان في هذه المرحلة فلم يتعامل الشاعر المهجري مع الوطن الام بكونه مرحلة مكانية ولم يعد البلد الجديد وطنا بديلا لان العالم اصبح بسبب التقدم العلمي والمخترعات الحديثة قرية صغيرة فمعظم شعراء المرحلة الاولى لم يندمجوا بالمجتمعات الجديدة والكثيرون منهم لم يتعلموا لغة ثانية اما الامر فقد اختلف تماما عما كان عليه من قبل.

لقد اتبعت الشاعرة وفق ماتذكر مناهج عديدة لتحقيق هذه الدراسة لتخرج لنا ببعدها العلمي وهي:

المنهج المقارن مقارنة النصوص بعضها مع الاخر.

المنهج الاستقرائي معاينة النصوص كلها معاينة دقيقة من عدة وجوه.

المنهج التاريخي أصول النصوص المعرفية والحوادث التي سببتها.

ونطالع في نهاية البحث رأي لجنة التحكيم او رأي المجلة التي قيمّت البحث بالكلمة التالية :

ان الباحثة الدكتورة صحناوي لم تال جهدا في إظهار عبقرية هذا الشاعر الفذ ببحثها هذا ،معززة اراءها بالاستدلال المنطقي والعلمي من نماذج مختارة من شعره ،خصوصا المهجري منه او شعر الاغتراب كما نوه الشاعر عسكر نفسه.

عدا هذا فان العدد من المجلة نصف السنوية التي يصدرها مركز دراسات البصرة التابع لجامعة البصرة جاء حافلا بالبحوث القيمة التي كتبها خيرة الأكاديميين في جامعة البصرة في الحقول الأدبية والعلمية والاجتماعية المختلفة

 

التنومة / شط العرب

عدنان المشيمش

واقبل الخريف مبكرا هذا العام

adnan almshamshصدر عن دار شمس في القاهرة رواية "وأقبل الخريف مبكرا هذا العام" للكاتب العراقي المهجري قصي الشيخ عسكر. الرواية تتحدث عن شاب مغترب يحاول أن يندمج بالمجتمع الدنماركي فيحصل على عمل في شقة شخص مريض

عندما يدخل الشقة ويطل من الشباك يقع بصره على مقبرة "الاستر بورت" التي يمر بها كل يوم على دراجته في طريقه إلى المدرسة لكنه لايلتفت إليها أما الآن فيرى العلم الأمريكي واضحا عن يمين المقبرة والعلم السوفيتي ثم يعرف بعدئذ حين يستطلع المكان أن سفارتي كل من بريطانيا وإسبانيا تحيطان بها من الجانب الجنوبي .. المقبرة السلحفاة... المدرعة.. المكان ليس من عالم الخيال بل هو حقيقي في كوبنهاغن والبطل نفسه يستغرب كونه لم يكتشفه من قبل حين كان يمر به كل يوم.... بلاشك أنه رأى العلم الأمريكي أو الروسي غير أنه رآهما مثل بقية الأشياء التي لاتلفت النظر.. بطل الرواية وبطلة شابة دنماركية الحفيدة والعجوزالذي سوف يدفن في المقبرة. إن هناك من يحاول أن يعاند الزمن ويتحدى العمر ويستلهم الخيال والأثر العربي في مدينة كوبنهاغن.أيضا مدينة الألعاب الشهيرة التي بناها القنصل الدنماركي في القرن التاسع عشر بعد أن عاد إلى كوبنهاغن ليظل يعايش أجواء الشرق. هذه المشاهد والمشاعر يمكن أن تختفي بضغطة واحدة على الزر من قبل بريجينيف أو رينالد ريغن و في هذا الإطار تدور تتحدد علاقات البطل وأمانيه وآماله سواء علاقته مع مخدومه المريض او مع حفيدته.. لاسيما أن الجانب الواقعي في الرواية لم يتحدد بالبطل والمقبرة المدرعة بل في شخصية العجوز المريض الذي يجد نفسه زمن الاحتلال النازي للدنمارك ينخرط في المقاومة من دون وعي..كان يسكن في في مزرعة في إحدى ضواحي كوبنهاغن فيسمع صوت اصطدام وإذا به أمام طائرة أمريكية هبطت هبوطا اضطراريا في المزرعة وعلى متنها بعض الملاحين الذين كانوا يظنون أنهم هبطوا في السويد البلد المحايد.

837-QUSAIكيف يتم تهريبهم من الدنمارك إلى السويد؟

الكاتب صرح لدار شمس إنه حصل من عائلة العجوزالدنماركي المتوفى على صورة للطيارين وكتاب شكر من الرئيس الأمريكي لكنه لم يجد ضرورة لتوثيق الرواية بمثل هذه الوثائق لأن روايته ليست توثيقية بقدر ماهي استلهام للواقع بشكل نص أدبي روائي ذي تدفُقٍ متناغم وتقنية ذات إمكانات فنية عالية.

لعلنا لانبالغ إذا قلنا إن الرواية عزفت سمفونية الحرب الباردة بين مقبرة " الاستر بورت" ومدينة الالعاب عبر شقة رجل عجوز من مخلفات الحرب العالمية الثانية ينتظر الموت!

عن الرواية تقول الناقدة السورية الكبيرة الدكتورة هدى صحناوي:

 

يـُعـَدُ قصي الشيخ عسكر معلما بارزا من معالم الأدب العربي المعاصر من حيث العموم والأدب العربي المهجري بصفة خاصة.لقد كشف الباحث المصري المعروف والأكاديمي الناقد الدكتور يوسف نوفل للقاريء العربي عن حركة شعرية مهجرية معاصرة فألف في ذلك معجما مهما عن شعراء المهجر، ووجدته يشير في أكثر من مناسبة ومقابلة إلى المرحلة المهجرية الحالية فيضع قصي الشيخ عسكر في مقدمة شعرائها الأمر الذي دعاني إلى تأليف كتاب عن هذا الشاعر درست فيه مجموعته الشعرية " رحلة الشمس والقمر" وأشرت إلى أنه يعد بحق رائدا للشعر المهجري المعاصر.

لكن قصي الشيخ عسكر وإن عُرِف شاعرا إلا أنه في الوقت نفسه قاص متمكن وروائي فذ استطاع أن يؤسس عن دربة واقتدار فنا روائيا مهجريا اغترابيا سواء في في حقل الخيال العلمي أو المهجري الاغترابي والحجة فيما نقول روايته التي بين أيدينا التي نشعر في أثناء قراءتها أننا نسمع كلماتها عبر البصر فكأنما هي قطعة موسيقية عذبة أو سمفونية معبرة توفرت فيها كل مقومات الإبداع الفني فليس قليلا على هذا الشاعر والأديب أن يحمل لقب " رائد الأدب المهجري المعاصر" وإنه به لجدير.

ويقول الكاتب قصي الشيخ عسكر ضمن ملحق أو إشارة جاءت في نهاية الرواية:

من الأمور المهمة التي وددت الإشارة إليها قضية اللقب الموجود تحت اسمي" رائد الأدب المهجري المعاصر" ذلك اللقب الذي منحني إياه الإخوه النقاد والمهتمون بشؤون الأدب في كل من مصر وسورية وأول من لفت الأنظار إلى هذه المسألة هو الناقد المصري والأكاديمي الشهير الدكتور يوسف نوفل الذي تحدث في ندوة عن الشعر المهجري المعاصر وعدني على رأس الموجة الثالثة المعاصرة في بلاد المهجر تلك الموجة التي لم تحظ بالشهرة الكافية التي حظيت بها الموجة الأولى التي بدأت بجهود جبران خليل جبران وكرر الدكتور نوفل ذلك في مقابلة أجراها معه خالد البيومي لجريدة الراية القطرية حيث قال إن موسوعته الشعرية عن أدب المهجر أزاحت الستار عن حركة جديدة للشعر المهجري لايعرفها أحد وذكر اسمي في طليعة شعراء أدباء المهجر ثم نشر مقالا في جريدة الاهرام بعنوان" أدباؤنا العرب سفراؤنا في الخارج" عدني فيه واحدا من سفراء الثقافة العربية المنتشرين في بقاع الأرض، وكررت قوله جريدة " مؤسسة جذور الثقافية أيضا" وصحف أخرى غيرها،وورد الأمر على لسان آخرين.

إن تكرار الدكتور نوفل لاسمي في أكثر من مقابلة دفع بجريدة الثورة السورية أن تضع عنوانا لمقابلة أجراها معي السيد هاني الخير هو " قصي الشيخ عسكر وريادة أدب المهجر" ثم تحدثت معي أستاذة الأدب العربي في جامعة دمشق الدكتورة الفاضلة هدى صحناوي عن أنها ألفت كتابا أكاديميا عني تذكر فيه ريادتي لأدب المهجر الحالي وإن الكتاب قيد الطبع لكني حين أذكر الجانب الإيجابي سواء في سورية أم العراق فلا بد لي من أن أذكر أيضا الجوانب السلبية والمؤسسات التي حاولت أن تخفي كل ماهو جميل وجدير بالنشر مثل مؤسسة اتحاد الكتاب العرب التي لم تكن لترغب في النشر لي وقد وضعت أشبه بقرار منع أو فيتو عن نشر أعمالي لا لسبب إلا لكون المسؤولين عنها لايدعمون إلا من يتودد إليهم وهي عادة اشتهر بها وتربى عليها بعض ضعاف النفوس فأصبحت نهجا لكثير من المؤسسات في بلادنا العربية ومنها إضافة إلى اتحاد الكتاب العرب في سورية المؤسسات الثقافية العراقية التي نشهد أنها تعيش حالا من التقوقع بين الحزبيات الضيقة والنعرات الطائفية والعشائرية ذلك المرض الذي فاحت رائحته علنا واستعصى على أي علاج. .

أما عن هذه الرواية فأود القول إني كتبتها منذ عام 1986 غير أني لم أنشرها في حينها لأسباب خارجة عن إرادتي. إن هناك حوادث واقعية غير اني لم ألتزم بالواقع كما كان أو كما هو لأن التزام الكاتب بالواقع مثلما حدث يخرج النص من كونه نصا أدبيا ويدرجه ضمن التاريخ والكاتب ليس بمؤرخ لكنه يستلهم التاريخ في صياغة نصه الأدبي.

 

الناشر / عدنان المشيمش

أصدقاء بوشكين

استلمت هدية جميلة ورائعة من زملاء الدراسة بجامعة موسكو في ستينيات القرن الماضي، وهي عبارة عن كتاب روسي عنوانه – (اصدقاء بوشكين) من تأليف فيكتور فلاديميروفتش كونين (والذي كتب في الصفحة الرابعة داخل الكتاب اسمه وأشار الى ان الكتاب من اعداده وتهميشه ليس الا انطلاقا من تواضع العلماء طبعا). الجزء الاول من الكتاب يقع في 639 صفحة من القطع المتوسط، والجزء الثاني يقع في 639 صفحة ايضا من نفس القطع (ويا لها من مصادفة غريبة ! اذ لا اظن انها جاءت متعمدة)، وكلاهما صادران في موسكو عام 1986 عن دار نشر(برافدا).

يتناول هذا الكتاب ثلاثين صديقا لبوشكين، ويتحدث عن علاقة الشاعرمعهم، ويستند الباحث الى الرسائل المتبادلة بينهم والى قصائد محددة كتبها بوشكين حولهم والى مصادر عديدة اخرى من كتب ومجلات وصحف ومذكرات اناس عاصروا تلك الفترة ...الخ من المراجع المتنوعة الاخرى. انه كتاب فريد من نوعه فعلا، وهو - حسب فكرته وصياغته الفنية هذه ومضمونه - يجسٌد بحثا علميا محددا ودقيقا ومبتكرا واصيلا وجميلا بكل معنى هذه الكلمات، وذلك لأنه يعتمد على وثائق مدٌونة - وليس خواطر وتأملات – حول بوشكين، شاعر روسيا الاول عبر كل العصور، ويستخلص الباحث منها استنتاجاته العلمية الدقيقة . كم اتمنى ان أجد يوما - ما بالعربية كتبا مماثلة لهذا الكتاب تحمل عناوين مثل – أصدقاء أحمد شوقي // أصدقاء الجواهري // أصدقاء السياب // أصدقاء نزار قباني ... الخ، اذ ان ذلك سيعني اضافة نوعية ومعمقة لدراسة ادبنا وفكرنا .

يثبٌت المؤلف في الصفحة الاولى من كتابه مقطعا من قصيدة بوشكين وهو- ...أصدقائي وموهبتي ....

هم سلوتي...

وهو اختيار دقيق وطريف حقا، اذ ان القارئ يكتشف – بعد الاطلاع على الكتاب طبعا – ذلك الدور الكبير لاصدقاء بوشكين في مسيرة حياته وانعكاس تلك العلاقات الواسعة على ابداعه .

لا يمكن بالطبع لهذه المقالة ان تعرض هذا العدد الكبير من اصدقاء بوشكين، ولكننا نود ان نتوقف عند البعض منهم ليس الا . يبتدأ الكتاب بعرض اصدقاء الصبا والمدرسة والاقارب طبعا، ويتوقف اولا عند عم بوشكين وهو فاسيلي لفوفيتش بوشكين (1766-1830) والذي كان شاعرا معروفا في زمانه، وعلى الرغم من الفارق الكبير في العمر بينهما (هو أكبر من بوشكين بثلاث وثلاثين سنة)، الا ان تأثيره على شاعرية بوشكين كانت كبيرة جدا بشهادة كل نقاد ومؤرخي الادب الروسي، لهذا يرى الباحث انه أوٌل الاصدقاء . يتوقف الباحث بعدئذ عند اخت الشاعر التي كانت أكبر منه بسنتين واسمها اولغا، والتي كتب لها بوشكين قصيدة طويلة عندما كان عمره 15 سنة ليس الا بعنوان (الى اختي) يتناول فيها بشكل جميل كل ذكرياتهما، وقد بدأت واضحة في تلك القصيدة خصائص بوشكين الشعرية من بساطة التعبير ورشاقة الكلمات وصولا الى (السهل الممتنع)، هذا الاسلوب البوشكيني الجميل . هناك شخص آخر من عائلة بوشكين يدخل ضمن الاصدقاء وهو أخ بوشكين الاصغر منه واسمه ليف سيرغييفتش بوشكين، الذي ولد بعد ست سنوات من ولادة الشاعر . لقد كان بوشكين يكتب لأخيه رسائل صريحة وتفصيلية عن كل شئ يخطر في عقله وقلبه وروحه من افكار وأحداث لدرجة، ان بعض الباحثين في أدب بوشكين يؤكدون ان هذه الرسائل هي المصدر الاول في دراسة ابداع بوشكين وتحليله، وكان بوشكين يعرف بالطبع أهمية تلك المراسلات، لهذا أوصى زوجته ان تعطيها لابنه الاكبر عندما يبلغ عمره 18 سنة . يتوقف الباحث بعدئذ عند مربٌية بوشكين واسمها ارينا روديونفنا ياكوفليفا (1758 – 1828)، ويعدٌها ضمن الاصدقاء الذين تأثٌر بهم بوشكين، اذ انه سمع منها الاغاني الروسية والحكايات الشعبية، وحتى ان بوشكين كتب عنها في احدى قصائده قائلا انها – (صديقة الايام الجهمة)، وذكرها عدة مرات في قصائد اخرى، بل توجد لوحة زيتية مشهورة في الفن التشكيلي الروسي تمثٌل بوشكين ومربيته ياكوفليفا، وقد تكلٌم مؤرخو الادب الروسي عن دورها في بلورة آراء بوشكين حول روسيا وابداعه، خصوصا في سلسلة حكاياته الشعبية الروسية . الاسم الآخر الذي يتوقف عنده الباحث في هذا الكتاب هو انطون انطونفيتش ديلفغ (1798- 1831)، الذي أشار بوشكين في احدى رسائله الى انه (لم يكن احد قريب لي أكثر منه ..)، وربما توجد في هذه الكلمات مبالغة وعواطف، اذ ان بوشكين كتبها بعد موت ديلفغ مباشرة، ولكنها في كل الاحوال تعني شيئا – ما حتما، بل وانها تؤكد- بغض النظر عن كل شئ - ان علاقتهما كانت قوية فعلا. ينتقل الباحث بعد ذلك الى اسم كبير في تاريخ الادب الروسي وهو فاسيلي اندريفتش جوكوفسكي (1783- 1852)، والذي يرتبط اسمه في تاريخ الادب الروسي بالرومانسية باعتبارها مدرسة ادبية متميزة في مسيرة ذلك الادب، اضافة الى انه يعد من أبرز المترجمين الروس، والذي ترجم ملاحم الادب العالمي الى الروسية مثل (الاوديسيه) لهوميروس و(الشاهنامه) للفردوسي وغيرها. لقد لاحظ جوكوفسكي عبقرية بوشكين منذ بداياتها، وأخذ يرعاه، وعندما كان شاعرا للبلاط القيصري ومعلما لابن القيصر دافع عن بوشكين دائما في تلك الاوساط، ومعروفة قصة اهداء صورته الى بوشكين، والتي كتب عليها (الى التلميذ المنتصر من المعلم المندحر) . لقد خصص الباحث ستين صفحة باكملها لعلاقات الصداقة بين جوكوفسكي وبوشكين، ونشر الباحث هناك قصيدتين لبوشكين الاولى بعنوان (الى جوكوفسكي) والثانية بعنوان (نحو بورتريه جوكوفسكي)، ونشر كذلك قصيدة جوكوفسكي عن بوشكين وهي بلا عنوان، يصف فيها وقفته التأملية عند جثمان بوشكين، وهناك مقاطع عديدة من الرسائل المتبادلة بينهما، وكذلك من رسائل جوكوفسكي الى اصدقاء آخرين له يتحدث فيها عن بوشكين وجمالية قصائده ويسميه (عبقري مدهش ...) ويطلب منه في رسالة عام 1825 ان يتفرغ كليا للشعر كي يمنح الادب الروسي (نتاجا خالدا). ينتقل الباحث بعدئذ الى عدة اسماء اخرى كبيرة في تاريخ الادب الروسي منها – فيازيمسكي وتشادايف وكارامزين وغيرهم . لا يمكن بالطبع ايجاز علاقات بوشكين بتلك الاسماء البارزة من الادباء وانعكاس كل ذلك في ابداع بوشكين او في النتاجات المتشعبة لهؤلاء الادباء والمفكرين الكبار، او في مسيرة الادب الروسي وتاريخه بشكل عام، وانا على قناعة تامة ان علاقة بوشكين بكل واحد من تلك الاسماء تتطلب مقالة خاصة منفصلة، واتمنى ان تسمح ظروفي لتحقيق ذلك لاحقا من اجل اغناء الدراسات العربية حول بوشكين واهميته في الادب الروسي .

 

أ.د. ضياء نافع

 

ذخائر التراث الكردي في خزائن بطرسبورغ وفي الخزائن المصرية

834-jawdat"ذخائر التراث الكردي في خزائن بطرسبورغ" عنوان كتاب تفضل مؤلِّفُه الكاتب والمهندس "جودت هوشيار" بإرساله إليّ بريدياً من كردستان مع كتاب آخر له يحمل عنوان: "السلطة الخامسة نبض الحياة في القرية العالمية"، ولذا أبعث للمؤلف من القاهرة ورود المحبة وجزيل الامتنان.

إن "ذخائر التراث الكردي في خزائن بطرسبوغ" كتاب مكتوب باللغة العربية، قيّم في مضمونه، متنوع في موضوعاته، مؤلم في بعض الرسائل التي قدمها، يرثي حالة مريرة تتبناها بعض أنظمة الحكم في الشرق الأوسط، وهي "الاهتمام بالتافه والإغداق عليه، وترك الثمين والنفيس، بل والقضاء عليه".

الكتاب يقع في (200) صفحة تقريبا من القطع المتوسط (B5)، وطُبع في أربيل عام 2011م على حساب المؤلف! وفيه قدّم جودت هوشيار إلى المكتبة الكردية دررًا ثمينة، تشمل آثارًا أدبية كلاسيكية، ونصوصًا فلكلورية، ونتاجاتٍ لغوية وتاريخية وإثنوغرافية وغيرها. حيث أشار إلى مئات الكتب والمخطوطات التي تمثل جانبًا مهمًا من التراث الكردي باللغتين الكردية والروسية، ولا تزال حبيسة الجدران في المكتبات الروسية في عهودها المتعاقبة (القيصرية والسوفيتية والحالية)، وأيضا ما عبّر عنه جودت هوشيار بأنه عدد لا يستهان به من المخطوطات الكردية في مكتبات جمهوريات ما وراء القفقاس، في أرمينيا وجورجيا وآذربيجان...، وأن هذه المخطوطات وغيرها تنتظر من يهتم بها ويخرجها إلى النور، لأنها تتعرض للإهمال المؤدي للتلف في بعض المكتبات الروسية!

ومن أهم الذخائر الكردية الموجودة في خزائن بطرسبورغ، وتحدث عنها جودت هوشيار في كتابه: "قلعة دمدم"، و"قصة حب فرهاد (خسرو) وشيرين"، والشاعر جعفر كولي المعروف بـ "مجنون مالواري"، وعرب شمو (1897 – 1978م) وجهوده في وضع أبجدية لاتينية متكاملة للغة الكردية في أرمينيا، والمستشرقون مينورسكي ويوسف أربيلي وجليلي جليل ودورهم الكبير في خدمة الثقافة والتاريخ الكردي. كما تحدث الكتاب عن عودة الظاهرة الطريفة والظريفة "بشير مشير"، والأساطير الكردية في الأدب العالمي... إلى غير ذلك من الموضوعات القيمة التي تناولها الكتاب.

واهتم جودت هوشيار بـ "مرجريت رودينكو" 1926–1976م، جورجية المولد، وأوكرانية اللقب، وروسية التعليم والثقافة، والتي وُصفت بأنها "عاشقة التراث الكلاسيكي الكردي"، وكرست طاقاتها العلمية خلال ربع قرن من حياتها في سبيل الكشف عن ذخائر التراث الكردي، وتحقيق المخطوطات وترجمتها إلى اللغة الروسية، ودحضت مرجريت من خلال أعمالها العلمية مزاعم البعض حول عدم وجود أدب أصيل مدوّن للكرد.

834-jawdatكما تحدث عن العالم الكردي الموسوعي: الملا محمود البايزيدي، الذي استفاد منه المستشرق والكردولوجي الروسي الكسندر ژابا (1803–1894م)، استفادة عظمى.

وفي واقع الأمر، إن جودت هوشيار يريد أن يرسل من خلال كتابه: "ذخائر التراث الكردي في خزائن بطرسبوغ" عدة رسائل متنوعة:

- أهمية الباعث الوطني والقومي الذي يجب أن يتحلى به الطلبة الكرد الذين يدرسون في الخارج. بمعنى: عدم الانصهار في البيئة الجديدة بشكل كلي يؤدي إلى خلع ثوبهم القومي، والتعريف بقضية شعبهم وحقوقها المهدرة للمحيط الذي يعيش فيه الطالب أو الطالبة.

- ضرورة المشاركة القومية والفكرية في القضية لكل الطلاب، حتى ولو كانوا يدرسون تخصصات علمية تجريبية، كالطب والكيمياء والفيزياء ...إلخ، بعيدة عن التخصصات التأريخية والأدبية والسياسية والقانونية والإعلامية... إلخ.

- قدم جودت هوشيار رسالة قوية جدًا في نظري؛ فهو يقول: "بينما كان الطلبة الآخرون – بعد تخرجهم – يرسلون إلى العراق السيارات أو الموبيليات أو الأجهزة الكهربائية، كنتُ في السنة الأخيرة من دراستي أرسل مئات الكيلوغرامات من الكتب باللغتين الروسية والكردية، وبينها كتبٌ لمؤلفين كرد من جمهوريات ما وراء القفقاس، ربما لم يسمع بها أحد حتى عودتنا نحن الطلاب الكرد من الاتحاد السوفيتي".

- أكد جودت هوشيار أن أساس الازدهار الثقافي الكردي يقوم بالكشف عن تراث الماضي، وجمعه، وتحقيقه، ونشره للجمهور، لاسيما التراث الشفاهي الذي - يندثر بموت حاويه وراويه، بعكس الكتاب المطبوع. وتدور هذه العملية في فلك التجديد الحقيقي الذي لا يبدأ من النقطة صفر (هدم الماضي)، وإنما يُولد التجديدُ من رحمِ الأصالة. وأنا معه تمامًا في هذا الاتجاه.

إن احتواء المكتبات الروسية على مخطوطات ودراسات تتعلق بالتراث الثقافي الكردي أمر مهم، لكن الأهم منه ما ينادي به جودت هوشيار وأقرانه الجديرون على مدى سنوات، بضرورة قيام وزارة الثقافة بإقليم كردستان تشكيلَ فرق عمل متخصصة تتولى جمع ما يخص الكرد من تراث في مكتبات العالم، وتوثيق التراث والفلكلور الكردي الشفاهي، وذلك لأن حفظ التراث الثقافي هو عصب الحفاظ على الهُوية. ومع تقديره العظيم لجهود المستشرقين الكردولوجيين في إخراج الكنوز الكلاسيكية والفلكلورية الكردية إلى النور الثقافي بالكشف عنها وترجمتها وتحقيقها ونشرها، يتساءل جودت هوشيار: "إلى متى نظل نتعرف على تراثنا الشعبي وأدبنا الكلاسيكي من خلال المستشرقين الأجانب"؟

ولعلكم تعلمون أن خزائن بطرسبورغ ليست وحدها تحتوي ذخائر من التراث الكردي؛ فالخزائن الفارسية والتركية والأروربية لها باع في ذلك أيضًا، وقد أشار بعض الكتاب إلى ذلك، ومنها الكاتب والأديب الكردي أ. جلال زنگابادي حيث أشار في موسوعته "الكردولوجيا" إلى ذلك، لاسيما التراث الكردي في الخزائن الإيطالية.

جدير بالذكر أن الخزائن المصرية في دار الكتب والمخطوطات (بولاق أبو العلا وباب الخلق)، ومعهد المخطوطات بالمهندسين.. غزيرة بمخطوطات ومنظومات وأعمال كردية نفيسة، وقد لاحظتُ أنها مكتوبة بعدة لغات، مثل: العربية والكردية والفارسية والتركية، وفي مختلف التخصصات، الأدبية واللغوية، والدينية والتاريخية وغيرها. وتحتاج إلى فريق عمل متمكن لحصرها ووضع ببيلوغرافيا لها، ثم نسخها إلكترونيا وإغناء المكتبات الكردية بها. فهذه رسالة أضعها بين يدي المسؤولين في وزارة الثقافة بحكومة إقليم كردستان

 

بقلم: د. محمود زايد

 

النزعة التلفيقية في التفكير النقدي العراقي .. كتاب: (بويطيقا الثقـافة) للدكتورة بشرى موسى صالح مثـالا

تتأسس وجهة النظر المطروحة في هذه الورقة على أن ثمة تفكيراً نقدياً عربياً وهو مجموعة العمليات الذهنية التي تشمل القراءة المتفحصة ومن ثم الفهم والتفسير والتأويل للفكر الحداثي والذي هو إنتاج غربي أصيل أوجد ثورة كبيرة في مناهج النقد وقطيعة مع الأنماط الفكرية النقدية السابقة عليه.

شيدت وفقا لهذا الفكر مشاريع التفكير النقدي الطموحة التي أقامها النقاد العرب الكبار من أمثال ادوارد سعيد في قراءته للإستشراق، ومحمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي ومحمد اراكون ونصر حامد ابو زيد في نقدهما للخطاب الديني وفاطمة المرنيسي وعبد الله العروي في الحقل السوسيولوجي، ومجموعة نقاد الأدب المغاربة في تبنيهم للمناهج النصية "البنيوية وما بعدها". قد كان آخر هؤلاء النقاد السعودي عبد الله الغذامي والذي أعاد قراءة الشعرية العربية في ضوء نظرية الدراسات الثقافية والنقد الثقافي .

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا، ما هو موقع العراق من هذا التفكير النقدي الحداثي؟ وما هي المساهمات التي قام بها النقاد العراقيون في قراءة فكر الحداثة وتقديمهم لطروحات نقدية مجددة بناء عليه ؟ وما نوع التوصيف الذي من الممكن ان يطلق عليه، هل هو تجديدي، تفسيري، اجتراري، استنساخي، هل يوصف بالتلفيقي بإختلاف مستويات ومداليل لفظة التلفيقي والتي تعني لغويا مزج الحق بالباطل؟.

ليست هنالك إجابة جاهزة عن هذا السؤال إلا بدراسة مجمل الجهد التأليفي للنقاد العراقيين في الأربعين سنة المنصرمة، ولمقاربة الأجابة من الممكن أن تكون الدكتورة "بشرى موسى صالح" مثالاً صالحاً للمعاينة والتطبيق فالدكتورة اسم معروف في النقدية العراقية في العقدين الماضيين وخلال هذا العقد أيضا، وتعد ضمن مجموعة الأكاديميين والأكاديميات الذين تبنوا وواكبوا فكر الحداثة منذ بداياته في الجامعات العراقية وقاموا بتدريسه لطلاب الأدب العربي في مراحل الدراسة الأولية والعليا الماجستير والدكتوراه.

ولذلك فهي تعد نفسها ممثلة رئيسة للحداثة النقدية وما بعدها في العراق، فما إن يظهر منهج نقدي جديد تسارع لتدلي بدلوها به وتقول كلمتها فيه في ضوء مطالعتها له، وهكذا فعلت في كتبها المرآة والنافذة، التأويل والمتاهة، ونظرية التلقي، وعندما أصدر نبيل راغب وسعد البازعي كتابهما "دليل الناقد الأدبي" قامت موسى صالح معارضته بكتاب" المفكرة النقدية" الى أن وصلت لمعارضة مشروع الغذامي في كتابه النقد الثقافي .وقد استغرقت تأملاتها في هذا المنهج النقدي عشر سنوات هو الزمن الذي يفصل صدور كتابها عن كتاب الغذامي الذي صدر 2002 لتتمكن من تقديم أطروحتها في النقد الثقافي، وقد جاء كتابها "بوطيقيا الثقافة نحو نظرية شعرية في النقد الثقافي الصادر ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية 2012.

الواضح من العنوان أنها تقدم نظريتها في الشعرية الثقافية العربية أو العراقية استنادا الى طروحات التاريخانية الجديدة والتي تعد جزءاً فاعلا في الدراسات الثقافية، لكن الملاحظ في المقدمة وما بعدها وحتى آخر صفحة من الكتاب أن كلمة نظرية تكاد تختفي نهائيا في الإصطلاح والإجراء لتحل مكانها كلمات مثل رؤية أو نشاط أو ممارسة، وهذا أول تناقض مبدئي يكتنف الكتاب. في مقدمة الكتاب تعلن التبني الشامل لفكر الحداثة وما بعدها، وهي لا تناقش جملة التحولات في التفكير النقدي العراقي التي جعلت الاهتمام ينتقل من جدلية النص/النظام الى النص/الخطاب وفتحت فضاءات واسعة لدراسات ما بعد الحداثة، وتتغاضى عن كون النص المحايث قد عدت الايديولوجيا التي آمن بها جيل الدكتورة ودافع عنها بحماس منقطع النظير وان الإنتقالة إلى السياق والمرجع في مجال الدراسات الثقافية جاءت نقلة غير محمودة العواقب لهؤلاء النقاد!.

في مقدمتها تشن هجوما على المحافظين تطلق عليهم" المتطفلين" وهم الذين يشككون في مشروعية الدرس الحداثي ويسخرون من ممثليها لأنهم رجعوا في النهاية للاعتراف بقيمة السياق والمرجع في دراسة الأدب، ومن مهاجمة المتطفلين تنتقل الى تدبيج المدائح لمناهج ما بعد الحداثة كأن تقول "تصحح المسارات المستهلكة وتحدث في اللغة والخطاب النقديين، وترمي بعيدا بالثمار التي فات زمن نضجها". لست أدري ما أهمية هذا الكلام الإنشائي الفضفاض للناقد المتخصص؟ وما الذي يضيفه للمعرفة بالنقد الثقافي؟، وتستمر في مقدمتها بين كيل الاتهامات للمناوئين في رفض صارخ للآخر المختلف بما يناقض توجهات ما بعد الحداثة وبين اللغة الإعلان الدعائي للمناهج لما بعد حداثية وبين اجترار ما جاء في عشرات المصادر التي تحدثت عن المرجعيات الفكرية للنقد الثقافي.

ملاحظتان تستحقان الوقوف عندهما في المقدمة، الأولى إنها تتحدث عن الفكر الواحد المتعدد" الذي يواكب مناهج ما بعد الحداثة، والمعروف ان اجتماع النقيضين لا يجوز في المنطق السليم ومرفوض فلسفيا. الملاحظة الثانية تخص نظريتها في بويطقيا الثقافة وهي تستخدم المصطلح الأجنبي بويطيقا بديلا عن ترجمتها المتعارف عليها وهي الجماليات، فتحاول شرحها في أربعة أسطر لا غير قائلة: " وكان لتوسع مفهوم الثقافة ذاتها وتحولها من ثقافة النخبة الى الثقافة الجماهيرية اثر في نشأة بويطيقا الثقافة "، هذا الكلام ليس دقيقا ولا يقدم فهماً صحيحاً للتاريخانية الجديدة وهو منقول حرفيا من كتاب الغذامي، فالاصل في هذا المنهج هو العلاقة الجدلية بين الدراسات الثقافية من جهة وتاريخ الأدب من جهة ثانية وهو يبحث في كيفية دخول آثار الماضي وتصوراته الى الثقافة المعاصرة فهو وكما جاء في المعجم النقدي لجامعة كامبرج"عملية تفاوض مستمر يعيد النظر في مواقع القوى الثقافية والنصية والسياسية المعقدة التي تتدخل بين الماضي والحاضر". ويشير القاموس ذاته الى ان مفهوم كتاب غرينبلات مفهوم غامض يتحدث عن القوة البلاغية التي تكتنف كتابات عصر النهضة، تنتهي المقدمة من دون معرفة الوجهة الإجرائية التي سوف تطبقها في نظريتها والتي لم تتبين ملامحها للقارئ تحديدا خاصة ان مقولة بويطيقا الثقافة سرعان ما تراجعت تداوليا لغموضها وتناقضها أولا ولصعوبة اجراءاتها ثانيا ولتحل محلها الدراسات الثقافية مصطلحا وإجراءً.

بعد ذلك سوف نكتشف ان الكتاب عبارة عن سلسلة مقالات لا علاقة لها بالتاريخانية الجديدة وإنما هي مجموعة مقالات متفرقة يجمع بينها مصطلح الثقافة بوصفه مصطلحا انتشاريا عصيا على التحديد .

في الدراسة الأولى تتحدث عن ريادة الباحث والمفكر الاجتماعي العراقي "علي الوردي" لطروحات النقد الثقافي العربي في كتابه"أسطورة الأدب الرفيع"، وقد جاءت هذه الدراسة متأخرة جدا في اطارها التاريخي، اذ ان وجهة النظر هذه قد استنفدت في الأروقة الثقافية العراقية والصالونات الادبية منذ صدور كتاب الغذامي وأطروحته في دراسة الأنساق المضمرة للشعرية العربية من وقتها والعراقيون يقولون ان علي الوردي كان سباقا في دراسة علاقة الشعر بحركية المجتمع.ودعا لدراسة الأدب دراسة اجتماعية ناقدة وليست دراسة انبهار وتعصب.

في دراستها الثانية تأتي على ذكر كتاب الغذامي وتحاول مقاربته نقديا، وتصفه بالانقلابي في طروحاته النقدية، لأنه بدأ بنيويا ثم أصبح تفكيكيا ومن ثم تبنى منهج النقد الثقافي.لقد مثل الغذامي انموذجا للمشاكسة النقدية الباحثة دائما عن الجديد والمتجاوز من الأفكار والطروحات التي تحرك الساكن الثقافي وتضخ الدماء الحيوية في عروقه في وقت كانت الديكتاتوريات العربية المتحجرة في التسعينيات وما بعدها تحاول سحب المجتمع والثقافة والأدب الى الوراء، فالدكتورة وهي تتحدث عن التاريخانية لم تحسن وضع مشروع الغذامي النقدي في إطاره التاريخي والسياسي .

وعند المقارنة بين تجربة الغذامي في الكتابة النقدية وتجربة احد من النقاد العراقيين في التسعينيات وما بعدها سنلاحظ البون شاسعا بالتأكيد؟!.وتظل الدكتورة بشرى وعلى امتداد دراستها تعيد كلام الغذامي بانبهار الخاشع المتبتل بإنجاز الغذامي والذي اكتشف بذكائه ما عجزت الأقلام عن الإتيان به بالرغم من قرب مأخذه.

في دراستها "الحريم الثقافي" تتماهى مع سرد فاطمة المرنيسي في كتابها(نساء على اجنحة الحلم)، وهذا المبحث هو الافضل من ضمن البحوث الاربعة توضح فيه ولعها بالتقمص وقدمت فيه بعض الشروحات النسوية لسرد المرنيسي.

في مبحثها الأخير" التفلسف الثقافي" قدمت قراءة لرواية علي بدر"بابا سارتر" في ضوء أطروحة المركز والهامش" زاوج علي بدر من جديد بين ماهو شعبوي"العراقي عبد الرحمن"، الذي يقطن محلة الصدرية وما هو نخبوي الفيلسوف العراقي". وتظل ترصد حركة احداث الرواية وشخصياتها بين مقولتي المركز والهامش، وهذه القراءة تعد واحدة من بين عشرات القراءات التي قدمت عن هذه الرواية العراقية المهمة.

نهاية هذا المبحث جاءت هي خاتمة الكتاب والتي من المفروض في نهايتها أن يكون القارئ فهم منها نظرية الدكتورة بشرى موسى صالح في بويطيقا الثقافة والنقد الثقافي!.

 

د.عالية خليل إبراهيم

 

مع د. عبد الجبار الرفاعي في كتابه: الدين والظما الانطولوجي

801-jabarفي هذا الكتاب، الذي سطرته أنامل المفكر العراقي الدكتور عبدالجبار الرفاعي، المسكون بهاجس المعرفة والابداع، يلفت نظرنا الرفاعي الى البعد المغيب من الدين، الذي غيبه ضجيج وصخب الايديولوجيا.. والذي يؤكد الدكتور الرفاعي على انه الاساس، بل يرى الرفاعي انه الوظيفة الاساسية للدين.

المفكر الرفاعي يميز بين ضربين من التدين، هما:

١- تدين الانطولوجيا والذي يمثل حاجة لاغنى عنها للكائن البشري، عبر عنها بالظما الانطولوجي، اوالظما الى المقدس. وهذا التدين ينطوي على قيم المحبة والتسامح واحترام الاخر.

٢- تدين الايديولوجيا، الذي يرى اصحابه في منظومتهم الفكرية والمعرفية، انها الحق المطلق، الذي يجب ان يخضع له البشر كلهم، والا استحقوا الذبح، ومصادرة اموالهم واستباحة كراماتهم.

حينما تقرا الكتاب تجده قطعة فنية، ولوحة ادبية، تضمنت جمال العبارة، وانسيابية المعاني، وقوة الطرح، والاستدلال المحكم في الدفاع عن الافكار التي تضمنها الكتاب.

801-jabarفي هذا الكتاب تجد عبدالجبار الرفاعي في مصاف المفكرين الكبار، في دفاعهم عن الافكار. في الكتاب دفاع عن الايمان باسلوب يجد فيه الحائرون ملاذا، لانه يبدد الشكوك حول هذا الايمان.

بالرغم من كل ماذكره الرفاعي من مساويء الايديولوجيا، الا انني احتلف مع الدكتور الرفاعي في نظرته المتشددة للايدلوجيه، فالايديولوجيا ليست شرا مطلقا، بل قد تكون احيانا ضرورة، لان الايديولوجيا عبارة عن نسق من المعتقدات والمفاهيم التي تسعى لتفسير الظواهر، وترسم صورة للمستقبل. الايديولوجيا كما يراها المفكر الايطالي انتوني غرامشي: "هي عامل محدد للحس المشترك، وضرورة تاريخية لتنظيم وتوجيه الجماهير"، فمن دون ايديولوجيا لايمكنك تحشيد وتعبئة الجماهير بأفكارك الحقة، وبدون ايدلوجيا لايمكنك ان تجعل الناس تقف مع قضاياك العادلة.

نقد الرفاعي في كتابه، الادلجة عند كل من علي شريعتي، وحسن حنفي، ولكن علي شريعتي استطاع ان يخلق وعيا جماهيريا من خلال الادلجة في تعبئة الشارع الايراني، وكذلك الامر مع الدكتور حسن حنفي في مشروعه الداعي لتثوير التراث، فلحسن حنفي جمهوه، الذي استطاع التاثير فيهم من خلال الادلجة .. نعم المغالاة في الادلجة هي الشر، وهي الكارثة التي تضع العقل والتفكير في اسيجة مغلقة .. الايديولوجيا التي تسجن الافكار في قوالب مغلقة تقضي على استقلالية الفكر، وتصيب حرية الانسان بمقتل .. علي شريعتي تجاوزه الايرانيون، وهذه هي طبيعة الفكر، فالفكر ينشا ضمن سياقات تاريخية وشروط موضوعية، اذا تغيرت لاتبقى قيمة للافكار السابقة. عندي ملاحظات اخرى ، ولكن لااريد ان اخذ وقتكم .. اسأل الله لمفكرنا ومبدعنا الدكتور عبدالجبار الرفاعي المزيد من التالق والابداع.

 

الشيخ زعيم الخيرالله (كندا)

 

ضيافة الغريب وفضائل تكرار ترجمة (تنبيه الأمة وتنزيه الملة)

rasool mohamadrasoolفي سنوات مضت، رافقت ترجمات كتاب المصلح الإسلامي الشيخ محمد حسين النائيني (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) الذي صدر باللغة الفارسية نحو عام 1909، رافقتها لسنوات من عمري بمحض اهتمامي بعيون الفكر السياسي الإسلامي، خصوصاً في أثناء كتابتي عن تاريخ الإسلام السياسي في العراق العثماني والملكي. وفي خلال ذلك كنت أرتكن إلى الترجمة المتواترة لهذا النص التي تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، تلك التي كانت متاحة لي يومها في مكتبة والدي (رحمه الله)، لكنّني تحصّلت مؤخراً على ترجمة جديدة للنص عن لغته الفارسية نهض بها الدكتور مشتاق الحلو، وقدم لها المفكِّر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وصدرت عن (مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد ودار التنوير في بيروت) عام 2014. وهي ترجمة يعي المرء قيمتها اللغوية والعلمية والتاريخية كونها وضعت النَّص في نصابه الحقيقي حتى ليبدو لي أن كل الباحثين الذين اشتغلوا على هذا النَّص سابقاً سيجدون أنفسهم اليوم بأزاء مهمة إعادة النظر بالمقتبسات التي وظفوها في بحوثهم.

في تقديمه الموسع، الذي بلغ خمسين صفحة، سعى الدكتور الرفاعي إلى وضع مشروع هذا النص في سياقه الفكري من خلال الحديث عن (مفهوم الدولة في مدرسة النجف من الشيخ النائيني إلى السيد السيستاني)، ومصطلح "مدرسة النجف» له شأنه الدلالي في هذا السياق؛ إذ يعني بحسب الرفاعي المضمون الثقافي والمعرفي والفقهي والاجتماعي للحاضرة العلمية العراقية التي نشأت بالنجف ابتداء من سنة 448 هجرية يوم ولجها الشيخ الطوسي مودعاً بغداد. وهو تقديم ذو أهمية كبيرة في معطياته التاريخية والعلمية، أقبل عليه الرفاعي من باب الكشف عن سيرورة الحراك الفكري والسياسي والوجودي الذي كان يجري في تلك المدينة، حتى تهيأ لمثل كتاب النائيني أن يظهر فيها بحلول عام 1909؛ النجف التي جاءها النائيني سنة 1898 باحثاً عن العلم والمعرفة والتفقُّه فيهما.

في التقديم ذاته يشير الرفاعي إلى إشكالية الترجمة العتيدة التي نهض بها الأستاذ (صالح الجعفري) وقتذاك؛ حيث التباسات المفاهيم والمصطلحات، خصوصاً ما يتعلَّق بفكرة الديمقراطية التي تأوّلها الدارسون للنَّص؛ بوصفها من بنات فكر النائيني الذي لم يأتِ إليها إطلاقاً، كونها ومشروعها الغربي تتقاطعان مع فكره بحسب استقراء الرفاعي العلمي لجوهر ما تريد قوله الرسالة، ما يعني أن الترجمة القديمة اختلقت كوناً دلالياً للنص صيرته مغترباً عن دثار مضامينه الحقيقية.

أما مترجم النَّص الدكتور مشتاق الحلو، فعاد في مقدمته، وعلى نحو مكثف، إلى الإطار التاريخي الذي سوّغ للنص ظهوره عبر استعراض الحركة الدستورية (المشروطة) في إيران يومها، وتأثيراتها في فقهاء النجف، وعرّج على ميزات ترجمته لهذا النَّص الحيوي في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي الحديث، كونها أحيطت بتقديم الدكتور الرفاعي لها، التي بدت حفراً معرفياً وتاريخياً "في تاريخ القرن الأخير لمدوَّنة الفقه النجفية"، وتركيزها على "المناخات الفكرية وفضاءات التفكير السياسي، والأفق الذي انطلقت منه الحركة الدستورية".

في السياق ذاته، راح المترجم يعرض لأهم ما ابتلي به نص هذه الرسالة عند ترجمتها الباكرة من مشكلات، ومنها سوء فهم دلالات ما يعنيه المؤلِّف في استخدامه لعدد من المصطلحات، وكذلك حذف بعض الجُمل والعبارات من النَّص، ناهيك عن تحريف دلالات المصطلحات، ما دعاه إلى الإقامة في النَّص الفارسي مباشرة، لكي لا يقع تحت تأثير أو "ظلال الترجمات العربية" السابقة عليه، بحيث اضطره ذلك إلى المكوث في لغة النَّص حرفياً؛ حفاظاً منه على أنطولوجية دلالات النَّص ودواله معاً، بل والحفاظ على "أدبيات النَّص وصياغته، كونه مرآة لملامح بيئة سياسية ثقافية اجتماعية هي بيئة عصر المشروطة. وما حفلت به من نقاشات وإشكاليات وصراعات، ونمط تعامل الفقهاء ورجال الدين معها".

ناهيك عن إضاءة المترجم لمتن النَّص بعدد من الهوامش الذي بدت له ضرورية تلقي أضواء مهمة عليه، خصوصاً أن النائيني نفسه لم يأتِ إلى رسم أي هامش توضيحي في أثناء كتابته لنصه هذا.

إن روح البحث الجاد عن دثار الأصل في هذه الترجمة، الأصل النَّصي والتاريخي، وضعنا عند مبادرة علمية مهمة، كشفت لنا عن النَّص الحجاجي الذي تأدّى بالنائيني إلى وضع رسالته (تنبيه الأمة وتنزيه الملة)، ذلك هو نص (كتاب تذكرة الغافل وإرشاد الجاهل) للشيخ فضل الله النوري، وهي المادة المعرفية التي حرص المترجم الدكتور الحلو على إلحاقها في نهاية الكتاب، بينما خلت كل الترجمات السابقة منها، وهو خلل كبير، وبذلك يتضح السياق الفكري والمعرفي والديني والتاريخي الذي رافق ظهور هذا السفر الفكري الستراتيجي في تاريخ الوعي السياسي الإسلامي الحديث، وتلك هي أخلاقيات ضيافة الغريب، وتلك هي فضائل تكرار الترجمة، فطوبى لأصحاب هذا الجهد العلمي الكبير.

الكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ يصدر رواية: تغريبة حارس المخيم

833-saidصدرت حديثا رواية "تغريبة حارس المخيم" للكاتب والشاعر الفلسطيني سعيد الشيخ، وذلك عن "منشورات الوان عربية" بالسويد. تقع الرواية في 268 صفحة من القطع المتوسط. وهذه الرواية هي الاولى للكاتب، والكتاب الحادي عشر من اصدارته التي توزعت بين الشعر والقصة القصيرة.

هي "غربة اخرى" كما يقول الشاعر محمود درويش في إحدى قصائده، يستحضرها سعيد الشيخ في كتابة هي مزيج من الواقع والخيال ضمتها اربعة فصول متلازمة بين السردي والتاريخي وإن بدأ هذا التاريخ من عند مجزرة "صبرا وشاتيلا" فهو لن ينتهي الا عند النهايات العميقة. عند يوم القيامة الذي يشهده يوسف سعد الدين بطل الرواية وزوجته أمينة وهما في زيارة لربوع الوطن المغتصب. حيث يشهدا بأم أعينهما كيف دولة الاحتلال تتفسخ بتدخل من السماء. ولكن وحتى ذلك التاريخ الذي يبقيه الكاتب غامضا ومتأرجحا بحدوثة أو بإحتمالية حدوثه، فإن الرواية تحفل بالشقاء الفلسطيني وتحديات الوجود. وذلك تبعاً لقاعدة لا يشذ عنها الا القلائل من كتّاب الرواية، وهي ان المنجز الروائي لكي يظل حارا ومؤثرا وجذابا يجب أن يكون توأم الملحمة لا ينفك عن الهم الانساني وبالخصوص الفجائعي؛ لأنه أكثر رسوخا في الذاكرة الجمعية.

833-saidومن الغلاف الأخير نقرأ:

"ما يحدث لا يصدق، ولكنه يحدث؛ أراه بأُمّ عيني، وزوجتي أمينه تراه. لكن الأمر الذي لست متيقنا منه؛ هو في أي عام حصلت هذه الأحداث، وما إذا كنّا أنا وزوجتي بين الأطياف من الأحياء أو من الأموات!

أحد من شعب الشتات عاش هذه الأحداث أو ما شابهها وترآت له نهايتها في حلم .. وكان قد عاش مكافحا من أجل الحرية على أمل الوعد بالخلاص، ها هو الحلم يتحقق، ها هو الخلاص كيفما تكون القيامة!"

رحلة الخروج من الجماعة رفع الحجاب عن العالم الخفي

jamal alatabiالصدفة وحدها قادتني لإقتناء كتاب (جنّة الأخوان، رحلة الخروج من الجماعة) الصادر عن دار التنوير المصرية عام 2013، للكاتب المصري سامح فائز، وأعترف، انني لم أقرأ للكاتب سوى ما أشرت،وشدّني العنوان بما يحمل من إثارة لتساؤلات، تدعوك لتتبع ما قدمه هذا الكاتب من نشاطات معرفية أخرى، فأنار لي ما كنت أجهله في سيرته الشخصية، إذ أطلق أولى خطواته نحو عالم السرد بروايته (جُحر السبع)، وهي ليست الواقعة الأهم في حياته، إنما ذلك الجدل الذي أثاره في كتابه (جنّة الاخوان)، المكتنز بالأحداث والوقائع والرؤى، لتجربة حقيقة عاشها سامح ونقلها بأمانة صدق وشجاعة، تتمثل بإنتمائه لتنظيم الأخوان المصري، وقراره بالتخلي عن هذا الإنتماء .

إن نقطة البداية على عفويتها، ربما، تبدو البذرة الأولى التي شخصت العلل،وهيأت الأسباب للبحث عن اليقين، حين أجهز الشيخ ببصقة لوجه الطفل سامح لاصوت لها ولاريق، لم يشعر بها غيره، لأنه لم يحفظ جيدا، منها بدأت رحلة البكاء، الذي لم يجد له بديلا ليخرجه من العالم الضيق بأفكاره .

أمضى سامح حياته باحثاً عن الحقيقة، تكمن قوته في أنه وهب صوته ونفسه منذ الطفولة لهذه المهمة، ومكننا من إدراك حقيقة هذه التجمعات، بالأسئلة والشكوك التي نمت معه وهو يخوض تجربته، فإنفتح على العقول النّيرة وعطاءاتها الفكرية، ليصل في النهاية الى الحكمة التي تقول : إن الحياة أقوى من أن تتجمد في تقاليد الماضي، السيء منه .حاول أن يتعلم الأسماء كلها، فعرف معنى الحرية، والكرامة والإنسانية والثورة والوسطية والإعتدال، فتنوعت معارفه، وإطلع على ثقافات مختلفة، فكان عصياً على الإستخدام والبرمجة المقيتة .

لم يدرك سامح منذ طفولته آلية تعامل (الجماعة) مع أعضائها، كان من الصعب فهم تلك الأوراد والأذكار والكتيبات التي إمتلأت بها جدران مكتبته المتواضعة جدا، التي ترشده ليكون (إخوانيا) طيعاً . بعد عقد ونصف من الزمن، يتابع بإهتمام محاضرة عن (العسكر والدولة)، كيف تتحكم الآلة العسكرية التي تمتلك القوة، بقتل القدرة على الإبداع والتفكير في المجتمع، أنت مجرد آلة يستخدمها النظام الحاكم وقت الحاجة لحماية الدولة، أما الآلية الثانية فهي (الفاشية)، تقديس وعبادة (القائد)، الإنصياع والطاعة العمياء، يقول سامح : كنت أحيا في وادٍ آخر، بين المئات من الأفراد بل الآلاف، غيرأنك في الحقيقة تعيش في معسكر مغلق، لاتدرك ان هناك عوالم أخرى خارج هذا العالم، بل لاتتخيل ان هناك في الأصل عوالم أخرى .

سامح في قلق تساؤلاته يبحث عمّن يحترم هذه التساؤلات، ويصغي له، فلم يجد من يمتلك الإجابة، فتلك مناطق وعرة، يوصم الداخل فيها بالإرتداد والشيطنة،فقراءة رواية (اولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، رواية كافرة، والرئيس عبد الناصر كافر وزنديق حارب الدين، وحارب من يطالبون تطبيق شرع الله،وإن تجرأت بالسؤال، فأنت معرّض للتحويل لمجلس تأديب، إذ لاطعن أو تظلم، وإن تجرأت بالخروج من دائرة (الجماعة) تصبح عدواً، لفساد في عقيدة العضو، كأنك تترك ديناً وليس فكراً. وبكثير من التفاصيل إستعرض الكاتب ثمار خروجه عن (الجماعة)، متسائلا بحَيرة عن أسرار بقائها بعد كل تلك الصعوبات التي مرّت بها،مبرراً ذلك بعدم إنفصال الإسلام والجماعة، فلو شعر الإخواني للحظة واحدة بخطأ جماعته، فسيكون ذلك الخطأ والقصور في الدين ذاته، هذا الإعتقاد بإحتمالية خطأ الجماعة في حد ذاته، هو خطر يخاف منه الإخواني، يدفع به الى الشعور انه خارج من دائرة الدين إلى عالم الكفار

وما ميّز الكاتب، انه إمتلك لحظة التمرد، فخرق هذا الناموس وقرأ التكليفات من خارج الدائرة، وقبل أن يحين الأول، إذ لم يكن في رحلته الإخوانية سهلاً طيّعاً، وينظرون له انه شاباً مشاغباً، فتسلق الجدار، وسور (الجماعة)، ونظر الى العالم الذي كان يظنه عالما من الأشباح، انه عالم من لحم ودم، حياة إنسانية بكل معانيها، غاب عنها وغابت عنه، فقرأ الرواية، وإستمع الى الموسيقى، وعرف الحب، وذاق طعم القبلة الأولى،كان يريد أن يختلط إسلامه مع وطنيته، مع عالمه الحقيقي، فقرر القفز وولى هاربا .

بدأت أنبش بالعقل وأعدل من مفاهيمي، هكذا يعلن سامح عن نهجه الجديد، ويتابع بالقول: إن تركي للجماعة كان فكرياً وصراعاً مع العقل، بخلاف من تركوا لأسباب عاطفية ونزوات شبابية، أو بفهم مبسّط للإنتماء، أوعجز في الرؤية وإدراك الواقع بمشكلاته المعقدة، فليس كل ما عدا الإخوان ضالين، وليس كل ما عدا المسلمين كفارا، إنما هناك إنسان يحمل قيمة الإنسان، يحترم رموزه، ويرفض كراهية الآخر، ويدين تصوير المختلف فكرياً بأنه مرتد أو خائن، لإن ذلك يعني التعصب والتطرف بعينه،الذي يقود الى الجهالة .

إن مراجعة متأنية لرحلة الخروج، تكشف عن جهد حقيقي مستند الى التجربة العيانية بإسلوب سردي، وبمعطيات الكتابة الفنية، تجاوز فيه الكاتب الإنتقاء والنقول والأخذ من سواه،وتعامل مع الجماعة بوثائقيتها، فقدّم نموذجا حياً لما جرى ويجري من إحباطات إنسانية، وإغتراب داخل الذات، وداخل العالم المحاصر به . فرفع الحجاب عن العالم الخفي والداخل المخبوء، بمعرفة الكاشف لمعالم حياته المستقبلية .

 

جمال العتابي