مقالات

سؤال الإصلاح الديني والتغيير الثقافي نحو رؤية إنسانية / مولاي احمد صابر

ورش تفكير كبير مفتوح على المستقبل mothaqaf-m1

بتنظيم من لدن مؤسسة منبر مؤمنون بلا حدود وتحت شعار" إيمانا بالخير والقيم الحقة، وإيمانا بالإنسان وللإنسان، وتأمينا لحقه في أن يكون له حقوق، وأمانا بوجود يتعالى على الفوارق والحدود"

اجتمع نخبة من المفكرين والباحثين والدارسين والمهتمين بقضايا سؤال التغيير والتجديد الثقافي في الوطن العربي الإسلامي ، بقلب مدينة المحمدية بالمملكة المغربية يوم 18 – 19 – 20 مايو 2012 ، حول أشغال ورشة "الإصلاح الديني والتغيير الثقافي نحو رؤية إنسانية". وقد سبق لمنبر مؤمنون بلا حدود أن أشار في الورقة المؤطرة للورشة، إلى أهمية الدين في حياة الإنسان، مذكرا بأن مسألة الإصلاح الديني في ضوء الظروف الراهنة والسقف الحضاري العالمي الحالي تختلف عن الكيفية التي تم بها تناولها في السابق.

إذ ترسخت اليوم الكثير من المفاهيم، كحقوق الإنسان، والديمقراطية، والحريات، والحوار والتسامح، كأهداف رئيسية لأي عملية إصلاح سواء كانت ثقافية عامة أو اجتماعية أو سياسية، بما يعني أن الإنسان الحر و المسؤول هو الركيزة الأهم في أي طرح نهضوي إصلاحي، وأنه ما لم يعاد الاعتبار لحقوقه فلا يمكن أن تحقق عمليات التنمية والنهضة وأهدافها. وفي هذا الإطار تتخذ مسألة الإصلاح الديني أبعاداً إنسانية ترقى فوق الإصلاحات الجزئية المعنية بإصلاح آليات الاجتهاد والتقنين والتفسير، لتتجه نحو إزالة تحييد جميع الاستلابات التي أعاقت قيام المسلم بدوره الحضاري وكبلت عقله بقيود ثقافية واجتماعية وسياسية.

كانت الكلمة الافتتاحية الأولى للسيدة الأستاذة ميادة التي رحبت بالحضور وبالمشاركين مؤكدة على ما توليه مؤسسة منبر مؤمنون بلا حدود من خدمة للشأن الثقافي والفكري من أجل بسط رسالة التنوير في العالم العربي بشكل خاص والعالم الإسلامي بشكل عام.

وقد بين الأستاذ يونس قنديل من خلال كلمته الافتتاحية للورشة، على ضرورة التركيز عن البعد الإنساني في عملية التغيير الثقافي كمطلب أساسي يرتقي فوق كل الإيدلوجيات التي تستلب الإنسان إنسانية سواء باسم الدين أو العلم أو السياسة... رامية به في أحضان التطاحن الأيدلوجي الذي يفوت عليه فرصة التواصل الثقافي والحضاري والحوار البناء المفعم بالنقد والترشيد المتبادل، كشرط ضروري للبناء الحضاري الذي تتحقق فيه خصوصيات الأمن والسلام والوعي بخصوصيات الإنسان الراشد والمسؤول اتجاه ذاته واتجاه الكون بأكمله، ولهذا فالإنسان مطلوب منه أن يرتقي من حيث البعد الروحي والعقلي إلى الدرجة التي يكون فيها الدين في خدمته بدل العكس، مع العلم أن الدين في جوهره لم يأتي إلا لخدمة الإنسان، فالمطلب الإنساني بين وواضح في كل الديانات ، ونفس الأمر مع العلم والسياسة و...، فالمطلب الإنساني يقتضي تطويع العلم والسياسة و... إلى خدمة السياق الإنساني في العالم، بغض النظر عن الحدود الجغرافية والثقافية والاجتماعية. وعليه فمسألة أي إصلاح اليوم تقتضي ضرورة العودة إلى الأخذ بالبعد الإنساني.

وقد جاء في كلمة منسق الورشة الأستاذ محمد العاني، بأن عملية الإصلاح هذه والتغيير الثقافي تتطلب جهدا كبيرا، فهي مسؤولية الجميع بالخصوص المثقفين الشباب وغيرهم من ذوي المشاريع الفكرية، فهذه الورشة ما هي إلا بداية عمل قد تليها ورشات علمية أخرى وندوات... تكون مسلكا للتقريب بين وجهات النظر الجادة والمتنورة، وبالتالي فإن الهدف الرئيسي من هذه الورشة هو الخروج بخارطة طريق لعملية الإصلاح الديني والفكري، تتضمن الخطوط الاستراتيجية العريضة والأولويات والأهداف. مذكرا بأن فمنبر مؤمنون بلا حدود يرحب بكل الكتابات والأقلام المبدعة فصد التواصل معها أكثر.

ومن الملاحظ أن جل محاور الورشة سلطت الضوء بشكل كبير عن سؤال الإصلاح والتغيير الثقافي في المغرب، كما أن جل المشاركين مغاربة. وهذا لا يعني تغييب الفضاء والسياق الكلي للموضوع، فمن خلال كل مداخلات المشاركين التي قاربت ما هو جزئي من خلال ما هو كلي. فضلا على عزم مؤسسة منبر مؤمنون بلا حدود على تنظيم ورشات علمية على نفس المنوال في أقطار وبلدان عربية وإسلامية بدل المغرب.

  

 

وقد جاءت كل المداخلات قصد تعميق النظر والبحث في هذا الطرح من خلال أربع محاور وهي:

1ــ المرجعية الإسلامية وعلاقتها بالدولة المدنية والديمقراطية ورهانات الإسلام السياسي؛ (وعرفت مشاركة الأسماء التالية، حسب الترتيب الذي جاء في البرنامج الرسمي: د: رجاء مكاوي، د: رشيد مقتدر، ذ: مولاي أحمد صابر، ذ: محمد الكوخي، ذ: عبد الله هداري، ذ: منتصر حمادة)

2 ــ رهانات الإصلاح الديني من الانغلاق والخصوصية نحو نزعة إنسانية منفتحة؛ (بمشاركة كل من ، د: خالد حاجي، د: سعيد شبار، د: إبراهيم مشروح، ذ: ميادة كيالي، ذ: الحسن حما، ذ: عبد الله إدلكوس، ذ: عبد العزيز راجل)

3 ــ الإصلاح الديني في المغرب.. الواقع والإشكالات والمتطلبات؛ (بمشاركة، د: نادية الشرقاوي، د: مصطفى تاج الدين، د: عبد الوافي مدفون، ذ: عبد العالي المتقي، ذ: يوسف بناصر، ذ: يوسف هريمة، ذ: مولاي محمد الإسماعيلي)

4 ــ وأخيرا، محور مصادر المعرفة الدينية.. مناهج وأدوات النقد والتجديد والمشاريع الفكرية. (بمشاركة، د: محمد همام، ذ: نادية العروسي، د: هشام رشيد، ذ: يونس الوكيلي، ذ: عبد اللطيف طريب، د: إبراهيم أمهال، ذ: سعاد رجاد، ذ: محمد الطويل)

وخصص لكل محور ورشة للنقاش لتعميق البحث وتجميع أراء ووجهات نظر المشاركين.

من بين أهم ما جاء في مداخلات المشاركين إذ يتعذر سرد كل ما جاء فيها، ففي المحور الأول أشارت الدكتورة رجاء مكاوي إلى ضرورة العمل على التقريب بين التشريعات الوطنية وبين التشريعات الدولية في بعد عن ما هو إيديولوجي، وفي ارتباط وثيق بما هو علمي حتى يحصل الوعي الكامل بوهم التعارض أحيانا، أو بوجه الإختلاف لينصب حوله الحوار والبحث. وأشار الأستاذ مولاي أحمد صابر في مداخلته لأهمية إعادة النظر في المفاهيم في التعاطي مع قضايا سؤال الهوية، مقترحا مفهوم "الائتلاف" بديلا عن مفهوم "الوحدة" الشائع في الفكر العربي وفي الفكر الإسلامي من قبيل الوحدة العربية والوحدة الإسلامية، فمفهوم الوحدة يفضي لفرض خصوصية معينة على حساب خصوصيات أخرى، وغالبا ما تغتال حرية الإنسان الدينية والثقافية باسم الوحدة، بينما مفهوم الائتلاف يقتضي التنوع والتعدد ومراعات كل الخصوصيات الثقافية في التعاطي مع قضايا الهوية، فالله خلقنا مختلفين وطلب منا أن نحقق التعارف والتآلف فيما بيننا ولم يلزمنا بالوحدة، فمفهوم الوحدة في القرآن يعود على الذات الإلهية بينما مفهم الائتلاف يعود على الإنسان.

وفي المحور الثاني أشار الدكتور خالد حجي إلى ضرورة التحرر من الفهم الثابت والجامد للعقيدة، مميزا بينه وبين مفهوم الإيمان الذي يأخذ صبغة التحول والتغير في الزمان والمكان، مشيرا إلى نوع الإحراج الذي يسبب فيه المسلمين اليوم في المجال الأوربي، عندما يطرحون مفهوم العقيدة، المفهوم الذي قطع معه الغرب منذ زمن بعيد، وهذا ما يجعل الغرب ينظر إليهم كأنهم مسجونون في سياج عقدي مغلق، فضلا على أنهم يفوتون على أنفسهم فرصة التواصل والإنخراط بشكل سليم فيما هو كوني وإنساني. وأشار الدكتور سعيد سبار، لأهمية المكون الديني، أي دين، في التغيير عموما وفي التغيير الثقافي خصوصا، بإعتباره ملازم للإنسان في وجوده، مؤكدا على ضرورة الوعي بالتعدد الديني والثقافي كظاهرة إنسانية وكونية تقتضي في نفس الوقت ضرورة التحاور والتوصل كشرط إنساني في الوجود. وأشارة الأستاذة ميادة في مداخلتها إلى ضرورة أخذ موضوع المرأة بجدية إذ سيبقى موضوع التغيير متعثرا، ما لم يستحضر قضايا المرأة بشكل نقدي في علاقتها بذاتها وبالمجتمع وبالموروث الديني والثقافي، فضلا على أن المرأة ينبغي عليها أن تتحرر من الداخل ومن شعورها بالضعف والنقص.

ومن خلال المحور الثالث، سلطت الضوء كل من الدكتورة نادية الشرقاوي والأستاذ عبد العالي المتقي والدكتور عبد الوافي مدفون، الضوء على تجربة الإصلاح الديني في المغرب، من خلال جهود الدولة من جهة والمجتمع المدني.

وفي المحور الرابع، عرف الدكتور محمد همام بمشروع المفكر المغربي طه عبد الرحمن، مبينا ما يتصف به هذا المشروع من قوة علمية ومعرفية في النقد والتحليل، منطلقا من محورية النظرية الأخلاقية التي تخترق كل كتب هذا المفكر، في أسس النظرية الأخلاقية المفارقة لأسس النظرية الأخلاقية الغربية، فالأخلاق عند طه ما هي إلا مدخلا لتشييد فلسفة دينية جديدة. ويرى الأستاذ يونس الوكيلي من خلال بأن الفكر الديني الإصلاحي مهما بلغ من حداثة لا يؤثر في المجتمع بالشكل المطلوب، لكون هذا الأخير يعاني مشاكل بنيوية (كالتعليم، بداوة...الخ) فلا يكفي أن نجدد الفكر الديني، بل لا بد من العمل على تطوير المجتمع في مختلف مستوياته ليتقبل ويساير فكرة الإصلاح المرتقب.

وقد تبعت كل المحاور فترات زمنية للنقاش والأسئلة والردود، ويعزم منبر مؤمنون بلا حدود على نشر أعمال الورشة في القريب العاجل.

 

ووجب التذكير بأن مؤسسة منبر مؤمنون بلا حدود ، ستعمق النظر أكثر في القضايا التي تطرقت لها الورشة من خلال توسيع دائرة التنسيق بين جهود كل المفكرين وبين كل شرائح الباحثين والدارسين ولهذا فمنبر مؤمنون بلا حدود يضع عنوانه قصد التداول والتواصل أكثر بين يدي كل الذين يهمهم الأمر وهو كالتالي mouminoun2012@hotmail.com

 

تابع موضوعك على الفيس بوك وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2196 الثلاثاء 31/ 07 / 2012)

أضف تعليقا

معلومات إضافية