المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

إسلاميو السلطة (120): حدث ما كذّبه الأتباع .. نموذج الحاج المهندس

salim alhasani2في 26 كانون أول 2015، نشرت مقالاً كشفت فيه محادثة جرت بين السيد العبادي وبين الحاج أبو مهدي المهندس، حيث أخبره العبادي بأنه يبحث عن بديل له، وعليه ان يبدأ إجراءات تصفية أموره وشؤونه الإدارية من هيئة الحشد الشعبي.

وفور نشري المقال، تعرضت لموجة من التكذيب من بعض الأقلام على صفحات التواصل الاجتماعي، إضافة الى نشاط مكثف من قبل موقع (المسلة) بثلاثة مقالات شتائمية.

وبطبيعة الحال فقد كان الغرض هو التشكيك بما اكتبه في سلسلة (إسلاميو السلطة) التي أزعجت الكثيرين، فنشر المعلومات وتسجيل الوقائع، أمر يهدد مواقع القيادات ويعرض وجودها للاهتزاز، فكل ما تملكه هذه القيادات، هو اتباع لا يعلمون الحقيقية يهتفون باسمائهم، مما يجعل الحقيقة التهديد المباشر لهم، لئلا ينصرف عنهم الاتباع فيما لو استخدموا عقولهم في المقارنة والتعرف على الحقائق كما هي.

...

في نهاية المقال القرار الذي أصدره السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي بتعيين بديل عن الحاج المجاهد أبو مهدي المهندس، وقد تأخر القرار بسبب نشري الخبر في 26 كانون اول الماضي، وقد استطاعت الأقلام والمواقع المنتفعة من مساندة العبادي في مسعاه لتفتيت الحشد الشعبي، حتى مهدت له أجواء إبعاد المهندس عن مسؤوليته القيادية في الحشد الشعبي.

...

لقد تكررت عملية الهجوم الشتائمي والتكذيب ضد حلقات (إسلاميو السلطة) مرات عديدة، مما يدفعني الى تقديم المزيد من التفاصيل فيما بعد، وعندما تصبح القضية واضحة، يبقى الاتباع على مواقفهم السابقة. وهذا ما حدث مع الحلقات التي تحدثت فيها عن محاولات السيد إبراهيم الجعفري في التنسيق مع الأميركان وحضور مؤتمر لندن، فكذّبني اتباعه، ثم نشرت المزيد من التوضيحات بالاسماء والشهود.

...

وكذلك ما حدث مع مقالاتي عن حزب الفضيلة والشيخ اليعقوبي والدكتور نديم الجابري، وقد ذكرت فيها أن الجابري له ماض بعثي وكان من أقلام النظام المقبور، فدافع اتباع الفضيلة بتكذيبي، حتى نشرت صور المقالات التي كتبها الجابري في تمجيد صدام ونظامه القمعي في صحيفة القادسية. (راجع الحلقات 32 الى 37). وغير ذلك من الشواهد الإضافية.

الأمر نفسه يتكرر مع اتباع مقتدى الصدر حين كتبت عدة حلقات في سلسلة (إسلاميو السلطة) وآخرها عن التفاصيل الجديدة حول طلبه بتولي رئاسة مجلس الحكم على عهد بريمر. فقد شنّ اتباعه حملة شتائمية شديدة على غرار ما فعله موقع المسلة والاقلام المنتفعة. فهم بحاجة الى صدمة لاحقة حتى يكتشفوا الحقيقة، وعندها يكون الوقت قد فات، هذا هو حال العراق الذي يسرقه القادة بالاعتماد على أتباع لا يتمكنون من الخروج عن التبعية.

...

لقد كررت عدة مرات، استعدادي للتراجع فيما لو اثبت الأشخاص الذين اتناولهم في هذه السلسلة خلاف ما كتبت، لكن ذلك يواجه بالصمت من المعنيين، لأنهم يعلمون أن هناك المزيد من التفاصيل ستواجههم فيما لو حالوا التكذيب، فالحقيقة تتضح ذات يوم، لذلك يفضلون اللجوء الى تحريك الاتباع للهجوم الشتائمي، فتلك هي وسيلتهم الوحيدة.

 929-salim

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (119): مطالبة مقتدى الصدر برئاسة مجلس الحكم على عهد بريمر

salim alhasaniفي بداية الانطلاقة السياسية للسيد مقتدى الصدر، بعد سقوط نظام صدام، جرت حادثة لها دلالتها المهمة، لكنها ضاعت في تعقيدات المشهد العراقي فيما بعد، فلم تُعد تذكر في وقائع تلك الأيام.

كان التيار الصدري قد ظهر بعد الاحتلال كقوة جماهيرية في الساحة، وكانت مهمة الحاكم المدني الأميركي (بول بريمر) متركزة على تشكيل مجلس الحكم، حيث الاجتماعات والاتصالات متواصلة بين مختلف الأطراف السياسية من شيعة وسنة وكرد. وفيما كانت التشكيلة تشرف على الاكتمال، تقدم السيد إبراهيم الجعفري بمقترح الى بريمر، مفاده إشراك التيار الصدري في مجلس الحكم الانتقالي، بحكم القاعدة الجماهيرية التي يمثلها في العراق.

...

لاقى المقترح قبول الحاكم المدني الأميركي، فقد وجد فيه نصيحة غالية لكسب تيار جماهيري شيعي الى العملية السياسية التي تريد الولايات المتحدة تصميمها في العراق الجديد. لكن المشكلة التي واجهت المقترح هو انفصال الشيخ محمد اليعقوبي وقتها عن التيار الصدري، والشروع في توجهه الخاص في صناعة طموحه الشخصي من خلال اقتحام دائرة المرجعية.

تم الاتفاق بين الحاكم المدني وبين الجعفري على تحديد ممثل مقبول لدى الطرفين أي السيد مقتدى الصدر والشيخ محمد اليعقوبي ليكون هو عضو مجلس الحكم الذي يمثلهما معاً. وقد وافق بريمر على الاسم المقترح وهو (السيد فاضل الشرع).

...

 

نشط السيد الجعفري في تحقيق مقترحه المقبول أميركياً، فشكل وفداً ثنائياً من السيدين فالح الفياض وعدنان الأسدي لمفاتحة الصدر واليعقوبي والتداول معهما بشأن الممثل المشترك بينهما.

التقى وفد الجعفري بالشيخ اليعقوبي وعرض عليه المقترح، فأبدى موافقته من دون تردد، كما وافق على تسمية الممثل المقترح أي فاضل الشرع.

وفي اجتماع الوفد مع السيد مقتدى الصدر، جاءت موافقته سريعة أيضاً، لكنه تساءل: لماذا لا يتم تعيينه هو ـ أي مقتدى الصدر ـ رئيساً لمجلس الحكم الانتقالي، بدل أن يُصار الى اختيار ممثل عنه؟

فكان جواب الفياض والأسدي، بأن هذا غير ممكن في طبيعة تشكيلة المجلس الحالي والنظام المحدد له، وعليه فلا يمكن أن تنحصر بشخص واحد. كما أن أساس المقترح هو تعيين ممثل مشترك بينه وبين اليعقوبي. فأبدى السيد مقتدر الصدر تفهمه لذلك وأكد موافقته.

...

عندما عاد وفد الجعفري الى بغداد، وتسرب الخبر في أجواء المرشحين لتشكيل مجلس الحكم، برز الخوف على المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم رحمه الله، فمارس جهوده من أجل إحباط هذه الخطوة، لقطع الطريق على الصدر وابعاده عن المجلس قبل أن يتم الإعلان عنه رسمياً. وقد نجح في مساعيه، فقرر بريمر التراجع عن مقترح الجعفري وإلغاء فكرة ضم الصدر واليعقوبي الى مجلس الحكم.

...

كان رفض المقترح بمثابة صدمة قاسية على الرجلين، وخصوصاً على السيد مقتدى الصدر، فقد اعتبرها مؤامرة من المجلس الأعلى لتهميشه سياسياً، وصدرت تعليمات لعدد من قادة التيار الصدري بمقابلة السيد إبراهيم الجعفري وإبلاغه بأن السيد مقتدى الصدر سيصدر تعليماته بالتأهب والخروج بتظاهرات جماهيرية في مدينة الصدر والمحافظات الجنوبية، فيما لو تم استبعاده من مجلس الحكم، وبعد مناقشات وحوارات مطولة استطاع الجعفري امتصاص غضب الصدر واحتواء الأزمة.

لكن استياء الصدر تصاعد في مقابل ذلك من المجلس الإسلامي الأعلى، فقد وجد فيه اليد التي أغلقت الباب بوجهه نحو الواجهة السياسية الرسمية. وكانت أولى نتائج الاستياء هي الأزمة الحادة بين التيار الصدري والمجلس الأعلى والتي وصلت الى الاقتتال المسلح، كما أعقبها تشدد السيد مقتدى الصدر في موقفه من الاحتلال الأميركي.

...

ظل الجعفري يذكر خطوته في هذا الخصوص في جلساته الخاصة مع السياسيين، لفترة غير قصيرة. كما بقي السيد مقتدى الصدر يحتفظ بهذا الجميل له حيث سانده في تشكيل حكومته فيما بعد.

...

توضيح حول طلب مقتدى الصدر تولي رئاسة مجلس الحكم

ذكرتُ في الحلقة 43 من سلسلة (إسلاميو السلطة) ما نصه:

(في الفترة الأولى لتشكيل مجلس الحكم، وافق الحاكم المدني الأميركي بول بريمر على مقترح بعض الأعضاء، بضم السيد مقتدى الصدر والشيخ محمد اليعقوبي الى مجلس الحكم. وقد تشكل وفد لمفاتحتهما بذلك، فالتقى الوفد بالسيد مقتدى الصدر في النجف الأشرف، وعرض عليه المقترح، لكنه رفض الانضمام، وبقي محافظاً على شعاره في رفض التعاون والتنسيق مع الاحتلال الأميركي، وضرورة إنهاء وجوده العسكري والسياسي من العراق) انتهى.

وحين كتبت ذلك فلأن المعلومة التي أوردتها في الحلقة 119، لم تكن متكاملة عندي، ولم أتوثق منها بدرجة قطعية، بأن السيد مقتدى الصدر كان يريد تولي رئاسة مجلس الحكم، وأنه وافق على الانضمام من خلال ممثل مشترك بينه وبين الشيخ محمد اليعقوبي وهو السيد فاضل الشرع.

وعندما تأكدت منها ومن تفاصيلها كتبتها في الحلقة 119، بمعنى أن ما ورد في الحلقة 119، هو الذي اعتمده بعد التوثق من صحته والتأكد من دقته.

وهناك وقائع أخر لم اكتبها بعد عن الشخصيات التي تناولتها في هذه السلسلة، وذلك لأنني اريد أن استجمع كافة النقاط التوثيقية ثم اكتبها.

وهذا هو منهجي في توضيح المعلومة حين تتكامل مفرداتها، فاضيف عليها ما فاتني من قبل. وهو نفس المنهج الذي ألتزمه في تصحيح المعلومة إذا وجدت فيه خطأ، ولا يمنعني من التصحيح عناد أو عاطفة.

أكرر أن ما جاء في الحلقة 119 كتبته بعد أن استكملت التقصي عن حادثة مطالبة السيد مقتدى الصدر تولي رئاسة مجلس الحكم، والتفاصيل التي رودت فيها.

أما ما يحتج به اتباع السيد مقتدى الصدر استناداً الى ما جاء في كتاب بريمر، فهو أمر غريب حقاً، فهل أصبح عندهم كلام المحتل الأميركي هو الدليل الصادق؟ في حين يمكنهم الرجوع الى أصحاب الحدث وهم احياء يسألون منهم ما جرى.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (118): مقتدى الصدر في العملية السياسية

salim alhasani2ما المشروع الذي حمله السيد مقتدى الصدر وهو يخوض العمل السياسي لأول مرة في حياته بعد سقوط نظام الطاغية صدام؟

سيأتي الجواب سريعاً بأنه رفض الاحتلال الأميركي، وطالب بإنهائه وخروج القوات الأميركية من العراق. وهذا موقف يُسجل له كما ذكرت في المقال السابق، لكن مع هذه الدعوة لم يكن للسيد مقتدى الصدر مشروع عمل بنائي للدولة، وهو في ذلك يشترك مع بقية قادة الكتل الذين دخلوا العملية السياسية متمسكين بنظام المحاصصة عملياً، فيما يصبون عليها اللعنات في وسائل الإعلام.

...

بعد السقوط بفترة وجيزة شنّ التيار الصدري معركة كلامية شديدة ضد المرجعية العليا متمثلة بالسيد السيستاني في سابقة خطيرة في الوسط الشيعي في بدايات العراق الجديد، فلقد كان المفروض أن تلتف جماهير الشيعة حول المرجعية لتدعيم مواقفها وزيادة قوتها، في مواجهة المخططات الإقليمية التي كانت تعمل بسرعة من أجل إرباك العملية السياسية وقطع الطريق على الشيعة للحصول على استحقاقاتهم الطبيعية بالعملية الديمقراطية.

كما دخل التيار الصدري في اقتتال مسلح مع المجلس الأعلى، يتحمل الطرفان مسؤوليته وتداعياته، وقد شجّع ذلك القوى الطائفية على اختراق الجو الشيعي الذي انكشف أمامهم مخلخاً يمكن تفكيكه واللعب على تناقضاته الداخلية.

...

في حكومة السيد إياد علاوي حدثت معركة النجف الأشرف بين التيار الصدري وبين القوات الأميركية، وتتحمل الحكومة والقيادة الأميركية مسؤولية وقوعها، فلقد كان الهدف منها إنهاء القوة العسكرية للتيار الصدري. وقد استطاع التيار الصمود، رغم الخسائر الفادحة التي لحقت أفراده وكذلك المدنيين، ولم تنته المعارك إلا بتدخل السيد السيستاني في رحلة العلاج المعروفة وعودته الى النجف حيث انتهت العمليات العسكرية بدخوله المدينة.

...

كانت أشد الأزمات هي التي حدثت بين التيار الصدري وبين حكومة السيد نوري المالكي، فلقد قام بصولة الفرسان في مدينة البصرة ثم تلتها عملية عسكرية في مدينة الصدر، ومن يومها بدأت أزمة حادة بين السيد مقتدى الصدر وبين رئيس الوزراء، حيث صار العداء مكشوفاً على وسائل الإعلام وفي جلسات البرلمان، مع ان التيار الصدري كان مشاركاً في الحكومة بعدة وزارات.

منذ تلك الأزمة ـ وما بعدها ـ كتبتُ الكثير من المقالات في نقد حكومة المالكي، وطريقة تعامله مع التيار الصدري، ولا أزال أحتفظ بنفس قناعاتي في تقييم تلك الأحداث والمواقف. إن تفاصيل صولة الفرسان تكشف خطأ كل من المالكي ومقتدى الصدر في التعامل مع الحدث، ولهذا مجاله في حلقة أخرى.

...

ورغم أن تجربة التيار الصدري كانت مريرة مع حكومة المالكي الأولى، إلا أن المفاجأة كانت في قبول زعيمه التجديد لولاية ثانية للمالكي عام 2010 بعد تمنع ورفض دام لما يقرب من ثمانية أشهر. وقد تراجع الصدر عن رفضه بمقولته المشهورة (السياسة لا قلب لها). وكان التبرير أن الضغوط كانت كبيرة على السيد مقتدى الصدر مما اضطره الى سحب اعتراضه والتصويت لصالح الولاية الثانية.

لم يكن التبرير مقنعاً، فالخضوع للضغوط يعني تفضيل المصلحة الشخصية أو الفئوية على حساب الموقف المبدأي، وهذا ما فعله السيد مقتدى الصدر، بل أنه يتحمل مسؤولية تشكيل الحكومة الثانية للمالكي وما أفرز ذلك من تبعات، لأن أصوات نوابه كانت الرقم الحاسم في تشكيلها.

...

ثم كرر السيد مقتدى الصدر التراجع في مسألة سحب الثقة التي طرحتها الكتل السياسية عام 2012، وقد كانت تلك المحاولة قد وصلت الى مراحلها النهائية، وأوشكت ان تطيح بالمالكي، فلم يكن بينه وبين سحب الثقة من حكومته، سوى ثبات السيد مقتدى الصدر على موقفه، لكنه في اللحظات الحرجة أعلن تراجعه، وقد برر ذلك بأن رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني هو الذي عارض فكرة سحب الثقة وأقنعه بذلك، فتقدم الصدر بمقترح منح المالكي فرصة أخرى.

عندما أعلن مقتدى الصدر تراجعه عن فكرة سحب الثقة، قال اياد علاوي وقتها: (لقد كنت اعرف أن مقتدى الصدر لن يثبت على موقفه)، وهي كلمة جارحة بلا شك، وتزداد شدتها لأنها تصدر من شخص مثل علاوي المعروف بعلاقاته المخابراتية إقليمياً ودولياً.

...

قدم السيد مقتدى الصدر مفاجأة أخرى عندما أعلن في أوائل شباط عام 2014 إعتزال العمل السياسي وسحب يده من كتلة الأحرار في الحكومة والبرلمان وأنها لم تعد تمثله، وذلك حفاظاً على سمعة (آل الصدر). وكانت مفاجأة غريبة صادمة، لأن المفروض أن يرافق هذا الموقف سحب نوابه ووزرائه من الحكومة والبرلمان، وليس تركهم في مواقعهم بعد أن جاءوا باسمه، فيكون كمن فتح الباب لهم وعندما رآهم يسرقون، خرج من البيت وتركهم يفعلون ما يحلوا لهم.

ورغم ذلك فان قرار اعتزاله لم يدم سوى أيام معدودات حيث تراجع عنه.

...

ألفت نظر القارئ الكريم أنه سيلاحظ أن اتباع السيد مقتدى الصدر في تعليقاتهم، سيعيدون عبارات من قبيل الدعوة أسوأ والمالكي أسوأ وفلان أسوأ، فهم يعجزون فكريا عن فهم الحلقات السابقة التي تبين موقفي من المالكي و يعجزون أخلاقيا عن فهم أن الجرائم الأسوأ لا تبرر الجرائم الأقل. هذا الى جانب المستوى التربوي المتدني والذي يتضح من خلال الشتائم والسباب.

كما أرجو من القارئ الكريم أن يجد لهم العذر، فالظروف حالت دون تلقيهم التعليم المطلوب، كما ان قيادتهم أهملت هذا الجانب مع الأسف، واعتقد ان هذه مسؤوليتنا في النهوض بهم أخلاقياً وتربوياً.

للحديث صلة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

وداعا للأديب الفلسطيني سلمان ناطور

nabe  odaبحزن كبير تلقينا صباح الاثنين (15-02 -2016) الخبر المؤلم عن وفاة الأديب الفلسطيني سلمان ناطور (67 عاماً) وهو بقمة عطائه الثقافي.

ولد سلمان ناطور في دالية الكرمل عام (1949). بعد أنهاء دراسته الثانوية واصل دراسته الجامعية في القدس ثم في حيفا. درس الفلسفة العامة وعمل في الصحافة. حرر مجلة "الجديد" الثقافية التي كانت تصدر في حيفا وحرر مجلة "قضايا إسرائيل" التي تصدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية في رام الله.

صدر للفقيد حوالي 30 كتاباً في مواضيع ثقافية مختلفة.

بهذه المناسبة المؤلمة اعود الى احد كتبه الهامة "يمشون على الريح – او هي عودة الى بيسان" .. انها عودة الى رحم المأساة التي تعطي فكرة عن احد الجوانب الابداعية للمرحوم سلمان ناطور.

احتل الكاتب سلمان ناطور مكانة بارزة في ثقافتنا الفلسطينية، سلمان ابن الطائفة العربية المعروفية، يعتبر بلا منازع من أبرز أدباء الكتابة التاريخية التوثيقية بما فيها التحقيقات الصحفية التاريخية، في الأدب العربي داخل اسرائيل وفي الأدب الفلسطيني عامة. . وما زلت أرى ان أبرز تحقيقاته التوثيقية هو ما كتبه عن المجازر التي ارتكبت في عشرات البلدات العربية الفلسطينية في حرب عام 1948، واقامة دولة اسرائيل، وأعني كتابه"ما نسينا" .

كذلك عرفناه كاتبًا قصصيًا، مسرحيا ومترجمًأ!

في كتابه "يمشون على الريح" أو "هي عودة الى بيسان" يعيدنا سلمان الى رحم المأساة من زاوية غير متوقعة.

الكتاب صدر قبل عدة سنوات، ومع ذلك السنين لم تفقده حرارته، واليوم عندما أعيد قراءته من جديد، أعيش مرة أخرى أجواء النكبة، ولكن من زاوية غير متوقعة .. ينجح سلمان في تجسيمها أمامنا، عبر مأساة شخصية لفلسطينية تحلم بالوطن، الذي لا تعرف من تفاصيله عير الانتماء والألم والحب الذي لا ينتهي وأمنية ان تصبح جزءا من ترابه وأشجاره وسمائه بعيدا عن الكراهية للآخر .. الذي يحتل بيتها وأحلامها.

الكتاب مقسم الى عشرة مقاطع – روافد، تلتقي في مصب واحد، اسمه بيسان، تلك المدينة المرهقة من كثرة مغتصبيها عبر التاريخ، خاصة أشرسهم، الذي يحاول ان يزور تاريخها وانتمائها ويمحو من ذاكرتنا الجماعية مكانتها .انها بيسان التي يربو عمرها على ستة آلاف عام. خلدت فيروز بيسان بأغنية تخترق اعماق الذاكرة وتجعلها نابضة بالحياة .. وتجعل من مأساتها تجسيما لاحدى أكبر جرائم التاريخ: "كانت لنا من زمان بيارة جميلة/ وضيعة ظليلية ينام في أفيائها نيسان/ ضيعتنا كان اسمها بيسان/ خذوني الي بيسان / الي ضيعتي الشتائية/ هناك يشيع الحنان"

أحيانًا تبرز بيسان باسمها الروماني "سكيتربوليس" وأحيانًا باسمها الفلسطيني "بيسان" وأحيانًا باسمها الجديد "بيت شان" ... واختلاف التسمية لم يكن صدفة، انما لنقل الواقع والموقف والتغيير الحاصل...

تبدأ الحكاية من باريس وروما... حيثُ التقى سلمان ناطور بشاعرة ورسامة فلسطينية، اسمها فدوى حبيب.

والفنانة فدوى في العقد السادس من عمرها، والأصل من بيسان، هربت مع أهلها من الموت المباشر، الى الموت البطيء في عواصم رمادية، بلا هوية وبلا كيان تنتسب اليه< عبر تدفق كلمات مونولوج مأساتها الخاصة، يتجدد في نفوسنا ما بدأ يتلاشى في الذاكرة، ترجع لمخليتنا المأساة بوحشيتها، تتجسد النكبة باسقاطاتها، نلمس معاني التشرد والشوق للوطن المفقود، وتبقى مسألة غير مستوعبة، أصعب من ان يهضمها العقل... حقيقة الانسان بلا وطن، بلا ملاعب الطفولة، بلا ذكريات .. ربما نتخيل معنى ذلك، ولكننا لن نفهم صعوبة هذه المعاناة ووحشيتها المجسمة بالضياع في متاهات لا تنتهي... كما يعيشها ابناء شعبنا، المحرومون من وطنهم وذكرياتهم وتواصلهم مع تاريخهم وأرضهم .

سلمان يعيدنا عبر فدوى، عقودا عدة الى الوراء، الى بيسان المدينة التي تحمل عبق التاريخ بامتداداته الكونية، وتتحول بيسان، بيسان الفلسطينية الفيروزية، الى محور لهذا الكتاب، الى ملتقى المصائب... ملتقى الأحزان، يتركنا سلمان، ربما بقصد... نكتشف عمق الجريمة التي ترتكب، والاغتصاب المتواصل لتاريخنا وانسانيتنا وذاكرتنا وكرامتنا.

فدوى تزوجت من مغربي، والده كان شريكًا لتاجر يهودي، أولاد اليهودي غادروا المغرب الى اسرائيل، ربما يسكنون في بيت فدوى، في بيسان. تقول فدوى لسلمان:

-   "إذهب والتقِ هؤلاء الناس، تجتاحني رغبة جنونية لأعرف ماذا يقولون، وكيف يشعرون، وبماذا يفكرون؟ وهل استطيع أن أكون مطمئنة من أن الذي قتلني وورثني، لا يكرهني؟

هل هناك انسانية أعمق وأكبر من انسانية فلسطينية صودرت أحلامها، ونكبت بوطنها، ويقلقها ان لا يكرهها قاتلها ومغتصب ملاعب صباه؟

وها هو سلمان ينفذ رغبتها، يتجول في بيسان، ويحاول أن يدمج بين الماضي والحاضر.

المقطع الثاني يتحدث عن الشاعر العبري الإنساني "عمانوئيل بن سابو" الذي اشتهر بقصائده الاحتجاجية ضد الاحتلال ونشاطه في دعم الحقوق الفلسطينية، وكان ينشر قصائده في صحف عبرية، ويوقعها باسم "خميس توتنجي"، وهو اسم سائق تكسي فلسطيني قتله متطرفون يهود عام 1985 قرب مفرق "معليه ادوميم" انتقامًا لمقتل سائق تكسي يهودي.

سابو نشأ نشأة دينية، وتربى تربية صهيونية، بكل ما يحمله هذا التعبير من معنى، ساهم مع "تساحي هنجبي" وأمثاله بمحاولة "إنقاذ" أرض إسرائيل الكبرى، ورفض الانسحاب من سيناء المصرية في وقته، ونشر سابو ديوان شعره الأول عام 1982، وكان ديوانًا يطفح بالقصائد الشوفينية المتطرفة، ولكنه سرعان ما اكتشف ضلاله وأنقذ إنسانيته، ورفض النهج الشوفيني، نهج غوش إيمونيم الاستيطاني وارض اسرائيل الكاملة وسائر الفاشيين الغلاة، وانحاز الى جانب الانسان، الى جانب الحق،الى جانب السلام والمساواة والعدل. الى جانب الحقوق المشروعة والانسانية للشعب الفلسطيني.

يجمع سلمان بين مصائر الناس، يدفع سابو للقاء عائلة خميس المقدسية، عائلة سائق تكسي قتله المستوطنون الفاشيون، وينقل نتائج اللقاء... ربما هي صورة صغيرة لضرورة اللقاء بين الشعبين، وليسَ بين أفراد فقط، انها شهادة على طيبة الإنسان،بغض النظر عن انتمائة الاثني أو الديني .. اذا ما عاد الى انسانيته.

ومع ذلك لي بعض الملاحظات... صحيح انني أتحدث عن مأساة قديمة، ولكن التاريخ لا ينسى ولا يهمل المآسي ما دامت أسبابها قائمة وترتكب كل يوم جرائم بشعة..

سلمان يحاول أن يجعل من كتابه لوحة ل "بيت شان" – الجرح الفلسطيني الذي لم يندمل .. وفعل حسنًا حين انهاه "بعرس في السماء" عن مقتل فتاتين، فلسطينية من نابلس ويهودية من بيت شان، في اسبوع عرسهما، كأنه يحذر من حلقة سفك الدماء المغلقة. وكأني به يقول، ها هو الجرح الذي لا يزال مفتوحًا، رغم الزمن ... وينتظر أصحاب الضمائر ليضعوا حدًا له، ولكن حقيقة المؤلمة ان ما كان هو حلقة في سلسلة نشهد كل يوم مأساة جديدة من حلقاتها، التي لم تتوقف بعد .

سلمان ناطور يقدم لنا في كتابه عملاً هامًا يحمل نكهة خاصة، ويثير الكثير من الخواطر والمشاعر، ويجدّد بالنفس مرارة وحزن الضياع، الضياع في الغربة، والضياع في الوطن، والذهول أمام أطلالنا، وتاريخنا الذي تبعثره الرياح.

ويبقى كتاب "يمشون في الريح" عملاً يحمل الكثير من الخصوصيات، يضاف لرصيد سلمان ناطور... وهو، وهذا المهم، يبرز انسانية الفلسطيني في مواجهة قاتله. وكأني به يرمز الى أهمية الغاندية (اسلوب غاندي في مقاومة الاحتلال البريطاني للهند سلميا، الذي حقق الحرية والاستقلال للهند) في نضال الشعب الفلسطيني .

 

نبيل عودة – كاتب، ناقد واعلامي – الناصرة

 

رَغَبات الآمر أمر

ahmad alhiliبعد مرور سنة على التحاقي بهذه الوحدة العسكرية المرابطة على خطوط النار في شرق البصرة، وقعت حوادث عديدة داخل الوحدة، في إحدى الليالي سمعنا صوت إطلاق نار صادراً من أحد الحظائر، اسرع الجنود وكذلك نواب الضباط والضباط لمعرفة ما يجري، علمنا بعد ذلك أن أحد الجنود أطلق النار على رأسه من بندقية الكلاشنكوف التي يمتلكها، وهو لم يمض على تواجده في وحدتنا سوى شهرين، سبق لي أن تعرّفت عليه، كان أحد خريجي معهد المعلمين العالي ببغداد، عرفت في حينها أنه كان متعلقاً بأمه، ومن أجل ذلك وجدوا على جثته رسالة موجهة منه إليها يعتذر فيها بشدة أنه قام بفعلته الشنيعة هذه، بصعوبة بالغة حصلت على الورقة التي تركها، فهم قد وضعوها ضمن أوراق ملف المجلس التحقيقي الذي أُجري على عجل، حيث دوّنوا أقوال أفراد حظيرته وكذلك أقوال نائب الضابط رأس عرفاء الوحدة، أثار أحد الجنود الشكوك، أن يكون الضغط النفسي الذي مارسه آمر سريته من أجل أن يجعله يعمل لديه بصفة مراسل، ولكن الرسالة التي تركها تقطع الشك بشأن ذلك، فهو يعلن فيها بصورة لا لبس فيها أن انتحاره لم يكن جراء ضغط من أي نوع مارسه بحقه آمر سريته الذي يكن له الاحترام ويتمنى لك التوفيق ..

وبالنسبة للشعار غير المعلن وغير المفهوم من قبلي الذي يخص آمر الوحدة ، والمتداول داخل كحقيقة مؤكدة يوجّب احترامها والذي نوّهنا عنه آنفاً، وهو (رغبات الآمر أمر)، فقد اتضح لي فيما بعد أنه يمتد لشمل أموراً غير منظورة، ومن ضمنها حق الآمر باختيار مراسل له، ذلك الجندي المغلوب على أمره والذي يرتضي عن طيب خاطر أن يقوم بأعمال دونية كأن يغسل ملابسه ومن ضمنها الداخلية، وكذلك هو يقوم بتلميع حذاء الآمر وما إلى ذلك من أعمال يأباها غالبية الجنود، ولكن بعضهم، ولأسباب عديدة يأتي في مقدمتها أن هذه الوظيفة تعفيهم من الأوامر العسكرية الصارمة والواجبات والخروج يومياً صباحاً إلى ساحة العرض والانخراط كجنود شغل في شتى الأعمال ...

سمعنا ولاحظنا أن غالبية آمري الوحدات والسرايا ممن يحق لهم أن يتخذوا مراسلين، يحرصون على اجتذاب شبان وسيمين، خاصة إذا عرفنا أن الضباط وبسبب احتمالات الهجومات ربما يمكثون في وحداتهم لأكثر من شهر بانتظار إجازاتهم الدورية، الأمر الذي يعني حرمانهم من زوجاتهم ومن العلاقة الحميمية، فكان وجود المراسل الوسيم الذي يلبي احتياجات آمره ليلاً من شأنه أن يسد هذا الفراغ، وهناك الكثير من الحيل والألاعيب التي يجيدونها بمعونة وتعضيد رأس عرفاء الوحدة الذي يكون في هذه الحالة بمثابة " قوّاد" لأمره، من أجل استدراج هذا الجندي أو ذاك ممن تقع عليهم عين الآمر وبالتالي الإيقاع به في الفخ .

سمعت عن الأسلوب الذي يتبعه أحد هؤلاء نواب الضباط، والذي يشغل منصب رأس عرفاء الوحدة، فحين تأتي وجبة جديدة من الجنود المنقولين حديثاً إلى الوحدة فإنه سوف يتم تقديمهم إلى الآمر، وهو سيتفحصهم بدقة، وعندها حين يستقر رأيه على أحدهم، فإن نائب الضابط يستبقيه لديه ويدعه يعيش معه في ملجئه بمعية الانضباط الخاص به، موحياً ومُلمّحاً له باستمرار بأنه سيتم نقله إلى الحظائر الأخرى، وربما إلى الخطوط الأمامية، أما باقي الجنود الذين جاؤوا معه في ذات الأمر الاداري فإنه سرعان ما يتم نقلهم إلى الحظائر الأخرى، وبطبيعة الحال فإن هذا الجندي المنتقى سيعيش في بحبوحة ليس لها مثيل، بينما يرى رفاقه يساقون لتنفيذ شتى الأعمال والواجبات القاسية، وربما ذهبوا بهم إلى الخنادق الأمامية ليلقوا حتفهم هناك، وهكذا يتم تدجينه رويداً رويداً إذا لمسوا فيه شيء من النفور والجموح وعدم الاستعداد للانخراط في هذا العمل . وقد رأيت بعضاً من خريجي الكليات وهم يقعون في هذا الفخ المحكم ...

على أن الأمور ليست ممهدة دائماً وفق مبدأ (رغبات الآمر أمر)، فقد ينقلب السحر على الساحر، مثلما حدث حين جاء عدد من الجنود الجدد منقولين من أحد مراكز التدريب، كان بينهم فتىً في غاية الوسامة اسمه مروان، وفي الحال وقعت عين الآمر عليه ورغب فيه مراسلاً له، ولكن، وكما بدا لنا فإن هذا الجندي لم يكن سلس القياد أو سهل الانصياع، فقد كان معتزاً برجولته، وعلى الرغم من خلقه الرفيع فإنه كان شرس الصباع بهذا الصدد لا يسمح لأحد أن يقترب منه أكثر من اللازم .

كما هو واضح فإنه علم بمخططات الآمر ورأس العرفاء للإيقاع به، رفض رفضاً قاطعاً كل العروض المغرية التي قدمت له، أراد رأس العرفاء أن يجعله انضباط له أي تكون مهمته فحسب تبليغ الأوامر وبعض القضايا الشكلية، ولكنه أعرض عن ذلك، مفضّلاً أن يخرج كـ جندي شغل المرة تلو الأخرى في مهمات حفر الخنادق أو كعامل بناء أو لجلب العتاد، بالإضافة إلى اضطلاعه بمهام الواجبات الليلية، وكلها أعمال قاسية .

استمر ضغط رأس العرفاء عليه، كان بوسعنا أن نرى عيني الآمر وهما تحومان عليه في ساحة العرض الصباحي، ورأينا كيف أنه أصبح يستشيط غضباً وحنقاً لأتفه الأسباب، وقد انعكس ذلك علينا مزيداً من الأعباء والواجبات والأعمال الشاقة التي كان يجيد افتعالها لنا بوصفها واجبات عسكرية ليس إلا .

توطدت العلاقة بيني وبين مروان، الذي أرسلوه إلى حظيرتي، التي لا يوجد فيها أحد سواي، في البداية بدا لي متوجّساً جداً ومتشككاً، ولكنه بمرور الوقت أصبح أكثر سلاسة، أصبحت موضع ثقته وكان يعتبرني بمثابة أخيه الأكبر ... كان يؤلمه ويؤرّقه أن يرى جنود الوحدة يتعرضون لكل هذا العناء بسببه، كنت أشفق عليه وأن فتوته ونضارته يقعان ضحية هوس وجنون آمر وحدتنا الذي اختار أن يكشّر عن أنيابه كأي وحش كاسر .

أخيراً، وبعد مرور أكثر من ستة أشهر، رأيت بوادر الانهيار تتبدى على مروان، ولكني قرأت تصميماً وعزماً لا هوادة فيه في سلوكه، ذهب إلى رأس عرفاء الوحدة وأبدى موافقته أن يُصبح مراسلاً لدى الآمر .

في اليوم التالي اصطنع الآمر مناسبة، وأمر القائمين على سيارة الحانوت بأن يجلبوا من سوق البصرة الكثير من مظاهر الزينة، وأصدر أوامره إلي بوصفي مشغلاً لإذاعة الوحدة أن أكف عن بث أناشيد الحرب الحماسية وأن أقتصر في البث على الأغاني العاطفية ...

فرح الجنود، وبدت على الجميع علائم الارتياح والانشراح لأن المياه عادت إلى مجاريها السابقة، ولأن هستيريا الأوامر التعسفية قد توقفت .

مضى اسبوعان، ثم ما لبثت أن طارت داخل وحدتنا إشاعة هائلة تتعلّق بفحولة آمرنا، وأنه يفضّل أن يكون مفعولاً به لا فاعلاً في الفراش، سمعت عدداً من الجنود يتداولونها بشغف وتشفٍّ وكأنَّ أحدهم فاز بالجائزة الكبرى .

فكّرت مليّاً في هذه القضية الشائكة، فقد أتاح لي الاقتراب من مروان أن أطّلع عن كثبٍ على شخصيته وأنه لم يكن قط ليّناً أو يسهل استدراجه، وأنه لأمرٍ ما أبدى موافقته أن يكون مراسلاً للآمر، خمّنتُ أنه أراد من خلال تنازله وتضحيته الجسيمة أن ينتقم من هذا الضابط العاتي .

كنت أراه لبعض الوقت ولكن على عجلٍ، وأخيراً أتيح لي وقتٌ كافٍ لكي أسأله عن حكاية فحولة آمرنا المثلومة، فكّر قليلاً، ضحك، قال لي ؛

- نعم، أنا أضمرت في نفسي أمر الانتقام منه في نفسي حين وافقت على أن أكون مراسلاً له، أردت أن اقتصَّ منه بذات الطريقة القاسية التي يتعامل بها مع الآخرين، اقتربت منه بما يكفي، لكي أُطلق هذه الاشاعة، التي وكما تعلم ليس بوسع أحد أن يوقفها حتى وإن كانت كاذبة !

 

أحمد الحلي

 

مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" لمالك بن نبي بين السيرة الشخصية والتاريخ وفلسفة الحضارة (4-4)

4bobaker jilali- مميزات مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب": بعدما قرأت مذكرات شاهد للقرن 20 في قسمها الثاني "الطالب" اكتشفتُ شخصية "مالك بن نبي" الإنسان، الذي نشأ وترعرع في أسرة جزائرية محافظة على تراث أبائها في اللّغة والتديّن وسائر العادات والتقاليد، على الرغم من تعرّضها للاستعمار الفرنسي، وما فعله هذا الأخير من محاولات متكررة لطمس معالم هذا التراث ومحو آثاره من حياة الجزائريين، اكتشفت الإنسان بمشاعره الجيّاشة في العطف والحنان والحب تجاه أفراد أسرته وخاصة والدته وكذلك زوجته "خديجة" التي عاش معها حياته في ودّ ووئام، وتجاه كل إنسان تعرّض للظلم خاصة ذلك الإنسان الذي هو "مالك بن نبي" الذي ترّض لظلم كبير هو وشعبه وأمته من طرف الاستعمار، فنمت في المقابل في نفسه مشاعر الغلّ والحقد والضغينة تجاه الاستعمار الفرنسي البغيض وتجاه أي استعمار خبيث لا يجلب لمستعمراته سوى الهلاك والخراب ويكون دوما نقمة عليها.

واكتشفتُ شخصية "مالك بن نبي" الإنسان في صلته بالاستعمار وفي مواقفه منه ومما يصنعه في الجزائر وفي مستعمراته الأخرى، اكتشفت الإنسان الذي عاش طفولته في الشرق الجزائري، حيث الاستبداد والقهر والفاقة والحرمان والتخلّف في الفكر وفي الحياة عامة، وعاش شبابه ومرحلته الدراسية في باريس ومدن أخرى داخل فرنسا، فعاش ذلك التناقض في ثقافة الاستعمار النظرية والعملية وفي سائر ممارساته، تناقض يكشف عنه وجهاه، وجه ظاهري كريم متسامح ووجه أسود بغيض، كان يربط كل ما يحدث له وما تقع عليه عينه في الأماكن الرسمية والهيئات الإدارية وما يصدر عن القائمين عليها بالاستعمار وبممارساته العنصرية البغيضة في الجزائر ومع أبنائها في فرنسا.

اكتشفت أنّ "مالك بن نبي" الإنسان الذي كانت حياته حافلة بالأحداث في طفولته وفي شبابه، خاصة بعد سفره إلى فرنسا بغرض الدراسة، وما تميّزت به الأوضاع الجديدة التي وجد نفسه مضطرا للتعاطي معها على سبيل التوافق والتكيف، هذه الظروف المغايرة تماما لظروف نشأته وترعرعه وتكوينه في الشرق الجزائري، لم يلن أمامها ولم تحوّله عن دينه وإيمانه وعن أخلاقه لينخرط كلّيا في المجتمع الجديد مثلما فعل غيره، بل زادته تمسكا بمقومات أمته وبقضية وطنه وحقوق شعبه، وكلّما تعمّق انخراطه في الأوضاع الجديدة وهو يتنقل بين الجزائر وفرنسا ازداد ارتبطا بعروبته وإسلامه ووطنه وأمته، فكان فعلا مثالا في الوطنية وفي وعيه بمطالب الشعوب المقهورة من طرف الاستعمار الغربي الحديث.

اكتشفت في صاحب المذكرات الرجل السياسي الحقوقي الذي لم ينقطع طيلة وجوده بفرنسا عن النضال السياسي، ناضل في السرّ والعلن، على المستوى المحلي الجزائري، وعلى المستوى الإقليمي العربي الإسلامي، وعلى المستوى الإنساني العالمي، منطلقا من إيمانه الراسخ والعميق بحقوق الناس جميعا في الحياة الكريمة وفي الحرية وفي العدل والمساواة، وهو إيمان تغذّى بتكوينه الأخلاقي وبتربيته الإسلامية، فكان ينبذ التمييز العنصري وهو طبع الاستعمار، ويدعو الإدارة الاستعمارية في الجزائر وفي داخل فرنسا إلى ضمان المساواة بين أبناء الجزائر وأبناء فرنسا، وكان يدفع الظلم عن المظلومين من دون هوادة في حواراته ومناقشاته وكتاباته وفي أرائه ومواقفه من القضايا والأحداث التي كانت تعج بها حياته.

لقد بان بجلاء توجّه صاحب المذكرات من هذه الأخيرة في الحياة، وأنّه لم يكن ذلك الشخص العادي في مرحلة دراسته، ولم يكن مثل أقرانه من الجزائريين أو الفرنسيين، لما تميّزت به شخصيته من ذكاء وقوّة البداهة والقدرة على التحليل والنقد والتنبؤ بالنتائج من السرعة في إدراك الظروف والأسباب، فكان يختلف تماما عن غيره في شغفه بالعلم وحبه للعلماء وباهتمامه بالفكر والفلسفة والتقنية، ولم يكن من أصحاب فكرة نقل الحضارة والتحضر بمنتجاتها وباستيرادها بل الحضارة الحقّة هي التي تلد منتجاتها وليس العكس، وليس المشكلة في الاستعمار بل المشكلة الأصل في "القابلية للاستعمار"، وللحضارة بداية وأوج ونهاية، كل هذا وغيره كثير أثبت أنّ "مالك بن نبي" كان صاحب قدرة فائقة في التفكير ومنهج متميز وفكر فلسفي قويّ ومشروع نهضوي حضاري طابعه عالمي إنساني لحل مشكلات الحضارة، حوّله فيما بعد إلى مفكر العصر وفيلسوف الحضارة تفوّق على من سبقه وتألّق نجمه في سماء العلم والفكر والفلسفة.

يمكن عرض أهم وأبرز المميّزات التي تميّزت بها مذكرات شاهد للقرن 20 في القسم الثاني منها "الطالب" تلخيصا وتخليصا لا بالتفصيل:

1- تمثل مذكرات شاهد للقرن 20 في القسم الثاني منها "الطالب" مرآة عاكسة قدّمت لنا صورة واضحة ودقيقة عن السيرة الشخصية لصاحبها، وصورة واضحة ودقيقة عن تاريخ الفترة ما بين 1930 و1939 في أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وصورة عن الإصلاح والحركة الوطنية ونشاط جمعية العلماء المسلمين في الجزائر وفي فرنسا، وصورة عن إرهاصات المشروع الفكري والحضاري لدى صاحبه وهو شاب في مرحلته الدراسية بفرنسا.

2- تنصب المذكرات من بدايتها إلى نهايتها على الوصف الدقيق تلميحا وتصريحا للوجه الإزدواجي الذي يملكه الاستعمار الفرنسي، ثنائية الصورة الاستعمارية، وجه ظاهري أبيض متسامح وكريم، ووجه خفي بغيض حقود وإجرامي، الوجه الثاني لا يبديه إلاّ مع أبناء مستعمراته في الجزائر وفي غيرها، خاصة خلال حرب التحرير الجزائرية، ومازال التاريخ وسيبقى يروي ذكريات جرائم الاستعمار الفرنسي النكراء في الجزائر، مثلما يرويها في بلدان أخرى من العالم تعرّضت للاستعمار الغربي الأوروبي الحديث.

3- تكشف المذكرات عن نضال صاحبها السياسي وفي ميدان الحركة الوطنية، كما تكشف عن مواقفه من الاستعمار ومن الأحداث والتطورات التي عرفتها المرحلة المحلية الجزائرية والإقليمية العربية الإسلامية والدولية، كما تكشف عن رؤاه النقدية في المنهج الإصلاحي السائد وفي مواقف التيارات الفكرية والسياسية الجزائرية التي نشطت في الجزائر وفي فرنسا، وفي مواقف زعماء هذه التيارات، وفي مواقف جمعية العلماء المسلمين التي كانت مواقفه أقرب إلى خطها من غيرها، كما تصدّى بفكره النيّر العلمي والفلسفي النقدي لبعض النزعات الصوفية التسكينية الأخطر على الدين والأمة من عملاء الاستعمار.

4- قدّمت المذكرات المحطّات الرئيسية التي عرفتها حياة صاحبها في مرحلة وجوده بفرنسا للدراسة، والتي شكّلت نقاط تحوّل هامة في شخصية، وهو يتدرّج من أسفل نحو أعلى ليصبح مفكر العصر وفيلسوف الحضارة وأستاذ الجيل كما يسميه البعض. أهمّ المحطات هي:

- سفره إلى فرنسا وانخراطه في الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين

- إخفاقه في امتحان الدخول إلى معهد الدراسات الشرقية بباريس

- انضمامه لمدرسة اللاّسلكي بباريس

- اطلاعه على ما يجري في الحيّ اللاتيني ونادي الطلبة المغاربة بباريس من صراعات بين مكونات الطبقة

السياسية في الجزائر

- معاقبة والده بنقله من طرف رئيسه حاكم تبسة بسببه

- قصته مع مدرسة الكهرباء والميكانيكا بباريس

- حياته مع زوجته الفرنسية المسلمة "خديجة"

- تركيزه على شخصيات بعينها مثل اليهودي "جورج لوكاش" زعيم المنظمة العالمية للدفاع عن اليهود آنذاك، ومثل "باهي" صاحب المقهى بتبسة الذي يمثّل الإصلاح بالتصوف والشعوذة والتخلّف، والسيدة "دوننسان"30 التي تمثل المعمرين في الجزائر فهي تلاحظ كل الأحداث والتطورات الجارية في مدينة تبسة لكن لا تفهمها ولا تفسرها، وبعض الشخصيات لديه هي قدوة في الوطنية والفكر النيّر، مثل "حمودة بن الساعي" الذي يمثل الفكر والمعرفة، وبعض هذه الشخصيات يمثل الاستعمار في ثقافته ولدى كباره مثل "ماسينيون" المستشرق الفرنسي وغيره كثير.

- مصاحبته "حمودة بن الساعي" الرجل الوحيد الذي وجد فيه ما يعينه على بلورة أفكاره ومواقفه

- فشله في الحصول على منصب شغل في فرنسا وفشله في السفر إلى الحجاز

- قصته مع نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي الذي أشرف عليه بمرسيليا

- مغادرته الجزائر في اتجاه فرنسا مع زوجته مباشرة بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية

5- أما بالنسبة للمذكرات وفي قسمها الثاني "الطالب"، فمن حيث العرض واللّغة والشكل عموما وغيره تميّزت المذكرات وميّزت صاحبها بما يلي:

- العرض المستفيض والمسلسل

- وضوح اللّغة وبساطتها وسهولة وصولها إلى الأفهام

- الوصف الوافي والمفصّل

- التحليل الدقيق للأحداث والوقائع

- عمق الأفكار ووضوحها وسلاستها

- النقد الموضوعي والمنهجي لرؤى وأفكار غيره

- بعد النظر في العرض والتحليل والتعقيب والاستنتاج

- التنبؤ بالنتائج من سرعة إدراك الأسباب والشروط والظروف

- أسلوب التشويق في العرض مما يشد القارئ إليه

- التفاعل مع الأحداث والتحمّس لها

- استخلاص العبر والدروس من مدرسة الحياة

- قوّة الشعور بالمسئولية وحضورها في سائر أعماله وعلاقاته وفي حياته ككل

 

خاتمة

بعدما أتممت قراءة مذكرات شاهد للقرن 20 «الطالب" وارتسمت خطة دراستي لسيرة صاحب هذه المذكرات كما رواها هو، وبعد دراسة كل جانب من جوانب الخطّة، اتضحت لي الكثير من الحقائق، تخصّ سيرة الراوي بجميع أبعادها الإنسانية، النفسية والعقلية والتربوية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية والعلمية والثقافية والحضارية وغيرها، ولعلّ أبرز هذه الحقائق وأهمها تفرّد شخصية صاحب المذكرات عن غيرها في ممارسة النظر والعمل والتجاوب مع الأحداث والتغيّرات الجارية على المستوى المحلي الجزائري، وعلى المستوى الإقليمي العربي الإسلامي والعالم المتخلف، وعلى المستوى العالمي الأممي، فهو يشترك مع الكثير في الجانب الإنساني والأخلاقي والديني والوطني، لكنّه يختلف عنه في منهج تفكيره وفي المشروع الفكري الحضاري الذي قضى حياته يعمل لأجله، فهو صاحب قلم وكلمة وموقف ورسالة، كلّ ذلك ترجمته كتاباته المتميّزة التي جعلت منه المفكر والفيلسوف ونادرة زمانه.

 

الدكتور جيلالي بوبكر

جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف الجزائر - الشلف

..............

هوامش

1 - مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطالب"، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، دمشق، سوريا، الطبعة الثانية، سنة 1984، ص 428.

2 - المصدر نفسه: ص 204.

3- المصدر نفسه: ص 216-217.

4- المصدر نفسه: ص 242.

5- المصدر نفسه: ص 250.

6- المصدر نفسه: ص 273-274.

7- المصدر نفسه: ص 312-313.

8- المصدر نفسه: ص 369- 374.

9- مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطفل"، ص 13.

10- مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطالب"، ص 288.

11- مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطفل"، ص 54-55. 14

12- المصدر نفسه: ص 63.

13- مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطالب"، ص 344-345.16

14- المصدر نفسه: ص 345.

15- المصدر نفسه: ص 364.18

16- المصدر نفسه: ص 401.

17- المصدر نفسه: ص 415.

18- المصدر نفسه: ص 427-428.

19- المصدر نفسه: ص 222.

20- المصدر نفسه: ص 235-236.

21- المصدر نفسه: ص 257-258.

22- المصدر نفسه: ص 257-258.

23- المصدر نفسه: ص 267.

24- المصدر نفسه: الصفحة نفسها.

25- المصدر نفسه: ص 267.

26- المصدر نفسه: ص 276-277.

27- المصدر نفسه: ص 279.

28- المصدر نفسه: ص 279.

29- محمد عبد السلام الجفائري:مشكلات الحضارة عند مالك بن نبي، الدار العربية للكتاب، ليبيا، تونس، سنة 1984، ص 48.

30- سيّدة من المعمرين الفرنسيين تسكن بجوار مقهى "باهي" بمدينة تبسة.

 

إسلاميو السلطة (117): مقتدى الصدر زعيم متسامح مع المفسدين

salim alhasaniيبقى موقف زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، بارزاً في الصفحة العراقية من خلال رفضه الاحتلال الأميركي، وثباته على هذا الموقف الوطني طوال فترة الاحتلال، كما يُسجل له بقاؤه على نفس الموقف من خلال تحذيراته المستمرة والمتكررة برفض عودة القوات الأجنبية الى العراق في ظروفه الحالية.

لكن هذا الحرص الوطني لا يعفيه من تساهله مع ظاهرة الفساد المتزايدة بين قيادات تياره، وهي ظاهرة بينة مكشوفة لأبناء الشعب العراقي، حالها حال قضايا الفساد الأخرى التي تنخر بالعراق، ويذهب ضحيتها الفقراء ومنهم بطبيعة الحال أنصار السيد مقتدى الصدر.

...

لقد شخّص السيد مقتدى الصدر أن اتباعه (جهلة) وهذا ما وصفهم به في احدى خطب الجمعة ، وخاطبهم في خطبة أخرى (تباً لي ولكم)، إلا أن هذا التشخيص لا يعفيه من مسؤولية النهوض بهم، بل أنه يفرض عليه أن يتوقف طويلاً عند هذا الخل الاجتماعي والتربوي، من أجل معالجته، بحيث يصرف جهوده بهذا الاتجاه، فلا يمكن للقائد أن يعرف بأن اتباعه جهلة، ويترك الأمر على حاله، لأن مهمة القائد هي ان يتعامل مع الواقع الاجتماعي بسلبياته فيقوده نحو النهوض، وإلا فما الحاجة الى قيادته من الأساس؟، وبالنظرة الأعمق فان معنى ذلك أن هذا القائد لا يمتلك مؤهلات التغيير والقيادة، وأن أفضل ما يمكن ان يصل اليه هو أن يترأس مجاميع بسيطة جاهلة بحسب وصفه.

...

لقد قدّمت الأسرة الصدرية قيادات كبيرة أخذت مكانتها التاريخية في الحياة العامة في المستويات السياسية والفكرية والاجتماعية، حيث تصدى الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر للتيارات الوضعية والموجات الالحادية، فقدم أطروحة حركية وفكرية تحولت الى اتجاه تغييري في الساحة، وفرض قيادته من خلال مشروعه الإسلامي الكبير.

واستطاع الامام السيد موسى الصدر أن يصنع نهضة جماهيرية واجتماعية في لبنان، بحيث فرض قيادته بقوة على ساحة معقدة متعددة الطوائف والولاءات الدولية، وصار رقمها الأصعب والمحرك الفاعل فيها حتى تم تغييبه عنها لإنهاء دوره المتقدم فيها.

وحين أوشكت حالة الإحباط أن تطبق على العراق تحت دكتاتورية نظام صدام وقمعه الوحشي، برز الشهيد السيد محمد الصدر ليطرح مشروعاً جماهيرياً توعوياً أعاد للأمة ثقتها بنفسها، وتمكن من شدها الى مرجعيتها الدينية بعلاقة وثيقة تتحدى الظلم والإرهاب السلطوي حتى قضى شهيداً وهو في قمة دوره القيادي.

...

عندما نطرح هذه النماذج الصدرية الشامخة، أين نضع السيد مقتدى الصدر منها؟

وما هو المشروع الذي طرحه بحيث أخذ طريقه عملياً في نهضة الامة ثقافياً واجتماعياً، حتى يمكننا أن نعتبر أن قيادته قريبة من الرموز الصدرية التاريخية؟

أين هي نتائج الإصلاح ومحاربة الفساد في التيار الصدري، والمواطن العراقي يرى بعض كبار المفسدين في العراق وهم ينتمون الى هيئات قيادية في التيار مثل بهاء الأعرجي وحاكم الزاملي وعلي التميمي ومحمد صاحب الدراجي ومهند الساعدي ومحسن عصفور الشمري وغيرهم من المسؤولين والنواب؟ لماذا لا يحاسبهم ويحاكمهم ويحيلهم الى القضاء ويسترد منهم الأموال المسروقة؟

أين هي جهود السيد مقتدى الصدر في تطهير تياره من المفسدين، وهناك عشرات ومئات البلطجية الذين استولوا على بيوت الناس وممتلكات الدولة وحولوها الى أملاك شخصية لهم في بغداد ومحافظات الجنوب الفقيرة؟ وما الذي يدعوه الى تركهم يسرقون من دون ان يسترجع الأموال والعقارات المسروقة لأصحابها، بينما يكتفي فقط بالادانة والطرد من تياره؟ والطرد في هذه الحالة، مكافأة للسارق وليس عقوبة.

...

لا يمكن وفق هذه المعطيات أن تكون ساحة السيد مقتدى الصدر بريئة، وكل هذا موجود في تياره، بينما يكتفي هو بشجب الفساد والمطالبة بالإصلاح، واطلاق مشاريع تحت مسميات الإصلاح والإنقاذ، وهو نفس ما يفعله السياسيون بصياغات متنوعة، لكن النتيجة واحدة، فهي كلمات لا تأخذ طريقها الى الواقع، حيث يبقى المواطن الفقير يدفع الثمن من حياته وحاضره ومستقبله، ولا يجد سوى أن يصمت أمام جماعات الاتباع الذي يهتفون للقادة.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" لمالك بن نبي بين السيرة الشخصية والتاريخ وفلسفة الحضارة (3-4)

3bobaker jilali- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، لفلسفة الحضارة

لم يكن مالك بن نبي الطالب في مرحلته الدراسية في الطفولة بالجزائر وفي مرحلة الشباب بفرنسا بسحب مذكراته طالبا عاديا، بل كان صاحب فكر ورسالة وكلمة وموقف، صاحب مشروع فكري نهضوي حضاري، بانت إرهاصاته في طفولته وفي شبابه، مشروع تجاوز به أترابه في الجزائر وتفوّق حتى على النخبة من أقرانه في المدارس الفرنسية ومعاهدها، تكوّن فيه بالعناية الإلهية التي هيّأت أسبابه، فكان إعداده الأولي الإسلامي العربي الجزائري الأصيل المتين، وجاءت سفرياته العديدة من تبسة الجزائر إلى باريس ذهابا وإيابا، ثم جاء تكوينه العلمي الرياضي، ثم تكوينه التقني العملي، بالإضافة إلى تكوينه الفلسفي وتنوع ثقافته، بفعل ذلك كلّه تشكّل لديه منهجا خاصا محكما في التفكير، ومنطقا دقيقا في التعامل، وأسلوبا مزج فيه بين بعد النظر والدّقة العلمية والعمق الفلسفي.

استطاع أن يجمع بين الحكمة العلمية والحكمة الفلسفية في تتبع أحوال الظواهر والأشياء وفي تحليل الحوادث والقضايا والمشكلات، وفي اتخاذ المواقف، أسلوبه يقوم على مراعاة طبيعة البشر وفطرته، ويستخدم العقل والمنطق والبراغماتية، ويستفيد من العلم والتاريخ وخبرات وتجارب الآخرين في الماضي والحاضر إلى أبعد الحدود، فكان بحقّ منهجه في التفكير والدراسة والتحليل لا يستقيم وجوده وحاله إلاّ لدى مفكر أو فيلسوف، وبان ذلك بوضوح في سائر كتاباته التي نشرها تحت عنوان كبير "مشكلات الحضارة"، من منطلق أنّ مشكلة الإنسان المعاصر في تخلّفه وانحطاطه في أصلها مشكلة تحضر.

جسّدت مذكرات شاهد للقرن العشرين "الطالب" فعلا رؤية فكرية وفلسفية إلى الحضارة والمدنية، انطلاقا من وضع استعماري فاسد متعفّن مختل متدهور باستمرار في الجزائر وفي سائر البلاد المستعمرة، ووضع حضاري علمي وتكنولوجي متطور باستمرار في فرنسا وفي العالم المتقدم، ومن منطلق أفول نجم حضارة إسلامية عريقة وراقية كانت قمّة في العطاء وبلغت أوجها في الازدهار، ولم تتجه صوب استعمار الشعوب والأوطان والعقول وعلاقاتها بغيرها من الأمم والأقوام لا تكون إلاّ بالرضا والاختيار، فالعناية الإلهية شدّتها نحو الحرية والعدل والمساواة في الدين والدنيا، حضارة زحفت على العالم لإرساء مفاهيمها ولنشر ثقافتها وسائر منتجاتها المادية والروحية، وخاصة العالم الإسلامي الذي داسته أقدام جنود الاستعمار وداست معه كرامة المسلمين ودينهم وثقافتهم وتاريخهم الذي اشتمل على حضارة راقية في النظر وفي العمل، حضارة كانت حقّا وفعلا فتحا مبينا على أوربا في العصور الوسطى المظلمة، فأخرجتها من ظلمات الجهل وفاجعات الاقتتال والتناحر ومعاناة الظلم والجور إلى نور العلم ومتعة الأمن وراحة العدل.

نال الاستعمار الفرنسي من أبناء الجزائر كرامة وثقافة ودينا ولغة، كما نهب خيراتهم وثرواتهم الطبيعية، وبدّد طاقتهم البشرية الفكرية والروحية، وسفك دمائهم وذبحهم كالخراف، ومازال كذلك مع أبناء الجزائر المهاجرين عمال وطلبة، بثّ في أوساط نخبتهم داخل الجزائر وفي مدن فرنسا الفرقة والشّقاق والانقسام فصاروا وحدويين ومنشقّين، وقبل ذلك كانوا على قلب رجل واحد، لا نزاع ولا فرقة، حتى بين يهود الجزائر ومسلميها، وانغمس معظمهم في ثقافة الغرب وفي مغرياتها المادية، ويرون في ذلك الحداثة والتحديث اللاّزمين، التقدّم المطلوب الذي هو شرط ازدهار أوروبا وتطوّرها وسبب خروجها من التخلّف والانحطاط، وتسابق الجميع على الدنيا من دون اهتمام بالموت والحياة الأخرى، ومن دون التفات لمآسي الشعب وهمومه ومعاناته، فكان الجميع ضد الجميع بسبب منصب سياسي أو مركز اجتماعي أو مقدار من المال، أو عمالة رخيصة من غير منطق عملي أو فعّالية في المبادرة والاتجاه.

في هذا الجو الجزائري المريض بالقابلية للاستعمار، وبكل ما جرّته هذه الظاهرة من مآسي منذ وطأ الاستعمار الفرنسي أرض الجزائر على أبناء هذه الأرض الطيبة، تأكّد لدى الطالب الراوي أنّ الإصلاح الذي يدعو إليه الممالئون للاستعمار مشين، والذي يدعو إليه غيرُهم ناقص ينقصه عمق الرؤية ودقتها وسلامتها وكفايتها، وتأكّد له أنّ المشكلة الأصل في البلاد العربية والإسلامية المستعمرة وفي غيرها من البلاد المتخلّفة هي مشكلة حضارة لا غير، وانكشف الفرق بين الصدّيق "الطالب" في رؤيته للإنسان وللتاريخ وللمجتمع وللحضارة وللحياة عامة وبين أترابه، جزائريين وفرنسيين ومن جنسيات أخرى، وانكشفت هواجس "الطالب" العميقة في التحضّر وفي مشكلات التحضّر، يحلل وينقد ويقارن ويستنتج يبحث عن الحلول، ويقدم رؤى فلسفية وفكرية وروحية على درجة عالية من الدّقة والوضوح والعمق حول شروط التحضّر وأسباب أفوله وحقيقته وما إلى ذلك كثير.

اجتمع عدد من الأسباب والظروف عرفتها حياة "الطالب" في الجزائر طفلا وفي فرنسا شابا يطلب العلم، أثّرت في تكوينه النفسي والروحي والديني والسياسي والعلمي والتقني والحضاري عامة، جعلت منه الشاب الطموح إلى تحقيق حرية واستقلال وطنه وشعبه وأمته، وإلى التأسيس لمشروع فكري نهضوي إصلاحي حضاري إنساني بطابع عالمي. مشروع مبني على أسس علمية، ووفق إستراتيجية محكمة ودقيقة، ورؤية فلسفية عميقة وواضحة ذات أبعاد تجمع بين الجانب الروحي والمادي، بين العلم في موضوعيته ودقته وكميته وبين بعد النظر الفلسفي وعمقه ورحابة أفقه وبين ظروف الإنسان الفردية والاجتماعية وسائر طاقاته والإمكانيات المتاحة له، وبأسلوب براغماتي واقعي يضمن للجميع مصالحهم ويضمن مقاصد شرع في الدين الإسلامي، يأخذ المشروع بهذه الصورة طريقه في اتجاه التحقق، إذا تخلّصت الشعوب من الاستعمار ومن القابلية للاستعمار أولا، وأخذت بأسباب وشروط النهضة والحضارة التي تعود في الأصل إلى ما هو روحي بالدرجة الأولي، وأحاطتها بسياج مكارم الأخلاق وتعاليم الشرع الحنيف.

اجتمعت مواهب الطالب العقلية ونمت وتفتقت بفعل تكوينه الروحي والديني والأخلاقي الذي تلقّاه في أسرته الجزائرية المسلمة المحافظة، وكان تكوينه الأولي قويّا ومتينا، وتبلورت هذه المواهب أكثر بعد سفره إلى باريس، وانخراطه في المجتمع الفرنسي الجديد عليه، وتفتحه على الثقافة الغربية والحياة الأوروبية واطلاعه على الصراع الفكري والإيديولوجي في الغرب الأوروبي وفي البلاد المستعمرة، من خلال الاتجاهات الفكرية والفلسفية والسياسية والدينية وغيرها، وما زاده إلماما بهذا الصراع مشاركاته وإسهاماته الفكرية والصحفية بالخطب والمحاضرات والمقالات الفكرية في الكثير من الندوات والمؤتمرات، وكان لتكوينه العلمي والتقني في المعهد اللاّسلكي وفي مدرسة الكهرباء والميكانيكا الأثر البارز في تكوين رؤيته في الإصلاح والتغيير لا على أساس العاطفة الدينية أو العاطفة الوطنية، ولا بالطرق الصوفية ولا بممالئة الطغاة والتعاون معهم، لأنّ ذلك كمن ينتظر من سجّانه وجلاده يُسلّمه مفتاح باب السجن ليتحرر منه، فالتغيير يبدأ من الذات ويجري في الواقع وفق منهج علمي في إطار استراتيجيه وفلسفة واضحة تحدد المبادئ والأصول والمناهج والوسائل والأهداف، وأي مشروع خارج هذا السياق مصيره الفشل.

اتضحت معالم مشروع "مالك بن نبي" الحضاري وبانت إرهاصات منهجه في التفكير وفي التحليل وتبلورت بوادر فلسفته في الحياة في المذكرات، من خلال العديد من المشاهد والحوادث والمواقف، وهو طفل في الجزائر وشاب طالب يتنقل بين الجزائر وفرنسا، ويروي لنا بعد نظره في الربط بين ما هو اجتماعي وما هو تقني في سياق يقوم على الوحدة والتكامل، فيقول: "...وإنّما كنت أتناول بكل اغتباط تلك الأدوات التي صنعتها الحضارة التي استخدمت النار والحديد، وأتذوق أثناء عملي كل ما في اللّحظة من عذوبة بسيطة. أما الوحدة فلأنّها كانت تغذّي في نفسي الجانب الروحي، وتعرض على فكري اهتمامات وموضوعات أخرى: كنت في جوّها الخاص أعقد الصلة تلقائيا بين القيّم الاجتماعية والتقنية، التي أشاهدها وأتذوقها في الشارع وفي المدرسة، والقيّم التي أراها في هذا الجو، الذي يجد فيه الشباب الوحدوي روحه المسيحية في دقيقة التهجّد عندما يقيمها "هنري نازيل"19 ، وكنت بدوي اكتشفت خلال تلك الدقيقة ما تنطوي عليه الروح المسيحية من حرارة في عقيدتها ومن طاقة على الإشعاع وربما كشفت لي هذه الملاحظات عن جوانب في روحي المسلمة لم أكن أشعر بها قبل بالحدة نفسها إذ لم تكن روحي الموحّدة للمفاهيم الثالوثية التي يحملها إخواني الوحدويون، وبدأت تدور بيني وبينهم محاورات تدخل موضوعات جديدة في جو الوحدة وتساؤلات جديدة عند رفاقي."20

ويقول في تكوينه الفكري بصحبة صديقه "حمودة بن الساعي: "ولكنّه مع ذلك كان الوحيد من جيلي الجزائري، الذي أستطيع العمل الفكري معه لأنّ شيطان المعرفة قد استولى عليه منذ صباه ، حتى أنني اعتقدت تلك الليلة، أننا سوف نقوم بعمل سيبقى أثره في في المجتمع الجزائري...ولكن بعد أربعين سنة عندما تعود لي اليوم بعض ذكريات تلك الفترة، أدرك أنّني على أية حال، أدين لـ "حمودة بن الساعي" باتجاهي كاتبا متخصصا في شؤون العالم الإسلامي حتى لو أنّني لم أنجز معه أي عمل بعيد المدى...ومن ناحية أخرى يجب أن أقول إنّ تحولي عن دراستي خاصة أيام المعرض قد زاد بصحبته منذ أصبحت مهتما بالفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ، أكثر من اهتمامي بمواد مدرسة اللاسلكي...لم يبقى للأفق البعيد أي تأثير في توجيهي، لكنني بدأت أشعر بآفاق جديدة لازالت غامضة، ولم أكن أستطيع التعبير عنها بكلمات ولكنّها تؤثر بوخزها في نفسي على توجيهي العام."21

يروي "مالك بن نبي" قصة اختلافه مع صهره حول منطق الإصلاح، ليعرض التباين بين منهجه في الإصلاح المستمد من وعيه العلمي ونظرته الفلسفية وإيمانه بالقيمة الاجتماعية للتقنية وهو منهج تكوّن لديه في فرنسا وبين المنهج الصوفي المعروف في الجزائر وفي البلاد العربية والإسلامية، فيقول:"استطاع صهري بعد نكبتنا الاقتصادية سنة 1930 أن يؤمّن قوت أطفاله في شغل مع شركة تصدير للحلفاء مقرها بالمدينة، ولعلّه أراد مزيدا من الضمان لمصير أسرته، فتعلّق ببركة شيخه "سيدي التيجاني" أكثر مما كان عليه، وبما أنّني أثناء إقامتي بفرنسا تعلّقا بالفكرة الإصلاحية المغايرة تماما للطرق الصوفية، فقد شعرت ببرودة وفتور بيننا، سيكون لها أثر في علاقتنا الفكرية، ولكن علاقتنا العائلية ستبقى على أيّة حال كما هي."22

يصف "مالك بن نبي" في عرض مذكراته في تواصله الثقافي والحضاري مع أقرانه من الطلبة الجزائريين والفرنسيين وغيرهم من الجنسيات الأخرى، وهو يعيب على إحدى الظواهر الثقافية والحضارية التي يتصف بها المثقفون في العالم الإسلامي، يقول: "وفي الحقيقة كان صديقي "حمودة" قد أتقن اللغة العربية في محاضرته "السياسة والقرآن" كما علمت ذلك من بعض المحاضرين من الشبان الذين تعرفت عليهم بالنادي، غير أنّ صدمة صغيرة عكّرت سروري عندما سألت الشيخ العقبي ففاجأني برأي غريب: إنني لا أعتقد أنّ هذه المحاضرة من تحرير "حمودة بن الساعي" ولا من بناة فكره، فبعض جملها وتكرر على مسمعي كأنني طالعتها في إحدى المجلات الشرقية."23

ويضيف الراوي بأنّ الحالة المرضية تنمّ عن مركب نقص وشعور بالضعف أمام الثقافة الشرقية من جهة والثقافة الغربية من جهة أخرى، الأمر الذي جعل من يعاني هذا المرض الثقافي والفكري والأدبي في تبعية دائمة لغيره، لا يعتمد على نفسه لتغيير حياته وتطويرها، فيقول: "لم أكن قد عرفت بعد أنّها حالة مرضية تعتري غالبية حاملي الثقافة عندنا، فإن كانت ثقافتهم تقليدية فمثلهم الأعلى في الشرق، وإن كانت عصرية فمثلهم في فرنسا. وبالأحرى لم أكن أعرف أنّ هذه الحالة المرضية تعتري كل مثقفي العالم الإسلامي، إذ تراهم يعانون مركب نقص نحو الثقافة الغربية، وإنّما تتخذ هذه الحالة ازدواجية بسبب ما يعاني الشباب الجزائر تجاه "طه حسين" من ناحية، وتجاه "فرانسوا فانون"من ناحية أخرى، لأنّ التكوين غالبا ما يكون أدبيا. وهي بالتالي ظاهرة عامة: إنّ كل مجتمع فقد حضارته يفقد بذلك كل أصالة في التفكير، أو في السلوك أمام الآخرين."24 والإقلاع الحضاري من جديد أو لأول مرّة يقتضي التوازن في البناء الحضاري، وهذا الأخير يشترط الأصالة والإبداع في الفكر والسلوك.

ينعت الراوي الحضارة من خلال التمييز بين مظاهرها المادية وأوضاعها المضطربة وما حققته من تطور كبير في مجال تحديث الحياة اليومية بالاختراعات المذهلة المبهرة وبين وجهها الأصيل الثابت، ونموذجه في ذلك فرنسا، يقول: "إنّ هذه الحياة المضطربة المصطنعة لا تعطي صورة صحيحة عن الحضارة الفرنسية ، وإنّما توجد هذه الصورة بنماذجها الأصيلة وأصولها البعيدة في الريف في الطبيعة، حيث تكونت صلة الإنسان بالتراب على مدى القرون...لم يكن ممكنا بباريس التعرف على هذا الوجه الحقيقي للحياة الفرنسية، وهذه هي المرّة الأولى التي أتعرف فيها عليه، بقدر سيزيد اكتشافي، أرى الملامح التي أوحت إلى "سولي" وزير هنري الرابع في أوائل القرن السابع عشر، ذلك الشعار الذي وضعه أساسا لسياسته: الحراثة والمرعى عما الضرعان اللذان تحتلبهما فرنسا. واليوم أدرك تمام الإدراك، أنّهما الضرعان اللذان رضعهما عصر النهضة، وأنّ النهضة الفرنسية بالذات هي بنت هذا الإرضاع."25

يحكي الراوي عن انتسابه إلى الإصلاحيين ويعبّر عن اتجاهه الفكري والثقافي المستمد من تربيته ومن تكوينه وهو طفل في الجزائر، وهو اتجاه نما وتطور بفعل التواصل الثقافي والاجتماعي والفكري والسياسي بين ثقافتين مختلفتين وحضارتين متباينتين، هما الثقافة والحضارة الإسلاميتين من ناحية والثقافة الغربية الحديثة من ناحية أخرى، ويصف الفترة وانتسابه الثقافي والفكري والسياسي بما يلي: "وهكذا بدأت تلك الفترة تنشأ صورة القومية الجزائرية بجناحيها: الجناح الكادح الطامح إلى البرجوازية في ذات قيادته المتواطئة مع الحركة اليسارية الفرنسية، والجناح المتواطئ مع الاستعمار...لم يكن "حمودة بن الساعي" وأخوه منتسبين لأحد هذه الأطراف، بينما كنت أنتسب للطرف الإصلاحي، لأنّه كان يمثّل في نظري الصورة الجزائرية للفكرة الوهابية التي كنت أرى فيها منقذ العالم الإسلامي."26

كان "الطالب" في مرحلة الدراسة بباريس يتواصل مع أقرانه من جنسيات وأديان وتيارات فكرية كثيرة، وكان يختلف معهم في طرح المشكلات وفي معالجتها، المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة مشكلات البلاد المستعمرة، وكان يرى أنّ أصل المشكلات التي يعاني منها الإنسان المعاصر خاصة الإنسان المتخلّف حضارية بالدّرجة الأولي، يقول في ذلك: "كنت مع صديقي "صالح بن الساعي" وجماعة من طلبة جزائريين نتناجى بغرفة نزل في القاهرة حول مسيرة الثورة الجزائرية، إذ قام صديقي ليغلق علينا باب الغرفة، فتذكرت فجأة كم كان صديق الصيني أقرب لمنطق الحذر، فصرخت لصالح: "أرجوك أن تترك الباب مفتوحا، وإن استطعت أن تزيل الجدران من حولنا فافعل، لأن الجدران قد تكون وراءها آذانا صاغية."..ومهما يكن فاليوم بعد أربعين سنة أرى بصورة أوضح جوهر اختلافي مع صديقي الصيني، إذ كان يطرح قضية البلاد المستعمرة بتعبير السياسة، وكنت أطرحها من الوجهة الحضارية."27

بانت ملامح المنهج الفكري الفلسفي الحضاري لدى "مالك بن نبي" في طفولته وفي شبابه وفي أيام دراسته هو الأمر الذي تؤكده مذكراته، فكثيرا ما دعا في تبسة بعد اندثار أشجار غابتها وقفرت أراضيها إلى تعويض زراعة الحبوب بزراعة الصبّار والتين الهندي، وكثيرا ما انتقد مواقف الزعماء السياسيين والتيارات الفكرية والفلسفية والدعوات الإصلاحية بفقدانها الفعّالية، كما تعلّق اهتمامه بالفلسفة والفلاسفة وبعلم الاجتماع وبالتاريخ وبسائر النتائج العلمية في الفيزياء والطب والرياضيات وبالاكتشافات والاختراعات وبجميع التحوّلات التي عرفتها أحوال العالم في مرحلته الدراسية، ومن صور اهتماماته صورة تعلّقه بالتجارب العلمية والتقنية، ومنها تجارب "جورج كلود" التي يقول فيها: "ولم يتعلق اهتمامي كما تعلّق بتجارب "جورج كلود" يستخدم الحرارة البحرية، لماذا لا نستخدم الحرارة الصحراوية؟ كان هذا السؤال يتردد في ذهني في تلك الفترة، لأنّ المجال العربي صحراوي على العموم، وأصبحت أولي شطرا من وقتي لدراسة "الترموديناميك" خاصة. وهكذا عاش جيلي، دون أن يتصور أنّه يعيش تحوّلا كبيرا في جميع اتجاهات التاريخ."28

إنّ القارئ لمذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" مثلما يكتشف "مالك بن نبي" الإنسان يكتشفه من خلال تكوينه الديني والسياسي والاجتماعي والفكري، خلال الدراسة وأثناء تنقله بين الجزائر وفرنسا، ويجد أنّ تفرّده في منهج التفكير في الطرح والبحث والمعالجة والنقد والاستنتاج، وفي قدرته على الحوار والإقناع والجمع بين الأدلة والأسباب وسرعة استخلاص النتائج من المقدمات، زاده تكوينه العلمي والتقني الدقة والوضوح في تحليلاته في أفكاره، وهكذا ظهرت بوادر منهجه العلمي والفلسفي المتقدم كما برزت إرهاصات مشروعه الفكري والثقافي والحضاري الذي تجاوز به من سبقه وسبق عصره، المنهج الذي جعل منه مفكر العصر وأستاذ الجيل، والمشروع الذي حوّله إلى فيلسوف الحضارة في عصرنا. ويقول عنه الأستاذ أنو الجندي: "مالك بن نبي يختلف كثيرا عن الدعاة والمفكرين والكتاب، فهو فيلسوف أصيل له طابع العالم الاجتماعي الدقيق الذي أتاحت له ثقافته العربية والفرنسية أن يجمع بين علم العرب وفكرهم المستمد من القرآن والسنّة والفلسفة والتراث العربي الإسلامي الضّخم وبين علم الغرب وفكرهم المستمد من تراث اليونان، والرومان والمسيحية".29

 

إسلاميو السلطة (116): هل يملك مقتدى الصدر مؤهلات القيادة؟

salim alhasani2برز التيار الصدري قوة جماهيرية بعد سقوط نظام صدام عام 2003، وكان هذا البروز السريع ذا طابع عاطفي ارتبط عفوياً بالسيد مقتدى الصدر باعتباره الوريث الوحيد لوالده الشهيد محمد الصدر قدس سره.

كان قوام التيار الطبقات الفقيرة والمحرومة في العراق وهي التي وقع عليها النصيب الأكبر من الظلم والاضطهاد والحرمان ـ ولا تزال هذه الظروف قائمة حتى الآن ـ فلم يختلف الحال كثيراً على هذه الطبقات بين ما كان في عهد الدكتاتور وبين ما جرى بعد سقوطه.

...

اكتشف ثلاثة اشخاص من تلامذة السيد الشهيد محمد الصدر، أن هذه القاعدة الجماهرية العريضة يمكن استغلالها لمصالحهم في مشاريع شخصية، وقد شجعهم على ذلك قلة خبرة السيد مقتدى الصدر في الشأن السياسي، وصغر سنه آنذاك، وعدم تلقيه التعليم الحوزوي المطلوب. وقد استغل الأشخاص الثلاثة الفجوة القديمة بين مرجعية السيد محمد الصدر وبين بقية المرجعيات الدينية في النجف الأشرف، في تحريكها عاطفياً لإقتطاع جمهور من الصدريين، وتحويلهم الى اتباع. وهذا ما تمثل في إعلان الثلاثة مرجعياتهم الدينية في عمل طارئ وشاذ على الضوابط المتعارف عليها في الحوزات الشيعية عبر التاريخ.

الأشخاص الثلاثة مهندسون، ويرتبطون بعلاقات عائلية فالشيخ اليعقوبي عديل السيد الصرخي، والشيخ الطائي صهر الشيخ اليعقوبي. واستطاع اليعقوبي أن يكون هو الأقوى من بينهم معتمداً على الجانب المالي حيث سارع الى تشكيل حزب الفضيلة الذي دخل العملية السياسية بهدف استحصال المال الحكومي بأسرع ما يمكن فحصل على نفط البصرة أولاً ثم وسع نشاطه في صفقات سياسية ومالية مفتوحة بلا قيود، وبذلك قام كيانه على أساس مالي متين، مكنّه من توسيع قاعدته.

...

خاض السيد مقتدى الصدر العمل السياسي من خلال معارضته الصارمة للاحتلال الأميركي، وكان هو الصوت الشيعي الأقوى في رفض الاحتلال والمطالبة بخروج القوات الأميركية من العراق. ورغم أهمية هذا الهدف لكنه لم يستطع أن يبلوره في مشروع بناء الدولة الجديدة، وكان بمقدوره فعل ذلك لو انه استعان بخبرات وطنية نزيهة، لكنه عاش عقلية اللحظة منتشياً بالرصيد الجماهيري الذي ورثه من والده المرجع الراحل، أي أنه اعتمد على الارتباط العاطفي لجمهور المقلدين بمرجعية والده الشهيد، وكان يتصور أن هذا الارتباط هو ضمانته في الاحتفاظ بالقيادة مدى الحياة. لذلك حرص على إبقاء التيار منشداً اليه من خلال الولاء العاطفي، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال تأكيده المستمر في مناسبات كثيرة على عبارات مثل (آل الصدر) و (سمعة والدي).

صحيح أن مثل هذه الكلمات لها أثرها الكبير في التحشيد الجماهيري، لكنها لا يمكن أن تكون من ثوابت العمل ومقومات القيادة، بمعنى أنها عوامل داعمة ومساعدة، لكنها لن تصنع أسس البقاء المطلوب لكيان بسعة التيار الصدري وعلى ساحة بتعقيد العراق، كما أنها ليست مقومات القيادة المطلوبة.

...

إن وراثة القيادة لا تكون في المجال الديني ـ إلا في حالة النص عن معصوم ـ لأن القيادة الدينية قوامها الجانب العلمي، ولا يمكن أن يرث أبناء المراجع علوم آبائهم مهما كانت منزلة المرجع الراحل، فلم يُخلّف مثلاً أستاذ الفقهاء السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره، ابناً يأخذ مكانه في البحث الأصولي ومن ثم في المكانة العلمية المرموقة في الحوزات العلمية. والمثال الآخر ما فعله السيد جعفر الصدر، فلم يدع شيئاً من وراثة أبيه القائد الفذ الامام الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره.

كما لم يرث أبناء المراجع الكبار عبر التاريخ الشيعي مكانة آبائهم وأجدادهم كرموز قيادية في المجتمع لمجرد الارتباط النسبي، وهذا لو حدث فهو ظاهرة طارئة لن تدوم طويلاً، لأنها استنساخ للنموذج القبلي العشائري في بيئة غير عشائرية.

...

كان من المتوقع من السيد مقتدى الصدر، وهو يحظى بهذا التأييد أن يولي جماهيره الرعاية المطلوبة وأن يكون مسؤولاً حقيقياً عنهم في مجالات اجتماعية وتربوية وتثقيفية وخدمية. وكان بمقدوره أن يصنع منهم عامل الضغط الأكبر على العملية السياسية، لكنه بدل ذلك انساق في الجانب الحكومي، من خلال نوابه البرلمانيين ووزرائه في الحكومة وكبار المسؤولين في مرافق الدولة، بحيث تحول هؤلاء الى جزء من منظومة الفساد، وأكتفى هو بالشجب والادانة وإصدار القصاصات.

في هذه النقطة لا يختلف السيد مقتدى الصدر عن غيره من قادة الكيانات السياسية الأخرى في التستر على الفساد أو التورط فيه، عندما لم يكشف الفاسدين الكبار في تياره. فلا نجد ما يميزه عن تورط قيادات حزب الدعوة والمجلس الأعلى وحزب الفضيلة ومنظمة بدر وتيار الاصلاح والقائمة العراقية والكتل السنية والزعامات الكردية، في الفساد الذي يضرب العراق منذ سقوط الطاغية وحتى الآن.

...

أكرر مرة أخرى ان قيادة التيار الصدري مثل غيرها تنطبق عليها مقولة أن الكتلة التي لا تكشف الفاسدين فهي فاسدة، لكن الذي يميز التيار الصدري أن قاعدته هي الأكبر جماهيرياً، وهي المتضررة من الفساد، حيث يعيش افرادها في ظروف حياتية صعبة فيما ينتفع عدة اشخاص بالثراء الفاحش. أما مكتب الحنانة ومتابعته لشؤون الفساد، فهو إجراء بسيط لا قيمة له مقارنة بكبار الفاسدين في التيار من وزراء ونواب ومسؤولين كبار، لم يكشفهم السيد مقتدى الصدر حتى الآن.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" لمالك بن نبي بين السيرة الشخصية والتاريخ وفلسفة الحضارة (2-4)

2bobaker jilali- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" للتاريخ

حرص الإنسان منذ وُجد أوّل مرّة على تخليد ما يحدث له وما يُحدثه هو، فيُدوّن ما ينتجه عقله وما تصنعه يده، من خلال وسائل شتى، وبأسلوب مباشر أو بأسلوب غير مباشر، وتطور التسجيل المخلّد بتطور وسائله وأساليبه في المكان وعبر الزمان، وبفعل تطور البناء الحضاري وتراكم المنتجات الحضارية عبر تاريخ الإنسانية الطويل، حيث سجّل الإنسان أفكاره وسائر أعماله خاصة تلك التي تتمتع بالأصالة والإبداع، في حال الحرب وفي السلم، عند القوّة وفي حال الضعف، في كل الأحوال وفي جميع مجالات الحياة من غير استثناء، سجّل انتصاراته وانكساراته، سجّل ثقافاته وسائر مظاهر هذه الثقافات، من تفكير متنوع وعلوم مختلفة وعقائد متعددة وألوان كثيرة من الفنون والسياسات وكذلك التقنيات والصناعات.

خلّد الإنسان ما أبدعه على الحجر والشجر والمعادن وعلى كل ما صنعته وأخرجته يده بهدى العقل من الحجر والشجر والمعادن ومما تدّخره الطبيعة، طبيعة البشر والطبيعة الخارجية الموضوعية، وكان الهدف من التدوين تخليد مآثر البشر وتكريمه، لتستمر الحياة الإنسانية في اتجاه العطاء والتفوق والتألّق حضاريا في الجانبين النظري والعملي، الروحي والمادي.

جاء الدور في ميدان تخليد أعمال البشر على التاريخ أو التأريخ وعلى أهله في حفظ الماضي الذي كان بالأمس حاضرا ينعم بالحياة، وفي صون المواد التاريخية على اختلاف أنواعها ومجالاتها، التي هي مآثر وأمجاد وبطولات البشر، وكذلك مطبّاتهم وهناتهم وسقطاتهم، وصار التاريخ ذاكرة الإنسان، تاريخ الشعوب والأمم والأوطان، وتاريخ الأفراد من تاريخ الجماعات، وتاريخ أمة يعني ذاكرتها التي تحدد ماضيها، وأمة بدون ماضي فهي بدون جذور ومن غير روح وليس لها هوية، فالتاريخ سجل الماضي وذاكرة الشعوب وروح الأمم وهوياتها، وأمة من غير تاريخ لا ذاكرة لها ولا روح، فهي أمة في سبات بل ميتة، من هنا سجّل الإنسان ولازال يسجل ما يصدر عنه في حياته الفردية والجماعية.

صار التاريخ يلازم جميع جوانب حياة البشر، فُرادى وجماعات، تاريخ العلماء وتاريخ الفلاسفة وتاريخ الفنانين وتاريخ الساسة وتاريخ المخترعين والمبدعين وتاريخ الرحلات وغيرهم كثير، وكذلك تاريخ العشائر وتاريخ القبائل وتاريخ الأمم والشعوب وتاريخ الدول وغيرها كثير، كل ما يقع في ميدان حياة الإنسان الفرد أو الجماعة يشمله التاريخ، ومن أهمية التاريخ في حياة الإنسان وحاجته الملحّة إليه، ودوره في حفظ الماضي في الحاضر وبناء المستقبل، وضمان حاجة الإنسان للإنسان من خلال وصل السابق بالراهن وربطه باللاحق، لهذه الأهمية نما فعل التأريخ وتطوّر لكون الإنسان أولاه بعنايته واهتمامه منذ القديم، فنمت مع ذلك حياة الإنسان وتطوّرت.

ومن نتائج العناية الخاصة التي أولى بها الإنسان التاريخ أن أوجد فنونا فكرية وأدبية وفنية كثير ومتعددة طابعها روحي ومادي تصب في التاريخ، فهي تمثل مرجعياته ومستنداته، تعينه ويستند إليها عند الحاجة باعتبارها مصادر مباشرة وغير مباشرة، لا يمكنه الاستغناء عنها في حصر وضبط وتحديد الحوادث الماضية والذكريات زمنيا ومكانيا، من أجل دراستها وتحليلها وتفسيرها واستثمارها في الحاضر ولبناء المستقبل، من هذه الفنون الفكرية والأدبية والفنية الشعر بجميع فنونه وأغراضه، والنثر بكافة ألوانه وميادينه، وسائر الفنون الأخرى التي عرفتها حياة الإنسان.

لعلّ أبرز الفنون الفكرية والأدبية وأقربها للتاريخ، التي يجد فيها المؤرخ ضالته فن التراجم والسيّر باعتبارها لونا فكريا وأدبيا يتناول التعريف والإحاطة بحياة رجل أو أكثر، إحاطة قد تطول وقد تقصر، تكون عميقة أو سطحية، دقيقة واضحة أو عامة غامضة، كافية أو ناقصة، معيبة بالأخطاء أو صحيحة تنسجم مع العقل والذوق السليمين، بنت الواقع والمألوف أم من الخيال والوهم، وتكون التراجم ذاتية أو غيرية، ذاتية ما يكتبه الكاتب عن ذاته عرضا لمذكراته وسردا للأحداث التي عاشها وعرفتها حياته، مثل ترجمة عباس محمود العقاد لحياته في كتابه "أنا"، وترجمة أحمد أمين لحياته في كتاب "حياتي"، وترجمة لويس عوض لحياته في كتاب "مذكرات طالب بعثة"، أما الترجمة الغيرية فهي ما يكتبه الكاتب عن غيره سردا للأحداث التي عاشوها وعرفتها حياتهم، مثل تراجم عباس محمود العقاد لحياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام ولحياة صحابته في "العبقريات".

ولا يوجد فرق لغوي بين السيرة والترجمة ولا في الحال والعمل والغاية، ففي الحالتين يكتب الكاتب مذكراته الشخصية أو مذكرات غيره، على طريقته وبأسلوبه وبحسب عصره وإمكاناته وحسب رغبته، وإذا كان كل من الاستعمال التاريخي والاصطلاح الفكري والعلمي يقرن السرد المعمّق والطويل بالسيّر ويربط العرض القصير والمختصر بالتراجم، فهذا لا يفصل بين الاثنين في الجوهر والدور والهدف، فكلاهما فعل تاريخي يربط الماضي بالحاضر ويقف في وجه نسيان الإنسان لماضيه المُشرق أو المشئوم، لبناء الحاضر وللاستعداد للمستقبل.

استهلّ الراوي كتابه مذكراته شاهد للقرن بتقديم شاذّ عن المألوف لدى الكتاب، هو عبارة عن قصة خيالية مفادها أنّ القدر ساق له الكتاب فوجده جاهزا بجنبه وهو يصلي بالمسجد ليكون مرجعا تاريخيا لأبناء الجزائر في الحقبة بين 1905 سنة مولده و1935 سنة انقطاعه عن الدراسة، ويظهر ذلك في مقدمة القسم الأول"الطفل" وفي مقدمة القسم الثاني"الطالب" فيقول:"ليست الغاية من هذه المقدمة تقديم كتاب للقارئ، كما هو مألوف، إنّما أردت أن أكشف الظروف المثيرة التي ألقت إليّ بهذه المخطوطة فاتجهت لنشر قسم منها في هذا الكتاب"9 .

نشر الجزء الأول من مخطوطه الذي أهداه له القدر ليهديه من جهته إلى كل جزائري يهمّه تاريخ الجزائر على أن ينشر الجزء الثاني فيما بعد، وفعلا نشر الجزء الثاني بنفس المقدمة، وتمّ جمع القسمين معا في كتاب واحد، ولعلّه يؤكد من خلال هذه المقدمة الخيالية الهادفة على ضرورة إسهامه في التأريخ من خلال مرحلة طفولته ومرحلته الدراسية بأوربا، نظرا لأهمية هذه المرحلة من التاريخ وخطورتها على الجزائر وعلى العالم الإسلامي وعلى الإنسانية جمعاء.

تميّزت المرحلة بالاستعمار الفرنسي الذي غرس أنيابه وجذوره في مستعمراته ينهش خيراتها ويقلع مقوماتها ويدفع بها نحو خراب العقول ودمار الحقول، وعالم عربي وإسلامي ممزق الأوصال ومشتت القوى ومفكك العلاقات الأسرية والدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وعالم تدفعه التقلبات السياسية والعسكرية والاقتصادية بحثا عن السيطرة والنفوذ في اتجاه حرب شاملة مدمرة.

وجاءت مذكرات شاهد للقرن بقسميها "الطفل" و"الطالب" تصور لنا الحياة في صورة بحر هائج أمواجه عالية عاتية تتلاطم والعالم فيها سفينة ترفعها الأمواج إلى أعلى عليين ثم تنزلها بعدما كانت في أعلى عليين إلى أسفل السافلين، والإنسان في العالم بين قويّ مستبد متسلط وضعيف مقهور متهيّب، وكانت فعلا الحقبة الزمنية منعرجا كبيرا وحساسا وخطيرا في تاريخ الإنسانية، انقسم العالم إلى معسكرين شرقي وغربي، واستفاد عدد من الدول من الحرب فأصبح يقود العالم في اتجاه العولمة باسم هيئة الأمم المتحدة بدل عصبة الأمم، وتحقق وعد بلفور المشئوم وانغرس الخنجر اليهودي الصهيوني في الجسم العربي الإسلامي، وصار الإسلام متهما انتقاما للحروب الصليبية، ومازالت آثار وتداعيات تلك الحقبة التاريخية تتوالى حتى الآن.

يعدّ القسم الأول من المذكرات "الطفل" فعلا كتاب تأريخ ليوميات الجزائري في الشرق الجزائري تحت الاستعمار، ففيه التاريخ ببعده الثقافي والأنثروبولوجي الذي تحول فيما بعد إلى ثورة عارمة شاملة مسلّحة خطط لها ونفذها أبناء نوفمبر المجيد، فمن ملامح تاريخنا ببعده الأنثروبولوجي والثقافي توظيف الأسطورة التي تتحول إلى واقع.

ومثل القسم الأول نجد القسم الثاني من المذكرات "الطالب" يؤرخ بحقّ لفترة على مدى تسع سنوات سبقت الحرب العالمية الثانية وكانت حافلة هي الأخرى بالأحداث والتحولات غيّرت وجه الحياة في العالم بعد ذلك، وكان صاحب المذكرات يهدف من وراء هذا العمل التأريخ إذ يقول: "وربما يعجب هنا أولئك المثقفون الذين أصبحوا لا يدركون لغة الشعب الجزائري المسلم، إنني لا أكتب هذه المذكرات من أجلهم، ولكن للشعب عندما يستطيع قراءة تاريخه الصحيح، أي عندما تنقصي تلك الخرافات التي تعرض أحيانا أفلاما كاذبة، والتي سيكون مصيرها في صندوق المهملات مع مخلّفات العهد الاستعماري."10

يصف الصدّيق "الطفل" أسطورة البطل التي تحوّل إلى "مصطفى بن بولعيد" وإلى "العربي بن مهيدي" وإلى "أحمد زبانة" بقوله: "كنا نختلط بتلك الجماعة المؤلفة من مزارعين فقدوا صنعتهم، فلم لهم مكان في حقولهم بعد أن طردهم الاستعمار واستولى على أراضيهم، ثم إنّ المدينة لم تُؤوهم بعد فيها... أما قسنطينة المدينة فكانت تقدم صورا أخرى، فمع عمي تابعت الاتصال بذلك الجانب الفاتن: العيسوية العلية والموسيقى، وأيضا جانبها البطولي. ففي ذلك العصر كان الحديث كثيرا عن مآثر شاب خارج عن القانون ولجأ إلى أودية وممرات، وادي الرمل. كان يدعى "بوشلوح"، لقد كان بطلا يملء خيال المراهقين قبل نومهم. لقد جندت له الإدارة أفضل رجالها خشية أن تملأ المدينة أسطورته البطولية، غير أن "بوشلوح" كان دائما يحبط خططهم، إذ حوصر مرة في فندق فتسلل هاربا من نافذته عبر مجرى للماء يأخذ مياه المدينة إلى أسفل وادي الرمل، ومن هناك اختفى بأعجوبة. كانت هذه الأسطورة تذكي خيالي وتغذيه...وفي يوم تلقينا بأسى أنّ "بوشلوح" وقع جريحا في يد الإدارة، إنما الذي كان يعزينا أنّ المفتش "بوناب" الذي جرحه قد دفع ثمنا لذلك حياته، لقد أثارت محاكمة "بوشلوح" الشعور في قسنطينة حين انتشرت كلمته إلى رئيس المحكمة الذي نطق بحكم الإعدام "إنكم تحكمون على المقعد الذي أجلس عليه، اما أنا فإنكم لا تستعطون أن تحكموا علي."11

وفي السياق نفسه لكن هذه المرة مع الحياة السياسية والاجتماعية يروي الصدّيق: "ففي يوم كان أحد المنتخبين الأوروبيين يقدم تقريرا للمجلس حول سرقة بقرة تخص أحد المستعمرين الفرنسيين، ويختم تقريره بقوله: بالطبع فإنّ السارق أحد سكان البلاد الأصليين ( (Indigene، فانبرى له خطّاب الطالب في السنة الرابعة، وكان يجلس في مقاعد المستمعين في المجلس وصرخ: ولم لا يكون السارق فرنسيا؟."12 كان للحادثة تأثيرها الفعلي في نفوس أبناء قسنطينة وأبناء الجزائر عامة، وتحوّل كل من يسمع كلام "خطاّب" في الجزائر إلى "خطاب" بداخله فجواب الطالب العفوي يحمل دلالة كبيرة ومغزى بعيد، تجسّد خطاب "خطاّب" بعد سنين إلى رصاصات مدوية في جبال الأوراس في الساعة الصفر من أول نوفمبر المجيد سنة 1954.

ومثلما أرّخت المذكرات في فصلها الثاني "الطالب" للمرحلة للعقد الذي سبق الحرب العالمية الثانية، بتناولها أحداث سياسية وعسكرية وغيرها مثل وصف بدأ محور برلين روما والحرب الإسبانية، وسجّل مواقف الطلبة الجزائريين من ذلك ومواقفه مما يحدث في الجزائر وفي فرنسا وفي العالم ككل، وسجّل بوصف دقيق كل مظاهر الحياة في مدينة تبسة جغرافيا تغيّر المناخ وسياسيا مع تطور الأحداث في العالم وقربه من الحرب الشاملة، واجتماعيا ازدياد درجة الفاقة وثقافيا، "لم تبق في المدينة أسرة تستطيع أن ترتب لطالب "جواني" وجبات الطعام، لأنّ الحرائق الكبرى في الغابات حول تبسة قبل الحرب العالمية الأولى، تسببت في تغيير المناخ الذي تطورإلى جفاف أفقر- بسنين كسنّي يوسف- كل العائلات التي تعيش من الفلاحة، ثم لم يعد التطور الذي ألغى العادة المألوفة إلى أن يعوضها بعادة جديدة."13

ويدافع صاحب المذكرات عن الأفكار التي يؤمن بها في هذا الجو الإيديولوجي والفكري والديني المشحون، الذي اختط بمآرب الاستعمار وبالمصالح الخاصة لدى القائمين بالإصلاح وممثلي الحركة الوطنية، مثل المركز الاجتماعي المرموق والمنصب السياسي العالي والمال والشهرة وغيرها، " أما الأفكار التي كنت أحاول نشرها فكانت في تعويض فلاحة القمح والشعير بفلاحات أخرى، مثل التين الشوكي وشجر الصبّار التي تتمشى مع تغير المناخ، لكنني ما كنت أجد لها أذنا صاغية غير أذن "حشيشي مختار" ربما لأنه- مع التزامه الإصلاحي- بعي واعيا لنوعية المشكلات في البلاد."14

ويصف الراوي طبيعة الإصلاح والأفكار التي يقول بها دعاة الإصلاح ويصف ما كان يجري من محاضرات ومناقشات وحوارات في المؤتمرات والندوات حول النهوض بالأمة، نجده في كل مرّة يوجه نقدا لذلك ويقلل من شأن الحراك الإصلاحي ومن دعوات السياسيين والمناضلين في الأحزاب والمنظمات والجمعيات للنهوض بالجزائر لتتحرر من وضعها المشئوم ، ويؤكد ذلك بقوله: "ويجب أن نقول الحقيقة للتاريخ: إنّ الوطن لم يكن يبحث عن أفكار تقنية، ربما كنت الجزائري الوحيد الذي لا ينام من أجلها، وربما كانت الجزائر حينئذ في منعطف سيبعدها حتى عن الأفكار ولدت على أرضها، فتراها في تلك الفترة بالذات تولي ظهرها للأفكار الإصلاحية حتى في تلك اللحظة التي يتوجها المؤتمر الجزائري الإسلامي."15

وتؤرخ المذكرات في جزئها الثاني "الطالب" لكل الأحداث التي تحدث بباريس مثل التظاهرات التي كان ينظمها اليهود بقيادة "برنارد لوكاش" زعيم التنظيم اليهودي العالمي "ليكا" " التي تجمع تحت رايتها اليهود لمواجهة الخطر الهتلري والخطر العنصري، الذي بدأ يظهر أثره في جانب من الرأي العام الفرنسي، على أبواب الحرب العالمية الثانية."16

وتؤرخ المذكرات لمشاركات صاحبها ونضاله في الحركة الوطنية بفرنسا، خاصة عندما تتاح له الفرصة للتعبير عن مطالب الجزائريين في الحياة الحرة والعيش الكريم وفي تقرير المصير والحق في الاستقلال، ومن مشاركاته تلك التي أسهم بها عندما كان مديرا للمركز الجزائري الإسلامي، ففي الوقت الذي كانت فيه المناضلون الجزائريون في الجزائر وخارج الجزائر منقسمين إلى وحدويين ومنشقين، وفي الوقت الذي دوى فيه صوت "هتلر" و"موسيليني" في العالم ينذر بانفجار الحرب مع أزمة تشيكوسلوفاكيا يصف الراوي في مذكراته الأوضاع العامة والخاصة بالجزائر وبفرنسا وحتى في العالم.

ففي خضم التحولات الجارية، وفي وصفها يقول: "وبلغت الأزمة أوجها يوم 27 أيلول "سبتمبر"، فنظمت ذلك اليوم الحركات اليسارية تظاهرة دعي إليها النادي فكنت ممثله، وبدأت في القاعة المكتظة الخطب حسب التقليد المألوف، فأتى دوري فتلخص خطابي في اقتراح: يجب على هذا المؤتمر للقوى التقدمية أن يوجه اليوم برقية إلى الحكومة يطالبها بمنح شعوب الشمال الإفريقي حقوقها، حتى تدخل المعركة من أجل الديمقراطية شاعرة بكرامتها لا بوصفها مرتزقة. في آخر الجلسة قرأت على الحاضرين لائحة التوصيات، فلم أجد فيها اقتراحي ولا مجرد التلميح إليه، اقتحمت المنصة لألفت النظر إلى هذا النسيان، ولم أصرح بأنّه تناس، فهاجت القاعة وخصوصا السيدات تهتف لي."17

ووصفت المذكرات الأحداث الدولية ومدى تأثيرها على الشعوب المستعمرة، مثل ما وقع في الجزائر قبيل وبعد اندلاع الحرب العامية الثانية، على الرغم من أنه كان يعلّق عليها آمالا كثيرة وكبيرة لتخرج الجزائر من الوحل، وفي هذا يقول الراوي: "ودقت ساعة الحرب، فأتاني "خالدي" بخبرها في الصباح: إنّ الجيش الألماني عبر حدود بولونيا في الساعة الخامسة من صباح اليوم. لم أكد أصدّق لطول انتظاري ولكن شرع البوليس في التفتيش ذلك اليوم، فسلّمت محفظة تضم كل أوراقي لأم الدكتور خالدي، وذهبت مع زوجي تلك العشية بمنشور عن قضية فلسطين، فدفنّاه في علبة معدنية خلف البيت على وادي الناقوس، حتى يبقى للتاريخ...ومنذ الغد بدأت الأسعار في السوق والبضاعة تختفي، ودخل هكذا العالم في الحرب العالمية الثانية."18

يمكن القول بأنّ مذكرات شاهد للقرن "الطفل" و"الطالب" معا هي شهادات للتاريخ، اختلط فيها السياسي بالديني بالأخلاقي بالاجتماعي بالاقتصادي بالتربوي بالحضاري، شهادات لحقبة هامة وحساسة وخطيرة وإن كانت قصيرة في عمر الجزائر والأمة الإسلامية والعالم، فهي سبقت الحرب العالمية الثانية وأعقبتها تحولات جذرية صاغت العالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا وفكريا صياغة جديدة، شهادات حول الاستعمار الفرنسي ومخططاته وجرائمه في الجزائر وفي مدن فرنسا مع كل جزائري يريد الانتفاضة في وجهه الخفي، وشهادات حول الحركة الوطنية وانقساماتها، وشهادات حول الحركة الإصلاحية ودعاتها، وعلى رأسهم جمعية العلماء المسلمين الذي كان يهمّه أمرها، وشهادات حول الأحداث التي شهدها العالم قبيل الحرب العالمية الثانية، فالكتاب بحق وثيقة تاريخية ذات أسلوب تميّز بالدقة والوضوح والتسلسل، وذات بعد محلي جزائري وإقليمي عربي إسلامي وعالمي إنساني، يُقرأ من خلالها تاريخ الجزائر وتاريخ العالم العربي والإسلامي وتاريخ أوروبا الحديثة وتاريخ العالم أجمع.

 

إسلاميو السلطة (115): مسؤولية مقتدى الصدر في تربية أتباعه

ثلاث عشرة عاماً فترة طويلة جداً بالنسبة لكيان سياسي إسلامي يعمل في أجواء الحرية، وهي فترة كافية لأن تصنع عدة أجيال من مختلف الأعمار تمتلك الوعي الثقافي والتربية الأخلاقية بما ينسجم مع تعاليم الإسلام ومنظومته الأخلاقية. خصوصاً إذا كان أتباع هذا الكيان قد انتموا اليه بإرادتهم، بمعنى أنهم جاءوا للانضمام تحت قيادة السيد مقتدى الصدر، إيماناً بهذا الخط الذي أسسه الشهيد الخالد السيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره، في وقفات بطولية نادرة وفي وقت كان فيه الاضطهاد الصدامي على أوجه.

...

إن هذه السنوات التي تلت سقوط الطاغية، كانت كافية لأن يُنتج برنامج السيد مقتدى الصدر أجيالاً من الأتباع الذين يحملون اسم المدرسة الصدرية بمعانيها الحقيقية من الإلتزام الأخلاقي والثقافة الإسلامية الأصيلة والوعي المجتمعي. لكن الذي يظهر من خلال الممارسة في شكلها العام لا يوحي بهذا التحول، وهي مسؤولية تقع على عاتق زعيم التيار الصدري دون غيره.

...

مناسبة هذا المقال هي التعليقات الخارجة عن الذوق العام التي يكتبها أتباع السيد مقتدى الصدر، وهي ظاهرة تستوجب التأمل، باعتبار ان الذين يستخدمون شبكة الانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي ومنها الفيسبوك، يُفترض أن يكونوا قد أخذوا نصيباً من التعليم المدرسي، وهذا يعني أنهم يمتلكون قابلية التلقي المعرفي والثقافي فيما لو توفرت لهم برامج التثقيف والتعليم الإسلامي بشكله المطلوب، بحيث يكونوا صورة متناسبة مع سمعة المدرسة الصدرية ومكانتها الرفيعة في الوجدان الشعبي العام.

...

إن من أبرز خصائص المدرسة الصدرية، جانبها الأخلاقي، وإلا ما معنى الانتماء لها إذا كان التابع خارج نطاقها التربوي؟. وهذه نقطة نفترض أن السيد مقتدى الصدر قد تنبه إليها وأولاها أهمية بالغة حرصاً على سمعة والده قدس سره.

إن المنتظر من السيد مقتدى الصدر، أن يأمر اتباعه بضرورة الإلتزام بأدب الحوار، والابتعاد عن الكلمات البذيئة في مواقع التواصل الاجتماعي، فعالم اليوم هو عالم الاتصالات بمختلف اشكالها، مما يعكس المستوى الأخلاقي للاتباع على نطاق واسع، وبذلك تنكشف المستويات الثقافية والتربوية للكيانات السياسية والاجتماعية مباشرة أمام الرأي العام.

...

إن قيمة الانتماء الى التيار الصدري، أن تكون منسجمة مع اخلاق أهل البيت عليهم السلام، ومع تعاليمهم الرائعة في مجال التربية والتعامل مع المجتمع، وليس الانتماء الشكلي الفارغ من مضامينه الحقيقية.

صحيح أن السيد مقتدى الصدر شخّص هذا الخلل في اتباعه عندما وصفهم من على منبر الجمعة بأنهم (جهلة) لكن ذلك لا يعفيه من مسؤولية تثقيفهم والنهوض بهم اخلاقياً.

ارجو متابعة الرابط التالي حيث يصف زعيم التيار أنصاره بالجهلة:

https://www.youtube.com/watch?v=3cJBYAFi5fE

 

 د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (114): خبراء مقتدى الصدر

salim alhasani2في خطابه الذي حمل مشروع الإصلاح، جاءت المفاجأة كبيرة على لسان السيد مقتدى الصدر، فقد أكد في خطابه أكثر من مرة أنه لا يوجهه للسياسيين، وإنما يوجهه للتيار الصدري وللشعب العراقي. وكان يقصد بالسياسيين المسؤولين الحكوميين. وهنا تأتي المفاجأة، فكل فقرات المشروع الذي طرحه كان يتعلق باجراءات عامة لا يستطيع الشعب العراقي تنفيذ واحدة منها على الاطلاق، إنما هي من اختصاص السلطات التنفيذية والتشريعة والقضائية.

لقد دعا السيد الصدر مثلاً الى تشكيل لجان متخصصة للتحقيق في صفقات السلاح ومحاسبة المتورطين في فسادها، ومحاسبتهم واحالتهم الى القضاء، والتدقيق في العقود الحكومية، واحالة المتورطين في سقوط الموصل وجريمة سبايكر الى المحاكم، ودمج قوات الحشد الشعبي في القوات الأمنية، وتشكيل مجلس إعمار وتعيين قضاة يتمتعون بالنزاهة وغير ذلك من المقترحات العامة التي لا يستطيع الشعب أن يخطو فيها خطوة واحدة، فما هي سلطة الشعب حتى يعزل ويحاكم ويدقق العقود ويصدر القرارات ويرشح القادة العسكريين ويصوت عليهم ويُقصي القضاة ويُعين غيرهم؟ّ!

والأكثر من ذلك أن السيد مقتدى الصدر يحدد فترات زمنية، فقد حدد فترة 45 يوماً لتنفيذه، وحدد فترة أخرى لمراقبة رئيس الوزراء في تحقيقه مداها سنة واحدة، وإلا فانه سيتم سحب الثقة منه في البرلمان، فهل هذه من مهام الشعب، أم من مهام الحكومة والبرلمان؟!

...

وما يلفت النظر أكثر، أن السيد مقتدى الصدر أهمل في خطابه تماماً الإصلاح الداخلي في التيار الصدري، بل أنه اعتبر ان الإصلاح في التيار الصدري قد تحقق، كما جاء في خطابه، لكن المواطن العراقي لم يشهد محاسبة جادة لمسؤول واحد من مسؤولي التيار في الحكومة والبرلمان، رغم الثراء الفاحش الذي جاءهم على عجل، فمن فقراء يكدون على عيشهم اليومي الى رجال أعمال وكبار الأثرياء بعد فترة وجيزة من توليهم المناصب الحكومية والبرلمانية، فهل غابت هذه الحقيقة عن السيد مقتدى الصدر؟ أم أنه يريد الإصلاح شريطة أن لا يشمل المقربين منه من مسؤولي تياره؟.

...

ونقف مع خطاب السيد مقتدى الصدر في عمومياته المفرطة، وهي مما يستطيع أي مواطن ان يتحدث بها، فهل هناك في أبناء الشعب العراقي من يرفض الإصلاح ومحاربة الفساد والاستعانة بالخبرات والكفاءات؟، حتى يوجه السيد خطابه للشعب العراقي، ويخصه بهذه الفقرات كما جاء في خطابه؟

إن السيد مقتدى الصدر، ظهر على شاشة التلفزيون، يقرأ خطاباً يرشد فيه الشعب وتياره الى أمنيات جميلة تسبح في الهواء، فيما كان المتوقع أن يتخذ خطوات جادة لكشف المفسدين في تياره، وهم معروفين باسمائهم ويشكو الناس منهم، مثل بهاء الأعرجي وحاكم الزاملي ومهند السعدي ومحسن عصفور الشمري وعلي التميمي ومحمد صاحب الدراجي وغيرهم بالعشرات والمئات من الذي دخلوا البرلمان والحكومة، فانقلب حالهم من البساطة في العيش الى الغرق في الثراء.

...

لقد وقع السيد مقتدى الصدر ضحية نصائح المغرضين المقربين منه، فلقد خدعوه بان هذا المشروع من وضع الخبراء والمختصين كما أشار في خطابه، بينما جاء عاماً يردده المواطن العراقي وهو جالس على رصيف الانتظار، او في مقهى المحلة يشكو مشاكله مع جلسائه، فهل هذا مستوى خبراء التيار الصدر والمختصين الذين يستعين بهم زعيم التيار الصدري؟

لا يختلف ما طرحه السيد مقتدى الصدر، عن العموميات المتكررة التي يتحدث بها السيد عمار الحكيم في خطاباته الأسبوعية، وهي لا تعدو أن تكون امنيات عائمة في الفضاء، لا مكان لها على الأرض، وهذا ما يعكس واقعنا السياسي، حين تغيب الثقافة السياسية والخبرة القيادية عن المتصدين في العملية السياسية، فيكون حال المواطن والوطن على النحو الذي نراه من تدهور وانحدار مستمر.

...

من حق المواطن العراقي وهو يسمع خطاب السيد مقتدى الصدر أن يتوجه اليه بأسئلة محددة:

ما الذي منع زعيم التيار الصدري من أختيار وزراء من ذوي الخبرات للمناصب الوزارية؟ بينما نراه جاء بوزراء تورطوا في الفساد، وساء أمر الوزارات والخدمات بهم؟

ما الذي دعا السيد مقتدى الصدر أن يختار أحد أفراد حمايته وهو علي التميمي ليتولى منصب محافظ بغداد، مع أن المفروض اختيار شخص متخصص في هذا المجال؟

واذا كان لديه خبراء فلماذا لم يوكل اليهم المناصب والوزارات؟ واذا لم يكن لديه فلماذا يضع خطة تنضح البساطة من كل فقراتها؟

وهل ان خبراءه هم الذين نصحوه بعدم الاعتراض على وزير الموارد المائية، بطرد اكثر من ستين مهندساً وموظفاً من ذوي الخبرة في مجالهم، وتعيين موظفين من التيار الصدري لا علاقة لهم بهذا المجال ومنحهم مواقع متقدمة في الوزارة؟

...

نحن أمام مشكلة توضحت لنا أكثر، وهي أن زعيم التيار الصدري لا يعتمد على كفاءات وخبراء تتوفر فيهم المواصفات الحقيقية، إنما لديه معايير خاصة في التقييم، وهذا ما جعل أداء المسؤولين الذين يرشحهم للمناصب بالصورة التي حصلت من حيث الإخفاق والتورط في الفساد.

كان المتوقع من السيد مقتدى الصدر، ان يخرج على الشعب العراقي الفقير، ليكشف عن فساد المسؤولين في تياره، ويطردهم من الارتباط به، وعند ذاك تأخذ العملية الإصلاحية خطواتها الفعلية، ويصبح بحق طالب الإصلاح ورجله الأول في العراق. أما مع ما سمعه المواطن، فبإمكان السيد أن يُكثر ما شاء من مشاريع وخطابات حاله في ذلك حال السيد عمار الحكيم والشيخ محمد اليعقوبي والسيد حيدر العبادي واسامة النجيفي وصالح المطلك وغيرهم.

 

 د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (113): بقاء العبادي كارثة تصنعها قيادة حزب الدعوة

salim alhasaniوصل الشعب العراقي الى تقييم السيد حيدر العبادي من خلال الممارسة، بأنه يعاني الضعف والتردد والحيرة فيما يتعلق بالمواقف والقرارات التي يجب أن ينقلها الى نقطة التنفيذ.

ومع أن هذا التقييم يعكس دقة عالية في تقدير ما عليه شخصية رئيس الوزراء، إلا انها ليست كل صورة العبادي، فهناك جانب أكثر أهمية لم يدركها أغلب الشعب بعد، وذلك لأنها تحتاج الى معايشة واحتكاك مباشر معه.

...

إن حيدر العبادي لا يواجه القضايا السياسية والإدارية والتنفيذية بتصور مسبق، إنما يتعامل معها لحظة حدوثها. كما أن نشاطه العقلي لا يتحرك إلا بعد ان يكون وجهاً لوجه مع المشكلة الآنية ومع الحدث لحظة وقوعه. وهنا يقف أمام عملية صناعة القرار وهي عملية طويلة شاقة عليه، فهو لا يُفكر بالطريقة المألوفة عند السياسيين والاداريين مهما كانت مناصبهم، إنما يحتاج الى وجود أشخاص آخرين معه، وحاجته اليهم ليس للإستشارة كما هو المتعارف في مثل هذه الحالات، بل لكي يفكر مع نفسه بحضورهم، فالعبادي لا يعرف أن يفكر إلا بصوت مسموع، وهذا ما يترك إنطباعاً عند جلسائه بأنه يناقض نفسه طوال الوقت. بينما هو يقلّب الأمر الواحد على عدد من الوجوه وكل وجه، يفتح له جوانب عديدة، وكل جانب يؤدي الى جهات متنوعة، وهكذا.

...

لعبة المتاهة التي كنا نلعبها في صغرنا، والتي كانت تنشرها بعض المجلات في صفحات التسلية مع الكلمات المتقاطعة، والفوارق بين الصورتين.. لعبة المتاهة تلك، تشكل بالنسبة للعبادي صداعاً مدمراً لو دعته الضرورة للقيام بها، فهو سيقف عند نقطة البداية من دون حراك، وحتى لو ساعده صديق في الاختيار، فانه سيمتنع عن الأخذ برأي صديقه، لأن الاحتمالات المتفرعة تتوالد في ذهنه، فتصنع له متاهات متشعبة متداخلة، فيزداد تخشباً في سكونه ووقوفه عند موضع قدمه بلا حراك.

قد تبدو الصورة غريبة، وربما ساخرة، لكنني أكتبها بجدية تامة، فهذه هي حقيقة العبادي، وهذا هو الذي يفسر لنا إعلانه مجموعة قرارات ثم يتراجع عنها، أو يتردد في تنفيذها.

...

إن تلكؤ حيدر العبادي في التنفيذ، صفة يعرفها أعضاء قيادة حزب الدعوة، ولا ينكرها إلا المستفيد من ضعف العبادي وضياعه لإمتصاص ما يريد من مكاسب، أو بعض القياديين الذين يعانون أصلاً تخلفاً ثقافياً ومشاكل في التقييم وفي فهم الأشخاص والمواقف، ومثل هؤلاء يأخذون طريقهم الى مواقع متقدمة في الأحزاب، لسهولة توجيههم من قبل القياديين الأقوى، ولكونهم يسعون للحصول على المكاسب بأي طريقة يمكنهم الحصول عليها.

...

حالة حيدر العبادي شائعة في المجتمعات، لكنها تصبح غريبة عندما يتطلع صاحبها الى مناصب تنفيذية، ثم تأتي الاستجابة لتطلعاته من قبل المجموعة القريبة منه، وهنا المقصود بها قيادة حزب الدعوة. بل يزداد الأمر غرابة عندما تُنيط به القيادة مسؤوليات تنفيذية رغم تاريخه الحزبي المملوء بالتلكؤ، فمثلاً عندما تم تعيينه ناطقاً رسمياً باسم حزب الدعوة، أصبح هذا الموقع شبه صامت. وعينوه ضمن لجنة لمراجعة النظام الداخلي للحزب، فلم يفعل شيئاً.

ولقد ذكرت في مقال سابق، أن السيد إبراهيم الجعفري كان يقول إن المهمة التي تُناط بالعبادي فان مصيرها الفشل التام. وهذا التقييم ليس عند الجعفري وحده، بل يشاركه فيها معظم أعضاء القيادة.

..

وفي الاجتماعات الحزبية كان حضور العبادي فيها مصدر جدل عقيم يبدأ ولا ينتهي، فلا هو يطرح رأياً محدداً، ولا يقتنع برأي محدد. حيث يطرح رأيه ثم يتراجع عنه ويعود يدعمه ويرجع فينقضه وهكذا. وإذا طرح غيره رأياً فانه يعترض عليه، ثم يؤيده وبعد ذلك يعارضه، في تذبذب مستمر لا ينتهي إلا بضجر الحاضرين والانتقال الى موضوع آخر.

 

...

إن ترشيح الدكتور حيدر العبادي لرئاسة الوزراء، سيبقى واحداً من أسوأ الأعمال التي قامت بها قيادة حزب الدعوة، ومع بقائه في المنصب من دون أن تبادر القيادة الى استبداله، أو تطلب منه تقديم الاستقالة، فانها تُمعن في تحويل خطأها الى ركام من التداعيات الخطرة التي تهدد العراق وشعبه بالمزيد من الكوارث.

كيف تقبل قيادة حزب الدعوة أن تؤمّر على العراق شخصية بضعف العبادي وتردده وحيرته؟ وكل شخص فيهم جرّبه واكتشف قابلياته وقدراته المحدودة، ومن لم يكتشف ذلك من قبل، فانه يكون قد اكتشفه خلال فترة توليه الحكم رئيساً لمجلس الوزراء.

...

ستبقى تهمة المنفعة الشخصية قائمة أمام كل عضو قيادي في حزب الدعوة، ما لم يتخذ موقفاً صريحاً من بقاء العبادي في رئاسة الوزراء. فمع استمراره في المنصب فأن العراق يتجه نحو كارثة مؤكدة، لن تصيب المستفيدين من ضعف العبادي فلقد عرفوا كيف يرتبون أمورهم، لكن هناك شعباً يتهدده الموت والاضطراب وتقسيم أراضيه، وفق مخطط إقليمي طائفي مكشوف.

 

 د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

جراح الماضي

fatimaalzahraa bolaarasتتحدث عمتي والدموع في عينيها كيف أن المعمر حرمهم من التعليم .. تتنهد وهي تقول كنا نسكن قريبا من المدرسة .. المدرسة التي أسستها جمعية العلماء لتدريس البنات كانت على بعد أمتار من بيتنا .. وقد رفض والدي أن يسجلنا في المدارس الفرنسية انتصارا لجزائريته وكموقف مدعم لثورة التحرير .. رغم أن بنات الجيران يذهبن إلى المدرسة الفرنسية وكنت أذهب معهن أنا وأختي الصغيرة (نرافقهم في الطريق فقط لأنه طريق واحد ينتهي عند الحاجز) ولسوء حظنا كنا نمر على حاجز من الدرك أو الشرطة لا أدري فلم أكن أفرق كنت أرتعد خوفا من ملامحهم القاسية كانوا لا يبتسمون أبدا .. عيونهم الزرقاء باردة وبلا تعبير .. كان الواحد منهم ينتزع من أيدينا (أنا وأختي) حقيبة القماش .. ينظر داخلها ويسحب ألواحنا الأردوازية وعندما يلاحظ بقايا الأحرف العربية المكتوبة بالطباشير الأبيض ولم تمسح تماما .. كان يرميها بعنف على الأرض ثم يأمرنا بخشونة أن نعود إلى بيتنا وهو يشتمنا .بينما كانت بنات جيراننا يحملن محافظ جلدية (فقد كان والدهم موظفا في الإدارة الفرنسية) وعندما كان يقرأ في كراريسهم اسم المدرسة وكانت تحمل اسم كاتبة فرنسية معروفة كان وجهه ينفرج عن ابتسامة لامبالية وهو يقول هيا اسرعن .. إنه الوقت لطالما نصح جارنا الموظف والدي (تقول عمتي وردة) بأن ينقلنا إلى المدارس الفرنسية .. لكنه رفض فرغم أن الإدارة الفرنسية تحرمه من المنحة العائلية فقد كان أجيرا وله الحق فيها و حرم منها بسبب موقفه ذاك أي عدم دخولنا تلك المدارس.

تقول عمتي والدموع تترقرق في عينيها لست نادمة على موقف والدي الذي هو موقف مشرف ولكن .. أن نتعلم لغة فرنسا أحسن من الأمية والجهل أليس كذلك

لم أكن أعرف كيف أجيب عمتي لكنني كنت أحس معاناتها وإحساسها بالظلم تختم عمتي حديثها بقولها ومع ذلك فهناك من يترحم على أيام (فرنسا)

الاستعمار كله شر يا ابنتي ولو ذاق هؤلاء ولو قليلا من شره لما بطروا كما ترين

كنت افكر في كلام عمتي بجد هل صحيح أننا جيل جاحد؟؟ أبطرته النعمة

ربما ولكن فقط بالنسبة لمن حرمت من التعليم مثل عمتي المسكينة؟؟

 

فاطمة الزهراء بولعراس

ايريس مردوك والبحث عن معنى الحياة

jawdat hoshyarلا يزال اسم الكاتبة الأنجليزية الشهيرة ايريس مردوك (1919 – 1999) يثير اهتماما واسع النطاق في الأوساط الأدبية فى كثير من بلدان العالم، بعد مرور أكثر من ستة عشر عاماً على رحيلها، وقد نشرت عنها وعن أعمالها الروائية والفلسفية مئات الدراسات والعديد من الكتب، فقد كتب زوجها الناقد والروائي جون بايلي - الذي كان في جوار سريرها عند وفاتها - ثلاثة كتب عن حياتها وكفاحها مع مرض الزهايمر، لعل أهمها مذكراته المعنونة "مرثية لأيريس'' . ولكن الكتاب الأهم الذي صدر عن سيرتها – كما يرى النقاد – هو كتاب "ايريس: حياة ايريس مردوك “ بقلم بيتر كونرادي - استاذ الأدب الأنجليزى فى جامعة كنغستون - الذى كان صديقا للكاتبة لسنوات عديدة، حيث يكشف المؤلف فى هذا الكتاب ولأول مرة عن اسرار وحقائق تتعلق بحياتها الشخصية وعلاقاتها الاجتماعية.

. تعرف كونرادي على الكاتبة وزوجها الروائى والناقد والفيلسوف البريطانى المعروف "جون بايلى" فى عام 1981، وتعززت العلاقة بين كونرادي و مردوك فى العقد الأخير من القرن الماضى. وقد طرأت فكرة كتابة سيرة حياة مردوك وانجازاتها الروائية و الفلسفية فى ذهن المؤلف حين كانت الروائية ما تزال على قيد الحياة. ورغم ان مردوك كانت امرأة تميل الى الكتمان وتغلب عليها الحياء، الا ان كونرادي استطاع أن يحظى بموافقتها على انجاز الكتاب. وقد عبرت الكاتبة عن هذه الموافقة ببساطة حين قالت لكونرادي: "انت صديق جيد" وفى ذلك الحين- عندما كان المرض يسمح لها بمساعدة كونرادي فى تأليف الكتاب - كانت تتحدث عن تفاصيل حباتها الحافلة، مشيرة الى أسماء الأشخاص الذين يمكن ان يكونوا مفيدين لمؤلف الكتاب فى الحصول على المعلومات المطلوبة.

وكما جاء فى المقدمة، فأن هذا الكتاب كان يمكن ان يكون له عنوان اخر هو "ايريس الشابة" حيث يتحدث الكتاب - لأول مرة- عن الجوانب غير المعروفة سابقا عن السنوات المبكرة للروائية الأنجليزية منذ ولادتها فى عام 1919 وحتى منتصف الخمسينات من االقرن الماضى، حين صدر اول عمل روائى لها بعنوان "تحت الشبكة " فى عام 1954 .وبطل هذه الرواية جاك دونوج، شخصية سارترية تهتم بجوهر الأشياء اكثر من اهتمامها بالواقع المعاش وقد جلبت هذه الرواية شهرة مدوية للكاتبة، واصبحت بين عشية وضحاها شخصية ثقافية واجتماعية مرموقة تثير آراؤها وميولها الفكرية والدينية ومغامراتها العاطفية اهتمام القراءعلى نطاق واسع.

يتحدث المؤلف بلباقة وكياسة عن الحياة الشخصية لمردوك مقتبسا فقرات واسعة من ذكريات زوجها جون بايلى المنشورة فى عام 1999، عندما كانت الروائية تصارع المرض قبيل وفاتها. ويتضمن كتاب كونراد شهادات طائفة كبيرة من معارف واصدقاء مردوك وبخاصة اولئك الذين تعرفوا عليها فى سنواتها الأخيرة .

ومن خلال مذكرات وشهادات معاصريها تتمثل امامنا صورة الروائية المبدعة حية وجلية: "كانت تجلس بين كومتين كبيرتين من الورق وهى أشبه ما تكون بأحد تماثيل "هنرى مور" ولا تتحرك الا لكى تكتب. الكومة الأولى: اوراق بيضاء والأخرى هى الأوراق المكتوبة. انها مهنة فريدة حقا لا يتقنها الا اصحاب المواهب والقدرات الفنية الكبيرة. لم تكن لدى الكاتبة اى احساس بالتميز عن الآخرين او التفوق، حيث كان مثل هذا الإحساس غريبا عنها تماما، كما هو شأن المبدعين الحقيقين. ويبدو ان الشعور بالتميز والتفوق لدى البعض، انما هو الوجه الأخر لمركب النقص والافتقار الى الموهبة. فالعباقرة والعظماء كانوا دوما مثالا للتواضع ولم يكن احدا منهم يحس بالتفرد والتفوق او يتعالى على الآخرين. جانب آخر من حياة مردوك يكشف هذا الكتاب النقاب عنه، وهو ان الكاتبة كانت مغرمة بدراسة اللغات القديمة وكتبت عنها دراسات قيمة ..

لقد تم تحويل العديد من روايات مردوك الى افلام سينمائية لاقت نجاحا كبيرا ولكن مردوك لم تكن راضية قط عن هذه الأفلام وتحس بخيبة امل نتيجة التشويه الذى اصاب رواياتها عند تحويلها الى افلام سينمائية. ففى عالم الرأسمال، المال اهم من الفن ..

ويروي بيتر كونرادي فى هذا الكتاب الممتع حقا، قصة زواج مردوك، وكان زواجا ناجحا وسعيدا قل نظيره الى درجة ان مردوك كانت من شدة حبها لزوجها توقع الصكوك بأسم (ايريس بايلى) وهو تقليد غربى شائع حين تتخلى الزوجة –بمحض ارادتها او بالأتفاق مع زوجها-- عن لقبها الموروث لتكتسب لقبه. ويبدو ان ايريس لم تكن تستخدم لقب زوجها الا فى الأوراق الرسمية، اما فى حياتها العامة، فلم تكن ثمة مجال لذلك، حيث أنها نالت –بفضل رواياتها- شهرة واسعة قبل الزواج وعرفت بلقب العائلة (مردوك) .

كانت ايريس الابنة الوحيدة المدللة لعائلة موظف صغير فى بلفاست- عاصمة ايرلندة- خدم ضابطا فى الجيش البريطانى خلال الحرب العالمية الأولى، ثم رحل الى لندن مع عائلته الصغيرة واقام فيها حتى وفاته. وفى ما بعد كانت ايريس تتذكر عائلتها وتطلق عليها اسم "ثلاثية الحب المثالى" وفى لقائاتها الصحفية كانت تحب ان تؤكد اصلها الإيرلندى، فقد ولدت فى دبلن وظلت طوال حياتها تتكلم بلكنة ارلندية. تلقت ايريس تربية انجليزية ولكنها لم تكن تشعر بالفرح الطاغى والحبور الا خلال زياراتها الصيفية الى اقاربها فى ايرلندة. ويقول اصدقاء ايريس انها كانت فى طفولتها جد طيبة ورقيقة وفى الوقت ذاته منطوية على نفسها ولكنها ذات شخصية قوية وقلقة فى ان معا .

لم يكن والد ايريس ثريا ولكنه كان على درجة عالية من الثقافة الحقة، وقد اشغل – بعد تسريحه من الخدمة العسكرية فى الجيش- وظيفة متواضعة فى وزارة الصحة، وكانت ظروفه المالية صعبة ويضطر احيانا الى اقتراض المال ليتمكن من تغطية نفقات دراسة ابنته فى المدارس الراقية، فقد التحقت ايريس وهى فى الخامسة من عمرها بمدرسة فروبل اللندنية. وفى الثالثة عشر من عمرها سافرت الى ضواحى بريستول لتلتحق بمدرسة (بادمنتون) الداخلية للبنات. كانت ايريس تشعر بالغربة بين زميلاتها فى المدرسة واللواتى كن من عوائل ثرية. ومع ذلك فقد احتفظت لسنوات طويلة بعلاقات الصداقة مع زميلتها فى الدراسة" بياتريس ماى بيكر " الفظيعة –على حد تعبير الكاتبة ..

كانت ايريس خلال سنوات دراستها تلميذة جيدة تهوى الرياضة وخاصة لعبة الهوكى وتمارس الرسم، وقد تجلت موهبتها الأدبية فى سن مبكرة. وخلال السنة الأخيرة من دراستها الثانوية كانت تبدو شابة ذات شخصية ناضجة، ذات نزعة يسارية، والى هذه الفترة تحديدا تعود اولى محاولاتها الأدبية، حين ترجمت الى اللغة الأنجليزية بعض مؤلفات سوفوكليس، ثم تعرفت على و. هـ . اودين وحصلت على جوائز عديدة وقامت بمراجعة دواوين الشعراء الشباب فى بريستول وتبادلت رسائل حب ملتهبة مع ج. هـ. سكوت، الذى كان طالبا فى بلفاست يدرس الطب ويهوى الأدب ولا بد من الأشارة هنا الى ان شخصية ايريس القوية المستقلة ظهرت بكل جلاء حين قررت تغيير مذهبها الدينى من المذهب النظامى (ميثودزم) الى المذهب الكاثولوكى ..

حصلت ايريس بعد تخرجها فى المدرسة الثانوية على منحة دراسية لمدة ثلاث سنوات للدراسة فى كلية (سوميرفيل) بجامعة اوكسفورد، ولم تكن فى الكلية فى ذلك الوقت سوى قلة من الطالبات ولم يكن التعامل معهن طيبا، ولكن ايريس الشابة استطاعت الدفاع عن مواقفها المستقلة ورفضت ستة عروض زواج خلال السنة الأولى من دراستها، وكما يذكر احد زملائها فى الكلية فأن جميع طلبة الصف، الذى كانت تدرس فيه وقعوا فى غرامها، فقدكانت ذات شخصية مميزة و مظهر ارستقراطى ووجه صبوح مشرق وصوت انثوى عذب وساحر .

وفى وقت لاحق كتبت ايريس عن سنوات دراستها فى اوكسفورد:" يا الهى لكم كانت تلك الأيام الذهبية رائعة "وخلال سنوات الدراسة هذه توثقت علاقتها مع العديد من زملائها الذين حافظوا على صداقتها حتى اخر يوم فى حياتها. وفى عام 1942 تخرجت ايريس فى جامعة اوكسفورد وانتقلت للأقامة فى لندن، حيث عملت موظفة فى وزارة الخزانة، وكانت قبل ذلك بوقت قصير قد تركت الحزب الشيوعى البريطانى..

بين عامى (1944-1946) عملت فى دائرة الهجرة التابعة للأمم المتحدة، وكانت وظيفتها تتطلب الأنتقال بين البلدان الأوروبية المختلفة، حيث زارت مناطق الأحتلال الفرنسى والأنجليزى والأميركى فى النمسا. وقد دامت رحلتها حوالى عامين وادت الى تعزيز النزعة الكوسموبوليتية لديها، وخلال هذه الفترة –ربما فى عام 1946- التقت الفيلسوف الفرنسى جان بول سارتر وقرأت كتب (سيمون دى بوفار) و (ر. م. ريلكة) واصبحت من انصار الفلسفة الوجودية .

وقد اثارت فظائع الحرب العالمية الثانية وعواقبها المأساوية مشاعر قوية مناهضة للحرب لدى الكاتبة، وكانت قلقة على مصائر ملايين البشر الذين زج بهم النظام الستالينى فى روسيا والتيتوى فى يوغسلافيا فى غياهب السجون والمعتقلات، ومنذ ذلك الحين اصبح المهاجرون والمرحلون شخصيات رئيسية فى العديد من رواياتها. وبعد عودتها الى بريطانيا بدأت مرحلة اخفاق واحباط فى حياة الكاتبة، حيث عجزت عن العثور على عمل مناسب واضطرت الى التخلي عن منحة دراسية اميركية، حين رفضت السلطات الأميركية منحها سمة الدخول الى الولايات المتحدة الأميركية لميولها اليسارية السابقة ..

وفى عام 1947 التحقت ايريس بجامعة كمبرج كطالبة دراسات عليا وتعمقت فى دراسة الفلسفة. وفى هذه الفترة استهوتها الوجودية المسيحية وقرأت نتاجات (اونامولو) و(هيدغر) و(بيردايف) وغيرهم.

وفى عام 1948عادت الى جامعة اوكسفورد ولكن كأستاذة لمادة الفلسفة هذه المرة وظلت فى هذه الجامعة لفترة طويلة تمارس نشاطها المهنى والأدبى. كانت حياة ايريس مردوك - المرأة الجذابة والكاتبة المتقدة العاطفة- مليئة بقصص الحب، والطفلة التى ترعرعت فى ظل الحنان ألأسرى، كانت تتوق الى ان تكون محبوبة. تقول ايريس فى يومياتها المدونة فى عام1945 : "يبدو لى الوقوع فى الحب بجنون ولمرات عديدة عملا مقززا". ولكنها تعود في عام 1952 لتكتب فى مذكراتها:" لا ينبغى لى ان اعيش فى هذا العذاب العاطفى" ولكنها تضيف على الفور قائلة:"كلام فارغ –سأظل احيا على هذا النحو دائما ""

كانت اعوام الأربعينات فى حياة ايريس مردوك حافلة بالمغامرات العاطفية، الى ان التقت فى عام 1953 بجون بايلى، الأنسان الهادىء الرقيق، وقد تزوجا في عام 1956 وكانت تبلغ من العمر 36 عاما وكان بايلى يصغرها بست سنوات، وفد عاشا فى المدينة الجامعية لأوكسفورد فى هدؤ واستقرار وكتبت تقول:"ان مهمتى –قبل كل شىء--هى الكتابة، واننى احمد الله على هذا المخرج " ."

ايريس مردوك – كاتبة غزيرة الأنتاج، فقد نشرت خلال حياتها الأدبية منذ عام 1954، ست وعشرين رواية، من أشهرها (الجرس) وقد صدرت عام 1958 وهى عن الصراع السياسي العقائدى فى ايرلندا و(الرأس المقطوع ) فى عام 1961 وهى رواية عاطفية مثيرة و(الأحمر و الأخضر)عام 1965وتدور احداثها عشية ثورة ايستر ربيليون فى دبلن ابان الحرب العالمية الأولى، ولها رواية تجريبية رائعة هى(الأمير الأسود)، عام 1973 وتتحدث عن كاتب شديد الوعى بالذات ويرتبط الأبداع عنده بالتجارب العاطفية العارمة. ويرى النقاد ان رواية (البحر، البحر) التى فازت بجائزة بوكر لعام 1978 ربما هى من اهم روايات مردوك . واضافة الى رواياتها الناجحة التى كانت ضمن قائمة الكتب الأكثر رواجا فى بريطانيا والولايات المتحدة لسنوات عديدة، فقد كتبت مردوك مسرحيتين هما (الخدم والثلج)عام 1970 و(الفن وايروس)عام 1980 وديوان شعر(سنة العصافير)عام 1980، وبعض النصوص المسرحية الأوبرالية. حازت مردوك على اهم الجوائز الأدبية فى بريطانيا (بوكر، ووتبرد، جيمس تيت) وهى تعد فى الوقت ذاته من منظرى الفن الروائى وفيلسوفة اخلاقية بارزة.

المغامرات العاطفية (المجنونة) هى موضوعات العديد من رواياتها، كما البحر بالنسبة الى همنغواى، ويبدو لى انها كانت دائما تبحث عن معنى الحياة وربما خيل اليها لبعض الوقت، ان المغامرات العاطفية العارمة، بكل اشكالها وتنويعاتها، هى الملاذ الوحيد للأنسان فى هذه الحياة العابرة، ففى العديد من رواياتها نجد الأبطال غارقين فى التجارب الحسية العنيفة التى ينشدون من خلالها تحقيق الذات، ولكنهم يجدون انفسهم فى نهاية المطاف مكبلين بقيود لا يستطيعون الفكاك منها .

ايريس مردوك –طالبة الفلسفة والأدب القديم، ليست غريبة عن ايقاعات وصور الحياة المعاصرة.

ايريس خلقت للحب، وقد اسبغت هذا الحب على من حولها بسخاء واصبحت من اهم الشخصيات الأدبية فى الأدب الأنجليزى فى القرن العشرين

 

جــودت هوشيار

 

بعد نـهاية الطـيب هـل سيظل رائدا؟

najib talalنـهاية: الوفــاة / التهلكة / المـوت / الحتف / المنية / تتنوع المفردات، والمحصلة تلك - النهاية - نهاية كل موجود في الوجود، باعتبار أن الوفاة حقيقة ثابتة وموجودة لا مفر منها- لأن- كل نفس ذائقة الموت مهما كان مقامها في (المثلث) ووضعـها في (المربع) وطمعها في البقاء، سواء أكانت في أعلى أو أسفل المثلث . ولاسيما أن الكل يتشبث بالحياة في مربعه الاجتماعي، لأن الأمر يخرج عن سياق الأمل والطمع أوالتوقـع والتشبث، باعتبار أن المنية دائما خارج إطار الزمان والمكان( وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير [سورة لقمان الآية 34] حتى تقع، ومن خلالها يتحدد الزمان والمكان - الهالك - وكم من أمم أهلكت؟ وكم من رجالات غادرتنا؟ في غفلة اللحظة وتأرجح إيقاع الزمان، كما وقع مساء الجمعة برحيل المبدع الرائد والفنان الشامخ - الطيب الصديـقـي - وإن كان رحيلا شبه متوقع حسب حالته الصحية، فرغم إبراز صورته التي تجسد ضعف الإنسان أمام دنو النهاية من لدن الفنانة - زيطان - بعد زيارتها له، والاطمئنان على حالته الصحية، ولقد قامت بإشارة قوية ومبطنة:تشير فيها أن رائدنا يحتاج لسند معنوي، سند الأحبة [...] فقليل في ألأقلية التي زارته وآزرته، ولنكن أكثر مكاشفة، ففي السنوات الأخيرة تم تهميشه علائقيا ونسيانه إعلاميا، مما انمحت معالم ذكرياته وصورته المعتادة في عيون الناس، التي أسس على إثرها مسرحا باسم مسرح الناس [ !!!]

لكن المثير(بعيد) الإشعار بوفاته أمسى العديد من الفنانين والمسرحيين والأدباء والشعـراء يرددون عبر هواتفهم و صفحاتهم ومواقعهم التواصلية، ترنيمات حزينة، ولكنها عجيبة وغريبة، تحتاج وتحتاج بكل صدق إلى تحليل عميق سيميائيا وقراءة رصينة بسيكولوجيا [فقدنا أسد الخشبة/ بلغني للتو نبأ وفاة الفنان الكبير الطيب الصديقي/ نزل الخبر علي كالصاعقة/ عزاؤنا واحد في من صنع وعينا الفني والإبداعي / عزائي للمسرح المغربي إثر فقدانه لركيزته الأساسية / عشت ليلة بيضاء بعد سماع خبر وفاته/ أخبرني الأصدقاء هاتفيا بوفاة رائد المسرح، فارتبكت من شدة الفاجعة /انهمرت دموع حارقة من عيني بعد إعلان خبر وفاته/ عزاؤنا واحد في وفاة عميد المسرح المغربي/ بكل أسى فقدت فنانا مثقفا وفنانا مسرحيا بحق/ نبأ وفاة الفنان الكبير الطيب الصديقي، نبأ جد محزن لا يمكن بسهوله استيعابه / .../ ولقد أصبحت يتيما بعد فراقه/ ولقد أصبحنا يتامى بعد موته /.../ إذ جميل أن تطفو مشاعـر الحـزن والأسى بهـذا الشكل، على فقدان رمز من الرموز الثقافية والإبداعية في بلادنا والعالم العربي. وإن كانت هنالك مبالغة ومزايدات لغوية، أكثر منها مشاعرية، لأن الإشكالية لا ترتبط بالنوايا بل بالتصرفات وتصريف ما يمكن تصريفه كدعم مستقبلي في حق الراحل، لكي يظل رائدا حقيقة في حفريات التاريخ المغربي، كما كان في حياته الفنية والإبداعية، حتى يكون الطيب طيبا في تربته، أما الإطناب في مفردات النعي واختيارها بدقة متناهية من لدن البعـض والبعض الآخر يتفنن في، مسرحة الـحـدث، بأشكال ملتوية، وبعض البعض ركب على المصاب الجلل، من زاوية ما يخفيه المستقبل، وذلك بتثبيت صور شخصية في مواقع التواصل - وإن كان الآمر- حق مشروع، ولكن ليس في مجال موكب جنائزي مهيب، له طقوسه وترنيماته وخصائصه؟؟ فهل في المصاب الجلل، والبعض يصرح أنه أمسى يتيما بعد رحيل الأستاذ الأغر - الطيب الصديقي- غفر الله من ذنبه ما تقدم وتأخـر، فكيف طاوعته رغبته في التقاط صور( له) عـبرهاتفه النقال؟؟؟ إذ أعتقد بأن مثل هاته الأساليب الإلتوائية والحـر بائية، أضحت متجاوزة.

 

لـــمـــاذا؟؟

عـدد لا يستهان به من رجالات الفكر والابداع في بـلادنا، قضوا نحبهـم، بعدما قدمـوا خدمات جليلة وتضحيات مهمة في الميدان، ولا أحد يذكرهـم أو يتذكرهــم، وهنا لامجال لذكر بعض الأسماء والوجوه، لأن الأمـر لا يحتاج لتوضيحات، فلو ذكرنا الراحل الطاهـر واعزيز سواء كمسرحي في زمان الفعل الفني الحق، أو كفيلسوف، سيجرنا إلى قوة وطاقة المرحوم عبد الصمد الكنفاوي الذي يعد من اعز أحباء ورفاق الراحل - الطيب الصديقي- ومعزته تفترق بينه وبين المرحوم - ع القادر علولة- فالذي لا يعرفه العديد من المسرحيين، يوم قتل المسرحي - علولة - برصاص الغدر، بكى الصديقي بكاء حارا عليه واعتكف أسبوعا بعد دفنه كحداد استثنائي، وفي هـذا الإطار، فالراحل من كثرة أصدقائه في المجال الرياضي والسياسي والفني، ليس له إلا صديق وحيد والذي كان لا يفارقـه، ألا وهو الراحل - مصطفى سلمات - فالطيب الصديقي يعتبره رفيق الدرب بامتياز.وبفراقه انكسر جزء من أجنحة أبا الطيب، الذي كان يرفض الألقاب، وينزعج منها، بحكم أنه رحمه الله كان يعتبرها جزء لا يتجزأ من الخنوع والإذلال، لمن كان يعـزهـم. وبالتالي فالسيرورة التاريخية، كشفـت زيف ولغـو ما يصدر من كلام وأفكار أثناء رحيل ذاك أو تلك، ولكن حينما نطلع عـيانيا، فالسجل التاريخي مملوء بمعـسول الأقوال والمقولات والأفكار النيرة، والمشاريع المتميزة، دون فعل ملموس ولو نسبيا ولا إثبات لصدقية ما قيل، والسبب أمران:

1) مزايدة رخيصة أمام الجموع، وأهل وأبناء الهالك، تحمل نوايا إثبات الذات،

2) القائل لم يجد ما سينفعه من منافع آنـية أو مستقبليـة، فتوارى خـلف مرحوم آخر وخطاب آخـر

والذي سيهمس في الكواليس، بأننا نخرف أونمارس الكتابة المنفلتة من عـقالها أو له الجرأة لتفنيد كلامنا مقارعة بالحجة المضادة، فليـقم بتحيين ما قيل وما كتب إبان رحيل محمد مسكين/ المهدي الودغيري/ / سالم يفوت/عائد موهوب/ حوري الحسين/ العربي الدغمي/ الجابري/ المنجرة/ محمد الدحـروش/ فاطمة شبشوب/ عبد الله راجع/ محمد الطوبي/ الطيب العلج عـلما أن هـذا الأخير هناك مؤسسة باسمه تحت إشراف - مصطفى القباج- ماذا أنتجت لحد الآن؟ وهناك مؤسسة أخرى باسم الراحل محمد شكري، تحت إشراف صديقنا عبد اللطيف بنيحي، ماذا قدمت بدورها من خلال أصحاب لغو الكلام؟ وهاته الأسئـلة تجـرنا لسؤال اللحظة؟

 

هـل سيظل رائدا؟؟

في تقديري، وتجارب الأزمنـة تذكي مقولة - كلام الليل يمحوه النهار - والـحالة تلك، لا يمكن أن يستثنى مــنها رائد المسرح المغربي، هو رائد وعمدة المسرح، بدون منازع، ولكن تقلبات الزمان وعدم ترسيخ عطائه وتوهجه، في حفريات التاريخ، ستمحي ريادته في مجال الإبداع المسرحي، والفعل النقابي ابتداء من 1957 حينما قرر (الاتحاد المغربي للشغل) آنذاك و الذي كان يضم العديد من الفعاليات و الأسماء إنشاء مسرح عمالي، وفي تلك الفترة كان سعيد الصديقي يشغل منصب مدير ديوان عبد الله إبراهيم، وتقرر أن يؤسس المسرح الذي كان يضم في عضويته كلا من صديق الصديقي، حسن الصقلي، عائد موهوب/ علي الحداني/ ع الرحمان الكردودي/ بن جلون، المهدي الخبيلي، لطيفة الصقلي، الطيب الصديقي. هذا الأخير استطاع بموهبته وقدراته تحقيق تفاعل حقيقي لمفهوم المسرح العمالي، والذي لم يتطور فيما بعد لأسباب سياسية، وحضور قوى السلطة في نسف المشروع، بدء من منع مسرحية (مدينة النحاس) وتمرد الطيب الصديقي على الأوضاع السياسية، وانخراطه في عوالم اللامعقول وتيار العبت، بعد انسداد الأفق وتضييع الأمل المعقود.

هنا لسنا في تحليل شخصية الراحل عنا - أبا الطيب- بل إشارات عابرة، لتبيان أنه لم يكن مسرحيا يمارس إبداعا خارج إطار المبدأ السياسي والنقابي، بمعنى أنه كان يحمل مشروع قضية إنسانية، ضد القهر والجوع واللاعدالة اجتماعية، وهذا يبرز في عملين أساسين - مقامات بديع الزمان الهمداني - أبو حيان التوحيدي- والمثير أن العديد من المهتمين، يتحاشون هذين العملين في مناقشتهم، ويركزون على الحراز، وهذا يدفع بنا: بعد نـهاية الطـيب هـل سيظل رائدا؟ ممكن في حالة ما إذا قمنا بإعادة قراءة أعماله قراءة مغايرة ومختلفة، وفي نفس الإطار البحث الجدي عن أسباب تبرئة ذمته من تنظير كان يسمى- الاحتفالية؟ أما حشو العبارات والكلمات، فلن تحقق ما حققه - أبو الفتح الاسكندري- في حياته

 

نجيب طــلال

هل رحل المناضل عزيز سباهي عنّا نهائياً؟

jasim alhalwaniبرحيل الرفيق عزيز سباهي (أبو سعد) رحلت عنًا قامة شيوعية ووطنية شامخة، وصحفي وكاتب وباحث مرموق ومتنوع الإنتاج وغزيره. وكذلك فهو فنان مبدع حالت ظروف ذاتية وموضوعية دون بروز إبداعه، فهو إلى جانب كونه خطاطاً معترفاً ببراعته فهو رسام أيضاً.

ولكن هل رحل المناضل عزيز سباهي نهائياً، كما يرحل يومياً الكثيرون؟ كلا وألف كلا! لقد رحل أبو سعد بجسده ولكن أفكاره وإبداعاته باقية وستبقى إرثا خالداً. فقد ترك لنا تراثاً ثريا سيظل يتحدث عنه، ويذكرنا به، ويبقيه حياً دائم الحضور بيننا وتتحدث عنه الأجيال القادمة، متجسداً ذلك في خمسة عشر كتاباً بين مؤلف ومترجم، هذا إلى جانب العديد من الأعمال والدراسات. وقد غطى إنتاجه ميادين الفلسفة والتاريخ ومختلف فروع الاقتصاد والحياة الاجتماعية والإثنية. ولم تقتصر بحوثه على شؤون العراق بل شملت بلداناً عربية وأجنبية أيضاَ.

ومن أبرز مؤلفاته التاريخية كتابه الكبير"عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، وبصدور هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة، التي تجاوزت (1500) صفحة من القطع الكبير، أصبح لدى القارئ، ولأول مرة، تاريخ مدونّ ومطبوع يغطي حوالي ستة عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. وبذلك توفر مصدر مهم للثوريين ولجميع المناضلين من أجل غد أفضل، ولجميع الباحثين في تاريخ العراق المعاصر بشكل عام وتاريخ الحزب الشيوعي العراقي بشكل خاص. وكان لي شرف تقديم قراءة نقدية موسعة لكتابه المذكور، وقد صدرت القراءة في كتاب تحت عنوان "محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي".

إن حياة الرفيق عزيز سباهي النضالية، بوصفه كادراً شيوعياً، زاخرة بالنشاطات السياسية الوطنية في مختلف الظروف وأصعبها، فكان كاتباً نشطاً وبارزاً في صحافة الحزب الشيوعي العلنية والسرية وعضواً في هيئة ومجلس تحرير مجلة "الثقافة الجديدة" لسنوات طويلة. وشغل عضوية اللجنة الاقتصادية المركزية للحزب الشيوعي العراقي خلال السنوات 1974ـ 1978. وأصبح عضوا في قيادة تنظيم الخارج وفي لجنة العمل الأيديولوجي المركزية في السنوات الأخيرة من الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي.

وقد تعرض الرفيق عزيز سباهي خلال نضاله من أجل حرية وطنه وسعادة شعبه إلى ثمانية عشر عاما من السجن والإبعاد، بما في ذلك سنوات عديدة قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي وفي سجن بعقوبة الانفرادي، وتحمل صنوف التعسف والاضطهاد الذي تعرض له السجناء الشيوعيون العراقيون. واضطر للهجرة من العراق في عام 1978 أثناء تعرض الحزب الشيوعي العراقي للقمع الوحشي من قبل النظام الدكتاتوري المقبور. لقد استفاد سباهي من إقامته في السجون لتطوير إمكانياته، فطوّر لغته الإنكليزية وأغنى معارفه، حيثما أمكن ذلك.

لقد التقيت الفقيد عزيز سباهي لأول مرة في سجن بعقوبة الانفرادي في عام 1957 وقد قيدت رجليه بسلسلة حديدية، لأنه كان من ضمن المحكومين بالأحكام الثقيلة. وكان على وشك إنهاء محكوميته البالغة عشر سنوات ليتم إبعاده بعدها إلى ناحية بدرة لمدة ثلاث سنوات، لم يقضها حيث تحرر في إثر ثورة 14 تموز المجيدة. وتجددت لقاءاتنا في سبعينات القرن الماضي لاهتمامنا المشترك بالحركة الفلاحية والمسألة الزراعية وفي الثمانينات في لجنة العمل الأيديولوجي وكونفرنسات تنظيم الخارج للحزب في براغ. وقد زارني في أواخر القرن الماضي هنا في الدنمارك، عندما كان في مرحلة جمع المعلومات لكتابة تاريخ الحزب، واستمر التواصل بيننا بالرسائل والتلفونات والايميلات.

الرفيق عزيز سباهي مدرسة في الأخلاق والخصال الحميدة فهو جم التواضع، زاهد، متسامح ومرن، يتقبل الرأي المخالف وكذلك الانتقاد برحابة صدر، حسن الإصغاء، مثابر، مجتهد، قارئ نهم، ناكراً لذاته ومهذب الألفاظ. لقد كان إنساناً رائعاً، وهذا ما يبقيه، إضافة إلى أفكاره وإبداعاته، حياً في ذاكرتنا وضمائرنا.

ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتوجه بأحر التعازي والمواساة لرفيقة دربه وشريكة حيات العزيزة ليلى الشيخ (أم سعد) وأبنائه الأعزاء سعد وسامرة وزياد، ونعزي الأصدقاء الأعزاء عبد الإله سباهي (أبو صبحي) شقيق الفقيد وكوثر (أم صبحي) وصبحي وجميع أهله ومحبيه وقرائه.

ونعزي أنفسنا والشعب العراقي لخسارة قلم مكرس للحرية والعدالة والمساواة والسلام، ليس للشعب العراقي بكل مكوناته فحسب، بل وللشعوب العربية والبشرية جمعاء.

الذكر الطيب للفقيد الغالي عزيز سباهي والصبر والسلوان لذويه ولجميع محبيه.

 

جاسم الحلوائي

..................

* الكلمة التي ألقيت في الحفل التأبيني الذي أقيم للفقيد عزيز سباهي في كوبنهاكن

يوم 7 شباط 2016

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو (18)

هذه الحلقة من سلسلة مقالاتي حول العراقيين الذين مروا بموسكو مكرٌسة للمرحوم مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي، والذي سبق لنا ان تناولناه في الحلقة رقم (6) حول موقف سفير العراق في موسكو آنذاك فاضل صلفيج العزاوي من الصورة التي كانت معلقة للحديثي على جدار السفارة العراقية بموسكو ضمن صور السفراء العراقيين السابقين كافة . العودة الى هذا الاسم ضمن هذه السلسلة سببها صدور رواية في بغداد عنوانها (حفل رئاسي) بقلم الدكتور سعد العبيدي، والذي استخدم الكاتب فيها بعض الاسماء الحقيقية في روايته تلك ومنهم مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي، حيث أشار المؤلف هناك الى مسألة غريبة و جديدة جدا في موضوع استدعاء سفير العراق آنذاك في اسبانيا الى بغداد مرتضى الحديثي من قبل وزير خارجية العراق .

يرتبط مرتضى الحديثي في ذاكرتي الشخصية - قبل كل شئ- بمقابلتي له بالصدفة لاول مرة في بغداد عام 1972، عندما كنت مترجما لوفد من صحفي بلغاريا في لقاء مع رئيس تحرير جريدة (الثورة) طارق عزيز في عصر احد الايام، واثناء هذا اللقاء دخل سكرتير مكتب طارق عزيز                            

واخبره بوصول السيد وزير الخارجية مرتضى الحديثي الى مقر الجريدة وانه الان متوجه اليه . قمت طبعا بترجمة ذلك للوفد الصحفي البلغاري، فاعلن رئيس الوفد رأسا انه مستعد للانسحاب من اللقاء نتيجة لذلك، الا ان رئيس تحرير جريدة الثورة رفض ذلك وقال انهم هنا حسب موعد محدد ومسبق، ولهذا طلب منهم البقاء هنا الى حين توضيح الموضوع، ودخل مرتضى الحديثي بعدئذ، وفوجئ بوجود الوفد الصحفي البلغاري، اذ لم يخبره السكرتير بذلك طبعا، وقال رأسا انه جاء بدون موعد، لهذا يرجو الاستمرار بالحوار، وجلس بهدوء في مكتب طارق عزيز ليس الا . أكمل الوفد البلغاري اللقاء (بشكل مستعجل طبعا) وخرجنا جميعا من المكتب، واخبرني الصحفيون البلغار انهم معجبون جدا بالموقف الديمقراطي والبسيط جدا لمرتضى الحديثي – وزير خارجية العراق آنذاك، وانهم سينقلون هذا الموقف وسيتحدثون حوله في الاوساط البلغارية حتما، وانهم سعداء جدا لانهم كانوا – وبالصدفة – في موقف أتاح لهم هذه الفرصة الفريدة .

النقطة الثانية - بالنسبة لي - حول الحديثي ترتبط بما حدثٌني به يوما صديقي حسين محمد سعيد الحسيني في موسكو (زميل الدراسة في كليٌة الآداب بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين) . لقد كان حسين واحدا من ابرز العراقيين الذين يتقنون اللغة الروسية ويعرف اغوارها واسرارها قراءة وكتابة ونطقا وقواعدا..، اضافة الى انه مثقف كبير، ومتحدٌث رائع، ورجل مرح ومحبوب جدا من قبل الجميع، وقد عمل مترجما في السفارة العراقية بموسكو عندما كان مرتضى الحديثي سفيرا هناك، ومن الطبيعي انه أصبح المترجم الشخصي للسفير، وقد أصبحا (الحديثي وحسين) قريبين من بعضهما، بل يمكن القول انهما اصبحا صديقين بشكل او بآخر . وعندما زار نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزت الدوري موسكو في تلك الفترة، اخبر مرتضى الحديثي المترجم حسين محمد سعيد – سرٌا - ان ينتبه كيف سيسخر منه عند اللقاء معه، وفعلا، طرح عليه عند اللقاء السؤال الآتي – (هل أتيت الى موسكو من ألدور؟)، فقال عزت – (لا، لا، لقد سافرت الى بغداد، ومن هناك سافرت الى موسكو) . نظر مرتضى الى حسين بشكل خاطف اثناء ذلك، وفهم حسين طبعا مغزى هذه النظرة الخاطفة من سفير العراق .

تذكرت هاتين الحادثتين حول مرتضى الحديثي وأنا أقرأ مقاطع من مقالة كتبها الاستاذ خالد حسين سلطان ونشرها في موقع صحيفة (المثقف) الغراء بعنوان (ولادة في غرفة اعدام) وتحدث فيها عن رواية الدكتور سعد العبيدي الموسومة – (حفل رئاسي ...وقائع غير مروية من احداث مجزرة قاعة الخلد 1979) الصادرة في بغداد، وقد جاء في تلك المقالة ما يأتي-                          

... الرواية تخوض باحداث واقعية وباسماء صريحة ومنتحلة (حسب رغبة الشهود الاحياء ) عن ما جرى في بغداد .... عام 1979 وتصفية الخصوم والمناوئين وبحسابات واجندات غريبة عجيبة، وهو ما يعرف ب (مجزرة قاعة الخلد) .. ويأتي بعدئذ مقطع تفصيلي مكتوب باسم الحديثي يصف كيف اتصل به هاتفيا وزير الخارجية العراقية وتأكيده على ضرورة الحضور الى بغداد فورا لمقابلة الرئيس .. ثم يضيف (فاتني ان أذكر – وبعد اتصال الوزير بدقائق – وصلني تلكس من الرئيس السوفيتي بريجنيف، بعبارات محددة – (لا تذهب الى بغداد، توجه الى موسكو ضيفا عزيزا، الكي جي بي لديها علم بالتصفيات التي ستجري في البلاد )، لم أعر الموضوع اهتماما، وان أقلقني حقا ..)، ثم يشرح مؤلف الرواية بعد ذلك - كيف ان الحديثي اتصل هاتفيا بعد وصوله الى بغداد - بعزت الدوري وحامد الجبوري لجمع التفاصيل، وكيف انه ( لم يفهم منهما شيئا، وألحٌ كلاهما على ضرورة الذهاب الى الرئيس اليوم قبل الغد ..) ...وحدث الذي حدث ...

من الطبيعي انني توجهت الى الذين تابعوا كل تلك االوقائع مستفسرا عن مسيرة تلك الاحداث، لما لها من علاقة مباشرة بطبيعة مقالاتي حول العراقيين الذين مروا بموسكو، والاستفسار منهم حول صحة ما جاء في تلك الرواية، فقال لي احد ابناء المرحوم مرتضى الحديثي انه لا يستطيع ان يؤكد، ان بريجنيف نفسه ام لا قد كتب اليه ذلك كما جاء في الرواية، ولكن في اوساط العائلة يسود هذا الرأي ولحد الآن، وهو ان السوفيت قد أخبروه فعلا بعدم العودة الى بغداد لأن هناك خطر تصفية جسدية، وانهم دعوه للسفر من مدريد الى موسكو ضيفا لديهم، ولكن من هو الذي ارسل له تلك الرسالة من موسكو الى مدريد، وكيف ارسلها اليه، ولماذا توجه مرتضى الحديثي الى بغداد من مدريد وليس الى موسكو ... فانهم لا يعلمون بالتفاصيل حول ذلك .

وكم في تاريخ العراق من اسرار، ومن وقائع غريبة وعجيبة لا يمكن ان تخضع لمنطق الاحداث ومسيرتها !!!

 

أ.د. ضياء نافع

 

العراق: رحيل مفجع لرموز باقية

khadom almosawiهكذا هي الحياة.. في المنافي والأوطان.. انباء الفواجع تتالى. عام اخر ورموز اخرى ترحل. اسماء باقية بما تركته باسمها وإبداعها وكفاحها وصبرها وإرادتها وحبها للناس والأرض وخياراتها المصيرية. تباعدت اللقاءات وظلت الذكريات.. كلمات النعي لا تفي حقا ولا تعيد راحلا، لكنها تشهد لصفحات وعلاقات ولقاءات.. تخللتها ذكريات طيبة ووفاء وكلمات اعتزاز وود .. بعيدا عن الوطن وقريبا في المنافي.. اي حزن يرسم الاغتراب والنفي والمسافات القصية؟. خلال نهاية الشهر الاول من هذا العام 2016.. فجع المشهد الصحفي والثقافي في العراق برحيل رموز افنت عمرها في حب العراق وناضلت في سبيله حرا، ديمقراطيا وتقدميا. انهم يرحلون هكذا خفافا.. فائق بطي.. عزيز سباهي.. نضال الليثي.. والقائمة مفتوحة.. لا تغلق مع الايام و...الرحيل سنة والبقاء رغبة والأمنيات كثيرة والحزن جامع بينها وبعد الفقدان.

مناضلون في السياسة والاحتراب السياسي والكفاح من اجل الوطن الحر والشعب السعيد..عنيدون في الامل ومصرون على الاستمرار في كل الظروف والمنعطفات في سبيل حلم جميل لغد افضل. مناضلون في وعيهم وعذابهم.. في فرحهم وشقائهم.. في غناهم وفقرهم.. في القرب والبعد.. في الخيارات والقناعات.. في الهموم والحرمان.. في التطلعات والانكسارات.. في الشكوى والإصرار على السير في ذلك الدرب الطويل.. في السجون والمواجهات.. في الدموع والابتسام

عراقيون في الابداع والثقافة والإعلام. فائق (بغداد 1935- لندن 2016) مؤرخ الصحافة في العراق.. موسوعاته واطاريحه تشهد له ومنجزه وعمله يرسم علاماته.. تولى رئاسة تحرير صحيفة البلاد، عام 1957 أثر وفاة مؤسسها والده روفائيل، والتي أستمرت في الصدور بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958. وعمل في اسبوعية الفكر الجديد وجريدة طريق الشعب في السبعينات من القرن الماضي، وبعدها تولى إصدار عدة مطبوعات، منها (عراق الغد) (1986-1987) ورسالة العراق عام (1994- 2003) وأستمر.. محررا وناشرا وناشطا سياسيا في تجمعات ومنظمات الاغتراب.. اصدر موسوعاته بأسماء (موسوعة الصحافة العراقية) و(موسوعة الصحافة الكردية) و( موسوعة الصحافة السريانية)، وكتبه: (ابي) صدر عام 1956، و(صحف بغداد في ذكرى تاسيسها) و(الصحافة العراقية.. ميلادها وتطورها ) و(صحافة الاحزاب وتاريخ الحركة الوطنية) و( الصحافة اليسارية في العراق) و( الصحافة العراقية في المنفى ) ومذكراته بعنوان ( الوجدان ) بأجزائه الثلاثة والرابع لم يستطع اكماله ..

كتبت عنه سلوى زكو: بدأ فائق بطي يكتب للامل والحياة وفرحة الناس، وانتهى بعذابات المرض والغربة في مستشفيات لندن، لن يكتب أحد من بعده لتاريخ الصحافة العراقية الذي أراده ان يظل نقيا متوهجا، ولن يكتب المؤرخون من بعده حكاية نضال وتعثر صاحبة الجلالة، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من اروقة الجرائد، ومن احاديث الصحفيين، ومن السياسة، ومن الثقافة، ومن التاريخ، ومن النضال، ومن هدير المكائن، ليحوّلها كلها إلى كتاب نادر. وإذا كانت حكايات الصحافة هي الباقية، فإن فائق بطي هو حكاية الصحافة العراقية، التي سنعود اليها كلما اخذنا الحنين الى زمن النقاء والرفعة والاناقة في اللفظ والسلوك والوجدان.

عزيز ترجم وألف العديد من الكتب، ترجم ونُشر تحت اسم نصير سعيد الكاظمي كتاب "الكومنترن والشرق" لمؤلفه الروسي ريجينكوف، وألف ونشر بنفس الاسم "الحزب الشيوعي والمسألة الزراعية" وغيره.. وتوج بحوثه التاريخية بكتابه "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، بثلاثة اجزاء، صدرت عن دار الرواد المزدهرة 1998- 2005... وترجم ونشر ايضا، مستقبل الرأسمالية، صدر عام 1998، وأصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية – طبع للمرة السادسة – عن دار المدى 1996، وتأريخ الحركة العمالية في العراق - مركز الدراسات الاشتراكية في العالم العربي 1985، ونشأة وتطور الطبقة العاملة في البحرين - معهد العمل العربي 1983، ونشأة وتطور الطبقة العاملة في الكويت - معهد العمل العربي 1982، وترجم الكتب الاخرى، في الفلسفة الماركسية، صدر عن دار الفارابي 1975، والمزارع التعاونية في الهند، عن دار الرواد 1973، وسيرة حياة لينين، عن مكتبة النهضة 1971.. ووضع خمس دراسات اقتصادية واجتماعية عن مشكلة السكن في العراق، كما القى عددا من الابحاث الزراعية في مؤتمرات زراعية ونشرت في الصحف... وغيرها وغيرها..

نعته منظمات حزبية وكتب عنه رفاق الدرب، يوم رحيله في كندا، صباح يوم الثلاثاء 26 /1/ 2016 عن عمر ناهز التسعين عاما.. مشيدين به وبما تركه من بعده.

نضال (توفي في لندن يوم 30/1/2016) سجل اسمه في الصحافة اليمنية، باسم مستعار، وعاد باسمه في صحافة المنفى، الزمان، كاتبا ومحللا ومديرا للتحرير. نعته منظمة الحزب الشيوعي في بريطانيا في رسالة الى زوجته سناء الطالقاني وابنته شهد: "... ساهم الفقيد في نضال حزبنا وقدم الكثير من العطاء للحركة الوطنية والديمقراطية، والتحق بحركة الانصار الشيوعيين من اجل خلاص شعبنا من الدكتاتورية وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في عراق حر ومزدهر. وبهذه المناسبة الأليمة نتقدم اليكم والى العزيزة شهد والعائلة الكريمة وأصدقاء الفقيد ومحبيه بأحر التعازي، راجين لكم الصبر والسلوان ولفقيدكم الغالي الذكر الطيب دوماً".

كما ودعته صحيفة الزمان برسالة: "خسرت صحيفة الزمان والصحافة العراقية كلها أحد ابرز اعلامها الصحفي العراقي الكبير نضال الليثي الذي وافاه الاجل ليلة امس بعد معاناة زادت على السنة مع مرض عضال. كان الفقيد الليثي شخصية وطنية وإعلامية مثابرة شهدت لها ميادين الصحافة والعمل الوطني في سبيل الحرية ومسيرة التنوير، وكان عضوا رائدا في هيئة تحرير الزمان منذ انطلاقتها الاولى عام 1997 في لندن وكان من ابرز مديري التحرير لطبعتها الدولية حتى وافاه قدر الله وقضائه.... سيبقى نضال الليثي مثال الصحافي الذي سيذكره اكثر من جيل في عالم الصحافة العراقية لما كان له من دور وبصمة واشراقة في العمل الاعلامي".

رموز بكل ما لها وعليها رحلت وتلقت بعد رحيلها كلمات الاستذكار.. لم تمنح مثلها في حياتها بما روي عنها ولها بعدها.. توفيت ودفنت في المنافي البعيدة عن سماوات العراق، ولكنها رغم كل ما حصل وانتهى تظل هي باسمائها وإبداعها رموز اجيال لسنوات طويلة من عذابات وآمال المبدعين، سواء في الوطن او في محطات الغربة والانتظار.

 

كاظم الموسوي

 

عبد الكريم قاسم أسطورة من الرافدين !!

karim alasadiدائما وفي مثل هذا الوقت من السنة يخيّم الوجوم على العراقيين المحبين لوطنهم العاشقين للعدالة الاجتماعية والانسانية والعارفين قيمة حضارات الرافدين في الماضي وبما يمكن ان ينجزه بلد الرافدين في المستقبل . في مثل هذا الوقت من بداية شباط الى منتصفه تنقبض قلوب العراقيين النجباء المتوجسين من كل خطر يهدد امن وسلام وطنهم ومستقبل وحياة شعبهم ومن كل تدخلٍ مغرضٍ وغادرٍ حاكته ايدي المتنفذين من امراء الظلم والظلام وخصوصاً تلك التي اهتمت منذ قرون ومنذ عقود على الأخص بالعالم العربي وبموطننا الشرق الأوسط فانكبتْ على دراسة تاريخه وجغرافيته وأجناسه وأعراقه ودياناته ومذاهبه وثرواته ومصادر قوته واسباب ضعفه مُسَخِرَّة لذلك مستشرقيين مُسيَسين يخدمهم في مسعاهم خونة وضعاف نفوس من ابناء أوطاننا ولغاتنا وثقافتنا أغروهم بالدراهم والأمتيازات التي لايعادل أعظمها حياة طفل واحد فاذا بنا نُقدِّم على منحر الأضاحي الافاً تتبع الالاف، وبضربة غادرة واحدة خسر العراق تسعمائة ألف طفل بريء وجميل وواعد انهاهم حصار الأمم المتحدة الذي خططت له واصرت على تنفيذه ممَن اصر ونفذ البروفسورة مادلين أولبرايت التي كان من مناصبها ممثلة بلدها الولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة ووزيرة خارجية هذا البلد!! ... تابعتْ منظمات نصف انسانية الحصارَ وتأكدتْ من عدد القتلى الشهداء الأطفال فكانت هذه النتيجة التي صكت سمع كل شريف تبَقى في هذا العالم : تسعمائة الف طفل عراقي شهيد بسبب نقص الغذاء والدواء، وحينما يسأل الصحفيون هذه السيدة الخبيرة البروفسورة عن تبرير لموت الأطفال العراقيين بسبب حصار الأمم المتحدة تقول لهم ان ألأمر يستحق، وهي تتلمظ !! وحينما يسأل صحافيون آخرون مَن تسبب في حصار العراقيين واطفالهم بسبب حماقاته ورعونته ولااباليته بآلام شعبه كرئيس للبلد يجيبهم وهو يضرب مفاخراً ومتبجحاً على بطنه: ان غذاءه من لحم الغزال !!

هل كان لكل هذه المآسي ان تحدث لو لم تتمكن العواصف السود من اطفاء شعلة زعيم العراقيين الراحل عبد الكريم قاسم اب كل طفل عراقي، وابن كل عائلة عراقية، وصديق كل كادح و كاسب، ونصير كل مغبون ومظلوم، وحامل هموم فقراء شعبه، والمتفقد لعائلته العراقية الكبيرة، وصاحب الضمير الناصع واليد السخية والخصال الكريمة والطباع النبيلة التي ترقى وأيم الحق الى مصاف القديسين، ذاك المتناول طعامه اليومي البسيط بساطة طعام كادح عراقي من آنية السفرطاس تحمله له فتاة عراقية من أقاربه، وكل العراقيين كانوا أقاربه وأهله، ذاك العازف عن السكن في قصر والمكتفي وهو رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بغرفة بسيطة في بيت امه وأبيه ومكتب بسيط في وزارة الدفاع يحوِّله وقت القيلولة الى غرفة تتسع بالكاد لفراشه الأرضي البسيط، وذاك المانح من راتبه ـ وراتبه كل مايملك من مال ـ للمعوزين والفقراء والمرضى وأصحاب الحاجة، والطالع في منتصف الليل وحيداً أغلب الأحيان ليتفقد حيّاً أو يزور عائلة أو يعود مريضاً، ذاك المهموم ببناء وتعمير وتطوير ورفع شأن العراق عالياً واِسعاد شعبه، ذاك العازف عن حياة الرفاه والأبهة لينتمي للبسطاء، وليس من الممكن ان يكون كل هذا تمثيلاً على مدى أربعة أعوام ونصف هي فترة حكمه، انما هذا هو عبد الكريم، هذا كنهه وجوهره ومعدنه النبيل وطينته الطاهرة طينة دجلة والفرات !!

تحدثوا ويتحدثون عن القطار الأميركي الذي حمل الزمرة التي تآمرت عليه ونفّدت امر الأجنبي كاره العراق والخائف من العراق والأرِق من رعود ووعود العراق فقتلوه في ظلام ذاك اليوم الأسود ليبقى الثامن من شباط وصمة عار لاتُمحى في جبين الخونة وليستمر عذاب العراقيين ويتمهم من بعده هو المخفف من عذاباتهم وأبوهم جميعاً على اختلاف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم !!! فماهي التهم التي وًجهت اليه وما نصيبها من الصحة ؟!، دكتاتور ؟! فهل امتلك خمسين قصراً منع العامةَ من أبناء الشعب من المرور في الطرق المؤدية اليها، هل نهب وامتلك الملايين من أموال الشعب، هل مكَّنَ أقرباءه الأقربين من المناصب المهمة والحساسة في الدولة ؟! شعوبي؟!، ترى مَن هو الذي كان أكثر أخلاصاً منه لفلسطين وأهل فلسطين ومسألة فلسطين مِن الذين كانوا قبله أو أتوا بعده، ومَن هو الذي وقف مع بلد عربي مثل الجزائر وهو ينتفض لتحقيق حريته وخلاصه هذا الموقفَ المُشرِّفَ سواه؟!!

مؤمن أنا من الأعماق ان ذاك الأنقلاب الأسود المشؤوم كان انقلاباً على الرصيد الأنساني العالمي الذي يشكل العراق أحد مراكزه المهمة في العالم كله، وضربةَ السافلِ الغادرِ لقلب النبيل الشجاع، وحيلةَ مَن لايستطيع المواجهة في الأستقواء بالآخر حتى لو كان غريباً وأجنبياً وعدواً أيضاً، ومعروفٌ لدى الشعب العراقي كله تقريباً وعلى الأخص مَن عاصر عبد الكريم قاسم في حياته ان أعداءه كانوا أجبن كثيراً مِن ان يواجهوه، لقد كان بأمكانه وهو الوحيد واللامتحزب ان يهزمهم في كل مواجهة عادلة وواضحة ومترفعة عن الغدر، وهكذا هو الأمر في هكذا مواجهات منذ بداية التاريخ الأنساني والى الآن : مجاميع وزمر من الأخساء والأنذال يتوسلون كل الوسائل للأطاحة بنبيل وكريم واحد، وحتى لو كلَّفهم الأمر الأستعانة بأنذال غرباء وبيع شرفهم الوطني بل والأنساني أيضاً !!

ولكن هل مات عبد الكريم قاسم بالفعل ؟! هل تمكنوا من اغتياله نهائياً؟! لقد سطع نجمه لامعاً بارقاً من جديد فيما غطستْ أحزابٌ كاملةٌ في وحولِ العمالة والخيانة والفساد، ويالها من وحول !!

عبد الكريم قاسم لم يزل موجوداً ومتجدداً في عروق أبناء العراق من الفتية أطفال حصار الأمس والذين يلعبون في المحافل الرياضية عربياً وآسيوياً وعالمياً منذ عقد من الزمن والى الآن لوطنهم العراقي فيحصدون النتائج الباهرة والتي تبهر الغريب فبل القريب مثلما حدث قبل أيام في موقعة الدوحة بعد ان وقف ضدهم حكم المباراة بالتمام والكمال فكان اكثر من اللاعب الثاني عشر للفريق الآخر، فما استطاع هو ومَن يقف خلفه اخماد انفاسهم وأطفاء مشعلهم !!

فاز أخوة وزملاء لهم ببطولة قارة آسيا لكرة القدم في العام 2007 وهو من أقسى الأعوام العراقية، لأقرأ في برلين البعيدة وفي صحيفة المانية رئيسية وبعد يوم واحد من احرازهم للقب الآسيوي عنواناً بارزاً في صدر الصفحة يقول : أسطورة صيف عراقية !! بينما الصحفي يتسائل مستغرباً في المقال وهو يقول لقد أعتقدنا ان العراق مات وهاهو يفوز ببطولة تعادل بطولة نصف العالم اذا ماحسبنا ان آسيا يسكنها أكثر من ثلاثة مليار انسان!!

ولم أزل أحتفظ الى الآن بنسخة من هذا المقال : اسطورة صيف عراقية !

أي نعم !!

وعبد الكريم لم يزل موجوداً في روح الأديب أو الشاعر العراقي الذي أصر في اسوداد هذا الزمن على الأخلاص لقضايا شعبه ومصير وطنه رغم كل الأخطار المحدقة فيه ودسائس المشتغلين للدوائر الأجنبية حيث أضحت خيانة الوطن موضة وذكاء حتى لمن نسب نفسه فيما مضى الى الحركة الوطنية أو من ادعى العفة والزهد والصدود عن الحياة الدنيا!!

وعبد الكريم قاسم لم يزل في روح كل باحث علمي عراقي نزيه عالي الهمّة من همِّهِ رفع اسم العراق في المحافل العلمية الدولية وأعادة اسمه بعد كل هذا النفي الى الأسماع!

فاشهد ايها العالم!!

عبد الكريم قاسم أسطورة من أساطير الرافدين !!

والأساطير لا تذبل ولاتموت !!

 

كريم الأسدي

برلين، في السادس من شباط 2016

قصتي مع قصيدة نزار قباني التي منعت من النشر في سنوات القهر التي مرت على العراق

hashem mosawiالقصيدة التي أذكركم بها كان قد ألقاها الشاعر نزار قباني في مهرجان المربد الخامس في بغداد عام 1985

وقد أحدثت ضجة كبيرة داخل الأوساط الأدبية لجرأتها في حينها

وتم التعتيم والتشويش عليها ومنعت من الصدور على الصحف العراقية وقنوات الإعلام... كانوا ينتظرون من نزار قصيدة مدح على غرار الشعراء السابقين

فكانت القصيدة عكس ذلك، قصيدة تتكلم عن الواقع المرير الذي مر ويمر بنا

(ولكننا قمنا بما يجب أن نقوم به.. وسأسرد لكم كيف تم نشرها في اليوم الثاني من تاريخ إلقائها ..)

كنت أسكن في ذلك العام بمنطقة الزعفرانية ببغداد، وقد إعتدت، بين يوم وآخر أن أزور الشاعر العراقي الكبير "كاظم السماوي" رحمه الله في شقته بمحلة المسبح في بغداد .. هذه الشقة كانت أشبه بالملتقى الثقافي المصغر يحضره عدد من الشخصيات السياسية والمعروفة وذات الثقل العلمي والثقافي والسياسي . لم يبق من جلساء ذلك التجمع على قيد الحياة سوى إثنين، أحدهم هو المستشار والمحلل القانوني الأستاذ حسين شعبان، وثانيهما هو أنا. (وإذا ماحالفني الحظ فسأكتب يوما ما عن جلسات وأماسي تلك الشقة الحافلة بالمناقشات الجادة والنوادر) .. وكان هذا الرجل العلم الأستاذ كاظم السماوي في آخر أيامه في بغداد، بعد أن جاءته رسالة من صديق عمره العلامة العراقي هادي العلوي يدعوه للمجيئ الى الصين لأنهم يحتاجونه هناك للتدريس وللعمل بالصحافة .

حضرت في أحد الأيام بعد الظهر عند الأستاذ كاظم، شاهدته مستعجلاً يريد الخروج من باب العمارة، وطلب مني أن أرافقه، ولم أسأل الى أين وإتجهنا مشياً الى ساحة عقبة بن نافع، وفي الطريق أخبرني بأن نزار قباني إتصل به من احد الفنادق المتواضعة عند تلك الساحة، طالباً منه المجئ إليه بشكل ضروري .. وعند لقائنا بالشاعر نزار الذي كان مشوشاً ومنفعلاً، رحب بنا على عجل وذكر للأستاذ كاظم (أرجوك ياكاظم ألا تخبر أحدا بأنني في هذا الفندق، لقد حجزت عائداً في هذه الليلة، وقاطعت جلسات المهرجان، لا أريد أن يتابعني أحد من الأدباء أو الصحفيون)، ثم تحدث بمرارة عما حدث له بعد قراءة القصيدة .. لم أتريث كثيراً حتى رجوت الأستاذ كاظم السماوي، أن يطلب منه نسخة منها .. تردد بعض الشئ ثم سلمني النسخة، وقال لي ستواجه بعض الصعوبات والعقبات في نشرها فخذ الحذر .. سأله الأستاذ كاظم :"هل تريد أن تأتي الى شقتي إن وجدت في مكانك هذا خطراً عليك؟" فتشكر منه وإعتذر .. وبعد أن شربنا قهوتنا .. طويت صفحتي القصيدة ودسستها في جواربي .. وعدنا مشياً الى عمارة المسبح ونحن نتلتفت بعد كل عشر خطوات الى الوراء لنتأكد بأن ليس من أحد يتبعنا ..

إعتذرت من شاعرنا الكبير كاظم السماوي، بأني لا أستطيع أن أحضر مجلسه في تلك الأمسية .. وعدت مستعجلاً الى بيتي لأبدأ بإستنساخ القصيدة بعدة نسخ، ولتكن في اليوم التالي جاهزة ضمن أدب الإستنساخ العراقي، الذي إبتكرناه آنذاك، ونجحنا في نشره بالرغم شراسة ذلك النظام .

واليوم وددت أن أعيد نشر هذه القصيدة، لإطلاع من لم يحالفه الحظ بالإطلاع عليها سابقا .

 

يقول نزار_قباني:

 

مواطنون دونما ‏وطن

مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن

مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن

نحن بغايا العصر

كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن

نحن جوارى القصر

يرسلوننا من حجرة لحجرة

من قبضة لقبضة

من مالك لمالك

ومن وثن إلى وثن

نركض كالكلاب كل ليلة

من عدن لطنجة

ومن عدن الى طنجة

نبحث عن قبيلة تقبلنا

نبحث عن ستارة تسترنا

وعن سكن

.......

وحولنا ‏أولادنا

احدودبت ظهورهم وشاخوا

وهم يفتشون في ‏المعاجم ‏القديمة

عن جنة نظيرة

عن كذبة كبيرة ... ‏كبيرة

تدعى ‏الوطن

 

***************

مواطنون نحن فى مدائن البكاء

قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء

حنطتنا معجونة بلحم كربلاء

طعامنا ..شرابنا

عاداتنا ..راياتنا

زهورنا ..قبورنا

جلودنا مختومة بختم كربلاء

لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء

لا نخلة.. ولا ناقة

لا وتد ..ولا حجر

لا هند ..لا عفراء

أوراقنا مريبة

أفكارنا غريبة

أسماؤنا لا تشبه الأسماء

فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا

ولا الذين يشربون الدمع والشقاء

***

معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا

معتقلون داخل الدين كما "فسره إمامنا

معتقلون داخل الحزن ..وأحلى ما بنا أحزاننا

مراقبون نحن فى المقهى ..وفى البيت

وفى أرحام أمهاتنا !!

حيث تلفتنا وجدنا المخبر السرى فى انتظارنا

يشرب من قهوتنا

ينام فى فراشنا

يعبث فى بريدنا

ينكش فى أوراقنا

يدخل فى أنوفنا

يخرج من سعالنا

لساننا ..مقطوع

ورأسنا ..مقطوع

وخبزنا مبلل بالخوف والدموع

إذا تظلمنا إلى حامى الحمى

قيل لنا : ممنـــوع

وإذا تضرعنا إلى رب السما

قيل لنا : ممنوع

وإن هتفنا .. يا رسول الله كن فى عوننا

يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع

وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة الأخيرة

أو نكتب الوصية الأخيرة

قبيل أن نموت شنقاً

غيروا الموضوع

****************

يا وطنى المصلوب فوق حائط الكراهية

يا كرة النار التى تسير نحو الهاوية

لا أحد من مضر .. أو من بنى ثقيف

أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف

زجاجة من دمه

أو بوله الشريف

لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة

**********

أهداك يوماً معطفاً أو قبعة

يا وطنى المكسور مثل عشبة الخريف

مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا

مهجرون من أمانينا وذكرياتنا

عيوننا تخاف من أصواتنا

حكامنا آلهة يجرى الدم الأزرق فى عروقهم

ونحن نسل الجارية

لا سادة الحجاز يعرفوننا .. ولا رعاع البادية

ولا أبو الطيب يستضيفنا .. ولا أبو العتاهية

إذا مضى طاغية

سلمنا لطاغية

************

مهاجرون نحن من مرافئ التعب

لا أحد يريدنا

من بحر بيروت إلى بحر العرب

لا الفاطميون ... ولا القرامطة

ولا المماليك ... ولا البرامكة

ولا الشياطين ... ولا الملائكة

لا أحد يريدنا

لا أحد يقرؤنا

فى مدن الملح التى تذبح فى العام ملايين الكتب

لا أحد يقرؤنا

فى مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأدب

*********

مسافرون نحن فى سفينة الأحزان

قائدنا مرتزق

وشيخنا قرصان

مكومون داخل الأقفاص كالجرذان

لا مرفأ يقبلنا

لا حانة تقبلنا

كل الجوازات التى نحملها

أصدرها الشيطان

كل الكتابات التى نكتبها

لا تعجب السلطان

********

مسافرون خارج الزمان والمكان

مسافرون ضيعوا نقودهم .. وضيعوا متاعهم !!

ضيعوا أبناءهم .. وضيعوا أسماءهم ... وضيعوا إنتماءهم

وضيعوا الإحساس بالأمان

فلا بنو هاشم يعرفوننا .. ولا بنو قحطان

ولا بنو ربيعة .. ولا بنو شيبان

ولا بنو ' لينين ' يعرفوننا .. ولا بنو ' ريجان '

يا وطني .. كل العصافير لها منازل

إلا العصافير التى تحترف الحرية

فهى تموت خارج الأوطان.

من ذاكرة السنين: زيارة باريس تحولت الى فلم رعب!!

zayd alheliزرتُ باريس ثلاث مرات .. المرة الاولى في العام 1987 ضمن وفد صحفي عراقي بمعية الاستاذ الطيب طه البصري رحمه الله، استغرقت اسبوعا، والثانية في العام 2006 لحضور مؤتمر نظمته هيئة الاعلام والاتصالات بأشراف منظمة اليونسكو في قاعتها بباريس حضره عدد من رؤساء تحرير الصحف العراقية وانا من ضمنهم، والثالثة في العام 2008 للمشاركة في فعالية ثقافية واعلامية كبيرة اقامتها مؤسسة العالم العربي، حضرتها قامات صحفية عربية شهيرة ..

باريس قرنفلة، ضوعها لا ينسى، وتبقى حية في الذاكرة، مهما طال زمنها .. لكني مررت بتجربة، شبيهة بلقطات فلم رعب، لعمنا الفرد هتشكوك ..

في المرتين، الاولى والثانية، كانت ضيافتنا في فندق (كونكورد) الباريسي الشهير، والأخيرة في فندق (المريديان) .. حجزت لي غرفة انيقة جدا .. مريحة جدا .. ارتحتُ فترة الظهيرة، بعد وصولنا مباشرة .. وفي المساء لبيت دعوة صديق، فكانت سهرة جميلة، وفي نهايتها اوصلني الصديق الى الفندق بعد ان طلب مني رقم غرفتي للاتصال لاحقا.. ودلفت الى المصعد العملاق، وماهي سوى لحظات كنت في الطبقة التاسعة وتوجهت الى غرفتي ذي الرقم (941) .. وبين غفوة منتشيه، وصحو قلق، سمعت رنين هاتفي، كان المتحدث ذات الصديق، فقال: اردتُ تطمينك حتى لا تنزعج في الصباح حين تعرف ان غرفتك، هي ذاتها الغرفة التي قُتل فيها العالم النووي المصري (الدكتور يحيى المشد) في عام 1980 حيث وجدت جثته هامدة مهشمة الرأس بعمل خسيس قام به الموساد الإسرائيلي لتعاونه مع العراق في برنامجه النووي السلمي ... طار النوم مني، واخذت صور دماء العالم (المنشد) تترئ امامي، وباتت اذني تستمع الى اصوات استغاثته و.. و...

بملابس النوم، خرجت من غرفة الرعب، وتوجهتُ مذعورا الى غرفة زميلي في الفعالية الشاعر عبدالرزاق عبد الواحد ...فطرقتُ بابه بقوة ... لم يفتح إلا بعد دقائق وكأنها الدهر ...ارتميت على سريره، وفي الصباح تبادلنا الغرف ... بقى في غرفة الرعب , وبقيت في غرفة ابو خالد .. عبدالرزاق عبد الواحد !

رحمك الله عالمنا العربي د. المشد، ولا زال عتبي على صديقي العراقي الذي حول ليلتي الجميلة الى ليلة رعب قائما، فلازلت اعيش تلك اللحظات حتى ... اليوم !

(الصورة مع موظف الاستقبال في فندق الكونكورد) الباريسي

 

زيد الحلي

رحيل موسيقار الصحافة

hadi  jalumreiنعى المرصد العراقي للحريات الصحفية الصحفي القدير والبارع المرحوم فائق روفائيل بطي الذي غادر دنيانا بعد عمر من الكفاح السياسي والأدبي في ساحة من سوح العمل الصحفي، فكان عطاؤه في السياسة والأدب مرتبطا بعمله الصحفي وإبداعه في هذا الميدان ومنذ ولادته في العام 1935 ونشأته في كنف أسرة بطي الصحفية حيث الوالد المعطاء السيد روفائيل مؤسس صحيفة البلاد التي كان تصول وتجول في العهد الملكي، وترك بصمات في ذاكرة الصحافة العراقية، وكان ذلك سببا في نشأة مختلفة جعلته في مصاف الصحفيين البارعين والقادرين على الإبتكار وكان واضحا كل ذلك في مؤلفاته التي صدرت خلال العقود الماضية وتلك التي صدرت عن دار المدى.

حصل فائق بطي على الدكتوراه من الجامعة الأمريكية في القاهرة وعاد الى بغداد في عهد زعيم إنقلاب 1958 عبد الكريم قاسم ورأس تحرير صحيفة البلاد، حصل بعد ذلك على الدكتوراه من جامعة موسكو وفي إختصاصات صحفية، لكنه غادر ثانية وبقي في الخارج يتنقل بين العواصم ليعيش لفترة في الولايات المتحدة وبريطانيا، وأصدر العديد من الكتب المهمة من بينها (الوجدان، صحافة الأحزاب، ذاكرة وطن، ذاكرة عراقية، الصحافة اليسارية) ولم يترك تاريخ والده المثير والحافل فأثرى المكتبة الصحفية وأفاض في مؤلف عن سيرته الشخصية.

رئيس الجمهورية السابق السيد جلال طالباني كان من أول الرؤساء العراقيين إهتماما بالراحل فائق بطي وعينه مستشارا صحفيا في ديوان الرئاسة العراقية، رئيس الجمهورية الدكتور فؤاد معصوم نعاه بكلمات مؤثرة تقديرا لإسهاماته وحضوره الإبداعي والقيمي، كذلك فعلت الأوساط الصحفية والأدبية، ويعد فائق بطي من مؤسسي نقابة الصحفيين العراقيين وقد نعته النقابة، وعدت رحيله خسارة جسيمة لايمكن تعويضها.

تحية لروح الراحل فائق بطي الذي تعلمنا منه الكثير وترك لنا الكثير من الإبداع والعطاء وهو ديدن الرائعين في مسيرة الحياة التي لاتتوقف لكن حركتها الثرة بحاجة لتدوم الى أمثاله ممن يملكون الثقافة الواعية والقدرة والبراعة على صناعة الأفكار والأحداث وتوثيقها ورسم معالم المستقبل الأفضل للأجيال التالية.

 

هادي جلو مرعي

"الصحين" قرية.. مدرسة وتاريخ

jamal alkersanلأسباب كثيرة تمثل قرية الصحين الواقعة على بعد حوالي 50 كيلو مترا جنوب مركز محافظة ميسان نقطة ارتكاز اساسية في الاهوار الوسطى، فقد ضمت فندقا عائما، مركزا صحيا، قصرا لصدام حسين كما احتضنت مهرجانا سنويا لسباق القوارب او المشاحيف ومميزات عديدة اخرى. لكن من بين المميزات الكثيرة التي تحظى بها القرية وجود مدرسة يعود تأسيسها للعام 1958 وهي من اقدم المدارس في الاهوار. ان المدراس بشكل عام ومدارس الاهوار بشكل خاص بمثابة ذاكرة وتاريخ لأهالي القرية ولجميع من مروا عليها. مدرسة المنار الريفية صاحبة الفضل على اهالي الصحين وعلى الكوادر التي عملت فيها من اهالي القرية او من خارجها، لقد وفرت فرصة استثنائية لبعض ابناء المدينة كي يعيشوا التفاصيل اليومية لتجربة الحياة في الاهوار بحلوها ومرها وهذه التجربة دفعت بعضهم لتوثيق تلك التفاصيل بأشكال مختلفة منهم من الف كتبا حول ذلك ومنهم من وثق تلك التجربة بأعمال فنية. المدرسة صاحبة الفضل الاكبر على سكان المدينة حينما علمت ابنائهم، ورفدت المجتمع العراقي بالكثير من المميزين منهم، مئات الاسماء مرت عبر تلك المدرسة، الكاتب قاسم موسى الفرطوسي، محافظ ميسان علي دواي، عشرات بل مئات الاسماء التي استلمت مراكز متفاوتة الاهمية في الدولة العراقية تلقوا تعليمهم الابتدائي في تلك المدرسة الريفية. في حديث شخصي مع ابرز مدراء المدرسة شيخان الفرطوسي يؤكد الرجل انه كان يتفقد طلابه بين الحين والاخر ويجبرهم على الحضور الى قاعة الدرس بل يقصدهم حيث يعملون ويأتي بهم بالقوة الى المدرسة، بهذا الاحساس التربوي المسؤول استطاعت الكوادر العاملة بإخلاص ان تثمر. المثير حول تلك المدرسة ان مساحة زمنية لابأس بها من فلم "الاهوار" لقاسم حول والذي انتج عام 1975 تم تصويره في تلك المدرسة، المخرج استطاع توثيق تفاصيل الحياة التعليمية لتلك المدرسة في وثيقة تاريخية نادرة، قاسم حول اخذ طلاب المدرسة في رحلة مدرسية مثيرة الى معمل السكر في المجر الكبير ورصد ردود افعال التلاميذ في رحلة تعليمية من نوع آخر. سكان قرية الصحين طالبوا الجهات الرسمية افتتاح مدرسة متوسطة في القرية وبعد سلسلة من المناشدات استجاب لطلبهم صلاح عمر العلي حينما زارهم في احدى المرات، لكن المدرسة اغلقت بعد اشهر اثر زيارة لصدام حسين بتصرف مزاجي جدا حينما شاهد لوحة تعريفية قرب المدرسة كتبت باللغة الانجليزية توضيحا للسواح القادمين من مختلف انحاء العالم والذين يقصدون تلك المنطقة بين الحين والاخر، صدام سال عن اللوحة فترجمها له مرافق معه فلم تعجبه العبارة فامر بأغلاق المدرسة كما يؤكد مديرها الاستاذ شيخان. مدرسة المنار الريفية صاحبة الدور الكبير في تنشئة اجيال من المتعلمين.. بعد اكثر من ثلاث عقود على تأسيسها وبسبب احداث حرب الخليج الثانية وما رافقها من فوضى اضافة الى قرارات نظام صدام حسين بتجفيف الاهوار تحوّلت الى مجرد اطلال تحكي نهاية قرية اختفت ملامحها للابد، لتبقى مجرد ذكرى.

 

جمال الخرسان

يوم الشهيد الشيوعي.. ذكريات مرّة

abduljabar noriتعوّد الشيوعيون وأصدقاؤهم الأحتفاء بسيرة هذا الحزب العراقي الصميم في أتراحه وأفراحه، والعجيب أن يكون التنافس في نيل السبق الصحفي مبكرا قبل أوانهِ، فالأحتفاء بيوم الشهيد الشيوعي بدأ قبل شهر من موعده في 14- شباط 1949، وهو يوم الفاجعة لدى أدبيات الحزب والجموع الغفيرة الكادحة من الشعب العراقي حين فقد فيه ثلاثة من قياديه الأشداء، يوسف سلمان " فهد" وزكي بسيم "حازم" وحسين الشبيبي "صارم" أضافة إلى أعدام يهودا صديق الكادر القيادي في الحزب في تنفيذ حكم الأعدام فيهم شنقا بمحاكمة صورية في العهد الملكي .

الشهيد هو الأنسان الذي يتحدى خشبة الموت ليسمح لحبلها أن يعانق رقبته المقدسة ويوسمها برموز الشرف والوطنية لغايات ساميه مقدسة لأجل الأرض والعرض والمال والوطن بشرعنة قوانين سماوية ووضعية، فتتحول تلك الشخصنة المميزة ليجد نفسه بين عظماء العالم المضحين من أجل تلك المباديء السامية إلى عالم الخلود الأبدي .

وهذه بعض ذكريات الطفولة المرّة ونحن نسكن محلة باب الشيخ في بغداد، وشاء القدر أن يرسلني أبي لشراء (التتن) من دكان حجي برزو في يوم الفجيعة – 14 شباط عام 1949، بعمر عشرة سنوات لم أدرك ما يجري في ذلك اليوم المشؤوم لكني أحسست الوجوم والحزن والأستغراب على أوجه المارة، وسكوت راديو كهوة (العميان)، وغياب صاحبها الحاج حمودي، وبين هوس وشغب الطفولة أندفعتُ بسذاجة طفولية بريئة إلى أن أسأل شخصا خمسينيا جالسا على الرصيف ينفذ بدخان سيكارته بشكل هستيري متسارع وكأنه يريد الأنتفام من شخص ما (صباح الخير عمو – فأجابني بعصبية يا صباح الخير كول صباح الشر--- ليش عمو؟ أجاب بابه عدموا "الجعيدة " وسكت وكأنه يطردني بدون نزاكه، فأسرعت راكضا لبيتنا لأسأل والدي المرحوم عن معنى كلمة "الجعيدة" قال بابه تعني شيخ مال عشيره أو قائد كبير، وأخبرته بأن يكولون الحكومة أعدمت الجعيدة، أخذ يتمتم نعم الظلاّمْ !!! وأخفى عني الباقي وفهمتُ بعد سنين كون الطفل لا يخفي الأسرار .

فأخذت هذه الكلمات الجعيده وخطيه وظلاّمْ تدور في ذاكرتي الطفولية إلى تقدم الزمن والتعلم الشيء الكثير من أدبيات الحزب ومدرسته العريقة، أن ذلك الشخص هو الزعيم المؤسس "فهد" الذي قال يوما: {كنت وطنيا قبل أن أكون شيوعياً ---- وعندما أصبحت شيوعيا صرت أشعر بمسؤولية أكثر تجاه وطني}، وهو ذلك القائد الفذ الذي أعتقل في الناصرية في شباط 1933 يقف بشموخ وثقة نادرة أمام المحقق قائلا: {أنا شيوعي وهذا معتقدي}، ويشير الراحل كامل الجادرجي في مذكراته {لقد أشرف السفير البريطاني بنفسه على المحاكمة وتنفيذ الحكم}، وكذلك وجدتُ في مذكرات الزعيم الوطني " جعفر أبو التمن " يدعوا العراقيين أنْ ينخرطوا في حزب "الأستاذ" ويقصد به الزعيم الخالد "فهد" ولأنّ هذا الرجل واصل طيلة حياته على تكريس الهوية الوطنية والولاء المطلق للعراق، وعمل على معالجة الهوس الطائفي، والتعصب العرقي وأزدراء ومحاربة النازية ذلك التيار السائد في وقتهِ ، وأن أعدام هؤلاء القادة المصلحين تعتبر خسارة للعراق وليس للحزب الشيوعي العراقي وحده لكونهم قادة سياسيين من طرازرفيع يمتازون بالثقافة والعصرنة، وكرسوا ثقافة المواطنة، ولم يأتمروا بالمستعمر الأجنبي لذا تركوا بصماتهم على الأرشيف السياسي للذاكرة العراقية .

وأختم المقالة ببعض أبياتٍ شعرية لمغرد دجلة الخير "الجواهري"

سلامٌ على جاعلين الحتوف جسراً إلى الموكب العابرِ

سلامٌ على مثقلٍ بالحديد ويشمخٌ كالقائد الظافر

كأنّ القيود في معصميه مصابيح مستقبلٍ زاهر

 

والمجد كل المجد لشهداء الحزب الشيوعي العراقي وشهداء الحركة الوطنية العراقية

 

عبد الجبار نوري / السويد

3-2-2016

حول سفيتلانا ابنة ستالين

قرأت قبل فترة مقالة جميلة بقلم الاستاذ سمير عطا الله في جريدة الشرق الاوسط اللندنية بعنوان (خارج الموضوع ..صلب القضية) عن الصحافي اللبناني سليم نصار، وفي نهاية تلك المقالة جاء ما يأتي:

(... ويروي كيف التقى ذات يوم على مدخل المبنى الذي يقع فيه منزله امرأة بائسة. سلٌم عليها وسألها ان كان في استطاعته ان يساعدها في شئ . اجل، قالت المرأة البائسة، انها في حاجة الى ألف جنيه استرليني لأن المساعدة الاجتماعية التي تتلقاها قد نفذت. السيدة كانت سفيتلانا، ابنة ستالين).

أثارت هذه السطور اشجاني واحزاني بكل معنى الكلمة، وأخذت أستعرض الاحداث المرتبطة بتلك المرأة في ذاكرتي مثل شريط سينمائي يعرض امامي،منذ

اللحظات التي سمعت بها خبر هروب سفيتلانا ابنة ستالين من الاتحاد السوفيتي حينئذ عام 1967، حيث كنت آنذاك طالب دراسات عليا في جامعة باريس، وتذكرت كيف كانت ردود فعل اللاجئين الروس هناك وفرحهم الكبير والعارم وغير الاعتيادي بهذا الحدث المثير جدا، اذ انه كان يعني – بالنسبة لهم – اشارة واضحة المعالم (رغم انها جاءت متأخرة جدا) تؤكد صحة قرارهم المصيري والحاسم حول رفضهم ثورة اكتوبر 1917 في روسيا والهجرة من وطنهم الى الغرب، وتذكرت ايضا وجوم كل القوى اليسارية الفرنسية عموما وخيبتهم وهم يتلقون هذا الخبر، وتذكرت وجوم اليساريين العرب بشكل عام ومن كل الاتجاهات ( الذين كانوا يحيطوننا في باريس) عندما سمعوا بهروب ابنة ستالين الى الغرب، وتذكرت عناوين الصحف الفرنسية والصور المتنوعة المنشورة فيها حول كل ذلك، وتذكرت صحيفة (روسكايا ميسل)(الفكر الروسي) الروسية، والتي كانت تصدر في باريس آنذاك، والناطقة باسم اللاجئين الروس، وتذكرت ان احدى بنات تولستوي في امريكا- كما جاء في الاخبار حينها – قد استقبلتها ودعتها للعشاء هناك، وكيف كانت مواقف اللاجئين الروس حول ذلك العشاء على الارض الامريكية وتعليقاتهم بشأن   لقاء ابنة كاتب الارض الروسية العظيم تولستوي بابنة ستالين، هذا اللقاء الذي لم يكن يخطر طبعا لا ببال تولستوي او ستالين حتى بالاحلام او الكوابيس ! وتذكرت كيف اننا - بعد فترة وجيزة نسبيا - تلاقفنا الكتاب الذي اصدرته سفتلانا بعنوان – (عشرون رسالة الى صديق)، والذي صدر بعدة لغات اوروبية، وتذكرت خيبة الامل عند معظم القراء بعد مطالعتهم لهذا الكتاب (وانا منهم طبعا، اذ قرأته بالروسيُة )، لأننا لم نجد فيه جوابا توضيحيا شافيا ومقنعا ومنطقيا بتاتا عن سبب هروب ابنة ستالين من وطنها، وتذكرت كتابها الثاني الموسوم (سنة واحدة فقط) والذي صدر بعدة لغات ايضا، بما فيها العربية (سمعت انه صدر في لبنان بالعربية في حينها، ولكني لم اطٌلع عليه). قرأت انا هذا الكتاب بالروسية ايضا، ولكن دون حماس كبير(بعد خيبتي بشأن كتابها الاول !) . واتذٌكر الان منه فقط بعض مقاطعه ليس الا، ومنها - موقفها تجاه سفير مصر آنذاك في موسكو الدكتور مراد غالب، وكيف انها مدحته وأشادت بثقافته واعتبرته عميدا للسلك الدبلوماسي بموسكو، وتحدثت عن معرفته العميقة للغة الروسية وآدابها واحترام جميع الاوساط السوفيتية الرسمية والاجنبية له، بما فيها سفيتلانا نفسها طبعا (انظر مقالتي بعنوان غوركي ومراد غالب)، وأتذكٌر كذلك مقطعا عن الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت، الذي كتبت عنه انه حالم جميل اصطدم بالواقع السوفيتي الرهيب (انظر مقالتي بعنوان ناظم حكمت وروسيا ). لقد بحثت أنا عندئذ في ثنايا ذلك الكتاب عن اشياء جديدة في تاريخ الاتحاد السوفيتي واسراره، كنت أظن انه ربما كانت تعرفها ابنة ستالين بالذات، ولكني لم اجد تلك الاشياء، ولم أجد معلومات جديدة ومخفية عن ستالين، هذه الشخصية المتميُزة في مسيرة الاحداث الهائلة تلك، اذ اننا جميعا كنٌا نعلم انه شخصية بسيطة من حيث ثقافته ومتطلبات حياته، وقاسية وشديدة ومعقدة ودموية في آن واحد بالنسبة لادارته للدولة، وان الصراع الذي كان يجري حوله معروف، وان ( اللعنة) التي كانت تؤكٌد عليها في كتابها ذاك تكمن في كونها ابنة ستالين، وهي لعنة لاحقتها طوال حياتها طبعا، وان ظاهرة ابناء الكبار ليست جديدة في التاريخ الانساني، اذ ان هذا الموقع والارتباط العائلي ينعكس حتما على مصائر هؤلاء الابناء ومسيرة حياتهم .

بعد كل تلك السنوات، منذ هروب سفيتلانا من الاتحاد السوفيتي والضجٌة العالمية التي أحدثتها آنذاك، الى عودتها مرة اخرى الى موسكو زمن غاربوتشوف، والى رجوعها الى الغرب ثانية، والى تصريحات ابنتها بانها لا تعترف بها ولا ترغب ان تراها، والى زواجها مرة اخرى واخرى في الغرب، والى حياتها التعيسة والبائسة والمنبوذة هناك،و الى شجب الروس عموما لتصرفاتها، والى نسيانها، والى وصولها الى تلك الوضعية المؤلمة، والى ان يصل الامر ان يكتب صحافي عربي عنها انها تطلب منه مبلغا من المال لان المساعدة المالية قد نفذت، والى كل هذا البؤس والفاقة، والى وفاتها اخيرا (2011) في امريكا وقد طواها النسيان، وهي الابنة الوحيدة لستالين، والتي ولدت في موسكو عام 1926 ...

كم يبدو ذلك الحدث التاريخي - من بدايته الى نهايته - مؤلما ورهيبا وقاسيا وتراجيديا بالنسبة لابنة شخص مثل ستالين، الذي حكم الاتحاد السوفيتي لثلاثين سنة تقريبا وخرج منتصرا في الحرب العالمية الثانية (رغم كل ما قيل ويقال عنه وما يرتبط به من احداث جسام ووقائع هائلة)، والذي لا يزال اسمه يثير الكثير من النقاشات والصراعات لحد الآن في روسيا وخارجها.

وكم يبدو ذلك الحدث التاريخي ايضا درسا عظيما للانسانية ...

 

أ.د. ضياء نافع

إسلاميو السلطة (112): الفساد الصدري يحول وزارة الموارد المائية الى الموارد (المالية)

salim alhasani2أكثر ما يُحزن القلب عندما يأتي الفساد من عناوين كبيرة في الوجدان الشيعي، مثل آل الصدر، فالأسرة لها مكانة خاصة في العراق بحكم التاريخ العلمي والجهادي والشخصيات اللامعة التي ملأت صفحات التاريخ الحديث، أسماء كبيرة شاخصة طافت على سماء البلاد الإسلامية، وصارت لوحدها علامات ثابتة في دنيا الكفاح والعلم والسياسة، إنها مشاريع بناء وتصحيح وتغيير أكثر مما هي أسماء اشخاص، نظراً لما صنعته من فعل راسخ في الحياة، وما تركته من آثار عالية في الواقع.

فعندما يمر الكلام على مشاريع التغيير الإسلامي والعمل السياسي والظلامة التاريخية والسمو الأخلاقي، فان العيون تتجه تلقائياً نحو الإمام الشهيد محمد باقر الصدر والسيد الشهيد الصدر قدس سرهما.

...

هذه المنزلة الكبيرة بقدسيتها ومكانتها، تحولت الى مسؤولية كبرى لمن يحمل اسم (آل الصدر)، وهي تبقى كبيرة لمن ينتسب لهذا الخط الضارب في عمق الوجدان الشيعي والضمير العراقي.

إن من السهل تشكيل تيار جماهيري ينتمي للعنوان الصدري، لكن القضية الحقيقية هي كيفية ضبط هذا التيار بكفاءة قيادية تحفظ الموروث الصدري كله بعطاءاته وتضحياته ورفعته.

إن من السهل إطلاق التحذيرات لمنتسبي التيار بضرورة الإبتعاد عن الفساد وعدم التورط فيه، لكن النقطة الجوهرية أن يتأسس هذا التيار بقيادات ومسؤولين واشخاص معروفين بالنزاهة والإلتزام والتاريخ الشخصي النظيف. وأن يبادر قائد التيار السيد مقتدى الصدر الى تطهير كيانه من المسؤولين الحكوميين وقيادات التيار.

...

يعرف أهل الكاظمية وتحديداً أهالي منطقة العكيلات، ان وزير الموارد المائية السابق المهندس مهند الساعدي وهو من التيار الصدري، كان يعيش قبل الوزارة حياة بسيطة في بيت صغير لا تزيد مساحته على الخمسين متراً. لكنه في السنة الثالثة من توليه وزارة الموارد المائية، انتقل الى قصر كبير بمساحة ستمائة متر مربع وبقيمة ثلاثة مليارات دينار في شارع (المدارس) قرب ساحة عبد المحسن الكاظمي المشهورة بكونها من الأحياء الراقية الباهضة الثمن. ولم يكتف الوزير بذلك بل أنه استولى بطريقة غير قانونية على حديقة عامة خلف منزله الجديد، ليضمها اليه، ويضع فيها مولدة كهربائية ضخمة كاتمة للصوت. لقد تبدل حال المهندس البسيط كلياً فصار من الأثرياء، ولم يتخذ السيد مقتدى الصدر منه أي إجراء عملي، ولم يسأله بالتأكيد: (من أين لك هذا؟).

أقول بالتأكيد أن السيد مقتدى الصدر لم يسأله، لأن حاله الجديد بقي على كما هو من الثراء الطارئ.

...

وأقول بالتأكيد ان السيد مقتدى الصدر لم يسأل هذا السؤال (من أين لك هذا؟) لأن عملية الفساد التي قام بها مهند الساعدي بالتوطؤ مع الوزير الآخر للتيار الصدري محمد صاحب الدراجي، في قصة العمارات السكنية ببغداد مرت بسلام من دون أن يعيقها سؤال أو متابعة من قبل السيد مقتدى الصدر.

وحكاية العمارات السكنية باختصار، أن وزير الموارد المائية السابق مهند السعدي، وبالتنسيق مع الوزير محمد صاحب الدراجي، قاما بإلغاء دائرة كاملة لمخازن وزارة الموارد المائية، تضم معدات ثقيلة مستوردة من ألمانيا وغيرها، مخصصة لأغراض الوزارة. وقد أقيمت هذه المخازن على مساحة واسعة في منطقة الداوودي ببغداد منذ عام 1956، واستمرت طوال تلك الفترة حتى تولي السعدي وزارة الموارد المائية، حيث قرر الوزيران الصدريان تحويلها الى ملك شخصي باسم احدى الشركات الخاصة، وهذا إجراء مألوف في ظل الفساد المعتاد في العراق.

...

توشك هذه العمارات ان يكتمل بناؤها، وهي تقع في منطقة الداوودي الشهيرة قرب معمل (بسكولاته) ومقابل دائرة البدالة.

أما المعدات الثقيلة من شاحنات ضخمة وأجهزة حفر عملاقة ومكائن أخرى، وهي بمبالغ مالية ضخمة، فقد جرى توزيعها على المحافظات لكي يجري بيعها فيضيع أثرها بين المدن.

اعترض بعض المسؤولين في وزارة الموارد المالية، على اجراء الوزير الصدري مهند السعدي، فأجابهم باستخفاف: وهل توجد لدى الوزارة مثل هذه المخازن؟

...

إن القلق الذي يسود العراق بسبب مصير سد الموصل، يرتبط مباشرة بتولي وزيرين متتالين من التيار الصدري لوزارة الموارد المائية، ولقد تحدثت في المقال السابق عن سلوك ومخالفات وفساد الوزير الحالي محسن عصفور الشمري، وسأكتب في المقال القادم ان شاء الله عن موقف السيد مقتدى الصدر في هذا الخصوص، وعن معلومات إضافية من تصرفات الوزير الحالي، حيث تحولت وزارة الموارد المائية في العراق، الى وزارة الموارد (المالية) للتيار الصدري.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

حديث مع فيرا (2)

وانتقلنا بالتدريج من الحديث عن الشعر الروسي واعلامه الى الحديث عن وصف الطبيعة عند تورغينيف واقتراب اسلوبه من الشعر، اذ ان تورغينيف هو الذي اطلق مصطلح – (قصيدة بالنثر)(وهذه هي الترجمة الحرفية والدقيقة للمصطلح) في الادب الروسي اواسط القرن التاسع عشر آنذاك وأصدر ديوانا كاملا يحتوي على تلك القصائد، فقالت فيرا ان وصف الطبيعة الروسية باسمى وارفع و أجمل صورها الفنية موجود عند شولوخوف في روايته العملاقة – (الدون الهادئ) وليس عند تورغينيف، على الرغم من ديوانه – (قصائد بالنثر) وكتابه الشهير – (مذكرات صياد) . تعجبت انا من هذا الرأي الجديد بكل معنى الكلمة بالنسبة لي، وحاولت ان اعرض وجهة نظري حول ذلك، وقلت لها ان وصف الطبيعة الآٌخٌاذ عند تورغينيف – على ما أظن – قضية معروفة جدا ومشهورة في تاريخ النقد الادبي الروسي ولكل القرٌاء بشكل عام، فقالت باصرار – لا توجد امور محسومة في هذا المجال، وهناك العديد من الآراء حول هذه المسائل . اتفقت معها طبعا بشأن عدم امكانية حسم الامور في العلوم الانسانية بشكل قاطع كما هو الحال في العلوم البحتة، لكني مع ذلك ذكٌرٌتها، ان اسم شولوخوف يرتبط في وعي القارئ (الروسي والاجنبي) اولا وقبل كل شئ بمفهوم (حزبية الادب) في الاتحاد السوفيتي اكثر من اي شئ آخر، وهو مفهوم ايديولوجي سوفيتي بحت وقد مضى وانتهى تماما في الوقت الحاضر، فقالت ان المزج بين السياسة والادب في روسيا قد أدٌى الى نتائج سلبية و ضارٌة جدا في هذا المجال، وأشارت الى ان شولوخوف كتب روايته (الدون الهادئ) في بداية العشرينيات من القرن العشرين، عندما لم يكن للحزب الشيوعي السوفيتي السيطرة الايديولوجية الكاملة والمطلقة في روسيا، فقلت لها مقاطعا – و عندما كتب رواية – (الارض البكر حرثناها)؟، فقالت نعم هذا صحيح ولكني أقول لك اني شعرت - وانا أقرأ تلك الرواية - بسخرية الكاتب بين السطور، وان شولوخوف يبقى في كل الاحوال كاتبا روسيٌا كبيرا ومتميٌزا جدا، فقلت لها طبعا هو كذلك، وانا متفق معك كليٌا، وحكيت لها عن زيارتي لمتحفه الجديد الرشيق في الطابق الاول بمقر اتحاد ادباء روسيا بموسكو. الحديث عن ظاهرة مزج السياسة بالادب جرٌنا الى باسترناك وروايته – (دكتور زيفاغو) باعتباره خير مثل عن تلك الظاهرة، وكيف منحته أكاديمية السويد جائزة نوبل للآداب، وقالت فيرا ان منحه هذه الجائزة لم يكن موضوعيا ابدا، وانه عمل سياسي استفزازي ليس الا، وان ذلك قد تمٌ في عصر آخر تماما، واعلنت فيرا انها لا تتقبٌل أشعار باسترناك ولا تجد فيها تلك الجمالية التي يتحدثون عنها، عدا تلك القصائد الملحقة بروايته – (دكتور زيفاغو)، وانها بشكل عام لا تتصور ولا تفهم كيف منحت الاكاديمية تلك الجائزة له مستندة الى كتاب واحد هو رواية (دكتور زيفاغو) دون الأخذ بنظر الاعتبار مجمل مسيرته الابداعية؟ . اتفقت معها حول كل تلك الاستنتاجات، وقلت لها انني نشرت مقالة حول ذلك في الذكرى ال (120) لميلاد باسترناك، وان بعض الكتٌاب الروس تحدثوا هناك حول هذا الموضوع وطرحوا نفس وجهة النظر تلك . وتحدثٌنا في هذا الخصوص طبعا عن جائزة نوبل التي تم منحها الى بعض الادباء الروس، وكان اولهم – كما هو معروف – بونين، وقالت فيرا – لقد كان من المفروض ان يمنحوا تلك الجائزة الى مكسيم غوركي باعتباره ابرز كاتب روسي في تلك المرحلة، وانه كان يستحقها بجدارة لمكانته في الادب الروسي منذ نهاية القرن التاسع عشر، او ان يمنحوها الى كوبرين، ولكنهم منحوها الى بونين متعمدين (لمواقفه السياسية طبعا، وليس لابداعه الادبي)، قلت لها اني نشرت عدة مقالات حول هذا الموضوع، ولكن ليس بهذه الروحية المتطرفة التي تنطلقين منها، اذ ان بونين كان ايضا اديبا روسيٌا متميٌزا، وانه (آخر العنقود) في قائمة الادباء الروس الكبار، رغم مواقفه السياسية، قالت نعم ولكن لا يمكن مقارنته بغوركي ابدا لا من قريب ولا من بعيد، و لا بدوره في تاريخ الادب الروسي ومكانته المتميٌزة فيه . وجاء دور الكاتب سولجينيتسن في حديثنا، باعتباره مثل آخر حول ربط السياسة بالادب . قالت فيرا انها لا تتقبله بتاتا، وانه صحفي سياسي وليس اديبا اذ ان اهم عمل قدٌمه لنا هو – (أرخبيل الكولاك) وهو كتاب وثائقي مهم عن السجناء السياسيين السوفيت، و لكن لا علاقة له بالادب، ولا تعتبر روايته – (العجلة الحمراء) ضمن روايات الادب الروسي اصلا، وسخرت فيرا جدا من اقوال سولجينيتسن حول مقارنة نفسه بتولستوي كما اعلن هو نفسه يوما، قلت لها ان موقفها هذا لا يتناسب ولا يتناغم مع الموقف العام تجاه هذا الكاتب العالمي الشهير، فقالت انها لا تهتم بذلك بتاتا، وان هناك الكثير من القرٌاء الروس يشاطرونها هذا الرأي . سألتني متحدٌية – هل قرأت نتاجاته؟ قلت لها نعم، وانا معجب جدا بروايته – جناح السرطان، وحتى اني ترجمت فصلا من روايته – (في الدائرة الاولى) ونشرتها آنذاك في مجلة (الاقلام) العراقية، وان أجواء نتاجاته كانت تتناغم مع أجواء العراق السياسية والاجتماعية في تلك المرحلة من تاريخنا العراقي المعاصر، ولهذا حاولت التركيز على اسمه في العراق آنذاك، وترجمت الحوار الشهير، الذي اجرته معه مجلة (تايم) الامريكية ونشرته في مجلة (آفاق عربية) العراقية المعروفة والمهمة في ذلك الزمن، وأعدت نشر هذا الحوار في عدة اصدارات عربية اخرى، وادخلت اسمه في عنوان كتاب لي – (من بوشكين الى سولجينيتسن) الذي أصدرته في بغداد عام 2000، والذي أردت ان أقول عن طريق هذا العنوان ان سولجينيتسن يمثٌل مرحلة محددة في تاريخ الادب الروسي، وانني قمت بتعريف طلبتي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد بنتاجاته ودوره اثناء تدريسي لمادتي الرواية الروسية وتاريخ الادب الروسي . سألتها – هل تعرفين مواقفه من شولوخوف؟ وانه يتهمه بانه لم يكتب رواية – (الدون الهادئ)، وانما كتبها شخص آخر؟ ضحكت فيرا وقالت – ان سولجينيتس شخص حقود جدا وكان يغار أشد الغيرة من شولوخوف ويحسده بشكل رهيب، واراد ان يطعن به ويقلل من شأنه، وان اتهامه هذا لا اساس له من الصحة بتاتا ولم يستطع اثباته ابدا، وان هذا الرأي الساذج قد نسيه الآن القراء تماما، رغم التطبيل له في اصدارات الروس خارج روسيا في حينها، وان شولوخوف لم يرد على هذه التخرصات ابدا، وهو موقف اخلاقي وفكري يعني ما يعنيه، وذكرت فيرا ان سولجينيتسن تنكٌر لفضل الكثيرين من الادباء الروس الذين ساعدوه وساندوه في بداية مسيرته الادبية، وان هذا مؤٌشر لا يقبل النقاش حول نفسيته وطموحاته المريضة، وانه عندما عاد الى روسيا من امريكا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أخذ يتصرف وكأنه زعيم سياسي او رئيس حزب يتهيأ لخوض انتخابات قادمة، وتدخل في كثير من الامور البعيدة جدا عن مجالات معرفته وتجربته ومسيرته الحياتية، وتحدثت فيرا بعدئذ بأسى عن موقف أرملته الآن ودورها وتدخلها غير العلمي في شؤون التربية والتعليم في روسيا، وقالت ان هناك عدم رضى بين الاوساط الاجتماعية والثقافية الروسية تجاه ذلك الدور السلبي، والذي تقوم به بأسم سولجينيتسن مع الاسف .

حديثي مع فيرا لم ينته، اذ تناولنا تولستوي ودستويفسكي وتشيخوف باعتبارهم (ادباء الدرجة الاولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) كما اسمتهم فيرا، والتي رفضت – وباصرار - اضافة تورغينيف اليهم، وتحدثنا عن تاريخ روسيا المتشابك و قياصرتها، وتوقفنا عند بطرس الاعظم (وكيف لعنت فيرا سلف سلفاه) و و و ..

 

أ.د. ضياء نافع

الجواهـري في استذكارغائب طعمة فرمان:

rawaa jasaniطوت العصور ألف بساط وبساط من اسمار السلاطين والفراعين والمترفين، ولكنها لم تقدر، ولن تقدر، أن تسحب بساطاً واحداً من تحت أقدام فنان أصيل

 بعد رحيل الروائي المتألق، والشخصية الثقافية العراقية البارعة، غائب طعمة فرمان، خريف عام 1989 بعث الجواهري الكبير، رسالة صميمية، لتلقى نيابة عنه في ندوة متميزة اقيمت بالمناسبة، في العاصمة السورية – دمشق، وقد كان قد املاها شفاها على احد المقربين، ليكتبها تحريرياً، اذ كان الشاعر الخالد يعاني أنذاك من ضعف البصر- لا البصيرة- وهو في تسعيناته الحافلة .. وفي التالي النص الجواهري:

 

أخي الحبيب أبا سمير

لو تعلم كم أنا حزين عليك، أسيفٌ على فقدانك حتى لأكادُ استميحك العذر في ان استبق في هذا كل الحزينين عليك، بلدك الحبيب الشاخص أمامك حتى الرمق الأخير، وكلّ الموهوبين والملهمين الذين يشاركون اليوم في ندوة تكريمك، ومن هنا وهناك، وممن تعرفوا عليك، خلال ابداعاتك وانجازاتك وألواحك الملونة والأصيلة ومنها (نخلتُكَ وجيرانُكَ) ولا أدري من منّا كان قد استبق الآخر، فلربما قد ذكَّرتني ولربما ذكَّرتُكَ، وأنا أناغي أيضاً نخلتي وجيراني. عندما أقول:

وسدرة نضدها خضر – وساقيةٌ وباسقُ (النخل) معقوف العراجين

حبيبي الغائب

يا أبا سمير هذه لوعة من القلب وعلى الورق، لم أردها أن تكون برقية يتاكَّل البرق من الخاطب، الكثير من وهجها وحرارتها. وانما أردت منها مجرد الاشارة إلى انني انتظر بلهفة اليوم، بل الساعة التي يسعفني بها الزمن وأنا غير مرهق ولا مثقل بالهموم وغيابك في الصميم منها، بل ولا أنا عاجزٌ، لأن أضع القاريء في الصورة منها، من بعضها، من واحدة منها.

وفي ذلك اليوم وفي تلك الساعة سأكون سعيداً أنني عرفتك فناناً وانساناً وطفلاً بريئاً، وهذه (الماسات) الثلاث المقدسة التي أعرف، ويعرف كل قاريء كم هي الكثرة الكاثرة التي تحمل المزيف منها والمصنوع والمقلَّد، ولكنني لا أعرف ولا المنجِّم يعرف، من هم وكم هم الذين يجرؤون ان يقول الواحد للآخر أو الآخر إنني احملها إنني امتلكها، إنني استحقها، إنني أنا الفنان، أنا الانسان، أنا الطفل البريء.

يا أبا سمير، لقد طوت العصور ألف بساط وبساط من اسمار السلاطين والفراعين والمترفين، ولكنها لم تقدر ولن تقدر أن تسحب بساطاً واحداً من تحت أقدام فنان أصيل. ولا أن تمحو اسماءهم وسمارهم ولا فرحهم ومرحهم (وهم يحملون همومهم على منكب، وهمّ سواهم على منكب) ولا "انهم" يستعجلون الموت حباً منهم بالحياة، وبساطك الأخضر الساهر والسامر واحداً منها.

أخي غائب

ان مدى حبي لك هو قصوري وتقصيري معاً في أن أعبر عنه، أما مدى حبك لي فهو نفس من أنفاسك الكريمة والأثيرة والأخيرة.

 

أخوك: محمد مهدي الجواهري

 

- توثيق: رواء الجصاني

.........................

هوامش واحالات:

- نُشر النص اعلاه في عدد مجلة "البديل" المزدوج (16-17) الصادر عام 1991عن"رابطة المثقفين الديمقراطيين العراقيين" .

- شارك في الندوة التابينية – الاستذكارية، للفقيد غائب طعمة فرمان، كل من: يمني العيد، عبد الرحمن منيف، سعد الله ونوس، فيصل دراج، خيري الذهبي.. وزهير الجزائري، وقدمها الكاتب السوري: سعيد حورانيه.

- الصورة المرفقة مع هذه المادة: الجواهري وغائب طعمة فرمان، في فعالية ببراغ عام 1986.. وهي من ارشيف مركز الجواهري في براغ.

 

إسلاميو السلطة (111): العبادي يُنفّذ قرار السعودية بتفتيت الحشد الشعبي

salim alhasaniبعد النجاح السريع الذي حققه الحشد الشعبي في إيقاف تمدد تنظيم داعش والسيطرة على الأوضاع المتدهورة عسكرياً، جرت عملية تقييم سريعة لإعادة التعامل مع العراق من قبل الولايات المتحدة والمحيط العربي وتحديداً محور الشرّ (قطر، السعودية، تركيا). فقد وجدت هذه الحكومات أن الحشد الشعبي برز بشكل مفاجئ كقوة عسكرية لها تأثيرها الفاعل في الميدان، وأنها ضمت جماعات شديدة التفاني من أجل الوطن وحمايته من التهديدات الإرهابية. وكان ذلك يعني أن المخطط الإقليمي سيواجه معضلة كبيرة مع بقاء الحشد الشعبي على قوته، فتركزت جهود محور الشرّ على اضعافه وتفتيته.

...

كانت الفرصة المناسبة لإضعاف الحشد الشعبي على يد رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي، فمنذ بداية توليه السلطة، تعامل مع الحشد ببرود واضح تحقيقاً لرغبة السفارة الأميركية، وهذا ما بدا واضحاً في موقفه من تحرير تكريت، وسأتحدث هنا عن تفاصيل ما جرى.

لقد تأخر تحرير تكريت عدة أسابيع عن الموعد المقرر كما يتذكر المواطن العراقي، وكان السبب هو رفض العبادي قيام قوات الحشد الشعبي بعملية التحرير، وان تتولى ـ بدلاً من ذلك ـ قوات الجيش العراقي العملية بمساندة الطيران الأميركي. وقد خضع العبادي في ذلك لطلب السفارة الأميركية طبعاً، وكذلك لإرضاء القيادات السنية التي أبدت اعتراضها على تشكيل الحشد الشعبي منذ البداية.

قدّم قادة الجيش الذين اعتمد عليهم العبادي معلومات خاطئة لتضليله، ولأنه لا يمتلك خبرة في المجال العسكري، إضافة الى طريقته الخاصة في الاقتناع بالآراء والمعطيات الميدانية، فقد خضع لرأي القادة العسكريين، وطلب من الحشد الشعبي أن يكونوا مجرد قوات قتالية تتلقى الأوامر من القيادات العسكرية في تنسيقها مع الجانب الأميركي، وهو أمر مرفوض من قبل قادة الحشد الذين كانوا يشكون مراراً من تقديم الطيران الأميركي مساعداته لتجمعات داعش، لكن العبادي يرفض تصديق ذلك رغم الوثائق المصورة بالفيديو التي تقدم له.

رفض قادة الحشد الشعبي طلب العبادي، وهم بالدرجة الأساس عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله حيث كانا مستعدين لتحرير تكريت، وقد حصلا على تسليح جيد من إيران إضافة الى تواجد الجنرال قاسم سليماني الذي كان له دوره الميداني في العديد من المعارك في حزام بغداد وتأمين طريق سامراء وصولاً الى أطراف تكريت.

أصدر العبادي أوامره الى قيادات الحشد الشعبي، أنهم في حال رفض شرطه بالخضوع لقيادة الجيش والقيادة الأميركية، فعليهم تسليم أسلحتهم والانسحاب من مواقعهم على أطراف تكريت، فاستجاب قادة الحشد لأوامره.

طلب العبادي من قادة الجيش البدء بهجومهم لتحرير تكريت كما وعدوه، فتعللوا بأن الطيران الأميركي يجب أن يبادر بقصف المدينة لتسهيل مهمة الاقتحام.

أخبرت القيادة العسكرية الأميركية العبادي بأن عملية القصف الجوي غير ممكنة ما لم يقدّم قادة الجيش العراقي النقاط المحددة لقصفها.

قدم قادة الجيش ذلك، لكن القيادة الأميركية رفضت تنفيذ القصف الجوي، بحجة أن هذه النقاط غير مهمة وأنها لا تشكل مواقع تنظيم داعش، وعليه فلا يمكن القيام بالمهمة الجوية من قبل الطيران الأميركي.

عاد العبادي الى قادة الجيش يسألهم إمكانية تحرير تكريت من دون الاعتماد على الطيران الأميركي، فأكدوا له أن ذلك غير ممكن على الاطلاق، ولا بد من ضربات جوية مركزة، وعليه فان العملية لا يمكن أن تتم.

شعر العبادي بحراجة الموقف، فعاد الى قادة الحشد الشعبي يرجوهم القيام بمهمة التحرير، وأنه يسحب موقفه السابق. وقد كانت ردة فعلهم مشرّفة فلقد تعاملوا مع المسؤولية الوطنية والشرعية، خاضوا مهمة تحرير تكريت بنجاح لافت.

كان متوقعاً أن يتوقف العبادي طويلاً عند هذا الدرس، لكنه عاد الى الخضوع لرأي السفارة الأميركية ومحور الشرّ وقادة الكتل السنية، لإضعاف الحشد الشعبي ومحاولة تفتيته، او جعله مجرد تشكيلات هامشية خاضعة للحسابات والموازنات السياسية.

محاولة العبادي الأولى تمثلت في محاولة إقالة الحاج أبو مهدي المهندس من الحشد الشعبي، لكنه اضطر الى التراجع بعد تسرب الخبر الى وسائل الإعلام، ولجأ الى اصدار تكذيب رسمي، مع أنه كان بالفعل قد تحدث مباشرة الى الحاج المهندس وقال له بالنص: (إنني أبحث عن بديل لك، وعليك بتهيئة أمورك للتخلي عن مهامك في الحشد).

عاد العبادي للخضوع الى الارادات المضادة للحشد الشعبي، فقد نجحت السعودية بفرض إرادتها عليه فيما يتعلق بمستقبل الحشد الشعبي وتهجم السفير السعودي في بغداد ضد هذه القوات المتصدية للإرهاب الداعشي، هذا إضافة الى الضجيج الإعلامي الذي أطلقه بعض قادة الكتل السنية.

أعطت الضغوط نتائجها على العبادي الذي يعيش أساساً ضعفاً تكوينياً، حيث يعمل العبادي حالياً على إعادة تشكيل هيئة الحشد الشعبي بحيث يتم استبعاد الفصائل القتالية الميدانية والتي اثبتت كفاءتها وقدراتها ومواقفها في مواجهة تنظيم داعش وحررت العديد من المناطق في ديالى وصلاح الدين وقسم من الانبار، واستطاعت قبل ذلك أن تطهر جرف الصخر وحزام بغداد من الجماعات الإرهابية.

ووفق المخطط الجديد والذي يحظى بموافقة القيادة العسكرية الأميركية، وكذلك محور الشرّ (السعودية، قطر، تركيا) فان الحشد الشعبي سيكون مقتصراً على الكتل السياسية المشاركة في الحكومة، أي سيتشكل من ثلاثة مكونات تابعة للمجلس الأعلى والتيار الصدري ومنظمة بدر. أما القوات القتالية الفعلية للحشد أي كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، فيتم استبعادها تماماً من هيئة الحشد الشعبي، وبذلك لا يصبح بمقدورها خوض المعارك ضد تنظيم داعش.

لقد كان تهجم السفير السعودي اختباراً لمدى جاهزية الكتل الشيعية على السكوت عن المخطط الامريكي الخليجي. وكان تخاذل قادة هذه الكتل عن المطالبة بطرد السفير، مشجعاً لمحور الشرّ على المضي للتخلص من إرادة الحشد الشعبي التي تعرقل مشروع تمزيق العراق وإقامة الدولة السنية الإقليمية. فبعد أن رفعت الكتل الشيعية الراية البيضاء أمام السعودية، انطلق العبادي في قراره بتجريد الحشد الشعبي من قوته، مطمئناً أن شركاءه في الحكومة لن يعترضوا عليه، وبذلك ستتحقق إرادة السعودية على يد العبادي.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html