شهادات ومذكرات

في ذكرى غسان كنفاني .. عاشق البرتقال الحزين

shaker faredhasanتحيي جماهير شعبنا الفلسطيني وقواه السياسية والفكرية والأدبية والأوساط الثقافية التقدمية العالمية في الثامن من تموز من كل عام ذكرى استشهاد الكاتب والمبدع الفلسطيني غسان كنفاني، الذي اغتالته قوى الشر والظلام المعادية لحرية الإنسان وللفكر الثوري والطبقي التحرري، وتطرح هذه الجريمة النكراء قضية دور الأدب المقاتل في معارك الشعوب ضد الظلم والقهر والقمع ومن اجل التحرر الاجتماعي والاستقلال الوطني، إذ أن غسان كنفاني أرعب أعداء القضية والإنسانية بكتاباته السياسية والأدبية وبفكره الخلاق النيّر، وقد جاء اغتياله ليغيّب الفكر الوطني الديمقراطي الذي كان يؤمن به، وإخماد صوته الفلسطيني الصادق،

كان غسان كنفاني شخصية متعددة المواهب فكان صحافيا وقصاصا وروائيا ورساما وداعية سياسة وكاتبا للأطفال، وحياته لم تعرف الفصل بين القول والفعل، فكان كاتبا ملتزما بقضايا شعبه الوطنية والقومية والطبقية، ومناضلا سياسيا، ومدافعا عن حق شعبه الفلسطيني في الحرية والاستقلال، كذلك كان غسان مسكونا بالهاجس الفلسطيني، وقد عاش المأساة الفلسطينية وحمل جراح شعبه وآلامه وهمومه اليومية في أعماق قلبه وسكبها في قوالب فنية جميلة وأصيلة جاءت تجسيدا صادقا لواقع البؤس والشقاء والحرمان والظلم والقهر الاجتماعي الذي يعيشه الفلسطيني المشرد والمطارد في المخيمات الفلسطينية وفي جميع أصقاع العالم،

لقد أحب غسان الحياة حتى العبادة وعشق الأرض والوطن الفلسطيني، بسهوله وهضابه ووديانه وبرتقاله وزيتونه ورمانه ومدنه الثابتة،

وكان غسان كاتبا ثوريا بارزا مسلحا بالفكر العلمي الاشتراكي، ماقتاُ الشعارات الجوفاء الخالية من المضامين الثورية الحقيقية، مهاجما الانتهازية والانتهازيين، مقاوما الوصوليين والنفعيين ومتصديا للمرتزقة والمرتدين عن الخط الثوري اليساري، ولذلك أحبته الجماهير الشعبية الفلسطينية وحظي بتقدير رفاقه وشعبه وتياراته السياسية واتجاهاته الفكرية،

إن إبداعات غسان كنفاني لها طعم ونكهة خاصة وهي التعبير الأجمل والأشمل عن حياة ونضال وبطولات وتضحيات الشعب الفلسطيني ضد المحتل الغاصب، وشكلت القضية الفلسطينية المحور الأساسي في جميع كتاباته، ووقف غسان إلى جانب المسحوقين وأعلن انحيازه التام للطبقة الكادحة الثورية التي ستغير وجه التاريخ البشري،

وغسان كنفاني أول باحث يحصل على نماذج من الشعر الفلسطيني الرافض والمقاوم الذي أبدعته الأقلام الفلسطينية داخل الحصار، وقد اصدر دراسة شاملة حول الشعر المقاوم في أسرائيل مؤكدا فيها "أن أدب المقاومة يرتبط إلى بعد اجتماعي ويطرح ولاءه للطبقة الكادحة التي على أكتافها تعلن المقاومة بنادقها ومصيرها "،

إننا في ذكرى غسان كنفاني مدعوون إلى اعادة قراءة التراث الأدبي والفكري والروائي الذي خلّفه لنا والاستفادة منه، فهذا خير تكريم لهذا الإنسان الذي ضحى بدمه ووهب حياته لأقدس وأسمى قضية، قضية الاستقلال الوطني والتحرر الاجتماعي،

إن أعداء الكلمة مخطئون إذا كانوا يعتقدون بان اغتيال جسد غسان سيغيب فكره، فغسان كنفاني أول من قرع جدران الخزان وسيبقى في الذاكرة الشعبية الفلسطينية رمزا ومثالا يحتذى في المقاومة والصلابة والعطاء والإبداع الثقافي،

 

في الذكرى الثالثة عشر لرحيل شهيد الغربة الشاعر "عزيز السماوي" .. قصتي مع (أغاني الدرويش)

thamer ameenفي الثامن من حزيران عام 2001 رحل الشاعر العراقي "عزيز السماوي" الذي يعد واحداً من أبرز الشعراء المجددين في بنية القصيدة الشعبية العراقية ومناضلا تميزت سيرته النضالية بالصلابة والعناد المؤسس على اليقين، وترك لنا إرثاً مفعماً بالخلق والابداع والجمال، وقد كانت لنا مع الراحل محطات مازالت عالقة في الذاكرة تعكس رقة هذا الشاعر وطيبته، نتوقف عند جانب منها وفاءاً لذكراه الثالثة عشر .

في عام 1972 شارك الشاعر "عزيز السماوي " مع نخبة من كبار الشعراء العراقيين والعرب في مهرجان السماوة للشعر الشعبي الذي كان مقررا عقده في الديوانية ولظروف سياسية تم نقله الى مدينة السماوة، وفي ذلك المهرجان أنشد " السماوي " ولأول مرة قصيدته الذائعة الصيت " أغاني الدرويش " التي كانت مفاجئة لجمهور الشعر عندما تخلل القاء القصيدة بكاء الشاعر بشكل ملفت للنظر حيث كنت حاضراً تلك اللحظات وشهدت تفاعل الجمهور وتعاطفه مع محنة الشاعر في الرموز التي انطوت عليها قصيدته، وبعد اشهر قليلة من ذلك الحدث وتحديداً مطلع عام 1973 أصدر الشاعر ديوانه البكر وتوج عنوانه بإسم القصيدة المذكورة (أغاني الدرويش)، وقد كلفني الصديق الشاعر " السماوي " بتصريفـــ (10) نسخ من الديوان في المدرسة، حيث كنت حينها طالبا في إعدادية الديوانية ، وفي نفس اليوم انهيت المهمة بنجاح حيث سارعت الى توزيع النسخ على أصدقائي الطلبة واستيفاء اثمانها بسرية تامة اشبه بتوزيع المنشور السري، لكنني في اليوم الثاني فوجئت برئيس االلجنة الاتحادية ـ واجهة الحزب الحاكم ـ في الاعدادية وعدد من اعضائها يدخل الصف وبيده نسخة من " اغاني الدرويش "، ولسوء حظي فان أحد الطلبة ومن الاصدقاء الذين اقتنوا الديوان قبل ان يعرف الغرض من دخول هذا المسؤول الى الصف ومعه الديوان استعجل وانبرى قائلا (مانحتاج كلنا اشترينا الديوان) معتقدا انه جاء لبيعه مرة ثانية، في حين كان هذا ينوي معرفة المصدر الذي سرّب الديوان الى الاعدادية، وعندما سأله رئيس اللجنة الطلابية عن الشخص الذي باعه الديوان، أشار ـ بحسن نية طبعا ـ الي ّ، عندها طلب مني المسؤول مرافقته الى اللجنة وهناك جرى ماجرى وانتهت الجولة بفصلي اسبوع من المدرسة جراء قيامي ببيع ديوان" أغاني الدرويش " . ولماّ علم الشاعر " عزيز السماوي " بما جرى لي أبدى أسفه وتأثره الكبيرين وظل يشعر بالذنب مما لحق بي ومهتما بآثار العقوبة التي طالتني، وهو ما يعكس انسانيته العالية وشعوره المرهف بالظلم الذي يقع على الاخرين، لقد جسد "السماوي"في الكثير من أشعاره صدق مشاعره ونقاء سريرته :

روحي الك أصفه نهر .. وبمايه أسيسّ لك شمع

ياريت أعاشركم عمر ... حبكم بساتين وزرع

وكان بحق النهر الصافي الذي حملت امواجه مراكب ذكرياتنا الجميلة .

 

جليل كمال الدين وداعا ايها العبقري الذي لم يعرف قيمة نفسه

طلب مني المرحوم الاستاذ الدكتور جليل كمال الدين قبل حوالي عشر سنوات في بغداد ان اساهم بكلمة في حفل تكريم اقامته له وزارة الثقافة، فاشترطت عليه ان اتكلم عن جوانبه الايجابية والسلبية معا، فقهقه واجابني ضاحكا بانه يسحب طلبه هذا، واكتب اليوم هذه السطور ليس فقط بسبب طلب من صديقي الصحفي الاستاذ علاء المفرجي، ولا انطلاقا من القول الكريم المعروف – اذكروا محاسن موتاكم، بل اكتبها ايضا و فعلا من كل قلبي، لان جليل كمال الدين (1930 – 2014) كان جزءا لا يتجزأ طوال اكثر من خمسين سنة الماضية من مسيرة حياتي، منذ ان قرأت له مقالة في مجلة الاداب البيروتية المعروفة في الخمسينات، وذلك ايام العراق الملكي – عندما كنت انا تلميذا في المدرسة - عن معرض الفن العراقي الحديث و تحليلاته و اهمية لوحات جواد سليم وقيمتها وبقية الفنانين التشكيليين العراقيين الكبار في مدرسة بغداد الفنية، وعبر برقيته الشهيرة، التي اذيعت في صبيحة 14 تموز 1958 من اذاعة بغداد بتوقيعه وتوقيع رشدي العامل تأييدا لثورة تموز آنذاك وباسم ادباء العراق وقد استمعت اليها شخصيا عندها ولا زالت ترن في اذني، ثم نشاطه الثقافي الانفجاري الهائل والكبير بعد ذلك ومقالاته المتنوعة في الصحف والمجلات العراقية اليسارية واصداره – اظن مع ناظم توفيق – ترجمته عن الانكليزية لكتاب ماوتسي تونغ حول تفتح مئة زهرة، وعن ترجمته فئران ورجال رواية الكاتب الامريكي شتاينبك، ثم جاءت قضية اعتقاله من قبل سلطات عبد الكريم قاسم، وغضب الجواهري – رئيس اتحاد الادباء عندها - على قاسم نفسه وخصامه ومناقشته الحامية الوطيس كما يقال مع عبد الكريم قاسم وهو في اوج عظمته وتوهجه نتيجة اعتقال الكاتب جليل كمال الدين الذي اراد ان يقول في مقالاته بضرورة اعدام هؤلاء الذين يقفون ضد قاسم، وبقية الاحداث المعروفة لذلك الجيل المعاصر لتلك الايام ... وعندما سافرت من العراق عام 1959 للدراسة في الاتحاد السوفيتي، كان جليل كمال الدين الذي لم اتعرف اليه شخصيا – اسطورة ثقافية بالنسبة لي ليس الا، وقابلته في جامعة موسكو اوائل الستينات، وكنت عندها طالبا في الدراسات الاولية وكان هو طالبا في نفس الكلية ولكن في قسم الدراسات العليا، وهكذا بدأ تعارفنا واستمرت علاقات الزمالة والصداقة في قسم اللغة الروسية بكلية الاداب في جامعة بغداد ثم في كلية اللغات، ثم في منطقة سكننا المشترك في حي الكفاءات ببغداد والى حين افتراقنا قبل سنوات قليلة ليس الا، عند سفري الى روسيا عام 2006، وقد حاولت الاتصال به هاتفيا عندما علمت بمرضه في السنوات الاخيرة، وتحدثنا قليلا، ولكنه لم يستطع الكلام بشكل طبيعي آنذاك، وتابعت أخباره، وعلمت بوفاته وحزنت جدا لذلك . ان الكتابة عن جليل كمال الدين تتطلب التوقف عند محطات متعددة جدا ومتشعبة في الفكر العراقي المعاصر والاحداث السياسية التي مرت في بلادنا، منذ اعتقال شاكر خصباك في الحلة لان الشرطة اعتبرته جليل كمال الدين الذي كان لولب المظاهرات آنذاك، وعبر طرده من جامعة بغداد وسجنه لاسباب سياسية، ثم رجوعه للجامعة وتخرجه من قسم اللغة الانكليزية ثم سفره الى موسكو للدراسة والتي بقي فيها عشر سنوات ورجوعه مرة اخرى الى جامعة بغداد للتدريس فيها ثم دخوله السجن مرة اخرى ثم عودته للتدريس في الجامعة، وصولا الى رواية الاستاذة الدكتورة حياة شرارة (اذا الايام أغسقت) والذي كان جليل كمال الدين احد ابطالها السلبيين، هذه المسيرة الحياتية الغريبة جعلت من جليل كمال الدين شخصية غريبة ايضا وبكل معنى الكلمة، لا يمكن ان تخضع للمقاييس النمطية في مجتمعنا ابدا، والذي أدٌت به ان يكون غريبا في نفس مجتمعه، ومتفردا في سلوكه وتصرفاته، وموسوعيا في كتاباته . ان الكلام عن جليل كمال الدين يعني الحديث عن الادب العربي وشخصياته المعاصرة مثل السياب والبياتي، ويعني الحديث عن الاتحاد السوفيتي والفكر الماركسي والادب الروسي مثل غوركي وغوغول وايتماتوف، ويعني الحديث عن الادب الامريكي مثل شتاينبك وفوكنر، ويعني الحديث عن الادب الانكليزي مثل شكسبيروتاثير الفكر العربي عليه وانعكاسه في ادبه، ويعني الحديث عن تاريخ بغداد والتراث العربي، ويعني الحديث عن الفلكلور العالمي ودور الامثال والحكم فيه ومواضيع اخرى مختلفة جدا . لقد قال احدهم له مرة، انه لو كان الامر بيديه لحبسه في غرفة مريحة تتوفر فيها كل مقومات الحياة الطبيعية شريطة ان يستلم منه شهريا كتابا او بحثا في موضوع فكري يحدده هو وينفذه جليل كمال الدين، ويمكن القول بانه فعلا عاش في الربع الاخير من حياته هكذا، منعزلا في مكتبته الخاصة الغنية جدا بالمصادر العربية والروسية (هي اكبر مكتبة شخصية باللغة الروسية في العراق) والانكليزية متنقلا بين زواياها الفكرية المختلفة، وقد دخلت عليه مرة وهو هناك وكان مشغولا جدا بوضع فهرس لعناوين جريدة الثورة – لسان حال حزب البعث - في سجل خاص، فتعجبت من هذا العمل وقلت له ان هذه الجريدة تطبع ربع مليون نسخة ويجري توزيعها في كل مكان في العراق وحتى خارجه، فمن الذي يحتاج الى عملك هذا ؟ فلم يتفق معي وقال انه لا يعرف شخصا يقوم بهذا العمل الارشيفي التاريخي الذي سيحتاجه المؤرخون يوما ما، اما عن مذكراته اليومية والتي بدأ يكتبها منذ ايام دراسته في موسكو واستمر مواظبا عليها طوال حياته، فانها بحد ذاتها تصلح ان تكون مادة ثرة للدراسة، اذ انه كان يسجل فيها كل التفاصيل التي كانت تحيط به وماذا قرأ وماذا سمع وما الذي قال له فلان وفستان وماذا أذاع راديو بغداد ومحطة البي بي سي من لندن ووو كل هذه التفاصيل يوميا، ولم يكن يسمح لاي شخص الاطلاع عليها بتاتا، ويمكن القول ان هذه اليوميات كانت صديقه الوحيد الذي يتحدث معه بصراحة يوميا ويأتمنه ويسليه ويعكس مزاجه اليومي، وكم طلبت منه ان اطلع على بعض سطورها ولكنه رفض رفضا قاطعا . ان الحديث عن جليل كمال الدين يعني الحديث عن مأساة المثقف العراقي المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين الذي اضطرته الظروف الاجتماعية والسياسية للعراق ان يعاني الكثير الكثير ويصل بعض الاحيان الى حد انفصام الشخصية والانحدار الى قاع مظلم ومرعب من الكذب والخداع والنفاق والتظاهر بالاقتناع بما لا يؤمن به بتاتا والازدواجية والانشطار الذي يجلد الروح بسياط التعذيب النفسي، بل وحتى كتابة التقارير عن الاخرين . لقد كنت شاهدا على ما اقول الان، ورأيت كيف كان جليل يضحك ويرقص وكيف كان يبكي وكيف كان ينزوي بعيدا عن الاخرين ويتجنبهم . واخيرا اود ان اقدم للقارئ بعض المواضيع التي سجلتها في مسوداتي والتي اخطط لكتابتها عنه مستقبلا وهي - / جليل كمال الدين وغوركي / جليل كمال الدين والنقد الادبي الروسي في القرن التاسع عشر / جليل كمال الدين وغوغول / جليل كمال الدين وآيتماتوف / جليل كمال الدين والادب الروسي في العراق / جليل كمال الدين مترجما / رسائل الماجستير التي اشرف عليها جليل كمال الدين في قسم اللغة الروسية / وربما ستبرز مواضيع اخرى اثناء تنفيذ كل ذلك . وداعا يا جليل، ايها العبقري الذي لم يكن يعرف قدر نفسه ولا قيمتها، والذي كان يمكن ان يكون - كما قال الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد – شخصية فكرية موسوعية في العراق مثل سلامه موسى او العقاد في مصر، لو عرف كيف يتصرف ...

 

سيرة ذاتية لطارق نجم العبدالله .. المُرشّح لرئاسة مجلس الوزراء العراقي خلفاً للسيد المالكي

ما أن بدأ تسريب الخبر عن ان الدكتور طارق نجم العبدالله هو المرشح الى رئاسة الوزراء بديلا عن السيد المالكي حتى بدأت المواقع المجندة بالخوض في عملية التحريف والتسقيط المبرمج بحقه فأخذت تسرد الكثير من الاكاذيب، والمؤسف أكثر ان موسوعة الويكيبيديا تستقي المعلومات المغلوطة من هذه المواقع، وأتمنى على أصحاب المواقع مراجعة معلوماتهم بشكل جيد، لأنهم نشروا الكثير من المعلومات الخاطئة عن الرجل وعن شخصيته .

 

سيرته الذاتية المؤكدة . . .

- طارق نجم العبدالله السعداوي

- مولود في تموز من عام 1945 في إحدى قرى قضاء الشطرة في محافظة ذي قار في العراق .

- ينتسب إلى عشيرة السعداوي إحدى أكبر عشائر الشطرة .

- والده نجم العبدالله شيخ العشيرة وآلت المشيخة من بعده إلى أخيه موحان العبدالله شيخ العشيرة الحالي .

- أكمل دراسته الجامعية في كلية أصول الدين في بغداد التي أسسها السيد مرتضى العسكري .

- أشرف على بحثه للتخرج المرحوم الشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم .

- انتمى في سنين دراسته إلى حزب الدعوة الإسلامية في نهاية الستينيات .

- غادر العراق سنة 1976 إلى مصر بعد حملة الاعتقالات والاعدامات التي طالت أعضاء الحزب .

- نال شهادتي الماجستير والدكتوراة من جامعة الأزهر في اللغة العربية .

- عمل في قسم اللغة العربية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة في المملكة العربية السعودية من عام 1981 ولغاية عام 1986 .

- انتقل إلى جامعة الإمارات ليُدرّس فيها إلى سنة 1991. التي غادرها إثر إنهاء الإمارات لتعاقدها مع الأساتذة العراقيين بسبب غزو صدام للكويت متوجها إلى اليمن .

- عمل في كلية الآداب بجامعة صنعاء حتى عام 2001 وكانت تلك الفترة حافلة بنشاطه السياسي والاجتماعي للعمل ضد النظام السابق نظام صدام وحزب البعث ما دفع السفارة العراقية آنذاك في اليمن الى مضايقته وقد تعرض على إثرها الى محاولات اغتيال مارسها ضده نظام بغداد ومخابراته في الفترة التي تواجد فيها في اليمن .

- له عدد من البحوث والمؤلفات المنشورة في مجال اختصاصه وفي الفكر الإسلامي .

- أشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه وساهم في تأسيس عدد من الكليات والأقسام في جامعات مختلفة.

- حصل على درجة الأستاذية (بروفسور) في تخصصه سنة 1996.

- لايحمل أي جنسية أخرى غير العراقية كونه وصل الى بريطانيا في العام 2001 ولا يمكن بحال من الأحوال ان يحصل المرء على الجنسية قبل مرور ما يقارب خمسة الى ستة سنوات من تواجده على الاراضي البريطانية .

- ابنه منتظر عملا على المتاجرة بالنفط ولااعرف أن لأبنه منصبا غير وظيفته في احدى الشركات البريطانية كمهندس مدني ولم يعمل في العراق ولا في أي مؤسسة عراقية على الإطلاق .

- لم يتم إتهامه بأي ملف فساد من أي نوع ومن أي حزب او كتلة، أثناء توليه إدارة مكتب رئيس مجلس الوزراء

زكي الكرمي .. وجه في الذاكرة !

shaker faredhasanالمرحوم الأستاذ زكي الكرمي هو أحد عناقيد الدالية الثقافية الفلسطينية، حمل الشعلة، وتألق بحدته ووضوحه الفكري ومنطقه العقلاني. تمتع بفكر متوقد وثقافة عالية وبصيرة نافذة، وكان شاهداً على العصر. أضاء أمامنا الطريق الحالكة الى عالم الأدب الواسع والكتب التراثية والأدبية والفكرية والسياسية، وحثنّا على قراءتها والغوص في أعماقها لتوسيع آفاقنا المعرفية والثقافية وتطوير ذائقتنا الأدبية .

ينحدر زكي الكرمي من عائلة عريقة في طولكرم والضفة الغربية، هي عائلة الشاعر الفلسطيني الكبير عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، وكنا تعرفنا عليه في حانوته لبيع الأحذية بحي الميدان في أم الفحم، الذي تحول الى منتدى ثقافي وفكري وسياسي، ومجمع للخلان وغير الخلان، وشكل حاضنة لجميع ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والثقافي .  وكان يلتقي في هذا الحانوت أهل الثقافة والأدب والفكر والعمل الوطني والسياسي وعشاق الكلمة والتراث، فيتجادلون ويتحاورون ويغوصون في بحور المعرفة والثقافة المختلفة، ويقضون اوقاتاً في النقاش وتبادل الأفكار ووجهات النظر وطرح المواقف ازاء القضايا الوطنية والاجتماعية والثقافية والمسائل الدينية، وكنا نستمتع ونحن نصغي الى احاديثه وأفكاره ومعتقداته الجريئة الشجاعة، دون أن يخشى لومة لائم .

 كانت المرة الاولى التي رأيت فيها المرحوم زكي الكرمي يوم الذكرى الأربعين لشاعر الوطن والبرتقال الحزين، ابن مصمص، راشد حسين، عندما وقف وقفته الشماء على المنصة ليؤبن راشداً، مستهلاً كلمته قائلاً : " ما أكثر الذين سألوني في ذلك اليوم المشهود قائلين : لم لم ترث راشداً ؟ . وأنا العليم بأن رثاء الحر على الاحرار حق ودين، فكنت أجيب وكيف تطلبون رثاء من لم يمت وما فارق ناظري طرفة عين . ها أنا قد جئت اليوم وجاء "راشد" معي ليسمع ما أقول، وليكون شاهدي على التزام الصدق في ما أقول. واني لاعترف سلفاً بأن حديثي ومعه كل الحديث لا يزيد مكانة راشد لأن الحديث عن العظماء لا بد وأن يترك التاريخ ولأبناء الاجيال، فكلمة الفصل من حق التاريخ وحده هو الذي يزن اعمال العظماء بميزان العدل والإنصاف وبعدئذ يكون من الواجب المحتوم على أبناء الأجيال التزام السير على الدرب التي سار عليها العظماء " .

ثم رأيته  واستمعت اليه في المهرجان التأبيني الضخم للشاعر أبو سلمى، زيتونة فلسطين، الذي أقيم في ناصرة الجليل يوم 22 تشرين أول عام 1980، وشارك فيه حشد واسع من أبناء شعبنا وادبائه وشعرائه ومثقفيه . وقد اعتلى المنصة ليقدم كلمة شكر باسم عائلة الفقيد، ومما قاله : " لقد كنت اعتقد وما زلت اعتقد بان كل شعب من الشعوب حين نراه يقدر جهود العاملين المخلصين من أبنائه وحين نراه يفيهم حقهم أحياءاً وأمواتاً فانه يقيم الدليل القاطع، على انه جدير بالحياة . ولقد رأيت خلال سيري الطويل على درب الحياة وها انا قد رأيت الكثير من جديد فكان كل ما رأيته أصدق دليل على ان الشعب الفلسطيني قد كان ولا يزال في طليعة الشعوب الجديرة بالحياة. وأضاف قائلاً : "ان الشاعر الكبير "أبا سلمى" قد نذر حياته للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية في جميع اقطارها، فهو ابن هذا الشعب، وهو ابن الامة العربية المجيدة . لهذا كان لزاماً علي أن أقول ان نصيب كل واحد من الاحرار في هذه الامة بكاملها من الافراح، وفي المآسي والأحزان على السواء . أقول في الأفراح! لأن الشاعر العظيم الذي ملأ اسمه اسماع الاحرار في العالم كله، وهو الذي حمل علم الثورة في دنيا العرب قد غدا مع الخالدين وهذا من دواعي الفحر والاعتزاز. وقلت في المآسي والأحزان لان نهاية هذا الشاعر الثائر كانت خسارة أصابت الامة العربية بكاملها ".

زكي الكرمي شخصية اجتماعية وسياسية ووطنيه ونضالية، حفلت حياته بالمواقف الوطنية الجذرية الصلبة وخدمة قضية شعبه العادلة . كان له اهتمام بالكتابة،  ونشر بعضاً من كتاباته في مجلة "الفجر" المحتجبة عن الصدور منذ زمن بعيد، التي كان يحررها الشاعر الراحل راشد حسين . وهو من جيل عاني القهر والاحباط، ومع ذلك ظل قابضاً على المبدأ والموقف الوطني، مناضلاً بدون زيف وادعاء، صامداً بدون جعجعة وصخب ودعاية، انتزع الحياة من البؤس والفقر والموت . قضى نحبه منذ سنوات طوال دون أن يتذكره أحد، ولذلك فمن الضروري والواجب ان نستحضر ذكراه، ونستذكر كل الوجوه الفلسطينية  التي اكتسبت بعداً جماهيرياً وشعبياً وثقافياً، وساهمت في مسيرة نضال شعبنا وحركته الوطنية التخررية المكللة بالعطاء والتضحيات الجسام .

 

المفاوضات العراقية – السوفيتية حول تعادل الشهادات الجامعية .. 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية

هذه هي الحلقة الثامنة من سلسلة مقالاتي عن تاريخ العلاقات العراقية – السوفيتية لمناسبة الذكرى السبعين على اقامتها .                        

حدث ذلك في اواسط سبعينيات القرن العشرين في بغداد، حيث استدعاني عميد كلية الاداب في جامعة بغداد المرحوم الاستاذ الدكتورنوري القيسي واخبرني بان العمادة رشحتني لترجمة المفاوضات العراقية – السوفيتية، والتي ستجري في بناية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ولم استطع التخلص من هذه المهمة الصعبة رغم محاولتي الاعتذار عن القيام بها، وهكذا التحقت بالوزارة المذكورة، وكان رئيس الوفد العراقي الدكتور فوزي محمد سامي وهو المدير العام في الوزارة المذكورة، اما رئيس الوفد السوفيتي فكان السفير السوفيتي نفسه آنذاك، وكان الوفد العراقي يضم عدة اعضاء منهم الدكتور تحسين معلة الشخصية البعثية المعروفة (وكان آنذاك عميدا لكلية الطب في جامعة بغداد ويحل بمكان رئيس الجامعة عند غيابه)، اما الوفد السوفيتي فكان ايضا يضم عدة اعضاء ابرزهم السيد سوخين مدير عام في وزارة التعليم العالي السوفيتية ومسؤول دراسة الاجانب في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وهو شخصية معروفة للعراقيين الذين درسوا في الاتحاد السوفيتي منذ الستينيات، واذكر ان بعض اعضاء الوفد العراقي كانوا يتهامسون فيما بينهم وهم يشيرون خفية اليه.

ابتدأت المفاوضات حول بعض الامور الروتينية ووصلت الى موضوع تعادل الشهادات السوفيتية في العراق، وهنا انبرى الحاج خميس العاني عضو الوفد العراقي ومندوب وزارة التربية العراقية وقال انه لا يعترف بمعادلة الشهادة الثانوية السوفيتية في العراق ويعتبرها اقل من الثانوية العراقية، لأن الفترة التي يقضيها التلميذ السوفيتي هي 11 سنة دراسية بينما يقضي التلميذ العراقي 12 سنة، وعليه فانه يقترح ان يكون التلميذ الروسي طالبا في الصف الاول من الجامعة كي يعترف بشهادته الثانوية وكونها معادلة في العراق للثانوية العراقية،و خلق هذا الطرح من قبل الحاج خميس العاني جوا متلبدا ومكهربا في مسيرة المفاوضات، واعترض سوخين على هذا الطرح، وقال انه من المعروف ان المدرسة السوفيتية تبدأ الدراسة وبانتظام منذ الاول من ايلول / سبتمبر، وحتى اواسط حزيران / يونيو وان ايام العطل اقل بكثير من ايام العطل العراقية وان العد النهائي للزمن الذي يدرس فيه التلميذ السوفيتي في نهاية المطاف يكون حتى في صالح المدرسة السوفيتية وليس العراقية، وان هذه المقارنة الساذجة تتعارض مع مبدأ التعادل العلمي الصحيح، الذي يجب ان يعتمد على المناهج المعتمدة قبل كل شئ، وبشكل عام فان مدارس معظم دول العالم معادلة بعضها للبعض بغض النظر عن هذه التفاصيل الصغيرة هنا وهناك . اقتنع الوفد العراقي بمنطق الجانب السوفيتي الذي طرحه سوخين، الا ان الحاج خميس العاني رفض ذلك رفضا قاطعا وأصر على موقفه السابق، وقد حاول اعضاء الوفد العراقي اقناعه ولكن دون جدوى، مما اثار سخرية الحاضرين من العراقيين والسوفيت بشكل عام، وهكذا وافق الجانب العراقي – رغم موقف الحاج خميس العاني – على معادلة الشهادتين، ولكن كل هذه الطروحات والمناقشات قد خلقت اجواء متوترة بالطبع، ثم انتقل المجتمعون الى النقطة الاساسية لكل هذه المفاوضات وهي معادلة الشهادات السوفيتية للدراسات الاولية، والتي كانت تمتد خمس سنوات او اكثر – حسب الاختصاصات – بعد السنة التحضيرية الخاصة بدراسة اللغة الروسية، اي ان مدة الدراسة تكون ست سنوات او اكثر، وكانت الجامعات السوفيتية تمنح شهادة الماجستير للمتخرجين الاجانب كافة، بما فيهم بالطبع العراقيين، الا ان الجانب العراقي رفض الاعتراف بهذه الشهادات باعتبارها شهادة ماجستير واعتبرها شهادة اولية جامعية ليس الا، اي بكالوريوس وليس ماجستير، واعتبر شهادة الكانديدات السوفيتية هي الماجستير وليس شهادة دكتوراه، وقد خاض العراقيون من حملة تلك الشهادة نضالا طويلا ومريرا جدا من اجل الاعتراف بشهادتهم هذه باعتبارها معادلة للدكتوراه عالميا، وقد استطاعوا فعلا معادلتها بعد جهد جهيد كما يقال، وعلى هذا الاساس، انطلق الوفد السوفيتي من موقفه لمعادلة الشهادة السوفيتية الاولية بالماجستير، ولكن الجانب العراقي رفض الطرح السوفيتي حول ذلك رفضا قاطعا، و تصدى الدكتور تحسين معلة للوفد السوفيتي ولسوخين بالذات، وطرح موقف الجانب العراقي حول ذلك، وبما ان الدكتور معلة كان طبيبا، فانه بدأ بالتهجم الشديد على الدراسات الطبية في الاتحاد السوفيتي، وقارنها بالدراسات الطبية الاخرى، بما فيها العراق، واعتبر ان مستواها اوطأ، وقد ادى هذا الكلام بالطبع الى توتر اشد في اجواء المفاوضات، وهنا اجاب سوخين، ان العالم الغربي يعترف بذلك، فكيف يرفض العراق الاعتراف، فاجابه معلة، ان العراق لن يعترف بذلك حتى اذا اعترف الغرب بهذا، وهنا اخذ سوخين يتكلم عن المستوى الصحي في الاتحاد السوفيتي، وقال ان هذا المستوى المعروف قد جاء نتيجة لمستوى التعليم الطبي في الاتحاد السوفيتي، وان المستوى الصحي في العراق معروف ايضا، وهو ايضا نتيجة المستوى العلمي في العراق، وان الفرق الشاسع بين المستويين هو الذي يشير الى مستوى الدراسات في البلدين . توتر جو المفاوضات جدا، واعتبر الدكتور معلة ان سوخين يهين التعليم العالي في العراق، واعلن رئيس الوفد العراقي ان العراق لن يوقع اتفاقية تعادل الشهادات بين الجانبين، وهكذا انتهت المفاوضات باصدار محضر جلسة ليس الا عن تلك الجلسات الطويلة من المناقشات بين الجانبين، وفعلا اوصل الدكتور معلة هذه المعلومات الى الجهات العليا العراقية، اذ لم يمر وقت طويل، واذا بالحكومة السوفيتية تنقل سوخين الى منصب آخر، وكلفته بتاسيس معهد خاص باللغة الروسية (وهو المعهد المعروف الان باسم معهد بوشكين للغة الروسية )، ويقولون، والعهدة على الراوي كما يقال، ان تحسين معلة اوصل تلك الاخبار الى الرئيس العراقي احمد حسن البكر،الذي كانت له علاقة قريبة معه، وقد اشار د. معلة فعلا الى رغبته بذلك بعد الجلسة تلك، وان احمد حسن البكر طلب من عزيز محمد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي (كان حليف حزب البعث آنذاك) ايصال هذه المعلومة الى الجانب السوفيتي وعلى اعلى المستويات، وان هذا الجانب قرر- بعد ان اوصل عزيز محمد تلك الشكوى - نقل سوخين واخراجه من منصبه الذي شغله لفترة طويلة وكان ناجحا فيه وذلك في محاولة لتسوية الخلافات مع العراق، والتي حدثت اثناء تلك المفاوضات، وان الجانب العراقي كان راضيا على هذا الاجراء السوفيتي ولم يطرح موضوع اهانة التعليم العالي العراقي كما طرح الموضوع الدكتور معلة آنذاك وانما اغلق الموضوع ليس الا . هذا وقد التقيت السيد سوخين مرة في موسكو عندما كنت في زيارة لمعهد بوشكين للغة الروسية، ولكني لم اسأله بالطبع عن اسباب نقله لان الموضوع حساس جدا، واذكر انه سألني عن اخبار الدكتور فوزي رئيس الوفد العراقي آنذاك، فاجبته بانه بروفيسورمعروف في جامعة بغداد، وتأسفت بعدئذ– خصوصا عندما سمعت بخبر وفاة سوخين - لاني لم اسأله حول ذلك، اذ كان من المحتمل معرفة الاسباب الحقيقية لنقله .

حينما يختطف المنون فرحة ساري العبد الله يبقى تاج العنقاء للفنان طلحت حمدي

mohamad rashedمسلسل ساري العبد الله الذي جسد دور البطولة فيه الفنان القدير الخالد الذكر طلحت حمدي حقق نجاحات كبيرة ولما صدر قرار تكريم الفنان القدير حمدي توجهت إلى دمشق والتقيته أول مرة في فندق الشام يوم الاثنين 9/1/2006 وتحدثنا عن طبيعة التكريم واتفقنا معا لكتابة السيناريو له وكان فرحا واتفقنا في المرة القادمة نحقق احتفالية تليق ومنجزه الكبير وطلب أن تكون شبيهة باحتفالية الخالد الذكر سعد الله ونوس التي أقيمت يوم الاثنين 21/2/2005 في نادي غسان كنفاني/ مخيم اليرموك كون الخالد الذكر ونوس كان يحب هذا المكان. والتقينا مرة ثانية في دمشق أيضا يوم الخميس 5/7/2007 وكان برفقته شقيقه وكان يشبهه كثيرا وتحاورنا وعرفت منه أن والده ينتمي لقبيلة عراقية ومن أصل كوردي ، وسألته عن الفنانة أصالة نصري وتحدث لي عنها كونه صديق والدها الروحي وفي نهاية الجلسة اخبرني ان الوضع في سوريا فيه نوع من الحساسية وكان يخشى ان يحدث شيء ما خارج التوقعات.والمرة الأخيرة التي التقيته كان لقاء حميمي أكثر من كل مرة حيث اصر ان يدعوني الى احد الأمكنة التراثية في منطقة الشام القديمة مع إسرته زوجته وولده وابنته وكان يوم الأحد 6/5/2007 واخبرني بأنه وعائلته سعداء جدا بجائزة العنقاء سيما ان هذا التكريم جاء من العراق وكان من الأجدر أن يكرمه بلده ومن خلال أحاديثنا تم الاتفاق على أن تبدل نوع الجائزة من (قلادة العنقاء) التي تمنح عادة للمبدعين اللذين هم فوق سن الأربعين إلى (تاج العنقاء) كونه من (الرواد المتميزين)والمؤثرين في مجال الفن وان تاج العنقاء يمنح للرواد المتميزين حصرا ووعدني في المرة القادمة تكون الاحتفالية بحضور نخبة من أصدقاءه في المجال الفني لكن يد المنون خطفت الفرحة اعني فرحة التكريم التي خططنا لها سوية ، لكن الالتزام الثقافي والأخلاقي يدعوني أن التقي مجددا بعائلته لنحيي ذكراه وتكريم اسمه ضمن احتفالية تليق بمقامه كفنان متميز قدم للفن الشيء الكثير والمثمر .

قصة ساري العبد الله تتلخص بان الشيخ عبد الله الفاضل ينتمي لقبيلة الحسنه من المنابهة من عنزة وهو ابن الشيخ فاضل المزيد وهو أخ الشيخ مهنا الفاضل من مواليد شبه الجزيرة العربية عام 1200 هجرية وحينما ترأس والده الشيخ فاضل قبائل الحسنه والمنابهة في هجرتها إلى بادية بلاد الشام كان عبد الله الفاضل الملقب (ساري العبد الله) في مقتبل العمر فارسا لا يهاب شيء خصوصا انه ينتمي لقبيلة قوية وقيادة حكيمة وواعية لوالده وقد شهد بأم عينه قبيلته وهي تكتسح القبائل من طريقها بعد معارك دامية لصالحها دائما حتى تمكنوا من فرض سيادتهم على بادية الشام بأكملها وكان له دور قيادي كونه فارس قبيلته وابن شيخها الشجاع لكن في لحظه ما ينقلب كل شيء فيحصل ما لم يكن في الحسبان كونه أصيب بمرض خبيث ومخيف يدعى (الجدري) كان علاجه أشبه بالمستحيل لأنه يؤدي بصاحبه إلى الموت وكانت القبائل لشدة خوفهم من هذا المرض الخطير يبنون لمن يصاب به بيتا على أطراف مضاربهم ويعتزله الناس حتى أهله خوفا من العدوى ويختارون شخصا ممن اكتسب مناعة من هذا المرض ليعتني به ويحضر له الطعام والشراب حتى يوافيه القدر المحتوم وهذا ما حصل مع   ساري العبد الله فبنى له اهله بيت على مسافة من ديرته واعتزله أهله وبقية القبائل فراح يصارع المرض والوحدة والألم، ويأس الكل من شفاءه وبعدها اضطرت القبائل إلى الرحيل بحثا عن الماء والعشب وكان ساري في غيبوبه التي لا تسمح له بالانتقال معهم مما اقترح البعض عليهم بإبقاء خادم له يعينه على مصيبته وكلبه الوفي (شير) الذي كان يرافقه في رحلات الصيد ولكن الخادم لم يطق البقاء بجانبه وحيدا في وسط الصحراء وسرعان ما لحق قبيلته واخبرهم بأن ساري مات . وهكذا مضت الليالي عليه وحيدا كلما أفاق من غيبوبته تذكر نكران أهله وتركهم إياه فيزداد أنينه فينفجر الشعر على لسانه ومما ينسب إليه مخاطبته كلبه الوفي شير قائلا (هلي شالو على مكحول ياشير ... وخلو لك عظام الحيل ياشير ... يلتبكي وتهل الدمع ياشير ... هلي ماعاد لي منهم رجا).

وفي ليلة ظلماء هجمت عليهم الذئاب وأرادت أن تفترسه الا أن كلبه الوفي شير ضحى بحياته من اجل سيده ساري وجاءه مضرج بالدماء وجراحه البليغة التي انتهت بموته في حضن سيده مما ازداد اساه بموت رفيقه الوفي وراح وحيدا في الصحراء يتصارع مع مرضه الخبيث وآلامه التي تزداد يوما بعد يوم وغربته فانشد قائلا (هلي بالدار خلوني وشالوا ... وخلوني جعود بطن شالو ... على حدب الظهور اليوم شالو ... وحايل دونهم كور وسراب) ومرة ينشد (هلي بالدار خلوني رميماي ... مثل حيد معقل برميماي ... يا محي العظام وهي رميماي ... توصلني على حي الأحباب)

وبينما هو يصارع الموت والوحدة أرسل الله له رجل عابر سبيل له خبره بعلاج الإعشاب فعالجه وبدأت حالته تتحسن شيئا فشيئا حتى شفي من مرضه ولكن الجدري ترك أثره على وجهه مما تغيرت ملامحه بالكامل وقرر أن يعطي بيته والمؤن للرجل الذي عالجه وحمل ربابته وانطلق عاقدا العزم على عدم العودة إلى أهله أبدا واخذ يتجول بين القبائل على انه شاعر ساعده على ذلك تغير ملامح وجهه من اثر الجدري فلم يتعرف عليه احد وكان ممن وفد عليهم شيخ يدعى تمر باش فأقام ساري عنده فتره من الزمن متخفيا على انه شاعر يعزف على الربابة ولكن اعتزازه بنفسه وأهله كان قد اخذ منه كل مأخذ فانفجر الشعر على لسانه في إحدى الليالي بعد أن سمع كلاما لا يروق له ومما ينسب إليه من العتابا قوله مخاطبا الشيخ تمر باش ومفاخرا بأهله (هلي المالبسو خادم سملهم ... وبجبود العدا بايت سم لهم ... ان كان اهلك نجم اهلي سما لهم ... جثير من النجم علا وغاب).

هنالك مقولة دائما ارددها (أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد) لقد التقينا وخططنا ورسمنا أشياء جميلة خلال لقاءات ثلاث اعتبرها تاريخية ومثمرة وأتمنى أن تتم احتفاليته وسط أهله ومحبيه لأنني اشعر بـ(دين) أثقل كاهلي مؤكد سوف ينزاح عني بعدما اسلم جائزته لعائلته كونه التزام أخلاقي وثقافي علينا أن نفي به بحق فنان أكثر من مبدع وإنسان ملتزم لديه سلوك راقي ومتحضر ذكرني الفنان حمدي بلقاءات سابقة لي مع الروائي التركي يشار كمال والروائي الإيراني محمود دولت آبادي والفنان يوسف العاني والموسيقار غانم حداد والموسيقار فرات كزلتو والدكتور شيرزاد النجار والقاص جليل القيسي والكاتب جاسم المطير والقاص محمد خضير والقاص فرج ياسين واللبناني حبيب صادق ، هؤلاء المثمرون حينما تلتقيهم تشعر انك في حضرة قديسين وعندما يتحدثون تمطر السماء زهورا وعنادل وفراشات.

الى بلاد العم سام* (1)

sahar alameriفي اليوم السادس عشر من الشهر السادس من سنتنا هذه حملتني أجنحة الطائرة الألمانية "اللوفتهانزا" الى الضفاف الأخرى من المحيط الأطلسي، وقد كانت نقطة الانطلاق الى تلك الضفاف هي مطار مدينة ميونخ الألمانية الذي نزلته قادما إليه من مطار العاصمة الدانماركية، كوبنهاجن .

حطت بنا الطائرة بعد طيران متواصل، أخذ مساء ألمانيا وصباح وعصر نيويورك، على أرض مطار نيوآرك ليبرتي الدولي (Newark Liberty International Airport) وبحساب الساعات تقدر رحلة الطيران المتواصلة هذه بتسع ساعات قد تقل أو قد تكثر، يضاف لها بعض من الوقت، يتوقف فيه زائر تلك المدينة في حاجز جوازات المطار المذكور، وهو الحاجز الذي لم أطل أنا الوقوف فيه سوى دقائق معدودة .

من السويد كنت قد قمت بحجز سيارة إجرة، وغرفة في فندق كارتر (Hotel Carter) وحال وصولي الى ذلك المطار حملتني تلك السيارة الى الفندق المذكور الذي يقع بالقرب من ساحة تايمز سكوير "Times square" وهي ساحة تقع في مانهاتن الذي يعد من أشهر المناطق الخمسة التي تتكون منها مدينة نيويورك، والساحة تلك تقع عند تقاطع شارع برودواي "   Broadway" والشارع السابع. وقد سميت بالتايمز سكوير لوجود مبنى مكاتب جريدة النيويورك تايمز فيها سابقا.

أنا الآن في وسط ذلك الحي من تلك المدينة التي حملت اسم مدينة يورك البريطانية التي تقع إلى الشمال الغربي من انكلترا، وذلك بعد قيام تشارلز الثاني ملك انكلترا بمنح الأراضي فيها لأخيه، دوق يورك بعيد الاستيلاء عليها من قبل قوات الملك المذكور في أكتوبر من سنة 1664 حين طردت تلك القوات الهولنديين منها، بعد ذلك بدل الانجليز اسمها من " نيو امستردام " إلى "نيويورك"، ولقد كانت المدينة في الأصل موطنا لقبيلتين من الهنود الحمر هما : الجونغيان، الأروكيوس قبل الاستعمار الهولندي لها عام 1624م، ثم الاستعمار الانجليزي عام 1664م، وكان هدف هذين الاستعمارين يتجسد في الاتجار بثروات المستعمرة من الفراء والجلود. ولكن بعد ذلك ازداد عدد سكان المدينة نتيجة للموجات البشرية المهاجرة من أصقاع بعيدة عنها، فصار البعض من المهاجرين يقوم بإنشاء حي خاص به، فظهرت أحياء مثل المدينة الصينية، أو ايطاليا الصغيرة .

قبل وصولي الى نيويورك كنت قد قررت زيارة المدينة الصينية، وكذلك جزيرة الحرية التي ينتصب بها تمثال الحرية الشهير، وعلى عادتي قمت بشراء تذكرة تصلح لركوب قطارات الانفاق والحافلات لمدة اسبوع واحد من أقرب محطة قطار انفاق التي تسمى هناك بـ (Subway )، وقد دفعت لقاء ذلك واحدا وثلاثين دولار، وهي قيمة تلك التذكرة وللفرد الواحد .

في صباح اليوم التالي من وصولنا توجهت أنا وزوجتي من الفندق الى مطعم قريب، تناولنا فيه فطورا كلفنا عشر دولارات، ثم بعدها ركبنا قطار انفاق من ساحة التايمز الى شارع يدعى قنال ستريت (Canal Street) وهو الشارع الرئيس الذي يخترق الحي الصيني الذي يبدو لمن زار الصين من قبل أنه شارع من شوارع مدينة صينية، وليس شارع من شوارع نيويورك، فالبشر الذين يقطنون هذه الحي غالبيتهم، إن لم يكن كلهم، هم من أصل صيني، حتى لكأنهم حملوا قطعة أرض صينية بما فيها من حوانيت وأسواق وبيوت، وعبروا فيها المحيطات من ضفاف مغارب الأرض ثم الى ضفاف مشارقها، والعجيب في الأمر أن هذا الحي يكاد يخلو من البناء الشاهق مثلما جرت العادة عليه في الأبنية الصينية التي لا ترتفع كثيرا في الفضاء، وهذه العادة درج عليها ملوك الصين القدماء الذين حرموا على مواطنيهم بناء دور عالية تعلو على بيوتهم التي تتكون في العادة من طابق أرضي واحد في الأغلب، والذي يزور المدينة المحرمة في بكين العاصمة يلمس هذه الحقيقة لمس اليد.

كل ما تريده وتطلبه من صناعة صينية تجده في هذا الحي، بل زد على ذلك كل المواد الغذائية الصينية متوفرة فيه، وهي رخيصة السعر، فوجبة الفطور المتكون من الخبز والبيض وقدحين من الشاي التي كلفتنا عشرة دولارات عند ساحة التايمز كلفتنا في الحي الصيني ثلاثة دولارات ونصف الدولار، وكأن هذا الحال يشير الى عالمين : عالم الرأسمالية حيث التايمز سكوير، وعالم الاشتراكية حيث قنال ستريت، رغم أن هذين العالمين لا يفصلها عن بعضهما البعض سوى خمس محطات لقطار الانفاق الذي يحمل رقم واحد في الأغلب الأعم، وعلى الخط الملون باللون الأحمر على خارطة أنفاق مدينة نيويورك. وعلى ذلك يمكنني القول أن المدينة الصينية في مانهاتن من نيويورك ما هي إلا قطعة أرض حملت من الصين وحطت بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الحقيقة عبرت عنها بائعة صينية حين ساومتها على شراء قميصا، طالبا منها تخفيض ثمنه فما كان منها إلا أن قالت لي : الأسعار هنا رخيصة جدا، فأنت الآن في السوق الصينية وليس في السوق الأمريكية !

هذه هي الحقيقة التي تبين بوضوح أن أمريكا ما هي إلا بلد مهاجرين جاءوا الى هذه الأرض من أصقاع قريبة وبعيدة عنها، وقد شكل هؤلاء المهاجرون قوة عمل عظيمة صعدت بها الرأسمالية الأمريكية على أرضها في بادئ الأمر، ثم عبرت بها كقوة امبريالية البحار والمحيطات، حتى صارت بوارجها وسفنها الحربية تجوب سواحل الأرض شرقا وغربا. كما أفرزت قوة العمل تلك علاقات اجتماعية بين مجتمع المهاجرين هذا لا تقوم على أساس من دين أو مذهب أو قومية، وإنما على أساس العمل ذاته، وما يفرزه من علاقات اجتماعية يكون السيد فيها المال والثروة، ويكون النقيض الكدح والفقر والتسول، فأنا نفسي ما شاهدت إلا كنيسة قديمة واحدة في زقاق ضيق على مقربة من شارع المال" Wall street " هي كنيسة " Trinity Church " مثلما شاهدت جامعا صغيرا يقع على قارعة الطريق الذاهب الى مطار جون كندي، ومثل ذلك لا يمكن لك أن تنافس الآخرين في مجتمع المهاجرين هذا على أساس قومي فتقول : أنا عربي ! ويقول الآخر : أنا تركي أو جرماني . فالمجتمع الأمريكي لم ينشأ من تكوين قبلي كما هي الحال في آسيا أو أوربا، وإنما كانت نشأته قد قامت على تجمعات زراعية أو عمالية، فلقد انصهرت الأعراق، والديانات، والمذاهب في مشروع زراعي أو في مشروع لمد سكة حديدية، وعلى هذا الاساس صارت نشأة مجتمع المهاجرين هؤلاء على أساس من علاقات العمل، وعلى أي طرف تقف أنت من علاقة العملية الانتاجية .

حدثني مهاجر لبناني هو واحد من مجتمع المهاجرين هذا قال : إنني أعجب من أن الناس في الشرق، وفي المنطقة العربية تتقاتل على أساس مذهبي، هذا شيعي وذاك سني، أليست هذه مهزلة ؟ تساءل هو ثم أضاف : انظر الى الناس هنا ! الكل متجه نحو العمل والانتاج، حتى أنهم يسخرون منا حين يسمعون من أننا نتقاتل بدوافع طائفية.

ثم في حانوت آخر سألني صاحباه المهاجران من المغرب العربي بعد أن عرفا أنني قادم من الشرق مثلما اعتقدا : ما الشيعة ؟ وما السنة ؟ لماذا هذا القتل المستمر عندكم ؟ لقد رأينا رؤوسا تقطع، وبيوتا تدكها الطائرات على رؤوس ساكنيها ؟

على بساطة التكوين الثقافي للمتسائلين خرجت بتصور هو أن هؤلاء الناس المهاجرين قد تخلصوا من أدران الشرق نتيجة لتواجدهم في مجتمع نشأ بصورة تختلف كلية عن نشأة مجتمعاتنا الشرقية التي قامت على أساس قبلي ثم بعد ذلك تغطت كل واحدة من تلك القبائل أو أفخاذ منها بخرقة من هذا المذهب أو ذاك . لكن سيظل التمايز الطبقي وليس العنصري هو المشكلة التي يعاني منها مجتمع المهاجرين هذا، فاذا كان شارع القناة المار الذكر يعكس واحدة من صور الفقر في هذا المجتمع، فإنك ترى صورة الغنى واضحة في شارع المال أو الوول ستريت ( Wall Street) والذي لا يبعد كثيرا عن الحي الصيني أو شارع القناة المذكور، والذي ترد تسميته الى الحائط الذي قام على أكتاف الزنوج الأفارقة حين أراد الهولنديون من وراء بنائه صد هجوم للقوات البريطانية وقت أن كانت نيويورك مستعمرة هولندية. ورغم أن الجيش البريطاني أزال هذا الحائط بعد انتصاره عام 1699م إلا أن الشارع ظل محتفظا باسمه.

 

................................

* العم سام : يعود اسم العم سام إلى بداية القرن التاسع عشر، وتحديدا إلى حرب سنة 1812م التي دارت بين أمريكا من جهة وبين بريطانيا وإيرلندا وكندا من جهة أخرى، وقد أخذ الاسم من اسم جزار محلي أميركي يدعى صموئيل ويلسون Samuel Wilson. وقد كان هذا الجزار يزود القوات الأميركية المتواجدة بقاعدة عسكرية بمدينة تروي الواقعة بولاية نيويورك، بلحم البقر، وكان يطبع براميل هذا اللحم بحرفي (U.S) أي الولايات المتحدة) إشارة إلى أنها ملك الدولة. فأطلقوا لقب العم سام على التاجر. فحرف U يرمز إلى   Uncle اي العم و S إلى Sam أي سام..

 

المهدي المنجرة .. أبدا اعتذاركم إليه لن يصل

mobarak abaeziمات المهدي المنجرة، مات حسرة على وطن جروحه استعصت على الاندمال، مات ميتة المثقفين، ميتة تلك المخلوقات الآدمية التي تعطي دون أن تنتظر مقابلا، مات كما يموت كل رجل عظيم، شامخا، وكبيرا، وبكثير من الصمت، وبقليل من الضجيج والفقاعات التي يحاط بها السياسيون عادة.

مات الرجل دون أن تصدر منه أنة استنجاد، فقد كان يعرف أنه أقوى، تماما كما كان في زمن قوته وقدرته، من كل غواية، ومن كل أشكال الإغراء، لأنه كان سيد المواقف التي لا تتململ، وصاحب المبادئ التي لا تشيخ، ورغم أن ذلك جلب عليه الكثير من الويلات، من قبيل منعه المتكرر من إلقاء محاضراته كما يذكر في كتابه "الإهانة في عهد الميغا إمبريالية"، وغيرها من المضايقات، إلا أنه كان كسائر المثقفين الجادين، مقاوما شرسا للضغوطات.

كان الرجل يفكر بكثير من الجدية في سبل إخراج بلدان العالم الثالث من التخلف الذي نخر بقايا الخلايا المتبقية من عقلية أبت إلا أن تداري قبحها بمساحيق زائلة، لكنه أدرك أن الأمر يحتاج إلى أكثر من قلم، وأكثر من حرب. ولابد أن تأخر بلدان العالم الثالث اقتصاديا هو من الأسباب الكبرى التي تجعل أي اجتهاد جديد، مهما كانت قيمته، يصبح غير ذي قيمة، تماما كما حصل معه عندما تحدث عن صدام الحضارات ولم ينتبه إليه أحد، فحتى عندما أفصح "صمويل هنتغتون" عن نظريته، أصبح الجميع يتشدق شرقا وغربا بهذا الفتح العلمي الجديد، متناسين أن رجلا فذا يتواجد بينهم، كان قد تحدث عن الأمر برصانة كبيرة، ولحسن حظه أنْ اعترف له هنتغتون بالسبق في مؤلفه "صدام الحضارات".

في حياته المهنية، كان يرفض تقلد المناصب السياسية، لأنه يعتقد أن ولوجها سيغير من شخصه كما حدث مع الكثير من أصدقاء النضال والطموحات الكبرى، لهذا بقي قابعا في الظل، رافضا لكل أشكال الظهور الإعلامي، بسبب من عدم استقلاليته التامة، فالقناة الثانية، تابعة لفرنسا، وتمول من قبلها لترويج نمط من السلوك وتسويغ أفكار معينة ونشر ثقافة ذات طابع خاص. وفي فترات كثيرة من حياته عرضت عليه مناصب سياسية كثيرة ورفضها، وكان يصرح في لقاءاته الصحفية بامتناعه عن الظهور في أية قناة مغربية حتى يتأكد من تمام استقلاليتها، وقد قال ذات حوار: «سبق لي أن شغلت مديرا للإذاعة والتلفزة المغربية، لكن القناة الأولى حاليا تابعة لوزارة الداخلية، وأنا أرفض المشاركة في أي برنامج فيها ما لم تكن مستقلة، والقناة الثانية محطة للدفاع عن الاستعمار الثقافي الحضاري بالخصوص، وفي شكل غير مباشر هي للدفاع عن بعض الأغراض. لم أتعامل مع القناتين ولا قنوات الخليج أيضا، و"دول البترودولار" وأرفض التعامل معها أو حتى زيارتها، أعرف جيدا خبايا الإعلام المغربي وما سيأتي مستقبلا «أكفس» مما سمي بالإصلاح أو التغيير».

وفي مسيرته الفكرية، كتب المنجرة مؤلفات عديدة، منها: "قيمة القيم"، و"الإهانة"، و"الحرب الحضارية الأولى"، و"حوار التواصل"، و"عولمة العولمة"، و"انتفاضات في زمن الذلقراطية"، وغيرها من المؤلفات ذات القيمة العلمية الكبيرة.

مات المنجرة وكل ما فكرت فيه أثناء نعيه، أن الوطن مهما اعتذر إليه، فحتما اعتذاره لن يصل إليه، ومهما أرسل من رسالات التعازي، فليس عليه إلا أن يعزي نفسه على فقده لقامة فكرية عظيمة. إن أوطاننا المأسوف عليها لا تتذكر مثقفيها إلا حين يغادرون للمرة الأخيرة، وآنذاك فقط تقول إنهم كانوا.. وكانوا.. دون مجيب.

 

عادل الهاشمي التواصل والتواضع .. دروس في الأخلاق والإبداع

mohamad rashedالكاتب الموسيقي والأب الروحي عادل الهاشمي عرفته من خلال متابعتي له من خلال عموده في نقد الموسيقى التي كانت تنشره جريدة الجمهورية على صفحتها الأخيرة التقيت معه بداية عام (2000) بعد افتتاح دار القصة العراقية وكان ضمن الشخصيات التي خططنا لتكريمها آنذاك بجائزة (قلادة الإبداع) التي كانت تمنحها دار القصة العراقية للمبدعين العراقيين، الشيء الذي أحببني فيه هو (خلقه العالي) و(إنسانيته المتميزة) كذلك سلوكه الدافئ الذي يسير جنبا إلى جنب مع إبداعه وهذه الميزة نادرا ما نجدها عند المبدعين الحقيقيين والتقيت معه مرة ثانية عام 2002 قرب مبنى أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد واتفقنا سوية على موعد تكريمه نهاية عام 2002 في بغداد واخبرني بأنه معجب جدا بهذه الجائزة وهذا الانتقاء الذي تحدث عنه الوسط الثقافي بفخر واعتزاز كون الجائزة منحت ضمن احتفاليات مهيبة إلى (المسرحي محي الدين زنكه نه والقاص جاسم عاصي والروائي عبد الخالق الركابي والقاص فرج ياسين والناقد سليمان البكري والقاص احمد خلف) وغيرهم وأعطاني رقم هاتف منزله الأرضي للتواصل ولكن شاء القدر وأصحاب الأقلام (؟؟؟) أن ينتهي الأمر بإغلاق دار القصة العراقية يوم 1/9/2002 بأمر من الحكومة العراقية وتحريض وتنفيذ من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وانتهى الأمر حينها، بعد أحداث 2003 أعيد افتتاح دار القصة العراقية واستمرت فعالياتها واستمرت اتصالاتي بالكاتب المبدع عادل الهاشمي والشيء المبهر الذي تعلمته منه هو تواضعه وسعة صدره، مرة سمعت صوته الأبوي الحنون من خلال الموبايل في صباح احد الأيام يهنئني بعيد الأضحى المبارك سعدت جدا ولكني خجلت كونه اكبر مني سنا وأفضل مني منزلة حتى إني تلعثمت حينما كلمته وحينما انتهى الاتصال جلست بين عائلتي وأخبرتهم بوقع هذه التهنئة على قلبي من قبله، وأنا اسرد لأولادي رحت ارتجف خجلا وتعرقت وقتها جبهتي، لقد تعلمت وأنا صغير من عائلتي والمجتمع أن الصغير هو من يبدأ التحية للكبير وهو من يقدم الاعتذار وهو من يفعل كل شيء احتراما وتقديرا لكبر سنه لكن الأب الهاشمي غمرني باحترامه وعطفه وحبه، أخبرته مرة كان عائد من مهرجان المربد (البصرة) هو ونقيب الفنانين السابق حسين البصري والكاتب ناظم السعود وشرفني بحضوره إلى دار القصة العراقية في العمارة حيث كانت محطة استراحة لهما واستقبلته مع صديقي الوفي الفنان جميل جبار نقيب الفنانين في ميسان وجمعتنا جلسة حوارية كانت من أجمل الجلسات في حياتي لانها صادقة وحميمة، قلت للأستاذ الهاشمي :- أستاذنا الكبير أنا اخجل جدا حينما تبدأ بتهنئتي في المناسبات واشعر بحرج.

فأخبرني:- أنت إنسان كبير تستحق كل الاحترام والتقدير كونك حققت للثقافة العراقية منجزات كبيرة وشجاعة وانكم حينما تدعون المبدعين تضعهم في ميزانهم الحقيقي ليس كباقي المؤسسات والمهرجانات التي سفهت الثقافة وقللت من قيمة وشأن المبدعين واعتقد هذا ليس رأيي فقط بل رأي عدد كبير من المثقفين العراقيين .

كنت أتمنى أن يطول اللقاء لكن ودعنا بعضنا واتفقنا على أن يكون تكريمه بجائزة العنقاء مع الكاتب ناظم السعود يوم الاحد25/3/2007 وحينما رتبنا كل شيء للاحتفاء برمز كبير من رموز العراق والوطن العربي حدث ما لم يكن في الحسبان وللأسف الشديد وهو قادم من بغداد وقبل أن يصلنا بساعتين اخبرني بأنه تلقى اتصال من البيت أن أخيه توفي ولا بد له أن يعود إلى بغداد، حزنت جدا لمصابه وكوننا لم نتشرف بحضوره لكننا تحدثنا عن إبداعه وتجربته الفريدة في الاحتفالية التي أعددناها له واستلم جائزته صديقه الوفي الكاتب ناظم السعود في (قاعة دار القصة العراقية/العمارة) بحضور الفنان حسين البصري نقيب الفنانين والفنان جميل جبار وعدد من المثقفين من مدينة العمارة .

لقد تعلمت من الرمز المثمر الخالد الذكر عادل الهاشمي أشياء مهمة في الحياة منها أن أبدء السلام وأقدم التهاني والتعازي على الصغير والكبير معا لان الإنسان المثمر حينما يبادر بالمعروف تسجل له منزلتين الأولى التواصل والثانية التواضع

الأديب فتحي فوراني وسيرة "بين مدينتين"

shaker faredhasanفتحي فوراني ركن من أركان الأدب والثقافة والفكر والوعي والتنوير، ومن الأسماء البارزة في المشهد الثقافي الأدبي في هذه الديار. وهو احد أساتذة ومعلمي اللغة العربية الأفذاذ، معرفة وثقافة وتراثاً والماماً، الذين يشهد ويشار لهم بالبنان .

وهو مثقف وقارئ نهم متعطش دائماً للمعرفة والاستزادة، وعاشق ثمل للغة العربية وآدابها وصرفها ونحوها وبلاغتها .

وهو إنسان دمث وهادئ ووقور مشحون بالإنسانية، ويحب الخير للناس أجمعين، ويدعو للمحبة والتسامح بين الأديان، وصديق الأدباء والمثقفين ورجال الفكر والقلم والدين، وله حضوره المتواصل في المناسبات الثقافية والاجتماعية والسياسية والمشاركة في الندوات واللقاءات الثقافية، ويحتل في قلوبنا مرتبة رفيعة ومنزلة عالية لما يتمتع به من خلق وأصالة وشهامة ووقار ووفاء للخلان والأصدقاء .

وفتحي فوراني كاتب وأديب وطني تقدمي ملتزم منحاز لجموع الفقراء والكادحين والفلاحين والمثقفين الثوريين، ومناضل لأجل الحرية والسلام والديمقراطية وأخوة الشعوب . كتب الشعر والقصة في بدايات حياته ثم اتجه نحو النقد، وبعد ذلك اهتم بكتابة البحث الأدبي والمقالة الأدبية والسيرة الذاتية، ونشر جل كتاباته في صحيفة "الاتحاد" العريقة .

صدر له كتاب "دفاعاً عن الجذور" وكتاب " مسيحيون ومسلمون تحت خيمة واحدة " . وصدر له حديثاً، عن دار" راية " للنشر كتاب "بين مدينتين"، وهو محطات على طريق السيرة الذاتية، كنا قرأنا الكثير من فصولها في الملحق الثقافي الأسبوعي لـ "الاتحاد".

في هذا الكتاب يعود فتحي فوراني إلى الماضي البعيد والأيام الخوالي، ويقف على أحداث ذلك الزمن الجميل، التي كان لها الأثر والوقع في نفسه، ويسلط الضوء على مرحلة الفتوة والشباب والحياة المدرسية في ثانوية الناصرة والمعلمين والمثقفين والشخصيات الاجتماعية والسياسية والوطنية، التي تركت بصماتها على نفسه، وساهمت في تبلور وعيه وشخصيته ومواقفه، ويقدم صوراً ومشاهد تركت في أعماقه وروحه ووجدانه حفراً عميقة .

يبدأ فتحي فوراني سيرته بمرحلة الطفولة في صفد، المدينة التي ولد فيها وينتمي لها ويستعيدها من خلال أحاديث الناس الكبار، لأنه كان طفلاً صغيراً يحبو ولا يتذكر شيئاً منها . ويحكي عن تجربة الرحيل والتحول إلى لاجئ في الوطن، ويسرد قصة عائلته التي أصابتها أحداث النكبة بشكل مباشر فهاجرت إلى الناصرة ثم حيفا .

وفي المحطة الثانية يتوقف ليروي ذكرياته في زنبقة وعاصمة الجليل مدينة الناصرة، التي احتضنته وشب وترعرع وكبر وتعلم وعاش فيها حقبة من الزمن في فترة الشباب، وعرف أهلها وبيوتها وحجارتها وأزقتها وأحيائها وشوارعها ومثقفيها ومبدعيها ومناضليها وشخصياتها اللامعة، وجمعته العلاقات بعشاق الكلمة ومتعاطيها ومحبي الأدب والثقافة ليصبح فيما بعد كاتباً وأديباً معروفاً بين الأوساط الثقافية والأدبية والاكاديمية والتربوية والشعبية . كذلك يقدم صورة للحياة الأدبية وللحراك الاجتماعي والثقافي الأدبي فيها .

وفي الفصل الثالث من الكتاب يستعيد فتحي فوراني ذكرياته وأيامه في حيفا، التي انتقل للعيش والإقامة فيها في بداية الستينات، واشتغل معلماً في الكلية العربية الارثوذكسية لأكثر من ثلاثين عاماً، حيث ترك في نفوس طلابه الذين تخرجوا من معطفه، وغرس فيهم حب الأرض والوطن والناس والتمسك بالقيم والمبادئ والفضائل ومكارم الأخلاق، وذوت فيهم جمال اللغة العربية وأصالة التراث الإنساني التقدمي .

وفي حيفا ينشط فوراني في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية ويشغل منصب نائب رئيس بلدية المدينة لعدة سنوات، ويخرج للتقاعد من سلك التعليم ويتفرغ للإبداع والعطاء الثقافي والمشاركة في الندوات والحلقات الثقافية والفكرية .

وفي سيرته "بين مدينتين" يبهرنا ويدهشنا فتحي فوراني بأسلوبه الأدبي الشاعري العفوي المنمق البديع، وكلماته البليغة التي يشحنها بالإيحاءات التعبيرية ، وينتقيها برهافة وأناقة تسحر القلوب وتخلب الأفئدة .

وفي النهاية، فتحي فوراني في سيرته الذاتية "بين مدينتين" يقدم صوراً صادقة لحياة إنسان قانع في الحياة، ومبدع أصيل ونظيف عصفت به نوائب الدهر والنكبة الفلسطينية وظل قابضاً على المبدأ وجمرة الإبداع، حالماً بالعودة وبناء وطن الحب والتسامح الإنساني .

فسلاماً للصديق لفتحي فوراني مع خالص التحية، والمزيد من الكتابة المدهشة والإصدارات المميزة والعطاء الأدبي الإبداعي المتواصل .

 

رحلة الى بلاد بينوكيو

tara ibrahimلم يخطر في بالي في يوما ان اتجه او أزور بلدانا ولدت فيها شخصيات قرأت عنها في الكتب أو رأيتهاعلى شاشة التلفاز، شخصيات كنا نعتقد انها بعيدة جدا عنا ولم نتصوران نكون قريبين منها كل القرب ولكن القرب الذي اتحدث هو الإحساس والشعور الذي يغمرنا عند المرور بأماكن ابطال حكايات طفولتنا.

الصدفة وحدها هي التي قادتني الى توسكان احد أقاليم إيطاليا، المنطقة الخلابة والجميلة بمناظرها الجبلية وبطبيعتها التي تشبه كوردستان ،هذه المنطقة التي خرجت منها شخصيات مثيرة ومعروفة لدي العالم اجمع في مجالات الادب والفن والعلم مثل دانتي ومايكل أنجلو وليوناردو دافينشي وغاليليو غاليلي، وأنا في رحلة عمل الى هذه المنطقة أحببت التعرف إليهاعن قرب .

بدأت زيارتي لمركز مدينة "سيينا" القديمة التي تتميز بساحتها صدفية الشكل التي عندما ندخلها نشعر باننا داخل محارة ، كونها ليست بدائرية ولا بيضوية ، فيها الكثيرمن الاثار التاريخية وفي مقدمتها برج قديم يعود تاريخه الى القرن الرابع عشرللميلاد يسمى بـ "توري ديلامانجا" او برج الشره تيمنا بحارسها الذي كان شرها جدا وينفق جميع ما يحصل عليه من نقودعلى الطعام ، وبالقرب من البرج هنالك كنائس وقلاع اثرية ونافورة يعود تاريخها الى القرون الوسطى، في هذه الساحة يقام السباق الشهير للاحصنة في صيف كل عام.

المدينة صغيرة ولكنها جامعية مفعمة بالحركة والنشاط ولدى تجوالي فيها كان يخيل إلي انني أعيش في القرون الوسطى كونها   قديمة جدا وبناياتها تتسم بمعمارية ذلك العصر، مبنية من الطابوق الأحمرمما يتناقض مع حركة الحياة المدنية والحديثة للمدينة والطلاب الذين كانوا يتجولون بثيابهم العصرية.. اتجهت الى الجامعة التي تقع في وسط المدينة ولدى رؤيتي لاسم الجامعة غمرتني     الدهشة فقد كتب عليها (مصحة الامراض النفسية) باللغة الايطالية وقلت في نفسي يبدو ان طالبي العلم هنا هم من المجانين وتوجهت       لمقابلة أستاذ جامعي اخبرني بدوره ان البناية كانت سابقا مصحة للامراض النفسية ولكنهم أرادوا الاحتفاظ بالاسم لأسباب تاريخية كما اطلعني على بعض الزنزانات الإنفرادية في هذه البناية التراثية القديمة التي لم ينلها التغيير حتى يومنا هذا.

المدينة جميلة وتشتهر بالاكلات الشهية مثل "بيجي" وهو نوع من السباغيتي ولكنه ثخين جدا، وفيها ايضا حلوى تسمى بالايطالية " بان فورتي " يعود تاريخها الى القرن الالف للميلاد وهوكعك يصنع أساسا من السكر والعسل والفواكه المجففة والقليل من الدقيق ويمكن ان تبقى صالحة للاكل عدة اشهر.. بقيت بضعة أيام في المدينة ثم اتجهت لزيارة فلورنسا عاصمة الإقليم.

تاريخيا فلورنسا وسيينا مدينتان تتنافسان بينهما وفي الحقيقة فلورنسا جميلة ولها روحية مختلفة ولكنها اقل قدما من (سينا) .وهى تتميز بمتاحفها الكثيرة وفيها اعمال اهم واكبرالفنانين الايطاليين وخصوصا في متحف اوفيسي الذي يضم لوحات نادرة من الفن الإيطالي.ما ان انتهت زيارتي للمتحف حتى ذهبت الى مركز المدينة، في حي صغير جدا سرني ان اجد صدفة بيت دانتي الذي تحول الى متحف، وهومؤلف كتاب الكوميديا الإلهية التي طالما سمعناعنها وتعرفنا على شخصياتها من خلال قراءتنا للكتاب ، وأخيرا شاهدت وجه الكاتب: شاب اسمرقصير القامة مشهور بقلنسوته الحمراء والبيت يضم شجرة عائلته وبعضا من اللوحات، لوحة لجهنم والاخرى للجنة وغرفة نوم الكاتب وعلمت أيضا بان اللهجة التي يتحدث بها الايطاليون اليوم هي لهجة دانتي الفلورنسية بعدما أجمع العلماء على التكلم بها في ذلك الوقت .

فلورنسا التي كانت عاصمة لإيطاليا في زمن ما تشتهربجسورها الجميلة وفي مقدمتها جسر "فيكيو" الغريب من نوعه والذي يعود الى العصرالروماني ، على هذا الجسراسواق عديدة لصياغ الذهب حيث ينشط العاملون فيه بترغيب السياح وباساليب متنوعة تنم عن احترافهم في هذا المجال لجذبهم لشراء الذهب .

من فلورنسا انطلقت الى قرية سان جيمنيانو التي تعتبر من اهم واروع واقدم القرى في مقاطعة سيينا التي يعود تاريخها الى القرن الخامس للميلاد ، تقع فوق تل مرتفع وهى محصنة بشكل جيد، وقد حافظت على معمارها وازقتها الصغيرة القديمة والاهم من كل ذلك ان في هذه القرية يباع ألذ وأشهى آيس كريم في العالم وأنواع عديدة من الماكولات المجففة والاجبان.وفي طريق العودة الى باريس حيث يمرالقطار بمدينة بيزا انتهزت الفرصة لرؤية تلك المدينة الصغيرة المشهورة ببرجها والتي كانت وما زالت محط انظار كثيرمن السياح فالبرج اشبه ما يكون بمدينة داخل مدينة اخرى وتقع بالقرب منه كاتدرائية ضخمة ومعمودية بيزا.

توسكان تسمى أيضا بلاد (بينوكيو) التي تعتبر من اهم روايات الكاتب "كارلو كولودي" الذي ولد في فلورنسا والذي اطلق على نفسه اسم "كولودي" تيمنا باسم القرية التي حدثت فيها مغامرات بينوكيو..

عن بعض العراقيين، الذين مرٌوا بموسكو (7) .. 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية

استمرارا لمقالاتي السابقة لمناسبة الذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية والتي ستحل في ايلول / سبتمبر من هذا العام 2014، اقدم للقراء الحلقة السابعة من تلك المقالات .

حدث هذا في عاصمة الاتحاد السوفيتي موسكو ايام التحالف بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي العراقي في سبعينيات القرن العشرين، اذ أقامت منظمة الشيوعيين العراقيين في موسكو حفلا، ودعت اليه طبعا – ضمن من دعت - ممثلي حزب البعث الحليف، وكان على رأس المدعوين البعثيين فاضل البراك، الشخص الثاني آنذاك رسميا في السفارة العراقية بعد السفير، والشخص الاول فعليا وواقعيا باعتباره المسؤول الاول لحزب البعث والمنظمة الامنية البعثية في موسكو والملحق العسكري العراقي ووو... الخ . تم في ذلك الحفل عرض لوحة (بورتريت) للرفيق يوسف سلمان (فهد) – مؤسس الحزب الشيوعي العراقي رسمها احد الفنانين التشكيليين الشيوعيين الشباب لذلك القائد الشيوعي الكبير، وقررت المنظمة الحزبية الشيوعية ان تعرض اللوحة للبيع بطريقة المزاد العلني تعزيزا ونشرا لافكارها اولا، ودعما لميزانيتها ثانيا، وهو أمر اعتيادي ومعروف طبعا، وهكذا بدأت عملية المزاد ضمن اسعار متواضعة وبالعملة السائدة آنذاك، اي بالروبل السوفيتي، واذا بفاضل البراك ينبري - وبحماس غير اعتيادي وغريب وهائل - بالمشاركة في هذا المزاد العلني (كان الروبل السوفيتي يخضع في تلك الايام للتصريف بالسوق السوداء وباربعة اضعاف سعره الحقيقي)، وكان كلما زاد شخص ما على سعر اللوحة تلك يعلن البراك سعرا أعلى بكثير من ذلك السعر، وقد انتبه الى ذلك بالطبع منظمو الحفل واستغلوا حماس البراك ورغبته الشديدة بشراء اللوحة وأخذوا بتحريك واستخدام عناصرهم – وبمهارة فائقة - في داخل القاعة لزيادة سعرها ومضاعفته، واستمرت عملية تصعيد السعر هذه لدرجة هائلة بحيث لم يستطع أحد ان يضيف سعرا اكثر، وهكذا استقر المزاد بالسعر الاخير والكبير جدا الذي حدده البراك، ودفع المبلغ المطلوب واستلم اللوحة وسط تصفيق الحاضرين من العراقيين واستغرابهم طبعا لانه – كما هو معروف للجميع - يعد واحدا من الدٌ اعداء الشيوعية وافكارها في ذلك الوقت...، وهكذا انتهى الحفل .

اجتمع اعضاء المنظمة الحزبية بعد الحفل رأسا وناقشوا هذه الحادثة الغريبة وغير المفهومة جدا، ولم يستطيعوا الوصول بعد تداولاتهم الطويلة والعريضة الى نتيجة منطقية وتوضيحية لهذا الحماس المنقطع النظير لفاضل البراك لاقتناء لوحة تجسٌد الرفيق يوسف سلمان فهد، وبعد المناقشات المتشعبة، قرروا ارسال شخص عنده علاقة صداقة ما مع البراك في اليوم التالي والطلب منه بارجاع اللوحة الى المنظمة بحجة ان الفنان التشكيلي الذي رسمها لم يوقع باسمه عليها، وانهم سيعيدوها له بالطبع بعد توقيع الرسام عليها، وذلك كي تمتلك اللوحة قيمتها الحقيقية باعتبار ان عدم وجود توقيع الفنان التشكيلي الذي نفٌذها يقلل من قيمتها التاريخية والفنية والاعتبارية، وذلك في محاولة منهم لجس النبض في الاقل – كما يقال – اذ ربما سيتوضح السبب في تلك الرغبة الشديدة وغير المفهومة التي ابداها البراك لشراء تلك اللوحة، وهكذا ذهب هذا الشخص المكلف من قبل المنظمة الشيوعية في موسكو اليه في اليوم التالي من الحفل وقال له ان المنظمة ترجو منه ارجاع اللوحة لغرض توقيعها ومن ثمٌ اعادتها اليه وشرح له السبب المتفق عليه، وعندما سمع البراك بهذا الطلب اخذ يقهقه بشدة وقال له ، انه ساهم امس بحماس في عملية المزاد هذه لشراء اللوحة ليس حبا بفهد ولا احتراما له ولا اعتزازا به او تقديرا له ابدا او بصورته او افكاره، وانما اراد ان يشتريها هو شخصيا كي يمنع اي شخص كان سيشتريها اعتزازا بفهد لكي يعلقها في بيته او في اي مكان آخر في موسكو، وانه ما ان وصل امس الى البيت حتى مزٌق اللوحة هذه اربا اربا ورماها في سلة الازبال متعمدا، وختم البراك كلامه لهذا الشخص وهو يقهقه قائلا انه لهذا السبب لا يستطيع ارجاع اللوحة له من اجل ان يوقع عليها الفنان التشكيلي الذي رسمها، وبالتالي لا يقدر ان ينفذ ذلك الطلب الذي جاء من اجله .

عندما سمعت هذه القصة الغريبة والمؤلمة وحتى الرهيبة من وجهة نظري، والتي تثير الأسى والالم والحزن في اعمق اعماق نفسي (رغم ان البعض يعتبرها مضحكة وكوميدية جدا !!!)، والواقعية جدا جدا في آن واحد، لانها تعكس وتبين فعلا المستوى الثقافي الهابط والحقيقي بما لا يقبل الشك لهؤلاء الذين كانوا يقفون في قمة هرم السلطة والنظام آنذاك ، والذي كان يحكمننا في ذلك الزمان، هذا النظام الذي أدٌى - بسذاجة او ربما بغير سذاجة !!! - ذلك الدور الذي اوصلنا الى هذا الوضع المأساوي والرهيب في عراقنا الحالي الجريح، تذكرت رأسا النكتة العراقية (الكلاسيكية !!!)، التي انتشرت في عراقنا الحبيب ايام ذلك التعاون الغريب بين الحزبين (الحليفين !!!) في سبعينيات القرن الماضي، ومن المؤكد ان الكثير من القراء قد سمعوها، ولكني – مع ذلك – اعيدها لهؤلاء الذين لم يسمعوها من الجيل الجديد الذي جاء بعدنا اولا، واعيدها ايضا للذين سمعوها من الاجيال العراقية الاخرى انطلاقا من القول المعروف والمأثور – في الاعادة افادة، وتروي النكته ان أحد الخطاطين تسلق السلٌم الخشبي مرة وبتكليف من الحزب الشيوعي العراقي وخطٌ فوق مدخل البناية جملة – (مقرٌ الحزب الشيوعي العراقي) وعندما اراد النزول رأى مجموعة من العاملين في اجهزة الامن والمخابرات ينتظرونه تحت السلٌم الخشبي الذي كان يقف عليه، فأضاف بعد الجملة التي خطٌها جملة اخرى وهي – (لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي)، وهكذا هبط واثقا ومطمئنا من ذلك السلٌم الخشبي .....

مثل السيف

saleh alrazukكنا عائدين من حمص إلى حلب، وفي سراقب نفذ الوقود. حمل السائق الغالون، وذهب سيرا على الأقدام. كان يعرف كازية تبعد قرابة 2 كيلو متر، وطلب منا أن نلتزم الهدوء، وأن لا نغادر الحافلة إلا للضرورة، وأن نعتني بالنساء.

وبعد أن انصرف نظرت حولي. لم تكن بيننا نساء. وهناك امرأة بدينة وحدها، وقد حجزت مقعدين ربما لأن مقعدا واحدا لا يتسع لحجمها الضخم. وكانت هذه الملاحظة تكفي لأشكك بحكمة السائق، ولأسأل نفسي: ترى هل سيعود ومعه الوقود اللازم أم أنه سيرجع بخفي حنين؟..

وفعلا تأخرت عودته أكثر مما يجب، حتى أن بعض الركاب شرعوا بالتذمر. وعندما خيم أول الليل حصل ما كنت أخشاه. فقد جاءت فصيلة من قطاع الطرق.

اسألوني كيف عرفت أنهم قطاع طريق وليسوا من المسلحين المنظمين.

لقد كانت أسلحتهم خفيفة ومنوعة وثيابهم على أشد ما تكون من الخلاف. بعضهم يرتدي الجلاليب وآخرون لهم شروال الفلاح الأسود وقليل منهم بثياب الأفندية.

المهم أن عددهم يصل للعشرين، ومعهم سيارة جيب يكسوها الغبار. إنه غبار الطرقات وليس غبار المعارك على الأرجح. وقد هبط منها رجل خمسيني. ولاحظت أنه يعطي الأوامر والأخرون يترددون في التنفيذ. وأخيرا أحاطوا بالحافلة، وطلبوا أن نفتح الباب.

وتطوع ميكانيكي بذلك. قال لنا إنه ميكانيكي وهو يعرف ما يفعل. وإن هؤلاء المسلحين لن ينتظروا معنا طويلا فنحن عابرو سبيل. وليس بحوزتنا أشياء ثمينة.

شخصيا توقعت أن يصعد عدد منهم ويفتشوا الحافلة لينهبوا كفايتهم. ولكن خابت ظنوني.

من يستطيع أن يفكر بعقلية الخارج على القانون.

لقد وقف بالباب عملاق يحمل بإحدى يديه الساطور، وكان يلمع مثل مناجل الحصاد في وقت القطاف، وطلب من الذكور الشباب أن يغادروا الحافلة.

لم أفهم الغاية من ذلك. ولم أستطع أن أحدد معنى الشباب بالنسبة له. هل يقصد من هم أقل من الخمسين مثلا. أم من هم بين العشرين والثلاثين. تصنيف الأعمار مسألة اجتماعية صعبة. وتقف وراءها معايير.

ولما كنت في نهايات الأربعين لم أمتثل للأمر.

ثم كان الشيب المبكر يكسو رأسي، وهناك هالات تعب تحت العينين بسبب الانكباب الدائم على أعمال بيروقراطية.

لعلمكم.

أنا موظف في ديوان المالية. ولئن كانت واجباتي ليست ذات شأن، هناك فضائح تمر على الورق من أمامي. كل يوم تقريبا أكتشف ذهنية عبقرية في التلاعب بالأرقام، فما بالك التزوير والغش والاحتيال وما شابه من أمراض التخلف وعواقب الفوضى.

هل سمعتم بالتعبير الجديد: فوضى خلاقة؟..

فعلا. بعد أن كانت الفوضى مرضا نفسيا نعبر به عن روح التمرد والرفض، أصبحت أم الاختراعات.

**

حدج الرجل بقية الموجودين، ثم ركز بصره على وجهي. قاسني بعينيه، ثم اقترب مني وطلب بطاقة الهوية. ولم أعرف دواعيه وأخيرا سألني: ما هي مهنتك؟..

كالعادة في مثل هذه الحالات أسلم طريقة هي الكذب الأبيض. فقلت له: أعمال حرة..

فقال فورا: انزل معهم..

وأشار لصف الشباب الذين بدأوا بالهبوط.

**

في العراء هبت نسمة هواء خفيفة حارة. ومع ذلك شعرت بالاختناق فأرخيت رباط العنق.

كان الفصل في أوائل الخريف، وبالعادة لمثل هذه المناسبات أرتدي الثياب الرسمية ولكن غير الداكنة. ويومذاك كنت أرتدي بذة رمادية. لدي ذوق خاص يميل لمثل هذه الألوان الغامضة، الرصاصي، الرمادي، البني المحروق...

ربما لأنني أشعر أن أوان الاشتعال قد فاتني، وأنني وصلت لمرحلة العد التنازلي، وأن الكآبة النفسية التي أشعر بها تحتم أن تعبّر عن نفسها لونيا.. بالمجاز، بالمظاهر.

لم يعد من المناسب لمن هم بمركزي أن يحتالوا على أنفسهم، ثم أن تدفن رأسك بالرمال ليس وسيلة للخلاص.

**

وما أن اكتمل عقدنا حتى اقترب منا مقاتل له شنبات قوية، ويضع على رأسه غطاء الرأس التقليدي ، العقال والماركازيت. وكان يحمل سلاحا ناريا لم أتعرف على كنهه. بمعنى لم أر شبيها له. وطلب منا أن نجمد في أماكننا.

فوقفنا، بعضنا يتثاءب وآخر يتلفت فيما حوله، وهكذا...

وهنا أرعد بصوت مرتفع وقال: طلبت أن تجمدوا. يعني أن تقفوا مثل السيف..

فانتصبنا بقاماتنا. ولكن لم يؤثر ذلك بمشاعره، وأضاف: قلت اجمدوا. ماذا قلت.؟ لا تتحركوا لو ضربتكم المدافع.

ولم ينه كلامه حتى زمجرت المدافع من مسافة بعيدة.

بالطبع ، كانت لدينا فكرة عن النار المستعرة، وكانت سراقب وبعدها أريحا والدانا من نقاط التماس. أقصد من الخطوط الأمامية الساخنة.

ولئن لم يؤثر ذلك به فقد ألقى في قلوبنا الهيبة. وهكذا وقفنا باستعداد كأننا حرس نظامي.

ثم صاح بأعلى صوته: انتباه، استعد.

ضربنا الأرض بأقدامنا ونحن ننفذ أمر الاستعداد. ويبدو أن هذه الاستجابة لم تسعده. فقال: أقوى، اخبط الأرض حتى يسيل منها الماء..

وفعلنا ذلك. وشعرت من قوة الضربات بما يشبه الصمم، فهز رأسه بإعجاب.

ثم اقترب منا. وبدأ ينظر فينا واحدا واحدا. كانت عيناه تقدحان بالشرر. كأنهما عينا ضبع يتحين الفرصة لينقض على فريسة صعبة المراس. ولكن فجأة عاد للخلف و طلب أن نقف بالرتل. وهو يصيح: مفهوم؟..

لم نتأخر بالتنفيذ. وقفنا برتل واحد دون أية كلمة. فكرر السؤال: قلت مفهوم؟...

نعم. مفهوم.

جاءت الإجابة مشتتة وبطيئة، ومن قلوب لمسها الخوف بأصابعه الباردة.

ترى ماذا يريدون منا.

قاطع الطريق يسلب غنيمته ويرحل، والمسلح لا يعترض المدني لأنه لا يفيده بشيء. ولم ننتظر طويلا لنعرف.

فقد وصلت دبابات للجيش الرسمي، وسمعنا هديرها، وشاهدنا غمامة الغبار التي تلفها، وتحجب الأعلام المرفوعة، وهي تخفق بالهواء.

وهكذا دب الذعر بين صفوف المسلحين. ارتبكوا قليلا، ثم صعد أحدهم للجيب، وابتعد بها مع حارسين أو ثلاثة، وهرول الأخرون خلفه على الأقدام.

**

عاد الركاب للحافلة، وأحكموا إغلاق الباب، وكانت وجوههم واضحة من وراء الزجاج تستعجل عودة السائق وغالون الوقود.

أما أنا فقد وقفت وحدي في الهواء الطلق. كان المساء هادئا. والظلام يخيم ببطء. يبدل ألوان الطبيعة الصامتة. ولا يترك شيئا ليعبر عن نفسه بحريته. لقد أرخى على كل شيء اللون الأساسي الذي أفضله، الرصاصي، تمهيدا ليتحول لأسود داكن..

 

أيلول 2013

من مجموعة قصص قيد الإعداد

فم مفتوح .. فم مغلق: عذرا أستاذي فيصل حسون

zayd alheliالأربعاء الماضي، كنتُ في ضيافة رئيس تحرير احدى الصحف المحلية .. معرفتي بالرجل بسيطة، تمت قبل حوالي شهر، يبدو انه ارادها ان تتوطد، فدعاني مشكورا ومن أرغب من الزملاء الى وليمة سمك مسكوف في احد المطاعم الراقية في عرصات هندية بغداد، لم ادع احدا معي، شعورا مني بعدم تكلفة الرجل، غير ان صديقي الجديد، جلب معه ثلة من زميلاته وزملائه في مطبوعته، زيادة في تكريمي، فأصبح عددنا تسعة ..

بعد حديث المجاملة، والترحيب، عرجنا على مناسبة عيد الصحافة العراقية الذي نعيشه حالياً (15 / حزيران) وظروف العمل الصحفي وظاهرة الإصدارات الجديدة، وتوقف بعضها وما شابه ذلك من أحاديث عادية .. وبقدر فرحي بالإلتقاء بمجموعة شابة من الصحفيين بمعية رئيس تحريرهم، غير ان هذا الفرح تحوّل الى كابوس، لفّ انفاسي، ومزق رؤاي، حينما جئت على ذكر عمود الصحافة العراقية وعميدها، وباني مدرستها الحديثة، نقيب الصحفيين الأسبق الاستاذ فيصل حسون، فنطوا عيونهم وفغروا افواههم وعلى محياهم علامات استفهام وتعجب !

يبدو إنهم، لم يسمعوا بإسم هذا العلم الكبير ..!!

تصوروا رئيس تحرير صحيفة عراقية يومية، لم يسمع بإسم " فيصل حسون " معنى ذلك ان حال التدني بمعرفة حقائق التاريخ الصحفي، وصلت الى درك لا يسمح المقام بذكره، احتراما للقارئ الكريم .. كيف يجروء شخص، على تولى رئاسة تحرير جريدة عراقية، ولا يلمّ بأسماء وشخصيات صحفية عراقية لها مكانة محلية وعربية ودولية واسعة الانتشار؟ وانني اتساءل: كيف يكون حال هذا الصديق "الجديد" حين يسأله احد الأشخاص عن الصحافة، او يتصدى له اعلامي من احدى الاذاعات او الفضائيات، للحديث عن الصحافة العراقية وتاريخها ..؟

عذراً سيدي ابا رجاء، استاذي فيصل حسون ان نسّيك بعض من يعمل في الصحافة العراقية، فالحال اصبح شاملاً ففي الذاكرة فقط الهامشيون، فيما ابتعدت اسماء من جذروا الوعي وبنوا تجربة ثرة وعميقة في الحياة ..

من دنف الروح والأسى واللهفة، ومن ترنّح الدموع في العيون والقلوب والعبرات في الأوردة، اقول للجبل الاشم استاذي فيصل حسون، لا تبتئس، فجيل الجهالة الى زوال حتما، ولا يصح إلا الصحيح، وتبقى أنت تاريخ في الصحافة والإنسانية، لك العمر المديد بإذن الرحمن .. فما زال تلامذتك، وانا منهم، يذكرونك، ويستذكرونك على الدوام، ولو تدري كم يستعر فيّ الشوق الى رؤياك وسماع صوتك، فأندفع على الدوام الى مكالمة شقيقك الصديق عبدالعزيز حسون في الهاتف، وفي احايين اشتاقك، فأزوره، قانعاً نفسي بأنني التقيتك !!

حدثني مرة الأستاذ سجاد الغازي (ربما لم يعرفه ايضا من استضافني) عن فيصل حسون، الذي تربى الغازي صحفياً على يديه، حديثاً يبدو غريباً عن صحفيي اليوم وصحافة اليوم، ذاكراً ان فيصلاً كان هادئاً، هادياً، وادعاً، متواضعاً .. كان طاقة فائقة وخالقة ومحباً للعاملين معه وكان إذا حصل على ثناء لموقف صحفي فأنه سرعان ما يعزيه الى العاملين بمعيته، وقد تعلمتُ (يقول الغازي) من الأستاذ حسون الصبر وقوة الأحتمال والتفاؤل حتى في أشد الأزمات، فقد كان يبشر بالخير في الأوقات العصيبة ويرى النور وسط الظلام ويرد على الشر بالخير ويواجه الطعنات بالتسامح والغفران ..

اكرر اعتذاري استاذي ابا رجاء، ان نقلت لك حالة عن بعض من يتسيد الصحف المحلية حاليا، وتقبل مني تهنئتي بعيد الصحافة التي كنت من بناتها منذ ثلاثينيات القرن الماضي .. ولكل الزملاء الاصلاء اقول : عيدكم مبارك .

 

حول بيلينسكي ورسالته الى غوغول

فيساريون غريغوريفتش بيلينسكي (1810 – 1848) – ناقد ادبي روسي مشهور جدا وعلم من اعلام الفكر الروسي في القرن التاسع عشر، وقد تناول الباحثون العرب افكاره ومواقفه ونشاطاته في مجال تاريخ الادب الروسي والنقد الادبي في العديد من مقالاتهم وبحوثهم واطاريحهم واصداراتهم، ومنهم الباحثون العراقيون طبعا، اذ كتب الدكتور جميل نصيف التكريتي اطروحته في كلية الاداب بجامعة موسكو عنه في ستينيات القرن العشرين، وكتب الاستاذ الدكتور جليل كمال الدين عنه ايضا ضمن اطروحته عن النقد الادبي الروسي الثوري – الديمقراطي في نفس الجامعة ، وأصدرت المرحومة الاستاذة الدكتورة حياة شرارة كتابا عنه ضمن سلسلة اعلام الفكر العالمي في بيروت والذي أصدرت دار المدى للنشر طبعته الثانية في بغداد قبل فترة قصيرة، وقد انطلق الباحثون العرب جميعا في كتاباتهم من الموقف الفكري السوفيتي بشكل عام تجاه بيلينسكي، وهو موقف المؤيد المطلق بشكل كامل وتام لكل ما جاء في طروحاته حول الادباء الروس والاتجاهات والمفاهيم الادبية عموما في تاريخ الادب الروسي ودور الادب واهميته في مسيرة المجتمع ...، وهذا ما حدث معنا ايضا – نحن الطلبة العرب في الدراسات الاولية آنذاك – في كلية الآداب بجامعة موسكو، اذ كانت كل الكتب والمصادر المنهجية حول الادب الروسي تشيد به وبمواقفه التقدمية الرائدة وافكاره الصحيحة والثاقبة في مجال تاريخ الادب الروسي وحركة النقد الادبي، وكنا نستمع الى محاضرات اساتذتنا الروس السوفيت وهي تستشهد باقواله وملاحظاته واستنتاجاته حول ابداع بوشكين وليرمنتوف وغوغول وبقية الادباء الروس الذين كتب عنهم في مقالاته وابحاثه وكتبه الكثيرة، وكان هناك قول شائع بين الطلبة آنذاك نوصي به بعضنا البعض (خصوصا قبل الامتحانات) يشير الى اننا – نحن الطلبة – يمكن ان نقول ونضيف ونستشهد في اثناء الامتحانات الشفهية وتعزيزا لاجاباتنا، ان بيلينسكي اشار الى هذا الاديب او ذاك في طروحاته الفكرية الصائبة والدقيقة دون ان نخشى الوقوع بالخطأ، لأن هذا الناقد (اي بيلينسكي) قد كتب فعلا عن كل شئ تقريبا في تاريخ الادب الروسي منذ بداياته في القرن الثامن عشرواثناء مسيرته في النصف الاول من القرن التاسع عشر والى حين رحيله عام 1848...، الا ان الامر قد اختلف تماما بالنسبة لي عندما انتقلت من الاتحاد السوفيتي بعد انهاء دراستي هناك الى فرنسا عام 1966 لمتابعة دراسة الادب الروسي في قسم الدراسات العليا بجامعة باريس، فقد تراجع اسم بيلينسكي كليا، ولم يعد – كما كان – المعلم الرائد والناقد الادبي الاول الذي يشار اليه بالبنان في تاريخ الادب الروسي، بل وجدت بعض الاحيان حتى انتقادات لاذعة وحادة لطروحاته، فقد اسماه – مثلا - احد الاساتذة الروس المهاجرين الكبار في احدى محاضراته عن ليرمنتوف ب (الطالب الفاشل) والذي لم يفهم حتى اهمية ودور بوشكين وليرمنتوف وغوغول في مسيرة الادب الروسي، بل والذي كان يبحث دائما عن شخص يترجم له بعض المقالات الاجنبية او في الاقل مقاطع منها الى اللغة الروسية كي يستخدمها في كتاباته النقدية لانه لم يستطع ان يتعلم لغة اجنبية تساعده للاطلاع على ما يجري في الفكر العالمي والنقد الادبي خارج روسيا، وقد أثارني هذا الموقف من بيلينسكي بالطبع، وأجبرني ان أتأمل وادرس الموضوع من جديد كي استطيع ان احدد - بشكل او بآخر - موقفي الشخصي بالذات تجاه موقع بيلينسكي في تاريخ الادب والفكر الروسي، اذ اني لم استطع ان استوعب كل ما رأيته وسمعته في فرنسا تجاهه مقارنة بما درسته عنه في روسيا السوفيتية، بل اني رفضت الاعتراف بهذه المواقف واعتبرت ذلك ردود فعل سياسية بحتة ومتزمتة وضيقة الافق ليس الا تجاهه، وهكذا – ونتيجة لذلك – قررت ان ابدأ بدراسة قصة رسالة بيلينسكي الى غوغول مرة اخرى، اذ انها كانت آخر نشاطات بيلينسكي الفكرية واقعيا، وربما يمكن القول انها كانت خلاصة افكاره او وصيته الاخيرة في تاريخ النقد الادبي الروسي كما أشار الى ذلك ألعديد من الباحثين الروس، ولهذا فانه يمكن لهذه الرسالة ودراستها وتحليلها ان تساعدني بشكل عام بشأن توضيح الموقف الفكري تجاهه . لم أقرأ نص تلك الرسالة اثناء دراستي الجامعية الاولية في الاتحاد السوفيتي، بل اكتفيت آنذاك – مثل حال كل الطلبة الآخرين طبعا من روس واجانب – بما سمعته من اساتذتي في محاضراتهم وما قرأته في الكتب المنهجية عن غوغول وازمته الروحية وحرقه للجزء الثاني من روايته الشهيرة – (الارواح الميتة) وعن اصداره قبل ذلك لكتابه (السئ الصيت !!) – (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء)(الترجمة الحرفية لعنوان هذا الكتاب هو – أماكن مختارة من مراسلات مع الاصدقاء) والذي أثار بيلينسكي وغضبه وسخطه على غوغول وبالتالي ان يكتب له رسالته المشهورة تلك، والتي ندد بها بالموقف الفكري (الرجعي !) لغوغول ...الخ تلك الاستنتاجات، وكيف ان بيلينسكي كان على حق وان غوغول كان على باطل وانه كان مخطئا كليا في موقفه الفكري، وان تلك المعلومات العامة - بشكل او بآخر- كانت تكفي لاداء الامتحانات الطلابية آنذاك (والسلام !!)، ولكني اكتشفت في جامعة باريس، عندما بدأت بقراءة نص رسالة بيلينسكي الى غوغول من جديد، ان هناك اوليات لهذه الرسالة، ابتدأت في 20 حزيران / يونيو من عام 1847 وانتهت في 10 آب / اغسطس من نفس العام، وان الرسالة التي يدور حولها الكلام هي ما كتبه بيلينسكي بتاريخ 15 تموز / يوليو من عام 1847 جوابا على رسالة غوغول بتاريخ 20 حزيران / يونيو من ذلك العام، وكان هذا يقتضي بالطبع الاطلاع على كل هذه الاوليات بلا شك، وتبين لي نتيجة تلك القراءة، ان بيلينسكي كتب تعليقا حول كتاب غوغول (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء) ونشره في مجلة (سوفريمينك) (المعاصر) العدد 2 عام 1847 من ص 103 الى ص 124 ، وقد كان هذا التعليق حادا وشديد اللهجة جدا جدا، هاجم فيه غوغول هجوما عنيفا لاصداره كتابه المذكور، ولم يرغب غوغول ان يجيبه علانية وفي نفس المجلة او في اي مجلة روسية اخرى (وكان غوغول يستطيع ان ينشر في اي مجلة روسية باعتباره اديبا مشهورا ومعروفا جدا آنذاك في روسيا)، لهذا كتب له رسالة بتاريخ 20 حزيران / يونيو 1847، ذكر فيها انه قرأ بحزن وأسى تلك المقالة والتي رأى فيها ان بيلينسكي قد أساء اليه علنا وامام الجميع وانه كان غاضبا جدا، وانتقد في رسالته تلك بيلينسكي لانه اعتبر النقاد الذين كتبوا حوله غير محقين كليا، رغم انهم – كما يرى غوغول – انطلقوا من مفاهيم عميقة في الفن، ويختتم غوغول رسالته الى بيلينسكي بتذكيره انه يسخر منه وان هذا الموقف مؤلم له شخصيا وبشدة، وهكذا كتب بيلينسكي رسالته الجوابية الى غوغول، وهي الرسالة المشهورة في تاريخ الفكر الروسي، والتي أشاد بها السياسيون المؤيدون للنزعة الغربية في روسيا كافة طوال القرن التاسع عشر، بما فيهم لينين في نهاية ذلك القرن،(واستمرت هذه الاشادة في العصر السوفيتي كله، وانعكس هذا الموقف سلبيا بالطبع في اوساط المثقفين الروس الذين لم يتقبلوا ثورة اكتوبر 1917وهاجروا من روسيا). لقد وجد السياسيون والمثقفون الروس من ذوي النزعة الغربية فيها – قبل كل شئ - برنامجا سياسيا محددا ومضادا للنظام السياسي والاجتماعي لروسيا القيصرية، وفي هذه النقطة بالذات تتبلور وتكمن اهمية هذه الوثيقة البارزة في تاريخ الادب والفكر الروسي، والتي أدٌت الى شهرتها الواسعة، اي في تأكيدها على الاهمية السياسية والاجتماعية للفنون ودورها في هذا المجال (بما فيها الاداب طبعا)، وفي هذه النقطة بالذات ايضا يكمن الخلاف الجوهري والحاد جدا، بل والتناقض الكبير بين مفاهيم غوغول وبيلينسكي، اي بين غوغول الكاتب الابداعي وبيلينسكي الناقد الذي يبحث عن السياسة قبل كل شئ في ثنايا الادب الابداعي ، وفي هذه النقطة بالذات ايضا وايضا يكمن التباين والتنافر في المعادلة الكبيرة والخالدة حول علاقة الفنان بالناقد، وهي التي يمكن تلخيصها بما يأتي – هل الفنان نفسه يمتلك حق تفسير اهداف فنه وابداعه ام ان الناقد هو الذي يمتلك حق التفسير هذا بغض النظر عن موقف الفنان وافكاره ؟ وبشكل عام من هو الاعلى والاهم في عملية الابداع الفني – الفنان الذي يبدع ام الناقد الذي يفسرمن وجهة نظره اهداف هذا الابداع؟، والجواب بالطبع، ان الفنان هو الاعلى والاهم في العملية الابداعية من الناقد . ومجمل هذا الكلام (والتساؤلات والنقاشات والاستنتاجات المختلفة حوله) هو الذي يوضح المسألة التي أشرنا اليها في سياق هذه المقالة حول افكار بيلينسكي واهميتها والموقف المتباين جدا منها هنا وهناك .

بيلينسكي وغوغول او غوغول وبيلينسكي – موضوع كبير ومهم وحيوي جدا ولا زال مطروحا لحد الآن في تاريخ الادب الروسي ومسيرته وتاريخ الادب العالمي ومسيرته ايضا .

ذكريات اذاعية

mohamad salihaljaboriأثناء عودتي من الدوام بالسيارة كنت أتابع برنامج (ذاكرة إذاعة) الذي يقدمه القسم العربي في (بي، بي، سي)، وهذا البرنامج يقدم مقتطفات من البرامج الإذاعية التي قدمها القسم العربي منذ تأسيسه عام 1938م، وقد حظي القسم العربي بمتابعه من العرب في مختلف أرجاء المعمورة، ويمتاز بمصداقيته وتحليلاته الموضوعية وبرامجه المنوعة، وقدم برامج لاتزال في الذاكرة، وقد أعجبني برنامج (ذاكرة إذاعة) الذي قدم مقابلة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر باللغة الانكليزية عن الأوضاع السياسية والاقتصادية في ذلك الوقت، وكان يتكلم بلغة انكليزية سلسلة وسليمة تحمل ذكريات الماضي الجميلة، ومن أهم البرامج التي قدمها القسم العربي (قول على قول، السياسة بين السائل والمجيب، لكل سؤال جواب، ثمرات المطابع، ندوة المستمعين، الواحة، الحصاد، عالم الظهيرة) وبرامج منوعة، إضافة إلى التغطيات الإخبارية والمناسبات، (أحداث الحرب العالمية الثانية، الحرب الكورية، الحرب الباردة، العدوان الثلاثي على مصر، ثورة الجزائر، الصراع العربي الاسرائيلي، العدوان الاسرائيلي على فلسطين، أحداث العالم المختلفة، مواضيع اقتصادية واجتماعية، مؤتمرات دولية وغيرها .

وقد أصدر مجلة المستمع العربي التي يرسلها إلى المستمعين بواسطة البريد، تحتوي على مواضيع ثقافية ومنوعة، ثم أصدر مجلة (هنا لندن) التي تحتوي على البرامج الإذاعية والمواضيع المنوعة، وامتاز القسم العربي بمذيعيه وقدرتهم على الأداء اللغوي والصوت الجميل وخبرتهم الإذاعية ومنهم (محمد مصطفى رمضان، هدى الرشيد، حسام شبلاق، مديحه المدفعي، ماجد سرحان، نديم ناصر، سلوى جراح، عبد الهادي التميمي، ياسين كلاس، نجوى الطامي، فؤاد عبد الرازق، محمد صالح الصيد، عبلة الخماش، فاروق الدمرداش، محمود ألمسلمي، عاطف عبد الجواد)، ومعذرة لعدم ذكر الجميع.

القسم العربي مدرسة متقدمة في مجال الإعلام وخبرة وتراكم سنوات من العمل الإذاعي، وهناك الكثير من الناس على مختلف مستوياتهم يتابعون (القسم العربي)، هذه البرامج فيها حلاوة الماضي وذكريات جميلة وأحداث مسجلة على مدى سنوات، تحية للأصدقاء الذين كنا نتواصل معهم في تلك السنوات، وتحية لجميع مستمعي الإذاعة وكادرها .

 

محمد صالح ياسين الجبوري –كاتب وصحافي الموصل

خليل حاوي .. يا الله! هل هذا ما أنتظِره؟

أي مشاعر خالجته، وأية أفكار راودته وهيمنت عليه، حتى حسم أمره فأمسك بالمسدس مصوباً إلى رأسه وضغط على الزناد في ذلك اليوم الحزيراني اللئيم من العام 1982؟

لا أحد يعلم يقيناً. وكل ما قيل، يظل فقط في مجال التخمين. فإنتحار الناس ليس أمراً شائعاً معتاداً لنقيس عليه. وإنتحار شاعر رائدٍ مثقف وأكاديمي كبير كخليل حاوي، حدث نادر لا يمكن توقعه أو الجزم بدواعيه.

كل ما يمكن فعله هو مقاربته فحسب، ما دام الشاعر قد رحل دون أن يكشف سرَّه لأحد.

أذكر جيداً ذلك اليوم حينما سمعت بنبأ إنتحاره في منزله ببيروت قرب الجامعة الأميركية التي كان يُدِّرس فيها. كنا مجموعة- من المثقفين والشباب العرب- متوترين إلى الحدود القصوى نتابع وقائع الإجتياح الصهيوني للبنان، منشغلين بما يجب علينا عمله لدعم صمود المدافعين في مواجهة الغزاة. وبرغم الإنشغال الكلي بما يجري، فقد تابعت خبر إنتحار حاوي بتأثر وأسف شديدين.

                         *     *     *

كان خليل حاوي واحداً من أوائل شعراء التجديد العربي الذين أعجبت بهم مذ كنت طالباً في السنة الأولى من دراستي الثانوية. حينها، لم يدلني عليه أحد.. تعرفت به مباشرة من خلال قصائده المنشورة في مجلة "الآداب"، أو المجموعة في دواوينه المطبوعة وقتها: " نهر الرماد"، " الناي والريح" و"بيادر الجوع"، ثم تابعت فيما بعد أعماله الشعرية اللاحقة:"من جحيم الكوميديا" و"الرعد الجريح"، إضافة إلى كتابه البحثي المتميز عن الرائد الكبير للنهضة التعبيرية في لبنان والمهجر: جبران خليل جبران.

ومع أن حاوي ليس حاضراً اليوم في الحساسيات الشعرية العربية الراهنة- كما لاحظ بعض من كتبوا عنه حديثاً- ألا أن هذا لا يعني تقييماً منصفاً لما يستحقه إبداعه، بل يشير إلى ميل غالب لدى شعراء "قصيدة النثر" لقطع التواصل مع شعر "قصيدة التفعيلة"، وشعرائها، وبخاصة الراحلين منهم. وهو "قطعٌ" –أو قطيعة- سبق وأن مارسها شعراء "التفعيلة" تجاه من سبقهم من شعراء الرومانسية العربية وقصائدهم الغنائية ذات العواطف المتأججة. وليس في نيتي إعطاء تقييم لتلكم الظاهرة التي لا تنِي تتكرر في الشعر العربي الحديث في مرحلة ما بعد جيل الإحياء، فهي متروكة لدارسي الشعر ونقاده ومؤرخيه. مقالتي هذه، مكتوبة كتحية لذكرى "خليل حاوي" ابن "الشوير" الذي عانى في حياته قبل أن ينال منحة دراسية لجامعة "كيمبردج" أهلته ليكون أُستاذاً جامعياً مرموقاً، لكنها لم تكن كافية لتمنحه الطمأنينة، أو لتسعفه في الإجابة عن الأسئلة المريرة التي ظلت تؤرقه في وجودٍ بدا له أن ليس فيه ما يغري:

"رُدَّ بابَ السجنِ في وجه النهارْ

كان قبل اليوم،

يُغرِي العفوُ أو يُغري الفرارْ"

 

ورغم نزوعه المتشائم بشكل عام، فقد راود حاوي الأمل بإنبعاث عربي جديد يستعيد "المعجزات" كما صرخ مرة:

" رَبِّ ماذا؟

هل تعود المعجزات؟

بدويٌ ضربَ القيصرَ والفرسَ

وطفلٌ ناصريٌ وحفاة

رَوَّضوا الوحشَ بروما.."

 

وما كان للصرخة أن تجد طريقها إلى الفضاء فيما مُطلِقها لا يكاد يرى حوله سوى جمودٍ مُقيم مُحبِط يحاصره:

" بيني وبين الباب أقلامٌ ومحبرةٌ

صدىً متأففٌ،

كومٌ من الورق العتيقْ

هَمُّ العبور،

وخطوةٌ أو خطوتان

إلى يقين الباب، ثم إلى الطريق"

................................

الناسكُ المخذول في رأسي

يشدُّ قواه ينهرني، أفيق:

بيني وبين الباب

صحراءٌ من الورق العتيق وخلفها

وادٍ من الورق العتيق وخلفها

عُمْرٌ من الورق العتيق"

 

وفي الحقيقة، لم يكن إرث الماضي العتيق هو- فقط- ما يثقل ضمير الشاعر ويحاصر روحه ويصدها عن الإنطلاق. كان واقع الإستلاب والقهر اليومي الذي يفرضه الطغاة المهيمنون على العالم، حاضراً يرمي بثقله ويُعيِّن له موقعه البائس- كفرد وأُمَّة- فيه، كما كتب في قصيدته الساخطة- وربما- الواشية بما سيقدم عليه، "ليالي بيروت":

"ويدي تمسك في خذلانها

خنجرَ الغدر، وسمَّ الإنتحار

رُدَّ لي يا صبحُ وجهي المستعارْ

ردَّ لي، لا، أي وجهٍ

وجحيمي في دمي، كيف الفرار؟

وأنا في الصبح عبدٌ للطواغيت الكبارْ

وأنا في الصبح شيء تافه، آهِ من الصبح

وجبْروت النهار!"

                         *     *     *

قيل الكثير عن تأثر شعراء "قصيدة التفعيلة" الرواد، وبخاصة الذي عرفوا منهم "بالتموزيين" وبضمنهم خليل حاوي، بالشاعرين: الإنجليزي إليوت، والفرنسي مالارميه، سواء من حيث الموضوعات المتناولة، أو من حيث إستخدام الرموز والأساطير، أو المزاج المهيمن على أشعارهم.. لكن هذا، فيما أرى، لم يسلب حاوي شخصيته الشعرية المتميزة التي قدمت للشعر العربي المعاصر عدداً من أفضل قصائده.

وإذا كان شعراء "ما بعد الحداثة" قد طووا صفحة حاوي، فإن الشباب العرب التائق للخلاص والمُصِرَّ على الشوق لحياة جديدة، ما زال يردد مع مارسيل خليفة أُغنية "الجسر" التي كتبها حاوي مفعماً بالرجاء، كنشيدٍ للغد، ونداءٍ للعبور:

"ومتى نطفُر من قبوٍ وسجنِ

ومتى، ربَّاه، نشتدُّ ونبني

بيدينا، بيتنا الحر الجديد

يعبرون الجسر في الصبح خِفافاً

أضلعي إمتدت لهم جسراً وطيدْ

من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق،

إلى الشرق الجديدْ

أضلعي إمتدت لهم جسراً وطيدْ"

                         *     *     *

في ذلك اليوم الحزيراني، أطلَّ خليل حاوي من نافذة بيته في بيروت.. لم يَرَ عابِري "الجسر" الذين أنشد لهم وناداهم بلهفة. بل الدبابات "الإسرائيلية"!

. . . . . . . . . . . . . . . .

 

- يا الله! هل هذا ما أنتظِره؟

ودوَّت رصاصة..

 

تعود ذكري الرحيل ولكن هل رحل فضل الله؟

adil ridhaتقترب ذكري رحيل السيد محمد حسين فضل الله وتتراكم الأسئلة حول مصير مشروعه الفكري والحركي بالواقع المحلي والإقليمي والعالمي.

ولا شك أن رحيل الشخص قد قلل من أهمية المكان حيث كانت حارة حريك و مسجد الحسنين قبلة دولية لمختلف الشخصيات الدولية من سياسيين ومفكرين وصحفيين ورؤساء تنظيمات ...الخ من حراك ثقافي واجتماعي وسياسي وأهمية استثنائية أضافها شخص السيد الراحل علي المكان وبغياب الشخص فقد المكان أهميته.

وتظل محاولات الاستمرار مشكورة من مؤسسات اقامها السيد فضل الله وقدمت نموذج راقي علي نجاح الإسلام الحركي وتمكنه أنشاء نموذج خدمي اجتماعي وثقافي واعلامي رغم كل ظروف محاولات السيطرة على هذه المؤسسات من جهات مضادة لﻷسلام الحركي وجهات خادمة للخط الاستخباراتي الدافع للرواتب وأيضا من محاولات الإرهاب الشخصي والفكري والتحرشات الإعلامية التي حاولت إعادة الحملات الإعلامية المضادة للسيد فضل الله وحتي وهو تحت رحمة الله تعالى.

هناك في ظل محاولات الاستمرار المشكورة لمن يدير المؤسسات ومحاولات أخري للسيطرة عليها من جهات استخباراتية يظهر لدينا أمر إيجابي حصل ويحصل في مكان بعيد عن مركز الحدث.

وهو ما هو موجود في المغرب والجزائر من تنظيمات شبابية هم نموذج حقيقي ﻷنتشار الإسلام الحركي بعيدا عن اي مذهبية سخيفة وهو تأكيد لما قلناه قبل أربعة عشر سنة عن فكر المرحوم السيد محمد حسين فضل الله الي اين سيمتد؟

وهي حالة حصلت كذلك مع كارل ماركس حيث تحول فكر بدأ بعمق أوروبا الي دول وأنظمة سياسية بأقصى الشرق ومنها أمة المليار انسان الصين.

وليلاحظ المراقب أن كل هذا الامتداد الحركي ﻷفكار السيد فضل الله جائت بعيدة عن دعم دولة أو جهاز استخبارات أو تنظيم حزبي فهو تأثر طبيعي وامتداد يستند علي قناعة شباب وأيمان مصدقين بفكر.

وليفكر المراقب اذا حصل هذا الفكر علي دعم دولة أو تأييد جهاز ومساندة تنظيم دولي الي اين سيصل؟

ولعل مأساة تراجع الجمهورية الاسلامية المقامة على أرض إيران عن الترويج لمنظر ومفكر ثورتها الشهيد الدكتور علي شريعتي حاضرة أمامنا تأثيراتها حاليا من حيث فقدان الجمهورية الاسلامية من روحها و وقودها المحرك. والأستعاضة عن كل ذلك بخرافات تنظيم الحجتية المضاد والمحارب القديم الجديد لنهضة الإمام الخميني.

وتقليد حالة حركة فتح بلبنان من حيث ضمان الولاء مرتبط بالرواتب الشهرية المدفوعة وهي حالة أدت الي حركة فتح الي السقوط وستؤدي حتما الي سقوط آخر للمقاومة الإسلامية لا سمح الله.

رحل السيد محمد حسين فضل الله عنا كجسد ولكن تحتاجه المقاومة الإسلامية لتعود حركة "إسلامية" ولكي لا يتسائل كاتب هذه السطور مرة أخري عندما يزور أصدقائه بلبنان العزيز:

أين هي الحركة الإسلامية بلبنان! ؟

 

الدكتور عادل رضا

الى المفكِّر عبد الجبار الرفاعي .. بمناسبة بلوغه الستين

mohamadhusan rifaeiتعَلُّم أبجدية التفكير مع عبد الجبّار الرفاعي .. إلى المُعَلِّم - المفكِّر؛ إحتراماً ووفاءاً

 

[I] في التعرف إلى المفكِّر

الحديث عن عبد الجبار الرفاعي، بوصفه مفكراً، ليس حديثاً وقولاً عن سيرة ذاتية ولا عن كتاب بعينه له، أو عن أحداث ووقائعَ في تاريخه الخاص؛ الحديث هو حديث عن أبحاثه العلميّة وعن نتاجه المعرفي - الفكري، في كليته. يتضمن الحديث عنه، معنى الحوار معه، والتفكير معه(لا تأييداً لما يقول، إنما فهم ما يقول، بالفهم).. الحديث هو، أولاً، مع مفكِّرٍ مُفَكَّراً به من قبلنا.

← ينجز التفكير والتَفَكُّر، بوصفهما زحزحة مستمرة للمراتب والمستويات المتعلقة بالوعي الذي في الأشياء المعرفية، وعينا بما يحيطنا من تفصيلات واقعية محسوسة.. هذا الواقعيّ الذي يجسد المعرفيّ عندنا (في البلدان العربية).. يأخذ المعرفيُّ الواقعيَّ، من أجل إنتاج معرفية علمية به، ولا يمكن لعملية الإنتاج هذه أن تصير إلا مع حضور الأشياء الواقعية فيها.

← منذ نشأة المعرفة العلمية الحديثة، والتعدد فيها، فيما يتعلق بدراسة الموضوعات العلمية، بوصفها مفاهيم.. وكذلك، التعدد حاضر في دراسة الدين منظوراً إليه على أنه المتضمَّن في الأفعال المجتمعية العائدة إلى الفاعلين المجتمعيين، أو الجماعات الفاعلة المجتمعية أو «المجتمعيّ- في- مستوياته المختلفة».

كيف يأخذ التعدد معانيه وأشكاله عند الرفاعي في دراسة الدين؟

← لا يقدم الرفاعي الدين كحقل فهم، بحاجة إلى ذوات مَخصيَّة، تَفَكُّريّاً، تتعلم في مختبراته سبل ممارسته الجاهزة والموجودة قبل وجود الفاعل (الذات).. أي كَفَهمٍ يغلق باب الفهم.. إنما يقدمه على أنه حقل تفكير ينفتح على الفهم المختلف، والمتعدد، والمتنوع، من أجل تقديم فهم ديناميكي(والحركة فيه حاضرة)، جديد؛ يتضمن معنى إحتضان الأنماط الأخرى من الفهم.. حقل تفكير يمارس الفهم وينتج فهماً جديداً بالفهم.. هذا الذي ينقذ الدين من الدين.. فلا يعود دين ضد دين، أو دين مع دين، إنما، تصبح المعادلة كالآتي: الدين في كليته منفتحاً على أنماط الدين المختلفة في ذاتيتها.. وهكذا، تصير الحياة في الدين، وهي تصير بوساطة وضع التفكير داخله.

← مع هذه القفزة التَفَكُّرية، في التعامل مع التفكير بالدين(شرط ألا يعتبر تفكيراً داخل إطار يزركشه الدين ذاته)، يبني الرفاعي حقل التفكير بالدين، فايْلاصوفيّاً(لا فلسفيّاً بالمعنى الذي أتى إلينا وترجمناه وقَوَّلْنا ما قيل فيه) وسوسيولوجيّاً؛ يختلف في تحديد حدوده النظرية، ويختلف في كيفية حضور الموضوعات الخاضعة فيه، إلى الدراسة.

فما هو هذا الحقل المختلف والجديد وغير الشائع؟

← يغيب ويغيب الواقعي في الغالبية الساحقة من الأبحاث في اللغة العربية؛ ففريق يقول، صلاحية إستعارة المفاهيم والأفكار والنظريات والمناهج العلمية من الغرب، وفريق يقول، عدم صلاحيتها في التعامل مع مجتمعاتنا..

← كيف يغيب؟ إنه يغيب، عند الفريق الثاني، عن طريق البحث، بوصفه بحثاً(مصاباً بالغريزة الميثولوجية) عن الأفكار والمفاهيم والنظريات والمناهج في التراث لقراءة الواقعي في بلداننا، قراءة الحاضر ماضويّاً؛ ويغيب، عند الفريق الأول، في صورة البحث(المصاب بعمى العقل) عن الأفكار والنظريات والمفاهيم والمناهج في النتاج المعرفي الآتي إلينا من الغرب، لقراءة الواقعي عندنا، أي قراءة الحاضر حاضريّاً.

ولكن، كيف يقدم الرفاعي حبكة الفهم الخاصة به، والحاضرة في أبحاثه العلمية؟

يبرز إختلاف الرؤية عند المفكِّر: عبد الجبار الرفاعي، عن طريق تقديم حبكة فهم، بوصفها منظوراً نظرياً يوجِّه ممارساته العلمية.. كيف؟ ومن أجل ماذا؟

حضور العقل في التراث، وفي النتاج المعرفي الآتي إلينا من الغرب، وضرورة إنفتاح العقل على الآتي إلينا من الغرب، من أجل صياغة ماهية بنية الدين، بالإستناد إلى ماهية الإنسان بوصفه الموجود اللامتناهي الوجود، في عمقه اللانهائي.. وليس العكس: أي صياغة ماهية الإنسان بالإستناد إلى ماهية الدين.. هذه هي حبكة الفهم عند المفكِّر.

ويعني ذلك، أن الموجود هذا، في «وجوده- هنا – والآن»، إنما يوجد تواجداً داخليّاً قبل أن يوجد تواجداً خارجياً، هنا - والآن. ماذا يعني ذلك؟

← في الحقيقة، إن التركيز والإهتمام على العالَم الجوّاني للفاعل المجتمعي، منظوراً إليه على أنَّه إنسانٌ، وليس شيئاً، و"إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين"، هما، هما وحدهما، الدعوةُ إلى يقظةِ الإنسان في الإنسان، من جهة، وبعث القلق دائم الحركة، في تلك الإطارات المعرفية التي للدين، وللتفكير فيه، الخاصة والمحدَّدة والمحدِّدة، بواسطة التساؤل المستمر، من جهة أخرى.

← ومع هذه الدعوة، ومن شأن تلك اليقظة: أن تمارس الذات الفاعلة، مجتمعيّاً، وتَفَكُّريّاً (منظوراً إليه على أنه مخاطرة بالذات ذاتها)، الإنفتاحَ على التعدُّد والتنوع والإختلاف في الدين، وفي النظر إليه.

← هكذا، لا يصح عند الرفاعي، القطع مع الدين، وإحلال آيديولوجيا أخرى محله، ولا يصح، أيضاً وأيضاً، إحاطة الدين بأغلال الغريزة الميثولوجية؛ فطالما لا يختزل الدين بالآيديولوجيا، وطالما ينفتح «الدين-الفطرة»، على «الدين – الفكرة»، على «الدين – الزمان والمكان»، يأخذ الدينيُّ- اللاعقليّ مكانَتَه لا في العقل، إنما في إنفتاح الدين على موجوديّة الكائن- الإنسان، في ترك الإنسان يتجلّى في أحضان الدينيّ.. وفي هذا «الإنفتاح على...» يكون الإنسان يقظاً في الإنسان.

 

[II] في التفلت من أسر الآيديولوجيا

يدس اللادينيّ في الدينيّ، والدينيّ في اللادينيّ كذلك، ثباتَ الرؤية والتفكُّر، وبالتالي ينتجان جمود الفهم. كيف؟

← يظن ويتوهم الديني غير الواعي لذاته (الوعي الذي لا يعي ذاته)، أن الدينيّ يستمد معناه، ومبرره في الوجود من خارج الزمان: عودةً إلى الماضي (:الحاضر يعود إلى الماضي)؛ ويصبح بذلك الدينيُّ الآيديولوجيَّ المنغلق على ذاته.

← يظن ويتوهم اللادينيّ غير الواعي لذاته أن اللادينيّ هو الحل، وهو الخلاص، الذي يستمد معناه، ومبرره في الوجود، من خارج المكان، أي إن المكان، هنا، (بلداننا)، يعود إلى المكان هناك (الغرب)، ويدعو، على الدوام، إلى أن الحاضر يعود إلى الحاضر.. ولأنَّه لا يعي: أن كون الحاضرُ الواقعيِّ واقعاً، إنما يوجد في إنفتاح ماضي الواقعي على حاضره، وليس العكس؛ يصبح اللادينيّ الآيديولوجيَّ المنغلق على ذاته.. المتضمَّنَ، قبليّاً، في آيديولوجيا مؤسسة العلم العامة والعالمية.

ولكن، ما هي السبل المنهجية التي يقدمها الرفاعي في سبيل التفلت من الوجهين الآيديولوجيَّيْن هذين؟

← يحمل الرفاعي المفاهيم (التي تم البناء عليها خارج الزمان(:من التراث)، وخارج المكان(:من الغرب)، على كاهله، وينزل بها إلى الواقعيِّ في المجتمعات العربية.. وما يقدمه هو الآتي:

الشرقي في الغربي، التراثي في الحداثوي، الديني في اللاديني؛ ومع هذه، يقدم ضرورة إعادة بناء المفاهيم(: من الخارج: زمانيّاً ومكانيّاً)، وإعادة بناء المضامين النظرية داخل المفاهيم، من أجل نحت تقاسيم أدوات الفهم. أي فهم؟ فهم «الفاعل المجتمعي- في- ذاتيته» في بلداننا، وفهم «المجتمعيّ-في-الفاعل المجتمعي»، وفهم «الإنسانيّ- في- الدينيّ-في-الفاعل المجتمعي».

وبناءاً عليه، ينتج العقل، بوصفه ملكة الفهم والإدراك، وعياً بما يحيطنا سوسيولوجيّاً.. مع وعيه، حسب العالَم المعرفي - الفكري الخاص بعبد الجبار الرفاعي، بأنَّ وجهاً من أوجه التعرف إلى الدين، والتعريف به، ومعرفته، يتفلت من وعيه، من جهة، ويتفلت من العقلنة، من جهة أخرى.

 

[III] الفكرة المصاغة قبلياً بوصفها آيديولوجيا

← ماذا يتضمن الواقعيّ، من معانٍ، في الحقيقة؟ إنه يتضمن معنى التاريخي الذي هو الآن.

ماذا يعني تحديد الواقعي على أنه هكذا أو هكذا؟ يعني قراءة معينة للتاريخيّ والإستناد إليه في تحديد الواقعي.. مع جدارة الواقعيّ الآن - هناك.

وإذا ذهبنا أبعد من ذلك، وتساءلنا: مَن يقول أن التاريخي هو هكذا أو هكذا؟ نجيب أن القول هو الذي يقول؛ وأن العقل هو، من جهة أخرى، يقولُ قولَ القولِ.

إن تناول العقل على أنَّه «قولٌ في...» أو «قولٌ يُستند إليه في قولٍ في...» يضع ماهية الدين في موقع المسآءلة والتساؤل.

ولأن التساؤل، في ماهيته، هو المسؤول الأساسي في بعث الحركة داخل ماهية بنية «الموضوع – الآن – هنا»، فلا تنفكُّ التساؤلات، بوصفها مُخاطَرات، من الحضور، في أبحاث الرفاعي.

← ومع هذه التساؤلات، الـ«لَيْسَت» قائمة على إجابات مُبَستَرة، يقدم الرفاعي معنى لحضور التاريخيِّ في الواقعيِّ على الوجه الآتي:

← إنَّ الدينَ مُتضمَّنٌ في التفصيلات الواقعية المحسوسة في بلداننا.. وإنكار ذلك هو شكل آخر من تأييده.. وفلسفة الدين، والبحث والدراسة في «الدين – الموضوع»، تقدم معنى الحركة إلى جمود الفهم الذي أصاب الدين، عندنا، بفضل الغالبية الساحقة من الأبحاث في الدين.

← ولمجرَّد أن يكون «الدين-في-الواقعيّ»، ولمجرَّد أن يكون الواقعيّ هو «التاريخي-الذي-هو- الآن»، ولمجرَّد أن يكون التاريخيُّ هو القوْل، فلابُدَّ لحضور العقل في «الدين-كـ-موضوع» أن يقول فهمَهُ بالقولِ بالإستناد إلى العَقْلَنة التي تنتج ذاتها بذاتها.

في الحقيقة، إن التعامل مع الدين، من حيث هو هذا الذي هو، أي الدين منظوراً إليه على أنه لوحةٌ فكريَّةٌ تنتج الوعي، وقد إكتمل العمل عليها، هو الذي، حسب العالَم المعرفي-الفكري الذي للرفاعي، ينتج جمود الفهم، وبالتالي موت الدين بالدين لدين آخر.

 

[IV] عن أن نكون في الدين

... وكما الأمر، بالنسبة للشمس، وكما يعلم الجميع، مع كوبرنيكوس: أنها لا تشرق ولا تغرب إطلاقاً، إنما نحن(:الأرضيون) الذين نوجد في بزوغها، ونوجد في غروبها؛ كذلك يضعنا الرفاعي بمنطقه ومنحاه في رؤية الدينيّ أمام حقل تفكير جديد، أمام:

كيف نوجد نحن في الدين؟ وكيف نكون نحن فيه لنعيه؟ وكيف نكون نحن فيه لنمارس التفكير فيه؟

وليس يعني ذلك: كيف يوجد الدين فينا؟ وكيف يمارس القهرَ والإرغام والجَبْر علينا.

 

محمَّد حُسَيْن الرفاعي

 

تشيخوف في فرنسا وتشيخوف في العراق

وصلت الى فرنسا عام 1966 بعد انهاء دراستي في الاتحاد السوفيتي، وكنت اخطط للالتحاق في قسم الدراسات العليا بجامعة باريس، واستطعت الوصول وبمساعدة المرحوم وليد الجادر، طالب الدراسات العليا آنذاك في جامعة باريس (البروفيسور الدكتور فيما بعد في قسم الآثار بكلية الآداب في جامعة بغداد) الى قسم اللغة الروسية وآدابها في تلك الجامعة، وقابلت رئيس القسم وعرضت عليه وثائقي وتحدثت معه حول رغبتي بالدراسة في قسم الدراسات العليا بجامعة باريس، وقد رحب رئيس القسم بي وقابلني بحفاوة وود وقال لي انه يوافق وبكل سرور على قبولي والاشراف على اطروحتي، وعندما سألني عن الموضوع الذي أرغب الكتابة حوله، اخبرته باني أود ان أكتب عن الاديب الروسي تشيخوف، فقال لي رأسا انه متخصص بأدب تولستوي بالتالي لا يستطيع ان يكون مشرفا علميا على اطروحتي، وانه سيتصل الان هاتفيا باستاذة متخصصة في ادب تشيخوف ويطلب منها ان تكون المشرفة العلمية على اطروحتي، وفعلا اتصل امامي هاتفيا واخبرني ان الاستاذة تنتظرني غدا في بيتها، واعطاني العنوان الكامل وكيفية الوصول اليها . وهكذا ذهبت اليها في اليوم التالي كما اتفق معها، واستقبلتني في الموعد المحدد، واطلعت على وثائقي الرسمية، وبدأت تسألني بعض الاسئلة عن تشيخوف وخصائص أدبه وابداعه، وكنت اجاوب قدر معرفتي في تلك المرحلة طبعا، وطرحت علي السؤال الآتي – (هل اطلعت على مقالة تشيخوف في فرنسا؟)، فأجبتها – نعم، وهي منشورة في كتاب صدر عام 1960 في موسكو ضمن سلسلة (التراث الادبي) وذلك بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد تشيخوف، فقالت لي – حدثني عن مضمونها، فبدأت بالحديث عن تلك المقالة وعدد صفحاتها التقريبية وكيف انها تناولت ظهور نتاجات تشيخوف في فرنسا باللغة الفرنسية، ثم توسع هذه الاصدارات وكيف أصبح تشيخوف مشهورا في فرنسا وكيف بدأ مسرحيوها بالتعامل مع مسرحه، وكيف تقبله النقد الادبي في الصحف والمجلات الفرنسية، وقلت لها ان هناك صورا عديدة منشورة هناك حول مسرحيات تشيخوف وعروضها على خشبة المسارح المختلفة في فرنسا والممثلين الذين قاموا باداء الادوار في تلك المسرحيات، وقد استرسلت بالتفصيل عن هذه المقالة لأني كنت قد قرأتها قبل فترة قصيرة ولازلت اتذكر تفاصيلها، وقد اقتنعت الاستاذة باجابتي فعلا وسألتني – (من هو كاتب تلك المقالة؟)، فقلت لها انه كاتب فرنسي لا اتذكر اسمه و لقبه الان، فضحكت مقهقهة من كل قلبها وقالت، انها هي كاتبة تلك المقالة، وكان جوابها هذا مفاجأة غير متوقعة لي بتاتا طبعا، فبدأت اعتذر لأني لم اكن أعرف ذلك وكلي خجل بل و حتى ارتباك من هذا الموقف المحرج جدا، فقالت لي – بالعكس، انها اعجبت جدا بجوابي لاني كنت صادقا بالاجابة والتي جاءت بتلقائية وعفوية وبساطة، وهكذا وافقت على قبولي للدراسة وباشرافها العلمي. انها البروفيسوره المرحومة صوفي لافيت ابرز اسم متخصص في فرنسا آنذاك بادب تشيخوف ومؤلفة عدة كتب فرنسية عنه، ومنها الكتاب المشهور (تشيخوف بقلمه) والصادر ضمن سلسلة معروفة جدا في فرنسا بهذه التسمية حول معظم ادباء العالم الغربي المشهورين تتضمن مختارات منتقاة من نتاجاتهم واقوالهم ورسائلهم، وترسم بالتالي صورة قلمية متكاملة عنهم . تذكرت كل هذه التفاصيل الان، اي بعد مرور حوالي نصف قرن من الزمان، وذلك عندما اطلعت على كتاب صادر في موسكو عن تشيخوف عام 2011 وجدت في احدى فصوله تفصيلات تتناول الدراسات والمقالات عن تشيخوف في مختلف بلدان العالم خارج روسيا، وبحثت طبعا هناك وقبل كل شيئ عن العراق فلم أعثر على اي ذكر او اشارة له، وتألمت وتأسفت لذلك ولكني قلت بيني وبين نفسي – نحن مذنبون ايضا في ذلك،اذ اننا لا نتحدث عن انفسنا امام الآخرين ولا عن نشاطاتنا العلمية والثقافية ومساهماتنا في دراسة الاداب الاجنبية على الرغم من تواضعها، ولا نصدر دوريات او كتبا تتناول ذلك بلغات اجنبية ونوزعها على المكتبات العامة في بلدان العالم، ولا ننظم حتى مواقع اليكترونية تتحدث عن ذلك، ولا نشارك في مؤتمرات علمية تدرس الظواهر الابداعية في المحافل الدولية، ولا نقيم حوارات مع الاوساط الثقافية العالمية،ووو ....الخ، وواصلت تقليب صفحات ذلك الكتاب واذا بي ارى فقرة كاملة عن تشيخوف في فرنسا، وبدأت بالقراءة، وقد تبين انهم يتذكرون البروفيسورة المرحومة صوفي لافيت هنا، ويشيرون بالذات الى مقالتها المذكورة تلك (تشيخوف في فرنسا)، ويؤكدون على كونها لا زالت تمثل قمة اهتمام القراء الروس بالنسبة لهذا الموضوع رغم مرور اكثر من نصف قرن على نشرها، لانها وضعت الاسس الصحيحة والثابتة لمسيرة تلك الدراسات اللاحقة حول هذا الموضوع في فرنسا . واظن اننا نستطيع ايضا ان نقوم بذلك في العراق رغم كل الفوارق بيننا وبين فرنسا بالطبع، اذ يوجد في الوقت الحاضر ثلاثة تدريسيين في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد كتبوا اطاريح الماجستير حول تشيخوف باقتراحي وباشرافي العلمي وهم حسب تواريخ انجازهم لتلك الاطاريح كل من الاستاذ المساعد خلف طاهر الموسوي وكانت اطروحته بعنوان – (مسرح تشيخوف في العراق)، والدكتوره هديل اسماعيل وكانت اطروحتها بعنوان – (تشيخوف في النقد الادبي العربي)، والدكتور تحسين رزاق عزيز وكانت اطروحته بعنوان – (قصص تشيخوف المبكرة في الترجمات العربية)، واقترح على قسم اللغة الروسية تشكيل لجنة من هؤلاء التدريسيين ويمكن ان يشارك فيها اي تدريسي آخر يرغب بذلك، للعمل على اعداد دليل بيبلوغرافي شامل و متكامل مع مختصرات لمضامين لتلك الكتب والبحوث والاطاريح والمقالات ومسرحيات تشيخوف في مسارح العراق وتعليقات توضيحية وهوامش وملاحظات حول كل نقطة وفقرة فيه واصداره بكتاب مستقل و بعنوان - (تشيخوف في العراق) وبلغتين – العربية من اليمين والروسية من اليسار، ويصدر باسم قسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد، وانا متأكد من ان هذا العمل الارشيفي العلمي - في حالة انجازه – سيكون خطوة رائدة في العراق والعالم العربي في مجال الدراسات العربية – الروسية اولا وسيدخل ضمن المصادر الاساسية لدراسات الادب المقارن ثانيا، اضافة الى قيمته العلمية واهميته الثقافية والاعتبارية في الاوساط العربية والروسية بالنسبة لقسم اللغة الروسية وكلية اللغات وجامعة بغداد طبعا باعتباره انجازا علميا، وانا أحلم بذلك واتمنى ان يتقبل القسم حلمي هذا ويحققه، وعندها يمكن ان نقدمه الى المراكز الروسية المعنية كافة و سنباهي به الامم ! ومن نافل القول ان اشير هنا الى استعدادي التام والكامل للتعاون مع اللجنة المشرفة على انجاز هذا الكتاب وباي صيغة من صيغ التعاون التي يراها قسم اللغة الروسية في كلية اللغات الحبيبة.

وحيدا في كراكوف .. من دفتر الذكريات

saleh alrazukفي ذلك اليوم المشهود وصلنا إلى كراكوف بالقطار لأن الحافلات دخلت في إضراب. ونحن نغادر غليفتسة وعند لحظة مرورنا الخاطف من ريبنيك شاهدنا الحافلات متجمدة في محطة المدينة.

لم أكن أعلم أن عدد الحافلات في ريبنيك الصغيرة يعادل عدد السكان تقريبا.

كانت تقف على امتداد البصر وتسد النور. وتحجب عن أنظارنا تمثال الجندي المجهول الذي يقف وراء المحطة.

إنه تمثال من الحجر الأسود لمقاتل يعتمر قبعة ويحمل بيده سلاحه.. بارودة في مقدمتها الحربة. ومع أنها سوداء ومن الحجر فهي تلمع تحت أشعة الشمس كأنها سيف مسنون.

و عندما دخلنا كراكوف نادى دليل الرحلة علينا كي نستعد للهبوط..

كرر النداء بعدة لغات لأننا مجموعة من عشرين أو واحد وعشرين شخصا. وموزعون على عدة أمم.

المشكلة انني كنت الوحيد من سوربا. وحتى العربي الثاني بيننا وهو مصري يحمل جنسية أمريكية ولا يتكلم العربية بطلاقة. لذلك اكتفيت بتبادل ابتسامات خفيفة معه.

و رد بابتسامة باردة كشفت عن أسنان صفر بسبب التدخين.

لم نصبح في محطة قطارات كراكوف إلا بعد أن وقع المحظور.

لقد انهمرت أمطار غزيرة كالشلال. ولذلك طلب منا دليل الرحلة أن نجتمع في باقات. من أربعة أو خمسة ولكل باقة مظلة تحمينا من الأمطار ريثما نصل إلى الاستراحة.

و كان حظي مع شاب وشابة من اليونان وألماني من الخنافس. وكانوا جميعا بشعر أشقر وقصير. وبثياب الصيف اللاهب. لا أعلم لماذا لم يحتاطوا لإمكانية هطول المطر.

أنا من جهتي كنت أرتدي ثياب فصل الخريف ذات الألوان القاتمة. ولكن نسيت المعطف في الكارولينكا وهو مسكن للطلبة.

سكنت أولا في بيت خاص بالمعلمين. وهو خارج غليفتسة. وعلى سفح جبل. وأمامه جدول مياه تنمو على ضفتيه الأعشاب.

و في الصباح الباكر أسمع خرير الماء حالما أفتح عيوني. أما في المساء لا يخلو الأمر من نقيق الضفادع.

و في وقت لاحق طلبت مني سوزان وهي المشرفة على طلاب آسيا الانتقال للكارولينكا. لم أعد أشاهد سوزان بعد ذلك اليوم. وسمعت أنها اختلفت مع المدير بسبب البيروقراطية والروتين.

***

وضعت رأسي تحت المظلة التي حملتها اليونانية. لقد أمسكت بها كأنها شعلة الأوليمب. ومع ذلك شعرت بالكآبة وأنا تحتها. لقد كانت فاحمة السواد وتبدو فوق رؤوسنا كأنها سحابة من الهموم. ولا أعرف السبب لهذا الحظ العاثر.

فمظلات المجموعات الأخرى ملونة. بألوان قوس قزح. أو بلون الشمس البرتقالية الملتهبة.

***

في الاستراحة لم أجد الفرصة لأنظر لما حولي.

في البداية انتبهت أن مياه الأمطار أغرقت كتفي وجزءا من سروالي. وهكذا توزعت بين نصف مبلول ونصف جاف.

و تطلب مني ذلك بعض الوقت في محاولة يائسة لتجفيف الجزء المبتل. لكن العطب كان أكبر من محاولة تصليحه. لقد أشرف المطر أن يتسلل للعظام.

أخذت نظرة من الشارع وأنا خلف الواجهة الزجاجية للاستراحة. كانت الأرض تغرق بشبر من الماء. ولا تزال السماء تصب المزيد من نقمتها.

كانت محطة القطارات غير بعيدة أيضا ولكن لا يمكن رؤية ما يدور بداخلها.

كان السور طويلا وجامدا. ويلقي في روعك مشاعر بالاغتراب كأنه من بقايا الحرب الباردة.

فلا الانفتاح ولا البيروسترويكا أثر على ثوابت الحياة في هذه البلدان.

صرفت أنظاري عن الخارج والتفت للاستراحة. وتبين لي أنها صغيرة ولم يحسنوا إعدادها. كانت تكفي لاستقبال عشرة أو خمس عشرة شخصا على الأكثر وها هي تمتلئ بمجموعاتنا مع زوار بحالة مرور. ويبدو أنهم قادمون من كاتوفيتسة باتجاه غدانسك.

حاولت أن أقترب من أحد الموجودين لأتبادل معه الرأي. وكان أقربهم لي اليوناني.

سألته: هل سيطول بنا المقام هنا.

قال باختصار: لا أعلم.

و التفت نحو صديقته وبدأ يكلمها بلغته.

نظرت حولي و شاهدت الألماني وهو مشغول بالكلام والضحك مع سيدة بأواسط العمر أعلم أنها من قبرص وربما من تركيا.

كانت ترتدي بلوزة خضراء بلون أعشاب فصل الربيع. ولها أمواج متكسرة بلون الفضة.

و كانت تصغي له بانتباه وتهز رأسها. ولم يكن يفوتني ملاحظة نظرات التوله في عينيها. لقد كانت معه بكل عاطفتها. لذلك لم أحبذ الاقتراب.

و فتشت عن دليل الرحلة. وهو أستاذ من جامعة سيليزيا. له لحية مشذبة. وفودان مصبوغان بالحناء، ولكن لم أجده.

على أية حال لم يكن من المفروض بنا أن نعود إليه إلا إذا كانت المشكلة جادة.

أما معاونته وهي الآنسة سونيا، السمراء الوحيدة بين المشرفين على الكارولينكا فلم تصعد على متن هذا القطار. وسمعت أنها ركبت سيارة مدير البعثات ولا بد أنهما الآن على الطريق السريع نحو كراكوف.

أو ربما هما في استراحة على الطريق يستمتعان بمناظر الطبيعة الخلابة وتناول طعام منتصف اليوم.

كانت الآنسة سونيا محط إعجابنا جميعا. وهي محصنة بأسوار من أخلاق رفيعة.

نادرا ما تضحك باستهتار. وإذا رافقتنا في رحلة تسير وراءنا بعدة خطوات.

و علمت من أحد الموظفين في الكارولنكا أنها كانت زوجة ضابط ثم انفصلت عنه.

و في الوقت الراهن تمر بفترة نقاهة لتتعافى من أول علاقة فاشلة.

كنت أحيانا حينما أخلد للراحة في غرفتي أقف وراء النافذة الصغيرة. ومنها أنظر لغابة على مرمى البصر تكللها الأشجار ذات الأوراق الفضية.

و أفكر بمشكلة الآنسة سونيا. إنها مثل شجرة يتيمة تشبه غيرها. ولكن لا يمكن أن يخطئها النظر.

تلاحظ أن أوراقها ترتبط بالأغصان كما يرتبط الإنسان بتجاربه المحزنة.

و خطر لي: لو الآنسة سونيا معنا ربما استطعت أن أتفاهم معها. كانت طبيعتي رومنسية وتتعاطف مع الأحزان والمغدور بهم.

و هكذا لم أجد خيارا غير التحصن بزاوية في الاستراحة. هناك يمكن أن أنتظر ما يسفر عنه المطر. هل نتابع طريقنا للقلعة التاريخية ونقوم بالزيارة أم نعود أدراجنا للقطار وننهي يومنا بخيبة أمل. لقد فعلنا ذلك في رحلة زاكوبانة بسبب مخاطر إطلاق النار في المرتفعات على حدود تشيكيا.

كانت هناك الحدود سائلة.. والفرار بين التشيك والسلوفاك ليس غريبا. ويصل الأمر أحيانا لإطلاق النار كما حصل أيام جدار برلين؟

سألت نفسي ماذا جناه العالم من البيروسترويكا. لقد انتقل الجدار العازل من بلد لآخر..

في ذلك اليوم كانت سوزان معنا. وأشهد لها بالحنكة وسرعة البديهة. فقد أمرت بعودتنا للقطار وهي تضحك وتلقي الطرائف.

ثم أحضرت إلى القطار عجوزين ريفيين لا أعلم كيف توفرا لها، رجل بلا أسنان وبقبعة من الصوف المارينو ومعه ماندولين. ومرأة ذات صدر عريض حضنت عليه الأكورديون كأنه ابنها الرضيع.

و أنفقنا حوالي ثلاث ساعات ونحن نستمع لمعزوفات فولكلورية مرحة.

لقد تحولت حفلة إطلاق النار لما يشبه جلسة سمر وموسيقا.

و هكذا تجاوزنا تلك المحنة.

***

افتقدت لسوزان ولسونيا. أشعر بالضياع إذا لم تكن إحداهما في الرحلة. لقد كانت لهما أخلاق رفيعة أحن لها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على تلك الذكريات.

بعد ربع ساعة من الاعتكاف في الزاوية سمعت صوت الدليل ينادي لنستعد للخروج. ورأيت حافلة ملونة على أطرافها رسوم لعلم بولونيا وعلم مدينة كراكوف التاريخية.

و طلب منا أن نصعد عليها بنفس ترتيب المجموعات السابقة. كل أربعة أو خمسة بمظلة. فقد كان الطريق بين الساحة وهذه المحطة للمشاة فقط.

بحثت عن حاملة المظلة السوداء ولاحظت أنها أصبحت في العراء أمام المحطة. ومعها صديقها والألماني بخصلات شعره الأشقر الطويل.

لقد نسوني تماما. تركوني وراءهم مثل أوراق الأشجار الميتة التي انتهى وقتها.

لم أيأس وإن شعرت بقليل من التحسس. وجمعت فلول شجاعتي. رفعت قبة القميص والبلوزة لأحمي الرقبة ومؤخرة الرأس.

وانطلقت أهرول نحو الحافلة دون أن أنظر لموطء أقدامي.

ووضعت نصب عيني الأعلام المرسومة على الحافلة والتي تبدو في هذا الهطول الغزير كأنها ترفرف في الهواء....

 

5 حزيران 2014

 

مذكرات معتمر (1): سفر إيماني

انطلقت بنا الحافلة صباح يوم الثلاثاء 21 جمادى الثانية 1435/ 22 أبريل   2014، من الساحة المحاذية لمصلى العيد بمدينة تطــاون العامرة.

أخذ السيد الفاضل محمد الشعيري، المرشد والمسؤول عن المعتمرين، مكبر الصوت، وطفق يدعو بصوته الجهوري، دعاء السفر والراكبون المعتمرون يرددون كلماته.

شعور جميل مفعم بالسعادة والابتهاج، ونحن نودع مدينتنا البيضاء الغراء. وما لبثنا أن ولجنا الطريق السيار الرابط بين طنجة والدار البيضاء. طريق فسيح ممتع، يشق الروابي والتلال والسهول الخضراء. يا له من سفر يجمع بين نعمتي الدنيا والآخرة. إنه سفر العمرة، سفر الطاعة، سفر الإنابة إن شاء الله.

وبالمناسبة، أقتطف نصا من مقال تحت عنوان “سفر في سفر” نشرته في “مدونتي” الإلكترونية، قبل سنتين.

“كثيرا ما ينتاب المسلم، أثناء سفره من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، شعور بأنه مسافر إلى الله، لا سيما إذا كان متصلا بالله من خلال ذكره، أو التفكر في مخلوقاته، أو استحضار مشاهد الوعد والوعيد. ثم إن البعد، بسبب السفر، عن الأهل والأولاد وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية، من أشغال والتزامات وعادات وتقاليد ورموز… كل ذلك يجعل روح المسلم المسافر الذاكر، تتحرر من تلك القيود، وتحلق بكل سعادة وشوق في اتجاه الموطن الأصلي، قال الشاعر:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى**ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى**وحنينه أبدا لأول   منزل

……

ولقد غمرني، وأنا منجذب إلى كلام الله ، شعور لذيذ بالسفر إلى الله، ورغبة عارمة في لقائه… ؛ إلهي، اشتقت إلى لقائك، وحيرني حنين الرجوع إليك، فاجعل سفري إليك سفر نوح في الجارية، ولجوئي إليك لجوء الفتية إلى الكهف، واجعل لي عندك زلفى وحسن مآب.

وقتئد حصل عندي اليقين أنني فعلا مسافر إلى الله، وأن سفري إلى مدينة…. جزء من سفري إليه، أو مرحلة من مراحل السفر الوحيد. فهمست إلى نفسي: لماذا لا أشعر بأثر السفر إلى الله عندما أكون مقيما في بلدتي بين أهلي وعشيرتي؟ فكان الجواب: إن الروح، أثناء الإقامة بين الأهل، غالبا ما تكون مقيدة بقيود مادية واجتماعية، وأخرى نفسية شهوانية، فأنى لها أن تتمتع بمتعة السفر إلى الله؟

ولقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم، عن الشعور بالسفر إلى الله، تعبيرا عميقا عندما قال: “مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها” (حديث صحيح؛ أحمد والترمذي وابن ماجة). كما قال في دعاء له: “أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك”.

ومما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم الشوق إلى لقاء الله، وكذلك من اقتدى به واهتدى بهديه ناله نصيبه من الشوق ذاته. وما ظفر المحبون بنعيم المحبة ولذة الشوق إلى الله إلا بدوام ذكره، والذكر هو العبادة التي يتزود منها السائر إلى الله سبحانه “.

بين الفينة والأخرى يباغتنا صوت السيد محمد الشعيري، حاملا إلينا باقات من المواعظ وكذا النصائح والآداب المتعلقة بسنة العمرة. وأحيانا ينوب عنه ولده الشاب طارق حفظه الله، فيتحفنا بنصائح وفوائد جمة.

بعد سويعات، وصلنا إلى مدينة بوزنيقة، واتجهنا نحو مطعم في ضاحية من ضواحيها؛ حيث جمال الطبيعة ونقاء المناخ. تناولنا وجبة الغذاء، ثم صلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا.

ركبنا الطائرة، الخطوط الملكية المغربية، على الساعة الثامنة مساء، وتعمق الإحساس بالسفر إلى الله والعزوف عن الدنيا. كما فتحت نافذة من نوافذ قلبي، وصرت أشاهد بعين بصيرتي مشاهد وصورا وأحداثا، مرتبطة بالمكان المقصود؛ مكة والمدينة. منها بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة المشرفة؛ “وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم” (البقرة 126)، ومنها مشاهد وأحداث البعثة النبوية، وكذا وقائع الهجرة من مكة إلى المدينة. إنه تاريخ حافل بالإنجازات العظيمة المؤيدة بالوحي، تلك الإنجازات التي غيرت وجه العالم.

قرأت أجزاء من القرآن، والطائرة تحلق على ارتفاع عشر كيلومترات بسرعة قدرها 920/كلم في الساعة. إنها آية من آيات الله. عباد على متن طائرة لبوا نداء الله وهبوا معتمرين يدعون الله ويذكرونه، وهم في السماء كأنهم ملائكة.

بعد ست ساعات نزلت الطائرة في مطار جدة الدولي. قاعات الانتظار مليئة بالمعتمرين من كل بلدان العالم الإسلامي. إنه عرس إيماني .

ركبنا الحافلة قاصدين المدينة المنورة، حوالي الساعة العاشرة صباحا. وتفصل المدينة عن جدة مسافة قدرها أربعمائة كلم، توقفنا خلالها مرتين للاستراحة والصلاة والغذاء. ومما أثار دهشتي أن الأراضي الواسعة الرابطة بين المدينتين، عبارة عن جبال وصخور بركانية حمراء أو سوداء، ولا أثر لخضرة أو ظل أو أنهار أو أشجار. ومما لا شك فيه أن هذه البيئة الصخرية والقاحلة القاسية، لها أثرها العميق في نفسية الإنسان الحجازي.

وصلنا إلى طيبة الفيحاء، مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، بعد الظهر، واتجهت الحافلة نحو حي الفنادق المحاذي للمسجد النبوي، ونزلنا بفندق “مودة النور”.

مكثنا في طيبة أربعة أيام، ننتقل بين مكان الإقامة والمسجد النبوي، مقبلين على الصلوات الخمس، لا تحول بيننا وبين ذلك مشاغل دنيوية، كما هو الحال في بلادنا بين أهلنا ومعارفنا.وكثيرا ما نمكث في المسجد بين الصلوات نستزيد بذلك الثواب، ذاكرين الله أو مقبلين على القرآن.

 

الدكتور عبد الله الشارف

أستاذ بكلية أصول الدين بتطوان جامعة القرويين المغرب

 

بلزاك .. في زيارة خاصة

tara ibrahimاحتفل عشاق الكاتب والروائي الفرنسي الكبير اونوري دو بلزاك يوم 20 من أياربذكرى ميلاده الخامسة عشرة بعد المئتين، هذا الكاتب الذي كان ومازال يؤثر على الادب الفرنسي والعالمي الى يومنا هذا بل وترك بصماته الرائعة من خلال نتاجاته العديدة التي تقدر بحوالي 96 رواية وقصة ألفها ما بين أعوام 1829 و 1850 خلال عمره القصيرالذي لم يتجاوز51 عاما.

احتفاء بهذا الحدث أرتأينازيارة منزله الباريسي الصغير الذي تحول الى متحف رمزي اثر اقامته فيه لمدة 7 أعوام عاش باسم مستعار بل ولجأ اليه خوفا من الدائنين، يقع البيت في الدائرة 16  بباريس، وكانت انذاك قرية صغيرة تدعى (باسيو) ولازالت تحتفظ بهذا الاسم، وفي موقع  بعيد عن الأنظار في حديقة صغيرة يتم الوصول اليه من خلال درج نزولا الى الأسفل. ورغم مساحة المنزل الصغيرة الا انه يعطي فكرة عن الجو الذي كان يعيش فيه، فالدخول إليه يتم من خلال صالون نكتشف فيه مسودات أعماله المعلقة ورسائله المتعددة الى حبيبته الكونتيسه هانسكا التي راسلها لمدة 17 عاما، واحبها حبا اسطوريا فكانت ملهمة اجمل اعماله واشهرها، سنحت لي الفرصة أن اقرأ في رسالته اليها ما يلي: " أنا أعمل 18 ساعة في اليوم وأنام 6 ساعات، وحتى عندما آكل أعمل، ولا أعتقد أنني سأنقطع عن العمل فمازالت هنالك تحديات أدبية يجب علي ان اواجهها حتى في نومي، لاني وحال استيقاظي اجد حلولا لها، اترين انني اعمل حتى عند نومي؟!..." تلي الصالون، صالة أخرى كبيرة سمية بصالة " الشجرة العائلية للكوميديا الإنسانية" وفيها عرضت منحوتات صغيرة لألف شخصية من شخصيات الكوميديا الإنسانية بطول14 مترا على جدرانها ، يذكر ان الكاتب جمع اعماله الأدبية والبالغة 96 في عمل واحد اطلق عليه الكوميديا الإنسانية التي تعتبر في غاية التعقيد لا يستطع أي مشاهد لها ان يربط شخصياتها في شجرة عائلة واحدة وبشكل متسلسل كون الصالة لا تحتوي الا على 1000 شخصية من مجموع 6000 من أبطال رواياته وقصصه .  تتبعها صالة العائلة التي تحتوي على لوحات لصورأسرته ومن ثم مكتبه الصغيرالذي يضم منضدة وكرسين صغيرين ، كان يكتب عليها أعماله الادبية مرتديا ثوبه الأسطوري الأبيض،وهناك صالة اخرى فيها كتبه وبعض التماثيل الصغيرة صنعت من قبل اشهر النحاتين بينهم (رودان) وللمنزل أيضا حديقة صغيرة كان بلزاك مولع بجوها الهادئ حيث كانت تزخربالورود الجميلة وكانت الكتب تنمو كالازهارفي هذه الحديقة إيضا والتي شجعت بلزاك على العمل المتواصل لإنجاز أعماله ألأدبية الخالدة  .

 في هذا المكان كتب بلزاك اجمل مؤلفاته وفي مقدمتها " الخروف الأسود و أبن العم يونس و ابنة العــم بيت"حيث وصف بلزاك بتقمص حالة رجلين، في تلك الفترة عندما كان يعيش في ذلك المنزل “رجل بدين يعيش في عالم انساني، مثقل بالديون ويخاف من طرق الباب ، ورجل آخر يخلق عالما مرهف بالإحساس والإبداع بعيدا كل البعد عن مشاكله المادية أو القلق بشأنها .." هذا المنزل واحد من عدة منازل كان يختبئ فيها بلزاك خوفا من الدائنين إذ كان مستثمرا في مشاريع محفوفة بالمخاطروالخسائر والانفاق الباذخ على النساء الكثيرات في حياته، وربما كان بسبب شعوره بالنقص لأن والدته كانت تفضل أخاه عليه، ومع انه كان قصير القامةغيروسيم الا انه كان يمتلك جاذبية خاصة تلقى قبولا لدي الجنس الاخر. توفي بلزاك تاركا وراءه الكثير من الديون لزوجته هانسكا التي قبلت عن طيب خاطر تسديدها من خلال طلبها من بعض الكتاب تكملة الروايات التي لم يستطع زوجها إنهائها بسبب مرضه ومن ثم وفاته، .

قرأ ألاوربيون لبلزاك واعجبوا به في ذلك الوقت، واثراسلوب كتابة رواياته على عصره وعلى العصر الذي يليه وانتهج الكثير من الكتاب العالمين نهجه مثل ايميل زولا  ومارسيل بروست، ويمكن ان نجد مؤلفاته في المكتبات الفرنسية ومحلات بيع الكتب في كل الاوقات. فهذه المؤلفات يعاد طبعها سنويا وخصوصا الكتب التي ألفها في شبابه، كما ويتهافت العاملون في مجال فن السينما وصناعته على إقتباس أحداث رواياته  وتضمينها في افلامهم ليس في فرنسا فحسب بل وفي العالم اجمع .

 

المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي (2)

هذه حلقة ثانية من مقالتي حول المترجمين العراقيين في الاتحاد السوفيتي . لقد أثارت الحلقة الاولى من تلك المقالة ردود فعل كثيرة ومتنوعة  في اوساط القراء وارسلوا لي معلومات جديدة و جديرة بالتسجيل، وكنت اخطط ان أجمع ردود الفعل تلك وانسقها واقدمها ضمن هذه الحلقة الثانية لاستكمال الفائدة من تلك المقالة وتحقيق هدف كتابتها، اذ اننا ذكرنا في المقالة ان الموضوع هذا واسع جدا ومتشعب وانه يستوجب مشاركة الكثيرين ممن ساهموا في هذا العمل الثقافي الكبير بشكل او بآخر، الا اني فوجئت بخبر وفاة المرحوم  الدكتور سعدي المالح (1951 – 2014) في احدى مستشفيات اربيل قبل ايام  قليلة، وهكذا قررت  ان تكون هذه الحلقة مكرسٌة له بالذات و خصيصا حول نشاطه الترجمي في الاتحاد السوفيتي و ذلك تكريما لذكراه  اولا، و ثانيا باعتباره واحدا من أعمدة تلك الحركة الثقافية الكبيرة في مسيرة العراق المعاصر .

لم اتشرف بالتعرف اليه شخصيا مع الاسف الشديد، اذ انه درس في السبعينات في الاتحاد السوفيتي، اي بعد  ان انهيت انا دراستي وبالتالي سفري من موسكو، ولكني  قد سمعت باسمه ونشاطه الثقافي و الادبي والترجمي طبعا خلال مسيرة حياتي، وسألني عنه أحد اعضاء اتحاد ادباء روسيا في احتفالات داغستان بالذكرى التسعين لميلاد الشاعر رسول حمزاتوف في مدينة محج قلعة عندما عرف اني من العراق، فاخبرته ان الدكتور المالح الان يشغل منصب المدير العام للثقافة السريانية في وزارة الثقافة  بكردستان العراق، وقد فرح جدا بهذا الخبر، وتحدثنا عنه، وقال لي انه درس معه فترة ويحتفظ باجمل الذكريات عنه وعن ثقافته الواسعة الموسوعية ومعرفته بعدة لغات ومواقفه  الفكرية التقدمية  وروحه الشفافة المرحة، وقد سررت انا بالطبع جدا بهذه الانطباعات الطيبة عن أحد زملائي العراقيين المثقفين، الذين درسوا في الاتحاد السوفيتي، وحدثته بدوري عن نشاطاته العامة الاخيرة من اصدارات وبحوث ومقالات و التي كنت اتابعها بشكل عام عبر اطلاعي على اخبار الثقافة واحداثها في العراق عموما .  وقبل عدة اسابيع ليس الا كتبت لي البروفيسورة الدكتورة الميرا علي زاده (من معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية) في احدى رسائلها عنه، وسألتني اذا كنت أعرف آخر اخباره، واشارت انه درس عندهم في المعهد وناقش اطروحه الدكتوراه حول الادب العراقي في المنفى هناك بنجاح وانها تعرفه شخصيا وتعتزٌ به، وقد تذكرتها رأسا عندما قرأت الخبر عن وفاته وارسلت لها ما نشرته بعض الصحف العراقية حول ذلك الحدث الاليم .

 لقد كانت موجودة ضمن ملاحظاتي التي سجلتها لاعداد وكتابة الحلقة الثانية هذه ان اشير الى عدة نقاط حول المترجمين العراقيين، منها انني ذكرت بالطبع اسم سعدي المالح ضمن قائمة المترجمين بشكل عام، ولكني لم اذكره ضمن مترجمي الادب الروسي في الفقرة التي جاءت بعد تلك القائمة العامة،والتي اقترحت فيها ان نبتدأ بدراسة هذه الظاهرة بالذات منطلقين من ترجمات الادب الروسي اولا، واعترف اني ارتكبت هفوة  غير متعمدة بتاتا بالطبع، اذ اني لم انتبه  - وسط ضجيج الحياة اليومية ومتطلباتها و ضغوطها و اوراقها المبعثرة  -  الى الملاحظة المدونة عندي بشأن ترجمه المالح  لرواية الكاتب القرغيزي السوفيتي الشهير جنكيز ايتماتوف (1928- 2008) الموسومة  - (ويطول اليوم أكثر من قرن)، والصادرة  بالعربية عام 1989 في موسكو عن دار النشر السوفيتية المعروفة (رادوغا) (قوس قزح)، وتقع هذه الرواية ب (390) صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية مهمة جدا في مسيرة الادب في المرحلة السوفيتية وفي التطور الابداعي للكاتب ايتماتوف نفسه، والتي تعد واحدة من نتاجاته الاخيرة وظهرت   في الثمانينات، وقد استطاع المالح ان يترجم هذه الرواية بمهارة  فنية عالية جدا وبشكل أنيق، وان يحافظ على اسلوب ايتماتوف الشاعري والواقعي الجميل والرقراق والشفاف والسلس، وقد بدت واضحة تماما - وبشكل لا يقبل الشك - ملامح تلك التجربة والخبرة  المتراكمة للمالح  في مجال الترجمة الادبية والتي كانت حصيلتها اصدار حوالي عشرة كتب في الادب الروسي  مترجمة في الاتحاد السوفيتي عن اللغة الروسية خلال حوالي سبع سنوات لا غير، وكان هذا الكتاب آخر العنقود كما يقال، والذي يمكن ان نطلق عليه التعبير العربي الكلاسيكي الرشيق المعروف  – (مسك الختام) . تأملوا معي هذا المقطع الصغير فقط من تلك الرواية -  (.. وفي تلك الاثناء حل الصباح في خطوط العرض الشمالية من المحيط الهادي، وكانت الساعة تشير الى الثامنة، وغمرت أشعة الشمس الساطعة بفيض نورها المتدفق المنطقة ذات الارجاء الواسعة المتلألئة والغارقة في سكون عظيم، وما عاد يرى في تلك الآماد اي شئ آخر غير الماء والسماء. .) . ما رأيكم بهذا المقطع ؟ انه يكاد ان يكون قصيدة نثر تقريبا، قدمها لنا ايتماتوف بالروسية وترجمها لنا الى العربية و بشكل مبدع الدكتور سعدي المالح .

 لقد صدر كتابه المترجم الاول عن اللغة الروسية في موسكو عام 1983 وكان بعنوان  (الاخوة والاخوات) وهي رواية بقلم فيودور ابراموف، ثم اعقبتها كتب اخرى صدرت من فرع طاشقند لدار النشر السوفيتية المذكرة او من موسكو نفسها، وهذه الكتب هي كالآتي – بحار التايغا/ رواية / بقلم يوري كافليايف / طاشقند 1983 // السيل الحديدي / رواية / بقلم سيرافيموفيتش / طاشقند 1984 // كينتو ريتشي دوستيان - قصص / طاشقند 1985 // ثلاث مسرحيات سوفيتية / موسكو 1986 // اجمل السفن / قصص / بقلم يوري ريتخيو / طاشقند 1986 // ناموس الخلود / نوادر دومبادزه / رواية / طاشقند 1988 // ويطول اليوم اكثر من قرن / رواية / بقلم جنكيز ايتماتوف / موسكو 1989، اضافة الى العديد من الترجمات الشعرية الاخرى للكثير من الشعراء الروس المعاصرين مثل حمزاتوف واخماتوفا ويفتوشينكو وتسفتايفا ...الخ. وهكذا نلاحظ ان نشاطات     الدكتور سعدي المالح كانت محصورة بين عام 1983 وعام 1989 ليس الا، وهي – نسبيا -  فترة ليست طويلة بتاتا، و مع ذلك فانه استطاع ان يصدر هذه الكمية من الكتب المترجمة في هذه السنوات، علما ان الفترة الذهبية للاصدارات السوفيتية باللغة العربية كانت واقعيا قبل ذلك التاريخ، وان الفترة التي عمل فيها المالح كانت تمثل  مرحلة تراجع، وهي التي كانت - واقعيا -  قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي حدث عام 1991 كما هو معلوم، ومع ذلك استطاع ان يحقق تلك النجاحات في هذا المجال الابداعي الصعب .

المرحوم الدكتور سعدي المالح – شخصية ثقافية متميزٌة في تاريخ الادب والفكر في العراق المعاصر، وقد ساهم في حركة الترجمة عن اللغة الروسية في الاتحاد السوفيتي، وتستحق مساهماته الترجمية هذه ان ندرسها ونضعها في مكانها اللائق بها، والجديرة بها في تاريخ هذه الحركة الثقافية.

 

فيثاغوروس .. محطات في رحلة الحياة والموت

يعتبر فيثاغوروس الاسم الاكثر شهرةً منذ البدايات الاولى لإنطلاق الفلسفة الغربية سواء نُظر اليه كمفكر مبدع او كمحام بارع يستطيع التأثير على الارواح الخيرة والشريرة، او كمهندس  للفلسفة. ولأكثر من خمسمائة عام بقي فيثاغوروس نجما لامعاً دون منازع. هو ادّعى علناً كونه الاب المؤسس للرياضيات والموسيقى وعلم الفلك والفلسفة، هو اعتبر نفسه ايضا اول من استخدم كلمة "رياضيات"وكلمة "فلسفة".

كان فيثاغوروس يمثل نقطة التحول الفاصلة بين التاريخ المكتوب والسجل اللفظي. سوف لن نضيف جديداً لو علمنا انه أصر بان لا يُكتب اي شيء من تعاليمه، وان انصارهُ أقسموا على الاحتفاظ بالسرية.

حياة وافكار فيثاغوروس ظلت يلفها ستار من الغموض و الاساطير وسوء الفهم والمبالغات، وانه يستحيل التمييز بين كل ذلك. غير ان التأثير الفكري لفيثاغوروس استمر لأكثر من الفي سنة . الباحثون أعلنوا عن رغبتهم  في إعادة بناء التحقيقات التاريخية والكتابات المتناثرة وربما بشيء من التعاطف.

العديد من الباحثين يؤمنون بان افلاطون انتزع وأعاد توظيف رؤية فيثاغوروس. مثلاً، في حوارات افلاطون ، وقبل وقت قصير من تناول سقراط للسم يستكشف الاخير المصير المحتمل للارواح، والتي كانت احدى الاهتمامات الرئيسية لفيثاغوروس كما سنرى لاحقاً. وفي جزء آخر من حواراته في (Timaeus) يستطلع افلاطون ويمدد تصوره عن الكون كرياضيات – وهي الفكرة التي قامت عليها معظم شهرة فيثاغوروس في العصور الحديثة. ان شهرة فكر فيثاغوروس قامت على مبدأ "كل شيء هو عدد".

لا يعتقد كل شخص بما قام به افلاطون من انتحال. جماعة اخرى ترى ان افلاطون ومعاصريه كأنهم يعيدون اختراع فيثاغوروس الملفت والغامض على شكل قصة تقليدية شبه دينية انطلقت منها جميع الحكم الفلسفية.

وتوجد هناك ايضا كل الضلال الرمادية بين هذين الحدين، وبالتالي نجد في القرون التي اعقبت العصر الذهبي لليونان ان مصطلح "الفيثاغوريين الجدد"و "الافلاطونيين الجدد" عادة يشير الى نفس المدارس الفكرية، ويُستخدم الاسم  وفقاً لمنظور المرء.

ومع تقدم القرون انقسمت الدراسة في القرون الوسطى الى نوعين: دراسة ثلاثية تضم البلاغة والمنطق والنحو ودراسة رباعية تضم الحساب والهندسة وعلم الفلك والموسيقى. الدراسة الرباعية ترتكز على رؤية فيثاغوروس عن الكون .

ولاحقا جاءت الثورة الكوبرنوكية صدىً لرؤية فيثاغوروس عن علاقة الارض بالشمس. في الواقع، لم يشر نيكولاي كوبيرنيكوس الى رؤيته العالمية كنظام كوبرنيكوسي وانما وصفه كعلم فلك فيثاغوري. ومباشرة بعد ذلك،جاء جوهانس كبلر كفيثاغوري واع بذاته ليجعل اكتشافاته متحفزة بالايمان بان الكون مركب بطريقة رياضية. هذه الفكرة جرى احتضانها وترسيخها من جانب غاليلو واصبحت فيما بعد الخيط المشترك طوال تاريخ العلوم. تؤكد العلوم مرات ومرات بان الكون له نوع من التأثير الشديد الارتباط بالعدد. وهذا هو بالضبط ما قام فيثاغوروس بتدريسه منذ وقت طويل.

لسوء الحظ ان الاحترام العميق وقوة الشخصية التي تمتع بها فيثاغوروس ربما امتزج بشيء من الخيال. حياة فيثاغوروس هي مركبة ايضا من قصص رومانسية وحكايات متناثرة جرى تداولها وترسيخها باستمرار. ومن المفارقة ان النظرية التي من خلالها تعرًف معظم الناس على اسم فيثاغوروس – المتعلقة باضلاع المثلث القائم الزاوية – يُعتقد الآن انها اكتُشفت من قبل المصريين القدماء وليس من قبل فيثاغوروس. والقصة الاخرى التي قيلت في كل مكان لأتباعه هي احتفال جماعة الاخوان الدينية بذلك الاكتشاف عبر ذبحها ثوراً واحيانا قيل عشرين ثور، غير ان هذا لا يمكن تصديقه مع حياة فيثاغوروس التي خصصها للنباتات.

ان وفاة فيثاغوروس لم تكن استثناءاً من تلك الفنتازيا. في الواقع، هناك ما يقارب عشرة نسخ في الادب القديم مرتبطة بزمان ومكان وكيفية وفاة فيثاغوروس. القصة التالية ترتكز على شواهد تاريخية جرى ترتيبها لاستكشاف امكانات جديدة.

وعلى الرغم من ان وفاة فيثاغوروس تقع في المنتصف بين الاسطورة والتاريخ، الا انها ترتكز بقوة على نبات الفاصوليا. ومع عدم تسجيل اي نوع من الفاصوليا انذاك الا ان فيثاغوروس مات بسبب ذلك النبات. انها فاصوليا احتوت على رؤية جديدة للكون ستؤثر في عقائد الناس، انتقلت تدريجيا الى العالم واستمرت لاكثر من الف عام.

 

جماعة الاخوان الفيثاغورية

هناك عدة قواعد يجب اتباعها لكي يمكن للمرء القبول به ضمن جماعة الاخوان الفيثاغورية. الفشل في اتباع اي من تلك القواعد سينتج عنه طرد ذلك العضو من الجماعة وسط احتفال مهيب. قداس جنائزي صوري يتم ادائهُ بعدها لم يعد ذلك الفرد موجوداً ضمن الجماعة. احدى القواعد التي لا يُسمح ابداً بانتهاكها هي الالتزام بعدم تناول الفاصوليا. هذه الفكرة انبثقت جزئيا من تصور فيثاغوروس بان كل فرد يجب ان يكافح لأجل الهدوء والسلام، مستمتعاً بالانسجام الذي يعكس انسجام السماوات، الحدود الخارجية للكون. تناول الفاصوليا سيسبب تقلص الامعاء والاضطراب. احد اهداف فيثاغوروس الاخرى كان تنقية البدن والروح لكي يمكن للمرء العودة الى الشمس والارتفاع حتى الى ما وراء الشمس ،الى تخوم النجوم وطريق التبانة. تلك التنقية الروحية لا يسمح بها طعام الفاصوليا. ولكن هناك سبب أعمق لإسقاط الفاصوليا من الغذاء. كان الاعتقاد السائد هو ان تناول الفاصوليا مرادف لتناول لحم الانسان ودمه.

حين كان فيثاغوروس شابا تأثر بثلاثة من المعلمين العظام اولهم ليس اكبر منه كثيراً في السن واسمه فيركيدس.الاثنين كانت لهما رؤية واحدة للحياة، وكلاهما يميلان للتصوف. وكونهما سافرا كثيرا في عموم منطقة الشرق الاوسط والهند، تعلّم فيركيدس مذاهب التناسخ وخلود الروح، وجلبا معهما لليونان هذه العقائد الجديدة لتدريسها لمن يرغب بها.

فيركيدس اندهش كثيرا بالتحقيقات الخلاقة لفيثاغوروس وبسرعة استجابة الذهن. هو اخبر فيثاغوروس انه يعترف به كناسخ لروح ايثيليدس Aithalides ابن الاله هرمز المرح والعنيف ايضا.اثليدس اعتُبر اول انسان يمشي على الارض – ادم الاغريق. ونتيجة لهذا الاطراء الكبير والحار من استاذه، آمن فيثاغوروس بكل وجوه التناسخ، بل حتى توسّع في الفكرة مضيفا ان هناك 216 سنة بين كل تناسخ واخر. كان الرقم 216 يشير الى القوة العظيمة ضمن الاخوة الفيثاغورية. انه يساوي مكعب 6. الرقم 6 يمثل رقم الزواج، كونه نتاج اول رقم زوجي او انثوي، واول رقم احادي او ذكري. اعتُقد ايضا ان نمو الانسان حتى الولادة يأخذ 6 مرفوعة الى 3 ايام (6 أس 3). كذلك، وكما في التناسخ، رقم 6 هو دائري لأن كل قوى الرقم  6  تنتهي بـ 6.

ولهذا أحب هرمس ابنه كثيراً لدرجة منحهُ هدية الاستعادة او الاستحضار، حيث سيتذكر اثليدس كل تفاصيل الحياة السابقة حينما انتقل من جسم الى اخر. مع شيء من التفكير وربما قليل من التصور، كان فيثاغوروس قادراً على تذكر كل الحياة السابقة. هو تذكر انه قبل ان يكون انساناً كان سلسلة من النباتات والحيوانات. وعقب حياته كاثليدس، تكررت ولادة فيثاغوروس كايفوربس Euphorbus اعظم بطل في حرب تروجان. وكما ورد في الكتاب 17 من الياذة هوميروس،  ان ايفوربوس اصيب اصابة خطرة في المعارك اثناء الحرب.

وبعد 216 سنة من وفاة ايفوربس في ساحة المعركة، ولد هيرموتموس. هو اراد ان يثبت لكل من معه هدية هرمس، وغامر للبحث عن مدينة برانشيدا. هناك بحث عن معبد ابولو، حيث اخفى ميلنيلوس الغطاء الواقي لايفروبس بعد منحه الى الله. وفي النهاية وجد هيرموتمس الغطاء المهترئ.

وقبل وقت قريب جدا من حياة فيثاغوروس كانت حياة الصياد البسيط فيروس. هو ايضا قيل انه تذكر كل شيء. اخيراً كان لدى فيثاغوروس وقتا ليصرفه بين الناس كفيثاغوروس. وهكذا ولد فيثاغوروس في جزر ساموس التي تقع في بحر ايجه على امتداد الساحل الذي يعرف الان بتركيا. الجزيرة اعتبرت مولداً للجميلة والانفعالية الالهة هيرا التي كانت زوجة واخت للاله زيوس. عدة قصص قيلت عنها مثل حقدها على هرقل البريء بسبب خيانة زيوس  الزوجية لام هرقل.

اما والد فيثاغوروس واسمه منسيروس mnesarchus عمل كتاجر ومالك سفن. عمله المهني قاده الى كل انحاء جزر البحر المتوسط برفقة الشاب فيثاغوروس. في الاصل كانت ام فيثاغوروس تسمى بارثينيس parthenis. هناك قصة مثيرة اخرى فيها تبلغ السلطة الدينية المقدسة منيسراتش ان زوجته على وشك ان تضع طفلا هاما ورائعا. وكما ثبت  لاحقا، بينما كان منيسراتش في رحلة طويلة في الخارج، كانت بارثينيس اغويت من جانب ابولو. بعد ذلك  اعيد تسميتها ببيثايس pythais على شرف ابولو الذي حطم الثعبان الذي يحرس معبد الكاهن المقدس ليجعله مكانه الخاص.

كان لدى فيثوغوراس الدليل على ولادته البطولية وكشف عن هذا الدليل متى ما كان ذلك لمصلحته. على فخذه الايسر توجد علامة ذهبية. العلامات الجسدية كان يعتقد الاغريق انها علامة دينية. الذهب كان متعلق بابولو وبهذا  فان العلامة الذهبية قُبلت كبرهان على علاقة فيثاغوروس بهذا الاله المشع.

لا غرابة ان فيثاغوروس كوّن ارتباطا دائما بمعلمه فيركيدس. وبعد عدة سنوات وحين سمع ان فيركيدس يحتضر في جزيرة ديلوس، سارع فيثاغوروس لنجدته. وحينما طرق فيثاغوروس بابه، رفع فيركيدس يده الهزيلة محذراً فيثاغوروس من خطورة مرضه. فيرخيدس توفي بداء القمل حيث اكلهُ القمل حياً.

 

قصة اسره وترحيله الى بابل

اما المعلم القديم الآخر الذي اثّر بشكل كبير على حياة فيثاغوروس وافكاره هو طاليس احد الحكماء السبعة. كان طاليس مسناً حين اصطحبه فيثاغوروس، وكانت نصيحته للاخير هو ان يتبع خطواته ويسافر الى مصر للتعلم من الكهنة هناك. كان فيثاغوروس شابا متحمسا لإتباع النصيحة. هو بدا كما لو انه نشازاً حين رحل الى مصر مع شخص ملتح طويل الشعر. هو ارتدى عمامة شرقية وبنطال فارسي صنع من كتان لم يُر قط في جزيرة ساموس او في اي مكان من اليونان. تعلّم في مصر سريعا كيفية تغطية قدميه بالبردي كحذاء. لم يستعمل ابداً اي نوع من جلود الحيوانات. هو امضى الـ 22 سنة اللاحقة هناك وكان شاهداً على انتصار الفرس على مصر. الزوار اليونانيون الى مصر بمن فيهم فيثاغوروس جرى استخدامهم كعبيد من جانب الجيش المحتل ونُقلوا الى بابل. وهنا سمحت مغامرات فيثاغوروس ودراسته السرية له بالاستمرار، ربما نتيجة لما يتمتع به من كاريزما وموهبة. هو لم يتعرض الى اي بتر او تشويه في جسده منعاً للفرار كما كان يحصل مع غيره لأنه لم يكن لديه ميل للرحيل بل انه سخر نفسه لإستيعاب هذه الثقافة الغريبة واستمر في الرقي.وبعد ست سنوات اصبح قادراً على شراء حريته. وهنا رأى فيثاغوروس الوقت مناسباً للعودة الى وطنه - جزيرة سوموس.

 

سر امتناعه عن اللحوم

ونظراً لإيمان فيثاغوروس القوي بتقمص الارواح، كان ملزماً ليصبح نباتياً كي يتجنب صدفة تناول لحم صديق او قريب. ذُكر مرة ان فيثاغوروس التقى في احد الايام برجل يضرب كلبه. كان الكلب يصرخ من الخوف والالم، ادرك فيثاغوروس ان الصراخ والضجيج انما هو صوت صديق ارتحلت روحه مؤخراً. هو تدخّل ازاء الرجل داعيا اياه اطلاق كلبه وبذلك يكون سمح لصديقه المتقمص بالفرار من حياة الشقاء.

النباتي فيثاغوروس لم يمتنع فقط عن تناول اللحوم وانما امتنع عن تناول الفاصوليا.ذلك بسبب اعتقاده ان الانسان والفاصوليا يولدان من مصدر واحد، وهو اجرى تجربة لإثبات ذلك. حيث قام بدفن كمية من الفاصوليا في الطين ثم تركها لعدة اسابيع، بعدها قام باستخراجها. هو لاحظ وجود تشابه للفاصوليا مع جنين الانسان، مقنعا نفسه بالعلاقة الصميمية بين الاثنين. تناول الفاصوليا مساوي لتناول لحم الانسان. وان سحق او تحطيم او تلويث الفاصوليا مساوي للإضرار بالانسان.

في احد الايام المشرقة تقدم فيثاغوروس نحو ثور يرعى الفاصوليا في احد المراعي بجنوب ايطاليا. طلب فيثاغوروس من الرعاة ان يوقفوا هذا العمل. هو خطا نحو الحقل الطيني  وبدأ بالتحدث الى الثور بصوت هادئ هامسا في اذنه لوقت طويل . الرعاة كانوا يراقبون ما يحدث امامهم فانفجروا بالضحك. لكنهم اخبروا الناس لاحقا بان فيثاغوروس اقنع الثور بالامتناع عن تناول الفاصوليا. الناس المحليين والزوار في المنطقة اعتبروا الثور مقدسا. استمر الثور في غذائه الخالي من الفاصوليا وعاش لوقت اطول بكثير من حياة الثيران العادية.

لقد استغرق فيثاغوروس وقتا ليرسخ مجاله المهني وهو لم ينجز النجاح الحقيقي الاّ بعد ان تمكن من نقل افكاره واتباعه المتحمسين الى الساحل الشرقي لايطاليا، متمتعا بالاقامة في مستعمرة كروتون اليونانية. وهنا تمكنت جماعة الاخوان الفيثاغورية من ترسيخ أقدامها واصبح لها تأثير واسع النطاق. اصبح اسم فيثاغوروس وبسرعة مشهوراً في كل انحاء اليونان وما ورائها.

 

نهايته المأساوية

كان هناك رجل اسمه كيلون ينحدر من عائلة ارستقراطية ثرية، هو اعتاد الحصول على اي شيء يرغب به. وحين يُواجه بالرفض يصبح عنيفا ومتمرداً . ورغم ان كيلون لديه امكانية الوصول الى مختلف مستويات الدراسة  الا انه كان غبياً . كيلون رغب ليصبح جزءاً من الاخوان . ونظراً لكونه شاباً ثريا وطائشا تصوّر انه بالامكان السماح له بتجاوز سنوات التدريب والصمت والتأمل العميق الذي يسبق الدخول الى المراتب الداخلية المقدسة للاخوان.

فيثاغوروس رفض صراحة ذلك الطلب ورفض ليس فقط قبوله في الجماعة الاخوانية وانما رفض ايضا عقد مؤتمر معه. كيلون استشاط غضبا وحقداً وقام فجأة بإلقاء خطابات ساخرة عن افكار فيثاغوروس وعقائده – خطابات وصف فيها ابناء كروتون بالبهائم يستغلهم رجال فيثاغوروس. كيلون استغل ايضا عواطف اصدقائه وابناء مدينته حتى بدأ الغوغائيون بالنزول الى الشوارع مستهدفين منازل الاخوان . الغوغائيون الغاضبون احرقوا اماكن دراسة الاخوان ومحلات اقامتهم كي يجبروا الاخوان للفرار من النيران. وعندما حاول الاخوان الخروج من النيران قُتل بعظهم بالسكاكين. اما الذين نجحوا بالهروب توجهوا الى الارياف المجاورة. كان فيثاغوروس احد الهاربين المحظوظين: اتباعه شكلوا جسراً انسانيا يتسلق عليه للهروب من احدى البنايات المحترقة. ولكن هروبه لم يكن خافيا على الاعداء. حيث لحق به مجموعة من انصار كيلون الغاضبين .وفجأة توقف فيثاغوروس. وجد حقلاً شاسعاً من الفاصوليا يمتد امام عينيه. وقف متجمداً، حائراً ماذا سيفعل. حدقت عيناه في نبتة فاصوليا منفردة تتمايل على بعد سانتيمترات قليلة من قدمه المغطى بالبردي. ما هو حقيقي بالنسبة له انه لا يرغب في سحق حتى نبتة فاصولياء واحدة. كان ينظر الى تلك النبتة المتمايلة، والشمس تتدنى في السماء، هو تصورها كنضج الهي امامه. وحالما توقف هناك متردداً، ومتأملاً خطوته القادمه، أمسك مطاردوه  به. رفعوا سلاحهم واثخنوه طعناً بالسكاكين حتى فارق الحياة وبذلك يكون روى بدمه تلك النبتة دفاعاً عن عقيدته ولأجل تلك الحكمة العميقة المغمورة في ذلك الكائن الصغير.

 

................................................

Philosophy Now Jan-Feb 2013

 

عن بعض العراقيين، اللذين مرٌوا بموسكو (6) .. 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية

نتناول في هذه الحلقة من سلسلة مقالاتنا حول بعض العراقيين في موسكو حادثة وقعت في اروقة السفارة العراقية بموسكو عندما كان فاضل صلفيج سفيرا للعراق في روسيا الاتحادية . تبدأ هذه الحكاية عندما اقترحت على السفير العراقي في موسكو عام 2011 الاستاذ فايق فريق عبد العزيز نيروه يي فكرة اعداد كتيب بعنوان (سفراء العراق في موسكو من عبد الوهاب محمود الى عباس خلف)، وهي الفترة المحصورة من عام 1959، عندما تم تعيين عبد الوهاب محمود - اول سفير في موسكو للجمهورية العراقية ولغاية عام 2003 عندما كان الدكتور عباس خلف سفيرا لجمهورية العراق آنذاك، حيث انتهت تلك الفترة من تاريخ العراق نتيجة كل الوقائع المعروفة والتغيرات الهائلة التي حدثت في ذلك العام . لم يكن اختياري لهذين الاسمين من سفراء العراق متعمدا ابدا، اذ انهما فعلا كانا في الواقع هكذا، فعبد الوهاب محمود كان اول سفير للعراق وعباس خلف كان آخر سفير للعراق في موسكو ضمن تلك الفترة الزمنية المحددة، ولكن الحديث عن هذين الاسمين معا والفروقات الكبيرة والجذرية - وبعمق - بينهما هو بالطبع حديث ذو شجون، كما يقولون، ويبين بوضوح الخط البياني لمسيرة العراق المعاصر بلا شك وما آلت اليه الامور منذ 14 تموز 1958 ولغاية 2003، ولكن ليس هذا هدف هذه المقالة لا من قريب ولا من بعيد ابدا، لهذا ارجع الى الحديث عن المقترح المذكور، وأود ان اشير عندها الى ترحيب السفير بمقترحي ذاك، وقد طلبت منه ان يسمح لي بالعمل للاعداد لهذا الكتيب في ارجاء السفارة واروقتها قبل كل شئ، اذ ان الاوليات والمصادر كلها توجد في السفارة من اوامر ادارية وكتب رسمية ومراسلات وسجلات ووثائق ووقائع وذكريات ...الخ، وقد وافق السيد السفير - وبكل سرور - على ذلك، وكخطوة اولى لتنفيذ ذلك المشروع ذهبت مع بعض العاملين في السفارة (وقسم منهم كانوا طلبتي يوما – ما في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد) لالقاء نظرة على الصور المعلقة على جدار خاص داخل السفارة لكل السفراء العراقيين اثناء تقديمهم لاوراق الاعتماد الى الجانب السوفيتي والروسي، وهي صور تاريخية فعلا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ، اذ نرى فيها السفراء العراقيين وهم في حلٌة رسمية مهيبة ويقدمون اوراق اعتمادهم الى رئيس الدولة الروسية او من ينوب عنه، او يجلسون بتنسيق جميل في جلسة معدة سلفا في قصور الكرملين يصورونها للتاريخ، وتحت كل صورة من تلك الصور توجد شروحات تفصيلية تتحدث عن تاريخ تلك الصورة واسماء الحاضرين فيها من رؤساء روسيا الاتحادية او الاتحاد السوفيتي في حينها واسماء السفراء العراقيين .. الخ هذه المعلومات التوثيقية التاريخية الطريفة والتي اصبحت – بمرور الزمن – نادرة جدا وتاريخية فعلا ، وعلى وفق تلك التواريخ المثبتة تحت تلك الصور يمكن تحديد فترة عمل كل سفير من هؤلاء السفراء، واكتشفنا ان هناك فترة تاريخية باكملها مفقودة في مسيرة العلاقات الدبلوماسية بين العراق وروسيا، وان هناك نقصا في عدد السفراء العراقيين، فحكى لنا ج.ح. (وهو احد طلبتي القدامى في قسم اللغة الروسية) واحد قدامى العاملين في السفارة وفي وزارة الخارجية بالطبع، قصة تلك الفترة المفقودة، اذ انه كان موجودا ضمن العاملين في السفارة آنذاك، وترتبط تلك الفترة بعمل السفير مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي، والذي كان وزيرا للاقتصاد وللخارجية ثم تم ابعاده وتعيينه سفيرا نتيجة صراعات وخلافات لا يمكن في اطار هذه المقالة تناولها، ثم تم اتهامه بمؤامرة ضد النظام ومن ثم،تم اعدامه في بغداد. وقد تبين ان المسؤول الامني في السفارة العراقية آنذاك قد كتب الى السفير فاضل صلفيج تقريرا قال فيه، انه من غير الصحيح ان تبقى صورة ذلك السفيرمعلقة على جدار السفارة وقد تم أعدامه بتهمة الخيانة والمؤامرة في بغداد، وعليه فانه من الضرورة ان ترفع هذه الصورة من الجدار وان يجري تدميرها، فوافق السفير صلفيج على ذلك التقريررأسا دون اي نقاش او تفكير وأصدر امرا عاجلا بعقد اجتماع لكل العاملين في السفارة عند ذلك الجدار حيث توجد تلك الصور، وفي ذلك الاجتماع الغريب وغير الاعتيادي رفع السفير شخصيا من الجدار تلك الصورة امام هذا الحشد من الموظفين وبشكل استعراضي ورماها بقوة وعنف مع اطارها الجميل وزجاجها على الارض وسحقها بقدميه وسط صمت وذهول المحيطين به وهو يعلن ان هذا الشخص خائن ومجرم ومتآمر ولا مكان لصورته ضمن هذه المجموعة من صور السفراء، ولم يأخذ السفير فاضل صلفيج بنظر الاعتبار طبعا اي اهمية لتلك الصورة التاريخية التي تشير الى مرحلة محددة من التاريخ في مسيرة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والعراق بغض النظر عن الافراد الذين كانوا يمارسون واجباتهم الوظيفية ليس الا، ولم يستطع ان يعترض احد بالطبع من هؤلاء الموظفين والعاملين الذين كانوا يقفون حوله على هذه التصرفات الفجٌة الرعناء وغير اللائقة اصلا لهذا الشخص الذي كان يجب عليه كسفير في دولة اجنبية ان يتحلى بالدبلوماسية والتعقل والحكمة والتصرف اللائق اخلاقيا واحترام التاريخ باعتباره رأس الدائرة التي تمثٌل العراق ودبلوماسيته امام العالم . لقد استمعنا بحزن وأسى وخجل الى وقائع هذه القصة، وعلق البعض عليها قائلا ان هذه التصرفات كانت من سمات هذا الرجل الفظ الذي لا يصلح ان يكون سفيرا ابدا، وتذكر البعض الآخر ما جرى في محاكمات تلك الشخصيات التي كانت على رأس السلطة آنذاك والتي عرضت على شاشات التلفاز العراقي في حينها، اذ اشار احدهم الى ان فاضل صلفيج (الذي جاء مرة كشاهد في جلسة احدى تلك المحاكمات) وقد تحدث المتهم آنذاك عن فاضل صلفيج قائلا انه كان يتميز بعدم الذكاء، ومحدودية التفكيرجدا، وعدم القدرة على العمل السليم والمنطقي، وان النظام اعطاه كل الفرص – باعتباره قريبا لاوساط الرئيس - كي يتقدم ولكنه لم يستطع حتى ان يثبت شخصيته نتيجة تلك الصفات المحدودة جدا التي كان يتميز بها، رغم انه كان في فترة ما حتى رئيسا لجهاز المخابرات العامة في العراق .

بعد هذا الحديث الغريب والمحزن والكوميدي في آن واحد طرح أحد الحاضرين سؤالا محددا، يتعلق بالتاريخ ومتطلباته وهو – كيف يمكن اعادة تسلسل صور السفراء العراقيين حسب تواريخ عملهم في السفارة العراقية في موسكو بغض النظر عن كل هذه التفاصيل السياسية المؤلمة التي مرٌ بها العراق؟ فاجابه المتحدث قائلا، انهم فكروا بمفاتحة الخارجية الروسية بتزويدهم بصورة اخرى لتقديم اوراق اعتماد السفير مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي، ولكن هذه المفاتحة تحتاج الى تبريرات منطقية، ومن الصعب على السفارة ان تشرح كل هذه التفصيلات كما حدثت في الواقع، ولكن السفارة وجدت الحل الملائم لتلك المسألة، اذ وصلت الى السفارة موظفة جديدة هي ابنة المرحوم مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي،وتبين انها تمتلك صورة من تقديم اوراق اعتماد والدها الى الرئيس الروسي، وهكذا عادت الان تلك الصورة التاريخية الى الجدارالخاص بها في السفارة العراقية بموسكو.

 

بمناسبة ذكرى تخرج الدورة 48 من الكلية العسكرية العراقية

كنت قد كتبت اول امس ملاحظة عن نيتي في كتابة هذه الذكريات وبمزيد من الفخر علق على اعلاني امر فصيلي في مرحلة المستجد والمتوسط اللواء الركن (الملازم الاول في حينها) نبيل خليل سعيد فشكرا له على هذه الالتفاتة .

في مثل هذا اليوم 30/5 /1970 تم تخريج الدورة 48 من الكلية العسكرية العراقية .

والدورة 48 وُصفت كما هي الدورة 20 في كلية القوة الجوية في انها دورة استثنائية كان قد اعلن عنها في شهر حزيران 1968 رئيس الوزراء العراقي طاهر يحيى اخر رئيس وزراء عراقي قبل وصول البعث الى الحكم باعتبار انها خطوة باتجاه تطوير وتوسيع الجيش العراقي استجابة لتحديات نكسة الخامس من حزيران 1967 .

بدأ تقديم الطلاب على الدورتين بعد الاعلان عنهما الا ان الاعدادات لهما لم تكتمل، قُطعت او توقفت بوصول البعثيين للحكم في 17 تموز 1968 . تم اعيدت اجراءات القبول والفحوصات في النصف الاول من شهر اب 1968 وبدئنا بالالتحاق بالكلية في صباح يوم 14 /9/1968 . ان غالبية الطلاب كانوا ممن تقدم للكلية قبل وصول البعث الى السلطة الا ان البعث اضاف للدورة حوالي 50-60 طالب فيهم بعض من اخوان واقارب بعض المسؤولين مثل حسن ندا اخو زوجة الرئيس احمد حسن البكر محمد ياسين رمضان اخو طه ياسين رمضان خضر علي نصارالعامري اخو حسن علي العامري عضو القيادة القطرية واحد الوزراء مزاحم عمر العلي اخو عضو القيادة القطرية وزير الاعلام صلاح عمر العلي . مع ابناء ضباط كبار كانوا ما زالوا في الخدمة مثل صارم بن اللواء شكيب الفضلي وهيثم بن اللواء احمد حسن بكر (تشابه اسماء مع الرئيس احمد حسن البكر) وغيرهم وثلاث او اربعة من البعثيين من الكبار بالعمر بمقاييس اعمار طلاب الكلية منهم عادل مزيد الدبوس واخر اسمه للاسف نبيل لا اتذكر بقية الاسم من اهالي البصرة شاء الحظ ان يكونوا جميعا من زملاء نفس القاعة . كانوا للامانة جميعا مؤدبين ودودين لم يستغل على الاقل ظاهريا اي منهم موضوع قرابته لافي تعامله مع الضباط ولا مع الطلاب، باستثناء عادل الذي تبين انه المسؤول الحزبي للدورة او اقدم حزبي بين الاخرين . الذي بعد ان بدات الصورة تتضح حول الارتباطات الحزبية بدأ يتعامل مع الطلاب بعنجهية وتكبر واستغلال الطلاب من ضعفاء الشخصية والانتهازيين بشكل واضح لذلك كانت لي معه صدامات ومشاكسات كثيرة حتى علمته ان يتحاشا الاحتكاك بي .

نُسبت للفصيل الاول في سرية المثنى بن حارث الشيباني بامرة الملازم الاول (اللواء الركن المتقاعد الان) نبيل خليل سعيد (وهو ضابط مميز بخصائص استثنائية كما ساتكلم عن ذلك فيما بعد) ولم يكن التنسيب للسرايا او الفصائل مبني على قاعدة بل جاء الضابط الى الطابور المصطف ليقولوا من هنا الى هنا سرية المثنى ومن هنا الى هنا الفصيل الاول وهكذا .كذلك الحال بالنسبة للحضائر فكان نصيبي ان اكون من افراد الحضيرة الرابعة وان اخذ الرقم 9355 (رقم الطالب يعني تسلسله في قائمة طلاب الكلية العسكرية منذ بدا انشائها) خصص لكل فصيل قاعة من القاعات الاربع في بناية سرية المثنى وكان اعداد الفصائل اكبر من اعداد الاسرة الموجودة في القاعات الخاصة بكل فصيل خصصت القاعة الرابعة لضم الحضيرة الرابعة من كل فصيل فهي قاعة مختلطة .

جرت الكثير من الاستثناءات في الدورة 48 لتغدو استثنائية فعلا فقد تقلصت السنة الدراسية الى 6 اشهر والغيت فيها العطل الرسمية التي كان يتمتع بها طلاب الدورات الاخرى عطلة نصف السنة والعطلة الصيفية اتذكر اننا ما ان انتهينا من اداء الامتحانات النهائية في الدروس النظرية للصف الاول حتى باشرنا في اليوم التالي السنة الدراسية الجديدة وتكرر الامر في الانتقال من الصف الثاني الى الصف المتقدم اي الثالث والصفوف او السنوات الدراسية تسمى عادة مستجد ومتوسط ومتقدم .

شمل اجراء الغاء العطلة دورة المتوسط اي الدورة 47 . وكانت الدورة 46 في بداية سنتها الاخيرة وتتهيأ للتخرج .

من الاستثناءات الاخرى التي تمت خلال الدورة 48 انه تم توزيع الطلاب على صنوف الاسلحة في الصف المتقدم وكان هذا التصنيف يتم عادة بعد التخرج ولعلها خطوة علمية وعملية لان المرحلتين المستجد والمتوسط كانت كافية لتدريبات المشاة الاساسية وتعلم اساسيات العلوم العسكرية ولم تؤثر هذه التوزيعات على المنهج الدراسي النظري الذي كان يتلو مرحلة التدريب الصباحية على الاسلحة .

نُسبت لصنف المدفعية دون ان استخدم واسطة او التماس لاني بالاساس كنت من محبي صنف المشاة او هندسة الميدان واعرف ان الدبابات او الدروع ستكون حصة البعثيين واقاربهم باستثناء خضر علي نصار لانه أُرسل للتدريب في كلية سانت ايرس البريطانية بعد التخرج مباشرة رغم ان مثل هذه الارساليات كانت تتم عادة للطلاب الاوائل في كل سرية ولم يكن خضر مميزا اوالاول على دورتنا بل كان الطالب خالد علي المولى من طلاب الفصيل الثالث في سرية المثنى بن حارث الشيباني هو الاول لكنه لم يكن من البعثيين . يقال انه أُعدم فيما بعد بدسيسة من احد خريجي الدورة لعضويته في تنظيم سري مضاد للنظام ولا استبعد ذلك من هذا الدساس لانه كان وصوليا بطبعه ولربما لاسباب خاصة اراد ان يثبت نفسه في مديرية الاستخبارات العسكرية او ان يُثبت للحزب اخلاصه مع انه كان من اوائل المنهزمين من الجيش عند الاحتلال . وصادف ان اتصل بي عام 2006 عن طريق محطة التلفزيون التي كنت اظهر بها

سالته اين انت الان فقال انه في احد الدول الاسكندنافية جاء يطلب اللجوء السياسي معبرا عن خوفه في ان يرفضوه واحتمال ان يضطر للمجئ الى لندن او اذا كنت استطيع ان اقدم له شهادة تساعد على قبوله قلت له في حينها: رغم كل شئ انا مستعد لمساعدتك في اي حاجة تطلبها كزميل لكن اليس من الانصاف ان تبقى في العراق انت اخر واحد يحق له ان يهرب من العراق فانت بعثي واذكرك كم كنت تتنافخ في الكلية بذلك ومثلك الان يجب ان يكون قائدا في صفوف المقاومة لا ان يهرب . قال: بس انا حياتي في خطر قلت له: نحن عسكر مهنتنا الدفاع عن الوطن لماذا اذا دخلت الكلية العسكرية اذا كنت تخاف الموت ساعة الشدة .

ظل يتواصل معي بين فترة واخرى وانقطع بعد ان حصل على حق اللجوء على ما يبدو وما عاد يحتاجني .

فهمت انه هرب اول ما اتيحت له الفرصة الى الاردن ثم الى حيث هو الان مع انه شارك في ترديد قسم التخرج (اقسم بالله العظيم وبكتابه الكريم وبشرفي ومقدساتي ان اكون وفيا مخلصا في الدفاع عن وطني ..........، واقسم بالله العظيم وبكتابه الكريم وبشرفي ومقدساتي ان اكون وفيا مخلصا لمبادئ ثورة 17-30 تمور وان ادافع عن مبادئ حزب البعث .....)

وقضى خدمته العسكرية في مديرية الاستخبارات العسكرية التي لم ينسب اليها الا من كان بعثيا موثوق بولائه .

وبمناسبة الحديث عن القسم .

هذا القسم ردده كل خريجي الكلية العسكرية اعتبارا من خريجي الدورة 46 فصاعدا لذلك اقولها صراحة ان كل من عاد للخدمة للجيش بتشكيلته الجديدة فانه يشكل حالة انتهازية مفرغة من القيم والاخلاق .

تشهد وثائق طبابة الكلية العسكرية ان كانت ما زالت سليمة لي اني والمرحوم النقيب الشهيد عماد فالح البلداوي تهربنا من الاشتراك في استعراض التخرج يوم 30/5 باجازات مرضية بحجة الاسهال تهربا من ترديد القسم .فقد اخبرت عماد باني ساتهرب من الاستعراض لاني لااريد ان اقسم بالولاء لحزب البعث وانا ولائي لمجموعة اخرى وذهبت في ليلة التخرج للطبابة متحججا بالزكام والصداع الا ان الطبيب الخفر رفض اعطائي اجازة مرضية وقال ان الاجازات ممنوعة في يوم الاستعراض .الا ان الممرض الذي كان في غرفة الطبيب تبعني الى خارج المستوصف ليقول لي اذاكنت لاتريد المشاركة في الاستعراض فان الاجازات المرضية ممنوعة الا بحالة واحدة وهي ان تدعي ان عندك اسهال حاد تعال غدا صباحا وسياتي طبيب اخر لايعرف بمجيئك اليوم وستحصل على الاجازة . عندما عدت في صباح اليوم التالي قبل الاستعراض بساعتين حصلت على الاعفاء المطلوب اخبرت عماد فذهب هو الاخر ليحصل على نفس الاعفاء . وهكذا تجاوزنا القسم دون ان ينتبه احدا لنوايانا والاسباب الحقيقية لتخلفنا رغم انها ساعات من احلى ساعات العمر حفلات التخرج تلك.

الاستثناء الاخر في الدورة 48 كان بداية دخول الاسلحة الفرنسية في منظومة تسليح الجيش العراقي واضيف للمنهج الدراسي تعليم اللغة الفرنسية لتصبح الخيار الثاني مع الروسية وتم احضار مدرسين فرنسيين لهذه الغاية الا انا لم نستفد منهما بالحقيقة بالشكل المطلوب فقد كان من الاخطاء الشائعة في الكلية التركيز على التدريب العملي مقابل اهمال الدروس النظرية التي تتحول بعض الاحيان الى ساعات استراحة او النوم والكسل بسبب التعب من التدريب العملي وحسب اهمية الدروس النظرية وشخصية الضابك المعلم وكنا نعتقد خطأ بعدم اهمية اللغات الاجنبية . وكان ان اصابتني اكبر عقوبة في الكلية حرمان اذن لمدة اربع اسابيع لان مدرس الفرنسية قدم اسمي الى امر الكلية للنوم في الصف وكنت عادة اضع القلم بيدي واتظاهر بالكتابة في حين اتكأ على يدي اليسرى للنوم ويبدو ان المدرس وجه سؤالا لي فعرف بنومي الذي كان يتصوره اجتهاد ومتابعة مني .

كان الطالب الوحيد الذي اهتم بدروس الفرنسية في دورتنا هو صارم شكيب الفضلي واعتقد انه تعلم الكثير من اساسياتها .نُسب لصنف الكيمياوي اعتقد ان ذلك كان برغبته بحكم موقع والده اللواء شكيب الفضلي احد الضباط الكبار بالجيش .سمعت انه بطريقة او اخرى تمكن من اكمال دراسته ونال الماجستير او الدكتوراة في الكيمياء .

حول التنسيب للصنوف كنت احب صنوف الاشتباك القريب (الدروع المشاة هندسة الميدان) . وكما ذكرت في اعلاه اعرف ان الدبابات كانت حكرا على الطلاب الحزبيين فلم افكر بها لكن الصدمة فاجئتني ان أُنَسب لصنف المدفعية لاني من خريجي الفرع العلمي في الثانوية العامة ورغم ان الصنف كان مرغوب جداعند الكثير من الطلاب . استثمرت اجتماع امر الكلية العقيد الركن داود الجنابي بدورتنا ليتكلم عن التوزيعات التي حصلت بالصنوف طلبت الاذن بالحديث مستغلا الفرصة: واشتكيت له تنسيبي للمدفعية ورجوته ان ينقلني لصنف المشاة . ابدى كل من كان موجود في القاعة استغرابه ملتفتا لي بدهشة لانهم يعتقدون ان خياري كان جنونا فالمدفعية من الصنوف المرغوبة جدا حتى امر الكلية العقيد داود الجنابي سالني مستغربا فقلت له: " انتم علمتونا ان المشاة سيد الصنوف واحب ان اكون في خانة السادة ثم تيمنا بك وانت الضابط الناجح وصنفك مشاة "، فضحك وقال انت منقول للمشاة .

كان موعد تخرجنا الطبيعي هو يوم 17 تموز /يوليو 1970 الا ان اشاعة قوية بدات تنتشر في الاسبوع الاول او الثاني من شهر مايس / مي وفعلا بدات الاستعدادات للتدريب على حفل التخرج وتم تبليغنا بذلك اي كنا قد كسبنا 47 يوما على الموعد المقرر فهمنا فيما بعد ان سبب التسريع كان زيارة الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي لبغداد وان الحزب كان كان يطمح للتاثير به وكسبه فهو يحمل توجهات قومية متذبذبة بين البعث والناصرية . حتى ان الرئيس البكر سمى الدورة في خطابه في احتفال التخرج باسم دورة معمر القذافي .

للاسف ان تلك الحفاوة وذلك الاحتفال بمقدمه لم يؤتي اكله فكان من مزاجيات المرحوم القذافي ان زود ايران بالصواريخ التي ضربت بغداد خلال الحرب العراقية الايرانية كما قيل في حينها . وناصب البعث العداء . ليطرح نفسه كصاحب رؤية مستقلة عن الطرفين .

القضية الاهم في الحياة العسكرية من خلال تعايشي اليومي لمدة 18 شهرا مع تلك الاعداد الغفيرة من الطلاب حيث شهدت 5 دورات اثنين قبلنا والتحاق دورتين اخرين خلال وجودنا وعلى الاقل في دورتي لم الحظ اي ظاهرة طائفية عند الطلاب ولا الهيئة التعليمة سوى ظاهرة واحدة حاول من خلالها احد طلاب فصيلنا (ا.ع) ان يثيرها ضد الطلبة الشيعة المصلين في جامع الكلية الا انه تم تاديبه وردعه بقوة كما عالج الملازم الاول نبيل خليل سعيد امر الفصيل الاول في سرية المثنى بن حارث الشيباني الامر بحنكة وحكمة ما جعل هذا الطالب يرتدع ويتخلى عن تصرفاته تلك .

تعايش الجميع وقامت صداقات بين الكل دون اي اعتبارات للانتماءات الطائفية للطلاب . وكانت حالة هذا الطالب استثنائية . سمعت انه تم اعدامه بعد تخرجه وهو برتبة ملازم اول لانه نشط في بناء تنظيم سري لصالح الاخوان المسلمين . كان المعيار المفضل عند الجميع هو المهنية العسكرية وروح الاخوة والتعاون وتدريجيا اصبح الولاء للحزب هو المعيار الاهم فالطالب العميد الركن (فيما بعد) خضر نصار مثلا كان شيعيا ومع ذلك تبوأ اعلى المناصب دون ان يكون لانتمائه الطائفي اي تاثير على ذلك كما هو الحال مع الكثيرين غيره في حين تم اعدام (أ.ع) الطائفي المتعب . لكني وجدت ان بعض الطلاب الشيعة متحسسين ومنهم من يحاول البراءة بانتقاد المذهب او شتم علمائه ليثب برائته التي لم يطلبها احد منه فهو حس داخلي بالاضطهاد او التمايز ما كان له اساس على ارض الواقع. .

من اغرب ما قرات كتاب صدر في اوائل التسعينات بعنوان (المعنويات في الجيش العراقي) مؤلفه ضابط كان بعثيا بدرجة عضو فرقة دخل كلية الاركان على هذا الاساس وتخرج منها ثم تم اسره او هو سلم نفسه خلال الحرب العراقية الايرانية يتهم كل ضباط وقادة الجيش العراقي بالتعصب الطائفي ضد الشيعة ولم يتوقف عند حد ان بعض من يتهمهم كانوا من الشيعة . ولم يبرء واحدا الا الطالب الذي ذكرت حالته اعلاه (ا.ع) عندما التقيت بالمؤلف سالته كيف هذا وانا اعرف الكثير من الضباط المتهمين بالطائفية براء منها وكيف يتهم الجميع ويبرء (ا.ع) قال: " نعم كان لكني عندما تعرفت عليه وتطورت علاقتي به اصبحنا اصدقاء واعطيته كتاب نهج البلاغة فقرأه وغير سلوكه واعتذر عن مواقفه السابقة ". لايمكن الوثوق بالرواية التي لاتختلف في طريقتها عن بقية روايات المؤلف في انه رأى الضابط الفلاني يهمس باذن الاخر ليقول له هذا شيعي وذاك سني وعندما لايسمع الهمس (الذي يفترض انه لايُسمع) فانه يفسر نوايا الاخرين تفسيرات طائفية غير مقبولة من مخيلته. لم اعجب لتفسيراته لانه قالها صراحة انه استلم ثمن كتابه من جهات طائفية . وهكذا هم من يروجون للطائفية لم يكتبوا شيئا بقناعة منهم لكن مقابل ما يدفع لهم من اموال كما هو حال حسن عليوي هندش مؤلف كتاب " الشيعة والدولة القومية " الذي زور الروايات وقلبها من اجل ان يبرهن شيوع الطائفية بين صفوف الجيش العراقي وقد كتب عن ذلك وكشفت بالوثائق زيف رواياته في كتابي " ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد"

كلمة اخيرة اقولها بحق ضباطنا الاشاوس من المعلمين في الكلية العسكرية ولااتذكر كثيرا اسماء الضباط المعلمين في سرية صلاح الدين كما لم احتك بهم . لكن الشهادة لله وللتاريخ كان معلمي الفصائل الثلاث في سرية المثنى من افضل الضباط معرفة وخلقا وطيبة تعاملوا معنا وشملونا برعايتهم كابناء لهم رغم ان فوارق العمر لم كبيرة. كانوا قادة حقيقين ومربين مهنيين اثنان منهم الملازم الاول نبيل خليل سعيد والملازم الاول عماد عبد القادر من خريجي كلية سانتيرس البريطانية وكان الملازم محمد وهيب العزاوي خريج الكلية العسكرية العراقية نموذج للطيبة .

ولامر فصيلي الملازم الاول (اللواء الركن المتقاعد) نبيل خليل سعيد الكثير من الافضال فعدا كونه المعلم الاول الذي تعلمت على يديه المبادئ الاولية للعسكرية فقد خلصني من العقوبات في بداية مرحلة المتوسط نهائيا وعقوباتي كلها كانت تتعلق بالتدخين باستثناء حالة واحدة ذكرتها اعلاه وهي النوم بدرس الفرنسية .لااتذكر السبب الذي قدمني من اجله عريف الفصيل الطالب محمود فيزي الفزيع كمذنب لامر الفصيل الملازم الاول نبيل خليل سعيد: الذي خاطبني موسى الحسيني: " ضجت منك والله ضجت حبر قلمي خلص من كتابة العقوبات غرفتي هم ضاجت منك، والتفت الى الملازم الاول محمد وهيب العزاوي الذي يتقاسم المكتب معه ملازم اول محمد بالله ماضجت من موسى " ثم قال لعريف محمود: "انا تعبت من موسى خذه وروح وما اريد اشوفه بعد بغرفتي ". ومرت المخالفة بدون عقوبة في طريق عودتنا الى قاعة الفصيل استثمرت الموضوع لاهدد العريف محمود قلت له: شفت عريف محمود الملازم الاول نبيل وضوجته وتعبته دير بالك تغلط علي يوم امام الطلاب ترى اضوجك واخليك مضحكة واهربك من الفصيل (كان بعض الاحيان يستعمل مع بعض الطلاب كلمات غير لائقة مثل كلمة غبي او يصرخ بصوت عالي عليهم – رغم انه للامانة رجل طيب وودود لايلمس الانسان فيه اي توجهات خبيثة او شريرة)، قال: "مستحيل بس انت عليك ايضا ان تحترمني امام الطلاب "، قلت: "هذا واجب مفروض علي وحق "، قال: اتفقنا .

كان الملازم الاول نبيل خليل سعيد شديد الضبط والانضباط صارم بدون قسوة كنا نحترمه وننفذ اوامره دون خوف . يشعرك انه كان مميزا بين زملائه الضباط بكل شئ قيافته مشيته طريقة خطابه مع الاخر وطرح اوامره .واني لافخر به معلما وواحدا من اصدقائي الان على الفيس بوك .

كنت اتمنى لو اصادف اخبارا عن اي من طلاب دورتي لكني عجزت للاسف حتى الان واعتقد ان الغالبية منهم قد استشهد او قتل في سلسلة الحروب التي مر بها العراق فرحمة لارواح من مات منهم وتحياتي لمن مازال على قيد الحياة .

تجنبا للملل ساتوقف عند هذا الحد لاتابع في مناسبة اخرى مواصلة مثل هذه الذكريات .

 

د . موسى الحسيني

 

كريلوف .. ابن المقفع الروسي

يسمونه الجد كريلوف في تاريخ الادب الروسي ومسيرته (حتى بوشكين أسماه هكذا رغم ان بوشكين مات قبله)، ويعرفه الصغير والكبير في روسيا، ولم أجد شخصا هناك لا يعرفه - و منذ طفولته - و لا يعشقه ولا يستشهد باقواله وامثاله وحكمه وقصائده ويتحدٌث عن اساطيره وحكاياته وقصصه الخرافية الجميلة ذات المعاني الواقعية والحياتية البسيطة والعميقة والحكيمة في آن واحد، ويستشهد بمقاطع طويلة منها عن ظهر قلب رغم ان ابطالها بالاساس هم الحيوانات المختلفة من اسود ونمور وذئاب وثعالب وكلاب واسماك وطيور او حتى الاشياء الاعتيادية التي تحيط بنا مثل الاشجار والاحجار والمياه ...الخ وهناك بالطبع يكمن الانسان نفسه – بشكل مباشر او غير مباشر - في كل تلك الحكايات الخرافية والاساطير.

لم تستقر لحد الان التسمية العربية الدقيقة لنتاجات كريلوف الادبية الابداعية هذه (توجد كلمة روسيٌة واحدة محددة لها ومعناها الحرفي القاموسي هو – اسطورة // امثولة) رغم ان الكثير من المترجمين العرب ترجموها (او حاولوا ان يترجموها ولكن ...!) الى العربية، فهناك من يطلق عليها تسمية حكايات رمزية، وهناك من يسميها خرافات، وثالث يقول انها اساطير، ورابع يشير الى انها قصص خرافية، وتطلق اللهجة العراقية عليها كلمة – (سالوفه وجمعها سوالف)، وكل هذه الاجتهادات واردة وصائبة ومقبولة - في الواقع - بلغتنا العربية، لغة كليلة ودمنه ومترجمها العظيم ابن المقفع، اذ ان العرب نفسهم أطلقوا عليها كل تلك التسميات المذكورة اعلاه، ولهذا السبب اطلقنا على كريلوف في عنوان مقالتنا هذه اسم – ابن المقفع الروسي، رغم ان الباحثين الروس يسمونه باسم الكاتب الفرنسي لافونتين، اي لافونتين الروسي، او لافونتين روسيا، وهم بالطبع على حق، وذلك لان كريلوف قد ابتدأ مسيرته الابداعية في هذا المجال بالذات عن طريق ترجمة العديد من الحكايات والاساطير لهذا الكاتب الفرنسي الشهير الى اللغة الروسية (تشير المصادر المختلفة الى انها حوالي الاربعين)، ولكن كريلوف ترجمها بتصرف كبير جدا وصياغة ابداعية وذاتية روسيٌة اصيلة، اي انه قام بترجمة حرة لم تلتزم بتاتا بحرفية النص الاجنبي (الفرنسي) او قواعد تركيبه وترتيبه، وانما التزمت التزاما ابداعيا و دقيقا وصارما بالمضمون فقط، اما الشكل الفني فقد التزم كريلوف بموسيقية الشعر الروسي وجماليته واصول صياغته اولا، وبناء الجملة الروسية وترتيبها واحكامها وقواعدها بالنسبة للنثر ثانيا، مع اضافات وتفصيلات عديدة ومختلفة وذات نكهة روسيٌة بحتة ابتكرها كريلوف بشكل مبدع بنفسه واعتبرها ضرورية في مجمل البناء الفني واللغوي لتلك النصوص، لدرجة اصبحت (تلك الترجمات) جزءا لا يتجزأ من الادب الروسي البحت شعرا ونثرا، ولم يعد القارئ او المتلقي الروسي يحس ان هذه النصوص مترجمة عندما يطالعها، وقد كتب كريلوف نفسه حكايات واساطير اخرى غير تلك التي ترجمها و بنفس الروحية والخصائص، ولا يستطيع القارئ الان ان يميز بين تلك التي ترجمها او تلك التي كتبها كريلوف نفسه، وهو في الواقع ما قام به ابن المقفع بالنسبة لكتابه العظيم كليلة ودمنة لدرجة باننا لحد الان نربط هذا الكتاب باسمه وكأنه مؤلف الكتاب ليس الا ولا نتحدث عنه باعتباره مترجما للكتاب، وهذا ما حدث واقعيا لكريلوف بالضبط ايضا، ولهذا فاننا نرى ان تسميته ب (ابن المقفع الروسي) بالنسبة لنا نحن العرب هي الاقرب روحيا لنا و الأكثر دقة من تسميته ب (لافونتين روسيا) رغم موقف الباحثين الروس الذي ذكرناه اعلاه، ولكن يبقى هذا الامر نسبيا بالطبع، بل و حتى ثانويا ليس الا، ولايمكن له ان يؤثٌر بتاتا لا من قريب ولا من بعيد على موقع كريلوف في الادب الروسي وقيمته الفنية الكبيرة واهميته المتميزة في مسيرة تاريخ الادب في روسيا وحب القراء الروس له وتقبلهم لنتاجاته الابداعية تلك وتعلقهم واعتزازهم وتمتعهم بها واستمرارهم لحد اليوم بقراءة نصوصه الادبية الجميلة الشفافة والساحرة .

لا نظن ان هناك ضرورة لعرض سيرة حياة ابن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ايفان أندرييفتش كريلوف ( 1769-1844 ) في هذه السطور هنا بشكل تفصيلي وشامل، خصوصا وان هذه السيرة الحياتية موجودة بشكل تفصيلي في الكثير من المصادر العربية المتوفرة حول الادب الروسي وتاريخه واعلامه، وكذلك لا نرى ضرورة في التوقف اوالحديث او التأكيد على مراحل مسيرته الادبية والابداعية باعتباره صحفيا او كاتبا مسرحيا، لأن الكتابة عن مساهماته الصحفية الكبيرة في الحياة الفكرية الروسية (وخصوصا في مجال الصحافة الروسية الساخرة والذي يعد كريلوف واحدا من مؤسسيها الاوائل في روسيا ورائدا كبيرا من روادها) تتطلب مقالة خاصة، اما مسرحياته واهميتها وقيمتها الفنية في بداية مسيرة المسرح الروسي فانها تقتضي ايضا دراسة معمقة بلا شك لما لها من اهمية في تاريخ الادب المسرحي الروسي بشكل خاص والمسرح الروسي بشكل عام، ولكننا نريد في مقالتنا هذه (التزاما بعنوانها) التحدث عن تلك العوالم الخيالية المدهشة الجمال والاسطورية التي خلقها في حكاياته واساطيره الشعرية والنثرية، والتي لا زالت لحد اليوم تنبض بالحياة في المجتمع الروسي وتساهم في تفصيلات مسيرته اليومية والتي قال الكاتب الروسي العظيم غوغول عنها مرٌة انها تجسٌد (حكمة الشعب كله)، وهي ظاهرة نادرة جدا في تاريخ الادب الروسي بشكل خاص والادب العالمي بشكل عام.

كتب كريلوف اكثر من 200 حكاية خرافية واسطورة شعرا ونثرا، وقد ابتدأ بذلك منذ عام 1806 عندما كان مشهورا جدا في الاوساط الادبية والصحفية الروسية في حينه، ثم أخذ باصدارها ضمن مجاميع، وقد بلغت 9 مجاميع بين أعوام 1809 و1843 وبعدة طبعات واسعة الانتشار،و كان ينتظرها القراء الروس آنذاك بكل لهفة، ويمكن القول انه تفرٌغ ابداعيا لكتابة هذا النوع الادبي المتميز منذ ذلك التاريخ والى نهاية حياته، والذي لم يسبقه أحد فية بروسيا آنذاك، وهكذا أصبح كريلوف رائدا في هذا المجال ومؤسسا له، وقد قال له أحد اصدقائه من النقاد عندما اطلع على محاولاته الاولى في هذا المجال، عندما ترجم لاول مرة بعض حكايات لافونتين، انه – (مخلوق بالذات لهذا الشكل من الابداع) وقد كان هذا الناقد على حق فعلا، اذ اثبتت الايام والسنوات ان كريلوف لا يزال لحد الآن يقف في طليعة الادباء الروس في هذا المجال رغم ظهور عشرات الكتٌاب و الادباء الروس بعده، و الذين حاولوا تقليده اوتكرار تجربته او ان يحذون حذوه.

نحاول - في ختام هذه الملاحظات الوجيزة عن كريلوف – ان نرسم نموذجا تطبيقيا محددا لما ذكرناه اعلاه، وذلك يقتضي ان نتوقف بتفصيل عند احدى نتاجاته المترجمة وهي حكاية خرافية معروفة جدا للقراء العرب بعنوان الغراب والثعلب بقلم لافونتين، والتي ترجمها كريلوف عن اللغة الفرنسية . ان هذه الحكاية معروفة ومشهورة جدا عند معظم الشعوب تقريبا و منذ القدم، وتوجد اشارة لها بشكل او بآخر حتى في حكايات الف ليلة وليلة وفي كليلة ودمنه، ولكنها تمتلك صياغتها الخاصة بها لدى تلك الشعوب . لقد كتبها لافونتين شعرا في القرن السابع عشر (ولد في 1621 وتوفي في 1695)، وترجمها المترجمون عنه شعرا ايضا، وهو ما قام به كريلوف ايضا، ولكننا عندما نتحدث مع اي مواطن روسي الان عن هذه الحكاية فانه يقول رأسا ان كريلوف هو الذي كتبها لنا، ولا يقول انه ترجمها عن الفرنسية، ثم يبدأ بقراءة المقطع الاول منها كما عند كريلوف-

(وهب الرب للغراب قطعة جبن صغيرة ....)، ولا يهتم بتاتا ان لافونتين لم يبدأ هذه الحكاية الخرافية الممتعة والمعروفة للجميع بهذا الشكل، وانما جاءت (حسب ترجمة المترجم القدير عن الفرنسية الاستاذ علاء شطنان التميمي في موقع النور والمرفق مع نص لافونتين بالفرنسية) هكذا-

حطٌ الغراب على شجرة بهية

يحمل في منقاره جبنة شهية


 

مملكة الإستبداد الديني .. تحقيق إستقصائي

hadi  jalumreiالمسافة بين المدينة المنورة ومكة تزيد على ال 440 كم وهي إمتداد صحراوي عميق وقاحل، موغل في الرمال، لكنه يحتفظ بعشرات من التلال التي تبدأ بالتفرق حال مغادرة المدينة التي تحتضن القبر الشهير لآخر الأنبياء محمد، وتزدهر بعديد المقامات الدينية المحمية من قبل هيئات دينية متشددة، كالمسجد النبوي الذي فيه قبور للنبي وصاحبيه أبي بكر وعمر، وقبر لفاطمة بنت محمد التي دفنت سرا بوصية لعلي بعد خلاف عميق على ولاية المسلمين بين فريق يراها لعلي بالوصية والوحي، وفريق يراها بالشورى حيث إستقرت على هذا بالفعل، لكنها أدت الى إنقسام يطبع حياة المسلمين الى يومنا هذا، والى القيامة كما هو واضح حيث تتعدد المذاهب وتنمو، وكل منها يرى الحق الى جانبه ويدافع عنه ويجد الملايين من الأنصار بإنتظاره.

من المواضع المقدسة أيضا الجبل الشهير ب(أحد) الذي هزم عنده المسلمون شر هزيمة بعد مخالفة عدد من الرماة أوامر النبي ونزولهم أرض المعركة طمعا في الغنائم، ولم يكونوا منتبهين لوجود أحد أشهر قادة المشركين في حينه خالد بن الوليد الذي أعمل فيهم السيف وقتل عددا كبيرا منهم  قبل أن يتحول الى بطل أسطوري عند المسلمين بعد دخوله الدين الجديد، بينما لايزال الشيعة يرون فيه قائدا مارقا لم يؤمن حقيقة، وكان سببا في نكسات لاحقة للمسلمين، وهم يرونه رجلا شريرا كسر رباعية الرسول، وساعد في قتل الحمزة الرجل الجسور،ولاحق بجنوده المقاتلين اللائذين بجبل أحد، وعيرهم بالهزيمة وقال مفاخرا، يوم بيوم بدر، وربما كان ذلك مادعا الرسول ليمتدح الجبل ويقول، أحد جبل يحبنا ونحبه، وكان مناكفا لعلي على مدى سنوات طويلة مجانبا إياه لصالح خصميه اللدودين أبي بكر وعمر. وهناك جبل الرماة الذي سبب الهزيمة، ومقبرة الشهداء الذين دفنوا عند سفح الجبل لكن لاأحد يجرؤ على زيارتهم بسبب الحواجز، ووجود الرجال ذوي اللحى الطويلة والثياب القصيرة الذين يترصدون بزوار المملكة، ويكدرون عليهم ويضيقون ويمنعونهم من أداء طقوس يحلمون بها منذ الطفولة بحجة إنها بدع وضلالة. وهذا مايفسر ربما إنزواء الغالبية العظمى من المواطنين السعوديين الذين يتجنبون زيارة المسجد النبوي، وحتى الكعبة إلا في أوقات محددة بسبب التضييق. فالتحالف عريض وواسع ومتين بين سلطة الحكم الملكي، ومايسمى بالوهابية المتشددين الذين لهم حق المحاسبة والسجن، وحتى إقامة الحدود، وجلد الخارجين عن النصوص الدينية التي يرونها مقدسة لايجوز أبدا التجاوز عليها، وتقع المسؤولية في بعض الأحيان على الزوار والمعتمرين والحجيج لأنهم يفتقدون الى النباهة والحكمة ويقومون بأداء طقوس يراها هولاء خروجا عن الدين وتستوجب العقوبة ويكون الاجدر بالحجيج الإمتناع عن إستثارة هذه المجموعات التي هي في الحقيقة تشبه الى حد كبير الميليشيات المتطرفة المدعومة من الحكم. في مقبرة البقيع تكثر القبور التي دفن فيها مسلمون قبل أربعة عشر قرنا، ومنها ماسوي من يومين فقط، لكن الزوار الذين يخرجون من خلف المسجد النبوي يسارعون الى المقبرة الشهيرة المحاطة بجدار يشبه الجدران التي عملتها إسرائيل لتفصل الفلسطينيين عن تاريخهم العظيم، وتمنع النساء من الدخول، بينما تتواجد قوات عسكرية كثيفة يحمل غالب العناصر فيها هراوات غليظة للتعامل مع الحالات الطارئة، وحين السؤال عن سبب منع النساء ؟ يقال على الفور، لأنهن يلطمن ويبكين حين يرين قبور بعض أئمة الشيعة وأبناء النبي وزوجاته، وأهل بيته، وعدد من المعصومين من الأئمة عند الشيعة الإمامية الذين يتكاثرون في إيران وباكستان وأفغانستان والهند والعراق ولبنان والبحرين والكويت، وعدد من دول العالم بنسب متفاوتة، بينما لهم وجود جيد في المناطق الشرقية من المملكة، ووجود آخر في المدينة المنورة، كما في منطقتي (العوالي والنخالوة) اللتين يكثر فيهما الشيعة متخفين بطقوسهم، ويتعرضون لهجمات كان آخرها عنيفا كما يقول الشاب سائق التاكسي الممتعض جدا، ويردف مرددا عبارة (خلي بالك هذا صحفي)، هاجم عدد من المتشددين مناطقنا من جهة أحد المساجد الشهيرة (قباء) وتصدى لهم شباب شيعة غاضبون، وكانت المرة الأولى التي يتدخل فيها أمير منطقة المدينة المنورة ليعقد صلحا بين الطرفين، ويدعو له أعيان المدينة وشيوخها، وكان ذلك من سنوات ونحن اليوم شبه منعزلون ونخضع لرقابة مشددة. بينما يعبر عدد من الشبان السنة الذين يضعون اليشماغ الأحمر والعقال، ويرتدون ثيابا بيضاء طويلة، ويحلقون لحاهم بإنتظام، ويشذبون شواربهم بطرق عصرية، ويتحلون بكرم بالغ عن إمتعاضهم من التطورات التي بدأت تؤثر على علاقتهم بأبناء بلدهم من الشيعة، وهم يرفضون الإحتكاك والعداوات غير المنضبطة، ويعتقدون إن الشيعة مواطنون جيدون كانوا يدرسون معهم ويعملون ويلتقون في المناسبات الكثيرة، ويلعنون التطورات التي حصلت في العالم الإسلامي وأدت الى مثل هذا الإنقسام الشنيع. يفاجؤنا شبان سعوديون بآراء لبرالية عميقة، ويتحدثون عن العلمانيين السعوديين واللبراليين، والذين لديهم أراء متناقضة، وغير ذات قيمة، لكنهم يخافون أن يدرجوا ضمن قائمة سوداء تضم (الإخوان المسلمين، والشيعة، واللبراليين، وبعض المسميات الآخرى) ويعزفون عن كشف آرائهم بصراحة. يقول لبرالي منهم، لم نكن نميز لفترة قريبة بين الشيعي والشيوعي !. ويتساءل بعضهم عن جدوى التدخل بهذه الطريقة الكارثية في سوريا، وعن التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإهدار الثروات النفطية في مشاريع غير ذات جدوى في الخارج، ويعجبون من العداء ضد إيران الجارة التي يعتقدون إنها أكثر نفعا لهم من صداقات تخسر فيها المملكة ولاتربح، مع إن هذه الآراء قد لاتكون دقيقة بنظر آخرين، لكنها تطرح على أية حال من مثقفين ومتنورين هم الغالب من الشعب السعودي المنقطع عن الرجال المتشددين الدينيين.

كنت أحاول تقمص دور الناقة الشهيرة التي أقلت الرسول محمد الى المدينة من مكة، وقطعت مئات الأميال في الصحراء القاحلة، وكنت أتخيلني أتمايل معها وهي تنوء في الرمال لكنها كانت مأمورة كما وصفها راكبها العظيم حين حلت وسط يثرب وأختارت المكان الذي سيكون لاحقا البيت والمسجد والمثوى الأخير لهذا الرجل الذي غير وجهة التاريخ الى الأبد، وأدركت لم أحاط الله مكة بالرمال والصحراء، ومنع عنها الماء والزرع، وجعلها في واد مقفر، لاثروات فيه من البترول، ولا النفط، ولا الماء الذي هو مصدر الحياة، حتى الوحوش تأنف أن تأتي الى مكة لأنها مقفرة لاصيد فيها، هذه إذن أساليب حماية غير متوقعة لمن لايعرف الجهة التي يقصدها.

عند الوصول الى مكة بعد ساعات طويلة من السفر، يشعر المرء بالصدمة للوهلة الأولى، فهو لايرى الجبال التي تخيلها، ولا الرجال الذين يجلسون قرب الكعبة ليتآمروا على محمد، ولاالصبية الذين رموه ببقايا حيوانات جزرت للتو، ليس من الكعبة شئ يعيد الروح الى اللحظات الأولى، لاوجود لبيت خديجة، ولا للدار التي نام فيها علي ليفتدي النبي بروحه، ولادار الأرقم إبن أبي الأرقم، ولا البيوت القديمة التي تجدد عهد الناس بأيام الرسالة الأولى. فالعقيدة الوهابية لاترحم، وهي متطرفة الى حد إن إحد كبار رجال الدين أبى زيارة المسجد النبوي لأن عليه قبة خضراء، وهناك من حاول هدمها من المتشددين، ويبدو ذلك جليا من خلال إهانة مقبرة البقيع التاريخية وعدم الإهتمام بها، وكان يمكن لو حصل الإهتمام أن تدرج ضمن قائمة التراث العالمي، هي ومقابر بني هاشم في مكة وبعض المزارات كجبل الرماة وبعض الجبال التي في مكة وخاصة الغار الذي نزل فيه الوحي، والآخر الذي لاذ فيه الرسول أول الهجرة، ربما كان ذلك تفسيرا لمطالبات الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي حين طالب بتشكيل إدارة مشتركة لمكة!. هناك حملة لإزالة جبال مكة التاريخية، وبناء فنادق وأبراج تسوق مكانها بطرق حديثة لاتبقي شيئا من الجبال، هنا يقع جبل ثور الذي كان أول الأمكنة التي توارى فيها الرسول عن أنظار ملاحقيه من المشركين القرشيين، وسمي بالثور لأن أعلاه يشبه رأس الثور، والى مسافة يقع جبل النور الذي فيه الكهف الصغير الذي لايتسع لأكثر من شخص واحد، وهو مطل على الكعبة مباشرة، ولم يعد بالمستطاع تبينّه من وسط المدينة، أو قريبا من الكعبة بسبب العمران الكثيف، وتتحول مكة رويدا من قرية قفر ببئر واحدة يسمونها زمزم الى مدينة مليئة بالوافدين القلقين والخائفين من بعض حيث يضعون الكمامات التي يرشح منها الهواء خشية العدوى التي قد تصيبهم بمرض (كورونا) الشهير المنتشر في المملكة، ولاعلاج للحظة له برغم قيام (الرياض) بتوجيه الدعوة لشركات عالمية متخصصة لأنتاج أمصال مضادة، لم يعد من مكة يثير الخشوع سوى الجبال، فهنا (النور) وهناك (عرفات) وهذا (ثور) ، وتلك تلال تتناثر في البعيد. في تلك الجبال كان محمد يخرج ببعض طعام وماء قليل، وينفرد ليناجي ربه، منتظرا وحيه، وينظر الى الكعبة، ويتطلع الى الغد، كان الظلام سيدا لكن محمدا كان يستنير بالعناية الربانية، ووحي يتربص به، وملائكة يحيطونه من كل ناحية، بينما لاوجود لبئر زمزم الشهير الذي جعله الله هدية للزوجة الشابة الحائرة( هاجر) التي كانت تبحث عن ماء لطفلها الصغير وهو يتلوى عطشا في واد غير ذي زرع، فهناك بعض ( الترامز وحاويات المياه الصغيرة) موزعة هنا وهناك، ثم يقال، إنها من زمزم. تذكرت ماكتبه صديق لي على الفيس بوك من أشهر حيث يقول، إن إبراهيم أراد أن يتحسب للعداوة المرتقبة بين اليهود والعرب، فتآمر على إسماعيل وخدعه بأنه مكلف بذبحه بالسكين كقربان مطلوب من الله. لكنه فشل في النهاية، وكان سبق أن حاول ذلك للمرة الأولى حين تركه مع أمه الشابة في الوادي المقفر عله أن يموت، لكن البئر أفسدت المؤامرة على مايبدو! الصديق لم يقل لنا، كيف توقع إبراهيم تلك العداوة، فحاول قتل إسماعيل؟ هل هو علم رباني، أم هي من تخاريف نوستر أداموس، أو خزعبلات الفيسبوك اللعين؟

حين بحثنا عن مطعم ( ريدان ) الشهير بمكة، كانت الصلاة دخلت للتو في وقتها، وكانت النظرات قاسية نحونا من بعض ذوي اللحى والثياب القصيرة الذين يلوكون أعوادا يسمونها ( المسواك) ويبصقون بسببها في الأرض بين حين وآخر، مررت بسرعة على مكتبة، وكنت بشوق لأبتاع واحدة أو أكثر من الصحف، إشتريت (الأهرام المصرية، والحياة) بريالين لكل واحدة، وحين أعطيت البائع المصري خمسة ريالات، وطلبت منه جريدة بالريال المتبقي قال متخوفا، متوديناش في داهية ياعم، دلوقتي المطوع يشوفنا ويعمل لنا مشكلة. روح الله يخليك.. في مطعم (ريدان) طلبنا (الكبسة) وهي أكلة سعودية شهيرة تتكون من (الرز واللحم) وكنت تناولتها قبل مجيئي مكة في المدينة برفقة صديق سعودي صحفي رائع ومتحضر جدا تخاله تعلم في السوربون، ولم يعش في البلاد الصحراوية تلك، دون أن يكون ذلك إنتقاصا بتلك البلاد فهي عظيمة على أية حال. كانت (الكبسة) لذيذة للغاية سوى إن المشكلة المفجعة وقعت حين تكفلت بدفع ثمنها! كان المبلغ 60 ريالا، لم يكن كبيرا، لكنه كان كبيرا على واحد مثلي.

يبدو إن الحجيج تختلف معهم المعاملة ليس بسبب شراستهم وحسب، إنما بحسب الدولة التي ينتمون لها والحكومة التي ترعاهم. في الكعبة، وبينما كان الحجيج يطوفون عند مغيب الشمس، وقبيل الصلاة هبت عاصفة محدودة وتسببت بتمزيق الرداء الأسود حول الكعبة، وظهر الشق الشهير الذي فتح للسيدة فاطمة بنت أسد حين جاءها المخاض بعلي بن أبي طالب، بينما كانت تلوذ بأستار الكعبة، ودخلت فيها ثم خرجت بعد وقت حاملة الرضيع الجبار( حكاية شق جدار الكعبة رواية ليست شيعية، متفق عليها بين المسلمين) حين تطلع الإيرانيون الى الستار وهو يمزق بفعل الريح صرخوا، وكانوا بالألوف ( لبيك ياعلي) وأهتزت الكعبة بدوي الصوت، لم يفعل الآخرون من بقية العالم شيئا، وإستمروا بالطواف، بينما حاول كثر تصوير الواقعة، ولم يفعل المطوعون لهم شيئا على الإطلاق، فالإيرانيون شرسون ومشاكسون ومحميون، يجلسون كيف شاوءا، ويقيمون طقوسهم العبادية بطريقة منظمة، بينما يتبعثر العراقيون يمنة ويسرى ويتجادلون، ولاعلاقة لهم لابنظام ولابترتيب، كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة.

السعودية تتغير، ولايمكن القول أبدا، إنها نسخة معدلة لنجد والحجاز، هناك تحالف بين السلطة المالكة ورجال الدين، يحكم الأمراء القصور، ويسيطر المطوعون ومايسمى بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الشارع، غير عابئين بنظرات الكره التي يسلطها عليهم المواطنون والمقيمون الأجانب والعاملون في المملكة من العرب وغيرهم، ففي أوقات الصلاة لاتجد من مواطني المملكة من السعوديين أحدا لافي الكعبة، ولافي المسجد النبوي إلا ماندر، بينما يخصص لهم يوم نهاية الأسبوع للزيارة والعمرة في مكة، وهم في الغالب يعملون في أماكن خاصة، أو يسكنون في بيوت مرفهة، أو يتسوقون، ويتوجه الى الصلاة المتدينون من ذوي اللحى الطويلة والثياب القصيرة، ومنهم المطوعون وأعضاء في الهيئة، ورجال في الشرطة، ويكتظ المسجد النبوي بآلاف العمال الجائعين والمرهقين الذين يريدون أن يتموا الصلاة بأية طريقة ليفروا من المسجد كأنهم آلات صماء، تختلف عن الزوار القادمين لأيام والمتلهفين للصلاة والتنقل بين أروقة المسجد، وأغلب المقيمين من دول إسلامية يخافون أن يطرودوا في حال لم يحضروا الى المسجد، أو أن ينكل بهم من رجال الدين المتوحشين، فيصلون حفاظا على أرزاقهم لاحبا في الله.

السعوديون يكافحون للإنفلات عن عقال رجال الدين المتزمتين، ومن السلطة الحاكمة التي تفرض عليهم شروط عيش قاسية، وتكبلهم بقوانين صارمة برغم ماتبدو عليه تلك السلطة من كرم مع الشباب، وتقدم لهم المساعدات المالية وتحاول التخفيف عنهم، لكن ذلك لايقنع كفاية، فليس من تعددية في الرأي والفكر، وليس من صحافة حرة، بل إن الصحف التي تصدر في مدن تطبع تحت رقابة مشددة في مدن بعينها، وهي في الغالب صحف تتبع لنظام شمولي، ولاتعنى بالديمقراطية وتعددية الآراء والأفكار، ولاتتيح للعاملين فيها أن يقوموا بواجباتهم على أتم وجه، وصار عديد من الصحفيين يتركون عملهم، ويفضلون أعمالا تجارية أخرى، فليس من حرية، ولامردود مالي ملائم على الإطلاق.

ماتخفيه التلال المثيرة للخشوع، والرمال التي تحتل المملكة، سر علينا أن ننتظره دون الحاجة لتوقع ماسيكون عليه، فالأيام القادمة حبلى بالتطورات والمفاجآت السياسية والعقائدية والإقتصادية خاصة المرتبطة بالنفط والإسراف الزائد في إنتاجه وتصديره مايحرم الأجيال القادمة من مداخيل مالية تحتاج إليها في بلد يصرف نسبة عالية من ميزانيته على تحلية مياه البحر، ولاوجود لأراض زراعية مع غياب الأنهار والبحيرات والخزانات الطبيعية وشحة المطر، وعدم صلاحية الصحراء للزراعة، ويعلم السعوديون إن نهاية المملكة كوجود رائد وقوي مرتبط بالكميات التي تحتفظ بها الأرض، وحين يتم إستخراج كميات النفط بطريقة ترضي الغرب، وتفقر السعوديين لايكون من أمل حقيقي في مستقبل أفضل..

 

معلومات إضافية