شهادات ومذكرات

رحلة الى بلاد بينوكيو

tara ibrahimلم يخطر في بالي في يوما ان اتجه او أزور بلدانا ولدت فيها شخصيات قرأت عنها في الكتب أو رأيتهاعلى شاشة التلفاز، شخصيات كنا نعتقد انها بعيدة جدا عنا ولم نتصوران نكون قريبين منها كل القرب ولكن القرب الذي اتحدث هو الإحساس والشعور الذي يغمرنا عند المرور بأماكن ابطال حكايات طفولتنا.

الصدفة وحدها هي التي قادتني الى توسكان احد أقاليم إيطاليا، المنطقة الخلابة والجميلة بمناظرها الجبلية وبطبيعتها التي تشبه كوردستان ،هذه المنطقة التي خرجت منها شخصيات مثيرة ومعروفة لدي العالم اجمع في مجالات الادب والفن والعلم مثل دانتي ومايكل أنجلو وليوناردو دافينشي وغاليليو غاليلي، وأنا في رحلة عمل الى هذه المنطقة أحببت التعرف إليهاعن قرب .

بدأت زيارتي لمركز مدينة "سيينا" القديمة التي تتميز بساحتها صدفية الشكل التي عندما ندخلها نشعر باننا داخل محارة ، كونها ليست بدائرية ولا بيضوية ، فيها الكثيرمن الاثار التاريخية وفي مقدمتها برج قديم يعود تاريخه الى القرن الرابع عشرللميلاد يسمى بـ "توري ديلامانجا" او برج الشره تيمنا بحارسها الذي كان شرها جدا وينفق جميع ما يحصل عليه من نقودعلى الطعام ، وبالقرب من البرج هنالك كنائس وقلاع اثرية ونافورة يعود تاريخها الى القرون الوسطى، في هذه الساحة يقام السباق الشهير للاحصنة في صيف كل عام.

المدينة صغيرة ولكنها جامعية مفعمة بالحركة والنشاط ولدى تجوالي فيها كان يخيل إلي انني أعيش في القرون الوسطى كونها   قديمة جدا وبناياتها تتسم بمعمارية ذلك العصر، مبنية من الطابوق الأحمرمما يتناقض مع حركة الحياة المدنية والحديثة للمدينة والطلاب الذين كانوا يتجولون بثيابهم العصرية.. اتجهت الى الجامعة التي تقع في وسط المدينة ولدى رؤيتي لاسم الجامعة غمرتني     الدهشة فقد كتب عليها (مصحة الامراض النفسية) باللغة الايطالية وقلت في نفسي يبدو ان طالبي العلم هنا هم من المجانين وتوجهت       لمقابلة أستاذ جامعي اخبرني بدوره ان البناية كانت سابقا مصحة للامراض النفسية ولكنهم أرادوا الاحتفاظ بالاسم لأسباب تاريخية كما اطلعني على بعض الزنزانات الإنفرادية في هذه البناية التراثية القديمة التي لم ينلها التغيير حتى يومنا هذا.

المدينة جميلة وتشتهر بالاكلات الشهية مثل "بيجي" وهو نوع من السباغيتي ولكنه ثخين جدا، وفيها ايضا حلوى تسمى بالايطالية " بان فورتي " يعود تاريخها الى القرن الالف للميلاد وهوكعك يصنع أساسا من السكر والعسل والفواكه المجففة والقليل من الدقيق ويمكن ان تبقى صالحة للاكل عدة اشهر.. بقيت بضعة أيام في المدينة ثم اتجهت لزيارة فلورنسا عاصمة الإقليم.

تاريخيا فلورنسا وسيينا مدينتان تتنافسان بينهما وفي الحقيقة فلورنسا جميلة ولها روحية مختلفة ولكنها اقل قدما من (سينا) .وهى تتميز بمتاحفها الكثيرة وفيها اعمال اهم واكبرالفنانين الايطاليين وخصوصا في متحف اوفيسي الذي يضم لوحات نادرة من الفن الإيطالي.ما ان انتهت زيارتي للمتحف حتى ذهبت الى مركز المدينة، في حي صغير جدا سرني ان اجد صدفة بيت دانتي الذي تحول الى متحف، وهومؤلف كتاب الكوميديا الإلهية التي طالما سمعناعنها وتعرفنا على شخصياتها من خلال قراءتنا للكتاب ، وأخيرا شاهدت وجه الكاتب: شاب اسمرقصير القامة مشهور بقلنسوته الحمراء والبيت يضم شجرة عائلته وبعضا من اللوحات، لوحة لجهنم والاخرى للجنة وغرفة نوم الكاتب وعلمت أيضا بان اللهجة التي يتحدث بها الايطاليون اليوم هي لهجة دانتي الفلورنسية بعدما أجمع العلماء على التكلم بها في ذلك الوقت .

فلورنسا التي كانت عاصمة لإيطاليا في زمن ما تشتهربجسورها الجميلة وفي مقدمتها جسر "فيكيو" الغريب من نوعه والذي يعود الى العصرالروماني ، على هذا الجسراسواق عديدة لصياغ الذهب حيث ينشط العاملون فيه بترغيب السياح وباساليب متنوعة تنم عن احترافهم في هذا المجال لجذبهم لشراء الذهب .

من فلورنسا انطلقت الى قرية سان جيمنيانو التي تعتبر من اهم واروع واقدم القرى في مقاطعة سيينا التي يعود تاريخها الى القرن الخامس للميلاد ، تقع فوق تل مرتفع وهى محصنة بشكل جيد، وقد حافظت على معمارها وازقتها الصغيرة القديمة والاهم من كل ذلك ان في هذه القرية يباع ألذ وأشهى آيس كريم في العالم وأنواع عديدة من الماكولات المجففة والاجبان.وفي طريق العودة الى باريس حيث يمرالقطار بمدينة بيزا انتهزت الفرصة لرؤية تلك المدينة الصغيرة المشهورة ببرجها والتي كانت وما زالت محط انظار كثيرمن السياح فالبرج اشبه ما يكون بمدينة داخل مدينة اخرى وتقع بالقرب منه كاتدرائية ضخمة ومعمودية بيزا.

توسكان تسمى أيضا بلاد (بينوكيو) التي تعتبر من اهم روايات الكاتب "كارلو كولودي" الذي ولد في فلورنسا والذي اطلق على نفسه اسم "كولودي" تيمنا باسم القرية التي حدثت فيها مغامرات بينوكيو..

عن بعض العراقيين، الذين مرٌوا بموسكو (7) .. 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية

استمرارا لمقالاتي السابقة لمناسبة الذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية والتي ستحل في ايلول / سبتمبر من هذا العام 2014، اقدم للقراء الحلقة السابعة من تلك المقالات .

حدث هذا في عاصمة الاتحاد السوفيتي موسكو ايام التحالف بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي العراقي في سبعينيات القرن العشرين، اذ أقامت منظمة الشيوعيين العراقيين في موسكو حفلا، ودعت اليه طبعا – ضمن من دعت - ممثلي حزب البعث الحليف، وكان على رأس المدعوين البعثيين فاضل البراك، الشخص الثاني آنذاك رسميا في السفارة العراقية بعد السفير، والشخص الاول فعليا وواقعيا باعتباره المسؤول الاول لحزب البعث والمنظمة الامنية البعثية في موسكو والملحق العسكري العراقي ووو... الخ . تم في ذلك الحفل عرض لوحة (بورتريت) للرفيق يوسف سلمان (فهد) – مؤسس الحزب الشيوعي العراقي رسمها احد الفنانين التشكيليين الشيوعيين الشباب لذلك القائد الشيوعي الكبير، وقررت المنظمة الحزبية الشيوعية ان تعرض اللوحة للبيع بطريقة المزاد العلني تعزيزا ونشرا لافكارها اولا، ودعما لميزانيتها ثانيا، وهو أمر اعتيادي ومعروف طبعا، وهكذا بدأت عملية المزاد ضمن اسعار متواضعة وبالعملة السائدة آنذاك، اي بالروبل السوفيتي، واذا بفاضل البراك ينبري - وبحماس غير اعتيادي وغريب وهائل - بالمشاركة في هذا المزاد العلني (كان الروبل السوفيتي يخضع في تلك الايام للتصريف بالسوق السوداء وباربعة اضعاف سعره الحقيقي)، وكان كلما زاد شخص ما على سعر اللوحة تلك يعلن البراك سعرا أعلى بكثير من ذلك السعر، وقد انتبه الى ذلك بالطبع منظمو الحفل واستغلوا حماس البراك ورغبته الشديدة بشراء اللوحة وأخذوا بتحريك واستخدام عناصرهم – وبمهارة فائقة - في داخل القاعة لزيادة سعرها ومضاعفته، واستمرت عملية تصعيد السعر هذه لدرجة هائلة بحيث لم يستطع أحد ان يضيف سعرا اكثر، وهكذا استقر المزاد بالسعر الاخير والكبير جدا الذي حدده البراك، ودفع المبلغ المطلوب واستلم اللوحة وسط تصفيق الحاضرين من العراقيين واستغرابهم طبعا لانه – كما هو معروف للجميع - يعد واحدا من الدٌ اعداء الشيوعية وافكارها في ذلك الوقت...، وهكذا انتهى الحفل .

اجتمع اعضاء المنظمة الحزبية بعد الحفل رأسا وناقشوا هذه الحادثة الغريبة وغير المفهومة جدا، ولم يستطيعوا الوصول بعد تداولاتهم الطويلة والعريضة الى نتيجة منطقية وتوضيحية لهذا الحماس المنقطع النظير لفاضل البراك لاقتناء لوحة تجسٌد الرفيق يوسف سلمان فهد، وبعد المناقشات المتشعبة، قرروا ارسال شخص عنده علاقة صداقة ما مع البراك في اليوم التالي والطلب منه بارجاع اللوحة الى المنظمة بحجة ان الفنان التشكيلي الذي رسمها لم يوقع باسمه عليها، وانهم سيعيدوها له بالطبع بعد توقيع الرسام عليها، وذلك كي تمتلك اللوحة قيمتها الحقيقية باعتبار ان عدم وجود توقيع الفنان التشكيلي الذي نفٌذها يقلل من قيمتها التاريخية والفنية والاعتبارية، وذلك في محاولة منهم لجس النبض في الاقل – كما يقال – اذ ربما سيتوضح السبب في تلك الرغبة الشديدة وغير المفهومة التي ابداها البراك لشراء تلك اللوحة، وهكذا ذهب هذا الشخص المكلف من قبل المنظمة الشيوعية في موسكو اليه في اليوم التالي من الحفل وقال له ان المنظمة ترجو منه ارجاع اللوحة لغرض توقيعها ومن ثمٌ اعادتها اليه وشرح له السبب المتفق عليه، وعندما سمع البراك بهذا الطلب اخذ يقهقه بشدة وقال له ، انه ساهم امس بحماس في عملية المزاد هذه لشراء اللوحة ليس حبا بفهد ولا احتراما له ولا اعتزازا به او تقديرا له ابدا او بصورته او افكاره، وانما اراد ان يشتريها هو شخصيا كي يمنع اي شخص كان سيشتريها اعتزازا بفهد لكي يعلقها في بيته او في اي مكان آخر في موسكو، وانه ما ان وصل امس الى البيت حتى مزٌق اللوحة هذه اربا اربا ورماها في سلة الازبال متعمدا، وختم البراك كلامه لهذا الشخص وهو يقهقه قائلا انه لهذا السبب لا يستطيع ارجاع اللوحة له من اجل ان يوقع عليها الفنان التشكيلي الذي رسمها، وبالتالي لا يقدر ان ينفذ ذلك الطلب الذي جاء من اجله .

عندما سمعت هذه القصة الغريبة والمؤلمة وحتى الرهيبة من وجهة نظري، والتي تثير الأسى والالم والحزن في اعمق اعماق نفسي (رغم ان البعض يعتبرها مضحكة وكوميدية جدا !!!)، والواقعية جدا جدا في آن واحد، لانها تعكس وتبين فعلا المستوى الثقافي الهابط والحقيقي بما لا يقبل الشك لهؤلاء الذين كانوا يقفون في قمة هرم السلطة والنظام آنذاك ، والذي كان يحكمننا في ذلك الزمان، هذا النظام الذي أدٌى - بسذاجة او ربما بغير سذاجة !!! - ذلك الدور الذي اوصلنا الى هذا الوضع المأساوي والرهيب في عراقنا الحالي الجريح، تذكرت رأسا النكتة العراقية (الكلاسيكية !!!)، التي انتشرت في عراقنا الحبيب ايام ذلك التعاون الغريب بين الحزبين (الحليفين !!!) في سبعينيات القرن الماضي، ومن المؤكد ان الكثير من القراء قد سمعوها، ولكني – مع ذلك – اعيدها لهؤلاء الذين لم يسمعوها من الجيل الجديد الذي جاء بعدنا اولا، واعيدها ايضا للذين سمعوها من الاجيال العراقية الاخرى انطلاقا من القول المعروف والمأثور – في الاعادة افادة، وتروي النكته ان أحد الخطاطين تسلق السلٌم الخشبي مرة وبتكليف من الحزب الشيوعي العراقي وخطٌ فوق مدخل البناية جملة – (مقرٌ الحزب الشيوعي العراقي) وعندما اراد النزول رأى مجموعة من العاملين في اجهزة الامن والمخابرات ينتظرونه تحت السلٌم الخشبي الذي كان يقف عليه، فأضاف بعد الجملة التي خطٌها جملة اخرى وهي – (لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي)، وهكذا هبط واثقا ومطمئنا من ذلك السلٌم الخشبي .....

مثل السيف

saleh alrazukكنا عائدين من حمص إلى حلب، وفي سراقب نفذ الوقود. حمل السائق الغالون، وذهب سيرا على الأقدام. كان يعرف كازية تبعد قرابة 2 كيلو متر، وطلب منا أن نلتزم الهدوء، وأن لا نغادر الحافلة إلا للضرورة، وأن نعتني بالنساء.

وبعد أن انصرف نظرت حولي. لم تكن بيننا نساء. وهناك امرأة بدينة وحدها، وقد حجزت مقعدين ربما لأن مقعدا واحدا لا يتسع لحجمها الضخم. وكانت هذه الملاحظة تكفي لأشكك بحكمة السائق، ولأسأل نفسي: ترى هل سيعود ومعه الوقود اللازم أم أنه سيرجع بخفي حنين؟..

وفعلا تأخرت عودته أكثر مما يجب، حتى أن بعض الركاب شرعوا بالتذمر. وعندما خيم أول الليل حصل ما كنت أخشاه. فقد جاءت فصيلة من قطاع الطرق.

اسألوني كيف عرفت أنهم قطاع طريق وليسوا من المسلحين المنظمين.

لقد كانت أسلحتهم خفيفة ومنوعة وثيابهم على أشد ما تكون من الخلاف. بعضهم يرتدي الجلاليب وآخرون لهم شروال الفلاح الأسود وقليل منهم بثياب الأفندية.

المهم أن عددهم يصل للعشرين، ومعهم سيارة جيب يكسوها الغبار. إنه غبار الطرقات وليس غبار المعارك على الأرجح. وقد هبط منها رجل خمسيني. ولاحظت أنه يعطي الأوامر والأخرون يترددون في التنفيذ. وأخيرا أحاطوا بالحافلة، وطلبوا أن نفتح الباب.

وتطوع ميكانيكي بذلك. قال لنا إنه ميكانيكي وهو يعرف ما يفعل. وإن هؤلاء المسلحين لن ينتظروا معنا طويلا فنحن عابرو سبيل. وليس بحوزتنا أشياء ثمينة.

شخصيا توقعت أن يصعد عدد منهم ويفتشوا الحافلة لينهبوا كفايتهم. ولكن خابت ظنوني.

من يستطيع أن يفكر بعقلية الخارج على القانون.

لقد وقف بالباب عملاق يحمل بإحدى يديه الساطور، وكان يلمع مثل مناجل الحصاد في وقت القطاف، وطلب من الذكور الشباب أن يغادروا الحافلة.

لم أفهم الغاية من ذلك. ولم أستطع أن أحدد معنى الشباب بالنسبة له. هل يقصد من هم أقل من الخمسين مثلا. أم من هم بين العشرين والثلاثين. تصنيف الأعمار مسألة اجتماعية صعبة. وتقف وراءها معايير.

ولما كنت في نهايات الأربعين لم أمتثل للأمر.

ثم كان الشيب المبكر يكسو رأسي، وهناك هالات تعب تحت العينين بسبب الانكباب الدائم على أعمال بيروقراطية.

لعلمكم.

أنا موظف في ديوان المالية. ولئن كانت واجباتي ليست ذات شأن، هناك فضائح تمر على الورق من أمامي. كل يوم تقريبا أكتشف ذهنية عبقرية في التلاعب بالأرقام، فما بالك التزوير والغش والاحتيال وما شابه من أمراض التخلف وعواقب الفوضى.

هل سمعتم بالتعبير الجديد: فوضى خلاقة؟..

فعلا. بعد أن كانت الفوضى مرضا نفسيا نعبر به عن روح التمرد والرفض، أصبحت أم الاختراعات.

**

حدج الرجل بقية الموجودين، ثم ركز بصره على وجهي. قاسني بعينيه، ثم اقترب مني وطلب بطاقة الهوية. ولم أعرف دواعيه وأخيرا سألني: ما هي مهنتك؟..

كالعادة في مثل هذه الحالات أسلم طريقة هي الكذب الأبيض. فقلت له: أعمال حرة..

فقال فورا: انزل معهم..

وأشار لصف الشباب الذين بدأوا بالهبوط.

**

في العراء هبت نسمة هواء خفيفة حارة. ومع ذلك شعرت بالاختناق فأرخيت رباط العنق.

كان الفصل في أوائل الخريف، وبالعادة لمثل هذه المناسبات أرتدي الثياب الرسمية ولكن غير الداكنة. ويومذاك كنت أرتدي بذة رمادية. لدي ذوق خاص يميل لمثل هذه الألوان الغامضة، الرصاصي، الرمادي، البني المحروق...

ربما لأنني أشعر أن أوان الاشتعال قد فاتني، وأنني وصلت لمرحلة العد التنازلي، وأن الكآبة النفسية التي أشعر بها تحتم أن تعبّر عن نفسها لونيا.. بالمجاز، بالمظاهر.

لم يعد من المناسب لمن هم بمركزي أن يحتالوا على أنفسهم، ثم أن تدفن رأسك بالرمال ليس وسيلة للخلاص.

**

وما أن اكتمل عقدنا حتى اقترب منا مقاتل له شنبات قوية، ويضع على رأسه غطاء الرأس التقليدي ، العقال والماركازيت. وكان يحمل سلاحا ناريا لم أتعرف على كنهه. بمعنى لم أر شبيها له. وطلب منا أن نجمد في أماكننا.

فوقفنا، بعضنا يتثاءب وآخر يتلفت فيما حوله، وهكذا...

وهنا أرعد بصوت مرتفع وقال: طلبت أن تجمدوا. يعني أن تقفوا مثل السيف..

فانتصبنا بقاماتنا. ولكن لم يؤثر ذلك بمشاعره، وأضاف: قلت اجمدوا. ماذا قلت.؟ لا تتحركوا لو ضربتكم المدافع.

ولم ينه كلامه حتى زمجرت المدافع من مسافة بعيدة.

بالطبع ، كانت لدينا فكرة عن النار المستعرة، وكانت سراقب وبعدها أريحا والدانا من نقاط التماس. أقصد من الخطوط الأمامية الساخنة.

ولئن لم يؤثر ذلك به فقد ألقى في قلوبنا الهيبة. وهكذا وقفنا باستعداد كأننا حرس نظامي.

ثم صاح بأعلى صوته: انتباه، استعد.

ضربنا الأرض بأقدامنا ونحن ننفذ أمر الاستعداد. ويبدو أن هذه الاستجابة لم تسعده. فقال: أقوى، اخبط الأرض حتى يسيل منها الماء..

وفعلنا ذلك. وشعرت من قوة الضربات بما يشبه الصمم، فهز رأسه بإعجاب.

ثم اقترب منا. وبدأ ينظر فينا واحدا واحدا. كانت عيناه تقدحان بالشرر. كأنهما عينا ضبع يتحين الفرصة لينقض على فريسة صعبة المراس. ولكن فجأة عاد للخلف و طلب أن نقف بالرتل. وهو يصيح: مفهوم؟..

لم نتأخر بالتنفيذ. وقفنا برتل واحد دون أية كلمة. فكرر السؤال: قلت مفهوم؟...

نعم. مفهوم.

جاءت الإجابة مشتتة وبطيئة، ومن قلوب لمسها الخوف بأصابعه الباردة.

ترى ماذا يريدون منا.

قاطع الطريق يسلب غنيمته ويرحل، والمسلح لا يعترض المدني لأنه لا يفيده بشيء. ولم ننتظر طويلا لنعرف.

فقد وصلت دبابات للجيش الرسمي، وسمعنا هديرها، وشاهدنا غمامة الغبار التي تلفها، وتحجب الأعلام المرفوعة، وهي تخفق بالهواء.

وهكذا دب الذعر بين صفوف المسلحين. ارتبكوا قليلا، ثم صعد أحدهم للجيب، وابتعد بها مع حارسين أو ثلاثة، وهرول الأخرون خلفه على الأقدام.

**

عاد الركاب للحافلة، وأحكموا إغلاق الباب، وكانت وجوههم واضحة من وراء الزجاج تستعجل عودة السائق وغالون الوقود.

أما أنا فقد وقفت وحدي في الهواء الطلق. كان المساء هادئا. والظلام يخيم ببطء. يبدل ألوان الطبيعة الصامتة. ولا يترك شيئا ليعبر عن نفسه بحريته. لقد أرخى على كل شيء اللون الأساسي الذي أفضله، الرصاصي، تمهيدا ليتحول لأسود داكن..

 

أيلول 2013

من مجموعة قصص قيد الإعداد

فم مفتوح .. فم مغلق: عذرا أستاذي فيصل حسون

zayd alheliالأربعاء الماضي، كنتُ في ضيافة رئيس تحرير احدى الصحف المحلية .. معرفتي بالرجل بسيطة، تمت قبل حوالي شهر، يبدو انه ارادها ان تتوطد، فدعاني مشكورا ومن أرغب من الزملاء الى وليمة سمك مسكوف في احد المطاعم الراقية في عرصات هندية بغداد، لم ادع احدا معي، شعورا مني بعدم تكلفة الرجل، غير ان صديقي الجديد، جلب معه ثلة من زميلاته وزملائه في مطبوعته، زيادة في تكريمي، فأصبح عددنا تسعة ..

بعد حديث المجاملة، والترحيب، عرجنا على مناسبة عيد الصحافة العراقية الذي نعيشه حالياً (15 / حزيران) وظروف العمل الصحفي وظاهرة الإصدارات الجديدة، وتوقف بعضها وما شابه ذلك من أحاديث عادية .. وبقدر فرحي بالإلتقاء بمجموعة شابة من الصحفيين بمعية رئيس تحريرهم، غير ان هذا الفرح تحوّل الى كابوس، لفّ انفاسي، ومزق رؤاي، حينما جئت على ذكر عمود الصحافة العراقية وعميدها، وباني مدرستها الحديثة، نقيب الصحفيين الأسبق الاستاذ فيصل حسون، فنطوا عيونهم وفغروا افواههم وعلى محياهم علامات استفهام وتعجب !

يبدو إنهم، لم يسمعوا بإسم هذا العلم الكبير ..!!

تصوروا رئيس تحرير صحيفة عراقية يومية، لم يسمع بإسم " فيصل حسون " معنى ذلك ان حال التدني بمعرفة حقائق التاريخ الصحفي، وصلت الى درك لا يسمح المقام بذكره، احتراما للقارئ الكريم .. كيف يجروء شخص، على تولى رئاسة تحرير جريدة عراقية، ولا يلمّ بأسماء وشخصيات صحفية عراقية لها مكانة محلية وعربية ودولية واسعة الانتشار؟ وانني اتساءل: كيف يكون حال هذا الصديق "الجديد" حين يسأله احد الأشخاص عن الصحافة، او يتصدى له اعلامي من احدى الاذاعات او الفضائيات، للحديث عن الصحافة العراقية وتاريخها ..؟

عذراً سيدي ابا رجاء، استاذي فيصل حسون ان نسّيك بعض من يعمل في الصحافة العراقية، فالحال اصبح شاملاً ففي الذاكرة فقط الهامشيون، فيما ابتعدت اسماء من جذروا الوعي وبنوا تجربة ثرة وعميقة في الحياة ..

من دنف الروح والأسى واللهفة، ومن ترنّح الدموع في العيون والقلوب والعبرات في الأوردة، اقول للجبل الاشم استاذي فيصل حسون، لا تبتئس، فجيل الجهالة الى زوال حتما، ولا يصح إلا الصحيح، وتبقى أنت تاريخ في الصحافة والإنسانية، لك العمر المديد بإذن الرحمن .. فما زال تلامذتك، وانا منهم، يذكرونك، ويستذكرونك على الدوام، ولو تدري كم يستعر فيّ الشوق الى رؤياك وسماع صوتك، فأندفع على الدوام الى مكالمة شقيقك الصديق عبدالعزيز حسون في الهاتف، وفي احايين اشتاقك، فأزوره، قانعاً نفسي بأنني التقيتك !!

حدثني مرة الأستاذ سجاد الغازي (ربما لم يعرفه ايضا من استضافني) عن فيصل حسون، الذي تربى الغازي صحفياً على يديه، حديثاً يبدو غريباً عن صحفيي اليوم وصحافة اليوم، ذاكراً ان فيصلاً كان هادئاً، هادياً، وادعاً، متواضعاً .. كان طاقة فائقة وخالقة ومحباً للعاملين معه وكان إذا حصل على ثناء لموقف صحفي فأنه سرعان ما يعزيه الى العاملين بمعيته، وقد تعلمتُ (يقول الغازي) من الأستاذ حسون الصبر وقوة الأحتمال والتفاؤل حتى في أشد الأزمات، فقد كان يبشر بالخير في الأوقات العصيبة ويرى النور وسط الظلام ويرد على الشر بالخير ويواجه الطعنات بالتسامح والغفران ..

اكرر اعتذاري استاذي ابا رجاء، ان نقلت لك حالة عن بعض من يتسيد الصحف المحلية حاليا، وتقبل مني تهنئتي بعيد الصحافة التي كنت من بناتها منذ ثلاثينيات القرن الماضي .. ولكل الزملاء الاصلاء اقول : عيدكم مبارك .

 

حول بيلينسكي ورسالته الى غوغول

فيساريون غريغوريفتش بيلينسكي (1810 – 1848) – ناقد ادبي روسي مشهور جدا وعلم من اعلام الفكر الروسي في القرن التاسع عشر، وقد تناول الباحثون العرب افكاره ومواقفه ونشاطاته في مجال تاريخ الادب الروسي والنقد الادبي في العديد من مقالاتهم وبحوثهم واطاريحهم واصداراتهم، ومنهم الباحثون العراقيون طبعا، اذ كتب الدكتور جميل نصيف التكريتي اطروحته في كلية الاداب بجامعة موسكو عنه في ستينيات القرن العشرين، وكتب الاستاذ الدكتور جليل كمال الدين عنه ايضا ضمن اطروحته عن النقد الادبي الروسي الثوري – الديمقراطي في نفس الجامعة ، وأصدرت المرحومة الاستاذة الدكتورة حياة شرارة كتابا عنه ضمن سلسلة اعلام الفكر العالمي في بيروت والذي أصدرت دار المدى للنشر طبعته الثانية في بغداد قبل فترة قصيرة، وقد انطلق الباحثون العرب جميعا في كتاباتهم من الموقف الفكري السوفيتي بشكل عام تجاه بيلينسكي، وهو موقف المؤيد المطلق بشكل كامل وتام لكل ما جاء في طروحاته حول الادباء الروس والاتجاهات والمفاهيم الادبية عموما في تاريخ الادب الروسي ودور الادب واهميته في مسيرة المجتمع ...، وهذا ما حدث معنا ايضا – نحن الطلبة العرب في الدراسات الاولية آنذاك – في كلية الآداب بجامعة موسكو، اذ كانت كل الكتب والمصادر المنهجية حول الادب الروسي تشيد به وبمواقفه التقدمية الرائدة وافكاره الصحيحة والثاقبة في مجال تاريخ الادب الروسي وحركة النقد الادبي، وكنا نستمع الى محاضرات اساتذتنا الروس السوفيت وهي تستشهد باقواله وملاحظاته واستنتاجاته حول ابداع بوشكين وليرمنتوف وغوغول وبقية الادباء الروس الذين كتب عنهم في مقالاته وابحاثه وكتبه الكثيرة، وكان هناك قول شائع بين الطلبة آنذاك نوصي به بعضنا البعض (خصوصا قبل الامتحانات) يشير الى اننا – نحن الطلبة – يمكن ان نقول ونضيف ونستشهد في اثناء الامتحانات الشفهية وتعزيزا لاجاباتنا، ان بيلينسكي اشار الى هذا الاديب او ذاك في طروحاته الفكرية الصائبة والدقيقة دون ان نخشى الوقوع بالخطأ، لأن هذا الناقد (اي بيلينسكي) قد كتب فعلا عن كل شئ تقريبا في تاريخ الادب الروسي منذ بداياته في القرن الثامن عشرواثناء مسيرته في النصف الاول من القرن التاسع عشر والى حين رحيله عام 1848...، الا ان الامر قد اختلف تماما بالنسبة لي عندما انتقلت من الاتحاد السوفيتي بعد انهاء دراستي هناك الى فرنسا عام 1966 لمتابعة دراسة الادب الروسي في قسم الدراسات العليا بجامعة باريس، فقد تراجع اسم بيلينسكي كليا، ولم يعد – كما كان – المعلم الرائد والناقد الادبي الاول الذي يشار اليه بالبنان في تاريخ الادب الروسي، بل وجدت بعض الاحيان حتى انتقادات لاذعة وحادة لطروحاته، فقد اسماه – مثلا - احد الاساتذة الروس المهاجرين الكبار في احدى محاضراته عن ليرمنتوف ب (الطالب الفاشل) والذي لم يفهم حتى اهمية ودور بوشكين وليرمنتوف وغوغول في مسيرة الادب الروسي، بل والذي كان يبحث دائما عن شخص يترجم له بعض المقالات الاجنبية او في الاقل مقاطع منها الى اللغة الروسية كي يستخدمها في كتاباته النقدية لانه لم يستطع ان يتعلم لغة اجنبية تساعده للاطلاع على ما يجري في الفكر العالمي والنقد الادبي خارج روسيا، وقد أثارني هذا الموقف من بيلينسكي بالطبع، وأجبرني ان أتأمل وادرس الموضوع من جديد كي استطيع ان احدد - بشكل او بآخر - موقفي الشخصي بالذات تجاه موقع بيلينسكي في تاريخ الادب والفكر الروسي، اذ اني لم استطع ان استوعب كل ما رأيته وسمعته في فرنسا تجاهه مقارنة بما درسته عنه في روسيا السوفيتية، بل اني رفضت الاعتراف بهذه المواقف واعتبرت ذلك ردود فعل سياسية بحتة ومتزمتة وضيقة الافق ليس الا تجاهه، وهكذا – ونتيجة لذلك – قررت ان ابدأ بدراسة قصة رسالة بيلينسكي الى غوغول مرة اخرى، اذ انها كانت آخر نشاطات بيلينسكي الفكرية واقعيا، وربما يمكن القول انها كانت خلاصة افكاره او وصيته الاخيرة في تاريخ النقد الادبي الروسي كما أشار الى ذلك ألعديد من الباحثين الروس، ولهذا فانه يمكن لهذه الرسالة ودراستها وتحليلها ان تساعدني بشكل عام بشأن توضيح الموقف الفكري تجاهه . لم أقرأ نص تلك الرسالة اثناء دراستي الجامعية الاولية في الاتحاد السوفيتي، بل اكتفيت آنذاك – مثل حال كل الطلبة الآخرين طبعا من روس واجانب – بما سمعته من اساتذتي في محاضراتهم وما قرأته في الكتب المنهجية عن غوغول وازمته الروحية وحرقه للجزء الثاني من روايته الشهيرة – (الارواح الميتة) وعن اصداره قبل ذلك لكتابه (السئ الصيت !!) – (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء)(الترجمة الحرفية لعنوان هذا الكتاب هو – أماكن مختارة من مراسلات مع الاصدقاء) والذي أثار بيلينسكي وغضبه وسخطه على غوغول وبالتالي ان يكتب له رسالته المشهورة تلك، والتي ندد بها بالموقف الفكري (الرجعي !) لغوغول ...الخ تلك الاستنتاجات، وكيف ان بيلينسكي كان على حق وان غوغول كان على باطل وانه كان مخطئا كليا في موقفه الفكري، وان تلك المعلومات العامة - بشكل او بآخر- كانت تكفي لاداء الامتحانات الطلابية آنذاك (والسلام !!)، ولكني اكتشفت في جامعة باريس، عندما بدأت بقراءة نص رسالة بيلينسكي الى غوغول من جديد، ان هناك اوليات لهذه الرسالة، ابتدأت في 20 حزيران / يونيو من عام 1847 وانتهت في 10 آب / اغسطس من نفس العام، وان الرسالة التي يدور حولها الكلام هي ما كتبه بيلينسكي بتاريخ 15 تموز / يوليو من عام 1847 جوابا على رسالة غوغول بتاريخ 20 حزيران / يونيو من ذلك العام، وكان هذا يقتضي بالطبع الاطلاع على كل هذه الاوليات بلا شك، وتبين لي نتيجة تلك القراءة، ان بيلينسكي كتب تعليقا حول كتاب غوغول (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء) ونشره في مجلة (سوفريمينك) (المعاصر) العدد 2 عام 1847 من ص 103 الى ص 124 ، وقد كان هذا التعليق حادا وشديد اللهجة جدا جدا، هاجم فيه غوغول هجوما عنيفا لاصداره كتابه المذكور، ولم يرغب غوغول ان يجيبه علانية وفي نفس المجلة او في اي مجلة روسية اخرى (وكان غوغول يستطيع ان ينشر في اي مجلة روسية باعتباره اديبا مشهورا ومعروفا جدا آنذاك في روسيا)، لهذا كتب له رسالة بتاريخ 20 حزيران / يونيو 1847، ذكر فيها انه قرأ بحزن وأسى تلك المقالة والتي رأى فيها ان بيلينسكي قد أساء اليه علنا وامام الجميع وانه كان غاضبا جدا، وانتقد في رسالته تلك بيلينسكي لانه اعتبر النقاد الذين كتبوا حوله غير محقين كليا، رغم انهم – كما يرى غوغول – انطلقوا من مفاهيم عميقة في الفن، ويختتم غوغول رسالته الى بيلينسكي بتذكيره انه يسخر منه وان هذا الموقف مؤلم له شخصيا وبشدة، وهكذا كتب بيلينسكي رسالته الجوابية الى غوغول، وهي الرسالة المشهورة في تاريخ الفكر الروسي، والتي أشاد بها السياسيون المؤيدون للنزعة الغربية في روسيا كافة طوال القرن التاسع عشر، بما فيهم لينين في نهاية ذلك القرن،(واستمرت هذه الاشادة في العصر السوفيتي كله، وانعكس هذا الموقف سلبيا بالطبع في اوساط المثقفين الروس الذين لم يتقبلوا ثورة اكتوبر 1917وهاجروا من روسيا). لقد وجد السياسيون والمثقفون الروس من ذوي النزعة الغربية فيها – قبل كل شئ - برنامجا سياسيا محددا ومضادا للنظام السياسي والاجتماعي لروسيا القيصرية، وفي هذه النقطة بالذات تتبلور وتكمن اهمية هذه الوثيقة البارزة في تاريخ الادب والفكر الروسي، والتي أدٌت الى شهرتها الواسعة، اي في تأكيدها على الاهمية السياسية والاجتماعية للفنون ودورها في هذا المجال (بما فيها الاداب طبعا)، وفي هذه النقطة بالذات ايضا يكمن الخلاف الجوهري والحاد جدا، بل والتناقض الكبير بين مفاهيم غوغول وبيلينسكي، اي بين غوغول الكاتب الابداعي وبيلينسكي الناقد الذي يبحث عن السياسة قبل كل شئ في ثنايا الادب الابداعي ، وفي هذه النقطة بالذات ايضا وايضا يكمن التباين والتنافر في المعادلة الكبيرة والخالدة حول علاقة الفنان بالناقد، وهي التي يمكن تلخيصها بما يأتي – هل الفنان نفسه يمتلك حق تفسير اهداف فنه وابداعه ام ان الناقد هو الذي يمتلك حق التفسير هذا بغض النظر عن موقف الفنان وافكاره ؟ وبشكل عام من هو الاعلى والاهم في عملية الابداع الفني – الفنان الذي يبدع ام الناقد الذي يفسرمن وجهة نظره اهداف هذا الابداع؟، والجواب بالطبع، ان الفنان هو الاعلى والاهم في العملية الابداعية من الناقد . ومجمل هذا الكلام (والتساؤلات والنقاشات والاستنتاجات المختلفة حوله) هو الذي يوضح المسألة التي أشرنا اليها في سياق هذه المقالة حول افكار بيلينسكي واهميتها والموقف المتباين جدا منها هنا وهناك .

بيلينسكي وغوغول او غوغول وبيلينسكي – موضوع كبير ومهم وحيوي جدا ولا زال مطروحا لحد الآن في تاريخ الادب الروسي ومسيرته وتاريخ الادب العالمي ومسيرته ايضا .

ذكريات اذاعية

mohamad salihaljaboriأثناء عودتي من الدوام بالسيارة كنت أتابع برنامج (ذاكرة إذاعة) الذي يقدمه القسم العربي في (بي، بي، سي)، وهذا البرنامج يقدم مقتطفات من البرامج الإذاعية التي قدمها القسم العربي منذ تأسيسه عام 1938م، وقد حظي القسم العربي بمتابعه من العرب في مختلف أرجاء المعمورة، ويمتاز بمصداقيته وتحليلاته الموضوعية وبرامجه المنوعة، وقدم برامج لاتزال في الذاكرة، وقد أعجبني برنامج (ذاكرة إذاعة) الذي قدم مقابلة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر باللغة الانكليزية عن الأوضاع السياسية والاقتصادية في ذلك الوقت، وكان يتكلم بلغة انكليزية سلسلة وسليمة تحمل ذكريات الماضي الجميلة، ومن أهم البرامج التي قدمها القسم العربي (قول على قول، السياسة بين السائل والمجيب، لكل سؤال جواب، ثمرات المطابع، ندوة المستمعين، الواحة، الحصاد، عالم الظهيرة) وبرامج منوعة، إضافة إلى التغطيات الإخبارية والمناسبات، (أحداث الحرب العالمية الثانية، الحرب الكورية، الحرب الباردة، العدوان الثلاثي على مصر، ثورة الجزائر، الصراع العربي الاسرائيلي، العدوان الاسرائيلي على فلسطين، أحداث العالم المختلفة، مواضيع اقتصادية واجتماعية، مؤتمرات دولية وغيرها .

وقد أصدر مجلة المستمع العربي التي يرسلها إلى المستمعين بواسطة البريد، تحتوي على مواضيع ثقافية ومنوعة، ثم أصدر مجلة (هنا لندن) التي تحتوي على البرامج الإذاعية والمواضيع المنوعة، وامتاز القسم العربي بمذيعيه وقدرتهم على الأداء اللغوي والصوت الجميل وخبرتهم الإذاعية ومنهم (محمد مصطفى رمضان، هدى الرشيد، حسام شبلاق، مديحه المدفعي، ماجد سرحان، نديم ناصر، سلوى جراح، عبد الهادي التميمي، ياسين كلاس، نجوى الطامي، فؤاد عبد الرازق، محمد صالح الصيد، عبلة الخماش، فاروق الدمرداش، محمود ألمسلمي، عاطف عبد الجواد)، ومعذرة لعدم ذكر الجميع.

القسم العربي مدرسة متقدمة في مجال الإعلام وخبرة وتراكم سنوات من العمل الإذاعي، وهناك الكثير من الناس على مختلف مستوياتهم يتابعون (القسم العربي)، هذه البرامج فيها حلاوة الماضي وذكريات جميلة وأحداث مسجلة على مدى سنوات، تحية للأصدقاء الذين كنا نتواصل معهم في تلك السنوات، وتحية لجميع مستمعي الإذاعة وكادرها .

 

محمد صالح ياسين الجبوري –كاتب وصحافي الموصل

خليل حاوي .. يا الله! هل هذا ما أنتظِره؟

أي مشاعر خالجته، وأية أفكار راودته وهيمنت عليه، حتى حسم أمره فأمسك بالمسدس مصوباً إلى رأسه وضغط على الزناد في ذلك اليوم الحزيراني اللئيم من العام 1982؟

لا أحد يعلم يقيناً. وكل ما قيل، يظل فقط في مجال التخمين. فإنتحار الناس ليس أمراً شائعاً معتاداً لنقيس عليه. وإنتحار شاعر رائدٍ مثقف وأكاديمي كبير كخليل حاوي، حدث نادر لا يمكن توقعه أو الجزم بدواعيه.

كل ما يمكن فعله هو مقاربته فحسب، ما دام الشاعر قد رحل دون أن يكشف سرَّه لأحد.

أذكر جيداً ذلك اليوم حينما سمعت بنبأ إنتحاره في منزله ببيروت قرب الجامعة الأميركية التي كان يُدِّرس فيها. كنا مجموعة- من المثقفين والشباب العرب- متوترين إلى الحدود القصوى نتابع وقائع الإجتياح الصهيوني للبنان، منشغلين بما يجب علينا عمله لدعم صمود المدافعين في مواجهة الغزاة. وبرغم الإنشغال الكلي بما يجري، فقد تابعت خبر إنتحار حاوي بتأثر وأسف شديدين.

                         *     *     *

كان خليل حاوي واحداً من أوائل شعراء التجديد العربي الذين أعجبت بهم مذ كنت طالباً في السنة الأولى من دراستي الثانوية. حينها، لم يدلني عليه أحد.. تعرفت به مباشرة من خلال قصائده المنشورة في مجلة "الآداب"، أو المجموعة في دواوينه المطبوعة وقتها: " نهر الرماد"، " الناي والريح" و"بيادر الجوع"، ثم تابعت فيما بعد أعماله الشعرية اللاحقة:"من جحيم الكوميديا" و"الرعد الجريح"، إضافة إلى كتابه البحثي المتميز عن الرائد الكبير للنهضة التعبيرية في لبنان والمهجر: جبران خليل جبران.

ومع أن حاوي ليس حاضراً اليوم في الحساسيات الشعرية العربية الراهنة- كما لاحظ بعض من كتبوا عنه حديثاً- ألا أن هذا لا يعني تقييماً منصفاً لما يستحقه إبداعه، بل يشير إلى ميل غالب لدى شعراء "قصيدة النثر" لقطع التواصل مع شعر "قصيدة التفعيلة"، وشعرائها، وبخاصة الراحلين منهم. وهو "قطعٌ" –أو قطيعة- سبق وأن مارسها شعراء "التفعيلة" تجاه من سبقهم من شعراء الرومانسية العربية وقصائدهم الغنائية ذات العواطف المتأججة. وليس في نيتي إعطاء تقييم لتلكم الظاهرة التي لا تنِي تتكرر في الشعر العربي الحديث في مرحلة ما بعد جيل الإحياء، فهي متروكة لدارسي الشعر ونقاده ومؤرخيه. مقالتي هذه، مكتوبة كتحية لذكرى "خليل حاوي" ابن "الشوير" الذي عانى في حياته قبل أن ينال منحة دراسية لجامعة "كيمبردج" أهلته ليكون أُستاذاً جامعياً مرموقاً، لكنها لم تكن كافية لتمنحه الطمأنينة، أو لتسعفه في الإجابة عن الأسئلة المريرة التي ظلت تؤرقه في وجودٍ بدا له أن ليس فيه ما يغري:

"رُدَّ بابَ السجنِ في وجه النهارْ

كان قبل اليوم،

يُغرِي العفوُ أو يُغري الفرارْ"

 

ورغم نزوعه المتشائم بشكل عام، فقد راود حاوي الأمل بإنبعاث عربي جديد يستعيد "المعجزات" كما صرخ مرة:

" رَبِّ ماذا؟

هل تعود المعجزات؟

بدويٌ ضربَ القيصرَ والفرسَ

وطفلٌ ناصريٌ وحفاة

رَوَّضوا الوحشَ بروما.."

 

وما كان للصرخة أن تجد طريقها إلى الفضاء فيما مُطلِقها لا يكاد يرى حوله سوى جمودٍ مُقيم مُحبِط يحاصره:

" بيني وبين الباب أقلامٌ ومحبرةٌ

صدىً متأففٌ،

كومٌ من الورق العتيقْ

هَمُّ العبور،

وخطوةٌ أو خطوتان

إلى يقين الباب، ثم إلى الطريق"

................................

الناسكُ المخذول في رأسي

يشدُّ قواه ينهرني، أفيق:

بيني وبين الباب

صحراءٌ من الورق العتيق وخلفها

وادٍ من الورق العتيق وخلفها

عُمْرٌ من الورق العتيق"

 

وفي الحقيقة، لم يكن إرث الماضي العتيق هو- فقط- ما يثقل ضمير الشاعر ويحاصر روحه ويصدها عن الإنطلاق. كان واقع الإستلاب والقهر اليومي الذي يفرضه الطغاة المهيمنون على العالم، حاضراً يرمي بثقله ويُعيِّن له موقعه البائس- كفرد وأُمَّة- فيه، كما كتب في قصيدته الساخطة- وربما- الواشية بما سيقدم عليه، "ليالي بيروت":

"ويدي تمسك في خذلانها

خنجرَ الغدر، وسمَّ الإنتحار

رُدَّ لي يا صبحُ وجهي المستعارْ

ردَّ لي، لا، أي وجهٍ

وجحيمي في دمي، كيف الفرار؟

وأنا في الصبح عبدٌ للطواغيت الكبارْ

وأنا في الصبح شيء تافه، آهِ من الصبح

وجبْروت النهار!"

                         *     *     *

قيل الكثير عن تأثر شعراء "قصيدة التفعيلة" الرواد، وبخاصة الذي عرفوا منهم "بالتموزيين" وبضمنهم خليل حاوي، بالشاعرين: الإنجليزي إليوت، والفرنسي مالارميه، سواء من حيث الموضوعات المتناولة، أو من حيث إستخدام الرموز والأساطير، أو المزاج المهيمن على أشعارهم.. لكن هذا، فيما أرى، لم يسلب حاوي شخصيته الشعرية المتميزة التي قدمت للشعر العربي المعاصر عدداً من أفضل قصائده.

وإذا كان شعراء "ما بعد الحداثة" قد طووا صفحة حاوي، فإن الشباب العرب التائق للخلاص والمُصِرَّ على الشوق لحياة جديدة، ما زال يردد مع مارسيل خليفة أُغنية "الجسر" التي كتبها حاوي مفعماً بالرجاء، كنشيدٍ للغد، ونداءٍ للعبور:

"ومتى نطفُر من قبوٍ وسجنِ

ومتى، ربَّاه، نشتدُّ ونبني

بيدينا، بيتنا الحر الجديد

يعبرون الجسر في الصبح خِفافاً

أضلعي إمتدت لهم جسراً وطيدْ

من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق،

إلى الشرق الجديدْ

أضلعي إمتدت لهم جسراً وطيدْ"

                         *     *     *

في ذلك اليوم الحزيراني، أطلَّ خليل حاوي من نافذة بيته في بيروت.. لم يَرَ عابِري "الجسر" الذين أنشد لهم وناداهم بلهفة. بل الدبابات "الإسرائيلية"!

. . . . . . . . . . . . . . . .

 

- يا الله! هل هذا ما أنتظِره؟

ودوَّت رصاصة..

 

تعود ذكري الرحيل ولكن هل رحل فضل الله؟

adil ridhaتقترب ذكري رحيل السيد محمد حسين فضل الله وتتراكم الأسئلة حول مصير مشروعه الفكري والحركي بالواقع المحلي والإقليمي والعالمي.

ولا شك أن رحيل الشخص قد قلل من أهمية المكان حيث كانت حارة حريك و مسجد الحسنين قبلة دولية لمختلف الشخصيات الدولية من سياسيين ومفكرين وصحفيين ورؤساء تنظيمات ...الخ من حراك ثقافي واجتماعي وسياسي وأهمية استثنائية أضافها شخص السيد الراحل علي المكان وبغياب الشخص فقد المكان أهميته.

وتظل محاولات الاستمرار مشكورة من مؤسسات اقامها السيد فضل الله وقدمت نموذج راقي علي نجاح الإسلام الحركي وتمكنه أنشاء نموذج خدمي اجتماعي وثقافي واعلامي رغم كل ظروف محاولات السيطرة على هذه المؤسسات من جهات مضادة لﻷسلام الحركي وجهات خادمة للخط الاستخباراتي الدافع للرواتب وأيضا من محاولات الإرهاب الشخصي والفكري والتحرشات الإعلامية التي حاولت إعادة الحملات الإعلامية المضادة للسيد فضل الله وحتي وهو تحت رحمة الله تعالى.

هناك في ظل محاولات الاستمرار المشكورة لمن يدير المؤسسات ومحاولات أخري للسيطرة عليها من جهات استخباراتية يظهر لدينا أمر إيجابي حصل ويحصل في مكان بعيد عن مركز الحدث.

وهو ما هو موجود في المغرب والجزائر من تنظيمات شبابية هم نموذج حقيقي ﻷنتشار الإسلام الحركي بعيدا عن اي مذهبية سخيفة وهو تأكيد لما قلناه قبل أربعة عشر سنة عن فكر المرحوم السيد محمد حسين فضل الله الي اين سيمتد؟

وهي حالة حصلت كذلك مع كارل ماركس حيث تحول فكر بدأ بعمق أوروبا الي دول وأنظمة سياسية بأقصى الشرق ومنها أمة المليار انسان الصين.

وليلاحظ المراقب أن كل هذا الامتداد الحركي ﻷفكار السيد فضل الله جائت بعيدة عن دعم دولة أو جهاز استخبارات أو تنظيم حزبي فهو تأثر طبيعي وامتداد يستند علي قناعة شباب وأيمان مصدقين بفكر.

وليفكر المراقب اذا حصل هذا الفكر علي دعم دولة أو تأييد جهاز ومساندة تنظيم دولي الي اين سيصل؟

ولعل مأساة تراجع الجمهورية الاسلامية المقامة على أرض إيران عن الترويج لمنظر ومفكر ثورتها الشهيد الدكتور علي شريعتي حاضرة أمامنا تأثيراتها حاليا من حيث فقدان الجمهورية الاسلامية من روحها و وقودها المحرك. والأستعاضة عن كل ذلك بخرافات تنظيم الحجتية المضاد والمحارب القديم الجديد لنهضة الإمام الخميني.

وتقليد حالة حركة فتح بلبنان من حيث ضمان الولاء مرتبط بالرواتب الشهرية المدفوعة وهي حالة أدت الي حركة فتح الي السقوط وستؤدي حتما الي سقوط آخر للمقاومة الإسلامية لا سمح الله.

رحل السيد محمد حسين فضل الله عنا كجسد ولكن تحتاجه المقاومة الإسلامية لتعود حركة "إسلامية" ولكي لا يتسائل كاتب هذه السطور مرة أخري عندما يزور أصدقائه بلبنان العزيز:

أين هي الحركة الإسلامية بلبنان! ؟

 

الدكتور عادل رضا

الى المفكِّر عبد الجبار الرفاعي .. بمناسبة بلوغه الستين

mohamadhusan rifaeiتعَلُّم أبجدية التفكير مع عبد الجبّار الرفاعي .. إلى المُعَلِّم - المفكِّر؛ إحتراماً ووفاءاً

 

[I] في التعرف إلى المفكِّر

الحديث عن عبد الجبار الرفاعي، بوصفه مفكراً، ليس حديثاً وقولاً عن سيرة ذاتية ولا عن كتاب بعينه له، أو عن أحداث ووقائعَ في تاريخه الخاص؛ الحديث هو حديث عن أبحاثه العلميّة وعن نتاجه المعرفي - الفكري، في كليته. يتضمن الحديث عنه، معنى الحوار معه، والتفكير معه(لا تأييداً لما يقول، إنما فهم ما يقول، بالفهم).. الحديث هو، أولاً، مع مفكِّرٍ مُفَكَّراً به من قبلنا.

← ينجز التفكير والتَفَكُّر، بوصفهما زحزحة مستمرة للمراتب والمستويات المتعلقة بالوعي الذي في الأشياء المعرفية، وعينا بما يحيطنا من تفصيلات واقعية محسوسة.. هذا الواقعيّ الذي يجسد المعرفيّ عندنا (في البلدان العربية).. يأخذ المعرفيُّ الواقعيَّ، من أجل إنتاج معرفية علمية به، ولا يمكن لعملية الإنتاج هذه أن تصير إلا مع حضور الأشياء الواقعية فيها.

← منذ نشأة المعرفة العلمية الحديثة، والتعدد فيها، فيما يتعلق بدراسة الموضوعات العلمية، بوصفها مفاهيم.. وكذلك، التعدد حاضر في دراسة الدين منظوراً إليه على أنه المتضمَّن في الأفعال المجتمعية العائدة إلى الفاعلين المجتمعيين، أو الجماعات الفاعلة المجتمعية أو «المجتمعيّ- في- مستوياته المختلفة».

كيف يأخذ التعدد معانيه وأشكاله عند الرفاعي في دراسة الدين؟

← لا يقدم الرفاعي الدين كحقل فهم، بحاجة إلى ذوات مَخصيَّة، تَفَكُّريّاً، تتعلم في مختبراته سبل ممارسته الجاهزة والموجودة قبل وجود الفاعل (الذات).. أي كَفَهمٍ يغلق باب الفهم.. إنما يقدمه على أنه حقل تفكير ينفتح على الفهم المختلف، والمتعدد، والمتنوع، من أجل تقديم فهم ديناميكي(والحركة فيه حاضرة)، جديد؛ يتضمن معنى إحتضان الأنماط الأخرى من الفهم.. حقل تفكير يمارس الفهم وينتج فهماً جديداً بالفهم.. هذا الذي ينقذ الدين من الدين.. فلا يعود دين ضد دين، أو دين مع دين، إنما، تصبح المعادلة كالآتي: الدين في كليته منفتحاً على أنماط الدين المختلفة في ذاتيتها.. وهكذا، تصير الحياة في الدين، وهي تصير بوساطة وضع التفكير داخله.

← مع هذه القفزة التَفَكُّرية، في التعامل مع التفكير بالدين(شرط ألا يعتبر تفكيراً داخل إطار يزركشه الدين ذاته)، يبني الرفاعي حقل التفكير بالدين، فايْلاصوفيّاً(لا فلسفيّاً بالمعنى الذي أتى إلينا وترجمناه وقَوَّلْنا ما قيل فيه) وسوسيولوجيّاً؛ يختلف في تحديد حدوده النظرية، ويختلف في كيفية حضور الموضوعات الخاضعة فيه، إلى الدراسة.

فما هو هذا الحقل المختلف والجديد وغير الشائع؟

← يغيب ويغيب الواقعي في الغالبية الساحقة من الأبحاث في اللغة العربية؛ ففريق يقول، صلاحية إستعارة المفاهيم والأفكار والنظريات والمناهج العلمية من الغرب، وفريق يقول، عدم صلاحيتها في التعامل مع مجتمعاتنا..

← كيف يغيب؟ إنه يغيب، عند الفريق الثاني، عن طريق البحث، بوصفه بحثاً(مصاباً بالغريزة الميثولوجية) عن الأفكار والمفاهيم والنظريات والمناهج في التراث لقراءة الواقعي في بلداننا، قراءة الحاضر ماضويّاً؛ ويغيب، عند الفريق الأول، في صورة البحث(المصاب بعمى العقل) عن الأفكار والنظريات والمفاهيم والمناهج في النتاج المعرفي الآتي إلينا من الغرب، لقراءة الواقعي عندنا، أي قراءة الحاضر حاضريّاً.

ولكن، كيف يقدم الرفاعي حبكة الفهم الخاصة به، والحاضرة في أبحاثه العلمية؟

يبرز إختلاف الرؤية عند المفكِّر: عبد الجبار الرفاعي، عن طريق تقديم حبكة فهم، بوصفها منظوراً نظرياً يوجِّه ممارساته العلمية.. كيف؟ ومن أجل ماذا؟

حضور العقل في التراث، وفي النتاج المعرفي الآتي إلينا من الغرب، وضرورة إنفتاح العقل على الآتي إلينا من الغرب، من أجل صياغة ماهية بنية الدين، بالإستناد إلى ماهية الإنسان بوصفه الموجود اللامتناهي الوجود، في عمقه اللانهائي.. وليس العكس: أي صياغة ماهية الإنسان بالإستناد إلى ماهية الدين.. هذه هي حبكة الفهم عند المفكِّر.

ويعني ذلك، أن الموجود هذا، في «وجوده- هنا – والآن»، إنما يوجد تواجداً داخليّاً قبل أن يوجد تواجداً خارجياً، هنا - والآن. ماذا يعني ذلك؟

← في الحقيقة، إن التركيز والإهتمام على العالَم الجوّاني للفاعل المجتمعي، منظوراً إليه على أنَّه إنسانٌ، وليس شيئاً، و"إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين"، هما، هما وحدهما، الدعوةُ إلى يقظةِ الإنسان في الإنسان، من جهة، وبعث القلق دائم الحركة، في تلك الإطارات المعرفية التي للدين، وللتفكير فيه، الخاصة والمحدَّدة والمحدِّدة، بواسطة التساؤل المستمر، من جهة أخرى.

← ومع هذه الدعوة، ومن شأن تلك اليقظة: أن تمارس الذات الفاعلة، مجتمعيّاً، وتَفَكُّريّاً (منظوراً إليه على أنه مخاطرة بالذات ذاتها)، الإنفتاحَ على التعدُّد والتنوع والإختلاف في الدين، وفي النظر إليه.

← هكذا، لا يصح عند الرفاعي، القطع مع الدين، وإحلال آيديولوجيا أخرى محله، ولا يصح، أيضاً وأيضاً، إحاطة الدين بأغلال الغريزة الميثولوجية؛ فطالما لا يختزل الدين بالآيديولوجيا، وطالما ينفتح «الدين-الفطرة»، على «الدين – الفكرة»، على «الدين – الزمان والمكان»، يأخذ الدينيُّ- اللاعقليّ مكانَتَه لا في العقل، إنما في إنفتاح الدين على موجوديّة الكائن- الإنسان، في ترك الإنسان يتجلّى في أحضان الدينيّ.. وفي هذا «الإنفتاح على...» يكون الإنسان يقظاً في الإنسان.

 

[II] في التفلت من أسر الآيديولوجيا

يدس اللادينيّ في الدينيّ، والدينيّ في اللادينيّ كذلك، ثباتَ الرؤية والتفكُّر، وبالتالي ينتجان جمود الفهم. كيف؟

← يظن ويتوهم الديني غير الواعي لذاته (الوعي الذي لا يعي ذاته)، أن الدينيّ يستمد معناه، ومبرره في الوجود من خارج الزمان: عودةً إلى الماضي (:الحاضر يعود إلى الماضي)؛ ويصبح بذلك الدينيُّ الآيديولوجيَّ المنغلق على ذاته.

← يظن ويتوهم اللادينيّ غير الواعي لذاته أن اللادينيّ هو الحل، وهو الخلاص، الذي يستمد معناه، ومبرره في الوجود، من خارج المكان، أي إن المكان، هنا، (بلداننا)، يعود إلى المكان هناك (الغرب)، ويدعو، على الدوام، إلى أن الحاضر يعود إلى الحاضر.. ولأنَّه لا يعي: أن كون الحاضرُ الواقعيِّ واقعاً، إنما يوجد في إنفتاح ماضي الواقعي على حاضره، وليس العكس؛ يصبح اللادينيّ الآيديولوجيَّ المنغلق على ذاته.. المتضمَّنَ، قبليّاً، في آيديولوجيا مؤسسة العلم العامة والعالمية.

ولكن، ما هي السبل المنهجية التي يقدمها الرفاعي في سبيل التفلت من الوجهين الآيديولوجيَّيْن هذين؟

← يحمل الرفاعي المفاهيم (التي تم البناء عليها خارج الزمان(:من التراث)، وخارج المكان(:من الغرب)، على كاهله، وينزل بها إلى الواقعيِّ في المجتمعات العربية.. وما يقدمه هو الآتي:

الشرقي في الغربي، التراثي في الحداثوي، الديني في اللاديني؛ ومع هذه، يقدم ضرورة إعادة بناء المفاهيم(: من الخارج: زمانيّاً ومكانيّاً)، وإعادة بناء المضامين النظرية داخل المفاهيم، من أجل نحت تقاسيم أدوات الفهم. أي فهم؟ فهم «الفاعل المجتمعي- في- ذاتيته» في بلداننا، وفهم «المجتمعيّ-في-الفاعل المجتمعي»، وفهم «الإنسانيّ- في- الدينيّ-في-الفاعل المجتمعي».

وبناءاً عليه، ينتج العقل، بوصفه ملكة الفهم والإدراك، وعياً بما يحيطنا سوسيولوجيّاً.. مع وعيه، حسب العالَم المعرفي - الفكري الخاص بعبد الجبار الرفاعي، بأنَّ وجهاً من أوجه التعرف إلى الدين، والتعريف به، ومعرفته، يتفلت من وعيه، من جهة، ويتفلت من العقلنة، من جهة أخرى.

 

[III] الفكرة المصاغة قبلياً بوصفها آيديولوجيا

← ماذا يتضمن الواقعيّ، من معانٍ، في الحقيقة؟ إنه يتضمن معنى التاريخي الذي هو الآن.

ماذا يعني تحديد الواقعي على أنه هكذا أو هكذا؟ يعني قراءة معينة للتاريخيّ والإستناد إليه في تحديد الواقعي.. مع جدارة الواقعيّ الآن - هناك.

وإذا ذهبنا أبعد من ذلك، وتساءلنا: مَن يقول أن التاريخي هو هكذا أو هكذا؟ نجيب أن القول هو الذي يقول؛ وأن العقل هو، من جهة أخرى، يقولُ قولَ القولِ.

إن تناول العقل على أنَّه «قولٌ في...» أو «قولٌ يُستند إليه في قولٍ في...» يضع ماهية الدين في موقع المسآءلة والتساؤل.

ولأن التساؤل، في ماهيته، هو المسؤول الأساسي في بعث الحركة داخل ماهية بنية «الموضوع – الآن – هنا»، فلا تنفكُّ التساؤلات، بوصفها مُخاطَرات، من الحضور، في أبحاث الرفاعي.

← ومع هذه التساؤلات، الـ«لَيْسَت» قائمة على إجابات مُبَستَرة، يقدم الرفاعي معنى لحضور التاريخيِّ في الواقعيِّ على الوجه الآتي:

← إنَّ الدينَ مُتضمَّنٌ في التفصيلات الواقعية المحسوسة في بلداننا.. وإنكار ذلك هو شكل آخر من تأييده.. وفلسفة الدين، والبحث والدراسة في «الدين – الموضوع»، تقدم معنى الحركة إلى جمود الفهم الذي أصاب الدين، عندنا، بفضل الغالبية الساحقة من الأبحاث في الدين.

← ولمجرَّد أن يكون «الدين-في-الواقعيّ»، ولمجرَّد أن يكون الواقعيّ هو «التاريخي-الذي-هو- الآن»، ولمجرَّد أن يكون التاريخيُّ هو القوْل، فلابُدَّ لحضور العقل في «الدين-كـ-موضوع» أن يقول فهمَهُ بالقولِ بالإستناد إلى العَقْلَنة التي تنتج ذاتها بذاتها.

في الحقيقة، إن التعامل مع الدين، من حيث هو هذا الذي هو، أي الدين منظوراً إليه على أنه لوحةٌ فكريَّةٌ تنتج الوعي، وقد إكتمل العمل عليها، هو الذي، حسب العالَم المعرفي-الفكري الذي للرفاعي، ينتج جمود الفهم، وبالتالي موت الدين بالدين لدين آخر.

 

[IV] عن أن نكون في الدين

... وكما الأمر، بالنسبة للشمس، وكما يعلم الجميع، مع كوبرنيكوس: أنها لا تشرق ولا تغرب إطلاقاً، إنما نحن(:الأرضيون) الذين نوجد في بزوغها، ونوجد في غروبها؛ كذلك يضعنا الرفاعي بمنطقه ومنحاه في رؤية الدينيّ أمام حقل تفكير جديد، أمام:

كيف نوجد نحن في الدين؟ وكيف نكون نحن فيه لنعيه؟ وكيف نكون نحن فيه لنمارس التفكير فيه؟

وليس يعني ذلك: كيف يوجد الدين فينا؟ وكيف يمارس القهرَ والإرغام والجَبْر علينا.

 

محمَّد حُسَيْن الرفاعي

 

تشيخوف في فرنسا وتشيخوف في العراق

وصلت الى فرنسا عام 1966 بعد انهاء دراستي في الاتحاد السوفيتي، وكنت اخطط للالتحاق في قسم الدراسات العليا بجامعة باريس، واستطعت الوصول وبمساعدة المرحوم وليد الجادر، طالب الدراسات العليا آنذاك في جامعة باريس (البروفيسور الدكتور فيما بعد في قسم الآثار بكلية الآداب في جامعة بغداد) الى قسم اللغة الروسية وآدابها في تلك الجامعة، وقابلت رئيس القسم وعرضت عليه وثائقي وتحدثت معه حول رغبتي بالدراسة في قسم الدراسات العليا بجامعة باريس، وقد رحب رئيس القسم بي وقابلني بحفاوة وود وقال لي انه يوافق وبكل سرور على قبولي والاشراف على اطروحتي، وعندما سألني عن الموضوع الذي أرغب الكتابة حوله، اخبرته باني أود ان أكتب عن الاديب الروسي تشيخوف، فقال لي رأسا انه متخصص بأدب تولستوي بالتالي لا يستطيع ان يكون مشرفا علميا على اطروحتي، وانه سيتصل الان هاتفيا باستاذة متخصصة في ادب تشيخوف ويطلب منها ان تكون المشرفة العلمية على اطروحتي، وفعلا اتصل امامي هاتفيا واخبرني ان الاستاذة تنتظرني غدا في بيتها، واعطاني العنوان الكامل وكيفية الوصول اليها . وهكذا ذهبت اليها في اليوم التالي كما اتفق معها، واستقبلتني في الموعد المحدد، واطلعت على وثائقي الرسمية، وبدأت تسألني بعض الاسئلة عن تشيخوف وخصائص أدبه وابداعه، وكنت اجاوب قدر معرفتي في تلك المرحلة طبعا، وطرحت علي السؤال الآتي – (هل اطلعت على مقالة تشيخوف في فرنسا؟)، فأجبتها – نعم، وهي منشورة في كتاب صدر عام 1960 في موسكو ضمن سلسلة (التراث الادبي) وذلك بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد تشيخوف، فقالت لي – حدثني عن مضمونها، فبدأت بالحديث عن تلك المقالة وعدد صفحاتها التقريبية وكيف انها تناولت ظهور نتاجات تشيخوف في فرنسا باللغة الفرنسية، ثم توسع هذه الاصدارات وكيف أصبح تشيخوف مشهورا في فرنسا وكيف بدأ مسرحيوها بالتعامل مع مسرحه، وكيف تقبله النقد الادبي في الصحف والمجلات الفرنسية، وقلت لها ان هناك صورا عديدة منشورة هناك حول مسرحيات تشيخوف وعروضها على خشبة المسارح المختلفة في فرنسا والممثلين الذين قاموا باداء الادوار في تلك المسرحيات، وقد استرسلت بالتفصيل عن هذه المقالة لأني كنت قد قرأتها قبل فترة قصيرة ولازلت اتذكر تفاصيلها، وقد اقتنعت الاستاذة باجابتي فعلا وسألتني – (من هو كاتب تلك المقالة؟)، فقلت لها انه كاتب فرنسي لا اتذكر اسمه و لقبه الان، فضحكت مقهقهة من كل قلبها وقالت، انها هي كاتبة تلك المقالة، وكان جوابها هذا مفاجأة غير متوقعة لي بتاتا طبعا، فبدأت اعتذر لأني لم اكن أعرف ذلك وكلي خجل بل و حتى ارتباك من هذا الموقف المحرج جدا، فقالت لي – بالعكس، انها اعجبت جدا بجوابي لاني كنت صادقا بالاجابة والتي جاءت بتلقائية وعفوية وبساطة، وهكذا وافقت على قبولي للدراسة وباشرافها العلمي. انها البروفيسوره المرحومة صوفي لافيت ابرز اسم متخصص في فرنسا آنذاك بادب تشيخوف ومؤلفة عدة كتب فرنسية عنه، ومنها الكتاب المشهور (تشيخوف بقلمه) والصادر ضمن سلسلة معروفة جدا في فرنسا بهذه التسمية حول معظم ادباء العالم الغربي المشهورين تتضمن مختارات منتقاة من نتاجاتهم واقوالهم ورسائلهم، وترسم بالتالي صورة قلمية متكاملة عنهم . تذكرت كل هذه التفاصيل الان، اي بعد مرور حوالي نصف قرن من الزمان، وذلك عندما اطلعت على كتاب صادر في موسكو عن تشيخوف عام 2011 وجدت في احدى فصوله تفصيلات تتناول الدراسات والمقالات عن تشيخوف في مختلف بلدان العالم خارج روسيا، وبحثت طبعا هناك وقبل كل شيئ عن العراق فلم أعثر على اي ذكر او اشارة له، وتألمت وتأسفت لذلك ولكني قلت بيني وبين نفسي – نحن مذنبون ايضا في ذلك،اذ اننا لا نتحدث عن انفسنا امام الآخرين ولا عن نشاطاتنا العلمية والثقافية ومساهماتنا في دراسة الاداب الاجنبية على الرغم من تواضعها، ولا نصدر دوريات او كتبا تتناول ذلك بلغات اجنبية ونوزعها على المكتبات العامة في بلدان العالم، ولا ننظم حتى مواقع اليكترونية تتحدث عن ذلك، ولا نشارك في مؤتمرات علمية تدرس الظواهر الابداعية في المحافل الدولية، ولا نقيم حوارات مع الاوساط الثقافية العالمية،ووو ....الخ، وواصلت تقليب صفحات ذلك الكتاب واذا بي ارى فقرة كاملة عن تشيخوف في فرنسا، وبدأت بالقراءة، وقد تبين انهم يتذكرون البروفيسورة المرحومة صوفي لافيت هنا، ويشيرون بالذات الى مقالتها المذكورة تلك (تشيخوف في فرنسا)، ويؤكدون على كونها لا زالت تمثل قمة اهتمام القراء الروس بالنسبة لهذا الموضوع رغم مرور اكثر من نصف قرن على نشرها، لانها وضعت الاسس الصحيحة والثابتة لمسيرة تلك الدراسات اللاحقة حول هذا الموضوع في فرنسا . واظن اننا نستطيع ايضا ان نقوم بذلك في العراق رغم كل الفوارق بيننا وبين فرنسا بالطبع، اذ يوجد في الوقت الحاضر ثلاثة تدريسيين في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد كتبوا اطاريح الماجستير حول تشيخوف باقتراحي وباشرافي العلمي وهم حسب تواريخ انجازهم لتلك الاطاريح كل من الاستاذ المساعد خلف طاهر الموسوي وكانت اطروحته بعنوان – (مسرح تشيخوف في العراق)، والدكتوره هديل اسماعيل وكانت اطروحتها بعنوان – (تشيخوف في النقد الادبي العربي)، والدكتور تحسين رزاق عزيز وكانت اطروحته بعنوان – (قصص تشيخوف المبكرة في الترجمات العربية)، واقترح على قسم اللغة الروسية تشكيل لجنة من هؤلاء التدريسيين ويمكن ان يشارك فيها اي تدريسي آخر يرغب بذلك، للعمل على اعداد دليل بيبلوغرافي شامل و متكامل مع مختصرات لمضامين لتلك الكتب والبحوث والاطاريح والمقالات ومسرحيات تشيخوف في مسارح العراق وتعليقات توضيحية وهوامش وملاحظات حول كل نقطة وفقرة فيه واصداره بكتاب مستقل و بعنوان - (تشيخوف في العراق) وبلغتين – العربية من اليمين والروسية من اليسار، ويصدر باسم قسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد، وانا متأكد من ان هذا العمل الارشيفي العلمي - في حالة انجازه – سيكون خطوة رائدة في العراق والعالم العربي في مجال الدراسات العربية – الروسية اولا وسيدخل ضمن المصادر الاساسية لدراسات الادب المقارن ثانيا، اضافة الى قيمته العلمية واهميته الثقافية والاعتبارية في الاوساط العربية والروسية بالنسبة لقسم اللغة الروسية وكلية اللغات وجامعة بغداد طبعا باعتباره انجازا علميا، وانا أحلم بذلك واتمنى ان يتقبل القسم حلمي هذا ويحققه، وعندها يمكن ان نقدمه الى المراكز الروسية المعنية كافة و سنباهي به الامم ! ومن نافل القول ان اشير هنا الى استعدادي التام والكامل للتعاون مع اللجنة المشرفة على انجاز هذا الكتاب وباي صيغة من صيغ التعاون التي يراها قسم اللغة الروسية في كلية اللغات الحبيبة.

وحيدا في كراكوف .. من دفتر الذكريات

saleh alrazukفي ذلك اليوم المشهود وصلنا إلى كراكوف بالقطار لأن الحافلات دخلت في إضراب. ونحن نغادر غليفتسة وعند لحظة مرورنا الخاطف من ريبنيك شاهدنا الحافلات متجمدة في محطة المدينة.

لم أكن أعلم أن عدد الحافلات في ريبنيك الصغيرة يعادل عدد السكان تقريبا.

كانت تقف على امتداد البصر وتسد النور. وتحجب عن أنظارنا تمثال الجندي المجهول الذي يقف وراء المحطة.

إنه تمثال من الحجر الأسود لمقاتل يعتمر قبعة ويحمل بيده سلاحه.. بارودة في مقدمتها الحربة. ومع أنها سوداء ومن الحجر فهي تلمع تحت أشعة الشمس كأنها سيف مسنون.

و عندما دخلنا كراكوف نادى دليل الرحلة علينا كي نستعد للهبوط..

كرر النداء بعدة لغات لأننا مجموعة من عشرين أو واحد وعشرين شخصا. وموزعون على عدة أمم.

المشكلة انني كنت الوحيد من سوربا. وحتى العربي الثاني بيننا وهو مصري يحمل جنسية أمريكية ولا يتكلم العربية بطلاقة. لذلك اكتفيت بتبادل ابتسامات خفيفة معه.

و رد بابتسامة باردة كشفت عن أسنان صفر بسبب التدخين.

لم نصبح في محطة قطارات كراكوف إلا بعد أن وقع المحظور.

لقد انهمرت أمطار غزيرة كالشلال. ولذلك طلب منا دليل الرحلة أن نجتمع في باقات. من أربعة أو خمسة ولكل باقة مظلة تحمينا من الأمطار ريثما نصل إلى الاستراحة.

و كان حظي مع شاب وشابة من اليونان وألماني من الخنافس. وكانوا جميعا بشعر أشقر وقصير. وبثياب الصيف اللاهب. لا أعلم لماذا لم يحتاطوا لإمكانية هطول المطر.

أنا من جهتي كنت أرتدي ثياب فصل الخريف ذات الألوان القاتمة. ولكن نسيت المعطف في الكارولينكا وهو مسكن للطلبة.

سكنت أولا في بيت خاص بالمعلمين. وهو خارج غليفتسة. وعلى سفح جبل. وأمامه جدول مياه تنمو على ضفتيه الأعشاب.

و في الصباح الباكر أسمع خرير الماء حالما أفتح عيوني. أما في المساء لا يخلو الأمر من نقيق الضفادع.

و في وقت لاحق طلبت مني سوزان وهي المشرفة على طلاب آسيا الانتقال للكارولينكا. لم أعد أشاهد سوزان بعد ذلك اليوم. وسمعت أنها اختلفت مع المدير بسبب البيروقراطية والروتين.

***

وضعت رأسي تحت المظلة التي حملتها اليونانية. لقد أمسكت بها كأنها شعلة الأوليمب. ومع ذلك شعرت بالكآبة وأنا تحتها. لقد كانت فاحمة السواد وتبدو فوق رؤوسنا كأنها سحابة من الهموم. ولا أعرف السبب لهذا الحظ العاثر.

فمظلات المجموعات الأخرى ملونة. بألوان قوس قزح. أو بلون الشمس البرتقالية الملتهبة.

***

في الاستراحة لم أجد الفرصة لأنظر لما حولي.

في البداية انتبهت أن مياه الأمطار أغرقت كتفي وجزءا من سروالي. وهكذا توزعت بين نصف مبلول ونصف جاف.

و تطلب مني ذلك بعض الوقت في محاولة يائسة لتجفيف الجزء المبتل. لكن العطب كان أكبر من محاولة تصليحه. لقد أشرف المطر أن يتسلل للعظام.

أخذت نظرة من الشارع وأنا خلف الواجهة الزجاجية للاستراحة. كانت الأرض تغرق بشبر من الماء. ولا تزال السماء تصب المزيد من نقمتها.

كانت محطة القطارات غير بعيدة أيضا ولكن لا يمكن رؤية ما يدور بداخلها.

كان السور طويلا وجامدا. ويلقي في روعك مشاعر بالاغتراب كأنه من بقايا الحرب الباردة.

فلا الانفتاح ولا البيروسترويكا أثر على ثوابت الحياة في هذه البلدان.

صرفت أنظاري عن الخارج والتفت للاستراحة. وتبين لي أنها صغيرة ولم يحسنوا إعدادها. كانت تكفي لاستقبال عشرة أو خمس عشرة شخصا على الأكثر وها هي تمتلئ بمجموعاتنا مع زوار بحالة مرور. ويبدو أنهم قادمون من كاتوفيتسة باتجاه غدانسك.

حاولت أن أقترب من أحد الموجودين لأتبادل معه الرأي. وكان أقربهم لي اليوناني.

سألته: هل سيطول بنا المقام هنا.

قال باختصار: لا أعلم.

و التفت نحو صديقته وبدأ يكلمها بلغته.

نظرت حولي و شاهدت الألماني وهو مشغول بالكلام والضحك مع سيدة بأواسط العمر أعلم أنها من قبرص وربما من تركيا.

كانت ترتدي بلوزة خضراء بلون أعشاب فصل الربيع. ولها أمواج متكسرة بلون الفضة.

و كانت تصغي له بانتباه وتهز رأسها. ولم يكن يفوتني ملاحظة نظرات التوله في عينيها. لقد كانت معه بكل عاطفتها. لذلك لم أحبذ الاقتراب.

و فتشت عن دليل الرحلة. وهو أستاذ من جامعة سيليزيا. له لحية مشذبة. وفودان مصبوغان بالحناء، ولكن لم أجده.

على أية حال لم يكن من المفروض بنا أن نعود إليه إلا إذا كانت المشكلة جادة.

أما معاونته وهي الآنسة سونيا، السمراء الوحيدة بين المشرفين على الكارولينكا فلم تصعد على متن هذا القطار. وسمعت أنها ركبت سيارة مدير البعثات ولا بد أنهما الآن على الطريق السريع نحو كراكوف.

أو ربما هما في استراحة على الطريق يستمتعان بمناظر الطبيعة الخلابة وتناول طعام منتصف اليوم.

كانت الآنسة سونيا محط إعجابنا جميعا. وهي محصنة بأسوار من أخلاق رفيعة.

نادرا ما تضحك باستهتار. وإذا رافقتنا في رحلة تسير وراءنا بعدة خطوات.

و علمت من أحد الموظفين في الكارولنكا أنها كانت زوجة ضابط ثم انفصلت عنه.

و في الوقت الراهن تمر بفترة نقاهة لتتعافى من أول علاقة فاشلة.

كنت أحيانا حينما أخلد للراحة في غرفتي أقف وراء النافذة الصغيرة. ومنها أنظر لغابة على مرمى البصر تكللها الأشجار ذات الأوراق الفضية.

و أفكر بمشكلة الآنسة سونيا. إنها مثل شجرة يتيمة تشبه غيرها. ولكن لا يمكن أن يخطئها النظر.

تلاحظ أن أوراقها ترتبط بالأغصان كما يرتبط الإنسان بتجاربه المحزنة.

و خطر لي: لو الآنسة سونيا معنا ربما استطعت أن أتفاهم معها. كانت طبيعتي رومنسية وتتعاطف مع الأحزان والمغدور بهم.

و هكذا لم أجد خيارا غير التحصن بزاوية في الاستراحة. هناك يمكن أن أنتظر ما يسفر عنه المطر. هل نتابع طريقنا للقلعة التاريخية ونقوم بالزيارة أم نعود أدراجنا للقطار وننهي يومنا بخيبة أمل. لقد فعلنا ذلك في رحلة زاكوبانة بسبب مخاطر إطلاق النار في المرتفعات على حدود تشيكيا.

كانت هناك الحدود سائلة.. والفرار بين التشيك والسلوفاك ليس غريبا. ويصل الأمر أحيانا لإطلاق النار كما حصل أيام جدار برلين؟

سألت نفسي ماذا جناه العالم من البيروسترويكا. لقد انتقل الجدار العازل من بلد لآخر..

في ذلك اليوم كانت سوزان معنا. وأشهد لها بالحنكة وسرعة البديهة. فقد أمرت بعودتنا للقطار وهي تضحك وتلقي الطرائف.

ثم أحضرت إلى القطار عجوزين ريفيين لا أعلم كيف توفرا لها، رجل بلا أسنان وبقبعة من الصوف المارينو ومعه ماندولين. ومرأة ذات صدر عريض حضنت عليه الأكورديون كأنه ابنها الرضيع.

و أنفقنا حوالي ثلاث ساعات ونحن نستمع لمعزوفات فولكلورية مرحة.

لقد تحولت حفلة إطلاق النار لما يشبه جلسة سمر وموسيقا.

و هكذا تجاوزنا تلك المحنة.

***

افتقدت لسوزان ولسونيا. أشعر بالضياع إذا لم تكن إحداهما في الرحلة. لقد كانت لهما أخلاق رفيعة أحن لها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على تلك الذكريات.

بعد ربع ساعة من الاعتكاف في الزاوية سمعت صوت الدليل ينادي لنستعد للخروج. ورأيت حافلة ملونة على أطرافها رسوم لعلم بولونيا وعلم مدينة كراكوف التاريخية.

و طلب منا أن نصعد عليها بنفس ترتيب المجموعات السابقة. كل أربعة أو خمسة بمظلة. فقد كان الطريق بين الساحة وهذه المحطة للمشاة فقط.

بحثت عن حاملة المظلة السوداء ولاحظت أنها أصبحت في العراء أمام المحطة. ومعها صديقها والألماني بخصلات شعره الأشقر الطويل.

لقد نسوني تماما. تركوني وراءهم مثل أوراق الأشجار الميتة التي انتهى وقتها.

لم أيأس وإن شعرت بقليل من التحسس. وجمعت فلول شجاعتي. رفعت قبة القميص والبلوزة لأحمي الرقبة ومؤخرة الرأس.

وانطلقت أهرول نحو الحافلة دون أن أنظر لموطء أقدامي.

ووضعت نصب عيني الأعلام المرسومة على الحافلة والتي تبدو في هذا الهطول الغزير كأنها ترفرف في الهواء....

 

5 حزيران 2014

 

مذكرات معتمر (1): سفر إيماني

انطلقت بنا الحافلة صباح يوم الثلاثاء 21 جمادى الثانية 1435/ 22 أبريل   2014، من الساحة المحاذية لمصلى العيد بمدينة تطــاون العامرة.

أخذ السيد الفاضل محمد الشعيري، المرشد والمسؤول عن المعتمرين، مكبر الصوت، وطفق يدعو بصوته الجهوري، دعاء السفر والراكبون المعتمرون يرددون كلماته.

شعور جميل مفعم بالسعادة والابتهاج، ونحن نودع مدينتنا البيضاء الغراء. وما لبثنا أن ولجنا الطريق السيار الرابط بين طنجة والدار البيضاء. طريق فسيح ممتع، يشق الروابي والتلال والسهول الخضراء. يا له من سفر يجمع بين نعمتي الدنيا والآخرة. إنه سفر العمرة، سفر الطاعة، سفر الإنابة إن شاء الله.

وبالمناسبة، أقتطف نصا من مقال تحت عنوان “سفر في سفر” نشرته في “مدونتي” الإلكترونية، قبل سنتين.

“كثيرا ما ينتاب المسلم، أثناء سفره من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، شعور بأنه مسافر إلى الله، لا سيما إذا كان متصلا بالله من خلال ذكره، أو التفكر في مخلوقاته، أو استحضار مشاهد الوعد والوعيد. ثم إن البعد، بسبب السفر، عن الأهل والأولاد وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية، من أشغال والتزامات وعادات وتقاليد ورموز… كل ذلك يجعل روح المسلم المسافر الذاكر، تتحرر من تلك القيود، وتحلق بكل سعادة وشوق في اتجاه الموطن الأصلي، قال الشاعر:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى**ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى**وحنينه أبدا لأول   منزل

……

ولقد غمرني، وأنا منجذب إلى كلام الله ، شعور لذيذ بالسفر إلى الله، ورغبة عارمة في لقائه… ؛ إلهي، اشتقت إلى لقائك، وحيرني حنين الرجوع إليك، فاجعل سفري إليك سفر نوح في الجارية، ولجوئي إليك لجوء الفتية إلى الكهف، واجعل لي عندك زلفى وحسن مآب.

وقتئد حصل عندي اليقين أنني فعلا مسافر إلى الله، وأن سفري إلى مدينة…. جزء من سفري إليه، أو مرحلة من مراحل السفر الوحيد. فهمست إلى نفسي: لماذا لا أشعر بأثر السفر إلى الله عندما أكون مقيما في بلدتي بين أهلي وعشيرتي؟ فكان الجواب: إن الروح، أثناء الإقامة بين الأهل، غالبا ما تكون مقيدة بقيود مادية واجتماعية، وأخرى نفسية شهوانية، فأنى لها أن تتمتع بمتعة السفر إلى الله؟

ولقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم، عن الشعور بالسفر إلى الله، تعبيرا عميقا عندما قال: “مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها” (حديث صحيح؛ أحمد والترمذي وابن ماجة). كما قال في دعاء له: “أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك”.

ومما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم الشوق إلى لقاء الله، وكذلك من اقتدى به واهتدى بهديه ناله نصيبه من الشوق ذاته. وما ظفر المحبون بنعيم المحبة ولذة الشوق إلى الله إلا بدوام ذكره، والذكر هو العبادة التي يتزود منها السائر إلى الله سبحانه “.

بين الفينة والأخرى يباغتنا صوت السيد محمد الشعيري، حاملا إلينا باقات من المواعظ وكذا النصائح والآداب المتعلقة بسنة العمرة. وأحيانا ينوب عنه ولده الشاب طارق حفظه الله، فيتحفنا بنصائح وفوائد جمة.

بعد سويعات، وصلنا إلى مدينة بوزنيقة، واتجهنا نحو مطعم في ضاحية من ضواحيها؛ حيث جمال الطبيعة ونقاء المناخ. تناولنا وجبة الغذاء، ثم صلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا.

ركبنا الطائرة، الخطوط الملكية المغربية، على الساعة الثامنة مساء، وتعمق الإحساس بالسفر إلى الله والعزوف عن الدنيا. كما فتحت نافذة من نوافذ قلبي، وصرت أشاهد بعين بصيرتي مشاهد وصورا وأحداثا، مرتبطة بالمكان المقصود؛ مكة والمدينة. منها بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة المشرفة؛ “وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم” (البقرة 126)، ومنها مشاهد وأحداث البعثة النبوية، وكذا وقائع الهجرة من مكة إلى المدينة. إنه تاريخ حافل بالإنجازات العظيمة المؤيدة بالوحي، تلك الإنجازات التي غيرت وجه العالم.

قرأت أجزاء من القرآن، والطائرة تحلق على ارتفاع عشر كيلومترات بسرعة قدرها 920/كلم في الساعة. إنها آية من آيات الله. عباد على متن طائرة لبوا نداء الله وهبوا معتمرين يدعون الله ويذكرونه، وهم في السماء كأنهم ملائكة.

بعد ست ساعات نزلت الطائرة في مطار جدة الدولي. قاعات الانتظار مليئة بالمعتمرين من كل بلدان العالم الإسلامي. إنه عرس إيماني .

ركبنا الحافلة قاصدين المدينة المنورة، حوالي الساعة العاشرة صباحا. وتفصل المدينة عن جدة مسافة قدرها أربعمائة كلم، توقفنا خلالها مرتين للاستراحة والصلاة والغذاء. ومما أثار دهشتي أن الأراضي الواسعة الرابطة بين المدينتين، عبارة عن جبال وصخور بركانية حمراء أو سوداء، ولا أثر لخضرة أو ظل أو أنهار أو أشجار. ومما لا شك فيه أن هذه البيئة الصخرية والقاحلة القاسية، لها أثرها العميق في نفسية الإنسان الحجازي.

وصلنا إلى طيبة الفيحاء، مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، بعد الظهر، واتجهت الحافلة نحو حي الفنادق المحاذي للمسجد النبوي، ونزلنا بفندق “مودة النور”.

مكثنا في طيبة أربعة أيام، ننتقل بين مكان الإقامة والمسجد النبوي، مقبلين على الصلوات الخمس، لا تحول بيننا وبين ذلك مشاغل دنيوية، كما هو الحال في بلادنا بين أهلنا ومعارفنا.وكثيرا ما نمكث في المسجد بين الصلوات نستزيد بذلك الثواب، ذاكرين الله أو مقبلين على القرآن.

 

الدكتور عبد الله الشارف

أستاذ بكلية أصول الدين بتطوان جامعة القرويين المغرب

 

بلزاك .. في زيارة خاصة

tara ibrahimاحتفل عشاق الكاتب والروائي الفرنسي الكبير اونوري دو بلزاك يوم 20 من أياربذكرى ميلاده الخامسة عشرة بعد المئتين، هذا الكاتب الذي كان ومازال يؤثر على الادب الفرنسي والعالمي الى يومنا هذا بل وترك بصماته الرائعة من خلال نتاجاته العديدة التي تقدر بحوالي 96 رواية وقصة ألفها ما بين أعوام 1829 و 1850 خلال عمره القصيرالذي لم يتجاوز51 عاما.

احتفاء بهذا الحدث أرتأينازيارة منزله الباريسي الصغير الذي تحول الى متحف رمزي اثر اقامته فيه لمدة 7 أعوام عاش باسم مستعار بل ولجأ اليه خوفا من الدائنين، يقع البيت في الدائرة 16  بباريس، وكانت انذاك قرية صغيرة تدعى (باسيو) ولازالت تحتفظ بهذا الاسم، وفي موقع  بعيد عن الأنظار في حديقة صغيرة يتم الوصول اليه من خلال درج نزولا الى الأسفل. ورغم مساحة المنزل الصغيرة الا انه يعطي فكرة عن الجو الذي كان يعيش فيه، فالدخول إليه يتم من خلال صالون نكتشف فيه مسودات أعماله المعلقة ورسائله المتعددة الى حبيبته الكونتيسه هانسكا التي راسلها لمدة 17 عاما، واحبها حبا اسطوريا فكانت ملهمة اجمل اعماله واشهرها، سنحت لي الفرصة أن اقرأ في رسالته اليها ما يلي: " أنا أعمل 18 ساعة في اليوم وأنام 6 ساعات، وحتى عندما آكل أعمل، ولا أعتقد أنني سأنقطع عن العمل فمازالت هنالك تحديات أدبية يجب علي ان اواجهها حتى في نومي، لاني وحال استيقاظي اجد حلولا لها، اترين انني اعمل حتى عند نومي؟!..." تلي الصالون، صالة أخرى كبيرة سمية بصالة " الشجرة العائلية للكوميديا الإنسانية" وفيها عرضت منحوتات صغيرة لألف شخصية من شخصيات الكوميديا الإنسانية بطول14 مترا على جدرانها ، يذكر ان الكاتب جمع اعماله الأدبية والبالغة 96 في عمل واحد اطلق عليه الكوميديا الإنسانية التي تعتبر في غاية التعقيد لا يستطع أي مشاهد لها ان يربط شخصياتها في شجرة عائلة واحدة وبشكل متسلسل كون الصالة لا تحتوي الا على 1000 شخصية من مجموع 6000 من أبطال رواياته وقصصه .  تتبعها صالة العائلة التي تحتوي على لوحات لصورأسرته ومن ثم مكتبه الصغيرالذي يضم منضدة وكرسين صغيرين ، كان يكتب عليها أعماله الادبية مرتديا ثوبه الأسطوري الأبيض،وهناك صالة اخرى فيها كتبه وبعض التماثيل الصغيرة صنعت من قبل اشهر النحاتين بينهم (رودان) وللمنزل أيضا حديقة صغيرة كان بلزاك مولع بجوها الهادئ حيث كانت تزخربالورود الجميلة وكانت الكتب تنمو كالازهارفي هذه الحديقة إيضا والتي شجعت بلزاك على العمل المتواصل لإنجاز أعماله ألأدبية الخالدة  .

 في هذا المكان كتب بلزاك اجمل مؤلفاته وفي مقدمتها " الخروف الأسود و أبن العم يونس و ابنة العــم بيت"حيث وصف بلزاك بتقمص حالة رجلين، في تلك الفترة عندما كان يعيش في ذلك المنزل “رجل بدين يعيش في عالم انساني، مثقل بالديون ويخاف من طرق الباب ، ورجل آخر يخلق عالما مرهف بالإحساس والإبداع بعيدا كل البعد عن مشاكله المادية أو القلق بشأنها .." هذا المنزل واحد من عدة منازل كان يختبئ فيها بلزاك خوفا من الدائنين إذ كان مستثمرا في مشاريع محفوفة بالمخاطروالخسائر والانفاق الباذخ على النساء الكثيرات في حياته، وربما كان بسبب شعوره بالنقص لأن والدته كانت تفضل أخاه عليه، ومع انه كان قصير القامةغيروسيم الا انه كان يمتلك جاذبية خاصة تلقى قبولا لدي الجنس الاخر. توفي بلزاك تاركا وراءه الكثير من الديون لزوجته هانسكا التي قبلت عن طيب خاطر تسديدها من خلال طلبها من بعض الكتاب تكملة الروايات التي لم يستطع زوجها إنهائها بسبب مرضه ومن ثم وفاته، .

قرأ ألاوربيون لبلزاك واعجبوا به في ذلك الوقت، واثراسلوب كتابة رواياته على عصره وعلى العصر الذي يليه وانتهج الكثير من الكتاب العالمين نهجه مثل ايميل زولا  ومارسيل بروست، ويمكن ان نجد مؤلفاته في المكتبات الفرنسية ومحلات بيع الكتب في كل الاوقات. فهذه المؤلفات يعاد طبعها سنويا وخصوصا الكتب التي ألفها في شبابه، كما ويتهافت العاملون في مجال فن السينما وصناعته على إقتباس أحداث رواياته  وتضمينها في افلامهم ليس في فرنسا فحسب بل وفي العالم اجمع .

 

المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي (2)

هذه حلقة ثانية من مقالتي حول المترجمين العراقيين في الاتحاد السوفيتي . لقد أثارت الحلقة الاولى من تلك المقالة ردود فعل كثيرة ومتنوعة  في اوساط القراء وارسلوا لي معلومات جديدة و جديرة بالتسجيل، وكنت اخطط ان أجمع ردود الفعل تلك وانسقها واقدمها ضمن هذه الحلقة الثانية لاستكمال الفائدة من تلك المقالة وتحقيق هدف كتابتها، اذ اننا ذكرنا في المقالة ان الموضوع هذا واسع جدا ومتشعب وانه يستوجب مشاركة الكثيرين ممن ساهموا في هذا العمل الثقافي الكبير بشكل او بآخر، الا اني فوجئت بخبر وفاة المرحوم  الدكتور سعدي المالح (1951 – 2014) في احدى مستشفيات اربيل قبل ايام  قليلة، وهكذا قررت  ان تكون هذه الحلقة مكرسٌة له بالذات و خصيصا حول نشاطه الترجمي في الاتحاد السوفيتي و ذلك تكريما لذكراه  اولا، و ثانيا باعتباره واحدا من أعمدة تلك الحركة الثقافية الكبيرة في مسيرة العراق المعاصر .

لم اتشرف بالتعرف اليه شخصيا مع الاسف الشديد، اذ انه درس في السبعينات في الاتحاد السوفيتي، اي بعد  ان انهيت انا دراستي وبالتالي سفري من موسكو، ولكني  قد سمعت باسمه ونشاطه الثقافي و الادبي والترجمي طبعا خلال مسيرة حياتي، وسألني عنه أحد اعضاء اتحاد ادباء روسيا في احتفالات داغستان بالذكرى التسعين لميلاد الشاعر رسول حمزاتوف في مدينة محج قلعة عندما عرف اني من العراق، فاخبرته ان الدكتور المالح الان يشغل منصب المدير العام للثقافة السريانية في وزارة الثقافة  بكردستان العراق، وقد فرح جدا بهذا الخبر، وتحدثنا عنه، وقال لي انه درس معه فترة ويحتفظ باجمل الذكريات عنه وعن ثقافته الواسعة الموسوعية ومعرفته بعدة لغات ومواقفه  الفكرية التقدمية  وروحه الشفافة المرحة، وقد سررت انا بالطبع جدا بهذه الانطباعات الطيبة عن أحد زملائي العراقيين المثقفين، الذين درسوا في الاتحاد السوفيتي، وحدثته بدوري عن نشاطاته العامة الاخيرة من اصدارات وبحوث ومقالات و التي كنت اتابعها بشكل عام عبر اطلاعي على اخبار الثقافة واحداثها في العراق عموما .  وقبل عدة اسابيع ليس الا كتبت لي البروفيسورة الدكتورة الميرا علي زاده (من معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية) في احدى رسائلها عنه، وسألتني اذا كنت أعرف آخر اخباره، واشارت انه درس عندهم في المعهد وناقش اطروحه الدكتوراه حول الادب العراقي في المنفى هناك بنجاح وانها تعرفه شخصيا وتعتزٌ به، وقد تذكرتها رأسا عندما قرأت الخبر عن وفاته وارسلت لها ما نشرته بعض الصحف العراقية حول ذلك الحدث الاليم .

 لقد كانت موجودة ضمن ملاحظاتي التي سجلتها لاعداد وكتابة الحلقة الثانية هذه ان اشير الى عدة نقاط حول المترجمين العراقيين، منها انني ذكرت بالطبع اسم سعدي المالح ضمن قائمة المترجمين بشكل عام، ولكني لم اذكره ضمن مترجمي الادب الروسي في الفقرة التي جاءت بعد تلك القائمة العامة،والتي اقترحت فيها ان نبتدأ بدراسة هذه الظاهرة بالذات منطلقين من ترجمات الادب الروسي اولا، واعترف اني ارتكبت هفوة  غير متعمدة بتاتا بالطبع، اذ اني لم انتبه  - وسط ضجيج الحياة اليومية ومتطلباتها و ضغوطها و اوراقها المبعثرة  -  الى الملاحظة المدونة عندي بشأن ترجمه المالح  لرواية الكاتب القرغيزي السوفيتي الشهير جنكيز ايتماتوف (1928- 2008) الموسومة  - (ويطول اليوم أكثر من قرن)، والصادرة  بالعربية عام 1989 في موسكو عن دار النشر السوفيتية المعروفة (رادوغا) (قوس قزح)، وتقع هذه الرواية ب (390) صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية مهمة جدا في مسيرة الادب في المرحلة السوفيتية وفي التطور الابداعي للكاتب ايتماتوف نفسه، والتي تعد واحدة من نتاجاته الاخيرة وظهرت   في الثمانينات، وقد استطاع المالح ان يترجم هذه الرواية بمهارة  فنية عالية جدا وبشكل أنيق، وان يحافظ على اسلوب ايتماتوف الشاعري والواقعي الجميل والرقراق والشفاف والسلس، وقد بدت واضحة تماما - وبشكل لا يقبل الشك - ملامح تلك التجربة والخبرة  المتراكمة للمالح  في مجال الترجمة الادبية والتي كانت حصيلتها اصدار حوالي عشرة كتب في الادب الروسي  مترجمة في الاتحاد السوفيتي عن اللغة الروسية خلال حوالي سبع سنوات لا غير، وكان هذا الكتاب آخر العنقود كما يقال، والذي يمكن ان نطلق عليه التعبير العربي الكلاسيكي الرشيق المعروف  – (مسك الختام) . تأملوا معي هذا المقطع الصغير فقط من تلك الرواية -  (.. وفي تلك الاثناء حل الصباح في خطوط العرض الشمالية من المحيط الهادي، وكانت الساعة تشير الى الثامنة، وغمرت أشعة الشمس الساطعة بفيض نورها المتدفق المنطقة ذات الارجاء الواسعة المتلألئة والغارقة في سكون عظيم، وما عاد يرى في تلك الآماد اي شئ آخر غير الماء والسماء. .) . ما رأيكم بهذا المقطع ؟ انه يكاد ان يكون قصيدة نثر تقريبا، قدمها لنا ايتماتوف بالروسية وترجمها لنا الى العربية و بشكل مبدع الدكتور سعدي المالح .

 لقد صدر كتابه المترجم الاول عن اللغة الروسية في موسكو عام 1983 وكان بعنوان  (الاخوة والاخوات) وهي رواية بقلم فيودور ابراموف، ثم اعقبتها كتب اخرى صدرت من فرع طاشقند لدار النشر السوفيتية المذكرة او من موسكو نفسها، وهذه الكتب هي كالآتي – بحار التايغا/ رواية / بقلم يوري كافليايف / طاشقند 1983 // السيل الحديدي / رواية / بقلم سيرافيموفيتش / طاشقند 1984 // كينتو ريتشي دوستيان - قصص / طاشقند 1985 // ثلاث مسرحيات سوفيتية / موسكو 1986 // اجمل السفن / قصص / بقلم يوري ريتخيو / طاشقند 1986 // ناموس الخلود / نوادر دومبادزه / رواية / طاشقند 1988 // ويطول اليوم اكثر من قرن / رواية / بقلم جنكيز ايتماتوف / موسكو 1989، اضافة الى العديد من الترجمات الشعرية الاخرى للكثير من الشعراء الروس المعاصرين مثل حمزاتوف واخماتوفا ويفتوشينكو وتسفتايفا ...الخ. وهكذا نلاحظ ان نشاطات     الدكتور سعدي المالح كانت محصورة بين عام 1983 وعام 1989 ليس الا، وهي – نسبيا -  فترة ليست طويلة بتاتا، و مع ذلك فانه استطاع ان يصدر هذه الكمية من الكتب المترجمة في هذه السنوات، علما ان الفترة الذهبية للاصدارات السوفيتية باللغة العربية كانت واقعيا قبل ذلك التاريخ، وان الفترة التي عمل فيها المالح كانت تمثل  مرحلة تراجع، وهي التي كانت - واقعيا -  قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي حدث عام 1991 كما هو معلوم، ومع ذلك استطاع ان يحقق تلك النجاحات في هذا المجال الابداعي الصعب .

المرحوم الدكتور سعدي المالح – شخصية ثقافية متميزٌة في تاريخ الادب والفكر في العراق المعاصر، وقد ساهم في حركة الترجمة عن اللغة الروسية في الاتحاد السوفيتي، وتستحق مساهماته الترجمية هذه ان ندرسها ونضعها في مكانها اللائق بها، والجديرة بها في تاريخ هذه الحركة الثقافية.

 

فيثاغوروس .. محطات في رحلة الحياة والموت

يعتبر فيثاغوروس الاسم الاكثر شهرةً منذ البدايات الاولى لإنطلاق الفلسفة الغربية سواء نُظر اليه كمفكر مبدع او كمحام بارع يستطيع التأثير على الارواح الخيرة والشريرة، او كمهندس  للفلسفة. ولأكثر من خمسمائة عام بقي فيثاغوروس نجما لامعاً دون منازع. هو ادّعى علناً كونه الاب المؤسس للرياضيات والموسيقى وعلم الفلك والفلسفة، هو اعتبر نفسه ايضا اول من استخدم كلمة "رياضيات"وكلمة "فلسفة".

كان فيثاغوروس يمثل نقطة التحول الفاصلة بين التاريخ المكتوب والسجل اللفظي. سوف لن نضيف جديداً لو علمنا انه أصر بان لا يُكتب اي شيء من تعاليمه، وان انصارهُ أقسموا على الاحتفاظ بالسرية.

حياة وافكار فيثاغوروس ظلت يلفها ستار من الغموض و الاساطير وسوء الفهم والمبالغات، وانه يستحيل التمييز بين كل ذلك. غير ان التأثير الفكري لفيثاغوروس استمر لأكثر من الفي سنة . الباحثون أعلنوا عن رغبتهم  في إعادة بناء التحقيقات التاريخية والكتابات المتناثرة وربما بشيء من التعاطف.

العديد من الباحثين يؤمنون بان افلاطون انتزع وأعاد توظيف رؤية فيثاغوروس. مثلاً، في حوارات افلاطون ، وقبل وقت قصير من تناول سقراط للسم يستكشف الاخير المصير المحتمل للارواح، والتي كانت احدى الاهتمامات الرئيسية لفيثاغوروس كما سنرى لاحقاً. وفي جزء آخر من حواراته في (Timaeus) يستطلع افلاطون ويمدد تصوره عن الكون كرياضيات – وهي الفكرة التي قامت عليها معظم شهرة فيثاغوروس في العصور الحديثة. ان شهرة فكر فيثاغوروس قامت على مبدأ "كل شيء هو عدد".

لا يعتقد كل شخص بما قام به افلاطون من انتحال. جماعة اخرى ترى ان افلاطون ومعاصريه كأنهم يعيدون اختراع فيثاغوروس الملفت والغامض على شكل قصة تقليدية شبه دينية انطلقت منها جميع الحكم الفلسفية.

وتوجد هناك ايضا كل الضلال الرمادية بين هذين الحدين، وبالتالي نجد في القرون التي اعقبت العصر الذهبي لليونان ان مصطلح "الفيثاغوريين الجدد"و "الافلاطونيين الجدد" عادة يشير الى نفس المدارس الفكرية، ويُستخدم الاسم  وفقاً لمنظور المرء.

ومع تقدم القرون انقسمت الدراسة في القرون الوسطى الى نوعين: دراسة ثلاثية تضم البلاغة والمنطق والنحو ودراسة رباعية تضم الحساب والهندسة وعلم الفلك والموسيقى. الدراسة الرباعية ترتكز على رؤية فيثاغوروس عن الكون .

ولاحقا جاءت الثورة الكوبرنوكية صدىً لرؤية فيثاغوروس عن علاقة الارض بالشمس. في الواقع، لم يشر نيكولاي كوبيرنيكوس الى رؤيته العالمية كنظام كوبرنيكوسي وانما وصفه كعلم فلك فيثاغوري. ومباشرة بعد ذلك،جاء جوهانس كبلر كفيثاغوري واع بذاته ليجعل اكتشافاته متحفزة بالايمان بان الكون مركب بطريقة رياضية. هذه الفكرة جرى احتضانها وترسيخها من جانب غاليلو واصبحت فيما بعد الخيط المشترك طوال تاريخ العلوم. تؤكد العلوم مرات ومرات بان الكون له نوع من التأثير الشديد الارتباط بالعدد. وهذا هو بالضبط ما قام فيثاغوروس بتدريسه منذ وقت طويل.

لسوء الحظ ان الاحترام العميق وقوة الشخصية التي تمتع بها فيثاغوروس ربما امتزج بشيء من الخيال. حياة فيثاغوروس هي مركبة ايضا من قصص رومانسية وحكايات متناثرة جرى تداولها وترسيخها باستمرار. ومن المفارقة ان النظرية التي من خلالها تعرًف معظم الناس على اسم فيثاغوروس – المتعلقة باضلاع المثلث القائم الزاوية – يُعتقد الآن انها اكتُشفت من قبل المصريين القدماء وليس من قبل فيثاغوروس. والقصة الاخرى التي قيلت في كل مكان لأتباعه هي احتفال جماعة الاخوان الدينية بذلك الاكتشاف عبر ذبحها ثوراً واحيانا قيل عشرين ثور، غير ان هذا لا يمكن تصديقه مع حياة فيثاغوروس التي خصصها للنباتات.

ان وفاة فيثاغوروس لم تكن استثناءاً من تلك الفنتازيا. في الواقع، هناك ما يقارب عشرة نسخ في الادب القديم مرتبطة بزمان ومكان وكيفية وفاة فيثاغوروس. القصة التالية ترتكز على شواهد تاريخية جرى ترتيبها لاستكشاف امكانات جديدة.

وعلى الرغم من ان وفاة فيثاغوروس تقع في المنتصف بين الاسطورة والتاريخ، الا انها ترتكز بقوة على نبات الفاصوليا. ومع عدم تسجيل اي نوع من الفاصوليا انذاك الا ان فيثاغوروس مات بسبب ذلك النبات. انها فاصوليا احتوت على رؤية جديدة للكون ستؤثر في عقائد الناس، انتقلت تدريجيا الى العالم واستمرت لاكثر من الف عام.

 

جماعة الاخوان الفيثاغورية

هناك عدة قواعد يجب اتباعها لكي يمكن للمرء القبول به ضمن جماعة الاخوان الفيثاغورية. الفشل في اتباع اي من تلك القواعد سينتج عنه طرد ذلك العضو من الجماعة وسط احتفال مهيب. قداس جنائزي صوري يتم ادائهُ بعدها لم يعد ذلك الفرد موجوداً ضمن الجماعة. احدى القواعد التي لا يُسمح ابداً بانتهاكها هي الالتزام بعدم تناول الفاصوليا. هذه الفكرة انبثقت جزئيا من تصور فيثاغوروس بان كل فرد يجب ان يكافح لأجل الهدوء والسلام، مستمتعاً بالانسجام الذي يعكس انسجام السماوات، الحدود الخارجية للكون. تناول الفاصوليا سيسبب تقلص الامعاء والاضطراب. احد اهداف فيثاغوروس الاخرى كان تنقية البدن والروح لكي يمكن للمرء العودة الى الشمس والارتفاع حتى الى ما وراء الشمس ،الى تخوم النجوم وطريق التبانة. تلك التنقية الروحية لا يسمح بها طعام الفاصوليا. ولكن هناك سبب أعمق لإسقاط الفاصوليا من الغذاء. كان الاعتقاد السائد هو ان تناول الفاصوليا مرادف لتناول لحم الانسان ودمه.

حين كان فيثاغوروس شابا تأثر بثلاثة من المعلمين العظام اولهم ليس اكبر منه كثيراً في السن واسمه فيركيدس.الاثنين كانت لهما رؤية واحدة للحياة، وكلاهما يميلان للتصوف. وكونهما سافرا كثيرا في عموم منطقة الشرق الاوسط والهند، تعلّم فيركيدس مذاهب التناسخ وخلود الروح، وجلبا معهما لليونان هذه العقائد الجديدة لتدريسها لمن يرغب بها.

فيركيدس اندهش كثيرا بالتحقيقات الخلاقة لفيثاغوروس وبسرعة استجابة الذهن. هو اخبر فيثاغوروس انه يعترف به كناسخ لروح ايثيليدس Aithalides ابن الاله هرمز المرح والعنيف ايضا.اثليدس اعتُبر اول انسان يمشي على الارض – ادم الاغريق. ونتيجة لهذا الاطراء الكبير والحار من استاذه، آمن فيثاغوروس بكل وجوه التناسخ، بل حتى توسّع في الفكرة مضيفا ان هناك 216 سنة بين كل تناسخ واخر. كان الرقم 216 يشير الى القوة العظيمة ضمن الاخوة الفيثاغورية. انه يساوي مكعب 6. الرقم 6 يمثل رقم الزواج، كونه نتاج اول رقم زوجي او انثوي، واول رقم احادي او ذكري. اعتُقد ايضا ان نمو الانسان حتى الولادة يأخذ 6 مرفوعة الى 3 ايام (6 أس 3). كذلك، وكما في التناسخ، رقم 6 هو دائري لأن كل قوى الرقم  6  تنتهي بـ 6.

ولهذا أحب هرمس ابنه كثيراً لدرجة منحهُ هدية الاستعادة او الاستحضار، حيث سيتذكر اثليدس كل تفاصيل الحياة السابقة حينما انتقل من جسم الى اخر. مع شيء من التفكير وربما قليل من التصور، كان فيثاغوروس قادراً على تذكر كل الحياة السابقة. هو تذكر انه قبل ان يكون انساناً كان سلسلة من النباتات والحيوانات. وعقب حياته كاثليدس، تكررت ولادة فيثاغوروس كايفوربس Euphorbus اعظم بطل في حرب تروجان. وكما ورد في الكتاب 17 من الياذة هوميروس،  ان ايفوربوس اصيب اصابة خطرة في المعارك اثناء الحرب.

وبعد 216 سنة من وفاة ايفوربس في ساحة المعركة، ولد هيرموتموس. هو اراد ان يثبت لكل من معه هدية هرمس، وغامر للبحث عن مدينة برانشيدا. هناك بحث عن معبد ابولو، حيث اخفى ميلنيلوس الغطاء الواقي لايفروبس بعد منحه الى الله. وفي النهاية وجد هيرموتمس الغطاء المهترئ.

وقبل وقت قريب جدا من حياة فيثاغوروس كانت حياة الصياد البسيط فيروس. هو ايضا قيل انه تذكر كل شيء. اخيراً كان لدى فيثاغوروس وقتا ليصرفه بين الناس كفيثاغوروس. وهكذا ولد فيثاغوروس في جزر ساموس التي تقع في بحر ايجه على امتداد الساحل الذي يعرف الان بتركيا. الجزيرة اعتبرت مولداً للجميلة والانفعالية الالهة هيرا التي كانت زوجة واخت للاله زيوس. عدة قصص قيلت عنها مثل حقدها على هرقل البريء بسبب خيانة زيوس  الزوجية لام هرقل.

اما والد فيثاغوروس واسمه منسيروس mnesarchus عمل كتاجر ومالك سفن. عمله المهني قاده الى كل انحاء جزر البحر المتوسط برفقة الشاب فيثاغوروس. في الاصل كانت ام فيثاغوروس تسمى بارثينيس parthenis. هناك قصة مثيرة اخرى فيها تبلغ السلطة الدينية المقدسة منيسراتش ان زوجته على وشك ان تضع طفلا هاما ورائعا. وكما ثبت  لاحقا، بينما كان منيسراتش في رحلة طويلة في الخارج، كانت بارثينيس اغويت من جانب ابولو. بعد ذلك  اعيد تسميتها ببيثايس pythais على شرف ابولو الذي حطم الثعبان الذي يحرس معبد الكاهن المقدس ليجعله مكانه الخاص.

كان لدى فيثوغوراس الدليل على ولادته البطولية وكشف عن هذا الدليل متى ما كان ذلك لمصلحته. على فخذه الايسر توجد علامة ذهبية. العلامات الجسدية كان يعتقد الاغريق انها علامة دينية. الذهب كان متعلق بابولو وبهذا  فان العلامة الذهبية قُبلت كبرهان على علاقة فيثاغوروس بهذا الاله المشع.

لا غرابة ان فيثاغوروس كوّن ارتباطا دائما بمعلمه فيركيدس. وبعد عدة سنوات وحين سمع ان فيركيدس يحتضر في جزيرة ديلوس، سارع فيثاغوروس لنجدته. وحينما طرق فيثاغوروس بابه، رفع فيركيدس يده الهزيلة محذراً فيثاغوروس من خطورة مرضه. فيرخيدس توفي بداء القمل حيث اكلهُ القمل حياً.

 

قصة اسره وترحيله الى بابل

اما المعلم القديم الآخر الذي اثّر بشكل كبير على حياة فيثاغوروس وافكاره هو طاليس احد الحكماء السبعة. كان طاليس مسناً حين اصطحبه فيثاغوروس، وكانت نصيحته للاخير هو ان يتبع خطواته ويسافر الى مصر للتعلم من الكهنة هناك. كان فيثاغوروس شابا متحمسا لإتباع النصيحة. هو بدا كما لو انه نشازاً حين رحل الى مصر مع شخص ملتح طويل الشعر. هو ارتدى عمامة شرقية وبنطال فارسي صنع من كتان لم يُر قط في جزيرة ساموس او في اي مكان من اليونان. تعلّم في مصر سريعا كيفية تغطية قدميه بالبردي كحذاء. لم يستعمل ابداً اي نوع من جلود الحيوانات. هو امضى الـ 22 سنة اللاحقة هناك وكان شاهداً على انتصار الفرس على مصر. الزوار اليونانيون الى مصر بمن فيهم فيثاغوروس جرى استخدامهم كعبيد من جانب الجيش المحتل ونُقلوا الى بابل. وهنا سمحت مغامرات فيثاغوروس ودراسته السرية له بالاستمرار، ربما نتيجة لما يتمتع به من كاريزما وموهبة. هو لم يتعرض الى اي بتر او تشويه في جسده منعاً للفرار كما كان يحصل مع غيره لأنه لم يكن لديه ميل للرحيل بل انه سخر نفسه لإستيعاب هذه الثقافة الغريبة واستمر في الرقي.وبعد ست سنوات اصبح قادراً على شراء حريته. وهنا رأى فيثاغوروس الوقت مناسباً للعودة الى وطنه - جزيرة سوموس.

 

سر امتناعه عن اللحوم

ونظراً لإيمان فيثاغوروس القوي بتقمص الارواح، كان ملزماً ليصبح نباتياً كي يتجنب صدفة تناول لحم صديق او قريب. ذُكر مرة ان فيثاغوروس التقى في احد الايام برجل يضرب كلبه. كان الكلب يصرخ من الخوف والالم، ادرك فيثاغوروس ان الصراخ والضجيج انما هو صوت صديق ارتحلت روحه مؤخراً. هو تدخّل ازاء الرجل داعيا اياه اطلاق كلبه وبذلك يكون سمح لصديقه المتقمص بالفرار من حياة الشقاء.

النباتي فيثاغوروس لم يمتنع فقط عن تناول اللحوم وانما امتنع عن تناول الفاصوليا.ذلك بسبب اعتقاده ان الانسان والفاصوليا يولدان من مصدر واحد، وهو اجرى تجربة لإثبات ذلك. حيث قام بدفن كمية من الفاصوليا في الطين ثم تركها لعدة اسابيع، بعدها قام باستخراجها. هو لاحظ وجود تشابه للفاصوليا مع جنين الانسان، مقنعا نفسه بالعلاقة الصميمية بين الاثنين. تناول الفاصوليا مساوي لتناول لحم الانسان. وان سحق او تحطيم او تلويث الفاصوليا مساوي للإضرار بالانسان.

في احد الايام المشرقة تقدم فيثاغوروس نحو ثور يرعى الفاصوليا في احد المراعي بجنوب ايطاليا. طلب فيثاغوروس من الرعاة ان يوقفوا هذا العمل. هو خطا نحو الحقل الطيني  وبدأ بالتحدث الى الثور بصوت هادئ هامسا في اذنه لوقت طويل . الرعاة كانوا يراقبون ما يحدث امامهم فانفجروا بالضحك. لكنهم اخبروا الناس لاحقا بان فيثاغوروس اقنع الثور بالامتناع عن تناول الفاصوليا. الناس المحليين والزوار في المنطقة اعتبروا الثور مقدسا. استمر الثور في غذائه الخالي من الفاصوليا وعاش لوقت اطول بكثير من حياة الثيران العادية.

لقد استغرق فيثاغوروس وقتا ليرسخ مجاله المهني وهو لم ينجز النجاح الحقيقي الاّ بعد ان تمكن من نقل افكاره واتباعه المتحمسين الى الساحل الشرقي لايطاليا، متمتعا بالاقامة في مستعمرة كروتون اليونانية. وهنا تمكنت جماعة الاخوان الفيثاغورية من ترسيخ أقدامها واصبح لها تأثير واسع النطاق. اصبح اسم فيثاغوروس وبسرعة مشهوراً في كل انحاء اليونان وما ورائها.

 

نهايته المأساوية

كان هناك رجل اسمه كيلون ينحدر من عائلة ارستقراطية ثرية، هو اعتاد الحصول على اي شيء يرغب به. وحين يُواجه بالرفض يصبح عنيفا ومتمرداً . ورغم ان كيلون لديه امكانية الوصول الى مختلف مستويات الدراسة  الا انه كان غبياً . كيلون رغب ليصبح جزءاً من الاخوان . ونظراً لكونه شاباً ثريا وطائشا تصوّر انه بالامكان السماح له بتجاوز سنوات التدريب والصمت والتأمل العميق الذي يسبق الدخول الى المراتب الداخلية المقدسة للاخوان.

فيثاغوروس رفض صراحة ذلك الطلب ورفض ليس فقط قبوله في الجماعة الاخوانية وانما رفض ايضا عقد مؤتمر معه. كيلون استشاط غضبا وحقداً وقام فجأة بإلقاء خطابات ساخرة عن افكار فيثاغوروس وعقائده – خطابات وصف فيها ابناء كروتون بالبهائم يستغلهم رجال فيثاغوروس. كيلون استغل ايضا عواطف اصدقائه وابناء مدينته حتى بدأ الغوغائيون بالنزول الى الشوارع مستهدفين منازل الاخوان . الغوغائيون الغاضبون احرقوا اماكن دراسة الاخوان ومحلات اقامتهم كي يجبروا الاخوان للفرار من النيران. وعندما حاول الاخوان الخروج من النيران قُتل بعظهم بالسكاكين. اما الذين نجحوا بالهروب توجهوا الى الارياف المجاورة. كان فيثاغوروس احد الهاربين المحظوظين: اتباعه شكلوا جسراً انسانيا يتسلق عليه للهروب من احدى البنايات المحترقة. ولكن هروبه لم يكن خافيا على الاعداء. حيث لحق به مجموعة من انصار كيلون الغاضبين .وفجأة توقف فيثاغوروس. وجد حقلاً شاسعاً من الفاصوليا يمتد امام عينيه. وقف متجمداً، حائراً ماذا سيفعل. حدقت عيناه في نبتة فاصوليا منفردة تتمايل على بعد سانتيمترات قليلة من قدمه المغطى بالبردي. ما هو حقيقي بالنسبة له انه لا يرغب في سحق حتى نبتة فاصولياء واحدة. كان ينظر الى تلك النبتة المتمايلة، والشمس تتدنى في السماء، هو تصورها كنضج الهي امامه. وحالما توقف هناك متردداً، ومتأملاً خطوته القادمه، أمسك مطاردوه  به. رفعوا سلاحهم واثخنوه طعناً بالسكاكين حتى فارق الحياة وبذلك يكون روى بدمه تلك النبتة دفاعاً عن عقيدته ولأجل تلك الحكمة العميقة المغمورة في ذلك الكائن الصغير.

 

................................................

Philosophy Now Jan-Feb 2013

 

عن بعض العراقيين، اللذين مرٌوا بموسكو (6) .. 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية

نتناول في هذه الحلقة من سلسلة مقالاتنا حول بعض العراقيين في موسكو حادثة وقعت في اروقة السفارة العراقية بموسكو عندما كان فاضل صلفيج سفيرا للعراق في روسيا الاتحادية . تبدأ هذه الحكاية عندما اقترحت على السفير العراقي في موسكو عام 2011 الاستاذ فايق فريق عبد العزيز نيروه يي فكرة اعداد كتيب بعنوان (سفراء العراق في موسكو من عبد الوهاب محمود الى عباس خلف)، وهي الفترة المحصورة من عام 1959، عندما تم تعيين عبد الوهاب محمود - اول سفير في موسكو للجمهورية العراقية ولغاية عام 2003 عندما كان الدكتور عباس خلف سفيرا لجمهورية العراق آنذاك، حيث انتهت تلك الفترة من تاريخ العراق نتيجة كل الوقائع المعروفة والتغيرات الهائلة التي حدثت في ذلك العام . لم يكن اختياري لهذين الاسمين من سفراء العراق متعمدا ابدا، اذ انهما فعلا كانا في الواقع هكذا، فعبد الوهاب محمود كان اول سفير للعراق وعباس خلف كان آخر سفير للعراق في موسكو ضمن تلك الفترة الزمنية المحددة، ولكن الحديث عن هذين الاسمين معا والفروقات الكبيرة والجذرية - وبعمق - بينهما هو بالطبع حديث ذو شجون، كما يقولون، ويبين بوضوح الخط البياني لمسيرة العراق المعاصر بلا شك وما آلت اليه الامور منذ 14 تموز 1958 ولغاية 2003، ولكن ليس هذا هدف هذه المقالة لا من قريب ولا من بعيد ابدا، لهذا ارجع الى الحديث عن المقترح المذكور، وأود ان اشير عندها الى ترحيب السفير بمقترحي ذاك، وقد طلبت منه ان يسمح لي بالعمل للاعداد لهذا الكتيب في ارجاء السفارة واروقتها قبل كل شئ، اذ ان الاوليات والمصادر كلها توجد في السفارة من اوامر ادارية وكتب رسمية ومراسلات وسجلات ووثائق ووقائع وذكريات ...الخ، وقد وافق السيد السفير - وبكل سرور - على ذلك، وكخطوة اولى لتنفيذ ذلك المشروع ذهبت مع بعض العاملين في السفارة (وقسم منهم كانوا طلبتي يوما – ما في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد) لالقاء نظرة على الصور المعلقة على جدار خاص داخل السفارة لكل السفراء العراقيين اثناء تقديمهم لاوراق الاعتماد الى الجانب السوفيتي والروسي، وهي صور تاريخية فعلا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ، اذ نرى فيها السفراء العراقيين وهم في حلٌة رسمية مهيبة ويقدمون اوراق اعتمادهم الى رئيس الدولة الروسية او من ينوب عنه، او يجلسون بتنسيق جميل في جلسة معدة سلفا في قصور الكرملين يصورونها للتاريخ، وتحت كل صورة من تلك الصور توجد شروحات تفصيلية تتحدث عن تاريخ تلك الصورة واسماء الحاضرين فيها من رؤساء روسيا الاتحادية او الاتحاد السوفيتي في حينها واسماء السفراء العراقيين .. الخ هذه المعلومات التوثيقية التاريخية الطريفة والتي اصبحت – بمرور الزمن – نادرة جدا وتاريخية فعلا ، وعلى وفق تلك التواريخ المثبتة تحت تلك الصور يمكن تحديد فترة عمل كل سفير من هؤلاء السفراء، واكتشفنا ان هناك فترة تاريخية باكملها مفقودة في مسيرة العلاقات الدبلوماسية بين العراق وروسيا، وان هناك نقصا في عدد السفراء العراقيين، فحكى لنا ج.ح. (وهو احد طلبتي القدامى في قسم اللغة الروسية) واحد قدامى العاملين في السفارة وفي وزارة الخارجية بالطبع، قصة تلك الفترة المفقودة، اذ انه كان موجودا ضمن العاملين في السفارة آنذاك، وترتبط تلك الفترة بعمل السفير مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي، والذي كان وزيرا للاقتصاد وللخارجية ثم تم ابعاده وتعيينه سفيرا نتيجة صراعات وخلافات لا يمكن في اطار هذه المقالة تناولها، ثم تم اتهامه بمؤامرة ضد النظام ومن ثم،تم اعدامه في بغداد. وقد تبين ان المسؤول الامني في السفارة العراقية آنذاك قد كتب الى السفير فاضل صلفيج تقريرا قال فيه، انه من غير الصحيح ان تبقى صورة ذلك السفيرمعلقة على جدار السفارة وقد تم أعدامه بتهمة الخيانة والمؤامرة في بغداد، وعليه فانه من الضرورة ان ترفع هذه الصورة من الجدار وان يجري تدميرها، فوافق السفير صلفيج على ذلك التقريررأسا دون اي نقاش او تفكير وأصدر امرا عاجلا بعقد اجتماع لكل العاملين في السفارة عند ذلك الجدار حيث توجد تلك الصور، وفي ذلك الاجتماع الغريب وغير الاعتيادي رفع السفير شخصيا من الجدار تلك الصورة امام هذا الحشد من الموظفين وبشكل استعراضي ورماها بقوة وعنف مع اطارها الجميل وزجاجها على الارض وسحقها بقدميه وسط صمت وذهول المحيطين به وهو يعلن ان هذا الشخص خائن ومجرم ومتآمر ولا مكان لصورته ضمن هذه المجموعة من صور السفراء، ولم يأخذ السفير فاضل صلفيج بنظر الاعتبار طبعا اي اهمية لتلك الصورة التاريخية التي تشير الى مرحلة محددة من التاريخ في مسيرة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والعراق بغض النظر عن الافراد الذين كانوا يمارسون واجباتهم الوظيفية ليس الا، ولم يستطع ان يعترض احد بالطبع من هؤلاء الموظفين والعاملين الذين كانوا يقفون حوله على هذه التصرفات الفجٌة الرعناء وغير اللائقة اصلا لهذا الشخص الذي كان يجب عليه كسفير في دولة اجنبية ان يتحلى بالدبلوماسية والتعقل والحكمة والتصرف اللائق اخلاقيا واحترام التاريخ باعتباره رأس الدائرة التي تمثٌل العراق ودبلوماسيته امام العالم . لقد استمعنا بحزن وأسى وخجل الى وقائع هذه القصة، وعلق البعض عليها قائلا ان هذه التصرفات كانت من سمات هذا الرجل الفظ الذي لا يصلح ان يكون سفيرا ابدا، وتذكر البعض الآخر ما جرى في محاكمات تلك الشخصيات التي كانت على رأس السلطة آنذاك والتي عرضت على شاشات التلفاز العراقي في حينها، اذ اشار احدهم الى ان فاضل صلفيج (الذي جاء مرة كشاهد في جلسة احدى تلك المحاكمات) وقد تحدث المتهم آنذاك عن فاضل صلفيج قائلا انه كان يتميز بعدم الذكاء، ومحدودية التفكيرجدا، وعدم القدرة على العمل السليم والمنطقي، وان النظام اعطاه كل الفرص – باعتباره قريبا لاوساط الرئيس - كي يتقدم ولكنه لم يستطع حتى ان يثبت شخصيته نتيجة تلك الصفات المحدودة جدا التي كان يتميز بها، رغم انه كان في فترة ما حتى رئيسا لجهاز المخابرات العامة في العراق .

بعد هذا الحديث الغريب والمحزن والكوميدي في آن واحد طرح أحد الحاضرين سؤالا محددا، يتعلق بالتاريخ ومتطلباته وهو – كيف يمكن اعادة تسلسل صور السفراء العراقيين حسب تواريخ عملهم في السفارة العراقية في موسكو بغض النظر عن كل هذه التفاصيل السياسية المؤلمة التي مرٌ بها العراق؟ فاجابه المتحدث قائلا، انهم فكروا بمفاتحة الخارجية الروسية بتزويدهم بصورة اخرى لتقديم اوراق اعتماد السفير مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي، ولكن هذه المفاتحة تحتاج الى تبريرات منطقية، ومن الصعب على السفارة ان تشرح كل هذه التفصيلات كما حدثت في الواقع، ولكن السفارة وجدت الحل الملائم لتلك المسألة، اذ وصلت الى السفارة موظفة جديدة هي ابنة المرحوم مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي،وتبين انها تمتلك صورة من تقديم اوراق اعتماد والدها الى الرئيس الروسي، وهكذا عادت الان تلك الصورة التاريخية الى الجدارالخاص بها في السفارة العراقية بموسكو.

 

بمناسبة ذكرى تخرج الدورة 48 من الكلية العسكرية العراقية

كنت قد كتبت اول امس ملاحظة عن نيتي في كتابة هذه الذكريات وبمزيد من الفخر علق على اعلاني امر فصيلي في مرحلة المستجد والمتوسط اللواء الركن (الملازم الاول في حينها) نبيل خليل سعيد فشكرا له على هذه الالتفاتة .

في مثل هذا اليوم 30/5 /1970 تم تخريج الدورة 48 من الكلية العسكرية العراقية .

والدورة 48 وُصفت كما هي الدورة 20 في كلية القوة الجوية في انها دورة استثنائية كان قد اعلن عنها في شهر حزيران 1968 رئيس الوزراء العراقي طاهر يحيى اخر رئيس وزراء عراقي قبل وصول البعث الى الحكم باعتبار انها خطوة باتجاه تطوير وتوسيع الجيش العراقي استجابة لتحديات نكسة الخامس من حزيران 1967 .

بدأ تقديم الطلاب على الدورتين بعد الاعلان عنهما الا ان الاعدادات لهما لم تكتمل، قُطعت او توقفت بوصول البعثيين للحكم في 17 تموز 1968 . تم اعيدت اجراءات القبول والفحوصات في النصف الاول من شهر اب 1968 وبدئنا بالالتحاق بالكلية في صباح يوم 14 /9/1968 . ان غالبية الطلاب كانوا ممن تقدم للكلية قبل وصول البعث الى السلطة الا ان البعث اضاف للدورة حوالي 50-60 طالب فيهم بعض من اخوان واقارب بعض المسؤولين مثل حسن ندا اخو زوجة الرئيس احمد حسن البكر محمد ياسين رمضان اخو طه ياسين رمضان خضر علي نصارالعامري اخو حسن علي العامري عضو القيادة القطرية واحد الوزراء مزاحم عمر العلي اخو عضو القيادة القطرية وزير الاعلام صلاح عمر العلي . مع ابناء ضباط كبار كانوا ما زالوا في الخدمة مثل صارم بن اللواء شكيب الفضلي وهيثم بن اللواء احمد حسن بكر (تشابه اسماء مع الرئيس احمد حسن البكر) وغيرهم وثلاث او اربعة من البعثيين من الكبار بالعمر بمقاييس اعمار طلاب الكلية منهم عادل مزيد الدبوس واخر اسمه للاسف نبيل لا اتذكر بقية الاسم من اهالي البصرة شاء الحظ ان يكونوا جميعا من زملاء نفس القاعة . كانوا للامانة جميعا مؤدبين ودودين لم يستغل على الاقل ظاهريا اي منهم موضوع قرابته لافي تعامله مع الضباط ولا مع الطلاب، باستثناء عادل الذي تبين انه المسؤول الحزبي للدورة او اقدم حزبي بين الاخرين . الذي بعد ان بدات الصورة تتضح حول الارتباطات الحزبية بدأ يتعامل مع الطلاب بعنجهية وتكبر واستغلال الطلاب من ضعفاء الشخصية والانتهازيين بشكل واضح لذلك كانت لي معه صدامات ومشاكسات كثيرة حتى علمته ان يتحاشا الاحتكاك بي .

نُسبت للفصيل الاول في سرية المثنى بن حارث الشيباني بامرة الملازم الاول (اللواء الركن المتقاعد الان) نبيل خليل سعيد (وهو ضابط مميز بخصائص استثنائية كما ساتكلم عن ذلك فيما بعد) ولم يكن التنسيب للسرايا او الفصائل مبني على قاعدة بل جاء الضابط الى الطابور المصطف ليقولوا من هنا الى هنا سرية المثنى ومن هنا الى هنا الفصيل الاول وهكذا .كذلك الحال بالنسبة للحضائر فكان نصيبي ان اكون من افراد الحضيرة الرابعة وان اخذ الرقم 9355 (رقم الطالب يعني تسلسله في قائمة طلاب الكلية العسكرية منذ بدا انشائها) خصص لكل فصيل قاعة من القاعات الاربع في بناية سرية المثنى وكان اعداد الفصائل اكبر من اعداد الاسرة الموجودة في القاعات الخاصة بكل فصيل خصصت القاعة الرابعة لضم الحضيرة الرابعة من كل فصيل فهي قاعة مختلطة .

جرت الكثير من الاستثناءات في الدورة 48 لتغدو استثنائية فعلا فقد تقلصت السنة الدراسية الى 6 اشهر والغيت فيها العطل الرسمية التي كان يتمتع بها طلاب الدورات الاخرى عطلة نصف السنة والعطلة الصيفية اتذكر اننا ما ان انتهينا من اداء الامتحانات النهائية في الدروس النظرية للصف الاول حتى باشرنا في اليوم التالي السنة الدراسية الجديدة وتكرر الامر في الانتقال من الصف الثاني الى الصف المتقدم اي الثالث والصفوف او السنوات الدراسية تسمى عادة مستجد ومتوسط ومتقدم .

شمل اجراء الغاء العطلة دورة المتوسط اي الدورة 47 . وكانت الدورة 46 في بداية سنتها الاخيرة وتتهيأ للتخرج .

من الاستثناءات الاخرى التي تمت خلال الدورة 48 انه تم توزيع الطلاب على صنوف الاسلحة في الصف المتقدم وكان هذا التصنيف يتم عادة بعد التخرج ولعلها خطوة علمية وعملية لان المرحلتين المستجد والمتوسط كانت كافية لتدريبات المشاة الاساسية وتعلم اساسيات العلوم العسكرية ولم تؤثر هذه التوزيعات على المنهج الدراسي النظري الذي كان يتلو مرحلة التدريب الصباحية على الاسلحة .

نُسبت لصنف المدفعية دون ان استخدم واسطة او التماس لاني بالاساس كنت من محبي صنف المشاة او هندسة الميدان واعرف ان الدبابات او الدروع ستكون حصة البعثيين واقاربهم باستثناء خضر علي نصار لانه أُرسل للتدريب في كلية سانت ايرس البريطانية بعد التخرج مباشرة رغم ان مثل هذه الارساليات كانت تتم عادة للطلاب الاوائل في كل سرية ولم يكن خضر مميزا اوالاول على دورتنا بل كان الطالب خالد علي المولى من طلاب الفصيل الثالث في سرية المثنى بن حارث الشيباني هو الاول لكنه لم يكن من البعثيين . يقال انه أُعدم فيما بعد بدسيسة من احد خريجي الدورة لعضويته في تنظيم سري مضاد للنظام ولا استبعد ذلك من هذا الدساس لانه كان وصوليا بطبعه ولربما لاسباب خاصة اراد ان يثبت نفسه في مديرية الاستخبارات العسكرية او ان يُثبت للحزب اخلاصه مع انه كان من اوائل المنهزمين من الجيش عند الاحتلال . وصادف ان اتصل بي عام 2006 عن طريق محطة التلفزيون التي كنت اظهر بها

سالته اين انت الان فقال انه في احد الدول الاسكندنافية جاء يطلب اللجوء السياسي معبرا عن خوفه في ان يرفضوه واحتمال ان يضطر للمجئ الى لندن او اذا كنت استطيع ان اقدم له شهادة تساعد على قبوله قلت له في حينها: رغم كل شئ انا مستعد لمساعدتك في اي حاجة تطلبها كزميل لكن اليس من الانصاف ان تبقى في العراق انت اخر واحد يحق له ان يهرب من العراق فانت بعثي واذكرك كم كنت تتنافخ في الكلية بذلك ومثلك الان يجب ان يكون قائدا في صفوف المقاومة لا ان يهرب . قال: بس انا حياتي في خطر قلت له: نحن عسكر مهنتنا الدفاع عن الوطن لماذا اذا دخلت الكلية العسكرية اذا كنت تخاف الموت ساعة الشدة .

ظل يتواصل معي بين فترة واخرى وانقطع بعد ان حصل على حق اللجوء على ما يبدو وما عاد يحتاجني .

فهمت انه هرب اول ما اتيحت له الفرصة الى الاردن ثم الى حيث هو الان مع انه شارك في ترديد قسم التخرج (اقسم بالله العظيم وبكتابه الكريم وبشرفي ومقدساتي ان اكون وفيا مخلصا في الدفاع عن وطني ..........، واقسم بالله العظيم وبكتابه الكريم وبشرفي ومقدساتي ان اكون وفيا مخلصا لمبادئ ثورة 17-30 تمور وان ادافع عن مبادئ حزب البعث .....)

وقضى خدمته العسكرية في مديرية الاستخبارات العسكرية التي لم ينسب اليها الا من كان بعثيا موثوق بولائه .

وبمناسبة الحديث عن القسم .

هذا القسم ردده كل خريجي الكلية العسكرية اعتبارا من خريجي الدورة 46 فصاعدا لذلك اقولها صراحة ان كل من عاد للخدمة للجيش بتشكيلته الجديدة فانه يشكل حالة انتهازية مفرغة من القيم والاخلاق .

تشهد وثائق طبابة الكلية العسكرية ان كانت ما زالت سليمة لي اني والمرحوم النقيب الشهيد عماد فالح البلداوي تهربنا من الاشتراك في استعراض التخرج يوم 30/5 باجازات مرضية بحجة الاسهال تهربا من ترديد القسم .فقد اخبرت عماد باني ساتهرب من الاستعراض لاني لااريد ان اقسم بالولاء لحزب البعث وانا ولائي لمجموعة اخرى وذهبت في ليلة التخرج للطبابة متحججا بالزكام والصداع الا ان الطبيب الخفر رفض اعطائي اجازة مرضية وقال ان الاجازات ممنوعة في يوم الاستعراض .الا ان الممرض الذي كان في غرفة الطبيب تبعني الى خارج المستوصف ليقول لي اذاكنت لاتريد المشاركة في الاستعراض فان الاجازات المرضية ممنوعة الا بحالة واحدة وهي ان تدعي ان عندك اسهال حاد تعال غدا صباحا وسياتي طبيب اخر لايعرف بمجيئك اليوم وستحصل على الاجازة . عندما عدت في صباح اليوم التالي قبل الاستعراض بساعتين حصلت على الاعفاء المطلوب اخبرت عماد فذهب هو الاخر ليحصل على نفس الاعفاء . وهكذا تجاوزنا القسم دون ان ينتبه احدا لنوايانا والاسباب الحقيقية لتخلفنا رغم انها ساعات من احلى ساعات العمر حفلات التخرج تلك.

الاستثناء الاخر في الدورة 48 كان بداية دخول الاسلحة الفرنسية في منظومة تسليح الجيش العراقي واضيف للمنهج الدراسي تعليم اللغة الفرنسية لتصبح الخيار الثاني مع الروسية وتم احضار مدرسين فرنسيين لهذه الغاية الا انا لم نستفد منهما بالحقيقة بالشكل المطلوب فقد كان من الاخطاء الشائعة في الكلية التركيز على التدريب العملي مقابل اهمال الدروس النظرية التي تتحول بعض الاحيان الى ساعات استراحة او النوم والكسل بسبب التعب من التدريب العملي وحسب اهمية الدروس النظرية وشخصية الضابك المعلم وكنا نعتقد خطأ بعدم اهمية اللغات الاجنبية . وكان ان اصابتني اكبر عقوبة في الكلية حرمان اذن لمدة اربع اسابيع لان مدرس الفرنسية قدم اسمي الى امر الكلية للنوم في الصف وكنت عادة اضع القلم بيدي واتظاهر بالكتابة في حين اتكأ على يدي اليسرى للنوم ويبدو ان المدرس وجه سؤالا لي فعرف بنومي الذي كان يتصوره اجتهاد ومتابعة مني .

كان الطالب الوحيد الذي اهتم بدروس الفرنسية في دورتنا هو صارم شكيب الفضلي واعتقد انه تعلم الكثير من اساسياتها .نُسب لصنف الكيمياوي اعتقد ان ذلك كان برغبته بحكم موقع والده اللواء شكيب الفضلي احد الضباط الكبار بالجيش .سمعت انه بطريقة او اخرى تمكن من اكمال دراسته ونال الماجستير او الدكتوراة في الكيمياء .

حول التنسيب للصنوف كنت احب صنوف الاشتباك القريب (الدروع المشاة هندسة الميدان) . وكما ذكرت في اعلاه اعرف ان الدبابات كانت حكرا على الطلاب الحزبيين فلم افكر بها لكن الصدمة فاجئتني ان أُنَسب لصنف المدفعية لاني من خريجي الفرع العلمي في الثانوية العامة ورغم ان الصنف كان مرغوب جداعند الكثير من الطلاب . استثمرت اجتماع امر الكلية العقيد الركن داود الجنابي بدورتنا ليتكلم عن التوزيعات التي حصلت بالصنوف طلبت الاذن بالحديث مستغلا الفرصة: واشتكيت له تنسيبي للمدفعية ورجوته ان ينقلني لصنف المشاة . ابدى كل من كان موجود في القاعة استغرابه ملتفتا لي بدهشة لانهم يعتقدون ان خياري كان جنونا فالمدفعية من الصنوف المرغوبة جدا حتى امر الكلية العقيد داود الجنابي سالني مستغربا فقلت له: " انتم علمتونا ان المشاة سيد الصنوف واحب ان اكون في خانة السادة ثم تيمنا بك وانت الضابط الناجح وصنفك مشاة "، فضحك وقال انت منقول للمشاة .

كان موعد تخرجنا الطبيعي هو يوم 17 تموز /يوليو 1970 الا ان اشاعة قوية بدات تنتشر في الاسبوع الاول او الثاني من شهر مايس / مي وفعلا بدات الاستعدادات للتدريب على حفل التخرج وتم تبليغنا بذلك اي كنا قد كسبنا 47 يوما على الموعد المقرر فهمنا فيما بعد ان سبب التسريع كان زيارة الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي لبغداد وان الحزب كان كان يطمح للتاثير به وكسبه فهو يحمل توجهات قومية متذبذبة بين البعث والناصرية . حتى ان الرئيس البكر سمى الدورة في خطابه في احتفال التخرج باسم دورة معمر القذافي .

للاسف ان تلك الحفاوة وذلك الاحتفال بمقدمه لم يؤتي اكله فكان من مزاجيات المرحوم القذافي ان زود ايران بالصواريخ التي ضربت بغداد خلال الحرب العراقية الايرانية كما قيل في حينها . وناصب البعث العداء . ليطرح نفسه كصاحب رؤية مستقلة عن الطرفين .

القضية الاهم في الحياة العسكرية من خلال تعايشي اليومي لمدة 18 شهرا مع تلك الاعداد الغفيرة من الطلاب حيث شهدت 5 دورات اثنين قبلنا والتحاق دورتين اخرين خلال وجودنا وعلى الاقل في دورتي لم الحظ اي ظاهرة طائفية عند الطلاب ولا الهيئة التعليمة سوى ظاهرة واحدة حاول من خلالها احد طلاب فصيلنا (ا.ع) ان يثيرها ضد الطلبة الشيعة المصلين في جامع الكلية الا انه تم تاديبه وردعه بقوة كما عالج الملازم الاول نبيل خليل سعيد امر الفصيل الاول في سرية المثنى بن حارث الشيباني الامر بحنكة وحكمة ما جعل هذا الطالب يرتدع ويتخلى عن تصرفاته تلك .

تعايش الجميع وقامت صداقات بين الكل دون اي اعتبارات للانتماءات الطائفية للطلاب . وكانت حالة هذا الطالب استثنائية . سمعت انه تم اعدامه بعد تخرجه وهو برتبة ملازم اول لانه نشط في بناء تنظيم سري لصالح الاخوان المسلمين . كان المعيار المفضل عند الجميع هو المهنية العسكرية وروح الاخوة والتعاون وتدريجيا اصبح الولاء للحزب هو المعيار الاهم فالطالب العميد الركن (فيما بعد) خضر نصار مثلا كان شيعيا ومع ذلك تبوأ اعلى المناصب دون ان يكون لانتمائه الطائفي اي تاثير على ذلك كما هو الحال مع الكثيرين غيره في حين تم اعدام (أ.ع) الطائفي المتعب . لكني وجدت ان بعض الطلاب الشيعة متحسسين ومنهم من يحاول البراءة بانتقاد المذهب او شتم علمائه ليثب برائته التي لم يطلبها احد منه فهو حس داخلي بالاضطهاد او التمايز ما كان له اساس على ارض الواقع. .

من اغرب ما قرات كتاب صدر في اوائل التسعينات بعنوان (المعنويات في الجيش العراقي) مؤلفه ضابط كان بعثيا بدرجة عضو فرقة دخل كلية الاركان على هذا الاساس وتخرج منها ثم تم اسره او هو سلم نفسه خلال الحرب العراقية الايرانية يتهم كل ضباط وقادة الجيش العراقي بالتعصب الطائفي ضد الشيعة ولم يتوقف عند حد ان بعض من يتهمهم كانوا من الشيعة . ولم يبرء واحدا الا الطالب الذي ذكرت حالته اعلاه (ا.ع) عندما التقيت بالمؤلف سالته كيف هذا وانا اعرف الكثير من الضباط المتهمين بالطائفية براء منها وكيف يتهم الجميع ويبرء (ا.ع) قال: " نعم كان لكني عندما تعرفت عليه وتطورت علاقتي به اصبحنا اصدقاء واعطيته كتاب نهج البلاغة فقرأه وغير سلوكه واعتذر عن مواقفه السابقة ". لايمكن الوثوق بالرواية التي لاتختلف في طريقتها عن بقية روايات المؤلف في انه رأى الضابط الفلاني يهمس باذن الاخر ليقول له هذا شيعي وذاك سني وعندما لايسمع الهمس (الذي يفترض انه لايُسمع) فانه يفسر نوايا الاخرين تفسيرات طائفية غير مقبولة من مخيلته. لم اعجب لتفسيراته لانه قالها صراحة انه استلم ثمن كتابه من جهات طائفية . وهكذا هم من يروجون للطائفية لم يكتبوا شيئا بقناعة منهم لكن مقابل ما يدفع لهم من اموال كما هو حال حسن عليوي هندش مؤلف كتاب " الشيعة والدولة القومية " الذي زور الروايات وقلبها من اجل ان يبرهن شيوع الطائفية بين صفوف الجيش العراقي وقد كتب عن ذلك وكشفت بالوثائق زيف رواياته في كتابي " ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد"

كلمة اخيرة اقولها بحق ضباطنا الاشاوس من المعلمين في الكلية العسكرية ولااتذكر كثيرا اسماء الضباط المعلمين في سرية صلاح الدين كما لم احتك بهم . لكن الشهادة لله وللتاريخ كان معلمي الفصائل الثلاث في سرية المثنى من افضل الضباط معرفة وخلقا وطيبة تعاملوا معنا وشملونا برعايتهم كابناء لهم رغم ان فوارق العمر لم كبيرة. كانوا قادة حقيقين ومربين مهنيين اثنان منهم الملازم الاول نبيل خليل سعيد والملازم الاول عماد عبد القادر من خريجي كلية سانتيرس البريطانية وكان الملازم محمد وهيب العزاوي خريج الكلية العسكرية العراقية نموذج للطيبة .

ولامر فصيلي الملازم الاول (اللواء الركن المتقاعد) نبيل خليل سعيد الكثير من الافضال فعدا كونه المعلم الاول الذي تعلمت على يديه المبادئ الاولية للعسكرية فقد خلصني من العقوبات في بداية مرحلة المتوسط نهائيا وعقوباتي كلها كانت تتعلق بالتدخين باستثناء حالة واحدة ذكرتها اعلاه وهي النوم بدرس الفرنسية .لااتذكر السبب الذي قدمني من اجله عريف الفصيل الطالب محمود فيزي الفزيع كمذنب لامر الفصيل الملازم الاول نبيل خليل سعيد: الذي خاطبني موسى الحسيني: " ضجت منك والله ضجت حبر قلمي خلص من كتابة العقوبات غرفتي هم ضاجت منك، والتفت الى الملازم الاول محمد وهيب العزاوي الذي يتقاسم المكتب معه ملازم اول محمد بالله ماضجت من موسى " ثم قال لعريف محمود: "انا تعبت من موسى خذه وروح وما اريد اشوفه بعد بغرفتي ". ومرت المخالفة بدون عقوبة في طريق عودتنا الى قاعة الفصيل استثمرت الموضوع لاهدد العريف محمود قلت له: شفت عريف محمود الملازم الاول نبيل وضوجته وتعبته دير بالك تغلط علي يوم امام الطلاب ترى اضوجك واخليك مضحكة واهربك من الفصيل (كان بعض الاحيان يستعمل مع بعض الطلاب كلمات غير لائقة مثل كلمة غبي او يصرخ بصوت عالي عليهم – رغم انه للامانة رجل طيب وودود لايلمس الانسان فيه اي توجهات خبيثة او شريرة)، قال: "مستحيل بس انت عليك ايضا ان تحترمني امام الطلاب "، قلت: "هذا واجب مفروض علي وحق "، قال: اتفقنا .

كان الملازم الاول نبيل خليل سعيد شديد الضبط والانضباط صارم بدون قسوة كنا نحترمه وننفذ اوامره دون خوف . يشعرك انه كان مميزا بين زملائه الضباط بكل شئ قيافته مشيته طريقة خطابه مع الاخر وطرح اوامره .واني لافخر به معلما وواحدا من اصدقائي الان على الفيس بوك .

كنت اتمنى لو اصادف اخبارا عن اي من طلاب دورتي لكني عجزت للاسف حتى الان واعتقد ان الغالبية منهم قد استشهد او قتل في سلسلة الحروب التي مر بها العراق فرحمة لارواح من مات منهم وتحياتي لمن مازال على قيد الحياة .

تجنبا للملل ساتوقف عند هذا الحد لاتابع في مناسبة اخرى مواصلة مثل هذه الذكريات .

 

د . موسى الحسيني

 

كريلوف .. ابن المقفع الروسي

يسمونه الجد كريلوف في تاريخ الادب الروسي ومسيرته (حتى بوشكين أسماه هكذا رغم ان بوشكين مات قبله)، ويعرفه الصغير والكبير في روسيا، ولم أجد شخصا هناك لا يعرفه - و منذ طفولته - و لا يعشقه ولا يستشهد باقواله وامثاله وحكمه وقصائده ويتحدٌث عن اساطيره وحكاياته وقصصه الخرافية الجميلة ذات المعاني الواقعية والحياتية البسيطة والعميقة والحكيمة في آن واحد، ويستشهد بمقاطع طويلة منها عن ظهر قلب رغم ان ابطالها بالاساس هم الحيوانات المختلفة من اسود ونمور وذئاب وثعالب وكلاب واسماك وطيور او حتى الاشياء الاعتيادية التي تحيط بنا مثل الاشجار والاحجار والمياه ...الخ وهناك بالطبع يكمن الانسان نفسه – بشكل مباشر او غير مباشر - في كل تلك الحكايات الخرافية والاساطير.

لم تستقر لحد الان التسمية العربية الدقيقة لنتاجات كريلوف الادبية الابداعية هذه (توجد كلمة روسيٌة واحدة محددة لها ومعناها الحرفي القاموسي هو – اسطورة // امثولة) رغم ان الكثير من المترجمين العرب ترجموها (او حاولوا ان يترجموها ولكن ...!) الى العربية، فهناك من يطلق عليها تسمية حكايات رمزية، وهناك من يسميها خرافات، وثالث يقول انها اساطير، ورابع يشير الى انها قصص خرافية، وتطلق اللهجة العراقية عليها كلمة – (سالوفه وجمعها سوالف)، وكل هذه الاجتهادات واردة وصائبة ومقبولة - في الواقع - بلغتنا العربية، لغة كليلة ودمنه ومترجمها العظيم ابن المقفع، اذ ان العرب نفسهم أطلقوا عليها كل تلك التسميات المذكورة اعلاه، ولهذا السبب اطلقنا على كريلوف في عنوان مقالتنا هذه اسم – ابن المقفع الروسي، رغم ان الباحثين الروس يسمونه باسم الكاتب الفرنسي لافونتين، اي لافونتين الروسي، او لافونتين روسيا، وهم بالطبع على حق، وذلك لان كريلوف قد ابتدأ مسيرته الابداعية في هذا المجال بالذات عن طريق ترجمة العديد من الحكايات والاساطير لهذا الكاتب الفرنسي الشهير الى اللغة الروسية (تشير المصادر المختلفة الى انها حوالي الاربعين)، ولكن كريلوف ترجمها بتصرف كبير جدا وصياغة ابداعية وذاتية روسيٌة اصيلة، اي انه قام بترجمة حرة لم تلتزم بتاتا بحرفية النص الاجنبي (الفرنسي) او قواعد تركيبه وترتيبه، وانما التزمت التزاما ابداعيا و دقيقا وصارما بالمضمون فقط، اما الشكل الفني فقد التزم كريلوف بموسيقية الشعر الروسي وجماليته واصول صياغته اولا، وبناء الجملة الروسية وترتيبها واحكامها وقواعدها بالنسبة للنثر ثانيا، مع اضافات وتفصيلات عديدة ومختلفة وذات نكهة روسيٌة بحتة ابتكرها كريلوف بشكل مبدع بنفسه واعتبرها ضرورية في مجمل البناء الفني واللغوي لتلك النصوص، لدرجة اصبحت (تلك الترجمات) جزءا لا يتجزأ من الادب الروسي البحت شعرا ونثرا، ولم يعد القارئ او المتلقي الروسي يحس ان هذه النصوص مترجمة عندما يطالعها، وقد كتب كريلوف نفسه حكايات واساطير اخرى غير تلك التي ترجمها و بنفس الروحية والخصائص، ولا يستطيع القارئ الان ان يميز بين تلك التي ترجمها او تلك التي كتبها كريلوف نفسه، وهو في الواقع ما قام به ابن المقفع بالنسبة لكتابه العظيم كليلة ودمنة لدرجة باننا لحد الان نربط هذا الكتاب باسمه وكأنه مؤلف الكتاب ليس الا ولا نتحدث عنه باعتباره مترجما للكتاب، وهذا ما حدث واقعيا لكريلوف بالضبط ايضا، ولهذا فاننا نرى ان تسميته ب (ابن المقفع الروسي) بالنسبة لنا نحن العرب هي الاقرب روحيا لنا و الأكثر دقة من تسميته ب (لافونتين روسيا) رغم موقف الباحثين الروس الذي ذكرناه اعلاه، ولكن يبقى هذا الامر نسبيا بالطبع، بل و حتى ثانويا ليس الا، ولايمكن له ان يؤثٌر بتاتا لا من قريب ولا من بعيد على موقع كريلوف في الادب الروسي وقيمته الفنية الكبيرة واهميته المتميزة في مسيرة تاريخ الادب في روسيا وحب القراء الروس له وتقبلهم لنتاجاته الابداعية تلك وتعلقهم واعتزازهم وتمتعهم بها واستمرارهم لحد اليوم بقراءة نصوصه الادبية الجميلة الشفافة والساحرة .

لا نظن ان هناك ضرورة لعرض سيرة حياة ابن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ايفان أندرييفتش كريلوف ( 1769-1844 ) في هذه السطور هنا بشكل تفصيلي وشامل، خصوصا وان هذه السيرة الحياتية موجودة بشكل تفصيلي في الكثير من المصادر العربية المتوفرة حول الادب الروسي وتاريخه واعلامه، وكذلك لا نرى ضرورة في التوقف اوالحديث او التأكيد على مراحل مسيرته الادبية والابداعية باعتباره صحفيا او كاتبا مسرحيا، لأن الكتابة عن مساهماته الصحفية الكبيرة في الحياة الفكرية الروسية (وخصوصا في مجال الصحافة الروسية الساخرة والذي يعد كريلوف واحدا من مؤسسيها الاوائل في روسيا ورائدا كبيرا من روادها) تتطلب مقالة خاصة، اما مسرحياته واهميتها وقيمتها الفنية في بداية مسيرة المسرح الروسي فانها تقتضي ايضا دراسة معمقة بلا شك لما لها من اهمية في تاريخ الادب المسرحي الروسي بشكل خاص والمسرح الروسي بشكل عام، ولكننا نريد في مقالتنا هذه (التزاما بعنوانها) التحدث عن تلك العوالم الخيالية المدهشة الجمال والاسطورية التي خلقها في حكاياته واساطيره الشعرية والنثرية، والتي لا زالت لحد اليوم تنبض بالحياة في المجتمع الروسي وتساهم في تفصيلات مسيرته اليومية والتي قال الكاتب الروسي العظيم غوغول عنها مرٌة انها تجسٌد (حكمة الشعب كله)، وهي ظاهرة نادرة جدا في تاريخ الادب الروسي بشكل خاص والادب العالمي بشكل عام.

كتب كريلوف اكثر من 200 حكاية خرافية واسطورة شعرا ونثرا، وقد ابتدأ بذلك منذ عام 1806 عندما كان مشهورا جدا في الاوساط الادبية والصحفية الروسية في حينه، ثم أخذ باصدارها ضمن مجاميع، وقد بلغت 9 مجاميع بين أعوام 1809 و1843 وبعدة طبعات واسعة الانتشار،و كان ينتظرها القراء الروس آنذاك بكل لهفة، ويمكن القول انه تفرٌغ ابداعيا لكتابة هذا النوع الادبي المتميز منذ ذلك التاريخ والى نهاية حياته، والذي لم يسبقه أحد فية بروسيا آنذاك، وهكذا أصبح كريلوف رائدا في هذا المجال ومؤسسا له، وقد قال له أحد اصدقائه من النقاد عندما اطلع على محاولاته الاولى في هذا المجال، عندما ترجم لاول مرة بعض حكايات لافونتين، انه – (مخلوق بالذات لهذا الشكل من الابداع) وقد كان هذا الناقد على حق فعلا، اذ اثبتت الايام والسنوات ان كريلوف لا يزال لحد الآن يقف في طليعة الادباء الروس في هذا المجال رغم ظهور عشرات الكتٌاب و الادباء الروس بعده، و الذين حاولوا تقليده اوتكرار تجربته او ان يحذون حذوه.

نحاول - في ختام هذه الملاحظات الوجيزة عن كريلوف – ان نرسم نموذجا تطبيقيا محددا لما ذكرناه اعلاه، وذلك يقتضي ان نتوقف بتفصيل عند احدى نتاجاته المترجمة وهي حكاية خرافية معروفة جدا للقراء العرب بعنوان الغراب والثعلب بقلم لافونتين، والتي ترجمها كريلوف عن اللغة الفرنسية . ان هذه الحكاية معروفة ومشهورة جدا عند معظم الشعوب تقريبا و منذ القدم، وتوجد اشارة لها بشكل او بآخر حتى في حكايات الف ليلة وليلة وفي كليلة ودمنه، ولكنها تمتلك صياغتها الخاصة بها لدى تلك الشعوب . لقد كتبها لافونتين شعرا في القرن السابع عشر (ولد في 1621 وتوفي في 1695)، وترجمها المترجمون عنه شعرا ايضا، وهو ما قام به كريلوف ايضا، ولكننا عندما نتحدث مع اي مواطن روسي الان عن هذه الحكاية فانه يقول رأسا ان كريلوف هو الذي كتبها لنا، ولا يقول انه ترجمها عن الفرنسية، ثم يبدأ بقراءة المقطع الاول منها كما عند كريلوف-

(وهب الرب للغراب قطعة جبن صغيرة ....)، ولا يهتم بتاتا ان لافونتين لم يبدأ هذه الحكاية الخرافية الممتعة والمعروفة للجميع بهذا الشكل، وانما جاءت (حسب ترجمة المترجم القدير عن الفرنسية الاستاذ علاء شطنان التميمي في موقع النور والمرفق مع نص لافونتين بالفرنسية) هكذا-

حطٌ الغراب على شجرة بهية

يحمل في منقاره جبنة شهية


 

مملكة الإستبداد الديني .. تحقيق إستقصائي

hadi  jalumreiالمسافة بين المدينة المنورة ومكة تزيد على ال 440 كم وهي إمتداد صحراوي عميق وقاحل، موغل في الرمال، لكنه يحتفظ بعشرات من التلال التي تبدأ بالتفرق حال مغادرة المدينة التي تحتضن القبر الشهير لآخر الأنبياء محمد، وتزدهر بعديد المقامات الدينية المحمية من قبل هيئات دينية متشددة، كالمسجد النبوي الذي فيه قبور للنبي وصاحبيه أبي بكر وعمر، وقبر لفاطمة بنت محمد التي دفنت سرا بوصية لعلي بعد خلاف عميق على ولاية المسلمين بين فريق يراها لعلي بالوصية والوحي، وفريق يراها بالشورى حيث إستقرت على هذا بالفعل، لكنها أدت الى إنقسام يطبع حياة المسلمين الى يومنا هذا، والى القيامة كما هو واضح حيث تتعدد المذاهب وتنمو، وكل منها يرى الحق الى جانبه ويدافع عنه ويجد الملايين من الأنصار بإنتظاره.

من المواضع المقدسة أيضا الجبل الشهير ب(أحد) الذي هزم عنده المسلمون شر هزيمة بعد مخالفة عدد من الرماة أوامر النبي ونزولهم أرض المعركة طمعا في الغنائم، ولم يكونوا منتبهين لوجود أحد أشهر قادة المشركين في حينه خالد بن الوليد الذي أعمل فيهم السيف وقتل عددا كبيرا منهم  قبل أن يتحول الى بطل أسطوري عند المسلمين بعد دخوله الدين الجديد، بينما لايزال الشيعة يرون فيه قائدا مارقا لم يؤمن حقيقة، وكان سببا في نكسات لاحقة للمسلمين، وهم يرونه رجلا شريرا كسر رباعية الرسول، وساعد في قتل الحمزة الرجل الجسور،ولاحق بجنوده المقاتلين اللائذين بجبل أحد، وعيرهم بالهزيمة وقال مفاخرا، يوم بيوم بدر، وربما كان ذلك مادعا الرسول ليمتدح الجبل ويقول، أحد جبل يحبنا ونحبه، وكان مناكفا لعلي على مدى سنوات طويلة مجانبا إياه لصالح خصميه اللدودين أبي بكر وعمر. وهناك جبل الرماة الذي سبب الهزيمة، ومقبرة الشهداء الذين دفنوا عند سفح الجبل لكن لاأحد يجرؤ على زيارتهم بسبب الحواجز، ووجود الرجال ذوي اللحى الطويلة والثياب القصيرة الذين يترصدون بزوار المملكة، ويكدرون عليهم ويضيقون ويمنعونهم من أداء طقوس يحلمون بها منذ الطفولة بحجة إنها بدع وضلالة. وهذا مايفسر ربما إنزواء الغالبية العظمى من المواطنين السعوديين الذين يتجنبون زيارة المسجد النبوي، وحتى الكعبة إلا في أوقات محددة بسبب التضييق. فالتحالف عريض وواسع ومتين بين سلطة الحكم الملكي، ومايسمى بالوهابية المتشددين الذين لهم حق المحاسبة والسجن، وحتى إقامة الحدود، وجلد الخارجين عن النصوص الدينية التي يرونها مقدسة لايجوز أبدا التجاوز عليها، وتقع المسؤولية في بعض الأحيان على الزوار والمعتمرين والحجيج لأنهم يفتقدون الى النباهة والحكمة ويقومون بأداء طقوس يراها هولاء خروجا عن الدين وتستوجب العقوبة ويكون الاجدر بالحجيج الإمتناع عن إستثارة هذه المجموعات التي هي في الحقيقة تشبه الى حد كبير الميليشيات المتطرفة المدعومة من الحكم. في مقبرة البقيع تكثر القبور التي دفن فيها مسلمون قبل أربعة عشر قرنا، ومنها ماسوي من يومين فقط، لكن الزوار الذين يخرجون من خلف المسجد النبوي يسارعون الى المقبرة الشهيرة المحاطة بجدار يشبه الجدران التي عملتها إسرائيل لتفصل الفلسطينيين عن تاريخهم العظيم، وتمنع النساء من الدخول، بينما تتواجد قوات عسكرية كثيفة يحمل غالب العناصر فيها هراوات غليظة للتعامل مع الحالات الطارئة، وحين السؤال عن سبب منع النساء ؟ يقال على الفور، لأنهن يلطمن ويبكين حين يرين قبور بعض أئمة الشيعة وأبناء النبي وزوجاته، وأهل بيته، وعدد من المعصومين من الأئمة عند الشيعة الإمامية الذين يتكاثرون في إيران وباكستان وأفغانستان والهند والعراق ولبنان والبحرين والكويت، وعدد من دول العالم بنسب متفاوتة، بينما لهم وجود جيد في المناطق الشرقية من المملكة، ووجود آخر في المدينة المنورة، كما في منطقتي (العوالي والنخالوة) اللتين يكثر فيهما الشيعة متخفين بطقوسهم، ويتعرضون لهجمات كان آخرها عنيفا كما يقول الشاب سائق التاكسي الممتعض جدا، ويردف مرددا عبارة (خلي بالك هذا صحفي)، هاجم عدد من المتشددين مناطقنا من جهة أحد المساجد الشهيرة (قباء) وتصدى لهم شباب شيعة غاضبون، وكانت المرة الأولى التي يتدخل فيها أمير منطقة المدينة المنورة ليعقد صلحا بين الطرفين، ويدعو له أعيان المدينة وشيوخها، وكان ذلك من سنوات ونحن اليوم شبه منعزلون ونخضع لرقابة مشددة. بينما يعبر عدد من الشبان السنة الذين يضعون اليشماغ الأحمر والعقال، ويرتدون ثيابا بيضاء طويلة، ويحلقون لحاهم بإنتظام، ويشذبون شواربهم بطرق عصرية، ويتحلون بكرم بالغ عن إمتعاضهم من التطورات التي بدأت تؤثر على علاقتهم بأبناء بلدهم من الشيعة، وهم يرفضون الإحتكاك والعداوات غير المنضبطة، ويعتقدون إن الشيعة مواطنون جيدون كانوا يدرسون معهم ويعملون ويلتقون في المناسبات الكثيرة، ويلعنون التطورات التي حصلت في العالم الإسلامي وأدت الى مثل هذا الإنقسام الشنيع. يفاجؤنا شبان سعوديون بآراء لبرالية عميقة، ويتحدثون عن العلمانيين السعوديين واللبراليين، والذين لديهم أراء متناقضة، وغير ذات قيمة، لكنهم يخافون أن يدرجوا ضمن قائمة سوداء تضم (الإخوان المسلمين، والشيعة، واللبراليين، وبعض المسميات الآخرى) ويعزفون عن كشف آرائهم بصراحة. يقول لبرالي منهم، لم نكن نميز لفترة قريبة بين الشيعي والشيوعي !. ويتساءل بعضهم عن جدوى التدخل بهذه الطريقة الكارثية في سوريا، وعن التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإهدار الثروات النفطية في مشاريع غير ذات جدوى في الخارج، ويعجبون من العداء ضد إيران الجارة التي يعتقدون إنها أكثر نفعا لهم من صداقات تخسر فيها المملكة ولاتربح، مع إن هذه الآراء قد لاتكون دقيقة بنظر آخرين، لكنها تطرح على أية حال من مثقفين ومتنورين هم الغالب من الشعب السعودي المنقطع عن الرجال المتشددين الدينيين.

كنت أحاول تقمص دور الناقة الشهيرة التي أقلت الرسول محمد الى المدينة من مكة، وقطعت مئات الأميال في الصحراء القاحلة، وكنت أتخيلني أتمايل معها وهي تنوء في الرمال لكنها كانت مأمورة كما وصفها راكبها العظيم حين حلت وسط يثرب وأختارت المكان الذي سيكون لاحقا البيت والمسجد والمثوى الأخير لهذا الرجل الذي غير وجهة التاريخ الى الأبد، وأدركت لم أحاط الله مكة بالرمال والصحراء، ومنع عنها الماء والزرع، وجعلها في واد مقفر، لاثروات فيه من البترول، ولا النفط، ولا الماء الذي هو مصدر الحياة، حتى الوحوش تأنف أن تأتي الى مكة لأنها مقفرة لاصيد فيها، هذه إذن أساليب حماية غير متوقعة لمن لايعرف الجهة التي يقصدها.

عند الوصول الى مكة بعد ساعات طويلة من السفر، يشعر المرء بالصدمة للوهلة الأولى، فهو لايرى الجبال التي تخيلها، ولا الرجال الذين يجلسون قرب الكعبة ليتآمروا على محمد، ولاالصبية الذين رموه ببقايا حيوانات جزرت للتو، ليس من الكعبة شئ يعيد الروح الى اللحظات الأولى، لاوجود لبيت خديجة، ولا للدار التي نام فيها علي ليفتدي النبي بروحه، ولادار الأرقم إبن أبي الأرقم، ولا البيوت القديمة التي تجدد عهد الناس بأيام الرسالة الأولى. فالعقيدة الوهابية لاترحم، وهي متطرفة الى حد إن إحد كبار رجال الدين أبى زيارة المسجد النبوي لأن عليه قبة خضراء، وهناك من حاول هدمها من المتشددين، ويبدو ذلك جليا من خلال إهانة مقبرة البقيع التاريخية وعدم الإهتمام بها، وكان يمكن لو حصل الإهتمام أن تدرج ضمن قائمة التراث العالمي، هي ومقابر بني هاشم في مكة وبعض المزارات كجبل الرماة وبعض الجبال التي في مكة وخاصة الغار الذي نزل فيه الوحي، والآخر الذي لاذ فيه الرسول أول الهجرة، ربما كان ذلك تفسيرا لمطالبات الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي حين طالب بتشكيل إدارة مشتركة لمكة!. هناك حملة لإزالة جبال مكة التاريخية، وبناء فنادق وأبراج تسوق مكانها بطرق حديثة لاتبقي شيئا من الجبال، هنا يقع جبل ثور الذي كان أول الأمكنة التي توارى فيها الرسول عن أنظار ملاحقيه من المشركين القرشيين، وسمي بالثور لأن أعلاه يشبه رأس الثور، والى مسافة يقع جبل النور الذي فيه الكهف الصغير الذي لايتسع لأكثر من شخص واحد، وهو مطل على الكعبة مباشرة، ولم يعد بالمستطاع تبينّه من وسط المدينة، أو قريبا من الكعبة بسبب العمران الكثيف، وتتحول مكة رويدا من قرية قفر ببئر واحدة يسمونها زمزم الى مدينة مليئة بالوافدين القلقين والخائفين من بعض حيث يضعون الكمامات التي يرشح منها الهواء خشية العدوى التي قد تصيبهم بمرض (كورونا) الشهير المنتشر في المملكة، ولاعلاج للحظة له برغم قيام (الرياض) بتوجيه الدعوة لشركات عالمية متخصصة لأنتاج أمصال مضادة، لم يعد من مكة يثير الخشوع سوى الجبال، فهنا (النور) وهناك (عرفات) وهذا (ثور) ، وتلك تلال تتناثر في البعيد. في تلك الجبال كان محمد يخرج ببعض طعام وماء قليل، وينفرد ليناجي ربه، منتظرا وحيه، وينظر الى الكعبة، ويتطلع الى الغد، كان الظلام سيدا لكن محمدا كان يستنير بالعناية الربانية، ووحي يتربص به، وملائكة يحيطونه من كل ناحية، بينما لاوجود لبئر زمزم الشهير الذي جعله الله هدية للزوجة الشابة الحائرة( هاجر) التي كانت تبحث عن ماء لطفلها الصغير وهو يتلوى عطشا في واد غير ذي زرع، فهناك بعض ( الترامز وحاويات المياه الصغيرة) موزعة هنا وهناك، ثم يقال، إنها من زمزم. تذكرت ماكتبه صديق لي على الفيس بوك من أشهر حيث يقول، إن إبراهيم أراد أن يتحسب للعداوة المرتقبة بين اليهود والعرب، فتآمر على إسماعيل وخدعه بأنه مكلف بذبحه بالسكين كقربان مطلوب من الله. لكنه فشل في النهاية، وكان سبق أن حاول ذلك للمرة الأولى حين تركه مع أمه الشابة في الوادي المقفر عله أن يموت، لكن البئر أفسدت المؤامرة على مايبدو! الصديق لم يقل لنا، كيف توقع إبراهيم تلك العداوة، فحاول قتل إسماعيل؟ هل هو علم رباني، أم هي من تخاريف نوستر أداموس، أو خزعبلات الفيسبوك اللعين؟

حين بحثنا عن مطعم ( ريدان ) الشهير بمكة، كانت الصلاة دخلت للتو في وقتها، وكانت النظرات قاسية نحونا من بعض ذوي اللحى والثياب القصيرة الذين يلوكون أعوادا يسمونها ( المسواك) ويبصقون بسببها في الأرض بين حين وآخر، مررت بسرعة على مكتبة، وكنت بشوق لأبتاع واحدة أو أكثر من الصحف، إشتريت (الأهرام المصرية، والحياة) بريالين لكل واحدة، وحين أعطيت البائع المصري خمسة ريالات، وطلبت منه جريدة بالريال المتبقي قال متخوفا، متوديناش في داهية ياعم، دلوقتي المطوع يشوفنا ويعمل لنا مشكلة. روح الله يخليك.. في مطعم (ريدان) طلبنا (الكبسة) وهي أكلة سعودية شهيرة تتكون من (الرز واللحم) وكنت تناولتها قبل مجيئي مكة في المدينة برفقة صديق سعودي صحفي رائع ومتحضر جدا تخاله تعلم في السوربون، ولم يعش في البلاد الصحراوية تلك، دون أن يكون ذلك إنتقاصا بتلك البلاد فهي عظيمة على أية حال. كانت (الكبسة) لذيذة للغاية سوى إن المشكلة المفجعة وقعت حين تكفلت بدفع ثمنها! كان المبلغ 60 ريالا، لم يكن كبيرا، لكنه كان كبيرا على واحد مثلي.

يبدو إن الحجيج تختلف معهم المعاملة ليس بسبب شراستهم وحسب، إنما بحسب الدولة التي ينتمون لها والحكومة التي ترعاهم. في الكعبة، وبينما كان الحجيج يطوفون عند مغيب الشمس، وقبيل الصلاة هبت عاصفة محدودة وتسببت بتمزيق الرداء الأسود حول الكعبة، وظهر الشق الشهير الذي فتح للسيدة فاطمة بنت أسد حين جاءها المخاض بعلي بن أبي طالب، بينما كانت تلوذ بأستار الكعبة، ودخلت فيها ثم خرجت بعد وقت حاملة الرضيع الجبار( حكاية شق جدار الكعبة رواية ليست شيعية، متفق عليها بين المسلمين) حين تطلع الإيرانيون الى الستار وهو يمزق بفعل الريح صرخوا، وكانوا بالألوف ( لبيك ياعلي) وأهتزت الكعبة بدوي الصوت، لم يفعل الآخرون من بقية العالم شيئا، وإستمروا بالطواف، بينما حاول كثر تصوير الواقعة، ولم يفعل المطوعون لهم شيئا على الإطلاق، فالإيرانيون شرسون ومشاكسون ومحميون، يجلسون كيف شاوءا، ويقيمون طقوسهم العبادية بطريقة منظمة، بينما يتبعثر العراقيون يمنة ويسرى ويتجادلون، ولاعلاقة لهم لابنظام ولابترتيب، كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة.

السعودية تتغير، ولايمكن القول أبدا، إنها نسخة معدلة لنجد والحجاز، هناك تحالف بين السلطة المالكة ورجال الدين، يحكم الأمراء القصور، ويسيطر المطوعون ومايسمى بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الشارع، غير عابئين بنظرات الكره التي يسلطها عليهم المواطنون والمقيمون الأجانب والعاملون في المملكة من العرب وغيرهم، ففي أوقات الصلاة لاتجد من مواطني المملكة من السعوديين أحدا لافي الكعبة، ولافي المسجد النبوي إلا ماندر، بينما يخصص لهم يوم نهاية الأسبوع للزيارة والعمرة في مكة، وهم في الغالب يعملون في أماكن خاصة، أو يسكنون في بيوت مرفهة، أو يتسوقون، ويتوجه الى الصلاة المتدينون من ذوي اللحى الطويلة والثياب القصيرة، ومنهم المطوعون وأعضاء في الهيئة، ورجال في الشرطة، ويكتظ المسجد النبوي بآلاف العمال الجائعين والمرهقين الذين يريدون أن يتموا الصلاة بأية طريقة ليفروا من المسجد كأنهم آلات صماء، تختلف عن الزوار القادمين لأيام والمتلهفين للصلاة والتنقل بين أروقة المسجد، وأغلب المقيمين من دول إسلامية يخافون أن يطرودوا في حال لم يحضروا الى المسجد، أو أن ينكل بهم من رجال الدين المتوحشين، فيصلون حفاظا على أرزاقهم لاحبا في الله.

السعوديون يكافحون للإنفلات عن عقال رجال الدين المتزمتين، ومن السلطة الحاكمة التي تفرض عليهم شروط عيش قاسية، وتكبلهم بقوانين صارمة برغم ماتبدو عليه تلك السلطة من كرم مع الشباب، وتقدم لهم المساعدات المالية وتحاول التخفيف عنهم، لكن ذلك لايقنع كفاية، فليس من تعددية في الرأي والفكر، وليس من صحافة حرة، بل إن الصحف التي تصدر في مدن تطبع تحت رقابة مشددة في مدن بعينها، وهي في الغالب صحف تتبع لنظام شمولي، ولاتعنى بالديمقراطية وتعددية الآراء والأفكار، ولاتتيح للعاملين فيها أن يقوموا بواجباتهم على أتم وجه، وصار عديد من الصحفيين يتركون عملهم، ويفضلون أعمالا تجارية أخرى، فليس من حرية، ولامردود مالي ملائم على الإطلاق.

ماتخفيه التلال المثيرة للخشوع، والرمال التي تحتل المملكة، سر علينا أن ننتظره دون الحاجة لتوقع ماسيكون عليه، فالأيام القادمة حبلى بالتطورات والمفاجآت السياسية والعقائدية والإقتصادية خاصة المرتبطة بالنفط والإسراف الزائد في إنتاجه وتصديره مايحرم الأجيال القادمة من مداخيل مالية تحتاج إليها في بلد يصرف نسبة عالية من ميزانيته على تحلية مياه البحر، ولاوجود لأراض زراعية مع غياب الأنهار والبحيرات والخزانات الطبيعية وشحة المطر، وعدم صلاحية الصحراء للزراعة، ويعلم السعوديون إن نهاية المملكة كوجود رائد وقوي مرتبط بالكميات التي تحتفظ بها الأرض، وحين يتم إستخراج كميات النفط بطريقة ترضي الغرب، وتفقر السعوديين لايكون من أمل حقيقي في مستقبل أفضل..

 

خيري الضامن و تورغينيف ودستويفسكي

خيري الضامن .. اسم عراقي لامع في دنيا الترجمة من اللغة الروسية الى العربية في مجالات وعوالم الادب الروسي والسياسة وتاريخ روسيا، وتمتد تجربته الابداعية هذه عبر سنوات طويلة ابتدأت منذ ستينيات القرن العشرين ولا زالت مستمرة لحد الان، ورغم هذه المسيرة الحافلة لم استطع ان أجد قائمة متكاملة ومنسقة حسب تسلسلها الزمني لتلك الكتب المترجمة التي أنجزها هذا المترجم الكبير طوال حياته، كما هو الحال بالنسبة للمترجمين المبدعين العراقيين الآخرين، خصوصا هؤلاء الذين اضطرتهم ظروف العراق الرهيبة المعروفة للعيش خارج العراق، وقد حاولت ان اتحدث مع الاستاذ خيري الضامن مباشرة حول ذلك ولكني اصطدمت (واؤكد على كلمة أصطدمت) بتواضعه الجم الاصيل والنابع من أعماق اعماقه، وهو ما نسميٌه تواضع العلماء بالطبع حسب التعبير الجميل والخالد في تراثنا العربي العريق، و ذكٌرني رأسا ببيت الشعر الذي ذهب مثلا حول السنابل المليئة التي (تنحني بتواضع) وكيف ان (الفارغات رؤوسهن شوامخ)، (وكم شاهدت واستمعت وتلمست وعانيت وتألمت في حياتي من تلك السنابل الفارغات وترهاتهم الفجة وأكاذيبهم وادعاءاتهم)، وهكذا لم احصل اثناء حديثي الهاتفي المباشر معه على اي اجابات عن تساؤلاتي وعن اي معلومات حوله ولا عن قائمة الكتب التي ترجمها طبعا، بل انه حتى تعجٌب من اسئلتي حول كل ذلك وسألني عن سبب تلك الاسئلة من قبلي، وقد أجبت باني ارغب بالكتابة عنه، ولا زالت ترن في روحي وقلبي كلماته المتواضعة وهو يرجوني (نعم، يرجوني) الا اكتب عنه بشكل غير اعتيادي او أكثر مما يجب، لانه شخص قد (أدٌى عمله وواجبه ليس الا) كما قال لي .

بدأت – بعد تلك المحادثة الهاتفية – بالعمل على جمع المعلومات هنا وهناك عن الكتب التي ترجمها وبلورة الافكار والآراء حولها، واول فكرة خطرت ببالي و اريد ان أتوقف عندها واعلنها هنا - هي ان اقدم اقتراحا الى قسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد بكتابة رسالة ماجستير تتناول مقارنة بين ترجمة الدكتور أكرم فاضل عن الفرنسية والكاتب ذو النون أيوب عن الانكليزية لرواية تورغينيف – (الاباء والبنون) والصادرة في بغداد عام 1950 وبين ترجمة خيري الضامن لنفس تلك الرواية عن الروسية والصادرة في موسكو عن دار نشر (رادوغا) (قوس قزح) عام 1985 ضمن مؤلفات تورغينيف بخمسه أجزاء، اذ ان هذا العمل العلمي سيؤكد اولا حقيقة طريفة وساطعة في موضوعة الادب الروسي في العراق وهي ان ترجمة رواية تورغينيف (الاباء والبنون) ذات المكانة الكبيرة والموقع المتميز في مسيرة تاريخ الادب الروسي بشكل خاص والادب العالمي برمته ترتبط قبل كل شئ بالمترجمين العراقيين وبحركة الترجمة في العراق بالذات، وهي صدفة ليس الا بالطبع ولم تحدث نتيجة تخطيط مسبق، ولكنها – مع ذلك – تدعو للفخر والاعتزاز وتقتضي وتستحق – من وجهة نظرنا - ابرازها عربيا وعالميا كما يجب لانها دليل مادي حاسم حول نضوج حركة الترجمة العراقية بلا شك، وثانيا، سيكون هذا العمل درسا تطبيقيا رائعا وممتازا في مجال الترجمة الادبية الى اللغة العربية عند مقارنة اجتهادات هذه المجموعة من المترجمين الكبار لنص روسي كلاسيكي نموذجي في الادب الروسي كتبه اديب عملاق مثل تورغينيف (توجد في ترجمة خيري الضامن مثلا جملة – الربيع يختال ضاحكا، وهو استخدام رائع لتلك الصورة الشاعرية المدهشة الجمال من قصيدة البحتري المشهورة، ويستطيع الباحث ان يقارن هذه الجملة عند تورغينيف في النص الروسي بترجمة الضامن وكيف ترجمها اكرم فاضل وذو النون ايوب، وهذا المثل غيض من فيض طبعا في ثنايا تلك الرواية)، وكم اتمنى ان يحقق قسم اللغة الروسية هذا المقترح، واود ان اعلن هنا - في حالة اقرار هذا المقترح - عن استعدادي التام والكامل وباي صيغة يراها القسم ولجنته العلمية للتعاون مع المشرف العلمي على هذه الاطروحة ومع طالب الماجستير الذي سينجزها، وانا على يقين، ان هذه الاطروحة – في حالة انجازها – ستكون واحدة من الاطاريح المتميزة والمهمة والبارزة في مسيرة القسم وفي مجال الدراسات الروسية – العربية المقارنة في العراق خصوصا و العالم العربي برمته عموما وانها ستكون عملا علميا جديدا وخطوة رائدة بكل ما تحمل الكلمة من معنى في مجال الدراسات الترجمية المقارنة.

الفكرة الثانية التي اريد ان اتوقف عندها في هذا السياق ترتبط بترجمة خيري الضامن لمذكرات زوجة دستويفسكي الثانية آنٌا غريغوريفنا دستويفسكايا (1846- 1918) والصادرة في عام 1925 ولم يسبق ان قام احد بترجمتها الى العربية، هذا العمل الترجمي الرائع والمتميز والفريد والتي كانت تنتظره المكتبة العربية بلا شك باعتباره واحدا من المصادر الروسية المهمة حول دستويفسكي وسيرته الذاتية انسانا واديبا مبدعا بشكل عام، وهذا المصدر الذي قدمه لنا خيري الضامن يحتاج الى حملة واسعة و دعم معنوي في وسائل الاعلام المختلفة يتناسب مع أهميته واصالته وقيمته النقدية، خصوصا واننا نرى هناك تلك الهوامش ذات المضامين التفصيلية المعمقة والعلمية الملحقة بذلك النص، هذه الهوامش الضرورية لاكمال هدف وقيمة ما كتبته زوجة دستويفسكي، وهو ما قام به خيري الضامن بشكل ممتاز و متكامل جدا انطلاقا من موقفه العلمي والموضوعي امام القارئ العربي كمترجم لذلك النص، اذ توقف عند اسماء مثل المفكر الاشتراكي بيتروشيفسكي والناقد الادبي بيلينسكي والشاعر والصحفي نكراسوف وبقية اسماء الاعلام الذين يرتبطون بمسيرة دستويفسكي الابداعية، ومن المهم الاشارة هنا الى ان الجديد في هذه المسألة بشكل عام يكمن في ان المترجم قدٌم لنا نصا متميزا جدا يتضمن اولا وقائع من حياة دستويفسكي ويحتوي في نفس الوقت على صورة قلمية فنية تعكس خصائص ابداعه الادبي، وبالتالي فان المترجم قد حقق في الواقع خطوة جديدة في مسيرة الترجمة العربية عن اللغة الروسية لم توليها دور النشر السوفيتية آنذاك اهميتها ولا مكانتها اللائقة بها، اذ انها ركٌزت على النتاجات الادبية دون الاخذ بنظر الاعتبار الدراسات النقدية او الصور القلمية والمذكرات حول تلك النتاجات بشكل عام وهي مواد تكميلية وضرورية بلا ادنى شك من اجل فهم واستيعاب تلك النتاجات الابداعية وقيمتها واهميتها .

ختاما اريد ان اطرح سؤالين، السؤال الاول - هل اوفيت في هذه السطور حق الاستاذ خيري الضامن كمترجم مبدع امامنا – نحن القراء؟ ربما يمكن ان اقول - نعم جزئيا، لاني لم اتناول كل ابداعه الترجمي المتنوع تفصيلا، ولكن في الاقل طرحت هذا الموضوع المهم ليس الا في مسيرة حركة الترجمة من اللغة الروسية الى اللغة العربية وتحدثت عن اهميته ومكانته الحقيقية فيها، والسؤال الثاني هنا هو – هل سيكون الضامن راضيا عن كل هذه السطور عنه ام ان تواضعه الجم سيجعله غير سعيد بها؟؟ ولن انتظر جوابه عن هذا السؤال، بل سانشر هذه السطور واعطي للقراء حرية الحكم النهائي بشأنها .

 

فضاء الشيوعية وهواء الصندوق!

abdulhusan shaabanأثار كتاب عامر عبدالله "النار ومرارة الأمل- فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" اهتماماً كبيراً وجدلاً واسعاً لدى أوساط مختلفة، احتفت بصدوره، بل أن بعضها كتب خواطراً عن عامر عبدالله لمناسبة صدور الكتاب ومن وحيه، حتى قبل أن يصدر وذلك لمجرد الإعلان عنه، وخصوصاً بعد حوار الصحافي زيد الحلّي معي عند زيارتي الأخيرة إلى بغداد وعشيّة صدور الكتاب الذي كان قيد الطبع.

وقد امتدّ الحوار ليتجاوز عامر عبدالله إلى الحركة الشيوعية: تاريخها وحاضرها ومستقبلها، وعلاقتها بالحركة الوطنية بمختلف أطرافها سواءً قبل ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 أو بعدها، وصولاً إلى مشاركة الحزب بالوزارة العام 1972 واستيزار عامر عبدالله ثم استقالته في أواخر العام 1978، لاسيّما بعد انفراط عقد "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية".

لعلّ الاهتمام بعامر عبدالله، لم يكن لأنه شيوعياً، فهؤلاء كثيرون مرّوا في حياة الحزب وإدارته من المسلكين والحزبيين الروتينيين، بل لكونه مفكّراً بكل ما تعني الكلمة حيث ترك بصمته الواضحة على الحركة الشيوعية العراقية، بل والعربية، وكان يتمتع بحيوية سياسية بالغة مثلما هو طموحه الذي لا تحدّه حدود، وكان حاد الذكاء يستطيع إلتقاط الجوهري من الأشياء، وقد كان ذلك أحد أسباب خصوماته الحزبية الكثيرة، وأحد مصادر شقائه كمثقف مبرّز، ولاسيّما وهو صاحب رؤية وقلم وموقف أصاب أم أخطأ، وكانت اجتهاداته وآرائه مصدر جدل كبيرين.

حيّا عمود خاص للفنان الكبير يوسف العاني عامر عبدالله مستذكراً علاقته معه، وخصوصاً صبيحة يوم 14 تموز (يوليو) 1958 في دمشق مشيداً باستحضار دوره والكتابة عنه، وفعل همام عبد الغني الكادر القيادي في حزب "القيادة المركزية" الشيء ذاته لمناسبة صدور الكتاب، وكتب عنه زيد الحلي مرّة ثانية بعد صدور الكتاب، وكان الراحل الفنان الكبير نوري الراوي يستعد لكتابة مادة عن عامر عبدالله وذكريات مضى عليها سبعة عقود من الزمان كما سبق وأن حدثني، لولا أن المرض داهمه وأقعده، وفعل آخرون ذلك، وكتبوا لي مباشرة، ولا أريد استعراض جميع الأسماء والرسائل والاتصالات وهي محفوظة لديّ ومدوّنة عندي.

كما أن أوساطاًَ عراقية وعربية وكردية غير شيوعية أبدت اهتماماً بالكتاب بعضهم عسكريين سابقين، وهو ما لمسته مباشرة من خلال اتصالات مباشرة بي سواء في بغداد أو في أكثر من عاصمة عربية وأوروبية، والأكثر من ذلك أن خصوماً تاريخيين للحركة الشيوعية ومن التيار القومي العربي، كانوا أكثر اهتماماً بعامر عبدالله والكتاب من بعض من كانوا رفاقاً أو زملاء لعامر عبدالله، وتلك مسألة لفت الكتاب النظر إليها، وهو ما واجهه بالفعل بعد صدوره.

وهنا الفرق الشاسع بين الحزبي والسياسي، فعامر عبدالله لم يكن حزبياً بالمعنى الضيق للكلمة ممن ينتمون إلى الصندوق ولا يتنفّسون الاّ من هوائه، بل كان سياسياً منفتحاً وكاتباً مجدّداً، لديه معرفة واسعة واطلاع كبير وإلمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتربية والعلوم والأدب والفن والثقافة، وكان يستطيع أن يستنبط الأحكام في ضوء منهجه الجدلي، أي كان مجتهداً وتلك واحدة من إشكالياته، وهي بالمناسبة إشكالية أي مفكر، خصوصاً وقد تجاوز بيروقراطية الصندوق، لينطلق في الحياة بكل آفاقها متّخذاً من الشيوعية فضاءً رحباً. واهتمت بالكتاب كذلك بعض الأوساط الشيوعية العربية، وهو ما قد أعود إليه في وقت لاحق.

قلّة محدّدة هي من أغاظها صدور الكتاب أو عبّرت عن ذلك على نحو مباشر، فتعاملت معه بازدراء ومع كاتبه بنوع من السخط، بل إن هناك من سأل من هو معنيٌ بعامر عبدالله، لماذا يكتب فلان كتاباً عن عامر عبدالله، وهو أمر مستغرب، وكان الجواب ولماذا لا يكتب عنه...!؟ وصل الأمر إلى إطلاق اتهامات، بل سُباب ما أنزل الله به من سلطان، وهي أمور يحاسب عليها القانون لمن لا يعلم ذلك، وإن كانت الكراهية أحياناً تنسي حقائق بسيطة، لكن القانون لا يحمي المغفلين.

لعلّ هذه القلّة صدمتها بعض الحقائق عن ماضي لم يمضِ، ولربما لا يريد أن يمضي، حتى وإنْ كان تناولنا له من باب النقد التاريخي، دون إساءة إلى أحد أو طعن فيه، بل أحياناً العبور على ما هو مُحرج، لاسيّما إذا كان جارحاً لاعتبارات كثيرة، أهمها الجانب الإنساني والاعتبار الأخلاقي، ولكن دون التهاون في الجانب الفكري أو السياسي.

ومع ذلك فقد وجد البعض في المعلومات المنشورة بالكتاب، وعلى لسان عامر عبدالله وبعضها خطّته يراعه على شكل رسائل ومذكرات احتجاج سواءً للسوفييت أو إلى الرفيق عزيز محمد  وكتبها مع الرفيق باقر ابراهيم وآخرين، ناهيكم ما ورد من حوارات ونقاشات وآراء، يضاف إليها انطباعات وتقديرات، أمرٌ مثيرٌ ومُحرجٌ ويخدش من صورته أمام "جمهور" لا يعرف ما الذي حصل؟ ومثل هذا " البعض" ظلّ يحرص على إبعاد عامر عبدالله عن دائرة الضوء، حتى وإن كان قد رحل عن دنيانا، لكن شبحه ظلّ ماثلاً في النفوس والعقول، فما بالك إذا كان هناك من يريد تبديد النسيان؟

 

II

لا أنكر على أي أحد حقه في تقييم دور عامر عبدالله سلباً، فشخصية مثله تتحمل هذا التقييم المتناقض، سواءً في الماضي البعيد نسبياً أو في الماضي القريب، وهو كأي مجتهد تختلف الناس حوله، علماً بأن الكاتب لم يقصّر في نقد بعض مواقفه، وخصوصاً " اللندنية"، وذلك جزء من النقد الذاتي الذي لم يتورّع الكاتب عن ممارسته بحق نفسه بكل أريحية، وكان الأجدى مناقشة دور عامر عبدالله بروح الحرص والشعور بالمسؤولية، ولكن للأسف إنصبت الشتائم فوق رأس الكاتب الذي ارتكب الكبائر بنشره بعض الحقائق والوثائق،  فقد كان يدرك إنه كمثقف لا يحاول إلا أن يحيد عن وظيفته النقدية، سواء رضي فلان أو علاّن أم لم يرضَ، وهو يعرف بحكم تجربته إن عجز البعض عن ردّ النقد، هو الذي يدفعه لاختيار طريق الشتائم والاتهامات، عوضاً عن الحوار الجاد والمسؤول.

لقد تعامل الكاتب بنفس طويل مع الكثير من العقد في تاريخنا بقلب حار ورأس بارد دون أن تؤثر عليه مثل تلك الانزعاجات أو الازعاجات والحساسيات، ولم يتزحزح عن موقفه النقدي قيد أنملة إيجاباً أو سلباً، الاّ إذا ثبت لديه العكس، وفي نهاية المطاف كل إنسان مسؤول أخلاقياً عمّا يكتب أو يتكلّم، وتعكس تلك الأخلاقية السيماء الشخصي والجوانب الإنسانية للعلاقات بين الرفاق وبينهم والآخرين كبشر مثلهم مثل غيرهم، فما قيمة المبادئ مهما علت وتسامت إن لم تصحبها الأخلاق والاحترام للنفس وللآخر، ولعلّ احترام الآخر هو جزء من احترام النفس.

وإذا كانت ردود الفعل صارخة ومنفعلة، فإنها تعبّر عن ضيق الصدر وتكشف ضعف الحجّة مهما حاول الإنسان إخفاء جزء منها أو عدم إظهاره لها، لكن لحظة الانفعال السريعة  تلك كفيلة أحياناً بإظهار ما أخفاه الزمن وما اعتمل في النفوس من كراهية وحقد، ومن تجاوز على اعتبارات التخاطب وآدابه وأصوله، ناهيكم عن أواصر الرفقة والزمالة، ولو كان البعض يستخدم مثل تلك " الشجاعة" (الانترنيتية) بحق الأعداء أو الخصوم، لقلنا إن ذلك جزء من نهج عام، ولكن الحديث عن هؤلاء يتم بخيط من الحرير وباستخدام كل المطهّرات كي يصدر منها ما يزعج العدو أو الخصم.

ولم نسمع أو نقرأ ما قيل عن " الرفيق" بول بريمر وحاشيته أو عن الاتفاقية العراقية- الأمريكية سوى تبريرات ومجاملات وصيغ مائعة ، بل إننا سكتنا خلال فترة الجبهة عن احتفالات حزب البعث بعروس الثورات 8 شباط (فبراير)، وكان هناك من يتسابق لتجميل مواقف حزب البعث باعتبار تجربته هي نموذج للعالم الثالث، وأصبح صدام حسين كاسترو العراق، مثلما نسينا الشهداء الأبرار في مجزرة بشتاشان، وأخذ البعض يتسابق في الولاء لأصحابها ممن أصبحوا في موقع المسؤولية، ولست أرغب في نكأ الجراح أو إثارة الحساسيات، لكن الحقيقة ينبغي أن تُقال.

لقد حرص الكاتب وفي كل ما كتبه على التذكير بالاحترام والتقدير للنقد، وإنْ كان قد عالجه بطريقته الواضحة وبلغة سياسية سجالية دون أية إساءة شخصية أو تجريح منذ بداية الضوء أو حتى خاتمته. وعندما حدثت مشكلة بين الرفيقين خالد حسين سلطان وجاسم الحلوائي، وتجاوزت حدود المألوف في النقد وامتدت إلى التشهير والإساءة العائلية والشخصية، كنت أول ممن بادر لمخاطبة المعنيين بالكفّ عن ذلك والتوجه صوب نقد السياسات والابتعاد عن كل ما هو شخصاني ومسيء، لأن هذه الإساءة ستلحق الضرر بنا جميعاً، وليس بالرفيقين المتصارعين المتنابزين.

III

من السهل على المرء أن يتعامل بالمثل ويسطّر عشرات الاتهامات وهي صارخة وبعضها معروف، وليس مثل الطلاسم أو الأسرار، الاّ أن هذا التراشق والتباغض والكيدية لا يوصل للحقيقة، فضلاً عن ذلك فلست ممن يفضلون مثل هذه المنازلة، وعندي أن الإساءات والاتهامات والإدانات لا يمكن ردّها بالمثل، ولا أعالج الخطأ بالخطأ، بل أربئ بنفسي وتاريخي الانزلاق إلى هذا المستوى الذي لا أتمنى لأحد أن ينزلق فيه، لأن ذلك سيشوّه صورتنا أمام الأعداء، لاسيّما إزاء قدسية الشيوعية ونبلها وغرضها.

وهكذا "خطيئتان لا تنتجان فضيلة"، و"جريمتان لا تنجبان عدالة"، و"اتهامان لا يصنعان حقيقة"، وكل منّا يعرف عن الآخر من الحقائق الكثير، وفيها الغثّ والسمين، وكلّ منّا يعرف إن مثل هذه الإساءات جرى مسحها من سجلاّت الحزب في لحظة تطهّر كما فعل سلام عادل بعد أن استمرت أكثر من ثلاث سنوات، أيام تمزّق الحزب بين راية الشغيلة والقاعدة وكتل أخرى في الخمسينات، وهكذا أصبحت جماعة راية "البلاط" الانتهازية جزءًا من قيادة الحزب اللاحقة وبضمنهم عزيز محمد وجمال الحيدري، والقصة طويلة ومعروفة، وقد أوردت جزء منها في أحد هوامش الكتاب. وأطاح المؤتمر العشرون بدزينة من مؤتمرات ستالين لنحو 30 عاماً، خصوصاً تلك التي زكّت حفلات إعدام بالجملة ونكلت بخيرة قيادات الحزب، ولكن للأسف لا يزال البعض لا يريد أن يتعلّم من الدروس التاريخية.

وإذا كان البعض يحرص على اسم سلام عادل، فهذا هو تراث سلام عادل إذا أريد التشبث به، والتعامل مع منجزه الكبير، أما كيل الاتهامات والتباكي على سلام عادل فإنه لن يوصل الحزب إلى مبتغاه، ناهيكم عن مجانبة الحقيقة!!

ومع ذلك لم تستطع محاولة الإساءة إلى الكتاب وصاحبه والكاتب، غضّ الطرف كلياً عنه، خصوصاً وقد جاء الكتاب على تقييم لعامر عبدالله بما له وما عليه ارتباطاً من فترة عويصة من تاريخ الحركة الشيوعية، وعلى نحو اتّسمت بالنقد بعيداً عن لغة التمجيد وكذلك بعيداً عن لغة التنديد، لكنه حاول ردّ الاعتبار للتقويم الفكري والسياسي لشخصية من عيار عامر عبدالله، أثّر على مدى ما يزيد عن ثلاث عقود من الزمان في تاريخ الحركة الشيوعية والوطنية العراقية.

على الرغم من بضع ملاحظات لا تمسّ جوهر الكتاب، ولكنها تمثّل قراءة خاصة له، ومواقف تكاد تكون جاهزة  ومكتوبة ولا تخرج عمّا هو سائد ومكرّر وليس فيها جديد بخصوص أحداث كركوك أو الموصل، يقدّرها الكاتب ويحترم كاتبها، لكنه يختلف في وجهة النظر السائدة تلك، لأنه يعتبرها قراءة "افتئاتية" على الواقع وليس "إفترائية"، ناقشها بوضوح وضمن رؤية، تكوّنت لديه منذ نحو ربع قرن أو ما يزيد، وتعمّقت لديه تقديرات مختلفة إزاءها، وهو لا يزعم أنه يمتلك الحقيقة، لكن هذه هي وجهات نظره، دعمها بمصادر ومراجعات ومقابلات، ناهيك عن دراسته القانونية.

وأتذكّر أنني كتبت تقريضاً لكتاب علي كريم سعيد الموسوم" من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"  وهو أقرب إلى رحلة في ذاكرة طالب شبيب القيادي البعثي السابق ووزير الخارجية الأسبق في صحيفة الحياة في أواسط التسعينات، تضمنت قراءة مختلفة لما ورد في الكتاب لانقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 الدموي ولحزب البعث وممارساته الفاشية، ولكن عند مروري على أحداث الموصل، تعرّضت إلى نقد موقفنا على نحو ما يسمح به العرض، وخصوصاً ضمن مراجعاتي.

وبعد بضعة أيام ردّ عليّ أحد الرفاق "القياديين" في الجريدة ذاتها بتعليق لبضعة أسطر (وباسم مستعار)، مشيراً إلى مسؤولية القوى الرجعية والقومية، وأن عدد ضحايانا فاق عدد "قتلاهم"، وهو أمرٌ لا علاقة له مباشرة بما جرى في محكمة الدملماجة السيئة الصيت من إعدامات خارج القضاء، وعلى طريقته الساخرة، اتصل بي ليسألني إنْ كنت قد قرأت ما كتبه "الشخص المزعوم"، فأجبته بنعم، وسألني هل سأردّ عليه؟ قلت له لا، فقال لماذا؟ قلت له "المعلوم لا يردّ على المجهول"، فعليه أولاً أن يكتب باسمه، وقال ماذا لو كتب باسمه هل ستردّ عليه؟ قلت سأفكّر، فإذا كان يستحق سأفعل ذلك وإن كان لا يستحق فقد أهمل وأتغاضى ولا أعير اهتماماً لتعليق هنا ومناكفة هناك، ثم مازحته ولكن لو كتبت أنت سيكون من الممكن تبادل الحوار عبر جريدة محايدة، ثم اقفلنا الموضوع مع تمنيات بليلة سعيدة.

الغريب في موضوع كتاب عامر عبدالله الذي أثار مواجع كثيرة، أن بعض من ناقش الكتاب لم يقرأه ولم يطلّع عليه ولم يتناول ما ورد فيه ولم يعرف ماذا بحث وعن أي شيء تحدّث، هكذا حصلت " الفزعة" العمياء، فهي لا ترى ما في خارج الصندوق، ويصدمها نور الحقيقة دائماً، وانهالت السكاكين والشتائم ليس بحق الأعداء، بل بحق رفيق لديه وجهة نظر، لكنه تم استغلال الحوار للرسالة المفتوحة الموجهة للمؤلف، لتكال له الاتهامات والطعون التي تصل حدّ التخوين والتجريح الشخصي، انطلاقاً من "يقينيات" راسخة تمس الشرف السياسي والأخلاقي، وصولاً إلى العمالة بأشكالها بما فيها الذمّة المالية والشهادة العلمية والدرجة الأكاديمية، وكل ذلك في إطار من العصبية والعصبوية "العشائرية" وكأن الأمر يتعلق بانقراض "الملّة" أو بقائها، وليس حواراً بين شيوعيين حول كتاب لزعيم شيوعي!

أقول "زعيم شيوعي" لأن الزعماء في حزبنا قليلون، وكانت قيادة فهد وقيادة سلام عادل مشروع زعامة لا شيوعية فحسب، بل عراقية أيضاً، لكن النظام الملكي ومن خلفه المستَعْمِر حصدوا الأولى، في العام 1949 وهي في طريقها للاكتمال والتفتح، مثلما حصدت الموجة الفاشية في العام 1963 الزعامة الشابة وهي في طريقها إلى النضج والاغتناء، وهكذا خسر الحزب قيادات من الوزن الثقيل، وكان الغالبية من الذين أصبحوا في موقع المسؤولية منذ ذلك التاريخ أقرب إلى الإدارة الحزبية، وكان عامر عبدالله من أكثر هؤلاء يتمتع بدور زعيم  شيوعي وقائد عراقي، ولعلّ ذلك ينبغي أن يُفرح الآخرون ولا يغيظهم، وعلى الأقل يغبطهم لا يثير حسدهم، والفارق كبير بين الغبطة والحسد، فالغبطة تعني التمني بأن يكون لك مثلما لدى الآخرين من نعمة، أما الحسد فهو التمنّي بـ: زوال نعمة الآخرين.

لعلّ خصومنا عند محاربتهم لنا فإنهم دائماً يختارون ويشخّصون بعض نقاط ضعفنا الإنسانية ويحاولون التركيز عليها، فإذا كان فلان ضعيفاً أمام النساء، استغلّوه من هذه الناحية، وإذا كان الرفيق الآخر ضعيفاً أمام المال دخلوا عليه من هذه الزاوية، وإذا كان رفيق آخر رقيق في الأصل الاجتماعي، وجدوا له الوظيفة التي تمنحه المكانة، وهكذا، أما بعض رفاقنا، فإنهم للأسف الشديد يحاولون تسويد نقاط قوتنا المضيئة، أو تشويهها فالاعتزاز بالنفس خطيئة، والاجتهاد مريب والرأي إنما هو تربّص، سواء أيام الجبهة العتيدة أو بعدها، وكأن الرفيق كل شغله الشاغل، حتى وإن كان بلا عمل، يبحث ويفتش عن أخطاء الحزب ليعارضه. وأي منطق معوج هذا؟

ولعلّ مثل هذه العقلية لا تستطيع تصوّر تكوين رأي خاص، خارج المنظومة السائدة، ويعتبر بعضهم أن المعلومات التي تصل من إدارة الحزب وكل ما تقوله أقرب إلى الحقيقة، ناهيكم عن كونه صحيحاً، دون أن يدركوا أننا بشر وتتحكّم فينا نوازع مختلفة، وفي تربيتنا العامة والخاصة الكثير من العقد والأمراض الاجتماعية، بل هناك جوانب ضعف تؤثر على صدقية البعض، وفي حياتنا السياسية واليومية هناك الكثير من الشواهد، وينسى بعضهم أن معلومات الحزب تأتي عبر رفاقه، ولكل واحد منهم قنواته الخاصة أيضاً، وإنْ كان بعضهم يكتفي بما لدى الصندوق ويأخذ كل ما يريد منه باعتباره الحقيقة الراسخة، وهو الأغلبية المتلقية، وبعضهم يغذّي الصندوق عبر الفضاء الواسع، ويتفاعل ويؤثر ويدقق ويصحّح، والأمر له علاقة بدرجة شعور كل واحد بدوره، وقد يعتبر بعضهم ممن اعتادوا عن تنفس هواء الصندوق حتى وإن كان خانقاً أحياناً، أن ثمة في الأمر غرابة وكل غريب مريب في عرف الذين استمرأو العيش في الصندوق، بل ظلّوا لا يستطيعون رفع رؤوسهم خارجه أو خارج سقفه، أما الفضاء الحر للناس والمجتمع والحياة والشيوعية فهو شيء مريب.

إن إلصاق التهم هي الطريقة المثلى لأصحاب الصندوق، فالرفيق إذا عارض أو أبدى وجهة نظر فقد يكون مدفوعاً أو مندسّاً أو مدسوساً أو حتى جاسوساً، ولكن هل سمعت رأياً للجواسيس يكافح به وينافح عنه، فالجواسيس عادة خنوعين مطيعين مذلّين مهانين. كان عامر عبدالله يقول علينا استنطاق الساكتين، فالساكتون يضمرون ويخفون ولا يعبّرون عمّا يفكرون به، وغالباً ما يتجهون إلى المداهنة للرأي السائد.

لعلّ الكثير من علوم الجاسوسية أصبحت معروفة، ولا يكفي بضعة تعليمات حول اختراقات العدو التي تلقّن في المدارس الحزبية، كافية في كشفهم، إلاّ من في رؤوسهم هوسٌ، ولكن دون معرفة بالأساليب الحديثة لا يمكن بعقلية مفوض الأمن التقليدي ملاحقة هؤلاء؟ لعلّ أول ما تقتضي وظيفة الجاسوس هو عدم الظهور والاختفاء وراء الآخرين وعدم اتخاذ مواقف واضحة، ويتجنّب الدخول في الصراع والسجال والمعارضة، وحسب سعدي يوسف هل رأيت جاسوساً يسكر؟ فتلك تعليماته الدقيقة كي لا ينكشف أمره ويفقد السيطرة على نفسه ويضطر للثرثرة؟ أن مهمته تتطلب الصمت والزوغان والغموض؟ أما الرفيقة إذا تحدثت فحسب البعض فهي ساقطة، فما بالك إذا كان لها رأي؟ وهناك من دعا إلى قطع لسان ثلاثة منهن، إحداهن مناضلة باسلة وزوجة شهيد.

في التجارب التاريخية هناك من يروي عن " قيادي" اعتقل في ظروف غامضة، وتعهد بالتعاون مع الأجهزة النازية، وبعد التحرير احتل موقعاً قيادياً، وكان مداهناً ومهادناً وكتوماً، حتى اتصل به الأمريكان وأخبروه بأن ملفّه حسب توصيفات مفوضي الأمن جاهز، وما عليه الاّ الرضوخ أو افتضاح أمره. لم يطلبوا منه معلومات سياسية أو حزبية أو حتى عسكرية أو اقتصادية، ولم يطالبوه بكتابة تقارير أو لقاءات أو غير ذلك. كل ما طلبوه منه في حالة تقدّم ثلاثة من المرشحين لأي منصب حكومي أو حزبي، فما عليه الاّ اختيار الأضعف، وهكذا ألغم الحزب بعناصر ضعيفة والضعيف يختار الضعفاء دائماً.

في حادثة مثيرة ألقي القبض على أحد الأعضاء القياديين الذي استدرج إلى قبرص والكويت وكاد أن يقع في الفخ النهائي في اليونان، كانت الخطة تقتضي مفاتحته إما العمل لحسابهم أو فضح أمره بوسائل رخيصة، وبسبب تداخل لمخابرات دولية وصراع نفوذ سوري- عراقي هو من " أنقذه" ،وهو ما أبلغني به بعد إطلاق سراحه وللقصة ذيول أخرى.

IV

مصيبتنا إن الكثير من التداخل حصل علينا خلال السنوات الأخيرة، سواءً في فترة الجبهة الوطنية وهي كثيرة ومتنوعة أو ما بعدها في الخارج، ومثل أي حزب يعيش جسمه الأساسي خارج البلد تدخل عليه عوامل جديدة وعناصر غريبة، ليس بعيداً عنها أجهزة ومخابرات دولية، فإضافة إلى امتداد بغداد وأذرعها منذ تلك الأيام، هناك مخابرات علي دوبة والسافاك الإيراني واستحدثاته الجديدة بعد الثورة الإيرانية، إضافة إلى مخابرات عربية وأجنبية متنوعة، ولم تقصّر معنا مخابرات الدول الاشتراكية " الشقيقة"، فقد اشتغلت بنا طولاً وعرضاً، ولعلّ ما نشر من وثائق وأسماء في صحفها ومطبوعاتها كفيل بنا لوقفة مراجعة.

وكم كان الرفيق ثابت حبيب العاني " أبو حسان" يتحسس من بعض تلك "القنوات"، وكم كان يتألم، وهو ما كتبه البروفسور كمال مجيد عنه في صحيفة القدس العربي بلندن؟ ويأتي اليوم من يقول لك إن " رجل المخابرات والبعثي" إياد علاوي هو المسؤول عمّا حصل لأبي حسّان عبر وشايته لعامر عبدالله، التي ظلّ مقتنعاً حتى أواخر حياته بصحة المعلومات وكأن إدارة الحزب أخذت منوّماً طيلة 17 عاماً، علماً بأن عامر عبدالله ومنذ العام 1982 ظل يكتب الرسائل ويخاطب عزيز محمد وقد اطلعت عليها، ويؤكد أنه على قناعة تامة بزيف تلك المعلومات، لكن بعض المتنفذين الذين قادوا حملة ضد أبو حسان حالت دون اتخاذ قرار شجاع بتصحيح وضعه، وذلك حتى قبل مفاتحته بالتهمة التي أنكرها جملة وتفصيلاً (في العام 1984) .

وكنت قد استفسرت من منذر المطلك الذي كان على صلة بموضوع اعتقاله وأكّد لي أن من أشرف وأنبل وأشجع الشيوعيين هو ثابت حبيب العاني، وهنيئاً للحزب وجود رفاقه مثله، وشرح لي بالتفصيل ملابسات اعتقاله، حيث أنزله من سيارته الفولكس واكن في الكرادة، بعد لقاء في بيت أخيه مظهر المطلك، الذي قتل في ظروف غامضة لاحقاً، وضم فيها الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين من حزب البعث وعزيز محمد وثابت العاني (من الحزب الشيوعي) ويبدو أن رجال ناظم كزار (وليس بمعزل عن الاتفاق مع صدام حسين) كانوا يتعقبون سيارة المطلك، وعندما تأكدوا بابتعادها بعد إنزال العاني، داهموه واعتقلوه ونقلوه إلى جهة مجهولة.

وكنت قد أشرت إلى قناة الاختراق من جانب الأجهزة البريطانية، ليس في حادثة "أبو حسان" فحسب، بل في البيان الذي أصدرناه مع مجموعة عراقية وهو غفل من التوقيع العام 1981، وأثار حينها جدلاً صاخباً، واتّضح انها ذات القناة التي اخترقتنا. وفي الكتاب تفصيلات إضافية حول الموضوع، بما فيها زيارة وزير الدفاع السوفييتي الجنرال غريشكو التي تأخرت لبضعة أيام، وقد سلّط ضوءًا على هذا الحادث مهدي الحافظ في عمود تم نشره في صحيفة المنبر في العام 1987، وفيما بعد مقابلات وحوارات مع عامر عبدالله ومنذر المطلك وآخرين.

ومع ذلك وبعد كل ذلك ينضوي الحزب تحت خيمة إياد علاوي في انتخابات العام 2005، في حين يتم الهمس سرّاً عمّا ذكره من ارتباطه بأكثر من 14 جهاز مخابرات في العالم، فأي خلق شيوعي هذا؟

ثم من استدرج عدداً من إداري الحزب إلى بغداد، وكيف عرف وطبان التكريتي بذلك، ولماذا أبلغ القيادة الكردية المفاوضة في بغداد عن وجودهم؟ والحكاية وتبعاتها موجودة في الكتاب، بما فيها مصير " الواشي" حسبما ذُكر، ولكننا لم نطّلع على التحقيق ومن اتخذ القرار بتصفيته خارج القضاء، وتلك أمور بحاجة إلى وقفة جدية وقانونية بشأنها دون اتهام أحد، وهناك أكثر من رأي بخصوص الموضوع سبق أن سمعته من رفاق في إدارة الحزب.

لعلّ طريق الاتهام هو أسهل السبل وأرذلها عند تقييم الناس، أما الساكت أو الخنوع أو المدجّن فهو مقبول، حتى إذا عمل في التنظيم الوطني وأصبح بعثياً لسنوات، وقد يكون مكانه محفوظاً، وحتى لو اعترف ووقّع على صكوك وتعهدات بالبراءة، فهناك مائة تبرير، فهو بموافقة إدارة الحزب وضمن اتفاق خاص،  وقرار من م.س  وهكذا.

V

لقد تعلّمت من تجربتي الشخصية الحزبية والسياسية، أن الرأي هو مشكلة المشاكل، فقد يتم غفران جميع خطاياك إذا كنت متوافقاً مع الرأي السائد، والويل والثبور لك إذا تميّزت برأيك. ولعلّ ذلك ما جلب لي الكثير من المتاعب المحبّبة، بل والشقاء اللذيذ، وإذا كان رأيي في الجبهة الوطنية أو ممارساتها سلبياً، فهذا لا يعني أنه سيكون إيجابياً إذا انتهج الحزب طريقاً مغامراً، وقد انقلب الكثيرون من هذه الضفة إلى تلك وبالغوا بالمرّتين.

ونعرف من كان متحمّساً لضرب الحركة الكردية في العام 1974، ومن حاول فرض الرأي لحل اتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة ورابطة المرأة ومن اندفع بتأييد اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 بين شاه إيران وصدام حسين ومن تصرّف لدرجة التهوّر إزاء حركة خان النص وطالب بالمزيد من الإجراءات القمعية، ثم من اندفع بإرسال وجبات الرفاق إلى كردستان بطريقة عشوائية ودون قناعة الكثير منهم، لاسيّما الطلبة الذين اضطروا إلى قطع دراستهم، وكنت قد كتبت حينها إلى م.س منتقداً هذا التصرّف، خصوصاً بوضع بعض الرفاق أمام خيار الحفاظ على العضوية أو الذهاب إلى كردستان، وهو ما أبلغني به عدد من الرفاق والرفيقات الأمر الذي أصدر م.س تعليماته بإيقاف إرسال الرفقا الطلبة وأصحاب العوائل والمرضى وغير ذلك.

وإذا كنت معارضاً وأول من قدّم صدام حسين للمحاكمة في كتاب منشور وقدّم له باقر ابراهيم في العام 1981 عن "النزاع العراقي- الإيراني" وتحمّلت عائلتي الكثير من الأذى بسببه ويعرف ذلك كثيرون، فهذا لا يعني موافقتي على الاحتلال الإيراني للأراضي العراقية، لاسيّما بعد الانسحاب العراقي من الأراضي الإيرانية في العام 1982، حيث بدأت طبيعة الحرب تتغيّر، وخصوصاً عندما أعلنت إيران عن مشروعها الحربي والسياسي ومحاولتها لفرض بديلها الإسلامي وعملت على اجتياح الأراضي العراقية.

وكيف لي أن أرضى وأنا المعارض وأمين سرّ المعارضة باستمرار الحصار الدولي والدعوة إلى تشديده خلافاً لوثائق مؤتمر فيينا وصلاح الدين العام 1992، وبالطبع فقد اعترضت، واعتبرتها والمشروع بكامله مرتهن للخارج وللولايات المتحدة وتكوّنت لدي انطباعات بذلك، وإذا كان هذا رأيي وأعلنته، خصوصاً بالضد من ضرب العراق وضد الحصار الدولي الجائر والتعويل على المشروع الخارجي، وهو ما توصلت إليه خلال الأشهر القليلة من وجودي في المؤتمر، لهذا سارعت للانسحاب منه، بصوت عالي، وهو ما أثار ارتباكاً في أوساط المؤتمر، وأعقب انسحابي، انسحابات لاحقة بالتقسيط لقوى وشخصيات اكتشفت بعد حين أنها في إطار شركة لها إدارة خاصة لا علاقة لها بمشروع المعارضة المعروف، وهو ما قلته في مقابلات منذ أواخر العام 1983 وهي منشورة وموثقة، وما بعده.

وإذا كان الحزب يعرف منذ البداية أن المؤتمر مموّل أمريكياً، فلماذا استقتل للإنضمام إليه ويعرف من كان يعارض انضمامه ومن سعى لضمه ولديّ جميع المعطيات الخاصة بذلك، بما فيه الاجتماع التحضيري أيلول(سبتمبر) الذي كتبت بيانه وضمّت لجنة الصياغة كل من: كمال فؤاد وفلك الدين كاكائي وابراهيم الجعفري ورحيم عجينة وكاتب السطور الذي ترأس اللجنة، كما كتبت البيان الختامي للمؤتمر بعد شهر ونيّف من هذا التاريخ (أواخر تشرين الثاني/نوفمبر العام 1982)، ولكن عندما تطوّرت الأمور بعد بضعة أسابيع وصدرت تصريحات تؤيد ضرب العراق وتدعو إلى تشديد الحصار عليه (بحجة الحصار على النظام)، قررت الاحتجاج بكتابة مذكرة بعد اجتماعين للمجلس خلال الأشهر الخمسة الأولى، وهي منشورة ومعروفة ومدوّية، وكنت قد سلّمت نسخة منها إلى الرفيق عبد الرزاق الصافي الذي كان عضواً في المجلس التنفيذي للمؤتمر وهو يعرف مواقفي جيداً في الشام وفي كردستان وفي لندن، ثم أعقبتها باستقالة بعد أسابيع ولم ينبس أحد بكلمة واحدة.

وفي الوقت الذي غادرت المؤتمر احتجاجاً على سياساته العملية، كانت ملاكات الحزب وجماعة الصندوق تشتغل للعمل في مؤسساته، وقد دعا أمين عام الحزب (العام 1994) د.أحمد الجلبي إلى إطفاء شمعة الحزب الستين في إربيل في احتفالية خاصة بالمناسبة. وهي منشورة وموثقة. ولم ينسحب الحزب من المؤتمر الاّ بعد ما يزيد عن سنة من انسحابي منه، وبمذكرة لا ترتقي إلى موقف الحزب ومكانته، وبعد انسحاب أطراف كثيرة منه أو إعلان تجميد نفسها أو استعدادها للانسحاب، أما التخرّصات حول أسفار مزعومة فلم يكن ذلك سوى خيال مريض هو مرجع لبعض من لا حجّة له ويريد النيل من الآخرين، وبالمناسبة فقد دأب الكثير من أعداء الشيوعية على ترويج الأكاذيب والإشاعات فهذا سمير عبد الكريم (الإسم المرادف لجهاز المخابرات العراقية) نشر في الكتاب الذي صدر في أواخر السبعينات والمؤلف من 5 أجزاء والموسوم "أضواء على الحركة الشيوعية": إن فهد عشية إعدامه أبدى استعداده وتعهده لمغادرة العراق وعدم العودة إليه مطلقاً إذا تم إطلاق سراحه.

وقال هاني الفكيكي القيادي البعثي والمسؤول في قصر النهاية في كتابه "أوكار الهزيمة": إن سلام عادل أبدى استعداده لتأييد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 بعد إلقاء القبض عليه، وفتح الحوار إذا توقفت الملاحقات بحق الشيوعيين وأطلق سراح المعتقلين، وهو ما تردد بشكل آخر على لسان حازم جواد.

للأسف فإن بعض شيوعي الصندوق يردّدون لدوافع مختلفة، بعض ما يقوله أعداء الشيوعية بحيث يصبح كلامهم "مرجعاً"، ولعلّ أخطر المعضلات التي تعرضت لها الشيوعية كفكرة نبيلة وحركة سياسية واجتماعية ، ثم فيما بعد كنظام هي، على أيد أصحابها من ضيقي الأفق الذين حوّلوها إلى "شيوعيلوجيا"، أي فكرة نسقية مغلقة وأحكام جامدة وتعاليم سرمدية (شيوعية ضد الشيوعية) وتحت عناوين مختلفة أصبحت أقرب إلى التعاويذ والأدعية، وأي اختلاف سيلقى بك في النار، حيث تبقى الفرقة الناجية، هكذا فعل ستالين وبولوبوت وشاوسسكو وأنور خوجه ومنغستوهيلاميرام وغيره.

إن أعظم الإساءات للشيوعية جاءت من بعض الشيوعيين الذي صبّ بعضهم في طاحونة الأعداء حتى وإن حملوا "المنجل والجاكوك" ولبسوا الأربطة الحمراء، وهتفوا بحياة الشهداء، لكنهم في الحقيقة ألحقوا ضرراً بسمعة الشيوعيين واتبعوا أساليب لا تختلف عن أساليب القوى المعادية للشيوعية، عند الاقتراب من الحكم أو في خارجه، وهناك القصص والروايات المثيرة لاسيّما في فترات الاختراق السياسي، والتي تصل أحياناً لدرجة "الوشاية" المباشرة أو غير المباشرة سواء لأجهزة عراقية أو أجهزة بريطانية أو دولية ومهمة هذه الأجهزة على المستوى العالمي لن تعيد ميتاً أو جنازة، فهي مثل المقبرة ، كل ما يصلها تحتفظ به، حتى لو كانت تدرك أنه كاذب 100%، لكنها تحتفظ به فقد ينفعها يوماً، ولن تكافئ أحداً على " كرمه" و"تبرعه" بالإساءة لرفاقه.

 

VI

لا أدري لِمَ يستبدل رفيق مهمته الرفاقية النبيلة والحوار المبدأي والأخلاقي، بمهمة مفوض أمن؟ باعتباره يحمل الملفّات وبيده وثائق الإدانة وشهادات حسن السلوك ويعرف الباطن والمخفي والمُضمر، بل إنه يتحرّى ويخترق حتى ما في الضمائر، وهي المهمة التي لا تليق بأحد ولا يتمنّاها أحد، حتى من يقوم بها، تراه أحياناً في لحظة صفاء يلعن الدنيا ومن فيها، وقد عرفت محققون كانوا " يبكون" وكأنهم هم الضحايا، وبعضهم ضحايا بالفعل للنظام السياسي والاجتماعي ولوظيفة القمع التي أدمنوها أو أكرهوا عليها.

بعض مفوضي الأمن ممن أحيل على التقاعد، أصبح بلا أي إثارة، حتى وإن تطوّع لتمشية معاملات بزعم أنه يعرف الروتين، ولكن تعنّ عليه بين الفينة والأخرى اختلاق قصة عسى أن يلفت النظر إليه، وهو وإن اضطرّ إلى عرض خدماته بحيث يجلس أمام مركز الشرطة يسأل الآتي والذاهب عن امكانية تسهيل معاملته، لكن لا أحد يثق به حتى من يكلفه أحياناً بالمهمات غير المرغوب بها، لأنه ليس مصدر ثقة.

كان ناظم كزار لا يصدر أمر اعتقال بحق المطلوبين أو الملاحقين بصفتهم، فهذا سارق بنك، وذاك مغتصب لفتاة وثالث تاجر مخدرات ورابع شاذ جنسياً وخامس مختلس، وسادس لأنه مزوّر وسابع مطلوب بتهمة خطيرة مثل العلاقة بالصهيونية، وكانت هذه التهم تسبق عملية الاعتقال، ولاسيّما عند مداهمة منزل المطلوب، وخصوصاً إذا لم يتم إلقاء القبض عليه فيسرّب الخبر بهدف تسميم الأجواء وإحداث الرعب المسبق.

وهكذا ترى بعض المعتقلين في قصر النهاية ينهارون قبل أن يصلوا إليه، ويعرف كزار أن تهمة الشيوعية أو الانتماء إلى تنظيم ناصري أو بعثي يساري أو غير ذلك من التنظيمات الكردية لا تعني شيئاً، لذلك يركّز على ما هو أبعد ويسلّط الضوء على ما هو أخطر، ويبدو أن حصيلة بعض أصحابنا من حياتهم الحزبية هي نماذج مقاربة لناظم كزار، ونسى هؤلاء أن علم التحقيق كما درسناه فيه مدارس عديدة، منها المدرسة التي تلقي على المتهم ثلاثون تهمة أو خمسون، وعليه الإجابة عنها، وقد تخطأ في واحدة أو أكثر وحينها سيتغيّر مسار القضية، لكن هذه الطريقة أصبحت معروفة، وهي قديمة مع وسائل الاتصال الحديثة ومنجزات الثورة العلمية- التقنية وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتل".

كان عامر عبدالله يردّد دائماً: نحن محظوظون لأن السلطة ليست بيدنا، ولكنّا قد رأينا مجازر مثل مجزرة قاعة الخلد وربما أكثر، وقد دوّن بعض المجازر التي حصلت في البلدان الاشتراكية في كتابه الموسوم "مقوضات النظام الاشتراكي"، الذي هو خلاصة تجربته وإن كان قد كتبها بمرارة، ولعلّ العطش إلى السلطة والصراع على المواقع هو سمة بارزة لشيوعيّ الصندوق الذين كان شغلهم الشاغل هو المكائد والدسائس، فهذا يطيح بذاك وذلك يتآمر على الآخر وهكذا، لدرجة جعلتهم يتصرّفون مع أي موقع مسؤول وكأنهم سلطة، وأحياناً دون روادع وباسم العمل السري الذي جلب لنا الكثير من الويلات والكوارث، حتى وإن كان مفروضاً علينا.

فنحن وإن كنّا خارج السلطة، لكننا ارتكبنا الأهوال دون مساءلة أو محاسبة قانونية أو أخلاقية تذكر من: تفتيش الغرف وفتح الرسائل والتلصّص على الأسرار وملاحقة الطلبة وعدم تمديد الاقامات وحجب الحصول على جوازات السفر والعلاج والفيزا، بل والاتصال بسلطات البلدان المضيفة لسحب الغطاء السياسي، مع تلميحات بالمشبوهية والعلاقات المريبة، وبعضها يصل إلى القيام بالتعذيب وقتل شيوعيين، ناهيكم عن عدم شعور بالمسؤولية في التعامل مع إرسال الرفيقات والرفاق إلى الداخل لتسجيل انتصارات وهمية، الأمر الذي يحتاج إلى كشف حساب وغير ذلك.

وهناك عشرات ومئات الأمثلة المعروفة في المنافي البعيدة والبلدان القريبة وفي كردستان، وأحتفظ بالكثير منها. وقد كتب الاعلامي شريف الربيعي مادة في صحيفة الحياة بعنوان "المشبوه"، تحدث فيها عن مراراته والتعامل مع الرأي الآخر ودوّن القاص محمود البياتي جزءًا من تجربته على هذا الصعيد، وكيف تم تهديده بالطرد وكيل التهم له ومطالبته بكتابة تقرير عن الكتلة المنشقة " المنبر"، وينوي إصدار رواية عن ذلك، وأملي أن تساعده أوضاعه الصحية على استكمالها، وأستطيع أن أعدّد عشرات الأمثلة لمثقفين عراقيين عانوا الأمرين من ممارسات جماعة الصندوق.

وأتذكّر أنني عندما عدت إلى الشام من كردستان وذلك بعد مجزرة بشتاشان صيف العام 1983، أول ما فاجأني هو اتهام ضد اثنين من المثقفين الشيوعيين العراقيين، فقيل لي عليك مقاطعتهما لأنهما مشبوهان ويعملان لصالح جهة أجنبية، قلت لمن؟ قيل للموساد الإسرائيلي؟ قلت ومنذ متى، قيل أنهما اعترفا ولدينا الفايل؟ وما عليك إلاّ أن ترتاح وسوف نطلعك على التفاصيل وستقرأها بالكامل.

ضحكت بسخرية وردّدت مع نفسي "حدّث العاقل بما لا يليق فإن صدّق، فلا عقل له": وأردفت من باب الإستيضاح والمشاكسة قولوا إنهم مع النظام العراقي، فالأمر ممكن وقد يكون اختراقاً على الرغم من رفضي لتهمتهما لمعرفتي بهما، وقولوا أنهما على اتصال بالسوريين، فهو أمر ممكن، لكن أن يكونا مع الموساد ومع إسرائيل، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً، وقلت ماذا لو عرف السوريون، فماذا سيكون مصيرهما والتهمة كانت رائجة؟  ويبدو أنه أريد لها أن تصل إلى السوريين!!

وقيل لي المهم عدم اللقاء بهما وعدم السلام عليهما أو الترحيب بهما، خصوصاً في الأماكن العامة وعند تجمّعات المثقفين، لأن ذلك قرار الحزب.. بالمقاطعة الاجتماعية لكي يشعرا بالعار والخزي. لم أكترث بتلك التحذيرات الساذجة واللئيمة، وعند خروجي من اللقاء أخذت تاكسي لأزور أحدهما وأستمع منه إلى القصة الكاملة، وهي ليست أكثر من نكاية وخروقات وتقوّلات، كنت أعرفها وهي سائدة في هذا الوسط الذي علينا التعامل معه بحذر وطول نفس ومرونة،  وبعد يومين إلتقيت الرفيق الثاني، دون أي اعتبار للإجراءات التي اتخذتها جماعة الصندوق، والتي شملت لاحقاً العشرات، بل تم تقنينها عبر " نشرات داخلية" تتحدث عن أصحاب الاكتاف الرخوة الذين خارت عزائمهم، وتدعو إلى المقاطعة الاجتماعية! ولأنني كنت أعرف ذلك، فقد سبق لي أن دعوت عبد الرزاق الصافي "أبو مخلص" والرفيق عزيز محمد " أبو سعود" في منزل أحد الرفيقين في جلسة اجتماعية كان تأثيرها كبيراً، ولكن الأمور اتخذت بُعداً آخر عندما استخدمت عصا التأديب والعقوبات والإجراءات التعسفية، ولكل رفيق عشرات الأمثلة على ذلك.

يروي سعدي يوسف الشاعر الكبير في روايته "مثلث الدائرة" عن حملة عقوبات وملفّات وتحقيق واتهامات في اليمن ما أنزل الله بها من سلطان وهو ينقل ذلك على لسان المسؤول الذي عالج تلك الأمور بعقلية أمنية حيث تم فصل العديد من الرفاق مع سيل من الاتهامات والشكوك والعداوات والمقاطعات الاجتماعية.

وحين زرت اليمن في أواسط الثمانينات كانت الحال يرثى لها فالجو الأمني سائد والعلاقات متوترة، وقد طلبت 7 جوازات سفر من اليمنيين إلى رفاقنا الذين كانوا خارج "الكوتة" ومن المغضوب عليهم وسلمتها إلى علي شوكت عرمش وعدد آخر لا أتذكر إلى عدد من الرفاق في الشام.

لقد قدمّت نحو ثلاثة آلاف مذكرة للسوريين خلال عملي مسؤولاً عن العلاقات في الشام 1981-1982، ثم بعد ذلك في المنبر أواسط الثمانينات حتى نهاياتها وساعدت عشرات، بل المئات من الشيوعيين وأصدقائهم، وكنت أختلف مع الكثير من الرفاق في إدارة الحزب حول طلباتهم الشخصية، فذاك يريد هوّية عدم تعرّض باسم "مستعار" موجود في الجواز، وآخر يزعم أنه غير معروف وسرّي، لكنه يطلب التعريف به بشكل خاص من القيادة خوفاً من مداهمة رجال الأمن، وهذا يستدعى ويطلب مني الذهاب معه للمخابرات، ولقد عرفت الكثير من النماذج والمعلومات والأسرار التي لو دوّنتها لكانت صدمة حقيقية، لكنني كنت ولا أزال حريصاً عليها، حتى أن البيت الذي أريد استئجاره مقراً لقيادة الحزب، كنت قد استأجرته باسمي، وهو قرب السفارة السوفييتية، إضافة إلى منزل آخر كنّا نستخدمه بتعريف مني.

وأعتقد أن السوريين خلال تعاملهم معي كانوا يدركون مدى حرصي على عدم خرق القانون وفي الوقت نفسه حرصي على وضع حدود ومسافة بين الحزب وبين أجهزة الدولة ومؤسساتها، وكنت أسعى دائماً أن تمرّ غالبية القضايا من خلال قناة سياسية وهناك قصة رويتها جمعت عامر عبدالله وفؤاد بلاّط وكاتب السطور، حين اقترح علينا إقامة علاقة مباشرة مع علي دوبا، وكان جوابنا دون اتفاق ودون أن ينتظر أحدنا الآن: هو أننا نقيم علاقة سياسية ، وللقضية ذيول أخرى.

وخلال عملي رئيساً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، قمت بتقديم تسهيلات وكتابة رسائل لنحو 7 آلاف شخص، بينهم حوالي 6000 آلاف من العراقيين في بريطانيا وما يزيد على 1000 شخص في أوروبا إضافة إلى نحو 1000 شخص من العرب وخصوصاً من الفلسطينيين والبحرينيين والليبيين والسودانيين وغيرهم، بهدف الحصول على اللجوء السياسي واحتفظت بملفاتهم، بما فيها بعض مبالغاتهم، وكنت أنصحهم بما يقدّمون به أنفسهم، وهناك عشرات من القيادات العراقية الحالية، كان لي دور في حصولها على اللجوء السياسي، إضافة إلى قيادات شيوعية، بمن فيهم بعض الذين ارتكبوا بحق رفاقهم، لكن الحيدة كانت تقتضي عليّ مساعدة الجميع دون النظر إلى تفاصيل عملهم السياسي، التي لم تكن تعنيني ولا زلت.

ويخصّص سعدي يوسف عدّة صفحات من روايته لقضية النظرة التشكيكية والإجراءات القمعية الداخلية وأساليب الوشاية والإيقاع والدس وهي بكل الأحوال، تصرّفات لا تليق أن تكون بين شيوعيين، حتى وإن اختلفوا أو خرق بعضهم الضبط الحزبي المزعوم  وهو ضبط مخترق من " الفوق" ومن الغير، كما هو معروف وليس من جانب رفاق مثقفين كل ما عندهم لا يؤخر ولا يقدّم، وهم أقرب إلى ضمير الحزب الذي يتّسع للنقد والمراجعة والتنوير.

VII

لقد احتوى كتابي عن عامر عبدالله على وثائق ساهم الراحل في كتابتها وقد نشرت مجتزأً ضافياً من تقرير الكونغرس الثاني لعام 1956 والموسوم " خطتنا في سبيل التحرر الوطني والقومي..." ( المبحث الخاص بالسياسة التحررية العربية والمسألة القومية الكردية)، نظراً لأهميته وحيوية الاستنتاجات التي توصّل إليها، وهناك من يجادل بأن الرفيق سلام عادل هو من كتبه أو أشرف عليه، وهي مناكفة لم أجد لها مبرّراً، خصوصاً بإنكار مساهمة عامر عبدالله وهي معروفة، خصوصاً وهو كاتب ومؤلف ومترجم وما نشره بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وما ألقاه من محاضرات، لاسيّما حول الوحدة العربية والاتحاد الفيدرالي وما نشره في صحيفة اتحاد الشعب (حتى وإن كان بإشراف سلام عادل) ما يؤكد ذلك، وللأمانة أقول أن عامر عبدالله أبلغني أنه هو الذي كتب التقرير بإشراف سلام عادل وموافقته، ولعلّ ذلك يمثل أسلوبه وتوجهه، وإن كان توجّهاً عاماً آنذاك، لاسيما في فترة ما قبل الثورة. والمهم فإن التقرير هو ملك الحزب سواء كتبه عامر عبدالله أو سلام عادل أو وضع الثاني خطوطه العريضة وكتبه وأنجزه عامر عبدالله. ولا أدري لماذا يستفز البعض من دوره ومساهمته؟!.

كما نشرت شهادته ضد محمد فاضل الجمالي في محكمة الشعب، لدلالتها الراهنة، فيما يتعلق بالموقف من المعاهدات المذلّة والمجحفة، بما فيها الإتفاقية العراقية – الأمريكية التي وافق عليها الحزب العام 2008.

ونشرت رسالة (مذكرة) احتجاج باسمه وعدد من قادة الحزب ويبدو أنها موجهة للسوفييت، كما أكد لي باقر ابراهيم لاحقاً، يشرح فيها تدهور أوضاع الحزب بعد الهجرة إلى الخارج العام 1978-1979 ويصف استغلال تلك الظروف من جانب بعض الرفاق القياديين لأغراض وصولية وذلك بالتحريض على وضع الحزب في طريق الانعزالية والمغامرة والتذبذب وإشاعة مظاهر البيروقراطية والفردية والتسلّط وأجواء التحريض والإساءة والتنكيل بكوادر الحزب وأعضائه.

وتقول مذكرة عامر عبدالله: لقد نجم عن هذا النهج المغامر تفاقم خسائر الحزب وتضحياته التي بلغت 500 شهيد يمثلون صفوة كوادر الحزب وعناصره الواعية... بالإضافة إلى بضعة ألوف طردوا من الحزب أو تُركوا تحت تأثير أسباب مختلفة... ونظراً لتفاقم الخسائر... فقد جرى التستر عليها واخفاؤها عن أعضاء الحزب وكوادره، حيث بلغ عدد الشهداء بين اجتماعي اللجنة المركزية من تموز 1984 حتى تشرين الأول 1985 (100 رفيق) وكان من بين هذا الرقم، الأحداث المفجعة بإعدام نحو 50 رفيقاً من مفارز الأنصار داخل مدينة إربيل في يوم واحد، وفق تواطؤ غادر مع دوائر الأمن العراقية.

تتطرق المذكرة إلى عقلية وإجراءات " التمييز القومي" داخل الحزب وتقلّص " دور القادة والعناصر العربية تدريجياً" ويعتبر ذلك ظاهرة مستمرة وبلغت ذروتها في المؤتمر الرابع وما بعده. وتدعو الرسالة إلى تعديل موقف الحزب من الحرب العراقية – الإيرانية، التي " اتخذت طابعاً عدوانياً توسعياً من جانب إيران".

وتنقل الرسالة ما قاله الرفيق عزيز محمد " إننا اجتمعنا لكي بلغي نصفنا النصف الآخر" وتصف الإجراءات تلك بالإنقلاب الفوقي، حيث جرت التهيئة له بحملات الدس والإساءة ضد عدد كبير من الرفاق القياديين داخل منظمات الحزب والصحافة والخليج وقبرص وغيرهما قبل ثلاث شهور من عقد المؤتمر، بوسائل تبعث على الارتياب حيث تسلل إليها هذا التأليب المغرض ...وطالبت الرسالة "وضع حد لأساليب التجسس والوشاية والتأليب داخل الحزب والتطاول على الشرعية الحزبية وانتهاك قواعد النظام الداخلي وتصفية مظاهر التسلط والبيروقراطية والقيادة الفردية".

واتخذت مذكرة أخرى باسم عدد من قادة وكوادر الحزب كتبها عامر عبدالله وحملت توقيع نوري عبد الرزاق، وتحدثت باسم باقر ابراهيم وحسين سلطان وعدنان عباس وماجد عبد الرضا ومهدي الحافظ وخالد السلام وأحمد كريم وكاتب السطور، وعبّرت عن مجموعة واسعة من كوادر الحزب وأعضاء الحزب ذات التوجه وطالبت بإعادة الحزب إلى ساحة عمله الرئيسي داخل الوطن ومعالجة الموقف من الحرب مع إيران في ظروف الاجتياح العسكري والتهديد المعلن بغزو العراق ومن أسلوب الكفاح المسلح وإضعاف استقلالية الحزب وتفشي الظواهر الغريبة في حياته واتخاذ إجراءات جائرة ضد عناصر قيادية كفوءة، ودعت إلى حلول ومعالجات منها: تكوين هيئة عمل مؤقتة ووضع وثيقة سياسية مركّزة حول الأهداف والمهمّات وتدارس أوضاع ما بعد الحرب وحل القضية الكردية ومسائل الحريات الديمقراطية وإعادة البناء.

كما دعت المذكرة جميع الأطراف لوقف النشر واستعادة مركزية الإعلام وإناطته بعناصر كفوءة وإعادة النظر بقرارات الفصل والاقصاء وتدارس إمكانية عقد كونفرنس على أساس تطبيع العلاقات ووقف الطعون المتبادلة ومعالجة الظاهرات المتفاقمة للنزعات القومية وترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية وتصفية مظاهر التملّق والمسايرة والتخضّع والتكيّف والولاءات الشخصية والدينية والطائفية ونزعات الارتزاق والوصولية والتخلص من مظاهر الاستعلاء والغطرسة والضغائن وميول الانفتاح وتصفية الحسابات.

وبغضّ النظر عن بعض جوانب التظلّم في المذكرتين (الأولى العام 1986 والثانية 1989)، فإن الحزب كان بحاجة إلى تجديد طاقمه القيادي، لكن الأجواء التي سادت لم تكن صحيّة، حيث شهدت أعمالاً كيدية وتصفية حسابات، ولهذا فإن الكثير من الطعون واجهها المؤتمر الرابع قبل انعقاده، وكانت النتائج معروفة سلفاً، بل إن بعض من لم يحصل على الأصوات الكافية جرى ضمّه إلى القيادة وأصبح بعضهم لاحقاً في م.س، مثلما تم ضم عشرة رفاق دون ذكر اسمائهم بزعم العمل السري وأنيطت المسؤولية بعزيز محمد في سابقة غير معهودة في الحزب (وسمّيوا الرفاق العشرة المبشرين بالجنة)... أقول بغض النظر عمّا ورد في المذكرتين من وجهات نظر، إضافة إلى وجهات نظر القيادة الرسمية، فإن المؤتمر الرابع طرح، أزمة الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية، التي لا تزال مستفحلة على نحو شديد، ولعلّ مجرد صدور كتاب عن عامر عبدالله، أثار لدى الجهة المحدّدة مثل هذا القدر من الإساءة والتشويه، حتى بعد مرور نحو ثلاثة عقود من الزمان على ما حصل، وعلى ما كتبه عامر عبدالله.

VIII

الأجدر والأجدى هو البحث عن حلول ومعالجات لأزمة الحزب، سواء ما يتعلق بتلك الفترة أو ما بعد الاحتلال، خصوصاً تحالفات الحزب، سواءً في انتخابات العام 2005 أو 2010 أو 2014، ولماذا تدهور رصيد حزب تاريخي إلى هذه الدرجة؟ وبالطبع فإن مثل هذا الأمر يحزّ في نفوسنا، وقد منحنا صوتنا ومن حولنا ومن سألنا من الأهل والأصدقاء إلى رفاقنا وأصدقائنا، على الرغم من كل الجفاء وسوء الظن، لكن الاختلاف واضح في التفكير وأول ما بدر إلى ذهني عقب إعلان النتائج هو ما السبيل لمعالجة مثل هذا الوضع؟

وأعدت السؤال: أليس هناك ضرورة لأعادة النظر بسياستنا، وبموقع الأمين العام وحتى لو كان الموضوع حساساً لأنه يأتي من طرفي، لكن هناك مطالبات عديدة دعت الرفيق الأمين العام حميد مجيد موسى لأن يقدم استقالته، وحين ندعو للتداولية والتناوبية ونرفض ولاية ثالثة لرئيس الوزراء، لماذا لا نتحدث عن أنفسنا؟ ولماذا لا يتخلّى الأمين العام طوعاً عن ولايته الرابعة ويبادر إلى اتخاذ قرار شجاع يقول فيه لقد فشلنا؟

ألم نفشل؟ ثم كيف نعطي قوة المثل؟ أم أن أحزابنا صارت بالجملة تسير بعضها وفقاً للوراثة: أحزاباً إسلامية وكردية، وبعضها الآخر يتم التمسك بالأمانة العامة لعقدين وما يزيد على الزمان، بل إن بعض هذه الأحزاب، لم يبق الاّ الأمين العام، الذي يرتب أمانة عامة على مقاساته.

آن الأوان للتشجيع على ثقافة الاستقالة والتداولية، وشخصياً كنت قد تمنيت للصديق العزيز حميد مجيد موسى البياتي، الصحة والسعادة وأن يكمل مشوار حياته بكل ما هو مثمر ومفيد، وأن يبقى شيوعياً حتى الرمق الأخير بصفة استشارية أو أية صفة أخرى غير تنفيذية، لكن عليه أن يترك موقع الأمين العام بعد الفشل المريع الذي تعرّضنا له. لا أظن أن في ذلك تحاملاً على أحد وليس انتقاصاً من دور أحد وليس لديّ أية مصلحة شخصية، ولعل شعوري بالمسؤولية وواجبي يدفعني لمثل هذه المطالبة العلنية.

IX

كنت ولا أزال في ذلك الخضم وعصف التجارب والأخطاء العامة والخاصة، لا أتردد من نقد مواقفنا وأخطائنا ممسكاً باتجاه البوصلة، دون أن يمنعني ذلك من نقد بعض آرائي ومواقفي السياسية والفكرية، ولا أذيع سرًّا إذا قلت أن مشاعر بعضنا تبلّدت الى حدود غير قليلة، وبدلاً من رحاب الشيوعية حيث الجمال والنور والبحث عن الحقيقة والسعي لمساواة البشر ورفاههم والوقوف ضد الاستغلال، فقد تحوّل بعضهم، ولاسيّما من شيوعي الصندوق إلى أقرب الموظفين، لاسيّما في البحث عن "الغنائم" .

وقد قلت في حوار مع الرفيق كاظم الموسوي وأعدّه بكتاب صدر بعنوان " عبد الحسين شعبان- الصوت والصدى" حوارات في السياسة والثقافة: إن ذلك لا يمنعني من نقد بعض آرائي ومواقفي السياسية والفكرية، لاسيّما إذا أثبتت الحياة عدم صحتها أو تجاوزها الزمن، أو أن معطيات ومعلومات جديدة توفرت لدّي، وما توفّر لدينا من معارف يختلف عما كان عندنا قبل خمسة أو أربعة عقود من الزمان، الأمر الذي بحاجة الى إعادة نظر بالكثير من الاستنتاجات والمواقف.

وعلينا أن نتحلّى بالشجاعة لنقول ذلك على المستوى الشخصي أو العام، فالنقد لا يطهّر النفس حسب، بل يجعلها تقف بمسؤولية إزاء المستقبل، وتحسب كل خطوة بشكل أدق وأكثر رهافة، حتى وأن وقعت في الخطأ مرة ثانية وثالثة، المهم أن لا تكون تلك الأخطاء جسيمة أو فادحة، تتعلق بالشرف الشخصي أو الوطنية أو النزاهة الاخلاقية، أما إذا أخفقنا في التقدير أو دخلنا تحالفات خاطئة أو اصطففنا مع توجهات، ثم اكتشفنا أننا لسنا في الموقع الصحيح، أو اتخذنا بعض المواقف بناءً على معلومات خاطئة أو تقديرات غير سليمة فهذه هي السياسة، وعلى من يعمل فيها أن يلبس جلد تمساح، لأنه سيكون عرضة للنقد العام، وعليه هو أن يقدّم أولاً وقبل غيره على نقد نفسه.

أما الذين لا يتغيرون  أو لا يخطأون فهم لا يفعلون شيئاً وقد يتحولون الى أصنام متحجرة ولا يتأثرون بالحياة المتحرّكة، والإنسان الذي لا تغيّره أو تغنيه التجارب سيتكلس ويصاب بالصدأ، والسياسة في نهاية المطاف، بل والحياة كلّها في جميع جوانبها، تجارب متواصلة، فيها الخطأ وفيها الصواب، وعلينا طالما نستمر في الحياة أن نجرّب.

لا يهمّ إن غيّر المرء رأيه، فهو لا يغيّر قوميته أو يستبدل وطنه أو لغته، بل من الضروري أن يغيّر الانسان مواقفه وآراءه ويتراجع عنها إذا اكتشف خطأها وعليه أن ينتقد نفسه، فالحياة فيها الكثير من التضاريس والمنعرجات، ولا تستمر بخط مستقيم ومن يقول لك أنه لم يخطئ فإنه لا يريد الاعتراف بأخطائه، لكي لا يضطر إلى نقد نفسه مأخوذاً بالعزة بالإثم، حتى ولو ارتكب المعاصي، سواءً كان شخصاً أو حزباً، وهكذا ترى البعض يدافع عن الأخطاء لدرجة يعتبرها مكاسب تاريخية.

أشعر دائما " بالتطهر" كلما قيّمت تجربتي وأتوقف دائما عند بعض المحطات منها، لاسيّما التي كان خياري فيها خاطئاً، وأكون شديد الاعتزاز بنفسي حين أكون قد أقدمت على تصحيح ذلك الخطأ وبالسرعة الممكنة ، إذ لا أريد إخفاءها وكما يقول الجواهري الكبير :

أأنت تخاف من أحدٍ                        أنت مُصانع أحدا

أتخشى الناس أشجعهم                     يخافك مُغضباً حردا

ولا يعلوك خيرهمُ                          ولست بخيرهم أبدا

 

كنت قد قلت كان من المشرّف والأخلاقي إعلان رأيي بشأن ما اتخذ من إجراءات قمعية في الثمانينات، ولعلّ تقييمي لتجربة المنبر الشيوعي الذي ساهمت في تأسيسه وضم نخبة متميّزة من المثقفين كان أحد وجوهها إيجابياً، وساهم في إثارة النقاش حول أزمة الحزب المستفحلة وخصوصاً بشأن الحرب العراقية – الإيرانية والتحالفات وأساليب الكفاح، لكن التجربة وصلت إلى طريق مسدود بعد أن استنفدت أغراضها ووقعت في أخطاء وممارسات سلبية، وهي لا تختلف في بعضها عن أخطاء القيادة الرسمية التي انتقدتها. ولذلك لم يكن من الحكمة الاستمرار فيها، وهو ما اخترته بعد حين، حيث افترقت الخيارات، وعندما تمت دعوتي من جانب كوادر أساسية في المنبر لقيادته، كنت قد قررت التوقف عند هذا الحد، مبرّراً ذلك أن لديّ الكثير من الأخطاء ولا أريد تحمّل أخطاء الآخرين.

وكنت قد صارحت محاوري كاظم الموسوي من إن استمراري منذ أواسط السبعينات في الحزب الشيوعي دون قناعة تُذكر، لم يكن له مبرّر، الاّ اعتبار أخلاقي، ولعدم رغبتي في تركه وهو في ظرف صعب، ولاسيّما بعدم الهجوم الشرس عليه. لقد تأخرت في الخروج من الصندوق على الرغم من تمردّاتي الكثيرة، وهو ما اعتبرته واحد من أخطائي التي قلتها علناً، ولكن كلّما ابتعدت عن الصندوق ازددت ماركسية " مادية جدلية".

X

في زيارة لميشيل فوكو إلى ألتوسير في مصحة الامراض العقلية بضاحية سانت آن سأله :" هل ما زلت ماركسياً؟ " أجابه ألتوسير: ومن تكون أنت بغيرها؟ لقد قرأت ماركس، كقارئ، تم ككاتب، ثم قراءته كمتن ونص، وأخيراً من رؤية نقدية، وهو ما جعلني أنظر إليه بحرية أكبر وباعجاب أكبر، لاسيّما لمنهجه الذي ما زال صحيحاً، وللاسف نحن تركنا المنهج وتمسكنا بالتعاليم التي كانت تصلح لعهده وليس لعهدنا، الأمر الذي نحتاج فيه لمعرفة قوانين عصرنا ودراسة ماركسية القرن الحادي والعشرين، وهذا يتطلب الوقوف عند الكثير من المتغيرات التي حصلت بفعل العولمة وما بعد الحداثة حول مفهوم الطبقة العاملة ودورها ودور فئات الجيولوجيين والمهندسين ومدراء ومسؤولي الحقول المعدنية وغيرهم  ومفهوم الاغتراب الجديد وعلاقة البلدان الرأسمالية المتقدمة بالبلدان النامية، لاسيّما مرحلة ما بعد الاستعمار.

عندما يهيم الانسان بالحقيقة ويبحث عن العدل، يكون مسكوناً بالهّم الإنساني حتى وإن كان حالماً، والحلم هو جزء من حقيقة متجسّدة في إطار مستقبلي أو مثالي نظل " نلهث" ونمنّي النفس للوصول إليه، لنكتشف أن أحلاماً جديدة متراكبة، نبقى  نركض وراءها أو نقترب منها دون الامساك بها.

لعلّ في ذلك جزء من التصالح مع النفس، بل عهداً وصداقة معها، وقد تكون تلك الصداقة هي أقسى أنواع الصداقات وأكثرها شقاءً حسب الفيلسوف الاغريقي " أفلاطون"، لأنها تتطلب نوعاً من التماهي بين المعلن والمستتر، والظاهر والباطن، والقول والفعل، الأمر الذي بحاجة إلى رياضة نفسية وروحية طويلة الأمد وعلى درجة عالية من النقد والنقد الذاتي، انطلاقاً من الثقة بالنفس أولاً ومن الجرأة في قول الحق حتى ولو على نفسك ثانياً، وقد يكون في الأمر ثمة نوع من " التطهّر" الروحي والأخلاقي ثالثاً.

هذه الصداقة بامكانها حماية النفس من الرذيلة والكراهية والظلم، فلا يستطيع المرء أن يكون عادلاً وباحثاً عن الحقيقة والمشترك الانساني، إنْ كان متهاوناً إزاء الشرف الشخصي أو الأمانة الوطنية والشخصية أو الذمة المالية، لاسيّما ما يتعلق بالنزاهة الاخلاقية، وبقدر كونه قوياً وصلباً إزاء ذلك، فعليه أن يكون متسامحاً، ولا ينبغي ان يحمل الكراهية في قلبه أو يدعها تسلّل إلى سلوكه، حتى إزاء من يسيئون له، فالتسامح قيمة إنسانية عليا راقية، والتسامح لا يعني التهاون إزاء الظلم والظالمين، بل البحث عن طريق للحق والعدل والحقيقة وعلى أساس الحقوق الانسانية غير القابلة للتجزئة، وحسب فيلسوف وقائد الهند العظيم المهاتما غاندي: : أنا لا أحبّ التسامح، لكني لم أجد شيئاً أفضل منه، وبما أنه لا يوجد هذا الشيء، فإني أفضّل التسامح، الذي أصبح قيمة بحد ذاته.

صداقتي مع نفسي منحتني هذا القدر من المراجعة والنقد الذاتي، لأنني كنت الأقرب إلى نفسي وإلى مونولوجي الداخلي ومعرفتي بمكامن الخطأ والتقصير، وإسراعي لتصحيح وتصويب ما ادركته أو تأكدت منه، انه لم يكن صائباً أو صحيحاً في العلاقات الشخصية أو في العمل السياسي والثقافي. ربّما نجد في هذه الحوارات فواصلاً مهمة في حياتنا الفكرية والثقافية والسياسية، وهي تعبير عن أفكار وآراء، وسعيت من خلالها للبوح والمكاشفة والنقد، بشفافية عالية ودون اكتراث حتى عندما أشخص أخطائي ونواقصي، وأنا سعيد بها لأنها جزء مني، وهو ما أحاول بسعي وجدّية إكتشافه ومراجعته علناً، لاسيّما بنشر المقابلات والمقاربات التاريخية على مدى أكثر من ربع قرن، وهو ما فعلته مع محاوري كاظم الموسوي.

عندما أحاور نفسي وغالباً ما أفعل بكل الصراحة والنقد، فأنا أدخل في حوار مع الآخر، أتعلّم منه مثلما أفترض إنه والمتلقي يتعلّمان أيضاً، وعليّ أن أعي دوري ووظيفتي الفكرية، وهي النقد، قاعدة للتنوير والمعرفة، وبدون النقد لا يمكن للمثقف أن يكون مثقفاً حقيقياً، وأحياناً أجد نفسي في منافسة بين إرادة الأنا وإرادة الناقد في داخلي وإرادة أو إرادات الآخر، ولذلك أسرع لتدقيق أقوالي ومواقفي وأراجع أفكاري وآرائي، كي لا أكون قد جانبت الحقيقة بناءً على تقديرات خاطئة أو معلومات غير صحيحة، الأمر الذي يقتضي قوله بصدق وصراحة علناً وتحديد المسؤولية بشجاعة، حتى وإن أخطأت!!

لم أتعلّم أن أبلع لساني أو أسكت أو أغض الطرف مثلما يفعل كثيرون، ممن لم يعتادوا على المجاهرة بآرائهم، فقد اعتادت الكثرة الكاثرة على المسايرة والانحناء وقبول ما يقوله أصحاب السطوة والنفوذ في السلطة والمعارضة، ولعلّ السؤال البديهي: هل سيكونون من الجرأة ليتمكنوا من كشف أخطائهم أو التأشير إلى مواطن الخلل في مواقفهم وسلوكهم وتجنيّهم أحياناً على العدل والحقيقة، لذلك تراهم يفضلون الصمت أو السير مع القوي ومجاراته، وهناك دائماً من يغطي نفسه بدثار " الجماعة" لدرجة فقدان صوته وضياع فردانيته لحد الانصهار في إطار المجموع، ولعلك على مدى عقود من الزمان لا ترى له لوناً أو طعماً أو رائحة، فهو يفضل البقاء في الصندوق على حساب اتخاذ موقف مستقل، حتى وإن كان قد توصل إليه، وذلك حباً بالسلامة وتجنّباً للمواجهة، لعلّ هؤلاء هم من قرّعهم الجواهري عندما قال:

" إن الحياة كفاح وتضحية        حبّ السلامة فيها أرذل السبل"

عندما اعتبر الفيلسوف اليوناني ارسطو أن أفضل طريق إلى الكرامة يتمثل باتساق بين ما نُظهر وما نُبطن، فلعلّه قصد اقترابنا من الحقيقة، التي هي وحدها تطّهر الروح وتخفف من عبء الأنا بانسجامها موضوعياً مع الأنت، الآخر، باستكمال مشروع التعايش الحضاري والثقافي في إطار المشترك الانساني، وذلك هو ما أدعوه فضاء الشيوعية!

 

 

من ارشيف العظماء: جون ماينرد كنز

كانت وفاة كنز المفاجئة صباح عيد الفصح من عام 1946 أزاحت رجلاً عظيماً. جميع الاعمال التي مارسها- موظف مدني، رئيس كلية، مؤلف ، امين صندوق، محرر، مدير شركة، مستشار وناطق رسمي باسم الحكومة، عضو مجلس اللوردات - أدارها باعجاب منقطع النظير. كانت لدى كنز المقدرة اكثر من اي شخص آخر في زمانه على اثارة الافكار وتهيئة الرأي العام لقبول المقترحات الجديدة، واذا كان الراي العام في بلاده اكثر استعداداً قياسا بدول اخرى لمواجهة مشاكل ذلك الزمن، فان لكنز الفضل الكبير في ذلك. مما قيل عنه من قصص انه حين عُين مديرا لبنك انجلترا، اتُهم من احد اصدقائه بالتحول نحو الارثودكسية، غير انه اجاب بثقته المعهودة" انت خاطئ. الارثودكسية هي التي التحقت بي". ما كان خيالاً لدى الآخرين كان حقيقة مبسطة لدى كنز. كانت لديه الموهبة التي تأتي فقط للقادة الحقيقين، حين سبق جيله وتمكن في نفس الوقت من سحبه ورائه. لهذا، كانت هناك حاجة الى مزيد من الذكاء و الوضوح- اللذان تميز بهما كنز كثيراً. هو امتلك ايضا نزاهة الفيلسوف وحماسة إستشعار اللاّمنظور .

من بين العديد من صفاته، الاقتصادي الذي سيبقى يتذكره الناس طويلا. كان كنز في الخط الامامي للاقتصادين البريطانيين العظام من آدم سمث حتى جون ستيوارت مل، جاعلاً اولى مهامه دراسة الحقائق والتاكد من ان استنتاجاته منسجمة مع الفطرة السليمة. ولكن رغم وثوقه بالتقاليد هو كان ايضا ثوريا. منذ ايام ريغاردو لم تقفز النظرية الاقتصادية بسرعة الى الامام مثلما قفزت في السنوات التي أعقبت ظهور "رسالة في النقود" في ربيع عام 1930. لم تكن هناك اي نظرية ثورية جديدة بالكامل وكان كنز سخيا في التعبير عن التزاماته تجاه الكتاب الاخرين. لكن تجديد النظرية الاقتصادية في الـ 25 سنة الماضية (التي سبقت وفاته) ارتبط باسم كنز كرئيس معماري.

ان الثورة في الافكار بدأت من اهتمام كنز في النظرية النقدية، وبالذات، من ايمانه ان العودة الى نظام الذهب عام 1925 وفرضْ نظام ثابت للصرف على الاقتصاد كان يمثل عوائقاً ثقيلة - خاصة في الاجور النقدية- تركت مجالاً قليلاً للمناورة، وستؤثر حتما في خلق البطالة. لكن كنز كان بوضوح غير مقتنع بتفسيراته لأسباب البطالة وبدأ باستكشاف البناء الديناميكي للاقتصاد الحديث. االشكل الاول لنظريته المتميزة ظهر- بالضبط في اللحظة الملائمة- في "رسالة في النقود"في ربيع عام 1930.

من سمات كنز انه لاحقا يعيد مراجعة العديد من الرؤى التي وضعها في كتابه"رسالة في النقود". انجيل كنز كان "النظرية العامة"عام 1936 وليس "الرسالة"عام 1930. لكن "الرسالة"مع ذلك، تجسد الى حد كبير الكتاب الاعظم في تاريخ الفكر الاقتصادي. كان الاقتصاد الارثودكسي، حتى ذلك الوقت غارقاً و بافراط بتحليل الظروف الثابتة وبالاختبارات التفصيلية لرؤية المرء للعمليات الجارية بسرعة. كنز،"في الرسالة" خلق تحولاً من الثابت الى المتحرك او من الستاتك الى الداينمك، هو حوّل الاقتصاد الى دراسة تدفق الدخل والانفاق، وهو بعمله هذا فتح افقاً جديداً بالكامل امام الاقتصاديين. التركيز التقليدي على استقرار مستوى الاسعار كهدف رئيسي للسياسة النقدية سمح باعطاء حيز من الاهتمام بصحة اقتصاد المجتمع، وفق قياسات الدخل القومي وكما يُعبّر عنه بحالة الاستخدام.

"الاستخدام الكامل" اصبح شعارا، وان الافكار المحيطة به هي عموما كنزية في الاصل.

ان اعظم مساهمات كنز لنظرية البطالة – ان كانت مثل هذه موجودة من قبل- تكمن في تأكيده على التوفير والاستثمار. الفكرة المركزية في "الرسالة" كانت غياب اي ارتباط اوتوماتيكي بين هذين المتغيرين:بين التغيير في عادات التوفير من جانب و فرص تكوين رأسمال حقيقي في الجانب الاخر. هو اعلن، ان التوفير عندما يزداد لدرجة يتجاوز فيها فرص الاستثمار المتوفرة، سيجعل من المستحيل للشركات ككل تحقيق الارباح ولهذا ستبتعد عن المغامرة فتزداد البطالة. كذلك، ان التشخيص اقترح العلاج: اذا لم يكن هناك التقاء اوتوماتيكي بين التوفير وخلق راس المال، فلا بد ان يكون هناك التقاء مخطط، علاج حلقة التجارة يكمن في السيطرة الواعية على اجمالي التوفير من جهة وعلى الانفاق الراسمالي من جهة اخرى.

نظرية كنز في الاقتصاد الكلي برزت مما سمي بالكساد الكبير في الثلاثينات عندما وقفت نظرية الاقتصاد الارثودكسي النيوكلاسيكي عاجزة عن توضيح سبب الانهيار الاقتصادي الشديد ولا حتى توفير حل كاف للسياسة العامة، حيث جادلت هذه النظرية الارثودكسية ضد تدخل الدولة ولصالح سياسة عدم التدخل. كان كنز يخشى ان (عمل لا شيء) تجاه الانحدار الاقتصادي وارتفاع البطالة سيجعل الامور اكثر سوءاً.

هذه المجموعة من الافكار لم توضع في الاختبار التطبيقي ضمن ظروف تسمح بعرض مقنع للحقيقة. لكنها عرضت توضيحا مقنعا ومثمرا للظاهرة الاقتصادية لقي قبولا واسع النطاق- من حيث المبدأ ان لم يكن من حيث التفاصيل – في جميع الدول الناطقة بالانجليزية وفي العديد من الدول الاخرى. كان واضحاً منذ البداية ان التأثير سيكون كبيرا جدا يتعدى حدود العقيدة الاكاديمية. حقل جديد بالكامل فُتح للاعلان عن سيطرة الانسان على قدره. جسرُ  بُني – دون ان يُعبر بعد - بين الليبرالية القديمة و المفاهيم الجامدة لذلك الطراز القديم من الاشتراكية. تحليلات كنز جاءت منسجمة مع اتجاه توسيع مسؤولية الدولة، وهو ذاته أعلن عن نهاية سياسة عدم التدخل laisser faire، ولم يعد ممكنا ابدا للدولة اعتبار مستوى الاسعار ومستوى الدخل القومي او حجم الاستخدام اشياءاً خارج سيطرتها. لكن السياسة الاقتصادية بقيت بالنسبة لكنز مسألة تتأثر كثيراً بالاهداف المالية، وكانت الجهات السياسية التي اهتم بها هي جهات مالية مثل الخزانة والبنك المركزي. ذلك لم يكن فقط لأن كنز كان رجل خزانة وانما ايضا لأنه كان ليبراليا: اعتقد بان الاهداف التي اقترحها يمكن انجازها باقل الضرر لحرية الافراد عبر الاعتماد على السيطرة المالية الكاملة في مجال المصارف والسياسة المالية. هو لم يؤمن بوسائل تفصيلية للسيطرة  او بالمركزية المقيدة. وبالعكس، هو آمن بامكانية خلق ظروف تكون فيها تلك السياسات غير ضرورية. فلسفته كانت هي السيطرة على الطقس الاقتصادي وليس اصدار تعليمات مفصلة حول منْ يجب ان يمتلك مضلة. على طول هذه الخطوط كان يجب ايجاد تسوية، بين الرغبة بـ  "اتجاه هادف" للشؤون الاقتصادية (تعبير كنز) والحريات الابدية للفرد غير المنظم.

كانت الموظة السائدة بين الجهلة ولعدة سنوات هي السخرية من كنز واتهامه بعدم الانسجام. من الصواب انه لم يكن لديه اهتمام ثابت بافكاره الماضية وانه لم يوجد هناك منْ هو افضل منه  في اي وقت مضى اظهر ان الانسجامية السطحية هي شكل من المشاكسة للعقول الصغيرة. المتعة الفكرية للاستكشاف عادة تحمله بعيداً، ومهارته الديالكتيكية التي لا تُجارى تقوده لملاحقة الخصم الهارب الى ابعد مما يتطلبه الامر. ولكن ان اجلا ام عاجلا، حينما تخفت حرارة المطاردة، سيعود حالاً الى السكة الرئيسية للافكار ليضع نفسه مرة اخرى على جادة الصواب. موته المفاجئ اعتبره البعض سببا لأكبر حالات اللاانسجام لديه. خلال ما لا يقل عن عقدين سعى كنز في افكاره لإبعاد الاستقرار المخطط  للاقتصاد القومي عن اضطرابات العالم الخارجي  . في "خطة كنز" لإتحاد المقاصة الدولي،الذي نُشر عام 1943، بدا هذا القطار من الافكار يتحول عبر الفحص والتقويم  الى مرحلة اكثر ايجابية. مقترحات (بانكور) كانت اولى المحاولات لتطبيق العقيدة الكنزية الاساسية على الاقتصاديات الدولية ولخلق آلية يمكن بواسطتها خلق حالة من التوازن الاوتوماتيكي لـ "التوفير" النقدي للدول الدائنة وموازنتهُ بالتدفق المادي للسلع والخدمات النافعة. لكن رجل الدولة كنز تسلم فيما بعد مسؤولية رجل الاقتصاد، كما ان المزايا العظيمة للتفاهم الاقتصادي الشامل  مع الكنزيين الامريكيين الذين لم ينضجوا بعد قادهُ تدريجيا الى نظام برتن وودز، النظام المليء بتناقضات الافكار الكنزية سواء كان جيدا ام سيئا، عمليا ام غير عملي.

يجب ان يُترك للاجيال القادمة الحكم على مدى عظمة الرجل كنز. لكن ما لا ستعرفه الاجيال القادمة ابدا (كما ذكر مرة اننا في المدى البعيد جميعنا ميتون)، هو سحر الرجل ، والتألق المدمر في حديثه، سرعة البديهة، سخائه الكبير للمصلحة العامة التي قتلته في النهاية.

 

.................................

From the archives, John Maynard Keynes, The Economist ,Nov 26th 2013.

 

 

الإِمَامُ الكَاظِمُ .. خُلُودٌ بَعْدَ اسْتِشْهَادٍ

mohamadjawad sonbaلَمْ تَنتَهِ حياةُ الإِمامِ مُوسَى بنِ جعفرٍ، فِي الخَامِسِ والعِشرينَ، مِن شَهرِ رَجبٍ، مِن عامِ ثلاثَةٍ وثمانينَ بَعدَ المِئَةِ، مِن الهِجرَةِ الشَّريفَة. لقدّْ بَدأَتْ حياةُ خلودِ الإِمامِ الكاظِمِ (ع)، عندَما أَكرمَهُ اللهُ تعالى بالشَّهادَةِ، في سَبيلِ إِحياءِ شَريعَتِهِ السَّمحاء. فبدأَتْ حَياةُ الإِمامِ (ع)، حيّةً تعيشُ في أَرواح مُحبّْيهِ، وضَمائرِ عاشِقيهِ، يَنهلونَ مِن تَجربتهِ الرِّساليَّةِ مَعاني الجَلَدِ والصَّبرِ والكِفاحِ، ضِدَّ أَسالِيبِ عُتاةِ الأُمَّةِ، وطواغِيتِها وجبابِرَتها وظَلَمَتِها. فَلا زالَ الرِّساليّونَ السَّائرونَ، على مَنهَجِ أَئِمَّةِ أَهلِ البيّتِ المَعصُومينَ (ع)، حتّى اليومَ، يَدفعونَ الدِّماءَ البريئةَ، كضريبةٍ لوَفائِهِمْ وتَمسُكِهِمْ، بخَطِّ الإِسلامِ الصَّحيحِ، وحُبِّهم له.

إِنَّ الوعدَ الإِلهيّ، ببَقاءِ ذِكْرِ أَهلِ البيّتِ (ع)خالدٌ، ذَكَّرَتْ بِهِ السَّيدَةُ زيّنبُ بنْتِ الإِمامِ عليّ (ع)، عندَما أَلقَتْ خُطبَتَها، في مَجلِسِ يَزيدٍ بن مُعاويَةِ (لعَنَهُمَا اللهُ)، قائلةً: (فَو اللهِ الّذي شَّرَفنا بالوَحي والكِتابِ، والنُبوَّةِ والانتِخابِ، لا تَدرِكُ أَمَدَنا، ولا تَبلِغُ غايتَنا، ولا تَمْحو ذِكرَنا، ولا يُرحَضُ عنكَ عَارُها.).

لقدّْ كانتْ تنتظرُ الإِمامَ موسى بن جعفرٍ (ع)، مهامٌّ رساليّةٌ عظيمةٌ. فقدّْ أَدركَ الإِمامُ (ع)، فترةَ اتّساعِ نُفوذِ الدَّولةِ العبَّاسيَّةِ، وهي في شَبابِ قوَّتِها، وجَبَروْتِ سُلطَانِها. فأَصبحَ (ع)، إِماماً للأُمَّةِ بعدَ استشهادَ أَبيهِ (ع)، عَامِ (١٤٨ه‍).   (فعاصر في سنيّ إِمامته (١٤٨-١٨٣ه‍)، أَربعة من حكام بني العباس، تتمثل في بقية ملك المنصور أبي جعفر (١٣٦-١٥٨ه‍)، ثم ملك ابنه المهدي (١٥٨-١٦٩ه‍)، ثم ملك ابنه الهادي موسى (١٦٩-١٧٠ه‍)، ثم ملك أخوه هارون الملقب بالرشيد (١٧٠-١٩٣ه‍)، واستُشهد الإمام الكاظم عليه‌ السلام بعد مضي ثلاث عشرة سنة من ملك هارون.) (انتهى) (الإمام موسى الكاظم (ع) سيرة وتاريخ/ علي موسى الكعبي (بتصرف)).

في فترةِ إِمامَةِ الإِمامينِ الصَّادقِ والكَاظِمِ (ع)، حَصَلَتْ الثَّوراتُ التاليَةُ، ضِدَّ ظُلمِ وطُغيانِ السُلطةِ، الّتي كانَ حُكَّامُها العبَّاسيّون، يُبَذِّرونَ ثَرواتِ الأُمَّةِ، على مَجالسِ الغِناءِ والفَواحِشِ، ويُحاربونَ كُلَّ صَوّْتٍ، يدعوا إلى إِقامَةِ حُكْمِ الإِسلامِ، بالحقِّ والعَدل. فانطَلَقَتْ أَهَمُّ الثَوّراتِ المُناصِرَةِ للعَلويينَ، في تلكَ الفَترة. الأَمرُ الّذي هَدَّدَ سُلطانَ العبّاسيينَ بشدَّةٍ، وكانَ من هذهِ الثَوّراتِ مايلي:

1. ثَوْرَةُ محمَّدٍ ذِي النَّفسِ الزَّكيَّةِ، (محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب)،سنة (١٤٥ ه‍).

2. ثَوْرَةُ ابراهيمَ أَخي مُحمَّدٍ ذِي النَّفسِ الزَّكيَّة (١٤٥ ه‍).

3. ثَوْرَةُ عبدِ اللهِ الأَشترِ بن محمَّدٍ ذِي النَّفسِ الزَّكيَّة (١٥١ ه‍).

4. ثَوْرَةُ الحُسيّنِ شهيدِ معركَةِ (فَخٍّ)، (هو الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط (ع)) (169ه).

5. ثَوْرَةُ يَحيى بن عبدِ اللهِ، (هو يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)). وأعلن دعوته سنة (١٧٦ه‍).

6. ثَوْرَةُ إدريسَ بن عبدِ الله. (هو إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى ابن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، مؤسس دولة الأَدارسة في المغرب، وتمّ له الأمر في رمضان سنة (١٧٢ ه‍)).

7. ثَوْرَةُ يوسُفَ البَرِمِ، (وهو رجلٌ من موالي ثقيف بخراسان وبخارى)، سنة (١٦٠ ه‍)). (المصدر السابق).

لقدّْ واجَهَ المنصورُ العبَّاسيّ وولديّهِ الهاديّ والمهديّ، وأَخيهِ هارونَ، تلكَ الثَّوْراتِ، بأَشْرَسِ عُنْفٍ وأَشَدِّ بَطشَة. كما كانَ يَقتُلُ كُلَّ مَن يُشتَبَهُ بِهِ، بأَنَّهُ مواليٌ للثوّارِ العَلويّين. (وكان ولاةُ الحكَّامِ العباسيّينَ، يقتلونَ النّاسَ خِلسَةً على التُّهمةِ بالدعوة للثوّار العلويين، قال العباس بن سَلَمْ مولى قحطبة : (كان أبو جعفر (العباسي)، اذا اتَّهمَ أَحداً من أَهلِ الكوفَةِ، بالمَيْلِ إِلى إِبراهيمَ (أخي محمد ذي النفس الزكية)، أَمرَ أَبي (سَلَمَاً) بطلبهِ، فكانَ (سَلَمٌ)، يُمهلُ حتّى اذا غَسَقَ الليّلُ، وهدَأَ النَّاسُ، نَصَبَ سُلَّماً على مَنزِلِ الرَّجُلِ (المطلوب للسلطة)، فطرقَهُ في بيّتهِ، فيقتُلَهُ ويأخذُ خاتَمَه. (حتّى قِيْلَ الى ابن سَلَمْ): (لو لَمْ يُوْرِثُكَ أَبُوكَ، إِلاّ خَواتِيْمَ مَن قَتَلَ، مِن أَهلِ الكوفَةِ، لكُنْتَ أَيسَرَ الأَبناء) (انتهى) (المصدر السابق/ بتصرف).

إِنَّ الإِمامَ مُوسَى بنِ جعفرٍ (ع)، سَارَ على مَنهَجِ والدِهِ الإِمامِ الصَّادِقِ (ع)، الّذي أَسَّسَ الحَركَةَ العلميَّةَ، لمَدرَسَةِ أَهلِ البيّتِ (ع)، وواصَلَ الاتِّصالَ بأَصحابِ والِدِهِ (ع)، وبذلكَ جَعَلَ الإِمامُ الكَاظِمُ (ع)، الحَركةَ العلميَّةَ والمُناظَراتِ العَقائديَّةِ والكلاميَّةِ، ومُحاجَجَةِ الفِرَقِ المارِقَةِ عَن عَقيدَةِ الإِسلامِ، مِنَ الأَنشِطَةِ الّتي اهتَمَّ بها كثيراً. وبذلكَ يُمكِنُ القَولُ بأَنَّ الحَركَةَ الإِصلاحِيَّةَ العِلميَّةَ والاجتِماعيَّةَ، ظلَّتْ تَسيرُ قُدُماً، برعايَةِ الإِمامِ الكاظمِ (ع). خُصوصاً أَنَّ هناكَ فَتَراتٌ مِنَ الاسْتِرخَاءِ، كانَتْ تَتَخلَّلُ فتراتِ انتِقالِ الحُكْمِ، مِن سلطانٍ إِلى آخر. وهذا ما حَدَثَ معَ الإِمامِ الكَاظمِ (ع)، فِي الفَترةِ الّتي هَلَكَ فيها المَنصورُ العبَّاسيّ في عامِ (158ه)، إِلى سَنةِ اعتِقالِهِ (ع)، على يَدِ هارونَ العبَّاسيّ، في عامِ (179ه).  

في هذينِ العَقدينِ مِنَ الزَمنِ، أَثْرى بهِمَا الإِمامُ الكَاظِمُ (ع)، نَشَاطَ مَدرسةِ أَهلِ البيّتِ (ع)، فكانَ يُوصي هُشامَ بن الحَكَمِ، وهوَ مِنْ أَصحَابِهِ المُخلصينَ، وأَحَدِ أَعلامِ الحَركَةِ العلميَّةِ، فيَقولُ (ع) لَهُ: (يا هِشَامَ، كما تَركُوا لكُمْ الحِكمَةَ، فاترُكوا لَهُمْ الدُّنيَا).

إِنَّ الإِمامَ (ع) استَثمرَ فُرصَةَ انْهِماكِ الحُكَّامِ، فِي شُؤونِ الحُكْمِ والسُّلطةِ، وحُبِّ الدُّنيا وزَخارفِها، فَكانَ (ع) يُوَجِّهُ حامِلَ لوائِهِ هشامَ بن الحَكَمِ (رض)، ليأخُذَ مُهمَّةَ نَشرِ المَعَارِفِ، بيّْنَ شَرائِحِ المُجتمعِ، إِدراكاً مِنَ الإِمامِ (ع)، أَنَّ العِلْمَ والتَّبصُرَ، هُمَا الوَسِيلَتانِ الأَكثرَ أَهميَّةً في المجتمعِ، لتَنويرهِ وتَعريفهِ بالحَقائِق. فإِذا تَنَوَّرَ المُجتمَعُ ووَعى دورَهُ الرِّساليّ، فبِلا شَكٍّ سَيَشُقُّ طريقَهُ نَحوَ الحُريَّةِ والكَرامَةِ، وتأْسِيْسِ مَنهجِ العَدلِ، ومحاربَةِ الظُلمِ والطُّغيانِ. فكانَ (ع)، يُلفِتُ انتِباهَ الأُمَّةِ، إِلى دَوْرِ الأَئِمَّةِ المَعصومينَ (ع) فِي حَياةِ الانسَانِ، ويَحِثُّ على التَمسُّكِ بولايتِهم، لأَنَّهم وحدُهم سُبُلُ نَجاةِ الأُمَّةِ، مِنْ مَهاوي الرَّدى والظَّلال. فكانَ (ع)، يَلجأُ إِلى الدُّعاءِ، باعتبارِهِ وسِيلةً روحيَّةً تربويَّةً، لتَوثِيقِ صِلَةِ العَبْدِ بربِّهِ سُبحانَه، فكانَ مِن دُعائِهِ (ع):

(اللهمَّ إِنّي أُقِرُّ وأَشهدُ، وأَعترفُ ولا أَجحدُ. وأُسِرُّ وأُظْهِرُ، وأُعلِنُ وأُبطِنُ، بأَنَّكِ أَنْتَ اللهُ فَلا إِلَهَ إِلاّ أَنتْ، وحدَكَ لا شريكَ لكْ، وأَنَّ مُحمَّداً عبدُكَ ورسولُكَ، وأَنَّ عليَّاً أَميرُ المؤمنينَ، وسيّدُ الوَصيّينَ، ووارثُ عِلْمِ النَّبيين... إِمامي ومَحجّتي، ومَن لا أَثِقُ بالأَعمالِ، وإِنْ زكَتْ، ولا أَراها مُنجيَةً لي وإِنْ صَلُحَتْ، إِلاّ بوِلايَتِهِ والائتِمَامِ بهِ، والإِقرارِ بفَضائِلِهِ... اللهمّ وأُقِرُّ بأَوصِيائِهِ مِن أَبنائهِ، أَئِمَّةً وحُجَجاً وأَدِلَّةً وسُرُجاً، وأَعلاماً ومناراً، وسادَةً وأَبراراً... اللهمّ فادْعُني يومَ حَشري، وحينَ نَشّري بإمَامتِهِمْ، واحشُرني في زُمرَتِهِمْ، واكتُبني في أَصحابِهِمْ، واجعَلني مِن اخوانِهِمْ، وانقُذني بِهِمْ، يا مَولايَ، مِن حَرِّ النيران...).

هذا الإِصرارُ مِنْ قِبَلِ الإِمامِ (ع)، بالتَّمسُكِ والالتِزامِ بخَطِّ الأَئِمَّةِ المَعصومينَ (ع)، وتَركِ سِواهُمْ، مِمَّنْ يَدَّعُونَ إِمَامَةَ الأُمَّةِ، ومَسْكِ زِمَامِ أُمورِهَا. الأَمْرُ الّذي جَعَلَ، سُلطانَ الجَوّْرِ والظُلْمِ، هَارونَ العبّاسيّ، الّذي تَوَّلى رِقابَ المسلمينَ، وتَسَلَّطَ على أَموالِهِمْ وجَميعِ أُمورِهِمْ، بِمُلْكٍ وراثِّيٍّ عَضُوض، أَنْ يَقْدِمَ على مُؤامَرَةِ التَّخَلُّصِ، مِنْ وجُودِ الإِمامِ (ع).

و إِلى الآنَ، نَجِدُ حُكَّامَ الجَوّْرِ وسَلاطينَ الظُلْمِ، مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَداوةً، لمنْهَجِ أَهلِ البيّت (ع)، لأَنَّ دَعوتَهُمْ (ع)، تَأْمُرُ بعدَمِ شَرعِيَّةِ هؤلاءِ الحُكَّامِ، وعَدَمِ الاعتِرافِ بسُلطانِهِمْ. لأَنَّهُمْ وَصَلوا إِلى سُلْطَةِ الحُكْمِ، بِدونِ وَجْهِ حَقٍّ، كمَا أَنَّهُمْ يَحكمونَ بِأَهوائِهِمْ بيّنَ النَّاسِ، فيَظْلِمُونَ فَريْقَاً وفَريْقاً يَنْصُرون. فَسَلامٌ على الإِمامِ مُوسَى بنِ جعفرٍ (ع)، يَومَ ولِدَ ويومَ استُشهِدَ، ويَومَ يُبعَثُ حَيّْاً.

 

عن بعض العراقيين، الذين مرٌوا بموسكو: دميتري عبد الحسين

70 عاما على العلاقات العراقية – الروسية

هذه حلقة اخرى من سلسلة مقالاتي – (عن بعض العراقيين، الذين مرٌوا بموسكو) والتي انشرها بمناسبة الذكرى السبعين على اقامة العلاقات العراقية – الروسية (ايلول / سبتمبر 1944- ايلول / سبتمبر 2014) . لقد كانت الحلقة الاولى عن بعض الزملاء الراحلين (حياة شرارة وعبد الرزاق مسلم ومعروف خزندار) الذين درسوا في الجامعات الروسية وتخرجوا فيها ونشاطاتهم العلمية والحياتية الرائدة في العراق بعد عودتهم الي الوطن، والحلقة الثانية كانت عن سفيرين عراقيين في موسكو هما - (صالح مهدي عماش وعبد الوهاب محمود)، والحلقة الثالثة، الخاصة، كانت عن اولئك العراقيين، الذين رحلوا وتم دفنهم في موسكو وكانت بعنوان – (قبور عراقية في موسكو)، ثم حلقة اخرى، رابعة، عن بعض العراقيات اللواتي مررن ودرسن بجامعة موسكو ومكانتهن ودورهن لاحقا في المجتمع العراقي بعد تخرجهن، اما اليوم، فان هذه الحلقة مكرسة فقط للابن الشرعي للعلاقات العراقية - الروسية ومأساته، ولهذا فانني خالفت بنية مقالاتي هذه ووضعت اسمه في عنوان الحلقة، لانني اعتقد جازما انه يجب ان أقوم بذلك لأنه يستحق فعلا هذا التميٌز، واننا يجب علينا ان نبرز اسمه و ان نتذكره ونتأمل بعمق قصته واحداثها وموقعها في ضمائرنا وان نتحدث عن أثرها في واقعنا و تاريخنا، لانه عنوان كبير لمسيرة حياة انسانية حزينة و مأساوية لا زالت تحز في اعماق روحي و نفسي وقلبي وعقلي طوال اكثر من ثلاثين سنة، وقد سبق لي ان تحدثت عن تفصيلاتها همسا لاصدقائي القريبين، الذين كنت أثق بهم في تلك الايام العصيبة الخوالي (وأخص منهم بالذكر المرحوم الشهيد الدكتور فؤاد ابراهيم محمد البياتي – رئيس قسم اللغة الالمانية في كلية اللغات بجامعة بغداد، الذي اغتالوه صباحا قرب بيته عندما كان متوجها الى عمله في الكلية بتاريخ 19/4/2005)) والذين قالوا لي جميعا انه من الضروري ان اسجل هذه الواقعة وانشرها كي يطلع عليها الجميع في الوقت والزمن المناسب باعتبارها واحدة من تلك الشهادات القاسية على زمن و عصر مأساوي من عصور عراقنا المعاصر، والذي لا زال لحد الان – مع الاسف الشديد - جريحا و ينزف دما غزيرا، وقد وعدتهم ان اقوم بذلك يوما- ما، وها انا ذا أبرٌ بوعدي.

ض. ن .

.......................

كنت جالسا وحدي في غرفة فرع اللغة الروسية بقسم اللغات الاوربية في كلية الآداب بجامعة بغداد في بداية ثمانينات القرن العشرين واذا بشاب يدخل الى الغرفة ويتوجٌه اليٌ بسؤال - اين أجد الدكتور ضياء نافع ؟، فقلت له تفضل انا ضياء نافع، فانتقل رأسا متحدثا باللغة الروسية وبطلاقة وقال انه يريد ان يتعين في قسمنا استاذا لتدريس اللغة الروسية، وانه يتوجه اليٌ باعتباري رئيسا للفرع بهذا الرجاء، خصوصا وان الكثيرين من معارفه نصحوه بمقابلتي والتحدث معي بشأن ذلك . تعجبت أنا من طبيعة هذا الطلب وقلت له انه لا زال في مقتبل عمره وان التعيين في الجامعة يقتضي الحصول على شهادات عليا كالماجستير والدكتوراه، وسألته عن شهادته، فقال انه لم يكمل حتى المدرسة المتوسطة، و من ثمٌ بدأ بالحديث تفصيلا عن حياته ومأساتها، واخبرني ان والده كان طبيبا انهى دراسته في الاتحاد السوفيتي وتزوج والدته الروسية اثناء دراسته هناك ورجع الى العراق، ودرس دميتري وشقيقته في مدارس بغداد، ثم تم اعتقال والده بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي العراقي، ومن ثمٌ اعدامه، واضطرت والدته بعد اعدام والده للعودة الى الاتحاد السوفيتي مع طفليها طبعا، ومرٌت الايام والاعوام وتزوجت والدته من شخص روسي، ولم يستطع دميتري الانسجام مع كل هذه الاوضاع الجديدة في حياة العائلة في موسكو، وهكذا وجد نفسه خارج البيت، ووقع فريسة بيد كل تلك العصابات والمافيات التي كانت مسيطرة في الشوارع الروسية آنذاك قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتهى به الامر في السجون السوفيتية وهو بهذا العمر اليافع، وكشف لي ظهره وقال لي – انظر الى المرض الذي اصابني هناك، ونظرت وانا لا أصدق ما أرى، اذ رأيت ظهره وهو ملئ بالتقرحات الكبيرة الحجم الرهيبة الحمراء اللون و المتورمة والمتقيحة، واخبرني بانه بدأ بالصراخ في السجن السوفيتي وباللغة الروسية بالطبع انه مواطن عراقي ويطالب بالاتصال بالسفارة العراقية في الاتحاد السوفيتي، وقد اضطرت ادارة السجن بعد هذه الضجة الكبيرة التي كان يكررها دائما الى مفاتحة الجهات الرسمية بحالته، وهكذا تمت مفاتحة السفارة العراقية في موسكو حول ذلك، والتي أكدت فعلا انه مواطن عراقي، وقد تم تسليمه اليها بعد عدة اجراءآت، وقامت السفارة رأسا بتسفيره على الطائرة العراقية الى بغداد، وذهب دميتري رأسا الى بيت جده الذي يعرفه جيدا، وفوجئت العائلة العراقية المرعوبة والمنكوبة باعدام ابنها الطبيب بحفيدهم المريض العائد من روسيا اليهم، ولم تستطع تقبله – رعبا من الوضع السياسي الذي كان قائما آنذاك وخوفا من وضعه الصحي، وهو في هذه الحالة الصحية الرهيبة والمشوهة وحتى المعدية، وهكذا اضطر الجد ان يخصص له مبلغا ضئيلا جدا وحسب امكانيته المالية الضعيفة جدا لكي يسكن في فندق رخيص للمبيت ليس الا والعيش في اطار الحد الادنى، وقد نصحه بعض المحيطين به ان يتوجه اليٌ لاساعده في موضوع تعيينه لتدريس اللغة الروسية في جامعة بغداد، لأنه لا يتقن اي شئ آخر ولا يعرف اي مهنة اخرى بتاتا، وسألني ببساطة وسذاجة طفولية مدهشة – (ألا أعرف اللغة الروسية جيدا؟) فقلت له وانا أكاد ابكي ألما، انك تتقنها – يا ابني - بشكل رائع وممتاز ولكن هذه المعرفة غير كافية للتعيين في اي جامعة من جامعات العالم، وهكذا خرج دميتري عبد الحسين من الغرفة وغادر كلية الاداب خائبا . رجعت الى البيت وانا في حالة ذهول وحزن، ثم بدأت بتأنيب نفسي لاني لم احاول ان اقدم له ولو مساعدة – ما تعينه على تدبير بعض اموره، وفي اليوم التالي جاء اليٌ رئيس القسم وسألني عنه قائلا من هو هذا ال (دميتري عبد الحسين) الذي راجعك امس؟ وقد قال تلك الجملة بنبرة لئيمة وواضحة المعنى والقصد مؤكدا على الاسم واسم الاب، وقد علم بذلك من مكتب الاستعلامات طبعا في مدخل الكلية، والذين كانوا يسجلون كل اسماء المراجعين، فقلت له انه شاب بسيط من ام روسية واب عراقي وطلب التعيين في القسم لتدريس اللغة الروسية واخبرته بعدم امكانية ذلك دون الشهادات العلمية المطلوبة، وانهيت الحديث مع رئيس القسم بحجة ارتباطي بعمل لاني كنت متأكدا من نواياه الشريرة . بدأت بالبحث عن دميتري عبد الحسين بين اصدقائي وزملائي الذين اثق بهم وعلمت ان قصته حقيقية فعلا وان والده قد تم اعدامه لأنه عضو في الحزب الشيوعي العراقي وقد درس وتخرٌج في كلية الطب في مدينة كالينين الروسية (والتي اعادوا لها تسميتها القديمة الان وهي تفير) وعاد الى العراق وتم تعينه طبيبا في احدى مستشفيات بغداد، وابدى الكثيرون استعدادهم لمساعدته قدر الممكن وطلبوا مني تدبير الوسيلة لذلك، وفي يوم من الايام كنت مع مجموعة من الاصدقاء في مطعم ظهرا في شارع الرشيد نتناول طعام الغداء واذا بدميتري يدخل الى المطعم وهو يبيع السجائر بالمفرد على الزبائن ويمسك بيده علبة مفتوحة من السجائر ويعلن عن بضاعته باسلوب ساذج ويبدو عليه بوضوح الارتباك وعدم اتقان هذه المهنة والاعيبها واسرارها، وعرض السجائر بشكل سريع وخرج من المطعم رأسا دون ان يشتري منه أحد. انتبهت انا اليه وصعقني منظره، وخرجت من المطعم محاولا اللحاق به وسط اندهاش اصدقائي وتعجبهم، ولكني لم استطع ايجاده رغم محاولتي التفتيش عنه، وعدت خائبا الى زملائي وحكيت لهم قصته باختصار، وقد تعاطف الجميع معي آنذاك، وبعد فترة قصيرة جدا أخبرني أحد اصدقائي الذين استفسرت منه عن دميتري عبد الحسين، انهم وجدوه ميتا في شارع من شوارع بغداد، وتم دفنه في احدى المقابر من قبل دائرة البلدية باعتباره شخصا بائسا مجهولا ومشردا بلا عائلة ترعاه او مسؤولة عنه .

 

أ.د. ضياء نافع

 

الشاعر الكلداني الكبير خالد جرجيس المقدسي ينهض من جديد (الفرزة الاولى)

abdulelah alsauqلقطة: قمتان فنيتان عراقيتان كلدانيتان هما الاستاذ ثمين جابرو (صديق المرحوم) والاستاذة غادة المقدسي (ابنة المرحوم)، هما مبدعان كبيران التقيا في احتفالية تكريم المقدسي فقدما معزوفات خلبت قلوب الحاضرين فكان تعبير الحضور الراقي كلمات من الاعماق (الله، عشتما، شكرا، رائع، برافو ..) كنت وانا ثمل بعزفهما اسأل نفسي كم نحن في مشيغن بحاجة الى هذا الثنائي المدهش المبتكر .

جانب من الحضور الصف الاول يبدو منه الاستاذان سالم الشمري ومصطفى العمري والأب الكبير حنا سولاقا راعي الكنيسة اللوثرية والدكتور كمال الساعدي بينما الاستاذ هيثم الدفاعي خلف الكاميرا التلفزيونية .

صورة من الذاكرة عام 2001 مشيغن منظمة ادباء بلا حدود تجتمع في بيت الشاعرة الامريكية من اصل سوري اباء اسماعيل يبدو في الصورة الأعضاء المؤسسون: القاص الروائي الاستاذ نشات المندوي والشاعرة الامريكية السورية الاستاذة اباء اسماعيل والدكتور الشاعر قحطان المندوي وعبد الاله الصائغ والشاعر المحامي الاستاذ خالد جرجيس المقدسي والقاص الروائي الاستاذ سمير المندوي وعازفة العود الاستاذة غادة خالد المقدسي وغاب عن الصورة صاحب الدعوة الدكتور جمال الغانم الذي التقط لنا الصورة بعدسته .

399-say1قالت الشاعرة الرائدة لميعة عباس عمارة ما يلي (.. خالد المقدسي شاعر تفخر به المهاجر وهنا المحك، أن تكتشف شاعراً في المهجر كانك تكتشف كنزاً، "شاعر حقيقي، وكلمة حقيقية غير معترف بها هنا في المهجر، ولابد من دعمها بقسم، ليطمئن من أصابه الإحباط من إستعمال لفظة شعر وشاعر في غير محلها، وليبتهج من أصابه اليأس من وجود شعر في المهجر، إذن فلأقل:لقد وجدت شاعراً حقيقياً والله أضيف إسمه إلى القليل الذي أعرف . خالد المقدسي شاعر تفخر به المهاجروهنا المحك ان تكون اولا شاعرا في بلدك، خالد المقدسي طبع ديوانه الاول في بغداد سنة 1988 واضطر ان يحذف منه ما يراه خطرا على حياته وما لايسمح بنشره وكان هذا المتبقي كافيا لان يدلك على ثقافة الشاعر وسلامة اهدافه ونواياه وكل المميزات التي تتمناها في التوجه الفني الى حسن التعبير والتمكن من اللغة والأوزان، ايها الصديق البعيد خالد المقدسي نحييك ونعتز بك بيننا في هذا الفراغ الكبير . لميعة عباس عمارة .) .

احتفل اصدقاء المقدسي في مشيغن بتكريم الراحل الأثير خالد جرجيس المقدسي، وقد اسهم في الاحتفالية جل الاطياف الدينية للشعب العراقي: المسلمون والمسيحيون والمندائيون ابتداء من اللجنة التحضيرية وانتهاء بالمشاركات التي نهضت بها احتفالية تكريم الشاعر والفنان خالد المقدسي، كتعبير مهم في حسابات الانتماء للوطنية العراقية اولا والانسانية ثانيا واخيرا، وقد غصت القاعة على سعتها بالحضور الحميم، وخالد جرجيس المقدسي شاعر عراقي كلداني لايأبه بسوى فقه العراق الواحد الآمن الرخي الذي تتعايش على ثراه الاديان جميعا والنحل والملل والقوميات كافة، ولم ينتم خالد المقدسي لسوى الابداع الراقي الذي يخلد الحرية والتفتح والانسان، كتب خالد المقدسي (الفية المقدسي) ليحفظ من خلالها التراث العربي والفولكلور العربي والشعر العربي والتاريخ العربي بحماسة الرائد وصبر الذائد ثم كتب قصيدة في الحسين بوأته منزلة رفيعة بين الشعراء العالميين الذين غنوا للحسين الشهيد،، ثم مات حريبا غريبا منسيا لكنه ترك للعراق والابداع ابنته الفنانة الكبيرة وقد علمها عشق الفن فكانت عازفة عود ذات سمعة عالمية،، الموسقار غادة خالد جرجيس المقدسي وكانت معزوفتها الى ابي غرة ماقدمناه في حفلة التكريم،،

الشاعر الكلداني العراقي الراحل خالد جرجيس المقدسي وتكريم مشترك بين المركز الثقافي العراقي بواشنطن ومنظمة ادباء بلا حدود ثم بدعم معنوي كريم من القنصلية العراقية العامة في مشيغن، الاحتفالية حدث يستحق الحديث عنه، فأنت حين تكرم مبدعا عراقيا مسيحيا تقدميا مستقلا اصابه الغبن حيا وميتا انما انت تكرم رفاقه المبدعين الاحياء منهم والاموات، انه مبدع ومفكر عراقي بدرجة مستقل وهي المعاني البيض من وراء تكريمنا له،،، احتفلنا نحن (اصدقاء خالد المقدسي) بتكريم حبيبنا خالد المقدسي وعدنا الى بيوتنا لنصلي معا صلاة شكر لله وصلاة شكرا لمن عزز نوايانا دون تعكير لفرحنا، وكاتب المقالة عبد الاله الصائغ كان قد كرم قبل سنوات الطبيب النفسي الدكتور طالب الخفاجي بمقر الاكسس الذي كان يعمل فيه حين قرر العمل طبيبا خارج الولايات المتحدة وكرم الدكتور السيد مصطفى جمال الدين في جامعة مشيغن،، ان التكريم طقس وطني واممي لاغبار عليه، وفي منطقتنا العربسلامية يجيء التكريم غالبا متأخرا، اما بعد موت المكرم ضم الميم الاولى فتح الراء او بعد شيخوخته وعوقه، ولنا في تكريم المبدع الكبير الصكَار ما يعزز القول فقد حضر حفل تكريمه المتواضع في باريس وهو على كرسي التعويق لايكاد ينطق،، وعودة الى الراحل الكبير خالد المقدسي فان هاجس تكريمه هاجس مبدئي .

 

مشروع التكريم

كنت منشغلا بعملي في الملحقية العراقية بواشنطن حين كلمني صديقي الشاعر المندائي الدكتور قحطان المنداوي الأمين العام المساعد في منظمة ادباء بلا حدود، وكان في صوته شجن غير مخبوء ثم انهى الي ان صديقنا المشترك خالد المقدسي قد اختاره الله الى جواره فحزنت واصابني غم كثيف، فقد كابد المقدسي المرض وحيدا الا من زوجته السيدة هناء وابنته الأستاذة غادة وقلة من اصدقائه الأوفياء منهم الاستاذ سلام رومايا، ولم تتكفل جهة رسمية او شعبية بدعمه كي يصمد امام وعكة قلبه، ولنقل مات رحمه الله كما مات قبله المنسيون من المبدعين العراقيين الكبار، ولننتظر تكريمه وتكريم عائلته ولو بكلمات ودروع وشهادات،، وانتظرت ان تكرمه الجالية العراقية في امريكا او في مشيغن في الاقل ولكن انتظاري طال دون جدوى وخشيت ان لايكرم هذا العلم الاخلاقي والوطني والابداعي فكل شيء متوقع في غربات الارواح، وحين عدت الى مشيغن نسيت احزاني ففي الغربة لاجدوى من الحزن ولا وقت، وبدأت بمشروع تكريم صديقي الشاعر الكبير خالد المقدسي فوجدت تشجيعا كاملا لي من لدو شخصيات مهمة في طليعتها زوجة الفقيد الاستاذة هناء المقدسي وابنته الاستاذة غادة المقدسي ثم سعادة القنصل العراقي العام في مشيغن الاستاذ المنهل الصافي ومن مثل سعادة الدكتور محمد الطريحي مدير المركز الثقافي العراقي بواشنطن الذي تكفل مشكورا برعاية المشروع من الالف الى الياء ومن مثل حضرة الدكتور كمال الساعدي مدير المنظمة العالمية لحقوق ومن مثل الاستاذ سلام رومايا رئيس تحرير مجلة القيثارة الذي انتخبناه رئيساً للجنة التحضيرية ومن مثل الاستاذ هيثم الدفاعي ممثل المركز الثقافي العراقي الذي نفذ اعمالا كثيرة بروح عالية اسهمت في نجاح الاحتفالية ومثل الاستاذ القاص نشات المندوي الذي نهض بعبء طيب خلال عضويته في اللجنة التحضيرية او عرافته للحفل والاستاذة الشاعرة الامريكية من اصل سوري اباء اسماعيل المعروفة بمساندة المبدعين العرب والعراقيين والاستاذة الناشطة حذام عودة والحمد الله على توفيقه .

 

الفية خالد المقدسي

لقد نظم ابو غادة الفية شعرية عظيمة حملها جل خبراته وثقافته الموسوعية في التراث ورغباته في ان يكون ثمة جسر من نور بين التراث والمعاصرة كذات الجسر بين الاجداد والاحفاد وقد وضع الالفية بين يدي اصدقائه وبين يدي عدد من الاعلام بينهم الاستاذة لميعة عباس عمارة والدكتور قحطان المندوي وآخرين فكان الاعجاب لغة الخطاب بين المقدسي واولئك الاعلام قارن معي:

 

الألفية الشعرية لخالد المقدسي

خالد المقدسي شاعر عراقي كبير، اليس هو مبدع الفية المقدسي

اقولها الفيتي والله رب العصمة

أقولها مستوحياً كلَّ تراث الأمةِ

أقولها مُشيِّداً للعرب صرح الرّفعة

اقولها وفي دمي تسطع نار شعلة

من ابن معط قبلها تلبس ثوب العزة

ومن يد ابن مالكٍ تغذُّ في المسيرة

لكنها عليهما تدلُّ بالقافية

تدلُّ بالحرف الذي استقام الف مرة

عفوك ربي فهما بالسبق جازا قدرتي

فاجزهما وأجزني الثوابَ في الآخرة

يا امة العرب بك اليوم سطوري شدت

قد حمل الكون شذاك حقبة لحقبة

ماذا تقول احرفي عنك إذا حدثت

وأي سفر استعيده من الملحمة

من عاد لي تذكرة بالعرب البائدة

ومن بني قحطان لي في العرب العاربة

كذاك من عدنان قد شدت بمستعربة

قد ملكوا المجد وحازوا شرف الارومة

وانتسبوا بالأنبياء وازدهوا بالنسبة

وشرف المحتد بالأبناء والأبوة

مكارم الخلاق من اعرافهم عرفت

والبأس فيهم خصلة تشهد بالأصالة

والجود لا تشوبه شوائب من منة

اغنوا رحاب الأرض بالفكر وبالعقيدة

ديارهم قدس السما وموئل النبوة

قد اصطفاهم ربهم في الناس خير امة

شادوا الحضارات وما منوا على الخليقة

ونوروا الأعمار بالعلم وبالمعرفة

طافوا بأبعاد السما بالجبر والهندسة

وسيروا الفلك الى مجاهل المعمورة

واغنوا الأديان بالأحبار والأئمة

واستشرفوا الغيوب بالمنطق والفلسفة

الطب قد اولى اليهم شرف الريادة

لم يغفلوا في النحو عن شاردة في اللغة

وما لهم من معجم اقصر عن مفردة

آدابهم مفخرة التاريخ والأزمنة

وشعرهم قد بلغ الإعجاز في الأخيلة

في السلم هم أهل رسالة وفي الكريهة

إن بعثت فهم لها آسادها في الحومة

اولا فهم اهل ذمام ووفا ونخوة

 

الأبيات الأخيرة من الألفية المقدسية

يا ايها الكون الذي له جذوري انتمت

هلا مددت لي يدا هلا اقلت عثرتي

هلا جلوت ناظري هلا ازلت حيرتي

انا الجهول القاصر الفكر الغرير النظرة

انا ابنك الانسان ذو الضعف وذو الجهالة

انا الذي بددت في فهمك كل قدرتي

لم ادر قط من انا ما السر في كينونتي

هل انا عبد طائع ام ان لي مشيئتي

هل قدري مسير ام هو طوع مكنتي

هل انا منك غاية ام انا محض صدفة

علام في الصبح انا غيري في العشية

علام ذا اليوم انا غيري في طفولتي

علام لي عواطف تحد من ارادتي

لست انا في مرحي مثلي عند كربتي

ولست عند هدأتي كما انا في غضبتي

ولست في كراهتي مثلي في محبتي

هل انا شخص واحد ام واحد في عدة

وهل كياني خاضع للعقل ام للنزوة

وهل بوسع العقل ان يظفر بالمعرفة

وهو الذي تحكمه نوازع العاطفة

ياكون قل لي ما الذي تعلم عن احجيتي

من كنت قبل ما الذي اكون فيالنهاية

ما كنه عقل هو من جسمي بعض البنية

يسودني حتى وان قضى خلاف رغبتي

هل انا من نتاجه ام هو من حتميتي

وهل وجودنا معا حكم من الضرورة

ام نحن ضدان تلازما على كراهة

ام ان في وحدتنا سر اكتمال الصورة

اماننا لا شيء بل لاشيء كل الفكرة

لسنا سوى بعض نتاج الكون والخليقة

وما لنا على سوانا فيه من ميزة

ياكون لست مانحا حتى لنفسي ثقتي

لانني اعلم اني قاصر في الرؤية

تحدني الخمس الحواس في مدى بصيرتي

مالي سواها كي ارى ابعد من مقدرتي

ولا اراني قانعا بالجهل والغرارة

قد عشت في مصطرع الطموح والقناعة

كالمستجير بالضرام من لظى الهجيرة

لغز وجودي ما له حل ولغز ميتتي

لغز هي الحياة لا ترقى اليه فطنتي

لغز هو العالم لا تدركه اخيلتي

ياكون أنى لي أن اظفر بالحقيقة

وهي على مبعدة مني وفي مقربة

وهي المدى المنسوب للازمان والأمكنة

وهي على ثباتها لم تك بالمطلقة

تباينت للناظرين وجهة عن وجهة

كل يظن انه الأصدق في الدلالة

والكل فيها صادق رغم اختلاف النظرة

ليس بوسع ايهم جلاء ما قد اخفت

وكان ربي منجدي اليوم وفي الآخرة

399-say2 

وبعـــد

ما الذي يتبقى من المبدع حين يموت ؟ بل ما الذي يموت من المبدع حين يموت ؟ ثمة الابداع الذي يتركه المبدع نبعاً لن ينضب وكنزاً لن ينفد، ذلك هو العهد بين المبدع والخلود، احياناً يقنط المبدع حين يثقله المرض وتبهظه الحاجة فيحسد ابداعه وربتما يحقد عليه، لأنه يستثمر عذاباته، الم يقل بدر شاكر السياب في واحدة من لحظات جزعه ليخاطب ديوان شعره:

ديوان شعر ملؤه غزل بين العذارى بات ينتقل

أنفاسي الحرى تهيم على        صفحاته و الحب و الأمل

و ستلتقي أنفاسهن بها  و تحوم في جنباته القبل

ديوان شعر ملؤه غزل بين العذارى بات ينتقل

وإذا رأينَ النّوح و الشكوى     كل تقول من التي يهوى ؟

و سترتمي نظراتهنّ على الصـ          ـفحات بين سطوره نشوى

و لسوف ترتج النهودُ أسى     و يثيرها ما فيه من بلوى

ولربّما قرأته فاتنتي فمضت    تقول: من التي يهوى ؟

ديوان شعري رب عذراء       أذكرتها بحبيبها النائي

فتحسست شفة مقبّلة    و شتيت أنفاس و أصداء

فطوتك فوق نهودها بيد         و استرسلت في شبه إغفاء

ديوان شعري ربّ عذراء       أذكرتها بحبيبها النائي

يا ليتني أصبحت ديواني        لأفرَّ من صدر إلى ثان

قد بت من حسد أقول له:        يا ليت من تهواك تهواني

ألك الكؤوسُ و لي ثمالتُها       و لك الخلود و إنّني فان؟

يا ليتني أصبحت ديواني        لأفرَّ من صدر إلى ثاني

وفي شعر خالد المقدسي تمنيات وتنهيدات وانتظارات وستجد ليت ولعل مبثوثتين بين السياقات، تجد وجع الابداع حين يتنسم هبوب الخلود من مكامنه العصية على الفهم، والمقدسي لم يكن ليكترث بالخلود حين اكترث بالحياة وتنخل من الحياة مباهج الجمال والفتنة ثم تنخل من مباهج الجمال والفتنة دهشة متصلة اسمها الشعر، كتب خالد المقدسي الشعر بروح ملأى ايقاعات غريبة بحث عنها في آلة العود التي كانت رفيقته ورفيقة ابنته عازفة العود غادة المقدسي، فكانت قصائدُه نضَّاحةً بعبق الموسيقا، حتى التفت الى ايقاعات شعره المفكر الايقاعي العراقي اليهودي الاستاذ حسقيل قوجمان، وحتى التفتت اليه رائدة الشعر الحديث الأستاذة لميعة عباس عمارة، وبعد ذلك نتساءل عم يتبقى للمبدع، والسؤال الأهم هو ما الذي يتبقى لليونان القديمة حين نفرغها من مبدعيها ؟ الجواب لاشيء يضارع الابداع حين يجد الجد وتتحاور الحضارات وربما تتفاخر،

 

كتابة عبد الاله الصائغ

............................

وقائع الحفل التكريمي الكبير لخالد المقدسي

زمان الحفل التكريمي: ----------------------- مساء الاحد السادس من ابريل 2014 مكان الأحتفالية: ----------------------

AMERICAN POLISH CULTURAL CENTER

2975 EAST MAPLE ROAD , TROY , MICHIGAN 48083

PHONE 2486893636

 

ادارة الاحتفالية وعرافتها:

نهض بها الأستاذ نشأت المندوي (عضو مؤسس في منظمة ادباء بلا حدود) بمشاركة الأستاذ سلام فرج رومايا (رئيس تحرير مجلة القيثارة رئيس اللجنة التحضيرية لاحتفالية التكريم)

 

الإشراف الفني على الاحتفالية:

الاستاذة هناء المقدسي عضوة اللجنة التحضيرية للتكريم

الدكتور جمال غانم عضو مؤسس في منظمة ادباء بلا حدود عضو اللجنة التحضيرية للتكريم .

الاستاذة حذام محمد عودة عضوة اللجنة التحضيرية للتكريم

******************

اولا: كلمة القنصل العراقي العام في مشيغن سعادة المنهل الصافي وقد وجدت صدى جميلا لدى الحضور بعامة واصدقاء المحتفى به وعائلته بخاصة لما فيها من معاني الاعتزاز بالمبدعين العراقيين الأحياء منهم والأموات القاطنين في داخل العراق والمغتربين عنه ..) ... حضرات السيدات حضرات السادة السلام عليكم، يسر القنصلية العراقية العامة في مشيغن مشاركتكم في حفل تكريم المغفور له الشاعر العراقي الكبير خالد جرجيس المقدسي في هذا المساء المبارك من الاحد الخامس من نيسان 2014،، ان تكريم المبدعين سنة شرعتها الشعوب الوفية للرواد والمبدعين ونتمنى ان نلتقيكم في مناسبات قادمة لتكريم المزيد من العراقيين المبدعين لاوهي سانحة للقول بان باب القنصلية وقلبها مفتوحان لكل عراقي وليس ذلك منة على احد بل هو واجبنا يمليه علينا عملنا وعراقيتنا . ايها السيدات ايها السادة:انني ابارك لعائلة المحتفى به ابي غادة هذا التكريم المفرح واخص بالذكر الاستاذتين غادة المقدسي وهناء المقدسي وكذلك ابارك للجنة التحضيرية نجاحها في احياء هذا التقليد الراقي والسلام عليكم

 

المنهل الصافي

القنصل العراقي العام في مشيغن بعدها قدم سعادة القنصل العراقي العام بنفسه شهادة التكريم لعائلة الشاعر خالد المقدسي .

ثانيا: كلمة سعادة مدير المركز الثقافي العراقي في واشنطن الدكتور محمد الطريحي قرأها نيابة عنه حضرة الدكتور كمال الساعدي رئيس المنظمة الدولية للدفاع عن حقوق الانسان في الولايات المتحدة الامريكية .

ثالثا: كلمة أ . د. عبد الاله الصائغ امين عام منظمة ادباء بلا حدود .

رابعا: مقطوعة موسيقية بعنوان اليك يا أبي تعزفها غادة خالد المقدسي (عضوة مؤسسة في منظمة ادباء بلا حدود)،، العازفة المبدعة غادة المقدسي ابنة الفقيد خالد المقدسي لم تبك اباها وصديقها وعرابها خالد المقدسي بل جلست امام جمهور الاحتفالية لتقدم فقرة خاصة بها عنوانها (الى ابي) معزوفة مبتكرة على العود نشجت وصدحت وغردت وزغردت وحكت لنا مشاعر بنت حيال ابيها وحبيبها وقد تفاعل الجمهور مع المعزوفة ولولا ضيق الوقت وازدحام الفقرات لطالبها الجمهور بالاعادة او الاستزادة

خامسا: قصيدة الشاعرة السورية الكبيروة اباء اسماعيل (الامينة العامة المساعدة لمنظمة ادباء بلا حدود عضوة اللجنة التحضيرية للتكريم) .

سادسا: كلمة مهمة للاستاذ سالم تولا توفرت على ذكريات واستذكارات وحديث عن عالم الابداع والمبدعين وكانت الكلمة موضع اعجاب الجدميع

سابعا: كلمة حميمة ذات شجن للاستاذ نجيب جلو الذي حيا الجمهور وحيا الجهود التي انجحت هذه الاحتفالية ثم تحدث عن الفقيد بوصفه انسانا اولا وفنانا ومبدعا بل هو مؤمن بتعايش الاديان والقوميات من اجل عراق ينعم فيه الجميع دون عذابات .

ثامنا: قصيدة جميلة للشاعر الدكتور قحطان المندوي (الأمين العام المساعد لمنظمة ادباء بلا حدود عضو لجنة التحضيرللتكريم ) هذه القصيدة لاقت استحسانا كبيرا في جمهور الحاضرين .

عاشرا: ثنائية نغمية عزف الأستاذة غادة المقدسي على العود والأستاذ ثمين جابرو على الكمان، كانت الديباجة الموسقية المشتركة بيت الاستاذين جابرو والمقدسي مفاجأة مدهشة وسارة معا وقد تفاعل معها المحتفلون ايما تفاعل .

احد عشر: قصيدة جميلة ذات ايقاعات نفسية عميقة لصديق المقدسي الاستاذ يلدا قلا وقد لوحظ في القصيدة جماليات المعاني والحبكة بحيث وضعنا الشاعر امام همومه الفنية والدالالية .

اثناعشر: عرض سينمائي مهم لالفية خالد المقدسي على شاشة سنمائية كبيرة باشراف الاستاذ هيثم الدفاعي ممثل المركز الثقافي العراقي في واشنطن .

ثلاثة عشر: تقديم الشهادات والدروع على عائلة المحتفى به (هناء المقدسي وغادة المقدسي) والسادة اعضاء اللجنة التحضيرية للتكريم) نهض به الدكتور عبد الاله الصائغ بناء على توجيه رئيس المركز الثقافي العراقي بواشنطن الدكتور محمد الطريحي وبناء على رغبة اللجنة التحضيرية ورئيسها الاستاذ سلام رومايا .

اربعة عشر: تقديم شهادتي تكريم من قبل الدكتور كمال الساعدي رئيس المنظمة الدولية للدفاع عن حقوق الانسان في الولايات المتحدة الامريكية الاولى لعائلة المحتفى به تسلمتها الاستاذة هناء المقدسي زوجة المحتفى به والاستاذة غادة المقدسي ابنة المحتفى به . والثانية لعبد الاله الصائغ، كما قدم الدكتور كمال الساعدي شهادة تقدير وشكرالى عبد الاله الصائغ نيابة عن مدير المركز الثقافي العراقي .

خمسة عشر: اختتام الاحتفالية والتقاط الصور التذكارية .

************************

كتب عبد الاله الصائغ: الحسين الشهيد بعيون خالد جرجيس المقدسي --------------------------

http://www.alnoor.se/article.asp?id=224361#sthash.NhC0N3Bt.dpbs

وكان الشاعر المسيحي الكبير المغفور له الاستاذ خالد المقدسي قد اعتاد تحية الحسين في شهر محرم بالنثر وبالشعر، وحين يستكثر الجاهلون عليه ذلك يجيب المقدسي ان الحسين شخصية كونية بعامة وقد تربينا في العراق على تمثل قيم المبدأ عند الحسين، اما بالنسبة لي فقضية الحسين قضية شخصية لانني اعتد الحسين نموذجي الراقي الذي افخر به وازهو،إ. هـ . ففي واحدة من قصائد خالد المقدسي التي طلب اليَّ ان احتفظ بها ضمن ارشيفه المشرف وعنوان قصيدته (لك ياحسين) و رؤية المقدسي كمسيحي قريبة الوشيج من الرؤية الخاصة لأنصار الحسين، وفيها تعابير مستخلصة من التراث الاسلامي الصميم، ولو لم تعلم ان الشاعر خالد المقدسي مسيحي لتعذر عليك القول ان الشاعر لم يكن مسلما او شيعيا، ولكن ابداع خالد المقدسي الروحي التقى بقضية الحسين فبات التماهي لغة بين الشاعر والنموذج، فالنص الحسيني المقدسي الخالد عارض اشهر قصيدة في التراث لشرف الدين الصنهاجي البوصيري حين قال:

أمن تذكر جيران بذي سلم   مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

والمعارضة ضرب من الاعجاب الذي يضفيه شاعر لاحق على شعر شاعر سابق فيحاكي البحر والقافية، رحم الله الشاعر الكلداني خالد المقدسي حين قال وأوفى:

أمن تذكُّر ركبانٍ بذي حَسَمِ   أهال دمعي اسقاماً على سقمي

أم مضَّني قرحُ الأجفان حاق بها من وحشة النفس طاغوتٌ من الألم

في فتية آمنوا بالحق ليس له من فديةٍ تفتديه دون بذْلِ دم

أسباطِ بيتِ رسولِ الله محتدهم فخرُ البرايا وصرح العز والعِظَم

العيس تمضي بهم نشوى بحوزتها خباً الى كربلاء الكرب والشجم

فما لروحي قد ضاقت بها كبدي حرى تهيم على الأفلاك والسُدُم

وما لقلبي قد اودى به شجني وهو العصيُّ على الأشجان والغمم

يا إبن بنت رسول الله ما نضبت بي الفصاحة او عزت على قلمي

ولا تلكأ حرفٌ أنت مطلبُه   ولا بذكركَ أكدى بالقريض فمي

لكنَّ هول مصاب الطَّف صيَّرني أكادُ من خرسٍ اغتصُّ بالكلم

هي الشهادةُ ياسبط الرسول فمٌ يشق للدهرِفجرَالحقِّ في الظلم

حرٌ يدوِّي على الأرضين يُسمعُها صوتَ العقيدة يُصْلِي الظلمَ بالحمم

نام الذين علت بالغدر رايتُهُم   قِرارَ عينٍ وعينُ الله لم تنم

حتى اذا جدَّ وعدٌ حان موعدُه وأنَّ يومَ قصاصٍ ساعر الضرم

تناثرت في الفلا اشلاؤهم جيفاً   كما تناثر عهن الشاة بالجلم

يا إبْنَ بنتِ رسولِ الله قد تركت بنا الرزايا عقابيلاً من السَّقم

مازال شعبُ عراق الخير في نكد وأرضه نهبة للطامع النَّهِم

وأهله بين مسحوقٍ ومرتحل وهائمٍ في أقاصي الأرضِ والتخم

وواصبٍ لانصيبٌ في الدواء له وساغبٍ من طواه غصَّ باللقم

ينوء ما بين سندانٍ ومطرقةٍ وصرْحِ قهْرٍ بغيرِ السَّوْطِ لم يدم

له حصاران عبر البحر مجتلب وآخر من نتاج الدار والرحم

متى متى يا ابا الأحرار يغمرنا   فجرُ المروءات بالخيرات والنعم

وينجلي ليلُ حقدٍ لا قرارَ له   فيكفر الناس بالطاغوت والصنم

ديترويت امريكا كانون الثاني 2001

ونشر عبد الاله الصائغ تحية لقصيدة الحسين التي كتبها خالد المقدسي: 1/ القصيدة اعتمدت فن المعارضة الذي يعتمد محاكاة الشاعر اللاحق للشاعر السابق في البحر والقافية وشيء من الغائية، وقصيدة البوصيري اشهر من قفا نبك كما يقال فعارضها شعراء مهمون معجبون كثيرون منهم الشاعر احمد شوقي في قصيدة مطلعها:

ريم على القاع بين البان والعلم أحلَّ سفكَ دمي في الأشهر الحرم

،، ولعل آخر من عارض قصيدة البوصيري هو الشاعر خالد المقدسي المكنى ابو غادة، وفن المعارضة الذي استهوى جمهورا من الشعراء عريضاً فقد استهوى ايضا جمهوراً من القراء واسعا .

2/ ايقاع القصيدة مقبوس من البحر البسيط:

امنتذك *كرركب *باننبذي *حسمي / أهالدم * عيأس* قامنعلى *سقمي

وللبسيط طاقة على البوح والمناجاة في ايقاع يشيب الحزن بحالة من الزهو، فإذا اضفنا اليه قافية الميم مكسورة او مشبعة، بما يقفل كل نغمات البيت بزم الشفتين اللينتين بما يسمح بتفشي صوت الحرف وهو صوت يكثف النغمات ويختزلها معا تعبيرا خفيا عن الرضا .

3/ تستثمر القصيدة مكنات سؤالات العارف التي تستفز المتلقي وتستحوذ على اصغائه ومن ثم تنهمر الدلالات وكأنها استجابة لسؤالات المتلقي قبل القصيدة والسؤالات اسلوب عربي يجمع بين الجمالي والدلالي مع قدرة على اجتراح الصور الفنية الحركية، والسؤالات دارت حول (أمن أم فما وما متى متى) .

4/ وبؤرة القصيدة تكمن في الشكوى الى الحسين الشهيد مما حاق بالعراقيين من حيف وظلم مصدراه الداخل والخارج على حد سواء .

 

عبد الاله الصائغ / مشيغن المحروسة

الثاني والعشرون من مايس 2014

 

..............

الصور

    1-  سعادة القنصل العراقي العام في مشيغن الاستاذ المنهل الصافي يقدم بنفسه شهادة تكريم القنصلية للاستاذتين هناء المقدسي زوجة المحتفى به وعازفة العود غادة خالد المقدسي ابنته بعد ان اسهم سعادته بكلمة التكريم وتقديم سلة ورد .

2-   بعد اختتام الاحتفالبية ونجاحها لا المبارك دعت الشاعرة الكبيرة اباء اسماعيل الى صورة جمعية تذكارية: حذام محمد عودة ودكتور كمال الساعدي و غادة المقدسي وعبدالاله الصائغ وسلام رومايا والشاعر الدكتور قحطان المندوي و الشاعرة السورية اباء اسماعيل والدكتور السوري جمال الغانم وغاب عن الصورة الصديقان الاستاذان نشات المندوي وهيثم الدفاعي لانشغالهما بأعباء الاحتفالية ميقات الصورة مساء 6 ابريل 2014 .

عـروس البحر الأبيض المتوســط!

abdulrazaq mohamadjafarتعتبر مدينة طرابلس قطعة مصغرة من روما، وبالخصوص ساحة الجزائرالتي كانت مركزاً للمدينة، لغاية 1972، حيث تم توسيع الساحة الرابطة بين شارع الرشيد ونقطة التقاء شوارع اول سبتمبر والفزان والمكريف أمام ساحة المتحف،لتكون اكبر الساحات في العاصمة، والتي توسعت بعد ازالة مسجد قديم قرب مصرف الأمة، حيث قامت بهدمه شركة بلغارية خلال 24 ساعة، وهكذا استيقظ أهل طرابلس وهم في دهشة حيث اختفت معالم ذلك المسجد، وعبدت الطرق حوله، وباتت الساحة تعرف بـ (الساحة الخضراء)، وبساحة الشهداء سابقاً، وعاد أسمها بعد نجاح ثورة السابع عشر من فبراير 2011 !

تضم ساحة الجزائر دائرة البريد المركزي وكنيسة وأحد البنوك الرئيسة آنذاك اضافة الى مقاهي وحوانيت بنيت في غاية الروعة! وفي الذكرى الأولى لثورة الفاتح من سبتمبر، قرر مجلس قيادة الثورة تحويل تلك الكنيسة الى مسجد، و تقرر هدمها و تحويلها الى مسجد، وفق تصميم شاهدته عند مهندس عراقي هو الدكتور سـعد الجادر، الموظف في وزارة الأشغالسنة 1972، الا ان تدخل الكنيسة في روما وبعض الدول الصديقة في ليبيا، استطاعوا تأجيل ذلك القرار الى اجل آخر،.. واكتفى مفتي ليبيا بوضع الهلال مكان الصليب على قبة الكنيسة، فتحولت الى مسـجد، ما زال على وضعه ليومنا هذا !

اول ما يلفت نظر الزائر المتجول في شوارع طرابلس هو جمال العمارات والمعارض التجارية على جانبيها، والأبرز من كل ذلك، نظافة أرضية تلك الشوارع، بحيث لو سار المرئ من دون حذاء لما تلوثت قدماه!!! .. ولا بُـدَ للمتسـكعمن التوقف قليلاً أمام واجهات المعارض للتمتع بروعة البضاعة الراقية ورخصها و قراءة لوحة التسعيرة على اي نوع من المعروضات

وبصورة عامة فأن اسلوب البيع في طرابلس، مشابه لما هو متعارف عليه في اي بلد اوربي، فما ان يدخل الزبون حتى يستقبله البائع ويعرض عليه كل ما يطلبه بسعة صدر وابتسامة، والمساومة غير متعارف عليها، وقد أدخلها السواح العرب وبخاصة المصريون، الا ان تلك العادة يرزت و تجذرت بعد سنوات وخاصة في الأسواق الشعبية المبنية منذ العهد العثماني، مثل سوك الترك قرب المتحف !

الأسواق الشعبية في طرابلس تشبه الى حد ما اسواق شارع النهر والشورجة في بغداد، وسوق الحميدية في دمشق، ومن اغرب ما لاحظته في تلك حقبة السبعينيات، الأمان والثقة في التعاملات، فقد لاحظت مرات عديدة عصا يوضعها التاجر امام دكانه عندما يذهب لقضاء حاجة ما او لتأدية الصلاة، ومن اكثر رواد تلك الأسواق الأجانب من دول أوربا الشرقية بسبب رخص المعروضات وتنوعها، حيث الأستيراد مسموح به من كافة ارجاء المعمورة.

397-jafarكان الدينار الليبي يساوي اكثر من ثلاثة دولارات وهو مقسم الى ألف درهم، الذي حل محل المليم وفق العملة في العهد الملكي، اما اسواق الخضرة والفاكهة فهي في غاية الروعة ورخيصة، فسعر صندوق كبير من البرتقال آنذاك لا يتجاوز ثمنه النصف دينار،، وبقية الخضروات أسعار زهيدة، واهم ما يلفت نظر المغترب هو رغبة الليبيين لشراء الخضرة بكميات كبيرة من الأسواق المختصة المنتشرة في أطراف ووسط المدينة مثل سوك الثلاثاء وسوك الجمعة، مثل الكرفس والخس والفجل والسبانخ واللهانة والجزر والشلغم والقرنابيط وانواع الفاكهة. كما ان معظم المخازن لبيع المواد الغذائية تخصص جانباً منها لبيع الخضار والفواكه، وبخاصة المخازن الواقعة وسط الدور السكنية.

الرفاهية التي يعيشها الموظف لا تعتمد على مقدار الراتب، وانما على ما يمكن توفيره من ذلك الراتب، فعند اول تعييني كمدرس يحمل شهادة الدكتوراه في جامعة بغداد، كنت اقبض اقل من خمسين دينار(بعد قطع التقاعد)، ولم تكن تكفي لمعيشة فرد واحد في بغداد في منتصف الستينيات،..وبعد اربع سنوات وفقت بالحصول على ايفاد الى ليبيا للعمل في الجامعة اللبية براتب اكثر من 350 دينار ليبي اي ما يساوي اكثر 1050$ دولار امريكي!.. اضافة الى بدل ايجار يساوي 50 ديناراً، و كان متوسط اجار شقة وسط المدينة يتراوح بين 25 - 50 دينار، والبيوت ارخص الا ان المجتمع الليبي لا يسمح بسكن العزاب مهما كان مركزهم الأجتماعي، وقد اجرت داراً بعد تعييني،على امل السفر الى بغداد لأتمام مراسيم الزواج من والعودة مع العروس، فقد ساعدني في ايجار الدار زميل ليبي في الجامعة،..وقمت بتأثيثه بكل ما هو ضروري

كانت الجالية الأيطالية تشغل معظم البيوت والشقق في طرابلس، وشاهدت جموعهم في اول سنة بعد ثورة الفاتح، الا ان احد الزملاء في الجامعة من الليبين قال لي ان تلك المنطقة كانت محرمة علينا وعلى آباءنا في العهد الملكي، فالطليان تغص بهم الشوارع والمقاهي في مركز المدينة،..ولكن بقاء الحال من المحال، فقد اعلن قائد ثورة

الفاتح من سبتمبر معمر القذافي الحرب على المستوطنين الطليان في سنة 1972م. واجبرهم على مغادرة ليبيا، ولقد لمست ذلك بنفسي، عندما كنت اتسكع في جادة بغداد قرب مركز المدينة، حيث وجدت بعض العوائل الأيطالية تخلي مساكنها، وبالصدفة وجدت سيارة حمل تشحن بأثاث بيت احد الطليان، فسألت السائق الليبيي عن سبب نزوح هذه العائلة من مسكنها، فشرح لي الموضوع، فقلت وهل سيأخذون الأثاث معهم؟..فقال : لا،.. سنبيعها، وساومته على الثمن، وكلم صاحب الأثاث لبيعي كافة ما تحتويه سيارة الحمل بخمسين دينار ليبي، وكانت السيارة تحوي على نصف تخم قنفات وطاولة واربعة كراسي وثلاجة وغسالة ملابس وطباخ،..وفوراً دفعت ثمن الصفقة، واتفقت مع السائق على نقلها الى داري لقاء خمسة دنانير !

وما ان احس الجيران بالحالة وشاهدوا وضع الأثاث داخل الدار، وما ان حلً منتصف الليل،حتى رجموا الدار بالحجر، وهرعت صباحاً لذلك الزميل لنجدتي، وذهب للجيران، وقال لهم: انه يدرس بناتكم في الجامعة وزوجته ستصل بعدشهر، و لكن لم تنفع الوساطة، واغلقت الدار بصورة موقتة، وانتقلت الى الفندق الى ان سافرت وعدت مع العروسة من بغداد الى طرابلس في عطلة نصف السنة، وذبحت الخروف ووزعت لحمه على الأصدقاء والجيران !

يرتدي عامة الناس في المجتمع الليبي الزي الشعبي، وتتحجب المرأة بما يسمى الفراشية وهي تشبه العباءة الا انها بلون الصوف الأصلي الأصفر، حيث تكسي المرأة كامل جسدها من الرأس حتى القدم، وتترك فتحة لعين واحدة، اما الرجل فيرتدي عباءة من نفس نسيج الفراشية، تسمى (الحوليه)، و طريقة ارتداءها مميز وصعب جداً، اما ازياء الموظفون فمعظمها تشبه البدلة الأوربية، و لا مانع من أرتداء الزي الشعبي اثناء العمل الرسمي. اما في الجامعة فكافة الطلبة يرتدون الزي الأوربي، وهناك خصوصية للبنات لأرتداء الزي المحتشم ولا يوجد اي توجيه معين بأرتداء غطاء الرأس، او تسريحة الشعر وفق احدث التسريحات الحديثة، ولا بُـدً من الأشارة الى ان من بين الطالبات اللبيات العديدات من أم فلسطينية او مصرية او ايطالية، وما من احد يميزهن عن بقية الطالبات، حيث يجدن التكلم باللهجة الليبية مثل: ( بكره)، ولي ( ارجع)، هلبه ( كثير)، وغيرها من اللغات،..كالأيطالية التي دحلت في

اللهجة اثناء التحدث مصحوبة بنغمة خاصة تشعر بعذوبتها اثناء الأستماع الى من يحدثك!

كلفت بتدريس الكيمياء الغير عضوية والكيمياء التحليلية العملي لطلبة السنة الثالثة وكان عددهم تسعة، خمسة اولاد واربعة بنات، وكانت لغة التدريس باللغة الأنكليزية،..وفوجأت قبل التوجه الى قاعة الدرس بعدد من طلبة السنة الثالثة تقدموا للسلام ورحبت بهم، وطلبوا مني ان ادرسهم بالعربي!... فأستغربت من ذلك واكدت لهم سأشرح الموضوع ببطئ، ثم اكتب كافة المصطلحات باللغة الأنكليزية حتى تتمكنوا من فهم المادة في الكتاب المخصص،..ولكن وبعد اشهر صدر توجيه من الجامعة بضرورة التدريس باللغة العربية، وعلق احدهم وقال لم لا، فالأرض بتتكلم عربي!

ومن اروع ما لمسته هو وجود الخدمات داخل القسم، وكل ما اطلبه تنفذه السكرتيرة، بسرعة لم اجدها في جامعة بغداد العريقة، كما ان الراتب يقدم في شريط كمبيوتر يوضع على طاولة مكتب التدريسي، و فيه ما له وما عليه بكل تفصيل،وفي نهاية الشريط المبلغ الذي سيضاف لحسابه في احد فروع المصارف داخل الجامعة.

بدأت الأمور في الجامعة الليبية وفي الحياة العامة في طرابلس تسوء تدريجياً، حيث بدأ نمو بذرة الفتنة والأنشقاق والتكالب على المناصب في النظام الثوري الجديد تفوح روائحها الكريهة،، وصارت تؤثر على سلوك الموظفين في الدولة، واثر ذلك على مكتسبات الوافدين من الأساتذة و العاملين في ليبيا وفق نظرية العرض والطلب !

بعد زواجي شعرت بحياة هادئة في طرابلس، فقد كانت المدينة قطعة من روما، وكنت وزوجتي نلتقي مع عدد من العوائل العراقية على ساحل البحر في ميدان الغزالة الذي لا يبعد كثيراً عن فندق الودان وسينما الودان التي كانت تعتبر ارقى دار عرض في طرابلس آنذاك بالمقارنة مع دور العرض الأخرى في مركز المدينة، ولا بُـدً من ان أذكر ان رواد تلك الدور معظمهم من المغتربين، فالليبيون بصورة عامة لا يرغبون في التسكع في الشوارع او الجلوس في المقاهي او دخول دور العرض، ..ومن النادر ان تجد موظف او استاذ جامعي يتجول في المخازن او يتنزه في الحدائق العامة، واذا ما اضطر للخروج لشراء شيئ ما فأن الزوجه مع اخته او امه يتبضعون من محلات خاصة راقية.

وعلى اية حال فأنني أؤكد على عدم اختلاط العوائل الليبية بالعوائل المغتربة البته، ومن النادر ان تجد اختلاط حتى بين نفس العوائل الليبية التي ترتبط بقرابة الا في مناسبات مفرحة او حزينة، وهناك مثل متعارف عليه في المجتمع الليبي بخصوص المرأة عندما تزف الى بيت زوجها، لا تخرج منه الا الى بيت اهلها او لأمر خارج عن ارادتها.

 

شـاهد عيان لنظام القذافي

توليف الدكتورعبد الرزاق محمد جعفر

استاذ جامعات بغداد وطرابلس وصفاقس/ سابقاً

 

الفقيد عامر عبد الله في رسالة ماجستير

في الساعة التاسعة صباحا من يوم الثلاثاء 20 / 5 / 2014 وعلى منصة قاعة الادريسي في جامعة بغداد / كلية الآداب / قسم التاريخ، بدأت مناقشة رسالة الماجستير للباحثة (غادة فائق محمد علي) والتي كانت بعنوان (عامر عبد الله ودوره السياسي والفكري في العراق 1924 ــ 2000) .

تألفت لجنة المناقشة من الأساتذة الأفاضل :

1) أ.د. صادق حسن عبد الله السوداني / رئيسا

2) أ.د. أسامة عبد الرحمن الدوري ( المشرف ) / عضوا

3) أ.د. أنعام مهدي علي السلمان / عضوا

4) أ.م.د. نادية ياسين عبد / عضوا

عامر عبد الله هو أحد القادة البارزين وغير التقليديين في الحزب الشيوعي العراقي منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي وحتى عام 1985 حيث تم اقصاءه من قيادة الحزب على أثر مجزرة حزبية قادها السكرتير عزيز محمد وبطانته في قيادة الحزب اثناء المؤتمر الرابع 1985 (سيء الصيت) وما بعده في إقصاء وإبعاد وتهميش ومحاربة وتجويع خيرة القادة والكوادر ومنهم عامر لينفرد هو وبطانته في قيادة الحزب،. منذ بروز عامر في قيادة الحزب على أثر ترشيحه من قبل الشهيد الخالد سلام عادل وحتى وفاته كان مثارا للجدل وطرح التساؤلات وينصب ذلك الجدل حول صعوده السريع نحو قمة الهرم القيادي، تأثيره على الشهيد سلام عادل، امانته في عمله كحلقة وصل بين الحزب وعبد الكريم قاسم، زواجه والضجة والمبالغة والتلفيق التي افتعلها خصوم الحزب، انخفاض شعبيته في القاعدة الحزبية، علاقته المميزة بالقادة السوفييت ورسائله الخاصة اليهم، اختلافه مع قيادة الشهيدين سلام عادل وجمال الحيدري وحقيقة ما يسمى بكتلة الاربعة، هل كتب نقدا ذاتيا ام لا بعد تجميده وابعاده الى موسكو 1962 ، حقيقة علاقته بالبكر وصدام حسين اثناء إستيزاره  في فترة ما يسمى بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية، علاقته وموقفه من حرب تشرين 1973 ... وكثيرا من المواقف والملفات الاخرى ولعل آخرها حادثة وفاته منفردا في شقته في لندن والتي اعتقد انها لا تخلوا من مسحة جنائية وعلاقتها بمذكراته المفقودة وسبب تردد عبد الرزاق الخابط  وشخص آخر عليه في ايامه الاخيرة قبل الوفاة .         

كما كان الفقيد عامر عبد الله مثيرا للجدل في حياته، فقد استمر ذلك الجدل وبحدة اثناء مناقشة الاطروحة بين جذب وشد من الباحثة ومشرفها من جهة والرئيس ولجنة المناقشة من جهة اخرى، ولعل طول الفترة التي يتناولها البحث وتنوع مواقف عامر عبد الله بين اقصى اليسار واليمين، وكرسي الوزارة والمكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي وكل ما ذكر في اعلاه كان سببا لهذا الجدل والذي وصل الى حد الاحتدام بين المشرف ورئيس اللجنة، ومع هذا لم يخلوا النقاش من بعض المواقف الساخرة حول اداء الشيوعي عامر عبد الله لمناسك العمرة بعد زيارته للمملكة العربية السعودية ضمن وفد رسمي، حيث اعتاد القادة السعوديين على انهاء منهاج زيارة الوفود الرسمية الاسلامية لبلادهم بإداء مناسك العمرة وبشكل شبه اجباري لجميع اعضاء الوفد .

بعد انتهاء المناقشة قررت اللجنة منح الباحثة غادة شهادة الماجستير في التاريخ المعاصر وبدرجة امتياز .

الانسة غادة شابة في مقتبل العمر وقد أشاد واثنى جميع اساتذتها على حرصها ومثابرتها وخلقها الرفيع وأدبها الجم، وقد اختارت موضوعا شائكا وصعبا نسيبا وقد اجادت به من خلال نشاطها المتواصل وبحثها المستمر عن المصادر والوثائق والمقابلات والمحاورات فمثلا تمكنت من مقابلة شقيقة عامر والتحاور معها قبل وفاتها، كذلك اجرت مقابلة مع الباحثين النشطين د. عقيل الناصري و د. عبد الحسين شعبان حيث تمكنت من استحصال ما في جعبتيهما من معلومات ومواقف عن الراحل عامر عبد الله أغنت بهما بحثها، ورغم تعرضها الى انتكاسة في مرحلة الكتابة الاخيرة حيث فقدت والدها الى رحمة الله ومع هذا تمكنت من ان تنهض وتشد عودها وتواصل وتهدي جهدها الى ذلك الجبل الشامخ في حياتها والدها المرحوم ( فائق محمد علي) لتكون خير خلف لخير سلف وليرقد هو في مثواه الاخير امنا مطمئنا فقد اكمل رسالته  كذلك.  ولشدة تأثرها واعجابها بشخصية عامر سألها احد اعضاء لجنة المناقشة بسخرية عن مدى حبها لعامر عبد الله  .

تحية للأستاذ الفاضل د. اسامة الدوري المشرف على الباحثة وشكرا لحرصه واخلاصه في رعاية الجيل الصاعد بكل امانة وسعة صدر والدفاع عنهم باستماتة ليشقوا طريقهم حتى يكونوا اساتذة المستقبل .

تحية للآنسة غادة على جهدها الرائع هذا متمنين لها النجاح الدائم والموفقية في سعيها الحثيث نحو الدال وهي جديرة بها . 

بغداد

الخميس 22 ــ 5 ــ 2014

مـن هـو مـعـمـر الـقـذافـي؟؟

abdulrazaq mohamadjafarترددت كثيراً في نشـر ما أطلعت عليه عن الحياة في ليبيا،، حتى لا أتهم بالجحود عند الكتابة عـن عادات المجتمع الليبي منذ أن هيمن العقيد معمر القذافي على ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة، وطريقة تخلصه من بعض رفاقه مثل عبدالسلام جلود والمحيشي وأبعاد الآخرين من زملائه بتكليفهم بأعمال أدارية في مناطق متباعدة أواعمال مختلفة خارج ليبيا عدا ابو بكر يونس المكلف بالأشراف على الجيش الليبي، والحميدي الخويلدي المكلف بوزارة الداخلية وعبدالسلام جلود الذي كان بمثابة الرجل الثاني بعد العقيد القذافي، الا ان ذلك لم يدم طويلاً، وتفرد العقيد بكل مراكز القوى بأساليب مبتكرة وأصبح القائد الأوحد!

وجدت أمكانية الكتابة عن تلك السنين التي عشتها في وطني الثاني ليبيا، بعد ان عـرت الفضائيات والمواقع الألكترونية والأعلام المعادي للشعب الليبي كل المستخفي والمستور في كافة مرافق الحياة في الجماهيرية العظمى (ليبيا)، تحت سطوة واستبداد العقيد القذافي منذ ثورة الفاتح .

وعلى أية حال، بقاء الحال من المحال، فأدى الأستبداد الى تفجر ثورة السابع عشر من شباط ( فبراير)، في بنغازي أولاً، للمطالبة بمعرفة قبور سجناء أبي سليم !، ثم أعلن العقيد القذافي عن نيته لأبادة المعارضين له، "بيت بيت، وزنكه زنكه". فتطورت مطالب المحتجين لتنادي برحيل نظام معمر أبو منيار القذافي الجاثم على صدورهم منذ أكثر من اربعين سـنة!

العقيد معمر محمد عبد السلام ابو منيار القذافي، هو ملازم سابق، من (مواليد 7 يونيو 1942 م. في سرت / ليبيا)،

قاد انقلاباً عسكرياً على النظام الملكي، أطلق عليه ثورة الفاتح من سبتمبر،أي الأول من سبتمبر(أيلول) 1969 م. حيث أطاح بحكم الملك أدريس الأول واستلم الحكم.

يطلق معمر القذافي على نقسه لقب قائد الثورة، كما عرف بلقب "العقيد القذافي"، وأطلق على نظام حكمه عام 1977م.، اسم الجماهيرية الليبية العربية الشعبية الأشتراكية العظمى !، واضافة الى ذلك، شغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة منذ سنة 1969، وشغل منصب رئيس مجلس قيادة الثورة في الفترة (1969 -1977)، . وهو صاحب أطول فترة حكم لليبيا منذ أن أصبحت ولاية عثمانية سنة 1551. ويعتبر حاليا، أقدم حاكم على وجه الأرضّ !

أطلق على الضباط الليبيون الذين شاركوا بثورة الفاتح من سبتمبر أسم (الضباط الأحرار)، تيمنا بحركة الضباط الأحرار المصرية التي أطاحت بالملكية في مصر، في 23 يوليو (تموز)، سنة 1952م.

أثارت أفكار معمر القذافي، او قل أطروحاته،الكثير من الجدل من قبل الساسة داخل وخارج ليبيا، خاصة بعد تفرده بالقرار في البلاد لمدة تزيدة عن أربعة عقود، وإتهامه مع عائلته بتهم الفساد وهدر مقدرات البلاد لسنين طوال. وأضافة لذلك،قمعه للحريات العامة، محالفاً ما يطرحه من أفكار بالمشاركة بالسلطة!

ففي 2 مارس 1977 تم الإعلان عن قيام الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية وتحويل النظام السياسي من النظام الجمهوري إلى النظام الجماهيري، الممثل بمؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ، و قد ادى هذا النظام بحياة الكثير من الليبين، وإلى هبوط معدل الولادات، و زيادة التلف و الجهل و طمس كل معالم الحرية و الحياة التقدمية،وجعل من ليبيا سجناً للمعارضين !

كان نظام القذافي غريب الأطوار لا نظير له في العالم على الإطلاق، فهو ليس بالجمهوري ولا بالملكي، وإنما هو مزيج من أنظمة قديمة وحديثة، والأسوء من ذلك،يدعي أنه لا يحكم وإنما يقود الثورة، ولكن الواقع يشير عكس ذلك، فقد كرس الصلاحيات والمسؤوليات في يديه، و يد أولاده و المقربين لعائلته!!

 

القشة التي قصمت ظهر القذافي!

في يوم الأربعاء 21 ديسمبر 1988م. انفجرت الطائرة البوينغ 747، التابعة لشركة با أميركان (PANAM أثناء تحليقها فوق قرية لوكربي الأسكتلندية، واتهمت ليبيا بمسؤليتها عن الانفجار.

صدر قرار من مجلس الامن في 31 مارس 1992 يحمل الرقم 748 بأغلبية 10 أصوات بينها دولة عربية وامتناع 5 أعضاء عن التصويت، يوجب على ليبيا الاستجابة لطلب الدولتين، ويهدد بفرض عقوبات عليها من بينها حظر الطيران منها واليها.

الدول الأفريقية قررت في قمتها التي انعقدت في (واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو)، في العاشر من يونيو 1998، كسر الحظر على ليبيا

في الرابع والعشرين من اغسطس 1998م. اتفقت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بمحاكمة الليبين المتهمين بالتفجير في هولندا بـ (كامب زيس)، حسب طلب ليبيا. وعلى أية حال فقد أدانت المحكمة أحد المواطنين الليبين، المدعو (عبد الباسط المقرحي)، استنادا على قرائن ظرفية وبرأت الاخر،المدعو الأمين فحيمه .

قبلت ليبيا رسميا مسؤوليتها المدنية دون الجنائية باعنبارها مسؤولة عن موظفيها، ولذلك فإن الحكومة اقرت بمسؤوليتها عن تصرف عبدالباسط المقرحي.

دفعت الجماهيرية الليبية العظمى، تعويضات تبلغ قيمتها مليارين وسبعمئة مليون دولار لأسر الضحايا، بسبب عمل طائش بأمر من جهة عليا متنفذة في القرار السياسي، وهكذا رأينا كيف استقبل المقرحي بعد أن أطلقت الحكومة الأسكندلية سراحة، واستقبله الملك غير المتوج سـيف الأسـلام، أستقبال الأبطال على سلم الطائرة التي أقلته الى طرابلس!

لا زالت أثار وتداعيات قضية لوكربي مستمرة إلى يومنا هذا خاصة بعد الشهادة التي أدلى بها الشاهد الأساسي في هذه القضية (اولريش لومبرت(،فأثارت من جديد ملف القضية الموسومة بـ (لوكربي(، من جديد وجعل العديد من المحللين والسياسين والقياديين وحتي اسر الضحايا يعيدون النظر والتحليل والدراسة لهذه القضية التي حرفت مسيرة ثورة الفاتح من سبتمر الى الوراء!

حاولت ليبيا منذ البدء الإسـتناد على البراهين التي كانت تصب في صالح ليبيا، فعندما اعترضت ليبيا على تسليم اثنين من مواطنيها كان ذلك نابعا من أن كل القوانين والأعراف الدولية تمنع أن يكون التسليم بهذه الطريقة، وإن ليبيا تمسكت بما تنص عليه "اتفاقية مونتريال"، في مثل هذه الحالات، لذلك فإن أول قرار صدر من مجلس الأمن، والذي يحمل رقم (731) يعتبر انتهاكا لأبسط متطلبات السيادة الوطنية

إن تحمل نظام القذافي لأثار الحظر لأكثر من عشر سنوات، كان نتيجة طبيعية، لأعتقاده من ان الزمن يكفل نسيان ما حدث! وقدم الأعلام العديد من الوقائع للبرهنة على عدالة قضية دفع ثمنها الشعب الليبي، الذي أجبر على التقشف والسفر الى تونس او مالطا عندما يرغب بالتوجه جواً الى خارج ليبيا! ومما عزز موقف النظام الليبي،هو أفتراء الشاهد (اولريش لومبرت)، وتزييفيه للحقيقة.

لقد كانت (قضية لوكربي)، المحصلة للمواقف السياسية الليبية، المعارضة لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ألا أن التغير الواضح في السياسيات والمواقف الليبية بعد أحتلال العراق سنة 2003، يمكن أن يعيد النظر في لوكربي والبحث عن ضحية تحمل عبْ القضية !

 

توليف

الدكتور عبدالرزاق محمد جعفر

أستاذ جامعات بغداد وطرابلس وصفاقس / سابقاً

 

أمـل دنقــل .. بلسـانٍ عربـي مُبيـن

من بين الكثيرين من شعراء الستينيات العرب الذين قرأت لهم- سواء من إستمروا منهم في الكتابة، أو توقفوا، أو توفوا- تحتفظ ذاكرتي بالقليل من أسمائهم، وأقل منها ما أذكره من قصائدهم. والشاعر المصري أمل دنقل واحد من هؤلاء القليلين الذين ظلوا في البال رغم مفارقته للحياة في العام 1983م عن ثلاثة وأربعين عاماً من العمر أمضى السنوات الأخيرة منها مكابداً لداء السرطان الذي أودى به.

وكان لرحيله المبكر وقعٌ مؤثر حزين آنذاك في الأوساط الأدبية العربية، وبخاصة لدى الشباب العربي الساخط على معاهدة الصلح المصرية- (الإسرائيلية) التي وقعت في "كامب ديفيد" في العام 1979م، وعلى التقاعس العربي إزاء إجتياح الجيش (الإسرائيلي) للبنان في صيف العام 1982م.

فإذا كانت الأوساط الأدبية – والشعرية منها بخاصة- قد عرفت أمل دنقل كشاعر الرفض والإحتجاج، وصوت المُهَمَّشين المتمرد الصارخ منذ قصيدته: "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، التي كتبها ونشرها غداة هزيمة حزيران- يونيو 1967م، فإن الشبَّان العرب المنشغلين بالشأن العام في سبعينيات القرن الماضي، قد عرفوه كرافض للصلح مع العدو، ولتمزيق الأخوة العربية على مذبح السلام المزعوم مع (إسرائيل). وكانت قصيدته "لا تصالح"-التي إستعار فيها وصِيَّة كُليب لأخيه الزير سالم كما روتها السيرة الشعبية- تتداول على نطاق واسع، إلى جانب أغاني الشيخ "إمام عيسى" لقصائد "أحمد فؤاد نجم" التحريضية، في إعلام ولقاءات قوى وتيارات المعارضة العربية، كصيحة إصرار على المقاومة حتى تسترد الأمة حقوقها وكرامتها:

لا تصالح

لا تصالح على الدم حتى بدم

لا تصالح

ولو قيل رأس برأس

أكلُّ الرؤوس سواء؟

أقلبُ الغريب كقلب أخيك؟

أعيناه عينا أخيك؟

وهل تتساوى يدٌ

سيفها كان لَكْ

بيدٍ سيفها أثكلكْ؟

*   *   *

هذا الجيل من الشباب المصري والعربي، الممتلئ بطاقة الغضب وأحلام التغيير، هو الذي حال دون تمكين أجهزة وأبواق السلطة من فرض التعتيم على الشاعر العصي على الإنسياق، الذي قدِمَ إلى القاهرة من محافظة "قِنا" في جنوب مصر. وتكفلت منابر ودور النشر العربية خارج مصر – وبخاصة في بيروت- بطباعة أعماله وإيصال صوته النابض بالحرقة إلى حيث يجد من يستمع له ويحتفي به، حتى صار أكثر شعراء مصر -في وقته- إنتشاراً وشعبية، إذا ما إستثنينا شعراءها بالمحكية، كأحمد فؤاد نجم وعبدالرحمن الأبنودي وفؤاد حداد صاحب "الأرض بتتكلم عربي قول الله"، وصلاح جاهين الذي قوَّضت فاجعةُ هزيمة حزيران روحه، فتحول من رائعته الخالدة:

"راجعين بقوة السلاحْ

راجعين نحرر الحِمى

راجعين كما رجع الصباحْ

من بعد ليله مظلمه"

إلى تسليته اللاهية التي غنَّتها الممثلة سعاد حسني:

"خلِّلي بالك من زوزو"!

*   *   *

عاش الشاعر الأسمر النحيل الذي أطلق عليه والده خرِّيج الأزهر، الشيخ "فهيم دنقل"، اسم "محمد أمل" من باب التفاؤل والإستبشار عند ولادته في العام 1940م، عمراً قصيراً. لكنه كان كافياً ليقول فيه كلمته التي أودعها في دواوينه التي إبتدأ بنشرها منذ العام 1969م: "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، "تعليق على ما حدث"، "مقتل القمر"، "العهد الآتي"، "أقوال جديدة عن حرب البسوس"، و"أوراق الغرفة 8".

قالها، كصعيدي عنيدٍ آتٍ من أعماق الجنوب إلى القاهرة التي تجاهلته مؤسساتها، فتجاهلها. وكرَّس صوته لإخوته المقهورين "الذين يعبرون في الميدان مطرقين"، كما كتب ذات مرة، مُستعيراً روح ونداء "سبارتاكوس" قائد ثورة العبيد الشهير في الإمبراطورية الرومانية:

" مُعلّقٌ أنا على مشانق الصباح

وجبهتي –بالموت- مَحْنِيَّة

لأنني لم أُحْنِها حَيَّة "

وقال كلمته كمصري عروبي، ليس في مواقفه القومية كتلك التي تحدثنا عنها وحسب، بل وفي تكوينه المعرفي الأول الذي ورثه عن والده وتراث مكتبته الأدبي العربي، وفيما عبّر عنه في قصائده التي إستوحت الشخصيات والقصص التاريخية والأسطورية العربية: (عنترة، زرقاء اليمامة، الزير سالم، الزباء، المتنبي ..) لتحميلها مضامينه ورؤاه المعاصرة. فأكد بذلك على الهوية العربية لقصيدة "التفعيلة" التي كانت مثقلة برموز وشخصيات الأساطير اليونانية تأثراً بالشاعر الإنجليزي الأميركي "ت. س. إليوت" صاحب "الأرض اليباب" (The waste land).

هذا التأكيد على الهوية العربية -بروحها وملامحها الحضارية الخاصة- كان إنعكاساً لوعي وإرادة تيارٍ صاعدٍ في الستينيات من القرن الماضي، شغله سؤال "الأصالة والمعاصرة"، فسعى إلى ترجمة ذاته في أشكال وأجناس التعبير الأدبي والفني المتعددة، في مواكبة للنهوض التحرري العربي المتأجج في تلك السنوات العاصفة. وكان نِتاجُ "أمل" الشعري، واحداً من المساهمات المميزة لتطلعات هذا التيار الفكرية والجمالية.

*   *   *

لكن الشاعر الذي إمتلك العزيمة على تحدي تقلبات السياسة في عهد "السادات"، فثابر على التعبير عن رؤيته المبدئية، لم يقو على مواجهة داء السرطان الفتَّاك..

ففي الغرفة رقم (8) في مستشفى "المعهد القومي للأورام" في القاهرة، توقف قلب أمل عن الخفقان ومضى في الحادي والعشرين من شهر أيار- مايو 1983م.

أما كلماته وأشعاره، فلم تمضِ معه، فقد قالها بلسانٍ عربي مُبِين..

 

الامام موسى الكاظم .. عنوان للصبر ورمز للعطاء

ahmad alkhozaiتميزت الفترة التاريخية التي عاصرت امامة موسى الكاظم والتي امتدت لخمسة وثلاثون سنة .. بأنها شهدت منعطفات كبيرة وخطيرة عاشتها الامة الاسلامية على المستويين السياسي والعقائدي .. فقد كان الصراع محتدم وعلى اشده داخل الاسرة العباسية من اجل تثبيت دعائم الخلافة لابناء ابو جعفر المنصور وتنحية الفرع الاخر من الاسرة المتمثل بعبد الله بن علي وعيسى بن موسى الذي كان ولي عهد المنصور وفي الجانب الاخر السعي للقضاء على التهديد الاسرة العلوية المتمثلة بعبد الله ابن الحسن المثنى واولاده الذين كانوا يسعون للاطاحة بالحكم العباسي واعادته الى الاسرة العلوية فرع الامام الحسن (ع) .. وقد تمثل هذا التوجه بالثورة التي قادها محمد بن عبد الله الملقب (محمد النفس الزكية) على ابي جعفر المنصور سنة 145 هجرية ومقتله بالحجاز .. وقد عمدت الخلافة العباسية الى محاولة ابادة نسل العلويين من الوجود كونها تدرك احقية اهل هذا البيت بالخلافة وخصوصا بان ثورة العباسية على بني امية قد رفعت شعار الثار لاهل بيت النبوة مما اكسبهم ود وتعاطف الناس معهم وبعد ان تنصلوا عن وعودهم لاهل البيت واتضح للناس زيف ادعائهم عمدوا الى ازاحة هذا الخطر الذي يهدد وجودهم وسلطانهم .. اضافة الى وجود صراع خفي داخل اسرة المنصور نفسها تمثل باغتيالات طالت ابنه الخليفة محمد المهدي الذي قتل مسموما والخليفة موسى الهادي الذي اغتيل على يد امه الخزيران بنت عطاء والتي امرت احدى جواريها بخنقه وهو نائم لانه اراد تحويل ولاية العهد لابنه جعفر وخلع هارون الرشيد .. في ظل هذه الظروف المضطربة عاش الامام موسى الكاظم في مدينة جده رسول الله (ص) .. محاولا ابعاد نفسه عن كل ما يحول بينه وبين التصدي لمهمة نشر علوم اهل البيت كونه امام زمانه والقيام بصلواته ونسكه .. لكن بالرغم من ذلك فقد بقيت انظار السلطة العباسية ترنو اليه خوفا من اي تحرك يبديه اتجاه كرسي الخلافة كونهم يدركون انه احق الناس به .. كما يروي ابن كثير في كتابه البداية والنهاية الجزء السابع .. ان هارون الرشيد حج فلما دخل ليسلم على قبر رسول الله (ص) وكان معه الامام موسى الكاظم فقال االخليفة السلام عليك يا ابن عم فقال الامام الكاظم السلام عليك يا ابت .. عندها قال هارون الرشيد وهذا هو الفخر يا ابا الحسن .. ويعتقد ابن كثير ان هذه الحادثة هي السبب التي جعلت الرشيد يضمر العداوة للامام الكاظم ويقوم بسجنه ثم قتله .. وقد شكل الامام هاجس وخوف لخلفاء بني العباس منذ توليه مهام الامامة عندما كان في ريعان الشباب ولم يتجاوز عمره العشرين عام بعد وفاة ابيه الامام الصادق (ص) سنة 148 هجرية حيث يروى ان اول من سعى الى سجنه ومحاولة قتله هو الخليفة المهدي الذي استدعاه الى بغداد واجبره على الاقامة فيها ليبقى تحت انظاره وفي رواية حبسه لفتره الى ان راى علي بن ابي طالب (ع) في المنام يعاتبه فاطلق سراحة واعاده الى المدينة .. ومن يتتبع هذه الاحداث يجد ان اخفاء الامام الصادق خبر امامة موسى الكاظم الا لخاصته كانت تنبع من مخاوف حقيقية كان يدركها ويعيها جيدا حول مستقبل ومصير ولده وحفاظا عليه من بطش السلطة العباسية اذا ما علمت بامامته بعد ابيه .. وقد شكل هذا التكتم نوع من الالتباس عند بعض الشيعة وجهلهم في معرفة من هو الامام بعد وفاة الصادق (ع) .. ونقسموا الى عدة فرق كما جاء في كتاب (الملل والنحل ) للشهرستاني .. فظهرت فرقة تدعى الاسماعيلية تؤمن بان الامامة قد انتقلت الى اسماعيل ابن الامام الصادق وفرقة اخرى سمو بالواقفة والذين توقفت عندهم الامامة بموت الصادق (ع) .. وهم اتباع عجلان بن ناووس وادعوا ان الامام لم يمت وهو مهدي هذه الامة .. وفريق اخر عرفوا الافطحية نسبة الى عبد الله الافطح اكبر ولد الامام الصادق .. غير ان الامام الكاظم قد اجتمعت على امامته وجوه الشيعة ومتكلميهم وهم هشام بن سالم وهشام بن الحكم ومؤمن الطاق محمد بن علي ابن النعمان البجلي .. وهؤلاء هم اعيان وفقهاء الشيعة في زمانهم .. وقد روى الشيخ المفيد في كتابه (الارشاد) .. عن عبد الاعلى بن الفيض قال (قلت لابي عبد الله الصادق (ع) .. من لنا بعدك؟ .. قال فدخل ابا ابراهيم موسى الكاظم وهو يومئذ غلام فقال هذا صاحبكم فتمسك به ) وكذلك روى الكليني في كتابه (الكافي) عن صفوان الجمال عن الامام الصادق قال له منصور بن حازم سائلا (بابي انت وامي ان الانفس ليغدى عليها ويراح فاذا كان ذلك فمن .. فقال الامام الصادق اذا كان ذلك فهو صاحبكم وضرب بيده على منكب ابي الحسن موسى الكاظم وهو يومها ابن خمس سنين ) .. وقد احيط الامام موسى الكاظم برعاية استثنائية من ابيه الامام الصادق منذ ولادته في الابواء سنة 128 هجرية .. ويذكر عبد الله الشيرازي في كتابه (الاتحاف بحب الاشراف) ان الامام الصادق قال .. (وددت ان ليس لي ولد غيره لئلا يشركه في حبي احد) .. وكانت امه من البربر من شمال افريقيا وهي حميدة بنت صاعد الذي كان من اشراف البربر وهي جارية اشتراها الامام الصادق (ع) وتزوجها وقد قال فيها .. (حميدة مصفاة من الادناس كسبيكة الذهب ) .. وكان لهذا النسب الطاهر والنشئة العظيمة في احضان الامام الصادق صاحب اول مدرسة للفقه والحديث في الاسلام والتي اقامها في مسجد رسول الله والتي خرجت مئات العلماء والفقهاء والمحدثين .. ان يكون لها الدور في بلورة شخصيته وصقلها فنشئ عالما عابدا زاهدا كريما كاظما لغيضه حتى لقب (راهب اهل البيت) .. يقول فيه ابن عنبة صاحب كتاب (عمدة الطالب في انساب ابي طالب) .. (كان اسود اللون عظيم الفعل رابط الجاش واسع العطاء لقب بالكاظم لكظمه الغيظ وحلمه وكان يخرج في الليل وفي كمه صرر من دراهم فيعطي من لقيه ومن اراد بره وكان يضرب المثل بصرة موسى الكاظم وكان اهله يقولون عجبا لمن جاءته صرة موسى فشكا القلة) .. وقال فيه ابن كثير (كان كثير العبادة والمروءة اذا بلغة احدا انه يؤذيه ارسل له بالذهب والتحف) .. واما ابن حجر الهيثمي فقال فيه .. (هو وارث ابيه علما ومعرفة وكمالا وفضلا سمي بالكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه وكان معروفا عند اهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله .. وكان اعبد اهل زمانه واعلمهم واسخاهم) .. وعرف عن الامام الكاظم بانه اول من كتب في الفقه كما يقول محمد يوسف في كتابه (الفقه الاسلامي) .. (نستطيع ان نقول ان اول من كتب في الفقه هو الامام موسى الكاظم الذي مات سجينا عام 183 هجرية وكان ماكتبه اجابات عن مسائل وجهت اليه تحت اسم الحلال والحرام ) .. .وقد روى عن الامام جملة من المحدثين والرواة منهم الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد والعلامة السمعاني في كتابه الرسالة القوامية والثعلبي في الكشف والبيان .. وكان الامام احمد امام الحنابلة يقول اذا روى عنه (حدثني موسى بن جعفر عن ابيه الصادق عن ابيه الباقر عن ابيه السجاد عن الحسين بن علي عن ابيه عن رسول الله وهذا اسناد لو قرئ على مجنون لافاق) .. ان سعة العلم هذه وزهده ونسبه الشريف وكرمه وعبادته المنقطعة النظير جعلته يشكل خطرا على الخلافة العباسية التي كانت تعيش هاجس السلطة والملك بقول هارون الابنه المامون بان (الملك عقيم ولو نافستني فيه لاخذت الذي فيه عينيك) .. كل هذه الاسباب جعلت هارون العباسي يتحين الفرص للنيل من الامام .. وقد عزى ابن حجر الهيثمي سبب سجنه من قبل الرشيد .. الى ان الرشيد لما حج سعى به اليه وقيل له :ان الاموال تحمل اليه من كل جانب فقبض عليه وانفذه لامير البصرة عيسى بن جعفر ثم كتب والي البصرة يستعفي الرشيد فيه وان لم يرسل لتسليمه اخلى سبيله فكتب هارون للسندي بن شاهك بتسلمه وامره فيه بامر فجعل له سما في رطب فتوعك ومات بعد ثلاثة ايام .. وفي سجنه بعث الامام رسالة الى هارون قال فيها .. (اما بعد انه لم ينقض علي يوم من البلاء الا انقضى عنك يوم من الرخاء حتى يفضي بنا الى يوم يخسر فيه المبطلون) .. وقد قضى الامام (ع) .. في اشهر الروايات ثلاثة عشر سنة في سجن الرشيد وعند مقتله مسموما شهد على جثته اعيان القوم والقيت على جسر بغداد كما ذكر ابو فرج الاصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين .. (ان الامام موسى الكاظم (ع) لما توفي مسموما ادخل عليه الفقهاء ووجوه اهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي وغيره ليشهدوا على انه مات حتف انفه دون فعل الرشيد وجلاوزته ولما شهدوا بذلك اخرج جثمانه ووضع على جسر بغداد ونودي بوفاته) .. وقد اجمعت الروايات التاريخية على انه دفن في جانب الكرخ من بغداد في مقابر قريش .. ان هذا السفر الخالد من الصبر والزهد والعطاء الا محدود الذي بذله الامام موسى الكاظم في سبيل الله والانسانية هو الذي يدفع بملايين المحبين الزاحفين الى مشهده المبارك سيرا على الاقدام لاحياء ذكرى استشهاده واعلان مظلوميته الى العالم والتي هي عنوان عريض وكبير لكل مظطهديه ومظلوميه على مر الازمنة .. وان الطامورة الظلماء التي اريد لها ان تكون سجنا له تحولت الى صرح عظيم يحج اليها الناس من كل حدب وصوب لتكون شاهدا على سمو ورفعة اهل هذا البيت وعلو شأنهم عند الله تعالى .

 

احمد الخزاعي ... بغداد

معلومات إضافية