المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

دماء لن تجف (46): الشيخ طارق الديري .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadولد الخطيب.. العلامة الشيخ طارق بن الشيخ محمد بن الشيخ علي الديري، في الحي المركزي، من ناحية "المعقل" بالبصرة، مقابل ملعب نادي "الميناء" سنة 1940.

وبدلا من الانخراط، بأجواء تخضع لروح المكان؛ مستجيبا لفتنة العضلات، رياضيا، ينمو ويترعرع قبالة ناد، إستقى علم ابيه، فإتجه للفقه والشريعة والمنطق وفلسفة الايمان.

تشكلت شخصيته.. منذ البدء، طفلا في احضان والده الذي وافاه الاجل، ولم يبلغ الشيخ الشهيد، الثامنة من عمره الشريف، لكنه تشبع.. عن فطرة ووعي، معا، بأفكار العلامة الوالد.

كفله اخوه الاكبر.. محمد علي، معتنيا بتربيته، كالماء في صينية ورد، من وعي وفكر إسلامي رصين.

إتصل بحجة الاسلام والمسلمين.. السيد عبد الحكيم الصافي، بمجرد بلوغه سن الخامسة عشرة من عمره، متعلما؛ إذ درس تحت يديه الكريمتين، علمين إثنين هما: اللغة العربية والاجرومية.

هذان العلمان شكلا قاعدة لتأسيس منهجه، الذي إبتدأه بالتلقي الصحيح؛ ما جعله مرسلاً دقيق التعابير، في خطبه، بعد إستيفاء أدوات الخطابة.

اتصل بالعلامة الخطيب الشيخ عبد الامير المنصوري، وتعلم منه البلاغة ورسالة العلماء، متتلمذا على يده، في إكتساب فن الخطابة والالقاء، وبدأ يخطب مرتقيا المنبر الحسيني، في مدن ونواحٍ عدة، من البصرة، إضافة الى مناطق "الشيخ سعد" و"قلعة صالح".

زج به في المعتقل، العام 1974، للمرة الاولى، الى جانب الشيخ عارف البصري، وافرج عنه بكفالة،...

عد تكفيله القضائي، بداية مرحلة جهادية، خالصة لله، كرسها للدفاع العلني عن العلماء؛ مطالبا السلطات بالافراج عن المظلومين.. دعاة الاسلام، الذين لا ذنب لهم، سوى قولهم للباطل باطلا!

اعتقل مرة ثانية سنة 1981، متعرضا هذه المرة لاشد أنواع العذاب، حتى فاضت روحه الى الله، من بين يدي الجلادين البعثية، الى رحمة الباري، تشكو ظلم الانسان لأخيه الانسان؛ طمعا بدنيا زائفة، يريدونها.. ساعين اليها بالإفك والعدوان.

ابلغت اسرته باستشهاده العام 1981، ولم يعثر على جسده، حتى هذه الساعة، بل وصادر رجال امن الطاغية المقبور صدام حسين، أموال عائلته.. المنقولة وغير المنقولة.. ولسوف يبلهم الله عنها، حسن المآب.

آرا خاجادور .. الشيوعية المعتّقة (3): الحوار مع حزب البعث

abdulhusan shaabanيتناول خاجادور في رسالته الموجّهة إلى اللجنة المركزية مسألة الحوار مع سلطة حزب البعث (أيار/ مايو 1988) ويفرد لها حيّزاً كبيراً، حيث يقول إن اللجنة المركزية وافقت على ممارسته مبدئياً، وهو ما توصّلت إليه لجنة إقليم كردستان واجتماع الكوادر العاملين قرب مقر مركز الحزب، ويقول: لم تطرح أية معارضة لموضوع الحوار، ما عدا التأكيد على ضرورة اليقظة والحذر.

ولعلّ مثل هذه القضية تكاد تكون خافية على الرأي العام الحزبي، بل يجري انكارها، علماً بأن خاجادور يقول إنها قرار من المكتب السياسي ولجنة الإقليم وشبكة الكادر حول مركز الحزب.

وقد حصل اللقاء فعلاً في براغ بين مكرّم الطالباني رسولاً للنظام وعزيز محمد وجلال الطالباني 1989 وتعذّر حضور مسعود البارزاني، علماً بأن نتائج هذا الملف تم وضعها في مسوّدة نشرة داخلية وحملها عبد الرزاق الصافي بعد أن أعدّها المكتب السياسي وتوجّه إلى الشام لطباعتها، وهناك حسبما يقول خاجادور افتعلت ضجة وحملة تشهيرية... لأهداف ذاتية واضحة ومحدودة الأفق والأغراض والمصالح تسعى إلى زيادة الارتباك في صفوف الحزب... وتحت تأثير غبار هذه الضجّة جرت المطالبة بعدم توزيع النشرة.

 

هل الحزب الشيوعي يمثل الطبقة العاملة؟

أما في رسالته المفتوحة التي يعتبر نفسه متأخراً في طرح الحقيقة على جمهور الحزب لأنه حسبما يقول توصّل إلى اقتناع بأن قيادة الحزب مصرّة على نهجها في تفتيت الحزب، فإنه يتناول فيها جملة من القضايا المهمة، نعرض منها ما يلي:

• العجز القيادي وواقع تدهور وضع الحزب وتحليلاته المزعومة، حيث يسخر من عبارة " لقد أثبتت الحياة صحّة سياستنا".

• المؤتمر الخامس العام 1993، الذي يتهمه بأن رسالته الأساسية هي " إضفاء صبغة من الشرعية على قيادة أثبتت عجزها وقصورها..." ص 44، ويعتبر ذلك مناورات ودسائس ومؤامرات في أوساط القيادة، في حين إن جماعة المؤتمر، تطلق عليه اسم مؤتمر التجديد والديمقراطية، مشيراً إلى أن قاعدة الحزب تترك، كما هي العادة في الظلام، لا تعرف ما الذي يحدث في رأس الحزب المريض، وهو استنتاج خطير، لاسيّما حينما يصدر من آرا خاجادور .

 

البريسترويكا

وينتقد خاجادور مفهوم التجديد من جانب " بيرسترويكا غورباتشوف" ملمّحاً إلى الندوات الأكاديمية وحوار الصالونات (المقصود بها ندوات مجلة النهج) الذي لم يتوفر فيه الصراحة وروح البحث العلمي، ويعتبر تلك المؤتمرات وأعمال النشر المدفوع الثمن، تصبّ في خدمة القيادة السوفييتية التي انتهجت " سياسة تصفوية مرسومة بعناية فائقة ومدعومة بمختلف الصيغ من قبل الغرب الاستعماري..." ص 46.

ومثل هذا الرأي لا بدّ من التوقف عنده، خصوصاً للعلاقة الخاصة التي ربطت آرا خاجادور بالدول الاشتراكية، ولاسيّما تشيكوسلوفاكيا، انطلاقاً من إيمان أممي وقناعة راسخة، تقتضي التوافق لا التباعد، خصوصاً مع السوفييت ومن يدور في فلكهم من الدول الاشتراكية السابقة.

من موسكو النجمة الحمراء إلى واشنطن المتعدّدة النجوم

• الرفاق الموظفون ودورهم، ويعتبر هؤلاء ظلّوا يحملون لافتة الشيوعية، لأنها تمثّل بالنسبة لهم المكتب أو الدائرة التي يعملون فيها، ولكن تم تحويل مرجعيتهم بعد غياب موسكو من "النجمة الحمراء" إلى واشنطن "متعدّدة النجوم". ويقول إن الموظفين في حزبنا طلبوا العون من واشنطن سرّاً وعلانية، بعد أن أعربوا أمام أولياء نعمتهم الجدد، بأنهم تخلّوا عن مبادئ الاشتراكية " العتيقة"، إضافة إلى سياسة الصفقات التي تعقد مع قوى رجعية أجنبية (ص 47)، لكنه لم يفصح إذا كان ثمة في الأمر معلومات أو تقديرات واتفاقات وبين سياسات ومواقف والفارق بينهما كبيراً، قانونياً وسياسياً.

• طرد الرفاق بطريقة مخملية، أي أن الرفيق يبقى لا يعرف مصيره، حيث يتجسّد هذا السلوك بعبارة " وضع الرفيق نفسه خارج صفوف الحزب"، حسبما هو واضح فإنه استعمل ضدّه أيضاً، وكان قد استخدم مثل هذا الأسلوب ضد مئات الرفاق في عدن والشام والدول الاشتراكية وكردستان، حتى وإن كان آرا خاجادور في قمة الحزب.

• سياسة التحالفات، حيث ينتقد السياسة الذيلية لإدارة الحزب، سواءً في الأمس القريب قالوا "مع البعث حتى بناء الاشتراكية" أو عندما صاروا "ذيلاً بائساً للحركة القومية الكردية" حسبما يقول خاجادور، مشيراً إلى " النزعات الانفصالية" بعد دخول قوات الاحتلال الأجنبية إلى كردستان، دون أن يهمل السياسات الشوفينية للحكومة المركزية وحروب الإبادة الجماعية، بما فيها استعمال السلاح الكيماوي.

• الحزب الشيوعي الكردستاني، ينتقد خاجادور إقامة حزب شيوعي كردستاني في ظل عدم " وجود أساس للصراع الطبقي في مواقع الانتاج في المؤسسات الاقتصادية الانتاجية..." ويتساءل على نحو مثير وخطير " وهل الحزب الشيوعي العراقي نفسه حقاً يمثل الطبقة العاملة بتركيبه وتمثيله لمصالح العمّال؟"

إن مثل هذا التساؤل يأتي من نقابي بروليتاري، وعلى معرفة بواقع الحال وليس من أحد المثقفين الشيوعيين، الذين سيقال لهم أنهم ينحدرون من البرجوازية الصغيرة، ولكن هناك معاني عميقة حين يأتي من أحد القادة النقابيين البارزين القلائل، بل المعدودين ليس في الحزب الشيوعي العراقي فحسب، بل على نطاق العراق والعالم العربي، حتى وإن اعتبره بعضهم "اندحاراً" وتراجعاً وقنوطاً.

لكن خاجادور وهو يتمسك بشيوعيته يمضي ليدلّل على استنتاجه بالقول " لقد مضى ربع قرن لم يخض فيه الحزب صراعاً يدافع به عن مصالح العمال" (ص 52)، وكان ذلك في العام 1991، ويزيد على ذلك بقوله " إنه حالياً حزب شيوعي بدون حركة عمّالية " ، وإنْ كان يلقي بالجزء الأساسي في هذا الوضع على عاتق النظام الدكتاتوري، لكنه يعتبر قيام حزب شيوعي كردستاني في ظل غياب نفوذ الحزب في الجزء الأساسي من العراق (الجزء العربي) ينطوي على عجز في كردستان أيضاً.

• مالية الحزب، يعيد آرا خاجادور طرح الموضوع باعتبارها استخدمت " أداة في محاربة الرفاق برزقهم ومصادر معيشتهم الشحيحة" ويعتبرالمالية " باقية بلا حسيب ولا رقيب" وأن هناك من يحمل " كارت بلانش- مصوناً وغير مسؤول".

على الرغم من الإضاءات المهمة لآرا خاجادور في كتابه "نبض السنين"، ولاسيّما في الجوانب السياسية والعملية، ما بعد العام 1993، حيث نشر رسالة ثالثة، وذلك بعد الإجراء الذي اتخذ بحقه والوارد في النشرة الداخلية المذيّلة (النصف الثاني من شهر تشرين الأول/اكتوبر/1992) والتي اعتبرت مواقفه تشهيراً بالحزب وترديداً للشتائم التي يطلقها أعدائه المرتدين (هكذا أصبح آرا خاجادور مرتدّاً وعدوّاً للحزب) وكل ذلك للوصول إلى النتيجة المنطقية حين قرّرت اللجنة المركزية إدانة ممارساته وفصله من عضويتها، وصولاً إلى الجملة الشهيرة " وضع نفسه خارج الحزب"، وقد استخدمت تلك بحق نوري عبد الرزاق الذي اتهمته رسالة المكتب السياسي، بأنه يكتب تقاريره إلى القيادة البعثية، بدلاً من إدارة الحزب، كما استخدمت ضد العديد من الرفاق .

بعد هذا الإجراء اتخذ صراع آرا خاجادور منحىً آخر، فأخذ يعلن مواقفه السياسية التي تعمقت مع مرور الأيام، ابتداءً من موقفه من الحصار الاقتصادي الذي اعتبره جريمة ومأساة مروعتان (ص 64) وذلك في رسالته المذيّلة 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1997. وعاد وطرح العديد من الرسائل والمقالات في بعض وسائل النشر، ولاسيّما الانترنيت، فيما يتعلق بموقفه من الحصار ومن بعض المواقف العدمية لإدارة الحزب إزاء الوطنية العراقية ، وتركّزت مواقفه اللاحقة بإدانة العدوان الأمريكي والتحذير من احتمال وقوع العراق تحت الاحتلال، ولاحقاً التنديد بالاحتلال والقوى المتعاونة معه، مع شيء من الإحراج لوجود الحزب في مجلس الحكم الانتقالي، كما عبّر عن مواقفه من المحاصصة الطائفية – الإثنية والحرب الأهلية وتأييده المقاومة الوطنية ضد الاحتلال كما يسميّها.

دماء لن تجف (45): عبد الرحمن البزاز .. موسوعة شهداء العراق

زرقة إبرة، بأمر من الطاغية المقبور صدام حسين، أدت الى إستشهاد عبد الرحمن البزاز.. رئيس وزراء العراق المدني الوحيد في آفة الإنقلابات الهوجاء، التي إلتهمت أي أمل في بناء دولة تأملية.

ولد عبد الرحمن بن عبد اللطيف البزاز، في بغداد العام 1913، تعلم القرآن في صغره، تخرج في كلية الحقوق، وسافر إلى لندن لإتمام دراسته العليا، وعند إعلان الحرب العالمية الثانية رجع إلى بغداد وقبل أن ينال درجة الدكتوراه.

عين أستاذا في كلية الحقوق بجامعة بغداد، وعميدا لها ولكلية التجارة و الاقتصاد، ملقبا بـ (ذو العمادتين) ودرس في كلية الشريعة في الأعظمية، العام 1952.

بعد ثورة 14 تموز 1958م، عين سفيرا للعراق في القاهرة، وأعتزل الوظيفة، وأقام في مصر، حتى ثورة 8 شباط 1963، عائدا إلى العراق، متقلد مناصب وزارية عدة، ورئيسا للوزراء في أيلول 1965 و1966، شاغلا منصب رئيس الجمهورية.. رمزيا.. لثلاثة أيام من 13 لغاية 16 نيسان 1966، عقب وفاة عبد السلام عارف، في حادثة سقوط طائرة مروحية كان يستقلها، لحين تنصيب شقيقه عبد الرحمن عارف.

فضلا عن تخصصه بالقانون وعمله في السياسة، عمل سكرتيرا عاما للدول المصدرة للنفط (اوبك) 1964 - 1965 في اجتماعها التأسيسي الأول الذي عقد في بغداد، وألّف عشرين كتابا في القانون والسياسة والاجتماع والفكر.

توفي يوم الخميس 28/6/1973، ودفن في مقبرة "الخيزران" قرب مرقد الشيخ محمد القزلجي، في بغداد، أما ما هو سر القلق الذي دفع صدام حسين، حين كان نائبا لرئيس الجمهورية، الى قتل البزاز، فهذا شأن عائد الى ألمعية شخصيته التي تقترب من الكمال سياسيا ونزاهة ووعيا ورفعة، وكلها صفات تستفز من تربى (ملطلط) بين فيافي تكريت وحواري الاحياء المكتظة بالشقاوات ونفذ الى السياسة من بوابة العنف.

إذ ولد لاب يعمل بزازا، ينتسب الى عشيرة المعاضيد، وحصل على شهادة l.l.b من جامعة لندن.. كلية الملك kings college، وله تاريخ نضالي منهجي؛ إذ اعتقل في سجون الفاو والبصرة ونقرة السلمان بسبب مواقفه، وليس كمثل الطاغية الذي يتلخص دوره بتصفية الاعداء الشخصيين لأحمد حسن البكر، حاملا رشاشة "بورسعيد" يتجول بها في "الجعيفر".

فكريا اخذ عبد الرحمن البزاز، على عاتقه مهمة رفع التناقض الذي شعر به المثقفون عند منتصف القرن العشرين، بين القوميين العرب والمتدينين المسلمين، مسهما في ايجاد تحالف بين الاتجاهين العروبي والاسلامي، ما يجعله مرشحا على الدوام للعب دور قيادي بحكم نظريته الصالحة لفض الاشتباكات في بنية مجتمعنا، في وقت آثر فيه صدام التخلص من البكر، ولا يريد أي من الأرستقراطيين التأمليين، القادرين على إدارة الدولة بهدوء دستوري وليس إنفعالي، يسرق الاضواء والارجحية في الحزب والدولة من صدام.

فبرغم مدنية البزاز، الا انه ذو سطوة على العسكريين،... وهذا ما لم يطقه صدام في مرحلة كان يخطط خلالها، لكل ما عشناه من ثمة.

البحث في الوقت الضائع .. خواطر وإرتسامات عن زيارة للعاصمة الموريتانية

ahmad babanalalawiليست مهتما بالأحداث السياسية الجارية، إلا أنني أشاهدها وأقرأ عنها، كما يشاهدها غيري أويقرأ عنها على صفحات التواصل الاجتماعي، ولعل عزوفي يرجع إلى ما تتسم به الممارسة السياسية من عبث واللامعقول –يحير العقول و يهز الضمائر ومن هوله تنفطر الأفئدة والنفوس..

وكأي كاتب يهوى، الكتابة ، قد يجد نفسه في قبضة ناصية الأفكار، التي تجول في ذهنه وتلح عليه إلحاحا شديدا ليخرجها من دائرة الذهن ويسجلها على الورق حتى يتم الإمساك بها، فينقلها إلى القارئ، فهو وحدة المقصود بفهم دلالتها ومعناها...

إن الغاية من هذا الاستطراد هو التنبيه إلى أن الأفكار التي سيضمها هذا المقال تندرج ضمن الإرتسامات والخواطر، ولا علاقة لها بالشأن الجاري الموريتاني فهذا أمر يخص الفاعلين السياسيين، وهم أدرى بتعقيداته ودواخله وخوارجه.

أما الكاتب فإنه يحاول أن يسجل ارتساماته و خواطره، ويقدم خلاصة لمشاهداته، محاولا التعبير عن الوعي في كلمات، بحثا عن الضوء بدلا من الظلمة، فمهمة الأفكار توجيه الضوء إلى العتمة لتبديدها، لكي ينجلي نور الحقيقة... ، والكاتب ليس طرفا فيالشأن الجاري، ولكنه شاهد على عصره.

-1-

تحط بنا طائرة الخطوط الملكية المغربية القادمة من الدار البيضاء على أرضية مطار نواكشوط العاصمة الموريتانية بعد ساعتين ونصف من الطيران، الجو هنا، جو ربيعي يمتزج فيه الدفء بنسمات برد صحراوي..

الساعة تجاوزت منتصف الليل (السبت- الأحد) 7-8 فبراير 2015).

نمر إلى بناية المطار المتواضعة و المتهالكة والقديمة ..

وبعد انتهاء الإجراءات الاعتيادية، نخرج من المطار إلى الباحة الصغيرة حيث يوجد حشد من الناس ينتظرون خروج المسافرين ..

لا شيء تغير في المكان، نفس الملامح والمظاهر، البئيسة والاعتيادية التي تصادف الزائر لبوابة البلاد ..

تنطلق بنا السيارة إلى حي " تفرغ زينة" أحد أحياء المدينة الراقية...

-2-

اليوم الأحد 8 فبراير... يوم عطلة...، مكثت بمنزل أخي، الدكتور عبد الرحمن.. نتيجة لعارض صحي ألم بي ..

في المساء جاء بعض الزوار وانصب حديثهم عن الشأن الجاري الموريتاني ... ( حوار بين النظام والمعارضة).

يبدو أن موضوع " الحوار" يشغل بال النخبة بجميع أطيافها ومشاربها.

أصغيت إلى ما قاله الزوار حول الحوار وخلفياته وأهدافه ومآله؛ وخلاصة حديثهم أن النظام، القائم بعث برسائل عن طريق بعض الشخصيات النافذة أبدى فيها رغبته في إجراء حوار مع بعض قادة المعارضة، لإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة السياسية في مؤسسات الدولة...

لقد فتحت هذه المبادرة بابا من الجدل والنقاش، بين شرائح واسعة من المجتمع وكذلك أطياف الأحزاب بكل تلويناتها...

وقد انصب النقاش سواء في وسائل الإعلام المختلفة أو في الصالونات والمجالس حول مضامين هذا " الحوار" وممهداته وغاياته..

ويقول أحد المتحدثين من الزوار أن البلاد تعيش على تسارع الأحداث.. بين أطراف المشهد السياسي..

وأضاف أن للحوار فرص، كما تقف في وجهه عقبات كأداء، تسعى الأطراف المختلفة في جلساتها السرية والعلنية إلى التغلب عليها..

لقد تمت لقاءات بين شخصيات من المنتدى الوطني للوحدة والديمقراطية الممثل لأطياف المعارضة، بأخرى نافدة تمثل النظام القائم..، وهنا لابد من التذكير بأنه في شهر ديسمبر من السنة الفارطة أصدر المنتدى مذكرة تضمنت رؤيته للوضع العام في البلاد ومآلاته، ونصت الوثيقة إلى أن الخروج من الوضع الحالي يتطلب الدخول في حوار سياسي يفضي إلى توافق شامل..، وإلا فإن البلاد قد تتجه إلى انقلاب عسكري أو إلى تفكك..

-3-

لا شك أن السياسة تعبير عن صراع مصالح بين قوى وأطراف متعددة تتوزع على المشهد السياسي يمكن إجمالها بالنسبة للحالة الموريتانية في الجيش ورجال الأعمال والقوى العشائرية والقبلية والمناطقية والاجتماعية، ثم الأحزاب التي تعتبر مرآة لهذه الفسيفساء.

فالأحزاب في هذا البلد الصحراوي الشاسع الأطراف، هي بالدرجة الأولى تجمع قبلي ومناطقي وعائلي، ونفوذ زعامتها مستمد من قوة ارتباطاتها ومدى تمثيلها لمجالها القبلي والمناطقي والاجتماعي ، ومن ثم فإن الأحزاب تلتصق بالشخصية أوالفردانية والمنتمين إليها يحملون هوايتهم القبلية والعشائرية والمناطقية ...، ويأتي الانتماء الوطني والاجتماعي أوإلى مشروع سياسي أو إيديولوجي ، كعنوان شكلي يوضع على واجهة المقر الحزبي..

إذن نحن أمام دولة ( أو سلطة) عشائرية قبلية في الجوهر، والصميم، مدنية في الشكل (دستور- - برلمان- جيش- إدارة- حكومة- أحزاب- ووسائل إعلام حكومية ومستقلة).

ولكن لاوجود لدولة المواطنة لا في السلوكات ، ولا في المعاملات ، فالقبيلة والعشائرية والزبونية تهيمن على رأس الدولة و مفاصلها الأمنية والعسكرية والإدارية والمالية.

إذن ضمن هذا السياق يجري الحوار في السر والعلن بين رأس النظام العسكري الحاكم وأطرافه المدنية من فعاليات تؤثث المشهد السياسي في بلاد صحراء المرابطين...

لا وجود لأية رؤية سياسية شاملة للإصلاح تخرج البلاد من أزمتهاالهيكلية العميقة، والتي تتطلب الخروج من النظام العسكرتاري العشائري، البدوي الذي يطبعه اقتصاد الريع، وتجمد فيه الحركة الاجتماعية نتيجة هيمنة عقلية التقليد التي تكبل حركة المجتمع وتطوره..

فأنت أمام نخب تضع أقنعة براقة، وتلبس لباسا حديثا، وتقتني آخر ما أنتجته التكنولوجيا من أدوات حديثة، ولكنها تتصرف تصرف الجاهلية الأولى...

بلد غني بثرواته، ورغم ذلك يعيش غالبية سكانه، وشرائحه الاجتماعية فقرا مدقعا، وتعيش فيه الطبقة الحاكمة بجنرالاتها، وبيروقراطياتها ونخبها النافذة الغني الفاحش بفعل استلائهم على مقدرات البلاد، وثرواتها.

إن أزمة هذه البلاد الصحراوية العتيدة تعود إلى اختلالات عميقة في بنيتها السياسية والاجتماعية، ولن يتأتى لها الخروج من هذا الوضع إلا بإعادة تشكيل نظامها الاجتماعي، والانتقال من نظام عشائري بدوي تقليدي راكد إلى نظام مدني حضري متطور قادر على الاندماج في حركة الحياة والحضارة العالمية..

وإن كل تأخر من النخب في الأقدام على نقل بلدهم من وضعية التأخر الحضاريالذي يوجد فيه، سيكون ضربا من العبث، ومغامرة في الوقت الضائع سترهن مستقبل الأجيال، بل قد تدفع بمستقبل هذا البلد إلى حافة المجهول.

-4-

إن فكرة الإصلاح والتجديد فكرة محورية وضرورة ملحة في هذه المرحلة، للخروج من المشكلات المعقدة في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة..، التي تواجه الشعوب..

إن الكثيرين يحبون العيش تحت مظلة الاستبداد لأنه مفيد ومريح، وهم لا يقبلون الإصلاح إلا مكرهين..

ومن ثم فإن إرادة الإصلاح يجب أن تكون قوية ومستمرة، لأن الاستبداد بكل أصنافه وأشكاله وألوانه لا مستقبل له في هذا العالم المتسارع والمتغير..

وذلكمن منطلق أن تطور المجتمع في كل شأن من شؤون الحياة مرتبط بنمو الحرية لأنها قيمة إيمانية وإنسانية لا غنى عنها لمن يريد إصلاح الفكر وإصلاح العمل..

 

أحمد بابانا العلوي

آرا خاجادور .. الشيوعية المعتّقة (2)

abdulhusan shaabanمدوّنات آرا خاجادور الشيوعية: إن شخصية مثل آرا خاجادور بحاجة إلى تدوين تجربته، لأنها لا تخصّه وحده، بل إن جمهوراً واسعاً معنيٌ بها، من الشيوعيين والوطنيين والقراء بشكل عام، فهو رئيس الفرع الأرمني للحزب الشيوعي منذ كان فتى في العشرين من عمره، ودخل السجن لعشر سنوات قضاها في سجون نقرة السلمان وبعقوبة وبغداد والكوت من العام 1948 ولغاية ثورة 14 تموز (يوليو ) العام 1958، ثم اعتقل في أواخر الستينيات أيضاً، وكان ممثلاً للحزب في منظمة الأنصار الشيوعية العربية التي كان من المؤمل قيامها بدور مسلح من جانب أربعة أحزاب شيوعية عربية، هي العراقي والسوري واللبناني والأردني، وفي الثمانينات قضى بضع سنين من حياته في حركة الأنصار الشيوعية العراقية في الجبال الوعرة، يضاف إلى ذلك أنه شغل عضويات قيادية في الحزب، من اللجنة المركزية إلى المكتب السياسي، وعاصر في عمره المديد شخصيات وطنية عراقية متنوّعة، وكذلك شخصيات عربية وعالمية، لكنه أصبح هكذا مرّة واحدة وبجرّة قلم "خارج الحزب" حسب الوصفات السائدة.

 

قيادات فائضة عن الحاجة

أقول أن شخصية مثل آرا خاجادور ليست فائضة عن الحاجة أو منتهية الصلاحية بحيث يتم التعامل معها على هذه الدرجة من الازدراء والإساءة والخِفّة، حتى وإن كان قد تقدّم في السن، لكنه جزء من تاريخ الحزب ينبغي التعامل معه على أساس الاحترام والتقدير، بل وتكريمه، وذلك بغضّ النظر عن الملاحظات والأخطاء والتعارضات التي تتولّد خلال العمل، وتلك سمة إنسانية لا محيد عنها.

عندما وصلني كتاب آرا خاجادور بدأت بقراءته واستوقفني بعض المواضيع التي سبق وأن عالجناها في حركة المنبر التي اتخذت موقفاً من القيادة الرسمية وتوجهاتها، وهي التي كان آرا خاجادور حينها أحد أركانها، وحصل الأمر لعدد آخر من القياديين الذين اختاروا النهج ذاته، أي إعلان الاحتجاج، خصوصاً عندما أصبح الصمت يعني تواطؤاً، حين يتم المساس بهوّية الحزب ووطنيته، وهو الموقف الذي حاول المنبر اتخاذه في الحرب العراقية – الإيرانية، خصوصاً برفض المشروع الحربي والسياسي الإيراني، لاسيّما البديل الإسلامي المفروض من الخارج، وكذلك فيما يتعلّق لاحقاً بالموقف من الحصار والمخطط الأمريكي، وأخيراً الموقف من الاحتلال والتعاطي مع المحتل وتقسيماته الطائفية – الإثنية ، ليس هذا فحسب، بل الموقف من التصرّف بالحزب كإقطاعية، سواءً بتاريخه وتنظيماته وأمواله أو بسمعته ودوره الوطني المنشود.

وكما هو أسلوب التعامل في الماضي، فقد استمرّ في الحاضر، فرأي المخالف أمّا أن يتمّ تشويهه وتلصق به أبشع التهم والإدانات ويتم التحريض ضدّه، أو يغيّب وكأنه غير موجود أو هو أقرب إلى كائن من عالم آخر، وهذا ما حصل بالنسبة لآرا خاجادور .أتوقف عند هذه الظاهرة لأنها استمرت على الرغم من تغيّر الظروف والأحوال، حتى أصبح من وظيفة البعض أو من المهمات التي منحها لنفسه بعد خلعه، التصدّي لأي نقد ولأية وجهة نظر خارج نطاق الطاقم المعروف بشكل رسمي أو بشكل شبه رسمي، على نحو لا يخلو من الكراهية والحقد، ناهيكم عن المراهقة السياسية دون أي اعتبار للعمر والتجربة، اللتان لهما استحقاقاتهما، وخصوصاً لمن بلغ من العمر عتيّاً.

 

معارضو إدارة الحزب

إن المرض المزمن ظلّ متأصلاً، فكل من يرفع عقيرته بالنقد، بل يشرع بالتعبير عن ذلك علناً، يلقى ما يلقاه من إساءات وشتائم، وطالت قائمة المشتومين من مجموعة المنبر التي ضمّت نوري عبد الرزاق ود. مهدي الحافظ ود. ماجد عبد الرضا وأحمد كريم ود. خالد السلام وكاتب السطور إلى بهاء الدين نوري ومجموعته وزكي خيري وسعاد خيري، ثم مجموعة باقر ابراهيم التي ضمّت عدنان عباس وحسين سلطان وآخرين وكذلك تواصلت الحملة ضد عامر عبدالله، وبعدها وصلت الحملة إلى آرا خاجادور وبعض الرفاق الذين معه، خصوصاً عندما بدأ بالتعبير عن رأيه، بنشر أول رسالة مفتوحة له بتاريخ أيلول /سبتمبر 1991، أي بعد غزو القوات العراقية للكويت 2 آب (أغسطس) 1990، وحرب قوات التحالف لتحريرها في 17/1/1991، ومن ثم بداية تدمير العراق وفرض شروط مهينة عليه في إطار عقوبات دولية جائرة.

وعندما أذكر ذلك فلا يعني إن المشتومين هم بلا أخطاء أو نواقص، بل إن بعضهم بقدر ما يوجّه لإدارة الحزب من انتقادات يوجّه إليه أيضاً، ولكن الفارق كبيراً بين النقد والنقاش الفكري والاختلاف حول الممارسات التنظيمية، وبين الشتم والإساءة والتشهير.

إن تاريخ الرسالة له أكثر من دلالة، وحتى لو جاءت متأخرة، فإن انكشاف عيوب الأنظمة الاشتراكية، قد يكون وراء إفصاح خاجادور عن آرائه علناً، خصوصاً وأنها جاءت بعد عاصفة من التغييرات التي شملت بلدان أوروبا الشرقية وانهيار أنظمتها الشمولية، حيث أطيح بجدار برلين بتاريخ 9 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1989 وقبل هذا التاريخ حصل التغيير في بولونيا وهنغاريا اللتان أطاحتا بالنظام الشمولي والاشتراكية البيروقراطية التي سقطت مضرجةً بأخطائها وخطاياها، ثم انهار النظام الاشتراكي في تشيكوسلوفاكيا، وكرّت المسبحة، وحصل كل ذلك بفعل حراك شعبي وصلت أمواجه إلى الاتحاد السوفييتي الذي انهار فيه النظام الشيوعي بعد 70 عاماً من الحكم، وذلك في أواخر العام 1991.

" الرسالة المفتوحة" التي وجهها آرا خاجادور والتي تعلن الفاصل بين زمنين وتاريخين ، ينبغي أن تؤخذ بظروفها الموضوعية الدولية والإقليمية والعراقية، لاسيّما ظروف الحزب الخاصة، حيث تكرّست السياسات الخاطئة للإدارة الحزبية، واستمرت سياسة التفريط وخروج أعداد من الإدارات عليها حسبما يوضح مضمونها.

جدير بالذكر إن رسالة سبقت هذه الرسالة وهي منشورة في الكتاب ومذيّلة بشهر آذار/مارس 1990، لكن تلك الرسالة كانت موجهة إلى اللجنة المركزية، وقد كانت الخطوة الأولى التي بدأ فيها آرا خاجادور " أبو طارق" باختيار الطريق شبه العلني لخوض الصراع، بعد أن وصلت قناعاته إن إمكانية الإصلاح أصبحت مستحيلة (تصوروا إن شيوعياً يصل إلى مثل هذه القناعة بعد نصف قرن قضاها في الحزب، فما الذي يدفعه لاتخاذ هذا الموقف إن لم يكن ثمة فداحة هائلة، وهو الذي تحمّل الكثير من العذابات والآلام).

وهو ما حاول د. رحيم عجينة التعبير عن ذلك، لاسيّما بتسليط الضوء على الأجواء المحمومة السائدة داخل اللجنة المركزية والأساليب الزجرية وغير الرفاقية التي اتبعت في إطار مراكز القوى، حتى وإن جاء ذلك بعد وفاته، وفي المذكرات التي تم نشرها عن دار الكنوز الأدبية في بيروت بتاريخ   1/1/1998، وكان قبله زكي خيري قد تعرّض لكثير من الضغوط والتجأ حينها إلى السويد وهو يحمل مرارات لا حدود لها، سواءً خلال وجوده في دمشق (أواسط الثمانينات) أو عندما انتقل بعدها إلى براغ في ظرف بالغ القسوة والجحود وهو ما يأتي على بعضه في مذكراته " صدى السنين "، وذلك بغض النظر عن المواقف السلبية والخاطئة لهذا الرفيق أو ذاك. وهناك قائمة أخرى ضمّت مذكرات باقرا ابراهيم وعدنان عباس وبعض كتابات حسين سلطان، وهي كلّها تنضح بالمرارة، وبالطبع قبلها مذكرات بهاء الدين نوري وآخرين.

إن كتاب آرا خاجادور الصادر العام 2014 عن دار الفارابي في بيروت ضم بين دفتيه 60 مقالاً تدور حول السياسة الراهنة وتداعياتها وبعض خلفياتها، وإن كانت تتعرّض إلى بعض الجوانب من السياسات السابقة، لكن ما هو راهن منها، بما فيها مناكفات وإساءات جاءت على لسان بعضهم، وحملت أسماء مستعارة مثل " دحّام التكريتي" والذي هدّد خاجادور بكشفه ووجّه كلاماً مباشراً له إذا لم يرعوي ويكفّ عن المهاترات، كما عكست المقالات إضافة إلى الأزمة الداخلية للحزب والموقف من الحصار والاحتلال، مواضيع أخرى.

ويقول د. عبد الحميد برتو في مقدمته الرفاقية عن الكتاب وما احتواه أنه " ينتقد بانسيابية وبساطة ودون تحفظات في طرح النواقص والمعايب والأخطاء، وهو في الوقت ذاته يدافع دفاعاً مستميتاً عن الشيوعية في العراق وعلى النطاق الأممي فيما يراه صحيحاً وإيجابياً وصادقاً".

إن كتاب خاجادور يشكل إحدى الرؤى للأفكار والممارسة الشيوعية، وليست بالضرورة أن تكون صائبة أو صحيحة، لكنها تعبّر عن شيوعية خاصة بفهمه لها، وهو ما سنحاول التطرّق إليه، على الصعيدين النظري أو العملي، علماً بأن الكثير من الآراء ووجهات النظر، لاسيّما السياسية التي جرت مقاربتها تنسجم مع بعض توجّهات عدد من الشيوعيين، خصوصاً بعد الاصطفاف الجديد الذي يتعلق بالهوّية الوطنية للحزب والموقف من الاحتلال.

وبالقدر الذي حاول فيه برتو إبراز القيم المشتركة، لاسيّما الانتصار للمظلوم، سواء كان الظلم الذي جاء من خصم أو من ذوي القربى، فإنه يبرز أهمية وواجب التضامن والانحياز للعدالة وضد العدوان وهي القيم الأصيلة للشيوعيين خارج نطاق التشوّهات التي لحقت ببعضهم، والتي أشاعت نوعاً من الكراهية والثأر والانتقام، في زمن يتّجه فيه العالم أكثر فأكثر إلى التصالح والتسامح والتواصل الإنساني، وخصوصاً في المجتمعات المتحضّرة، أقول بقدر فائدة تناول مثل هذه القضايا الداخلية، فإن عرض المواقف السياسية بتفاصيلها وعموميتها أمر ضروري ومفيد أيضاً، للتمييز بين مواقف الشيوعيين المناوئة للاحتلال ورفضهم التعاطي معه، وبين من انساقوا تحت مبررات " الأمر الواقع" و"عدم الانعزال" وغير ذلك من التبريرات.

 

صراعات واختراقات

ويمكن تلخيص أهم ما تضمّنته الرسالتان اللتان تشكّلان أساس رؤية آرا خاجادور للتطوّرات السياسية، ولاسيّما ما يتعلق بالأزمة الداخلية هو: استمرار المكتب السياسي الجديد (المقصود بعد آذار /مارس/1989) أي بعد تنحية خاجادور، في منهجه الانتقامي والتفريط في كوادر الحزب والعزلة بين القيادة والقاعدة الحزبية لدرجة يقول " لم يشهد تاريخ حزبنا وضعاً كالذي نعيشه اليوم، حيث الصراعات الشخصية، الذاتية الواقع والمنشأ، وتفشي الخروقات والانتهاكات، وضعف اليقظة والحرص والتنكيل بأصحاب الرأي المختلف أو المعارض، وبروز مراكز قوى قائمة على أسس متخلّفة أبعد ما تكون حتى عن قيم المواطن العادي من أبناء شعبنا، الذي يتسامى فوق التعصّب بكل أشكاله وألوانه العرقية والإقليمية والعشائرية والدينية والطائفية وغيرها " (ص 22).

ويعرض خاجادور قضية اختراق شغلت "القيادة" من العام 1985 حتى العام 1987، وما صاحبها من ابتزاز، وفي مكان آخر يسميها " القضية العار" (ص-28) والتي كادت أن تطيح بأمين عام الحزب، حيث طرحت مسألة " سحب الثقة" عنه، من جانب جماعة دمشق، معتبراً ذلك سلوكاً تآمرياً وتكتيكاً غريباً، دون أن يعني ذلك الدفاع عن نواقصه وأخطائه حسب تعبيره. ويتناول بعض النزعات الوصولية التي أدت إلى إلحاق الضرر بسمعة الحزب وهيبته واعتباره في نظر أصدقائه وأشقائه، فضلاً عن أعضائه وكوادره، محمّلاً ذلك "للقيادة".

كما تناولت الرسالة ما أسمته الأسئلة العريضة حول مالية الحزب، وكمّياتها والجهة المسؤولة عنها، وطرائق ضبطها، وتدقيقها، وطريقة الصرف، وأوجهه، وحمايتها من التصرّف الشخصي والتسلّط الفردي عليها، تلك التي ظلّت أسئلة حائرة، ليس لكادر الحزب وقواعده، بل حتى للمكتب السياسي الذي كان خاجادور عضواً فيه، والذي أثار تقوّلات كثيرة، حتى وإن تغلّفت بالعمل السري وخصوصية وحساسية مثل هذه الأسرار.

وعلى نحو صريح يحمّل خاجادور، الأمين العام السابق المسؤولية بقوله كان عليه " ألاّ يدخل في مساومات وصراعات لا مبدأية، وأن يتحلّى بالجرأة والشجاعة في مواجهة الواقع الراهن..." ويخلص إلى استنتاج مفاده : إن ما يواجهنا الآن ليس المزيد من " الجمل الثورية"، بل من الفعل الثوري الواقعي!!!

 

دماء لن تجف (44): آية الله السيد عبدالصاحب الحكيم ..

munir hadadولد الشهيد آية الله السيد عبدالصاحب الحكيم نجل آية الله العظمى السيد محسن الحكيم، في "النجف الأشرف" العام (1360 هـ ) مختزلا مراحل الدراسة، في الحوزة العلمية، التي إنتظم فيها، منذ طفولته، لافتا عناية أساتذتها؛ منجذبين لألمعية أخلاقه وطهر قلبه وحلاوة معشره.. لا تفارق وجهه الابتسامة المنشرحة، التي يتجسد فيها سر الآية القرآنية الكريمة: "ألم نشرح لك صدرك".

ولأنه شديد الولاء لأجداده.. سلفه العظيم.. أهل البيت.. عليهم السلام؛ فقد إنشرح صدره بالشهادة في سبيلهم.. تلقاها مؤمنا بنيل أحدى الحسنيين.. ولأن النصر مرهون بقدر تباطأ حتى 9 نيسان 2003؛ فقد عجل له الرحمن.. جلت قدرته، بالشهادة، يستقي من ماء حوض الكوثر.

عاش الشهيد.. تقدس سره؛ شغوفاً بالعلوم الدينية، بالغا مرتبة الاجتهاد في سن الثلاثين، جامعا الشباب حوله، خارج المنهج الدراسي، في ليلي رمضان.. كثير الاعتكاف.. يتردد على مراقد الأئمة الأطهار.. عليهم السلام، مداوماً على صلاة الليل، يؤدي الصلوات المستحبة باستمرار.

له مؤلفات مهمة، في المكتبة الاسلامية عموما، يستنير بها المهتدون، في مفازات النور، وترشد الضالين الى سبل الهدى، إحتواءً لمن شاء ان يتقي، فزاده الرحمن يسرا في أداء شعائر التقوى، مسهلا مناسكها تنبسط بين يدي قدرة الله.

.. اعتقل يوم 10/5/1983، مع مجموعة من أشقائه، يتلظى معذبوه في جحيمهم، وهو ينعم تحت سياط الكفر، إقترابا من الجنة، التي بلغها بنيل درجة الشهادة الرفيعة، يوم 5/2/1985، في معتقلات أمن الطاغية المقبور صدام حسين، بعد أن نفّذ البرابرة البعثيون حكم الاعدام بحقّه تغمّده الله برحمته، فإنسابت أجنحة الملائكة ترفرف وئيدا، وهي تنقل أثير روحه، بتؤدة رحوم.

طبتم مقاما وتعالى رب العالمين الذي إصطفاكم لنعمة دينه.. دنيا وآخرة.

 

صفحة من بطولات الهراكنة (الاوباش)* .. الشهيد ظافر السلامي وابو شرارة وابو ناتاشا

هركي قاعدة للأنصار الشيوعين تتوسط المسافة بين قاعدة بهدنان، التي تشكل قاعدة مركزية لتهريب الرفاق والاسلحة من سوريا، عبر الاراضي التركية الى كردستان العراق ومناطق سوران. قاعدة صغيرة تقع في المناطق التابعة للعمادية والمسؤولة لاحقا عن العمل الانصاري فيها. تشكل قاعدة هيركي محطة راحة للرفاق الذاهبين باتجاه مناطق سوران وهورمان او بالعكس للمفارز القادمة من هذه المناطق لحمل السلاح على الظهور من بهدنان الى سوران او هورمان في رحلة قد تمتد الى عدة اسابيع.

في شتاء 1981 تعرضت احدى المفارز القادمة من بهدنان الى هركي الى عاصفة ثلجية في قمم احد جبال المنطقة وحوصرت بين الحياة والموت. كانت المفرزة اصلا مجموعة من الانصار الجدد الملتحقين من الخارج والمنسبين لتعزيز قاعدة هركي، التي لم يكن يتجاوز عددها 25 نصيراً. كان دليل المفرزة النصير البطل ابو شرارة (غسان الدايني). لم يكن ابي شرارة موافقاً على موصلة الطريق عبر القمة لتقديره بخطورة وسوء الاحوال الجوية، التي تعني في لغة اهالي المنطقة والانصار احتمال الموت انجماداً، خاصة حينما تتسع الامكانيات في ظروف كهذه لأن يفقد الادلاء دلالات طريقهم. لكن اصرار المستشار السياسي للمفرزة والقاعدة لاحقا وهو كان من الملتحقين الجدد (استشهد فيما بعد في أحداث بشتاشان وهو في ربيع عمره وعطائه) على مواصلة السير، دفع ابو شرارة على مواصلة السير. تحدى رفاق المفرزة وبدون استثناء وبأراده شيوعية عنفوان العاصفة الثلجية. لا أحد منا يعرف الا القليل عن حجم العذاب والالم والجوع والاصرار الجبار على مواصلة السير وتحدي الطبيعة الجبارة وثلج قمم جبال كردستان . يعرف كل من مر بتلك الدروب ان دليل المفرزة الذي يتقدمها يفتح الطريق بخطواته الاولى بين طبقات الثلج الناعم والتي تكون كالقطن المندوف و يصل عمقها احيانا الى متر او اكثر. على اثر خطواته تسير بقية المفرزة كأنها الرتل التابع لمقدمته في حقل الالغام. هذا يعني ان الدليل او من يكون في مقدمة المفرزة يحتاج الى جهد مضاعف لشق طبقات الثلج المتراكمة بأقدامه وساقيه ووسط جسمه ان تطلب الامر. هو العرضة الاولى للإصابة بالانجماد وعلى قدراته تتوقف حياة المفرزة في معظم الاحيان.   كان ابو شرارة على استعداد للتضحية بحياته من اجل انقاذ المفرزة، وقد نجح في تحدي طغيان العاصفة والوصول بها الى احدى القرى. استشهد وبصمت الرفيق (ظافر السلامي) وكان لتوه قد التحق بالأنصار تاركا زوجة بعمر الورد وطفلا صغيراً. اصيبت قدما النصيرين ابي شرارة وابو ناتاشا بالانجماد. كانت ايام عصيبة وكنت شاهداً على بطولة ابي شرارة وابي ناتاشا وهما يتحدين الموت وامكانية بتر أقدامهم.

في ذلك الشتاء الثقيل، كان الانصار القليلو العدد المتوجودين في هيركي يمارسون حياتهم اليومية بكل روتينية، خاصة ان الجيش العراقي كان منسحباً من المنطقة إلى جبهات القتال مع ايران، ولا توجد امكانيات لتقدمه او تقدم قوات الجحوش، التي هي اصلا قليلة العدد نسبياً، مقارنة مع مناطق سوران. وصل الخبر بعد الظهر من قرى المنطقة بتعرض المفرزة للعاصفة الثلجية واستشهاد احد رفاقنا واصابة اخرين دون تفاصيل محددة وان المفرزة تتجه بمساعدة فلاحي القرى الى القاعدة. مع حلول المساء بين الساعة الرابعة والخامسة وصلت المفرزة، يتقدمها بغلان كان اهالي القرى قد اعاروهما للمفرزة. الاول محمل بابي شرارة والثاني محمل بابي ناتاشا وبقية من انصار لا يتجاوز عددهم الثمانية ان لم اخطئ، مرهقة وخارجة من جحيم الموت. تقدم المفرزة صخب ابو شرارة الجميل. وبعض من كلماته الساخرة وبصوته العالي الذي اعتدناه بما لا يترك الشك بانه لم يكن مصابا.

ابو شرارة (غسان الدايني): شاب في مطلع العشرين من عمره. طالب ترك مقاعد الدراسة وهرب الى الخارج خلال حملة النظام الساقط ضد الشيوعين 1978. التحق في 1980بقوات الانصار الشيوعين. لامس بعض الصلع شيئا من شعره الاشقر، ذو بنية جسم طبيعية ولكنه ذو طاقة غير محدودة في العمل. يجمع بين ثناياه بين روح القرية والمدينة. له غرام بقراء المولد النبوي والادعية الصوفية ويحلو له في اوقات الاستراحة ان يقلد العميان وطريقة قراءتهم المولد النبوي ما فيها قلب بياض عينه كانه اعمى ويروي الكثير من خبايا حكاياتهم بما فيها شرب الخمور. خلف صخبه الجميل تسكن روح طفل برئ. لا يصعب ان تراه احيانا كثيرة منقطعاً متأملا كانه في خلوة صوفية. من مفارقات تلك الايام، كان ابو شرارة على مشاكسة يومية تقريبا مع النصير ابو بسيم وهو عامل تجاوز الخمسين من عمره، لكنه بحيوية الشباب وسابقاً في العمل. اكتشفنا لاحقا وبسبب وضعه الصحي، ان احدى عينيه كانت زجاجية. الاثنان كانا من ديالى او مناطقها. لذلك حين يكون الجو رائقا بين الاثنين، يناديه ابو شرارة بـ(خالي)، مما ينعش مزاج ابو بسيم ويشعره بقوة سلطته المفترضة على ابي شرارة ذي المزاج العنيد احيانا.

لا ينجز عمل يومي بين الاثنين في هذه القاعدة الصغيرة حتى يعلو النقاش والعناد على احر من الجمر بين الاثنين. كان ابو بسيم شبيه ابي شرارة وربما أكثر بـ(حوصلته) الصغيرة. تدخل بعض الانصار في البداية لفك الاشتباك بين الاثنين ولكن الاثنين يكونان خارج اطار التغطية. مع الايام تعودنا الامر وكف الجميع عن التدخل بهذه الاشتباكات الكلامية، بل على العكس كان قسم منا ينتظرهما وربما يستمتع بها او يرمي الزيت علي نارها ليزيدها اشتعالا لما تحمله من روح الفكاهة. عندما نسمع وبصوت عالي كلمة (يا رفيق) مسبوقة بشرح ابي شرارة لوجهة نظره، هذا معناه أن الاشتباك قد بدأ ويتجه الان نحو القمة. لم يتجاوز ابي شرارة يوما حدوده وحبه( لخاله) ابو بسيم وهذا من شيم اخلاقه، ولكن بعد ان نسمع وبصوت عالي كلمة (يا خالي)، نعرف ان ابي شرارة فقد سلطة الاقناع ويتجه الان للترضية والمساومة. ومع انخفاض درجة الحرارة عند ابي بسيم، تكتسب كلمة يا خالي غنجاً وسينتهي الامر بضحكة ( داعرة) وحركة خبيثة من ابي شرارة. ونهايته قبلة من ابو بسيم لابي شرارة أو العكس، لكن هذا الامر لا يستبعد أن يفجر الوضع من جديد بعد دقائق قليلة.

ابو ناتاشا: تعرفت عليه في بيروت في فترة اعدادي للدخول الى كردستان. اوربي الشكل. عيون زرقاء وشعر اشقر ولون حمصته الشمس. في مقتبل الأربعينات. ياسرك هدوءه الوديع وتعليقاته المقتضبة. قليل الحديث، بطئ الحركة، يضفي على المكان دفئه ولن يتردد المقابل أن يمنحه ثقته. استغربت لاحقا حين عرفت انه كان ضابط احتياط خاض تجربة 8 شباط 1963. كنت معجباً بعالم رحلاته الى اروبا الغربية.    

بقينا ننتظر ترجل ابو شرارة من البغل، فلم يفعل ولعلعة لسانه لا تتوقف كأنه في زفة عرس. اخيراً طلب المساعدة في انزاله، محذراً لنا بالرفق بقدميه لأنها مصابة. حملنا الاثنين الى القاعة الكبيرة وهى احدى القاعات الثلاثة للقاعدة. تحت ما بقى من ضوء المساء ونور الفانوس كشفنا عن قدمي الاثنين وهنا كانت الفاجعة. كانت أقدام أبي شرارة وأبي ناتاشا منتفخة. مملوءة بالسوائل وبعمق 3 الى 4 سم. لم يترك اللون الاسود او الازرق واطيافهم منطقة فارغة. اصابع القدمين لابي شرارة وكعبي قدمه كانت سوداء. الاحساس مفقود تماماً ويبدأ الشعور به بعد مفصل القدم. درجة حرارة القدم مرتفعة وهي امر بديهي لإصابة كهذه. لم يجرؤ أي منا ان يقدر مقدار العفن المنبعث من الاصابة وهو احد الاشارات المهمة للاصابة بالغنغرينا، ربما خوفا ان نصدق ان الاصابة هي الغنغرينا، التي سيترتب عليها سؤال ماذا سنفعل.

لم يكن الانصار قد تعرفوا بشكل جيد على الغنغرينا، الا سماعاً وحادثة واحدة في نهاية 1979 او بداية 1980، حيث تجمد قدما النصير ابو جاسم في مفرزتهم المتكونة من اثنين فقط، لتأمين المواد الغذائية من القرى الكردية التركية. كان ابو جاسم (عربي من الموصل) والذي سبق ان انهى دراسة في السويد، قد تجمد في ثلج ذلك الشتاء الذي كان استثنائياً بقسوته وكمية الثلوج التي سقطت، الا ان الشهامة والروح الثورية للنصير خليل ابو شوارب (كردي يزيدي) الفارع الطول والذي كان يساعد ابو جاسم في الترجمة ومهمة تأمين المواد التموينية، أبت هذه الشهامة ان يترك رفيقه امام الموت المحتوم، فحمل رفيقه ساعات طويلة الى أن وصل به لإحدى القرى الكردية التركية حيث تم اسعافه ونقله لاحقاً الى مقر القاعدة في بهدنان ليقوم الشهيد الدكتور عادل (غسان عاكف حمودي) باستئصال احد اصابع قدمه.

اما هنا في قاعدة هيركي فأن الوضع مختلف. لم يكن في القاعدة طبيب. الدكتور سليم وهو معاون طبي والمستشار السياسي للقاعدة كان في مفرزة للقاعدة المركزية (بهدنان) والتي تبعد خمسة ايام مشياً. بسبب الثلج كان الطريق مسدوداً وتنعدم امكانية نقل المصابين الى بهدنان او الى سوران التي تبعد ايضا خمسة ايام مشياً. لا يوجد جهاز لاسلكي للاتصال مع القواعد الاخرى لطلب المساعدة. لم يكن في القاعدة حينها الا سبعة او ثمانية امبولات من المضاد الحيوي امبينسلين ولا اكثر من علبتين من الاسبيرين. ادوات الجراحة لا تتعدى علبة ادوات تشريح مدرسية وهي عبارة عن ثلاثة او اربع مقصات وابرة تخيط ومشرط وبعض الضمادات ومن حسن الحظ كان قسم مخصص للحروق. لا يوجد مطهر او معقم الا قنينة كحول صغيرة ولا وجود لأي مخدر او قفازات طبية او مستلزمات طبية أخرى. اما (كادرنا الطبي) اذا جاز التعبير فهو الفقيد ابو اثير الذي يمتلك خبرة للعمل في مذاخر الأدوية والصيدليات وهو خريج احدى الدورات الصحية في الستينات و كاتب المقالة والذي سبق له ان تدرب مع النصير ابي وحيدة في دورة للتمريض لمدة اسبوعين اقامها الدكتور عادل في منتصف 1980. اختار الشهيد الدكتور عادل ابو وحيدة باعتباره خريج معهد مهن صحية وانا باعتباري كنت طالباً في السنة الرابعة في قسم الانتاج الحيواني في كلية الزراعة في جامعة البصرة. عرفنا ان اصابة ابي شرارة هي الاقوى من خلال حديثه لأنه كان دليل المفرزة. في حقيقة الامر لم نكن نعرف باي درجة كانت اصابة ابي ناتاشا اقل أو هكذا افترضنا.  

تركت القاعة مبتعدا وغرقت في نوبة من البكاء الحار خلف غرفة صغيرة للإدارة وخمنت ان عزرائيل يشتهي ان يحل ضيفاً علينا. جاءني ابو بدر (القاص علي شبيب). كان لأبي بدر هيبة بين الهراكنة. فهو العمود الثقافي للقاعدة ومركز ومنشط حياتها ونقاشاتها بين الهراكنة في كل المجالات. لم يرسم يومياً مسافة بينه وبين الانصار. كان وجهه محملا بكل تعابير الصداقة والمودة، لكن صوته كان حازم لم يترك لي مجال للمناورة او التراجع. (هذا ليس وقت البكاء. تعال افحص اقدام الرفاق وابحث لنا عن حل). كنت مرعوبا، حتى في تجربة الاعتقالين والتي سبق ان تعرضت لها لم يداخلني هذا الرعب. حين استرجع تلك الايام يلامسني لحد الان شيء من هذا الرعب.

قررنا، الفقيد ابو اثير وانا ان نفتح الاقدام المتورمة ونزيل المناطق السوداء فقط ونقوم بتضميد الجروح. اتفقنا ان يقوم ابو اثير بفتح قدمي ابي شرارة وان اقوم أنا بفتح قدمي ابي ناتاشا. بدأنا بابي شرارة بعد وضع الطشت تحت قدميه. ولسبب في ضعف نظر ابو اثير وارتجاف يديه بسبب العمر ووضعه الصحي وقلة الضوء قمت انا بالعمل تحت اشرافه، محاطاً بصمت الرفاق وانفاسهم المكتومة. فتحت باطن القدم من منتصفها تقريبا . سالت سوائل ودماء مختلطة ونزلت الانسجة على شكل خيوط وسلاسل غير منقطعة. كانت الانسجة والعضلات مهروسة. كنت اتصور ان نفخت عليها ظهرت عظام القدم. ازلنا ما استطعنا من المناطق السوداء فقط وحفظنا قدر الامكان على المناطق الاقل اصابة. واصل ابو اثير العمل في تضميد الاقدام بضمادات الحروق وانتقلت انا لمواصلة العمل على قدمي ابو ناتاشا. رغم شدة العمل وشدة اصابة عضلات القدم الا انه لم يكن هناك شعور بالألم عند الاثنين وهذا ما كان يربكني. زرق كل من الأثنين بجرعة من المضاد الحيوي وتركنا الاقدام مكشوفة مع عمل غطاء فوقي عليها. لم نرفع الاقدام الا قيلا حتى نضمن اندفاع الدم اليها، كذلك طلبنا بالحفاظ على درجة حرارة الغرفة بشكل مناسب. استخدام المسكنات ومراقبة الحرارة وغيرها من الاجراءات الوقائية. صباح اليوم الثاني تحرك النصير البطل توفيق ختاري، الذي اصبح لاحقا احد قادة الانصار الشيوعيين في المنطقة على القرى الكردية التركية لإقناعهم بمساعدتنا في شراء المضادات الحيوية من تركيا بعد ان زوده ابو اثير بقائمة ما يمكن شرائه.   في نفس اليوم ظهرت مشكلة اخرى. قرر ابو اثير ان يعطي كل من المصابين نصف جرعة من المضاد الحيوي حتى يستطيع ان يعطيهم اطول مدة ممكنة، لحد وصول المضادات الموعود بها من تركيا ولم نكن نعرف مدى جدية هذا الامر. كنت الى جانب ان نعطي جرعة كاملة كل يوم مما يقلل من امكانية حصول الالتهابات، التي تشكل اساساً الخطر القادم على عملنا، هذا اذا كانت تصوراتنا صحيحة. امام اصراري التجأ الفقيد ابو اثير للقرار الحزبي من مسؤول القاعدة للاستمرار في تطبيق رأي ابو اثير والاستمرار في العمل وعليه اتفقنا ان يكون ابو اثير مسؤول عن تطورات وضع ابي شرارة واكون انا مسؤول عن تطورات وضع ابو ناتاشا. اتاح لي هذا الاتفاق أن اتعامل مع رعبي بشكل اخر، فقد كنت خائفاً من اصابة ابي شرارة وتحمل مسؤوليتها وبالذات امام الانصار. اية ايام سوداء ستنتظرني اذا تدهورت الحالة وانا لست على علاقة بالطب وغيرها من الاسئلة. كنا جميعاً وبدون استثناء ننتظر الاسوأ ونتوقعه وهو بتر الاقدام اذا استمر ظهور التعفن. لكن من يقوم بذلك وكيف وغيرها من الاسئلة العديدة والمخيفة لأنها تتعلق بحياة اخرين ظلت معلقة. الكل في القاعدة لم يجرؤ على التفكير بصوت عالٍ واختزل هذه الاسئلة بالصمت. كانت تلاحقني مشاهد من فلم شاهدته في سينما الوطني في البصرة وقبيل اختفائي بفترة قصيرة لصياد تجمدت اقدامه في الثلج وقام بقطع احدى قدميه بالطبر. لم تكن تقلقنا حالة اليوم فقط فانه قد عدا، لكن كيف ستتطور الحالة غدا وما ستحمله من مفاجئات. اذا كانت هذه عذاباتي وكذلك الاخرين فما هي عذابات ابي شرارة وابي ناتاشا. واجه الاثنان هذا العذاب كل بطريقته. ابو شرارة بروحه الصاخبة وغنائه وتشجيعه وابو ناتاشا بهدوئه وصمته وملامح وجهه الطيبة. اتاح لي الاتفاق الاخير ان اكتسب جراءة اكبر وامضي في معالجة الاثنين. بعد خمسة ايام او اسبوع وصلتنا كمية جيدة من المضاد الحيوي (تتراسيكلين) بعد ان قام بشرائها لنا احد الفلاحين. بقينا في نفس الاتجاه في المعالجة دون ان نسأل انفسنا إن كنا ما نعمله صحيحاً ام خطئاً. أستمريت بين فترة وأخرى وبمتوسط اسبوعين او اقل بقص المناطق السوداء المتيبسة والتي لا احساس فيها. كانت الاسابيع الثلاثة الاولى ايام جحيم. خاصة عند التضميد اليومي حيث تختلط عندي الصورة. هل ان عدم شعور الاثنين بالألم هو تحدي او فقدان للشعور بالألم وانا اعرف الروح المتحدية لأبي شرارة. كنت اضغط على بعض المناطق وكنت اتمنى ان يصرخ. فالألم هنا معناه ان المنطقة حية. خلال هذه الايام ارتفعت حرارة ابي شرارة بشكل عالٍ واعتقد اننا استخدمنا الضمادات الباردة ايضا. ثلاثة اشياء كانت سَندي. الاولى بطولة وشجاعة الاثنين. كانا يتحديان كل الاحتمالات والآلام والعذاب بصمت وإرادة جبارة كأنهما ربطا كاتم صوت على انينهم وبالذات في ساعات الليل الطويل. الثاني النصير الجميل ابو قمر(ضياء خلوصي كان يعمل مراسل صحفي رياضي في الحلة). ابو قمر كما يعرفه الانصار انه شعبيي الشخصية وكم يتذكر الانصار ولحد الان قفشاته الجميلة والمضحكة. فهو يستطيع ان يتحدث ويناقش في اربعة مواضيع مختلفة في وقت واحد. ابو قمر يحول المستحيل الى ممكن من ابسط الاعمال كالطبخ الى اسقاط السلطة وبطريقة مميزة من الجد والسخرية وبالعكس اذا اراد ذلك. سريع البديهة وتعليقاته لاذعة لمن لا يدخل قلبه وعكسها صحيح. كان ابو قمر يحي الثقة والامل بكل تعليقاته اليومية وصورني (جراح ماهر). الثالثة هي الهراكنة الحلوين وبدون اي استثناء. المعروف في ظروف كهذه تكون ساحة لظهور التذمير والتشكيك والتعليقات وغيرها علانياً او سراً. اتفق الجميع وبشكل غير معلن على الصمت. استغرب ولحد الان، نحن الذين كنا نتحدث بأدق التفاصيل حتى الشخصية. لم يسأل احد من الهراكنة الحلوين ماذا تفعلون ولم يشكك احد بما نفعل أو تَحمل مسؤولية ما نفعل وغيرها.

بعد شهر او شهر ونصف بدأت تظهر بعض العلامات الايجابية وبالذات في قدمي ابي ناتاشا. وبدأ لون الطبقات الخارجية يقل سوادها. كان هذا مبعث السرور للكل. لكم ان تتخيلوا عذابات هذه الفترة. بدأت هذه العلامات عند ابي شرارة تظهر كما اتذكر بعد شهرين او أكثر ولكن ايامنا اصبحت ربيعا بعد ان انتهى خطر الاصابة بالغنغرينا. بعد ثلاثة اشهر او اربعة، استطاع ابو ناتاشا أن يقف وبصعوبة على قدميه وبدأ الجلد بالظهور. ظل ابو شرارة لمدة ستة اشهر في فراشه يلعلع بصوته وسخريته واغانيه وحبه لكل رفاقه ومن سوء حظه انني في الكثير من الاحيان كنت اعثر بقدميه المصابة عند مروري جنبه مما يسبب له الكثير من الالم. بعد ستة اشهر استطاع الهراكنة (شحن) ابي شرارة على البغل (المسجل) الى قاعدة بهدنان. لحد فترة نقل ابو شرارة فأن الجلد النامي لم يكن يغطي الاقدام المصابة وبقيت فتحة في باطن القدمين. بعد اشهر عديدة عاد ابو ناتاشا الى وضعه الطبيعي واخذ كما يقال بالعراقية (يطارد) في مفارز الانصار الشيوعية البطلة. عند وصول ابي شرارة وفحصه من قبل الطبيب (حقيقي) اعتقد الشهيد الدكتور ابو ظفر (محمد بشيشي الظوالم) الذي قام لاحقا بقطع نصف قدم وعدة اصابع من القدم الاخرى للنصير البطل ابي حازم (حسين كزار) لأصابته بالغنغرينة. قال ابو ظفر لابي شرارة كما نقل لي لاحقا (إحمد ربك يارفيق انه لم يكن عندكم في القاعدة طبيب. لو كان هناك طبيب لقطعت قدميك). مازال ابي شرارة يعاني الالام في قدميه وظهره وصعوبة التوزان في الحركة بسب تحول باطن القدم الى مفلطحة ولكنه يفاخر كما عرفناه بما قدمه الى الشعب العراقي ولحزبه. في الثلج الذي يغطي شتائنا في بلدان اللجوء يتذكر الانصار وبالذات الهراهنة الاوباش شهيدهم الاول ظافر السلامي وبطولات والالام ابي شرارة التي ترافقه لحد الان. قبل عدة سنوات جاءني صوت ابي ناتاشا الوديع عبر التلفون بعد ما يقارب من خمسة وعشرين سنة لم نلتقي فيها ليقول شكراً لك ايها الرفيق. لم اكتم بعض من دموعي شوقا لكل الذين احبتهم ورافقتهم امواتاً واحياءً.

 

د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة

...........................

* الهراكنة الاوباش: لقب اطلقتة مفارز سوران عند استراحتها في القاعدة لسبب معين يرتبط في طريقة استقبالهم وضيافتهم. في البداية تضايق الهراكنة من هذا الوصف، لكن مع الايام تعودوا علية واستطعموا سخريته وظلوا يستخدمونه مفاخرة وسخرية.

دماء لن تجف (43): ماجد محمد امين .. مبهم القبر

munir hadadولد الشهيد ماجد محمد امين عبد الله الامامي، في "النعمانية" بلمحافظة "واسط" العام 1922، تخرج في الكلية العسكرية مطلع الاربعينيات، برتية رائد.. حاصلا على درجة الماجستير في العلوم العسكرية، مواصلا دراسته في الحقوق والاركان، آمرا لفوج "جلولاء".. رائد ركن، تزوج ساكنا "الحلة" العام 1948.

إنضم في الخمسينيات، الى تنظيم الضباط الاحرار، شارك في دورة للهندسة العسكرية / الولايات المتحدة الامريكية، الاول على اقرانه، منجزا الدورة، خلال فترة قياسية، العام 1957.

جمعته صداقة وطيدة، مع الزعيم عبد الكريم قاسم.. تعارفا خلال اشتراكهما في معارك فلسطين العام 1948، وبعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 عمل مدع عام في محكمة الشعب، برئاسة فاضل عباس المهداوي، مصرا على تطبيق حكم الاعدام بعبد السلام عارف، لثبوت جريمة "الخيانة العظمى" عليه، الا ان قاسم خففه الى السجن؛ قائلا: "هذا الشخص سوف يتآمر عليك ولذلك ارجو قبول استقالتي" وبقي جليس المنزل خمسة عشر يوما، حتى زاره الزعيم؛ فأعاده الى عمله.

صباح الشؤم.. الجمعة 8 شباط 1963.. خبأ عائلته بعيدا عن انظار البعثية، في بيت خالهم وزير الاعلام الاسبق محمد سعيد الصحاف، في الحلة، نقلهم سائقه الشخصي.. رئيس عرفاء كاظم مريوش، وحاول بلوغ "الصويرة" هاربا، إلا ان أحدهم تعرف عليه، في احدى نقاط السيطرة.. قاوم بسلاحه الشخصي، رجال السلطة وتمكن من قتل عدد منهم؛ ما ادى الى تكثيف النيران عليه، أثناء مطاردته في احد البساتين متمكنين منه.

لم يعثر له على قبر او شاهدة، حتى هذه اللحظة، سوى انه دفن في المكان الذي استشهد فيه، وتلك هي حال الضباط الاحرار كافة.

حاول الطاغية المقبور صدام حسين إستمالة العائلة، عن طريق خالهم، لكنهم رفضوا، ما عرضهم للمساءلة والتحقيق لمرات كثيرة من قبل الجهات الامنية في زمن النظام السابق.

125 عاما على ميلاد باسترناك

ولد بوريس ليونيدوفيتش باسترناك في العاشر من شباط / فبراير عام 1890، وتحتفل الاوساط الادبية الروسية هذه الايام بمرور 125 سنة على ميلاده، وقد شاركت صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) (الجريدة الادبية) الاسبوعية في عددها الصادر بتاريخ 11-17 شباط / فبراير من هذا العام2015 بهذه المناسبة، ونشرت على صفحتها الاولى صورة فنية كبيرة ملونة ومجسمة لباسترناك، وجاء تحت الصورة مقترح الصحيفة الرائع، والذي تدعو فيه الى اقامة تمثال لباسترناك في موسكو، وتفتح باب التبرع لتنفيذ ذلك الاقتراح وجمع التواقيع تأييدا له، واستمرارا لمساهمة الصحيفة بهذه المناسبة توجهت بسؤالين حول باسترناك الى مجموعة من الادباء الروس ونشرت اجاباتهم على الصفحة السادسة من عددها المذكور، ونقدم للقارئ خلاصة لهذا الاستبيان الممتع .

 

نص السؤالين    

1-ما هو دور باسترناك في حياتك ؟ 2-ما هو موقفك بشأن نشر المواد السرية التي اعلنتها وكالة المخابرات الامريكية، والتي تشير الى انه قد تم التعامل مع رواية (دكتور زيفاغو) بشكل متعمد ومصطنع، وان الغرب قد ساعد بشان حصولها على جائزة نوبل؟

 

الاجوبة    

يوري شيرباكوف (شاعر) أجاب عن السؤالين كما يأتي -    

1- استمعت لاول مرة الى قصائد باسترناك في عام 1979 عندما كنت اعمل ميكانيكيا في باخرة لصيد الاسماك . كان ذلك في بث اذاعي خاص لصيادي الاسماك والبحارة في الشرق الاقصى . لقد هزٌتني قصائده .

2- شئ واحد استطيع ان اقوله – اني معجب جدا بقصائد باسترناك، ولكن بنفس الوقت لا تعجبني نتاجاته في النثر.شاعر رائع ولكنه ناثر متوسط جدا . بالنسبة لروايته – دكتور زيفاغو، فان السياسة قد لعبت الدور الرئيس بشهرتها وليس الادب، ونشر المواد تلك الخاصة بها يؤكد ذلك ليس الا ... اما رئيس تحرير جريدة (زافترا) (الغد) الاديب والشخصية السياسية الروسية المعروفة الكساندر بروخانوف فقد اجاب عن السؤال الاول قائلا انه قرأ معظم نتاجات باسترناك في شبابه وان هناك فعلا تاثير شعره ونثره عليه، وكان جوابه عن السؤال الثاني كما يأتي – (موقفي طبيعي . كانت هناك حرب باردة، والتي لا زالت مستمرة. في السياسة يستخدمون كل الوسائل المتاحة، بما فيها الثقافة . المهم عدم الوقوع بالخطأ عند اختيار الوسيلة، والامريكان لم يقعوا بالخطأ هنا . وفي هذا المعنى تكمن الكارثة الشخصية لباسترناك، والتي أثٌرت على مصير الاتحاد السوفيتي)...وساهم في الاستبيان ايضا الشاعر يفغيني ريين، وجاء في اجابته عن السؤال الثاني ما يأتي – (موقفي تجاه ذلك يكمن في عدم الاكتراث . (دكتور زيفاغو) – رواية رائعة، اما السياسة فانها شئ قذر، ويجب عليها الا تمس الادب) .. اما رئيس تحرير مجلة (الرواية – الجريدة) يوري كوزلوف فقد كانت اجابته عن السؤال الثاني تفصيلية جدا، اذ انه تحدث عن الموقف تجاه باسترناك من قبل السلطة السوفيتية و قارنه بالموقف من الكاتب بولغاكوف من قبل تلك السلطة آنذاك، و التي كانت بقيادة ستالين، وقارن موقف ستالين وخروشوف تجاه هذين الاديبين الكبيرين مشيرا الى ان خروشوف كان (أكثر غباءا من ستالين واسوء منه في تفهمه للادب)، ولهذا فقد قاد حملة هائلة ضد باسترناك في خمسينيات القرن العشرين وتحت شعار – (أنا لم أقرأ نتاجات باسترناك، ولكني اشجبه ..)، هذا الشعار الذي انعكس حتى على الاوساط الماركسية خارج الاتحاد السوفيتي عندها، ويستنتج كوزلوف بعد ذلك، الى ان هذا السؤال ينقسم الى شطرين، الاول يشمل الموقف تجاه باسترناك داخل الاتحاد السوفيتي، والثاني يشمل الموقف تجاهه خارج الاتحاد السوفيتي، بما فيه موقف المخابرات الامريكية، والتي يرى انها تصرفت من منطلق الحرب الباردة، ولو أعلن خروشوف ان رواية (الارض البكر زرعناها) لشولوخوف ممنوعة في الاتحاد السوفيتي، فان الاوساط الغربية كانت ستعلن رأسا ان هذه الرواية هي قمة الابداع الفني ... اما الشاعرات اللواتي ساهمن في هذا الاستبيان فقد كان لهن رأي خاص حول الموضوع، فقد قالت الشاعرة اينا كابيش انها تحب رواية باسترناك بغض النظر عن نوبل وجائزته، وان حصول هذه الرواية على الجائزة هو (ارادة الرب)، وان رفع السرية عن وثائق المخابرات الامريكية بشأن الرواية لم يؤثر سلبا او ايجابا بالنسبه لها ولحبها لابداع باسترناك، اما الشاعرة الشابة ماريا مالينوفسكايا، الطالبة في معهد غوركي للادب، فانها تؤكد ان الكتاب الحقيقي يشغل مكانه اللائق به بغض النظر عن الاجراءآت التي تقوم بها هذه الجهة او تلك تجاه ذلك الكتاب، وان رواية باسترناك (دكتور زيفاغو) تستحق فعلا جائزة نوبل للاداب على وفق قيمتها الفنية، وان هذه الخطوات التي تتخذها هذه المنظمة او تلك وراء الكواليس هي ثانوية ليس الا، اما الشاعرة ناديجدا كونداكوفا فقالت في اجابتها عن السؤال الثاني، ان رفع الطابع السري عن المواد الخاصة برواية باسترناك في المخابرات الامريكية لم تؤثر بتاتا على موقفها تجاه الرواية ولا تجاه باسترناك نفسه، (اذ اننا كنا نعرف ان منع طبع تلك الرواية داخل الاتحاد السوفيتي عندها قد أدٌى الى كل ذلك الضجيج، وان المخابرات الامريكية قد تصرفت في اجواء الحرب الايديولوجية بين بلدينا، وقد تم استغلال منع اصدار الرواية من قبلهم)، علما ان كونداكوفا تعتبر ان الرواية تستحق فعلا جائزة نوبل للآداب، وتؤكد ان القصائد في تلك الرواية بالنسبة لها تعد – (قمة في الشعر).

دماء لن تجف (42): سعيد المتروك .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadيعلق صباح الجمعة 8 شباط 1963، لثغة سوداء، على لسان وقح! لأنها ردة شياطين ضد رحمة زعيم رأف بشعب في أمس الحاجة ليد حنون تستخلصه من ركام مصائب تكلست من حوله.. تطمره.

فهو يوم عاشه الرياضي.. الشهيد سعيد متروك، الذي أغتيل، حبا بالزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، على يد جلاوزة الانقلاب، إذ قدمت الكاظمية دروسا نضالية بالصمود والمقاومة والتصدي للبعثية، على مدى سبعة ايام من القتال، دفاعا عن منجزات ثورة 14 تموز، التي مسخها عبد السلام عارف، مستعينا بحزب البعث...

متروك نموذج للشيوعي المبدئي.. الملتزم والرياضي المتفوق خلقا وأخلاقا.. ولد في الكاظمية عام 1933 ومارس السباحة والمصارعة وكمال الاجسام، أنيق ذو بدلة وربطة عنق، يعاون الفقراء ويسهم بحل المشاكل في المنطقة.. نقل الرونيو الذي تطبع عليه مناشير الحزب، من المقهى الى بيته؛ يخبئه عن أعين رجال الامن، مستخدما زنبيل الخوص "العلاقة" لنقل البريد الحزبي.. يغطيها بالحشائش او الجت، وعندما يشعر بخطر رجال الامن يستعين بالنساء، لأنجاز المهمة.

سمع الراديو يذيع المارشات العسكرية، ونشيد "الله اكبر" فقال: "يا جماعة انقلاب"! خارجا للميدان وهنا هتف الشيوعي نجم عبود برناوة بحياة الزعيم ووجهه القائد الشيوعي حمدي ايوب بالتحشيد والدفاع المستميت عن الثورة ومقاومة الانقلابيين.

حمل سعيد رشاش كلاشينكوف وثنى امام مركز الشرطة "ركبة ونص" مع هجوم اكثر من 1000 مواطن، على مركز الشرطة.. أحتلوه، وإستولوا على السلاح، متوجهين.. بقيادة متروك، الى بناية شرطة النجدة التي صمدت ساعات، بالتالي نجح الهجوم، وسطر "الكظماويون" ملحمة بطولية قل نظيرها.

استمرت المقاومة بأشكال متنوعة، لان الانقلابيين غدروا بالشعب وقواه الوطنية وتحايلوا، حيث تقدمت دباباتهم، تحمل صور الزعيم قاسم، متظاهرة بالمساندة، وما ان تقدمت حتى فتحت النيران، تقتل العشرات منهم؛ فإضطر الحزب لتوجيه أعضائه للإنسحاب.

أمر متروك بنشر جذوع النخيل في الشوارع المحيطة بـ "ام النومي" لمنع تقدم الارتال والناقلات العسكرية، لكن بعد خمسة ايام إحتلها العسكر و "الحرس القومي" وفتشوا البيوت بحثا عن المقاومين؛ والقى السلاح في بئر بيته.. الرشاشات والعتاد الذي غنموه من الهجوم على مركز الشرطة، مهدما التنور فوق البئر؛ للتمويه، وهنا كان "الحرس القومي" يراقب ويرصد وشعر الشهيد بالخطر وودع اهله والتقى باطفاله: ثائر ويوسف، قائلا لابنته الصغيرة نضال: انا اتأسف لانك ستعيشين بلا أب، ولكن الوطن هو ابونا جميعاً، مغادرا منزله من السطح، وعبر الى بيت عمه، واثناء العبور شاهده احد افراد القوات العسكرية؛ إليه رشقة اطلاقات، اصيب إثرها في ساقه؛ فتبعوا آثار الدم قابضين عليه.

الساعات الاخيرة له بطولية، مثلما عاش حياته بطلا.. سأله الضابط الذي اعتقله انت سعيد متروك؟ قال: نعم. ثم سأله من كان معك؟ اجابه: كل الشعب معي! سأله الضابط لكنك ستعدم وتموت؟ اجابه متروك: سأظل خالداً.. اما انتم فستموتون.

وفعلا اقتيد الى جدار اعدادية الشعب ورفض ان تعصب عيناه ووقف امامه ارسالات للرمي، سددت زخات رصاص كثيفة، تنفيذاً للبيان رقم 13القاضي بقتل الشيوعيين اينما وجدوا.

مضى اكثر من نصف قرن على استشهاده، الا ان الاجيال تذكر بفخر واعتزاز، الصمود والبطولة التي سطرها ابناء مدينة الكاظمية الشجعان بقيادة سعيد متروك.

الجُرح المُعتَّق أو غالب ليلو البزّاز كما عرفته

ahmad alhiliمقتربات أولى: منذ وقت ليس بالقصير أتيح لمثقفي الحلة وأدبائها أن يتعرّفوا على عدد من مثقفي المحافظات الأخرى الوافدين إلى مدينتهم من مدنٍ أخرى، لدوافع شتى لغرض الإقامة والاستقرار فيها واتخاذها مدينة بديلة عن مدنهم الأصلية ...

أتيح لنا أن نتعرّف على أدباء وفدوا من مدينة الناصرية بصفة خاصة، ومن بين هؤلاء صديقنا الشاعر ناهض الخياط الذي أخذ حظاً وافراً من الذيوع والشهرة بوصفه شاعراً متمكناً، وكذلك أخوه القاص والشاعر عادل الخياط ، وكذلك الشاعر محمد علي كاظم حيدر، وأتيح لنا أيضاً أن نتعرّف على أديب كفيف البصر هو الشاعر غالب ليلو البزاز الذي يبدو أنه عانى كثيراً، وعاش في أخريات سنواته حياة الشظف والبؤس والحرمان والتشرّد، على الرغم من أن بعض أصدقائه على قلّتهم ظلوا أوفياء له حتى اللحظات الأخيرة ...

استطاع شاعرنا، غالب ليلو البزاز، أن ينال قسطاً وافراً من التعليم من مصادر متنوعة، وتمكن من أن ينهل ثقافته شفاهياً أو من خلال ما يقرأه له بعض أفراد العائلة أو الأصدقاء من روائع القصائد والمأثورات، وفيما بعد قضى شطراً من حياته يدرس في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف إلا أنه ولأسباب متنوعة توقف عن مواصلة الدراسة، وربما عزونا ذلك إلى ضيق ذات اليد أو ربما هو عامل التمرد وعدم الاستعداد للإنصياع أياً كان نوعه التي جبل عليها الشعراء دوماً هي التي حدت به إلى التوقف عن إكمال دراسته الحوزوية ومحاولته اصطناع فسحة أكبر للحرية تتحرك ضمن مساحتها ذاته اللائبة ...

كنتُ أراه ، إبان فترة الحصار الاقتصادي القاسي وهو يتمشى وئيداً على الرصيف قاطعاً المسافة بين (فندق أبو ذر) وهو الفندق الذي اعتاد أن ينزل فيه عدد وافر من المحرومين والمدقعين في المدينة، كنت أراه وهو بأناقته المعهودة متأبطاً ديوانه الوحيد لغرض االوصول إلى مكتبتي في شارع الإمام علي ، أو على الأرجح لغرض تناول وجبة الغداء الشحيحة في مطعم أبو جورج المجاور لمكتبتي في الطابق الأرضي من عمارة العزاوي، وغالباً كنت أسمعه يتمتم مع نفسه ببعض الهمهمات والكلمات، إلا أنه مع كل ذلك كان قنوعاً ويستقبل كل ما كان يحوط حياته من بؤس وشظف وحرمان برحابة صدر بل وكثيراً ما كنت أراه وهو يصطنع النكتة والظرافة ويضحك ملء فمه ...

روى لي أحد أصدقائه المقرّبين حكاية مؤلمة تنم عن مدى الخسة والدناءة التي يمكن أن يصل إليها بعض الناس، هذه الحكاية وقعت للشاعر مع أحد المقرّبين منه إبان فترة الحصار الإقتصادي، حيث أن هذا الأخير كان يمرّ بضائقة مالية، وكان يعلم أن الشاعر يدّخر بعض المال من راتبه الشحيح الذي كانت تخصصه له وزارة الأوقاف بوصفه مؤذناً في أحد المساجد، وبعد أن وقف الشاعرعلى صعوبة الوضع المادي الذي تمر به عائلة هذا الشخص، وافق على إقراضه بعض المال، وطلب منه أن يذهب معه إلى المسجد الذي كان يقيم فيه آنذاك، وذهب إلى إحدى (الروازين) واستخرج من تحت سجادة الصلاة النقود التي كان خبّأها، وطلب منه أن يأخذ ما يحتاجه ويعيد المبلغ المتبقي إلى مكانه .. ويمر يوم آخر ليكتشف الشاعر أن المبلغ برمته لم يعد موجوداً في مكانه، ثم ليجد أن صديقه المقرب قد هرب منه بعيداً أيضاً ....

وقد كنت بحكم عملي وقربي منه ملماً ومطلعاً على الكثير حيثيات حياته وكذلك أتيح لي أن أطّلع على قصائده التي أودعها ديوانه المخطوط ( شفاه ظمآى أو شفاه عطشى) ... والذي استقرَّ أخيراً على " شفاه عطشى" ووجدت أن عدداً من الأصدقاء على قلتهم كما أسلفنا كانوا عوناً وعضداً للشاعر في أشد الظروف قسوة ... ومن بين هؤلاء وأبرزهم السيد علي حمزة، وآخرون اضطلعوا بكتابة قصائد الديوان بخط أنيق وجميل، فلهم الشكر والعرفان على هذا الدور المشرّف

روى لي أحد أصدقائه المقرّبين وهو الشاعر محمد علي حيدر حكاية مؤلمة تنم عن مدى الخسة والدناءة التي يمكن أن يتصف بها بعض الأشخاص، هذه الحكاية وقعت للشاعر مع أحد المقرّبين منه إبان فترة الحصار الإقتصادي، حيث أن هذا الأخير كان يمرّ بضائقة مالية، وكان يعلم أن الشاعر يدّخر بعض المال من راتبه الشحيح الذي كانت تخصصه له وزارة الأوقاف بوصفه مؤذناً في أحد المساجد، وبعد أن وقف الشاعرعلى صعوبة الوضع المادي الذي تمر به عائلة هذا الشخص، وافق على إقراضه بعض المال، وطلب منه أن يذهب معه إلى المسجد الذي كان يقيم فيه آنذاك، وذهب إلى إحدى (الروازين) واستخرج من تحت سجادة الصلاة النقود التي كان خبّأها، وطلب منه أن يأخذ ما يحتاجه ويعيد المبلغ المتبقي إلى مكانه .. ويمر يوم آخر ليكتشف الشاعر أن المبلغ برمته لم يعد موجوداً في مكانه، ثم ليجد أن صديقه المقرب قد هرب منه بعيداً أيضاً ....

وكان وروى لي أيضاً حكايةً معطّرة عن أحد أخوة الشاعر وهو السيد طالب الذي عمل معلّماً وكان شخصية وطنية مرموقة في سوق الشيوخ بل وفي الناصرية برمتها ، وأن السلطات آنذاك كثيراً ما كانت تعمد إلى اعتقاله بسبب نشاطه ومشاركاته في التظاهرات ضد النظام خلال فترة الخمسينيات حيث يقضي في مراكز التوقيف عدة أيام ثم يُطلقون سراحه، "وما إن كنا نعلم بإطلاق سراحه حتى نُهرَع إليه، بوصفنا شبّاناً طامحين نحب وطننا ومتطلّعين إلى الإستزادة من الثقافة والمعرفة، فنلتفّ حوله ليروي لنا ما الذي فعله رجال الأمن معه وكيف أنه خرج وهو أكثر صلابة واقتناعاً بأفكاره من ذي قبل، فكنا نرى فيه مثلنا الأعلى ...."، يُذكر أن طالب قد تم اغتياله في العام 1966 وهو في أوج شبابه ونضوجه ...، وقد رثاه شاعرنا بقصيدتين بحسب المعلومات المتوافرة لدينا، وقد جاء في قصيدته الثانية التي قالها في العام 1992 بمناسبة مرور ربع قرن على وفاته،

أنساكَ ؟ مَنْ قالَ وهمٌ في تصوُّرِهِ     إني عشِقتُكَ عِشْقَ الأرضِ للدِيَمِ

يا ابن الثلاثين يا جُرْحاً يُعَذِّبني       ما للزمانِ أمانٌ قِيلَ من قِدَمِ

ناجيتُ قبرَكَ والآلامُ تعصِرني   يا منبعَ الحبِّ يا لحنَ الهوى بفمي

ما زلت أتذكر، كيف أننا اخترنا بيتين شعريين له من إحدى قصائده والتي هي بعنوان ( ليل) التي نظمها الشاعر في العام 1984 وهو في طريقه إلى سوق الشيوخ بالناصرية والتي مطلعها ،

قلبي تلازم فيه الهمُّ والضَجَرُ       إنْ أشتكي جَزَعاً قالوا هو القَدَرُ

والبيتان هما،

لا الصبحُ ياربَّة الأحلامِ مبتسِماً

عندي، ولا الليلُ في آفاقِه قَمَرُ

يا ليتَ ما كانَ لي حِسٌّ يُعذّبني

كم كانَ يُبهِجُني لو أنني حَجَرُ

وقد نبّهني الفنّان المطرب الذي كان يحضر معنا في جلساتنا سمرنا الليلية الخاصة إلى ضرورة أن يقوم الشاعر نفسه بإجراء بعض التعديل على البيت الأول من أجل أن يُصبح متوائماً مع ضرورة التلحين والغناء، وبالفعل أخبرت أبا سلام بذلك، فقال لي، " نعم هو محق، امهلني بعض الوقت "، وفي اليوم التالي حضر إلى مكتبتي جذِلاً، ووافاني بالصيغة الجديدة وهي،

لا الصبحُ عندي كصبحِ الناسِ

مبتسِماً ، ولا الليلُ في آفاقهِ قَمَرُ

فاستقام البيت لحنياً . وقد فرح المطرب لذلك أيما فرح .

وبعد وفاة الشاعر المؤسية ، أصبح الديوان المخطوط بعهدة صديقه الوفي السيد علي حمزة الويسي (أبو زهراء)، الذي كان يأمل أن يجد من يتطوع بطباعته ، ولكن جميع من كان يُرتجى منهم خيراً كانوا يتعهدون بذلك ويبدون استعدادهم، ولكنهم كانوا على الدوام يتهربون من التنفيذ ... وهكذا ظلَّ الديوان يتنقل من يد إلى يد، ثم ليضيع في نهاية المطاف، وكنت أرى السيد علي فزِعاً ومفجوعاً بهذا الفقدان الفادح أيما فجيعة، وكيف لا وهو الذي اصطفاه الشاعر وعهد إليه برعاية أعز وأثمن ما يملك ...

وتمر السنوات تتلوها سنوات، ثم وبمحض الصدفة، أو ربما هو الحظ وحده يتم اكتشاف الديوان من قبل صاحب المقهى الذي اعتاد الشاعر أن يجلس فيه، ذلك أن أحد الأشخاص كان يحمله معه حين اتخذ مقعده وجلس لاحتساء الشاي، وبعد أن جلس وقتاً قصيراً قام وذهب ونسي المخطوط، فأسرع إحسان وهو صاحب المقهى حيث كان يعرف الديوان جيداً وكذلك قصة اختفائه وفقدانه، وأخفى الديوان، وبعد وقت قصير يعود ذلك الشخص ليسأل عن الدفتر الذي فقده، فينفي إحسان أنه وجد شيئاً، فيذهب هذا إلى حال سبيله وكله حيرة ومرارة ....

وعلى أية حال، شاعت في الوسط الأدبي، وكذلك جميع المقرّبين من الشاعر قصة العثور على الديوان مجدداً واستبشر الجميع خيراً، ولا سيما وأن إحسان وجد أن خير من يأتمه على الديوان هو صديقنا الشاعر ولاء الصوّاف خاصّة وأنه يمتلك أكبر دار لنشر الكتب في المدينة ...،واستقر رأي ولاء أن يطبع الديوان، على أن يتم ذلك عن طريق جمع التبرعات من الأصدقاء ومحبي الشاعر الفقيد ...

قرأت بدقّة وتحرٍ شديدين نسخة منضّدة من الديوان، فوجدت أخطاءً كارثية هائلة، خاصة وأنه عُهد إليَّ بتصحيحه قبل إرساله إلى الشام لطباعته، والقصائد تندرج تحت أبواب وأغراض محددة، وهي أبواب اعتاد شعراء العمود الكتابة ضمن أُطرها ... وأستطيع إجمالها بما يلي،

باب الغزل والوجدانيات

أجاد الشاعر وأبدع أيما إبداع في هذا الباب، ونرى أن ذلك يمكن أن يعكس فداحة المصيبة التي حلّت به من ناحية فقدان البصر وكذلك تخلي عائلته وكذلك الكثير من المقربين عنه، فوجد في المرأة عزاءه وسلواه، وكان يجد في القرب منها ما يُبهج فؤاده المكلوم والمحروم ...، وقد ترك لنا في هذا الإطار قصائد غاية في الجمال والبراعة والعذوبة وتطالعنا في هذا المنحى امرأتان، الأولى اسمها بلقيس ويبدو أنها كانت المرأة الأولى في حياة الشاعر حيث قال فيها قصائده الأولى ابتداءاً من العام 1957 وما بعده، ومما جاء في إحداها،

ألفُ وجْهٍ يمرُّ في ذاكرتي            مثلُ بلقيسَ عليها لن يمُرّا

إي وعينيكِ وأيّامِ الهوى             أنتِ يا بلقيسُ بالعُشّاق أدرى

يا ابنةَ الأحلامِ أنّى نلتقي           نغمرُ الدنيا أناشيداً وزهرا

وقال فيها أيضاً،

يا ابنة الأحلامِ أنّى نلتقي           نغمرُ الدنيا أناشيداً وزهرا

وقال فيها،

ذكراكِ فوق شفاه الفجرِ أغنيةٌ     حمراءُ ما برحتْ تجري على وتري

على أنه سرعان ما يتبدى لنا فيما بعد اسم امرأة أخرى أكثر رسوخاً وفاعلية،، وإن كنا لا نعرف نوع الحب نشأ بينهما، أهو من طرف واحد أم أنه كان هناك تواصل حسّي أو معنوي بين الطرفين أو أن الشاعرَ كان يتعكز الشاعر فيه على خياله الجامح كما اعتاد أن يفعل ذلك عددٌ من الشعراء، اسم هذه المرأة هو سهيلة، حيث نراه يقول فيها مصرّحاً باسمها،

حسبي أُحسُّكِ يا سهيلةُ في الكرى وجهاً به تتلألأ الأنوارُ

ويقول، مُحبُّكِ يا سهيلةُ لا يُلامُ   وفي جَنبيه يحتدِمُ الغرامُ

ويقول فيها

شفتاكِ بالخمرِ الشهيِّ مليئةٌ             يا عذبةَ الشفتينِ ما أحلاكِ

ويقول، عيناكِ يا سِحرَ الوجودِ قصيدةٌ   غنّتْ بها منذ الصِبا شفتانا

ويقول، ما أطيبَ القُبلةَ لو عنوةً       تؤخذ من خدّيكِ يا ناسيهْ

ما مرَّ في جَفنيَّ طيبُ الكرى     مُذْ هِمتُ في عينيكِ يا غاليهْ

ويقول، ما لي على بُعدِ الأحبّةِ مُهجةٌ   أبداً، ولستُ على نواكِ بصابرِ

 

 

قصائد في حب ورثاء أهل البيت

احتلت هذه الثيمة حوالي ربع مساحة الديوان، والشاعر هنا ينسج قصائد تطفح بالألم والشجن الرفيع تجاه مصائب العترة النبوية، التي تعرّضت إلى الكثير من الويلات والظلم على يد السلطات الجائرة على مر العصور، والشاعر يؤكد هنا على المعاني النبيلة التي درج الشعراء الآخرون على التغني بها وإبرازها ...، إلا أننا نستطيع أن نلحظ أنه استطاع من خلالها أن يمرر ما كانت تمور بها نفسه التواقه أبداً إلى الحرية والانعتاق من تبرّم وسخط على السلطات الحاكمة التي سلبت البلاد وحرمت المواطن من أبسط حقوقه الأساسية، وهو يقول،

ومن البليّة أن تُداسَ كرامةٌ   في أرضنا وتُهانَ حُرمةُ مسجدِ

حين تنعمُ في البلادِ عصابةٌ   من كل أجيرٍ مًفسِدِ

إنا نُكيلُ قصائداً لعدوِّنا     ولنا يكيلُ قذائفاً لم تخمُدِ

ويقول في أخرى،

أمنَ العدالةِ في الحياةِ مُنَعَّمٌ   فرْدٌ، والآلافُ تكِدُّ وتُحرَمُ ؟

ثيمة الشكوى ومعاناته من الغربة الذاتية

تحتل هذه الثيمة المساحة الكبرى من الديوان، ويبدو أن هذا الوتر الأثير إلى نفس الشاعر يمتد ويتفرع في جميع الاتجاهات ويتخلل غالبية القصائد، ونرصد هنا أبياتاً غاية في الجمال والعذوبة وعمق المعنى، فالشاعر يبوح بالمضمر من آلامه وأوجاعه التي تفرّد بها أو كُتِب عليه أن يتفرّد بها، فنراه يقول،

ويلي على قلبي توطّنه الأسى       ولقد تصاعَد كالجريحِ تنَهُّدي

ويقول،

ما مرَّ في دنيايَ يومٌ مشرِقٌ         أبداً، وما مرَّ الربيعُ ببابي

ويقول،

أرأيتَ في الدنيا أديباً ضائعاً       مثلي، يبيتُ على قناً وقَتادِ

ويقول، من الدنيا رضيتُ ببيتِ شعرٍ   وإن عليه تحسدني اللئامُ

ويقول في أخرى،

أحيا غريباً في الحياةِ مضيَّعاً     ما بين أبقارٍ ونِعاجِ

ويقول،

جارتْ عليَّ أحِبَّةٌ وأعادي       وقستْ عليَّ محافلٌ ونوادي

وعصتني حتى القافياتُ فلم تعدْ كالأمسِ طوعَ مشيئتي وقيادي

أبداً وما ضمّتْ على أملٍ يدي   وتعثَّرتْ منذ الشبابِ جيادي

ويقول في قصيدة ( يا صبرَ أيوب)،

ستون ما حملتْ بداخلها   ما يُبهِجُ النفسَ من أُنسٍ ومن سَمَرِ

عانيتُ منها ومن أوجاعِ محنتها   ما لا يُطاقُ من الأرزاء والغِيَرِ

جُرحي تعتّق في قلبي وفي بدني   مَنْ ذا يُضمِّده في ساعةِ الخطرِ

 

الحنين إلى سوق الشيوخ

بوسع قارئ الديوان أن يلاحظ قوة الشوق الذي يعتصر قلب الشاعر والحنين إلى منطقة سوق الشيوخ بالناصرية ، حيث ولد وعاش مراحل حياته الأولى، فيرتسم هذا السوق في مخيّلة الشاعر وكأنه الفردوس المفقود أو الحلم الذي لم يتسنَّ له الاستمرار فيه، ونجتزئ هنا بعضاً مما كان يختلجُ في نفسه،

سوقُ الشيوخِ وما أُعيرُ لعاذلٍ   سمْعاً، وما أخشى من اللوّامِ

سوقُ الشيوخِ، على ثراكَ نما الهوى   وسما على قممٍ من الآدابِ

أيا سوقَ الشيوخِ، وكلُّ شمسٍ     تغيبُ، وإن شمسَكَ لا تغيبُ

إلى سوق الشيوخ حملتُ شوقي   وما بينَ الضلوع له لهيبُ

بورِكتَ يا سوقَ الشيوخِ مكرَّماً     وسلمتَ في دنياكَ للأحبابِ

سوق الشيوخِ جميلٌ في تدلــله     عندي، وفي حبِّه يُستَعذَبُ السهَرُ  

سوقُ الشيوخِ بماضيه وحاضرِه   غنّتْ بأمجاده هاتيكمُ السِيَرُ

ويبلغ حنين الشاعر إلى سوق الشيوخ ذروته فتتضاءل مدن الله الأخرى بإزائه

خلّفتُ في سوق الشيوخِ مهجتي     وأتيتُ في بدني إلى الفيحاءِ

ما شِمتُ خيراً مذْ وطأتُ أديمَها     ولقد شقيتُ بها وأيَّ شقاءِ

أودُّ في نهاية المطاف أن أتحدث عن الدوافع التي حدت بي لمتابعة الشاعر والكتابة عن ديوانه هذا، مع أن ذلك لا يقع ضمن دائرة اهتماماتي الأساسية، وأعني بذلك أنني وعلى الرغم من كوني استوعبت قصائد الشعر العربي التقليدية قديمها وحديثها، إلا أنني خرجت من هذه الشرنقة منذ أمد بعيد، وأتجهت برؤاي وتفكيري نحو القصيدة الحديثة أي قصيدة النثر التي أصبحت هي السائدة والمعوّل عليها في وقتنا الحالي وربما المستقبلي أيضاً، وفي هذا الإطار أستطيع تحديد عدد من الأسباب، من بينها وربما أهمها أنني وجدت في الكثير من نصوص الشاعر نزوعاً متأصّلاً نحو مقتضيات الحداثة، وأن شعره برمتّه جاء ممتلئاً طلاوةً وعذوبةً وسلاسة، بالإضافة إلى ذلك فأنا اعتبرت نفسي قريباً ومتعاطفاً بما يكفي من قضية الشاعر، وهي قضية انسانية ومعرفية بالدرجة الأساس، وينسحب ذلك على البيتين الغزليين الجميلين آنفي الذكر اللذين دأبتُ على نشرِهما على نطاقٍ واسع ....

 

...................

ملاحظة ضرورية: هذه المقالة سوف يتم تثبيتها في مقدمة الديوان الذي سيصدر قريباً عن المركز الثقافي للطباعة والنشر الذي يديره صديقنا الشاعر ولاء الصواف ....

 

 

دماء لن تجف (41): جلال الاوقاتي .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadفوجئ العميد الطيار جلال الاوقاتي.. قائد القوة الجوية، بإنقلاب 8 شباط 1963، وهو في منزله خارج وزارة الدفاع، بينما الزعيم عبد الكريم قاسم، محاصر، داخلها.

يؤمن.. بحسب مقربين منه، أن البعثية قتلة مجرمون؛ سيجرون... وصدق ما إستشهد دونه؛ إذ جروا ما آلت اليه حالنا الان، من خراب...

قاد الاوقاتي، سلاح القوة الجوية، في الجيش العراقي، إبان حكم رئيس الوزراء الاسبق.. الزعيم عبد الكريم قاسم.. إلا انه نحر شهيدا، بأيد بعثية، حال وقوع إنقلاب 8 شباط 1963.

آفات أكلت الزرع فنفق الضرع؛ جراء جرائم البعثية؛ يعيثون فسادا في العراق.

احد قياديي الدولة، شكل قتله، إشارة بدء العمليات الانقلابية؛ إذ داهموا بيته، وكعادة البعثية.. يوغلون في الإذلال؛ إذ أعدموه امام داره، في "الكرادة" عندما طرق الباب مسلحون بلباس عسكري، واردوة قتيلا امام انظار أولاده وعائلته، في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحا من يوم الجمعة 8 شباط 1963، بداية ساعة الصفر للانقلاب.

إنه رجل ذو افكار وطنية.. تقدمية، يعد من القادة العسكريين البارزين في الدولة، بعد وزير الدفاع.. تقي ورع، راقي السلوك، مهذب بما يفوق الوصف.. صائم مصل، نزيه، ذو يد بيضاء، كثل زعيمه، بدليل أن البريد قدم له مرة، وفيه قائمة سفر تعود أليه شخصيا، متضمنة مبلغ (45) دينارا لسفره خارج البلد، فمزقها، قائلا: "الطائرة التي اقلتني للخارج على نفقة الدولة العراقية، والفنادق التي سكنتها والطعام والنقل، دفعت من قبل الدولة المضيفة، فلماذا اتسلم هذا المبلغ !؟".

أين البعثية من أخلاق هذا الرجل، الذي أعدموه، بنفس طريقتهم بإعدام الهاربين من حربهم ضد إيران.. إنهم يعيدون تكرار جرائمهم حيثما حلوا، بينما يقتدي هو.. مخلصا، بطبائع زعيمه قاسم، الذي يستنفد ما في جيبه، بإكرام الفقراء، ويستلف من الحماية والمرافقين، مسددا لهم، نهاية الشهر، عند تسلم راتبه.. تبت يدا حزب يوقع بلأبرياء جرائم تفصح عن طويتهم هم وليس من ينكلون ببراءتهم.

دماء لن تجف (39): سطم غانم الجبوري

munir hadadألقي القبض على مجموعة من ضباط الحرس الجمهوري، مطلع كانون الثاني 1990؛ بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، بقيادة النقيب سطم غانم الجبوري، في ما عرف بـ "إنقلاب جبور".

دامت المطاردات من أوان إكتشاف ما أسماه الاعلام الصدامي بالمؤامرة، لغاية آب 1990، أحكمت أجهزة أمن ومخابرات الطاغية المقبور صدام حسين، قبضتها على المخططين والمنفذين والمتواطئين، وأعدم الجميع في ظروف منفلتة! من دون ان يفلت ولا واحد منهم.

 

سيرة شخصية

ولد النقيب سطم غانم مجذاب في تموز ١٩٦٢، شب عن طوق اللثغة الطفولية، تحت ظلال أشجار قرية "سديرة" التابعة لقضاء الشرقاط، بمحافظة نينوى.

"سديرة" ريف يفتح ذراعية لمغازلة شاطئ دجلة، بمحاذاة جبل "مكحول".. ترتيب سطم الثالث في عائلة فلاحية، من أربعة أفراد.. تخرج في الاعدادية، سنة ١٩٧٨، ملتحقا بكلية القوة الجوية، التي تركها بعد ستة اشهر، منخرطا بدورة خاصة بأبناء عشائر جبور.

عين ضابطاً في الحرس الجمهوري، ضمن اللواء المدرع الثاني؛ للتصدي للقوات الإيرانية التي وصلت مشارف طريق العمارة.. شاغلا آمر رعيل استطلاع كتيبة دبابات "المجد" المدرع.

إنتهز إختيار كتيبته، للمشاركة في الاستعراض العسكري الذي سيقام بمناسبة ذكرى عيد تأسيس الجيش العراقي 6 كانون الثاني 1921، ليحدد موعد تنفيذ الإغتيال والانقلاب على السلطة، ضمن إستعراض يوم 6 كانون الثاني١٩٩٠، في ساحة الأحتفالات الكبري.

اعتقل النقيب سطم يوم ٢ كانون الثاني 1990 واقتيد إلى سجن "الحاكمية" الخاصة بالمعارضين وأمن الدولة.. "إنسحلت" سلسلة من ضباط ومثقفين، الى تحقيق أداره قصي صدام حسين وسبعاوي إبراهيم الحسن، تجري تفاصيله في وقت متأخر من الليل.

زنزانات ضيقة، مصبوغة باللون الأحمر، كتبت على جدرانها أسماء بالإنكليزية والفارسية والعربية، لا يعرف الليل من النهار، داخلها، لكنها.. بشكل مقصود ومنظم، تسمح بسماع أصوات ضربات السياط والصراخ والأنين والتوجعات بوضوح.

 

وشاية

إكتشف صدام المحاولة، من نائب ضابط، في "الحرس الرئاسي" جاء بنفسه وأبلغ جهاز الأمن الخاص، بشأن مجموعة تخطط لضرب صدام وقيادة الدولة خلال استعراض الجيش في ٦ كانون الثاني ١٩٩٠؛ من خلال تركيب أدوات الإطلاق في بعض الأسلحة الآلية المشاركة في الاستعراض، تطلق النار من الدبابات والرشاشات، تجاه منصة الرئاسة؛ لقتل من فيها.

قرر صدام أن يستمر نائب الضابط، بالعمل معهم، إلى ما قبل الاستعراض بيوم واحد؛ لمعرفة أي شركاء محتملين أو أشخاص سيقدمون يد المساعدة لمجموعة المحاولة، على أن يلغى العرض فيما بعد نهائياً.

يوم ٥/ ١/ ١٩٩٠ ألقي القبض على جميع المشاركين في المحاولة، من ضمنهم ضباط استخبارات وأمن، وجميع القائمين على تدقيق وتفتيش الأسلحة المشاركة في الاستعراض.

قضت محكمة الثورة بالإعدام في ٢١ / ٦ /١٩٩٠ على كل من هيجل حمد شبيب علي والنقيب سطم غانم مجذاب والنقيب صالح جاسم محمد جرو والملازم خيرالله حميدي محمد مطلق ونائب الضابط حسن نايف عبدالله والروائي.. ملازم أول حسن مطلك روكان عبد الكافي والنقيب صباح عبدالله حسن جاسم والنقيب ابراهيم أحمد عبدلله والنقيب محمود عبدالله محجوب والنقيب مضحي علي حسين والملازم أول خضر علي جاسم حاوي والملازم مصطفى حاوي عبدالله وفندي طالب سلامة حسين واحمد غربي حسن ون. ض قيس عسكر محمد برجس والنقيب جمال شعلان أحمد ون. ع ح ناصر محمود عمر حسين بالاعدام شنقاً حتى الموت وفق أحكام المادة ١٧٥ / ٢ من ق. ع ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة.

 

دماء لن تجف (38): راجي التكريتي .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadلم ينس الطاغية المقبور صدام حسين، أن إبن العز.. سليل العائلة الارستقراطية في تكريت د. راجي التكريتي، أهانه، وهم صبيان، خلال شجار بالأيدي، إنتهت بكسر ذراع صدام، ولم يداع به أحد؛ لأنه.. ملطلط.. لا أصل ولا فصل.

مرت سنوات طويلة، وسارت في النوى الاقدار، حتى بلغ الديكتاتور غاية جبروته.. رئيسا للعراق، وسار راجي بالتراتب التقليدي، بالغا منصب لواء طبيب!

لكن في العام 1994إعتقل، ورماه صدام لكلاب جائعة، يربيها لأغراض كهذه، فظيعة الخطم، حد أكلها ذراع مدربها، يوم نسي إرتداء الواقي.

الكلاب تنهش راجي، والطاغية جالس يدخن السيجار، بينما أوصاله تتقطع؛ لمشاركته في ما يعده نظام البعث الجائر، مؤامرة ضد الحكم.

وهو استثناء له، من دون باقي المشاركين في محاولة الانقلاب، والذين حكموا بين إعدام ومؤبد، وقد نال راجي حكم الاعدام، فنفذه صدام به، وفق الطريقة التي ترضي غليل عمر يختزن مهانة لم تدفع ديتها..

صودرت الاموال المنقولة وغير المنقولة، لجميع المشاركين بمحاولة الاطاحة بصدام.

إغالة بالسادية (لذة تعذيب الآخرين) وجدت إطلاقات نارية من مسدس صدام الشخصي، يبدو أنه استحضر فيها ما فاته حين اليفاعة، التي عجز خلالها عن حماية نفسه من راجي وتلاشت الاهانة حتى إستيقظ الغيظ الان.

ترس ما تبقى من الكلاب رصاصا، وتوجه الى بيت أهل راجي في تكريت.. وكان يومها العاشر من محرم الحرام، ورقص "جوبي" في باب بيتهم، وبث تلفزيون جمهورية العراق، الرقصة، طوال أكثر من ساعة، ضمن عرض الانباء.

هذا هو صدام.. يميت اعداءه ممثلا بجثثهم، ولكي يطمئن قلقه يطلق الرصاص على مزق الرفات، منكلا بعاشوراء وذوي راجي معا، في رقصة ذات توقيت يهتز له عرش العدالة الذي يحمل واحدا من أسماء الله.. الحق!

إنه ينقلب على أعدائه إنقضاضا.. جبان إذا تولى لا يعف!

عصر كامل مخبوء في قلم واحد

zayd alheliلمت نفسي كثيرا، حين أجلتُ قراءة كتاب (المثقف في وعيه الشقي حوارات في ذاكرة عبد الحسين شعبان) لمؤلفه الاديب توفيق التميمي .. لتصوّري ان الكتاب، ضم فقط قراءات في فكر الدكتور عبد الحسين شعبان، ولاشك انه فكر ثاقب، مثلما لكتاباته من عمق واثر في الوجدان، فيها خيوط قد تشكل آهات، وقد تشكل مشاعر جميلة، لكني وجدتُ في الكتاب ما هو اعمق من ذلك، وجدتُ سياحة غير مسبوقة في الفكر الشمولي للمفكر والباحث د. شعبان، ضم استذكارات ولمحات من الحياة في ميدان الفكر والإعلام والعائلة وفضاءات الكتابة، بلغة بسيطة قريبة من ذهن القارئ، دون التقيد بالبلاغة والإطالة التي تتعب القارئ، رصدت حياة د. شعبان المكتظة بالأحداث والرؤى والشخصيات المعروفة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، تنوعت بين عهود مختلفة منذ العهد الملكي ورمزه نوري السعيد والجمهوري ورمزه عبد الكريم قاسم الى احمد حسن البكر وصدام حسين والبارزاني والحزب الشيوعي العراقي وحميد مجيد موسى وعزيز محمد وغير ذلك..

كان ذكاء الكاتب، المحاور توفيق التميمي،ملموسا في شحذ ذاكرة المبدع الكبير شعبان، وهذه ملاحظة تُحسب للتميمي، مثلما تُحسب لذاكرة د. عبد الحسين، الذي كانت اجاباته تتسم بالدقة،الصبر، الاناة، الموضوعية، المصداقية، العلمية، عدم التحييز، النزاهة، الجرأة، الخبرة، الدراية، الممارسة، عدم المحاباة، عدم التلكؤ في قول الحق والحقيقة، عدم الخوف، امتلاك المعرفة بتاريخ العراق السياسي والثقافي والاجتماعي وكل صنوف الحياة فيه .

 

عصر كامل

لقد لمستُ وانا أقرأ الكتاب، انني امام عصر كامل مخبوء في قلم واحدة، وانسان مبدع …. صفحاته زادت على 450 صفحة من القطع المتوسط وازدان بأكثر من 150 وثيقة على شكل صور فوتوغرافية، منها مع الجواهري وبلند الحيدري والطيب صالح ورئيس الوزراء المغربي وعزيز محمد وامير قطر ود. بشار الاسد وعزيز الحاج ورئيس وزراء البحرين ود. نزيهة الدليمي والرئيس السوداني وبطرس غالي والأمير الحسن بن طلال وعامر عبد الله والملك عبد الله بن عبد العزيز ومعمر القذافي وسعدي يوسف واودنيس وجهاد الخازن وناجي علوش وجلال الطالباني واحمد الجلبي ومظفر النواب وجورج جرداغ وغيرهم وغيرهم ..

الكتاب ممتع، يأخذك بسهولة الى عالم الذكريات تتعرف من خلالها ، الى شخصيات تدعي الصداقة الحقة ، فيما هي مثل الماء الراكد، تتحرك حينما تستجد له حاجة عندك، وفيهم من يتصيد المناسبات، مؤكدا انه نهر، رقراق، لكنه سرعان ما يعود الى طبيعته، صحراء، تملأ دواخله اليباب، حين تنتهي المناسبة، وفيهم، من يمنحونك هواء عليلاً ، لأنهم شدو نهر رقراق في جريانه، همه السؤال عنك، والتبحر في احتياجاتك … هو شريانك، مرتع الخصب في حياتك ..!

انا اتابع كتابات د. شعبان، كالبحر موجة وراء موجة … لأنه أستطاع أن يأتلف مع الجو الجديد الذي يمر به مجتمعه، ويدرك ما في هواء المجتمع من نوازع وتطلعات وحاجات يجيب هو عليها، فيخلق بذلك معاني جديرة بأن تسمى جديدة لأن فيها عبق التطور الاجتماعي الجديد، والأبداع عنده هو الحرية عينها، بمعنى أن يتحرر الكاتب والمفكر من أساليب التفكير التي تعلمها وأعتادها, ربما ” كانت ” تلبي حاجة في فترة مضت ومرحلة تجاوزها المجتمع, وغدت بعيدة عن أن تفي بمتطلبات الوضع الاجتماعي والثقافي الجديد … وهو امر سار عليه د. شعبان بذكاء المفكر والكاتب .. فالذكاء يعني القدرة على التكييف مع المواقف الجديدة , وكلنا يدرك أن الشخص الذكي هو الذي لا نجد لديه الصلابة والجمود اللذين نجدهما لدى الكائن الجامد, وإنما نجد لديه تلك المرونة وتلك القدرة على التغيير التي تمس الحياة في جوهرها.. والأبداع اقوى صور الذكاء عند د. شعبان، وأرفع أشكال الحياة الدافقة ..

 

إعتذار متأخر للوالدة

كتابتي هذه ليست قراءة لكتاب ” المثقف في وعيه الشقي” فمساحة الصفحة لا تسع، وموضوعاته جديرة بالتفصيل المطلوب، لكني اردتُ اشراك القارئ، بما هو غير مألوف في كتابات د. شعبان، وهو تناوله لشخصية والدته بموضوع اسماه (اعتذار للوالدة) في ثماني صفحات … واجد انه، سيحظى، بمتعة القارئ، وألمه بذات الوقت، نظرا لما يحتويه من جانب انساني، فماذا روى د. شعبان عن والدته السيدة نجاة حمود شعبان.. قال :

(لم أرغب في الحديث عن تفاصيل تتعلق بالدور الذي قمت به، لكي لا تفسر وكأنها ادعاءات، إذ كثيراً ما نقرأ عن بطولات وتحدّيات كبرى، لا يدّعيها الباحث، ولا يريد بأي شكل من الأشكال تناولها، خصوصاً وأن، بعضهم ولا سيّما بعد الاحتلال العام2003 سطّر ملاحم لا حدود لها، ولذلك كنت أرغب في أن تعفيني من هذا السؤال، وإذا كان ثمة ما يُذكر فرصيده لا يعود لي شخصياً، بل للعائلة، وخصوصاً لوالدتي نجاة شعبان ووالدي عزيز شعبان، وأعتز بأنني إبن لهذه العائلة المتحابّة، المتسامحة، الصبورة.

حديثي هنا لا يتعلق بي بقدر تعلّقه بوالدتي وهو جزء من وفاء لرحيلها ولروحها الطاهرة وعذاباتها التي لا حدود لها طيلة أكثر من 20 عاماً مثل الكثير من الأمّهات العراقيات المنكوبات، وهو وفاء لروح والدي الراحل وعينه على باب الدار وأذنه على الإذاعة ووجهه إلى التلفزيون على أن يسمع خبراً عن ” الغائب” غير ” المرخّص” بذكر اسمه إلاّ إيماءً، وهو بناء على إصرارك في السؤال.

تذكّر أن الكتاب صدر في العام 1981 وباسمي الصريح، ولو راجعت الأسماء التي كانت تكتب في تلك الفترة ستجد أنها قليلة، بل وقليلة جداً، خصوصاً وأن الأسماء المستعارة مثل أبو فلان وأبو فلتان كانت ظاهرة شائعة وقد تكون لها مبرراتها، لا سيّما ما تثيره من احتمالات ملاحقات حكومية. وقد سبق نشري للكتاب أن كتبت مقالتين عن الحرب العراقية- الإيرانية في صحيفة تشرين السورية (شهر تشرين الثاني/نوفمبر/1980) أي بعد شهرين من وقوع الحرب، بالتوجّه ذاته، وأثارت حينها ردود فعل كثيرة. بعد بضعة أسابيع وربما أشهر وكنت قد ذهبت من بيروت التي كنت أتردّد عليها كثيراً، إلى الشام التي كانت مسؤوليتي فيها، وإذا بي أجد ورقة تحت الباب تقول إن الرفاق في بيروت اتصلوا وطلبوا ذهابك إلى بيروت فوراً، لأن والدتك وصلت إلى هناك، وقد توجست خيفة، وشعرت أن أمراً جللاً قد حدث وكنت أعرف مثل هذه الأساليب التي اتبعت مع بعض المعارضين على نحو محدود. وذهبت إلى مقر اللجنة المركزية (قرب السفارة السوفيتيية) وهو البيت الذي استأجرته باسمي للحزب، وأبلغت الرفاق في المكتب بالأمر، خصوصاً وأن الوقت أصبح متأخراً نسبياً. وفي اليوم الثاني تحرّكت بوقت مبكر بسيارة من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى بيروت، ووصلتها قبل الظهر، وبعد أن توجهت إلى مكتب الحزب في بيروت علمت أن الوالدة في مكان قريب من “جمهورية الفاكهاني” التي كانت ملاذنا، وذهب معي للقاء فخري كريم وعبد الرزاق الصافي، وعندما قابلتها بكت بكاءً مرًّا وقد تحفّظت عن الكلام وعندما تحدثت كانت متردّدة، إلى أن طلبت منها ذلك، وقد قدمت روايتها التي عدت ودونتها ودققت بعضها بعد 20 عاماً.

قالت بالنص: لقد اعتقلونا جميعاً بعد أن سكنوا في البيت معنا لمدة خمسة أيام، وكانوا يأكلون ويشربون معنا وبجيوبهم مفاتيح الغرف، لا سيما غرفتك في الطابق العلوي، وصادروا جميع حاجياتك الشخصية، ولاسيّما المكتبة والشهادات والرسائل والأوراق وكل ما يعود لك بالكامل، وبعدها جاءت السيارات وحملتنا إلى المخابرات، (لا تدري أين؟ ولكنها تقول إلى الأمن) وكان والدك مريضاً ومتعباً، حتى أنهم حملوه مع فراشه، وقد استدعاني شخص لم أكن أعرف من هو، لكنهم قالوا أنه المسؤول، وذلك بعد مقابلات مع آخرين، الذين أخبروني أن قضيتكم يحلّها ” المدير الكبير”، وهناك جرى الحوار بين والدتي الحاجة نجاة شعبان وبين المسؤول الكبير.

قالت لم أكن أعرف من هو الاّ بعد مضي سنوات، وقد شاهدته على التلفزيون ومؤخراً بعد محاكمته، واتضح أنه برزان التكريتي.

تقول الوالدة:

قال لي: تقبلين ” إبنج” (ابنك) مع العجم (الفرس المجوس)؟

قلت له إننا عرب أقحاح، وهل سمعت أن أحداً في حضرة الإمام علي (رض) من العجم؟ ولدينا فرامين سلطانية كُتبت منذ نحو 500 سنة” ونحن سدنة الروضة الحيدرية -“السرّخدمة”، أي رؤساء الخدم، ونحن نتشرّف بذلك.

قال: نعم نحن نعرف أنكم عرب، ولو كنتم عجم لرميناكم خارج الحدود وتخلّصنا منكم!

قلت له: لا أفهم ذلك كيف يكون إبني عجمياً وهو عربي أصيل من نسل قحطان ومن “حِمْيَر” ولدينا شجرة تثبت ذلك. قال: أتقرئين؟

قلت له : نعم، فأخرج كتاباً “وردي اللون” عليه اسمك وأطلعني عليه، قائلاً: هذا ما كتبه ابنك وهو يؤيد العجم ضد بلاده. فخفت وسكتت!

ثم واصلت حديثها معنا:

قال لي: أتعلمين أن هذا الكتاب موجود على طاولة السيد الرئيس منذ حوالي شهر؟

فسألناها ماذا قالت له؟

فقالت: سكتُ ولم أنبزّ ببنت شفة.

قال: عليك الذهاب إلى بيروت، نحن لا نريد شيئاً منه. نحن نعطيه الأمان إذا أراد أن يعود إلى وظيفته في الجامعة فأهلاً وسهلاً، وإذا رغب في منصب سياسي فنحن نعده بذلك، وإذا لم يرغب في العودة فعليه أن يختار إحدى سفاراتنا لنعيّنه فيها، وإذا لم يفعل ذلك، ليعلم أن مصيركم جميعاً ” الإعدام”. قالت: قلت له، نحن لا ذنب لنا، إن ولدي كبير ولا يسمع إلينا أو يأخذ بنصائحنا، وأنا إمرأة كبيرة ولا أستطيع السفر والمجازفة في هذه الأوضاع بالذات، ولديّ أحفاد أنا مسؤولة عنهم، فنظر إليّ بشرز وقال عليك التنفيذ و”إلاّ” وكرّرها ثلاث مرّات و”إلاّ”، قلت له نحن نتبرأ منه، وأنتم حكومة فإذا أخطأ فيمكن معاقبته.

قال: إذا لم يفعل ما طلبناه منه، فيمكن أن يكتب لنا ورقة يقول فيها أنه يتعهّد بعدم النشاط والكتابة ضد الحكومة، و”الاّ ” فإن مصيركم كما قلتُ لكِ.. ثم قال إن مصيركم بيده وهو من يستطيع إنقاذكم والحكومة رحيمة معكم. قالت: بكيّت وتوسّلت، وانفجرتْ بالبكاء بصوت عالٍ، لكنه دعا أحد الذين دخلوا علينا، كما تقول: وقال له إعمل لها جواز سفر إنْ لم يكن لديها جواز سفر، وأجلب صوراً لها، وسألني هل لديك جواز سفر؟ قلت له نعم فقال أين هو؟ قلت له في البيت.أعادوني إلى مكاني حيث يتكدّس الأطفال وصراخهم وكذلك والدك ” الحاج عزيز شعبان” وأختك سميرة وزوجها فاضل الريّس وزوجة حيدر شقيقك. بعد ساعتين أو ثلاثة أخذوني إلى البيت وأحضرت لهم جواز سفري وبعد يومين سافرت ووصلت إلى بيروت. وقد زودّوني بعناوين لا أعرف لمن تعود وإن قرأت الأسماء، وقد وصلت إلى بيروت وبعد توجهي من المطار بالتاكسي إلى العنوان أوقفنا حاجز وبعد تفتيش أوراقي وجواز سفري، قالوا لي تفضلي انزلي، ونزلت وأخذوني إلى مكان فيه رشاشات ومسدسات ومسلحين، وقد سألوني عدّة أسئلة من أعطاك العناوين ولمن تريدين الوصول، كنت خائفة هل أخبرهم أم لا؟ لا أدري ولكنني قلت لهم جئت إلى بيروت للعلاج وأعطوني هذه الأسماء في بغداد لمساعدتي للوصول إلى الطبيب. وبعد نحو خمس ساعات جاءت سيارة وأبلغوني بالصعود إلى الأعلى حيث كنت تحت الأرض، وذهبت مع سائق ووصلت إلى مكان آخر فيه مسلحون أيضاً، ولكنني خفتُ أكثر وبكيت بصمت.سألني الحرّاس والذين استقبلوني فيما بعد لمن تريدين قلت لهم الأسماء التي لديّ، واتضح أنها أسماء تيسير قبعة وبسّام أبو شريف (من الجبهة الشعبية) (هذا ما عرفناه بعد اطلاعنا على الأوراق التي لديها).

 

عملية تبادل

وبالمناسبة كانت هناك أشبه بعملية تبادل مع الكتائب، فتم تسليم الوالدة إلى الجبهة الشعبية، ويبدو أن الجبهة الشعبية سلّمت مخطوفاً إلى الكتائب. وكانت المخابرات العراقية بعد مصاردة حاجياتي الشخصية، بما فيها صوري، قد وجدوا فيها ما يوصلهم لي في بيروت فأعطوها عناوين قبعة وأبو شريف وآخرين لا أتذكرهم حالياً، وكذلك عنوان مكتب بيروت وتلفون الذي كان مسؤولاً فيه فخري كريم.

إستمعنا إلى هذه القصة وكانت الوالدة تتوقف بين الحين والآخرلتقول” إنهم ينوون قتلك، عليك عدم العودة حتى لو أعدمنا”. اتفقنا على تنظيم موعد لزيارة طبيب لها، وأخذت معها بعض الأدوية بترتيب من فخري كريم والطبيب حسّان عاكف حمودي أو غيره لا أتذكر، (في مستشفى فلسطين يعود إلى فتح) وقد عملنا لها حجزاً وهمياً في فندق وفاتورة حساب وهمية (مدفوعة لثلاثة أيام) وقد مكثت معها اليومين التاليين في بيت خاص مع آخرين، ثم اصطحبها أحد الرفاق إلى المطار (لا أتذكّره) لتوديعها، ولم أظهر معها في أي مكان باستثناء زيارة لمكان قريب في العمارة ذاتها أو شقة قريبة لا أتذكّر، بدعوة من عصام الخفاجي.

اتفقنا معها على ما يلي: أن تبلغ الأجهزة أنني غير موجود في بيروت، بل أنها سمعت أنني في إسبانيا، أعيش هناك، وأنها ظلّت خلال الأيام الثلاثة في الفندق، وأنها راجعت طبيباً لمساعدتها وأعطاها أدوية وضعتها في حقيبتها اليدوية، وأنها مستعدّة وكذلك الوالد إن طلبوا منه التبرؤ مني علناً في التلفزيون أو في الجريدة، وحتى لو قتلتني الحكومة فهي سوف لا تحزن عليّ إذا كان الأمر ضد الوطن.

وتستدرك الوالدة الحاجة نجاة شعبان لاحقاً: أن الذي قابلني بعد عودتي هو نفسه الذي التقاني عند سفري والمقصود هنا ” برزان التكريتي” وعندما وصلت إلى الجملة الأخيرة، (أي حتى لو قتلتني الحكومة …) قال: إي نحنا نقتل وراح تشوفين، ولكنه غيّر الكلام وقال: هل صحيح أننا نقتل، فقلت له أنتم حكومة ولكم الحق في معاقبة المخالفين أو الناس ضد القانون، فضحك وقال نحن نعطيكم فرصة أخرى، لكنكم تذكّروا: أنتم تحت مراقبتنا وأي شيء يصلكم من هذا “الابن الضال” أوصلوه لنا في الحال، وإذا أرسل أحداً يتصل بكم أبلغونا فوراً، وأعطانا أرقام تلفونات، وقلت له حاضرون وكل ما تريده الحكومة ننفّذه، وكنت أرتجف خوفاً.

كنّا قد اتفقنا معها أنها بعد وصولها بعشرة أيام ولغرض الإطمئنان أن تكتب لنا رسالة وترسلها بالبريد دون اسم المرسل وهي موجّهة إلى “ياسين سعيد” وتحت رقم صندوق بريد، وفيها تبلغنا أن الوالد بدأت صحته تتحسن، وفي حالة زيادة الضغط عليهم تكتب أن صحته بدأت تسوء، وانتظرنا عدة أسابيع ولم تصل أية رسالة، وعندما سألت الوالدة بعد 20 عاماً عن الحادث، بعد مدّة الفراق الذي استمرّ بيننا، قالت لي ” ولله إنتو بطرانين” – إنتو تدرون شكو؟ أي أنكم بطرانين ولا تعرفون ماذا يجري في العراق؟

خلال السنوات الثلاث الأولى أو بعدها تعرّضت العائلة إلى ضغوط كثيرة واستدعاءات عديدة، وكان مسؤولو المخابرات والأمن وأمن المنطقة والمنظمة الحزبية في زيارات متّصلة للعائلة، لدرجة أن صلاتها انقطعت بالعالم الخارجي تقريباً، وباستثناء زيارات الدكتور ناهض شعبان للاطمئنان على أحوالها، وكانت حجّته معه باعتباره طبيباً، وكان والدي شبه مقعد في المنزل بعد أن ترك العمل وأجبر نفسه على ” تقاعد مبكر”، فباع محلّه في سوق التجار (خان النبكه) في بغداد وعاش على بعض أملاكه وأملاك والدتي وما وفّره من مدّخرات، وكانت زيارات الأخوال متباعدة، وكذلك العم الوحيد المتبقي، وهي زيارات شبه خاطفة، وبرضى الطرفين، المُستقبِلْ والمُستَقبَل، والكل كانوا في حالة رعب شديد، ويتفهّمون وضع العائلة الخاص.في مطلع العام 1985 (ربما في أواخر شباط/فبراير) جاءت عناصر من المخابرات وطلبت من والدتي السفر إلى تركيا للاتصال بي من هناك ودعوتي لزيارتها في اسطنبول، لكن والدتي رفضت ولكنهم أرغموها على الرضوخ، فأخذوا جواز سفرها وثمن التذكرة منها، وجاءوا إلى المنزل بعد يومين ومعهم التذكرة وتأشيرة الدخول والجواز، وتذكّرت والدتي ما أخبرتها به في بيروت بأنهم ربما يكونون معها في الطائرة، وعليها لو حاولوا مجدداً عدم المجيء والتملّص من الأمر بكل الوسائل، وهنا تشجعت وصرخت وقامت بالخروج إلى الشارع، فأوقفها رجال المخابرات ومنعوها، وهي تصرخ بأعلى صوتها، واتصلوا بأحد المسؤولين من تلفون المنزل وأبلغوها بتأجيل السفر، وفي مساء اليوم التالي أصيب والدي بجلطة دماغية، لم تمهله طويلاً، وأظن أنه توفي في مطلع آذار (مارس) 1985.باختصار هذه هي قصة الكتاب التي دفعت العائلة بسببه ثمناً باهظاً لأكثر من 20 عاماً، وانتهز هذه الفرصة للقول أنني فخور بهذه العائلة: الوالد والوالدة اللذان تحمّلا بسببي آلاماً لا حدود لها، وأجدها مناسبة للاعتذار لهما، لأمر لم يكن لي يدُ فيه، كما لم يكن لي حيلة به، وهكذا هي السياسة في بلداننا وفي مجتمعاتنا العربية، وبالأخص في العراق الذي وصلت فيه العقوبة إلى الدرجة الرابعة، ناهيكم عن القتل على الهوّية، واستبدّ به العنف والإرهاب إلى درجة مروّعة.كنّا نحلم بأن نستطيع أن نسير بأوطاننا باتجاه الحداثة والعمران والجمال والخير والعدالة والسلام، لكن بعض أحلامنا تحوّلت إلى كوابيس لعوائلنا التي لا ذنب لها)

                         *******

سلم وفاؤك واعتذارك د. شعبان، وليطمئن وجدانك ان الوالدة الكريمة هي الآن في جنان الرحمن، وهي تدرك مسعاك الوطني الخير ..

 

دماء لن تجف (37): الأسد الصدري الشيخ علي الكعبي .. موسوعة شهداء العراق

munir hadad"سبحان الذي أسرى بعبده..." منتقلا بشخصية علي الكعبي، ملاكم، يحترف العنف مهنة، الى إمام سلام، تسجد وراءه الملايين، تهجدا لله، في محراب صلاة الكعبي، نائب عن الامام آية الله محمد محمد صادق الصدر.. قدس سره الشريف.

قاد الكعبي شرارة الثورة الصدرية، ايذانا بأنطلاق المقاومة ضد الطغاة في مدينة الصدر "الثورة حينها" التي تصطف رهطا بين يدي الله، بحضور الكعبي.

انضم إلى صفوف الحوزة العلمية في النجف الأشرف، في التسـعينات، عن طريق وكلاء السيد (قد سره) في بغداد، متخطيا الاختبارات المطلوبة بنجاح، متواصلا في دراساته إلى حد استشهاده عقب استشهاد الصدر بفترة وجيزة.

تماهى في الولاء، لفلسفة الامام، حد التفاني بها؛ إذ تولى إمامـة صلاة الجمعة فـي المدينة، سـنة 1997، يشعر المصلون وراءه، بملاك يحرسهم، وهم يقفون قانتين، ويقنتون راكعين، إستجابة لأداءات الكعبي.

تميز بالخطب الثورية، والنقد الاجتماعي والسياسي، محاط بشباب مخلصين.. إسلاميا للعراق؛ وفروا له حماية جيدة، وهو يئم حوالى مليون مصل، إكتظ بهم جامع "المحسن" الذي يستقطب المؤمنين من ارجاء المدينة.

زخم عددي، مشفوع بإصرار قيادي، من لدن الشهيد، على طروحات بليغة الوصف والتعبير والمعنى، كلها تصب بالنتيجة، في الحث على ثورة صدرية ضد الطاغية المقبور صدام حسين.

واصلت مدينة الصدر إحتضان منبره، في مكان مطهر خالصا لله، فعدد المصلين، أضفى بركة قوة ونبراس عزيمة، ووفر له الحماية الكافية؛ كي يستمر في أداء صلوات الجمعة حتى بعد استشهاد الصدر الثاني، أي حوالي أربع إلى خمـس صلوات جمعـة، إلـى أن أغلقت السلطات الأمنية المسجد بالقوة، فانتقل إلى جامع الحكمة في شارع الشركة بمدينة الصدر بمسـاعدة الشـيخ السويجري، وتتابعت عليه الضغوطات الأمنية فأغلق المسـجد أيضاً بعد فترة وجيزة، وتـم اعتقاله مع مجموعة من الشـباب الملتفين حوله بعد زيارة إلـى أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الأشرف، وهـو في طريق عودته إلـى بغداد، وبالتحديد في منطقة المحمودية. وبعد ذلك عرضت عليه الجهات الأمنية عدة عروض بأن يتخلى عن العنف والخطب الثورية ضد النظام القائم، ويكتفـي فقـط بالخطـب الإرشـادية والوعظ.

طلبوا منه

واختتامها بالدعاء لرأس النظام المسـتبد آنذاك ،مقابل الإفراج عنه، فرفض العروض الأمنية مما دفعهم إلى إعدامه، بعد ان لكم ضابط الامن المحقق معه، كاسرا فكه.

إنظم علي الكعبي "ق. س" إلى قافلة الشهداء العراقيين وهم كثر.. يجلسون في قارب سماوي نشرهم ضيوفا دائميين على ديوانه الإلهي العامر ة..

فقأوا عينيه وحطموا عظام جسده.. عظمة عظمة؛ يخيفون به سرب ارواح لم تعنَ بسفاسف الحياة، قدر انقطاعها تبتلا لله، فتسامى شهيدا، يحمل لقب الاسد الصدري!.

الشهداء يحبون الحياة

yousif abolfawzالصورة المعروفة عن المناضل الشيوعي، عند كثير من الناس، تتعلق بكون حياته مليئة بالمعاناة، فهي تمتد بين ما خلفته في روحه سنوات العمل السري ومضايقات الاجهزة الامنية للأنظمة الديكتاتورية، وسنوات الاعتقال والسجون والاختفاء والكفاح المسلح في الاهوار والجبال، وكل ذلك بعيدا عن الاستقرار ودفء الحياة العائلية في ظل حياة طبيعية ،فحياته تمضي بين اجواء من التوتر والترقب، وكل هذا قد يجعل صورته عند البعض جادا ومتجهما، غارقا في امور معقدة، ولا وقت لديه للاسترخاء والمرح. لكن الشيوعيين، هم ابناء هذا الواقع، هم بشر مثل غيرهم، لديهم نقاط قوتهم وضعفهم وتناقضاتهم، ولكن وعيهم الطبقي وثقافتهم العالية، وايمانهم بمباديء سامية تهديهم للنضال لاجل كرامة وسعادة الانسان وحرية الاوطان، تجعلهم يروضّون نقاط ضعفهم، ويتسامون على مغريات الحياة ومغرياتها وصغائرها، ويكونون مستعدين لمواجهة مختلف الصعوبات والضغوطات، وتكون لهم مواقف متميزة تصل حد التضحية بالنفس، وبكل شجاعة لاجل صيانة أسم الشيوعي ، وحياة افضل للاخرين .

يوما في سبعينات القرن الماضي، قال القائد الشيوعي والكاتب السياسي رودني اريسمندي (1913 ــ 1989)، من الاورغواي: "نحن الشيوعيون لسنا نوعا خاصا من البشر، نحن من الطبقة العاملة ومن هذا الشعب ونحن بالنتيجة مواطنون عاديون مرحون ومتواضعون مغرمون بالحياة ومسراتها، مغرمون بزوجاتنا واطفالنا، بالسلام وبدفء الصداقة، بالغيتار والاغاني وبالنجوم والازهار". والشيوعيون العراقيون، جزءا من هذا الكلام ، وشهداؤهم ايضا.

ومن بين الشهداء الشيوعيين العراقيين، ثمة مناضلون، يحفظ لهم رفاقهم، الذين عاصروهم، والناس الذين عرفوهم، اضافة الى مواقفهم البطولية وشجاعتهم، حبهم للمرح والنكتة وصنع المقالب الطريفة للاخرين. هكذا، مثلا، عرف الانصار الشيوعين في سنوات الكفاح المسلح الصعبة ، في جبال كردستان، الشهيد العامل حاتم محمد نمش ـ ابو كريم (استشهد 1987). انسانا ممراحا، ممحب للنكتة، سريع البديهة، ويقدم ملاحظته الناقدة باسلوب ساخر، فيثير الابتسام من حوله،ويشيع جوا صداقيا ودودا وحميميا من حوله، مترع بالحبا دون ان يغيض احدا ما. هكذا التقيته شخصيا، لاول مرة في "كلي هصبة "( وادي الخيول) مقر أنصار الفوج الثالث صيف عام 1985، وعملنا لفترة معا، جنبا الى جنب في بعض المهمات الحزبية والانصارية . كان شديد الذكاء ولماحا ومحبا لرفاقه والناس والحياة.

كتب النصير داود امين ـ ابو نهران ، في مجلة "الثقافة الجديدة" العدد المزدوج 203 ـ 204 الصادر عام 1988 تحت عنوان " أبو كريم يعيش في قلوبنا" قائلا : (قبل التحاقي بالآنصار، ووصولي إلى كردستان، كنت أسمع عن "أبو كرّيم" فالآنصار القادمون من كردستان كانوا يتحدثون عنه بمتعة وإعجاب، يروون طرائفه ونكاته، ويتحدثون عن بطولاته وجرأته، عن إنضباطه الحزبي والواعي، وعن موقفه الآصيل من العمل، ومن المظاهر السلبية في الحياة الحزبية ). ولشد ما كره الشهيد ابو كريم البيرقراطية في العمل الحزبي، فوجه نيران سخريته لبعض الممارسات التي وجدها تعيق نشاط الحزب وتطوره، وتعيق مبادرات المناضلين المخلصين في العمل، فبعض"الكوادرالحزبية" التي يجدها تتحسس من طرح رأي ناقد وتشخصّن الملاحظات كان يسميها "الكوارث الحزبية". وأما مفارز الانصار التي يصدف وتضم كبارا في السن ومرضى كان يسميها "مفارز القناصة".كان له قاموسه الخاص ،ويلعب بالكلمات ويحورها، ويحملها معان أخرى تثير الابتسام. سماه النصير عمار علي" قارع اجراس الفرح" ــ طريق الشعب 4 أيار 2014 ـ وكتب عنه محاولا تفسير حبه للمرح: "يلتقط الاشياء النادرة، يحولها الى سخرية، ربما قسوة المكان تستدعي وجود قوة رفض الواقع العدائي الثقيل. قوة تكسير حجر القسوة. تهزم اليات الضجر والرتابة. كان يراوغ جنيات الطبيعة، يعاند موج العزلة الهائج. كان يستقبل القادمين الى جنة الوادي الموحش بالزغاريد والاغاني والحنين.". كان يمازح الجميع، اهل القرى والقادة المسؤولين من الاحزاب الاخرى، والاطفال، ورفاقه الانصار، ورفيقاته. لم يكن احد يسلم من لذع لسانه، ولم يكن احدا يسئ فهم مزاحه الذي لا يحمل اي ضغينة او تحامل. قال لي النصير مزهر بن مدلول ـ ابو هادي: (أذكر يوما، ممازحته لاحد الرفيقات، حين قال لها "حركاتك" اجمل من كل حركات التحرر الوطني في العالم !). لم تزعل الرفيقة، لانها تفهم شخصية ابو كريم ولعبه باللغة والمصطلحات. الرفيق ابو نهران ، يروي عنه: (كان الحديث عن سلاح الستريلا، المضاد للطائرات يشغل جميع الآنصار طوال عامي 1981 و1982، فالكل يتحدث ان حزبنا يمتلك كميات من هذا السلاح، ولكن الصعوبة فقط في إدخاله الى كردستان! فهو سلاح ثقيل وحساس جداً عند النقل! وفي صيف 1982، وصلت مفرزة من الخارج، وكان بين أنصارها الرفيق "ابو عليوي" وهو رفيق بدين، وما ان شاهده ابو كريم حتى صاح: "يكولون ما نكدر ندخل ستريلا .. جا هذا الرفيق شلون دخل !؟ " ثم إقترب منه وقال له " كلي رفيق انت كم واحد، ياالله قدر يكسبك للحزب؟ أكيد لجنة كاملة فرغوها لكسبك !" وضحك الرفيق ابو عليوي مرتبكاً، فمن المؤكد أنه سمع عن ابو كرّيم !)

مثل ابو كريم، كان هناك العديد من الشيوعيين، والعديد منهم استشهدوا، لن اذكر اسماءا هنا حتى لا اظلم احدا اذا نسيته، فجميعهم كانوا يمنحون الحياة من حولهم رونقا خاصا بشخصياتهم المحبة لفرح، وينثرون المحبة والابتسامة بين الناس، مثلما ينثرون الامل بالحياة السعيدة والتمسك بالاخلاق الفاضلة والمباديء السامية. الشيوعيين عشاق الحياة، يمنحون حزبهم ومبادئهم زهرة شبابهم، لهم مواقفهم المشهودة في عدم الرضوخ والتنازل امام صعوبات الزمن وعسف الديكتاتوريات، وفي خضهم كل ذلك يمارسون حياتهم بكل مدياتها، وشهداؤهم يضحكون دائما ويحبون الحياة

المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي (4)

علمت الان فقط برحيل المرحوم الاستاذ خميس حرج نشمي في مدينة بطرسبورغ بتاريخ 8 ايلول / سبتمبر عام 2014، هذا الانسان المتواضع الوديع والرقيق والمثقف بعمق، الذي قدمته لي في بطرسبورغ الدكتورة يافعة يوسف – استاذة اللغة العربية في جامعة بطرسبورغ عام 2005 عندما شاركت باحدى المؤتمرات العلمية في الجامعة المذكورة . لقد لاحظت رأسا في ذلك اللقاء حماسه العلمي الاصيل وعمق خططه الثقافية، واخبرني انه يعمل على ترجمة حكايات كريلوف من الروسية الى العربية لان القراء العرب لا يعرفونه حق المعرفة وبالتالي لا يستطيعون تقييمه كما يجب وقد اتفقت معه بشأن هذه الملاحظة، و اخبرني ايضا انه يهتم بترجمة الامثال والحكم الروسية ومقارنتها بالامثال العربية، وان هذا الموضوع يستحق اهتمام المتخصصين العرب والروس معا، وانه يتمنى ان ينشر بحوثه وترجماته هذه في بغداد، وبلغ تواضعه حدا انه لم يخبرني بانه أصدر كتابا مترجما عن اللغة الروسية في موسكو نهاية الثمانينات آنذاك حول ملحمة كبرى من ملاحم الادب الروسي القديم .

ولد المرحوم خميس حرج نشمي في العراق عام 1941، و وصل الى موسكو عام 1962 للدراسة، وسافر الى لينينغراد عام 1963 وبدأ دراسته في قسم اللغة الروسية وآدابها بكلية الاداب في جامعة لينينغراد، وبعد انهاء دراسته في تلك الجامعة وحصوله على شهادة الماجستير، بقي في مدينة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) واستقر فيها، وعمل في المكتبة الوطنية هناك طوال حياته، وتوفي في مدينة بطرسبورغ ودفن فيها، وربما يمكن القول (وحسب معلوماتي المتواضعة طبعا ) انه القبر العراقي الوحيد في تلك المدينة، وبهذا فقد ازدادت – مع الاسف - قبور العراقيين في روسيا (انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو)، وبودي ان أكرس هذه الحلقة من سلسلة مقالاتي حول المترجمين العراقيين في الاتحاد السوفيتي للمرحوم خميس حرج نشمي اعتذارا لروحه لاني لم اذكر اسمه في الحلقات السابقة من مقالاتي تلك عن المترجمين العراقيين، لعدم استطاعتي – وبجهودي الفردية فقط - الالمام بكل ابعاد هذا الموضوع الثقافي الواسع جدا واسماء المساهمين العراقيين فيه، و بالطبع لعدم مشاركة الآخرين في الكتابة عن هذا الموضوع رغم كل دعواتنا لهم للقيام بهذا العمل العلمي المهم وتسجيله للاجيال اللاحقة في مسيرة الثقافة العراقية الحديثة.

يرتبط اسم المرحوم خميس حرج نشمي بترجمة كتاب مهم لم يتجاسر على ترجمته الكثير من المترجمين العرب المحترفين الكبار (رغم محاولات هنا وهناك لترجمة مقاطع من تلك الملحمة الشعرية ليس الا، ومن ابرزها محاولة المرحومة أ.د. حياة شرارة في كتابها المعروف و الصادر في بيروت في ثمانينات القرن العشرين بعنوان – من ديوان الشعر الروسي ). و الكتاب الذي ترجمه نشمي هو ملحمة عملاقة من الادب الروسي القديم، ويعده الروس واحدا من الشواهد الكبرى القديمة للادب الروسي وبداياته وانطلاقاته، ويولونه اهمية قصوى في تاريخ ادبهم . الترجمة الحرفية لهذه الملحمة الشعرية هي – (كلمة حول فوج ايغور)، وقد جاءت عند المترجمين عن الروسية (وكذلك عند الباحثين العرب في الادب الروسي ) بصيغ واجتهادات مختلفة، منها على سبيل المثال وليس الحصر – كلمة عن جيش ايغور / انشودة حملة ايغور / حملة الامير ايغور / ملحمة ايغور / اغنية جيش ايغور / ...الخ . لم استطع – مع الاسف الشديد – ان احصل على نسخة من ترجمة المرحوم خميس نشمي لتلك الملحمة (رغم كل محاولاتي العديدة )، والتي اصدرتها دار النشر السوفيتية المشهورة (رادوغا) ( قوس قزح ) عام 1989، لهذا يتعذر علي هنا ان اتكلم عن مستوى هذا العمل الترجمي الكبير الذي انجزه المرحوم خميس، الا اني اطلعت على تلك السطور التي كتبتها المستشرقة الروسية المعروفة البروفيسورة الدكتورة فرولوفا عن هذه الترجمة، والتي نشرتها في كتاب يتناول التعريف بترجمات هذه الملحمة الى اللغات الاجنبية العديدة، اذ انها اشارت الى ان الترجمة العربية التي انجزها خميس نشمي جاءت بلغة عربية سليمة وجيدة ويمكن للقارئ ان يطالعها بسهولة، وان النص العربي هذا قريب جدا من النص الاصلي (اي الروسي) لتلك الملحمة، وهذا الرأي الذي كتبته البروفيسورة فرولوفا دليل لا يقبل الشك بمستوى العمل الترجمي الجيد، الذي قدمه المرحوم خميس نشمي.

من نافل القول ان نشير في نهاية هذه السطور الى ان هذا الكتاب يستحق ان ندرسه ونحلله بامعان وان نحاول ان نقترح على الدارسين الشباب في مجالات الترجمة الروسية – العربية والعربية – الروسية في روسيا والعالم العربي ان يتناولوه في دراساتهم الاكاديمية المقارنة بالجامعات والمعاهد باعتباره عملا علميا متكاملا و رائدا في مجال ترجمة الشعر الروسي الى اللغة العربية – هذه المهمة الدقيقة و المعقدة والصعبة جدا، والتي تتطلب – بلا شك – موهبة ذاتية خاصة في هذا المجال.

ختاما اود ان أعبر عن تمنياتي (ولا أقول أحلامي) في امكانية نشر اعمال المرحوم خميس حرج نشمي الترجمية، والتي عرفت انها موجودة عند عائلته في بطرسبورغ، والتي لم يستطع ان ينشرها اثناء حياته، اذ انها من المؤكد تستحق ان ترى النور، وانا شخصيا مستعد للمساهمة في هذا العمل قلبا وقالبا كما يقال، و انا على يقين ايضا انه يوجد بين اصدقائه العراقيين خصوصا (في روسيا وحتى في العراق)، والعرب عموما، والروس طبعا، من يرغب بالمساهمة ايضا في تحقيق هذا الانجاز الثقافي . دعونا نتعاون معا من اجل ذلك ايها الاصدقاء، دعونا نشكٌل لجنة مصغٌرة تتمثل فيها عائلته وبعض المتحمسين لمتابعة هذا المشروع الثقافي الجميل. هل يمكن تحقيق هذا الحلم؟ .

 

أ.د. ضياء نافع

 

دماء لن تجف (36): جميلة ووصال محمد شلال .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadالشهيدتان جميلة ووصال محمد شلال، لذكراهما طعم العلقم، ألم وإفتخارا، تجاوز المجرمون البعثيون الأعراف والشرائع والأخلاق، تنكيلا بإمرأة أرعبت جبنهم المدجج بمتاريس الاسلحة لفتاكة، وأحهزة التعذيب فائقة التقنية.

إرتعبوا أمام جلد وصلابة موقف رفيقة أم عمار.. جميلة محمد شلال، تحولت رعدة الجبناء الى هستيريا مجنونة، وهم يرونها تصمد أمام أجهزة التعذيب.. تقاوم الجريمة وتأبى السقوط في وحل الخيانة .. وهي الأم التي لا تمتلك في هذه الدنيا سوى الوطن والمباديء وطفلة رضيعة .. أخافت وأرعبت هذه الأم النحيلة شوارب رجال الأمن والمخابرات البعثية بكل ما كانوا يمتلكونه من ترسانة الحرب والدمار وأجهزة الشرطة والأمن والعسكر .. ولم يكتفوا بالتعذيب والسجن والحرمان من طفلتها ولم يكتفوا بكابدت في ظلام الزنازين والضرب المبرح؛ فإتخذوا قرارهم بالحكم عليها بالأعدام.

زال قاتلوها وظلت خالدة، فداء الوطن، الذي انتهجت الشيوعية سبيلا للدغاع عنه، ضد طاغوت الديكتاتورية البعثية، التي تكاثفت بشخص المقبور صدام حسين.

بقيت جميلة خالدة ومفخرة للشعب العراقي.. عرفت الشهيدة جميلة محمد شلال، السبعينات ناشطة طلابية ونسائية رائعة ومثال للمرأة الشابة المتحررة، من دون إنفلات.. إنما تقدم على خطواتها بشخصية تأملية، لا تدع للهوج سبيلا يضفي تخبطاته عليها، إنما بوعي حريص.

مناضلة عراقية أبت أن تتراجع عن مبادئها قيد شعرةح بقوة أرعبت الجلادين، وهم ينتهكون وطنا مستباحا، لم يثنها قرار الأعدام، عن المكوث راسخة الجذور في قناعتها، تنتظر التنفيذ، وأعداؤها لظى!

تقدمت مرفوعة الرأس.. شامخة نحو غرفة الأعدام، موصية برعاية طفلتها بعد موتها وهي وصية كانت بنبرات تدمي القلوب وتثير الحقد على المجرمين القتلة، هاتفة: "عاش الشعب العراقي.. عاش الحزب الشيوعي.. الموت للمجرمين الطغاة".

بقيت السجينات بين البكاء والألم والحماسة والهتاف بحياة الحزب .. وبعدها توجهت أختها الرفيقة وصال محمد شلال وهي تمشط شعرها وتعدل في ثيابها المدماة وتقول هذا هو يوم زفافي .. هذا هو يوم العرس الذي كنت أتمناه لموتي المشرف ومع الرهبة والشد والحماس والألم في التوجه نحو المصير قالت للسجينات وكأنما تحاول تهدأتهن وتهون الأمر عليهن وتمنحهن دفعة من الصمود: "فلنعشها بكرامة ونموت بشرف".

... كل ما أريده منكم هو أن تزغردوا وكأنني ذاهبة نحو الزفاف .. قالت هذه الجملة وكأختها جميلة خرجت وصال منتشية ورافعة الرأس وتهتف .. عاش الحزب الشيوعي العراقي وعاش الشعب ويحيا العراق .. ولكن أي من السجينات لم يكن يستطعن وسط هذا الحزن أن تزغرد.

الحرية في الاسلام

اذا ما صادفنا احدا غريب الهيئة في رقبته سلسلة اوقلادة ونصحنا له كان جوابه انا ''حـــر'' او انها تلبس لباسا منافيا الحياء العامة ونصحنا لها كان جوابها''أي ضرر في هذا انا حرة''.

اتتا ازاء هذين المثالين يتبين اننا لم نستطع بعد تحديد معني هذه القيمة''الحرية'' ولا الموصوف بها ''انا حر''.

قال تعالى:''قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك امرت وانا اول المسلمين'' الانعام

وهذا معناه ان حياة الانسان وتصرفاته وسكناته وعبادته ومعاملاته وحتى مماته كل هذا لله عز وجل.

غير اننا اليوم نلاحظ الاقبال على سلوكات واعمال لا علاقة لها بقيمنا الرفيعة ولا ديننا الحنيف او سنة نبينا الكريم, ويبررون اقبالهم على ذلك بكونهم احرارا.

مقارنة مع كل الشرائع السماوية والارضية ̨ تبين ان الاسلام الدين الوحيد الذي جعل الحرية حقا من الحقوق الطبيعية للانسان. فلا قيمة لحياة الانسان يدون الحرية, لان الانسان حين يفقد حريته يموت داخليا وان كان في واقع العيش ياكل ويضحك .

ولقد بلغ الاسلام من تعظيم الحرية ان جعل العقل الحر خير سيبل لادراك وجود الله.

وقال تعالى:''لا اكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي''فنفي الاكراه في الدين الذي هو اعز شيء يملكه الانسان للدلالة على نفيه فيما سواه بمعنى ان الانسان مستقل فيما يملك لا يفرض عليه احد سيطرته , وكذلك للدلالة على ان الانسان ياتي هذه الامور راضيا غير مجبر.

مفهوم الحرية,

الحرية هي قدرة الانسان على فعل الشيء او العدول عن فعله بارادته الذاتية التي هي ملكة خاصة يتمتع بها كل شخص عاقل’ بعيدا عن اي سيطرة او ضغط لا في نفسه او دينه او بلده او قومه او امته.

فرغم ان هذا التعريف يقر بقدرة الانسان على فعل اي شيء. فالاسلام لا يعني اقراره للحرية انه اطلقها من الضوابط والقيود والا اصبحت فوضى التي تدمر الانسان اكثر مما تبنيه.ان الاسلام ينظر الى الانسان على انه مدني بطبعه لذلك اقر بالحرية للجميع دون تفريق او تفضيل, لذلك وضع قيودا ضرورية تضمن الحريةللجميع.

 

وتتمثل هذه الضوابط التي حددها الاسلام في:

1 الا تؤدي الحرية سواء الفردية او الجماعية الى تهديد سلامة النظام العام وتخريب اركانه.

2 الا تؤدي الى المس بحقوق اعظم منها .

3 الا تؤدي الى الاضرار بحرية الاخرين.

بمثل هذه الضوابط يدرك اللبيب ان ديننا الحنيف لم يقر الحرية لفرد على حساب فرد او جماعة كما لم يقر يها لجماعة على حساب فرد

فاعطى لكل ذي حق حقه بلا تفريق او تمييز.

انواع الحرية.

ــ حرية مادية.

ـــ حرية معنوية.

1 ) الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية وتعني:

ــــ الحرية الشخصية حيث يكون الانسان قادرا على التصرف في شؤونه ينفسه وفي كل ما يتعلق بذاته.وقد اهتم الاسلام باقراركرامة الانسان وعلو منزلته وعدم احتقاره. قال تعالى:''ولقد كرمنا بني ادم'' كما ميزه عز وجل بالعقل السليم والتفكير السديد وبذلك وضع الاسلام الانسان في اعلى منزلة فاعتبر قتله بمثابة قتل الناس اجمعين قال تعالى:''من اجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه من قتل نفسا بغيرنفس او فسادفي الارض,فكانما قتل الناس جميعا ومن احياها فكانما احيا الناس جميعا''

ــ حرية التنفل ويقصد بها ان يتنقل داخل بلدع او خارجها دون عوائق ويعرف هذابحق الطريق

قال تعالى:''هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه'' ولا يمنع الانسان من التنقل الا لمصلحة كاصابة بوباء كما وقع في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وتاكيدا لحسن استعمال الطريق نهى الرسول الكريم عن الجلوس فيها فقال : اياكم والجلوس في الطرقات فقالوا يا رسول الله :ما لنا بد في مجالسنا. قال:فان كان ذلك فاعطواالطريق حقها. قالوا وما حق الطريق يا رسول الله.قال:غض البصر وكف الاذى ورد السلام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر''.

ــ حرية المسكن للانسان كامل الحرية في اقتناء مسكن ياويه صحبة عياله ̨ واذا ما ملك انسان مسكنا له فلا يجوز لاحدان يقتحمه الا باذنه قال تعالى :''يا ايها الذين امنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلموا على اهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون,فان لم تجدوا فيها احدافلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وان قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم والله بما تعملون عليم'' الا اذا كان ذلك لمصلحةالجماعة والامة.

ــ حرية التملك وتعني القدرة على حيازة الشيء وامتلاكه والتصرف فيه والانتفاع به وفق شروط شرعية.

ــ حرية العمل العمل عنصر فعال في طرق الكسي التي اباحها الاسلام لانه قوام الحياة.لذلك اقر الاسلام بحق الانسان في اي عمل يشاءه ولم يقيده الا في تضاربه وتعارضه مع الاهداف والمصلحة العامة.ولاهميته اعتبرنوعا من الجهاد في سبيل الله

روي عن الرسول الكريم ان رجلا مر على النبي الكريم فراى اصحابه عليه السلام من جلده ونشاطه

فقالوا:يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله فقال رسول الله:ان كان خرج يسعى على ولده صغا را فهو في سبيل .....وان كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان.

2 الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية

ــــ حرية الاعتقاد ويقصد بها اختيار الانسان لعقيدة يريدها ويرتضاها دون اكراء او ضغط. يقول عز وجل:'' لا اكراه في الدين'' ويتبن من خلال هذه الاية ان الاسلام رفع الاكراه عن الانسان في عقيدته وفي هذا قال تعالى:''ولو شاء ربك لامن من في الارض كلهم جميعا''وقال تعالى كذلك:''فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر''

ــــ حرية الحوار والنقاش وذلك بتبادل الراي قصد بلوغ الحقيقة.وقد كان الرسل والانبياء يحاورون اقوامهم ليتبعوهم في دعوتهم عن قناعة وطواعية.

وخير مثال سيدنا ابراهيم عليه السلام حاور ربه في موضوع''الاحياء والاماتة'' ليزداد قلبه ايمانا,قال تعالى:''واذ قال ابراهيم رب ارني كيف تحيي الموتى قال او لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي''

كت هذا دليل واضح على ان الاسلام اقر حرية المناقشة سواء بين المسلمين انفسهم او بينهم وبين اصحاب الديانات الاخرى بهدف الوصول الى الحقيقة لا بغية اثارة الشكوك والفوضى.

ـــ حرية الراي ويقصد بها حرية التفكيروالتعبيروقد اباح الاسلام للانسان التمعن والتامل فيما يحيط به ويحاول تجربته بعقله واستخدامه مع بني جنسه.ولا يتاتى هذا الا بالنظر السليم والتفكير السليم̨ ولابداء الراي عدة مجالات منها:

.اظهارالحق وازهاق الباطل.قال تعالى:''ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون''.

.منع الظلم ونشر العدل ولو داخل بيت الاسرة.

ـــ حرية التعلم اي طلب العلم والمعرفة حق كفله الاسلام للفرد ومنحه حرية التنقل لطلبه وتحصيله لمصلحة الامة وما يفيدها دينا ودنيا, وفي القران ايات كثيرة تمجد العلم وطلابه.ولاهمية العلم خص جل شانه اول سورة قرانية

 

للقراءة التي هي مفتاح طلب العلم"اقرا بسم ربك الذي خلق''.

ان حرية الانسان من المنظور الاسلامي اتم واروع بكثير مما قدم في مختلف النظم الانسانة الحقوقية الغربية , ان حرية الانسان قي الرؤية الاسلامية هي فريضة اجتماعية وتكليف الاهي تتاسس عليه امانة المسؤولية ورسالة الاستخلاف اي استخلاف الله للانسان في الارض التي هي جماع المقاصد الالهية من خلق الانسان.

اذن فالحرية وفق المنظور الاسلامي هي تكليف الهي يقع في جانبين هما:

1) حانب الفرد ذاته فلا يحق للانسان التنازل عن اسباب حريته..

2) الحرية الاجتماعية ففي نظر الاسلام فقد تجاوزت الحرية نطاق الغرد الى النطاق الاجتماعي اي للامم والجماعات..

والاكثر من هذا فقد قطع الاسلام في مجال الحريات شوطا لم تصل اليه الانظمة الاخرى مطلقا ولهذا البعد اثر كبيرفي صلاح الفرد ثم في صلاح المجتمع.

 

....................

المراجع

ـــ القران الكريم̨

ــــ حقوق الانسان عبدالهادي عباس̦

الاسلام والامن الاجتماعي د محمد عمارة

ـــ مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية د كمال غالي

 

اعداد: عبدالعلي صباني

 

 

من أعلام النقد الادبي الروسي: روزانوف

النقد الادبي الروسي وتاريخه وأعلامه لا زال في بداياته الاولية ليس الا في مصادرنا العربية بشكل عام، ولا زال غير واضح المعالم رغم الكتابات عنه هنا وهناك بالعربية، وأخص منها بالذكر كتابات المرحومة أ. د. حياة شرارة (كتابها المعروف عن بيلينسكي الذي اصدرته ضمن اصدارات سلسلة أعلام الفكر العالمي في بيروت وأعادت اصداره في بغداد مؤسسة المدى اخيرا) والمساهمات الكبيرة لكل من د . جميل نصيف التكريتي وكامران قره داغي والمرحوم أ. د. محمد يونس و المرحوم أ. د . جليل كمال الدين والاخرين في هذا المجال الحيوي الكبير، والكتاب الشامل الذي ترجمه عن اللغة الروسية الى اللغة العربية بشكل رائع الاستاذ الدكتور رؤوف موسى الكاظمي الذي اصدرته دار المأمون عام 2010 بعنوان– (تاريخ النقد الادبي الروسي)، والذي يعد – من وجهة نظرنا – اول واكبر محاولة علمية في مجال الترجمة عن اللغة الروسية في العراق، والكتاب هذا هو خطوة رصينة جدا وموضوعية وشاملة بكل معنى الكلمة حول هذا الموضوع المهم والكبير والجديد فعلا في لغتنا العربية (تناول الكتاب حركة النقد الادبي الروسي خلال ثلاثة قرون باكملها في روسيا منذ بدايات القرن الثامن عشر الى نهايات القرن العشرين) .

نحاول في هذه السلسلة من المقالات تسليط الضوء بشكل عام على عدة اسماء من أعلام هذا النقد الادبي غير المعروفين كما يجب للقارئ العربي – حسب معلوماتنا المتواضعة - ونتمنى ان تسنح لنا الفرصة والظروف بالاستمرار في ذلك العمل واكمال هذه السلسلة المهمة حول أعلام النقد الادبي الروسي، والذي نأمل ان تضيف معلومات جديدة فعلا و معمقة في هذا العالم الجديد بشكل عام في سماء النقد الادبي الروسي عندنا. الاسماء في هذا المجال كثيرة هنا بالطبع بلا شك، ونبدأ بالناقد الادبي والفيلسوف الروسي روزانوف ليس الا، دون اي تحديد او اعتبار محدد، اذ اننا يمكن ان نتناول النقاد الآخرين لاحقا .

ولد فاسيلي فاسيلوفيتش روزانوف عام 1856 في الامبراطورية الروسية وتوفي عام 1919 في روسيا السوفيتية، وهو فيلسوف قبل كل شئ، واستطاع ان يربط – وبابداع كبير – الفلسفة بالنقد الادبي، واصبح في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين واحدا من ألمع المثقفين الروس في هذين المجالين المذكورين .

درس روزانوف في كلية الاداب بجامعة موسكو وتخرج عام1882، ولم يرغب ان يستمر بدراسته العليا، ورفض أداء امتحان الماجستير، وقرر ان يعمل كما يريد وبشكل حر، وهكذا ابتدأ بمسيرة حياته و اصبح مدرسا في المدارس الثانوية الروسية، وانتقل بالعمل بين العديد من المدن الروسية، وكان في ذلك الوقت يخطط ويفكر بشان مشاريعه الثقافية اللاحقة في مجال الابداع الفكري، وفعلا أصدر كتابه الاول عام 1886، وكان يتناول طبيعة وحدود العلم باعتباره تجسيدا للمعرفة المتكاملة للانسان واعماقه، وهو كتاب فلسفي بحت بكل معنى الكلمة، ولكن هذا الكتاب لم ينل النجاح الذي كان يطمح اليه المؤلف، وهكذا توصل روزانوف - بعد تأملات فكرية عميقة طبعا - الى الفكرة التي سيكرس لها بقية حياته، وهي ضرورة المزج بين الفلسفة والنقد الادبي و الكتابة في الصحافة، انطلاقا من جوهر الفلسفة المسيحية التي كان يؤمن بها ايمانا راسخا، والذي سيصبح لاحقا واحدا من أعمدتها، ووجد روزانوف في دستويفسكي ضآلته كما يقال (اذ ان دستويفسكي هو كاتب وفيلسوف مسيحي في آن واحد كما هو معروف)، وأصدر عام 1891 كتابا بعنوان – (اسطورة المفتش الاعظم عند دستويفسكي) (يسمونه في بعض الترجمات ب المحقق الاعظم / المفتش العظيم / المفتش الكبير ..الخ)، والذي تناول الفصل المشهور في رواية دستويفسكي – (الاخوة كارامازوف)، وهو الموضوع الذي أثار اهتمام الفلاسفة الروس جميعا (وليس الروس فقط)، وهذا هو الكتاب الذي أعلن فيه روزانوف - وبشكل ساطع – ميلاده باعتباره فيلسوفا و ناقدا ادبيا جديدا، وكان من الطبيعي ان يقترب من الفيلسوف والمفكر الروسي الشهير بيرديايف ومدرسته الفلسفية (انظر مقالتنا بعنوان – بيرديايف ودستويفسكي)، واستطاع روزانوف في بداية القرن العشرين، وبالذات في اعوام 1901 – 1903 (وبالتعاون مع الناقد الادبي والفيلسوف ميرشكوفسكي و الناقدة والاديبة المعروفة ناديجدا غيبيوس) ان يشكٌل جمعية دينية – فلسفية في روسيا، خصوصا وانه أصبح صحفيا بارزا نتيجة عمله ونشاطه الفكري المتنوع بمجلتين اساسيتين في روسيا آنذاك وهما – مجلة (روسكي فيستنك) (البشير الروسي) ومجلة (روسكويه أبروزافانيه) (التعليم الروسي) و في جريدة (نوفويه فريميا) (الزمن الجديد)، اذ انه نشر في كل هذه الاصدارات الدورية العديد من المقالات المهمة، والتي اثارت انتباه القراء الروس الى افكاره المتميزة والاصيلة في هذه المجالات الفكرية الكبيرة، ومن الضروري الاشارة هنا الى مقالاته المهمة والحيوية فعلا حول التعليم في روسيا في مجلة (روسكويه أبرزفانيه) (التعليم الروسي)، واصداره عدة كتب في هذا المجال، ومنها كتابا بعنوان – (التربية والثقافة) عام 1899، وكتابا آخر بعنوان – (الطبيعة والتاريخ) عام 1900، ولا يمكن لنا التوقف تفصيلا عند هذه النقطة، اذ اننا نهدف الى التحدث عن النقد الادبي الروسي ودور روزانوف في مسيرته .

منذ الكتاب الذي أشرنا اليه اعلاه حول دستويفسكي، بدأت مساهمات روزانوف تبرز في مجالات النقد الادبي، وقد كان يتناول بالاساس نتاجات غوغول ودستويفسكي وتولستوي وذلك لان هناك في ابداعات هؤلاء توجد دائما ملامح فلسفية واضحة المعالم، وكان يبحث عنها ويجدها ببساطة، بل انه أصدر كتابا خاصا بعنوان – (تولستوي والكنيسة الروسية) بعد وفاة تولستوي بسنتين (اي عام 1912)، ولكن هذا لا يعني ان روزانوف لم يكتب عن بقية الادباء، ويوجد قول له أصبح مأثورا في الاوساط الادبية الروسية وهو – (بوشكين في السجن سيكون وضعه جيدا . ليرمنتوف في الجنة سيكون وضعه سيئا)، وهو قول صحيح ودقيق حول طبيعة نتاجات هذين الاديبين الكبيرين . ختاما لهذه الملاحظات العامة حول روزانوف نود الاشارة الى ان هذا الفيلسوف والناقد الادبي كان بعيدا عن اجواء ثورة اكتوبر الروسية عام 1917، ولكنه لم يترك روسيا كما فعل معظم المثقفين الروس آنذاك، وانعزل عن الاحداث وتوفي في روسيا عام 1919، وكان بوضع تعيس جدا، ولم يطبعوا مؤلفاته اثناء الحكم السوفيتي طبعا، ولكن هذه المؤلفات تم طبعها من جديد في تسعينيات القرن العشرين وظهرت ب 29 مجلدا منذ عام 1994 الى عام 2010، واعيد طبع الكثير من كتبه بشكل مستقل، واسمته الموسوعة الكبرى للشعب الروسي ب (المفكر الروسي ومؤرخ الادب)، وقدٌمه القاموس البيبلوغرافي على اعتباره (ناقدا ادبيا كبيرا)، وكتب عنه القاموس التربوي عام 2010 مشيرا الى انه كان (فيلسوفا وكاتبا وتربويا)، وأشاد الجميع بحواراته ومراسلاته مع كبار الفلاسفة والادباء الروس امثال بيرديايف وبلوك وميرشكوفسكي والآخرين .

روزانوف باختصار – علم من أعلام النقد الادبي الروسي، ويستحق ان ندرس كتاباته ونترجمها الى العربية، وان نوليها مكانتها اللائقة بها في تاريخ هذا الادب.

دماء لن تجف (35): مام ريشة.. صقر كرميان .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadتركع قمم الجبال، لمهاة صقر كرميان الشهيد مام ريشة، الذي استشهد؛ كي يحفظ كرامة شعب كوردستان العظيم.. تنتصب أشجار البلوط، ساجدة تنتحب بين يديه، في مراسيم جلال.

أقترح على وزارة شؤون الشهداء، في حكومة إقليم كرديستان، إتخاذ يوم 24 كانون الثاني.. ذكرى استشهاد صقر كرميان.. مام ريشة ورفاقه، عيدا وطنيا.. بل مناسبة قومية، للكورد في أرجاء المعمورة، تمنح خلاله مداليات تقديرية لعوائل الشهداء، وتستذكر بطولاتهم؛ لتقتديها الاجيال، في صنع مستقبل مسالم، بعيدا عن الحروب التي جرنا اليها الطاغية المقبور صدام حسين.

ولد غياب ريشة فراغاً كبيراً في صفوف الثورة، لكن رفاقه المناضلين واصلوا النضال استمروا بالثورة بقيادة الاتحاد الوطني الكوردستاني لحين الوصول الى النصر.

طوال طفولتي أحلم بكف الملاك تمسد على واجهة بيتنا، متمثلا بشخص مام ريشة، الذي ما زلت أثق بأنه قادر على قهر الطاغية.. إنه يمنح طفولتي الثقة بالنفس.. يبعث بي الرجولة، من قبره، ونحن نلهو في أزقة شارع فلسطين.. أنا "مام ريشة" ونختار ابشعنا خلقا وخلقة، ليمثل "صدام" نقتتل متفقين على ان الطاغية يموت، والبطل القومي خالدا!

وفعلا هذا ما حصل على ارض الواقع.. صقر كرميان خالد بموته، والطاغية قبر حيا، في "زاغور" حذو تكريت.. تكريت مسقط رأسه، لفظته مكشرة انيابها بوجهه، ولم تستقبله، بينما "مام ريشة" قدوة شجاعة لفتيان يترسمون سبيلهم للرجولة.

ولد الشهيد العام 1955 في قرية "طالبان" التابعة لمدينة "كرميان".. قرية تتسق نتوءات صخرها مع إنسيابية خضار الشجر وعذوبة الهواء نسيما عليلا.

أحس بضرورة انتشال شعبه من مخالب الطاغية، وجبروت حزب البعث الجائر، منذ ريعان شبابه؛ فتدرب مع فدائيي الثورة الفلسطينية في العام 1970 فدائياً؛ ليستثمر ما تلقاه من علوم قتالية.. تطبيقية، في عمله، عندما عاد من فلسطين لينضم الى صفوف قوات البيشمركة في العام 1978؛ تصديا لسياسات التعريب والتهجير والظلم والاضطهاد، من "البعث" الصدامي، ضد أبناء شعب كوردستان.

نفذ مام ريشة عمليات عسكرية، فائقة الدقة؛ نتيجة شجاعته، وحسن إختيار رجاله، ضد أزلام النظام البائد.

في العام 1979 واصل نضاله في صفوف قوات البيشمركة، ضمن القاطع الرابع في "بازيان" وأصبح قائدا لقوة (4 جباري) التي اقلقت أسوار الطاغية، التي ظنها منيعة تعصم جبنه، لكن مام ريشة، ابطل وهم القوة في خيال الديكتاتور المهيض؛ حيث زرع الشهيد الرعب والهلع بين ازلام النظام البعثي بتصديه لهم، وإقتحامه جحورهم، ملقبا بـ(صقر كرميان).

لم يثنه إستشهاد والده (شكر) وأخيه (أحمد) على يد أزلام النظام في العام 1981، إذ واصل خوض الملاحم، يسطر البطولات.. من نصر الى ظفر، وليس بمعيته سوى نفر قليل، إزاء جيوش جرارة.

حتى وافته الشهادة، بعز وكبرياء، يوم 24/1/1985، هو وأثنين من رفاقه البيشمركة في قرية (حسن آوا) يرتقون مدارج الرحمة، بقدر الله، محفوفين بالسؤدد والمجد أبدا..

دماء لن تجف (34): احمد الجميلي .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadأعدمت الإستخبارات العسكرية، الشهيد احمد جاسم عبد الحسن حسين الجميلي، بموجب القرار ذي الرقم 617 / 1 ولم يتخطَ الواحدة والعشرين من عمره.. شابا في عز صباه.

رددت والدته، ساعة تسلموا الجثمان الطاهر، محفوفا بالتكتم والتهديدات، والشتائم الفئوية: "شباننا تريد الهوى.. وصدام ما خلاها".

قال قائل من جلاوزة نظام البعث المنحل: "لو تسربت كلمة من هنا او كلمة من هناك، سنلحق به من يليه في تعداد العائلة".

جبروت فظيع يتحكم بفطرة الله، من دون ما رادع.. وكما سألت صحفية الطاغية المقبور صدام حسين: - العراقيون مباحون لك، كما لو كنت إلهاً؟ فأجابها: - هم إختاروني، راضين بحكمتي وعدلي!

هل ثمة حر طليق سوي.. عاقل الاختيار، يرضى تقييد يديه بعسف الجور، نهاية تطمر وجوده!؟

هذا الشرطي المطلق الاهواء، في ان يلحق بالشهيد من يشاء، من دون قانون ولا قسطاس، يعد مجسا لمدى طغيان سيده!

 

بين نقطتين

ولد أحمد جاسم، في العام 1964، وعاش في كنف ذويه، حياة كفاف، في حي الزهراء، التابع لمدينة الدجيل المنكوبة، بزيارة شؤم من صدام الى أهلها، ابادهم على أثرها.

ظل ملاحقا، يختبئ.. مرة من الانضباط العسكري.. لهروبه في غابات النخيل المنقطعة، التي يجبن زبانية الجيش الشعبي التابع لحزب صدام "البعث" عن دخولها؛ لأنها متاهة ظلماء نهارا، تتمترس في ديجور ليلها، سدف ظلام بهيم، يضيء للمتمردين على حكم الطاغية وعسكرته شعبا جائعا يسوقه لقتال ايران مرة وغزو دولة الكويت الشقيقة مرة.. ومرة يلاحقونه.. مطلوبا للإعدام لأن الانتماء الخالص لله والوطن، من خلال حزب الدعوة، تهمة فصلوا لها الموت جزاءً.

ألقي القبض علي، وأعدم من قبل الاستخبارات العسكرية، في العام 1985، والجود بالنفس أسمى غاية الجود.

 

موت مضاعف

قال رجل دين عربي: "العقوبة في العراق، تبدأ بالأعدام، ولا تنتهي به" فالموت يتضاعف، في ظل الطاغية المقبور، عندما يعدم معارضا لتخبطاته الجائرة، يردفها بفصل أشقائه من وظائفهم، والزام أزواج أخواته بطلاقهن، اي "موت وهجمان بيوت".

هجم الله جهنم على روح صدام حسين، مثلما هجم العراق على رؤوس أهله، وجعل ثرواتهم وبالا عليهم.. "تبت يدا ابي لهب وتب".

 

ولية جبناء

إنتخى أحمد لله ايمانا ودين محمد ولاء ومذهب آل بيته منهجا، فإستشهد قبل بلوغ سن الزواج، الا انه يعمل عسكريا، يحمل شهادة الدراسة المتوسطة.. حصرا، عللت نهايته بأنه منتم لحزب "الدعوة الاسلامية" وكأن من ينضم الى كيان لا يوافق هوى صدام، يباح دمه وفق قوانين وضعها هو بنفسه، تكييفا لجبروته المتفرد بالموت والحياة، وألزم الناس بها.. وهنا على وهن.

أعدم شنقا، من قبل الاستخبارات العسكرية، ولم ينته الامر عند موته؛ بل طال ذويه من عسف البعث الصدامي، مداهمات لا تنقطع، بحجج يراد منها الازعاج، إرهابا للآخرين؛ كي يروا أن الشجاعة الفردية، تلحق ضررا مدمرا، بمن يظلون بعد الشهيد أحياء، فقد إستبيحت دارهم، للبعثية ورجال الامن والاستخبارات العسكرية، يداهمونها، متى ما شاؤوا ان يمرحوا، يرعبون شعبا لا حول ولا قوة له؛ إزاء سلطة مدججة بقوى فائقة، يديرها جبان.. إذا تولى لا يعف.

عيد الحب و ذكرى اغتيال السيد حسين الصافي .. (الفرزة الأولى)

abdulelah alsauqتوطئة لابد منها: اشارة جديرة بعناية الناشر الكريم والقاريء الحميم تحيل الى انني ككاتب وشاعر كما ازعم ! رتبت الشعر دون خلل في السياق او المعنى وربما يحصل لبس خلال الارسال او خلال النشر فمعذرة للاثنين ! بل معذرة لروح من حبرت مقالتي فيه فاقتضت الاشارة . الكاتب عبد الاله الصائغ .

ذات يوم أيوم تربص قاتلوه به وتمت تصفيته ليعلنوا انه مضى لربه إثر حادث سيارة مؤسف ! كان ذلك في 13 فبروري 1987 !! وكان السيد حسين الصافي قد ترك العمل السياسي واتجه الى العمل الحر حيث البساتين وحقول الدواجن ! لكن صدام حسين كان يخشى وجود السيد حسين الصافي حتى وان كان قد اعتزل السياسة فصفاه بحادث سيارة كما صفى كثيرا من البعثيين الكبار بالسيارة او الطيارة او الاغتيال في الشارع ولعلنا نتذكر فبركة ابو طبر !

http://www.kitabat.com/archive/i85985.htm

وقد جعلني الله شاهداً على مروءة هذا العيلم العراقي قبل النجفي ! البعثي على قناعاته الخاصة !! وانا كنت ومازلت واحدا من ضحايا حزب العث المشؤوم ! لكن انصاف الموتى ذوي المروءة شيء وما حاق بهم من ظلم شيء ثان !فجلست لأكتب فيه وعنه غير ملتفت لما سيقوله خصومه وحساده وربما قاتلوه ! فانا كتبت عن المرحوم صباح سلمان مستشار صدام حسين ! وعن المرحوم شفيق الكمالي عضو القيادة القومية البعثية وعن المرحوم عبد الامير معلة مستشار صدام حسين الثقافي بدرجة وزير وعن الشاعرين المرحومين شعراء صدام حسين :فلاح عسكر وغازي ثجيل وغازي العكايشي وكتبت في الاستاذ عبد الحسين الرفيعي رئيس مكتب التنظيم في القيادة القومية :

http://www.alnoor.se/article.asp?id=211146

http://www.kitabat.com/archive/i75313.htm

http://www.iraker.dk/index.php?option=com_content&task=view&id=5638&Itemid=2

وكان هاجسي ان انصف من يستحق الانصاف غير مبال انهم من حزب خرب العراق والعرب ! غير مبال لما نالني من هذا الحزب الهجين ! لأني اعتد من كتبت عنهم ومن ساكتب ضحايا البعث على نحو ما !! والسيد حسين الصافي كان ذا مواقف باسلة بحيث اعترض في رسالة (احتفظ بها) موجهة الى الرئيس العراقي السابق احمد حسن البكر ! على خروقات صدام حسين حين قمع المواكب الحسينية وسفر كثيرا من الشيعة العرب بحجة انهم تبعية فارسية ! وقد اجابه البكر برسالة (احتفظ بها) بعد ساعتين فقط وفيها يعد السيد حسين الصافي انه سيتخذ الاجراءات الحازمة بعد انقشاع الليل ! مع ان التاريخ يقول ان البكر اضعف من ان يقف في وجه صدام حسين ! وقد وصلت رسالتا الصافي والبكر الى صدام حسين بوقت ضئيل ! وحفظها صدام في روعه لحسين الصافي ! حسين الصافي سليل بيت نجفي منجب وانا كتبت في البيوتات النجفية والعراقية المنجبة مثل بيوتات: الشبيبي والشرقي والخاقاني والحبوبي والخليلي وبحر العلوم وكاشف الغطاء وجريو .... الخ !! وكان تناولي متمحورا حول الجانب التربوي الموجه للمجتمع النجفي بخاصة والعراقي بعامة ! وفي عيد الحب الذي يحتفل به العالم المتحضر اجمع بكل ما اوتي من خزين للبهجة والغناء والرقص ! اظن ان عائلة السيد حسين الصافي ستستقبل هذا العيد بشيء من الأسى !! وسيعرف القاريء الكريم من خلال هذه الفرزة والفرزات اللاحقة لماذا اكتب في السيد حسين الصافي !!

67-sa

قال السيد حسين الصافي يوم كان دبلوماسيا في الرباط عاصمة المغرب قصيدة نقتبس منها بيتين :

أن الذي تزرع المعروف راحتهُ     بذكره سوف يشدوا كلُ انسان

ولا يُخلد في الدُنيا سوى عملٍ           مُنزهً وسواهُ زائلٌ فان

وقال رحمه الله حين كان وزيرا للعدل وقدم استقالته فتريثت السلطة عهد ذاك لكي لاتمنحه موقفا تاريخيا مؤداه انه غير راض عن ما كان يدور حواليه فابتدعت بيانا رسميا قال ان السلطة اعفت حسين الصافي من منصبه واخفت انه استقال فكتب هذه القصيدة وهي نفثة موجوع وضحكة محزون ثم سربها بين المقربين والأبعدين وعنوانها (اخي الحمار) :

أخي الحمار

لمن أبث شكاياتي وأحزاني     ومن أطارحه وجدي وأشجاني

مافي الخلائق من تعنيه مظلمتي    كأنني جئتهم من عالم ثاني

وداخلتني قناعات معززة       أني حمار وشكلي شكل انسان

رباه رحماك من رؤيا شقيت بها      أن يلتقي فيً أنسان بحيوان

وأسعد الخلق من يمشي بأربعة    لا من تسيره في الأرض رجلان

أخي الحمار وما سري بكاتمه      والسر يحكى لخلان وأخوان

اني أمرر أيامي بمضيعة      وأرذل العمر ان يٌقضى بخسران

أمسي وأصبح لا داري مفضلة     على فيافيك او نادي ابن حمدان

وكل ما هو حولي لايحفزني    على البقاء وفي دنياك سلواني

فيها الهدوء وفيها الصبر أجمله     فليت معطيك هذا الصبر اعطاني

أخي الحمار أدرسٌ انت تدرسه  في ذا السكوت أم ان الأمر رباني

أن كان علماً فأني سوف أنهله        وليأخذ الله ما آتى وعطاني

أو كان صمتك من أفضاله نعماً    فجد علي وعهدي فيك ترعاني

ربي انتصف لي ممن كان ابدلني      صمتي بنطق لأن النطق آذاني

وخذ بحقي عن بلوى أكابدها        وعاش مأساتها النكراء صبياني

فمن هو حسين الصافي الذي حسد الحمار وهو المحسود من فئات كثيرة ؟ انه المحــامي ابو مصعب الصافي وابو المنهل الصافي هو المرحوم السـيد حسين بن العالم المناضل المرحوم السيد محمد رضا الصافي ! السيد حسين من اعلام اسرة الصافي و رجال القانون والقضاء والسياسة والأدب في العراق. ابصر النور في مدينة النجف عام 1924 وقد حرص والده على تنشئته وتثقيفه ! والـده فدرس الابتدائية والمتوسطة ! وغب المتوسطة وجهه ابوه نحو دراسة العلـوم الديـنية جريا على نهج بيت الصافي ! ثم البسه العمة في احتفال دعا اليه العلماء والشعراء وقد البسه العمة الشيخ عبدالكريم الجزائري تيمناً بيده الكريمة فبدأ دراسته على العلامة السيد محمد امين الصافي ثم العلامة الشيخ عبدالكريم الشرقي ثم العلامتين الشيخ حسين اَل زاير دهام والشيخ محمد الشيخ راضي وكان مسك الدرس الديني مع على العلامة الاديب الشيخ سلمان الخاقاني مفتي المحمرة وقتذاك و في سنة 1942 توفي والده فتحمل عبأ العائلة فاهتم برعاية اخويه السيد فاتك الصافي والسيد محمود الصافي وقد كابد من ضيق ذات اليد مما حدا به الى ترك الدراسة الدينية والتماس الدراسة النظامية فاكمل الاعدادية طالبا خارجيا معتما ! مما أهله للقبول في كلية الحقوق فترك زيه الديني وارتدى الزي الغربي ( الأفندي ) وتخرج في الحقوق ضمن كوكبة الأوائل عام 1954-1955 وقرر العودة الى النجف لفتح مكتب للمحاماة وقد دافع عن الموقوفين وذوي الظلامة من كل الاتجاهات الوطنية دون ان ياخذ اجرا !! وكان ذا ميول قومية عروبية ! وقد سجن وطورد في العهد الملكي ! كما سجن وطورد بعد ثورة 14 جولاي 1958 وسقوط العهد الملكي ! وبامر من عبد السلام عارف خلال ما يعرف بردة تشرين اعتقل السيد حسين وأوقف في موقف العبخانة ببغداد ثم ابعد الى السليمانية و فرضت عليه الاقامة الاجبارية عدة أشهر بعدها اطلق سراحه وخلال عودته الى بغداد القي القبض عليه واعتقل في المعتقل العسكري بمعسكر التاجي ليمضي فيه ثمانية أشهر قبل اطلاق سرحه .! وغب انقلاب 8 شباط الأسود 1963  عين متصرفا للواء الديوانية وقد زرته انا وشقيقي الدكتور محمد الصائغ لكي يتدخل بانقاذ اخينا الكبير عبد الامير الصائغ الذي اعتقل بسبب ولائه للحزب الشيوعي وكانت المعلومات التي وردتنا انه ستتم تصفيته بين يوم وآخر !! وقد استقبنا هو ومعاونه السيد صاحب الرماحي الكوفي استقبالا حارا ! وبعد شرب الشاي المهيل وعبارات الترحيب خابر مركز شرطة السماوة وشعبة السماوة الحزبية وطلب اليهم اطلاق سراح عبد الامير الصائغ فورا ! وحين غادرنا مركز المتصرفية اوصلنا والرماحي الى باب المتصرفية ! ثـــم استقال السيد حسين الصافي من منصبه لكي يتجنب الخروقات الفاجعة التي كانت تحدث في الديوانية ! وعاد ليمارس المحاماة وينتصر للسجناء ولمن اصابه الحيف !! ! وفي عام 1/8/1971 الى 24/12/1973 شغل منصب وزير العدل و في عهد وزارته ابدل اسم مجلس التمييز السني و الجعفري بمجلس التمييز الشرعي وابدل اسم الطابو باسم دائرة التسجيل العقاري ووضع شروطا حرفية للقضاة والحكام واحالالى التقاعد او فصل كثيرا من اعمدة الوزارة الممسوسين بالفساد والرشوة !!وغب استقالته تسنم رياسة نقابة المحامين !! بيت الصافي بيت منجب كما اشرت كانت دارهم في النجف شاهدة على اجتماعات الثوار وهي من الدور التي هيأت لثورة العشرين ! ووالد السيد حسين كان احد ابرز الثوار الذين حاربوا الاستعمارين العثماني والبريطاني ! وعرف من اشقاء السيد حسين الصافي البرلماني والسياسي المعروف الدكتور علي الصافي العصر الملكي و السياسي البعثي المحامي فاتك الصافي الذي ناصب صدام حسين العداء وكان يهينه على مشهد من رفاقهم !

أولاده ------

اعقب السيد حسين الصافي السادة المهندس السيد مصعب وأبنه الثاني السيد المنهل الذي أكمل الكلية في أدارة الاعمال في الولايات المتحدة وأعقب السادة حسين وغيث وأبنه الثالث المهندس السيد مشعل الذي أكمل الهندسة من بريطانيا وقد أعقب أبنه السيد مضر واكمل ابنه الصغير السيد نوفل الكلية في الولايات المتحدة ايضاً متخصصاً في أدارة المشاريع. وقد أعقب السادة تمام وعلي .

ادبه ------------------

السيد حسين الصافي شاعر وناثر وباحث علمي في القانون ! له شعر كثير لم يحوه ديوان مثلا كتب من الرباط :

وطنٌ بودي لو قدرتُ هجرتهُ     هجر القطا لم يلتفت لورائه

رصف القضا أحجارَهُ فأقامهُ  سجناً وسخر اهلَهُ لبنائه

كان الرخاء لأهله متيسراً       لولا وقوف عداهُ دون رخائه

الرافدان تعهدا في ريه         وتآخيا في الله تحت سمائه

وتفجر الزيت الكمين بجوفه   ليزيد هذا الثَّرَّ في اثرائه

وذووهُ مابرحوا بفقر مدقع     والغيرُ يحسدهم على نعمائه

ولرب محسود لو اتصلت به     حسادهُ لرثوا لعظم بلائه

طلعت على اهليه شر عصابة     فأماتت الأمال في ارجائه

رهطٌ لهم في كل يوم صبغة     كالماء مصطبغٌ بلون أنائه

لا أعتبن على الزمان فأنني     ممن يرون الويل ملء قضائه

وقال :

أنا في الرباط متيم ولهانُ       فيها السعادة والهنا أخوان

ومن اوائل شعره :

ما في الحشى في غيركم شغل      

او انهم جاروا و ما عدلـــــــوا

عنهم ولو في وصلهم بخلـــوا

وبــــه صفـــت ايامنـــا الاول

 

 

 

كفــوا فما يجيدكم العـــذل

اهواهم ولو أنـــهم هجروا

لـــم اتخـــذ لهواهـم بــــدلاً

سقياً لعصـر فـزت فيه بهم

 

 

في الغنــج فيهم يضــرب المثـل

إلا و شبــت في الحشــا شــــعل

قــد رق لي في وصفــه الغــزل

و دجى الليــالي فرعــه الجـــذل

و الســحر ما جـاءت بــه المقـل

فوق الفـراش و عائــدي الاجــل

لـــك ناقــة عنــــدي ولا جمــــــل

و الى اللقــا بــي ضـاقت الحيــل

 

 

كـم فيــهم من شادن عنــــــــج

مـا مـاج في خديــه مـاء صـباً

برقــت شمائلـه الحسـان كمــا

فجبينــه شمــس النـهار ســــنا

و الـــدر ما يحويــه مبســـــمه

مـا بـين انـي في جفــاه لقـــــى

فأجـــابني مـــاذا اردت و مـــا

فأجبتــه قلــبي رهـــين هـــوى

 

آثاره ------------------------------

1-  طبقات النساء عند العرب مخطوط.

2-  ديوان شعر مخطوط.

3-  بحوث في فقه القانون.

4- كتابات أدبية .

السيد حسين الصافي في عيون اعلام عصره ---------------

قال السيد حسين بن الحجة السيد محمد تقي بحر العلوم:

أبا مصعب يا رفيق العلى

ويا عبق المجد من هاشم

ويا نخوة الثأر من يعرب      

أهنيك لا بل أهني القضاء              

وكيف ومهدك صافي النمير                  

ويا ألقا في ضميره الهـوى

تضوع من برعم المحتوى

ترش الربيع بقلب الجـــوى

هوالعدل في اصغريك انطوى

وحيث الغري هو المرتـوى

 

وقال عبد الكريم الدجيلي

 

ورعتك نافحة الضمائـر

ترعاك من خلل السرائر

الى النهى سبيل المفاخـر

لســواهم كل المخــــاطر

سـوح الكفاح الم المجازر

ليستــــــحثوا كــل ثــــائر

هــذي البــلاد له منــاصر

تســـابق وكـــن المقـــامر

ضـائع و كـــن المجــــاهر

مســـير مـــن كـــل آمــــر

المسـتضعفين الى المصائر

زاخــــــــــــرة المــــــــآثر

مــن الظلامـــة كــل عـــاثر

من الأوائــــل و الأواخـــر

  

حيتـــك ساجعة الخواطر

وهفـــت اليك عواطـــف

يا ابن الرضا و المدلجين

و ابـــن الذيــــن تجشموا              

و ابــــن الذيــن تقحمـــوا

و ترسموا وعــر الطريق          

العــدل ضـاع و ليـس في

فكــن المجلــي عنــد كــل    

و كـن الصريح بكـل حق

عريـان حـرَ الــرأي غير

و كـن الــذي يجري مــع          

أأبـا علـي و الشمائل منـك                    

إنــي لأرجــو ان تقيــــــل    

و تعيـد مجــــد الواهبيـــن 
 

وقال محمد الجيار

لعمرك ان العدل قد ضاق صدره       و قد كان صدر العدل فيك رحيبـا

أيا ابن نقيب الطالبيين الاولـــــــى     فكــن لقضاة الرافديــــن نقيـبــــــا

و لانت وكتب الدكتور باقر عبد الغني الاستاذ في جامعة بغداد

بعد فيمن بنوا و بنيت صلة الحقد من مجدين و مجد آخر هو من رسم ربك و صنع كفك.هو ما أنت مشتمل عليه من تواضع يعلو على الرفعة و كياسة أشف من الرقة و عزة و اعتزاز ولا يزري بهما زهو.و لطف لا يكدره من قبض بقدر و بسط بتقدير و قيم مقدرة بحكمة و مثل خطت بعلم و حلم و اتزان الى ما وفقت اليه زاد الله في توفيقك من براعة في صنعة الحديث العذب وردية في نحت الرفيع من الكلم و الفة في المجلس و تفقد الحانين على البعد و صفاء في النفس و الذوق الذي تستمرئه من صنوف الوفاء .تخطو و يخطو الجاه في أثرك ما تلفت تصعد الأنظار اليه و رحت لا انت منه يمنة من تعال ولا في يسرة من استعلاء.وتمضي و تمضي المكرمات تشيراليك حتى اذا تلاقيتما هششت لها و بشت بك و اذا افترقتما شرعت بالرواء و الاخوة و الجميل بكل ما لدى السمح السخي كريم البذل

صدى اغتيال السيد حسين الصافي ----------------

بيان من نقابة المحامين:

نقابة المحامين تنعى المرحوم الاستاذ حسين الصافي نقيب المحامين الأسبق. بمزيد من الاسى و الاسف تنعى نقابة المحامين الاستاذ حسين الصافي وزير العدل الاسبق و نقيب المحامين لدورة 1974-1975 الذي وافاه الاجل بحادث سيارة مؤسف ليلة 13-14 من شباط 1987 اننا نشيد بدوره كنقيب للمحامين العراقيين حيث عمل على تعزيز مكانة المحامين و النقابة اذ تنعى ابا مصعب فهي تنعى زميلاً و مناضلاً و تثمن دوره الايجابي المتميز و المتقدم في خدمة مهنة المحاماة و تضرع الى العلي القدير ان يلهم اهله و ذويه و زملاءه الصبر و السلوان و ان يطيب الله ثراه بواسع رحمته و أنا لله و أنا اليه راجعون .

حامد صالح الراوي/نقيب المحامين

رثاه ابن عمه الشاعر السيد جواد الصافي:

علم هوى نحو الرمم     أم جف ذياك الخضم

ام فارس في حلبة           يكبو و سيف يثتلم

       عرك الحياة مكافحاً       و لوى المصاعب و اقتحم

ما صدقت عين و لا       اذن و لا قلب و فم

كيف انطوى في حفرة         تحت الثرى طود و أشم

خلي مديحك يا حروف         و دع صريرك يا قلــــــم

جم الصفات تحار فيه         و قل من قد كان جـــــــم

كم بسمة فوق الشفاه             اذا تبسم ترتســـــــــــم

او اكبد حرى تبـــرد           نهــارها ممـــــــا ألـــم...

و لكم غريق في الأسى         أنجاه من موجات هـــم

نفع عميـــم ان مـــن لا         ينتفــــــع منه يــــــــذم

أخي الحبيب ويا ابن ودي       في الحياة ويا ابن عم

ما نفع دمع ان جرى             حتى و لو قد كــان دم

نــم في ضريحـك آمناً           فجميل ذكرك لم ينــــم

يا ناعياً تنعى المكارم           و المفـــاخر و الشــــمم

بخلــوده أرخ ( حســـيناً         للمفــــاخر و الكــــــرم )

1407هـ

و قال الاستاذ محمد حسين فرج الله :

و ماكان نعيك محمولاً على عجل                إلا فجيعة من كانوا على أمل

غادرت ناساً و عبء الدهر أرهقها             و كيف تسعى بظهر واهن أزل

دنيا و ما برحت تلقي بكلكلها                              و نتقي ضرها في فدفد نحل

يا صاحب السيرة الغراء في خلق              يسري ويدرج دوماً عاطر العمل

يا ضوء دنيا و كانت في نواظرنا               حتى أفلت فحال الصبح كالطفل

آليت أنك تهوى الحق محتسباً                            كأنما الحق ذات الأعين البخل

ينبيك عدل و ما لاقاه من جنف                           منابذاً عوجاً في حومة العدل

ترنح العدل نشواناً و من طرب                           و قاده سالكاً في لاحب السبل

ما حاد عن درب عدل قيد أنملة                           كلا و لا يجتوي حقاً على ذحل

يا صافي النسب الزاكي بمحتده                      كالكحل يسمو أمير المؤمنين علي

و أذكر أبا مصعب في القبر حين ثوى                   و القبر ليس يغطي هامة الجبل

إن كنت تنشد سلواناً فأخوته                     هذا علي و من بالصالحات يلي

و إن أنجاله أشبال مأسدة                                  لا غرو فالجد سبط سيد الرسل

هذا قصيدي و إن قصرت في كلم               و المرء عي لهول الحادث الجلل

العلامة المؤرخ السيد جعفر بحر العلوم بقوله :

         عــــــز الغري بأبنــــه             و فـــارس الرافديــــــن

         و أنع الحسين في أسـى             بأدمــــــع المقلتيـــــــن

         إن قيل أرخـــــــه (فقل             و أنع خسرنا الحسـين )

 

و بقوله :                                               1407

             عز العلى و يذرف الناظران     لحادث الحسين قبل الأوان

             إن قيـل ما قلــت بتاريــخه       ( قل الحسين قد مضى للجنان )

1407هـ

و أرخ وفاته العلامة الشيخ عبد الأمير الحسناوي:

                   قضى الحسين صافياً       من كل عيب و درن

                   وحل ضيفاً مكــــرماً       لدى الوصي المؤتمن

                   فرداً الى التاريخ ( قد     أعقب للذكر الحــسن )

كما أرخ وفاته صديقه صادق القاموسي بقوله:

         رثيتك أذ طوى دنياك حتف     و غالك -ظالماً- قدر عتـــي

         و وفتك القوب اسى و حزنا     لأنك ما حييت لها و فــــــي

         و حين نعاك للعلياء نـــاع       و راح يجيل صرخته النـدي

       أهبت بمصعب اذ قال أرخ     ( اذا غاب الحسين ابي علي)

1987م

و أرخه الأديب الاستاذ كاظم شكر :

         أرخته في نجف الأشرافِ       ( ونائباً غاب حسين الصافي )

1407هـ

وقال الشاعرمحمد حسين المحتصر:

              أبا مصعب سائلتني الصحاب     و نحن نهيل عليك التراب

               أهذا هو الموت هل تطمعــن     مع الموت ينفع يوما عتاب

               لقد كنت ترجى الى المجد تبقى   حفياً به في الظروف الصعاب

               و اذ كان بابك للوافديـــــــن       يفدى من الناس في الف باب

               فقلت لقد غاض ذاك الجناب     و مات اخونا الشريف المهاب

               و غــاب و لمـا يغــب وحده     ( ابو مصعب معه المجد غاب)

خلفية ( مليوصه يحسين الصافي ) ------

كان السيد حسين الصافي معروفا بترديد عبارة ( مليوصه ) كلما حاق به امر لايرتضيه ! ومازلت اتذكر ملامحه حين يقول مليوصه فهو يبتسم ويغمز بعينه قليلا ! وغالبا مايريد السيد التعبير الظريف عن موقف غير ظريف ! وفي زعمي ان جل التاويلات في هذه العبارة الشهيرة جدا ( التي صارت مثلا عربيا يردده الكويتي والتونسي والمصري ) غير صحيح ! ومع ذلك نورد عددا من التاويلات :

كتب الدكتور مليح صالح شكر:

http://articles.abolkhaseb.net/maqalat_mukhtara/arabic/0904/malih_290904.htm

في العام 1963 غضب الفرات العظيم واندفعت مياهه مصحوبة بالأمطار الغزيرة لتهدد الشامية ، ووقف أبناء الشامية ورجالها يدافعون عن المدينة ضد الفيضان العارم ، وكان متصرف الديوانية حسين الصافي يشارك المدافعين ، ويوزع الغذاء عليهم ، من تمر وخبر ، وانطلق أهل الديوانية في هوستهم التي ما زال صداها يتردد حتى اليوم ، مليوصة يا حسين الصافي ، ورحمة الله على ذلك الرجل حسين الصافي ، ابن النجف الباسلة.

والعراقيين على مختلف ثقافاتهم وطبقاتهم الاجتماعية واتجاهاتهم السياسية استخدموا هذا المثل العراقي في الكثير من المناسبات فيما سبق من الزمن، وكانت كلها تقريبا مناسبات لا تعادل في الفوضى التي اكتنفتها

وثمة خلفيات اخر

وكتب جمال الموسوي

http://www.ladepechetunisienne.com/%D9%82%D8%

في 17 نيسان 1963 يوم إعلان الوحدة الثلاثيه بين مصر والعراق وسوريا تم تحشيد الناس من داخل النجف وخارجها، وجاء السيد حسين الصافي، ومعه جماهير غفيرة من الفلاحين من لواء الديوانية، ملأت ميدان الاحتفال، ومن دون إدراك حصل خطأ فني بالغ، لا يتناسب وهذه الجموع الغفيرة، التي جاءت لتهوس وتهتف، ووجدت المكان قد صف بالكراسي، مما يُعيق حركتها، ومتطلبات هذه الحركة، في الوقوف والجلوس على الأرض. وكان الحضور الرسمي برئيس وزراء العراق وعدد من الوزراء والمسؤولين !وخلال الحفل حدث مسٌ كهربائي، أعقبه هروب من ذلك المكان، مما جعل الكراسي وهي تصطدم ببعضها وبالناس، تحدث أصواتاً أقرب إلى صوت رمي بالسلاح، الأمر الذي زاد من هلع الناس، وانقلبت الموازين، وصارت الهوسة على لسان الجميع: مليوصة يا حسين الصافي، وذهبت مثلا

وكتب د.صلاح الفضليمن الكويت

http://www.sabr.cc/inner.aspx?id=80584

"مليوصة يا حسين الصافي" هو أحد الأمثال العراقية الشهيرة.

قصة المثل تعود إلى أن حسين الصافي صاحب المثل كان يشغل وظيفة محافظ لمدينة الديوانية في العراق وقد كان كلف من قبل البعثيين بتدبير الأمور في العراق بعد فشل محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم من قبل البعثيين، ومن كثرة ما كلفه البعثيون من أمور لم يتمكن من تلبية ما يريدون، فبدأ بالاعتذار منهم بقوله "مليوصة" وهي كلمة عراقية شعبية وتعني مضطربة، وبسبب ذلك ذهب قوله هذا مثلاً، وأصبح من يريد أن يعبر عن اضطراب الأوضاع يقول "مليوصة يا حسين الصافي". إ . هــ

وبعد فيا اخي ابا مصعب ان تراثك كثير وان الحديث عنك مثير ! وقد شاء ان يكون رحيلك هذا موشوجا بعيد الحب فكانه اشارة الى قلبك العامر بالحب واشهد الله انك كنت وطنيا قبل ان تكون قوميا وعراقيا قبل ان تكون بعثيا ! وكنت حريصا على قولة الصدق مهما كلفك ذلك من خسارة وهل اكثر من خسارة الحياة ! قال خصومك كل شيء حقا وباطلا لكن اصدقاءك امسكوا عن انصافك خشية اللوم ! فلتكن محاولتي التماسا للانصاف والله من وراء القصد .

ونلتقي في فرزة قادمة ان شاء الله

 

عبد الاله الصائغ الولايات المتحدة 14 فبروري 2015

 

موسوعة الشعراء الكاظميّين وذكرى الأيّام الخوالي

bahjat abaasوتتجول عيناي في هذا السِّفر الضخم الذي ألّفه وأعدّه المهندس عبد الكريم الدبّاغ فيسرح بي العقل في الماضي السّحيق فتتراءى لي أشباحه والطيوف والأرض التي كنتُ أسيرُ عليها وأنعم بخيرها وإنْ بحدود ، وجدتها قد تغيّرتْ؛ تفجّرت حمماً أحرقت مَنْ عليها وما عليها، فاستباحها لصوص الليل وطاف فيها خفافيش الظلام وضباع المنافي. رجعت بي الذاكرة إلى أيّام الصّبا والشباب، حيث كنّا فتية مرحين رغم الفقر والحرمان، نتغنّى بالشِّعر. والأحلام؟ تحقّق للبعض بعضها وخاب آخرون وتلاشى بائسون. وكان من هؤلاء الأخرين السيد باقر الموسوي الهندي، زميل الدراسة المتوسطة، والذي جاءت سيرته في هذه الموسوعة التي تزيد صفحاتها على 3500 صفحة وتحتوي على 333 شاعراً، أنّه طورد وسُجن وصدمته سيارة فقد على أثرها الوعي في أعوامه الثمانية الأخيرة فرحل وهو في الخامسة والأربعين من عمره الحافل بالآلام. كان شاعراً جميلاً لبقاً وفتى ودوداً. كان فخوراً بعمّه أو عمّ أبيه السيد رضا الهندي، صاحب قصيدة (الكوثريّة) الشهيرة في مدح الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) التي بدأها بأبيات غزل:

أمُفَلّـجُ ثغـرِكَ أم جـوهـرْ***ورحيقُ رضابكَ أمْ سكّـرْ

قد قال لثـغـرك صانعـه***(إنّا أعطـينــاك الكـوثــــرْ)

والخال بخدّك أم مسكٌ***نقّـطـتَ به الوردَ الأحمــرْ

أم ذاك الخالُ بذاك الخدِّ***فـتـيتُ الندِّ على مجـمــرْ

عجباً من جمرته تذكو***وبها لا يحتـرق العنـبــرْ

يا للعشّاق لمفتون ***يهوى رشأ أحوى أحور

إن يبدُ لذي طرب غنّى***أو لاح لذي نُسكٍ كبّرْ

آمنتُ هوى بنبوّته***وبعينيه سحر يُؤثَرْ

 

فاجلُ الأقداح بصرف الراح عسى الأفراح بها تُنشَرْ

واشغل يمناك بصبّ الكأس وخلِّ يسارك للمِزهرْ

فدم العنقود ولحن العود يُعيد الخير وينفي الشَّرْ

بكِّرْ للسّكر قبيل الفجر فصفو الدّهر لمن بكّرْ

 

كنّا في متوسّطة الكاظميّة، التي صارت ثانوية بعدئذ في عهدنا، خمسة طلاّب مولَعين بالأدب والشّعر؛ عبد الأمير الورد(ي)، موسى النقدي، باقر الموسوي الهندي، علاء الشيخ كاظم (خطيب الكاظمية) وأنا. كان الثلاثة الأوَل منسجمين فيما بينهم، حيث كانوا يقرأون ما ينظمون ويناقشون ما نظموا. ومرّة قرّروا أن ينظم كل واحد منهم بيتاً من الشعر تنتهي قافيته بلقبه، كما ذكرت الموسوعة بحقّ حيث كنت حاضراً ذلك المشهد، فقال عبد الأمير الورد:

لا تجعلي الحبّ شوكاً***فإنني نجل (وردِ)

وقال موسى النقدي:

لا تجعلي الحبّ دَيْـناً***فإنني نجل (نقدي)

أمّا باقر الهندي، فقال:

جوري عليّ فإنّي***يا ربّة الحسن (هندي)

وهي التفاتة بارعة ذات معنى عميق لما يكنّه الناس آنذاك من تمييز عنصريّ ضدّ الهنود.

أمّا علاء الخطيب فلم ينظم الشعر. وأنا كنت وزميل معي نُصدر نشرة (الجداول/المناهل) وهي نشرة جداريّة نصف شهرية (تتكوّن من قطعة كارتون كبيرة الحجم كنّا نشتريها بعشرة فلوس) ننشر فيها الأدب والنقد والشعر والنكات والقصص، ونشرتُ فيها ثلاث مقامات على غرار مقامات بديع الزمان الهمذاني والحريري. ولما أجرِيَتْ مسابقة أدبية سنويّة في المدرسة عام 1952 تحت رعاية السيد خليل كنّة، وزير المعارف حينذاك، تنافسنا نحن الخمسة وكان المحكّمون ثلاثة أساتذة من دار المعلمين العالية بينهم الدكتور عبد الزاق محي الدين، فازت إحدى المقامات (المقامة العلمية) بالجائزة الأولى، وهي ساعة ذهبية من نوع (أولما) عليها صورة نخلة، ففرحت بها كثيراً حيث لم يكن بإمكاني أنْ أشتريَ ساعة يدوية ولو بمئة فلس! وتتراءى أسماء الشعراء الآخرين كشريط سينمائي لا يُعاد إلاّ في الذهن ولكنه في خيال الأيّام الخوالي، حيث كنتُ مصاحباً بعضاً من شخوصها الذين ترجّلوا عن ظهور جيادهم واختفوا في غياهب الملكوت، فتتراءى لي أشباحهم، فهذا نوري الصولي العاملي وحسن عبد الباقي النجّار ومحمد سلمان العطّار وإخوته مهدي وداود وهادي (زميل الدراسة ورفيق الصِّبا) وطارق مرتضى الخالصي وحميد حسن الخالصي وغيرهم كثيرون. هذه الموسوعة الثمينة التي بذل المهندس الأديب عبد الكريم الدبّاغ جهداً غبر قليل وأخذت من وقته بضع سنوات بالرغم من عمله كمهندس في دائرة حكومية، فجاءت تاريخاً وسيرة شعراء من مختلف العصور ونماذج من أشعارهم تبعاً لما أنتجوه وقرأوه ونشروه، فبينما أحتلّ بعضهم عشرات الصفحات من الموسوعة وعشرات من القصائد نجد آخرين ببضعة أبيات من الشعر وأحياناً شعراء بلا شعر!

ثمّ نجد اختلافاً في الجودة والهدف، فهذا الشاعر ينظم قصائد في الرثاء والمناسبات الدينية فيبدع، وآخر يتكلّف ويتعثّر. وللسياسة دورها القويّ العتيد وخصوصاً في العهد الملكي والجمهورية الأولى بزعامة عبد الكريم قاسم الذي فتح أبواب الحريّة في أولها وضيّقها في الآخر، فبدأ الصّراع والخصام والاغتيالات ولم تنته السلسلة حتّى هذه السّاعة. فما أزال أذكر بيتاً من الشعر ربّما كان للشاعر نوري الّصّولي العاملي أو للشاعر راضي مهدي السّعيد عندما رشّح رشدي عبد الهادي الجلبي (الأخ الأكبر للدكتور أحمد الجلبي) نائباً عن الكاظمية عام 1950:

الكاظمية لا ترشّح نائباً***ماضيه مكشوف الحقائق أسودُ

وبيت الشاعر علي جليل الوردي مخاطباً الزعيم عبد الكريم قاسم الذي افتخر بثورة تمّوز وقلّل من شأن الانتفاضات التي سبقتها في الاحتفال الذي أقيم في تشرين الأول أو الثاني عام 1961:

والله ما تشرين إلاّ معبرٌ***يزهو به تمّوزُ وهو مُظفَّـرُ

وقد ردّ عليه عبد الكريم قاسم (وريش الخوافي قوّة للقوادمِ)

إنّ بيئة الكاظميّة بيئة شعر، حيث تُلقى القصائد الحسينية والتي قد تكون سياسية أحياناً فيترنّم بها الناس.

تقصّ علينا هذه الموسوعة سيرة حياة هؤلاء الشعراء ونماذج من أشعارهم تتجاوز بضعة آلاف بيت وهذا لا يُمكن أن يُذكر بمقالة واحدة ، فهي مرجع لمن أراد أن يبحث عن شاعر معيّن في عهد معيّن أو يدرس البيئة والظروف التي عاشها وخبَرها. ومن عاش ذلك العهد وصاحب هؤلاء الشعراء يجد الأمر غير ما يجده من أتى بعدهم.

لم أكنْ أعرف قبل قراءة الموسوعة أنّ كثيراً من رجال الدين كانوا شعراء أيضاً، مثل الشيخ راضي آل ياسين وأخيه مرتضى آل ياسين (جيراننا) وإن كان شعرهم ذا اتّجاه محدود، ولكنّ أغلب أفراد عائلتهم، وخصوصاً الدكتور عزّ الدين آل ياسين ومحمد حسن آل ياسين وإسماعيل آل ياسين، لهم أشعار جميلة، فمحيط العائلة يقدح القريحة.

تحتوي الموسوعة على 333 شاعراً وشاعرة مع نبذة من حياتهم ومختارات من أشعارهم بأزمان متفاوتة يرجع بعضها إلى 400 عام. ولكن أكثرهم في القرن العشرين وتقع في ثمانية أجزاء (مجلّدات) تجاوز صفحاتها 3500 صفحة من القطع المتوسّط، وتحتوي على فهرس ضخم بقصائد الشعراء المذكورين فيها. لذا تكون الكتابة عمّا تحتويه عملاً غير يسير ويستغرق صفحات وصفحات، وما كتبتُ ليس إلاّ تعريفاً موجزاً لموسوعة جبّارة أبدع الأستاذ عبد الكريم الدبّاغ في إعدادها فقلّ نظيرها، فهو شاعر أيضاً ومذكور في هذه الموسوعة.

فشكراً للأستاذ الدبّاغ على هديّته الكريمة التي أعتزّ بها كمرجع ثمين.

 

........................

موسوعة الشعراء الكاظميّين (8 أجزاء) – تأليف المهندس عبد الكريم الدبّاغ

الناشر: الأمانة العامة للعتبة الكاظمية المقدّسة – الشؤون الفكرية والثقافية.

المطبعة: دار المرتضى – بيروت 2014.

دماء لن تجف (32): عبد الزهرة التميمي .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadشهد قضاء "شط العرب" الشاغل ركنا قصيا، من أفياء البصرة الفيحاء، ولادة الشيخ الشهيد عبد الزهرة نجل الأديب الملا حامد ابن محسن التميمي، العام 1944.

عطر ضوعه انفاس ناسه وأنر بصيرتهم، إذ نشأ في أسرة عريقة الفضل والكرم والمواقف الانسانية والاصلاحية، مؤمنة ملتزمة موالية لأهل البيت، فوالده هو الملا حامد رحمه الله المعروف برجاحة العقل والحرص على إحياء شعائرهم..

الشهيد عبد الزهرة، من المقربين للإمام الشهيد محمد باقر الصدر، وموضع ثقته ومحل إعتماده في ما يخص الحوزة والتبليغ وغيرهما.

إنه من أفاضل المدرسين في الحوزة العلمية، بالنجف الأشرف، حل على منصة التعليم، بعد تفوقه في مراحل التلقي، بارعاً في تلقين الطلبة، جواهر المعرفة المكنونة في كتابي: "إقتصادنا" و"فلسفتنا" للشهيد الصدر، فضلا عن مؤلفاته الشخصية، التي أتلفها أزلام البعث الجائر بعد إعتقاله، تضافرا مع خطاباته الحسينية، التي امتازت بالفكر والوعي الحركي الداعي الى التغيير في المجتمع ، فقد كانت ذات قيمة عالية ، مليئة بالعلوم المختلفة من تأريخ وعقيدة وتفسير وفقه وأدب.

أما صفاته الاخلاقية، فقد عرف رحمه الله بسخاء النفس والكرم، والسكينة والهدوء، والوقار والتقوى، وإصلاح ذات البين والسعي في الوفاق والوئام بين الناس.

شارع مفوه، في أغراض متنوعة الجوانب، الا ان الهجمة البعثية الشرسة أدت الى ضياع أغلب شعره.. في العام 1974 أصبح وكيلا للشهيد الصدر في البصرة فضلاً عن وكالته السابقة للسيد الخوئي.. وقف الشهيد، بشراسة ضد هجمة البعث على الدين، وازداد نشاطه خصوصا في الاوساط المثقفة بين اساتذة الجامعة وطلبتها؛ وإكتظ مسجده الكبير في الزبير، بحشود المصلين من السنة والشيعة، على حد سواء.

أثرت مواقفه وجهاده التبليغي، بأوساط المؤمنين ، فأغلب مستمعي محاضراته من المثقفين وأساتذة الجامعة وطلبتها؛ ما جعله واثقا من طروحاته، غير مكترث بمضايقات أزلام الأمن وأساليبهم الوحشية، متجاهلا دعواتهم لحضور المناسبات "الوطنية - بقياساتهم".

لم يكتفِ بعدم تلبة الدعوات،إنما يحرض الشباب على إحتقارها، حد التحريم، رافضا الصلاة على جنازة بعثي.. بصلابة تليق بتمثيله المرجعية، في البصرة؛ فوضعه النظام، تحت مراقبة شديدة، ضيقت من حوله الفضاء بما رحب.

نصبوا له كمينا، في ليلة رمضانية مباركة، عقب إنهائه صلاة المغرب والعشاء جماعة في المسجد، وبينما هو متجه الى بيته للإفطاره فوجئ بسيارة تابعة لجهاز أمن البصرة، تعتقله الى جهة مجهولة، العام 1982ولم يعرف مصيره إلا بعد الا بعد سقوط النظام في 2003، ماضيا الى ربه شاهدا وشهيداً مجاهداً.

وداعا شاعرة العراق الكبيرة آمال الزهاوي

bushra albustaniبصبر العراقيات الصامتات على وجع تواريخ الحروب والفقدان والنيران عاشت المبدعة آمال الزهاوي حراك الحياة والفن والقضية، وكتبت شعرها بين نارين ضاريتين، نار الروح المرهفة الهائمة بأسئلتها الوجودية الحارقة وهي تتأمل حياة يسعى كل مافيها لغياب أليم، ونار الطغاة والمعتدين الذين أحرقوا شعبها العربي الذي عاصرت فقدانه وتضحياته واحتلالاته، فعاشت عذاب فلسطين وثوارها وكتبت عن الكارثة ديوان (الفدائي والوحش) وعاشت محنة أمتها العربية وتسلط حكامها وكتبت عن المحنة (أخوة يوسف) وعاشت محنتها الوجودية في (التداعيات) فقد كانت هذه المبدعة مخلصة للفن الشعري فيما انتجت وكتبت من مجموعات أصيلة عبر فهمها الواعي بأهمية الفن ووظيفته المقتدرة على دمج القيمي بالجمالي . فضلا عن تقديمها عالمها الانثوي وهموم المرأة في مجتمع ذكوري وقيم عشائرية لا ترحم بتشكيلات حداثية مبكرة، وقد فصلتُ القول في هذا الموضوع النسوي في دراسة عن شعرها: بعنوان (ملامح الأنثى في شعر آمال الزهاوي) كما عبرتْ عن هموم شعبها وأمتها بصدق وانتماء في دواوينها، الطارقون بحار الموت، يقول قس بن ساعدة ، الشتات، آبار النقمة، وكان الديوانان الأخيران مخصصين لمحنة العراق ومكابدات شعبه وعذاب ابريائه الذين يموتون دون أن يعرفوا لقتلهم ولموتهم وموت أطفالهم أي سبب . لقد بدأت الشاعرة مسيرتها الشعرية بالكتابة عن شتات فلسطين وكأنها كانت تستشرف القادم من التشردات العربية عبر شعرية نسجت خيوطها النصية من خلال الترميز والغياب والتناصات بأنواعها، ولجأت الى التعبير بالقصيدة الطويلة التي كانت واحدة من روادها حين وجدت القصيدة الاعتيادية لا تفي بالوقائع المرة وبالخيانات التي لاحقت الإنسانية في عصر اغفل هموم الإنسان ومتطلبات كرامته الأساسية بجشع ابتلع الحقوق كلها فكان ديوانها (أخوة يوسف) الذي شكل قصيدة واحدة على مدى خمس وثمانين صفحة من القطع المتوسط مازجة الهم الإنساني بالوطني بالقومي بالوجودي، مؤمنة بان الشعر الأصيل لا ينطلق إلا من واقع، لكن بإشاراته هو وبتشكيلاته الشعرية التي يستمد لظاها ولوعة انبثاقاتها من عذاب المحن ومن دراما الصراع العنيف الذي يعيشه المضطهدون عبر نمذجة اللغة شعرا، بحيث لا يهيمن الايديولوجي على الشعري والجمالي بل العكس . فكانت الشعرية تتجلى في كل ما كتبت رموزا وأساطير وانزياحات وتضمينات من التاريخ والتراث الديني والمعرفي ومع الأدب القديم وملاحمه وأساطيره، فكان جلجامش حاضرا، وكانت عشتار، وكانت الملكات العراقيات وهن يقلن للعالم ها نحن قبل ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، فأين كانت نساء العالم يوم كنا ملكات وجليلات ..! وشعرها اذ ينطلق من اشارات الواقع فلأنه ذاهب للمستقبل عبر المحنة الانسانية التي ظلت تستعر حتى وصلت اليوم أقصى الذروة الكارثية عنفا.

إن منجز الشاعرة العراقية المبدعة الناشطة والإعلامية والصحفية والناشرة والمثقفة المخلصة لقضية الشعر وجودا آمال الزهاوي، ظل بعيدا عن الأضواء وما يستحق من اهتمام، فهي من جيل الستينات حسب الأجيال الشعرية، جيل الموجة الصاخبة كما سماه الشاعر والناقد العراقي الكبير سامي مهدي، ويعلم الجميع أن الشعر الستيني الذي أعقب الرواد أعطى الكثير، ونال ما نال من اهتمام في النقد والكشف والدراسات الأكاديمية، وبالرغم من أن المبدعة آمال الزهاوي كانت واحدة من طلائع هذا الجيل إلا أنها لم تنل استحقاقها النقدي لا أكاديميا ولا ثقافيا، وظل شعرها بعيدا عن الضوء لأسباب لست الآن في صدد تفصيلها، فقد شخصت النظرياتُ النسوية هذه الأسباب بإسهاب واعتراضات ورفض وصل حد الاتهامات التي قد نتفق مع بعضها ونختلف كثيرا أو قليلا مع الأخر، المهم هنا ان شعر آمال الزهاوي سيظل موضع اعتزاز الإبداع العراقي عموما والنسوي بشكل خاص، وحينما ستُدرس النسوية ووعي المرأة ورفضها وقدرتها على امتلاك الموقف وعلى تشكيل القرار والدفاع عنه في مجموعات الشواعر العراقيات، ستكون آمال الزهاوي في طليعة الشواعر النسويات وعيا وفنا وابداعا ..

وهنا لابد من دعوة المختصين في النقد والأدب الحديث داخل الأكاديمية وخارجها إلى الالتفات لمنجز الشاعرة العراقية المبدعة امال الزهاوي والعمل على دراسته في كتب ورسائل واطاريح تكشف عن شعريته وثرائه وأهمية مضامينه، والأمل كبير بوجود الكثير من الأكاديميات الرصينات اليوم ووجود التدريسيين من الباحثين المنصفين في الجامعات العراقية، الذين باتوا يحملون قيما جديدة في النظرة للإنسان ومنجزه رجلا كان أو امرأة ..

تحية اجلال لروح شاعرتنا العراقية آمال الزهاوي التي ظلت مخلصة للشعر حتى النفس الأخير، لأن الشعر كان قضيتها وفضاء بوحها ومتنفس روحها المرهفة، وكل الاعتزاز والتقدير لمنجزها الذي سيلتفت اليه الباحثون والباحثات يوما، لأنه يشتغل في أكثر من حقل، ويتأمل في أكثر من فضاء، في الروح والفلسفة وفي الوطن ومواجع الإنسان وشتاته وفي جراحاته وبكل مكان من هذا العالم المستلب بهيمنة حضارة مادية لا إنسانية أهملت الإنسان وداست كرامة روحه..

دماء لن تجف (31): اجحل رداد زغير .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadلم يعش الشهيد أجحل رداد زغير، سوى ثلاثة وثلاثين عاما، شبه أمي، لو لا تثقيف ذاتي، حباه الله من خلاله، بصيرة المؤمن تطلعا لله ورسوله، أسفرت عن إستشهاده رميا بالرصاص؛ لأنه عسكري متطوع.

أعدم بموجب القرار المرقم 2478 / 2 ، فإسمه المستقى من تذكير "الكحلاء" ولد في العام 1950 ، وإستشهد في العام 1983 ، من دون ان يترك ذرية وراءه؛ فهو لم يقترن بزوجة، ولم يرَ في حياته، من ملذات الدنيا، أكثر من محيط شارع 77 في "المشتل" ببغداد.

إستثمر أجحل تطوعه في الجيش، لصالح إنتمائه الوجداني لله والإسلام والوطن، من خلال "حزب الدعوة" محاولا الإستتار دون جلاوزة النظام وهم كثر، ليمرر أشياءه بهدوء.

إعتقل لإنتمائه لـ "حزب الدعوة الاسلامية" ومن معتقلات الشعبة الخامسة، طار حمام زاجل، صف أجحل، رفيف جناحه، الى إصطفاق الجوق المحلق نحو السماء، تتلقاه الملائكة والحوريات، في مرسم روحانية، منسكها الفضاء اللانهائي، بين ثرى الظلم، وثريا العدل، تنير منذ مليارات السنين، والى الأبد.

دماء لن تجف (30): احمد ماميثة .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadأزميل الحفار يتهجس سبيله، مهتديا، بنبضات قلب مكتئب، وهو يهمس للرفاة المدفونة.. جمعا وحرما، أمام الله، كما لو أن حشر القيامة، حل، في تلك البقعة المقدسة، من المقابر الجماعية، التي باتت تشكل طبقة من أديم ارض العراق.

الجيولوجيون يقولون ان العراق عبارة عن طبقة نفط فوقها آثار وعليهما غطاء من تراب فائق الخصوبة.. وأوجد الطاغية المقبور صدام حسين، طبقة رابعة، هي الجثث الملقاة فوق بعضها البعض، في مقابر جماعية، ضخها حزب "البعث" الى موتنا الحي، على أهبة النهاية، منذ مجازر الحرس القومي، الى ان جار صنيعته صدام، بفظاعة لا يطيقها عقل.

ومن بين قلق الازميل بيد المنقب في إحدى مقابر كربلاء الجماعية، همست عظام شاب لم يبلغ العشرين بعد: "أنا أحمد جواد كاظم ماميثة، فترفق".

إنهار المنقب بكاءً، ظنه من حوله، جزءا من هستيريا إعتادها العاملون في هذه المهمة، الشاقة وجدانيا.. إلا نه ابلغهم، بأن حوارا وئيدا جرى بينه والرفاة.

فإطلعوا عليه:

أحمد.. شاب، في العشرين من عمره، او يكاد يبلغها، أعدم في "جملونات حسين كامل" المسقفات التي حشر فيها "لواء الحرس الجمهوري" شبابا، لا ذنب لهم، سوى الاعتراض على الذل ومقاتلة الجيران من دون سبب.. يوما حرب ضد ايران؛ ومرة غزو دولة الكويت الشقيقة، والشعب يراد له ان يتحول الى خراف لمجازر البعثية...

طافت روح ماميثة، على جناح الاثير، بموجب القرار 600 / 4 ، عريسا في رحاب سماوات سبع، مفاخرا بفتوة موته.. شهيدا.

ولد العام 1970 واستشهد في العام 1990 ليتزوج من حوريات الجنة وسط أعناب وكروم.. "ريح وريحان وطيب مقام".

برغم ما عانه ذووه، من جلاوزة حزب "البعث" بعد إعدامه؛ لمشاركته في الإنتفاضة الشعبانية المباركة، الا ان بيتهم، صار مزارا سريا، في حي "باب الطاق" بكربلاء.

إكتفى أحمد ماميثة، بشهادة الدراسة الاعدادية، ليتفرغ للعمل، في خدمة العتبة العباسية المطهرة، وهو الان في رحاب رب رحيم.

 

حسن البنا .. مشروع أمة

abdulaziz khaylلو أنصفوا الناس لسلّموا أن الإمام الشهيد حسن البنا هو – بكل تأكيد - مجدد القرن الرابع عشر الهجري، لو قرؤوا حياته ودرسوا تراثه واطلعوا عن كثب على ما قدّم للإسلام لما بقي لديهم شكّ في هذه الحقيقة التي انتهى اليها المنصفون من عرب وعجم، وإنما غيّبتها عن آخرين الدعايةُ المغرضة التي لازمت حركة الرجل وجماعته من طرف أكثر من جهة لبغضها لدين الله أو لاحتكارها تمثيله دون سواها.

أبغضها العلمانيون العرب لأنه أبطل مشروعهم التغريبي بإنشاء جماعة دعوية تربوية سياسية تمثلت شمول الاسلام وحيويته ومواكبته لمسيرة الزمن لأنه دين الانسانية كلها ودين الزمن كله، فأبطل سحرَ المبشرين بدين يلتزم ضمير الانسان في حين يتولى الفكر الغربي " الانساني " تسيير الحياة بعيدا عن الأحكام والشرائع والأخلاق، لتنقطع الأرض عن هدي السماء .

جدّد الداعية الكبير الاسلام على نهج الشافعي وعمر بن عبد العزيز وأبي حامد الغزالي وابن تيمية، فأخرجه من الزوايا القاصية والساكنة وأقحمه في معترك الحياة ليصلح جميع جوانبها من التربية والموعظة إلى السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية بواسطة شباب أصحاب وعي وإخلاص، يعرفون مهمتهم في الحياة، مرجعيتهم القرآن والسنة، وغايتهم إرضاء الله تعالى، وقدوتهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهجهم الدعوة على بصيرة، بذلوا أرواحهم في معارك القنال لتحرير مصر من الاحتلال الإنجليزي ثم في فلسطين لدحض الصهاينة الغزاة المعتدين، ولولا الخيانات العربية الرسمية لتحوّل تاريخ فلسطين إلى وجهة غير التي آلت إليها، فأعطوا للجهاد معناه الأصيل ومارسوه ممارسة الأبطال الغيورين على دينهم وأرضهم وأمتهم، ولم تمتدّ أيديهم بسوء إلى بريء مهما تقوّل عليهم المتقوّلون بالباطل من حكام مستبدين غير شرعيّين وأذناب لهم باعوا ضمائرهم للشيطان حتى لا يعمّ نور الاسلام.

وقد تميّزت دعوة الامام الشهيد بالسعي المتواصل الحثيث لرأب الصدع بين العاملين للإسلام ولمّ شمل الدعاة والجماعات الاسلامية على اختلاف وسائلها واجتهاداتها، وعندما أيقن هؤلاء أن الرجل رباني مخلص وداعية بصير التفّ حوله أكثرهم وتناسوا خصوصياتهم الصوفية والسلفية والأزهرية وحشدوا جهودهم لخدمة دين الله وبلاد الاسلام، لم يشذّ منهم سوى الغلاة المتحجّرين من كلّ نوع، و سيمةُ الغلاة هي الشذوذ دائما .

استطاع مؤسسة جماعة الاخوان المسلمين ومرشدها الأول تأسيس كيان متميّز عمّا عهدته الساحة الإسلامية آنذاك من تجمّعات دينية تقليدية تذوب في الواقع أكثر ممّا تغيّره، فهي جماعة آثرت العمل الميداني على التنظير، والممارسة على التجريد، كما آثر الامام الشهيد تكوين الرجال على تأليف الكتب – رغم باعه الطويل في القدرة على الكتابة كما يدلّ تراثه -، وجسدت في المعاملة اليومية القاعدة الذهبية " نعمل فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه "، ساعدها على ذلك الزادُ الأخلاقيُ الوافرُ الذي بثّه في أعضائها المؤسسُ الشاب، فتجنبت تماما الجدال والمراء والمناظرات، واتجهت إلى الشباب والفلاحين والعمال تُخرجهم من المقاهي والحانات وساحات اللهو واللغو وتحشد طاقاتهم في التزكية والبناء، كما اتجهت إلى الساسة وقادة الرأي تذكّرهم بمهامهم في خدمة الدين والوطن وقضايا المسلمين، وبقيت على العهد نفسه والسمت ذاته بعد اغتيال مؤسسها في 12/02/1949، فلم تتراجع ولم تنحرف ولم تتطرف رغم ما جرّها إليه خصومها من مظالم صارخة .

مات حسن البنا وقد عمّت دعوة الإخوان مصر من أقصاها إلى أقصاها وبدأت الانتشار في سورية بل وفي جيبوتي قبلها، توفي رحمه الله فأمدّ الله جماعته بأسباب الحياة والقوة والعطاء، وكلما أمعن الحُكام التغريبيون في التضييق عليها فتح الله لها آفاقا أوسع، فهي حاضرة في ميدان الأخلاق تدعّمها، وفي ساحة الجهاد تدافع عن بلاد المسلمين وأعراضهم، وعلى صعيد العلم تخرّج العلماء في كافة الفنون، حتى غدا فكرُها يدلّ على الاسلام ذاته لتميّزها بالاعتدال الذي لا تحيد عنه أبدا وبالثبات على المبادئ والصرامة فيها، والتحلي بالمرونة في الفروع والوسائل، تنوّعُها وتستفيد من كلّ جديد نافع، وبقيت على محاسن مؤسسها : تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، تبشّر ولا تنفّر، تيسّر ولا تعسّر، وقد عمد الامام الشهيد إلى التراث الاسلامي فميّز بين الثابت والمتطوّر فيه وأشبعه بحثا وحرّر العقل المسلم من الأوهام والضبابية في الرؤية، كما توجّه بالنظر الثاقب والدراسة المعمقة إلى الحضارة الغربية فبيّن محاسنها ودعا إلى تبنّيها كموروث إنساني نافع، ونقَدها نقدا علميا رصينا ووضع اليد على مفاسدها وبيّن حكم الشرع فيها ودعا إلى نبذها مهما كانت الذرائع، فكان مجدّدا حقا.

عرفت الجماهير المسلمة الجماعة من خلال أدبياتها البسيطة الواضحة ومن خلال بذلها السخيّ ورجالها ونسائها الثابتين الأوفياء للإسلام والأمة فلم تخذلها بل التفّت الأغلبية حولها واستجابت لها في العمل الخيري والنقابي والسياسي والطلابي، ومنحتها أصواتها كلما جرت انتخابات حرّة نزيهة في أيّ بلد عربي رغم حملات التشويه الظالمة المستمرّة، وهذا ما أثار الأوساط الغربية المتخوّفة من الاسلام وتلك الحاقدة عليه، فأوعزت إلى أتباعها هنا وهناك بإجهاض دعوة الإخوان وتجاربها الناجحة في أيّ ميدان، ولا يملك هؤلاء الأتباع إلا الانصياع لأمر أسيادهم وأولياء نعمتهم، بل هم أشدّ منهم بغضا للإسلام والإخوان بسبب انحرافهم الفكري وأمراضهم النفسية، فكان ما كان من عدوان باغٍ على الجماعة كلما تأهبت لتطبيق مشروعها بمباركة الجماهير، ولم ينجُ حسن البنا من ذلك العدوان لا حيّا ولا ميّتا، فقد اغتاله القصر الملكي ثم توارثت الأوساط العلمانية المتطرفة بغضه عن جهل وجهالة وحسد ونقمة، وانضم إليهم في هذا الموقف بعض غلاة الأجلاف في الصفّ الاسلامي ولنفس الأسباب و خاصة لأنه – رحمه الله – كسّر احتكارهم للدين والكلام باسم السماء بفضل اجتهاده الأصولي وتجديد للدين بعيدا عن النصوصية المفرطة والحرفية الجامدة وسلوكيات الغلظة والجفاء التي أضرّت بدين الله تماما كما أضرّ به الفكر التغريبي .

ورغم هؤلاء يبقى حسن البنا حيّا في القلوب والعقول ويبقى مشروعه الحضاري في إنجاز مستمرّ لا يبالي بالشدائد والتحديات... وكم من مرّة ذهب الطغيان وبقي الإخوان، لأن مرشدهم قد بنى فأحسن البناء .

 

                             عبد العزيز كحيل

معلومات إضافية