المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

عودة مدهشة للروائية الأميركية هاربر لي

jawdat hoshyarعادت الكاتبة الأميركية (هاربر لي) الى الأضواء من جديد بعد مضي 55 عاماً على نشر روايتها الأولى " أن تقتل طائراً محاكيا " في عام 1960، واعتزالها في بلدة (مونروفيل) الصغيرة بولاية الاباما . ففي مساء يوم 14 تموز 2015 تدفق عشاق الأدب على متاجر الكتب في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا من اجل إقتناء روايتها الثانية " فلتعين لنفسك حارساً " بعد الأعلان عن عرضها للبيع في تمام الساعة الثانية عشرة ليلاً . وفي الوقت نفسه عرضت في العديد من دول العالم، الترجمات الألمانية والأسبانية والهولندية والدنماركية والنرويجية والسويدية والفنلندية والكورية للرواية الجديدة . وقالت دار النشر (هاربر كولينز) أن عدد نسخ الطبعة الأولى الأنجليزية قد بلغ مليوني نسخة، ونفدت في فترة وجيزة . وتصدرت مبيعات الكتب في الولايات المتحدة لتصبح حدثاً أدبياً مشهوداً .

ومن اجل فهم سبب هذا الأقبال منقطع النظير على الرواية الجديدة " فلتعين لنفسك حارساً " لا بد من القاء بعض الضؤ على السيرة الحياتية والأبداعية للكاتبة، والأهم من ذلك أن القاريء لن يفهم ولن يستطيع أن يقيًم الرواية الجديدة من دون قراءة الرواية الأولى . لأن أحداث الرواية الثانية تجري في الأمكنة نفسها، كما ان معظم الشخصيات نعرفها من الرواية الأولى وان تغيرت حياتها في فترة زمنية لاحقة . أي اننا امام (ثنائية روائية) . والقاري الذي سبق له قراءة الجزء الأول من هذا العمل الأبداعي الكبير، سيشعر بالصدمة حين يكتشف ان المحامي اتيكوس فينتش،الذي تصدى للتمييز العنصري في الرواية الأولى سيبدو عنصرياً في الرواية الجديدة .

ولدت نيلي هاربر لى، فى28 نيسان 1926، في بلدة مونروفيل الصغيرة الجميلة في الجنوب الغربي من ولاية الاباما في عائلة بروتستانتية متدينة. وكانت الأبنة الصغرى للمحامي (اماسا كولمان لي والسيدة فرانسيس كانينجهام). كانت نيلي الأبنة الصغرى في عائلة لها اربعة اطفال، ولد وثلاث بنات. عمل (اماسا كولمان لي) فترة موظفا حكوميا، ثم أصدر جريدة كان هو صاحبها ورئيس تحريرها قبل أن يتفرغ لممارسة مهنة المحاماة.

كانت نيلي في الخامسة من عمرها في عام 1931 عندما جرت في بلدة سكوتسبورو (ولاية الاباما) محاكمة تسعة شبان سود بتهمة إغتصاب امرأتين بيضاوتين، ورغم التقرير الطبي الذي اثبت ان المرأتين لم تتعرضا الى الأغتصاب، فأن المحكمة التي تشكلت من البيض حصراً، حكمت على جميع المتهمين بالأعدام بإستثناء فتى قاصر كان في الثالثة عشر من العمر . وعلى مدى السنوات الست التالية نظرت محاكم الأستئناف في الطعون المقدمة ضد الحكم الأولي، ونتيجة لذلك تم سحب معظم التهم والأفراج عن المتهمين ما عدا واحدا منهم . تركت هذه المحاكمة اثراً لا يمحى في نفس الصبية نيلي .

بعد أن أكملت دراستها في المدرسة الثانوية في مونروفيل التحقت بكلية هانتينجون للبنات في مونتغمري، وكانت لمدة عام رئيسة تحرير مجلة فكاهية تصدرعن الجامعة . ثم درست الحقوق في جامعة الاباما ولكنها تركت الدراسة، رغم أنها كانت طالبة واعية وناضجة التفكير . ثم قضت عدة أشهر في جامعة اكسفورد في انجلترا . لتعود بعدها للأقامة في نيويورك والعمل كموظفة حجز في شركة طيران حتى نهاية الخمسينات، وكانت لديها شقة خاصة متواضعة في نيويورك . وفي هذا الوقت نشرت عدة قصص قصيرة وكانت تسافر بين حين وآخرالى مونروفيل لتقضي بعض الوقت في منزل العائلة، للأعتناء بوالدها المريض .

 وذلت يوم من شهر كانون الأول 1956، تلقت من صديقيها- مايكل براون، ووليام براون - مغلفا فيها صك بمبلغ يعادل اجمالي راتبها السنوي مع رسالة يقولان فيها : " لديك اجازة لمدة سنة كاملة، تستطيعين خلالها أن تكتبي ما تشائين . عيد ميلاد سعيد " .

في هذا الوقت كان ابن بلدتها وصديق طفولتها ترومان كابوتي قد أصبح كاتباً معروفاً. وقال لها والدها ذات مرة : " لعلك تدركين أنه لا يمكن لبلدة صغيرة مثل مونروفيل أن تخرج كاتبين مشهورين في آن واحد . ولم تضيّع هاربر لي فرصة التفرغ لمدة سنة، فقد كتبت خلالها روايتها الأولى " أن تقتل طائراً محاكياً " وتعالج فيها الكاتبة قضية الفصل العنصري التي عاصرتها في طفولتها ببلدتها (مونروفيل) .أحدثت الرواية ضجة عند نشرها في عام 1960،أي في الوقت المطلوب تماماً، عندما أصبحت هذه القضية الشغل الشاغل للرأي العام الأميركي .. وهذا أمر نادر الحدوث بالنسبة لعمل أدبي .

 لقي الكتاب ترحيبا حاراً من ألمع نقاد الأدب، وبقى 848 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً. وحازت هاربر لي في عام 1961 عن هذه الرواية على أعلى جائزة أدبية في أميركا وهي جائزة (بوليتزر).

في العام التالي(1962) حقق الفيلم المقتبس من الرواية نجاحاً مذهلاً . وبعد عرض الفيلم هرع حشد من الشبان للألتحاق بكليات الحقوق في الجامعات الأميركية، فقد أرادوا أن يصبحوا بعد التخرج على غرار الرجل الشهم والنبيل المحامي أتيكوس فينتش (بطل الفيلم) . وأصبح اسم أتيكوس النادر شائعاً في أميركا منذ ذلك الحين . وفاز الفيلم بثلاث جوائز أوسكار بضمنها جائزة أفضل ممثل حصل عليها غريغوري بيك عن دوره في القيلم حيث جسد فيه شخصية المحامي أتيكوس فينتش .ويعد هذا الفيلم واحداً من أعظم الأفلام في تأريخ السينما . كما احتل غريغوري بيك – عن دوره في تجسيد شخصية اتيكوس فينتش - الموقع الأول في اللائحة التي اعدها معهد السينما الأميركي عن أفضل الممثلين الذين قاموا بأدوار البطولة في السينما الأميركية .

وقد صرحت هاربر لي في عام 1964، بأنها لم تكن تتوقع لروايتها النجاح، قائلة: "كنت آمل لها موتاً سريعاً ورحيماً على يد النقاد، لكن فى الوقت ذاته تمنيت أن تعجب شخصًا ما، بشكل كاف حتى يشجعنى، تمنيت القليل ونلت الكثير جداً، وبشكل ما كان هذا مرعباً، مثل ذلك الموت السريع والرحيم الذى توقعت .

 ما الذي يميز هذه الرواية الرائعة، التي يتوهم البعض أنها رواية للأطفال، لأننا نرى فيها عالمنا بعيون الأطفال . وهي ليست رواية سيرة ذاتية، بل أنها تصوّربعمق وبأسوب أدبي جميل محاكمة فتى زنجي بريء متهم بإغتصاب إمرأة بيضاء. وتروي أحدى مآسي الفصل العنصري في ولاية الاباما . وكانت للرواية تأثير هائل في الرأي العام الأميركي واصبحت اداة في النضال ضد شتى أشكال التمييز العنصري،وما زالت تحظى منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا بمقروئية عالية في كل أنحاء العالم . .

المجتمع الأميركي في الثلاثينات من القرن الماضي كان يقسم الناس الى بيض وسود أي الى أخيار وأشرار، ولكن محاكمة توم روبنسون التي نراها في الرواية بعيون الأطفال - وخاصة الطفلة جان لويز - شكلت نقطة تحول في النظر الى قضية التمييز العنصري .رؤية الأطفال لسير المحاكمة، تعكس بجلاء موقف المؤلفة من هذه القضية . كان الجميع على قناعة تامة، ان الدفاع عن الفتى الأسود توم روبنسون قضية خاسرة مسبقاً . وكان بطل الرواية، المحامي (اتيكوس فينتش) يعرف هذا . ولكنه مع ذلك صمم على القيام بواجبه الأخلاقي والدفاع عن العدالة بدفاعه عن توم، ورد الأعتبار اليه . قتل توم بينما كان يحاول الفرار . ولكن الفكرة التي نراها مجسدة في الرواية هي أن الناس عموماً أخيار وإن كان بينهم قلة نادرة من الأشرار . وهذه الفكرة هي التي تسبغ على كلمات أتيكوس قوة مؤثرة : " الشجاعة – هي ان تعلم مسبقاً إنك ستخسر، ومع ذلك تصمم على أداء واجبك حتى النهاية .لأن النصر ممكن أحياناً، رغم أن ذلك يحدث نادرا "

ًيعبر إسم الرواية " أن تقتل طائراً محاكياً " عن فكرتها الرئيسية . الطائر المحاكي – على درجة من الوَداعة لا مثيل لها، لا ينقر الثمار في الحديقة، ولا يبني عشاً على شجرة، وهو غريد متميّز بقدرته البارعة على محاكاة أصوات الطيور الأخرى، وادخال السرور الى قلب الأنسان بغنائه الشجي، لذا فإن قتل هذا الطائر الفريد – خطيئة. أتيكوس فينتش حاول إنقاذ حياة الطائر المحاكي – توم روبنسون البريء، والدفاع عن حقه في الحياة وعن كرامته، والتصدي للكراهية والتمييز بين البشر، والدعوة الى المحبة والعدالة.

الرواية حركت الرأي العام الأميركي " للوقوف بوجه كل أشكال التفرقة العنصرية . وصدرت في طبعات جديدة متلاحقة بين فترة وأخرى . وما زالت منذ ذلك الحين تلقى رواجاً عظيماً في شتى بلدان العالم، حيث بيع منها منذ صدورها لأول مرة وحتى الآن حوالي ثلاثين مليون نسخة . وحسب استبيان أجرته مجلة (المكتبة) الأميركية بين القراء تبين أن " أن تقتل طائراً محاكياً " هي أفضل رواية في القرن العشرين " .

نالت هاربرلي شهرة غير متوقعة وصاخبة الى درجة أنها هربت منها الى بلدتها الأم مونروفيل في ولاية الاباما .، والتي وصفتها بشكل رائع في روايتها، حيث عاشت فيها معظم حياتها .

وكان الناس يعتقدون أنها توفيت منذ زمن طويل ولكن كاتب سيرتها الذاتية تشارلز شيلدز قال في مقابلة صحفية عام 2006 أنها على قيد الحياة ,وتشارك بنشاط في الأعمال الخيرية لكنها ترفض لقاء الصحفيين , ولا تشارك في الحياة العامة ولم تجر أي مقابلة صحفية منذ عام 1965 . وطوال أكثر من نصف قرن لم تكتب هاربر أي اعمال ابداعية جديدة، ما عدا بعض المقالات في اوائل الستينات . ولهذا فوجيء الجميع بالأعلان عن ظهور رواية ثانية لها تحت عنوان " فلتعين لنفسك حارساً ". ويرى معظم النقاد انها ليست رواية جديدة تماماً، لأنها كتبت في عام 1957 . وهي على الأرجح مسودة الرواية الأولى. ولكن من يقرأ الرواية الجديدة بامعان سيكتشف أنها جزء مكمل لرواية " أن تقتل طائراً محاكياً ".

في الفصل الأول من " فلتعين لنفسك حارساً " نرى جان لويز شابة تبلغ من العمر 26 عاماً – تصل بالقطار الى مسقط رأسها مدينة (ميكومب)، من اجل التأثير في والدها – اتيكوس فينتش، الذي يرفض أن يتقاعد على الرغم من تقدمه في السن . صديقها هنري كلينتون – شاب يسعى لخطبتها - يستقبلها في محطة القطار. "عانقها بقوة بين ذراعيه المفتولتين ووضعها امامه . أخذ يقبلها في البداية في شفتيها، ثم بلطف في خذها . قالت جان لويز وهي تحاول إغاظته، انها لا تمانع أن يكون صديقاً لها، ولكنها لا توافق على الأقتران به . كانت تحبه تقريباً . " كلا هذا غير ممكن – فكرت بينها وبين نفسها – أنتِ إما مغرمة به أو غير مغرمة . الحب – الشيء الوحيد الواضح في هذا العالم . بالطبع هناك أنواع مختلفة من الحب، ولكن مهما كان شكله . فان الحب اما ان يكون أو لا يكون " .

هنري كلينتون احدى الشخصيات الجديدة في " فلتعين لنفسك حارساً "، في حين اختفت من الرواية بعض الشخصيات الأخرى . فعلى سبيل المثال (جيم)، شقيق جان لويز، وهوً احد الأبطال في رواية " أن تقتل طائراً محاكياً " مات مبكرا في الرواية الجديدة، ومع ذلك فأن أقوى صدمة للقراء هي التغيير الذي جرى في شخصية البطل الرئيسي في الروايتين (اتيكوس فينتش)البالغ من العمر 72عاماً، الذي أحبه القراء في الرواية الأولى، لأنه كان انساناً مبدئياً ومثالياّ، يؤمن ايماناً راسخاً بالعدل والأنصاف . أما في الرواية الثانية" فلتعين لنفسك حارساً " فأنه يبدوعنصرياً . فهو يقول مثلاً " الزنوج المحليون كشعب ما زالوا في مرحلة الطفولة ". أو أنه يسأل ابنته : " هل أنتِ على استعداد لقبولهم في عالمك ". وجان لويز العائدة من نيويورك الى الجنوب تجد ان وجهات نظر والدها وصديقها هنري كلينتون حول مشكلة العنصرية تختلف اختلافا كبيرا عن وجهة نظرها .

" فلتعين لنفسك حارساً " عنوان مقتبس من أحد نصوص الكتاب المقدس، بمعنى " أن كل انسان هو حارس ضميره، ولا يوجد أي ضمير جمعي " وهذا ما قاله احد أبطال الرواية (جيم) لجان لويز . والذي يلخص معنى الرواية تماماً .

وقد نشرت صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية الفصل الأول من الرواية الثانية . وحسب الحجوزات المسبقة في شركة (امازون) تصدرت " فلتعين لنفسك حارساً " مبيعات الكتب . وفي بلدتها الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 5300 نسمة فان متجر الكتب فيها تلقى طلبات لحجز 7000 نسخة منها. ولأول مرة منذ سنوات طويلة أجرت هاربر لي لقاءا صحفيا وسمحت بتصويرها وتلقي التهاني.

في عام 2007 اصيبت هاربر لي يجلطة في الدماغ، وشقيقتها الكبرى اليسا التي كانت تديرشؤونها توفيت في نهاية عام 2014عن عمر ناهز 103 سنة، بعدها لم تتواصل هاربر لي مع العالم الخارجي . واعلنت بلدية مونروفيل عن وفاتها في 19 شباط 2016. رحلت الروائية التي اسرت قلوب الملايين من قراء رائعتها " أن تقتل طائراً محاكياً ". وما يزال الجدل محتدما في الأوساط الأدبية في أميركا وأوروبا واليابان ودول أخرى حول الرواية الثانية . هل هي مسودة الرواية الأولى، أم تكملة لها، ولماذا دب الخلاف بينها وبين صديقها وابن بلدتها الكاتب ترومان كابوتي بعد فوزها بجائزة (بوليتزر) في عام 1961 . وماذا يقول القراء العاديون في انحاء العالم عن الرواية الثانية . هذه مسائل يضيق عنها المجال هنا، وقد نعود اليها في مقال قادم .

 

جــودت هوشيار

 

 

ليس وداعا يا ابنة العراق وفخره

abdulsahib alnasirولو كن النساء كمن فقدنا.... لفضلت النساء على الرجال

فما التأنيث لاسم الشمس عيب... ولا التذكير فخر للهلال

ابو الطيب المتنبي

 

اكتفوا ببيان مقتضب يتيم، وتعزية باهتة. حتى هذا القليل القليل جاء كمزايدة لمصالحهم الشخصية وللصعود ( وطنيا) على اكتاف زهاء حديد، وعلى اكتاف  كبار المبدعين العراقيين وعظمائهم. هذا كل ما يملكون ويعرفون وكل ما تعلموا، ولم يفكر  اي منهم  بإرسال وزير او سفير او مندوب  خاص  ليقوم بالواجب  تكريما لهذه السيدة العظيمة، كفتح سجل التعزية في السفارت العراقية ليمر ويقرأ الفاتحة، ويوقع احتراما و تعاطفا مع روح السيدة الكبيرة، ولم تبعث الحكومة العراقية وفدا رسميا  ليحضر اجتماعات ومقابلات تجري متلفزة عن حياة الراحلة العزيزة . ولم يوعز احد من السياسيين العراقيين ممثلين له لتعزية عائلة الفقيدة.

 

اما  الاخطل  المهطول الجعفري وزير الخارجية المهموم بعزله فلم ترمش له عين اسفا على رحيل ابنتنا (زهاء) ولم يبعث  احد سفراءه ليقوم بالواجب العراقي والاخلاقي والوطني  كما بعث  مندوبون عنه وعن الوزارة ليعزي من توفى  في بلدان التطرف السلفي  الارهابي. ولم تقم الحكومة العراقية ضمن سفاراتها بفتح  ابواب سفاراتها وكتب التعزية  ليشعر العالم ان هناك اهتمام خاص واحتراما لهذه السيدة العظيمة ولعلماء العراق.

إلا أن ، من عظمة زهاء حديد انه، حتى بعد رحيلها، ان يستغل الكل، من الجهلة والمديوكرية ( Mediocre)  ووصوليون وانصاف المثقفين ، يستغلون مناسبة وفاتها  ليرفع من شأنه ومن موقعه " كما يتصورون "  بالكتابة عنها، هي ادعاءات انتهازية  ليس الا .

و لم اقرأ ولا كلمة  واحدة ممن تبرع خلال هذا الاسبوع للكتابة عن  سعة وعمق علمها وجمال فنها وأبعاد افقها وخيالها في مجال العمارة والفن والابداع.

و باتت زهاء حديد مسلوبه من كل انتاجها ومكانتها الفنية والعلمية ( في العالم العربي)، ولا عن ما احدثت من توسع في الافق وفي المادة وفي الفضاء وفي كل جوانب العمارة الحديثة، حيث طوعت زهاء اقصى مواد البناء تصلبا لتغرد معها في فضاءات جاءت بها وبفلسفتها . و لم يتجرأ حتى الكثيرون من المعماريين من  التفكير او التقرب  بمس تلك المجالات.

 قالت سيدة العمارة العالمية، رحمها الله ، متمنية:-

( افتقد جوانب عندما اكون في العالم العربي، اللغة ،وهناك الهدوء والسكينة، إن كنت في القاهرة  ام في بغداد، ان تجلس هناك وتفكر، هذه الانهار التي تجري منذ آلاف السنين،هناك لحظات سحرية في تلك الاماكن) .

حتما سينصف العالم والتاريخ ( زهاء)، فهي لا تحتاج الى شهادة متوسطى الفهم والمستوى، لأن هذا شأن العباقرة والمبدعين القياديين، صانعي مسيرات التغير والابداع.

وقالت أيضاً:(انا مع المودة والتصميم والاتجاه، لانهما يحملان  مزاج اليوم، مزاج اللحظة ، كالموسيقى والادب والفن).

لانها تتعامل في كل اعمالها وتصاميمها من خلال معايشتها لتلك المجالات واللحظات، تتعامل بحس مرهف حد  الجنون والنبوغ،لكنها  تتعامل بسعة وشمولية بكل جوانب الفن والعمارة والابداع، حتى قالت (ما هو جميل عن الكونكريت، انك تشعر انه غير كامل) اي انها تتعمق في تطوير وتطويع المادة حد الكسر.

وافصح ما قالت عن اتجاهها في العمارة وهي تنتقد متوسطي  الفهم والرغبات:ـ

"Architecture is not a medium of personal expression for me," she said. "To interpret it as striving for individual expression is to misunderstand it. This misunderstanding is often linked to the dismissal of my work as self-indulgent or wilful."

 

عبد الصاحب الناصر - لندن

 

علاء الديب.. شجن الوحدة والاغتراب

لو أن الظروف كانت قد أسعدتك بالتعرف إلي شخص علاء الديب والتردد عليه في الفيلا الصغيرة التي يسكنها في المعادي، والجلوس معه في شرفته المطلة على حديقة صغيرة هادئة، لرأيت كيف يختلس الديب وهو يشرب قهوته نظرات محبة سريعة إلي الحديقة فتبدو لك كأنها امتداد أخضر هامس لروحه العذبة، ولكنت قد لمحت الشجن المهذب الصامت في نظرته. تتطلع إليه وتحتار أيهما الأعز فيه: الكاتب؟أم الإنسان؟ أم هي حقول الروح مترامية يفضي كل منها للآخر؟. الشجن المهذب في استسلام طائر أسقطته رصاصة، والحزن على مصائر البشر، والتشبث رغم بالأمل، من ذلك كله يقوم عالم علاء الديب القصصي والروائي. الديب من مواليد 1939، لكن إبداعه بدأ في الظهور في الستينات مع حلقة من الكتاب شكلوا جسرا ما بين جيلي الخمسينات والستينات، منهم بهاء طاهر وأبو المعاطي أبو النجا وسليمان فياض وإدوار الخراط وغالب هلسا. كلهم من مواليد الأربعينات لكن ظهورهم وإبداعهم تقاطع مع أبناء الستينات. نشر الديب أول قصة له " الشيخة" في 1962وصدرت مجموعته الأولى"القاهرة" في 1964، وصدرت مجموعته الثانية " صباح الجمعة " في1970. فكريا ينتمى الديب إلي قيم الوطنية المصرية التي تشكلت قبل ثورة يوليو ثم رسختها الثورة: الاستقلال. التصنيع. العدالة الاجتماعية. العداء للاستعمار ودعم حركات التحرر وفي المقدمة منها فلسطين التي تشغل مكانة خاصة لدي شخصيات علاء الديب في تأملاتها وأحاديثها. وعند أمين الألفي بطل " أيام وردية " فإن فلسطين هي:" فكرة مسيطرة يقيس بها مواقع الناس، وعامل مساعد يكشف به الصدق من الكذب"، بل وفلسطين لديه"دائما  تسد حلقه، كأنما هو الذي باع، والذي خان، هو الذي مات وصمد مثل الشجر، هو الذي انفجر واستشهد، هو الذي تشرد وحوصر وقاتل وقتل". ومع أن الديب لا يهمل تأثير الشروط الموضوعية التي تساهم في خلق الوعي وتشكيل البشر، إلا أنه يميل بقوة للاعتقاد بأن بوسع الانسان، بل وواجبه، أن يتجاوز كل الظروف وأن يتحكم في حياته في مواجهة كل شيء، تلك هي القضية الأخلاقية الأولى في إبداع الديب كله: المسئولية الشخصية، الأخلاقية والانسانية، عن مواجهة المنظومة السياسية والفكرية المنهارة، هذا أو أن يلقى الانسان عقابه فينزلق إلي الخواء،والوحدة، وتقديس المعايير الاجتماعية التي تمجد الثروة والنفاق والكذب. هكذا تتصدر مسئولية الانسان الأخلاقية المشهد الأدبي لدي علاء الديب، وتكاد أن تكون عقدة العمل الأدبي وجوهره. لهذا فإن كل شخصيات علاء الديب من دون استثناء تكابد الوحدة والاغتراب المرير بعمق، ومعظمها من مثقفي الطبقة الوسطى التي تشتبك بدرجات متفاوتة مع الابداع. يلوح قدر الوحدة والاغتراب لدي الديب منذ روايته الأولى" القاهرة" 1968، إذ يطالعنا الديب بشخصية"فتحي" التي تجسد الخواء الروحي القاسي. موظف شاب يحيا مع امرأة تراه"شخص مترهل تعس.. لكنه فرصتها الأخيرة"ويراها هو مجرد "إطار كاوتش لم يعد صالحا للاستعمال"، وحينما تفاجئه المرأة بأنها حامل فإنه يرتبط بها لكنه يقوم بخنقها في الليلة الأولى من الزواج. ويقول في دفاعه في المحكمة:" لم أقتلها لأنها بغي.. لم أكن اريد لابني أن يولد.. كنت أريد أن أتأكد من أن حياتي لن تلوث الجيل القادم.. وأن الدنيا لن تشهد فتحي آخر". يأتي دفاع فتحي أقرب ما يكو إلي بيان بانسحاب المثقف، وهزيمته، بل وانتحاره بعد نكسة 1967، مدركا – سواء أكان على حق أم لا- أنه لم يترك أثرا، والأقسى أنه لا يود أن يترك أثرا، بعد أن انزوى حسب اعتقاده" كل وجه نبيل وكل قيمة شريفة"، فلم يبق سوى أن يعيش وحده " هذا الخواء المرعب". ويظل بيان موت المثقف الذي أعلنه الديب في روايته الصادرة بعد النكسة مباشرة يحكم وينتظم كل أعماله اللاحقة من دون استثناء حتى روايته الأخيرة "أيام وردية" الصادرة عام ألفين، مرورا بثلاثية الديب :" أطفال بلا دموع" 1989، و" قمر على مستنقع"1993، و"عيون البنفسج" 1999. في كل أعمال الديب اللاحقة على " القاهرة" نرى ثمار النكسة – بعد حوالي ربع قرن من وقوعها- وقد تجسدت وأصبحت جزءا من التكوين النفسي والفكري للبشر الذين تشبعوا بالمرارة واليأس والانتهازية والهروب من كل مواجهة والتطلع إلي النقود ، والشعور بأنه ما من مخرج وما من ضوء في نهاية النفق. وبينما يشير الديب إلي الظروف التاريخية التي خلقت كل ذلك، فإنه لايكف في الوقت ذاته عن تحميل الانسان مسئولية شخصية أخلاقية عما آل إليه وجوده. في ثلاثية الديب يتناول الكاتب حياة أسرة تتألف من الزوج  د. منير في " أطفال بلا دموع"، ثم زوجته د. سناء في " قمر على مستنقع" وأخيرا ابنهما تامر في" عيون البنفسج". في الروايات الثلاث القصيرة نقرأ القصة على لسان الراوي، الشخصية الرئيسية، لننتهي إلي تأمل أسرة يعيش كل فرد منها بمعزل عن الآخر بل وعن الآخرين، ويعاني بمفرده من الوحدة والخواء، قدر شخصيات علاء الديب المرير.  لايلي الديب في أعماله اهتماما جماليا خاصا للغة بحد ذاتها، ويعتمد البناء الفني لديه أساسا على"المونولوج الداخلي" للراوي، و"الفلاش باك"، ونثار أحداث صغيرة متفرقة يومية،أما أفعال الشخصيات فلا تأتي استجابة لأحداث محددة لكنها تنبع من الداخل، أقرب لحوار مع النفس، ويكاد العالم الخارجي لديه أن يكون تكئة لحديث النفس، لهذا يلقي الشعر بظلاله وعطره على الروايات، ولا يعوض شحوب العالم الخارجي الواقعي سوى ذلك الصدق المرير والأمل الخافت الذي يتنهد بروح الكاتب في الروايات. في"أطفال بلا دموع" يقدم لنا علاء الديب دكتور منير أستاذ الأدب العربي بإحدى الجامعات الخليجية، المفكر العربي، الذي هجر كل آماله أو هجرته هي، وهاجر متفرغا لجمع الأموال بكتابة أبحاث في قضايا قتلت بحثا مثل غزل المعلقات. ينفصل عن زوجته د. سناء ويتذكرها بصفتها" بنت مصر الجديدة والنادي.. لا تعرف إلا المرحاض الأفرنجي والاستلقاء عارية في البانيو الفاخر وتدليك فخذيها ويديها بالكريم". يقول د. منير لنفسه : " كنت وحيدا. ومتى لم أكن وحيدا؟". وفي وحدته يشتاق لبلدته في الصعيد، وللشجرة التي يتكرر ظهورها في أعمال الديب رمزا للطبيعة، لكن أشواقه تلك تحوم حول قرية لم يعد لها وجود، مثل الفردوس المفقود. أما الحقيقة الصلبة فهي أنه يعيش على كتابة المقالات الجوفاء، وتدريس قشور العلم، ويتجرع مرارة الافتراق عن ولديه اللذين انتزعتهما منه زوجته بعد الانفصال. يتذكر الولدين في حلم:" يصرخان في وجهه بلا صوت، عيونهما من حجارة مليئة بدموع لا تنحدر.. أمسك وجهيهما. أهز الوجه. لا أسمع لهما صوتا ولا الدموع تنهمر". كيف أطبقت الوحدة والغربة والنهم إلي المال قدر إنسان كان يوما مشغولا بأحلام كبري؟. في الجزء الثاني " قمر على مستنقع" تحكي د. سناء زوجته القصة من وجهة نظرها، وتقدم لنا حياتها معه على أنها كانت" جحيما في جحيم"، وأن د. منير لم يكن سوى" ماكينة بشعة للأكل والجنس والنقود"أما عن علاقته بالثقافة فتقول إنه كان" يغلق على نفسه حجرة المكتب.. يغيب ساعة أو ساعتين، يخرج منتصرا يحمل كومة أوراق، يلقي بها أمامي، يقول: خمسمائة دولار ياهانم.. مقال رهيب عن التصوف الإسلامي"! أما السنوات التي قضتها معه في الخليج فلم تكن إلا غرقا في " مستنقع الغباء والأنانية والنفط". وخلافا  لحكاية د. منير فإن قصة سناء تكاد أن تخلو من ضغط الهموم العامة، ما عدا إشارتها العابرة لاختلاف أحوال مصر بعد وفاة عبد الناصر، وإلي تبدل البشر، وهجرة أخيها أمين الذي كان يتحدث عن:" طب الريف، وخدمة الفقراء، وتبسيط العلاج والمصاريف.. كيف انسحب؟". ومثل كل شخصيات الديب تعاني سناء كما تقول من:" الفشل والضعف والوحدة الحارقة". الجزء الثالث" عيون البنفسج" يصل فيه المؤلف إلي حالة جديدة مجسدة في شخصية " تامر" ابن منير وسناء، فإذا كان الوطن قد تعرض من قبل لهزة ونكسة لكنه بقى ملاذا ، فإن ذلك الوطن يتلاشى  تماما لدي ابنهما تامر الذي تحاصره – مثل كل شخصيات الديب- " أحزان الوحدة الخانقة". تامر رمز لجيل آخر مختلف، حيث لم يعد  لشيء أي شيء معنى أو قيمة.  يشعر تامر بأنه " بلا جذور، معلق في الهواء"، ولم تعد هموم الوطن هي سؤاله، فقد انقلب السؤال إلي: هل ثمت وطن أصلا؟. إنه يسأل صديقه حسين كاظم " أنا لم أعد أعرف ماذا يعني أن أكون مصريا؟ هل تستطيع أن تقدم لي تعريفا للوطن؟!". وينتهى الجزء الأخير من الثلاثية بهزيمة حسين كاظم صديق تامر الذي يقع هو الآخر في فخ الهجرة بعد أن ضاق بالفقر وقرر السفر إلي الخليج. بهذه الهزيمة الأخيرة، هزيمة حسين كاظم تنتهي عيون البنفسج، وتنتهى معها ثلاثية الغربة والوحدة، قدر المثقف المهزوم، وهو الموضوع الرئيسي لروايات وقصص علاء الديب، وإليه يعود في آخر رواياته " أيام وردية" فيقدم لنا أمين الألفى تجسيدا لكل ملامح بطل الستينات الذي حطمته النكسة وأطاحت أحلامه في التحرر، والعدل. أخلص من صميم قلبه لتلك الأحلام، لم يبدل جلده ، ولا تماشى مع التيار، فأخذ الواقع الجديد يطحنه على المستوى العام وعلى المستوى الشخصي في علاقته بزوجته شادن التي تعرف إليها ذات يوم بعد النكسة حين كانت : " تجرى في مكاتب الجرائد والمجلات، تكتب موضوعات لاعلاء كلمة اليسار وقوى الشعب العامل، مندفعة متحمسة" ، فإذا بها تقع بعد النكسة في قبضة " الحاجة زينب" التي عادت من الخليج مسلحة بكل قيم الرجعية، وإذا بزوجته تختلف، فلا يكاد يعرفها، إلي أن ينفصل عنها. وتحط الكآبة على روحه وتؤدي به لدخول مصحة نفسية. يقدم الديب بطله بصفته " مفكر عربي" ويقصد بذلك ما جاء لاحقا من أن فلسطين بالنسبة للألفي هي" النغمة الحزينة الممضة التي تربض تحت كل الأيام والساعات.. نغمة تتصاعد في القلب مستمرة ثابتة رغم طبول الأكاذيب". لكن أمين الألفي، المثقف، العربي، المصري، لايفلت من مصير د. منير، وسناء، وتامر، ومن قبلهم فتحي في " القاهرة". مجددا يعزف الديب على وتر الوحدة والضعف. أما الشخصيات التي تبشر بالأمل، أوتجرب الانتصار والتحدي، فإنها تلوح عند الكاتب من بعيد، شاحبة، كأنما لابد من الاعتراف بإمكانية وجودها نظريا لكن من دون حماسة المؤلف لها. إن الصدق مع النفس، والاعتراف بالهزيمة، هو السمة الايجابية العظيمة لشخصيات لا تخدع نفسها، ولاتكذب، ولا تداري حقيقة الهزيمة التي لحقت بها. شخصيات علاء الديب كما يصف إحداها "انتصاراتها مهزومة وهزائمها تنتحل رايات النصر". ويضيف الديب: " لكن أليست هذه هي قصة هذا الزمن الذي نعيش فيه؟"! . يقول علاء الديب في أوراقه إن والده كان: " ينقل إلي جليسه محبة وسكينة". هذا بالضبط هو الأثر الذي كان علاء الديب يتركه في أصدقائه ومحبيه" محبة وسكينة"، لكنها مشبعة بشجن عميق وأسى على العالم والبشر. ظل على مدى أربعين عاما يقدم في الصحافة باب" عصير الكتب" ويعرف القراء بالكتاب الجدد بدأب وصبر، مرورا بمجموعاته القصصية الخمس، ورواياته الخمس، وترجماته التي تنوعت ما بين القصة والمسرح. كنت أجلس معه ساعة أو ساعتين فلا أسمع منه أبدا كلمة    " أنا " ولا أية إشارة عابرة لأعماله. يحدق بك باهتمام ويسأل:" كتبت حاجة جديدة؟". أو يتناول كتابا ويدفع به إليك قائلا:"اقرأ قصص هذا الشاب، ممتاز". لم أسمعه مرة يغتاب أحدا أو يقلل من شأن أحد. رحل علاء الديب عن عالمنا في 18 فبراير هذا العام. فارقنا إنسان تمتع بموهبة حب الناس الفريدة، وكاتب تجاوز دائما النقص في محاولات الآخرين وفيهم أنفسهم متطلعا إلي أبعد من ذلك: ربما يحل يوم يصبح فيه أولئك البشر أفضل، وذلك الأدب أجمل؟ ولأجل يوم كهذا يمكن التشبث حتى النهاية بحب الناس والأمل. لاشي يقال عند الوداع سوى أن كلمات الوداع مرة، والموت مر، وكل شيء يسرق الإنسان من إنسان. 

 

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

المناضل الشيوعي العراقي عبد السلام الناصري في ذمة الخلود

رحل عنا يوم الاثنين الماضي 28 اذار 2016 المناضل الشيوعي المخضرم عبد السلام الناصري (أنور مصطفى ـ ابو نصير) وهو من الرعيل الاول من الشيوعيين العراقيين او كما يسمى هذا الجيل (الحرس القديم)، حيث عاصر الشهيد الخالد فهد وساهم في قيادة الحزب الشيوعي العراقي مبكرا كعضو في اللجنة المركزية، اعتقل في العهد الملكي من قبل الاجهزة الامنية (مديرية التحقيقات الجنائية). اطلق سراحه بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ليلتحق بقيادة الحزب ثم عضو مرشح للمكتب السياسي. ارسل بعدها للدراسة الحزبية في موسكو وضمن خطة صيانة، تتضمن ارسال قسم لا بأس به من القادة والكوادر المتقدمة للدراسة في البلدان الاشتراكية، كضمان احتياطي للحزب وخصوصا بعد ان قلب الزعيم عبد الكريم قاسم ظهر المجن للحزب على اثر احداث الموصل وكركوك عام 1959. بعد انقلاب 8 شباط الدموي 1963 نشط الفقيد الناصري في الخارج لقيادة حملة مناهضة للانقلاب وحرسه اللاقومي ولملمة الرفاق في الخارج للاتصال بما تبقى من قادة في الداخل واعادة بناء الحزب المشتت على اثر الضربة القاسية التي تعرض لها، وابرز من ساهم معه من الخارج في اعادة البناء هم القادة آرا خاجادور والفقيدين ثابت حبيب العاني وحسين سلطان صبي، برز الناصري في تلك الفترة كناطق رسمي باسم الحزب وبدعم من الكرملن، مما ولد انطباعا عاما بان الناصري هو السكرتير القادم للحزب الشيوعي العراقي، في اب 1964 وفي مدينة براغ عقد اجتماع لما تبقى من اعضاء اللجنة المركزية وبحضور بعض الكوادر، وهو الاجتماع الذي انبثق منه ما يعرف بخط آب، وتم فيه اختيار عزيز محمد سكرتيرا للحزب باعتباره عضوا اصيلا في المكتب السياسي قبل 8 شباط والناصري عضو مرشح للمكتب السياسي وفي اجواء لا تخلوا من هواجس وترددات طائفية، مهدت لمرحلة تكريد جديدة لقيادة الحزب استمرت لغاية 1993 حيث ابعد عزيز محمد من قيادة الحزب في ما يسمى بالمؤتمر الخامس، بعد تصاعد روائح نتنة من فساد مالي واخلاقي وخروقات امنية وانحرافات حزبية لعزيز محمد وبطانته، تركت اثرها وتوابعها على مسيرة الحزب اللاحقة لينتهي به المطاف في دهاليز السياسة الانكلوأمريكية ومجلس الحكم البريمري ومستنقعات الاحزاب الكردستانية واخيرا مسح الاكتاف واللهاث وراء الاحزاب الدينية . على اثر اجتماع اب 1964 وانشقاق القيادة المركزية 1967، اعتبر الناصري من عرابي خط اب وناله ما ناله من محاولة اساءة وتهميش لغرض امتصاص نقمة واعتراض القاعدة الحزبية، في حين ان خط اب تم اقراره بقناعة عامة للجميع او الغالبية العظمى من قادة الحزب باستثناء اعتراضات وتحفظات قليلة وخجولة (أكد الناصري تلك الحقيقة لأحد زائريه من الاصدقاء بعد الاحتلال الامريكي رغم صمته وشبه انعزاله وابتعاده عن الحزب في تلك الفترة)، ومع هذا تم الاطاحة ببعض الرفاق لارضاء القاعدة وليحتفظ الاخرين بمراكزهم ضمن مناورة حزبية من عزيز محمد وبطانته. بعدها وصولا الى انقلاب البعث في 17 تموز 1968 ومباحثات الجبهة مع البعث، برز الجفاء بين الناصري وعزيز محمد، وجه خلاله الناصري نقد لاذع وشديد اللهجة لعزيز محمد عبر رسائل حزبية، في المؤتمر الوطني الثالث 1976 للحزب عاد ابو نصير الى قيادة الحزب بعد توسيعها الى 44 عضوا في اللجنة المركزية. خلال الهجمة الشرسة لاجهزة الطاغية صدام ضد الحزب 78 ــ 79 وما رافقها من هجرة جماعية لقيادة الحزب. آثر الناصري البقاء داخل العراق لاسباب وظروف غير معروفة ولم ينحني امام كل مغريات النظام البعثي، وعانى من ظروف معيشية صعبة وقاسية وخصوصا في فترة الحصار الاقتصادي على البلد. في المؤتمر اللاوطني الرابع (سيء الصيت) 1985 أعتبر الناصري خارج القيادة ضمن حملة التصفيات التي قادها عزيز محمد وبطانته العفنة لخيرة المناضلين في الحزب وتحت مسميات هزيلة (اجتمعنا ليلغي نصفنا النصف الآخر، التخلص من الحواشي الرخوة في قيادة الحزب). بعد الاحتلال الأنكلوأمريكي للعراق والتحاق الحزب الشيوعي العراقي بالقطار الامريكي ومجلس الحكم البريمري، اعتكف الناصري في منزله مبتعدا عن مستنقع الخيانة محافظا على تاريخه الثر والنقي رغم قساوة الظروف في جميع نواحي الحياة، رافضا كل محاولات الاتصال به من جهات اعلامية مختلفة وحتى الباحثين وطلاب الدراسات العليا للاستفادة من ذكرياته حول تاريخ الحزب الشيوعي العراقي والحركة اليسارية في العراق، ليرحل الى مثواه الاخير بهدوء. بعد الرحيل كتبت احدى الجهات نعيا للناصري، قفزت فيه على الكثير من المراحل واختلط عليها الاسم الحركي للناصري في محاولة بائسة لتجيير تاريخ الرجل لصالحها بعيدا عن اي نبل انساني من حاملي اسم النبل ظاهريا ولاغراض المدح الذاتي الغادوي .

سيبقى انور مصطفى نورا صافيا في سماء العراق وداعا ابا نصير يا نصير الفقراء المجد والخلود للمناضل عبد السلام الناصري

 

خالد حسين سلطان

بغداد / 2ـ4ـ2016

 

في وداع زها

khadom almosawiخبر تناقلته وكالات الاخبار ونشر عبر الفضاء الالكتروني. زها حديد توفيت في مستشفى في مدينة ميامي في امريكا وهي تعالج من التهابات رئوية.. نوبة قلبية مفاجئة نقلت زها من عالمنا الذي تركت فيه ما يبقيها حية فيه طالما بقيت شواهدها شاخصة لمن يرى او يسمع. انجازات معمارية مشهود لها فيها. رحلت بعيدة عن مكتبها في لندن وعن مسقط رأسها في بغداد، (31/10/1950).

قال مكتبها في بيان "بحزن كبير تؤكد شركة زها حديد للهندسة المعمارية ان زها توفيت بشكل مفاجئ في ميامي هذا الصباح (31/3/2016). كانت تعاني من التهاب الشعب الهوائية اصيبت به مطلع الاسبوع وتعرضت لازمة قلبية اثناء علاجها في المستشفى". وأضاف البيان ان "زها حديد كانت تعتبر الى حد كبير اهم مهندسة معمارية في العالم اليوم".

وتابع مكتبها "عبر العمل مع شريكها باتريك شوماخر، كانت تهتم بالعلاقات بين الهندسة المعمارية والمناظر الطبيعية والجيولوجيا، وأدخلتها في ممارسة مهنتها مع تكنولوجيا خلاقة وترجمت في غالب الاحيان عبر اشكال هندسية غير متوقعة ودينامية".

نعتها اوساط رسمية ومهنية وخسرها مكتبها وأخواها وعائلتها وبلدها الاصلي الذي تمنت ان تشارك في اعادة اعماره من تدمير الحروب وتخريب الاحتلال الامريكي البريطاني، والبلد الذي عاشت فيه وحملت جنسيته، والعالم كله ولاسيما الدول التي صممت فيها ما تميزت به ومن وما ارتبطت معه بمشاريع جديدة لم تستطع ان تنجزها وستظل تحمل اسمها المختار لها رغم الرحيل عنها قبل التنفيذ والانجاز.

استلمت جوائز وميداليات ذهبية، تقديرا واحتراما لإبداعها وإنتاجها وخطوط معمارها واجتهاد فنها. جوائز لأول امرأة في تاريخ الابداع المعماري وجوائز لامرأة اثبتت بجرأة وجدارة استحقاقها وحقها وإصرارها على ما اقتنعت به ورسمته مخيلتها ووضعته في تاريخ المعمار والعمران.

صرحت لدى تسلمها جائزة بريتزكر للهندسة المعمارية في 2004 "اعتقد ان تعقيدات وديناميات الحياة العصرية لا يمكن عكسها في الاشكال الكلاسيكية القديمة". وقالت ان "الشعور الاولي بالتجريدية والغرابة لا يمكن تجنبه وهو ليس مؤشرا الى ارادة شخصية".

حزنت لفقدها والدها محمد حديد (1999 - 1907)،  الوزير اليساري بعد ثورة تموز 1958،  قبل ان يرى ما وصلت اليه في مجال اختصاصها وإبداعها، وها هي ترحل مبكرة، مسجلة انذارا متقدما لموت مفاجئ وسريع وغير متوقع. ناقوس يعلن الفجيعة ويخاطب غيرها استعدادا لرحيل غير مأمون وتحضيرا ليوم عاجل. . عاجل، مهما أوجل او تأجل.

بعد ولادتها في بغداد اكملت مرحلتها الاولى من الدراسة فيها، وانتقلت الى بيروت لدراسة الرياضيات في الجامعة الاميركية، ومن ثم التحقت بالجمعية المعمارية في لندن ونالت منها اجازتها عام 1977. وأصبحت لاحقا مدرسة فيها ومحاضرة في جامعات عديدة. وأسست شركتها الخاصة  Zaha Hadid Architects عام 1979، وكانت أول امرأة تنال سنة 2004 جائزة "بريتزكر" التي تعد بمثابة "نوبل" الهندسة المعمارية. وفي العام 2015، اصبحت أول امرأة ايضا تنال الميدالية الذهبية الملكية للهندسة المعمارية، بعد جان نوفيل وفرانك غيري وأوسكار نييماير.

نالت  في العام 2010 جائزة "ستيرلينغ" البريطانية وهي احدى اهم الجوائز العالمية في مجال الهندسة، كما منحت وسام الشرف الفرنسي في الفنون والآداب برتبة كوموندور وسمتها اليونيسكو "فنانة للسلام". وفي العام نفسه، اختارتها مجلة "تايم" من بين الشخصيات المائة الاكثر نفوذا في العالم. كما منحتها الملكة اليزابيث الثانية لقب ليدي في 2012 وحصلت على الميدالية الذهبية الملكية البريطانية لأعمالها في شهر شباط/ فبراير الماضي.

هذه الجوائز والألقاب الشرفية اعتراف بما قدمت وشهادة لما ابدعت. لولا عطاؤها لما عرفت. المهندسة المعمارية التي كتب اسمها عنوانا للابداع والاختصاص والابتكار. عراقية المنطلق بريطانية المكسب عالمية الشهرة. ..اكاديمية المظهر... معمارية المبنى. مبدعة بامتياز.

عندما حصلت على ميداليتها الذهبية في شباط/  فبراير الماضي قالت زها انها فخورة لكونها أول إمرأة تحصل على هذه الميدالية رفيعة المستوى بصفتها. وقالت :"لقد أصبحنا اليوم نرى معماريات من النساء رائدات أكثر من أي وقت مضى". وأضافت: "هذا لا يعني أن الأمر سهل،  بعض الأحيان التحديات تكون هائلة، ولقد حدثت تغيرات مهولة في الأعوام الماضية، ولكننا سوف نستمر في مجاراة ذلك".

رحلت زها حديد، وبقيت اثارها شهادة خلود لها وسجل اقرار لمواهبها وتذكيرا باسمها وإبداعها وبلدانها التي فقدت فيها ما لا تعوضه الكلمات.

 

كاظم الموسوي

 

 

لماذا لم تقرع الأجراس لإمبراطورة العراق زهاء حديد ولم تقام لها أقواس النصر في وطنها العراق قبل وفاتها؟

hashem mosawiاعتاد الأباطرة العظام، عبر صفحات التاريخ، عندما يحققون نصراً على أعدائهم، ويعودون بجيوشهم الجرارة إلى بلدانهم، بعد أن يكونوا قد أحلوا الدمار، ونشروا الموت والخراب في أراضي أخرى خارج أراضيهم، تقام لهم أقواس النصر، ويأمرون ببناء صروح ضخمة تخليداً لانتصاراتهم. كل ذلك حدث منذ بدء الخليقة، وعند ظهور الحضارات الأولى: السومرية والأكدية والبابلية والأشورية والفارسية والفرعونية، وحضارات المايا. والإنكاس والفينيقية والإغريقية والرومانية، وغيرها، وحتى يومنا هذا.

والثمن كان إزهاق أرواح بشر وتهديم حضارات بشرية قائمة.. ويعود هؤلاء الأباطرة مُبلّلةٌ أيديهم بدماء قتلاهم، يجرّون خلفهم أسرى شعوب أخرى من النساء والأطفال بعد أن قتلوا كل الرجال.. ويا بلاهة التاريخ، هؤلاء تُقام الاحتفالات تكريماً لبربريتهم، وتُشاد القلاع والحصون باسمهم، وتُطلق عليهم الألقاب، وتُحاك حول بسالتهم الأساطير، ويبقي التاريخ يُزيّف سيرهم، لتفخر من بعدهم أجيالٌ ببأسهم، وشجاعتهم وسطوتهم.

 

توجد إمبراطورة واحدة فقط في تاريخ البشرية من بين كل هؤلاء الأباطرة، احتلت كل قارات العالم دون سفك دماء. وإجلالاً لها شَهِدَت، وشيّدت لها الدول من شرق المعمورة إلى غربها صروحاً حضارية، كانت تقوم هي بنفسها بوضع تصاميمها.. مُشيرةً إلى أنّ امرأةً عراقية آتية من بلاد ما بين الرافدين، وضعت تصميماتها على خارطة العالم، وختمت ختمها واشتهر اسمها لدى كل شعوب الأرض، أكثر من اسم أي قائد، أو مُفكّر أو شاعر، أو فنان عراقي تعرفه الشعوب.. تلك هي المفكرة الفذّة والمعمارية العراقية، الأسطورة.. زهاء حديد.

لا فخر لأشور بانيبال أو نبوخذ نصر أو الاسكندر المقدوني عندما قادوا آلاف البشر إلى معارك الكراهية والعنف والبغضاء.. الفخر لامرأة دخلت بلدان الفراعنة والإغريق والرومان، وامتدادات الأرض لا بآلة دمار وإنما بثقافة إنسانية مُرهفة، ومُشبعة بإحساس الإنسان بواقعه المعاصر مع نهايات قرننا الماضي وبدايات قرننا الحادي والعشرين.

 أشادت المتاحف ومنشآت السياحة والترويح، ومباني الخدمات، ومختلف المشاريع والمواقع الحضرية ذات النفع العام على المجتمعات البشرية.

أتعرفون يا من تقرأون مقالتي كيف تم استقبال هذه الإمبراطورة في أعرق المدن الأوروبية؟ عندما دُعيت إلى أثينا.. ووجد منظموا الدعوة أن أكبر قاعات هذه الدولة العريقة لا تتسع للجماهير المتعطّشة للقاء الإمبراطورة الفاتحة زهاء حديد. فأُقيم حفل استقبالها في ملعب رياضي كبير.. لتُلقي فيه محاضرتها وبوجود شاشات العرض الضخمة التي غطّت جوانب كل الاستاد الرياضي. هل نسأل أنفسنا، لم يجهل أبناء شعبنا اللامعين من مبدعينا ومُفكّرينا؟

ألم تستحق هذه الإمبراطورة فاتحة كل بلدان العالم أن تُقام لها أقواس نصر في كل المداخل الحدودية العراقية، وفي كل مدينة كبيرة وصغيرة..

ألم يكن من حقنا على حكومتنا أن نُطالبها بالتعاقد مع ابنة البلد البارة (والتي في كل مقابلة تذكر بأنها عراقية قبل كل شيء، وتعتز بعراقيتها).. كي تُصمّم مشاريع إعمار كل المدن والقرى.. لنُشير للعالم بأننا رغم المآسي والحروب والدمار التي مرّت علينا طوال العقود الأربعة الماضية، فلا زال إبداعنا قائم، ومجتمعنا يحمل في داخله الصفات الذاتية التي تضمن له استمرار دوره الريادي بين شعوب العالم.

وليعلم الجميع وحكامنا أولّهم أن أمام كل مجتمع غاية، فهو يندفع في تقدّمه إما إلى الحضارة، وإما إلى الانهيار عندما يفقد المجتمع ثقته بنفسه، وتتقدّم الحركة لديه، فإنّه يفقد حتى تاريخه القديم، ويُصبح لا غاية له.

المرحومة الإمبراطورة زهاء حديد، الأسطورة، والمعجزة، بعد أن أعادت لنا كرامتنا وثقتنا بالنفس، بعد أن كانت قد تعفّرت بمستنقعات حروب همجية واحتلال وحشي .. وغياب الألق العراقي الأصيل الذي عرفته البشرية عنّا، بألم بالغ وصلنا اليوم خبر وفاتها

فهل هناك من قادتنا من يقرأ ما نكتب؟ وهل فيهم واحدٌ يفهم ما نُريد؟

 955-abod

د. هاشم عبود الموسوي

 

عطا ترزي باشي ورحيل قامة ثقافية عراقية

954-ataبعد صراع طويلٍ مع المرض، توفّي مساء الخميس (31/3/2016) المحامي والكاتب والصحفي والباحث والفلكلوري الكبير "عطا عمر ترزي باشي" عن عمرٍ يُناهز 92عاماً .

برحيله فقدنا علما قديرا من اعلام العراق الذي أثرى الصحافة العراقية والتركمانية  بكتاباته وبحوثه التي تناولت التاريخ الأدبي واللغوي والفولكلوري والتاريخي لمدينة كركوك وتوثيق تراثها اضافة الى فترات ممتدة من تاريخ الصحافة التركمانية في العراق .

"عطا " قامة من القامات العراقية الرفيعة في مجال البحث في الثقافة والصحافة والفلكلور ، الذي ساهم بقدر كبير في إثراء الحياة الفكرية العراقية بما قدمه من الكتب والمقالات والدراسات الادبية والتاريخية فيما يخص الثقافة التركمانية باعتبارها جزء اساسي من الثقافة والهوية العراقية ، وكانت المحطة الأبرز في مسيرة "عطا "هو تعريفه بالهوية الثقافية لتركمان العراق على مدى اكثر من نصف قرن .

"عطا " كاتب صحفي كتب باللغتين العربية والتركية وساهم في تحرير معظم الصحف والمجلات التركمانية الصادرة في كركوك وبغداد في العهد الملكي والجمهوري مثل صحيفتي (آفاق) و(بشير) ومجلة (الإخاء ـ قارداشلق).

نشراولى مقالاته في في جريدة الجهاد البغدادية بتاريخ 25/4/1946بعنوان(جسر كركوك) كما نشر في صحف الشورى والسجل والنداء البغدادية ومجلة (الرسالة) المصرية و(الأديب) اللبنانية و(الحديث) السورية مطلع الخمسينيات.

"عطا" لم يلق الاهتمام اللائق بعطائه الثر ولا بمقامه في بلده العراق ولم يمنح العضوية في المجمع العلمي العراقي ولم تعره الجامعات العراقية اهمية ! للأسف ولم يطرز صدره بوسام عراقي لا في زمن النظام السابق ولا في العهود التي سبقته  ولا في العهد الحالي الذي يدعي العدالة والديمقواطية ! فيما منحته معظم الدول الناطقة بالتركية شهادات الدكتوراه الفخرية  لشخصه وفتحت جامعاتها الابواب امام الباحثين ومنحتهم شهادات الدكتوراه للبحث في ارثه الابداعي ونتاجه الادبي والفلكلوري .

رحل "عطا " بعد نهاية رحلة طويلة بين الصحافة والأدب والقانون تارك ورائه ارثا من المؤلفات والكتب التي بلغت 35 مؤلفا ومئات المقالات والدراسات التي تعتبر مراجع هامة لكل باحث يود الخوض في الثقافة والتراث التركمانيين كما جاء في (الموسوعة الحرة )منها :

ـ موسوعة شعراء كركوك ـ (10 أجزاء).

 ـ الأمثال الشعبية في كركوك

 ـ أغاني (خويرات) كركوك

- حكاية ارزى وقنبر-  ترجمت إلى الفرنسية ، وطبعت في العراق وإيران وأذربيجان وتركيا .

- تاريخ الصحافة والمطبوعات في كركوك 1879 ـ 1985.

- والعديد من الكتب والمؤلفات الاخرى

برحيل عطا ترزي باشي هوت نجمة من نجوم كركوك وانهارت قلعة من قلاعها الثقافية والفلكلورية التي قلما يأتي الزمان بمثلها .. نعزي انفسنا والوسط الثقافي العراقي برحيل نخلة عراقية مثمرة .. رحيل شخصية قانونية ادبية صحافية فلكلورية مخلصة للبحث والتقصي .. ومنتج ثقافي من نوع خاص ..شخصية مستقيمة سواء في حياته المهنية كمحامي او حياته العامة قضى حياته اعزبا اقترن بالثقافة كشريكة عمر له ولم يصادق الى الكتب فعاش في بيت بسيط زاهدا بعيشة متواضعة رغم فرصه الكثيرة التي سنحت له للاغتناء واليسر ،الا انه آثر العمل بتواضع وصمت وهدوء مندمجا مع ابحاثه بعيدا عن الضجيج .. فرحل من الدنيا وهو يتأبط زهده في الدنيا وزاده اوراقه وحروفه الغنية .. الرحمة على روحه ..

 

زاهد البياتي

 

يونس صالح بحري الجبوري العراقي أسطورة

saleh altaeiمنذ مدة ليست بالقصيرة وأنا أتابع ما ينشر عن شخصية أسطورية مشاكسة، هذه الشخصية المحيرة الغريبة لعراقي اسمه يونس صالح بحري الجبوري، وقد دهشت من قدرات هذا الرجل الفريدة، فهي لا يمكن أن تجتمع كلها عند إنسان واحد على وجه البسيطة غير الإنسان العراقي الأصيل، هذا الكائن الذي ملأ الدنيا وشغل الناس على مر التاريخ. ومن المستحيل أن يتمكن إنسان ما مهما امتلك من قدرات خارقة أن يجمع أصنافا من الأعمال المتناقضة جدا، فيكون السيد والعبد، والمؤمن والسكير، والبتول والداعر في الزمان والمكان نفسه، وإلا بماذا نفسر اشتغال يونس صالح بمجموعة وظائف متعارضة وبعيدة جدا عن بعضها، تزامن بعضها مع البعض الآخر لدرجة أنه كان يؤدي بعضها نهارا، ويؤدى نقيضها ليلا، مثل: موظف حكومي، مؤلف، رحالة، صحفي ومحرر ومراسل، مذيع، مؤذن في جامع، إمام جماعة في الصلاة، علما أنه خلال ترحاله، عمل إماما وخطيبا في عدد من الدول الأوروبية، رئيس تخت موسيقى، عازف عود، مغني، ممثل، مؤديا للرقص الشرقي، راهب، راقص في ملهى ليلي، رئيس تحرير صحف ومجلات، مفتي، مستشارا ملك ليبيا السنوسي، بطل سباحة دولي، هارب مطلوب للشرطة العراقية، محكوم بالإعدام، مدير ومذيع إذاعة برلين العربية، مارشال في الجيش النازي يرتدي الصليب المعقوف ومن المقربين لهتلر والقادة الألمان، سجين في سجن (أبو غريب) بجانب كبار ضباط العهد الملكي.

ولد يونس صالح بحري الجبوري في الموصل عام 1903، وكان أبوه ساعي بريد في الجيش العثماني، يوصل  البريد بين الموصل وإسطنبول. بمعنى أنه من عائلة بسيطة، تملك كما قليلا من التعليم، ومع هذا وضعه والده لدى أحد (الملالي) ليتعلم القران الكريم في (الكتاتيب)، ثم في مرحلة لاحقة، ألحقه بالمدارس النظامية في الموصل، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وتحديدا في عام 1921، أدخله دار المعلمين العالية في بغداد.

والظاهر أن الانتقال من بيئة مغلقة إلى بيئة مفتوحة، أثر عليه في بداية الأمر، مما حدا به أن يترك الدراسة في دار المعلمين، ويعمل موظفا في وزارة المالية، بوظيفة كاتب؛ التي استمر يزاولها لغاية عام 1923، ثم فجأة، ترك الوظيفة، وسافر إلى خارج العراق، سائحا في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية والإفريقية، زار خلالها الجزائر، والتقى بمدينة قسنطينة بالمفكر مالك بن نبي؛ الذي ترك فيه أثرا كبيرا. وفي الجزائر مارس عدة مهن، وبعد سنتين من الغربة عاد إلى العراق في عام 1925، حيث أصدر أول كتبه؛ وهو بعنوان (العراق اليوم)، لكنه  ما لبث أن عاد إلى هواية الترحال، حتى اشتهر باسم (السائح العراقي).

 

 

وفي عام  1929 زار فرنسا، والتقى في مدينة نيس الفرنسية بفتاة هولندية اسمها (جولي فان در فين)، وأراد الزواج بها، فرفضت لأنها لم تكن تحب الترحال.

وفي تلك المدة كان بناء جامع باريس قد اكتمل وفق المواصفات الغربية، حيث كان يحوي مكانا للصلاة، وسوقا، وحمامات عربية، ومطعما مغربيا، فضلا عن ملهى ليليا، وهي تناقضات غريبة. والظاهر أن هذا التناقض حفز لدى يونس روح المشاكسة، فقرر أن يؤسس لنفسه حيزا من التناقضات الخاصة به، والتي تناسب تناقضات الجامع، حيث جمع بين وظيفة العبادة ووظيفة الفن، ففي الجانب الإيماني، شغل منصب المؤذن في الجامع، وإمام الجماعة البديل عند غياب الإمام الأصيل. وفي الجانب الفني، شغل منصب رئيس تخت الموسيقى في الملهى الليلي، وعازف العود، والمغني، والممثل وبطل الرقص الشرقي، مقلدا لأشهر الراقصات المصريات. مع كل هذه المشاغل، دعاه حبه إلى الترحال إلى أن يغادر باريس، سائحا في أرجاء المعمورة.

في عام 1930 قادته خطاه إلى إندونيسيا، وخلال إقامته فيها، اشترك عام 1931 مع الأديب الكويتي عبد العزيز الرشيد بإصدار مجلة (الكويتي والعراقي)، التي توقفت عن الصدور عام 1937. وأصدر مجلة أخرى هي (الحق والإسلام)، وتزوج فتاة اندونيسية جميلة. ثم سرعان ما هاج لديه الحنين إلى الترحال، فغادرها، تاركا كل شيء. وكانت قصة زواجه بهذه الفتاة غريبة هي الأخرى، فهو حينما كان في إندونيسيا عمل مفتيا في إحدى جزرها، وفي أحد الأيام، جاءه أحد السكان الأصليين المسنين وبصحبته فتاة في منتهى الجمال، طالبا منه عقد قرانه عليها، لكنه أعجب بالفتاة كثيرا، فقرر أن يمنع هذه الزيجة ويستحوذ على الفتاة، فقال للرجل: حرام ولا يجوز شرعا لرجل طاعن في السن الاقتران بفتاة اصغر منه، فصدقه المسكين، وترك الفتاة، فقام بالزواج منها فورا. ولكنه سرعان ما تركها وعاد إلى العراق، فأصدر جريدة باسم (العقاب).  وما هي إلا مدة قليلة حتى غادرها، متجها إلى الهند. وفي الهند مارس ثلاث مهن غريبة، حيث عمل مراسلا لإحدى الصحف الهندية، وفي نفس الوقت عمل راهبا في النهار، وراقصا في ملهى في الليل، ثم هاج به الحنين، فترك الهند وعاد إلى العراق، وأصدر عدة مطبوعات. وخلال إقامته في العراق، كان أول من قدم الملك غازي من إذاعة قصر الزهور، وكان الصوت الذي يعبر عن آراء وأفكار الملك.

منذ عام 1935 ولغاية عام 1939 لم يسافر خارج العراق عدا زيارته لمنطقة عسير جنوب السعودية، ومشاركته باسم العراق في سباق لعبور القنال الانجليزي (المانش) سباحة، ومن الطريف أنه شارك في السباق دون إعداد أو تدريب، فكانت المفاجأة فوزه بالمركز الأول والميدالية الذهبية!

أما الذي دعاه إلى الخروج من العراق في عام 1939 فهو أنه كان هاربا من الشرطة العراقية، حيث صدر أمر بالقبض عليه في نيسان من عام 1939 وتحديدا في اليوم التالي لوفاة الملك غازي وذلك لأنه اصدر في هذا اليوم صحيفته (العقاب) موشحة بالسواد حزنا على غازي، وكان العنوان الرئيسي لها (مقتل الملك غازي) حيث اتهم في مقاله الانجليز ونوري السعيد والأمير عبد الإله بافتعال حادث السيارة الذي أودى بحياة الملك. وقد أثار صدور العدد الموشح بالسواد ردود فعل غاضبة خرجت على أثرها تظاهرة جماهيرية كبيرة في الموصل، حيث قام المتظاهرون بقتل القنصل البريطاني العام.

وخلال ترحاله، حط رحاله في ليبيا، وما هي إلا أيام حتى عمل مستشارا لملك ليبيا السنوسي مدة يسيرة، ثم رحل دون وداع.

قادته قدماه إلى برلين التي التقى فيها وزير الدعاية النازي (جوزف غوبلز) والدكتور (الفريد روزنبرج) منظر الحزب النازي، وهناك عمل مذيعا يقرأ التعليقات والتحليلات في محطة برلين العربية، وكان يبدأ خطاباته بجملة (حي العرب). ثم قام بجمع ما قدمه في الإذاعة  وأصدره في بيروت بكتاب  في عام 1956تحت عنوان (هنا برلين).

كان خلال عمله في الإذاعة، يروج الدعاية النازية والخطاب العدائي لبريطانيا وحلفائها. وأصبح أحد المقربين للقيادة الألمانية، يحضر الاحتفالات الرسمية مرتديا الزي العسكري الألماني النازي برتبة مارشال، مرتديا الصليب المعقوف على ساعده، مما أتاح له مقابلة العديد من رموز النازية بما فيهم الزعيم (أدولف هتلر) والزعيم الفاشي الايطالي (بينيتو موسوليني).

من طريف ما عمله من اجل جذب المستمعين العرب لإذاعة برلين أنه طلب من غوبلز أن يوافق على بث القرآن الكريم في بداية إرسال الإذاعة، فتردد غوبلز لكنه أوصل المقترح إلى هتلر؛ الذي وافق عليه بعد أن شرح له يونس أن بث القرآن الكريم سيجذب انتباه المستمعين العرب إلى إذاعة برلين، والعزوف عن الاستماع إلى الإذاعة البريطانية (BBC) التي كانت لا تذيع القرآن، فكسبت إذاعة برلين انتباه المسلمين وأصبحت المفضلة عند العرب، وبعد مدة بدأت إذاعة (BBC) ببث آيات القرآن الكريم!.

بعد سقوط برلين على يد الحلفاء، كان يونس بحري من الأسماء المطلوب القبض عليها، فقرر السفر إلى الجزائر، فوصلها في 20 مايس 1945م، وفي يوم 26 مايس 1945م وصل بالقطار إلى تونس.

والظاهر أن وسمه بالنازي، وصدور أمر بإلقاء القبض عليه، حدد حركته كثيرا، ولذا قل نشاطه عن قبل حيث عاش في بعض البلدان العربية ومنها لبنان.

في 13 تموز 1958 أي قبل ثورة تموز بيوم واحد، هرب يونس من بيروت عائدا إلى العراق بسبب المواجهات التي حدثت بين الرئيس اللبناني آنذاك (كميل شمعون) ومعارضيه من القوميين.

فأعتقل، وأودع سجن (أبو غريب) بجانب كبار ضباط العهد الملكي. ومن الطريف أن اعتقاله جاء صدفة حيث عثر عليه في منزل ابن أخيه العقيد الركن (وحيد صادق الجبوري)؛ الذي كان من بين المطلوب اعتقالهم.

بعد مدة يسيرة حكم على يونس بالإعدام، ثم تم تبديل الحكم إلى المؤبد لعدم كفاية الأدلة، وبعدها أطلق سراحه بعد وساطات كثيرة من زعماء وقادة عرب وأجانب، فافتتح مطعما في بغداد، كان زبائنه من السفراء والوزراء والكتاب، وكان يقوم بطبخ الأطباق العديدة التي تعلمها من رحلاته، ولم يستمر المطعم طويلا، حيث غادر إلى بيروت، وهناك اصدر عدة كتب ومجلات منها مذكراته في سجن أبو غريب.

وبعد حركة عام 1963، استدعاه الرئيس عبد السلام عارف، ورد اعتباره، وكرمه، فأصدر كتابا عن حركة 8 شباط باسم (أغاريد ربيع).

مع كل الدهشة التي تثيرها سيرة حياة يونس، هناك دهشات أكبر:

الأولى: أنه مع انشغاله بكل تلك الأعمال المتنوعة كان يجيد التحدث بست عشرة لغة أجنبية، وتمكن من الزواج بأكثر من ثمانين امرأة حول العالم، وأنجب أكثر من مائة ولد وبنت.

الثانية: أنه نجح في إصدار أكثر من عشرين كتابا، منها:

1. أسرار 2/مايس/1941، أو الحرب العراقية الإنكليزية. (بغداد 1968)

2. تاريخ السودان. (القاهرة 1937)

3. تونس. (بيروت 1955)

4. ثورة 14 رمضان المبارك. (بيروت 1963)

5. الجامعة الإسلامية. (باريس 1948)

6. الجزائر. (بيروت 1956)

7. الحرب مع إسرائيل وحلفائها. (بيروت 1956)

8. دماء في المغرب العربي. (بيروت 1955)

9. سبعة أشهر في سجون بغداد. (بيروت 1960)

10. صوت الشباب في سبيل فلسطين الدامية والبلاد العربية المضامة. (1933)

11. العراق اليوم. (بيروت 1936)

12. العرب في أفريقيا. (بيروت)

13. العرب في المهجر. (بيروت 1964)

14. ليالي باريس. (باريس 1965)

15. ليبيا. (بيروت 1956)

16. محاكمة المهداوي. (بيروت 1961)

17. المغرب. (بيروت 1956)

18. موريتانيا الإسلامية. (بيروت 1961)

19. هنا برلين : حيّ العرب. (1 – 8 بيروت 1956)

20. هنا بغداد. (بغداد 1938)

 

الثالثة: أنه توفي في عام 1979 ببغداد التي أحبها، معدما فقيرا لا يملك شروى نقير، فقامت "البلدية" بدفنه على نفقتها.

 

صالح الطائي

 

 

الشاعر كاظم السماوي في تقييم الكبار!!!

abduljabar noriأنهُ طودٌ شامخ، وأنوار أزلية على قمة جبل قنديل، ونوارس مهاجرة على ضفتي الفراتين، وهو نموذج أنساني للمثقف الوطني سمته الأدب الواقعي اليساري الملتزم، وشيخ المنافي،التي قضمت الغربة اللعينة الخمسين من عمره التسعين بين المجر والصين وأخيرا ثلوج السويد وغاباتها الموحشة،وبذلك لُقب بشيخ المناضلين، توأم جيفارا وهوشي منه، وأعطى سلفا نصف عمره فاتورة مبصومة من سجون الدكتاتوريات المظلمة ---- هو أبو رياض  كاظم السماوي ولادة 1919 ورحل عن دنيانا الفانية في 15 آذار 2010، تاركاً بعده أرثاً ثقافيا ثراً مترعاً بأوسع خزانة ذهبية وماسية تحوي على سبعة أو تسعة دواوين زينت أرشيف الذاكرة العراقية والعربية والعالمية بذخائرنفيسة موسومة ببصمات سومرية بمقتربات جسور عالمية من الشعر الملحمي، وأشبه ما تكون بقصائد الملهاة، فكانت سنة 1950 كتب ديوانه الأول (أغاني القافلة)، وبعد 1958 كتب الدواوين التالية : ملحمة الحرب والسلام، إلى الأمام أبداً، فصول الريح ورحيل الغريب، قصائد للرصاص --- قصائد للمطر، رياح هانوي، إلى اللقاء في منفى آخر .

والمعذرة لكوني لست ناقدا أدبيا بل  كاتبا وقارئا مدمنا على قراءة نتاجات مثل هذه القامات الشامخة والتي تركت بصماتها في ذاكرة الأدب والثقافة العراقية والعربية والعالمية، لذا وجدتُ من الضروري طرح هذا السؤال بغية مشاركة القاريء  الكريم---- السؤال : في أية بقعة يسكن كاظم السماوي في جغرافية وتأريخ الشعر الوطني والأممي الثوري؟ متمنيا أن تكون الأجابة مرضية للبعض وهي :

أولاً- يتسم شعر السماوي بمزج النشاط الوطني بالنشاط الأدبي والثقافي، بحيث لم يتمكن من أخفاء عشقه الممنوع سياسياً في جغرافية الوطن وتأريخه، فقد شرب من مرارة الغربة والبعد عن الحبيب العراق حتى الثمالة، خمسين عاما في المنفى حتى سميّ بشيخ المنافي، وهو يقترب بآهات وآلام مما تعانيه الطبقات الكادحة والفقيرة، ولم يتخلى عنهم يوما، فوجدت ترجمتها في قصائده الوطنية في حب العراق وشعب العراق، وقف شامخا متحديا الدكتاتوريات الغاشمة التي توالت على رقبة المواطن المظلوم، فتارة تجده حادياً للقافلة، وأخرى عابراً للحدود ليتصافح مع جيفارا وهوشي منه، وتلك صفات الشاعر المتمرد على الواقع المرْ، وجدتُهُ  يعلمنا الصبر والمطاولة في ديوانه " إلى الأمام أبداً "

ثانياً- أن الأنسنة تكاد تؤطر جميع قصائده، فهو نموذج أنساني للأنسان المثقف، وقد أصدر " جريدة الأنسانية " بعد ثورة 14تموز 1958، وكتب بصوتٍ عالٍ متوّج بالعنفوان والكبرياء والتحدي {أنا إنْ خسرتُ العمرَ لم أخسر خطاي --- حاصرتُ منتفضاً حصاري --- ليس من أحدٍ سواي --- فأنا التوازن والتناقض والمصير}، وتدافعت وطنيته وحبهُ للشعب الكردي أصبح من أبرز مناصري (القضية الكردية) ضد الطغيان العرقي البعثي الصدامي، لذا كتب في رثائه السيد جلال الطالاباني :{ مُني شعبنا بخسارة فادحة بفقدان رمز من رموز النضال الوطني، وعلم من أعلام الثقافة العراقية، لم يكفْ صوتهُ الهادر وحتى كان حبيس السجون والمعتقلات، مدافعا عن الفقراء والمعدمين، وكان صوته الصارخ بأناشيد الحرية عابر للأسوار ممجداً للأنسان، تعازي الصادقة لأسرة الفقيد " كاظم السماوي " ومحبيه، وأعزي نفسي بفقدان صديق ورفيق درب وكفاح } ---- جلال طلباني (رئيس جمهورية العراق).

ثالثا- ووجدتُ كاظم السماوي في (الوطنية الأممية) هوية وعنواناً في ملحمة الحرب والسلام، وقصائد للرصاص --- وقصائد للمطر، رياح هانوي، أضافة إلى كتابين الفجر الأحمر فوق هنغاريه والثاني حوار حول ماوسي تونك وبذلك وضع  مقتربات جسور الثورية الأممية مع " جيفارا وهوشي منه " ووجدت بهذه الفضاءات الثورية أبدع حين كتب عنهُ 

 " محمد شراره" – شاعر وكاتب حيث قال : أرأيت الزوبعة كيف تنطلق؟ والعاصفة كيف تندفع ؟ أو البركان كيف يتنفس ؟والغابة كيف تشتعل ؟ فأذا كنت قد رأيت هذه العوالم فأمزجها معا وأضف بعضها على بعض تجد أمامك كاظم السماوي الذي يسكب روحه في ( أغاني القافلة)  ويذيب حياته في أحداثها، أنهُ شاعر القافلة التي تسير في طريقٍ موحش تتواثب في قلبه الأشواك،  وترى في (فضائله) أرواح الضحايا، ويختلط (بنيرانه) أرواح الشهداء .

رابعاً- الغربة في شعر كاظم السماوي، بالرغم من قوة هذا الجبل الذي  يمشي على رجلين لم يتمكن من صد تيار الحنين لمدينته القاحلة بوابة أكبر سجن عراقي " نقرة السلمان" مكتوبٌ على بوابتها بيت العراقيين جميعا، وهذا مقتطف نقدي ومن أروع ما قرأت للناقد والأديب الكردي " د- نوزاد حمد عمر " في كتابه الغربة في شعر كاظم السماوي :{ لقد قام الشاعر بتوظيف الأسطورة والرمز والمفارقة والتناقض، وبهذا توصلتُ إلى الأنزياحات الدلالية في أسلوبه، وعند أطلاعي على نتاجات الشعراء المعاصرين له مثل الجواهري والبياتي والسياب وجدتُ (مقاربات أدبية أبداعية، وتقنيات السرد والموضوع وظفها الشاعر كاظم السماوي في دواوينه التسعة } .أنتهى

وقال فيه : الدكتور جورج حنا (الكاتب التقدمي المشهور): {أن أشعار كاظم السماوي وبنظر الكثيرين " هو ما يجمع بين الغايتين : أي بين اللذة العقلية والشعور النفسي وبين الألهام الذهني والفكري بحيث لا يكون الشعر قالبا فنيا فحسب بل يمتزج المتلقي مع الأحداث روحاً وفكرا في أماله وألامه، فيدفع القاريء إلى الأنتقام والثأر من الجلاد، والأرتياح عند أستلهام الآمال والتطلعات لغدٍ أفضل } أنتهى

وأخيراً--- المنافي باتت قبور عمالقة شعراء وأدباء العراق من هادي العلوي إلى الجواهري والبياتي ومصطفى جمال الدين ---- وأليك يا أبا رياض تبقى المنافي سكن لقبورنا .

المجد والخلود لشاعر السماوة، وكذلك نستلهم من شاعرنا الكبير فضاءات وأبجديات الحرية الحمراء والديمقراطية النقية  والعدالة الأجتماعية لنواصل المسير في طريق الألف ميل الذي سار فيه شاعرنا " كاظم السماوي ------

وألف تحية لأتحاد الكتاب العراقيين – في السويد على عقد أمسية أستذكار عن حياته وشعره وذلك يوم السبت 26-3-2016 بمناسبة الذكرى السادسة لرحيل الشاعر الكبير " كاظم السماوي " هنا في ستوكهولم

 

عبدالجبارنوري-السويد

 

وداعاً طرابيشي

raed jabarkhadomفي الوقت الذي تزداد فيه خطوب الدهر، ومدلهمات الزمن، وضنك العيش والحياة، من كل مكان على الانسان العربي، جراء سوء الممارسة السياسية، والفشل الاداري للحكومات والاحزاب والتيارات، وضياع الثروات، وغياب الخطط والاستراتيجيات الاقتصادية والامنية والادارية في كثير من الدول العربية، وسيطرة الحركات والجماعات الارهابية والتكفيرية المتطرفة على بنية الفكر السياسي والاجتماعي والحياتي لبعض الدول والمجتمعات والافراد، وتسيير عقول كثير من الناس نحو التطرف والعنف والكراهية، والشحن الطائفي والعرقي والمذهبي المتزايد، ودخول مجتمعاتنا في عصر التدهور والانحطاط والتخلف، من جراء تلك الممارسات، وغياب أي نور او تنوير في الافق، في الوقت الذي يشهد فيه العالم باسره لحظة تحول كبير في مجالات الحياة والثقافة والعلم والفكر، في هذا الوقت العصي العصيب الذي اشد ما نكون نحن بامس الحاجة اليه الى مفكر تنويري، او الى جماعة من المفكرين التنويرين، لتغيير نسق ونمط الافكار المشوهة والكريهة المنتشرة في عالمنا اليوم، وقد كان المفكر جورج طرابيشي، الذي رحل عن عالمنا بتاريخ 16/3/2016، احد اعلام الفكر العربي المعاصر، الذي سعى من خلال فكره التنويري الى التواصل من خلال ما طرحه من مشروع فكري الى تغيير ذلك النمط الراكد والمتخلف من طرق التفكير والحياة في عالمنا العربي، وقد تمثل ذلك من خلال ما نشره من افكار وطروحات نقدية وتحليلية جريئة وفاعلة في الوسط الفكري والثقافي والاجتماعي العربي المعاصر، وتجسد ذلك المشروع الفكري التنويري في مؤلفاته وكتاباته وترجماته، الفلسفية والفكرية والادبية والنقدية، التي انتشرت في الاوساط الفكرية والثقافية العربية منذ زمن طويل، وما يقارب النصف قرن من الزمان.

لقد عاش طرابيشي مدة زمنية حرجة من تاريخ العالم عموماً والعالم العربي خصوصاً، اذ كانت ولادته في العام 1939 وهو العام الذي بدأت فيه الحرب العالمية الثانية، والتي تخلل العالم منذ اندلاع هذه الحرب الى يومنا هذا مجموعة كبيرة من الاحداث والصراعات والتصدعات، على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والفكري سواء العالمي منه او العربي، كما ان تلك الحقبة الزمنية كانت صاخبة بالافكار والتيارات الثقافية والفلسفية والادبية والفنية، الى جانب الاحداث السياسية والاجتماعية الكبرى التي حدثت في العالم، وكان الحراك الثقافي والفكري على اوجه في العالم العربي، الذي خرج من حقب تاريخية مظلمة وجمود فكري مهول، في ظل سيطرة الاحتلال العسكري المتوالي على الدول العربية، مشرقاً ومغرباً، تمثل بالسيطرة العثمانية الطويلة على مجتمعاتنا، وبالسيطرة الاوربية ايضاً، واللذين شكلا لمدة طويلة من الزمن عائقاً وسوراً كبيراً للفساد والتخلف والانحطاط على العقل العربي، ولكن بفضل عقول تنويرية واصلاحية ناهضة وفاعلة حاولت ان تنقل العقل والانسان العربي من الظلمة والانحطاط الى النور والتقدم، وخاصة بعد ان احتك هؤلاء المفكرين بالعالم والعلم الغربي المتطور، والذي قضى فيه الفكر الغربي شوطاً كبيراً في محاربة التخلف والهمجية والانحطاط الذي مر به العقل والانسان الغربي، والذي تغير نحو الافضل والاحسن والارقى بفضل عقول وافكار وفلسفات مجموعة كبيرة من العلماء والفلاسفة والادباء، الذين غيروا وجه العالم الغربي ونقلوه من شكل الى آخر، وذلك بفضل ثورة العقل والعلم والنهضة التي قاموا بها ضد الجهل والتخلف والهمجية السياسية والفكرية والدينية والاجتماعية، التي عانى منها الفرد والمجتمع الغربي لحقب مظلمة طويلة، راح ضحيتها خيرة العلماء والفلاسفة والادباء في تلك المدة، ولكنه تم القضاء عليها بفضل ثورة العقل، التي اجتاحت اوربا بالكامل.

تلك الانوار والافكار والفلسفات لم يحجبها شيء من ان تصل الى العالم العربي، وانما حاول الكثير من المفكرين والمثقفين والمصلحين ممن تأثر بأفكار الغرب ومنجزات تلك الحضارة من محاكاتها وترجمتها والسعي لنقلها الى العالم العربي وتغيير نمط الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية نحو الافضل، ولكنهم اصطدموا بحواجز وسواتر كثيرة اعاقت مشاريعهم الفكرية من الانتشار واحداث عملية الوعي وتغيير نمط التفكير، كما ان هناك فرقاً كبيراً في طبيعة تفكير وحياة وسلوك الفرد والمجتمع العربي عن الفرد والمجتمع الغربي، وقد كان هذا السبب عاملاً معيقاً في احداث عملية التغيير الكبرى في طريقة تفكير ووعي الفرد العربي، مما شكل خيبة امل وعائقاً كبيراً في مشروع أي مفكر يقوم به. فضلاً عن الولاءات الايدلوجية الضيقة التي ينتمي لها هؤلاء الافراد والتي يصعب عليهم مغادرتها نحو عوالم ثقافية وفكرية ارحب، انهم قد ألفوا ماهم عليه من تقليد وجمود وعبودية، فضلاً عن عامل التجهيل الذي تقوم به سلطات سياسية ودينية مستبدة ومنحرفة عن جادة الصواب مستفيدة من استمرار الافراد والمجتمعات بغرقها في بحر الجهل والتخلف والظلمات.

في تلك الحقب التاريخية الصاخبة والمثيرة على كافة المجالات، عاش طرابيشي، سيما وان البيئة الشامية، وسوريا تحديداً مسقط رأسه، كانت تمر باحداث وتيارات فكرية وثقافية وادبية عديدة، نشط في ظلها طرابيشي، طالباً للعلم ودارساً ومثقفاً واستاذاً ومفكراً واديباً وناقداً ومترجماً، وقد غادرها الى لبنان مدة من الزمن، ثم سافر الى فرنسا وبقى فيها حتى وافته المنية في باريس في السادس عشر من آذار.

مشروع طرابيشي الفكري مشروع كبير، وذو طابع نقدي بامتياز، وقد كان جل دراسته واهتمامه ونقده منصباً على العقل العربي، وعلى مصادره المعرفية التراثية التاريخية، التي استقى هذا العقل جل معارفه وثقافته وعلومه منها واستند عليها في بناء منظومته الفكرية والثقافية والاجتماعية والدينية، وقد تجسد ذلك المشروع الفكري الهائل لطرابيشي من خلال مؤلفاته وكتاباته التي حملت الكثير من الهموم والطروحات والافكار التي عالجها، وقد حملت تلك الكتابات روح كل حقبة زمنية مر بها طرابيشي من مراحل فكره المتعددة، من نزعة قومية وتوجه نحو الفلسفة الوجودية، الى الغوص في مدرسة التحليل النفسي ومدرسة فرويد النفسية، الى الفلسفة الماركسية، الى كتاباته الادبية والنقدية، الى قراءته النقدية للتراث العربي ومحاولة تخليصه من نزعته الصنمية وعبوديته الطويلة للاستبداد، وايقاض العقل العربي من سباته الدوغمائي وايقاضه من استقالته وتحقيق استقلاله، والوصول به الى مديات ارحب واوسع في هذا العالم الساعي نحو التقدم في كل خطوة يخطوها، فمتى يصل الانسان العربي الى مصاف العقل الغربي الذي قطع اشواطاً طويلة نحو العقل والعقلانية وتصحيح مساراته الفكرية والاجتماعية والحياتية، من خلال انصاته لصوت العقل والعلم والقانون، وسعيه الدؤوب نحو انسنة كل شيء من خلال تعاملاته اليومية والاجتماعية والثقافية.

لقد اطل علينا طرابيشي بطروحاته الفكرية الجادة من خلال مجموعة كبيرة من كتاباته تمثلت في:

1ـ نظرية العقل العربي: نقد نقد العقل العربي ج1.

2ـ إشكاليات العقل العربي: نقد نقد العقل العربي ج2.

3ـ وحدة العقل العربي: نقد نقد العقل العربي ج3.

4ـ العقل المستقيل في الإسلام: نقد نقد العقل العربي ج4.

5ـ مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة.

6ـ مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام.

7ـ من النهضة إلى الردّة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة.

8ـ المثقفون العرب والتراث، التحليل النفسي لعصاب جماعي.

9ـ من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.

10ـ المعجزة أو سبات العقل في الإسلام.

11ـ هرطقات 1: عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية.

12ـ هرطقات 2: العلمانية كإشكالية إسلامية- إسلامية.

هذا بالاضافة الى العشرات من الكتابات والدراسات والترجمات الادبية والنفسية والفلسفية التي علت المكتبة العربية.

لقد غادرنا طرابيشي ونحن بأمس الحاجة اليه والى المئات من المفكرين الذين ترنو عيوننا صوب فكرهم وطرواحاتهم، لانقاذنا من نزعتنا الشريرة، والسير بنا نحو صلاحنا وخيرنا، والعمل على احياء نزعتنا الانسانية، وتطليق كل نزعة تسير بنا نحو الشر والعنف والتطرف والكراهية.

لقد غادرنا طرابيشي وعينه ترنو على سوريا وشعبها الممزق والمسحوق تحت لهيب العنف والحروب والكراهية، وهو الذي غادرها ومات بعيداً عنها في بلاد الغرب والغربة.

لقد غادرنا طرابيشي وهو ممزق الاوصال على الوضع العربي، ذلك الوضع المأساوي الذي تصنعه ايادي ملطخة بالدماء وتنم عن فكرٍ تكفيري عنفي متطرف، حكام وقادة وملوك ورؤوساء يشعلون حرباً بعد حرب، ويقتلون شعوبهم وشعوب الدول العربية بدمٍ بارد، تحت مرأى ومسمع الكثيرين، ودون رادع او ناه.

وداعاً طرابيشي وانت تودع هذا العالم المأزوم الممزق المتشدد، الذي اغدقت عليه من فكرك وانوارك وفلسفتك وادبك لتخرجه من الظلمات الى النور، فهل نحن نحث الخطى نحو تلك الافكار والانوار لنكون كما تريد، فهذا ما ستثبته الايام والسنين، وهو ما نتمناه من تلك المسيرة الطويلة، وان كانت تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ولكن عسى ان تكون ايامنا القادمة ومستقبلنا افضل بكثير من حاضرنا وماضينا، وان غبت عنا ياطرابيشي جسداً فهذا فكرك وعطاؤك حي خالد بيننا لم ولن يغب يوماً ما، ولن تطاله يد المنية. 

  

نخيلٌ ومدرسةٌ وأهل

 karim alasadiفي منتصف أيلول من كل عام كنّا نتهيأ للعودة الى مدارسنا بعد عطلة الصيف الطويلة التي تستمر لمئة يوم!

يتزامن مع موعد رجوعنا الى المدارس في منتصف أيلول موسمُ القطاف النهائي للتمور!

في كل مدن وقرى النخيل في العراق يمنح النخيل غلته في هذا الوقت تمراً في انتظار موسم ثمرة آخر، وبعد ان استمر موسم الثمرة لأكثر من شهرين يجتني فيه الناس من النخيل الرَطب الشهي.

مايزيد على حاجة العوائل يُهدى قسمٌ منه ويتم تسويق القسم الآخر الى البصرة عاصمة التمور في العراق والعالم!!

الرطب أشهى وأجمل وأروع من التمر بأعتقادي والأفضل منه ماكان نصفه خلالاً والنصف الباقي تمراً.

ولربما كان الرطب أروع وأجمل وأشهى أنواع الفاكهة في عموم الكوكب الأرضي، هذا فضلاً عن قيمته الغذائية التي لا تُبارى!!

لي مع النخيل وبساتين النخيل وعوالم النخيل علاقة قوية تقارن بعلاقة الطفلل بأمه، وفي مدينة صغيرة مثل المدينة التي وُلدتُ ودرستُ فيها كان بستان النخيل يعني المتنزه والمكتبة وأحياناً الملعب وشاطيء المسبح.

علاقتنا بالنخيل وبستانه يومية ففي أيام المدرسة كنّا نحضر فيه واجباتنا المدرسية وفي أيام العطل كنّا نقصده للنزهة أو لتسلق أشجاره وقطف أرطابه.

كتبتُ في الحقيقة الكثير عن بساتين النخيل وعن هذه الشجرة الرائعة الكريمة الشامخة المباركة الطيبة الحانية، وسأعود للكتابة في هذا الموضوع واصفاً ومسهباً ومدققاً فللنخلة علاقة بأخلاق العراقي وطبيعته الحقيقية وفطرته، وكيف لا ووجودها في هذا البلد ممتد على مدى دهور وألفيات وقد ربّت الأنسان ورعته، فما ان يتجاوز العراقي مرحلة الفطام حتى تبدأ علاقته بالتمر واللبن!!

بدأت علاقتي ببستان النخيل كمكتبة في الصف الخامس الأبتدائي، وفي الصف السادس الأبتدائي كنتُ أحضرهناك للأمتحان الوزاري أو أمتحان البكلوريا مثلما كنّا نسميه في العراق!

الدروس التي تخلو من الأرقام والمعادلات مثل التاريخ والأدب كنا نقرأها مشياً حيث يختطُّ  كلٌ منّا لنفسه درباً بين صفين من أشجار النخيل ذاهباً وآيباً وهو يقرأ بصوت عال.

أما دروس الرياضيات وفيما بعد الجبر والفيزياء والهندسة  المستوية والمجسمة والتحليلية  فانها تحتاج الى جلوس وقلم وورقة .

الصف السادس الأبتدائي كان الطريق الى الدراسة المتوسطة والثانوية ومن ثم الطريق الى عالم الكبار، وبعده ستتغير الأزياء التي نرتديها في المدرسة ففي الأبتدائية كان مسموحاً لنا بالذهاب الى المدرسة بالدشداشة، أما في الدراسة المتوسطة والثانوية فيجب ارتداء القميص والبنطلون.

والقميص والبنطال أو الزي الأوربي بدأ في منطقتنا في الأعم الأغلب مع جيلنا وجيل أخواننا الأكبر، حيث يرتدي معظم آبائنا الزي العراقي التقليدي القديم بالعقال والكوفية مع الدشداشة أوالصاية.

أدينا الأمتحانات الوزارية للصف السادس الأبتدائي في مدرسة الخزرجية الأبتدائية للبنين في ناحية الفهود التابعة الى قضاء الجبايش في محافظة الناصرية، وقالوا لنا ان أسماء الطلبة على دفاتر الامتحانات ستكون مغلقة وستذهب الدفاتر للتصحيح من قبل معلمين غرباء في بغداد أو في مركز الناصرية.

كنّا ننتظر النتائج بفارغ الصبر!

المدرسة في مدينتنا  مفصل مهم جداً في حياة الناس، فأعلان نتائج الأمتحانات والمسابقات الأدبية والشعرية والخطابية والمباريات الرياضية مناسبات تخص الجميع وجمهورها اناس المدينة من مختلف الأعمار والأماكن!!

قالوا ان أعلان وتوزيع النتائج سيتم في بيت مدير المدرسة الأستاذ شريف محمد الصالح، وهو من أقدم معلمي المنطقة وأكثرهم حرصاً على مستوى التعليم فيها، وقد تخرجت على يديه أجيال وأجيال!!

لم تكن هناك هواتف في البيوت بعد سوى في بيوت محدودة وفي دوائرالدولة الّا ان الخبر ينتقل بين الناس بطريقة سحرية!!

علينا ان نذهب الى بيت مدير المدرسة العم شريف الصالح أو أبو نبيل، وبيته لا يبعد عن المدرسة سوى بعض الأمتار، وله بابان، باب قريب جداً من المدرسة أما الباب الثاني فينفتح على حديقة البيت، وكانت حديقة جميلة عامرة خضراء تميزها أوراق نبات متسلق التلفون.

طلبتُ من أبي  مبلغ مئة فلس لأدفعه للمدرسة مقابل الحصول على النتيجة وهذا تقليد يشبه الواجب متبع في أوقات توزيع نتائج الأمتحانات حيث يتعين على الطلبة الناجحين فقط، لأنهم سيفرحون!!

أعطاني أبي مئة فلس وأضاف خمسين فلساً أو درهماً، فأصبح عندي ثلاثة دراهم!

ذهبتُ وطرقتُ الباب الذي كان مفتوحاً، كان الأستاذ شريف يتوسط أصدقاء ووجهاء من أهل المدينة، وقد جلسوا على الكراسي والأرائك في منتصف الحديقة أمام غرفة الضيوف، حين لمحني قادماً صاح بأعلى صوته   :

كريم .. مبروك ابني، أنت الناجح الأول وليس على المدرسة فقط، بل على كل مدارس الناحية وكل مدارس القضاء، معدلك تسعون ولديك مئة في الرياضيات!

قال هذا وبريق الفخر يشع من عينيه عابراً نظارته ووجهه الأسمر باتجاه الضيوف.

دوى بين الجمهور مايشبه الهتاف والتصفيق!

كنتُ أريد ان امنح مئة فلس واحتفظ بالدرهم المتبقي لي، ولكنني وجدتني أعطي المئة وخمسين فلساً بأكملها واستلم الورقة التي احتوت الدرجات لأعبر الجسر على فرع النهر الأول والجسر على فرع النهر الثاني والمسافة بين بيت العم أبو نبيل وبيتنا وكأنني عداء مسافات الماراثون الطويلة !!

 

من أدب المذكرات: كريم الأسدي

........................

* كتبتُ هذا النص الذي ستتبعه سلسلة نصوص من أدب المذكرات في برلين ـ في  14.09.2015

 

أيام الشاعر علي بدر الدين النجفيّة

jawadkadom gloomفي يوم صباحي حسبته رائقا وديعا بلا منغصات او مواجع، نهضت من فراشي مبكرا نشطا على غير المعتاد؛ خطرت لي فكرة ان استعيد عادتي التي لازمتني ردحا طويلا قبل ان تتوطن الأسقام والمواجع جسدي المتهالك وأظن ان الكثيرين يشاركونني تلك العادة  التي ألفتها منذ سنين طويلة ومازالت تلازمني كلما صحوت باكرا متعافيا "الإنصات بقدسيّة الى صوت فيروز"

ولكي لا أوقظ سيدتي ورفيقة عمري نؤوم الضحى فاني اختلي بغرفتي وحدي وأدندن مع صوتها السماوي الساحر حتى حفظت معظم أغانيها وبالذات القصائد والموشحات، فجاءني صوتها رخيما في أوّل أغنياتها:

"أنا ياعصفورة الشجنِ --- مثل عينيك بلا وطنِ" 

 قلت في سرّي، هذه قصيدة اعرفها تماما لشاعر صديق الى حدّ الحميمية أسمعني إياها فور ان كتبها في النجف ونحن في ميعة الصبا، توا بدأنا نرتقي سلالم الشعر ومازلنا في عتبته الأولى، هذا الشاعر اسمه " علي بدر الدين "، شاب معمّم بعمّةٍ سوداء، تعرّفت عليه مذ كان في العشرين من عمره حينما حطّ ركابه في مدينتي لأجل الدراسة، واسع الأفق، يهوى العلم والأدب، جاء الى النجف من جنوب لبنان،هو ابن قرويّ من إحدى ضيعات النبطيّة ليدرس الفقه الإسلامي في الحوزة العلمية، هذه القصيدة التي سمعتها من فمّ فيروز قد قرأها لي اواسط السبعينات من القرن الماضي حيث كنّا معا  فتيانا نهوى الشعر ونقرأ لبعضنا ما تجود به قريحتانا من براعم شعرية تنبت في نفوسنا

 لايخفى على القرّاء ان أغنية "عصفورة الشجن" من عيون الأغاني التي أدّتها مطربتنا الكبيرة فيروز في لبوس لحنها،ورقّة لفظها  وللتذكير انقل بعض أبياتها هنا :

" انا ياعصفورة الشجنِ ---- مثل عينيك بلا وطنِ

بي كما بالطفل تسرقه ----- أوّل الـلـيل يـد الوسن

واغتراب بي وبي فرحٌ ---- كارتحال البحر بالسفن

راجعٌ من صوب أغنيةٍ --- يا زمانا ضاع في الزمن

مما أثار دهشتي باطّراد ان السيدة فيروز أعقبت القصيدة الأولى بقصيدة أخرى مغناة من  نفس قريحة الشاعر عليّ بدر الدين في إداء غنائي ممتع أخر مازال رجع صداه يرنّ في أذني (وهي من الوزن البسيط) مطلعها:

لملمت ذكرى لقاء الأمسِ بالهدبِ ----- ورحت احضرها في الخافق التعبِ

أيـدٍ تـلوّح مـن غـيبٍ وتـأمـرنـي ----- بالـدفء بالضوء بالأقمار والشهـبِ

حيرى أنا يا أنا والعـين شـاردة ---- ابـكي واضحك في سـري بلا سـبـبِ

قفزت كالملسوع فور ان سمعت الأغنية التالية، وكأن سوطا يحفّزني ويدفعني لكتابة هذه الحقيقة الخفيّة، لا، لم أكن انا أحلم، فهذه القصيدة الأخرى كأختها كنت سمعتها منه وكأنّ رجع صدى السنين الماضية تتناغى وتتخاطر معي الان وتذكرت ذلك الفتى الملتهب شعرا ذا العمامة السوداء الذي أجلب له الخبز يوميا من المخبز المجاور لبيتنا بعد ان يعطيني الكارت الخاص به وهي حصته اليومية من الأرغفة التي كانت الحوزة الدينية تخصصها له فنجلس لنأكل معا بعد ان يفرش ورق الجرائد ويعملها كسُفرة طعام ونتبادل سوية ماقرأنا وكتبنا وكنّا غالبا مانلتقي في عطلة نهاية الاسبوع والعطلات الدراسية عندما آتي من بغداد حيث كنت ادرس في كلية الآداب وأعود لأهلي في النجف وأراه في الرابطة الادبية التي يرأسها الشاعر الكبير مصطفى جمال الدين لكون صاحبي عضوا فاعلا ونشيطا فيها

الى حدّ هذه اللحظة قد اكون نازعتني نفسي وتوهّمت وأخذني الشرود الذهني بعيدا، ولكي أؤكد يقيني مما سمعت، رحت ابحث في ذاكرتي عمن بقي من أصدقائنا القدامى ممن لا زال على قيد  الحياة عسى ان اظفر بالخبر اليقين اذ لم تسعفني جهينة الانترنيت بما يشفي غليلي وكل الصفحات التي أراني اياها غوغل تقول لي انها من شعر الاخوين رحباني فاتصلت بصديق مشترك بيننا يهوى الادب ويعرف هذا الشاعر كمعرفتي به يقيم في هولندا ممن كان يزاملنا وقتذاك وأكد لي صحة ظنوني وأضاف ايضا ان الشاعر علي بدر الدين عاد الى لبنان في العام/ 1980 بعد ان انهى دراسته الفقهية في الحوزة لكنه تعرّض الى الفاقة والعوز ايام الحرب الاهلية هناك واضطر ان يعرض ما كتب من قصائد للبيع الى الغير ومنها هاتان القصيدتان اللتان باعهما الى الملحن عاصي الرحباني بثمن لايتعدى الثلاثين ليرة ولاادري ان كان بخسا او مناسبا وقتذاك ولكن الذي أدريه حتما ان بضاعة الادب والشعر عندنا جدّ رخيصة في كل الاوقات حالها حال كاتب الادب والشاعر والفنان

حمدت الله على مابقي من خصب في ذاكرتي، فكم كان حدسي وهاجسي مصيبا، لم تكذب أذني ما سمعت قبلا وآناً

هذه المقايضة تبدو مشروعة في أعرافنا التجارية طالما كانت برضا الطرفين، وقد حصلت قبيل حادثة اختطاف الشاعر الفقير للمال في السنة ذاتها حيث وجدت جثته مرمية في احد شوارع النبطية بعد ثلاثة ايام من خطفه ايام كانت الحرب الاهلية تحصد الأرواح بالجملة والمفرق

انا لله وانا اليه راجعون ولكن هل ترجع القصيدتان الى من أولدهما لتنتسبا اليه؟؟

أشكّ في ذلك فالبضاعة المباعة لاتسترجع ولو كانت في سوق الأدب الكاسد

 

جواد غلوم

 

جورنالجي عابر للأجيال

كثيرون هم الأشخاص الذين يرحلون عن عالمنا هذا دون أن يتركوا بصمات واضحة في حياة الناس وثقافتهم، ولكن هناك قلة وهبها الله وحباها بالموهبة والإرادة، صقلتها التجارب وحنكتها المحن، فإذا ما غادر واحد منها هذه الحياة أفل نجم في سماء الثقافة والفكر، محمد حسنين هيكل واحد من هؤلاء، رجل من جيل العمالقة جيل التحرير والتنوير، جيل الفن الراقي والأدب النهضوي التجديدي الحداثي،  أدب المازني والعقاد،  طه حسين،  توفيق الحكيم، فؤاد نجم، عبد الرحمان الأبنودي، يوسف السباعي ونجيب محفوظ ..، جيل الأحلام العظيمة والمعارك الشريفة مقارعة الاستعمار،  الوحدة والتحرير، إنه جيل النهضة الموؤودة الذي أفل، جيل منفتح على العالم بشرقه وغربه متجاوزًا حدود اللغة والجغرافيا، جيل الأسئلة العميقة، والأفكار الحية هيكل الذي قال عن نفسه إنه رجل محظوظ، بدأ العمل الصحفي في جريدة "إجبيشيان جازيت " من محقق صحفي عن بنات الليل إلى ساحات الحرب العالمية الثانية مراسلاً صحفيًا، إلى عالم السياسة منظرًا ووزيرُا، فكاتبًا مبدعًا قريب من الملوك والرؤساء شرقًا وغربًا صديقًا لهم وجليسهم،  وهيكل كاتب ولدت مهنة الجورنالجي في دمه، ذكر حادثة له مع عبد الناصر لما عين وزيرا للإعلام، وفي اجتماع لمجلس الأمن القومي، وما إن ذكرت مسألة مهمة حتى صاح قائلا هذه تصلح مانشيت في جريدة الأهرام غدا ...عندها خاطبه عبد الناصر قائلا طلبنا منك أن تجلس معنا على الطاولة رحت تجلس تحتها مثل القط تماما، يقول ناصحًا الصحفيين حينما يقترب الصحفي من السياسي يجب عليه أن لا ينسى أن هناك قارئًا شغوفًا يريد أن يعرف منه ما رأى وما سمع، ولما سئل عن سبب تميزه ومصدر معلوماته أجاب ببساطة إنه لم ينس أبدا أنه صحفي،  لذلك كانت له هذه الذاكرة وهذا التوثيق والحضور الدائم، بدأ التأليف بكتاب "إيران فوق بركان " سنة 1951 لما كانت إيران تدخل أزمة سياسية حادة نتيجة اغتيال رئيس الوزراء وأزمة النفط، حاور،  مصدق اليساري والخميني الإسلامي "مدافع آية الله  قصة إيران والثورة"، ولم يكن يرى في إيران عدوا تجب محاربته، واكب ثورة الضباط الأحرار وكان أحد منظريها " فلسفة الثورة " شكل رفقة عبد الناصر زواج المصلحة بين رجل السلطة والمثقف،  لما التقت الأفكار والتوجهات، فهو رجل مخلص لمساره اليساري والقومي وللرجال "لمصر لا لعبد الناصر" لما هرول الجميع غربًا، متمسكًا بمبادئه صلب المواقف، عــــــــــــارض السادات واتفـــــــاقية كامب ديفيد، "خريف الغـضب"،  " أكتوبر 73 السلاح والسياسة " وعارض حرب الخليج وتدمير العراق "الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق "، كما عارض اتفاقية السلام الفلسطينية الاسرائلية واصفًا إياها بالسلام المحاصر، وهو مؤرخ لتاريخ مصر والعالم العربي الحديث "العروش والجيوش"، ومستشرفا المستقبل أسس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية "مصر والقرن والواحد والعشرون "، فهو قارئ ومحلل جيد لأزمات العالم المعاصر وتغيراته السياسية " الزلزال السوفيتي "وعلاقة المثقف بالسلطة في العالم العربي "عبد الناصر والمثقفون والثقافة "،  نصيرًا للثقافة في مواجهة الانغلاق،  مدافعًا عن نجيب محفوظ مرتين الأولى في أزمته مع التيار المحافظ في رواية أولاد حارتنا، مصرًا على نشر الرواية كاملة على صفحات الأهرام، والثانية في صدامه مع السلطة لما نشر رواية "ثرثرة فوق النيل" متدخلا لدى عبد الناصر مدافعا لما أصدر المشير عبد الحكيم عامر،  أمرا باعتقاله، مانعًا المساس بالمثقف والناقد،  وهو كذلك من احتضن محمود درويش وفتح أمامه أبواب الشهرة العربية والعالمية، وقرب عبد الوهاب المسيري وجعله مستشارا له،  وهيكل مثقف مبدع وناحت للمصطلح منذ هزيمة 1967 التي وصفها بالنكسة تخفيفا من صدمتها على النفوس،  إلى السياسية خذلت السلاح في حرب أكتوبر 1973، إلى رئيس الضرورة سنة 2014 في توظيف وإبداع للمصطلح لصالح السياسي ولصالح الفكرة التي يؤمن بها،  فهو مسوق جيد للدعاية السياسية والأيديولوجية، وهيكل أيضا جزء من النظام الرسمي العربي بخيباته وانتكاساته، ومؤسس أسطورة الزعيم الخالد، وهو الرجل اليساري الذي عاش ارستقراطيًا عيشة الملوك لا يقبل عن المصيفِ في أوروبا بديلا،  سواء اتفقت مع هيكل أو اختلفت معه ستظل تحترمه لإبداعه، جرأته، عزة نفسه،  أحلامه،  وأفكاره القومية، ربما يكون هيكل آخر الصحفيين والكتاب الموسوعيين، فقد سجل نفسه بإرادته مع الكبار الخالدين في تاريخ العرب بإنتاجه وتوثيقه،  تاريخه، تحليلاته وآرائه، فهو سياسي لجميع الأجيال ومحلل لكل الأوقات تتهافت عليه جميع الصحف، وتتسابق الوكالات على آرائه، خاتما حياته بوصية الصلاة عليه في مسجد الحسين لرمزية المكان، واصلاً بذلك ما مضى من تاريخ مصر،  متصالحًا مع الذات  قاطعًا عنكبوت الطائفية المقيتة، بوفاته أيضا انقسم العرب مرة أخرى بين فئتين، فئة مودعة راثية للرجل بما يستحق، وفئة أخرى شامتة حتى في الوفاة ذاكرة إياه بما لايليق،  في انقسام قديم جديد بين الفريقين، ملخصًا حال العرب طوائف في الثقافة والفكر، وطوائف في الحرب والسلام، وطوائف حتى في الوفاة، ببساطة هيكل رجل ملأ الدنيا وشغل الناس لعدة أجيال وستبقى أجيال أخرى  تختلف حول ما كتب وما وثق ...وتلك لعمرى ميزة الكبار .

 

علي مختاري –كاتب من الجزائر

 

بمناسبة ذكرى ميلاده السادسة والتسعين .. عـادل مصري (ابو سرود) مناضل من هذا الزمان

rawaa jasaniفي سياق ما ُكتب ويُكتب من تاريخ وذكريات عن البلاد العراقية، وجوانب من سجلها الوطني، وعن سياسييها ومناضليها واحداثها، طفحت – وما برحت - كتابات اختلط فيها الغث والسمين، ولاسباب متعددة الاهداف والاغراض .. وقد تلفت الانتباه بهذا الشأن وقفات وتأرخة طالت او قصرت عن شخصيات واحداث عامة، كثير منها يستحق، وآخر غير قليل له ما له، وعليه ماعليه..

وبحسب روئ قد لا تكون جديدة على الكثيرين،  اقول بأن تدوير الكتابة عن احداث وشخصيات بذاتها، اقل فائدة من التوثيق لجوانب وشخصيات واحداث اخرى، غير منتشرة كثيرا- على ابسط وصف -  ولا سيما وان في تاريخ بلادنا العديد الشامل مما لم يجر التوقف عنده، ولاسباب معروفة أو سواها...

لقد كان من المخطط ان تكون لهذا التوثيق فضاءات اوسع، تأخذ بالاعتبار بعض تأرخة اضافية واراء ورؤى، سياسية وشخصية وما بينهما.. ولكني أثرت ان اوجز اولاً، لاسجل خلاصات عامة، وعلى ان اتوسع بها في وقت آخر- آمل الاّ يطول- مع توثيقات تكمل ما نهدف اليه، وهو كثير، ولكن اقلّه ايفاء مناضلين وطنيين بعض ما يستحقون، وذلك "اوسط الايمان" على ما نحسب!!!.

 

بدايات سياسية

والرجل الذي نتحدث عنه في هذه التأرخة هو: عادل مصري، مناضل وطني من العراق، ولد في  مدينة"مندلي" بتاريخ 1920.3.8.. انتسب للحزب الشيوعي منذ فتوته، وكان واخته عمومة - عميدة، من الكوادر النشيطة في العمل الحزبي بمختلف اشكاله - السري طبعا- حتى قيام الجمهورية العراقية الاولى في الرابع عشر من تموز عام 1958 ..

وبعد فترة وجيزة من قيام الجمهورية، اطلقت السلطة العراقية  الجديدة سراح عادل مصري، ضمن عفو عام عن السجناء والمعتقلين السياسيين. وكان يقبع أنذاك في سجن بعقوبة يقضي مع رفاقه محكوميته الاخيرة، ومنذ عام 1949  تحديدا، متنقلا خلالها بين سجون بغداد ونقرة السلمان والكوت...

ان متابعة سريعة لبعض تاريخ "مصري" العلني، في اواسط الاربعينات، تبين ان مسؤوليته السياسية والنضالية الابرز في تلك الفترة كانت مهمته، سكرتيرا عاماً لـ "عصبة مكافحة الصهيونية"التي عنى بها الحزب الشيوعي العراقي، وأجيزت رسميا في بغداد عام 1946 (*)..وقد اعتقل وسجن لمرات عدة بسبب نشاطاته في العصبة، وغيرها، وآخرها قضاؤه عشرة اعوام في السجن، بعد اعتقاله ببيت سري، في محلة القاطرخانة ببغداد، يحوي الات ومتطلبات طباعة واستنساخ حزبية. وكان من بين الذين حُكموا معه في الفترة ذاتها، وبقضايا ونشاطات سياسية مختلفة، وبمدد مختلفة: عزيز محمد وزكي خيري وأرا خاجادور، وكذلك اخته عميدة(عمومة) مصري.(**)

وحين اطلق سراح عادل مصري، بعد قيام الجمهورية عام 1958 كما اسلفنا، كلفه حزبه الشيوعي العراقي بمهام تنظيمية وسياسية عديدة، ومن ابرزها عام 1959 في التشكيل القيادى لتنظيم الحزب في كركوك، حيث تزوج فيها من رفيقته روناك علي، وانجبا هناك عام 1961 ولدهما الوحيد: سرود (***) ثم ليكنى به لاحقا، وطوال حياته السياسية، والخاصة والعامة، وحتى رحيله بتاريخ 1993.5.29 في براغ، حيث مثواه فيها الى اليوم.

 

بعيدا عن العراق

بعد الانقلاب الدموي البعثي الاول ، في شباط الاسود عام 1963 واغتيال الجمهورية العراقية الاولى، وسقوط  سلطة الزعيم عبد الكريم قاسم (1958-1963) وشيوع المجازر التي نفذتها اجهزة الانقلاب بحق الالوف من الشيوعيين والوطنيين: قتلا وتعذيبا وعسفا وسجنا.. اضطر ابو سرود للاختفاء عن الانظار، ولمدة عامين، ثم استطاع الخروج من العراق الى سوريا اولا، ومنها الى تركيا وايران، وليستقر بعدها في جمهورية قرغيزيا، بترتيبات من الحزب الشيوعي السوفياتي، حيث بقي يعمل هناك باختصاصه المهني، كهربائياً، في مصنع للمضخات، ثم في احد معامل النسيج، وحتى اوائل السبعينات الماضية، بحسب المسؤول الشيوعي العراقي البارز، وعضو قيادة اتحاد النقابات العالمي لفترة مديدة، أرا خاجادور، الذي اضاف لنا في حديث خاص، مطلع العام الجاري 2016:  لقد كنت في زيارة رسمية الى موسكو، وقد تفاجأت بوجــود "ابو سرود" بذلك المقام والعمل، منذ سنوات عديدة.. فتدخلت لدى المسؤولين الشيوعيين التشيك، وقد نجحت في ان ينتقل الرجل الى براغ عام 1973 ولتلتحق به بعد ذلك زوجته "روناك" وأبنه"سرود" عام 1975 وليقيم ويعمل، وينشط حزبيا وسياسيا فيها، لعقدين تاليين من الزمان ..

وفي مستقره الجديد، كرس "ابو سرود" جل وقته ، لتحمل مهام ومسؤوليات حزبية عديدة وحتى حيان الرحيل . وقد توظف اعلامياً، لعدة اعوام في القسم العربي باذاعة براغ، مع عصبة من المثقفين والصحفيين العراقيين، وكان – بحسب مزامنيه في الاذاعة ذاتها- من الملتزمين بشكل مثالي بضوابط ومتطلبات ذلك العمل.

لقد تنوعت مهام "ابو سرود" الحزبية والسياسية وما بينهما، في براغ، ومن ابرزها اشغاله عضوية مكتب تنظيم الخارج للحزب الشيوعي العراقي، وقد جهد حريصا في تلك المهمة، ونحن هنا شهود عيان، اذ ترافقنا لعدة سنوات في تشيكلة ذلك المكتب، وفي هيئة واحدة، تابعها واشرف عليها، قياديون عديدون في الحزب، ومنهم على التوالي: نزيهة الدليمي، ثابت حبيب، حميد مجيد موسى، كاظم حبيب، آرا خاجودور، ورحيم عجينة ...

لقد كان ابو سرود في تلكم الهيئة الحزبية، عضوا حينا، ومنسقا لها حينا اخر، نموذجا للشيوعي الملتزم، بعيدا عن التجاذبات والاراء الخلافية، الواقعية، او المدعاة، دعوا عنكم التنابز بالمسؤوليات والمهام.. كما كان بعيدا كل البعد عن الطموحات الذاتية، او المكاسب الشخصية، جهوداً والى ابعد الحدود في احترام قرارات وتوجيهات المركز الحزبي، وكل ذلك ضمن الضوابط التي كانت تسود في تلك الفترة، من التزام وثقة بقرارات الهيئات الاعلى .. وقد ترتب عليه بسبب ذلك  ان يتحمل ملاحظات وانتقادات من هنا وهناك، نسي اصحابها، او تناسوا، بان الرجل كان صلة وصل، وليس صاحب هذا القرار او ذلك، وقد كان اداء التوجيهات الحزبية - اصابت ام اخطأت- واجباً مقدساً، لا يجوز التهاون فيه، حتى وان كان هناك اعتراض اوعدم اتفاق، وتلك هي ضوابط وظروف، والتزامات ذلكم الزمان، ولسنا هنا بمعرض التدقيق او التفسير والتقييم لها.

 

شهادات شخصيــة

الى جانب ما يمكن الادلاء به من شهادات شخصية، ثمة اجماع بأن عادل مصري" ابو سرود" كان شخصية عراقية حميمة، ومناضلاً حريصاً في صفوف حزبه الشيوعي العراقي، وتميز بكل السمات الانسانية المعهودة: الاخلاص والتواضع والتفاني والتسامح، والعلاقات الاجتماعية المخلصة مع الغالب الاعم ممن تعرف عليهم، وتعرفوا عليه، في الحزب والعمل والحياة. ولعل ما قد يؤشر الى ذلك وبدلالة بينة، علاقاته الوطيدة مع العشرات من رفاقه - قيادات وقواعد - واصدقائه، لعل من ابرزهم، على ما نشهد: الجواهري الكبير ومحمود صبري وغائب طعمة فرمان، وقادر ديلان، وغيرهم من النخب والشخصيات العراقية التي اقامت، او مرت في براغ لسنوات عديدة.. وأشهد ايضا ان شقته كانت، برغم صغرها، اشبه بمقر حزبي وسياسي، كما ومضافة اجتماعية، أمها العشرات من الشخصيات السياسية والثقافية وغيرها، وطوال سنين.

لقد حرص عادل مصري- ابو سرود، ان يكون، وهو واجهة الحزب في براغ، على التواصل الجميل مع رفيقاته ورفاقه، العراقيين خصوصاً، والعرب عامة، بكل حميمية، وتفاعل. حاضرا ومشاركاً في مختلف المناسبات السياسية والثقافية، فضلا عن الاجتماعية.. ولا شك، وهو ذو ذاكرة حادة،  ان تكون لاحاديثه ومحطاته التاريخية والنضالية، وخاصة مع قيادات الحزب الشيوعي العراقي الاولى، اهتمامات المتلقين، وبكل تشوق، ومن بينها ذكرياته مع، وعن، قائد الحزب الاول، يوسف سلمان يوسف- فهد، في التنظيم والمعتقلات والسجون، وحتى استشهاده، حين نفذت فيه السلطات الملكية حكم الاعدام عام 1949.

لقد كانت حياة عادل مصرى- ابو سرود، منذورة، حقا لا قولاً، لحزبه وبلاده وشعبه، بحسب قناعاته ورؤاه ومفاهيمه،  ودون ان يكل او يمل، وبلا امتيازات او مقابل، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى . وقد دام على تلكم الحال، بكل قناعة واعتزاز طوال حياته الاجتماعية والحزبية والسياسية، ونأمل - كما سبق القول-  ان نستطيع كتابة تأرخة اوثق، واكثر تفصيلا  عنه، في وقت قريب قادم، داعين بهذه المناسبة رفاق ( ابو سرود) واصدقائه للمساهمة في ذلك الطموح، وهو بعض وفاء لمناضل وطني صميمي، من ذلك الزمان، الذي له ما له، وعليه ما عليه...

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

..............................

 احالات وهوامش

* عصبة مكافحة الصهيونية: عنى بها الحزب الشيوعي العراقي، اواسط الاربعينات الماضية، في ظل تأزم الاوضاع في فلسطين وازدياد الهجرة اليهودية اليها، وبدايات الصراع المسلح، وكانت تنشط – في مرحلة الاعلان عنها، كما بعد اجازتها رسميا - باصدار البيانات السياسية وتنظيم الفعاليات والتظاهرات الشعبية، كما اصدرت صحيفة خاصة بها حملت اسم" العصبة" .

** عميدة ( عمومة)مصري: مناضلة عراقية عريقة، ولدت عام 1922 ونشطت في العديد من تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، ومهامه، وتعرضت بسبب ذلك للمضايقات والملاحقات والسجون، وأٌضطرت للخروج - الرحيل عن العراق الى موسكو بعد انقلاب البعث الفاشي الاول في شباط 1963  لتكلف هناك ايضا بمسؤوليات حزبية وسياسية مختلفة، وحتى رحيلها عام 1995 .

*** سرود مصري: اكمل دراسته الثانوية والجامعية والعليا ببراغ، في العلوم الهندسية، وقد نشط طوال سنوات في العديد من المنظمات الجماهيرية والسياسية، ثم ليتفرغ بعدها للعمل المهني والاستثماري، والى الان .

 

الساعدي وبينالي فينسيا

عندما نزلنا في بشتاشان ومن ثم من قبلها الى مقرات اخرى تضج بالحيوية والنشاط والامل، التقينا بقاسم الساعدي، كنا فتيانا او شبانا، وجدناه يحمل فرشاة اسنان، وظن البعض بانه "بطر" في العزلة الجبلية،  بل انه مجرد ان تعبر ساقية صغيرة تكون في تركيا وحين تعبرها بالاتجاه المعاكس تكون بشمال العراق، فهي اقصي نقطة على الحدود،  لا اذكر اين التقيت به،  ربما بدمشق، فسألني اين فرشاتك؟ وبما انني اعرف بانه فنان تشكيلي مميز ومعروف على نطاق واسع عراقيا وعربيا ودوليا لاحقا، قلت له اي فرشاة؟! فضحك وقال "زين" والمعجون؟ فسألته اي معجون!! والتفت الى مجموعتنا وقال سمعتم.. وضحكنا ضحكا كما لو لم نضحك من قبل، لفت انتباه الجميع في المقر .واوصانا بضرورة توفير فراشاة ومعجون اسنان لكل واحد منا وبين ان ذلك يعادل حمل السلاح؟! ولم نمكث كثيرا معهم سوى بضعة ايام دعاني فيها أبو محمود لأمسية خاصة من العرق والزيتون التركي،  فكانت شبيهة بالحلم في تلك المناطق الجبلية النائية  .

ورغم ان الكتابة عن الفنان الساعدي لا تحتاج الى مناسبة، ولكن ما ذكرني بذلك اللقاء الغريب بتوقيته ومكانه،  خبر نشر بجريدة طريق الشعب عن الفنان، فقد رشح لتمثيل العراق وهولندا في بيناليه فينسيا للسنة القادمة، وهو حدث عالمي وفني يعد الاكبر على صعيد الفنون التشكيلية،  لذلك فان الدول تعتني بشكل استثنائي بانتقاء الفنانيين الذين يمثلونها فيه، فجاء ترشيحه من دولتين شهيرتين ومهمتين في مجال الفنون وبالذات الفنون التشكيلية وفن النحت الذي ينفرد به العراق ويتميز عن باقي الدول المعروفة بالفنون التشكيلية والنحت، منذ الحضارة السومرية وامتداداتها وصولا الى نصب الحرية الشهير لجواد سليم في بغداد.

فاذا اقر ترشيحه بشكل نهائي، ولو ان مجرد ترشيحه، يشكل بحد ذاته اعترافا بفنه وتميزه على صعيد الفنون التشكيلية العربية والعالمية،  لتمثيل هاتين الدولتين المهمتين على صعيد الفنون التشكيلية في بينالي فينسيا الشهير، عليه ان لا ينس الفرشاة ومعجون الاسنان، رغم انني متأكد بانهما معه اينما يذهب، لانهما من اولوياته،  وليكونا هذه المرة معادلا للوحة من احدى لوحاته الرائعة بدلا من السلاح ..

يليق بالعراق وهولندا العريقتين، ان يمثلهما الفنان قاسم الساعدي، ببينالي فينسيا للفنون التشكيلية، فنا وابداعا .

 

قيس العذاري

 

البريد الالكتروني ينعى أباه الروحي

اربعة عقود ونصف من الزمن مرت على قيام راي توملينسون بإبتكار برنامجا لصالح شبكة وكالة مشاريع البحوث المتقدمة (أربانت) أتاح هذا البرنامج إرسال رسائل شخصية بين مستخدمي الكمبيوتر على خوادم مختلفة . توملينسون الذي يعتبر الأب الروحي للبريد الالكتروني توفي صباح السبت حسب ما أعلن عن ذلك مايك دوبلي المتحدث باسم شركة رايثيون الأمريكية المتخصصة في أنظمة الدفاع، تطور الابتكار الجميل وأصبح هناك بريداً الكترونياً خاصاً لكل محرك بحث من المحركات التي نستخدمها يومياً مما وسع دائرة الامكانية في الإستفادة الكبيرة منها لمن يحسن الاستخدام .

عقود مرت على تأسيسه للبريد الالكتروني الذي أحد فرقاً كبيراً جداً في تناقل الرسائل الالكترونية على اختلافها، فثوان فقط هو الوقت الذي يتطلبه إرسال رسالة بريدية الكترونية أو وثيقة رسمية عبر العالم ولأعداد هائلة من مستخدمي الشبكة العنكبوتية، والجميع يعلم مدى المعانات التي كان يتطلبها ارسال رسالة الى بلد آخر غير بلدك قد تصل مدتها الى شهر أو حتى سنوات في بعض الاحيان، لقد أحدث هذا الابتكار فرقاً كبيراً كما هو ديدن المبتكرين في العالم ممن أحدثوا فرقاً في حياتنا إلا إننا نتباطىء كثيراً في حسن إستخدامه، فعلى الرغم من كل المحاذير وما عرف فيما بعد بالقرصنة، التهكير الالكتروني؛ لا زلنا غير قادرين على حسن استخدام البريد الالكتروني في حياتنا وفي تقديمنا للخدمة العامة لمواطنينا فالكثير من الوسائل المتخلفة، الورقية منها على الخصوص، تسببت في فقداننا الكثير من الوقت والجهد والمال في حين كان بأمكاننا العبور سريعاً عبر البريد الالكتروني لوسائل جديدة وابتكارات تضع الحلول الناجعة لكل مشاكلنا الادارية وبالاخص في الحالات التي يتطلب فيها نقل كميات كبيرة من الورق والملفات بين مؤسسة وأخرى .

العالم المتحضر ترتبط جميع مؤسساته بشبكة داخلية قوية التحصين بجدران نار ألكترونية تمنع الاختراق مهما كان نوعه تكفل تناقل المعلومات بأمنية أكبر وتخفف من مستوى الالتزامات الورقية على المواطنين، فسنوات مرت على الكثير من شعوب العالم غادرت معها تلك البيروقراطية الورقية وحزمة التواقيع والاختام وضياع والامكانيات الهائلة في تزويرها بسبب ضعف الرقابة، ملفات كاملة وأخطاء إملائية بسيطة قد تصل الى حد النقطة الواحدة تسببت في هدر الوقت والجهد والمال وضياع فرصة تقديم خدمة عامة الكترونية تخفف من حدة التوتر في الشارع العراقي .

وعلى الرغم من أن البريد الالكتروني أحد أسلحة الدولة في مواجهة الفساد المالي والاداري؛ لازالت خططها مكبلة بعوائق جمة أهمها المقاومة القوية التي تبديها بعض الجهات للأنتقال للخدمة الادارية الالكترونية طمعاً في استمرار الملفات الورقية لتدر مال الفساد والرشى عليهم، في حالة يتحمل المواطنون وحدهم وزرها، وليس بعيداً عن ذلك ما يعرف مصطلحاً بـ "صحة الصدور" التي اصبحت مثارا للسخرية، في الحقيقية نحن لا نحتاج الى "ضيق الصدور" هذا إذا ما كانت مكاتباتنا ألكترونية ومرسلة عبر بريد معتمد .

البطاقة الوطنية، والاستمارات الالكترونية التي تتبعها بعض المؤسسات الحكومية عمل جيد ومباركة جهود من يقوم عليه، علينا تطويره ومراقبة مساوئه بأستمرار وإصلاحه ليكون القاعدة الاساسية لبناء منظومة الكترونية تسهل أمورنا ونبعد من خلالها من ارتضوا على انفسهم أن يأكلوا الاموال الحرام وكأن شعبنا بحاجة الى من يمتص أخر ما تبقى في جيب جلبابه المخروم .

البريد الالكتروني أحد أسلحة الحرب على الفساد الاداري والمالي أبتكره لنا السيد توملينسون وغادرنا تاركتً فينا غصة على تخلفنا في حسن إستخدام هذا الأبتكار لما فيه خير شعبنا وابنائنا، عسى أن نحضى بذلك قريباً .

 

زاهر الزبيدي

 

ورحل حسن الترابي

adil ridhaد. حسن الترابي الي رحمه الله ، الحركي والمنظر والمتأمر الذكي والذي أنقلب عليه تلاميذه ولا زالت ابتسامته بين العبارة والعبارة تثير الخوف حول ما يفكر فيه.

شحصيةصنعت جدل لا ينتهي وبكل الأحوال انسان عاش تجربة حياة مثيرة مليئة بالأحداث.

وتجربته وضعت السودان تحت المجهر عندما عاش السودان الإسلام شعارا وفكر وحركة.

وللأسف كانت تجربة حكم إسلامي فاشلة ، كانت لكاتب هذه السطور الأمل المتفجر لنجاح تجربة نهضة حقيقية تعتمد علي الاسلام كوقود محرك وكان صراخ الاستعمار من حولها آنذاك دليل على نجاحها الي ان انتهت التجربة فتوقف صراخ الاستعمار.

وانتهي الأمل الي الإحباط.

وكان الوحيد الذي استطاع تجميع كل الإسلاميين من أقصي اليمين الي أقصي الشمال تحت مظلة واحدة وجعل من السودان حديث الدنيا وهدف للأسقاط منذ العام 1994 الي العام 1998 حين انتهت التجربة الي مشروع سلطة لأفراد وانتهي المشروع الإسلامي الحضاري.

أكثر ما ألمني هو شهداء حركة الدبابين الجامعية ومن استشهدوا بالجنوب السوداني إيمانا منهم بما قاله لهم وهو تخلي عن ما قاله علي المستوي التطبيقي وتركهم بواقع أنهى  حياتهم من أجل فكرة تخلي عنها هو نفسه من اطلقها!؟

ويستمر الجدل معه بعد وفاته. 

هل أشعر بالألم لرحيله؟

لا أعرف !

ولكني أشعر بالأسي علي الإسلام وعلي شهداء الحركة الإسلامية.

 

د.عادل رضا

 

إسلاميو السلطة (127): مقتدى الصدر في منظومة الفساد العراقي

salim alhasaniلم تتوقف الرسائل الخاصة التي تصلني حول ما كتبته في الحلقة (119) عن رغبة السيد مقتدى الصدر بأن يكون رئيساً لمجلس الحكم الذي شكله الحاكم المدني بول بريمر، وأنه وافق بعد ذلك أن يكون (فاضل الشرع) ممثلاً مشتركاً له وللشيخ اليعقوبي في المجلس.

 ...

يعرف المتابعون حجم الانفعال الذي غلب على أتباع السيد مقتدى الصدر، مع أني ذكرت التفاصيل بالأسماء، وأعود هنا للإجابة على تساؤلات الاخوة في رسائلهم الخاصة، بأن المعلومة صحيحة كما وردت في الحلقة رقم (119)، ولم يصدر حتى الآن أي تكذيب منهم وهم (إبراهيم الجعفري، فالح الفياض وعدنان الأسدي) كما يمكن الرجوع اليهم للتأكد مما كتبت، علماً بأني تناولتهم بالنقد في حلقات عديدة، مما يفتح لهم المجال للتشكيك فيما اكتب.

واضيف على ذلك ان مكتب السيد مقتدى الصدر يحتفظ بتسجيل اللقاء، وهذا أمر معروف عن تسجيل لقاءات السيد بالفديو. وفي قضية مهمة بهذا المستوى، فان من مصلحة مكتب السيد مقتدى نشر اللقاء ليكون بذلك حجة دامغة لا نقاش فيها ولا تأويل، فهي أقوى وثيقة لبيان الحقيقة. ولو ثبت ذلك خلاف ما ذكرت، فأني سأتوقف عن الكتابة في هذا المجال، بل سأكرر الاعتذارات للسيد مقتدى الصدر، ويعرف المتابعون الكرام، أنني اعتذرت من قبل عن معلومتين في هذه السلسلة، الأولى حول دخول سيارات وزارة الخارجية الى مطار بغداد لنقل عائلة من أقارب الجعفري، وكان الصحيح هو وقوف السيارات خارج المطار، والثانية عن مشاركة بهاء الأعرجي ومحمد صاحب الدراجي في تظاهرة الجمعة.

 ...

إن رغبة السيد مقتدى الصدر في تولي رئاسة مجلس الحكم، ومن ثم قبوله المشاركة فيه من خلال ممثل، لا يختلف كثيراً عن مشاركته في العملية السياسية التي صممها الاحتلال الأميركي، فلقد شارك ممثلوه في الجمعية الوطنية، وساهموا في كتابة الدستور الذي وضعه المحتل، وكان له عدد من الوزراء في الحكومات المتعاقبة وهي حكومات خاضعة لإرادة المحتل حتى خروجه نهاية 2011.

لقد انساق السيد مقتدى الصدر مع الامتيازات شأنه في ذلك شأن بقية القادة، فقام بزيارة ملك السعودية وأمير قطر وغيرهما في خطوة لا تناسب تاريخ وجهاد والده الشهيد الصدر الثاني. مع سطوع الحقيقة الكبرى بأن السعودية وقطر من أكثر الحكومات عداءاً للشيعة والعراق، وهما مصدر الإرهاب الأول مالياً وفكرياً وتحشيداً.

كما أن موكب السيارات الفخمة، أخرجه عن صفة القائد الذي يعيش هموم الجمهور، ويشارك بساطتهم. الى جانب الغموض الذي يلف موضوع الطائرة الخاصة التي انتشرت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي واضعها في نهاية المقال.

 ...

لقد أضاع السيد مقتدى الصدر، فرصة القيادة الحقيقية، ورضي أن يكون مثل غيره، شعارات كلامية، وخطوات استعراضية، وهي في النهاية جهود مؤقتة، مرهونة بالمستوى الثقافي لأتباعه، ومرتبطة بمستقبل القضاء، فاذا ما تغيرت منظومة القضاء الفاسدة حالياً، بمنظومة صحيحة، فانه سيكون واحداً من المتسترين على الفاسدين في ملفات سرقة المال العام، وبذلك تنتهي زعامته، مثلما تنتهي الزعامات الأخرى.

 ...

فعلى سبيل المثال لم يتعامل السيد مقتدى الصدر بجدية مع بهاء الأعرجي، مع أن ثراء الأعرجي المتفجر والطارئ لا يحتاج الى دليل بعد العام 2003، وحتى إجراء استدعائه الى مكتب النزاهة التابع للتيار، لا يمكن أن يكون مقنعاً، ما لم يسفر عن اجراء حقيقي يكشف سرقاته من الدولة، في حين ان الذي اعلنه المكتب هو الطلب من ذوي الحق الشخصي تقديم شكاواهم ضده، وهذه قضية ثانوية جداً قياساً بالمال العام الذي استولى عليه بهاء الأعرجي من قوت الشعب.

ان السيد مقتدى الصدر تبنى بهاء الأعرجي واعتبره شرطاً لدعم حكومة العبادي، وذلك بتعيينه نائباً لرئيس الوزراء، وليس أقل من ذلك.

والى جانب بهاء الأعرجي، تم إقفال ملف الوزير محمد صاحب الدراجي، كما أهمل السيد مقتدى فساد وجرائم النائب حاكم الزاملي والتي لا تزال ملفاتها عالقة في المحاكم، لأن أي قاض يفتح ملفات الزاملي في الاختطاف والقتل، يتعرض لتهديد مباشر بالتصفية الجسدية هو أو عائلته.

 ...

إن المطلوب من السيد مقتدى لكي يثبت جديته في الإصلاح، أن يخطو خطوة حقيقية، باتجاه تغيير القضاء، مع قدرته الجماهيرية على ذلك، فبإمكانه ان يدعو الى تظاهرات مستمرة والى اعتصامات جادة، لا تنتهي إلا بإصلاح القضاء، وهذا أمر متاح له حالياً، وبمقدوره فعله ببساطة فيما لو أراد ذلك حقاً، بعد أن أثبت قدرته على تحشيد جمهور عريض خلال تظاهرات الجمعة.

هذه حقائق مهمة، يجب أن يقف عندها المواطن في محاكمة عقلية موضوعية، بعيدة عن الانفعال العاطفي، والارتباط التبعي الساذج.

اختم مقالي بصورة الطائرة الخاصة، وهي صورة تثير الشكوك.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

 

ثلاثون عاما في الهباء (3)

emad aliكما قلت من قبل، لقد وهبت عمرا كبيرا في تنظيم لم اكن اؤمن به منذ البداية بانه  سيتمكن من تحقيق اهدافه المعلنة وشعاراته الكبيرة، بعدده وقدراته  لمتواضعة ماديا ومعنويا وامكانياته القليلة، اي ضمن حزب كادحي كوردستان الذي اتحد به راية الثورة بعدما انشق عن الاتحاد الوطني الكوردستاني، ليس ايمانا بالاتحاد به بقدر انقاذ نفسه من الضائقات التي وقع فيها بعد عمليات الانفال ومتابعة الاتحاد الوطني الكوردستاني له ومضايقته من اجل عدم تنميته على حسابه، لانه كان يعتبره هو من قطع حوالي نصف من عدد كوادره بشكل عام او اكثر . الا ان قيادته البائسةاي قيادة راية الثورة، وعدم تحمله وانعدام حزمه، وبرائته من ما اقدم عليه وتسليمه للامر الواقع دون ان يمتلك اي حزم او قوة ارادة او صبر، او قوة شخصية قياديية او ما تفرض نفسه من مثابرة المطلوبة للقيادة الناجحة السليمة، وتمرير ما تطلبته نواياهم غير النقسة وبدوافع شتى سواء كانت كاذبة او مبررة لما كانوا فيه من ضعف وعدم الايمان بالذات مع عدم الثقة بالامكانية الذاتية وتخبطهم الكبير في امور القيادة وما عملوا، والذي وقع على حساب الاعضاء والكوادر من ابناء الطبقة الكادحة واكثرهم كانوا من الاصدقاء او الرفاق القريبين من القيادة العليا، ولكن هذه القيادة لم تؤد الامانة التي كان من المنتظر منهم ان يؤدوها على الاقل وفاءا لدماء الشهداء التي سالت بسببهم وهم كانوا اثرب الاصدقاء لهم على الاقل، وليس الشعارات والتقولات الفضفاضة التي ادعوها كذبا وتضليلا .

هكذا بقيت انا ورفيق اخر صاحب ثقافة متواضعة في حزب كادحي كوردستان، دون ان اؤمن بهذا الحزب اصلا  من النخاع كما يُقال، بل كان هدفيمن  البقاء اساسا هو عدم ترك ما اقدم عليه الشهداء ومهما كان ايمانهم بما حدث من انشقاق في صفوف الاتحاد الوطني الكوردستاني في حينه .

كانت الكوادر الوسطية في حزب كادحي كوردستان مخلصين مؤمنين بما يعملون وما يهدفون ويعتقدون في قرارة انفسهم بانهم سوف ينجحون في تحقيق الاهداف الكبيرة التي حملها الحزب من الاستقلال والديموقراطية والحرية وغير ذلك من الشعارات التي تحتاج لقدرات وامكانيات وكوادر وعقليات تقدمية لتحقيقها، لم تكن موجودة لدى حزب صغير اكثرية قيادته متواضعة الثقافة والمعرفة من جميع النواحي السياسية والادارية ولهم قدرات متواضعة من الناحية الفكرية الفلسفية العامة ايضا وان كانوا مخلصين مؤمنين بقضية شعبهم .

كنا وبقينا ضمن صفوفه لمدة اكثر من عشرين عاما بعد توحيد راية الثورة وحزب كادحي كوردستان، واصبحنا في موقع وموقف ننتظر التغييرات التي يمكن ان تحدث في مسيرة الحزب وكيفية ادارته ومدى نجاحه ولو نسبيا، الا ان تاثر قياداته بما هو موجود في كوردستان من العقلية القيادية وسلوك قياداته وتصرفات شخصه الاول واستاثاره بما كان لدى الحزب من حتى الامكانيات الصغيرة، لم يكن يفرق عن غيره من القيادات للقوى الكوردستانية الكبرى، ولم يكن الا خاضعا في امور قيادته الى نرجسيته وطموحه الشخصي اكثر من الحزب ومن فيه كما هو حال اكثرية قيادات كوردستان التقليديين .

عندما عاد هؤلاء المخذولون من تنظيم راية الثورة الى صفوف الاتحاد الوطني الكوردستاني تسنموا مناصب ومواقع حزبية وحكومية كان من الاساس جل تفكيراكثريتهم مشغولا فيه، وهم وان كانوا عتقاء في صفوف الثورة الجديدة وساعدت ظروف العراق غير الملائمة على بقائهم ضمنها وعدم تسليم نفسهم للبعث، الا ان خوضهم لغمار الحركة التحررية الكوردستانية لم يكن نابعا بالايمان الكامل بما يحدث واكثرهم من وقع ميؤسا في ايام الصعاب وتشدق بما كان عليه في ايام السلام وسهولة المعيشة، وارتهنوا ما في جعبتهم من التفهم لما كانوا فيه وتلهفهم على اهداف خاصة وما امتلكوا من العقلية على الربح والخسارة في حساباتهم .

بعدما قررت البقاء رغم تيقني بان التنظيم او الحزب الذي انتمي ليس بامكانه تحقيق اي شيء ضمن الظروف التي وجد فيها، الا ان بقائي وانتظاري كثيرا لما يمكن ان يتغير كان دون حساب دقيق . وما اصبحت فيه فرض علي  ان اكون محايدا في جميع الامور على الرغم من ارائي ومواقفي التي ازعجت الكثيرين ومن ضمنهم الشخص الاول . هذا عدا النفاق والعداءات التي واجهتها من قبل الرفاق المتواضعين في العقلية والثقافة وتعرضت للكثير من المعوقات وتصديت للكثير من الحاسدين من غير المؤهلين فكريا وعقليا وحزبيا ومعرفيا ايضا، وبكل صراحة وبصريح العبارة اقول ان ما دفعني اكثر على اتخاذ الموقف الحاسم في طلاق الحزب والاستقالة، بعد كل الغمار في الصعاب ضمنه وبقائي متحديا لما تعرضت له، هو ما اصبح عليه العمل الحزبي وهو ضمان المعيشة العائلية ومستقبل الاولاد من خلاله .الى ان تضايقت من حالي اكثر من الحزب بعدما حدثت فيه من الانشقاقات التي لا تحصى ولا تعد، وطالما انتعش قليلا ونمى كميا وكيفيا ومن ثم انفصلت عنه مجموعة، وعاد الى ما كان عليه دون ان يتقدم بخطوة، وهكذا . وكان للمؤامرات التي حيكت وحصلت ضده من قبل الحزبين الكبيرين له دور رئيسي في بقاءه على حاله وتخلفه . الى  ان حدث الاشسقاق الاكبر فيه بتخطيط وتدخل وتآمر الحزب الديموقراطي الكوردستاني بشكل مباشر وشرائهم لعدد من قياداته ومن ضمنهم القادة الثلاث الذين يسيطرون اليوم على زمام الامور فيه . وللحديث بقية .

 

عماد علي

 

إسلاميو السلطة (126): الاستنزاف الداخلي للشيعة

salim alhasani2منذ سقوط نظام الطاغية عام 2003، وحتى الآن، لم يبرز مشروع سياسي ناضج عند القيادات الشيعية، فلقد انشغلت هذه القيادات بالتنافس السلطوي، والتسابق على المصالح الفئوية. يشمل ذلك الكتل الرئيسية (حزب الدعوة، التيار الصدري، المجلس الأعلى و حزب الفضيلة).

وقد انساقت هذه الكيانات مع المحاصصة انسياقاً قوياً في خضوع للإرادة الأميركية التي هيمنت على كافة الكيانات من شيعة وسنة وكرد.

كانت المحاصصة هي البديل القوي للمشروع الوطني، وحين صارت أمراً واقعاً من خلال الدستور والسياقات المرتبطة به، فان عملية بناء الدولة تراجعت الى مراتب ثانوية، لأن المحاصصة في حقيقتها هي تسابق على المكسب الفئوي بعد ان تضمن الأطراف وصولها الى دائرة السلطة.

 ...

وقع القادة الشيعة في خطأ آخر، عندما اعتمدوا المحاصصة مرة ثانية في كيانهم التحالفي، وذلك في تشكيل (الإئتلاف الوطني الموحد) ليخوض أول انتخابات عام 2005. فقد كان تشكيل الائتلاف صحيحاً من ناحية الشكل، لكنه في العمق كان خطأً فادحاً ضرب صميم الفعل الشيعي في الممارسة السياسية.

 

فلقد اعتمدت آليات الائتلاف الوطني، المحاصصة داخل الجسم الشيعي، وكان قادة الكتل السياسية يتفاوضون على توزيع النسب وعدد مرشحي كل كيان في القائمة المغلقة. وبذلك فانهم شكّلوا كتلة سياسية تبدو موحدة للعيان، لكنها تختزن عناصر التنافس الحاد والتسابق على عناصر القوة، وكانت تلك بداية التمزق الشيعي في أجواء السلطة.

في حين كان المطلوب الاهتمام بصيغة قيادية موحدة، تحدد مسار الموقف الشيعي، وتكون ملزمة لكافة الأطراف الشيعية، وليس كما حدث باعتماد اطار شكلي رخو ضعيف.

 ...

لقد قضت صيغة الائتلاف الوطني ـ ومن بعده التحالف الوطني ـ على إمكانية توحيد القيادة السياسية الشيعية، وعززت واقع القيادات المتحزبة، وبذلك تصاعدت حدة التنافس بين هذه القيادات، ومن الطبيعي ان ينسحب ذلك على المكونات الداخلية، فراحت المواقف تتباعد، وتزداد الفواصل والفروقات بين المكونات الشيعية مع تقادم سنوات العمل السياسي، وصولاً الى هذه الأيام حيث يعيش الشيعة أضعف حالاتهم، رغم كونهم الأكثرية السكانية.

 ...

أصبح همّ قادة الكتل ـ وهذا ينطبق على السنة والكرد أيضا ـ أن يحصلوا على الإمتياز المالي والسياسي لتدعيم مواقعهم في مواجهة المنافسين الآخرين، كما أفرز ذلك انقلاب المعايير والقيم بالنسبة للمقربين والمسؤولين والنواب، فأصبح القادة يفضلون المطيع الشاطر على الكفوء النزيه، لأن الأول هو الذي يفتح لهم خزائن الدولة ويبقى مرتبطاً بهم، أما الثاني فانه سيتصرف بعيداً عن حساباتهم الفئوية.

 

وبهذا نشأت فئة من أرباب الفساد من كافة الأحزاب والكيانات، مثل محمد الوائلي وحسن الشمري وبهاء الأعرجي ومحمد صاحب الدراجي وعبد الفلاح السوداني وخضير الخزاعي وصلاح عبد الرزاق وعدنان الأسدي وعبد الحسين عبطان وباقر الزبيدي وجواد البولاني وحسين الشهرستاني وعشرات الأسماء من كبار المسؤولين الغارقين في السرقة والفساد، ويتبعهم المئات والآلاف من الفاسدين الثانويين. وكانت قياداتهم في حزب الفضيلة والمجلس الأعلى وحزب الدعوة والتيار الصدري والمستقلين، توفر لهم الحماية التامة، لأنهم يقومون بمهمة خدمة القيادات والكيان الذي ينتمون اليه، فيما ضاع الجسم الشيعي بالتفجيرات والفقر والتهديدات والمؤامرات الإقليمية.

 ...

كما ظهر تطور آخر لا يقل خطورة عما تقدم، فقد صار قادة الكتل الشيعية ومن أجل تقوية مواقفهم، يعقدون اتفاقاتهم السرية مع كيانات من خارج التحالف، ضد حلفائهم في التحالف، وكان ذلك يعني الاستعانة بالقوى الإقليمية على الموقف الشيعي، وهي الثغرة التي وجدت فيها حكومات الشرّ (السعودية وقطر وتركيا) فرصة ثمينة لتمرق من خلالها، فتسدد رميتها تجاه الشيعة.

 

لا تنفصل تحركات السعودية ونشاطها المتصاعد في الفترة الأخيرة، عن تقديرها للتفكك الشيعي، لقد وجدت أن الكيان الذي تستهدفه وتريد القضاء عليه، يعينها على نفسه، وأنه متآكل من الداخل، وبذلك فأن مهمتها في عزل الوجودات الشيعية في المنطقة عن بعضها البعض، والاستفراد بها واحداً واحداً، صارت سهلة.

إن التفكك الشيعي في العراق والذي يحدث على يد القيادات السياسية، يُقدم أكبر الخدمات لمحور الشرّ، بقصد من بعضهم وبقلة حكمة من بعضهم الآخر وبحسابات مصلحية من البعض الثالث، لكن النتيجة واحدة، وهي تقديم شباب الشيعة وجماهيرهم ضحية سهلة للموت والجوع والفقر والمرض واليأس.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

الشيخ طه العلواني فقيه ضيّعه سنة العراق ونساه شيعته

abduljabar alrifaiفي صمت كما صمت شيخوخته، ونسيان كما نسيانه من أقرب الناس إليه، فقيه ومفكر آخر يمضي راحلاً الى عوالم الملكوت، بعيداً عن ركام ظلام عالمنا. لقد غادرنا الى رحمة الله أمس صديقنا العلامة الشيخ طه جابر العلواني. رحم الله العلامة الصديق العلواني الذي رحل إلى الملكوت الأعلى، وهو في طريقه من القاهرة إلى واشنطن، في 4-3- 2016 وهو اليوم الذي ولد فيه في مدينة الفلوجة في العراق عام 1935.

تعود علاقتي بالصديق المرحوم الشيخ العلواني إلى مايقارب الثلاثين عاماً، حين كنت وقتئذ مسكوناً بهاجس أسلمة العلوم والمعارف في عالم الاسلام، بعد أن تركت العمل الحركي التنظيمي، استهوتني فرضية "إسلامية المعرفة"، ولم أكن أعرف أن هذا الولع الجديد هو انبعاث الهوية بوجه آخر من أعماقي، وتعبيرها عن نفسها هذه المرة بصيغة أيديولوجية تختبئ خلف فكرة "إسلامية المعرفة".

عثرت على بعض كتابات واصدارات "المعهد العالمي للفكر الاسلامي"، الذي كان يقوده ذلك اليوم د. طه العلواني. وبعد أن طالعتها، رأيتها تتضمن شيئاً من التنظير والتبرير المتأمل تارة، والمبسّط تارة أخرى، لكن ما لفت انتباهي هو كتابات العلواني، التي كان يهتم فيها بالاحالة على التراث، خاصة أصول الفقه، الذي غرقت فيه في الحوزة، تدريساً وتأليفاً، أكثر من الفقه وغيره من علوم الشريعة، بموازاة شغفي المزمن بالفلسفة ومداراتها. واكتشفت أن رسالة الدكتوراه التي قدّمها الشيخ العلواني للأزهر هي تحقيق ودراسة أحد أهم المؤلفات الكلاسيكية في علم الأصول، وهو كتاب الفخر الرازي "المحصول في علم الأصول"، الذي نشره في ستة مجلدات. وجدت العلواني في كتاباته يحرص على المواءمة بين أصول الفقه والمفاهيم المنهجية الحديثة. وهي محاولات فيها شئ من التأمل والجدة، وإن كانت تفتقر للابتكار وصياغة رؤية نظرية دقيقة، إذ تقترب أحياناً من المقاربات والتلفيقات بين مفاهيم متنافرة.

بدأت مراسلاتي مع الشيخ العلواني وهو في واشنطن، رئيساً للمعهد العالمي للفكر الاسلامي، وأنا في الحوزة في قم. وفوجئت بسرعة تفاعله مع رسائلي، وحرصه على تكثيف التواصل وديمومته. كان يرفدني على الدوام بكل جديد من إصدارات المعهد ومطبوعاته. وتطور تواصلنا عبر الهاتف، وظل يحرص على معرفة رأيي بما يكتبه هو، وما يصدره معهدهم. وكان يهتم بما يسمعه من آراء تصدر عن المجال الشيعي في عالم الاسلام، خاصة آراء أساتذة الحوزة ومؤلفيها، والموقف من رؤاه وجماعته في "إسلامية المعرفة".

لم تتكامل وجهة نظري وتنضج رؤيتي النقدية لدعوتهم إلاّ بعد مضي عقد من السنين، من المطالعة والنقاش والمراجعة التقويمية لما كتبوه ونشروه. أجريت معه والصديق د. عبدالحميد أبو سليمان حوارين نقديين، نشرتهما في عددين من "مجلة قضايا اسلامية"، التي أصدرتها في قم عام 1994 قبل إصدار "مجلة قضايا إسلامية معاصرة" عام 1997. ثم خصصت لاحقاً عدداً نقدياً من مجلة قضايا إسلامية معاصرة لتفكيك وغربلة مقولات "اسلامية المعرفة"، وعنونت محور العدد "اشكاليات التحيز والتمركز في العلوم". ولم يتردّد المرحوم العلواني في دعم هذه المحاولات النقدية والثناء عليها.

945-jabar

ورغم  أني قدّمت تفسيراً لمنطلقات ووعود جماعة "إسلامية المعرفة" انزعج منه الصديق د. عبدالحميد أبوسليمان وجماعة المعهد العالمي لإسلامية المعرفة، في المؤتمر الذي عقده المعهد بأسطنبول سنة 2006، بعد مرور ربع قرن على تأسيسهم المعهد، لكن الشيخ العلواني كان الوحيد الذي دعم موقفي، فأعرب عن إعجابه في لقاء خاص معه، بعد الفراغ من الجلسة، وشدّد على أنهم (جماعة اسلامية المعرفة) في مأزق معرفي، ذلك أن مهمةَ المعهد صياغةُ رؤية اسلامية للمعرفة، وأحال ذلك إلى احتكار الفريق الذي يدير المعهد، بعد اقصائه هو، وغياب المرحوم المؤسس د. اسماعيل راجي الفاروقي، وابتعاد د. عبدالحميد أبوسليمان عن الادارة، فإن هذا الفريق الذي استحوذ على المعهد يضم مجموعة مهندسين، وهم: " المرحوم د. جمال البرزنجي، د. هشام الطالب، د. أحمد التتنجي"، ومعروف أن التكوين التخصصي للمهندسين لا صلة له بالتراث وعلوم الشريعة، مضافاً إلى افتقارهم للتكوين في العلوم الانسانية. وما ينشده المعهد هو تجسير العلاقة بين العلوم الانسانية والعلوم الشرعية. حسبما قاله الشيخ العلواني.

زارني الشيخ العلواني إلى قم قبل أكثر من عشرين عاماً، ونزل ضيفاً في بيتي. وأعددت له برنامجاً حافلاً، في زيارات لمراجع دين ومراكز أبحاث ومؤسسات فكرية. كما احتفى به الصديق العلامة السيد جواد الشهرستاني الوكيل العام لمرجعية آية الله السيد السستاني في العالم، وأقام على شرفه وليمة غداء، حضرها مجموعة من الفقهاء وأساتذة الحوزة المعروفين. وقبلها في الصباح الباكر التقى على الافطار في منزلي بأبرز الكتّاب العراقيين في قم.

تواصلت لقاءاتي مع المرحوم العلواني وكان آخرها في القاهرة. وفي كل مرة ألتقيه نجلس ساعات طويلة يحدثني فيها عن آماله وآلامه، غير أنه ظلّ يحلم ويجسّد بعض أحلامه في مبادرات ومشاريع ينهض بها بحدود إمكاناته.

كان يحلم بتأسيس "جامعة للحوار الاسلامي الاسلامي في العراق"، واقترح عليّ أن أكون رئيساً لهذه الجامعة، وهو يرأس مجلس الأمناء فيها، واقترحنا معاً جماعة من أكاديميي وعلماء العراق أعضاء في مجلس الأمناء، وأعرب عن أن ذلك هو الحلم الذي يريد أن يتوج به حياته، ويقدمه هدية لوطنه، بعد استعار حرائق الحرب الطائفية، وتسمم فضاء الوطن بدعوات التعصب والكراهية. وأصرّ على تأسيسها في بغداد، وذكر لي أن لديه قطعة أرض يمتلكها قبل نصف قرن قرب القناة، وبيت في منطقة الكرادة، وهو لا يعرف مصيرهما مذ غادر العراق،  وهو مستعد أن يهديهما للجامعة، ويرصد لها ما يجمعه من تبرعات. ولما عدت للعراق تعرفت من وزارة التعليم العالي على شروط الجامعات الأهلية، فوجدت نفسي غير قادر على تأمين متطلبات التأسيس، التي يتعذر على من ينشد العلم والمعرفة تأمينها، لأنها متاحة للرأسماليين خاصة، لا للعلماء والأكاديميين. فاعتذرت منه، وتألم كثيراً ساعتها، لحظة شعر بضياع آخر أحلامه، ببناء الحياة الدينية في فضاء العيش المشترك في وطنه العراق.

حدثني المرحوم الشيخ طه العلواني أن الحرس القومي في حزب البعث طلب منه بعد انقلاب 8 شباط  1963 الدموي، أن يفتيهم بارتداد الشيوعيين واستباحة دمائهم، ممن ساقوهم أفواجاً في قصة "قطار الموت" الشهيرة، غير أنه رفض ذلك ببسالة، وواجههم بشجاعة، ولم يتردد أو يخشاهم، رغم فاشية الحرس القومي وشناعة مجازره الشهيرة، وصرّح لهم: "إن هؤلاء مسلمون، وحتى لو كانوا مرتدين، فإنه مع ذلك لا يفتي بقتل المرتد".

المرحوم الشيخ طه العلواني (فقيه سنة العراق) فقيه ومفكر جرئ جسور مستنير، ضيّعه سنة العراق، كنبيّ ضيّعه قومه، كما نساه وفرّط به شيعة السلطة في العراق، رغم أنه كان على صلة عضوية بهم، وبمرجعية آية الله السيد محسن الحكيم، وهو المنسّق بين هذه المرجعية وسنة العراق، قبل أكثر من نصف قرن، من خلال صديقه ابن المرجع العلامة الشهيد المرحوم السيد مهدي الحكيم، والذي اشتركا معاً وآخرين بالتخطيط للإطاحة بحكم حزب البعث عام 1969، لكنه بعد اكتشاف المحاولة اضطر وجماعته للفرار من وطنه منذ ذلك الحين، وقال لي إحدى المرات، وهو يسرد مذكراته عن هذه المحاولة: قررتُ مغادرة السياسة ومكائدها منذ تلك الواقعة، والانصراف لعلوم الدين، وهكذا أمضى ما تبقى من حياته حتى توفي رحمه الله.

لا أعرف فقيهاً عربياً معاصراً تجرأ كما هو، فكتب كتاباً هاماً نفى فيه حدّ الردة، وشدّد على أن عقوبة المرتدّ أخروية لا دنيوية، كذلك تناقشنا أنا وهو في الحدود والعقوبات البدنية، فأصرّ هو على نفيها في العصر الحديث، وكان يستدلّ بأدلة فقيه بصير، يتوكأ على القرآن الكريم كمرجعية في استدلاله، بوصفه - كما يرى - قيماً ومهيمناً وشارحاً للحديث الشريف.

تسقط جماعات الإسلام الايديولوجي المفكرين والفقهاء الأحرار في زوايا معتمة، وتقصيهم في كهوف النسيان، ولا تبوح بمنجزهم، ولا تعلن عن أفكارهم وفتاواهم، حتى يموتون. كنت حين أزور المرحوم العلواني في منفاه الاختياري القاهرة، يحدثني بمرارة عن تجاهل الجماعات الاسلامية في مصر له، وتأثيرهم الذي امتد لتجاهل الأزهر له، وأنه ظلّ يتمنى أن تكون له نافذة أسبوعية في الأهرام، يتواصل من خلالها مع قرائه في مصر، التي أمضى فيها سنوات طويلة من عمره، إلاّ أنه لم يظفر بذلك.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

نتذكر هوغو شافيز.. (5) مارس/ آذار ذكرى رحيل هوغو شافيز

mahmod kawashالآن ونحن نستقبل الذكرى الثالثة لرحيل الزعيم الفنزويلي هوغو شافيز في الخامس من مارس/ آذار 2013 تعود بي الذاكرة إلى ذلك اليوم "الأحد الموافق السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2012"، الذي تحوَل إلى محطة سياسية هامة في تاريخ فنزويلا ومنطقة أمريكا اللاتينية بشكل عام، باعتبار أن ما شهدته هذه المنطقة الحيوية من العالم في ذلك اليوم شكل هزيمة منكرة لواشنطن نجم عنها انحسار هيمنة الإمبريالية الأمريكية فيها وسقوط مقولة "الأخ الأكبر" إلى ما لا رجعة.

في ذلك اليوم العظيم شهدت فنزويلا انتخابات رئاسية ديمقراطية قال الشعب الفنزويلي فيها كلمته الفصل التي ضمن الرئيس هوغو شافيز العدو الأكبر لواشنطن والغرب بموجبها البقاء في سدة الحكم لفترة رئاسية رابعة كان يفترض أن تمتد حتى نهاية عام 2018، لو لم ينتقل إلى رحمة الله تعالى بعد نصف عام من تلك الانتخابات.

لقد اتسمت تلك الانتخابات بالنزاهة والشفافية المطلوبتين، وذلك بشهادة صناديق الاقتراع والفرز الأمين والصادق والأجهزة الإلكترونية لأخذ البصمات التي تعتبر الأكثر تطوراً في العالم، وبشهادة 1200 شخصية دولية أشرفت عليها وفي مقدمها الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر وممثلون عن مؤسسات ومنظمات حقوقية ومدنية دولية بما فيها منظمة الأمم المتحدة، عملوا في أجواء من السلم الأمني الذي ضمنه 150 ألف جندي فنزويلي انتشروا على مساحة من البلاد احتوت أكثر من 32 ألف مركز انتخابي.

وبنتيجتها اكتسب شافيز شرعيةً رئاسية جديدة أضيفت إلى ثلاث شرعيات رئاسية سابقة وشرعية استفتائية إضافية تخللتهم، عرفتهم هذه الدولة الأمريكية اللاتينية بين ديسمبر/كانون الأول 1998 والسابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2012 الجاري. فقد انتخب شافيز رئيساً لفنزويلا لأول مرة في ديسمبر/كانون الأول 1998، وأعيد انتخابه في عام 2000 لضرورات قسرية افترضها تعديل دستوري أجري في البلاد، وتم تثبيت ذلك الانتخاب في استفتاء شعبي جرى في 15 أغسطس/آب 2004 قبل أن يُعاد انتخابه مجدداً في 3 ديسمبر/كانون الأول 2006.

عنى ذلك بالبديهة أن هوغو شافيز تمتع من خلال الشرعيات الخمس المتتالية التي منحه ياها الشعب الفنزويلي بشرعية فاقت صدقية شرعيات جميع الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا على السلطة في البيت الأبيض.

فعلى سبيل المثال لا الحصر فاقت شرعية الرئيس الفنزويلي ألف مرة الشرعيتين اللتين حصل عليهما الرئيس الأمريكي السابق الأرعن جورج بوش في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأولى عام 2000 والثانية عام 2004، لأن الشرعية التي حصل عليها بوش في الانتخابات الأولى ظلت مثار شك وريبة وجدل سياسي طويل قبل أن يتم التسليم بها. وما كان لبوش أن يصل إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض آنذاك لو لم يلجأ مضطراً إلى المحكمة الأمريكية العليا ولو لم يتصف خصمه الديمقراطي آل غور بالوطنية والحنكة، عندما قرر التسليم بالهزيمة برغم عدم اقتناعه بنتيجة الانتخابات، حرصاً على أمن وسلامة الولايات المتحدة الأمريكية. وأما الشرعية التي حصل عليها في الانتخابات الثانية فما كان لها أن تكون لولا اعتماده على أصوات المندوبين الحزبيين واليهود الأميركيين في حسم معركته مع خصمه الديمقراطي جون كيري.

ولعل أبسط ما يمكن أن يقال عن انتصارات هوغو شافيز المتتالية هو أنها شكلت تأكيداً لصدقية روح الثورة البوليفارية التي كان شافيز يعتبر نفسه امتداداً لها والتي أصر على اعتبارها محطة تاريخية هامة لا تنفصل عن تاريخ أمريكا اللاتينية، كما وشكلت انتصاراً للديمقراطية في فنزويلا باعتبار أنه كان لشافيز شرف تعديل دستور بلاده بشكلٍ يستحيل معه أن يقبض أي رئيس ديكتاتوري على مقاليد السلطة فيها إذا لم يكن الشعب راضياً عن سياساته ومؤيداً لسلطة حكمه.

ففي عام 1999 ولم يكن قد مضى بعد أكثر من عام على توليه رئاسته الأولى، أجرى شافيز تعديلاً دستورياً أوجب إجراء استفتاء على شخص الرئيس بعد عامين من استلامه السلطة إذا ما طعن الشعب بممارساته الديمقراطية. لكن جاءت المفارقة الغريبة فيما بعد ذلك بقليل من تحالف المعارضة الذي تشكل من النخبة والطبقة الوسطى والأوليغارشية السياسية والاقتصادية التي جثمت على صدور الفنزويليين عقوداً طويلة اتصفت بالفاشية والانحراف واستغلال الثروة النفطية والتنكر لحاجات ومصالح الفقراء والمعدمين من أبناء الطبقة الفقيرة، حين استغل ذلك التحالف التعديل الدستوري وقام بعملية انقلابية على شافيز بدعم ومساندة من واشنطن.

يُذكر أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" كانت قد وضعت كل ثقلها وراء ذلك التحالف للإطاحة بشافيز من خلال حثه على القيام بتلك العملية الانقلابية الحقيقية المماثلة لسابقتين لها، جرت الأولى في غواتيمالا عام 1954 والثانية في تشيلي عام 1973، أملاً في تنصيب سلطة عميلة لواشنطن في كاراكاس تسهل لها الهيمنة والسطو على النفط الفنزويلي.

فكما هو متعاف عليه فإن فنزويلا هي عضو هام في منظمة "أوبيك" وواحدة من أكبر خمس دول منتجة ومصدرة للنفط في العالم. ومن أجل ذلك أوعزت واشنطن في عام 2002 إلى تحالف المعارضة الذي قاده الأوليغارشيون من بطانة الحكم الذي سبق حكم شافيز للقيام بما أسمته انقلاباً دستورياً. وقد نجح تحالف المعارضة آنذاك في الإطاحة بهوغو شافيز، إلا أن الموالين والمخلصين له في الجيش وطبقة الفقراء والمعدمين استطاعوا إعادته للسلطة بعد يومين قضاهما في معتقل للتحالف.

مع وصول شافيز إلى السلطة في عام 1998، أثارت سياساته حفيظة واشنطن التي اعتبرته عدواً لها يجب الإطاحة به وإقصائه عن السلطة. فإلى جانب اعتزازه ببوليفاريته وحذوه حذو سيمون بوليفار بطل الاستقلال الوطني والمحرر الحقيقي لأميركا اللاتينية من وجهة نظره، أقام شافيز أفضل العلاقات مع كوبا ورئيسها السابق فيديل كاسترو وتدخل في شؤون كولومبيا الداخلية. وكما هو معروف فإن كاسترو كان من ألد أعداء واشنطن وأن كولومبيا هي من "حَوَشِها" الرئيسيين في أميركا اللاتينية، وفق النظرة الأمريكية العنصرية المعروفة!!

وفوق ذلك وعلى خلاف ما نهج عليه الرؤساء السابقون لفنزويلا، أبدى شافيز تشدداً وحزماً ظاهرين في مسألة النفط من خلال التزامه بحصة بلاده في منظمة "أوبيك"، وتقديم مصالح أبناء شعبه على مصالح الأمريكيين. والأسوأ من ذلك والأشد مرارةً بالنسبة لواشنطن وحلفائها، هو أن شافيز كان واحداً من أبرز زعماء العالم الذين وقفوا إلى جانب الشرعية الدولية والقانون الدولي في جميع المعضلات الدولية وعلى وجه الخصوص في العالم الثالث. ونذكر بأن شافيز كان الزعيم الأممي الوحيد الذي تحدى الحصار على العراق فزارها والتقى برئيسها وأركان نظامه. ويومها خاطب شافيز العراقيين ورئيسهم من منطلق وطني وإنساني مؤكداً على موقعهم في معركة الإنسانية الكبرى لدحر مخططات الإمبريالية الأمريكية.

كانت واشنطن تتخوف كثيراً من تدخل شافيز المباشر في شؤون شركة نفط فنزويلا وتأثيره المباشر على أسعار النفط الذي تستورده من كاراكاس، والذي تراوح في ذلك الوقت بين 12 و15 في المائة من استيرادها للنفط العالمي. وكما هو معروف فإن فنزويلا هي أكبر خامس دولة نفطية في العالم، أكان ذلك لجهة الإنتاج أو الاحتياط، وكانت معتادة على تصدير حوالي 90 في المائة من نفطها للولايات المتحدة الأمريكية.

عندما كانت واشنطن تتدخل في شؤون فنزويلا إبان حكم هوغو شافيز وتحاول قلب نظام الحكم فيها، فإنما كانت تفعل ذلك وفق منظورها الاستعماري القديم ـ الجديد أكان ذلك في سياق الإطار السياسي أو سياق الإطار الاقتصادي، لأنها لم تكن يوماً حريصةً على الديمقراطية فيها أو في أي مكان آخر من العالم ولأن جل ما كان ولم يزل يهمها هو مصالحها ألاً وأخيراً.

إنتصر هوغو شافيز يوم الأحد  7 نوفمبر/تشرين الأول 2012 على خصمه هنريك كابريليس الذي دعمته واشنطن بحصوله على 55 %  مقابل 45% للثاني، تماماً كما انتصر على خصمه مانويل روزاليس الذي دعمته واشنطن أيضاً يوم الأحد 3 ديسمبر/كانون الأول 2006، وكما انتصر في استفتاء 15 أغسطس/آب 2004 على خصمه كارلوس أندرياس بيريز الذي كانت دعمته واشنطن كذلك، مما عنى أن شافيز نجح مرات عدية في إنزال الهزائم بزعيمة الإمبريالية في العالم ومنعها من تحقيق أطماعها وتطلعاتها غير المشروعة في فنزويلا، الأمر الذي دلل على نهاية الهيمنة الأمريكية في أميركا اللاتينية بشكل جدي وسقوط الغطرسة الكاليغولية المقيتة المتمثلة بالأوليغارشية ونجاح البوليفارية. وبانتصارالشعب الفنزويلي لرئيسه السابق الذي وجد الديمقراطية الحقيقية في كنفه في جميع معاركه التي خاضها ضد هيمنة الإمبريالية الأمريكية، يمكن القول أن الفنزويليين اعتادو على التصويت ضد "الشيطان الأكبر" ليفوز هوغو شافيز الذي كان شعاره الانتخابي الدائم "صوت ضد الشيطان" !!

رحم الله هوغو شافيز الذي أحب شعبه فأحبه شعبه والذي كان وفياً لشعبه الذي بادله الوفاء بوفاء مماثل.

 

محمود كعوش - كوبنهاجن

كاتب وشاعر فلسطيني مقيم بالدانمارك

 

إسلاميو السلطة (125): تيار الصدر الثاني

salim alhasaniأكثر من مائتي قارئ ومتابع قمت بحظرهم حتى الآن من ضمن الأشخاص الذين يتابعون مقالاتي، والسبب هو استخدامهم عبارات خارج الذوق العام، تخدش الحياء ويعف عنها اللسان. وهم من أتباع السيد مقتدى الصدر.

هذه الظاهرة تستدعي التوقف طويلاً، لأنهم ينتمون لمدرسة الشهيد الصدر الثاني الذي ضحى بحياته من أجل خلق قيم إسلامية أخلاقية في المجتمع العراقي. في حين نجد أن المدعين بالانتماء لخطه يعيشون حالة الهبوط التربوي والأخلاقي والثقافي.

إن أي عملية تقييم لهذه الظاهرة، تُعطي نتيجة مخيبة، مفادها أن منهج السيد الشهيد محمد الصدر، لم يكن مؤثراً على صعيد التثقيف، وإن نجح في مجال التعبئة الجماهيرية.

 ...

قبل استشهاده قدس سره، كان هناك أحد كبار القادة المجاهدين ـ لا أذكر اسمه حالياً حرصاً على كرامته من الشتيمة ـ وكان موضع ثقة خاصة من قبل الامام الشهيد الصدر الأول، كما له علاقة تنسيق وثيقة مع آية الله السيد كاظم الحائري، ومع قيادات إسلامية رفيعة في إيران ولبنان، وقد تركز عمله داخل العراق طوال الثمانينات والتسعينات وحتى سقوط النظام.

كان هذا القائد الكبير يتواصل في فترات متباعدة مع السيد محمد الصدر بطريقة حذرة جداً، وفي إحدى المرات أوصل رسالة للسيد الشهيد الصدر الثاني، يُخبره فيها بأنه يلمس بساطة المستوى الثقافي لأتباعه، ويستفسر منه حول أسباب هذه الظاهرة. فجاءه جواب السيد رحمه الله بأنه حالياً يهتم بهذه الفئات الجماهيرية في مواجهة السلطة، لأن المرحلة تستدعي ذلك.

 ...

خلاصة ما أريد قوله، إن الشهيد الصدر الثاني وضع لنفسه منهجاً يختلف عن المنهج الذي كان سائداً في الحركات الإسلامية، وأبرزها منهج الإمام محمد باقر الصدر، حيث كان التركيز على النخبة المثقفة، والاهتمام بصناعة قاعدة عريضة من المثقفين الإسلاميين لتقوم عليها عملية تغيير المجتمع على أساس الإسلام.

إن الظروف الاجتماعية والسياسية اختلفت كثيراً بين عهدي الشهيدين، ففي أواسط القرن الماضي كان مظهر الساحة هو الصراع الفكري، مما استدعى ان يكون النشاط فكرياً. أما في تسعينات القرن الماضي، وبعد النتائج القمعية وتبعاتها على الانتفاضة الشعبانية عام 1991، فان الشهيد الصدر الثاني، وجد أن الساحة بحاجة أولاً الى تشكيل الجمهور الشيعي وإعادة الثقة اليه بعد انتكاسة الانتفاضة. وهذا ما قاله في رسالته الجوابية للقائد الكبير الذي ذكرته آنفاً.

 .

يتضح هذا المنهج بوضوح من خلال مشروع صلاة الجمعة الذي اعتمده السيد قدس سره، وقد أثبت فاعليته ونجاحه بشكل مذهل في تلك الفترة الصعبة من تاريخ العراق، فقد بدأ الجمهور الشيعي يتجاوز جدار الخوف، واستعاد الثقة بنفسه، ودخل مرحلة جديدة تتمثل في جماهير الجمعة، وخصوصاً في حضورها لمسجد الكوفة في تظاهرة أسبوعية كبرى، حتى صارت أمراً واقعاً في العراق.

 ...

كان الشهيد الصدر الثاني يريد بث الوعي الإسلامي من خلال الحضور الجماهيري الواسع، وهذا ما فعله في خطب الجمعة، مع علمه بانه يحتاج الى وقت طويل، وأن التثقيف العميق يكون من خلال المؤسسات والمشاريع والدروس وغير ذلك من نشاطات التوعية المركزة.

لم يمتلك الشهيد الصدر الثاني فرصة العمر التي تتيح له المضي في مشروعه، فقد اغتاله النظام الظالم عام 1999، وهو في أوج جماهيريته وقوته الميدانية، فكانت صدمة مفجعة وضربة موجعة لثاني نهضة في العراق في النصف الثاني من القرن العشرين.

 ...

بعد سقوط النظام الصدامي، كان التيار الصدري جاهزاً قائماً على ساقيه، ويضم الملايين من الشيعة، لكن المشكلة كانت في قيادته. وكان المطلوب قيادته بمعنى استكمال مسيرة الشهيد الصدر الثاني، وليس قيادة استحواذ على هذه الجماهير العريضة.

لكن الذي حصل هو تجاوز مشروع الصدر الشهيد تماماً، وبروز رغبة الاستحواذ على جمهوره، لتصبح كماً عددياً مجرداً في حركة المتغير السياسي الذي شهده العراق بعد السقوط.

 .

لذلك سرعان ما اقتطع الشيخ محمد اليعقوبي جزءاً من التيار الصدري ليصنع مرجعيته، مستفيداً من استحسان كلامي قاله السيد الشهيد بحقه، وليس على أسس علمية مما هو متعارف عليه في الحوزات العلمية في الحصول على رتبة الاجتهاد وشهادات الفقهاء وضوابط الأعلمية المعمول بها تاريخياً وبشكل دقيق في الجو العلمي الشيعي.

أما السيد مقتدى الصدر فانه تعامل مع جماهير التيار على أنهم إرث والده وأنه الأحق بهم، وكان ذلك سهلاً بحكم العلاقة العاطفية التي تغلب على الأجواء الشيعية، فهي تريد ان تستقر نفسياً في علاقة انتماء، من دون ان تسأل عن المستوى العلمي للوارث، مع ان هذه القضية أساسية في المجال الديني.

 ...

استغرق السيد مقتدى الصدر في العملية السياسية منذ البداية، وكان واضحاً انه كان يريد الحفاظ على جماهير والده، من خلال التأكيد على الربط العاطفي بالدرجة الأولى، وهذا ما نسمعه كثيراً في خطاباته وكلماته (سمعة أبي، سمعة آل الصدر، هل نسيتم قائدكم، وما الى ذلك) وهي كلمات تضرب على العاطفة الساذجة، وتبتعد عن المسار المفاهيمي، فالوارد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: (أحبونا حب الإسلام) أي ان العقيدة الإسلامية بقيمها ومفاهيمها وأحكامها هي التي تحدد العلاقة بالقيادة، وليس الارتباط العاطفي الساذج.

وقد رفض الإمام علي عليه السلام من قبل، وفي أحرج فترة مرّ بها الإسلام، البيعة على أساس العاطفة والارتباط الأسري، وذلك عندما لم يوافق على عرض عمه العباس بأن يبايعه (فيقول الناس عم رسول الله بايع أبن عمه، فلا يختلف عليك اثنان). لكن الإمام عليه السلام رفض هذا الشكل من الزعامة لأنها ستكون عشائرية أسرية عاطفية، بينما هو يريدها قائمة على أساس ديني أصيل عملاً بأحكام القرآن ووصية الرسول صلى الله عليه وآله.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

هيكل والدرس الأخير

abduljabar noriتوطئة لا بُدّ منها – أنشغل الفضاء الأعلامي في الأيام الماضية بوفاة الكاتب والصحفي "محمد حسنين هيكل" الذي غادر دنيانا بعد مكوث فيها جاوز التسعين عاماً، وفي الوقت الذي أختلف الناس عليه في حياته أختلافهم عليه في مماته، وأشار خطه الأنساني البياني بالهبوط، وعند اللحظة الأوكسيجينية الشحيحة وهو يحاول جاهداً أستنشاقها وهو يخاطب الأطباء لا تتعبوا أدواتكم، ولا تقفوا بأجهزتكم ومعداتكم في وجه الموت، فأدركتُ حينها أنهُ يريد أنْ يموت بكرامة، وبلا ألم، أذا ما حانت ساعة الحقيقة، وعلمتُ أنّ فلسفتهُ وصيرورتهُ في الحياة هي {المفهوم النوعي لا الكمي} .

العرض – من ضياع الوقت أن أعرّف بهذا الطود الشامخ لكونه أشهر من نارٍ على علم - وللضرورة أحكام - فهو "محمد حسنين هيكل" 23 سبتمبر 1923 – 17 فبراير 2016، أحد أشهر الصحفيين العرب والمصريين، فهو روائي وصحفي وسياسي، واشتهر كناقد ومحلل سياسي في الشؤون العربية منذ أكثر من خمسين عاماً، وهو منظّر سياسي بارز، ومؤرخ للتأريخ العربي الحديث خاصة تأريخ الصراع العربي الأسرائيلي، فقدرته التحليلية والأستراتيجية للأحداث مع علاقاته القوية مع الرؤساء والزعماء العرب والدوليين مكنتهُ من الوصول إلى وثائق وأرشيفات توثيق غاية في الأهمية، فكان أنْ بدأ بأصدار أكثر من مئة كتاب من الكتب السياسية المتميزة باللغة العربية والأنكليزية، وترجمت كتبه إلى 32 لغة، فهو بحق عميد الصحفيين العرب، فقد شغل رئاسة تحرير جريدة الأهرام الواسعة الأنتشار لمدة 17 عام من 1957 حتى 1974، وترأس في مرحلة الستينات مجلس أدارة أخبار اليوم ومجلة روز اليوسف، وفي 1970 عيّن وزيراً للأعلام ثُم وزيرا للأرشاد القومي، ويلتقي هيكل مع الأديب الفرنسي الشهير" أندري مارلو" في عالم الفكر والفن، أنّهُ شراعٌ على النيل جاء من صعيد مصر مرحلاً إلى الشمال حاملاً معهُ خصب النهر العظيم .

هيكل هو مجموعة من دروس لا يمكن لأي شخص أياً كان موقعهُ في الأسناد ألا أنْ يتأملها، فقد ظلّ الرجل حتى آخر لحظاتهِ حريصاً على أستكمال صورته من دون أن يترك الرتوش البسيطة، أنتهت الرحلة، وتوقف مشوار العمر وطويت صفحة أنسانية وفكرية وسياسية وصحفية من أهم صفحات التأريخ الحديث في مصر، مات الأستاذ محمد حسنين هيكل أحد أهم وأشهر الصحفيين المصريين، وكان آخر توصياته لأبناء شعب الكنانة : على المصريين أنْ لا يرتكبوا خطيئة أهالي بيزنطة .. عندما أنهمكوا في الجدل حول جنس الملائكة ونسوا أنّ الأعداء على الأسوار .

وأذكروامحاسن موتاكم

أناهنا لست بموقع مدافع عن الرجل لأنتماءه للجنس البشري الذي يختزن في أعماقه مجموعة أرهاصات متضاربة حول القضايا الساخنة منذ الخمسينات وحتى يوم وفاته في عصر 17 فبراير، لذا ظهر ضده رتلٌ من النقاد المختلفين معه، وبالمقابل حصل على جيوشٍ من المؤيدين والمحبين وخصوصاً من القادة المصريين كعبد الناصر الذي – حسب رأي – صنع نجوميته .

-والذي أعجبني جرأته  وصراحته الصحفية في لقاءه مع قناة CBCالمصرية ديسمبر 2015{وجه أنتقادا حاداًإلى الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وللرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لحرب عاصفة الحزم على اليمن، وأنتقد هيكل اللجوء الخليجي إلى خيار الحرب، كان المفروض أستخدام قوة المنطق لا منطق القوّة .

- وأنّ القوّة العربية المشتركة لا تستهدف (داعش) بل تعمل على تقويته سرا وعلانيه بغطاء طائفي ومذهبي مقيت .

- وصرح عن فشل حكام العراق الجدد بعد السقوط فقال بالحرف الواحد: {أنهم مجموعة من لصوص المال،نهبوا ثرواته وزرعوا الفتنة الطائفية فيه} .

- كان ضوءاًفي طريق يهتدي بها الحركات السياسية الطامحة نحو الأنعتاق من الظلم والأستبداد والتحرر من الأستعمار .

- عمل بجد ونشاط على تسليط الضوء على عقلية الحكام العرب وفضحهم أمام الأمة .

- كان شاهداً على على التحولات الدراماتيكية للعصر العربي .

- كان ضد سياسة الأنفتاح ومعاهدة كامب ديفد .------ في 3-3-2016

 

عبد الجبارنوري- السويد

 

ترومان كابوتي العبقري الذي جنى على نفسه

jawdat hoshyarيقال أن ثمة كاتبان فقط يعرفهما الشارع الأميركي وهما  ارنست همنجواي، وترومان كابوتي . واذا كان معظم نتاجات هيمنجواي قد ترجم الى اللغة العربية، فأن نتاجات كابوتي، لم تحظ بالأهتمام ذاته في العالم العربي، رغم حضوره الدائم في المشهد الثقافي العالمي بعد أكثر من ثلاثة عقود على وفاته، وصدور مئات الطبعات الجديدة من أعماله الأدبية،، و كتب عن سيرته الحياتية والأبداعية والعديد من الأفلام السينمائية المستوحاة من رواياته " افطار في تيفاني " و" بدم بارد " وغيرهما، والتي فاز بعضها بجائزة الأوسكار.وكابوتي هو الكاتب المؤسس الحقيقي لجنس أدبي جديد يعرف بـ" الرواية غير الخيالية"

ولد كابوتي في نيو اورليانز العام  1924 . وكان في الرابعة من عمره عند طلاق والديه، وارسلته امه الى خالته ( ناني فولك) في مونوروفيل ( ولاية الباما) . انتقلت فولك بصحبة الصبي الى نيويورك في عام 1931،ثم تزوجت رجل الأعمال الكوبي ( جوزيف غارسيا كابوتي) الذي تبنى ترومان . .

تعلم كابوتي الكتابة في سن مبكرة، ومنذ الثامنة من عمره بدأ بكتابة القصص القصيرة، وفي الحادية عشرة من عمره، كان يكتب من ست الى تسع ساعات يوميا . وقد تم في الآونة الأخيرة العثور على عدة كراريس مكتوبة بخطه في أرشيف (مكتبة نيويورك) تتضمن أقاصيص كتبها في سنوات المراهقة . وقالت صحيفة " نيويورك تايمس " أن هذه المسودات التي تحفل بتصحيحات على الهوامش، تبدو مثيرة للدهشة، لأننا نرى فيها عبقريا صغيراً يعمل، وتكشف عن موهبتة المبكرة ورؤيته للعالم .

التحق ترومان بكلية "ترينيتي " ولكنه ترك الدراسة عندما كان في السابعة عشرة قائلاً : " أن الدراسة في هذه الكلية مضيعة للوقت ولم اتعلم فيها شيئا . والتحق للعمل كموظف بسيط في صحيفة (النيو يوركر).

كان العام 1945 سعيدا في حياة كابوتي،فقد نشر عدة أقاصيص، وتنبأ له النقاد بمستقبل واعد . وتعرف على الكاتبة الموهوبة (كارسون ماكّاليرس (1917-1967) مؤلفة رواية " القلب – صياد وحيد " الصادرة عام 1940، و توثقت العلاقة بينهما، فقد رأت كارسون في كابوتي روحاً قريبة من روحها واسلوب كتابتها (التهكم، السخرية، أجواء القلق، والشعور بالوحدة) . واطلق النقاد على هذا الأتجاه الأدبي اسم " القوطية الجنوبية "،حيث تتسم نتاجاتهما بخلفية جنوب البلاد.

وفي اكتوبر 1945 وقع كابوتي عقدا مع دار نشر كبرى هي " راندوم هاوس " لنشر روايته الأولى " اصوات أخرى، غرف أخرى "، وفي ربيع العام 1946 فاز بجائزة (أو. هنري)، ورحل الى مدينة الكتّاب " يادو " للتفرغ لكتابة الرواية .ونشرت مجلة " لايف " في العام 1947 مقالاً عن الكتّاب الشباب في الولايات المتحدة الأميركية تصدرته صورة لكابوتي شغلت ثلثي الصفحة . وتحت الصورة النص التالي " ترومان كابوتي ابن (نيو اورليانز) يكتب قصصا لا تنسى" .

نشرت رواية " اصوات أخرى، غرف أخرى " في خريف العام ذاته . والرواية حكاية صبي يبحث عن والده فيجد نفسه . وبعد سنوات من نشر هذه الرواية قال عنها كابوتي " أنها كانت محاولة عفوية ولا واعية لطرد الشياطين، ولم أكن أدرك ان هذه الرواية – بأستثناء الوصف وبعض الحوادث – شبيهة بسيرتي الذاتية . وعندما أعيد قراءتها الآن أجدها خداعا للنفس لا يغتفر . "

تحدث النقاد عن الكتاب الأول لـ"الكاتب الأمريكي الأشهر." وقالوا عن الرواية انها (مثلية) وحداثوية منحطة، وشبهوا كابوتي بفولكنر، وأوسكار وايلد، وادغار بو . وتصدرت الرواية قائمة أكثر الكتب رواجاً لمدة تسعة أسابيع، حسب لائحة صحيفة (نيويورك تايمز). وكانت لها أصداء واسعة وأخذت رسائل القراء من كل أنحاء البلاد تنهال على المؤلف . وخصصت (نيويورك تايمز) حقلا تحت عنوان " زاوية كابوتي " تنشر فيها آخر أخبار الكاتب الشاب مرة في الأسبوع .واذا لم تكن ثمة أية أخبار كانت الجريدة تقول : " كابوتي : لا شيء جديد عنه هذا الأسبوع ."

وكانت صورة كابوتي على الغلاف الأول للكتاب هي الأكثر إثارة للإعجاب: فتى وسيم، وأنيق، جالس على أريكة فكتورية الطراز، ونظرته تعطي انطباعاً عن رجل عليم بكل شيء . وقد سمع المصور هارولد هالم - الذي التقط الصورة -  محادثة دارت بين سيدتين كانتا تتطلعان الى صورة كابوتي في واجهة متجر للكتب . قالت الأولى : " أقول لكِ أنه فتى يافع " . فردت الثانية : " وأنا أقول اذا لم يكن يافعاً فأنه خطر"

كان  (اندي وارهول) في العشرين من العمر ويعيش في (بيتسبرغ). وعندما رأى هذه الصورة تملكته رغبة عارمة في رؤية صاحبها والتعرف عليه، وانهالت رسائله على كابوتي، ثم جاء الى نيويورك ورابط عند باب منزل كابوتي ليلقي عليه نظرة عند خروجه. وفي نهاية المطاف أصبحا صديقين . كان وارهول رساما وقد أقام معرضه الفني الأول على قاعة " هيوج غاليري " في نيويورك في حزيران – تموز 1952 . وعرض فيه 15 لوحة فنية مستوحاة من قصص ترومان كابوتي .

شهرة كابوتي سبقته الى أوروربا، التي زارها لمتابعة الأصدارات الجديدة من : "أصوات أخرى ... غرف أخرى " في فرنسا وانجلترا . وأجرت المجلات والصحف الفرنسية مقابلات معه، وأصبح معروفا في الشارع الفرنسي، حيث كان الناس يتعرفون عليه عندما كان يتجول في شوارع باريس .

كتب كابوتي ذات مرة : " كنت دائما اريد أن أكون كاتباً مشهوراً وثرياً " . وعندما التحق بكلية خاصة، كان يكره الطلبة الأغنياء لأنهم لم يكونوا " ذوي أذواق جيدة " وكان معجباً بالأشخاص العصاميين الذين نجحوا في الحياة .  وكل من عرف كابوتي شخصيا يقول أنه كانت لديه قابلية مدهشة في كسب الأصدقاء من أول نظرة، وفي أول لقاء . واستغل هذه القابلية في كسب قلوب النساء الشهيرات في المجتمع النيويوركي المخملي . كلهن كن جميلات، وثريات، يلبسن وفق آخر صرعات الموضة. بينهن مارلين مونرو والزابيث تايلور.

في كانون الأول 1965 سافر كابوتي الى الأتحاد السوفييتي مندوباً عن النيويوركر لتغطية فعاليات فرقة فنية أميركية زائرة . وقد اصدر كابوتي في العام التالي كتابا عن زيارته تحت عنوان " الألهام يسمع " وهو كتاب يتصف بالسخرية المرحة والوصف البديع . وكان هذا تجربته الأولى في كتابة الرواية غير الخيالية . رفض ان يكتب تحقيقا صحفيا تقليديا وتعامل مع مادة الكتاب وفق تقنيات الفن الروائي . وبذلك سبق روّاد الصحافة الجديدة في استخدام التقنيات الفنية في الصحافة . وقال عن هذا الكتاب لاحقاً : " الألهام يسمع" وجه أفكاري في اتجاه آخر .اردت أن أكتب رواية صحفية، واصنع شيئا هائلاً يتسم بقوة الحقيقة المقنعة، وبتأثير مباشر، مثل أي فيلم جيد، أو نثر حر ومعمق، ودقيق كالشعر ."

 ولكن لم يكن الوقت قد حان لمثل هذه الرواية، ذلك لأنه كان يعمل في كتابة روايته المشهورة " إفطار في تيفاني " (1958) . بطلة الرواية – هولي غولايتلي فتاة غريبة أخرى، كان كابوتي يهوى الكتابة عنها وعن  فتيات يشبهن الأولاد . اللواتي من الصعب التخلص منهن، وإن كان من السهل فقدانهن . كانت هولي تأمل أن تتناول وجبة إفطار في تيفاني يوما ما . وتيفاني اسم  ورد في نكتة تقول –  إن بحاراً لم يكن على دراية بالماركات الحديثة، وسمع بأسم تيفاني، وظن أنه اسم مطعم فاخر،  وتملكته رغبة في تناول وجبة افطار في هذا المطعم، ولم يكن يعلم أنه (تيفاني) هو اسم مخزن مجوهرات .. بعد صدور الرواية قال نورمان ميلر ان ترومان كابوتي أفضل كاتب في جيلنا . "

في العام 1961 أنتجت هوليود فيلما بالعنوان ذاته . وكان كابوتي يرغب في قيام صديقته مارلين مونرو بدور البطولة فيه ولكن المخرج اختار أودري هيبورن . وجرى ادخال تعديلات كثيرة على الرواية . فعلى سبيل المثال البطل في الرواية كاتب ناشيء يعامل هولي بلطف، ولم يرتبط بها، اما في الفيلم فقد توجت علاقتهما بالزواج . ولقي الفيلم نجاخاً مذهلاً .

ولكن الشهرة المدوية لكابوتي في أميركا ومن ثم في العالم بأسره، جاءت مع نشر روايته " بدم بارد " ولم تكن هذه الرواية العظيمة ستظهر، لولا المصادفة المحض،ففي عام 1959 قرأ كابوتي خبراً عن جريمة قتل عائلة من المزارعين في كانساس،. في البداية اقترح كابوتي على صحيفة الـ(نيويوركر)، أن يقوم بكتابة ساسلة مقالات عن هذه الحادثة المروعة . وبعد سفره الى بلدة هولكومب التي وقعت فيها الجريمة، استولت عليه فكرة تأليف رواية عنها، وقضى ست سنوات، يحقق في هذه الجريمة الوحشية - التي كانت بلا معنى، حيث لم يجد القتلة في المنزل أي مال ولم يسرقوا شيئاً – ويحلل كابوتي الظروف الأجتماعية والخلفية السيكولوجية التي دفعت القاتلين ديك هيكوك وبيري سمث الى اقتراف ما اقترفا . وأحدث نشر الرواية في العام 1965 ضجة كبرى، وظلت لعدة أسابيع حديث الأوساط الثقافية والرأي العام الأميركي، وسرعان ما تم تحويلها الى فيلم سينمائي في هوليود . وبلغت حصة كابوتي من ارباح الكتاب والفيلم معاً حوالي ستة ملايين دولار . ولقيت الرواية اهتماما مكثفا من النقاد ومن وسائل الأعلام . وقيل أنها رواية رائعة . وتوجه كتّاب كثر لتقليد كابوتي في صنيعه ومنهم نورمان ميلر .

قرر كابوتي الأحتفال بهذا النجاح الكبير على طريقته، وأقام حفلاً هائلاً على شرف صاحبة صحيفة (واشنطن بوست ) كيت غراهام – أقوى إمرأة في الولايات المتحدة الأميركية – في 28 تشرين الثاني العام 1966 في فندق (بلازا هوتيل)،  ودعى الى الحفل (500) شخصية بارزة من وجوه المجتمع الأميركي. وكان الفنان الأميركي الشهير ملك (البوب – آرت)  أندي وارهول (1928-1987) من ضمن المدعوين في حينه. وقال لاحقاً : "  عندما وصلت الى : بلازا "  اصبت بدهشة عظيمة . لم أر في حياتي مثل هذا العدد الكبير من المشاهير. أعتقد ان هذا كان أكبرتجمع للمشاهير في تأريخ العالم . "

وعلى العموم فأن هذه الأيام الذهبية لم تستمر طويلاً، ذلك لأن كابوتي لم يكن سعيداً في حياته الخاصة قط , وسرعان ما انغمس في نمط العيش البوهيمي، وأدمن الكحول والمخدرات والحبوب المنومة  . ومع ذلك كان يتهيأ لتفجير قنبلة أدبية أخرى – رواية " الدعوات المستجابة"، وتعاقد مع دار نشر " راندوم هاوس " على نشر الكتاب عند اكتمال تأليفه . وباع الى هوليود حقوق تحويله الى فيلم سينمائي . ولكن العمل لم يكن يسير كما خطط له . وتأجل الموعد النهائي  لأكمال الرواية عدة مرات . وخلال عامي 1975-1976 نشر عدة فصول من الرواية في مجلة " اسكواير " . وكان الراوي أو سارد القصة، جونز طفلاً يتيما ومن ثم كاتباً منحلاً، شبيها بالمؤلف نفسه . أما الشخصيات النسائية في الرواية، فقد كان من السهل التعرف عليهن، رغم تغيير أسمائهن، فقد كن من نجوم هوليود أو صديقات المؤلف من سيدات المجتمع المخملي . وقد كشفت الرواية غسيلهن واسرارهن الشخصية على الملأ .

يقول كابوتي " ان أبطال الرواية هم أشخاص حقيقيون، ولم أخترع أياً منهم . ولم تكتب كرواية عادية، حيث تقدم الحقائق على أنها متخيلة، بل أن نيتي كانت - على النقيض من ذلك -  نزع الأقنعة، وليس صنعها ." نزع كابوتي الأقنعة عن الوجوه حقاً، ولكن دفع ثمناً غالياً لذلك . انتحرت زوجة محافظ ، وأدار الآخرون ظهورهم له . ونشرت مجلة " نيويورك " كاريكاتيراً على غلافها يصور كابوتي على هيئة كلب يعض يد سيدة مجتمع . والنص المصاحب يقول : " كابوتي يعض اليد التي تطعمه"

كان كابوتي أيضاً غاضباً: "يخيل اليهم أنني أعيش وفق قيمهم . أنا لم أعش هكذا أبداً . " ويبكي عندما يشرب ويقول نادماً : " لم أقصد الأساءة الى أي أحد ." . ولم يكمل كابوتي كتابة هذه الرواية أبداً، فقد كان من الصعب عليه التركيز على عمله الأبداعي.

في عام 1979 قرر كابوتي بدأ حياة جديدة، لا تعكرها اللهو الفاضح والأدمان، وأصدر كتاب " موسيقى الحرباء "  الذي يتألف من بورتريهات لشخصيات أجرى معها حوارات من بينها مارلين مونرو، وحوار مع نفسه يعلن فيه:" أنا مدمن كحول ومخدرات، أنا عبقري "، وقصة وثائقية تحت عنوان " نعوش محلية الصنع " . " موسيقى للحرباء " ظلت لمدة 16 اسبوعا على رأس قائمة الكتب الأكثر رواجاً، وهذا حدث نادر بالنسبة لىكتاب خليط من القصص القصيرة والذكريات والتحقيقات .

في أوائل العام 1980 تحسنت صحته وفكر في مشاريع جديدة ولكنه لم يستطع أن يترك شرب الكحول وشم المخدرات، رغم أنه كان يكرر دائماً أنها مضرة . دخل المصح عدة مرات وكان فيما مضى، يبقى صاحيا بعد خروجه  لمدة عدة أشهر، أما في سنواته الأخيرة فلم تكن صحوته تدوم لأكثر من يوم أو يومين ليعود بعدها الى تدمير نفسه . وكان يخيل اليه أن ثمة أشباحا تلاحقه في كل مكان في نيويورك. وقرر الأختباء في لوس انجلوس في منزل جوان كارسون حيث توفي في 25 أغسطس العام 1984 من التليف الكبدي، ليتحول بعدها الى اسطورة دائمة الحضور في المشهد الثقافي في العالم، حيث يعود الى الأضواء في كل مرة ينشر فيها شيء من نتاجاته غير المنشورة  أو مذكرات الآخرين عنه، أوالكتب الجديدة عن سيرة حياته .

 

جودت هوشيار

 

وجع الماضي وجراح السنين

elmrazik almustafaوأنا في منتصف الخمسينات من عمري، لا زلت إلى حدود اليوم وفي كل المحطات السياسية والنضالية أقرأ وأعيد قراءة كتاب "حركة القوميين العرب"، للمناضل والمثقف العضوي والوحدوي باسل الكبيسي، العراقي- الفلسطيني، أحد كوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي استشهد مغدورا في الاغتراب يوم 6 نيسان/ أبريل 1973 في إحدى شوارع باريس. تعلمت منه الثبات على المبادئ والقيم والصبر على الشدائد وتحمل المسؤولية مهما كان الثمن، ومبادئ العزة الوطنية والإيمان بالتحرر والبناء الاشتراكي.

كان الشهيد باسل الكبيسي، من بين من حملت نهجهم عل كتفي حالما بالمبادئ التي تدعو إلى تغيير الواقع القائم والحلم بمجتمع أفضل تسوده الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

وإذا كانت الدروس الأولى في النضال لم تكن مرتبطة بالمعتركات الايديولوجية والسياسية ولا بالثقافة الانتخابوية، فإن أغوار هذه التجربة استمرت لأزيد من 3 عقود، وكانت الجرائم الصهيونية ضد شعب فلسطين تحرك فينا عبق الإحساس بالسلم والسلام الذي لا يقوم على الإرهاب والتجويع والمحاصرة. كنا نؤمن بالأفكار المجردة ونجهل قواعد اللعبة السياسية، على عكس المناضلين الذين اختاروا الانحياز الإيديولوجي للمعسكرات التي كانت تطل علينا من مواقع مختلفة بالشعارات والبيانات والرسائل والمجلدات، لمقاومة الأنظمة الاستبدادية والماضوية والرجعية.

إن استحضارنا اليوم للشهيد باسل الكبيسي ولأستاذه في النضال المرحوم حكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش (مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) على سبيل المثال لا الحصر، هو استحضار لجيل كامل من رجالات حركات المقاومة والتحرر في العراق وفلسطين وفي سوريا ولبنان ومصر والجزائر وتونس والمغرب منذ نكبة فلسطين عام 1948. جيل كان يحلم بوحدة الشعوب وبتحريرها من ربقة الاستعمار، جيل ناضل من أجل الكرامة والحرية والعزة والعدالة الاجتماعية.

إنها مناسبة لطرح أسئلة متعددة حول ما الذي تغير منذ ذلك الحين؟

طبعا، ما حدث منذ ذلك الحين يفترض جهدا كاملا لفهم الماضي وربطه بالحاضر، ويتطلب مزيدا من التنوير واستعدادا كافيا للحاق بإيقاع المستقبل.

و إذا كانت كل التفسيرات والقراءات تحتاج إلى مقاربات متعددة التخصصات لفهم واقع المتغيرات التي شهدتها هذه المناطق التي يجمعنا معها أحلاما مشتركة، فإن أحداث كبرى وثورات عظمى شهدتها (هذه المناطق) عربيا ودوليا، أثرت في مسيراتها السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية. حيث كان لا بد أن تكون مثار بحث ونقاش بين فاعلين أساسيين ومدارس فكرية مختلفة. لكن ما يهمنا في هذه المناسبة هو الإقرار بالتحولات العميقة وبالمخاضات العسيرة التي غيرت معالم الرموز التاريخية المعروفة، وخاصة منذ ستينيات القرن الماضي إلى نهايته.

إن الأحداث السياسية الكبرى التي عاشتها مجتمعاتنا العربية، حملت في الوقت نفسه قلقا كبيرا ورؤيا جديدة لما نستطيع أن نسميه: "التحدي". فجيل الستينات تفتح وعيه على ثورات وتجارب العالم، ربما أكثر من اللازم. وفي فترة وجيزة خلق مساحة كبيرة من الوعي والنضج وبخار ورماد، وحلم انتهى به المطاف للعيش في دهاليز المعتقلات السرية والعلنية منها، لتبدأ معركة الصمود والمقاومة والتصدي مع جيل جديد لم يكن يملك إلا أقلاما ودفاتر شعر وأناشيد الثوار ضد الجمر والرصاص.

كانت نكسة حزيران هزيمة جيل كامل، وسقوط مرحلة كاملة من الزهو والصعود والبناء، وهو ما انعكس على نخبنا المناضلة التي صبت جام غضبها على جميع القوى الفاعلة في المجتمع، وانتهت للعيش المستدام في دوامة النقاشات الإيديولوجية والسياسية البعيدة عن الشعب، وإحصاء "المنشقون والمنسحبون والمجمدون والمطرودون والحائرون والخائنون وأنصاف الخائنين وكاتبو العفو والمشنعون عليهم وتيار العزة النفسية الشامخة..." (عبد القادر الشاوي، "كان وأخواتها").

ورغم محاولة انتعاش بعض الحركات السياسية اليسارية التي بنت نظرتها للماضي بغضب وسخط ونقد لاذع للنظام وكل القوى السياسية القريبة أو البعيدة منه، إلا أن هزيمة حرب أكتوبر واتفاقية "كامب ديفيد" ستطيح بكل ما تبقى من حلم القومية العربية التي كانت في أوج ازدهارها، وستتحول ( هذه الحركات) إلى حارس على البوابة اليسارية والتي لا بد لأي مناضل أن يمر من خلالها وعن طريقها، ومن يخالفها فهو لقيط وعدمي ومشبوه وقد ينعت حتى ب"السيخ" و"بيشمركة" وغيرها من التسميات. لكن ورغم ذلك، نهلت وغرفت القوى الصاعدة من كل التجارب ومن كتابات وإبداعات ودراسات الأجيال السابقة، وحملت معاناتهم وجراحهم المندملة إلى قمة النضال الحقوقي والديمقراطي، من دون أي عقدة نقص أو حقد أو تشويه في حق الجيل الأول من المؤسسين والقادة التاريخيين لهذه الحركات.

وعلى الرغم من فشل القوى اليسارية في مواجهة غطرسة القمع والخناق، وعدم قدرتها على تجاوز ضعف إمكانياتها الذاتية وما يتطلبه العمل في الشرعية من طاقات بشرية ومن كفاءات نسائية وشبابية وأطر ونخب، ظلت جزء لا يتجزأ من مسارات ونضالات قوى الحداثة والديمقراطية التي يجمعها شعب واحد: هو الشعب المغربي.

ورغم النكبات المتتالية، خاصة بعد موت الراحل جمال عبد الناصر سنة 1970 والتي كان لها الأثر الكبير على المثقفين العرب، استمر الحلم في المغرب يكبر، واستمر جيل السبعينات والثمانينات يتغنى بتضحيات وأمجاد جيل القومية والوحدة العربية ومن خرج من رحمها وأحضانها وفكرها، وينشد أغاني الثورة ويرفع الشعارات القومية والمدنية والحقوقية، غير مباليا بهزيمة أبناء الجيل الذين رأوا حلمهم ينهار أمام أعينهم.

ورغم أن جيل الثمانينات والتسعينات لم يولد من رحم الهزيمة ولم يلدها، إلا أنه شعر أن الهزيمة هزيمته، وأبدع أشكالا جديدة لمقاومتها خاصة في الساحة الجامعية وجمعيات المجتمع المدني، وكان هذا في كل أنحاء المغرب، وكلنا يتذكر عنفوان شباب في مقتبل العمر سقطوا شهداء في معارك الكرامة والممناعة من أجل الحرية والديمقراطية : أيت الجيد محمد بن عيسى (الذي تخلد اليوم عائلته الكبيرة والصغيرة الذكرى 23 لاستشهاده)، شباضة، زبيدة والمعطي وعادل، من دون أن ننسى كل شهداء الشعب المغربي.. إنها مرحلة النضال المستقل عن الأحزاب السياسية والتنظيمات اليسارية، مرحلة "التحدي" لواقع القمع والسلطة والتسلط.

 

خلاصة عامة لا بد منها اليوم وغدا

رغم المأزق السياسي العام الذي استمر فيه المغرب لعقود من الزمن، لم تتوقف مسيرة النضال رغم آلامها وانكساراتها وانتصاراتها.

لقد خلق جيل الممانعة ثقافة سياسية جديدة، وصنع تجربة متميزة في كل الحقول والتجارب، داخل المغرب وخارجه. جيل آمن بالحداثة والديمقراطية والحرية قبل الأوان، آمن بالنضال الديمقراطي النقدي. اهتم بالعمق الاجتماعي وانفتح على الروح النقدية العميقة التي تؤسس للرؤية المستقبلية. جيل يساري بمعنى النقد الاجتماعي لتغيير المجتمع وتجاوز الواقع، جيل مناضل بالمعنى المتطلع للأفضل والأحسن من أجل المستقبل.

هكذا كبر ونشأ هذا الجيل بعيدا عن لعب كبار السياسة، وبعيدا عن مواقفهم ولغتهم وانتخاباتهم ونجاحاتهم وإخفاقاتهم. والجميع كان يعرف تطلعات هذا الجيل الممانع ويعرف أحلامه وقوة انخراطه في الحركات الاجتماعية والنقابية والثقافية والحقوقي والإنسانية.

سجون المغرب كانت مليئة عن آخرها بأبناء هذا الجيل، مئات المعتقلين كانت تغص بهم سجون البلاد: فاس، القنيطرة، وجدة، مراكش، أسفي، الدار البيضاء، الصويرة، طنجة، الرباط والجديدة، الخ. لم يكن أحدا ينصت إلى آهاتهم وجراحهم وألام عائلاتهم ومن كان يعطف عليهم.

 الكل كان منشغلا ببوادر النظام العالمي الجديد وبسقوط الأنظمة الشيوعية المركزية: بولونيا، رومانيا، ألمانيا الشرقية، يوغوسلافيا، بلغاريا، البانيا، تشيكسلوفاكيا، والجزء الآخر كان يصفق ل"للمسلسل الديمقراطي" و"للسلم ألاجتماعيي" و"للمغرب الجديد"..

لم يكن أمام هذا الجيل إلا خيار الممانعة واّلإيمان بالمواجهة من دون دعم سياسي ولا تحالف استراتيجي. وبعد مرور 10 سنوات على انتفاضة 1981 و1984، وجد هذا الجيل نفسه على قارعة الطريق، من دون شغل ولا تغطية صحية، ومن دون سكن ولا كرامة. ورغم الحرص الذي أبداه شيوخ السياسة في محاولة لإعادة تنشيط اللعبة السياسية ببلادنا خلال السنوات العجاف خوفا من "السكتة القلبية"، إلا أن ذلك لم يمنع طرح أسئلة جادة ومبادرات مستقلة بشأن مستقبل أجيال بكاملها لم تنل حظها وحقها لا من خيرات البلد ولا من مؤسساتها، بل لم تجد لها مكان لا داخل ما تبقى من اليسار ولا داخل أعتاب الأحزاب التي نسميها بالتاريخية والوطنية.

فإذا جاز لنا التسليم من حيث المبدأ بأن الحوار بالنظرة الشاملة له، انقطع بين الأجيال منذ أكثر من 30 سنة، وإذا كان الحوار عمل حضاري، يتجاوز مجرد التعاون في ميدان واحد، بين قوم المناضلين، ليشمل كل الميادين، يمكننا القول أن القوى التي كان من المفروض فيها قيادة الصلح والحوار بين الأجيال، هي التي كرست التهميش وأوصدت أبوابها ونوافذها واعتبرت الفضاءات السياسية العمومية حكرا عليها وملكا لها.

و استنادا لهذه الرؤية، فقد أظهر النظام قوته في تجنيد الأعيان والمحافظين وتجار الدين والمرتزقة للدفع بعجلة خبراء الساسة المعروفين بالدهاء والنفاق والتسلط، لمقاومة "جيل العدميين" و"الفوضويين" المتمسكين بشعارات أكثر راديكالية منهم ومن حجمهم، ولنحر أحلام الشباب والاستهتار بمطالبهم واعتبارهم قاصرين وجب حظر عملهم السياسي والنقابي والرمي بهم في الشارع من دون تكوين ولا تأطير، وتشجيعهم على البطالة و"الحريك" عبر قوارب الموت وحاويات الشحن البري. إلا أن أحداث عديدة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية شهدها المغرب وطوال سنوات التسعينات من القرن الماضي، قلبت الموازين والحسابات الضيقة رأسا على عقب، وعجلت بفتح الحوار مع فاعلين حقوقيين ونشطاء من المجتمع المدني ونخبة من أولاد الشعب الذين لم تكن لهم حسابات سياسية يتفاوضون من أجلها كما جرت العادة في ستينات وسبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي(و نقصد مفاوضات القصر مع الأحزاب السياسية).

و إذا كانت انتخابات 7 شتنبر 2007، قد شكلت زلزالا سياسيا ونقطة تحول كبرى في مسار المسلسل الانتخابي المغربي والأحزاب السياسية التي تدعمه (هبوط تاريخي في نسبة المشاركة وصل إلى 37%)، فإنها كذلك كانت تعبيرا عن حالة اختناق سياسي وإدانة للفساد وبطئ الإصلاحات وتعثر الانتقال الديمقراطي وفشل التناوب التوافقي، كما أكدت في نفس الوقت اليقظة الجماهيرية لصالح النضال من أجل مشروع ديمقراطي حقيقي ينبثق من إصلاحات عميقة سياسية ودستورية تؤسس لانتقال ديمقراطي يعيد الثقة للمغاربة في المؤسسات السياسية ويشجعهم على تحمل المسؤولية والانخراط في النضال الديمقراطي من أجل التغيير. وهو ما عبرت عنه مطالب الحركات الاجتماعية في المغرب العميق (أنفكو، وبن صميم، وسيدي افني وصفرو، الخ).

ولعل ما أفرزه الصراع طيلة العقدين الأخيرين من أزمة ثقة ومن هجوم ممنهج على الفقراء والطبقات المسحوقة وذوي الدخل البسيط والمتوسط، شكل أرضية خصبة لجيل النضال الديمقراطي الذي وجد نفسه أمام مسافة زمنية مفصلية، تفصل بين زمن بداية الثورة الحقوقية الهادئة التي دشنها مسلسل الإنصاف والمصالحة وزمن نهاية القواعد الانتخابية التقليدية، والبحث عن أشكال وصيغ جديدة للمارسة السياسة. ولقد ساهم هذا الواقع في إعطاء فرصة جديدة للمؤسسة الملكية والأحزاب السياسية للدخول رأسا في معالجة كل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والاستجابة لكل الإنتظارات والتحديات، مثلما شرعن نضال جيل الثمانينات والتسعينات وبحثه عن آفاق جديدة تعزز مطالبه الاجتماعية والحقوقية في ارتباطها مع البناء الديمقراطي المنشود.

 

المريزق المصطفى/ باريس

 

على رصيف المسرح الوطني او جولة في بعض احياء بغداد

تبدأ الاشياء من حلم صغير أو كبير، لا تتحقق في أكثر الأحيان، ولكن لا يهم.. إنّها من صنف الأحلام، تأتي وتذهب كما تأتي، وننساها كما ننسى الأحلام كلّ يوم، حين نستيقظُ صباحاً على يومٍ جديد، كنتُ أفكّر بهذهِ اللحظة، لحظة اليقظة الماثلة، لأنها تشبهُ الحلم، ولكن صعبة النسيان، إنّهُ من نوع الحُلم السيء، وليس المبهج الذي يحملُ السرور، قطعت الشارع من جهة المسرح الوطني الى الرصيف البعيد المقابل، كانت محلات الكهربائيات، تصطفُ وتمتدُ على رصيف الشارع وتخفي جماله، ولم تستطع الأشجار الخضراء الجميلة، إعادة رونقه وجماله، وشعرتُ بالضيق عند الرصيف، كمن يهربُ من المكان، كانت ساحة التحرير لا تبعدُ كثيراً، وقريبة، ولكن لا توجد مظاهرات اليوم، يجب الانتظار ليوم الجمعة..لا أتذكر في تلك اللحظة الى أين كنت أنوي الذهاب، فقد أتيتُ لعملٍ ما ونسيتهُ، حتى اصبحت الكرادة والمسرح الوطني، بعيدين عني .

قال سائق التكسي، سأوصلُك الى الكرنتينه، فقلتُ له من بداية الشارع أو من كهرمانة، فسألني تنزل قرب الساحة، فأشرتُ له «نعم»، فسمع تعليقي «أي ساحة»، وضحك بسخرية!! كانت هنالك بنزين خانة جديدة، تسدُ الساحة وتخنقُ الفضاء من بداية الشارع وتلقي بظلالها على ما تبقى من جماله وهدوئه، فدخل في الشوارع الفرعية الضيّقة، وبيوتها الهادئة، ووقف على مسافةٍ بعيدة من الساحة، وقال وهو يضحك «خلّصتك منها»، فشكرتهُ ..واعطاني رقم موبايله، وطلب مني الاتصال به بأيّ وقتٍ اشاء.

كانت ساحة السباع كالحة ومنزوعة الأشجار وصاخبة، قطعتُ الشارع ودخلت الى شارع الهادي، وقبل نهايته، لاحت أسلاك الكهرباء الممتدة بكلّ اتجاه، وسوق الشارع المزدحم، والبنايات والخرائب المهملة على الساحة الصغيرة، نهاية الشارع، حتى تشعر بأنك لست في بغداد.. في ساحة السباع أو الهادي أو الأمين وباب الشيخ، فقد رفضت هذه الاحياء البغدادية المتداخلة والمختلطة، بشدّة، الكانتونات وعزل السُنّة عن الشيعة، بأوج سُعار الطائفية بين عاميّ 2006 و2007 م، فكوفئت بالإهمال المتعمد، كأنها خارج أمانة العاصمة، رغم إنّها وسط بغداد، وشعرتُ بالتوجس من الذهاب لساحة الميدان أو الرشيد، كان جامع الخلاني القريب عبارة عن خرابة بجدرانه العالية المحاذية للرصيف، ما زال بعض القاشاني الأخضر والأزرق، يتثبتُ بجدرانه وقبته المستديرة، كأنّهُ يشكو لشارع الهادي، ولكنهُ لا يجد في الشارع وساحته الشبيهة بمكب للنفايات، سوى خرائب مُماثلة، فيلوذ بالصمت والسكينة والهدوء، احياء وسط بغداد عبارة عن خرائب وساحات لجمع الانقاض، وتقطعُ الشوارع حواجز تفيض عن الحاجة ونقاط سيطرة تخيف المارة، وأنت تتمشي، أنس أنك في وضعٍ أمني مضطرب، وأنك في أمان حين تتجول في بغداد، واذا لم تستطع أن تشعر بالامان، عليك ان تبقى في بيتك أو ترحل وتسافر .

ومن شارع العلاوي أو من نهاية نفق الشارع والجسر أو المُجسّر الجديد، بداية الشارع باتجاه الكرادة، يرتفعُ حائطٌ كونكريتي هائل، يحمي المنطقة الخضراء، ويعزِلُها عن الشوارع والاحياء المجاورة، ويظلُ يلف مع الشارع الى نهايته، قبل أن ادخل في الشارع، فكّرت بالرجوع والذهاب الى شارع الرشيد، فتذكرتُ محلات الزيوت وإطارات السيارات التي غزت الشارع، وتوقفت .

عدتُ الى رصيف المسرح الوطني، بدون هواجس أو أحلام، كانت الكرادة خلف المسرح الوطني، هادئة بلا ضجيج، أردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله .. ولكنني نسيت!! قطعتُ الشارع مرّة ثانية من رصيف المسرح الوطني الى الرصيف البعيد المقابل، وشعرتُ بالارتباك، لكثرة الكهربائيات المعروضة على الرصيف، والمتسوقين وأصوات السيارات والحاجز أو نقطة التفتيش القريبة بنهاية الشارع، فقد عجزت الإعلانات الكبيرة والأشجار الخضراء الجميلة والمُشذّبة عن إعادة رونقه وجماله، كنت على بعد خطوات من دجلة وأبو نؤاس، ولكنهُ فارغ الآن، بهذه الساعة، كأنّهُ بلا مقاهي أو رواد ومشروبات، اردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله في الكرادة أو قرب المسرح الوطني، ولكنني نسيتهُ .. قلت «سهام» ستُذكّرني به، تذهبُ خصيصاً لمحلاتٍ قريبة من كهرمانة، تبيعُ أكياس «جبس مُملح» أو بالوزن، وتأكلُ أكثر مما تشتري .. ولكنني نسيتُ أن اسألها !!

حين عدتُ ..مشياً الى كهرمانة.

 

قيس العذاري

الفن والفقر.. في نعي الفنان أحمد أمنتاك

mobarak abaeziسأله أحدهم عن مصدر عيشه فقال: "من عطايا المحسنين". هذا ما قاله أحمد أمنتاك أحد كبار الفنانين الأمازيغ ذات حوار، بنبرة خالية من الضعف أو تحقير الذات، فقد يكون الفنان الأمازيغي متعودا طوال قرون على الكفاف وخلو ذات اليد. لكن يبدو أن "الرايس أحمد" مرتاح الآن من حياة الزوال، متخذا لنفسه سمت الاطمئنان.

غادرنا الفنان العملاق صبيحة يوم الثلاثاء(24/ 11/2015) بعد سنوات من المعاناة مع المرض الذي أفقده بصره ومنعه الاستمتاع، كما في أيام العز، بالحياة. وكان عموري قبله قد ترك فينا ألما دفينا، ودمعة في المآقي، وإحساسا بالحسرة على زمن لم يعد ينصف فنانيه المحترمين، فيما يجود بالعطايا على أنصاف الفنانين. غادرنا عموري في اللحظة الأخيرة، وترك خلفه الكثير من "الشقاء" و"الحسرة في الأرواح". وقبلهما معا رفض "الشامخ" أن يضيف معنا يوما آخر، فقد هدته الأيام ولم يعيد يطيق، فقال كلمته الأخيرة التي تجادل حولها الكثيرون، وغادر دون وداع.

غادرنا العملاق أحمد أمنتاك ملفعا بكثير من الأسى والإحباط، فقد تلاطمته نوبات اليأس حتى فقد ما كان يربطه بهذا العالم من حميمية. ولما أصبح طريح الفراش في آخر أيامه، لم يجد في فنه معينا، ولا في شهرته سندا. كان معروفا، لكن الأيام غلبته مثل نكرة في عالم التماسيح. كان سيد الناس، لكن زمن التردي غير معايير التقدير، ومنحها لمن ليسوا أهلا للتقدير.

ليس هناك مجال للشك، والحالة هذه، أن الفن الأمازيغي يتلازم مع الفقر، فالأمر لا يحتاج إلى دلائل ما دمنا نعرف جميعا الوضع المادي لكافة الفنانين الأمازيغ، ولا ينكر ذاك منهم ومن غيرهم إلا جاحد أو متكبر. وقد يكون هذا الوضع مشجعا لمن غايته "الفن للفن"، ومنفرا لمن يبحث عن اللقمة. وفي كل الأحوال، فالناس لم تعد تهمهم الأفكار الطوباوية والعيش في الأوهام بقدرما يعيشون وجودهم المادي كباقي الكائنات الحية.

إن نعينا لرجل معروف على نطاق واسع، لا يجب أن ينسينا محنته المادية التي قد تكون سببا في تفاقم معاناته، إذ كيف يتفق أن أحد رموز الفن الأمازيغي الكبار، أصبح في لحظاته الأخيرة، وقبلها بكثير، في حاجة إلى ما يلقم به فمه لولا "عطايا المحسنين".

إن الأمر يستوجب في الحقيقة إعادة النظر في أسس التعامل مع الفنان الأمازيغي، باعتباره منتجا لمادة فنية جمهورها منحسر أشد الانحسار، مما يؤدي قطعا إلى بوار الإنتاج الفني وقصور التلقي على فئة قليلة العدد، ومن ثمة تشريد الفنان وتغييب الفن.

أمام هذا الوضع، لا يمكننا إلا أن نشد على زملاء المرحوم أحمد أمنتاك، الذين ما زالوا على قيد الحياة، مثل أحمد بيزماون ومحمد أبعمران وغيرهما، راجين أن تتم صياغة قوانين جديدة لتدبير المجال الفني بالشكل الذي يحفظ كرامة الفنان ويبعده عن محن الزمن.

رحم الله الفقيد، وأدخله فسيح جناته

 

مبارك أباعزي

 

فضيلة عبد الكريم سادنة الفكر بعمق فلسفي وروح إبداعية

fatimaalzahraa bolaarasمن حين لآخر تطفو على السطح أسماء تستحق الإعجاب وتستحق الثناء، والأجدرأن يشار لها بالبنان  لأنها أسماء قد تزهر خيرا وتثمر وعيا وقد تكون قدوة تجذب إلى ظلها الكثير من المهتمين بالأدب والثقافة في بلادنا .. فتصنع بذلك جوا رائقا نحن في حاجة إليه .. ومتشوقين إليه شوق الظامئ إلى شربة ماء

من هذه الأسماء الأديبة الفيلسوفة فضيلة عبد الكريم التى ترعى بوعيها وقلمها كل الاقلام التي اتتهجت الصدق في كتاباتها واحترفت الأصالة منهجا لها ..... تلك الاقلام المخلصة التي تُحارب بتهميش فج... وتحقير مقيت...تلك الاقلام التي تتهم بالرجعية البليدة فقط لأنها تلتزم بما يدعم الوجود والخلود

كاتبة تخط بقلبها قبل قلمها حكاية بوسعادة ذات التاريخ الحافل بالأبطال .... العامر بالبطولات ....في كل مناحيه ...امرأة بأدرع وأيادي متعددة تشابكت وهي تمتد إلى كل جميل وإلى كل صانعي الجمال في بوسعادة   وفي الوطن

تكتب عن الجزائر بحب

وتكتب عن بوسعادة بوفاء

وتكتب عن أبناء الجزائر بوعي

وعن أبناء بوسعادة بإعجاب

أديبة أصيلة جعلتننا نمشي في واحات بوسعادة نستأنس بأهلها المبدعين...نسترخي في بيوتهم العامرة بالحنين والحب

امرأة تنوعت اهتماماتها تلتزم بواجباتها الدينية دون تعال ولا غرور  ولا تهمل ما في زمانها من حبور....سلم فكرها من التنطع وقلمها من التعالي والتكبر

مربية فاض على عملها سيل أمومتها فأجادت فن العطاء وأفاضت من حنانها على أبنائها الذين لم تنجبهم...بل أنجبهم حبها وتواضعها وعفويتها وتلقائيتها

لا أدعي أنني أعرفها ولكن ما قرأته لها هنا وهناك شدني إليها بمراس الجمال فأدمنت ما في كتاباتها من واقع وخيال....حتى صرت أتتبع حرفها  وأقتفي نصها...وأنا منبهرة برزانتها ومندهشة من ثباتها وجدارتها

هي إنسانة أولا....متفهمة ومتفاعلة... في زمن كثرت النسخ طبق الاصل التي لم تنسخ لا من أصل ولا فصل

تكتب بقلم سيال عن هموم الثقافة....عن تهميش المثقفين......وتبخل بنقطة حبر عن مظاهر السخافة واستعراضات المزيفين الذين انتموا ظلما وزورا إلى فضاءات كنا نعتقدها مقدسة

فضيلة عبد الكريم ابنة بوسعادة الأصيلة...تختار خطواتها.....تختار كلماتها....تتشبث بمواقفها.....صلبة كالنخيل....جميلة كشمس الأصيل..... حاضرة كالأمل الجميل.....

فضيلة جعلتني أرى الغد أجمل لأن في بلدي نساء لازلن شامخات كما جبال بلادي

شاسعات كما صحرائها

صادقات كما فجرها

صدوقات كما عهدها

هي امرأة من بلدي  تستحق أن اقول عنها الكثير يمنعني تواضعها الذي سيخدش، لذلك سأكتفي بتحيتها تحية أهل الجنة

السلام عليك ورحمة الله وبركاته أيتها السنبلة التي تنحني تواضعا تاركة التطاول للفارغات؟؟

 

فاطمة الزهراء بولعراس

 

ثلاثون عاما في الهباء (2)

emad aliرغم المعاناة التي مرت بها اجيالنا التي صادفت الزمن المعتوه والغدر، فان المبدئيين لم يعتقوا من ما امنوا به وناضلوا بكل معنى الكلمة من اجل ما انتموا اليه عقلا وفكراو تنظيما . غامرنا كثيرا واوصلنا حال العائلة ايضا معنا  الى ماتحت الصفر نتيجة ما عانوه جراء مغامراتنا، ونتيجة الحركات والافعال التي لم تكن من اجل المصلحة الخاصة ابدا ة ابتلت بنا الاهل وتسببنا في تعبهم وتشردهم، وهنا يجب ان نعتذر منهم قبل اي احد اخر، اي انكار الذات والعمل من اجل المباديء كان اهم ما تميز به جيلنا، ولا يمكن لاي منا ان يخلوا من افكار ومميزات ما عاش في وسطه رغم وجود الشواذ التي سبحت عكس التيار واضرت كثيرا بنا، اما لمصالح خاصة شخصية او غرر بهم من قبل البعث ومناوراته وخدعه .

اوصلنا نفسنا الى الانتفاضة العارمة، ورغم قلة الاخبار التي وصلتنا قبلها فاننا تحضرنا وكل حسب ما كنا ميالين اليه لاننا كنا في موضع صعب لما فلعته لنا منظمة راية الثورة من ارتباك حالنا ولم نعلم ما نعمله وضمن اي تنظيم او حزب، نتيجة الانشقاق عن الاتحدا الوطني وسجن الشخص الاول ومن ثم تحرره نتيجة الظروف غير المؤاتية على كوردستان، واستشهد العدد غير القليل من رقفاقنا على يد رفاق الامس دون ان يعلنوا عن ذلك . هذا من جهة، ومن جهة اخرى كسب الاتحاد الوطني بذكاء شخصه الاول وحركاته ومناوراته وتسغلاله لنقاط الضعف في الكثير من التنظيمات ومنها راية الثورة، فكسب احد ما كان يعتبر من قيادات راية الثورة وتنازل عما كان يدعيه من اول الامر لمصالح شخصية الا انه تحرك لولبيا واعاد الاكثرية اي المنشقين في النهاية الى حضن الام بعملية ذكية ناتجة من الاتفاقات السرية في الجبل والمدينة بعد الانتفاضة، وانا كنت ثاني اثنين ممن لم يعود من ضمن حزب كادحي كوردستان الى الاتحاد الوطني الكوردستاني الذي انشقت منه راية الثورة، ويجب ان نقول الحقيقة اننا كنا موالين اكثر من المنتمين عقائديا او مبدئيا الى راية الحرية لكون الشخص الاول من رفاق مدينتنا التي كانت العاطفة هي التي لها الدور البارز في تحركاتنا، وتمت الوحدة مع حزب الكادحين اضطراريا لاسباب ذاتية وموضوعية .

هم وبعد التضحيات واسالة الدماء البريئة عادوا الى حضن من يعتبرونهم غدروا بهم رغم وعودهم بانهم يحافظون على متاريسهم وتراجعوا واذلوا نفسهم ومن معهم وعادوا الى ما كانوا ينتقدونهم مبدئيا وتنظيميا وفكريا، وفلسفيا والمصالح الضيقة غطت على كل تلك الادعاءات . وتسنموا المواقع التي كانوا يعملون ليل نهار من اجلها فقط، واثروا على حساب تلك الدماء الزكية التي غدروا بها ومن رفاق الدرب .

و نحن استمرينا في حزب يعتبر يساريا، ولم نتركه لاننا تمسكنا به في الحقيقة  ليس ايمانا به مبدئيا وفكريا بقدر التزامنا بالوفاء لتلك الدماء التي سالت من رفاق راية الثورة من اجل عدم العودة الى  حضن من سفك دمائهم، لهذا السبب فقط . وهكذا وصلنا الى حال كنا نتوقعه رغم الصمود الذي ابديناه في المقاومة للظروف الصعبة التي مرينا بها، ورغم مقاومتنا من اجل ما اعلناه سابقا فقط، الا انه كان هناك من الكوادر النزيهة والمبدئية التي تعارفنا معهم ضمن حزب الكادحين لا يمنك انكارهم انهم من خيرة المناضلين في كوردستان، وكذلك كان هناك من اتفه الكوادر ومن الفاسدين ايضا معهم  .

ان من خان دماء الشهداء التي ضحوا بسبب عنجهية وعدم تحليل هؤلاء القادة  للوضع والظروف العامة موضوعيا وذاتيا، ارادوا ان يبرئوا ما اخطئوا، بعد عدم تنفيذ اوامرهم بالاعودة واثبتنا لعدم موالاتنا لكا اعتبرناه خطا فضيحانحن الاثنان فقط، حاربونا واعتبرونا نحن من يخون ابناء بلدته، يا للعشائرية المبتذلة في التفكير والتعامل مع الفكر والعقيدة . على الرغم من ذلك فانهم ندموا سريعا مما فعلوه ولم يحللوا الواقع بشكل جيد، على الرغم من عدم اعلانهم لذلك، لتلاقيهم باشخاص ورفاقهم العتيقين وتشفيهم بهم وبما عادوا بنفسهم مذلولين وخانعين الى حضن من انشقوا منهم من قبل، راضين صاغرين .

فاصبحوا ملكيين اكثر من الملك، واستفاد منهم الشخص الاول وحلقة صغيرة فقط، لما فعله من قبل من سياسة فرق تسد في تنظيمات عصبة الكادحين ومن ثم اعادهم بعد انشقاقهم من اجل ذلك الهدف ايضا، لان المنافسين القويين المتعاندين الشخصيين هما كانا لازالا باقيين ضمن تنظيم الاتحاد الوطني الكوردستاني في تلك الحقبة الى ان انشق المنافس الاخر هذه المرة ضمن حركة التغيير التي اعتبرها انا بانها راية الثورة في زمن الحرية والسلطة الكوردستانية، وراية الثورة كانت في زمن الثورة التحررية والمنافسة الشخضية فيما بين الاشخاص الذي انعكسوها على الفكر وليس للفكر والمباديء منها صلة فيهم، الا الكوادر السفلى التي امنت بما قيلت لهم تضليلا من الافكار والمباديء السامية المزرقشة .

في بداية الانتفاضة وتحرير المدن اعدنا جثث من استشهد على يد الحزب الذي انشقت منه راية الثورة،  اي الذي عادت اليه اكثرية من حسبوا انفسهم على راية الثورة الى حضنه مخذولا نادما، بينما وعد الشخص الاول  ومن على قبرهم ورفاتهم بانه لن يترك موقعهم ومتراسهم وما استشهدوا من اجله، ولكنه لم تمر اشهر وترك كل شيء اسمه وعد ومبدا وفكر وتنظيم اسمه راية الثورة، بعدما دخل الى حزب كادحي كوردستان من اجل التمهيد للعودة الى حضن من انشق منه وتسبب في استشهاد الكثيرين بافعاله وتحريكاته .  وللحديث بقية .

 

عماد علي