المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

دماء لن تجف (30): احمد ماميثة .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadأزميل الحفار يتهجس سبيله، مهتديا، بنبضات قلب مكتئب، وهو يهمس للرفاة المدفونة.. جمعا وحرما، أمام الله، كما لو أن حشر القيامة، حل، في تلك البقعة المقدسة، من المقابر الجماعية، التي باتت تشكل طبقة من أديم ارض العراق.

الجيولوجيون يقولون ان العراق عبارة عن طبقة نفط فوقها آثار وعليهما غطاء من تراب فائق الخصوبة.. وأوجد الطاغية المقبور صدام حسين، طبقة رابعة، هي الجثث الملقاة فوق بعضها البعض، في مقابر جماعية، ضخها حزب "البعث" الى موتنا الحي، على أهبة النهاية، منذ مجازر الحرس القومي، الى ان جار صنيعته صدام، بفظاعة لا يطيقها عقل.

ومن بين قلق الازميل بيد المنقب في إحدى مقابر كربلاء الجماعية، همست عظام شاب لم يبلغ العشرين بعد: "أنا أحمد جواد كاظم ماميثة، فترفق".

إنهار المنقب بكاءً، ظنه من حوله، جزءا من هستيريا إعتادها العاملون في هذه المهمة، الشاقة وجدانيا.. إلا نه ابلغهم، بأن حوارا وئيدا جرى بينه والرفاة.

فإطلعوا عليه:

أحمد.. شاب، في العشرين من عمره، او يكاد يبلغها، أعدم في "جملونات حسين كامل" المسقفات التي حشر فيها "لواء الحرس الجمهوري" شبابا، لا ذنب لهم، سوى الاعتراض على الذل ومقاتلة الجيران من دون سبب.. يوما حرب ضد ايران؛ ومرة غزو دولة الكويت الشقيقة، والشعب يراد له ان يتحول الى خراف لمجازر البعثية...

طافت روح ماميثة، على جناح الاثير، بموجب القرار 600 / 4 ، عريسا في رحاب سماوات سبع، مفاخرا بفتوة موته.. شهيدا.

ولد العام 1970 واستشهد في العام 1990 ليتزوج من حوريات الجنة وسط أعناب وكروم.. "ريح وريحان وطيب مقام".

برغم ما عانه ذووه، من جلاوزة حزب "البعث" بعد إعدامه؛ لمشاركته في الإنتفاضة الشعبانية المباركة، الا ان بيتهم، صار مزارا سريا، في حي "باب الطاق" بكربلاء.

إكتفى أحمد ماميثة، بشهادة الدراسة الاعدادية، ليتفرغ للعمل، في خدمة العتبة العباسية المطهرة، وهو الان في رحاب رب رحيم.

 

حسن البنا .. مشروع أمة

abdulaziz khaylلو أنصفوا الناس لسلّموا أن الإمام الشهيد حسن البنا هو – بكل تأكيد - مجدد القرن الرابع عشر الهجري، لو قرؤوا حياته ودرسوا تراثه واطلعوا عن كثب على ما قدّم للإسلام لما بقي لديهم شكّ في هذه الحقيقة التي انتهى اليها المنصفون من عرب وعجم، وإنما غيّبتها عن آخرين الدعايةُ المغرضة التي لازمت حركة الرجل وجماعته من طرف أكثر من جهة لبغضها لدين الله أو لاحتكارها تمثيله دون سواها.

أبغضها العلمانيون العرب لأنه أبطل مشروعهم التغريبي بإنشاء جماعة دعوية تربوية سياسية تمثلت شمول الاسلام وحيويته ومواكبته لمسيرة الزمن لأنه دين الانسانية كلها ودين الزمن كله، فأبطل سحرَ المبشرين بدين يلتزم ضمير الانسان في حين يتولى الفكر الغربي " الانساني " تسيير الحياة بعيدا عن الأحكام والشرائع والأخلاق، لتنقطع الأرض عن هدي السماء .

جدّد الداعية الكبير الاسلام على نهج الشافعي وعمر بن عبد العزيز وأبي حامد الغزالي وابن تيمية، فأخرجه من الزوايا القاصية والساكنة وأقحمه في معترك الحياة ليصلح جميع جوانبها من التربية والموعظة إلى السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية بواسطة شباب أصحاب وعي وإخلاص، يعرفون مهمتهم في الحياة، مرجعيتهم القرآن والسنة، وغايتهم إرضاء الله تعالى، وقدوتهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهجهم الدعوة على بصيرة، بذلوا أرواحهم في معارك القنال لتحرير مصر من الاحتلال الإنجليزي ثم في فلسطين لدحض الصهاينة الغزاة المعتدين، ولولا الخيانات العربية الرسمية لتحوّل تاريخ فلسطين إلى وجهة غير التي آلت إليها، فأعطوا للجهاد معناه الأصيل ومارسوه ممارسة الأبطال الغيورين على دينهم وأرضهم وأمتهم، ولم تمتدّ أيديهم بسوء إلى بريء مهما تقوّل عليهم المتقوّلون بالباطل من حكام مستبدين غير شرعيّين وأذناب لهم باعوا ضمائرهم للشيطان حتى لا يعمّ نور الاسلام.

وقد تميّزت دعوة الامام الشهيد بالسعي المتواصل الحثيث لرأب الصدع بين العاملين للإسلام ولمّ شمل الدعاة والجماعات الاسلامية على اختلاف وسائلها واجتهاداتها، وعندما أيقن هؤلاء أن الرجل رباني مخلص وداعية بصير التفّ حوله أكثرهم وتناسوا خصوصياتهم الصوفية والسلفية والأزهرية وحشدوا جهودهم لخدمة دين الله وبلاد الاسلام، لم يشذّ منهم سوى الغلاة المتحجّرين من كلّ نوع، و سيمةُ الغلاة هي الشذوذ دائما .

استطاع مؤسسة جماعة الاخوان المسلمين ومرشدها الأول تأسيس كيان متميّز عمّا عهدته الساحة الإسلامية آنذاك من تجمّعات دينية تقليدية تذوب في الواقع أكثر ممّا تغيّره، فهي جماعة آثرت العمل الميداني على التنظير، والممارسة على التجريد، كما آثر الامام الشهيد تكوين الرجال على تأليف الكتب – رغم باعه الطويل في القدرة على الكتابة كما يدلّ تراثه -، وجسدت في المعاملة اليومية القاعدة الذهبية " نعمل فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه "، ساعدها على ذلك الزادُ الأخلاقيُ الوافرُ الذي بثّه في أعضائها المؤسسُ الشاب، فتجنبت تماما الجدال والمراء والمناظرات، واتجهت إلى الشباب والفلاحين والعمال تُخرجهم من المقاهي والحانات وساحات اللهو واللغو وتحشد طاقاتهم في التزكية والبناء، كما اتجهت إلى الساسة وقادة الرأي تذكّرهم بمهامهم في خدمة الدين والوطن وقضايا المسلمين، وبقيت على العهد نفسه والسمت ذاته بعد اغتيال مؤسسها في 12/02/1949، فلم تتراجع ولم تنحرف ولم تتطرف رغم ما جرّها إليه خصومها من مظالم صارخة .

مات حسن البنا وقد عمّت دعوة الإخوان مصر من أقصاها إلى أقصاها وبدأت الانتشار في سورية بل وفي جيبوتي قبلها، توفي رحمه الله فأمدّ الله جماعته بأسباب الحياة والقوة والعطاء، وكلما أمعن الحُكام التغريبيون في التضييق عليها فتح الله لها آفاقا أوسع، فهي حاضرة في ميدان الأخلاق تدعّمها، وفي ساحة الجهاد تدافع عن بلاد المسلمين وأعراضهم، وعلى صعيد العلم تخرّج العلماء في كافة الفنون، حتى غدا فكرُها يدلّ على الاسلام ذاته لتميّزها بالاعتدال الذي لا تحيد عنه أبدا وبالثبات على المبادئ والصرامة فيها، والتحلي بالمرونة في الفروع والوسائل، تنوّعُها وتستفيد من كلّ جديد نافع، وبقيت على محاسن مؤسسها : تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، تبشّر ولا تنفّر، تيسّر ولا تعسّر، وقد عمد الامام الشهيد إلى التراث الاسلامي فميّز بين الثابت والمتطوّر فيه وأشبعه بحثا وحرّر العقل المسلم من الأوهام والضبابية في الرؤية، كما توجّه بالنظر الثاقب والدراسة المعمقة إلى الحضارة الغربية فبيّن محاسنها ودعا إلى تبنّيها كموروث إنساني نافع، ونقَدها نقدا علميا رصينا ووضع اليد على مفاسدها وبيّن حكم الشرع فيها ودعا إلى نبذها مهما كانت الذرائع، فكان مجدّدا حقا.

عرفت الجماهير المسلمة الجماعة من خلال أدبياتها البسيطة الواضحة ومن خلال بذلها السخيّ ورجالها ونسائها الثابتين الأوفياء للإسلام والأمة فلم تخذلها بل التفّت الأغلبية حولها واستجابت لها في العمل الخيري والنقابي والسياسي والطلابي، ومنحتها أصواتها كلما جرت انتخابات حرّة نزيهة في أيّ بلد عربي رغم حملات التشويه الظالمة المستمرّة، وهذا ما أثار الأوساط الغربية المتخوّفة من الاسلام وتلك الحاقدة عليه، فأوعزت إلى أتباعها هنا وهناك بإجهاض دعوة الإخوان وتجاربها الناجحة في أيّ ميدان، ولا يملك هؤلاء الأتباع إلا الانصياع لأمر أسيادهم وأولياء نعمتهم، بل هم أشدّ منهم بغضا للإسلام والإخوان بسبب انحرافهم الفكري وأمراضهم النفسية، فكان ما كان من عدوان باغٍ على الجماعة كلما تأهبت لتطبيق مشروعها بمباركة الجماهير، ولم ينجُ حسن البنا من ذلك العدوان لا حيّا ولا ميّتا، فقد اغتاله القصر الملكي ثم توارثت الأوساط العلمانية المتطرفة بغضه عن جهل وجهالة وحسد ونقمة، وانضم إليهم في هذا الموقف بعض غلاة الأجلاف في الصفّ الاسلامي ولنفس الأسباب و خاصة لأنه – رحمه الله – كسّر احتكارهم للدين والكلام باسم السماء بفضل اجتهاده الأصولي وتجديد للدين بعيدا عن النصوصية المفرطة والحرفية الجامدة وسلوكيات الغلظة والجفاء التي أضرّت بدين الله تماما كما أضرّ به الفكر التغريبي .

ورغم هؤلاء يبقى حسن البنا حيّا في القلوب والعقول ويبقى مشروعه الحضاري في إنجاز مستمرّ لا يبالي بالشدائد والتحديات... وكم من مرّة ذهب الطغيان وبقي الإخوان، لأن مرشدهم قد بنى فأحسن البناء .

 

                             عبد العزيز كحيل

مشروع "قلب الطاولة في العراق" الحل الوحيد ضد المحاصصة

نقل الاخ الاستاذ باسم العوادي تصريحا عن المحلل السياسي الإيراني أمير الموسوي قوله: "أن العراق بحاجة الى (عبد الملك الحوثي) ليقوم بتصحيح مسار العملية السياسية بـطريقة ( قلب الطاولة) في العراق، حيث لا حل في العراق إلا لقائد عراقي وطني كعبد الملك الحوثي في اليمن، يقلب الطاولة (العملة السياسية السيئة) وينهي كل مجاملات المنطقة الخضراء السياسية " ...

ونحاول في مقالنا هذا ابداء الرأي بذات الصراحة التي كانت شعارنا الدائم في التفاهمات مع شعبنا الابي، من اجل ايجاد مخرجا من هذه الكوارث التي يعيشها شعبنا منذ 2003، نتيجة لاستهتار سياسيين اشرار مستفيدين من بقاء واستمرار نظام المحاصصات والفساد الرهيب .

ففي 13 أيار، 2011، كتبنا مقالا بعنوان: (عندما تصبح الديمقراطية وبالا على شعبنا) ...جاء فيه :

(لقد برهنت نتائج الديمقراطية الانتخابية لكتل سياسية وضيعة على انها وبالا على شعبنا بعد ان جلبت معها ولدورتين انتخابيتين واقع خطر لقوى مهووسة لا يمكن ان وصف استهتارها في أذى شعبنا، حتى بين اكثر شعوب خلق الله كراهية لشعوبهم وأوطانهم . فقد جاءت تلك الكتل السياسية لتعمق النعرات الطائفية والمحاصصات والفساد الاداري واللصوصية وتفجير الازمات السياسية ومزيدا من القتل والارهاب وعدم الاستقرار وبث الرعب والخوف والقلق في النفوس . وكان كل ذلك، بهدف الاجهاز على القيم الاخلاقية والدينية والاسائة الى العدالة السماوية ومحاولات القضاء على التحضر والحداثة وجعل قيم الباطل بديلا للحق والعدل والمساوات بين فئات شعبنا. حيث حاول هؤلاء السياسيون وبدعم خارجي من نشر ايديولوجية الفكر الارهابي بهدف تمزيق المجتمع العراقي. وكانت نتيجة ذلك السلوك المدمر ان اختفت مظاهر السلطة الحكومية تحت ركام الفوضى والصراعات المريرة في مجتمع ظل يغرق في ظلام دامس، فكان ذلك شاغلا أبعدها عن واجباتها ومسؤولياتها تجاه شعبها، بما جعل العراقي ينظر اليها من زاوية ما يحيقها من فساد وضعف وخيانات وطنية فقط . فبدلا من تستغل هذه الكتل السياسية اللعينة فرار ارهابي القاعدة وتركهم العراق وزوال الكثير من أسباب الفوضى، وهي فرصة فريدة من اجل استباب الامن والبدء ببناء العراق، قامت هذه الكتل السياسية في بسط هيمنتها على الاوضاع بشكل اوسع واستغلال الظروف من اجل مصالحها السياسية والمادية، ولم تلتفت الى المطالب الملحة لشعبنا . و استمر ذلك النهج السلبي تجاه المطالب الحياتية لشعبنا الى يومنا هذا.

من جانب اخر، نجد أن لحرية الرأي والاعلام رغم محاسنها كمبدأ عملي من اجل احترام الفكر الانساني وتشجيع ابداعاته، لكن تسلط وهيمنة فضائيات البعثيين وكتل الاسلام السياسي والدعم المباشر من دول الجوارضد النظام الجديد، وتسويق الافترائات والدجل على ألاوضاع في العراق، بعد ان تم عزل اعلام الحكومة الضعيف جانبا والهيمنة عليه والتشويش على الارادة الشعبية ومنظمات المجتمع المدني بغية تيئيس العراقيين الوطنيين .

كما وكان فتح ابواب الرأي أمام الجميع بحرية، قد اتاح الفرصة للاقلام الحاقدة والمأجورة من الاسائة الى المناخ الديمقراطي العام والطعن فى الشخصيات الوطنية وتخوينهم، وعليه أصبحت تطبيقات الانتخابات وفسحة الحريات، وبالا على شعبنا .)...انتهى .

التحديات المتوقعة لمشروع "قلب الطاولة" ...

أن مشروع قلب الطاولة المطروح للاستفتاء في موقع "عراق القانون" اليوم، وكما تم توضيحه يعني : "أن قائد سياسي شيعي عراقي شجاع، بواسطة التأييد الشعبي والقوى العسكرية سيسيطر على الحكم في العراق، يوقف العمل بالدستور ويحل البرلمان ومجالس المحافظات ويحجم العمل الحزبي ويسيطر على وسائل الإعلام ويعيين قادة عسكريين او مدنيين جدد لإدارة المحافظات ويعين حكومة عراقية واحدة منسجمة بلا محاصصة يدير شؤون العراق وينهي الإرهاب ويوقف الفساد ويشرع ببناء العراق . ثم بعد استقرار اوضاع العراق بالشكل النهائي يتم إعادة العمل بكل ما توقف من دستور وبرلمان وانتخابات وحرية إعلام بعد تصحيحه حسب القوانين - يلغي الدستور ويعلن حالة الطواريء في البلاد ".

وباعتقادنا، وعلى الرغم من ان قلب الطاولة هو ألامل الوحيد الذي يراود شعبنا، فانه ومن الناحية العملية فان العراق يفتقر الى جهة في الداخل متاح لها الفرصة لتستطيع تحمل مسؤولياتها التأريخية الوطنية الكبرى . فالقضية اصبحت كالمستحيل الذي فرضه المقبور على العراقيين لقلب نظام حكمه البعثي مع بعض الاستثنائات، ولاسباب كثيرة من اهمها :

- المشكلة الرئيسية التي ستواجه تلك الجهة الوطنية التي تحاول التغيير، انها ستقع في كماشة فكي الولايات المتحدة من جهة وايران من جهة اخرى، فكلا البلدين يحاولان الهيمنة المطلقة على الاوضاع في العراق. فعلى سبيل المثال، لوعدنا الى الماضي القريب، حينما تمت محاصرة حكومة السيد نوري المالكي بتلك المؤامرة لازاحة حكومته المنتخبة، قام الرجل، كقائد أعلى للقوات المسلحة والحشد الشعبي بوضع القوات المسلحة العراقية في حالة استعداد، وتم نشرها في المنطقة الخضراء لجميع التحسبات، فكان رد الولايات المتحدة فورا على ذلك، ان "حذرته" من مغبة القيام بعمل ضد ما كان يجري ضد حكومته الشرعية!!! ومن هذا الاستنتاج البسيط، نستطيع ادراك موقف الادارة الامريكية فيما لو تمت محاولات التغيير الذي يراد به لتعديل مسار العملية السياسية، وهو أمر يغنينا عن التعليق أكثرمن ذلك!!.

أما اذا كان التعويل على التدخل الايراني لدعم الجهة التي تتبنى "قلب الطاولة"، فسيكون الامر أكثر صعوبة من خلال توقع قيام ميليشيات الكتل السياسية "الائتلاف الوطني" في مواجهة هذا التغيير. واذا افترضنا ان هذه الميليشيات ستهزم من قبل القوة التي تفرض التغيير، فان المواجهات ستقود الى مذابح بين العراقيين. فضلا عن التوترات المتوقعة وبما لا يحمد عقباه بين ايران والولايات المتحدة. واذا ما افترضنا، ان قلب الطاولة هذا قد تم بنجاح بدعم من قبل أي الطرفين الامريكي أو الايراني، فعلينا ان نتصور مصير العراق وقدره بعد ان يصبح بأيدي احدهما .

- اما موقف اقليم كردستان العراق، فسيكون حتما ضد المشروع، لان الاقليم سوف يعاني خسارة كبرى من الاوضاع الجديدة ويفقد كل ذلك "الدلال" الذي توفره الحكومة المعزولة. فمن بين أهم اولويات مشروع قلب الطاولة، هو تخيير قيادة الاقليم، فاما السير بموجب نتائج هذا الانقلاب الجديد على الاوضاع والالتزام باحترام الاكراد بالاوضاع الجديدة والانصياع الكامل للحكومة الجديدة وفق منطق ومعطيات وسياسات واوضاع جديدة ومختلفة تماما، وإما غلق ابواب التفاهمات بينهما واتاحة خيار الانفصال للاكراد.

- أما ما يتعلق بموقف تركيا، فانها ربما ستتخذ من الانقلاب على الاوضاع السياسية، مبررا للتدخل بحجة حماية السنة والتركمان...!!! فتركيا كما هو معروف، تنافس ايران في محاولة الهيمنة على الاوضاع العراقية، وهي الاخرى لن تتخلى عن مصالحها في العراق .

- من جانب أخر، وكما متوقع، ان الحكومات العربية ستقف جميعا، بوجه هذا المشروع نظرا لكراهيتها للشيعة، وخصوصا، انه سيكون التغيير شاملا في الوطن العراقي . وان كان المفترض، ان النتائج المتوقعة ستكون من اجل ارضاء شعبنا وخلق حياة جديدة لها لا الحكومات العربية او غيرها، فان امام من سيتبنى قضية التغيير، خيارالتمسك بالمباديئ الوطنية والقيام بمهمته وبدون تهيب من أي جهة ما.    

- من المتوقع جدا، أن يكون للمرجعية الدينية موقفا سلبيا جديدا لافشال هذا المشروع، لانها ستعتقد بفقدانها لثقلها في العراق، لكنه، مادام الهدف هومن اجل نصرة الشعب العراقي، وخصوصا عندما يتلقى الدعم عمليا من قبل الخيرين الوطنيين من سنة وقوميات عراقية اخرى، فان تبني المشروع، لربما يجعل من موقف المرجعية من التغيير، أمرا ملزما بدعمها للتغيير من خلال ادراكها معانات شعبنا وما يمكن ان يأتي به هذا التغيير من خيرات على شعبنا وحياة جديدة للجميع .

- في جميع الاحوال، وتحت اقصى الظروف وأقصى الاحتمالات، فان توفرالجهة او جهات التي تنوي قلب الطاولة، فعليها الانتظار حتى تستعيد الحكومة الحالية الاراضي العراقية من داعش وطردها نهائيا من العراق .

فما الحل إذا...؟؟؟!!!

باعتقادنا أن تبني المشروع سوف لن يكتب له النجاح إلا من خلال، انضمام الضباط والمراتب والجنود الشيعة والخيرين من شعبنا الى الحشد الشعبي، وهؤلاء هم وحدهم من سيتولون عملية مهمة التغيير. أما مساهمة القوات العسكرية العراقية الحالية في تبني هذا المشروع، فهو أمر بعيد عن الواقع تماما، بسبب ان القيادات العسكرية الميدانية للقوات المسلحة لا تزال تخضع للمحاصصات السياسية بين الشيعة والسنة والاكراد، ولا يتوقع من السنة والاكراد دعم التغيير.  

- أن مشروع "قلب الطاولة" يعني العمل على اعادة حياة الاستقرارللمجتمع العراقي بحيث يعيش فيه شعبنا بإلفة وتواد وتراحم، وهو المشروع الوحيد الذي يمكن من خلاله ان يتم إعادة بناء الوطن العراقي على اسس وضوابط من قيم المساوات والعدالة في الحقوق واطلاق الحريات السياسية والمدنية ومنح فرص الحياة للجميع من خلال توفير القيم الانسانية العليا. كما ويعني أيضا، فرض سلطة القانون على الجميع وانهاء استغلال الثروة الوطنية من قبل اللصوص السياسيين، ومحاسبة الخونة والمفسدين قضائيا، واعادة ادارة التنمية البشرية وبناء الوطن العراقي وفق رؤية عصرية، يكون الانسان العراقي فيها القيمة الحقيقية الكبرى.

وفي الختام، نعم، باعتقادنا ان الوطن العراقي بحاجة الى رجل من أمثال عبد الملك الحوثي، لكي يتصدى لهذه المهازل والادوارالمقرفة التي يعيشها شعبنا، لتصحيح مسارات هؤلاء الخونة العراقيين. فأهمية فكرة مشروع قلب الطاولة، تفرض نفسها كوسيلة موضوعية وحيدة يضطر تبنيها المخلصون الاحرارمن شعبنا من اجل انقاذ الوطن العراقي من هذا الجحيم الدنيوي الذي يعيشه العراقيون في ضياعهم وانسحاقهم الابدي، واعادة ترتيب الاطارالاجتماعي والسياسي العام بشكل جذري. فمشروع "قلب الطاولة" فوق الرؤوس الخبيثة التي أضرت بالعراق وشعبه، اضرارا فادحا، وكانت أسبابا في جعل الوطن العراقي يصل الى هذا الدرك من الانحطاط،، يمكن ان يكون الحل النهائي لجميع المشاكل الكبرى كالارهاب والفساد والطائفية والرشوة والمحسوبية وتكريس استهتار وانفلات الكتل السياسية الباغية، والتي شوهت وجه عراقنا الاصيل وحولته من وطن للثقافات والتراث وللامجاد التأريخية العراقية، الى مجرد غابة للوحوش وحياة همجية يفترس فيها بعضها البعض .

حماك الله يا عراقنا السامق ....

 

ملاحظات حول بعض كتابات الأستاذ ضياء نافع

adnan aldhahirأتابع ما يكتب الأخ الدكتور ضياء نافع في موقع المثقف وأجد فيما يكتب جهداً كبيراً مشكوراً خاصة ما يتعلق منه ببعض الزملاء الذين عاصرنا معاً أو متفرقين بين السنين هنا أو هناك.

كما أشارك الأخ الدكتور عادل الجبوري فيما قال حول "مجاملة " الدكتور ضياء في بعض مواقفه وتقديراته لما يتناول من شخصيات لزملاء سابقين ولغيرهم من الذوات التي لها علاقة ما بالدكتور نافع.

فلقد كرّم وأشاد بشخص درس في جامعة موسكو في ستينيات القرن الماضي ثم صعد للأعالي زمن حكم البعث للعراق، كأنه لا يدري [أو لا يدري بالفعل] أنَّ هذا الشخص كان ذات يوم شرطيَّ أمنٍ وكاتب تقارير على بعض زملائه في جامعة السليمانية في عامي 1973 / 1974.

 

قلبُ ضياء طيّب جداً وحنيّن ومفرطٌ في بياضه

لاحظت نواقص جديّة وجدباً واضحاً في عروضه وتعرّضه لجوانب من حياة بعض زملائنا الراحلين خاصة كأنه لم يعاصرهم ولم يتعايش معهم سنينَ عدداً، وقد يكونُ للذاكرة دورٌ في الأمر أولأحكام مرِّ السنين وما لاقاه العراقيون من مآسٍ وكوارث زمان حكم البعث وصدام حسين.

سأتطرق لبعض زملائي وأصدقائي ممن عاصرتُ خلال سنوات دراستي في جامعة موسكو متمتعاً بإحدى زمالات الوكالة الدولية للطاقة الذريّة [1962 ـ 1968].

 

1ـ المرحوم جليل كمال الدين /

لم أتعرف على المرحوم جليل في مدينة الحلة حيث درس في مدارسها وأكمل الصف الخامس الأدبي في ثانوية الحلة للبنين عام 1948 حين أكملت أنا الصف السادس الإبتدائي في هذا العام.

نعم، فُصل وسُجن على خلفية أحداث وثبة كانون 1948 حين لم يكنْ بعدُ طالباً في دار المعلمين العالية في بغداد كما أشار خطأً الأخ ضياء. كنا معاً ندرس في هذه الكلية وكانت علاقتنا جدَّ وطيدة خلال الدراسة فيها [1955/ 1959] هو في قسم اللغة الإنكليزية وأنا في قسم الكيمياء.

كان معروفاً وقتذاك عنه أنه رجل اجتماعي يحب الإنتظام في حلقات من محبي الأدب يكون هو في المركز ويكون اللولب الحَرِك والمُحرّك معاً ... وتحلّقت بالفعل حوله في نادي الطلبة في دار المعلمين العالية مجموعة من الزملاء فيهم الفنان نور الدين فارس وزائرون لنا أذكر منهم الفنان إسماعيل فتاح الترك والقاص الصحافي نزار عبّاس وسواهم لا أتذكر أسماءهم اليوم. كان يومذاك ينشر مقالات نقدية أدبية في مجلات أدبية واسعة الإنتشار منها مجلة الأداب لسهيل أدريس ومجلة فنية عراقية لا أتذكر عنوانها وكان فخوراً بما ينشر ويعمم ما ينشر على أعضاء تلكم الحلقات والتجمعات الصغيرة. ما كان يتكلم في السياسة ولكن مارسها بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 بشكل فعاليات مؤيّدة للثورة ومناهضة للتيارات القومية والبعثية ولديَّ بعض التصورات عن تلك الفعاليات لا تستحق الذِكْر.

أكملنا دراستينا في دار المعلمين العالية وقد غدا اسمها بعد ثورة تموز 1958 " كلية التربية " وجرى تنسيبنا بأمر وزاري مدرسين على التعليم الثانوي في بعض مدارس مدينة الحلة. إلتحقَ في عام 1960 ببعض الزمالات التي كان الإتحاد السوفييتي يمنحها للعراق وغادر إلى موسكو ليدرس الأدب الروسي في جامعة موسكو / لومونوسوف.

 

في جامعة موسكو:

غادرتُ العراق فجر السادس من شهر آب عام 1962 متجهاً طيراناً نحو فيينا ومنها بعد حوالي ثلاثة أسابيع إلى موسكو. كان طبيعياً أنْ أسأل عن جليل كمال الدين فالتقينا ورتب في شقته في القسم الداخلي في جامعة موسكو لي والصديق عبد اللطيف السامرائي عشاءً عراقياً نموذجياً : مرقة بامياء مجففة ورز مع زجاجة فودكا جرّبتها هناك لأول مرة في حياتي ... نعم، كنّا في العراق نسمع بها لكننا ما رأيناها ولم نجرّبها.

بعد أنْ فعلت الفودكا فعلها في رأس الصديق السامرائي تذكر أهله فانحرط في نوبة بكاء حار كثير الجديّة وكانت هذه ظاهرة مألوفة بالنسبة للطلبة الذين يغادرون الوطن حديثاً لم يسلمْ منها ولم يشذْ كاتبُ هذه السطور.

تعثّرت دراسة جليل في جامعة موسكو لأسباب أعرف بعضها وأجهل البعض الآخر وأُوقفت مخصصاته الشهرية كطالب دكتوراه فضاقت به السُبل. قيل في حينه أنَّ زوجه الروسية (أم علي) كانت تساعده بين حين وآخر. ثم ساءت علاقاته العامة مع بعض زملائه العراقيين وأُتهم بالإنشقاق ومحاربة رابطة الطلبة العراقيين في الإتحاد السوفييتي وبنشر دعاوى مُغرضة ضد هذا الإتحاد وما كان الرجل محسوباً على تنظيمات الحزب الشيوعي. كان المرحوم كريم الراوي كثير الحساسية من جليل وكان جليل كثير الأدب خفيض الصوت يمتص الإستفزازات وبعض التجريحات بصبر وعصب بارد لكنه كان يعرف كيف يرد.

 

حُب جليل للكتب:

رغم ضيق ذات اليد وتوقف مخصصاته الشهرية ظلَّ حريصاً على اقتناء الكتب الأدبية بثلاث لغات هي العربية والإنكليزية والروسية وما كان يسمح لأحد بمسّها وما كان يعيرها لأحد سوى حادثة واحدة معروفة تخاصم فيها علانية مع أحد زملائه وجيران سكنه في القسم الداخلي إذْ استعار هذا منه كتاباً ثم أنكره عليه وكانت ملاسنة وأصوات عالية في أروقة القسم الداخلي ..

إستثناء واحد: ما كان جليل يبخل عليَّ بأي كتاب أطلب استعارته منه. وبفضله وفضل مجموعة كتبه المغطاة دوماً بقطعة قماش بيضاء كبيرة تعرّفتُ على الشاعر توماس إليوت وقصيدته الشهيرة " الأرض الخراب ". كانت مكتبته مفتوحة أمامي في أي وقت أشاء. كانت ثقته بي كبيرة لأننا أصدقاء قدامى ومن مدينة واحدة وتخرجنا في كلية واحدة في بغداد ومارسنا التعليم الثانوي معاً ولبعض الوقت في مدارس الحلة ثم ما كنا نفترق أثناء دراستنا في دار المعلمين العالية.

المرحوم جليل شخصية قلقة كما أشار صادقاً الأستاذ ضياء نافع.

كان يغيّر مواقعه ومواقفه تبِعاً للظرف السياسي السائد. تجده يوماً شيوعياً متطرفاً وتجده في يوم آخر منكمشاً متحفظاً ناقداً ومنسحباً. عاصرته بالكثير من تلكم المواقف.

قلتُ كانت قد تعثرت دراسته في جامعة موسكو خلافاً للمعروف والمألوف حتى بلغت أو جاوزت العشرة أعوام. أخذ في نهاية المطاف شهادة الكانديدات وغادر الإتحاد السوفييتي وتم تعيينه مدرّساً في قسم اللغة الروسية / كلية الآداب في جامعة بغداد. بعد فترة قصيرة عرفت أنه أُختير من بين زملائه الآخرين الأقدم منه مسؤولاً عن هذا القسم وتسرّبت أنباء عنه مفادها أنه قد انضم لصفوف حزب البعث فانكمش عنه زملاؤه أعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة الروسية وكان الأخ ضياء نافع يومذاك واحداً منهم بعنوان " معلّم جامعي " أو " مساعد مُدرّس " قبل حصوله على الدكتوراه سوية مع المرحوم الصديق محمد يونس. وكان معهم الصديق الدكتور سلام علي شهباز (أبو سمير). كنتُ أزور هذا القسم بين فترة وأخرى [وخاصة في أيام الأربعاء ..] أواسط سبعينيات القرن الماضي وكنت حينذاك مدرّساً في قسم الكيمياء / كلية علوم جامعة بغداد.

تركتُ العراق فجر التاسع من شهر تموز عام 1978 فانقطعت عني الأخبار أخبار جليل كمال الدين وأخبار غير جليل.

 

2 ـ المرحوم عدنان شفيق الزبيدي

علاقتي بالمرحوم عدنان شفيق هي امتداد لعلاقات عائلية قديمة بدأت في ناحية [ قضاء ] المحاويل التابع للواء الحلة [محافظة بابل] في عام 1940 / 1941 ولم تنقطع أبداً خاصة بينه وبين اثنين من أشقّائي. أكمل كلية الزراعة في بغداد وكان يومها محسوباً على اليسار الوطني ويا ما سبب التزامه هذا للمرحوم والده من مشاكل إذْ كان والده مديراً في سلك الشرطة الملكية.

وصلتُ موسكو أواخر شهر آب عام 1962 والتقينا في جامعة موسكو حيثُ كان عدنان قد وصلها قبلي بعام أو عامين ملتحقاً بمعهد [تيمريازف] لدراسة الدكتوراه في بعض علوم التغذية والزراعة مع التأكيد على مادة (البكتين) كعلف حيواني فضلاً عمّا فيه من مركبّات طبية أخرى. إنتبهت يومذاك أنَّ للمرحوم عدنان الزبيدي علاقات خاصة مع اثنين من الزملاء العراقيين هما حمدي التكمةجي وجبار عطيوي ثم عرفت فيما بعد سرَّ حميمية هذه العلاقات.

كانت لقاءاتنا متواصلة كأنها امتداد للعلاقات العائلية القديمة يسّرها سكننا سوية في الأقسام الداخلية التابعة إلى جامعة موسكو / البناية الرئيسة العملاقة. عن طريق عدنان تعرّفتُ على بعض أصدقائه العراقيين أتذكر منهم سامي النصراوي ومحمد يونس وربما طارق درويش وفيصل الخالصي.

لعدنان شقيق أصغر منه اسمه خالد ... كان ضابطاً في سلاح الجو العراقي أُعتقل وسجن في إنقلاب الثامن من شهر شباط 1963

ثم كان واحداً من مجموعة قطار الموت المعروفة.

أكمل عدنان دراسته وكنت حاضراً جلسة مناقشته لأطروحة الدكتوراه وكان مقتدراً مُجليّا فيما عرض وناقش بلغة روسية سليمة بليغة ثم نهض أحد الأساتذة فأشاد بشخصية عدنان وأثنى على علمه وجهوده المخلصة في مجالات البحث العلمي النظري والمختبري. وكانت بعد المناقشة حفلة ترفيهية كما جرت العادات يومذاك ـ وحتى اليوم على ما أحسب ـ يسمونها [بانكيت] تخللتها موسيقى ورقص وشرب عدنان مزيجَ الكحول المطلق [100 / 100 كحول] مع معجون الطماطة وشربت معه على مضض إنتشاءً بالمناسبة ومجاملة لعدنان. لي صورة معه في تلك الأمسية. أتذكر من بين الحضور السيد سامي النصراوي ومحمد يونس وزميل للنصراوي طويل القامة كان يدرس القانون معه في نفس الكلية والقسم هو الأخ سعد الجوهر من أهالي الكرخ .. كان إنساناً رائعاً عظيم الخُلق أميناً يحترمُه ويُحبّهُ الجميع.

حان موعد مفارقة موسكو والإتحاد السوفييتي وكان هذا الفراق على عدنان صعباً جداً إذْ كان عليه أنْ يترك هناك في موسكو صديقته الروسية التي كان متعلقاً بها وإنها كانت تستحق هذا التعلّق. استشارني عدنان في موضوع فاجأني به : قال هناك سيارة ماركة كي دي كي رخيصة الثمن سيشتريها ويقودها إلى بغداد وطلب رأيي . قلت له إنها سيارة قديمة فمن وما يضمن لك وصولها بغداد سالمة .. وما ستفعل بها وبنفسك لو أصابها عطب وعطل في الطريق الطويل ؟ إقتنع المرحوم بوجهة نظري وصرف النظر عن هذا المشروع.

وصل عدنان إلى العراق فوجد أبواب الوظائف المناسبة موصدة في وجهه فعمل كموزع ومروّج أدوية صيدلانية روسيّة في مكتب أو شركة أو وكالة يديرها صديق له هو المرحوم الصيدلي عدنان برهان الدين الخطيب. في أيام خدمته الأخيرة لدى هذا المكتب قدّم استقالته ولكن كانت أمامه مهمّة أخيرة جرى التخطيط لها سابقاً تقضي أنْ يزور عدنان مدينة البصرة ليروّج ويوّزع مجموعة من الأدوية على صيدليات ومستشفيات البصرة. أنجز المهمة وتوجه إلى بغداد فكانت المصيبة تنتظر عدنان في الطريق بين البصرة وبغداد. أنقلبت أو تصادمت سيارة الأجرة التي أقلّته وتلفت ساق عدنان اليسرى أو اليمنى وتم قطعها فصار يمشي على عُكّاز. ترك فراش المرض واستعاد صحته الناقصة والكثير من قواه الجسدية فقدم طلباً للتدريس في جامعة السليمانية وزار هذه الجامعة فاعتذر عميدها منه وقد رآه يمشي على عكاز ! قال لهذا العميد: يعمل الأساتذة برؤوسهم وعقولهم وليس بسيقانهم ... رُفض طلبه وبقي عدنان الجميل القوي الخلوق عاطلاً عن العمل. أخذته معي ذات يوم إلى كلية العلوم القريبة من بيتهم في الأعظمية وقدّمته لرئيس قسم البايولوجي الإنسان الرائع المرحوم الدكتور أحمد شوقي أحد أبناء الحلة الأبرار. رحب به أيّما ترحيب وشرع يناقشه باللغة الإنكليزية نقاشات ذات علاقة باختصاص عدنان الدقيق فأبدع في إجاباته وزاد فدُهش أحمد شوقي وقال: لم أكن أتوقع أو أتصور أنَّ خريجي الجامعات الروسية يجيدون الكلام بالإنكليزية. عرض الدكتور أحمد أمر تعيينه مدرساً في قسم البايولوجي في كلية العلوم / جامعة بغداد فلم تحصل موافقة رئاسة جامعة بغداد وكان رئيس الجامعة يومذاك هو الدكتور سعد عبد الباقي الراوي المتأمرك والفاشي العريق المعروف.

إصطحبته معي بعد ذلك وعرّفته على السيد محمود خليل المرجاني، مدير البعثات العام وطلبت منه المساعدة في إيجاد وظيفة مناسبة لأخي عدنان شفيق. وعدَّ الرجل وبرّ بوعده فتم تعيين عدنان مديراً لمعهد تطوير النخيل وكانت الفرحة أكبر من الكبيرة. كنت أُكثر من زياراتي له في مكتبه في هذا المعهد وقد فوجئت ذات يوم بأنَّ بعض طالباتي في قسمي الكيمياء والبايولوجي في كلية العلوم كنَّ باحثات في معهد تطوير النخيل. عرّفتهنَّ عليه فرحب وفرح بهنَّ.

كان اللقاء الأخير ـ قبل مغادرتي العراق ـ مع عدنان شفيق في شارع الرشيد إذْ كنت مارّاً بسيارتي وكان هو على الرصيف ينتظر قدوم الباص الأحمر فأشار لي بذراعه الممدود .. رأيته فتوقفت وأخذته إلى حيثُ كان يقصد.

تزوج عدنان شفيق مرتين .. إصطحب الأولى منهنَّ معه إلى موسكو وأنجبت منه طفلة تحمل قسمات وجهه كاملةً لكنَّ هذه السيدة لم تُطق الحياة في الإتحاد السوفييتي في بدايات الستينيات من القرن العشرين فغادرت عدنان وموسكو وعادت للعراق منفصلة عن الدكتورعدنان شفيق. أظن اسم ابنته " هند ".

في بغداد تزوج عدنان من سيّدة محامية وكان سعيداً بزواجه الثاني.

وماذا عن صديقه الزميل السابق الدكتور والمرحوم محمد يونس؟ تزوج شقيقة عدنان السيدة شيماء وعاش معها في مشتمل تابع لبيت أهل عدنان.

الرحمة لك أخي وعزيزي دكتور عدنان شفيق فهمي والسلامُ عليك يومَ وُلِدتَ ويوم فارقتنا ويومَ تُبعثُ حيّا.

عبد الجليل البرزنجي .. الطبيب والأعلامي في ذمة الخلود

amir hushamأنتقل الى جوار ربه يوم الرابع من شهر شباط/فبراير 2015 أستاذ طب الأطفال العراقي الدكتور عبد الجليل البرزنجي. وقد عرفته في كلية طب جامعة بغداد في نهاية السبعينيات من قرننا الماضي طبيبا للأطفال فاضلا، حريصا على تدريس الطب لطلابه الذين سعوا للأستفادة من خبراته العملية في مجال كان ولا يزال العراق بأمسّ الحاجة أليه.

ولد الدكتور عبد الجليل خليل البرزنجي في الرابع من نيسان /أبريل عام 1932 في مدينة بغداد. وقد تدرّج في دراسته حيث تخرّج من كلية الطب بجامعة أنقره التركية وعمل بعد ذلك في مستشفى كندر في مدينة برلين الألمانية حيث أكمل دراسة الماستر الطبية. وفي عام 1966 زار المملكة المتحدة وعمل كطبيب مقيم دوري في أحد مستشفيات الأطفال فيها وذلك عام 1967/1968، كما عمل خلال نفس الفترة في مستشفى السنت ماري في لندن حيث ألتقى بزوجته ساندرا. وقد أكمل المرحوم البرزنجي دراسة الدبلوم في طب الأطفال حينذاك ليكون مؤهلا للعمل في واحدة من كبريات مستشفيات الأطفال في بريطانيا تلك هي مستشفى:

Great Ormond Street Hospital

وقد كان عمله الطبي وقتذاك بأشراف الأستاذ البريطاني بونهام كارتر، طبيب الأطفال المعروف عالميا. كما عمل الدكتور البرزنجي كرئيس الأطباء المقيمين في طب الأطفال في مستشفى شمال مدينة شفيلد الأنكليزية وذلك للأعوام بين 1969-1972. وقد توضحت عنده الرغبة في التثقيف الصحي لعامة الناس وذلك من خلال مشاركته في برنامج للتلفزيون البريطاني في بداية السبعينيات كان بعنوان عالم الغد.

وقرّر الدكتور البرزنجي أن يصحب عائلته ويعود للوطن الأم عام 1972 حيث عيّن حينذاك طبيبا للأطفال في مدينة الطب وعضوا في قسم طب الأطفال في كلية الطب بجامعة بغداد. وقد غادر العراق لأتمام دراسة الدكتوراه في طب الأطفال في لندن وذلك عام 1974 حيث أنهى دراسته في 3 سنوات وطلع ببحث متميز دار حول حول وفيات الأطفال الرضع المفاجأة. وبعد أن أنهى دراسته وحاز على شهادة الدكتوراه عاد الى العراق ومنصبه العلمي السريري وحتى عام 2001 حيث تقاعد من عمله.

وقد عرف عن الدكتور الأستاذ عبد الجليل البرزنجي حبه وموهبته في الرياضة وسباق الركض السريع حيث كان يتفوق على الكثيرين. كما كان ينظّم السباقات الرياضية لطلبة وأساتذة الكلية الطبية وله خبرته وباعه الطويل في ذلك.

أضافة الى خبرته في مجال ألقاء المحاضرات العلمية على طلبة الدراسات الأولية والعليا في كلية طب بغداد، تميز الدكتور البرزنجي بقابليته في الأعلام العلمي ونشر المعرفة والثقافة الصحية بين أوساط المجتمع من خلال شاشة التلفزيون. وحول ذلك أستطاع من أقناع أدارة تلفزيون بغداد في بداية الثمانينيات من قرننا الماضي ليقوم بأعداد وتقديم برنامج الأسرة والطفل الأسبوعي التلفزيوني والذي كان له دوره المهم في تعليم الأم العراقية على العادات الصحية الأيجابية في رعاية الطفل وفي مختلف المراحل العمرية.

لقد توفي الدكتور عبد الجليل البرزنجي بين أهله في ليدز البريطانية بعد أصابته بمرض الجلطة الدماغية وهو بعمر ال82 عاما. قال عنه الأستاذ الجرّاح عبد الهادي الخليلي وهو حاليا المستشار الثقافي العراقي في واشنطن:

"تميز جليل بخلق عال وحب للمريض والابتسامة الدائمة على محياه وحبه للرياضة وتميزه بها ورغبته الصادقة في تثقيف الامهات من خلال التلفزيون والإذاعة.

يتساقط الأحبة في ميدان الحياة ممن رعى الوطن بكل طاقاته بتفان واخلاص من خلال الطب وغيره، وينتقلوا الى الرفيق الأعلى ولكن بعيدا عن الوطن الحبيب، غرباء حتى لحظة مغادرتهم الحياة وفي القلب حسرة وفي الحلق غصة من فراق تراب الوطن الحبيب. ولكن هذا هو الزمن يقسو كما يحلو له"

رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

 

يوم الشهيد الشيوعي

zohdi aldahoodiحين يخطر ببالنا مفهوم "الشهيد" أو "يوم الشهيد الشيوعي" تنتابنا رعشة، تشبه تلك التي تأتيك بسبب لمسة خاطئة للسلك الكهربائي المشحون بالتيار المميت الذي حسب له حسابه من قبل الميكانيكي الذي يعرف متى تشلك ضرباتُه ومتى تلقيك جثة هامدة على قارعة الطريق.

إنك في الحالة الأخيرة، ستموت، ولكن دون أن تكتسب لقب الشهيد. ولما كان مصيرك غير واضح في يوم الحساب، لذا يهرع أقاربك إلى أقرب إمام مسجد للاستفسار ما إذا كان المرحوم قد مات شهيدا أم طبيعيا. ولما كان أحد شروط الاستشهاد هو التحقق من كون الميت قد مات فعلاً في سبيل الدين وإعلاء شأن الوطن، يكون قد أمّن الجنة.

وبعد التأكد من قرار الطبيب الذي يفحص الجثة بأن القلب قد توقف نهائياً عن الحركة، يرى الإمام الذي تسلم الجثة مع مبلغ محترم لمصاريف الدفن ومراسيم التعزية، بأن المرحوم قد أستشهد في سبيل إعلاء كلمة الله والدين، بدليل أنه قام بتصليح المرافق الصحية للجامع الفلاني التي انقطعت عنها المياه منذ ثلاثة أيام بسبب عطب. تصوروا يا ناس وضع الجامع الذي تنقطع عنه مياه الوضوء لمدة ثلاثة أيام.

إلى هنا وكل شيء مقبول، بيد أن الشيء غير المقبول هو أن يأتي إمام آخر ليطعن في قرار لم تحدد هويته المذهبية. أهي سنية أم شيعية؟ وكيف يمكن تحديد الهوية المذهبية إذا كان الشهيد، عفواً الميت ليس حاضراً؟

عدتم بنا من حيث شئنا أم أبينا إلى نظام المحاصصة والمذهبية والفساد، ما العمل الآن؟ إنها أمور طبيعية فالاولاد بحاجة إلى الأكل والملبس أيضا.

وأتفق الإمامان على أن المرحوم مات شهيداً. وجرت الأمور كما أرادا.

 

من هو الشهيد؟

هو الإنسان المقدام الذي يتحدى الموت في سبيل هدف سام مثل الدفاع عن القبيلة أو الدين ومساعدة الأطفال والنساء والشيوخ والكفاح حتى الموت من أجل بقائها. إن إحتكاكه اليومي بأفراد قبيلته ومساعدتهم، تمنحه صفة البطولة التي تتحول إلى قدسية تنطوي على نوع من السحر الذي يجعل من الإنسان قائداً وقديساً في نفس الوقت. ومثل هذا البطل الذي سواء أغتيل أو مات بشكل طبيعي، فإنه يعتبر شهيداً في عرف قبيلته ويبقى قبره رمزاً لوحدة القبيلة ومبرراً لترك حياة التنقل والركون إلى الإستقرار جنب القبر الذي سرعان ما يتحول إلى معبد. تتسامى هذه الثيمة إلى أعلى درجات الزقورة حيث ثمة غرفة إنفرادية، يتحول فيها الإنسان البطل إلى إله مقدس يربط السماء بالارض وتتسامى هذه الثيمة إلى أعلى درجات الزقورة حيث ثمة غرفة إنفرادية، يتحول فيها الإنسان البطل إلى إله. وفي جو من السرية التامة يتسلم قوانينه وأوامره من الاله الأعظم.

للشهيد إذاً أكثر من معنى، بيد أن تعدد المعاني لا يغير المعنى الأساسي لمفهوم الشهيد الذي بقي محتفظاً بمعناه الذي يؤكد على السمو والقدسية والتضحية والوفاء والإخلاص.

إن الشهيد حين يدخل محراب الخلود، يرتدي الملابس البيضاء التي لا تعرف الغنى والفقر، تصاحبه سمفونية الله الأزلية التي تطالب البشرية منذ نشوء الانسان بالثأر وتحقيق السلام الابدي. ليس الشهداء، بل الناس الذين صنعوا منهم أبطالا يطالبون بالثأر.

دماء لن تجف (29): توفيق منير .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadالشهيد توفيق منير شخصية فذة، في السياسة؛ بل تربوي في المحاماة؛ أنشأ جيلا من رجال القانون، المؤمنين بذواتهم، ولاءً للوطن.

عاش مبدئية تطبيقية، إبتدأها بنفسه؛ عندما رفض الدفاع، عن إبن عمه.. وصهره؛ لأنه بعثي، لم يرحم مناوئيه، حين كانت مقاليد القسوة، مفتاح سلطتهم!

وإنقلاب 8 شباط1963.. في الرابع عشر من رمضان، محطة، في سفر الفظائع البعثية، التي صبت حمم بركانها على رؤوس العراقيين.

توفيق من دعاة عودة الملا مصطفى بارزاني وبعض الشخصيات العراقية السياسية التي كانت قد تركت العراق بسبب الأوضاع السياسية، وهيأ عبد الكريم قاسم مظاهر الاكبار والتبجيل والاحترام عند قدوم الملا، من روسيا؛ للإقامة في وطنه العراق.

أعاد عبد الكريم قاسم المسقطان (اللذان أسقطت الجنسية عنهما) وهما توفيق منير وكامل قزانجي واحتفى بهما، وألقى منير كلمة بالمناسبة، في مفترق الجسر المعلق جاء فيها: “جئنا لنخدم العراق وقد حملت معي تربة الوطن لأنني جزء منه، ولا يمكن لأي وطني واعٍ ان يكون خارج طموح الوطن واهداف شعبه، ونحن نشكر عبد الكريم قاسم صاحب الثورة الوطنية المصداقة النزيهة التي هزت العالم وغيرت موازين القوى”.

كلمته مؤثرة، قوطعت بالتصفيق الحار، وألقى كامل قزانجي خطاباً حماسياً وانتهت المسيرة بكل هدوء بتقديم الاحترام اللائق للزعيمين.

محاماة

عاد الى ممارسة المحاماة، عاملا بمواقفه التي تدل على خلق قويم وتضحية وايثار ليس لها مثيل، رشح الى رئاسة نقابة المحامين؛ فتطوعوا للتثقيف لصالحه؛ لأن أغلبية زملاء المهنة والعمل النقابي، يرغبون بترؤس توفيق منير وذلك لأنه محامٍ ممارس اختلط بزملائه، متعاونا معهم، ويجيب على اسئلتهم، ويعاونهم في بحث القضايا وذلك لما له من خبرة سابقة في العمل كأستاذ بالكتاتيب العثمانية.

في احدى الأيام حضر شخص يمثل الحركة السياسية اليسارية التي كانت تضم عدداً غفيراً من المحامين الذين ينضوون تحت لواء الحزب الشيوعي وانصارهم. أصرّ توفيق منير على علم الترشيح لسبب واحد هو انه طالما كان عزيز شريف رئيساً لأنصار السلام في العراق فهو أحق من نائب الرئيس في ان يكون نقيباً، اضافة الى انه كان يملك القابلية في إدارة ورئاسة النقابة.

 

مع قاسم

اجتمع عبد الكريم قاسم بتوفيق منير وجرى بينهم حديث خاص، فمنير اجرأ الموالين لعبد الكريم قاسم الذي كان في قمة زعامته وشعبيته، ينهاه عن ضرب ليسار الذي قربه مطلع الثورة: "يا زعيم لا تحفر قبرك بيدك" محتفظا لقاسم بمحبة غامرة: "مهما انحرف عبد الكريم، فانه يبقى شخصية وطنية لانه لن يكون انحرافاً بدافع طمع شخصي او بتأثير من الخارج ولكن لقلة خبرته السياسية وبساطته في إدارة الحكم".

بقى توفيق مخلصاً للزعيم، يدعو دائماً الى الديمقراطية، في كل جلسة وخطاب ومداولة، مؤمنا بشعبه... إغتاله البعثيون، رامين جثته من فوق سطح المنزل.

 

إغتياله

إتصلت به يوم اغتياله، من داري في السعدون صباح يوم انقلاب 14 رمضان (الجمعة 8 شباط 1963) وعرضت عليه ان اذهب اليه في هذا الوقت ولكنه لم يستجب لطلبي الذي تكرر عدة مرات، مصرّاً على عدم الحاجة لترك منزله، يردد بالحرف الواحد: “ليس هناك قوة بين الشعب العراقي لها اهميتها وتريد اسقاط عبد الكريم قاسم، وأية محاولة، سيسحقها الشعب، خلال ساعات لأن العراقيين ملتفون حول قاسم، يريدون بقاءه".

انتقل الى المنزل الذي اسكن فيه حيث كان فارغاً وصعد الى السطح فلاحقوه واغتالوه! ليخسر العراق شخصية مناضلة،...

دماء لن تجف (28): الشيخ عارف البصري العبادي

munir hadadالشيخ عارف عبد الحسين الحمود العبادي البصري، نبعة من رياض "عشار" البصرة 1937، شعلة وقادة، أضاءت دياجير الظلام، بمداد من دمها الوهاج.

الشيخ البصري (قدس سره الشريف) أحد شهداء مجموعة (قبضة الهدى) قيادي وعضو مؤسس في (حزب الدعوة الإسلامية) ذو شخصية حاضرة، تحترمه أخلاط المجتمع، مثلما تجله النخبة.

يهوى المعرفة، طفلا يختلف الى مجالس العلماء، نشط دينيا، بعد انهاء الدراسة الابتدائية، و دخول الاعدادية، مكملا دراسته في البصرة، ليلتحق، من ثمة، بكلية الفقه، في النجف الأشرف، طالبا متميزا، تخرج فيها العام 1963، ليعيم تربويا في بغداد.

لفرط ألمعية، أصبح مورد اعتماد المؤمنين، وغير المؤمنين.. على حد سواء.. بين أهالي العاصمة، وجيها إجتماعيا ودينيا وتربويا، يحل مشاكل الأهالي، مشاركا في أفراحهم وأحزانهم.

له دور فعال في إنشاء جمعية الصندوق الخيري الإسلامي، التي أسهمت في تنمية الوضع الاقتصادي للمستضعفين، وأصدر مجلة "المجتمع الإسلامي".

نبغ وسط جماعة علماء بغداد والكاظمية الفاعلين في منطقته "الزوية" من الكرادة الشرقية.. حصل على درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية من (معهد الدراسات الإسلامية) التابع لجامعة بغداد، ملتزما التعليم في مدرسة الإمام الجواد (ع) وكلية أصول الدين.

سلسلة إنجازات، لله، بر بها المحتاجين.. مراكز طبية ومؤسستي (العون) للفقراء و(الأرامل و الأيتام) و جمعية تكريم الطلبة المتفوقين، وتأسيس مكتبات في مناطق متعددة، كلها.. بمجموعها، أدت إلى اعتماد المرجعية الدينية في حوزة النجف الأشرف، عليه أكثر فأكثر، بالمقابل، تخّوفت الحكومة البعثية منه، فأخذت تكيد له الفتن؛ كي تحبط نشاطاته الإيمانية.. إنسانيا.

عمل وكيلاً للمرجعية الدينية، وإمام جامع "الزوية" ومسؤول تنظيم ديالى، قيادياً نشطاً في "الدعمة" تمكن من جعل الكرادة أهم معاقل الحزب في بغداد.

من مؤلفاته: "نفقات الزوجة في التشريع الأسلامي" و"النفس المطمئنة" و"التوبة والعفو الإلهي".

اعتقل أكثر من مرة، في مديرية أمن النظام، وهدد كي يقلل من نشاطه الثوري، لكنه أبى إلا أن يكمل مسيرته؛ ما أدى بالنهاية إلى اعتقاله مع مجموعة من المؤمنين بتاريخ 14/7/1974، وبعد تعذيب فظيع، حكمه قضاء صوري، بالإعدام، يوم 5/12/1974، مع أربعة من طلائع التحرك الديني في العراق، اللماء الأجلاء: عز الدين القبانچي وعماد الدين الطباطبائي وحسين جلوخان ونوري طعمة.

إستثمر المحكمة، ليطلق حكمته الشهيرة: "لو ان اصبعي هذا بعثيا لقطعته" فيما قال جلوخان، لمودعيه: "لا تبكوا بل فكروا كيف يمكن ان تستثمرون جثثنا عندما تستلمونها لاثارة الامة ضد هذا الطاغوت".

نفذ الأعدام صبيحة يوم 25/12/1974 وقد إصطفوا يدعوهم الشيخ واحدا واحدا، ليتقدم بنفسه، من المشنقة؛ ينهي مطاف الدنيا، لتبدأ ولادة الجنة ورياض النعيم وحوريات صدق الوعد.

ما لاتعرفونه عن عبد الملك الحوثي

adnan aljafariللاسف الشديد فان الكثير من اهلنا في العراق يؤيدون بعض الشخصيات الدينية في الخارج دون ادنى معرفة عنهم او عن توجهاتهم الفكرية وطرق تعاملهم مع الناس او حتى عما يدعون اليه، يؤيدونهم فقط لانهم من نفس الطائفة، او يؤيدونهم تقليدا لهذا المرجع او ذاك الشيخ، لذلك قررت ان ابين لاهلنا في العراق بانه يجب عليهم معرفة حقيقة هؤلاء الناس قبل تاييدهم والوقوع في الخطا لاسامح الله.

عبد الملك الحوثي زعيم حركة انصار الله وابن الشيخ بدر الدين الحوثي هو انسان غير متعلم في المدارس النظامية، وكل مايعرفه عن الحياة هو فقط ما افاض به والده عليه من العلوم الدينية المخلوطة بين الشيرازية والزيدية .. تربى في القرى بعيدا عن المدنية وما فيها من تقدم، واعتقد بانه غير قادر على منافسة اي طفل يدرس في المرحلة الدراسية المتوسطة في اي من العلوم الدراسية الاساسية.

عبد الملك هذا يحاول ان يقلد السيد حسن نصر الله في خطاباته من اجل كسب تعاطف بسطاء الناس .. مع الفرق الشاسع الواضح جدا بين ثقافة الشخصين، هذا اضافة الى الفرق الشاسع بالانتماء المذهبي والفكري للشخصين .. وبغض النظر عن صحة معتقدات السيد حسن نصر الله ، فان السيد حسن نصر الله رجل مبدئي متمسك بمبادئ ثابتة عكس ماهو عليه الحوثي هذا، فالحوثي اثبت انه رجل مصلحي من خلال تحالفه مع علي عبد الله صالح الذي اهلك اتباعه سابقا، وقيامهما معا على تدمير اليمن.

عبد الملك الحوثي هو من اصل زيدي ويحاول كسب ود زيدية اليمن، ولكن كل تصرفاته توحي بانه شيرازي المذهب"الشيرازيون هم اجهل الشيعة واكثرهم تعصبا" .. وهنا اطالب عبد الملك الحوثي بتحدي ان يعلن للناس مذهبه الحقيقي، وان يناقش علماء الزيدية الحقيقيين بافكاره الدينية، واطالبه باعلان موقفه من تصديق او تكذيب وجود الامام الثاني عشر"المهدي المنتظر" علنا، كي تعرف الناس حقيقته.

عبد الملك الحوثي هذا شخص باحث عن الملك الوراثي له ولذريته من بعده"فهو لايملك اي مؤهل غير الوراثة"، وهو من المؤمنين بما يسمى بالنطف المقدسة التي يجب ان ترث حكم الارض وخيراتها، مع ثبات قذارة النطف البشرية عند علماء الدين.

الحكم الوراثي الذي يدعوا اليه الحوثي هذا هو اسوء انظمة الحكم الوراثي عبر التاريخ، الملك الالهي هو ملك فرعوني طبقي عنصري لايصلح للعصر الحالي، وهو حكم قادر على القتل باسم الله، وارتكاب الجرائم باسم الله، بل وحتى تزوير التاريخ باسم الله ..

بصراحة .. هذا الرجل يريد العودة باليمن الى الماضي وهو غير قادر على تقديم اي شئ مفيد لليمن ثقافيا او علميا او اجتماعيا .. الخ، كل مايملك هذا الرجل هو الخرافات الدينية المتخلفة، وشعارات قديمة بالية حملها قبله كل جبابرة العالم لقمع شعوبهم مثل العداء اللفظي لاميركا واسرائيل"اقوال دون افعال" .. هذا مع التذكير بانه يقرب نفسه باستمرار للغرب عموما ولاميركا خصوصا "وبالتالي اسرائيل ضمنيا" من خلال الايحائات المستمرة بانه يشارك العالم في الحرب ضد الارهاب.

يا اهلنا الكرام .. هذا الرجل لايستحق منا اي مناصرة او تقدير، فلن يجلب هذا الرجل لامتنا غير التخلف، ولن يؤسس غير دولة جاهلة تجلب الخراب لنفسها ولكل جيرانها .. فهذا الرجل من ابعد الناس عن الحضارة والتمدن،عن الثقافة والعلوم .. هو مجرد شخص جاهل يريد تاسيس دولة وراثية ظلامية تحكم الى الابد من خلال الجهل والتخلف.

يجب ان نتمنى لليمن بناء دولة مدنية حديثة على يد ابنائها من العلماء والمثقفين كي تساهم في رفع المستوى الثقافي للامة، لا ان تكون سكين تذبح بها حضارة هذه الامة.

وشكرا

 

عدنان شمخي جابر الجعفري

.................

ملاحظة: الرابط ادناه لمن هو مجبر او يفضل السماع على القراة لسبب او اخر.

https://www.youtube.com/watch?v=5Pv7W9As84M&feature=youtu.be

دماء لن تجف .. موسوعة شهداء العراق: عبد الكريم الجدة.. أول الشهداء فداءً للزعيم

munir hadadشغل الشهيد عبد الكريم الجدة، منصب آمر الإنضباط العسكري طيلة حكم الزعيم الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي يدين له بحب غامر وولاء مطلق، واصفا إياه: "جاء من وراء ملايين السنوات الضوئية"!

لم يبرحه في وقت الشدة، لحظة تعطلت أول طائرة قاصفة، من بين الثلاث اللواتي أطلقهن عبد السلام عارف، فتولت الثانية، إمطار مقر الزعيم بوابل من حمم، ما زال العراق يدفع ثمنها حتى هذه اللحظة.

الجدة رجل ودود، بقدر ما هو عسكري حازم، يتغزل بشخص قاسم: شعره سرح ناعم، دليل أكيد على انه عربي أصيل، ذو جبين مقوّس كالهلال، وتلك ليس من صفات العرب الأقحاح؛ لذا يرى: "على العرب الآن، إعتباره قائداً وقدوة لهم".

صباح جمعة قارسة البرد، تصادف يوم 8 شباط 1963 (14 رمضان) حصلت الحركة انقلابية ضد حكم الزعيم قاسم، قادها حزب البعث عميلا لقوة إقليمية متهورة، خدمت أعداء الدول العربية، وخلخلتها واحدة، لصالح الأجنبي.

شارك في الإنقلاب عسكريون، منهم: عبد السلام عارف واحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وحردان التكريتي، يقودون عدة مئات من البعثيين المدنيين، يحملون اسلحة خفيفة، نوع "بورسعيد" مصرية الصنع! هاجموا مقر وزارة الدفاع، تساندهم دبابات، تنقل ضباطا، من معسكر "ابو غريب" وطائرات انطلقت من قاعدة "الحبانية" يقودها طيارون بعثيون، مثل المقدم الطيار منذر الونداوي والرائد الطيار محمد جسام الجبوري.

لحظة إشتعال الفتيل البعثي؛ بزيت إقليمي، لم يكن الزعيم عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع، الا انه وقع في خطأ عسكري جسيم، حين قرر الذهاب من منزله الى هناك؛ بقصد قيادة العمليات المضادة التي تهدف الى سحق المهاجمين,ناسيا انه لم يرتب وضعا حصينا، ولا ينتظر مددا يمكنه من الحفاظ على تماسكه بوجه المهاجمين المسعورين؛ فما بالك بسحقهم، الذي بات محالا!...

هذا القرار من اكبر الاخطاء التي اتخذها؛ لانه ادت الى حصره داخل الوزارة.. فردا لوحده، محاطا ببضعة محبين، لا يعني وجودهم اية ارجحية بالقياسات القتالية.

وبرغم قلة العدد والعدة، الا ان معارك قوية، جرت، طيلة ساعات مساء وليلة الثامن على التاسع من شباط، خارت بعدئذ قوى المدافعين عن مقر قاسم، وهم بضعة أفراد ليس إلا.

بدأت القوات المدافعة عن الوزارة بالتقهقر؛ خصوصا بعد مقتل الزعيم عبد الكريم الجدة.. آمر الانضباط العسكري وقائد القوة الموالية لقاسم.

وبهذا جاد الجدة، بنفسه، ذودا عن العراق، ممثلا بشخص الزعيم، إذ قاتل برجولة منقطعة النظير.. شجاع، صلب هادئ متماسك وقور.. يقدر حجم المسؤولية، في حماية العراق من البعث والطامع الأقليمي بثرواته، التي بلغت حدها النهائي، هذه اللحظة، لكنه تصرف بإعتداد وإحترام لزعيمه وذاته؛ فإستشهد بين يدي العراق، دفاعا عن ثورة الفقراء، التي داهمها الشرهون للسلطة، بإسقاط رمز الجمهورية.. عبد الكريم قاسم، الذي ما زال العراق كله يتهاوى.. متواصلا في الهشاشة، تهافتا، حتى هذه اللحظة، من دون ان يدرأ أحد ما آفة الحطام!!!

بمناسبة ذكرى 8 شباط الاسود: أفكار عن محاولة البحث الثاقب عن اضطراب قيادة ثورة تموز

تمر هذه الايام ذكرى 8 شباط الاسود، التي تبقى على مدى التاريخ موصوفة بهذه الشكل. اعدام وُصفي الى جانب الزعيم عبدالكريم قاسم، كوكبة من خيرة ما انجب الجيش العراقي على المستوى الوطنية او المهنية. تركز معظم الكتابات عن انجازات ثورة تموز1958 وتربطها باسم قاسم متجاهلة بوعي او بدونه دور العديد من الضباط اليساريين والمتنورين في تحقيق انجازات ثورة تموز المجيدة، وفي التأثير على بعض اتجاهات عبدالكريم قاسم التقدمية، حيث قلما تتوفر وثائق تمس هذا الامر، اضافة لتصفية حياة هذه المجموعة. كذلك نجد أن بعض الذين كانوا على قرب من ثنايا الامور صمتوا خوفاً او طوعاً. هذه المجموعة من الضباط ذوي الرتب العليا، التي كانت على تماس يومي مع قاسم، لعبت دوراً هاماً في التأثير على اتخاذ قائد ثورة تموز العديد من الاجراءات الوطنية. وقد تميزت عموما بنضج سياسي أعلى من طموح قاسم وكانت على تواصل وعلاقة اوثق بالقوى السياسية الداعمة لثورة تموز وبالذات الحزب الشيوعي العراقي، اضافة لكونها كانت اقدم في صلاتها بحركة الضباط الاحرار.

تلك القوى كانت اكثر ادراكاً للمخاطر التي احاطت بثورة تموز ، لذلك ظلّت متذمرة من سياسة الزعيم عبد الكريم قاسم ،الوسطية والمتراخية، مع اعداء ثورة تموز وقائدها. لقد عملت القوى المعادية لثورة تموز بإثارة الشكوك حول هذه المجموعة وتخويف قاسم منها وقد نجحت في هذا الامر. ابرز هؤلاء القادة كان (الزعيم الركن طه الشيخ أحمد، الزعيم الركن جلال الأوقاتي، العقيد فاضل عباس المهداوي اضافة لوصفي طاهر وماجد محمد امين).

في تقييمه لرجال تلك المرحلة يشير الفقيد قاسم الجنابي مرافق الزعيم عبدالكريم قاسم ان العراق خسر في 8 شباط 1963 شخصيتين عسكريتين مهمتين هما طه الشيخ احمد وجلال الاوقاتي وان قذى احذيتهم افضل من كل الذين جاءوا بعدهم( برنامج مهمة عراقية- الزعيم عبدالكريم قاسم - قناة العراقية). بقيت هذه المجموعة وقلة نادرة من الضباط القاسميين مثل الزعيم عبدالكريم الجدة مخلصة للنهاية لقاسم ولثورة تموز ودفعت حياتها ثمناً لهذا الموقف. لعبت هذه الشخصيات ادواراً هامة وكان ابرزها الزعيم طه الشيخ أحمد ، خاصة في السنة الاولى من الثورة فإضافة لكونه مدير الخطط الحربية العام كان ( يقوم بواجبات المستشار الشخصي للزعيم عبد الكريم قاسم وموضع ثقته ويقوم بمهمة تنفيذ اوامره المتعلقة بقضايا الامن الداخلي وجمع المعلومات الخاصة ذات الطابع المؤثر والخطير على كيان الجمهورية - رسالة من السيد عربي فرحان للكاتب )، ويعتبره حازم جواد (أحد قادة انقلاب شباط الاسود ووزير داخلية الانقلاب) في صفحات مذكراته التي نشرت في جريدة الحياة اللندنية بانه كان الحاكم الفعلي للبلد في 1959 ويكتب عنه حنا بطاطو في كتابة المشهور عن العراق بانه القوى التي كانت تقف خلف العرش ويعزو الفقيد عامر عبدالله في صفحات مذكراته المنشورة في عدد من المجلات منها مجلة ابواب الصادرة عن دار الساقي، على ان احد اسباب عدم قدرة قيام الحزب الشيوعي بالتحرك ضد قاسم هو بسبب انقسام قواه العسكرية في الجيش بين طه الشيخ أحمد والمهداوي. هناك العديد من الشهادات بحقه وبحق هذه الكوكبة من القادة العسكرين الامجاد وغيرهم من الرتب الادنى. قسم من هؤلاء شارك في الحياة الحزبية والمدنية في فترة ابعاده من الجيش بمعنى إنه لم يكن اسير الثكنة وما تفرضه من طريقة تفكير محددة منهم جلال الاوقاتي، طه الشيخ أحمد، سليم الفخري، غضبان السعد وغيرهم. كما بقيت قضية الارتباط السياسي لهذه المجموعة يحيطها بعض الغموض اذا استثنينا جلال الاوقاتي وارتباطه بالحزب الشيوعي وفي فترة متقدمة قياسا مع الاخرين وقبل ثورة تموز ، فان البقية كانوا على علاقة بالشيوعين بشكل او اخر، لكن للأسف لم يبحث او يؤرخ هذا الجانب. مثلا كتب لي الشخصية الوطنية المعروفة الدكتور على حسين الساعدي وهو ابن رجل الدين الشهيد الشيخ حسين الساعدي . كان الشهيد الشيخ حسين الساعدي مسؤول محلية العمارة للحزب الشيوعي ، . كتب لي مرة كيف كان يزور طه الشيخ أحمد برفقة ابيه عندما كان صغيراً في العمارة في فترة الانتخابات عندما رشح طه الشيخ أحمد للانتخابات في نهاية الأربعينيات عن لواء العمارة، وكان يجري التنسيق في امر الانتخابات ويقوم هو بالتسجيل والكتابة ويصف كذلك اناقته وبيته وهدوئه. بتقديري تسليط الاضواء عن ادوار هذه الشخصيات ومؤثراتها على قاسم ومساره يمكن ان يساعد في رسم صورة اوضح لمسارات ثورة تموز المجيدة.

قبل فترة وجيزة توفى المناضل سلطان ملا علي وكان عضواً في لجنة التنظيم العسكري المركزي للحزب الشيوعي بعد ثورة تموز 1958، كنت استغرب مضمون اللقاء الذي اجري من قبل صحيفة شيوعية، التي ركزت كالعادة على الاهتمام بأمور اخرى كمظاهرة معينة او لقاء بشخص معين دون التطرق لعمله الاهم في الجانب العسكري ولم يؤرخ الشيوعين له شيء في هذا الجانب وفقدنا مصدراً هاماً عن تلك الفترة وعن التنظيم العسكري.

في كتاب العميد المتقاعد خليل إبراهيم حسن ( اللغز المحير. عبدالكريم قاسم. بداية الصعود الجزء 6). قبل الاشارة لما ورد، اشير الى إن الكتاب كتب بروحية العداء لقاسم، الا انه يحوي معلومات هامة وكثيرة، وهي اوسع ما كتب عن ثورة تموز والمفارقة فأن قراءة اجزاء الكتاب المتعددة توصل القارئ الى استنتاج ضمني معاكس لما ارده صاحب الكتاب (العروبي الاتجاه) بأن قاسم كان قائداً عسكرياً متميزاً وهو الرابط الاساسي لمجموعات الجيش المعارضة ويحظى اسمه بثقة معظم الضباط الوطنيين بدون منازع ويكفي ان يعرف بعض الضباط ان قاسم جزء من الضباط الاحرار حتى ينضم لها. كان قاسم ذو كفاءة عسكرية متميزة وروح وطنية عالية ونزاهة وعفة وأمانة معروفة بين اوساط الضباط. وهو منظم كبير وذو عقلية استخباراتية وكان يقف على معظم التغيرات والاسرار في المؤسسة العسكرية. وقوف قاسم على راس حركة الضباط الاحرار كان ضمان حقيقي واساسي لنجاحها. وربطا لموضوع المقالة فقد وجدت في الكتاب الجزء 6 حيث ذكر الكاتب وهو شاهد على الحادثة في هامش الصفحة 84 ما يلي:

( وبعد ان ابدلت الثورة المصرية النظام الملكي بالنظام الجمهوري في 18 حزيران 1953 قررت حركة الضباط الاحرار في اجتماعهم في مسبح ( جرداخ ) الهندسة على وليمة ( سمك مسكوف ) التي دعاهم اليها مؤسس حركتهم رفعت الحاج سري تغيير النظام الملكي الى نظام جمهوري في حالة نجاح ثورتهم واذا بطه الشيخ احمد الذي كان مفاتحا بالأمر يستصحب معه الدكتور رفعة علي الذي كان على صلة بالحزب الشيوعي ويطلب تشكيل حكومة ظل وان يتولى هو وزارة الدفاع في هذه الحكومة وان يضم الدكتور رفعت الى التنظيم وقد رفض الطلب طبعا وقطعت صلة طه بالتنظيم ). نفس الامر جرى تأكيده في ندوة افاق عربية العدد 7 سنة 1984 حول الموضوع. الكاتب يشن بعدها هجومه على الشيوعيين وعلى بيان اصدره الحزب الشيوعي في ايلول 1953 حول نشاط السفارة الامريكية وجواسيسها بين الضباط ( الفاشست ). ( يبدوا ان الكاتب حسب معلوماتي يقوم بالإسقاط القسري لبيان للحزب الشيوعي حول نشاط لمجموعة عسكرية أخرى على هذا الحدث)

يشير الشيوعي المخضرم السيد بهاء الدين نوري في مذكراته( ص 167- 169 ) ان الحزب الشيوعي واثناء انتفاضة 1952 حيث كان بهاء هو المسؤول الاول ، طرح تشكيل حكومة وطنية يقودها الجادرجي ويكون أعضاء فيها من ممثلي الأحزاب الوطنية ومن عناصر المعارضة المستقلين أمثال الجواهري وعبدالرزاق الشيخلي، ويحتفظ الشيوعيون بأهم مقعدين: وزارة الدفاع للضابط الشيوعي المفصول سليم الفخري ووزارة الداخلية لنائب نقابة المحامين المحامي والشهيد لاحقا توفيق منير. وقرأت قائمة التشكيلة الوزارية في المظاهرات، ويذكر المفاوضات التي جرت بين ممثلي الحزب( عزيزالشيخ و غضبان السعد ) والجادرجي. طبعا الجادرجي رفض هذا الامر. لاحقا في نيسان 1953 اعتقل بهاء الدين نوري واودع السجن.

بالتأكيد كان هناك تأثير او رابطة بين ما أرّخه الاثنان، خاصة اذا علمنا ان الفقيد ثابت حبيب العاني ذكر إن طه الشيخ أحمد والفقيد غضبان السعد كان او من أسّس التنظيمات السياسية في الجيش العراقي، لكن ما حجم التأثير وطبيعته وغيرها من الأمور المترابطة بتاريخ هذه الكوكبة من الابطال والتي كانت قريبة جدا من قاسم.

بقي القليل من عاش تلك الايام ممن يعرف او سمع بعض بواطنها وخاصة في ما يمس هذه الحلقة المحيطة بقاسم اضافة لحلقة اوسع من الضباط الشيوعيين والوطنيين الذين دافعوا بكل بسالة عن ثورة تموز وقائدها وانجازاتها، وسعى غربان شباط الاسود ليومنا هذا الى تشويه التاريخ والحقائق والمحيطة بأحداث ثورة تموز والانقلاب عليها وما لاحقها من جرائم وخراب ظل العراق ووطناً وشعباً يدفع ثمنها ليومنا هذا. على النقيض من هذه الشخصيات كانت هناك شخصيات عسكرية ايضا قريبة من قاسم لكنها خانت ثورة تموز وقاسم وعبدت الطريق لنجاح الانقلاب منها مثلا الحاكم العسكري العام أحمد صالح العبدي حيث اظهرت الوثائق البريطانية المسموح نشرها بعد عشرات السنوات ارتباطه بالمخابرات البريطانية وهو اول مسؤول عمل على توفير الصلة للمخابرات البريطانية مع البعثيين في سنوات الثورة الاولى، ولا يمكن نسيان الدور الذي لعبه مدير الامن العام وهو أحد ضباط قاسم في التستر على نشاط الإنقلابيين ولعب دوراً هاماُ في تسهل نجاح الانقلاب المشؤوم.

ان البحث والدراسة والتوثيق لدور هذه الشخصيات التي كانت قريبة من قاسم، بالتأكيد سيعلب دوراً هاماً في تدقيق التصورات عن ثورة 14 تموز.

 

د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة

 

 

دماء لن تجف .. موسوعة شهداء العراق (26): عبد الكريم قاسم.. أمير الفقراء

munir hadadأخذ الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، بمجامع قلوب الناس؛ لتواضعه اولا، ولولائه الوطني الخالص، حد فناء ذاتهـ تماهيا مع العراق.

سكرتيره الشخصي.. نعمان ماهرالكنعاني، الذي إختلف معه، في ما بعد، وإلتحق بعدوه جمال عبدالناصر، برأه من أي عمالة أجنبية، خلافا لكل الحكام العرب، على مر التاريخ.

وإذ تحل علينا اليوم.. الأحد، ذكرى إستشهاده، فإننا نجد في إستعراض حياته موعظة كبرى، وقدوة يحتذيها الصالحون، سيرا على هداه، في الإنتماء المخلص .. عاش متقشفا ومات مؤمنا بقضية الفقراء.. إنه أمير الفقراء بحق.. له في قلوبه محرب، ينشدون فيه مستقبلا ينقلهم من جوع الى شبع!

 

نسبه

عبد الكريم قاسم بن محمد بن بكر بن عثمان الفضلي الزبيدي (1914 - 1963) من أهالي منطقة الفضل في بغداد، سكن مع أخواله قضاء "الصويرة" في محافظة واسط جنوب بغداد، بعد وفاة والده.

 

قيادة الثورة

عمل رئيس للوزراء وقائدا عاما للقوات المسلحة ووزيرا للدفاع وكالة، من 14 تموز 1958 لغاية 8 شباط 1963 بدأ عضواً في تنظيم الضباط الأحرار، ورشح لعام 1957 رئيسا للجنة العليا للتنظيم الذي أسسه العقيد رفعت الحاج سري، العام 1949، على الحدود الاردنية الإسرائيلية!!!

ساهم قاسم مع قادة التنظيم بالتخطيط لثورة 14 تموز 1958، التي نفذها مع زميله عبد السلام محمد عارف، منهيا الحكم الملكي ومعلنة الجمهورية.

 

إحساس عسكري

عسكري صارم، يحنو بتواضع الفرسان المقتدرين، على الطبقات الفقيرة، فهو شخصية "إشكالية" مثيرة للجدل، إتهم بالتفرد بالحكم، إذ يطلق عليه الشارع لقب "الزعيم الأوحد" حبا بتفرده في محبة الفقراء من دون سواه.

 

واقعة الطف

قتل على يد البعثيين، وعلى رأسهم علي صالح السعدي، الذي حرمه من شربة ماء طلبها ليفطر بها قبل اعدامه رميا بالرصاص، هو وفاضل عباس المهداوي، حيث كانا صائمين وكان ذلك في الرابع عشر من رمضان في أحد استديوهات الاذاعة والتلفزيون.

حرمان البعثية، لقاسم من الماء، نسجا على ايقاع يزيد، في واقعة "طف كربلاء" ضد الحسين.. عليه السلام، يؤكد ان الطغاة، على مر التاريخ، من دون أخلاق.. جبناء إذا تولوا لا يعفون.

لكن "بشر القاتل بالقتل" فقد إنقلب عبد السلام عارف، مدبر إنقلاب 8 شباط المشؤوم، العام 1963، على شركائه البعثية، بعد تسعة أشهر، منكلا بهم، متفرقين أيدي سبأ، يوم 18 تشرين الثاني من السنة نفسها، ومنهم صدام حسين الذي لم يكن لديه آنذاك اي منصب حكومي، إنما يرأس جهاز الاغتيالات في حزب البعث.

 

تاريخ شخصي

الزعيم قاسم أحد الضباط المشاركين، في القتال داخل فلسطين.. حكم العراق 4 سنوات و 6 أشهر و 15 يوماً، تم إعدامه من دون تحقيق خلال محكمة صورية عاجلة في دار الإذاعة والتلفزيون، يوم 9 شباط 1963.

نزيه.. حريص على خدمة الشعب، لم يضع لشخصه ولا أهله وأقربائه أي أعتبار أو محسوبية أمام المسؤولية الوطنية.. تسامح مع المتآمرين على الثورة، منتهجا سياسة "عفا الله عما سلف" بإصدار قرارات عفو عن المحكومين بالإعدام.

رحم الله امير الفقراء، الذي ما زالوا يرددون، مستذكرينه: "ما كو زعيم إلا كريم".

بقعة ضوء على اشهر المعماريين في شمال اوروبا آلفار آلتو

jamal alkersanذاع صيته في الثلاثيات من القرن الماضي كمصمم للمصابيح وللأقداح الزهرية المميزة، ثم شيئا فشيئا ولج عالم التصميم المعماري ونجح فيه الى حد كبير، حتى اصبح احد ابرز وجوه شمال القارة الاوروبية معماريا في القرن العشرين انه الفنلندي آلفار آلتو "Alvar Aalto".

آلتو في فنلندا وخارجها

لهذا الاخير بصمة معمارية في فنلندا وخارجها، من تصميمه على سبيل المثال: بيت الأوبرا في مدينة أشن الالمانية، القصر الثقافي في مدينة فولفسبورغ الالمانية، عام 1939 شيد الجناح الفنلندي المميز في معرض نيويورك الدولي، مكتبة فيبيري في الاتحاد السوفيتي عام 1935، كذلك كنيسة المركز الرعوي في مدينة ريولا في ايطاليا عام 1968، متحف الفن الحديث في ألبورغ الدنماركية اضافة على عشرات المشاريع العمرانية الفذة في بلدان اخرى.

على الصعيد المحلي لآلتو سلسلة طويلة من المشاريع في معظم المدن الفنلندية لازالت تمثل صروحا معمارية يشار لها بالبنان، له "مبنى الصحف" في مدينة توركو الواقعة اقصى جنوب غرب فنلندا. مبنى جامعة يوفاسولا، مبنى الثقافة في هلسنكي، لكن ابرز اعماله في فنلندا على الاطلاق هو التحفة المعمارية قصر فنلانديا "Finlandiatalo" الشامخ وسط هلسنكي، ذلك القصر المتوهج بياضا صيفا وشتاء لها وله اطلالة انيقة جدا على احدى البحيرات خصص لإقامة المؤتمرات والاحداث الثقافية والفنية المهمة، صممه آلتو عام 1962، بوشر في عملية البناء منذ العام 1967 وانجز عام 1971.

662-JAMAL 

آلتو والعراق

آلتو المولود في الثالث من شباط عام1898 في مدينة "كوورتانه" غرب فنلندا، كان يفترض ان تكون له في بغداد لمسة معمارية رائعة لولا مضاعفات السياسة في العراق والتي حصلت في نهاية الخمسينات من القرن الماضي حيث حالت دون ذلك.

القصة تعود الى العام 1955 حينما امر الملك فيصل الثاني ومن خلال "مجلس الاعمار" بتحديث بغداد وتقرر تشييد جملة من المباني ذات الطراز الرفيع في العاصمة لأغراض مختلفة، ولهذا تقرر استدعاء كوكبة من المعماريين العالميين الى بغداد ومنهم الفار التو، وبناءا على تلك الدعوة اوكل للمصمم فرانك لويد رايت تصميم مجمع يضم مسرحا ودارا للأوبرا، كما تكفّل الفرنسي شارل إدوارد جانوريه غري المعروف "لوكوربوزييه" بتصميم مدينة رياضية، الإيطالي جيو بونتي صمم مبنى وزارة التخطيط، ومن بين تلك الكوكبة كانت حصة الفار التو تصميم مبنيين، الاول متحف للفنون الحديثة اما الثاني فهو مكتب البريد المركزي. وقام الاخير بزيارة بغداد اكثر من مرة منها زيارته في نهاية تموز عام 1957 من اجل شرح كافية تفاصيل التصاميم التي انجزها. ومن اجل الحصول على تفاصيل اكثر فيما يتعلق بتصاميم التو في بغداد تواصلت مع متحف الفار التو الواقع في مدينة يوفاسكولا الفنلندية وحصلت من المتحف على تفاصيل التصاميم الاولية الاولية للمبنيين.

 

مبنى متحف الفنون الحديثة

صمّم التو مبنى متحف الفنون الجميلة في بغداد بما يتناسب مع التقاليد المحلية والاجواء العراقية، المبنى تكون من ثلاث طوابق، مع جدران خارجية محكمة مكسوة بحجارة زرقاء داكنة من السيراميك، الجدران الخارجية مدعمة باوتاد متوّجة على الطراز الروماني، السمة الرئيسية للطابق العلوي هي حديقة كبيرة فوق السطح مغطاة بالكامل وياخذ التسقيف شكلا فنيا مميزا، اضافة الى مقهى مسيج بمساحات خضراء اضافة لمجموعة من التماثيل، كما صمم السقف بحيث ينعكس ضوء الشمس بشكل طبيعي على المعارض الفنية في الطابق الرئيسي. اما الطابق الرئيسي فيضم خمسة معارض فنية، اضافة الى قاعة للمحاضرات ومكتبة ايضا.

 

مبنى البريد المركزي

يتكون مبنى البريد المركزي من مبنى ذي خمس طوابق شكل المبنى على هيئة حرف "L"، يحتوي المبنى على قاعة كبيرة لارسال الطرود البريدية، حولها قاعات لتوزيع البريد، القاعة الرئيسية مضاءة بإنارة صممت على هيئة "محّارة"، كما تضمن المبنى حديقة علوية فوق السطح ايضا، يلاحظ في ملامح المبنى من الخارج في التصميم قضبان من السيراميك الازراق يغطي الفضاء بين الاعمدة المتوّجة بالزخارف.

 

التو مصمم للمصابيح والكراسي

آلتو صاحب البصمة العالمية في مجال تصميم المباني لم يغفل شغفه الاول بتصميم المصابيح والزجاجيات، وقد فازت لاحقا تصاميمه بجوائز عالمية، حتى هذه اللحظة لازالت تحتفظ منجزاته الزجاجية بهيبة كبيرة، ولها رفوف خاصة في الاسواق. رحل آلتو عن هذا العالم في الحادي عشر من ايار عام 1976، وبقيت ملامحه الابداعية شامخة في اكثر من رقعة جغرافية.

 

هلسنكي- جمال الخرسان

ابنه اللورد بايرون والكومبيوتر

كيف أصبحت (آدا لوفلايس) أول مبرمجة كومبيوتر بالعالم

كيف يمكن لشابةٍ صغيرةٍ ذاتِ مواهب غير مألوفة بتطبيق خيالها الشعري على العلم لتصوير الأسطورة الرمزية التي ستصبح الحواسيب الحديثة, مما سيصبح البذرة الأولى لولادة العصر الرقمي!

هي أغاستا آدا كينغ Augusta Ada King، كونتيسة لوفلادس؛ وُلِدت في العاشر من ديسمبر عام 1815، تُعرَف أيضا باسم أبيها أدا أوجستا بايرون Augusta Ada Byron، ولكن يُطلق عليها اختصارا اسم (آدا لوفلايس)، وتشتهر حاليا بلقب أول مبرمجة حواسيب بالعالم، فقد كانت أول شخص يتمكن من أن يزاوج الدرات الرياضية للآلة الحاسبة مع الاحتمالات الشعرية للمنطق الرمزي وتطبيقها مع الخيال. كان هذا المزيج الرائع والغريب نتيجةً لظروف الأبوّة والأمومة الفريدة التي تعرضت لها آدا.

قبل أحد عشر شهرا من ولادتها, تزوج والدها اللورد بايرون Lord Byron، الشاعر الرومانسي والمستهتر، على مضض من والدتها آنابيلا ميلبانك Annabella Milbanke، تلك الشابة الغنية المحتشمة والموهوبة بالرياضيات. كان سبب كره اللورد باريون لهذه الزيجة أنه رأى في آنابيلا لمسة رومانسية قليلة، واستشعر بحسه المرهف أنها ستكون غير واعية لعواطفه الخاصة المحفوفة بالمخاطر، والتي قادته لسَيْرٍ متحرك من العلاقات مع كلٍ من النساء والرجال.

وبعد فترةٍ وجيزة من ولادة آدا، بدأت السيدة بايرون تشُك بعلاقة زوجها غير الشرعية مع أخته (أوغستا) غير الشقيقة، وشرعت بعد خمسة أسابيع من ولادة طفلتهما بإجراءات الانفصال. فأرسل محاميها إلى السيد بايرون رسالةً مفادها أن «السيدة (ب) لم يحدث قط في أي وقت مضى أن نشرت أخبارا تضر بسُمعة السيد بايرون»، مع التلميح إلى أنه لو لم يوافق على الانفصال فسيرغمها على نشر فضيحته. وحينها جاء الشاعر لملاقاة زوجته التي لقبها بـ«أميرة متوازي الأضلاع» في تقديس حنون لمواهبها الرياضية كمحاسبة عبقرية وأسطورة في الرياضيات؛ وبعد ذلك سخر منها في ملحمته الشعرية المشهورة (دون خوان Don Juan) حين وصفها قائلا: «علمها هو الرياضيات .. مشيتها دقيقة كالحاسبة»

لم تلتقِ آدا أباها، والذي وافاه الأجل في اليونان عن عمر يناهز الستة والثلاثين عاما. حين كانت تبلغ الثمانية أعوام؛ وحين كان والدها على فراش الموت، ناشد خادما له: «آه، يا ابنتي الصغيرة آدا، غاليتي آدا، يا إلهي، هل لي أن أرَ ابنتي وأمنحها بركاتي!»

لقد قامت السيدة بايرون بتربية ابنتها وكانت حريصةً أن تبعدها عن أي تأثيرٍ لنفوذ والدها. لقد غمرَتْها بالعلوم والرياضيات منذ أن كانت بسن الرابعة؛ وحين بلغت الثانية عشر صارت مفتونة بالهندسة الميكانيكية، وقامت بكتابة كتابها الأول بعنوان (فليولوجي Flyology) الذي أظهر أولى براعم اهتمامها بالطيران. ولكن رغم كل هذا الإقصاء، إلا أن آدا شعرت بذلك الجزء الشعري ينمو ويسري في دمها؛ وفي إحدى نوبات المراهقة كتبت مُتحدِّيةً والدتها: «ألن تسمحي لى بممارسة شعري الفلسفي؟ حسنا، سأُغيِّر طلبي، هلّا منحتِني بركتَكِ لممارسة الفلسفة والعلوم الشعرية؟»؛ وبالفعل، كان ذلك الاحتكاك والانفصال بين والديها سببا لخلق الاندماج ومنح آدا تلك السمة (العلمية الشعرية).

ذلك الاندماج المثمر هو بالضبط ما اكتشفه والتر إيزاكسون Walter Isaacson، ليذكرها في الفصل الأول من كتاب (المبدعين: كيف قامت مجموعة من القراصنة والعباقرة والمهووسون بالعلم بخلق ما يسمى «بالثورة الرقمية»)؛ جنبا إلى جنب مع الرواد من أمثال: فانيفار بوش, وآلان تيورينج, وستيوارت براند.

 

وقد دَوّن إيزكسون مرّةً:

«لقد ورثَتْ آدا روح والدها الرومانسية، رغم كل محاولات أمها لإخفاء تلك السمة من خلال غمرها بالرياضيات؛ لقد ولّد هذا المزيج في نفس آدا العشقَ لما سمَّتْه بـ(العلوم الشعرية)، حيث خلقت صلةَ وصلٍ بين خيالها الشعري المتمرد وسحر الأرقام. بالنسبة للكثيرين ممن عاصروا تلك الحقبة الرومانسية, بما في ذلك والدها, فقد تصادمت مشاعرُهم المُخلخلة من العصر الرومانسي مع الثورة الصناعية التي بدأت شعلتها في ذلك العصر، ولكن كانت آدا تشعر بالرضا والراحة من تداخل كلٍّ من العصرين في مشاعرِها وتفكيرِها.»

حضرت آدا، حينما كانت في السابعة عشر فقط، إحدى الصالونات الأسطورية للموسوعي الإنجليزي تشالز باباج Charles Babbage ومنتدياته المُلِمَّة بجميع المعارف الإنسانية؛ وهناك، حيث امتزج الرقص بالقراءة والألعاب الفكرية, قام باباج بالترويج لآلته الحاسبة التي كان يبنيها. أُغرِمَت آدا على الفور بالقدرة الشعرية للآلة، واستشعرت إمكانيتها لأبعد من أقصى تصورات المخترع نفسه. كما لَّمح لاحقا واحدٌ من أصدقاءها: «رغم صغر سن الآنسه الصغيرة بايرون، إلا أنها فهمت عمل الآلة، واستغرقت في عظمتها وجمالها التي قدمها المخترع كإنشاء جديد.»

عرف آيزكسون أهمية تلك اللحظة، ودونّها باهتمام لعظمتها وتأثيرها في مسار حياة آدا والثقافة البشرية على حد السواء:

«كان للحب الذي تكنه آدا للشِعر والرياضيات معا دورَه البارز برؤيتها للجمال المخبَّأ في جهاز الحاسوب، لقد كانت نموذجا لعصر العلم بنكهة الرومانسية الذي اصطبغ بالحماس الغنائي للاختراع والاكتشاف.

[...]

كان الزمن لا يختلف بنبضه عن تلك العادات والتقاليد الحالية؛ فتفجُّر الثورة الصناعية وقيامها باختراع المحرِّك البخاري والنول الميكانيكي والتلغراف، مهدوا السبيل للتقدم الرقمي متمثلا بالكومبيوتر واستخدام الرقاقات الرقمية والإنترنت، كلُّ هذا أثر في مجرى الحياة. وفي قلب كلٍّ من العصرين، كان هنالك مبتكرِين يجمعون بين رقة الخيال والعاطفة مع التكنولوجيا بشكل غريب, مزيج أنتج نزعة آدا لعشق العلم الشعري، أو ما دعاه شاعر القرن العشرين ريتشارد بروتيجان Richard Brautigan: نعمة حب الآلات.»

مفتونة بسحر الاحتمالات الممكنة لشاعرية العلم، تخيَّلت آدا المُمكنَ. انطلقت بمحاولتها لإقناع تشارلز Charles Babbage ليكون مرشدها؛ وهو ما طرحته في الرسالة التالية:

«إنني أتحلى بطريقة مميزة في التعلُّم, وأظن أنه لابد وأن يكون مرشدي للنجاح يحظى بمميزات فريدة. لا تحسبني مغرورة، لكني, وأجزم بهذا, لدي من الإمكانيات ما تقودني إلى أي مكان أو مدى أرغب به؛ لذا، وبأي مكان فيه امتحان، أحس بالعاطفة تجرفني نحوها كما أجرفها نحوي. أتساءل إذا ما كان هنالك، وليس دائما، بعض النسبة من العبقرية الطبيعية!»

حينها, كتب آيزكسون ملاحظةً غريبة، ربما بسبب الأفيون أو خيلائها أو ربما بسبب الاثنين معا؛ حيث كتب مقاطعا تلك الرسالة: «لقد تعدت الحدود بوصف نفسها بالعبقرية». السخرية أنها كانت فعلا عبقرية؛ يُقر آيزكسن نفسه بذلك الأمر حيث فتح سيرته عن الاختراعات بذكرها. لكن هل يمكن لرجل بمثل هذه الإمكانيات الفذة وهذه الثقة التي لا تتزعزع أن يدّعى عِظَم رأيه، لكونه شخص ذو موهبة، كما أورد في رسالته إلى آدا؟ إذا لم يكن من حق المرأة المتقدة ذكاءً أن تفخر بموهبتها الخاصة دون أن يدعوها بالمتوهمة, إذن وبكل تأكيد، فهنالك أمل قليل لنا كبشر فانيين، وللنساء خصوصا، في الادعاء بالثقة دون اتهامنا بالغطرسة!

ولو لم يكن آيزكسون ملاحظا للقيمة الثقافية الهائلة التي قدمتها آدا للبشرية، فلم يكن ليضمنها في كتابه، ذلك الكتاب الذي بدأ وانتهى بها. إذن الملاحظات لم تكن سوى انعكاس لرأيٍ شخصي يرثى له، يظهر بجلاء تأثيرات الواقع المنادي بالحد من قبول ثقة المرأة بالفخر بمواهبها الخاصة .

وبالواقع، وعلى الرغم من عدم اعتراف آيزكسون أو قبوله بتسمية آدا كأول مبرمجة كومبيوتر بالعالم المنسوبة لها، لكنه لم يدّخر جهدا في الاحتفاء بمقدراتها بشكل واضح وجليّ؛ حيث قال:

«إن قدرة آدا على استشعار الجمال في الرياضيات هي بحد ذاتها موهبة مستعصية على الكثير من الناس, ومن ضمنهم طبعا أولئك الذين يطلقون على أنفسهم اسم (مفكرين). لقد اقتنعَتْ أن الرياضيات ما هي إلا لغة محببة، تلك اللغة التي تقدر أن تصف الانسجام الكوني وأن تتصف بالشاعرية في بعض الأحيان. وعلى الرغم من محاولات والدتها، إلا أنها كانت ابنة والدها، ورثت منه تلك الحساسية الشعرية التي سمحت لها بعرض المعادلات وكأنها ضربة فرشاةٍ رسمت جوانب العظمة المادية للطبيعة؛ تماما كما صوّرت «بحر النبيذ المظلم» أو «امرأة تمشي بخيلاء جميل كما الليل»، لكن نداء الرياضيات انغمس بروحها أكثر، فالرياضيات بالنسبة لها لغةٌ منفردة، يمكن من خلالها وحدها التعبير عن الحقائق الكبرى في العالم الطبيعي. لقد قالت: «تسمح لنا الرياضيات بتصور العلاقة المتبادلة التي تتكشف في الخلق، فالرياضيات هي الأداة التي من خلالها يمكن للعقل البشري الضعيف أن يقرأ بشكل فعال أكثر أعماله الابتكارية الخالدة».

هذه المقدرة على توظيف الخيال بالعلم هو بالضبط ما تميزت به الثورة الصناعية، كما هو الحال مع الثورة الرقمية والحواسيب, والتي أصبحت آدا العرّابة لها. لقد كانت قادرة, كما أخبرت بابيج, على تفهُّم العلاقة بين الشعر والتحليل المنطقي، بكيفية تتخطى بها حتى مواهب والدها. كما ذكرت: «أنا لا أظن أن والدي كان، أو حتى يمكن أن يكون، له مثل مقدرتي على أن يكون محللا للحقائق. بالنسبة لي، الشعر والتحليل المنطقي يسريان بدمي جنبا إلى جنب ...»

لكن أهم مساهمة قامت بها آدا جاءت من دورها كمنافس صاخب لأفكار بابيج, في الوقت الذي كان يعتبرهم المجتمع (مثيري للضحك)، وقد ساعده هذا التنافس العلني معها أكثر مما قد يتصور بيوم؛ كما كتب آيزكسون:

«لقد أدركَتْ آدا بصورة تامة المفهوم الحقيقي للآلة والهدف منها. بل الأكثر أهمية من ذلك أنها تصور المساهمة التي تحدث بشكل واقعي ورائع؛ فالآلة ليس بإمكانها أن تعالج الأرقام فقط، بل أي فكرة رمزية كذلك، بما في ذلك الموسيقية منها والفنية. لقد شاهدت آدا فيها الشعر، لذا فقد انطلقت تحث الآخرين على رؤية تلك الصورة أيضا.»

أدرجَتْ في ملاحظاتها التحليلية التي أرسلتها إلى بابيج، والتي أسمتها ببساطة: «ملاحظات»، أن هنالك أربعة مفاهيم أساسية من شأنها أن تشكل ولادة (علم الحوسبة) في وقت لاحق من القرن. أول المفاهيم التي تداولَتْها كانت حول تصورها للأغراض التي ممكن أن تكون الآلة قادرة على القيام بها، ليس بواسطة المبرمجين المختصّين بالحاسوب فقط, بل أن برمجتها ستكون متاحة لعدد غير محدود من العمليات؛ بعبارة أخرى كما يشير آيزاكسون, لقد حدَّدَت بوضوحٍ رؤيتَها للحواسيب الحديثة.

أما المفهم الثاني فقد أصبح حجرَ الزاوية للعصر الرقمي، فقد ركزَتْ فيه على أن مثل هذا الجهاز سيكون أداؤه أكبر بكثير من الحسابات الرياضية، وأنه سيكون تلك الوسيلة الرمزية التي يمكن لها أن تعالج الموسيقى والرموز الفنية. وقد كتب آيزكسون حول هذا الأمر:

«إن هذه البصيرة هي بالضبط جوهر مفهوم العصر الرقمي: أيُّ قطعة من المحتوى أو البيانات أو المعلومات، سواء كانت نوتة موسيقية أو نص صورة أو عدد أرقام أو حتى لو كانت رموز أو أصوات ومقاطع فيديو، من الممكن بتلك الآلة التي اختُرِعت حديثا أن نُعبِّر بها عن تلك المعلومات ونمثلها بشكلٍ مفهوم. حتى بابيج, المخترع, فشل في تصور كل تلك الرؤى، فقد ركَّز على الأرقام؛ أما آدا فقد أدركت أن الأرقام على التروس يمكن أن تمثل أشياءً أخرى عدا الكميات الرياضية، وهكذا عبَّرت عن مفهوم التعبير البسيط لتلك الآلات من مجرد آلاتٍ حاسبة لتلك الأجهزة التي نسميها الآن: حواسيب.»

أما ملاحظتها الثالثة فكانت خطوة أولى لـ(الخوارزميات)، تلك اللغة التي نتعامل بها مع الحواسيب. أما ملاحظتها الرابعة, حسب ما ذكر آيزكسون في ملاحظاته، فهي ما كان، وسيكون، مُخلّدًا كمعلم تاريخي، وهو السؤال عما إذا كان يمكن لتلك الآلة أن تفكر بشكل مستقل؛ ذلك السؤال الجدلي الذي لا زلنا حتى اليوم نكافح للإجابة عنه في ظل عصر الأوهام مثل فيلم: Her، حيث كتبت ملاحظتها:

«المحرك التحليلي - ما يسمى بالحاسوب في أيامنا هذه - لا سقف لطموحات فيما يتعلق بتنظيمه لأي شيء؛ بإمكانه أن ينفذ ما نلقنه أو نبرمجه للقيام به، كما تستطيع هذه الآلة أن تتبع التحليلات المنطقية التي يقدمها المبرمج، لكنه لا يملك أي سلطة من توقع العلاقات المنطقية بنفسه.»

وفي الفصل الختامي الذي يحمل عنوان «آدا إلى الأبد»، اعتبر آيزكسون برأي آدا في هذه المسألة:

«لِـآدا كل الحق في التفاخر بأنها كانت على حق, حتى الآن على أقل تقدير، في رأيها المثير للجدل بأنه لن يتمكن حاسوبٌ، مهما بلغت قوته، في أي وقت من أن يصبح (آلةً مفكرة). والآن وبعد أكثر من قرن من وفاة آدا، حاول آلان تيورينج أن ينفي رأي (الليدي لوفلاس) واعتراضها، وذلك عن طريق طرح سؤال فحواه: كيف لنا أن نفرق بين البشر والآلة؟ وتنبأ أن الحاسوب سيتمكن من اجتياز مثل هذا الاختبار والعقبة خلال العقود القليلة التالية. ولكن الآن، وبعد أكثر من ستّين عاما، تحاول الآلات خداع الناس في أي اختبار تتعرض له باستخدام حيل عرجاء بدلا من التفكير الفعلي؛ وبكل تأكيد لم يقدِّم أحدٌ ما يفني نظرية آدا من أن الآلة تلك لا يمكنها أن تنشئ أفكارًا من تلقاء نفسها.

وبمحاولة من آيزكسون لإيجاز عبقرية آدا، فقد لعب للمرة الثانية على ازدواجيتنا حول الأساطير المتعلقة بالعبقرية، وخصوصا عبقرية المرأة؛ حيث يجد الحكمة في كلماتها الخاصة:

«لقد كتبت آدا في ملاحظاتها، في إشارة إلى (المحرك التحليلي – الحاسوب)، ولكن بكلمات تصف شهرتها المتذبذبة: عند النظر في موضوع جديد, هنالك اتجاه فطري أولا أن نبالغ بتقدير ما نجده مثيرا أو يستحق الروعة؛ وثانيا, وكنوع من رد الفعل الطبيعي حين تزول غمامة الدهشة الأولى، نقلل من القيمة الحقيقة للحالة.

الحقيقة هي أن مساهمة آدا كانت ملهمة وعميقة بعين الوقت، بل و أكثر بكثير من بابيج أو أي شخص في عصرها. لقد استطاعت أن تقرأ المستقبل حيث تصبح الآلة شريكة للخيال البشري, حيث ينسجون سويا مطرزات جميلة كمثل تلك التي أهديناها نول جاكار. كان تقديرها لشاعرية العلم هو الذي قادها للاحتفاء بـ(الآلة الحاسبة) التي صنعتها المؤسسة العلمية في وقتها، وأنها هي من استطاعت النظر ببصيرتها العلمية كيف يمكن استخدام قوة المعالجة لمثل هذا الجهاز وتقبُّلِه لأي شكل من أشكال المعلومات. وهكذا فعلت آدا، كونتيسة لوفليس؛ فقد ساعدت في غرس بذور العصر الرقمي التي انتظرنا عقد كامل لكي تُزهِر.»

ذوت آدا تدريجيا حتى وافاها الأجل في عام 1852، إثر إصابتها بسرطان الرحم حين كانت تبلغ الست وثلاثين ربيعا، أي في نفس عمر اللورد بايرون. وأوصت أن تُدفَن في المقبرة حيث مثوى والدها الذي لم تعرفه أو تلتقيه يوما، إلا أنه أورثها تلك العبقرية التي اختصت بها.

ويمضي المبتكرون في تتبع آثار آدا وتأثير صداها من خلال التكنولوجيا المستقرة، رغم مرور القرن والنصف على وفاتها.

 

المصدر:

http://www.brainpickings.org/2014/12/10/ada-lovelace-walter-isaacson-innovators/

 

بقلم : ماريا بوبوفا

ترجمه : سميرة سلمان عبد الرسول

دماء لن تجف .. موسوعة شهداء العراق (25): وصفي طاهر

munir hadadالعقيد وصفي طاهر، أحد أبرز قادة ثورة 14 تموز 1958، برز مضاعفا، جهده، ترصين عمل حركة الضباط الأحرار، السنوات الثلاث الأخيرة، التي سبقت قيام الثورة، وتحديداً السنوات 1956- 1958، حيث تجتمع قيادات التنظيم، في بيته.

خلال المدة التمهيدية للثورة وقيامها، كلف باعتقال نوري سعيد، الذي نجح بالهرب من البيت، فجر يوم الثورة، بعد ان علم بتحركات عسكرية "مريبة"... وعند ورود خبر إلى القيادة في اليوم التالي، بمقتل ذلك السياسي الملكي الأهم في البتاوين، ذهب وصفي طاهر الى موقع الحدث ليجده قد فارق الحياة فأوعز بنقله ودفنه في مقبرة باب المعظم.

توالت الآحداث، وبقي وصفي طاهر ملازماً لصديقه الشخصي، الزعيم عبد الكريم قاسم، مساعداً أول له، ومسؤولاً عن ادارة المقر الرئيس لقيادة الثورة، ولنحو عامين، ليبدأ بعدها العد التنازلي، ليس في علاقة الرجلين وحسب، بل في مجريات ومسيرة البلاد عموماً.

دقت الدسائس أسفينا بينهما، حاول وصفي إحتواءها، بتحذير الزعيم قاسم، من "هجامة البيت" يبلغه الأمثلة الملموسة، التي يفتعلونها، للأيقاع بينهما، كي يجردوا قاسما، من الدعامات الواقية لحكمه.

الا انه لم يعد ذاك الصديق، فالسلطة تغير الطباع.

 

مدنيون

بات يحسب حساباته الخاصة، متفرداً في قراراته واجراءاته من دون استشارة احد، ولا الرجوع الى شركاء المخاطر، يوم أقدموا معا على الثورة، ودم الجميع سواسية.. على فوهات البنادق.

حاول طاهر ان يعرب عن احتجاجه، ضاغطا بإتجاه الاصلاح، منقطعا عن زعيم الثورة، والاكتفاء ببضع ساعات، في المقر الرئيس بوزارة الدفاع، ليعود الى البيت، متأثراً وعصبي المزاج مؤكداً ان ما يجري لا ينسجم مطلقاً مع ما اتفق عليه، وخاصة التفرد في القرارات، وعدم تسليم السلطة لمدنيين عبر انتخابات برلمانية... إلا ان كل ذلك لم يمنعه من الاستمرار في "مهمته" الرسمية، وفي محاولات التأثير على عبد الكريم قاسم وتنبيهه لمكامن الخطر المحيق، ليس به وحده، وانما بمصير الشعب والبلاد عامة، ولكن من دون جدوى.. تدهوراً، حتى إنقلاب الحرس القومي.. الفاشي في الثامن من شباط 1963.

 

حدث بشع

إتصل قاسم هاتفياً بطاهر، طالبا حضوره، ليطلع على قائمة بأسماء الذين يهيئون لانقلاب عسكري والاجراءات الحاسمة المقررة تجاههم يوم السبت.. 9 شباط 1963، فإستبقوه بحركتهم، قبل أربع وعشرين ساعة، وعلى الفور انتقل وصفي الى بيت قاسم، لقيادة الموقف المقابل.

عرفت من مرافقه الشخصي نعيم سعيد، انه طلب منه، وسائقه فيصل عذاب، ان يسلما نفسيهما، بعد وضوح النتيجة ونفاد الذخيرة، لانه هو المطلوب أساسا... وحينما استدارا بعد ذلك بلحظات، سمعا صوت طلقة نارية انهى بها وصفي طاهر حياته، كما كان قد قرر وأفصح عن ذلك، أمام زوجته، وأمام عبد الكريم قاسم بالذات، في أوقات سابقة، من انه سيقاوم أية محاولة لاسقاط الثورة وسيحتفظ بآخر طلقة لنفسه.

حفلت مسيرته، بأخلاق الفرسان، حتى مع من يناصبونه العداء، فهو ذو شخصية نافذة ومتميزة، يرجح الشأن الوطني.. العام، على الذاتي.. الخاص، متواضع برغم جديته ومبدأيته.. مثقف، يحب الموسيقى العالمية، شغوفاً بالقراءة، والشعر، يحتفظ بمكتبة عامرة، ظلت عائلته تتخذ منها مصدراً، بعد استشهاده.

يقاس بقرئن صداقاته، مع شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، وزكي خيري، ورفعت الحاج سري، وثابت حبيب العاني، وشخصيات ثقافية، من مختلف المشارب والاتجاهات؛ ما يدل مرونة شخصيته، وتقبلها الآخر برحابة لا تضيق برما؛ جراء سطوة الحكم وجفوة العسكر.

دماء لن تجف .. موسوعة شهداء العراق (23): علاء الدين بحر العلوم

munir hadadلم يطرف جفنا لآية الله السيد علاء الدين بحر العلوم، وهو يؤخذ الى موت جماعي، على أيدي جهاز أمن الطاغية المقبور صدام حسين الى الموت، شهيدا يتباهى بأنجاليه الثلاثة، الذين سيقوا معه الى المجزرة، بكبرياء روحي، لن ترتقي له ضعة المنفذين.. القتلة.

وهو نجل علي هادي علي النقي محمد تقي رضا، منسولا.. سيد صحيح النسب، عن محمد مهدي الملقب ببحر العلوم، أمّه العلوية سلطان بيكم ابنة السيد محمد باقر الحجة الطباطبائي آل صاحب الرياض.

بالمقابل، من هو قاتله!؟ هل يرتقي الى كرم المحتد، رفعة الاصل العظامية، وهل يباريه بمقدار الوعي والمعلومات والثقافة؛ لذا نجد في كل زمن، الضحية يموت شهيدا، منتصرا على الجلاد، منذ ذبح يزيد الحسين (ع) نزولا في التاريخ الى قرابين الايمان في اقبية أمن صدام، وساحته المكشوفة ردا على الانتفاضة الشعبانية، العام 1991، والتي طوت أجساد السيد بحر العلوم وولديه، لحظة طافت أرواحهم، الى الله، تشكو ظلم الانسان لأخيه الانسان!

 

مرضع طاهر

ولد العام1350هـ (1930 م) ونشأ في حاضنة علمية محض، تعمق في دروس إختص منها بـ "الفقه" الذي تلقاه من عند آية الله العظمى السيد محسن الحكيم، خاجا من مجموع دراساته، بكتاب "القضاء".

رفعة أصل وعمق درس وحسن تربية، "مرج البحرين يلتقيان.. بينهما برزخ لايبغيان.. فبأي آلاء ربكما تذبان" منقطع للعلم الذي غادره للجهاد، حين حل "الفرض السادس" فأداه.. وولداه، في أوانه، طاعئا تقدير المرجعية، لتوقيت الجهاد، بأعقاب هزيمة الطاغية، في دولة الكويت الشقيقة.

إختار الشهادة ليتوّج بها ويحلق في سمائها مع اجداده الطاهرين بعد عمر قضاه في الدرس والتدريس والتصنيف، مخلفا ثلاثة بنين وبنتين.

الأول من أولاده.. علي، من فضلاء الحوزة ولد عام 1962م واستشهد خلال الانتفاضة الشعبانية. تزوّج من ابنة عمه الشهيد السيد عز الدين بحر العلوم وخلفت له ولدا اسمه محمد حسين وبنتاً.

أمّا الثاني فهو مصطفى، وكان بالاضافة الى فضله وكماله في الحوزة العلمية مواصلا لدراسته الأكاديمية مثالا للخلق والأخلاق، وقد نال وسام الشهادة كأخيه في الانتفاضة الشعبانية أيضاً تزوج من ابنة المرحوم حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد تقي الخلخالي ورزق منها ببنت واحدة.

والثالث.. محمد امين الذي دخل كلية الهندسة في بغداد، الا انه إلتحق باخويه الشهيدين في الانتفاضة الشعبانية مع الثلة الطيبة من اولاد عمه ووالده المعظم.

تلامتذته ومريدوه، الآن من أعلام الشريعة الحوزوية، في العراق والعالم، فهل أدرك قاتوله، فظاعة ما يأفكون!؟

 

ميل أكاديمي

قبل إستشهاده، فتح خطا معرفيا، في الثقافة المنهجية، داخل الحوزة، وهي إستقطاب طلبة المدارس والمعاهد والكليات التقليدية، من خلال التوجّه لتربية جيل من الطلبة الأكاديميين من الشباب المثقف المتدين ممن يرغب ان يلتحق بالحوزة العلمية.

رحم الله الشهيد آية الله علاء الدين بحر العلوم، الذي لم يطق صبرا على الظي البعثي – الصدامي – الطاغي، فتحفز محفزا مريديه على الثورة، في الانتفاضة الشعبانبة.

دماء لن تجف .. موسوعة شهداء العراق (23): علي عسكري

munir hadadالشهيد الكوردي علي عسكري، من قيادات الاتحاد الوطني الكوردستاني، أخذ لقبه، من القرية، التي رأى فيها النور وإستنشق نسائم الجبل وعبق الوادي، في رحابها.. قرية "عسكر" العام ١٩٣٦.

لم يعدُ عام ولادته كثيرا، حين انضم الى اتحاد طلبة كوردستان، وهو لم يزل طالباً في المرحلة الاعدادية، بكركوك، متشبعا بروح الانتماء للناس من حوله، بما هباه الرحمن، من جبلة قيادية، بالفطرة.

يعنى بالآخرين، من تلقاء شهامته، ييرهم قبل ان يستجيروه.. متدرجا في الولاء للقضية، حتى اصبح عضواً في الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

 

بادينان

إستقر الوضع الوطني العام، او لم يستقر، بعد ان هزت بعد ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨، أركان البلد، من قواعد بنائها؛ فأصبح عضواً في لجنة كركوك للحزب الديمقراطي، وفي المؤتمر الاول للحزب.. ١٩٦٠، انتخب عضو لجنة مركزية.

وضع مؤهلاته، بخدمة العراق عموما وكوردستان خصوصا و"الديمقراطي" أشد تخصيا، حين أنيطت به مهمة قيادة الحزب في "بارزان" لترتيب قواته؛ بغية المشاركة في حماية المنطقة.

"بارزان" التي حل فيها، عسكري، ممثلا لـ "الديمقراطي الكوردستاني" تحتمي بطبيعتها التي حباها الرب، جبالا منيعة وشعبا كورديا ذا جلادة أمنع، تواصلوا مع عليا، في سبيل نجاح مهمت، التي أفلحت فعلا.

 

الإستشهاد نفيا

إنطلقت ثورة "ايلول" فتسلم الشهيد منصب قائد قوات "البيشمركة" في "بادينان" ماكثا هناك حتى العام ١٩٦٢، يتنعم بربيع الرجولة الدائم، يقهر تقلبات المناخ.. صيفَ شتاءٍ، يلعب دوراً بطوليا، على أرض الميدان، أثناء الملاحم، منتصرا بإلتفاف الثوار حوله، يقتحمون الردى، فيردونه.

انضم الى جناح المكتب السياسي للحزب، العام ١٩٦٤، لكن شاءت الإرادات الملتوية، ان تقصم ظهر الثورة، بإعلان توقيع اتفاقية الجزائر المشؤومة، التي إضطرت علي العسكري ورفاقه على العودة الى كوردستان، مؤسسا منظمة "الحركة الإشتراكية".

قربته تلك الحركة، من مبادئه، التي نذر نفسه لها، مواصلا ما شد عزيمته لأجله، إلا أنه نفي من قبل الحكومة العراقية الى المناطق الجنوبية، لا يشتي في ربوع دفئها، إنما ليللظى بصهد حرارة شمسها اللاهبة حريقا، كنوع من عقوبة، أشد من قسوة السن والاعدام.

 

أحداث تتسارع

مضت دواليب السنين، دائرة، على رأسه، تصب بثقل صخر ذائب يلسعه حطاما، الى ان أعيد تأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني، ثانية؛ فإتصلت قيادته بالشهيد عسكري، ليقينها من أنه منذور للنضال، منذ فجر الخليقة.

إنضم لقوات البيشمركة، ظهيرا متقدما، يسبق الصفوف في الوغى، ومقداما يحرس رفاقه إذا ما إستدبرهم عدو.. لا سمح الله.

بعيدا عن حومة المعركة.. مدنيا، أنتخب عضوا في المكتب السياسي للاتحاد، وقائداً لقوات البيشمركة، في الإجتماع الأول.

ظل سادرا في الذود عما تحقق من مكاسب رجولية، للكرد، حتى إستشهد، في العام ١٩٧٨، أثناء القتال ضد جيوش البعث وسلطانهم الجائر.

ترحمت طيور القبج، على روحه، وسجدت اشجار البلوط لله تلتمسه الجنة.. كما وعد الشهداء.. للبطل علي عسكري، وريث وصية الفقراء والمظلومين، من كرد وعرب.. شيعة وسنة، من دونما تمييز.

كوبا درة البحر الكاريبي

neeran alobaydiكوبا، اكبر جزيرة في البحر الكاريبي. يسكنها اناس مختلفوا الاعراق والاشكال ذابوا في بودقة الوطن الجديد، منهم المهاجرين القدامى من الشرق الاوسط. و من امريكا الجنوبية وبعض من مهاجري امريكا الشمالية، و الهنود المواطنيين الاصليين، الذين قُضي عليهم بسبب معاركهم مع الوجود الاسباني والحملة الاستعمارية اللاحقة، بعد رجوع كرستوفر كولمبوس، الى الجزيرة مصطحباً معه قساوسة ورجال دين، للتبشير المسيحي بالمنطقة، تارة وبسبب الامراض الآسيو- اوربية التي جلبها المستعمر الجديد، والتي فتكت بالسكان الاصليين، مع عدم وجود مناعة طبيعية تساعدهم على البقاء والتأقلم تارةً اخرى. المستعمر الاسباني كان بحاجة الى عبيد، من اجل زراعة قصب السكر، والتبغ، ومنتوج القهوة، وتربية المواشي. هذه الاعمال كان المستعمر يستنكف العمل بها. من هنا ظهرت شريحة عرقية واثنية جديدة مسلمة اغلبها، من زنوج غرب افريقيا، وبربر وعرب صحراويين من شمال افريقيا. الا ان المتتبع التاريخي يلاحظ وجود آثار ومساجد مكتوبة بحروف عربية، يرجع تاريخها الى تاريخ سابق لاكتشاف كرستوفر كولمبس للجزيرة الامريكية. اذ يقول بارتو لوميو لاس كاسأس، نقلا عن مذكرات كولمبس الضائعة المعنونة " يوميات الرحلة الاولى " انه شاهد اثر مسجد على جبل له مأذنة وعليه نقوش بأحرف عربية. يرجح البعض ان يكون هذا الوجود بسبب بعض الرحلات العربية البحرية، التي ضلت طريقها، في بحر الظلمات ‘ المحيط الاطلسي‘، واتجهت صوب البحر الكاريبي، وسكنت الجزيرة، ومن ثم ذابت مع السكان الاصليين بعد ان حافظت على طابعها لفترة من الزمن. والبعض الاخر، يعتقد ان الوجود العربي هناك، بسبب رحلات تجارة الرقيق، التي كان يقوم بها عرب المغرب العربي الى العالم الجديد ورفده بالعمالة الرخيصة من الزنوج.

659-havana2عند زيارتي الى هذه الجزيرة النائية والجميلة، كنت اقرأ اسماء الفلل. لاحظت وجود اسماء عربية لبعضها، منها مثلاً اسم فلة عبدالله، في وسط مدينة فادفيرا السياحية، مما اثار استغرابي. بدأت البحث والسؤال عن الوجود العربي هناك واكتشفت وجود ما يعرف بالبيت العربي، وهو متحف للتجار العرب الذي يرجع بناؤه لاواسط القرن السابع عشر ويتوسط محلات هافانا القديمة. لقد قامت الحكومة الكوبية بتطوير هذا المتحف، بعد ان حصلت على مبلغ 40الف دولار، مساعدة من دولة قطر، من اجل ذلك الغرض. علما يبلغ تعداد مسلمي كوبا الآن 1000 شخص. يعيشون بين اكثر من 11 مليون نسمة، الذين هم سكان جزيرة كوبا المتعددة الاعراق.

يرجع الوجود العربي من المشرق العربي في كوبا، الى اواسط القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. كان اغلبهم من مسيحي سوريا ولبنان وفلسطين. استوطن اغلبهم سواحل هافانا وشواطيء دي سانتياغو وغواتيمالا ومارسوا عمل التجارة وفتحوا المطاعم المشهورة بالاكلات التقليدية، وتجارة المجوهرات الجوالة، بداية القرن العشرين، حيث كانت هناك هجرة عربية كبيرة بلغت 10 الف مهاجر تقريبا، دخلوا الجزيرة مرة واحدة، بسبب المجازر التي ارتكبتها تركيا ضد الاثنيات المسيحية والدرزية العربية. رفضت، سلطات الجزيرة الكوبية انذاك، تسجيلهم على انهم مجموعة عربية. فقامت بتسجيلهم على انهم اتراك. بعد اندحار تركيا بالحرب العالمية الاولى، سجلوا على انهم مهاجرين سوريون. بعد الثورة، بقيادة فيدل كاسترو وجيفارا، شارك العديد منهم بنفس كوبي، آمال شعبهم، واعطوا ضحايا حالهم حال بقية اعراق الجزيرة.

659-havanaتتطلع كوبا الان، الى علاقات جديدة مع الولايات المتحدة الامريكية، التي يأمل اغلب الكوبيين خيرا منها. سمعت البعض يرحب بها، على امل دخول خدمة الانترنيت، الى الشعب الكوبي، حاله حال بقية شعوب العالم. وحقيقة، كان هناك ارتفاع في الاسعار، بعد اخبار المفاوضات، بين البلدين. سمعنا بتشدد الموقف الكوبي مع الوفد الامريكي، اذ كان اهم طلب لكوبا عدم قبول امريكا، لاجئين جدد للمهاجرين غير الشرعيين، والذي قوبل برفض امريكي، باعتبار ان هذا الامر يخص الجانب الداخلي لامريكا، ولا يحق لكوبا التدخل فيه. ربما نحن نستغرب هذا الطلب من دولة كوبا، لكن تجربة حرب خليج الخنازير، التي وضفت فيه امريكا المهاجرين الكوبيين وسلحتهم، لمحاربة دولتهم الاصلية كوبا، تجربة لا تنسى، وان كان انتهت بفشل المليشيات الكوبية الامريكية، فشلا ذريعا. انتهت بمقايضة اسرى هذه المليشيات بمساعدات امريكية لكوبا. واتفاق لرفع الصوايخ السوفيتية الموجهة ضد امريكا، مقابل عدم الهجوم من قبل امريكا على الجزيرة.

 

بقلم نيران العبيدي

2 شباط 2015

كندا

دماء لن تجف .. موسوعة شهداء العراق (21): المغيب.. عزيز السيد جاسم

munir hadadولد عزيز السيد جاسم في قرية "الغازية" التابعة لناحية "النصر" في "الناصرية" وسط أجواء دينية، لخصها بالقول "فتحت عينيَّ على الدنيا وصورة الإمام علي.. عليه السلام، معلقة وسط بيتنا".

أكمل الدراسة الابتدائية في القرية، وانتقل إلى مدينة "الناصرية" ليكمل الإعدادية، راجعا أثناء العطلة الصيفية إلى "الغازية" عاملا في طاحونة مرة، ومعمل ثلج، منتظما في الحزب الشيوعي، وهو في الخامسة عشرة من عمره، ناشرا التنظيم، بين أصدقائه الشباب.

يتصف بنهم القراءة، التي مكنته من التماهي مع روح القائد الشباب؛ فأودع السجن مرات عدة؛ إثر تحريضه تظاهرات للمطالبة بمستقبل أفضل.

ركزت كتاباته على الهوية العربية والإسلامية للحركات التحررية العربية، مصطدما بالشيوعية؛ لأنها تتضاد مع القومية والدين؛ فإستقال من الحزب العام 1960، رافضا القولبة.

تتلخص فلسفته بـ "يتصل الخير بعضه ببعض، وكل ما يخدم الناس يخدم الرب، وأن الجانبين الاقتصادي والسياسي للماركسية لا يتناقضان مع الإسلام، وان الاستعمار والظلم والدكتاتورية والقتل سواء".

 

إملاءات الطاغية

إستقر في بغداد، مطلع 1969، ليلتحق بجريدة حزب البعث "الثورة" ثم رأس تحرير مجلتي "الغد" و"وعي العمال" تباعا، وتصدر له في العام الواحد، أربعة أو خمسة كتب، تتضمن ووجهة نظر الطاغية المقبور صدام حسين في "الشيوعية" و"الجبهة الوطنية" و"المسألة الكردية" و"الدين" و"الماركسية" و"القومية" و"فكر البعث".

 

اختفاؤه

تعرض في عهد الطاغية المقبور صدام حسين، للاعتقال مرتين.. في الأولى طلب منه تأليف كتب ساذجة، مثل "صدام حسين وصلاح الدين الأيوبي" ورفض؛ فأعتقل مع شقيقه د. محسن الموسوي، خضع خلالها لإرادة النظام، مؤلفا ما يأمرون، وإعتقل ثانية عقب إنتفاضة آذار 1991، وإختفت أخباره، مغيباً في سجن أبي غريب، من دون ان يعثر عليه أو على جثمانه حتى اليوم.

كشفت لجنة تقصي مصيره، التي شكلها مركز بحوث ودراسات "عزيز السيد جاسم" العام 2004 عن معلومات جديدة بشأن تصفيته، نشرها نجله.. علي في بيان صدر عن المركز، جاء في خلاصته: "ان مجموعة اسباب ارادها النظام الصدامي لتصفية المفكر السيد جاسم منها امتناعه اكثر من مرة عن تلبية توجيهات رئاسية، آخرها الكتابة عن اهالي الاهوار، تحاول فحواها الانتقاص من اصلهم، واكد: ان معلومات جديدة حصل عليها المركز من مصدر ثقة دونت بشكل قضائي تفيد بان صداما.. في نيسان ، وجه وزير الثقافة والاعلام انذاك لطيف نصيف جاسم بارسال رسالة الى السيد عزيز مفادها ضرورة الكتابة عن اهالي الاهوار ويكون فحواها بالتحديد ان نساءهم جئن على ظهور الجواميس من الهند وباكستان من دون لباس داخلي، فرفض في ظرف يعد الامتناع عن تنفيذ إرادة الطاغية، بمثابة التوقيع على اعدام نفسه، مشيرا الى: ان الموضوع المطلوب نشر بقلم شخص اخر في "الثورة" وكتب ردا حادا يفند تلك المزاعم، لكن ما كتبه رفض نشره، واوصل الى اعلى السلطة ليعتقل عقب.

أكد نجله علي: "سكن في "كربلاء" قبيل غزو الكويت، مسهما في في ارشاد قيادة الانتفاضة الشعبانية بعد ان استعانوا به، الا انه رجع الى بغداد بعد ان هجس عدم الاستعداد الكامل للقوى المعارضة".

وافاد: "وردتنا انباء تشير الى انه موجود في زنزانة منفردة او مع المحكومين بالاعدام في حاكمية المخابرات حتى العام 1996".

 

مؤلفات

آخر مؤلفاته، قبل تغييبه، رواية "المفتون" وكتب: "متصوفة بغداد" الذي طبع مرتين، الأولى عن "الدار العربية للموسوعات" والثانية عن "المركز الثقافي العربي" و"علي بن أبي طالب.. سلطة الحق" و"تأملات في الحضارة والاغتراب" العام 1987 عن دار "الأندلس" و"الاغتراب في حياة وشعر الشريف الرضي" و"ديالكتيك العلاقة المعقدة بين المادّية والمثاليّة" و"المجالسية في النظرية والتطبيق" و"الدليل في التنظيم" و"مسائل مرحلية في النضال العربي المناضل" 1972 دار "الطليعة".

لوناتشارسكي.. الفيلسوف والاديب والوزير

اناتولي فاسيليفيتش لوناتشارسكي ولد عام 1875 في الامبراطورية الروسية وتوفي عام 1933 في فرنسا، وهو اول وزير سوفيتي للتعليم عام 1917 (كانوا يسمون الوزراء في الدولة السوفيتية الناشئة آنذاك – مفوضي الشعب) وكان واقعيا مسؤول التعليم والثقافة معا .

كان لوناتشارسكي ثوريا وفيلسوفا و كاتبا مسرحيا ومترجما وصحفيا وناقدا ادبيا و متخصصا في شؤون الفن ...الخ، وكان يتقن بشكل ممتاز عدة لغات اجنبية منها الالمانية والفرنسية والانكليزية، وباختصار كان مثقفا كبيرا ومتميزا فعلا في تلك المرحلة الاسثنائية والصعبة جدا من تاريخ روسيا في بداية القرن العشرين، ونحاول في مقالتنا هذه ان نرسم صورة قلمية تخطيطية اولية ليس الا، ولكنها موضوعية – من وجهة نظرنا - لهذه الشخصية السياسية والثقافية الروسية الكبيرة والتي أدٌت دورا كبيرا في مسيرة الاحداث آنذاك، وبالتالي نحاول الاجابة عن سؤال – لماذا يعتبرون لوناتشارسكي شخصية فكرية مهمة وحيوية وكأنها لا تزال تتفاعل مع متطلبات الحياة لحد اليوم؟ ولماذا قال عنه الكاتب الفرنسي الكبير رومان رولان هذه الكلمات – (كم كنت ارغب ان يكون في فرنسا شخص مثل لوناتشارسكي، وبهذه المفاهيم وهذا الاخلاص وهذا الوضوح في مجالات السياسة والفن ..).

سافر لوناتشارسكي - بعد الانتهاء من دراسته في المدرسة بمدينة كييف – الى سويسرا عام 1895 والتحق هناك بجامعة زوريخ لدراسة الفلسفة، وحاول ان يجد الجواب الفكري والمقنع - في اثناء دراسته تلك - عن العلاقة الفلسفية بين الدين والاشتراكية، خصوصا وانه انتمى – وبشكل سري - عام 1892 (عندما كان تلميذا في المدرسة بمدينة كييف) الى منظمة ماركسية . لقد حاول ان يحقق – بشكل او بآخر - فكرته الاساسية آنذاك وهي ربط الفلسفة المادية بالاحلام والافكار الدينية المثالية، ولكنه لم يستطع تحقيق ذلك، واقترب بالتدريج من جماعة بليخانوف الاشتراكية وتنظيمهم الذي كان يسمى – (تحرير العمل)، وسافر الى ايطاليا وفرنسا بين عامي 1896 و 1898، ثم عاد الى موسكو وبدأ بممارسة العمل الثوري مع تنظيمات الماركسيين، و تم اعتقاله وسجنه ونفيه، وبعد انتهاء فترة النفي يعود الى جنيف عام 1904 ويبدأ بالعمل في هيئة تحرير جرائد (البلاشفة) بعد الانشقاق المعروف تاريخيا في صفوف الحزب، ويصبح واحدا من قادتهم جنبا لجنب مع لينين وبغدانوف، وخصوصا في صراعهم مع (المناشفة)، ويعود الى روسيا عام 1905 لمساندة الثورة الروسية الاولى، ويتعرض للاعتقال ولكنه يستطيع ان يهرب ويعود الى الخارج (بين فرنسا وسويسرا)، وبعد فشل تلك الثورة، يبدأ الصراع الداخلي العنيف في تنظيمات الحزب، فيقف لوناتشارسكي ضد لينين، ويبقى في صفوف اليسار المتطرف الى حين ثورة اكتوبر 1917، ويعود الى روسيا في مايس / مايو عام 1917 ويساهم في الحركات السياسية الصاخبة والمتشابكة آنذاك، ويصبح عضوا في هيئة تحرير جريدة مكسيم غوركي – (الحياة الجديدة)، ثم يصبح وزيرا (مفوض الشعب) في اول هيئة سوفيتية حاكمة في روسيا بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 وبتأييد كبير من لينين نفسه، وقد اعترف جميع قادة تلك الثورة (بما فيهم تروتسكي الذي كان أبرز الاسماء بعد وفاة لينين عام 1924) بدور لوناتشارسكي باسناد الثورة والحصول على تأييد المثقفين الروس بشكل عام لها، وتم اعفاء لوناتشارسكي من منصبه بعد 12 سنة من العمل في صفوف الحكومة السوفيتية، اي في عام 1929، و اصبح رئيس اللجنة العلمية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعضوا في اكاديمية العلوم السوفيتية ومشرفا على شؤون الادب والفن فيها ومحررا في الموسوعة الادبية . وفي عام 1933 ارسلته الحكومة السوفيتية الى اسبانيا مندوبا للاتحاد السوفيتي، وفي شهركانون الاول / ديسمبر عام 1933 توفي وهو في طريقه من اسبانيا الى المصح الفرنسي مينتون عن عمر يناهز الثامنة والخمسين ليس الا، وقد تم دفن رماد جثمانه – كما كانت العادة المتبٌعة في حينها - في جدار الكرملين بموسكو مثل بقية القادة السوفيت الراحلين آنذاك .

ابتدأ لوناتشارسكي باصدار مؤلفاته منذ عام 1905 والى تاريخ رحيله عام 1933، ونقدم فيما يأتي قائمة بعناوين تلك الكتب التي صدرت له خلال تلك الفترة، وهي – حسب علمنا المتواضع – تنشر كاملة ومسلسلة على وفق تاريخ صدورها لاول مرة باللغة العربية، وتبين هذه القائمة المدى الفكري الواسع لنشاطاته الفلسفية والادبية والسياسية، ولا نستطيع في اطار هذه المقالة طبعا ان نتناول مضامين هذه الكتب، ولكننا نرى ان عناوينها يمكن ان ترسم للقارئ صورة تقريبية وعامة حول تلك المضامين و اهمية هذه المؤلفات وقيمتها في مسيرة الفكر الروسي وتاريخه.

1-      دراسات نقدية وجدلية . موسكو . 1905 / 2 – الحلاٌق الملكي . بيتربرغ . 1906 / 3 – صدى الحياة . بيتربورغ . 1906 . / 4 – خمس مسرحيات هزلية للهواة . بيتربورغ . 1907 / 5 – افكار مقنٌعة . موسكو . 1912 / 6 – المهمات الثقافية للطبقة العاملة . بيتروغراد . 1917 / 7 – راديشيف – اول رسول وشهيد للثورة . بيتروغراد . 1918 / 10 – فاسيليسا الحكيمة . بيتربورغ . 1920 / 11 – ايفان في الجنة . موسكو . 1920 / 12 – اوليفر كرومفل – ميلودراما تاريخية . موسكو . 1920 / 13 – فاوست والمدينة . موسكو . 1921 / 14 - الاغواء . موسكو . 1922 / 15 – دون كيخوته الذي تحرر . موسكو . 1922 / 16 – دراسات نقدية . موسكو . 1922 / 17 – نتاجات مسرحية . الجزء الاول والجزء الثاني . موسكو . 1923 / 18 - اسس علم الجمال الايجابي . موسكو . 1923 / 19 – الفن والثورة . موسكو . 1924 / 20 – تاريخ أدب أوربا ألغربية في مواقفه المهمة . موسكو . 1924 / 21 – لينين . موسكو . 1924 / 22 – عرس الدببة . موسكو . 1924 / 23 – مضرم النار . موسكو . 1924 / 24 – المسرح والثورة . موسكو . 1924 / 25 – تولستوي وماركس . لينينغراد . 1924 / 26 – صور خيالية ادبية . لينينغراد . 1925 / 27 – دراسات نقدية . لينينغراد . 1925 . / 28 – مصائر الادب الروسي . لينينغراد . 1925 / 29 – دراسات نقدية . (في أدب أوربا الغربية) . موسكو . 1925 / 30 – السم . موسكو . 1926 / 31 – في الغرب . موسكو – لينينيغراد . 1927 / 32 – تشرنيشيفسكي . مقالات . موسكو – لينينغراد . 1928 / 33 – عن تولستوي . مجموعة مقالات . موسكو – لينينغراد . 1928 / 34 – شخصية المسيح في العلم والادب المعاصر. (عن المسيح لهنري باربوس) . 1929 / 35 – عن الكساندر فيديفسكي . خلاصات مناقشة . موسكو – لينينغراد 1929 / 36 – مكسيم غوركي . موسكو – لينينغراد . 1929 / 37 – سبينوزا والبرجوازية . موسكو – لينينغراد . 1933 / 38 – الدين والتربية . موسكو – لينينغراد . 1933 / 39 – عن الحياة . الشباب ونظرية قدح الماء. موسكو . 1933 /، علما ان هناك مؤلفات اخرى له، وقد أطلعت على قائمة لكتبه العديدة التي تم سحبها من المكتبات العامة السوفيتية عام 1961 نتيجة الموقف السياسي والفكري الذي كان سائدا آنذاك في الاتحاد السوفيتي، والتي لم ترغب السلطة السوفيتية عندها ان يطلع القراء عليها حول بعض الشخصيات السوفيتية والاحداث التي ارتبطت بها في تلك الفترة ورأي لوناتشارسكي حول كل ذلك، وهي ظاهرة غالبا ما كانت تتكرر في الاتحاد السوفيتي آنذاك مع الاسف.

ختاما لهذه الملاحظات حول لوناتشارسكي، نود ان نشير الى ان المؤسسة الاكاديمية الشهيرة للفنون المسرحية في روسيا ومنذ عام 1934 ولحد الان ترتبط باسمه، والتي تسمى في الوقت الحاضر ب (جامعة لوناتشارسكي الروسية للفنون المسرحية – غيتيس)، وهي المؤسسة الاكاديمية الشهيرة التي تخرج فيها مجموعة من الفنانين المسرحيين العراقيين الكبار وعلى رأسهم الفنان المسرحي العراقي المرحوم قاسم محمد (انظر مقالتنا بعنوان – عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (11)).

 

 

شاكر السماوي .. والاحتضار الأخير للحزب الشيوعي العراقي (1)

في نهاية تشرين الثاني المنصرم رحل عنا وفي المنفى السويدي المناضل والشاعر والمبدع اليساري شاكر السماوي، بعد مسيرة طويلة، ما يقارب نصفها كان في المنافي الاجبارية، مليئة بالآهات والهواجس والشجون حول مصير بلد كان ولا يزال في مهب الريح، وحول مصير حزب ينحدر نحو الاسفل منذ زمن ليس بالقصير، لذلك اوصى ان يدفن في السويد بلد الاغتراب الآمن والأخير، في اشارة الى وطن يفرط بخيرة ابناءه، بعد الرحيل كتب الكثير عن الفقيد السماوي وكعادة العراقيين في تكريم واستذكار رموزهم ومبدعيهم بعد الرحيل، وغالبية تلك الكتابات تناولت مسيرة الفقيد الادبية في مجال الشعر والمسرح ومؤلفاته ونشاطه في الحزب الشيوعي العراقي منذ بداية شبابه ولغاية استقالته من الحزب عام 1958، ظل السماوي لصيقا باليسار العراقي حتى الهجرة الجماعية للحزب في 78 ــ 79 بعد ان قلب البعث والطاغية صدام حسين ظهر المجن للحزب الشيوعي العراقي، وكان السماوي من ضمن المهاجرين لتطول الهجرة وتتحول الى اغتراب وتجنس دائمي حتى الممات، لم يتعرض احد الى موقف وعلاقة السماوي بالحزب الشيوعي العراقي في المهجر وموقفه من الانحرافات السياسية والوطنية والاخلاقية في الحزب وخصوصا في قمة الهرم والتطاحن الرفاقي في محاولة للتصحيح ولكن دون جدوى .

قبل رحيل الفقيد شاكر السماوي، وصلني من صديق عزيز كتاب السماوي المعنون (اللاديمقراطية عربيا) بجزئيه والصادر في السويد، وقد ابهرني اسلوب وبلاغة السماوي بعد ان كنت لا ارى فيه الا شاعرا شعبيا، ووقفت طويلا عند محطة من كتابات السماوي بعنوان (الحزب الشيوعي العراقي ... الاحتضار الأخير) ونظرا لقلة وندرة النسخ الواصلة من هذا الكتاب للعراق حسب علمي، سأعيد نشر هذا الاحتضار للحزب الشيوعي العراقي كما يراه الفقيد السماوي على شكل حلقات ليتعرف القارئ العربي والعراقي خصوصا على المبدع الراحل شاكر السماوي بشكل افضل ومدى خطورة هذا الاحتضار.

ولابد من القول ان تلك المداخلة كتبها الفقيد السماوي في اذار 1990 حتى لا تختلط الامور على القارئ الكريم، لاستمرار الانحدار نحو الهاوية وقد يكون في يومنا هذا اكثر تسارعا وانحطاطا وبثمن أرخص .

الحزب الشيوعي العراقي ... الاحتضار الأخير (مَن يبغي تحسين المعرفة يرفض رفضاً مطلقاً الاعتراف باليقين التقليدي ... فالإيمان الأعمى خطيئتنا الوحيدة التي لا تُغتفر.) ...الدوس هكسلي هذا الملف يقدم مداخلتي الحوارية حول الرسالة التي وجهها الرفيق باقر ابراهيم الى العديد من كادرات الحركة الشيوعية في العراق ممن خرجوا من الحزب الشيوعي العراقي أو أُخرجوا منه. لقد كنت أحد الذين وجهت تلك الرسالة اليهم طلبا لمناقشة ما جاءت به من اراء وتشخيصات ودعوات عمل .

في البدء لم أشعر بميل الى محاورة الرسالة اذ وجدت ان معظمها كان يدور في فلك الشؤون التنظيمية التي سبق لي ان أغلقت دونها الأبواب مذُ استقلت من الحزب في 28/12/1958، الا اني قررت الخروج من حالتي تلك وان اقول قناعاتي المبدئية كوطني ثوري وأسجل توصلاتي التجربية في الأهم مما ورد في الرسالة، ايمانا بأن أي حزب يظل ملكا للناس والتاريخ في حقل السياسة والفكر وما يتصل بهما من الاعتبارات التنظيمية ذات السمات التطبيقية العامة وبعض الخاصة منها ايضا .

أنوه: لقد تضمن هذا النص بعض تعديلات في بعض صياغات رسالتي الجوابية مع إضافات تحليلية لإغناء المحاورة وتسديد خطوط التحليل والحلول كي أجعلها أقرب الى ما اريد ان يعبر عني هنا .

رفيقي العزيز أبو خولة

تحية نضالية حارة كحبنا لوطننا الراية وعمق ايماننا بشعبنا الغاية وعلو إجلالنا للانسانية ـ حين تكون رافدا حضاريا وتقدميا لنا عندما نكون رافدا لها ـ كبوصلة مصير على هذا الكوكب الغامض النهاية كما قد كان غامض البداية .

حلولٌ لا تحِل

بدءاً: أسجل شكري على توجيهك الي نسخة من الورقة التي وجهتها الي من ناديتهم، من رفاق الدرب، قصد أن يسجلوا مع وقفتك النضالية وقفة قد تكون للخلاص وقد تكون للشهادة. وأنا هنا أتقدم بهذه المداخلة بدافع ما أعتدت عليه منذ اكثر من ربع قرن من الوقوف عقليا ـ وربما عمليا ـ مع الصوت الأصدق مبدئيا والأجدى عمليا والأحق صراعيا في أي فصيل وطني. ناهيك عن ارتقائه صوب المدى الثوري والتقدمي والديمقراطي. ونظرا لمعرفتي القديمة بشخصك ومتابعتي لسيرتك كمناضل ثوري ورجل قيم وأخلاق وطنية ومبدئية أجد لزاما علية أن أقول ما قد ينفع، خارجا عن قراري القديم بالابتعاد عن ممرات الصراعات التنظيمية الصرف. لان العطب في الحزب ـ ولا يزال يهمني أن أجد حزبيا شيوعيا ممتلئا بالحيوية النضالية وراكزا حقا على التقاليد والقيم الديمقراطية والتحررية وناصع الوطنية منبعا ومصبا وسليم الوجدان والصبوات قوميا ـ يقتضي مني ومن أمثالي ان نقدم الصوت الموقظ والرأي النير، وإلا فالكارثة تتماوج بزلزالها تحت أقدام الجميع .

الحق: ان شعبنا الرازح الآن بجراحه تحت نير دكتاتورية عمياء لفي مسيس الحاجة الى توفر قوى وطنية تقديمية طليعية النوع والدور والفاعلية. والحزب الشيوعي العراقي تاريخيا كان واحدا من أبرز هذه القوى بتلك المواصفات. فخسارته لنوعيته النضالية خسارة لكل الشعب، خسارة لكل طرف وطني، بل خسارة لكل عراقي شريف يدرك ان قيمة العامة والخاصة لا تصان بضمانة وديمومة الا بوفرة وتكاثر الشرفاء وسيادة الصدق الوطني والعرف الديمقراطي .

واردف .. (وانت تعلم او تشعر بما اكنه لشخصكم الصديق من قناعة بكم كمناضل شيوعي وكشخصية قيادية زكتها والتجارب والمواقف وكللتها بالشرف النضالي السيرة الذاتية عبر الممرات التنظيمية وعلى تشعبات العلاقات الاجتماعية ـ السياسية.) ... القول ـ وبصراحتي التي عهدتني بها قديما ـ إن رسالتكم بكل ما تضمنته من تشخيص وتحليل واشارات وايحاءات / يضاف الى كل ذلك ما تضمنته من حرص حقيقي وحرقة صادقة على المبادئ والوطن والحزب والقيم / والتي قد حلت بيننا كصرخة خلاص وتخليص من الهبوات المميتة التي اليها قادت العناصر المعطوبة باللاجدارة النضالية ـ ناهيك عن اللاجدارة القيادية ـ الحزب وجماهيره وتاريخه ومبادئه ورموزه .. أقول ان تلكم الرسالة قد جاءت اقرب الى ما قاله مثلنا الشعبي، الكوميدي في تعجيزيته: (باكة لا تفلين، خبزة لا تثلمين، واكلي لمن تشبعين !) ... انها لأشبه بدعوة سرب من الطيور الى ان يسافر في قفص! فلقد أكثرت من التحذيرات من المساس بمسلمات مبدئية وتنظيمية لم يعد يحترمها الطرف الثاني من الخلاف، اي القيادة الحالية بعناصرها الرموز وبمعظمية الكم المحشد والملتف حولها من الانتهازيين والمتخلفين والجبناء والمنحطين خلقيا وسياسيا حد درك اشتغال بعضهم في التهريب والتزوير والاسواق السوداء وكمخبرين متعددي القنوات حيثما حلوا. أنا أرى، ببصيرتي وتجربتي، ان النوع المبدئي ـ كذلك العرف التنظيمي ـ يحترم فقط حين توفره في المطبق. اما اذا انسلخ المطبق عن النوعية المبدئية فلا شرعية له ولا حرمة لموضوعة مبدئية يحتكم اليها. ان الارتداد عن القيمة يمنحنا الحق في تجريد المرتد من تلك القيمة .. وإلا فهل يعقل ان نصغي الى عاهرة تطالبنا بالحجاب ؟!

الصراحة: ان التهيب المفرط في حذره القى بظلاله على كامل ورقة التنادي هذه قد شل الكثير من شعور الجدوى من وراء مبادرة ملجومة بالتردد والخشية من تشغيل المباضع على مكامن الدمامل في الجسد المصاب بتلوث الدم. ففي كل وقفة شلل في البوح بدعوة الخلاص .. (لا بد من الحذر من الدعوات لحلول حاسمة متعجلة، من ذلك مثلا الدعوة لبدائل عن الحزب، او حتى عن قيادته الحالية./ص2) ... و(لكن التفكير بتكوين القيادات البديلة والتنظيمات الممركزة، ينبغي يظل يتمثل خبرة الحزب الثمينة في ادراك اذى الانشقاقات والانجرارات الى التوسع في التمزيق./ص3) .. ثم تتحدث الورقة في الصفحة نفسها عن (الاتجاه نحو الحلول الحاسمة لأزمة الحزب ..) ثم لا تذكر اي حل (حاسم) حقا او حقيقي او مبدئي تدعوا اليه، بل تذهب مباشرة صوب حشد المبررات المثبطة لأي حل حاسم .

واقول هنا: كان علينا ان نستلهم تجارب عديدة من التاريخ الثوري للأمم الحافل بنماذج من نواتات وتركيبات لبدائل ثورية تشكلت في المنافي ثم تسللت بالسلاح او بالسلم صوب الوطن ... ثم نبتت هناك واخصبت واينعت؟.. ان قيادة متعفنة كقيادة الحزب الحالية اوصلت الحزب بكامله الى الحالة التي تشير اليها الورقة بمرارة وسخرية (لن يجدوا في الحزب من يطردونه. ص3) لهي قادة صاغت الكل الحزبي المتبقي على صورتها النوعية، اي بمدلول الوجه الثاني لهذه العبارة: ان الهيكل الحزبي المتبقي بكامله ـ ولا عبرة، ولا قيمة، لأفراد متناثرين هنا وهناك ـ لم يعد نوعيا بحزب ( بالمقاسات) المبدئية، لا سيما اذا احتكمنا الى كل الصفات التي ادرجتها الورقة عن هذه القيادة!.. فما الذي تبقى من هذا الهيكل المحنط ليسعى الساعون الى بعث الحياة فيه؟.. ان الله وحده، وفقط (يحيي العظام وهي رميم.) ..! والاغرب ان تذهب الورقة الى التوصية بأن .. (ابقاء الباب مفتوحا للحوار مع الرفاق في قيادة الحزب الحالية موقف صحيح ومفيد / ص4) ... واقول: اين هو الباب المشترك بينكم وبين قيادة الحزب الحالية حتى يجري الحديث عن ابقائه مفتوحاً؟!.. إن قيادة الحزب الحالية، يا رفيقي، ليس لديها للذين اختلفوا معها سوى باب واحد مفتوح هو باب ادخالهم كي يقبروا نوعيا او يروضوا داخل الشريحة التي فسدت ثم افسدت من تبقى متربعا على مراكز الانتفاع الذاتي والاندساس والعداء المبرمج والموجه لكل قيمة وطنية او قومية او شيوعية حقا .

ثم تذهب ورقتكم الى أبعد من حسن الظن هذا، المفرط برومانسيته المبدئية، فتكمل الطرح هذا بعبارة: (ومن لا يرغب في مثل هذ الحوار فليتحمل المسؤولية امام الشيوعيين والتقدميين / ص4) ... ولو قيل هذا الكلام قبل عشر سنوات مثلا لاستوقفنا!.. ولكن ما هي مرتكزاته الان كموضوعة مبدئية وهو ياتي في عام دعوات التعدديات الحزبية للطبقة العاملة حتى في البلد القدوة نوعيا، الاتحاد السوفياتي؟.. وفي عام راحت فيه احزاب شيوعية ازمنت في مذهبيتها الشيوعية كتنظيم وايديولوجيا وعمرت في الحكم قرابة النصف من قرن اعوامه ذات كثافة زمنية هائلة. وها هي بتسارع راحت تلغي واحديتها السلطوية وواحديتها الطليعية وتترك للحياة خلق الصورة القادمة لأشكال الابنية الفوقية الانسب. بصريح القول يا رفيقي العزيز ... ان هذه الوصفات تحتاج الى الكثير من المراجعة باتجاه الخروج عليها صوب اطروحات أكثر نضجا وعمقا وصوابا ومواءمة للعصر .. والا بدونا امام الايام والاجيال كمن يريد ان يطلق قمرا صناعيا بطاقة يعتصرها من جمر الحطب !

ما أخلص اليه من كل ذلك هو: انك تمتلك الجدارة القيادية والشرعية النضالية اللتين تؤهلانك لان تلعب دورا خلاصيا للقيم الثورية والديمقراطية أعمق وأبعد بكثير مما لوحت به في ثنايا سطور هذه الورقة التي لم تتعد ـ بكل صراحة ـ حدود الحد الادنى من ردود الفعل الخليطة بين ما هو مبدئي وما هو ذاتي. ان الايام تفكر فيك وفي امثالك بأبعد وأجرأ مما تقدمه هذه الورقة المشلولة الجدوى. إن تعليق الآمال النوعية على ركامات هذا الكم من المنهزمين والمحنطين والمستلبين والمنطفئين لهو ـ كما قلت لك في لقائنا الأول الطويل بدمشق ك2/1987 ـ التعجيز بعينه اذا انت حاولت ان تصنع معجزة بعجزة! انني احترم الكل الذي تناديه بشكل مفتوح كإيمان مني بالإنسان واقرارا بالديمقراطية، ولكن الواقع العميق في خرابه وسلبياته لا يسمح لنا بان نبدأ معركتنا بالذين سيلتحقون بنا حين تقف المحاولة على قدميها وتطل على الكل بقامتها. ان خبرة الصراعات والخلافات بأنواعها، يا ابا خولة، علمتني: ان ليس بالضروري ولا المجدي مبدئيا ان اكون مع الذي يكون معي لأنه معي لا غير!.. فالمهام درجات توازيها درجات الأدوات. فالمهمة الأعلى تستوجب البدء بالأداة الأعلى. وأداتك في توجهك هي النوع الأعلى الموائم بمهارة وجدارة للمهمة. والأهم يظل الاقدام الأجرأ نحو اجتراح الخلاص الانسب للحياة لا للكتب والوثائق التي انتهكها من حلف بها وتسلق على مدارجها الكلامية، بل راح يفرغها من مضامينها الفكرية والعملية والوجدانية .

 

المراجعة والتخطي ثورياً

بعد هذه المقدمة، التي رغم طولها النسبي لم تشف غليلي في أن أقول الكثير، أتقدم لشخصكم الذي اتفاءل به ومن خلالكم لكل شريف توجعه الهزيمة ويجفل حياءً من العاهات التي استشرت في جسد الحزب والحركة الوطنية العراقية والتي دحرجت الكل الوطني نحو مهاوي اليمين ومطبات الخيانة الوطنية، بمداخلة صريحة حد المرارة حريصة حد الدور والمسؤولية .

فأنا، يا ابا خولة، مختنق بالحاجة الى تنفس هواء نقي واعادة الروح والحيوية الى فعل مجد ونزيه الحافز والغاية .. فعطفك ان اطلت وأسهبت. والآن سأنتقل الى الوقوف عند النقاط الأساس التي وضعتها ورقتكم أمامنا:

1ـ انني مع هذه المحاولة على ان تتحرك على مسارها بهمة اكثر وأطروحات أعمق وأجرأ. فالأيام تتسارع بالسلبي والايجابي بشكل يعسر اللحاق به، ناهيك عن استباقه. فحتى الأنظمة الرجعية واليمينية أخذت تسعى الى ركوب موجات ما يستجد، بل حتى قيادة الهزائم والتذيلات والجلد " الرفاقي " راحت تتمسح بالبروستريكا واخواتها!.. فتصور !!

2ـ ان (وطنية الشيوعيين العراقيين/ص1) لم تثلم، إذ لا تزال متمثلة في الشرفاء والوطنيين من عناصر هذا الحزب ومن اصدقائه المحسوبين تاريخيا عليه، كتنظيم، أو عليه كعقيدة. ان ما ثلم حقا هو وطنية قيادة الحزب وخطها السياسي الذي انحدر تدريجيا من التذيل اليميني الى الانتهاجية اليمينية الى الخيانة المطبقة التي استكملت عهريتها وعارها بالارتماء في الحضن الفارسي والاصطفاف في خندق (الجبهة الكردستانية) التي ما ولدت الا لتمزيق الوطن والتجند مع الاعداء والغادرين والغزاة بحجة: (اسقاط صدام) و(كردستان الكبرى) .

وأنا أسأل: هل هناك من خان وغدر وعادى القضية الكردية بقدر هذه القيادات الكردية التي تخلت بكل صلف عن شعبنا والوطن وعن شعبنا الكردي وراحت تجند نفسها لكل سيد ومعاد للوطن والشعب وللتطلعات الديمقراطية للعرب والكرد في العراق، حد الاصطفاف الكلي مع كل غاز ومعتد؟.. ان قيادة الحزب خانت الوطن بعد ان خانت المبادئ وارتدت على التاريخ الثوري المجيد للحزب ورموزه وشهدائه. ثم ها هي الآن توجه آخر خنجر خياني قد تبقى في قبضتها الغادرة الى صدر الحزب نفسه ... وأعني إلحاق وصمة الخيانة الوطنية بكينونة الحزب. بعد أن أمنت لنفسها زوارق النجاة من أرصدة وجوازات وعلاقات تجسسية متنوعة وامتيازات (أممية) ورثتها بعقوق عن دم الشهداء وعصب الشرفاء ومواكب الضحايا وعقود العذاب .

3ـ ان هذا الهيكل المتبقي من الحزب لم يعد حزبا بالمعيار النوعي الطبقي والمبدئي. فلا ضرورة اجدها لصرف الجهد والوقت في البحث عن خلاص له من داخله أو عبر حوارات مع قيادته. الصحيح الآن، وفقط، إما الاطاحة بها من الداخل. وهذا الآن أصبح شبه مستحيل اذ استكملت هذه القيادة تطهير الحزب من الضد الرفاقي، بحيث اصبح الحال التنظيمي ليس في صالح كل معترض حتى لو وفرت له ديمقراطية المسيح!.. وإما بتكوين مركز قيادي جديد وجدي وخال من صنف الذين: رجليهم بهذا الصوب وعيونهم على ذاك الصوب !.. ولا ضرورة لان يحمل هذا المركز الاسم نفسه بأمل الاحتماء (بالشرعية) ..

الشرعية التي ما قدمت الينا ـ لحد الآن ـ إلا في صيغة رضا ومباركة السوفيت وبلدان الزمالات والجوزات والدعوات والدورات! ان الشرعية الحقيقية يمنحها شعبنا وجماهيره فقط. وشارتها هي الالتفاف الشعبي حول الطليعة التي تعمل لصالح الشعب وكادحيه، ورايتها هي التكلل بحب هذا الشعب لا بحب أو رضا الانظمة والتنظيمات التي ستسعى بالحتم الى كسب رضا القوى الطليعية التي سعت الجماهير الى الالتفاف حولها .

وأضيف: هل الجهات التي ظلت قيادات الحزب ـ والكثير من حزبيي الصف الأول في هيكل الحزب ـ تستنزل منها الشرعية لأكثر من نصف قرن عادت نفسها هي تمتلك شرعيتها الخاصة من طبقتها وشعبها؟ إن هذا اغتراب ذهني وعملي دفع شعبنا والشيوعيين العراقيون الحقيقيون الكثير من الدم والعذاب والحرمان والتشرد والشهادة ثمنا للتورط في هذه الموضوعة التي وضعت على عيون الحزبيين طويلا كما توضع دوما صفاقات الجلد على عيون خيول العربة كي لا تلتفت وكي لا تتمرد على سوط العربنجي !

حين أخذ خصوم المتنبي يدسون عليه عند سيف الدولة الذي راحوا يحابونه لا حبا له، بل ملقا لرجل السلطة والمال وحقدا على المتنبي رجل الجدارة والسمو وراحوا يؤلبون وساوس سيف الدولة على المتنبي، راح المتنبي الذي أدرك ملق هؤلاء ومداجاتهم وحقدهم عليه يترنم امام سيف الدولة ـ وبحضور الوشاة الصغار والكبار ـ بعفته وصدقه وأصالته ويتفجع حتى على سيف الدولة الذي إستمرأ الملق وعجز عن رؤية الحقيقي:

مالي اكتم حبا قد برى جسدي .. وتدعي حب سيف الدولة الامم إن كان يجمـــــعنا حب لغرته .. فليت أنا بقـــــــدر الحب نقتسم أفيحق لهؤلاء الادعياء من حثالات الصراع وقادة الهزائم ونماذج (اسد علي وفي الحروب نعامة) أن يزايدوا عليك وعلي وعلى كل شريف ومفتد في حبنا لشعبنا ووطننا وقيمنا الثورية الأصيلة؟.. انها لتراجيديا مرة حقا ان تجد نفسك مقادا من قبل من كنت تستنكف أن تقوده !

يتبع

 

خالد سلطان

عدنان جاموس والادب الروسي

كانت هناك مجموعة في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين تضم ستة طلاب من الجمهورية العربية المتحدة، واحد من مصر وهو ابو بكر يوسف وخمسة من سوريا وهم احمد الشيخ وعدنان جاموس وعماد حاتم وفؤاد مرعي ويوسف حلاق (حسب تسلسل الحروف العربية)، وعندما التحقت مجموعة من الطلبة العراقيين للدراسة في كلية الاداب بجامعة موسكو للعام الدراسي 1960/1961 (وكنت أنا من ضمنهم)، كانت تلك المجموعة السورية – المصرية قد انتقلت من الصف الاول الى الصف الثاني في تلك الكلية، وكان من الطبيعي ان نصبح اصدقاء، خصوصا واننا كنا نسكن ايضا في نفس القسم الداخلي للطلبة، وقد اصبح الدكتور ابو بكر يوسف علما من أعلام الادب الروسي كما هو معروف (انظر مقالتي بعنوان – ابوبكر يوسف والادب الروسي)، واود في هذه المقالة ان اتحدث عن الاستاذ عدنان جاموس ونشاطه الثقافي، واتمنى ان تسنح لي الفرصة للتحدث عن بقية هؤلاء الزملاء والتعريف بهم وبدورهم في مجال الادب الروسي ونشره في العالم العربي، اذ ان كل واحد منهم قد أسهم فعلا في حركة الترجمة عن الروسية الى العربية في مجالات ثقافية مختلفة ومنها طبعا الادب الروسي.

كان عدنان جاموس اكثرنا تواضعا وعمقا ولم تكن الابتسامة تفارق شفتيه، وكان يحب الهدوء والصمت والقراءة، لهذا كان محبوبا من قبل الجميع، ويبدو ان تلك الصفات رافقته طوال حياته، اذ انني عندما زرت دمشق عام 2007 وسألت في مقر الجمعية السورية لخريجي الجامعات الروسية - (هل تعرفون الاستاذ عدنان جاموس ؟) أجابني الجميع – نعم نعرفه بالطبع، واتصلوا به هاتفيا رأسا، وتحدثت معه رغم اننا لم نلتق اكثر من اربعين سنة، وكان هذا الحديث من القلب الى القلب كما يقال ، وفهمت من طبيعة حديثه انه لم يتغير، وكان وقتي آنذاك محدودا جدا ولم استطع رؤيته مع الاسف، ولكني أخبرته هاتفيا بمتابعتي لنشاطه الابداعي الكبير وكيف اني افتخر بذلك، ولا يمكن لي في هذا العرض السريع لشخصية عدنان جاموس الا ان أتوقف – اولا - عند تلك الكلمات الدقيقة والموضوعية، التي كتبها الدكتور ابو بكر يوسف عنه في مقالته المشهورة عن نجيب سرور بعنوان – (نجيب سرور ..مأساة العقل)، اذ كتب قائلا – (زميلي السوري عدنان جاموس، وكان أنضجنا خبرة وأكثرنا معرفة بشؤون الحياة والادب ...) حيث كان يتحدث ابو بكر كيف ان عدنان جاموس قاده الى نجيب سرور وعرٌفه به في موسكو .

يرتبط اسم الاستاذ عدنان جاموس قبل كل شئ بكتاب مهم جدا في مسيرة الترجمة عن اللغة الروسية بشكل خاص ومسيرة الثقافة العربية بشكل عام وهو بعنوان – (الجمالي والفني) تأليف الباحث السوفيتي بوسبيلوف، والذي اصدرته وزارة الثقافة السورية في حينها، وهو كتاب فلسفي عميق وصعب جدا على الترجمة الى العربية لانه يتناول اسس نظرية الادب وعلم الجمال وفلسفة الفن من وجهة نظر العلماء السوفيت في ذلك المجال آنذاك، ومؤلفه – غينادي نيقولايفتش بوسبيلوف (1899-1992) هو استاذنا في جامعة موسكو عندما كنا طلبة هناك في ستينيات القرن العشرين، وهو حاصل على شهادة دكتور علوم (دوكتور ناووك) في الآداب (وهي كانت اعلى شهادة علمية في روسيا ولا زالت كذلك لحد الان) واصبح بروفيسورا في جامعة موسكو منذ عام 1938، ولديه مؤلفات عديدة في تاريخ الادب الروسي للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر (كتابه حول تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر كان من جملة الكتب المنهجية المقررة آنذاك في كليتنا) اضافة الى مؤلفاته ومقالاته في نظرية الادب وعلم الجمال وجوهر الفن، ويعد كتابه (الجمالي والفني) الذي ترجمه عدنان جاموس من ضمن كتبه الاساسية المعتمدة آنذاك في عموم الاتحاد السوفيتي، وقد اصدره بوسبيلوف عام 1965 ويقع ب 360 صفحة من القطع المتوسط، ولم يفقد هذا الكتاب اهميته وقيمته لحد الان، رغم كل التغيرات التي طرأت في تاريخ روسيا ومسيرتها الفكرية، وقد اطلعت قبل فترة قصيرة جدا على مقالة بهذا الشأن حول ذلك، حيث يشير كاتبها الى ان النظرة المعمقة لبسبيلوف حول الجمالي والفني لا زالت مهمة وضرورية للباحثين في الوقت الحاضر في روسيا،بغض النظر عن الاطار الايديولوجي المعروف الذي كان سائدا آنذاك في هذا الكتاب نتيجة الوضع السياسي طبعا، اما من وجهة النظر العربية، فان هذا الكتاب لازال ايضا يمتلك قيمته واهميته وضرورته، لان الاستاذ عدنان جاموس حاول – وبدقة واخلاص – ان يجد ويصيغ المصطلح العربي الملائم والمناسب لكل تلك المصطلحات الروسية التي جاءت في ذلك الكتاب الفلسفي حول تلك المواضيع الجديدة نسبيا بالنسبة للغة العربية، وكم اتمنى ان يتناول هذا الكتاب طالب دراسات عليا عربي في احدى اقسام اللغة الروسية في عالمنا العربي ويقوم بدراسة مقارنة لهذه الترجمة مع النص الروسي للكتاب وباشراف استاذ عربي مختص في ذلك القسم، ويستخلص – بالتالي - من تلك الترجمة قائمة من المصطلحات العربية وما يقابلها من المصطلحات الروسية حول تلك المواضيع لازلنا – نحن العرب - بحاجة اليها لحد اليوم ضمن موضوع المصطلحات العربية – الروسية والروسية – العربية في علم المصطلحات الادبية .

اضافة الى هذا الكتاب قدٌم عدنان جاموس للمكتبة العربية عدة كتب مترجمة اخرى عن الروسية منها كتابا عنوانه – (السهب وقصص مبكرة) يضم عدة قصص لتشيخوف، وقصة (السهب) هذه – كما هو معروف - هي واحدة من أشهر قصص تشيخوف وتعد بداية لمرحلة جديدة في مسيرة تشيخوف الابداعية، وهناك كتاب آخر لتشيخوف ترجمه عدنان جاموس ضمن سلسلة كتب للفتيان عنوانه – (نصر لا لزوم له) وهو قصة منسية لتشيخوف كتبها عام 1882 عندما كان طالبا شابا في كلية الطب بجامعة موسكو، والتي نشرها في المجلات الفكاهية الروسية آنذاك، محاولا محاكاة قصص المغامرات التي كانت سائدة في ذلك الوقت لاحد المؤلفين الهنغاريين، وقد حاول تشيخوف ان يكتب مثله ونجح نجاحا ساطعا في محاولته تلك،وعدا هذا فقد صدرت لعدنان جاموس ترجمة لمسرحيات بوشكين الصغيرة بعنوان – (المآسي الصغيرة) وقد سبق لنا ان اشرنا اليها (انظر مقالتنا – مسرحية بوشكين الشعرية موتسارت وساليري)، وترجم كتابا مهما جدا في تاريخ الترجمة من الروسية الى العربية للاديب الروسي الكبير كوبرين، وهي رواية له عنوانها – (الحفرة)، وكوبرين كما هو معروف هو احد الادباء الروس الكبار في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والذي كان مرشحا لنيل جائزة نوبل، التي حصل عليها بونين في ما بعد (انظر مقالتنا – بونين يتسلم جائزة نوبل للاداب) .

ختاما لهذه السطور السريعة اود ان اشير الى ان عدنان جاموس كان أحقنا بالحصول على شهادة الدكتوراه بعد تخرجنا، ولكنه لم يحصل عليها بل ولم يحاول ذلك اصلا، فقد عاد رأسا الى سوريا وبدأ بالعمل على وفق قوانينا العربية الساذجة والبدائية والعقيمة، واصبح مترجما (لانه يعرف اللغة الروسية !) في مشروع بناء سد الفرات الذي كان ينفذه الاتحاد السوفيتي آنذاك، واضطر ان يترك الادب الروسي الذي درسه في عقر داره كما يقال، اي في موسكو نفسها، واضطر ان يستبدل بوشكين وتشيخوف وفطاحل الادب الروسي العظيم بالسمنت وترجمة عقود العمال والمفاوضات بين مهندسي الجانبين ومشاكل العمل اليومي في ذلك السد، ولم يشعر المسؤولون المحترمون انهم اضاعوا على الثقافة العربية موهبة كبيرة كان يجب ان يكرس جهده لاغناء الثقافة العربية بترجماته للادب الروسي شبه المجهول للقراء العرب ، ولا اريد الاستطراد بالحديث عن هذا الموضوع الذي عانينا منه في عالمنا العربي جميعا ولا زلنا لحد اليوم ، لأن هؤلاء ال... لا يفهمون معنى الترجمة واهميتها وقيمتها ودورها في المجتمع والنهوض به ولا يفقهون طبعا معنى الثقافة ومعنى الحضارة ومعنى التفاهم والتعايش بين ثقافات الشعوب وضرورتها، واكرر ان هذا المشهد التراجيدي يتكرر لحد الان في عالمنا العربي .

تحية لعدنان جاموس الذي لا اعرف مصيره ولا اين هو الان، والذي أجبر هؤلاء ال ... ان يصبح رئيسا لتحرير مجلة تدرس وتتناول الادب العالمي، وان يكتب خلاصات علمية رائعة حول الادباء الروس في الموسوعة العربية، وان يكون علما من اعلام المثقفين العرب بين خريجي الجامعات الروسية، وان يعبٌد الطريق لهؤلاء الذين سيأتون من بعده .

 

 

الله يا آمال لا أعرفُ سرَّ هذهِ الدّراساتِ لقصائدِك .. أُغبِّطُكِ على ذكاءِ علاقاتِك!

amal awadaهذه الكلمات وردتني من إحدى الكاتباتِ في رسالة مقتضَبةٍ، وبصيغةٍ لم أُدْرِكْ حقيقةَ كُنهِها، أهو مبعَثُ فرحٍ وغِبطةٍ، أم ......؟

دارتْ برأسي الصّغيرِ احتمالاتٌ عدّةٌ، ولم أعرفْ بمَ أُجيبُ، رغم أنّني كنتُ قد كتبتُ لموقعِ المُثقّف العربيّ في أستراليا، ملفًّا واسعًا وبإسهاب، حولَ عمليّاتِ النّقدِ والتّقييم الذّكوريّ والموضوعيّ، ولكن حينَ صَبَّ السُّؤالُ في مِياهي، شَرَقَ بَحْري، ودَارَ بلبلُ الاحتمالاتِ في حَلقةِ الـ ربّما المُفرَغة، وتاهتْ بيَ الإجابات؛

أربّما هو سُؤالٌ بريءٌ حقًّا، وتُريدُ السائلةُ أنْ تُغبّطَني بكلِّ ما في الغبطةِ مِن معنًى؟ أربّما هو سؤالٌ مُبطّنٌ، يحملُ ما يحملُ في مُتونِهِ؟

جالت الاحتمالاتُ اللاتنتهي، وظلَّ السّؤالُ يَشدُّني إلى معرفةِ ما وراءِ الأكمةِ، وحين ضاقَ بيَ فضاءُ المَعنى واستجلاءِ الحقيقةِ، كانَ همّي أنْ أُنصِفَ السائلةَ وأُنصِفَني، وأُنصِفَ كلَّ مَن كتبَ عنّي مِنَ النّقّاد، أو مَنِ استحسنَ حرفي برسالة أو بمكالمةٍ هاتفيّة!

أخيرًا؛

حطّ فِكري على مَطارِ النّقّادِ مَن كتبوا عن قصائدي، وارتأيتُ أنْ أُجيبَها بأَلْسِنَتِهمْ هُم لا بلساني! ومن خلالِ ردٍّ صريحٍ أنشرُهُ عبرَ مَواقعِ النتّ، فقد يكون جوابًا عامًّا لسؤالٍ يجولُ في خواطرِ الكثيرين منّا، ولا بدَّ أنّ لكلّ ناقدٍ سرُّهُ. لذا سارعتُ إلى نسخ السّؤالِ، وتوْجيهِهِ إلى بعض مَنْ توفّرَتْ لديَّ عناوينُهم مِنَ النّقادِ الّذينَ كتبوا عن قصائدي:

(مساؤُكَ نورٌ وعفو.. أودُّ أنْ تُجيبَ إنْ أمكنكَ وبمُنتهى الصّدقِ، على سؤالٍ وَرَدَني مِن إحدى الكاتبات تقولُ: والله يا آمال، لا أعرفُ سِرَّ هذهِ الدّراساتِ لقصائدِكِ! أُغبِّطُكِ على ذكاءِ علاقاتِكِ! تحيّاتي).

كانَ ردُّ رياض الشرايطي/ من سوسة تونس الخضراء: كلامٌ ملغومٌ وغيرُ بَريءٍ.

فالجملةُ الأولى: "لا أعرفُ سرُّ هذهِ الدّراساتِ لقصائدِك"؟.. يوحي بتشكيكٍ في شاعريّتِكِ.

والجملةُ الثانيةُ: "أُغبِّطُكِ على ذكاءِ علاقاتِك!"، جملةٌ مَحشوّةٌ بالحسَدِ والاستنقاص مِنْ قيمتِكِ!

وجاءَ في ردّ الشاعر وهيب نديم وهبة/ فلسطين: لو عرفنا سِرَّ سِحرِ الوردِ وعِطرِهِ، لعرَفنا تفسيرَ الكوْنِ. هكذا هي آمال، وكأنّها القصيدة!

أمّا ردُّ النّاقدِ عبد المجيد عامر اطميزة/ مِن الخليل فلسطين: تحيّاتي أستاذة آمال عوّاد رضوان، وبوركتِ يا العميقة، وسأجيبُ السّائلةَ وبصِدقٍ. أنا حلّلتُ أعمالَ آمال عوّاد رضوان لسَببيْن؛

السّببُ الأوّلُ: عُمقُ كتاباتِكِ، وقوّةُ تراكيبِها، وما تَحمِلُهُ مِنْ صُورٍ فنّيّةٍ عذبةٍ، ومَضامينَ كبيرة. باختصارٍ، وَجدْتُ في شِعرِكِ ما يَستحقُّ الدّراسة.

والسّببُ الثّاني: بحاسّتي اكتشفْتُ صِدْقَكِ ومُروءَتَكِ. بوركتِ ووفّقكِ اللهُ.. معَ وافرِ التحايا.

وجاءَ في ردّ الأديب والناقد العراقي علوان السلمان: تحيّةً طيّبةً.. أسعدَ اللهُ وُجودَكِ، وأنزلَ غضبَهُ على تلكَ الأفواهِ الحَسودةِ الكاشفةِ عن ظنونٍ غبيّةٍ. عزيزتي، الحسدُ قائمٌ في كلِّ مَكانٍ، وهذا رِفعةٌ لشأنِكِ.

أمّا الاهتمامُ بالنّصّ الشّعريّ الّذي تكتبُهُ آمال عوّاد رضوان، فيأتي مِن كوْنِها تكتبُ بوعيٍ شِعريٍّ، يَكشفُ عن مدى امْتلاكِها لأدواتِها الشّعريّةِ، فضلًا، عن أنّها تعكسُ الهَمَّ الإنسانيَّ في نصوصِها، ممّا يُوفّرُ شرْطَ انعكاسِ الصّورةِ الذاتيّةِ، وذوبانِها في الذّاتِ الآخَر.

أمّا ردّ الناقد والأديب إبراهيم جادالله/ من القاهرة جمهوريّة مصر العربية: إبراهيم جادالله معروفٌ عربيًّا بنزاهتِهِ وحِياديّتِهِ، فأهمُّ كُتبي الصّادر في حيفا، هو عن أسماءٍ لا أعرفُ أصحابَها بالمَرّة، وكلُّ مَواقفي النقديّةِ تعتمدُ مِعيارًا واحدًا معَ مَنْ أعرفُهُ، ومعَ مَن لم أعرفْهُ.   لا علاقةَ لي شخصيًّا إلّا بالكُتّاب الجادّين، وإنّني مُمتَنٌّ للإخراج الفنّيِّ لكتابِكِ النقديّ الصّادر عام 2014 "حتفي يَترامى على حُدودِ نزفي"، الصّادر به بعضُ دراساتي عنكِ، وعن أدواتِكِ الشّعريّةِ، وعن نَصِّكِ ومَوقِعِهِ في حركيّةِ النصّ الشّعريّ الفلسطينيّ، ومِن أسَفي، أنّني اكتشفتُ أنّ أدائي فى دراستي عن بعضِ قصائدك، لم يكنْ بالمستوى الطبيعيّ لرؤيتي النقديّةِ الثّابتةِ، ولم تكنْ مُتوازيةً معَ بعضِ الدّراساتِ المُمنهَجةِ، والجديرةِ بالاحترامِ عن دواوينِكِ وقصائدِكِ، وكانت الوثائقُ العابرةُ الّتي التقيتُكِ بها، كفيلةً بأنْ تُؤكّدَ لي، أنّ نصَّكِ الشّعريَّ الباذخَ لا يَتعارضُ في مَناخاتِهِ معَ تكوينِكِ الإنسانيِّ البليغ وجسارةِ الوعي، والشّغوفِ بالمُنجَزِ الشّعريِّ العربيِّ والعالميِّ الحديث. هذا الأمرُ يَبدو جَليًّا فى نصوصِكِ، إنْ مِن حيثُ التّناولِ، أو مِن جهةِ الرّؤيةِ القافزةِ على عوائقِ التّكلُّسِ الشّعريّ، الّذي يُصيبُ القصيدةَ العربيّةَ، أو التّقليدَ المُتغابي لبعض التجارب. أتمنى عزيزتي أن ألقاك فى معرض رام الله القادم، لأهديكِ ما صدرَ لي أخيرًا من كُتب، وأهمّها كتاب (كنت هناك)، و(ليسَ مَن شاهدَ كمَن سمِع)، عن رحلتي الأولى لفلسطين.

أمّا د. جمال سلسع فقد كتب: مساءُ الخير يا آمال.. وجدتُ في كتاباتِكِ لغةً جديدةً تحتاجُ إلى الرّعايةِ والاهتمام، خاصّةً جرأتكِ في تجسيدِ الصّورةِ الشّعريّة، وعندما تناولتُ قصائدَكِ، أشرتُ إلى المواقفِ الإيجابيّةِ، كما إلى بعضِ المَواقفِ السّلبيّةِ!

وردّت الرّوائيّة فاطمة ذياب/ فلسطين: عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان.. باختصارٍ شديدٍ، استوقفتْني ضراوةُ حُروفِكِ، ورائحةُ مِدادِ حِبرِكِ الّذي يُعربدُ في مَملكة الشّعر، ورأيتُكِ كما الغوّاص الماهر بعُدّتِهِ وعِتادِهِ، تَغوصين بصِدقٍ وبإنسانيّة، قلّما نجدُها في هذا الزمنِ الغادر، وعرفتُكِ مِن خلال حَرفِكِ شفّافةً، تَنتقينَ الأعذبَ والأجمل، وتحيكينَ بخيوطِكِ الماسيّةِ كلَّ أصنافِ الوجعِ الخاصّ والعام. نعم؛ كانتْ لغتُكِ عصيّةً مُتمنّعةً، فقرّرتُ المواجهة وهكذا كان، ومِن هنا جاءَ تناوُلي الأوّلُ لكتابكِ (رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود)، حتى قبلَ أن تربطنا أيّةَ علاقةٍ خاصّة.

قلتها وأقولها لكِ، يا مَن تحتَ فيءِ اهتمامِكِ تستظلُّ الشّاعراتُ الواعدات.

نعم أيّتها الشاعرة الإنسانة. أنتِ وحُروفُكِ مُترادفان.. ولا بأس! فلا تُرجَمُ إلّا الأشجارُ المُثمرةُ! تابعي ولا تلتفتي لصغار النفوس، فما طالَكِ الأقزامُ ولن يَطالوكِ! لكن من حقّنا أن نَعلَمَ مَن صاحب هذا الرأي، ومِن حَقّكِ ألّا تقولي، لكن الأهمّ، أنّكِ تستحقّينَ وبصِدق، كلّ ما كُتبَ عنكِ يا مائيّةَ الحروفِ والنّبضات.

أما ردّ شيخنا الشاعر محمّد سمحان- عمّان الأردن فجاء فيه: لقد رأيتُ في لغتِكِ وصُورِكِ الشّعريّةِ، وفي مَجازاتِكِ وأسلوبِكِ، ما يُميّزُكِ عن سِواكِ، فانتبهتُ لكِ.

وفي رد د. إبراهيم سعد الدين- القاهرة جمهورية مصر العربية: أسعدَ اللهُ مساءَكِ بكلّ الخير.. أرجو أن توافيني بعنوان هذه الكاتبة، لأردّ عليها بنفسي قائلًا: إنّه في عالم النقد لا يمكنُ أن يَصحَّ إلّا الصّحيح.. وأنّ أيّة علاقاتٍ شخصيّةٍ لا تَرفعُ عملًا أدبيًّا قَيْد أنْملة في ميزان النقدِ الأدبيّ، وبالنسبة لي، كان اطّلاعي على قصائدِكِ المنشورة بموقع (الكلمة نغم) مفاجأةً كبيرة، ودون سابق معرفة.

لقد كان لي موقفٌ مُتحفظ مِن تجارب (قصيدة النثر) في بواكيرها الأولى، التي حفلت بالصّالحِ والطّالح والحابل والنابل. أقولُ كانَ شِعرُكَ المَنشورُ مفاجأةً لي، لأنه أكّدَ لي بما لا يَدَعُ مجالًا للشّكّ، أنّ تجربة (قصيدة النثر) تحتوي على أعمالٍ جادّةٍ وأصيلة، وأنّ مثلَ ما فيها من حصًى وشوائب كثيرة، فإنّ فيها أيضًا الجوهرَ الثمين. فكان أنْ كتبتُ أولى مطالعاتي لشِعرِكِ (سحر الكلمات) عام 2004 بعنوان (سحر الكلمات.. عصفورةُ النّارِ ومُهرةُ الشّعر الأصيلة)، سجّلتُ بها انطباعاتي الأولى عن قصائدِكِ المنشورة بالموقع الإلكتروني، والّتي لم تكن قد نُشرتْ بَعْدُ في كتاب.

كان هذا قبلَ أنْ أتعرّفَ على شخصِكِ الكريم (آمال عوّاد رضوان). ثُمّ أتبعتُ ذلكَ بكتابةِ تقديمٍ لديوانِكِ الثاني: سلامي لك مطرًا. بالنسبة لي لا أخلطُ مُطلقًا بينَ العلاقاتِ الشّخصيّةِ وبينَ النقد. ودليلُ ذلك، أنّ لي أصدقاء كثيرون من كبار المبدعين، ولم أكتب عن أعمالهم، وبعضهم عاتبٌ عليّ، والبعضُ الآخرُ تأثرت صداقتي له بسبب ذلك. لا بأس. لأنّهُ في النهاية لا يصحّ إلاّ الصحيح.

وفي ردّ الشاعر والناقد العراقيّ حسين الهاشمي: لا تُتعِبي نفسَكِ أو تُشغِلي وقتَكِ بالبحثِ عن إجاباتٍ لأسئلةٍ نسائيّةٍ، لا يَعنيها الجانب الفنّيّ، قدْرَ ما يَعنيها الجانب الشّخصيّ ! ومَن يُريدُ أنْ يَعرفَ رُؤيتي، فقدْ دوّنتُها في كتاباتي النقديّةِ عن نُصوصِكِ، وغيرُ هذا يُعتبرُ تسطيحًا للموْضوعِ كلّهِ! لا تستغربي، فهذه ضريبةٌ، لأنّكِ جميلةٌ ومُبدعةٌ ومشهورةٌ، وتلكَ (غيرة نسوان) أو (غيرة الوسط)، وللأسف، هي مُنتشرةٌ ولو بشكلٍ سِرِّيٍّ وغيرِ مُعلَنٍ!

"لا أعرفُ سرُّ هذهِ الدّراساتِ لقصائدِك"؟! ليسَ هناكَ سرٌّ في الموضوع، إنّما هناكَ نصٌّ وقراءةٌ ومزاجٌ وفرصةٌ مُهيّأةٌ للكتابة، ولا يَعني ذلك بالضرورة، أنّ تناوُلَ النّصّ نقديًّا، هو تفوُّقُ هذا النصِّ أو ذاك، وصدارتُهُ فنّيًّا على باقي النّصوص، بقدر ما يعني توفّرَ الفرصة للاطلاع والاكتشافِ والرّؤية، إضافة إلى وجودِ المُبرّراتِ الفنيّةِ، وحُبّ العمل والقدرة على الإقناع.

ولكن المشكلة الحقيقيّة، أنّ الكتابة عن شاعرةٍ ما، سواء كانت معروفة أو غير معروفة، قد تُثيرُ لدى بعض الوسط الأدبيّ والثقافيّ تساؤلاتٍ وشكوكًا، وربّما تثيرُ بعضَ (الغيرة) هنا أو هناك، وهو ما يُدعى بـ (غيرة الوسط)، وهو موضوعٌ شخصيٌّ ونفسيٌّ، أكثرَ ممّا هو فنّيٌّ أو ثقافيّ. والنقاد أو الكُتّاب غيرُ مَعنيّين بهذا المستوى من التّداول السّطحيّ، لأنّ العمليّة النقديّة أو الثقافيّة عمومًا، هي أبعد من الأهداف ومن الأغراض السطحيّةِ غير الدّاخلة في العُمق القيميّ والفنّيّ للأشياء، وهو نوعٌ مِن التّجاوُز أيضًا، يعني أن تكتشفَ ما لا يراهُ الآخرون، أو يَجهلونَهُ في هذا العالم، وهذه مُهمّةٌ صعبة، تحتاجُ إلى مواجهةِ الكثير من التّشكيكِ والتّهم، وحتّى الإساءات ربّما، لأنّ الفنّ عمومًا يحتاجُ حياةً كاملةً، وليسَ جزءًا منها فحسْب، وهذا سِرُّ نجاحِكِ! وطز بكلّ المُشكّكينَ والسّطحيّينَ، فحتى أنّ (نازك الملائكة) رائدةَ الشّعر الحديث تعرّضتْ في زمنِها للتّشكيكِ والهجَمات!

وجاء في ردّ أديبنا البروفيسور فاروق مواسي: هناك عددٌ مِن الأسباب. أنا مثلًا أتناولُ حسبَ المحورِ المطلوب لمجّلةٍ، أو لمؤتمرٍ، أو لدَواعٍ سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ، أريدُ أن أؤكّدَ عليها، أو لفكرةٍ أدبيّةٍ أريدُ أنْ أعرِضَها، فالكتابةُ انتقائيّةٌ، وليست لسَواد عيون فلان أو نكاية بفلان. وهناك أسبابٌ أخرى تتعلقُ بالظرف، فكتابتي اليوميّةُ في صفحتي تتعلّقُ بالرّاهن أو الحدَث، ومَن كتبتُ فيهِ شِعرًا أو قصّة أو نقدًا، لاحظت أنّني أُقانصُ المُناسباتِ والأحداث، وأعرضُ ما كنتُ كتبتُ فيها، ويومَ أنِ احتفيْنا بكتابِكِ الأوّل (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ) في مطلع عام 2006، في الصّالون الثقافيّ في الناصرة، كانت لي ملاحظاتٌ في الطّاقةِ اللّغويّةِ، الّتي كانتْ مَثارَ التّساؤُلِ، وتتّسمُ بجرأتها وجدّتها.

وأنا لا أسألُ عن الشخص أبدًا، إنّما تهمّني الفكرةُ أو الظاهرةُ أو الموضوع. وعندما كتبتُ قصيدة وشاعر، عندها اهتممتُ بستة عشر شخصًا، فاخترتُ لكلٍّ منهم قصيدةً، وتناولتُها بشكلٍ موضوعيّ، وانتقيتُ الشعراءَ بسابقِ اطّلاعٍ وخبرةٍ دقيقةٍ وموضوعيّة. وكثير يرجونَ أنْ أكتب عنهم، وعمري ما فعلتها.

وقريبا سأقدّمُ دراسةً عن شِعركِ لجامعة جدارا، وعندها سأرسلُ لكِ الدّراسة!

أما الشاعر العراقيّ جوتيار تمر صديق فجاءض في ردِّه: الجوابُ لا يكونُ قطعيًّا في هكذا سؤالٍ، فالمسألةُ ليستْ حظوظًا وعلاقاتٍ، إنّما هناك ما يَجذبُ الأنظارَ، ويُجبرُ النّاقدَ على الانقيادِ لروحِ النّقدِ تجاهَ النّصّ، فيتّخذُهُ مَسلكًا لدراستهِ، وهناكَ ما يجذبُ نظرَ الناقدِ ليقرأ، ولكن لا يُجبرُهُ أن يَكتبَ دراسةً، وأنتِ لديكِ إحساسٌ ومصداقيّةٌ في كتاباتِكِ، تجعلُ المُتلقي يعيشُ وقعَها، وتجعلُ الناقدَ يبحثُ عن حيثيّاتِها، فتُلزمُهُ بالكتابة!

لكن واقعَنا الحاليّ يَفرضُ أحيانًا نوعيّةً من هذه العلاقاتِ، وبعيدًا عن تلكَ المِثاليّةِ الموضوعيّة، ومع أنّنا نحاولُ تجاوزَهُ، لكن يبقى الأمرُ بنظرِ الكثيرينَ مَرهونًا بالعلاقاتِ، فالواقعُ الأدبيُّ بعيدًا عن المثاليّة التي ربّما نحن قليلونَ جدًّا مَن نؤمنُ بها، فواقعُنا يَعيشُ حالة تَرَدٍّ غيرَ ما هو مفروض، فيهتمُّ بالكاتب، وإذا لم يكن الكاتبُ موجودًا، فلا داعٍ للنّصّ، ولهذا نعيشُ فتورًا في اختيارِ النّصوصِ والأدباء، ونعيش واقعًا متردّيًا، حتى في العلاقاتِ بين الأدباء، حيث الاستغلال، وحيث بعض المسائل الأخرى التي طفَتْ، وجعلتْ أسماءَ كثيرةً تسقطُ في وحلِ الواقع المُتردّي!

وأخيرًا جاء في ردّ الأديب كتب فريد شاكر حسن/ فلسطين: برأيي المتواضع، أنّ أسبابَ هذا الاهتمامِ والتّناوُلِ يَكمنُ في: نشاطِكِ الأدبيّ والثقافيّ، وغزارةِ نِتاجِكِ، وفي عطائِكِ المُتواصلِ، وإبداعِكِ المُميّزِ، وجَماليّاتِ قصيدتِكِ النثريّة، عدا عن موضوعاتِكِ الإنسانيّةِ، وتركيزِكِ على الأنثى وجسدِها ومُعاناتِها وأحاسيسِها، وكذلك الإيجازِ اللّفظيّ، والتّوهُّجِ الإشراقيّ، والجمالِ الفنّيّ النصّيّ البارز في قصائدِك، ويُضافُ إلى كلِّ ذلكَ أنوثتك، وسِحرك، وجاذبيّتك الخاصّة، وعلاقاتك الإنسانيّة الحميمة، والمُتعدّدة مع أصحاب القلم ومتعاطي الكلمة .

الأعمال الروتينية للأدباء ومشاهير الكتاب في العالم / ماريا بوبوفا

"الكاتب الذي ينتظر الظروف المثالية للكتابة سيموت دون أن يخط على بياض الورق أي كلمة"

التحديثات: هنالك العديد من الأعمال الروتينية قد تكيفت مع حب العمل وخيال الكاتب حتى النوم أحيانا يبعث على النتاج الأدبي.

نشرت كورت فيرغن مؤخرا مقالا عن الأعمال الروتينية التي يقوم بها بعض من كتابنا المحبوبين والطريقة التي ينظمون بها أيامهم وكتاباهم. فقد انتخبت مجموعة من المقابلات القديمة من مختلف اليوميات المحفوظة في أرشيف مجلة باريس _ وقمت باستسقاء حفنة من الأعمال الروتينية لبعض كتابي المفضلين. أتمنى أن تتمتعوا بالاطلاع عليها.

• راي برادبري: من دعاة العمل على مدى الحياة وربطه بالفرح.. كاتبنا هذا بطل متعطش للمكتبات العامة، هزلي، يتحدى مسألة الروتين كما قال في مقابلة نشرت عام 2010.:-

"في كل يوم من حياتي ذلك ومنذ أن كنت في الثانية عشر من عمري يقودني شغفي إلى الآلة الكاتبة وبنفس الوتيرة. لذا فلم اهتم كثيرا حول المواعيد.هنالك دائما أشياء وكتابات جديدة تتفجر بحياتي وتجدولني وفق حضورها لذلك لا جدولة لحياتي أو انجازاتي. دائما ما تدعوني الآلة الكاتبة لمداعبة حروفها وإنهاء فكرة انبثقت من مكان ما.

يمكنني العمل في أي مكان. لقد كتبت في غرف النوم وغرفة المعيشة في صباي حيث كنت اقطن مع أهلي في بيت صغير في لوس انجلوس. كنت أكتب على الآلة الطابعة في حين كان الراديو وأمي وأبي وأخي جميعهم يتحدثون في نفس الوقت. لاحقا وعندما بدأت بكتابة (451 فهرنهايت) ذهبت إلى جامعة كاليفورنيا حيث وجدت في طابقها السفلي غرفة للطباعة وكان من الممكن ان تشتري ثلاثين دقيقة طباعة من الوقت بإضافة عشر سنتات إلى الآلة الكاتبة.

• أما جوان ديديون /فأنها خلقت لنفسها فترة من حضانة الأفكار وذلك حسب ما بينت في مقابلة لها سنه 1968:

" أحتاج إلى ساعة انفرد بها مع كأس من المشروب لكي أعيد بذهني ما أنجزته ذلك اليوم. لا استطيع أن اقوم بهذا الأمر في وقت متأخر من الظهر لأني سأكون بعد ونوعا ما قريبه من الحدث، أما المشروب فهو يساعدني على محو بعض من تلك الأوراق. لذلك اقضي هذه الساعة أحذف بعض السطور وأضيف أخر ودواليك بالأيام القادمة في كل ليلة أعيد ترتيب هذه الملاحظات مساءا. عندما أكون منغمسة بالعمل لا أحبذ الخروج أو دعوة احدهم على العشاء لأني حينها سأفقد ساعة.إذا كنت خسرت الساعة وبدأت يومي مع مجرد بعض صفحات سيئة وبدون نقطة البدء فمع كل هذه الفوضى سأكون بكل تأكيد في أسوأ حالاتي المعنوية.شيء آخر علي القيام به خاصة عندما أكون قريبة من نهاية كتابي هو النوم وبنفس الغرفة مع أوراقي. وهذه من أهم الأسباب التي تدفعني للذهاب إلى سكرامنتو لإنهاء الأمور.أؤمن انه وبطريقة ما "إن الكتاب لا يغادرك حين تكون نائما بالقرب منه".في سكرامنتو لا احد يهتم إذا ما خرجت من منزلي ا لا، لذا يمكنني النهوض والبدء بالكتابة.

*أما (E. B. Whitefih) فقد ذكر في عين المقابلة الرائعة التي أوضحت لنا إن بصيرة الكاتب لا يحدها زمن وكذا دوره ومسؤوليته،مركزا على العلاقة بين الصوت والنهايات المذكرة ليردد بذلك وصايا تشايكوفسكي بالتركيز على أخلاقيات العمل :

لا أستمع أطلاقا الى الموسيقى حين اكتب.. ليست لدي هذه النزعة ولا أحبها على الإطلاق. الا إني قادر على العمل والكتابة على نحو جيد في خضم العديد من الانحرافات العادية. يحوي منزلي على غرفة معيشة وهي كمركز لكل شيء، فهي ممر الى القبو والى المطبخ كمالا بد ان يمر بها من يريد استخدام الهاتف وبالنتيجة فهي دائما ما تكون ضاجة بازدحام مروري خانق !.لكنها بالنسبة إلي غرفة مشرقة مليئة بالحياة والبهجة، لذا فغالبا ما أستخدمها كغرفة لكتابتي على الرغم من الكرنفال الذي تجري أحداثة من حولي. فمثلا غالبا ما تدفع فتاة التنظيف بمكنسة السجاد تحت الطاولة التي تقبع فوقها الآلة الكاتبة برغم كل ما تحدثه من ضجيج إلا أنها لا تشكل إزعاج او تشتت لذهني او تركيزي في العمل الا حين تكون تلك المنظفة جميلة بشكل خارق او غبية حمقاء بشكل غير عادي ! كما إن زوجتي، والحمد لله، لم تقم بمساندتي كما قيل لي أن بعض زوجات الكتاب تفعل. على النقيض من ذلك، فأفراد أسرتي لم يكن لهم أدنى اهتمام بكوني " كاتب "، فهي لا تمانع بالضجة وتسمح لهم ان يشاغبوا كما يحلو لهم. وإذا ما قدر و مرضت من جراء ذلك وأنزعجت فالجواب واحد-" لدي الكثير من الأماكن التي استطيع ان اقصدها للكتابة... " فالكاتب الذي ينتظر الظروف المثالية التي بموجبها يبدع بعمله سوف يموت دون وضع كلمة على الورق".

أما جاك كيرواك (Jack Kerouac) فيصف طقوسه والخرافات التي تحيط بها في مقابلة سنه 1968:

أقوم بإضاءة شمعة واحدة مرة واحدة بالمساء واكتب على نورها وأقوم بأطفاءها عندما انتهي من ليلتي. كما إني أركع للصلاة قبل البدء بالكتابة (لقد تأثرت بفلم فرنسي يتحدث عن George Frideric Handel – جورج فردريك هاندل).. ولكني وببساطه الآن اكره ان اكتب. الخرافات ببلدي، لقد بت اشك حتى في اكتمال القمر، كما تعلقت بالرقم تسعة على الرغم من اني من مواليد برج الحوت ورقم حظي هو السبعة. أحاول ان المس الأرض تسع مرات ذلك حين أكون في الحمام فأكون واقف على رأسي الذي يلا مس ا لنعال بشرط ان يلامس إبهام قدمي الأرض تسع مرات كذلك وأكون في وضعية متوازنة. هذا الفعل يعتبر أكثر وأقسى من اليوغا فهو انجاز رياضي فذ. فهل من المعقول بعد كل هذا ان تسميني ب " غير المتوازن !". بصراحة مطلقة وأحيانا أحس إن عقلي بدأ يتلاشى!. فلذا أمارس" طقسا "آخر كما تسمونه.. ذلك بأن ادعو المسيح كي يساعدني بالمحافظة على سلامة عقلي وطاقتي لكي ادعم عائلتي (أمي المشلولة وزوجتي وقططي الجميلة.حسنا ؟

وبعد فترة تأمل اضاف حول اوقت والزمان الأكثر تلاما للكتابة:

مكتبة بقرب السرير مع ضوء جيد و تناجي الورق من منتصف الليل وحتى بزوغ اول خيط للشمس، وكأس من الشراب حين تتعب.. ستكون الكتابة رائعه بمنزلك ! ولكن ان لم تملك منزل خاص وتقطن بغرفة في فندق أو حتى لو تكتب على وسادة : نوع من السلام !

• أما سوزان سونتاغ (Susan Sontag) فقد دونت في مذكرتها سنه 1977، أضافة الى مجموعه من الحكم التي أطلقتها عن الكتابة تقول :

أبدأ بالغد – إن لم يكن اليوم موعد انطلاقك !

أصحو من نومي في موعد لا يتجاوز الثامنة صباحا. (وأستطيع كسر هذه القاعدة مرة واحده بالأسبوع)،وأتناول غدائي فقط مع روجر.. (لا أخرج للغداء إلا مرة واحدة فقط كل أسبوعين).

أقوم بتدوين ملا حظاتي بشكل يومي (مثلا : كتبي عن يشتنبرغ الغربية).

أطلب من المحيطين بي من أصدقاء او معارف ان لا يتصلوا بي في الصباح لأني لن ارد على اتصالاتهم.

سأحاول ان احصر قراءتي للمساء فقط (فقد قرأت كثيرا- محاوله مني للهرب من الكتابة)

سأرد على الرسائل مرة أسبوعيا (أما عن الجمعة ! – على العموم سأكون مضطرة للذهاب الى المستشفى).

ثم، وفي مقابلة ثانية وبعد عقدين من الزمن مع احد المحررين في مجلة باريس تحدثت عن التفاصيل الروتينية التي تقوم بها عند الكتابة:

أكتب باستخدام قلم ذو طرف من اللباد وأحيانا قلم رصاص على ظهر أوراق الملاحظات القانونية الصفراء او البيضاء تلك التي كان الكتاب الأمريكان مولعين بها، كما اني أحب الكتابة اليديويه واكتب ببطء شديد ثم أقوم بطباعتها وتوثيقها على الاله الكاتبة حتى اني اقوم بإعادة الطباعة أو حتى إجراء التصحيحات اللازمة يدويا او مباشره باستخدام أزرار الإله الكاتبة حتى أصل لقناعة خالصة ان ليس بمقدور النص ان يكون افضل. هكذا كان الحال منذ خمس سنوات خلت.. بعدها ظهر الحاسوب في حياتي. بعد المسودة الثانية او الثالثة سأقوم بحفظها على الكومبيوتر خاصتي ومن غير الممكن ان أعيد مخطوطة كاملة بعد الان رغم هذا أقوم بالاستمرار بالمراجعة على مسودات ورقية اسحبها من الحاسوب

].....{

تأتيني نوبة الكتابة بصوره فجائية. أكتب حين أحس ان هنالك ضغط كبير يتنامى بنفسي و اشعر بتلك الثقة التي تخبرني ان فكرة ما نضجت في رأسي وان الأوان حان لقطافها. ولكن ما ان ابدأ بالكتابة حينها لا أحبالقيام بأي عمل آخر.. فأل قابعة بمنزلي وفي أغلب الأحيان أنسى تناول الطعام وحتى نومي يكون لساعات قليلة.أعلم إنها طريقة غير منضبطة للعمل وهي تؤثر سلبا على غزارة أنتاجي ولكنها تجعلني اهتم بأشياء أخرى كثيرة.

• في عام 1932 وتحت عنوان الروتين اليومي (Henry Miller- هنري ميلر) همّش وصاياه الإحدى عشر للكتابة بخطة رائعة للإنتاج والإلهام والصحة النفسية :

صباحا : ان كنت أحس بالدوار فأطبع ملاحظات أوزعها كنوع من التحفيز.

أما أن كنت بحالة جيدة، فأكتب.

في الظهيرة :

أعمل على انجاز القسم الذي في متناول اليد متتبعا بذلك خطة الجزء بدقة. لا هروب أو تسرب......أكتب حتى الانتهاء من الجزء بالوقت المناسب من اجل الخير للجميع.

المساء :

رؤية الأصدقاء و القراءة في المقاهي.

استكشاف أمور غير مألوفة بالسير على الأقدام ان كان الجو رطبا وركوب الدراجة الهوائية ان كان جاف.

إذا كنت بمزاج يساعد على الكتابة،حينها احرص ان تكون ضمن اطر أو برامج قليلة.

أرسم ا ن لم يواتيك الإلهام او كنت تحس بالتعب.

أكتب ملاحظات، او مخططات توضيحية أو يمكن رؤؤس أقلام او حتى تصحيحات لما قد انتهى من مواد.

- ملاحظة: تمتع بوقت كافي خلال النهار للتمتع بزيارة المتاحف او معرض رسوم او حتى مسابقات ركوب الدراجات في بعض الأحيان. أرسم مخططات في المقاهي والشوارع. قلل او اقطع الأفلام ! استعن بالمكاتب للمراجع ولو مرة بالأسبوع.

• أما في هذه المقابلة التي أجريت عام 1965 (Simone de Beauvoir –سيمون دي بفوار) ساهم في تبديد " تعذيب – عبقرية " أسطورة الكتابة حيث قال :

أنا دائما في عجلة من أمري للتقدم رغم إني بصورة عامة لا أحب بداية اليوم. أبتدئ يومي بتناول الشاي ثم وفي حوالي العاشرة أشرع بالعمل حتى الساعة الواحدة. حينها أتمتع بصحبة أصدقائي وفي حوالي الخامسة أعاود الكتابة حتى التاسعة مساءا. لا أواجه صعوبة تذكر بالتقاط الخيط المحيط بالأمور حتى في فترة الظهيرة. عند مغادرتهم سأقرأ الورق أو ربما قد أذهب للتسوق. أنها متعة الكتابة هي المسيطرة في معظم الأحيان.

[……]

أذا كان العمل يسير على ما يرام، فأني حتما سأقضي ربع او نصف ساعة بمراجعة ما كتبته في اليوم السابق، وأقوم ببعض التعديلات ان لزم الأمر ثم أواصل الكتابة من تلك النقطة. لكي أصوغ الأمور بطريقة صحيحة. إذ لا بد لي من قراءة ما قمت ببث الروح فيه.

• إرنست همنغواي (Ernest Hemingway) الذي كتب رائعته المشهورة الوقوف 0 (كان همنغواي يقف عند ما يكتب على زوج من جلد البقرة الوحشية البالية – وكانت الالة الطابعة ومكتب القراءة يصل الى أعلى صدره) رغم ذلك ترك نهجه الواضح وصياغته المميزة بشكل متعادل مع موهبته الشعرية والبراغماتية الفذتين. فذكر أنه :

كنت احرص دائما حين أشرع بالعمل على كتاب او قصة ان ابتدأ مع الضياء الأول للنهار كلما كان ممكنا حيث لا يوجد من يزعجك وتتمتع بالسكينة وذلك البرد الجميل الذي يتلاشى بدفء ما تكتب. تقرأ وتراجع ما قد كتبته وتقف هنيهة حين تعلم ما لذي سيحدث لاحقا !ستبدأ من تلك الحالة. ستكتب حتى تصل لمكان لا يزال موجود به عصيرك الخاص وتعلم ما سيحدث بعدها لكنك ستتريث قليلا تقف لتعيش الأحداث مع حروفك حتى اليوم التالي حين تعاود الكتابة ثانية. عليك النهوض والبدء مبكرا ولنقل من الساعة السادسة صباحا،حتى الظهيرة أو قليلا قبل ذلك. تقف عن الكتابة حين تحس انك فارغ من المشاعر وبنفس الوقت مشاعر العالم تمليك كما هو الحال حين تقدم الحب مع شخص تعشقه. حينها لا شيء يمكن ان يسوؤك لاشيء يمكن أن يحدث ولا شيء يعني لك حتى اليوم التالي حين تقارب كتابك مرة أخرى. الانتظار حتى اليوم التالي هو من أصعب العقبات التي لا بد نحياها.

• أما الرائع (Don DeLillo- دون ديليلو) استعرض في مجلة باريس سنه 1993 حول هذا الموضوع :

أبدأ يومي بالكتابة طول فترة الصباح على الاله الكاتبة ولمدة أربع ساعات ثم أمارس رياضة الركض، هذا للمساعدة بالتخلص من بقايا عالم الكتابة والولوج في عالمي الحقيقي. الأشجار والطيور ورذاذا الهواء يشكل نوع من فاصلة لطيفة تشجعني على العمل مرة أخرى في وقت لا حق من الظهيرة لمدة ساعتين او ثلاث. بالعودة الى وقت الكتاب فأنه يمضي بشفافية وكأنه نسمة رقيقة لا أتناول به اي وجبة خفيفة او قهوة ولا حتى سجائر لقد أقلعت عن التدخين منذ زمن طويل. الفضاء حولي نظيف والمنزل هادئ. وقال (دين ديليلو- Don DeLillo) ان الكاتب يقوم بتدابير كثيرة لتأمين عزلته ومن ثم يبحث عن طرق أكثر لتبديدها. ينظر من النافذة يقرأ مقالات عشوائية في القاموس ولكسر التعويذة (حسب الكاتب) أنظرالى صورة (بورخيس – Borges)، صورة كبيرة أهدانياها الكاتب الايرلندي ( Colm Tóín – كولم) حيث يظهر وجه بورخيس على خلفية داكنة ليظهر بجلاء تلك النظرة الشرسة العمياء وفتحة منخاره وتقرنات جلدة المشدود وذلك الفم الذي يكتنز حياة بصورة مثيرة للدهشة وكأنه قد رسم. يبدو لي كأنه شامان رسم عن طريق الرؤى. كل ملامح ذلك الوجه تبدو كأنها تحظى بنشوة الفولاذ. لقد قرأت لبورخيس بكل تأكيد لكن ليس كل أعماله، كما إني لا اعلم عن الكيفية التي يجدولها للكتابة، ولكن تلك الصورة تظهره ككاتب لم يضيع وقته بالنظر إلى النافذة او أي مكان آخر. لذا حاولت جهدي ان اجعل منه رمزي المبدد للخمول والانحراف، دليلي الى عالم السحر والفن وقراءة القادم.

• أما( بنجامين فرانكلين - Benjamin Franklin)، ذلك المهووس بالإنتاج، فقد كان له جدول يومي روتيني صارم لما يقوم به :

• (Haruki Murakami- هاروكي موراكامي) يؤمن بالاتصال بين العقل والجسم لدى بعض المبدعين على مر التاريخ :

عندما أكون في مزاج جيد للرواية، انهض الساعة الرابعة صباحا، أعمل على مدى خمس لست ساعات. أما في فترة ما بعد الظهر فأركض حوالي عشر كيلومترات أو أسبح ل (1500 متر)،أو ممكن أقوم بكل من الأمرين معا، بعدها اقرأ قليلا أو استمع لبعض الموسيقى. أذهب الى الفراش في الساعة التاسعة مساءا. أظل على هذا الروتين كل يم دون تغيير، التكرار نفسه يصبح الشيء المهم،أنها شكل من أشكا ل الاستمرارية." أنا ابهر نفسي لأصل الى أعمق حال من الوعي ".

• (William Gibson- وليام جيبسون) يروي لمجلة باريس في عام 2011:

أستيقظ في السابعة صباحا وعندها ابدأ بالكتابة. أتفقد بريدي الكتروني وأقوم بجلة في الانترنت كما هي عادة هذه الأيام. أتناول كوب من القهوة. ولثلاثة أيام اقصد" بيلاتيس "وأرجع المنزل في العاشرة ا الحادية عشر. بعدها أجلس محاولا الكتابة أما اذا لم يحدث شيء على الإطلاق سأسمح لنفسي بتشذيب العشب. ولكن عموما، مجرد الجلوس والمحاولة الحقيقية ستمنحني البداية. أرتاح قليلا في فترة الغداء، لأعاود بعدها لكتاباتي. ثم قيلولة. والقيلولة شيء مهم وأساسي لعملية الكتابة، لا أحلام طبعا، لكن تلك الحالة من النوم حيث العقل ينشط للعمل والاستيقاظ.

]........[

وكلما تعمقت أكثر بالكتاب فأنه يصبح أكثر تطلبا.. في البداية، اعمل لخمس أيام أسبوعيا، بمعدل خمس إلى عشر ساعات عمل مع استراحة للغداء والقيلولة. أما حين تحل النهاية فالكتابة ستكون لسبع أيام أسبوعيا وبمعدل اثني عشر ساعة من العمل المتواصل.

في نهاية الكتاب، حالة الانتهاء تكون معقدة جدا مثل معادلة كيميائية ستزول وتنتهي تفاعلاته إذا لم أرفدها بما تحتاجه وهو ببساطة ان اكتب بشكل متواصل وبكل وقت. الفجر أفضل من مجرد النوم ببساطة يصبح مشكلة، ودائما ما أكون سعيد بعودة الفجر من جديد.

• ( Maya Angelou – مايا أنجيلو) شاركت يومها مع مجلة باريس في لقاء أجرته عام 1990 :

أكتب صباحا ثم أعاود الى منزلي حوالي منتصف اليوم للاستحمام،لأن الكتابة كما تعلمون فعل شاق جدا، لذا عليك القيام بجهد مضاعف. بعدها اذهب إلى المتجر - لأني طباخه ماهرة جدا – أتظاهر اني طبيعية كالآخرين. العب دوما دور الإنسان العاقل لأردد هذه العبارات (صباح الخير- جيد، شكرا وأنت ؟).أرجع الى منزلي أحضر لنفسي العشاء اما اذا صادف ان قصدني بعض الضيوف حينها أقد الشموع والموسيقى الجميلة ستملأ البيت، وبعد نقل جميع الأطباق، أراجع ما كنت قد كتبته في ذلك الصباح. وأغلب الأحيان اكون قد كتبت تسع صفحات ولكن بعد ألمراجعه والتمحيص سأكون قادرة على إنقاذ صفحتين ونصف او على الأكثر ثلاث، وهذا بالضبط أقسى وقت، حين تضطر ان تعترف ان هذا لم يعد يجدي وأن عليك ان تحبر ما كتبت. عندما انتهي من قراءة خمسين صفحة - خمسين صفحة مقبولة طبعا - فهذا ليس سيئا. لقد كان لي نفس المحرر ومنذ عام 1967، دائما ما يقول لي أو يسألني وعلى طول كل هذه السنوات (لما ذا استخدم فاصلة منقوطة بدلا من الفراغ ؟ وكانت أجوبتي وعلى مدى الأعوام المنصرمة - أني لن أكلمك ثانية الى الأبد.- أو – شكرا جزيلا، وأغادر، هذا فقط.!. بعدها اقرأ التصحيحات وأراجع قصتي لأفكر باقتراحاته. حينها أرسل له برقية تقول " حسنا لقد كنت محقا، وماذا في ذلك ؟ لا تذكر هذا لي مرة أخرى لأني حينها لن أكلمك ثانية. أتذكر وقبل عامين كنت أزوره وزوجته في هامبتونز.كنت اجلس للعشاء في نهاية طاوله محاطة بأربع عشر شخصا،، قلت لشخص قريب مني " لقد أرسلت وعلى مر السنين برقيات، فأجابني من الجهة المقابلة " ولقد احتفظت بكل واحدة من تلك البرقيات الغاشمة ! ولكن التحرير، ووجهة نظر المحرر بالكتابات هو الأكثر أهمية !

• (Anaïs Nin – أنيس نين) لاحظت ببساطة، في تعليقها بين قوسين في عام 1941، ذلك في المجلد الثالث من مذكراتها :

(أكتب قصصي صباحا، ومذكراتي خلال الليل)

كما أضافت في المجلد الخامس سنه 1948 :

(أنا اكتب كل يوم.. أفضل أعمالي كانت في الصباح)

وأخيرا فأن روتين the Kurt Vonnegut – كورت فونيغوت كان ملهما للجميع حيث سجّل في رسالة الى زوجته عام 1965:

في مثل حياتي المبعثرة، النوم والجوع والعمل ينظمون أنفسهم بأنفسهم دون استشارتي. أحس بالسعادة ان مثل هذه الأفعال لا يشاوروني بتلك التفاصيل المملة !. لقد جدولوا أنفسهم كما يلي : الاستيقاظ في تمام الخامسة والنصف والعمل حتى الثامنة أتناول إفطاري بالمنزل ثم العمل للعاشرة صباحا، المشي لعدة أمتار الى المدينة بلا مهمات تذكر. انتقل الى المسبح المجاور وأتفرغ لنصف ساعة من السباحة ثم العودة إلى الديار. في الساعة الحادية عشره وخمس وأربعون دقيقة أقرأ بريدي الالكتروني، أتناول غدائي بالظهيرة، أقوم بأداء واجباتي المدرسية أما تعلم او إعداد. ارجع من المدرسة حالي الخامسة والنصف اقصد إحدى الحانات. أعد العشاء وأقرأ وأصغي الى موسيقى الجاز (الكثير من الموسيقى الجيدة تبث من الراديو هنا).أنزلق إلى النوم في العاشرة. أقوم بالبوشوبس وأظل جالسا طوال الوقت، أحس كما لو إني امر بفترة عجاف، وممكن أكون مخطأ !. الليلة الفائتة الوقت وجسدي قررا أن يأخذاني الى احد دور السينما. شاهدت (مظلات شيربورج _ The Umbrellas of Cherbourg) كانت وتيرتها صعبة علي. لرجل بلا قرار او حس بمتوسط العمر مثلي، كان يأسى لها القلب.. لا يهم، فأنا أحب ان يكون قلبي مكسور !

 

بقلم ماريا بوبوفا

ترجمة سميرة سلمان عبد الرسول

 

شاكر السماوي .. سكون الألم المضيء

thamer ameenملف عن رحيل المناضل والشاعر الرائد "شاكر السماوي"

فجر يوم الثلاثاء الموافق الخامس والعشرون من شهر تشرين الثاني2014 غيّب الموت في منفاه السويدي المناضل والشاعر الرائد (شاكر السماوي) الذي يعد رمزاً ثقافيا عراقيا وركناً مهما من أركان الشعر الشعبي العراقي، حيث كان واحداً من الشعراء الذين رسخّوا مفهوم الحداثة الشعرية في القصيدة الشعبية الى جانب حياته النضالية الغنية بالعطاء والتضحيات. وفاءً وتكريماً لمنجزه الشعري وتاريخه النضالي نضع هذا الملف بين يدي القراء .

طفولته ونشأته:

في منطقة الفرات الأوسط وتحدبدا في مدينة الديوانية التي ولد فيها عام 1935 عاش الشاعر(شاكر السماوي) طفولة شاقة ومريرة، فقد عانا من قسوة الأب ـ المتحدر من الريف ـ الذي كان ذا نزعة صارمة، الأمر الذي جعله يلوذ بالكتب التي غدت ملاذه الروحي الى درجة صارت (رئته الثالثة) ـ كما يحلو له أن يصفها ـ وأول درس تلقاه في العنف عندما قام والده باخراجه من المدرسة لكي يتفرغ لإدارة دكان العطارة وبسبب هذا الاجحاف بحق طفولته بالتعلم مثل باقي اقرانه فقد قام بحرق دكان والده ويستذكر هذا الحادث الذي شكل لديه بدايات الرفض للظلم والوقوف بشدة ضد الاستغلال فيقول (عاقبني أبي بكي يدي اليمنى حين أحرقت دكانه للعطارة الذي أخرجني بسببه من مدرستي لأديره له) هكذا واجه العنف وهو مايزال صغيرا وهوالأمرالذي جعله ـ فيما بعد ـ يضيق بكل سلطة تشبه الأب ًوأولها الضيق بالحكومة ورجال السياسة والدين والمال لكنه لم يستسلم انما عاد الى مدرسته حيث قضى الابتدائية والاعدادية في الديوانية، وكانت فيها بدايات تفتحته على الافكار والثقافات فقد اصدر في خريف 1953 نشرته الجدارية (الصرخة) وكان حينها يترأس فرع اتحاد الطلبة في الديوانية وااتخذ منها وسيلة لنشر موضوعات الوطنية والحرية والتحريض الثوري وأداة للتنوير والتثقيف، وكانت تستصرخ الطلبة لكي يرفضوا الخنوع بكل أشكاله ومصادره وتحثهم على التمرد، ولكن حينما اكتشفت المدرسة دوره التنظيمي في الأنشطة الطلابية واستقطابه لعدد من الطلبة قامت بفصله وثم مطاردته . ونتيجة الخبرة التي تحصلت له في (الصرخة) فقد قام بإصدار كراسين فيهما طموح مبكر للتنظير .

 

سيرته النضالية:

خاض (السماوي) غمار الإلتزام بالعمل الوطني من خلال انتمائه الى صفوف الحزب الشيوعي العراقي في خمسينيات القرن الماضي وكان أهلا لكل مهمة نضالية يكلف بها وبسبب نشاطه الفاعل وتفانيه واخلاصه لمبادئه التي عرفته عليه جماهير الشامية والفرات الأوسط، فقد دخل السجن ثماني مرات وهو لم يبلغ الثالثة والعشرين بعد، حيث تفرغ للعمل الحزبي وأخذت تتقاذفه بعد ذلك السجون والتشرد الى ان جاءت ثورة تموز 1958 التي حررته بعد 7 أيام من قيامها عندما كان يقضي فترة الحكم بالابعاد لعامين بمدينة الناصرية، وكتب عن سيرته النضالية الاستاذ ذياب آل غلام يقول (عّرفني عليه ابن عمي ورفيقه في النضال الوجيه والشخصية الوطنية في الفرات الأوسط والشامية عبد الواحد حبيب غلام قال لي هذا الشاكر الذي فتحنا له قلوبنا وبيوتنا لكونه كان ربيب الحزب ومن قادته في العلن والسر في شاميتنا والديوانية، وله خطوات لاتنسى في الأرياف، تعرفه فاختة النخيل والشواطيء والصفصاف في ريف جنوب الشامية كان يعيد مع رفاقه ترميم الصرح الشيوعي بعد هجمة الحكم الملكي المباد، كان شاكر ورفاقه معاصرين لقيادة الشهيد سلام عادل تلك سنوات الحب والعشق والجمر والنضال وسنوات الطريق لشعب سعيد وعمل دؤوب لوطن حر)، وحتى بعد خروجه من الحزب واستقالته عام 1958 فان تلك الاستقالة لم تطوح به صوب الشواطيء المعادية لولائه الأول انما ظل مزهواً بانتمائه الى الفقراء والمظلومين وشهداء الحركة الوطنية وهو ما تشير له قصائده التي كتبها في السبعينيات حيث جاءت لتؤكد قبضة الشاعر على بوصلته الروحية وقيميه الضميرية ومنها قصيدة (نعم .. أنا يساري):

يمكن أجهل شكل الخوف ابگلبي، او انسى طعم الحقد

او أهمل عمدا لون الغيرة، ولا اتذكر وين تصير

نكهة كل لحظه من الحب

لكن ما أنسى ولا أجهل

ـ مثل اجروحي اليسارية ـ

گلبي انحط، وعاش، او يبقى:

ايدگ ويرف ..

ابعشه المبني بين اضلوعي اللي ع اليسرى .

 

ببلوغرافيا:

* شاكر عبد سماوي

*تولد الديوانية 1935

* 1966 هاجر للمرة الاولى الى بغداد الشعر والضوء والحرية وأكمل دراسته الجامعية البكالوريوس في قسم اللغة الانكليزية ولكي يسد متطلبات الحياة الصعبة فقد مارس العمل الصحفي الى جانب التدريس الثانوي .

* بدأ كتابة الشعر عام 1966

* بعد الهجمة الدكتاتورية على القوى التقدمية عام 1979 هاجر الى الجزائر وعمل فيها مدرسا بين 1979 ـ 1983 .

* 1983 استقر في سوريا

* أيلول 1989 استقر في السويد

* 1990 عضو اتحاد الادباء السويدي

* 1993 عضو اتحاد المسرحيين السويدي .

 

إصدارته:

في الشعر .

احجاية جرح / شعر شعبي عراقي 1970ـ رسايل من باجر / شعر شعبي عراقي 1975ـ نشيد الناس / شعر شعبي عراقي 1982 ـ العشك والموت وبنادم / شعر شعبي عراقي 1984 ـ تقاسيم / شعر شعبي عراقي 1989 ـ نعم أنا يساري / شعر شعبي عراقي 1999 .

وعلى مستوى المسرح لديه:

خبز وكرامة، بشرى الثورة، بقايا تحتضر، صوت النخل، رقصة الاقنعة، سفرة بلا سفر، كوميديا الدم، القضية .

وفي الفكر والثقافة له:

مقامات الغضب: خواطر سياسية

اللاديمقراطية عربيا ـ ج1: فكر سياسي

اللاديمقراطية عربيا ج2: في الثقافة

 

ثقافته:

تبلورت ثقافة السماوي من خلال علاقته المبكرة بالكتب وساهمت هذه العلاقة في اعلاء واثراء مسارات نموه العقلي والنفسي في تجربته الابداعية حيث تجد بداياته الشعرية مشحونة بايقاعات وجماليات الدراما، فقد قرأ اللغة والتاريخ والاسطورة واللاهوت، وكان يقرأ الدواوين الشعرية والقصص الاجنبية بلغتها الأم، عشق شكسبير وجوسر والمتنبي ودستوفسكي ولهذا جاءت قصائده متأثرة بقراءاته الانكليزية، وتميز شعره بنسيج لغوي خاص وانماط من الصور الفنية المركبة، كما تظهر فيه وفرة من الرموز التي استخدمها باتجاه توسيع وتعميق مسارات مضامين قصائده الشعرية فأنت تقرأ فيها اور، بابل، آشور، نفر، سومر، الحسين، جيفارا، حيث وظفها في شعره واعطاها أبعد من مداها، وفي الستينيات عندما سئل الشاعر الكبير مظفر النواب عن متابعته للجديد من تجارب ونماذج الشعر الشعبي العراقي قال (انني اقرأ شعر شاكر السماوي فيستهويني) يذكر ان السماوي التقى النواب مرات متباعدة في اواسط الستينيات في سجن القلعة في الحلة حين كان يزور شقيقه الناقد الدكتور سعدي السماوي . كما انه لاينسى فضل السويد على ثقافته فيقر لها بتطوير ثقافته وحماية حريته وتوفير فسح التفرغ للابداع والعطاء .

 

السماوي مسرحياً:

السماوي شاعر ثوري في رؤيته وفي تفاعله مع التجربة والمعاناة وقد عبر عن ذلك بأجناس أدبية متعددة منها المسرح الى جانب الشعر فهو الى جانب كتابته للشعر كتب عشرات المسرحيات ومثلت في العراق وسوريا واليمن والجزائر وظل هذان الرافدان (الشعر ـ المسرحية) زاخران بالعطاء في تجربته الابداعية فقد قرأ المسرح وعاشر المسرحيين وتعلم منهم وخلص في تجربة كتابته للقصيدة والمسرحية الى ان (أرقى مايسمو اليه الشعر هو حين يمتلء دراما، وان أرقى مايحظى به المسرح هو حين يشعشع الشعر على جوانبه واعماقه) . وعندما عرضت مسرحيته (رقصة الاقنعة) على المسرح في بغداد عام 1979 كتب عنها الدكتور علي جواد الطاهر (لو كان بيدي أمر لألقيت بالمؤلف في مسارح العالم لينهل التجارب من ينابيعها حين ذلك سيجني البلد ثمرة ناضجة من شجرة ناضجة، اذ لايتهيأ لنا شاكر السماوي في كل حين) وقد أوصى السماوي ان تنقش هذه الوقفة التقيمية على شاهدة قبره لاعتزازه بوزن الطاهر الثقافي والاكاديمي، ولاندري هل ستنفذ وصيته التي لم تفتح لغاية اعدادي هذا الملف .

من أشعاره:

(الألم المضيء) مرثية كتبها عام 2008 لشقيقه ورفيق دربه الفكري والشعري الشاعر (عزيز السماوي) وهي لوحة من الابداع الموغل في الحزن، نختار منها:

اجيتك ارد اسامر بيك روحي واسهر وياك

كل ليلك هذاك البيك يمتد

بحدوده الماتعرف الحد

يلن بيّ الحنين اتلفّت الذكراك

او ماگدرت صبوته عن خاطره ترتد

اشتهيت انعيك ...

بالنعي التگوله الناس ع الناس

بس بيّ الشعر بإسمه طلب ينعيك

............

من رباعيته المعنونه (شاكر) نختار هذه الصورة التي تلمس فيها براعة الخلق الشعري:

هرش، اومايه ايشگ له اجروحة

حلم اتدولب ... بين الدنيه، اوگلبه، اوروحه .

ناي ابچوله ايطش انغامه،

هلبت بالرمله اتطگ دوحه

نسمه وكل ريه اتمر بيها

تشفيها، اوتطلع مذبوحه !!

..........................

(ياحزبنه) قصيدة تتغنى بالحزب كتبها في 12/12/1979 عندما كان في الجزائر نختار منها:

هلا ابحزب الشدّايد والشهاده

هلا ابتاريخ مجدك والضماير والولادة

هلا ابحلمك

هلا ابعلمك

هلا ابزلمك

هلا ابشعب الذي انطاك الرياده

حزبنه

ياحزبنه

ياحزب كل زين تمتحنه التجاريب

ياحزب المعامل والمناجل والمراجل ...

والصدگ والطيب

تعلمنه الشهامه منك وبيك

اوتعلمنه الشعب تفديه اويفديك

اوتعلمنه العصر تهديه اويهديك

اوتعلمنه الوطن:

بس بيك ينطيه السياده

نحبك تنجرح تجرح

يلن غيرك وفي ماصح

اويلن حبك يدلينه

على السجه التجي منهه السعادة

..........................

ومن قصيدة (أشجان عراقية) المكتوبة في الجزائربتاريخ 1/7/1980 حيث يظهر فيها الحنين الى مرابع طفولته والى ضياءه الاول، نختار:

يابيتي البعيد اهناك .. يل بيك

تنزفني الجروج اجروح تنبيك

ـ عيني ابكل ضوه يعبر على الباب

اوگلبي ابلا زعل متروس بعتاب

او روحي امساهره لساع ...

مابين السطور ابذاك الكتاب

……………………………

 

يدك كلبي

قصيدة الشاعر: مقداد جاسم جمعه

مهداة الى الشاعر شاكر السماوي

 

يدك كلبي الك دكات ليليه

أحط إذني على الشريان أسمع كل غناوية

يترجملي النبض جلمات .. تاخذني وتفر بيّه

وهيس الروح ماهيه

تطوف ابدنيتك وسماك تتعبها وترد ليه

تسولفلي .. تذكرني بسوالف موش منسيه

على اطراف اللسن هيه

تظل بيهه التعرفك زين تتشايم

يلن اربات زهدي وبيك صافي الدم

ياصخرة وعليهه الروج يتلاطم

يل صدرك وسيع وضاع بيك الهم

يافلتت زمان بصورة ابنادم

يا .... مدري شكول الوصف مايلتم

لاجنها ياشاعري هذي سواني الدهر

ويّاك أبد مانصف داس الضمير وعبر

خلاّك شجره ابكهف محرومه شوف الشمس

وحتى الهوه المحصور بالحيطان شميته من امس

وحتى الشته والصيف بحسابك سوه

عندك سوه باجر وامس

وعندك الموت اليرهب ابنادم دفو

حنّه وعرس

كلها والوادم تناست

والسبب من الحمامة الماتحس

ذبتك ريشه وتظن عكبك تطير وماتحس

وكل جنح ينفض سبابيكه يطيح

وكل حجي مدغوش عنّك يظل راعيه قبيح

والحجي ايمض بيك .. هيله

الحجي بإذنك يمر اخيال جيله

والسبب كلبك جبير .. وكلبك ابيض

والضمير البيك يسمر بيرغ ابيض

والهوى المر بيك عذري اواعديته

وانت كوكب ماسهه وتيه مداره ومانسيته

ابشهكت الريّه شريته .. وانت شاعر

والشريف ايبيع ريته وماهو حاير

انته دنيه ودنيتك هالة مشاعر

انته جلماتك تلف داير مداير

انته جلماتك ضوه فوك المناير

انته جلماتك لعد كلبي جرح

انته جلماتك لعد جرحي جرح

وانته انته

انته ابو (احجاية جرح) انته (ابو حجاية جرح))

...........................

رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي (2)

استلمت رسائل عديدة حول مقالتي عن رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، والتي نشرتها قبل فترة قصيرة، ولعل اهمها تلك الملاحظات التفصيلية الدقيقة من الصديق المهندس ضياء العكيلي – صاحب الفكرة بالكتابة عن الرابطة كما اشرت في تلك المقالة، واحاول في هذه الحلقة ان اتناول واحدة من النقاط التي اثارتها تلك الرسائل وحسب معلوماتي المتواضعة طبعا، واتمنى ان يساهم جميع الزملاء بهذا المشروع الجميل والمهم والحيوي فعلا حول كتابة تاريخ رابطة الطلبة العراقيين و الحركة الطلابية في الاتحاد السوفيتي آنذاك بشكل عام، والتي يمكن اعتباره بلا شك جزءا لا يتجزأ من تاريخ العراق المعاصرفي النصف الثاني من القرن العشرين.

...................

 

النقطة التي اريد التوقف عندها في هذه الحلقة هو الاجتماع الذي حدث عام 1962 مع الدكتور محمد المشاط – مدير دائرة البعثات في وزارة المعارف العراقية آنذاك، وهو المسؤول الاول عندها عن الطلبة العراقيين في الخارج كما هو معروف، وقد اشرت في مقالتي الاولى عن الرابطة الى هذا الحدث واهميته في مسيرة الرابطة وتاريخها عندئذ . لقد وصل الدكتور المشاط الى موسكو في زيارة رسمية لحسم قضايا الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وفي مقدمتها طبعا قضية تعادل الشهادات السوفيتية في العراق والتي كانت تثير قلق الطلبة العراقيين بلا شك بعد اكثر من ثلاث سنوات من الدراسة في الجامعات والمعاهد السوفيتية، وكان من الواضح ان الموقف الرسمي العراقي تجاه تلك الشهادات كان سلبيا بكل معنى الكلمة، اذ انه كان ينطلق من مواقف سياسية بحتة مضادة للاتحاد السوفيتي بشكل عام ولنهج التقارب والتعاون المتبادل معه سياسيا وثقافيا، بعد ان استطاعت القوى السياسية العراقية المعنية، بالتنسيق مع القوى الاجنبية المعروفة طبعا، استعادة السيطرة على الوضع السياسي العراقي وايقاف ذلك المدٌ الوطني الذي كان سائدا في الساحة العراقية في اعوام 1959 – 1961، هذا الموقف الذي أدٌى في نهاية المطاف – كما هو معروف - الى انقلاب 8 شباط 1963 الاسود والدموي . لقد تحدٌى، بل واستفزٌ الدكتور المشاط بتصرفاته في موسكو مشاعر الطلبة العراقيين ورابطتهم، التي لم يعترف بها اصلا، وحاول ان يجتمع مع الطلبة العراقيين دون الاخذ بنظر الاعتبار وجود منظمة للطلبة او حتى الاستماع الى رأيها بالموضوع، واتصل بالملحقية الثقافية وطلب منها ترتيب هذا الاجتماع مباشرة، ولكن الطلبة اعلنوا انهم لن يجتمعوا به ما لم تنظٌم الرابطة هذا الاجتماع وبالتنسيق معها، وبعد اتصالات شبه علنية هنا وهناك بين الملحقية والرابطة (يعرف تفاصيلها الصديق ضياء العكيلي نفسه الذي شارك فيها، اذ كان آنذاك رئيسا للرابطة)، لم يستطع الدكتور المشاط ولا الملحقية الثقافية ترتيب هذا الاجتماع، وقد اضطر المشاط اخيرا، بعد ان فهم ان الملحقية لا تقدر ان تتحدى الرابطة وارادتها، ان يطلب من الرابطة تنظيم هذا الاجتماع، وهكذا جرى ترتيب الاجتماع مع الطلبة العراقيين في احدى قاعات جامعة موسكو، وقد كانت قيادة الرابطة جنبا لجنب معه في قيادة ذلك الاجتماع العاصف، والذي أعلن فيه المشاط – وبوقاحته وغروره - ان الجانب العراقي لا يعترف بشهادة الكانديدات السوفيتية على انها معادلة لشهادة دكتوراه فلسفة، وانما هي شهادة ماجستير ليس الا، وكانت حجته الوحيدة في كل ذلك تكمن في انه بحث عن كلمة ( كانديدات ) الروسية في القاموس الروسي – العربي ووجد ان معناها هو – (مرشح)، وبالتالي، فان الشخص الذي يحوز على تلك الشهادة – على وفق القاموس - يعني انه – (مرشح) للحصول على شهادة الدكتوراه ليس الا، بغض النظر عن ان هذا الشخص قد أنهى الكلية في العراق وانه تم ارساله للدراسات العليا والحصول على شهادة الدكتوراه، وان مدة الدراسة هذه تستغرق خمس سنوات باكملها بعد الحصول على شهادة البكالوريوس وانجاز اطروحة ضمن المواصفات العلمية العالمية ، بل ان بعض المبعوثين كانوا أصلا من الحاصلين على شهادة الماجستير من الجامعات الغربية، ودون مراعاة طبعا للموقف الدولي المعروف والمعلن تجاه هذه الدرجة العلمية المتميزة ، والذي يعترف بها باعتبارها شهادة دكتوراه – فلسفة بكل ما تعني هذه الشهادة العلمية المرموقة من معنى، وان كلمة ال (كانديدات) تلك ليست سوى تسمية تاريخية ترتبط بمسيرة التعليم العالي الروسي منذ بدايته وان موقعها في القاموس الروسي – العربي لا يمكن ان تحسم موضوع تعادل الشهادات...الخ . قابل الاجتماع هذه الافكار بالاستنكار الشديد، وتكلم بعض الطلبة حول ذلك، الا ان الدكتور المشاط لم يرغب بالاستماع الى منطق العقل والبحث العلمي الرصين، بل لم يأخذ كل ذلك بنظر الاعتبار، وحاول البعض ان يتحدث عن حقوق الطلبة التي رفضتها الملحقية ومنها مخصصات شراء المصادر العلمية مثلا، الا ان كل هذا الاراء ضاعت وسط الجو المتوتر الذي فرضه الدكتور المشاط على الاجتماع وردود فعل الطلبة على ذلك، بما فيها تصرفات غير لائقة فعلا جاءت من قبل الطلبة انفسهم (أطلق أحد الطلبة مثلا هلهولة مدوية أثارت الضحك بين الحاضرين)، وهكذا انتهى هذا الاجتماع دون اي نتيجة تذكر، بل سادته فوضى في نهاية المطاف، الا ان المشاط قد فهم (وهذا كان هدفا مهمٌا للاجتماع ) ان افكاره لن تمر، وان الطلبة لن يستمعوا اليه والى تهديداته الفارغة والعقيمة .

لقد كان هذا الاجتماع اول تجربة كبيرة واقعيا تخوضها الرابطة مع الجانب العراقي الرسمي والحكومي آنذاك، وعلى الرغم من ان الرابطة استطاعت ان تثبت وجودها وارادتها امام الملحقية الثقافية ومدير البعثات في وزارة المعارف شخصيا، الا ان هذا الاجتماع واقعيا لم يحقق مطالب الطلبة عموما ولم يمنحهم أي مكسب، وبالتالي لم يكن مفيدا لهم، وكان يجب التحضير لهذا الاجتماع بشكل محدد ودقيق وتقديم مطالب الطلبة تحريريا الى دائرة البعثات بشكل منسٌق وعلمي يستند الى الوقائع الموضوعية والتعليمات الرسمية التي تم ارسال الطلبة على اساسها، وكان يجب الاستعانة – مثلا - ببعض الحاصلين على شهادة الماجستير من الجامعات الغربية (الذين أشرت اليهم أعلاه) للحديث امام الاجتماع حول شهادة الكانديدات السوفيتية وخصائصها ومتطلباتها العلمية ومستواها من امتحانات وتقارير ومناقشات ومشاركات وبحوث مشتركة مع المشرف العلمي تنشر في مجلات مركزية مرموقة ومحكمة وخاضعة لمتطلبات علمية رصينة والاستماع الى سلسلة محاضرات في الاختصاص ..الخ، ولكن حماس الشباب واندفاعاته العفوية وعدم وجود الخبرة والتجربة و الروح العلمية والموضوعية بالتعامل مع الرأي الآخر و كذلك المستوى الفكري والثقافي العام للرابطة قيادة وقاعدة (وهذه مسألة مهمة ومركزية لكل منظمة جماهيرية بلا شك)، اضافة الى تصرفات الدكتور المشاط وعنجهيته وعدائيته طبعا حالت دون ذلك . لقد كان هذا الاجتماع – الضوء الاحمر الاول في المسيرة الصعبة اللاحقة لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية في عراقنا الحبيب – منذ احتلال الجنرال مود وتبعاته الى احتلال الرئيس بوش وتبعاته...

سنوات العمر الهاربة

abdulrazaq alghalibiتتهامس الاسارير وتستبشر الاعضاء حين تعود ذاكرتي فرحة تقلب صفحات من سنوات العمر الهاربة اتجاه الاعماق، تتسع مساحات الابتسام و السعادة وتخطو ذاكرتي نحو ايام العز والخير فيتجمد الاحساس فوق وسادة الزمن النائم في احضان الماضي وهو ينظر اعجابا ويفرد اصابعه معي ليعد دقائق ايام نابضة بالحب والخير والعرى الثقيلة التي مسحت من عصر الانهيار المصبوغ بلون مساكنيه وطباعهم المتقلبة، فيحمر تارة نحو الدم ويصفر اخرى نحو زعاف السم، اقتضب سفري في النزول حين لمحت مخيلتي صفحة عند قاع الذكريات معلمة بخصوصية مفرطة اثارت الحفيظة في جميع مكونات عقلي المنغلق عليها بحرص شديد في زاوية خاصة من زوايا هذا السجل العملاق، تغطي فترة خضراء من عمر تخطى ركام الستين، توقف الزمن عندها باحترام وصمت في محراب استهلال العمر، صفحة بيضاء نقية من شروطه وهذاره المقيت، استثار ذاكرتي حماس مخضر بالنشاط و حيوية التحليق بدقائقها من جديد بعيون مفتوحة انبهارا وبحثا في صفحاتها المشرقة عن ومضة من سعادة هنا وهناك و نكزتني واحدة بوقاحة...!

ترتدي دوما مدينتي سماء زرقاء تعاند صفحة الفرات الصافية الطافحة بالخير، لوحة متخمة بالوان زاهية تحاكي الطبيعة جمالا، تتراقص صفوف النخيل عليها وكأنها مغروسة فوق وجه الماء المزجج، انعكاس حي لجمال نشط مشرئب الاعناق بريشة رسام بارع لا زال يضع اللمسات الاخيرة من الوان الطبيعة الضاحكة والمثقلة بالبهجة حين يخلطها ببراعة والفرح والسعادة و الانبهار معا ليسرق العقول بلون اسطوري جذاب يؤطر تلك اللوحة السرمدية، يهرع ابناء المحلة ليحتل كل مكانه منها اي مساء وبتحرك كورنيش الفرات الرطب كرطوبة الرطب البرحي وحلاوة الكنطار الجنوبي مع امل مؤكد بصيد وفير من سمك طازج، بني وكطان وشبوط تتطلع اليه مواقيد النار المنتظرة صبرا وتوقا في بيوت الاهل السعيدة، عشاءا يطرد الشر والهم والكرب وتعب الكفاح اليومي ويبهج الاسارير تحت نسمات الغروب المتجه نحو الليل المضيء ببشارات اللذة الذائبة في الافواه المحملة بالانغام و الشعر وعسل الكلام ومذاق الطعام اللذيذ فوق مائدة الله...!!

ارادها الله قلوبا عامرة بالحب فهو يشاركها البهجة بكرمه اللامحدود حين يقذف الرزق نحوها بشكل عفوي غير محسوب من صنارة او شبك صيد او ثمر نخلة او حقل بعيدا عن السواد في الكسب، قوت يوم يكفي ويزيد حين كانت القناعة فينا كنزا لا يفنى ولا ينضب، وتقبل الكفوف وجها وقفا، اخطو نحو السابعة في طرق الخمسينات، وانا ارافق اخي الكبير احمل صنارة الصيد وسلة من خوص نخلة منزلنا الباسقة وهي لا تزال شامخة، فسائلها ورثت بستانا عامرا بالبواسق يظلل محلتنا حد الساعة، اضع فيها صيد رزقنا المنتظر والمؤكد بطيبة النفس وصفاء السريرة، نأخذ مكانا منزويا فوق لوحة الفرات العامرة بالحركة المعطرة بعبق الرزق الزكي ومتعة الصيد الحلال بين نسمات المساء الفراتية الهادئة حين تتعشق مع الصدور النظيفة والمترعة بالحب تحت ضوء القمر، يقال والعهدة على الراوي، ان السمك يعشق ضوء القمر فيتكاتف في بقع الضوء الفضية ويسهل صيده في الايام المقمرة وخصوصا وقت العشاء وفي الساعات الاولى من الليل,,,!؟ وتهز السمكة الاولى صنارتنا وتهتز معها قلوبنا فرحا وغبطة، طفلة سمك، صغيرة الحجم لا تتحمل نار الشواء ولا تسد رمق، افلتها من الصنارة واقذفها في النهر تحت ضحكات محملة بالسعادة والرجاء بصيد جديد، وتأتي الاخرى بعد دقائق وكأننا ننتقي صيدنا من حوض جاهز مليء بالسمك، هذه المرة كبيرة تغطي العشاء لعائلتنا وحصة الجيران وتفيض عنها ويحضر الرضى الموقف ونتجه نحو المنزل بقناعة الغنى ونحن نعوم بموجات من الفرح والغبطة...!؟

وتبدأ رحلة امي وتنورها، الشخصية الطينية الشامخة بكبرياء في زاوية خاصة من ساحة البيت الوسطى، منصب مرموق ومكانة راقية تحسده عليها جميع قطع الاثاث في البيت وتنظر اليه بعين الغضب والغيرة، وتبدأ رائحة الخبز والشواء وعبق الرزق وصوت غناء التنور مع صفق الارغفة بين يديها الخيرتين وكأنها تصفق فرحا لهدف مدريدي ....!؟ ويتناغم مرأى دخان الشاي ورائحه خدره الجسرة في ساحة البيت المفتوحة مباشرة نحو السماء الصافية، يبدا العشاء في هذا المشهد البهي تحت ضوء الفانوس والقمر والنجوم التي نعدها انا واخوتي بعد العشاء مباشرة، ايهما يعد اكثر نجوما هو الفائز، وتستمر تلك اللعبة حتى يغفو اخر طفل فينا، تحمله امي نحو فراشه في جو عذري هادئ رطب خال من دخان العجلات واصوات المراوح واجهزة التبريد، حياة هانئة مختزلة مبسطة بحب الله والناس، تملأها العفوية والصدق والبراءة والعلائق الراقية.....وشتان ما بين الامس واليوم....!؟

هيفاء الأمين .. وجه مشرق وقسوة صراع

khahtan alseadiمنذ ان بدأت الحملة المضادة للنيل من السيدة هيفاء الأمين وانا اترقب التحليل ولوائح الدفاع والطروحات المضادة وقسوة الصراع ... وقد أحزنني مناشدة الأخ مثال الالوسي وقيادات الحزب الشيوعي والكثير من الشخصيات الوطنية لمخاطبتهم السلطة المحلية التنفيذية في المحافظة لكبح جماح الهجمة الشرسة على هيفاء الأمين .. وبذلك يسجل الجميع خللا في قراءة واقع الحال لمدينة الناصرية وكيف تدار الحياة من قبل منظومة احزاب الاسلام السياسي حتى بات مهاجمة الخصوم المدنيين والعلمانيين بمبدأ ميكافيلي يجيز استخدامهم كافة الأدوات اللاخلاقية خارج سياق ثوابت العمل السياسي.

اعود لهيفاء الأمين ...

كان أباها صديقا عزيزا دافئا لم يفارق زيارة مكتبي للمحاماة سنين على الرغم من فارق العمر والتعليم .. كان لطيفا حين يحدثني بشغف عن رفعة ابنته هيفاء متباهيًا بها وبانتمائها الى الحزب الشيوعي وعن ثقافتها ودربها النضالي وامومتها وحياتها في البلد الإسكندنافي البعيد ورغم قساوة الغربة والبعاد لا يشغلها شاغل عن تفقدها لعائلتها.

اما الهجمة الشرسة التي طالت هيفاء الأمين بواسطة أدوات احزاب السلطة واستخدام شخصا من عائلتها دون وعي لما يقوم به وتحت مؤثرات سحر عباءة الأفيون المقدس لاحزاب الاسلام السياسي من تأثير وحبكّ المؤامرات لجميع القيادات الرائدة حملة بيرق المشروع المدني للعراق .. دعونا نذّكر لمن لم يسعفه الحظ في قراءة تاريخ الناصرية جيدا.. ان من وقف عام ١٩٦٣ في الجوامع والحسينيات لمدينة الناصرية يؤلب الراي العام لابناء المدينة تحت شعار "الشيوعية كفر والحاد" ويدفع أبنائها بالترغيب والترهيب الديني للانتماء للحرس القومي .. هم امتداد لتلك الخلية التي تلاحق هيفاء الأمين وكل النواة النقية الطيبة من الوسط النخبوي وتفتك بالخصوم بطرق شتى لتوفر الارضيّة لسلالتها تولي المناصب والمسؤوليات بلا منازع.

اقول للجميع .. اذا كان عفاف هيفاء الأمين لديكم مخدوشا لعدم ارتدائها الحجاب .. فأنا أتشرف بهيفاء الأمين أختا وبنت اخ طاب ثراه .. حيث لسيرتها وتاريخها النضالي المشرف ترفع الجباه .. ويبتسم "عكد الهوى" لهيفاء شرفا لصباها وزهوا لرجوعها وهي تحمل وجع الغربة والاغتراب وتشمر عن ساعداها في بناء وطن صادرته مافيا الوجوه الكالحة تحت عباءة المقدس.

خروشوف والفنان نيئزفيستني

نيكيتا سرغييفتش خروشوف (1894 – 1971) – هو الامين العام للحزب الشيوعي السوفيتي بعد وفاة الشخصية العالمية المعروفة - ستالين عام 1953، و اصبح بعدئذ رئيسا لمجلس وزراء الاتحاد السوفيتي عام 1958 اضافة الى موقعه الحزبي، اي انه – باختصار - الشخص الاول في الاتحاد السوفيتي آنذاك والى حين اقالته بالقوة من كل مناصبه التي كان يشغلها بأمر جماعي متفق عليه من قبل قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي والدولة السوفيتية عام 1964 كما هو معروف للقراء المتابعين لهذا الموضوع طبعا، أما ارنست يوسيفوفيتش نيئزفيستني فهو نحات سوفيتي (ثم حصل على الجنسية الامريكية و اصبح مواطنا امريكيا بعد هجرته الى هناك عام 1977)، ولد عام 1925 في مدينة سفيردلوفسك بالاتحاد السوفيتي ولا زال لحد الوقت الحاضر على قيد الحياة ويعيش في مدينة نيويورك بامريكا وهو استاذ في جامعة كولومبيا ولحد الان، وغالبا ما يزور روسيا، واحتفل بعيد ميلاده الثمانيني عام 2005 في موسكو، بل ان روسيا الاتحادية قد منحته عام 1995 وساما روسيا عاليا تقديرا لمجمل خدماته في مجال الفنون و كذلك وسام الشرف عام 1996 لخدماته امام الوطن، وقصة اللقاء الغريب والعفوي الذي حدث بين هذين الشخصين (اي خروشوف ونيئزفيستني) دخلت في تاريخ الفن التشكيلي السوفيتي ومسيرة الثقافة في الاتحاد السوفيتي بشكل عام، بل، ويمكن القول حتى في تاريخ الدولة السوفيتية برمتها اذ انعكست ابعاد هذه القصة في تعليقات المحللين السياسيين عالميا، بما فيهم الصحفيين والمعلقين العرب، حول قيادة الاتحاد السوفيتي ومستواها الفكري، وموقفها الثقافي و الحضاري بشكل عام ، وتأثير ذلك على المسيرة السياسية بالذات في الاتحاد السوفيتي، بل وانعكاس كل ذلك في مجمل السياسة الدولية في العالم، وهذا ما سنحاول عرضه في مقالتنا الوجيزة هذه .

حدث ذلك اللقاء المذكور اعلاه في الاول من كانون الاول / ديسمبر عام 1962 في قاعة المعارض المركزية التي تقع في ساحة مانيش المعروفة في وسط مدينة موسكو ، وهي الساحة المجاورة للساحة الحمراء الشهيرة، حيث كان هناك معرض فني كبير للفنانين الطليعيين من رسم ونحت لمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيس فرع اتحاد الفنانين التشكيليين في موسكو وتحت عنوان – (الواقع الجديد)، وقد زار المعرض الامين العام للحزب الشيوعي السوفيتي ورئيس مجلس الوزراء خروشوف نفسه و بمرافقة بقية قادة الاتحاد السوفيتي عندها مثل بريجنيف (الذي اصبح امينا عاما للحزب الشيوعي السوفيتي بعد خروشوف وبقي في هذا المنصب الخطير الى نهاية حياته) وكوسيغين وسوسلوف وميكويان ووزيرة الثقافة فورتسفا وغيرهم من الاسماء الرسمية المشهورة آنذاك، وبحضور مجموعة كبيرة من ابرز الفنانين التشكيليين والنحاتين السوفيت طبعا، و لم ينل المعرض اعجاب خروشوف بتاتا، و عندما وصل والقادة الذين كانوا يرافقونه عند اعمال نيئزفيستني، انتبه اليها و توقف عندها وابدى امتعاضه الشديد من تلك النتاجات الفنية، واستدعى هذا الفنان وأخذ يتكلم معه بشكل انتقادي صارم وحاد حول ذلك، بل حتى بدأ يوبخه مستخدما كلمات سوقية مثل (لوطي)، وان اعماله ليست سوى (غائظ كلاب)، وتكلم خروشوف بشكل عام عن الفن التشكيلي التجريدي المعاصر آنذاك وقال، انه اذا نغمس ذيل الحمار بالالوان فانه سيرسم مثل هذه اللوحات التي تشبه طفلا يلوث بيديه غائظه دون ان يفقه اي شئ ....الى آخر تلك الجمل البذيئة بكل معنى الكلمة، وكل ذلك امام جميع القادة والفنانين والصحفيين وبقية الضيوف وزوار المعرض، وقد صرح الفنان نيئزفيستني للصحفيين - في فترة لاحقة بعد هذه الحادثة طبعا - انه لم يقابل في حياته مثل تلك البذاءة والانحطاط في الكلام، ومثل هذا المستوى الهابط والرهيب من التعبير عن اختلاف الرأي في شؤون الفن بشكل عام، وقد اضطر الفنان التشكيلي نيئزفيستني ان يجيب عندما اعلن خروشوف انه (لوطي) قائلا – اعتذر من السيدة فورتسفا وزيرة الثقافة السوفيتية الموجودة امامي ولكني لست لوطيا ، وقد اشتهر هذا الخطاب في تاريخ الاتحاد السوفيتي بتسميته الغريبة والمعيبة طبعا في النقد الفني وهي – (خطاب عن اللوطية في الفن)، وعندما قال نيئزفيستني لخروشوف ان الكثير من شيوعيي العالم معجبين باعماله الفنية، واعطاه بعض الاسماء من شيوعيي ايطاليا وغيرها مثلا، فسأله خروشوف – هل يهمك رأيهم لانهم شيوعيون ؟ فأجابه – نعم، فقال له خروشوف – اذن استمع الى رأيٌ لاني الشيوعي الاهمٌ في العالم .

لقد كنت انا شخصيا في تلك الفترة طالبا في كلية الاداب بجامعة موسكو، وسمعت طبعا بهذه الحادثة رأسا في اوساط الطلبة واستمعت – مثل الطلبة الروس والاجانب آنذاك – الى نشرة الاخبار المركزية في راديو موسكو باللغة الروسية الى هذا الخبر، واطلعت في اليوم الثاني على النص الذي نشرته وكالات الانباء السوفيتية حول ذلك اللقاء والذي نشرته الصحف السوفيتية كافة كما كانت تسير الامور عندها في الاعلام المركزي، وقد تم بالطبع تشذيب كلام خروشوف بشكل او باخر، و تم حذف كل تلك الكلمات البذيئة التي اشرنا اليها (والتي لم نستطع ولم نرغب ان نشير اليها ايضا!) اعلاه، ولكن الموضوع – رغم ذلك - بقي في نفس اطاره طبعا، وتم التاكيد على قضية (ذيل الحمار!) الذي يستطيع ان يرسم مثل تلك اللوحات التشكيلية، والتي تنتمي الى الفن التشيكيلي التجريدي المعاصر في حينها، وقد اثارت تلك التعليقات الغريبة والساذجة والباهتة والبعيدة كل البعد عن المنطق العلمي والنظرة الموضوعية ردود فعل سلبية بين اوساط الطلبة الروس والاساتذة طبعا واستهجانهم، ولكنهم لم يحاولوا التعبير عن انطباعاتهم حول ذلك بشكل تفصيلي وعلني ، خصوصا امامنا – نحن الطلبة الاجانب، ولكننا شعرنا بموقفهم السلبي بشأن هذا الحدث وعدم ارتياحهم لتلك التصرفات المتسرعة هذه، و الشتائم الغاضبة، وغير المعقولة بتاتا تجاه الاعمال الفنية المعروضة آنذاك، و حتى سخريتهم المريرة منها، وقد اشار احد المؤرخين الروس قبل فترة الى ان هذا الخطاب يعد الاسوأ بين خطابات خروشوف كافة، ولا يمكن مقارنته حتى بخطابه و موقفه المعروف في منظمة الامم المتحدة، عندما نزع الحذاء وأخذ يدق به على المنصة ويلوٌح به امام وفود الدول الاعضاء في تلك المنظمة الدولية، وقد تم الاشارة الى كل ذلك – بما فيها ذلك الخطاب - بشكل غير مباشر حتى في الاعلان الرسمي الذي تم نشره آنذاك عن تنحيته من مناصبه عام 1964 .

ختاما لمقالتنا هذه نود ان نشير الى ان اقرباء خروشوف طلبوا من النحات نيئزفيستني ان ينحت تمثالا على قبره، وقد قام فعلا بنحت رأس خروشوف وتم وضعه على القبر، وهو لا زال موجودا لحد الان، ويعد من افضل الاعمال الفنية، التي استطاعت ان تجسٌد الحيوية التي كان يتميز بها خروشوف . اما النحات نيئزفيستني نفسه فقد اصبح الان واحدا من أشهر النحاتين في العالم، واقتنى بابا الفاتيكان بعض اعماله وادخلها في متحف الفاتيكان للفنون، وتم افتتاح متحف خاص له وباسمه في مدينة يكاتيرنبورغ الروسية في الذكرى ال88 لميلاده، ويضم المتحف اعماله النحتية التي أهداها لهم شخصيا وكذلك بعض الاعمال الاخرى التي حصل عليها المتحف من مصادر اخرى .

أ. م. العالمة الأديبة الناشطة نجلاء حسون انتصاراً للمرأة العربية (2)

karem merzaعربية النّجل، متسعة العقل، إنسانية المثل، جميلة الشكل !!

 

1 - المقدمة: " يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ "

زعموا ما زعموا عن العرب وتاريخهم وغزواتهم ومعاركهم وجواريهم وألف ليلتهم وليلتهم، وعلي بابا وأربعين حراميهم، كأن تاريخهم منفصل تماماً عن تاريخ العالم وأممه بفظائعهم، وحروبهم واغتصاباتهم وانتهاكاتهم، ومحاكم تفتيتشهم، واستعمارهم واستعبادهم وتمايزهم العنصري، وحروبهم الأهلية، وإباداتهم الجماعية، وآخر ما شهدنا من العالم المجنون الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهذا ليس تبريراً للوجه السلبي المظلم الظالم من تاريخنا، فالإنسان هو الإنسان من أيام قابيل وهابيل حتى أيام الأرستقراطيين وأبناء السبيل !! وهذه الأيام يحاول من زعم ما زعم، أن يزوّرتاريخنا وحضاراتنا الممتدة لآلاف السنوات على أيادٍ رخيصة، آثمة، أو ممن غرّر بها جهلاً وحقداً لتستحي نساءنا، وتقتل أبناءنا، وتستبيح بيضتنا، وتزوّر تاريخنا لتعكس الوجه المظلم منه، وتسقطه علينا جميعاً، لتقول هكذا كان ماضيكم بأكمله، وعليه حاضركم مثله، فكونوا فرقاً شيعاً متصارعين متنازعين، ليهلك بعضكم بعضاً، ويأكل الأخ منكم لحم أخيه ميتاً، أما ماضيكم المجيد التليد المضيء النير، فنحن أصحابه وأهله !! حتى أصبح الجهلاء والسفهاء منا يلعنون أمتهم، ويتنصلون منها، ولكن إرادة الأمة، وصلابة رجالها، وعبقرية أفذاذها بالمرصاد لما يُحاك لها، والدنيا دول " وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" .

 

2 - المرأة في الشعر العربي لماماً:

ونحن ننتصر للمرأة العربية نذكركم و نذكرهم مرّة ثانية لنقول منذ جاهليتنا الأولى كما زعمتم جهلاً بجاهليتها، ويزعمون فسقاً باستحيائها، نقول نسيتم قول امرئ القيس الشاعر الأول في تاريخنا وشغله الشاغل بفاطمته حتى الاستذلال، وقوله مثلاً عابراً :

أفاطِـمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ ***وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي *******وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ

وهل نسيتم ونسوا - رحمكم الله جميعاً - ما ذكرت عن معاصره الصعلوك الحكيم العفيف العزيز العدّاء : كيف كان يجلّ زوجه؟وكيف كانت منزلة المرأة في المجتمع، ودورها الفاعل ؟ لنعرّج لمحة على قصيدته التائية بحق زوجه، ولك أن تقرأها كاملة في ديوانه (1)، وتتفكر في مدى احترامه لحقوق المرأة وعفتها، القصيدة التي عدّها الأصمعي أحسن ما قيل في خفر النساء وعفتهن :

ألا أم عمرو أجمعتْ فاســـتقلتِ *** وما ودّعتْ جيرانها إذ ْ تولـّتِ

وقد سبقتنا أم عمرو بأمــــرهـا *** وكانتْ بأعنــــاق المطي أظلـّتِ

بعيني ما أمستْ فباتتْ فأصبحتْ ***فقضّتْ أموراً فاســــتقلتْ فولّتِ

فوا كبدا على أميمةَ َبعدمــــــــا *** طمعتُ فهبها نعمةَ َالعيشِ زلّتِ

لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعهــا *** إذا مـــــا مشت ولا بذاتِ تلفّتِ

زوجه (أميمة) هجرته ورحلت دون أن تخبر أي أحد حتى جيرانها، الرجل لم يغضب، ولم يسخط، ولم تأخذه الحمية الجاهلية أبان جاهليتها، بل كافأها بأروع رائعة، وأرق الكلمات ..(بعيني) ... (فواكبدا )، ثم (لقدأعجبتني) ...أعجبته بماذا؟ إنها لا تسقط قناعها تعمداً لإبداء حسنها، ولاتتلفت لكي لا تجلب الريبة لعفتها وخدرها.

وهل تصدق ما يذهب إليه بعض الرواة، وتلاقف رواياتهم من هبّ ودب دون تعقّل أوتأمّل أوتمعّن من أنّ حرب البسوس بين بكر وتغلب ومقتل الملك كليب على يد جسّاس بن مرة، واستمرت أربعين عاماً - في عصر الشاعرين امرئ القيس والشنفرى نفسهما - كانت بسبب ناقة ؟!! ما قيمة الناقة بالنسبة لهؤلاء الأمراء الكبار الذين يملكون آلاف النوق والأغنام، ويذبحون المئات منها في أتراحهم وأفراحهم وأعيادهم، و بقى اسمهم خالداً من يومهم حتى يومنا، والله عجيب أمر هذا الناس!! والأعجب منه يطلقون على الحرب (حرب البسوس)، ويتمسكون بالناقة !! قارئي الكريم السبب الرئيسي والوحيد بسبب امرأة اسمها البسوس بنت المنقذ بن سلمان المنقذي، وهي خالة جساس، وكان للجليلة بنت مرة زوجة كليب وأخت جساس ٍسبب خفي آخر، كان للمرأة أثر كبير ومعزة عالية وقيمة كبرى في المجتمع،

وبعد مقتل الملك الكليب بحوالي ثلاثين عاماً يتكرر مقتل ملك آخر في الحيرة وهو عمرو بن هند - وفي أيام حكمه ولد النبي الكريم (ص)عام 570 م -على يد الشاعرالشهير صاحب المعلقة الخالدة :

ألا هبّي بصحنك فاصبحينا *** ولا تبقي خمور الأندرينا

والسبب أيضاً امرأة، وهي أم الشاعر التي حاول هذا الملك الغرور أن ينال من كرامتها ويذلّهاعن طريق أمه، ولهذا ذهب الشاعر مخاطبا هذا ابن الهند! :

تَهَـدَّدُنَـا وَتُوْعِـدُنَا رُوَيْـداً * ** مَتَـى كُـنَّا لأُمِّـكَ مَقْتَوِيْنَـا

ثم هذا عنترة وعبلته :

يا دار عبلة بالجواء تكلّمي *** وعمّي صباحاً دار عبلة و اسلمي

وجرير يرثي زوجته بأروع رثاء :

لولا الحياء لهاجني استــعبارُ *** ولزرت قبركِ والحـبيبُ يزارُ

وأنت الأدرى مني بهؤلاء العاشقين العذريين لشهرتهم حتى جزر الواق واق !! لا جميل إلاّ ببثينته، ولا كثير إلاّ بعزّته، ولا قيس دون ليلاه .

وناهيك عن أبي العتاهية وعتبته :

ألا ما لسيدتي ما لها *** أدلّا فأحملُ إذلالها

ودعبل وسلمته :

لا تعجبي يا سلم من رجلٍ *** ضحك المشيب برأسه فبكى

و أبي نواس و جنانه التي تبكي على ميت في مأتم :

فقلت لا تبك قتيلا مضى ... وابك قتيلا لك بالبابِ

تجاوز العصر العباسي الأول، وادخل عصره الثاني، وهذا المتنبي يرثي جدته :

ولو لم تكوني بنت أكرم والدٍ *** لكان أباك الضخم كونك لي أمّا

ويرثي خولة أخت سيف الدولة، وما كان بحلبٍ ليتملق إلى أخيها الأمير، وإنما كان بكوفة العراق، وقال فيها ما قال :

طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ **** فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ

حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً ** شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي

وهذا الشريف الرضي يرثي أمه بهمزية من أروع قصائد الرثاء العربي:

فَارَقْتُ فِيكِ تَماسُكي وَتَجَمّلي *** ونسيت فيك تعززي وإبائي

والمعري مثله في رثاء أمّه:

وأمّتني الى الأجداث أمٌ *** يعزُّ عليَّ أنْ سارت أمامي

هذا قليل من كثير كثير مما قاله العرب في حق المرأة الأم، الأخت، الزوجة، الحبيبة، والصديقة منذ حامل اللواء الضليل الأمير حتى حامل الفكر الضرير البصير، فما ضاقت الدنيا برجل حتى وجد في صدر المرأة متسعا، فكل هذا من أجل هذه، لعلكم تتفكرون !!

 

3 - صفحات التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) مجالٌ للتعارف المليح والقبيح، وشعري الارتجالي الزاخر !!:

من طبعي، ولك أن تقول تطبّعي، فالأمر بين بين، بعد البحوث أوكتابة المقالات، أو نظم عقد الفرائد، ومتاعبها الفكرية والنفسية والعضوية اللذيذة، أو قل بعد نشوة الانتصار والإصرار، تدفعني كلّ هذه للانطلاق إلى مجال آخر جديد، ولكل جيد لذة، فأتصفح صفحة تواصلي الاجتماعي العامة لأرد على تعليقات ومداخلات الأصدقاء والصديقات على منشوراتي، ثم أتجه للخاص بي، وما ينزله الأصدقاء والصديقات من منشورات تجمع الغث بالسمين، والظريف الطريف الخفيف، بالثقيل الممل السخيف، والبليغ الفصيح، بالشعبي وما يتيح، وصور الجميلات والورود والخضراء، كأنك في حديقة غناء، وأسير وذهني معي وإلهامي وأناملي، وأرتجل أحياناً من الشعر تلطفاً ومتعة، وأحياناً تحرشاً بريئاً، والناس أجناس، والقلوب سواقٍ، فمعظمهم يأخذ الأمر على اللطافة والصداقة والبساطة، .

ومن صديقاتي الراقيات المتزنات البليغات العالمات الأديبات اللواتي توثقت علاقاتي بهن وتعارفت عليهن لفترة طويلة على الفيسبوك السيدة نجلاء نجلاء حسون، وما زالت - كما تعارفت على الدكتورة أنوار الخطيب من قبل على صفحة تواصلي الاجتماعي - لكثرة ما تعلق عليها ببلاغة أدبية ملفتة، ورصانة علمية متزنة، تعرف ما أقول، وتزن ما تقول، وعندما أمرّ على صفحة تواصلها، وأرتجل بعض الأبيات مما تجيش به خواطري من غزل عفيف بريء لتلطيف الأجواء، لم أجد منها امتعاضاً، أو هروباً من ساحتي، بل كانت تتفهم الأمر، وتتفهمني تماماً، وتميّز بذكائها الحاد، وعقلها الكبير الخط الرفيع الفاصل بين الجد والمزاح، والأسود والأبيض، فتوثقت العلاقات على الصفحات، وارتجلت العديد من الأبيات الشعرية على صفحة تواصلها حسب ما تنشر من منشورات، إليك القليل منها، مما نشرته أخيراً، لأن هذه ليست هدفاّ لمقالتي :

أهلا بكم في رقّةٍ وتأودِ *** ولدَ الصباحُ، فيا لهُ من مولدِ

نعْمَ المغاني في بلادي جمعها * وجميعها صلّتْ لواحدِ أوحدِ

ومنها :

كل الورود لكِ يا وردة البان ِ *** من حقل ذاكرةٍ تاريخها الباني

وارتجالا الآن لأجل الياسمين، وكان الموضوع عن الياسمين :

يا يا سمين بغرب الدار من داري *** لو تعلمين بما داريتُ أنهاري

لو تعلمين بأن الجار يلهمني *** **درّاً يفيضُ، ودمعاً للهوى جاري

فترد مثلاً على شعري الارتجالي بقولها : شكرا لشعرك وارتجالك .. شكرا لحرفك الذي تخص صفحتي به....شكرا لروحك ومساؤك ياسمين صديقي الشاعر الجميل كريم مرزة .

 

4 - من هي العالمة الأديبة الإعلامية الناشطة نجلاء حسون:

تكلمنا في الحلقة الأولى من انتصارنا للمرأة العربية عن الدكتورة الطبيبة أنوار الخطيب، واليوم نتناول شخصية رائعة من حرائرنا اللامعات علماً وأدباً وعقلاً، وخلقاً وأخلاقاً وأناقة ونشاطاً وجمالاً، ألا وهي صديقتي الصدوقة السيدة الفاضلة نجلاء حسون من أردننا العربي الغالي .

نجلاؤنا بالرغم من علمها الغزير، وبلاغتها الرفيعة، وخبرتها الصحفية، ونضالها على سبيل تحرير المرأة العربية من غياهب الجهل أو الانحراف القسري، أو من التقاليد الاجتماعية البالية، وخدماتها الجليلة في ميادين عدّة ترفض بإباء وعقل أكاديمي أن تتجاوز الكلمات التي أفضيها عليها حدودها المتعارف عليها عند أهل العلم والأدب المتضلعين، فعندما أطلق عليها لقب الدكتورة اعتزازاً بها، تقول أنا لدي ماستر، لا أحمل الدكتوراه، وبابتسامة إتعقب : ادعو لي بتحصيلها !!لكترونية والحقيقة كما أعلم الماستر (الماجستير) في النظام التعليمي دكتوراه من الدرجة الثالثة، وحتى من يحمل شهاداة الدكتوراه من الأتحاد السوفيتس القديم، ما هي بدكتوراه، وإنما لها تسمية أخرى، المهم وعندما أقدمها كشاعرة، وهي تكتب (الومضات) تلطفاً - وأنا العنيد جدا بالالتزام بالوزن، واعتبره الركن الأساسي لمفهوم الشعر - والومضات نوع من أنواع نصوص قصيدة النثر، ثم ما أكثر من يضفي على نفسه هذا اللقب الذي لصق بالمتنبي العظيم والمعري والبحتري والجواهري .. حتى أن الأستاذ العقاد وصديقه المازني رفضا أن يطلقاه على أمير الشعراء أحمد شوقي، أقول يضفيه على نفسه ممن لا يعرف أبسط قواعد وأسس اللغة والصرف والبلاغة، ناهيك عن علم العروض والقوافي والضرائر الشعرية، والنجلاء تجيبني برسالة، عندما أعلمتها بنيتي للكتابة عنها قائلة : " يسعدني طبعا ان تفكر بي بهذه الطريقة الجميلة....ولكنني لست شاعرة ولا اكتب القصيدة ...انا اكتب القصة القصيرة والومضات التي تقرؤها والرواية والبحث . وسأزودك بكل ما تطلبه مني ويشرفني نشر اي شيء لي في صفحتك علامتنا الكبير."

 

5 - شهاداتها ...عملها:

حصلت على البكالوريوس في الإعلام سنة 1985 م وبدرجة جيد جدا، أما الماستر ( الماجستير) ففي الأثار والأنثروبولوجيا، وقد حصلت علية في عام 1998 م وبدرجة ممتاز وكانت الأولى على دفعتها، بالرغم من أعباء الزوجية والأمومة، وكان موضوع رسالتها (الدور الإعلامي للنقود في العصر الأموي)

عملت في الإعلام في عدة صحف اردنية بعد تخرجها مثل الدستور وصوت الشعب والرأي وغيرها، وشغلت منصب مديرة تحريرلصحيفة اربيلا سنة 1986 - 1988 ثم عملت مديرة برامج وعلاقات عامة في الاتحاد النسائي الأردني العام من 1988 إلى 1992، وكذلك عملت في مجلات متخصصة في الطفل مثل مجلة وسام ومجلة براعم عمان .

ثم عملت مديرة للبرامج والعلاقات العامة في الإتحاد النسائي الأردني العام لمدة ست سنوات . وكانت خلال هذه الفترة تكتب الأبحاث وتعقد الدورات من خلال الإنترنت على طريقة التعليم عن بعد ...وكل ذلك في مجال الصحافة والإعلام وبعد حصولها على درجة الماجستير بامتياز عملت في دائرة الآثار الأردنية ( 1998 - 2002 م ) كباحثة تدرس اللقى الأثرية التي تستخرجها من خلال الحفريات الأثرية وتخصصت في المسكوكات . وأصبحت تكتب الأبحاث في كل العلوم الإنسانية تقريبا إضافة الى الإعلام . ومن الجدبر ذكره عملت في ألمانيا عندما سافرت مع زوجها ( أ . د . محمد الطراونة ) لحصوله على درجة الدكتوراه، إذ كانت تدرس اللغة العربية للأطفال المولودين من أب عربي وام اجنبية .\l

والآن هي متفرغة لكتاباتها وأبحاثها إلى جانب الأعمال التطوعية .

أما كتابة الأدب فقد بدأت تكتب القصة والخاطرة وأحيانا الشعر غير الموزون و هي طالبة في المدرسة، واتضحت موهبتها في الجامعة خلال دراستها الإعلام فقد كانت تكتب وتنشر في صحيفة الجامعة .

خلال عملها في الإتحاد النسائي، قامت بعملين إنسانين جريئين، وهما زيارتها مع وفد نسائي الى سجن النساء وقضاء يوم كامل معهن، والتعرف على ظروفهن ومساعدتهن مادياً ومعنوياً من أجل مستقبل أفضل، وحياة أسعد .

والثاني زيارتها لمركز الأحداث للتعرف على مشاكلهم وأسباب انحرافهم ومساعدتهم قدر الإمكان، وقد خرجتْ ببحث من هذه الزيارة ونشرته في عدة مجلات آنذاك .

الآن هي تكتب في مجال القصة القصيرة والكتابة للأطفال والرواية والومضات النثرية وتحاول ان تكون بلغة شعرية، ولو أنها لم تتعلم الوزن وبحور الشعر والتقطيع في المدرسة حيث كانت في القسم العلمي خلال دراستها الثانوية .

6 - مؤلفاتها:

أ - المنشورة:

1 - نعامة السلطان ...مجموعة قصصية للأطفال.

2 - أصدقاء وانتماء...رواية للفتيان .

3 - كنعان اليبوسي....رواية تاريخية عن القدس في ال 3500 قبل الميلاد .

4 - الموت الأنيق....مجموعة قصصية...تحتوي 18 قصة كل قصة تحكي حكاية امرأة :

المرأة المناضلة، المرأة المقموعة، المرأة المكافحة، المرأة العاشقة، المرأة العانس، المرأة غير الجميلة، المرأة المراهقة، المرأة المتمردة، المرأة الأنانية، المرأة المعطاءة

5 - ثوب وردي....مجموعة قصصية....اهتمت بالإنسان بشكل عام وبالوطن ومفهومه ومشاكل مجتمعاتنا الحالية من فقر وحروب وقمع .

6 - الدور الإعلامي للنقود في الفترة الأموية والثورة العباسية....دراسة تقع في كتاب يتألف من حوالي 400 صفحة .

ب - وتحت النشر :

1 - مجموعتين قصصتين للأطفال ....عملت فيهما على عصرنة التراث القديم بلغة اطفال هذا اليوم كي ترسخ قيم تراثنا في عقولهم .

2 - بعض نبض الياسمين.....كتاب ومضات نثرية

وقد نشرت في مجلات عديدة...مثل مجلة افكار التابعة لوزارة الإعلام الأردنية .

ومجلة تايكي التابعة لإتحاد المرأة .

ومجلة دبي الثقافية .

ومجلة الوطن السعودية .

7 - عضويتها ومشاركاتها :

والسيد النجلاء :

- عضو رابطة الكتاب الأردنيين،

- عضو هيئة ادارية في فرع الرابطة في اربد .

- عضو في فرقة مسرح الفن .

- رئيسة اللجنة الثقافية في جمعية معاً جمعية تعني بحقوق الطفل والمرأة والإنسان .

- لها مشاركات ادبية عديدة في عدة مهرجانات والعديد من الأمسيات الأدبية .

.- هناك مجلات خليجية واردنية قامت بعمل لقاءات معها حول أعمالها وأرائها

8 - من مقطوعاتها الأدبية و ومضاتها :\l

الومضة الأولى : أنا موزعة في الماء ....

أنا موزعة في الماء.....

أجيء مع سحابة وسيمة.....

أصحو على خد ياسمينة.....

حبة ندى بهية........

أنا لا أعرف الجفاف.......

لكنني أُصاب بالعطش واليباس.....

إذا رأيتُ طفلاً جريحاً.........

يزحف نحو ابريق فارغ ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لوحة الحرية أوسمتها أنا لحروفها الآتية !!:

أمامي لوحة دون إطار.......

في اللوحة كان.........

شاعرٌ يسوق الغيم.......

الى عطش الصحراء........

امرأةٌ ترسم في دفتر الأرض......

أشجاراً وعصافير.........

طفلةٌ تسابق نحلة.........

كلهم غابوا...........

حين غاب الإطار

لو كنت أملك حرية......

تفيض عن حاجتي.......

أو قدَر حاجتي.......

أو أقلّ قليلاً.........

لتقاسمت مع الأسير......

رغيف الحرية .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حروفها للوطن :

حروفي يانعة.......

تزداد ألقاً حين أكتبها.......

تأخذني إلى إيقاع بياض الورقة.........

أعزفها................

وأكمل سيمفونية عشقي للوطن ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقى لي يا قارئي الكريم أن أنقل لك هذه المقطوعة الإنسانية السامية سمو الفكر الراقي، والمتفتحة تفتح العقل المتحضر النير من نجلائنا العربية العريقة التي يراد لها - ولأمثالها - أن توسم عنوة وقسراً بالتخلف، وتكفير الآخرين

لنكن نبلاء في إيماننا......

بأن نحترم إيمان الآخرين......

ومذهبهم ومعتقدهم...........

فلم يكن هناك يوماً........

دينٌ سيء.........

بل هناك فقط.........

بشرٌ سيئون ....

 

..............

هذا نحن أمة تحترم الإنسان ومعتقده في فكرها، وترعى الطفولة بحنانها وعقلها، وتواسي الخطيئة - إذ زلّت - من روحها روحاً، ومن مالها سعادة وأملاّ، في يدها غصن زيتون، وقي الأخرى قلم تكتب للوطن والحرية، ومن قبل ذلك لها أثر و إعلام، وأناقة، ولطف، وجمال، وعلى الدنيا الشلام .

كريم مرزة الأسدي

 

معلومات إضافية