المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

زحامٌ وأسبرين عند بوّابة نقطة التفتيش .. "يومٌ كبقية الأيام في بغداد"

jawadkadom gloomاعتدتُ ان ألازم بيتي فهو جنّتي الصغيرة التي ألوذ وأستكين بها بعيدا عن الصخب وهيستريا المفارقات والفوضى الغريبة الاطوار والمتعددة الطراز وحالات غياب السلطوية وإشاعة "الأناركيزم"، ولو كان السيد باكونين عميد الفوضوية معي لشابَ رأسه عجبا وكفر بفوضويته؛ وكيف لي ان اخرج منها تلك جنّتي وبيتي وهذا الجحيم يحيط بي من اية جهة يممتُ وجهي اليها،لذا صار الكتاب اقرب المقرّبين اليّ وكأني مصاب بداء حبّ الكتاب "الببلومانيا" او كما يسمى ايضا "الداء اللذيذ" وكلما قفزتْ في عقلي فكرة ما أتركه غير مودّع ليبوح قلمي مافي داخلي وأسطّره على الورق وحالما انتهي من الكتابة أعود اليه معتذرا عن مدة غيابي قصرتْ ام طالت، ولايدفعني ايّ حافز للخروج الاّ للضرورات القصوى أو مثلما يقول أصدقاؤنا المصريون "الشديد القويّ"

خرجت مرغما لاستلام مرتّبي التقاعدي وشراء ما يلزمني لخلوة بيتية قد تطول اسابيع عديدة فما أقبح الحاجة للمال حتى لو كانت من حقوقك كي تجعلك تغوص في تلك الأوحال والغرائب غير المستساغة ... صدفة وأنا امدّ يدي الى راديو السيارة لتشغيله في غمرة ازدحام المركبات نهار يومٍ غائم معتم بسحاباتهِ السود من تشرين الثاني ينبئ بأمطاره الغزيرة مثل شلالات كثيفة تسقط من السماء لكنها لم تفلح في إزالة وعث المهازل والمباذل والسلوك غير السويّ الذي يصاحبنا اينما اتجهنا وحيثما أزفنا،

رأيت أبناء بلدي الفقراء المهمشين ممن يفترشون الرصيف لعرض بضاعتهم واستغلال حالات الزحام لترويج ما بأيديهم من سلع بائسة شبيهة بحالهم المائل ؛ فهذا يبيع الشاي على ركّاب السيارات المصدّعة رؤوسهم من الانتظار والملل قرب نقاط التفتيش وذلك الشيخ المسكين والمرأة الذليلة والطفل الغائب عن مدرسته يستجدي الناس عبر نافذة السيارة رغم شدة هطول المطر لعل أحداً يرحمه ويغدق عليه عملة بخسة القيمة وعربات المعوّقين تنسلّ بين السيارات لعل حظوة من الدراهم المعدودة تفلت من جيب أحدهم لتستقرّ في يدي هؤلاء المسحوقين من الكثرة الكاثرة من الأرامل والاطفال والفتية والشباب العاطل عن العمل والشيوخ المهملين دون رعاية

كان صفير منبهات السيارات يعلو بامتعاض شديد وصولا الى نقطة التفتيش المرابطة امامي، فتحت المذياع لأخفف من الملل عسى ان تنبعث حكاية ما او مقطوعة موسيقية لتؤنسني من عبء ما انا فيه، اذ لم ينفع معي شريط الاسبرين الذي أصحبه دائما في كلّ خروج من البيت من إزالة الدوار المتسرّب الى رأسي، ومع اني أخذت حبتين منه تخفيفا للصداع الذي يلازمني ويشتدّ بي أكثر أثناء حصول الخناق المروري ؛ فإذا بأغنية لمطربنا العراقيّ سعدون جابر تلاعب أسماعي ومنها هذا الدارمي الجنوبيّ الجميل بصياغته الشعرية :

"ماأرجهْ بالصفصاف يطلعْ ثمرْ بيه .. وآنه على چيد اعدايْ ازرعْ وباريه "

وهو من صياغة الشاعر الشعبيّ البارع عريان السيد خلف ؛ قلت في نفسي متسائلا وأنا أشغل نفسي لعل الوقت يفوت خفيفا ؛ لماذا الاستهانة بهذه الشجرة المباركة التي جعلها الله عقارا ناجعاً ومنها ابتكر علماء الطب والصيادلة والكيمياويون علاج الاسبرين الذي استخدمته توّا حتى صار أليفي؛ ولماذا لم تُنصف تلك الشجرة المورقة على مدار السنة لتقدّم خدماتها الشافية وتمنح عافيتها لمن تفاقم الالمُ في جسده ولعبت به الحمّى وحرارة الجسد وجعلته موطئاً لأوجاعها وتبثّ فيه الوهن والصداع وارتخاء العضلات وضمورها

وكم كان الطبيب الإغريقي النطاسيّ "ابيقراط" مصيبا حينما شعر مرّةً بالوهن والصداع وزيادة سخونة الجسد فدلّه عقله الثاقب الى شجيرة صفصاف قريبة منه واخذ يمضغ من اوراقها حتى شعر بالعافية تعود مجددا الى جسمه ... وقبله كان المصريون الفراعنة يخرجون لحاء الصفصاف مع خصلة من اوراقه ويغمرون المزيج بالماء نقيعاً مطبّباً ويتركونه أمدا غير قصير حتى يكون جاهزا للشرب كعقار لمعالجة أمراض الحميّات والصداع وآلام الرئتين وتحسين جهاز التنفس لوفرة مادة " الساليسلك " فيه واستمرت الجهود حتى تم تحضير مادة الصفصافين النفيس الغالي الثمن من تلك الشجرة البلسم بعد عمليات مختبرية معقدة حتى جاء الصيدلاني البارع " فردريك هايدن " واخترع حامض الصفصافيك الزهيد وصار في متناول ايدي الناس ؛ فقرائهم وأثريائهم ثم جاء الطبيب الالماني " فيليكس هوفمان " الذي عمل على انتاج حبّة تابلت طبية مستخرجة من تلك الاوراق لتقضي على الحمّى وتخفف الالم عند الانسان المصاب وتكافح التخثّر في الدم وتجعله يسيل في انحاء الجسد منعا لحدوث الجلطات المميتة وأطلق عليها اسم "الاسبرين " والتي أشاعته عالميا شركة " باير " الطبية الشهيرة ... لكن شاعرنا الغرّيد عريان السيد خلف كاتب كلمات الاغنية قد تناسى بلسمها الشافي المُعافي ويأبى ان يقرّ به معيبا عليها انها لا تثمر ولا يرجى منها طعام ؛ وهل انفع للمرء ثمرا نأكله ليقيم الاوَد ويسد الرمق لفترة وجيزة ام دواء ناجعا يشفينا ويعيد الينا نشاطنا ويبرز صحتنا لوقت دائم؟؟!

حسنا من شاعرنا المبدع الكبير عريان ومطربنا المجدّد سعدون جابر انهم يرعون ويبارون هذه الشجرة الشافية عسى ان تخفف عنا صداع مانعاني منه من زحام مروري لايرحم ونقاط تفتيش خانقة خاصة في ايام ذروة الشتاء وغيثه الغزير الذي لم يستطع على كثافته وانهماره المفرط من ان يغسل مفاسدنا وينصع قلوبنا ويروي ظمأنا الى الامن والسلام وراحة البال بل زادنا غرقا وفاض بنا كيل الهموم حتى طفح في باحة بيوتنا وانسلّ فائضا في حجراتنا ومرافق بيوتنا كلها ولم يكن لنا من بدٍّ الاّ ان نرتقي على السطوح والغرف العليا لنأمن شروره وطغيانه

أوووه اين ذهب بي خيالي الجانح ؟؟ أهكذا كانت الاغنية الشعبية فعلت فعلها بي وأدخلتني في متاهات الداء والدواء وعربتي تمشي مشي السلحفاة وها اني اقترب من نقطة التفتيش كي أفلت من خناقها وانطلق الى مبتغاي فقد أزف الكثير من الوقت وانا مازلت لم اتجاوز بوابة التفتيش التقليدي البدائي والتي يأبى مسؤولونا الأمنيون الاستعانة بالأجهزة والمبتكرات الحديثة السونارية لسبب لاأدريه بالضبط وأهجس واتمنى ان يكون هاجسي في غير محله فربما القصد منه تعطيل مصالح الناس وبعث التذمر في نفوسهم وزيادة بلواهم والاّ فما الداعي الى هذا الإجراء غير الموفق مادام الإرهاب يسرح ويمرح ويقتل ويسفك ويطيش مثلما تنتشر ايضا الجريمة المنظمة ورجال العصابات والخاطفون يتحرّكون بكل حرية بين ظهرانينا

وصلت الى مقصدي متأخرا دون ان تتلمّس أناملي وتتحسس قرقعة دنانير مرتبي غير الوفير فقد اغلق شبّاكا السحب والإيداع في المصرف لأعود خالي الوفاض الى جنّتي الصغيرة وحمدت الله على سلامة الوصول رغم المنغّصات الجمّة التي أثقلت كاهلي والافكار التي سرحت بي بعيدا ؛ على ان أعيد نفس الكرّة والفرّة والدورة المرهقة غداً محاولا إقناع نفسي وتطييب خاطرها مرددا ماقاله السابقون "وان غدا لناظرهِ قريب" فلا الأباعد اقتربوا ولا ذوو القربى رحموا وللهِ في خلقهِ من ابناء وطن القهرين لا النهرين شؤون وشجون أعجز من ان تُحصى

 

جواد غلوم

مسيرة نادل من تونس

alarabi benhamadiهو حي حديث، تأسس منذ ما يقرب من عقدين، بناءه لم يكتمل بعد، يفتقر إلى عديد المرافق الحيوية، فضلات البناء منتشرة في غالب أرجاءه، غالب سكانه من الطبقة الوسطى، جزء منهم من الجالية المهاجرة، لذا فهناك عديد المساكن المغلقة أو المسوغة، ولولا قطار الاحواز و لولا قرب هذا الحي من البحر الباعث للحياة والزهو ولولا إطلالة جبل بوقرنين المكسو أشجارا خضراء أزلية والحافظ لإسرار أبدية لما تمدد هذا الحي في كل الاتجاهات وبقي منكمشا على نفسه. اخرج كل صباح من منزلي الكائن بنهج صغير تحت مسمى دمشق، قاصدا دكان تاجر صغير للمواد الغذائية، متقاعد منذ بضع سنوات من سلك الأمن، لاقتني صحفا وبعض المستلزمات الصغيرة إن لزم الأمر. أول ما يعترضني، على يميني، وانا ادخل نهج اللاذقية المتقاطع مع نهج دمشق، العم بشير، قابعا داخل دكانه المتفرع عن منزله حيث يقيم فيه صحبة زوجته المريضة بالسكري وابنه المتزوج من موظفة بالشركة العقارية للسكنى، ما يفسر، حسب ما يروج، وجود منزلهم في ركن يفتح على شارعين رئيسيين من الحي!. يجلس العم بشير، الشيخ الثمانيني، فوق كرسي ساعات وساعات وهو يحدق في أقفاص الطيور المعلقة في مدخل الدكان من جهة اليسار بينما تعبث يده بسبحته وبجانبه مذياع جامد في محطة إذاعة الزيتونة للقران الكريم، فتختلط أصوات العصافير بالقرآن المنبعث من راديو الترانزيستور، فهو مغرم بالطيور، يشتريها للمتعة والمتاجرة، ولا يبرح دكانه إلا ليدخل منزله أو يذهب للمسجد المحاذي، تاركا الباب مفتوحا إلا من كرسي يضعه في المدخل رغم سابقة سرقة احد عصافيره ... وقد اشتهر في الحي، كذلك، بصيانة الدراجات الهوائية التي جعل من دكانه ورشة لها. غير أن عدد زبائنه قليل للغاية، لعدم الاختصاص وفقدان الحيوية المطلوبة نظرا لكبر سنه واستفحال مرض السكري . وبقدر ما هو لطيف مع الجيران الذي يرد على تحياتهم بأحسن منها، فهو جاف مع الحرفاء، فلقد صرخ مرة من المرات في وجه أستاذ فيزياء جاء ليصلح دراجة ابنه قائلا: آلم تجد إلا هذا الوقت لتأتيني فيه، آلا ترى أننا نقترب من صلاة الظهر؟ ومرة قذف على طول يده بمنفاخ دراجة لأنه لا يضخ ما يكفي من الهواء، ومرة أخرى غضب على شيخ فقير لأنه لم يكن قادرا تسديد سوى دينارين عوض ثلاثة، مقابل رتق ثقبين بدراجته حيث توجه باللوم قائلا: لا تدفع لي شيئا ورح في حالك او ادفع ما تريد! مضيفا:لولا تعفن جو المقاهي والكفر وسب الجلالة داخلها، لما وجدتني هنا أمارس هذا العبث! ...وتردد بعض الألسن الطويلة أن العم بشير لا يحسن إلا رتق و نفخ الدرجات!. أصبحت أجالسه من حين إلى آخر، بعد أن كنت أمر مرور الكرام من أمام دكانه محيأ، فعرفت انه قضى زهرة شبابه وكهولته متنقلا بين مقاهي باب البحر بالعاصمة، كنادل، إضافة إلى فترة قضاها مع السيد الهادي نويرة الوزير الأول السابق كمساعد في نفس اختصاصه، وفترات أخرى متقطعة قضاها كحافظ خزينة بمقهى قبالة شارل نيكول ونادل في مطعم (لمباسادور) وغيرها . حدثني كذلك عما بقي في ذاكرته من أحداث الحرب العالمية الثانية، وهو في سن السادسة، قائلا، إن الألمان كانوا يشترون منا فطائر البباروني الموشاة بالسكر ويدفعون لنا المقابل وزيادة، متمثلا في أصناف من طوابع الشكولاطة، كما ينزلون إلى الأحياء الشعبية الريفية بمسقط راسي بحثا عن البيض سائلين: فاطمة هل لك بيض؟ ولا يخفي إعجابه بتصرفات وسلوك الألمان مقارنة بغيرهم، وهو شعور لمسته عند جل التونسيين الذين عايشوا فترة الحرب تلك. فالألماني في الخيال الشعبي، جنوبا وشمالا، هو رجل شجاع وذكي ومثالي في سلوكه والصناعة الألمانية هي الأفضل عالميا. قضى العم بشير، إذن، ثلث قرن متنقلا بين مقاهي باب البحر قبل الحماية بقليل وبعد ذلك. يقول كنت ادخل مقهى باريس بالعاصمة في مظهر جذاب كالعريس، واضعا رباط عنق نوع فراشة، وكأني متجه إلى حفل رسمي،أما غالب الحر فاء والرواد، في ذلك الوقت هم من الأوربيين أو اليهود الذين لا يبخلون عنا بالبخشيش الذي يغني في كثير من الأحيان عن مرتباتنا الشهرية، وكان مقهى باريس العريق لا يكتفي، في ذلك الوقت، بتوفير المشروبات المختلفة للزبائن بل يتعدى ذلك إلى عديد المأكولات الجافة المتكونة أساسا من أرقى أنواع اللحوم والسمك وغيرها مما لذ وطاب. لكن بقدر انضباط النادل في تلك المقاهي الفاخرة و التاريخية: مقهى باريس، الروطاند، شي لوناقر وغيرها، فانه لا يبخل على نفسه أثناء العمل من تذوق بعض المشروبات الروحية، من حين إلى آخر، كمقدمات، في انتظار الجلسة الرئيسية مع نهاية العمل. عندها يغير العم بشير هيئته بهيئة أخرى لا تقل أبهة، فتراه يتبختر بباب البحر في جبة قمراية أو استكرودة أو حرير، متوجها إلى حيث اللهو والشرب، وصرح انه في إحدى المرات ضبطني عرفي وانأ ارفل في لباسي الفاخر، فرفع صوبي يديه مازحا ومتوعدا:يا شقي انك تلبس أفضل من عرفك!. ولا يزال العم بشير يحتفظ على البعض من هذه الملابس إلى اليوم في خزانته، كما يواصل العناية بمظهره رغم انه دخل مرحلة العجز. يشكو ويتألم العم بشير من حال المسلمين، اليوم، الذين يقتلون بعضهم بعضا بتحريض من الأمريكان واليهود، فعوض قتل الكفار واليهود كما أوصى بها الرسول والدين، فهم يفجرون أنفسهم في بلاد الإسلام ويدعون أنهم شهداء، وهو بقدر ما يستنكر ما حدث في سوسة وباردو وغيرها من أعمال إرهابية، لا يرى حرجا مما يحدث من إرهاب في الدول الغير إسلامية، لكنه بالمقابل يُثمّن كرم اليهود التونسيين والأجانب في علاقة بممارسة مهنته طوال ثلث قرن كنادل في فلب العاصمة التونسية. هو لا يتخلف ولو دقيقة عن القيام بالصلوات الخمس، ساعده في ذلك، قرب المسجد الذي لا يبعد أكثر من خطوتين من منزله. وكلما يتذكر سنوات اللهو والمرح يردد: ربي يغفر ويسامح رغم أني لم اظلم ولم أمس أحدا بسوء، كل ما فعلته أنني عشت لنفسي ولم ابخل عليها بما توفره الحياة. والواقع أن مسيرته لا تختلف عن جل الناس الذين في سن معينة يغيرون مجرى حياتهم و ينتقلون من اللهو إلى العبادة، ففي حين تتصرف الغالبية منهم باعتدال وتسامح بقية أيامهم، ينقلب البعض منهم على أنفسهم فيصبح جزء من حياتهم عدو للجزء الآخر، وقد يكون هذا التغيّر عنيفا لدى البعض فيصبحون عدوانيين. عمي البشير لا يتمتع بمعاش كبير فهو يتلقى منحة شيخوخة محدودة نتيجة ثمرة عمل ثلاثة عشر سنة بمقهى الروطاند، أساسا، ما يفسر سعيه الى تحسين وضعه عبر صيانة الدرجات، ما مكنته صحته ومزاجه من ذلك الذي يطغى عليه الحمق بفعل السكري الذي قد يكون في علاقة مع طبيعة عمله بمقاهي باب البحر بالعاصمة طوال ثلث قرن. هذا الرجل قد يكون أفادني أكثر مما أفدته وقد يكون قد كشف عن المهم دون أن يفصح على الأهم. العربي بنحمادي كاتب من تونس

القيصر اسمه كاظم

firas amdaniكانوا يحتلون القصور هم قياصرة الروم وحين مضوا اندثرت معلم وجودهم وتلاشت تلك القصور ولم يتركوا لهم في قلوب الناس من أثر، وهناك من هم قياصرة في القلوب وآثارهم فيها باقية لا تزول، وعلى هذا فالقيصر ليس هرقل الروم وهو ليس حاكم روما القديمة، القيصر أسمه كاظم مالك قلوب الناس .

ولد في بلاد يقال لها بلاد الحضارات وهي كذلك ومن بيئة تحمل في عنفوانها إرث تلك الحضارات الشامخة ومنها حضارة بابل التي تركت الطين والأنين ليعتصر وجعا تلوكه الذاكرة كلما اشتدت الخطوب وإدلهمت وزادت المخاطر، هو صورة عن الموصل التي أحب وغنى وبكى وعشق في أنحائها وسار في طرقاتها وتمعن في صورتها على موج الشط المتهادي من سدها العظيم مرورا بأفياء الشجر لتبقى تلك الصورة تتحرك معه حيث حل، بينما هو من كل بلاد العراق مدينة وقرية وأخرى حتى انه تعشق معنى المدن هناك فكانت سامراء الرائعة والتي سموها (سر من رأى) لجمالها وتاريخها وطيبة أهلها وكانت بغداد قلعة الأسود ومنارة العلم والعلماء و ميسان السومرية والبصرة الفيحاء وكل مدن وقرى ما بين النهرين .

ذلك هو كاظم الساهر الذي يئن في داخله وجع وطن تركه في التسعينيات وهو يحن إليه وكلما غنى في مكان كان يأمل أن تصل كلماته إلى أسماع محبيه في العراق، وبرغم إن إمبراطوريته إمتدت إلى أنحاء متعددة في العالم وأنضم إليه المزيد من المحبين وإجتمعت على سلطنته الملايين من القلوب لكنه بقي يرجو أن يكون من أهم أبناء إمبراطوريته عشاقه العراقيون الذين يتذكرون منه تلك الكلمات في بداياته وكانت كلمات جميلة وحقيقية ما تزال في الوجدان والروح والذاكرة لا تزول ولا تندثر وتترك الأثر تلو الأثر فكأنها حضارة قائمة بذاتها مبتكرة مبدعة تعبر عن فن وفكر ورؤية وروح عالية ملهمة.

نشأ الفنان كاظم الساهر في البيئة العراقية القاسية وواجه تحديات العمل والحرب والسياسة وهو شاب يافع وكان يطمح في الوصول إلى مستوى من الحضور والإبهار لكنه جوبه بتحديات كبيرة أوقفته في بعض المحطات ليراجع مسيرته وطبيعة محاولاته ليكون قويا في اللحظة التالية ويبتكر لنفسه طريقة ألهمت الآخرين فيما بعد برغم كل العوائق التي واجهته ومحاولات البعض لتعطيله ونقده بشكل يبدو إنه مقصود لوقفه وليس لتقويمه وهي محاولة بائسة كشفت عن زيف هؤلاء ورجعيتهم وتصدع أفكارهم وفشلهم الذريع في العمل النقدي الذي حولوه إلى مساحة يتبارون فيها لا للتقويم بل للتهديم والتعطيل والتحطيم، فشلت في تحجيم قدرات الفنان العراقي الذي أبدع بإبهار لافت وغادر مساحة المحلية ليكون موسيقارا عربيا ملهما للأجيال ثم علما ومحكما وهو المستوى الذي يكون فيه الفنان الحقيقي قادرا على تقويم وتقييم الخيرين ونصحهم ودعمهم ودفعهم إلى مزيد من العطاء والإبداع، وهذا ما شاهده الملايين من متابعي (ذا فويس) .

يظهر القيصر اليوم ليس كفنان يؤدي الغناء الحديث بمهارة بل هو صوت العراق يعبر بطرق مختلفة عن قدرات وطنية لا تنتهي وتتصاعد وتتجدد وتنتشر وتفتح آفاقا جديدة لوطن يبحث عن فرصة إلى المستقبل وطريق يؤدي إلى الأمام يتجاوز المصاعب والتحديات والهموم والعذابات ويحيلها إلى أداة قوة وحضور ونهوض، فالعراق يحضر اليوم في كل مكان بفضل مبدعيه من فنانين تشكيليين ومسرحيين ومغنين وأطباء ومهندسين وكتاب وصحفيين يشرعون في كل ساعة لينتجوا ما يبهر العالم وحتى اللهجة العراقية التقليدية أخذت طريقها إلى مسامع وقلوب الجماهير العربية التي صارت تحب سماع تلك الكلمات بصوت القيصر الساهر وتتعود عليها بأصوات آخرين بعد أن أسس كاظم لها حضورا في الوجدان والعقل العربي الجمعي الذي صار يعرف الكثير عن العراق ويأمل في نهوضه وعودته إلى مكانته الطبيعية الإنسانية والحضارية.

 

فراس الغضبان الحمداني

 

بمناسبة ذكرى رحيل أيقونة العراق الموسوعية

zaheed albayatiبعد 46 عاما على رحيله ما زال الراحل مصطفى جواد حارسا للغة العربية

بعد مرور نحو نصف قرن على رحيل ايقونة العراق الموسوعية، ما زالت اللغة العربية تفتقد حارسها المخلص الأمين مصطفى جواد الذي ودع الحياة في 17 / 12 / 1969 ولا نريد اعادة سرد تلك المعلومات المكررة هنا بقدر محاولة لقراءة جواد من خلال عيون الآخرين واقوال نخبة من العلماء والاكاديميين والكتاب بدءا باستاذه "طه الراوي" الذي كان أول من أهداه كتاب المتنبي لما وجده يحفظ له قصيدة طويلة بساعة واحدة وبصوت شعري سليم بأوزانه، ومنها بدأ يشق طريق التألق والابداع والشهرة عبر محطات ليست يسيرة فكانت محطة الأب انستاس الكرملي مدخلا الى مكتبة ضخمة غنية بالمراجع والمخطوطات الى جانب صفحات "مجلة العرب " قبل الرحيل الى اروقة جامعة السوربون الشهيرة .. ليواصل ابداعه في اكثر من مجال بعد عودته حتى اصبح ما عليه نحاول الوقوف على ما قيل فيه :

882-zahid

-وصفه شيخ بغداد العلامة الراحل د. حسين علي محفوظ :

كان مصطفى جواد مرآة تاريخ بغداد، ومرآة خطط بغداد .. و يعد من فلاسفة النحو العربي، وهو من أعلام المؤرخين وأكابر المحققين. لا بل هو في الطراز الأول في العربية والتحقيق والتاريخ، استاذ الكل واليه تنتهي المعرفة في اللغة والتاريخ في عصره.

 

- الشاعر الراحل مصطفى جمال الدين رثاه بعد وفاته بقصيدة رائعة قال فيها:

ضاحٍ على وهج الحروف توقدا هيهات يُطفئ لمحَ عينيه الردى

ومحطمٌ سُدَفَ الخلود بروحه هل كيف يلقاهُ رتاجاً موصدا

يا حارس اللغة التي كادت على صدأ اللهى أن لا يرنّ لها صدى

هبّت عليها الحادثات فلم تدع غصناً بعاصف حقدها متأودا

فأقام محنتها على حيث إلتقى بيديه صحو الأمس يبلغها الغدا

 

- رئيس المجمع العلمي العراقي الاسبق الراحل الدكتور عبد الرزاق محي الدين قال فيه:

مصطفى جواد رجل في مجمع ومجمع في رجل .. لقد أولدك العراق فكنت من انجب ابناءه راعيا لطامس اثاره وكاشفا عن دارس اخباره،وتبنتك العربية فكنت من اكرم ابنائها برا بها وحدبا عليها بل كنت من صفوة الصفوة ولب اللباب .

 

- شيخ المؤرخين العرب الراحل د. حسين امين تحدث عنه:

مصطفى جواد عراقي اصيل، رجل صريح، صادق الكلمة، لا يخاف من احد، وصرح انه من قرة تبة، وانه تركماني الاصل الذي جمع بين الاصل التركماني والابداع اللغوي في العربية ذلك الابداع الكبير ..مصطفى جواد النبتة اليانعة، المؤرقة، المثمرة، التي اعطى للعربية الكثير من الابداع والتطوير والازدهار، و يستحق من الدولة ان تكرمه ومن الشعب ان يذكره، دائما لما قدمه للثقافة العربية من علوم رائعة .. شخصية نادرة أنجبته العراق، ولا يزال العراق يفتخر بمصطفى جواد، ويعد رمز من رموز العراق الكبيرة ..

 

- النحات الراحل محمد غني حكمت الذي يحتفظ بقالب جبسي لوجه مصطفى جواد في مشغله منذ وفاته على امل تجسيده في نصب خاص به ورحل قبل ان يحقق أمله تحدث في الفيلم الوثائقي الذي يحمل اسمه واصفا اياه :

ابالغ اذا قلت .. مصطفى جواد جعلني أعشق العراق أكثر، وهو عاشق كبير للعراق، فقد تعلمت منه كيف احب العراق ..

 

- الموسوعة الحرة (وكيبيديا):

مصطفى جواد، علّامة ومؤرخ لغة عربية عراقي. يُعَد أحد عمالقة اللغة العربية البارزين في العراق الذين خدموا اللغة العربية وأسّسوا قواعدها. كان معلما ومربيا ورائدا وأديبا وفنانا وفيلسوفا وعبقريا. وبالرغم من كونه تركمانيا، إلا أنه خدم اللغة العربية أكثر من لغته الأم التركمانية، وقال كلمته المشهورة "جئت لأعلم العرب لغتهم". وكتب العديد من الأبحاث عن اللغة العربية وله مؤلفات حول سُبُل تحديث اللغة وتبسيطها. واشتهر لدى عامة الناس بسبب برنامجه التلفازي والإذاعي اللغوي الشهير "قل ولا تقل"، الذي تم إصداره لاحقا في كتاب.

 

- الراحل الدكتور علي جواد الطاهر قال عنه في أربعينية وفاته:

أمّا مصطفى جواد فليس كنزاً بهذا المعنى المادي، وبهذا المفهوم الضيّق، إنّه كنز ضاع دون أن يستثمر، وتبدد قبل أن يستنفد. لقد ذهب الرجل وذهب الكنز معه، ولا يمكن في هذه الحال ردّ الفائت وتعويض الخسارة.

 

- الكاتب توفيق التميمي دون عنه في الصباح:

مصطفى جواد واحد من اولئك المثقفين العراقيين التركمان الاصلاء. انه من عمالقة اللغة العربية البارزين في العراق الذين خدموها وأسسوا قواعدها وذادوا عن حياضها من اللحن والدخيل الطارئ والشاذ، حتى حاز على لقب اجمعت عليه الأوساط الشعبية والأكاديمية وهو حارس اللغة العربية، فالمرحوم مصطفى جواد كان وما زال رمزا تركمانياً عراقيا خالداً خدم العراق وشعبه طيلة حياته، فكان معلما ومربيا ورائدا وأديبا وفنانا وفيلسوفا وعبقريا، يحق لأبناء شعبه العراقيين بكل تلوناتهم العرقية والدينية الافتخار به..

 

- شيخ الوثائقيين العرب الراحل د. سالم الآلوسي قال عنه:

لم تجتمع في اي شخصية عراقية، كما اجتمعت فيه هذه الصفات كمؤرخ وأديب وعالم في اللغة وعالم في الفلكلور، وعالم في البلدانيات .. هذه هي التي ميزت مصطفى جواد وجعلته مميزا من بين الشخصيات العلمية والأدبية ليس في العراق فحسب وانما على مستوى الوطن العربي..

لم يلمس اي فرد من اصدقائه ومحبيه اي ميل الى اي طائفة، المسيحيون يحبونه،اليهود،الشيعة، السنة، الأكراد يدينون له بالأكبار، وبالاعجاب المطلق، لانه يمثل الشخصية الوطنية العراقية .

 

امام هذا الكم من الكلم الطيب بحق مصطفى جواد من كبار الادباء والمثقفين ليس لنا الا القول في ذكرى رحيله سوى بانه كان حقا انسان بمرتبة عالم، وعالم بمرتبة مواطن .. ومواطن بمرتبة عراقي .. ومثال استطاع تغليب العراقية على العرقية، مجسدا روح المواطنة بأروع صورها .. ما احوج العراق اليه والى نماذج من نوعه في يومنا العصيب هذا؟

 

زاهد البياتي

كاتب وباحث

الحركة الادبية والفنية في قضاء شط العرب (التنومة)

sadam alasadiالادب غذاء الروح وموسيقى النفس ولا تخلو بقعة ارض منه اينما وقعت فكيف بالعروس النائمة على دفء شط العرب – مدينة التنومة فقد تألق هذا القضاء موقعا وسكانا ً وخاصة بعد ثورة 1968 واسباب ذلك واضحة لكل متابع ومنها جامعة البصرة التي كانت في القضاء نشأة وولادة حتى انتقلت بعد ذلك ايام الحرب في الثمانينات وموقع المنطقة القريب من المركز ووجود المنظمات الجماهيرية التي حرصت على قيادة الشباب والاقلام الشابة والتنومة معروفة بشبابها وادبائها ومثقفيها فهي التي خرجت اجيالا تمتد الى اربعة عقود منذ الخمسينات ومطلع التسعينات وهكذا سميت الحركة الادبية في القضاء للأسباب المبينة ولوجود المواهب الادبية والثقافية والفنية .

ولغرض الاختصار اود ان اقسم الاغراض والالوان الادبية والفنية هذا التقسيم:

(بداية الحركة الادبية في مطلع الستينات وحتى اليوم فقد وجد الاديب والمسرحي والقاص والخطيب والشاعر وكذلك الفنان الرسام والخطاط والنحات)

1- فترة الستينات من 59/69 الشاعر عبود عنيد هاشم الذي صدر له مجموعة شعرية وكان الشباب الاوائل طلبة في الاعدادية وبعضهم في المعاهد والجامعة ومن هؤلاء .

- صباح عطوان الزيدي الكاتب المسرحي المعروف في تلفاز العراق

- المطرب رياض عبد الزهرة الذي سمي برياض احمد

- الاستاذ صباح الربيعي المذيع المعروف وخريج قسم اللغة العربية

- السيد قاسم عبد الهادي السواد – خريج الاعدادية شاعر يعمل في النفط

- السيد حسين علي الطيار – خريج المتوسطة

- الدكتور صدام فهد الاسدي – استاذ حاليا في كلية التربية

- الدكتور قصي الشيخ عسكر استاذ في بريطانيا

- عبد الله ياسين شاعر شعبي

 

2- فترة السبعينات من 71/ الى مطلع الثمانينات 1980

كانت نفس الاسماء المشار لها في اعلاه منذ انتقل الكاتب صباح عطوان الى بغداد للعمل في الصحافة وكذلك الاستاذ صباح الربيعي والاستاذ قصي سافر الى الخارج ولم يرجع حتى الان وقد ظهرت بعض الاصوات الادبية والثقافية منها:

- الاستاذ الشهيد حسين زيدان دويج الذي عمل في المنظمات الشبابية وانتمى الى نقابة الفنانين في البصرة وقد استشهد في معركة القادسية عام 1987

- الشاعر الشعبي هاشم مزيد الجزائري . يسكن كربلاء حاليا

- الاستاذ عدنان حميد مشيمش قارئ مثقف وكاتب قصة وخاطرة / معلم قديم

- الاستاذ محمد جاسم بلال المعلم في مدرسة الصمود وهو شاعر ويكتب قصيدة عمودية جيدة ولم يطبع ولم ينشر / حاصل على شهادة ماجستير في العلوم الدينية

- النائب ضابط المتقاعد عبد الرزاق عبد الصاحب النجار يكتب القصيدة الشعبية والفصيحة .

- الرسام والخطاط سامي فهد الاسدي الطالب في مدرسة التنومة ومتوسطة شط العرب والذي خرج من القطر سنة 1971 وتوفي سنة 1995 هو من الفنانين العراقيين المشهورين في الخارج .

- الشاعر الشعبي جبار داحس مزيد الصكر كاسب لم ينتم للتعليم وكان يمثل في المسرحيات التي تعرضها المدارس والكليات

 

3- فترة الثمانينات وما بعدها:

ظهرت اقلام مبدعة وفنانون مقتدرون فهم:

- الرسام المشهور في القضاء ثامر عبد الصاحب خريج معهد الفنون الجميلة والذي كان يعمل في المنظمات الجماهيرية الفتوة والشباب .

- الرسام يوسف قاسم كريم وهو عامل في احدى الشركات .

- المخرج والممثل المسرحي محمد سعيد الذي كان طالبا ً في الاعدادية وقام بأخراج بعض الاعمال في القضاء قدمت اثناء الاحتفالات وخاصة ايام الحرب

- الفنان والمطرب عدنان عذار الذي كان يغني الاناشيد

- الشاعر حبيب سبيط الذي ركز اهتمامه على الاغنية والنشر في الصحف وكتب عنه الشاعر صدام الاسدي عدة بحوث في الانترنت ومؤلفات نقدية كثيرة

- الفنان والعازف شاكر محمود وهو الوحيد الذي كان يهتم بالعود والكمان في تلك الفترة ويلحن للمنظمات الجماهيرية وقد لحن ستة اناشيد خلال المعركة من تأليف صدام فهد الاسدي قدمت في السنوات 82/83/84 .

- الاديب والشاعر حامد مطشر خريج كلية التربية / قسم الرياضيات والذي قدم قصائده على مسرح الجامعة وفي القضاء كذلك .

- الشاعر والمهوس يعقوب مزبان العيداني، رئيس الجمعيات الفلاحية سابقا فهو يقدم بعض الاهازيج في المناسبات الوطنية

 

4- الخطاطون المعروفون في القضاء وهم:

- الاستاذ حسين غضبان المعلم في مدرسة الصمود وما زال

- الخطاط حاتم قدوري الحمد خريج معهد البتروكيمياويات

- الخطاط اسعد رؤوف عسكر شقيق الشاعر قصي رؤوف عسكر وهو شيخ وخطيب يسكن حي الجامعة حاليا .

- عازف العود الفنان سبتي فرحان خريج معهد الفنون

- الفنان طالب كاظم خريج معهد الفنون والمعلم حاليا .

 

تقسيم الالوان الادبية

1- الشعراء: الشاعر الكبير احمد مطر، قصي رؤوف عسكر، قاسم عبد الهادي السواد، صدام فهد الاسدي، محمد جاسم بلال، هاشم مزيد الجزائري، جبار داحس الصكر، حبيب سبيط، عبدالله ياسين (ابو ثائر)، عبد الرزاق عبد الصاحب

2- الرسامون: حسين شويل، يافذ ثامر عبد الصاحب، سامي الاسدي

صلاح مهدي صالح، يوسف قاسم كريم

3- المسرحيون: حسين زيدان دويج، صدام فهد الاسدي، محمد سعيد

4- العازفون : شاكر محمود، طالب كاظم، سبتي فرحان

5- المطربون:

- الفنان رياض احمد، عدنان عذار

6- الخطاطون: الاستاذ حسين غضبان، حاتم قدوري، اسعد رؤوف

7- المثقفون وكتاب القصة: عدنان حميد شميش، عقيل محمد الحامدي

صباح الربيعي، الاستاذ الاديب سالم القرني .

8- الممثلون: حسين زيدان، توفيق كاظم، جهاد احمد، ناصر حسن، صدام فهد الاسدي

 

نشاطات القضاء اثناء الحرب

1- الخطابة والمعارض الفنية: اقيم مهرجان واحد للخطاية داخل قاعة شط العرب شارك بها الاستاذ سامي مدرس اللغة الانكليزية واقيمت معارض فنية بانتصار العراقيين للفنان يافذ ثامر عبد الصاحب والفنان الطالب صلاح مهدي صالح وقد شاركت بعض الفتيات الرسامات في هذا المعرض

2- الخط والزخرفة: اقيمت في قاعة التنومة بع المعارض للخط والزخرفة شارك بها الخطاطون – اسعد رؤوف عسكر وحاتم قدوري والاستاذ الفنان حسين غضبان وكذلك معرض اخر تم على حدائق المنتزه وخلال الحرب ايضا ً

3- المسابقات والفعاليات الفنية: اجريت بين خمسة مادرس عام 1987 ثانوية شط لعرب للبنين وثانوية شط العرب للبنات ومتوسطة الفيحاء المختلطة ومتوسطة ام القرى ومتوسطة القعقاع وقد فازت متوسطة الفيحاء بالجائزة الاولى .

نهاية المطاف: بعد السنوات الثمان من الحرب واهل القضاء بين استقرار ورحيل واياب منقطع تشتتت الحركة الادبية والثقافية وقد انتقل بعض الفنانين والشعراء الى غير محافظة وبعضهم قد ترك الشعر وبقي ينشر في المجلات ومن الذين تركو القضاء ولم يرجعوا حتى الان قصي رؤوف عسكر وصباح عطوان – وصباح الربيعي – وحسين شويل ومحمد سعيد وهاشم مزيد الجزائري ومنهم من ظل يراوح في مكانه دون عطاء مثل الشاعر محمد جاسم بلال ومنهم تفرغ الى العمل الوظيفي وبقي ينشر في الصحف مثل الشاعر قاسم عبد الهادي السواد والشاعر عبود عنيد ولم يذكر له صوت ولا ندري اين ذهب به الزمن .

اما الشاعر صدام فهد الاسدي فهو مستمر في عطائه الادبي يحضر المهرجانات الشعرية الجامعية والمدرسية وما زال ينشر في جريدة العراق اضافة الى ما نشره في جلات الخليج قبل فترة مثل مرآة الامة والمجالس وطبع اعماله الشعرية الكاملة في لبنان ثم سوريا واصدر اكثر من سبعة كتب نقدية (نحت من ضباب) (قلائد نقدية) (البصرة في الشعر العراقي المعاصر) طبع اعماله النثرية في لبنان 2015 ومازال يدرس في كلية التربية الدراسات العليا وحصل على الاستاذية يوم 17/8/2008

ان عودة المنطقة الان خلال الاشهر الاولى من مطلع 1993 سوف يعيد للقضاء قوته وعلينا ان نجمع شمل الادباء والفنانين ونقسمهم الى نشاطاتهم المختلفة لنعوض ذلك الفراغ الذي لا يعوض

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

 

رحيل الكاتبة فاطمة المرنيسي

abdulkarim qasimفقدت الثقافة العربية التنويرية بتاريخ 30/11/2015 واحدة من كاتباتها الكبيرات، هي المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي (1940 – 2015).

عرفت بالكتابة عن موضوعات جريئة تناولتها الذهنية العربية لم تكن تسلم الأقلام عند تناولها حالها حال الكاتبات الجريئات مثل نوال السعداوي وسلوى الخماش.

قرأت الكثير من مقالاتها وامتلك من كتبها عدد متواضع منها: ما وراء الحجاب، هل انتم محصنون ضد الحريم؟ ، الحريم السياسي، الخوف من الحداثة..

حيز اشتغال المرنيسي المرأة العربية أولا والإسلامية ومحاولتها كسر المنغلق للنص الديني الموروث المتعلق بالمرأة، الذي أدى الى انعطافه نحو التطرف بسبب هذا الانغلاق والذي لم يكن أصلا في الدين الإسلامي السمح. .لكنه وقع أسير الفهم غير المنفتح للنص الديني وما نلاحظه من بروز تيارات الاخوان و القاعدة و داعش.

في كتابها الحريم السياسي المترجم الى اللغة العربية تشخص أن قضية المرأة في المجتمع العربي من أبرز المسائل المعروضة على ساحة الفكر في هذا المجتمع..وإن في علاجها من مختلف الزوايا مفتاح الحل لكثير من العقد الأخرى.

في معرض دراسة قضية المرأة في الحضارة العربية الإسلامية أن هنالك مفاهيما وأحكاما فسرها الفقهاء في القرون الوسطى ما تزال سائدة وكأنها حقائق أزلية مع أنه كان يمكن تفسيرها باتجاه تقدمي إنساني أو معالجتها بأسلوب آخر.

حاولت المرنيسي بأطروحاتها وتفسيراتها أن تثير الكثير من الجدال حول ظواهر قديمة تشكلت في عصور القهر والتسلط والتمسك بفردانية الرأي على اعتبار أن الإسلام في جوهره لم يجزه بل أجاز على العكس منه، الاستماع بكل حرية للرأي المخالف، وكان الرسول الكريم محمد (ص) في هذا، القدوة الحسنة عندما قال للمؤمنين في زمنه بما يجب أن يعتبر قدوة في عصرنا ومعلما من معالم الطريق حينما قال: ( أنتم أعلم بأمور دنياكم).

القرآن الكريم يغري الجميع بالمناقشة والإتيان بالدليل على صحة الظواهر فيتظاهر جدلا بأنه لا يقطع بأنه حق وان الآخر على باطل فيقول: (وأنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) آية 24 من سورة سبأ.

المناقشات موجودة في المجتمع الإسلامي وعبر تاريخ طويل لأن الإسلام الصحيح يقرره الإسلام الصحيح نفسه، هو ما كان منبعثا عن يقين واقتناع لا عن تقليد وإتباع، أحيانا إيمان المقلد غير صحيح؛ في هذا قال الله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) آية 170 من سورة البقرة.

لقد تطرقت المرنيسي الى جوانب كثيرة في حياة المسلم وخوفه منها، من أبرز تلك القضايا الخوف من الديمقراطية. المسلمون عموما، العرب بشكل خاص، لا يعانون من خوفهم من الديمقراطية بمقدار خوفهم من خسارة ثقافية هي عدم الوصول الى أهم مكتسبات القرون الأخيرة. بخاصة التسامح كمبدأ وممارسة، أي الإنسانية العلمية التي سمحت بتألق المجتمع المدني في بلدها المغرب.

فالأفكار الإنسانية، حرية الفكر، السيادة الفردية، حق المبادرة، التسامح..الخ قد انتشرت في الغرب، بواسطة مدارس الدولة العلمانية، بينما لم تعلن الدولة الإسلامية نفسها أبدا أنها دولة علمانية، باستثناء بعض الحالات مثل تركيا ولم تعمل على تثقيف المبادرة الفردية وتنميتها.. بل على العكس من ذلك فإن هذه الأخيرة لم يتعامل معها الاصلاحيون.

كان القوميون في الواقع سجناء تاريخ يعوق الحداثة في خيار تعارضي حتمي:

1ـ إما التفكير بالحداثة مع المطالبة بالتراث الفلسفي الإنساني للغرب الاستعماري، وهذا يعني المخاطرة بفقدان الوحدة. لأن من يقول بالتقليد العقلاني أي الرأي والعقل يقول بإمكانية الاختلاف، وهكذا فإن فتح الطريق للاختلاف في وجه الاستعمار سيؤدي الى إضعاف الأمة الإسلامية.  

2ـ أو بالمقابل المحافظة على معنى الوحدة تجاه المستعمر وذلك بالتجذر في الماضي. لكن في هذه الحالة لابد من التمسك بتقليد الطاعة، وإبعاد التقليد العقلاني. ولاسيما الانغلاق في وجه كل ما يمكن أن يؤدي الى إحياء هذا التقليد.

ومع الأسف كان الحل الثاني هو الذي اختاره السياسيون، وبلا عمد تقريبا. ونظرا لأن جوهر التراثيين العقلانيين، الإسلامي والغربي هو حرية التفكير والاختلاف، فقد تمت التضحية به وذلك للحفاظ على الوحدة.

 

عبد الكريم قاسم

 

 

العراق السرّي (6): الجعفري، محاولة العودة للرئاسة من خلال تركيا والسعودية والأكراد والسنة

salim alhasaniلا يعرف وزير الخارجية العراقي السيد إبراهيم الجعفري، الفرق بين تقديم شكوى الى مجلس الأمن الدولي، وبين تقديم طلب لعقد جلسة طارئة. فحتى لحظة كتابة هذا المقال أي 13 كانون الأول 2015، فان الخارجية العراقية لم تتخذ الإجراءات الصحيحة والمتعارف عليها في مثل هذه الحالات والتي تستوجب تقديم طلب لمجلس الأمن الدولي بعقد جلسة طارئة لمناقشة التدخل العسكري التركي في شمال العراق.

الشكاوى الى مجلس الأمن الدولي يتم اعتمادها في الحالات ذات المرتبة المتدنية من الأهمية، والتي لا ترتبط بتطورات عاجلة، فتأخذ طريقها الى جدول أعمال المجلس عن طريق السياقات الزمنية من حيث الترتيب، وهي عادة تستخدمها الدول من أجل تسجيل موقف للرأي الدولي وليس من أجل الحصول على خطوة عملية سريعة.

أما طلب عقد جلسة طارئة، فهذا ما تلجأ اليه الدول عندما تتعرض الى عدوان، أو خرق لسيادتها أو تجاوز على أمنها، وكل هذا حدث في الحالة العراقية، لكن السيد الجعفري لم يلتفت اليه بعد.

ولا نريد ان نعود لتحميل السيد حيدر العبادي مسؤولية هذا البرود، فالرجل هذا شأنه ولا رجاء منه سواء تعرض العراق الى تهديد أو احتلال أو دمار.

...

من خلال حديث السيد إبراهيم الجعفري مع المسؤولين الأتراك، وكما جاء في حديثه أمام مجلس النواب في 13 كانون الأول 2015، يتضح أنه كان يخوض حواراً لإقناع الجانب التركي بالانسحاب، فقد اتصل بوزير الخارجية التركي هاتفياً، ثم انتظر وصول الوفد التركي الى بغداد، وفي الحالتين كان يتحاور معهم حول الانسحاب من دون ضجيج. فوجد فيه هؤلاء الذين خبروا السياسة والدبلوماسية والأزمات، وزيراً ليناً متسامحاً معهم، فاستخدموا لعبة الوقت التي قدمها الجعفري لهم، وهي لعبة يحبها لما فيها من مسار طويل في الحوار والسفر والزيارات والكلام الطويل.

كانت طريقة المسؤولين الاتراك ناجحة مع الجعفري، فلقد استوعبوا ساعات الحدث الأولى، وهي الأهم في مثل الحالات، وبذلك استطاعوا أن يطمئنوا الى أنهم كسبوا الجولة الأولى، وهذا يكفيهم حتى الآن، وسيحصل بذلك على رضى الأتراك والأكراد وآل النجيفي والقيادات السنية.

علينا أن نتذكر الذكاء الروسي في التعامل مع أزمة شبه جزيرة القرم، وكيف انهم استطاعوا أن يمتصوا ردود الفعل الأولى، ثم بسطوا سيطرتهم المستمرة على الأرض وانهوا الأمر لصالحهم. ومن المؤكد أن السيد الجعفري لا يعرف هذه المسائل، أقول ذلك من خلال علاقتي الشخصية الطويلة معه، وقد كنت ألمس أنه غير ملم بالسياسة الدولية، بل أنني من خلال العديد من الحوارات والاحاديث المتفرقة، كنت أراه يفهم الواضح منها بطريقة خاطئة، وكنت اقترح عليه قراءة بعض الكتب الأساسية في هذا المجال، لكنه كان يميل الى الجانب الوعظي لترويج نفسه في الأوساط الاجتماعية البسيطة، حيث يؤكد طرح المفاهيم التي لا يلتزم بها.

...

لقد سلك الجعفري أطول الطرق في تعامله مع العدوان التركي على العراق، وكأنه أراد ان يمنح تركيا ما تريده من مساحة تحرك، لتحقق مشروعها الاحتلالي في شمال العراق. وإذا كانت هذه الصورة تبدو شديدة عليه وعلى قسم من القراء المتعاطفين معه، فان المؤكد أنه لا يريد إزعاج الرئيس التركي أوردغان، لأنه يحمل في صدره حلم العودة الى رئاسة الوزراء من خلال علاقاته الجيدة مع المحيط الإقليمي، وخصوصاً السعودية التي يبادلها حميمية لافتة وتبادله مثلها.

وقدم الجعفري دليلاً آخر لإقناع المحور الإقليمي والجانب الأميركي بأنه لا يخرج عن طوع أعداء العراق وأعداء الشيعة، عندما لجأ الى جامعة الدول العربية، وكثف اتصالاته بالأمين العام نبيل العربي رجل السعودية المعروف، كما أن الجامعة العربية هي مؤسسة صناعة الخراب في المنطقة وداعمة العناصر الإرهابية من تنظيمات النصرة وداعش وغيرها.

...

عندما يتحدث الجعفري عن نشاطه وحركته في هذا الموضوع، فأنه يضعنا أمام صورة المسؤول الذي يستجدي التعاطف من سفراء الدول في العراق، وهذا ما قاله صراحه في كلامه للبرلمان، وهي محاولة أخرى منه للتأكيد بأنه لا يتسبب بأي إحراج للأتراك، وهذا ما يريده بالضبط رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وقادة الكتل السنية وآل النجيفي الى جانب السعودية وقطر وأميركا.

بل ان السيد وزير الخارجية وضع العراق تحت الإمرة والتوجيه والقرار الأميركي عندما أبلغ السفير الأميركي بأن الحكومة العراقية لا تريد التحالف مع روسيا، وأنها رفضت التدخل والمساعدة الروسية لدعمها في مواجهة التدخل التركي، وهي رسالة صريحة لا تقبل التأويل.

وكان الجعفري قد طلب من ممثل العراق في الأمم المتحدة بعدم تأييد الموقف الروسي في جلسة مجلس الأمن الدولي، حين تحدث الوفد الروسي بشدة ضد التدخل التركي في شمال العراق، مما دفع موسكو الى القول أن الحكومة العراقية خذلتنا في مجلس الأمن.

...

التدخل التركي في العراق، كان هو الاختبار الحقيقي لأداء الجعفري في الخارجية، وكانت فرصته لأن يزيح عن نفسه ركاماً من التعليقات الساخرة التي لاحقته طوال الفترة الماضية، بأنه الرجل الغارق في مفاهيم مرتبكة والمتستر بالعبارات الغامضة غير المفهومة، في تحليق مستمر في عالمه الخاص. كانت هذه التجربة فرصته للعودة الى الواقع، ولممارسة مهمته في عالم السياسة الدولية، وهي الميدان الذي يكشف القدرات الذاتية للدبلوماسيين، فضلاً عن كونه يكشف القابليات الحقيقية للمفكرين. لكن الجعفري خرج من التجربة كما هو، نفسه الذي نعرفه، يسلك أطول الطرق حتى يبتعد عن المواجهة، وحتى يخفي توجهاته الخاصة التي تضغط عليه بأن يحتفظ بعلاقة جيدة مع الأقوياء سواء أكانوا من الدول أم الجهات أم الشخصيات. ثم يجلس مع نفسه راضياً بما حققه من إنجازات لا تمشي على الأرض ولا يعترف بها الواقع.

...

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

حكاية نائب العريف حميد

ahmad alhiliتوفرت معلومات استخبارية لدى قطعاتنا العسكرية في شرقي البصرة بأن الإيرانيين سوف يشنون هجوماً كبيراً على قاطع نهر جاسم الذي لم تجف على أديمه بعد دماء جنودنا وجنودهم بينما تركت بساطيل الجنود القتلى المدماة متناثرةً هنا وهناك بإزاء الساتر الترابي كجزء من بقايا المعركة الطاحنة السابقة، أسرع القادة الكبار لرسم الخطط بغية صد الهجوم المرتقب، واتفقوا على ضرورة أن تكون هناك بالإضافة إلى وقود الحرب الدائم ؛ جنود المشاة فصائل متمرسة بالرمي على الدوشكات أو الأحادية كما يُطلق عليها، وتم إرسال أوامر بهذا الصدد إلى كافة الوحدات العسكرية الموجودة ضمن قاطع الفيلق الثالث، بأن ترسل كل وحدة خمسة جنود من هذا الصنف من أجل إدخالهم بدورات سريعة في مقر قيادة تستمر أسبوعين لغرض تحسين مهاراتهم في الرمي، وبطبيعة الحال في مثل هذه الأحوال فإن هذه الوحدات سترسل الجنود الفائضين عن حاجتها وهم في غالبيتهم من غير المنضبطين من الذين لديهم هروبات سابقة أو الذين غالباً ما يتسببون بإثارة المشاكل والبلبلة داخل وحداتهم، وحين تم تبليغي مع زملائي بالأمر، لم نكن نعرف ماهيته وأهدافه إلا فيما بعد، وذهبنا جميعاً إلى مقر الفيلق، وبالفعل كانت دورة مكثفة جداً تتعلق بتحسين أدائنا بهذا السلاح، وقد حدثت هناك مشاكل كثيرة ومشادات بين الجنود أنفسهم، خاصة وأن غالبيتهم من أرباب السوابق ولديهم محكوميات عن جرائم ارتكبوها، فعلى سبيل المثال هناك شخص رأيته بأم عيني كان خرج قبل حوالي شهر من السجن جراء قتله ثمانية أشخاص دفعة واحدة انتقاماً لقتل أبيه وأمه على يد أحد هؤلاء الثمانية...، وعلى أية حال وبعد انتهاء الدورة وقف القائد العسكري وخاطبنا بتودد وحميمية قائلاً ؛ ستكون مهمتكم مشرفة وخطيرة وعظيمة، فعلى عاتقكم ستقع مسؤولية صد الموجات الأولى لهجوم العدو، وسوف نأخذكم في يوم غد إلى الصحراء من أجل إجراء اختبار لكم للوقوف على قدراكم ومهاراتكم في الرمي، وقد خصصنا جوائز قيمة للمتفوقين منكم بل وللجميع أيضاً وهذا شرف عظيم لكم ولنا، جرت همهمة بيننا، همست لمن كان يقف بقربي ؛ اذن يريد هذا الأحمق منا أن نكون وقوداً لحربهم المجنونة، قال ؛ هذا أخرق وأحمق، وهمهم آخر ؛ سيقبض أبناء القحبة هؤلاء الأوسمة وأنواط الشجاعة بينما ستتوسد أشلاؤنا التراب ...

حين فهم الجميع ما أعلنه للتو هذا المعتوه الأرعن، اتفقوا على أن لا يصيب أيٌّ منا هدفاً من الأهداف المحددة مهما كلّف الأمر ومهما كانت المغريات أو العقوبات، ذلك أن نجاحنا في هذا الأمر معناه هلاكنا !

وبالفعل جرت الأمور هكذا، وقف القائد محبطاً ومهموماً، وهو يصب غضبه ولعناته علينا واصفاً إيانا بالجبن والتخاذل في وقت تعرّض وطننا إلى الخطر الوشيك ولم يتورع هذا المأبون عن قذفنا بأقذع النعوت والشتائم، مخدداً إيانا بإنزال أقسى العقوبات بنا، وبطبيعة الحال لم يكن أمامنا من بد إلا أن نصمت، وإن أخفينا في دواخلنا ضحكاً مكتوماً ...

وهكذا تشاء المقادير أن يصار إلى تنسيبنا جميعاً بوصفنا فاشلين بهذه الدورة إلى وحدات أخرى لا علاقة لها بالمعارك الطاحنة التي تجري بين الفينة والأخرى في قاطع شرق البصرة، وتم تنسيبنا جميعاً إلى عدد من المواقع الثانوية كفصائل حماية الجسور الداخلية، وهناك من تم تنسيبهم إلى السيطرات، أما أنا ومعي عشرة متدربين فقد تم إرسالنا إلى أحد أكداس العتاد في منطقة أرطاوي التي تقع في عمق الصحراء بمنتصف المسافة بين الناصرية والبصرة، وبالتحديد في منطقة تسمى بـ تل اللحم .

حين ذهبنا إلى هناك، وسلمنا أوامر تنسيبنا إلى آمرية الكدس، وجدنا المكان يعج بجنود جدد غريبي الهيئة والأطوار، وفهمنا أن هؤلاء تم تنسيبهم قبل يومين ليكونوا ضمن حراسات الكدس الداخلية، ولكن الآمرية لم تشأ أن تسلمهم أية أسلحة، لأن غالبيتهم من المجانين أو أنصاف المجانين، وهم جاءوا إلى هنا بناءً على قرار لجنة شرحبيل التي أعادت النظر في كافة قرارات الإعفاء من الخدمة السابقة، وأوكل إلى قسم من هؤلاء مهمة التنظيف وجمع الأوراق أو أكياس النايلون العالقة بكثافة في أسيجة الأسلاك الشائكة، رأيت أحدهم في غرفة قلم الوحدة منحنياً عند حافة الجدار وهو يخاطب شيئاً بصوت مسموع، ظننت في بداية الأمر أن الشوق استبد به فأخذ يحاطب حبيبته الغائبة وحين استفسرت من العريف عما يفعله، أشار إليَّ أن أكتشف ما يقوم به، اقتربت منه فوجدته يخاطب سرباً من النمل يمشي بمحاذاة الحائط ويقول ؛ " إذا أنتِ تختبئين هنا، فأين نذهب نحن ؟"

حددوا لنا الأمكنة التي سنقيم ونتواجد فيها لغرض الحماية، وهي تقع خارج كدس العتاد الضخم جداً، وكانت أمكنة الحماية عبارة عن تلال عالية مصنوعة يرتفع كلٌّ منها حوالي عشرة أمتار و يفصل بين تل وآخر حوالي الـ 100 متر وتم وضع بندقية أحادية فوق كل تلة ...

وتنفسنا الصعداء، فإن وجودنا في هذا المكان النائي معناه أننا أصبحنا نعيش بعيداً جداً عن المعركة وأجواءها الكابية، بمعنى آخر فإننا أصبحنا نعيش "خده وخدر" على حد قولهم، بعكس ما كان يعانيه رفاقنا في وحداتنا الأصلية من التدريب المضني المستمر والتعرض الدائم للقصف المدفعي المعادي ...

إذن هي ضربة حظ، أو كما يقولون، ربَّ ضارة نافعة ...

كان الوقت متاحاً لدينا بوفرة في وحدتنا الجديدة بشكل لم نألفه من قبل، فأخذنا نتجول هناك وهناك من أجل استكشاف هذا المكان الصحراوي الجميل والممتد إلى ما لانهاية، لاحظنا الأرض الرملية تمتلئ بأنواع عديدة وكثيرة من الحشرات ذات الألوان المتناسقة وأكثر ما استلفت نظرنا هو الحصى غير المألوف، كان أشبه بالخرز والفصوص ... كما تدب هناك بعض العظايا والأفاعي والعقارب ...

لفت نظري في بداية الأمر وجود أعداد من العصافير التي لم نر مثلها في أمكنة أخرى، وهي تأتي بالقرب منا هرباً من حر الصحراء اللاهب، ولاسيما وأن وقت قدومنا إلى هذا المكان كان في ذروة الصيف وطمعاً بالظلال التي توفرها أبنية الملاجيء وكذلك طمعاً بوجود الماء ولالتقاط بعض الطعام أيضاً، ونظراً إلى أنها كانت جميلة جداً فقد أثارت فينا الرغبة لاصطيادها ووضعها في أقفاص لغرض جعلها طيور زينة فنأخذها معنا في إجازاتنا إلى أهلنا، ولكننا تفاجأنا بأنها غير قابلة للتدجين مطلقاً، فبعد أن أمسكت مجموعة منها ووضعتها في قفص كنت أعددته لهذا الغرض أصبت بالذهول والصدمة بما تقوم به، فقد أخذت تطير بسرعة وتضرب رأسها بشدة بجدار القفص، وبعد أن تفعل ذلك لعدة مرات تسقط ميتة، فعلمت أنها تقوم بالانتحار، فحزنت كثيراً وساورني شعورٌ بالذنب بقي يعيش معي لمدة طويلة جداً .

حكاية نائب العريف حميد

كان من ضمن من تم إرسالهم في مجموعتنا شخص برتبة نائب عريف اسمه حميد، وكان في مقتبل العمر ووحيداً لأمه، وقد لاحظنا أنه ومنذ الوهلة الأولى قد ولع بالحصى الغريب المتناثر بكثافة من حولنا، فأخذ يجمعه ويشكله على شكل مجموعات، كل مجموعة لها لون محدد، وكان حريصاً ومتكتماً، إلا أنني استطعت الاقتراب من عالمه، على الرغم من اقتناعي بعدم جدواه، إلا أن ذلك لم يمنعني من اعتبار ذلك وسيلة لا بأس بها لقضاء الوقت الفائض لدينا ...

كان حميد يذهب إلى أماكن بعيدة جداً للحصول على مجموعات جديدة من الحصى الذي تعود أن يعتبر بعضه أشخاصاً يتكلم معهم في أوقات معينة ويصغي إلى همهمتهم المكتومة، لم أشأ أن أثير شكوكي حول جدوى ما يقوم به ، فهذا هو عالمه الخاص الذي بناه بصبر ودأب لبنة لبنة وليس من حقي أن أنسف معتقداته بهذا الشأن ...

كنت أزوره في غرفته المخصصة الواقعة أمام التل من أجل أن نتناول القصعة معاً في كثير من الأحيان، وكان يطلعني في كل مرة على الأنواع الجديدة من الحصى التي حصل عليها، وكذلك كان يُطلعني على الكثير من الحكايات حول المكان الذي نحن فيه والذي يستوطنه أيضا عدد من البدو المتناثرة خيمهم وجمالهم هنا وهناك

وهو عقد صداقات مع بعضهم، أخبرنا أن هناك كائن أخر يستوطن هذا المكان معنا هو الذئب ...

وفي حقيقة الأمر فإني لم أشاهد ذئباً طوال مدة مكوثي هناك، ولكني لا أخفي أن حضور الذئب بكل جبروته وهيمنته كان يملأ المكان من حولنا، أخبرني أن الذئب كائن مسلح بالإضافة إلى أنيابه ومخالبه الباشطة بقدرات سحرية غريبة، فهو ( يختر) أي يسحر ضحاياه، بحيث تقوم بالركض خلفه بخفة وسرعة، وفي إحدى المرات، وكما أخبره محدثه البدوي فإن شخصا منهم افتقد أخاه، بحث عنه فلم يجده وبعد أن ابتعد عن المكان وجده يحث الخطى في البرية خلف أحد الذئاب، ناداه باسمه إلا أنه لم يُصغِ إليه واستمر في الركض خلف الذئب، وحين كان يحمل بندقية فإنه صوّب باتجاه الذئب فأحس هذا به فهرب بعيداً وجثم هناك بحيث لا يتمكن من التصويب بدقة عليه، وأسرع إلى أخيه الذي لم يكن واعياً لما يدور حوله، فهزه بشدة ثم صفعه من أجل أن يوقظه مما هو فيه، ولكن لم يظفر بطائل، وحين اقتاده بقوة من أجل أن يعودا معاً انفلت منه وذهب باتجاه الذئب الذي كان من مكانه البعيد يتربص بطريدته، أخرج بندقيته وصوب باتجاه الذئب وأطلق طلقة، إلا أن الذئب كان قد هرب بعيداً في الوقت الذي كان يتهيأ للتصويب عليه، وحين عجز عن إيقاظ أخيه وإعادة وعيه إليه، لم يجد أمامه من بد سوى أن يحمل أخيه ثقيل الوزن على ظهره، فوجدها الذئب فرصة مواتية للقدوم بسرعة باتجاههما، طرح أخاه جانباً وأمسك ببندقيته وصوبها باتجاه الذئب الذي سرعان ما توارى بعيدا، وهكذا دواليك، وأخيراً وجد نفسه يدور في ذات المكان وكأنه في دوامة، حاول أن يعثر على أحد يساعده، وأخذ ينادي بأعلى صوته بأسماء أخوته وأعمامه وأخواله ولكن لم يأته أي جواب، وكان الليل يوشك أن يهبط عليه وهو في هذه الحال، ومعنى ذلك أن هناك احتمالاً كبيراً في أن تأتي ذئابٌ أخرى، وفي ذلك قضاءٌ مبرم عليهما معاً، فكّر بالأمر ملياً وحسم أمره سريعاً، نادى الذئب الجاثم بعيداً متربّصاً ؛ هذه هي فريستك فخذها !! وترك أخاه يهرول باتجاه الذئب بينما أسرع هو في العودة إلى دياره خائباً وإن يكن ناجياً بنفسه ...

وبين آثار أقدام الكلاب الموجودة بوفرة في المكان، عرّفني حميد على بعض آثار أقدام الذئب ولاحظت أنها أكبر بقليل من تلك التي لدى الكلب وكما هو واضح ومرئي على الطين المتيبس فهي مزوّدة بمخالب كبيرة وحادة ... في أثناء الليل، كان الرعب يملأ قلوبنا من احتمال قدوم أحد الذئاب إلينا، فكنا نحكم إقفال الملجأ على أنفسنا، وحين تأتي الدورية في الأسفل كنا نوقد اللايت باتجاههم للدلالة على تواجدنا ويقظتنا في المكان وأننا مفتوحو الأعين . لاحظت أن نباح الكلاب يأخذ يعلو في بعض الليالي بشكل لم نألفه من قبل وكأنها تتعرض للضرب المبرّح، أخبرني حميد أن معنى ذلك أن أحد الذئاب قد دخل المنطقة فهي تشم رائحته مما يتسبب في اضطرابها وهياجها ...

روى لي حميد حكاية نقلا عن ابن أحد شيوخ البدو في المنطقة أنهم ونتيجةً لفقدانهم عدداً من قطعان الغنم باستمرار هجمات الذئاب فإن أباه جلب في وقتٍ ما كلباً ألمانياً من فصيلة ممتازة، فهو بالإضافة حجمه الضخم شجاع وجريء وذكي جداً وقد ظل هذا الكلب حارساً وفياً لنا ولخيامنا، وفي أحد الليالي الباردة جداً سمعنا عواءه وهريره ينطلق بشكل غير مألوف، وحين ذهبنا أنا وأبي إلى حظيرة الغنم وجدناها جميعها وقد قطع الذئب إليتها ووجدنا أفضلها مفقوداً، وحين خرجنا باتجاه صوت كلبنا الذي يبدو أنه ابتعد كثيراً عن مضاربنا، فأخذنا بالمناداة عليه بأعلى صوتنا طالبين منه أن يعود، ولكنه استمر في ملاحقته للذئب، وعلمنا من خلال اختلاط صوتيهما وزمجرتهما أنهما يدخلان معاً بين حين وآخر في معركة شرسة، ومن الواضح أن رجحان الكفة فيها هي للذئب الذي يمتلك أسلحة قاتلة، ولكن كلبنا استمر في تعقب الذئب والاشتباك معه ولم يسمح له بأن يستولي على غنيمته من دون حساب عسير وعقاب مر يتوجب عليه دفعه ، وأخيراً رأينا كلبنا يعود أدراجه وقد أُثخن جسده بالجراح المميتة ولكنه كان يمسك بين فكيه بنصف الشاة المفقودة، ويبدو أن الذئب علم أخيراً أنه لا سبيل أمامه للفوز بغنيمته إلا بأن يقتسم ما غنمه مع هذا المدافع الشرس، ولم يلبث هذا الكلب أن مات بعدها بيومين ....

وبالإضافة إلى مرويات حميد عن الذئب وقدراته الخارقة، فقد أخبرنا عدد من نواب ضباط المقر في وقت سابق أنه تم العثور مؤخراً في المكان على ملابس ممزقة لجنديين منتسبين إلى وحدة أخرى بالإضافة إلى بعض أشلائهم بعد أن تسللا عبر الأسلاك الشائكة محاوليْن الذهاب إلى بيوتهما من دون أخذ إجازة، في إشارة إلى أن الذئاب افترستهما، وعلى أية حال، وحتى إن كانت الحكاية صحيحة، وهي كذلك بالفعل، لأننا سمعناها من مصادر أخرى، فإننا فهمنا الأمر على أنه محاولة لمنعنا من القيام بذلك ...

سمعت قبيل وقت الفجر في أحد الأيام صرخة ذعر تنطلق من التلة المجاورة، كان أحد الجنود الذين يتولون الحراسة، كان يصرخ في سماعة الهاتف مخاطباً المقر ؛ أنقذوني لقد داهمني الذئب ! وبعد قليل حضرت الدورية وهي مدججة بأسلحتها فلم يجدوا شيئاً، كان الجندي يقف حائراً متلعثماً لا يدري ما يقول، بينما كانت الجمال تتناثر هنا وهناك، ويبدو أن أحدها أطل برأسه الكبير قريباً من الشباك الذي يحتمي فيه الجندي، فحسبه هذا ذئباً خاصة وأنه لم يكن بوسعه أن يرى باقي جسده .

وفي أحد الأيام، وكان الوقت ظهراً شاهدت طائراً غريباً آخر بألوان زاهية أكبر حجماً لم أشاهده من قبل هنا يحط بالقرب من خزّان الماء التماساً للظل وليروي ظمأه أيضاً، كان يبدو عليه التعب والانهاك، الأمر الذي أتاح لي أن أتفحصه ملياً، وعلى الفور عرفت أنه هدهد من العرف الجميل الذي يزين رأسه، فرحت كثيراً إذْ لم أشاهد الهدهد مشاهدة عيانية مباشرة، وتملكتني رغبة شديدة في أن أصطاده حياً، لم أشأ أن أقذفه بشيء صلب خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى قتله، فنقّعت منشفة بالماء واقتربت منه حذراً ثم رميتها باتجاهه فسقطت عليه، وأمسكت به وللحال تصورت نفسي الملك سليمان وتذكرت أبياتاً من قصيدة الشاعر أحمد شوقي الجميلة التي قالها في الهدهد، وضعته في قفص العصافير التي مارست انتحاراً جماعياً وتركتني أتقمص دور القاتل رغم أنفه، كنت متوجساً أن يقوم الهدهد بفعلتها ذاتها، قدمت له الماء وبعض الحبوب، مر وقت طويل ثم أخذ يشرب الماء، فرحت كثيراً، كان موعد إجازتي الدورية قد اقترب، ولما حانت أخذته معي إلى بيتنا، كانت مفاجأة كبيرة ومذهلة لدى جميع أبناء محلتنا الشعبية، وأخذوا يأتون إلى بيتنا على شكل مجموعات أو فرادى، الكل يريد أن يشاهد الهدهد، وكنت قد علّقته في باحة البيت، وفي اليوم التالي استيقظت مبكراً بغية أن أطمئن عليه، نظرت إلى القفص فلم أجد الهدهد فيه، تملكني أسىً وحزنٌ شديد، علمت بعدها أن إحدى العجائز ممن يتعاطين السحر احتالت ونفحت صبياً بعض النقود من أجل أن يسرقه لها، فكان أسفي وندمي أكبر ...

في إحدى المرّات وبعد عودته من إجازته الدورية، جلب حميد معه علبة صغيرة ثمينة من تلك التي اعتادت النسوة من ذوي اليسار على وضع حليّهن الذهبية فيها، وللحال أدركنا أنه يريد أن يضع أجمل ما لديه من الحصى فيها، كان هذا الحصى الصحراوي يشكل بالنسبة إليه عالماً متكاملاً يوفر له متعة ولذة ما بعدها متعة ولذة وبدلاً من أن يتفاعل مع بقية الجنود في حظيرته فإنه يظل منعزلاً عاكفاً على ما هو فيه ....

بعد مرور عدة أشهر، افتقدناه، وحين سألنا عنه أخبرنا الجنود الذين في حظيرته أنه مريض منذ أيام ، وسجلوا له عيادة وذهبوا به إلى الوحدة الطبية ولكن حاله لم تتحسن، وقال الطبيب إنه يعاني نوعاً غريباً من الكآبة والسوداوية ...

ويوماً بعد يوم ازدادت حالته سوءاً، كان جسده يشحب ويذبل ووجهه يزداد اصفراراً ...، بعد ذهابه في إجازته إلى مدينته ذهبوا به إلى الأطباء إلا أنهم وبالرغم من المبالغ الطائلة التي أنفقوها لم يجدوا علاجاً شافياً له لأنه ببساطة لم يستطع أحدٌ منهم تشخيص مرضه وعلته، كان يتحول أمام ناظريهم من شاب في مقتبل العمر إلى كهل، إلا أن بطنه كانت تنتفخ يوماً بعد يوم وكانت تخرج منها أنواع غريبة وكثيفة من الديدان ...

وأخيراً لم يجدوا بداً من القبول بنصيحة إحدى قريباتهم بعد أن تفحصته ملياً، أخبرتهم أنه ربما يعاني من تلبس الجن في بدنه، ذهبوا به إلى أحد الشيوخ وحين عاين حالته أدرك على الفور ما به، سأله هل أنت مهتم بجمع الخرز أو الحصى، قال نعم، قال إذن فقد وقعنا على مكمن الداء، أخبر ذويه أنه "مسگي" بضرورة الإسراع والذهاب إلى مدينة السماوة قبل أن يدخل في طور الجنون المطبق، وأرشدهم إلى امرأة اسمها أم علي تسكن هناك، ويُطلقون عليها لقب "الطگاگة" وهي مختصة بمعالجة الأمراض التي تنجم عن التعامل مع الجن ...

حين ذهبوا إلى هناك ووصلوا إليها، رأت الحالة التي عليها المريض، هيأت "طشتاً" أي وعاءً كبيراً من الماء الدافئ ووضعته في باحة دارها، ثم طلبت من أن يخلع ملابسه ويبقي على القطعة الأخيرة من ملابسه الداخلية، ثم أخرجت من صرة صغيرة سلسلة ناعمة طويلة في نهايتها خرزة كبيرة وضعت السلسلة والخرزة في الماء فيما حميد جالساً مرددة بعض الكلمات غير المفهومة أخذت الخرزة تسبح كأنها سمكة، فقالت إنه مسگي، وطلبت من أهله أن يحرقوا جميع ملابسه التي في البيت وأن يلقوا بجميع الحصى الذي جمعه في التنور مرددين بعض الأدعية التي كتبتها لهم من أجل ترديدها عند قيانهم بعملية الحرق ...

وفعلوا كل ما طُلب منهم، وبالفعل أخذت حالته تتحسن رويداً رويدا بعد أن كان شارف على الهلاك ...

أخبرنا أحد العارفين، أن منشأ تلبس الجن في بعض الحصى يعود إلى أن الذئب باستطاعته أن يرى الجن ليلاً في الصحراء فيركض وراءه بغية افتراسه فيهرب هذا منه وعندما يوشك أن يلحق به فإنه لا يجد أمامه فرصةً للنجاة سوى أن يدخل في أية حصاة يجدها بقربه، فيأتي الذئب ويتشمم الأرض وسرعان ما يدرك أن الجن اختبأ في هذه الحصى تحديداً فيبول عليها، الأمر الذي يؤدي إلى حبسه فيها إلى الأبد ....

 

أحمد الحلي

 

العراق السرّي (5): هذا هو العبادي، فهل يصلح للحكم؟

salim alhasani2أكثر من مرة كتبتُ عن شخصية السيد حيدر العبادي التائه في داخله والضائع فيما حوله. لكني أجد صعوبة في إيصال هذه الفكرة الى القارئ، والسبب أن هذا التقييم يبدو قاسياً في صياغته، كما أنه يحتاج الى معايشة وتعامل مباشر مع العبادي، وهذا بطبيعة الحال غير متوفر إلا لمن يحتك بالعبادي عن قرب ويخوض معه تجربة عمل، عند ذاك سيكتشف الشخصية الحقيقية للعبادي التي تختلف كثيراً عن صورته التلفزيونية المرئية والمسموعة من قبل المواطن العراقي.

خلال أشهر قليلة ارتفع العبادي عبر مجموعات إصلاحاته، الى منصة البطل السياسي الذي يستطيع أن يحقق المعجزة في هذا البلد المنهك، ثم هوى سريعاً الى الشخص الضعيف المتردد.

كيف يُفرّط بالفرصة الذهبية التي جاءته عندما حظي بدعم الأطراف السياسية والبرلمان والشعب والمرجعية، فيختار التأجيل والتريث ثم التراجع، ويتحول في نظر الشارع العراقي الى رئيس فاقد القدرة على التنفيذ؟. عاجز عن الإيفاء بما يتخذه بنفسه؟

إن هذا السؤال الذي يبدو غريباً، ستتلاشى الحاجة اليه لمن يعرف العبادي، وطريقة تفكيره وكيف يتعامل مع الأمور.

فالقرار عند العبادي عملية فائضة عن الحاجة الطبيعية للإنسان، لكن الظروف قد تواجهه لتفرض عليه إتخاذ القرار، وفي هذه الحالة، لا بد أن يخوض عملية تفكير متأنية ليأتي القرار صائباً.

هنا تبدأ المرحلة الطويلة عند العبادي، فالتفكير يعني حواراً مستفيضاً يستعرض كافة الاحتمالات والخيارات للوصول الى القرار المناسب، لكن القرار هو الهاجس المزعج الذي ينغص عليه حياته، فيطرده العبادي من خلال إطالة فترة الحوار والنقاش والدراسة الى أبعد حد ممكن.

وحتى عندما يقطع هذا المشوار الطويل فانه يبقى يعيش صراعاً داخلياً صعباً من أجل البحث عن مبرر للتأجيل أو التراجع أو إيجاد بديل لكل الجهد الذي بذله على مدى ساعات وإيام مع نفسه ومع فريقه الاستشاري.

لكن العبادي تنتابه أحياناً وفي أجواء خاصة نوبة من الاندفاع المفاجئ، فيخضع لها من دون شعور وتخطيط وتدبر، وفي هذه الحالة يجد نفسه مدفوعاً لإتخاذ قرار. هذا هو الذي يُفسّر جلوسه على مقربة من الرئيس الأميركي أوباما في المشهد الشهير والذي تسبب له بحرج شديد أمام وسائل الإعلام. وهذا هو الذي يُفسّر للمواطن العراقي حزمة الإصلاحات التي اتخذها العبادي بإلغاء مناصب نوابه ونواب رئيس الجمهورية. وعندما وجد أن القضية أصبحت جدية وانها تحتاج الى تنفيذ، بدأت معاناته الكبيرة، وقد ازدادت المعاناة عندما أيدته المرجعية وسانده البرلمان ودعمه الشعب.

...

في موسم الحج عام 1996، وبعد انتهاء مناسك الحج، وفي حملة الهدى التي يديرها (أبو آلاء/ عدنان جواد فلفل)، كنت اتحدث معه حول أمور عامة فانتابته هذه النوبة قائلاً: (يجب ان أعيد رمي الجمرات). لم يكن للحديث أي علاقة عن الحج ومناسكه، ولا أدري كيف اُلقي في فؤاده هذا الإيحاء؟

...

عندما قيل للعبادي أن إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ليس من صلاحياته، إنما هي من صلاحيات السيد فؤاد معصوم، وأنه قد يواجه مشكلة قانونية، أرسل مدير مكتبه السيد مهدي العلاق رسالة الى السيد فؤاد معصوم يطلب منه إصدار قرار بإلغاء مناصب نوابه، فلم يرد معصوم على الرسالة وأبدى امتعاضه من عدم معرفة العبادي بالسياقات الرسمية.

حاول العبادي معالجة المشكلة بزيارة رئيس الجمهورية، وأعرب له عن تورطه في هذه الحزمة الإصلاحية، وطلب منه أن يساعده فيها بأن يُصدر قراراً بإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، لكن معصوم رفض ذلك. تنازل العبادي أكثر، حيث تعهد للسيد معصوم بأنه لن يكرر ذلك مستقبلاً، وانه سيتشاور معه في القرارات والمواقف، لكن معصوم أصر على الرفض.

 

وكما ذكرت في مقال سابق، أنه عندما أصدر حزمته الإصلاحية في دمج الوزارات، اعترض وزير النقل السيد باقر جبر الزبيدي، وتدخل المجلس الأعلى، فاضطر العبادي الى التراجع وأبقى الزبيدي في الوزارة.

...

يتذكر الجميع تأخر تحرير مدينة تكريت عدة أسابيع، وكان السبب أن العبادي خضع لرغبة عدد من قادة الجيش بمنع الحشد الشعبي من تحرير المدينة، وحين تأخر الوقت كثيراً وتعرض للاحراج عاد ولجأ الى الحشد الشعبي يطلب من قادته تحرير المدينة.

ويتذكر المواطن العراقي عدد المرات التي تحدّث فيها العبادي عن عدم استعانته بالقوات الأميركية في تحرير الأنبار، وانه لن يسمح إلا بعدد محدود من المستشارين الأميركيين. لكن الحقيقة التي لا يعرفها المواطن، أن عدد القوات العسكرية الأميركية الموجودة حالياً في الأنبار يفوق بعدة أضعاف ما تذكره الحكومة في تقاريرها، وانها ستستمر في التزايد لتحويل الأنبار الى قاعدة للتواجد العسكري الأميركي في العراق. لكن العبادي لا يستطيع الإعتراض على القرارات الأميركية، ولا يستطيع مصارحة الشعب العراقي، ولا يستطيع اتخاذ موقف في هذا الخصوص.

...

طلبت قوات الحشد الشعبي من السيد حيدر العبادي، أن يزودها بدبابات وعربات مدرعة لدعم الحشد الشعبي في معاركه ضد داعش، وعندما فاتح العبادي وزير دفاعه السيد خالد العبيدي، رفض العبيدي الاستجابة للقائد العام للقوات المسلحة، فاضطر العبادي الى السكوت، لأن وزير الدفاع قال له أنه يحتاجها في عمليات عسكرية.

لقد نسي العبادي في تلك اللحظة أن يسأله أين هذه الدبابات وكم عددها وكيف يخفيها عنه وهو رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة؟.. بل نسي العبادي أنه هو صاحب القرار الأول في هذه القضايا الخطيرة التي تتصل بالأمن والمعارك مع تنظيم داعش.

 

ويتحدث وزير الدفاع في جلساته الخاصة أنه يُخفي هذه الدبابات ويدَخرها لمعركة الموصل من دون علم العبادي. وهذا يوضّح لنا كيف تسير الأمور العسكرية في العراق في هذه المرحلة الحرجة، وكيف يتم التصرف بالسلاح.

...

لا يستطيع السيد حيدر العبادي أن يستفسر من وزير دفاعه، عن الصفقات المشتركة التي يعقدها مع اللواء علي الأعرجي أمين السر العام في وزارة الدفاع واللواء محمد جواد العبادي (لقب العبادي اتخذه لنفسه مؤخراً) الأمين العام لوزارة الدفاع. لا يستطيع السيد رئيس الوزراء أن يسأل الأشخاص الثلاثة عن سفراتهم المتكررة الى العاصمة الأردنية من دون أخذ الإذن منه، مع وجود شكاوى ومعلومات منتشرة في المؤسسة العسكرية بأنهم يعقدون صفقات كبيرة فيما بينهم مع رجال اعمال وشركات ومافيات سلاح وسياسة.

...

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

الصداقة والصديقةفي ذكرى محمد العالمي الوالي

ahmad babanalalawiالدهر يأتي، بأفراح، وأحزان.

وكل شيء على ظهر هذه البرية فان.

والموت بئر جميع الناس وارد .

وطريق لابد يوما فيه يمشي كل إنسان.

اذا كان الموت طبيعي لا محيص عنه، وكانت الأسباب التي هي مادة الحياة، تبدو في الظاهر في وزن الأسباب التي هي جالبة للموت.. فإن البون شاسع بين من فتح الله عليه بصره وعقله، وأتاه حظا من الحقائق والمعارف يرقى بها في درجات سلالم الفضائل..

كتبت في صفحتي (على شبكة التواصل الاجتماعي) بعد لحظات من سماعي نعي صديقي وأخي" الشريف" محمد العلمي رحمة الله عليه " إنني أعزي نفسي أولا لأنني فقدت صديقا من أعز الرجال وأحبهم إلى قلبي.." وكتبت أيضا في نفس الصفحة: "بعد أسبوع على رحيل صديقي الأستاذ محمد العلمي، الوالي: أنا حزين على رحيل هذا الصديق الذي كنت أجد في مجالسته بمكتبته الفيحاء بشارع علال بنعبد الله بالرباط.. نفحات ثقافية تقوم الفكر وتنعش الوجدان..

حقا لقد طويت صفحة من أجمل الصفحات التي عرفتها المجالس الأدبية والفكرية..

ولا أعتقد أن أحدا بمقدوره أن يقوم بالدور الثقافي والفكري والتثقيفي الذي قام به محمد العلمي طيلة عقود.. ولا ريب بأن أصدق ما تمتحن به مقاييس الحياة الأمم أن تعرف الفضائل التي يزنون بها مقادير الرجال..

وإذا كان الكلام عن الصداقة يعتبر سرا وضربا دونه حجاب، لأنه لون من ألوان الوجد والمحبة والروابط الروحية، لا يعي كنهها ولا يحيط بمعانيها ولا يدرك أبعادها إلا من كان صادق الوعد، مخلصا للأواصر التي تجمع القلوب..

إن فضيلة الشيء لا تكمل إلا بحصول ثمرته ، وثمرة الصداقة الوفاء الذي وقر في الصدور..

فالشيء الموقور في الصدور يدرك بالبصيرة أي بالذوق والوجدان، أما الكلام عن الصديق فهو وقوف عند بعض وقائع الصحبة..

والحق أنني مهما قلت، فلن أوفي الصديق " العلمي" حقه..ولن أشفي غليل المدح من محه مدحا ..

فالكلام يبسط عن المناقب والفضائل ومما إلى ذلك مما يطول الكلام عنه..

وخلاصة القول أن المنون رمى بسهمه، فأصاب صرحا شامخا من الأخلاق والشمائل والمكارم.. وحب العلم حب المتيمم والعاشق الولهان..

سوف يتذكر رواد مكتبة "عالم الفكر" ذلك الركن القصي بشارع علال بن عبد الله بالعاصمة الرباط..، الذي قد لا يلفت نظرا السابلة بسبب الضوضاء والجلبة التي تلف الشارع الكبير ومحيطه ..

لقد أصبح للمكان جاذبيته المغناطيسية يؤمه الكتاب وطلاب العلم وقادة الرأي والفكر من كل حدب وصوب (من الشرق والغرب) لقد أضفى محمد العلمي على هذا الركن المنزو، إشعاعا ثقافيا عابرا للحدود..، حوله إلى نادي للفكر ومجلسا للأدب والثقافة ومكتبة للباحثين والدارسين وطلاب العلم من مختلف المشارب والتخصصات..

في قلب هذه المكتبة الصغيرة كانت تدور حوارات ومناقشات فكرية رفيعة تتناول كل القضايا وتبحث في كل المواضيع: في الفلسفة والاجتماع، والسياسة والتاريخ والأدب والقانون والاقتصاد...، كما كانت تتخللها مستملحات تروح عن النفس وفي بعض الأحيان تنبعث من المسجل أنغام سجية جميلة تشنف الأسماع..

كنت أشعر وأنا أحضر هذه المجالس الخصبة والثرية أن الثقافة رسالة مقدسة يحق لصاحبها أن يصان شرفه بين أعلى الطبقات الاجتماعية، وأعلى المقامات الإنسانية..

ولعل رسالة العلمي تتلخص في أن نطلب الكرامة من طريق الأدب والثقافة.

لا تحسبوا أبدا أننا وحدنا أصبنا بفقدان هذا العلم البهي من أعلام الثقافة بالمغرب.. الذي كان يعيش قضايا الثقافة بعقله وقلبه.. بل يشعر باللوعة كل من يحمل هما، ثقافيا وفكريا، وكل باحث عن المبادئ المقومة للفكر والمهذبة للأخلاق، والموقظة للضمائر وكل محب للحكمة التي هي علم الحق والعمل بالحق..

اسألوا المصنفات في الأدب والفنون والتاريخ واللغة والتراجم..، بل اسألوا كتب التراث كلها سوف تخبركم " باكية عليه جوابا".

لو كان بالموت عار ومنقصة

ما مات النبي صاحب القدر الرفيع

والوسيلة والمقام العالي

قل للذين بموت الشريف حزنوا لا تحزنوا!

إن جار لطه خير الأنام..

أيها السالك مدارج الأنوار..

المتبتل في محراب الأنبياء

المرثل للذكر مع الذاكرين

المسبح بتسبيحات الأولياء والعارفين

لك منا أزكى السلام وصادق الوفاء وجميل الدعاء

 

أحمد بابانا العلوي

 

العراق السرّي (4): معصوم للمالكي: الحق معك لكنّي أتعرض لضغوطات

salim alhasani2بعد انتخابات 2014، انتهت المدة الدستورية لرئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني، فظهر التنافس حاداً بين ثلاث شخصيات كردية على المنصب: الدكتور برهم صالح، الدكتور فؤاد معصوم، الدكتور نجم الدين كريم. وقد أثار التنافس مشكلة داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، بحيث فشلت محاولات التفاهم والاتفاق على مرشح واحد. لكن حظوظ نجم الدين كريم بدأت تتراجع أمام قوة المنافسين الآخرين.

حاول السيد فؤاد معصوم استخدام العامل العاطفي للتأثير على السيد برهم صالح، فقد تحدث اليه بأنه متقدم في السن، وأن هذه فرصته الأخيرة لتولي منصب رفيع في الدولة، فيما يحتفظ المستقبل بفرص كثيرة للدكتور برهم صالح. غير أن حديث العاطفة لم يدخل قلب صاحبه، فهذه سلطة ومكاسب ومناصب ولا مجال للتفريط بالفرصة القريبة لبضعة أسابيع، فكيف الحال بأربع سنوات طويلة ثقيلة المرور؟

حصل برهم صالح على دعم أميركي لتولي منصب رئاسة الجمهورية، فزاده ذلك تمسكاً بموقفه، ثم جاءه خبر على لسان الدكتور حسين الشهرستاني بأن مرجعية السيد السيستاني ترغب في توليه منصب الرئيس، وكان ذلك يعني أنه سيجلس قريباً على كرسي الجمهورية، باعتبار أن الكتل الشيعية لن تعارضه بعد دعم السيد السيستاني له.

اللافت هنا أن الشهرستاني الذي أتعب المواطن العراقي بالتصريحات المتتالية ضد إقليم كردستان، هو الذي يحمل بشرى الرئاسة الى برهم صالح خصمه العنيد بخصوص السياسة النفطية، معززاً موقفه في منافسة الدكتور معصوم الرجل اللين والأقرب الى التحالف الشيعي. كما وعده الشهرستاني بأنه سيقف الى جانبه ضد معصوم لتولي رئاسة الجمهورية، وكان ذلك ما تريده السفارة الأميركية. خصومة الإعلام هنا تختلف عن حقيقة المواقف السرية.

...

بلغ خبر هذا التحرك السيد نوري المالكي، فأجرى اتصالاته لدعم الدكتور معصوم وإبقائه في دائرة المنافسة وعدم التراجع. ونتيجة ذلك صار القرار داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، الى اعتماد التصويت لإختيار مرشحه لرئاسة الجمهورية، وقد ساهم المالكي هنا في إقناع بعض الشخصيات الكردية بالتصويت لمعصوم.

جرى التصويت بين الرجلين ففاز معصوم بفارق ضئيل على منافسه، وبذلك تم طرحه كمرشح القوى الكردية لشغل منصب رئاسة الجمهورية في 23 تموز 2014.

...

وقف المالكي أمام خيارين دقيقين:

الأول: اعتماد مبدأ الرزمة الواحدة في الاتفاق على الرئاسات الثلاث، كما جرت العادة في التشكيلات السابقة.

الثاني: الاتفاق على كل رئاسة بمعزل عن الأخرتين.

وقد أخذ المالكي بالرأي الثاني، في محاولة لوضع البرلمان أمام قيد التوقيتات الدستورية، وبذلك يستطيع أن يمنع المفاوضات من التمدد الزمني.

كان المالكي يستند في خياره الى أن كتلته هي الأكبر، وعليه فلا حاجة الى إضاعة الوقت بالدخول في مفاوضات الرزمة الواحدة، لكن تقديره لم يأخذ في الاعتبار أن تخطيطاً سرياً يجري ضده من قبل شركائه الشيعة.

وفي تلك الأيام كان الحديث عن مفاوضات بين القائمة العراقية بزعامة السيد إياد علاوي وبين التيار الصدري والمجلس الأعلى لتشكيل الكتلة الأكبر، لكن السيد المالكي كان حذراً في هذا المجال، فأبقى المجال مفتوحاً لتشكيل التحالف الوطني، لمنع شركائه الشيعة من الاتجاه نحو القائمة العراقية.

وكان السيد إبراهيم الجعفري يُصر على المالكي بتوقيع وثيقة التحالف، لكن الأخير يرفض ذلك، رغم حضوره في مؤتمرات صحفية مشتركة، فالمالكي كان يعرف أنه لو وقع وثيقة التحالف رسمياً فانه سيخسر قوته في كونه صاحب الكتلة الأكبر دستورياً، وكان المالكي ينتظر انعقاد الجلسة الأولى ليضمن إقرار دولة القانون بانها الكتلة الأكبر، وهذا ما نجح فيه بالفعل. وقد سبق أن نشرت في الحلقة الأولى من هذه السلسلة صورة الكتاب الموقع من قبل رئيس البرلمان بحكم السن الدكتور مهدي الحافظ، وفيه يؤكد أن دولة القانون هي الكتلة الأكبر.

...

أدركت الكتل السياسية، بأن الطريق باتت سالكة أمام المالكي ليشكل الحكومة وفق السياقات الدستورية، وهنا بدأت عملية الالتفاف لإبعاد المالكي عن السلطة.

في أحد اجتماعات قادة الكتل الشيعية، طرح السيد عمار الحكيم ترشيح الجعفري لرئاسة الحكومة، فواجهه المالكي بالقول أن هذا يخالف الاستحقاق الانتخابي، ولا بد من احترام الصيغ الدستورية في الترشيح. فسكت الحكيم ولاذ بالصمت، لكنه أوقد في نفس الجعفري أملاً كبيراً بإمكانية حصوله على الرئاسة فيما لم جرى إبعاد المالكي.

...

أدرك المالكي أن الالتفاف عليه بدأ يزداد، فطلب من السيد فؤاد معصوم أن يوجه له كتاب التكليف لكونه مرشح الكتلة الأكبر، فماطل معصوم بأنه يعاني من ضغوط كبيرة، وأنه لا يريد أن يخالف رأي المرجعية الدينية والسفارة الأميركية والجهات السياسية، وعليه لا بد من التريث.

كانت رسالة المرجع الأعلى السيد السيستاني الى قيادة حزب الدعوة باختيار رئيس وزراء جديد، هي النقطة الحاسمة، فقد وضعت المالكي في مكان حرج.

حاول الجنرال قاسم سليماني إقناع السيد محمد رضا السيستاني بأن يُصار الى تكليف المالكي، وأنه سيتنازل بعد ذلك، أو انه سيواجه صعوبة أمام البرلمان فيسقط حقه في تشكيل الحكومة، وفي الحالتين فان رأي المرجعية سيتحقق في تولي شخص جديد رئاسة الوزراء، كما أن الاستحقاق الانتخابي سيمضي طبقاً للدستور، لكن السيد محمد رضا أبدى تحفظه على المقترحين، بأن المالكي بمقدروه ان يشكل الحكومة فيما لو جرى تكليفه.

....

عاد رئيس الجمهورية يكرر على المالكي بأنه سيوجه له كتاب التكليف، لكنه يواجه ضغوطات هائلة من مختلف الأطراف. في نفس الوقت كانت مجموعة من قيادة حزب الدعوة قد شعرت بأن حظوظ المالكي باتت ضعيفة، فقرروا التخلي عن دعم المالكي، واللجوء الى مرشح آخر. وقد كانوا يرون أن الالتزام برأي المرجعية يفرض عليهم ذلك، لكن الذي يلامون عليه، أنهم لم يحيطوا السيد السيستاني علماً بأن ذلك يخالف الدستور، وأن من الأفضل اعتماد مقترح الجنرال سليماني.

في الساعات الأخيرة للمهلة الدستورية، تم تداول عدة أسماء في اجتماع سري لم يعلم به المالكي، حتى استقر الرأي على الدكتور حيدر العبادي، وتم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم.

بادر المالكي الى إلقاء خطاب تلفزيوني، واعلن فيه أنه قدم شكوى ضد هذا التكليف الى المحكمة الاتحادية، لكونه يُعد خرقاً دستورياً. وكانت خطوة المالكي مُحرجة جداً لكافة الأطراف، فتدخلت السفارة الأميركية بقوة لتطلب من الهيئة القضائية المختصة بعدم النظر في القضية، وزيادة في الاحتياط، طلبت من عدة قضاة السفر الى أربيل، فسافر خمسة منهم من مجموع التسعة التي تتشكل منها الهيئة.

...

قدم المالكي مقترحاً الى قيادة حزب الدعوة، بأن يُصار الى تنازل مشترك، بمعنى أن يتنازل هو والعبادي عن الترشح، ويتم اختيار مرشح ثالث. لكن العبادي رفض ذلك، فلقد حصل على منيته وحلم حياته، وعند ذاك تسقط الاعتبارات الأخرى.

بمجرد اعلان الخبر، انطلقت برقيات التهنئة والتبريك والدعم تنهال على العبادي من الولايات المتحدة والدول العربية، تظاهرة تأييد لم تحصل من قبل بهذه السرعة.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

العراق السرّي (3): الجعفري وزير خارجية ضد مصلحة العراق

salim alhasaniلا يعرف المواطن العراقي سوى الشكل الظاهري من حركة السيد إبراهيم الجعفري وزير خارجية العراق، فهو في حركة مستمرة بين الدول، لكن هذا النشاط لا ينعكس على مصلحة العراق مطلقاً، كما أن الكثير من اجتماعاته ولقاءاته تجري بشكل فردي، من دون تنسيق مع رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي.

في زيارته الأخيرة الى تركيا كان المقرر أن يتفاوض مع الحكومة التركية لإطلاق حصة العراق من المياه، لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً، فقد أيد الموقف التركي في حبس المياه وعدم تزويد العراق بحصته، وهو ما انعكس جفافاً في مناطق شاسعة من العراق وخصوصاً في جنوب العراق.

...

يصطحب السيد الجعفري في زياراته المكوكية كادراً كبيراً يرافقه يضم أفراداً من الخدميين والضيافة خلافاً لما هو متعارف عليه في الزيارات الرسمية، إضافة الى الكلفة المالية المرتفعة لذلك، في وقت تعيش الحكومة العراقية وضعاً مالياً سيئاً.

ويتصرف الجعفري في سفراته بطريقة تثير إستياء شركات الطيران الجوية، حيث يُبقي عدداً من أفراد حمايته يحيطون به وقوفاً خلال الرحلة، في مظهر يستفز المسافرين، فضلاً عن انزعاج المضيفين لكونه يتعارض مع إجراءات السلامة اثناء الرحلة.

يتعمد الجعفري إطالة فترة السفر، حيث يقضي عدة أيام إضافية في جولات سياحية للإطلاع على معالم الدول التي يزورها، وهذا ايضاً يخالف العرف الدبلوماسي ويتسبب في مزيد من إهدار الأموال.

...

يركز الجعفري لقاءاته مع نمطين من الدول، الأولى ذات المصالح التجارية، مما يفتح المجال أمام احتمالات القيام باعمال تجارية فيها، وهذا ما لوحظ على الجعفري في فترته الأخيرة، حيث اصبح أحد الامبراطوريات المالية في العراق.

والثاني الدول المعادية للعراق والتي تكيد له المؤامرات، وابرزها السعودية وقطر وامثالهما، حيث يمتلك الجعفري بأوثق العلاقات معها. وهو يدافع عنها في مؤتمراته الصحفية، ويصفها بأنها متضررة من الإرهاب.

المشكلة الأكبر أن السيد العبادي لا يمتلك قوة محاسبة الجعفري، ومساءلته، مما يجعل الجعفري يتصرف بحرية تامة، من دون إحترام رأي العبادي، بل أنه لا يعرف إلا القليل عن سفرات وزيارات وزير خارجيته المتكررة.

...

والملفت ان الجعفري وهو يتجول في اليابان وسوسيرا وفرنسا وتركيا ودول العالم، يوجه من هناك رسائل وعظية عن الامام الحسين عليه السلام وعن شهداء الحركة الإسلامية، وعن التواضع وغير ذلك، وكأنه يمارس مهمة المبلغ الديني، وينسى انه يمثل سياسة العراق الخارجية، وعليه أن يحترم مهمته الحساسة بتقديم رؤية عراقية لما يجري في العالم، وكذلك التوغل في مجريات السياسة الدولية التي تخص مصالح العراق.

الجعفري بهذا السلوك، لا يُضعف موقف العراق ويقلل من قيمته الدولية، إنما يُحول المنصب الدبلوماسي الى شأن شخصي للإنتفاع وجني المكاسب مالياً وذاتياً.

ولأنه يعرف أن العراق ليس فيه رئيس وزراء يحاسب ويتابع، فقد تمادى في تصرفاته، وجعل وزارة الخارجية بيتاً ثانياً له يتحكم به اقرباؤه لتحقيق نزواته ورغباته في التجوال والسياحة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

العراق السرّي (2): مدحت المحمود رجل العراق الأقوى

salim alhasaniبعد اسقاط نظام صدام، وجّهت القيادة الأميركية إهتمامها لمفصلين أساسيين في تصميم العملية السياسية، الأول: إعادة بناء الجيش، حيث ربطت قسما من الضباط العراقيين بتشكيلاتها السرية ارتباطا ًوثيقاً وصل لدرجة احتفاظ الأميركان بأرقام هواتفهم والتواصل معهم بشكل مستمر، كما منحت بعض كبار الضباط امتيازات استثنائية فقد خصصت لهم مبالغ مالية شهرية عن طريق السفارة الأميركية، وضمانة حمايتهم وإقامتهم الدائمة في الولايات المتحدة بعد انتهاء فترة خدمتهم أو في الحالات التي تقدرها القيادة العسكرية الأميركية، ومن الذين تركوا العراق ويقيمون حالياً في الولايات المتحدة وزير الدفاع السابق عبد القادر العبيدي، واللواء عبد العزيز الظالمي. كما أولت إهتمامها بعدد من الضباط وأبقتهم في مراكز قيادية منذ زمن الحاكم الأميركي بريمر، كالفريق أول ركن طالب شغاتي الكناني، الذي شغل مناصب مهمة في المؤسسة العسكرية، باسثناء فترة بسيطة ابعده فيها المالكي، لكن السفارة الأميركية طلبت من السيد العبادي تعيينه بمنصب قائد القوات المشتركة، فوافق على طلبها وهو يمارس مهامه حالياً في هذا المنصب الخطير.

...

أما المفصل الثاني الذي إهتمت به إدارة بريمر فكان المؤسسة القضائية فقد وضعوا على رأسها السيد مدحت المحمود وأولوه ثقتهم العالية، فاستمد قوته من الدعم الأميركي، وتعززت مكانته على رأس السلطة القضائية بعد إقرار الدستور، وبعد ترتيب قوانينها الخاصة، فحصل مدحت المحمود على سلطة استثنائية تحفظ له البقاء فيها والتحصن بقوانينها، بما يجعله أقوى السلطات في الدولة، فلا تستطيع عزله الرئاسات الثلاث، ولا تتمكن من تقييد صلاحياته.

...

يعرف قادة الكتل والنواب والوزراء وكبار المسؤولين، هذه الحقيقة، وهم حين يصرحون عن فساد القضاء ويوجهون له أقسى الاتهامات، فلأنهم يعرفون أن ذلك هو السبيل الوحيد الذي يدافعون فيه عن ضعفهم تجاه هذا الخلل الفاضح.

لقد خسر الدكتور اياد علاوي رئاسة الوزراء بسبب تفسير المحكمة الاتحادية للكتلة الأكبر، وظل يبث شكواه على وسائل الإعلام، لكنه لم يتخذ خطوة عملية جادة ضد المحمود، بل أن تهديده باللجوء الى المحاكم الدولية والأمم المتحدة، بقي مجرد كلمات استهلاكية لا أكثر. وراح يلقي باللائمة على إيران بأنها لا تريده أن يتولى تشكيل الحكومة، ثم تحول الى إتهام المحمود بانه يخضع للإرادة الإيرانية وللمالكي.

وعلى هذا السياق سار قادة الكتل السياسية في تكرار نفس الاتهام، بان المحمود خاضع للمالكي.

يواجههم هنا السؤال التالي:

إذا كانوا يعرفون تحكم المالكي بمدحت المحمود، فكيف يرضون بانتهاك القضاء والتلاعب به، وهم يشكلون مجتمعين الأكثرية العددية في البرلمان مقابل كتلة المالكي، وبمقدورهم أن يصنعوا الكثير في مواجهة هذا الخلل الذي ضاعت فيه السلطة القضائية وتحولت الى أداة حكومية، كما يقولون على مدى سنوات وسنوات؟

ومن جانب آخر، يواجهنا السؤال التالي: إذا كان المحمود تابعاً للمالكي فكيف يخذله في أهم معاركه السياسية، ويتخلى عن حسم الدعوى القضائية التي قدمها الى المحكمة بالطعن في دستورية تكليف معصوم للعبادي بتشكيل الحكومة، ولو حسمها لما خسر المالكي رئاسة الوزراء، ولما وصلت الى العبادي. ولا تزال الدعوى قائمة حتى اللحظة لم يسحبها المالكي بعد؟

...

والملفت أن أشد الأعداء المتضررين من المحمود في فترة المالكي، وأقصد بهم قادة الكتل السنية والكردية والشيعية، تركوا ملاحظاتهم السابقة على المالكي، ولم يوجهوا أصابعهم اليه لإدانة فترته الطويلة في التلاعب بالقضاء كما كنا نسمع، ولم يتخذ أي منهم خطوة عملية جادة لإدانة المحمود على ما اقترفته يداه طوال السنوات الماضية. بل أن التهديدات وكلمات الوعيد التي أطلقها زعماء الكتل السياسية وقادتها مثل أسامة النجيفي وإياد علاوي ورافع العيساوي وصالح المطلك ومسعود البارازني وخميس الخنجر وغيرهم، قد تلاشت بعد ان صار الطريق سالكاً أمامهم للأخذ بثأرهم من المحمود ومن المالكي.

والأمر نفسه ينطبق على السيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم وقادة الفضيلة وغيرهم عندما كانوا يتحدثون ويقولون إن المالكي سيواجه اليوم الأسود عندما تنتهي ولايته، وسيعلم أي منقلب ينقلب بعد أن تؤول السلطة الى غيره، وبذلك يفقد سيطرته على القضاء والتحكم برئيسه مدحت المحمود كما كانت تصريحاتهم تملأ وسائل الإعلام بذلك.

...

إن القضية المثارة في هذا المقال ـ والذي قبله ـ هي دستورية حكومة السيد العبادي، وعليه فلا بد أن يتحمس لها العبادي والكتل السياسية، من أجل أن يبعدوا أية شبهة طعن في دستوريتها، فما الذي يمنعهم من تقديم طلب الى السيد المحمود ليعطي رأيه بخصوص شكوى المالكي؟

أليس من المنطق أن يكون العبادي وقيادة حزب الدعوة والكتل الشيعية هم الأكثر إهتماماً بهذه القضية الدستورية، لينقذوا سمعتهم مما يرميهم به المالكي من تآمر عليه؟.

هل نجد منهم خطوة بهذا الاتجاه، ليعرف المواطن رأي القضاء بها؟ والأهم إيقاف المالكي عند حده في عرقلة حكومة العبادي، وإبعاد التهمة الشنيعة عنهم بالالتفاف على الدستور وعلى الاستحقاقات الانتخابية.

ونفس السؤال يتوجه الى السيد المالكي: فما الذي يدعوه الى السكوت وعدم متابعة دعواه القضائية، إذا كان يرى انه صاحب الحق؟

واذا كان قد يئس من السلطة، فان ذلك لا يعفيه من كشف الحقيقة عن طريق القضاء، ومن ثم إعلان تنازله، وبذلك يسجل موقفاً تاريخياً عالي المضمون من بعديه الأخلاقي والسياسي.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

العراق السرّي (1): حكومة غير دستورية تحكم العراق بتوافق القادة

salim alhasani2يحتاج البحث في دستورية حكومة السيد العبادي قدراً من الهدوء لإعادة تشكيل المشهد الذي أنتجها. لكن إمكانيات توفير هذا الهدوء تتلاشى عند أول خطوة، والسبب يكمن في الخلط بين تقييم حكومة السيد المالكي وبين الطريقة التي تم فيها إبعاده عن الولاية الثالثة، حيث يترك قسم من القراء الكرام مناقشة محور الموضوع، ويتجهون نحو إخفاقات المالكي في الأمن والخدمات، وما آلت اليه الأوضاع من تفشي الفساد وضياع عدة محافظات بيد داعش. أما الكلام عن دستورية حكومة العبادي فيضيع وسط هذه الانفعالات الساخنة.

ولكي لا نكرر الحالة نفسها، فأني أؤكد اداناتي السابقة للمالكي فيما كتبته من مقالات عبر السنوات الماضية وحتى آخر مقال، ويبقى رأيي فيه بأنه تسبب بكوارث كبيرة وخصوصاً في ولايته الثانية، أبرزها تفشي الفساد في العراق بشكل مدمّر، إضافة الى التدهور الأمني الذي انتهى بفقدان ثلث مساحة العراق على يد داعش.

لقد أخطأ المالكي وهو الذي يتحمل أخطاءه مباشرة، حتى لو جاء بعضها عن طريق المقربين منه، لأنه هو الذي جعلهم يحظون بالنفوذ والقوة، وكان عليه أن يبادر الى محاسبتهم بعد أن أخطأ في تقريبهم منه.

...

انتهت فترة المالكي وجاء الدكتور حيدر العبادي مدعوماً مؤيداً مباركاً من قبل كافة الأطراف العراقية والإقليمية والدولية، في تظاهرة تأييد لم يحصل عليها رئيس من قبل، وقد بلغ من أسباب الدعم ما جعل المرجعية تقف وراءه علناً، وتخرج الجماهير تفوضه بفعل ما يريد، واستجاب البرلمان لإصلاحاته ووضع صلاحياته تحت تصرفه. وقد أراد منه الشعب ان يعزل مدحت المحمود فقط، كان يرضيهم هذا المطلب لتبرد قلوبهم الحرّى وتبرد نفوسهم الثائرة، لكنه بدل ان يستجيب لهم ويتحول الى زعيم العراق التاريخي، فانه تراجع واختار أقصر الطرق للإنسحاب، واعلن تخليه عن تفويض الشعب، وانزوى في مكتبه يتحمل سخرية الشارع العراقي.

ويزداد الأمر إثارة عندما نلاحظ ان السيد حيدر العبادي الذي بث شكواه من المالكي وعرقلته لإجراءاته في إدارة الدولة، وراح يرددها على الأميركان والإيرانيين والمرجعيات وقادة الكتل ووسائل الإعلام، لم يستثمر هذه الفرصة ليوقف المالكي عند حده، ويعاقبه على سوء أعماله السابقة، من أجل ان يعيد الحق الى نصابه، وهي أولى مسؤولياته في الحكم.

لم نجد العبادي يتحرك بهذا الاتجاه خطوة واحدة أي باتجاه رئيس السلطة القضائية، بل أنه يرفض الاقتراب من مدحت المحمود رغم ان الشعب العراقي هتف على مدى أسابيع عديدة يطالب بإقالته.

فهل يحتفظ العبادي بهذا الإجراء ليوم الشدة؟

...

لن يقترب العبادي من مدحت المحمود ولن يعترض له طريقاً، والسبب أنه يدرك أن حكومته غير دستورية، فاذا ما أراد ان يزيح رئيس القضاء عن موقعه، حتى ولو بأكمل الطرق القانونية وأتمها، فانه سيجد في نفس اليوم صدور قرار المحكمة الاتحادية بصحة اعتراض المالكي، وأن الكتلة الأكبر هي دولة القانون، أي أن ترشيحه كان باطلاً لأنه جاء بالتفاف على الدستور اشترك فيه السادة: إبراهيم الجعفري وفؤاد معصوم وقادة الكتل الشيعية.

في وثيقة لا تقبل الجدل اضعها في نهاية هذا المقال وهي تبين أن لا وجود دستوري للتحالف الوطني، فقد وجّه السيد مهدي الحافظ كتاباً رسمياً الى رئيس الجمهورية والى رئيس البرلمان يقول ما نصه:

(فخامة السيد رئيس الجمهورية المحترم

سيادة رئيس مجلس النواب المحترم

تحية طيبة

كما تعلمون كنت رئيساً لمجلس النواب بحكم (السن) وأدرت ثلاث جلسات في (1، 13 و 15 تموز 2014 ) ولم يحصل أن تقدم أحد بأي طلب لي سواء من الإئتلاف الوطني أو غيره بشأن الكتلة الأكبر في مجلس النواب. وكان ملحوظاً أن كتلة دولة القانون هي الكتلة الأكبر في مجلس النواب.

مع التقدير والشكر

النائب مهدي الحافظ)

أضع صورة الوثيقة أدناه، وهي تفسر لنا مواقف العبادي، وعدم قدرته على الإصلاح، وسيبقى كذلك ملاحقاً بهذا الهاجس، فأي خطوة تزعج الآخرين، وخصوصاً السفارة الأميركية، ستكون نتائجها كشف المستور، وأي ضغط على مدحت المحمود ستعني الإفصاح عن عدم دستورية حكومته.

 876-salim

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

من الأرشيف: لقاء مع المرحوم السيد مهدي السويج

qusay askarالسيد مهدي السيد محمد احمد من وجوه البصرة المعروفة، كاتب وباحث وشاعر، كان من المفروض أن يتفرّغ للشعر لكن حبه الفقه والبحث فيه صرفه عن الشعر إلى الأمور والقضايا الدينية والكتابة والتأليف فيها، قبل عام 1993 زرته في بيته بمنطقة الحجيرة التابعة لمنطقة السيدة زينب في ريف دمشق واجريت معه لقاء نشرته جريدة المؤتمر العدد 69 الجمعة أيلول سبتمبر .أول ما بدأت لقائي معه بالشعر1994 حيث ربطته علاقة صداقة بكثير من الشعراء منهم الجواهري والصافي النجفي يقول: أول لقاء لي مع الجواهري كان في الأربعينيات يوم مات وزير الداخلية سعيد جريو، فشاركت في حفل تأبينه في بيت جريو بقصيدة رثاء مطلعها:

نادي السياسة مكلوم الحشا كمدا   إذ لم يجد مثل سعد مخلصا أبدا

وعلى الرغم من أني كنت صغير السن إلا أن الجواهري نشر قصيدتي التي كانت بحدود 28 بيتا في جريدته "الرأي العام" عام 1949. ونصحني الجواهري أن أترك الفقه لأنبغ في الشعر كذلك الصافي النجفي الذي التقيته في دمشق في مقهى هافانا عام 1960 و1965 فنصحني كذلك بترك الفقه والتفرغ للشعر. ويصيف أنه دعي مع الشيخ البازي إلى مهرجان الشاعر شوقي في الستينيات فنظم قصيدة ضارع بها قصيدة البردة ألقاها في المهرجان نفسه نيابة عنه الشيخ البازي ومطلع قصيدة السيد السويج هو:

عهد الصبا ومغاني الحب في أضم   رسمته أسطرا من مدمعي ودمي

ومنها هذا البيت أيضا:

محمد شعلة قدسية سطعت   فمزقت من سناها حالك الظلم

ولم أغفل أن أتحدث فيها عن عيد الغدير . القصيدة طبعت في النجف، البصرة، الشارقة والدوحة، واتصل بي الملحن سمير بغدادي حيث أراد أن يلحنها لتغنيها مائدة نزهة فلم أوافق لأسباب فقهية.

وعن علاقته بالسياسيين يذكر السيد السويج رحمه الله علاقته بالرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر فيقول: أولَّ تخرِّج ِ البكر من الكلية العسكرية تعيَّن في البصرة ملازما ثانيا . كان يتردد على مسجد السيد الحكيم في المعقل، وكنت أقرأ عند السيد الحكيم مجالس التعزية، وأذكر أن البكر كان يلف سجائره بيده ويقدمها لي. كان يحضر المجلس بالتوالي، ويبدو أنه اطلع على مؤلفاتي منذ كان ملازما وعنده بعض التسجيلات الحسينية بصوتي وبعد أن أصبح رئيسا للجمهورية استدعاني وقال نريد أن نحدث وزارة ونعينك وزير دولة للشؤون الدينية، فشكرته واعتذرت، وعرض عليّ ايضا الانضمام إلى الحزب الحاكم فأعلنت استقلالي.

للسيد السويج مؤلفات عناوينها تلفت النظر في حقول مختلفة، في الشعر والتاريخ والفقه، والحديث ومنظومة في الإملاء لكن لايبدو غريبا أن يكتب مختص في شؤون الدين والفقه منظومة في الحديث ورجاله والفقه واصوله والإملاء وطرقه أمّا الغريب فهو أن يكتب وينظم له العنوانات والموضوعات التالية:

نظم قواعد اللغة الإنكليزية .

نظم قواعد اللغة الإنكليزية في الحذف والتقدير.

نظم قواعد اللغة الكردية.

غير أن استغرابنا زال سريعا حينما سألناه فوضح لنا الأمر يقول رحمه الله:

ابني المرحوم عباس الذي أعدمه النظام كان بالمدرسة المتوسطة في الستينيات وقد حدث أن رسب في اللغة الإنكليزية فوعدته أن أنظم له قواعد الإنكليزية على الرغم من أني لا أعرفها فاشتريت كتبا وقرأت عن اللغة الإنكليزية وقواعدها وخلال أيام قليلة استوعبتها واستوعبت أفعالها القياسية وشواذها بقائمة المضارع والماضي واسم المفعول والفاعل من لفظ واحد، ثم أعقبتها ب 500 بيت للتمارين من أجل تعليم الطلاب لغة السياحة، وعندما أنجرت العمل دعتني إذاعة لندن مرتين آخرها عام 1970 أخبروني أنهم على استعداد لاستضافتي وتحمل نفقات السفر غير أني لم أذهب.

بعض من المنظومة في الإنكليزية:

إلى كبير وصغير تنقسم   حروفهم ثم عليها يرتسم

قسمان فالأول للطبع رفع   والثانِ في كتابة لهم وضع

فاسم كبير (كابتل) جاء وقد   سموا الصغير (صمول) حسب ما ورد

و(برنت) طبع (رايتنك) كتابه   عليك أن تراعي كلا بابه

هناك كتيب أهداني إياه عن السيدة الفاضلة أم الإمام العباس "ع" وكتيب آخر جمع فيه فتاوى علماء المسلمين من جميع المذاهب بتكفير الوهابية والطعن في فكرهم ليثبت للوهابية أنهم على خطأ في تكفير المسلمين بخاصة اصحاب المذاهب الأربعة فضلا عن المذهب الجعفري.

وهناك كتاب فعلا غريب أهداني إياه سرقه مني أحد الأصدقاء واسم الكتاب "مضحك الحزين ومسلّي السجين" جمع فيه الكثير من النكات الإيروتيكية وقد قدم للكتاب بمقدمة يعلل فيها تأليفه في هذا الباب حيث ذكر جملة من الفقهاء الذين سبقوه في تناول هذا الموضوع.

رحم الله الشاعر الفقيه الباحث السيد مهدي السويج.

محمد عز الدين الصندوق عاشق العلم والفن والفلسفة

raed jabarkhadomتفتخر الامم والشعوب الحية والمتقدمة، بعلمائها ومفكريها وادبائها وفنانيها، وكل من له مساهمة فاعلة ومنجز ابداعي في الحياة الثقافية والمعرفية الانسانية، لان الحياة والمجتمعات والمؤسسات من دون ابداع ومبدعين لا قيمة لها.

والاستاذ الدكتور محمد عز الدين الصندوق، احد العلماء العراقيين المبدعين الذين جمعوا بين العلم والفن والفلسفة.

والصندوق عالم ومفكر وفنان، ولد في بغداد، واكمل دراسته الجامعية الأولية في جامعة بغداد، كلية العلوم، قسم الفيزياء، وحصل على الدكتوراه من جامعة مانجستر في انكلترا عام 1990. وعمل في الصناعة والمجال الأكاديمي، وآخر مناصبه العلمية في العراق كان رئيساً لقسم هندسة الليزر والإلكترونيات البصرية في جامعة النهرين. كما سبق له وان كان أحد اعضاء الهيئة التدريسية في كلية بابل الحبرية للفلسفة واللاهوت، وعضو في لجنة فلسفة العلوم في بيت الحكمة.

يعمل الصندوق حالياً أستاذاً لتكنولوجيا الطاقة المتجددة للدراسات العليا في جامعة Surrey في إنكلترا، وعضواً في لجنة الفيزياء الهندسية في معهد الفيزياء في لندن. وعضواً في جمعية فلسفة العلوم البريطانية، واشرف الصندوق وما يزال على الكثير من طلبة الدراسات العليا في العراق وانكلترا.

الصندوق مهتم بالفكر الفلسفي منذ بواكير حياته الثقافية الاولى ، وبعد تخصصه في مجال الفيزياء الذي كان سببه الفلسفة لم يترك قراءة الفلسفة وممارستها . وقد ساهم في الكثير من أنشطة قسم الفلسفة في كلية الاداب ـ جامعة بغداد منذ عام 1992 كما كان احد الكوادر التدريسية في قسم الفلسفة في كلية بابل للفلسفة و اللاهوت.

871-raedوالصندوق متخصص في فيزياء البلازما "انتقال الجسيمات المشحونه" ومهتم بأساسيات ميكانيك الكم. وله العديد من البحوث المنشورة في مجال تخصصه. بالإضافة لنشاطه العلمي في مجال اختصاصه فهو مهتم بفلسفة العلوم، وانعكست دراساته العلمية على طروحاته الفكرية.

وللصندوق عدد كبير من المنشورات العلمية الأكاديمية والاعمال الفكرية باللغتين العربية والإنكليزية. الأسلوب العلمي يبدو جلياً في جميع اعماله الفكرية والفنية. وتتميز معظم اعماله بالجرأة وحداثة الفكرة وربما غرابتها.

فمن اعماله المميزة في مجال الفيزياء:

1ـ اقترح عام 1997 تعديلاً للصياغة النظرية لمعادلة عالم الفيزياء الأمريكي ديفد بوم (Bohm) التي اكتشفها عام 1949 والخاصة بالانتشار الشاذ للبلازما. حيث بين ان الكسر (1\16) قد يعود إلى التركيب الهندسي للمنظومة.

2ـ في عام 2007 قدم تفسيراً ميكانيكيا لفرضية الأمواج الثلاثة التي تفسر الجسيم الدقيق على ضوء التصور الموجي. كان النموذج الذي اكتشفه على شكل الترس Gear. النموذج المقترح جاء متفقاً مع الفرضية وامكن استخدامه في اشتقاق المتجه الرباعي كما تعرفه النظرية النسبية الخاصة .

اما في مجال فلسفة العلوم والتكنولوجيا فقام بما يأتي:

1ـ يعتقد الصندوق بأن الدلة الرياضية المعقدة (Complex function) التي تلعب دورا أساسيا في فيزياء الكم يعود مرجعها إلى عدم قدرة التجربة العلمية على المستوى الميكروئي (المتناهي الصغر) على تجاوز حدود ذلك العالم الصغير وليست ناتجة عن تركيب احصائي كما سبق وان طرحه دبرولي في الثرموداينمك الخفي .

2ـ استخدم النموذج الإحصائي لدراسة تطور العلوم عند العرب والمسلمين وقارنه بالنموذج الغربي. ويفسر التطور العلمي على أساس ارتباطه بالحرية الفكرية.

3ـ يعتبر فلسفة التكنولوجيا المرحلة الرابعة للفكر الإنساني الذي وضع تسلسله الفيلسوف الفرنسي اوغست كونت في مراحله الثلاث. فهو يعتقد بانحسار الإقبال على العلوم لصالح التكنولوجيا.

4ـ استخدم التشبية العلمي في دراسته للمجتمع البشري، حيث يرى ان المجتمع البشري مشابه لمائع البلازما. وهو بذلك يسير بنفس منحى عالم الفيزياء الأمريكي بوم. هذا النموذج يفسر الكثير من الظواهر الاجتماعية. يعتبر المجتمع كيان كلي (Holism) مترابط وما الظواهر الاجتماعية الا ناتج للتفاعلات الفردية.

اما في مجال الفن والرسم تحديداً فهو يشكل أحد وسائل التعبيرالتي يعتمد عليها الصندوق، بالإضافة للعلم والفلسفة، ولديه الكثير من الاعمال الفنية الرائدة التي وظف العلم والفلسفة في اعماله ، وشارك الصندوق في مجموعة من المعارض الفنية وفاز بالكثير من الجوائز التكريمية.

يعتقد الصندوق بان العلم يمكن ان يدرس كل شيء (ما عدا الميتافيزيقيا) لذا اهتم بمحاولة معرفة حدود المعرفة العلمية و تأثيرها الاجتماعي. و قدم عدة دراسات في الفيزياء و حدودها . ويؤكد على ان واقع الفيزياء الحديثة و منذ عشرينات القرن الماضي و حتى الان تعيش إشكالية تجاوز حدود المعرفة لما يعرف بدالة الموجة المعقدة. و هذه الإشكالية لعبت و تلعب دورا كبيرا في الفكر الفيزيائي المعاصر. حتى انها افرزت ما يشبة الاديولوجيا او (Paradigm) الذي سيطر على الفكر الفيزيائي. وتوقع الفيلسوف كارل بوبر (1902ـ1994م) بان علماء المستقبل قد يتحولون للعمل في مجال التكنولوجيا اكثر من الفيزياء. وقد درس الصندوق هذه الظاهرة و توصل الى ان عصر العلم يواجه صعوبات تقنية و منطقية تحد من النشاط العلمي الصرف (Pure science). وتوصل الى نتيجة مهمة جداً كما اشار لها بوبر وهي ان التكنولوجيا اليوم تبرز كنشاط بديل للكثير من العلوم والفلسفات .

لقد تبنى الصندوق قانون المراحل الثلاث الذي طرحه الفيلسوف الفرنسي اوغست كونت (1798ـ1857) الذي ينص على ان البشرية مرت بمراحل او حالات ثلاث في تفكيرها وهي :

1ـ الحالة اللاهوتية: هي الحالة التي اتجه فيها الفكر البشري إلى البحث في كنه الأشياء وأصلها ومصيرها، فتخيل وجود قوى غيبية خفية هي علة ما يحدث في العالم.

2- الحالة الفلسفية او الميتافيزيقية: وهي الحالة التي أصبح فيها الفكرالبشري يفسر الظواهر ليس اعتماداً على علل مفارقة أو قوى غيبية، بل اعتماداً على علل ذاتية يصور له الوهم أنها باطنية في الأشياء، في حين أنها ليست إلا معان مجردة مثل : العلة والقوة والنفس والماهية …

3- الحالة الوضعية او الواقعية : وهي الحالة التي بلغ فيها الفكر البشري سن الرشد وأصبح يدرك أن المعرفة المطلقة مستحيلة، وبدأ يكتفي بمحاولة معرفة الظواهر وما يربط بينها من علاقات - دون الاهتمام بعلل الأشياء وماهياتها- وصياغة هذه العلاقات في شكل قوانين.

ولا اعرف بالضبط ما هو موقف الصندوق من هذه المراحل عند كونت، هل هو يتفق معه بالكامل بشأنها ام لديه موقف آخر مغاير، ولكن الواضح ان الصندوق قد اضاف على هذه الحالات او المراحل الثلاث مرحلة جديدة لتطور الفكر البشري من خلال ادخاله التكنولوجيا كمرحلة رابعة. فحسب نموذج كونت كل مرحلة لها واقع اجتماعي مميز لها، و باعتبار التكنولوجيا المرحلة الرابعة عند الصندوق فان المرحلة الاجتماعية المصاحبة لها هي مرحلة العولمة.

العالم اليوم يقفز قفزات كبرى في التكنلوجيا تفوق المراحل السابقة من تاريخ الفكر والعلم والفلسفة، ولكنني اعتقد ان هذا التطور والتقدم لم يحصل لولا التقدم الكبير في مجالات العلم وفلسفة العلم، وهذا ايضاً يذكرنا بالنهضة الاوربية الكبرى في مجالات العلوم والفنون والآداب، وما احدثته بعد ذلك من ثورة صناعية وعلمية هائلة فاقت العصور والحقب التاريخية السابقة، ولم يكن هذا ليكون لولا التأثر الكبير بحركة العلم ونهضته في عصور تاريخية سابقة سواء في الغرب او عند العرب والمسلمين وازدهارهم العلمي والحضاري والفكري.

يكرس الصندوق اليوم اهتمامه الكبير لنشر ثقافة الاصلاح والتنوير والتغيير وغرس الوعي العلمي والفلسفي والفني في نفوس الكثيرين، سواء من خلال محاضراته ودروسه او بحوثه او دراساته او مقالاته او لوحاته الفنية الرائعة التي جسدت ذلك بصورة واضحة تجذب نحوها الكثير من المريدين.

وقد وظف ووفق الصندوق في علمه وفلسفته وفنه بين كل هذه التخصصات الكبيرة والمثيرة، فهو مفكر عشق كل هذه المجالات والتخصصات التي تجمع بين العقل والحواس والعاطفة، وقليل ما تجتمع تلك الاهتمامات والتخصصات في انسان، وانشغالاته العلمية والبحثية والمختبرية الكثيرة لم تشغله وتفصله وتبعده عن التفكير الفلسفي ولا عن ريشة الفنان وزهو الوانه الجميلة.

ان وجود الصندوق حالياً في بريطانيا، جعله يعيش حالة من الدهشة الفلسفية، لما يعاينه من تطور وتقدم علمي وفكري وتكنلوجي كبير في الغرب، ومن التخلف والتأخر الذي تعيشه الشعوب والمجتمعات العربية والاسلامية، بفضل السياسات المنحرفة من جهة والتطرف الديني وتنامي الحركات الارهابية والفكر الاصولي من جهة اخرى. ولذلك فهو دائم الكتابة، ناقداً ومحللاً ومعالجاً، لواقع المجتمعات العربية والاسلامية اليوم، ويذكرنا بالتاريخ الكبير لحضارتنا العربية والاسلامية وازدهارها المجيد في مجالات العلوم والفنون والفلسفة والآداب، والمواقف العقلية والتنويرية التي كانت سائدة في فترات تاريخية سابقة، ولكن بسقوط بغداد عام 656هـ ـ 1258م، انتقلنا الى مرحلة انحطاط وظلام دامس في تاريخنا العربي والاسلامي لم نخرج منه الى اليوم.

يقول الصندوق في مقال له عنوانه (الفكر المشوه والانتحار الاجتماعي) يبين فيه واقعنا العربي اليوم مقارنة بالواقع الغربي المتقدم : (قام المفكرون الاسلاميون بتقييد الفكر ومنع المخ البشري من ممارسة دوره منذ القرن العاشر وحتى الان . لقد اتضحت الاعاقة الفكرية المزمنة الناتجه عن تلك القيود الحديدية بالتخلف الاجتماعي والحضاري الذي صاحب هذه المجتمعات خلال القرون الماضية ولحد لان. لقد ادى هذا الى توقف الانجاز العلمي والذي هو اساسا ناتج لمجابهة الطبيعة وتحدياتها كما تراجع تبعاً لذلك التراكم المعرفي لعدم وجوده اساساً. وهكذا قادت هذه القيود الحديدية الى اعاقة فكرية دائمة. هذه الاعاقة الدائمة الناتجة عن القيود الفكرية ولمدة قرون عدة ادت الى ما هو عليه من وضع في المجتمعات العربية الاسلامية من عدم القدرة على مجابهة التحديات على اختلاف انواعها.)

ومن الامور التي يشير اليها الصندوق في واقعنا العربي هي ان الفكر الديني هو الفكر المسيطر الوحيد على المجتمع خلال قرون مضت والى اليوم، لذا لم يظهر أي فكر بديل او إصلاحي على الساحة، وان ظهر فبصبغة دينية ايضاً، فقد كان الجامع او الكتاتيب او دور العبادة هي مصدر المعرفة الوحيد، اما بالنسبة لعامة الناس فكان الوعظ الديني مصدر معرفتهم الأساسي. لقد تجاوز الغرب هذه الحالة و تطورت دور المعرفة الدينية الى جامعات علمية تدريجيا نتيجة الإصلاح و التطور الفكري.

ان المجتمعات العربية الإسلامية سواء في الماضي او اليوم، تتربى على قبول الوعظ كمصدر معرفي جماعي، والوعظ يعني رفض الفكر النقدي و القبول و التسليم لما يقوله الواعظ، هكذا تربت هذه المجتمعات و حتى الآن. فكثير من الوعاظ حولوا الكثير من الاختصاصيين مثل الأطباء و المهندسين و المثقفين الى إرهابيين و قتلة. اما المجتمعات الغربية فهي تربي الأطفال في المدارس ومنذ نشأتهم على مناقشة المعلم و عدم تقبل كل ما يقال، وعلى الفكر النقدي والحوار والمناقشة، والفكر النقدي ـ من وجهة نظر الصندوق ـ يتم ارضاعه لهم اجتماعياً، وهذا ما جعل منهك اناس يتقبلون الافكار ويختلفون ويتحاورون اعتماداً على العقل والحجة والبرهان، دون اللجوء الى العنف والتطرف والالغاء والكراهية والتصفية.

اننا اليوم بامس الحاجة الى ثورة علمية وفكرية وسياسية واصلاحية تنقذنا مما نحن فيه من جهل وهمجية وتطرف وكراهية، وهذا لن يكون الا بنقد الذات واصلاحها ومعالجة عيوبها، والتحاور مع الآخر، والاخذ باسباب التقدم العلمي والتكنلوجي المعاصر، وان نفتح عيوننا على العالم ونقتبس منه ما يؤدي الى تقدمنا وانارة حياتنا وتقدم حاضرنا ومستقبلنا، وهذا لن يكون الا بجو ملىء بالحرية والنقد والاختلاف.

نعم اننا بحق نعد الصندوق عاشقاً للعلم والفن والفلسفة، وسلطنا ضوء بسيط على فكره وفنه وعلمه الكبير في هذا المقال، فهذا غيض من فيض، عسى ان نوسع ذلك في بحث مستقل في قادم الايام تفي حقه ومكانته العلمية والفكرية والفنية، وتكشف عن ريادته وابداعه الجميل وسعة افقه وخياله، في الساحة الفكرية والثقافية العراقية والعربية والعالمية.

 

د. رائد جبار كاظم

 

إسلاميو السلطة (88): حسين الشهرستاني استغلال الدين من اجل السلطة

salim alhasaniيشكل انخراط الدكتور حسين الشهرستاني في العملية السياسية، أحد مظاهر الانتكاسة التي طبعتها، فقد تنقل الرجل على مواقع مهمة في الدولة، كان يترك وراءه ركاماً من الفشل الكارثي، حيث تسنم مواقع حساسة تتصل بمناطق العصب من العراق، مثل الكهرباء والنفط والطاقة، فكان أحد صنّاع الخراب الاقتصادي لثروات هذا الوطن الغني المنهوب من قبل قادته السياسيين.

دخل الشهرستاني الحياة السياسية، من بوابة المرجعية، وكان ذلك كفيلاً لأن يختصر له المشوار. كما جاءها بعنوان مستقل، وهو الفراغ الذي كان موجوداً في بدايات تشكيل العملية السياسية، حيث تتوزع الشخصيات المهمة على أحزاب وكيانات معروفة. وبذلك استطاع أن يحظى بثقة المرجعية العليا ليكون أحد أعضاء لجنة اختيار المرشحين في قائمة الائتلاف الوطني، وكانت المرجعية قد اشترطت على أعضاء اللجنة بعدم ترشيح أنفسهم للانتخابات. لكن الشهرستاني عصى أمر المرجعية وخرق الشرط، فشارك في الانتخابات رئيساً لكتلة المستقلين. وهو بذلك لا يختلف عن غيره من قنّاصي الفرص، والعابرين على جسر العناوين والجهات الكبرى عند الشيعية، أي المرجعية الدينية، والهوية الإسلامية، والانتماء العائلي، والارتباط بخط الشهداء.

...

حاول الشهرستاني أن يُعتّم كثيراً على إستياء مكتب السيد السيستاني منه، بعد هذه الخطوة الإستغلالية، وكان يتصرف وكأنه لا يزال يتمتع بعلاقات وثيقة مع مرجعية السيد السيستاني، وأنه محل ثقتها واعتمادها. وكان في نفس الوقت يبذل جهوده الحثيثة ومساعيه المتواصلة لتقبل إعتذاره وتعذر له خديعته. فلا سبيل له للبقاء في دورات البرلمان ومراكز السلطة التي يتطلع اليها، فيما لو عرف الشارع العراقي فعلته في خيانة المرجعية والعهد الذي قطعه على نفسه أمامها.

كان الدكتور حسين الشهرستاني ينشد المنصب الرفيع، يطلبه حثيثاً، يريد بلوغه بأسرع وقت ومن أقصر طريق، قبل أن تتبدل المعادلات وتتغير الظروف، وهو رجل لا يملك من خبرة السياسة وثقافتها وفكرها ما يؤهله لتقديم الطروحات والأفكار والنظريات والحلول، فأدرك أن عليه أن يُسرع باستغلال الفرصة قبل زوالها، وهو في ذلك يشترك مع الجوقة التي دهمت العملية السياسية، فتقاسمتها بالمحاصصة، وتشاطرت المكاسب بالتوافقات.

وقد حقق خطوته الأولى بشغل منصب نائب رئيس البرلمان في حكومة السيد إبراهيم الجعفري عام 2005.

...

بعد الانتخابات البرلمانية نهاية عام 2005 وخلال مفاوضات الائتلاف الوطني باختيار مرشحه لرئاسة الوزراء، خاض الدكتور حسين الشهرستاني ميدان التنافس، مشكلاً بذلك مفاجأة في الوسط الشيعي والسياسي، لا تقل عن مفاجأة حزب الفضيلة الذي طرح الدكتور نديم الجابري أحد أقلام قادسية صدام المشؤومة، في التنافس على رئاسة الوزراء.

وقد كان دخول المنافسة محاولة من أجل الحصول على منصب رفيع في التشكيلة الجديدة، لأن حظوظ فوزه كانت محدودة، وهي نفس العملية التي مارسها حزب الفضيلة.

وفي الحقيقة فان تلك الخطوة مهما كانت دوافعها، إلا أنها أضعفت التماسك الشيعي، وأسهمت في ضعضعة كيانه البرلماني والذي أرادته المرجعية العليا أن يكون متماسكاً قوياً موحداً. وقد كانت الأجواء العامة أيامذاك منشدة نحو السيد الجعفري صاحب الشعبية الأكبر في العراق، قبل أن يفقدها تدريجياً وبوتيرة متسارعة بسبب اخطائه المتكررة، حتى آل به الأمر الى ما يثير الرثاء والسخرية مع الأسف.

...

نشط الشهرستاني في تلك الفترة في عقد اجتماعات سرية في قصره في المنطقة الخضراء، وقد اعتاد أن يعقد اجتماعاته مع شخص أو شخصين حرصاً على سريتها، وحتى يستطيع أن يمرر محاولاته من خلال أفراد معدودين، لعدم قدرته على إقناع الحاضرين في اجتماع موسع.

كما أنه كان يتحرك بمفرده في الاتصال بالسفير الأميركي زلماي خليلزاد، والاجتماع به بعيداً عن جو الائتلاف الوطني، ففي داخله تطلع كبير، لكنه كان يُدرك انه بحاجة الى دعم قوي ليقترب مما يريد، وبذلك يستطيع أن يضمن لنفسه منصباً مهماً.

...

سحب الشهرستاني ترشحه من المنافسة بعد ان حصل على وعد من المجلس الأعلى بتولي وزارة سيادية مقابل سعيه لإقناع كتلة المستقلين بمنح اصواتها للسيد عادل عبد المهدي. وكان ذلك كافياً بالنسبة له في تلك الأيام. فبذل جهوده لإقناع كتلته بدعم مرشح المجلس الأعلى، والابتعاد عن مرشح حزب الدعوة أي السيد إبراهيم الجعفري، لكنه عجز عن ذلك، لعدم قدرته في الحوار والإقناع إضافة الى ضعف قابلياته القيادية، فصار القرار أن يترك لكل عضو تحديد موقفه بنفسه.

تولى الشهرستاني في حكومة المالكي الأولى منصب وزير النفط، وفيها تصرف بثروة العراق الأهم، بحسابات خاطئة، من خلال جولات التراخيص. كما استغل منصبه في عقود وصفقات فاسدة. وقد تصرف بمزاجية عالية في التعامل مع الشركات الأجنبية، فكان يرفض المشاريع الرصينة التي تخدم العراق، لأنه لا يروقه الوفد المفاوض، فيصرّ على عرقلته ومن ثم رفضه، من دون سبب معقول.

ومزاجية الشهرستاني ونرجسيته توضحت من خلال كثرة الدعاوى التي أقامها ضد الإعلاميين والمنتقدين لإدائه في الوزارة.

وفي حكومة المالكي الثانية تولى منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، فواصل سياسته التخريبية، وتقديراته السيئة، حتى تحول الى واحدة من نكات الشارع العراقي، لكنها نكتة تزيده مرارة، ولا ترسم على شفتي المواطن بسمة ارتياح. وابرزها تكراره الدائم بتصدير الكهرباء عام 2013.

أمر آخر غريب في شخصية الشهرستاني، تتمثل في إصراره المريب على تولي شؤون الطاقة، فبعد ان فقد الأمل في حصوله على رئاسة الوزراء في ضوء استبعاد المالكي لولاية ثالثة، حصل على وعد من السيد العبادي بمنحه وزارة النفط مقابل النشاط الذي قام به لإيصاله الى الرئاسة. وحين اخلف العبادي في تحقيق وعده، أظهر سخطه عليه، واحتجب في قصره مقاطعاً الحكومة، حتى استرضاه العبادي بوزارة التعليم العالي إضافة الى عضوية لجنة الطاقة.

...

يُشكل نموذج الشهرستاني ظاهرة مؤسفة في التحول السريع للشخصية، عبر استغلال العناوين الدينية من اجل الطموح الشخصي والانغماس في المكاسب السلطوية.

ليس هذا وحده ما يبعث على الأسف عند المواطن العراقي، بل أن شدة الأسف تزداد في نفوس المعتقلين الذين استغل عنوانهم وعذاباتهم أيام المعارضة، ليصل الى ما يريد، وحين ضحك له الحظ، تركهم وراء ظهره وأدار وجهه عنهم، وكأنه لم يلتق بهم ذات يوم.

...

ملاحظة: سأتوقف عن الاستمرار في نشر هذه السلسلة، تمهيداً لتهيئتها في كتاب مستقل، وفيه أذكر ما لم يسمح لي المجال بذكره من تفاصيل ووقائع وأشخاص لم اتناولهم في هذه الحلقات، وخصوصاً فيما يتعلق بـ (حريم السلطة) وعلاقتهن بشخصيات مهمة، لقد حرصت على عدم ذكرها في حلقات السلسلة، تحاشياً من عاصفة التعليقات. أما ما يتعلق بالحلول فسأنشرها ضمن سلسلة مقالات جديدة أعتزم البدء بها ان شاء الله، تتناول الراهن العراقي وما يجري فيه وإمكانيات الحل.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

ثرثرة على ضفاف الكتابة نبذه عن حياة الفيلسوف اوغيست كونت

fatima almomaniاوغست كونت Auguste Comte 1798-1857 يعد تلميذا لـ سان سيمون Saint-Simon وهو فيلسوف فرنسي وعالم اجتماع، بحيث أكد على ضرورة بناء النظريات العلمية المبنية على الملاحظة، إلا أن مؤلفاته كانت على جانب عظيم من التأمل الفلسفي، ويعد هو نفسه الأب الشرعي والمؤسس للفلسفة الوضعية. أسس المذهب الوضعي القائل أن لا سبيل إلى المعرفة إلا بالملاحظة والخبرة. إذ تقوم الفلسفة الوضعية على أن الفكر الإنساني لا يدرك إلا الظواهر المحسوسة في العالم الذي نعيشه. .

فالمذهب الوضعي الذي وضع "أوجست كونت " أسسه مذهب مادي إلحادي يقوم على الإيمان بالمادة وحدها، وينكر كل ما وراء المادة والحس، ويرى أن المعرفة اليقينية هي المعرفة الحسية المادية التي تقوم على الملاحظة والتجربة الحسية. وكل معرفة لا تقوم على الحس أو التجربة فإنها عند هؤلاء وهم وخيال . فهذا المذهب إذن ينكر جميع الأديان، ويرفض الغيب والمغيبات عن الحس، ويطعن في كل معرفة تأتي عن طريق الوحي.

ولقد شكل هدف كونت الأسمى هو إصلاح المجتمع ليعيش الناس في توافق وانسجام، ومذهبه عرض في كتابه: محاضرات في الفلسفة الوضعية، (1830- 1842) وفيه يبين المراحل الثلاث التي اجتازها الفكر في تطوره. يرى كونت Comte أن تاريخ البشرية ينقسم إلى ثلاث مراحل من التقدم الشامل: المرحلة الدينية، والمرحلة الميتافزيقية، ثم المرحلة العلمية. تمثل المرحلة الأولى المرحلة اللاهوتية théologique: حيث يعتقد الناس أن الموضوعات الجامدة التي لا حياة فيها هي موضوعات حية ولقد مرت هذه النظرية العامة نفسها بثلاث مراحل:

Animism or Fetishism -1: والتي تنظر إلى كل موضوع على أن له إرادته الخاصة.

Polytheism -2: والتي تعتقد أن الكثير من الإرادات السماوية تفرض نفسها على الموضوعات.

Monotheism -3: والتي تعتقد بوجود إله واحد يفرض نفسه على الموضوعات وعموما فإن المرحلة اللاهوتية تتميز بسيطرة اللاهوت على النظام ويتسم الأفراد بالبدائية حيث يعتقدون في الخرافات وتعتبر العبودية والعسكرية من السمات الرئيسية لهذه الفترة.

أما المرحلة الثانية وهي المرحلة الميتافيزيقية métaphysique: وهي الفترة التي حدث فيها تفسير للسببية بلغة القوى المجردة، حيث تحل الأسباب والقوى التجريدية محل الإرادات وتسود فكرة وجود كيان عظيم واحد هو الطبيعة.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهي المرحلة الوضعية positivisme : وتتميز هذه المرحلة بأنها مرحلة إيجابية يحل فيها العلم محل الخرافات حيث يطور البشر عملية التفسير بمصطلحات العملية الطبيعية والقوانين العلمية وعند هذه النقطة من تطور المجتمع يصبح من الممكن التحكم في الأحداث الإنسانية، ويعتقد كونت Comte أن المدنية الأوروبية قد وصلت بالفعل إلى المرحلة الوضعية من التحكم في الظروف الطبيعية وأصبحت على حافة الوضعية فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية .

وبهكذا شكل لكل مرحلة تطور مادي مماثل، ففي المرحلة اللاهوتية تسود الحياة العسكرية وفي المرحلة الميتافيزيقية تسود الأشكال القانونية أما المرحلة الوضعية فهي مرحلة المجتمع الصناعي، وهكذا يتمسك كونت بأن التطور التاريخي يكشف عن حركة متوافقة للأفكار والمؤسسات.

لقد كرس للدعوة إلى العلم أكثر من اهتمامه بموضوع العلم وبحيث كان ينظر إلى العلوم على أنها أما عمليه تطبيقيه او نظرية او إنها علوم وضعية او أنها علوم وضعيه ملموسة و أخرى مجرده حيث تهتم الأولى بالظواهر الملموسة وتعالجها بينما الثانية تنشغل باكتشاف القوانين الطبيعية التي تحكم هذه الظواهر وتحدد وجودها إذ تحتل الرياضيات قاعدة السلم لأنها تهتم بالجوانب المجردة لجميع الظواهر يليها الترتيب الميكانيكا والتي خلط كونت Comte بينها وبين الفلك ثم الفيزياء و الكيمياء فالبيولوجيا وفوق كل ذلك يكون علم الاجتماع أو الفيزياء الاجتماعية.

في الواقع إن كونت نقل المنهجية التجريبية من ساحة العلوم الفيزيائية لكي يطبقها على المجتمع نفسه ومختلف الظواهر الإنسانية. وهنا تكمن إحدى الميزات الأساسية للفلسفة الوضعية. فهي فلسفة علمية دقيقة لا تؤمن إلا بالحسابات والمعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية. إنها فلسفة تهتم باكتشاف القوانين، سواء أكانت القوانين التي تتحكم بالظواهر الطبيعية والفيزيائية، أم القوانين التي تتحكم بتصرفات البشر وعقليتهم. وكان كونت Comte يتصور أن البشرية كلها سائرة لا محالة باتجاه المرحلة الوضعية أو العلمية. ولكنها لن تتوصل إليها في نفس اللحظة. فالمجتمعات الأوروبية أو الغربية سوف تسبق غيرها إلى ذلك.

مهما يكن من أمر فإن اوغست كونت تغير نسقه الفلسفي الذي كان يحكمه العقل صار يقوم على منطق الحب والسبب في ذلك قصة الحب التي عاشها والتي لم تغير مجرى حياته فحسب وإنما نسقه الفلسفي الذي كان منخرطا في البحوث الوضعية العلمية الجافة. لقد استفاق كونت Comte من غفلته وعرف أن هناك قيماً أخرى في الحياة غير قيم الصناعة والتكنولوجيا والتقدم المادي. ولكن للأسف فإن الحضارة الغربية لم تتبع كونت الثاني وإنما ظلت متعلقة بكونت الأول. بل واعتبرت أن كونت الثاني خان كونت الأول كما سبق وقلنا…

إجمالا لقد مثلت فلسفة اوغيست كونت على إنها فلسفة العصر الصناعي والتكنولوجي الذي كان في طور انبثاقه أيام أوغست كونت إبان القرن التاسع عشر. وترجع أهمية هذا الفيلسوف بالضبط إلى أنه عرف كيف يستبق على هذا العصر الجديد وينظّر له حتى قبل أن يولد.

 

...............

1- كلود هنري سان سيمون1760) ـ 1825 Claude Henri Saint-Simon(فيلسوف واقتصادي فرنسي، ولد في باريس وتوفي فيها. كان كلود هنري سان سيمون مصلحاً اجتماعياً وأحد مؤسسي الاشتراكية المسيحية. نادى بالأخوة بين البشر وبضرورة التنظيم العلمي للصناعة والمجتمع.

 

 

ذكرى رحيل العراقي البروفسور نعيم دنكور

870-nabil1ولد السيّر البروفسور نعيم دنكور في العاصمة بغداد عام 1914م، لعائلة أصيلة بارزة في الطائفة اليهودية في بغداد، جدهُ الحاخام الأكبر عزرا دنكور، أسست عائلته أقدم المطابع الأهلية للكتب عام 1904م، وكانت تستورد الورق من السويد، والدهُ الراب الياهو عزرا دنكور تاجر الورق في بغداد (تولد 3 حزيران 1883م) الذي درسَ في مدارس بلدته ثم انصرف إلى التجارة والأعمال، واهتم بالمطبعة التي أنشأها أبوه فوسعها وطورها، ونشر بعد الحرب العالمية الأولى مئات الكتب العربية ولا سيما كتب دائرة المعارف، والكتب المدرسية للمدارس الابتدائية والثانوية والعليا، وكان في مقدمة مستوردي الورق وآلات الطباعة والحروف المطبعية، أسرة دنكور هي أول من طبع القرآن الكريم في مطابعها، أصدر سنة 1929م جريدة (الدليل) التجارية الأسبوعية، ثم أخرج سنة 1936م (الدليل العراقي الرسمي) في مجلدين ضخمين بالغتين العربية والانكليزية، وقد غادر الياهو العراق في تشرين الأول 1973م وأدركته المنية فيها في 26 تشرين الأول 1976م (1) .

أكمل السير نعيم دنكور دراسته الابتدائية والثانوية في بغداد وسافر إلى المملكة المتحدة عام 1930م لدراسة الهندسة في جامعة لندن، بعد إكماله الدراسة عاد إلى العراق الوطن الأم للالتحاق بالجيش العراقي لأداء الخدمة الإلزامية، ثم قام ببناء مؤسسات ضخمة ناجحة في العقارات والصناعات، تزوج عام 1946م من رينية دنكور وهي أول ملكة جمال بغداد منذ عام 1947م، وقد توفيت في لندن عام 2008م، وقد عرفت خير مثال للمضيفة الفاضلة التي تميزت بكرمها العراقي وأدب الضيافة لكبار الأسر النبيلة في أوروبا، ضمن مشاريع السير نعيم دنكور الناجحة حصل على امتياز شركة كوكا كولا في العراق مع شريكه المسلم أحمد صفوت في خمسينات القرن الماضي.

870-nabil2

بالرغم من نجاحه الباهر في مجال العمل والصناعات الحرة في العراق هاجر من البلد عام 1964م بسبب الأوضاع السياسية المضطربة وملاحقة الحكومة لليهود في العراق، عندما ترك العراق استقر في المملكة المتحدة تاركاً خلفه كل ممتلكاته وتجارته الناجحة وأصدقاءه، بعد مجيء البعث إلى السلطة في تموز عام 1968م، أصدرت مرسوماً على يهود العراق أما العودة أو مصادرة جميع ممتلكاتهم، اختار اللجوء تاركاً ممتلكاته وأمواله، مارس حياته العملية في انكلترا في بناء العقارات وتطوير الأعمال التجارية، وبعد فترة وجيزة التحق به أبناؤه الأربعة تاركين موطنهم الأصلي العراق.

ضمن أعماله الخيرية أسس مركزاً اجتماعياً في غرب كنسنغتون للمهاجرين الجدد وتقديم الخدمات المختلفة لهم، هذا المركز الخيري يعد صرحاً علمياً كبيراً ومشروعاً ثقافياً اجتماعياً عظيماً، حيث النسبة العظمى من الطلاب فيه من ذوي اللاجئين الذين لا يجيدون الانكليزية، وتكون الانكليزية اللغة الثانية لهم، فيساعدهم المركز ليتخطوا الحواجز اللغوية من المرحلة السابقة إلى المستوى (A) .

عام 1971م أسس مجلة (سكرايب) ليهود بابل، وذلك لتوحيد الشتات اليهودي العراقي، وقد ترأس تحريرها باعتباره المساهم الكبير فيها لأكثر من ثلاثين عاماً، كان للمجلة دور في توثيق تاريخ تجارب المهجر، كما أنشأ مؤسسة (المنفيون) كمؤسسة خيرية في مساعدة ودعم الجانب التعليمي في بريطانيا وأنحاء العالم، ومن ضمن نشاطات المؤسسة مساعدة المدارس من الهدم ومشروع الأرز في القدس وإرسال عشرة آلاف من الأكياس أسبوعياً للمدن الفقيرة.

عند سماع البروفسور نعيم دنكور بالحصار والجوع والمرض الذي أصاب العوائل العراقية نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض على العراق بعد حرب الخليج الأولى، قام سراً بإرسال ما يقارب من مليون باون استرليني عبرَّ مكاتب تحويل للأموال موثوق بها لدعم العوائل المحتاجة، لكن كان للسير دنكور شرطان في منح هذه العوائل، الأول أن لا يعرف المحتاج من أرسل المساعدات والثاني أن لا يقال للبروفسور دنكور مَن استلمها(2).

قدم البروفسور نعيم دنكور عام 2005م منحة مليون جنيه استرليني لطلاب الجامعات البريطانية، وفي تموز عام 2006م حصل على أعلى وسام في بريطانيا من الملكة اليزابث الثانية في عيدها الثمانين، عندما منحته وسام الإمبراطورية البريطانية جزاء لأعماله الخيرية في دعم مجال التعليم.

يعد البروفسور نعيم دنكور من كبار المؤرخين والمعلقين السياسيين والنقاد في بريطانيا في مقالاته وتعليقاته في الصحف البريطانية ولا سيما في مجلة (سكرايب)، تظهر هذه المقالات على مدى إطلاعه على ما يحدث في بريطانيا والعراق والبلاد العربية والإسلامية.

من ضمن مشاريعه الخيرية، ذكرت صحيفة (التايمس) أن المليونير العراقي دنكور تبرع بثلاثة ملايين باوند كمنح لزمالات علمية للتلاميذ العراقيين الفقراء في الجامعات البريطانية وفي غيرها من الأقطار، لذلك نقدم للبروفسور دنكور كل التقدير والإحترام الخاص لمواقفهُ الوطنية والنبيلة في مجال دعم العلم والتعليم ومساعدة الفقراء والمحتاجين، الذي بقى طوال حياته بمشاعره وقلبه مشدوداً للعراق.

عام 2010م انتخب البروفسور نعيم دنكور رئيساً فخرياً لرابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق بدعوة من البيروفسور سامي موريه، يعتبر دنكور من مؤسسي صندوق رأس الجالوت في لندن(The Exilarch's Foundation، London) الذي يرأسه. ويعتبر من كبار أعيان العراق في لندن، إذ وهب الكثير من ثروته لخدمة أبناء وطنه العراق .

رحل السير البروفيسور نعيم دنكور يوم 20 نوفمبر 2015م في لندن بعد أن تجاوز عمره الواحد بعد المئة.

 من القصائد الرائعة للشاعر د. جبار جمال الدين، مهـنئاً بهـا البروفيسور نعيم دنكور على لقب "سير" من ملكة بريطانيا اليزابث الثانية "إذ قال :

لَقَبُ "السِّير" الّذِي قَدْ حُزْتَهُ............هُـوَ فَخْرٌ لِيهــــــــــــــُودٍ وَعَـرَبْ

يَا نَعِـيمٌ! وَلَكَ الـنُـعْـمــَى الّتِي...........ِهيَ لِلْحُرِّ ابْتِــــــــــــــغاءٌ وَطَـلَبْ

يَدُكَ الْبَيْضاءُ كَمْ بَاعٍ لَهَا فِي.............دُرُوبِ الْخَيْرِ شَـــــــعّتْ كاللَهَبْ

قَدْ جَمَعْتِ المَجْدَ مِنْ أطـْرافِهِ............وَالنّدِى جاءَكَ مِـــــــــــنْ أمٍ وَأبْ

يا سَلِيلَ الرّابِ دَنْكُورٌ وَمــنْ.............شَيّدُوا للْشّعْـــــبِ مَجْدًا مِنْ ذَهَبْ

وَارِثَا آشُـورَ وسِنْـــــحارِيبَ.............والنّهْـرَينِ والْمَــــــــــاءُ العـَذِبْ

يَا ابْنَ فِيلونَ الذينَ خــــَطّ لَهُ............فِي ثَـنايا فِكْرِهِ أعْــــــــلى الرُتَبْ

ياابنَ مَيْمُونَ الّذِي أصْغَى لَهُ............مسمعُ الأفلاكِ مِن شرْقٍ وغربْ

يا ابنَ كمونه يا مـنْ قدْ عَلا.............جاوزَ الجوزاءَ فيمـــــَا قَـدْ وَهَبْ

لقبُ "السـير" دليـــــــلٌ إننا.............أمّـةٌ ســيـدَةٌ طُـــــــــولَ الحِـقَـبْ

والعراقيُّ أبِيٌّ شـــــــــــامِخٌ.............نفسُهُ دونَ عَطـــــــــاءٍ لمْ تطِبْ

ياابنَ عِزرا ايّها الكاتبُ فِي..............صَفْحَةِ الكاتبِ ما يَجْلي الكَرَبْ

وحِوارٍ بـينَ أدْيـــــــــانٍ لَه..............غايةٌ تَسْمو على أسْمَى الشّـهُبْ

حَسْبُ دنكور فــــــــــخارا...............إنّهُ عـالمٌ فَـذٌ أريبٌ فِـي الأدَبْ

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.....................

المصادر

1- بصري. مير. أعلام اليهود في العراق الحديث . دار الوراق للنشر. لندن. ط3. 2009. ص174.

2-   الحيدري. نبيل. مقال حول توثيق دنكور لفلم عن يهود العراق في قصة لاعبي كرة الطائرة. موقع الكتروني. فراديس العراق. http://www.iraqparadises.com/?page=news&id=4210

 بصري.مير. أعلام اليهود في العراق الحديث . دار الوراق للنشر. لندن. ط3. 2009. ص174

الحيدري. نبيل. مقال حول توثيق دنكور لفلم عن يهود العراق في قصة لاعبي كرة الطائرة. موقع الكتروني. فراديس العراق. http://www.iraqparadises.com/?page=news&id=4210

 

إسلاميو السلطة (87): إنقاذ العراق بيد السيد السيستاني والنخب المثقفة

salim alhasaniباشر المرجع الأعلى السيد السيستاني تأثيره على العملية السياسية العراقية بشكل مباشر من خلال تبنيه فكرة (الإئتلاف الوطني) للمشاركة في انتخابات الجمعية الوطنية عام 2004، وكانت تلك الفكرة هي الأساس الذي سارت عليه الكيانات الشيعية في الدورات الانتخابية التالية، كما أنها كانت العامل الحاسم في تحديد هوية رئيس الحكومة، نتيجة تحوله الى الكتلة البرلمانية الأكبر. وبذلك لا يمكن عزل المرجعية العليا عن مسار العملية السياسية.

ومع ان السيد السيستاني أبدى في مواقف وفترات عديدة استياءه من السلوك السياسي لقادة الكتل والحكومة وكبار المسؤولين، إلا أن ذلك لا يبعده عن الارتباط بالعملية السياسية. فالشخصيات القيادية ذات الموقع الاستثنائي، لا يمكن لها ان تنسحب من نتائج الخطوة الأولى، وهذا ما يفرضه منطق التاريخ وحركته المترابطة. فالميرزا حسين النائيني صاحب المدرسة الأصولية الكبرى في الحوزة الدينية، ارتبط اسمه بالحركة الدستورية في إيران، رغم أنه كان يقيم في العراق، لكن آراءه الداعمة والموجهة لها، أبقته في دائرة الحدث حتى بعد أن تخلى عن قيادته للحركة، وسحب كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة في وجوب المشروطة) من المكتبات.

كما أن الامام الشهيد محمد باقر الصدر، ارتبط بالعمل الحركي من خلال تأسيسه لحزب الدعوة الإسلامية، وظل ذلك ملتصقاً به حتى بعد خروجه من الهيكل التنظيمي عام 1961.

إن هذا الارتباط يأخذ طابعه النسيجي مع الحدث بكل ما يترتب عليه من نتائج، وقد يمتد لحقب طويلة تالية. لأن المسار التاريخي متصل الحلقات بما لا يمكن فصل إحداها واعتبارها غير موجودة، أو يجرى رميها بعيداً عن الخط العام الذي تشكّل وتحوّل الى مسار شاخص في الساحة.

...

وفي ضوء هذا المنطق التاريخي، فان مشروع السيد السيستاني في تشكيل الإئتلاف الوطني، وتعيين لجنة خاصة لتحديد المرشحين في انتخابات الجمعية العامة عام 2004، قد تحول الى أمر واقع في الشارع العراقي، أي أن الكيان البرلماني الشيعي هو نتاج المرجعية العليا.

ثم كان للمرجعية دورها المؤثر في أزمة الإئتلاف الوطني عام 2006 حين تعالت المعارضة ضد السيد إبراهيم الجعفري، فاقترح السيد السيستاني اختيار مرشح جديد من داخل حزب الدعوة، وبذلك تم اختيار السيد نوري المالكي ليشكل حكومته الأولى، كما حصل المالكي على دعم المرجعية لتشكيل حكومته الثانية.

ولو لا موقفها القاطع باختيار رئيس وزراء جديد، لضمن المالكي ولايته الثالثة. لكن موقفها حال دون ذلك، فتم ترشيح الدكتور حيدر العبادي الذي منحته المرجعية دعمها وتأييدها.

...

وطوال سنوات ما بعد سقوط نظام صدام، كانت المرجعية العليا مواكبة للعملية السياسية، ولها رأيها في مفاصلها المهمة، مثل إلزام المواطنين بالمشاركة في الانتخابات، والضغط على البرلمان لاعتماد نظام القائمة المفتوحة، والتأكيد على أهمية الالتزام بالتوقيتات الدستورية، وتوجيه الكتل السياسية بعدم استحداث مناصب سيادية فائضة عن الحاجة، وغير ذلك من مواقف تركت أثرها على العملية السياسية.

استخدم السيد السيستاني تقليداً ثابتاً مع المسؤولين في الحكومة، حيث يلجأ الى رفض استقبالهم في فترات عديدة كتعبير احتجاجي عن عدم رضاه على الأداء السياسي. وقد استخدمت المرجعية هذا الأسلوب مع السيد العبادي حين رفضت استقباله.

...

لكن على طول هذا الخط، كانت هناك مشكلة في التواصل بين دور السيد السيستاني وبين النخبة المثقفة من الشعب العراقي، حيث نلاحظ أن جمهور النخبة في حركته الغالبة يميل الى سلوك المواطن العادي، بمعنى انتظار الحل من المرجعية مباشرة، من دون القيام بجهد تمهيدي.

إن تجارب التاريخ القريب في العراق، تتحدث عن نشاط مكثف كانت تقوم به النخبة الثقافية والاجتماعية في العراق، ثم تتجه بعد ذلك الى المرجعية لتطلب رأيها، فيأتيها الجواب محدداً من خلال الفتوى الدينية أو التوجيه. لقد حدث ذلك خلال فترة الاحتلال البريطاني ومشاريع الاستفتاء التي أطلقها الحاكم البريطاني عام 1918، وحدث كذلك في مقدمات ثورة العشرين، وفي الموقف من الانتخابات التأسيسية والدستور الملكي، وفي معارضة الاتفاقية البريطانية العراقية عام 1922، وغير ذلك من المواقف الكبيرة.

...

في وضع العراق الحالي، فان المخاطر أكبر مما يمكن رصده، نظراً للمخططات العميقة التي تشترك فيها الدول الإقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب، وهي تستهدف الدولة العراقية، والكيان الشيعي تحديداً، وذلك بتوجيه ضربة قاصمة تأتي على قوته وتحويله الى وجود محاصر في عدد من المناطق العراقية، فيما تنشأ دولة سنية تبسط نفوذها على مناطق تواجد داعش في سوريا والعراق.

لقد تحدثت وسائل الإعلام وكبار الخبراء في المؤسسات البحثية الأميركية عن هذا التوجه، في مقابل برود أو موافقة من قبل رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي الذي يرتبط مع السفارة الأميركية بالتزامات تمنعه من التأثير على مسار ما يحدث.

لقد تحدثنا أكثر من مرة عن كارثة تزحف على العراق وشعبه، وستصيب الكيان الشيعي أول ما تصيب، وهذا ما يستدعي من النخبة المثقفة أن تتجه الى المرجعية الدينية تطلب منها التدخل لطلب استقالة العبادي، فالمرحلة تتطلب الإنقاذ العاجل.

...

الدور المسؤول هنا يتحمله المثقف العراقي ليقول كلمته باتجاه هذا الخيار، أما التظاهرات والشعارات العامة فهي ممارسات غير مؤثرة، تستهلك الجهد والوقت، لكنها لا تصنع الموقف، والاشهر الماضية تكفي دليلاً على ذلك.

هل تتفق أخي المثقف مع هذا الحل، أرجو ان تشارك هذا المنشور، وان تسجل رأيك بالطلب من المرجعية العليا التدخل العاجل، مع ملاحظة مهمة أن القضية لا تخص المتدينين انما تشمل الجميع من إسلاميين وعلمانيين، لأنها قضية وطن وشعب وهي تتجاوز حدود الانتماء الفكري والعقيدي.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

الكاتبة والباحثة المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي

shaker faredhasanغيب الموت قبل ايام فاطمة المرنيسي، وهي كاتبة وباحثة ومفكرة مغربية جريئة متخصصة في مجال العلوم الاجتماعية، انها باحثة جادة تتبنى الأفكار العلمية المضيئة، ومقاتلة على جبهة الفكر والحرية، وطاقة فكرية هائلة تستند الى الشجاعة في اقتحام ودخول ميادين وحقول صعبة وشائكة، أبرزها موضوعة المرأة والمتطلبات الحقيقية الصارمة للخوض في هذا المجال المعقد والملتبس، حيث تسيطر الأسطورة والخرافة والتقاليد السلفية التي تتعارض مع الدين وأحكامه او تتساوق معه أحياناً.

ولدت المرنيسي عام 1940 في مدينة فاس بالمغرب ونشأت في بيئة اسلامية مؤمنة، فتعلمت وحصلت على عدة شهادات اكاديمية، وعملت في جامعة الرباط.

وفاطمة المرنيسي كاتبة متميزة ومتفردة في علاقة المرأة وأثرها في المسائل والقضايا الاجتماعية الساخنة والمحورية. وقد تغلغلت في مساحات الممنوع والمحظور والمحرّم وطرحت اراء فكرية مختلفة ومغايرة اثارت جدلاً ونقاشاً حاداً وعنيفاً بين مؤيد لطروحاتها من التنويريين الجدد، ومعارض لأفكارها من جماعات التكفير وقوى التعصب الديني.

لفاطمة المرنيسي عدد من الجهود البحثية والمنجزات الكتابية والمؤلفات في حقل الفكر والبحث العلمي والتاريخي أبرزها: " الجنس، الأيديولوجيا والاسلام، الجنس كهندسة اجتماعية، السلوك الجنسي في مجتمع اسلامي رأسمالي، ما وراء الحجاب، السلطانات المنسيات، الحريم السياسي" وغير ذلك.

في بحوثها ودراساتها تحاول فاطمة المرنيسي معالجة مشكلة المرأة بجدية وجرأة غير معهودة ومألوفة، وهي تقف في وجه حجاب العقل وتجيء باراء وأفكار وتفسيرات واستنتاجات اعتماداً على مصادر تراثية كثيرة. وتشير المرنيسي الى تزايد الخطابات الفكرية حول المرأة، الساعية والرامية الى تغييب الخطاب العلمي التاريخي الذي يمكن المرأة العربية من النهوض والتطور والظهور بصورة أفضل وأحسن.

وفي كتابها "ما وراء الحجاب" تتناول مسألة الحجاب من داخل المجتمع الاسلامي، بنموذجه المغربي وطابعه التقليدي السلفي، والمتجدد في أصوليات ثقافية ودينية .

وترى المرنيسي ان الفيلسوف العربي القرطبي ابن رشد سعى من وراء حجاب عصره الى كشف وتشخيص مأزق مجتمعه الذي لا يجد سبيلاً الى التقدم والخروج من تحجّره ما دام نصفه، ان لم يكن ثلثاه من النساء، ولا يعملن شيئاً يسهم في تقدمهن وتقدم مجتمعهن وتلك الحدود الموسومة جعلت نصف الجماعة كلاً على نصفه الاخر.

اما في كتابها "الحريم السياسي" فتناقش مكانة ومنزلة المرأة السياسية في الفكر الاسلامي وتطرح الكثير من المسائل والاشكالات وتقدم اجابات على أسئلتها : أيحق للمرأة أن تتسلم القيادة، واذا كانت بعض النساء قد تبوأن مراكز قيادية في المجتمع الاسلامي كعائشة زوجة النبي وشجرة الدر ؟ فهل كان هذا خروجاً على القواعد؟!!

وتذهب المرنيسي الى التأكيد والقول : "أن مسح المرأة الى شيء محجب، خبيء، هامشي، متناقض لحد القصور الذاتي، في نطاق القانون الدستوري قد صمّغ الأعتاب التي حدّدت الهوية التسلسلية التي نظمت السياسي والجنسي، وان هويتنا التقليدية لا تكاد تتعرف على الفرد الذي احتقرته لأنه مخل بالتناسق الجماعي، ففكرة الفرد في الحالة الطبيعية، في المعنى الفلسفي للعبارة، غير موجود في الاسلام" .

وتدعو فاطمة المرنيسي الى ضرورة تجديد وتحديث المجتمع العر بي الاسلامي على اسس أخلاقية، وطنية وعلمية، وتحذر من المبالغة في القلق والخوف على المرأة من الحداثة والسياسة.

وفي الختام، فاطمة المرنيسي وجه نسوي تنويري مشرق في الثقافة العربية المعاصرة، ومثقفة واعية تثير التأمل وتستفز الجدال والتفكير وتعاني البحث عن الجديد في حركة المجتمع، وهي كغيرها من كاتبات ونساء مثقفات معاصرات، أمثال: نوال السعداوي وسلوى الخماش وبلقيس حميد حسن ورجاء بن سلامة وغيرهن ممن طرحن قضايا المرأة بصورة حادة ومختلفة، وقدّمن بدائل منهجية لكل ما هو ضار وفاسد ومتخلّف في حياة "السلطانات المنسيات"، وتشكل وفاتهاخسارة جسيمة للفكر النسوي النهضوي .

 

شاكر فريد حسن

 

المرنيسي .. لا نقول وداعاً

dawd alkabiنعم .. لا نقول وداعا، لأن كلمة (الوداع) سمجة وغير مستحسنة، وثقيلة على اللسان، فلا نحبذ أن نقولها بحق فاطمة المرنيسي، تلك المرأة المتنورة، والكاتبة المغربية، والمصلحة الاجتماعية، والمدافعة الكبيرة عن قضية المرأة حيث طالبت بتحررها من ربق عبودية الرجل وعبودية النص الديني الذي فسره رجال الدين واولوه بحسب ذهنينهم وعقليتهم الساذجة، ولا يزال صدى هذه العبودية بين الاوساط الدينية قائما على قدم وساق، فعلى الرغم من التطور الملحوظ الذي ظهر من المرأة على كافة الاطر العلمية والتقنية والثقافية والانسانية ؛ الا أنها لا تزال مطاردة ومتهمة، وبالخصوص في المجتمعات الاسلامية، فهي لا تتحرك الا بامر الرجل، زوجها، او اي محرم، وان خرجت من دون علم زوجها فقد لعنتها الملائكة والناس اجمعين، بحسب النصوص الدينية .

نعم أن رحيل المرنيسي يُعد خسارة كبيرة على الاوساط الثقافية والتنويرية والادبية، لكن ما تركته من نتاج ذهني ومعرفي ثر لايمكن بعد ذلك نعتبرها غائبة عن الوجود، بل هي حاضرة من خلال هذا النتاج لمن يريد أن يستحضر المرنيسي الكاتبة والانسانة .

 

*مولد المرنيسي ونشأتها

ولدت فاطمة المرنيسي عام ١٩٤٠ في فاس، وترعرعت في أوساط عائلية واجتماعية بورجوازية محافظة، وكانت عائلتها مقربة من الحركة الوطنية المناوئة للاستعمار الفرنسي، وعاصرت في طفولتها ظاهرة "الحريم" في بيوت الطبقة الغنية في فاس .

وحينما شبت وترعرعت درست وتعلمت في الرباط، قبل أن تنتقل إلى فرنسا ثم إلى أميركا لاستكمال تكوينها العلمي . ودرست العلوم السياسية في جامعة السوربون في فرنسا، وحازت على شهادة الدكتوراة. حتى اهتمت في كتاباتها بالإسلام وتطور الفكر الإسلامي، والمرأة والتطورات الحديثة التي يشهدها العالم اليوم .

وقد عملت باحثة بالمعهد القومي للبحث العلمي بالرباط، وبكلية الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة محمد الخامس بالرباط)، وعضوا في مجلس جامعة الأمم المتحدة. وقامت بتأسيس جمعية من أجل حقوق المرأة تحت اسم "قوافل مدنية"، وقامت بأسهامات اخرى كإطلاق تجمع "نساء، أسر، أطفال".

تُرجِمت كتب فاطمة المرنيسي إلى أكثر من ثلاثين لغة وحصلت على جوائز متنوعة عالمية لقاء أعمالها، بما فيها جائزة إيرازموس الأوروبية وجائزة أمير أستورياس الأسبانية.

وعملت أستاذة جامعية في جامعة محمد الخامس بالرباط، كما كانت عضوَا في مجلس جامعة الأمم المتحدة، وقد حصلت على الكثير من الجوائز الأدبية في مسارها، منها جائزة الأمير أستورياس للأدب، التي تعد أرفع الجوائز الأدبية في اسبانيا.

حلقت إلى جامعة السوربون، لنيل الإجازة الدراسية في علم الاجتماع، وقررت منذ البداية، أن تنصب نفسها للدفاع عن حقوق المرأة وتحررها، وحريتها الشخصية، وحرمة وكرامة النساء عموما، في عالم عربي مطبوع، بسيادة المجتمع ألذكوري، المعتمد على إقصاء المرأة، المعتبرة عورة وقاصرة ومبتورة، إلا أنها مثيرة للشبق.

وقد ركزت معظم إسهاماتها على مقاربة التأطير الديني لمكانة المرأة ووظيفتها، وذلك من خلال التناول المباشر للنصوص الإسلامية، أو من خلال نقد الأدبيات الفقهية ذات الدور الحاسم في إنتاج القوانين الوضعية وتكريس الأطر الاجتماعية المحددة لوضعية المرأة العربية المسلمة.

ومضت في طريقها الى القول بوجود فجوة بين النص الديني -الذي رأت فيه إطارا متقدما لحرية المرأة- والواقع التاريخي الذي اتخذ منحى تراجعيا تقييديا في عصور ما بعد النبوة، وقد تَجَسّد هذا التوجه في أبحاثها حول الجنس وتوزيع السلطة في الفضاء الاجتماعي، ودور المرأة في التاريخ الإسلامي .

ترجمت رسالتها الدكتوراة وعنوانها "وراء الحجاب" والتي نشرت عام 1975 إلى ثلاثين لغة، وتعد اليوم عملاً مقياسياً في بحوث النوع الاجتماعي بين الثقافات، من الولايات المتحدة إلى ماليزيا. ويعدّ عملاً آخر لها عنوانه "الحجاب والنخبة الذكورية" والذي نشر في فرنسا عام 1987 كذلك عملاً كلاسيكياً.

 

*تراثها الفكري والادبي

تركت لنا فاطمة المرنيسي نتاج فكري وادبي يمكن له أن يشارك مشاركة فاعلة في ديمومة الثقافة العربية المتجددة والفكر التنويري الذي ينبذ الافكار القديمة البالية والتي اكل الدهر عليها وشرب، وهو:

1-"ما وراء الحجاب".

2- "الإسلام والديمقراطية" .

3-"هل أنتم محصنون ضد الحريم".

4-"سلطانات منسيات".

5-"أحلام النساء الحريم" .

6-"شهرزاد ليست مغربية".

 

*نبأ رحيلها الذي نشرته العديد من وسائل الاعلام، جاء فيه:

توفيت صباح امس الاثنين (30/11/2015)، عن عمر ناهز 75 عاما، الكاتبة والسوسيولوجية المغربية فاطمة المرنيسي . ولدت المرنيسي عام 1940 في مدينة فاس بالمغرب ونشأت في بيئة اسلامية محافظة، فتعلمت وحصلت على عدة شهادات اكاديمية، وعملت في جامعة الرباط . تابعت دراستها بالرباط ثم فرنسا فالولايات المتحدة ومنذ ثمانينات القرن الماضي أصبحت مدرسة في جامعة محمد الخامس بالرباط .

وتعد فاطمة المرنيسي كاتبة متميزة ومتفردة من خلال ابحاثها في علاقة المرأة وأثرها في المسائل والقضايا الاجتماعية الساخنة والمحورية. وقد تغلغلت في مساحات الممنوع والمحظور والمحرّم وطرحت آراء فكرية مختلفة ومغايرة اثارت جدلاً ونقاشاً حاداً وعنيفاً بين مؤيد لطروحاتها من التنويريين الجدد، ومعارض لأفكارها من جماعات التكفير وقوى التعصب الديني.

لفاطمة المرنيسي عدد من الجهود البحثية والمنجزات الكتابية والمؤلفات في حقل الفكر والبحث العلمي والتاريخي أبرزها “الجنس، الأيديولوجيا والاسلام، الجنس كهندسة اجتماعية، السلوك الجنسي في مجتمع اسلامي رأسمالي، ما وراء الحجاب، السلطانات المنسيات، الحريم السياسي، هل أنتم محصنون ضد الحريم ؟ وشهرزاد ليست مغربية أو الغرب.

تحاول فاطمة المرنيسي، في بحوثها ودراساتها، معالجة مشكلة المرأة بجدية وجرأة غير معهودة ومألوفة، وهي تقف في وجه حجاب العقل وتأتي بآراء وأفكار وتفسيرات واستنتاجات اعتماداً على مصادر تراثية كثيرة . وتشير المرنيسي الى تزايد الخطابات الفكرية حول الساعية والرامية الى تغييب الخطاب العلمي التاريخي الذي يمكن المرأة العربية والاسلامية من النهوض والتطور والظهور بصورة أفضل وأحسن.

تهتم كتاباتها بالإسلام والمرأة وتحليل تطور الفكر الإسلامي والتطورات الحديثة. بالموازاة مع عملها في الكتابة تقود كفاحا في اطار المجتمع المدني من أجل المساواة وحقوق النساء، حيث أسست القوافل المدنية وجمع “نساء، عائلات، أطفال”. في ماي 2003 حصلت على جائزة أمير أستورياس للأدب مناصفة مع سوزان سونتاغ .

 

داود سلمان الكعبي

.......................

مصادر المقال

العديد من المواقع الالكترونية

 

ادوار الخرّاط كاتباً ومبدعاً

shaker faredhasanادوار الخراط الذي وافاه الأجل المحتوم، هو قاص ومبدع مصري عانى الاضطهاد والملاحقة والتهميش والتعتيم الاعلامي المبرمج. وهو من مواليد الاسكندرية عام 1926، وفي شبابه قرأ وتعرف على الفكر اليساري الديمقراطي والانساني، وانتمى الى اليسار الاشتراكي التروتسكي، ولهذا طاردته السلطات المصرية وسجنته بسبب أفكاره المتنورة ومعارضته للنظام الحاكم.

بدأ الخراط الكتابة منذ نعومة اظفاره وكان يكتب من أجل التغيير، تغيير الذات وتغيير الاخر.وقد اصدر كتباً كثيرة في السيرة الذاتية والقصة والرواية والدراسة والتعريب، ومن أعماله المنشورة في القاهرة وبيروت: \"حيطان عالية، ساعة الكبرياء، اختناقات العشق والصبا، أمواج الليالي، الحيطان الأربعة، رامة والتنين، الشيء الاخر، الزمن الاخر، أضلاع الصحراء، مخلوقات الاشواق الطائرة ومحطة سكة الحديد، يا بنات الاسكندرية، الاسكندرية ترابها زعفران، اسكندريني، حجارة بوبيلو، حريق الاخيلة، رقرقة الاحلام، مختارات من القصة القصيرة، الحساسية الجديدة، عدلي رزقالله ومائيات صغيرة\" وسواها. هذا بالاضافة الى الكتب التي ترجمها وهي: الخطا المفقود، الحرب والسلام الغجرية والفارس، شهر العسل المرن، ميديا، جثمان الاستعمار، الشوارع العارية، نحو التحرير، حوريات البحر، الاسلام والاستعمار\" وغيرها.

ادوار الخراط كاتب ملتزم سياسياً وفكرياً ومتميّز في التعامل مع الواقع الراهن، وهو ساكن في روح العصر واتصف بالصراحة والشفافية والرفض لما هو سائد في الحياة والمجتمع المصري والعربي. وكتاباته عناوين جديدة لماساة ومعاناة الانسان البائس المقهور والمغترب، وهو كغيره من المثقفين والكتاب انتقد الانظمة العربية الاستبدادية الحاكمة وطالب بتغيير نظمها وقوانينها الداخلية ودعا الى حرية الفكر واليمقراطية والمساواة للمرأة ومنح الحقوق المدنية لكل طبقات وشرائح المجتمع . وصفوة القول، ادوار الخراط كاتب وباحث ومبدع وقف بعكس التيار السائد، وكتاباته تشكل بصمات على طريق النضال الوطني والقومي والاجتماعي، وهو لم يحظ باهتمام نقدي واسع، فهل ينصفه النقاد بعد موته ؟؟!

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

وفاة فاطمة المرنيسي رزء فادح للمغاربة

hamid taoulostالموت الحقيقة الوحيدة التي لا تنتظر، ولا تستأذن، ولا يفرق بين طفل وشاب أو كهل، والتي الكل ذائق من كأسها مهما طال الزمان أم قصر، وتأتي من حان أجله دون مماطلة أو تسويف في أي مكان وفي أي لحظة، بعد سنين أو أيام أو دقائق، كما حدث صباح هذا اليوم "الإثنين 30 11 2015 مع الكاتبة والباحثة المغربية الفاسية فاطمة المرنيسي، التي باغتتها المنية في ألمانيا، عن عمر يناهز 75 عاما، كانت كافية لحفر بصماتها خلالها، وترسخ تأثيرها بالغ في الحياة العلمية والثقافية في لمغرب والوطن العربي، وعلى المستوى الإنساني، بدراسات وبحوث وإصدارات اهتمت بوضعية المرأة في علاقتها بالثقافة والسياسة والاقتصاد، تطرقت خلالها إلى مسائل كانت تعتبر من المحظورات، كالجنسانية ومكانة المرأة في التراث وغيرها من المسائل المسكوت عنها، ومن أشهر ما خلفته المشمولة برحمة الله تعالى، من كتب أغنت المكتبة الوطنية والعالمية، وشكلت مرجعا أساسيا ونصيرا للحركة النسائية المغربية والعربية: "الحريم السياسي"، و"الجنس كهندسة اجتماعية"، و"هل أنتم محصنون ضد الحريم؟"، و"الجنس والأيديولوجيا والإسلام"، و"ما وراء الحجاب"، و"شهرزاد ترحل إلى الغرب"، و"نساء على أجنحة الحلم"، وغيرها من عناوين كتب العالمة السوسيولوجية المغربية. لذلك فإن رحيل الفقيدة، لا يعد خسارة لأسرتها الصغيرة الموقرة فحسب، بل إنها خسارة للمغاربة عامة، وجموع النساء خاصة،اللواتي فقدن فيها مناضلة منحازة لهن، ومنافحا عن قضاياها، واهبة حياتها لتوجيه سهام النقد إلى وضعيتهن في العالم العربي الإسلامي، مركزة من خلال كتاباتها على العوامل الاجتماعية والثقافية، التي ساهمت في وصول المرأة العربية إلى هذا الوضع المتردي..

وبمناسبة هذا الرزء الفادح، نسأله تعالى أن يجزي الفقيدة الكبيرة الجزاء الأوفى، على ما أسدت لوطنها من خدمات جليلة، وأن يتغمدها بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جنانه، ويحشرها في زمرة النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا".

 

حميد طولست

إسلاميو السلطة (86): الى المرجعية العليا قبل حدوث الكارثة

salim alhasani2وجد قادة الكتل السياسية بالسيد حيدر العبادي، الشخص المناسب لما يريدون، وجاءت التجربة الميدانية لتعزز قناعاتهم. فعندما أعلن حزمته الإصلاحية وقام بتقليص الحكومة بدمج بعض الوزارات ببعضها، قرر العبادي أن يعفي السيد باقر الزبيدي من منصبه. لكن هذا لم يحصل، لأن السيد عمار الحكيم اعترض على ذلك، ولأن السيد باقر الزبيدي نفسه تصدى للموضوع عملياً، فوجه تهديده للعبادي بأنه سيخرج على وسائل الإعلام يهاجمه بشدة (أي يهاجم رئيس الوزراء) في حال تم ابعاده من منصبه. وعندما سمع العبادي كلمات التهديد أضطر للتراجع وأبقى الزبيدي في منصبه مضافاً.

لم يفعل الزبيدي ذلك لو لم يكن متأكداً بأن رئيس الوزراء الذي يحظى بدعم المرجعية والشعب والبرلمان، رجل ضعيف لا يمكن أن يواجهه بالرفض، وليس بمقدوره الثبات على موقفه في إبعاده من الحكومة.

وهذه الصفة يعرفها قادة حزب الدعوة وقادة المجلس الأعلى، وقادة التيار الصدري وقادة الكتل الأخرى. كما أن العبادي نفسه لا يستهجن هذا الوصف، ولن يعترض عليه، فكما ذكرت في الحلقة السابقة، أنه يرى في هذا الضعف بوابة الحظ التي قادته الى السلطة، وهي ضمانته في البقاء، وهو يستخدم التردد استراتيجية له في حفظ موقعه رئيساً للوزراء، وبذلك فان جميع الأطراف السياسية راضية بما يجري، بل أنها تعيش أفضل حالاتها وظروفها تحت حكم السيد حيدر العبادي.

...

في ظل هذا الواقع، لن يشهد المواطن العراقي لحظة الإصلاح، ولن يرى فاسداً كبيراً يدخل السجن، كما ان كافة لجان التحقيق والقضايا المعلقة ستبقى على حالها من دون تحريك او لمس. وماذا يريد قادة الكتل السياسية أفضل من هذا الحال؟

لم يتبق للعراق كدولة إلا وقت قليل، ومن ثم يأتي الانهيار الكامل، فلقد أوشكت السعودية والولايات المتحدة ومعهما تركيا والحكومات العربية على استكمال مشروع (الدولة السنية) بالمساحات التي تسيطر عليها داعش في سوريا والعراق. وهي تعمل على تحويل هذه المنطقة الى أمر واقع لا يمكن تغييره عسكرياً، لأنه يُشكل حدود الدولة الجديدة.

إن نقطة الجدل القائمة حالياً، تتعلق في ترسيم الحدود النهائية للكيان السني، وقد جاء ذلك بعد أن دخل العامل الروسي في الأزمة، من خلال الدعم الكبير الذي قدمه لنظام بشار الأسد، فهذا ما أربك اللمسات النهائية، وقد جاء بشكل غير متوقع من جانب الرئيس بوتين.

...

جاء تكليف العبادي في وقت ظهر فيه الغضب الأميركي على قادة الشيعة، رغم أن جماهير الشيعة كانوا موضع الاستهداف المباشر من قبل تنظيم داعش. وأدلى الرئيس الأميركي باراك أوباما بعدة تصريحات كانت واضحة المعنى بأن الشيعة لم يحسنوا استخدام الفرصة التي مُنحت لهم، وهذا ما جاء في حوار مطول اجراه معه الصحفي الأميركي توماس فريدمان لصحيفة نيويورك تايمز في الأسبوع الأول من آب أغسطس 2014 ، وكان ذلك الحديث بمثابة الخط العام الذي اعتمدته الولايات المتحدة بشأن مستقبل العراق، وذلك بتقليل قوة الشيعة السياسية والميدانية، ودعم الوجود السني من خلال اعتماد آلية دقيقة في التعامل مع داعش، بحيث تأتي الضربات العسكرية الأميركية محسوبة بالميزان وليس من أجل القضاء الحقيقي على هذا التنظيم الإرهابي.

تلقى قادة الكتل السنية الشرح الأميركي باستجابة عملية، فيما أهمل قادة الشيعة ذلك، وكأن القضية لا تعنيهم، بل هي لا تعنيهم بالفعل، فهناك تشكيلة حكومية جديدة، وعليهم أن يبتزوا رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي بأكبر قدر ممكن من المكاسب.

...

كان الرئيس الأميركي أوباما قد كشف لأول مرة في حوار مع توماس فريدمان (في 5 نيسان 2015 ونشرته جريدة نيويورك تايمز في 7نيسان) عن مشروعه لتقسيم المنطقة، حيث عبر عنه بـ (البلاد السنية). وكان ذلك يعني أنه قد دخل في عمق التوجهات الحقيقية لحكومات المنطقة وقياداتها الميدانية، وهو التصنيف الطائفي. وكان ذلك يعني أن من أجل طمأنة أتباع الولايات المتحدة، لا بد من اضعاف الشيعة في المنطقة، حيث سيجد هؤلاء ان ضعف الشيعة في العراق، يكفي لطمأنة السعودية والحكومات الخليجية من القوة الإيرانية.

لم يتنبه قادة الشيعة الى الكلمات الأكثر في تلك المقابلة، عندما أشار أوباما الى ان الولايات المتحدة لا تعارض التدخل العربي المباشر في سوريا بقوله: (لماذا لا نرى العرب يقاتلون من أجل حقوق الانسان في سوريا، او يقاتلون ضد بشار الأسد). لم يتنبه قادة الشيعة الى كلام أوباما، لأننا لم نسمع منهم من اتخذ موقفاً أو اعطى رأياً بخصوص هذا الكلام الخطير والذي يمس الوضع العراقي مباشراً.

...

نحن إذن أمام تطورات متسارعة، وفي مثل هذه الحالات، فان المفاجأة هي التحول النهائي الذي يدهم الساحة، مما يستوجب القيام بخطوة جادة لحفظ ما تبقى، قبل ان ينهار الوضع بكامله.

إن القضية الحساسة صارت تختص بالوجود الشيعي، أما القيادات والكتل السنية فقد ضمنت لنفسها مستقبلها من خلال الاتفاق على (الدولة السنية)، وهي لن تحتاج الى جهد أكثر من الانتظار وانتزاع ما يمكنها من مكاسب على الأرض باستغلال حالة الفوضى السائدة في الدولة، وضعف حكومة العبادي.

فمن يتحمل مسؤولية حماية الشيعة من الخطر الزاحف عليهم؟

من المؤكد ان القيادات الشيعية غير معنية بالأمر، بكل تشكيلاتها واسمائها. إنما ينحصر الموقف في المرجعية العليا ممثلة بالسيد السيستاني، فهو الذي منح هذه الحكومة دعمه، وهذا ما يجعله معنياً بتحديد مستقبلها في حال وجد فيها أنها غير مؤهلة لإنقاذ العراق من كارثة تتهدده بشكل جاد.

لقد تدخل السيد السيستاني في قضية مصيرية عندما كتب رسالته الشهيرة باختيار رئيس وزراء جديد، وكانت تلك خطوة حاسمة، أنهت سعي المالكي للحصول على ولاية ثالثة. وهي الرسالة التي كانت سبباً مباشراً في تولي العبادي رئاسة الوزراء. مما يجعل المواطن العراقي ينتظر من المرجع الأعلى أن يحدد موقفه من العبادي الذي لا يوجد أي مؤشر يبعث على التفاؤل في مستقبل العراق من جراء سياسته.

...

لقد صار واضحاً أن العبادي يعارض التنسيق مع الحكومة الروسية في ضرب تنظيم داعش، مع أن القوة الروسية أثبتت فاعليتها الكبيرة وجديتها في توجيه الضربات القاصمة للتنظيم الإرهابي في سوريا، وهي مستعدة لتقديم دعمها للعراق كما أكدت ذلك أكثر من مرة، لكن العبادي هو الذي يقف بوجه الإقبال الروسي، التزاماً منه بالتعليمات الأميركية.

العبادي أيضا وكما توضح تجربة أكثر من عام على حكمه، أنه لا يميل الى الحشد الشعبي، والسبب نفسه في ذلك أي التعليمات الأميركية.

في هذه الحالة فان شيعة العراق يرتبط أمنهم ومصيرهم برئيس وزراء يرفض حلفاءهم الجدد أي الروس، ويُضيّق على قدرتهم العسكرية أي الحشد الشعبي. بينما يستعين بالولايات المتحدة صاحبة المشروع التقسيمي وحاملة فكرة الدولة السنية في المنطقة.

بعبارة واضحة، فان رئيس الوزراء الشيعي السيد حيدر العبادي الذي جاء بدعم المرجعية وبترشيح الكيانات الشيعية، أعطت تجربته حتى الآن بأنه يساعد على تسهيل مشروع يستهدف شيعة العراق، ويحقق ما تريده الحكومات الإقليمية في إقامة كيان سني واسع يمتد على محافظات العراق وسوريا الخاضعة تحت سيطرة داعش.

...

النتيجة مؤلمة وصادمة، لكنها واقع ماثل شاخص في قمة المشهد العراقي، صورة محددة الملامح تُعطي نفس النتيجة مهما كانت زاوية النظر اليها. فهل نترك الأمور تسير على حالها فيما يجري تشييع العشرات من الشهداء يومياً في جبهات القتال، وهي معارك قد تم تحويلها الى مناطق لاستنزاف الدم الشيعي الشاب؟

 

إن من الواضح ان حكومة العبادي لا تملك رؤية محددة في سياستها القتالية مع تنظيم داعش، كما انها لم تضع حتى الآن سياسة خارجية لها في التعامل مع الأطراف الإقليمية والدولية، وهذا يعني أنها حكومة عبثية ضائعة في المعيار الدقيق للمنهج السياسي للحكومات.

ومما يزيد من حالة الفوضى، استراتيجية التردد التي يعتمدها العبادي كما تحدثت عن ذلك في الحلقة السابقة، والتي يحاول من خلالها كسب الوقت لأطول فترة ممكنة، من دون خطوة جادة تخدم العراق وشعبه.

...

من المؤكد أن قيادة حزب الدعوة لن تُقدم على بحث هذا الموضوع الحساس، فتبادر الى دعوة العبادي للاستقالة، ومن المؤكد أيضاَ أن الكتل الشيعية لن ترغب بطرح هذا الموضوع من الأساس، فالعبادي هدية القدر لها فكيف تُفرط به؟ ونفس الرغبة تمتد لتسع كافة المكونات السياسية من السنة والكرد. وتشمل الحكومات الخليجية وتركيا والولايات المتحدة والغرب.

أما التعويل على الشعب العراقي فهو مضيعة للوقت، لأن العملية السياسية قائمة على أساس انتهاء دور المواطن عند صندوق الاقتراع، وبعدها يتحول الى وجود ثقيل غير مرغوب فيه.

...

لم يعد في المشهد العراقي إلا المرجعية العليا ممثلة بالسيد السيستاني، ليقول كلمته الفاصلة في هذا الصدد، حيث يقف العراق على حافة الانهيار، وتدفع الظروف بالشيعة الى شفا الكارثة، ما لم يُصار الى استبدال رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي.

لم تعد خطب الجمعة والنصائح والتوجيهات تجدي نفعاً معه، إنه تخطيط عميق بإلتزامات وثيقة مع الولايات المتحدة، ولا يمكن لمثل هذه الروابط أن تتقطع بكلمة أسبوعية أو توجيه عام، إنما تحتاج الى رأي قاطع يُسجّل فيه المرجع الأعلى السيد السيستاني موقفه لإنقاذ البلد وأهله. لقد أصبحوا تحت مسؤوليته المباشرة، والوقت يمضي سريعاً، والتحولات الكارثية تقع فجأة بلا سابق انذار، والله المستعان.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

تداعيات في مقهى

ahmad alhiliاعتدت أن أذهب بين وقتٍ وآخر ولا سيما في فترة الصباح إلى مقهى يحمل اسم " مقهى أبو سراج" وهو مقهىً يمتد بشكل طولي بمحاذاة شط الحلة قريباً من أقدم وأعرق جسر في المدينة والذي اعتاد الحليون أن يطلقوا عليه تسمية " الجسر العتيق"، هذا الجسر الصغير يقتصر دوره الآن على عبور المشاة فقط للمشاة فقط و يعاني على الدوام زحاماً شديداً في الذهاب والإياب، وعلى جانبيه حتشد خليطٌ غير متجانس من الباعة ؛ هناك بائع أو بائعين للسمك يضع أحدهم في إناء كبير ثلاث أو أربع سمكات وهناك بائعو السنارات وخيوط الصيد ومستلزماته وكذلك بائعو مبيدات الحشرات وغيرهم، هذا الجسر سيرسّخ ثيمته بشكل نهائي شاعر الحلة موفق محمد بإحدى قصائده حيث قال؛

جسر الحلة / مكتئباً أسيان/ طالت لحيته وابيضّت/ فتعلّق فيها الصبيان !

علمتُ أيضاً أن عدداً من مثقفي المدينة يرتادون هذه المقهى، فذهبت إليها وهناك أتيح لي أن تعرفت على المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه الناقد ع . ع، والذي كنت معجباً بكتاباته النقدية التي ينشرها في كبريات الصحف العراقية، وكان قد شاع في الأوساط الثقافية العراقية أن كتابه عن الشاعر بدر شاكر السياب يعد من أهم وأفضل الكتب التي صدرت عن هذا الشاعر الذي ترك بصمة لا تُمحى في ميدان الشعر، بيد أن الذي حببني إلى هذا الناقد بصفة خاصة أن اسلوبه كان واضحاً وإن تكن جمله قصيرة ومقتضبة إلا أنها منغّمة ومحملة بالمعاني العميقة، بعكس نقاد آخرين اعتادوا أن تأتي كتاباتهم النقدية متخمة بمصطلحات واستشهادات فجة مقتبسة من الكتابات النقدية المترجمة ربما ليس للكثير منها علاقة بما يتكلمون عنه، فهم والحال هذه لا يقدمون نقوداً للنصوص المعنية وإنما يستعرضون أنفسهم وثقافتهم ليس إلا، سيما وأن الناقد الحلي الشهير الدكتور علي جواد الطاهر كان أثنى على ناقدنا واعتبره واحداً من أنبه تلامذته وعقد عليه آمالاً كبارا في استكمال ما كان بدأه هو في مشوار النقد الأدبي، وبعد مرور وقت ليس بالقصير، استطعت أن أقترب من عالم الناقد المثير على الرغم من تحفظه الشديد من الأشخاص الجدد الذين كانوا يرومون الدخول في حلقته، لاحظت أنه كان يأتي إلى المقهى صباحاً على دراجته الهوائية التي كان يُطلق عليها تسمية " العراقي"، الذي كان رفيقه الدائم في تنقلاته داخل المدينة، وقد علمت أنه رفض التعيين في دوائر الدولة وهو اختار العزوبية بمحض إرادته، لأنها تتواءم وتنسجم مع شخصيته الانعزالية، وقد مر ناقدنا بأوقات عصيبة جداً بعد أن تم فرض الحصار الاقتصادي على العراق ....

استطعت أن أقتنص عدداً من الحكايات الطريفة حوله وفيما يلي أبرزها؛

الجماعة ضايجين منّك

أثناء جلوسي بقربه وهو منهمك بتصفح جريدته، كنت كثيراً ما أستمع إليه وهو يردد وكأنه يحدث نفسه ؛ "الجماعة ضايجين منك "، لم أشأ أن أسأله عن ذلك، لأنني لم أكن قريباً منه بما يكفي لكي أسمح لنفسي بمثل هذه الأسئلة التي ربما سببت نفوره مني، وكعادتي في مثل هذه الحالات سألت أحد أقرب أصدقائه وهو فنان تشكيلي يحمل لقب " الصعلوك" أيضاً والذي صارت تربطني به علاقة وطيدة، فأخبرني بأن هناك حكاية تقف خلف هذه الجملة، وهي كالتالي؛

في وقت ما أصبح عدي صدام حسين رئيساً للتجمع الثقافي العراقي، وهو مجلس بصلاحيات أعلى بكثير من إمكانيات اتحاد الأدباء والكتاب، وقد حاول بعض الأدباء الإفادة من وجود ابن الطاغية رئيساً لهذا التجمع فتكلموا معه عن الأوضاع المزرية التي يعاني منها غالبية أدباء العراق ولا سيما الأدباء الكبار، فأوعز بتهيئة قوائم بهم وتنظيم أسمائهم ضمن درجات هي أ وب وج من أجل صرف مخصصات نقدية لهم، وأرسلوا تبليغاً رسمياً لهم، وحين وصل المغلف الذي يتضمن التبليغ إلى يد ناقدنا وفتحه بتوجس شديد، وحين اطلع على ما فيه رده بتحفظ شديد إلى الشخص الذي سلّمه إياه طالباً منه أن يعيده إلى الجهة التي ارسلته له، طالباً أن يقول لهم إنه غير محتاج وإذا شاءوا فليأخذوا هم هذه المخصصات، ولم تمر سوى أيام قلائل، وأثناء جلسة ليلية في مقر اتحاد الأدباء ببغداد همس أحدهم في أذنه ؛ "الجماعة ضايجين منك "، فهم الأمر ولكنه تساءل بحذر محاولاً إخفاء اضطرابه ؛ " منو يا جماعة ؟، أخبره محدثه أنهم " جماعة الجماعة " ... فشكلت لديه هذه الجملة هاجساً مزمناً، وأخذ يرددها باستمرار بينه وبين نفسه حين يتاح له أن يكون وحيداً أو يحس أنه بمأمن من المحيطين به ...

برهوم أنا جبار

أتيح لي أن أحظى معه بعدد من الجلسات الليلية في مكتبة أحد أصدقائنا، وكثيراً ما كنت أراه منطلقاً ومنشرحاً كما لم أره من قبل، وكان مولعاً بشكل خاص بأن يغني بصوته الرخيم أغنية نجاح سلام الشهيرة ؛ برهوم حاكيني"، إلا أنه كان يضيف إليها من عندياته ؛

برهوم أنا جبار شغلي نقد أشعار !

همس أحدهم بخبث أنه في فترة ما من حياته كان يعشق من طرف واحد شاباً اسمه ابراهيم .

ضحوكُ الوجه

في إحدى الليالي وبينما صديقنا الفنان التشكيلي يعزف على عوده مغنياً بيتين شعريين رائعين مستلين من قصيدة بعنوان " ليل المُعنّى" كان نظمها شاعر ضرير اسمه غالب ليلو البزاز كان من أصدقائنا ومن روّاد المكتبة أيضاً إلا أنه لم يكن من محتسي الخمر والبيتان هما ؛

لا الصبحُ عندي كصبح الناس

مبتسِماً ولا الليلُ في آفاقِه قمرُ

يا ليت ما كان لي حِسٌّ يُعذّبني

كم كان يُبهِجني لو أنني حجرُ

لم تمر سوى أيام قلائل حتى جاءنا ناقدنا بقصيدة خمرية تتألف من أكثر من ثلاثين بيتاً جادت بها قريحته، وقد قالها مثنياً على جودة الخمرة التي اعتاد صديقنا صاحب المكتبة أن يجلبها لنا، يحضرني منها الآن هذه الأبيات ؛

ضحوكُ الوجه وضّاحُ الجبينِ

يسلُّ الشمسَ من فلكِ الظنونِ

ولم أوهبْ سواه فقلتُ مرحى

لما وهبَ الكريمُ إلى الغبينِ

حُبالى يا حُليماتٍ عِتاقاً

ولِدنَ قبل ميلاد القرونِ

وقالوا قد تُجَنُّ به فندّتْ

من الأعماق ؛ بوركَ من جنونِ

 

أخشى أن يُهشّم هذا الرأسَ الجميل

أثناء جلوسنا في هذه المقهى، لاحظت أن بعض المتطفلين من أدعياء الأدب كانوا يحشرون أنفسهم في مجلسه، حضر أحدهم بهيأته الرثة وكانت تبدو عليه امارات الثمل على الرغم من أن الوقت ما يزال ضحىً، لاحظت أن الناقد كان كعادته في كل يوم منشغلاً بقراءة إحدى الجرائد، وهو وقت مستقطع شبه مقدس لم يكن مسموحاً لأحد أن يثير فيه أية مواضيع أخرى، إلا أن الوافد الجديد اقتحم المكان وجلس بالقرب منه مباشرة قائلاً له ؛ "أستاذ جبار، لقد كتبت بالأمس قصيدة جديدة وأرجوا منك أن تستمع إليها وتبدي رأيك فيها "، أحس الناقد بالمأزق الذي حط على طاولته منتبهاً إلى مدى رعونة وصلف ضيفه بالإضافة إلى رثاثة ملابسه، فحاول تهدئة الأمور موعزاً له أن يقرأ قصيدته، فوجد هذا فرصته وأخذ يقرأ ويقرأ بكل حماسة واندفاع، وحين أوشك على إنهاء قصيدته الطويلة جداً، حانت منه التفاتة إلى وجه الناقد، فوجده منشغلاً كلية بقراءة جريدته، فاستشاط غضباً، قائلاً ؛ ما هذا أستاذ جبار ! أنا أقرأ لك قصيدتي وأنت لا تكف عن قراءة جريدتك، يبدو أنك لا تحترمني ! فقال له ؛ أقرأ يا أخي أقرأ فأنا أصغي لك !، لم يشأ الشاعر إلا أن يقول بغضب ؛ بل أن تحتقرني ! ثم هجم على الناقد الذي يبدو أنه كان متأهباً ومتوقعاً حدوث ذلك، فانفلت من مكانه، لحقه الشاعر ممسكاً بإحدى كنبةً صغيرة وهو يسبه ويلعنه، فتدخل عدد من الأصدقاء وحالوا بينهما ثم دفعوا الشاعر إلى خارج المقهى، وبعد أن اطمأن الناقد وعاد إلى مجلسه سأله أحد الأصدقاء مازحاً ؛ مؤسف أن نراك بمثل هذا الجبن أستاذنا، فرد بأريحية واضحة ؛ كيف تريدون مني أن أرد على هجوم وحش كاسر، وأنا لن أسمح له بتهشيم هذا الرأس الجميل !

عبثيات خارج السياق

في يوم ما اتفق ثلاثة أشخاص أو أصدقاء، سمّهم ما شئتَ ؛ صاحبنا الناقد وصديقه الحميم الفنان التشكيلي وشخص آخر اسمه ع. أ على الذهاب إلى " الكاولية"، وعلى الرغم من تحفظ الناقد الشديد وانطوائه على نفسه إلا أنه وجد نفسه مسوقاً بصورة قهرية للقيام بهذه المغامرة غير محسوبة العواقب، وبطبيعة الحال فإن من قام بترغيبه بذلك هو الشخص الثالث الذي عرف عنه أنه يهوى ويعشق أمكنة كهذه لا سيما وأن بيتهم كان مفتوح الأبواب، وقد ظل لمدة طويلة يتكلم بطريقة ساحرة عن هذا المكان المسمّى بـ " الفوّار" الواقع إلى الجنوب الغربي من مدينة الديوانية، تكلم بطريقة أخّاذة ومسهبة عن الأجواء الغرائبية المغرية الموجودة هناك، عن القوادين ذوي الشوارب الكثة الغليظة الذين يلبس أحدهم الكوفية والعقال وعن تبسّطهم بالحديث مع الزائرين الجدد الوجلين، وعن القوّادات المحترفات اللواتي يبرعن في التعامل وإخفاء بعض الصبايا الهاربات من قسوة أزواجهن وأهلهن، وأسهب في الحديث عن الصبايا الصغيرات الساحرات اللواتي ربما وقعت إحداهن في حب أحد الزبائن فتأخذ هي بالإنفاق عليه بإسراف وقد يؤدي بها ولعها وهيامها به إلى اعتزالها البغاء والاقتصار عليه بوصفه حبيباً أوحد   وتكلم أيضاً عن حلقات القمار التي ربما ربح أحدهم فيها المال الوفير بضربة حظ مواتية، ومنذ الوهلة الأولى كان من السهل على الفنان التشكيلي أن يقتنع بفكرة الذهاب إلى مستعمرة اللذة هذه، فأخذ يحبب الفكرة إلى الناقد، الذي اقتنع أخيراً واشترط عليهما أن يكون أمر ذهابه معهما سرياً، وأنهما حين يتحدثان بعد عودتهما عن ذلك فلن يأتيا على ذكره قط، فتعهّدا له بذلك .

ربما يستهجن البعض توريط ناقدنا الحصيف بخوض مغامرة غير محسوبة العواقب كهذه، وقد يندهشون من موافقته أصلاً على خوضها ولكن هناك خلف الستار يمكن تختبئ بعض الحقائق على غرابتها، وسنتكلم الآن عن أكثرها حسماً، فاستناداً إلى حقيقة عزوبيته المديدة وإصراه عليها، تلك العزوبية التي توفر له عالماً مثالياً للكتابة النقدية وممارسة رياضة التأمل وتحلل من المسؤوليات صغيرة كانت أو كبيرة التي ينفر منها، ولكنها بمرور الوقت أضحت وبالاً عليه وأخذت تأكل في جرف صموده وإصراره، فعلى سبيل المثال حين اقتاده قسراً إلى للانضمام إلى صفوف الجيش الشعبي إبان فترة الحرب العراقية الإيرانية والتي لم ينجُ منها أحد ممن لم تشملهم، بحكم سنهم الخدمة الإجبارية، وعلى أية حال تم اقتناصه بوشاية أحدهم رغم حرصه الشديد على الاختفاء والتواري عن الأنظار، أعطوه صرة الملابس وباقي التجهيزات، وفي اليوم التالي وحال وصوله إلى المعسكر زوّدوه ببندقية كلاشنكوف روسية ووجد نفسه ذات صباح يتدرب مع المتدربين، يهرول ويطلق صيحات الحرب، عاد ذات مرة من التدريب الصباحي مجهداً محطماً، فوجد في حظيرته عدداً كبيراً من القرويين ممن تم اقتناصهم في اليوم السابق، فعرّفوه إليهم وعرّفوهم إليه، وكان الجميع ينادونه بـ الأستاذ، وبعد أن استراحوا في القاعة المخصصة بانتظار وجبة الغداء، تكوّموا على شكل مجموعات يتحدثون عن شؤونهم الخاصة ويتحاشون التحدث عن الحزبيين و الوشاة الذين كانوا السبب الأساس في قدومهم إلى هنا، وعلى أية حال تأقلم الجميع مع وضعهم الجديد بوصفه واقعاً مفروغاً منه، أخذ كلٌّ منهم يتحدث عن شؤونه وشجونه، يتذكرون زوجاتهم ويسهبون بالحديث عن أبنائهم ومشاكساتهم المحببة، شكل هؤلاء الريفيون الجدد ما يشبه التكتل داخل هذا التجمع الحضري، إلا أنهم لم يكن لهم بد من التواصل مع باقي أفراد حظيرتهم، أراد أحدهم أن يتقرب أكثر من ناقدنا كاسراً حاجز الأستاذية قائلاً ؛ " شسمه الزغيّر" ؟ هذا السؤال البريء المباغت كان بمثابة لكمة قوية مفاجئة يوجهها ملاكم محترف إلى فم ملاكم مبتدئ، عقدت الحيرة لسانه، حاول أن يتملّص من الإجابة، إلا أن أحد رفاقه أوضح لهم أن " الأستاذ" غير متزوج، فانتبهوا له باندهاش واستنكار؛ " شلون ؟ قال آخر ؛

ــ بهذا العمر وبعدك ما متزوّج، شنو السبب ؟

لم يلبث الأمر أن تحوّل إلى المزاح والطرافة الريفية السمجة ؛ حين همس أحدهم في أذن أصحابه فانفجر الجميع بضمنهم أصحابه ضاحكين ضحكاً مديداً دمعت له عيون بعضهم، فهم الأستاذ أن هذا المارق قال لهم "أظنه ماعنده سلاح !"

لم يعلم أحدٌ أن ثمة حوارات كانت ثتور وتحتدم بين الفينة والأخرى بينه وبين كائن آخر، كائن سري هو جزءٌ منه، من جسده، كان هذا الكائن يحس بالظلم والحيف والغبن الذي يعانيه جرّاء قرار القدر المجحف الذي قضى بأن يكون جزءاً منه، وبالتالي إرغامه على تجرّع سلسلة الحرمانات المديدة والتي يبدو أن لا نهاية لها، كان يُحس ببعض الحنو الذي لا طائل من ورائه، حين تمتد كفّه إليه وهي تربت عليه مواسية ...

من بين الحوارات التي جرت بينهما نقتبس الحوار التالي ؛

- أصدقني القول واخبرني ؛ هل ثمة ما يلوح في الأفق القريب أو البعيد من شأنه أن يبدد وحشتي ؟

- همممممممم !

- إذن لا أنتظر حلاً لمعاناتي وأنا في عهدتك، تلك العُهدة التي كُتبَ عليَّ أن أدفع فاتورتها الباهظة .

- قليلاً من الصبر يا صاحبي !

- وهل أنا بارعٌ في شيءٍ سوى الصبر ؟ لو أتيح لي أن أنفلت منك لخرجت بتظاهرة أجمع فيها حشداً ممن هم على شاكلتي فنجوب الشوارع نهتف بأعلى أصواتنا ؛ فلتسقط العزوبية وليسقط العزّاب ولا سيّما العاطلون ! ولكنني أوجه إليك سؤالاً ؛ ألم تفكّر لحظة فيما يفعله الأزواج مع زوجاتهم ليلاً ؟ لماذا لا تتزوّج وتنقذني من هذه الصحراء القاحلة التي أجد نفسي ملقىً فيها وأنت معي بطبيعة الحال؟

- أنا أعتبر الزواج مسؤولية، وأنا كما يعرف الجميع أتهرّب دوماً من حملها .

- هذا يمكن أن ينطبق على الأشياء التي لا تربطك بها صلة، أما أنا، فجزءٌ أساسيٌّ منك بل وأخطر جزء شئت أم أبيتَ، أم أنك تفضل أن تعطيني أذنك الطرشاء؟

اتفق الثلاثة على يوم حددوا فيه موعد انطلاقهم، وبعد أن علم الأستاذ أن الطريق إلى هناك طويل قرر أن يستثمر وقت وجوده في السيارة فاصطحب معه أحد الكتب النقدية المهمة .

مضت ساعات طويلة ملأت فيها الوساوس والقلق قلب الناقد، فلم يُتح له أن يخوض تجربة شائكة كهذه، هل هي ورطة وجد نفسه ملقىً فيها، فكّر بالرجوع وترك صاحبيه لحالهما، ولكنه تذكر الحوارات المستديمة بينه وبين عضوه وتقريعه المستمر له فآثر المضي قدماً في هذه التجربة الجديدة والمثيرة على ما يحوطها ويكتنفها من تبعات ...

وأخيراً وصلوا إلى المكان المقصود، وجدوه عاجاً وصاخباً، فأصوات مكبرات الصوت تطرق أسماعهم بأغنيات غجرية تقليدية، والزبائن الثملون يتطوّحون هنا وهناك، بعضهم ممن قضى وطره يتحلّقون حول طاولة يلعبون القمار، وآخرون يقفون أمام البيوت الصغيرة على أمل أن تخرج لهم القوادة من أجل أن تتكلم معهم عارضة بضاعتها (أي ما لديها) من الفتيات ثم يتم الاتفاق على السعر، ولم تكن المتعة متوفقة على ممارسة الجنس فقط، فقد كان البعض يهوى الرقص فحسب، حيث يدخلون الزبون إلى إحدى الغرف ويجلسونه على كرسي وثير وتأخذ إحدى الفتيات بالرقص ويتمايل جسدها البض أمامه ومن خلفها عدد من العازفين وأحياناً بعض الضاربات على الطبل، فيشكل ذلك بالنسبة إليه عالماً اسطورياً، ويشعر بالاكتفاء ويداهمه إحساس بالأهمية ولو لساعة أو ساعتين حسب الوقت المتفق عليه ...

ومن أجل تسهيل المهمة عليهم اقترح الفنان التشكيلي أن يحتسوا كأساً أو كأسين من الخمرة التي كانت تباع في دكاكين صغيرة يديرها أشخاص مصريون، فذهب ع . أ وجلبها إليهم .

ثم اقتادهما إلى بيت سبق له وأن تعامل معه في وقت سابق، خرجت امرأة مسنة تبدو على سيماها بقايا جمال غابر، أخبرته أنه لا توجد لديها فتيات الآن، وأن الفتاة التي جاء من أجلها تزوجت وانتقلت للعيش في المدينة مع زوجها، سألها ؛ من يكون هذا الذي تزوجته ؟ قالت ؛ إنه أحد أثرياء مدينة الحلة الذي وقع في غرامها وأصر على التزوج بها مهما كلف الأمر .

ذهب بهما إلى بيت آخر، فسمع صياحاً وصراخاً يأتي من الداخل، فهم أن هناك مشادة كلامية، هدأت الأمور قليلاً، فتقدم وطرق الباب، خرج له رجل عريض المنكبين بكوفية وشاربين كثين، اختبأ الأستاذ خلف الفنان التشكيلي، وبعد أخذ ورد أدخله إلى البيت وأراه الفتاة، صاح عليهما، وبالكاد استطاع الأستاذ الوقوف على قدميه، فشجعه الفنان ممسكاً بيده ودخلا سوية، وحين وقعت عيناه على الفتاة استظرفها وأظهرت هي موافقتها عليه مقابل المبلغ الذي اتفقوا عليه، وخرج الاثنان من البيت حتى يقضي صاحبهما وطره ...

حين عادا بعد نصف ساعة وجداه أشعث الشعر ممزق القميص، طلبا منه أن يحكي لهما عما حدث، قال لهما والغصة والغضب يأكلانه أكلاً ؛ لقد سرقت العاهرة نقودي ولم تسمح لي بممارسة الجنس معها، وحين طالبتها بأن تعيد لي نقودي صرخت وانهال جميع من في البيت عليَّ بالضرب ...

ابتلعها صاحبنا، وظل لوقت طويل مختبئاً في بيته لا يجرؤ على الخروج، وبعد حوالي ثلاثة أشهر خرج وذهب كعادته إلى المقهى فوجد هناك في ذات المكان صديقيه الفنان التشكيلي ومرشدهما العتيد ع . أ، بالإضافة إلى أصدقاء آخرين نظر الثلاثة كلٌّ منهم إلى الآخر، وأخيرا نطق الأستاذ قائلاً بحنق شديد مخاطباً ع . أ ؛ " هيه كلهه خمس دقايق خليتنه نروح لهناك وتحملنه كل هذه البهذله والرزاله، ݘان خلّيتنه نفضهه ابيتكم " !

 

أحمد الحلي

 

إسلاميو السلطة (85): إستراتيجية التردد عند الدكتور العبادي

salim alhasaniبعد تكليفه بتشكيل الحكومة، حاول الدكتور حيدر العبادي اظهار بعض القوة أمام شركائه السياسيين، فأشار الى انه سيتخلى عن التكليف إذا لم يستطع تشكيل حكومة كفاءات، وعزز موقفه بأنه يلتزم بتوجيهات المرجعية العليا، وكانت تلك اول مرة يسمعها المواطن العراقي من شخص في طريقه الى رئاسة الوزراء. وقد حظي تصريحه باهتمام وسائل الإعلام العراقية والدولية، وكان لها وقع مؤثر في الشارع العراقي الذي شعر بقدر كبير من الارتياح لبروز رجل دولة بعقلية أكاديمية وبحس وطني يتقدم المشهد السياسي، ولديه التوجه في تصحيح المسار الخاطئ للعملية السياسية.

لكن العبادي لم يستطع أن يمضي مع إشارة التهديد، ففضل التعامل مع الواقع المحيط به، واستمر في خوض المفاوضات ليتوصل الى تشكيلة وزارية ضعيفة مترهلة يعوزها بعض الوزراء منهم وزير الدفاع ووزير الداخلية.

في التاسع من أيلول 2014، عرض العبادي برنامجه الحكومي على البرلمان، ثم أعلن اسماء وزرائه لنيل الثقة، وهذه المرة واجه البرلمان بعبارة حاسمة بأنه سيقدم بعد اسبوع واحد فقط، مرشحيه لوزارتي الدفاع والداخلية، في حال عدم اتفاق الكتل، لكنه لم يلتزم بتعهده، فلم يُعين الوزيرين إلا بعد أكثر من شهر.

وتحدث العبادي بكلمات قاطعة، أنه سيرفض التعيينات بالوكالة، لكنه عاد فاستخدم هذا تعيين الوكالة في مواقع مهمة في الدولة.

...

لقد كان أمام العبادي فرصة نادرة ليؤثر على المنحى العام في سلوك الكتل السياسية، فقد كان بمقدوره أن يكون أكثر إنسجاماً مع نفسه ومدرسته الفكرية، وهو القيادي في حركة إسلامية ذات جذور راسخة، لا ترى في الحكم إلا وسيلة من أجل غاية أكبر هي خدمة الانسان والمجتمع وتحقيق العدالة. فقد كان بمقدوره أن ينذر الكتل السياسية بأنه سينسحب من المهمة فيما لو استمروا بمطالبهم الصعبة وشروطهم الضاغطة، وأنه لن يكون شريكاً في عملية تفضّل المنتمي المشكوك بنزاهته وكفاءته على غيره المعروف بالنزاهة والكفاءة، لأنه يريد بناء دولة وتصحيح واقع منهار، لا أن يكون امتداداً لحالة خاطئة.

لقد إقترب الدكتور العبادي من منصة الزعامة الوطنية، وهو الموقع الشاغر في العراق، رغم حاجة البلد اليه، ورغم الفرص التي جاءت بنفسها زاحفة الى بعض الشخصيات، لكنهم أضاعوها، فقد فضلوا الرئاسة الحكومية على الزعامة الوطنية، وفرحوا بكرسي مؤقت رخو القوائم، على مكانة قيادية مفتوحة الزمن، راسخة الأساس بتأييد الشعب الثابت وليس بمواقف الكتل السياسية المتقلبة.

قد يبدو هذا الرأي مثالياً بعيداً عن الواقع، وقد يرده البعض ببساطة أن الكتل السياسية لن تتراجع عن مواقفها وبذلك يفقد العبادي منصب رئاسة الوزراء. لكن التجربة أثبت خلاف ذلك، فعندما أعلن العبادي حزمته الإصلاحية الأولى، هبّ الشعب العراقي يقف داعماً له، مما اضطر البرلمان وقادة الكتل الى مماشاته وتأييده وتفويضه بتنفيذ اصلاحاته.

فإذا لم يكن العبادي على دراية بهذه الحقيقة، فان معنى ذلك، أنه لا يعرف تقدير الأمور وقراءة الواقع، فكيف يسمح لنفسه ان يشغل منصباً بهذه الحساسية وفي هذه الظروف؟.

يضاف الى ذلك، أن العبادي جاء بدعم المرجعية العليا وبتأييد هائل من الداخل والخارج، مما يجعله قادراً على فرض شروطه لتشكيل الحكومة، خصوصاً إذا جاءت على أساس التخصص والكفاءة والنزاهة، وأشرك فيها مختلف المكونات العراقية، فهناك فرق بين القبول بالمحاصصة، وبين إشراك الكفاءات الشيعية والسنية والكردية. ولو فعل ذلك فأنه سيقطع الطريق ليس على اطراف العملية السياسية وحدها، بل أنه سيضع الولايات المتحدة أمام مسؤوليتها في دعم العراق عسكريا، بعد أن حقق التشكيلة الحكومية الجامعة للمكونات العراقية، وتجاوز الخطأ الأكبر في العملية السياسية وهو المحاصصة.

...

إن التأمل في الطريقة التي سار عليها العبادي، ومن خلال مراجعة مسار حياته الحزبية، أستطيع أن أعود للتأكيد بأنه شخصية مترددة تبتعد عن نقاط القوة، وتلجأ الى زوايا الضعف. وأضيف هنا نقطة أخرى، وهي أن التردد عند العبادي يتحول الى استراتيجية معتمدة من قبله، بمعنى أنه اكتشف في عمله الحزبي والسياسي، أن التردد يضمن له القدر الأكبر من المكاسب الذاتية، وأن الضعف يحميه من منافسة المنافسين، ويحول دون خلق الأعداء، وهذا ما يريده تحديداً.

إن العبادي هنا يعتمد استراتيجية التردد، ويتمسك بها، من خلال التنقل المستمر على نقاط محدودة تضيع فيها البداية والنهاية، وهو بهذه الحركة يستطيع أن يكسب عامل الوقت الذي يراهن عليه من أجل الوصول الى آخر يوم من سنواته الأربع.

في أجواء التنافس الحاد والتصارع السياسي على المناصب، يتداول أصحاب القرار فكرة مفادها (القوة تكمن في الأضعف) بمعنى أن المرشح لشغل منصب مهم، يجب أن يكون ضعيفاً حتى لا يُثير قلق الآخرين. وأغلب الظن أن العبادي استخدم هذا المنهج ليُقنع الآخرين بانه الضعيف الذين يبحثون عليه، ولن يجدوا أضعف منه، لكي ينافسه على منصبه.

بهذه الاستراتيجية قطع العبادي مسيرته الحزبية والعملية، وطوى السنوات وهو آمن في زاويته المحصنة بالتردد والضعف، فكان يقع الخيار عليه حين يحتدم الجدل بين المتنافسين.

...

ووفق هذه الرؤية فان الإصلاحات التي أعلن عنها، كانت حركة مرواغة ضمن استراتيجية التردد، فاذا رفضتها الأطراف السياسية، فانه سيكون معذوراً، واذا وافقت عليها، فأنه سيضرب حزمته الإصلاحية بالتردد، ثم يطرح واحدة جديدة، ويعيد الكرة مع حزمة ثالثة. بهذه الاستراتيجية أكمل العبادي سنته الأولى وتوغل في الثانية بعدة أشهر، وسيستمر على ذلك طالما أنه نجح فيها حتى الآن.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

إسلاميو السلطة (84): السيد مقتدى الصدر في مواجهة الدكتور العبادي

salim alhasani2ورثها الدكتور حيدر العبادي من السيد نوري المالكي ثقيلة مبعثرة، ثلث مساحة العراق ساقطة بيد تنظيم داعش، خزينة يصفر فيها الخواء، جيش متخم بالرتب العالية لكنه عاجز عن الصمود، مظاهر الفساد تملأ الدولة من رأسها لذيلها في تضامن محكم بين قادة الكتل السياسية وصولاً الى أصغر أتباعهم في أقصى ناحية، مؤسسة قضائية تُباع برخص وتشترى بأرخص، خدمات متردية تقف على ركام هائل من العقود والصفقات الفاسدة، نفوذ إقليمي يقتحم مصادر القرار الحكومي والمعارض من الجهات الأربع، شعب أنهكه الماضي والحاضر ففقد طعم الإحساس بالزمن والتطلع للمستقبل.

إزاء هذا الواقع الكئيب، رسم الدكتور حيدر العبادي برنامجه لإدارة الدولة ومحاولة إيقاف انحدارها نحو الانهيار، فقد قرر ان لا يشترك في حكومته الأشخاص الذين تورطوا بالفساد، وقرر أن يجري تعديلات جذرية ليستعيد بها هيبة الحكومة، بعد ان صارت دوائرها ومؤسساتها وتشكيلاتها مترهلة بشكل ملحوظ، وقرر أن يطرح حكومة محدودة الوزارات، إضافة الى إلغاء التعيين بالوكالة.

...

كانت صدمة العبادي الأولى مع السيد مقتدى الصدر، فقد اتخذ العبادي قراراً بعدم إشراك السيد بهاء الأعرجي بأي منصب في حكومته، لكن زعيم التيار الصدري أظهر امتعاضه من هذا القرار، ووجه تحذيره لرئيس الوزراء، بأن يتراجع عن موقفه هذا، ثم أنذره بأن عليه ان يُعيّن الأعرجي بمنصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، وإذا ما امتنع عن ذلك فان التيار الصدري سينسحب من الحكومة.

هنا نقف أمام نقطة شديدة الغرابة من قبل الرجلين:

لقد تحدث السيد مقتدى الصدر طويلاً عن رفضه المحاصصة، وشجب في أحاديثه وتوجيهاته الاستعانة بغير أهل الاختصاص في مجال الدولة التي تتطلب تخصصاً ميدانياً، كما أنه أظهر غضبه وتحذيره الشديد لكل من يُفكّر في ممارسة الفساد من التيار الصدري، معتبراً أن ذلك إساءة بالغة للتشيع ولآل الصدر ولسمعة والده الشهيد الصدر الثاني قدس سره.

لكننا نرى السيد مقتدى الصدر قد فرض المحاصصة فرضاً على العبادي وهو يخطو أول خطواته نحو تشكيل الحكومة.. وأجبره على تعيين شخص بعيد كل البعد عن مجال الاختصاص وهو نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، أي المنصب الذي يتولى قضايا الكهرباء والنفط والصناعة والموارد المائية وما الى ذلك من مجالات حساسة تقوم عليها الدولة.. كما أنه حدد شخصاً باسمه ليتولى هذا المنصب وهو السيد بهاء الأعرجي.

نقطة مهمة تستمر في التضخم لتتحول الى سؤال كبير جداً أمام السيد مقتدى الصدر في هذا الموقف والتحذير والاختيار.

...

رافقت النائب بهاء الأعرجي ظلال الفساد منذ دخوله الى البرلمان عن الكتلة الصدرية، فقد تنامت ثروته بطريقة لا يقدر عليها أشهر رجال الأعمال وأكثرهم خبرة في عالم المال والاقتصاد. وامتدت علاقاته بسرعة خاطفة لتصل الى عمق الوسطين الشيعي والسني وتحديداً مع رجال الأعمال وأصحاب الشركات فيهما، إضافة الى أبرز السياسيين من الطرفين الذين عرفهم الشارع العراقي بأنهم من كبار الفاسدين. وهذه لوحدها تكفي لأن يقف السيد مقتدى الصدر متأملاً لفترة طويلة جداً، قبل أن يرمي بثقله الجماهيري والسياسي والعائلي، بحيث يجعل من تعيين الأعرجي في هذا المنصب شرطاً لمشاركته في حكومة العبادي، فمثل هذا الموقف لا يتخذه قادة الكتل إلا في القضايا المصيرية القاطعة التي لا تقبل التفاوض والحوار والتفاهم والأخذ والرد. فهل يُمثّل الأعرجي هذه الأهمية الكبرى عند السيد مقتدى الصدر؟.

...

في برلمان 2006 تولى النائب بهاء الأعرجي رئاسة اللجنة القانونية، وكانت من ضمن اختصاصاتها ومهامها شؤون البنك المركزي العراقي والبنوك الأهلية، ومن خلال هذه المهمة نشأت علاقاته مع الكثير من رجال الأعمال، وكان معظمهم من الذين حصلوا على الثراء الطارئ، مستغلين ظروف العملية السياسية ورخاوة الأجواء العامة للدولة، فصنعوا ثرواتهم بالطريقة المعروفة.

وفي برلمان 2010 تولى الأعرجي رئاسة لجنة النزاهة البرلمانية، وهنا تحققت القفزة المشهودة لثرائه، بحيث صارت حديث المسؤولين والمتابعين والإعلاميين وحتى المواطن العادي.

وكان متداولاً في الأوساط العامة والخاصة أنه حوّل هذه اللجنة للإبتزاز، حيث ينتزع منها العمولات مقابل التعتيم على المتورطين بالفساد، كما أنه كان شريكاً في صفقات كبيرة، وجنى من وراء ذلك ثروة طائلة فصار من ورائها أحد الأمبراطويات المالية في العراق.

وقد اشتهر الأعرجي بأنه كان يأخذ مبالغ كبيرة لقاء وعوده لرجال الأعمال وأصحاب المصالح بتسهيل معاملاتهم وتمرير صفقاتهم، وحين لا ينجح في ذلك فانه يرفض إعادة المبالغ التي استلمها، بحجة أنه أعطاها للتيار الصدري، ولا يمكن اعادتها.

...

كان صوت النائب بهاء الأعرجي يخرج ثائراً حزيناً متألماً على الجرائم البشعة التي يذهب ضحيتها العشرات والمئات والالاف من الأبرياء بسبب استخدام الأجهزة الأمنية لجهاز كشف المتفجرات الفاشل. وقد أدخل الأعرجي السرور الى قلوب أهالي الضحايا حينما توعد بملاحقة هذه القضية بأفرادها والمتورطين فيها، ليضعهم أمام الحساب العسير من وراء هذه الصفقة الفاسدة التي مثلت رمز الفساد الأكبر في العراق.

باختصار شديد تنتهي حلقات هذه الصفقة بشخصين اثنين، الأول وزير الداخلية السابق جواد البولاني والثاني رجل الأعمال فاضل الدباس. الأول هو الذي وافق على الصفقة وأمضاها بقلمه، والثاني هو المسؤول عن ترتيبها من خلال شركة اردنية تابعة له.

وكانت مهمة لجنة النزاهة البرلمانية متابعة هذه القضية، واحالتها الى القضاء، وهذا ما تعهد به الأعرجي، وهو ما لم يحدث.

لا يعرف الكثير من العراقيين، أن بين الأعرجي والبولاني علاقات وثيقة في مجال المال والأعمال، ولا يعرفون أيضاً أن بين الأعرجي وفاضل الدباس علاقة أكثر من ذلك صلة وعرىً لأنها تتصل بالمال والصفقات، فالدباس مثل الأعرجي، تحول فجأة الى رجل أعمال كبير بعد سقوط النظام، وأسس مجموعة من الشركات التجارية، كما أنه صاحب البنك المتحد للاستثمار وممول إئتلاف العراق، وهو يجلس مع المسؤولين الشيعة متحدثاً عن شيعيته، ومع السنة متحدثاً عن سنيته، أي انه المسلم السني والشيعي بحسب المكان والأشخاص الحاضرين.

هل وقفت السدود وحواجز الحمايات واللجان والإجراءات المكتبية، لتمنع وصول هذه الصورة الى السيد مقتدى الصدر؟. لا أملك جواباً بصراحة حتى اللحظة. ففي العراق الجديد تحدث أمور غريبة يقف عندها التفكير عاجزاً عن إعطاء رأي.

...

يتذكر المواطن العراقي، المؤتمرات الصحفية التي كان يُكثر النائب الأعرجي من عقدها في مجلس النواب، وفيها يُعلن أن الأسبوع القادم سيشهد كشف ملفات فساد تتعلق بالكهرباء ووزارة الصناعة ووزارة التجارة ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية وغيرها. تمر الأسابيع والأشهر، وتنتهي المؤتمرات الصحفية بمؤتمرات صحفية جديدة، وتتجدد الوعود والمواعيد مع زيادات واضافات، لكن النتيجة هي التكتم والإهمال.

في بعض الأوقات وخلال المؤتمرات واللقاءات التلفزيونية، يضطر النائب الأعرجي الى القول بأنه أحال هذا الملف وذاك الى القضاء، وبذلك فأنه أدى المهمة وانجزها على أحسن وجه، ويشعر المواطن العادي بأن النائب الأعرجي أفرغ ما في ذمته وقام بواجبه، لكن هذا المواطن لا يعرف أن المهمة لم تنجز، وأن من واجبات لجنة النزاهة متابعة مسار الملفات في القضاء للتأكد من سلامة التحقيق والملاحقة والمتابعة والإجراءات.

إن النقطة المهمة التي كان يجري التلاعب بها، تكمن في هذا المسافة البسيطة بين إحالة ملفات الفساد للقضاء وبين متابعتها، فهي مسافة تتمدد لتتحول الى عالم مفتوح من الفساد، يجري فيه عقد الصفقات الجديدة للتأجيل والتمديد ومن ثم للضياع والإهمال.

...

هذا ما يتعلق بالسيد مقتدى الصدر حين أصر على تعيين الأعرجي في منصب رفيع هو نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة.

أما ما يتعلق بالسيد حيدر العبادي، فان رفضه للأعرجي كان يستند الى معطيات ثابتة مؤكدة يمتلكها ويطمئن الى دقتها، ولذلك استبعده من أي منصب، فكيف يخضع لضغط الصدر ويوافق على منحه هذا المنصب الرفيع؟.

إن تراجع العبادي في موضوع حساس كهذا، يعني أنه غير مؤهل لتحمل مسؤوليات بحجم رئاسة الوزراء، وأنه يجازف بمستقبل الحكومة بالخضوع للضغط وهو في خطوته الأولى. وكان عليه أن يدرك أن ضعفه في أول خطوة ستشجع الآخرين عليه، وهذا ما حدث بالفعل، فخلال تشكيل حكومته تنازل عن وعده الكبير الذي أطلقه للشعب العراقي، بأنه لن يختار في حكومته إلا أصحاب الإختصاص والمعروفين بالنزاهة عملاً بتوجيهات المرجع الأعلى السيد السيستاني.

جاءت التشكيلة على عكس ما وعد به، فقد استجاب لطلبات الكتل السياسية، فوافق على منح مدرس اللغة العربية وزارة الإسكان، وأعطى شخصاً قانونياً وزارة الصناعة، وكلف الزراعي بنيابته لشؤون الخدمات، وتنازل عن شرط النزاهة فيهم، ضمن تنازلات أخرى يأتي الحديث عنها.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (83): العراق من المالكي الى العبادي

salim alhasaniكانت السنوات الثمان لحكم السيد نوري المالكي، صراعاً ساخناً على السلطة بعناوين مختلفة. اشترك فيه السنة والشيعة والكرد، فلكل طرف مصالحه وأهدافه التي يحاول ان يحققها من خلال زيادة درجة الفوضى والاضطراب السياسي.

تأتي الإدانة بالدرجة الأولى على المالكي نفسه، فهو صاحب السلطة التنفيذية، وبيده الأمر والنهي، وما حدث في العراق خلال سنوات حكمه يتحمل نتائجها بالكامل. لقد ضرب الفساد العراق وجال في مؤسساته ووزاراته ودوائره، فتحول الفاسدون الى إمبراطوريات مالية، من دون أن تكشفهم هيئة النزاهة والمؤسسة القضائية، ولا يزال معظمهم في العراق ينعم بما سرقه ويعيش في أمن وأمان وهدوء تام.

...

طال الفساد أرواح الشعب، فحصدتهم المفخخات وهي تمر باطمئنان وحرية من السيطرات والمفارز التي تستخدم جهازاً فاشلاً لكشف المتفجرات، ولم يترتب أي إجراء جدي لمحاسبة المتورطين في هذه الصفقة الدموية، رغم كثرة التصريحات وكميات الادانة والأسف التي رماها النواب والمسؤولون على اسماع الشعب المسكين.

سكت المالكي عن قصة هذا الجهاز، لم يتخذ خطوة جادة مؤثرة تلاحق المتورطين في هذه الصفقة الفاسدة الدموية، باستثناء اعتقال شخص واحد هو جهاد الجابري، في حين ان قضية بهذا الفساد الكبير وما تسببته من إزهاق آلاف الأرواح البريئة، كانت تستدعي ثورة تحقيقية عاجلة تمسك بكل المتورطين والمشتركين في هذا الملف من الفساد. فقد كان هو المسؤول الأول عن الأمن فضلاً عن الشؤون التنفيذية الأخرى في الدولة.

...

في هذا الملف أي جهاز كشف المتفجرات، أثبت قادة الكتل السياسية كلهم بلا استثناء، أن الدم العراقي لا قيمة له عندهم، وأن الانسان العراقي كائن مهمته التصويت في مواسم الانتخابات لا أكثر.

ولا يختلف برود القادة واستهانتهم بأرواح العراقيين عن بقية الجوقة الكبيرة، من وزراء ووكلاء ومدراء ونواب وقضاة ومسؤولين. لقد كانت تكفيهم بضعة كلمات كاذبة أمام وسائل الإعلام ليصدقها المواطن الفقير الذي اتعبته الحياة من جهة، وأسرته الطاعة لقادته من جهة أخرى. وبذلك ازداد المسؤولون والقادة قناعة بأن الطريق سالكة أمامهم لمزيد من السرقات والفساد.

مع نهاية حكم المالكي كانت مساحات شاسعة من العراق قد سقطت بيد تنظيم داعش، والموازنات الانفجارية استحالت الى خواء، وقضية البنك المركزي وتلاعب البنوك الأهلية جاء على ما تبقى للعراق من أموال.

...

انتهت فترة المالكي، او أن بقاءه في السلطة لم يعد ممكناً، بعد شمول الرفض كافة الكتل السياسية، كما جاء رأي المرجعية العليا قاطعاً في مستقبله السياسي. وكان ذلك يتطلب اختيار رئيس وزراء جديد، يعالج ما تركه المالكي من مشاكل وتبعات، وينقذه من أزماته ويخلصه من تحديات الإرهاب والمؤامرات الإقليمية، ويستعيد المحافظات التي احتلها تنظيم داعش.

إن مهمات بهذه الضخامة، كانت تحتاج الى شخصية قوية كفوءة تملأ مكان المسؤولية، وبالتأكيد فان الدكتور حيدر العبادي كان هو آخر من يقع عليه الاختيار لهذه المهمة وفي هذا الظرف بالذات. فلا خبرته ولا طريقة تفكيره ولا شخصيته ولا تاريخه ولا مواقفه تشير الى أنه سينجح ولو على سبيل الإحتمال الضعيف. وهذا ما كان يعرفه الدكتور إبراهيم الجعفري الذي كان يفهم شخصية العبادي أكثر من غيره، فقد كان يرى من قبل أن المهمة التي تناط بالعبادي يكون مصيرها الموت والخراب.

العبادي المعروف بهذه المواصفات، كيف يحظى بالتأييد والترشيح من قبل قيادة الدعوة، وايضا يطرحه الجعفري والشهرستاني كمرشح، ويتفق عليه قادة الكتل الشيعية رئيساً للحكومة، ويكلفه الدكتور فؤاد معصوم بالمهمة الأصعب، ثم تأتي آراء كل الكتل السياسية بالموافقة، وتلحقها موجة دولية غير مسبوقة من التأييد العاجل؟

...

عند طرح هذا السؤال، يأتي الجواب بأن كل البدلاء لم يحصلوا على الاتفاق المطلوب، وأن العبادي هو الذي نال هذا الاتفاق. لكن هذا الجواب هو نفسه الذي يجعلنا نعود الى السؤال مرة أخرى: ما السبب وراء وقوع الاتفاق على العبادي الضعيف المتردد؟

ألم يكن من الأفضل اللجوء الى مرشح شيعي كفوء من خارج الوجوه المعروفة التي جربناها في مواقع المسؤولية على مدى السنوات الماضية، بدلاً من اختيار العبادي المعروف بأنه سيصنع الكوارث ويُغرق البلد بمزيد من الأزمات ويسلك به مسالك الخراب؟

...

عندما احتدم التنافس على طرح مرشح لتشكيل الحكومة، رفضت قيادة حزب الدعوة ترشح الجعفري الذي كان يستعد لخلافة المالكي، وكان قد هيأ برنامجه الحكومي، لكنه فوجئ بالاعتراض عليه، فلم يكن مقبولاً من الدعوة بعد تجربته المرة خلال سنة حكمه، حيث أدار ظهره لهم وعمل على تهميشهم بشكل متعمد ومبالغ فيه، وحين شعر بأنها ضاعت منه، ركز بصره على الأضعف، كما كان يظن في المالكي عندما رشحه لخلافته عام 2006، على أمل ان يفشل بعد عدة اشهر ويضطر الى التنحي فتعود الرئاسة اليه.

لقد وجد الشهرستاني والجعفري والسيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم وكذلك قادة السنة وقادة الأكراد، في العبادي الشخص الأضعف الذي يمكن أن يحقق طموحاتهم فمنحوه التأييد العاجل.

أما الحكومات الإقليمية والولايات المتحدة، فلم تكن بحاجة الى التحليل والتفكيك والدراسة، فلقد كانت تريد أولاً اسقاط المالكي، وهذا ما حدث، ثم جاءت الهدية ثمينة غالية عندما وجدوا ان بديله هو الدكتور حيدر العبادي، رجل لا يعترض عليهم، ولا يفكر بذلك ولو من باب مداعبة الخيال. كان أثمن هدية لهم، كان مفتاح الخراب السريع للعراق، وتفتيت كيانه الشيعي الحاكم.

...

في فترة متقدمة تعود للسنة الأولى والثانية من حكم المالكي، كنت أخوض النقاشات المطولة مع الشيخ عبد الحليم الزهيري عندما يأتي في زياراته الى لندن، وبحضور عدد من الأصدقاء، كنت أصارحه بالمنهج الخاطئ الذي تتعامل به القيادة مع المالكي، حيث يريد القسم الأكبر من أعضائها التقرب اليه، من خلال غض الطرف والإحجام عن نصحه في تزايد نفوذ اصهاره ونجله في شؤون مكتبه، وأهمية تدارك الأمر قبل أن يتحول الى ما هو أسوأ.

في أوقات متفرقة تأتي عارضة أحياناً من دون موعد أو تخطيط، وهي أيضاً تندرج الآن ضمن الذكريات التي لا تؤثر شيئاً على الواقع، كنتُ أخوض حديثاً ساخناً مع بعض القياديين في حزب الدعوة، وأعيد تكرار كلامي، فيعيدون تكرار دفاعهم بلهجة حماسية، وأحيانا يبلغ الحماس مداه الأعلى في تبرير كل ما له صلة بالمالكي. وتمر عدة أسماء بشكل خاطف على الذاكرة لحظة تسجيل هذه السطور، مثل السادة: وليد الحلي وصادق الركابي وعلي العلاق. فقد كانوا صوت المالكي المنطلق من المنطقة الخضراء، يرددونه بحماس المؤمن الذائب طاعة بشخصية قائده.

...

في سنوات المالكي، كانت الأخطاء تتجمع، تتكدس بسرعة في مكاتب القرار الأول في العراق، وكان المقربون من المالكي يرون ويسمعون ويلمسون، لكنهم وضعوا حواسهم في علبة محكمة الإغلاق، واستبدلوها بحواس مزيفة تزين الخطأ وتدافع عن صانعه وتبرر لفاعله. والأكثر من ذلك برعوا في صناعة الاتهامات والتشكيك، لإسكات أي صوت ناصح.

قد يكون هذا الكلام مكرراً في بعض مقاطعه، لكن الذي يدعوني اليه، هو التجربة التي تكرر نفسها مرة أخرى، فالذين دافعوا عن المالكي أيام حكمه وقوته، عادوا لممارسة نفس الدور مع العبادي، ويقف في واجهة هذه الأسماء السادة: وليد الحلي، علي العلاق.

ليس العبادي شخصاً مؤهلاً لهذا المنصب على الاطلاق، لقد جاءته نقاط القوة، فأثارت استياءه، وراح يبحث عن الخيارات الممكنة من أجل ان يفلت منها، بحثاً عن مأمنه في الزاوية الضعيفة.

...

ويزداد الأمر خطورة من خلال تفكيك بعض المعطيات التي تضع أمامنا صورة مخيفة عن مستقبل العراق، خلاصتها إعادة انتاج الأزمات مرة أخرى بدرجة أعمق وأشد مما جرت على عهد المالكي، فداعش المتوغلة في العمق العراقي، ستكون عامل الدعم للمشروع الإقليمي في ضرب الكيان الشيعي. والتنسيق السعودي مع القيادات السنية سيفرز خطوات مهمة على الساحة، كما أن التأثير الأميركي على العبادي وعلى قيادات السنة ينشط بشكل فاعل.

معطيات ما جرى خلال عام من حكم العبادي يقودنا الى الاعتقاد بأن الكارثة على الطريق، وأن الحل يكمن في البحث عن بديل للعبادي. وهي مهمة صعبة بطبيعة الحال، ليس بسبب عدم وجود بديل، إنما لأنه الخيار الذي يصعب ان يُفرط به قادة الكتل السنية، والمحور الإقليمي والولايات المتحدة.. لقد حصلوا على الفرصة الغالية ممثلة بالعبادي، فكيف يمكن التفريط به؟

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

وداعا الرايس احماد أمنتاك

abdulsalam bomasrلقد غادرنا اليوم فنان أمازيغي مرموق اسمه الرايس احماد أمنتاك (أحمد آيت الرايس) (1927- 2015). ويعتبر الرجل، بحق، المدرسة الفنية الغنائية والشعرية الأمازيغية التي بصمت لعقود طويلة تاريخ الأغنية الأمازيغية بالجنوب. احماد أمنتاك ترك للغة والثقافة والفن الأمازيغي تراثا ضخما وخزانا كبيرا للكلمة المرموقة والمعنى الجميل، ما مكنه من ولوج عالم الخلود الأبدي.

لقد تمكن الرجل من بناء مدرسة شعرية وموسيقية وجمالية متميزة واضحة المعالم، أطربت، وما زالت، أجيالا متعاقبة منذ خمسينيات القرن الماضي. ونجح في خلق وتوجيه كثير من المجموعات الغنائية الحديثة التي أبدعت على منواله، وقرضت الشعر على طريقته، وأنبثث الألحان على شاكلة ألحانه.

الرايس احماد أمنتاك، نموذج الفنان الأمازيغي الأصيل، منح الخزانة الإبداعية الوطنية قرابة 80 قرصا وأكثر من 50 شريط كاسيت مكونة من عشرات الألحان وآلاف الأبيات الشعرية. إنه خزانة فنية وشعرية قائمة بذاتها، أسهمت بقوة وإلحاح في بناء صرح الثقافة الوطنية إلى جانب عمالقة الكلمة واللحن الأمازيغ منذ القدم. ويعد أيضا، صلة وصل متينة بين الماضي والحاضر، خاصة وأنه تشرب أصول فن الروايس من أخصب منابعه: لقد عاصر أكبر الرواد وتأثر بهم واشتغل إلى جانبهم أيضا، ومن بين أبرزهم الرايس بوبكر أزعري ومولاي علي ومحمد ساسبو وجامع الحامدي وسعيد أشتوك والرايس محمد ألبنسير...

لقد أصر احماد امنتاك بقوة على مواصلة مشواره الشعري والفني الموسيقي بصوته الشجي وألحانه الدافئة وكلماته القوية حتى النهاية. وظل واقفا متحديا أمام الظروف القاسية التي طبعت السياقات الفنية والسياسية والاجتماعية بالبلاد، بل كان دوما لسانا فصيحا معبرا عن آمال وانشغالات الشعب وآلامه. وجعل من القيم موضوعا لقصائده، داعيا إلى التحلي بمكارم الأخلاق واحترام الغير. وكان متفننا في وصف الطبيعة والنفاذ لأعماقها وجعها رديفا لمشاعر الحب النبيلة.

وتمكن الرايس احماد أمنتاك، ابن دوار بيطلجان بقبيلة "اركيتن" بإقليم تارودانت من تجاوز الحدود الضيقة للمجال الذي ينتمي إليه بواسطة الكلمة الشعرية القوية والنبيلة. لقد بدأ مساره الفني بولوج عوالم المحاورات الشعرية بالساحات العامة بقبيلته، فسطع نجمه بقوة بين ثلة من الشعراء في زمانه، وتنبأ له كثيرون بمستقبل زاهر في ميدان الكلمة والأداء. وخاض بذلك تجربة الغناء والتلحين إلى جانب قول الشعر، فسار ذكره على كل لسان، خصوصا بعد تميزه الفني على مستوى الكلمة واللحن والأداء وغزارة الإنتاج.

يجعلنا فقدان شخصية مرموقة كالرايس احماد أمنتاك نطرح الكثير من الأسئلة حول دور المؤسسة الرسمية والمجتمع المدني وجمهور الباحثين ببلادنا في الاهتمام بالوجوه والشخصيات الثقافية والفنية الوطنية. كما يجعلنا ذلك نطرح سؤال التهميش والإقصاء اللذين يطالان كثيرا من حاملي الثقافة الوطنية الغنية في جميع أبعادها وتشكلاتها. إن فقدان مثل هؤلاء ليس أمرا هينا، بل هو خسارة كبيرة تطال موروثنا الثقافي وعمقنا الهوياتي، وينبغي أن يكون وجودهم بيننا اليوم كمثل وجود كنز لا يقدر بثمن. كما يجب أن نجعل مغادرتهم وداعا مليئا بكل معاني الاعتراف والتقدير والاحترام.

 

عبد السلام بومصر