المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

الموسيقار الشيخ محمود زميط والمسيرة المفتوحة على الفن الأصيل

تعددت أنشطة سي محمود زميط الموسيقية وبعث عديد الفرق وشاركه في العروض عدد كبير من الموسيقيين وأحباء الفن وكانت بالخصوص المجموعة الموسيقية بوزارة الفلاحة حيث كان يعمل من الفرق البارزة والناشطة في العديد من المناسبات الوطنية والثقافية وخصوصا في الستينات من القرن الماضي حين كان في أوج شبابه من ذلك حفل سنة 1965

و مثلما التقط السيد محمود من والده أسرار ومبادئ العزف فان نفس الشيء حصل مع نبيل الذي شجعه الوالد محمود ثم سلك دربه وهو الآن من أمهر العازفين على آلة الكمان بتونس ووصل الى قيادة الفرقة القومية للموسيقى وكانت له مشاركات عربية ودولية مع الفرقة ضمن عروض الموسيقى التونسية ..انها حكاية الوله الموسيقي..فالعازف محمود زميط وبعد هذه المسيرة الطويلة مع الموسيقى كان العنصر البارزو قائد المجموعة ضمن " التخت العربي " التي تأسست سنة 1983 وتنشط بدار بن عاشور بنهج الباشا ومن خلال تجديد الهيئة المسيرة لها ونشاطها بالمقر العريق بنهج الباشا..

 1000 awni

الرجل ومنذ خطاه الأولى حين كان طفلا سرت في دمائه تلوينات الموسيقى وهو الذي امتلأ ببيئته في الخمسينات من القرن الماضي ..تلك البيئة التي كانت الموسيقى والعزف وفرق المالوف والأذكار وغيرها من مكوناتها الثقافية والشعبية ..

بني خيار المدينة الساحرة بالوطن القبلي ..حيث تعلم الفنان العازف الشيخ محمود زميط فنون الموسيقى من والده رحمه الله الذي اعتبره المعلم الأمهر الذي كان يبدع ضمن فرق العزف خلال الأربعينات من القرن الماضي..

تعددت أنشطة سي محمود زميط الموسيقية وبعث عديد الفرق وشاركه في العروض عدد كبير من الموسيقيين وأحباء الفن وكانت بالخصوص المجموعة الموسيقية بوزارة الفلاحة حيث كان يعمل من الفرق البارزة والناشطة في العديد من المناسبات الوطنية والثقافية وخصوصا في الستينات من القرن الماضي حين كان في أوج شبابه من ذلك حفل سنة 1965 ضمن الخلية الاشتراكية الدستورية للفلاحة عندما كانت تقام الحفلات التي تجمع الموسيقى بالمسرح ..هذا الحفل انتظم بقاعة " الليسي كارنو " وفيه تم تقديم مسرحية (ولد عمي بالسيف) وهي من المسرح الفكاهي وبمشاركة الممثلين الهادي الطرابلسي ومنوبية نصيب وفائزة البديوي ومنصف معطاالله  والبشير بن عرفة وصلاح قدور والمختار البديوي وسامية بسيس وكان التوضيب لحمادي العبيدي وهي من تأليف واخراج المنجي الوسلاتي ومعها العرض الموسيقي بقيادة الموسيقار محمود زميط وتضمن البرنامج الموسيقي للفرقة خلال هذه الحفلة التاريخية موشحات أندلسية وعددا من الألحان الفلكلورية

و تكونت الفرقة خلال هذا الحفل من الفنانين والعازفين المنجي أونينة وسليم العكري وحسين الصوفي ونورالدين كحيلة ومحمد علي الورتاني وسعيد بن زايدة ومحمد تمسك ومحمد الفن وحمادب كروت ومحمد مزالي ونورالدين مرابط وفتحي بوعزيز والهادي بن يوسف وأحمد الشيخ وأحمد البواب ومحمد الحمروني ومحفوظ بن زايد وعبد العزيز زرياط ..الفنان محمود وفي قيادته لهذه الفرقة وهو شاب أبرز ميله للموسيقى وحرفيته في العزف وجديته كقائد فرقة تمتع الجمهور بعديد الروائع من الموشحات الأندلسية والمعزوفات الموسيقية والألحان الفلكلورية التي تنبع من الفن التونسي والعربي زمن كانت الموسيقى الأصيلة اللون الطاغي في الساحة الفنية .

سي محمود زميط وعبر مسيرته الفنية كانت له عديد الحفلات والمشاركات الموسيقية وقد اكتشف مبكرا ميل ابنه الطفل الصغير آنذاك الى الموسيقى ليخبر زوجته بأن الابن الذي يبتكر من اللعب آلة للموسيقى ليبين حبه للعزف ..هذا الابن هو الفنان الموسيقي المميز نبيل زميط..و مثلما التقط السيد محمود من والده أسرار ومبادئ العزف فان نفس الشيء حصل مع نبيل الذي شجعه الوالد محمود ثم سلك دربه وهو الآن من أمهر العازفين على آلة الكمان بتونس ووصل الى قيادة الفرقة القومية للموسيقى وكانت له مشاركات عربية ودولية مع الفرقة ضمن عروض الموسيقى التونسية .

انها حكاية الوله الموسيقي..فالعازف محمود زميط وبعد هذه المسيرة الطويلة مع الموسيقى كان العنصر البارزو قائد المجموعة ضمن " التخت العربي " التي تأسست سنة 1983 وتنشط بدار بن عاشور بنهج الباشا ومن خلال تجديد الهيئة المسيرة لها ونشاطها بالمقر العريق بنهج الباشا..

تدخل المقر فيستقبلك الفنان والانسان الشيخ محمود زميط بحفاوة ويمضي في حديث فيه الكثير من الود والحنين بخصوص الموسيقى ومجموعة التخت العربي وذكرياته الفنية منذ سنوات الطفولة والشباب ببني خيار وصولا الى المدينة العتيقة بتونس وحي باب سويقة وما اليها من الأماكن والأحياء التي شهدت نشأة الفرق المسرحية والمجموعات الموسيقية فترات الأربعينات والخمسينات وبعد الاستقلال خلال القرن الماضي.

التخت العربي ..سي محمود زميط ثم ماذا..الموسيقى.. هذه اللغة الانسانية الأخرى الساحرة.. تمضي في دروبها فيأخذك شيء من الوجد والحنين والهيام.. كون بأسره لا يبعد كثيرا عن أكوان الشعر ..تلك هي (الموسيقى) التي عشقها السيد محمود زميط والتي ظلت الملاذ الآخر للبحث عن الذات وعن الآخرين.. حيث البحث عن سبيل السيرة عبر التجريب... وهكذا تعددت التجارب الانسانية ...الموسيقى سفر آخر لاستعادة الحلم بعيدا عن ضوضاء التهريج واستبلاه الجماهير ..انها اختيارات رائقة تمثلتها مجموعة حرصت على هذا الضرب الابداعي  نشدانا للموسيقى الصافية والعالية التي تخاطب الوجدان وتذهب عميقا ضمن القول بابجدية الحال العربية المأخودة بالشجن وبالحنين..هناك ولدى الجمهور العريض حنين الى ينابيع الموسيقى العربية الأصيلة من خلال الاشتغال على ابداعات محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد المطلب والصادق ثريا وعلي الرياحي ومحمد الجموسي وفق نهج موسيقي فيه الامتاع والطرب والمؤانسة..الى جانب ما يزخر به تراثنا التونسي من نغمات ومعزوفات فضلا عن الأغاني.في هذا السياق نذكر جمعية التخت العربي لمدينة تونس التي جعلت من أهدافها النهوض بالموسيقى التونسية  من خلال صقل المواهب لحنا وكلمة  بالتكوين الموسيقي والمحاضرات وتنظيم الدروس التطبيقية في الموسيقى وربط الصلات والتعاون وتبادل الخبرات داخل البلاد وخارجها الى جانب احياء الحفلات ..و قد تأسست الجمعية سنة 1983 وتنشط بدار بن عاشور بنهج الباشا ..هي جمعية ثقافية تعمل على احياء التراث الموسيقي التونسي العربي والشرقي ونشر الثقافة الموسيقية لدى الشباب ..النشاط بدأ سنة 1982 من خلال ورشة تابعة للمركز الثقافي لمدينة تونس حيث كان هناك حماس نخبة من المولعين بالموسيقى العربية الأصيلة ..شاركت الجمعية في مهرجانات محلية وجهوية ووطنية ودولية وخارج تونس منها مهرجان الموسيقى المتوسطية بالجزائر ومهرجان الشباب بمالطة كما كان لها حضور في مهرجان الأغنية ومهرجان المالوف بتستور و...

أثرت الجمعية الساحة الفنية بعازفين ومنشدين ومحترفين منهم نبيل زميط وسليم الجزيري وسعاد الربيعي وصابر أحمد ومنير المهدي والمنصف عبلة وفيصل رجيبة ...و تم التعامل مع المحترفين من الفنانين مثل المرحوم أحمد حمزة والزين الحداد ومنيرة حمدي وعلياء بلعيد...و قد تداول على قيادة الفرقة عدد من الأساتذة منهم محمد علي الصفاقسي والمرحوم ابراهيم الطرابلسي والأسعد بن يحمد وفتحي بن صالح..و بخصوص الاشراف الموسيقي فهو للأستاذين رشيد الورفلي ومحمود زميط ويقود الأوركستر الأستاذ فتحي بن صالح.

ان جمعية التخت العربي لمدينة تونس من الفعاليات الثقافية والفنية والموسيقية التي تشتغل على ماهو يرقى بالفن وبالموسيقى العالية قولا بالهوية والخصوصيات الثقافية ..

العازف والقائد الموسيقي محمود زميط يعود في حديثه للذكريات التي هي بمثابة الشريط الملون بالأحداث الموسيقية والحفلات والمناسبات وهو يوصي الأجيال الصاعدة والجديدة بالمحافظة على الينابيع والتعلم من تراثنا وأصالتنا الثقافية الموسيقية لأن الشعوب لا تنسجم الا مع ما يشبهها فنيا وثقافيا وحضاريا..الأستاذ محمود زميط فنان موهوب..و ذاكرة حية من مشهدنا الموسيقي في تونس..

 

شمس الدين العوني

 

يكاترينا الثانية والادب الروسي .. ملاحظات أولية

يسمونها  في المصادر العربية  بشكل عام – الامبراطورة  الروسيٌة كاترين الثانية، او كاثرين في بعض المصادر الاخرى، وذلك ترجمة عن اللغتين الانكليزية والفرنسية  طبعا، ولكن اسمها في المصادر الروسية كافة – يكاترينا، او الامبراطورة يكاترينا الثانية، لهذا فاننا احتفظنا في مقالتنا  هذه باسمها كما هو بالروسية لأنها امبراطورة  روسيٌة  قبل كل شئ، ولا نظن ان هناك ضرورة بتاتا عند الحديث عن هذه الامبراطورة  الروسيٌة بلغتنا العربية ان نغيٌر اسمها  و نضع اسما آخر لها ، لمجرد ان  هذا الاسم قد استخدمه المترجم الانكليزي (س) او المترجم الفرنسي (ص) في زمن ما، لأن ذلك الاسم  يتناغم، اوينسجم، او يتطابق  مع هذه اللغة الاوربية او تلك، مثلما استخدم الكثير من المترجمين العرب  - مع الاسف الشديد طبعا - اسم (ليو) او(ليون) للكاتب الروسي العظيم  تولستوي،  بدلا من اسمه الروسي الحقيقي والاصيل  باللغة الروسية،  وهو -  (ليف) بفتح الياء.

ض.ن.

......................

 حكمت الامبراطورة  يكاترينا الثانية  روسيا  اربع وثلاثين  سنة باكملها  في القرن الثامن عشر (علما انها ليست روسٌية اصلا!!!).  تعد هذه السنوات أطول فترة حكم لامرأة  في تاريخ الامبراطورية الروسيٌة عبركل التاريخ الروسي، وقد ابتدأت فترة الحكم هذه عام 1762 وانتهت برحيل يكاترينا الثانية  من الحياة عام  1796  .

يرتبط اسم هذه الامبراطورة في التاريخ الروسي بالكثير من الاحداث الكبيرة والمصيرية لروسيا، وفي المجالات  كافة، ومنها طبعا الحياة الثقافية الروسيٌة  بشكل عام، ويكفي فقط ان نشير الى ان يكاترينا الثانية  قد  وضعت اسس متحف (الارميتاج) في مدينة بطرسبورغ الروسية، الذي يعد الآن واحدا من أعظم متاحف العالم، وكذلك وضعت اسس المكتبة العامة في نفس تلك المدينة، والتي اصبحت في الوقت الحاضر ايضا واحدة من أشهر وأكبر المكتبات العامة في روسيا، و كانت يكاترينا تقول عن نفسها انها فيلسوفة جلست على عرش روسيا، ومن الطريف هنا ان نشير ايضا، الى ان الحكومة الحالية في دولة روسيا الاتحادية  قد أعلنت في اواسط ابريل / نيسان من هذا العام (2016) عن قرارها باعادة نصب تمثال يكاترينا الثانية في جزيرة القرم، وهو التمثال الذي ازالته السلطة السوفيتية  عندها، والذي تم تدشينه عندما انتصرت يكاترينا في حربها مع الامبراطورية العثمانية، واصبحت جزيرة القرم عندئذ جزءا من الامبراطورية الروسية .

 نود ان نتناول بايجاز في مقالتنا هذه مساهمات الامبراطورة يكاترينا  في مسيرة  الثقافة  عموما والادب الروسي بالذات. المقالة هذه ليست سوى ملاحظات أولية حول هذا الموضوع  الكبير والمهم جدا، اذ لا يمكن لهذه السطور  ان تتحدٌث – وكما يجب – عن  تلك المساهمات المتعددة كافة ليكاترينا الثانية في مجال الثقافة الروسيٌة  من أدب و مسرح وموسيقى وفن تشكيلي و معماري ...الخ، او حتى ان ترسم – بشكل عام -  صورة متناسقة و متكاملة لدور تلك النشاطات الثقافية المتعددة  و قيمتها واهميتها في تاريخ روسيا الفكري.

النقطة الاولى التي تستحق التوقف عندها هنا قبل كل شئ من وجهة نظرنا –  هي مساهمة يكاترينا الشخصية  في  المراسلات  الواسعة مع كل من الاديبين الفرنسيين الكبيرين - فولتير وديدرو ، وهذه ظاهرة جديدة  بكل معنى الكلمة في التاريخ الروسي   وفي عملية  التفاعل  الفكري بين روسيا والغرب الاوربي، والتي يتوقف عندها كل الذين كتبوا عن يكاترينا او تناولوا تاريخ تلك المرحلة في مسيرة روسيا، وذلك لانها خطوة بارزة ومتميزة فعلا حققتها هذه الامبراطورة . لقد كانت هناك بالطبع  اتصالات متنوعة وواسعة مع اوربا الغربية في مسيرة التاريخ الروسي، ولكن لم تكن هناك مراسلات فكرية  وشخصية كما قامت بها الامبراطورة يكاترينا  مع فولتير وديدرو. لقد اصبحت يكاترينا (نتيجة  مجمل اصلاحاتها ومسيرتها في تاريخ روسيا طبعا) واحدة من اعمدة (حركة  التنوير المطلقة) كما يسمونها في تاريخ اوربا  القرن الثامن عشر، و هكذا أطلق عليها فولتير عبارته المشهورة  عالميا وهي – (مستبد عاقل خير من مستبد جاهل) .

النقطة الاخرى التي تستحق التوقف عندها، والتي يمكن ان نسميها ايضا -(النقطة الاولى مكرر) هي – المساهمات الشخصية للامبراطورة يكاترينا في حركة التأليف الادبي الروسي . لقد أبقت يكاترينا للاجيال الروسية اللاحقة مؤلفات عديدة تتضمن مذكراتها ويومياتها، وترجمات قامت بها، وحكايات و اساطير، ومجموعة من المسرحيات الكوميدية (منها – آه يازمن / السيدة فيستنيكوفا وعائلتها / العروس غير المرئية ...)، ومقالات عديدة، ونصوصا لخمس عروض للغناء الاوبرالي (تم تقديمها في مسارح بطرسبورغ في تلك السنوات وبشكل مهيب و ديكورات فخمة جدا تليق بامبراطورة روسيا طبعا) . ساهمت يكاترينا ايضا في الكتابة للصحافة الروسية، وبالذات في المجلة الاسبوعية الفكاهية (فسياكيه فسياجنه) والتي لم  أجد تعبيرا افضل من ترجمتها باللهجة العراقية الى (كل شي وكلاشي / كشكول ..)، اذ ان ترجمتها بالعربية الفصحية لا  يمكن ان تعطي نكهتها وجوهر معناها، وهي - (اشياء متنوعة / منوعات مختلفة / شئ من كل شئ ..) . لقد حاولت الامبراطورة ان تساهم عبر هذه المجلة بتوجيه الرأي  العام الروسي  والتأثير عليه، واطلقت على هذه المجلة تسمية – (هجاء بروح مبتسمة)، وهو تعريف دقيق وجميل فعلا لهذه المجلة ودورها في المجتمع الروسي آنذاك .

لا يعرف تاريخ روسيا قيصرا ساهم في حركة التأليف الادبي  والفني الروسي مثل يكاترينا، رغم ان هناك رأي في مسيرة التاريخ الروسي مضاد لها بشكل خاص، ومضاد لكل القياصرة عموما (ولهذا أزالوا تمثالها من القرم !)، و يشير انصار هذا الاتجاه الى قضية حدثت في عهدها، وهي - اضطهاد الكاتب الروسي راديشيف – مؤلف كتاب (رحلة من بطرسبورغ الى موسكو) وعزله وسجنه ...الخ تلك الاجراءآت التعسفية، التي اتخذت ضده (انظر مقالتنا بعنوان – راديشيف وكتابه رحلة من بطرسبورغ الى موسكو).  يتحدث انصار هذا الرأي ايضا حول مسألة اخرى، وهي ان يكاترينا لم تكتب كل هذه النتاجات شخصيا، وانما استخدمت الادباء الروس الآخرين للكتابة باسمها، و يحاول هؤلاء اثبات رأيهم هذا، ويشيرون في هذا الخصوص الى ان هناك اختلافات واضحة في اسلوب تلك الكتابات، ويستنتجون بالتالي، ان هناك عدة اشخاص (وليس شخصا واحدا) كتبوا هذه النتاجات، ولكن هذا الامر لا زال غير محسوم في التاريخ الفكري الروسي  لحد الان، وهو يحتاج بالطبع الى دراسة موضوعية هادئة ودقيقة ومحايدة تعيد من جديد تقييم كل هذه الاراء وتنقيتها من النظرة الاحادية السياسية الضيقة، ولكن حتى لو كان هذا الامر صحيحا كما يقولون، فانه يعني من جانب آخر ايضا، ان الامبراطورة يكاترينا كانت تولي هذا الموضوع اهتمامها الخاص، وانها كانت تتمنى وتحاول وتهدف الى ان تساهم شخصيا في حركة الادب الروسي وتفعيله .

 

أ.د. ضياء نافع

 

مشاهدات زائر الى البصرة (2)

ali alsawadقدمت جواز السفر الى رجل ليس بقصير لكن واضح ان كل جسمه مترهل يرتدي بدلة عسكرية وتعلو اكتافه ثلاث نجمات بيضاء بحجم متوسط ترمز الى انتسابه لجهاز الشرطة، وكنت اعرف الفرق بين نجمة الشرطة والجيش من خلال الوانهن، فالنجمة البيضاء تمثل الشرطة المحلية،  والذهبية او الصفراء فهي تمثل الجيش، زائد الهيئة العامة لشكليهما المختلفين. وكان النقيب الذي سلمته جواز سفري تاركا كرسيه الخشبي ويتجول في صالة الاستقبال.

 ولااعرف السبب المباشر وراء تركه المكان المخصص لعمله، ولكن مثل هذا التصرف يكون طبيعيا ومألوفا في الدوائر العراقية، لانه له علاقة بطبيعة اهمال العمل والتسيب والتهرب منه بطريقة واخرى،  والتاكيد على هذا فان النقيب كان يتسكع بين المسافرين وكانه غير راغب في عمله، او ربما مهتم بالبحث عن علاقات مميزة وخاصة يبغي الاستفادة منها مستقبلا وهذه فرصة قد لاتعوض.

ولهذا هو متواجد وسط المسافرين، عسى ان يجد بينهم من يحقق له غايته الشخصية التي يكون اغلبهاعلى حساب المصلحة العامة،  بعد استغلال المنصب بطريقة لا شرعية ومثل هذه الظاهرة السلبية غير موجودة اطلاقا في اكثرية مطارات العالم، ولكن هكذا تكون الوظيفة في نظرالبعض وسيلة للارتزاق والكسب اللاشرعي.ومن هنا فان النقيب ليس شاذا بل هو يحاول ان يطبق وبجدارة كيف تقام العلاقات النفعية في الغرف المغلقة،  او تحت الشمس ولهذا تكون تحركات النقيب سريعة وخاطفة توحي الى ارتباكه المكشوف من خلال مشاهدت اطرافه الاربعة التي لايوجد بينها تنسيق كي تكون منظمة ومنسجمة مع بعضها البعض،  فيعود مسرعا الى مقعده بنحو مفاجا.

وراح يصفف كوم الورق ونظراته شائهة وبعد وقت قصير صاح باسمي وانا حضرت على الفور دون ان اتاخرعليه حتى عرف انني واقف امامه فرفع راسه فشاهدت شعر راسه الكثيف مصبوغا باللون الاسود فاحم كعادة اكثرية الشرقيين الذين يخجلون من الشيب ويحتقرونه،  وبالتالي يتصدون له باستمرار ليزورا اعمارهم بمادة الصبغ كي يعوضوا مادة (الميلانين) التي تقل عند تقدم عمر الانسان.

واخيرا حصلت على جواز سفري مع ورقة الاذن بالاقامة لمدة اربع اسابيع بعد ان تاكد بشكل جيد من الاجراءات فشكرته و توجهت الى المكان المخصص لاستلام الحقائب،  و لكن استلمت الحقيبة بطريقة تقليدية لان الشريط الكهربائي (القايش) ايضا عاطل وغادرت بسرعة الى البوابة الخارجية الاولى،  فشاهدت سيارة صغيرة تشتغل تاكسي بلون ابيض يحيط بها  مجموعة  من المسافرين الذين  يتساومون مع السائق ذو الملامح الخشنة،  وهو لايصغي اليهم مكتفيا بمايقرره هو وكانه جزء من سلطات المطار.

وبالتالي يجب ان لا يناقش رايه، لانه شريك مباشر كما اتوقع بصفقة بينية اتت به كصاحب تاكسي منتحل يشتغل في المطار لنقل المسافرين،  من داخل ارض المطار الى خارجه وهذا الابتزاز والكسب اللاشرعي مستمر والى الان ولااتوقع الغائه او محاسبة المسؤولين عنه. لان الفساد قد انتشر في العراق بشكل مخيف.

 وبالتالي لايمكن ان تكون اي عملية اصلاح او محاربة فساد لطالما هرم السلطة واوسطها واسفلها، سيئا ولهذا فان الزائر او السائح لايجد الا المظاهر السيئة جدا التي تمنعه وبقوة على ان لايعود لبلد اسمه العراق مرة اخرى.لان الاكثرية من العراقيين،  لايعتنون بالنظافة والتنظيم وكانهم يشعرون بالحرج من المكان النظيف،  فمثلا شاهدت من خلال احدى القنوات التلفزيونية العراقية مشهدا مقززا لجمهور البصرة الذي حضر مباراة ودية بين العراق والكويت بعد افتتاح المدينة الرياضية التي بامكان المرء ان يعترف انها بصدق جميلة ويشكر المهندس عبد الله عويز الجبوري ورفاقه على مثل هذه المحاولة المعمارية وسط خراب وركام البصرة البائسة.

الافتتاح حضره السيد نوري المالكي رئيس مجلس الوزراء،  وفي ختام اللقاء فوجئنا بركام هائل هائل جدا من قوارير المياه الفارغة المقذوفة واعتقد ان اعدادها يضاعف اعداد الجمهور مرتين وربما اكثر،  لانها كانت في كل مكان من الملعب وعلى المدرجات وهي وتتدحرج وترتطم بعضها ببعض وناهيك عن النفايات من نوع اخر وهي ايضا لا تقل عن القوارير الفارغة،  انه كان  تصرفا همجيا لايصدق وهكذا انتهى الامر ببساطة شديدة دون محاسبة الجمهور او توبيخه. حتى كنت انا لا اخفي مشاعري التلقائية ضدهم وهي تمنيت ان يعاقبوا او في الاقل حجزهم في داخل المدينة الرياضية لعدة ايام وعزلهم  تماما عن العالم الخار جي لكي لايتكرر مثل هذا الفعل اللاحضاري في المستقبل.

ولو ان مثل هذا الاجراء صعب تطبيقه في ظل والوضع الحالي للنظام الجديد. الذي مازال متواصلا في سوء استخدامه للسلطة، فمثلا مدينة البصرة وهي اهم مدينة في العراق بعد العاصمة تعاني من ظواهر الفساد والخراب والفوضى في كل شيء وسكانها يشكون من الفقر والامراض والاهمال واغلبهم يتمنى ان يهرب من العراق،  بعد ان فقدوا الامل في اصلاح اوضاعهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولكن بتقديري الشخصي انهم اي العراقيين هم جزء مهم من المشكلة رغم ادعاءاتهم بانهم تعرضوا للتهميش والاقصاء والاخصاء وهذه صحيح، ولكن خلال مشاهداتي لهم وعن قرب وجدت اكثرهم لايحترم نفسه ولايحترم الاخر ولايحترم القانون ولهذا هم ايضا مطالبون باصلاح انفسهم والا حياتهم ستسيء اكثر فاكثر.      

 

علي السواد 

 

(غوانتانامو) 1990

في ذلك العام سافرتُ إلى كوبا موفدا من طرف الجامعة مع مجموعة من طلاب قسم اللغة الأسبانية. وكانت بنود الاتفاقية بين الجانبين العراقي والكوبي تنصّ على أن تكون جامعة (أورينته)، الواقعة في ولاية سانتياغو دي كوبا الشرقية، هي مقر دراسة الطلاب وهي مثابة إقامتنا جميعا.

لا أستطيع في عجالة كهذه أن أروي كلّ انطباعاتي ومشاهداتي في ذلك البلد العجيب على مدى شهرين من الزمان. لذلك سأقصر حديثي على بعض المعالم الثقافية والتاريخية التي جلنا في أنحائها أو تأملناها في تلك المدينة الجميلة.

من بين ما زرنا من معالم ضريح خوسيه مارتي (1853-1895)، بطل كوبا القومي، الذي يتنازع الجميع تراثه، نظاما مدعوما من الاتحاد السوفيتي آنذاك ومعارضة مدعومة من الأمريكان. لقد بُني الضريح بهندسة هي مصداق أبياتٍ كتبها مارتي في قصيدة من قصائده الجميلة الكثيرة يقول فيها:

 

أريدُ أن أتركَ الدنيا

خارجا من بابها الطبيعي

أريدُ أن أُحملَ إلى قبري

في عربة من الأوراق الخضر

لا أريد أن يُلقى بي في مكانٍ مظلمٍ

لأموتَ كالخونة

فأنا إنسانٌ طيبٌ

وسأموتُ كما يموتُ الطيبون

ميمما وجهيَ شطرَ الشمس

 

وكانت ثكنة (مونكادا) العسكرية واحدة أخرى من محطات رحلتنا تلك. ولتلك الثكنة العسكرية في تاريخ كوبا المعاصر دور أيّ دور، ولها قصّة أيّة قصّة. فقد هاجمتها ثلّة من الثوّار بقيادة فيديل كاسترو في السادس والعشرين من تموز من عام 1953، لتعلن من سانتياغو انطلاق الثورة التي حملت كاسترو ورفاقه إلى سدّة السلطة في هافانا في الأول من تشرين الثاني من عام 1959. شاهدنا الموقع العسكري الذي حوّلته الثورة إلى مدرسة ومؤسسة تعليمية كبيرة.

ثمّ عرّجنا بعد زيارة الثكنة - المدرسة على متحف الثورة. كان دليلُنا امرأة ممتلئةَ الجسمِ عليها بدلة رسمية قريبة مما يلبسه العسكر. تتكلّم وكأنّ جهازَ تسجيل زرع فيها: تمرّ تباعا ولا إراديا تقريبا على شريط الصور الفوتوغرافية المصفوفة على الجدران وفي الفترينات، ونحن وراءها نتبعها: هنا قبع كاسترو قبل الهجوم على المونكادا، وهنا أصيب القائد فلان الفلاني، وقرب الرصيف ذاك سقط فلان الفلاني الآخر مضرجا بدمائه. ملابس وأسلحة وصور وعربات ومتعلقات شخصية تمتلئ بها أرجاء المتحف. كتبتُ عباراتٍ في سجل الزوّار وتوجهتُ إلى الدليل واصفا إيّاها بالتاريخ الحي وبالثورة مجسّدة في جسم إنسان.

وحملنا مضيفونا في مناسبة أخرى إلى (غوانتانامو)، إلى أقصى الشرق من سانتياغو دي كوبا. وقفنا على مبعدة من البحر، حيث القاعدة الأمريكية يرفرف عليها علم النجوم الخماسية الخمسين. شخصنا بأبصارنا. لم يكن فيها آنذاك غير العسكر الأمريكان، فلا ابن لادن ولا أفغانستان ولا طالبان بعدُ. لا أذكر أننا رأينا شيئا في تلك الناحية يستأهل الذكر غير القاعدة، لكنّ ما استرعى انتباهنا على التخوم وفي نواح أخرى جرّات الغاز (البوتان) الفارغة المعلقة من أعقابها على الأشجار، لا تفصل بين الواحدة والأخرى سوى أمتار قليلة. سألنا مرافقينا عن سرّ تلك الجرار الفارغة المعلقة، فقالوا لنا إنّها منظومة الإنذار المبكّر الشعبيّة الجماهيرية، تحسبا لأيّة محاولة عدوانيّة من طرف اليانكي.

لا أدري إن كانت تلك المنظومة ما زالت عاملة أم أنّها حدّثت أو ألغيت مع تحسّن العلاقة بين البلدين.

لا بدّ من سفرة أخرى.

 

 

 د. بسّام البزّاز

 

مشاهدات زائر الى البصرة (1)

ali alsawadمن البديهي ان اي مطار في العالم يجب ان يكون نظيفا ومنظما وخاليا من اي شبهة غير اخلاقية اوغير قانونية،لانه يعكس مدى اهمية البلد ومدى درجة تحضره وتطور شعبه وتطور نظامه السياسي،اما مطار البصرة الواقع في المكان الكئيب من جهة طرف الصحراء الغربية لمحافظة البصرة. والذي يبعد عن مركزها 20 كم قد انشأ في ستينيات القرن الماضي وسط ارض جرداء،واهمل المطار دون ان يسورمحيطه بحزام اخضر ضروري من النباتات والحشائش والاشجار.

 المقاومة لمناخ العراق القاسي كي تكون وظيفتها الاساسية تعمل كمصدات طبيعية تخفف من الغبار والتراب وتخفف ايضىا من شدة الحرارة واضف الى ذلك انها ستضيف للمكان  جمالا وطبيعة حيوية خضراء رائعة كالفردوس.لكن ترك هكذا بسبب تدني الاحساس بالمسؤولية وتفاقم الكسل والعجز المعروف عن العراقي الذي تحول الى شخصية لاتخجل من سلبيتها المزمنة وتواطئها مع صنوف كثيرة من الانحرافات. مثلا كالغش والكذب والتحايل في الحياة وعلى الحياة، وهذا لايليق بمجتمع يدعي ان له قيم واخلاق ومبادئ وقادة دينيين واوصياء معتبرين ومقدسين.

فمطارالبصرة الدولي وربما سيقول البعض لماذا الكاتب مهتم اهتماما زائدا بالمطار دون غيره فبالتاكيد ان الامر ليس بهذا الاعتقاد الروتيني اي انني ساسجل كل المشاهدات التي شاهدتها وصادفتها في اي مكان في البصرة بعيدا عن اي مجاملة او مداهنة لانني شاهدت اشياء من الصعوبة بمكان اخفاءها ولماذا اخفيها ولمصلحة من، واولها في المطار.

 ولهذا انا لازلت اسجل عن المطار لاعتقادي ان  المطار يمثل واجهة  البلد التي يجب الاعتناء بها كي لاينكشف امر البلد ويحكم عليه بحكم يشوه سمعته،ولو ان العراق اصبح من الصعب ان تخفي خرابه وتخلفه الشنيع ولهذا ركزت في بدايت مشاهداتي على المطار واظهار سلبياته، رغم بنايتة الجميلة والانيقة من الداخل والخارج وهي تتمتع  بمواصفات فن العمارة الحديث.

ولكن جغرافية المكان كما بينت سابقا سيئة جدا لانها متروكة على طبيعتها القاسية وقد اثرت عليه بشكل واضح وصريح بحيث تسبب للزائر او السائح الصدمة الحضارية بسبب الاهمال المتعمد من قبل المشرفين على تسير شؤون المطار واستخفافهم العلني بشعبهم وبلدهم،ولهذا ليس مستغربا ان لايجد الزائر مثلا العناية الجيدة ولا الادارة النزيهة ولا حتى الخدمات الاعتيادية التي يجب ان تتوفر كحد ادنى في اي مطار بالعالم، مثل ماء الغسل والخ من الاشياء الاخرى ولكنه فوجئنا بما رايناه من نقص تقريبا في كل شيء وفي  مقدمة هذه الاشياء هو عطل جهاز السونار والذي يعتبر اهم جهاز في المطار.

 لانه يؤمن البلد من اي شيء قد يضر بمصلحته وظاهرة تعطيل وتخريب الاجهزة في العراق  هي من الاستراتيجيات المهمة لعراق الفوضى وعراق السراق الجدد وهناك غاية اخرى مضمرة في ادامة تعطيل الاجهزة وهذه الغاية ربما معروفة ومكشوفة ولانريد ان  نستقطع من وقت الكتابة لذكرها بالتفصيل الممل او كشفها لانها مشهورة عند الجميع وهي ان  اكثرية المسؤولين العراقيين لايترددون في انتهاز الفرص الغير الشرعية. وبالتالي فان تعطيل اجهزة الكشف والرصد والمراقبة مثل جهاز السونار فانه سيكون لصالحهم ولهذا ترى اغلبهم من الفاسدين.

واذا كان يتوفر بينهم من الجيدين فهم بكل تاكيد اقلية مهمشة لا تؤثر بمسيرة الانتهازيين،والجيدين،لسنا متاكدين من انهم فعلا سيبقون مواظبون على انهم جيدون الى النهاية بمعنى لم ينهاروا بالقريب العاجل او مستقبلا امام مغريات الحياة،او الفاسدين الذين يسعون باستمرار الى توريط الكل بالفساد كي يطمئنوا على انفسهم بعد تكبير ومضاعفت اعداد  الفاسدين.

 كي يموهوا ويضيعوا بينهم وهنا والان يحضرني المثل البصري الذي يلخص مثل هذه الحالة وهو( قد ضاع الابتر بين قطيع البتر) ولو اخذنا مثالا لاثبات حالة معينة توضح الفساد فاننا سنجد (المرافق الصحية) في المطار بحالة مهينة ومثيرة للقرف، لما تعانيه من الاوساخ المتراكمة والغبار الكثيف على الجدران.وانا لا اعرف كيف سيكون تبرير المسؤول ازاء خيانته الفادحة وكيف لاتصيبه وخزة  ضميرعلى سمعته و سمعت بلده،والنقد موجه ايضا الى عمال النظافة المقصرين في واجبهم.

 اليس هم  من المسلمين المؤمنين بالاسلام وتعاليمه واوامره ونواهيه؟ام الامرلا يتجاوز التقاليد والاعراف الاجتماعية التي لا تلزم المجتمع او الفرد بضرورة التقيد بها و فيها ولكن للاسف ربما ان اغلبية العراقيين قد فقدوا الاحساس بالمسؤولية الوطنية وكانهم يتعاملون مع العراق كفريسة يجب تقطيع اوصالها ليسهل نتفها ونهشها دون ان يفكروا بمستقبل الاجيال التي تليهم لكي يوفرلها حياة كريمة.

ولكن الانانية الكريهة هي التي تقودهم وتحركهم بطريقة خاطئة بحيث كشفت كل عاهاتهم المرضية ومن اهمها اضطراباتهم الذهنية والنفسية الواضحة لكنهم لايشعرون بها لانهم يوهمون انفسهم بممارسة طقوس التدين وهم بالحقيقة يمارسون التملق النفعي. ظنا منهم انهم يعبدون الله بافضل حالات التعبد وبالتالي قد حققوا وكسبوا رضاه ومن ثم لايعني ولايهم اذا تخاذلوا اوتلكئوا او كذبوا  في تصرفاتهم لان الله قد اصبح مضمونا وكأن لسان حالهم يقول فلا خوف علينا بعد اليوم لاننا قد احرزنا المغفرة لنا.

 وبالتالي كل شيء مباح ومتاح في هذا البلد وهم كذلك اي انهم لايؤمنون بشيء اسمه بلد ولهذا لايعنيهم اذا تدهورت اوضاعه،وانا اتصور ان عراق مابعد 2003 هو عراق التسيب والفوضى والعبث وكل هذا حدث كنتيجة مباشرة من جراء الحكومات اللاوطنية الفاسدة التي سرقت ثروات الوطن،الا اذا استثنينا فترة النظام الملكي كمقارنة مع ما قدم من بناء وتعمير وتخطيط  للمدن حتى جعل من البصرة واحدة من اهم  مدن  الشرق  بالرغم من راينا في النظام  الملكي.

 

ولكن يجب ان تقال الحقيقة دون تردد كي لا نساويه مع الانظمة التي جاءت في مابعد كنظام القوميين السيئين ونظام العبث لا البعث لان كلمة بعث تعني الاحياء والتجديد،بينما خراب العراق ودماره كافي كدليل لادانة نظامهم المسخ، الذي هو من اسوء واقبح الانظمة التي حكمت العراق،بينما نظام الزعيم عبد الكريم قاسم قد كان نظاما وطنيا جاء من اجل العراق وللعراق.

 حتى ان الكثير من قوى الشر والتامر اضطربت وخافت من بقاء نظامه واستمراره فقررت من فورها و بكل وقاحة معاداته واثارة المشاكل حوله وتحريض المرتزقة والمخربين والقتلة ودفعهم لممارسة حملة اغتيالات وقد كانت المحاولة الاولى هي استهداف الزعيم والقضاء عليه مستغلين بساطة اجراءات الحماية وضعف وقلة عدد افراد حمايته.

 حتى  حددوا مسرح الجريمة لمعرفتهم المسبقة بحركة موكبه ومروره اليومي من خلال شارع الرشيد والقصة معروفة اعتقد للمتابعين الى الشأن العراقي.ومع كل المحاولات لقتل الزعيم الخالد الا انه لم يتوقف عن متابعة تقديم اهم المشاريع واهمها التي كانت من نصيب الفقراء كالسكن والصحة والتعليم وتحسين ظروف معيشتهم و حياتهم بعد ماكانوا منبوذين .

 

علي السواد

 

أحمد عبد الحسين مرة أخرى

karimm althowri"ما اصعب أن تكون الكتابة بربع رغبة، أحمد بغض النظر عن التفاصيل الصغيرة، اختلفنا أو اتفقنا، أحمد عبد الحسين يستحق أن نتحرى ونكتب عنه برغبة كاملة، كونه، الأقدر منا جميعا"

تعرفت على أحمد عام ١٩٩١ في مدينة قم الإيرانية يوم كان يدرس في حوزة الإمام الصادق، ولمن لا يعرف طبيعة تلك المرحلة يمكنني القول أنّ: "غالبية الذين غادروا ديارهم دون رجعة بعد إنتفاظة عام ١٩٩١، وجدوا أنفسهم بلا مأوى ولا وسيلة للعيش لذلك كانوا كيفما اتفق، غالبا ما يسعون للتأقلم في البدان التي احتضنتهم، استمرارا في العيش "، كان أحمد متفوقا وخاصة في درس اللغة العربية لذلك حصل على مرتبة الثاني على دفعته بعد الشاعر والنحوي الفذ عمار الوائلي، استمر على هذا النحو لعدة أشهر، ما لبث أن تمرد الشاعر والإنسان فيه على الموروث الحوزوي، كان يخرج خلسة ليتروحن على طريقة العرفاني المطارد من قبل السلطات الإيرانية والغير مرغوب من قبل الأحزاب الإسلامية العراقية " أبو هدى الناصري " ويعود ليلا ليلتحق بخاوية يُقال لها غرفة . السؤال الذي يطرح نفسه : هل كان أحمد مؤهلا أن يتأقلم مع السائد إسلاميا وحزبيا وأن يتدرج سيما أن لديه من الممكنات الثقافية والمعرفية ما يجعل الحركات الإسلامية تتدافع لتضمه إلى صفوفها؟، نعم، ولكنه ليس وصوليا ...

995-ahmadهرب إلى سوريا بعد أن حلق لحيته الكثة واشتغل في صحيفة نداء الرافدين، الصحيفة تابعة للمجلس الأعلى بقيادة الثعلب بيان جبر صولاغ، ولا داع لتكرار نفس السؤال أعلاه ونفس الإجابة، نعم لم يستطع أن يتشكل بالطريقة والكيفية التي هم على شاكلتها...

ضاق وسع أحمد من الجو الإسلامي الخانق ليلتحق بصحيفة ليبرالية وشخصية فذة لديها من المرونة ما يجعل لغته الشعرية تنطلق وسع مداها، أحمد الجلبي رأس المعارضة العراقية والرجل المقرب امريكيا كان هو المؤهل لاستيعاب مثل أحمد، فلا خطوط حمراء حين الكتابة كما في الحركات الإسلامية . تطورت لغة أحمد وطرق تعاطيه مع الواقعين الثقافي والسياسي، لو كان أحمد وصوليا لما تخلى عن الجلبي، كونه فعلا المستشار الإعلامي ورئيس تحرير صحيفة المؤتمر ....

غادر إلى كندا، عاش فيها عدة سنوات وبعد التغيير عاد للعراق ليمسك القسم الثقافي في صحيفة رئيس الوزاء العراقي نوري المالكي " صحيفة الصباح " لكنه تقاطع لاحقا مع لحية سمسار المالكي، محمد عبد الجبار شبوط ودونية المرائي سالم مشكور، أيضا نقول لولم يكن أحمد مدنيا علمانيا في جمجمته " غير الزرقاء الخاوية " أبعد من أن تُجيره الكيانات غير الوطنية لسرقته نفسه على حساب ما آمن واعتقد في عراق كما لو أنه المدى، لكان قد تدرج في حزب الدعوة، الحزب الأقوى وصاحب النفوذ الذى ومازال يقود قواعد اللعبة السمجة.

انتقل وانتقل بحثا عن جدواه حتى وجد نفسه يتمحور في صحيفة الكترونية وبإمكانيات بسيطة ليس بينه وبين الخبر الذي يخدم المصالح العليا للعراق من رقيب آو سؤال، يقول ما يؤمن به، مصاديق ما يؤمن به تمحور جاهزيته خارج نطاق العمل الإعلامي كأي مواطن حركي مع ثلة من المؤمنين بعدالة القضية، يجاهر المخاطرة بحياته كل جمعة حتى نصب التحرير ليهتفوا ضد الفساد ويواصلوا المناقشة والتمدد، استمر على هذا المنوال مع أخوته سنتين دون ملل أو كلل حتى جاءت الفرصة ليوسع نطاق حركته، اجتهد أن ينسق تياره المدني المتواضع مع التيار الصدري صاحب النفوذ الجماهيري، تطور هذا التوجه لدرجة اللقاء المباشر مع زعيم التيار ومكتبه السياسي، هذا التحول الجديد ولد عند غالبية أهل الفرجة والمقالات النارية حماسة أكبرلتسقيطه واتهامة بسوء التصرف، بالعمالة لحزب أو تيار معين، فاتهم أنّ أحمد إبن مدينة الثورة الصدرية كان بمقدوره أن يتسلق كل المناصب سواء في المجلس الأعلى أو المؤتمر الوطني العراقي الموحد أو حزب الدعوة أو التيار الصدري لكنه غير ذلك، مصاديق قولنا ها هو بيننا وحيدا فريدا في آخر مظاهرة يوم الجمعة الماضية، بين أخوته المتظاهرين الذين لم يتجاوز عددهم بضع مئات، مالكم كيف تنتقمون...تكتبون...

الإنسان، الشفاف، الشاعر، الكاتب والمثقف، الأكثر منا جميعا قدرة على تحويل القصيدة والمقالة إلى فضاء يتحرك بصيحات المتظاهرين، زحفا حتى تجاوزت مدينتهم الخضراء ورئاسة البرلمان والوزراء، الاّ آنّ لنا نحن دعاة فيسبوك الكلمة الطافرة أن ننطقها : كم كنت وحدك...

 

كريم الثوري

 

يشئمني أيار.. في الذكرى ٣٦ لإعتقالي

munir hadadإعتقالي في غروب يوم من شهر أيار العام 1980، لا صباح له.. موضوع حلو.. يؤرقني، بل هو محور يفاعتي، التي إستنفدت نهاراتها وراء القضبان، بينما أقراني يستنفدونها بجمال حب مواعدة الصبايا، اللواتي يسمعونهن قصيدة "ريتا" لمحمود درويش، فيذبن وجدا في هواهم"بين ريتا وعيوني بندقية.. والذي يعرف ريتا.. ينحني.. ويصلي.. لإله في العيون العسلية.. وأنا تهت بريتا سنتين.. وهي نامت فوق زندي سنتين" فيكتشفون أن الحبيبة غفت على زندهم... بينما أنا أغفو من سهر النوم، لأسهر نائما، يتساوى عندي الليل الذي لم أعد أعرفه، مع النهار الذي غب في ذاكرتي مثل سمكة نتنة! ثمة دعابات روح اريحية، تكاد تقطع أحجار جدران السجن، المبطنة بكونكريت، في لبه فولاذ! ونحن وسطه، نتماهى مع الجمر صيفا والثلج شتاءً.. نستشعر لسعهما! تلك هي ملامح غيابات السجن، الذي إلتهم فتوة شبابي، وأعادني للحياة، بمعجزة تفوق الخيال.. الا ان دعابات كارثتي أخف وطأة من وهن السجان، الذي كان أشدنا قلقاً.

أينا أحق بتداعيات القلق، نحن السجناء، خشية ان يتركنا ويفر، ام هو الذي يخشى ان يفرغ المعتقل من حوله، ويصفو وحيدا.. لا أنيس يعذبه، بأمر من الطاغية المقبور صدام حسين.

دخلت المعتقل، مع والدتي واشقائي وشقيقاتي، قالوا خمس دقايق.. إستفسار، تحولت الى خمس سنوات، كأنها خمس رحى كونية، تطحننا، مثل الحنطة، وتلقي بالسبوس الى الهباء! إستنفدت ربع عمري تماما.

السجن حينها مشرع الباب، يفتح درفتي نافذته، وكوة في السقف، لإلتقاط الشيعة والكرد، وأنا "فيلي.. مدومن على الراسين" ولديهم تهمة جاهزة لكل عائلة فيلية: أما تبعية ايرانية او منتمية الى حزب الدعوة.

لحظة قدومهم المشؤوم، كنت اقرا كتابا مدرسيا، أتهيأ للامتحانات النهائية، التي إقتربت، وزعوا العائلة.. النساء الى سجن النساء و(الزلم) الى سجن الرجال، كنا ثلاثة اخوة مدنيين، كبيرنا حسن الذي رباني بمثابة والدي.. أعدم، وحيدرالاصغر مني.. حسن أعدم بعد شهر، مع إثنين من المعتقلين.. ابو نبيل البهادلي وعلوان من أهالي الفضيلية.. أخذهم الجلادون الى نهايتهم العظيمى، شهداء في الولاء لله ورسوله.. قرابين ليحيا المؤمنون بسلام تعمد بحياتهم، التي سفحت في ضغط طوق المشنقة، على عنق لم ينحني الا لله.

لم نعطَ جثامينهم، التي وجدناها في ما بعد، ضمن مقبرة جماعية،... إصطرعت شياطين القلق، في وجداني، بعد ان فرقوا النساء.. والدتي وشقيقاتي الثلاث، بينهن الكبرى، وهي ضيفة مع ابنتها حوراء، ذات الـ ٤٠ يوماً من العمر، والتي أظنها يمكن ان تدخل كتاب غينيس، كأصغر سجينة سياسية، في التاريخ!

وجدت نفسي في معتقل الفضيلية، وقد شت النوى بي، عن أشقائي.. حسن ذهب للإعدام شهيدا، ... وجمال وماجد، عسكريان، توقعت إحالتهما الى الاستخبارات العسكرية، ومنها الى ثرامات دجلة، ولكن حمدا لله لم نفقد سوى حسن.

 دخلنا المعتقل، وعلامات الثراء بادية علينا، بوضوح، فصرنا مطمعا للسجانة والمحققين وإدارة المعتقل، مع من عائلة متوسطة الحال؛ لأن اخي حسن حداد، يعيشنا برفاه، من كده، ودارنا في شارع فلسطين، الذي يعد راقيا، وسكانه أغنياء؛ الامر الذي يسيل له لعاب سلطة السجن! كلهم يتساءلون: "أنتم أولاد خير.. أيش جابكم لهذه الفكريات المهلكة؛ إذ حكمكم صدام بالاعدام".

الحقيقة، هي أن ظهور الامام روح الله الخميني ومحمد باقر الصدر.. قدس سراهما، جعل صدام وحشا مع الشيعة المعادين له، ملوحا بتهمة حرة.. طليقة، تبحث عمن يتقبلها، فهي جاهزة.. الانتماء للدعوة،...

أختطف المعتقل سنوات من ربيع عمري، وافرج عن مجموعة منا بعد سنتين و٦ اشهر.. لكنني دخلت طفلا وخرجت كهلا.

عندما دخلنا السجن انا وحسن وحيدر، نظر الينا شخص.. يرحمه الله، يدعى محسن الجبوري.. من الكريعات تأمل أناقة ثيابنا، ملابسنا الانيقة، قال: "جماعة معتقلين.. هذولة ناس شبعانين، حياتهم كلها كاضينها باوربا ليس مثلي كلما اقول لامي: "ضايج" تفتح لي قوطية دبس".

محسن داود.. اظرف شخصية في المعتقل، يسهب بالثرثرة، مواصلا الحديث، حتى صلاة الفجر، وعندما يكمل حكاياته نقول له: كم سالفة صدك؟ يقول: هن ٥٠ بينهن ٤٦ كذب، والباقي صدك انتوا طلعوها.. من ظرائفه انه يمر من بعيد لاخوته من الام والدته الفرنسية، التي تعمل استاذة في السوربون.. تتمشى في باريس وسحكتها السيارة.

الحراس كانوا من الشرطة، وهم طيبون في الغالب؛ لان معظمهم من الجنوب، حتى مدير السجن.. المقدم محمد الصالحي.. طيب معنا، وهو سني.. مقدم في الشرطة.

 من الظرائف العالقة، في ذاكرتي: "عندما هاجمت اسرائيل لبنان؛ نظمنا تظاهرة سنة ١٩٨٢ نطلب تطوعنا لقتال اسرائيل؛ فجاءنا مدير امن بغداد ليسجل اسماءنا.. وقفت الاول في الطابور.. شابا "وكحا".. طويل اللسان قالوا لنا نسجلكم بقادسية صدام؛ فاول هارب كنت انا، قلنا لهم لو كنا نريد ذلك مادخلنا المعتقل؛ ففتحوا علينا خراطيم المياه وضربونا بالكيبلات، مع دفق ارتجالي، من كلمات نابية.. شتموا اعراضنا واتهمونا بالعمالة والخيانة.

خرجت في 14 ايار، بعفو من صدام فوجدت مجتمعا خائفا علينا من السلطة؛ لان التقرب منها تهمة لاتغتفر. أعطوني بجامة وخمسة دنانير، معتذرين منا، لأننا ابرياء.

تجدد أملي باكمال الدراسة؛ لكن مدير تجنيد الكاظمية، إجتهد بسوقي للحرب.. فمع كونه شيعيا.. من طائفتي، الا انه شتمني واتهمني بالعمالة، لكن "من يتقي الله يجعل له الله مخرجا" إذ انقذني العميد ياسين حمد الذهيبة.. مدير تجنيد الكرخ العام، ناهرا النقيب، يأمره بعودتي للدراسة.

العميد سني من الانبار، هو الذي وقاني عسكرية أصر الشيعي على سوقي لها.

عودا الى شقيقاتي فالكبرى المتزوجة.. هاجرت مع زوجها واولادهما، الى بريطانيا، وشقيقاتي الاثنتين لم يحالفهما الحظ بالزواج من شخص ذي مستوى مقارب، ولأن التقرب منا والتصاهر معنا، يعد جريمة؛ فلم يفطرن على بصلة، وانا اكملت دراستي مع صعوبة المعيشة واصبحت القاضي الذي اسس المحكمة التي قاضت صدام، واعدمته صبيحة العيد بنفسي، بعد ان كنت اول من حقق معه، واخر من صادق على حكمه كقاض في محكمة التمييز، لكن عاقبني حزب "الدعوة" بحجب كل حقوقي التقاعدية، وتنكر المالكي والعبادي، لوعود معسولة، تنصلوا منها، جاعلين حياتي علقما، لو لا عناية الرب..

إلتقيت في السجن جبار سويسرا.. خباز من الكرخ، شتم صدام فحكموا عليه بالمؤبد.. يدعي بانه قاد انقلابا فاشلا، وفي المطار كان يروم الذهاب لسويسرا ومعه جواز دبلوماسي و١٠ الاف دولار؛ فسمي كذلك وهو لايعرف الدبلوماسي ولم يلمس دولارا في حياته..

معنا شخصيات تبوأت مناصب كبيرة بعد سقوط صدام، من الشيعه والاكراد.

يعلق في ذاكرتي، كتابة امجد السواد البصري، على جدار خلفه: "علمني الحسين، ان اكون مظلوما كي انتصر".. فسأله مدير الامن: هل انت مظلوم؟ فكنت سيد الموقف: "نحن لسنا مظلومين" وانقذته وهو الان مستشار في وزارة التعليم العالي.

 

القاضي منير حداد

 

من أوراق الذاكرة النجفيّة: سنوات الخميني في المدينة المقدّسة

jawadkadom gloomفي اواسط الستينات من القرن الماضي حطّ السيد الخميني رحاله في مدينتنا النجف قادما من تركيا التي لفظتْه بتحريض من الشاه الذي كان ذا نفوذ وسطوة في منطقة الشرق الأوسط باعتباره احد الأذرع الرئيسية التي تردع امتداد النفوذ السوفياتي وقتذاك

كان بصحبته ولداه محمد (المشهور بلقبه مصطفى) ويُنادى به حتى يكاد صحبه والمقرّبون منه ان ينسوا اسمه الأصلي  محمد، والآخر اسمه " احمد " الأقل حظوةً من أخيه، اذ كان مصطفى الساعد الأيمن لأبيه

 كنّا فتية في الصفوف الثانوية وكانا يكبراننا ببضع سنين وغالبا ما نلتقي في باحة المسجد في نقاشات متفرعة أقلها النقاشات السياسية خصوصا في اول عهدهما حين أقاما وعائلتهما في النجف

بدأ الوعي يدبّ في عقولنا، وعلمْنا ان هذا "الشيوعي العنيد" كما كانوا يطلقون على الأب الخميني وأكاد اجزم انه كان  من أكثر وأشد معارضي الإمبراطورية البهلوية التي نمقتها  نحن الشباب الصغار بسبب كونها أصبحت الشرطي الذي كلّفته أميركا لإيقاف المدّ الماركسي الآخذ بالاتساع ليس في هذه المنطقة بالذات بل في العالم كله وبالأخص عالم المسحوقين في الشرق  وفي أميركا اللاتينية والأقطار المبتلية بالدكتاتوريات وانقلابات العسكريتاريا، اذ كنّا نتعاطف بشكل كبير مع الاتحاد السوفياتي وخصوصا دعمه الذي كان يتزايد لحركات التحرر الوطني حتى لو كانت اتجاهاتها قومية وقد تكون شوفينية ضيقة الافق . وهو المعروف بأمميته

انضممنا نحن الفتية الناضجون حوله لاننا ببساطة كنا نتلهف ونسعد بايّ انبعاث ثوريّ مهما كان مصدره سواء ماركسيا أو إثنيا وكنا نزوره ونصلّي خلفه في احد جوامع النجف الشهيرة المسمّى " جامع الترك " قريبا جدا من الصحن العلوي في  محلّة وسوق الحويش الشهير بمكتباته العامة ومحلات بيع الكتب وحالما نفرغ من الصلاة نتوزع، كلٌ الى هدفه فهذا الى المكتبة الشهيرة التي كانت قابعة وسط السوق وذاك الى دكاكين باعة الكتب، اذ لامسرح ولا سينما ولا فنون ترفيهية فبقي الكتاب وحده هو الملاذ الاخير لنا .

لم تكن هناك اية نشاطات او حلقات درس او مناقشات في الجامع من قبل السيد الخميني والمتحلقين حوله منذ استقراره في النجف واستئجاره بيتا متواضعا شرقيا ضمن أزقّة المحلّة نفسها القريبة من جامع الترك لغاية عام /1968 حتى بتنا لا نأمل فائدة او خيرا او استزادةً في المعلومات  مثلما كنّا نترقب منه نحن الشباب في اول وعينا ونضوجنا

والحقّ انه كان انطوائيا معتكفاً الاّ من جماعته وخاصّته وكم حاولنا استدراجه وإثارة التساؤلات ذات الدلالات السياسية لكنه لم يردّ عليها مقتصرا في إجاباته على الإشكالات الفقهية فيما يخص العبادات والطهارات وما شابهها

وحالما وقع انقلاب 17/ تموز من عام 1968 وسقوط النظام العارفي، تصاعدت الخلافات بين إيران الفهلوية وحكم البعث الذي مازال غضّ العود لم يمسك زمام الأمور بعد، وكان سبب الخلاف الأساسي هو الدعم الواسع الذي كان يغدقه شاه ايران على الحركة الكردية في شمال العراق وكيف بحمَل مازال صغيرا يقوى على مقارعة ثور وعنجهية الشاهنشاه مما اضطر المسؤولين البعثيين الى مغازلة المعارضة الايرانية ضد الشاه في الداخل الايراني وسمحت لهم بالاقامة في العراق وتوفير الحرية لهم فجاءت جموع كثيرة من كل ألوان المعارضة الدينية وغير الدينية واستوطنت النجف وكربلاء في غالبيتها ومنهم اتباع السيد الخميني بأعداد لايستهان بها ومنَحهم العراق كل مستلزمات الاقامة والاستقرار نكايةً بالشاه وقد وصلت الرعاية مداها الاوسع حينما تغلغل الكثير من مريدي الخميني في القسم الفارسي من اذاعة بغداد وتقديم برامج متنوعة باللغة الفارسية كانت تصبّ كلها في مقارعة النظام الشاهنشاهي وفق منظور " من فم شعبك أدينك " وكان نصيب جماعة الخميني برنامج " النهضة الروحية " التي كانت تترقبه الشعوب الايرانية بكل لهفة

وبإمكاننا ان نقول ان الفترة التي عاشتها المعارضة الايرانية بقيادة السيد الخميني بعد انقلاب 17 تموز في العام / 1968  في العراق واستحواذ البعث على السلطة كانت من اكثر الفترات قوة وسطوة على الشارع الايراني المعارض، وكل ذلك ناتج من التسهيلات الجمّة التي منحها البعثيون لها بدءا من ايصال اصواتهم وتوسعتهم اعلاميا اضافة الى دعمهم لوجستيا بالمال والسلاح والتدريب العسكري في معسكرات مخصصة لهم قريبة من النجف وتزويدهم بالوثائق الرسمية الثبوتية وجوازات السفر العراقية بعد ان حرمهم الشاه منها وكان السيد مصطفى ابن الخميني هو المكوك بين هذه الشريحة من المعارضة الايرانية وبين النخب السياسية الحاكمة في العراق لتسهيل اية طلبات يريدها المعارضون حتى وصل الامر الى التوسّط والتدخل في شؤون القضاء العراقي ... واتذكر كيف تم العفو عن المعارض السيد حسن الشيرازي المدان بالتجسس من قبل محكمة الثورة العراقية كعادة البعثيين حينما يريدون تصفية الناشطين الاسلاميين وكيف تم اصدار عفو عنه ثم اطلق سراحه بعد اقل من شهرين بأمر من نائب رئيس الجمهورية انذاك صدام حسين بالرغم من إدانته بالتجسس، كل ذلك لانه من اتباع السيد الخميني ومن نخبة رجاله وخاصّته الاقربين

والحق ان الشيرازي كان نشطا جدا وأرخص نفسه للدعوة الى مقارعة النظام البعثي في العراق رغم حداثته في مسك السلطة ولكن حظوة السيد الخميني لدى النظام وقتذاك ورحلات ابنه محمد (والملقّب مصطفى) لمقابلة المسؤولين العراقيين برحلاته المكوكية من النجف الى بغداد وبالعكس ودفع الكثير من معارضي الشاهنشاه رضا بهلوي من الايرانيين المقيمين في العراق الذين يحظون باعتبار وتقدير من ذوي النفوذ من السلطات الحاكمة في العراق فقد تم اطلاق سراحه والغاء الحكم الصادر بحقه

وبعد فكّ إسار الشيرازي من السجن شدّ رحاله الى سوريا ولبنان في العام /1970 والتقى بالكثير من زعماء الشيعة والعلويين هناك وجمع شتاتهم ولمّ آصرتهم وكان أعداؤه يترقبون تحركاته ويقفون له بالمرصاد لتصفيته الى ان تمّ تدبير عملية  اغتياله في لبنان في العام / 1980

توترت العلاقات بين الجانبين العراقي والايراني في العام 1970 وأصبحت التفاهمات والحوارات عقيمة لاتجدي والامال بالسلم منعدمة مغلقة الابواب بعد ان اقدمت ايران الشاه على احتلال الجزر العربية الثلاث في الخليج العربي (ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) وقُطعت العلاقات الديبلوماسية بين الطرفين وتم سحب السفراء والعاملين في سفارتي العاصمتين وتحركت جحافل الجيش الايراني على حدودنا استعدادا للحرب وهنا اريد ان اوضح موقف الخميني امام ذلك التصاعد الخطير الذي كان منذرا بوقوع حرب شعواء، هذا الرجل قد اعدّ بيانا يخاطب فيه الجيش الايراني ان يدير اسلحته بوجه الشاه واتباعه الكافرين بالقيم الاسلامية لا الى الجيش العراقي الشقيق لنا تحت راية الإسلام فالسماء ستهتز غضبا اذا سُفكت دماء الاشقّاء المسلمين من كلا الطرفين لو بدأت شرارة الحرب

اية مفارقة وانحراف سلكه السيد الخميني بعد استلامه السلطة والاطاحة التامة بالشاه سنة / 1979 ولماذا تبدلت قناعاته واشتعلت الكراهية في اعماقه ولم يرضخ ابدا لمساعي السلام العديدة في حرب الخليج الاولى التي أهلكت ملايين النسل والحرث والزرع واليانع واليابس لثمان سنوات حربٍ مرعبة، فالسلطة نفس السلطة والشعوب ذات الشعوب !!، فما عدا مما بدا وما الذي تغيّر، فهل عرَفنا في العراق وأنكرَنا وهو الوليّ الفقيه في ايران؟؟

هكذا هي الاثنية ورؤوسها ومزاجها وتقلباتها وتذبذب فكرها تماما كما الدكتاتورية ولعنتها وتبعاتها وتزمّتها، كلاهما تلعبان بمصائر الشعوب وتحيلهما تمزيقا وحروبا ومجاعة واضطهادا واعاقة للسلام والتآلف والمحبة

ففي الوقت الذي كانت علاقة الخميني وصحبه سمنا على عسل مع السلطات الحاكمة في العراق لكنها لم تكن حينها على توافق مع المرجعية الدينية الشيعية ورجالها المؤثرين طوال مدة اقامته النجفية بدءا من سنة 1965 حتى رحيله الى باريس لاجئا منفيا خريف العام / 1978 لانها ببساطة ودون اي لبس او تعمية كانت معظم ممثليها ان لم نقل كلّهم تقف الى جانب الشاه على طول الخط وترى فيه منقذا ومخلصا وساعدا ايمن للتشيع، فالنجف وهي المركز الأساس للمرجعية الشيعية تنظر لكل من يقف ضد الشاه وطغيانه وجبروته وسطوته عدوّا للشيعة وتنعته بابشع الصفات حسب تصوّرها وأقلها ان توصمه بالكافر الشيوعي جزافاً وهذا هو حال الخميني ووضعه غير السوي مع المرجعية الشيعية التي خيّبت آماله، عدا ماكان جهاز الاستخبارات والشرطة السرية الفهلوية " السافاك " وهو يراقب حركاته خطوة خطوة بالتعاون ممن باع نفسه عميلا وخادما للشاه ومنهم مجموعة من علماء الدين المعروفين في النجف وأتذكر كلماته التي قالها جزِعا مهموماً وهو يعبّر عما يجول في اعماق نفسهِ :

"لا ادري ايّة ذنوب اقترفتها حتى ابتلي بالنجف وأنا في آخر عمري !! وكلما تقدمتُ خطوة واجهتني عمائم النجف بوضع العراقيل أمام طريقي اعتراضا وإعاقةً"

اجل بقي الرجل وحيدا منطويا على نفسه ودون ان يبدي العلماء من رجال الحوزة النجفية ايّ اهتمام او رعاية له ولجماعته من المعارضة الايرانية التي كانت من اشد اعداء الشاه واكثرها نزوعا ثوريا وتحريضا على الجماهير الايرانية التي كانت ضد حكم بهلوي في الداخل خاصةً، ولم يجد مُعينا يناصره مثلما كان يأمل حين اختار النجف مثوى له ولعائلته ومريديه فآثر الصمت والعزلة في سنوات اقامته الاولى الى ان جاء الوقت المناسب عند اشتداد العداء مع الشاه بسبب دعمه المتزايد للحركة الكردية الثائرة في شمال العراق فاستمال حزب البعث مجموعة المعارضة الخمينية وغيرها من الحركات المعارضة للشاه لاستغلالها في اضعاف النظام الامبراطوري البهلوي وتصعيد الصوت الاعلامي الايراني من اجل زعزعة الداخل والتمهيد للثورة عليه ولم يجد الخميني بُدّا الاّ التعاون مع سلطة البعث – ليس حبا به – وانما لتنفيذ غاياته واجنداته وتحقيق احلامه في سحق الشاه عدوّه اللدود باية وسيلة كانت ولو كانت من لوجستيا البعث اضافة الى ضيق المقام به في النجف وجفوة المرجعية الدينية عنه وانعزاله عنها مرغما وكأني به يستشهد بما قال الشاعر العربي:

إذا لم يكن غير الأسنّة مركبا ------ فما حيلةُ المضطرّ الاّ ركوبها

ثم ضاق به المقام اكثر حينما صدم بموت ابنه الاكبر مصطفى بشكل مفاجئ من دون اية حالة مرضية سابقة في العام / 1977 وهو في اواسط الأربعينات من عمره وهذه الحادثة قد أوصلته الى حدود من الجزع مما لاطاقة له باحتماله حتى ثارت ثائرته وتوجّس ان هناك مؤامرة للنيل منه ومن اولاده لاجل تصفيته وكنا نسمع هنا وهناك من طراطيش كلام بان محمدا مات مسموما على يد السافاك من خلال ذيوله المنتشرة في انحاء النجف وأصرّ السيد الخميني بعد التشييع على ان يدفن في الصحن العلويّ خلافا لأوامر الدولة التي تمنع نهائيا حفر ايّ قبر داخل حضرة الامام عليّ مهما كانت شخصية المتوفى لكن إصرار الاب  المفجوع على تنفيذ إرادته أرغمتْه على توجيه رجاء الى السلطة العراقية المتمثلة في شخص صدام حسين يوم كان نائبا لرئيس الجمهورية فوافق على دفن جثته وفق ماشاء الخميني نفسه

هكذا كانت السلطة العراقية وحزب البعث يقفان مع المعارضة الخمينية في الوقت الذي تخلّى عنه وعن مريديه كبار رجال المرجعية الدينية النجفية وحتى الاحزاب والتكتلات الدينية بما في ذلك حزب الدعوة الابرز معارضةً ولم يقفوا في صفوفه او يتضامنوا مع توجهاته ذات النزوع الثوري المعارض للشاه طيلة سنوات المنفى في النجف التي تزيد على الثلاثة عشر عاما

وحالما انتصرت الثورة الايرانية بداية العام / 1979، تداعى هؤلاء الاخوة الاعداء زرافاتٍ ووحدانا الى مكان اقامة القائد الروحي السيد الخميني ممن كانوا يدّعون تمثيل مرجعية النجف للتهنئة بانتصار الثورة بعد هرب الشاه والتطلّع لمقابلته وتقبيل يديه ولكن الخميني بعد عودته من باريس أبى ان يستقبل ايّ احد منهم وفيهم قادة بارزون ضمن حزب الدعوة ايضا، بل وحتى ان بعضهم مُنعوا من دخول الاراضي الايرانية نهائيا لشكوكٍ في علاقتهم بالسافاك  الشاهنشاهي كأعضاء دائميين ومنهم ذيول له وكأني به يعرف تماما هؤلاء الذين ينقلبون على أعقابهم من نهّازي الفرص والمتلوّنين المائلين مع الريح السياسية أينما اتجهت وحيثما أزفت

 

جواد غلوم

 

طلالة على ذكريات مر عليها أكثر من نصف قرن

hashem mosawiبعد أن فتح الشاعر الكبير "مظفر النواب" الأبواب مشىرعة أمام موجة الشعر الشعبي المتحضر، البعيد عن الإغراقات الجامدة والمملة للأساليب الريفية القديمة، والتي لم يكن يتذوقها سكان المدن..

كلنا (من ذاوقي الشعر والمتطلعين لكل ما هو جميل وجديد آنذاك)، حاولنا أن.. ندلو بدلونا في موجة شلال جارف . وكانت لي مشاركات ضاعت الكثير منها .. وانا لست من حفظة الشعر (حتى الذي أكتبه) اليوم وجدت في بيت أحد أقاربي هذا المقطع القصير الذي كنت قد كتبته في عام 1960، أنشره اليوم ربما من باب الحنين الى ماض جميل لن يعود أبدا .

 

عتاب / هاشم الموسوي

 

إلمن سهرْنَه الليل واحرگنه العمر

واگضينا بالحســــرات أيام الهجـر

چنا حبايب يـــــــــا حبايب بالزغر

نگطع ورد ونسوي گعده من عطر

ونسيس ابلام الهـوى بعرض النهر

ونسـطر سواليف بايـــام المــــــطر

نضحك،نعد انجوم ونحاچي الگمر

گِل الأهلنا ياگمر حضـــــرو الشمع

فرشوا الصوانـي بالهلاهل والزرع

وتراكضن نهدات وحشـــــه يا ربع

وسمعنه شالوا رِكبَو بريل الدمـــــع

نهد وگصايب ما بچن من هجرن البصره

خلّن وراهن طبعة الفنجان بالحمره

وتونّسي بالليل يـامخده بفرد حجره

وانه بجكاير امسح الدمعات والحسره

وأعتب عليهن لو ترد اردود هالسمره

 

البصره 1960

 

محمد عارف يكتب عن زهاء حديد بالروسية

نشرت مدونة روسية متخصصة في الفن المعماري مقالا تفصيليا يقع في عدة صفحات  مع صور عديدة متنوعة للمعمارية العراقية العالمية الراحلة زهاء حديد وانجازاتها المدهشة في مجال الفن المعماري،  وكذلك نشرت المدونة صورة للصحافي العراقي الكبير محمد كامل عارف (كاتب المقال) مع تعريف واف به  وبمكانته واهميته في عالم الصحافة العراقية والعربية والانكليزية، واشارت الى انه خريج كلية الصحافة في جامعة لينينغراد الروسية آنذاك (بطرسبورغ) حاليا.

لقد شعرت ب (الزهاء !) حقا وانا أقرأ ذلك المقال بالروسية حول زهاء حديد بقلم محمد عارف، اذ كان الاستاذ محمد كعادته  (يغرٌد !) فعلا في مقاله ذاك  باسلوبه المعروف الشفاف والمعمق  والرشيق، الاسلوب الذي تنعكس فيه دائما  تلك الثقافة الواسعة والمكثفة للكاتب وذلك الحب الصوفي النقيٌ  للعراق، واستطاع – وبمهارة رفيعة جدا -  ربط فن زهاء حديد وابداعها المعماري بجذور حضارتنا الرافدينية العريقة  من اوروك واريدو وبابل ..الخ  وصولا الى المعالم العربية العظيمة لتلك الحضارة، وكل هذا المزيج المتنوع والمتناغم (اردت ان استخدم كلمة الخبطة باللهجة العراقية ولكنني ترددت) قدٌمه لنا محمد عارف بشكل ممتع ومنطقي وعلمي، ويمكن القول – وبكل ثقة – ان هذا المقال هو كلمة جديدة للقارئ الروسي في عالم الفن المعماري وتاريخه بشكل عام، وفي عالم الفن المعماري الخاص بزهاء حديد، وبالتالي فان محمد عارف استطاع - وبنجاح منقطع النظير حقا - عبر بحثه هذا ان يقدم صورة مشرقة وجميلة جدا للعراق في ماضيه الحضاري العريق، وحاضره المرتبط بابداع الفنانة المعمارية زهاء حديد المتميز والمدهش .

قررت ان اكتب حول ذلك المقال المهم جدا في الصحافة الروسية من وجهة نظري، لاني اهتٌم بموضوعة العلاقة المتبادلة بين ثقافتنا العربية والثقافة الروسية  واتابعها دائما، واحاول ان اسجل وقائعها البارزة ودراسة  تاثيراتها المتبادلة بين  العالم العربي والروس بشكل عام، وبين العراق وروسيا خصوصا . وهكذا وضعت العنوان وبدأت التخطيط لكتابة هذه المقالة، وما ان بدأت بالكتابة، واذا بي اسمع  وبالصدفة (في نشرة ألاخبار المسائية في التلفزيون الروسي  لذلك اليوم بالذات) النبأ الحزين  والرهيب، وهو رحيل زهاء حديد المفاجئ وغير المتوقع بتاتا، وتوقفت طبعا عن الاستمرار بكتابة المقالة تلك من هول هذا الخبر، اذ لم يكن من المناسب بتاتا الاستمرار بالكتابة .

الان قررت الرجوع الى هذه المقالة، بعد ان هدأت الخواطر قليلا، وبعد ان استقرت افكار الجميع على ان رحيل زهاء حديد هو رحيل الجسد  ليس الا، وان فنها المعماري سيبقى خالدا على الارض، سواء الذي  استطاعت انجازه، او الذي خططت لتنفيذه، انطلاقا من المبدأ الانساني العظيم، الذي تلخصه  باعجاز مدهش الآية الكريمة  - (فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض).

ومما شجعني للعودة الى ما خططت الكتابة عنه واكمال ما بدأت بكتابته  هو مقال محمد عارف نفسه بعد رحيل زهاء، اذ نشر مقالا بعنوان – (زهاء حديد..تحية وداع بالروسية)، والذي كتب فيه محمد ما يأتي – (وكما يحدث مع الشخصيات التاريخية، ستؤثر زهاء بعد رحيلها بقوة أكبر مما في حياتها . فبناياتها المشيدة حول  العالم لا تغيب عنها الشمس، وبنايات تنتظر الانشاء ...وستكتشف الاجيال الجديدة الابعاد السياسية والفلسفية لعمارتها، التي قامت بمغامرة لا مثيل لها في تاريخ الفكر والفن والسياسة)، ويستطرد محمد قائلا – (... ولم أدر ان بحثي عن زهاء بالروسية ..سيكون تحية الوداع ..)، ويشير الى انه ترجم لزهاء بعض مقاطع من بحثه ذاك، وخصوصا  كلمات الناشر الروسي في تقديمه لمحمد عارف، والذي يقول فيه – (...قد يبدو اننا نعرف كل شئ عن زهاء، لكن هناك من يعرف عنها أكثر بكثير ..)، ويعلق محمد على ذلك قائلا – (... ولا فضل لعراقي ان يعرف العراقية أكثر بكثير، فهو يعرفها بقلبه. وهل غير حدس القلب العراقي جعلني استشهد في بحثي بالروسية عن زهاء بموال / ونيٌت ونٌة حزن، جبل حمرين هزٌيته/ .)  

 

أ.د. ضياء نافع

 

ماريو بارغاس يوسا في بيتنا

شاء القدرُ أن تنقلبَ دنيا العراق في نيسان من عام 2003. وشاءَ أن يفدَ الوافدونَ عليه شقرا وسمرا وحمرا، بين غازٍ مرتزقٍ ومنفيٍ عائد وطامعٍ حالم بموطئ قدم. وشاءَ لباب الوطن أن تكونَ كأبوابِ حاناتِ الغربِ الأمريكي تُفتح بضربة قدمٍ ولا تنغلق على من هم في داخله. وشاءَ أن يكونَ من بين القادمين، مدفوعا باستطلاع حال العراق الجديد والاستفهام عن مستجداته وكتابة سلسلة من التحقيقات الصحفية عنه، الكاتبُ البرواني–الأسباني الكبير ماريو بارغاس يوسا. وشاءَ القدرُ أخيرا أن أكونَ أنا من وقعَ عليه اختيارُ السفارة الإسبانية ببغداد لأكونَ في معيته مترجما طوالَ أسبوعين.

عقدنا جلسةً تحضيريّةً لمعرفةِ ما يودّ الرجلُ الاطلاعَ عليه من فعالياتٍ ومؤسساتٍ ومَن يريدُ لقاءهُ من وجوهٍ ووجهاء.

اختار مقابلةَ محمد باقر الحكيم في النجف، ومسعود البارزاني في بغداد أو السليمانية أو أربيل. وكان في جدولِ نشاطِه جولةٌ حرّة في بغداد فضلا عن زيارةِ مؤسسةِ الشهداء والمفقودين في الكاظمية ولقاءُ سفير الفاتيكان في بغداد وزيارةُ أطلال كليّة اللغات ومقر صحيفة (الزمان)، الأشهر آنذاك بين صحف العراق الجديد.

في النجف التقينا رجل الدين والسياسة العائد من منفاه، وتأمّلتُ حالي وأنا أترجم مقالَ ذلك الرجل الذي ناصب صدام حسين العداوة والتربّص، وتذكرتُ، وأنا أترجم لهذا، وكنتُ ترجمتُ لذاك، قول المعرّي:                          

رُبّ لحدٍ صارَ لحداً مِرارا  ***  ضاحكٍ من تزاحُمِ الأضدادِ

أمّا الزعيم الكردي فلم نظفرْ في بغداد حتى بشارب سكرتيره آنذاك هوشيار زيباري. مع ذلك ذهبنا إلى السليمانية طمعا في لقاء أيّة شخصيّة كرديّة مهمّة، لكنّنا لم نحظ إلا بلقاء مسؤول في التعليم العالي، بينما أمضينا سهرة ذلك اليوم في ضيافة رجلِ أعمالٍ كرديٍ، لم يدّخر مالا في إكرام الوفد ولا كلاما في تحليل الوضع السياسي على الساحة الكرديّة.

في بغداد تنقّل الوفد، ببطله وكومبارسه، من مترجم ومصوّرة فوتوغرافيّة، هي (مورغانا) ابنة الكاتب، وآخرين ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية الإسبانية، بين مختلف الفعاليات.

في شارع المتنبي جلسنا في مقهى الشابندر لتناول الشاي وخرجنا منه قلقين مضطربين إذ اضطرب المشهد وتوتّر الشارع لظهور مجموعة من الرجال المدججين بالسلاح، قيل أنّهم حرس السفير الإيطالي الذي حضر إلى شارع الثقافة للترويح والاستجمام. وتعرّف شاب على وجه (بارغاس يوسا) فسألني إن كان هو ثمّ طلب منّي أن أنقل للأديب البرواني قوله بأنّه كان أولى بجائزة نوبل من (غارثيا ماركيث).

وعرّجنا على مقر صحيفة (الزمان) والتقينا بمسؤول صفحتها الثقافية (لا أذكر اسمه)، الذي قدّم للأديب الزائر استعراضا لوضع الأدب العراقي وحكى له عن عمل مسرحي لفرقة (مردوخ) مستوحى من مسرحية وليم شكسبير (عطيل) وضع له عنوان " ليُطَعْ "، وهو مقلوب عنوان مسرحية الأديب الإنكليزي الشهير.  

وفي يومِ جمعةٍ لاهبٍ قادنا مسؤول في مؤسسة الشهداء إلى بيت عائلة استرعت قصتها ومعاناتها اهتمام الصحفي الكبير، وقبلها شهدنا من على سطح الحضرة الكاظمية المقدسة صلاة الجمعة بعد أن صعدنا مع ثلّة من الشباب كلّفت بمرافقتنا.

ثم كانت لنا زيارة إلى كليّة اللغات وجولة في أركانها المحطمة وأثاثها المنهوب ورفوف مكتبات أقسامها التي تفحمت الكتب فيها، وإن بقيت رمادا شامخا.

تحدّث (بارغاس يوسا) في كتاب (يوميات حرب العراق)، الذي جمع فيه سلسلة مقالاته تلك، عن شعور مترجمه العراقي يومذاك: فقال إنّه لم يلحظه حزينا متألما كما رآه يوم زيارته كلية اللغات ودخوله إلى مكتباتها المحروقة. وأنّى لبارغاس يوسا أن يعلم ما كلّف الحصولُ على كل واحدٍ من كتب تلك المكتبات أيّام الشدّة والعسرة؟

وعنّ لي بعد عودتنا من السليمانية وفراغنا من جولاتنا في بغداد أن أدعو الضيف ومعيته إلى بيتنا. أطلقتُ الفكرة فلقيت الترحيب وإن بعدَ تمنّع من طرفهم:  " لكنّنا سبعة؟! " – قالوا.

وجاء الركب في اليوم الموعود. لم تكن وليمة وحسب، بل استعراضا لكلّ ما مرّ من مشاهدات وتقويما لمجمل الزيارات والحوادث.

أعجب المدعوون بطعامنا العراقي وكتب (بارغاس يوسا) إهداءً على كتاب من كتب ولدي أحمد بعد ما رأى من شغفه بمسقط رأسه غرناطة وولعه بكلّ من يمت لها بصلة، وشجّعني على كتابة مذكراتي عن تجربتي في الترجمة لصدام حسين طيلة سنوات عديدة.

وهكذا مضت الساعات بين طعام وشاي وحديث وعيون متطلعة وفراسة ذكيّة ترى وتحلل كلّ ما ترى وتسمع وتلمس وتحسّ.  

ترك دون (ماريو بارغاس يوسا) كل انطباعاته ومشاهداته تلك في كتابه ذاك، الذي أتمنّى أن تسنح لي فرصة ترجمته ليطلع أبناء لساننا على شهادة كاتب كبير عن حال العراق الذي لم يكد يخرج من نفقٍ مظلمٍ حتّى دخل في آخر أشدّ ظلمةً وأدعى إلى الترقب وحبس الأنفاس.

كان للروائي الكبير نظرته وأمنياته وتصوّره عن بلد لم يقم فيه إلا أسبوعين. عن بلد لا يعرف عنه سوى أن صفحة مهمّة من تاريخه المعاصر قلبت للتو. فكانت المحصّلة وصفا أدبيا رائعا لواقع أرى أنّ نظرُه قصّر عن تحليله تحليلا سياسيا واقعيا، ربّما بسبب خلفيته الليبراليّة المندفعة المتفائلة والمتحمسة لرؤية أيّة ديموقراطية وليدة وقد أتت أكْلَها ناضجة ناجزة.

  

د. بسّام البزّاز

 

كهوة عزاوي في ذاكرة "البغددة"

abduljabar noriهو مقهى شعبي شهير أقترن أسمه بالأغنية البغدادية الشهيرة (يا كهوتك عزاوي)، ويعود تأسيسها ألى القرن التاسع عشر، ويقع في منطقة الميدان، قرب سوق الهرج، بجانب محلة (الأحمدي)، بجوار حمام الباشا، وصاحبه كان يدعى (أحمد القيسي) لكنه أشتهر بأسم كهوة عزاوي نسبة إلى شاب كان يعمل بها جاء من واسط أسمه سلمان عزاوي، فكان هذا الشاب محبوباً أريحياً صاحب معشر بشوش الوجه سمح وكريم وخدوم جداً للزبائن إلى جانب وسامتهِ المميزة وخفة روحه، أمتلك قلوب رواد المقهى بكاريزمية سحرية شديدة، فكان له الأثر في ترويج سمعة المقهى بين محبي المقاهي، وهذا أدى إلى زيادة عدد رواد المقهى الأمر الذي جعلهم يسمون المقهى في أنحاء بغداد بأسم عزاوي، فأصبح المقهى مكانأً مريحاً لطالبي الحديث، والأستمتاع بشرب الشاي المهيّل والمخدر بالقوري الفخاري والمحفوظ بالسماور النحاسي اللماع وكذلك الحامظ والدارسين، وكما ورد في مصادر متنوعة كان مقهى عزاوي الشهير أحد المقاهي التي تحي ليالي رمضان حتى السحور بأقامة الألعاب الشعبية التي تقوم على الفراسة والتأمل كالمحيبس والصينية والنقلة، والقصه خون في سرد قصة عنتر وعبله والزير سالم وأبو زيد الهلالي، وسماع المقام العراقي بصوت أشهر القراء آنذاك مثل " نجم الشيخلي وأحمد زيدان " وكما يقول الباحث التأريخي لمحلات بغداد (الحاج محمد كاظم الخشالي) كانت تقام فيه ألعاب الظل من وراء ستار شفاف يؤديها الفنانان (عيواظ وكركوزا)بأخراج رشيد أفندي، وكانت تلك المشاهد تحتوي على أنتقادات ساخرة للأوضاع السائدة أنذاك التي تزعج الدولة .

وقد كتب أحد الشعراء كلمات الأغنية المشهورة " يا كهوتك عزاوي " أثر الأختلاف الذي حصل بين الشاب عزاوي وصاحب المقهى مما أدى إلى زعل عزاوي وترك المقهى ليرجع إلى محافظته أضافة إلى ظهور زعل آخر بين صاحب المقهى وأبنه  المدلل الماسك والمساعد للمقهى المذكور،  مما أدى ألى أنقطاع الكثير من رواد المقهى وتناقص زبائنه شيئاً فشيئا، لكون أصبح المقهى بدون عزاوي كراسي مقلوبة، الغبار يخيم على كل شيء، الزقاق فارغ، وتبدو كمدينة أشباح وهكذا أسدل الستار على هذا الرمز التراثي والفلوكلوري  مما أدى ألى صاحب المقهى أن يعرضه للبيع

وهذه بعض مقاطع من كلمات الأغنية التي غناها ولأول مرة أستاذ المقام العراقي المرحوم "يوسف عمر" ضمن مقام البيات (مقام الأرواح):

وفراكهم بجاني جالماطليه بالضلع

بيك أشترك دلالي

يكلون حبي زعلان

يا كهوتك عزاوي بيها المتيّم زعلان

لركض وراهم حافي وعبيتي على جتافي

بوسه من الأسمر كافي

سواها بيه سلمان

يكلون حبي زعلان

سلم علي من بعيد وحواجبه هلال العيد

يا كهوتك عزاوي بيها المدلل زعلان .

وهذه رسالة مستعجلة ألى وزير الثقافة المرتقب في الكابينة الوزارية  التكنوقراطية الجديدة الدكتور الآكاديمي "عقيل مهدي" أن يعيد لنا هذا الصرح التراثي الفلوكلوري الأصيل ويبث الروح في المقام العراقي الآيل ألى الأفول وله الشكر سلفاً .

 

عبدالجبارنوري- السويد

......................

الهوامش

- مقتبسات من  كتاب البغداديات، لعزيزجاسم الحجية، بسبعة أجزاء

** كتاب أغاني بغداد القديمة 1970

في – الثامن من مايس -- 2016

 

 

رسالة غوغول الى قيصر روسيا

حضرت مرة ندوة حول الادب الروسي في نهاية ستينات القرن العشرين في القسم الروسي بجامعة باريس . لقد شارك  في  تلك  الندوة  الادبية وفد سوفيتي ومجموعة من الباحثين والمتخصصين الفرنسيين في الادب الروسي (معظمهم من اصول روسية او من المهاجرين الروس بعد ثورة اكتوبر 1917 في روسيا) . تحدٌث اعضاء الوفد السوفيتي بالطبع من وجهة النظر السوفيتية الرسمية في ذلك الزمن البعيد جدا، واختلفت الآراء والمفاهيم  - في تلك النقاشات  - حول عدة نقاط  في تاريخ الادب الروسي ومسيرته واحداثه، ومن بينها، موقف الاديب الروسي العالمي الشهير نيقولاي  غوغول من النظام القيصري في روسيا  آنذاك . لقد أكٌد الوفد السوفيتي على ان غوغول كان معارضا ومضادا للنظام القيصري هذا ، واستشهد الوفد بمقاطع من نتاجات غوغول الادبية  (خصوصا رواية الارواح الميتة ومسرحية المفتش العام بالذات)، التي كانت تنتقد – وبشدة ووضوح وبشكل مباشر  -  بنية ذلك النظام  السياسي الروسي من رشاوى وفساد اداري وتباين واضح و رهيب بين الطبقات ...الخ،  وكان رأي الجانب الآخر يؤكٌد على ان هذه الانتقادات لم تكن موجهة ضد النظام السياسي الذي كان قائما في روسيا  عندها، وانما ضد النواقص السلبية الانسانية في كل مجتمع ومرحلته التاريخية، بغض النظر عن النظام السياسي السائد في ذلك المجتمع، والدليل على ذلك، ان تلك النتاجات الادبية  لغوغول لا زالت حيوية، وان المجتمعات الانسانية في العالم تتقبلها لحد الآن، بما فيها المجتمع الروسي السوفيتي المعاصرآنذاك   .

 كنت اتابع هذا النقاش الفكري الجميل بكل جوارحي كما يقولون، وفجأة قامت سيدة روسية من هؤلاء المهاجرين  (وكانت في حوالي العقد السادس او السابع من عمرها) وقالت للوفد السوفيتي  بابتسامة ولكن بحدة وقوة  ايضا، ان غوغول نفسه كتب الى القيصر طالبا مساعدته، لأن وضع غوغول كان صعبا، بل وحتى حرجا عندما كان يعيش في ايطاليا بدون مورد مالي ثابت ودائم، وان القيصر استجاب لطلبه ذاك، وأمر بمساعدته، فكيف كتب غوغول رسالة الى القيصر وهو ضده  وضد نظامه، وكيف استجاب القيصر لطلبه وساعده في محنته  وهو يعرف ان غوغول معارض له و ضد نظامه السياسي؟ .

بعد انتهاء تلك الندوة والنقاشات المفتوحة والمتناقضة  جدا  حول ما جاء فيها من افكار وآراء، توجهت أنا الى تلك السيدة وسألتها، هل توجد لديها مصادر تثبت ما قالته حول رسالة غوغول و طلبه المساعدة المالية من القيصر، فاجابتني – وبثقة - انها اطلعت مرة على رسالة  (منشورة في احدى المصادر الروسية) كتبها غوغول نفسه بهذا الخصوص، الا انها لا تتذكر الان تاريخها او نص فحواها، بل حتى لا تتذكر اين قرأت كل هذه الوقائع، ولكنها متأكدة كل التأكيد من ذلك، و أضافت ان اعضاء الوفد تهربوا من الاجابة على ما قالته لهم  ومناقشتها حول ذلك، لأنهم يعرفون حق المعرفة هذه الرسالة  حتما  ومضمونها بلا شك .

عندما خرجنا من القاعة، قلت لاحد اعضاء الوفد السوفيتيي الذي كان يسير جنبي بالصدفة، ما ذكرته لي تلك السيدة  حول رسالة غوغول الى القيصر وما قالته لي بشأنها، فاجاب ساخرا، ان هذا كلام عام ليس الا، ولا يمكن مقارنته بنصوص ابداعية معروفة وواضحة كتبها غوغول نفسه ونشرها،  ولا زال العالم يقرأ تلك النتاجات الادبية الخالدة، والتي تحدد موقف غوغول الصريح والواضح تجاه ذلك النظام الاستبدادي وطبيعته .

مرٌت اعوام  طويلة جدا (حوالي نصف قرن !!!) على تلك الندوة  في جامعة باريس، ونسيت تماما هذه الحادثة الطريفة في تاريخ الادب الروسي (وفي تاريخ حياتي ايضا!)، ولكني تذكرتها فجأة الان، عندما كنت أقرأ كتاب فيريسايف بعنوان - (غوغول في الحياة)، والذي اعتمد فيه مؤلفه الاديب الروسي فيريسايف على رسائل غوغول ليس الا في رسم لوحة قلمية عن حياة غوغول ومسيرته الادبية (انظر مقالتنا بعنوان – غوغول بقلم فيريسايف)، فقد عثرت  في ثنايا ذلك الكتاب على أوليٌات تلك الرسالة التي أشارت اليها تلك السيدة الروسية في باريس قبل نصف قرن تقريبا، وكدت  أصرخ في تلك اللحظة  بكلمة – (وجدتها !) فرحا،  مثلما فعل أرخميدس عندما غطس في الماء في تلك اللحظة  التاريخية  !!!.

لقد وجدت في الصفحتين 208 و 209 من كتاب فيريسايف (غوغول في الحياة) المذكور اعلاه مقطعا كبيرا جدا واساسيا  في الواقع  من رسالة غوغول الى الشاعر والمترجم الروسي جوكوفسكي، الذي كان على اتصال بالقيصر وحاشيته وبلاطه، لأنه كان يقوم بتدريس ابناء عائلة القيصر، وغالبا ما كان يحاول مساعدة الادباء الروس ومساندتهم   في اوساط  البلاط القيصري (انظر مقالتنا بعنوان – اصدقاء بوشكين) .  لقد كتب غوغول الى جوكوفسكي تلك الرسالة من روما في 6 نيسان / ابريل من عام 1837،  ويشير فيها الى تفصيلات دقيقة جدا حول وضعه المالي الحرج جدا، بل والتراجيدي فعلا هناك، و يقول له فيها – (اني فكرت وفكرت ولم استطع ان أجد افضل من اللجوء الى القيصر .)، ويرفق رسالته الى القيصر مع رسالته هذه الى جوكوفسكي ويرجوه ايصالها.

 

أ.د. ضياء نافع

 

1976 ـ 2016 أربعون عاما في الصفحة الأولى

abdah haqiماتزال تلك الليلة القائظة والبعيدة جدا في صيف 1976 تردد في مسمعي تمزقات وتأوهات ولادتي الرمزية.. ولادة كاتب مفترض في حمأة سنوات العنفوان الشبابي المضطرم في أذهان جيلنا الثوري اليافع.

كان يغمرني وقتئذ شعور مبهم، ملغز وثاو في جهة ما من النفس بأنني لم أولد بعد، وبأن حقيقة وجودي ليست في حقيقة ذلك الوجود الزائف الذي كنت أتدثر بضوء شمسه نهارا، ونور قمره ليلا، وإنما في وجودي حيث تكتمل كينونتي بكل دعاماتها الجسدية والروحية والنفسية والرمزية أيضا. ولذلك كنت أداري ظلي المختال بشبابه على درب الحياة الطويل، في انتظار أن تكتمل عقيقة الخلق الرمزي، لكي أكون كما يريد مخاض الإبداع وأسفاره الهلامية، لا كما يريدني مخاض البطن الرؤوم.

وكان قدري أن كان في العتمة انبثاق طيف قصيدتي العمودية الأولى «همسات اللقاء» ذات صيف من سنة 1976.

داهمتني من حيث لم أدر وأنا مغمض العينين.. مثل المطر العاصف.. مثل هبة إلهام أو وحي غريبين، حيث ألفيتني في ظلام الغرفة أنظم البيت تلو الآخر.. كالعنكبوت أمضي في نسيج القصيدة جيئة وذهابا حتى مطلع الفجر، حيث نهضت وارتشفت فنجان الشاي الأول في ذلك اليوم، ثم شرعت أنسخ تلك القصيدة اللغز على ورق الدفتر المدرسي.. وسمتها بعنوان «همسات اللقاء» وبعثت بها في رسالة بريدية بريئة وعادية إلى برنامج «مع ناشئة الأدب» في الإذاعة الوطنية المركزية، الذي كان يشرف على إعداده الشاعر الأصيل الراحل إدريس الجاي.

مر أسبوعان من الترقب والانتظار على أحر من الشعر وأخيرا جاءت الولادة الرمزية إذ بثت قصيدتي العمودية الأولى ذات ليلة من ليالي 1976.

كانت المذيعة بصوتها الدافئ الرخيم تتلوها بيتا بعد بيت وكنت أشعر بانخطاف لذيذ كأنه سكرات حياة جديدة.. كانت تلك القصيدة بكل تأكيد وصدق هي صرخة البداية، بل هي بداية كل البدايات الأدبية والثقافية… بعد نهاية البرنامج خرجت للتو من الدار مهرولا.. وجدتني أمشي حثيثا بين دروب الحومة وأنا على وشك أن أهتف كالمخبول في الناس العابرين أو الواقفين: ألم تسمعوا قصيدتي هذا المساء على الأثير أيها الأحياء الموتى؟ أفيقوا الليلة.. لا تناموا الليلة، وسجلوا أنني منذ الآن صرت شاعر قبيلتكم الذي سوف تفخرون به في معارككم من دون شك. ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم ما أزال أتساءل، ماذا لو كنت قد استسلمت للنوم في تلك الليلة السبعينية السحيقة ولم أتحايل على الأرق بنظم قصيدة عمودية كي أبحث بين تلافيفها عن غفوة هاربة مني بعناد. وهل كانت يدي التي كتبت الرسالة وأودعتها في صندوق البريد في الصباح هي من اقترفت كل هذه الأوراق فوق مكتبي على مدى أربعة عقود.. وماذا كنت سأكون اليوم بعد أربعين عاما لو كان مآل رسالتي مثواها الأخير في سلة المهملات؟ هل كنت سأمزق دفاتري وأكسر أقلامي وأؤجل أحلام هوايتي إلى موعد وفضاء رمزي آخر لا أدري تاريخهما بالضبط .

أسئلة عديدة تتفجر في حقل كتابتي الآن.. أهي قدر الأقدار كان منقوشا منذ الأزل في لوح حياتي المحفوظ؟ أم هي تواطؤ جميل وقاس ومدبر أيضا حاكه شيطان الشعر في عبقر النفس الأمارة بالبوح؟ أم هو ضرب من اللعب الخيالي يكبر شغبه الطفولي في جوانيتي يوما بعد يوم من دون أن يشيخ أو يموت؟ أم هو ميثاق سري وقعت عليه ذائقتي الفنية في لحظة سهو عابرة بينها وبين الشعر؟

أربعون عاما انصرمت.. أعلم أنني كنت حاضرا لكن كثيرا في الغياب.. أشك كل لحظة ألف مرة فيما كتبته إن كنت حقا كتبته بيقظة ووعي أم بمس دفين؟ أم كل ما كتبت هو من كتبني سطرا بعد سطر منذ ولادة تلك القصيدة العمودية الأولى إلى نقطة النهاية هاته في هذا المقال؟

 

هيت تستعيد أسرار مدني صالح

jamal alatabiمدن أعالي الفرات،هيت وحديثة وعانة، مثل الجنائن الاسطورية رابضة في محيط المياه، جزر صغيرة تطفو، تروي قصص الحب، والحضارات القديمة، تحمل تاريخ مولدها،لنواعيرها قصص أخرى يتناقلها أبناؤها، تعيش في بيوتهم المطمئنة، مسبّحين بحمد المياه الجارية، تغني ليل نهار، ترافقهم مع أحلامهم على مدارات الفصول، كأنها الدهر الذي لايشيخ، فهي الملاذ والمقبل في صيف لايعرف مذاقه إلا أولئك الذين إستوطنوا الضفاف السعيدة فيها .

هيت التي يتصاعد فيها الدخان وألسنة النيران، إغتصبتها مخالب الحديد التي تقضم الحجر، لاضوء فيها، غير سَورَة الغبار والجحيم، لانار في بيوتها تدفىء العظام، سوى تلك النار التي تجتاح الشوارع الخرساء حين يغزوها الجيش الأسود، وترحل عن دارتها السماء ويكفهر وجهها، سوى ما تتناقله الأخبار عن حروب الإنكشاريين الذين جاؤها من بعيد . يقول عنها إبنها ابراهيم أحمد: رغم ان المدينة مفعمة بالغيبيات والأساطير والخرافات، وتضم عشرات الأضرحة لإولياء وقديسين، لكنها أيضا وبنفس القدرة مكتنزة بروح مشاكسة وعنيدة، وحين تسأل كيف لاتسقط المدينة وهي مائلة والريح عاتية؟ يأتي من يقول لك انها مسنودة بكف الأمام علي عليه السلام، ويريك كفا من الحنّاء على جدارها الداخلي .

هيت تعيد لي الآن أسرار أبنائها الذين فتحوا منافذ الهواء فيها،نيرانها المتصاعدة غير تلك، نيران المعرفة التي أضرمها مدني صالح وآخرون أمثال مهدي حنتوش وابراهيم عبد الله وفاضل عبدالواحد ويوسف نمر ذياب وغيرهم، فأمطروها بالخير والأحلام دونما ضجة ودونما صخب .

المدينة وهي تحت أزيز الناروالرصاص، تغصّ بالدمع والآهات، فيها ظمأ لمدني صالح ليأتي معه الغيث والمطر، ليغسل ما خلّفه الأوباش من خراب .إنه يبكي على هيت وينعاها، كلما مرّت بها ركابه، وقطع بها السبيل، كما يقول رباح آل جعفر، لقد مضى عنها دون أن تودعه، أو يودعها .

هل يجد مدني صالح ملاذاً له الان فيها؟ أم أن هناك من يسرق السكينة منه ويقتص من خجله وإرتباكه، ويحرق كتبه وكلماته . أكاد أشك في ذلك، وهوالذي إمتلك إستشراف ما سيحصل: إذهبوا وأقرؤا تاريخ العراق، هذه ليست أول محنة تصيبه، كم مرّعليه من غزاة وطغاة وبغاة؟ أين هم الآن؟ من الدخان  والخوف سينهض العقل والفلسفة، إنهما المنقذ من مسار الطوفان والنار، وإن أحاطهُ القتلة والمسعورون والأشرار. إنه الصوت الحقيقي وسط الظلام. الأشرار يحفرون قبورهم، وعليكم أنتم تحفروا أسس حجرات الدرس .من يضع زهرة على قبرك الان يا سقراط العراق؟ من يدلّنا إليك والطرق محتشدة بما خلّفه الهمج؟ والمدينة مسوّرة بالجند، ليس عدلا أن تنام وليالي هيت تغادر أسحارها، والفراشات ملّت رصاص الحروب .ها أنت تطلب الفلسفة في الطين كما دوّنت  .

في المقامة الفراتية يتحدث مدني صالح عن هيت التي لايختار سواها، لو قدّر له الولادة من جديد، وعاش بحرية وإختيار، ليس سوى ذلك البيت الذي ولد فيه،ولما درسَ الإبتدائية إلاّ في مدرسة هيت، إنها (الرحيق) الذي يشهق فيه، وريحانة قلبه، يضمها بين يديه، يشمّها حليبا، تقاسمه حشف التمر، وسنبل مائدته، يبوح بحزنها ويبتهل، فما مسّ ضفائرها ذئب، وما روضها زمن، منها خرج البناة الذين شادوا الإهرامات في مصر، والسور في الصين، والبرج البابلي في العراق، مقالعها القديمة قدمت الحجارة لبناء السدود المشيدة على الفرات، وقالوا: انها سومرية، وقيل إنها قامت وإزدهرت قبل أن يكون أحد السومريين في الوجود، نقلوا منها الطابوق والحجارة والقار والجص وجذوع النخيل،يذكرها بطليموس في كتابه الجغرافية بإسم إديكاروتعني عيون القار في الآرامية .

هيت (مدينة مدني الفاضلة) ترفّ على الماء وتحوم فيه النوارس، وسحائب زهر وندى  .يستدير لها بعينيه، وفيهما دمعة راعفة، تستمع لندائه الخافت: يا حي بن يقظان، ويا ابن طفيل خذاني إليكما، وهبا لي من كلماتكما، أجنحة أطير بها إليكما، لإقرأ في أسفاركما قوانين العدل والحرية، وروح المغامرة، ونكهة الفلسفة، وزيف السلطة والقبيلة،وقوة العقل والخير.

 

جمال العتابي

 

هل رحل حقا مقداد رحيم؟

qusay askarالساعة العاشرة صباحا ورنة الهاتف ثم صوت السيدة الفاضلة زوجة الأكاديمي والشاعر الأديب الدكتور مقداد رحيم وهي تقول  توفي صديقك  بعدها مباشرة كلمة تعزية من البروفيسور الكبير فاروق مواسي  ابن فلسطين الاصيل وباقة الغربية  يعزي بوفاة الدكتور مقداد رحيم والحق صدمت للخبر، كنّا نتحدث كل ليلة تقريبا هو في بغداد وانا في نوتنغهام، قال لي انه سيسافر الى السويد حيث بيته هناك وعائلته ليجري عملية جراحية في ظهره  وجاء الى السويد ثم اجرى العملية وواصلنا الحديث كل ليلة تقريبا بعثت له بعضا من كتبي على عنوانه في السويد وكنت من قبل في البصرة طلبت من اهلي ان يبعثوا له على عنوان الدكتور صبحي ناصر حسين بعضا من كتبي ليوصلها له لكنه سافر الى السويد وكنت امل ان يرجع للعراق كي يواصل التدريس هناك فيستلم الكتب لكن المنية ابت الا ان تخطفه من أهله ومحبيه.

971-muqdadكانت أحاديثنا تدور حول الادب والاُدباء فمن جملة ما اذكره انه اخبرني عن علم الدكتور فاروق موسي  ومنزلته الادبية  وان أدباء فلسطين او ما نطلق عليهم عرب اسرائيل مازالوا محاصرين الى الان وان على الأفق العربي ان يستوعبهم كما استوعب من قبل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد.

  ودار الحديث ايضا عن  قصيدة النثر قلت له البارحة اتصلت بالدكتور عبد الرضا علي فأخبرني ان احد كتاب قصيدة النثر (سميته للدكتور مقداد) يرسل للدكتور رضا كتبه وكلما يطبع كتابا يرسله له ويظل يسال هل وصل الكتاب  غرض ان يكتب عنه مع العلم ان الدكتور عبد الرضا يرى ان هناك أقلية فقط تجيد كتابة قصيدة النثر،وقد سمى لي هؤلاء القلة  وما ان ذكرت للدكتور مقداد ذلك الأديب حتى قال لي ان هذا الأديب ارسل لي  أولى مجموعاته الشعرية  قبل ان يطبعها  فصححتها له لانها كانت مليئة بالأغلاط بل قل هناك ماساة من الأغلاط  وضعف في تركيب الجمل وان الادب يمر الان بمأساة حقيقة يمكن ان نطلق عليها ماساة قصيدة النثر فمعظم هؤلاء لايجيدون اللغة  ويعرضون مخطوطاتهم على مصلحين قبل الطبع والادهى ان  المؤتمرات الشعرية تقبلهم مع شعراء التفعيلة والعمود ( الحر والعمود) والأجدى ان تكون لقصيدة النثر مؤتمراتها الخاصة  لا ضمن مهرجانات الشعر.

احاديث كثيرة  سأحاول ان اتذكر  بعضها او معظمها  لعل الذكرى تلهمنا الصبر

 

من مؤلفات الفقيد في مجال الدراسة

1. النوريات في الشعر الأندلسي- بيروت- 1986.

2. نظرية نشأة الموشحات الأندلسية بين العرب والمستشرقين- بغداد-1986.

3. الموشحات في بلاد الشام منذ نشأتها حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري- بيروت-1987.

4. عروض الموشحات الأندلسية-بغداد-1990.

5. أبحاث في الأدب الأندلسي- ليبيا- 1994.

6. مصادر التراث الأندلسي من كتاب كشف الظنون- أبو ظبي- 1999-

7. # اتجاهات نقد الشعر في الأندلس في عصر بني الأحمر- أبو ظبي- 2000..

 

مجموعاته الشعرية

1. الحب مرَّتين-بغداد-1975.

2. لا شيء سوى الحب- بغداد-1980.

3. عفواً أيها الساتر –بغداد-1988.

4. ليلة شهرزاد الأخيرة- القاهرة- 2003.

 

من شعر الدكتور مقداد رحيم

أضاعوني

 

أضاعوني فـتـىً يصطادُ صبوتهُ

على شريانِ باسقةٍ

ويلثمُ طلعَها قلباً

فما أنقى وما أطيبْ

يعلُّ الصبحَ ضِحْكاتٍ

وكركرةً تَـمدُّ جناحها

للعصرِ والمغربْ

يشيلُ من اللمى توتاً

وفي العينينِ يرسُمُ لونَ مَوسـمـِهِ

ويدخلُ جنةً في ظلِّ أعنابٍ

وأعذاقٍ

ومن رُطَبٍ شهيٍّ كانَ يـملأ جيـبَهُ

نـَهَماً

يهزُّ الجذعَ تسقطُ تـمرةٌ

ويهزُّ..تسقطُ تمرةٌ أخرى

غنيٌّ بالذي يجني..

ويصنعُ مركَباً ألواحُهُ سَعَفٌ

ويفرحُ إذْ يسيرُ النهرُ بالمركَبْ

أضاعوني فتى الأحلامِ

والآمالِ

والأصحابِ

والـملعبْ

فتىً لا يرتوي عشقاً

ولا الأيامُ من أحلامِهِ تـتعبْ

فتىً يشتاقُ للأنهارِ دانـيةً

تلوِّنُ يومَهُ بالأخضرِ الهادي

صفاءً

أو بهاءً

كلما ألفَى خريرَ الـماءِ

غابَ عن الورى

ورأى لهُ وجهينِ

في موج الضحى الأشيبْ

وللأطيارِ هزتْ من معاطفِهِ

صفاءَ النفسِ

حيثُ اللحنُ مسحوراً

يدسُّ جنونهُ في كلِّ حانيةٍ

يضجُّ بـهِ الهوى الأرحبْ

أضاعونـي فتى الفتيانِ

يحلمُ بالـمحبّةِ والهوى وطناً

على أنخابِهِ يشربْ

فتىً يـَمشي على أطرافِ أنـملةٍ

ويخفضُ صوتهُ

ويعانقُ الأفلاكَ في سمَرٍ

وقد يغفو على كوكبْ

فتىً تحلو لهُ الدنيا

حديثَ اللهِ ترغيـباً

بِـخُلدٍ شافَ مطلعَها

على أطرافِ بابلَ

ثمَّ لم يعجبْ

أضاعوني

فتىً كتبَ الهوى شِعراً

وغنَّـى راقصَ الخفقاتِ

للأعشاشِ

والأعذاقِ

والربواتِ

والأطيارِ

والأسحارِ

حالمةً

وغنَّى كلَّ ساقيةٍ

وقد أطربْ

أضاعوني

فتىً آمالُهُ أفـقٌ

عريضُ الصبحِ

منبلجاً

فغصَّ بـهِ نهاراً كوكبُ الشِّعْـرَى

وأعشتْ شمسَـهُ النـزواتُ

والغزواتُ

والهفواتُ

والسقطاتُ

يحملُ وزرَها

ولغيرهِ التدبـيرُ والمكسبْ

فتىً ما أجملَ الدنيا إذا ابتسمتْ

فتاةُ الحيِّ في دَعةٍ

ونامَ العاشقُ الولهانُ

محمولاً على وعدٍ

تَديفُ سريرَهُ الآمالُ

كاذبةً

يُصدِّقُها العواذلُ

وهو يجني جورَ مَن يعتبْ

فتىً ما سرَّهُ وطنٌ

يسلُّ السيفَ مجنوناً

ويفخرُ بالدماءِ تسيلُ..

بالأرواحِ تُـزهقُ..

بالـمُنى تُـنهَبْ

أضاعوني فتىً للسلمِ يجنحُ

والهوى الشرقيِّ

لا أحلى ولا أعذبْ

فأيَّ فتى أضاعوا

أيَّ مَبخرةٍ أهالوا

أيُّ نبعٍ غاضَ،

أيُّ كنانةٍ تُـثقَبْ

.....

أضاعوني فتىً تغفو طفولتهُ

على أكتافِ دجلةَ

حيثُ يلهو الماءُ بين رصافةٍ والكرخِ

طفلاً ضجَّ بالأحبابِ

لا ينأى ولا يصخبْ

ويفزعُ من مراكبهِ

إذا الأمواج حنَّ لبعضها بعضٌ

وغنَّتْ أجملَ الألحانِ موّالاً

عراقياً يشيلُ غلالةَ الكربِ الطويلِ

ويا لهُ مِن كَربْ

وعينٌ للفتى حفظتْ

خيالاً باهرَ الألوانِ  والأصواتِ

والحركاتِ

مِن جسرٍ إلى جسرٍ

ومن بَلَمٍ إلى بَلَمٍ

ومن رَكْبٍ إلى مركبْ

وبينَ رموشهِ علقتْ

عيونٌ للمها

تقتصُّ من كيدِ الوشاةِ

ومن ظلامِ الليلِ

فاتنةً بلا سحرٍ

وقاتلةً بلا قَـتلٍ

وجانيةً ولمْ تُذنِبْ

 

يلمُّ الرملَ مبهوراً برائحة الهوى المقصورِ

ليتَ هواهُ مَـمدودٌ

وينهل من أحبتهِ الذي يدري

ولا يدري

ولكنَّ الهوى المقصورَ مقصورٌ على الـمَسْلَبْ

فتىً بالكرخِ مطلعُهُ

له الشوقُ القديمُ هناكَ

لا يسلوهُ

لا يسلوهُ

أينَ الكرخُ

أينَ رصافةٌ

والدجلةُ الأعذبْ؟

................

غوتنبورغ في 23-9-2005.

 

ما أشبه اليوم بالبارحة!

رحم الله الفقيد الكبير الشاعر الباحث الأكاديمي الدكتور مقداد رحيم والعزاء للسيدة زوجته وكريمتيه وانا لله وانا اليه راجعون.

 

 

من أدب المذكرات: مساجلة بين أبو معيشي والملا عبود .. شذرات من الجنوب

karim alasadiفي عراق العصور الخوالي كانت هناك حياة لأن الحب كان هناك !!.الحب في أروع وأصدق صوره : الحب العائلي، حب أهل الجوار، حب أهل القرية أو المدينة التي ينتمي اليها العراقي ولاينتهي هذا الحب عند حب كبير هو حب الوطن، فهناك حب الجمال: جمال الناس والطبيعة والمخلوقات لذا كان الشعر حاضراً تسمعه من غناء الفلّاحين في الحقول أو البساتين وغناء الملاحين في الزوارق والسفن وغناء الصيادين اذ يأتيك صاعداً الى البر من قلب النهر أو البحيرة .أقصد بعراق العصور الخوالي العراق الى ماقبل عقود قليلة قبل ان تفجعنا الحروب الخاسرة وتدمر حياتنا الأحزاب فتسهِّل لمن يريد ان يفتك أو يشمت أو يتشفى  بنا مهمته . لاخراب يأتي من الخارج فقط اذا لم تمهد له أوضاع في الداخل!!

عفوية الحياة، تلقائية الناس، حميمية العلاقة بين البشر فيما بينهم وجمال العلاقة بين البشر والطبيعة الجميلة حد الأبهار والتي تثري روح وقلب الأنسان في وعيه ولاوعيه وتجعله جانحاً للأبداع ليصوِّر ويصف ويبوح ويحاول ان يرد الجميل بالجميل، وبراءة أرواح الناس آنذاك من الغدر والذم والنميمة والتكالب على مصالح ضيقة ومنافع مزعومة، كل هذه الأوضاع والمواصفات  كانت محفزات ودوافع ليزهر الشِعر ويزدهر .

الشعر من نتاجات الحب والتوق للحب، وعلاقته بالحب لاتقل عن علاقته بالحرية، بالخير وبالجمال . ما أن يمس الحب شغاف قلب الأنسان حتى يبدأ بالترنم ويريد ان يقول شيئاً عذباً وهائلاً والِقاً، وبعضهم يبدأ بالغناء ان لم يتمكن من الشعر، فيغني شعر الآخرين، وكل الغناء البشري أصلاً شعر بل حتى غناء الطيور والحيوات الأخرى انما تدفعة قوة الشعر والشعور. وكم هو رائع وهائل ومعبِّر هذ الأسم الذي منحته العربية لهذا النشاط الأنساني الأِبداعي : شِعر!

أكاد أقول ان الحياة في الجنوب العراقي، مثلاً، قبل أربعة عقود وأكثر كانت مهرجاناً شعرياً متواصلاً، والقرية أو المدينة كلها صالونا أدبياً وشعرياً كبيراً اركانه القراءات الشعرية والمداخلات والردود والنقد الأدبي، وقد يمارس هذا  النشاط أناس أميّون لم يتعلموا القراءة والكتابة قط، ولديهم من قوة الحافظة وسرعة التأليف وحضور البديهة ما يُعجز الوصف حقاً.

مِن هؤلاء كان العم أبومعيشي من سوق الشيوخ وهو شاعر شعبي بالفطرة له موهبة لاتُجارى في كتابة رباعي الأبوذية . أطبقت شهرته الآفاق فتجاوز سوق الشيوخ الى عموم الناصرية فالجنوب والفرات الأوسط . تقدم أبو معيشي في العمر ولكنه بقي مثل المعدن النبيل في التحفة الأثرية لايفقد من قيمته شيئاً بمرور الزمن بل يزيده مرور الزمن أهمية.

تبادل أبو معيشي الأبوذيات والأشعار مع معظم شعراء سوق الشيوخ والناصرية البارزين، وكان من أصدقائه الشعريين ومجايليه حمدي الحمدي والشيخ مطرب السعيدي والسيد عبد العزيز الحصونة وان كان أبو معيشي أكبر من هؤلاء سناً هو المولود في العام 1880 والمتحدر من نجد الى العراق والى سوق الشيوخ على وجه التحديد .

كان والدي الشاعر ملا عبود الأسدي شاباً حين تعرف الى أبو معيشي في كهولته وقد عمَّر أبو معيشي حتى وصل عمره الى قرن كامل حيث توفي في العام 1978 على حد علمي فرحل شاعر كبير ومؤرخ موسوعي للشعر الشعبي العراقي  . كان والدي كثير التردد الى مركز سوق الشيوخ في ذاك الزمان بسبب عمله آنذاك كتاجر للحبوب والمواد الغذائية حيث سوق الشيوخ مركز تجاري كبير، أو لزيارة أصدقائه الشعراء ومنهم السيد محمد سعيد السيد عكَلة آل النبي الموسوي رفيق طفولته في قرية الحمادية في الفهود والذي أستقر فيما بعد نهائياً  في مركز سوق الشيوخ المدينة التي كانت تمتد في ذاك الزمان ليدخل ضمن حدودها الجبايش والفهود، قبل ان يستقل الجبايش كقضاء وتتبع له الفهود كناحية.

كان والدي يهتم بشعر الغزل، ولجمال صوته ووسامة طلعته وعذوبة حديثه واسلوبه في التعامل كان لديه في شبابه الكثير من العلاقات مع النساء  قبل ان يتزوج أمي، وقد روت لي أمي مراراً وتكراراً ان عدد عشيقات أبي بلغ أربع وعشرين عشيقة، وعشقُ ذاك الزمان هو عشقُ براءة وكلام جميل على طريقة الشرق العربي المسلم المحافظ الخجول، والحياء بشكل عام صفة من صفات الشرقي وان لم يكن مسلماً .

أختار أبو معيشي والدي من بين الشعراء، ربما للأسباب تلك، ليبوح له بحبه للنساء وأمنيته ان يتواصل معهن حتى بعد موته، ورغم كبر سنه كان أبو معيشي يحس ان له دوماً دَيناً في أعناق النساء الجميلات البيضاوات خصوصاً يجب عليهن تسديده ..

يبدو ان أبو معيشي كان أسمر شديد السمرة، ومن هنا جاء لقبه  الجوهرة السوداء، ولذا كان يميل أكثر الى النسوة البيض مثلما سنحدد هذا الأمر في بيته الشعري الذي أرسله الى والدي طالباً الرد.

كتب الشاعر أبو معيشي الى والدي الشاعر ملا عبود الأسدي هذا البيت من الأبوذية يقول:

 

وحقْ المصطفى ودينك وداني

وياهن دوم الي مطلب وداني

يملّا لو كَرب وكتي وداني

لِمْ البيض الي وانصبْ عزيه

فما كان والدي الّا ان أجاب صديقه أبا معيشي في بيت الأبوذية الذي يقول فيه:

نكر كَلبي سهام الوكت ويحاد *

وتجلَّد كَام للمضعون ويحاد

جيش البيض الك حزنان ويحاد

وأخلي السمر تلطم بالثنيه

أبو معيشي يحلم حتى بعد حلول أجله ووقته بوصال مع الجميلات، يحلم وهو ميت ان تجتمع البيضاوات للتعزية في وفاته لأن له ديناً في أعناقهن  كما يعتقد ويقول في هذا البيت..

ووالدي يتعهد له انه سيقوم بأضافة السمراوات الى البيضاوات في مأتم حداد الشاعر الراحل.

فما أروع وأبهى وأجمل تلك العلاقات وذياك الزمان وذياك المكان، وهل الحنين الى تلك الأجواء وتلك الأيام لايعدو عن كونه نوعاً من الحنين الى الماضي والناستولوجيا !!

 

كريم الأسدي

...................

* أصل كلمة (كَلبي) هنا قلبي، حيث تُلفظ القاف هنا في اللهجة العراقية مثل الجيم المصرية، وتكتب مثل حرف الكاف وعليه علامة الفتحة، وكذا الأمر في كلمة (حق) التي تفيد القسم هنا والتي يستهل بها أبومعيشي بيته الأبوذية هذا، ولكننا فضَّلنا كتابتها بالقاف تخفيفاً على القاريء الذي لايعرف اللهجة العراقية. 

 

كنت في بيت ليرمنتوف بموسكو

عاش ليرمنتوف في هذا البيت الخشبي المتواضع بموسكو منذ عام 1829 ولغاية عام 1832 . سكن في هذا البيت الكثيرون فيما بعد،  بل انه اصبح شققا للكثير من العوائل ايام السلطة السوفيتية، حيث سكنت عوائل عديدة فيه، وبواقع عائلة في كل غرفة من غرف ذلك البيت الخشبي  الصغير، و كان هذا اسلوب اتخذته السلطة آنذاك لمعالجة أزمة السكن في تلك السنين العجاف، ولكن السلطة السوفيتية – مع ذلك – حولته الى متحف خاص بالاديب الكبير ليرمنتوف عام 1981، وهو منذ ذلك الحين الى حد الان يعد – متحف ليرمنتوف في موسكو، ويقف امام البيت الان تمثال نصفي رشيق وصغير و جميل جدا يجسٌد ليرمنتوف  وقصيدته الشهيرة – (الشراع) التي كتبها الشاعرعام 1832،  والتي كان يحبها طلبتي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد، عندما كنا ندرسها ضمن مادة (الشعر الروسي) في الصف الثالث آنذاك، و تذكرت كيف كنت أغري بعض طلبتي الموهوبين بترجمتها الى العربية، ونتناقش معا حول تلك الترجمات، وليس عبثا  اقامة التمثال النصفي هذا هنا، اذ ان ليرمنتوف كتب هذه القصيدة  عندما كان يسكن في هذا البيت بالذات وهو في ذلك العمر المبكر جدا (18 سنة ليس الا)، حيث لم يكن يعرفه أحد كشاعر او كأديب روسي، و لا ادري لماذا ترتبط هذه القصيدة في عقلي وقلبي ووجداني ببيت للجواهري في قصيدته العملاقة (يا دجلة الخير) والتي يسميها البعض ب (المعلقة الثامنة !) في مسيرة شعرنا العربي، والبيت هذا هو –

وددت ذاك الشراع الرخص لو كفني    يحاك منه، غداة البين يطويني.

اقتربت من بيت ليرمنتوف صباحا في حدود الساعة العاشرة كي اكون اول الزائرين، واكتشفت ان المتحف يفتتح ابوابه في الساعة الحادية عشرة، وهكذا اضطررت ان ادخل في حديقه البيت وانتظر . رأيت تمثالا لبوشكين في الحديقة، وهو يجلس على كرسي وثير ويضع كلا رجليه على كرسي وثير ايضا يقف جنبه تقريبا . لم افهم لماذا يقف هذا التمثال الغريب لبوشكين في متحف ليرمنتوف ، ولا رمزيته، ولا علاقته مع بيت ليرمنتوف، ولكني دخلت – مع ذلك -  وجلست هناك  مقابل بوشكين (الجالس بهذه الطريقة الغريبة وهو في كامل ملابسه الرسمية !) انتظر موعد افتتاح بيت ليرمنتوف  و متحفه.  لاحظت مجئ الموظفات فقط، ولم الاحظ اي رجل بينهم  (وكلهن متقاعدات على ما يبدو) وهن يسرعن  للدوام في هذه المؤسسه المتميزة فعلا . كنت أتأمل هذا البيت الخشبي الروسي الجميل الذي يتكون من طابق واحد ليس الا،  وطابق ثان صغير فوقه نسميه نحن في العراق (بيتونه)  .  يقع هذا البيت الصغير جدا والمتواضع جدا وسط عمارات كبيرة و هائلة تحيط به  في شارع (أربات) الشهير بمركز موسكو، بحيث لا يستطيع الشخص للوهلة الاولى ان يميٌزه بشكل واضح، ويقتضي منه ان يتأمل المنطقة جيدا كي يجده في زحمة هذا المكان وبناياته الشامخة والكبيرة، وقد علمت فيما بعد انهم حافظوا عليه عندما بنوا هذه العمارات الهائلة لانه بيت ليرمنتوف  .

وهكذا دخلت متحف ليرمنتوف، وكنت الوحيد الذي يزوره  في ذلك الوقت. رأيت امرأة بوليس جميلة جدا في المدخل تجلس امام جهاز كمبيوتر يعرض صالات المتحف وما يوجد فيها، فسألتها عن طبيعة عملها، فقالت انها تحافظ على موجودات هذا المتحف المهم في تاريخ روسيا الثقافي . اشتريت بطاقة الدخول  ودخلت . رأيت قبل كل شئ لوحة مرمرية موضوعة بشكل بارز ومكتوب عليها – (ولد في هذا البيت الشاعر الروسي ليرمنتوف)، وهي اللوحة التي كانت موجودة على واجهة البيت، الذي ولد فيه الشاعر بمنطقة – ما بموسكو، والتي تم ازالته  وبناء عمارة كبيرة بدلا عنه، ويوجد امامها الآن تمثال ضخم لليرمنتوف في موسكو (انظر مقالتي بعنوان – سبع نقاط من الذاكرة عن ليرمنتوف)، وقالت لي المسؤولة عن ذلك الجناح، انهم طالبوا بتلك اللوحة للاحتفاظ بها في متحف ليرمنتوف الوحيد في موسكو، ووضعوا خلف تلك اللوحة صورة كبيرة للبيت الذي ولد فيه الشاعر والمنطقة التي كانت تحيطه في ذلك الزمن البعيد . صعدت الى الطابق الثاني حيث غرفة ليرمنتوف نفسه، بعد ان اطلعت على غرفة جدته، التي أجٌرٌت هذا البيت، كي تسكن فيه مع حفيدها، اذ ان والداه قد توفيٌا مبكرا، وعاش الشاعر في كنف جدته واقعيا منذ طفولته . ادهشتني غرفة ليرمنتوف ببساطتها . كان هناك سرير نومه، وعليه قيثارة كان يعزف عليها، وهناك مكتبة في الغرفة تضم كتبا روسية كان ليرمنتوف يفتخر بها، وتضم مؤلفات  لبوشكين وفانفيزين وكارامزين و جوكوفسكي .. والى آخر اسماء الادباء الروس في ذلك الزمان، و تحتوي على كتب اخرى لروسو وشكسبير وغوته وبايرون ..الخ و بلغاتها الاصلية، وكانت هناك على الجدار صورتان  صغيرتان، واحدة لبوشكين، واخرى لبايرون، اما المنضدة الموجودة في تلك الغرفة فكانت عليها لوحة شطرنج ثابتة، وتوجد عليها كل ادوات لعبة الشطرنج، مما يشير الى حب ليرمنتوف لهذه اللعبة الفكرية . ان هذه الغرفة في هذا المتحف هي الاجمل هناك، وقد قرأت في احدى تعليقات زوار المتحف جملة اعجبتني تقول، انني شعرت، عندما كنت في هذه الغرفة، أن ليرمنتوف خرج لتوه من هذه الغرفة، وانه سيعود اليها بعد قليل .

تمتعت جدا باللوحات  التي رسمها الفنان التشكيلي ليرمنتوف، والتي كانت معلقة على جدران هذا المتحف (نسخ اصلية وليست مستنسخة)، لوحات رائعة للقوقاز وجباله المدهشة الجمال، وهي لوحات مشهورة لليرمنتوف ومنشورة في معظم الكتب عنه، ولكنها اصبحت الان نتاجات ثانوية مقارنة مع شعره ونثره ومسرحه، والتي دخلت في الوعي الاجتماعي الروسي والعالمي كجزء لا يتجزأ من عظمة الادب الروسي ومكانته، وكذلك ادهشتني اللوحات  المؤطرة المعلقة هناك، والتي كانت تضم مقاطع من كلمات الادباء الروس وانطباعاتهم حول شعر ليرمنتوف واهميته في مسيرة الادب الروسي، ومنها قول الكاتب الروسي ليف تولستوي، الذي توقفت عنده طويلا وتأملته اعجابا، و هو الذي يقول فيه تولستوي – (لو عاش هذا الكاتب اكثر، لما كانت هناك ضرورة لي او لدستويفسكي) (من المعروف ان ليرمنتوف عاش 27 سنة فقط)، وهناك قول للشاعرة تسفيتايفا موجود على جدران هذا المتحف ايضا يقول، ان قصيدة (الشراع) تؤكد، ان ليرمنتوف ولد شاعرا رأسا، وانه لم يمر مثل بوشكين  بمراحل تطور منذ البداية  في مسيرته كشاعر .

عندما خرجت من البيت كتبت بعض السطور بالعربية عن جمالية هذا المتحف واهمية ليرمنتوف، وطلبوا مني ان اترجم هذه الكلمات الى الروسية، واخبرتني المسؤولة ان أحد الزوار الصينيين قد كتب لهم قبل ايام كلمات اعجابه بالصينية، وان هذا كله اغناء لسجل المتحف، وهم يفتخرون بذلك، فكتبت لهم بالروسية ترجمة تلك الكلمات . سألتها وانا اغادر المتحف، لماذا يوجد بالحديقة هذا التمثال الغريب لبوشكين ؟ فاجابتني ضاحكة، ان ورشة النحٌات قريبة من هنا، وانه انجز هذا التمثال الجميل لبوشكين الذي يشغل مكانا كبيرا في ورشته، فجاء الى متحفنا وطلب وضع التمثال مؤقتا في الحديقة، وقال لنا (اعتبروا ان بوشكين جاء لزيارة بيت ليرمنتوف)، فوافقنا على هذه الفكرة الطريفة والمبتكرة من اجل تجميل متحف ليرمنتوف.

 

أ.د. ضياء نافع

 

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو (19): عطشان ضيؤول الازيرجاوي

الحلقة هذه من سلسلة مقالاتي عن العراقيين الذين مروا بموسكو مكرٌسة للمرحوم عطشان ضيؤول الازيرجاوي (ويكتبون اسمه في بعض المصادر الايزيرجاوي)، الشخصية العراقية المعروفة في تاريخ الحركة الشيوعية في العراق منذ بدايات اواسط القرن العشرين والى تاريخ  وفاته (خارج العراق) بظروف وملابسات  لا زالت لحد الان غامضة .

التقيت عطشان الازيرجاوي  للمرة الاولى في جامعة موسكو صيف عام 1967، عندما كنت هناك في زيارة لموسكو، قادما اليها من فرنسا، حيث كنت طالب دراسات عليا هناك. اخبرني بعض الاصدقاء العراقيين بانهم ذاهبون لزيارة شخص عراقي في غرفة المرحوم مصباح الخيرو (طالب الدراسات العليا في كلية القانون بجامعة موسكو آنذاك) اسمه عطشان، وهو شيوعي عراقي كبير كان (شبه محتجز!) بمستشفى للمجانين في موسكو نتيجة خلافات داخل الحزب الشيوعي العراقي معه، (وقد تم اطلاق سراحه من المستشفى بتدخل مباشر وعنيف، بل وحتى بتهديد من قبل  بعض  عناصر الحزب الشيوعي العراقي بعد الانشقاق الذي حدث في الحزب عندئذ) . ذهبت معهم طبعا، اذ ان الموضوع كان مثيرا جدا وغريبا جدا في آن . استقبلنا زميلنا مصباح الخيرو بكل لطف وترحاب، وشاهدت عطشان الازيرجاوي هناك لاول مرة وهو يتكلم بثقة مطلقة عن النهج الجديد للقيادة  المركزية الجديدة للحزب الشيوعي العراقي وسياستها وتخطيطها وتوجهها لاستلام السلطة في العراق قريبا، ومن ثم بناء الدولة العراقية  الاشتراكية الجديدة . كان حديثه عاما جدا وغير متناسق، ولم استطع في ذلك اللقاء طبعا ان أسأله عن مستشفى المجانين وكل التفاصيل الاخرى المرتبطة بهذه القضية . عرفت من الزملاء العراقيين بعدئذ، ان عطشان كان ضابطا في الجيش العراقي، وتم فصله طبعا بعد ان اصبح شيوعيا، وعاش ظروف العمل السري القاسية للحزب، وخرج الى العلن بعد اعلان الجمهورية في 14 تموز 1958 واصبح احد المسؤولين البارزين عن الخط العسكري في الحزب الشيوعي، وانه كان يطرح دائما فكرة استلام السلطة من قبل الحزب الشيوعي واعلان العراق دولة اشتراكية ، وانه كان مقتنعا تماما بامكانية تطبيق ذلك وبكل سهولة عن طريق انقلاب عسكري يقوم به الضباط الشيوعيون وانصارهم،  ويقال ان رفاقه في الحزب اقنعوه بالسفر الى موسكو(للتخلص منه على الاغلب)، وذلك بحجة الدراسة في المدرسة الحزبية هناك، وربما  لمناقشة هذه الفكرة مع السوفيت فيما بعد، هذه الفكرة التي كانت على ما يبدو مسيطرة تماما على عقله وقلبه .

عند انتهاء ذلك اللقاء العام معه في جامعة موسكو، اخبرته باني طالب دراسات عليا في باريس، فطلب عنواني هناك، و فجأة، وبعد مرور فترة ليست قصيرة على ذلك اللقاء بجامعة موسكو، طرق عطشان باب سكني في باريس، وقد استقبلته طبعا بترحاب عراقي، واخبرني بانه سيبقى يومين هناك، وكان يسكن في فندق متواضع . وهكذا قضينا معا تلك اليومين باكملها سوية مع بعض الزملاء الآخرين . تسنى لي الحديث طويلا معه آنذاك،  وقد سألته طبعا عن مستشفى المجانين في موسكو وقصتها، والتي سمعت بها من الزملاء العراقيين بموسكو كما ذكرت أعلاه . أخبرني عطشان، ان هذه القصة حقيقية فعلا، وانه كان نزيل مستشفى المجانين هناك . كان عطشان على قناعة تامة،ان هذا الحدث جاء نتيجة الخلافات مع رفاقه في الحزب الشيوعي العراقي  ونكاية به، وانه لولا الانشقاق الذي حدث في الحزب لما استطاع التخلص  والتحرر من تلك التجربة الرهيبة في حياته . سألته كيف استطاع الصمود  في تلك الظروف المعروفة في هذه المستشفيات بشكل عام، فقال لي انه كان مضطرأ ان يتصرف مثل هؤلاء المجانين الروس الذين كانوا يحيطون به في تصرفاتهم وحركاتهم وطريقة عيشهم ...الخ  بعد ان درس وتأمل وضعه معهم، وذلك لأن فهم، ان  المجانين لا يطيقون وجود اشخاص يتميزون عنهم، اذ انهم عندها يكونون عدوانيين وخطرين تجاههم  حد القتل. لم ارغب طبعا ان اتحدث اكثر وبتفصيلات عن هذه الحادثة المريرة، التي مرٌت بحياته، وانكث الجراح القديمة  كما يقال، ولكني فهمت منه، انه التقى هناك باجانب آخرين، وببعض الروس المثقفين ايضا، وحتى ادباء،  لكنه لم يستطع ان يحدد آنذاك، هل هم مثل حالته  (اي ادخلوهم عنوة نتيجة مواقفهم السياسية) أم انهم مرضى نفسيين فعلا، رغم انه كان يميل الى الاعتقاد انهم في وضع مشابه له، وانهم كانوا هناك ايضا نتيجة وشايات وخلافات وتناقضات فكرية مع رفاقهم المحيطين بهم  .

تحدثنا ايضا عن جوانب اخرى كثيرة، ولم اجد في ثنايا تلك الاحاديث تحليلات علمية في السياسة والتاريخ  لديه، ولا افكارا  معمقة في الثقافة عموما، ولا زلت أذكر جوابه عن سؤال طرحته عليه وهو – هل توجد لديكم خططا محددة لفترة ما بعد السيطرة على السلطة في العراق، اذ ان ادارة الدولة مسؤولية كبيرة جدا ؟ فقال نعم (نبيع النفط ونبني الوطن الحر السعيد)، فقلت له وماذا سيكون موقفكم مثلا من القوى السياسية الاخرى المعارضة لكم؟

فضحك باستهزاء وقال – (نقطع العضو التناسلي لكل معارض ونضعه في فمه) .

عندما بدأت بكتابة هذه المقالة، بحثت في بعض المصادر العراقية عن معلومات عامة حوله، فوجدت ان رفاقه بالحزب الشيوعي العراقي يشيرون الى نفس الخصائص هذه، وهي المبالغة وعدم الدقة الموضوعية والتسرع باطلاق الاحكام  وعدم امتلاكه للنظرة العلمية والفكرية العميقة...الخ . ووجدت في مصادر اخرى ايضا الاشارة الى انه ساهم – وبشكل فعٌال جدا - في عمليات تعذيب الموقوفين والمتهمين، عندما كان عضوا في لجان التحقيق في المحكمة العسكرية العليا الخاصة بعد 14 تموز 1958، وهي المشهورة بمحكمة الشعب او محكمة المهداوي  (وتذكرت جملته التي قالها لي بشأن الموقف من المعارضة !!!) .

انقطعت اخباره تماما بالنسبة لي، ولكني سمعت من بعض الاصدقاء بعد سنوات طويلة جدا من ذلك اللقاء الباريسي، انهم وجدوه في شقته (في خارج  العراق)  وقد فارق الحياة . ولم استطع ان  اعرف اين كانت  هذه الشقة (قال احدهم انها كانت  في دمشق، وقال آخر انها في برلين الشرقية ،  وقال ثالث  انها في بلغاريا)، وسمعت ايضا انهم وجدوه مقتولا هناك، وقد سألت قبل فترة قصيرة الدكتور خليل عبد العزيز  الذي كان يعرفه شخصيا، والتقى به في المدرسة الحزبية في طاشقند عاصمة اوزبكستان السوفيتية آنذاك، وكتب عنه (انظر- سلسلة مقالات بعنوان -  محطات وشخوص  في حياة الدكتور خليل عبد العزيز /  بقلم فرات المحسن)، فقال لي حرفيا – (انا  شخصيا اعتقد بانه  قد انتحر). 

 

أ.د. ضياء نافع

 

خط برلين بغداد

hashem mosawiقطار الشرق السريع أو (خط برلين – بغداد) ..كم مرة جلست في عرباته، إثناء مرحلتي دراستي الجامعية الأولى والثانية في ألمانيا؟، قاطعا أراضي ست دول، كي أصل الى حبيبتاي "دمشق" و"بيروت" أيام كان وصولي الى بغداد محفوفا بالمخاطر التي يعرفها أهلي وأصدقائي المقربين . لكن ما قصة هذا الخط ومن الذي ساهم في إنشائه؟ ..  فإليكم القصة كاملة . وأرجو ألا يصيبكم الملل .

قبل مائة عام بالنسبة للمثقفين الألمان كان اسم "بغداد" يكتنفه سحر رومانتيكي فهناك كان مقر الخليفة الاسطوري هارون الرشيد الذي حكم من 786 وحتى 809 وهناك جرت احداث حكايات وقصص الف ليلة وليلة . كانت بغداد رمزا للشرق الحافل بالاسرار والغني بثرواته مما اثار الرغبة في الاستيلاء عليه وهكذا اثار مشروع بناء خط سكة حديدية من قونية في جنوب غرب الاناضول الى سواحل خليج البصرة عبر بغداد غرائز الطامعين واصحاب البنوك في برلين ولندن وبطرسبورغ واخذ بلبهم.. ان مجرد ذكر كلمة بغداد يكفي لأن يفتح شهية الدول الكولونيالية كما ان التصورات التي شغلت بال المبادرين لتنفيذ المشروع صاحبتها حسابات وتقديرات حصيفة ذات دلالات ستراتيجية للمستقبل.

شرع القيصر الالماني فيلهلم الثاني ومدير البنك الالماني جيورج فون سيمنس خلال زيارتهما للشرق عام 1898 بالتفاوض مع السلطان عبد الحميد الثاني بشأن مشروع مد الخط الحديدي الضخم. وكان السلطان عبد الحميد هو الذي بادر بمشروع بناء ذلك الخط. فقد كان العراق في حينه خاضعا تابع الى حكم السلطان المستبد الماكر الذي كان معنيا جدا بمواصلة مد الخط الواصل بين القسطنطينية‘ اي الاستانة وقونية الذي انجز في الفترة بين 1888 و1896 وربطه بالخليج ‘فقد كان مثل هذا الخط بالنسبة للدولة العثمانية ذا اهمية بالغة في المجال الاقتصادي والستراتيجي العسكري.

في عام 1902 حصلت شركة الاناضول للسكك الحديدية التي اسسها البنك الالماني على امتياز لمدة 99 سنة يحق لها بموجبه بناء وتشغيل خط طوله 3200 كيلو متر يربط بين قونية وخليج البصرة يضاف لذلك استخراج الثروات المعدنية في المناطق التي سيمر بها الخط. في عام 1903 تأسست شركة خط بغداد الحديدي بمشاركة رأسمال فرنسي ايضا وكانت ادارة هذه الشركة تحت سيطرة البنك الالماني واصبح آرثور فون جيفيلنر البنك الالماني الجديد رئيسا للشركة .في شهر يوليو/ حزيران من عام 1903 بدأ العمل بالبناء وفي شهر اوكتوبر من نفس السنة شرع بتشغيل قاطع قونية بورغولو وطوله 200 كيلومتر.ورغم تقلبات السياسة الالمانية الدولية ظل خط بغداد الحديدي هو المحور الاساس في مجال نشاطات سياسة المانيا الخارجية التوسعية.

وازداد "التوغل السلمي " في تركيا ‘فازدادت الاستثمارات الالمانية في فترة من قبل  و1914 فأرتفعت من 40 مليون الى 60 مليون مارك وجنت شركات المانية ارباحا من بناء الخط اضافة لما ترتب على توريد مواد البناء اللازمة.

وكان مردود القروض التي منحتها البنوك الالمانية للدولة التركية فوائد بلغت 20 مليون سنويا في عام 1912 الى جانب ذلك عززت المانيا نفوذها السياسي.

اقلق ذلك حكومات بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا التي رأت في ذلك تهديدا لمصالحها الحيوية1904 السياسية والاقتصادية والستراتيجية العسكرية وفعلت كل ما في جهدها لاحباط تلك المساعي‘ وفي عام توقفت تماما ‘ولفترة طويلة‘ اعمال البناء غير انه في سنة 1911 استمرت اعمال البناء وتم حل مشكلات تقنية وهندسية معقدة منها على سبيل المثال حفر نفق طوروس الكبير.في عام 1918 وعندما إنهارت الامبراطورية العثمانية ولم يتم بعد مد جزء طوله 300 كيلومترا تأجل انجازه حتى عام 1940‘ وفي يوم 15 يوليو تموز 1940 جرى لاول مرة تشغيل الخط بين اسطنبول وبغداد.

 

د.هاشم عبود الموسوي

 

في الذكرى السادسة لرحيلة: كاظم السماوي شاعر ومناضل اممي

964-khadomasamawiمرت قبل ايام الذكرى السادسة على رحيل "شيخ المنافي"، الشاعر العراقي كاظم السماوي. وهو وأن كان ليس الوحيد من مبدعي العراق الذين ارتحلوا في المنافي، بعيدا عن الوطن الذي نزفو حياتهم من اجله فناً ومعاناة والقائمة تطول، لكن السنوات الاخيرة من حياته، في منفاه الأخير كانت شديدة القسوة، اذ عاش في ستوكهولم وحيدا لا أنيس له سوى ذكريات مشحونة بالالم، بعدما فقد افراد عائلته الواحد تلو الآخر. فقد اغتال عملاء نظام صدام في سفارة العراق في الصين، ولده نصير العام 1991 حيث كان يدرس، وتوفيت زوجته قهرا على ولدها، وأُختطف ولده رياض في بغداد، بعد ان جاء اليها عائدا من دراسته في المانيا، وزج به في الحرب العراقية الايرانية، ثم توفى بعد سنوات لاحقة مصابا بالسرطان. وفي لندن، وقبل عام ونيف من رحيل الشاعر الابدي، توفيت ابنته الكاتبة والفنانة تحرير السماوي، بعد ان دفعت قسطها، هي الاخرى، من المنفى اكثر من اربعين عاماً قاسية ختم حياتها المرض الخبيث، وهي في ذروة عطائها الفني والادبي.

بعدها تُسدل ستارة العمر، في مغتربه الأخير، السويد، على اكثر من نصف قرن، هو زمن منفاه الطويل. هذا المنفى الذي مر خلاله قطار العمر بمحطات عديدة: من بودابست الى برلين الى بكين الى بيروت نقوسيا ودمشق، آخرها ستوكهولم، حيث توقف قلب الشاعر في يوم آذاري، من عام 2010 بل في منتصف الشهر تماماً، والذي عادة ما تفوح صباحاته بروائح الربيع في بلادنا وتتفتح زهوره فيها، لكنه هنا على حواف الشمال الباردة،  كان الصقيع يلف المدينة الغافية بين مياه الجزر الكثيرة المنتشرة هنا وهناك، رحل السماوي كاظم عن عمر ناهز التسعين عاماً. وصدقت نبوءة الشاعر، بأنه لن يعود الى الوطن الا بعد سنوات طوال قضاها في المنافي. وقد عاد، اخيراً الى الوطن، لكنه عاد اليه جسدا بارداً ليدفئه ثراه.

كنت التقيت الشاعر كاظم السماوي في اكثر من مناسبة، ولكنني حاورته، في الشعر والصحافة وفي مسيرته النضالية، الانسانية مرتين. في المرة الاخيرة كنا نجلس في الهواء الطلق على احدى مصاطب حديقة الملك وسط  العاصمة ستوكهولم.

كان ذلك يوما مشمساً، والمدينة تفرش أهدابها لاستقبال الصيف، وازعم، غير جازم، بأن ذلك اللقاء الصحفي كان الاخير الذي أُجري معه قبل رحيله الابدي.

وكالعادة حينما يلتقي صحفي بأديب او فنان وقد عاش كلاهما المنفى، سنوات طوال، يطفح السؤال التقليدي المثقل بأحمال الزمن وتداعياته، عن المكان النقيض، او الضفة الأخرى الحاضرة، النائية عن ضفة الوطن، ليس بقياس المدى الزمني فحسب، بل وبالأحاسيس والمعاناة. وفيما بين الضفتين بحر شاسع ورحيل متواصل بين تموجاته وعصف رياحه العاتية.

- ماذا سلب منك المنفى وماذا أعطاك؟

- "المنفى مهنة شاقة"

هكذا بدأ السماوي اجابته، بعد صمت قصير، مستشهدا بقول الشاعر التركي ناظم حكمت ومسترسلاً في توضيح فكرة المنفى، الشفافة البسيطة والمركبة، الشديدة التعقيد في آن واحد، بأن:

- "المنفى هو اغتراب الانسان عن جذوره ومحيطه، وربما عن وشائجه الفكرية حتى. إذ أن الانتساب ليس فقط للأرض والوطن، بل وللفكر ايضاً. ولكون المنفى حالة اضطرارية، ينبغي على المنفي خارج حدود بلاده ان يحرص على التواصل مع محيطة، بكل الوسائل. عندما أُسقطت عني الجنسية في العام 1954، تصورت بأنني سوف لن اعود الى وطني الا بعد عشرات السنين. خاصة وان السلطة التي قامت باسقاط جنسيتي، كانت تبدو راسخة في مكانها". قال السماوي.

على اثر اسقاط الجنسية عنه، بدأت حينها رحلة الشاعر والمناضل كاظم السماوي ليعيش في المنافي سنوات طوال، اكسبته، برغم معاناتها، معارف جديدة، على الصعيدين الفكري والنضالي، كما وصف ذلك، مشيراً الى أن البلدان التي عاش فيها، منحته رؤية جديدة وثقافة مكنته من الاطلاع على ما لم يطلع عليه في بلاده او مما لايجده في الكتب، حسب تعبيره، وهذا من اجل مقاومة المنفى وترويضه.

- "اكتسبتُ خبرة واسعة من خلال اطلاعي على حياة الكتاب والأدباء العالميين الكبار في الخارج، وكان قسم منهم منفياً وعاد الى بلاده، وهذه الخبرات منحتني معارف غير التي تسلحت بها وانا في الوطن".

تعرّف كاظم السماوي على زعماء وشخصيات عالمية، وادباء كبار، ذكر منهم اسم كيو موسو الذي كان رئيسا لاتحاد الكتاب الصينيين، والشاعر والمناضل التركي الشهير ناظم حكمت، وفي المؤتمرات العالمية  التي شارك فيها التقى اسماء لامعة مثل الشاعر الفرنسي الكبير لوي اراغون وغيره. وعن علاقته بهذه الشخصيات، قال السماوي انها وسعت من افاق معرفته و نقلته الى آفاق اخرى، كانت تعتبر محدودة بالنسبة له في السابق. ومنحته ايضا، امكانية الاطلاع على ثقافات لم تكن لها جذور في العراق.

- "مثلا، عندما خرجت من الوطن، لأول مرة في خمسينات القرن الماضي، اطلعت على الاوبرا، هذا الفن الراقي الذي لم يكن معروفا في بلدي، ولا حتى في البلدان العربية الاخرى حينئذ، وتعرفت على الحركات المسرحية التي لم نكن نعرفها سوى على نطاق ضيق. وكذلك حضرت حفلات سيمفونية راقية كثيرة". قال السماوي.

كان كاظم السماوي من الناشطين في حركة السلم العالمي، وقد اسهم في تأسيس حركة السلام في العراق عام 1952 التي مثلها في مؤتمرات دولية عديدة. وبعدما سحبت منه الجنسية العراقية، وكان حينها في بيروت، تمكن من السفر الى المجر، بمساعدة من حكومتها التي منحته الاقامة ليعش في بودابست عدة سنوات:

- "وبعد ان تعلمت لغتها اصبحت عضوا في اتحاد الكتاب المجريين. وكنت اكتب قصائد وما اكتبه كان يترجم الى المجرية، ثم تُرجمت قصائد من ديوان كتبته في العام 1950 الى المجرية، وصدرت في كتاب العام 1956 من قبل احدى دور النشر في المجر.

بعد انتصار ثورة 14 تموز العام 1958 عاد السماوي الى العراق، وأعيدت له الجنسية  وفي العام 1959 عين مديراً للاذاعة والتلفزيون في الجمهورية الفتية، لكنه وبعد ثلاث من سنوات من عمله في الوظيفة استقال منها، محتجا على بعض الممارسات التي كان يرى فيها تعارضا مع اهداف الثورة، حتى انه سجن لعدة اشهر، لكنه ظل وفيا لمبادئ الثورة وزعيمها عبد الكريم قاسم، حيث طلب منه ان يكون سفيراً في المجر، غير انه رفض المنصب، مفضلا البقاء في العراق وعمله في اصدار جريدته "الانسانية".

بعد انقلاب 8 شباط المشؤوم عام 1963 ومجئ البعثيين الى سدة الحكم، تم اعتقاله مجدداً. وبعد اطلاق سراحه غادر السماوي العراق العام 1964، وكانت وجهته هذه المرة المانيا الديمقراطية، وهي الثانية في قطار المنفى، ولم يعد الى الوطن حتى العام 1973 على اثر اعلان الجبهة الوطنية الديمقراطية بين حزب البعث الحاكم آنذاك والحزب الشيوعي. لكن مكوثه في الوطن لم يدم طويلا، كما هو عمر الجبهة، حيث بدء البعثيون بحملة دموية شرسة ضد حلفائهم، من قوى اليسار والديمقراطية، فرحل الى الصين ومنها الى المنافي الاخرى، حتى رحيله الابدي في ستوكهولم 2010.

كان السماوي كاظم، شاعرا كبيراً في مقدرته البلاغية واتقان ادواته الشعرية ومضامين قصائده الانسانية. شاعراً التزم قضايا الانسان وتحرره بإصرار عنيد.

 

هل تغيرت وظيفة الشعر لدى كاظم السماوي؟

- "الشعر الذي اكتبه تثويري، اذ كنت متاثراً بحركات التحرر التي اجتاحت مناطق كثيرة في العالم، حيث القت انتفاضات الشعوب من اجل التحرر على الشعر مهمة اخرى، وهي التثوير او الشعر الثوري المناصر للافكار التحررية. انا من هذه المدرسة، منذ ان اصدرت ديواني الاول في العام 1950 واسميته (اغاني القافلة) وحتى ديواني الاخير، لم يتغير نهجي الشعري. فلم تكن تشغلني الاحداث الذاتية، بل كانت  ومازالت نزعتي هي الحرية. فالشعر الغزلي وشعر الحب، يأتي بعد ان يتحرر الانسان من الذل والعبودية. فطالما الانسان مستعبد وغير حر، لم يستسغ طعم  الغزل او حتى الالتفات الى الافكار الذاتية".

قال السماوي مسترسلا بالحديث، من انه لاينتمي الى اي مدرسة شعرية من تلك المدارس السائدة التي تمثل بها بعض مجايليه من الشعراء وغيرهم ممن تأثروا بالمدارس الغربية، كالسريالية، مثلا:

- "شعري يمتاز بالوضوح والتعبير عن ارادة الجماهير. وهذا يشمل جميع دواويني. فأنا اطالب، على الدوام، بان يكون الشاعر او الفنان واضحا في نتاجاته ازاء المتلقي".

كان السماوي قد اصدر مجموعات شعرية عديدة، جُمعت في كتاب " المجموعة الكاملة" التي صدرت العام، وهي الى جانب "اغاني القافلة" في العام 1950، " ملحمة الحرب والسلم، " الى الامام أبدا"، " فصول الريح، "رحيل الغريب"، قصائد للرصاص قصائد للمطر"، "رياح هانوي" و" الى اللقاء في منفى آخر"، التي صدرت في العام 1993

وضوح قصائده وانسنتها امر يتفق عليه المتابعون لشعر السماوي مؤكدين بأن جل قصائده وهبها للانسانية ولغدها المشرق، حيث اطلق عليه الشاعر اللبناني محمد شرارة لقب "شاعر الانسانية". وبرغم ان هناك من لا تتوافق أفكاره الايديووجية وآراؤه السياسية معه، او بعض مواقفه في سياق أو آخر، الا ان ثمة شبه اجماع على ان السماوي، الانسان الذي توحد في داخله الشاعر، بما يملكه من قدرة التعبير عن مكنونات الاحساس بفيض من العاطفة الجياشةٍ، والمناضل الاممي الذي وهب شعره وحياته من اجل الانسان وعزته وكرامته، في كل مكان في العالم، فتحمل جراء ذلك السجون والمعتقلات والتشرد والمنافي، وفقدان الاحبة، يعد من الشخصيات التي غبن حقها في الحصول على المكانة التي تستحقها، على الاقل، في مدونة الذاكرة الأدبية والنضالية العراقية.

لكنه ما كان يأبه من انه ظل بعيدا عن الاضواء وهو في قمة عطاءه الشعري، ذلك لأنه كما قال بأنه ليس شاعراً ذاتيا كي يسعى للشهرة:

- "ان جل طموحي هو ان اعبرفقط عن آمال الشعب".

ولكنه برغم ذلك كان شاعراً معروفاً خارج وطنه، في دول عربية، وفى بلدان اخرى حيث تُرجم بعض دواوينه وقصائده الى لغات كالمجرية والروسية والبلغارية والانجليزية.

كان السماوي وبخلاف النظرة التي ترى علاقة السياسي بالمثقف، غير متوازنة، وكثيرا ما يشوبها التوجس مما يحاول السياسي الاستحواذ على المثقف وتسخيره لأهدافه السياسية، كان هو يرى عكس ذلك، فأن ما بينهما ترابط عضوي.

- "هناك من يسعى في هذه المرحلة الى الفصل بين المثقف والسياسي. لو اردنا تعريف السياسة ماهي؟ السياسة تسعى الى الحرية، الى الابداع، الى الطموح الانساني. وانا ارى ان السياسة والفكر متلازمان. واذا الفكر لم يعبّر عن طموح انساني، او سياسي، كما يصفه الاخرون، فهذا يعتبر فكراً مهوماً، ذاتيا ومتقوقعاً. السياسة تعني الانسان، في ثقافته وتحرره، وحريته ونزوعه الفكري والحضاري. بالنسبة لي ليس هناك فكر بعيد عن السياسة او سياسة بعيدة عن الفكر. ليس هنالك تجريد بين المعنيين.  

وفي خاتمة ذلك اللقاء سألت الشاعر عن أحب قصيدة اليه، فأخذ ينشد هذه، التي تعكس وتلخّص المعاناة الشديدة التي كان يعيشها السماوي وحيداً في مغتربه الاخير:

 

ياغربةً لم تشعتل بدمٍ ولا حلمٍ ترمدها¬¬ السكون

وأُطفأ النبضُ المجلجلُ في القصيدةِ

في تباريحِ الكلامْ

عبرت بنا الايام لم تترك سوى

شجرِ الغبارِ على الطريق

سوى ليالي الحلمِ ترحلُ

في حقائِبنا ويغتربُ النشيد

شجراً لرملِكمُ طويتُ العمرَ

مارسمت خطاي ....

سوى خطاي

لم تنطفئ جمراتُ حلمي

ياسواي...

ولم اكن يوماً سواي

وطنٌ ؟

ومذ خمسين عاماً كان لي وطنٌ

ومذ خمسين عاماً كان لي منفىً

وما اغتربَ الزمان

وكنتِ لي

يادفء قلبكِ شمسَ نافذتي

ومذ خمسين عاماً

تعبرُ الاطيافُ موحشةً

وكان الوهمُ يوماً أن نعودْ

من ليلِ غربتِنا

من السفرِ الطويل

من ارتماءِ الشوقِ في احداقِنا

شاهت ليالينا وما اسرى بنا قدرٌ

وما اشتعلَ الظلامْ.

وكنتِ عاشقةَ الصباح

منديلكُ الفضي فاتحةُ النهار

يمورُ في عينيك

تنسلُ الحياةُ من الحياة

لنعمِّر المنفى

نرشُ الحلمَ من صَبَواتِنا

ما تحملُ الأمطارُ للاعشابِ، للانهار.

مذ خمسين عاماً

كنتِ لي وردَ الضحى

القَ الصباح

عيناك مغمضتان، آسرتي

صباح الخير

ما لكِ لا تحيّينَ الصباح؟

ويداكِ باردتان؟

 

تلطُمُني الرياح

تولولُ الاصداءُ تشهقُ

يالتي كنتِ التوهجَ في رمادِ العمرِ

يازهوَ الزمان

اذا اغتَربْنا والمكان.

لمَ يالحبيبةُ والسماءُ، الارضُ

خاويةُ الصدى

لمَ ترحلين

يا قَلْبُكِ المتأججُ الخفقاتِ

يا شمساً تَغَشّاها الغروب

ويا نَشيجَ الريح ياغسقَ الخريف.

كُسِرَ الزمان؟

تناثر الحُلمُ الكسير؟

ماذا الملمُ من جراحٍ

ياجراح؟

وياهشيمَ العمرِ

ساحبةُ الرؤى اياميَ السوداء

ما ارتعَشَ المساء

وكلما انطفأ الصباح

ولا اراك

أغورُ في جرحي

ويعصفُ بي صَداك

يرجُّ وهجَ دمي

ويا وحدي

أحدِّقُ في الظلام

وكلُ ما حولي ظلام

صورٌ وأصداءٌ تشقُ الليل

واجمةً يحرُّقُها الحنين.

وكم بكيتْ وكم غفوتْ

وكم مددت لك اليدين.

ويا انا ملقى وراءَ الليل

ما ابقت لي الايامُ

غيرَدموعيَ الثكلى

وخاتِمَتي الحزينة.

 

طالب عبد الأمير - ستوكهولم

....................................

*القيت في الامسية التي اقامها اتحاد الكتاب العراقيين في السويد، في استذكار الشاعر كاظم السماوي.

 

تساؤلات حول فكر ابن باديس..!؟

warda bayaمنذ أن ولجنا مقاعد الدراسة الأولى، عرفنا أن عيد العلم هو أكبر حدث في الجزائر، أو كما كان يتصور لنا ونحن صغار .. ففيه كنا نترك الدراسة جانبا لنتفرغ في المدرسة ليوم سعيد بلباس جديد، فيه نغني ونمرح ونلهو ونفرح ..

كنا نسمع أنه عيد العلم، ولكننا لم نكن نعرف أنه يوم ذكرى وفاة الشيخ الامام عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي الصنهاجي، المولود بقسنطينة في 4 ديسمبر 1889 وتوفي في 16 أفريل 1940 الذي كانت أمه تسمى بزهيرة بنت محمد .. حفظ القرآن الكريم وعمره ثلاثة عشر عاما ثم أخذ مبادئ العربية على يد شيخه حمدان لونيسي،سافر إلى جامع الزيتونة بتونس، وتتلمذ على يد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وعاد بشهادة التطويع، وبدأ تدريسه في قسنطينة، ثم سافر للحج عام 1913، ومن بعده عاد لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان لها دور بارز في مواجهة الفقر بالتشجيع على العمل من كسب اليد، وحاربت الجهل بالمدارس الحرة  الى نشر العلم، كما ساهمت في القضاء على الخرافات، ودعت الى الوحدة الوطنية، ونبذ الفرقة.. كما هو معروف من السلف..

يعتبر الإمام ابن باديس أبرز رجالات الإصلاح في الوطن العربي ورائد النهضة الإسلامية في الجزائر، و قرأنا في مناهجنا التعليمية عن مواقفه الوطنية ونهجه الثوري، وأنه قال للمستعمر الفرنسي قولته الشهيرة :" والله لو قالت لي فرنسا أن أقول لا اله الا الله لما قلتها".. كان له دور بارز في مناهضة الاستعمار الفرنسي، وحاربه بقلمه عندما اشهره في وجوهم قائلا بعدما سمع بمقولة "الجزائر فرنسية":

شعب الجزائر مسلم ***  والى العروبة ينتسب...

كل ماكنت أعرفه عن ابن باديس في زمن الطفولة الأولى كان مثاليا رائعا،  ولكنني صعقت في مرحلة ما بعد الطفولة، وفي حادثة وقعت لي مع أحد أقاربي، عندما كنت أحدثه عن الفكر الوهابي المتشدد، فقال لي صراحة أن الفكر الوهابي سليم، وهو نهج شيوخ علماء الأمة (وكان يقصد علماء السعودية) وجمعية العلماء المسلمين وأكثر من تأثر به ابن باديس ..! ومن هنا انطلقت في رحلة البحث عن حقيقة تغلغل هذا الفكر في عقول ممن يفترض أنهم نخبة الأمة وعلماؤها آنذاك..؟؟

يقول الشيخ ابن باديس نصا في العدد الثاني من جريدة السنة ص7:".. ماهي الوهابية التي تصورها المتخيلون أم صورها لهم المجرمون بغير صورتها . أهي حزب سياسي أم هي مذهب ديني وعقيدة اسلامية . وإذا كانت الوهابية هي عبادة الله وحده بما شرعه لعباده فإنها هي مذهبنا وديننا وملتنا السمحة التي ندين بها وعليها نحيا وعليها نموت ونبعث ان شاء الله من الامنين".. ففي هذا الفقرة يصور الشيخ المخالفين للوهابية بـ (المجرمين)...!

وأثنى في نص آخر على مؤسس الوهابية قائلا: " انما كانت غاية ابن عبد الوهاب تطهير الدين من كل ما أحدث فيه المحدثون من البدع في الأقوال والأعمال والعقائد والرجوع بالمسلمين الى الصراط السوي من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير وزيغهم المبين... "

وفي موضع آخر لما سئل رحمه الله :من هم الوهابيون؟ فقال :" قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية فتبعه عليها قوم فلقبوا بالوهابيين . لم يدع الى مذهب مستقل في الفقه فان اتباعه النجديين كانوا قبله ولا زالوا الى الآن بعده حنبليين يدرسون الفقه في كتب الحنابلة سنيين سلفيين أهل اثبات وتنزيه ".

ومن خلال ما ذكر، ندرك أن الشيخ ابن باديس - رحمه الله - لم يكن مولعا بالفكر الوهابي فحسب، بل كان مدافعا شرسا عنه، وربما يكون ذلك سببا في تورط أبنائنا من بعده في اعتناقهم لهذا الفكر والذود عنه.

فكر قال عنه عدنان ابراهيم .." أنه فكر الخوارج، تسبب في ذبح الألوف من المسلمين، وابن عبد الوهاب أحد الغلاة المتشددين والمكفرين، ينعت كتب الفقه بالشرك.."

ووصفه علي الشعيبي قائلا: "الدين الوهابي ألغى مكانة النبي العظيمة بين المسلمين، وجعلها أقل من عادية "

كل الدلائل التاريخية تثبت أن الفكر الوهابي هدم بيت الرسول محمد (ص) الذي ولد فيه وبنوا فوقه مراحيض، لأنه - بحسبهم - صنم يقدسه المسلمون، وهدم بيت أبي بكر في المدينة وفي مكة ودار حمزة  ودار الأرقم وطمس كل مقابر البقيع وسواها بالأرض حتى أصبح لا يعرف قبر صحابي من آخر، وفي نفس الوقت أبقوا الى اليوم على حصن خيبر (اليهودي) وأحاطوه بأسلاك شائكة على أنه أثر، ويعاقب كل من تسول له نفسه الاقتراب منه أو مسه بسوء أو أذى..!

ولمن لا يعرف الوهابية، فليقرأ  كتبهم التي تقول: " من دخل في دعوتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ومن لم يدخل فهو كافر حلال الدم والمال ".!!، ولينظر الى فكرهم الذي أنتج القاعدة وداعش وقضى على كل ما هو انساني في الدين الاسلامي..

 

بقلم/ وردة بية

 

مترجم جديد في قبيلتنا

المقدمة التي كتبتها لديوان الشاعر الروسي ايفان بونين بترجمة حسين الشويلي عن الروسية، والذي صدر في بغداد هذا العام (2016) بعنوان- ألست أنت كنت الملاك .

 

 كانت القبائل العربية تحتفل بشكل مهيب عند ظهور شاعر في القبيلة، لانه  سيكون لسان حالها امام الشعوب والقبائل الاخرى (ليتعارفوا !) . نحن ايضا – قبيلة اللغة الروسية وآدابها في العراق، يجب ان نحتفل بميلاد كل مترجم  يظهر في قبيلتنا،  خصوصا وانهم نادرون وقليلون مع الاسف رغم ان قبيلتنا الآن اصبحت كبيرة  او حتى مترهلة  (كما يقولون !) . لهذا فانا اشعر بالفرح والغبطة الان لميلاد المترجم حسين في قبيلتنا  باعتباري احد افراد تلك  القبيلة  العراقية، هذه القبيلة التي ولدت في 1/12/1958 بمعهد اللغات العالي في بناية  دار المعلمين العالية العتيدة في الوزيرية في عاصمتنا الحبيبة بغداد، باقتراح وبمبادرة من المرحوم الدكتور حمدي يونس –  استاذنا وعميد معهدنا آنذاك، العميد المحبوب والمرح والشفاف مثل الكريستال والعميق  مثل بئر الماء الصافي الذي يسقي الجميع بلا استثناء، و العميد - الشيخ المنسي حاليا مع شديد الاسف  .

لقد برز المترجم الشاب حسين في الآونة الاخيرة، ولفت اليه الانظار بمحاولاته الغريبة، اذ انه بدأ يكتب الشعر بالروسية مباشرة، محاولا محاكاة كبار الشعراء الروس، وكان الحزن العميق (والكئيب!) موضوعه المفضل والاثير جدا، وتذكرٌت - عندئذ- الفنانين التشكيليين الشباب، الذين يحاولون محاكاة اللوحات الشهيرة لكبار الفنانين التشكيليين وتقليدها في بداية مسيرتهم الفنية . لقد كنت اتابع طريق حسين الابداعي هذا (باعتباري احد رجالات القبيلة!) وحاولت ان اثنيه  - برقة وبشكل غير مباشر طبعا - عن ذلك، لأني أعتقد وأؤمن واؤكد على ان الشاعر يحتاج اولا واخيرا الى لغته الام للتعبير عن احاسيسه، ولكن حسين كان يؤكد لي دائما انه يكتب بالروسية بشكل سهل، فاقترحت عليه – كحل وسط - ان يترجم الشعر الروسي الى العربية لأنه لن يصل الى القارئ الروسي ابدا بقصائده تلك، بينما يستطيع الوصول الى القارئ العربي بترجماته حتما، وان مهمته وقيمته واهميته تكمن في ذلك، اذ لا قيمة لاي نتاج ادبي دون التفاعل الحي مع القارئ  ومع المجتمع  طبعا.  وكم انا سعيد لأن حسين  بدأ فعلا – وبالتدريج - بترجمة الشعر الروسي الى العربية، وقد اطلعت على تلك الترجمات في حينها ومنحتها (باعتباري معلما عتيقا !) درجة الامتياز اعجابا بها اولا وحبا وتشجيعا له ثانيا (يتذٌكر طلبتي باني لم أكن معقٌدا في منحي للدرجات !). وهكذا  بدأ حسين ينشر تلك الترجمات، وبدأ اسمه يبرز في هذا العالم الجديد والجميل رغم كل الملاحظات هنا وهناك بشأن تلك الترجمات . ومن جملة تلك الملاحظات، ان حسين متسرع بترجماته، وانه يميل في تلك العجالة الى الترجمة الحرفية بعض الاحيان (اؤكد على ذلك، اي بعض الاحيان) دون ان يدع القصيدة تنضج على نار هادئة، وبالتالي يبتعد عن الترجمة الفنية الرشيقة المطلوبة، التي تصيغ النص المترجم صياغة شعرية وبهدوء، كي لا تفقد القصيدة رونقها الموسيقي والبناء الشعري الجميل لها، اي ان تبقى القصيدة المترجمة قصيدة حقيقية  بكل معنى الكلمة،  وليس مجرد ترتيب لمعاني مفرداتها ليس الا، وما أصعب هذه المهمة طبعا امام مترجمي الشعر، واعلن رأسا ان المترجم حسين قد قام بهذه المهمة هنا كما يجب، واستطاع ان يقدم للقارئ العربي - وبابداع – جوهر الشاعر بونين وصوره  الجميلة والرقيقة للطبيعة وكيف يتقبلها الشاعر  .  ولا اريد ان اطيل، واترككم مع (.. الضباب الذي غدا اكثر بياضا في الوهاد والمروج عند نافذة بونين المليئة برائحة (اقصد عطر) عبير الربيع، حيث ينتظر الشاعر شروق الضياء واحمرار الغروب وراء السهوب، كي يهرب وحيدا الى الغابات، من جراء الطيش والكذب، ليستنشق الهواء الرطب، ثم يذهب في منتصف الليل كي يرى كيف تحرس نجوم السماء بحار الارض، ثم يتذٌكر الفراش الدافئ والمصباح في عتمة الزاوية وظلال المصابيح وظهور الملائكة ...).

هنيئا لقبيلتنا العراقية - الروسية بميلاد المترجم الحقيقي حسين، وهنيئا لبونين الشاعر، الذي قدمه حسين للقارئ العربي بهذه الصيغة الرشيقة . ونحن – القراء - ننتظر المزيد من ابداعاتك يا ابا علي ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

في حضرة ناظم حكمت

jawdat hoshyarاذا كانت إيطاليا بلد الفنون التشكيلية، وألمانيا بلد الموسيقى، فإن روسيا بلد الشعر .. فقد كان الشعر على مدى مئات السنين أحد أهم روافد الثقافة الروحية للشخصية الروسية . وحين يجتمع عدد من الأصدقاء أو الزملاء - سواء في مناسبة عائلية، أو حول موقد النار في أعماق الغابة الروسية الساحرة في سفرة استجمام أو في بعثة جيولوجية – فأن الحديث لا يخلو عن الشعر والشعراء وقد يصاحبه العزف على الغيتار . ولا يقتصر الأمر على الشعراء الروس، بل يرددون أحياناً أبيات من قصائد كبار الشعراء الأجانب مترجما الى اللغة الروسية شعراً. كم مرة سمعت في موسكو يرددون بعض أبيات شعر الشاعر التركي العظيم ناظم حكمت .

" أجمل الأيام، تلك التي لم نعشها بعد

أجمل البحار، تلك التي لم نبحر فيها بعد

 أجمل الأطفال، هم الذين لم يولدوا بعد

 أجمل الزهور، تلك التي لم نرها بعد

 أجمل الكلمات، تلك التي لم أقلها لكِ بعد

 وأجمل القصائد، تلك التي لم أكتبها بعد."

 ورغم أنني كنت وما أزال من عشاق شعر ومسرح ناظم حكمت، وقرأت كل ما ترجم منها الى اللغة العربية، غير أني سمعت تلك الأبيات لأول مرة،  من فتاة روسية - ونحن على ظهر باخرة سياحية في صيف عام 1961 ضمن مجموعة طلابية من جامعتنا، في ليلة صيف روسية بيضاء، حين يظل الأفق مضيئا طوال الليل .

قضى حكمت حوالي 17 سنة في السجون التركية بسبب شعره الأنساني الجميل التي فسرته السلطة كشعر ثوري يروج للشيوعية . وفي اوائل 1951 أعلن الشاعر المشرف علىى الموت بسبب عجز في القلب، الأضراب عن الطعام مطالباً بإطلاق سراحه . ولكن السلطة ظلت صمّاء . وكان حكمت آنذاك في حوالي الخمسين من العمر، وأشهر شاعر تركي في داخل تركيا وخارجها .وخلال فترة الأضراب حاز على جائزة مجلس السلم العالمي وانتخب على إثرها نائباً لرئيس المجلس . واثيرت ضجة عالمية وطالب  كبار الكتّاب والشعراء والفلاسفة والمفكرين والفنانين في شتى انحاء العالم بضمنهم سارتر وأراغون ونيرودا وبيكاسو باطلاق سراحه .وقد اضطرت السلطة تحت ضغط الرأي العام العالمي الى الأستجابة لهذا المطلب، ولكن وضعته  تحت الأقامة الجبرية والمراقبة . ثم تم استدعاؤه لأداء الخدمة الألزامية في الجيش، رغم أنه كان مريضاً، وسبق اعفائه من التجنيد لأسباب صحية  . وكان الهدف من وراء هذا الأستدعاء واضحاً وهو القضاء عليه، عن طريق ما تتطلبه الخدمة الألزامية من تدريب عنيف . ولم يكن أمامه سوى الهروب من تركيا واللجؤ الى الأتحاد السوفييتي في حزيران 1951.

 شهرة حكمت سبقته الى موسكو حيث ترجمت قصائده  الى اللغة الروسية ونشرت على نطاق واسع منذ الثلاثينات من القرن العشرين، وعرضت مسرحياته على مسارح موسكو وليننغراد وبقدومه الى موسكو أصبح على الفور محط أنظار الأوساط الأدبية في الأتحاد السوفييتي، وقام برحلات  كثيرة الى شتى بلدان العالم .

لم تكن الحياة سهلة في الأتحاد السوفييتي في أوائل الخمسينات وأصيب بخيبة أمل في النظام الأشتراكي على النمط الستاليني، ولم يكن يتوقع ان تكون الحياة في بلد إشتراكي بهذا البؤس،  فقد اختفىت تلك الأجواء الفنية والأدبية المفعمة بالتجديد والأبداع الحقيقى الذي كان سائدا حينما كان طالبا في موسكو في العشرينات. واختفى اصدقاؤه من الكتاب والشعراء والمسرحيين والفنانين الذين عرفهم في شبابه . منهم من تمت تصفيته ومنهم من كان يقضي سنوات السجن في معسكرات الأعتقال الرهيبة . وكان يزعجه ذكر اسم ستالين في قصائد الشعراء الروس (الرسميين) من دون مسوغ فني والتشويه المتعمد لقصائده المترجمة الى اللغة الروسية، وصور ستالين في كل مكان .

 ذات مرة قال حكمت لصديقه الكاتب والشاعر ايليا اهرنبورغ :" إنني احترم جداً الرفيق ستالين، ولكنني لا أحتمل القصائد التي تقارنه بالشمس . هذه ليست قصائد سيئة فقط، بل تنم عن ذوق سيء ."

في شباط عام 1953 أصيب حكمت بأزمة قلبية وظل طريح الفراش في حالة حرجة لعدة أسابيع . وتقول الطبيبة التي كانت تعالجه، وأصبحت في ما بعد على علاقة حميمة معه :" لقد نجا حكمت بأعجوبة اذا أخذنا بنظر الأعتبار مستوى الطب في ذلك الوقت " .

صراحة غير معهودة :

في أوائل الستينات- في فترة ذوبان الجليد . هبت رياح التغيير على روسيا في كافة مجالات الحياة، وشرع الروس بفتح ابواب الستار الحديدي أمام الأجانب وخاصة الطلبة من بلدان العالم الثالث ومنها العراق . لم يكن يمر اسبوع دون أن احضر أمسية شعرية أو أدبية في هذه القاعة أو تلك . ولن أنسى ما حييت أمسية أقيمت لناظم حكمت في 18 تشرين الثاني 1961 في متحف (ماياكوفسكي) . (وأنا أنقل هنا ما كتبته في دفتر يومياتي في ساعة متأخرة من تلك الليلة بعد رجوعي الي المدينة الجامعية حيث كنت أسكن) .  كان الأزدحام شديداً واغتصت القاعة الصغيرة والممرات بعشاق الشعر . وقف الشاعر امام الجمهور المتلهف لشعره، فارع القامة، أشقر الشعر، وعيناه الزرقاوان تلمعان ويبدو مفعماً بالحيوية وعلامات الرضى على محياه ، قال الشاعر:

- أيها الرفاق!  أتذكر جيدا تلك الأمسية الشعرية في قاعة البولوتكنيك، التي حضرتها بصحبة ماياكوفسكي  وقرأت شيئا من شعري لأول مرة أمام الجمهور الموسكوبي .كنت في التاسعة عشرة من عمري، مرتعباً من قراءة شعري باللغة التركية، ومتردداً جداً . ولكن ماياكوفسكي دفعني وقال :" تعال ايها التركي، لا تخف . على اية حال  لن يفهموا شيئا، ولكنهم سيصفقون لك، لأنك شاعر ثوري .حقاً لم بفهموا شيئاً من شعري ولكنهم صفقوا لي بحرارة، وكان ذلك أول تصفيق لي هنا . درست في موسكو وقضيت فيها  أجمل سنوات شبابي . وفيها أحببت وكتبت شعراً حقيقياً لأول مرة . رأيت في موسكو (الأوبرا). وتعلمت الكثير والكثير من الأشياء لأول مرة هنا . تعرفت على مترجم اشعاري، الشاعر أدوارد باغريتسكي، ولهذا أعتبر نفسي موسكوبياً قديماً . سأبلغ الستين من العمر قريباً . أحاول كتابة الشعر والمسرحيات ورواية واحدة . ربما سأنجح في كتابة الشعر، وستكون مسرحيتي سيئة، وسأفشل في كتابة الرواية .

- ضحك في القاعة !

- والآن أسأل زملائي الشعراء المترجمين قراءة ما كتبته من قصائد في الآونة الأخيرة . وكأنها تقريري المقدم اليكم . ولكن قبل ذلك أريد أن أقرأ عليكم احدى قصائدي باللغة التركية وهي بعنوان  (بحر قزوين) . هل أنتم موافقون؟ . عندما يطلب مني قراءة شيء من شعري أمام الجمهور أختار هذه القصيدة القديمة لأنني لا أحفظ غيرها عن ظهر قلب . هذا اولاً، ولأنها أسهل فهما من حيث الأيقاع ثانياً . الآن أنا لا اكتب مثل هذا الشعر . كنت اكتب هكذا عندما كنت في العشرين من عمري ".

كان كل من في القاعة يصغي بأنتباه وهم يحبسون أنفاسهم . وعندما انهي الشاعر كلامه،  دوت عاصفة من التصفيق المتواصل .

ثم قرأت الشاعرة المترجمة (فيرا بافلوفا) مقاطع من مسرحية حكمت (البانوراما الأنسانية) . القاعة صامتة . لا نأمة ولا سعال، ولا صوت تحريك مقعد .

 قال الشاعر : " استلمت الآن ورقة من احد الحاضرين يقول فيها: " الرفيق ناظم، نحن نحبك جداً، ولهذا جئنا لنستمع الى أشعارك الرائعة، ولنعرف رأيك في المسرح وعن حال الفن اليوم عموماً ."

ناظم حكمت: " بعد المؤتمر العشرين فتحت النوافذ على الحياة الثقافية في روسيا – هذه حقيقة ! ولكن ظهرت على هذه النوافذ مشبكات مختلفة في الآونة الأخيرة - هل هذا أمر طبيعي؟ الجديد سينتصر حتماً .أنا متأكد من ذلك . وبالنسبة الى المسرح أيضاً . لقد شاهدت العصر الذهبي للمسرح السوفييتي، قبل اربعين عاماً، وعندما عدت الى موسكو في عام 1951، وجدت ان كل المسارح كأنها تطبق نظرية ستانيسلافسكي، ولكن شيء ما قد اختفى منها، ولا وجود لروح ستانيسلافسكي فيها  . واتضح ان المخرجين اللامباليين او غير الموهوبين يستخرجون نظرية ستانيسلافسكي من الخزانة كعمامة معقمة بالنفتالين .

في يدي ورقة أخري، ولكني أريد أن أرى الشخص الذي يسألني، لأن هذه مجرد ورقة . تسألون عن الفن التشكيلي .! . يبدو لي أن هذا الفن عالمي أكثر من أي فن آخر، لأنه لا يحتاج الى الترجمة، كما يحتاج  الشعر .  قد يكون الشعر المترجم جيداً أو سيئاً، أما الفن التشكيلي فانه لا يحتاج الى الترجمة . لدينا في روسيا الكثير من الفنانين التشكيليين الشباب الموهوبين جداً، ولكن كل الطرق مسدودة أمامهم، وهم لا يستطيعون عرض لوحاتهم هنا أو في الخارج، وليس بوسعهم حتى الحصول على الكتب الغربية عن الفن التشكيلي الحديث. البيروقراطيون يعتقدون ان الموهبة ليس بالأمر المهم، وان المواهب غالباً ما تظهر بكثرة، ولذا يمكن التعامل معها بخشونة . هذه هي جريمة الجهلة . الموهبة بحاجة الى المساعدة والرعاية وهي  تضيع من دونهما . لا ينبغي الزعل من البيروقراطيين ومن السلطة . في البحر الأسود نوع من الأسماك القوية، ومن الصعب جدا اصطيادها . ولكن الصيادين يضربونها على خَيْشُومَها فتزعل، وبذلك يسهل اصطيادها . أنفي كبير والحمد لله . ومهما تلقيت من ضربات على أنفي فانني اواصل الكتابة . "

ثم تحدث الشاعر عن منع عرض الكثير من مسرحياته في الأتحاد السوفييتي رغم انها تعرض بنجاح في العواصم الغربية ومنها  مسرحية " وهل كان هناك ايفان ايفانوفيتش ؟ ". وقال حكمت : " كلما سألت احدا من أصدقائي عن السبب، لا أتلقى جواباً . كان يمكن أن أستاء وأتوقف عن الكتابة ولكنني واصلت الكتابة وكتبت بعدها مسرحية " أن تكون أو لا تكون " وهي مسرحية جادة للغاية . كتبتها وأنا افكر في مصير صديقي الكساندر فادييف وغيرها  كثير . اذا كنتَ حقاً كاتباً فلن تتوقف عن الكتابة . جلبت لي زوجة بولغاكوف روايته " المعلم ومرجريتا " وعدة مخطوطات أخرى له. نتاجاته ممنوعة من النشر أيضاً، ولكنني على ثقة أن اولادكم سيقرؤن نتاجات بولغاكوف الممتازة وستدخل ضمن المقرر الدراسي في المدارس في زمن احفادكم مثل نتاجات بوشكين ودوستويفسكي ."

رأيت ناظم حكمت للمرة الأخيرة في بيت الأدباء ( مقر اتحاد الكتاب السوفييت ) عام 1962،  في امسية مكرسة للأحتفال بالذكرى االستين لميلاده. جلس الشاعر على منصة الرئاسة وبجانبه الكاتب العالمي ايليا اهرنبورغ - الذي قدمه للحضور – اضافة الى بعض الشعراء الروس المشهورين .

. كان ناظم حكمت يبدو مرهقاً ولكن سعيداً في الوقت ذاته . كانت القاعة تغص بمئات الأدباء والمثقفين ارتجل اهرنبورغ كلمة قصيرة هزت مشاعر الحضور، وتقدم ناظم ليلقي قصائده باللغة التركية، كما فعل ذلك قبل اربعين عاما في قاعة البولوتيكنيك  - ولكن هذه المرة كانت قصائده مترجمة الى الروسية مسبقاً -   حيث يأتي بعده شاعر روسي مشهور ليلقي القصيدة ذاتها باللغة الروسية . وكان قد كتب قصيدة لمناسبة بلوغه الستين، تحت عنوان " رؤيا" . وجاء صوته رخيماً وعذباً، يشوبه بعض الحزن والأسى:

أنا الآن في الستين

 لم أكن أبلغ العشرين

 حينما رأيت حلماً

 وما زلت أراه كل حين

 أراه صيفاً

 أراه شتاءاً

 حينما يهطل المطر

 وحينما تتلبد السماء بالغيوم

 أستيقظ في هذا الحلم وأحيا

  وأقتفي اثره

 ما الذي لم يحرمني منه الفراق ؟

 إنتزع مني الأماني – بالكيلومترات

 والأسى بالأطنان

 شعر رأسي

 والأيادي التي صافحتها

 غير أني لم أفارق حلمي وحده

 تجولت في حلمي

 في أوروبا

 في آسيا

 في أفريقيا

 الأميركان وحدهم

 منعوني من الدخول

 أحببت كثيراً من الناس في حلمي

 من البحار

 من الجبال

 من السهول

 دهشت لأشياء كثيرة !

كان حلمي في السجن – نور الحرية

 وفي المنفى - تابل خبزي

 ومع إشراقة كل يوم

 مع أول خيوط الضياء

  كان حلمي – الحرية العظيمة لبلادي.

توفي ناظم حكمت في صبيحة يوم الثالث من حزيران 1963 عندما كان يمد يده الى صندوق البريد قرب باب شقته ليتناول جرائد الصباح التي كان مشتركاً بهاً، نقل جثمانه الى القاعة ذاتها التي شهدت الأحتفال بالذكرى الستين لمولده، وجاءت جماهير غفيرة لألقاء النظرة الأخيرة عليه، ودفن في مقبرة العظماء في موسكو . وضريحه منحوتة على شكل انسان يحمل على ظهره صخرة كبيرة ترمز الى تركيا التي حملها معه اينما حل وعاش . هي من ابداع الفنان العالمي مارك شاغال. كلما زرت موسكو اقف خاشعاً امام ضريح ناظم حكمت، واشاهد كيف ان الناس من مختلف الجنسيات يضعون باقات الورود عليه وهم يقفون خاشعين، وربما يرددون بينهم وبين أنفسهم بعض ابيات شعره السهل الممتنع .

في عام 2009 قررت الحكومة التركية اعادة الجنسية التركية الى شاعرها العظيم بعد اسقاطها عنه اثر لجوئه الى روسيا  . وعاد شعره المحظور سابقاً الى الجمهور التركي مجدداً، وحتى الرئيس التركي أردوغان يردد في خطبه احياناً ابياتا من شعره الجميل . احدث ناظم حكمت ثورة حقيقية في الشعر التركي محطماً القيود التقليدية التي كانت تكبله،  وقد اسبغ النقاد عليه لقب (بوشكين التركي) . تأثر العديد من الشعراء العرب بشعر ناظم حكمت منهم عبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري ونزار قباني ومحمود درويش .

 

 

بمناسبة الذكرى الرابعة لرحيله .. محمود صبري بعيدا عن السياسة والفن

rawaa jasaniنشر، وكتبَ، اهلٌ واصحاب ومثقفون ومتابعون - وما برحوا- الكثير الكثير،  عن محطات تاريخية في حياة محمود صبري، ومواهبه وفكره ومنجزه، الفني والثقافي والسياسي، الثري... ولكن دعوني - في ذكرى رحيله الرابعة التي تصادف الثالث عشر من نيسان الحالي- احدثكم عن لمحات من نهار وليل تقليديين في حياة ذلك العبقري، وبما قد يسهم في ان تكتمل الصورة النيّرة عنه كما أزعم، لما فيها من اشارات ومؤشرات تتشابك لتضئ انسانية رجل متفرد، وقد "قلّ الرجالُ فقيلَ: ذا رجلُ" ..

 

** ليالٍ ونهارات

يبدأ نهار محمود صبري، التقليدي متأخرا بعض الوقت، إذ يسهر غالباً ما بين قلمه وفرشاته وأفكاره وعوالمه المتألقة، وعادة ما يكون إفطاره بسيطاَ، يحضره بنفسه عجولاَ، ثم يستمر بمتابعة الاخبار، وجلها من اذاعات تبث بالانجليزية، مبتعداَ عن الضجيج الاعلامي العربي ... دعوا عنكم مجافاته للتلفزيون الذي لم يكن ذا صحبة معه، بل ولم يضمه اثاث شقته ذات الغرفتين، المتواضعة والانيقة في آن، والتي عاش فيها-  المفكر والفنان العراقي الوطني، الكبير، صاحب نظرية "واقعية الكم"- طوال عقود، في الدائرة العاشرة من العاصمة التشيكية – براغ..

ولأن الرجل يتابع شؤونه لوحده، ويجهد ألاّ يكلفُ احد بها- الا في ضروريات لا حول له بها، خاصة وان لغته التشيكية ليست بالكافية - لذلك كان في "الظهريات" يراجع البريد، ويتسوق لمتطلبات البيت التقليدية، ويعود لمواصلة البحث والقراءة والترجمة، والغوص في الكتب والمصادر الفكرية – الفلسفية في الغالب الاعم .

ولأنه نباتي، فلم يغرق في "هموم" الغداء والعشاء وما بينهما، مكتفياً بالفاكهة والخضار ومشتقات الالبان، وبعض الحلوى. ولكن دون الاستغناء عن الشاي المرادف، وعلى طريقته الخاصة .. وهكذا كان يستغل اقصى ما استطاع من وقت للبحث والعطاء.

والرجل قليل الزيارات، وخاصة في الاعوام العشرين الاخيرة من حياته الزاخرة، ولا ابالغ فأقول بأنها بقيّت اكثر من محدودة. وكذلك كانت الحال بشأن استقباله للزائرين والضيوف، مع الاستثناءات طبعاً للقريبين والمقربين، ومن المختارين الذين يظنهم بعيدين عن الضجة والضجيج، وعن الكلام والاحاديث المكرورة المملة، ثقافية كانت أو سياسية، وعداهما.... ولكنه وفي نفس الوقت، ما اجلّه في تعقب واحترام المناسبات الخاصة والشخصية للاصدقاء والمعارف، وحتى غيرهم، المفرحة منها والمحزنة .

ولاغراض التريض، وتغيير الاجواء، كان محمود صبري يحب التمشي طويلاً، وفي المساحات الخضراء عادة ، وحتى لساعتين متواصلتين احياناً. وقد "تورطت" معه اكثر من مرة، حين كان ذلكم الثمانيني مسترسلاً في متعته، وانا ذو الخمسين الى جانبه، الهث للحاق به!!! .. حتى بدأت اهرب من ذلك التقليد، لنستعيض عنه بجلسة مقهى هنا، أو رحلات قصيرة بالسيارة، هناك.

 

شخصيات وخصوصيات

وأذ تستدرجني الكتابة، وتتشابك اليوميات والذكريات، بشؤون اخرى، فلأحدثكم عن بعض السمات الشخصية للراحل الجليل، المرادفة للممتلئين وحسب. ومن ذلك تواضعه الجم مع الكبير والصغير، النابه والبسيط، القريب والبعيد. وكم من المرات أخجلَ الاخرين بتلكم الصفة الاستثناء، النابعة باقتناع دون تصنع أو ادعاء....

كما اشهد هنا بأني لم اسمع من الرجل، ولأزيد من ربع قرن من الرفقة والمرافقة شبه الاسبوعية، ولا كلمة سوء عن احد، ولا انتقادا او نقدا شخصيا. سوى حوارات وجدل دقيق حريص، عميق متأصل. ولقد حاولت، فعجزت، وأنا في خضم هذه التأرخة العجلى، أن استذكر ولو مشاركة كتابية واحدة لمحمود صبري، تُشمُّ منها قسوة او مغالاة أو يُلاحظ فيها تشددٌ شخصي....

غير ان ذلكم الثبات اعلاه، غير مشمول، طبعاً، في ما يتعلق بالجوانب الفلسفية والفكرية، والوطنية، التي لا مساومة او تردد لديه بشأنها. ومن يريد دليلاً، واحدا على الاقل، فليعد لدراسةٍ لم تتكرر كما أدعي، حول المقارنة بين "العفلقية والفاشية" نشرها الفقيد الرائد، سنتي 1963و1964 على صفحات ثلاثة اعداد من مجلة "الغد" التي اصدرتها في براغ، اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، برئاسة الجواهري الكبير، والتي تشكلت بعيّد الانقلاب البعثي الدموي الاول في شباط 1963. وقد كان الرجل- محمود صبري- يشغل المسؤولية الفعلية عن تحريرها، بصفته عضوا في تلكم اللجنة العليا .

... ولأن الالتزام بالمواعيد، وبالوعود، ظاهرة حضارية، فمن الطبيعي تماماً ان تكون تلك من سمات محمود صبري. وهنا دعوني اتباهى مجدداً فأتحدث عن ايفاء الرجل بقراره في تبني مشروع "بابيلون" للثقافة والاعلام، الذي اطلقناه، أنا وعبد الاله النعيمي، أواخر العام 1990 ... فقد بقي الرجل راعياً معنوياً للمشروع، بل ومصمماً لابرز اصداراته الصحفية، وموجهاً له، وحتى الايام الاخيرة من رحيله الى عالم الخلود. وهكذا ما زال غلاف المجلة اليومية، ثم الاسبوعية، التي ما برحت تصدرها مؤسسة "بابيلون" منذ ازيد من ربع قرن، بأسم " انباء براغ"، يحمل ذات الغلاف الذي صدر به العدد الاول، بتصميم: محمود صبري .

والرجل أنيق ليس في كتاباته وأفكاره وفنه وقيمه، وحسب، بل اقترن كل ذلك بأناقته في الملبس والترتيب، وكيف لا وهو الفنان – الانسان. ولا تتخيلوا ان تلكم الاناقة، والمظهر، نتيجة ثياب ممهورة بغالٍ أونفيس، كما يفعل الاخرون! .. فبكل بساطة كان يلبس محمود صبري، ولكن بذوق وتناسق. وقبل ان انسى لا بد ان اضيف الى كل ذلك: أن الطبيعة قد حبته شكلاً وقواماً ممشوقاً، فارعاً، مما اضاف اليه وسامة متميزة، كما هو تميزه في عوالمه ومنجزه الثري.

أما عن أعتداد محمود صبري بعطائه، وشخصيته، فلا اظن أن أثنين من عارفيه يختلفان بأنموذجته في ذلكم الشأن، وليس من منطلق الغرور، أبداً، ولكن من فيض ثقته العميقة بالنفس، وقناعاته المستندة الى ما آمن به من مبادئ وأفكار وقيم. وكل ذلك بعيداً عن الاضواء، والبهرجة والافتعال. وهكذا بقي الفقيد مَحج الرواد، وكل ذوي الفهم والمعرفة، والعاملين في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والفن... وميادين الوطنية الحقة، وليست المدعاة!.

... ثم دعوني أتوقف أيضاً عند واحدة أخرى من مآثر محمود صبري، وتلكم هي عزوفه الراسخ عن شؤون ذاتية كم سعى ويسعى اليها آخرون... واعني هنا ابتعاده وحتى ايامه ألاخيرة عن الطلب أو المطالبة بحقوق وطنية وسياسية ووظيفية، إذ لم تَدر في خلده هموم الراتب التقاعدي، أو احتساب الفصل السياسي- دعوا عنكم الجهادي!!- بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق عام 2003 . وقد بقي الرجل خارج اللعبة، بعيداً عن لاعبيها، ومحترفيها، الذين نسوا أو تناسوا - مع أستثناء هنا وآخر هناك- احد ابرز رجالات العراق في القرن العشرين، فكراً وقيماً ومبادئ، ومواقف .

أخيرا، وكما هي عادتي في الاحتراز من مقصودين، أقول ان كل ما سبق من وقفات جاء عن معايشة مباشرة، على مدى ربع قرن، وكم يعجبني ان أتباهى بها، فكم مثل محمود صبري، كان، وكم بقي مثله، أو سيأتي؟... وأما قِيل:

يموتُ الخالدونَ بكل فجٍ، ويستعصي على الموتِ، الخلودُ؟!

 

رواء الجصاني

 

الاديب عطا ترزي باشي والرحيل بصمت

الشعب التوركماني شارك في الحركة الحضارية الانسانية في الشرق كمثيلاتها من شعوب الشرق لكن معظم علمائه وأدبائها غير معروفين لقارئ العربية. التوركمان من الشعوب التي جاءت الى العراق قبل اكثر من دهر من الزمان وهم الاقرب لغة وثقافة وعادات الى الاذريين منهم الى الشعب التركي الحديث في تركيا الحالية. كما هم الاقرب الى السلاجقة الذين دخلوا الدين الحنيف في الفترات الاولى لنزول الرسالة المحمدية وشاكوا في الدفاع عن ثغور الخلافة منذ الاف السنين.  شارك الشعب التوركماني في بناء دولة العراق الحديث منذ عام 1921 وكانت لها امارات ودول وحكمت العراق في فترات تاريخية عديدة. ورغم وجود العديد من الاراء حول اصولهم وانحدارهم الحقيقی تبقى لغتهم هوية متميزة بين الشعوب الناطقة بالارومة المغولية. التدين هو الصفة الاساسية لهذا الشعب وهم ينقسمون الى طائفتين اساسيتين السنة الحنفية و منهم من ينتمون الى المذهب الشيعي في مدن مثل تلعفر وخانقين ومندلي وطوز وداقوق وصولا الى الحاضرة كركوك.

طوقات محلسي وتسمى كذلك بريادي من المحلات العريقة والقديمة في كركوك وربما اولى المحلات التي شيدت خارج قلعة كركوك ويعتقد بان ابناها جائوا من مدينة طوقات في تركيا الحالية وقد عاش هنا معظم اجدادي ولا يزال مكان بيت جدي قائما لحد يومنا هذا. هنا وفي عام 1924 ولد المرحوم الكاتب والصحفي والباحث المحامي عطا ترزي باشي (في العربية رئيس الخياطين) من عائلة متدينة عريقة محبة للعلم والثقافة. شارك وبفعالية في الحياة الادبية والصحافة العراقية والعربية منذ عام 1946 وكتب بأسماء مستعارة كثيرة كما شارك في المؤتمرات الثقافية حيث قام بتقديم رموز وعادات وتقاليد التوركمان في محاضراته ومشاركاته . شارك في اصدار مجلة افاق وقارداشلق (الاخاء في العربية) وبشير. بقى ان نعرف بان المرحوم كان بعيدا كل البعد من الدخول في سجال ونقاشات ومحبا لابناء مدينته وقد كان رحمه الله واعيا لأهمية التراث الشعبي لذلك قام بتوثيق التراث الشعبي للشعب التوركماني وبذلك قدم للأجيال خدمة كبيرة تاركا ورائه تراثا ادبيا انسانيا ورغم كونه ناسكا بعيدا عن الاضواء والإعلام الا انه التقى بالصحفي والاعلامي كوران فتحي كي يحدثه احلامه وبعض شجونه وقد كنت قد كتبت الى صديقي فتحي كي يسعفني ببعض ما قاله في ذلك اللقاء فرد مشكورا.

 عن اخر لقاء مع المرحوم فذكر لي مشكورا.

-انني لا استطيع اخفاء اعجابي بهذه الشخصية التي خدم مجال الصحافة والأدب والبحث في كركوك هذا اضافة الى خدماته في المجال الثقافي في المدينة مثل كتاباته عن المقامات والخوريات التركمانية في كركوك". اعتقدت ان ترزي باشي وبسبب كبر سنه لن يستطيع تحمل لقاء طويلا والتحدث كثيرا، ولكن تعدى اللقاء الساعتين، واستفدت فيها من تجاربه في الحياة والكتابة، ولكن طلب مني ان لا يكون اللقاء معه بأسلوب السؤال والجواب عازيا ذلك بأنه لايحبذ الاجابة  على الاسئلة محددة بل يسرد الحديث. يسرد المرحوم الكثير من ذكرياته عن الادب والادباء في كركوك موضحا الفرق الكبير بين ما كان فيه حرية الصحافة والنشر اليوم وفي تلك الاوقات التي انت فيها السلطات تعتقل الكتاب والادباء واحيانا تعدمهم لمجرد كتابة مقال سياسي او نقدي ولذلك توجه الكتاب الى الدول العربية الاخرى لنشر ابداعاتهم خاصة الى لبنان و مصر. الا انه ينتقد المستوى و النوعية الهابطة للكتابات الحديثة. المرحوم كان على دراية كاملة ويجيد اللغات الثلاث التي يتحدث بها اهل المدينة ، الكردية،العربية والتوركمانية طبعا.

يتحدث المرحوم بإسهاب ولهفة عن روح التسامح بين المكونات القومية للمدينة قديما والاختلاط والتزاوج والتناسب بين ابناء عوائل المدينة وذلك الحوار الحضاري بين تلك المكونات العقائدية والقومية. لكن الافكار القومية السلبية وانشارها ابين ابناء المدينة ابان الحرب العالمية الاولى ادى الى ظهور شرخ كبير في التركيبة الاجتماعية للمدينة.

لم ينسى المرحوم في هذا اللقاء ابداء اعجابه للمقامات الكوردية واصوات المطربين امثال علي مردان كما انه كان مغرما بالشاعر الشيخ رضا الطالباني ويعتبره من اهم شعراء العراق وقد نشر حديثا في ثلاث اجزء اشعار الطالباني المدونة بالتركية واسهب في ذكر العديد من وجوه المدينة من الادباء ذاكرا مكانة الصحفي رفيق حلمي

 

 

أصدر الكاتب العديد من المؤلفات التي تعتبر مراجع مهمة وتوثيقي للتراث الشعبي التوركماني.

موسوعة شعراء كركوك ـ كركوك شاعرلرى في 12 جزاء.

كتاب كركوكده اسكيلر سوزى ،الأمثال الشعبية في كركوك

كتاب أغاني كركوك خويرات كركوك في ثلاث اجزاء سنوات 1955،1056 و عام 1957.

كتاب تعلیقات علی التعلیقات الوافیه‌ ، عام 1954.

عراق توكمنلری اراسنده‌ یاغمور دعاسی 1976. 

اربيل شاعرلاري 2005.

كتاب حكاية ارزى وقنبر ـ ارزى قنبر مطالى طبع الكتاب في العراق عام1964  وإيران وأذربيجان وتركيا، كما ترجم إلى الفرنسية عن طريق العزيزة سومر مردان في منفاها في سويسرا.

 اصدر كتابة التوثيقي كركوكده باصين ومطبوعات تاريخي، تاريخ الصحافة والمطبوعات في كركوك بين اعوام 1879 ـ 1985 ـ 2001.

 أصدرت مجلة (قارداشلق) التي تصدر باستانبول من قبل وقف كركوك عددا خاصا عنه بمناسبة بلوغه الثمانين من عمره المديد.

كتاب كركوكده‌ عمارت واسیسلرك منظوم تاریخلری 2005  .

كتاب توركمان كیشكۆلۆ 2007 كما أصدر الباحث آيدن كركوك كتابا عنه بعنوان عطا ترزي باشي، حياته ومؤلفاته.

 

برحيل هذا الكاتب الكبير تفقد الثقافة الرافيدنية علما من اعلامها الكرام في زمن بات الثقافة عملة نادرة والمثقفين لا يزالون في زحمة الزمن يناضلون من اجل ان يتركوا |اثرا على رمال الزمن| سلاما الى ارواحكم اينما كنتم

 

توفيق آلتونچي

 

كنت في بيت غوركي بموسكو

في الطريق الى بيت مكسيم غوركي في موسكو(الذي تحول الان الى متحف) تذكرت مسيرتي الشخصية نحوه، و طريقي الذاتي اليه، منذ ان حصلت – وبصعوبة ومجازفة وخطورة – على روايته (الام) عندما كنت في الصف الثاني المتوسط ببغداد قبل حوالي ستين سنة، والى نقاشاتي الحادة (والساذجة معا !) مع المرحوم الاستاذ مراد غالب سفير مصر في موسكو عام 1962 عندما أخبرته برغبتي ان أدرس واتخصص باديب (الواقعية الاشتراكية غوركي) في كلية الآداب بجامعة موسكو، وكيف كان السفير مراد غالب يناقشني بهدوء ودبلوماسية وهو يبتسم حول ذلك ويشرح لي موقع غوركي الحقيقي في مسيرة الادب الروسي (انظر مقالتي بعنوان – غوركي ومراد غالب) . وتذكرت كذلك كيف قمت بتدريس تلاميذ الصف العاشر في احدى المدارس السوفيتية آنذاك ضمن تطبيقات التخرج من الجامعة، وكانت مادة الدرس ذاك – (بافل فلاسوف - بطل رواية الام لغوركي)، وكيف تعثٌر التلاميذ في اجاباتهم حول ذلك، والذي كان واضحا انهم لا يتقبلون هذا الموضوع كما يجب، وكيف اضطررت ان الومهم بشدة واحكي لهم قصة العراقيين مع هذه الرواية وبطلها وقصتي انا شخصيا عندما قرأتها في تلك السنين الخوالي . وتذكرت طبعا اسماء بعض الادباء العراقيين المعروفين، الذين كانوا يحاولون محاكاة (ولا أقول تقليد) غوركي وطبيعة كتاباته.....

وهكذا وصلت الى البيت المهيب، الذي أهدته الدولة السوفيتية برئاسة ستالين الى مكسيم غوركي، كي لا يعود الى ايطاليا، اذ لم يكن يمتلك غوركي مكانا للسكن في موسكو. لقد بنى المليونير الروسي ريابوشينسكي هذا القصر عام 1902 وسكن فيه الى عام 1917، وترك روسيا مع عائلته عندما حدثت ثورة اكتوبر، واصبح القصر ضمن املاك الدولة السوفيتية، وشغلته عدة مؤسسات سوفيتية منها جمعية الاتصال الثقافي مع الخارج، ثم معهد علمي، ثم روضة للاطفال، واخيرا تم تخصيصه لغوركي وعائلته، وعندما توفي غوركي عام 1936 بقيت عائلته تسكن هناك، وأخذت زوجة ابنه تخطط لتحويله الى متحف خاص لغوركي والحفاظ على تراثه، وقد عرقلت الحرب العالمية الثانية طبعا تنفيذ هذه الخطة، ولكنها استمرت بتنفيذها، وهكذا تحول هذا البيت الفخم الى متحف غوركي عام 1965، وقد كان افتتاحه مناسبة كبيرة لمجئ كل اقارب غوركي من كثير من بلدان العالم، وشارك في حفل التدشين شخصيات رسمية وادبية كبيرة .

عندما دخلت الى المتحف واردت ان اشتري بطاقة الدخول كما هو متبع في المتاحف الروسية، فوجئت ان الشخص الجالس في المدخل قال لي ان زيارة متحف غوركي مجانا للجميع، وان الشرط الوحيد لدينا هو كتابة اسماء الزائرين ليس الا، اذ ان هذا المتحف هو الوحيد بين المتاحف الروسية الذي يضم اسماء الزائرين له قاطبة ومهنهم . ابتسمت أنا لهذه المفاجأة الجميلة وقلت له، اني سأكتب اسمي بالعربية والروسية، وهذا ما فعلته، وقد فرح مسؤول الاستعلامات وقال لي انه سيعرض ذلك بكل سرور لادارة المتحف . وهكذا بدأت زيارتي لبيت غوركي . دخلت الى غرفة سكرتير غوركي الانيقة، وشاهدت مكتبه وعدة اجهزة من التلفونات القديمة والاثاث المتواضع للضيوف، ثم دلفنا الى مكتب غوركي نفسه، وشاهدت المنضدة الواسعة جدا التي كان يجلس خلفها كل يوم من الصباح لاكمال روايته الملحمية (حياة كليم سامغين) وبقية نتاجاته ومراسلاته في اعوامه الاخيرة . كانت تلك المنضدة نسخة طبق الاصل من تلك المنضدة التي كانت عنده في ايطاليا – واسعة وبلا مجرٌات، وعليها العديد من الاقلام وقناني الحبر، وكانت هناك ورقة عليها خط غوركي الانيق والجميل جدا . شاهدت في تلك الغرفة مجموعة هائلة جدا من التماثيل العاجية الصغيرة والتي كان غوركي يحب جمعها من اليابان والصين، وهي مجموعة لا تضمها حتى المتاحف المتخصصة بتلك الاعمال الفنية، وتشغل مكانا كبيرا في دواليب خاصة ومعروضة بشكل جميل جدا . انتقلنا بعدئذ الى غرفة منامه المتواضعة، ثم الى باحة البيت، حيث شاهدنا السٌلٌم الى الطابق الثاني . يعد هذا السٌلم تحفة فنية، اذ ان المهندس المعماري واسمه سيختيل، الذي أشرف على تخطيط البيت، بنى سياج هذا السٌلم من المرمر على هيئة موجة من امواج البحر، وقد أدهشني بجماله لدرجة ان الشخص الموجود قربه لاحظ ذلك، واقترب منيٌ وقال لي، ان هذا السٌلم قد دخل ضمن الاعمال الفنية العالمية النادرة في الفن المعماري، واوصاني ان الاحظ الابواب والشبابيك في هذا البيت، والتي خططها و أشرف على تنفيذها المهندس المعماري سيختيل بنفسه . وفعلا بدأت الاحظ الابواب والشبابيك ووجدتها تجسٌد اعمالا فنية مدهشة الجمال وكل واحدة من تلك الابواب والشبابيك تمثٌل لوحات فنية قائمة بحد ذاتها، وخصوصا غرفة الطعام وسقفها، ومكتبة غوركي الغنية جدا بالكتب الروسية، وبحثت في تلك المكتبة عن كتب اجنبية ولكني لم أجد اي كتاب بلغات اخرى، ومن الواضح ان غوركي لم يكن يتقن اي لغة اجنبية . دخلنا بعد ذلك في غرفة خاصة للضيوف ووجدنا هناك اسماء كبار الزوار الذين زاروا غوركي ومنهم ستالين و الكاتب الفرنسي رومان رولان والكاتب الانكليزي برنارد شو وغيرهم .. ثم رأيت آخر ورقة صغيرة كتبها غوركي بيده، وهي موجودة على منضدة صغيرة ومحفوظة تحت قطعة من الزجاج، ويكتب غوركي هناك كلمات متشائمة نتيجة مرضه واحساسه باقتراب الموت، و اقدم للقارئ بعض ما جاء فيها – (...احساس غريب جدا...لا توجد لدي اي رغبة بالكلام، وأصل حتى الى الهذيان، وأشعر باني اتكلم دون ربط ... أشعر باني لن ابقى حيٌا ...لا أقدر ان انام او أقرأ...ولا اريد اي شئ .)

عندما خرجنا من بيت غوركي، بدأنا نتكلم عن انطباعاتنا بعد هذه الزيارة، فقال احدهم – لقد منح ستالين لغوركي قصرا مهيبا في محاولة لاغرائه ان يكتب عنه، كما كتب غوركي عن لينين، لكن غوركي تهرب من ذلك بمختلف الحجج، ولم يستطع ستالين ان يجبره على ذلك رغم انه قدٌم له هذا القصر الفخم لمليونير روسي قبل الثورة.  

 

أ.د. ضياء نافع

 

عن طهران وأبا ذر الثورة الإيرانية

قبل نصف قرن قيّض لي التعرف على إيران من الداخل، كنت هارباً من البعث والحرس القومي، ترى ماذا يكون مصير عضو إرتباط في الحزب الشيوعي العراقي لو وقع بأيدي الجلادين؟!

كنت وصديقي ورفيقي هادي السيد جايد في ضيافة حزب " تودة"، وزيادة في الحذر كانوا ينقلوننا من بيت إلى آخر، بحيث قيّض لنا التعرف على طهران من شمالها إلى جنوبها .

أول ما لاحظته أن طهران " طهرانان"، طهران الشمالية، وطهران الجنوبية، الأولى أقل تديناً وعصرية منفتحة، لاهية، متنعمة، تجد فيها كل شيء، بارات، ومراقص، ومسارح، وسينمات، ودور لهو بريء، وغير بريء، ونساء يتبخترن في الشوارع وهن يرتدين أحدث الموديلات، و(مشاهد أخرى سيحين وقت التحدث عنها)، وطهران جنوبية فقيرة على وجه العموم، متدينة بإفراط، لا تجد في شوارعها امرأة سافرة إلا ما ندر، فالشادور هنا متسيد بلا منازع، تتجاور فيها أحياناً الجوامع والحسينيات.

في طهران الشمالية قلما تجد من يتحدث العربية، اللغة الثانية بعد الفارسية هي الإنكليزية ، وفي طهران الجنوبية لا يتكلمون سوى الفارسية، ولا تعدم وجود من يتكلم العربية بطلاقة، مع وجود عوائل لا تتكلم داخل جدران البيوت إلا باللغة العربية.

عندما كنا في ضيافة أحد الدور في طهران الشمالية، تبين لنا فيما بعد إنها دار جلال رياحي، عضو اللجنة المركزية لحزب تودة، والمسؤول عن إذاعة" بيكي إيران" في برلين، الناطقة باسم حزب تودة والتي ستمنح حزبنا فيما بعد ساعة من البث، لبث " صوت الشعب العراقي"، تفطنت عرضاً للأسماء، كان إسم الولد الأكبر لجلال رياحي" أرجفان" ، وإسم الولد الثاني" كوماتا"، بعد التمحيص غير الدقيق أصبحت شبه متيقن أن الأسماء العربية والإسلامية هنا تشح، وتقل لحد الندرة، أكثر الأسماء شيوعاً " شيرين " للفتيات، و" فرهاد" للذكور، على عكس الوضع في طهران الجنوبية، حيث تشيع أسماء محمد، وعلي، وحسن وحسين، وموسى، وجعفر، وكاظم، ورضا، وعباس، إلى آخر الأسماء العربية للذكور، وفاطمة، وزينب، وخديجة، ورقية، ومعصومة، للأناث..

قادتني هذه الملاحظة للتوصل إلى إكتشاف أن بعض الطهرانيين الجنوبيين محب للعرب، ليس فقط عبر التسمي بأسمائهم، وإنما الفخر بالإنتساب لهم، على العكس مما يحدث في طهران الشمالية، حيث ينظرون بتعال إلى العرب، ويعدونهم "بدو همج"، ويرونهم السبب الأساس في تخلف إيران عبر العصور، وهم يعلنون عن إنبهارهم بالغرب وحبهم له، ويحسبون أنهم ينتسبون لهم عرقياً، فهم "آريون" مثلما الغربيون، في حين أن العرب "ساميون" !!

الشوارع، والأسماء، والعمارة، والولاء، والإنتماء، والشعائر، والممارسات، واللغة والمصطلحات، والأزياء، والإهتمامات، تشعرك أنك بإزاء عالمين مختلفين، لكنهما في عالم واحد، فطهران أولا وأخيراً طهران. 

من السهل جداً معرفة أن العلمانيين والليبراليين الإيرانيين، مثلما القوميين الإيرانيين، يحملون نظرة إزدراء للعرب، كل العرب، وهم يتجهون بإنظارهم إلى عالم آخر، بعيد، لكنهم يرونه الأقرب والأكثر إبهاراً، سواء كان غربي " رأسمالي" أو شرقي " إشتراكي " ، ولكن من الإنصاف القول أن الطهرانيين الآخرين، المؤمنين تحديداً، وإستعمل مفردة (الإسلاميين) بعد وضعها بين قوسين، على العكس من هذا فهم يرتبطون بالعرب إرتباطاً لا فكاك له، فمن العرب محمد، وعلي، والحسين، وعند العرب مكة، والمدينة، وكربلاء، والنجف، والقدس ( القدس وقتها ما زالت تحت حكم العرب).

شيء يمكن تلمسه، من دون الجزم فيه، أن اليسار في ذلك الوقت، (نحن نتحدث هنا عن اليسار، ولا يشمل هذا القوميين الفرس، فالقوميين الفرس كانوا تغريبين، أو مندفعين مع هوس آريا مهر شاهنشاه إيران  في إعادة مجد فارس التليد)، قد ضيَق الخندق الفاصل بينه وبين الإسلاميين، ربما بسبب العدو الرئيس، نظام الشاهنشاه، فجميعهم ضحايا السافاك وبطشه، كان اليسار وكذا الإسلاميون ينظرون بتقدير عال لبعض الرموز سواء المحلية كمصدق، أو الإقليمية كجمال عبد الناصر، وكانوا يتعاونون في مجالات شتى، ومنها على سبيل المثال فيما يتعلق بإيواء الرفاق العراقيين، الذين كانوا مطاردين من جهتين، من نظام البعث في العراق، ومن نظام الشاهنشاه في إيران الذي كان يتعاون مع البعث بعد الإنقلاب ، وما قضية إعتقال العديد من الرفاق العراقيين، ومنهم الرفيق " مظفر النواب " وسجنهم في كرج ، ثم ترحيلهم وتسليمهم إلى حكومة البعث إلا مثالاً على هذا التعاون .

قيض لي ورفيقي هادي، وشخص آخر من السماوة إسمه "عبد الزهرة " أعتقل فيما بعد وسلم لحكومة البعث، أن نكون في ضيافة أحد المعممين الكبار في جنوب طهران بالقرب من مرقد أمام يحيي لعدة أسابيع،  كنا نلتقي مع الشيخ المعمم في بعض الأماسي في ديوانه، وكان يحدثنا بلغة عربية صافية، الغريب أن الشيخ عندما كان يتحدث لم نكن نفرق حديثه عن حديث أي يساري، ما خلا ذكره لآيات من الذكر الحكيم ، ثم نقلنا على عجل من الغرفة فوق السطوح في الدار الكبيرة، إلى مكان آخر في شهر ري، كانت إنتفاضة محرم قد بدأت بقيادة الأمام الخميني، فيما بعد عرفنا أن من إستضافنا في داره لأسابيع دافئة ، هو آية الله العظمى الطالقاني، الشخص الذي سيطلق الأمام الخميني عليه فيما بعد لقب " أبا ذر الثورة الإيرانية " .

 

صباح علي الشاهر

 

 

ودمه شاخب: محمد باقر الصدر يزور المتوارين خلف صوره

نستذكر اليوم قيمة استشهاد الامام محمد باقر الصدر، في 9 نيسان 1980، في حدث تاريخي، طبع العراق ومستقبله بألوان وخطوط تحتاج للتمعن، وقتا طويلا؛ لاستنباط دلالتها، ومقدار الطاقة آلتي ولدتها، لتشغيل متناقضات القوى المحركة للمجتمع العراقي، وهذا هو اليوم نفسه الذي تم فيه تغيير النظام السياسي في العراق، العام 2003، وقد تكون الإرادة الإلهية هي من جمعت المناسبتين، او قد تكون من غير ميعاد.

في السبعينات، ونحن في البصرة، باعمار متطلعة للحياة.. طامحة للمشاركة في فعالياتها، كانت الصراعات السياسية والفكرية تمتزج مع دوافع الثقافة الفطرية الكامنة في ذواتنا.

الصراع على أشده بين فكر حزب السلطة (البعث) بكل امكانياته المادية، والإغراءات الممزوجة بروح التهديد والوعيدن وبين الثقافة الشيوعية التي تحاكي حرمان الفئات الاجتماعية؛ لضخ الفكر الماركسي ممزوجا بشواهد الحياة في الدول الاشتراكية.

غالبا ماكان النقاش، يجري في ممرات وساحات كلية الطب، منتهيا بتهديد ابناء حزب السلطة للفئات الاخرى. بين قطبي النقاش، فض احد الزملاء أوراقا مطوية، وطلب منا قراءتها؛ تعميما للفائدة، وهو يتلفت يميناً ويسارا، ويحاول ابعادنا عن الأنظار قبل وضع الأوراق في جيب الصدرية، وبعد الحصول على مكان آمن، فتحنا الاوراق وعددها عشر مطويات، مكتوبة بخط اليد نقلا عن كتاب (غاية الفكر في علم الفصول).. وقع نظرنا على اسم مؤلفه السيد محمد باقر الصدر، مبهورين بعمره، عند تأليف الكتاب.. كان بأعمارنا نفسها.

قرأناها شغوفين بمحتواها، عالي المنهجية يسير الفهم، متسائلين: كيف لشاب من العراق ان يتحدث في علوم اللغة والاصول والتاريخ والدين بهذا المستوى؟ ويناقش الفلاسفة والعلماء ويرد آراءهم؟ ونحن نستحي الحديث وتتلعثم الكلمات بين اللسان والشفتين؟ ويتعرق الجسد؛ عندما نواجه الجمهور؟ وننفعل عندما تدحض اراؤنا؟ إذن لابد لهذا السيد مميزات هائلة، ومواهب عقلية وأدبية، كبيرة وسعة أفق ارتبطت بحبه للبحث عن الحقيقة ومحاولة تجسيد ما يتجمع في خاطره للفائدة العامة وتحقيق مبادئ عليا في الحياة الدنيا و تأمين موقعٍ في الاخرى.

ردفنا بصدمة كبرى؛ عندما تسلمنا أوراقا من كتابي ( فلسفتنا) و (اقتصادنا) لأننا لم نستطع فهم محمولاتهما.. عبارات وكلمات غريبة على مسامعنا.. مناقشة واعتراض على مفاهيم وجمل نرددها، جاهلين خفاياها ونحتاط عند الحديث بها مثل الديالكتيك والماركسية و الجرأة في تفسير الكون والحياة ومناقشة الاقتصاد السياسي وقوانينه ومفهوم النظام الاقتصادي الاسلامي، ثم اطلعنا على مقتطفات من كتاب (رسالتنا) الذي أكد لنا الحقائق أعلاه، التي صعقت اجسادنا وهزت كياننا هزا عنيفا، والظاهر ليس نحن فقط من صعق مرتجف، إنما الحكومة ايضا.. برجالها و مؤسساتها، سرى فيها تاثر الفلاسفة والعلماء والمفكرين وهذا ما لم نكن نعرفه ونحن بين ملازم المحاضرات وقاعات الدروس وردهات المرضى، الا بعد تكرار سماعنا لاختفاء بعض الزملاء من بيننا، طالتهم يد الامن إعتقالا، وبالتالي الإعدام؛ لحملهم افكارا تهدد كرسي الحاكم وتفضح ضحالة تفكيره.

تبين انهم يتبعون حزب السيد الصدر، تزامنا مع التنكيل بحملة الفكر الماركسي وبعض اصحاب الرؤى المستقلة.. المتنورة.

نال الجميع.. بالرغم من أختلافاتهم العقائدية، المصير نفسه، من قبل سلطة لا تؤمن بالراي الاخر ولا تتقبل المساس بعنجهيتها.

ثمة سوْال نكرره دوما، من دون مناسبة.. بل مناسبته مفتوحة: هل لاصحاب المبادئ السياسية والفكرية تصور عن دور مبادئهم في بناء البلد وتأمين مستقبله وتحديد شكله الحضاري؟ وكان الجواب من اصحاب السلطة بـ: "نعم" معززة بإنجازات القيادة ومواقفها الوطنية والقومية وروح التغيير والعزم والشباب وعظمة السلطة التي يهيمنون بها مقتربين من القضاء على الأفكار المناوئة، وجاء ألجواب ايضا من حملة الفكر الماركس بنعم بدليل انتشار الفكر الاشتراكي في العالم وسيطرته على نصف العالم وتعادل القوة بينهم والدول الرأسمالية، والواقع يشير الى ان أفق انتصار الاشتراكية مستقبلا واردا؛ فالاتحاد السوفيتي سيساعد باللين والقوة، قوى التحرر في العالم، اما اصحاب السيد الشهيد الصدر الاول؛ فكانوا يرددون النعم ويستشهدون بعدالة الدين وقيمه وتاريخ الأنبياء و الأئمة وصلابة إيمان الامام علي.. عليه السلام واولاده، وما واقعة "ألطف" الا تجسيد حي لمنطلقاتها الفكرية، ولكن ليس هناك على ارض الواقع نموذج يمكن تعزيز الرأي فيه وكانوا ياملون الحصول على فرصة القيادة لتحقيق إفكاره و رؤاه، وتجلت فرحتهم الكبرى بانتصار الثورة الاسلامية في ايران، عارضين علينا فكرها، مؤكدين: "ان هذا هو الفكر النموذجي، من عطاء السيد الصدر (قدس سره) فماذا لو تسلم الحكم في العراق؟ أجابونا بان العراق سيكون أحسن دولة في العالم؟  وبالرغم من عدم قناعتنا بستراتيجيتهم، وغير متفقين بل ومعترضين على بعض طروحاتهم، الا اننا كنّا نحلم بما وعدونا، وكان لنا الحق في هذا الحلم، ولنا ان ننتظر اليوم الذي يتسلم خلالها الرجال الذين يحملون أفكار السيد الشهيد "قدس سره" القيادة متسلحين بالمبادئ والأفكار ، ومرتدين رباط الإيمان وحاملين راية التقوى املنا في ذلك الاقتداء بقدرة السيد قدس سره وحصانته ضد الفساد ورفضه للمناصب ووقوفه بوجه طاغية العراق.. المقبور صدام حسين، وجلاوزته بشهادة حواره وردوده ورفضه تسلام اي منصب مفضلا الاستشهاد (بالتيزاب) على ملذات الحياة، ليكون مقربا من ربه ضامنا مكانه في جناته، تاركا إرثا نضاليا ومنارا للإقتداء وشد العزم.

ترك لنا فكره الفلسفي والاقتصادي ورجالا يسعون للسلطة؛ فدالت لهم، لكن ليرفعوا صور السيد قدس سره على أبواب مقراتهم غالقين كتب فلسفتنا واقتصادنا وواضعيها فوق رفوف عالية، ويعملون بهدي غرائزهم وفق مصالح بمستويات عالية الفساد.

ماذا لو بُعِثَ آية الله العظمى الشهيد محمد باقر الصدر.. قدس سره الشريف، وزار المقرات المتوارية خلف صوره، باحثا عن القيم والمبادئ العظيمة، التي ضحى بروحه من أجلها، هل سيجدها؟ أشك بذلك.. وأنا أكيد الشك.

  

جاسم مطشر ثامر العواد العزاوي.. طبيب اختصاص.. محامٍ وإعلامي

 

فيلسوف في HNO3 .. أتم الله وعد الصدر في 9 نيسان 2003

amar talalلحظة ضاقت خلالها الدنيا بما وسعت، من حول حسين العصر.. الفيلسوف محمد باقر الصدر، وأخته زينب زمانها بنت الهدى.. آمنة الصدر، في حوار غير متكافئ، مع الطاغية المقبور صدام حسين، كان فيها الشقيقان المحطمان جسديا، أقوى!

تلك اللحظة، يملك فيها الطاغية صدام، الدنيا الزائلة، ويملك الفيلسوف الصدر، بقاء الآخرة.. فكان الارجح في حوار، قائم على قوة صدام الظاهرة، نظير ضعفه الباطن، وقوة الصدر الباطنة إزاء ضعفه الواقع.. والتناظر مركب، يصب في مركب كيميائي.

ما يسميه العراقيون "تيزاب" إسمه العلمي: "حامض النتريك – hno3" يتمتع بميزة تفتيت العظم وتبخير الفلسفة العظمى، الكامنة في جمجمة عالم، تخطى الدين الى تنظيم شؤون الحياة المدنية، من منظور ملتزم، يقومه الأيمان من دون ان يقيد الدولة بتعاليم فوقية منزلة، إنما يستثمر التنزيل غيثا هاميا كالمطر؛ لسقي معطيات الواقع، مثل نبت طيب.. "أصله ثابت وفرعه في السماء".

 

عبقرية في حوض

أجمعت روايات شهود، من منتسبي أمن النجف، ان صدام كان الاوهى في النقاش، بينما الامام.. آية الله محمد باقر الصدر "قدس سره" يتكلم بشدة، ردا على الأسئلة الاستفزازية التي يطرحها عليه الطاغية بطريقة بلهاء.. متلعثمة، بشأن: - لماذا ولاؤكم لإيران وليس للوطن؟ لماذا هاتفت الخميني تقول له أقبل فالعراق مهيء لك؟ لماذا فتيت بان الانتماء الجاد والصوري لحزب البعث كلاهما كفر والحاد؟ واذا وافقت انصبك نائبا لرئيس الجمهورية؟

لم يتخاذل الامام، ولم يغره المنصب، وهو يجيب: ولاؤنا للاسلام، كمنظومة تحتضننا وايران مع سوانا من السياسات المدنية، التي تسير بهدي الدين، وبهذا لخص له "ولاية الفقيه" التأملية، التي لن يفقهها شخص أهوج...

واصل.. قدس سره، الإجابات: أما إقبال الاسلام ممثلا بفكر الخميني، آتٍ مع شخصه او حملة فكره.. لا محالة، وحزب البعث كفر والحاد، سواء أفتيت انا بذلك ام لم أفتِ، وسواء أوقفت من ضعفي بهذا الجبروت، ام وقفنا كلانا.. بين يدي الله.. أتحمل أنا ثواب فتواي، وتتحمل انت عقاب الانتماء للبعث، اما عرضك بان اكون نائبا لمجرم منك فإدنو لتسمع جوابي.

ولما دنا بصق بوجهه، فوجه اليه "دريل – ثاقبة" يستخدمونها في التعذيب من الاطراف، غرزها في رأسه الشريف، وأمرهم بإلقاء الجثة في حوض من التيزاب، جفت فيه آخر نظريات العبقرية النابضة، نسغا يجري في عروق الكون.. متدفقا، وكانت آخر جملة قالها، وهو ينازع للتماسك، قبل سكرة الموت؛ جراء الثقب النافذ من الجبين الى خلفية الجمجمة: "صدام تذَكر هذا اليوم 9 نيسان ولا تنساه" وسلم الروح الى بارئها، مغتسلة بالتيزاب طهرا من آثام دنيا فانية، لوثت الطغاة.

 

العالم يكسر صمته

برغم التواطئ الدولي، مع صدام في تخبطاته السياسية، لكن دولا عدة ناشدته تسليمها الصدر؛ لتفيد من علمه، ضامنة له الكف عن السياسة، وعدم تكرار تجربة الخميني مع الشاه، الذي تراجع عن اعدام الامام روح الله الخميني، خلال الخمسينيات؛ فكانت نهايته عام 1979 بهذا العفو الذي ألب ايران بأشرطة الكاسيت.. فلم يستجب صدام لتلك المناشدات!

 

فلسفته وإقتصادنا

يكمن سر عظمة فكر الشهيد الصدر، بكونه لا يقيد الدولة، بما تقيد به جده الامام علي.. عليه السلام: "لولا التقوى لكنت ادهى العرب" فمحمد باقر يؤسس لدولة تتعاطى مع متطلبات الواقع السياسي ميدانيا، وفق الحاجة الموضوعية، وهذا من شنه ان يفيد من فلسافات الادارة السياسية كافة.. الديني منها، مثلما داود وسليمان وموسى ومحمد.. عليهم الصلاة والسلام اجمعين، ومثلما دالت الدنيا للشيوعيين والراسماليين معا.

إذن فلسفة الامام الصدر تنظم شؤون اقتصادنا الانساني.. مباشرة، برؤيا إلهية، ساء المتمسكون بكرسي السلطة، ووجاهتها ان تتحول الى منهج عمل تجري سياقات الدولة بموجبه.

أعدم الصدر شهيدا، في جنات النعيم، لكن فلسفته ما زالت تسير إقتصادات عظمى، تنتشلها من جحيم الارض؛ فما خاب من إتبع الحق وجاهد هواه، معتصما بالله عن الإقبالا المتهافت على مغريات الدنيا، يفرط لأجلها بجنة دائمة ونعيم مقيم.. طبت ثرى واثرا وثريا منيرة.. سيدى أيها الآية الشهيدة والفلسفة الذائبة في تيزاب الطغاة.

 

عمار طلال

مدير عام مجموعة السومرية