المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

امراة الانجازات الكبرى

بمناسبة نجاح الملتقى الثالث للثقافة العربية في مدينة خريبكة المغربية

عندما يلتقي الانسان بالاستاذة الكاتبة والناشطة الجمعوية المغربية ياسمين الحاج، ومنذ اللقاء الاول سيكتشف انه امام نموذج مميز للمراة العربية بخصائص نادرة، من الخلق والالتزامات الوطنية والقومية التي يندر وجودها في ايامنا حيث تسودها قيم التخريب العولمية وتشوه المفاهيم، وانهيار الاعتبارات الاخلاقية والوطنية.

ذلك هو انطباعي الاول، ايضا، عندما التقيتها لاول مرة في صيف عام 2012، ادركت اني امام قامة شامخة تتطلع بحماس في ان تسهم في عملية التنمية الجارية في المغرب، مدركة اهمية البعد العربي لتحقيق هذه التنمية. تعيش هموم شعبها المغربي بقوة، كما تعيش هموم امتها العربية بعمق مشاعر لاحدود لنبلها .وهي اضافة لهذا وذاك شحنة وطاقة من الاستعداد للعمل وتجاوز اللغو الذي يستبدله الاخرين وسيلة للهروب من الالتزام بالمسؤولية .

كان من الطبيعي ان تتعرض امراة بهذا الحجم من العطاء والامل الى حسد وغيرة الكثير من ضعاف الارادة، ومن اصابهم خور وشلهم العجز والكسل، فتهربوا من المسؤولية وتخلفوا عن الانجاز، فكرهوا من يحسسهم بعجزهم، يبحثون عن هفوة هنا او هناك مهما كانت غير ذا معنى، عند من يتميز بالابداع ويتطلع لمواجهة مشكلات الوطن والامة، والمساهمة في وخز العقل العربي وحفزه للقفز وراء تراكمات التخلف والتشوش التي يعيشها، وتنمية قدرته على مواجهة مشكلات التخلف والجهل وما تعيشه امتنا من حالة نكوص شاذة تخرجها عن مسارات تاريخ البشرية، وتدفعها الى هامش حركة التقدم التي تعيشها الانسانية جمعاء، ليغدو وجودها كامة ليس الا وجوداَ عبثياَ في مسارت التيه والضياع بل وتهديد الهوية .

تمكنت هذه المرأة الحديدية (وهذه التسمية تعود للشاعرة المغربية فاطمة الزهراء بالمختار) من تحقيق منجزات قد تعجز مؤسسات كبرى بامكانات لاحدود لها، في تحقيق ما حققته هذه الاستاذة ياسمين، دون حتى ان تلقى الدعم اللازم والكافي لتغطية نشاطاتها، تعوض نقص الدعم بارادة حديدية واصرار لانجاح خطواتها ومشاريعها . فهي اضافة لما حققته من نشاطات محلية في توعية مواطنيها لاضرار المخدرات، وتنظم دورات تقوية للفتاة القروية وطالبات البكلوريا كخطوة باتجاه المساهمة في تنمية وتطويرالقدرات الثقافية والعقليةلابنة القرية في منطقتها في خريبكة، تستحضر القوافل الطبية لمعالجة الفقراء مجانا في مدينتها، وتنظم الندوات للدفاع عن حق المراة المغربية، وتتفاعل كتابة مع حالات الانتحار التي ظهرت بين شباب مدينتها، وتنتقل للخوض في مشكلات المثقف والثقافة العربية،هموم بحجم مشاكل الامة من الاحواز الى مراكش، مشكلات تحني ظهر من يتورط بحملها .

كثيرا هي الانجازات الثقافية والاجتماعية ما يصعب حصره. الا ان همومها المحلية والوطنية لم تشغلها عن همومها العربية التي تمتد على مساحة الوطن العربي، فنظمت خلال السنوات الثلاث الماضية من معرفتي بها ثلاث ملتقيات تحت شعار (الثقافة في خدمة التنمية والسلم الاجتماعي)، حاولت ان تجمع بها ما تستطيع من مثقفين ونخب عربية من الاقطار العربية المختلفة، املا منها ان تسهم بصنع تفاعل المباشر بين نخب المثقفين المغاربة و النخب العربية الاخرى، ما يمكن ان يكون طريقا للتفاهم والوصول لقناعات مشتركة خطوة باتجاه صنع العقل العربي القادر على تحمل مسؤولياته لتخطي ما تعيشه الامة من محنة كبرى، وانقسامات غير عقلانية .

استمرت الاستاذة ياسمين بذلك طيلة ثلاث سنوات دون كلل او ملل، مغامرة بامكاناتها المحدودة لايحبط ارادتها قلة الدعم الذي تقدمه لها المؤسسات المعنية بالامر، غير مبالية بخسارة وبيع مدخراتها ومصاغاتها عندما تضطرها الظروف لذلك .

صحيح ان الملتقى الثالث جاء بمستوى من المشاركة اضعف من الملتقيين الاول والثاني، بسبب شحة الدعم، وحرص بعض المثقفين على تامين تذاكر السفر المجانية وهو ما لم تقدر عليه جمعية منتدى الافاق للثقافة والتنمية . كذلك جاء موعد انعقاد الملتقى مصادفة مع فترة الامتحانات التي اعاقت الكثير من الاساتذة عن المشاركة . وكان ضعط الوقت بمناسبة قرب قدوم شهر رمضان الذي الزم المقيمين على الملتقى اختيار هذا الوقت الحرج . الان الملتقى كان ناجحا بكل مقاييس النجاح . ويظل صرحا وعلامة مميزة في تاريخ الثقافة العربية،وظاهرة جديد في مسارات اللقاءات الثقافية التي تتشكل بارادة مثقفين انفسهم بعيدا عن الاطر الرسمية والحكومية التي عهدناها في مسارت الثقافة العربية . فالملتقى كان انجاز كما قلت قد تعجز مؤسسات كبرى عن تحقيق مثيل له يحسب لارادة المراة الحديدية .

لم تتوقف هموم الاستاذة ياسمين عند حدود مدينتها او قطرها، او حدود عالمها العربي، بل راحت وبارادة صلبة تريد غزو العقل العربي في المهجر لتصحح صورته عن المراة المغربية، وعطائها ومساهمتها في عملية التنمية الجارية في المملكة المغربية، فقامت بالتعاون بين جمعيتها منتدى الافاق للثقافة والتنمية ومركز لندن للاستشارات والدراسات والتدريب، بتنظيم ندوتين عن الادب النسوي المغربي في العاصمة البريطانية لندن . شاركت بالندوتين ستة شاعرات واديبات واعلاميات مغربيات اضافة لها . بندوات ناجحة جدا بحساب الندوات المشابهة التي تعقد عادة في العاصمة البريطانية .مع التركيز عن انها تمثل نشاطات قد تعجز مؤسسات كبرى عن تحقيقها .

كاي نخلة شامخة، تتعرض الاستاذة ياسمين لحملات تشويه . ويتحول الحسد والغيرة عند بعض الفاشلين الى ارهاب، يامل بقمع الابداع والاعمال الكبيرة . وفي حملة سابقة من هجمات الارهاب الفكري، شنها بعض انصاف المثقفين تلك قبل سنتين ضد الاستاذة ياسمين، كتبت ما يلي : " ياسمين هذه مزهرية ورد تجمعت فيها كل الوان العشق لامتها العربية ووطنها الكبير، فهي تسوح في ولائها وكتاباتها من تاييد المقاومة العراقية للاحتلال الى الحزن والهم والحسرة على احتلال سبتة ومليلية، مرورا بالهم الاحوازي والفلسطيني والسوري، فكل الوطن العربي، وهمومه همومها حتى انها تجد نفسها معنية كمثقفة بظاهرة التاسلم التي يجتاح الوطن العربي، فتكتب عنها بقهر وحرقة بامل ان تسهم بوقف هذه الهجمة التترية التي تجتاح اوطاننا وتخرب الحرث والزرع وتنشر القتل والموت والخراب .

تجذر حب العروبة والانسانية جمعاء، حتى لم يبقى بقلبها مكان لعشق اخر، شابة واعدة بميزات قيادية مميزة،"، يشهد لها بذلك كل من يتعرف اليها عن قرب او يتابع نشاطاتها .

وكل يوم اشعر اني ما اخطات فيما كتبت، وتنظيم الملتقى الثقافي الثالث، مؤشر جديد يؤكد على قوة وعزيمة امراة مؤمنة بقضايا امتها ووطنها ومدينتها . جعلت من خريبكة منبرا ومنارا ثقافيا عربيا جديد، وهي تستقبل كل عام مجموعات من النخب العربية . اتذكر في اول اعلان نشرته الاستاذة ياسمين عن الملتقى الاول للثقافة العربية، وذكرت مدينة خريبكة دون ان تحدد موقعها في المملكة المغربية، سال اكثر من واحد على الفيس بوك (اين تقع مدينة خريبكة هذه)، اما الان وبعد تردد اسم خريبكة على مئات المواقع والصحف وهي تنقل اخبار ونشاطات منتدى الافاق للثقافة والتنمية، ما يؤهل الاستاذة ياسمين لتكريم خاص ووسام خاص من قبل السلطات المحلية للمدينة . فالمعروف ان الكثير من المدن في العالم تصرف عادة الملايين من الدولارات بهدف التعريف بمدنها، وفرتها الاستاذة ياسمين بنشاطاتها، من خريبكة الى لندن .

على ان للاستاذة ياسمين بادرة سبق اخرى، فهي اول من ادخلت القضية الاحوازية، ثقافيا، الى المغرب، واعتبار النخب الاحوازية جزء من النخب العربية الاخرى، فبادرت لدعوتها للمشاركة في كل هذه النشاطات . يبدو ان بعض الفعاليات المغربية بدات الان بعد سنة من مبادرة الاستاذة ياسمين، الى الانتباه لذلك والمبادرة بدعوة النخب الاحوازية للمشاركة ببعض النشاطات المغربية . واعتقد ان هذه السيدة تستحق الشكر على ذلك من كل الاخوة الاحوازيين، بمختلف فصائلهم، فهي تعاملت معهم كنخب وطنية ثقافية دون الانحياز لهذا الطرف او ذاك التنظيم، وفق ما يطرحه عليها برنامجها كملتقى يهتم بالنشاطات الثقافية والتنموية، وليس فعاليات او تجمع لحركات واحزاب سياسية .

فتحية للاستاذة ياسمين الحاج، وتهاني لها ولكل اعضاء منتدى الافاق للثقافة والتنمية على هذه الانجازات، ونجاح الملتقى الثالث للثقافة العربية الذي انعقد في خريبكة للايام 5-7 حزيران /جون 2015 .ونتمنى لهم جميعا القوة والعزيمة لمواصلة مثل هذه النشاطات والانجازات الكبيرة، ونشد على ايادي الجميع خاصة الاستاذ سعيد نصري، ومحمد رايس،وكل الاعضاء الاخرين من ذكور واناث، على ما بذلوه من طيبة وكرم وجهود استثنائية لارضاء وراحة الضيوف، جميعا .

 

د . موسى الحسيني

18/6 /2015

غالب الشابندر .. الشريد المنبوذ

salim alhasaniكنتَ يا أبا عمار شريداً، ثم عدتَ الى العراق فصرت أكثر.. رجعتَ الى وطنك وقد صار تحت سلطة اخوانك، فماذا كنتَ تتنظر منهم؟.

ألم يفكروا عام 1985 ان يجمّدوا اجتماعات الحلقة السياسية لفترة من الزمن، ثم يعيدوا تشكيلها ثانية، بعد حذفك منها. وقبل أن ينعقد اجتماعها الأول، سألتُ الحاج خضير الخزاعي مستغرباً إبعادك عنها، فأجاب: (أبو عمار يربكها). وانت يا أبا عمار تعرف ما يعني الإرباك في مقاصدهم، أي سيضيع خضير الخزاعي وغيره في أجوائها.

أتذكُر يا أبا عمار، المرحوم الأستاذ أحمد علي المالكي (أبو مالك) عندما قال في أحد اجتماعاتها أن هذه اللجنة قائمة على شخصين فقط (غالب الشابندر و.....) أما البقية فليسوا بمستوى الفكر السياسي المطلوب. وامتعض فلان وأنزعج فلان وضاق صدر فلان، وتوهج رأس فلان بالتدبير.

لم نكن نعرف وجههم الثاني هذا.. كنا نعرف ان لديهم وجهاً آخر، لكننا لم نتخيل أن هذا الوجه مرسوم من الكراهية لكل التاريخ والقيم.

يقول الناس عنهم أن السلطة جاءتهم سهلة، لكننا أنت وأنا وفخري مشكور وآخرين نرى غير ذلك، فلقد قدموا من أجلها ثمناً باهضاً، وتضحية جسيمة، لقد باعوا القيم والمبادئ من أجلها، فهل هناك ثمن اكبر؟.

أبو عمار، لا مكان لك غير التشرد، أنت تهدد كراسيهم، تستفز وجودهم، تفضح خواءهم، فكيف تحلم بالبقاء في وطنك؟.

 

سليم الحسني

 

كلية طب الموصل!!

كلية طب الموصل صرح علمي عراقي شامخ، أسهم في رفد الوطن بالعقول الطبية الخبيرة المتخصصة، التي آست أمراض العراقيين والعرب وأبناء الإنسانية جمعاء، بعد أن أصبح المتخرجون منها أطباء بارزين وأساتذة مرموقين في دول العالم المختلفة وجامعاتها الكبيرة العريقة، وأثبتوا براعتهم في ميادين الطب المتنوعة، وصاروا أعلاما مؤثرين في مسيرة العلوم الطبية.

وبدأت الدراسة فيها في العشرين من تشرين الأول عام ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين، وكان عدد الدفعة الأولى من الطلبة مائة وثلاثة وعشرين للسنة الدراسية 1959-1960، وفي السنة التالية كانت الدفعة الثانية ثلاثة وخمسين.

وأول عميد للكلية هو الدكتور المرحوم عبد الوهاب حديد، وأصبح العديد من طلبتها أساتذة فيها فيما بعد، وأحد طلبتها عميدها قبل أعوام.

وكانت الكلية في بدايتها تابعة لوزارة الصحة ومن ثم ألحقت بجامعة بغداد، وإعتمدت معايير كلية طب بغداد في القبول والدراسة، لكنها كانت تتميز عنها بصعوبة الدراسة فيها، وصرامة الضوابط الدراسية والتعليمية، وحرصها على أن تكون دقيقة جدا في منح الدرجات، وقوة التدريب والتدريس والإمتحانات.

وبسبب هذه الأصول العلمية والمهنية الراسخة، أهّلت طلبتها للقيام بأدوار علمية، ذات قيمة مهنية مؤثرة في بناء معالم المسيرة الطبية في العراق وغيره من الدول.

ولا نعرف كم تخرج من الكلية خلال نصف قرن ونيف، لكن الواضح أن الخريجين قد رفدوا الحياة بأسباب السعادة والعافية والتطور النافع للبشرية، فمنهم الأساتذة والعلماء والباحثين والمؤلفين، والقادة المهنيين المؤثرين في تطوير الخدمات الطبية.

والكلية ذات موقع جميل قريب من نهر دجلة، وتبدو الغابات الموصلية في الجهة الأخرى، وبجوارها المستشفى التعليمي الذي يطل على معالم أم الربيعين الزاهية بالأشجار والآثار والجوامع وبمنارتها الحدباء.

وفي حكاية تأسيس الكلية معاني وطنية وإجتماعية ذات قيمة حضارية ومعرفية، فهي تأسست في السنة الثانية لثورة الرابع عشر من تموز، وتواصلت وتطورت كفكرة ثم تحولت إلى مشروع إنساني عالمي، وهذا يعني أن الثورات مهما كانت يمكنها أن تؤسس لإنطلاقات ذات قيمة وطنية وإنسانية ككلية طب الموصل.

وهي تشير إلى الإرادة الوطنية الصادقة لأهلها، لأنها فكرة بدأت في الموصل وترعرعت، وتفاعل أبناؤها لصياغتها وتحقيقها، وبتظافر الجهود تم الوصول إلى إنجاز الهدف النبيل، الذي أظهرإرادة أبناء الموصل في العطاء الإنساني الكبير.

كما أنها تعني بأن المجتمع الحي يمكنه أن يحقق طموحاته بتفاعل أفكار وجهود أبنائه، عندما تكون النيات صادقة والأهداف جلية، والمصلحة الجماعية للمدينة أو الوطن هي الغاية الأولى والكبرى.

فكلية طب الموصل، ثمرة عطاء أبناء الموصل، وسعيهم الجاد للإرتقاء بمدينتهم ومحبتها، والإعتزاز بقيمتها الحضارية ودورها الإنساني.

ويمكن لمسيرة كلية طب الموصل أن تكون مثلا يحتذى به في المحافظات العراقية، عندما يريد أبناء المحافظة القيام ببناء مشروع نافع لمحافظتهم أو مدينتهم، لأن فيها دروس عملية ناجحة تعبّر عن تكاتف أبناء المجتمع، وتفاعل أفكارهم وتوحد جهودهم وجدهم وإجتهادهم للوصول إلى غاية نبيلة سامية.

كلية طب الموصل التي درسنا فيها وتعلمنا آليات التفكير العلمي والإنساني، لا نعرف عنها شيئا منذ عام، ولا ندري ما حلّ بها، وهي أيقونة وعينا، وميدان شوقنا وشبابنا، ورائعة مسيرة علمية عراقية متوهجة.

أطيب التحايا لكلية طب الموصل مع باقات محبة وفخر وإعتزاز من خريجيها!!

وسؤال عن كيف الحال والأحوال؟!!

 

د-صادق السامرائي

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (12)

abdulhusan shaabanثابت حبيب العاني يعود إلى دمشق بعد القصف الكيماوي لقوات الأنصار في كردستان

لقد حاول عامر عبدالله أن يخاطب عزيز محمد أمين عام الحزب وأن يلتقيه، لكن الأمور قد خرجت من بين أيدي الأخير، وسارت باتجاه اللاّ عودة، الأمر أدركه بعد حين وكان عليه أما القبول بما هو قائم كما فعل البعض من مجموعة المدجنين كما أطلق عليهم، تحت عناوين مختلفة، وهو أمر رفضه البعض، لاعتبارات متباينة أيضاً، علماً بأن شخصية مثل عامر عبدالله المعتّدة بنفسها لا تقبل التسليم بهزيمتها، خصوصاً وأن ظروف أواخر الثمانينيات هي غير ظروف آوائل الستينيات، ومع ذلك فإن عامر عبدالله لم يقدّم نقداً ذاتياً في ذلك الوقت، مثل رسالة زكي خيري التي عنّف فيه نفسه واتّهمها بأقسى الاتهامات تحت باب الطاعة والانضباط والقبول بقرارات الأعلى، وهو ما فعله أبو العيس أيضاً.

وقد أوردت ذلك على لسان عامر عبدالله في حواراتي معه وتعليقات حسين سلطان، الذي قال إنه كتب رسالة فيها شيء من النقد الذاتي، ولم يكن أسلوبها يرضي القيادة آنذاك، لاسيّما بعد رسالة زكي خيري وأبو العيس، فطُلب منه " تعميقها"، لكن الرسالة أهملت بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 على الرغم ممن أرسل لتفتيش غرفته بحثاً عنها، وهو الأمر أغاظ البعض وأوغر الصدور إزاء عامر عبدالله، والكاتب معه، علماً بأن الكاتب كان شديد الحرص على تجنّب الإشارة بالاسم الصريح، حتى وإن كان ناقل الكفر ليس بكافر كما يقال، لأن قضية من هذا النوع ليست رأياً.

وبالطبع لم يستمر عامر عبدالله في رؤيته تلك وتغيّرت الأمور بعد انتقاله إلى لندن، ولاسيّما بعد انحلال الكتلة الاشتراكية، الأمر الذي ولّد لديه تقديرات وآراء جديدة بعضها مغاير لمنطلقاته، وهي محطّ جدال، وقد يكون في رؤيته اللاحقة، أقرب إلى رؤية إدارة الحزب بشأن العراق ومستقبله، وتلك مسألة توقف عندها الباحث، مثلما حاول باقر ابراهيم التركيز عليها. هذا هو ما حصل وهذا كان رأي عامر عبدالله المدوّن والمنشور في الكتاب وفي مذكرات عديدة.

وللأسف فإن بعض الانفعالات كانت هي الطاغية بدلاً من مناقشة مسائل تتعلق بجوهر الصراع وإشكالياته وهي انعكاس لفقه الأزمة ومتفرّعاتها، لاسيّما القضايا ذات الطبيعة النظرية حيث اتجه الحديث إلى الإنكار والاتهام والهروب إلى الأمام، أما القضايا المختلف عليها والبحث عن الحقيقة، فقد ظلّتا بعيدتين عن دائرة النقاش وهي:

        الموقف من الحروب العدوانية وبالتحديد الحرب الأمريكية على العراق والتعامل مع الاحتلال لاحقاً.

        الموقف من المقاومة وهل كل مقاومة "إرهاب"، وما هو الموقف من المقاومة السلمية؟ ولماذا لم تلجأ إدارة الحزب إلى طرح مشروع خيار المقاومة السلمية المدنية للاحتلال بدلاً من التعاطي معه؟

        هل إن هدف النضال هو التماهي مع الحكم للحصول على تمثيل شكلي واستمراء التبعية لكي نقول أننا نتقدّم وأننا غير معزولين؟

        لماذا ضَمُرَ اليسار وخفت صوته وتشتّت؟

        هل أن الممارسة المتدنّية لما سمّي بالتحالفات مع فلان وفلان بامتداداتهم وارتباطاتهم المعروفة في السابق والحاضر، أي منذ الاحتلال ولحدّ الآن، هي أمرٌ مفروض أم اختيار، بما فيه تقديم أوراق الاعتماد للاحتلال؟

        أين ما يسمّى بالتيار اليساري؟ ولماذا نحجم عن استخداماته أم أن اسم "اليسار" أصبح ملتبساً؟

وإذا أردنا الدخول بالمسائل العملية:

        فمن المسؤول عمّا لحق بـ ثابت حبيب العاني من إساءة وتعامل لا إنساني؟

        ثم ألم يحن الوقت لإعادة النظر في المؤتمر الرابع ونتائجه وممارساته، خصوصاً بفصل العشرات والمئات من الرفاق في اليمن وسوريا والعديد من البلدان الاشتراكية، فضلاً عن إجراءات القمع وممارسة سياسة التجنيد الإجباري على الرفاق وإكراههم على الالتحاق بقوات الأنصار، وغيرها من الجوانب الإدراية والبيروقراطية والنزعات التفريطية؟ والأمر لا علاقة لهم بتخطئة زيد أو عمرو أو هذا الاتجاه أو ذاك بقدر ما له علاقة بالموقف من أخطائنا.

        وكيف السبيل لاستعادة هوّية الحزب الوطنية والاجتماعية؟

        ثم ما هي وسائل إعادة التأهيل لتقوية الأساسات؟

علينا الاعتراف بأن الحزب مأزوم ومهزوم، إذْ لا ينبغي الفصل بين أزمة الحزب وأزمة البلاد، وهزيمة الحزب وهزيمة الوطن.

كما علينا الاعتراف أن الأزمة ومتفرعاتها ليست بالأشخاص، فقد استبدلناهم أو استبدلنا بعضهم وظلّت هيمنة مباشرة وغير مباشرة من البعض الآخر .

المطلوب معالجات في المنهج والسياسات والسلوك، والتخلي عن أسلوب التماشي أو المسايرة مع ما هو قائم في السلطة والمعارضة سابقاً، بما فيها الاحتلال وذيوله.

ثم كيف يمكن السكوت عن حوادث قتل وتعذيب تمت في مواقع الأنصار؟ ولا يزال بعضهم يطالب بالاعتذار على أقل تقدير وفي مقدمتهم الرفيق أحمد الناصري (أمين)، ناهيكم عن مساءلة المسؤولين والمتواطئين.

ولماذا تسكت إدارة الحزب السابقة عن ذلك وما مصلحة إدارة الحزب الحالية عن إخفاء ما حصل ؟ والغرض ليس نشر غسيلنا كما يقال، بل ردّ الاعتبار لقيم العدالة والحق والإنسانية والجمال، الأساس الذي قامت عليه الماركسية، وذلك عبر مصارحة هادئة ومصالحة تاريخية مع الذات أولاً ومع الشيوعي المختلف ثانياً، ومع الوسط اليساري بشكل عام ثالثاً، وهي الدوائر التي ينبغي التحرّك عليها أولاً!.

وبدلاً من دراسة أسباب فشلنا في انتخابات العام 2014، بعد تقديرات وردية وتهاني بفوز عدد من الرفاق، وإذا بنا نحصد الخيبة، ولكن البعض يتمادى في المكابرة حين يعتبر صدور كتاب عن عامر عبدالله استفزازاً له، وإساءة ربّما مشبوهة، ولها دوافع خفية، وهي من الاحتياطي النائم من النظام السابق قبل أربعة عقود من الزمان (فيا للعبقرية ووهج الضمير؟!) وكان الأوْلى أن نراجع حساباتنا، ففي انتخابات المحافظات حصلنا على " صفر"، ومع ذلك ظلّ الأمين العام يتشبث بموقعه، وكم كان لائقاً وجديراً تقديم استقالته وإفساح المجال أمام رفاق آخرين، خصوصاً وقد مضى على وجوده في موقعه أكثر من عقدين من الزمان، وطالما نحن نكثر من حديثنا المستمر عن التغيير والتناوب وتبادل المسؤوليات؟

أفلا تكون هذه مناسبة للتذكير والتفكّر والمراجعة؟!، فقد كان فشل الزعيم الاسكتلندي أليكس سالموند 18 أيلول (سبتمبر ) 2014 في إحراز النجاح في الاستفتاء على انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، سبباً منطقياً وعقلانياً في استقالته من قيادة الحزب ومن رئاسة الوزارة، دون أن يعني الإساءة إليه، وكل إنسان يخطأ ويصيب وينجح ويفشل، فقد فشل نوري المالكي في الحكم طيلة السنوات الثماني المنصرمة 2006-2014، لكنه ظل متشبثاً بموقعه بزعم الأصوات التي حصل عليها، وهي التي تمنحه الشرعية الدستورية، ناسياً أن شرعية الانجاز، أي النجاح في عمله ومهماته، التي تتقدم أحياناً على الشرعيات الأخرى، فما بالك حين ننتقل من إخفاق إلى آخر؟.

وعلينا ألاّ نبكي على الأطلال أو نتشبّث بنجاحاتنا قبل الثورة في العام 1958. الأمر يحتاج إلى دراسة منزّهة من الغرض، فالخارجون على الحزب أكثر ممن هم في داخله بعشرات المرات ، بغضّ النظر عن الأسباب، وينبغي الكف عن لغة التخوين والامتناع عن نهج الإقصاء والتخلّي عن تقديس المسؤول، ولا يكفي اليوم أن يكون في برنامجنا الاحتفالات بالمناسبات المختلفة، بقدر ما التوجّه إلى الناس ومصارحتهم وتعبئتهم. فالأزمة شاملة ومركّبة وعميقة، وهي جزء من أزمة المجتمع ككل.

ولعلّ هناك من يعتقد أن خسارتنا في الانتخابات يمكن تغطيتها بشن هجوم على عامر عبدالله وصاحب الكتاب، وكأن الأخير مسؤول عن كل هذه الخسائر دون أن ينتبه أحد إلى أن المؤلف ذاته يشعر بالحرج أيضاً إزاء هذه الخسارة، وأن ما يصيب رفاقه القدامى يضغط عليه بغض النظر عن الاختلاف، لاسيّما ما يتعلق بالبوصلة الوطنية والأخلاقية والجمالية، فانحسار دورنا هو نتيجة قاسية لممارستنا السلبية، وهو أيضاً انعكاس لسياستنا الخاطئة، وفي كل الأحوال فإن هذا الأمر طبيعي في أوضاع الاحتلال والشحن الطائفي والمذهبي والإثني.

 

1.      قضية ثابت حبيب العاني

وصف محضر اجتماع حزبي قيادي الرفيق ثابت العاني " بالعبودية الفكرية" للرفيق عامر عبدالله، وإذا استبعدنا الجانب السلبي لهذا الوصف، ناهيكم عن انطباقه أو عدم انطباقه، فإن عمق العلاقة بين الرفيقين واقتراب آرائهما قد يكون وراء هذا التقدير، خصوصاً خلال احتدام الصراع داخل المكتب السياسي بشكل خاص إبان فترة حكم عبد الكريم قاسم، حين تكتّل مجموعة الأربعة، التي ضمّت كل من عامر عبدالله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس، وكانوا أقرب إلى سياسة قاسم، في حين كان سلام عادل وجمال الحيدري والكتلة الأكبر في المكتب السياسي واللجنة المركزية، أميل إلى التشدّد إزاء استدارة قاسم بالبلاد نحو الحكم الفردي.

وقد تردّد في الأدب السياسي في وقت لاحق اصطلاح " عصابة الأربعة"، لاسيّما خلال تنحية عصابة الأربعة الصينية التي ضمّت جيانج كينج وهي زوجة ماو تسي تونغ الأخيرة وكانت عضواً قيادياً في الحزب، والمقربين لها تشانغ تشون تشياو وياو ون يوان ووانغ هونغ ون. وسيطرت عصابة الأربعة بشكل فعال على أجهزة السلطة في الحزب الشيوعي الصيني خلال المراحل الأخيرة من الثورة الثقافية، التي استمرت لنحو عشر سنوات 1965-1975.

ولعلّ بعض هذه العلاقات بين الرفاق أمرٌ طبيعي بحكم النشأة والمدينة والعمل المشترك والمعايشة الطويلة وغيرها من عوامل التأثير الشخصية والفكرية، ومثلما هي علاقة ثابت العاني بعامر عبدالله، فقد كانت علاقة حسين سلطان وجاسم الحلوائي وعدنان عباس بباقر ابراهيم وليس ثمة في الأمر إساءة، لاسيّما إذا استبعدنا الجانب السلبي. وقد تحمّل العاني العقوبة المخفّضة خلال تنحية عامر عبدالله من مواقعه في العام 1962 وأرسل هو الآخر للدراسة الحزبية في موسكو.

أسوق هذه المعطيات لأؤكد العلاقة الوطيدة بين عامر عبدالله وثابت العاني . وكان عامر عبدالله قد وصلته معلومة في العام 1977 عن صلة ثابت العاني بالأجهزة العراقية خلال اعتقاله في العام 1971 وصموده البطولي، وإنه يكتب تقارير دورية فيما يخص الطلبة والعلاقات والتنظيم العسكري، وتردّد عامر عبدالله في نقل المعلومة إلى الرفيق عزيز محمد أمين عام الحزب آنذاك، وقد تشاور مع أحد الرفاق واتفقا على نقل المعلومة دون أن يعني تبنيّها.

وعندما حاول عامر عبدالله إبلاغ عزيز محمد " بالخبرية" اعتذر الأخير حتى عن الاستماع إليها، رافضاً أية إشارة تمسّ العاني أو تخدش من سمعته الثورية والأخلاقية، ونسي الأمر وكأن شيئاً لم يكن، لكن الموضوع أثير لاحقاً في بيروت بعد انتقال الحزب إلى المعارضة في أجواء صراع محمومة وعداوات وأحقاد وانتقام، فقاد أحد أعضاء ل.م. الاحتياط، الحملة ضد العاني، وتأثّر بها بعض الطامحين للوصول إلى مواقع في القيادة، فأطيح به من عضوية المكتب السياسي في اجتماع موسكو العام 1981، ثم أطيح به من عضوية اللجنة المركزية لاحقاً في العام 1982، وعُزل ولم تتم مفاتحته بالتهمة المزعومة والمنسوبة إليه إلاّ في العام 1984، فرفضها جملة وتفصيلاً، بل وسخر من تفاصيلها، وخلال عزله حظي العاني باحترام الرفاق الأنصار، وكان موقفه شجاعاً ومشرّفاً خلال أحداث بشتاشان العام 1983، وعلى الرغم من عزله من مواقعه الحزبية، فقد اختير بعد تلك الأحداث الغادرة مسؤولاً إدارياً عن تنظيمات قوات الأنصار الشيوعية.

وخلال التحضير للمؤتمر الرابع وما بعده ترشّحت معلومات عن أن حياته قد تكون في خطر، وخاطب عامر عبدالله المكتب السياسي، وأرسل عدّة رسائل إلى عزيز محمد، نافياً ما تردّد من اتهامات ضده، وإنه تحقق بطريقته الخاصة عن بطلان تلك المزاعم، ناهيكم عن عدم صدقية من نقلها. وقد أطلعني عامر عبدالله منذ مطلع العام 1982 على جهوده تلك وبعض مخاطباته مع الرفيق أبو سعود (الأمين العام السابق).

كما خاطب عامر عبدالله، ثابت العاني لأكثر من مرة بالعودة إلى سوريا وترك مواقع الأنصار، لأنه يعاني من مرض القلب، وسبق أن تعرّض إلى نوبة قلبية في العام 1973، حيث قام الرئيس أحمد حسن البكر بزيارته في المستشفى ببغداد وخلال وجوده في كردستان لحضور اجتماع اللجنة المركزية، حاول عامر عبدالله إقناع ثابت العاني " أبو حسان" بالعودة إلى سوريا، وكان العاني قد تلمّس نوعاً من التبدّل في العلاقة معه من جانب بعض أقطاب القيادة، وشعر بأن أمراً ما مبيّت له وقد رفض العاني بشدّة، كما أخبرني عامر عبدالله في موقع ناوزنك (أيلول/سبتمبر/1982). وثانياً لأن الظروف في كردستان بالغة القسوة بالنسبة للشباب، فما بالك بأوضاع أبو حسان. وثالثاً إن المكان المناسب لإجلاء صورة العاني الشيوعية الحقيقية، ليس بقائه " أسيراً" في كردستان، بل مجيئه واتصاله مع الاحزاب الشيوعية وظهوره العلني وغير ذلك، وهو ما فكّر به عامر عبدالله لاحقاً، وحاول إرسال رسالة بواسطة عادل مراد، لكن الرسالة لم تصل وتلك مسألة ورد ذكرها في الكتاب.

لكن ثابت العاني، رفض ذلك، وقد أوردت في كتابي عن عامر عبدالله تفاصيل أخرى بخصوص الموضوع، واضطرّ العاني بعد سنوات وبعد أن تعرّض للإصابة بتأثيرات القصف الكيمياوي من جانب الحكومة العراقية ضد قوات الأنصار أن يعود إلى سوريا، حين انسحب مجموعة كبيرة من الرفاق قبيل وبُعيد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية، العام 1988، ومن هناك ذهب إلى هنغاريا (بودابست) للاستقرار وزار براغ أيضاً، والتقى منذر المطلك السفير العراقي حينها، خلال محاولة حصوله على جواز سفر عراقي جديد، ودار حديث ذو شجون بينهما، كما نقل لي هو ذلك، وكذلك المطلك لاحقاً.وبالمناسبة فقد ذكر العاني، منذر المطلك عدّة مرّات في مذكراته التي صدرت بعد وفاته العام 1998 عن دار الروّاد في بغداد العام 2014.

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (11)

abdulhusan shaabanشيوعيو العراق في اليمن يتعرضون إلى تعسف إداريي الحزب وسط ارتكابات عديدة

وفي نهاية المطاف، ليس هناك "مشكلة"، كما يريد البعض من قناتها الغمز إلى عامر عبدالله، سواءً كان التوجّه بإشراف سلام عادل وبمشاركة فاعلة من عامر عبدالله، لأنه كان توجّه الحزب كلّه، وهو توجّه تجديدي ونقدي إمتاز بقراءة دقيقة للواقع العراقي والعربي في ظرف سياسي عربي اتّسم بصعود حركة التحرر الوطني وتأميم قناة السويس وارتفاع رصيد الدعوة إلى الوحدة العربية وبروز دور قيادة جمال عبد الناصر، خصوصاً في مواجهة العدوان الأنكلو - فرنسي، الإسرائيلي، مثلما شهد انفتاحاً على صعيد الحركة الشيوعية بتبنّي نهج التعايش السلمي ونقد الأساليب البيروقراطية لقيادة ستالين، وهو ما انعكس في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، ولهذا ليس عجباً أن يكون عنوان تقرير الكونفرنس الثاني العام 1956 هو "خطتنا السياسية في سبيل التحرر الوطني والقومي في ضوء المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي"، ولا حاجة لاستعراضه، فقد ورد في كتابنا عن عامر عبدالله بنصوص مطوّلة مع ملخّصات عنه، حاول الكاتب إبرازها لكي تفي بالغرض.

وكما أخبرني، وهو ما أشرتُ إليه في العام 1986 في مجلة الهدف ضمن هامش لبحث لي حول القضية الفلسطينية والموقف السوفييتي، انه صارع لكي يدرج حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني ضمن وثائق الحركة الشيوعية، وحاول إقناع الرفاق السوفييت، خصوصاً في اجتماع بودابست التمهيدي العام 1968، وفيما بعد في اجتماع موسكو لعام 1969، بعد أن كانت الحركة الشيوعية تأخذ بشعار تصفية "آثار العدوان"، وهناك فرق بين شعار مرحلي وشعار ستراتيجي، بحيث أن الأول يخدم الثاني، في حين أن القضية قبل ذلك التاريخ كانت أقرب إلى قضية لاجئين، فأصبحت قضية تتعلق بالتحرّر الوطني من أجل الاستقلال واستعادة الأراضي وحق العودة وتقرير المصير بما فيه إقامة الدولة الوطنية المستقلة.

للأسف الشديد فإن نزعة ازدراء العروبة وربطها بالشوفينية برزت على نحو واضح في السنوات الأخيرة في داخل صفوف الحزب وما حوله، وكأن ليس غالبية الشيوعيين، بل غالبية الشعب العراقي هم من العرب، أي إن نحو 80% من العراقيين هم من أصول عربية، فكيف يتم نبذ العروبة وربطها بصدام حسين وحكمه الدكتاتوري ويساوي أصحاب هذا الاتجاه بين القومية والعروبة، في حين أن الفارق كبير.

وإذا كانت العروبة انتماء وجداني وشعوري وعاطفي ورابطة طبيعية يجتمع فيها بشر من أصول واحدة وهو أمرٌ موضوعي، فهي والحالة هذه بعيدة عن الآيديولوجيا التي تحاول بعض التيارات القومية اعتمادها، خصوصاً عندما تتولّى إدارة السلطة السياسية . بمعنى آخر أن يكون شعور العربي عربياً والتركي تركياً والفارسي فارسياً والكردي كردياً والروسي روسياً والفرنسي فرنسياً وهكذا، في حين إن الفكرة القومية، لاسيّما إذا أردنا نقلها من حيّز الأفكار إلى حيّز الواقع، كما حصل في القرن العشرين في محاولة لتقليد الفكر القومي الأوروبي، ستعني تحويل العروبة إلى آيديولوجيا قومية، وخصوصاً بفعل الأنظمة السياسية التي حكمت باسمها من القوميين، وهذا يقود إلى أن تصبح مظهراً من مظاهر الاستبداد والدكتاتورية والتسلّط، لاسيّما بتحويل العروبة إلى قومية وهذه إلى آيديولوجيا، ناهيكم عن الممارسة السلبية المرافقة لها، لكن ذلك شيء وفكرة العروبة شيء آخر.

ومثل هذه النزعات العدمية الضيقة، التي تتنكّر للانتماء العروبي لغالبية الشيوعيين تمجّد في الوقت نفسه انتماء آخرين إلى أممهم، بل أن بعضهم أكثر كردية من القوميين الأكراد في حين تراها تستهجن انتماء الشيوعيين العرب، إلى أمتهم العربية. والموقف هذا ينسحب على المساواة بين داعش وتنظيمات القاعدة وجبهة النصرة وبين حركات المقاومة مثلما حماس وحزب الله وحركة الجهاد، وغيرها في طريقة ليست بعيدة عن تصنيفات الأجهزة الدعائية والاستخبارية الامبريالية، دون إدراك أن حماس أو حزب الله أو حركة الجهاد أو غيرها من الجماعات المقاومة هي حركات تحرر وطني، نتفق معها بالكثير ولاسيّما في موضوع تحرير الأراضي المحتلة، ونختلف حول البرنامج السياسي سواء بجانبه الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، الآني أو المستقبلي، وتلك أولويات العمل الشيوعي والماركسي.

والسبب الثالث، لأن عامر عبدالله اتّخذ موقفاً واضحاً من المؤتمر الرابع ونتائجه وكان قد تحدّث عن أمراض الحركة الشيوعية والتنكيل وأساليب الوشاية والتجسّس والمقاطعة الاجتماعية والإساءات الشخصية وغير ذلك، وهي أمور لم يختلقها أو يفتريها، بل هي واقع يعرفه القاصي والداني، لكن بعض الإداريين بما فيهم المتورّطين بتلك الإجراءات تضيق صدورهم بذلك، ولا يريدون من الجيل الجديد معرفتها، ونحن نتحدّث عن التاريخ والبحث عن الحقيقة، وبدلاً من الاعتراف والاعتذار والتطهّر، يبالغون في الإساءة والشتائم، ومثل هذا الأمر يخصّ من كان معنّياً بإدارة الحزب آنذاك ومن كان جزء من الآلة الحزبية القمعية، التي فرّطت بالمئات من الرفاق، ولم يكن بإمكان الكاتب إغفال هذه الحقائق التي عاشها كما أنها وردت على لسان عامر عبدالله في مذكرته الموجهة إلى عزيز محمد أو للرفاق السوفييت قبل ذلك، كما تمت الإشارة إليه، كما جاءت على لسان باقر ابراهيم وعدنان وعباس في مذكراتهما ووردت على لسان آرا خاجادور (ولاسيّما في كتابه نبض السنين) وحسين سلطان وعشرات من الإدارات والكوادر السابقة.

ولذلك فإن الإشارة إليها كانت مصدر إزعاج وانزعاج من جانب إدارة الحزب آنذاك التي قامت بارتكابات عديدة، علماً بأن الكثير من الوثائق والرسائل الحزبية موجودة وهناك عشرات، بل مئات الشواهد، وقد أورد الكاتب والروائي المبدع سلام عبود عشرات الحالات التي حصلت في اليمن الجنوبية، والتي يمكن العودة إليها في كتابه "ذئب وحيد في البراري" كما استعرض حالات أخرى في كتابه التجديدي المهم " المثقف الشيوعي تحت ظلال الاحتلال" (التجربة العراقية) الذي صدر عن دار الجمل، 2014.

ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى المذكرة الاحتجاجية التي وقعها 50 مثقفاً عراقياً في جمهورية اليمن الديمقراطية (1987) وفيها شجبوا حادث الاعتداء الذي تعرّض له الفنان والمخرج المسرحي الرفيق اسماعيل خليل، وأشارت المذكرة إلى حوادث اعتداء مماثلة كان قد تعرّض لها المسرحي فاروق صبري والقاص والصحافي فاضل الربيعي في دمشق، والشاعر والصحافي نبيل ياسين في بودابست. وقد وجّهت مذكرة المثقفين العراقيين في اليمن إلى دائرة العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية ودائرة العلاقات الآيديولوجية للحزب الاشتراكي اليمني ووزارة الثقافة والإعلام ووزارة التربية والتعليم وممثلي حركات التحرر الوطني العربية في اليمن وسفارات البلدان الاشتراكية واتحادات الفنانين والصحافيين وغيرها.

وسبق أن تمت الإشارة إلى ضحايا مثل هذا النهج السياسي التفريطي في رواية سعدي يوسف " مثلث الدائرة" التي تتناول عدداً من الظواهر المشار إليها. وهناك شهادات أرشفية لعدد غير قليل من الرفاق والأصدقاء الذين عاشوا في اليمن وعانوا الكثير من العسف على يد إداريي الحزب في حينها. وقد اتصل بي عدد منهم ومن بلدان أخرى وقالوا أنهم مستعدون للادلاء بشهادتهم بهذا الخصوص.

وكان الأجدر غضّ النظر عنها، إلاّ إذا كان لسان الحال يقول: "يكاد المريب يقول خذوني"، ولو راجعنا ما نشرته " المنبر" خلال أعوام 1987-1990 لوجدنا الكثير من الرسائل بأسماء منظمات وأشخاص تحتج على سياسة إدارة الحزب، وقد شملت بعض منظمات الحزب في سوريا واليمن وكردستان وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا وهنغاريا وغيرها، أشير فقط إلى مظهر واحد منه، هو احتجاج 75 مثقفاً ضد تلك السياسات وامتداداتها الثقافية في رسالة علنية وجّهوها بأسمائهم وصفاتهم.(المذكرة بالأسماء منشورة في صحيفة المنبر، حزيران/يونيو 1987).

وبغض النظر عن الخطأ والصواب ومآل الصراع، فإن تلك حالات إنسانية مسّت الضمير قبل أي اعتبار، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بوثيقة سفر أو علاج أو دراسة أو إقامة أو عمل أو رفع الغطاء السياسي أمام جهات رسمية أو تعذيب أو قتل مناضل أو التفريط به في مهمات غير مدروسة وغير ذلك، وقد نشر القاص والكاتب محمود البياتي، بعض معاناته من البيروقراطية الحزبية والتهديدات التي تعرّض لها وحالة الرعب التي عاشها في ظرف بالغ القسوة هو وعائلته، كما نشر ماجد عبد الرضا رسالة بعد فصله أشار فيها إلى قطع علاج ابنته التي كانت ترقد في مستشفى في لبنان، والتي فارقت الحياة بعد حين.

والسبب الرابع إن المعلومات التي وردت في الكتاب، سواءً ما يتعلّق بمساعدات جهات فلسطينية أو يمنية، فلا أعتقد أنها مصدر إزعاج، فلم يكن القصد منها الإساءة لعامر عبدالله بقدر ما استهدفت شرح الأوضاع الصعبة التي اضطرّ إليها عدد من الرفاق بتخلّي رفاقهم عنهم وذكرت حالات كثيرة، وأكتفي بما أورده الرفيق باقر ابراهيم في مذكراته حول هذا الموضوع باقتباسات ضافية عاد ونشرها تعليقاً على ما ورد من استنكار لذكرها في الكتاب، علماً بأنها تندرج في إطار العلاقات السياسية، وقد لجأت إليها غالبية القوى السياسية في فترات مختلفة.

ولا أظن في هذا الحديث انتقاصاً من أي أحد وبالمناسبة فهي علاقات متبادلة، فقد عملنا مع الفلسطينيين وألقينا محاضرات في المخيّمات، وكتبنا في صحفهم ومجلاتهم ونظّمنا لهم الدورات التثقيفية، وقدّمنا لهم استشارات وخبرات، مثلما حملنا جوازات سفر يمنية لسنوات، دون أن يعني ذلك أي مساس بالكرامة، أو انتقاص منها، ودائماً ما قدّموا لنا مساعدة سخية معنوية وأدبية في الغالب ومادية بالطبع. وشخصياً أشعر باعتزاز بتلك العلاقات المستمرة ولا أتنكّر لها أو أخفيها.

أما موضوع فتح حوار مع النظام العراقي عبر السفارة العراقية، فالأمر هو الآخر يندرج في إطار العلاقات السياسية وقد حاول النظام جسّ نبض العديد من القوى والشخصيات وأرسل الوسطاء، فمرّة كان الأمر عبر السوفييت في العام 1982، ولاسيّما بعد انسحاب القوات العراقية من المحمّرة (خرمشهر) بعد هزيمتها فيها، وفيما بعد عبر وساطات لبنانية وفلسطينية وأردنية.

وكان هناك أكثر من لقاء مع مكرّم الطالباني أو غيره قد حصل بعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية، حيث ساهم فيها أمين عام الحزب السابق عزيز محمد وجلال الطالباني وذلك بضيافة سميح عبد الفتاح (أبو هشام) السفير الفلسطيني في براغ، وجرى اللقاء بعلم الحزب الشيوعي التشيكي، وفي فندق الحزب الجديد، والتقى عامر عبدالله ونوري عبد الرزاق مكرّم الطالباني أيضاً (العام 1989) في الإطار ذاته، وحصل الأمر عبر سفارة العراق في براغ وموسكو أيضاً.

إن أية مفاوضات أو جسّ نبض من خلال العلاقات، سواء مع الحكومة أو أي طرف سياسي آخر، لا ينتقص من أحد، سواء تم التوصل إلى نتائج أو لم يتم ذلك، وبغض النظر عن إظهار مدى تحمّل الطرف الآخر لمسؤولياته، لكن عامر عبدالله وفي فترة ما بعد الحرب العراقية- الإيرانية أبدى مرونة عالية وتفهّماً كبيراً لاحتمالات تطور الأوضاع، وعبّر عن آماله في أن تتخذ الحكومة العراقية طريقاً آخر يتسم بالانفتاح والتخلي عن الانفراد بالسلطة وإقصاء الآخرين، والأهم من كل ذلك إعادة إعمار ما خربته الحرب عبر تنمية متوازنة وذات طابع إنساني، لكنه اصطدم مرّة أخرى بتعنّت السلطة وغرور المسؤولين في بغداد وعدم رغبتهم في إجراء أي تغيير بخصوص القوى الأخرى، الأمر الذي دفعه وآخرين لطي هذه الصفحة، لأنها ليست مجدية والآذان مغلقة، والرغبة في الإقصاء مستفحلة.

وبالطبع فعامر عبدالله كان أحد الأقطاب السياسية التي بلورت موقفاً من قضايا التطور اللاحق، ولاسيّما بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية، وإن لم تكتمل رؤيته المستقبلية، خصوصاً في ظل تعنّت النظام وغروره وتفرّده بالسلطة، ومع ذلك لم يتوان عامر عبدالله وآخرون من بلورة تصورات أولية حول مرحلة ما بعد الحرب، وهدفه بالطبع مصلحة البلاد أولاً وأخيراً، وكان يعتبر الحرب العراقية – الإيرانية أكثر الفواجع التي مرّ بها العراق، ولم يكن يستهدف من تحرّكه السياسي آنذاك مكسباً شخصياً أو مصلحة ذاتية، ولعلّ مثل تلك الأمور في العمل السياسي وفي العلاقات تعتبر مألوفة، خصوصاً في ظروف الصراعات.

السبب الخامس في اندفاع بعضهم ضد عامر عبدالله، خصوصاً في الحديث عن قضايا مسكوت عنها، هو محاولة طمسها أو إبقائها خارج دائرة الضوء لكي يطويها النسيان والإهمال، ولذلك ترى الانفعال في درجة الشتيمة والإساءة والاتهام، عند التذكير: بالمرتدين والجواسيس والعملاء باستثناء بعض من استدار منهم إلى المعسكر الأمريكي.

إن الطريقة الارسينلوبينية سبق وأن استخدمتها أجهزة المخابرات العراقية بامتياز ولجأت إلى ترسانتها العتيقة لتشويه سمعة الشيوعيين وجميع المعارضين، وقد انتشرت العديد من الوريقات والكراريس في بيروت في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وشملت عشرات الأسماء، خصوصاً وأن الهدف هو التشكيك بالصدقية، وللأسف فإن الصراعات الحزبية تبقى غير منزّهة منها، وهناك عشرات، بل مئات الأمثلة في تاريخنا الشيوعي العراقي والعربي، بل والعالمي على حالة الانحطاط التي تصاحب الاختلافات والانشطارات الحزبية، ولاسيّما في المنعطفات الحادة، ومرّة أخرى فتلك دليل عجز وضعف حجة وعدم ثقة بالنفس أولاً.

وكان رأي عامر عبدالله أن انقلاباً بونابرتياً، حصل في المؤتمر الرابع، وسيطرت على إدارة الحزب مجموعة من المغامرين، الطموحين، الذين سرعان ما اختلفوا فيما بينهم بعد التخلّص من بعض إدارات الحزب وكوادره، وهكذا أطاح البعض بالبعض الآخر، ووصل الأمر إلى العزوف عن العمل سواء بالتخلي أو عدم الترشيح لإدارة الحزب بعد أن كان الصراع حامياً للفوز بالمواقع، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانحلال الكتلة الاشتراكية.

هل كان ايفان الرهيب رهيبا؟

ايفان الرابع هو اول قيصر روسي في تاريخ روسيا، والذي اصبح أمير موسكو العظيم عندما كان عمره ثلاث سنوات فقط، ثم قيصرموسكو وعموم روسيا عندما بلغ ست عشرة سنة من عمره، واستمر يحكم روسيا الى نهاية حياته وهو يقاتل ويناضل بعناد من اجل توسيع حدودها، والقضاء على الاعداء الذين كانوا يتربصون بها، ولا يريدون لها ان تتحول الى دولة واسعة وكبرى ذات تأثير مهم وكبير في مسيرة الاحداث التاريخية، وهو الذي ضمٌ سيبيريا الى روسيا، وهو الذي انتصر على التتار في عقر دارهم، وهو الذي وضع القوانين والتعليمات والاصلاحات لدولته، وهو الذي جعل من موسكو عاصمة لامبراطورية جديدة ...الخ من الاعمال الجليلة الاخرى . كل ذلك جرى في القرن السادس عشر، مابين عام 1530 (سنة ميلاده) وعام 1584 (سنة وفاته)، اي انه كان على رأس السلطة الروسية – بشكل أو بآخر - حوالي نصف قرن تقريبا في ذلك الزمن المعقد والصعب والمتشابك والمكفهر، عندما كانت الاحداث تتبلور وتتفاعل وتتصارع وتتطلب – في كل مكان من عالمنا - موقفا حازما وصارما وحاسما، وعندما بدأت الامبراطورية الروسية خطواتها الاولى في مسيرتها اللاحقة الطويلة .

لا تهدف هذه المقالة الى الحديث عن اعمال هذا القيصر وانجازاته الكبيرة في تاريخ الدولة الروسية ووضع اسسها ودوره الهائل بتثبيت أركانها، وانما نريد ان نتناول هنا مسألة اخرى تماما وهي الكنية التي ارتبطت باسم هذا القيصر وهي – (الرهيب)، وهل هي ترجمة صحيحة فعلا لكنيته باللغة الروسية، ولهذا وضعنا لها هذا العنوان وهو– (هل كان القيصر الروسي ايفان الرهيب رهيبا فعلا وحقا ؟)، والموضوع هذا – من وجهة نظرنا – يدور قبل كل شئ حول الترجمة (فنا وعلما) عن اللغة الروسية الى اللغات الاخرى، وكيف يمكن للترجمة - بعض الاحيان- ان تؤدي ادوارا غير دقيقة، بل وحتى تكاد ان تكون غير صحيحة في مسيرة الاحداث وتسجيلها عبر التاريخ الانساني .

الكلمة الروسية لكنية هذا القيصر الروسي هي - (ايفان غروزني) او (جروزني حسب اللفظ المصري لحرف الجيم)، وتمتلك هذه الكلمة الروسية العديد من المعاني المختلفة عند ترجمتها الى اللغات الاخرى . اساس الكلمة هو مفردة (غروزا) او (جروزا) ومعناها الاولي والمباشر هو - الزوبعة الرعدية، اي التي ترافقها الرعود والبرق والامطار، ومنها انبثقت المعاني الاخرى من هول وخوف وهلع ...الخ، والصفة من هذه الكلمة هي – (غروزني) او (جروزني) التي اطلقها الروس على هذا القيصر، ومعناها بالعربية هو كما يأتي – الشديد / او الصارم / او المرعد / او الحازم بقوة / او شديد البأس / او الهصور (كما الاسد) / او القوي المخيف / او الخطير / او المتجهم / او الرهيب (بمعنى الشدة والحزم) / او كما يقول المثل الشهير باللهجة العراقية – (كلمته متصير اثنين) ...الخ هذه المعاني المتنوعة والقريبة من بعض من حيث المعنى العام، ولكن – مع ذلك - فان كل صفة من تلك الصفات تمتلك ظلالها الخاصة بها طبعا، ولو أراد الروس ان يطلقوا على هذا القيصر لقب (الرهيب) كما نقول ونعلن نحن الان، لما سموه (غروزني)، اذ توجد عندهم كلمة اخرى هي (الرهيب) وبشكل مباشر ودقيق طبعا كما في اللغات الاخرى، وأذكر مرة ان أحد الطلبة العرب ترجم من اللغة العربية الى اللغة الروسية اسم هذا القيصر حسب الترجمة الحرفية للكلمة، فضحك الروس الذين كانوا يستمعون لنا وقهقهوا وقاموا بتصليح الترجمة الحرفية تلك، وقالوا له ان هذا القيصر ليس (رهيبا)، وانما هو (غروزني) اي (صارما او حازما او شديد البأس ...) كما مر ذكره أعلاه .  

لا نستطيع ان نحدد في الوقت الحاضر من هو المترجم الاجنبي الذي اطلق على هذا القيصر صفة (الرهيب) لاول مرة وباي لغة، ولكن على الارجح هو واحد من المترجمين الاوربيين الذين كانوا قريبين من مسيرة روسيا وتاريخها آنذاك من فرنسا مثلا او انكلترا او المانيا او السويد ...الخ، ومن المؤكد ان هذه التسمية وصلت الى اللغة العربية عن طريق واحدة من تلك اللغات الثانية ليس الا، او ربما – والله أعلم - عن طريق لغة ثالثة اخرى، اذ ان العرب كانوا بعيدين جدا عن روسيا وما يجري فيها من احداث في تلك القرون .

من الطريف ان نشير هنا، الى ان هذه التسمية ارتبطت ايضا مع حادثة معروفة في تاريخ روسيا والعالم ايضا (ولازالت تروى لحد الان) وهي ان القيصر ايفان الرابع هذا قد قتل ابنه بيده، وبالتالي فان هذه الحادثة تؤكد انه كان (رهيبا) فعلا، وقد كتب عن هذه الحادثة حتى المؤرخ والكاتب الروسي كارامزين في كتابه (الذي يقع في 12 مجلدا) بعنوان – تاريخ الدولة الروسية، والذي صدر في بداية القرن التاسع عشر، بل ان هناك رسام روسي شهير اسمه ريبين قد رسم لوحة زيتية كبيرة في القرن التاسع عشر تبين كيف ان ايفان الرابع هذا قتل ابنه بيده، ثم احتضنه والدم يتدفق منه، وهو (اي القيصر نفسه) مرتعب من فعلته هذه وعيناه جاحظتان، ولازالت هذه اللوحة موجودة في المتحف الروسي، وكيف ان أحد المشاهدين قد طعنها مرة بسكين عندما شاهدها وتأٌثر بها لدرجة انه أراد ان ينتقم من ايفان غروزني فطعنه بسكين (شاهدت هذه اللوحة شخصيا عام 1960 واستمعت الى حكاية طعن احد المشاهدين لايفان الرابع بالسكين تأثرا وانتقاما) . لقد تبين الان - وعن طريق المناقشات الواسعة في اوساط المؤرخين الروس - ان ايفان غروزني لم يقتل ابنه كما تروي الحكاية هذه، وان كل هذه الحكاية غير دقيقة ولا توجد حولها وثائق محددة رغم محاولات المختصين البحث عنها، ولهذا يرى البعض انها يمكن ان تكون ملفقة من قبل اعداء هذا القيصر، وما أكثرهم عندها في روسيا، هؤلاء الذين وقف ايفان غروزني – وبقوة - ضد مصالحهم الطبقية وأوقف - بل وألغى - حدود سلطتهم المطلقة على رقاب الناس البسطاء، وانعكس هذا التلفيق فيما بعد حتى على القياصرة الذين أتوا بعده، وهم من سلالة اخرى غير سلالته (لقبها- رومانوف)، وان هؤلاء القياصرة من آل رومانوف – كما يقال - شجعوا بعض المؤرخين الروس والرساميين كي يكتبوا تلك الحكاية ويبرزوها في الفن التشكيلي ويوسعوا انتشارها لمصلحة سلالتهم ليس الا ومناصرتهم في صراعهم ضد سلالة آل ريوريك من اجل الاحتفاظ بالسلطة، ولهذا فاننا لا نجد هذه الحكاية عند مؤرخين روس آخرين أكثر موضوعية وأعمق علما .

هذا موضوع جديد كليا - وبكل معنى الكلمة- في التاريخ الروسي وشعابه، ولم ينته بعد، ويتطلب الغوص في اعماق هذا التاريخ ودهاليزه (ان صح التعبير)، والتحليل العلمي والموضوعي الدقيق لمسيرته واحداثه، وكذلك يقتضي دراسة موقف الاتحاد السوفيتي لاحقا بشأنه، وهو موضوع يستحق التأمل والتفكيرمن قبلنا – نحن العرب - بلا شك، اذ ان موقفنا تجاهه ومعرفتنا بتفاصيله يعني اننا نتابع – وبدقة – تاريخ دولة كبيرة ومهمة نتعامل معها منذ عشرات السنين، ونعرف اخبارها واسرارها، وبالتالي نستحق ان ننال احترامها واستجابتها لنا في علاقاتنا المتشعبة والكبيرة معها، والتي نحتاجها من اجل توازن مصالحنا في هذا العصر (الرهيب !)، الذي تمرٌ به شعوبنا العربية كلها .

لنفكر معا من اجل تحديد الكنية الصحيحة لهذا القيصرالروسي، ولنخطط معا من اجل دراسة دقيقة وموضوعية لتاريخ روسيا وبلدان العالم كافة .

 

أ.د. ضياء نافع

 

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (10)

abdulhusan shaabanإنجلز ينهر محرر صحيفة الحزب: متى علمناكم أن السياسة أهم من الفكر؟

وليس الهدف من ذلك تنزيه التاريخ أو تبييض كل ما قمنا به، فالتاريخ أصبح ماضياً، أو لنقل إن الماضي أصبح تاريخاً وعلينا قراءته والاستفادة من دروسه، بقدر ما لهذه القراءة من مراجعة ونقد، ضمن اجتهادات، قد تكون صائبة وقد تكون خاطئة، ولكنها على أية حال هي جزء من النقد الذاتي، وتاريخنا لا يمتلك أحد حق التصرف به، فهو ليس سجلاً عقارياً باسم أحد يحق له التصرف فيه مهما كانت منزلته.

أنه تاريخ مفتوح للشيوعيين ولغيرهم، ونحن نقرأ بعضه، وبعضه عشناه أو سمعناه أو تابعناه، وكل ذلك يخضع للاجتهاد، ومن حق أي إنسان أن يبدي رأياً فيه، لاسيّما إذا كان قد استند إلى بعض المصادر وبذل جهداً، وهدفه لا يتعلق بـ: تشويه التاريخ وكأنه ركام من الأخطاء والخطايا، أو إظهاره ناصعاً لا شائبة فيه، "فالحقيقة معنا دائماً"، مثلما يريد البعض حيث يتم الحديث على نحو عاطفي عن تاريخنا، لكن تلك ليست الحقيقة التي نبحث عنها بالطبع.

وبالنسبة لي كنتُ قد توصّلت منذ حين إلى مراجعات جزءها الأكبر، النظر إلى تاريخنا بما فيه من إشراق وعناصر قوة وهو ما أحاول إظهاره دائماً ، أما الجزء الآخر، فهناك ضلال من العتمة والنقاط السوداء شابته، وعلينا الاعتراف بأخطائنا الفكرية والسياسية، وأخطاء القيادات والإدارات الحزبية، دون أية إساءة لأحد، ولم يعد بالإمكان إنكارها أو تغطيتها، فسلاح العاجز هو الإنكار، مثلما سلاح الفاشل هو الاتهام، خصوصاً لمن يرفع عقيرته بالنقد، وذلك ليس سوى أسلوب بالي ومستهلك وتردّ سهامه دائماً إلى أصحابه.

إن فكرة ماركس عن الحزب، هي غيرها فكرة لينين وستالين ولاحقاً الأحزاب الشيوعية، حيث تحوّل مفهوم الحزب إلى الرأي الواحد. يقول إنجلز: طلب مني كارل ليبكخنت (قائد الحزب الألماني) (وهو تلميذه) برسالة رقيقة كتابة مقالة لصحيفة الحزب، وهو ما فعلته على الفور، لكنني فوجئت بالمقالة منشورة وقد تم تقطيعها إرباً إرباً، وحين سألت في رسالة عتاب( الاستاذ يسأل التلميذ) عن السبب الذي دعا محرّر الصحيفة إلى التلاعب بأفكارها ردّ هذا مفتخراً " لقد حذفنا منها كل ما يتعارض مع خط الحزب" فما كان من إنجلز إلاّ أن قال : ومتى علّمناكم ماركس وأنا: أن السياسة أهم من الفكر.

استعدتُ هذه الحادثة وأنا أستذكر، كيف طلب هادي هاشم الأعظمي عضو المكتب السياسي من حسقيل قوجمان المفكر الماركسي (اليهودي الأصل) وهو نزيل السجن لعشر سنوات أن يغيّر دينه إلى الإسلام، لكي يتم إطلاق سراحه بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وحين وافق يعقوب مصري (عادل) وعمّومة مصري (عميدة) ومادلين وسعدية مشعل (سعاد خيري) وآخرين من أتباع الديانة اليهودية على هذه المقايضة طالما يريدها الحزب، صرخ قوجمان بوجه الأعظمي: أنا الذي كنت أدرّسكم الديالكتيك في السجن، وأنت تأتي إليّ لتطلب مني تغيير ديني، بل تزجّني في قضية لست مؤمناً بها ولا ناقة لي فيها ولا جمل.

وبالطبع تحمّل قوجمان عذابات لسنوات تالية فاقت سنوات السجن العشرة، حين عُزل وقوطع اجتماعياً و"حُرم" من العمل، حتى انتهى به الأمر سجيناً في سجن العمارة، وبعد إطلاق سراحه فرّ إلى "إسرائيل" حيث لم يعد يجد مكاناً أمامه للعيش، وعند وصوله إليها، أخذ جواز السفر واتّجه إلى لندن مشدّداً على عنصرية الدولة الصهيونية، ولم يترك مناسبة طيلة نصف قرن ونيّف ولحدّ الآن، إلاّ وعبّر عن عراقية صميمية، وتأييد لحقوق عرب فلسطين، وخصوصاً حق تقرير المصير، وشيوعية صافية، حتى وإن اختلفنا مع أطروحاتها، وهو ذا الاختلاف بين الفكر والسياسة.

وهناك روايات أخرى أوردت قسماً منها في كتابي "تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف"، وفي محاضرة في أكسفورد "لمشروع دراسات الديمقراطية" عن " الديمقراطية داخل الأحزاب في البلاد العربية" في العام 2003، (نشرت بكتاب بالعنوان ذاته) وأصدره مركز دراسات الوحدة العربية، وكذلك في حواراتي مع الإعلامي والكاتب يوسف محسن حول: هل كان فهد "مشروعاً تنويرياً" لماركسية عراقية؟، وفي حواراتي مع الإعلامي والكاتب توفيق التميمي في كتاب بعنوان " المثقف في وعيه الشقي- حوارات في ذاكرة عبد الحسين شعبان" العام 2014، وهناك أمثلة كثيرة على التعامل السلبي مع المثقفين، خصوصاً بسيادة العقلية الجدانوفية التأثيمية إزاءهم، ولاسيّما بخصوص الرأي الآخر، وخلّفت فترة الجبهة الوطنية مع حزب البعث والفترة التي أعقبتها، ولاسيّما عند الانتقال إلى المعارضة أمثلة صارخة، بصدد الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية وقضايا التحالفات وأساليب الكفاح، فضلاً عن سيادة النهج البيروقراطي- التفريطي الذي كان المؤتمر الرابع عنواناً أساسياً له.

 

طائر الفينيق

إن الكتابة عن عامر عبدالله، إنما هي كتابة عن ظاهرة تستحق البحث والدراسة، بل تستحق التنقيب، فكيف لقائد بوزن عامر عبدالله يتم تنحيته أربع مرّات من القيادة، ويُعاد بعدها إلى مواقعه وكأنه "طائر الفينيق"، والكل يعترف بكفاءته ومواهبه وقدراته، لكن القسم الأكبر يناصبه العداء المستتر ولاحقاً المعلن؟ ودائماً ما كان الجهاز الحزبي الخاص يروّج بعض ما يردّده الأعداء ضده، بل أن بعض الإشاعات لم تكن تجد طريقها إلاّ من صفوفنا، بطريقة الهمس أو علامات الاستفهام أو غير ذلك، وهناك أمثلة عديدة أوردتها في كتابي عن " عامر عبدالله" – النار ومرارة الأمل.

أليس في الأمر ثمة مفارقة إذاً، بل إنه أقرب إلى لعبة "السلّم والثعبان" المعروفة شعبياً باسم " الحيّة والدرج"، حيث يصعد عامر عبدالله ليصل إلى القمة، ثم يعود إلى الأسفل، وهكذا تتجدّد المسألة وكأنها أقرب إلى لعبة أم ثمة لغز في الأمر؟. وقد حاولت التوقّف عند بعض المحطات لأكتشف أسرار تلك المنعرجات، وخصوصاً في حواراتي معه، وبالمقارنة والمقاربة مع آخرين. ويبقى الأمر بحاجة إلى إزاحة النقاب عن هذا الجزء المعقّد من تاريخ الحركة الشيوعية بتحليل بعض أسبابه الاجتماعية والسياسية والنفسية، وبتدقيقات جاء بعضها عبر تفوّهات على لسان الآخرين أو من خلال مذكّراتهم، وقد أكون قد نجحت في بعضها أو أخطأت في البعض الآخر، لكن ما هو مؤكد إنني حاولت لفت الانتباه إلى هذه الظاهرة حتى وإن أزعجت البعض، لكننا لم نحصل على أجوبة شافية لها.

إن هذه الظاهرة تستحق التوقّف طويلاً ومقارنتها عميقاً بظواهر مماثلة أو حالات مشابهة لوجود بعض المشتركات أحياناً مع تجارب شيوعية عربية ودولية أخرى، لكنها كانت حسب معرفتي فريدة من نوعها، فلم يحدث أن نحىّ الرفيق وتمت إعادته عدّة مرّات إلى مواقعه مثلما هي حالة عامر عبدالله . يمكن أن تحدث المسألة لمرّة واحدة وفي الثانية ستكون نهائية، ولديّ أمثلة كثيرة على ذلك، وحتى عملية إعادة الرفيق إلى حدود مواقعه الأولى، فإنها تحتاج إلى وقت ليس بالقصير، وفي حالة عامر عبدالله، فثمة انقلابات لم أستطع فهمها ولأنها ظلّت غير مبحوثة أو مسكوت عنها أو تحت ركام السرّية حيث أصبحت ملتبسة أو غامضة، خصوصاً وإن إدارة الحزب لم ترغب في توضيحها أو تسليط الضوء عليها، وكأن الأمر اعتيادي. وإذا كنت أتفهم وضع عبد السلام الناصري، فإن حالة زكي خيري وبهاء الدين نوري كانت أكثر وضوحاً من ضبابية وضع عامر عبدالله.

في حالة عامر عبدالله، فقد تم تنحيته رسمياً بعد إضعاف مواقعه، خصوصاً عند اختلافه مع قيادة سلام عادل بعد الثورة وفي العام 1959 ولغاية العام 1961، واتهامه بالتكتّل ضمن "عصابة الأربعة" في العام 1962، حين تقرّر إنزال عقوبة مشدّدة به وأرسل للدراسة في موسكو لكي يحجب تأثيره على المواقع الحزبية، ثم أعيد إلى إدارة الحزب، وكأن شيئاً لم يكن ومعه بهاء الدين نوري وزكي خيري، في العام 1964، آخذين بنظر الاعتبار انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 الدموي، وما تركه من جروح عميقة في كيانية الحزب، الأمر الذي استوجب لملمة الموضوع وإعادة العديد من الرفاق إلى إدارة الحزب، خصوصاً بفقدان كوكبة لامعة من قيادته، الذين قتلوا تحت التعذيب وفي مقدمتهم سلام عادل، وكذلك الحاجة لسدّ النقص بإعادة عدد من الرفاق "الأكفاء" ونسيان العقوبات بحقهم حتى وإن كانت من الوزن الثقيل.

لكن عامر عبدالله نحيّ مرة أخرى أو أبعد بعد استبدال خط آب الذي كان أحد أركانه، وخصوصاً بعد اجتماع الـ25 العام 1965، وهكذا كان أول المستهدفين عند أية احتدامات في الحزب، وفي وصف ظريف له، قال: إنني كتبت صيغة بيان آب (أغسطس) بطريقة ملطّفة ومخفّفة، وحسبتها صيغة يسارية قياساً بالتوجه الأصلي لما كان ينبغي أن يصدر به ما سمّي بخط آب، واستخدم هنا مصطلح واليسار واليمين كما درجنا على استخدامهما في تلك الأيام. وفي أعقاب اجتماع الـ 25 العام 1965 الذي أعلن عن توجّه جديد، حيث تم التخلي رسمياً عن خط آب واعتمد شعار الإطاحة بسلطة عارف، علّق عامر عبدالله: يبدو أننا لا نصلح للقيادة، ولم يقصد نفسه وحده، بالطبع، بل قصد طاقم القيادة، ومن الأسماء التي ركّزت عليها القيادة المركزية لإزاحتها من قوام القيادة العام 1967 هو عامر عبد الله.

وأعيد عامر عبد الله بعدها فعلياً إلى إدارة الحزب، ولاسيّما خلال فترة انشقاق القيادة المركزية أيلول (سبتمبر)، لكنه اسقط في الكونفرنس الثالث العام 1967، ثم استعانت به إدارة الحزب بعد مجيء حزب البعث إلى السلطة، خصوصاً بعد المؤتمر الثاني العام 1970 (الذي لم يكن حظّه وفيراً فيه أيضاً بسبب الاستقطابات المسبقة)، والحاجة إليه ليكون أحد وجوه الحزب في المفاوضات، وعند العروض التي جاءت إلى الحزب باستيزار رفيقين، كان عامر عبد الله أول من فكّرت به إدارة الحزب، ويقول عزيز محمد أن اختيارنا لعامر عبدالله عبدالله ومكرّم الطالباني ليكونا وزيرين العام 1972 كان بالإجماع ولم يكن يعلمان به، وقد قام بإبلاغهما (أي أنهما لم يكونا عضوين في اللجنة المركزية في حينها).

وخلال فترة الجبهة ارتفع رصيد عامر عبدالله و"اختفت" كل عيوبه وبدأ الحديث عن كفاءاته ومحاسنه، ولكن منذ أن انفضّ التحالف أواخر العام 1978 ومطلع 1979 حيث بدأت عملية تقليم أظافره بالتدريج حتى أطيح به في المؤتمر الرابع، حيث أسقط في الانتخابات، علماً بأنه لم يحضر المؤتمر الرابع في حينها.

ألا تستحق هذه الظاهرة الدراسة إذاً، خصوصاً وأنه اعتبر المؤتمر الرابع "مكيدة" أقرب إلى مجزرة "قاعة الخلد" بحق البعثيين العام 1979؟ والمسألة ليست بعيدة عن تجارب الكثير من الأحزاب الشمولية، سواء كانت شيوعية أو قومية أو إسلامية، سواء في ظروف العمل السري أو في ظروف العمل العلني.

وبعد فعامر عبدالله شخصية عربية محترمة على المستوى العربي، وأقول ذلك خارج نطاق الصواب أو الخطأ أو العلاقة بين المبدئي والمسلكي، وأينما ذهب وحيثما حلّ كان له حضور كبير، وأستطيع أن أقدّر اليوم بعد هذه الأعوام، كم من أصدقائه القدامى اتصلوا بي مباشرة أو بصورة غير مباشرة عندما عرفوا بصدور الكتاب، أفلا يستحق إذاً شخصية مثل عامر عبدالله الكتابة والنقد والتقويم؟.

المعلن والمستتر

لعلّ أسباباً عديدة معلنة أو مستترة، واضحة أو مغلّفة، كانت وراء بعض ردود الفعل من بعض رفاق عامر عبدالله القدامى بمن فيه من يدعي صداقته أو الانتساب إليه من "الأعدقاء" نكتفي بذكر خمسة منها:

السبب الأول هو موقفه من الحرب العراقية – الإيرانية، لاسيّما بعد أن انتقلت إلى الأراضي العراقية، حين بدأت تباينات واضحة في مواقف العديد من الرفاق، لاسيّما بازدياد المخاوف إزاء المشروع الحربي والسياسي الإيراني والبديل المنتظر، وقد أعلن عامر عبدالله عن انحيازه لمثل هذا التوجّه، ولاسيّما عند احتلال الفاو العام 1986، وكان قبل ذلك يتندّر بخصوص النفوذ الإيراني داخل أوساطنا، ويردّد من أن اللغة التي ستكون سائدة في المؤتمر الرابع هي "الفارسية"، وأن علينا تعلّمها بل وإتقانها، لأن من لا يجيدها سيكون خارج الدائرة العليا. وكانت رسالته إلى عزيز محمد، سواء مع باقر ابراهيم وحسين سلطان العام 1986 أو مع مجموعة المنبر ورفاق آخرين، العام 1989 إعلاناً صريحاً بأن هناك نهجين أخذا يفترقان، وكان هذا التمايز قد بدا واضحاً منذ أوائل الثمانينيات وتم التعبير عنه بوسائل مختلفة، وهو الذي قاد إلى انشقاقات وتكتلات وعقوبات، سواء لمجموعة المنبر أو لمجموعة باقر ابراهيم وعامر عبدالله وعدد آخر من الرفاق.

السبب الثاني هو النزعة العروبية التي امتاز بها عامر عبدالله على سائر رفاقه، وهذا تقدير شخصي، قد أكون مخطئاً به، فكما أخبرني أنه هو من كتب تقرير الكونفرنس الثاني العام 1956، ذا التوجه العروبي الواضح، الأمر الذي أثار اعتراضات أقدّر بعض دوافعها، بأن سلام عادل هو المسؤول وهو من صاغ التقرير أو وضع خطوطه العريضة، ولكنني ما زلت أعتقد وذلك من خلال متابعتي أن عامر عبدالله كان له دور كبير في هذا التوجّه، ولا يهمّ إن كان الدور الأول أو الأكبر لسلام عادل، ولكن لعامر عبدالله حضوره وحججه، فضلاً عن ثقله الفكري.

 

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (9)

abdulhusan shaabanرأيت في عزيز محمد شخصية قادرة على التوفيق بين الفرقاء ولكن للعمر أحكاماً

وتسألني هل أطمح بموقع حزبي؟ وأجيبك لقد عُرض عليّ مثل هذا الموقع قبل نحو ربع قرن يوم كان الموقع مغرياً والاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية في عنفوان ظاهري والامتيازات يسيل لها لعاب الكثيرين، وحيث كانت أغلبية القيادات والكوادر"تبلع" ألسنتها، كنت أنا أرفض تلك الصفقات التي اعتبرتها وكأنها امتداداً لسوق الشورجة أو سوق الحميدية، وذلك لاعتبارات أخلاقية ومبدئية.

كنت في العام 1980 ومنذ قدومي من العراق مسؤولاً عن العلاقات الوطنية وممثل الحزب في العلاقة مع القيادة السورية، ونُسّبت مع عبد الرزاق الصافي لتمثيل الحزب في الجبهة الوطنية (جوقد)، ومنسّقاً للجنة الوطنية العراقية للسلم والتضامن، وفي كردستان كنت مسؤولاً عن منظمة الإعلام المركزي وعضو مكتب العمل الآيدولوجي المركزي، وعضو هيئة تحرير الإذاعة، ومشرفاً على تنظيمات الشبيبة والطلبة في لجنة التنظيم النقابي المركزي وعضو في لجنة الإعلام المركزية للجبهة الوطنية الديمقراطية وغيرها، وبعد أن رفضت الصفقة التي كانت تشترط قطع صلتي ببعض الرفاق (وبالتحديد عامر عبدالله ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ) وعدم معارضة السياسة السائدة تم تنحيتي من جميع هذه المسؤوليات. إذا كان هذا ما رفضته سابقاً فكيف أقبله الآن، خصوصاً إن مياهاً كثيرة قد مرّت من تحت الجسور كما يقال .

العلاقة الخاصة والودية مسألة إنسانية، ولا أذيع سراً إذا قلت إنني أصبحت أرى في عزيز محمد شخصيةً وطنية عامة وله دور مهم على صعيد كردستان ويستطيع أن يلعب دوراً توفيقياً بين الفرقاء، ربما لم يكن بمستطاعه أن يلعبه لو بقي أميناً عاماً للحزب الشيوعي.(ولكن للعمر والأوضاع السياسية استحقاقاتهما، ولو راجعنا كتاب "المثقف في وعيه الشقي"، سنلاحظ النقد الموضوعي لبعض القيادات والتفريق بين ما هو شخصي وما هو عام).

وحول القيادة الحالية والسابقة للحزب بمن فيهم معارضوها، فإنه يمكنني القول وبإخلاص وتجرّد الآن، إنها كانت ضعيفة التأهيل، قليلة المعرفة، متلقية وغير مبادرة وتفتقر في الكثير من الأحيان إلى الشجاعة الأدبية، ناهيكم عن تسلطيّتها وبيروقراطيتها، ولربّما يعود قسم من ذلك إلى ظروف العمل السري، وكبت الحريات والملاحقة، لكن ذلك لا يمنع من القول بنضاليتها وتفانيها ودرجة تحملّها الصعاب.    

أذكر هذه الأمثلة السريعة، وأكتفي بالحديث عن ظواهر مرضية في العلاقات السياسية والثقافية، وخصوصاً إزاء الرأي الآخر وهي تعكس فقه الأزمة، وفقه الواقع المأزوم، الذي أثرّت فيه انزياحات الثقافة لصالح السياسة، التي استخدمتها وسيلة للقمع الآيديولوجي وتحطيم المخالفين، ومرّة أخرى أقول: من حق أي شخص الكتابة والنقد والتصويب والتصحيح والمعارضة، فما قيل ويقال وما كتب وما يكتب، سواء من جانب الكاتب أو أي كاتب آخر، وهو اجتهاد قابل للنقض والاختلاف والإضافة والحذف، ولا يزعم أحد أنه يمتلك الحقيقة كاملة.

كما أن الكاتب يعفي نفسه من الانزلاق، إلى التعامل بالمثل بشأن التجريح والإسفاف بالإساءة الشخصية ورد " الصاع صاعين" وهو قادر على ذلك، وهناك الكثير الذي يقال في هذا المجال، لكنه يربأ بنفسه من الانجرار إلى هذا المستوى ويشعر بالأسف لمن يفقد الحجة والرأي من التورّط فيه، بما يرتّب من مسؤوليات قانونية. وأعود لأتناول ظاهرة عامر عبدالله كمفكر إشكالي .

 

المثقف والرقم الصعب

1. المثقف واختزالات السياسة!!

لم يكن عامر عبدالله تفصيلاً عابراً في الذاكرة الشيوعية والوطنية العراقية، لكي نتعامل معه بإلقاء نظرة عجلى وكأنه أحد الأرقام السهلة التي عبرت من بوّابة " القيادة"، فنحن منذ نصف قرن تقريباً، وكلّما أردنا العودة إلى فترة الخمسينيات أو الستينيات أو السبعينيات وحتى فترة الثمانينيات لا يمكننا إلاّ أن نتوقّف عند عامر عبدالله، ودوره ومساهماته، سواء بالإيجاب أو بالسلب كما دأبت الدعاية الحزبية الموجّهة حسب الارتياحات والظروف.

كما لم يكن عامر عبدالله مجرد عضو في اللجنة المركزية أو المكتب السياسي، فقد مرّ من هذه القناة أو ما يقاربها كثيرون، حتى دون أن نتذكّر أسماءهم ومواصفاتهم، لأنهم لم يتركوا أثراً يُذكر، سواء على الصعيد الفكري أو الوطني، دون أن يعني الانتقاص منهم أو من أدوارهم التي قاموا بها، لكنها بشكل عام تظلّ محدودة وبعضها غير معروف، وفي أحسن الأحوال مقتصرة على دائرة حزبية ضيقة، في حين شغل عامر عبدالله الساحة الفكرية والسياسية طولاً وعرضاً، اجتهاداً وتنظيراً، جدالاً واختلافاً، صراعاً وسجالاً، قبولاً ورفضاً، وترك بصمته المميّزة سواء على المستوى العراقي وإلى حدود غير قليلة على المستوى العربي، وأحسب في جزء منه لم يكن بعيداً عن دائرة البلدان الاشتراكية وأحزابها الحاكمة ومنظماتها العالمية، فقد منح جوائز وأوسمة، وكان حضوره فاعلاً، فلم يحظ زعيم شيوعي بالكتابة في صحيفة البرافدا (الشيوعية السوفيتية)، وفي وقت مبكّر سوى عامر عبدالله وعدد محدود من القيادات العليا، وكان قد كتب في العام 1957 مقالتين بقلم خالد محمد.

بدأب قلّ نظيره سعى عامر عبدالله لتطوير وتجديد أطروحاته تبعاً لتطوّر الأحداث والظروف، فلم يكن جامداً أو نصّياً قياساً بغيره، كما لم يكن مدرسياً مؤطراً ببعض الضوابط التي لا يستطيع الفكاك عنها، فقد اجتهد وحاول التفكير بحرارة المناضل واجتهاد الباحث، أخطأ أم أصاب. وكان من الذكاء بمكان بحيث يستطيع التقاط الجوهري من الأشياء، في التركيب والتجريب، لدرجة المغامرة أحياناً، غير هيّاب من الأخطاء أو تغيير المواقف والآراء، وفي كل ذلك كانت اللمعة الإيحائية شديدة الحضور، حيث تجد طريقها إلى مواقفه وكتاباته المكثفة والغنيّة، فلم يترك وسيلة الاّ وطرقها محاولاً التواؤم بين الجانب النظري والجانب العملي.

وبقدر استشرافه المستقبل، فقد كان ينطلق من الواقع ويحاول فهمه وتحليله وهو ما دعاه منذ وقت مبكّر لاقتراح ذلك على سلام عادل لاستبدال تاكتيكات الحزب من الكفاح السلمي حسبما قرّر كونفرنس العام 1956 إلى الكفاح العنفي، حين اشتدّ عنف السلطة وحلف بغداد الاستعماري بعد انتفاضة العام 1956 فوافق عليها سلام عادل بعد مناقشة مستفيضة، وعرضها على القياديين الذين اقتنعوا بها، وهكذا جرى تعميمها لتصبح سياسة رسمية، كما أن عامر عبدالله لم يهمل التاريخ، على معرفته بمكر هذا الأخير ودهائه، سواء كان تاريخنا العربي- الإسلامي أو التاريخ العالمي.

وامتلك عامر عبدالله جرأة تكاد تكون استثنائية، وهو وإن كان واحداً أحياناً، لكنه يشعر أنه جمعٌ وكيانية وحضور، حتى وإن جار الزمان عليه في سنواته الأخيرة، حيث رحل حزيناً ومكسوراً، يوم واجه ذلك الزائر الثقيل وحيداً، وكأن هذا الغادر الأخير الذي ظلّ يغالبه لسنوات طويلة، لم يستطع الدخول عليه إلاّ خلسة ومخادعة، وهو في ذلك الليل البهيم.

لقد فهم عامر عبدالله السياسة باعتبارها تجسيداً أعلى للثقافة والفكر، وتلك إحدى الاشكاليات المزمنة التي عانى منها المثقفون الحزبيون، خصوصاً في مواجهة البيروقراطية الحزبية، وغالباً ما كان يحدث الافتراق بين اليومي والاستراتيجي، والآني والبعيد المدى، لأن رجل الفكر غير الداعية السياسي أو المبشّر، ورجل السياسة المؤدلج غير رجل الفكر المنفتح، والصورة التعارضية تتكثف بين الحزبي الذي يتلقى التعليمات وبين صاحب الفكر الذي تكون مهمته إنتاج الأفكار، ففي حين ينظر الأول إلى المعادلة بطريقة حسابية، يحسب الثاني معادلته من خلال التأمل، ولعلّ قليلين من جمعوا الفكر بالسياسة أو اجتمعت فيهم مزايا الفكر وبراعة السياسة، وإن تغلّبت بعد حين أحدهما على الأخرى، لكنه ظل ينهل منهما ويلاقح بينهما كلّما كان ذلك ممكناً.

 

عامر عبدالله : الظاهرة المثيرة

يعتبر عامر عبدالله ظاهرة مثيرة في إطار الحركة الشيوعية العراقية، ولذلك فالكتابة عنه، إنما تعني الكتابة عن مفكر ماركسي وشيوعي مخضرم، ولد مع بدايات تأسيس الدولة العراقية، وعاش مراحل تطوّرها المختلفة. ولأنه شخصية إشكالية ومتميّزة فقد كان يشكّل ظاهرة جديرة بالدراسة والاهتمام والقراءة الارتجاعية لما تركت من تأثيرات فكرية وسياسية على صعيد الحركة الشيوعية أو الحركة الوطنية، وبما له وما عليه.

ودراسة هذه الظاهرة لا تستهدف التقديس، فهو مجتهدٌ يخطأ ويصيب وبشرٌ لديه مشاعر وعواطف ويتعرّض إلى ضغوط أحياناً، تغالبه ويغالبها مثل كلّ البشر وينتصر عليها وتنتصر عليه أحياناً. وليس من أغراض دراسته التدنيس كما يريد فريق آخر، مواربة أو تلميحاً، وهو الأمر الذي ينقسم عليه بعض رفاقه الذين شغلوا مواقع موازية له، وإن لم يشغلوا المكانة التي احتلّها عامر عبد الله، وتلك أمور طبيعية، لا ينبغي أن تزعج أحداً، وحسبي هنا الاستشهاد بالحديث النبوي المعطّر: "رحم الله امرئ عرف قدر نفسه"، فعضوية اللجنة المركزية أو المكتب السياسي، لا تعطي لصاحبها: المعرفة أو الثقافة أو العلم أو المكانة الاجتماعية أو المركز المرموق، بقدر ما يعطيه هو إليها وليس العكس، ولذلك ترى إن العيون والألسن أحياناً ظلّت مصوّبة نحو عامر عبد الله، لاعتبارات تتعلّق بدوره ومكانته وتأثيره، ولعوامل تتعلق بالحسد والغيرة والكيدية، ناهيكم عن بعض جوانب الضعف الإنسانية، وهي صفات لا يكاد يخلو منها مخلوق، لكنها تكبر هنا وتضمر هناك، وحسب الظروف والأوضاع، لاسيّما في ظل ردود فعل قد تكون سلبية أو غاضبة.

وهكذا كان عامر عبد الله، يختلف عن الكثير من أقرانه، فقد أضاف إلى جميع المواقع التي شغلها وأثار جدلاً لم ينقطع حتى بعد وفاته، في حين أخذ بعضهم من المواقع التي تربّع فيها، وبغيرها ما كنت ستذكرهم، بل إن بعضهم أساء إليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد طواهم النسيان أحيانا لمجرد تغيّر المواقع، مهما حاول من التشبث بالتاريخ، أو التمسّح بذيوله، أو التعليق على هوامشه. ولهذه الأسباب ترى البعض شديد الحساسية إزاء المواقع، بالرضا عنه أو بخلعه، وفي كلا الحالين يظل "رهين المحبسين" على حد تعبير أبو العلاء المعرّي، فتلك تدابير " الإدارة" التي هي على صواب دائماً، كجزء من نمطية تفكير وعقلية سائدة تكرّست مع مرور الأيام لتصبح ظاهرة ملفتة تتمثّل بالخنوع، حتى بعد انهيار الأنظمة الشمولية وانكشاف الكثير من أساليبها التآمرية وانتهاكاتها الصارخة وممارساتها السلبية، اللاّإنسانية، وهي ممارسات لم تكن بعيدة عن بعض إداراتنا.

المسألة ليست إساءة لأحد، بل لتقدير دور متميّز لرفيق على آخر وهكذا هي الحياة، فالأول تجمّعت فيه بفعل عوامل مختلفة بعض الخصائص والمواصفات الريادية بحيث جعلته قائداً أخطأ أم أصاب وسياسياً أكثر منه حزبياً ومفكراً أكثر منه سياسياً أحياناً، وصاحب رأي مجاهر أكثر منه مسلكياً مستكيناً أو إدارياً بيروقراطياً "منضبطاً"، في حين كان الآخرون مسؤولين أو إداريين في سلسلة المراتب الحزبية، وقد شاءت الصدف أن يتحكّمون به وبغيره، وإنْ ظلّ البعض يذكرّ بصفاته الوظيفية تلك، وكأن تلك المواقع تمثّل إقطاعاً سياسياً توقّف عند تلك الحدود.

وإذا كان عامر عبدالله مفكّراً، فلا يعني أن إدارة الحزب ينبغي أن تكون عصبة من المفكرين، وهو الأمر الذي يحتاج إلى فكّ ارتباط من جهة، وتواؤم من جهة أخرى بين الموقع الحزبي وبين المواهب والمؤهلات الثقافية أو الفكرية أو الأدبية، وتلك المسألة لا تدركها أو لا تريد إدراكها البيروقراطية الحزبية، دون نسيان بعض الجوانب النضالية التي يتطلّبها العمل السري وظروف المواجهة.

ولعلّ إضفاء صفة المفكّر على عامر عبدالله، تعني أن مسؤوليته ستكون أكبر من غيره حتى وإن كان موقعه الوظيفي الحزبي أدنى من طاقم إدارة الحزب، التي تجمع أحياناً الغثّ والسمين، كما هي المواقع الأخرى الأدنى تراتبياً، وهي أمور اعتيادية في الحياة والدولة ومؤسساتها وفي المجتمع وهيئاته، ولذلك فإن عامر عبدالله بقدر اعتزازه بنفسه وشيوعيته كان يشعر، وربما أكثر من غيره بمسؤوليته الفكرية والسياسية، لكنه بطبيعة الحال ليس معصوماً أو خارج دائرة النقد، وهو أمرٌ جرى التصدّي له انطلاقاً من نظرة موضوعية فيها الكثير من المغالبة للهوى الصعب والنقد الموضوعي، سواء في مراحل سابقة أو في المرحلة الأخيرة من حياته، وهكذا فإن أخطاءه ستكون أكبر من غيره أيضاً بحكم دوره الفكري.

 

العقلية الجدانوفية

إن مسألة الكتابة عن عامر عبدالله لا تتعلّق بالمحبة أو الصداقة، أو الكره أو البعد، فتلك أمور خارج دائرة الباحث، بل هي تتعلّق بجزء من تاريخ الحركة الشيوعية بما لها وهو كثير جداً وما عليها وهو ليس بقليل. وجاء هذا الحديث بعضه على لسانه وجاء بعضه الآخر، بالمعايشة والتجربة والمتابعة والقراءة، وذلك من خلال مراجعات وقراءات انتقادية للماضي، تهدف إعادة قراءة تاريخنا بشيء من الموضوعية وبعيداً عن العواطف والانفعالات.

الشيخ الآصفي تجلت له صورة الله في الفقير

abduljabar alrifaiحين كنت تلميذاً في الثانوية طالعت كتابات الشيخ الآصفي، وحرصت على ملاحقة كل ما أعثر عليه من مقالاته المنشورة في دوريات: "الأضواء، النجف، رسالة الإسلام، الايمان.. وغيرها". واعتدت على اقتناء كل جديد له، ومطالعته فور عثوري عليه. ولعل آخر مؤلف له أثار اهتمامي هو: "دور الدين في حياة الإنسان"، صدر منتصف سبعينيات القرن الماضي، وهو كتيب يشرح مفهوم الدين، ويستعرض ويناقش النظريات المتنوعة في تفسيره، ولفرط إعجابي بهذا الكتاب قمت بترويجه بين زملائي، وتدريسه في حلقاتي، فقد كنت أهتم بتعليم مجموعات من تلامذة الثانوية والجامعة مؤلفات السيد الشهيد محمد باقر الصدر، وكتاب الشيخ الآصفي هذا.

759-rifaei

اللقاء الأول بالشيخ الآصفي كان قبل أكثر من أربعين عاماً في جامع "النقي" في الكويت. إذ كان يصطحبني إلى الصلاة يوم الجمعة، أخي " أبوعادل، شريف القحطاني" حين كنت أمضي العطلة الصيفية في الكويت. بعد أن نصلي خلف الشيخ الآصفي يتحدث للمصلين بصوت دافيء، يشرح عادة مفهوماً إسلامياً من منظور قرآني. وهكذا كنا نحضر دروسه الأسبوعية التفسيرية في ديوانية جامع النقي، وقاعة جمعية الثقافة الاجتماعية. للمرة الأولى أتعرّف على تفسير "الميزان" للعلامة الطباطبائي من خلاله، ذلك أنه كان يحمله أحياناً لحظة يفسّر الآيات، ويهتم بالاستناد إليه كمرجعية في بيان مدلولاتها، وهو يهتم بتوضيح لغة الميزان المكثفة الدقيقة المشبعة بالمصطلحات للمتلقين، بشرحها وتبسيطها عبر الأمثلة الحسية، وإن كانت معانيها مجردة.

أسلوبه في الحديث يجذبني، إذ كنت أنتبه لكل عبارة يقولها، وكل كلمة يتلفظها، وتهيمن على مشاعري تعبيرات وجهه المشبعة بالمعنى، وإيماءات جسده الروحية الموحية، وحركات يديه المسالمة. لا أتذكر ما يشي بعنف في صوته، أو فضاضة في كلماته، أو خشونة جسده. لم أكن أعلم عند مطالعة كتاباته قبل لقائي به أن صورته والهالة الروحية لشخصيته ستكون ملهمتي أيضاً.

الآصفي كائن عميق، ممتلئ عالمه الجواني، متأمل، هادئ، قليل الكلام، يؤثر الصمت، يتقن فن الإصغاء لمتحدثه، لا يغرق في الهذيان، مثلما يفعل أولئك المتعالمون، ممن يتكلمون ولا يصمتون، ذلك أنهم يتكلمون لأجل الكلام، كي يعلنوا عن وجودهم، ويعملوا على تحقيق ذاتههم بالكلام فقط، لا بالفعل.كذلك لم يكن الآصفي يخوض في مثالب الآخرين، ولا يحترف صناعة الأحقاد والكراهية والهجاء، ولا ينشغل بالشكوى والضجيج، ولا يبدي التشاؤم والتذمر والسأم من الأيام.

ابتكر الآصفي لنفسه نموذجه الخاص، الذي لا يشبه فيه إلاّ ذاته؛ نموذجاً يتجلى فيه: نضجه الروحي، وتوازنه الأخلاقي، وحكمته العملية، وهو ما تفرّد به، إذ احتفظ بسلوك ومواقف ظلت موضع سجال بين مريديه وسواهم. فهو مثلاً استمر وفياً لأستاذيه: "آية الله الخميني، وآية الله الخوئي". في أوقات عنفواننا الثوري وذوباننا بالثورة الإسلامية في إيران وقائدها آية الله الخميني، وتشديدنا على نفي ما سواها. وانفعالنا وغضبنا من مواقف آية الله الخوئي. كنا نرى العالم بعين واحدة، ولا نكاد نبصر سوى لونين، إما الأبيض أو الأسود، لذلك نندهش ـ نحن الثوار ـ من مواقف الآصفي المساندة المدافعة عن آية الله الخوئي، بالرغم من دعمه وانخراطه في الثورة الإسلامية في إيران وتمسكه بقائدها. بل كان بعضنا يسيء الظن بالشيخ، ويتهمه بازدواجية المواقف، حيث تلتبس لديه مواقفه؛ حتى أدركت أنا لاحقاً ـ قبل أكثر من ربع قرن ـ صواب موقف الآصفي في دعم أستاذيه، حين اكتشفت متأخراً ـ بعد دراسة وتدريس الفقه والأصول سنوات طويلة في الحوزة ـ مكانة السيد الخوئي العلمية، ودوره في حماية ما تبقى من ميراث المرجعية والحوزة في النجف، بعد هيمنة سلطة صدام الفاشية على العراق.

حين أصدرت محور "الفكر السياسي الإسلامي"، في العددين الأول والثاني لمجلة قضايا إسلامية معاصرة عام 1997، دعوته للكتابة، فوضع تحت يدي تقريراته لدرس أستاذه الإمام الخميني في حوزة النجف، وسألته إن كانت منشورة من قبل، فأخبرني بأنه لم ينشرها، وأن الدرس كان بالفارسية، لكنه يترجمه للعربية ويكتبه مباشرة. وأضاف أنه قدّم ما كتبه لأستاذه، وأطلعني على تعليقات وإشارات الأستاذ الإمام على حواشي النص. لكنه اقترح فيما بعد إرجاء نشر التقريرات إلى أجل غير مسمى، فأعدتها له.

تميز الآصفي بعمق تجربته الروحية، وثراء حياته الأخلاقية، وشفقته على الناس. وكأن صورة الله تتجلى له في المحرومين والمهمشين والبؤساء والفقراء واليتامى والمساكين، أي أنه كان يرى الى هؤلاء بوصفهم صورة الله في الأرض. لذلك تفرغ لهذه المهمة، فتكفل أعداداً كبيرة منهم في مخيمات اللاجئين ومختلف مواطن إقامتهم. وبنى مؤسسات خاصة تتكفلهم، وضع لها أنظمة حسابات خاصة، ومعايير صرف صارمة، وطرق مراقبة وتدقيق تفصيلية، يوليها عادة لمتطوعين في الخدمة الاجتماعية، وإن كان هو لا يكف عن المتابعة والتفتيش والملاحقة حتى للتفاصيل الجزئية، وهو في كل ذلك يمارس نمطاً قاسياً من التقشف في النفقات على نفسه والفريق المتطوع معه، ويعيش حالة الزهد والتعفف في الإنفاق، بنحو طالما أرهق العاملين معه، فاعتذروا من مواصلة المسار في مؤسساته؛ لعجزهم عن تحمل الحرمان والزهد الذي كان يفرضه بقساوة على نفسه وعائلته، وكل من يعمل معه. هكذا رأيته، وهكذا حدثني أصدقاء عملوا معه، ولم يطيقوا ذلك. ولعل من أطرف ما سمعته من تذمر بعضهم، هو أنهم حين يسافرون معه في مهمة إنسانية، لإغاثة لاجئين أو رعاية محرومين أو الإنفاق على يتامى وفقراء ومساكين، فإنهم حين يدخلون المطاعم أوقات الغداء أو العشاء، عادة يسأل هو عن أرخص أنواع الطعام، فيوصي به له ولهم. يقول أحد الأصدقاء لم أستسغ الطعام الرخيص الذي طلبه الشيخ الآصفي في إحدى السفرات، فقلت له شيخنا: أتسمح لي أن أتغدى من الطعام كذا، الأغلى. فأجابني: لا مانع لدي، إن كان ذلك من مالك الشخصي، لا من أموال اليتامى والفقراء والمساكين، المؤتمنين عليها نحن. وأتذكر سنة 1986 زرته في منزله وقت الظهر، وكنت أواصل الحديث معه في بعض القضايا الفكرية، ولما تأخرت دعاني للغداء معه. فقدمت زوجته المرحومة أم ابتهال طبق الطعام، الذي كان متواضعاً جداً،كافة مكوناته هي الأرخص في الأسواق الشعبية.لم أتناول منه إلاّ اليسير، وكففت عن المضي في تناوله بعد قليل، وحين دعاني للاستمرار تظاهرت بالشبع، وان كان هو قد واصل رحمه الله تناول الطعام بشكل عادي، لأنه اعتاد عليه. وعند عودتي للمنزل سألتني زوجتي إن كنت تغديت في منزل الآصفي، فقلت لها: تعرفين زهد الشيخ الآصفي وتقشفه في العيش، الذي لا يطيقه شخص مثلي، فقدمت لي الطعام الذي أعدته للغداء.

يقول الصديق الشيخ رياض الناصري: انه في عام 1985 جاءت المرحومة أم ابتهال زوجة الشيخ الآصفي الى منزلنا، وقالت انها تريد أن تسافر لارسال مساعدات الى مخيمات اللاجئين العراقيين في مدينتي "أزنه والأهواز" في ايران، وهي تطلب استعارة عباءة زوجتي المرحومة أم ضياء، لأن عباءتها كانت قديمة جداً، قد تغير لونها من الشمس، فأعارتها أم ضياء العباءة مدة السفر.

لم يتخذ الآصفي لنفسه وعائلته بيتاً فارهاً، أو قصراً منيفاً في الأحياء الراقية بقم، بل أنه لم يشتر بيتاً، وانما لبث يعيش وعائلته في البيت الصغير القديم، في الحي الشعبي ذاته، طيلة فترة اقامته في هذه المدينة. وهو بيت كان ورثه من المرحومة والدته.

تدفقت الأموال على الشيخ الآصفي كالشلال من منابع شتى في مختلف البلدان، يقدمها بسخاء وثقة: رجال أعمال وتجار ومحسنون؛ وهو مع كل ذلك لم يسقط في فتنة المال، ولم يستغله لأغراض شخصية أو حزبية أو سياسية. لم يتحول الدين في حياته إلى سلعة يتكسب بها و يرتزق منها. وظل على الدوام ينشد إغاثة المحرومين، بغض النظر عن انتمائهم،كانت الإنسانية نصابه في الإنفاق على حاجات الناس.

نقل لي أحد وكلاء المراجع المعروفين في قم، أنه والشيخ الآصفي ومجموعة من المسؤولين في المدينة اجتمعوا لمناقشة مشاكل المهاجرين العراقيين قبل سنوات. يقول: لكن الآصفي نبهنا إلى مشاكل المهاجرين الأفغان أيضاً. وقال: إن معاناتهم لا تقل عن معاناة العراقيين، فلماذ لا نفكر في متاعب الكل. وطلب منا أن نفكر بهم جميعاً، ونقترح حلولاً لمشكلاتهم معاً.  

يجمع الكل على نزاهته، يثق الكل بنظافة يده، يعرف الكل تعففه، يرى الكل زهده.لم أجد إجماعاً على زهد وتعفف شخص سواه من رفاق الدرب.

لم يستأثر بما يصله من مال فيكتنزه لورثته، ولم يوظفه في رفاه عائلته، ولم يستغله في ابتزاز حاجة تلامذته للعيش، ويساومهم على رغيف الخبز، فيسطو على إنتاجهم الفكري وينشره باسمه.

وجد الفقراء والمساكين ملاذهم لديه، واكتشفوا أبوته لهم جميعاً، وعرفوا أن سعادته تكمن في رعايتهم، وتأمين متطلبات حياتهم، وهو مالم يعثروا عليه لدى سواه.

من هنا تحدث وكتب كل من يرثيه عن البعد الروحي في شخصيته، وأخلاقيات الزهد والتعفف في سلوكه، حتى تساءل بعض الأصدقاء، قائلاً: لماذا يُختزل الآصفي بذلك، ولا يشار الى الأبعاد الأخرى في شخصيته. فقلت له: علمه وتفسيره وفقاهته لا ينفرد بها، لكن حياته الروحية وأخلاقيات الزهد والتعفف في شخصيته مما ينفرد به. وهذه السمات هي ما تسامت بها شخصيته، فاستقطبت الفقراء والمساكين. وجعلته أسوة ومثالاً استثنائياً، في زمن يفتقر فيه الناس للأسوة العملية التي يهتدون بسلوكها وتجربتها الروحية.

رغم ما يجتاح عالمنا من حزن، ويتجرعه من مرارة، ويغرق فيه من ظلام، غير أن في الحياة بؤر ضوء يبحث عنها الناس،كي يستلهموا الحلم بغد أجمل، ويتذوقوا ألوان صور خرائط الوجود المدهشة. بؤر الضوء هذه هي شخصيات؛ روحية، أخلاقية، واثقة بالله، متفائلة، مفعمة بحب الله والانسان والعالم، ملهمة. الثقة بالله تبدد اليأس، تشفي المرء من العدمية، تضئ ماهو مظلم في عالمه الجواني، تبعث لديه التفاؤل، وتمنحنه القدرة على عبور ما تمتلئ به دروب الحياة من أشواك. ليس هناك من وجع إلاّ ويمنح الله المرء القدرة على احتوائه وتحمله. عبر هذه الشخصيات الروحية الأخلاقية الملهمة يطمئن الانسان أن للعالم إلهاً لا تغيب رحمته، ولا ينقطع لطفه، ولا ينضب معين عنايته. ويشعر أنه يمتلك معنى للحياة، وسببا للبقاء، ولديه ما يوصله بالسماء، ويربطه بالأرض. الثقة بالله وحب الله هما جسر العبور من الأرض إلى السماء، بهما يستطيع الانسان مقاومة أوجاع الحياة. ويقوى على تحقيق ذاته، وأن يكون هو.

لاحظت أن انهيار التدين لدى بعض الشباب يرتد الى غياب المثال المُجسَّد للتدين الانساني الروحي الأخلاقي. ناقشت بعضهم ساعات طويلة، لماذا يمضي الى مديات قصية في مواقفه السلبية من الدين، لم يعلن أحد منهم أمامي إلحاده بالله، ولم يحاجّني ببراهين المتكلمين على وجوده تعالى، وانما اتفقوا جميعاً على انهم يقرؤون عن حياة روحية، ويسمعون حديثاً مكرراً عن مفاهيم أخلاقية، ومواقف انسانية، غير انهم يفتقدونها فيمن ينادون بها، ولا يرون ملامح صورتها في سلوكهم، ولم يعثروا على من يهتدون بسيرته العملية في المحيط الذي يدرسون ويعيشون فيه. تنبهت الى أن البواعث العميقة للتدين ترتبط عضوياً بحساسيات ومشاعر الانسان وعواطفه، وان الانسان بطبيعته لا يهتدي ايمانياً إلاّ بالقدوة العملية الملهمة، تلك القدوة التي تسقيه الارتواء الروحي، وتمنحه السلام النفسي، وتغمره بالرأفة والشفقة،كي تخلصه من الاغتراب، وتشعره بالحماية والأمن في الحياة.

الناس كي يؤمنوا؛ يفتشون دائماً عن نموذج بشري مُجسَّد للايمان المتواشج عضوياً بالحب، والحب المتواشج بالايمان. ويحتاجون إلى من يشعرهم بوجود الله في حياتهم، لا من يثبت لهم وجوده كفكرة مجردة، لا صلة لها بحياتهم، مثلما يفعل المتكلمون واللاهوتيون. يحتاجون إلى من يوقظ أرواحهم، ويوصلهم عضوياً بالله، بوصفه المنبع الحقيقي للطاقة الحيوية الايجابية الفاعلة، التي يتغلبون بها على ذلك الوجع الأسود المتفشي في العالم، والذي لا تطيقه قدرة عامة البشر.

الناس لا يمكنهم الشعور بالله خارج اطار العلاقة بالبشر. يريدون إيماناً حياً، يمشي في الأرض، يعيش مثلما يعيشون، يتحسس أوجاعهم، يسقيهم مطر الرحمة الإلهية من خلال ما تفيضه نفحات روحه عليهم. يتضامن معهم عملياً، في كل ما ينهك حياتهم، ويجتاحهم من عذابات، ويسود عالمهم من آلام. الناس لا يستطيعون العيش من دون عطف وشفقة وتراحم وحنان. الأخلاقيون الروحانيون في كافة الأديان والفرق والطوائف دافئون جذابون، لأنهم يتدفقون شفقة وحناناً على الناس، ويمنحون حياتهم المعنى العملي الذي تفتقر له. وذلك ما تجسّده حياة نبينا "ص" وأخلاقيات سيرته العملية، وسلوكه الكريم، الذي يطبعه؛ الرفق بالناس والعطف عليهم، والرحمة بهم.كانت سيرته مرآة ترتسم فيها القيم والأخلاق الربانية، التي تحدثت عنها الآيات القرآنية، فهو "ص" رحمة للعالمين: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ". الأنبياء: 107. "فِبمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ". آل عمران 159. وهو "ص" مثال أخلاقي مجسد: "وَ إِنَّکَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظيم". القلم 4. وان هدف رسالته يتلخص في بناء الحياة الأخلاقية "إِنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکارِمَ الْأَخْلاقِ". رواه البيهقی، احمد بن الحسين. السنن الکبری. ج 10: ص 323.

لفتني الحزن والأسى والشعور باليتم الذي عمَّ مجموعة من تلامذتي برحيل الشيخ الآصفي للملكوت الأعلى، فقد كتب لي أحد الكتّاب المعروفين، من تلامذتي المقيمين في أستراليا أنه: "استمر يبكي ساعات طويلة، فور علمه بوفاته". مع أنه ليس من رفاق دربه، ولم يكن على علاقة مباشرة مع المرحوم الآصفي، غير أنه كما ذكر: لن ينسى أبداً مواقفه الإنسانية في احتضانه وزملائه، وتأمين ملاذ لهم، يوم أهملهم الآخرون، وتركوهم مشردين في قم قبل عشرين عاماً، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ويتلصصون في مكب النفايات ليلاً، عساهم يعثرون على كسرة خبز، أو بقايا طعام.

وأورد فيما يلي اقتباساً - مطولاً - لما كتبه صديقي وتلميذي علي المدَن ، ذلك أنه أحد الشهود الأحياء على بعض مواقف المرحوم.كتب الأخ المدَن على صفحته في الفيس بك، بعد علمه بنبأ وفاة الشيخ الآصفي:

(الآصفي رحمه الله صاحب معروف عليَّ، وعلى مجموعة كبيرة من طلاب أهل البصرة، الذين التحقوا بمعاهد الدراسات الدينية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. كنت قد انتقلت للدراسة في قم، وأنا بالكاد أبلغ (14) من عمري. لم أكن أعرف أحداً في المدينة، التي بدت لي وقتها كبيرة ومزدحمة. بدأت الدراسة وأنا لا أملك مكانا يأويني. قضيت ثلاثة أشهر وأنا أنام في الشوارع، وتحت الجسور، وبين أشجار الحدائق العامة. أفترش الأعشاب، وأغتسل بمياه سواقي الأشجار، وأتناول وجبة واحدة في اليوم في أفضل الأحوال. وقد حدثت معي قصص يضيق الوقت الآن عن سرد تفاصيلها.لم أكن وقتها بمفردي، بل معي أكثر من 45 شخصا موزّعين على مجموعات. آنذاك لم نترك باباً لم نطرقه لحل مشكلتنا، ولكن دون جدوى!! ثم جاء الآصفي "وتلته شخصيتان لن أذكر اسميهما الآن"، ليفتح لنا قلبه ومكتبه. زرناه في مكتبه أولاً، وتحدثنا إليه، بل إن أحد أصدقائي قرّعه بخطاب غليظ وصوت مرتفع، وهو منفعل جدا، فما كان رد الآصفي إلا الإنصات وهو مطرق الرأس. ثم رفع رأسه وابتسم، وربت على كتف صديقي، ووعدنا أنه سيزورنا تحت "جسر نيروگاه" حيث کنا نقيم. وهذا ما حدث فعلاً، ثم استأجر لنا بيتاً، ومنحنا كل ما نحتاج إليه من فراش وطعام وأوانٍ وغير ذلك، وبقي يرعى الطلاب، وهو ينقلهم من بيت لآخر، حتى عُرف البيت الأخير بـ "بيت شوشتر"، لأن أغلب الذين سكنوا فيه قدموا من مخيم شوشتر للاجئين العراقيين. ومع أن توفير السكن وجميع ما يحتاجه الطلاب في ذاك الوقت كان أكثر من ضروري وحاسم في التأثير على قرارنا بإمكانية مواصلة الدراسة، إلا أن ما كشفته السنوات اللاحقة كان شيئا أعمق دلالة في معرفة شخصية الرجل. فإذا كان البعض يفترض أن مد يد العون من قبل رجل دين إلى شباب لا ملاذ لهم، يرغبون في طلب العلم، هو أمر "متوقع"، وهو ما لم يحصل وقتذاك حتى بعد قيامنا بجولة مرهقة وطويلة على العديد من الشخصيات البارزة، فإن ما هو "ملفت" أن يكون هذا العون بلا "شروط" ولا "توجّهات" ولا "مقابل". لم يتحدّث به أحد، ولا أريد به أن يكون دعاية لأحد: لا لحزب، ولا لمرجعية، ولا لشخص، ولا لعقيدة أو فكرة معينة. هذا حدث في وقت كانت سوق التحيّزات رائجة، والابتزازات على أشدّها. وهو ما يبرهن في تصوري على أن "الآصفي" لم يكن فقط رجل دين صالح فقط، وإنما هو أيضا نموذج رائع على الاستقامة والحرية والاحترام معا). انتهى ما كتبه علي المدَن.

رحم الله الصديق الروحاني الأخلاقي المفسّر الفقيه الشيخ محمد مهدي الآصفي، الذي تفوق: بزهده، ونسكه، وورعه، وعفافه، وصدقه، وإخلاصه، وتجسيده لقيم الإيمان وأخلاق النبوة. لقد كان المرحوم العلامة الآصفي مثالاً استثنائياً،لم يتعلم منه الكثير من رفاق دربه: التعفف عن التهافت على المال، والشغف بالجاه، والهوس بالسلطة. يؤسفني أن معظم من يزعمون تمثيل مدرسته، ويتفاخرون به، لا يشي سلوكهم بزهده، ولم يتمثلوا قيمه الروحية وأخلاقياته الانسانية.

"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ". سورة ق 37.


 

د. عبدالجبار الرفاعي

.................

ولد الشيخ محمد مهدي الآصفي في النجف سنة 1939، وتوفي في قم يوم 4 حزيران "يونيو" 2015، عن عمر ناهز 76 سنة. ودُفن في النجف.

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (8)

abdulhusan shaabanكردستان قاعدة الحب الأساسية قد شعرت بمحاولات علي وتهميشي فرجعت إليها

ومثلما كنت ضد إجراءات الحكومة السابقة بقيادة حزب البعث لإلغاء الآخرين وتحريمهم وتجريمهم بقوانين وقرارات تعسفية بما فيها ملاحقتهم بأثر رجعي، كما حصل لحزب الدعوة الإسلامي (العميل) كما سمّاه القرار الصادر في 31/3/1980 كنت في الوقت نفسه ضد قانون الاجتثاث الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، وأول من صرّح ضده من موقع معارضة هذا القانون الإستئصالي لحقوق الإنسان.

أنا ضد العزل السياسي، لأن الفكر لا يجابه إلّا بالفكر والحجّة تواجه بالحجّة والدليل بالدليل وليس بقوة القانون أو بالتحريم أو بالتجريم المسبق على نحو جماعي وأخذ البريء بجريرة المذنب. المرتكبون مكانهم قاعات المحاكم ومنصّات القضاء، وعدا ذلك فأي إجراء سيؤدي إلى ردود فعلٍ ستكون نتائجها سلبية على الحراك السياسي والاجتماعي.

لاحظ أن القوى السياسية جميعها تقريباً مارست العزل السياسي ونهج الانفراد والإقصاء وآن الأوان للإقرار بالتعددية الفكرية والسياسية والثقافية، ونبذ أساليب الماضي الاستئثارية وتحريم استخدام السلاح والعنف وسيلةً لفضّ النزاع بين الأحزاب والقوى الوطنية.

العهد الملكي خصوصاً في الخمسينيات وعشية إبرام حلف بغداد حاول إلغاء المعارضة. ثم جاء رفاقنا الشيوعيون وحاولوا إلغاء الناصريين والقوميين والبعثيين عام 1959 وهمّشوا دور الديمقراطيين والليبراليين والإسلاميين، وحين وصل البعثيون إلى السلطة أصدروا بيان رقم 13 يوم 8 شباط (فبراير)1963 القاضي بإبادة الشيوعيين، وصفّوا قيادات الحزب وكوادره وزجّوا آلاف المواطنين بالسجون مستخدمين جهاز "الحرس القومي"، ثم لاحقوا الحركة الكردية وشنّوا الحرب ضد الأكراد.

وبعد انقلاب عبد السلام عارف ورغم الانفراج النسبي إلاّ أنه تم احتكار العمل السياسي من جانب (الاتحاد الاشتراكي العربي) وحرمان الآخرين منه . الحركة الكردية هي الأخرى مارست العزل السياسي في كردستان عام 1970-1974 وكذلك خلال عملية الاقتتال الكردي- الكردي عام 1994 -1998، ثم جاءت المناصفة بين الحزبين. بل إن أحدها استعان بإيران والآخر بالحكومة العراقية (الأخوة الأعداء)، لبسط نفوذه على حساب الآخر.

وبعد عام 1968 رغم الانفتاح في السنوات الأولى إلاّ سياسة القضم التدريجي كانت مستمرة ابتداءً من تصفية التنظيم البعثي الموازي (مجموعة سوريا)، إلى القيادة المركزية، إلى الحركة القومية والناصرية، إلى الحركة الكردية بعد الاستبشار ببيان 11 آذار (مارس) التاريخي عام 1970، إلى الحزب الشيوعي وبقية الهوامش السياسية بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية عام 1978/1979، إلى الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها.

الحكام الجدد بمساعدة الاحتلال يريدون اجتثاث البعث، بل يتهمون المقاومة ومن يدعمها بالارتباط بالنظام السابق، وذلك في محاولة لعزلها وإبعادها عن قوى وتيارات داعمة، واستخدام الابتزاز السياسي والإرهاب الفكري وسيلة للتعريض بالخصوم السياسيين.

 

ثمن التعبير عن الرأي

على صعيد التجربة الشخصية كنت باستمرار ضحية التعبير عن آرائي ومواقفي سواءً داخل الحزب الشيوعي أو خارجه،علماً بأنني لم أعمل خارجه، فالمنبر كان امتداداً لتيار الحركة الشيوعية، وبخصوص العمل في المؤتمر الوطني، فهو عبارة عن تحالف سياسي أي (تجمّع ضم منظمات وأحزاباً وشخصيات) اجتمعت في مؤتمر فييّنا حزيران (يونيو) 1992 وصلاح الدين (إربيل) تشرين الأول – تشرين الثاني ( أكتوبر- نوفمبر) 1992 حيث دخلته الغالبية الساحقة من القوى السياسية العراقية ( الحركة الكردية بحزبيها الرئيسين وأحزاب أخرى والحزب الشيوعي والحركة الإسلامية ممثلة بحزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى ومنظمة العمل الإسلامي وأحزاب إسلامية أخرى، إضافة إلى تجمعات قومية وديمقراطية وإسلامية صغيرة وشخصيات متنوعة).

وبسبب مواقفي المنشورة والمعلنة من ضرب العراق والموقف من الحصار وترسيم الحدود ونقد الارتهان للقوى الخارجية حصل الاحتكاك بيني وبين القوى المتنفذة في المؤتمر، والمتعاونة مع الولايات المتحدة، والتي اعتبرتها (مهادنة) للحكومة العراقية (لاحظ هنا المفارقة العجيبة ولكن يبدو إن الذين لا يستسيغون الرأي الحر والمستقل، يرضعون من ثديّ واحد حتى وإنْ كانوا من مشارب مختلفة).أما المجموعة التي تدافع عن الماضي وارتكاباته وذيولها فتعتبر الرأي الحر والمستقل دفاعاً عن الاحتلال، والعنصر المشترك هو التشكيك والاتهامات الجاهزة .

لكنني لم أكترث وواصلت مواقفي وكنت أول من استقال من المؤتمر لأسباب سياسية (عندما تقاطعت الرؤية وأصبح التوافق صعباً، بل يكاد يكون مستحيلاً خصوصاً بسبب الموقف من الحصار والاستعانة بالقوى الخارجية، بل والارتهان لإرادتها) وليس لأمر يتعلق باختلافات ثانوية أو إدارية أو مالية، كما بيّنت ذلك في مذكرتي التي قدمتها بعد سلسلة مناقشات طويلة في نيسان –أيار (إبريل- مايو) ثم في تموز (يوليو) 1993، والمنشورة في مجلة الملف العراقي التي كان يصدرها غسان العطية.

التعبير عن الرأي كان أقرب إلى أسئلة تداهمني باستمرار ولا يروي ظمأي أجوبةً لا أراها شافية وكان قلقي وإرهاصاتي الداخلية تكبر معي، ولعلّ لظروف النشأة والتكوين والروافد الروحية والمدينة والعائلة... كل ذلك كان عنصراً محرّكاً إضافة إلى البحث عن الحقيقة، بل والتفتيش عنها، بما يقتضي التعبير عن الرأي والجدل واتخاذ موقف . كان ذلك يجلب لي بعض المتاعب، لكنني الآن سعيد بها لأنها كانت صميمية ومبكرّة في حين كنت أرى كيف يتعلّم الآخرون فن الصمت، كنت أنا مجاهراً ومحاوراً ولدي مواقف باستمرار حتى وإنْ كان بعضها خاطئاً.

أذكر لك حادثة طريفة حين تساءلت في اجتماعٍ ضمّ نخبة بينهم صفاء الحافظ وسعيد اسطيفان وجوهر شاويس وهناء أدور وحميد بخش وسهيلة السعدي وخليل الجزائري وكريم حسين وخالد السلام وحميد برتو ونوزاد نوري ومهدي الحافظ الذي كان قد أصبح عضواً في ل.م وآخرين (أرجو أن لا أكون قد أخطأت في أحد الأسماء) هل أن السوفييت هم يريدون الجبهة الوطنية أم هو رأي القيادة؟ ثم ما هي الضمانات للحريات والديمقراطية؟ عندها ثارت الدنيا وبعد أخذ الاستراحة جاءني حميد بخش (أبو زكي) وطلب مني تقديم اعتذار في بداية الجلسة التالية، لأن الأمر جد خطير... (وفيه تعريض بالسوفييت) حاولت أن أناقشه، لكن الأمر كان بلا جدوى، وطلبت الكلام عند بداية الجلسة اللاحقة، ولكنني بدل "الاعتذار" ثبّت رأيي الأول وزدت عليه من خلال التوضيح، بأن هذا الموقف عرضه أحد أعضاء المكتب السياسي في اجتماع رسمي كنت أحضره، وكنت قد ناقشت الرفيق بوجهة نظري لضمان استمرار أي تحالف لا بدّ من توفّر عنصري الثقة والحريات، إضافة إلى الحق في النقد وقلت إن ذلك من مسؤوليتنا ونحن أعرف بظروفنا ولا بدّ من وضع ذلك في سلّم أولوياتنا .

ومرّة أخرى عبّر أحد أعضاء ل.م. في اجتماعٍ قائلاً: نحن نقدّم المعلومات للرفاق بالقطّارة ويأتي فلان ليضعها كلّها على الطاولة. من أين له هذه المعلومات التي تشكك برأي الحزب وكيف يتجرأ على قولها أمام رفاق بمستويات مختلفة؟

في السبعينيات تعرّضت إلى أكثر من عقوبة حزبية بعضها غير معلن، وفي الثمانينيات نحيّت من جميع المسؤوليات وذلك بسبب الرأي. كان الشائع إن الذين يرفضون الذهاب إلى كردستان يعاقبون، أما أنا فإن إصراري على العودة إلى كردستان رغم مرضي آنذاك كان سبباً في انفتاح الصراع على المكشوف مع القيادة الرسمية، رغم عدم قناعتي بخطة ما يسمّى بالكفاح المسلح، لكنّني تلمّست محاولات عزلي وتهميش دوري واستشعرت أمراً مبيتاً للحركة تمهيداً لتصفية المعارضة الداخلية وعقد المؤتمر الرابع . اعتقدتُ إن بإمكاني أن ألعب دوراً أفضل في كردستان قاعدة الحزب الأساسية آنذاك بعد أن توضّحت الصورة أمامي كاملةً . حوسبت واعتبرت مخرّباً وان إصراري على العودة هو دليل رغبتي التكتلية والتخريبية.

وكنت قبلها قد رفضت عروضاً مغرية بتسلّم أعلى المواقع والمسؤوليات: اليوم إلى عضوية اللجنة المركزية وغداً إلى المكتب السياسي، فيما إذا وافقت على التعاون مع الكتلة المتنفذة بقيادة عزيز محمد- فخري كريم، لكنني رفضت ذلك لاعتبارات سياسية وأخلاقية وقرّرت خوض الصراع علناً ودون مواربة أو اختفاء وراء بعض الأسماء، وهكذا حسم البعض موقفه وظلّ البعض الآخر متردّداً، ينتظر نتائج الصراع بين مجموعة المنبر وبين القيادة الرسمية، وكانت عينه وهو يشجّع المنبر على النشر، على قيادة عزيز محمد، عسى أن تعيده إلى مواقعه، بل إن بعض هذه العناصر استثمر ضد المنبر الذي أصدر جريدة وكراريس وأعلن مواقف وكوّن علاقات عراقية وعربية وعالمية واسعة .

 

المنبر: خيار لم يكتمل

المنبر كان محاولة فكرية وسياسية علنية للصراع شارك في التأسيس أربعة رفاق، ثم صدر بيان باسم الرفاق الستة حول الحرب العراقية الإيرانية بعد اجتماعاتهم في براغ، وتوسّعت دائرته فيما بعد لتشمل عشرات الكوادر المثقفة. وقد صدرت جريدة باسم المنبر من بيروت وكان عددها الأخير من لندن أواخر العام 1990 (أما العدد التجريبي (صفر) فقد صدر من فيينا). لقد تبنّى تيار المنبر بعض القضايا المبدئية الصحيحة وقدّم اجتهادات ومواقف صائبة، لكنه هو الأخر عانى من أخطاء فادحة ولم تكن تلك بمعزل عن أمراض المركز المنافس.

لقد قلتُ في نقد التجربة منذ سنوات طويلة، عندما تشكّل تيار المنبر كان لكل منّا أجندته الخاصة على الرغم من المشتركات التي تجمعنا وهي كثيرة، ولذلك بعد حين حصل التعارض بين الخاص والعام، خصوصاً عندما استنفذ التيار أغراضه. لقد حاولنا تقديم قراءة جديدة للماركسية في ضوء تجربتنا العربية والعالمثالثية ودعونا للتجديد واتخذنا موقفاً انتقادياً من الماضي، خصوصاً في موضوع التحالفات وقدّمنا رؤية جديدة للقضية الفلسطينية، كما اتخذنا موقفاً مسؤولاً إزاء أساليب الكفاح والمغامرة والبيروقراطية .

واتّخذ تيار "المنبر" موقفاً وطنياً صريحاً وواضحاً ضد المشروع الحربي والسياسي الإيراني بعد انتقال الحرب إلى الأراضي العراقية، لكن مراهنة البعض على السلطة في حينها أوقعنا في إشكالات زادها إصراره على العودة بطريقة فردية. وكان الاتجاه العام يعتقد بعدم جدوى مثل هذه الحلول، وإن السلطة لم تغيّر أساليبها وهي غير مستعدّة للتراجع عن أخطائها، بل إن غرورها دفعها لمغامرة جديدة باحتلال الكويت وتعريض العراق واستقلاله الوطني ومستقبله والأمة العربية كلّها لمخاطر حقيقية، وقد تكون مروّعة وهو ما جاءت الأيام على إثباته سواءً بشن الحرب على العراق بحجة "تحرير الكويت"، ومن ثم فرض حصار دولي وعقوبات جائرة عليه طحنت عظام العراقيين لمدة 13 عام تحضيراً للعدوان ومن ثم الاحتلال البغيض.

لو سألتني الآن بعد مرور نحو 20 عاماً (الحوار في العام 2005) عن تجربة "المنبر" هل أنت نادم عليها، لقلت لك كلاّ، ولكنني أخطأت حين اندفعت فيها، في حين كان البعض يمدّ خيوطه باتجاهات مختلفة، البعض مع السلطة والبعض الآخر مع القيادة الرسمية، وهو ما انكشف لاحقاً في حين أنني خضت الصراع بنيّة وتوجه صادقين ولاعتبارات مبدئية، وبشجاعةٍ قد أعتبرها اليوم اندفاعاً كان يمكن أن تكلفني حياتي وربما مستقبلي. كان بإمكاني التعبير عن رأيي من موقع مستقل وليس كجزء من كيان لا يختلف كثيراً عن الأصل.

وكان الرفيق أبو جلال قد سألني عن دوري في المنبر الشيوعي ولماذا توقّف، وهناك أقاويل وأحاديث تتردد بين بعض الشيوعيين على عودة الوئام والمصالحة بينكم وبين حميد مجيد موسى (الأمين العام الحالي) والأمين العام السابق عزيز محمد وعضو م.س السابق فخري كريم: ما مدى صحة ذلك؟ وهل تطمح في موقع قيادي في الحزب الشيوعي؟ ثم ما هو رأيك بالقيادة الحالية وموقفها من الاحتلال؟

واختتم سؤاله بسؤال فرعي بقوله: ألا تفكّر بتجميع قوى اليسار الحقيقي مع آخرين، لأن فكرة اليسار أصبحت بعد سقوط المعسكر الاشتراكي تعني الانتقال إلى حضن واشنطن والمعسكر الغربي بحجة " التجديد" وعدم وجود ثوابت؟

وقد أجبت عن هذا السؤال بالتالي وأنقله حرفياً:

نستولوجيا الشيوعية

أما عن الأقاويل والأحاديث حول عودة الوئام والمصالحة بيني وبين قيادة الحزب الممثلة بحميد مجيد موسى وعزيز محمد وفخري كريم، فأود أن انتهز هذه الفرصة للقول إنه رغم خلافاتي الشديدة، لم تنقطع صلتي بالقيادة الشيوعية وكذلك بالقيادة الكردية والإسلامية، رغم أنني وضعت مسافةً واضحةً وبالخط الأحمر بعد الاحتلال، لكن العلاقة قائمة ومستمرة وفي الوقت نفسه النقد قائم ومستمر بكل الفترات .

كنت ألتقي عزيز محمد وحميد مجيد موسى وكريم أحمد ورحيم الشيخ وكمال شاكر وسامي خالد وجلال الدباغ و ملاّ حسن وآخرين من القيادة عند زياراتي العديدة إلى كردستان لإلقاء محاضرات في جامعة صلاح الدين " لطلبة الدراسات العليا" وأتبادل معهم الرأي وأناقشهم . وكنت قد كتبت رسالة إلى الرفيق حميد البياتي "الأمين العام " حول موقف الحزب من الحرب وشجعته على اتخاذ موقف أكثر حزماً وأكثر وضوحاً، خصوصاً وأن هذه الحرب ستجرّ الويلات على العراق والمنطقة، ولكنني لم أتلقّ جواباً، ورسالتي محفوظة وسأنشرها في الوقت المناسب، كما وجهت رسالتين إلى البارزاني والطالباني بالاتجاه ذاته، لكنني لم أتلقّ جواباً أيضاً على غير العادة، ولعلّي أدركت حجم الالتزامات السياسية والدولية وما يرتّبه جوابهم على رسالة مثقفٍ متعطش للحقيقة يعيش همّ وطنه بدقائقه . رسالتي إلى الحزب الشيوعي سلّمتها باليد إلى سلم علي (عضو م.س) ورسالة أوك سلمتها إلى فؤاد معصوم، أما رسالتي إلى حدك، فقد سلمتها إلى سيامند البنّا .

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (7)

abdulhusan shaabanبعض البعثيين يدافعون عن مآسي الماضي وجروه وارتكاباته بحجة خطر الاحتلال

الوطنية بدون ديمقراطية تقود إلى الدكتاتورية والاستبداد. أما الديمقراطية بدون وطنية فتقود إلى الاستتباع وقبول هيمنة الأجنبي. الديمقراطية والوطنية لا بدّ أن يكون لهما فضاء إنساني. هذه هي حصيلة التجربة التاريخية، فالدكتاتورية رغبت أو لم ترغب ستنتهي إلى معاداة الشعب وستسهّل للطرف الآخر الامبريالي التسلّل والتسرّب، خصوصاً لمعاداة الديمقراطية وكبت الحريات. وكان جون كنيدي الرئيس الأمريكي الأسبق ومعه "تروست الأدمغة" والعقول قد صرّح بصدد الصراع الآيديولوجي مع المعسكر الاشتراكي بنظرية بناء الجسور،التي ستعبرها الأفكار والبضائع والسواح لمجتمعات مغلقة تعاني من القهر السياسي وقمع الحريات والاستئثار بالسلطة وغياب التعددية والتداولية السلمية.

القضايا مركّبة ومعقدة ومتداخلة ولا يمكن تبسيطها، ماذا تقول بمن يبرّر الاستبداد وأساليبه القمعية بما فيها التشويهية بصورة مباشرة أو عبر بعض ذيوله في السلطة وخارجها أحياناً (البعثيون مثلاً)، وفي الوقت نفسه يريد المزايدة بأنه ضد الاحتلال، ولكنه يريد عودة الماضي أيضاً، بل يمارس نوعاً من الابتزاز الفكري من خلال إساءات لمجرد نقد التجربة الماضية وهذا ما حصل.

الموقف من الاحتلال سليمٌ لكنه ناقص أو غير كاف. وإذا لم يتم إعادة النظر بالموقف من الاستبداد ومصادرة حق الشعب وتحديد مسؤولية إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه، فإنه والحالة هذه لا يتحمل المسؤولية الأساسية عن الماضي حسب، بل يتحمل جزءًا من مسؤولية الحاضر ولا وسيلة تمكّن الاحتلال من الاستمرار غير التشبث بالماضي وأساليبه. لا يكتمل الموقف الوطني من الاحتلال أو غيره إن لم يتزاوج ويتلاقح مع الموقف الديقراطي.

أنا معجب بموقف السيد مقتدى الصدر من رفضه الاحتلال، لكنني لا أخفي تحفظي من موضوع إسلامية الدولة التي يدعو إليها ومن مواقفه من حقوق المرأة والتقدم الاجتماعي، ولا يمكنني كمثقف مستقل إلّا أن أنتقد هذا الموقف علناً، ولكن ليس من موقع عدائي ، مثل ما أنتقد كل موقف لا يتخذ رأياً صريحاً وواضحاً من قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان والمبادئ الدستورية في الدولة العصرية، كما أنتقد بشدة كل موقف أو جهة تدعو صراحة أو ضمناً لاستمرار الاحتلال أو تسهيل مهمته، سواءً كانت هذه مواقف لقوى يسارية أو قومية كردية أو إسلامية.

هذه وظيفة المثقف كما أعتقد، ولست هنا بصدد عقد تحالف سياسي لتتم الترضيات وتبويس اللحى والسكوت عن القضايا المبدئية أو الدعوة لتأجيلها بحجة وجود الاحتلال. ولعلّ هناك فارقاً بين حقوق الشعب الكردي الذي أتعاطف مع معاناته السابقة وبين مواقف قيادة الحركة الكردية. وبالنسبة لي فإن الموقف من الاحتلال ومشروعه والتوجّه الديمقراطي هو أحد عناصر الافتراق في الرؤية والمعيار.

البعض يريد تملُّق بعض القوى مثلما تريد هي استخدامه، وذلك عن طريق ما يعرف بنظرية "التخادم". هي تريد من يشتم الآخرين الذين يتصدّون للمواقف الخاطئة التي ما تزال متمسكة بها، عن طريق الإرهاب الفكري، إذْ تطلب من الجميع السكوت عن الماضي إنْ لم ترغب في تمجيده. البعض يريد استغلال هؤلاء الضعفاء، خصوصاً وإن الفشل السياسي يلعب دوراً في ذلك، ناهيكم عن عزلة سياسية خانقة يعيشونها، فيتطوّع للنيل من الآخرين أو الانتقاص منهم، سواءً بإدراك أو وعي أو دون معرفة عواقب مثل هذا التورّط على الصعيد السياسي والأخلاقي ، ناهيكم عن إمكانيات الملاحقة القانونية.

المسألة أصبحت معروفة ولا يمكن التغطية عليها، فهؤلاء محكومون بعوامل مختلفة ، بعضهم استنفذ دوره وليس له ما يفعل سوى النيل من أي جهد أو موقف مستقل، خصوصاً تلك المواقف التي لا تعتمد الرؤية التبسيطية التسطيحية للأمور، بل تتجاوزها لرؤية مركّبة ومتداخلة مما يدفع المحكومين بنظرية المؤامرة الكبرى وادعاء معرفة الخفايا والأسرار لاجتزاء هذا الموقف وتلك الجملة أو ذلك التصريح وتحميله ما لا يحتمل. إن ذلك يحتاج إلى خيال روائي لا يخلو من أمراض وعقد وكوابيس، كلها تشكل رؤيته المتهلوسة وتعكس أزمته هو ومشكلته مع الواقع.

أعرف إن للاستقلالية أثماناً باهظة في مجتمعاتنا، التي اعتادت على الاستكانة وعدم التفكير واعتبار الرأي المستقل خروجاً عن المألوف وربما مروقاً وانشقاقاً يستحق التخوين والإدانة، فالسير مع الجماعة وفي ظلهم، إنّما يشكل حماية وغطاءً. السير مع القطيع يجنّب الفداحة والنقد بكل السهولة والتبسيطية ...

أنت مع الماضي وضد الحاضر وتريد التبرير ، وترفض كل شيء جديد لأنه لا ينتسب إليك ، ولا تستطيع أن ترى الجوانب الايجابية في الظاهرة المعقّدة ، المركّبة، السلبية من حيث اتجاهاتها العامة والتي تعارضها وتقاومها، لكنك كباحث ومستقل لا يمكن أن تهمل الظواهر الجديدة وتتركها دون دراسة أو تمحيص ، كما إن عليك الإقرار ببعضها إنْ كان ايجابياً.

سيعتبر كلامك عن حرية التعبير وحق تأسيس الجمعيات المهنية والسياسية وحق التظاهر والإضراب والكتابة والنشر وكأنه "تزويق" للاحتلال. هكذا يفكّر العقل التبسيطي، خصوصاً ممن ينتمي إلى الماضي أو من ذيوله (من البعثيين والمستفيدين من النظام السابق)، مثلما كانت تفكّر المعارضة المتعاونة مع الولايات المتحدة، فهي لا تستطيع أن ترى شيئاً ايجابياً واحداً في الماضي وظلت محكومة بعقدها، بل إنها اعتبرت كل دعوة لرفع الحصار الدولي الجائر أو منع العدوان على العراق، وكأنه خدمة للنظام السابق ، حتى وإنْ بعض القوى الوطنية ظلّت دعوتها مائعة بخصوص الحصار الذي طالبت برفعه شرط تشديده على النظام، وفي حين يكون الجزء الأول من الشعار بنبرة خافتة، يطغى الجزء الثاني من الشعار الذي يشمل استمرار الحصار.

السياسي لا ينبغي أن ينطلق من عقده أو من إخفاقاته أو من خصوماته ، فالكراهية شيء ذميم، ولا يمكنها أن تصنع شيئاً، وهي ما تقود صاحبها إلى الوقوع في دائرة الفساد الفكري والأخلاقي أحياناً، والإصابة بتشوّهات وعقد تاريخية لا يمكن الشفاء منها آلاّ بترويض النفس واعتماد التسامح والاعتراف بالآخر منهجاً وسلوكاً. ولهذا سوف تكون الأحكام والتقديرات المبنيّة على الكراهية والكيدية والحقد لا قيمة لها، لأنها تنطلق من رؤيةٍ تسقيطية مسبقاً تعكس الأزمة الأخلاقية لأصحابها وعقدهم النفسية وستكون هذه أكبر وأخطر إذا ما رافقها فشل سياسي أو مهني أو شعور بالدونية الاجتماعية.

 

تركيبية المشهد

لقد كنت من معارضي النظام السابق سياسياً وحقوقياً لاحقاً وبأعلى صوتي ودون أن أختفي وراء أسماء وهمية ، وكنت ضد حربه على إيران عام 1980 ، ولكن عندما سحب الجيش العراقي قواته من الأراضي الإيرانية ، لم يعد هناك مبرّر لاستمرار الحرب التي كانت في البداية هجومية عدوانية من جانب العراق. وعند انتقال الحرب إلى الأراضي العراقية كنت من أوائل الذين صرّحوا وعملوا في العديد من المحافل العربية والدولية إلى الأخذ بنظر الاعتبار التغييرات التي طرأت على طبيعة الحرب، وأدّت إلى أن تصبح هجومية عدوانية من جانب إيران ودفاعية وطنية من جانب العراق، وتحدثت عن ذلك في لقاءات ومؤتمرات وندوات وأعددت ملفات نشرتها صحف ومجلات كثيرة .

الموقف المعارض لا يقدّم الحزبي أو الطارئ أو المؤقت، على حساب الوطني والثابت والاستراتيجي، فالوطن هو القضية الأكبر والأهم . يريد البعض (من البعثيين) اليوم الدفاع عن الماضي بكل ارتكاباته ومآسيه وجروحه على مستوى الدولة والسياسة وانتهاك حقوق الجماعة والفرد، بحجة إن الخطر هو الاحتلال، ولهذا ينبغي السكوت عن كل شيء أو تأجيله، وكأن المسألة صفقة سياسية دون أن يدركوا إن نقد أخطائنا وتجربتنا كفيل بوضع أرجلنا على الطريق الصحيح ، وأي علاقات بدون مكاشفة ونقد ذاتي وشفافية ستعيدنا القهقري.

بعض "رفاقنا" الشيوعيين لا يريدون نقد الماضي وما حصل من إرهاب فكري وسياسي على يد المقاومة الشعبية عام 1959 وما حصل من مجازر في الموصل وكركوك وغيرها. ما زال بعضهم متشبثاً بتعليق كل شيء على شمّاعة القوى الأجنبية وشركة النفط والقوميين والبعثيين "المتآمرين"، وينزّه نفسه من تلك الآثام والارتكابات. وكنت قد تناولت تلك المراجعة والنقد الذاتي في أحاديث وكتابات، لعلّ بعضها قد نشر في كراس عام 1994 بعنوان "بعيداً عن أعين الرقيب"، مما ثارت ثائرة البعض ضدّي وهو أمر طبيعي لمن ظلّ يبرّر الماضي ويتشبّث به. وكنت قد سبقت ذلك في ندوةٍ في ديوان "الكوفة كاليري" متحدثاً بنقد لتجربتي الشخصية تحت عنوان " محطّات بين الثقافة والسياسة" .(ويمكن مراجعة مطالعتي بشأن موضوع أحداث الموصل كركوك (المأساوية) في ردّي على رسالة جاسم الحلوائي) وكذلك في مداخلتي الموسومة: فضاء الشيوعية وهواء الصندوق.

البعثيون يرمون كل شيء (حصل في العراق وأدّى إلى احتلاله) على عاتق المؤامرة الخارجية والقوى المتعاونة معها وينسون ما قاموا به هم وما قالوه. كلامهم عن مبرّرات الحرب والإجماع المصطنع بشنها وبالانسحاب، وكذلك الإجماع المصطنع بقصة غزو الكويت عام 1991، ثم الانسحاب منها والرواية الرسمية السمجة عن "قيام حركة ثورية للإطاحة بآل الصباح"، ثم الإلحاق والضم، ثم الانسحاب والموافقة بالإجماع بعد الدخول في حرب محسومة النتائج سلفاً ، وفيما بعد جاء مسلسل القرارات الدولية المجحف والمذل، كيف تحولت الدولة إلى مهرّبٍ وكيف تنازلت التنازل تلو التنازل للقوى الخارجية ، لكنها لم تقدم أي تنازل للشعب بإشاعة الحريات وتطبيع الحياة السياسية وتحقيق المصالحة الوطنية والتخلي عن أساليب الاستبداد والاستئثار بالعمل السياسي.

ولا أريد هنا أن أتبجّح الآن من إنني كنت رغم معارضتي أرفع صوتي عالياً في المحافل العربية والدولية ضد الحصار وضد القرارات الدولية المجحفة، ولا أريد أن أبالغ هنا أيضاً من أنني كنت أكثر الداعين والناشطين لرفع الحصار، وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر كتابان صدرا لي عام 1994 الأول بعنوان " عاصفة على بلاد الشمس" والآخر بعنوان" بانوراما حرب الخليج- وثيقة وخبر" الأول تضمن فصلاً عن الحصار وتأثيراته، والثاني تم تكريسه بالكامل لتفنيد الحجيّة القانونية للقرارات الدولية وللولايات المتحدة التي تقف وراءها، ومحاضرات ألقيتها في لندن وتونس والمغرب ومصر والأردن وعواصم أوروبية، ناهيكم عن عشرات المقالات ومئات التصريحات والأحاديث الصحافية والإذاعية والتلفزيونية وغيرها.

وبهذه المناسبة أستحضر أيضاً ثلاث مواقف تحدثت فيها ضد الحرب على العراق على المستوى الدولي وهذه على سبيل المثال لا الحصر. الأول، إلقائي خطاباً باسم المجموعة العربية التي ضمت 13 وفداً في طهران ندّدت فيه بخطط الحرب والحصار وتناولت معاناة شعب العراق وفلسطين {(كنت المتحدّث العربي الوحيد من المجتمع المدني الذي تحدث أمام الحكومات، باسم إتحاد المحامين العرب ومنظمة التضامن الآفرو- آسيوي واتحاد الصحافيين العرب ومنظمات مهنية ومراكز أبحاث ودراسات متنوعة (2001)}.

وكذلك مساهمتي المعروفة في التحضير لمؤتمر ديربن (جنوب افريقيا2001) حول العنصرية والذي أدان الصهيونية واعتبرها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وبالمناسبة فقد كنت الأمين العام للجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية ومن مؤسسيها في أواسط الثمانينات، وكذلك مداخلتي في سيؤول (كوريا الشمالية 2002) التي أثارت ردود فعل أمريكية شديدة عن موضوع الحرب على العراق ومحاججتي من موقع قانوني للقرارات الدولية وبخاصة الهدر السافر والصارخ لحقوق الإنسان الذي سبّبه نظام العقوبات الدولية. (وكانت مادلين أولبرايت قد حضرت المؤتمر).

ولعلّي أستذكر هنا كراسة صدرت عام 1999 بعنوان "العراق تحت الحصار" وهي ملخّص لحوارات شاركنا فيها الدكتور وميض جمال عمر نظمي وأنا بحضور نخبة مصرية متميّزة في مركز البحوث العربية والأفريقية، وقال حلمي شعراوي مدير المركز في تقديمه: لدينا رؤيتان لمفكرين عراقيين معارضين أحدهما في الداخل والآخر في الخارج. ويحضرني الآن ندوةً هامة أقمتها في لندن باسم المنظمة العربية لحقوق الإنسان بعنوان" الحصار الدولي والواقع العربي وحقوق الإنسان" في عام 1998 وفتح علينا هذا باب النقد والتشهير وهو نقد لا يقلّ عن النقد والتشهير دناءة الذي حاول بعض الضعاف ترويجه.

وفي كل الظروف والأحوال أحاول ألاّ أنطلق مما هو ذاتي أو شخصاني ، إذْ رغم كل ما تعرّضت له إلاّ أنه لم يمنعني اتخاذ الموقف الوطني الذي ينسجم مع قناعتي، فمثلاً رغم اكتشافي إن أجهزة النظام كانت تدبّر خطة لاغتيالي في كردستان، وقد ألقت السلطات الكردية القبض على المنفّذين وأطلعني الأخ كريم سنجاري (وزير الداخلية لاحقاً) على جوانب منها، لكن ذلك لم يحول بيني وبين الموقف الوطني من الحصار، وكذلك رفض موضوع ضرب العراق .

كما إن التنكيل بعائلتي واعتقال أفرادها جميعاً بما فيهم والدي ووالدتي وإخضاعهم لرعب مستمر على مدى يزيد عن عشرين عاماً لم يقف بيني وبين الموقف الوطني السليم الذي كان عليّ اتخاذه رغم كل الآلام والعذابات.

السياسي والمثقف لا ينبغي أن يتعامل مع الأمور من موقع الانتقام أو الحقد أو الضغينة، لأن الكراهية إذا ما سيطرت عليه ستحكمه وتجرّه إلى مواقف لا يريدها، بل ستلحق ضرراً به ولا أحد يدعي امتلاكه الحقيقة كاملة ولا أحد لا يخطئ وكل القوى السياسية مارست الإقصاء والعزل والاستئصال، ولذلك كنت وربما تلك إحدى دروسي الشخصية ضد الإلغاء والإقصاء والاستئصال والعزل تحت أية حجة كانت.

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان (أوراق من ذاكرة العراق) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها شخصية عراقية تركت اثرها في مجال السياسة او الادب والثقافة والفنون أو حادثة مهمة في تاريخ العراق، وغالبا ما تطرح تلك الذاكرة معلومات أو مواقف لم تطرق سابقا، وبالتالي فان المجلة رغم قصر عمرها نسبيا ولكن شعبيتها في ازدياد مستمر ولها وقعها في عالم الاعلام والصحافة .

العدد 36 من المجلة الصادر في نيسان 2015 كان عدد خاص عن القائد العراقي الوطني سلام عادل، وكما جاء في الغلاف الامامي للمجلة، وتكمن أهمية هذا العدد في تناول شخصية القائد والشهيد الشيوعي العراقي سلام عادل (حسين الرضي) وبإنصاف وحيادية وصدق لا يخلوا من التعاطف رغم ان رئيس التحرير ورئيس مجلس الادارة (السيد شامل عبد القادر) بعيد نسبيا عن الوسط الشيوعي واليساري في العراق أو على الأقل لم يكن محسوبا عليهم، ان لم نقل ان البعض يحسبه على القوم يين، مما اعطى لهذا العدد من المجلة نكهة خاصة وشد وجذب لافت للنظر .

* الموضوع الاول جاء بعنوان (اللحظات الاخيرة في حياة سلام عادل) بقلم السيد أمير الجنابي يتناول فيه شهادة الكاتب والروائي الفلسطيني (محمد ابو عزة) في صحوة ضمير متأخرة يروي فيها اللحظات الاخيرة من حياة الشهيد سلام عادل وكيف بصق الشهيد في وجه علي صالح السعدي القيادي في حزب البعث، بعدما طلب السعدي من سلام الاعتراف لكونه منتهي، وعلى اثر تلك البصقة أشار السعدي وبعصبية الى الاوغاد المرافقين له ومنهم الشاهد للإجهاز على الرجل، ويختم الشاهد ابو عزة شهادته بالقول: (ولا أريد ان اسهب في كيفية اجهازنا عليه) .

* الموضوع الثاني كتبه رئيس التحرير السيد شامل عبد القادر وبعنوان (قائد شيوعي .. بائع فشافيش) وحقيقة حاولت استعراض الموضوع بتناول بعض فقراته باختصار ولكني فشلت في اختيار فقرة دون غيرها وشدتني الفقرات الواحدة تلو الاخرى، فوجدت حالي ادرج الموضوع كاملا مع الاعتذار من القارئ الكريم على الاطالة رغم احساسي انه سيعذرني بعد الانتهاء من الموضوع .

 

قائد شيوعي . . . بائع (فشافيش)

رئيس التحرير : شامل عبد القادر

في برنامج من اعدادي وتقديمي عنوانه (اوراق من ذاكرة العراق) من فضائية السلام المعتدلة المحايدة وغير الطائفية سجلت (3) حلقات عن حياة القائد الشيوعي سلام عادل عرضت في البرنامج المذكور عام 2013 واثناء اعدادي لسيرة المرحوم سلام عادل اكتشفت فيها محطات مذهلة لا يستحق الرجل عليها هذه القتلة الشنيعة عام 1963 .

سلام عادل أو حسين أحمد الرضي أو سيد حسين سيد أحمد الموسوي لا فرق فالرجل مواطن نجفي معجون بعراقية نادرة لا يصلح في الحياة الا ان يكون شيوعيا لا غير برغم ان خصومه عدوه من التبعية الايرانية وحرفوا لقبه (الرضي ـ نسبة للشريف الرضي الشاعر العباسي الذي تأثر به سلام عادل كثيرا وهو طالب في دار المعلمين فاطلق عليه زملاؤه الطلبة بالرضي وليس الرضوي) !!

تسربت اليه الشيوعية ببطء شديد واعتنقها كما لو كان يدري ان مصيره الأوحد في عالم الملوكية والعرش ونوري السعيد والشرطة السرية والشعبة الخاصة ان يكون مناضلا مقداما !

توسل اليه بهجت العطية مدير شرطة الديوانية ان يتنازل عن (الفكر الهدام !!) مقابل ان يبقي على راتبه رحمة بوالديه المسنين لكنه أبى ان يتنازل للجلاد وانطلق يشوي (الفشافيش) في النجف وعلاوي الحلة ويبيع (اللفات) لكي يستمر في الحياة شيوعيا. أنا شخصيا أطلعت على حياته فأثارتني جدا واعجبت بعصامية الرجل الذي ولد موهوبا وهو طفل وصبي وشاب فقد عرف خطاطا رساما وممثلا ومخرجا في المسرح ومعلما ذكيا وزوج شيد عائلة متعاونة ومناضلة من زوجته الرائعة ثمينة ناجي يوسف واولاده علي وايمان! الشيوعية بالنسبة لسلام عادل ليست قميصا أو دشداشة تلبس الساعة وتخلع بعد ساعة كما هو عند بعض الانتهازيين !!

الشيوعيون ليسوا فاكهة تثمر في الصيف وتختفي في الشتاء او لا تراها في سلال الربيع وتتعفن بعد النضج وهم يثمرون عادة في أوقات الضيق لا فرق فالشيوعية كبذار القمح تحتاج الى وقت طويل حتى تتحول الى سنابل ممتلئة سواء بوجود فهد أو سلام عادل أو عبد القادر اسماعيل أو صالح دكلة وغيرهم من عشرات العراقيين الشرفاء الذين ضحوا بأرواحهم من اجل قضية الوطن والمبدأ! لا اعرف تفسيرا واحدا لقتل عراقي يعشق وطنه ويذود عنه وهو في الحجرات الباردة في (نقرة السلمان) أو ينام في رمضاء سجون بعقوبة والحلة وعندما يرمي الكتاب عن يديه للحظات ينطلق يغني بصوت خافت أغاني أهل الجنوب المسحوقين بالقهر والجوع والألم ويتطلع من كوة صغيرة الى صحراء أو ليل أو موت مرتقب لكن يديه تبقى مشدودة الى الكتاب!! سلام عادل الذي قتل ولم يغدر برفاقه تحت سقيفة قصر النهاية لم يتوسل جلاديه لكي يعيش ومثلما رحل (ابو علي) بجسده رافقته الاف الأرواح الشيوعية وقتذاك لكن الأهم ان سلام عادل تحول الى مرشد رائع لشيوعيي اليوم . . قتل الرجل الشريف بوضعه تحت حادلة سحقت عظامه وهرست لحمه لكنها عجزت تماما عن ازالة ذكره ...

رحم الله سلام عادل ورفاقه .

* الموضوع اللاحق بعنوان تاريخ الشيوعية في العراق يستعرض فيه الكاتب، سريعا تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في العراق منذ بداية التأسيس حتى يومنا هذا ويركز على محطتي الحزب الشيوعي العراقي وعبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي وحزب البعث .

* ثم موضوع مهم يتناول الرسالة التي بعثتها السيدة ثمنية ناجي يوسف (أم ايمان) أرملة الشهيد الخالد سلام عادل الى صحيفة (الحياة)، على أثر نشر الصحيفة لذكريات حازم جواد القيادي السابق في حزب البعث المنحل والتي افترى فيها على الشهيد مدعيا انه التقى سلام عادل بناء على طلبه في معتقل (قصر النهاية). وكان معه في هذا اللقاء طالب شبيب ـ وزير خارجية العراق آنذاك، وادعى ان سلام عادل أدلى أمامهما بتصريحات سياسية خطيرة. وقد فندت الرسالة افتراءات واكاذيب حازم جواد المتناقضة بالاستناد الى مذكرات طالب شبيب وهاني الفكيكي وزكي خيري وبالحجج الدامغة، وألقمته حجرا. الموضوع كان بعنوان (أرملة سلام عادل تفند تصريحات حازم جواد في صحيفة (الحياة) / مقدار كبير من الافتراء ... لم يتقادم عليه الزمن) .

* يليه موضوع بعنوان (ذكريات . . عن سلام عادل والخلايا المبكرة في الهندية) للسيد محمد عبد الله الهنداوي يتحدث فيه الكاتب عن ذكرياته ولقاءه الاول مع الشهيد سلام عادل دون ان يعرف اسمه الا بعد ان شاهده يسير مع قادة الحزب في تظاهرة ايار 1959 فعرف انه الرفيق سلام عادل .

* (سلام عادل ودوره السياسي في العراق / 1922 ـ 1963) هذا هو عنوان رسالة الماجستير التي قدمتها الطالبة شيماء ياس خضير خلف الى كلية التربية للعلوم الانسانية / جامعة ذي قار وحازت بها على درجة جيد جدا، وهو عنوان احد مواضيع المجلة بقلم السيد حيدر ناشي آل ديبس يستعرض فيه دور الباحثة في استقصاء المعلومات عن الشهيد الخالد سلام عادل، وعن سبب اختيار شخصية سلام عادل من قبل الباحثة، بينت ان العديد من خصال وصفات الشهيد ومواقفه الوطنية وكذلك عمله الحثيث لاشاعة قيم الديمقراطية واحترام حقوق الانسان كانت وراء اختيارها لتلك الشخصية، وأضافت : (ان سلام عادل هو قائد سياسي من طراز خاص ويستحق المزيد من الدراسة والبحث وتعريف جيلنا والأجيال القادمة على هذا العلم المهم) .

* نشرت المجلة قصيدة الشاعر مظفر النواب بحق الشهيد سلام عادل والتي كانت بعنوان : مرثية للشهيد سلام عادل، والتي جاء في مقدمتها :

لحظة ان سملوا عينيك العاشقتين

أضاء النفق المظلم بالعشق الاحمر

واحتضر الموت

قال رفاقك لم تتوجع

إلا رجفة صبر

وتوجع مما غار السفود في عينيك

الكون وصاح الصمت

أدرت عماك المبصر للشعب

أعطيت بيان الصمت

وتقويمك فاجتمع الوقت . . .

* ومن عناوين المجلة (سلام عادل وانقلاب 8 شباط) للسيد حكمت شناوة السليم، تناول فيه ذكرياته عن معتقلات انقلاب 8 شباط الاسود حيث كان نزيلا فيها بعد اعتقاله من مدرسته الابتدائية في البصرة على يد ثلة من مجرمي الحرس القومي معتمدا على مشاهداته الحية وما قرأه في كتابات الاخرين، ونقلا من كتاب المناضلة ابتسام توفيق الرومي (طوارق الظلام) والذي جاء فيه حول تصفية الشهيد الخالد سلام عادل : (... وقد مورست جميع أنواع أساليب التعذيب مع المناضل سلام عادل سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بعد اعتقاله، بعد ان فشلت جميع اساليبهم في النيل من ارادته واجباره على الاعتراف وبعد ضربه بالهراوات حتى أدموه علقوه من رجليه مشدودا الى السقف ـ وقطعوا من لحم ساقيه وذروه بالملح ـ وتركوه في سراديب قصر النهاية اياما وليالي في مياهها الآسنة مقيدا عاريا ... حرموا عليه الأكل والشرب والمنام وامتدت ايديهم الى عينيه ... ضغطوها بالاصابع حتى ينزف منها الدم وأخيرا طرحوه أرضا فاقد البصر وسيروا فوقه عجلة سحقت جسده .

* بالاضافة الى كل ذلك تضمن هذا العدد الخاص من مجلة (أوراق من ذاكرة العراق) مواضيع اخرى، منها (شيوعية عراقية تتذكر ايام النضال) بقلم السيد عبد المطلب عبد الواحد حول المناضلة زينة جاكوب شيفاجي تستعرض فيه سيرتها النضالية وخصوصا في فترة قيادة الشهيد الخالد سلام عادل. وهناك مقال يستعرض كتاب السيدة ثمينة ناجي يوسف زوجة الشهيد الخالد سلام عادل الموسوم (سلام عادل ... سيرة مناضل) بجزئيه الاول والثاني. والمقال الاخير بعنوان (حول اعترافات احد قادة انقلاب 8 شباط 1963) بقلم السيد مارسيل فيليب دنخا يعود فيه ثانية الى اعترافات حازم جواد القيادي في حزب البعث خلال الانقلاب المشؤوم ويفندها من خلال علاقته العرضية مع بهاء شبيب، شقيق طالب شبيب احد قادة البعث حينذاك .

* وتختم صفحات المجلة بملحق للصور بالإضافة الى الصور التي نشرت في ثنايا المقالات، وهي صور منوعة للشهيد سلام عادل وقادة الحزب الشيوعي العراقي وكذلك قادة البعث وانقلاب 8 شباط والزعيمين عبد الكريم قاسم وجمال عبد الناصر .

شكرا للصحفي المبدع شامل عبد القادر على هذا العدد الخاص من المجلة والامانة في العرض والطرح لسيرة مناضل من طراز خاص، عصي على النسيان . بغداد/ 7حزيرن 2015        

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (6)

abdulhusan shaabanجهة وهمية تعمم أسماء شخصيات مرموقة قابلت القذافي بقصد الإساءة اليها

وقد ضمّنت تلك المعلومات في كتابتي عن جورج حبش في جريدة السفير اللبنانية، "الاستثناء في التفاصيل أيضاً"، وذلك بمناسبة رحيله، العام 2008، وقد طلب مني مناضلون فلسطينيون وأصدقاء أعزاء من اللبنانيين إعادة طبع الكرّاس الذي صدر العام 1986، مع تضمينه المعلومات الوافرة عن حيثياته، خصوصاً وأن الكاتب يدعى ييرجي بوهاتكا وهو اسم مستعار كما تأكّد الكاتب من ذلك، وتلك قصة أخرى سوف أحاول كتابتها عن إعداد الكرّاس لطبعة جديدة. وكان الإيرانيون قد طلبوا ترجمته العام 2001 خلال زيارتي إلى طهران على رأس وفد لحضور المؤتمر التحضيري ضد العنصرية الذي انعقد في ديربن العام نفسه، لكن تأخر كتابتي مقدمة جديدة له حال دون ذلك. آمل أن يسعفني الوقت لإعادة طبع كرّاس "مذكرات صهيوني"، مع المقدمة الجديدة التي وعدت بها لفيف من الأصدقاء.

وحين صدر كتابي عن الجواهري الكبير " جدل الشعر والحياة" كتب على نحو سريع أحد " الأصدقاء" مقالة يتعرّض للكتاب والكاتب بنوع من التجريح والإساءة بطريقة انفعالية غير مسبوقة، ولم يكتف بذلك، بل شمل مقدّم الكتاب الدكتور عبد اللطيف أطيمش، بتجريحه، (وكان من المؤمل أن يكتب مقدمة له الشاعر بلند الحيدري، لولا رحيله المفاجئ) وذهب أبعد من ذلك حيث شتم صاحب دار النشر " الكنوز الأدبية" وهو كاتب ومناضل سياسي مرموق "عبد الرحمن النعيمي" واسمه الحركي حين ذاك " سعيد سيف"، في حين كان يُحتفى بالكتاب وبالجواهري الكبير من جانب نخبة فكرية وأدبية، ضمّت: الشاعر محمد علي فرحات (الحياة) والأديب محي الدين اللاذقاني (الشرق الأوسط) والمؤرخ والدبلوماسي نجدت فتحي صفوت والمؤرخ والباحث جليل العطية، والشاعر عبداللطيف اطيمش والعازف أحمد مختار وكاتب السطور، وذلك في ديوان الكوفة كاليري في لندن مطلع العام 1997، وبحضور حشد عربي كبير.

وبعد انتهاء الأمسية بعدة أيام اتصل بي محمد علي فرحات من صحيفة الحياة وطلب مني إذا كنت أرغب بالردّ على كاتب مقالة التجريح، فاعتذرت، وحاول إقناعي بأنه المسؤول عن الصفحات الأدبية، لكنه عندما تم نشر تلك المقالة المسيئة على حد تعبيره كان مجازاً، فقلت، له إن أسلوب الهجوم لم يبقِ شيئاً يمكن الحوار عليه أو بخصوصه، ولا أدري كيف ذهب الهجوم إلى تناول بعض استشهاداتي بالكاتب والمفكر حسن العلوي، الذي لم يسلم هو الآخر من التجريح، وقد ردّ العلوي في حينها بمقالة عميقة دفاعاً عن الكتاب والكاتب وعن لغة الحوار، وكان رأيي الذي سبق وأن بينته في كتابي عن الجواهري، يعتبر حسن العلوي من أفضل من كتب عنه. إن الذين كتبوا عن الجواهري لم يكونوا من معسكره، وهو نقد مشروع، حاول كتابي عن الجواهري " جدل الشعر والحياة" الصادر في حياة الجواهري، محاولة سدّ النقص في هذا المجال، خصوصاً وهو امتداد لجهد طويل مع الجواهري، الذي توّج بصدور كتابي الموسوم " الجواهري في العيون من أشعاره" في العام 1986 بالتعاون مع الجواهري الكبير، الذي كتب له مقدمة للشباب العربي الموجّه إليه الكتاب.

ولأنني كتبت عن القضية الكردية ودافعت عن حقوق الشعب الكردي، ولاسيّما في المنظمات الدولية واستحصلت على عدد من القرارات لصالحه، ولفكرة حق تقرير المصير، فضلاً عن تأييدي لفكرة الاتحاد الفيدرالي (والموضوع لا علاقة له بالفكرة الدارجة حول تأييد القيادات السياسية الكردية التي هي مثل غيرها تخطأ وتصيب)، فهناك من ذهب للنيل من آرومتي العربية، بالقول إنه من أصل إيراني، ومن الفيلية، بل وهو "شعباني" وليس شعبان، وهي عائلة "نكرة " استأجرت الكيشوانية في مقام الامام علي، وهي مهنة لا يرتضيها العرب، علماً بأن آل معلّة وهم عائلة عربية عريقة هي المختصة بالكيشوانية في حضرة الإمام علي ، كما أن العوائل التي خدمت بفرامين سلطانية من الدولة العثمانية كلها عوائل عربية بالكامل، وينسى هؤلاء المتعصبون أياً كان أصل الإنسان وقوميته فهو بشر يتساوى مع غيره والإنسان بعمله أولاً وقبل كل شيء وبما يقدّمه لما ينفع الناس.

ولعلّ الدافع السياسي هو الذي يقف وراء مثل تلك المحاولات من الافتراء، وخصوصاً لمن ليس مطّلعاً، إن أصل العائلة يعود إلى اليمن وإلى جبل النبي شُعيب وعنهم أخذت العائلة لقبها "الأشعوب"، و"الشعبانيون" و"بني الشعبان" "وآل شعبان"، وهم من "حمْيَر القحطانية" حسبما جاء في العديد من الكتب الموثقة بينها كتاب: ماضي النجف وحاضرها لجعفر محبوبة. ومنذ الشيخ عامر الشعبي وبعده الشيخ الأمين محمد الحسين شعبان والشيخ علّيان شعبان، الخازن بالمشهد الغروي، اكتفينا بلقب شعبان ولم نستخدم التذييل الطويل: الحميري القحطاني، وهو ما درج عليه العلاّمة الشيخ يحيى سديد الدين شعبان والشيخ عبد الرحمن شعبان مسؤول إدارة الحرم العلوي الشريف، والعلاّمة الشيخ محمد حسين شعبان والعلاّمة الشيخ جابر شعبان والشيخ أحمد شعبان والشيخ عبدالله شعبان نائب السادن ورئيس الخدمة في حضرة الإمام علي والشيخ محمد شعبان وهو الجد الثامن للكاتب، وهو ما تؤكده الفرامين السلطانية الثلاثة لدى العائلة وشجرتها ومتفرعاتها، واحتفظت العائلة برئاسة الخدمة "سر خدمة" في حضرة الإمام علي منذ قرون.

وخلال أربعة عقود من الزمان نشرت ما يزيد على ثمانية كتب عن القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي، وكان آخرها بعنوان " لائحة اتهام- حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل" وإذا بكاتب صهيوني يزعم أنه يساري وهناك يسار صهيوني بالطبع، يتصدّى لي ويكتب أكثر من مقالة جاء عنوان إحداها: على من يتستر عبد الحسين شعبان؟ وجوهر مقالاته وهجوماته تعريض لكتاباتي ضد الصهيونية كعقيدة عنصرية وممارسة استعمارية استيطانية إجلائية.

قبيل سقوط القذافي وخلال احتدام المعارك بينه وبين الثوار نشرت جهة مجهولة قوائم قبض لشخصيات وجهات عربية بعضها كان قد استقبله القذافي أو دعاه للقاء عشية اختياره رئيساً للقمة العربية وقد ذهبت لمقابلته مجاميع عربية من مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق وموريتانيا وتونس والمغرب، إضافة إلى اتحاد المحامين العرب ونقابة محامي بيروت ونقابة محامي طرابلس وجهات مهنية مختلفة وكذلك المؤتمر القومي العربي وغيرها، وقد حُشرت في هذه القوائم بعض الأسماء باعتبارها تتسلم رواتباً ومساعدات من القذافي، وقد قامت هذه الجهة الغامضة وغير المعلومة بإرسال هذه القائمة التي ضمّت شخصيات عربية مرموقة أكثر من عشرين مرة إلى مئات العناوين في البريد الالكتروني، ونشرتها على عشرات المواقع الالكترونية، ناسبة الخبر إلى مركز دراسات الشرق الأدنى، الذي قالت أن مقره في لندن .

بعد تدقيق وتمحيص واستفسار وسؤال من جانب الروائية والكاتبة العراقية اليسارية هيفاء زنكنة، تبيّن أن الجهة وهمية وأنه لا وجود لهذا المركز المزعوم، وقد بادرت هي بحسّها الإنساني ومعرفتها بأساليب الدعاية السوداء بتعميم رسالة باسمها تؤكد فيها أنها قامت بالبحث فلم تجد أي أثر للمركز المشار إليه ولا للجهة التي بثّت الخبر ونشرته على نطاق واسع، وبالمناسبة فلم يعرف أحد من الليبيين أي شيء عن تلك الفريّة المفتعلة، وقد تلمّست ذلك خلال زيارتي إلى طرابلس وبنغازي في شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 2012 بدعوة من رئيس الوزراء علي زيدان ووزارة الخارجية الليبية للمشاركة في احتفال تكريم الشخصية الليبية الوطنية منصور الكيخيا (زميلنا في المنظمة العربية لحقوق الإنسان)، وقد ألقيت كلمة في الاحتفال إلى جانب رئيس الوزراء ورئيس المؤتمر الوطني محمد المقريف ونائبه د. جمعة بو عتيقة وممثل الأمم المتحدة طارق متري ومحمد فايق. كما ذهبت بطائرة خاصة إلى بنغازي مع زوجة الفقيد الكيخيا السيدة بهاء العمري وابنه رشيد وشقيقه محمود ومعنا جثمان الكيخيا بعد أن تم التأكّد من الحمض النووي في معهد دولي خاص أُنشئ لهذا الغرض في سراييفو، واتضح بأنه توفي في العام 1997. وقد دفن بعد موكب تشييع وتوديع وطنيين، حيث تم تنظيم احتفالية له، وهناك أيضاً ألقيت كلمة في الساحة التي انطلقت منها الثورة ضد نظام القذافي العام 2011.

وقد سبق لي أن كتبت عن منصور الكيخيا كتاباً (نصفه باللغة العربية والنصف الآخر ترجمته إلى اللغة الانكليزية) بعنوان" الاختفاء القسري في القانون الدولي- الكيخيا نموذجاً" وصدر الكتاب في العام 1998، وكان الكيخيا قد اختفى خلال المؤتمر الثالث للمنظمة في القاهرة " 10 كانون الأول /ديسمبر 1993،" كما أنتجنا عنه فيلماً بعنوان" اسمي بشر" .

أقول ذلك لأنني أعرف مقاصد الحرب النفسية التي تشنها أجهزة دولية مختصة وتوكلها إلى بعض عناصرها وتقوم هذه الأخيرة بترويجها بأسماء مستعارة، وأحياناً بصفاقة وغباء باسمها باعتبارها حقائق، وذلك لاستدراج بعض السذج أو الذين لا يعرفون بواطن الأمور ودوافع وأهداف تلك الجهات السرية، خصوصاً إذا كانت تستهدف قوى وشخصيات غير مرغوبة من جانب واشنطن وحليفتها "إسرائيل"، وللأسف فإن بعض أصحابنا من قام بترويج ذلك أيضاً، وكانوا بعلم أو دون علم " أدوات" لتنفيذ سياسات جهات مشبوهة.

 

الوقت من ذهب

قلت لمحاوري الرفيق شوكت خزندار " أبو جلال" الذي استوضح مني بعض الأمور ووجه إليّ أسئلة مباشرة لنشرها على شكل حوار بروح المسؤولية والشفافية كما عبّر وذلك في العام 2005 ما يلي: وكنت قد اعتبرت ذلك استثناء عن المبدأ العام الذي أتمسك به، وهو عدم الانجرار إلى أية معركة لا تملك مواصفات المعركة الفكرية والسياسية والثقافية، وتهبط بمستوى النقاش والجدل إلى مستوى الشتائم والاتهامات والشكوك، والتركيز على ما هو فكري وسياسي وثقافي، ولعلّ في أي صراع أو خلاف حضاري لا بدّ من إبراز ما هو عام، خصوصاً مناقشة الآراء والأفكار والمواقف في حوار معرفي يتّسم بالرزانة والوقار، وأي نقاش أو جدل سوف لا يكون له قيمة تُذكر إنْ لم يتحلّ بمثل هذه المواصفات.

إن سبب إحجامي أو عدم رغبتي في الردّ يعود أيضاً إلى الأجواء المحمومة السائدة، التي صاحبتها إساءات ومهاترات وتعريض شخصي. فقد كنت دائماً وربما الآن أشدّ حساسية بسبب العمر إزاء المعارك المفتعلة والتجريحية لقناعتي بعدم جدواها، فضلاً عن إن لا وقت لديّ لأضيعه في الترهات أو "القيل والقال" أو المشاكل الثانوية والشخصية. ما تبقّى لي من وقت وجهد أريد أن أستثمره على نحو مفيد ومثمر، ولهذا أحافظ عليه ولا أرغب في تبديده أو هدره، فالوقت كالسيف كما يقال إنْ لم تقطعه قطعك.

أعرف مسبقاً أن الذي يشتغل في العمل العام ، ينبغي عليه ارتداء جلد تمساح، فنحن نتعامل مع بشر ، وليس قديسين أو أنبياء، وهناك بلا أدنى شك تعقيدات حياتية وسياسية وأمراض اجتماعية ونفسية وتباين وتفاوت في المستويات والأولويات، ناهيكم عن التربية والبيئة العائلية. قسم منهم يجهلون الحقائق والوقائع ، لعلّ عذرهم جهلهم ، وأستذكر هنا قولاً أثيراً للإمام علي " الإنسان عدو ما جهل" ، وبعضهم ما زال يعيش على ثقافة الحرب الباردة، ويعتبر أي اختلاف عداء وتناحر وإلغاء، خصوصاً في ظل يقينيات ثابتة ومستقرة حدّ التحجّر أحياناً ، وثنويات جاهزة: الخير والشر،التقدّم والتخلّف، الوطني والخائن، (مع الكفاح المسلّح، ضد الكفاح المسلح) مع الاحتلال وضد الاحتلال ، مع الحصار وضد الحصار، مع الفيدرالية وضد الفيدرالية ، مع الديمقراطية، ضد الديمقراطية، مع حقوق الأكراد أو ضدها (مع الحزب وضد الحزب، مع الثورة وضد الثورة)، بعض هؤلاء لا يستطيعون أن يروا التداخل والتفاعل والخطوط الموصولة والمتشابكة.

العقل التركيبي

في العهد الملكي تستطيع أن تستقطب الشارع سريعاً، عندما تهتف عاشت الحرية لتتمكّن من تجميع جمهور يشعر بالاستلاب ليسير خلفك. أما اليوم فلا أحد يسير خلفك إنْ رفعت الشعار نفسه . الصورة اليوم معقدّة ومتناقضة ومتداخلة . الثنوية تبسيطية وتسطيحية للأمور. أنت بحاجة إلى عقل تركيبي وليس تبسيطي. عليك الإلمام بظروف الصراع وتفاصيله وتداخلاته.

تستطيع أن تركّب ما يلي : أنت ضد الاحتلال، ولكنك ضد الديمقراطية وضد التقدم وضد حقوق المرأة وضد حقوق الإنسان. أو أنت ضد الاحتلال ولكنك في الوقت نفسه مع الاستبداد والدكتاتورية. بالنسبة لي أعتبر مثل هذه الوطنية ناقصة. (أو) أنت مع الاحتلال أو مهادناً له ، ولكنك مع الديمقراطية والحداثة وحقوق المرأة وحقوق الأقليات ، فوطنية من هذا النوع بالنسبة لي قاصرة ومقيّدة، بل مغلولة ، حتى وإنْ ارتدت الثوب الديمقراطي (أو) أنت ضد الاحتلال ومع الديمقراطية والتقدم وحقوق الإنسان، هنا تكتمل الوطنية بالديمقراطية.

ليوتولستوي الروائي الروسي المعجزة .. أضاءات صدق الرؤيا

abduljabar noriتولستوي 1828- 1910 من عمالقة الروائيين الروس، ومصلحاً أجتماعياً، وداعية سلام، ومفكراً أخلاقياً، يعد من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، والبعض يعدهُ من أعظم الروائيين على الأطلاق، أشهر أعمالهُ الروايتين {الحرب والسلام – آنا كارنينا} وهما يتربعان على قمة الأدب الواقعي، ورائع جداً عندما أتصفح رائعته الحرب والسلم أشعر وكأني في ملكوت عالم جديد وغريب وكأني أعيش ذاك الزمن، ولم أصدق موته، لأنّهُ يعيشُ في وجداني، ويجولُ في أعماقي، ويشاركني الحب وعشق الحياة ذاك هو تولستوي العظيم، فرواية الحرب والسلام وآنا كارنينا يعطيان صورة واقعية للحياة الروسية في تلك الحقبة الزمنية، وكفيلسوف أخلاقي أعتنق أفكار المقاومة السلمية النابذة للعنف، وهذا التيار القيمي سرى تأثيرهُ في أقلام مشاهير القرن العشرين مثل المهاتما غاندي، ومارتن لوثر كنج، في جهادهما الذي أتسم بسياسة المقاومة السلمية النابذة للعنف، وكذلك واصل تأملاته في الوجود معلناً أنه مؤمن بالله ولكن {خارج الكنيسة} وبهذا وضع فلسفته الوجودية ورأيه الصريح وبلوره في كتابه {مملكة الرب مقرها داخلك The Kingdom Of God Is Within You}، ويظهر سحر رواياته أحياناً كثيرة كواعض أخلاقي ومصلح أجتماعي وقيمي أنساني يبشر بالوصايا المئة لا فقط الوصايا العشرة فمن أقواله : ** الجميع يفكر في تغيير العالم ولا أحد يفكر في تغيير نفسهُ، ** قبل أنْ تصدر الحكم على الآخرين أحكم على نفسك، **لا يوجد أنسان ضعيف بل يوجد أنسان يجهل موطن قوّتهِ، ** أقوى المحاربين الوقت والصبر، أعمل الخير لآصدقاءك يزيدوك محبة، وأعمل الخير لأعداءك ليصبحوا أصدقاءك.

 

أضاءات على نتاجاته الأدبية الثرة

أنّ نتاجاته الأدبية تتمحور حول شخصنة فلسفته في صنع التأريخ والحياة والموت، ترك تولستوي بصماته عليها فأصبحت حكراً لقلمهِ بماركة أدبية عالمية مسجلة بأسم تولستوي فقط عصيّة على الأقلام الأخرى في السفر الأدب العالمي، أنّ كل مؤلفاته عن الحرب جاءت أدانة لهُ وهجوماً عليه، فالحرب في كتاباته تجرُ على البشرية الدمار والموت، فهو يرفض الحروب ويعتبرها ظاهرة منافية للعقل البشري، ومعادية للطبيعة الأنسانية ويعتقد أنّ العنف سلاح الضعيف، أما التسامح بأستعمال العقل {وقوّة المنطق بدل منطق القوّة} هو الذي يجب أنْ يسود، وأنّ ليو تولستوي الذي عاش 82 عام لم يكن كاتباً فقط بل كان مفكراً وفيلسوفاً ورجل أحسان وثورياً.

ولم يبرر سوى الحروب الدفاعية عن النفس ضد الغزاة، رغم مرور قرن ونصف من الزمن على روايته الحرب ولسلام فهي تمثل{نداء السلام} الذي أصبح شعاراً لقوى الخير والطمأنينة في جميع أركان المعمورة .

تعتبر رواية الحرب والسلام رواية أسطورية للأدب الروسي، وهي نموذج للحكايات التأريخية الكبيرة للقرن العشرين وتدور حول الأحداث   الكبيرة التي حدثت في بداية القرن التاسع عشر، فهي دراسة تأريخية تصف الأحداث السياسية والعسكرية التي كانت أوربا مسرحاً لها أبان الفترة 1805 – 1820 وهي تلقي بظلالها الثقيلة على غزو نابليون لروسيا 1812، وفي هذه الرواية أعلن رفضهُ القاطع لنظرية تخليد التأريخ للرجل العظيم، وأن الأبطال والشخصيات العظيمة ليس لهم بصمات على مجريات أحداث التأريخ كما يعتقد بعض الناس، والحرب والسلام رواية أدبية تدور أحداثها في بداية القرن التاسع عشر مع أجتياح القائد الفرنسي (نابليون) الأراضي الروسية وتعتبر واحدة من أعظم الروايات العالمية قدمت نوعاً جديداً من القصص الخيالية ذا عدد كبير من الشخوص وقعوا في حبكة روائية غطت مواضيع عند الشباب كالزواج والسن والموت، وما كتاب الحرب والسلام برواية ولا هو بقصيدة، ولا هو سجل وقائع تاريخية، أنّ الحرب والسلام هو ما أراد المؤلف وما أستطاع أنْ يعبر عنهُ بعدم الأكتراث بالأشكال المتعارف عليها في الأنتاج النثري الأدبي العالمي وخصوصاً الأدب الأوربي، فتولستوي رسم لنفسهِ في الحرب والسلام شخصية روسية مخالفة للأشكال والنصوص الأدبية في أوربا، فهو صاحب المدرسة الواقعية – النقدية، فيما جاء بعدهُ الأديب الروسي مكسيم غوركي 1868 – 1936 صاحب المدرسة الواقعية – الأشتراكية في رواية " الأم "1907، وأمتدت آيديولوجية هذه المدرسة وأصبح لها ممثلون في الأدب العالمي مثل (بريخت) في المانيا، "ولوركا " في الأدب الأسباني،"وناظم حكمت" في الأدب التركي وكتابه المشهور " البخيل " وكذلك الشاعر السوري " أدونيس " .

 

نظرية تولستوي حول التأريخ

ان رواية الحرب والسلام جاءت تأريخياً عائليا عندما شارك تولستوي خمسة عوائل روسية من طبقات مختلفة نبيلة برجوازية فلاحية صارحوا – وبشجاعة متناهية - المتلقي آراءهم وأرهاصاتهم ومعاناتهم في الحياة اليومية ويطلبون الأجابة بألحاح لماذا الموت ؟، وجاءت تأريخياً عسكرياً للحملات النابليونية التي حدثت في العام 1805 ثم تكررت عام 1812، فيترجم تولستوي هذا المزج المجتمعي في تلخيص فلسفته عن التأريخ {ليس هناك بطل واحد لذا يعتبر نابليون ليس أكثر من أداة لا معنى لها في سير التأريخ، بل هناك من ينسج التأريخ الكبير هم مجموعة من المتضادات ومتشابهات في آنٍ واحد، فظهور التناقضات فيها حتمية بعد أرساء قواعد ذلك الحدث التأريخي، و مثلاً حب الحياة تتعارض ومآسي الحروب .

وأنّ تولستوي وصف نابليون برجل حرب وغازي ومتعجرف وخيالي، في رواية الحرب والسلام قلل من شأنهِ في التاريخ متبنياً أنّ القوى هي التي تشكل التأريخ لا الفرد والمعني القائد العظيم وهي أشارة إلى شخص نابليون، ولتجميع أفكار نظريته عن التاريخ يشير في الرواية المذكورة :أنّ القادة الوطنيين حتى العظماء فهم لا يتحكمون في نتيجة الأحداث الكبرى في التاريخ، فأنّ الكم الهائل من الأفعال الفردية التي تشكل التأريخ ضخمة للغاية ومعقدة للغاية ، ومن ثم يبدو كما لو أنّهم يتحكمون في هذا التيار لكن في الواقع أتجاه التيار لا يتأثر بهم، ويريد تولستوي أنْ يوضح الحقيقة التالية {تركيز المؤرخين على الأسباب يعميهم عن رؤية قوانين التأريخ} فهو بهذا يحثُ المؤرخين على السعي لتحديد القوانين التي تحكم التاريخ، وليس أسباب الأحداث التأريخية .

 

أضاءات على نتاجات معجزة الرواية الروسية

تولستوي بالنسبة لي ليس موضوعاً للنقد، لأني لست ناقداً أدبياً محترفاً بقدر ما أفهمهُ ويتفهمني هو قيمة روحية وجمالية عليا فسأستعرض بعض اللئاليء مما قرأت بشغف في مراحل حياتي المبكرة وخاصة تاج أعماله ومعجزته الأدبية الخالدة {الحرب والسلام} وأستميح القاريء عذراً لكون جعلتُ رواية الحرب والسلام - من بين الكم الهائل من مؤلفاته - محور حديثي، ذلك ولأنّ للعشق مذاهب !!.

1رأيته مدرسة ْتُعلمْ (الأنسنة) في البحث في أنسانية الأنسان، وحب الآخرين، والتمسك بالحياة، وعشق الطبيعة، وتمجيد العمل الجماعي، عظيم في حجم عمله الفكري الأدبي فله ما يربوا على مائة مجلد، فهو ظاهرة ثقافية متميّزة كما يصفهُ نقاد عصره وما بعد عصره، روايتيه الحرب والسلام وآنا كارنينا أقرب إلى الملحمة منها إلى الروايات التقليدية، فعند قراءة نصوص الرواية وخصوصا الحرب والسلام تشعر بالنفس الملحمي "لهوميروس "، تبرز فيها أنسنة تولستوي وعشقه الصوفي للحياة وللطبيعة والشعور القوي بالزمن، تشعر وكأنك أمام عالم واقعي حقيقي موجود فعلاً في شخوص أبطال الرواية وهم يتجولون أمامك بحركة ديناميكية محسوسة فعلاً، وقراءة بين سطور الرواية تتحسس تدفق حب الأنسانية بأمتياز، تظهر فلسفة تولستوي جلية في حبه للطبيعة فأنتصر لها ووضع نظريته فيها بمعادلة سوسيولوجية نصها {كلما أقترب الأنسان منها فأنه يمارس الخير والحق والحب والجمال ويمارس الزيف والشر والقبح كلما أبتعد عنها}، فهو أحد أعمدة الأدب الكلاسيكي العالمي، وهو باني صرح الأدب الروسي المتمثل بالسرد الروائي إلى جانب " ديستوفيسكي وتورغنيف " وبروايته الحرب والسلام دخل في تفاصيل حياة الأفراد في المجتمع الروسي ، فمضمون الرواية تدور حول السلم ---والسلم فقط ولا وألف لا للحرب ومريديه وأهواله.

وأختم هذا البحث المتواضع بما قال عنه "لينين"{تولستوي مرآة الثورة الروسية}، ومرثية الشاعر"أحمد شوقي" يصفهُ بالحكمة والشجاعة،ويضيف يبكيه الفقراء لأنهُ منارتهم، ويبكيه المؤمنون لآنهُ أخذ من الدين جوهرهُ، وأذ كان لابُدّ من الأعتراف فيجب أنْ نذهب ونعترف بخطايانا إلى تولستوي وليس إلى الكاهن، ولآنّ كل كتابٍ من كتبهِ يشبه الأنجيل في قدسيتهِ

 

عبد الجبار نوري / ستوكهولم- السويد

5-6-2015

...............

مراجع البحث / الموسوعة العالمية - بتصرف – تحديث بيروت 2011 // كتاب تولستوي أم ديستوفيسكي-جورج ستاينر- لندن - مترجم

 

ايليا اهرنبورغ وقوة الكلمة الصادقة

jawdat hoshyarمن الصعب أن نجد بين الكتاب الروس– بعد جيل العمالقة، غوغل، نولستوي، تورغينيف، دوستويفسكي، تشيخوف، بونين - كاتباً أكثر شهرة في داخل روسيا وخارجها، وأعمق تأثيراً في الأدب الروسي في القرن العشرين من ايليا أهرنبورغ (1891 – 1967) .فقد كان طوال حياته الأبداعية خالقاً للأشكال الشعرية والروائية الجديدة، وجسراً ثقافيا، مهماً – ان لم يكن وحيداً - بين روسيا وأوروبا .

لم تترجم من أعمال اهرنبورغ الى العربية سوى عدد محدود من رواياته، ذائعة الصيت، التي كتبها في الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن العشرين (سقوط باريس، العاصفة، الموجة التاسعة، أقوى من الموت، وذوبان الجليد وغيرها) التي ترجمت الى العربية - ليس من اللغة الروسية مباشرة، بل من اللغتين الأنجليزية والفرنسية - وصدرت منها طبعات عديدة منذ أربعينات القرن الماضي وحتى عهد قريب، ولكنني، أكاد أجزم ان الجيل الجديد من قراء العربية لا يعرفون عنه شيئاً يذكر، مع أنه وحسب احصائية لمنظمة اليونسكو في أوائل الستينات من القرن الماضي، كان الكاتب الأكثر شهرة في العالم ويحتل مكان الصدارة بين الروائيين العالميين من حيث مقروئية رواياته المترجمة الى عشرات اللغات الأجنبية .

دور النشر اليسارية في العالم العربي، قدمته ككاتب سوفييتي من مؤيدي النظام القائم . وجاء هذا الأنطباع الخاطيء لأن رواياته الرائعة فكراً وفناً، حازت على أرفع جوائز الدولة السوفيتية وهي جائزة ستالين من الدرجة الأولى ثلاث مرات، ولأن دور النشر العربية المحسوبة على التيار اليساري، هي التي قامت بترجمة ونشر رواياته، مما ولد انطباعاً خاطئاً، ان اهرنبورغ من مؤيدي الستالينية.

والأسوأ من ذلك أن بعض المترجمين العرب، العاملين في دور الترجمة والنشر في موسكو - تلك الدور التي لم تكن تنشر في العهد السوفييتي سوى النتاجات التي كانت تتفق مع ايديولوجية الحزب الحاكم ً و"الواقعية الأشتراكية " - حاولوا التقليل من شأن اهرنبورغ وخيل اليهم، ان كل من كان يحتل مكانة بارزة في العهد السوفييتي من كبار الكتاب والشعراء والفنانين،ويحظى بتقدير واحترام الدولة السوفيتية فهو من كتاب السلطة، غير جدير بالدراسة والتقييم. وهذه نظرة ساذجة وسطحية الى أبعد الحدود . فهم لا يعرفون شيئاً عن عذابات الكتّاب الروس الكبار وصراعهم الدائم مع السلطة واجهزتها الرقابية والأمنية، ولا يعرفون شيئاً عن محنة اهرنبورغ وعذاباته على وجه الخصوص، حيث كان سيف السلطة مسلطاً عليه طوال وجوده في الأتحاد السوفييتي .

الروايات التي حظيت بأهتمام اليسار العربي كانت، تلك التي كتبها في فترة معينة من حياته، حين أحس – قبل غيره –بخطر النازية الألمانية على بلاده وعلى العالم، فكتب روائعه ليس دفاعاً عن النظام القائم، بل لفضح الفاشية بشتى صورها، والوجه الآخر القبيح للرأسمالية، التي خبرها، حيث عاش في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، لسنوات طويلة، وأكثر مما عاش في الأتحاد السوفييتي . روايات أهرنبورغ تصوّر ايضاً الواقع السوفييتي الجديد بكل ما تحمله من آلام ومعاناة ومن بطولة الناس السوفييت وتفانيهم، رغم كل المصاعب، في بناء مستقبل أفضل .

أهرنبورغ كتب أكثر من مائة كتاب في مختلف أنواع الأدب من رواية، وقصة، ونقد، وبحث .كما كتب الآف المقالات النارية خلال الحرب الألمانية -الروسية (1941-1945) تلك المقالات التي الهبت حماس المقاتلين السوفييت في جبهات القتال ,

اهرنبورغ حظي بمكانة عالمية، وكان صديقاً مقرباً لأشهر أدباء وفناني العصر، وكان حتى أوائل الثلاثينات من أشد معارضي النظام الشيوعي، وكان يسخر من هذا النظام في رواياته الطليعية ومقالاته اللاذعة، ولكن بعد استيلاء هتلر على السلطة في ألمانيا شعر بالخطر المحدق ببلاده وبالعالم الديمقراطي وكان أمامه طريقان اما الأنحياز الى شعبه ووطنه والدفاع عنهما بقلمه الجبار أو الصمت، فأختار الطريق الأول.

وحسب علمي لم ينشر في العالم العربي أهم رواياته التي كتبها في العشرينات من القرن الماضي وهي اخصب فترة في تأريخه الأبداعي .

وما عدا بعض التعليقات المتناثرة هنا وهناك في الصحافة العربية لم أقرأ شيئا ذا بال عن هذا المبدع الكبير الذي كان الضمير الناطق لعذابات البشرية بايمانه الراسخ بالقيم السامية التي تعد القاسم المشترك لثقافت شعوب العالم . لقد عاني أهرنبورغ من النظام السوفييتي، أشد المعاناة ومنع من النشر عدة مرات، بسبب نقده اللاذع لكل النظم الشمولية ودفاعه هن الثقافة الأوروبية وعن كبار كتاب وفناني العالم الذين منعت نتاجاتهم في الأتحاد السوفييتي في العهد الستاليني، ومنهم هيمنجواي ومالرو وكافكا وبيكاسو ومودلياني وعشرات غيرهم.

 

البداية:

شاعر مبدع، كتب قصائد عاطفية رائعة، ولكنه لم يشتهر بشعره، بل برواياته وقصصه، التي لفتت اليه الأنظار، وأثارت جدلا واسعا بين النقاد والقراء داخل البلاد وخارجها في آن، منذ العشرينات من القرن الماضي .

نثره الفني غطى على شعره الى الذي طواه النسيان تقريباً . ناثر رقيق وغزير الأنتاج، وفي الوقت نفسه كاتب مقالات تعد نماذج رفيعة لأدب المقال . مقالاته أصبحت روائع في باب المقال الصحفي. وفي نثره الفني أخذ يحس على نحو متزايد بضغط الحداثة والأحداث الآنية الساخنة . في الرابع عشر من حزيران عام 1940 دخلت القوات الألمانية باريس، وفي ايلول 1941 شرع اهرنبورغ بكتابة رواية " سقوط باريس " حيث صدر الجزء الأول من الرواية في ربيع عام1941

 

اسلوب اهرنبورغ:

كانت رواياته تجريبية لم يألفها النقاد والقراء السوفييت : مزيج من الأجناس الأدبية , وكان ذلك اسلوباً جديداً تماماً في بناء الرواية حينذاك .

وتتجلى في تلك الروايات، القدرة الأبداعية الفائقة والموهبة الصحفيّة العاليّة، إذ تبدو بعض فصول رواياته مزيجاً من النثر المشرق والتقارير الفنية، بالغة الجمال . ورغم ذلك اعتبر بعض النقاد هذا الشكل الروائي مثلبة في معمار الرواية، في حين اعتبره البعض الآخر ميزة مهمة .

ومن يطلع على آخر الأصدارات الروائية في الغرب في أيامنا هذه سيجد ان المزج بين الأجناس الأدبية ضمن الرواية الواحدة أمر شائع . وقد قرأت في الأيام الماضية، رواية جديدة لكاتب عراقي، كتب على الوجه الثاني لغلاف الرواية، أنه لجأ الى المزج بين الأجناس الأدبية ضمن روايته، واعتبر ذلك ابتكاراً جديدأً في الفن الروائي، ولم يكتف بذلك، بل زعم أن روايته هي آخر صيحة في رواية " ما بعد الحداثة " وأنه الرائد الأول لهذا الشكل الروائي في العالم العربي . وهذه مزاعم لا تستحق الوقوف عندها، وقد أشرنا اليها لنبين ريادة أهرنبورغ لهذا النوع من الروايات .

ويمتاز نثر اهرنبورغ بما يسمى " الأسلوب البرقي " أي الجمل القصيرة الفعالة والمؤثرة .

وهو اسلوب، سرعان ما أنتشر بين الروائيين بفضل اهرنبورغ وصديقه ارنست هيمنجواي .

 

ذوبان الجليد:

كان اهرنبورغ على دراية واسعة وعميقة بالثقافة الأوروبية وبكل الأتجاهات الفنية الحديثة في الغرب. وقد سمح له السوفييت بالأقامة في الخارج مراسلا لجريدة الأزفيستيا . ورغم ذلك لم يكن ستالينيا في يوم من الأيام .ولم يسمح لنفسه كتابة كلمة مديح واحدة للدكتاتور . فبعد أشهر قليلة من وفاة ستالين، كتب روايته، ذائعة الصيت " ذوبان الجليد " في عام 1953، وقد دخل مصطلح " ذوبان الجليد " ليس الى اللغة اليومية فقط بل الى العلوم السياسية والأجتماعية في كل أنحاء العالم، بصفة مصطلح يرمز الى العهد السوفييتي الجديد، المنفتح نسبياً.هذا المصطلح ما يزال يستخدم على نطاق واسع حتى يومنا هذا .

" ذوبان الجليد" رواية تراجع الفترة الستالينية وكل ما جاءت به من تدمير للثقافة والمثقفين . ويقول بعض النقاد أن اهرنبورغ عبقري العناوين، بمعنى أنه يختار عناوين نتاجاته لتعبر عن روح واجواء الفترة التي كتبت فيها، فقد اطلق هذا المصطلح " ذوبان الجليد " على الفترة التي أعقبت وفاة ستالين وما تميزت به من قدر لا بأس به من حرية التعبير، والخلق الأدبي والفني .

 

الناس، والأعوام، والحياة:

خلال السنة الثانية من فترة دراستي في موسكو(1960 – 1967) . لفت نظري جدال واسع وساخن على صفحات المجلات والجرائد الروسية، حول الجزء الأول من مذكرات أهرنبورغ المعنونة " الناس والأعوام والحياة " الذي صدر في عام 1961 . وقد استطعت بشق الأنفس الحصول على نسخة من الكتاب . ومنذ ذلك الحين أخذت أتابع كل ما ينشره أهرنبورغ وما ينشر عنه في الصحافة الروسية .كما تسنى لي الحصول على نسخة من روايته الذائعة الصيت " ذوبان الجليد ". وقد يستغرب القاريء، ما الصعوبة في أقتناء نسخ من أي كتاب صادر حديثا . وأقول ان الشعب الروسي من أكثر شعوب العالم عشقاً للقراءة وأي كتاب جدير بالقراءة – وان كان بمئات الألوف من النسخ - ينفد فور صدوره، ولا يمكن الحصول عليه الا بسعر مضاعف في السوق السوداء أو عن طريق (الواسطة) اذا كان لديك معارف يعملون في متاجر الكتب المنتشرة في المدينة التي تسكن فيها .

ذات مرة سأل صحفي غربي اهرنبورغ،عما فعله الكتّاب السوفييت خلال ربع قرن من قيام الاتحاد السوفياتي فقـال: «لقد ربينا جيلاً من القراء».

لقد توّج اهرنبورغ نشاطه الأبداعي بصدور مذكراته، التي تعد، سجلاً حقيقياً وصادقاً لوقائع العصر ومصدراً مهماً للغاية لفهم الكوميديا البشرية التي يطلق عليها اسم التأريخ، وهي مذكرات تقرأ بشغف واهتمام، لما تتضمنه، من التأمل الفلسفي لوقائع الحياة العاصفة التي احياها الكاتب وسط الأحداث الخطيرة للقرن العشرين ولعلاقاته بكبارالساسة في الغرب وبرجال الدولة في بلاده وبأهم كتاب العصر وفنانيه، في النصف الأول من القرن العشرين . ولعل من أمتع فصول هذه المذكرات، تلك التي كرسها الكاتب للسنوات الأولى من حياته في باريس، وسط الأجواء البوهيمية لمقهى (روتوندا) الشهير، بين الكتاب والشعراء والفنانين الشباب – في ذلك الوقت - حيث تعرف فيها على مبدعين كبار في شتى مجالات الآداب والفنون، وأصبح العديد منهم، اصدقاء العمر بالنسبة اليه .. وهو يخصص فصلا كاملا لكل مبدع، كما يتحدث عن معاناة الكتاب والفنانين والمسرحيين الروس في ظل النظام الستاليني .

 

كتاب الطاولة:

يطلق الروس مصطلح " كتاب الطاولة " على الكتاب الذي تضعه في متناول يدك على الطاولة وتقرأ فيه بين آونة وأخرى، كلما احتجت اليه أو رغبت في اعادة قراءته، لشدة حاجتك اليه أواعجابك به . وبالنسبة اليّ فأن كتاب طاولتي هو" الناس، والأعوام، والحياة " ففيه دروس بليغة لكل المثقفين، ولكل من يعتز بثقافات الشعوب دون تمييز، وبالقيم الأنسانية النبيلة .

. كان اهرنبورغ يعتقد بأن غياب الدين عن الحياة الأجتماعية في الأتحاد السوفييتي، قد ترك فراغاً روحياً هائلاً، لن تملأه سوى الثقافة وبخاصة الآداب والفنون، وهذه الفكرة يتحدث عنها في مواضع عديدة من مذكراته الرائعة، التي كانت التربة الخصبة، التي نبتت ونمت فيها حركة " المنشقين الروس " منذ الستينات وحتى تفكك الأتحاد السوفييتي .

 

قوة الكلمة الصادقة:

كان خطر الأعتقال والتصفية محدقاً بأهرنبورغ طوال فترة حكم ستالين . وكان كمن يسير على حبل مشدود . يقول بين الأسطر ما لا يمكن أن يبوح به صراحة ً، فهو كان يوازن بين التعبير عما يفكر فيه ويشعر به في ظروف النظام الشمولي المغلق، وما يتوق اليه من أدب قادر على التأثير في الجمهور العام القاريء، وبين قيود الرقابة التي كانت مفروضة على حرية التعبير، وعلى نشاطات المبدعين والعلماء وعموم المثقفين . وكان يعتقد أن قول جزء من الحقيقة راهناً، افضل وأقوى تأثيراً من قول كل الحقيقة بعد عشرين أو ثلاثين عاماً . لم ير اهرنبورغ سنوات " البريسترويكا " فقد غيبه الموت قبل ذلك بعشرين عاماً تقريباً، ولكن كتاباته المؤثرة، التي كان المثقفون الروس يتلقفونها بشغف ويطيلون التفكير فيها، أسهمت الى حد بعيد في التشريح الفكري للنظام السوفييتي الشمولي البائد .

اسم اهرنبورغ سوف يبقى حياً في ذاكرة الأجيال الروسية الصاعدة وفي سجل الثقافة العالمية، وليس من قبيل المصادفة أبداً، أن العديد من الكتب قد ظهرت في الغرب في السنوات الأخيرة عن حياة وأبداع هذا الكاتب الأنساني الكبير.

 

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (5)

abdulhusan shaabanتحت بند النقد والنقد الذاتي تمت تنحية عامر عبدالله مرات عدة وإعادته للحزب

وقد عكس ذلك التوجّه الكيدي والانتقامي ضيق أفق وردّ فعل لا يجمعها جامع مع لغة الحوار واختلاف الآراء، علماً بأن كثيرين كتبوا في نقد الحزب وسياساته، بل في التعرّض بالقدح والذمّ والإساءة لأسماء وشخصيات من طاقم الإدارة القديم وتاريخهم، وهناك من وجّه اتهامات خطيرة ضدهم يربأ الكاتب بنفسه من تناولها، متعكّزاً كما يقول على معلومات، وهي الطريقة التي يتبعها بعض الحزبيين حين يريدون إغلاق الحوار، لكن هؤلاء لم يتوقف أحد عندهم إلاّ بصورة عابرة، في حين ما هو لافت أن يشمّر البعض عن ساعده لينال من الكاتب والكتاب وموضوع الكتاب "عامر عبدالله"، بسيل من الاتهامات والإساءات الشخصية ما أنزل الله بها من سلطان.

وبقدر ما في الأمر من شعور بالحزن والأسى إلى أن مستوى الحوار والجدل والتفكير ينحدر إلى هذا الحد، الذي كان أقلّ ما ورد في قاموسه تهمة المشبوهية والخيانة التاريخية، علماً بأن الأمر يستحق المساءلة القانونية والقضائية للقدح والذم والإساءة. وعلى حد تعبير صديقنا الروائي والصحافي الساخر شمران الياسري " أبو كَاطع" فإن أية تهمة، بل أدناها، سيكون أقلّها "الإعدام". وقد سبق لي أن رويت عن ناظم كزار والتهم التي يحضّرها ضد خصومه من السياسيين، ويبدو أن مثل هذا الأسلوب يعجب بعض أصحابنا الذين يقتبسون منه في إطار قرابة للضمائر المخرّبة. وهي تدلّ على خيال مريض وواقع مملوء بالحقد واليأس والعبث والخذلان.

أقول بقدر ما في الأمر من حزن، فإنه مفرح في الوقت نفسه أن يُظهر الناس على حقيقتهم وتنكشف أحجامهم الطبيعية بعد أن ظلّوا يختبئون لمدّة طويلة وراء عناوين مختلفة وينتفخون بألقابهم الحزبية. والأمر مفيد أن يستنفر المخلوعون ما تبقّى من قواهم للردّ على كتاب، وكاتب لا يمتلك سوى سلاح النقد، لفترة عاشها وخبرها، وكتب عنها من خلال شخصية شيوعية مثيرة هو عامر عبدالله، كجزء من مراجعاته الماركسية، ولا يهم البحث عن الحقيقة إن تعرّض للسباب والشتم والاتهامات والقدح والذم والتعيير، " فالإناء ينضح بما فيه"، وتلك إحدى مآثر علم النفس الحديث، ولاسيّما نظرية العالم سيجمند فرويد حول "الإسقاط" حين يحاول الإنسان أن يسقط ما عنده على الغير في مسحة لإبعاد الشبهات التي تظلّ تحوم حول أسئلة عالقة، حتى وإنْ احتمى "بالجماعة" وقبِلَ بالتدجين وسلّم بخنوع بالمقسوم، وصدق الرسول محمد (ص) في قوله " إذا بُليتم بالمعاصي فاستتروا"!.

والأمر مهم أيضاً حين يتم تناول كتاب لأنه يعود إلى مدى تأثير موضوعه والمقصود عامر عبدالله، ثم مدى تأثير كاتبه وصدقيته، خصوصاً لجمهور القرّاء، ولاسيّما لعدد واسع من الشيوعيين السابقين والحاليين، اتفقوا أو اختلفوا مع بعض توجهاته، لكنهم قرأوا باهتمام بالغ ما كتب، إضافة إلى شخصيات وطنية متعدّدة ومن اتجاهات مختلفة. وقد أبلغ الناشر " دار ميزوبوتيميا"، إن الكتاب قد نفذْ (فقد بعد ثلاثة أشهر من صدوره)، ولم يصادف أن نفذَ لديه كتاب بهذه السرعة وبهذا القدر من الطلب عليه، والأكثر من ذلك أن هناك كما نقل الناشر من قام بمحاولة استنساخ الكتاب وبيعه بطريقة غير قانونية ودون موافقة دار النشر، للطلب عليه، وطلب مني إصدار ما يشير إلى إن مثل هذا الأمر غير قانوني، وإن هذا الاستنساخ التجاري غير مرخّص من قبل الكاتب الذي لم يخوّل أحداً فيه، لكنّني اعتذرت عن ذلك وقلت إن ذلك من مسؤوليات دار النشر، وليس من مسؤولية الكاتب، وإذا اقتضى الأمر طبعه مرّة ثانية، فستكون طبعة محسّنة ومنقّحة.

 

استنفار واستفزاز

وثمة أمر يثير التساؤل: هل يستحق كتاب لكاتب مثل هذا الاستنفار؟ أم إن وراء الأكمة ما وراءها، بمن فيه لبعض من لم يقرأ الكتاب أو يطّلع عليه أو مرّ عليه مروراً سريعاً أو تصفّحه، دون مناقشة الإشكاليات التي تتعرّض لدور عامر عبدالله وأطروحاته ومساهماته بخصوص الحرب العراقية – الإيرانية، والمؤتمر الرابع والظواهر الغريبة في حياة الحزب وصولاً إلى حالات تعذيب وقتل تحت التعذيب، ثم باستدراج عناصر من إدارة الحزب إلى بغداد وبقائها لأسابيع تحت رحمة الأجهزة المخابراتية العراقية، ثم مغادرتها أو غضّ الطرف عنها خلال وجود وفد "الجبهة الكردستانية" للمفاوضات مع الحكومة العراقية بعد فشل الانتفاضة العام 1991، والأمر ليس افتئاتاً أو إساءة لأحد أو إشاعة يتم تردادها أو تهمة تتم محاولة إلباسها بغرض التشكيك، بل واقعة حقيقية مضى عليها اليوم أكثر من عقدين من الزمان، وهناك تفاصيل أخرى لا مجال لذكرها، وهو ما نقلته بعض القيادات الكردية العليا وأكّده بعض من خضع لمثل ذلك " القدر"، ولكن إدارة الحزب السابقة سكتت عنه ولحد الآن.

وشمل الحديث عن عامر عبدالله بعض آرائه وتوجهاته كجزء من تاريخ الحزب والكونفرنس الثاني العام 1956 والنزعة العروبية والتجديدية التي سادت بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي وتغيير أساليب الكفاح من التوجّه السلمي إلى الخيار العنفي بعد انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر.

وليس بعيداً عن ذلك العلاقة مع سلام عادل بما فيها من عناصر وصل وعناصر فصل، وود قبل الثورة ونكد بعدها والعلاقة مع قاسم وملابساتها ، وخصوصاً موضوع إشراك الحزب الشيوعي بالحكم وتظاهرة 1 أيار (مايو) واجتماع تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) العام 1959 للجنة المركزية والنقد والنقد الذاتي، وصولاً إلى عقوبات عامر عبدالله وتنحياته المتعدّدة وعودته، وغيرها من القضايا ذات الطبيعة الإشكالية، التي حاول الكتاب مناقشتها بشفافية.

تلكم ملخّص مكثف للقضايا التي تناولها الكتاب، فضلاً عن جوانب شخصية تخصّ عامر عبدالله وطفولته ومدينة عانه وعائلته ودراسته وترجماته وكتبه وغير ذلك، إضافة إلى عدد من القضايا الشائكة والملتبسة، بما فيها خط آب العام 1964 ومسألة "العمل الحاسم" العام 1965 والتحالف مع البعث العام 1973 ودور عامر عبدالله وانفضاض عهد الجبهة وفترة المنفى واشكالياته ومشاكله، وهي قضايا تحتاج إلى حوار هادئ ومفتوح، وبقلب حار ورأس بارد، بعيداً عن الزعم باحتكار الحقيقة أو إدارة الظهر عن مشكلات حقيقية عانى منها الحزب، وهي التي أوصلته إلى ما وصل إليه الآن من أزمة بنيوية مستفحلة، قبل وبعد انهيار الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية وانحلال الاتحاد السوفييتي وارتباك الخطاب الآيديولوجي، والانتقال من ضفة الولاء المطلق للسوفييت، إلى الحديث عن مقتضيات العولمة والتكيّف مع النظام الدولي الجديد ودور واشنطن فيه.

الإستنسابية الشيوعية

إن عقدة احتكار الوطنية لدى صدام حسين وحزب البعث، ولاسيّما خلال الحرب العراقية- الإيرانية، تتلبّس بعض إداراتنا وإداريينا، لاسيّما الذين تم الاستغناء عن خدماتهم تلك التي تزعم حقها في احتكار اسم الشيوعية وحق النطق باسمها، وكأنها عقار تتصرف بملكيته بموجب سند بالطابو أو علبة من زجاج تخاف عليها من الكسر،وتحاول حملها معها أينما حلّت وارتحلت، "حفاظاً"على نقاوة الماركسية، حتى وإن انتهى أمرها بتقديم أوراق اعتماد امتحان الكفاءة إلى بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، حسب تعبير الروائي والكاتب سلام عبّود، من جانب الأمين العام السابق والأمين العام الحالي، ليختار من يجده مناسباً، وهو ما حاول بريمر أن يطرق عليه في كتابه " عام قضيته في العراق".

لم يعد أعداء الحزب من الإمبرياليين والصهاينة، فهؤلاء أصبحوا بعرف بعض إداريينا وذيولهم "المجتمع الدولي" والقوى الكبرى، ولا يمكن مواجهة الولايات المتحدة بعد تبدّل ميزان القوى وانهيار الكتلة الاشتراكية، وكأنها قدر أقرب إلى "الحتمية التاريخية" التي كان البعض يتشبث بها، مثلما يتشبث المسلمون بالبسملة. وأصبحت "إسرائيل" لديهم جزءًا من القدر الحتمي الأمريكي، ويتحدث بعضهم عنها بصفة أقرب إلى الاستشراق والمستشرقين، وكأننا لسنا أبناء هذه المنطقة وشعوبها التي عانت من عدوان وإرهاب وعنف الصهاينة وحماتهم الامبرياليين، لدرجة إن منظمة حماس وحزب الله وحركة الجهاد ومنظمات مقاومة أخرى، هي منظمات إرهابية بعرف هؤلاء وذيولهم ومتفرعاتهم، لا تختلف عن داعش والقاعدة وجبهة النصرة، بل ويذهب بعضهم حتى دون حياء إلى اعتبار سبب عدوان "إسرائيل" على غزة في عملية " الجرف الصامد" العام 2014 يعود إلى استفزازات حماس ، ولا فرق لدى البعض بين حركة تحرّر وطني ، وإنْ كانت تحمل في خطابها وممارساتها نواقص وثغرات وعيوب، وبين حركات إرهابية لا برنامج لها ولا وسيلة لديها سوى العنف والقتل والإرهاب، وإذا كانت المقاومة تلتجئ إلى العنف اضطراراً، فلأن الوسائل الأخرى انعدمت أمامها من أجل التحرير واستعادة الحقوق، علماً بأن القانون الدولي أعطى للشعوب المستعمَرة والتابعة ، حق اللجوء إلى القوة وإلى جميع الوسائل المشروعة لنيل استقلالها وانعتاقها.

لكل قاموسه

سأهمل جوانب التجريح الشخصي والتطاول والإساءة المقصودة والاستفزاز ومحاولة إبعاد الحوار عن هدفه وهو إجلاء الحقيقة، وجرّه إلى لغة مهاترات لا تغني ولا تسمن من جوع، وأكتفي بالقول إن لكل شخص قاموسه ومن يريد التخويض في مثل تلك الأوحال، فلينتظر ما شاء، فلن يجد ردّاً، وقد خبرت مثل تلك الأساليب التي تحاول إيذاء الآخرين وقد سبق أن استخدمت بما يخجل الإنسان عن ذكره بحق نوري عبد الرزاق في رسالة حزبية مذيّلة من المكتب السياسي في العام 1989 ، وضد مهدي الحافظ على مدى زاد عن عقد من الزمان (كل عقد الثمانينيات)، وضد باقر ابراهيم وصلت درجة الشتائم والاتهامات الصريحة وضد عامر عبدالله وحسين سلطان وآرا خاجادور وحميد برتو وعدنان عباس، وقبل ذلك ضد بهاء الدين نوري وماجد عبد الرضا وخالد السلام وثابت حبيب العاني وصاحب الحكيم و"أبو عليوي (المناضل الفلاحي هاشم محسن)" ومظفر النواب وسعدي يوسف والقائمة تطول لتشمل عشرات ، بل مئات الكوادر وعلى مدى فترات زمنية مختلفة.

النتيجة واحدة وإنْ تعدّدت الأسباب، وباختصار فإن ذلك يعني في سلوك الإداريين إخراج غير المطيعين والمتمردين من " مجتمع المؤمنين" أو "جنّتهم" حتى وإنْ كان بينهم ما صنع الحدّاد، وهذا يعني حسب منطق المقدّس والمدنّس "الحكم على الخارجين بالذهاب إلى جهنم"، وهي الوسيلة التي استخدمت في جميع الأحزاب الشمولية في الحكم وخارجه، وفي أوروبا الشرقية بشكل خاص وفروعها ما أطلقنا عليه " دول التحرر الوطني" ، مثل التجربة البعثية والناصرية والقذافية والبومدينية واليمنية الجنوبية وغيرها.

ولنا من تجربة أفغانستان وأثيوبيا والانقلابات والمؤامرات "الماركسية" الدموية خير دليل على ذلك، مضافاً إليه تجربة الحرب الأهلية بين القبائل "الماركسية" اليمنية في 13 كانون الثاني (يناير) العام 1986، التي راح ضحيتها أكثر من 13 ألف مواطن شهيد وضحية، وقد حاول عامر عبدالله في حواراته مع الكاتب مقارنة مجزرة قاعة الخلد بحق القيادات والكوادر البعثية في العام 1979 بمكيدة "المؤتمر الرابع" والتي عصفت بنصف القيادة الشيوعية وعدد من الكوادر الحزبية في العام 1985، وإنْ كان الفارق أن البعث في السلطة، وأن المؤتمر الرابع انعقد والشيوعيون بين المنافي والجبال البعيدة والمناطق النائية.

وقد انقلب السحر على الساحر لاحقاً فأطيح بعدد من المشاركين المتحمسين لخطة المؤتمر الرابع واعتبروا فائضين عن الحاجة وأصيب بعضهم باليأس والمرارة والاندحار لكنهم استمرأوا سياسة الخنوع وأوجدوا لأنفسهم أدواراً لمداراة حرصهم وطريقة إخراجهم من الإدارة.

لا زال البعض من إداريينا يتشبثون ببعض المقولات الستالينية حتى وإن كانت صدئة وعفا عليها الزمن، وهم يرددون: إذا وجِدَ حزبان شيوعيان في بلد واحد، فأحدهما انتهازي، بل ويزيدون على ذلك بدمغه بالخيانة، فكيف الأمر إذا كان فرداً يعتز بحمله راية الشيوعية، ولكن ليس على الطريقة العاطفية، ويستخدم عقله وضميره ويعترف بتقصيراتنا ونواقصنا ويحاول وضعها في سياقها التاريخي وهو يكتب عن الحزب وتاريخه. إن حالة التطيّر التي تصيب بعض الإداريين، حتى وإن كانوا بدون إدارة حالياً، هي دليل على أنهم لا يزالوا يعيشون في الماضي ولا يريدون الخروج منه.

كتب وإشكالات!

وقبل أن أنتقل لمناقشة بعض الموضوعات ذات الصلة، أذكر أنه عندما صدر كتابي "الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية" في العام 1985، ولقي إقبالاً واستحساناً، على الرغم من منعه في عدد من الدول الخليجية في حينها، علّق أحد الإداريين أنه " ترجمة" وليس تأليفاً، ونسي أن الترجمة علم بذاته، ولست بقادر عليه، ولم أزعم أنني مترجم، حتى عندما ترجمت كرّاساً (أعددته مع مقدمة) ونشرته على خمس حلقات في مجلة الهدف الفلسطينية بعنوان " مذكرات صهيوني" أشرت بهذه المناسبة إلاّ أنني لم أقم بترجمته حرفياً، بل بإعداده، وقد صدر لاحقاً بكرّاس عن دار الصمود العربي في بيروت.

ولأن الموضوع كان مثيراً بالنسبة لي، فبذلت جهداً لإطلاع القارئ العربي عليه، وهو بالأساس أربع حلقات نشرت في صحيفة " المنبر" التشيكية في السبعينيات، وتتحدث عن علاقة الصهيونية بالنازية والتنسيق بينهما عن طريق إيغون ردليخ أحد قيادي المنظمة الصهيونية ماكابي هاكير، حتى وإن كان في السجن وقد أعدم في وقت لاحق، لكن مذكراته عُثر عليها في سقف أحد البيوت الحجرية في مدينة غودوالدوف بعد 23 سنة على إعدامه، ونشرت بعد حين.

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (4)

abdulhusan shaabanبيروت مركز إعلامي وأمني للنظام السابق وساحة مهمة من ساحاته الخارجية

كنت أعتقد أن غضب النظام على الكاتب يتأتّى من كونه قدّم سيناريو لإحالة المسؤولين عن شنّ الحرب إلى القضاء الدولي وفي مقدمتهم الرئيس السابق صدام حسين، بموجب أربع تهم أساسية، وعدد من الوثائق الدولية، وهو بتواضع أول معارض عراقي قدّم تلك المنهجية في الصراع، قانونياً وسياسياً، لكنني تيقّنت بعد حين إن ذلك أيضاً لا يعيره النظام أي اهتمام.

كان المهم لديه لدرجة الهوس والانتقام هو وضع الشيوعيين في خانة اللاوطنية، وإظهار نفسه المدافع عن مصالح البلاد العليا، ولذلك لا يقبل أية منافسة له في الدفاع عن القضية العراقية والحقوق العراقية التاريخية، التي قال ممثل النظام د. عصام عبد علي في عدن خلال انعقاد مؤتمر مجلس السلم العالمي حول " خطر الوجود العسكري الامبريالي في الشرق الأوسط والخليج العربي" وحضره وفد برئاسة عامر عبدالله والدكتورة نزيهة الدليمي وكاتب السطور، إن ذلك من حق النظام وحده، فما بالك حين يأتي كاتب ومن منظور أكاديمي ليدافع عن حقوق العراق، والأكثر من ذلك حين يكون شيوعياً، الأمر الذي أثار انفعاله ، لاسيّما وأن مزاجيته ونرجسيته لا تقبلان أي شريك، فكيف الأمر بمعارض، ومن موقع اليسار؟.

 

الوطنية العراقية

لم أكن أحسب إن الكتاب سيترك مثل هذا الأثر والتأثير، بل والنقمة عليّ وعلى عائلتي، الاّ بعد فترة طويلة، وهو ما عرفته من أحد أقطاب النظام لاحقاً الذي التقيت به بعد سنوات على هامش أحد المؤتمرات الدولية، فقال لي: أنتم تريدون منافستنا على آخر ما نملك وهو "الوطنية"، ولذلك كنتم أخطر علينا من الآخرين الذين نستطيع أن نكيل إليهم الاتهامات بسهولة: فهذا في الحضن الإيراني، وذاك من الموساد وثالث من الـ CIA ورابع ضمن الأجهزة السورية، وهكذا، أما من وقف ضد احتلال إيران للعراق ووقف ضد الحصار وضد مشروع الاحتلال الأمريكي، وفي الوقت نفسه يقف ضدنا باعتبارنا دكتاتوريين ومتفرّدين بالسلطة ومستأثرين بالمواقع، فقد كان الأخطر في عرف الحلقات المتقدمة من النظام، لأنه يريد أن ينزع عنّا الورقة التي نكافح وننافح فيها وهي " الوطنية العراقية" فماذا سيتبقّى لنا؟

إن صدور كتاب عن الحرب العراقية- الإيرانية يعيد طرح المسألة الوطنية على نحو مختلف من منظور معارض، عدّه النظام اختراقاً غير مسموح به، بعد أن ظهر الرئيس صدام حسين حينها، وهو يبتسم على شاشة التلفزيون، ليعلن إلغاء اتفاقية الجزائر من طرف واحد، بل ليقوم بتمزيقها أمام الملأ في 17 أيلول (سبتبمر) العام 1980، ثم بعد خمسة أيام، أي في 22 أيلول (سبتمبر) ليبدأ بشن الحرب، ويجتاح الأراضي الإيرانية، ويزهو بانتصارات هي أشدّ عاراً من الهزيمة على حد تعبير كارل ماركس، فهذا في عرف النظام تحدّياً لا ينبغي السكوت عنه، خصوصاً وإن الكتاب حاجج بخصوص الوسائل التي كان ينبغي اتباعها وهي مقرّرة في الاتفاقية ذاتها، والتي كان يمكن اللجوء إليها تجنّباً للحرب وابعاداً لشبحها، على الرغم من جميع التحفّظات القانونية والسياسية بشأنها.

لكن الحرب كانت الكارثة الأكبر التي عرفها العراق حتى ذلك التاريخ، وتوالت بعدها الكوارث والفواجع والمآسي الواحدة تلو الأخرى، فمن الحرب التي دامت ثمان سنوات 1980-1988 إلى غزو الكويت في 2 آب (أغسطس) العام 1990، إلى حرب قوات التحالف ضد العراق في 17 كانون الثاني (يناير) العام 1991، إلى مسلسل قرارات مجلس الأمن الدولي التي فرضت الحصار الدولي الجائر ونظام العقوبات الغليظة على العراق، والتي زادت على 60 قراراً، ثم وصلت إلى 73 قراراً صدر منها نحو 13 قرار بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، وظلّ العراق يرزح تحت رحمة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بالعقوبات الدولية، وصولاً إلى اندلاع الإرهاب والعنف على مصراعيهما وصعود الموجة الطائفية- الإثنية.

كان موقفي من اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 سلبياً انطلاقاً من دراساتي القانونية، ولاسيّما تقييمها طبقاً لاتفاقية فيينّا حول "قانون المعاهدات" لعام 1969، وهو ما كتبته في حينها بمطالعة من 13 صفحة، وهو الرأي الذي بنيت عليه فكرة الكتاب، خصوصاً بعد شن الحرب، وزاد الأمر تعقيداً تلويح إيران بمشروعها الحربي والسياسي الذي عبّر عنه السفير السيد موكري منذ وقت مبكر حين طرح أربعة شروط لوقف الحرب، تناولها الباحث في الكتاب وهي : استفتاء أكراد العراق، بالانفصال أو الانضمام إلى إيران، ووضع مدينة البصرة تحت السيادة الإيرانية المؤقتة، ومنح 150 مليار دولار تعويضات لإيران بسبب شنّ الحرب عليها، والأهم من كل ذلك هو قيام نظام حكم إسلامي (على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران) بديلاً عن صدام حسين.

وهي أطروحات أبرزها الكتاب وعارضها، بتمسّكه بحقوق العراق مستعرضاً الاتفاقيات والمعاهدات التي تنازلت بها الدولة العثمانية تاريخياً للامبراطورية الفارسية، وهي حقوق تتعلّق بالعراق أساساً، وتناول العلاقات العراقية – الإيرانية منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 ولحين شن الحرب بما فيها اتفاقية العام 1937 التي تضمنت بعض التنازلات العراقية لإيران، ودور إيران الشاه في توتير العلاقات بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وانسحاب العراق من حلف بغداد الاستعماري، ثم السعي لإلغاء اتفاقية العام 1937 من طرف واحد في العام 1969، وتوقّف عند اتفاقية الجزائر التي اعتبرت شط العرب نهراً دولياً، وقسمته بموجب خط الثالويك Thalweg ، من أعمق نقطة في وسط النهر عند انخفاض منسوب المياه، وحتى البحر، علماً بأنه خط وهمي.

ولعلّ مثل هذا الإقرار يعتبر تنازلاً خطيراً لإيران، فشط العرب هو نهر وطني عراقي وليس نهراً دولياً، فضلاً عن إن انحساره تاريخياً من الضفة اليسرى، الأمر الذي سيوقعه بعد نحو 100 عام حسب علماء الطوبوغرافيا في الجانب الإيراني، إضافة إلى تنازلات أخرى عن أراضي عراقية في كردستان في منطقة نوكان- ناوزنك ( التي كان للحزب الشيوعي مواقع أنصارية فيها، وقد عاش فيها الكاتب بضعة شهور)، مقابل استعادة مناطق زين القدس وسيف سعد التي لم تعيدها إيران، فاستعادها العراق حرباً، ثم عدنا إلى اتفاقية الجزائر ذاتها بخطاب وجّهه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في 15 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1990 إلى الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني في العام 1990 في حينها بعد تورطه باحتلال الكويت، وكأن دماء نحو مليون إنسان من الطرفين، وخسارة نحو 100 مليار واحتياطي 37 ملياراً وديون ثقيلة وأسرى ومعوّقين، لا قيمة لها وذهبت هدراً.

 

اختراق معاكس

لعلّ صدور كتاب في بيروت التي كانت تعتبر مركزاً إعلامياً وأمنياً للنظام، وهو يفضح الحجج التي تعكّز عليها في شن الحرب، وفي الوقت ذاته كان كاتبه شديد الحساسية إزاء حقوق العراق، كان يعني من وجهة نظر النظام اختراقاً في ساحة مهمة من ساحاته الخارجية، بل ساحة متقدمة، خصوصاً وقد جاء في ظل فعاليات سياسية وثقافية عراقية معارضة كان للحزب الشيوعي الدور الأكبر والأساس فيها، ولذلك كان ردّ الفعل شديداً، خصوصاً وأن الأمر أحدث نوعاً من التشوّش عربياً على الدعاية الديماغوجية الخارجية للنظام، وهو ما دفعه للانتقام من الكاتب وعائلته التي تحمّلت على مدى زاد على عقدين من الزمان عذابات لا حدود لها مثل العديد من العوائل السياسية العراقية المعارضة.

ولا أريد هنا التوقّف إلى ما تعرّض له الكاتب قبل ذلك من اعتقال وملاحقة ولاحقاً من ضغوط ومحاولة اغتيال وحجز الأموال المنقولة وغير المنقولة، فضلاً عن مصادرة مقتنياته الشخصية، لكنه تسنّى لي بعد لقائي بالوالدة بعد أكثر من عقدين ونيّف من الزمان (على آخر لقاء لي بها في بيروت حين أرسلها النظام لمقابلتي وتقديم عروض لي من جانب المخابرات العراقية) وحكت لنا تفاصيل ذلك والتهديدات التي حملتها، بحضور عبد الرزاق الصافي، عضو المكتب السياسي في حينها، وفخري كريم، مسؤول بيروت في حينها، وقد استمعنا إلى قصص وحكايات عن المعاناة الرهيبة التي عاشتها العائلة طيلة تلك الفترة.

وحين رحلت الوالدة نجاة حمود شعبان في العام 2007 كتبت خاطرة بعنوان " أحنّ إلى خبز أمي" وهي مرثية استذكار واعتذار، وفي العام 2012، وفي حواراتي مع الكاتب والإعلامي توفيق التميمي، ضمنّت ردّي على أحد أسئلته الذكية " رسالة اعتذار متأخرة" إلى والدتي ووالدي لما سبّبته لهما طيلة حياتي من أذى، لم أكن قادراً على ردّه أو إيقافه، وأكرّر مرّة أخرى، أنا فخور بهذه العائلة المتحّابة، المتسامحة ، المتفانية والنبيلة.

إذاً كان وراء الاستهداف من جانب الحكومة العراقية وجهاز مخابراتها هو محاولة احتكار الوطنية العراقية، خصوصاً باستغلال ضبابية بعض أطروحاتنا وشطط بعض ممارساتنا وقصور بعض تقديراتنا وتحالفاتنا، واستمرار رفعنا لشعار " إسقاط الدكتاتورية ووقف الحرب"، وهو الشعار الذي أثار نقاشات وجدالات وتوتّرات، وقادت هذه إلى تعارضات وانشقاقات وتباعدات، وخصوصاً بعد احتلال الفاو، شملت إدارة الحزب وكوادره بينهم: زكي خيري وعامر عبدالله وباقر ابراهيم وحسين سلطان ومجموعة المنبر التي ضمّت مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وخالد السلام وأحمد كريم وكاتب السطور، ومجموعة من الكادر الوسطي، إضافة إلى عشرات المثقفين اليساريين بينهم سعدي يوسف ومحمد كامل عارف وهيفاء زنكنة ومظفر النواب وشاكر السماوي وطارق الدليمي وعبد اللطيف الراوي ومحمود البياتي وآخرين.

 

1-كتاب وخطاب: عقدة احتكار الشيوعية

استذكرت حكاية كتاب " النزاع العراقي – الإيراني" عند بعض ردود الأفعال السلبية إزاء صدور كتابي عن : "عامر عبدالله- النار ومرارة الأمل: فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية"، الذي استقبل بحفاوة أكثر مما أتوقّع بكثير من لدن أوساط واسعة، حتى إن هناك من عرّف به قبل صدوره، وهناك من أجرى مقابلة مع الكاتب عنه عشية صدوره وكتب بمناسبته عن عامر عبدالله أكثر من كاتب، وهناك من اتصل ليحجز نسخة له ويسأل عن دار النشر. واحتفت به بشكل خاص أوساط أخرى من المهتمين بالحركة الشيوعية والوطنية وتاريخها وشخصياتها، التي يمثّل عامر عبدالله أحد أبرزها، حيث كان الوجه الأكثر إثارة للجدل خلال العقود الأربعة منذ الخمسينيات وحتى الثمانينيات، وتعرّض ما تعرّض له من إساءات بعضها لم يكن بعيداً عن أوساطنا، كما يبيّن الكتاب، فضلاً عن بعض آرائه واجتهاداته.

 

الوفاء الشيوعي

واعتبر كثيرون إن صدور كتاب عن عامر عبدالله هو جزء من الوفاء للتاريخ الشيوعي ولشخصية مميّزة لم يُعرف عنها الكثير إلاّ اختلاطاً، لاسيّما وسط الزحام الكثيف وفي ظل صعود موجة طائفية- إثنية، وكان إصدار كتاب عنه، ويتضمن حوارات مباشرة معه إزاء عقد تاريخية ومشكلات وطنية وأخرى حزبية، إنما إجلاء لكثير من الحقائق والمعلومات، ناهيكم ما احتواه الكتاب من وثائق ونصوص ومواد بقلمه، سواء محاضرته في الكوفة كاليري في لندن العام 1992 أو محاضرته في الملتقى الفكري للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، عن: حرّية التعبير وحق المشاركة السياسية العام 1993، وهما إضافتان جديدتان تنشران لأول مرّة على نطاق واسع، لاسيّما في تطوّر فكر عامر عبدالله، وربما كانا مرتكزين لتوجّهات كتابه "مقوّضات النظام الاشتراكي العالمي" الصادر في العام 1997، وشكّلا واحدة من إرهاصاته، إضافة إلى مذكرته للرفاق السوفييت العام 1986 (مع باقر ابراهيم) ومذكرته إلى عزيز محمد الأمين العام السابق العام 1989 (مع رفاق آخرين ومجموعة المنبر) وعكست هذه النصوص نظرته إزاء القمع الحزبي ومراراته بخصوص تطور الأوضاع السياسية بشكل عام والواقع التنظيمي بشكل خاص وما آلت إليه الأمور.

بيد إن هذا الاهتمام بالحركة الشيوعية وبعامر عبدالله، لم يكن يعجب بعض الإداريين السابقين في الحزب ممن أرادوا المطاولة مع عامر عبدالله بعد غيابه، فأخذوا يبحثون عن دور لهم في الإساءة لهذا الرفيق أو ذاك، لاسيّما لأصحاب وجهات النظر ومن الذين اتخذوا مواقف في الأزمة الطاحنة التي شملت الحزب منذ نحو أربعة عقود، ولا تزال مستمرة، فهناك من اعتبر الحديث عن مواصفات عامر عبدالله ودوره التاريخي مبالغة، في حين هناك من اعتبره جحوداً بحقه وتطاولاً عليه من خلال بعض الانتقادات التي تناولها، وبالطبع فإن التمجيد أو التنديد، مثلما هو التقديس أو التدنيس، ليسا من مهمات الكاتب والكتاب، وبالطبع فإن الكاتب يتفهّم طبيعة هذا النقد، ويقدّر بعض دوافعه، لكن تحوّله إلى هجوم غير مسبوق، فهو أمر خارج نطاق النقاش والجدل والخلاف الذي لا ينبغي أن يُفسد في الود قضية كما يُقال، لاسيّما حين يكشف بطريقة سافرة عن " السمّية" والحقد، بل والكراهية لدرجة التأثيم والتجريم والتحريم، وذلك لإخفاء الارتكابات التي اعتقدوا أن الذاكرة يمكن أن تمحوها أو إن النسيان سيطويها وإن الإنشغال بالهموم اليومية للناس منذ الاحتلال ولحد الآن يمكن أن يُبعد تلك المشكلات عن دائرة الضوء أو يقلّل من أهميتها، متناسين إن الحاضر استمرار للماضي، سواء في مبالغات لخدمة الغير والتسبيح بحمده أو في الحصول عن امتيازات ومكاسب لأوضاع ملتبسة ومثيرة للتساؤل.

نبذة عن حياة العلامة الفقيد الشيخ محمد مهدي الآصفي

ali almomenملاحظة: هذه النبذة هي جزء مما دونته في الثمانينات والتسعينات عن حياة سماحة الشيخ الآصفي؛ على لسانه أو بخط يده. وقد نشرت قسماً منها في كتابي (سنوات الجمر)، وسانشر تفاصيلها مستقبلاً في إطار دراسة أو كتيب.

ولد آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي في النجف الأشرف عام 1939 من عائلة دينية علمية، فكان جده مرجعاً دينياً في إيران، وأبوه آية الله الشيخ علي محمد الآصفي من مجتهدي النجف.

752-ali

وقد جمع الشيخ محمد مهدي الآصفي بين الدراستين الدينية والأكاديمية؛ إذ تخرج من كلية الفقه في النجف الأشرف في دورتها الأولى، ثم درس الماجستير في جامعة بغداد، وتتلمذ في دراسته الدينية في الحوزة العلمية في النجف الأشرف على كبار الفقهاء ومراجع الدين؛ ففي مرحلة السطوح كان من أبرز أساتذته العلامة الشيخ محمد رضا المظفر والعلامة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي والشيخ مجتبى اللنكراني. وفي مرحلة البحث الخارج (الدراسات العليا) تتلمذ على الامام السيد محسن الحكيم وآية الله الشيخ مرتضى آل ياسين وآية الله الشيخ حسين الحلي والإمام الخوئي والإمام الخميني، حتى مكّنته ملكاته العلمية من الحصول على درجة الاجتهاد في سن مبكرة. وكان أحد أبرز وكلاء الإمام الخوئي في العراق ثم الكويت وإيران بعد هجرته اليهما في سبعينات القرن الماضي.

عمل العلامة الآصفي أستاذاً للفلسفة لأكثر من 15 سنة في كلية أصول الدين ببغداد وكلية الفقه في النجف الأشرف، إضافةً إلى تدريسه الفقه والأصول والفلسفة في الحوزة العلمية النجفية. وكان أسلوبه في التدريس مميزاً؛ لأنه كان يجمع بين المنهجية الأكاديمية والمنهجية المسجدية. كما كان يقيم المحاضرات الأسبوعية والدورية الإسلامية في أكثر من مكان منذ أواخر الخمسينات.

انتمى الى حزب الدعوة الإسلامية في عام 1962، وما لبث أن أصبح من كوادره المتقدمة ومسؤولاً عن تنظيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف. وعمل أيضاً مع جماعة العلماء في النجف الأشرف في هذه الفترة. وفي عام 1971 بدأت السلطة البعثية تتابع نشاطاتها وتحركاته، وتحولت المتابعة إلى ملاحقة دائبة؛ فاضطر الى التخفي بعد صدور أمر إلقاء القبض عليه، حتى هاجر إلى الكويت عام 1974 بجواز سفر مزور. ثم حملته ظروف العمل الإسلامي على السفر إلى إيران، إلاّ أن سلطات الشاه بهلوى بدأت بملاحقته، نظراً لعلاقاته مع المقربين من الإمام الخميني في إيران واتصالاته بهم، وحاول السافاك (الأمن الإيراني) إلقاء القبض عليه، ثم احتجزه واحتجز جواز سفره، إلاّ أنه عاد إلى الكويت متخفياً خلال عام 1975، واستقر فيه ثانية، حيث ساهم في قيادة العمل الإسلامي من هناك، بعد أن اختير عضواً في القيادة العامة لحزب الدعوة الإسلامية.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية هاجر إلى إيران، وساهم في إعادة بناء تنظيمات حزب الدعوة التي تعرضت لضربات شديدة في العراق، وانتخب ناطقاً رسمياً لحزب الدعوة خلال عام 1980. وساهم في العام نفسه في تأسيس مجلس العلماء لقيادة الثورة الإسلامية في العراق مع قياديين آخرين في الحزب ومستقلين. كما انتخب عضواً في الهيئة الإدارية لجماعة العلماء المجاهدين في العراق عام 1982، كما شغل منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق لسنتين، ثم استقال منه مع ممثلي الحزب الآخرين في المجلس. وبقي يعمل في صفوف قيادة الدعوة حتى عام 1999؛ إذ جمّد عضويته فيها بعد ذلك؛ الا انه بقي على تواصل مع الحزب، وكان يعد أحد أبرز حكماء الدعوة، وظل يساهم في حل الإشكالات التي تحصل داخل الحزب حتى وفاته. وكان آخر مسعى له ( وقد بدأه قبل وفاته بشهر ونصف تقريباً، وتوفي وهو يتابعه متابعة حثيثة) هو إعادة ترتيب الأوضاع داخل قيادة حزب الدعوة؛ ضماناً لوحدة الحزب وتمهيداً لانعقاد مؤتمره القادم.

وكان الإمام الخامنئي قد عيّن العلامة الآصفي أميناً عاماً للمجمع العالمي لأهل البيت (بدرجة وزير) في عام 2000. وبعد ثلاث سنوات تقريباً استقال منه ليتفرغ للعمل العلمي والخيري؛ وذلك إمتداداً لنشاطاته في هذين المجالين؛ إذ كان من أساتذة الفقه والأصول والأخلاق والعقائد في الحوزة العلمية في قم منذ وصوله اليها. كما كان يرعى في ايران والعراق وافغانستان آلاف الفقراء والمعوزين من مختلف الجنسيات؛ ولا سيما العراقيين والأفغانيين والباكستانيين؛ وذلك عبر مؤسسات خيرية كبيرة؛ أهمها مؤسسة الإمام الباقر.

وبعد سقوط نظام صدام؛ عاد الشيخ الآصفي الى النجف الأشرف، وشرع فوراً بتدريس الفقه والأصول على مستوى البحث الخارج في الحوزة العلمية. وكان من الشخصيات المعتمدة والبالغة الإحترام لدى الإمام السيستاني والإمام الخامنئي. وأصبح في السنوات الأخيرة ممثلاً للإمام الخامنئي في النجف الأشرف. وفي الوقت نفسه كانت لديه وكالة من الإمام السيستاني. كما كان يحظى باحترام جميع الحركات والتيارات الإسلامية الشيعية العراقية. وساهم عبر بياناته وفتاواه وتوجيهاته وتحركاته في تثبيت الأوضاع في العراق الجديد ومحاربة الإرهاب.

ويعد الشيخ الآصفي أحد المفكرين الإسلاميين المعاصرين، ويبلغ عدد مؤلفاته المطبوعة أكثر من ثلاثين مؤلفاً في الفلسفة والفكر والفقه والتفسير والاقتصاد منها: (الإمامة في التشريع الإسلامي) و(المدخل إلى دراسة التشريع الإسلامي) و(دور الدين في حياة الإنسان) و(ملكية الأرض – رسالته في الماجستير) و(تداول الثروة) و(ولاية الأمر) و(تاريخ الفقه الإسلامي) و(آية التطهير) و(نظرية الإمام الخميني في دور الزمان والمكان في الإجتهاد)، (وأثر العلوم التجريبية في الإيمان بالله) و(الدعاء) و(بحوث في الحضارة الإسلامية).

وكان أهم ما يميز العلامة الآصفي هو تواضعه الجم وأخلاقه العالية، وانطباق وعظه ونصائحه وإرشاداته مع تفكيره وسلوكه وأسلوب حياته. ولذا كان نموذجاً للداعية والمفكر والسياسي الإسلامي الحقيقي. ولكن أكثر ماكان يلفت النظر في سلوكه هو زهده العجيب؛ في ظاهره وباطنه؛ في مسكنه ومركبه وملبسه ومأكله؛ على الرغم من وضعه الديني والعلمي والسياسي والإجتماعي؛ الذي يسمح له أن يكون من الأثرياء وأصحاب المظاهر؛ ولكنه فضّل أن يعيش عيشة الفقراء؛ الذين كان يحبهم ويرعاهم ويخدمهم بنفسه؛ إذ كان الشيخ الآصفي يشتري المواد الغذائية والسلع المنزلية ويملأ سيارته بها، ويخرج كل ليلة مع مرافقه ليوزعها بنفسه على الفقراء في بيوتهم.

توفي العلامة الشيخ الآصفي في مدينة قم؛ حيث كان يخضع لدورة العلاج الكيمياوي؛ وذلك في صبيحة يوم الخميس 16 شعبان 1436 هـ الموافق 4 حزيران/ يونيو 2015؛ عن 76 عاماً؛ بعد أدائه صلاة الفجر مباشرة.

 

رحيل الآصفي خسارة أمّة

nazar hatamكثيرون سيتناوبون الحديث عن الراحل آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي ليستعرضوا حياته الحافلة منذ صباه بالعلم، والوعي، والثقافة، والتواضع، ومقارعة الأنظمة الدكتاتورية لاسيما نظام صدام المستبد، ولا ينسون محطته اللافتة المتمثلة بزهده الذي يمثل فاصلة عميقة بينه وبين كثيرين ممن يدعون الوقوف في هذه المحطة المضيئة فيما هم في الجهة النقيض .

وحتى يتبين الخيط الابيض من الخيط الأسود في هذه الإشكالية، اسألوا عما اذا حاش الاصفي لنفسه من دنياه شيئا ً مذكورا في وقت كان بإمكانه حيازة ما لا يحلم به اللاهثون ومحبو المال حبا ًجما .

الآصفي ظاهرة في تماهي السلوك مع العلم، والتقوى، والفكر، والثقافة الشاملة .

لا أحد من المنصفين أن يجافي حقيقة أن الآصفي قد عاش للإسلام، وللإنسان باحثا ً في قلبه العامر بنور الإيمان عن الحقيقة التي تتجسد فيها خدمة المبدأ ليكون معها، ومن اجلها دون أن تأخذه في ذلك

مصلحة شخصية، أو إنحياز لغير ما يجد فيه مصلحة العامة.

لا اظن احداً قد التقى الآصفي من دون أن يجد نفسه تواقاً الى القرب منه، ومشدوداً إليه بكل أحاسيسه وعقله ووجدانه، لأن الرجل ثري بكل ما تحمل الكلمة من معنى،، موسوعي بقدر تواضعه الذي لا تحده حدود .

عام 1987 قد التقيته بعد أن كان التردد يسد علي منافذ الرغبة الجامحة في التشرف بلقياه،، لما كنا نسمعه عنه وبخاصة في زنازين الأمن العامة في زمن النظام المقبور حيث لم يكن يفتر احدٌ من المحققين الجناة -حينها - عن ذكر الآصفي وهم يسألون هذا المعتقل او ذاك عما اذا كان يعرف الآصفي أو التقاه ؟

مازلت اتذكر جيداً اسئلته عن حال السجناء،، عن صمودهم، عن معاناتهم من دون أن ينقطع بين الفينة والفينة عن كلمات الدعاء لهم،، ولخلاص العراق من ربقة الطاغوت .

 

وحين توطدت العلاقة به كان يبادرني دوما ً في السؤال عن الشعر،، ولا انسى ذات يوم طلب أن اقرأ له ما هو خارج عن الشعر المناسباتي،،،، قال :" اقرأ لي وجدانيات، أو غزل لأن الشاعر في هذه الأغراض تتضح صورته الشعرية بكثافة " أحسست حينها أن الرجل عابر لما هو تقليدي،، وهو كذلك،، اذ لم يكن الرجل تقليدياً بقدر ماكان موسوعياً، متدفقاً بكل ما هو مضئ فيخطف القلب بما يتحدث في شؤون الأدب، والسياسة، والتاريخ، وسرد الأحداث،، ولا ينسى أن يقرأ بصوته المتهدج مقاطع من قصائد لشعراء كبراء عرب ٍأقدمين، ومعاصرين،، من دون أن يستثني حافظ الشيرازي أو مولوي، فينتقل عبر نصوص شعرية لهما الى اللغة الفارسية فيسارع الى ترجمتها بيتاً، بيتاً ممعناً في مواطن الدهشة التي يسوقها بتفاعل حميمي من اجل أن يجعلك شريكاً له في ذائقته الأدبية الذكية بامتياز.

سألني ذات يوم : " ماذا تقرأ في الأدب هذه الأيام " ؟

قلت له : شيخنا لقد وقعت في يدي الرواية الانجليزية (جين اير " Jane Eyre ") للكاتبة تشارلوت برونتي .

 

ابتسم ثم عقب قائلا:" هذه الرواية أنا قرأتها في اواخر الستينات " ثم استطرد في الحديث عن فصول هذه الرواية التي تعنى بالنقد الإجتماعي، كما لو أنه قد فرغ من قرائتها للتو.

لم تشغله دروسه الحوزوية ومهامه الكبيرة والمتشعبة عن متابعة المعاصر، وملاحقة احداث الراهن بكل تجلياته المعرفية لذا يشعر عارفوه عن كثب أن غيابه ثقيل على القلب لا سيما على قلوب الفقراء، والمحتاجين الذين نذر جهداً وافراً من حياته في سبيلهم، فيما كان هو كأحدهم مجانباً لعيشة الأثرياء، مجانباً لحب المال، صادقاً بالسلوك قبل اللسان في الحديث عن الزاهدين، والاتقياء،، مؤرقاً عميقاً للأدعياء، ومقلقاً لمن يتحدثون عن زهد علي بن ابي طالب(ع) وهم غارقون في دنيا معاوية بن ابي سفيان .

وداعاً أيها الثائر على الخداع،، على الأدعياء، على المتكبرين،، على المتفرغين بعد الصلاة الى ملئ جيوبهم بالمال الحرام،، عبر الحيل التي ما انزل الله والعقل بها من سلطان .

لقد مضيت يا شيخنا المعبأ بالمكرمات لكنك ستبقى تحاكم الآخرين بما أسديت لتظل ممسكاً بقلوب من احبوك بصدق فإنك تستحق الحب،، كل الحب في زمن الكراهية .

ويكفيك صدقاً مع الله ومع النفس، و" علواً في الحياة، وفي الممات" وجودك المبارك بين صفوف الذائدين عن العراق في جبهة الحرب مع القتلة الظلاميين رغم عناء المرض،، فأي مكرمة ٍ تركت لمن بعدك !! سلام عليك،، على صفاتك النيرات،، نم قرير العين في رحاب الله فقد وفدتَ إليه مع الذين ثقلت موازينهم . وحزننا بفقدك مقيم

 

نزار حاتم

 

بوشكين صحفيا

من الوقائع التي لا زلت مندهشا امامها - منذ ان عرفتها ولحد الان - في تاريخ الادب الروسي، هو ان بوشكين في يوم مبارزته مع خصمه الضابط الفرنسي دانتيس ذهب الى عمله الاعتيادي، وكان رئيس تحرير مجلة سوفريمينك (المعاصر)، وهناك مارس عمله اليومي الاعتيادي، اذ قام بتصحيح بعض المقالات كما يجب وكتب بعض الهوامش اللازمة عليها هنا وهناك، ثم ذهب بعد ذلك الى المبارزة، والتي – كما هو معروف – اصيب بها وتوفي على أثرها بعد يومين من المعاناة وكان عمره آنذاك 38 سنة . من الممكن – عند تأمٌل هذه الواقعة الحقيقية – ان نصل الى العديد من الخلاصات والاستنتاجات المرتبطة بها، منها مثلا شجاعة بوشكين وقوة اعصابه ورباطة جأشه والاصرار على حفظ كرامته الشخصية وايمانه القوي والعميق بحقه ...الخ، ولكن يمكن ان نضيف الى كل ذلك ايضا حبه واحترامه لعمله الصحفي والتزاماته تجاهه وارتباطه الحيوي والروحي بهذا العمل وطبيعته .

بوشكين – ظاهرة ثقافية وفكرية كبيرة في تاريخ روسيا، فهو قبل كل شئ شاعرها الوطني الاول، وواضع اسس لغتها المعاصرة، ولا يمكن بالطبع ألكتابة باختصار عن مكانته الفكرية واهميته التاريخية لروسيا، وأظن ان كلمات الناقد الروسي ابولون غريغوريف حول بوشكين تختصر ذلك، اذ انه قال عن بوشكين كلمة اصبحت مشهورة جدا في تاريخ الادب الروسي وهي – (بوشكين – هو كل شئ)، وهذا ينطبق ايضا – وبلا شك - على تاريخ الصحافة الادبية الروسية طبعا . لقد بدأ بوشكين بنشر نتاجاته في تلك الصحف والمجلات التي كانت موجودة في روسيا بداية القرن التاسع عشر، وهناك احصائية طريفة في تاريخ هذه الصحافة تشير الى ان بوشكين نشر 50 نتاجا من نتاجاته في تلك الصحف، بما فيها في جريدة (ليتيراتورنايا غازيتا) (الصحيفة الادبية) التي كانت تصدر في ذلك الحين، والتي لازالت تصدر لحد الان في روسيا وهي تحمل في عنوانها صورتين لاديبين هما الكساندر بوشكين الذي ساندها بقوة ونشرنتاجاته الادبية فيها وساهم في دعمها، ومكسيم غوركي الذي أعاد اليها الحياة بعد ثورة اكتوبر 1917.

كان بوشكين يحلم ان تكون له جريدة او مجلة خاصة به، يستطيع من خلالها ان يطرح وجهة نظره الخاصة به في شؤون الادب والفكر بشكل عام، وهكذا استطاع الحصول على الموافقات الاصولية اللازمة باصدار مجلة فصلية تصدر اربع مرات بالسنة عنوانها – (سوفريمينك) اي (المعاصر) وذلك عام 1836، وقد أصدر فعلا في ذلك العام أربعة أعداد منها . لم تستطع مجلة بوشكين – كما هو الحال بالنسبة لمعظم الصحف والمجلات الروسية في ذلك العصر – ان تكسب المردود المالي اللازم لضمان استمرارية صدورها، اذ انها حصلت على 600 مشترك ليس الا، وهو رقم متواضع جدا لا يمكن ان يموٌل تكاليف الاصدار، مما اضطر بوشكين في العددين الثالث والرابع ان يكتب اكثر من نصف موادها وباسماء مستعارة ليخفف ويقلل من مصروفاتها المالية . لقد كانت مجلة المعاصر ذات مستوى ثقافي رفيع جدا، اذ انها نشرت العديد من نتاجات غوغول مثل قصتة الطويلة المشهورة – (الانف)، ومقالتة النقدية حول حركة المجلات الادبية، وساهمت اسماء لامعة في دنيا الادب الروسي فيها مثل الشعراء جوكوفسكي وتوتشيف وكولتسوف وغيرهم، وحاول بوشكين ان يجذب بيلينسكي للكتابة فيها، ونشرت المجلة موادا متنوعة من شعر ونثر ودراسات ومقالات نقدية وتاريخية واثنوغرافية متنوعة جدا، ونشر بوشكين نفسه نتاجاته فيها ايضا مثل - (التاجر البخيل) و(رحلة الى ارضروم) و(ابنة الآمر) وغيرها.

بعد المبارزة التراجيدية ووفاته، قرر اصدقاء بوشكين الاستمرار باصدار تلك المجلة، وهكذا صدرت المجلة عام 1837 باشراف مجموعة من اصدقاء بوشكين وبنفس الحجم والشكل وكتبوا على غلافها – (سوفريمينك / مجلة بوشكين الادبية / تصدر لدعم عائلة بوشكين / يحررها فيازيمسكي واسماء ادباء آخرين.. ..)، وقد استمرت المجلة بنفس النهج السابق لها، ونشرت بعض نتاجات بوشكين التي لم يستطع نشرها في حينه، واستطاعت ان تتحول الى مجلة شهرية . توقفت هذه المجموعة من الادباء الروس عن اصدار هذه المجلة عام 1846 وباعتها الى الشاعر الروسي نكراسوف، الذي استمر باصدارها واستطاع ان يكسب اليها مساهمة ادباء روس كبار مثل تورغينيف وغانجروف وغيرتسن وتولستوي وأستروفسكي ...الخ، ثم جاء الى المجلة الناقد والمفكر الروسي الثوري تشرنيشيفسكي وزميله الناقد الادبي دوبرالوبوف وتحولت المجلة الى لسان حال الديمقراطيين – الثوريين، وحدث بسبب ذلك انشقاق في هيئة تحريرها وانسحب منها تولستوي وتورغينيف وغريغورفيتش، ثم تم غلقها من قبل السلطة القيصرية عام 1866 . هذا هو التاريخ المختصر جدا والوجيز جدا لمجلة بوشكين سوفريمينك (المعاصر) منذ اصدارها من قبله عام 1836 حتى اغلاقها عام 1866 .

لا توجد – حسب معلوماتي المتواضعة – دراسات تفصيلية شاملة حول تاريخ الصحافة الروسية باللغة العربية، واظن انه من الضروري جدا كتابة ذلك بلغتنا العربية كي ندرس هذا التاريخ الحيوي والمهم جدا لاستيعاب وفهم خصائص دولة كبرى مثل روسيا وتاريخها الفكري ، والذي يقتضي – قبل كل شئ – ان يستعرض الوقائع التاريخية الخاصة بهذه المادة بشكل عام، والوقائع التاريخية بالصحافة الادبية بشكل خاص، اذ ان هذا التاريخ يعني – بالنسبة لنا - دراسة وتحليل المجتمع الروسي بمختلف جوانبه الفكرية بلا أدنى شك، وكم اتمنى ان يأخذ أحد الباحثين العرب الشباب هذه المهمة، ويدرس تاريخ الصحافة الادبية الروسية، ويقدمها للقارئ العربي، وفي مقدمتها مجلة بوشكين الادبية – سوفريمينك (المعاصر)، وذلك باشراف احد المتخصصين العرب في هذا المجال في احدى الجامعات العربية التي يوجد فيها قسم خاص بالادب الروسي وتاريخه، وهذا يقتضي بالطبع – وفي ألاقل - تقديم فهارس كاملة لتلك المجلات وخلاصات وافية لمحتوياتها وآراء تحليلية وموضوعية لتلك المحتويات، وهي مهمة ليست بسيطة في كل الاحوال .

دعونا نتمنى تحقيق ذلك .

 

أ.د. ضياء نافع

 

المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى (3)

abdulhusan shaabanالنظام لاحقني بشكل استثنائي إثر صدور كتاب النزاع العراقي- الإيراني

وتلك كانت مفردات لمحاضرة لي في الكويت، وأخرى في الجامعة اليسوعية في بيروت بتحريض من الصديقين جهاد الزين وحامد حمود العجلان، وهو الأمر طالما بقيت أبحث عنه في العديد من الحوارات واللقاءات والكتابات والاستفهامات مع عدد من الشخصيات الفكرية والثقافية، لا فيما يتعلق بالنجف، بل بالتاريخ والأحداث والسرديات والذكريات والمذكرات، خصوصاً من يمتلك قدرة في قراءة نقدية للماضي، بكل ما له وكل ما عليه.

وإذا كان هذا الاستهلال يخصّ عامر عبدالله ارتباطاً بحوارات ومدارات ومفهومات سبق للكاتب أن عرض بعضاً منها، وهو إذْ يتابع استكمال بعضها، فلأن بعض ما لديه لم ينفض الغبار عنه بعد، خصوصاً حوارات في موضوعات شائكة وتقييمات لأشخاص ومواقف وأحداث، وذلك ضمن منهج اتبعه الكاتب مع شخصيات وازنة ومبدعين نافذين، ويحتفظ ببعض قصاصات جمعها في أوقات مختلفة وبلقاءات منقطعة ومتّصلة مع عامر عبدالله وعنه، عن مدينة عانة والعانيين عموماً، وعلاقتهم بمدينة راوة، فضلاً عن دعابات وطرائف، كان مخزون عامر عبدالله غنيّاً بها ويعرضها بمنهج سسيوثقافي فيه الكثير من النقد الذاتي، مثلما هي علاقة البيبسي كولا بالحداثة مثلاً، أو ماركس بأكلة البامية وهكذا.

في المثقف وفقه الأزمة، أعود إلى ما كتبته في كتاب عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل" وما رافقه من ردود فعل إيجابية أو سلبية، إذْ يمكننا التمييز بين ثلاثة أنواع من الذاكرة:

الأولى- الذاكرة الانفعالية، وهي شكل من أشكال الإرادوية التي يتم إسقاطها على الواقع، سواءً لتصفية حسابات أو لتبرير مواقف أو صرف النظر عن أخرى أو تحميل مسؤولية إلى جهة وتبرئة النفس عن أخطاء وممارسات أو غير ذلك، وهدف هذه الذاكرة ليس الاستذكار أو التذكّر أو إعادة قراءة الحدث التاريخي انطلاقاً من تكوّنه والعناصر الجديدة التي ظهرت عليه والوقائع المضافة التي أعقبته، والمؤثرة في تقييمه بالطبع، لاسيّما خلاصاته التاريخية، أي أخذه بسياقه التاريخي وربطه مع غيره من الأحداث، مستفاداً من العبر والدروس التي أفرزتها التجربة التاريخية، وعكس ذلك فإن الانفعالية ستؤدي إلى التقولب، خصوصاً إذا حُدّدت الوظيفة مسبقاً خارج سياق الوقائع التاريخية أو حين تتم قراءتها بطريقة مبتسرة وانتقائية والتي ستؤدي إلى الإخلال بتفاصيلها، ولعلّ بعض هذه القراءات، هي محاولة لنقض كل ما عداها لدرجة لا يمكنها أن ترى التطورات التي حدثت والوقائع الجديدة التي يمكنها تغيير مسار الوجهة الأولى، التي غالباً ما أنتجت تخندقاً سياسياً وعصبوية آيديولوجية، ترى في نفسها أفضلية على الآخر وتزعم امتلاك الحقيقة.

الثانية- الذاكرة الحسيّة، وهي القدرة على تذكّر واستذكار الأحوال والأهوال أحياناً على نحو خام، أي من خلال مفردات ووقائع وتفاصيل عند حدوث الفعل التاريخي، ولكن قراءته تأتي بعد حين، بما تُرك وما استقر في الذاكرة، باعتباره واقعاً لا جدال فيها، خصوصاً إذا ما استمرّ الوعي يشحن الانحياز المسبق، وعدم الرغبة في رؤية ما استجد وما أضيف إلى الواقعة التاريخية، بحيث يؤثر على مسارها. وبكل الأحوال فإن المادة الخام يمكن تكييفها أو إعادة عجنها حسب قراءة المؤرخ أو الشاهد أو المشارك، وفقاً لتوجهاته ودرجة وعيه ومقدرته على ملامسة الحقيقة.

الثالثة- الذاكرة المنظّمة، وهذه الذاكرة لا تقتصر على المادة الخام وإنْ كانت هذه ضرورية ولا يمكن الحديث عن ذاكرة دون هذه المادة الأولية، ولا على الرأي المسبق بالطبع، الذي يتناول الحدث بطريقة انفعالية، بالاصطفاف والتمترس، بزعم الأفضليات أو ادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما تقوم على تذكّر واستخلاص المعاني التي تنتظم الذكريات في إطارها، وهذا الناظم يقوم على المادة الخام (المادة الأولية التي تتألف منها الوقائع) وصولاً إلى الدلالة، خصوصاً بفعل التحقّق، وذلك بإضفاء التفسيرات والتأويلات على النص أو الحدث أو الواقع المعيش، ونحن نتحدّث عن تاريخ مضى، وبذلك يمتزج الفكري بالتاريخي، والاجتماعي بالنفسي، والقراءة المجرّدة، بإعادة ترتيب الصور والأحداث، على نحو عضوي بتوليف عناصره، من خلال إعادة قراءة الحدث في سياقه التاريخي.

بهذه الصورة حاولت أن أقدّم عامر عبدالله من خلال محاولاته لقراءة ما حدث على نحو يؤشر وبخطوط ملوّنة إلى الواقع من خلال قراءة جديدة، وسعيت أن يشارك فيها جمهور القرّاء أيضاً، من خلال نقد ذاتي لعدد من التوجهات التقليدية السائدة والمستقرّة، أو التي تلقى المسؤولية فيها على الأعداء، وهم يتحمّلون قسطهم الكبير والوافر في ذلك، لكن عبر مراجعة لأخطائنا ونواقصنا وبعض مواقفنا وممارساتنا، على نحو يتّسم بالأريحية وعدم المغالاة. وسبق للكاتب أن قال لأكثر من مرّة إن إخفاء النواقص والعيوب والتغطية على المثالب والثغرات، هو مجافاة للحقيقة وإساءة كبيرة لتاريخنا المضيء والمليء بالعناصر الناصعة والمشرقة.

إن فعل التذكّر يشكل عنصراً أساسياً في استعادة بعض الوقائع التاريخية، مضافاً إليه فعل النقد والمراجعة، من خلال مسار تاريخي كان عامر عبدالله فيه هو صانع الحدث والمشارك فيه والشاهد عليه وذلك بإخضاعه لفحص وتدقيق ومناقشة ورؤية مختلفة أحياناً، لكن ذلك لم يكن يرضي أصحاب الذاكرة الانفعالية بشكل خاص، خصوصاً وأن الكاتب حاول استرجاع الحدث والتعرّف على تفاصيله وكأنه يحدث اليوم، من خلال ما وقع فعلاً مقارنة بأكثر من مصدر أحياناً، والأمر يحتاج إلى تمحيص وتقليب من زوايا مختلفة، إضافة إلى ما اكتسبه الإنسان من معارف جديدة، وما أضيف إليه وما كتب عنه وما ظهرت من حقائق بخصوصه، وهي محاولة درج عليها منذ ثلاثة عقود، وفي ذلك اتفق واختلف مع صانع الحدث وشاهده ومع آخرين.

المعرفة مرتبطة بالزمن الحاضر، حتى وإن كنّا نتحدث عن التاريخ، فهناك عناصر مكوّنة لها، منها درجة التعلّم والاكتساب، إضافة إلى التكوين والتخزين والاسترجاع والاستجماع والاستيعاب والإحاطة والاستنهاض والمقارنة والمقاربة، وذلك في إطار مصهر أكاديمي ومحاولة الابتعاد عن العواطف والهوى المسبق قدر ما يستطيع، ولا شكّ إن في كل ذلك تجري أحياناً عمليات انتقاء واختيار حسب القدرة على الانتباه ودرجة التأثير ومدى التشكّل في نسيج الوعي، وهو ما يحدّده علماء النفس من علاقة بين الذاكرة المادية والذاكرة الروحية، وما تبقى من الأولى في الدماغ من معلومات، ناهيكم عن طريق استحضارها، في حين أن الثانية تختلف أحياناً مع العادة التي تأتي من خلال التكرار والإعادة وعنصر الاستخدام.

 

المثقف والموقف من الآخر

1- كتاب وملاحقة: الصراع على الوطنية

حين صدر كتابي " النزاع العراقي- الإيراني" في بيروت العام 1981 هاجت المخابرات العراقية للبحث عنّي سواءً لتصفيتي ومحاولة إيذائي على أقل تقدير، وكنت قبل ذلك قد كتبت مقالتين بذات المضمون في صحيفة تشرين السورية بعد عدّة أسابيع من اندلاع الحرب ( العام 1980). وعلى طريقتها المعروفة إنْ لم تستطع الوصول إلى هدفها، فتحاول المخابرات الانتقام من الأهل والعائلة والضغط عليهم بجميع الوسائل عسى أن تفلح في إضعاف خصمها، ولجأت إلى اقتحام منزلي ومنزل شقيقتي سميرة، الملاصق له في منطقة العطيفية – شارع المحامين، واحتجزت من في المنزلين، ومكثت فيهما لمدّة خمسة أيام، مع الوالد عزيز جابر شعبان الذي كان قد تعرّض إلى حادث سيّارة مدبّر قبل فترة قصيرة من هذا التاريخ، وبقي طريح الفراش حتى وفاته في مطلع العام 1985 ، والوالدة نجاة حمّود شعبان التي تحمّلت القسط الأكبر من الأذى وبقية أفراد العائلة.

وعلى مدى خمسة أيام جمعوا مكتبتي وجميع مقتنياتي الشخصية بما فيها شهاداتي الدراسية وصوري ورسائلي وأطروحاتي وثلاث مخطوطات كنت أعدّها للطبع، ونقلوها إلى المخابرات، حيث اقتادوا أفراد العائلة جميعهم إليها، واستبقيوا هناك، وأرسلت والدتي إلى بيروت للقاء بي، وتلك قصة أخرى سبق لي أن رويت جوانب منها بما يسمح فيه المجال، سواء في حواراتي مع د. حميد عبدالله لتلفزيون الاتجاه (خمس حلقات) أو لصحيفة الناس لمحاوري الإعلامي والكاتب توفيق التميمي الذي نشر منها 24 حلقة، ثم جمعها مع إضافات أخرى لتصدر في كتاب بعنوان "المثقف في وعيه الشقي".

وكان عامر عبدالله قد سألني لماذا تعتقد إن المخابرات العراقية استهدفتك بالذات، بعد أن عرف بإرسال والدتي إلى بيروت بهدف الضغط عليّ: ألأنك ممثل الحزب في العلاقات في الشام أم لنشاطك المعروف أم بسبب كتاب " النزاع العراقي- الإيراني"؟ وهنا لفت نظري إلى مسألة مهمة وحسّاسة لم أكن أعطيها الأهمية الكافية، خصوصاً وإن القوى والمواقف التي تعارض النظام كانت كثيرة ولها منشوراتها، لكن على ما يبدو أن موضوع الكتاب كان له وقعٌ آخر.

كان عامر عبدالله قد استحسن مادّة الكتاب وتوجّهه، وطالبني بتوسيعه، وكتبت لاحقاً عدّة دراسات بخصوص الحرب والنفط، والحرب والقضية الكردية، والحرب والصراع العربي- الإسرائيلي، وبانوراما الحرب، والحرب والحسم العسكري، وأسرى الحرب في القانون الدولي، وحرب المدن، وسيناريوهات الحرب، وحرب الناقلات، وعشرات المقالات غيرها في العديد من الصحف والمجلاّت الفلسطينية والسورية واللبنانية، كما ألقيت محاضرات في إطار رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين وفي مواقع فلسطينية للجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة النضال الشعبي، وبعد ذلك في مواقع قوات الأنصار في كردستان، في منطقة بشتاشان وأشقولكا وغيرها.

 

بارزان التكريتي

قلت لعامر عبدالله ما قاله مدير المخابرات العراقية برزان التكريتي في حينها كما عرّفت به والدتي حين خاطبها " السيد العام" كما كانوا يطلقون عليه " والمدير الكبير" كما أسمته: بأن الكتاب موجود على طاولة السيد الرئيس منذ شهر (المقصود صدام حسين)، وقد أطلعها على نسخة منه في الدُرج، وقالت إن لونه وردي، وقرأت اسمي عليه. وتنبّهتُ وأنا أطلب نسخاً من الناشر الرفيق "فخري كريم" (دار الطريق الجديد) إلى نفاذه بسرعة من مكتبات بيروت، وحرصت على بعض النسخ المتبقية التي أرسلت إلى منظمة سوريا وبعضها جلبته من اليمن عند زيارتي لها، وهي لا تتعدّى بضعة نسخ، فاحتفظت ببعضها.

واتّضح أن السفارة العراقية في بيروت في حينها قامت بشراء كمّية كبيرة من النسخ وأرسلتها إلى بغداد بطلب من الأخيرة، كما يبدو، وحينها أدركت سبب الاستهداف الحقيقي، فلم يكن النشاط المعارض ضد النظام وحده، فهناك كثيرون، بل أكثر مني "خطراً" على النظام، وأنا لست سوى كاتب أعزل لا يملك سوى سلاح النقد، وهو لا يعيره النظام أي اهتمام، فكما هو معروف كان نظاماً دموياً لا يضع أية اعتبارات لما تخشاه الكثير من الأنظمة عادة، إزاء سمعتها وتورّطها بأعمال إرهاب وبطش، فما الذي يدفعه لمثل ردّ الفعل هذا إزاء صدور كتاب، لم يقرأه سوى مئات في أحسن الأحوال، في وقتها؟.

ولكن للنظام حسبما يبدو حسابات أخرى تتعلق بالصراع الفكري والسياسي، وهنا أدركت على نحو أكبر وبشكل مباشر دور الكلمة، خصوصاً عندما تكون مؤثرة، فهي مثل المدفعية الثقيلة، فإذا أحسنت استخدامها في الميدان على نحو صحيح، فإن مفعولها سيكون ماضياً، والعكس صحيح أيضاً، وتلك بعض جوانب المعركة الآيديولوجية والدعائية، الأمر الذي كان يقتضي متابعته من جانب النظام، وهو ما دعاه لاستهداف صاحب الكتاب، علماً بأن الكثير من الأدبيات والمطبوعات كانت تهاجم النظام وتلعنه صباح مساء، سواءً من جانب الإسلاميين أو الشيوعيين أو الحركة الكردية أو البعثيين الموالين لسوريا أو غيرهم، لكن ذلك شيء، والحجج القانونية التي تعكّز عليها في شن الحرب، والتي قام الكتاب بتعريتها ودحضها شيء آخر.

المختلف في الكتاب الموسوم " النزاع العراقي- الإيراني: ملاحظات وآراء في ضوء القانون الدولي" إنه يدافع بلغة واضحة ولا غموض فيها عن حقوق العراق الوطنية التاريخية في الماء واليابسة، ويندّد بالاتفاقيات غير المتكافئة والمجحفة، ولاسيّما اتفاقية الجزائر الموقعة في 6 آذار (مارس) العام 1975 بين صدام حسين وشاه إيران، التي كانت إدارة الحزب الشيوعي قد أيّدتها للأسف الشديد في حينها بحرارة، ويستعرض الأطماع الإيرانية المعتّقة ، ويشدّد على تصحيح العلاقات العراقية – الإيرانية على أسس جديدة قوامها مصلحة الشعبين والبلدين والمشتركات الإنسانية واعتبار الحرب لا تخدم سوى الامبريالية والصهيونية.

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (2)

abdulhusan shaabanنجف في أعماق فحص كنت استحثه على إظهارها قبل رحيله

 

القسم الأول: القراءة والنقد والأزمة

1- مأزق المثقف الشيوعي

بعد صدور كتابي الموسوم " عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل" قرأت ما أثاره من ردود فعل واهتمام من جانب القرّاء بشكل عام والمعنيين بشكل خاص، كما تلقّيت عدداً كبيراً من الرسائل والمهاتفات من شخصيات وجهات عراقية وعربية، إضافة إلى ما كتب عنه في الصحافة وما أجري من مقابلات تلفزيونية وإذاعية وصحافية معي بخصوص الكتاب.

وفي الوقت نفسه كانت بعض ردود الأفعال مختلفة سلباً وإيجاباً في أواسط الشيوعيين، ولاسيّما من جانب بعض من عمل في إدارة الحزب في وقت سابق، لاسيّما من الذين أصبحوا "فائضين عن الحاجة"، وقد تكوّنت لدى هؤلاء ولأسباب مختلفة وجهات نظر خاصة إزاء عامر عبدالله وإزاء الصراع الذي دار في أوساط الحزب في الثمانينيات، وبعضه يمتدّ إلى فترة أبعد من ذلك في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، ولم يكن ذلك بعيداً عن شخصية عامر عبدالله الإشكالية وذات الكاريزمية الخاصة، ناهيكم عن المنافسات المشروعة وغير المشروعة، سواءً على المستوى الشخصي أو على المستوى السياسي أو على المستوى الفكري.

ولتلك الأسباب جميعها وجدت نفسي "مستدرجاً" بأريحية مجدّداً للكتابة حول "المثقف وفقه ألأزمة" انطلاقاً من بعض ما ورد بخصوص عامر عبدالله أو تاريخ الحركة الشيوعية، وما إلى ذلك من قضايا كانت ولا تزال مدار نقاش مفتوح وجدل مثار في الأوساط الشيوعية بشكل خاص والوطنية بشكل عام، بقدر ما تتشابك المصائر وتتداخل المصالح على المسرح السياسي، التاريخي والآني والمستقبلي، والأمر يمتدُّ إلى الحركة الشيوعية العربية والعالمية التي سبقتنا بمراجعات فكرية وسياسية للأزمة وأسبابها وتجلياتها وسبل الخروج من المأزق، وهو أمر لا زال بالغ الحيوية حتى وأن اعتبر بعضهم ذلك مجرد نزوة فكرية أو موضوع ماضوي لا يغني ولا يسمن من جوع، لكنني أعتقد أن الأمر يستحق تخصيص مثل هذا الوقت، لاسيّما في ظل تداخلات جديدة وتفاعلات فكرية كان من أبرزها المواقف من الاحتلال الأمريكي، فضلاً عما شهده العالم من تحدّيات جديدة، خصوصاً في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي عانت منها الرأسمالية التي ابتدأت في العام 2008 ولا تزال مستمرة حتى الآن.

بعض من قرأ الكتاب لاحظ إنني أتعامل مع نفسي كشيوعي، بل ومعتزٌ بشيوعيتي حتى وإن كنت خارج العمل الروتيني المسلكي واليومي، في حين كان ينتظر قسم آخر، ولاسيّما بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، الانزياح عنها إلى جانب خصومها بعد انسداد آفاقها وتدهور سمعتها بفعل ممارسات النظم الاشتراكية البيروقراطية الشمولية، وهو ما فعله البعض بالتبجّح بليبراليته الجديدة، فضاعت عليه البوصلة، فلم يعد يفرّق بين بنيامين نتنياهو وخالد مشعل، وبين الصهيونية ونظامها العنصري وحركة حماس، بل ويحمّل حركة حماس والمقاومة عموماً بما فيها حزب الله، أسباب عدوان "إسرائيل" المتكرّر.

وهناك من قرأ الكتاب أو قرأ ما كُتب عنه أو سمع به، فلاحظ أنني كتبت عن الشيوعية، وكأنني أخرج عليها، متصوّراً أن كل نقد لأخطائنا ومراجعة لتاريخنا، تضع الإنسان في خانة العداء والكره، هكذا يفسَّر النقد أحياناً من زاوية العقل السكوني والفكر المتخشّب والفهم المسطّح، فما بالك بالإغراضي.

لقد تصرّفت كناقد يشرح ويحلّل ويفسّر، سواء أصاب أم أخطأ، لكنه في كل الأحوال يقدّم اجتهادات وقراءات جديدة ومن الموقع ذاته، منطلقاً من نقد ذاتي اعتبره البعض جريئاً، في حين أغاظ البعض فندّد به، خصوصاً حينما تناولت بعض أخطائنا ونواقصنا، وبالطبع لا نقد يخلو من جرح أو ما يسبّبه من صدمة أحياناً، لاسيّما إذا انكشف المستور والمسكوت عنه، فالوقائع أحياناً تُفاجئ وتُدهش الكثيرين ممن لا يعرفون بواطن الأمور، أو ممن استغرقوا في السبات لدرجة التيبّس، وهنا نضع موضع المساءلة والمراجعة والنقد والنقد الذاتي تاريخنا بكل ما له من إشراق وتضحيات ودفاع عن قضايا التقدم والحداثة، مثلما عليه من مثالب وعيوب لا نريد أن نخفيها.

لقد حاولت كسر بعض التابوات والمحرّمات من خلال محاولات تشخيص ونقد ومكاشفة ومساءلة لقضايا لا يريد البعض لأحد أن يقترب منها، وكل قصدي الاّ يستمر تمويه الحقائق إلى ما لا نهاية أو الالتفاف على الأزمة الفكرية والسياسية التي لا زلنا نسبح في فضائها أو مشكلاتنا الداخلية العويصة، وليس الهدف الإساءة إلى أحد أو إلى التاريخ، بل لكي لا تتكرّر وتزداد الأزمة استعصاءً وتعقيداً، وهو ما يناقشه اليوم جمهرة من الشيوعيين والماركسيين العرب، فلم يعد مقنعاً التنكر للأزمة أو محاولة إلقاء تبعاتها على العدو فحسب، مثلما كان الأمر في السابق.

لقد ناقشنا على مدى عقد كامل (الثمانينيات) هل إن حركة التحرر الوطني في أزمة أم ثمة مصاعب ونواقص تعاني منها؟ وكان البعض يتضايق من مجرد ذكر كلمة الأزمة، معتبراً ذلك مبالغة أو تطرّفاً أو استهدافاً، وإذا بالأمر ينكشف على نحو سافر عن أزمة طاحنة وبنيوية في حركة التحرر الوطني، بل في الأنظمة الاشتراكية التي كان مجرد الاقتراب من نقدها تضع الناقد في خانة "الأعداء"، وهو أمر انعكس على صعيد نقد الحزب أو قيادته أو سياساته ومواقفه، وللأسف فإن بعض موروثاتها لا يزال قائماً ومستمراً ولم يتأثّر بالتغييرات الكبيرة التي حدثت في العالم.

والأمر لا يقتصر على الشيوعيين العرب، بل إنه موضوع مطروح للنقاش على المستوى الكوني، وهناك مساهمات جدية على هذا الصعيد، سواءً في الغرب أو في البلدان الاشتراكية السابقة، وحاولت عرض جزء منها في كتابي " الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية" .

الأساس في موقفي النقدي، إنني أعرّف بالشيوعية كما أفهمها، وكما أنظر إليها كيما تكون، خصوصاً وأنني خارج الصراع الداخلي، وقد حسمت هذا الأمر منذ زمن، وتحرّرت من انتمائي الضيق متوجّهاً إلى الفكر الرحب، متخلصاً من الطقوس والفرائض والأحكام والأطر التي تشبه إلى حدود غير قليلة أحياناً، تعاليم أتباع الأديان والطوائف، في حين أن الشيوعية تنتمي إلى أهل الفلسفات، فما بالك بقيم الحرية والعدالة والمساواة.

كنتُ أشعر بثقل الوصاية، ولهذا حاولت البحث عن صيغ أخرى جديدة مهنية وحقوقية لخدمة الإنسان، لاسيّما في البحث عن الحقيقة، خارج إطار اليقينيات السرمدية والحتميات التاريخية وبعيداً عن التهويمات العقائدية، بهدف التجديد الفكري، وعبر عناوين وأسماء ذات حيوية وفعالية راهنية.

لا شيء يجدي للقول إن النظرية سليمة والخطأ في التطبيق، خصوصاً بعدما أنتج هذا الأخير على يد دُعاته وحرّاسه كل هذا الكم الهائل من الاستبداد والعنف الأعمى والفساد الفاحش وشحّ الحرّيات وعدم تكافؤ الفرص ومحاولة احتكار الحقيقة، بل ومحاولات إذلال الإنسان وتصغير شأنه حتى وإن كان الهدف المعلن هو " أنسنة" إنسانيته، لكن التجارب جميعها تقريباً كانت عكسية.

في بعض المداولات لاحظنا منطق التهافت والافتئات على الحقائق، بل نكرانها، وحتى كيل التهم لتغطية الارتكابات ومتفرّعاتها ومحاولة محو آثارها. ولأنني لم أقصد سوى تسليط الضوء على بعض الظواهر، فقد أحجمت عن ذكر الكثير مما أعرفه من الحقائق والوقائع، والتي يعرف المتبجّحون قبل غيرهم أنني أعرف ذلك، بما فيه بعض ما خفي على بعضهم، ولذلك اتجهت إلى نقد العقل ونقد النصوص والبيانات، وعلى نحو آخر نقد الوقائع ونقد الحقائق، لأنه لا وجه واحد لها، فلا يستطيع المرء الزعم بأنه يمتلك الحقيقة كاملة وغير منقوصة.

علينا إعادة قراءة الوقائع والنصوص وأثرها المكتوب والمسموع، لنرى مدى الاقتراب بين الفكر والواقع، وبين النص ومعناه، وبين البيان ودلالاته، عند ذلك لا يجدي نفعاً الزوغان عن الحقائق أو محاولة طمسها، وإذا كانت هناك قراءة مغلوطة لها فستتضح وينكشف السرّ.

لا أنفي عن نفسي تهمة القراءة النقدية حتى للماركسية ذاتها، فهي بالنسبة لي قابلة للنقد وغير مقدّسة، وخصوصاً تعاليم ماركس نفسه، الحلقة الذهبية التأسيسية في الماركسية وليس نهايتها، فقد كانت تعاليمه تصلح لعصره وليس لعصرنا. أي أنها ليست سرمدية وخالدة، دون أن يعني ذلك التخلّي عن منهجه المادي الديالكتيكي الذي لا يزال صحيحاً، مثلما يمكن الإفادة من المدارس الأخرى، علماً بأن الرأسمالية ولاسيّما بعد الأزمة الراهنة عادت إلى كتب ماركس واستندت إلى منهجه في دراسة الظواهر المختلفة في السابق والحاضر، ولو عاد إلى الحياة هارولد ويلسون رئيس الوزراء البريطاني (العمالي) في الستينيات، فستراه يكون أكثر حصافة حين يتحدّث عن ماركس والماركسية، إذْ لم يعد بوسعه القول: يجب علينا ألاّ نبحث عن حلول في مقبرة هاي غيت (حيث يرقد ماركس) وبالطبع لم يكن بالإمكان مجادلته بمنطق يقبله، لكن أهمية منهج ماركس عادت اليوم إلى الحياة ولم تعد تقبع في المقابر، وهو ما يقرّ به كبار الرأسماليين.

كتب جورج ماغنوس وهو محلل اقتصادي كبير في بنك UBS الذي مقرّه في سويسرا ويمتلك رصيداً يزيد عن 2 تريليون دولار مقالة بعنوان " أعطوا كارل ماركس فرصة لانقاذ الاقتصاد العالمي"، وهو الأمر الذي فات الكثير من اليائسين والمندحرين الذين وجدوا في انهيار الأنظمة الاشتراكية وكأنه انهيار للحلم القديم، مثلما أفرح الكثير من الذين اعتقدوا بظفر الرأسمالية الأبدي، ونهاية التاريخ حسب فرانسيس فوكوياما، مبشرين بحقبة من الرخاء والنظام الأكثر عدلاً بفعل منجزات الاقتصاد الحر، وإذا بنا بعد أقل من عقدين من الزمان تتحول تلك الأحلام المريضة إلى كوابيس، واتضح إنها أوهام وتهويمات ليس إلاّ، وأن فرضية كفاءة السوق لا يمكنها أن تكون علاجاً شافياً لأمراض الرأسمالية، وذلك حسب تعبير الكاتب البريطاني " ألين وودز" في مقالته المثيرة " راهنية أفكار ماركس".

ولذلك فإن القراءة النمطية ذات الطابع القدسي، لا تقود إلاّ إلى الجمود العقائدي، والذي لا ينتج سوى التعصّب والانغلاق والتطرّف، وإذا ما أصبح ذلك أيديولوجيا وفيما بعد سلطة، فإنه سيقود إلى إلغاء الآخر أو استئصاله إمّا جسدياً أو فكرياً، سواء تجاه الشيوعي المختلف أو الخصم أو العدو، وذلك تحت عنوان الزعم بامتلاك الحقيقة، وهذا لا يعني سوى الحق في احتكارها، وتلك ليست سوى احتقار للعقول، أياً كان منهجها.

ولعلّ هذا ما تذهب إليه وما تقوم عليه الأصوليات الدينية، ونعني بها آفة التقديس التي تنطق بالحقيقة المطلقة والنهائية ومن خلال الاصطفائية الذاتية التي تزعم أن لها الأفضلية مهما عملت ومهما قامت به من ارتكابات، خصوصاً حين يصاحبها الادعاء بأن لها أجوبة لجميع أسئلة الكون والمجتمع، أي محاولة ختم العقول بعدم التفكير وشلّ الطاقات الحيوية للبشر في الخلق والإبداع والابتكار والنقد.

إن مثل هذه الادعاءات لا تنتج سوى الاحتراب ومحاولات التسيّد والعنف، سواء كان مادياً أو معنوياً وبجميع صوره وأشكاله، لأن الحصيلة هي غلق أبواب المعرفة، باعتبار نظريتنا بوسعها تفسير كل شيء، فهي خلاصة مكثفة للعلوم والفلسفة والاجتماع والاقتصاد والقوانين، في حين إن ما تراكم يتطلّب نقد العقل ونقد النص، إذ بقدر ما يتم الاستكانة لليقينيّات والمثاليات، كلّما ترتفع الانتهاكات للقيم والمثل والمبادئ والقواعد الناظمة للاجتماع الإنساني، والأمر سواء بسواء، للغيبيات الدينية أو للحتميات التاريخية، فكلاهما ذات نسقية مغلقة لا تقبل الإضافة أو الحذف أحياناً.

إن السبيل للخروج من المأزق هو الكف عن التعامل مع النص أو الشخص باعتباره مقدساً أو خط دفاع لا يقبل الاّ التمترس معه أو العداء له من منطلق شيطنة الآخر، في حين أن النص ليس فردوسياً والنقد ليس بعيداً عنه تجاه الذات، بالمراجعة والمحاسبة مع النفس دون أوهام أو تهويمات، وكذلك تجاه الغير بعيداً عن الوصاية إزاء أية آيديولوجية أو أية سلطة حكم أو حاكم، غير سلطة العقل.

 

2- الذاكرة والمعرفة والحلم

يمكن القول إن للذاكرة وظيفة نفسية، وهي مدى قدرتها في إحياء الحالات الشعورية التي انقضت، وبذلك تستبقي ما في الكائن في حاضره. وكنت في حواري مع السيد هاني فحص الذي رحل عن دنيانا مؤخراً، أستحثّه على استخراج النجف التي في داخله، كي لا تبدّد ويطويها النسيان أو تأخذنا غفلة من الزمن ويحصل المحذور كما يقال. ولعلّي وأنا استفزه، إنما أفعل ذلك كي أحرّض نفسي أيضاً، على إظهار النجف التي في أعماقي، والتي تطلّ برأسها بين الفينة والأخرى، بل تلحّ أحياناً في الظهور بصيغة ذكريات وذاكرة وتذكّر ووعي لا يتلاشى أو يضمر، وأكاد أرى ينبوعه وهو يتدفق ويرتسم بأشكال مختلفة، مادياً ومعنوياً، الأمر الذي يحتاج إلى تنظيمه ووضعه في إطار مراجعة شاملة.

وبعد صدور كتاب السيد هاني فحص عن النجف" ماضي لم يمضِ" حاورته عن الوجه الآخر للنجف وهو العنوان الذي اختاره الصديق الشيوعي المخضرم صاحب الحكيم لمذكّراته، التي صدرت في وقت لاحق، وعن حلقات اليسار والمواكب الحسينية والقصائد الحمراء وقرّاء المنابر وبعض ثنايا الحوزة والحضرة الحيدرية وبعض كادرها الشيوعي، وعن النساء النجفيات والجمال النجفي والعلاقات الاجتماعية والوافدين ومدرسة الخليلي والاختلاط بأمم وقوميات ولغات والتعايش الإسلامي، العروبي، الأممي، اليساري، وعن "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق" حسب السيد مصطفى جمال الدين، وصورته الأخرى " الانغلاق الظاهر" و"الانفتاح الباطن" أو المحافظة الشكلية والتقدمية الجوهرية.

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (1)

abdulhusan shaabanنقد التاريخ طريق إلى تصحيح الأخطاء وتجاوز المعضلات ورضا الأجيال القادمة

 

إستهلال:

(حتى الشيطان يخجل من الحقيقة) .. نيتشه

يختلف الداعية عن المثقف في أن الأول يستخدم جميع الوسائل لتبرير أفعال "جماعته" وسلوكها ويروّج لسياساتها ويبرر أخطاءها، حتى وإن كان في الأمر ثمة خداع أو زيف، فجماعته هي الأفضل والأحسن والأوقر والأشرف والأنزه، أما خصومه أو أعدائه، فهم الأسوأ والأقبح والأحمق والأوضع والأدنأ.

باختصار الداعية يضع كل العيوب على شمّاعة الآخر، في حين يجد في جماعته كل مزايا البشر ومحاسنهم، إن لم تقترب من الملائكة أحياناً، في حين إن وظيفة المثقف هي النقد، ونقده يدعوه لنشر الحقيقة والمعرفة، وكشف المزعومات التي تنتجها جماعة سياسية لنفسها أو طائفة دينية أو فريق يضع بوجه النقد ميليشيات ثقافية.

فالنقد في نظر هؤلاء هو بدعة، ومراجعة التاريخ هدفها النيل من "الجماعة" أو الإساءة إليها، و"الجماعة" مطهّرة وخارج نطاق النقد، وهكذا سار على هذا النهج جميع الدكتاتوريين وأصحاب الأفكار والآيديولوجيات الشمولية والذين وضعوا "مقدسات" لا يمكن للآخر مساسها، سواء كانوا رجال دين أو جماعات سياسية في السلطة أو خارجها، جلادين أو ضحايا، غالبين أو مغلوبين، حيث تنتقل قيم الأول إلى الثاني حسب عبد الرحمن بن خلدون، لاسيّما بتوجّهات قيادية قاصرة، أو ادعاءات عشائرية فارغة أو تمثّلات جهوية مفروضة أو غير ذلك، وسيكون نقيض "المقدّس" هو "المدّنس".

غالباً ما يواجه النقد بالإتهام أو الشك، ويتم التعامل معه بالخفّة وعدم الاتزان، ويخرج بعضهم عن أخلاق المناظرة والمبادرة والمحاورة، ليدخل في متاهات المبارزة والمناورة والمؤامرة، والأكثر من ذلك حين يتصرّف خارج نطاق أي اعتبار، سوى ما يهيمن عليه من إلغاء الآخر أو استئصاله أو تحطيمه.

وقد يحتاج الأمر إلى قدر كبير من الغباء لقراءة أو للإصغاء لما يذهب إليه هؤلاء الذين يتحدثون مع أنفسهم وفي الدوائر الضيقة، وبالطبع فإن الردّ بالمثل وهو أمر مُتاحٌ وسهلٌ، لكنه سيجعل من النقد مهاترة، ومن المراجعة مشاغبة، أما مبدأ " العين بالعين"، فسيجعل العالم كلّه أعمى على حد تعبير المهاتما غاندي، في حين إن المثقف يسعى إلى التنوير والإلتزام بمعايير المعرفة والثقافة، وهو ما يحتاج إلى رياضة مع النفس وتصالحاً معها واحتراماً للآخر وإقراراً بحقه في النقد، مع إظهار الجانب الأخلاقي والتهذيبي في الكتابة، كما هو في الحياة.

حين تكون في الحزب الشيوعي، لا يعني إنك ينبغي أن تكون داعية لأخطائه أو لسلوك وتصرّفات بعض إدارييه، وحين تجد النقد مفيداً كمثقف، لا ينبغي عليك أن تحيد عنه، بما فيه انتقاد نفسك، بهدف قول الحقيقة في لحظة انسجام مع المعرفة، أما إذا سعيت إلى الترويج والدعاية، وهو من حقك فستخرج من دائرة الثقافة والتنوير لتمارس دور الداعية، والدعاة هم مروّجون لا تهمّهم الحقيقة، بقدر ما يهمّهم التأثير على الآخر وإخفاء النواقص والعيوب والأخطاء، لأنها تتعلّق " بالعشيرة" السياسية أو الملّة "الحزبية" أو حتى " بالإدارة السياسية" لهذه الفترة أو لما سبقها، وتلك مهمة لا تليق بالمثقف والناقد، أو لا ينبغي أن تكون وظيفته تلك، وقد سعت الحقبة الجدانوفية الستالينية إلى تطويع المثقفين بحجة الواقعية الاشتراكية، كما ساهمت في ترويضهم، لكي يكونوا دعاة ومروجين للاستبداد والعسف، وهي أمور سادت في حركتنا الشيوعية، وللأسف فإن ذيول الجدانوفية الصغار لا زالوا ينفخون بأنفسهم باستذكار سلوكيات تلك المرحلة.

للأسف لم يراجع تاريخنا، ولم يسهم النقد في كشف أخطاء الماضي، الاّ بحدود الصراعات الدائرة، بين هذا الطاقم القيادي أو ذاك، وتصفية حسابات بين الفرقاء، أما التاريخ فقد ظل "صامداً" ككتلة صمّاء، لا يمكن الاقتراب منها، وقد يكون بعضهم مسؤولاً عنها، والآخر لا يريد ذكر الحقيقة ويخشى الاقتراب منها، لأنها تتعلّق بفترة سكوته وصمته لسنوات طويلة، اعتاد فيها على تلقّي التعليمات.

لم نلحظ هناك من نقد حقيقي لتاريخنا، خصوصاً مسلّمات الماضي وعيوبه، لاسيّما إذا كان المعنيون قريبين من الطاقم الإداري أو من منحدراته،وحتى حين كُتبت الكثير من المذكرات، ظلّ الكثير من العقد الأساسية دون مساس، وإن جرى التعرّض لها، فمن باب إلقاء الحجة على الآخرين، وفي أحسن الأحوال سمعنا نقداً مثيراً للشفقة، لمن يقول أنه يتحمّل المسؤولية وهو بالطبع كذلك، لأنه كان على رأس الهرم أو من المحيطين به أو من حواشيه، والغالب الأعم يتحدّث هؤلاء باستمرار عن صواب سياستنا التي أثبتها التاريخ، والدفاع عن نقاوة النظرية وإن كان الأمر معكوساً، ففي تاريخنا بعض المطبّات والانحرافات التي علينا مراجعتها مثلما فيه الكثير من الاشراقات والإيجابيات التي يمكن استلهامها، كما لا يكفي الحديث عن إننا نمتلك "أعظم" نظرية في العالم، علماً بأنها لا ينبغي أن تكون بمعزل عن البراكسيس.

لاحظت ذلك بخصوص جميع القوى السياسية، فحزب البعث أو الجماعات المتبقية منه تتحدّث عن كل شيء باستثناء صدام حسين، وغالباً ما ينزّه ويمجّد، وإنْ جرى الحديث عن الارتكابات والجرائم، فهي ليست سوى أخطاء هناك من يقوم بها، وقد لا يعرف بها "الرئيس" وإذا انتقدت توجّهاتهم وحاورت في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، فإنك ستكون حاقداً أو مشبوهاً وفي أحسن الأحوال فإنك جاهلٌ.

أما القوميون العرب فلا يمكن المساس باسم جمال عبد الناصر أو حتى نقده، فالنقد سيضعك في خانة العداء للقومية العربية أو في صف "الشعوبية"، وحتى لو ذكرت مشروعه السياسي بملاحظات أو آراء، بخصوص قضية الحريات ووحدانية التنظيم السياسي وملاحقة اليسار وهزيمة 5 حزيران/يونيو/العام 1967، فإن ذلك ليس سوى تفاصيل بالنسبة لهم، إذْ لا يمكن المساس باسم الزعيم " الخالد والأمر يتعلق بغياب النقد الذاتي، وعدم قبول نقد الآخر.

ولم نسمع نقداً للمشروع الإسلامي من داخله، باستثناء مناكفات في فترة المعارضة بين جماعات سياسية، وإلاّ فإن المرجعية "مقدسة" والتعرّض لها سيجعلك في عداد الملاحدة أو من يتنكّرون لدورها التاريخي، وأحياناً تعتبر من طائفة أخرى، حتى لو كنت من صلب الانتماء الديني أو المذهبي، ضمن التصنيفات السائدة.

وإذا كانت الحركة الكردية قد عصفت بها رياح عاتية من داخلها، وواجهت نقداً حاداً وشديداً، وصل حدّ الاتهامات، فإن هذا النقد غالباً ما يطوى على حساب المصالحات السياسية الظرفية، وبذلك يضيع النقد الموضوعي التي هي بحاجة إليه، وأحياناً يضيق بعضها بالنقد حتى إذا كان انحيازك لصالح الشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره.

النقد فضيلة، ولاسيّما في السرديات الثقافية، وغيابه يجعلنا أمام حالة من الصدام والاحتدام المستمرين، خصوصاً في النظر إلى الآخر، أما على صعيد الآخر من الداخل فسيكون بديله الاستكانة والخنوع أو الاحتقان والاختناق حتى يحصل المحذور، لذلك فإن الكثير من التمرّدات والانشقاقات ليست بعيدة عن ذلك، إذ أن الإلغاء والتهميش واحتكار الحقيقة وادعاء امتلاك الأفضليات ستقود إلى نتائج أخرى في ظل غياب النقد ، وهو ما حاول الباحث تسليط الضوء عليه باعتباره الأساس في فقه الأزمة.

وإنْ كنت قد قدّمت قراءات انتقادية للحركة الشيوعية وتاريخها، فلأنني معني بها أكثر من غيرها وما أريده لها أن تكون معافاة وسليمة، كما إنني عندما استرجع جزء من التاريخ، فلأنه يحتاج إلى إعادة نظر بروح رياضية ودون خشية من النقد والاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها، والأمر قد ينسحب على الإدارات المسؤولة التي ارتكبت الكثير من الأخطاء، وظلّت تنكر أو تتصرّف باعتبارها فوق النقد، خصوصاً في ظلّ غياب المساءلة والشفافية، الأمر الذي يحتاج إلى نقد شفاف وجريء دون تجريح أو إساءة، بقدر ما يهمّ تاريخنا وعلاقاتنا الرفاقية ونظرتنا المختلفة إلى الماضي وإلى الحاضر وإلى المستقبل، ناهيكم إلى الحياة ذاتها بما فيها من مستجدّات ومتغيّرات، بما فيها محاولة قراءة الماركسية بروح القرن الحادي والعشرين وبمنهج ماركس الذي لا يزال يمتلك حيوية، لا بتعاليمه التي تصلح لعصره، وعفا الزمن على الكثير منها.

وأخيراً فالنقد لتاريخنا الشيوعي هو نقد من الداخل، وهو نقد مسؤول للذات ونقد لمسار يعني جميع الشيوعيين والماركسيين، بل وعموم الوطنيين، وكل من هو حريص على المستقبل الشيوعي، إذْ لا يمكن الحديث عن تاريخ الدولة العراقية، دون المرور بالقلم العريض على تاريخ اليسار العراقي الذي لعب دوراً مهماً منذ تأسيسها.

والهدف من النقد تسليط الضوء على بعض النواقص والثغرات في مسيرتنا الكفاحية المقدامة، لكي لا تتكرّر، ولكي يتعرّف عليها الجيل الحالي والمستقبلي وينتفع منها، ونقد التاريخ هو أيضاً نقد للبرامج والسياسات والممارسات وما علق به من سلوكيات غريبة. ولعلّ أهم خدمة تقدّم إلى العدو هو إخفاء أخطائنا والزعم بصواب سياستنا على طول الخط، فتلك المهمة الإيمانية التبشيرية الاستكانية لا تصلح الاّ للدعاة والمروّجين المنحازين، وهي غير المهمة النقدية العقلانية التساؤلية، التي يضطلع بها من يبحث عن الحقيقة.

سأتوقّف بعد هذا الاستهلال في القسم الأول بالقراءة والنقد والأزمة، وخصوصاً في التوقف عن مأزق المثقف الشيوعي، خصوصاً بمحاولة السياسي إخضاع المثقف والعلاقة بين الحزبي وبين الحزبي وبين الشيوعي الثقافي لمناقشة مقوّمات الأزمة والقراءة النقدية لها. وقد حاولت المرور على الذاكرة والمعرفة والحلم كثلاثية يكمّل بعضها البعض، ولاسيّما للمثقفين.

أما القسم الثاني، فكان بعنوان " المثقف والموقف من الآخر" المثقف والموقف من الآخر، وهو يتناول حدثين يتعلّقان بكتابين أساسيين وكتب أخرى، فالعمر لديّ لا يعني شيئاً بدون كتب وأوراق وأقلام. والحدثان فيهما دلالة لمنهج التفكير الشمولي والعقل الإقصائي، وحتى لو اختلفت المواقع، فالأمر لا يختلف من حيث الفعل. الكتاب الأول: النزاع العراقي – الإيراني، وقد صدر في العام 1981 وقدّم له باقر ابراهيم عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي في حينها ، والثاني: عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل، وصدر في العام 2014، أي أن الفارق بينهما نحو 33 عاماً، وهو فارق تاريخي بلا أدنى شك، وكذلك في الموضوع والتناول وجهة النقد، لكنهما أثارا بعض ردود الفعل الغاضبة وإن كان توجّهات أصحابها مختلفة، بل ومتعاكسة، لكن التواشج الإلغائي كان بمثابة الحبل السري، للرضاعة من ثدي واحد، حسبما يبدو، وحليب إلغاء الآخر، هو الذي تشرّب منه البعض ولا يزال على الرغم من كل ما حدث لنا من كوارث. ففي الكثير من الأحيان يستعير الضحية أساليب جلاّده ويحاول تقليده شكلاً ومضموناً.

وحسب بابلونيرودا فإن تعاقب الحلم يجعل المرء يقوى على تحمّل الكثير من المشقّات وحين يستحضر الإنسان ذلك استذكاراً وقراءة ونقداً فإنه سيجد إن الكثير مما يفترض أن يدوّنه التاريخ قد أمحي وعفا عليه الزمن أو غدا غباراً لا يهدأ " كمثل زجاج جريح ليس يبرأ"!

ولعلّ واحداً من أهداف هذه الاستعادة التاريخية هو الحرص على الحقيقة كي لا تضيع بما فيها من آلام وعذابات ودروس وعبر، وهو ما حاول الباحث فيه تسليط الضوء على بعض الجزئيات التي يهتم بها بما فيها المنسي أو المهمل أو غير المرغوب استذكاره أو غير المسموح الحديث عنه، كي لا تندثر أو تتبدّد أو يطويها النسيان وذلك استكمالاً لصورة المشهد من زواياه المختلفة. وإذا كانت هذه إحدى جوانب القراءة المؤدلجة والإغراضية، فإن القراءة المفتوحة ودون عقد مسبقة، كانت هي الأكثر استقبالاً وحفاوة للنصّين، دون أن يعنيها الانحيازات الجاهزة الصنع. وهو الأمر الذي ينطبق على كتب أخرى ومواقف مختلفة.

أما القسم الثالث، فيسلّط الضوء على المثقف والرقم الصعب ويتناول فقه الأزمة ومتفرّعاتها من خلال الثقافة ودور المثقف واختلال العلاقة بالسياسي، ويبحث في هذا القسم ظاهرة عامر عبدالله " طائر الفينيق" الذي ما إن يزاح عن مواقعه، حتى يعود إليها منبعثاً من الرماد، ولكن على نحو أقوى، وتحت عنوان المعلن والمستتر يدرج الكاتب خمسة أسباب وراء استهداف عامر عبدالله وفي ظروف المنفى إضافة إلى التراكمات القديمة، ويضيف هذا القسم إشارات ودلالات جديدة إلى قضية ثابت حبيب العاني، ويتساءل أين مذكرات عامر عبدالله ؟ ويكشف عن البعثيين الذين لم ينتموا، ويناقش في خط انسحابنا من بشتاشان واستراتيجياتنا في أوضاع مختلفة. ويختم الكاتب بشيء عن الماركسلوجيا.

سحر الجنابي شاعرة الشجو ِ والشجن

sahar samialjanabiيغمرني الفرح عندما يقع نظري على اسم انثوي تحت قصيدة شعرية او مقالة او بحث او خاطرة . بهذا المنشور تثبت المرأة جدارتها عن حق مشروع ليست مستجدية له عن طريق منظمة انسانية او مدنية . تمتلأ جوانحي طربا ًعندما اشاهد امرأة وسط جمع رجالي في حوار ونقاش في احدى الفضائيات تعرض وجهة نظرها في هذا الموضوع او تلك المشكلة اوهذه الحادثة او الحالة ..والذي اشاهده عندما تتكلم فآراءها تكون رصينة وعلمية ومستندة على قاعدة سليمة دون تلكؤ ودون لف ودوران .. وفي الحقيقة هناك اسماء نسائية فرضت وجودها عبر الدهور ..صدحتْ حناجرها في الشعر وفي الادب، واثبتت جدارتها في العمران وفي الهندسة والطب الى جانب تربية الاولاد وتهذيبهم .. وشاركت ْ الرجل في صقل الجيل الصاعد في مجالات التربية والتعليم .. اسماء كان لها وقعها في النفوس ومكانتها في التاريخ . حتى إنَّ البعض منهن َّ ارتقين َ المشانق من اجل المبدأ ..وتعرضـْن َ من اجل كلمة حق الى شتى صنوف التعذيب .

انا استغرب من البعض الذي يدعو الى المساواة بين الرجل والمرأة ! فالمرأة تفوق الرجل وتتفوق عليه في مجالات عدة ..فكان الأَولى ان يدعو الى مساواة الرجل بالمرأة . ولكن طلاّب الشهرة وحاملوا لواء السيادة حديثا ً لهم آراء ورؤى تختلف عمـّا نحمله ُ نحن المنصفين ممتلئي الوجدان فلافرق ولاتفريق بين هذا وهذه

سحر الجنابي اسم تسمـّرَ نظري أمامه ُ عندما رأيته ُ متربـّعا ً في احدى صحفنا المحلية الرصينة وتحته ُ قصيدة عمودية . انطبع هذا الاسم في رأسي ورأيته ُ ثانية ًوثالثة ً ورابعة ً فعرفتُ إنـّه ُ لأُستاذة من ناحية السدة وتشغل وظيفة مـُدرِّسة

وإنَّ لها نتاجات كثيرة في مجال الشعر .. وتعرّفتْ عليها في حفل تكريم المبدعين من قبل وزارة الثقافة فكانت تتبختر بالشهادة التقديرية وبالدرع الذي حازته بجدارة واستحقاق و لم يتسن َ لي انْ اسألها..لإزدحام القاعة وضيق الوقت عن ابجديتها وعن اتجاهها في الشعر ..هل هو هواية ؟ أم موهبة ؟ أم احتراف ؟ أم مجرد تنفيس عمــّا يجول في خاطرها من احاسيس وافكار ورؤى وتطلعات .. لم تغالبني العجلة حتى تفاخرت ْ مكتبتي المتواضعة بإحتوائها نسخة من ديوانها (ضفاف ملونة) .. فبدأت ْ بقراءته ِ، نعم بقراءته ِ ودراسته ِ بإشتياق كإشتياق من يقرأ قصـّة أو رواية أو مقالة فكان اعجابي يزداد مــُقدِّرا ً موهبتها، وخاصة ً عندما تتجول عيني في قصائدها العمودية ذات الرصانة والحياكة الجميلة والترابط بين ابياتها وكأنها تتجول في غابة وتندهش من تنسيق اشجارها وهندستها .. أو تشعر وكأنك تتجول بين سطور رواية وتحاول جاهدا ً أنْ تصل الى النهاية .. ومما زاد من اعجابي وعجبي هو انني وجدت ُ نفسي امسك بالقلم وابدأ بتدوين بعض المقترحات الشخصية او الخاصة بي ربما لأني لااجيد النقد ولم امارسه ُ ..أو لأني لااتمكن من الغوص فيما يدور في خلدها أو تفكيرها أو مخيلتها عندما اندفعتْ لإنشاء هذه التحفة ..أو تلك الحقيقة المغلـّفة بموسيقى الشعر وانغام التفعيلات واوزانها .

بعد هذه المقدمة سوف ادخل في متاهات ديوانها (ضفاف ملونة) من العنوان حتى الغلاف الاخير الحاوي على سيرتها الذاتية سابحا ً ومــُفتــّشا ًوغائصا ً في سبيل الحصول على مايطفئ غليل الشوق الذي تثيره هذه الكلمات المنسابة انسياب النهر الهادئ الذي رسم لنا الضفاف الملونة .ولو إنَّ ضفاف انهارنا في واقع الحال ملوثة وغير ملونة ..بفضل جهود ماسكي ثروة العراق واصحاب الكراسي والحكم والسطوة .وهم يمتطون جيادا ًمن خشب وعيدانا ًمن قصب،وافكارا خاوية إلا ّ من كيف انهب ؟ ..وكيف اصبح مليونيرا في يوم وليلة ؟ واين اقضي عمري بعد نهاية الجولة .

باكورة انتاجها الادبي تشرّف بعنوان (ضفاف ملونة) ..الذي ألهمني ان اتمنى من الله والحكومة ان تصير ضفاف انهارنا ملونة تزهو بأشجارها المنسّقة وحدائقها الحاوية على كل وسائل الراحة والتسلية وبعث البهجة في النفوس لاملوثة كما هي الان .ديوانها يحتوي على تسع وخمسين قطعة اونفثة صدر في مقطوعة، أو ترنيمة، أو أنـّة ألم وحسرة، أو أمنية ورغبة، أو هدف يصبو اليه قلبها أو حسـّها أو تفكيرها .

وقفتْ أكثر ماوقفت ْ عند قصائدها العمودية إذ تمتاز بوحدة النص والهدف والترابط بين ابياتها ..عكس الشعر الحرعندها و النثر الذي تجده عبارة عن جمل او كلمات متنافرة او ملغومة او غامضة تحتاج الى شرح او تفسير ..كنت اتمنى لها ان تسلك طريق الشعر العمودي لأنها متمكنة فيه ومتميزة . والقدرة على بناء القصيدة ذات الحبكة ووحدة البناء والتفعيلة ولايهم تعدد القافية وتنوعها مادامت مترابطة مع ماقبلها ومابعدها كما في قصيدة ضفاف ملونة ص10 من الديوان وقصيدة مولاة قلبي ص84 من الديوان فتغيـّرتْ القافية وبقي الوزن والتفعيلة واحدة . واريد أنْ اقف مع قصيدة انت حلمي ص100 ابياتها تحاكي المخاطب، ولكن في الشطر الخامس تحاكي الغائب ( يامن وقوده من دمي )وفي المقطع الثاني تكرر المنهج نفسه . كنت اتمنى أنْ تكرِّر مقطع يامن وقوده من دمي مع تغيير كلمة (من) الى (في) فتصبح يامن وقوده في دمي وهذا اوقع في النفس واكثر وجعا ً.مع الاعتذار وتكون للقصيدة اشارة ضمنية وهي حب الوطن ...لي وقفة قد تكون طويلة مع بعض القصائد، ولكن التعب وعدم القابلية على التركيز والكتابة يجعلني مضطرا ً الى ذكر بعض ماتساعدني صحتي على طرحه ِبعد انْ يصفو الفكر كي لااقع فيما اخشاه واخافه، وفي نهاية ملاحظاتي امنياتي بالتوفيق وامنياتي ان ارى اسمك ِفي اكثر من صحيفة لأنه يستحق الإنتشار .واتمنى ان تتجهي الى الكتابة بأي موضوع أدبي وخاصة النقد والقصة والرواية والخاطرة والمذكرات اليومية .

 

مهدي الانباري

حياة ايليا اهرنبورغ الصاخبة بين باريس وموسكو

jawdat hoshyarتبوأ ايليا اهرنبورغ (1891 – 1967) مكانة بارزة وفريدة في الأدب الروسي، وفي الثقافة الأوروبية عموماً في القرن العشرين، لا يدانيه فيها أي كاتب روسي آخر، من المعاصرين له، فقد كان الكاتب الروسي، الأكثر شهرة في الغرب، طوال أكثر من نصف قرن من حياته الأبداعية الخصبة، أنتج خلالها أكثر من مائة كتاب في شتى أنواع الأدب، من رواية، وقصة، ونقد، وبحث، ولكنه يعد في المقام الأول، روائياً رفيع المستوى . ترجمت أعماله الى أهم اللغات الحية في العالم ومن بينها اللغة العربية . وكان له- كخالق للأشكال الأدبية الجديدة في الشعر، والرواية، وأدب المقال - تأثير واضح في كتّاب وروائيين وشعراء طليعيين من جيله والأجيال الروسية اللاحقة. ويعتقد بعض النقاد الروس، أن اهرنبوغ أسهم أكثر من أي أديب آخر في تشكيل الأدب الروسي المعاصر بصورته الحالية، وأنه لا يمكن فهم تأريخ هذا الأدب، ولا التأريخ السوفييتي عموماً من دون اهرنبورغ .

 

بداية المشوار – من السجن الى باريس

 ولد ايليا اهرنبورغ في كييف في27 كانون الثاني سنة1891، في عائلة روسية متنورة، من اصول يهودية، تنتمي الى الطبقة الوسطى، وبعد أربع سنوات، أنتقلت العائلة (الوالدان مع ايليا وشقيقاته الثلاث) الى موسكو، حيث عمل والده مديراً لأحد مصانع البيرة . أما أمه فقد كانت ربة بيت هادئة وحانية ولكن معلولة الصحة، سافرت الى ألمانيا عدة مرات للعلاج مستصحبة معها ابنها الوحيد.

 واجه ايليا الصعوبات في مقتبل العمر، حيث فصل من المدرسة الأعدادية واعتقل في ايارعام 1908، بسبب انتمائه الى الحزب البلشفي ونشاطه الثوري، بتأثير مباشر من صديقه (نيكولاي بوخارين) الذي كان يكبره بثلاث سنين . وبعد أن أمضى في السجن ستة أشهر، اطلق سراحه بكفالة والده، وغادر الى فرنسا - وليس الى ألمانيا، كما أرادت أمه - ولم يحضر الى المحكمة عند النظر في قضيته، في أواخر تلك السنة، واستقر في باريس . هنا عاش ابن السابعة عشرة، الرقيق الحالم في أجواء مدينة الحب والجمال والموجات الجديدة في الأدب والفن.

التقي اهرنبورغ في مقهى" روتوندا " في مونبارناس - الذي كان معظم رواده من الكتّاب والشعراء والفنانين والمهاجرين من جنسيات شتى، بينهم العشرات من اللاجئين السياسيين الروس - بفلاديمير لينين ، وزاره في بيته عدة مرات . ولكن سرعان ما خاب ظنه في البلاشفة، الذين وصفهم، في ما بعد، بأنهم كانوا حوالي اربعين مهاجرأ، ارتسمت على وجوههم الحزينة، علامات البؤس والملل والكسل.

كان بطبعه انسانا ساخراً، يتمتع بموهبة فريدة في التقاط المواقف العبثية سواء لدى الساسة او الثوار المهاجرين، أو من يلتقي بهم في باريس، وقد تجلت موهبته في المجلة الساخرة، التي اصدرها بعنوان " الناس السابقون " في نهاية عام 1909، والتي لم تدم طويلاً، ثمّ أصدر بعدها مجلة ساخرة أخرى بعنوان " الأسرة الهادئة " . كانت معظم صفحات المجلتين تتضمن كتابات وكاريكاتيرات، تتهكم على الجوانب السلبية للحياة فيما حوله .، مما أثار استياء لينين . وكان ذلك بمثابة القشة التي فصمت علاقة اهرنبورغ بالحزب البلشفي، خاصة بعد أن سمع من تروتسكي كلاماً أثار سخطه الشديد، عن توظيف الأدب والفن لخدمة اهداف سياسية، في حين ان الشاب الحالم، كان يعتقد، أن الثقافة أسمى من أن يستخدم لأي غرض كان . فالثقافة – كما كان يرى - هي التي تسمو بالأنسان وتقرّب بين البشر بصرف النظر، عن الجنس، والعرق، والدين، واللون، وهي جسر حقيقي للتقريب بين الشعوب . وقد ظل طوال عمره متمسكاً بهذا الرأي وواجه جراء ذلك في بلده خلال السنوات اللاحقة الكثير من المصاعب والمحن .

أصبحت باريس مدينته المفضلة، وعاش في الحي اللاتيني، وتعرف في مقهى " روتوندا " على العديد من المبدعين الشباب، أصدقاء العمر، الثائرين على الأساليب التقليدية في الأدب والفن، الذين أصبحوا، في ما بعد من أهم كتاب وشعراء وفناني القرن العشرين (غيوم أبولينير، ماكس جالوب، أندريه موروا، بيكاسو، موديلياني، ليجيه، ريفيرا، مارك شاغال، وغيرهم) .

كان حياة اهرنبورغ في باريس بائسة وشاقة مادياً، وثرية فكرياً وروحياً . كان مفلساً وجائعاً في أغلب الأحيان، يقرأ كثيراً، ويزور المعارض والورش الفنية لأصدقائه الفنانين، ويكتب الشعرالعاطفي والفلسفي، في أجواء "روتوندا " البوهيمية الصاخبة، حيث يجلس لساعات طوال، الى أن تأتي شاعرة فرنسية ناشئة، كان يترجم شعرها الى اللغة الروسية، لتدفع ثمن كوب القهوة التي شربها . وعندما يستلم مبلغاً من المال، الذي كان والده يرسله، بين حين وآخر، يصرفه على الفور مع أصدقائه المفلسين والجائعين مثله .ويقول عن هذه الفترة من حباته: " كانت رائحة الطعام، المنبعثة من المطاعم الباريسية – التي كنت أمر أمامها – تصيبني بالدوار ".

وفي عام 1911 أصدر ديوانه الشعري الأول تحت عنوان " أنا أعيش ". وكان ينشر بمعدل ديوان واحد كل عام . ولعل أهم ديوان أصدره في هذه الفترة، هو " قصائد عن العشايا "، في عام 1916 ، الذي لفت اليه الأنظار، وأشاد به كبار الشعراء الروس (بريوسوف، غوميلوف، غوروديتسكي) وكان له صدى واسع في الصحافة الأدبية الروسية . كانت قصائد اهرنبورغ نوعا جديدا من الشعر الحر، قلده عدد من الشعراء الشباب من جيله. وكتب الشاعر الروسي الكبير الكساندر بلوك مقالاً تحت عنوان " الروسي المدهش " يقول فيه عن شعر اهرنبورغ أنه أصبح موضة . وكان في الوقت ذاته، يكتب مقالات هجائية لاذعة يسخر فيها من البلاشفة ومن النظام الرأسمالي في آن، ويترجم الى الروسية قصائد الشعراء الفرنسيين الشباب بينهم صديقه، غيوم أبولينير (1880 ـ 1918) .وقد جمع اهرنبورغ هذه الترجمات في انطولوجيا الشعر الفرنسي، الذي أصدره في باريس عام 1914 تحت عنوان " شعراء فرنسا بين عامي 1870 –1913" وضمت هذه الأنطولوجيا (74) قصيدة لـ (29) شاعراً، من مالارمي الى دورسينيوس .

خلال الحرب العالمية الأولي ، عمل مراسلاً حربياً في الجبهة الفرنسية – الألمانية لعدة صحف روسية، واسعة الأنتشار، وسافر الى الجبهة الغربية وشهد، سفك الدماء والموت والقسوة غير المبررة، واستخدام الغاز السام لأول مرة في تأريخ الحروب . وادرك أن الحرب تعد مصدراً لمآسي وويلات جماعية، وظهرتأثير هذه الحرب الدموية، في ما بعد في نتاجاته .

 

العودة الى روسيا:

بعد ثورة شباط 1917، التي سبقت ثورة اكتوبر، صدر عفو عام عن السجناء السياسيين والمهاجرين، وعاد اهرنبورغ الى روسيا في يوليو من السنة ذاتها . وكان الوضع معقداً للغاية، والأحداث تتلاحق بسرعة، وقدر له أن يكون شاهداً على أندلاع ثورة اكتوبر 1917البلشفية، التي استقبلها بأمتعاض شديد، ووصفها بأنها (كارثة بالنسبة الى روسيا)، وانعكس ذلك في مجموعته الشعرية " الصلاة لروسيا " التي اعتبرتها السلطة السوفيتية معادية للثورة، خاصة أنه نشر في الوقت ذاته، مقالات، ينتقد فيها بشدة النظام البلشفي والعنف المفرط المستخدم ضد شرائح واسعة من المجتمع الروسي، و ضد الأنتلجنسيا الروسية على وجه التحديد، مما أرغم عدداً غفيراً من العلماء والمفكرين والفلاسفة والكتاب والشعراء والفنانين الروس اللجوء الى الدول الغربية وبعضهم الى تركيا ..

حاول اهرنبورغ العودة الى باريس ولكنه أخفق في الحصول على جواز سفر سوفييتي يسمح له بمغادرة البلاد، حيث كان البلاشفة قد منعوا السفر الى خارج روسيا، الا للأغراض الرسمية .

وفي عام 1918 سافر الى مدينة (بولتافا) حيث كانت أمه تحتضر . وبعد وفاتها استقر في مدينة كييف، مسقط رأسه. وكان الوضع الأمني قلقاً في المدينة، التي كانت تنتقل من يد الى يد، في الحرب الأهلية الضروس بين الجانبين المتحاربين (البلشفيك والبيض).

 وفي عام 1919 استولى البلشفيك على المدينة ولكن ذلك لم يدم طويلاً، حيث وقعت بعد فترة وجيزة، تحت سيطرة القوات البولونية، ورافق كل ذلك قتل عدد كبير من اليهود ونهب وسلب ممتلكاتهم، على أيدي المحتلين، وكتب أهرنبورغ مقالاً في جريدة (كيفسكايا جيزن) أي (حياة كييف) يقول فيه: " لو كان الدم يشفي، لكانت روسيا اليوم دولة مزدهرة، ولكن الدم لا يعالج ولا يشفي، بل يشحن الحياة بالغضب والشقاق ." 

تزوج اهرنبورغ في كييف فنانة تشكيلية موهوبة اسمها (لوبوف كوزنيتسيفا)، التي أثر ابداعها الفني كثيراً في ذائقته الجمالية . وفي عام 1920 رحل مع زوجته الى موسكو عن طريق شبه جزيرة القرم، وكان السفر في ظروف الحرب الأهلية محفوفاً بالمخاطر، وبعد وصولهما، عانيا من صعوبات معيشية جمة . وواصل اهرنبورغ نقده اللاذع للبلاشفة، وضاقت السلطات ذرعاً به، حيث اعتقل مرة أخرى، بعد بضعة أشهر من عودته الى موسكو، ولم ينقذه من السجن والنفي الى أصقاع سيبيريا، سوى زميله في المدرسة الأعدادية وصديقه " بوخارين" الذي كان قد أصبح أحد القادة البارزين في النظام الجديد، وأوسعهم علماً وثقافة، ونشر بعد الثورة عدة مؤلفات قيمة في الأقتصاد .(تم اعدام بوخارين من قبل ستالين بتهم مفبركة بعد محاكمة صورية عام 1938)  

في عام 1921 تمكن اهرنبورغ، بشق الأنفس وبمساعدة (بوخارين) من الحصول على جواز سفر والعودة الى أوروبا، بشكل شرعي هذه المرة . عاش في البداية في فرنسا وبلجيكا، ثم انتقل الى برلين - التي هاجر اليها عدد كبير من المثقفين الروس - وأقام فيها لمدة ثلاث سنوات حافلة بالنشاط الأبداعي، أصدر خلالها كتاب " وجه الحرب " (مقالات عن الحرب العالمية الأولى)، ثم روايته الأولى الرائعة " المغامرات غير العادية لخوليو خورينيتو وتلاميذه " التي نشرت في برلين عام 1922, وفي موسكو عام 1923, وكتب بوخارين مقدمة جميلة للرواية . ويرى مؤرخو الأدب الروسي الحديث، ان هذه الرواية الطليعية الفلسفية الساخرة، هي خير ما كتبه اهرنبورغ من روايات، و احدى أفضل الروايات الروسية في الربع الأول من القرن العشرين .أنها حقاً رواية مدهشة من حيث المضمون والبناء والأسلوب، لأديب حر في عالم غير حر، حيث يسخر فيها الكاتب من النظم التي كانت قائمة في أوروبا آنذاك، وبخاصة من النظام البلشفي .وعندما نقرأ هذه الرواية سنفهم ماذا يعني أن يكون الأنسان حراً .! .

ومن الملفت للنظر ان الكاتب وصف لينين في هذه الرواية بأقذع الأوصاف وأقساها، ومع ذلك فأن لينين عندما قرأ الرواية أعجبته للغاية – كما كتبت زوجته (كروبسكايا) في مذكراتها - وقال لها: أتذكرين ذلك الشاب الأشعث ؟

 

ظهور رواية " خوليو خورينيتو " أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية الروسية . بعض النقاد أتهم المؤلف بالعدمية وبعضهم الآخر بالتشاؤم . اهرنبورغ نفسه أعتبر الرواية، بدايةً لمسيرته ككاتب، وكتب في مذكراته يقول: " منذ ذلك الحين اصبحت كاتباً، وألفت حوالي مائة كتاب في شتى الأجناس الأدبية (روايات، دراسات، مقالات، ووصف رحلات، وغيرها . هذه الكتب مختلفة من حيث النوع (الجنس) الأدبي . لقد تغيرت أنا وتغير الزمن أيضاً . . ومع ذلك أجد شيئاً مشتركاً بين " خوليو خورينيتو " وبين آخر كتبي . لقد حاولت منذ مدة طويلة أن أمزج العدالة والشعر من دون أن أعزل نفسي عن العصر . حاولت فهم الطريق الكبير لشعبي، والدفاع عن حق كل انسان في شيء من السعادة . " 

قدّم اهرنبورغ في " خوليو خورينيتو " صورة فسيفسائية ممتعة ومشوقة للحياة في أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى وفي روسيا البلشفية، ولكن الأهم من ذلك – عرض مجموعة مذهلة من التنبؤات المستقبلية الدقيقة، التي تحققت في العقود التالية لصدور الرواية، ومن هذه التنبؤات، وصول النازيين الى السلطة في ألمانيا، والفاشيين في ايطاليا، واختراع القنبلة الذرية .

 لم تكن تلك التنبؤات مجرد مصادفات – بل كان ثمة عقل جبار وادراك سريع للظواهر الجديدة في أوروبا، اللذان سمحا للكاتب الشاب، التقاط الملامح الأساسية لشعوب بأكملها وتوقع مسارات تطورها اللاحق، خلال العقود اللاحقة .

وتجدر الأشارة الى ما حدث في أثناء احدى ندوات الكاتب مع القراء في موسكو، حيث حاول صحفي ياباني، ان يعرف من اين حصل هرنبورغ في عام 1921 (زمن كتابة الرواية) على معلومات حول القصف الذري القادم لهيروشيما وناغازاكي؟ .

 

كتب اهرنبورغ ذات مرة يقول: " ما أن يقول الكاتب شيئاً قبل حدوثه بخمسين عاماً أو بيوم واحد ، قبل أن يصبح حقيقة معروفة للجميع، حتى ينهال عليه الأنتقادات . ان الكتّاب الذين يرددون بعناية بديهيات معروفة، ليسوا سوى طفيليات عادية."

وقال أيضاً: " أن ترى الحقيقة قبل الآخرين، أمر مفرح، حتى لو تعرضت الى اللوم . وليس ثمة ما هو أسهل من ارتكاب الخطأ مع الآخرين ."

واصل اهرنبورغ خلق روايات جديدة بموازاة عمله الصحفي مراسلاً لجريدة (ازفستيا) السوفيتية، حيث أصدر في عام 1923 رواية " حياة وموت نيكولاي كوربوف " . بطل الرواية يفقد فرديته، ويتحول الى برغي صغير في الماكنة الثورية، وينهي حياته بالأنتحار، بعد صراع نفسي طويل، بين اخلاصه الرومانسي للمرأة الحبيبة وبين المهمات القاسية المكلف بها من قبل المخابرات السوفيتية . وعلى هذا النحو أسهم اهرنبورغ في التشريح الفني للنظام الشمولي البلشفي، على غرار الكاتب الروسي " يفغيني زامياتين " في روايته " نحن "

في عام 1924 زار اهرنبورغ الأتحاد السوفييتي، حيث ألقى محاضرات عن الثقافة الأوروبية . وفي العام نفسه غادر الى باريس، التي أصبحت، في واقع الأمر، مكان اقامته الدائمة الى عام 1940 . وخلال هذه الفترة كان يزور موسكو بين حين وآخر، محتفظاً بالجنسية السوفيتية .ربما كانت هذه السنوات من أخصب مراحل حياته، اصدر خلالها العديد من الروايات والمجاميع القصصية والدراسات، منها رواية " مجموعة شركات اي دي " التي كان لها صدى كبير. ثم روايات " صيف عام 1925 " و " ممر التدفق " و" اليوم الثاني " و" الحياة العاصفة للازيك رويتشفارتنز " و " قصة حب جين ناي " و " الأنتهازي "، ومجموعة قصصية تحت عنوان " ثلاثة عشر غليونا " وهي مجموعة " نوفيلا " أي القصة الطويلة القصيرة حسب المصطلح العربي، وهي، تدهش القاريء، بسعة نطاقها وتشابك المصائر البشرية فيها وفهم التأريخ والطبيعة البشرية، كما اصدر في الفترة ذاتها مجموعة مقالات عن الفن تحت عنوان " ومع ذلك فأنها تدور" . وكتاباً تأريخياً تحت عنوان " مؤامرة المتساوين " المكرس للمؤامرة التي تزعمها الشيوعي الطوبائي (غراكخ بابيف 1760 - 1797) في فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر .

وكما فعل غوركي عندما كان يقيم في أوروبا، بذل اهرنبورغ جهودا كبيرة لنشر هذه الكتب في روسيا، حيث جمهوره الواسع من القراء، وأفلح في ذلك أحياناً بفضل جهود " بوخارين "، وفي الوقت ذاته، تم نشر معظمها في أوروبا أيضاً مترجمة الى اللغات الفرنسية والألمانية والأنجليزية. وحسب علمي، لم تترجم، هذه النتاجات الى اللغة العربية لحد الآن .

 

موقف اهرنبورغ من معاداة السامية

 في العديد من نتاجاته ثمة اشارات الى أصله اليهودي، رغم جهله للغة العبرية وعدائه الواضح للصهيونية، كشكل من اشكال العنصرية . ففي عام 1927 نشر مقالاً تحت عنوان " ملعقة من القطران " لفت انتباه القراء والنقاد، أشاد فيه بالتشاؤم كأهم محرك للتطور الثقافي في المجتمع اليهودي، الحامل على الدوام روح الشك والبحث، وهذا هو السبب الرئيس لأسهام اليهود العظيم في الثقافة العالمية .

كان اليهود أبطال روايتيه " ممر التدفق " و " الحياة العاصفة للازيك رويشفانيتس " ومن اللافت للنظر ان تنقل " لازيك " في اراضي الأتحاد السوفييتي، كانت تلك الخلفية، التي سمحت للكاتب، استخدام قلمه الهجائي اللاذع، للسخرية من النظام البلشفي، وكل من يمثل هذا النظام بشتى أصنافهم - البيروقراطيون، ومنتسبي القضاء، الذين مارسوا الأضطهاد بحق الأبرياء من اجل مصالحهم الشخصية، وأخيراً الكتّاب والنقاد، المنافقين، المهتمين بسلامتهم الشخصية والحصول على فتات الموائد .

 

احساس مبكر بالخطر النازي الداهم:

في أوائل الثلاثينات، راقب اهرنبورغ بقلق عميق، كيف يتوثب الفاشست الألمان للقفزالى السلطة، وكيف تتراجع الأحزاب الديمقراطية أمام ضغطهم الشديد، وكيف يقع الشعب الألماني العظيم – الذي منح العالم روائع الثقافة والفكر والفلسفة والموسيقى والأنجازات التكنولوجية، التي اسهمت في تقدم البشرية – على نحو متزايد، تحت رحمة قوى الظلام والهمجية، ومعاداة السامية .

وأحس، قبل غيره، بخطر النازية الداهم , وكان أمامه خياران احلاهما مر: اما البقاء في باريس في ظل مستقبل مجهول محفوف بالمخاطر، أوالرجوع الى الوطن. لم يدم تردده طويلاً، خاصة أن نظام ستالين لم يكن قد كشر عن أنيابه ولم يكشف عن طبيعته الدموية بعد . وكان الكاتب كدأبه، يتطلع نحوالمستقبل، الذي يبذل الشعب الروسي العرق والدماء في سبيل بنائه، مضحياً بمباهج الحياة . 

زار اهرنبورغ موسكوفي اواخرعام 1931، وقام في صيف وخريف عام 1932 بجولة في ارجاء روسيا، زار خلالها مواقع المشاريع الأنشائية والصناعية العملاقة في مدن كوزنيتسك، وسفردلوفسك، ونوفوسيبيرسك، وتومسك ومنها مشروع بناء الطريق السريع موسكو – دونباس .ورأى كيف ان الشعب الروسي الكادح يتحمل عبء الحياة ومتاعبها، ويضحي بكل شيء، بما يفوق طاقة البشر، في سبيل بناء المستقبل الجديد الموعود .

صوّراهرنبورغ كل ذلك في رواية " اليوم الثاني " التي كتبها خلال عامي 1933، 1934. وفي الفترة نفسها انشغل بتأليف عدة كتب غير روائية، عن الحياة الجديدة للشعب الكادح: " خبزنا اليومي " و" دون التقاط الأنفاس " و" كتاب للبالغين " .

 

أسلوب اهرنبورغ البرقي: 

ربما كان اهرنبورغ أول من استخدم الأسلوب البرقي في الكتابة، وتجلى ذلك بكل وضوح في رواياته ومقالاته، خصوصاً في كتابيه " خبزنا اليومي " 1932 و " باريس مدينتي " 1935 . هذا الأسلوب الجديد تعرض الى نقد شديد في الصحافة السوفيتية، لأنه يتناقض مع اساليب الكتاب الكلاسيكيين الروس، الذين اعتادوا على استخدام الفقرات الطويلة للتعبيرعن فكرة ما، والتي تظل مع ذلك غير واضحة للقاريء . الفكرة الذكية، لا ينبغي تغليفه بغطاء سميك من الفقرات، لأن ذلك يربك القاريء، والفكرة تبدو تقريبية وغير دقيقة، في حين ان الأسلوب البرقي، والجمل القصيرة الفعالة، التي تعبر عن فكرة واضحة بكل دقة، أكثر تأثيراً في القاريء .

أخذ عدد من الكتاب الروس الشباب يقلدون الأسلوب البرقي . خاصة بعد اطلاعهم على هذا الأسلوب لدى كتاب غربيين ايضاً وفي مقدمتهم ارنست همنغواي .  

اما كتاب " باريس مدينتي " فأنه فريد في نوعه، و يتألف من صور باريسية بارعة التقطها اهرنبورغ بكاميرته الشخصية، دون أن يحس به أحد، . ويصاحب كل صورة، نص ذكي، بالأسلوب البرقي ذاته . المزج بين الصورة والنص، كشف عن المبدأ الرئيس للمؤلف في هذا الكتاب: كل الصور جانبية، ولم يكن أحد من الذين ظهروا في الصور، يعلم أن العدسة موجهة نحوه . وهذا الأسلوب في التصوير، يعرف في ايامنا هذه بالكاميرا الخفية ..

 

أما " خبزنا اليومي " فأنه مبني على مبدأ مماثل . ويعتمد على الحقائق والوقائع، منها مثلاً - كما يقول المؤلف – " ان في الغرب الغارق في النعم والرفاهية ثمة أناس يموتون من الجوع.".

 

اهرنبورغ في اسبانيا:

 كان اهرنبورغ، أحد أنشط منظمي القطار الأممي المتوجه الى اسبانيا والذي حمل عدداً كبيراً من أشهر كتّاب وشعراء وفناني وصحفي العالم بينهم (أندريه مالرو، وجورج أورويل، هيمنغواي، وبابلو نيرودا، وغيرهم .) وذلك للألتحاق بالجمهوريين ومقاتلة قوات فرانكو الفاشية بالبندقية والقلم في آن واحد .

ومن اسبانيا أرسل اهرنبورغ تقارير وريبورتاجات وحوارات ومقالات صحفية، تتحدث عن بطولات المقاتلين الوطنيين، ومآسي الحرب الأهلية، وتعد – حتى اليوم - نماذج رفيعة المستوى للفن الصحفي، بجدة مضامينها، وعمق أفكارها وجمال لغتها، والأهم من ذلك بحرارتها العاطفية المشبوبة، وقد جمعت هذه المواد في وقت لاحقً في عدة كتب منها " تأشيرة الزمن ". ويقول ناقد روسي ان لا أحد يكتب اليوم على غرار اهرنبورغ، لأنه لا أحد يمكن أن يصل الى مستواه .

  وبموازاة عمله الصحفي كتب في عام 1937 مجموعة قصص قصيرة بعنوان " خارج الهدنة " ورواية " ما الذي يحتاجه الأنسان "الذي ترجم الى العربية تحت عنوان " اذا أردت أن تعيش "..

 بعد هزيمة الجمهوريين في الحرب الأهلية الأسبانية، انتقل اهرنبورغ الى باريس، وشهد الأحتلال الألماني لفرنسا في عام 1940 . وكاد أن يقع في ايدي الجستابو الألماني، فقد كان كاتباً وصحفيا معروفاً، شجب في تقاريره الصحفية، النظام الفاشي بشتى صوره (الأسبانية والألمانية والأيطالية)، ولكنه استطاع الأفلات واللجؤ الى السفارة السوفيتية في باريس والأختباء فيها. ويقول أهرنبورغ، عن الأيام الأولى للحرب، أنه كان يعمل لساعات طويلة، اكثر من أي وقت مضى، حيث كان يكتب ثلاث أوأربع مقالات في اليوم الواحد للصحف السوفيتية، وبعد عدة اسابيع من اختبائه، استطاع بمساعدة السفارة العودة الى بلاده.

 كان سقوط باريس كارثة شخصية حقيقية لأهرنبورغ، باريس المدينة الرائعة، التي احبها بعمق وقضى فيها أفضل سنوات عمره، مدينة السحر والجمال والفنون والآداب والفكر والعلم تقع تحت أقدام الفاشست ! يا لها من مأساة مروعة !. وفور عودته الى موسكو شرع بكتابة رواية عظيمة تحت عنوان (سقوط باريس)، التي صدرت عام 1942 . وتصدرت على الفور قائمة الكتب الأكثر رواجاً في بلدان التحالف المناهض للنازية، وسرعان ما ترجمت الى اللغة الأنجليزية في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، والى الفرنسية في موسكو وباريس والعديد من اللغات الأوروبية والآسيوية، بضمنها اللغة العربية .

في عام 1944 عندما زار الجنرال ديغول موسكو، التقي اهرنبورغ وأنعم عليه بوسام جوقة الشرف .

 

من المعارضة الى تأييد الجوانب الأيجابية للحياة السوفيتية

 منذ أوائل الثلاثينت ظهرت بوادر تأييد أهرنبورغ للجوانب الأيجابية من الحياة السوفيتية، وتعززت هذه البوادر في السنوات اللاحقة، ولكن دون التضحية بأستقلالية الكاتب الروحية – السياسية، ودون اللجؤ الى كيل المديح للنظام أو لستالين شخصياً، كما كان يفعل معظم الكتّاب السوفيت .اهرنبورغ ركز على مناحي الحياة المثيرة لأهتمامه وتجاهل المناحي الأخرى عن عمد، لكي لا يصطدم بالنظام الأستبدادي والذي يؤدي حتما، ليس فقط الى منعه من النشر، بل حتى تصفيته جسديا، كما حدث لأصدقائه من رجال الدولة والكتاب والشعراء الفنانين الروس الكبار (بوخارين، بابل، ماندلشتام، ايزنشتين، وغيرهم) .

ورغم حذره الشديد، فأنه اصطدم أكثر من مرة بالرقابة الحكومية المتمثلة ليس فقط، في الرقباء الرسمين على النشر، بل برؤساء تحرير الصحف ودور النشر، والأهم من ذلك بالقسم الأيديولوجي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي . وكان في كل مرة يعتقد أن نهايته قد قربت وان (زائر الفجر) سيدق باب منزله قريباً، ويصادر كل ما هو موجود في مكتبه من نتاجاته غير المنشورة وأرشيفه الثري، واللوحات الفنية الرائعة، المهداة اليه من أصدقائه الفنانين (بيكاسو، شاغال، مودلياني، ليجيه، وريفيرا، وآخرين . وانه سيرمي في زنزانة مظلمة وخانقة، ويقوم الجلادون، بأنتزاع الأعترافات منه بالتعذيب الوحشي، الذي تفننت فيه المخابرات السوفيتية . ولم يكن يهمه سلامته الشخصية بقدر ما كان يخشى عار الأعترافات المفبركة والكاذبة، التي ستنتزع منه، كما حدث مع أصدقائه .

 الحياة علمت اهرنبورغ أن يكون دبلوماسياً مراوغا ، وكان في كل مرة يصطدم فيها بأيديولوجي الحزب وممثلي السلطة، يلجأ الى المخاطرة بحياته وكتابة رسالة خطية الى ستالين نفسه، يشرح فيها موقفه، و كان يعرف نفسية الطاغية ستالين، أكثر من علماء النفس، ويعرف كيف يقنعه برأيه، ويكسبه الى جانبه . ومن يقرأ هذه الرسائل، لا بد أن يدهش لجرأة هذا الأنسان الحر ومخاطرته بحياته اكثر من مرة . وينبغي القول هنا أن كل رسالة من هذه الرسالة قطعة من الأدب السياسي الرفيع، حيث كان أهرنبورغ يشير الى اخطاء بعض ممثلي الحزب والسلطة وتداعياتها السلبية ويقترح البدائل للمضي قدماً في بناء ما يتطلع اليه الشعب الروسي . لقد أصبحت رسائله الى ستالين مادة دسمة للباحثين ومؤرخي الأدب الروسي الحديث .

بعد تفكك الأتحاد السوفييتي، عاد من بقي على قيد الحياة من النقاد الذين كانوا يعتاشون على فتات موائد الستالينية، الى نشر سمومهم، ولكن هذه المرة ليس اتهام اهرنبورغ بمخالفة تعاليم ستالين و الواقعية الأشتراكية، بل ألحوا في التساؤل: كيف بقي أهرنبورغ على قيد الحياة ولم يقم ستالين بتصفيته كما فعل مع العديد من زملاءه وأصدقاءه من الكتاب والشعراء والمسرحيين ؟

أعتقد أن اهرنبورغ نجا بأعجوبة من مقصلة ستالين، لأن الطاغية كان بحاجة اليه، كممثل للأدب السوفييتي في الغرب، وعلاقاته الواسعة مع الأنتلجنسيا الأوروبية .

 

 أما اهرنبورغ نفسه فأنه كتب في ختام مذكراته يقول:

 " اريد أن أقول مرة أخرى للقراء الشباب، أنه لا يمكن شطب الماضي . خلال ربع قرن من تأريخنا حوّل شعبنا روسيا المتخلفة الى دولة حديثة قوية . ولكن مهما كان فرحتنا بنجاحاتنا ومهما أثارت القوة الروحية لشعبنا الموهوب اعجابنا، ومهما كان تقييمنا لعقل وارادة ستالين، لم نتمكن من العيش في وئام مع ضمائرنا وحاولنا عبثاً عدم التفكير في أشياء كثيرة ."

 

مقالات أقوى تأثيراً من البنادق

 مع بداية الهجوم الألماني على الأتحاد السوفييتي في 21 حزيران 1941، أخذ يكتب المقالات النارية من جبهات القتال ضد الفاشستية الهتلرية، للصحف والأذاعات السوفيتية ، مقالات تلهب حماس المقاتلين والتي وصفها أحد قادة الجيش الأحمر، بأنها كانت أكثر فعالية من البندقية الآلية . وكان الضباط يقرأون كل مقالة جديدة للكاتب لجنودهم قبيل خوض المعارك .

ومن الطريف أن الجنود السوفييت، الذين لم تكن السكائر متوفرة لديهم، كانوا يلجأون الى تدخين اللف المصنوع من أوراق الجرائد .وقد أصدرت قيادة احدى الفرق العسكرية أمرأ موجها الى منتسبيها تقول فيه، أنه يسمح بتدخين اللف المصنوع من ورق الجرائد ماعدا تلك، التي تحتوي على مقالات أهرنبورغ . ويعلق الكاتب السوفييتي الشهير قسطنطين سيمونوف على هذا الأمر قائلاً: " هذا أقصروأفضل تقييم سمعته في حياتي، والذي يغمر قلب أي كاتب بالفرحة ". .

في سنوات الحرب كان اهرنبورغ غالباً ما يلقي المحاضرات على المراسلين الحربيين الجدد . وقال في محاضرة له: " يا زملائي الجدد، تذكروا، ليس بوسع أي شخص أن يصبح صحفيا . كما ان سنوات من المثابرة لا تجعلك صحفيا، اذا لم تكن لديك الموهبة والأحتراق الروحي الداخلي، ولم تعشق هذه المهنة الرائعة، الأكثر تعقيدا، وشمولاً .. جامعاتي لا تتعدى ست سنوات في الأعدادية والناس، والكتب، والمدن، والبلدان، والجبهات، والطرق، والقطارات، والبواخر، والدراجات، والكراسي، والمتاحف، والمسارح، ، حياة النباتات , والسينما . ستعودون الى وحداتكم العسكرية قريباً، وسيبدأ عملكم في الصحافة الجبهوية . اعلموا انكم ستعانون من ضيق الوقت دائماً، ولكن قبل اعطاء أي مادة للنشر، سواء كانت - مقالة، أو حواراً، أو قصة ، أو معلومات - الى يد رئيس التحرير المجهد، أقرأوا المادة بعناية مرة أخرى، وفكروا، هل سينشرها ويقدمها، كمشروب منعش، الى الجنود المرابطين في الخنادق. تجنبوا في نتاجاتكم الشعارات الصارخة غير المبررة –كل شعار ينطوي على مناشدة، ينبغي ان يصاغ دائما في قالب أدبي وبشكل مركز ووجداني.

 

كان اهرنبورغ غزير الأنتاج ويكتب يوميا أكثر من مقال مؤثر ومشحون بالعواطف الجياشة ، وهي بمجملها تبلغ أكثر من 1500 مقال، يفضح فيها الجرائم البشعة التي ارتكبتها قوات هتلر في الأراضي السوفيتية المحتلة، ولعل أشهر هذه المقالات هي سلسة (فريتس) اللاذعة، التي يسخر فيها من الجنود النازيين . وقد أصدر هتلر أمراً حربيا موجها الى جيشه يأمر فيها بأعدام أهرنبورغ، فور القاء القبلض عليه بعد (احتلال) موسكو . ولكن موسكو صمدت، ولم تتمكن القوات الهتلرية من دخولها. وقبل بضع سنوات صدرت هذه المقالات في ثلاثة مجلدات .وهي لم تفقد اهميتها حتى اليوم

في السنوات التي اعقبت الحرب العالمية الثانية نشرروايتان، هما " العاصفة " (1946) و" الموجة التاسعة " (1950) اللتان أثارتا جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية السوفيتية، وتزامن صدور الرواية الثانية مع بدأ حملة ستالين الدموية ضد "الكوسموبوليتية " التي ذهب ضحيتها عدد كبير من خيرة الكتاب والشعراءالروس . شظايا هذه الحملة كادت أن تودي بحياة أهرنبورغ، حيث قام عدد من النقاد الأنتهازيين، بما زعم أنه " فضح "لمحتوى أدب اهرنبورغ المودرنزمي، وأعادوا الى الأذهان رواياته القديمة الحداثوية ومنها على وجه الخصوص " قصة حب جين ناي " و " حياة لزيك رويتشفانتس الصاخبة " و كتابه عن الرمزيين والمستقبليين الروس " صور الشعراء الروس " و" بيان للدفاع عن البنائية في الفن " .

 

محاكمة أدبية:

في الأجتماع الشائن، الذي عقد في مقر اتحاد الكتّاب السوفييت عام 1949، لأدانة اهرنبورغ، شن عدد من كتّاب السلطة هجوماً عنيفا على الكاتب وأنحوا عليه باللائمة في كل شيء، ووصل الأمر حتى الى شجب مقالاته المناهضة للفاشست .

 قام أولئك الكتّاب، بأستجواب أهرنبورغ، بطريقة أشبه بالمحاكمة . ونحن ننقل هنا محضر ذلك الأجتماع - الذي تم كشف النقاب عنه في زمن البريسترويكا وبعد سنوات طويلة من وفاة اهرنبورغ . وثيقة قاسية من العهد السوفييتي القريب، حينما كانت المدارس السوفيتية تعلم تلامذتها أن يكتبوا في دفاترهم بخط كبير: " نحن لسنا عبيداً، نحن لسنا عبيداً " .

لم يكن من السهل تلقي ضربات المصير في ظل نظام شمولي، وكان على الكتاب الأحرار أن يكونوا بصلابة الفولاذ، لكي يتمكنوا من تجاوز المحن، ومن كان يمتلك مثل هذه الصلابة هم وحدهم ، الذين لم يخونوا ضمائرهم وحافظوا على كرامتهم الأنسانية، وهم يخاطرون بحياتهم . وكان بين هؤلاء أو بتعبير أدق في مقدمة هؤلاء الكاتب الأنساني ايليا اهرنبورغ . هذا المحضر مادة نفسية مثيرة . ويحمل عنوان:" النظر في النشاط الأدبي للكاتب غير الحزبي، ايليا غريغورييفيج أهرنبورغ "

 

نص المحضر 

 سيتحدث في الأجتماع كل من سوفرونوف، غريباتشيف، سوروف، كوجيفنيكوف، والناقد يرميلوف .

 أناتولي سوفوروف: " أقترح فصل الرفيق أهرنبورغ من اتحاد الكتاب السوفييت بسبب النزعة الكوسموبوليتية في نتاجاته . " .

نيكولاي غريباتشيف: " أيها الرفاق، هنا، قيل الكثير عن اهرنبورغ، ككاتب بارز، خلال الحرب الوطنية (يقصد الحرب العالمية الثانية) وكتب مقالات مطلوبة وضرورية للجبهة الداخلية ولجبهات القتال . ولكن في روايته، المتعددة الأوجه " العاصفة "، دفن ليس فقط البطل الرئيسي للرواية، ¬بل ايضاً كل الأبطال الأيجابين الروس من شخوص الرواية.

الكاتب اعطى الأفضلية على نحو متعمد للفرنسي مادو . ويستنتج القاريء على نحو عفوي: دع الناس الروس يموتون، والفرنسيون يستمتعون بالحياة.

انني أؤيد الرفيقين سوفوروف و يرميلوف، ان المواطن اهرنبورغ الذي يحتقر كل ما هو روسي، لا يمكن ان يكون له مكان في صفوف " مهندسي الروح البشرية " هكذا علمنا معلمنا الحكيم جوزيف فيساريونوفيج ستالين .".

ميخائيل شولوخوف: " اهرنبورغ – يهودي ! الشعب الروسي غريب عنه روحياً، ولا يهمه اطلاقا، هموم الشعب الروسي وتطلعاته . وهو لا يحب ولم يحب روسيا قط . الغرب الموبؤ، الغارق في القيء، أقرب اليه . انا اعتبر ان اهرنبورغ لا يستحق المديح الذي اغدق عليه لمقالاته في زمن الحرب . الأدب الروسي المقاتل، ليس بحاجة الى هذه الحشائش الضارة، بالمعنى الحقيقي لهذه لهذه الكلمة ."

 ايليا غريغوريفيج اهرنبورغ: " أنتم للتو – بحدة وقحة، لا يقدر عليها، سوى اناس حاسدون -حكمتم بالموت ليس على روايتي " العاصفة " فقط، ولكن حاولتم أن تمرغوا بالوحل، كل نتاجاتي الأبداعية دفعة واحدة..

 ذات مرة في سيفاستوبول جاءني ضابط روسي، وقال لي لماذا اليهود هم هكذا أذكياء؟، على سبيل المثال كان (ليفيتان) قبل الحرب يرسم المناظر الطبيعية، ويبيعها للمتاحف ولهواة الفن التشكيلي لقاء مبالغ كبيرة، ولكنه في أيام الحرب بدلا من أن يلتحق بالجبهة، عمل مذيعاً في اذاعة موسكو . وعلى خطى الضابط الشوفييني الجاهل يسير أكاديمي شبه جاهل ومتحذلق . ومما لا شك فيه أن أي قاريء، له الحق أن يتقبل أو يرفض أي كتاب .اسمحوا لي أن أن اقدم تعليقات

بعض القراء على تلك الرواية . وأنا أتحدث عن ذلك، ليس من أجل استمالتكم للعفو عني، بل

من أجل أن اعلّمكم، أن لا ترموا في وجوه الناس كومة اوساخ . اليكم مقتطف من رسالة المعلمة نيكولايفسكويا من فيرخويانسك البعيدة: " قتل زوجي وثلاثة من أبنائي . خلال الحرب . بقيت وحيدة . يمكنكم ان تتخيلوا، مدى عمق حزني ؟ . لقد قرأت روايتكم " العاصفة " . هذا الكتاب، عزيزي ايليا غريغوريفيج، ساعدني كثيرأً . صدقوني،، فأنا لست في عمر يسمح لي أن اهدر كلامي في المجاملات . شكرا لكم، لأنكم تكتبون مثل هذه النتاجات الرائعة . " 

وهذه سطور من رسالة الكساندر بوزدنيكوف: " أنا معوق من الدرجة الأولى . نجوت من حصار مسقط رأسي، مدينة سانت بطرسبورغ، واصبت في الحرب عام 1944 . في المستشفي بتروا كلتا ساقي . امشي على ساقين اصطناعيين . في البداية كان ذلك صعباً، ثم عدت الى مصنع كيروف، الذي عملت فيه منذ يفاعتي . كنا نقرأ روايتكم " العاصفة " بصوت عال في الأمسيات، وخلال استراحة الغداء، وفي فواصل التدخين . بعض الصفحات كنا نعيد قراءتها مرتين. " العاصفة " رواية صادقة حقاً . في المصنع عمال قاتلوا ضد الفاشية في صفوف المقاومة الفرنسية الباسلة . لقد كتبتم ما كان يجري فعلا، ومن اجل هذا ننحني لكم احتراماً . " .

وهذه رسالة أخرى، وهي الأكثر أهمية بالنسبة اليّ: " عزيزي ايليا غريغوريفيج ! لقد قرأت للتو روايتكم الرائعة " العاصفة " . شكراً لكم. مع خالص الأحترام . ي .ستالين . "

 نهض جميع الحضور وقوفاً ودوّت عاصفة من التصفيق المتواصل .

 

حصل اهرنبورغ على ارفع جائزة أدبية في الأتحاد السوفييتي وهي جائزة ستالين من الدرجة الأولى ثلاث مرات، عن رواياته (اليوم الثاني) و (سقوط باريس) و (العاصفة))

ويمكن القول ان اهرنبورغ، كان عبقري العنوان – ان جاز التعبير – والدليل على ذلك هو روايته الشهيرة " ذوبان الجليد " . ليس العنوان هنا مجرد مصادفة موفقة، بل يعبّر عن القدرة على رؤية الظواهر الجديدة في المجتمع، والأحساس الآني السريع بالتغيرات التي تحدث فيه والتعبيرعنها قبل الآخرين .

لقد أصبح هذا الأسم عنواناّ لعصر بأكمله في التأريخ الروسي .ويقصد به فترة حكم نيكيتا خروشوف، التي تميزت بحد معقول من الحرية الفكرية والسياسية، ومن المؤسف، ان انقلاب القصر على خروشوف في عام 1964 حول الجليد الذائب الى كتل صماء من جديد .

 

الدفاتر الفرنسية:

 كتاب اهرنبورغ الموسوم " الدفاتر الفرنسية " الصادر عام 1957، أثار اهتمام القراء وأصبح حدثاً مهماً في الحياة الثقافية في روسيا، بمعلوماته الغزيرة الجديدة، والذي تناول فيه الانطباعية في الفن التشكيلي، وتحدث عن سيزان ورينوار ومانيه وبيكاسو...ودافع عن ابداع تشيلر وكونجالوفسكي وساريان...وترجم مختارات من الشعر الفرنسي، وأكٌد على ضرورة تنوع الاشكال في الفن .

أثارالكتاب، رد فعل غاضب في القسم الأيديولوجي للحزب الشيوعي، الذي أصدر قراراً بشجب فيه آراء الكاتب واعتبارها " مضرة ايديولوجياً " .وكان ذلك ايذاناً ببدأ حملة جديدة ضده، شارك فيها نقاد يأتمرون بأوامر الحزب .، ولكن بعض أصدقاء الكاتب في الغرب وبخاصة في فرنسا، هبّ للدفاع عن اهرنبورغ وكتابه ومنهم أراغون . واليوم لا أحد يتذكر النقد الموجه للكاتب، في حين ان تحليله الذكي للفن الفرنسي ما يزال يحتفظ بكل قيمته .

لم يكن هدف الكاتب التعريف بالثقافة الفرنسية فقط، بل التعبير عن آرائه في الأدب والفن، التي لا تتفق بأي حال من الأحوال مع " الواقعية الأشتراكية " التي تبدو غريبة وغير منطقية على الأطلاق: هل يمكن أن نكون هناك واقعية رأسمالية أو بورجوازية، أو مسيحية، أو أية واقعية أخرى، لكي تكون هناك " واقعية اشتراكية " ؟ .

 كان اهرنبورغ الجسر الثقافي الذي كان يربط بين روسيا وفرنسا، طوال خمسة عقود تقريباً (1908 – 1967)، سواء بعلاقاته الواسعة مع الكتاب والشعراء والفنانين الفرنسيين، أو بنتاجاته المتنوعة الأشكال، التي كرسها للثقافة الفرنسية .

 

الناس، والأعوام، والحياة:

 رغم ان اهرنبورغ أخرج ما لا يقل عن مائة كتاب أدبي وفكري وسياسي، الا أن عمله الأبداعي الأهم وأروع ما كتبه في حياته بشهادة النقاد، هو مذكراته الموسومة " الناس والأعوام والحياة "، وهي مذكرات بآلاف الصفحات كتبت بين عامي 1859 – 1967، وتتألف من ستة أجزاء، ولم تصدر دفعة واحدة، بل ان الكاتب كان يدفع جزءاً واحداً للنشر في كل عام، غير أن الرقابة كانت تضع عراقيل كثيرة مع محاولة الكاتب نشر جزء جديد منها، وتشترط عليه حذف هذا الفصل أو ذاك أو تعديل فقرات معيتة، غير ان اهرنبورغ قاوم وعاند، وكادت الضغوط ان تصيبه بالأحباط، لولا أرادته القوية، ومن جهة أخرى، فأنه كان يدرك ان الأصرارعلى موقفه، يعني بكل بساطة منع نشر أهم نتاج له في روسيا، لذا وافق على حذف (أو بتعبير أدق تأجيل نشر بعض الفصول) و لجأ الى تعديل أية فقرة تعترض عليها الرقابة، ويعيد صياغتها على نحو جديد أجمل واحكم من الفقرة السابقة، وتنطوي على المعنى نفسه تلميحاً أوبين السطور، بيد أن الرقباء الحزبيين بجهلهم المركب، لم يكتشفوا الخدعة، ومرت عليهم مرور الكرام . ومن الفصول المحذوفة، الفصل المكرس لرجل الدولة البارز " بوخارين ". كما أن فصولاً أخرى ارتأى عدم نشرها، خلال حياته، وذكر ذلك في مقدمة مذكراته قائلاً: " ان بعض الفصول تتعلق بشخصيات لا زالت على قيد الحياة ولم تصبح جزءاً من التأريخ بعد ." .. 

كان من اليسير عليه نشر كتبه ومذكراته في الخارج، كما فعل آخرون ولكنه لم ير ذلك امرا ًصائبا ً، لأن النشر داخل البلاد كان أمراً بالغ الأهمية بالنسبة اليه، وان كانت كتبه تترجم الى اللغات الأجنبية فور صدورها في موسكو . فقد أراد بمذكراته، التأثير في الوعي الجمعي الروسي، والكشف عن حقائق مذهلة عن النظام الستاليني. 

مذكرات أهرنبورغ تختلف من حيث المضمون والشكل والأسلوب عن تلك التي يكتبها المشاهير في خريف العمر . فقد فتح في هذه المذكرات امام القاري، المشهد الثقافي العالمي على مدى حوالي ستين عاماً وعالماً بأكمله – عالم العباقرة والمبدعين في الأدب والفن والفكر والعلم في النصف الأول من القرن العشرين، بينهم من الفنانين (بيكاسو، موديلياني ,ليجيه) ومن الشعراء (ابولينير، ايلوار، نيرودا، باسترناك، تسفيتايفا) ومن الكتّاب (موروا، وجيد، وهيمنغواي)، ومن العلماء (اينشتاين وجوليو كيوري)، الذين عرفهم عن كثب، وكانوا من أصدقائه المقربين .

 

والأهم من ذلك أنه كشف النقاب لأول مرة عن حياة ونتاجات عدد من الكتاب والشعراء الروس الكبار، وفي مقدمتهم (بابل، وزوشنكو، ماندلشتام، كولتسوف و المخرج المسرحي ايزنشتين وغيرهم)، الذين أعدمهم ستالين بعد محاكمات صورية بتهم ملفقة .وبعد تصفيتهم سحبت كتبهم من المكتبات وتمّ منع تداولها وازيلت اسمائهم ونتاجاتهم من المناهج الدراسية ومنع عرض المسرحيات التي اسهموا في كتابتها أو اخراجها .

 كما كشف اهرنبورغ عن عدد آخر من المبدعين الروس، الذين حجبت نتاجاتهم عن الجمهور العام بأوامر من الرقابة، لأنهم حافظوا على استقلاليتهم ورفضوا أن يتحولوا الى ابواق للدعاية وأن يكتبوا وفق أيديولوجية الحزب. كل هؤلاء سواء المعدومين منهم أو الممنوعين من النشر،

لم يكن الجيل الجديد من القراء الروس مطلعاًعلى نتاجاتهم ولم يسمع عنهم شيئاً، الا عن طريق هذه المذكرات، وبعد مرور سنوات طويلة على رحيلهم عن الحياة ، حين كشف اهرنبورغ النقاب عنهم بكل موضوعية وجرأة، واطلع القراء للمرة ألأولى على اسماءهم وسير حياتهم، و جرى البحث عن كتب ودواوين الكتاب والشعراء الذين تحدث عنهم اهرنبورغ، وتداول نتاجاتهم المستنسخة سراً، بين المثقفين الروس . ويمكن القول بكل ثقة ان " الناس، والأعوام، والحياة " أصبحت التربة الفكرية، التي انبثقت عنها حركة (المنشقين) الروس .

كانت لمذكرات اهرنبورغ أصداء واسعة، في داخل البلاد وخارجها وتلقفقتها الأيادي ونشرت عنها مئات المقالات النقدية، معظمها تثمن عالياً بانوراما الحياة والثقافة التي رسمها اهرنبورغ وتشيد بشجاعته الأدبية .

غير ان البعض ممن في قلبوبهم مرض، اخذوا يحرضون السلطة ضد الكاتب . ولكن مكانته العالمية منعت السلطات من حجب نتاجاته أو المساس به شخصياً، وان كانت تضيق عليه الخناق بين آونة وأخرى . فالزمن تغير وتغير القادة أنفسهم الى حد كبير، وأخذوا العبرة من الضجة التي اثيرت في العالم الغربي عام 1958، عندما اضطر باسترناك الى رفض جائزة نوبل ومنعت السلطات السوفيتية نشر روايته " دكتور زيفاكو " داخل البلاد . ولم يتم نشر مذكرات اهرنبورغ كاملاً وبضمنها الأجزاء المحذوفة، الا في عام .1990

 

مؤتمر لينينغراد الأدبي: 

كان تأثير اهرنبورغ عظيما على المثقفين الروس . واتذكر – وكنت حينذاك طالباً في موسكو –المؤتمر الذي عقدته جمعية الكتاب الأوربيين، حول قضايا الرواية المعاصرة في لينينغراد (بطرسبورغ حالياً) في الخامس من اغسطس عام 1963، وضم أشهر الروائيين الأوروبيين، بينهم (جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار) والقي فيه اهرنبورغ كلمة أثارت اعجاب كتاب أوروبا، وفي الوقت نفسه امتعاض السلطة وكتابها المشاركين في المؤتمر، مثل شولوخوف وسيمنوف وآخرين، الذين لم يكونوا يتجاسرون على تجاوز الخطوط الحمراء لـ(الواقعية الأشتراكية) أو ذكر اسماء الكتاب الغربيين الذين منعت السلطات دخول نتاجاتهم الى الأتحاد السوفييتي أو ترجمتها الى اللغة الروسية .

 قال اهرنبورغ في كلمته: كيف يمكن لمن لم يقرأ نتاجاً أن ينتقده !، وكان يقصد بذلك النقاد السوفيت، الذين لم يقرأوا روايات كافكا واورويل وغيرهما، ومع ذلك كانوا يتهجمون عليها وينعتونها بأسوأ الألفاظ المبتذلة . وبعد القاء اهرنبورغ لكلمته التف حوله الروائيون الأجانب المشاركين في المؤتمر، وكذلك بعض الكتاب الروس الشباب، وقدموا له التهنئة على كلمته المؤثرة . صورة اهرنبورغ محاطاً بعمالقة العصر، ما تزال عالقة بذهني، وأتذكر أيضاً كيف خرجت الصحف السوفيتية في اليوم التالي وهي تشن حملة هوجاء، على الكاتب، الذي نطق بالحقيقة، متهمة اياه بمجاملة الغرب الأمبريالي وبالكوسموبوليتية، وبأنه يحب فرنسا أكثر من وطنه، لأنه عاش فيها نصف عمره وتشبع بالثقافة الغربية . وكانت تلك التهم متهافتة الى أبعد الحدود، لأن احدا من كتاب القرن العشرين، لم يظهر قبح الرأسمالية مثلما فعل اهرنبورغ، ثم أنه قال لكتاب الغرب: أنتم كذلك لم تقرأوا الأدب السوفييتي الحقيقي، فكيف يمكنكم الحكم عليه ؟ .

 

 أهرنبورغ: الكاتب الأممي

 كان اهرنبورغ كاتباً انسانياً واخلاقياً، قل نظيره، ويؤمن ايماناً عميقاً، ان الثقافة تقرّب بين الشعوب، وكان يكره أي تعصب، أوتمييز قومي، أو ديني، أو ثقافي، ويرى " ان مثل هذا التعصب كان وراء حروب كثيرة، وأنه لا يوجد شر أسوأ من الحرب وويلاتها، وان الناس في جميع انحاء العالم يمكن ان يفهموا بعضهم البعض، حتى لو كان الطغاة يحاولون عزل شعوبهم عن العالم الخارجي ." ويقول بهذا الصدد: " الكتاب أيضاً يمكن يمكن أن يناضل من أجل السلام، والسعادة، والكاتب بوسعه أن ينحى مخطوطة كتابه جانباً، كي يسافر، ويتحدث، ويقنع، ويناقش، وكأنه يواصل تأليف كتابه، الذي لم ينته بعد من كتابته . الكاتب مسؤول عن حياة قراءه، وعن حياة الناس، الذين لن يقرؤا كتبه أبداً، وعن كل الكتب التي كتبت قبله، وعن تلك التي لن تكتب أبداً . وحتى عندما ينسون اسمه تماماً.

لقد قلت ما أفكر فيه عن واجب الكاتب والأنسان . أما الموت فأنه يجب أن يدخل الى الحياة على نحو جيد، ويصبح تلك الصفحة الأخيرة التي يتعذب من اجلها الكاتب الى أن يتوقف قلبه عن النبض. ينبغي أن نحب بعنفوان الشباب، وأن ندافع عما هو عزيز علينا، ونناضل ونعمل ونحيا ما دام القلب ما يزال ينبض .".

 توفي اهرنبورغ في 31 آب – أغسطس عام 1967، عندما كان في حديقة منزله، يسقي الورود، التي كان يحبها ويعتني بها . وتقول ابنته الكاتبة والمترجمة (ايرينا اهرنبورغ) في مذكراتها، أن قوة من المخابرات السوفيتية، حضرت الى الدار، فور تسرب خبر وفاته، ونقلت جثمانه الى مكان مجهول، وحين حاولت عائلته الأحتجاج على هذا التصرف الغريب، قال أحد الضباط المكلفين بنقل الجثمان: " ان اهرنبورغ ملك للدولة وليس لعائلته . " وحاولت السلطة عدم الأعلان عن يوم تشييعه، غير أن الخبر سرى سريان النار في الهشيم، وشيع الكاتب الكبير الى مثواه الأخير في مقبرة العظماء (نوفو ديفيتشي) أكثر من عشرين الفاً من المثقفين الروس، اضافة الى أفراد عائلته وأصدقائه .

 

استاذ مجنون يحصل على جائزة نوبل

qassim salihyتوفي السبت 23 ايار الجاري في حادث سير عالم الرياضيات العبقري..المجنون صاحب (نظرية اللعبة).

  الجميل..المدهش..المفجع..المفارقة..ان زوجته توفيت معه في نفس الحادث.ولكم ان تتذكروا المشهد المهيب الاخير في فيلم بيتوفل مايند لحظة منحه الجائزة..وقوله:ان اعظم من كل انجازاته العلمية هو الحب..حب زوجته له..(ياه..فعلا احلى موته!).

*

   نص المقالة التي كنا نشرناها عنه في عام 2007

في عام 1959 كان " جون ناش " البالغ في حينه ثلاثين سنة واحدا من أشهر العقول في اختصاص الرياضيات . وحصل على الأستاذية " بروفيسور " بهذا العمر عندما كان يدّرس في المعهد التقني بولاية ماساشوستس. وكان يدهش الجميع بحلّه مشكلات رياضية يستحيل على الآخرين حلّها بطريقة غير تقليدية . واستطاع وهو ما يزال طالب دراسات عليا أن يقدّم فكرة " التوازن " في " نظرية اللعبةGame Theory" التي أحدثت ثورة في ميدان الاقتصاد ونال عليها جائزة نوبل.

وتروي زوجته " سيليفيا"أن زوجها " ناش " ظهرت عليه تصرفات غريبة الأطوار ، ثم ساءت حالته بأن أخذ يكتب رسائل الى الـ" FBI " ومؤسسات ووكالات حكومية أخرى يؤكد فيها أن هنالك مؤامرات عالمية على وشك أن تحدث . ثم صار يتحدث علنا في محاضراته الجامعية عن أن قوى في الفضاء الخارجي ومن حكومات أخرى تتصل به عبر الصفحة الأولى من مجلة " New York Times " . وصار يرى أشخاصا بأربطة عنق حمر " وهميين طبعا " يدورون حول المجمّع الذي يسكن فيه ، معتقدا أنهم من المخابرات الروسية " الشيوعية ."

ونظرالأوهامه وهلوساته وسلوكه الذي صار خطرا ، أدخلته زوجته مستشفى الأمراض العقلية في نيسان 1959 ، فشخّصه الأطباء بأنه مصاب بـ " الفصام الزوري Paranoid Schizophrenia " الذي يعني تحديدا : " متلازمة تتصف بالأوهام والهلوسات التي تتضمن أفكارا اضطهادية وعظمة ". وبعد خضوعه لعلاج طبي دوائي وتحليل نفسي تحسّنت حالة "ناش " الذي كان يقضي معظم أوقاته في المستشفى مع الشاعر المشهور آنذاك " روبرت لويل " المصاب هو الآخر بـ" الاكتئاب الهوسي ".

 

تعلّم " ناش " أن يخفي أوهامه وهلوساته ، ويتصرف بعقلانية ، على الرغم من أنه كان يعانيها في داخله . وخرج من المستشفى ، واقسم أن يتخلص من كونه مواطنا أمريكيا ..فسافر الى جنيف وأتلف جواز سفره الأمريكي . لكنه أضطر بعد سنتين الى العودة . وظهرت عليه أعراض جديدة من الشيزوفرينيا .فقد أخذ يرتدي ثياب فلاّح روسي ، ويتحدث عن السلام العالمي ، وضرورة وجود حكومة عالمية واحدة . وبعث برسائل وأجرى اتصالات هاتفية يتحدث فيها عن نظريات رياضية وشؤون عالمية ، الأمر الذي دعا المسؤولين في الجامعة والأصدقاء والأطباء النفسيين أن يلحّوا على زوجته لإدخاله المستشفى مرة أخرى ، ففعلت . وتلقى علاج الأنسولين والرجّات الكهربائية الشائعة الاستعمال في الستينات . وتحسنت حالته وغادر في عمر الثالثة والثلاثين ، وعاد الى البحث العلمي مركّزا هذه المرة في " توازنات التمايز الجزئي " . وبدأت تظهر عليه من جديد اختلالات في تفكيره وكلامه وسلوكه ، فأدخلته زوجته مستشفى خصوصيا هذه المرة ، قضى فيه خمسة أشهر من العلاج النفسي والدوائي . وبعد مغادرته ، قام أصدقاؤه بمساعدته من جديد على إنجاز أبحاثه . فكتب مقالات مميزة نشرت في مجلات علمية رائدة . غير أن الذهانات الحادة ظلت تأتيه من وقت لآخر ..الى السبعينات والثمانينات حيث تحسنت حالته تدريجيا وتعافى من الفصام "الشيزوفرينيا " على الرغم من عدم تناوله أي علاج ، الأمر الذي أثار دهشة الاختصاصيين الذين لم يجدوا تفسيرا لشفائه إلا في رعاية زوجته ومداراتها له وعلاقتها الحميمة به ، وفي الإسناد الدائم له من أصدقائه في اختصاص الرياضيات .

 

واصل " ناش " أبحاثه العلمية ، ومنح جائزة نوبل في الاقتصاد لمساهماته الأصيلة والمبتكرة في " نظرية اللعبة " التي أحدثت - كما أشرنا – ثورة في حقل الاقتصاد . وهو يعيش الآن مع زوجته في برنستون ، ويواصل عمله في ابتكار نظريات في الرياضيات ، ويرعى في الوقت نفسه أبنه " جوني " الحاصل على الدكتوراه في الرياضيات أيضا ، والمصاب بمرض أبيه نفسه " فصام البارانويا !".

وفضلا عما لقيه من تكريم ، فقد كرّمته السينما أيضا بإنتاجها فلما عنه بعنوان : " عقل جميل The Beautiful Mind ".

 

والآن : افترض معي لو أن أستاذا جامعيا أو عالما أو مفكرا أو أديبا أو شاعرا أو فنانا في بيئتنا العربية الخصبة بإنتاج " المجانين " أصيب بالشيزوفرينيا ، فما الذي سيحصل له ؟

أولا : سيفصل من الجامعة أو المؤسسة التي يعمل فيها ، لأنه صار في عرفهم مجنونا . وسيتخلى عنه أصدقاؤه وزملاء المهنة.

 

ثانيا : سيصبح عارا على أسرته . وقد تتخلى عنه زوجته ، ويتنكّر له أبناؤه وبناته .

ثالثا : سيسخر منه الناس ، وسيعاقبه المجتمع ليس بنبذه فحسب ، بل في تحريم الزواج من بناته .

استعيدوا من ذاكرتكم كم " مجنون " بعقل ذكي في مجتمعاتنا العربية مات في مستشفى المجانين ، أو في الشارع ، أو أنهي حياته بطلقة ؟ . أنا شخصيا أعرف خمسة من العراقيين ، فكم أنتم تعرفون ؟. ومن منّا " نحن والسلطة وهذه العقول " العاقل والمجنون؟!.

 

 د.قاسم حسين صالح

حسقيل ساسون وبصمته في تاريخ العراق

أكيد ذاكرة الزمن تضم الكثير من صفحات تاريخ العراق المشرف والمشرق ولا تزال تخزن الكثير والكثير مما يمرُّ عليها، ليس فقط أحداثًا ومواقف بل وشخصيات كان لها مسيرتها والتي أتضحت من خلال ما بصمته أنها تستحق الانحناء من أجلها والتذكير بها من أجل أن لا يطمر الزمن ذكراهم وأن لا يتناسىّ عملهم وأن تكون دروسًا لغيرهم السائرين على نفس الدروب.

والمحطات التي يحفل بها تاريخ العراق كثيرة، سنتوقف قليلا عند أحداها لنستذكر أحد أبرز الشخصيات التي كان لها دورًا مشرفًا في إعلاء وإبراز اسم العراق في فترة الحكم الملكي، أنه (حسقيل ساسون / وزير المالية العراقي  عام 1921م).

 يعد حسقيل ساسون أشهر وأنزه وزير مالية عراقي في تاريخ الحكومات العراقية المتعاقبة، هو أول وزير مالية أسهم بشكل كبير في وضع الأسس الصحيحة والسليمة لقيام الاقتصاد العراقي وبناء ماليته وفق نظام دقيق جدًا. قال عنه أمين الريحاني:" أنه الوزير الثابت في الوزارات العراقية، لأنه ليس في العراق من يضاهيه في علم الاقتصاد والتضلع في إدراك الشؤون المالية".

ولادته وتعليمه وعمله:

حسقيل ساسون  (1860 – 1932) هو عراقي يهودي ولد من عائلة يهودية بغدادية اشتهرت بالتجارة في بغداد كانت تسمى بــ (روتشيلد الشرق)، كان لديه (3 أخوة و 4 اخوات)، أما والده فقد كان من رجال الدين المتفقهين في الشريعة الموسوية. ساسون كان غير متزوج وكان يقطن في بيت فخم على شاطئ دجلة قرب غرفة تجارة بغداد. أما دراسته فقد تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة (الاليانس) ثم ذهب إلى اسطنبول للدراسة عام 1877، بعدها ذهب إلى لندن ليجتاز امتحان المتروكوليشن Matriculation  ومن ثم إلى فيينا ليدخل كلية الحقوق ويحصل على الشهادة. ومن فيينا عاد إلى اسطنبول لينال شهادة المحاماة من الدرجة الأولى من وزارة الحقانية في الأستانة. ساسون برحلاته الدراسية المتعددة هذه أتقن العديد من اللغات وامتلك مكتبة فخمة جمع فيها الكثير من الكتب المتعددة، لكن فيما بعد استولت عليها الحكومة العراقية وأدعتها ضمن مكتبة المتحف العراقي عام 1970م.

 في عام 1885م عاد إلى بغداد ليعين ترجمانًا لولاية بغداد ثم انتخب نائبًا في مجلس النواب التركي الأول عام 1908. شغل ساسون منصب وزير المالية خمسة مرات في فترة الحكم الملكي، حيث عين أول وزير مالية في حكومة السيد عبد الرحمن النقيب (الحكومة المؤقتة 1918 – 1921)، كما وأنتخب لوزارة المالية في وزارة النقيب الثانية 1921، والثالثة، ووزارة عبد المحسن السعدون الأولى، وكذلك في وزارة ياسين الهاشمي.

عرف عن ساسون أنه كان متشددًا في محاسبة الموظفين وحتى المسؤولين، حتى الملك فيصل الأول والحكومة البريطانية، كان لا يترك لهم ثغرة يسيئون فيها لمالية البلاد، ومن هنا جاءت الكلمة المترددة على ألسنة الكثير من العراقيين ( يحسقلها  ... تريد تحسقلها عليّ!).... (بمعنى يتشدد في المحاسبة). كما يُروى عنه بأنه كان سريع الغضب مع الموظفين إذا وجد منهم أي تهاونًا أو تقصيرًا، وهنا يذكر (مير بصري) أن (صفوت باشا) حدثه حينما كان ناظرا للخزينة الملكية الخاصة عن نفقات فصل البريد والبرق المخصصة للديوان الملكي عام 1925، أنها نفذت قبل أشهر من ختام السنة، فقد كانت الحرب الحجازية النجدية قائمة والبرقيات ترسل يوميًا من البلاط الملكي العراقي إلى (الملك علي) في الحجاز لمعرفة الموقف الحربي، فكتب الديوان الملكي إلى وزارة المالية يسأل الموافقة على نقل مبالغ من فصل أخر في الميزانية المصدقة إلى فصل البريد والبرق تلافيًا للمصروفات الطارئة. وهنا قال (صفوت باشا):" دخل على وزير المالية ساسون أفندي ثائرًا منتقدا كثرة النفقات ومعترضا على نقل الاعتماد، فحاولت تهدئته وقلت له: أن جلالة الملك في الغرفة المجاورة! وفي اليوم الثاني سألني الملك: لماذا كان ساسون هائجًا بالأمس؟! وحينما أوضحت له الأمر، قال: أنهُ مبتهج ومسرور من موقف وزير ماليته وصلابته وحرصه على التمسك بالقواعد المالية والحرص على خزينة الدولة".

ومما يذكر عن ساسون أيضًا حينما كان وزيرًا للمالية، كانت هنالك مناقشة لبعض الأمور الاقتصادية في مجلس الوزراء، وكان من الطبيعي أن يتم مناقشة الأمور وطرح الآراء، قام ساسون بطرح بعض الآراء، فقاطعه (جعفر العسكري)! فما كان من ساسون ألا أن ينتفض في وجهه ويقول له بصوت مرتفع:" أرجو يا باشا أن لا تتدخل في أمور لا علاقة لك بها، ولا تعرف عنها شيئًا، فهذه قضايا قانونية وأنت رجل عسكري".

شاعت عنه الكثير من الحكايات الطريفة ومن أشهرها ما حصل بيه وبين شركة النفط البريطانية، عندما أصر على شركة النفط البريطانية المسجلة عندئذ باسم (شركة النفط العراقية التركية) بدفع حصة العراق بالذهب (الشلن الذهبي) بدلا من (الباون الانكليزي الورقي)، استخفوا طلبه وقتها، حيث كان الباون الانكليزي (السترلنغ) أقوى عملة في العالم، سخروا منه وضحكوا عليه وأتهموه بأنه رجل قديم الطراز! هزَّ رأسه قائلا:" نعم هكذا أنا ... سامحوني، رجل مُتحجر الفكر ومن بقايا العهد العثماني، رجاءًا ادفعوا لنا بالذهب". ضحكوا عليه و لكنهم طيبوا خاطره فوقعوا على الدفع بالذهب، لكن سرعان ما ثبت أن ساسون حسقيل كان أعلم منهم جميعا، فبعد سنوات قليلة تدهور الباون الإسترليني بالنسبة للذهب، وشركة النفط لم تجد مفراً من الدفع للعراق! كانت النتيجة أن ظل العراق يكسب ملايين إضافية بسبب تفوق الذهب على العملة الورقية الإنكليزية! ولا عجب أن أخذ البريطانيون يتضايقون من وجود ساسون على رأس وزارة المالية في كل مفاوضاتهم معها، فسعوا إلى التخلص منه حتى تمكنوا من ذلك بعد سقوط حكومة ياسين الهاشمي.

يتبين مما سبق توضيحه أعلاه بشيء من التبسيط أن هكذا شخصية تستحق فعلا أن يخلدها التاريخ. يستحق بلدنا أن يكون منها الاف النسخ من أجل أن تعيد بناءه وانتشاله من المستنقع الذي بقلة تفكير الكثيرين وصل إلى الحال الذي هو عليه اليوم! حسقيل ساسون كان أمينًا لدرجة الامانة المطلقة. كان لديه سعة من الثقافة والتفاني والجدية والتي برزت في عمله وتكونت في شخصيته القوية والواثقة، كان شريفًا ومخلصا لمهنته ووطنيا بكل ما يحمله الوطن. كان مؤمنا بإمكانية صهر جميع الطوائف والأقليات في بوتقة الوطن واعتبارها شعبًا عراقيا واحدًا. حسقيل ساسون كان رجلا يعمل من أجل الوطن وليس من أجل أن يستنزف وطنًا، وهذا هو الفرق بين ما قدمه في زمانه للعراق وبين ما يقدمه اليوم من يقود دفته باختلافهم واختلافاتهم! كان يقول:" أن الإهدار يجعل من المال سائبا، والمال السائب يعلم السرقة!"، العراق يسرق وماله يهدر والشعب يجوع وكان الله في عون الشعب المسكين.

الرائد النهضوي السيد محمد بحر العلوم

ali almomenبحر العلوم .. الحاضر الغائب في تاريخ النهضة العراقية

كعادتنا؛ لانكرم رموزنا الّا بعد وفاتهم، ولانكتب عنهم الّا بعد إغلاق ملفاتهم. ولكن العلامة السيد محمد بحر العلوم تغافلنا عنه مرتين؛ مرة عندما لم نكتب تاريخه في حياته؛ واخرى لأننا أغفلنا دوره في النهضة الإسلامية الشيعية الوطنية المعاصرة في العراق؛ حين أرّخنا لها في كتبنا ودراستنا؛ رغم أن للسيد محمد بحر العلوم حضور مهم في مسار هذه النهضة منذ أربعينات القرن الماضي. ولعلّي من الباحثين القلائل جداً الذين ذكروا السيد محمد بحر العلوم في مؤلفاتهم ودراساتهم؛ إذ كتبت في كتابي (سنوات الجمر) عن دوره في المثلث البغدادي الذي جمعه الى جانب السيد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري في فترة الستينات؛ والذي كان يمثل المرجعية النجفية العليا الممثلة بالإمام الحكيم حينها؛ والذي كاد أن يقلب موازين السلطة العراقية ومضمون الدولة خلال فترة حكم عبد الرحمن عارف. كما ذكرته ضمن رواد النهضة الإسلامية والدعاة المؤسسين في سلسلسة مقالاتي النقدية (حزب الدعوة من الشروق الى السطوع). وكان السيد محمد بحر العلوم يطالع هذه المقالات بدقة، ويدلي ببعض ملاحظاته عليها. وفي لقاءاتي به كان يذكر إشكالاته على بعض الذين يؤرخون لتاريخ الحركة الإسلامية العراقية؛ والذين لايراعون الأمانة والدقة. وعبّر لي في إحدى المرات عن استغرابه مما ذكره أحد مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية في أماليه؛ والذي ألغى فيه دور السيد محمد بحر العلوم في كثير من الأحداث والمسارات. ورغم مرارة الموقف؛ الّا أن الخلق الرفيع والهدوء المهيب اللذين يتمتع بهما؛ كانا يمنعانه من التعبير الإنفعالي عن هذه الظواهر الخاطئة في الكتابة التأريخية السياسية العراقية؛ ولاسيما تلك التي تمسه شخصياً.

كل هذا؛ دفعني لأن أتفق مع سماحة السيد في عام 2012 للتعاون معه في تدوين مذكراته. ولكن للأسف ولأسباب موضوعية لم تتح فرصة تنفيذ المشروع. ولكن قُدر لي أن أسمع منه الكثير. وما أكتبه في هذا المقال؛ سمعت جزءاً منه من السيد مباشرة.

 738-ali

بحر العلوم و وعي النهضة

يمكن القول إن مرحلة السكون في مسيرة الحركة الإسلامية العراقية التي بدأت في أعقاب إنعقاد مؤتمر كربلاء عام 1924 ثم نفي المراجع الأربعة الى إيران؛ أخذت تتراجع تدريجياً مع إندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان المنعطف الذي خلق تحوّلاً في واقع الإسلاميين العراقيين هو تداعيات حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 وارتداداته في النجف، وإصدار مراجع العراق وفقهائه؛ ولاسيما المرجع الأعلى في النجف الإمام السيد أبو الحسن الموسوي الإصفهاني والمرجع الإصلاحي الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء؛ فتاوى صريحة في معارضة الإحتلال الإنجليزي، وداعمة لإستقلال العراق وللتغيير في توجهات الحكومة.

لقد وعى السيد محمد بحر العلوم وقائع حركة الكيلاني وفتاوى المراجع ومعارضة الإنجليز وبدايات الحراك النهضوي في النجف الأشرف عام 1941؛ وكان يبلغ من العمر 14 عشر عاماً. وبما إنه ينتمي الى بيئة علمية دينية عريقة لها تاريخها الجهادي والإصلاحي؛ فقد وجد نفسه جزءاً من هذا الوعي النهضوي الجديد. وأخذ خلال الأربعينات يتحرك في فضاء الجمعيات الدينية والثقافية والأدبية، وفي بيوتات المرجعيات الإصلاحية، وبدء يطرح كتاباته الأولى ويلقي الكلمات في المناسبات. والجانب الأهم هو انه التقى بعدد من الأقران الشباب في النجف؛ والذين تقاربت أفكارهم وآراؤهم؛ وشكّلوا شبه محور؛ أصبح له شأنه فيما بعد؛ ولاسيما في عقد الخمسينات.

لقد كانت هناك ثلاثة أنواع من الأحداث التي عايشها السيد محمد بحر العلوم؛ الأول يتمثل في الأحداث التي عاش على هامشها؛ كتداعيات حركة الكيلاني الإنقلابية وانعكاسها على النجف، والإعتراضات العنيفة التي عمت العراق والنجف على معاهدة بورتسموث بين الحكومة العراقية والحكومة البريطانية عام 1947، ثم تداعيات تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948وانعكاسه على العراق والنجف.

أما النوع الثاني فهي الأحداث التي كان السيد محمد بحر العلوم يعيش كثيراً من تفاصيلها؛ كنشاط الشيخ عز الدين الجزائري في أواخر الأربعينات وبدايات الخمسينات وحركتيه الشباب المسلم والعقائديين، وتحرك الثلاثي الشهيد عبد الصاحب دخيل والسيد حسن شبر ومحمد صادق القاموسي وتأسيسهم الحزب الجعفري عام 1953، و تحرك العلامة الزعيم الإصلاحي الشيخ محمد رضا المظفر في الأربعينات وتأسيسه جمعية منتدى النشر ونشاطها، ثم تاسيس كلية الفقه ودراسة السيد محمد بحر العلوم فيها؛ والتي كانت معقلاً للحركة الإسلامية النهضوية الإصلاحية.

ويبقى النوع الثالث؛ وهي الأحداث التي عاش السيد محمد بحر العلوم في صميمها، وكان جزءا منها ومن صانعيها. وفي مقدمها تأسيس حزب الدعوة الإسلامية؛ الذي كان السيد من المشاركين في الجلسات الأولى لمناقشة فكرته منذ عام 1956. ورغم أنه لم يشارك في الإجتماعات التأسيسية التمهيدية في النجف الأشرف وفي إجتماع كربلاء التأسيسي النهائي؛ إلّا أنه كان مشاركاً في جلسات الحزب الأخرى وكان من أعضائه الأوائل. ورغم خروج السيد مبكراً من التنظيم؛ الّا أنه بقي قريباً من الدعوة وقادتها ونشاطاتها.

ومن هذه الأحداث أيضاً؛ النشاطات التي كانت تقوم بها جماعة العلماء في النجف الأشرف؛ فكان السيد محمد بحر العلوم من الكوادر الشبابية الناشطة فيها؛ الى جانب السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد حسين فضل الله والسيد مهدي الحكيم والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد باقر الحكيم والشيخ محمد أمين زين الدين والشيخ محمد باقر الناصري والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد طالب الرفاعي والشيخ عبد الامير الجمري الشيخ مهدي السماوي الشيخ عبد الهادي الفضلي و السيد عدنان البكاء والشيخ سليمان المدني والشيخ عارف البصري والسيد عبد الرسول علي خان وغيرهم. وهذه الثلة الشبابية لم يكونوا أعضاء في جماعة العلماء أو هيئتها الإدارية؛ ولكنهم كانوا المحرك الميداني الرئيس لنشاطاتها. وكانوا يحظون برعاية مباشرة من رئيس الجماعة الشيخ مرتضى آل ياسين. كما أن جماعة العلماء وحزب الدعوة كانا يحضيان برعاية المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم.

 

بحر العلوم من أعمدة تحرك مرجعية الإمام الحكيم

في خمسينات القرن الماضي برز الإمام السيد محسن الحكيم مرجعاً أعلى في النجف الأشرف، ثم تفرد بزعامة الطائفة الشيعية في العالم بعد وفاة السيد البروجردي عام 1961 ثم وفاة السيد عبد الهادي الشيرازي بعده بأشهر معدودات. وقد عاش السيد محمد بحر العلوم كل تفاصيل تحرك الإمام الحكيم ومرجعيته، وكان جزءاً منها، ثم أصبح من أعمدتها الميدانية في الستينات؛ ولاسيما بعد إنتقاله الى العاصمة بغداد مع نجل الإمام الحكيم ووكيله المطلق في بغداد السيد مهدي الحكيم. وكان وجود السيد مهدي الحكيم في بغداد حافزاً لتاسيس جماعة علمائية تحت إسم (جماعة العلماء في بغداد والكاظمية) في عام 1965، على غرار جماعة العلماء في النجف الأشرف؛ برعاية الإمام الحكيم ودعم الحركة الإسلامية. وكان من أبرز أعضائها السيد مرتضى العسكري والسيد إسماعيل الصدر والسيد مهدي الحكيم والسيد محمد بحر العلوم والشيخ علي الصغير والشيخ محمد آل ياسين والشيخ موسى السوداني والشيخ جواد الظالمي والشيخ عارف البصري.

وكان مجيء عبد الرحمن عارف على رأس السلطة في العراق عام 1966، ثم نكسة حزيران عام 1967؛ من أهم العوامل التي دعمت المرجعية النجفية و الحركة الإسلامية العراقية لبلوغ مستوى كبير من القوة؛ بالشكل الذي أصبح فيه المراقبون يتوقعون تغييراً قريباً في خارطة العراق السياسية لمصلحة الحركة الإسلامية، فيما لو استثمرت هذه الفرصة ـ الضائعة ـ بالشكل الذي ينبغي، والتي لم يتوفر مثيل لها مطلقاً فيما بعد.

وقد اعتمد الإمام الحكيم في تحركه السياسي غير الرسمي على مثلث اختاره بنفسه، ومنطلقه بغداد وليس النجف؛ يتكون من السيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد بحر العلوم والسيد مرتضى العسكري، ويدعمهم من النجف السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد باقر الحكيم. وكان هؤلاء الخمسة على تواصل وتنسيق مباشر مع ثلاثي قيادة حزب الدعوة الإسلامية: محمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل والشيخ عارف البصري. وفي النتيجة كان هناك ثماني شخصيات تقود العمل السياسي بمضمونه الإسلامي الشيعي على مستوى العراق أجمع. وكان السيد محمد بحر العلوم أحد هؤلاء الثمانية.

والقوة الشعبية والنخبوية والسياسية والتنظيمية التي بلغها الإسلاميون الشيعة في عام 1967؛ جعل أنظار الكثير من السياسيين العراقيين التقليديين تتجه صوبهم، فعقد رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز وعدد من رفاقه محادثات مع الطرف المرجعي في بغداد؛ أي السيد مهدي الحكيم والسيد محمد بحر العلوم والسيد مرتضى العسكري؛ بغية تشكيل حكومة وطنية تحظى برضى المرجع الأعلى، وتعمل على إقامة نظام عادل في البلاد، ومنح الحريات للمواطنين. وفي هذا الصدد يقول السيد مهدي الحكيم بأننا ـ و بأمر من السيد محسن الحكيم ـ أبلغنا عبد الرحمن البزاز بأن موت عبد السلام عارف هو فرصة لتحويل الحكم العسكري إلى مدني، وتشكيل مجلس قيادة من ثلاثة أشخاص؛ يكون ممثل المرجعية أحدهم؛ إلا أن البزاز لم يقبل العرض.

 

المواجهة مع حزب البعث

عبأ حزب البعث – منذ استيلائه على السلطة عام 1968- إمكاناته لمحاربة الواقع الإسلامي الشيعي. ومقابل ذلك قرّر الإسلاميون التريث في مواجهة الحدث المستجد؛ وعدم الدخول في مواجهة غير متكافئة مع السلطة. وصدر القرار الرسمي بالقضاء على الحالة الإسلامية و الوجود الديني في العراق في 4 نيسان 1969 عن القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث، ونصّ على (ضرورة القضاء على الرجعيّة الدينية باعتبارها العقبة الكبرى في مسيرة الحزب) كما نشرته مجلة العمل الشعبي. والرجعيّة الدينية هنا كناية عن الحالة الإسلامية و المرجعية الدينية وعلماء الدين.

أما التحرش العملي فقد بدأ بمصادرة السلطات للأموال المرصودة لجامعة الكوفة (الخيرية الأهلية) - قيد الإنشاء- والتي تبلغ (4،530،000) دينار(2)، وسحب إجازتها. وتم ذلك تحت ستار القانون الذي أصدرته الحكومة بتأميم جميع المدارس الإسلامية. مع التأكيد على الكلّيات و المعاهد والمدارس الإسلامية. وقد احتج الإمام الحكيم على إلغاء مشروع جامعة الكوفة و مصادرة أموالها، إذ قابل نجله السيد مهدي الحكيم أحمد حسن البكر (رئيس الجمهورية) وأبلغه احتجاج والده.

واستغل النظام البعثي أجواء خلافاته مع النظام الإيراني؛ ليقوم بحملة قاسية و شاملة ضد العراقيين من ذوي الأصول الإيرانية و الإيرانيين المقيمين في العراق، فبدأ في بغداد والكاظمية بحملة التهجير المجتمعية الأولى في أواخر نيسان 1969، ثم شملت النجف الأشرف وسامراء وكربلاء وعدداً آخر من المدن في أيار من نفس السنة. وقد قررت القيادة البعثية تهجير أكثر من نصف مليون نسمة أي 6% من نفوس العراق إلى إيران، و يشمل ذلك أعدادا" كبيرة من العلماء و الشخصيات الإسلامية.

وفي خضم هذه الأحداث أقيم في مرقد الإمام علي (ع) في النجف الأشراف مؤتمر جماهيري حاشد ذو طابع احتجاجي، بدعوة من الإمام الحكيم؛ الذي حضرة شخصياً، إلى جانب جمع غفير من المراجع وعلماء الدين، كالسيد الخوئي والشيخ مرتضى آل ياسين والسيد عبد الله الشيرازي والسيد محمد باقر الصدر. وألقى السيد مهدي الحكيم كلمة في المؤتمر نيابة عن والده، تضمنت نقداً حاداً للنظام الحاكم، و تطرق فيها إلى مجمل القضايا التي شغلت الشارع العراقي طوال فترة الحكم الجديد، كمطاردة الإسلاميين و حملات التهجير ومصادرة الحريات والتضييق على الحوزة العلمية وعلماء الدين.

وفي نفس السياق عقد سبعون عالماً دينياً في بغداد اجتماعاً استشارياً بطلب من الإمام الحكيم؛ لبحث الوضع عموماً و الموقف الذي يجب اتخاذه. وكان السيد محمد بحر العلوم أحد الناشطين الأساسيين في هذا الإجتماع. واختار المجتمعون عشرة علماء لعرض ما توصلوا إليه على الإمام الحكيم. واستقر الرأي بشكل نهائي على أن يتجه سماحته إلى بغداد كإيحاء بالاحتجاج. وعندما سافر السيد الحكيم بدأت الوفود بالتقاطر على محل إقامته، مما أشعر السلطة بالخطر. وكان يحيط بالمرجع الأعلى عدداً من مقربيه بصفة مستشارين؛ كالسيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد بحر العلوم والسيد هادي الحكيم وغيرهم. وخلال أيام مكوثه القليلة في بغداد زاره جمع من رجال السلطة و مسؤوليها، كخير الله طفاح (محافظة بغداد) وحامد العاني (مدير الأمن العام) كمبعوثين شخصيين عن رئيس الجمهورية، وحماد شهاب (وزير الدفاع) وعبد الحسين ودّاي (وزير الزراعة). وكانت مجمل مطالب ممثلي النظام تدور حول إقناع المرجع الأعلى بتحسين موقفه من النظام والكف عن معارضته له. ولكن الإمام الحكيم كان يواجههم بمطالبته النظام بالكف عن ملاحقة العلماء واعتقالهم و مطاردة الأبرياء، و إطلاق سراح المعتقلين.

هذه الأمور دفعت النظام الى الإقدام الفوري على تنفيذ الفصل الحاسم من مخطط حزب البعث القاضي بإنهاء وجود المرجعية الشيعية وامتداداتها إنهاء كاملاً، ليس في العراق وحسب؛ بل في جميع أنحاء العالم. فقام أحمد حسن البكر بعقد إجتماع طارئ لمجلس قيادة الثورة، وتقرر فيه تشكيل لجنة من طه الجزراوي وناظم كزار وعبد الوهاب كريم وشبلي العيسمي وصالح مهدي عماش، بوضع خطة للقضاء على المرجعية الدينية والحركة الاسلامية الشيعية. كما تم الإتفاق على استمرار الحملة ضد علماء الدين، واعتقال أكبر عدد ممكن منهم، و الإعلان عنهم كجواسيس يعملون لحساب إيران بدل إسرائيل، لأن عمالة رجال الدين لإسرائيل أمر لا يمكن تصديقه، ولكن ما دامت إيران دولة شيعية فإن من المحتمل تصديق عمالتهم للشاه.

وفي حزيران عام 1969، ظهر العميد مدحت الحاج سري على شاشة التلفزيون ليكشف عن (المؤامرة) التي يقف على رأسها للإطاحة بالنظام الحاكم، بمساعدة إيران وأميركا واسرائيل، وليتّهم السيد مهدي الحكيم بالتعاون معه وبالعمل لحساب إيران والملا مصطفى البرزاني. وبذلك وجهت السلطة ضربة مباشرة لشخص المرجع الأعلى؛ لأن المتهم هو نجله ومعتمده. وفي اليوم التالي اقتحمت قوات السلطة مقر إقامة آية الله الحكيم في بغداد؛ من أجل إلقاء القبض على نجله السيد مهدي، الذي تمكن من ترك العراق بعد فترة من التخفي. ثم أخذت السلطات السيد الحكيم عنوة بسيارة حكومية وأرسلته إلى مقره في الكوفة، ثم وضعته تحت الإقامة الجبرية المشددة، وقطعت عنه الماء والكهرباء و الهاتف.

وفي الوقت نفسه؛ أصدرت السلطة أمرها بإلقاء القبض على آخرين بالتهمة نفسها؛ أبرزهم السيد محمد بحر العلوم والسيد مرتضى العسكري؛ ولكنهما تمكنا من الهرب أيضاً. أعقبها صدور حكم الإعدام عليهما غيابياً. وبذلك قضت السلطة على المثلث الذي يمثل المرجعية سياسياً في العراق، والذي كان يحرك الوضع ويمسك بالساحة الشيعية إنطلاقاً من بغداد.

وفي المهجر؛ ظل السيد بحر العلوم يعمل الى جانب رفيق دربه السيد مهدي الحكيم ضد النظام البعثي. وكانت أفكارهما منذ عام 1969 وحتى بداية السبعينات تتركز على محاولات القيام بانقلاب عسكري وتحرك ثوري بالتعاون مع أطراف المعارضة العراقية في الداخل والخارج؛ ولاسيما كبار الضباط السابقين وشيوخ العشائر وقادة الأحزاب الوطنية والكردية. وبقي السيد محمد بحر العلوم ناشطاً بقوة ضد النظام البعثي طيلة 35 عاماً متواصلة؛ أي منذ اليوم الذي وصل فيه البعث الى السلطة عام 1968 وحتى سقوطه عام 2003؛ وبكل الوسائل المتاحة. وخلال هذه الفترة تعرضت أسرته (السادة آل بحر العلوم) الى أبشع صنوف الإنتقام من النظام البائد؛ فاعتقل معظم رجالها وأعدم كثير منهم، وكان بينهم فقهاء وعلماء دين كبار.

ويداول الله الأيام؛ فيتقلّد السيد محمد بحر العلوم المطارد المحكوم بالإعدام؛ منصب رئيس مجلس الحكم الإنتقالي في العراق (بدرجة رئيس حكومة) في عام 2004؛ وهو في سن 76 عاماً؛ بعد ستة عقود من الكفاح والعمل السري والعلني في إطار مشروع النهضة الإسلامية الوطنية في العراق.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

شيوعيون عراقيون قاتلوا دفاعاً عن الجمهورية الاسبانية

بينما كنت اقلب ملفات أحد الارشيفات السوفيتية المتعلقة بالكومنترن، عثرت على وثائق وصور تشير إلى مشاركة عراقيين في الحرب الاهلية الاسبانية حين هب الشعب الاسباني للدفاع عن حريته وجمهوريته ضد طغيان زمرة الفلانج بقيادة الجنرال فرانكو المدعومة من قبل ألمانيا النازية. وقد عجبت لأمر هؤلاء العراقيين في الوقت الذي نشهد فيه ونحن في القرن 21 ابناء العراق وهم يقتلون اليوم بعضهم البعض لأسباب طائفية وليس دفاعاً عن الحرية والديمقراطية. وكنت اعتقد ان الطائفية البغيضة التي عرفتها اوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر قد اصبحت في طيات الماضي من تاريخ الشعوب. لكنها انبثقت اليوم في بلادنا بإسم الاسلام الذي هو براء منها كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب.

 736-haba1

سبتي ابراهيم هورش                     نوري أنور روفائيل

لقد وجدت في أرشيف الاممية الذي يوجد في مبنى بوسط موسكو عند نصب مؤسسها يوري دولغوروكي مقابل دار البلدية. كان هذا المبنى مقراً للجامعة الشيوعية لكادحي الشرق سابقاً، والتي كانت مخصصة للكوادر الشيوعية من بلدان الشرق. وعثرت في الأرشيف على عدة وثائق وصور عن العراقيين الذين توجهوا الى اسبانيا للدفاع عن الجمهورية الديمقراطية البعيدة عن بلادهم، إلى جانب رسائل واردة من العراق حول الوضع في البلاد والمشاكل التي رافقت تأسيس الحزب الشيوعي العراقي. إن هؤلاء العراقيين شاركوا في ملحمة الشعب الاسباني في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، هذه الملحمة التي تغنى بها الشاعر الاسباني لوركا واستشهد في سبيلها، بينما أبدع بيكاسو في تخليدها بلوحته الشهيرة "غورنيكا" التي تدين الفاشية والحرب بكافة اشكالها 736-haba2

وثيقة المنظمة الحزبية في برشلونة باللغة الاسبانية حول المتطوعين العراقيين للدفاع عن الجمهورية الاسبانية

 تتحدث مجموعة من الوثائق عن المواطن العراقي نوري أنور رفائيل (33 عاما) العريف المتطوع في الفوج 15 في الجيش الاسباني. وكان ، حسب الوثائق، عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. وقد بدأ القتال كجندي، ثم جرى ترقيته إلى رتبة عريف، ووصل الى اسبانيا في 1/6/1938 بتفويض من الحزب الشيوعي السوري.

ويتبين من السيرة الذاتية لهذا المواطن العراقي أن اسمه الكامل هو نوري أنور رفائيل من أهالي بغداد التي ترك فيها والدته واخيه العاطل عن العمل دون ان يعرفا بسفره إلى اسبانيا. علما انه تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت، ثم واصل الدراسة في ((M.I.T في ماساشوسيتس في الولايات المتحدة. وعند عودته الى العراق، عمل في فترة 1930 – 1931 معلماً للرياضيات والفيزياء في مدرسة ثانوية في بغداد. وفي عام 1934 عمل معلماً في البصرة. ثم التحق في عام 1935 بمديرية المساحة، وفصل منها بلا سبب. وبعد ذلك إلتحق بمديرية السكك الحديدية بوظيفة مساعد مهندس . لكن الشرطة لاحقته بسبب نشاطه السياسي في صفوف العمال ،فهرب في عام 1937 الى خارج العراق وعاش في باريس عند أحد اصدقائه. وانخرط نوري أنور روفائيل في النشاط الدعائي في اوساط عمال السكك والجنود والفنانين والطلاب، مما جذب انتباه اجهزة الأمن اليه. ويشار في احدى الوثائق إلى صلته منذ عام 1927 بالمنظمات الشيوعية المتفرقة في العراق، وذلك قبل تأسيس الحزب . وفي عام 1934، أصبح عضواً في لجنة الحزب المركزية. ويرد في الوثيقة قوله :" انني جئت الى اسبانيا بصفتي معاديا للفاشية من اجل محاربة الفاشست الذين يريدون القضاء على الجمهورية الاسبانية ".

ويذكر رفائيل في وثيقة دونت باللغة الانكليزية وبتوقيع قائده العسكري، أنه جاء إلى اسبانيا للقتال لأن غالبية الجماهير في الجمهورية الاسبانية تقف الى جانب الجبهة الشعبية الاسبانية التي تناضل ضد الفاشية ومن أجل الحرية والاستقلال. وبما انه لم يخدم في الجيش سابقا، فقد تعرف في اسبانيا كجندي ومن ثم كعريف على أهمية الانضباط والتعاضد بين الجنود. وقد قرأ البنود ال 13 لحكومة الاتحاد الوطني في اسبانيا، وكان يعتبرها جيدة. كوتشير الوثيقة إلى أنه يؤيد سياسة الجبهة الشعبية في اسبانيا.

ويرد في توصية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاسباني الصادرة في برشلونة بتاريخ 19/11/1938، ان اللجنة الحزبية في الفوج 15 تؤكد حسن أداء نوري من العراق لواجبه العسكري. ويشار إلى أنه كان جندياً ذا كفاءة جيدة، ويتسم نشاطه السياسي بالانضباط ويتميز بالشجاعة. ووصفه رفاقه بأنه كفوء في تنفيذ المهام. وتؤكد اللجنة الحزبية للكتيبة بأنه : 1) معاد للفاشية بالرغم من أنه ليس عضوا في الحزب الشيوعي الاسباني، و2) أثبت كونه عضواً جيداً في حزبه، و3) منظم وداعية حزبي جيد، و4) يقف ضد التروتسكية، و" ليس عدواً أو عميلاً أو استفزازيا"، و5) لا يعتبر عنصراً غير طبقي "هارب ومثير للفتن والخ". والوثيقة بتوقيع عضوين في اللجنة الحزبية.

وجاء في وثيقة أخرى باللغة الانكليزية، أن نوري أنور رفائيل من العراق وجاء إلى اسبانيا قادما من باريس . وهو مهندس مدني عمل في مديرية المساحة في بلاده . ويجيد الانكليزية والفرنسية والعربية وكذلك اللغة الكلدانية. وهو عضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. لكن لا توجد لديه وثائق تؤكد ذلك. المعلومات التي قدمها تبعث على الثقة ويبدو انها صحيحة. والوثيقة موقعة من قبل (سالود) في الدائرة الانجلو – امريكية .

وتتحدث الوثائق الاخرى عن عراقي آخر بالاسم المستعار (جون سميث) البالغ من العمر 34 عاما. وهو عضو في الحزب الشيوعي العراقي، ودرس في مدرسة (N.C.O ) . وصل إلى اسبانيا في عام 1938. ويوصف بأنه مضمون سياسياً، ولديه خبرة في استخدام جميع اصناف الاسلحة .

وورد في وثيقة صادرة عن قوميسارية الدفاع للكتائب الاممية في برشلونة باللغة الاسبانية، أن سيتي ابراهام هورش (33 عاما)، هوعضو في الحزب الشيوعي العراقي، والتحق بالكتيبة رقم 24 في الفوج الاممي 15. وهو يتكلم الانكليزية والاسبانية والفرنسية والعربية. وتشير الوثائق الشخصية إلى كونه جنديا جيدا منضبطا ومثقفا سياسيا ، ويؤيد سياسة الجبهة الشعبية في محاربة الفاشية في اسبانيا. ويلاحظ في الوثائق الاخرى المتعلقة بنشاط الحزب، والتي كتبها قاسم حسن (الاسم المستعار زهير نعيم) أن اسمه لم يرد بين اعضاء اللجنة المركزية.

 

عبد الله حبه - موسكو

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو(14)

استلمت رسالة كريمة من الدكتور كامل عباس مهدي تعليقا على هذه السلسلة من مقالاتي يشير فيها الى الحلقة الثانية منها بالذات، والتي تحدثت فيها عن اول سفير عراقي في موسكو للجمهورية العراقية بعد 14 تموز 1958 وهو المرحوم عبد الوهاب محمود، ويعتبر الدكتور كامل عباس مهدي ان هذه المعلومة غير دقيقة، اذ ان اول سفير عراقي في موسكو هو والده المرحوم عباس مهدي (1898- 1961)، الذي وصل الى موسكو عام 1945 وبقي فيها الى عام 1947 ممثلا للمملكة العراقية آنذاك. لقد أشرت في مقالتي تلك الى ان العلاقات العراقية – السوفيتية قد بدأت طبعا في عام 1944، وان مقالاتي عام 2014 قد انطلقت بالذات لمناسبة الذكرى السبعين لاقامة هذه العلاقات، لكنها لم تصل الى مستوى السفراء الا بعد اعلان الجمهورية العراقية، لكن الدكتور كامل يشير الى ان والده كان (وزيرا مفوضا ومندوبا فوق العادة) لتمثيل المملكة العراقية في الاتحاد السوفيتي، وانه كان – بالنسبة لمفاهيم تلك المرحلة الزمنية - بمثابة السفير، واود ان اسجل اعجابي الشديد بملاحظة الدكتور كامل الدقيقة واحييه على ذلك خدمة للحقيقة وتسجيلا للتاريخ وتوثيقا له، وأظن اننا لم نختلف كثيرا، اذ ان المرحوم عباس مهدي كان فعلا يقوم بتلك المهمة في حينه رغم كونه لم يحمل العنوان الوظيفي المشار اليه اعلاه وهو (السفير). لقد بدأت بكتابة سلسلة مقالاتي هذه انطلاقا من تجربتي الشخصية البحتة ليس الا، اذ اني وصلت الى موسكو للدراسة فيها عام 1959 عندما كان المرحوم عبد الوهاب محمود سفيرا للجمهورية العراقية، وعلى هذا الاساس كتبت تلك المعلومات التي كنا نتداولها – نحن الطلبة – آنذاك، وكانت مناسبة الذكرى السبعين لتلك العلاقات السبب المباشر لذلك كما أشرت اعلاه، أما الشرارة (ان صح التعبير) التي دفعتني لكتابة هذه السلسلة فكانت الوقفة التأملية عند الجدار الخاص بصور السفراء العراقيين في السفارة العراقية بموسكو، وهو جدار تاريخي بكل معنى الكلمة يضم صورا لسفراء العراق في موسكو كافة وهم يقدمون اوراق الاعتماد الى القادة السوفيت والروس فيما بعد، وتحت كل صورة اسم السفير وتاريخ بداية ونهاية عمله في موسكو واسم الزعيم الروسي الذي يتسلم منه اوراق الاعتماد، والصورة الاولى هناك لعبدالوهاب محمود، وانا احاول في كل مرة ازور بها السفارة لانجاز معاملاتي الرسمية ان ألقي نظرة على هذا الجدار واحاول ان اسجٌل بعض الملاحظات بشأن الاسماء الكاملة للسفراء و تواريخ عملهم في موسكو للاستفادة منها لاحقا في كتاباتي، {بل اني سألت مرة العاملة الروسية التي مرٌت بالصدفة من قرب الجدار (وهي التي عملت اكثر من ثلاثين سنة في السفارة) عن انطباعاتها عنهم، فأشارت الى احدى تلك الصور حيث كان فاضل البراك يقف وقالت انها كانت تخاف منه لانها كانت تعلم انه (أقوى من السفير)، ولهذا كانت تلبي رأسا كل اوامره وطلباته !!!}، ولا توجد الان على هذا الجدار – مع الاسف – صور الذين عملوا قبل 14 تموز 1958، ولكني أذكر مرة اني شاهدت بعض صور هؤلاء معلقة على هذا الجدار، وقد استفسرت عن تلك الصور في حينها وعرفت ان السفارة حصلت عليها اكمالا لتاريخ العلاقات العراقية – الروسية، الا اني لم اجدها بعد فترة، ولا اعرف سبب ذلك، وربما يعود السبب الى ان الصور كانت شخصية ليس الا ولا تتناسب مع الصور الاخرى التي تمثٌل السفراء وهم يسلمون اوراق اعتمادهم الى القادة الروس، واتمنى ان تعيد السفارة تلك الصور الى ذلك الجدار- رغم ذلك - في ركن خاص، اذ انها صور تاريخية فعلا، ومن المؤكد ان صورة المرحوم عباس مهدي كانت من ضمنها .

تشير رسالة الدكتور كامل ايضا الى ان والده كان الوزير المفوض في طهران قبل تسنمه المنصب نفسه في موسكو، وهذا يؤدي بنا الى الاستنتاج بانه هو بالذات الذي أجرى اتصالات مع السفير السوفيتي بطهران لاقامة العلاقات الدبلوماسية العراقية – السوفيتية في حينها (بناء على تعليمات الحكومة العراقية والتي كانت تنسق مع الجانب البريطاني طبعا اثناء الحرب العالمية الثانية) كما تؤكد المصادر والوثائق حول تاريخ اقامة هذه العلاقات، وبالتالي فان تكليفه بالسفر الى موسكو وافتتاح السفارة العراقية هناك هو واقعيا استمرار لتلك المهمة التي بدأها في طهران، وهي نقطة جديرة بالانتباه، وخطوة ذكية جدا من قبل الدبلوماسية العراقية بلا شك بتكليف شخص يعرف اوليات الموضوع وساهم في حياكة تفاصيله .

توجد في رسالة الدكتور كامل كذلك اشارة الى مصدر مهم حول هذا الموضوع بالذات، وهذا المصدر هو رسالة ماجستير قام بها الاستاذ محمد عبود الساعدي في قسم التاريخ بكلية التربية في الجامعة المستنصرية عام 2013 حول هذا الموضوع بعنوان – (عباس مهدي ودوره السياسي في العراق حتى عام 1961)، ولكني – مع الاسف – لم استطع ان أطلع عليها، الا اني قرأت لنفس هذا الباحث مقالة واسعة وتفصيلية في جريدة المدى الغراء (ملحق ذاكرة عراقية بتاريخ 19/1/2014) عن هذا الموضوع بعنوان – (حكاية أول سفارة عراقية في موسكو سنة 1945 واول سفير عراقي فيها)، ووجدت في تلك المقالة تفصيلات رائعة فعلا عن نشاط المرحوم عباس مهدي في موسكو ومتابعة دقيقة وذكية من قبله للاحداث السياسية السوفيتية آنذاك و الخاصة بالعراق والعالم العربي، ومن المؤكد ان الباحث قد استند الى مصادر محددة بشأن ذلك (رغم انه لم يذكرها في مقالته مع الاسف)، ومنها استقبال ستالين له بتاريخ 13 كانون الاول عام 1945، وان صحت تلك المعلومات (واظن ان الامر كذلك) فانه يمكن القول ان عباس مهدي هو اول شخصية عراقية رسمية قابلت ستالين وتحدثت معه – حسب معلوماتي المتواضعة -، وهي معلومة تاريخية طريفة .

شكرا للدكتور كامل عباس مهدي على رسالته المهمة فعلا، وشكرا للباحث الاستاذ محمد عبود الساعدي على دراسته المبتكرة والاصيلة في تاريخ العراق الحديث .