المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

الأديب الشاعر والفنان قاسم عبد الهادي السواد

qusay askarاليوم بعد بضعة ايام من وفاة الرسام القدير صديق الطبيعة الفنان ربيع عودة فقدت التنومة قاسم عبد الهادي السواد ذلك الشاعر والفنان الذي أحب الشعر والمسرح والذي كنت انا وإياه والدكتور صدام فهد الاسدي نتسابق ونحن نخرج من إعدادية العشار بعد دوام الظهر الى سوق الهنود حيث العربات التي تبيع الكتب الواردة من بيروت  او نقصد بائع الكتب الشهير على الرصيف مقابل سينما الرشيد.

كل هذا ونحن ما زلنا في المتوسطة والثانوية نفكر بالدروس وبروايات مكسيم غوركي ومسرحيات أسخيلوس وسوفوكليس فنظن العالم شعرا ومسرحا وكتبا وثقافة ومنبعا خصبا للخيال والجمال.

امتاز الفقيد بكونه شاعرا رقيقا في الشعر الشعبي والفصيح. كتب المسرحية ومارس الاخراج المسرحي وكانت اول مسرحية له اخرجها ومثلها مع مجموعة من طلاب إعدادية العشار وهو في الصف الخامس الثانوي ثم عمل بعد تخرجه مذيعا ومقدم برنامج في تلفزيون البصرة، ومن مؤلفاته مجموعة شعرية صدرت عام ٢٠١٣ في دمشق/ سورية بعنوان طيور المساء تسافر في الصيف، من مقدمتي للمجموعة اقتطف الآتي:

عرفت قاسم عبد الهادي السواد منذ ما قبل المرحلة الثانوية شخصا متعدد المواهب فهو كاتب ومخرج مسرحي وشاعر شعبي وشاعر ينظم الشعر العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر وذلك يعني ان له خبرة في الشعر وممارسته ومعرفة فنونه وطرقه وعوالمه من تشبيهات واستعارات وصور وغيرها لان تجاربه القديمة كانت تشير الى شاعريته وموهبته في هذا الفن..،،،،.

من شعره في مجموعته (طيور المساء تسافر في الصيف)

 

قصيدة: هاجس على نهر الشعيبي

 

جرحك معتقل في راسي

وأشجار الخرنوب على نهر الشعيبي

مطعونة بوجع الأنين

وانا اكثر اضطرابا

من ذي قبل

مفتونا بالخطوات الاولى

وطالعي يحمله العرافون

دون رؤى

لارض لاتسكنها الروح

ولا تحرسها اقبية الملكوت

 --------------

نهر الشعيبي نهر صغير في منطقة التنومة وهو فرع من شط العرب

 

قصيدة: رسالة الى امرأة بابلية

 

ترجلت عند بابل وأيقنت

ان رعشة من ظلال السواقي

لن يمسها البرد

لانها استضافت أولى خطوات الفجر

ثم راحت تواريخ اهلي

تتجلى عند سحابة من شتاء

تلبس دمع الفصول

وتتحجر على صدر امرأة بابلية

تستفيق وترتدي مزهوة

جرح الوطن

 

إسلاميو السلطة (123): التحكم الأميركي في القيادات الشيعية

salim alhasaniبعد سقوط النظام، لم تضع الكيانات الإسلامية في برامجها مهمة العمل المجتمعي، لقد شطبت عملياً على خيار النشاط الاسلامي والعمل الجماهيري والثقافة التربوية، واتجهت صوب الحكم تُلقي بكل ثقلها فيه من أجل الوصول الى أفضل مواقع السلطة بمكاسب سريعة عاجلة. وحتى الأعمال التي أخذت صفة دينية كانت في الحقيقة، محاولات لتوظيف الدين من أجل السلطة، ولذلك سرعان ما تكشفت أمام الجميع، ودخلت بورصة المزايدات والحسابات والصراعات السياسية.

 ...

كانت الولايات المتحدة مطمئنة من قوتين سياسيتين، الكرد وهم الحلفاء الأقرب إليها، وعليه فلا توجد مشكلة معهم على الاطلاق.. والقيادات السنية وهم في منطقة قلقة يمكن أن تتحكم بهم من خلال عوامل عديدة كالتفاهم والاتفاقات السرية والوساطات العربية وغير ذلك من خيارات سهلة.

لكن المشكلة الأميركية كانت مع الشيعة، فهم المكون الجماهيري الأكبر، ولهم ثقلهم التاريخي والسياسي، كما أن علاقتهم الخاصة بالمرجعية تجعلهم يتحولون بسرعة الى كتلة متماسكة فيما لو أصدرت المرجعية فتوى محددة.

 ...

استفادت الولايات المتحدة من التجربة البريطانية في حكم العراق بعد الحرب العالمية الأولى، وقد اكتشفت أن التصادم مع القيادات الشيعية سيهدد وجودها، لذلك بدأت سياستها بتفتيت الشيعة من خلال السلطة، وبالفعل جاءت النتائج سريعة، وربما بأسرع مما توقعت، فقد كان المجلس الأعلى وحزب الدعوة هما الأكثر استعجالاً في التسابق على المراكز السلطوية، ثم شكل الشيخ اليعقوبي حزب الفضيلة لينخرط في نفس الأجواء. أما الحالة الصدرية فقد كانت مناسبة جداً للتوجهات الأميركية، فهي مع العملية السياسية في التسابق على المكاسب، وهي ضد الاحتلال العسكري، وهذا يعني أنها يمكن أن تكون مصدر قلق داخلي في الجسم الشيعي، خصوصاً وأن قيادتها لا تمتلك الوعي السياسي ولا الخبرة القيادية، فيما تتحكم بملايين الأتباع البسطاء، وهذا هو المطلوب.

 ...

وفق هذا التوزيع فان المرجعية الدينية ستكون قوة معنوية أكثر مما هي قوية عملية في تأثيرها على العملية السياسية، خصوصاً إذا تمت صياغة الدستور بحيث يقلل من دور الشعب العراقي، وهذا ماحصل، فقد انهى الدستور دور المواطن عند ورقة الاقتراع. وبذلك فان تأثير المرجعية على الشارع العراقي، لن يكون مؤثراً في التحكم بمسارات الحكومة.

 ...

مع هذا الواقع صارت الجو الشيعي على النحو التالي:

حزب الدعوة انفصل عن جذوره وتاريخه، واختط لنفسه منهجاً سلطوياً صرفاً، تتحكم به قيادة هزيلة في معظمها تذوب في الامتيازات والمكاسب.

المجلس الأعلى يتحكم به شاب بسيط غارق في الترف والميوعة، لا يمتلك مقومات الإدارة والقيادة والسياسية، مما يجعل توجيهه عملية في غاية السهولة، فكل ما يهمه إرضاء طموحه الشخصي، اما قياداته فهم يتسابقون على المكاسب والمال والمواقع.

حزب الفضيلة ليس له دور مهم وكل همومه بناء مرجعية الشيخ اليعقوبي عن طريق استحصال المال من الدولة بأي طريقة ومن أي جهة.

منظمة بدر يمكن التعامل معها من خلال علاقات مباشرة وغير مباشرة مع إيران، فهي صاحبة القرار عليها، كما أن رجالها خضعوا ايضاً لعامل المال والثروة.

التيار الصدري يخضع تماماً لقائده الذي لا يمتلك عمقاً فكرياً ولا سياسيا، مما يجعل اختراق قياداته أمراً سهلاً، وهم يرغبون في الحصول على المكاسب ويتسابقون على الثراء شأنهم شأن غيرهم، ولذلك فان المال سيكون خياراً سهلاً في التحكم بمواقفهم، ومع بقاء اتباع التيار مرتبطين بقائدهم ارتباطاً عاطفياً، فان ذلك سيكون له أهمية كبيرة، لحرمان المرجعية من زيادة قاعدتها الجماهيرية.

 ...

بهذا الواقع القائم، فان التحكم الأميركي أصبح سهلاً للوصول الى هدف أعمق، عبر المظاهر التالية:

ـ الإسلاميون الشيعة فشلوا في إدارة الدولة، وعليه فان الإسلام السياسي فاشل، بل هو يُدمّر الدولة ويبدد ثرواتها.

ـ الشيعة فشلوا في استثمار الفرصة التي أعطيت لهم، وعليه فهم لا يصلحون لإدارة الدولة.

ـ المرجعية عاجزة عن التأثير في ساحة القرار السياسي، وأكثر ما تستطيع فعله توجيه جماهير الفقراء، والاجابة على الاستفتاءات الشرعية.

وتكون النتيجة أن الشيعة الذين كانت تخشاهم الولايات المتحدة في حكم العراق، صاروا على هذا الشكل، فهل هناك نتيجة أفضل لها من هذه؟

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (122) المخاطر العقائدية للتيار الصدري على التشيع

salim alhasani2ضمن تعليقات أتباع السيد مقتدى الصدر على مقالاتي، كتب أحدهم يصف الشهيد الصدر الثاني بـ (المرسل) وذلك بقوله:

 (يقول السيد الولي المرسل الصدر الشهيد.. )

وقد هالني هذا الوصف الغريب، فأردت التأكد من صاحب التعليق، فربما يكون قد أخطأ في الطباعة، فكتبت له السؤال التالي:

هل ترى أن الشهيد الصدر الثاني، مرسل من الله سبحانه بعد خاتم الأنبياء؟

 فأجاب مؤكداً أن الشهيد الصدر الثاني (مرسل) بقوله:

 (الله سبحانه وتعالى يرسل أولياءه الصالحين للبشرية لهدايتها ..الله يرسل لنا البشائر في الدنيا كي يبعدنا عن الظلاله..والسيد الشهيد كان ولي من أولياء الله الصالحين أرسله الله لهداية أهلنا في العراق وأخذ المجتمع من الظلاله للهداية). انتهى

 وقد أيده البعض وأضافوا المزيد من الشرح على ان الشهيد الصدر الثاني (السيد المولى الصدر كان مرسلا من الله)، وأنه أفضل من نبي الله نوح عليه السلام وافضل من كثير من الأنبياء.

وقد ابقيت التعليقات حتى كتابة هذه السطور ليطلع عليها القراء الكرام في تعليقات منشوري المعنون (مع قراء (إسلاميو السلطة) الكرام.. قادة الكتل وأتباعهم).

 ...

لقد حظي هذا الكلام المنحرف عن مفاهيم الإسلام والقرآن الكريم باعجاب أتباع مقتدى الصدر. فلم يعترض عليه أحد منهم، ولم يستنكر هذه الصفة التي تشكل إساءة للشهيد الصدر الثاني، بل أنه قدس سره كان يعمل من أجل الإسلام ومن أجل إنقاذه من هذه الأفكار الضالة التي يتحدثون بها.

لم تأت هذه الفكرة لأتباع مقتدى الصدر من فراغ، إنما هي نتاج تربية شاذة بعيدة عن الفكر الإسلامي، دخلت عليهم في ظل الفوضى العارمة التي دهمت العراق، ولم يجد هؤلاء من يرشدهم الى الصواب، بل وجدوا من يشجعهم على الجهل والغلو والانحراف الفكري، فساروا به بعيداً، حتى وصلوا الى مرحلة اعتبار الشهيد الصدر الثاني مرسل أرسله الله تعالى بعد خاتم الأنبياء، وأنه أفضل من نبي الله نوح عليه السلام.

 ...

عندما يخطب السيد مقتدى الصدر خطبة الجمعة ويؤكد فيها ظهور صورة والده الشهيد على القمر وفي الماء، فان الاتباع البسطاء سينسجون على كلامه المزيد من الخرافات ويؤسسون المزيد من الانحرافات (رابط الخطبة في نهاية المقال).

وبالفعل خطا أتباع مقتدى الصدر خطوة أكثر جرأة على العقيدة الإسلامية الشيعية، عندما قاموا بتنحية الإمام علي عليه السلام من الولاية، ومنحوها للسيد مقتدى الصدر، وذلك في منشور واسع التداول على شبكات التواصل الاجتماعي ينص على التالي: (من رخصتك يا علي مقتدى هو الولي). وقد وضعه الكثير من اتباع مقتدى الصدر على صفحاتهم في الفيسبوك. ورغم سعة تداوله، فلم يصدر عن زعيمهم أي اعتراض او توجيه أو نصح على خطورة هذا الاتجاه المنحرف عن التشيع.

 ...

نحن أمام كارثة حقيقية في مجال العقيدة الشيعية، وللأسف لا يمكن علاجها في ظل الظروف الحالية، فهناك قوة من السلاح المنفلت يستخدمها اتباع مقتدى الصدر لمن يعترض على زعيمهم، مما يجعل العلماء ينأون بأنفسهم عن تصحيحها خوفاً على حياتهم، كما أن الكيانات السياسية الشيعية ليست بصدد الاهتمام بهذه الأمور فهي مشغولة بالامتيازات والتصارع على المكاسب السلطوية.

ينحصر الحل في هذه الحالة، بالمرجعيات الدينية وبالأقلام المثقفة الواعية، بأن تعمل على استيعاب السيد مقتدى الصدر والتفاهم معه بطريقة هادئة، على أمل أن ينصح اتباعه بعدم الغلو والعودة الى العقيدة الشيعية الصحيحة، فلا زلنا نأمل أنه يحرص على سمعة والده ومدرسته الفكرية. والله المستعان على هذه الكارثة.

http://youtu.be/LnuR073-yB0

ملاحظة: في مقال قادم سأكتب ان شاء الله عن الدور التاريخي للمخابرات الدولية في استغلال بسطاء الشيعة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

محمد حسنين هيكل أو صانع الرؤى الإستراتيجية للأمة

zouhair khouildi"عندما كان قرب القمة كان الكل يهتمون بما يعرفه ، وعندما ابتعد عن القمة تحول اهتمام الكل إلى ما يفكر فيه"

 (كلام الوزير البريطاني أنتوني ناتنج عن الراحل محمد حسنين هيكل1923-2016) 

 لم يكن الراحل محمد حسنين هيكل مجرد صحفي مشهور ولا فقط محلل سياسي مرموق وإنما هو أيضا كاتب متزن ومناضل بالقلم ومن الموقع. ويمكن أن نضيف بأنه ظل مؤرخا دقيقا ومفكر حاذقا وضع الأسس الأولى لقيام إستراتيجية عربية تحدد بدقة البوصلة.

لقد عايش هيكل العديد من الزعامات العربية والإقليمية وكان قريبا من عدة حكام وتحمل مسؤوليات وكتب العديد من الدراسات والبحوث والمقالات عن تجاربه السياسية الوطنية والقومية وتكلم في كل القضايا الحساسة التي تمس جواهر الأمور حول التجربة الناصرية والقضية الفلسطينية والصراع مع العدو الصهيوني والثورة الإيرانية ونقد بشدة سياسة الانفتاح ومعاهدة كامب دفيد التي وقعها أنور السادات وقدم أوراق على غاية من الأهمية بخصوص تجارب البعث في العراق وسوريا وخذلان العرب لصدام والأسد. كما أعجب بتجربة حزب الله وأعجب كثيرا بقيادة حسن نصر الله للمقاومة اللبنانية والعربية ودعا إلى حماية حماس وبقية الفصائل الفلسطينية من سياسة التطبيع والتعديل والفوات الحضاري.

لقد كان شاهدا على العصر العربي في تحولات دراماتيكية ومبصرا لتغيرات الأحداث وكان يستبق المآلات ويستقرأ الاستتباعات قبل وقوعها وكانت الحصص التلفزية التي يحضرها منفردا بمثابة تنشيط للذاكرة العربية المصابة بالنسيان وإحياء للمحطات النضالية والحاسمة.

ربما تمكن هيكل من معرفة نقاط قوة العقل السياسي العربي ونقاط ضعفه وحاول فهم طرق اشتغال الأعداء المتربصين بالأمة ولكنه لم يتمكن من فهم العقل السياسي الغربي وربما حاول تفكيك الصورة النمطية التي يحملها عن الإسلام والعرب خاصة والشرق عامة.

ماهو حقيق بنا هو الاعتراف للشخصية الاستثنائية بالريادة الطويلة والإضافة النوعية التي قدمها للثقافة العربية وتحوله إلى ضمير حي للقضايا العربية المشتعلة ونبراس تهتدي بها الحركات السياسية الطامحة نحو الانعتاق من نير الظلم والاستبداد والتحرير من الاستعمار.لقد ظل طوال حياتها ناطقا رسميا باسم الأمة العربية ولسان حالها وبيانها المستفيض حول التحديات التي تواجها والقدرات التي تمتلكها وبقي قديسا منشدا حول أهمية الوحدة العربية والضرورة التاريخية للتكتل العربي في مواجهة العولمة المتوحشة. رحم الله الإنسان الصادق والوفي محمد حسنين هيكل ورحيله في هذا الوقت من الزمن الصعب التي تمر به الأمة مثل خسارة فادحة وكبيرة للعقل العربي ولكن يجب تقديم ألف  تحية والشكر الجزيل لروحه التائقة نحو الاستقلال الحضاري والسيادة التامة وبورك جسده على البذل والعطاء الذي قدمه للقراء والمتبعين. لكن هل فهم الحكام العرب رسائل هيكل الاستراتيجية؟ ومَن هو القادر من الكتاب العرب في الراهن على ملء الفراغ الذي تركه برحيله المنتظر؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

عبد المالك ابو الأنوار (أبا تراب) نجمة زرقاء في مجرة الصفاء

najat zebayerعادة ما تستفزني القصائد لأكتب عنها، فأراني أسافر في متاهاتها، أحاول القبض على جمالها، لكن لفتت انتباهي قصيدة إنسانية تسللت لجسد الإبداع بشتى أشكاله؛ لترسم دوائر من الصفاء الروحي ، نعانق من خلالها ما هو أبهى وأجمل في هذا الوجود.

عبد المالك ابو الأنوار، هذا الإنسان الذي يحمل في يديه قنديل عوالمه ليضيء به فضاءنا، يكتب اسمه بماء النور الأسطع على لوح الحياة الثقافية.

عرفته وهو يجدف هنا وهناك في بحر أزرق، يرحب بكل المسافرين في متاهات اللغة، ويقدم لهم سلالا من الحلم الجميل.

هكذا يفتح روحه لكل العابرين، ويقرأ القصص التي ينام على إيقاع نبضها العشاق، والحيارى، والمعذبون، والتائهون...

  وكلما اجتاحت ريح النبل وجدانه، دق بقوة وتد الخيام فوق أرضه، كي يعانق سحر فراشات لا تحسن الطيران إلا من خلال كفه.

 الآن؛ هو غيمة تمطر حبا لكل المحترقين بالنار البروميثية، وكلما انتهى طريق، نراه يمشي في آخر يفتح دفاتره للفجر كي يتسلل إلينا همسه، ويضرب لنا موعدا تحت أغصان الروح، كي نعانق قسمات الغير بمحبة كبيرة.

هو عاشق للكلمة الجميلة، أنى حطت رحالها نراه يدق بابها و يستأذن حُجَّابها، ليقول لنا، هنا كتابات بإيقاعات مختلفة، علينا أن نسمع موسيقاها، فتغدو هذه القارة الزرقاء مرآة نلتقي في صفائها.

...يتحرك في وطن الكتابة فارسا يتشح برداء البهاء، ليواكب نبض الآخرين، ويصغي لكل الأصوات التي تصدح بين أهداب الثقافة الجادة، ليصنع لنفسه مكانة في قلوب كل من صافح أيامهم.

ابو الأنوار اسمه؛ وهو رمز جميل لوجه الثقافة العربية البعيدة عن طواحين الهواء،يراه كل محبيه شمسا تلاطف بأشعتها وجدانهم، وسفيرا  لعالم الكتابة المترامي الأطراف، فهو رجل قلما يجود الزمان بمثله.

 

نجاة الزباير

كنت مديراً لإثنين من رؤساء ِ وزراء ِ العراق ِ الخائفـَين لكن ..

أولا ً: كنت معاون مدير مستشفى الفرات الأوسط في الكوفة،  وكان مديرها الصديق الدكتور صدقي ربيع، الطبيب الإختصاص في العيون، ولما كان يجري عمليات العيون الكبرى والصغرى في قاعة العمليات في المستشفى مرتان في الإسبوع ، فلا يستطع أحد ان يدخل عليه، بالطبع، فأتولى أنا إدارة المستشفى .. وكذلك خلال تمتعه بإجازة ٍ مرضية أو إعتيادية، حينها كان الدكتور إبراهيم عبد الكريم حمزة الأشيقر طبيبا ً مقيما ً فيها، وكانت زوجته السيدة الفاضلة الدكتورإبتهال القزويني (اخت الصديق السيد جودت القزويني)  طبيببة ً مقيمة، تعمل تحت إشراف الطبيبة المختصة زوجي الدكتورة بيان، كانت الدكتورة إبتهال مثال َ الأخلاق العالية والسيرة الحسنة الجميلة، (وهي لم تتغير ْ حتى بعد أن أصبح زوجُها رئيسا ً لوزراء العراق) وأتذكر لمرات عديدة عندما كان الدكتور إبراهيم الإشيقر يروم الحصول على إجازة إعتيادية .. فأنه لا يستطيع أن يتمتع بها إلا بعد موافقتي الخطية على طلبه، التي كانت تتطلب تقديم طلب يسمى (عريضة) على ورقة ٍ بيضاء،  يبين حاجتَه لتلك الإجازة، ولا أوافق عليها إلا بعد أن يوقع طبيب ٌ مقيم آخر زميل له، بأن يقوم َ بأعماله في حالة غيابه، وهذا إجراء ٌ واجب طبيعي، حتى لا يختل العمل ُ، ولا يكون غيابُه على حساب المرضى .. ولم يكن يلقب نفسه بـ (ابو أحمد الجعفري) إلا بعد ذهابه إلى إيران، ومارس العمل َ السياسي، وكان يتخفى بهذا الإسم خوفا ً من نظام صدام شأنه شأن كل ِ أعضاء حزب ِالدعوة... ولم يجاهر أحد منهم بأسمه الحقيقي إلا أفراد عائلة الحكيم، والأكراد، وقتها، وبعض المعارضين الجريئين مثل الصديقين المرحوم سعد صالح جبر، والمرحوم السيد محمد بحر العلوم والآخرين، الذين يطول المقام ُ بذكر أسمائهِم الكريمة هنا.

و بالمناسبة فإن نوري المالكي رئيس َ الوزراء السابق كان يتخفى بإسم جواد المالكي لمدة (3) سنوات حتى بعد سقوط صدام،  بالرغم من أنه يعيش في المنطقة ِ الخضراء المحصّنة، رعبا ً من صدام، ويحدثني المرحوم السيد عبد العزيز الحكيم عن طريفة .. نذكرها هنا بالمناسبة : أن الصديق جلال الطالباني المعروف َ بالظرف والنكتة المحببة، كان ينادي نوري بالمالكي بـ : تعال هنا نوري جواد المالكي ... فيبتسم الحضور تلطفا ً.   

ثانياً: كنت، ولا أزال الأمين العام لمنظمة حقوق الإنسان في العراق ORGANISATION OF HUMAN RIGHTS IN IRAQ OHRI (لندن 1982) وهي منظمة إنسانية كانت تدافع عن جميع العراقيين والعراقيات بغض النظر عن اللون والدين والعقيدة والأصل، وإعترفت بها الأمم المتحدة عام 1984، وشاركتَ ُ كأمين عام لها بحضور مؤتمرات وبدعوات رسمية في اجتماعاتها في جنيف ونيويورك، وساهمت وتحدثت في مؤتمرات ٍ دولية في عدة دول (زرت أكثر من 54 دولة في العالم) منها الأرجنيتن وجنوب أفريقيا والباكستان وأكثر الدول الأوربية ووصلت حتى  بروناي، وقابلت فيها كثيرا ً من رؤساء العالم وشخصياته، منهم البابا يوحنا، وكوفي عنان، وبينازير بوتو، ورئيسة جمهورية إيرلندا... ومدان ميتران في الإليزيه ...إلخ.

و كان من أعضاء مجلس الإدارة للمنظمة هو الشهيد السيد مهدي الحكيم، والأصدقاء  محمد علاوي (اصبح وزيرا ً للإتصالات) والمرحوم عبد اللطيف أغا جعفر، وغانم محمد جواد الذي كان يتخفى بإسم (سلام أحمد، غير المرحوم سلام أحمد القومي العربي ) من أجل  إرباك من يريد معرفته .. كذا، ومن اعضاء المنظمة الصديق الدكتور حيدر العبادي  الذي كان يخاف من النظام العراقي (شأنه شأن كل أعضاء حزب الدعوة) ويكني نفسه بـ (أبي يُسر)، ويكتب إسمه (حيدر عباس)  وأبوه ليس عباسًا ، وإنما هو الصديق الدكتور جواد الحاج كاظم الحاج عبود العبادي، الذي أصبح مديرا ً للأمور الطبية في وزارة الصحة العراقية، وكان قبلها مفتشا ً عاما ً، وكان من خيرة رجال العراق أمانة وصدقا ً،و الذي تنطبق عليه صفة (تكنوقراط) حقيقة، وعندما كان يزور مستشفى الفرات الأوسط في الكوفة على ساحل الفرات، لا أنسى سؤاله الجميل ... عندما يحين وقت الصلاة (وين غرفة إبن الحكيم) ؟ ليأتي ويؤدي صلاة َ الظهرو العصر في غرفتي الواسعة جدا،  بالرغم من الإرهاب البعثي الفاشي الذي كان يحارب المصلين والمتدينين خاصة ً،  وقد حزنت ُ لوفاته، وفي يوم الفاتحة التي أقامها الدكتور حيدر العبادي في لندن،  جلبت صورة ً مكبرة له وأطرتها في إطار  جميل، اخذتها من مجلة  (الموسم) التراثية الجميلة التي أصدرها الصديق الثبت الأستاذ محمد سعيد الطريحي، وعند دخولي مجلس الفاتحة المكتظ بالحاضرين حاملا ً الصورة الكبيرة، وهو أمر غير عادي في الفواتح والمجالس، وضعتها في صدر المجلس ... واتذكر أنها كانت  صورة ً جماعية للمرحوم الدكتور جواد حاضراً في إحدى حفلات النجف الأشرف الكبرى في مسجد الهندي المشهور، وعلى يمينه المرحوم الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، فالسيد المرحوم الشاعر مصطفى جمال الدين، توجد الصورة في الرابط التالي (1) .

والتقطت تلك الصورة بمناسبة ولادة الإمام الحسين عليه السلام، والتي كانت تقام فيها مهرجانات ضخمة (ذات طابع سياسي) تقابلها إحتفالات ومهرجانات مدينة  كربلاء المقدسة إحتفاء ً بذكرى ميلاد الإمام علي عليه السلام وكانت تلقى فيها الخطب السياسية  تحت إشراف المرجعية الدينية والتي كان يرأسها المرجع الراحل السيد محسن الحكيم ...، وتلقى فيها كلمتها التي كانت تطالب بالإصلاح،  نعود إلى موضوع مجلس الفاتحة ...  لقد تفاجأ الدكتور العبادي وأخوه، والحاضرون من أعضاء حزب الدعوة .. من ذلك الموقف، ودهشوا كيف أن واحدا ً من عائلة الحكيم يكرّم الراحل َ العبادي بهذه الطريقة ، ويجلب صورة ًكبيرة َ تاريخية، ومعروف ما صنع الحداد ُ بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى، وهم (يجهلون) أن ليست لي أية علاقة بالمجلس الأعلى لا من قريب ٍ ولا من بعيد ... والناس ُ أعداء ما جهلوا كما قال الإمام علي ع، و(اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون) كما قال الرسول الأعظم ص  .

و من  مظاهر خوفهما أنهما لم يُشاركا في (الإعتصــــــام المستمر) في لندن، ولا مرة واحدة،  والذي كنت أنا مسؤوله ومنظمه، وحتى أني كنت أدفع أجور (التأمين) عليه لدى شركات التأمين البريطانية، باعتبار ان المكان هو أثري، وهو ساحة ترافيلكر سكوير) التي يسميها العرب بساحة (الطرف الأغــر) ، وخوف الشرطة البريطانية من تعرض المصابيح الأثرية الغالية جدا في تلك الساحة للأذى، والتي يؤمها حوالي (30) مليون زائر وسائح في العام  ، كان (الإعتصام المستمر) هو أطول إعتصام في تاريخ العراق والعرب والمسلمين، إذ استمر (7) سنوات متتالية، بالبرد والثلج والأعاصير، وأحيي في هذه المناسبة المرأة العراقية .. الصابرة، التي كانت تشاركنا في تلك الوقفات الخالدة، وخاصة في أشهر رمضان المبارك تحت الثلج، مع عربات الأطفال الذين كانوا يعانون معنا تلك الظروف َ الطبيعية القاسية، لنحمل شعار (نطالب بمحاكمة صدام) ... بينما كان رئيسا وزراء العراق المذكوران أعلاه (العبادي) و(الإشيكر)  ينعمان في الدفء ِ والدعة في بيوت ٍمريحة واسعة ... ومع موائد َ كريمة سخية ... ولا زلت احتفظ بأطول عريضة من القماش الأصفر، ... وقعها الآلاف ُ من الأجانب (بأكثر لغات) العالم تعاطفا ً مع قضيتنا، ومطلبنا العادل بمحاكمة صدام،  (وكان يرتدي جميع المشاركات والمشاركين (الشارة) أو الربطة الصفراء من بداية الإعتصام وحتى نهايته  يوم سقوط النظام الصدامي الغاشم ...

وبهذه المناسبة أوصي هذين الصديقين أن يتذكرا أنهما كانا يُطالبان النظام الصدامي الغاشم بتطبيق ِ العدالة ومنع إنتهاكات حقوق الإنسان، وأنصاف المظلومين .. ويضعا في حسابهما ما كانا يرددان في مجالسهما الخاصة والعامة الآيات ِ الكريمة  الثلاثة التالية ..، والعجيب جدا ً فيها أنها تكررت بنفس المعاني التي أكد عليها الله 3 مرات في سورة واحدة، وهي سورة المائدة  بثلاث  صيغ رهيبة مخيفة ... (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون) 44،   (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الظالمون) الآية 45، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الفاسقون) الآية 47  ...

فيا إبراهيم ويا حيدر ... هل نسيتما هذه الآيات التي كنتما تكرران الحديث عنها وتعيدان نشرها، وتثقفون كوادر حزبِكما عليها  في صحيفة ِ (الجهاد) الإسبوعية التي كانت تصدر في طهران،  أيام المعارضة لنظام صدام، الذي كان ينتهك حقوق الإنسان في العراق، وصحيفة ِ (العراق) التي كان يشرف عليها الصديق الذي أعتقل بعد سقوط النظام في بغداد ... عمار الصفار.. وفقدت أخبارُه.

فيا أيها الصديقان .. لم تُحسنا ما قمتما به لحد ِّ الآن..

فالمسحوقون والمعدومون والمنكوبات والأرامل والأيتام سوف يقفون غدا ً لكما بالمرصاد...  

و قد انبثق إعلان قف أمام الفساد " قاف" ليكون صرخة بوجه الفاسدين في العراق... على العنوان التالي (2) .

"و ذّكر فإن الذكرى تنفع ُ المؤمنين َ". الذاريات 55.

 

د. صاحب الحكيم

مقرر حقوق الإنسان

نزيل لندن

 

عن وفاء هيكل للحقبة الناصرية وجحود عبد الجبار محسن للحقبة الصدامية

talalmarof najemاختلف الكتاب عن مكانة محمد حسنين هيكل عند الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، استطيع ان اختصر هذه المكانة بالقول ان عبد الناصر أذكى الحماس القومي والعروبي عند الكاتب الكبير، فيما مد هيكل زعيمه برؤاه السياسية الثاقبة وبتنظير لانظير له . فهيكل صاحب نظرية اصحاب الثقة افضل من اصحاب الكفاءة، وهي النظرية التي شغف بها كل حكام العرب لغاية يومنا الحاضر. لهذا ظل هيكل وفيا لمعلمه عبدالناصر وفاءا كبيرا. ويوم أقحم ناصر العرب الصحفي العملاق مصطفى امين على السفير الامريكي بالقاهرة كـــ "جاسوس"، لعب هيكل دورا ذكيا في صناعة الاخبار الملفقة التي مدها للعظيم مصطفى امين ليقوم الاخير بتسريبها للسفير الامريكي على انها معلومات سرية حقيقية.

رحم الله هيكل صحفيا وكاتبا ومفكرا كتبه ترجمت الى اكثر من 30 لغة . واعظم مبيعات لها كانت في اليابان واسبانيا .

اما عن المرحوم عبدالجبار محسن الذي عرفته ايام بغداد، فكان رجلا دمث الاخلاق والطيبة . وقدر ليّ ان نلتقي ثانية في عمان وبالذات في مركز "حقوق" ويوما دار حديث بيننا صعقت لما كاله من شتائم عن معلمه صدام حسين، فقلت له "يا ابا مصعب انت آخر من يفترض ان يشتم صدام" واضفت " انت تعرفني لم اكن يوما ما بعثيا وتركت الوطن في زمن صدام لاني لم اظفر بمنصب اووظيفة مرموقة، اما انت فظفرت من صدام بمناصب لم يحلم بها بشر. فكنت سكرتيره الصحفي الشخصي واصبحت بديلا من طارق عزيز مديرا لمركز البحوث بالجادرية. ومنحت رتبة لواء فخريا. ثم وكيلا لوزارة الاعلام . ثم مديرا للتوجيه المعنوي ورئيسا لتحرير صحيفة القادسية العسكرية . وناطقا رسميا عسكريا للحرب" وتساءلت بأنزعاج الا يكفي هذا لان تترحم لمعلمك لا تذمه ؟".

هنا أستشطت غضبا وهو يفاجئني بسؤال كما لو انه لم يفقه ماقلت الساعة البتة " "طلال كيف استطيع ان اتصل بنوري المالكي؟"، انذاك قررت ان أقاطعه ولم أره الى ان انتقل الى الرفيق الاعلى . رحمه الله .

قمة الاخلاص ان تموت وانت وفيا لمن صنعك . فالأوفياء كثيرون لقادتهم وحكامهم . والجاحدون يبزونهم في التطاول على معلميهم . واتذكر يوما ان المرحوم حسين الشافعي نائب الرئيس المصري، ان استضافه الاخوانجي احمد منصور في برنامج شاهد على العصر على قناة الجزيرة بداية الالفية الثالثة، وراح هذا الاخوانجي يتطاول على عبد الناصر، فصرخ به المرحوم الشافعي ان يصمت وهو يلوح له بسبابته بعصبية .

مات هيكل بعد 45 عاما على رحيل معلمه فظل وفيا للحقبة الناصرية . بينما مات عبد الجبار محسن بعد رحيل معلمه صدام بفترة قصيرة من السنين، جاحدا يحلم يوما بلقاء نوري المالكي.

 

بقلم / طلال معروف نجم

 

هيكل: "صار لازم أمشي"

warda bayaبالأمس، الأربعاء 17/02/2016، رحل عن عالمنا، الكاتب والصحفي العربي القدير، محمد حسنين هيكل عن عمر ناهز 93 عاما، بعد صراع مع مرض الفشل الكلوي..وكان قد صرح مؤخرا ً بأنه عاش ما يكفي "وصار لازم أمشي".

" الرصاصة التي انطلقت من صدر الاسلام، استقرت في قلب القرن العشرين".. هذه هي الحكمة التي نطق بها هيكل، وهو يُشًرح " ويُملح" في الوضع العربي السياسي.. لقد كان متشائما دوما حتى حفظنا عنه عبارته الشهيرة: "غير المتوقع يحدث دائماً".. والتي كانت جزءاً من شخصيته التي تئن لحال الوطن العربي..

كان عروبي الانتماء، له ذاكرة فائضة عن المعدل العادي للبشر.. صحفي سياسي من النوع النادر حيث عرف عنه أنه كان قادراً على جذب المعلومة إليه، بدل أن يبحث عنها..

شَرًح التاريخ تشريحا مستفيضا ومذهلا، فكتب الاعلامي عبدالله بدران رثائية له ترسخ للذاكرة الأسطورة بعنوان "هيكل.. خجل التاريخ في حضرتك"، قال فيها: "شاءت الاقدار أنك لم تكن فيها، لا مولوداً، ولا مغادراً، وكنت قريباً من الحدث واثاره، فحللت وقيمت فأصبت، وأنت نفسك من قلت يوم كتبت، إننا ننزلق نحو الغروب لنفسح مجالاً لحقب أخرى، نهايتها مع القرن العشرين، وهو أخطر قرون في تاريخ الانسانية، لأنه ينقلنا إلى دنيا مختلفة، وقد كان."

وليسمح لي القارئ الكريم في حضرة مقام هذا الرجل الاستثنائي، أن أعبر عن صدمتي وأنا أتابع الميادين، وكانت القناة العربية الوحيدة التي تنقل مراسم تشييع جنازته على المباشر، بينما كانت القنوات المصرية منشغلة بحصصها وأفلامها ورياضتها، وكأن هذا الزلزال الذي وصلت ارتداداته الى كل أصقاع العالم، لم يزعزع مضاجع الفضائيات المصرية..!

لي مع هيكل قصة لم تكتمل

بعد أن جددت جواز سفري، قررت أن تكون أول رحلتي خارج الوطن نحو مصر، بلد العروبة والثقافة والجمال..

وكنت قد خططت خلال زيارتي التي لم تحصل بعد للقاء شخصيات كبيرة، فيها من هو على قيد الحياة، وفيها من غادرها، لأقف عند قبره ان سنحت لي الفرصة، كما برمجت في مخيلتي دائما، أماكن كثيرة أحببتها في الريف والحضر، فمصر المحروسة هذه، كانت في قلبي وخاطري منذ الطفولة، أكن لها حبا كبيرا يضاهي حجمها وشموخها.. ويحاكي ما قاله الشاعر أحمد رامي:

مصر التي في خاطري وفي فمي     أحبها من كل روحي ودمي

ومما كان يجول بخاطري أيضا، القيام بزيارة للكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، والذي طالما حاولنا - بعد انطلاق جريدة التحرير مباشرة - أن نستضيفه في الجزائر، ولكن محاولاتنا كلها باءت بالفشل، لأن الراحل لا يقوى على السفر والتعب بحكم سنه ومرضه..

تعلقت بهذا الكبير، منذ أن شاهدته أول مرة ضيفا دائما على قناة الجزيرة، وفي حلقات مسلسلة يسرد فيها وقائع سياسية هامة حصلت معه ويسقطها على الحاضر، بطريقة دقيقة و ذكية، كان يستحضر الحدث ويفصصه، ظنا منه أن العرب سيقرؤون ما بين السطور، وهم الذين عجزوا عن قراءة ما بين أيديهم ..

كان حرا في مواقفه يدافع عن أفكاره بحكمة وتواضع، فقال عن نفسه عندما وصفه محدثه بأنه أكبر صحافي وهي الحقيقة، فقال: " أنا مش أكبر صحافي ولا حاجة، أنا جورنالجي أحب أروي قصص وحكايات ما فيهاش زيادة ولا كذب"..

في آخر تصريحاته انتقد هيكل غارات التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، وطالب مصر والدول العربية بإقامة علاقات مع إيران بدل اسرائيل، داعيا السيسي إلى زيارة سوريا.كما علق في حسابه على تويتر، على نبأ تشكيل السعودية لتحالف عسكري "اسلامي" قائلا: أن هذا التحالف تغافل عن إسرائيل، وان "بعض دوله من أهم الداعمين لتنظيم "داعش"..!

اليوم وقد آن الرحيل، نخاطبه وهو الغائب، وعزاؤنا أنه بقي صاحب الرأي الوفي للوطن وللعروبة .لنقدم تحية اجلال واكبار من أسرة التحرير الى روح محمد حسنين هيكل..

 

بقلم/ وردة بية

 

ذاكـرة هـيكـل

moamar habarمقدمة 1436 هـ – 2016: أسمع الآن عبر وسائل الإعلام، أن محمد حسنين هيكل توفى. وبما أني على سفر غدا، نظرت لأوراقي فوجدتني أكتب كلمات تتعلق بالذاكرة التي يتميز بها هيكل، فأضعها بين يدي القارئ، كما هي وبالشكل الذي كنت أكتب به يومها دون أدنى تغيير.

بقيت الإشارة، أن تغطية هيكل لجرائم عبد الناصر ومساندته للانقلاب العسكري بقيادة السيسي، سيفرد له صاحب الأسطر كلمات، إذا كانت الظروف مواتية.

- قرأت بعضا من كتب الأستاذ: محمد حسنين هيكل، تتعلق خاصة بالوضع العربي والصهيوني، وقرأت له بعضا من مقالاته في هذا الشأن.

- ولكن في السنوات القليلة الأخيرة تابعت الأستاذ: محمد حسين هيكل، وهو يسرد مذكراته عبر سلسلة: "مع هيكل"، في إحدى القنوات العربية.

- استوقفتني ذاكرته، فأحببت أن أقف عند أطرافها لأوضّحها. ونستفيد من هذه الثروة قدر المستطاع.

- أشير بداية إلى أن هيكل من مواليد 1923، والذي يتابعه في حلقاته، وهو في أوجّ نشاطه وعطاءه، يُجْزِم بأنه أقلّ من ذلك بكثير.

- والسؤال المطروح، أنَّى له بتلك المعلومات الدقيقة و الرّاسخة في العمق؟.

- إن هيكل أوتي بَسْطَةً في الجسم، وأزعم أن الموروث الفرعوني له دور في ذلك، وإن كنت أجهل تفاصيله.

- فالصحة الجيدة، مدعاة للذاكرة القوية المشتعلة. وصدق الأستاذ: محمد راتب النابلسي، حينما نَقَلَ عن مجموعة من علماء الشام الذين تجاوزوا التسعين من العمر، وكلّهم في صحة و عافية، قولهم: تلك نعمة حافظنا عليها في الصّغر، فحفظها الله تعالى في الكبر.

- ذاكرة هيكل ليست هي وحدها الملفتة للنظر، وإنما طريقة تنظيم هذه الذاكرة واستخراجها في حينها.

- فهو يستخرج مايريد .. في الوقت الذي يريد .. وبالطريقة التي يريد .. بسهولة وسَلاَسَةٍ .. تَسُرُّ السّامع والمتتبّع.

- وينتقل من سَنَةٍ إلى سَنَةٍ، ومن شخص إلى شخص، وأشخاص هيكل كلهم سادة وقادة. بنعومة ويُسْرٍ.

- هاهو الآن يتحدث عن حدث جلل وقع سنة 2010، ليربطه بحدث مماثل وقع سنة 1935، مستشهدا بمقطع صغير جدا من إحدى المقالات التي كتبها أو كُتِبَت يومها، ليدعمها برأي، وبالتالي رقم الصفحة، والعبارة المعنية بالاستشهاد، التي نقلها عن كتاب صدر سنة 1955.

- ناقلا في نفس الوقت ومُبْرِزًا المخطوطة التي تم نشرها سنة 1960، على يد الجهة الفلانية أو المركز الفلاني. مُعرّجا على أزمة النفط سنة 1973، مَارّاً بأحداث إيران سنة 1979، ذاكرا أقوال ريغن في الجزء الأول من عهدته حول الحرب الباردة في الثمانينات، بدون أن ينسى حرب الخليج الأولى سنة 1991، والثانية سنة 2003.

- ويعود بعدها من جديد إلى الثلاثينات و الأربعينات و الخمسينات والستينات، في قالب يوحي للسامع أنه يحدّثه عن وقائع وقعت منذ أسبوع أو شهر.

- وهكذا ينتقل كالنحلة بين السنوات، والأشخاص والكتب والمجلات والصحف، القديمة منها والجديدة، وما تمخّضت عليه هذه العقود من آمال وآلام.

- ولاغرو في ذلك فهو كان مراسل صحفي أثناء الحرب العالمية الثانية، أي كان شاهدا، وهو شاب في منتصف عقده الثاني، ناهيك عن تجاربه وعلاقاته بمختلف فئات المجتمع، عبر هذه العقود من الزمن.

- إذن عوامل قوة ذاكرة هيكل تكمن في عناصر القوة التالية:

- الصّحة الجيدة والمتكاملة.

- يسجل كل شاردة وواردة يمر بها.

- يحتفظ بكل ماكَتَب وسَمَع.

- يحتفظ بما قرأه عن غيره من كتب ومقالات وحوارات.

- يحتفظ بالصور والمخطوطات.

- التنظيم الدقيق لما يملك من وثائق ومخطوطات وصور وحوارات ولقاءات.

- قدرته الفائقة في استخراج هذا الكم الهائل من المعلومات حينما تستدعي الضرورة ذلك.

- علاقاته النوعية بالقادة والمفكرين والأمراء والوزراء.

- علاقاته الكمية بقرّائه ومتتبعيه، فهو كتب لحد الآن في 900 جريدة، وترجمت كتبه إلى 30 لغة.

- أريد أن أقول من خلال هذه السياحة عبر ذاكرة هيكل، أن: الذاكرة كغيرها من العوامل المساعدة، تحتاج إلى عناية وَدُرْبَةٍ وتَعَهُد.

- فلا يكفي الكم الذي بين يديك، أو مَابَقِيَ بين أضلعك، إذا لم ترعاه بالسّهَرِ والعناية والتّنظيم والتّجديد، وتُزيل عنه غُبَار الزّمن، وإلا تَحَوَّلَ إلى رَمَادٍ يَحْجُبُ عنك حاضرك، ويَدْفن ماضيك، ويُبَدِّدُ مستقبلك.

ثلاثون عاما في الهباء

emad aliكنا شبابا من ما يسمون بالدم الحار، لا نعرف غير ما موجود امام اعيننا وفي عقليتنا وما تعلمناه من البيت الى حد ما والشارع والمدرسة والاقرباء والاصدقاء بشكل عام، ومن ما كانوا قبلنا من ما يمكن ان نسميهم بالجيل الذهبي، ومنهم اعتبرناهم القدوة التي لا يمكن ان الا ان نقتدي بهم في كثير من الامور وبعضها يشكل مطلق للاسف، وبالاخص في الفكر والنضال والعقيدة والفلسة، عدا ما تعلمناه في البيت المتواضع من العادات والتقاليد ومنها المبتذلة حتى في حينه، وفرض الواقع علينا الالتزام بالكثير منها بدقة متناهية، الى ان وصلنا الى حال في حينه ايضا بوقت ربما يمكن اعتباره قياسيا في تغيير العقلية والفكر والفلسفة بشكل ملحوظ في كل مرحلة نقطعها، ولكن بعد ان تعارض الموجود مع المتغير اي ما اخذناه عفويا مع ما اكتسبناه من خلالتعليمنا ونشاطنا او جهدنا الشخصي او ما احتكنا بهم في محيطنا بشكل مباشر، ولكن كل تلك التغييرات كانت بفضل التنظيمات اليسارية المؤثرة على حياة الشباب في حينه، لكونها مخفية او ممنوعة ومرغوبة في نفس الوقت يضا، واستنتجنا من التقاطع بين الارضية التي عشناها وما تعلمناه في غير محله، اي؛ لم يكن في زمانه ومكانه، لاننا اصبحنا وسط التقاطعات التي فرضت نفسها نتيجة عدم توفر الظروف الموضوعية وا لذاتية معا في ما يخص تلك العملية المعقدة التي اثرت فينا مبدئا وما عشناه على ارض الواقع، اي بين حياتنا الخاص التي عشناها والمواضيع التي فرضت نفسها علينا بعدما امنا بما نحن نعمله فكريا وفلسفيا وسياسيا، وان كانت هذه كلها من نتاج الداخل او منها المستوردة؛ الملائمة للواقع بنسبة معينة او منها لم تلائم ولو بنسبة قليلة جدا، ودخلت في مربع الخيال . انا من جانبي تاثرت بعصبة كادحي كوردستان واخلاقيات المنتمين اليها والملتزمين بها، والفكر والفلسفة اتي حملتها والصفات والعقلية التي اكتسبها المنتمون في فترة قياسية والسمات التي تمتع بها المنتمين الي هذا التنظيم من كافة الجوانب، وان كانت بعضها تدخل خانة المثاليات، وفق الالتزام المطلق بالتعليمات والنصائح التي كانت تصدر الينا على حساب الحرية الفردية وما فرضته حياة الناس المتغيرة نتيجة امتداد ايدي الراسمالية وافعالها الينا، وما جلبته لنا الثقافة الغربية ايضا قبل كل شيء دون ان تكون لنا يد فيها، ولم تكن لدينا خبرة او علم بما يدور وراء الستار من قبل الكبار عالميا كانت ام في المنطقة، او حتى ضمن الحركة التحررية الكوردستانية التي كانت تدار من قبل مجموعة من السياسيين المخضرمين المصلحيين من الاجيال السبقة ايضا، ايمن قبل شخصيات وقوى محتكرة وفوقية، وسيطرت هذه العقليات على التجدد الذي حصل جراء بروز عصبة الكادحين، مستغلين هذه الخلافات الشخصية والفكرية المبدئية التي برزت فيها ودامت، وكانت من افعال الجيل القديم وبدهائهم استغلوها وشتتوا الصفوف من اجل السيطرة على الموجود بحسب فكرة فرق تسد، او كما تعلمنا من خلال مسيرة نضال تنظيمنا ايضا، وكما حصلت فيها تشويهات او تخبطات كما اعتقد هو التعريف المناسب لها، اثناء الحركة التحررية او بعد التغييرات المختلفة في المنطقة والعالم وكيف تاثرت بها تنظيمنا الحديدي واكثرنا من الشباب الجامعيين والمحسوبين على المثقفين .

مرت الايام وكنا من المتابعين والنشطاء وبدافع اساسه نابع من الايمان الذاتي بما نعتقد ونسير عليه وما نحمل من العقليات والافكارو ليس بدافع ما (كما يجري اليوم)، استندنا على الحركة والبحث ولم نعتمد على التوصيات او الاشارات او حتى ما يحصل اليوم من الاوامر العسكرية باسم التحزب والقادة المحتكرين فيه . الجراة سيطرت على العقلانية في اكثر الاحيان وغامرنا دون اية حاجة للمغامرة لامور اعتيادية بسيطة، وكان الدافع هو التهلف في العمل من اجل ما نؤمن فقط . وانا من جانبي قمت بنشاطات كان بيني وبين الاعدام لحظات ومن ثم اعدم عدد غير قليل من الاصدقاء في فترتين متقاربتين من البعض، وحتى حين شكوا بتحركاتنا، كان للخيرين الذين كانوا المخبرين السريين او من حواشي السلطة دورا ايجابيا بالنسبة لي، حيث اخبروني بشكل غير مباشر قبل ان يحدث شيء لي، عندما سالوا عني وبحثوا في ما انا فيه وتابعو نشاطاتي، وكان لي صديق وهوالابن جيران واخوه من اصدقاء مرافق الدكتاتور السابق صباح ميرزا، كان له دورا حسنا في انقاذي حينما وصف للباحثين وهم (معزومين) في بيته، تحدث عني في بيتهم وعن عائلتي الفقيرة المعدومة المنكوبة، ووصفني بالمقؤود وليس لي اي نشاط مريب كما قالوا له، وربما من تكلم عنه يحسدونه لانه مجتد في دروسه، اقتنعوا بشكل ما، ولكنهم حسب قول احدهم فيما بانهم اعتبروه اخر انذار للكف عن ما اتحرك خلاله، ولم يسع الوقت الا ان اخفيت نفسي في منطقة بعيدة عن بيتنا، ولم يعثروا علي منذ ذاك الوقت . بعد برود الموضوع، وانا صادفت يوما من المخبرين من الجيران، ولم اعلم عنه شيئا في حينه، وتيقنت من عمالته بعد حادث معه واثناء الانتفاضة عام 1991 عندما عثر اصدقاء لي ما كتبه هذا العميل من التقرير عني، ضمن اوراق دائرة امن خانقين عندما استولينا عليه، وكان الموضوع هو عند ملاقاتي به وعند تعليقي عن صورة الدكتاتور التي كانت في يده وانا لم اعلم وتكلمت بعفوية، ولم اعلم انه اخبر عني فاجبرت على ترك المنطقة ايضا في حينه نتيجة هروبي منهم وليس لهذا السبب وانما لامر الهروب من العسكرية، ومن وشى بي الان هو مسؤل لدى احد الاحزاب الكوردستانية، ولله في خلقه شؤون .

كانت كلار بيتا امنا لمن كان له نشاطات من هذا النوع، فكان بالامكان الابتعاد عن الاعين واللجوء اليها لحين ابتعاد الخطرعنك كما فعلت، لمرات ومن ثم عدت للنشاطات ذاته، واكثرها لم تات الينا باوامر مركزية، بل نحن من خلال حلقة ضيقة اصرينا عليها، لما كنا عليه من الايمان العميق بما نعمل .

من ضمن التنظيمات التي نشطت وفق افراد من الحزب الشيوعي العراقي، كان لي اصدقاء ممن اُعدم ومن اُسفر مع الذين سموا بالتبعية الايرانية ومن سُجن ولم يعثر اهلمهم عنهم حتى ما بعد السقوط ايضا، كنا نعلم عن البعضو ما نفكر ونعمل دون ان نتصارح بما نقوم، نحن مع عصبة الكادحين وهم من الحزب الشيوعي العراقي في حينه . اكملنا الاعدادية وتخرجنا وابتعدنا عن البيت اعوام الجامعة واصبحت فرصة سانحة للتجديد واعادة التواصل والنشاطات،بعد المظاهرات في اول السنةالجامعية مرت بخير على الرغم من وحشية التعامل معنا في اربيل من قب امنه وقواته، وصادف ان ضربني احدهم وتعرفت هليه انه كان ضمن سلك الامن وهو من اهل مدينتي خانقين، ففي الصف الثالث في جامعة رايت مسؤلا في الاتحاد الوطني وكان من عصبة الكادحين، وهو الان من الكبار، واستقبلته في القسم الداخلي ايام المفاوضات مع الحكومة، وطلب مني الانضمام ولم اقل له اني منضم وقبلت دعوته وحينما انفضت المفاوضات قلت له اني قبل ان اقبل بطلبك اعمل لهذا التنظيم ومنضم اليه من قبل صديقك هذا منذ خمس سنوات، ولم اره فيما بعد الا بعد الانتفاضة، و كان كما هو اليوم ما يهمه هو مصلحته، ولاؤكد للقاريء ما كان وما هو عليه اليوم اذكر لك هذا الحث المعبر عن كل جوانب القضية. في الاضراب العام ايام الجامعة وكنا في الصف الثالث عند احتجاجانا على تدريبات الجيش الشعبي وامتناعنا عن الدخول الى قاعات المحاضرات، وفصلنا في تلك السنة، ال ان هذا المسؤل المعتبر هو من طلب من بنت اخته ان تعود الى دوامها وتمتحن دون سائر الطلاب لكونها ابنة اختها ونحن الغرباء، ومن تلك العملية اكتشفت بانه غير مؤمن بما يقوم به، والا كيف يحتسب لمصلحة ابنة اخته دوننا، نحن ايضا الذي كنا معها في الكلية ذاتها . وللحديث بقية .

 

عماد علي

 

إسلاميو السلطة (121): خطأ قيادة الدعوة في اختيار العبادي حان وقت تغييره

salim alhasaniفي ترشيح السيد حيدر العبادي لرئاسة الوزراء، نقف أمام ظاهرة غريبة في فهم المسؤولية لدى قيادة حزب الدعوة. فلقد تعامل أعضاؤها مع قضية بالغة الخطورة بعقلية ضيقة الى أدنى الحدود. كان التعامل محاولة للحصول على مكسب عاجل من ضعف العبادي، مع ترك العراق ينزلق نحو الهاوية.

ربما يعترض البعض بأن ذلك كان من صناعة عدد من قيادة حزب الدعوة وليس جميعهم. لكن هذا الاعتراض لا يمكن الأخذ به، لأن القيادة تعني مسؤولية الرأي والموقف، وما يتم إقراره يصبح مسؤولية جميع الطاقم القيادي، ولا يحق لأحد بعد ذلك أن يبرئ نفسه بعدم رضاه عن هذه المفردة أو تلك.

...

في الانتفاضة الشعبانية في آذار 1991، سارعت فصائل المعارضة الإسلامية للتواجد في المناطق الحدودية القريبة من البصرة، ومع سرعة الحدث تم تعيين أحد رجال الدين العراقيين مسؤولاً على هذه الفصائل لغرض التنسيق وإدارة شؤون الانتفاضة.

لن استطيع ذكر اسم رجل الدين هذا، شفقة عليه فقد كان خارج نطاق الميدان السياسي والاجتماعي والإداري تماماً، وكانت تلك المهمة هي أول مسؤولية سياسية له في حياته، كان المكان كبيراً عليه بدرجة هائلة، فلم يصدق نفسه، وكان لا يعرف سوى تكرار جملة واحدة: (المشاكل كثيرة، وأنا القائد العام للقوات المسلحة، ويجب حل المشاكل وتنظيم الأمور).

وقد كان رجل الدين هذا يحضر في الصباح الى مقر العمليات في مدينة المحمرة (خرمشهر)، فيقضي النهار لا يعرف ما يفعل، فيما تتوالى الأخبار والتحركات الساخنة والسريعة على بعد عدة كيلومترات في البصرة. وحين تشتد الأمور ويجد نفسه أمام ورطة اتخاذ قرار يكرر عبارته: (المشاكل كثيرة، وأنا القائد العام للقوات المسلحة، ويجب حل المشاكل وتنظيم الأمور). ثم يغادر المقر لإقامة صلاة الجماعة في إحدى المناطق العربية القريبة من مدينة الأهواز.

...

أكرر أنني لن أذكر اسم رجل الدين هذا لأنه مسكين حقاً، لكن الكثيرين من الذين تواجدوا هناك في تلك الأيام يعرفونه جيداً. ويعرفون ضعفه وطريقة تفكيره واهتزاز شخصيته، وهي اشبه ما تكون بشخصية السيد حيدر العبادي.

كان رجل الدين هذا مستقلاً لكنه كان يحاول إرضاء المجلس الأعلى بأي شكل، فيما يعيق طلبات حزب الدعوة، وكان يقول أخشى أن يعتبرني المجلس الأعلى بأنني أميل الى حزب الدعوة. أي أنه سبق السيد العبادي في مراعاة التوافقات السياسية.

في أحد الأيام اجتمعتُ به مع الأخ والصديق الدكتور مصطفى الركابي (أبو سحر) وقدمنا له بعض التصورات للعمل، فقال: (أنا القائد العام للقوات المسلحة، وأخشى إذا قمت بما تقترحون عليّ فان ذلك سيثير أزمة دولية، لأن في العراق أيضاً هناك قائد عام للقوات المسلحة)، فقاطعه الدكتور الركابي معنفاً: (أراك صدّقت نفسك قائداً عاماً للقوات المسلحة). ثم أشار عليه بأن يتخلى عن مسؤوليته لأن القضية تتصل بدماء ومصائر ناس ومهاجرين ونازحين.

بعد هذا اللقاء، همس أحد مقربي رجل الدين هذا بالقول: (إن تغيير فلان لمصلحة الانتفاضة، لكنه ليس في مصلحتنا). وكان يقصد مصلحته هو، ثم قدم رجاءه بعدم إثارة مثل هذه القضية.

...

تلك الحادثة التي مضى عليها أكثر من ربع قرن من الزمن، تفرض نفسها حالياً في الطريقة التي تم فيها اختيار الدكتور حيدر العبادي (النسخة المطابقة لرجل الدين) لمنصب القائد العام للقوات المسلحة ورئاسة الوزراء. كما أنها تجدد عبارة الرجل المنتفع من ضعف الأول، فتظهر أمامنا بكلماتها وحروفها في تفسير موقف قيادة حزب الدعوة من ضعف الثاني أي العبادي. فوجوده في رئاسة الوزراء هو أفضل لقيادة حزب الدعوة، وهذا يكفي للإبقاء عليه حتى وإنْ حلت الكارثة بالعراق، وهي ستحل مع بقائه في السلطة.

...

تقف قيادة حزب الدعوة أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية، فلقد اثبتت التجربة أن العبادي غير صالح لهذا المنصب، وأن العراق يتجه على يديه نحو مسالك مدمرة تمر بالحرب الأهلية وبعودة الاحتلال وبالتقسيم وبالانفلات الأمني وغير ذلك.

إن القيادة تعرف أن العبادي لا يملك رأيه، وأنه القوى الإقليمية والخارجية تحركه بخيوطها، وهو يستجيب بأسرع مما تتوقع تلك القوى.

لقد أحرق أعضاء قيادة حزب الدعوة تراث المدرسة الصدرية وتضحياتها الكبرى، من أجل مصالحهم الشخصية، وأنهت ـ الى جانب الكيانات الشيعية الأخرى ـ صور التضحية والتاريخ الحركي، ومع الإبقاء على العبادي سيأتون على العراق وشعبه. ألا يكفي ما حصلوا عليه من مكاسب دنيوية؟

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (120): حدث ما كذّبه الأتباع .. نموذج الحاج المهندس

salim alhasani2في 26 كانون أول 2015، نشرت مقالاً كشفت فيه محادثة جرت بين السيد العبادي وبين الحاج أبو مهدي المهندس، حيث أخبره العبادي بأنه يبحث عن بديل له، وعليه ان يبدأ إجراءات تصفية أموره وشؤونه الإدارية من هيئة الحشد الشعبي.

وفور نشري المقال، تعرضت لموجة من التكذيب من بعض الأقلام على صفحات التواصل الاجتماعي، إضافة الى نشاط مكثف من قبل موقع (المسلة) بثلاثة مقالات شتائمية.

وبطبيعة الحال فقد كان الغرض هو التشكيك بما اكتبه في سلسلة (إسلاميو السلطة) التي أزعجت الكثيرين، فنشر المعلومات وتسجيل الوقائع، أمر يهدد مواقع القيادات ويعرض وجودها للاهتزاز، فكل ما تملكه هذه القيادات، هو اتباع لا يعلمون الحقيقية يهتفون باسمائهم، مما يجعل الحقيقة التهديد المباشر لهم، لئلا ينصرف عنهم الاتباع فيما لو استخدموا عقولهم في المقارنة والتعرف على الحقائق كما هي.

...

في نهاية المقال القرار الذي أصدره السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي بتعيين بديل عن الحاج المجاهد أبو مهدي المهندس، وقد تأخر القرار بسبب نشري الخبر في 26 كانون اول الماضي، وقد استطاعت الأقلام والمواقع المنتفعة من مساندة العبادي في مسعاه لتفتيت الحشد الشعبي، حتى مهدت له أجواء إبعاد المهندس عن مسؤوليته القيادية في الحشد الشعبي.

...

لقد تكررت عملية الهجوم الشتائمي والتكذيب ضد حلقات (إسلاميو السلطة) مرات عديدة، مما يدفعني الى تقديم المزيد من التفاصيل فيما بعد، وعندما تصبح القضية واضحة، يبقى الاتباع على مواقفهم السابقة. وهذا ما حدث مع الحلقات التي تحدثت فيها عن محاولات السيد إبراهيم الجعفري في التنسيق مع الأميركان وحضور مؤتمر لندن، فكذّبني اتباعه، ثم نشرت المزيد من التوضيحات بالاسماء والشهود.

...

وكذلك ما حدث مع مقالاتي عن حزب الفضيلة والشيخ اليعقوبي والدكتور نديم الجابري، وقد ذكرت فيها أن الجابري له ماض بعثي وكان من أقلام النظام المقبور، فدافع اتباع الفضيلة بتكذيبي، حتى نشرت صور المقالات التي كتبها الجابري في تمجيد صدام ونظامه القمعي في صحيفة القادسية. (راجع الحلقات 32 الى 37). وغير ذلك من الشواهد الإضافية.

الأمر نفسه يتكرر مع اتباع مقتدى الصدر حين كتبت عدة حلقات في سلسلة (إسلاميو السلطة) وآخرها عن التفاصيل الجديدة حول طلبه بتولي رئاسة مجلس الحكم على عهد بريمر. فقد شنّ اتباعه حملة شتائمية شديدة على غرار ما فعله موقع المسلة والاقلام المنتفعة. فهم بحاجة الى صدمة لاحقة حتى يكتشفوا الحقيقة، وعندها يكون الوقت قد فات، هذا هو حال العراق الذي يسرقه القادة بالاعتماد على أتباع لا يتمكنون من الخروج عن التبعية.

...

لقد كررت عدة مرات، استعدادي للتراجع فيما لو اثبت الأشخاص الذين اتناولهم في هذه السلسلة خلاف ما كتبت، لكن ذلك يواجه بالصمت من المعنيين، لأنهم يعلمون أن هناك المزيد من التفاصيل ستواجههم فيما لو حالوا التكذيب، فالحقيقة تتضح ذات يوم، لذلك يفضلون اللجوء الى تحريك الاتباع للهجوم الشتائمي، فتلك هي وسيلتهم الوحيدة.

 929-salim

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (119): مطالبة مقتدى الصدر برئاسة مجلس الحكم على عهد بريمر

salim alhasaniفي بداية الانطلاقة السياسية للسيد مقتدى الصدر، بعد سقوط نظام صدام، جرت حادثة لها دلالتها المهمة، لكنها ضاعت في تعقيدات المشهد العراقي فيما بعد، فلم تُعد تذكر في وقائع تلك الأيام.

كان التيار الصدري قد ظهر بعد الاحتلال كقوة جماهيرية في الساحة، وكانت مهمة الحاكم المدني الأميركي (بول بريمر) متركزة على تشكيل مجلس الحكم، حيث الاجتماعات والاتصالات متواصلة بين مختلف الأطراف السياسية من شيعة وسنة وكرد. وفيما كانت التشكيلة تشرف على الاكتمال، تقدم السيد إبراهيم الجعفري بمقترح الى بريمر، مفاده إشراك التيار الصدري في مجلس الحكم الانتقالي، بحكم القاعدة الجماهيرية التي يمثلها في العراق.

...

لاقى المقترح قبول الحاكم المدني الأميركي، فقد وجد فيه نصيحة غالية لكسب تيار جماهيري شيعي الى العملية السياسية التي تريد الولايات المتحدة تصميمها في العراق الجديد. لكن المشكلة التي واجهت المقترح هو انفصال الشيخ محمد اليعقوبي وقتها عن التيار الصدري، والشروع في توجهه الخاص في صناعة طموحه الشخصي من خلال اقتحام دائرة المرجعية.

تم الاتفاق بين الحاكم المدني وبين الجعفري على تحديد ممثل مقبول لدى الطرفين أي السيد مقتدى الصدر والشيخ محمد اليعقوبي ليكون هو عضو مجلس الحكم الذي يمثلهما معاً. وقد وافق بريمر على الاسم المقترح وهو (السيد فاضل الشرع).

...

 

نشط السيد الجعفري في تحقيق مقترحه المقبول أميركياً، فشكل وفداً ثنائياً من السيدين فالح الفياض وعدنان الأسدي لمفاتحة الصدر واليعقوبي والتداول معهما بشأن الممثل المشترك بينهما.

التقى وفد الجعفري بالشيخ اليعقوبي وعرض عليه المقترح، فأبدى موافقته من دون تردد، كما وافق على تسمية الممثل المقترح أي فاضل الشرع.

وفي اجتماع الوفد مع السيد مقتدى الصدر، جاءت موافقته سريعة أيضاً، لكنه تساءل: لماذا لا يتم تعيينه هو ـ أي مقتدى الصدر ـ رئيساً لمجلس الحكم الانتقالي، بدل أن يُصار الى اختيار ممثل عنه؟

فكان جواب الفياض والأسدي، بأن هذا غير ممكن في طبيعة تشكيلة المجلس الحالي والنظام المحدد له، وعليه فلا يمكن أن تنحصر بشخص واحد. كما أن أساس المقترح هو تعيين ممثل مشترك بينه وبين اليعقوبي. فأبدى السيد مقتدر الصدر تفهمه لذلك وأكد موافقته.

...

عندما عاد وفد الجعفري الى بغداد، وتسرب الخبر في أجواء المرشحين لتشكيل مجلس الحكم، برز الخوف على المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم رحمه الله، فمارس جهوده من أجل إحباط هذه الخطوة، لقطع الطريق على الصدر وابعاده عن المجلس قبل أن يتم الإعلان عنه رسمياً. وقد نجح في مساعيه، فقرر بريمر التراجع عن مقترح الجعفري وإلغاء فكرة ضم الصدر واليعقوبي الى مجلس الحكم.

...

كان رفض المقترح بمثابة صدمة قاسية على الرجلين، وخصوصاً على السيد مقتدى الصدر، فقد اعتبرها مؤامرة من المجلس الأعلى لتهميشه سياسياً، وصدرت تعليمات لعدد من قادة التيار الصدري بمقابلة السيد إبراهيم الجعفري وإبلاغه بأن السيد مقتدى الصدر سيصدر تعليماته بالتأهب والخروج بتظاهرات جماهيرية في مدينة الصدر والمحافظات الجنوبية، فيما لو تم استبعاده من مجلس الحكم، وبعد مناقشات وحوارات مطولة استطاع الجعفري امتصاص غضب الصدر واحتواء الأزمة.

لكن استياء الصدر تصاعد في مقابل ذلك من المجلس الإسلامي الأعلى، فقد وجد فيه اليد التي أغلقت الباب بوجهه نحو الواجهة السياسية الرسمية. وكانت أولى نتائج الاستياء هي الأزمة الحادة بين التيار الصدري والمجلس الأعلى والتي وصلت الى الاقتتال المسلح، كما أعقبها تشدد السيد مقتدى الصدر في موقفه من الاحتلال الأميركي.

...

ظل الجعفري يذكر خطوته في هذا الخصوص في جلساته الخاصة مع السياسيين، لفترة غير قصيرة. كما بقي السيد مقتدى الصدر يحتفظ بهذا الجميل له حيث سانده في تشكيل حكومته فيما بعد.

...

توضيح حول طلب مقتدى الصدر تولي رئاسة مجلس الحكم

ذكرتُ في الحلقة 43 من سلسلة (إسلاميو السلطة) ما نصه:

(في الفترة الأولى لتشكيل مجلس الحكم، وافق الحاكم المدني الأميركي بول بريمر على مقترح بعض الأعضاء، بضم السيد مقتدى الصدر والشيخ محمد اليعقوبي الى مجلس الحكم. وقد تشكل وفد لمفاتحتهما بذلك، فالتقى الوفد بالسيد مقتدى الصدر في النجف الأشرف، وعرض عليه المقترح، لكنه رفض الانضمام، وبقي محافظاً على شعاره في رفض التعاون والتنسيق مع الاحتلال الأميركي، وضرورة إنهاء وجوده العسكري والسياسي من العراق) انتهى.

وحين كتبت ذلك فلأن المعلومة التي أوردتها في الحلقة 119، لم تكن متكاملة عندي، ولم أتوثق منها بدرجة قطعية، بأن السيد مقتدى الصدر كان يريد تولي رئاسة مجلس الحكم، وأنه وافق على الانضمام من خلال ممثل مشترك بينه وبين الشيخ محمد اليعقوبي وهو السيد فاضل الشرع.

وعندما تأكدت منها ومن تفاصيلها كتبتها في الحلقة 119، بمعنى أن ما ورد في الحلقة 119، هو الذي اعتمده بعد التوثق من صحته والتأكد من دقته.

وهناك وقائع أخر لم اكتبها بعد عن الشخصيات التي تناولتها في هذه السلسلة، وذلك لأنني اريد أن استجمع كافة النقاط التوثيقية ثم اكتبها.

وهذا هو منهجي في توضيح المعلومة حين تتكامل مفرداتها، فاضيف عليها ما فاتني من قبل. وهو نفس المنهج الذي ألتزمه في تصحيح المعلومة إذا وجدت فيه خطأ، ولا يمنعني من التصحيح عناد أو عاطفة.

أكرر أن ما جاء في الحلقة 119 كتبته بعد أن استكملت التقصي عن حادثة مطالبة السيد مقتدى الصدر تولي رئاسة مجلس الحكم، والتفاصيل التي رودت فيها.

أما ما يحتج به اتباع السيد مقتدى الصدر استناداً الى ما جاء في كتاب بريمر، فهو أمر غريب حقاً، فهل أصبح عندهم كلام المحتل الأميركي هو الدليل الصادق؟ في حين يمكنهم الرجوع الى أصحاب الحدث وهم احياء يسألون منهم ما جرى.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (118): مقتدى الصدر في العملية السياسية

salim alhasani2ما المشروع الذي حمله السيد مقتدى الصدر وهو يخوض العمل السياسي لأول مرة في حياته بعد سقوط نظام الطاغية صدام؟

سيأتي الجواب سريعاً بأنه رفض الاحتلال الأميركي، وطالب بإنهائه وخروج القوات الأميركية من العراق. وهذا موقف يُسجل له كما ذكرت في المقال السابق، لكن مع هذه الدعوة لم يكن للسيد مقتدى الصدر مشروع عمل بنائي للدولة، وهو في ذلك يشترك مع بقية قادة الكتل الذين دخلوا العملية السياسية متمسكين بنظام المحاصصة عملياً، فيما يصبون عليها اللعنات في وسائل الإعلام.

...

بعد السقوط بفترة وجيزة شنّ التيار الصدري معركة كلامية شديدة ضد المرجعية العليا متمثلة بالسيد السيستاني في سابقة خطيرة في الوسط الشيعي في بدايات العراق الجديد، فلقد كان المفروض أن تلتف جماهير الشيعة حول المرجعية لتدعيم مواقفها وزيادة قوتها، في مواجهة المخططات الإقليمية التي كانت تعمل بسرعة من أجل إرباك العملية السياسية وقطع الطريق على الشيعة للحصول على استحقاقاتهم الطبيعية بالعملية الديمقراطية.

كما دخل التيار الصدري في اقتتال مسلح مع المجلس الأعلى، يتحمل الطرفان مسؤوليته وتداعياته، وقد شجّع ذلك القوى الطائفية على اختراق الجو الشيعي الذي انكشف أمامهم مخلخاً يمكن تفكيكه واللعب على تناقضاته الداخلية.

...

في حكومة السيد إياد علاوي حدثت معركة النجف الأشرف بين التيار الصدري وبين القوات الأميركية، وتتحمل الحكومة والقيادة الأميركية مسؤولية وقوعها، فلقد كان الهدف منها إنهاء القوة العسكرية للتيار الصدري. وقد استطاع التيار الصمود، رغم الخسائر الفادحة التي لحقت أفراده وكذلك المدنيين، ولم تنته المعارك إلا بتدخل السيد السيستاني في رحلة العلاج المعروفة وعودته الى النجف حيث انتهت العمليات العسكرية بدخوله المدينة.

...

كانت أشد الأزمات هي التي حدثت بين التيار الصدري وبين حكومة السيد نوري المالكي، فلقد قام بصولة الفرسان في مدينة البصرة ثم تلتها عملية عسكرية في مدينة الصدر، ومن يومها بدأت أزمة حادة بين السيد مقتدى الصدر وبين رئيس الوزراء، حيث صار العداء مكشوفاً على وسائل الإعلام وفي جلسات البرلمان، مع ان التيار الصدري كان مشاركاً في الحكومة بعدة وزارات.

منذ تلك الأزمة ـ وما بعدها ـ كتبتُ الكثير من المقالات في نقد حكومة المالكي، وطريقة تعامله مع التيار الصدري، ولا أزال أحتفظ بنفس قناعاتي في تقييم تلك الأحداث والمواقف. إن تفاصيل صولة الفرسان تكشف خطأ كل من المالكي ومقتدى الصدر في التعامل مع الحدث، ولهذا مجاله في حلقة أخرى.

...

ورغم أن تجربة التيار الصدري كانت مريرة مع حكومة المالكي الأولى، إلا أن المفاجأة كانت في قبول زعيمه التجديد لولاية ثانية للمالكي عام 2010 بعد تمنع ورفض دام لما يقرب من ثمانية أشهر. وقد تراجع الصدر عن رفضه بمقولته المشهورة (السياسة لا قلب لها). وكان التبرير أن الضغوط كانت كبيرة على السيد مقتدى الصدر مما اضطره الى سحب اعتراضه والتصويت لصالح الولاية الثانية.

لم يكن التبرير مقنعاً، فالخضوع للضغوط يعني تفضيل المصلحة الشخصية أو الفئوية على حساب الموقف المبدأي، وهذا ما فعله السيد مقتدى الصدر، بل أنه يتحمل مسؤولية تشكيل الحكومة الثانية للمالكي وما أفرز ذلك من تبعات، لأن أصوات نوابه كانت الرقم الحاسم في تشكيلها.

...

ثم كرر السيد مقتدى الصدر التراجع في مسألة سحب الثقة التي طرحتها الكتل السياسية عام 2012، وقد كانت تلك المحاولة قد وصلت الى مراحلها النهائية، وأوشكت ان تطيح بالمالكي، فلم يكن بينه وبين سحب الثقة من حكومته، سوى ثبات السيد مقتدى الصدر على موقفه، لكنه في اللحظات الحرجة أعلن تراجعه، وقد برر ذلك بأن رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني هو الذي عارض فكرة سحب الثقة وأقنعه بذلك، فتقدم الصدر بمقترح منح المالكي فرصة أخرى.

عندما أعلن مقتدى الصدر تراجعه عن فكرة سحب الثقة، قال اياد علاوي وقتها: (لقد كنت اعرف أن مقتدى الصدر لن يثبت على موقفه)، وهي كلمة جارحة بلا شك، وتزداد شدتها لأنها تصدر من شخص مثل علاوي المعروف بعلاقاته المخابراتية إقليمياً ودولياً.

...

قدم السيد مقتدى الصدر مفاجأة أخرى عندما أعلن في أوائل شباط عام 2014 إعتزال العمل السياسي وسحب يده من كتلة الأحرار في الحكومة والبرلمان وأنها لم تعد تمثله، وذلك حفاظاً على سمعة (آل الصدر). وكانت مفاجأة غريبة صادمة، لأن المفروض أن يرافق هذا الموقف سحب نوابه ووزرائه من الحكومة والبرلمان، وليس تركهم في مواقعهم بعد أن جاءوا باسمه، فيكون كمن فتح الباب لهم وعندما رآهم يسرقون، خرج من البيت وتركهم يفعلون ما يحلوا لهم.

ورغم ذلك فان قرار اعتزاله لم يدم سوى أيام معدودات حيث تراجع عنه.

...

ألفت نظر القارئ الكريم أنه سيلاحظ أن اتباع السيد مقتدى الصدر في تعليقاتهم، سيعيدون عبارات من قبيل الدعوة أسوأ والمالكي أسوأ وفلان أسوأ، فهم يعجزون فكريا عن فهم الحلقات السابقة التي تبين موقفي من المالكي و يعجزون أخلاقيا عن فهم أن الجرائم الأسوأ لا تبرر الجرائم الأقل. هذا الى جانب المستوى التربوي المتدني والذي يتضح من خلال الشتائم والسباب.

كما أرجو من القارئ الكريم أن يجد لهم العذر، فالظروف حالت دون تلقيهم التعليم المطلوب، كما ان قيادتهم أهملت هذا الجانب مع الأسف، واعتقد ان هذه مسؤوليتنا في النهوض بهم أخلاقياً وتربوياً.

للحديث صلة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

وداعا للأديب الفلسطيني سلمان ناطور

nabe  odaبحزن كبير تلقينا صباح الاثنين (15-02 -2016) الخبر المؤلم عن وفاة الأديب الفلسطيني سلمان ناطور (67 عاماً) وهو بقمة عطائه الثقافي.

ولد سلمان ناطور في دالية الكرمل عام (1949). بعد أنهاء دراسته الثانوية واصل دراسته الجامعية في القدس ثم في حيفا. درس الفلسفة العامة وعمل في الصحافة. حرر مجلة "الجديد" الثقافية التي كانت تصدر في حيفا وحرر مجلة "قضايا إسرائيل" التي تصدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية في رام الله.

صدر للفقيد حوالي 30 كتاباً في مواضيع ثقافية مختلفة.

بهذه المناسبة المؤلمة اعود الى احد كتبه الهامة "يمشون على الريح – او هي عودة الى بيسان" .. انها عودة الى رحم المأساة التي تعطي فكرة عن احد الجوانب الابداعية للمرحوم سلمان ناطور.

احتل الكاتب سلمان ناطور مكانة بارزة في ثقافتنا الفلسطينية، سلمان ابن الطائفة العربية المعروفية، يعتبر بلا منازع من أبرز أدباء الكتابة التاريخية التوثيقية بما فيها التحقيقات الصحفية التاريخية، في الأدب العربي داخل اسرائيل وفي الأدب الفلسطيني عامة. . وما زلت أرى ان أبرز تحقيقاته التوثيقية هو ما كتبه عن المجازر التي ارتكبت في عشرات البلدات العربية الفلسطينية في حرب عام 1948، واقامة دولة اسرائيل، وأعني كتابه"ما نسينا" .

كذلك عرفناه كاتبًا قصصيًا، مسرحيا ومترجمًأ!

في كتابه "يمشون على الريح" أو "هي عودة الى بيسان" يعيدنا سلمان الى رحم المأساة من زاوية غير متوقعة.

الكتاب صدر قبل عدة سنوات، ومع ذلك السنين لم تفقده حرارته، واليوم عندما أعيد قراءته من جديد، أعيش مرة أخرى أجواء النكبة، ولكن من زاوية غير متوقعة .. ينجح سلمان في تجسيمها أمامنا، عبر مأساة شخصية لفلسطينية تحلم بالوطن، الذي لا تعرف من تفاصيله عير الانتماء والألم والحب الذي لا ينتهي وأمنية ان تصبح جزءا من ترابه وأشجاره وسمائه بعيدا عن الكراهية للآخر .. الذي يحتل بيتها وأحلامها.

الكتاب مقسم الى عشرة مقاطع – روافد، تلتقي في مصب واحد، اسمه بيسان، تلك المدينة المرهقة من كثرة مغتصبيها عبر التاريخ، خاصة أشرسهم، الذي يحاول ان يزور تاريخها وانتمائها ويمحو من ذاكرتنا الجماعية مكانتها .انها بيسان التي يربو عمرها على ستة آلاف عام. خلدت فيروز بيسان بأغنية تخترق اعماق الذاكرة وتجعلها نابضة بالحياة .. وتجعل من مأساتها تجسيما لاحدى أكبر جرائم التاريخ: "كانت لنا من زمان بيارة جميلة/ وضيعة ظليلية ينام في أفيائها نيسان/ ضيعتنا كان اسمها بيسان/ خذوني الي بيسان / الي ضيعتي الشتائية/ هناك يشيع الحنان"

أحيانًا تبرز بيسان باسمها الروماني "سكيتربوليس" وأحيانًا باسمها الفلسطيني "بيسان" وأحيانًا باسمها الجديد "بيت شان" ... واختلاف التسمية لم يكن صدفة، انما لنقل الواقع والموقف والتغيير الحاصل...

تبدأ الحكاية من باريس وروما... حيثُ التقى سلمان ناطور بشاعرة ورسامة فلسطينية، اسمها فدوى حبيب.

والفنانة فدوى في العقد السادس من عمرها، والأصل من بيسان، هربت مع أهلها من الموت المباشر، الى الموت البطيء في عواصم رمادية، بلا هوية وبلا كيان تنتسب اليه< عبر تدفق كلمات مونولوج مأساتها الخاصة، يتجدد في نفوسنا ما بدأ يتلاشى في الذاكرة، ترجع لمخليتنا المأساة بوحشيتها، تتجسد النكبة باسقاطاتها، نلمس معاني التشرد والشوق للوطن المفقود، وتبقى مسألة غير مستوعبة، أصعب من ان يهضمها العقل... حقيقة الانسان بلا وطن، بلا ملاعب الطفولة، بلا ذكريات .. ربما نتخيل معنى ذلك، ولكننا لن نفهم صعوبة هذه المعاناة ووحشيتها المجسمة بالضياع في متاهات لا تنتهي... كما يعيشها ابناء شعبنا، المحرومون من وطنهم وذكرياتهم وتواصلهم مع تاريخهم وأرضهم .

سلمان يعيدنا عبر فدوى، عقودا عدة الى الوراء، الى بيسان المدينة التي تحمل عبق التاريخ بامتداداته الكونية، وتتحول بيسان، بيسان الفلسطينية الفيروزية، الى محور لهذا الكتاب، الى ملتقى المصائب... ملتقى الأحزان، يتركنا سلمان، ربما بقصد... نكتشف عمق الجريمة التي ترتكب، والاغتصاب المتواصل لتاريخنا وانسانيتنا وذاكرتنا وكرامتنا.

فدوى تزوجت من مغربي، والده كان شريكًا لتاجر يهودي، أولاد اليهودي غادروا المغرب الى اسرائيل، ربما يسكنون في بيت فدوى، في بيسان. تقول فدوى لسلمان:

-   "إذهب والتقِ هؤلاء الناس، تجتاحني رغبة جنونية لأعرف ماذا يقولون، وكيف يشعرون، وبماذا يفكرون؟ وهل استطيع أن أكون مطمئنة من أن الذي قتلني وورثني، لا يكرهني؟

هل هناك انسانية أعمق وأكبر من انسانية فلسطينية صودرت أحلامها، ونكبت بوطنها، ويقلقها ان لا يكرهها قاتلها ومغتصب ملاعب صباه؟

وها هو سلمان ينفذ رغبتها، يتجول في بيسان، ويحاول أن يدمج بين الماضي والحاضر.

المقطع الثاني يتحدث عن الشاعر العبري الإنساني "عمانوئيل بن سابو" الذي اشتهر بقصائده الاحتجاجية ضد الاحتلال ونشاطه في دعم الحقوق الفلسطينية، وكان ينشر قصائده في صحف عبرية، ويوقعها باسم "خميس توتنجي"، وهو اسم سائق تكسي فلسطيني قتله متطرفون يهود عام 1985 قرب مفرق "معليه ادوميم" انتقامًا لمقتل سائق تكسي يهودي.

سابو نشأ نشأة دينية، وتربى تربية صهيونية، بكل ما يحمله هذا التعبير من معنى، ساهم مع "تساحي هنجبي" وأمثاله بمحاولة "إنقاذ" أرض إسرائيل الكبرى، ورفض الانسحاب من سيناء المصرية في وقته، ونشر سابو ديوان شعره الأول عام 1982، وكان ديوانًا يطفح بالقصائد الشوفينية المتطرفة، ولكنه سرعان ما اكتشف ضلاله وأنقذ إنسانيته، ورفض النهج الشوفيني، نهج غوش إيمونيم الاستيطاني وارض اسرائيل الكاملة وسائر الفاشيين الغلاة، وانحاز الى جانب الانسان، الى جانب الحق،الى جانب السلام والمساواة والعدل. الى جانب الحقوق المشروعة والانسانية للشعب الفلسطيني.

يجمع سلمان بين مصائر الناس، يدفع سابو للقاء عائلة خميس المقدسية، عائلة سائق تكسي قتله المستوطنون الفاشيون، وينقل نتائج اللقاء... ربما هي صورة صغيرة لضرورة اللقاء بين الشعبين، وليسَ بين أفراد فقط، انها شهادة على طيبة الإنسان،بغض النظر عن انتمائة الاثني أو الديني .. اذا ما عاد الى انسانيته.

ومع ذلك لي بعض الملاحظات... صحيح انني أتحدث عن مأساة قديمة، ولكن التاريخ لا ينسى ولا يهمل المآسي ما دامت أسبابها قائمة وترتكب كل يوم جرائم بشعة..

سلمان يحاول أن يجعل من كتابه لوحة ل "بيت شان" – الجرح الفلسطيني الذي لم يندمل .. وفعل حسنًا حين انهاه "بعرس في السماء" عن مقتل فتاتين، فلسطينية من نابلس ويهودية من بيت شان، في اسبوع عرسهما، كأنه يحذر من حلقة سفك الدماء المغلقة. وكأني به يقول، ها هو الجرح الذي لا يزال مفتوحًا، رغم الزمن ... وينتظر أصحاب الضمائر ليضعوا حدًا له، ولكن حقيقة المؤلمة ان ما كان هو حلقة في سلسلة نشهد كل يوم مأساة جديدة من حلقاتها، التي لم تتوقف بعد .

سلمان ناطور يقدم لنا في كتابه عملاً هامًا يحمل نكهة خاصة، ويثير الكثير من الخواطر والمشاعر، ويجدّد بالنفس مرارة وحزن الضياع، الضياع في الغربة، والضياع في الوطن، والذهول أمام أطلالنا، وتاريخنا الذي تبعثره الرياح.

ويبقى كتاب "يمشون في الريح" عملاً يحمل الكثير من الخصوصيات، يضاف لرصيد سلمان ناطور... وهو، وهذا المهم، يبرز انسانية الفلسطيني في مواجهة قاتله. وكأني به يرمز الى أهمية الغاندية (اسلوب غاندي في مقاومة الاحتلال البريطاني للهند سلميا، الذي حقق الحرية والاستقلال للهند) في نضال الشعب الفلسطيني .

 

نبيل عودة – كاتب، ناقد واعلامي – الناصرة

 

رَغَبات الآمر أمر

ahmad alhiliبعد مرور سنة على التحاقي بهذه الوحدة العسكرية المرابطة على خطوط النار في شرق البصرة، وقعت حوادث عديدة داخل الوحدة، في إحدى الليالي سمعنا صوت إطلاق نار صادراً من أحد الحظائر، اسرع الجنود وكذلك نواب الضباط والضباط لمعرفة ما يجري، علمنا بعد ذلك أن أحد الجنود أطلق النار على رأسه من بندقية الكلاشنكوف التي يمتلكها، وهو لم يمض على تواجده في وحدتنا سوى شهرين، سبق لي أن تعرّفت عليه، كان أحد خريجي معهد المعلمين العالي ببغداد، عرفت في حينها أنه كان متعلقاً بأمه، ومن أجل ذلك وجدوا على جثته رسالة موجهة منه إليها يعتذر فيها بشدة أنه قام بفعلته الشنيعة هذه، بصعوبة بالغة حصلت على الورقة التي تركها، فهم قد وضعوها ضمن أوراق ملف المجلس التحقيقي الذي أُجري على عجل، حيث دوّنوا أقوال أفراد حظيرته وكذلك أقوال نائب الضابط رأس عرفاء الوحدة، أثار أحد الجنود الشكوك، أن يكون الضغط النفسي الذي مارسه آمر سريته من أجل أن يجعله يعمل لديه بصفة مراسل، ولكن الرسالة التي تركها تقطع الشك بشأن ذلك، فهو يعلن فيها بصورة لا لبس فيها أن انتحاره لم يكن جراء ضغط من أي نوع مارسه بحقه آمر سريته الذي يكن له الاحترام ويتمنى لك التوفيق ..

وبالنسبة للشعار غير المعلن وغير المفهوم من قبلي الذي يخص آمر الوحدة ، والمتداول داخل كحقيقة مؤكدة يوجّب احترامها والذي نوّهنا عنه آنفاً، وهو (رغبات الآمر أمر)، فقد اتضح لي فيما بعد أنه يمتد لشمل أموراً غير منظورة، ومن ضمنها حق الآمر باختيار مراسل له، ذلك الجندي المغلوب على أمره والذي يرتضي عن طيب خاطر أن يقوم بأعمال دونية كأن يغسل ملابسه ومن ضمنها الداخلية، وكذلك هو يقوم بتلميع حذاء الآمر وما إلى ذلك من أعمال يأباها غالبية الجنود، ولكن بعضهم، ولأسباب عديدة يأتي في مقدمتها أن هذه الوظيفة تعفيهم من الأوامر العسكرية الصارمة والواجبات والخروج يومياً صباحاً إلى ساحة العرض والانخراط كجنود شغل في شتى الأعمال ...

سمعنا ولاحظنا أن غالبية آمري الوحدات والسرايا ممن يحق لهم أن يتخذوا مراسلين، يحرصون على اجتذاب شبان وسيمين، خاصة إذا عرفنا أن الضباط وبسبب احتمالات الهجومات ربما يمكثون في وحداتهم لأكثر من شهر بانتظار إجازاتهم الدورية، الأمر الذي يعني حرمانهم من زوجاتهم ومن العلاقة الحميمية، فكان وجود المراسل الوسيم الذي يلبي احتياجات آمره ليلاً من شأنه أن يسد هذا الفراغ، وهناك الكثير من الحيل والألاعيب التي يجيدونها بمعونة وتعضيد رأس عرفاء الوحدة الذي يكون في هذه الحالة بمثابة " قوّاد" لأمره، من أجل استدراج هذا الجندي أو ذاك ممن تقع عليهم عين الآمر وبالتالي الإيقاع به في الفخ .

سمعت عن الأسلوب الذي يتبعه أحد هؤلاء نواب الضباط، والذي يشغل منصب رأس عرفاء الوحدة، فحين تأتي وجبة جديدة من الجنود المنقولين حديثاً إلى الوحدة فإنه سوف يتم تقديمهم إلى الآمر، وهو سيتفحصهم بدقة، وعندها حين يستقر رأيه على أحدهم، فإن نائب الضابط يستبقيه لديه ويدعه يعيش معه في ملجئه بمعية الانضباط الخاص به، موحياً ومُلمّحاً له باستمرار بأنه سيتم نقله إلى الحظائر الأخرى، وربما إلى الخطوط الأمامية، أما باقي الجنود الذين جاؤوا معه في ذات الأمر الاداري فإنه سرعان ما يتم نقلهم إلى الحظائر الأخرى، وبطبيعة الحال فإن هذا الجندي المنتقى سيعيش في بحبوحة ليس لها مثيل، بينما يرى رفاقه يساقون لتنفيذ شتى الأعمال والواجبات القاسية، وربما ذهبوا بهم إلى الخنادق الأمامية ليلقوا حتفهم هناك، وهكذا يتم تدجينه رويداً رويداً إذا لمسوا فيه شيء من النفور والجموح وعدم الاستعداد للانخراط في هذا العمل . وقد رأيت بعضاً من خريجي الكليات وهم يقعون في هذا الفخ المحكم ...

على أن الأمور ليست ممهدة دائماً وفق مبدأ (رغبات الآمر أمر)، فقد ينقلب السحر على الساحر، مثلما حدث حين جاء عدد من الجنود الجدد منقولين من أحد مراكز التدريب، كان بينهم فتىً في غاية الوسامة اسمه مروان، وفي الحال وقعت عين الآمر عليه ورغب فيه مراسلاً له، ولكن، وكما بدا لنا فإن هذا الجندي لم يكن سلس القياد أو سهل الانصياع، فقد كان معتزاً برجولته، وعلى الرغم من خلقه الرفيع فإنه كان شرس الصباع بهذا الصدد لا يسمح لأحد أن يقترب منه أكثر من اللازم .

كما هو واضح فإنه علم بمخططات الآمر ورأس العرفاء للإيقاع به، رفض رفضاً قاطعاً كل العروض المغرية التي قدمت له، أراد رأس العرفاء أن يجعله انضباط له أي تكون مهمته فحسب تبليغ الأوامر وبعض القضايا الشكلية، ولكنه أعرض عن ذلك، مفضّلاً أن يخرج كـ جندي شغل المرة تلو الأخرى في مهمات حفر الخنادق أو كعامل بناء أو لجلب العتاد، بالإضافة إلى اضطلاعه بمهام الواجبات الليلية، وكلها أعمال قاسية .

استمر ضغط رأس العرفاء عليه، كان بوسعنا أن نرى عيني الآمر وهما تحومان عليه في ساحة العرض الصباحي، ورأينا كيف أنه أصبح يستشيط غضباً وحنقاً لأتفه الأسباب، وقد انعكس ذلك علينا مزيداً من الأعباء والواجبات والأعمال الشاقة التي كان يجيد افتعالها لنا بوصفها واجبات عسكرية ليس إلا .

توطدت العلاقة بيني وبين مروان، الذي أرسلوه إلى حظيرتي، التي لا يوجد فيها أحد سواي، في البداية بدا لي متوجّساً جداً ومتشككاً، ولكنه بمرور الوقت أصبح أكثر سلاسة، أصبحت موضع ثقته وكان يعتبرني بمثابة أخيه الأكبر ... كان يؤلمه ويؤرّقه أن يرى جنود الوحدة يتعرضون لكل هذا العناء بسببه، كنت أشفق عليه وأن فتوته ونضارته يقعان ضحية هوس وجنون آمر وحدتنا الذي اختار أن يكشّر عن أنيابه كأي وحش كاسر .

أخيراً، وبعد مرور أكثر من ستة أشهر، رأيت بوادر الانهيار تتبدى على مروان، ولكني قرأت تصميماً وعزماً لا هوادة فيه في سلوكه، ذهب إلى رأس عرفاء الوحدة وأبدى موافقته أن يُصبح مراسلاً لدى الآمر .

في اليوم التالي اصطنع الآمر مناسبة، وأمر القائمين على سيارة الحانوت بأن يجلبوا من سوق البصرة الكثير من مظاهر الزينة، وأصدر أوامره إلي بوصفي مشغلاً لإذاعة الوحدة أن أكف عن بث أناشيد الحرب الحماسية وأن أقتصر في البث على الأغاني العاطفية ...

فرح الجنود، وبدت على الجميع علائم الارتياح والانشراح لأن المياه عادت إلى مجاريها السابقة، ولأن هستيريا الأوامر التعسفية قد توقفت .

مضى اسبوعان، ثم ما لبثت أن طارت داخل وحدتنا إشاعة هائلة تتعلّق بفحولة آمرنا، وأنه يفضّل أن يكون مفعولاً به لا فاعلاً في الفراش، سمعت عدداً من الجنود يتداولونها بشغف وتشفٍّ وكأنَّ أحدهم فاز بالجائزة الكبرى .

فكّرت مليّاً في هذه القضية الشائكة، فقد أتاح لي الاقتراب من مروان أن أطّلع عن كثبٍ على شخصيته وأنه لم يكن قط ليّناً أو يسهل استدراجه، وأنه لأمرٍ ما أبدى موافقته أن يكون مراسلاً للآمر، خمّنتُ أنه أراد من خلال تنازله وتضحيته الجسيمة أن ينتقم من هذا الضابط العاتي .

كنت أراه لبعض الوقت ولكن على عجلٍ، وأخيراً أتيح لي وقتٌ كافٍ لكي أسأله عن حكاية فحولة آمرنا المثلومة، فكّر قليلاً، ضحك، قال لي ؛

- نعم، أنا أضمرت في نفسي أمر الانتقام منه في نفسي حين وافقت على أن أكون مراسلاً له، أردت أن اقتصَّ منه بذات الطريقة القاسية التي يتعامل بها مع الآخرين، اقتربت منه بما يكفي، لكي أُطلق هذه الاشاعة، التي وكما تعلم ليس بوسع أحد أن يوقفها حتى وإن كانت كاذبة !

 

أحمد الحلي

 

مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" لمالك بن نبي بين السيرة الشخصية والتاريخ وفلسفة الحضارة (4-4)

4bobaker jilali- مميزات مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب": بعدما قرأت مذكرات شاهد للقرن 20 في قسمها الثاني "الطالب" اكتشفتُ شخصية "مالك بن نبي" الإنسان، الذي نشأ وترعرع في أسرة جزائرية محافظة على تراث أبائها في اللّغة والتديّن وسائر العادات والتقاليد، على الرغم من تعرّضها للاستعمار الفرنسي، وما فعله هذا الأخير من محاولات متكررة لطمس معالم هذا التراث ومحو آثاره من حياة الجزائريين، اكتشفت الإنسان بمشاعره الجيّاشة في العطف والحنان والحب تجاه أفراد أسرته وخاصة والدته وكذلك زوجته "خديجة" التي عاش معها حياته في ودّ ووئام، وتجاه كل إنسان تعرّض للظلم خاصة ذلك الإنسان الذي هو "مالك بن نبي" الذي ترّض لظلم كبير هو وشعبه وأمته من طرف الاستعمار، فنمت في المقابل في نفسه مشاعر الغلّ والحقد والضغينة تجاه الاستعمار الفرنسي البغيض وتجاه أي استعمار خبيث لا يجلب لمستعمراته سوى الهلاك والخراب ويكون دوما نقمة عليها.

واكتشفتُ شخصية "مالك بن نبي" الإنسان في صلته بالاستعمار وفي مواقفه منه ومما يصنعه في الجزائر وفي مستعمراته الأخرى، اكتشفت الإنسان الذي عاش طفولته في الشرق الجزائري، حيث الاستبداد والقهر والفاقة والحرمان والتخلّف في الفكر وفي الحياة عامة، وعاش شبابه ومرحلته الدراسية في باريس ومدن أخرى داخل فرنسا، فعاش ذلك التناقض في ثقافة الاستعمار النظرية والعملية وفي سائر ممارساته، تناقض يكشف عنه وجهاه، وجه ظاهري كريم متسامح ووجه أسود بغيض، كان يربط كل ما يحدث له وما تقع عليه عينه في الأماكن الرسمية والهيئات الإدارية وما يصدر عن القائمين عليها بالاستعمار وبممارساته العنصرية البغيضة في الجزائر ومع أبنائها في فرنسا.

اكتشفت أنّ "مالك بن نبي" الإنسان الذي كانت حياته حافلة بالأحداث في طفولته وفي شبابه، خاصة بعد سفره إلى فرنسا بغرض الدراسة، وما تميّزت به الأوضاع الجديدة التي وجد نفسه مضطرا للتعاطي معها على سبيل التوافق والتكيف، هذه الظروف المغايرة تماما لظروف نشأته وترعرعه وتكوينه في الشرق الجزائري، لم يلن أمامها ولم تحوّله عن دينه وإيمانه وعن أخلاقه لينخرط كلّيا في المجتمع الجديد مثلما فعل غيره، بل زادته تمسكا بمقومات أمته وبقضية وطنه وحقوق شعبه، وكلّما تعمّق انخراطه في الأوضاع الجديدة وهو يتنقل بين الجزائر وفرنسا ازداد ارتبطا بعروبته وإسلامه ووطنه وأمته، فكان فعلا مثالا في الوطنية وفي وعيه بمطالب الشعوب المقهورة من طرف الاستعمار الغربي الحديث.

اكتشفت في صاحب المذكرات الرجل السياسي الحقوقي الذي لم ينقطع طيلة وجوده بفرنسا عن النضال السياسي، ناضل في السرّ والعلن، على المستوى المحلي الجزائري، وعلى المستوى الإقليمي العربي الإسلامي، وعلى المستوى الإنساني العالمي، منطلقا من إيمانه الراسخ والعميق بحقوق الناس جميعا في الحياة الكريمة وفي الحرية وفي العدل والمساواة، وهو إيمان تغذّى بتكوينه الأخلاقي وبتربيته الإسلامية، فكان ينبذ التمييز العنصري وهو طبع الاستعمار، ويدعو الإدارة الاستعمارية في الجزائر وفي داخل فرنسا إلى ضمان المساواة بين أبناء الجزائر وأبناء فرنسا، وكان يدفع الظلم عن المظلومين من دون هوادة في حواراته ومناقشاته وكتاباته وفي أرائه ومواقفه من القضايا والأحداث التي كانت تعج بها حياته.

لقد بان بجلاء توجّه صاحب المذكرات من هذه الأخيرة في الحياة، وأنّه لم يكن ذلك الشخص العادي في مرحلة دراسته، ولم يكن مثل أقرانه من الجزائريين أو الفرنسيين، لما تميّزت به شخصيته من ذكاء وقوّة البداهة والقدرة على التحليل والنقد والتنبؤ بالنتائج من السرعة في إدراك الظروف والأسباب، فكان يختلف تماما عن غيره في شغفه بالعلم وحبه للعلماء وباهتمامه بالفكر والفلسفة والتقنية، ولم يكن من أصحاب فكرة نقل الحضارة والتحضر بمنتجاتها وباستيرادها بل الحضارة الحقّة هي التي تلد منتجاتها وليس العكس، وليس المشكلة في الاستعمار بل المشكلة الأصل في "القابلية للاستعمار"، وللحضارة بداية وأوج ونهاية، كل هذا وغيره كثير أثبت أنّ "مالك بن نبي" كان صاحب قدرة فائقة في التفكير ومنهج متميز وفكر فلسفي قويّ ومشروع نهضوي حضاري طابعه عالمي إنساني لحل مشكلات الحضارة، حوّله فيما بعد إلى مفكر العصر وفيلسوف الحضارة تفوّق على من سبقه وتألّق نجمه في سماء العلم والفكر والفلسفة.

يمكن عرض أهم وأبرز المميّزات التي تميّزت بها مذكرات شاهد للقرن 20 في القسم الثاني منها "الطالب" تلخيصا وتخليصا لا بالتفصيل:

1- تمثل مذكرات شاهد للقرن 20 في القسم الثاني منها "الطالب" مرآة عاكسة قدّمت لنا صورة واضحة ودقيقة عن السيرة الشخصية لصاحبها، وصورة واضحة ودقيقة عن تاريخ الفترة ما بين 1930 و1939 في أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وصورة عن الإصلاح والحركة الوطنية ونشاط جمعية العلماء المسلمين في الجزائر وفي فرنسا، وصورة عن إرهاصات المشروع الفكري والحضاري لدى صاحبه وهو شاب في مرحلته الدراسية بفرنسا.

2- تنصب المذكرات من بدايتها إلى نهايتها على الوصف الدقيق تلميحا وتصريحا للوجه الإزدواجي الذي يملكه الاستعمار الفرنسي، ثنائية الصورة الاستعمارية، وجه ظاهري أبيض متسامح وكريم، ووجه خفي بغيض حقود وإجرامي، الوجه الثاني لا يبديه إلاّ مع أبناء مستعمراته في الجزائر وفي غيرها، خاصة خلال حرب التحرير الجزائرية، ومازال التاريخ وسيبقى يروي ذكريات جرائم الاستعمار الفرنسي النكراء في الجزائر، مثلما يرويها في بلدان أخرى من العالم تعرّضت للاستعمار الغربي الأوروبي الحديث.

3- تكشف المذكرات عن نضال صاحبها السياسي وفي ميدان الحركة الوطنية، كما تكشف عن مواقفه من الاستعمار ومن الأحداث والتطورات التي عرفتها المرحلة المحلية الجزائرية والإقليمية العربية الإسلامية والدولية، كما تكشف عن رؤاه النقدية في المنهج الإصلاحي السائد وفي مواقف التيارات الفكرية والسياسية الجزائرية التي نشطت في الجزائر وفي فرنسا، وفي مواقف زعماء هذه التيارات، وفي مواقف جمعية العلماء المسلمين التي كانت مواقفه أقرب إلى خطها من غيرها، كما تصدّى بفكره النيّر العلمي والفلسفي النقدي لبعض النزعات الصوفية التسكينية الأخطر على الدين والأمة من عملاء الاستعمار.

4- قدّمت المذكرات المحطّات الرئيسية التي عرفتها حياة صاحبها في مرحلة وجوده بفرنسا للدراسة، والتي شكّلت نقاط تحوّل هامة في شخصية، وهو يتدرّج من أسفل نحو أعلى ليصبح مفكر العصر وفيلسوف الحضارة وأستاذ الجيل كما يسميه البعض. أهمّ المحطات هي:

- سفره إلى فرنسا وانخراطه في الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين

- إخفاقه في امتحان الدخول إلى معهد الدراسات الشرقية بباريس

- انضمامه لمدرسة اللاّسلكي بباريس

- اطلاعه على ما يجري في الحيّ اللاتيني ونادي الطلبة المغاربة بباريس من صراعات بين مكونات الطبقة

السياسية في الجزائر

- معاقبة والده بنقله من طرف رئيسه حاكم تبسة بسببه

- قصته مع مدرسة الكهرباء والميكانيكا بباريس

- حياته مع زوجته الفرنسية المسلمة "خديجة"

- تركيزه على شخصيات بعينها مثل اليهودي "جورج لوكاش" زعيم المنظمة العالمية للدفاع عن اليهود آنذاك، ومثل "باهي" صاحب المقهى بتبسة الذي يمثّل الإصلاح بالتصوف والشعوذة والتخلّف، والسيدة "دوننسان"30 التي تمثل المعمرين في الجزائر فهي تلاحظ كل الأحداث والتطورات الجارية في مدينة تبسة لكن لا تفهمها ولا تفسرها، وبعض الشخصيات لديه هي قدوة في الوطنية والفكر النيّر، مثل "حمودة بن الساعي" الذي يمثل الفكر والمعرفة، وبعض هذه الشخصيات يمثل الاستعمار في ثقافته ولدى كباره مثل "ماسينيون" المستشرق الفرنسي وغيره كثير.

- مصاحبته "حمودة بن الساعي" الرجل الوحيد الذي وجد فيه ما يعينه على بلورة أفكاره ومواقفه

- فشله في الحصول على منصب شغل في فرنسا وفشله في السفر إلى الحجاز

- قصته مع نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي الذي أشرف عليه بمرسيليا

- مغادرته الجزائر في اتجاه فرنسا مع زوجته مباشرة بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية

5- أما بالنسبة للمذكرات وفي قسمها الثاني "الطالب"، فمن حيث العرض واللّغة والشكل عموما وغيره تميّزت المذكرات وميّزت صاحبها بما يلي:

- العرض المستفيض والمسلسل

- وضوح اللّغة وبساطتها وسهولة وصولها إلى الأفهام

- الوصف الوافي والمفصّل

- التحليل الدقيق للأحداث والوقائع

- عمق الأفكار ووضوحها وسلاستها

- النقد الموضوعي والمنهجي لرؤى وأفكار غيره

- بعد النظر في العرض والتحليل والتعقيب والاستنتاج

- التنبؤ بالنتائج من سرعة إدراك الأسباب والشروط والظروف

- أسلوب التشويق في العرض مما يشد القارئ إليه

- التفاعل مع الأحداث والتحمّس لها

- استخلاص العبر والدروس من مدرسة الحياة

- قوّة الشعور بالمسئولية وحضورها في سائر أعماله وعلاقاته وفي حياته ككل

 

خاتمة

بعدما أتممت قراءة مذكرات شاهد للقرن 20 «الطالب" وارتسمت خطة دراستي لسيرة صاحب هذه المذكرات كما رواها هو، وبعد دراسة كل جانب من جوانب الخطّة، اتضحت لي الكثير من الحقائق، تخصّ سيرة الراوي بجميع أبعادها الإنسانية، النفسية والعقلية والتربوية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية والعلمية والثقافية والحضارية وغيرها، ولعلّ أبرز هذه الحقائق وأهمها تفرّد شخصية صاحب المذكرات عن غيرها في ممارسة النظر والعمل والتجاوب مع الأحداث والتغيّرات الجارية على المستوى المحلي الجزائري، وعلى المستوى الإقليمي العربي الإسلامي والعالم المتخلف، وعلى المستوى العالمي الأممي، فهو يشترك مع الكثير في الجانب الإنساني والأخلاقي والديني والوطني، لكنّه يختلف عنه في منهج تفكيره وفي المشروع الفكري الحضاري الذي قضى حياته يعمل لأجله، فهو صاحب قلم وكلمة وموقف ورسالة، كلّ ذلك ترجمته كتاباته المتميّزة التي جعلت منه المفكر والفيلسوف ونادرة زمانه.

 

الدكتور جيلالي بوبكر

جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف الجزائر - الشلف

..............

هوامش

1 - مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطالب"، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، دمشق، سوريا، الطبعة الثانية، سنة 1984، ص 428.

2 - المصدر نفسه: ص 204.

3- المصدر نفسه: ص 216-217.

4- المصدر نفسه: ص 242.

5- المصدر نفسه: ص 250.

6- المصدر نفسه: ص 273-274.

7- المصدر نفسه: ص 312-313.

8- المصدر نفسه: ص 369- 374.

9- مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطفل"، ص 13.

10- مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطالب"، ص 288.

11- مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطفل"، ص 54-55. 14

12- المصدر نفسه: ص 63.

13- مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، "الطالب"، ص 344-345.16

14- المصدر نفسه: ص 345.

15- المصدر نفسه: ص 364.18

16- المصدر نفسه: ص 401.

17- المصدر نفسه: ص 415.

18- المصدر نفسه: ص 427-428.

19- المصدر نفسه: ص 222.

20- المصدر نفسه: ص 235-236.

21- المصدر نفسه: ص 257-258.

22- المصدر نفسه: ص 257-258.

23- المصدر نفسه: ص 267.

24- المصدر نفسه: الصفحة نفسها.

25- المصدر نفسه: ص 267.

26- المصدر نفسه: ص 276-277.

27- المصدر نفسه: ص 279.

28- المصدر نفسه: ص 279.

29- محمد عبد السلام الجفائري:مشكلات الحضارة عند مالك بن نبي، الدار العربية للكتاب، ليبيا، تونس، سنة 1984، ص 48.

30- سيّدة من المعمرين الفرنسيين تسكن بجوار مقهى "باهي" بمدينة تبسة.

 

إسلاميو السلطة (117): مقتدى الصدر زعيم متسامح مع المفسدين

salim alhasaniيبقى موقف زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، بارزاً في الصفحة العراقية من خلال رفضه الاحتلال الأميركي، وثباته على هذا الموقف الوطني طوال فترة الاحتلال، كما يُسجل له بقاؤه على نفس الموقف من خلال تحذيراته المستمرة والمتكررة برفض عودة القوات الأجنبية الى العراق في ظروفه الحالية.

لكن هذا الحرص الوطني لا يعفيه من تساهله مع ظاهرة الفساد المتزايدة بين قيادات تياره، وهي ظاهرة بينة مكشوفة لأبناء الشعب العراقي، حالها حال قضايا الفساد الأخرى التي تنخر بالعراق، ويذهب ضحيتها الفقراء ومنهم بطبيعة الحال أنصار السيد مقتدى الصدر.

...

لقد شخّص السيد مقتدى الصدر أن اتباعه (جهلة) وهذا ما وصفهم به في احدى خطب الجمعة ، وخاطبهم في خطبة أخرى (تباً لي ولكم)، إلا أن هذا التشخيص لا يعفيه من مسؤولية النهوض بهم، بل أنه يفرض عليه أن يتوقف طويلاً عند هذا الخل الاجتماعي والتربوي، من أجل معالجته، بحيث يصرف جهوده بهذا الاتجاه، فلا يمكن للقائد أن يعرف بأن اتباعه جهلة، ويترك الأمر على حاله، لأن مهمة القائد هي ان يتعامل مع الواقع الاجتماعي بسلبياته فيقوده نحو النهوض، وإلا فما الحاجة الى قيادته من الأساس؟، وبالنظرة الأعمق فان معنى ذلك أن هذا القائد لا يمتلك مؤهلات التغيير والقيادة، وأن أفضل ما يمكن ان يصل اليه هو أن يترأس مجاميع بسيطة جاهلة بحسب وصفه.

...

لقد قدّمت الأسرة الصدرية قيادات كبيرة أخذت مكانتها التاريخية في الحياة العامة في المستويات السياسية والفكرية والاجتماعية، حيث تصدى الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر للتيارات الوضعية والموجات الالحادية، فقدم أطروحة حركية وفكرية تحولت الى اتجاه تغييري في الساحة، وفرض قيادته من خلال مشروعه الإسلامي الكبير.

واستطاع الامام السيد موسى الصدر أن يصنع نهضة جماهيرية واجتماعية في لبنان، بحيث فرض قيادته بقوة على ساحة معقدة متعددة الطوائف والولاءات الدولية، وصار رقمها الأصعب والمحرك الفاعل فيها حتى تم تغييبه عنها لإنهاء دوره المتقدم فيها.

وحين أوشكت حالة الإحباط أن تطبق على العراق تحت دكتاتورية نظام صدام وقمعه الوحشي، برز الشهيد السيد محمد الصدر ليطرح مشروعاً جماهيرياً توعوياً أعاد للأمة ثقتها بنفسها، وتمكن من شدها الى مرجعيتها الدينية بعلاقة وثيقة تتحدى الظلم والإرهاب السلطوي حتى قضى شهيداً وهو في قمة دوره القيادي.

...

عندما نطرح هذه النماذج الصدرية الشامخة، أين نضع السيد مقتدى الصدر منها؟

وما هو المشروع الذي طرحه بحيث أخذ طريقه عملياً في نهضة الامة ثقافياً واجتماعياً، حتى يمكننا أن نعتبر أن قيادته قريبة من الرموز الصدرية التاريخية؟

أين هي نتائج الإصلاح ومحاربة الفساد في التيار الصدري، والمواطن العراقي يرى بعض كبار المفسدين في العراق وهم ينتمون الى هيئات قيادية في التيار مثل بهاء الأعرجي وحاكم الزاملي وعلي التميمي ومحمد صاحب الدراجي ومهند الساعدي ومحسن عصفور الشمري وغيرهم من المسؤولين والنواب؟ لماذا لا يحاسبهم ويحاكمهم ويحيلهم الى القضاء ويسترد منهم الأموال المسروقة؟

أين هي جهود السيد مقتدى الصدر في تطهير تياره من المفسدين، وهناك عشرات ومئات البلطجية الذين استولوا على بيوت الناس وممتلكات الدولة وحولوها الى أملاك شخصية لهم في بغداد ومحافظات الجنوب الفقيرة؟ وما الذي يدعوه الى تركهم يسرقون من دون ان يسترجع الأموال والعقارات المسروقة لأصحابها، بينما يكتفي فقط بالادانة والطرد من تياره؟ والطرد في هذه الحالة، مكافأة للسارق وليس عقوبة.

...

لا يمكن وفق هذه المعطيات أن تكون ساحة السيد مقتدى الصدر بريئة، وكل هذا موجود في تياره، بينما يكتفي هو بشجب الفساد والمطالبة بالإصلاح، واطلاق مشاريع تحت مسميات الإصلاح والإنقاذ، وهو نفس ما يفعله السياسيون بصياغات متنوعة، لكن النتيجة واحدة، فهي كلمات لا تأخذ طريقها الى الواقع، حيث يبقى المواطن الفقير يدفع الثمن من حياته وحاضره ومستقبله، ولا يجد سوى أن يصمت أمام جماعات الاتباع الذي يهتفون للقادة.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" لمالك بن نبي بين السيرة الشخصية والتاريخ وفلسفة الحضارة (3-4)

3bobaker jilali- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، لفلسفة الحضارة

لم يكن مالك بن نبي الطالب في مرحلته الدراسية في الطفولة بالجزائر وفي مرحلة الشباب بفرنسا بسحب مذكراته طالبا عاديا، بل كان صاحب فكر ورسالة وكلمة وموقف، صاحب مشروع فكري نهضوي حضاري، بانت إرهاصاته في طفولته وفي شبابه، مشروع تجاوز به أترابه في الجزائر وتفوّق حتى على النخبة من أقرانه في المدارس الفرنسية ومعاهدها، تكوّن فيه بالعناية الإلهية التي هيّأت أسبابه، فكان إعداده الأولي الإسلامي العربي الجزائري الأصيل المتين، وجاءت سفرياته العديدة من تبسة الجزائر إلى باريس ذهابا وإيابا، ثم جاء تكوينه العلمي الرياضي، ثم تكوينه التقني العملي، بالإضافة إلى تكوينه الفلسفي وتنوع ثقافته، بفعل ذلك كلّه تشكّل لديه منهجا خاصا محكما في التفكير، ومنطقا دقيقا في التعامل، وأسلوبا مزج فيه بين بعد النظر والدّقة العلمية والعمق الفلسفي.

استطاع أن يجمع بين الحكمة العلمية والحكمة الفلسفية في تتبع أحوال الظواهر والأشياء وفي تحليل الحوادث والقضايا والمشكلات، وفي اتخاذ المواقف، أسلوبه يقوم على مراعاة طبيعة البشر وفطرته، ويستخدم العقل والمنطق والبراغماتية، ويستفيد من العلم والتاريخ وخبرات وتجارب الآخرين في الماضي والحاضر إلى أبعد الحدود، فكان بحقّ منهجه في التفكير والدراسة والتحليل لا يستقيم وجوده وحاله إلاّ لدى مفكر أو فيلسوف، وبان ذلك بوضوح في سائر كتاباته التي نشرها تحت عنوان كبير "مشكلات الحضارة"، من منطلق أنّ مشكلة الإنسان المعاصر في تخلّفه وانحطاطه في أصلها مشكلة تحضر.

جسّدت مذكرات شاهد للقرن العشرين "الطالب" فعلا رؤية فكرية وفلسفية إلى الحضارة والمدنية، انطلاقا من وضع استعماري فاسد متعفّن مختل متدهور باستمرار في الجزائر وفي سائر البلاد المستعمرة، ووضع حضاري علمي وتكنولوجي متطور باستمرار في فرنسا وفي العالم المتقدم، ومن منطلق أفول نجم حضارة إسلامية عريقة وراقية كانت قمّة في العطاء وبلغت أوجها في الازدهار، ولم تتجه صوب استعمار الشعوب والأوطان والعقول وعلاقاتها بغيرها من الأمم والأقوام لا تكون إلاّ بالرضا والاختيار، فالعناية الإلهية شدّتها نحو الحرية والعدل والمساواة في الدين والدنيا، حضارة زحفت على العالم لإرساء مفاهيمها ولنشر ثقافتها وسائر منتجاتها المادية والروحية، وخاصة العالم الإسلامي الذي داسته أقدام جنود الاستعمار وداست معه كرامة المسلمين ودينهم وثقافتهم وتاريخهم الذي اشتمل على حضارة راقية في النظر وفي العمل، حضارة كانت حقّا وفعلا فتحا مبينا على أوربا في العصور الوسطى المظلمة، فأخرجتها من ظلمات الجهل وفاجعات الاقتتال والتناحر ومعاناة الظلم والجور إلى نور العلم ومتعة الأمن وراحة العدل.

نال الاستعمار الفرنسي من أبناء الجزائر كرامة وثقافة ودينا ولغة، كما نهب خيراتهم وثرواتهم الطبيعية، وبدّد طاقتهم البشرية الفكرية والروحية، وسفك دمائهم وذبحهم كالخراف، ومازال كذلك مع أبناء الجزائر المهاجرين عمال وطلبة، بثّ في أوساط نخبتهم داخل الجزائر وفي مدن فرنسا الفرقة والشّقاق والانقسام فصاروا وحدويين ومنشقّين، وقبل ذلك كانوا على قلب رجل واحد، لا نزاع ولا فرقة، حتى بين يهود الجزائر ومسلميها، وانغمس معظمهم في ثقافة الغرب وفي مغرياتها المادية، ويرون في ذلك الحداثة والتحديث اللاّزمين، التقدّم المطلوب الذي هو شرط ازدهار أوروبا وتطوّرها وسبب خروجها من التخلّف والانحطاط، وتسابق الجميع على الدنيا من دون اهتمام بالموت والحياة الأخرى، ومن دون التفات لمآسي الشعب وهمومه ومعاناته، فكان الجميع ضد الجميع بسبب منصب سياسي أو مركز اجتماعي أو مقدار من المال، أو عمالة رخيصة من غير منطق عملي أو فعّالية في المبادرة والاتجاه.

في هذا الجو الجزائري المريض بالقابلية للاستعمار، وبكل ما جرّته هذه الظاهرة من مآسي منذ وطأ الاستعمار الفرنسي أرض الجزائر على أبناء هذه الأرض الطيبة، تأكّد لدى الطالب الراوي أنّ الإصلاح الذي يدعو إليه الممالئون للاستعمار مشين، والذي يدعو إليه غيرُهم ناقص ينقصه عمق الرؤية ودقتها وسلامتها وكفايتها، وتأكّد له أنّ المشكلة الأصل في البلاد العربية والإسلامية المستعمرة وفي غيرها من البلاد المتخلّفة هي مشكلة حضارة لا غير، وانكشف الفرق بين الصدّيق "الطالب" في رؤيته للإنسان وللتاريخ وللمجتمع وللحضارة وللحياة عامة وبين أترابه، جزائريين وفرنسيين ومن جنسيات أخرى، وانكشفت هواجس "الطالب" العميقة في التحضّر وفي مشكلات التحضّر، يحلل وينقد ويقارن ويستنتج يبحث عن الحلول، ويقدم رؤى فلسفية وفكرية وروحية على درجة عالية من الدّقة والوضوح والعمق حول شروط التحضّر وأسباب أفوله وحقيقته وما إلى ذلك كثير.

اجتمع عدد من الأسباب والظروف عرفتها حياة "الطالب" في الجزائر طفلا وفي فرنسا شابا يطلب العلم، أثّرت في تكوينه النفسي والروحي والديني والسياسي والعلمي والتقني والحضاري عامة، جعلت منه الشاب الطموح إلى تحقيق حرية واستقلال وطنه وشعبه وأمته، وإلى التأسيس لمشروع فكري نهضوي إصلاحي حضاري إنساني بطابع عالمي. مشروع مبني على أسس علمية، ووفق إستراتيجية محكمة ودقيقة، ورؤية فلسفية عميقة وواضحة ذات أبعاد تجمع بين الجانب الروحي والمادي، بين العلم في موضوعيته ودقته وكميته وبين بعد النظر الفلسفي وعمقه ورحابة أفقه وبين ظروف الإنسان الفردية والاجتماعية وسائر طاقاته والإمكانيات المتاحة له، وبأسلوب براغماتي واقعي يضمن للجميع مصالحهم ويضمن مقاصد شرع في الدين الإسلامي، يأخذ المشروع بهذه الصورة طريقه في اتجاه التحقق، إذا تخلّصت الشعوب من الاستعمار ومن القابلية للاستعمار أولا، وأخذت بأسباب وشروط النهضة والحضارة التي تعود في الأصل إلى ما هو روحي بالدرجة الأولي، وأحاطتها بسياج مكارم الأخلاق وتعاليم الشرع الحنيف.

اجتمعت مواهب الطالب العقلية ونمت وتفتقت بفعل تكوينه الروحي والديني والأخلاقي الذي تلقّاه في أسرته الجزائرية المسلمة المحافظة، وكان تكوينه الأولي قويّا ومتينا، وتبلورت هذه المواهب أكثر بعد سفره إلى باريس، وانخراطه في المجتمع الفرنسي الجديد عليه، وتفتحه على الثقافة الغربية والحياة الأوروبية واطلاعه على الصراع الفكري والإيديولوجي في الغرب الأوروبي وفي البلاد المستعمرة، من خلال الاتجاهات الفكرية والفلسفية والسياسية والدينية وغيرها، وما زاده إلماما بهذا الصراع مشاركاته وإسهاماته الفكرية والصحفية بالخطب والمحاضرات والمقالات الفكرية في الكثير من الندوات والمؤتمرات، وكان لتكوينه العلمي والتقني في المعهد اللاّسلكي وفي مدرسة الكهرباء والميكانيكا الأثر البارز في تكوين رؤيته في الإصلاح والتغيير لا على أساس العاطفة الدينية أو العاطفة الوطنية، ولا بالطرق الصوفية ولا بممالئة الطغاة والتعاون معهم، لأنّ ذلك كمن ينتظر من سجّانه وجلاده يُسلّمه مفتاح باب السجن ليتحرر منه، فالتغيير يبدأ من الذات ويجري في الواقع وفق منهج علمي في إطار استراتيجيه وفلسفة واضحة تحدد المبادئ والأصول والمناهج والوسائل والأهداف، وأي مشروع خارج هذا السياق مصيره الفشل.

اتضحت معالم مشروع "مالك بن نبي" الحضاري وبانت إرهاصات منهجه في التفكير وفي التحليل وتبلورت بوادر فلسفته في الحياة في المذكرات، من خلال العديد من المشاهد والحوادث والمواقف، وهو طفل في الجزائر وشاب طالب يتنقل بين الجزائر وفرنسا، ويروي لنا بعد نظره في الربط بين ما هو اجتماعي وما هو تقني في سياق يقوم على الوحدة والتكامل، فيقول: "...وإنّما كنت أتناول بكل اغتباط تلك الأدوات التي صنعتها الحضارة التي استخدمت النار والحديد، وأتذوق أثناء عملي كل ما في اللّحظة من عذوبة بسيطة. أما الوحدة فلأنّها كانت تغذّي في نفسي الجانب الروحي، وتعرض على فكري اهتمامات وموضوعات أخرى: كنت في جوّها الخاص أعقد الصلة تلقائيا بين القيّم الاجتماعية والتقنية، التي أشاهدها وأتذوقها في الشارع وفي المدرسة، والقيّم التي أراها في هذا الجو، الذي يجد فيه الشباب الوحدوي روحه المسيحية في دقيقة التهجّد عندما يقيمها "هنري نازيل"19 ، وكنت بدوي اكتشفت خلال تلك الدقيقة ما تنطوي عليه الروح المسيحية من حرارة في عقيدتها ومن طاقة على الإشعاع وربما كشفت لي هذه الملاحظات عن جوانب في روحي المسلمة لم أكن أشعر بها قبل بالحدة نفسها إذ لم تكن روحي الموحّدة للمفاهيم الثالوثية التي يحملها إخواني الوحدويون، وبدأت تدور بيني وبينهم محاورات تدخل موضوعات جديدة في جو الوحدة وتساؤلات جديدة عند رفاقي."20

ويقول في تكوينه الفكري بصحبة صديقه "حمودة بن الساعي: "ولكنّه مع ذلك كان الوحيد من جيلي الجزائري، الذي أستطيع العمل الفكري معه لأنّ شيطان المعرفة قد استولى عليه منذ صباه ، حتى أنني اعتقدت تلك الليلة، أننا سوف نقوم بعمل سيبقى أثره في في المجتمع الجزائري...ولكن بعد أربعين سنة عندما تعود لي اليوم بعض ذكريات تلك الفترة، أدرك أنّني على أية حال، أدين لـ "حمودة بن الساعي" باتجاهي كاتبا متخصصا في شؤون العالم الإسلامي حتى لو أنّني لم أنجز معه أي عمل بعيد المدى...ومن ناحية أخرى يجب أن أقول إنّ تحولي عن دراستي خاصة أيام المعرض قد زاد بصحبته منذ أصبحت مهتما بالفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ، أكثر من اهتمامي بمواد مدرسة اللاسلكي...لم يبقى للأفق البعيد أي تأثير في توجيهي، لكنني بدأت أشعر بآفاق جديدة لازالت غامضة، ولم أكن أستطيع التعبير عنها بكلمات ولكنّها تؤثر بوخزها في نفسي على توجيهي العام."21

يروي "مالك بن نبي" قصة اختلافه مع صهره حول منطق الإصلاح، ليعرض التباين بين منهجه في الإصلاح المستمد من وعيه العلمي ونظرته الفلسفية وإيمانه بالقيمة الاجتماعية للتقنية وهو منهج تكوّن لديه في فرنسا وبين المنهج الصوفي المعروف في الجزائر وفي البلاد العربية والإسلامية، فيقول:"استطاع صهري بعد نكبتنا الاقتصادية سنة 1930 أن يؤمّن قوت أطفاله في شغل مع شركة تصدير للحلفاء مقرها بالمدينة، ولعلّه أراد مزيدا من الضمان لمصير أسرته، فتعلّق ببركة شيخه "سيدي التيجاني" أكثر مما كان عليه، وبما أنّني أثناء إقامتي بفرنسا تعلّقا بالفكرة الإصلاحية المغايرة تماما للطرق الصوفية، فقد شعرت ببرودة وفتور بيننا، سيكون لها أثر في علاقتنا الفكرية، ولكن علاقتنا العائلية ستبقى على أيّة حال كما هي."22

يصف "مالك بن نبي" في عرض مذكراته في تواصله الثقافي والحضاري مع أقرانه من الطلبة الجزائريين والفرنسيين وغيرهم من الجنسيات الأخرى، وهو يعيب على إحدى الظواهر الثقافية والحضارية التي يتصف بها المثقفون في العالم الإسلامي، يقول: "وفي الحقيقة كان صديقي "حمودة" قد أتقن اللغة العربية في محاضرته "السياسة والقرآن" كما علمت ذلك من بعض المحاضرين من الشبان الذين تعرفت عليهم بالنادي، غير أنّ صدمة صغيرة عكّرت سروري عندما سألت الشيخ العقبي ففاجأني برأي غريب: إنني لا أعتقد أنّ هذه المحاضرة من تحرير "حمودة بن الساعي" ولا من بناة فكره، فبعض جملها وتكرر على مسمعي كأنني طالعتها في إحدى المجلات الشرقية."23

ويضيف الراوي بأنّ الحالة المرضية تنمّ عن مركب نقص وشعور بالضعف أمام الثقافة الشرقية من جهة والثقافة الغربية من جهة أخرى، الأمر الذي جعل من يعاني هذا المرض الثقافي والفكري والأدبي في تبعية دائمة لغيره، لا يعتمد على نفسه لتغيير حياته وتطويرها، فيقول: "لم أكن قد عرفت بعد أنّها حالة مرضية تعتري غالبية حاملي الثقافة عندنا، فإن كانت ثقافتهم تقليدية فمثلهم الأعلى في الشرق، وإن كانت عصرية فمثلهم في فرنسا. وبالأحرى لم أكن أعرف أنّ هذه الحالة المرضية تعتري كل مثقفي العالم الإسلامي، إذ تراهم يعانون مركب نقص نحو الثقافة الغربية، وإنّما تتخذ هذه الحالة ازدواجية بسبب ما يعاني الشباب الجزائر تجاه "طه حسين" من ناحية، وتجاه "فرانسوا فانون"من ناحية أخرى، لأنّ التكوين غالبا ما يكون أدبيا. وهي بالتالي ظاهرة عامة: إنّ كل مجتمع فقد حضارته يفقد بذلك كل أصالة في التفكير، أو في السلوك أمام الآخرين."24 والإقلاع الحضاري من جديد أو لأول مرّة يقتضي التوازن في البناء الحضاري، وهذا الأخير يشترط الأصالة والإبداع في الفكر والسلوك.

ينعت الراوي الحضارة من خلال التمييز بين مظاهرها المادية وأوضاعها المضطربة وما حققته من تطور كبير في مجال تحديث الحياة اليومية بالاختراعات المذهلة المبهرة وبين وجهها الأصيل الثابت، ونموذجه في ذلك فرنسا، يقول: "إنّ هذه الحياة المضطربة المصطنعة لا تعطي صورة صحيحة عن الحضارة الفرنسية ، وإنّما توجد هذه الصورة بنماذجها الأصيلة وأصولها البعيدة في الريف في الطبيعة، حيث تكونت صلة الإنسان بالتراب على مدى القرون...لم يكن ممكنا بباريس التعرف على هذا الوجه الحقيقي للحياة الفرنسية، وهذه هي المرّة الأولى التي أتعرف فيها عليه، بقدر سيزيد اكتشافي، أرى الملامح التي أوحت إلى "سولي" وزير هنري الرابع في أوائل القرن السابع عشر، ذلك الشعار الذي وضعه أساسا لسياسته: الحراثة والمرعى عما الضرعان اللذان تحتلبهما فرنسا. واليوم أدرك تمام الإدراك، أنّهما الضرعان اللذان رضعهما عصر النهضة، وأنّ النهضة الفرنسية بالذات هي بنت هذا الإرضاع."25

يحكي الراوي عن انتسابه إلى الإصلاحيين ويعبّر عن اتجاهه الفكري والثقافي المستمد من تربيته ومن تكوينه وهو طفل في الجزائر، وهو اتجاه نما وتطور بفعل التواصل الثقافي والاجتماعي والفكري والسياسي بين ثقافتين مختلفتين وحضارتين متباينتين، هما الثقافة والحضارة الإسلاميتين من ناحية والثقافة الغربية الحديثة من ناحية أخرى، ويصف الفترة وانتسابه الثقافي والفكري والسياسي بما يلي: "وهكذا بدأت تلك الفترة تنشأ صورة القومية الجزائرية بجناحيها: الجناح الكادح الطامح إلى البرجوازية في ذات قيادته المتواطئة مع الحركة اليسارية الفرنسية، والجناح المتواطئ مع الاستعمار...لم يكن "حمودة بن الساعي" وأخوه منتسبين لأحد هذه الأطراف، بينما كنت أنتسب للطرف الإصلاحي، لأنّه كان يمثّل في نظري الصورة الجزائرية للفكرة الوهابية التي كنت أرى فيها منقذ العالم الإسلامي."26

كان "الطالب" في مرحلة الدراسة بباريس يتواصل مع أقرانه من جنسيات وأديان وتيارات فكرية كثيرة، وكان يختلف معهم في طرح المشكلات وفي معالجتها، المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة مشكلات البلاد المستعمرة، وكان يرى أنّ أصل المشكلات التي يعاني منها الإنسان المعاصر خاصة الإنسان المتخلّف حضارية بالدّرجة الأولي، يقول في ذلك: "كنت مع صديقي "صالح بن الساعي" وجماعة من طلبة جزائريين نتناجى بغرفة نزل في القاهرة حول مسيرة الثورة الجزائرية، إذ قام صديقي ليغلق علينا باب الغرفة، فتذكرت فجأة كم كان صديق الصيني أقرب لمنطق الحذر، فصرخت لصالح: "أرجوك أن تترك الباب مفتوحا، وإن استطعت أن تزيل الجدران من حولنا فافعل، لأن الجدران قد تكون وراءها آذانا صاغية."..ومهما يكن فاليوم بعد أربعين سنة أرى بصورة أوضح جوهر اختلافي مع صديقي الصيني، إذ كان يطرح قضية البلاد المستعمرة بتعبير السياسة، وكنت أطرحها من الوجهة الحضارية."27

بانت ملامح المنهج الفكري الفلسفي الحضاري لدى "مالك بن نبي" في طفولته وفي شبابه وفي أيام دراسته هو الأمر الذي تؤكده مذكراته، فكثيرا ما دعا في تبسة بعد اندثار أشجار غابتها وقفرت أراضيها إلى تعويض زراعة الحبوب بزراعة الصبّار والتين الهندي، وكثيرا ما انتقد مواقف الزعماء السياسيين والتيارات الفكرية والفلسفية والدعوات الإصلاحية بفقدانها الفعّالية، كما تعلّق اهتمامه بالفلسفة والفلاسفة وبعلم الاجتماع وبالتاريخ وبسائر النتائج العلمية في الفيزياء والطب والرياضيات وبالاكتشافات والاختراعات وبجميع التحوّلات التي عرفتها أحوال العالم في مرحلته الدراسية، ومن صور اهتماماته صورة تعلّقه بالتجارب العلمية والتقنية، ومنها تجارب "جورج كلود" التي يقول فيها: "ولم يتعلق اهتمامي كما تعلّق بتجارب "جورج كلود" يستخدم الحرارة البحرية، لماذا لا نستخدم الحرارة الصحراوية؟ كان هذا السؤال يتردد في ذهني في تلك الفترة، لأنّ المجال العربي صحراوي على العموم، وأصبحت أولي شطرا من وقتي لدراسة "الترموديناميك" خاصة. وهكذا عاش جيلي، دون أن يتصور أنّه يعيش تحوّلا كبيرا في جميع اتجاهات التاريخ."28

إنّ القارئ لمذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" مثلما يكتشف "مالك بن نبي" الإنسان يكتشفه من خلال تكوينه الديني والسياسي والاجتماعي والفكري، خلال الدراسة وأثناء تنقله بين الجزائر وفرنسا، ويجد أنّ تفرّده في منهج التفكير في الطرح والبحث والمعالجة والنقد والاستنتاج، وفي قدرته على الحوار والإقناع والجمع بين الأدلة والأسباب وسرعة استخلاص النتائج من المقدمات، زاده تكوينه العلمي والتقني الدقة والوضوح في تحليلاته في أفكاره، وهكذا ظهرت بوادر منهجه العلمي والفلسفي المتقدم كما برزت إرهاصات مشروعه الفكري والثقافي والحضاري الذي تجاوز به من سبقه وسبق عصره، المنهج الذي جعل منه مفكر العصر وأستاذ الجيل، والمشروع الذي حوّله إلى فيلسوف الحضارة في عصرنا. ويقول عنه الأستاذ أنو الجندي: "مالك بن نبي يختلف كثيرا عن الدعاة والمفكرين والكتاب، فهو فيلسوف أصيل له طابع العالم الاجتماعي الدقيق الذي أتاحت له ثقافته العربية والفرنسية أن يجمع بين علم العرب وفكرهم المستمد من القرآن والسنّة والفلسفة والتراث العربي الإسلامي الضّخم وبين علم الغرب وفكرهم المستمد من تراث اليونان، والرومان والمسيحية".29

 

إسلاميو السلطة (116): هل يملك مقتدى الصدر مؤهلات القيادة؟

salim alhasani2برز التيار الصدري قوة جماهيرية بعد سقوط نظام صدام عام 2003، وكان هذا البروز السريع ذا طابع عاطفي ارتبط عفوياً بالسيد مقتدى الصدر باعتباره الوريث الوحيد لوالده الشهيد محمد الصدر قدس سره.

كان قوام التيار الطبقات الفقيرة والمحرومة في العراق وهي التي وقع عليها النصيب الأكبر من الظلم والاضطهاد والحرمان ـ ولا تزال هذه الظروف قائمة حتى الآن ـ فلم يختلف الحال كثيراً على هذه الطبقات بين ما كان في عهد الدكتاتور وبين ما جرى بعد سقوطه.

...

اكتشف ثلاثة اشخاص من تلامذة السيد الشهيد محمد الصدر، أن هذه القاعدة الجماهرية العريضة يمكن استغلالها لمصالحهم في مشاريع شخصية، وقد شجعهم على ذلك قلة خبرة السيد مقتدى الصدر في الشأن السياسي، وصغر سنه آنذاك، وعدم تلقيه التعليم الحوزوي المطلوب. وقد استغل الأشخاص الثلاثة الفجوة القديمة بين مرجعية السيد محمد الصدر وبين بقية المرجعيات الدينية في النجف الأشرف، في تحريكها عاطفياً لإقتطاع جمهور من الصدريين، وتحويلهم الى اتباع. وهذا ما تمثل في إعلان الثلاثة مرجعياتهم الدينية في عمل طارئ وشاذ على الضوابط المتعارف عليها في الحوزات الشيعية عبر التاريخ.

الأشخاص الثلاثة مهندسون، ويرتبطون بعلاقات عائلية فالشيخ اليعقوبي عديل السيد الصرخي، والشيخ الطائي صهر الشيخ اليعقوبي. واستطاع اليعقوبي أن يكون هو الأقوى من بينهم معتمداً على الجانب المالي حيث سارع الى تشكيل حزب الفضيلة الذي دخل العملية السياسية بهدف استحصال المال الحكومي بأسرع ما يمكن فحصل على نفط البصرة أولاً ثم وسع نشاطه في صفقات سياسية ومالية مفتوحة بلا قيود، وبذلك قام كيانه على أساس مالي متين، مكنّه من توسيع قاعدته.

...

خاض السيد مقتدى الصدر العمل السياسي من خلال معارضته الصارمة للاحتلال الأميركي، وكان هو الصوت الشيعي الأقوى في رفض الاحتلال والمطالبة بخروج القوات الأميركية من العراق. ورغم أهمية هذا الهدف لكنه لم يستطع أن يبلوره في مشروع بناء الدولة الجديدة، وكان بمقدوره فعل ذلك لو انه استعان بخبرات وطنية نزيهة، لكنه عاش عقلية اللحظة منتشياً بالرصيد الجماهيري الذي ورثه من والده المرجع الراحل، أي أنه اعتمد على الارتباط العاطفي لجمهور المقلدين بمرجعية والده الشهيد، وكان يتصور أن هذا الارتباط هو ضمانته في الاحتفاظ بالقيادة مدى الحياة. لذلك حرص على إبقاء التيار منشداً اليه من خلال الولاء العاطفي، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال تأكيده المستمر في مناسبات كثيرة على عبارات مثل (آل الصدر) و (سمعة والدي).

صحيح أن مثل هذه الكلمات لها أثرها الكبير في التحشيد الجماهيري، لكنها لا يمكن أن تكون من ثوابت العمل ومقومات القيادة، بمعنى أنها عوامل داعمة ومساعدة، لكنها لن تصنع أسس البقاء المطلوب لكيان بسعة التيار الصدري وعلى ساحة بتعقيد العراق، كما أنها ليست مقومات القيادة المطلوبة.

...

إن وراثة القيادة لا تكون في المجال الديني ـ إلا في حالة النص عن معصوم ـ لأن القيادة الدينية قوامها الجانب العلمي، ولا يمكن أن يرث أبناء المراجع علوم آبائهم مهما كانت منزلة المرجع الراحل، فلم يُخلّف مثلاً أستاذ الفقهاء السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره، ابناً يأخذ مكانه في البحث الأصولي ومن ثم في المكانة العلمية المرموقة في الحوزات العلمية. والمثال الآخر ما فعله السيد جعفر الصدر، فلم يدع شيئاً من وراثة أبيه القائد الفذ الامام الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره.

كما لم يرث أبناء المراجع الكبار عبر التاريخ الشيعي مكانة آبائهم وأجدادهم كرموز قيادية في المجتمع لمجرد الارتباط النسبي، وهذا لو حدث فهو ظاهرة طارئة لن تدوم طويلاً، لأنها استنساخ للنموذج القبلي العشائري في بيئة غير عشائرية.

...

كان من المتوقع من السيد مقتدى الصدر، وهو يحظى بهذا التأييد أن يولي جماهيره الرعاية المطلوبة وأن يكون مسؤولاً حقيقياً عنهم في مجالات اجتماعية وتربوية وتثقيفية وخدمية. وكان بمقدوره أن يصنع منهم عامل الضغط الأكبر على العملية السياسية، لكنه بدل ذلك انساق في الجانب الحكومي، من خلال نوابه البرلمانيين ووزرائه في الحكومة وكبار المسؤولين في مرافق الدولة، بحيث تحول هؤلاء الى جزء من منظومة الفساد، وأكتفى هو بالشجب والادانة وإصدار القصاصات.

في هذه النقطة لا يختلف السيد مقتدى الصدر عن غيره من قادة الكيانات السياسية الأخرى في التستر على الفساد أو التورط فيه، عندما لم يكشف الفاسدين الكبار في تياره. فلا نجد ما يميزه عن تورط قيادات حزب الدعوة والمجلس الأعلى وحزب الفضيلة ومنظمة بدر وتيار الاصلاح والقائمة العراقية والكتل السنية والزعامات الكردية، في الفساد الذي يضرب العراق منذ سقوط الطاغية وحتى الآن.

...

أكرر مرة أخرى ان قيادة التيار الصدري مثل غيرها تنطبق عليها مقولة أن الكتلة التي لا تكشف الفاسدين فهي فاسدة، لكن الذي يميز التيار الصدري أن قاعدته هي الأكبر جماهيرياً، وهي المتضررة من الفساد، حيث يعيش افرادها في ظروف حياتية صعبة فيما ينتفع عدة اشخاص بالثراء الفاحش. أما مكتب الحنانة ومتابعته لشؤون الفساد، فهو إجراء بسيط لا قيمة له مقارنة بكبار الفاسدين في التيار من وزراء ونواب ومسؤولين كبار، لم يكشفهم السيد مقتدى الصدر حتى الآن.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" لمالك بن نبي بين السيرة الشخصية والتاريخ وفلسفة الحضارة (2-4)

2bobaker jilali- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" للتاريخ

حرص الإنسان منذ وُجد أوّل مرّة على تخليد ما يحدث له وما يُحدثه هو، فيُدوّن ما ينتجه عقله وما تصنعه يده، من خلال وسائل شتى، وبأسلوب مباشر أو بأسلوب غير مباشر، وتطور التسجيل المخلّد بتطور وسائله وأساليبه في المكان وعبر الزمان، وبفعل تطور البناء الحضاري وتراكم المنتجات الحضارية عبر تاريخ الإنسانية الطويل، حيث سجّل الإنسان أفكاره وسائر أعماله خاصة تلك التي تتمتع بالأصالة والإبداع، في حال الحرب وفي السلم، عند القوّة وفي حال الضعف، في كل الأحوال وفي جميع مجالات الحياة من غير استثناء، سجّل انتصاراته وانكساراته، سجّل ثقافاته وسائر مظاهر هذه الثقافات، من تفكير متنوع وعلوم مختلفة وعقائد متعددة وألوان كثيرة من الفنون والسياسات وكذلك التقنيات والصناعات.

خلّد الإنسان ما أبدعه على الحجر والشجر والمعادن وعلى كل ما صنعته وأخرجته يده بهدى العقل من الحجر والشجر والمعادن ومما تدّخره الطبيعة، طبيعة البشر والطبيعة الخارجية الموضوعية، وكان الهدف من التدوين تخليد مآثر البشر وتكريمه، لتستمر الحياة الإنسانية في اتجاه العطاء والتفوق والتألّق حضاريا في الجانبين النظري والعملي، الروحي والمادي.

جاء الدور في ميدان تخليد أعمال البشر على التاريخ أو التأريخ وعلى أهله في حفظ الماضي الذي كان بالأمس حاضرا ينعم بالحياة، وفي صون المواد التاريخية على اختلاف أنواعها ومجالاتها، التي هي مآثر وأمجاد وبطولات البشر، وكذلك مطبّاتهم وهناتهم وسقطاتهم، وصار التاريخ ذاكرة الإنسان، تاريخ الشعوب والأمم والأوطان، وتاريخ الأفراد من تاريخ الجماعات، وتاريخ أمة يعني ذاكرتها التي تحدد ماضيها، وأمة بدون ماضي فهي بدون جذور ومن غير روح وليس لها هوية، فالتاريخ سجل الماضي وذاكرة الشعوب وروح الأمم وهوياتها، وأمة من غير تاريخ لا ذاكرة لها ولا روح، فهي أمة في سبات بل ميتة، من هنا سجّل الإنسان ولازال يسجل ما يصدر عنه في حياته الفردية والجماعية.

صار التاريخ يلازم جميع جوانب حياة البشر، فُرادى وجماعات، تاريخ العلماء وتاريخ الفلاسفة وتاريخ الفنانين وتاريخ الساسة وتاريخ المخترعين والمبدعين وتاريخ الرحلات وغيرهم كثير، وكذلك تاريخ العشائر وتاريخ القبائل وتاريخ الأمم والشعوب وتاريخ الدول وغيرها كثير، كل ما يقع في ميدان حياة الإنسان الفرد أو الجماعة يشمله التاريخ، ومن أهمية التاريخ في حياة الإنسان وحاجته الملحّة إليه، ودوره في حفظ الماضي في الحاضر وبناء المستقبل، وضمان حاجة الإنسان للإنسان من خلال وصل السابق بالراهن وربطه باللاحق، لهذه الأهمية نما فعل التأريخ وتطوّر لكون الإنسان أولاه بعنايته واهتمامه منذ القديم، فنمت مع ذلك حياة الإنسان وتطوّرت.

ومن نتائج العناية الخاصة التي أولى بها الإنسان التاريخ أن أوجد فنونا فكرية وأدبية وفنية كثير ومتعددة طابعها روحي ومادي تصب في التاريخ، فهي تمثل مرجعياته ومستنداته، تعينه ويستند إليها عند الحاجة باعتبارها مصادر مباشرة وغير مباشرة، لا يمكنه الاستغناء عنها في حصر وضبط وتحديد الحوادث الماضية والذكريات زمنيا ومكانيا، من أجل دراستها وتحليلها وتفسيرها واستثمارها في الحاضر ولبناء المستقبل، من هذه الفنون الفكرية والأدبية والفنية الشعر بجميع فنونه وأغراضه، والنثر بكافة ألوانه وميادينه، وسائر الفنون الأخرى التي عرفتها حياة الإنسان.

لعلّ أبرز الفنون الفكرية والأدبية وأقربها للتاريخ، التي يجد فيها المؤرخ ضالته فن التراجم والسيّر باعتبارها لونا فكريا وأدبيا يتناول التعريف والإحاطة بحياة رجل أو أكثر، إحاطة قد تطول وقد تقصر، تكون عميقة أو سطحية، دقيقة واضحة أو عامة غامضة، كافية أو ناقصة، معيبة بالأخطاء أو صحيحة تنسجم مع العقل والذوق السليمين، بنت الواقع والمألوف أم من الخيال والوهم، وتكون التراجم ذاتية أو غيرية، ذاتية ما يكتبه الكاتب عن ذاته عرضا لمذكراته وسردا للأحداث التي عاشها وعرفتها حياته، مثل ترجمة عباس محمود العقاد لحياته في كتابه "أنا"، وترجمة أحمد أمين لحياته في كتاب "حياتي"، وترجمة لويس عوض لحياته في كتاب "مذكرات طالب بعثة"، أما الترجمة الغيرية فهي ما يكتبه الكاتب عن غيره سردا للأحداث التي عاشوها وعرفتها حياتهم، مثل تراجم عباس محمود العقاد لحياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام ولحياة صحابته في "العبقريات".

ولا يوجد فرق لغوي بين السيرة والترجمة ولا في الحال والعمل والغاية، ففي الحالتين يكتب الكاتب مذكراته الشخصية أو مذكرات غيره، على طريقته وبأسلوبه وبحسب عصره وإمكاناته وحسب رغبته، وإذا كان كل من الاستعمال التاريخي والاصطلاح الفكري والعلمي يقرن السرد المعمّق والطويل بالسيّر ويربط العرض القصير والمختصر بالتراجم، فهذا لا يفصل بين الاثنين في الجوهر والدور والهدف، فكلاهما فعل تاريخي يربط الماضي بالحاضر ويقف في وجه نسيان الإنسان لماضيه المُشرق أو المشئوم، لبناء الحاضر وللاستعداد للمستقبل.

استهلّ الراوي كتابه مذكراته شاهد للقرن بتقديم شاذّ عن المألوف لدى الكتاب، هو عبارة عن قصة خيالية مفادها أنّ القدر ساق له الكتاب فوجده جاهزا بجنبه وهو يصلي بالمسجد ليكون مرجعا تاريخيا لأبناء الجزائر في الحقبة بين 1905 سنة مولده و1935 سنة انقطاعه عن الدراسة، ويظهر ذلك في مقدمة القسم الأول"الطفل" وفي مقدمة القسم الثاني"الطالب" فيقول:"ليست الغاية من هذه المقدمة تقديم كتاب للقارئ، كما هو مألوف، إنّما أردت أن أكشف الظروف المثيرة التي ألقت إليّ بهذه المخطوطة فاتجهت لنشر قسم منها في هذا الكتاب"9 .

نشر الجزء الأول من مخطوطه الذي أهداه له القدر ليهديه من جهته إلى كل جزائري يهمّه تاريخ الجزائر على أن ينشر الجزء الثاني فيما بعد، وفعلا نشر الجزء الثاني بنفس المقدمة، وتمّ جمع القسمين معا في كتاب واحد، ولعلّه يؤكد من خلال هذه المقدمة الخيالية الهادفة على ضرورة إسهامه في التأريخ من خلال مرحلة طفولته ومرحلته الدراسية بأوربا، نظرا لأهمية هذه المرحلة من التاريخ وخطورتها على الجزائر وعلى العالم الإسلامي وعلى الإنسانية جمعاء.

تميّزت المرحلة بالاستعمار الفرنسي الذي غرس أنيابه وجذوره في مستعمراته ينهش خيراتها ويقلع مقوماتها ويدفع بها نحو خراب العقول ودمار الحقول، وعالم عربي وإسلامي ممزق الأوصال ومشتت القوى ومفكك العلاقات الأسرية والدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وعالم تدفعه التقلبات السياسية والعسكرية والاقتصادية بحثا عن السيطرة والنفوذ في اتجاه حرب شاملة مدمرة.

وجاءت مذكرات شاهد للقرن بقسميها "الطفل" و"الطالب" تصور لنا الحياة في صورة بحر هائج أمواجه عالية عاتية تتلاطم والعالم فيها سفينة ترفعها الأمواج إلى أعلى عليين ثم تنزلها بعدما كانت في أعلى عليين إلى أسفل السافلين، والإنسان في العالم بين قويّ مستبد متسلط وضعيف مقهور متهيّب، وكانت فعلا الحقبة الزمنية منعرجا كبيرا وحساسا وخطيرا في تاريخ الإنسانية، انقسم العالم إلى معسكرين شرقي وغربي، واستفاد عدد من الدول من الحرب فأصبح يقود العالم في اتجاه العولمة باسم هيئة الأمم المتحدة بدل عصبة الأمم، وتحقق وعد بلفور المشئوم وانغرس الخنجر اليهودي الصهيوني في الجسم العربي الإسلامي، وصار الإسلام متهما انتقاما للحروب الصليبية، ومازالت آثار وتداعيات تلك الحقبة التاريخية تتوالى حتى الآن.

يعدّ القسم الأول من المذكرات "الطفل" فعلا كتاب تأريخ ليوميات الجزائري في الشرق الجزائري تحت الاستعمار، ففيه التاريخ ببعده الثقافي والأنثروبولوجي الذي تحول فيما بعد إلى ثورة عارمة شاملة مسلّحة خطط لها ونفذها أبناء نوفمبر المجيد، فمن ملامح تاريخنا ببعده الأنثروبولوجي والثقافي توظيف الأسطورة التي تتحول إلى واقع.

ومثل القسم الأول نجد القسم الثاني من المذكرات "الطالب" يؤرخ بحقّ لفترة على مدى تسع سنوات سبقت الحرب العالمية الثانية وكانت حافلة هي الأخرى بالأحداث والتحولات غيّرت وجه الحياة في العالم بعد ذلك، وكان صاحب المذكرات يهدف من وراء هذا العمل التأريخ إذ يقول: "وربما يعجب هنا أولئك المثقفون الذين أصبحوا لا يدركون لغة الشعب الجزائري المسلم، إنني لا أكتب هذه المذكرات من أجلهم، ولكن للشعب عندما يستطيع قراءة تاريخه الصحيح، أي عندما تنقصي تلك الخرافات التي تعرض أحيانا أفلاما كاذبة، والتي سيكون مصيرها في صندوق المهملات مع مخلّفات العهد الاستعماري."10

يصف الصدّيق "الطفل" أسطورة البطل التي تحوّل إلى "مصطفى بن بولعيد" وإلى "العربي بن مهيدي" وإلى "أحمد زبانة" بقوله: "كنا نختلط بتلك الجماعة المؤلفة من مزارعين فقدوا صنعتهم، فلم لهم مكان في حقولهم بعد أن طردهم الاستعمار واستولى على أراضيهم، ثم إنّ المدينة لم تُؤوهم بعد فيها... أما قسنطينة المدينة فكانت تقدم صورا أخرى، فمع عمي تابعت الاتصال بذلك الجانب الفاتن: العيسوية العلية والموسيقى، وأيضا جانبها البطولي. ففي ذلك العصر كان الحديث كثيرا عن مآثر شاب خارج عن القانون ولجأ إلى أودية وممرات، وادي الرمل. كان يدعى "بوشلوح"، لقد كان بطلا يملء خيال المراهقين قبل نومهم. لقد جندت له الإدارة أفضل رجالها خشية أن تملأ المدينة أسطورته البطولية، غير أن "بوشلوح" كان دائما يحبط خططهم، إذ حوصر مرة في فندق فتسلل هاربا من نافذته عبر مجرى للماء يأخذ مياه المدينة إلى أسفل وادي الرمل، ومن هناك اختفى بأعجوبة. كانت هذه الأسطورة تذكي خيالي وتغذيه...وفي يوم تلقينا بأسى أنّ "بوشلوح" وقع جريحا في يد الإدارة، إنما الذي كان يعزينا أنّ المفتش "بوناب" الذي جرحه قد دفع ثمنا لذلك حياته، لقد أثارت محاكمة "بوشلوح" الشعور في قسنطينة حين انتشرت كلمته إلى رئيس المحكمة الذي نطق بحكم الإعدام "إنكم تحكمون على المقعد الذي أجلس عليه، اما أنا فإنكم لا تستعطون أن تحكموا علي."11

وفي السياق نفسه لكن هذه المرة مع الحياة السياسية والاجتماعية يروي الصدّيق: "ففي يوم كان أحد المنتخبين الأوروبيين يقدم تقريرا للمجلس حول سرقة بقرة تخص أحد المستعمرين الفرنسيين، ويختم تقريره بقوله: بالطبع فإنّ السارق أحد سكان البلاد الأصليين ( (Indigene، فانبرى له خطّاب الطالب في السنة الرابعة، وكان يجلس في مقاعد المستمعين في المجلس وصرخ: ولم لا يكون السارق فرنسيا؟."12 كان للحادثة تأثيرها الفعلي في نفوس أبناء قسنطينة وأبناء الجزائر عامة، وتحوّل كل من يسمع كلام "خطاّب" في الجزائر إلى "خطاب" بداخله فجواب الطالب العفوي يحمل دلالة كبيرة ومغزى بعيد، تجسّد خطاب "خطاّب" بعد سنين إلى رصاصات مدوية في جبال الأوراس في الساعة الصفر من أول نوفمبر المجيد سنة 1954.

ومثلما أرّخت المذكرات في فصلها الثاني "الطالب" للمرحلة للعقد الذي سبق الحرب العالمية الثانية، بتناولها أحداث سياسية وعسكرية وغيرها مثل وصف بدأ محور برلين روما والحرب الإسبانية، وسجّل مواقف الطلبة الجزائريين من ذلك ومواقفه مما يحدث في الجزائر وفي فرنسا وفي العالم ككل، وسجّل بوصف دقيق كل مظاهر الحياة في مدينة تبسة جغرافيا تغيّر المناخ وسياسيا مع تطور الأحداث في العالم وقربه من الحرب الشاملة، واجتماعيا ازدياد درجة الفاقة وثقافيا، "لم تبق في المدينة أسرة تستطيع أن ترتب لطالب "جواني" وجبات الطعام، لأنّ الحرائق الكبرى في الغابات حول تبسة قبل الحرب العالمية الأولى، تسببت في تغيير المناخ الذي تطورإلى جفاف أفقر- بسنين كسنّي يوسف- كل العائلات التي تعيش من الفلاحة، ثم لم يعد التطور الذي ألغى العادة المألوفة إلى أن يعوضها بعادة جديدة."13

ويدافع صاحب المذكرات عن الأفكار التي يؤمن بها في هذا الجو الإيديولوجي والفكري والديني المشحون، الذي اختط بمآرب الاستعمار وبالمصالح الخاصة لدى القائمين بالإصلاح وممثلي الحركة الوطنية، مثل المركز الاجتماعي المرموق والمنصب السياسي العالي والمال والشهرة وغيرها، " أما الأفكار التي كنت أحاول نشرها فكانت في تعويض فلاحة القمح والشعير بفلاحات أخرى، مثل التين الشوكي وشجر الصبّار التي تتمشى مع تغير المناخ، لكنني ما كنت أجد لها أذنا صاغية غير أذن "حشيشي مختار" ربما لأنه- مع التزامه الإصلاحي- بعي واعيا لنوعية المشكلات في البلاد."14

ويصف الراوي طبيعة الإصلاح والأفكار التي يقول بها دعاة الإصلاح ويصف ما كان يجري من محاضرات ومناقشات وحوارات في المؤتمرات والندوات حول النهوض بالأمة، نجده في كل مرّة يوجه نقدا لذلك ويقلل من شأن الحراك الإصلاحي ومن دعوات السياسيين والمناضلين في الأحزاب والمنظمات والجمعيات للنهوض بالجزائر لتتحرر من وضعها المشئوم ، ويؤكد ذلك بقوله: "ويجب أن نقول الحقيقة للتاريخ: إنّ الوطن لم يكن يبحث عن أفكار تقنية، ربما كنت الجزائري الوحيد الذي لا ينام من أجلها، وربما كانت الجزائر حينئذ في منعطف سيبعدها حتى عن الأفكار ولدت على أرضها، فتراها في تلك الفترة بالذات تولي ظهرها للأفكار الإصلاحية حتى في تلك اللحظة التي يتوجها المؤتمر الجزائري الإسلامي."15

وتؤرخ المذكرات في جزئها الثاني "الطالب" لكل الأحداث التي تحدث بباريس مثل التظاهرات التي كان ينظمها اليهود بقيادة "برنارد لوكاش" زعيم التنظيم اليهودي العالمي "ليكا" " التي تجمع تحت رايتها اليهود لمواجهة الخطر الهتلري والخطر العنصري، الذي بدأ يظهر أثره في جانب من الرأي العام الفرنسي، على أبواب الحرب العالمية الثانية."16

وتؤرخ المذكرات لمشاركات صاحبها ونضاله في الحركة الوطنية بفرنسا، خاصة عندما تتاح له الفرصة للتعبير عن مطالب الجزائريين في الحياة الحرة والعيش الكريم وفي تقرير المصير والحق في الاستقلال، ومن مشاركاته تلك التي أسهم بها عندما كان مديرا للمركز الجزائري الإسلامي، ففي الوقت الذي كانت فيه المناضلون الجزائريون في الجزائر وخارج الجزائر منقسمين إلى وحدويين ومنشقين، وفي الوقت الذي دوى فيه صوت "هتلر" و"موسيليني" في العالم ينذر بانفجار الحرب مع أزمة تشيكوسلوفاكيا يصف الراوي في مذكراته الأوضاع العامة والخاصة بالجزائر وبفرنسا وحتى في العالم.

ففي خضم التحولات الجارية، وفي وصفها يقول: "وبلغت الأزمة أوجها يوم 27 أيلول "سبتمبر"، فنظمت ذلك اليوم الحركات اليسارية تظاهرة دعي إليها النادي فكنت ممثله، وبدأت في القاعة المكتظة الخطب حسب التقليد المألوف، فأتى دوري فتلخص خطابي في اقتراح: يجب على هذا المؤتمر للقوى التقدمية أن يوجه اليوم برقية إلى الحكومة يطالبها بمنح شعوب الشمال الإفريقي حقوقها، حتى تدخل المعركة من أجل الديمقراطية شاعرة بكرامتها لا بوصفها مرتزقة. في آخر الجلسة قرأت على الحاضرين لائحة التوصيات، فلم أجد فيها اقتراحي ولا مجرد التلميح إليه، اقتحمت المنصة لألفت النظر إلى هذا النسيان، ولم أصرح بأنّه تناس، فهاجت القاعة وخصوصا السيدات تهتف لي."17

ووصفت المذكرات الأحداث الدولية ومدى تأثيرها على الشعوب المستعمرة، مثل ما وقع في الجزائر قبيل وبعد اندلاع الحرب العامية الثانية، على الرغم من أنه كان يعلّق عليها آمالا كثيرة وكبيرة لتخرج الجزائر من الوحل، وفي هذا يقول الراوي: "ودقت ساعة الحرب، فأتاني "خالدي" بخبرها في الصباح: إنّ الجيش الألماني عبر حدود بولونيا في الساعة الخامسة من صباح اليوم. لم أكد أصدّق لطول انتظاري ولكن شرع البوليس في التفتيش ذلك اليوم، فسلّمت محفظة تضم كل أوراقي لأم الدكتور خالدي، وذهبت مع زوجي تلك العشية بمنشور عن قضية فلسطين، فدفنّاه في علبة معدنية خلف البيت على وادي الناقوس، حتى يبقى للتاريخ...ومنذ الغد بدأت الأسعار في السوق والبضاعة تختفي، ودخل هكذا العالم في الحرب العالمية الثانية."18

يمكن القول بأنّ مذكرات شاهد للقرن "الطفل" و"الطالب" معا هي شهادات للتاريخ، اختلط فيها السياسي بالديني بالأخلاقي بالاجتماعي بالاقتصادي بالتربوي بالحضاري، شهادات لحقبة هامة وحساسة وخطيرة وإن كانت قصيرة في عمر الجزائر والأمة الإسلامية والعالم، فهي سبقت الحرب العالمية الثانية وأعقبتها تحولات جذرية صاغت العالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا وفكريا صياغة جديدة، شهادات حول الاستعمار الفرنسي ومخططاته وجرائمه في الجزائر وفي مدن فرنسا مع كل جزائري يريد الانتفاضة في وجهه الخفي، وشهادات حول الحركة الوطنية وانقساماتها، وشهادات حول الحركة الإصلاحية ودعاتها، وعلى رأسهم جمعية العلماء المسلمين الذي كان يهمّه أمرها، وشهادات حول الأحداث التي شهدها العالم قبيل الحرب العالمية الثانية، فالكتاب بحق وثيقة تاريخية ذات أسلوب تميّز بالدقة والوضوح والتسلسل، وذات بعد محلي جزائري وإقليمي عربي إسلامي وعالمي إنساني، يُقرأ من خلالها تاريخ الجزائر وتاريخ العالم العربي والإسلامي وتاريخ أوروبا الحديثة وتاريخ العالم أجمع.

 

إسلاميو السلطة (115): مسؤولية مقتدى الصدر في تربية أتباعه

ثلاث عشرة عاماً فترة طويلة جداً بالنسبة لكيان سياسي إسلامي يعمل في أجواء الحرية، وهي فترة كافية لأن تصنع عدة أجيال من مختلف الأعمار تمتلك الوعي الثقافي والتربية الأخلاقية بما ينسجم مع تعاليم الإسلام ومنظومته الأخلاقية. خصوصاً إذا كان أتباع هذا الكيان قد انتموا اليه بإرادتهم، بمعنى أنهم جاءوا للانضمام تحت قيادة السيد مقتدى الصدر، إيماناً بهذا الخط الذي أسسه الشهيد الخالد السيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره، في وقفات بطولية نادرة وفي وقت كان فيه الاضطهاد الصدامي على أوجه.

...

إن هذه السنوات التي تلت سقوط الطاغية، كانت كافية لأن يُنتج برنامج السيد مقتدى الصدر أجيالاً من الأتباع الذين يحملون اسم المدرسة الصدرية بمعانيها الحقيقية من الإلتزام الأخلاقي والثقافة الإسلامية الأصيلة والوعي المجتمعي. لكن الذي يظهر من خلال الممارسة في شكلها العام لا يوحي بهذا التحول، وهي مسؤولية تقع على عاتق زعيم التيار الصدري دون غيره.

...

مناسبة هذا المقال هي التعليقات الخارجة عن الذوق العام التي يكتبها أتباع السيد مقتدى الصدر، وهي ظاهرة تستوجب التأمل، باعتبار ان الذين يستخدمون شبكة الانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي ومنها الفيسبوك، يُفترض أن يكونوا قد أخذوا نصيباً من التعليم المدرسي، وهذا يعني أنهم يمتلكون قابلية التلقي المعرفي والثقافي فيما لو توفرت لهم برامج التثقيف والتعليم الإسلامي بشكله المطلوب، بحيث يكونوا صورة متناسبة مع سمعة المدرسة الصدرية ومكانتها الرفيعة في الوجدان الشعبي العام.

...

إن من أبرز خصائص المدرسة الصدرية، جانبها الأخلاقي، وإلا ما معنى الانتماء لها إذا كان التابع خارج نطاقها التربوي؟. وهذه نقطة نفترض أن السيد مقتدى الصدر قد تنبه إليها وأولاها أهمية بالغة حرصاً على سمعة والده قدس سره.

إن المنتظر من السيد مقتدى الصدر، أن يأمر اتباعه بضرورة الإلتزام بأدب الحوار، والابتعاد عن الكلمات البذيئة في مواقع التواصل الاجتماعي، فعالم اليوم هو عالم الاتصالات بمختلف اشكالها، مما يعكس المستوى الأخلاقي للاتباع على نطاق واسع، وبذلك تنكشف المستويات الثقافية والتربوية للكيانات السياسية والاجتماعية مباشرة أمام الرأي العام.

...

إن قيمة الانتماء الى التيار الصدري، أن تكون منسجمة مع اخلاق أهل البيت عليهم السلام، ومع تعاليمهم الرائعة في مجال التربية والتعامل مع المجتمع، وليس الانتماء الشكلي الفارغ من مضامينه الحقيقية.

صحيح أن السيد مقتدى الصدر شخّص هذا الخلل في اتباعه عندما وصفهم من على منبر الجمعة بأنهم (جهلة) لكن ذلك لا يعفيه من مسؤولية تثقيفهم والنهوض بهم اخلاقياً.

ارجو متابعة الرابط التالي حيث يصف زعيم التيار أنصاره بالجهلة:

https://www.youtube.com/watch?v=3cJBYAFi5fE

 

 د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (114): خبراء مقتدى الصدر

salim alhasani2في خطابه الذي حمل مشروع الإصلاح، جاءت المفاجأة كبيرة على لسان السيد مقتدى الصدر، فقد أكد في خطابه أكثر من مرة أنه لا يوجهه للسياسيين، وإنما يوجهه للتيار الصدري وللشعب العراقي. وكان يقصد بالسياسيين المسؤولين الحكوميين. وهنا تأتي المفاجأة، فكل فقرات المشروع الذي طرحه كان يتعلق باجراءات عامة لا يستطيع الشعب العراقي تنفيذ واحدة منها على الاطلاق، إنما هي من اختصاص السلطات التنفيذية والتشريعة والقضائية.

لقد دعا السيد الصدر مثلاً الى تشكيل لجان متخصصة للتحقيق في صفقات السلاح ومحاسبة المتورطين في فسادها، ومحاسبتهم واحالتهم الى القضاء، والتدقيق في العقود الحكومية، واحالة المتورطين في سقوط الموصل وجريمة سبايكر الى المحاكم، ودمج قوات الحشد الشعبي في القوات الأمنية، وتشكيل مجلس إعمار وتعيين قضاة يتمتعون بالنزاهة وغير ذلك من المقترحات العامة التي لا يستطيع الشعب أن يخطو فيها خطوة واحدة، فما هي سلطة الشعب حتى يعزل ويحاكم ويدقق العقود ويصدر القرارات ويرشح القادة العسكريين ويصوت عليهم ويُقصي القضاة ويُعين غيرهم؟ّ!

والأكثر من ذلك أن السيد مقتدى الصدر يحدد فترات زمنية، فقد حدد فترة 45 يوماً لتنفيذه، وحدد فترة أخرى لمراقبة رئيس الوزراء في تحقيقه مداها سنة واحدة، وإلا فانه سيتم سحب الثقة منه في البرلمان، فهل هذه من مهام الشعب، أم من مهام الحكومة والبرلمان؟!

...

وما يلفت النظر أكثر، أن السيد مقتدى الصدر أهمل في خطابه تماماً الإصلاح الداخلي في التيار الصدري، بل أنه اعتبر ان الإصلاح في التيار الصدري قد تحقق، كما جاء في خطابه، لكن المواطن العراقي لم يشهد محاسبة جادة لمسؤول واحد من مسؤولي التيار في الحكومة والبرلمان، رغم الثراء الفاحش الذي جاءهم على عجل، فمن فقراء يكدون على عيشهم اليومي الى رجال أعمال وكبار الأثرياء بعد فترة وجيزة من توليهم المناصب الحكومية والبرلمانية، فهل غابت هذه الحقيقة عن السيد مقتدى الصدر؟ أم أنه يريد الإصلاح شريطة أن لا يشمل المقربين منه من مسؤولي تياره؟.

...

ونقف مع خطاب السيد مقتدى الصدر في عمومياته المفرطة، وهي مما يستطيع أي مواطن ان يتحدث بها، فهل هناك في أبناء الشعب العراقي من يرفض الإصلاح ومحاربة الفساد والاستعانة بالخبرات والكفاءات؟، حتى يوجه السيد خطابه للشعب العراقي، ويخصه بهذه الفقرات كما جاء في خطابه؟

إن السيد مقتدى الصدر، ظهر على شاشة التلفزيون، يقرأ خطاباً يرشد فيه الشعب وتياره الى أمنيات جميلة تسبح في الهواء، فيما كان المتوقع أن يتخذ خطوات جادة لكشف المفسدين في تياره، وهم معروفين باسمائهم ويشكو الناس منهم، مثل بهاء الأعرجي وحاكم الزاملي ومهند السعدي ومحسن عصفور الشمري وعلي التميمي ومحمد صاحب الدراجي وغيرهم بالعشرات والمئات من الذي دخلوا البرلمان والحكومة، فانقلب حالهم من البساطة في العيش الى الغرق في الثراء.

...

لقد وقع السيد مقتدى الصدر ضحية نصائح المغرضين المقربين منه، فلقد خدعوه بان هذا المشروع من وضع الخبراء والمختصين كما أشار في خطابه، بينما جاء عاماً يردده المواطن العراقي وهو جالس على رصيف الانتظار، او في مقهى المحلة يشكو مشاكله مع جلسائه، فهل هذا مستوى خبراء التيار الصدر والمختصين الذين يستعين بهم زعيم التيار الصدري؟

لا يختلف ما طرحه السيد مقتدى الصدر، عن العموميات المتكررة التي يتحدث بها السيد عمار الحكيم في خطاباته الأسبوعية، وهي لا تعدو أن تكون امنيات عائمة في الفضاء، لا مكان لها على الأرض، وهذا ما يعكس واقعنا السياسي، حين تغيب الثقافة السياسية والخبرة القيادية عن المتصدين في العملية السياسية، فيكون حال المواطن والوطن على النحو الذي نراه من تدهور وانحدار مستمر.

...

من حق المواطن العراقي وهو يسمع خطاب السيد مقتدى الصدر أن يتوجه اليه بأسئلة محددة:

ما الذي منع زعيم التيار الصدري من أختيار وزراء من ذوي الخبرات للمناصب الوزارية؟ بينما نراه جاء بوزراء تورطوا في الفساد، وساء أمر الوزارات والخدمات بهم؟

ما الذي دعا السيد مقتدى الصدر أن يختار أحد أفراد حمايته وهو علي التميمي ليتولى منصب محافظ بغداد، مع أن المفروض اختيار شخص متخصص في هذا المجال؟

واذا كان لديه خبراء فلماذا لم يوكل اليهم المناصب والوزارات؟ واذا لم يكن لديه فلماذا يضع خطة تنضح البساطة من كل فقراتها؟

وهل ان خبراءه هم الذين نصحوه بعدم الاعتراض على وزير الموارد المائية، بطرد اكثر من ستين مهندساً وموظفاً من ذوي الخبرة في مجالهم، وتعيين موظفين من التيار الصدري لا علاقة لهم بهذا المجال ومنحهم مواقع متقدمة في الوزارة؟

...

نحن أمام مشكلة توضحت لنا أكثر، وهي أن زعيم التيار الصدري لا يعتمد على كفاءات وخبراء تتوفر فيهم المواصفات الحقيقية، إنما لديه معايير خاصة في التقييم، وهذا ما جعل أداء المسؤولين الذين يرشحهم للمناصب بالصورة التي حصلت من حيث الإخفاق والتورط في الفساد.

كان المتوقع من السيد مقتدى الصدر، ان يخرج على الشعب العراقي الفقير، ليكشف عن فساد المسؤولين في تياره، ويطردهم من الارتباط به، وعند ذاك تأخذ العملية الإصلاحية خطواتها الفعلية، ويصبح بحق طالب الإصلاح ورجله الأول في العراق. أما مع ما سمعه المواطن، فبإمكان السيد أن يُكثر ما شاء من مشاريع وخطابات حاله في ذلك حال السيد عمار الحكيم والشيخ محمد اليعقوبي والسيد حيدر العبادي واسامة النجيفي وصالح المطلك وغيرهم.

 

 د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (113): بقاء العبادي كارثة تصنعها قيادة حزب الدعوة

salim alhasaniوصل الشعب العراقي الى تقييم السيد حيدر العبادي من خلال الممارسة، بأنه يعاني الضعف والتردد والحيرة فيما يتعلق بالمواقف والقرارات التي يجب أن ينقلها الى نقطة التنفيذ.

ومع أن هذا التقييم يعكس دقة عالية في تقدير ما عليه شخصية رئيس الوزراء، إلا انها ليست كل صورة العبادي، فهناك جانب أكثر أهمية لم يدركها أغلب الشعب بعد، وذلك لأنها تحتاج الى معايشة واحتكاك مباشر معه.

...

إن حيدر العبادي لا يواجه القضايا السياسية والإدارية والتنفيذية بتصور مسبق، إنما يتعامل معها لحظة حدوثها. كما أن نشاطه العقلي لا يتحرك إلا بعد ان يكون وجهاً لوجه مع المشكلة الآنية ومع الحدث لحظة وقوعه. وهنا يقف أمام عملية صناعة القرار وهي عملية طويلة شاقة عليه، فهو لا يُفكر بالطريقة المألوفة عند السياسيين والاداريين مهما كانت مناصبهم، إنما يحتاج الى وجود أشخاص آخرين معه، وحاجته اليهم ليس للإستشارة كما هو المتعارف في مثل هذه الحالات، بل لكي يفكر مع نفسه بحضورهم، فالعبادي لا يعرف أن يفكر إلا بصوت مسموع، وهذا ما يترك إنطباعاً عند جلسائه بأنه يناقض نفسه طوال الوقت. بينما هو يقلّب الأمر الواحد على عدد من الوجوه وكل وجه، يفتح له جوانب عديدة، وكل جانب يؤدي الى جهات متنوعة، وهكذا.

...

لعبة المتاهة التي كنا نلعبها في صغرنا، والتي كانت تنشرها بعض المجلات في صفحات التسلية مع الكلمات المتقاطعة، والفوارق بين الصورتين.. لعبة المتاهة تلك، تشكل بالنسبة للعبادي صداعاً مدمراً لو دعته الضرورة للقيام بها، فهو سيقف عند نقطة البداية من دون حراك، وحتى لو ساعده صديق في الاختيار، فانه سيمتنع عن الأخذ برأي صديقه، لأن الاحتمالات المتفرعة تتوالد في ذهنه، فتصنع له متاهات متشعبة متداخلة، فيزداد تخشباً في سكونه ووقوفه عند موضع قدمه بلا حراك.

قد تبدو الصورة غريبة، وربما ساخرة، لكنني أكتبها بجدية تامة، فهذه هي حقيقة العبادي، وهذا هو الذي يفسر لنا إعلانه مجموعة قرارات ثم يتراجع عنها، أو يتردد في تنفيذها.

...

إن تلكؤ حيدر العبادي في التنفيذ، صفة يعرفها أعضاء قيادة حزب الدعوة، ولا ينكرها إلا المستفيد من ضعف العبادي وضياعه لإمتصاص ما يريد من مكاسب، أو بعض القياديين الذين يعانون أصلاً تخلفاً ثقافياً ومشاكل في التقييم وفي فهم الأشخاص والمواقف، ومثل هؤلاء يأخذون طريقهم الى مواقع متقدمة في الأحزاب، لسهولة توجيههم من قبل القياديين الأقوى، ولكونهم يسعون للحصول على المكاسب بأي طريقة يمكنهم الحصول عليها.

...

حالة حيدر العبادي شائعة في المجتمعات، لكنها تصبح غريبة عندما يتطلع صاحبها الى مناصب تنفيذية، ثم تأتي الاستجابة لتطلعاته من قبل المجموعة القريبة منه، وهنا المقصود بها قيادة حزب الدعوة. بل يزداد الأمر غرابة عندما تُنيط به القيادة مسؤوليات تنفيذية رغم تاريخه الحزبي المملوء بالتلكؤ، فمثلاً عندما تم تعيينه ناطقاً رسمياً باسم حزب الدعوة، أصبح هذا الموقع شبه صامت. وعينوه ضمن لجنة لمراجعة النظام الداخلي للحزب، فلم يفعل شيئاً.

ولقد ذكرت في مقال سابق، أن السيد إبراهيم الجعفري كان يقول إن المهمة التي تُناط بالعبادي فان مصيرها الفشل التام. وهذا التقييم ليس عند الجعفري وحده، بل يشاركه فيها معظم أعضاء القيادة.

..

وفي الاجتماعات الحزبية كان حضور العبادي فيها مصدر جدل عقيم يبدأ ولا ينتهي، فلا هو يطرح رأياً محدداً، ولا يقتنع برأي محدد. حيث يطرح رأيه ثم يتراجع عنه ويعود يدعمه ويرجع فينقضه وهكذا. وإذا طرح غيره رأياً فانه يعترض عليه، ثم يؤيده وبعد ذلك يعارضه، في تذبذب مستمر لا ينتهي إلا بضجر الحاضرين والانتقال الى موضوع آخر.

 

...

إن ترشيح الدكتور حيدر العبادي لرئاسة الوزراء، سيبقى واحداً من أسوأ الأعمال التي قامت بها قيادة حزب الدعوة، ومع بقائه في المنصب من دون أن تبادر القيادة الى استبداله، أو تطلب منه تقديم الاستقالة، فانها تُمعن في تحويل خطأها الى ركام من التداعيات الخطرة التي تهدد العراق وشعبه بالمزيد من الكوارث.

كيف تقبل قيادة حزب الدعوة أن تؤمّر على العراق شخصية بضعف العبادي وتردده وحيرته؟ وكل شخص فيهم جرّبه واكتشف قابلياته وقدراته المحدودة، ومن لم يكتشف ذلك من قبل، فانه يكون قد اكتشفه خلال فترة توليه الحكم رئيساً لمجلس الوزراء.

...

ستبقى تهمة المنفعة الشخصية قائمة أمام كل عضو قيادي في حزب الدعوة، ما لم يتخذ موقفاً صريحاً من بقاء العبادي في رئاسة الوزراء. فمع استمراره في المنصب فأن العراق يتجه نحو كارثة مؤكدة، لن تصيب المستفيدين من ضعف العبادي فلقد عرفوا كيف يرتبون أمورهم، لكن هناك شعباً يتهدده الموت والاضطراب وتقسيم أراضيه، وفق مخطط إقليمي طائفي مكشوف.

 

 د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

جراح الماضي

fatimaalzahraa bolaarasتتحدث عمتي والدموع في عينيها كيف أن المعمر حرمهم من التعليم .. تتنهد وهي تقول كنا نسكن قريبا من المدرسة .. المدرسة التي أسستها جمعية العلماء لتدريس البنات كانت على بعد أمتار من بيتنا .. وقد رفض والدي أن يسجلنا في المدارس الفرنسية انتصارا لجزائريته وكموقف مدعم لثورة التحرير .. رغم أن بنات الجيران يذهبن إلى المدرسة الفرنسية وكنت أذهب معهن أنا وأختي الصغيرة (نرافقهم في الطريق فقط لأنه طريق واحد ينتهي عند الحاجز) ولسوء حظنا كنا نمر على حاجز من الدرك أو الشرطة لا أدري فلم أكن أفرق كنت أرتعد خوفا من ملامحهم القاسية كانوا لا يبتسمون أبدا .. عيونهم الزرقاء باردة وبلا تعبير .. كان الواحد منهم ينتزع من أيدينا (أنا وأختي) حقيبة القماش .. ينظر داخلها ويسحب ألواحنا الأردوازية وعندما يلاحظ بقايا الأحرف العربية المكتوبة بالطباشير الأبيض ولم تمسح تماما .. كان يرميها بعنف على الأرض ثم يأمرنا بخشونة أن نعود إلى بيتنا وهو يشتمنا .بينما كانت بنات جيراننا يحملن محافظ جلدية (فقد كان والدهم موظفا في الإدارة الفرنسية) وعندما كان يقرأ في كراريسهم اسم المدرسة وكانت تحمل اسم كاتبة فرنسية معروفة كان وجهه ينفرج عن ابتسامة لامبالية وهو يقول هيا اسرعن .. إنه الوقت لطالما نصح جارنا الموظف والدي (تقول عمتي وردة) بأن ينقلنا إلى المدارس الفرنسية .. لكنه رفض فرغم أن الإدارة الفرنسية تحرمه من المنحة العائلية فقد كان أجيرا وله الحق فيها و حرم منها بسبب موقفه ذاك أي عدم دخولنا تلك المدارس.

تقول عمتي والدموع تترقرق في عينيها لست نادمة على موقف والدي الذي هو موقف مشرف ولكن .. أن نتعلم لغة فرنسا أحسن من الأمية والجهل أليس كذلك

لم أكن أعرف كيف أجيب عمتي لكنني كنت أحس معاناتها وإحساسها بالظلم تختم عمتي حديثها بقولها ومع ذلك فهناك من يترحم على أيام (فرنسا)

الاستعمار كله شر يا ابنتي ولو ذاق هؤلاء ولو قليلا من شره لما بطروا كما ترين

كنت افكر في كلام عمتي بجد هل صحيح أننا جيل جاحد؟؟ أبطرته النعمة

ربما ولكن فقط بالنسبة لمن حرمت من التعليم مثل عمتي المسكينة؟؟

 

فاطمة الزهراء بولعراس

ايريس مردوك والبحث عن معنى الحياة

jawdat hoshyarلا يزال اسم الكاتبة الأنجليزية الشهيرة ايريس مردوك (1919 – 1999) يثير اهتماما واسع النطاق في الأوساط الأدبية فى كثير من بلدان العالم، بعد مرور أكثر من ستة عشر عاماً على رحيلها، وقد نشرت عنها وعن أعمالها الروائية والفلسفية مئات الدراسات والعديد من الكتب، فقد كتب زوجها الناقد والروائي جون بايلي - الذي كان في جوار سريرها عند وفاتها - ثلاثة كتب عن حياتها وكفاحها مع مرض الزهايمر، لعل أهمها مذكراته المعنونة "مرثية لأيريس'' . ولكن الكتاب الأهم الذي صدر عن سيرتها – كما يرى النقاد – هو كتاب "ايريس: حياة ايريس مردوك “ بقلم بيتر كونرادي - استاذ الأدب الأنجليزى فى جامعة كنغستون - الذى كان صديقا للكاتبة لسنوات عديدة، حيث يكشف المؤلف فى هذا الكتاب ولأول مرة عن اسرار وحقائق تتعلق بحياتها الشخصية وعلاقاتها الاجتماعية.

. تعرف كونرادي على الكاتبة وزوجها الروائى والناقد والفيلسوف البريطانى المعروف "جون بايلى" فى عام 1981، وتعززت العلاقة بين كونرادي و مردوك فى العقد الأخير من القرن الماضى. وقد طرأت فكرة كتابة سيرة حياة مردوك وانجازاتها الروائية و الفلسفية فى ذهن المؤلف حين كانت الروائية ما تزال على قيد الحياة. ورغم ان مردوك كانت امرأة تميل الى الكتمان وتغلب عليها الحياء، الا ان كونرادي استطاع أن يحظى بموافقتها على انجاز الكتاب. وقد عبرت الكاتبة عن هذه الموافقة ببساطة حين قالت لكونرادي: "انت صديق جيد" وفى ذلك الحين- عندما كان المرض يسمح لها بمساعدة كونرادي فى تأليف الكتاب - كانت تتحدث عن تفاصيل حباتها الحافلة، مشيرة الى أسماء الأشخاص الذين يمكن ان يكونوا مفيدين لمؤلف الكتاب فى الحصول على المعلومات المطلوبة.

وكما جاء فى المقدمة، فأن هذا الكتاب كان يمكن ان يكون له عنوان اخر هو "ايريس الشابة" حيث يتحدث الكتاب - لأول مرة- عن الجوانب غير المعروفة سابقا عن السنوات المبكرة للروائية الأنجليزية منذ ولادتها فى عام 1919 وحتى منتصف الخمسينات من االقرن الماضى، حين صدر اول عمل روائى لها بعنوان "تحت الشبكة " فى عام 1954 .وبطل هذه الرواية جاك دونوج، شخصية سارترية تهتم بجوهر الأشياء اكثر من اهتمامها بالواقع المعاش وقد جلبت هذه الرواية شهرة مدوية للكاتبة، واصبحت بين عشية وضحاها شخصية ثقافية واجتماعية مرموقة تثير آراؤها وميولها الفكرية والدينية ومغامراتها العاطفية اهتمام القراءعلى نطاق واسع.

يتحدث المؤلف بلباقة وكياسة عن الحياة الشخصية لمردوك مقتبسا فقرات واسعة من ذكريات زوجها جون بايلى المنشورة فى عام 1999، عندما كانت الروائية تصارع المرض قبيل وفاتها. ويتضمن كتاب كونراد شهادات طائفة كبيرة من معارف واصدقاء مردوك وبخاصة اولئك الذين تعرفوا عليها فى سنواتها الأخيرة .

ومن خلال مذكرات وشهادات معاصريها تتمثل امامنا صورة الروائية المبدعة حية وجلية: "كانت تجلس بين كومتين كبيرتين من الورق وهى أشبه ما تكون بأحد تماثيل "هنرى مور" ولا تتحرك الا لكى تكتب. الكومة الأولى: اوراق بيضاء والأخرى هى الأوراق المكتوبة. انها مهنة فريدة حقا لا يتقنها الا اصحاب المواهب والقدرات الفنية الكبيرة. لم تكن لدى الكاتبة اى احساس بالتميز عن الآخرين او التفوق، حيث كان مثل هذا الإحساس غريبا عنها تماما، كما هو شأن المبدعين الحقيقين. ويبدو ان الشعور بالتميز والتفوق لدى البعض، انما هو الوجه الأخر لمركب النقص والافتقار الى الموهبة. فالعباقرة والعظماء كانوا دوما مثالا للتواضع ولم يكن احدا منهم يحس بالتفرد والتفوق او يتعالى على الآخرين. جانب آخر من حياة مردوك يكشف هذا الكتاب النقاب عنه، وهو ان الكاتبة كانت مغرمة بدراسة اللغات القديمة وكتبت عنها دراسات قيمة ..

لقد تم تحويل العديد من روايات مردوك الى افلام سينمائية لاقت نجاحا كبيرا ولكن مردوك لم تكن راضية قط عن هذه الأفلام وتحس بخيبة امل نتيجة التشويه الذى اصاب رواياتها عند تحويلها الى افلام سينمائية. ففى عالم الرأسمال، المال اهم من الفن ..

ويروي بيتر كونرادي فى هذا الكتاب الممتع حقا، قصة زواج مردوك، وكان زواجا ناجحا وسعيدا قل نظيره الى درجة ان مردوك كانت من شدة حبها لزوجها توقع الصكوك بأسم (ايريس بايلى) وهو تقليد غربى شائع حين تتخلى الزوجة –بمحض ارادتها او بالأتفاق مع زوجها-- عن لقبها الموروث لتكتسب لقبه. ويبدو ان ايريس لم تكن تستخدم لقب زوجها الا فى الأوراق الرسمية، اما فى حياتها العامة، فلم تكن ثمة مجال لذلك، حيث أنها نالت –بفضل رواياتها- شهرة واسعة قبل الزواج وعرفت بلقب العائلة (مردوك) .

كانت ايريس الابنة الوحيدة المدللة لعائلة موظف صغير فى بلفاست- عاصمة ايرلندة- خدم ضابطا فى الجيش البريطانى خلال الحرب العالمية الأولى، ثم رحل الى لندن مع عائلته الصغيرة واقام فيها حتى وفاته. وفى ما بعد كانت ايريس تتذكر عائلتها وتطلق عليها اسم "ثلاثية الحب المثالى" وفى لقائاتها الصحفية كانت تحب ان تؤكد اصلها الإيرلندى، فقد ولدت فى دبلن وظلت طوال حياتها تتكلم بلكنة ارلندية. تلقت ايريس تربية انجليزية ولكنها لم تكن تشعر بالفرح الطاغى والحبور الا خلال زياراتها الصيفية الى اقاربها فى ايرلندة. ويقول اصدقاء ايريس انها كانت فى طفولتها جد طيبة ورقيقة وفى الوقت ذاته منطوية على نفسها ولكنها ذات شخصية قوية وقلقة فى ان معا .

لم يكن والد ايريس ثريا ولكنه كان على درجة عالية من الثقافة الحقة، وقد اشغل – بعد تسريحه من الخدمة العسكرية فى الجيش- وظيفة متواضعة فى وزارة الصحة، وكانت ظروفه المالية صعبة ويضطر احيانا الى اقتراض المال ليتمكن من تغطية نفقات دراسة ابنته فى المدارس الراقية، فقد التحقت ايريس وهى فى الخامسة من عمرها بمدرسة فروبل اللندنية. وفى الثالثة عشر من عمرها سافرت الى ضواحى بريستول لتلتحق بمدرسة (بادمنتون) الداخلية للبنات. كانت ايريس تشعر بالغربة بين زميلاتها فى المدرسة واللواتى كن من عوائل ثرية. ومع ذلك فقد احتفظت لسنوات طويلة بعلاقات الصداقة مع زميلتها فى الدراسة" بياتريس ماى بيكر " الفظيعة –على حد تعبير الكاتبة ..

كانت ايريس خلال سنوات دراستها تلميذة جيدة تهوى الرياضة وخاصة لعبة الهوكى وتمارس الرسم، وقد تجلت موهبتها الأدبية فى سن مبكرة. وخلال السنة الأخيرة من دراستها الثانوية كانت تبدو شابة ذات شخصية ناضجة، ذات نزعة يسارية، والى هذه الفترة تحديدا تعود اولى محاولاتها الأدبية، حين ترجمت الى اللغة الأنجليزية بعض مؤلفات سوفوكليس، ثم تعرفت على و. هـ . اودين وحصلت على جوائز عديدة وقامت بمراجعة دواوين الشعراء الشباب فى بريستول وتبادلت رسائل حب ملتهبة مع ج. هـ. سكوت، الذى كان طالبا فى بلفاست يدرس الطب ويهوى الأدب ولا بد من الأشارة هنا الى ان شخصية ايريس القوية المستقلة ظهرت بكل جلاء حين قررت تغيير مذهبها الدينى من المذهب النظامى (ميثودزم) الى المذهب الكاثولوكى ..

حصلت ايريس بعد تخرجها فى المدرسة الثانوية على منحة دراسية لمدة ثلاث سنوات للدراسة فى كلية (سوميرفيل) بجامعة اوكسفورد، ولم تكن فى الكلية فى ذلك الوقت سوى قلة من الطالبات ولم يكن التعامل معهن طيبا، ولكن ايريس الشابة استطاعت الدفاع عن مواقفها المستقلة ورفضت ستة عروض زواج خلال السنة الأولى من دراستها، وكما يذكر احد زملائها فى الكلية فأن جميع طلبة الصف، الذى كانت تدرس فيه وقعوا فى غرامها، فقدكانت ذات شخصية مميزة و مظهر ارستقراطى ووجه صبوح مشرق وصوت انثوى عذب وساحر .

وفى وقت لاحق كتبت ايريس عن سنوات دراستها فى اوكسفورد:" يا الهى لكم كانت تلك الأيام الذهبية رائعة "وخلال سنوات الدراسة هذه توثقت علاقتها مع العديد من زملائها الذين حافظوا على صداقتها حتى اخر يوم فى حياتها. وفى عام 1942 تخرجت ايريس فى جامعة اوكسفورد وانتقلت للأقامة فى لندن، حيث عملت موظفة فى وزارة الخزانة، وكانت قبل ذلك بوقت قصير قد تركت الحزب الشيوعى البريطانى..

بين عامى (1944-1946) عملت فى دائرة الهجرة التابعة للأمم المتحدة، وكانت وظيفتها تتطلب الأنتقال بين البلدان الأوروبية المختلفة، حيث زارت مناطق الأحتلال الفرنسى والأنجليزى والأميركى فى النمسا. وقد دامت رحلتها حوالى عامين وادت الى تعزيز النزعة الكوسموبوليتية لديها، وخلال هذه الفترة –ربما فى عام 1946- التقت الفيلسوف الفرنسى جان بول سارتر وقرأت كتب (سيمون دى بوفار) و (ر. م. ريلكة) واصبحت من انصار الفلسفة الوجودية .

وقد اثارت فظائع الحرب العالمية الثانية وعواقبها المأساوية مشاعر قوية مناهضة للحرب لدى الكاتبة، وكانت قلقة على مصائر ملايين البشر الذين زج بهم النظام الستالينى فى روسيا والتيتوى فى يوغسلافيا فى غياهب السجون والمعتقلات، ومنذ ذلك الحين اصبح المهاجرون والمرحلون شخصيات رئيسية فى العديد من رواياتها. وبعد عودتها الى بريطانيا بدأت مرحلة اخفاق واحباط فى حياة الكاتبة، حيث عجزت عن العثور على عمل مناسب واضطرت الى التخلي عن منحة دراسية اميركية، حين رفضت السلطات الأميركية منحها سمة الدخول الى الولايات المتحدة الأميركية لميولها اليسارية السابقة ..

وفى عام 1947 التحقت ايريس بجامعة كمبرج كطالبة دراسات عليا وتعمقت فى دراسة الفلسفة. وفى هذه الفترة استهوتها الوجودية المسيحية وقرأت نتاجات (اونامولو) و(هيدغر) و(بيردايف) وغيرهم.

وفى عام 1948عادت الى جامعة اوكسفورد ولكن كأستاذة لمادة الفلسفة هذه المرة وظلت فى هذه الجامعة لفترة طويلة تمارس نشاطها المهنى والأدبى. كانت حياة ايريس مردوك - المرأة الجذابة والكاتبة المتقدة العاطفة- مليئة بقصص الحب، والطفلة التى ترعرعت فى ظل الحنان ألأسرى، كانت تتوق الى ان تكون محبوبة. تقول ايريس فى يومياتها المدونة فى عام1945 : "يبدو لى الوقوع فى الحب بجنون ولمرات عديدة عملا مقززا". ولكنها تعود في عام 1952 لتكتب فى مذكراتها:" لا ينبغى لى ان اعيش فى هذا العذاب العاطفى" ولكنها تضيف على الفور قائلة:"كلام فارغ –سأظل احيا على هذا النحو دائما ""

كانت اعوام الأربعينات فى حياة ايريس مردوك حافلة بالمغامرات العاطفية، الى ان التقت فى عام 1953 بجون بايلى، الأنسان الهادىء الرقيق، وقد تزوجا في عام 1956 وكانت تبلغ من العمر 36 عاما وكان بايلى يصغرها بست سنوات، وفد عاشا فى المدينة الجامعية لأوكسفورد فى هدؤ واستقرار وكتبت تقول:"ان مهمتى –قبل كل شىء--هى الكتابة، واننى احمد الله على هذا المخرج " ."

ايريس مردوك – كاتبة غزيرة الأنتاج، فقد نشرت خلال حياتها الأدبية منذ عام 1954، ست وعشرين رواية، من أشهرها (الجرس) وقد صدرت عام 1958 وهى عن الصراع السياسي العقائدى فى ايرلندا و(الرأس المقطوع ) فى عام 1961 وهى رواية عاطفية مثيرة و(الأحمر و الأخضر)عام 1965وتدور احداثها عشية ثورة ايستر ربيليون فى دبلن ابان الحرب العالمية الأولى، ولها رواية تجريبية رائعة هى(الأمير الأسود)، عام 1973 وتتحدث عن كاتب شديد الوعى بالذات ويرتبط الأبداع عنده بالتجارب العاطفية العارمة. ويرى النقاد ان رواية (البحر، البحر) التى فازت بجائزة بوكر لعام 1978 ربما هى من اهم روايات مردوك . واضافة الى رواياتها الناجحة التى كانت ضمن قائمة الكتب الأكثر رواجا فى بريطانيا والولايات المتحدة لسنوات عديدة، فقد كتبت مردوك مسرحيتين هما (الخدم والثلج)عام 1970 و(الفن وايروس)عام 1980 وديوان شعر(سنة العصافير)عام 1980، وبعض النصوص المسرحية الأوبرالية. حازت مردوك على اهم الجوائز الأدبية فى بريطانيا (بوكر، ووتبرد، جيمس تيت) وهى تعد فى الوقت ذاته من منظرى الفن الروائى وفيلسوفة اخلاقية بارزة.

المغامرات العاطفية (المجنونة) هى موضوعات العديد من رواياتها، كما البحر بالنسبة الى همنغواى، ويبدو لى انها كانت دائما تبحث عن معنى الحياة وربما خيل اليها لبعض الوقت، ان المغامرات العاطفية العارمة، بكل اشكالها وتنويعاتها، هى الملاذ الوحيد للأنسان فى هذه الحياة العابرة، ففى العديد من رواياتها نجد الأبطال غارقين فى التجارب الحسية العنيفة التى ينشدون من خلالها تحقيق الذات، ولكنهم يجدون انفسهم فى نهاية المطاف مكبلين بقيود لا يستطيعون الفكاك منها .

ايريس مردوك –طالبة الفلسفة والأدب القديم، ليست غريبة عن ايقاعات وصور الحياة المعاصرة.

ايريس خلقت للحب، وقد اسبغت هذا الحب على من حولها بسخاء واصبحت من اهم الشخصيات الأدبية فى الأدب الأنجليزى فى القرن العشرين

 

جــودت هوشيار

 

بعد نـهاية الطـيب هـل سيظل رائدا؟

najib talalنـهاية: الوفــاة / التهلكة / المـوت / الحتف / المنية / تتنوع المفردات، والمحصلة تلك - النهاية - نهاية كل موجود في الوجود، باعتبار أن الوفاة حقيقة ثابتة وموجودة لا مفر منها- لأن- كل نفس ذائقة الموت مهما كان مقامها في (المثلث) ووضعـها في (المربع) وطمعها في البقاء، سواء أكانت في أعلى أو أسفل المثلث . ولاسيما أن الكل يتشبث بالحياة في مربعه الاجتماعي، لأن الأمر يخرج عن سياق الأمل والطمع أوالتوقـع والتشبث، باعتبار أن المنية دائما خارج إطار الزمان والمكان( وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير [سورة لقمان الآية 34] حتى تقع، ومن خلالها يتحدد الزمان والمكان - الهالك - وكم من أمم أهلكت؟ وكم من رجالات غادرتنا؟ في غفلة اللحظة وتأرجح إيقاع الزمان، كما وقع مساء الجمعة برحيل المبدع الرائد والفنان الشامخ - الطيب الصديـقـي - وإن كان رحيلا شبه متوقع حسب حالته الصحية، فرغم إبراز صورته التي تجسد ضعف الإنسان أمام دنو النهاية من لدن الفنانة - زيطان - بعد زيارتها له، والاطمئنان على حالته الصحية، ولقد قامت بإشارة قوية ومبطنة:تشير فيها أن رائدنا يحتاج لسند معنوي، سند الأحبة [...] فقليل في ألأقلية التي زارته وآزرته، ولنكن أكثر مكاشفة، ففي السنوات الأخيرة تم تهميشه علائقيا ونسيانه إعلاميا، مما انمحت معالم ذكرياته وصورته المعتادة في عيون الناس، التي أسس على إثرها مسرحا باسم مسرح الناس [ !!!]

لكن المثير(بعيد) الإشعار بوفاته أمسى العديد من الفنانين والمسرحيين والأدباء والشعـراء يرددون عبر هواتفهم و صفحاتهم ومواقعهم التواصلية، ترنيمات حزينة، ولكنها عجيبة وغريبة، تحتاج وتحتاج بكل صدق إلى تحليل عميق سيميائيا وقراءة رصينة بسيكولوجيا [فقدنا أسد الخشبة/ بلغني للتو نبأ وفاة الفنان الكبير الطيب الصديقي/ نزل الخبر علي كالصاعقة/ عزاؤنا واحد في من صنع وعينا الفني والإبداعي / عزائي للمسرح المغربي إثر فقدانه لركيزته الأساسية / عشت ليلة بيضاء بعد سماع خبر وفاته/ أخبرني الأصدقاء هاتفيا بوفاة رائد المسرح، فارتبكت من شدة الفاجعة /انهمرت دموع حارقة من عيني بعد إعلان خبر وفاته/ عزاؤنا واحد في وفاة عميد المسرح المغربي/ بكل أسى فقدت فنانا مثقفا وفنانا مسرحيا بحق/ نبأ وفاة الفنان الكبير الطيب الصديقي، نبأ جد محزن لا يمكن بسهوله استيعابه / .../ ولقد أصبحت يتيما بعد فراقه/ ولقد أصبحنا يتامى بعد موته /.../ إذ جميل أن تطفو مشاعـر الحـزن والأسى بهـذا الشكل، على فقدان رمز من الرموز الثقافية والإبداعية في بلادنا والعالم العربي. وإن كانت هنالك مبالغة ومزايدات لغوية، أكثر منها مشاعرية، لأن الإشكالية لا ترتبط بالنوايا بل بالتصرفات وتصريف ما يمكن تصريفه كدعم مستقبلي في حق الراحل، لكي يظل رائدا حقيقة في حفريات التاريخ المغربي، كما كان في حياته الفنية والإبداعية، حتى يكون الطيب طيبا في تربته، أما الإطناب في مفردات النعي واختيارها بدقة متناهية من لدن البعـض والبعض الآخر يتفنن في، مسرحة الـحـدث، بأشكال ملتوية، وبعض البعض ركب على المصاب الجلل، من زاوية ما يخفيه المستقبل، وذلك بتثبيت صور شخصية في مواقع التواصل - وإن كان الآمر- حق مشروع، ولكن ليس في مجال موكب جنائزي مهيب، له طقوسه وترنيماته وخصائصه؟؟ فهل في المصاب الجلل، والبعض يصرح أنه أمسى يتيما بعد رحيل الأستاذ الأغر - الطيب الصديقي- غفر الله من ذنبه ما تقدم وتأخـر، فكيف طاوعته رغبته في التقاط صور( له) عـبرهاتفه النقال؟؟؟ إذ أعتقد بأن مثل هاته الأساليب الإلتوائية والحـر بائية، أضحت متجاوزة.

 

لـــمـــاذا؟؟

عـدد لا يستهان به من رجالات الفكر والابداع في بـلادنا، قضوا نحبهـم، بعدما قدمـوا خدمات جليلة وتضحيات مهمة في الميدان، ولا أحد يذكرهـم أو يتذكرهــم، وهنا لامجال لذكر بعض الأسماء والوجوه، لأن الأمـر لا يحتاج لتوضيحات، فلو ذكرنا الراحل الطاهـر واعزيز سواء كمسرحي في زمان الفعل الفني الحق، أو كفيلسوف، سيجرنا إلى قوة وطاقة المرحوم عبد الصمد الكنفاوي الذي يعد من اعز أحباء ورفاق الراحل - الطيب الصديقي- ومعزته تفترق بينه وبين المرحوم - ع القادر علولة- فالذي لا يعرفه العديد من المسرحيين، يوم قتل المسرحي - علولة - برصاص الغدر، بكى الصديقي بكاء حارا عليه واعتكف أسبوعا بعد دفنه كحداد استثنائي، وفي هـذا الإطار، فالراحل من كثرة أصدقائه في المجال الرياضي والسياسي والفني، ليس له إلا صديق وحيد والذي كان لا يفارقـه، ألا وهو الراحل - مصطفى سلمات - فالطيب الصديقي يعتبره رفيق الدرب بامتياز.وبفراقه انكسر جزء من أجنحة أبا الطيب، الذي كان يرفض الألقاب، وينزعج منها، بحكم أنه رحمه الله كان يعتبرها جزء لا يتجزأ من الخنوع والإذلال، لمن كان يعـزهـم. وبالتالي فالسيرورة التاريخية، كشفـت زيف ولغـو ما يصدر من كلام وأفكار أثناء رحيل ذاك أو تلك، ولكن حينما نطلع عـيانيا، فالسجل التاريخي مملوء بمعـسول الأقوال والمقولات والأفكار النيرة، والمشاريع المتميزة، دون فعل ملموس ولو نسبيا ولا إثبات لصدقية ما قيل، والسبب أمران:

1) مزايدة رخيصة أمام الجموع، وأهل وأبناء الهالك، تحمل نوايا إثبات الذات،

2) القائل لم يجد ما سينفعه من منافع آنـية أو مستقبليـة، فتوارى خـلف مرحوم آخر وخطاب آخـر

والذي سيهمس في الكواليس، بأننا نخرف أونمارس الكتابة المنفلتة من عـقالها أو له الجرأة لتفنيد كلامنا مقارعة بالحجة المضادة، فليـقم بتحيين ما قيل وما كتب إبان رحيل محمد مسكين/ المهدي الودغيري/ / سالم يفوت/عائد موهوب/ حوري الحسين/ العربي الدغمي/ الجابري/ المنجرة/ محمد الدحـروش/ فاطمة شبشوب/ عبد الله راجع/ محمد الطوبي/ الطيب العلج عـلما أن هـذا الأخير هناك مؤسسة باسمه تحت إشراف - مصطفى القباج- ماذا أنتجت لحد الآن؟ وهناك مؤسسة أخرى باسم الراحل محمد شكري، تحت إشراف صديقنا عبد اللطيف بنيحي، ماذا قدمت بدورها من خلال أصحاب لغو الكلام؟ وهاته الأسئـلة تجـرنا لسؤال اللحظة؟

 

هـل سيظل رائدا؟؟

في تقديري، وتجارب الأزمنـة تذكي مقولة - كلام الليل يمحوه النهار - والـحالة تلك، لا يمكن أن يستثنى مــنها رائد المسرح المغربي، هو رائد وعمدة المسرح، بدون منازع، ولكن تقلبات الزمان وعدم ترسيخ عطائه وتوهجه، في حفريات التاريخ، ستمحي ريادته في مجال الإبداع المسرحي، والفعل النقابي ابتداء من 1957 حينما قرر (الاتحاد المغربي للشغل) آنذاك و الذي كان يضم العديد من الفعاليات و الأسماء إنشاء مسرح عمالي، وفي تلك الفترة كان سعيد الصديقي يشغل منصب مدير ديوان عبد الله إبراهيم، وتقرر أن يؤسس المسرح الذي كان يضم في عضويته كلا من صديق الصديقي، حسن الصقلي، عائد موهوب/ علي الحداني/ ع الرحمان الكردودي/ بن جلون، المهدي الخبيلي، لطيفة الصقلي، الطيب الصديقي. هذا الأخير استطاع بموهبته وقدراته تحقيق تفاعل حقيقي لمفهوم المسرح العمالي، والذي لم يتطور فيما بعد لأسباب سياسية، وحضور قوى السلطة في نسف المشروع، بدء من منع مسرحية (مدينة النحاس) وتمرد الطيب الصديقي على الأوضاع السياسية، وانخراطه في عوالم اللامعقول وتيار العبت، بعد انسداد الأفق وتضييع الأمل المعقود.

هنا لسنا في تحليل شخصية الراحل عنا - أبا الطيب- بل إشارات عابرة، لتبيان أنه لم يكن مسرحيا يمارس إبداعا خارج إطار المبدأ السياسي والنقابي، بمعنى أنه كان يحمل مشروع قضية إنسانية، ضد القهر والجوع واللاعدالة اجتماعية، وهذا يبرز في عملين أساسين - مقامات بديع الزمان الهمداني - أبو حيان التوحيدي- والمثير أن العديد من المهتمين، يتحاشون هذين العملين في مناقشتهم، ويركزون على الحراز، وهذا يدفع بنا: بعد نـهاية الطـيب هـل سيظل رائدا؟ ممكن في حالة ما إذا قمنا بإعادة قراءة أعماله قراءة مغايرة ومختلفة، وفي نفس الإطار البحث الجدي عن أسباب تبرئة ذمته من تنظير كان يسمى- الاحتفالية؟ أما حشو العبارات والكلمات، فلن تحقق ما حققه - أبو الفتح الاسكندري- في حياته

 

نجيب طــلال

هل رحل المناضل عزيز سباهي عنّا نهائياً؟

jasim alhalwaniبرحيل الرفيق عزيز سباهي (أبو سعد) رحلت عنًا قامة شيوعية ووطنية شامخة، وصحفي وكاتب وباحث مرموق ومتنوع الإنتاج وغزيره. وكذلك فهو فنان مبدع حالت ظروف ذاتية وموضوعية دون بروز إبداعه، فهو إلى جانب كونه خطاطاً معترفاً ببراعته فهو رسام أيضاً.

ولكن هل رحل المناضل عزيز سباهي نهائياً، كما يرحل يومياً الكثيرون؟ كلا وألف كلا! لقد رحل أبو سعد بجسده ولكن أفكاره وإبداعاته باقية وستبقى إرثا خالداً. فقد ترك لنا تراثاً ثريا سيظل يتحدث عنه، ويذكرنا به، ويبقيه حياً دائم الحضور بيننا وتتحدث عنه الأجيال القادمة، متجسداً ذلك في خمسة عشر كتاباً بين مؤلف ومترجم، هذا إلى جانب العديد من الأعمال والدراسات. وقد غطى إنتاجه ميادين الفلسفة والتاريخ ومختلف فروع الاقتصاد والحياة الاجتماعية والإثنية. ولم تقتصر بحوثه على شؤون العراق بل شملت بلداناً عربية وأجنبية أيضاَ.

ومن أبرز مؤلفاته التاريخية كتابه الكبير"عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، وبصدور هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة، التي تجاوزت (1500) صفحة من القطع الكبير، أصبح لدى القارئ، ولأول مرة، تاريخ مدونّ ومطبوع يغطي حوالي ستة عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. وبذلك توفر مصدر مهم للثوريين ولجميع المناضلين من أجل غد أفضل، ولجميع الباحثين في تاريخ العراق المعاصر بشكل عام وتاريخ الحزب الشيوعي العراقي بشكل خاص. وكان لي شرف تقديم قراءة نقدية موسعة لكتابه المذكور، وقد صدرت القراءة في كتاب تحت عنوان "محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي".

إن حياة الرفيق عزيز سباهي النضالية، بوصفه كادراً شيوعياً، زاخرة بالنشاطات السياسية الوطنية في مختلف الظروف وأصعبها، فكان كاتباً نشطاً وبارزاً في صحافة الحزب الشيوعي العلنية والسرية وعضواً في هيئة ومجلس تحرير مجلة "الثقافة الجديدة" لسنوات طويلة. وشغل عضوية اللجنة الاقتصادية المركزية للحزب الشيوعي العراقي خلال السنوات 1974ـ 1978. وأصبح عضوا في قيادة تنظيم الخارج وفي لجنة العمل الأيديولوجي المركزية في السنوات الأخيرة من الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي.

وقد تعرض الرفيق عزيز سباهي خلال نضاله من أجل حرية وطنه وسعادة شعبه إلى ثمانية عشر عاما من السجن والإبعاد، بما في ذلك سنوات عديدة قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي وفي سجن بعقوبة الانفرادي، وتحمل صنوف التعسف والاضطهاد الذي تعرض له السجناء الشيوعيون العراقيون. واضطر للهجرة من العراق في عام 1978 أثناء تعرض الحزب الشيوعي العراقي للقمع الوحشي من قبل النظام الدكتاتوري المقبور. لقد استفاد سباهي من إقامته في السجون لتطوير إمكانياته، فطوّر لغته الإنكليزية وأغنى معارفه، حيثما أمكن ذلك.

لقد التقيت الفقيد عزيز سباهي لأول مرة في سجن بعقوبة الانفرادي في عام 1957 وقد قيدت رجليه بسلسلة حديدية، لأنه كان من ضمن المحكومين بالأحكام الثقيلة. وكان على وشك إنهاء محكوميته البالغة عشر سنوات ليتم إبعاده بعدها إلى ناحية بدرة لمدة ثلاث سنوات، لم يقضها حيث تحرر في إثر ثورة 14 تموز المجيدة. وتجددت لقاءاتنا في سبعينات القرن الماضي لاهتمامنا المشترك بالحركة الفلاحية والمسألة الزراعية وفي الثمانينات في لجنة العمل الأيديولوجي وكونفرنسات تنظيم الخارج للحزب في براغ. وقد زارني في أواخر القرن الماضي هنا في الدنمارك، عندما كان في مرحلة جمع المعلومات لكتابة تاريخ الحزب، واستمر التواصل بيننا بالرسائل والتلفونات والايميلات.

الرفيق عزيز سباهي مدرسة في الأخلاق والخصال الحميدة فهو جم التواضع، زاهد، متسامح ومرن، يتقبل الرأي المخالف وكذلك الانتقاد برحابة صدر، حسن الإصغاء، مثابر، مجتهد، قارئ نهم، ناكراً لذاته ومهذب الألفاظ. لقد كان إنساناً رائعاً، وهذا ما يبقيه، إضافة إلى أفكاره وإبداعاته، حياً في ذاكرتنا وضمائرنا.

ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتوجه بأحر التعازي والمواساة لرفيقة دربه وشريكة حيات العزيزة ليلى الشيخ (أم سعد) وأبنائه الأعزاء سعد وسامرة وزياد، ونعزي الأصدقاء الأعزاء عبد الإله سباهي (أبو صبحي) شقيق الفقيد وكوثر (أم صبحي) وصبحي وجميع أهله ومحبيه وقرائه.

ونعزي أنفسنا والشعب العراقي لخسارة قلم مكرس للحرية والعدالة والمساواة والسلام، ليس للشعب العراقي بكل مكوناته فحسب، بل وللشعوب العربية والبشرية جمعاء.

الذكر الطيب للفقيد الغالي عزيز سباهي والصبر والسلوان لذويه ولجميع محبيه.

 

جاسم الحلوائي

..................

* الكلمة التي ألقيت في الحفل التأبيني الذي أقيم للفقيد عزيز سباهي في كوبنهاكن

يوم 7 شباط 2016

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو (18)

هذه الحلقة من سلسلة مقالاتي حول العراقيين الذين مروا بموسكو مكرٌسة للمرحوم مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي، والذي سبق لنا ان تناولناه في الحلقة رقم (6) حول موقف سفير العراق في موسكو آنذاك فاضل صلفيج العزاوي من الصورة التي كانت معلقة للحديثي على جدار السفارة العراقية بموسكو ضمن صور السفراء العراقيين السابقين كافة . العودة الى هذا الاسم ضمن هذه السلسلة سببها صدور رواية في بغداد عنوانها (حفل رئاسي) بقلم الدكتور سعد العبيدي، والذي استخدم الكاتب فيها بعض الاسماء الحقيقية في روايته تلك ومنهم مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي، حيث أشار المؤلف هناك الى مسألة غريبة و جديدة جدا في موضوع استدعاء سفير العراق آنذاك في اسبانيا الى بغداد مرتضى الحديثي من قبل وزير خارجية العراق .

يرتبط مرتضى الحديثي في ذاكرتي الشخصية - قبل كل شئ- بمقابلتي له بالصدفة لاول مرة في بغداد عام 1972، عندما كنت مترجما لوفد من صحفي بلغاريا في لقاء مع رئيس تحرير جريدة (الثورة) طارق عزيز في عصر احد الايام، واثناء هذا اللقاء دخل سكرتير مكتب طارق عزيز                            

واخبره بوصول السيد وزير الخارجية مرتضى الحديثي الى مقر الجريدة وانه الان متوجه اليه . قمت طبعا بترجمة ذلك للوفد الصحفي البلغاري، فاعلن رئيس الوفد رأسا انه مستعد للانسحاب من اللقاء نتيجة لذلك، الا ان رئيس تحرير جريدة الثورة رفض ذلك وقال انهم هنا حسب موعد محدد ومسبق، ولهذا طلب منهم البقاء هنا الى حين توضيح الموضوع، ودخل مرتضى الحديثي بعدئذ، وفوجئ بوجود الوفد الصحفي البلغاري، اذ لم يخبره السكرتير بذلك طبعا، وقال رأسا انه جاء بدون موعد، لهذا يرجو الاستمرار بالحوار، وجلس بهدوء في مكتب طارق عزيز ليس الا . أكمل الوفد البلغاري اللقاء (بشكل مستعجل طبعا) وخرجنا جميعا من المكتب، واخبرني الصحفيون البلغار انهم معجبون جدا بالموقف الديمقراطي والبسيط جدا لمرتضى الحديثي – وزير خارجية العراق آنذاك، وانهم سينقلون هذا الموقف وسيتحدثون حوله في الاوساط البلغارية حتما، وانهم سعداء جدا لانهم كانوا – وبالصدفة – في موقف أتاح لهم هذه الفرصة الفريدة .

النقطة الثانية - بالنسبة لي - حول الحديثي ترتبط بما حدثٌني به يوما صديقي حسين محمد سعيد الحسيني في موسكو (زميل الدراسة في كليٌة الآداب بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين) . لقد كان حسين واحدا من ابرز العراقيين الذين يتقنون اللغة الروسية ويعرف اغوارها واسرارها قراءة وكتابة ونطقا وقواعدا..، اضافة الى انه مثقف كبير، ومتحدٌث رائع، ورجل مرح ومحبوب جدا من قبل الجميع، وقد عمل مترجما في السفارة العراقية بموسكو عندما كان مرتضى الحديثي سفيرا هناك، ومن الطبيعي انه أصبح المترجم الشخصي للسفير، وقد أصبحا (الحديثي وحسين) قريبين من بعضهما، بل يمكن القول انهما اصبحا صديقين بشكل او بآخر . وعندما زار نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزت الدوري موسكو في تلك الفترة، اخبر مرتضى الحديثي المترجم حسين محمد سعيد – سرٌا - ان ينتبه كيف سيسخر منه عند اللقاء معه، وفعلا، طرح عليه عند اللقاء السؤال الآتي – (هل أتيت الى موسكو من ألدور؟)، فقال عزت – (لا، لا، لقد سافرت الى بغداد، ومن هناك سافرت الى موسكو) . نظر مرتضى الى حسين بشكل خاطف اثناء ذلك، وفهم حسين طبعا مغزى هذه النظرة الخاطفة من سفير العراق .

تذكرت هاتين الحادثتين حول مرتضى الحديثي وأنا أقرأ مقاطع من مقالة كتبها الاستاذ خالد حسين سلطان ونشرها في موقع صحيفة (المثقف) الغراء بعنوان (ولادة في غرفة اعدام) وتحدث فيها عن رواية الدكتور سعد العبيدي الموسومة – (حفل رئاسي ...وقائع غير مروية من احداث مجزرة قاعة الخلد 1979) الصادرة في بغداد، وقد جاء في تلك المقالة ما يأتي-                          

... الرواية تخوض باحداث واقعية وباسماء صريحة ومنتحلة (حسب رغبة الشهود الاحياء ) عن ما جرى في بغداد .... عام 1979 وتصفية الخصوم والمناوئين وبحسابات واجندات غريبة عجيبة، وهو ما يعرف ب (مجزرة قاعة الخلد) .. ويأتي بعدئذ مقطع تفصيلي مكتوب باسم الحديثي يصف كيف اتصل به هاتفيا وزير الخارجية العراقية وتأكيده على ضرورة الحضور الى بغداد فورا لمقابلة الرئيس .. ثم يضيف (فاتني ان أذكر – وبعد اتصال الوزير بدقائق – وصلني تلكس من الرئيس السوفيتي بريجنيف، بعبارات محددة – (لا تذهب الى بغداد، توجه الى موسكو ضيفا عزيزا، الكي جي بي لديها علم بالتصفيات التي ستجري في البلاد )، لم أعر الموضوع اهتماما، وان أقلقني حقا ..)، ثم يشرح مؤلف الرواية بعد ذلك - كيف ان الحديثي اتصل هاتفيا بعد وصوله الى بغداد - بعزت الدوري وحامد الجبوري لجمع التفاصيل، وكيف انه ( لم يفهم منهما شيئا، وألحٌ كلاهما على ضرورة الذهاب الى الرئيس اليوم قبل الغد ..) ...وحدث الذي حدث ...

من الطبيعي انني توجهت الى الذين تابعوا كل تلك االوقائع مستفسرا عن مسيرة تلك الاحداث، لما لها من علاقة مباشرة بطبيعة مقالاتي حول العراقيين الذين مروا بموسكو، والاستفسار منهم حول صحة ما جاء في تلك الرواية، فقال لي احد ابناء المرحوم مرتضى الحديثي انه لا يستطيع ان يؤكد، ان بريجنيف نفسه ام لا قد كتب اليه ذلك كما جاء في الرواية، ولكن في اوساط العائلة يسود هذا الرأي ولحد الآن، وهو ان السوفيت قد أخبروه فعلا بعدم العودة الى بغداد لأن هناك خطر تصفية جسدية، وانهم دعوه للسفر من مدريد الى موسكو ضيفا لديهم، ولكن من هو الذي ارسل له تلك الرسالة من موسكو الى مدريد، وكيف ارسلها اليه، ولماذا توجه مرتضى الحديثي الى بغداد من مدريد وليس الى موسكو ... فانهم لا يعلمون بالتفاصيل حول ذلك .

وكم في تاريخ العراق من اسرار، ومن وقائع غريبة وعجيبة لا يمكن ان تخضع لمنطق الاحداث ومسيرتها !!!

 

أ.د. ضياء نافع

 

العراق: رحيل مفجع لرموز باقية

khadom almosawiهكذا هي الحياة.. في المنافي والأوطان.. انباء الفواجع تتالى. عام اخر ورموز اخرى ترحل. اسماء باقية بما تركته باسمها وإبداعها وكفاحها وصبرها وإرادتها وحبها للناس والأرض وخياراتها المصيرية. تباعدت اللقاءات وظلت الذكريات.. كلمات النعي لا تفي حقا ولا تعيد راحلا، لكنها تشهد لصفحات وعلاقات ولقاءات.. تخللتها ذكريات طيبة ووفاء وكلمات اعتزاز وود .. بعيدا عن الوطن وقريبا في المنافي.. اي حزن يرسم الاغتراب والنفي والمسافات القصية؟. خلال نهاية الشهر الاول من هذا العام 2016.. فجع المشهد الصحفي والثقافي في العراق برحيل رموز افنت عمرها في حب العراق وناضلت في سبيله حرا، ديمقراطيا وتقدميا. انهم يرحلون هكذا خفافا.. فائق بطي.. عزيز سباهي.. نضال الليثي.. والقائمة مفتوحة.. لا تغلق مع الايام و...الرحيل سنة والبقاء رغبة والأمنيات كثيرة والحزن جامع بينها وبعد الفقدان.

مناضلون في السياسة والاحتراب السياسي والكفاح من اجل الوطن الحر والشعب السعيد..عنيدون في الامل ومصرون على الاستمرار في كل الظروف والمنعطفات في سبيل حلم جميل لغد افضل. مناضلون في وعيهم وعذابهم.. في فرحهم وشقائهم.. في غناهم وفقرهم.. في القرب والبعد.. في الخيارات والقناعات.. في الهموم والحرمان.. في التطلعات والانكسارات.. في الشكوى والإصرار على السير في ذلك الدرب الطويل.. في السجون والمواجهات.. في الدموع والابتسام

عراقيون في الابداع والثقافة والإعلام. فائق (بغداد 1935- لندن 2016) مؤرخ الصحافة في العراق.. موسوعاته واطاريحه تشهد له ومنجزه وعمله يرسم علاماته.. تولى رئاسة تحرير صحيفة البلاد، عام 1957 أثر وفاة مؤسسها والده روفائيل، والتي أستمرت في الصدور بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958. وعمل في اسبوعية الفكر الجديد وجريدة طريق الشعب في السبعينات من القرن الماضي، وبعدها تولى إصدار عدة مطبوعات، منها (عراق الغد) (1986-1987) ورسالة العراق عام (1994- 2003) وأستمر.. محررا وناشرا وناشطا سياسيا في تجمعات ومنظمات الاغتراب.. اصدر موسوعاته بأسماء (موسوعة الصحافة العراقية) و(موسوعة الصحافة الكردية) و( موسوعة الصحافة السريانية)، وكتبه: (ابي) صدر عام 1956، و(صحف بغداد في ذكرى تاسيسها) و(الصحافة العراقية.. ميلادها وتطورها ) و(صحافة الاحزاب وتاريخ الحركة الوطنية) و( الصحافة اليسارية في العراق) و( الصحافة العراقية في المنفى ) ومذكراته بعنوان ( الوجدان ) بأجزائه الثلاثة والرابع لم يستطع اكماله ..

كتبت عنه سلوى زكو: بدأ فائق بطي يكتب للامل والحياة وفرحة الناس، وانتهى بعذابات المرض والغربة في مستشفيات لندن، لن يكتب أحد من بعده لتاريخ الصحافة العراقية الذي أراده ان يظل نقيا متوهجا، ولن يكتب المؤرخون من بعده حكاية نضال وتعثر صاحبة الجلالة، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من اروقة الجرائد، ومن احاديث الصحفيين، ومن السياسة، ومن الثقافة، ومن التاريخ، ومن النضال، ومن هدير المكائن، ليحوّلها كلها إلى كتاب نادر. وإذا كانت حكايات الصحافة هي الباقية، فإن فائق بطي هو حكاية الصحافة العراقية، التي سنعود اليها كلما اخذنا الحنين الى زمن النقاء والرفعة والاناقة في اللفظ والسلوك والوجدان.

عزيز ترجم وألف العديد من الكتب، ترجم ونُشر تحت اسم نصير سعيد الكاظمي كتاب "الكومنترن والشرق" لمؤلفه الروسي ريجينكوف، وألف ونشر بنفس الاسم "الحزب الشيوعي والمسألة الزراعية" وغيره.. وتوج بحوثه التاريخية بكتابه "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، بثلاثة اجزاء، صدرت عن دار الرواد المزدهرة 1998- 2005... وترجم ونشر ايضا، مستقبل الرأسمالية، صدر عام 1998، وأصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية – طبع للمرة السادسة – عن دار المدى 1996، وتأريخ الحركة العمالية في العراق - مركز الدراسات الاشتراكية في العالم العربي 1985، ونشأة وتطور الطبقة العاملة في البحرين - معهد العمل العربي 1983، ونشأة وتطور الطبقة العاملة في الكويت - معهد العمل العربي 1982، وترجم الكتب الاخرى، في الفلسفة الماركسية، صدر عن دار الفارابي 1975، والمزارع التعاونية في الهند، عن دار الرواد 1973، وسيرة حياة لينين، عن مكتبة النهضة 1971.. ووضع خمس دراسات اقتصادية واجتماعية عن مشكلة السكن في العراق، كما القى عددا من الابحاث الزراعية في مؤتمرات زراعية ونشرت في الصحف... وغيرها وغيرها..

نعته منظمات حزبية وكتب عنه رفاق الدرب، يوم رحيله في كندا، صباح يوم الثلاثاء 26 /1/ 2016 عن عمر ناهز التسعين عاما.. مشيدين به وبما تركه من بعده.

نضال (توفي في لندن يوم 30/1/2016) سجل اسمه في الصحافة اليمنية، باسم مستعار، وعاد باسمه في صحافة المنفى، الزمان، كاتبا ومحللا ومديرا للتحرير. نعته منظمة الحزب الشيوعي في بريطانيا في رسالة الى زوجته سناء الطالقاني وابنته شهد: "... ساهم الفقيد في نضال حزبنا وقدم الكثير من العطاء للحركة الوطنية والديمقراطية، والتحق بحركة الانصار الشيوعيين من اجل خلاص شعبنا من الدكتاتورية وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في عراق حر ومزدهر. وبهذه المناسبة الأليمة نتقدم اليكم والى العزيزة شهد والعائلة الكريمة وأصدقاء الفقيد ومحبيه بأحر التعازي، راجين لكم الصبر والسلوان ولفقيدكم الغالي الذكر الطيب دوماً".

كما ودعته صحيفة الزمان برسالة: "خسرت صحيفة الزمان والصحافة العراقية كلها أحد ابرز اعلامها الصحفي العراقي الكبير نضال الليثي الذي وافاه الاجل ليلة امس بعد معاناة زادت على السنة مع مرض عضال. كان الفقيد الليثي شخصية وطنية وإعلامية مثابرة شهدت لها ميادين الصحافة والعمل الوطني في سبيل الحرية ومسيرة التنوير، وكان عضوا رائدا في هيئة تحرير الزمان منذ انطلاقتها الاولى عام 1997 في لندن وكان من ابرز مديري التحرير لطبعتها الدولية حتى وافاه قدر الله وقضائه.... سيبقى نضال الليثي مثال الصحافي الذي سيذكره اكثر من جيل في عالم الصحافة العراقية لما كان له من دور وبصمة واشراقة في العمل الاعلامي".

رموز بكل ما لها وعليها رحلت وتلقت بعد رحيلها كلمات الاستذكار.. لم تمنح مثلها في حياتها بما روي عنها ولها بعدها.. توفيت ودفنت في المنافي البعيدة عن سماوات العراق، ولكنها رغم كل ما حصل وانتهى تظل هي باسمائها وإبداعها رموز اجيال لسنوات طويلة من عذابات وآمال المبدعين، سواء في الوطن او في محطات الغربة والانتظار.

 

كاظم الموسوي