شهادات ومذكرات

حول انتحار ماياكوفسكي

لا زال حادث انتحار الشاعر والكاتب المسرحي الروسي السوفيتي الشهير فلاديمير فلاديميروفتش ماياكوفسكي (1893- 1930) في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم 14 /4 /1930   يثير التساؤلات والآراء المختلفة والمتضاربة وحتى المتناقضة حوله، رغم مرور كل هذه السنين على الحدث التراجيدي الرهيب هذا، والذي كان ضمن الموضوعات شبه الممنوعة او – كما يمكن لنا ان نقول الان - غير المرغوب الكلام عنها علنا بشكل او بآخر في الزمن السوفيتي آنذاك، وقد تصفحت قبل ايام ليس الا حوالي عشرين مصدرا باللغة الروسية حول هذا الموضوع يتناول فيها الباحثون هذا الحدث ويقومون بتحليله ويطرحون مختلف الاحتمالات والاجتهادات الذاتية والتفسيرات الخاصة حوله، وهو ما جعلني اقرر العودة الى هذا الموضوع القديم نسبيا - والمعروف للقراء العرب بشكل او بآخر - والكتابة عنه، اذ وجدت – مثلا - بحثا بعنوان (الانتحار في نتاجات ماياكوفسكي) يحاول فيه كاتب البحث ان يثبت ان ماياكوفسكي كان يفكر بالانتحار منذ زمن بعيد، لانه (اي الباحث) وجد في ثنايا قصائده فكرة الانتحار هذه، مؤكدا ان عملية الانتحار تولد تدريجيا في روح الانسان وعقله وليس رأسا او فوريا، ولهذا فان الباحث لاحق هذه الفكرة وتابعها في ثنايا وسطور نتاجات ماياكوفسكي وحتى ما بين سطورها و ظلالها، وهذه افكار تستحق ان نتوقف عندها وان نتأملها بعمق (بغض النظر عن اتفاقنا او عدم اتفاقنا معها)، خصوصا وان الرسالتين اللتين ابقاهما ماياكوفسكي عندما انتحر كانتا هادئتين جدا وسلستين وواضحتي المعالم ولا تشيران لا من قريب ولا من بعيد الى اي اضطراب نفسي او معاناة لهذا المبدع الكبير وهو يقدم على تنفيذ عملية الانتحار المرعبة و الرهيبة هذه . ان اهمية هذه النظرة الجديدة جدا (والمنطقية ايضا الى حد – ما) لهذا الباحث الى مسألة انتحار ماياكوفسكي تمتلك حتى ابعادا سياسية، و تكمن هذه الابعاد في ان القوى المضادة لثورة اكتوبر البلشفية عام 1917 ترى، ان انتحار (شاعر الثورة الاشتراكية ) كما كان يطلق عليه البعض من نقاد الادب والباحثين، يعني انتحار تلك الثورة نفسها، اي نهايتها، اذ انهم يؤكدون، ان ماياكوفسكي قد فهم واستوعب تماما الخطأ الجسيم الذي ارتكبه بتأييده للثورة والالتزام العلني الصارخ والمطلق تجاهها، وبما انه لا يستطيع اعلان ذلك بشكل صريح في ذلك الزمن، وكذلك لا يرغب باللجوء الى بلد آخر خارج روسيا كما فعل بعض الادباء الروس الذين لم يتقبلوا الثورة عندها، وبالتالي لم يبق لديه اي خيار آخر سوى الانتحار، وان انتحاره ( وهو شاعر الثورة ويكاد ان يكون الناطق الرسمي باسمها في جبهة الفن) يعني بداية العد التنازلي للثورة نفسها، اي ان عملية انتحاره تمتلك معاني سياسية محددة انتهت بانهيار دولة الثورة، اي الاتحاد السوفيتي ، ولهذا فان ما يذهب اليه ذلك الباحث يلغي كليا هذه النظرة السياسية الشائعة (وخصوصا في الاوساط الغربية المضادة للاتحاد السوفيتي ككيان سياسي وحتى في بعض الاوساط الروسية نفسها) الى موضوع انتحار ماياكوفسكي .

وجدت ايضا – في ثنايا تلك البحوث والمقالات الحديثة عن انتحار ماياكوفسكي – ان التساؤل حوله لا زال حيويا، وان البعض يطرح ولحد الان سؤالا تم طرحه في حينه وتم غلقه في حينه ايضا، وهو – هل انتحار ماياكوفسكي كان انتحارا حقيقيا فعلا ام كان عملية قتل متعمدة غطٌوها بتسمية الانتحار ؟ خصوصا بعد ان تم طرح موضوع قتل الشاعر الروسي الكبير يسينين في وسائل الاعلام الروسية، وبالذات بعد المسلسل التلفزيوني الروسي حول يسينين وموته قبل عدة سنوات ليس الا، والذي أثار آنذاك ضجة كبيرة في المجتمع الروسي . وهذا يعني بالطبع ان بعض الاوساط الروسية لا زالت تظن، بل وتعتقد جازمة، ان ماياكوفسكي لم ينتحر ولا يمكن ان ينتحر، وان هناك من قتله متعمدا وحسب خطة مدروسة تم وضعها خصيصا للتخلص منه، واننا لا زلنا لا نعرف الحقيقة بشان هذا الموضوع رغم مرور اكثر من ثمانين سنة على ذلك، وهذا يعني طبعا ان الموضوع سياسي بحت ويمتلك علاقة مباشرة بالثورة واجهزتها المخابراتية ومسيرتها، وبالتالي فانه يتناقض كليا مع الرأي الاول الذي أشرنا اليه أعلاه حول انتحار الثورة البلشفية ونهايتها، و اذكر اني سألت أحدى الروسيات مرة – هل تعتقدين ان ماياكوفسكي قد انتحر فعلا أم قتلوه، فأجابتني رأسا وبشكل قاطع – قتلوه طبعا لأن صوته كان مسموعا ومدوٌيا، ولم يكن من السهل اسكاته او الالتفاف حول رأيه، واضافت، انها على ثقة ان الوثائق والحقائق سيكشف التاريخ عنها يوما – ما لاحقا .

ووجدت في تلك المواضيع ايضا تكرارا لطرح القضية العاطفية لماياكوفسكي وازمته الروحية التي ربما أدٌت به الى الانتحار، تلك القضية التي تحدٌث عنها الاعلام الرسمي السوفيتي في حينه، عندما وقعت عملية الانتحار التراجيدية في الثلاثينات، ولكن بتفصيلات اكثر صراحة وجرأة مما كان يتناوله الاعلام آنذاك، مستخدمين تلك الحوارات التي نشرتها وسائل الاعلام الجماهيري الروسي الحديث مع تلك السيدات، اللواتي عاصرن ماياكوفسكي بشكل او بآخر، وكنٌ شاخصات في محيط حياته، ومن جملتهن بالطبع ليلي بريك (تكتب بعض المصادر العربية اسمها – ليلا وهوليس دقيقا، اذ انها ليلي – بالياء وليس بالالف المقصورة مثل الاسم العربي المعروف ليلى)، والتي اشار ماياكوفسكي في رسالته قبل الانتحار اليها كاول اسم جاء بعد كلمة (عائلتي) رغم انها كانت زوجة بريك رسميا وتحمل لقبه، وهي شقيقة الزا تريوليه – زوجة الشاعر الفرنسي الكبير لوي اراغون وبطلة دواوينه المشهورة (مجنون الزا، عيون الزا.....)، والثانية اسمها فيرونيكا بولونسكايا (جاء اسمها في تلك الرسالة ايضا بعد شقيقاته) – الممثلة المسرحية ذات ال 22 ربيعا، والتي كانت عند ماياكوفسكي وخرجت ذاهبة الى مسرح موسكو الفني للتدريب على احدى المسرحيات، وسمعت وهي في الممر صوت اطلاق النار في غرفته، وعادت وهي تصرخ .. وهذا موضوع طويل ومتشابك ويحتاج الى مقالة خاصة به، اذ يرتبط بتفاصيل التحقيق الذي اجرته السلطات الرسمية في حينه، ويرتبط ايضا بعدة تحقيقات صحفية قام بها العديد من الصحفيين الروس بعدئذ بحثا عن حقيقة انتحاره والملابسات التي احاطتها، مرورا بتلك المقابلات الصحفية التفصيلية مع معاصريه والمذكرات والذكريات التي كتبوها عنه وعن معاناته .

موضوع انتحار ماياكوفسكي – باختصار – لا زال مطروحا وبحيوية، ولا زال مفتوحا امام الباحثين، ولا زال ينتظر ذاك الذي سوف يكتشف اسراره ويعلنها امام العالم .

 

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو (11)

هذه هي الحلقة (11) من سلسلة مقالاتنا لمناسبة الذكرى السبعين على اقامة العلاقات العراقية – الروسية (ايلول / سبتمبر 1944 – ايلول / سبتمبر 2014)، ونتناول فيها علما من أعلام الفن المسرحي العراقي المعاصر وأحد خريجي الجامعات السوفيتية وهو المرحوم الفنان المسرحي الكبير قاسم محمد .

ضياء نافع

.................

 

قاسم محمد (1936 – 2009) اسم معروف جدا في عالم الفنون المسرحية في النصف الثاني من القرن العشرين في العراق، تخرج في قسم المسرح (كان يسمى في حينه – قسم التمثيل) بمعهد الفنون الجميلة في بغداد نهاية الخمسينات وساهم بحماس في الحياة المسرحية العراقية آنذاك مع أبرز الفنانين العراقيين، ثم سافر في بداية الستينات الى موسكو ودرس الفنون المسرحية فيها بمعهد الفن المسرحي (غيتيس) المعروف عالميا، وساهم في النشاطات المسرحية بموسكو اثناء فترة دراسته (ربما يمكن اعتباره العراقي الوحيد الذي قام باداء ادوار فنية على خشبة المسارح الروسية آنذاك وقد حدٌثني قاسم محمد مرة في بغداد عن ذلك بفخر واعتزاز كبيرين) وانهى دراسته بموسكوعام 1967 وعاد الى العراق، واستمر بمسيرته المسرحية في بغداد، واصبح في نهاية المطاف واحدا من أبرز الفنانين المسرحيين العراقيين المشهورين في مجالات متشعبة عديدة في دنيا المسرح مثل الاخراج المسرحي والتأليف المسرحي واعداد النصوص المسرحية الاجنبية والتمثيل على خشبة المسارح وفي المسلسلات التلفزيونية وحتى في بعض الافلام السينمائية، والكتابة في الصحافة حول الشؤون المسرحية المختلفة ...الخ، وقد حاول استخدام دراسته المسرحية في موسكو بذكاء وتوظيفها لخدمة مسيرته الفنية في بغداد، ونجح بشكل باهرجدا في هذا المجال، ومن جملة المسرحيات الروسية التي أعدٌها وحورها على وفق المتطلبات العراقية والمشاكل المحلية يمكن الاشارة الى مسرحية أستروفسكي الشهيرة – (مكان للربح)، والتي قدمها بعنوان – (الحب والربح) وأعدٌها وصاغها بنكهة عراقية وجعلها وكأنها تعكس - وبكل معنى الكلمة - مشاكل عراقية كان (ولا يزال) يعاني منها المجتمع العراقي، واستفاد جدا من التجربة الغنية للمسرح الروسي للاطفال، وقدٌم في اطار هذا العالم المسرحي الجميل مسرحية نالت نجاحا باهرا في الاوساط الفنية والشعبية العراقية وهي مسرحية (طير السعد)، والتي تحدثت عنها الاوساط المسرحية العراقية طويلا وباعجاب واندهاش كبيرين لانها كانت خطوة جديدة فعلا - وفي غاية الجمال – في مسيرة المسرح العراقي عموما ومسرح الاطفال خصوصا، وكذلك استطاع – وبنجاح – تقديم البطل الذي يعرفه كل الاطفال في روسيا واسمه (بوراتينو) وأطلق عليه قاسم محمد اسم – (الصبي الخشبي)، وهو عمل رشيق ومرح جدا كتبه الكاتب الايطالي كولودي، وقدمه اليكسي تولستوي للاطفال بترجمة روسية جميلة، وهكذا استحوذ هذا العمل الفني على حب الاطفال الروس كافة، وحاول قاسم محمد ان ينقل هذه الظاهرة الفنية المتميزة الى اطفال العراق، ولكن واحدة من ابرز واكبر النقاط التي ترتبط باسم قاسم محمد بلا شك هي عمله الرائد والرائع في تحوير رواية غائب طعمه فرمان العملاقة (النخلة والجيران) واعدادها مسرحيا واخراجها وتقديمها للمشاهدين العراقيين على خشبة المسرح، وعلى شاشة التلفزيون، ويعد هذا العمل الفني قمة من قمم النجاح لقاسم محمد الفنان، ويرتبط هذا العمل بلا شك بموسكو ايضا، لانه ولد – كفكرة - في اطار علاقات الصداقة والود والاحترام المتبادل بين قاسم محمد وغائب طعمه فرمان الكاتب العراقي المقيم في موسكو، لهذا جاء هذا العمل المسرحي متناسق هارمونيا ونجح بشكل منقطع النظير كما يقال لانه نتاج حوار ابداعي طويل بينهما، وتقبله الجمهور العراقي باعجاب شديد وحب حقيقيي، بل تحولت بعض عباراته الى امثال بين الناس، وكتب عنه النقاد والمهتمون بشؤون المسرح العراقي كثيرا من التعليقات والانطباعات، ولا زالت تظهر بين الحين والاخر ولحد الان تعليقات ومقالات تتناول هذا العمل الابداعي لقاسم محمد في بعض الصحف والمواقع الالكترونية الفكرية (انظر ما كتبه الاستاذ قحطان السعيدي في جريدة (الاتحاد) العراقية بتاريخ 14 / 8 / 2013 تحت عنوان – (وجهه نظر ... النخلة والجيران رائعة المسرح العراقي) وهي مقالة جميلة جدا، او ما كتبته الدكتورة سعاد محمد خضر في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 28/ 11 / 2012 تحت عنوان – (النخلة والجيران) وهي مقالة تحليلية عميقة تناولت اضافات قاسم محمد الرائعة الى الرواية انطلاقا من فهمه وتفسيره الذاتي ووجهة نظره الخاصة تجاه رواية غائب طعمه فرمان المذكورة)، وفي كل الاحوال، فان الحديث عن الفنان المسرحي الكبير قاسم محمد يجب ان يتناول تلك الاعمال المسرحية التي ارتبط بها وارتبطت به واصبحت الان ضمن الريبرتوار المسرحي العراقي المعاصر مثل – (بغداد الازل بين الجد والهزل)، و(كان يا ما كان) و(الخرابة) و(الشريعة) و(الحلم) و(الباب) و(الخان) و(القربان) و(البيك والسايق) والكثير من المسرحيات الاخرى، والتي يجب التحدٌث عن كل واحدة منها وعن خصائصها واهميتها وقيمتها الفنية في مسيرة المسرح العراقي والدور الرائد لقاسم محمد فيها، الا ان طبيعة المقالة طبعا لا تسمح بذلك .

اضطر قاسم محمد في سنوات الحصار ان ينتقل عام 1997 للعمل في الامارات العربية المتحدة، حيث استقر في امارة الشارقة، وهناك شغل مكانته اللائقة به باعتباره واحدا من الفنانين المسرحيين العرب الكبار في دنيا المسرح، أضافة الى اصداره كتبا هناك في مجال اختصاصه، كان آخرها الكتاب الصادر عن وزارة الثقافة في الشارقة بعنوان – (اشتغالات بصرية شكسبيرية). ويجب الاشارة في ختام هذه السطور الوجيزة عن الفنان قاسم محمد الى انه قد حاز في مسيرته الفنية على جوائز تقديرية عديدة في العراق وبعض الدول العربية الاخرى تقديرا لجهوده الفنية في مجال المسرح . هذا وقد توفي المرحوم قاسم محمد في الامارات، وتم نقل جثمانه الى بغداد من قبل الدولة العراقية وتم استقبال الجثمان في مطار بغداد وتشييعه انطلاقا من بناية المسرح الوطني ودفنه في مقبرة الكرخ وسط اجواء تليق به وتتناسب واهميته وقيمته في دنيا الفن المسرحي العراقي، وقد جاء في نعي رئاسة الجمهورية له – (... قاسم محمد – فنان عراقي كبير أثرى بابداعاته القيٌمة مسيرة المسرح العراقي، وبرحيله فقد المسرح العراقي ركيزة من ركائزه الفنية والوطنية الرائدة ...)

 

رحيل الإعلامية فوزية سلامة (امرأة الزمن القادم)

fatimaalzahraa bolaarasفي يوم شديد الرمزية (عيد الفطر المبارك) انتقلت الإعلامية الشهيرة فوزية سلامة إلى جوار ربها بعد صراع طويل مع مرض السرطان..أظهرت فيه شجاعة وصبر يُحسبان لها ويزيدان في التأكيد على تميزها واختلافها

رغم أن فوزية سلامة صحفية معروفة وكاتبة إلا أنها دخلت القلوب من باب برنامجه الشهير (كلام نواعم) الذي يحظى بالكثير بالاهتمام من النساء العربيات .. بسبب المواضيع الجريئة التي يتطرق إليها وبسبب نوعية الطرح وقدرة(النواعم) على الدفاع عن أفكارهن وآرائهن .. ابتداء من (ماما فوزية) ورانيا برغوت وفرح بسيسو ومنى سليمان وكل الإعلاميات اللواتي مررن على هذا البرنامج الغني عن التعريف

ورغم بعض التحفظ على كثير من الأفكار وحتى المواضيع التي يطرحها البرنامج إلا أنه ينبغي الاعتراف بأنه يحظى بمشاهدة واسعة وأنه برنامج متميّز صنع تميزه المقدّمات وتألقهن وتكوينهن الإعلامي والثقافي العالي وسعيهن الدائم لإحداث ثورة في أفكار المرأة العربية مستلهمين تجاربهن التي خضناها في المجتمعات المتقدّمة

ولا شك أن فوزية سلامة كانت تمثّل ركيزة متينة في هذا البرنامج الناجح ليس لكونها أكبر المقدمات ولكن أيضا لاختلافها وتميزها

كان لفوزية آراءها التي تقدّمها بجرأة وثقة وأناة .. وكانت لها بديهتها في طرح الأسئلة ومحاورة الضيوف .. كما كانت لها شجاعة نادرة عبّرت عنها (عبر البرنامج) سواء بطريق مباشر أو غير مباشر دون أن تحسب أي حساب لمنتقديها الذين يحلو لهم التهجم على شخصها بدل مقارعة أفكارها (المستقبلية) للمرأة العربية .. والتي كانت جوانحها تمتلئ غيرة عليها وكانت تدعوها (وبإلحاح) إلى زمن قادم كله أمل وإشراق

وكانت النماذج(من النساء) التي يقدمها برنامج النواعم نماذج ناجحة يقتدى بها أو نماذج مقهورة واقعة تحت رحى التقاليد والقهر الذكوري(يشار إلى معاناتها) خاصة في المجتمعات العربية

نستطيع أن نقول أن فوزية سلامة عاشت في زمن (قادم) لم تدركه المرأة المصرية التي كافحت كثيرا من أجل إسماع صوتها في برنامجها الشهير

كانت فوزية متقدة الذكاء يظهر ذلك من خلال أسئلتها وأجوبتها .. وسبقها في طرح الأفكار الجديدة والجميلة

وعندما ابتليت بمرض السرطان كان لها الشجاعة أن تعلن ذلك وتتحداه بصبر وشجاعة .. ربما أبكت زميلاتها ..لكنها زادتها احتراما وإعجابا في عيون جمهورها من النساء والرجال على حد سواء

لقد عاشت فوزية ستين سنة بمقدار الأيام لكن هذا العمر ضاعفته أعمالها المميزة وتألقها في عدة ميادين

وإن كنت لا أعرف فوزية إلا أنني تعلقت بها وجدانيا وكثيرا ما تابعت برنامجها (كلام نواعم) من أجلها فقط كما أنني أعتبرها نموذجا ناجحا للمرأة المصرية والعربية عموما

رحلتْ فوزية سلامة المرأة العربية المتفتحة التي عملت على بعث الأمل في كل النساء العربيات والتغلب على قيود المجتمع المثبطة ودعت النساء إلى مستقبل جميل عاشت فيه وأرادته لبنات بلدها ولكل النساء العربيات بكل صِدق وإخلاص

رحم الله فوزية سلامة المرأة التي أرادت للنساء العربيات أن يكن (نواعم)

وينتصرن على خشونة العيش وذكورة (الأذهان) وجزاها عنهن أحسن الجزاء بما كان لها من نية طيبة في الوصول بالمرأة إلى زمن جميل قادم

إنا لله وإنا إلية راجعون

فاطمة الزهراء بولعراس

أحداث عشـت بكنفها في عهد نظام معمر القذافي

abdulrazaq mohamadjafarقضية الأمام موسى الصدر

نشرت الكثير من التكهنات حول اختفاء الأمام موسى الصدر (قائد لبناني) وصلة ذلك بالقذافي، فقد اختفى الصدر ومن كان معه في ليبيا أثناء زيارته لها،ولغاية أندلاع ثورة فبراير2011م.، لم يعرف عنه ان كان حياً أو ميتاً !، .. ولا زال محور تساؤل جدي. صرح الأمين العام حسن نصر الله في إحدى خطاباته سابقاً بأن ليس أمام ليبيا إلا رد الإمام وقد ادعى أحد المعارضين الليبيين أنه يعلم بوجود الصدر في إحدى سجون ليبيا، مستعملاً ذلك كورقة ضغط سياسية ضد نظام معمر القذافي .

وعلى اية حال، ما من أحد من المقربين للنظام على دراية ان كان الأمام الصدر في ليبيا أو لا، لأن آخر مقر زاره ليبيا فلهذا اتهمت ليبيا بذلك الإختطاف، .. فلقد جاء الأمام موسى الصدر إلى ليبيا بدعوة شخصية من القدافى.اي أنه في ضيافة القدافى، فهل من المعقول ان يختفي من دون علم المضيف؟

أضافة الى ذلك، أنه كان بصحبه اثنين من رفاقه هما الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، وقد اختفيا معه!!

لقد أكد الرائد عبد المنعم الهونى - شريك معمر القذافى في ثورة الفاتح ومندوب ليبيا لدى الجامعة العربية - أن:

"الإمام موسى الصدر قتل خلال زيارته الشهيرة إلى ليبيا ودفن في منطقة سبها في جنوب البلاد" - بينما أعلن السيد صدر الدين الصدر نجل الامام موسى الصدر أن والده ما زال حبيساً في السجون الليبية !!

 

قضية لوكربي!

كانت قضية لوكربي من أخطر التحدّيات التي واجهها معمّر القذافي فلم يكن بيد الغرب، حجّة قويّة يمكن أن يستخدمها ضد ليبيا في صراعه معها كهذه القضية، ليس لكفاية الدليل فيها بل لان الغرب استطاع الحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي يلزم ليبيا بتسليم اثنين من مواطنيها مشتبه في ضلوعهما في الحادث، والقرار في ذاته لا يشكل ضغطا كبيرا على ليبيا غير أن صيغته التي قدّمتها الدولتان بالإمكان تطويرها بصورة يمكن أن تصل إلى حد العمل العسكري ضد ليبيا بتطبيقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

استطاع معمّر القذافي على مدى سبع سنين إلى أخراج ليبيا منها بسلام، بمناورات بين القبول بالقرارات الدولية تارة، ... ثم التفاوض حولها، وتارة أخرى متحدّيا لها، بكسر الحظر الجوّي المفروض، .. وذلك بقيام الطائرات الليبية بنقل أفواج الحجيج دون أذن من الأمم المتحدة أو قيامه بكسر هذا الحظر من خلال الانتقال إلى الدول العربية أو الأفريقية على متن طائرات ليبية دون أذن من المنظمة المذكورة، أو الالتفاف على الحظر الاقتصادي من خلال شبكة مؤسسات مالية استطاع معمّر القذافي أن يقيمها على مدى سنوات، وأن يوظفّها بصورة جعلت من الحظر لا تأثير له في القرار الليبي !

استطاع معمّر القذافي أن يوّظف الاقتصاد الليبي والعلاقات الدولية التي أقامها منذ وصوله إلى سدة القيادة في ليبيا لخدمة المعركة المفروضة عليه من خصومه الذين ما انفكوا يبحثون عن الفرص للإيقاع به ولم ينجحوا يوما ما في مآربهم، كما استطاع معمّر القذافي أن ينجح في تعبئة الليبيين في هذه المعركة، وان يجعل منها فرصة أخرى تزيد التفافهم من حوله. انتصرت ليبيا في هذه المعركه السياسية وذلك بعد قبول الولايات المتحده بمحاكمه المشتبه فيهما إلى دولة محايدة.

 

الممرضات البلغاريات!

على النقيض من الممرضات الأوكرانيات اللاتي كان لهن الحظوة لدى القذافي، فقد حل غضبه وسخطه على نظيراتهن البلغاريات اللاتي جئن إلى ليبيا (كما الأوكرانيات)، بحثا عن الرواتب الرفيعة، فانتهى بهن الأمر سجينات مع طبيب فلسطيني بتهمة حقن 436 من أطفال بنغازي بفيروس الأيدز!!

حامت الشكوك حول مصداقية العقيد القذافي بأتهام الممرضات البلغاريات، فقد كانت نهاية القصة أقل مصداقية وأكثر شبهة وإثارة للجدل حين انتهت بعفو عنهن مقابل تعويض نحو نصف مليار دولار من قبل بلغاريا لأسر الأطفال المصابين !

لكن البلغاريين أكدوا أنهم لم يدفعوا فلسا واحدا لليبيين قبل أن تتكشف معلومات أخرى، بأن العقيد هو من حول أموال الصفقة لتعاد إليه من جديد!!، وزاد الأمر إشكالا وغموضا حين اعترف نجله سيف الأسلام بتعرضهن للتعذيب، وعدم ثبوت التهم عليهن، مقرا بأن القصة كانت تهدف بالأساس لابتزاز الغربيين !!

أما الطبيب الفلسطيني المرافق لهن فكان الأوربيون أرحم به من القذافي حين أصروا على شموله بصفقة الإفراج رغم اعتراض المفاوض الليبي، ولتسهيل شموله بالصفقة وإخراجه من جحيم القذافي تم منحه الجنسية البلغارية.

 

معمر القذافي في الأمم المتحدة!

تحدث معمر القذافي في 23 سبتمبر 2009م.، امام الجمعية العمومية في خطاب مدته ساعة ونصف، وفي كلمته وهي الأولى له أمامها بعد أربعة عقود من حكمه، أعاد القذافي التعبير عن عبثية هذه المنظمة ليقوم بخطوة رمزية تعبر عن مدى السخط والاحتجاج على عبثية هذه المنظمة الشاسعة والمحكومة للغرب عامة وللولايات المتحدة الأمريكية خاصة، بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة الذي لم تتحقق منه مجرد ديباجته بالادعاء بان سبب وجود الأمم المتحدة"الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين" ودعا إلى تحويل سلطتة إلى الهيئة، لأنه بات "مجلس رعب" لن تعترف بلاده بقراراته بعد اليوم إذا استمرت تركيبته الحالية !

اعتبر القذافي أن افريقيا جديرة بمقعد دائم، حتى دون إصلاح مجلس الأمن، استحقاقا عن الماضي كـ"قارة معزولة ومضطهدة ننظر إليها كحيوانات ثم عبيد ثم مستعمرات تحت الوصاية".

وتساءل لم لا يسمح لطالبان بأن تحكم افغانستان دولةً دينية كـ"الفاتيكان"؟.

ووصف القذافي الجمعية العامة بأنها متنزه هايدبارك، الشهير في لندن،، أي أنها منبرٌ للخطابة فقط، وهاجم الوكالة الدولية للطاقة ومحكمة العدل لأنهما تحاسبان الضعفاء فقط.

ثم عرض مقترحا لتعويض الدول المستعمَرة حتى تتوقف الهجرة (نحو الشمال)، فلا هجرة من بلاده إلى إيطاليا لأن الأخيرة أقرت تعويضها عن الاستعمار واعتذرت، ووقعت معاهدة تمنع الاعتداء عليها.

ودعا أيضا للتحقيق في قضايا كثيرة، كغزو غرينادا وبنما وحربي العراق وأفغانستان، وإعدامات لم يعرف من نفذها، حسب قوله، كإعدام صدام حسين وهو أسير حرب و"رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة"، وأيضا للتحقيق في فضيحة "أبو غريب "،

واتهم القذافي شركات كبرى بنشر فيروس إنفلونزا الخنازير وتصنيع المصل المضاد للمتاجرة به، متسائلا كيف يدفع الإنسان مقابل الدواء؟..

أما القضية الفلسطينية فلا حل لها -حسب قوله- إلا في دولة واحدة ديمقراطية للشعبين، لاستحالة قيام دولتين متجاورتين، لأنهما متداخلتان أصلا. وخاطب اليهود قائلا إن العرب هم من حماهم من الرومان ومحاكم التفتيش والمحرقة، والغرب يزج بهم الآن ليقاتلوا من دافعوا عنهم.

أما في دارفور، فقد استتب السلام حسب القذافي الذي اتهم الدول الغربية بتأجيج الصراع بحثا عن موطئ قدم، ودعاها إلى تحويل المساعدات إلى مشاريع إنمائية.

ودافع عن قراصنة الصومال فهم يدافعون -حسبه- عن ثروة بلادهم التي تنهبها دول تلوث مياههم أيضا بالنفايات السامة، وقال إنه التقى بهم وعرض عليهم معاهدة تحمي حقوق بلادهم مقابل توقف أعمال الخطف.

ولكن القذافي لم يتعرض إلى نتائج التحقيق المزعومة في مجزرة سجن أبو سليم في منتصف التسعيات حيث تم قتل حوالي 1200 سجين بدم بارد في يونيو 1996

 

الحارسات الشخصيات!

الحارسات الشخصيات بملابسهن غير المألوفة، والخيمة العربية مظاهر ارتبطت بالزعيم الليبي معمر القذافي، ولفتت الأنظار إليه في زياراته لدول العالم المختلفة!

وجاء اختيار العقيد القذافي للنساء لحمايته متناقضا مع تصوراته المعلنة عن المرأة، وتأكيداته المكررة في كتابه الأخضر أن "مكان النساء هو البيوت لأن تكليفهن بوظائف الرجال يفقدهن أنوثتهن وجمالهن".

وتشير المعلومات القليلة المتوافرة عن حارسات القذافي إلى أن تعدادهن يصل لنحو 400 حارسة، وأنهن يشكلن وحدة ذات وضع مميز داخل القوات الخاصة المكلفة بحمايته.

وتعود أصول هؤلاء الحارسات إلى منطقة الصحراء التي تشير الروايات التاريخية المتداولة بليبيا إلى أنها كانت مقر النساء الأمازيغيات المحاربات في الأساطير اليونانية.

ويختار القذافي حارساته وفق معايير محددة أهمها أن لا يتعدى السن العشرين عاما، والعذرية وعدم الزواج، وتوفر قدر معين من الجمال، والقوام الفارع والبنية القوية الشبيهة ببنية الرجال، والولاء المطلق لـ"الأخ قائد الثورة".

وتحصل كل مرشحة لوظيفة حارسة للقذافي على تأهيل عسكري متقدم يتم التركيز فيه على إتقان استخدام كافة أنواع المسدسات والبنادق والرشاشات وممارسة رياضات الالتحام البدني العنيف كالكاراتيه والجودو.

وترتدي المرشحة بعد انضمامها لحارسات العقيد حلة عسكرية خضراء ضيقة وحذاء بكعب منخفض، وتسلح بمسدس سريع الطلقات وخنجر، ويسمح لها باستخدام مستحضرات التجميل أثناء الخدمة وإخفاء شعرها تحت الطاقية العسكرية.

ولا تقتصر مهام حارسات القذافي على حماية الأخير في حله وترحاله، إذ تتعداها إلى ملازمته على مدار الساعة ومساعدته في ارتداء إزاره الطويل والترفيه عنه وقراءة من الكتاب الأخضر.

وأطلق القذافي على حارساته كلهن اسم عائشة تيمنا باسم ابنته الوحيدة، ويرافق الزعيم الليبي في زياراته الدولية ما بين 12 و40 من حارساته اللائي يميزهن بالأرقام ويطلق عليهن لقب راهبات الثورة.

وتسببت هؤلاء الحارسات في مشكلة بروتوكولية شهيرة عندما منعهن الحراس المصريون من الدخول مع القذافي لقاعة مؤتمر دولي شارك فيه الأخير بمدينة شرم الشيخ قبل أربعة أعوام.

وليس معروفا السبب الذي جعل العقيد الليبي يختار لنفسه حارسات له بدلا من حرس رجال، غير أن صحيفة بازلر تسايتونغ السويسرية أرجعت هذا إلى اعتقاد الزعيم الليبي أن النساء أقل خطرا عليه من الحراس الرجال الذين يمكن أن يغدروا به ويتآمروا عليه.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحارسات الشابات كن يكافأن على ولائهن للزعيم القائد بمنحهن رواتب خيالية وإرسالهن للتسوق في إيطاليا بين حين وآخر، وكشفت أن ثقة الزعيم الليبي المطلقة بحارساته تراجعت لأسباب غير معروفة في الفترة الأخيرة، وأوضحت أن المظهر الأبرز لهذا التراجع هو تجريد الحارسات من المسدس والخنجر.

 

الممرضات الأوكرانيات!

إضافة لحارساته الشابات، اشتهر العقيد معمر القذافي في السنوات الأخيرة بإحاطة نفسه بأربع ممرضات أوكرانيات، دخلن منطقة الضوء الإعلامي بعد حديث وثائق موقع ويكيليكس عنهن!

وذكرت برقية دبلوماسية أميركية سرية نشرها الموقع أن الممرضة جالينا كولوتنيتسكا هي الوحيدة من بين زميلاتها التي ترافق الزعيم الليبي أينما ذهب وتعرف كل روتين حياته.

وأشارت الوثيقة -وهي برقية موجهة من سفارة الولايات المتحدة بطرابلس إلى الخارجية الأميركية بواشنطن- إلى أن تسبب إجراءات روتينية في تأخير سفر الممرضة الأوكرانية الشقراء قبل عامين، دفع القذافي لإرسال طائرته الخاصة لتنقلها من طرابلس لتلحق به بالبرتغال حيث كان في طريقه إلى نيويورك.

تنفرد الممرضات من بين عموم النساء بمكانة خاصة لدى الزعيم الليبي معمر القذافي، جعلت منهن السيدات الأول والأكثر حظوة وقربا من قلب العقيد الذي صار بعد وصوله للسلطة يلف نفسه بمحيط نسائي من الممرضات والحارسات.

وتحظى السيدة صفيه فركاش (زوجته الثانية) بنفوذ وتسافر -بحسب وثائق لويكيليكس- في طائرة خاصة، وفي خدمتها موكب من سيارات المرسيدس ليقلّها من المطار إلى وجهتها، غير أن تنقلاتها محدودة ومحاطة بالسرية.

تفيد التقديرات الرسمية الأوكرانية بوجود أكثر من 2500 أوكراني بليبيا معظمهم من الأطباء والممرضات، لكن غالينا تبقى هي الأوفر حظا والأقرب إلى قلب الزعيم لأنها وحدها التي "تعرف روتينه الخاص"، وترافقه باستمرار ولا يستطيع السفر بدونها.

عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (10)

MM80 هذه هي الحلقة العاشرة في سلسلة مقالاتنا حول العراقيين الذين مرٌوا بموسكو، والتي أكتبها لمناسبة الذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية في ايلول / سبتمبر 2014، والحلقة هذه مكرٌسة لواحد من أعلام  العراق المعاصر من خريجي الجامعات السوفيتية وهو الدكتور المرحوم  حسين قاسم العزيز.

 

الدكتور حسين قاسم العزيز (22 19 – 1995) – واحد من الاسماء الشهيرة جدا والمعروفة في العراق المعاصر وعلم من اعلامه  الكبار، فهو مؤرخ شهير واستاذ لامع في قسم التاريخ بكلية الاداب في جامعة بغداد، وصحفي بارز في دنيا الصحافة العراقية، اذ كان رئيس تحرير صحيفة (الفكر الجديد)  الاسبوعية، التي كان يصدرها الحزب الشيوعي العراقي  آنذاك  في السبعينات من القرن العشرين . التقيته في جامعة موسكو بداية الستينات من ذلك  القرن، وكان بالنسبة لنا – نحن طلبة الدراسات الاولية آنذاك  – يبدو مهيبا ومتقدما بالسن مقارنة معنا ولا يمكن ان يكون بالطبع زميلا او صديقا لنا، وكنا نعامله باحترام وتقدير كبيرين، وكان هو يقابلنا بنفس ذلك الاحترام و الشعور، وكان هادئا ومحترما بتصرفاته وطريقة حياته  وبعيدا جدا  جدا عن الثرثرة التافهة والقيل والقال التي كانت تسود – مع الاسف - الاوساط العراقية الطلابية عندها ، وكنا نعرف انه كان مدرسا في المدارس العراقية لمادة التاريخ العربي الاسلامي، وانه كان حتى مديرا لاحدى تلك المدارس، وانه خريج دار المعلمين العالية المعروفة بمستواها العلمي الرفيع  في اواسط الاربعينات من القرن العشرين، ولم تكن معرفته باللغة الروسية عندما كان في موسكو واسعة وعميقة، وربما كان هذا نتيجة تقدمه بالعمرنسبيا وعدم اختلاطه الواسع بالطلبة الروس من حولنا كما هو الحال بالنسبة لنا في مرحلة الشباب، ونتيجة ايضا لطبيعة دراسته في قسم الدراسات العليا و المرتبطة بالتاريخ العربي بلا شك، ولكنه – مع ذلك – استطاع ان يستخدم المصادر الروسية بدراسته وكتابة اطروحته حول التاريخ العربي آنذاك ، وحتى ان يترجم  وينشر  بعض المصادر الروسية الخاصة بذلك الاختصاص بعد عودته الى العراق، وابرز نقطة في مسيرة حسين قاسم  العزيز واكبرها بلا ادنى شك  تكمن في انه كان  واحدا من القلائل جدا، بل المعدودين على اصابع اليد كما يقال، بين خريجي الاتحاد السوفيتي الذي نشر اطروحته بالعربية بعد عودته الى العراق، وكان عنوانها – (البابكية او انتفاضة الشعب الاذربيجاني ضد الخلافة العباسية) (تم طبعها عدة مرات وظهرت بطبعات مختلفة حتى بعد وفاته)، والتي أثارت ضجة هائلة جدا في اوساط المؤرخين والمثقفين العراقيين آنذاك ونقاشات واسعة ومثيرة وصاخبة حولها، ويمكن القول ان هذه الضجة لم تهدأ لحد الآن، ولا مجال هنا بالطبع لعرض الآراء المختلفة والمتناقضة بل و حتى المتصارعة – ان صحٌ هذا التعبير - حول  موضوعة هذه الاطروحة، بما فيها كتاب الاستاذ حسن العلوي حول ذلك في مؤلفه الشهير – (دماء على نهر الكرخا)، و قد أخبرني أحد زملائي مرة، ان كتاب حسين قاسم العزيز هذا حول البابكية أصبح مرجعا  معتمدا ومصدرا مهما جدا في جامعات الغرب الكبرى التي تدرس تاريخ العرب  و المسلمين في العالم، ولكني لست متأكدا من ذلك ولا استطيع ان اتحدث حول هذا الموضوع بشكل دقيق وتفصيلي ، رغم ان زميلي ذاك علٌق على هذا الخبر آنذاك قائلا، ان تلك الجامعات كانت سعيدة بهذا الكتاب لأنه جاء من باحث عراقي بالذات، ولكني أذكر مرة، اننا كنا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد، عندما كنا  نحاول ان نضع قاموسا روسيا – عربيا وجيزا يتضمن المصطلحات السياسية للطلبة، وتوقفنا عند مصطلح – (شعب)، وطرحنا صفات عديدة لهذا الاسم، ومنها طبعا – الشعب العراقي، فاعترض البعض وقال انه يجب كتابة مصطلح (الشعب العربي في العراق) انسجاما مع المفهوم السياسي للدولة العراقية وحزب البعث الحاكم آنذاك، وتشعب النقاش طبعا، فقال أحد الزملاء  – لماذا نسمح  للدكتورحسين قاسم العزيز ان يطرح مصطلح  (الشعب الاذربيجاني) في زمن الخلافة العباسية، عندما لم يكن هناك مثل هذه التسمية اصلا في ذلك الزمان البعيد، ولا نسمح بمصطلح الشعب العراقي في الوقت الحاضر؟ وقد أثار هذه التساؤل ردود فعل كبيرة فعلا، وانعكس هذا الطرح طبعا  في تصرفاتنا واعمالنا  في قسم اللغة الروسية آنذاك، وكل ذلك ارتباطا بذلك الكتاب المهم طبعا.

 لقد نشر الدكتور حسين قاسم العزيز العديد من الكتب المهمة  في اختصاصه، و منها على سبيل المثال وليس الحصر  -  موجز تار يخ العرب والاسلام // التطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية لعرب شبه الجزيرة قبل الاسلام //  دور المراكز الثقافية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري // المفصل في نشأة نوروز الذهنية الابداعية //، وهناك طبعا الكثير من البحوث العلمية التي نشرها الدكتور حسين قاسم العزيز، ومنها بحثه المهم والكبير  الذي نشره  عندما كان طالبا في قسم الدراسات العليا بجامعة موسكو (وكان هناك الكثير من المعجبين بالبحث وبطرحه الشجاع في حينه) في مجلة (الغد) (العدد 3 / تموز 1964 و كانت تصدرها حركة الدفاع عن الشعب العراقي برئاسة  الشاعر الكبير الجواهري، والتي تأسست بعد انقلاب 8 شباط 1963 الاسود، وساهم في ذلك العدد الدكتور صلاح خالص والدكتور فيصل السامر وغائب طعمه فرمان  ومحمود صبري وصادق الصايغ وغيرهم)  وعنوان البحث هو – (الشعوبية)، حيث ناقش فيها آراء المؤرخ الكبير المرحوم الاستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري حول هذا المصطلح التاريخي والسياسي، والذي لازال مطروحا بشكل حاد جدا – و بكل معنى الكلمة -  في الاوساط الفكرية والسياسية العراقية خصوصا و العربية  عموما و لحد الان.

 ختاما أود الاشارة و الاشادة ايضا بما كتبه الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف – الشخصية العراقية العلمية المعروفة في مساهماتها برصد وتسجيل  ودراسة اعلام المؤرخين في العراق -  حول الدكتور حسين قاسم العزيز، و الذي حدد – وبموضوعية عالية ورائعة جدا – دوره وافكاره في مسيرة الدراسات التاريخية في العراق آنذاك ، اذ ان الدكتور حسين قاسم العزيز كان ينطلق فعلا – كما كتب الدكتور العلاف وهو على حق  -   في كل طروحاته العلمية من موقفه الماركسي الواضح والصريح  والذي كان يؤمن به وباخلاص (يسميه العلاف – المادية الديالكتيكية)، بل يمكن القول ان الدكتور حسين قاسم العزيز  كان ماركسيا صريحا وعلنيا في كل كتاباته،  ولم يكن يحاول ابدا -  بشكل او بآخر – ان يخفي ذلك بتاتا، كما فعل الآخرون ..، وقد اعتقلته السلطات العراقية البعثية  نتيجة لذلك  في اواخر حياته وأخذوه مباشرة من قسم التاريخ في كلية الاداب بجامعة بغداد، وأثار اعتقاله ذلك ضجة هائلة آنذاك في اوساط الكلية – اساتذة وطلبة ، وعندما عاد بعد أيام الى قسم  التاريخ بالكلية المذكورة، حاول الدكتور حسين قاسم العزيز ان يعلن ان الامور كانت طبيعية  جدا (وكنت أنا شخصيا  من ضمن الذين زاروه في قسم التاريخ  للتهنئة بعودته سالما بعد حادثة  اعتقاله الرهيبة  من قبل قوات الامن  العراقية، وقد سألته بشكل مباشر – هل تعرض للتعذيب او شئ من هذا القبيل، فأخبرني ان كل الامور طبيعية وانه لم يتعرض لاي  شئ اثناء اعتقاله، واطلقوا سراحه  بعد حوار طويل معه)، لكن البعض أشار الى ان ذلك لا يتطابق ولا ينسجم ابدا  مع الواقع العملي والتطبيقي للسلطة البعثية آنذاك واجهزتها الامنية  تجاه هذا الامر بتاتا، وان الدكتور حسين كان مجبرا ان يعلن ذلك، وقد أخبرتني المرحومة الاستاذة الدكتورة حياة شرارة (زميلتي في قسم اللغة الروسية في كلية الاداب بجامعة بغداد) ان أحد أقرب الاصدقاء  طلب منها ان تكون حذرة جدا، لأن الدكتور حسين كان مجبرا ان يقول لاجهزة الامن تلك كل ما يعرفه حول الجميع في الكلية، بما فيهم طبعا الدكتورة حياة، واذكر انها كانت مرعوبة جدا آنذاك، وكانت تحدثني همسا تقريبا، وقد حاولت ان أغيٌر جدول دروسها الاسبوعي في قسم اللغة الروسية كي تستطيع التحرك بشكل افضل واكثر امانا وحيطة.

 

أ.د. ضياء نافع

 

في الذكرى السابعة عشرة لرحيل الجواهري الخالد

rawaa jasaniفي صبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الف ٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء:

"الجواهري يرحل إلى الخلود في احدى مشافي العاصمة السورية- دمشق،

عن عمر يناهز المئة عام..."

يطبق "الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم:

- المتميز بعبقريته التي يخشى أن يجادل حولها أحد.

- السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان حزباً بذاته، يخوض المعارك شعراً وفكراً ومواقف رائدة...

-الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطار

-   وذلك الراحل- الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي والذي "لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل "المترف البطر".. ناشر صحف "الرأي العام" و"الجهـــاد" و"الثبات" ... ورفيقاتهن الأخريات ...

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء على مدى عقـود حياته المديدة، صدح مؤمناً: "لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صلبا"..

- صـاحب "يوم الشـهيد" و"آمنت بالحسين" و"قلبي لكردستان" و"الغضب الخلاق" و"الفداء والدم"... شامخ، يطأ الطغاة بشسع نعل ٍ عازبا..

- والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن "وشـك معترك أو قرب مشتجر"، كيّ "يطعم النيران باللهب"! ..

- مبدعٌ بلا حـدود في فرائـد "زوربـا" و"المعـري" و"سـجا البحـر" و"أفروديـت" و"أنيتـا" و"لغة الثياب" و"أيها الأرق" وأخواتهن الكثار...

- وهو قبل كل هذا وذاك "أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماس".

- كما وانه "الفتى الممراح فراج الكروب" الذي "لم يخل من البهجة دارا" ..

- رائدٌ في حب وتقديس من "زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر "قلائداً لعقودهنَّ" ... و"يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

- وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر حين يستثيره "ميتون على ما استفرغوا جمدوا" ..

- وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى "لغير الشعر من وثن " ... فبات الشعراء

يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ...

-انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته "يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا" ... فهل راحت قصائده - فعلا - "ملؤ فم الزمان"!! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيــده

"سيبقى ويفنى نيزك وشهاب"، وهو القائل:

وها هو عنده فلك يدوي..... وعند منعمِ قصر مشيدُ

يموت الخالدون بكل فج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلودُ

ترى هل صدق بما قال ؟؟!!

... التاريخ وحده من انبأنا وينبئنا عن الامر، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!

عبد الرحمن النعيمي اليساري الأكثر اعتدالاً .. حين يعجن وسيلته بالغاية

abdulhusan shaabanلم أشأ أن أتحدّث عن عبد الرحمن النعيمي "أبو أمل" ماضياً، فقد حاولت قدر الإمكان أن أُقاربه حاضراً وربماً مستقبلاً، انطلاقاً من سيرة وسيرورة إتسمت بالتواضع والاعتدال، مثلما انطبعت بالواقعية والدينامية الفكرية النشطة والمتسائلة.

 ولعلّها المرّة الرابعة التي أتناول فيها جوانب مختلفة من فكر وممارسة عبد الرحمن النعيمي، ففي المرّة الأولى حين أبعدته الغيبوبة قسرياً عن لقاء رفاقه في البحرين، تناولت عشرة محطات جمعتني مع سعيد سيف "عبد الرحمن النعيمي" على نحو ثلاثة عقود ونصف من الزمان، وفي المرّة الثانية بُعيد وداعه في بيروت يوم تم الاحتفال به في دار الندوة، والتي لمّت المناضلين الذين أحبّوه، والثالثة عند تكريمه في المنامة في ظرف ملتبس وعصيب، لاسيّما عندما احتدمت الأمور. وهذه هي المرّة الرابعة حين تحتضن بيروت مقاسمة مع المقاومة، الاحتفاء بعبد الرحمن النعيمي، أحد كبار رموز الحركة التحررية الخليجية بشكل خاص والعربية بشكل عام.

إذا كان لي أن أستذكر حواراتنا المستمرة مع عبد الرحمن النعيمي والتحوّلات التي مررنا بها، ومعنا أخوة وأصدقاء آخرين،  فلا يمكن البدء الاّ مما كان يشغله بشكل خاص وأعني، هزيمة 5 حزيران (يونيو) العام 1967 وما شهدته السنوات التي تلتها من قراءات انتقادية للتجربة بما لها وما عليها، ومراجعات فكرية وسياسية لأبرز التيارات السياسية القومية واليسارية، خصوصاً وإن فعل الهزيمة كان حاداً وصارخاً على المستويين الجماعي والفردي على حد سواء.

كانت حواراتنا أيضاً مع بعض قيادات في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وفي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وشخصيات فلسطينية أخرى، إضافة إلى بعض قيادات يمنية وأخرى عربية، ولم يكن الحوار مع الآخر، سوى حوارمع الذات، وهو الأهم لأنه تواصل ومراجعة ونقد وتصحيح وتصويب. والحوار مع الذات هو حوار مع التاريخ، واستعادة ومراجعة لمنولوجات داخلية ونقدية ووقفات تأملية لفحص الأخطاء الصغرى والكبرى، إنه نوع المحايثة الكثيفة للأنا والأنت وهو جزء من التحقيب المعرفي في إطار تقاطب واختلاف لعقود من الزمان، بين تيارات يجمعها الكثير ويفرقها القليل، لكنها وجدت نفسها في لجّة الصراع متباعدة ومتنافرة لحدّ التناقض.

وعند أول لقاء لنا في عدن، العام 1974وكنت يومها أحضر ندوة عن " ديمقراطية التعليم والإصلاح الجامعي" عرّفني عليه شايع محسن السفير اليمني لاحقاً في لندن، وقد افتتحنا حديثاً بالحوار عن ثورة ظفار، الذي كان عائداً منها. وكنت عند كل لقاء لاحق، ولاسيّما بعد العام 1980 عندما وصلت إلى دمشق أشعر أن الحوار الفكري مع عبد الرحمن النعيمي يفرز حالات امتلاء، وهذا الأخير يفضي إلى التحقق، ويقود ذلك إلى الدلالة، وفيها مواصلة وتعبير عن كثافة حضور وتموقع، والامتلاء نقيض الفراغ وهو استحقاق قائم على وعي الذات، أما التحقق فهو شرط الدلالة الوجودية، وهي رهان على الوجود الإنساني.

ولا شكّ إن تطورات مهمة كانت قد طرأت على فكر وهيكليات الحركة القومية العربية، ولاسيّما حركة القوميين العرب، التي انتقلت من المركزية إلى اللامركزية القريبة من الاستقلالية للفروع والتنظيمات العربية، ومن الشعارات القومية الخمسينية: وحدة، تحرر، ثأر، إلى شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، وكانت صحيفة الحرية اللبنانية، وفيما بعد صحيفة الهدف قد لعبتا دوراً كبيراً في صياغة وعي مرحلة بكاملها، شهدت انطلاقة الثورة الفلسطينية وحركة المقاومة للتعبير عنها.

كان بعضهم يتطور خطوة، خطوة، دون أن يقطع كلياً صلته بالماضي أو يحاول تسويده كلّه، أو يقفز فوق المراحل للانتقال إلى الضفة الأخرى، أو ينتقد خصومه أو المنافسين له من اليسار الكلاسيكي، باعتباره بالياً أو عفى عليه الزمن في إطار توجّه "سوبر يساري"، ولكن مرحلة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات شهدت نوعاً آخراً من التطور، فقد أعلنت تنظيمات فلسطينية وعربية غير قليلة عن تبنّيها الماركسية- اللينينية، وإعلان تبرئها من الفكر القومي والبرجوازية الصغيرة، التي أثبتت عجزها وعدم قدرتها على تحقيق أهداف الأمة العربية في التحرير والوحدة وبناء الإشتراكية.

-2-

كان عبد الرحمن النعيمي الأكثر توازناً فيما أحسبه من تطورات طبيعية، فلم تغره تلك التحوّلات السريعة، ومثلما كان النقد للفكر القومي ضرورياً، كان لا بدّ من نقد التيار الماركسي السائد، سواءً في مواقفه من المسألة الفلسطينية، ولاسيّما تأييده اللامبرّر لتقسيم فلسطين ومحاولة أدلجة ذلك أو رفعه شعار إزالة آثار العدوان، ولم يكن من السهولة بمكان إقناع أوساط الأممية الشيوعية بشعار حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني الاّ بعد جهود مضنية، وهو ما كنّا نلمسه في علاقاتنا، إذ كان يغلب عليها  الشعار المرحلي التكتيكي "إزالة آثار العدوان"، فضلاً عن الموقف من الوحدة الكيانية العربية، بأشكالها المختلفة، وحتى وإن كانت مسألة عاطفية من جانب بعض القوى التي سرعان ما أثبتت الأحداث عن قطريتها على حساب وحدويتها العروبية، لكن على الماركسيين، وهكذا يُفترض، أن تجد أساساً موضوعياً، إذ أنها تمثّل جوهر ومحتوى التلازم بين القضية الوطنية والقضية الاجتماعية وبين قضية التحرر والعدالة الاجتماعية. لكن التطوّر الذي حصل لدى بعض أطراف وفروع الحركة القومية بإعلانها عن تبنّي الماركسية- اللينينية، جاء ليلتحق بركب الحركة الشيوعية الكلاسيكية، فما كنّا نعاني منه وتركه بعضنا أو احتج عليه أو تململ بسببه بطرق مختلفة، وجدنا من يتسابق معنا إليه وكأنه اكتشاف جديد.

وفي حوار مع قيادات من قوى مختلفة بحضور عبد الرحمن النعيمي، قال لي أحدهم: هل الماركسية- اللينينية حكراً عليكم ولماذا لا تريدون أن ينافسكم فيها أحد، أهي ملكٌ صرفٌ مسجلٌ بالطابو للأحزاب الشيوعية؟!، وذلك ردّاً على سؤالي: لماذا تتسابقون بالإعلان عن تبنّيكم للماركسية – اللينينية كما كانت متداولة، وأقصد بالصيغة التي وصلت إلينا، وهي صيغة كانت قد فقدت صلاحياتها؟ أليس من الأفضل وأنتم في مرحلة تحرر وطني أن تبقى منظماتكم تتسع لتيارات عريضة، وربما كانت مثل هذه الأطروحة أقرب إلى " فتح" منها إلى تنظيمات يسارية فلسطينية.

قلت له جواباً على جوابه: خذوا الماركسية – اللينينية هديّة منّي إليكم، فنحن لم نفلح أن نترجمها على أرض الواقع، ولذلك فشلنا في مواقع غير قليلة، وإذا أردنا أن نعدّد نجاحاتنا، فهي تتعلق بنشر الثقافة الماركسية، حتى وإن كان الأمر بطبعتها غير الصالحة للاستعمال، لكن معها كانت قيم العدالة والمساواة والتآخي بين الشعوب وعدم التمييز والاستغلال ورفض الظلم الطبقي والاجتماعي والدعوة إلى حقوق المرأة وحقوق المجاميع الثقافية، وهو ما يصطلح على تسميته بحقوق الأقليات، على الرغم من أنني أفضل "حقوق المجموعات الثقافية: القومية والدينية واللغوية والسلالية وغيرها"، وتلك مثّلت الحاجة إلى المدنية والحداثة والتقدم الاجتماعي والعقلانية والحريات.

ولكنني لا أخفي عليك كما أردفت: نحن أيضاً تأثرنا بلغة المقاومة الفلسطينية، ومفرداتها بعد العام 1967، وحريتها في النقد، لاسيّما لبعض يقينياتنا ذات الصفة التبشيرية والتعبوية غير العقلانية، وهو الأمر الذي حصل للجميع على ما أظن، فإضافة إلى الموجة العالمية الانتقادية للتطبيقات البيروقراطية الاشتراكية وفروعها فيما أطلقنا عليه بلدان حركة التحرر الوطني بقيادة الديمقراطيين الثوريين، الذين يمكن أن يمضوا بتجربة التطور اللارأسمالي صوب الاشتراكية، كانت المراجعات تتسع لجوانب الفكر والثقافة والأدب وأشكال التنظيم والإعلام وغير ذلك.

وكان مثل هذه الإنتقادات قد لقيت أذاناً صاغية بسبب الحركية الجيفارية وتجسيداتها البطولية وتيارات اليسار الجديد في أوروبا وما بعد مدرسة فرانكفورت والمساهمات الجديدة في حقول الميثولوجيا والانتربولوجيا والنقد الأدبي والجماليات وعلم النفس، ولا شكّ أن السارترية والبنيوية وجاك ديردا وميشيل فوكو وألتوسير من ساهم في وضع أساسات ظلّت راسخة إلى حدود معينة في نقد التركيب الاشتراكي الكلاسيكي لمقوّمات الفكر السائد والعقل السائد.

وقد لعبت مجلة الكاتب المصرية والطليعة المصرية واليسار اللبناني بشكل عام بما فيه الشيوعي ومجلة الحرية والهدف فيما بعد دوراً كبيراً في ذلك، في نشر حوارات متنوّعة، لاسيّما بعد الثورة الطلابية في فرنسا (أيار/مايو) العام 1968.

-3-

لم يكن عبد الرحمن النعيمي ليهدأ أو ينام، فداخل منظومته وأحلامه ورؤاه الفكرية كانت تجري تحوّلات ديناميكية، وأصل الفلسفة كما قيل حوار وجدل، ولذلك كان يميل إليهما، لأنه يجد فيهما بحثاً وتوليداً، ونوعاً من السباحة نزولاً إلى الأعماق أحياناً، وصعوداً فوق التيارات أحياناً أخرى.

لم يكتفِ النعيمي بنقده الذاتي للتوجهات السائدة في الحركة القومية العربية، ولم يكن أيضاً يقبل بالمقولات الجامدة التي درج عليها التيار الماركسي السائد، ولذلك وجد نفسه باستمرار يسعى للبحث والتنقيب، بل والحفر أحياناً بأرض بكر عن مزاوجات طبيعية بين العروبة في إطار يساري، اجتماعي، وهو ما كان قد بدأه نخبة من المفكرين العروبيين من ذوي التوجه اليساري والماركسي.

لقد ظل النعيمي على الرغم من انتقاله إلى مواقع اليسار العقلاني متمسكاً بعدد من الثوابت، لم يحد عنها في منطلقاته الفكرية التي أجرى عليها التعديلات الضرورية ومنها: اعتبار القضية الفلسطينية القضية المركزية، مهما ارتفعت الأصوات: هذا البلد أولاً أو ذاك، فقد ظل في كل جزئياته " فلسطينياً" حتى النخاع وعروبياً حقيقياً في العمق والأداء، وإنْ اعتز بخليجيته وبحرينيته، لكنه لم يكن يشعر بالتكامل الاّ ببعده العروبي والإنساني أيضاً.

وعندما اشتعلت الحرب بين العراق وإيران 1980-1988، كان من المبادرين إلى رفع شعار وقف الحرب فوراً والجلوس إلى طاولة المفاوضات، واعتبر تلك الحرب لا تخدم سوى الامبريالية والصهيونية، وبعد غزو القوات العراقية للكويت في العام 1990 أدان تلك المغامرة، ولكن حينما تجمّعت قوات التحالف الدولي لشن الحرب على العراق، وقف ضد الحرب أيضاً، ولم يهمّه إن كان موجوداً في بلد شارك حينها، في قوات التحالف الدولي لتحرير الكويت، فاعتقل في سوريا وبقي فيها لحين انتهاء الحرب وتحرير الكويت، ولكنه لم يغيّر موقفه، وإنْ ظلّ ضد سياسات بغداد القمعية، لكنه كان ضد الحصار الدولي الجائر ودفع الثمن باهظاً، وعندما وقع العراق تحت الاحتلال، كان موقفه إدانة الاحتلال، الأمر الذي دفع بعض القوى للإفتراء عليه، والسعي إلى تشويه موقفه الوطني والعروبي الحقيقي والمتوازن والمبدئي.

لم تكن الوسيلة الشريفة لدى عبد الرحمن النعيمي تختلف عن الغاية الشريفة التي آمن بها، وإذا كنّا لا نستطيع التحكّم بالغايات، أي بالوصول إليها، لكن يُمكننا التحكّم بالوسائل وخياراتها، ولعلّ ذلك ما كان سيعني التحكّم بالغايات أيضاً من خلال اختيار الوسائل. وإذا كانت الغايات مجرّدة، فالوسائل ملموسة، والأولى تعنى بالمستقبل، أما الثانية فتعنى بالحاضر، الوسيلة هي شرف الغاية، لاسيّما إذا كانت الأهداف متشابهة أحياناً، لكن الفوارق الجوهرية هي في الوسائل، والوسيلة لدى عبد الرحمن النعيمي هي المقياس للغايات والأهداف والأفكار، وتلك مسألة جوهرية وليست عابرة، لأن الوسيلة تتوحد بالغاية، مثلما لا انفصال بين الجلد والجسد.

كان معيار عبد الرحمن النعيمي أخلاقياً، والسياسة لديه ستبدو بشعة وكريهة دون الأخلاق، وبقدر اقترابها من الأخلاق ستكون مؤثرة وفاعلة، ولعلّ أي انتصار حقيقي هو في تحقيق الغايات النبيلة والشريفة، ولكن بوسائل شريفة أيضاً. وبقدر علمانية ومدنية عبد الرحمن النعيمي لم يكن يهمل الظاهرة الدينية وهو من أوائل المثقفين السياسيين اليساريين العروبيين الذين بحثوا في هذه الظاهرة، مثلما أقاموا علاقات مع قوى وتيارات إسلامية أو متأثرة بالإسلام، وقاده ذلك إلى التحالف لاحقاً مع التيار الإسلامي في البحرين في إطار عمل مشترك وتعاون وتنسيق في الانتخابات البرلمانية، كما بذل محاولات طيلة عقدين من الزمان للتقارب مع الجناح الآخر في التيار اليساري "جهة التحرير" سواءً قبل العودة إلى البحرين أو بعدها، عندما تم تشكيل جمعية الأمل وجمعية المنبر الديمقراطي، وكان يعتقد أن جبهة اليسار هي الأولى وحجر الزاوية في جبهة التحالف الوطنية والتقارب مع الإسلاميين الذي كان يدعو إليه.

-4-

وكنت قد توقفت عند موقفه المعتدل والوسطي منذ عقود من الزمان، ولاسيما خلال ندوة للحوار بين التيارين القومي والماركسي، انعقدت في طرابلس (ليبيا) في العام 1984 على ما أتذكر، وحضرها نخبة من القياديين، وجرت فيها مناقشات عميقة حينها حول "الأزمة في حركة التحرر الوطني العربية"، وكم كان مهموماً بتيار عروبي يساري يشكل نواة حقيقية لمراجعة الأزمة البنيوية، ويراجع مسارات الحركة التحررية العربية، لاسيّما التوقف عند التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها بهدف التغلّب على الصعوبات والعراقيل التي تعيق انطلاقتها، وخصوصاً ضعف التوجه الديمقراطي لدى فصائلها وأحزابها.

كان عبد الرحمن النعيمي حالماً، بقدر ما كان واقعياً أيضاً وعملياً في الوقت نفسه، واستحق تقدير واعتراف الجميع من ممثلي الأحزاب والقوى العربية، فقد كان قادراً على تغليب ما هو عام على ما هو خاص، باحثاُ عن المشترك الإنساني واضعاً قضية التحرر بتلازمها الوطني والاجتماعي، العروبي والإنساني في إطار هارموني. 

والأهم من كل ذلك كان إنساناً يتدفق محبة وإخلاصاً في علاقاته الشخصية والعامة فحظي باحترام لا حدود له في الاتفاق والاختلاف، ولم يدع تلك الاختلافات تكون عائقاً أمام استمرار علاقاته الإنسانية. لم يكن تطور النعيمي سوى تراكمات موضوعية وذاتية وقراءات ومراجعات وتجارب فيها الناجح والمؤثر وفيها الفاشل والسلبي، ولكنه كان يختزن عبراً ودروساً باعتبار النظرية ليست مجردة أو رمادية، لأن شجرة الواقع كانت تغذيها باستمرار وهذا ما آمن به النعيمي كيساري أصيل.

 

د.عبد الحسين شعبان

مفكر وكاتب عراقي

 

كان هاجسه النقد .. في رثاء الصديق الشيخ خيرالله البصري

abduljabar alrifaiبلغني قبل قليل نبأ رحيل صديقي العزيز العلامة الشيخ خيرالله البصري الى الملكوت الأعلى..

تمتد علاقتي بالمرحوم البصري الى اكثر من ثلاثين عاما، كنت اسمع ثناء عاطرا عليه من المرحوم العلامة الشهيد الشيخ حسين معن عام ١٩٧٨ ، حين انخرطت تلميذا في الحوزة العلمية في النجف، كان يتكرر ذكر مواقفه الجسورة في حزب الدعوة وبين الدعاة وقتئذ، ويشار اليه كقدوة ومثال في مقاومة عنف السلطة واستبدادها.

لقائي الأول به عام ١٩٨٤ في الحوزة العلمية في قم، وتعمقت صداقتنا عاجلا، لأني كنت أصغي لصوتي ينطلق منه، وافكاري يتحدث بها.. وجدته يبوح بآلامي، ويصرخ بأوجاعي، ويحكي أحلامي، ويجرؤ على قول مالا استطيع قوله..عمل على ايقاظ جذوة ضميري، وكرس ثقتي بذاتي، وألهم الثقة والقدرة على البوح لجماعة من المعذبين من جيلي، المشردين من وطنهم، ممن كسروا الصخر بأسنانهم، وكتبوا على ذاكرة المنفى عذاباتهم..

كان هاجسه النقد؛ نقد الماضي، نقد الواقع، نقد المؤسسة، بالرغم من انه تعرض للهجاء والنبذ والاقصاء والاهمال والتجويع، من أؤلئك الذين تقلقهم أية محاولة جريئة لبعث أمواج الحياة في البرك الساكنة، ويخشون ان يسترد المغلوبون شيئا من حريتهم وكرامتهم..مما اضطره ذلك للتشرد من منفى الى منفى، والترحال الأبدي بين الدول والمدن، لكنه لم يترجل عن صهوة الكلمة الجسورة، ولم يخبو صوته، ولم يكف عن ايقاظ النيام..

العام الماضي كان لقائي الأخير معه في منزل الصديق د. السيد جودت القزويني ببيروت، بعد فراق امتد لسنوات، فوجدته لم يغادر موقفه النقدي، واحتجاجه الأبدي، واحزانه على ما آل اليه مصير الوطن.

رحم الله الانسان المتدفق بالثقة والفاعلية والاقدام والايمان الصديق الشيخ ابا علي البصري، وحشره مع الانبياء والصديقين، وحسن أؤلئك رفيقا.

بمناسبة الذكرى 17 لرحيل الشاعر الخالد .. الجواهـــري على قارعة الطريق حيث وُلد وأقام ورحل

rawaa jasaniلعل أوجز، وأوضحَ ما يُـفيـد المتسائل والباحث العجول عن بعض مواقف واتجاهات الجواهري، وفلسفته في الحياة، هو ما حفل به منجزه النثري "على قارعة الطريق" ذو الألف والثلاثمئة كلمة تقريباً .. ومما يؤكد اجتهادنا هذا، الاهتمام البالغ الذي أولاه الشاعر العظيم لهذه الابداعية المتميزة، وذلكم بإعادة نشرها في مقدمة، وبطون غالبية طبعات دواوينه، ان لم يكن جميعها، وعلى مدى عقود مديدة، ومنذ عام 1940.

لقد ولد الجواهري "على قارعة الطريق" شريداً، كما يزعم في رمزية قاسية .. وظل يسير واضعاً مطلع الشمس على جبينه، متحملاً كل تبعات ذلك من معاناة وآلام .. ثم يواصل وفي استعارة غاضبة أخرى أنه يأكل- في سبيل طماحه الانساني التبشيري- حتى من لحمه، ولحم أولاده عندما تضطره الحاجة، ويطعمهم لحمه إن تطلب الأمر.

وحسب زعمه الثائر أيضاً، فقد ترك المدينة وأهلها لأنه رفض أن يرقص فيها مثل القرود التي لم تهب الطبيعة لأحد مثل حيلتها وصبرها على المجاراة .. و"على قارعة الطريق" أيضاً وأيضاً، حيث اختبرها الجواهري، واختبرته، اكتشف الشاعر، كثيراً من الوقائع والحقائق التي تمكن في ضوئها من رسم وتحديد مساراته في الحياة، ولكي ينتهج بعدها الدروب والطرائق المناسبة في مجمل ما أراد من أهداف وغايات .. وليبقى يغنى ما قدر له، ولكن لنور الشمس أولاً .. وكما صرّح علناً لصديقه، عابر السبيل.

لقد كتب الجواهري تلكم "القصيدة المنثورة" قبل رحيله بنحو ستة عقود، ولكنه من شدة الإيمان بما جاء فيها من موحيات ورمزيات، ومحطات فلسفية، ظل يعتز بها، عصارة لبعض ما أراده من تنوير وإضاءات اجتماعية، عن طريق التحريض والاثارة، وهو سبيل اختطه في الكثير من قصائده، بهدف التمرد، والانهاض، والتطلع للحرية والارتقاء، وان غلت التضحيات.

 

* توثيق: رواء الجصاني

 

125 سنة على ميلاد أخماتوفا

صورة كبيرة وملونة للشاعرة الروسية الكبيرة آنٌا أخماتوفا لمناسبة الذكرى 125 لميلادها تتصدر الصفحة الاولى لجريدة (ليتيراتورنايا غازيتا) (الجريدة الادبية) الروسية الاسبوعية (الرقم 26 (6468))، والصادرة بتاريخ (25 حزيران / يونيو – 1 تموز / يوليو 2014)، وفوق الصورة مقطع من قصيدتها الشهيرة، لكن بتحوير بسيط جدا، وهو – انت علٌمت النساء ان يتكلمنٌ (المقطع عند أخماتوفا بالاصل في تلك القصيدة هو – أنا علٌمت النساء ان يتكلمنٌ)، وتحت ذلك العنوان الكبير يوجد عنوان اصغر منه ولكنه بارز ايضا ونقرأ فيه – (قبل 125 سنة ولدت آنٌا أخماتوفا) وتحت الصورة تلك - قصيدتان للشاعرة بحروف بارزة كتبتهما في اربعينيات القرن العشرين. وكرٌست الجريدة المذكورة الصفحة الرابعة باكملها تقريبا من عددها المشار اليه اعلاه لابداع أخماتوفا وذكرى ميلادها، اذ كتبت الباحثة الروسية اولغا مدفيدكو مقالة شغلت ثلاثة ارباع تلك الصفحة مع صورة فوتوغرافية كبيرة و رائعة جدا لأخماتوفا تنشر لاول مرة في روسيا التقطها بافل لوكينسكي (الذي اعطانا الكثير من اللقطات الفوتوغرافية الفنية الجميلة و المدهشة للشاعرة)، والصورة المنشورة تلك تم التقاطها لآنٌا أخماتوفا في عشرينيات القرن العشرين . تتكون مقالة مدفيدكو من مقدمة عن الباحث لوكينسكي (1900- 1973) الذي توجٌه الى الشاعرة عام 1924 عندما كان طالبا في جامعة بيتروغراد (بطرسبورغ حاليا) وذلك عندما انهى لتوه بحثه السنوي في الجامعة عن الشاعر غوميليوف (زوج أخماتوفا الاول والذي اعدمته السلطة السوفيتية في عام 1921 – انظر مقالتنا المنشورة حوله بعنوان – غوميليوف الشاعر الروسي المخضرم ) كي تطلع الشاعرة على البحث المذكور وتبدي رأيها بشأنه، اذ من يستطيع ان يبدي الرأي بذلك افضل من أخماتوفا – رفيقة دربه الابداعي وزوجته الاولى ووالدة ابنهما الوحيد ؟، وهكذا تبدأ رحلة لوكينسكي مع أخماتوفا، حيث يكرس بعدئذ مسيرته في الحياة لعمله البحثي الكبير حول غوميليوف وللاستمرار بالحوار مع أخماتوفا وافكارها حول مختلف جوانب الحياة، وهكذا ابتدأ بوضع ارشيف تفصيلي للشاعرة وبكتابة مذكرات حول كل ما تقول له وبكل ما يتعلق بحياتها وابداعها . تختار الباحثة اولغا مدفيدكو في مقالتها تلك مقاطع مختارة طريفة وممتعة جدا من ذلك الارشيف الذي لم يستطع لوكينسكي نشره بالكامل في حينه، والذي كان يعرف مسبقا – بشكل او بآخر - انه لن يراه مطبوعا في حياته، وفعلا ظهر هذا الارشيف لاول مرة في باريس عام 1991 (اي بعد وفاته ب 18 سنة)، اما بحثه حول غوميليوف فقد تم اصداره في عام 2010 ليس الا بعنوان – (اعمال وايام غوميليوف) . نقدم للقراء هنا مقطعا صغيرا جدا من هذا الارشيف حول أخماتوفا وأحاديثها مع لوكينسكي في مختلف المواضيع كما جاء في الجريدة المذكورة اعلاه، وهو مقطع يبين بوضوح سعة تلك الاحاديث وعمقها ورمزيتها الفكرية –

(من تسجيلات 1928 ...قالت أخماتوفا... ان المؤرخ يختار ذلك اللون، الذي يعجبه اكثر من الالوان الاخرى، مثلا الاحمر، ويكون هناك من يستمع اليه، ويأتي بعده مؤرخ آخر ويكون لونه المفضل – الاصفر .. وقد يتضاعف عدد من يستمع اليه ... وهكذا تبقى في النهاية ... تواريخ الاحداث فقط ... وليست التعاليم حولها ...) .

وفي نفس تلك الصفحة من ليتيراتونايا غازيتا يوجد خبران عن أخماتوفا، الاول من ايطاليا والثاني من روسيا . يتحدث الخبر الاول عن منح جائزة عالمية باسم الشاعرة الروسية أخماتوفا في مدينة تاورمينو الايطالية . يتناول هذا الخبر قصة جائزة أخماتوفا العالمية للشعر في ايطاليا، وقد تبين ان آنا أخماتوفا نفسها قد استلمت جائزة عالمية للشعر في هذه المدينة قبل خمسين سنة، وبالذات عام 1964، وذلك لمناسبة الذكرى الخمسين لبداية مسيرة ابداعها الشعري وانطلاقتها في عالم الادب، ولم تستمر هذه الجائزة بعد ذلك، ولكن الان وبالتعاون مع القنصلية الروسية في تلك المنطقة والمنظمات الاجتماعية الايطالية عادت هذه الجائزة مرة اخرى الى الحياة، وتم تسميتها بجائزة أخماتوفا العالمية للشعر، وتقرر منحها للنساء الاديبات فقط، اللواتي يساهمن في (التجديد الروحي للمجتمع والتناغم الدولي)، واصبحت الشاعرة الروسية والناثرة والكاتبة المسرحية لاريسا فاسيليفا اول اديبة حصلت على تلك الجائزة (وهي اديبة روسية معروفة في الاوساط الادبية الروسية المعاصرة، وحائزة على عدة جوائز تقديرية في روسيا). هذا وقد تمت مراسيم منح الجائزة في المسرح الاغريقي في المدينة وسط أجواء مهيبة وجميلة جدا، حيث تحدث القنصل الروسي العام وكذلك رئيسة اللجنة الدولية لمنح الجائزة الشاعرة والاستاذة المساعدة في كلية الصحافة بجامعة موسكو مارينا كنيازوفا. وابتدأ بعد ذلك المؤتمر الخاص بدراسة ابداع أخماتوفا هناك، والذي ساهم في اعماله باحثون ايطاليون وروس .

أما بخصوص الخبر الثاني الذي ذكرناه أعلاه، فقد تناول المؤتمر الدولي الذي عقد في المكتبة الوطنية العامة بمدينة بطرسبورغ الروسية بتاريخ 23 الى 28 حزيران / يونيو من هذا العام 2014 تحت عنوان – (آنا أخماتوفا في فضاء الثقافة العالمية)، والذي ساهم فيه باحثون وادباء من مختلف البلدان، وقد القى البروفيسور الايطالي ماركو ساباتيني دراسة بعنوان – (آنا أخماتوفا وشعراء ايطاليا في القرن العشرين)، والقى البروفيسور الصيني سيون تسوزنك دراسة بعنوان – (أخماتوفا في تايوان)، وساهمت كل من الاستاذه المساعدة الفرنسية في الادب المقارن بجامعة ستراسبورغ فيكتوروف والبروفيسورة الفلندية بربارا ليونكفيست وشخصيات عالمية اخرى من الولايات المتحدة الامريكية وروسيا واوكرانيا وكوريا وسويسرا وايران وبلدان اخرى في اعمال ونشاطات هذا المؤتمر، ولم اجد – ومع الاسف - اي مساهمة او حتى اشارة الى اي بلد عربي في هذا المؤتمر العالمي حول الشاعرة الروسية الكبيرة آنا أخماتوفا في ذكرى ميلادها ال 125 . انني على ثقة تامة ان هناك الان بين المثقفين والمتخصصين العرب من يستطيع فعلا ان يساهم – وبجدارة – في مثل هذه المؤتمرات واللقاءات العالمية، ولكن كيف يمكن تنظيم الاتصال الدائم بين المؤسسات و المنظمات العالمية، التي تقوم بهذه النشاطات الثقافية من جهة، وبين المؤسسات والمنظمات العربية التي يمكن ان تساهم فيها؟ واظن ان مسؤولية ذلك تقع على الطرفين، وفي كل الاحوال، كم اتمنى ان تكون في بلداننا العربية وبشكل دائمي لجان متخصصة في أقسام العلاقات الثقافية تتابع هذه الفعاليات في مختلف دول العالم، وتتهيأ مسبقا للمشاركة بمثل هذه النشاطات الثقافية العالمية، ولا أظن ان تحقيق ذلك يعد خطوة صعبة على منظماتنا ومؤسساتنا الثقافية الرسمية وغير الرسمية، اذا ارادت فعلا وبشكل جدٌي وواقعي التواصل حضاريا مع العالم والحوار الحقيقي معه .

دور عمر عفيفي الخفي

adil amirإن الضابط السابق عمر عفيفي مؤلف كتاب (عشان ما تنضربش على قفاك) هرب إلى الولايات المتحدة، بعد تعرضه لمضايقات ومطاردات أمنية وصلت إلي حد مداهمة منزله بفرقة كاملة من الشرطة المصرية، وتتبع خطواته في أي مكان يذهب إليه من قوات مباحث أمن الدولة. وقبيل سفره إلى نيويورك صباح أمس السبت قال عفيفي لصحيفة (الدستور) إنه: "في طريقه للسفر إلى أمريكا بعد أن تلقى تحذيرات مؤكدة من بعض أصدقائه من قيادات الداخلية تفيد بأنه صدر فيما يشبه التوصيات التي اتخذت لهجة القرار بضرورة التنكيل به وعدم تركه في راحة. .فمن هو عمر عفيفي؟؟!! .. :- كان ضابطا بجهاز الشرطة .. وتم فصله لسوء سلوكه إثر تورطه في قضية مخدرات .. بعدها عمل ممثلا قانونيا للسفارة القطرية بمصر بمكتب 16ب شارع الفلكي .. وفى عام 2009 قام بمحاولة انقلاب فاشلة ضد نظام الحكم في مصر .. وساعده في ذلك أيمن سالم و أخوه أحمد عفيفي .. ومهمتهما كانت تسهيل دخول عمر عفيفي إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون لإذاعة بيان انقلاب الشرطة على الرئيس الأسبق مبارك .. وتم حينئذ القبض على أيمن سالم وأحمد عفيفي .. وهرب عمر عفيفي الذي تم شحنه في صندوق إلى قطر- الحضن الحنين لكل أعداء مصر- .. عن طريق السفارة القطرية بمصر .. ثم عمل مستشارا للأمن الخاص بالديوان الأميري القطري .. حتى بدأ دوره يظهر حيث أنقذ موزه من فضيحة كبرى نال على إثر ذلك ثقتها .. فتم تعيينه مبعوثا خاصا لدولة قطر يقوم بعقد الاتفاقات للقاهرة بين قطر والقيادة الأمريكية .. وقتئذ طلب حق اللجوء السياسي - لماما أمريكا -

أما عمر عفيفي والذي يعد واحدا مما نسب إليهم المساهمة في تفجير الثورة فلقد ذهب إلى أمريكا وأنضم إلى عدد من الناشطين المعروفين ضمن برنامج Nep لدعم النشطاء من عدة جنسيات لتدريبهم وتأهيلهم لنشر الديمقراطية ودعمها بالأموال وقد أرسل عمر عفيفي خطابا إلى اوباما في 22 مارس عام 2009 بالمشاركة مع عدد من النشطاء السياسيين يطالبونه بالتعاون مع الشعوب من أجل ترسيخ الديمقراطية وقد اعترفت الولايات المتحدة نفسها بتدريب عدد من النشطاء المصريين على كيفية إدارة المظاهرات قبل ثورة 25 يناير عمر عفيفي ضابط هارب ، وله اتهامات عديدة في أمن الدول، كما أنه اتهم بابتزاز أحد الممثلين في قضية وطلب منه فلوس، وهرب إلي أمريكا بعد فضائحه، ودخل في حضن الـcia، وذلك لتنفيذ مخططات الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد، ولديه شقة في واشنطن، كما أنهم أعطوه أستوديو به أجهزة تنصت على قيادات الشرطة والجيش، وله أتباع في مصر، ويتبنى حركة 6 أبريل، وهو أحد أفراد الحركة على الرغم من نفيهم لذلك، وهو الذي يحركهم، كما أنه هو الذي ينادي بإبعاد العسكر، وعلى المسئولين في مصر معرفة أتباعه في مصر فورا قبل القيام بأي أعمال أخرى، لأنه شخص خطر على الأمن القومي جدا، ويهدف إلي تدمير مصر

منذ تقدم العقيد عمر عفيفي باستقالته من العمل بوزارة الداخلية .. وهو محط أنظار المتابعين .. فلم تخلو جلسات المقاهي .. ولا وسائل الإعلام المستقلة عن التحدث عن كتابه الشهير "علشان متضربش على قفاك" .. وكان الكتاب يقدم نصائح للمصريين للبعد عن ضباط الشرطة .. ومحاولة عدم الاحتكاك معهم .. للبعد عن شرورهم كما يدعى مؤلف الكتاب .. وقتها كانت هناك فئة كبيرة من القراء منعطفة مع صاحبة .. بينما قام العديد من النشطاء وخاصة المحامين بالهجوم عليه .. مؤكدين إن الكتاب سطحي .. لا يضم بين سطوره معلومات قوية .. وخلى تقريبا من اى مواد قانونية .. وبعدها سافر عمر عفيفي إلى أمريكا .. ليظهر بوجة أخر وهو المناضل .. الذي يسعى للإطاحة بنظام مبارك – البائد- وكان يدعو إلى الثورة من خلال غرفة عمليات .. عبارة عن جهاز كمبيوتر موصل بالانترنت .. ولم يكتفي عمر عفيفي بادعائه بأنه قائد للثورة المصرية .. لكنه كان له اراء واضحة وصريحة فى كل الاحداث السايسة .. بداية من تظاهرات ميدان التحرير .. مرورا بحادث الاعتداء على السفارتين السعودية والاسرائيلية ومديرية امن الجيزة .. والتى صدر حكم غيابى ضدة بحبسة خمس سنوات ووضع اسمة على قوائم الترقب بسبب ضلوعه فى احداث الاعداء على مديرية امن الجيزة وتحريضه للبلطجية على اقتحامها ..

مصر دائما كانت ومازالت دوله محوريه طوال فترات التاريخ بسبب طبيعة أهلها وأرضها وهذا يدل علي عدم وجود حضارة لم تمر بأرض مصر ولم تتأثر بشعب مصر ولا يوجد دين لم يرتبط بأرض وشعب مصر وبالتالي فأن كل مايحدث في مصر له تأثير كبير علي أحداث بقيه دول العالم أجمع الثورة المصرية التي قادها 80 مليون مصري ومصريه يعتبر أهم حدث في عام 2011 وربما سيكون أهم حدث في القرن الواحد والعشرين لما لهذا الحدث من تأثير علي بقيه الدول العربية في المدى القريب وعلي بقيه دول العالم في المدى البعيد أعداء مصر يحاولون تقزيم تلك الثورة وكأنها ليست ثوره شعب أستطاع توحيد كلمته في مشهد لم يري العالم مثله من قبل ويحاولون إرجاع الفضل إلي سايت يمتلكه اليهوديان مارك زوكربيرج Mark Zuckerberg و داستين موسكوفيتس Dustin Moskovitz وهو سايت فيس بوك أو إرجاع الفضل إلي شخص أسمه وائل غنيم ويعمل بشركه يهودية يمتلكها اليهودي سيرجى برن Sergey Brin وهو أمريكي يهودي من أصل روسي وولد في موسكو أو حتى محاوله إرجاع الفضل لفتاه أسمها أسماء محفوظ بعد دفعها إلي وسائل الإعلام وتسليمها الميكرفون وكأنها من قامت بالثورة ثم دعوتها لحضور المؤتمرات في تركيا وإيران وبلجيكامحطة اخرى رسمت معالمها فى حياة العقيد السابق .. فى مجال عمله الامنى .. وهى عندما سافر ضمن بعثة للمركز العربى لحقوق الانسان لدولة تونس .. وحسب ما تردد انه اقام علاقة باحدى الفتايات التونسيات .. وانه وعدها بعد ذلك بالزواج منها .. الا انه حاول السفر والعودة الى مصر قبل ميعاد سفر للهرب من وعده .. مما جعل الفتاة تخبر اهلها .. ليصطادوة .. ولم تنتهى المشكلة الى بعد تدخل وساطات كبيرة مكنته للسفر الى القاهرة مرة اخرى ..

بعدها حاول عفيفى توسيط عدد من اصدقائه الضباط للعودة مرة اخرى الى قطاع المباحث .. الا ان كل هذه الوساطات فشلت فى نقله بسبب سجله المتخم بالمشاكل .. وهو ما جعله يقرر التقدم بطلب استقالة من العمل بالداخلية تم قبوله على الفور .. ليقرر عم عفيفى بعدها تأليف كتاب "كيف تحمى قفاك من ضباط الشرطة" .. ونجح هذا الكتب نجاحا مدويلا .. رغم الهجوم الكثير الذى طاله .. بسبب سطحيته وعدم اعتماده على نصوص قانونية مقنعة .. حتى ان البعض وصفة بانه كتاب تصفية حسابات .. مما جعل احد ضباط امن الدولة يستدعيه .. ويطلب منه اللقاء بشكل ودى فى مقر ادمن الدولة .. وهناك ساله عدد من الضباط عن هدفه من تأليف الكتاب .. ورد عليهم بانه ترك العمل بالشرطة ولا يجد اى دخل .. مما اضطرة لتأليف هذا الكتاب .. وطلب منهم مساعدته فى كتابه عمرود بجريدة الاهرام مقابل مرتب شهرى .. وهنا قام ضابط بامن الدولة بالاتصال باللواء اسماعيل الشاعر مدير امن القاهرة الاسبق .. وتم تحديد ميعاد بين مدير الأمن والضابط السابق .. وتم اللقاء بالفعل فى مكتب الشاعر .. وحسب ما تردد إن عفيفي بدأ يهاجم الشاعر ويسامة على هجوم الشرطة من خلال كتب أخرى .. أو مساعدته فى كتابه عمود بجريدة الأهرام .. مما جعل الشاعر يطرده من مكتبه .. وهنا أشاع عفيفي بأنه أصبح مضطهد من رجال حبيب العادلى .. وخاصة جهاز امن الدولة .. الذين يسعون لتصفيته .. وطلب حق اللجوء السياسي من أمريكا .. ليتم الموافقة له .. وليسافر إلى هناك .. وكما قال احد المقربين وقتها من عفيفي .. بأنه تعاون مع جهاز الاستخبارات الامريكى .. لكي يحشد المواطنين ضد النظام السابق .. وليساعد على انهيار النظام تحت غطاء شرعي .. وعند سؤال المصدر هل كان يتعامل بالفعل عفيفي مع جهاز الاستخبارات الامريكى مباشرة؟! .. رد قائلا: كان يعمل بالفعل مع جمعيات تابعة لجهاز الاستخبارات .. وساعدوه كثيرا فى حمايته وتوفير بعض الإمكانيات لمساعدته على هدفه .. وهو ما يحاول التأكيد هو علية بأنه القائد الحقيقي لثورة الخامس والعشرين من يناير .. المثير والغريب أيضا إن بعض مما يقوله ويؤكده عمر عفيفي يحدث على ارض الواقع .. فسبق وان قدم عدة تنبؤات وحدثت بالفعل .. وهو ما جعل البعض يؤكد إن لدية علاقات بأجهزة مخابراتية .. أو انه يتعاون مع جهات خارجية لمحاربة النظام القائم فى البلاد ..

كاتب المقال

دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام

ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية

 

أحمد مطرالحي .. الشوكة لم تنكسر

mohamadsaed samadiوصلت أبواق الإرجاف والتَّقـَول على الناس بدون وجه حق إلى شاعر العرب المحبوب أحمد مطر أمد الله في عمره، فأماتوه بمسمى "قالت عدد من التقارير الصحفية قبل قليل" وكلها صيغ لتمويه القارئ وإصباغ المصداقية على الخطاب الإعلامي الذي يفتقد لقيم النشر والتحقق، وخاصة حينما يتعلق الأمر بخصوصيات الناس، والأعيان وذوي الشأن، كالشاعر أحمد مطر الذي يحيى بمنزله بأحد أحياء لندن الشمالية مع أسرته الكريمة، وقد كان يكفي لأدعياء السبق الإعلامي؛ قبل إثارة زوبعة النبأ الكاذب بنعيه، النقر على الأرقام السبعة بإضافة رابط لندن 0208 ليرن هاتفه الثابت فيقدموا الخدمة الإعلامية منضبطة بأخلاقيات المهنة وجمالية الخطاب. لقد روعوا أسرته الصغيرة بلندن وعائلته الهاشمية بالعراق الجريح، وفتنوا محبيه وعشاق لافتاته الشعرية في ليلة ليلاء تأكدوا بعدها أن من يريد إماتة الشاعر أحمد مطر ليس القدر المحتوم الذي لا يستأخر ثانية ولا يتأخر، ولكن من تجرعوا علقم الشعر وذاقوا ويلات شوكته، هم من أرادوا للشمعة أن تنطفئ، دونما أن يدروا أنه في البدء كانت الكلمة، وسيموت أحمد مطر كما تموت باقي الأحياء، وستبقى "ن والقلم وما يسطرون" .

إنه الشعر الذي يتأبى على الغرض الشعري أن يفرض عليه الموتَ والانحناءَ للعاصفة. وروحُ اللافتات الشعرية المطرية عَجْبُ الذَّنَـبِ الشعري الذي لا تقضي عليه المستحثات وفجائع الأزمان. أحمد مطر نحتَ شعرا ولم يقل شعرا، القول يغدو مع الطيور الصادحة مع نسائم كل صباح قلا يبقى له أثر، لكن النحت في الصخور الراسيات لا تعمل فيه أعتى معاول الفتك الطبيعي، هكذا هو شعر هذا الرجل الجميل. جميلٌ فيه كل شيء، ابتسامته التي لا تفارقه، تغريدة صوته التي تمتع أذن السامع، حبه للشباب العربي الذي أنساه غربة المكان، كرمُه الذي يمتح من أخلاق سلفه، نخوته الجياشة التي تُشعر بقدرة الفرد على صناعة الحدث والتاريخ....

أحمد مطر الشاعر الذي كـُـتب لجيلنا أن يحيى معه آلام الأمة العربية على امتداد الأربعين سنة، مازال معنا في هذه العاجلة ينتظر كما ينتظر الأحياء، وما بدل تبديلا، أنعم الله عليه نعمة الصحة والعافية وأكرمه وإيانا بحسن الختم وطيب اللقيا، " وجوه يومئذ ناضرة لربها ناظرة"

حسين عبد اللطيف سراج الشعر الذي انطفأ مبكراً

shaker faredhasanقبل أيام انطفأ وغاب عن الحياة الشاعر البصري العراقي الجميل حسين عبد اللطيف، الذي توقف قلبه عن النبض والخفقان بعد معاناة مع مرض السكري، وبعد أن حفر حضوراً ثقافياً مميزا في الحياة الأدبية والثقافية البصرية والعراقية. وكان حسين يدرك أن الرحيل أزف والنهاية قد اقتربت، فيقول في قصيدة له وكأنه ينتظر موته:

أسدلوا الستائر

هو وحده

من يمتلك وضع اليد

على كل شيء،

أوصدوا الأبواب،

الوقت قارب...،

العربة أوشكت ...،

ليلبث حاملو الزهور ملياً،

كي يغنوا لي أغنية السلوان

ويمجدوا رحيلي .

حسين عبد اللطيف شاعر عراقي هادئ، وصوت أدبي خاص ومتفرد مميز بتجربته وحضوره، من جيل الستينات . أنه شاعر الصورة والكلمة والدهشة، الذي لم يعرف نرجسية الشاعر التي تتجلى لدى غالبية الشعراء والمتأدبين، ولم يتقن فن العلاقات العامة ولا التسويق الأدبي، ولم يلهث وراء الشهرة والنجومية، بل فضل العزلة والابتعاد عن دائرة الضوء الاستعراضية والاشتغال على قصائده . وهو من الأسماء الشعرية والنقدية الفارقة في المشهد الثقافي الأدبي العراقي، وقد أسهم بإضاءة ورفد الشعر وحركة النقد الأدبي العراقي بجهوده ومنجزه الشعري والنقدي، ورغم عزلته القسرية كان حاضراً بقوة في الحياة الثقافية العراقية ومؤثراً فيها .

وبالرغم من أن حسين كان مقلاً في النشر لكنه أثار اهتمام الكثير من الكتاب والنقاد والدارسين، وكان له منزلة ومكانة خاصة واحترام وتقدير خاص بين مجايليه، فكتبوا عنه المقالات والدراسات والمداخلات، ومن بين هؤلاء : فاضل العزاوي، طراد الكبيسي، أديب كمال الدين، شوقي بزيع، عبد الكريم الكاصد، حيدر عبد الرضا، مقداد مسعود وغيرهم .

وإلى جانب مساهمته على مدى عقود في إثراء ورفد الحركة الشعرية العراقية والعربية بقصائده المخملية الناعمة، كان لحسين اهتمام في النقد الأدبي، وله في هذا المجال الكثير من الدراسات والمتابعات النقدية المنشورة في الصحف والمجلات والأدبيات العراقية والعربية المختلفة، وساهم في تشكيل وعي نقدي، ورعاية وخلق جيل مميز من الشعراء العراقيين .

ولحسين عبد اللطيف خمسة دواوين شعرية شكلت إضافة نوعية للقصيدة العراقية المعاصرة، وهي: "على الطرقات ارقب المارة " و"نار القطرب"، و"لم يعد يجدي النظر " و"أمير من أور"، و"بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة – متوالية هايكو " .

حسين عبد اللطيف شاعر مجيد ومطبوع مخلص للقصيدة والهم الشعري، لم يتأثر بالمألوف والشائع في المشهد الشعري، وطوال أربعة عقود من الزمن عمل على تجديد أسلوبه وأدواته ولغته الشعرية والاشتغال على قصيدته المكتنزة بالمجازات والصور المبتكرة، ولم تكن وقود شاعريته وشعره بسبب تجربته الوجدانية والإنسانية الملتهبة بفقدان ابنه فحسب، وإنما كان مبعثه الظروف الخاصة والأحداث السياسية التي عاشها وطنه العراق، بلد النخيل ودجلة والفرات، فتأججت شاعريته، والتهبت عاطفته، وتضاعفت حساسيته، وحملته على الشكوى والبكاء والإحساس بالحزن والألم والقلق والعذاب .

وقد جاءت أشعاره، التي سكب فيها ذوب مشاعره وعميق لواعجه وعصارة قلبه، مشحونة بعاطفة قوية صادقة، مليئة بشدة الإيحاء، ومغلفة بألفاظ وتراكيب تتسم وتتصف بالقوة والجزالة . ومن يقرا قصائده يلمس أنها قصائد حزينة شفافة ونقية كقلمه ونفسه، فيها البوح والحلم الشعري، ومشبعة بالوجد والوجع الذاتي والوطني والشعور القومي والإنساني والوجداني .

حسين عبد اللطيف بحق وحقيق شاعر مبدع قدير ومميز ترك بصمات واضحة وملموسة على حركة الإبداع الشعري العراقي،وإذا كان غاب جسداً، فسيظل حاضراً بروحه وأشعاره في الأذهان والذاكرة العراقية، وفي وجدان المثقفين والمبدعين العراقيين والعرب وكل محبي شعره .

 

لطيف دوري والحنين إلى بغداد ..!

shaker faredhasanكثير من المثقفين العراقيين اليهود الذين كان لهم أثر فعال في المجتمع العراقي والحياة الثقافية والأدبية العراقية، نزحوا من بلاد الرافدين إلى الدولة العبرية بعد قيامها في أواخر الأربعينات على ارض فلسطين التاريخية، وواصلوا بعد نزوحهم الكتابة باللغة العربية، وساهموا في رفد الثقافة العربية في إسرائيل بكتاباتهم وأعمالهم الإبداعية المختلفة في شتى فنون وضروب الأدب. وتجلت في هذه الكتابات روح الثقافة العراقية والتقاليد الثقافية العراقية . ونذكر من بين هؤلاء المثقفين: أنور شاؤول، شموئيل موريه، إسحق بار موشيه، مير بصري، ابراهيم عوباديا، نسيم رجوان، شالوم درويش، سليم شعشوع، سمير نقاش، سامي ميخائيل، مراد ميخائيل السموألي، ودافيد صيمح، وسواهم العديد . وبرز في كتابتهم عمق ارتباطهم والتصاقهم بالعراق، وطن النخيل ودجلة والفرات، ومدى انتمائهم للثقافة العراقية وللمزاج الثقافي العراقي .

ويعتبر لطيف دوري احد هؤلاء المثقفين الذين انخرطوا في النضال ضد السياسة الإسرائيلية الاضطهادية، التي تمارسها ضد جماهيرنا العربية، وضد شعبنا الفلسطيني في المناطق المحتلة، وهو من المشاركين بفعالية في الكفاح وأعمال الاحتجاج ضد الاحتلال وممارساته وموبقاته، والتضامن مع الشعب الفلسطيني في كفاحه التحرري العادل، ولأجل إرساء صرح السلام العادل والشامل الذي يضمن الحق الفلسطيني .

ولطيف دوري القادم من بغداد الرشيد، كان في السادسة عشرة من عمره حين غادرها، يقطن في رمات غان، ويعمل صحافياً ورئيساً للقسم العربي في حزب "ميرتس " اليساري، وله تاريخ نضالي ومواقف سياسية يشهد لها في مقارعة اليمين الصهيوني المتطرف. وهو من مؤسسي لجنة الحوار الإسرائيلي – الفلسطيني وسكرتيرها، وهذه اللجنة كانت أقيمت رداً على قانون منع اللقاءات مع قيادات منظمة التحرير الفلسطينية.

ورغم البعد ومرور السنوات الطوال على الرحيل والهجرة، فما زالت بغداد في خاطره ووجدانه ولغته وتفكيره وخياله، وكم يعصف في قلبه الشوق والحنين الجارف لعاصمة الرشيد التي تحارب الداعشيين هذه الأيام . وكما يقول لطيف إنه حنين متأصل في الوجدان، وفي قلب كل يهودي عراقي خرج منها وانتمى إليها .

أننا نشد على أيدي لطيف دوري، المناضل اليساري الليبرالي، ورفاقه من حركات ونشطاء السلام في المجتمع الإسرائيلي، نتمنى له المزيد من العطاء والنضال حتى انتصار الحلم الذي يصبو إليه، حلم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود الرابع من حزيران العام 1967، لينعم شعبي هذه البلاد بالسلام والهدوء والطمأنينة والأمن والاستقرار، وما أحلى الرجوع إلى ربوع بغداد .

 

مع الكاتبة والمناضلة المصرية الراحلة فتحية العسال

shaker faredhasanفي الخامس عشر من حزيران الماضي توفيت الكاتبة المبدعة والمناضلة التقدمية المصرية المعروفة فتحية العسال، بعد حياة نضالية وكفاحية عريضة دفاعاً عن المرأة وحقوقها ومساواتها، وبعد مسيرة عطاء ثقافية حافلة .

فتحية العسال هي ناشطة نسويه سياسية وقيادية بارزة في الاتحاد النسائي التقدمي لحزب التجمع الوطني الديمقراطي المصري وجبهة الدفاع عن حرية التعبير، التي أسستها مع الفنانة إسعاد يونس، ورئيس جمعية الكاتبات المصريات وعضو في اتحاد الكتاب . وهي من مواليد العام 1933، ومنذ شبابها المبكر ارتبطت بالعمل النضالي التحرري وانخرطت في النشاط السياسي، انحازت للشعب واهتمت بالقضايا الاجتماعية وانتصرت لقضايا الإنسان، وكرست حياتها في الذود عن القيم العظيمة، وعن قضايا الفقراء والمهمشين في المجتمع، والدفاع عن قضية المرأة ومسائل الحرية والديمقراطية .

عرفت العسال بأفكارها التقدمية التحررية النيرة وبمواقفها الشجاعة الصلبة، وقد وقفت ضد الظلم والفساد والقهر الاجتماعي والاضطهاد الطبقي، ورفضت التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وتصدت لمحاولات تغيير الهوية الثقافية، وشاركت في جميع المعارك الكفاحية الشعبية والمظاهرات الغاضبة والأعمال الاحتجاجية ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، والعدوان الأمريكي على العراق، وخاضت الانتخابات النيابية أكثر من مرة ولكن لم يحالفها الحظ بالفوز . ورغم مرضها، فقد شاركت العام الماضي في اعتصام المثقفين والمبدعين المصريين ورجالات الفكر والثقافة احتجاجاً على تعيين علاء عبد العزيز المحسوب على "الإخوان المسلمين " وزيراً للثقافة، وبسبب نضالها وكتاباتها السياسية ومواقفها الجريئة المناهضة للنظام السياسي الحاكم تعرضت للسجن أكثر من مرة، وكانت تخرج أقوى واشد صلابة وتفولذاً وإيماناً بعدالة القضية التي تدافع عنها .

وعن تجربة زواجها المبكر من الكاتب والمناضل الراحل عبد اللـه الطوخي تقول  فتحية العسال في مذكراتها : "أن زوجها كان مثقفاً وواعياً وجريئاً مثلها ودخلا السجن معاً، إلا أنها طلبت الطلاق حين شعرت أنه يحاول أن يتملكها ويستحوذ عليها " .

بدأت فتحية الكتابة الأدبية في العام 1957، وصدر لها عشر مسرحيات، منها : " المرجيحة، البسبور، نساء بلا أقنعة، ليلة الحنة، من غير كلام، البين بين " وغيرها، ولها ما يقارب الستين مسلسلاً تلفزيونياً، أشهرها  :" شمس منتصف الليل، حبال من حرير، بدر البدور، هي والمستحيل، حتى لا يختنق الحب، رمانة الميزان " وسواها العديد .

ولفتحيه أيضاً مذكراتها الجريئة " حضن العمر" التي أثارت أصداء واسعة بين الأوساط الثقافية والأدبية المصرية والعربية .

وفي أعمالها الأدبية تجسد فتحية الواقع الاجتماعي المعاش، وتركز على الجوانب والقضايا المتعلقة بمسألة المرأة ومعاناتها من الكبت والحرمان والأغلال  والقهر والتمييز، وتمتاز كتاباتها بعنصر التشويق والوصف الجميل واللغة الدافئة التي تلامس القلب والوجدان وتخاطب العقل .

فتحية العسال مناضلة ومقاتلة صلبة شاركت بالعمل السياسي والحزبي، حملت هموم المسحوقين والمظلومين والكادحين، وانغمست بقضايا الوطن، وجسدت البطولة في أسمى معانيها وأروع صورها، وكانت نموذجاً يحتذى في العطاء والشجاعة والمسؤولية، وقدمت لثقافة التقدم والتحرر زاداً فكرياً وثقافياً سوف يبقى في ضمير الأمة والشعب هادياً وملهماً على طريق الحرية والعدالة الاجتماعية والتقدم الحضاري والإنساني . فطوبى لها، وعاشت ذكراها خالدة في قلوب المناضلين والمقاتلين في سبيل وطن حر وشعب سعيد .

 

رأيت بوشكين وادباء آخرين في منامي!!

الى زميلتي العزيزة الدكتورة سوسن فيصل السامر – عميدة كلية اللغات / جامعة بغداد، مع اعتزازي وتقديري واعتذاري ايضا، لاني اعرف مسبقا، ان الزمن الصعب والمتشابك والرهيب الذي يمر به بلدنا الجريح لا يتحمل تحقيق مثل هذه الاحلام او – ربما - حتى الكلام عنها، ولكن تبقى للاحلام – مع ذلك وبالرغم من كل ما يحدث الان في عراقنا الحبيب من مآسي - قوة دفع عظيمة الى الامام، وذلك لأن الاحلام مثل البذور التي نزرعها ونرعاها و ننتظر طويلا لجني ثمارها .

ضياء نافع / عميد كلية اللغات الاسبق

...............

 

رأيت كلية اللغات بجامعة بغداد في منامي . كنت اتنزه في حدائقها المليئة بالنخيل (سيد الشجر !)، وتوقفت عند التمثال النصفي للشاعر الروسي بوشكين، وحييته بالروسية وسألته عن احواله واخباره، فقال لي انه قد تعوٌد على الطقس العراقي الان، وان لديه علاقات طيبة جدا مع العراقيين والعراقيات بشكل عام وانهم يتجمعون حوله بعض الاحيان وهم يرتدون الملابس الروسية، وينشدون الاغاني الروسية، و حتى يحملون العلم الروسي تحية له، بل وان لديه ايضا معجبات عراقيات، فابتسمت انا وقلت له باللهجة العراقية – دير بالك يمعٌود، اذ انك يا الكساندر سرغيفيتش تعيش في بغداد الان وليس في بطرسبورغ او موسكو، فهزٌ رأسه موافقا، ثم سألته وانا اودعه، هل لديه رغبة - ما اقدر ان اوصلها الى العمادة، فقال رأسا، نعم اتمنى ان أرى بعض زملائي يقفون جنبي، فسألته من هم ؟ فقال دستويفسكي وتولستوي وتشيخوف مثلا، فقلت له أليس هذا كثير على حدائق كلية عراقية في بغداد؟ فقال لا ابدا، فانا الان بوشكين العراقي وهم سيكونون كذلك – دستويفسكي العراقي وتولستوي العراقي وتشيخوف العراقي، وسيكون ذلك كله نواة متحف الادب العالمي في حدائق كلية اللغات، وهو متحف وحيد وفريد ومتميز في العالم كله، ويمكن ان يتوسع ويتطور، وسيكون مفخرة لبغداد وجامعتها وللعراق ككل، فاجبته بانني اقتنعت فعلا بفكرته الجميلة والمبتكرة حقا، وساحاول ايصالها للعمادة مع موقفي المؤيد جدا لها .   ابتعدت عنه قليلا واذا بي اقف امام تمثال نصفي للكاتب الفرنسي الشهير فيكتور هيغو. تعجبت من هذا التمثال النصفي واقتربت منه وحييته بالفرنسية وسألته – متى وصلت الى بغداد وكيف حصلت على سمة الدخول اليها ؟ فأجابني مستغربا من سؤالي – الم تسمع بذلك ؟ فقلت له – كلا، لم اسمع، فقال لي، لقد قام قسم اللغة الفرنسية وبالتنسيق مع الملحقية الثقافية في سفارة فرنسا في بغداد بذلك، وانه يقيم الان في حدائق كلية اللغات منذ فترة طويلة، وان طلبة القسم واساتذته يزورونه غالبا ويتحدثون معه حول ابطال رواياته، بل وحتى يزوره ادباء عراقيون من خارج القسم ويتناقشون معه حول نتاجاته الابداعية، ثم اضاف مبتسما وباعتذار – لقد سمعت مقترح بوشكين حول متحف الادب العالمي وانا اؤيده كليا، واضيف الى انني ايضا اتمنى ان ارى جنبي تماثيل مولير وفولتير وبلزاك وروسو و و ووو، فاجبته مبتسما باني سانقل اقتراحه الى العمادة حتما، اذ كيف يمكن لمتحف الادب العالمي ان يكتمل فعلا دون تلك الاسماء الفرنسية العظيمة . تركته وانا معجب جدا باقواله، وسرت لاحقا في الحديقة واذا بي أرى تمثالا نصفيا للشاعر الالماني الكبير غوته، وهو يقف عند جذع نخلة باسقة مليئة بالتمور اللذيذة، وتوقفت عنده وحييته بالالمانية ولم اسأله طبعا كيف وصل الى بغداد وكيف حصل على سمة الدخول اليها، بل اني تظاهرت باني اعرف كل ذلك، وان قسم اللغة الالمانية قد حصل على كل ذلك بالتنسيق مع الملحقية الثقافية في سفارة المانيا ببغداد، اذ لا يلدغ المؤمن (بعد هيغووالحديث معه !) مرتين . سألت غوته عن اوضاعه، فقال انه سعيد جدا باقامته هنا، وان طلبة قسم اللغة الالمانية واساتذته غالبا ما يزوروه ويقرأون اشعاره باللغة الالمانية . تركته مسرعا لاني على ثقة من تأييده لفكرة بوشكين حول متحف الادب العالمي، ومن المؤكد انه سيقترح اسماء اعلام آخرين من الادب الالماني، وقد تأسفت – بعد اللقاء به - لأني لم أسأل بوشكين وهيغو فيما اذا كان طلبة واساتذة قسمي اللغة الروسية والفرنسية يزورونهما ويقرأون اشعارهما عند تمثاليهما كما يفعل طلبة واساتذة اللغة الالمانية. وانا في تأملي هذا، شاهدت تمثالا نصفيا لسرفانتيس الاسباني في حدائق كلية اللغات، فتوقفت عنده بالطبع، وحييته بحرارة، اذ اني احبه فعلا من اعماق قلبي وعقلي، ولم أسأله طبعا متى وكيف وصل الى حدائق الكلية، اذ اني استنتجت رأسا انه جاء الى هنا نتيجة جهود قسم اللغة الاسبانية والملحقية الثقافية في سفارة اسبانيا ببغداد . ابتسمت وسألته عن أخبار دون كيشوته، او دون كيخوته كما يقول البعض، فقال ان بطله لا زال يسبب له مشاكل كثيرة لحد الان، وخصوصا في العراق، وانه لو كان يعرف مسبقا بذلك لما وافق ان يحل ضيفا في حدائق كلية اللغات في بغداد . حاولت انا ان أخفف من ردود فعله هذه، وقلت له ان تلك الظاهرة الاجتماعية الخطيرة فعلا ستنتهي قريبا جدا، وان الامور ستعود الى نصابها حتما ولا يمكن ان تستمر هكذا ابدا في بلاد مابين النهرين العريقة، ولكنه لم يقتنع بما قلته له، وقال انه طيلة مدة اقامته هنا لا يمكن ان يتقبل او يقتنع ان الامور ستعود الى نصابها كما اقول له، وان دون كيشوت لا زال في بغداد يعمل و يزاول نشاطاته وخططه بحيوية وقوة وهمٌة ونجاحات . لم استطع مع الاسف ان اقنع سرفانتس بافكاري، وقلت له مبتسما اننا سنعاود النقاش لاحقا حول ذلك، خصوصا وانني اود ان اتحدث معه حول فكرة جميلة بشأن متحف الادب العالمي في كلية اللغات، وان رأي سرفانتس مهم جدا جدا حول هذا المقترح، فوافق على ذلك بكل سرور، وقال انه ينتظر قدومي، اذ اني اخبرته باني أسرع للقاء شكسبير، الذي كان ينتظرني عند مدخل قسم اللغة الانكليزية، فقال لي ان شكسبير استاذنا، وانه يحترم موعدي معه ورجاني ان ابلغه تحياتي، وهكذا تركته وذهبت الى التمثال النصفي لشكسبير، الذي يقف مبتسما بهدوء وهيبة وشموخ ، ويحاول طلبة واساتذة قسم اللغة الانكليزية ان يحيطوه دائما، وان يجسدوا ابطال مسرحياته، وخصوصا هاملت وروميو وجوليت !، وقد حييته بالانكليزية وسألته عن انطباعاته حول اجواء كلية اللغات، فأجابني انه مرتاح من تلك الاجواء التي تحيطه، وانه يشعر في العراق انهم يفهمونه جيدا ويحبونه، ثم ابتسم واضاف قائلا – (رغم ان البعض اطلقوا عليٌ اسم شيخ زبير، وحولوا اوتللو الى عطيل، وتعاملوا مع هاملت كما يحلوا لهم) فقلت له ان ذلك نتيجة المحبة له والاعتزاز به ليس الا، فوافق على التبرير هذا مجاملة على ما يبدو، (كان غير مسرورا بذلك) ، فحاولت ان أغيٌر موضوع الحديث، فسألته هل توجد عنده رغبة – ما اقدر ان اوصلها الى عمادة الكلية او من يشاء، فقال رأسا - نعم، انني اتمنى ان أرى في كلية اللغات مسرحا دائما يقدم عروضا مسرحية باللغات الاجنبية للعراقيين وللاجانب المقيمين في بغداد على حد سواء، وان الكلية مؤهلة لذلك، وانني مستعد – وبكل سرور - للتنازل عن كل حقوق التأليف لمسرحياتي لادارة هذا المسرح، ويمكن للطلبة والاساتذة في قسم اللغة الانكليزية وبالتعاون مع مسرحيين عراقيين كبار (وهم موجودون فعلا)، ان ينظموا هذا العمل الفني الجميل، وقد فرحت انا فرحا كبيرا وعظيما بهذا المقترح وقلت له انني اؤيد ذلك بحرارة وسأعرض مقترحك حتما امام العمادة وادافع عنه، خصوصا وانه سبق لي ان حاولت تحقيقه قبل فترة من الزمن ويشهد على ذلك الصحفي العراقي المعروف الاستاذ حسب الله يحيى وابنه المسرحي خريج كلية الفنون الجميلة في حديثنا المشترك قرب برج جامعة بغداد في الجادرية عام 2004، ولم احاول ان اتكلم مع شكسبير حول متحف الادب العالمي، لانني كنت متأكدا من موافقته اولا، ومن اقتراحاته ثانيا باضافة اسماء ادباء انكليز مثل ديكنز و و و، وتركته مبتعدا، وفجأة صحوت من النوم، وهكذا لم استطع (في منامي) ان ازور اماكن اخرى في الكلية ترتبط باقسام اللغات الايطالية والتركية والفارسية والعبرية والكردية والارامية، وكم تأسفت لذلك، اذ من المؤكد ان لديهم مقترحات اخرى جديدة، او ربما اضافات معمقة لتلك الافكار التي تحدثنا حولها وتطويرها .

 

الكاتب محمد كمال جبر نورس فلسطيني آخر يودع الدنيا

shaker faredhasanفقدت الأوساط الأدبية والثقافية الفلسطينية، هذا الأسبوع، الكاتب محمد كمال جبر، احد نوارس الأدب والمسرح والكتابة للطفل في الوطن المحتل، ومن الأسماء البارزة في حقول الإبداع، الذي غيبه الموت اثر عارض صحي لم يمهله طويلا .

ينتمي محمد كمال جبر إلى الجيل الأدبي الفلسطيني الذي ظهر على الساحة بعد الاحتلال عام 1967، وساهم في تأسيس وبلورة حركة ثقافية وأدبية ملتزمة مقاومة وملتحمة بحركة الجماهير، جيل علي الخليلي واسعد الأسعد وجمال بنورة وأكرم هنيه وعادل الاسطة واحمد رفيق عوض وفخري صالح واحمد حرب وسامي الكيلاني وغيرهم الكثير .

عرفنا الراحل محمد كمال جبر من خلال نصوصه المسرحية التي كان ينشرها في المجلات الثقافية والملاحق الأدبية الأسبوعية الفلسطينية كالبيادر والفجر الأدبي والكاتب والشعب والطليعة، ومن خلال أعماله التي أصدرتها دور النشر الفلسطينية ومنها الكاتب ودار الأسوار العكية .

محمد كمال جبر من مواليد العام 1948 في كفر سابا، نزح مع عائلته وهو طفل إلى مخيم بلاطه بنابلس، فعاش تجربة المخيم، وعاني ما يعانيه أبناء المخيمات من بؤس وشقاء وقهر وفقر مدقع، وفيه أتم دراسته الابتدائية ثم أنهى الثانوية العامة في نابلس، وبعد ذلك التحق بالجامعة الأردنية وتخصص في الرياضيات، عاد بعدها للضفة الغربية ومارس التدريس في مدارس وكالة الغوث، وأسس بعد عودته مع مجموعة من مثقفي نابلس أول تجمع مسرحي فيها هو "مسرح الزيتون"، ووظف الفن المسرحي في خدمة القضايا الوطنية وخصوصاً في مرحلة الانتفاضة الأولى، ولكن المسرح أغلق من قبل سلطات الاحتلال بعد فترة وجيزة .

كان محمد كمال جبر من مؤسسي الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وبعد مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية التحق باللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم وبقي يعمل فيها حتى تقاعده قبل سنوات .

عرف جبر بغزارة إنتاجه المسرحي وخاصة للأطفال والفتيان، وبعد تقاعده تولى رئاسة تحرير مجلة "وعد" الصادرة عن حركة التحرير الوطني الفلسطينية والمتخصصة بشؤون الأطفال .

صدر لمحمد كمال جبر مجموعة مسرحيات وقصص قصيرة للأطفال والكبار وهي: "لا بد أن ينزل المطر"، محاكمة الكبار، الذئاب والمدينة " – عن دار الكاتب في القدس عام 1978، و"شوال طحين " (مجموعة قصصية 1980)، و"زياد والعصافير" (قصة للأطفال 1980)، و"نعمة الحياة "، و"رقصة خلد" و"سقوط القلعة "، و"التحدي" و"فاطمه والقطة" (قصص للأطفال)، و"على باب السلطان " (مسرحية للأطفال) و"حريق الفصول" . وله أيضاً مجموعة شعرية بعنوان "حريق الفصول " صادرة عن منشورات اتحادات الكتاب العرب 1999، وكتاب "المثل الشعبي الفلسطيني " الصادر عن دار الجندي في القدس، الذي يقول عنه : " لا أنكر أن المثل الشعبي قد فتح نافذة للمعرفة عندي، فوجدتني أقرأ ما يقع بين يدي، من كتب حوله، وقد وجدت فيما قرأت نقصاً في الأمثال الواردة فيها، أو لنقل أن كثيراً من الأمثال التي كنت أحفظها لم تكن موجودة فيها، إضافة إلى أن بعضها كان يحتوي على أقوال، أو حكم، أو أحاديث دينية أو آيات من القرآن أو أسفار من الإنجيل . اعتقد أن هذا الكتاب استوفى معظم الأمثال الشعبية الفلسطينية الناجمة عن التجربة الجمعية الحياتية، وليس كلها فالمجتمع مليء بالأمثال الشعبية التي تحتاج إلى باحثين آخرين يكملون المسيرة كما كنت آمل بمشروعي الثاني الاستزادة في البحث وجمع قصة كل مثل " .

تتميز كتابات محمد كمال جبر بتنوع موضوعاتها وبغنى مضامينها، وارتباطها بالحياة الفلسطينية اليومية في ظل الاحتلال الجاثم، وتجسيد لها، وترتفع إلى مستوى المأساة فتلامس الجرح الكبير وتعكس الهم الوطني بفنية راقية . وشخصيات قصصه ومسرحياته مسحوبة من أرضية الواقع وتتلاءم مع الحدث وتنسجم معه .

محمد كمال جبر كاتب أصيل وملتزم مسكون بالهم والحلم والوطن الفلسطيني، ترك أثره المميز في حصيلة الفن المسرحي والكتابة للأطفال . كانت حياته قصيرة إذا قيست بعمر الزمن، غير أنها ضجت بعمق التجربة النضالية والتحررية الفلسطينية بغزارتها وثرائها، وحفلت بالعطاء الغزير والنشاط الثقافي والإبداع الأدبي .

رحمك اللـه يا أبا حسن، فالكل يشهد أنك كنت إنساناً نبيلاً وصادقاً ناكراً للذات، ووفاتك خسارة للحركة الأدبية الفلسطينية، وسنفتقدك في هذه الأيام الصعبة التي يمر فيها شعبنا، شعب الجبارين . نم قرير العين مرتاح البال، فالغد قادم وليل الاحتلال لا بد أن ينقشع ويزول ويبزغ فجر الحرية .

 

 

الى بلاد العم سام (3)

sahar alameriانتقلنا بسفينة صغيرة أخرى من جزيرة الحرية الى جزيرة إيليس "Illis Island" التي لا تبعد عنها كثيرا، وعلى الجزيرة هذه ينتصب بناء ضخم يذكر بقلاع القرون الوسطى، والبناء هذا هو متحف الهجرة الذي شيد من الخشب عام 1882م، كمحطة يعبر من خلالها المهاجرين الجدد القادمين الى الولايات المتحدة، ففيها تدون أسماؤهم، مثلما تجرى لهم فحوص طيبة كذلك، ولكن هذه المحطة احترقت تماما في 15 حزيران عام 1897م، ثم أعيد بناؤها من جديد، وعلى هيئته الحالية، وافتتحت في 17 كانون الأول " ديسمبر "عام 1900م.

ليس في المتحف من أثار تذكر سوى بعض الحقائب، والملابس، وجوازات السفر وغير ذلك، مما تركه القادمون وراءهم في محطة التفتيش هذه، ويضاف الى ذلك الكثير من الصور التي يعود تاريخها للأيام الأولى التي هبط فيها المستكشفون الأوائل على الأراضي الأمريكية، وأول هذه الصورة التي جلبت انتباهي، هي صورة كريستوف كولومبوس Christophorus Columbus المولود في31 تشرين الأول " أكتوبر " سنة 1451 م والمتوفي في 20 مايس " مايو " سنة   1506م وهو رحالة إيطالي مشهور، ويعد من أوائل المستكشفين للقارة الأمريكية، لكن اكتشافه لأمريكا الشمالية كان في رحلته الثانية عام 1498م .

ومع ذلك يعتقد أن (أبوبكر الثاني) إمبراطور مالي الأفريقية، التي كانت ذات ثراء فاحش بسبب من كثرة مناجم الذهب فيها، هو من سبق كريستوف كولومبوس في رحلته الى القارة الأمريكية، وذلك حين تخلى عن العرش لأخيه عام 1311م، وقام برحلة عبر فيها المحيط الأطلسي بعد أن جهز نحو 200 سفينة يصاحبها نحو 2000 زورق إضافي، وعلى هذا يكون أبو بكر الثاني قد سبق كولمبوس برحلته بنحو 200 عام، وقد أكد كولمبوس تلك الرحلة بمخطوطة كتبها بيده ذكر فيها أن الأفارقة سبقوه في الوصول إلى القارة الأميركية بدليل أن السكان الأصليين تعلموا كيفية صهر الذهب ومزجه بالمعادن الأخرى، وأضاف كولومبوس : إن تلك طريقة إفريقية خالصة، ومن غير المعقول أن يكون سكان أميركا تعلموها مصادفة . ويضاف الى ذلك أن كولمبوس قد ذكر كذلك أنه عندما وصل إلى العالم الجديد وجد أناساً يشبهون الأفارقة في أشكالهم وهيئتهم.

في العودة بسفينة صغيرة أخرى من جزيرة إيليس " Illis Island " الى محطة ساوث فري " South Ferry " نظرت الى ماء البحر الذي هو ماء خليج نيويورك وجدته داكنا، مغبر اللون على خلاف زرقة البحار المعهودة، وتيقنت أن هذا اللون يعود الى تلوث الماء في هذا الخليج، وقد يكون هذا التلوث سببا من أسباب قتل الأحياء المائية فيه، وهو سبب كاف ٍ، حسب اعتقادي، في عدم وجود أي طائر يحلق في سماء هذا الخليج، حتى تلك الطيور التي اعتدنا أن نراها دائما حاطة أو محلقة عند سواحل البحار مثل طائر النورس أو الغراب الأسود، ولكنني رأيت بعضا من العصافير على شجر التكي في حديقة صغيرة من الحي الصيني، كانت محل جلوس لأبناء الجالية الصينية من كبار السن نساءً ورجالا، يصرفون فيها ساعات من يومهم في لعب النرد أو الشطرنج، وقد ذكرني هؤلاء بكبار السن في العاصمة بكين، أولئك الذين يجلسون على ضفاف نهر صغير في منطقة ديامين من تلك العاصمة، ويصرفون وقتهم بلعبة من اللعب التي ذكرتها آنفا .

ومن الحدائق الأخرى التي زرتها هي حديقة براينت بارك " Bryant Park" التي حملت اسم الشاعر الأمريكي، ويليام كولين براينت " William Cullen Bryant، منذ سنة 1884م، والتي تقع ما بين الشارع 40 والشارع 42 في الوسط من مانهاتن، والشاعر المذكور ولد في 3 تشرين الثاني " نوفمبر " سنة 1794م، وتوفي في 12 حزيران " يونيو" سنة 1887م، وقد عرف عنه أنه كان مدافعا قويا عن المهاجرين الجدد، كما دافع عن العمال، وطالب باحترام حقوقهم في تشكيل نقابات عمالية تخصهم.

في الحديقة تلك شاهدت عرضا مسرحيا حديثا، يؤدي فيه الممثلون والممثلات حركات إيمائية، وهم صامتون دون أن ينبسوا بكلمة واحدة، بينما افترش جمهور كبير من المشاهدين أرض تلك الحديقة المعشوشبة كي يستمتع بهذه المشاهد، ويبدو أنها من تجارب المسرح الحديثة، فحركة كل ممثل وممثلة تجبرك على أن تفكر بما يريد هؤلاء الشبان والشابات أن يقولوه لك ولغيرك، وبلغة جديدة، والظريف في الأمر أن الجمهور كله كان يصفق لهؤلاء بحماسة شديدة، فهل كان الجمهور هذا قد فهم كل ما قاله هؤلاء الممثلون عبر اللغة الإيمائية التي عبروا فيها عن مضامين نصوص عروضهم؟ تساءلت أنا معي نفسي، وكنت جالسا في المقدمة منهم، وعلى الأرض مثلهم .

والحديقة الثالثة التي زرتها كذلك هي الحديقة التي قامت مكان برج مركز التجارة العالمي الجنوبي الذي دمر في هجوم الحادي عشر من شهر أيلول " سبتمبر " سنة 2001م، وهو البرج الذي يفضي له شارع المال الشهير، الوول ستريت " Wall Street"، وسعة الشارع وطوله لا يصلان الى الشهرة الكبيرة التي حظي بها، ولكن المنطقة التي يقع فيها تعد من أنظف المناطق في مدينة نيويوك، كما تصعد فيها بنايات وأبراج عالية على خلاف من المناطق الأخرى، يضاف الى ذلك أن شوارعها قد اكتست ببلاط حديث، جيد الصنعة والشكل، بل حتى عربات بيع وجبات الأكل السريعة تميزت بنظافتها عن بقية العربات التي تماثلها والمنتشرة في شوارع مانهاتن، والتي يقدر عددها في مدينة نيويورك بأربعة آلاف عربة تقف عند أرصفة الشوارع، أو عند الحدائق، وأغلب العاملين فيها، مثلما تبين لي من كلام أصحابها، هم من المصريين المهاجرين، هذا في الوقت الذي لم أشاهد فيه كناس شوارع في منطقة الشارع المذكور، ولكنني شاهدته في مناطق أخرى من مانهاتن، وهذا يدل على أن المهن القذرة، كما يسميها السويديون، والتي اختفت عندهم، لازال لها وجود في أكبر دولة رأسمالية في العالم .

في وسط الحديقة المذكورة، وبحدود مساحة البرج المدمر، على ما أظن، صنعوا بركة مستطيلة الشكل، وبعمق يزيد على أكثر من مترين، تتدفق من حواشيها مياه تصب في قاعة البركة، ثم سرعان ما تختفي، ويلف تلك الحواشي طوق من حديد مميز، كتبت عليه أسماء الضحايا الذين قتلوا في ذلك الهجوم، وكانت من بين تلك الأسماء أسماء لعرب كان أصحابها قد قضوا في ذلك الهجوم الرهيب الذي لا يعادله أي هجوم شن على الولايات المتحدة من قبل، حتى ذلك الهجوم الذي شنته الطائرات اليابانية على السفن الحربية الامريكية الراسية في الموانئ الأمريكية أبان الحرب العالمية الثانية.

المنطقة الأخرى التي زرتها بعد مانهاتن هي منطقة بروكلين " Breukelen " التي أخذت اسمها من مدينة هولندية بهذا الاسم، وذلك لأن المستعمرين الهولنديين هم من أسس هذه المستعمرة سنة 1646م، ولكنها دمجت في سنة 1898م مع نيويورك، وتعتبر ثاني أكبر مناطق نيويورك من حيث المساحة، ويقطنها حوالي مليون ونصف نسمة، ينحدرون من أصول مختلفة، حتى أنني وجدت حضورا عربيا واضحا فيها، فقد تناولت وجبة طعام شرقية في مطعم لبناني اسمه " طرابلس " فصاحب المطعم يرد في أصله الى مدينة طرابلس في شمال لبنان، وقد رحب بنا الرجل، بي أنا ومن معي، ترحيبا حارا، وحين قدم عمه الى المطعم أصر على أن يقدم لنا طبقا من حلويات لبنانية مجانا، وهذا على خلاف رجل عراقي صاحب حانوت باعنا ليفتين من تلك التي يستخدمها العراقيون في غسل أجسادهم في الحمام بسعر مبالغ فيه، هو خمسة عشر دولارا لليفتين، واللتين لا تستحقان من السعر غير دولارين اثنين لا أكثر .

حدثني واحد من الذين يرافقونني بأن الجرائم تكثر في هذه المنطقة، وقد أشار بيده الى سجن يتألف من طوابق متعددة، وهذه المرة الأولى التي أشاهد بها سجنا على هذه الشاكلة، ولهذا حرصت على تصويره بكامرتي التي أحملها معي، وبعد أن فرغت من التصوير انطلق صوت سيارة شرطة سرية كانت تطارد سيارة مشبوهة مع أن الليل كان في أوله، وصوت السيارة هذه دفع بالشخص الذي يرافقني الى القول : " الشرطة هنا يتركون سياراتهم في عدة نقاط من هذه المنطقة، ومن دون أن يكون أحد فيها، والهدف من ذلك هو إيهام اللصوص والمجرمين بأنهم يتواجدون على مقربة منهم .

ختمت رحلتي هذه بعد عدة أيام في العودة الى السويد من مطار جون إف كينيدي الدولي " John F. Kennedy International Airport " الذي يقع في مقاطعة كوينز " Queens" وهي واحدة من المقاطعات الخمسة التي تتكون منها ولاية نيويورك مثلما مر علينا ذلك من قبل، وكنت متجها هذه المرة الى مدينة فرانكفورت الألمانية بدلا من مدينة ميونخ كما في رحلة الذهاب.

الطريق الى المطار كان عكرا، وقد أثار تعجبي كثرة المطبات فيه، مثلما أثار تعجبي من قبل قلة ما يتقاضاه عمال المطاعم من راتب، فقد سألت أحدهم عن راتبه وراتب الآخرين الذين يعملون معه في المطعم ذاته، فأجاب أن الاجور هنا تتراوح بين 70 الى 90 دولارا لساعة واحدة، وبذلك يتراوح الراتب الشهري لهؤلاء العمال بين 1500 الى 2000 دولار شهريا، وهو راتب متواضع قياسا لمستوى الأسعار في نيويورك وفي ظل فجوة كبيرة من التفاوت الطبقي ما بين الفقراء والأغنياء رغم محاولات الرئيس باراك أوباما الخائبة في ردم تلك الفجوة من خلال منح الحكومة الأمريكية دورا في إدارة دفة الاقتصاد الأمريكي، وكأنه يريد من وراء ذلك الاقتراب من نظم حكم الاشتراكيين الديمقراطيين في بعض دول أوربا، ولهذا فقد شرع هو قانون صحي جديد " Obama Care " واستبدل التدخل العسكري في شؤون البلدان الأخرى بـ "مبدأ القيادة من خلف " مثلما عمل على تشجيع السياحة، وفرض ضرائب تصاعدية على أصحاب الدخول الكبيرة، وتشجيع الهجرة الى الولايات المتحدة، مع منح الجنسية الأمريكية للمقيمين في أمريكا بشكل غير شرعي، وغير ذلك مما يلاقي معارضة شديدة من قبل الكثيرين من زعامات الحزب الجمهوري الذين يشكلون الأغلبية في الكونغرس " البرلمان " الأمريكي .

 

رحل اموري

mohamad thamerرحل وكان يظن انه لن يرحل، كان يغمس اللحن في الفراتين فيخرج اللحن منتشيا ملبسا بالحزن والكبرياء، وكان يرجع الوتر في دواوين النخيل فينقلب الى النهايات مكتئبا متوحدا يرنو نحو البقاء مثل كلكامش.

ما عرفت أنامله الا الوتر زحفت عليه زحفا فحصدته في اوانه وانهال منها غير مكترثا معطرا برائحة الطلع والبردي وآلاف الاميال من الشط لا تعرف الى اين سياخذك ولكنك تدرك انك عراقيا في لحنه وتظل عراقيا وان باعدك الحزن او تجنبتك الكلمات تبقى حتى في طربك عراقيا ترقص مثل القصب واقفا شامخا،لاتدرك رقصه من جزعه واميمه من طبقات صمته المتعثرة بين جدران البوح في اقصى الارض.

رحل اموري وما ترك حنجرة في الفراتين الا وصعقها واستنفرها وخبرها وخبر راعيها فما ان تساله عن مطرب حتى يأتيك الرد سيفا قاطعا لا يلهيه قربه منه او اداؤه له كأنما تلمس كل هذه الحناجر مثلما تتلمس الريح وجه النهر .

رحل اموري وكان صوته مثل لحنه عراقيا شجيا يبحث عن الحزن ويقتفيه فان استدل عليه ساقه لك منغمسا فيك فلا تشك للحظة انك امام لحنا غير اللحن او وترا غير الوتر بل هو الوتر المنشود في لوحات الطين المدفون مع شبعاد قبل ان ينضج غدها.

رحل اموري سيد اللحن والكلمات وبقيت الحانه وبقيت اوتاره تندبه وبقى صوته يؤذن بالحزن كلما راق للحزن ان ينتشي وكلما زحف الفجر بجيل جديد وكلما تراصت الكلمات منحدرة صوب الفرات هناك حيث تموت وهناك تبعث من جديد وهناك يقال ان العصافير تتلتهم اللحن والوتر وتشيع الحزن حيث لاسبيل اليه.

 

عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (9) .. 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية

هذه حلقة جديدة في سلسلة مقالاتي لمناسبة مرور 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية، وهي الحلقة التاسعة، وستكون مكرسة للمرحوم الدكتور عدنان شفيق الزبيدي احد خريجي الجامعات السوفيتية في ستينيات القرن العشرين، والذي توفي اثر حادث مؤسف حدث في عام 2005 عندما كان يقود سيارته الخاصة صباحا قرب بيته في بغداد .

 

المرحوم الدكتور عدنان شفيق الزبيدي: خريج كلية الزراعة في جامعة بغداد، وسافر الى الاتحاد السوفيتي في بداية ستينيات القرن الماضي، والتحق طالبا في قسم الدراسات العليا باكاديمية تيميريازوف الزراعية بموسكو وانهى دراسته هناك وناقش اطروحته بشكل ناجح و باهر، وهناك نكتة كان يحكيها العراقيون الذين حضروا مناقشته للدكتوراه، وهي لم تكن في الواقع نكتة بل حقيقة، اذ كان احد الاساتذة الروس الكبار في السن منبهرا من مستواه العلمي الجيد اثناء المناقشة فقال في كلمته اثناء تلك المناقشة وهو يمدحه، ان الزبيدي يجب ان يحصل ليس فقط على شهادة الكانديدات السوفيتية المعروفة والتي تعادل دكتوراه الفلسفة طبعا، بل وحتى على شهادة الماجستير، وذلك لان اسم شهادة الماجستير الاجنبية كانت – بالنسبة له - تمتلك رنٌة اجنبية باللغة الروسية وبالتالي كان لها نكهة خاصة ومتميزة بالنسبة للجيل السوفيتي القديم من هؤلاء المتخصصين السوفييت في ستينيات القرن الماضي، ولهذا اعتبرها اعلى من شهادة الكانديدات السوفيتية . عاد الدكتور الزبيدي الى بغداد وعمل في مجال اختصاصه وبشكل مبدع، وبرز في عمله، وتم ترشيحه للعمل في عدة منظمات عالمية باوربا في مجال اختصاصه، وشغل عدة مواقع متميزة في العراق، يرتبط قسم منها في زراعة النخيل، ثم احيل الى التقاعد لبلوغه السن القانونية، ولكنه استمر بعمله واختصاصه رغم ذلك، وارتبط بمؤسسة خاصة تهتم بزراعة المناطق الصحراوية، وقد كان متحمسا لهذه الفكرة، بل وحتى تم ايفاده الى فرنسا من قبل هذه المؤسسة لمتابعة هذه الافكار المتميزة بزراعة الصحراء، وكنت انا التقيه كثيرا في هذه الفترة في بغداد، وكتبت عنه في الصفحة الاخيرة من جريدة الجمهورية البغدادية، حيث كنت انشر بعض الاحيان في عمود صحفي يومي عنوانه (مدارات) والتي كانت تشرف عليه في حينها الصحفية العراقية المبدعة السيدة مريم السناطي، وكان عنوان مقالتي الصغيرة تلك هو – (بساتين في الصحراء)، وكانت هذه المقالة في عدة سطور ليس الا في نهاية الصفحة الاخيرة من تلك الجريدة، وتحدثت فيها عن عالم عراقي (لم أذكر اسمه طبعا)، يحلم بزراعة الصحراء ويتكلم عن ذلك الحلم دائما، ويريد ان يحول الصحراء الى بساتين مزدهرة ومزروعة و تنتج كذا الف من الباذنجان والطماطم والخيار والقثاء وبقية الخضراوات الاخرى و كذا الف من مختلف انواع الفواكه من مشمش وتين وكمثرى وبقية انواع الفواكه وكذا الف من البيض و لحم الدجاج والالبان بانواعها ووو...الخ هذه المنتجات الغذائية، وأشرت – وبشكل ما – الى ان بلدنا بحاجة ماسة الى تبني هذه المشاريع رغم انها تحمل روحا حالمة، او شئ- ما من هذا القبيل في زمن الحصار آنذاك في تسعينات القرن العشرين، وقد اطلع الدكتور عدنان الزبيدي بالطبع على تلك المقالة القصيرة جدا وكان معجبا بها وبروحها المرحة جدا والاشادة به شخصيا رغم عدم الاشارة الى اسمه، وفوجئت في اليوم التالي لصدور المقالة تلك بهاتف من جريدة الجمهورية الى كلية اللغات يطلب حضوري الى رئاسة الجمهورية شخصيا، وكنت آنذاك معاون عميد كلية اللغات، فطلبت من العميد ان يحاول الغاء ذلك لصعوبة الذهاب الى هناك واجراء المقابلة، وقد حاول العميد فعلا – وامامي - ان يتصل هاتفيا باحد المسؤولين الذين يعرفهم في الرئاسة لالغاء ذلك، ولكن الشخص الذي تحدث معه قال له انه ينصحه بعدم طلب ذلك، وان عدم الذهاب الى هناك يمتلك محاذير شديدة، وانه (ينصحه) ان يذهب هذا الشخص (اي انا) الى هذه المقابلة الضرورية على ما يبدو لأن الشخص الذي يطلبني للمقابلة مهم جدا . اضطررت للذهاب الى هناك وفي سيارة الكلية وليس بسيارتي الخاصة لمحاذير ذلك (وهذا ما نصحني به الاخرون من حولي)، وبعد اجراءات طويلة وعريضة ومعقدة جدا وصلت الى مدير الدائرة الزراعية في رئاسة الجمهورية – وهو وزير زراعة سابق -، وقد استقبلني سكرتيره الشخصي وسألني هل انت الدكتور الذي كتب المقالة تلك؟ فاجبته – نعم انا الذي كتبت المقالة، فقال لي – (لماذا ورٌطت نفسك بذلك؟) فلم افهم سؤاله وقلت له – باي شئ ورطت نفسي؟ فاجاب – ان الرئيس صدام حسين شخصيا قرأ المقالة وكتب بخط يده جملة – (من هو هذا العراقي؟) وعليه فانني يجب ان اجيب عن سؤال الرئيس هذا، وفي ذلك تكمن ورطتي، بل انه حتى تألم بشأني ومصيري، وعندما دخلت الى مكتب المدير العام استقبلني وكانت الجريدة بيده وطرح عليٌ نفس السؤال طبعا، فقلت له ان هذا الشخص موجود وهو خريج الجامعات السوفيتية ومتخصص في علم الزراعة ومتقاعد الان واسمه الدكتور عدنان الزبيدي ومستعد للعمل وتحقيق حلمه بزراعة الصحراء بواسطة حفر الآبار فيها وسقي المزروعات بواسطة الري بالتنقيط وفق حسابات علمية محددة ودقيقة يعرفها ويشرف عليها هو باعتباره متخصصا بذلك، ومستعد لتنفيذها، فسألني – هل تعرفه؟ فقلت له انني اعرفه حق المعرفة وهو صديقي، فطلب مني اسمه وعنوانه، فاعطيته الجواب بكل ثقة . خرجت من هذه المحنة الغريبة والعجيبة واتصلت رأسا بالدكتور عدنان الزبيدي واخبرته طبعا و بالتفصيل الدقيق بكل الذي جرى لي بسبب تلك المقالة، ففرح فرحا شديدا جدا، وقال انه مستعد للعمل من اجل تنفيذ ذلك المشروع . وفعلا، اتصلت به بعدئذ ادارة جريدة الجمهورية، وطلبت منه اجراء مقابلة صحفية تفصيلية معه حول ذلك، وتمت هذه المقابلة وتم نشرها في تلك الجريدة وبصفحة كاملة تقريبا ، ولكن الحاقدين على تلك المشاريع الرائدة والعلمية الكبيرة والمفيدة للبلد كانوا (ولا يزالون ومع الاسف) هم الاكثرية، ولم يسمحوا – طبعا – بنجاح تلك الافكارالتي تأتي من خريجي تلك الجامعات، وقد شعرت انا رأسا اثناء مقابلتي في دائرة الزراعة آنذاك بهذه الروحية، اذ أشار المدير العام بشكل غير مباشر طبعا ولكن واضح، الى ان دائرتهم بالذات هي الي يجب ان تقوم بتقديم هذه الافكار الى الرئاسة وليس (بعض المتقاعدين الحالمين من خريجي روسيا او دول اخرى)، وكان واضحا موقفه من كل ذلك الكلام، اذ المهم بالنسبة له انه هو وليس غيره من يقدم هذه المقترحات، بغض النظر عن مصلحة العراق طبعا و اهمية تلك المقترحات وقيمتها للشعب العراقي ومستقبله . وهكذا تم التسويف على كل تلك الافكار في حينها، ولم يستطع الدكتور المرحوم عدنان الزبيدي ان يحقق مشروعه الرائد ذاك .

في ذكرى غسان كنفاني .. عاشق البرتقال الحزين

shaker faredhasanتحيي جماهير شعبنا الفلسطيني وقواه السياسية والفكرية والأدبية والأوساط الثقافية التقدمية العالمية في الثامن من تموز من كل عام ذكرى استشهاد الكاتب والمبدع الفلسطيني غسان كنفاني، الذي اغتالته قوى الشر والظلام المعادية لحرية الإنسان وللفكر الثوري والطبقي التحرري، وتطرح هذه الجريمة النكراء قضية دور الأدب المقاتل في معارك الشعوب ضد الظلم والقهر والقمع ومن اجل التحرر الاجتماعي والاستقلال الوطني، إذ أن غسان كنفاني أرعب أعداء القضية والإنسانية بكتاباته السياسية والأدبية وبفكره الخلاق النيّر، وقد جاء اغتياله ليغيّب الفكر الوطني الديمقراطي الذي كان يؤمن به، وإخماد صوته الفلسطيني الصادق،

كان غسان كنفاني شخصية متعددة المواهب فكان صحافيا وقصاصا وروائيا ورساما وداعية سياسة وكاتبا للأطفال، وحياته لم تعرف الفصل بين القول والفعل، فكان كاتبا ملتزما بقضايا شعبه الوطنية والقومية والطبقية، ومناضلا سياسيا، ومدافعا عن حق شعبه الفلسطيني في الحرية والاستقلال، كذلك كان غسان مسكونا بالهاجس الفلسطيني، وقد عاش المأساة الفلسطينية وحمل جراح شعبه وآلامه وهمومه اليومية في أعماق قلبه وسكبها في قوالب فنية جميلة وأصيلة جاءت تجسيدا صادقا لواقع البؤس والشقاء والحرمان والظلم والقهر الاجتماعي الذي يعيشه الفلسطيني المشرد والمطارد في المخيمات الفلسطينية وفي جميع أصقاع العالم،

لقد أحب غسان الحياة حتى العبادة وعشق الأرض والوطن الفلسطيني، بسهوله وهضابه ووديانه وبرتقاله وزيتونه ورمانه ومدنه الثابتة،

وكان غسان كاتبا ثوريا بارزا مسلحا بالفكر العلمي الاشتراكي، ماقتاُ الشعارات الجوفاء الخالية من المضامين الثورية الحقيقية، مهاجما الانتهازية والانتهازيين، مقاوما الوصوليين والنفعيين ومتصديا للمرتزقة والمرتدين عن الخط الثوري اليساري، ولذلك أحبته الجماهير الشعبية الفلسطينية وحظي بتقدير رفاقه وشعبه وتياراته السياسية واتجاهاته الفكرية،

إن إبداعات غسان كنفاني لها طعم ونكهة خاصة وهي التعبير الأجمل والأشمل عن حياة ونضال وبطولات وتضحيات الشعب الفلسطيني ضد المحتل الغاصب، وشكلت القضية الفلسطينية المحور الأساسي في جميع كتاباته، ووقف غسان إلى جانب المسحوقين وأعلن انحيازه التام للطبقة الكادحة الثورية التي ستغير وجه التاريخ البشري،

وغسان كنفاني أول باحث يحصل على نماذج من الشعر الفلسطيني الرافض والمقاوم الذي أبدعته الأقلام الفلسطينية داخل الحصار، وقد اصدر دراسة شاملة حول الشعر المقاوم في أسرائيل مؤكدا فيها "أن أدب المقاومة يرتبط إلى بعد اجتماعي ويطرح ولاءه للطبقة الكادحة التي على أكتافها تعلن المقاومة بنادقها ومصيرها "،

إننا في ذكرى غسان كنفاني مدعوون إلى اعادة قراءة التراث الأدبي والفكري والروائي الذي خلّفه لنا والاستفادة منه، فهذا خير تكريم لهذا الإنسان الذي ضحى بدمه ووهب حياته لأقدس وأسمى قضية، قضية الاستقلال الوطني والتحرر الاجتماعي،

إن أعداء الكلمة مخطئون إذا كانوا يعتقدون بان اغتيال جسد غسان سيغيب فكره، فغسان كنفاني أول من قرع جدران الخزان وسيبقى في الذاكرة الشعبية الفلسطينية رمزا ومثالا يحتذى في المقاومة والصلابة والعطاء والإبداع الثقافي،

 

في الذكرى الثالثة عشر لرحيل شهيد الغربة الشاعر "عزيز السماوي" .. قصتي مع (أغاني الدرويش)

thamer ameenفي الثامن من حزيران عام 2001 رحل الشاعر العراقي "عزيز السماوي" الذي يعد واحداً من أبرز الشعراء المجددين في بنية القصيدة الشعبية العراقية ومناضلا تميزت سيرته النضالية بالصلابة والعناد المؤسس على اليقين، وترك لنا إرثاً مفعماً بالخلق والابداع والجمال، وقد كانت لنا مع الراحل محطات مازالت عالقة في الذاكرة تعكس رقة هذا الشاعر وطيبته، نتوقف عند جانب منها وفاءاً لذكراه الثالثة عشر .

في عام 1972 شارك الشاعر "عزيز السماوي " مع نخبة من كبار الشعراء العراقيين والعرب في مهرجان السماوة للشعر الشعبي الذي كان مقررا عقده في الديوانية ولظروف سياسية تم نقله الى مدينة السماوة، وفي ذلك المهرجان أنشد " السماوي " ولأول مرة قصيدته الذائعة الصيت " أغاني الدرويش " التي كانت مفاجئة لجمهور الشعر عندما تخلل القاء القصيدة بكاء الشاعر بشكل ملفت للنظر حيث كنت حاضراً تلك اللحظات وشهدت تفاعل الجمهور وتعاطفه مع محنة الشاعر في الرموز التي انطوت عليها قصيدته، وبعد اشهر قليلة من ذلك الحدث وتحديداً مطلع عام 1973 أصدر الشاعر ديوانه البكر وتوج عنوانه بإسم القصيدة المذكورة (أغاني الدرويش)، وقد كلفني الصديق الشاعر " السماوي " بتصريفـــ (10) نسخ من الديوان في المدرسة، حيث كنت حينها طالبا في إعدادية الديوانية ، وفي نفس اليوم انهيت المهمة بنجاح حيث سارعت الى توزيع النسخ على أصدقائي الطلبة واستيفاء اثمانها بسرية تامة اشبه بتوزيع المنشور السري، لكنني في اليوم الثاني فوجئت برئيس االلجنة الاتحادية ـ واجهة الحزب الحاكم ـ في الاعدادية وعدد من اعضائها يدخل الصف وبيده نسخة من " اغاني الدرويش "، ولسوء حظي فان أحد الطلبة ومن الاصدقاء الذين اقتنوا الديوان قبل ان يعرف الغرض من دخول هذا المسؤول الى الصف ومعه الديوان استعجل وانبرى قائلا (مانحتاج كلنا اشترينا الديوان) معتقدا انه جاء لبيعه مرة ثانية، في حين كان هذا ينوي معرفة المصدر الذي سرّب الديوان الى الاعدادية، وعندما سأله رئيس اللجنة الطلابية عن الشخص الذي باعه الديوان، أشار ـ بحسن نية طبعا ـ الي ّ، عندها طلب مني المسؤول مرافقته الى اللجنة وهناك جرى ماجرى وانتهت الجولة بفصلي اسبوع من المدرسة جراء قيامي ببيع ديوان" أغاني الدرويش " . ولماّ علم الشاعر " عزيز السماوي " بما جرى لي أبدى أسفه وتأثره الكبيرين وظل يشعر بالذنب مما لحق بي ومهتما بآثار العقوبة التي طالتني، وهو ما يعكس انسانيته العالية وشعوره المرهف بالظلم الذي يقع على الاخرين، لقد جسد "السماوي"في الكثير من أشعاره صدق مشاعره ونقاء سريرته :

روحي الك أصفه نهر .. وبمايه أسيسّ لك شمع

ياريت أعاشركم عمر ... حبكم بساتين وزرع

وكان بحق النهر الصافي الذي حملت امواجه مراكب ذكرياتنا الجميلة .

 

جليل كمال الدين وداعا ايها العبقري الذي لم يعرف قيمة نفسه

طلب مني المرحوم الاستاذ الدكتور جليل كمال الدين قبل حوالي عشر سنوات في بغداد ان اساهم بكلمة في حفل تكريم اقامته له وزارة الثقافة، فاشترطت عليه ان اتكلم عن جوانبه الايجابية والسلبية معا، فقهقه واجابني ضاحكا بانه يسحب طلبه هذا، واكتب اليوم هذه السطور ليس فقط بسبب طلب من صديقي الصحفي الاستاذ علاء المفرجي، ولا انطلاقا من القول الكريم المعروف – اذكروا محاسن موتاكم، بل اكتبها ايضا و فعلا من كل قلبي، لان جليل كمال الدين (1930 – 2014) كان جزءا لا يتجزأ طوال اكثر من خمسين سنة الماضية من مسيرة حياتي، منذ ان قرأت له مقالة في مجلة الاداب البيروتية المعروفة في الخمسينات، وذلك ايام العراق الملكي – عندما كنت انا تلميذا في المدرسة - عن معرض الفن العراقي الحديث و تحليلاته و اهمية لوحات جواد سليم وقيمتها وبقية الفنانين التشكيليين العراقيين الكبار في مدرسة بغداد الفنية، وعبر برقيته الشهيرة، التي اذيعت في صبيحة 14 تموز 1958 من اذاعة بغداد بتوقيعه وتوقيع رشدي العامل تأييدا لثورة تموز آنذاك وباسم ادباء العراق وقد استمعت اليها شخصيا عندها ولا زالت ترن في اذني، ثم نشاطه الثقافي الانفجاري الهائل والكبير بعد ذلك ومقالاته المتنوعة في الصحف والمجلات العراقية اليسارية واصداره – اظن مع ناظم توفيق – ترجمته عن الانكليزية لكتاب ماوتسي تونغ حول تفتح مئة زهرة، وعن ترجمته فئران ورجال رواية الكاتب الامريكي شتاينبك، ثم جاءت قضية اعتقاله من قبل سلطات عبد الكريم قاسم، وغضب الجواهري – رئيس اتحاد الادباء عندها - على قاسم نفسه وخصامه ومناقشته الحامية الوطيس كما يقال مع عبد الكريم قاسم وهو في اوج عظمته وتوهجه نتيجة اعتقال الكاتب جليل كمال الدين الذي اراد ان يقول في مقالاته بضرورة اعدام هؤلاء الذين يقفون ضد قاسم، وبقية الاحداث المعروفة لذلك الجيل المعاصر لتلك الايام ... وعندما سافرت من العراق عام 1959 للدراسة في الاتحاد السوفيتي، كان جليل كمال الدين الذي لم اتعرف اليه شخصيا – اسطورة ثقافية بالنسبة لي ليس الا، وقابلته في جامعة موسكو اوائل الستينات، وكنت عندها طالبا في الدراسات الاولية وكان هو طالبا في نفس الكلية ولكن في قسم الدراسات العليا، وهكذا بدأ تعارفنا واستمرت علاقات الزمالة والصداقة في قسم اللغة الروسية بكلية الاداب في جامعة بغداد ثم في كلية اللغات، ثم في منطقة سكننا المشترك في حي الكفاءات ببغداد والى حين افتراقنا قبل سنوات قليلة ليس الا، عند سفري الى روسيا عام 2006، وقد حاولت الاتصال به هاتفيا عندما علمت بمرضه في السنوات الاخيرة، وتحدثنا قليلا، ولكنه لم يستطع الكلام بشكل طبيعي آنذاك، وتابعت أخباره، وعلمت بوفاته وحزنت جدا لذلك . ان الكتابة عن جليل كمال الدين تتطلب التوقف عند محطات متعددة جدا ومتشعبة في الفكر العراقي المعاصر والاحداث السياسية التي مرت في بلادنا، منذ اعتقال شاكر خصباك في الحلة لان الشرطة اعتبرته جليل كمال الدين الذي كان لولب المظاهرات آنذاك، وعبر طرده من جامعة بغداد وسجنه لاسباب سياسية، ثم رجوعه للجامعة وتخرجه من قسم اللغة الانكليزية ثم سفره الى موسكو للدراسة والتي بقي فيها عشر سنوات ورجوعه مرة اخرى الى جامعة بغداد للتدريس فيها ثم دخوله السجن مرة اخرى ثم عودته للتدريس في الجامعة، وصولا الى رواية الاستاذة الدكتورة حياة شرارة (اذا الايام أغسقت) والذي كان جليل كمال الدين احد ابطالها السلبيين، هذه المسيرة الحياتية الغريبة جعلت من جليل كمال الدين شخصية غريبة ايضا وبكل معنى الكلمة، لا يمكن ان تخضع للمقاييس النمطية في مجتمعنا ابدا، والذي أدٌت به ان يكون غريبا في نفس مجتمعه، ومتفردا في سلوكه وتصرفاته، وموسوعيا في كتاباته . ان الكلام عن جليل كمال الدين يعني الحديث عن الادب العربي وشخصياته المعاصرة مثل السياب والبياتي، ويعني الحديث عن الاتحاد السوفيتي والفكر الماركسي والادب الروسي مثل غوركي وغوغول وايتماتوف، ويعني الحديث عن الادب الامريكي مثل شتاينبك وفوكنر، ويعني الحديث عن الادب الانكليزي مثل شكسبيروتاثير الفكر العربي عليه وانعكاسه في ادبه، ويعني الحديث عن تاريخ بغداد والتراث العربي، ويعني الحديث عن الفلكلور العالمي ودور الامثال والحكم فيه ومواضيع اخرى مختلفة جدا . لقد قال احدهم له مرة، انه لو كان الامر بيديه لحبسه في غرفة مريحة تتوفر فيها كل مقومات الحياة الطبيعية شريطة ان يستلم منه شهريا كتابا او بحثا في موضوع فكري يحدده هو وينفذه جليل كمال الدين، ويمكن القول بانه فعلا عاش في الربع الاخير من حياته هكذا، منعزلا في مكتبته الخاصة الغنية جدا بالمصادر العربية والروسية (هي اكبر مكتبة شخصية باللغة الروسية في العراق) والانكليزية متنقلا بين زواياها الفكرية المختلفة، وقد دخلت عليه مرة وهو هناك وكان مشغولا جدا بوضع فهرس لعناوين جريدة الثورة – لسان حال حزب البعث - في سجل خاص، فتعجبت من هذا العمل وقلت له ان هذه الجريدة تطبع ربع مليون نسخة ويجري توزيعها في كل مكان في العراق وحتى خارجه، فمن الذي يحتاج الى عملك هذا ؟ فلم يتفق معي وقال انه لا يعرف شخصا يقوم بهذا العمل الارشيفي التاريخي الذي سيحتاجه المؤرخون يوما ما، اما عن مذكراته اليومية والتي بدأ يكتبها منذ ايام دراسته في موسكو واستمر مواظبا عليها طوال حياته، فانها بحد ذاتها تصلح ان تكون مادة ثرة للدراسة، اذ انه كان يسجل فيها كل التفاصيل التي كانت تحيط به وماذا قرأ وماذا سمع وما الذي قال له فلان وفستان وماذا أذاع راديو بغداد ومحطة البي بي سي من لندن ووو كل هذه التفاصيل يوميا، ولم يكن يسمح لاي شخص الاطلاع عليها بتاتا، ويمكن القول ان هذه اليوميات كانت صديقه الوحيد الذي يتحدث معه بصراحة يوميا ويأتمنه ويسليه ويعكس مزاجه اليومي، وكم طلبت منه ان اطلع على بعض سطورها ولكنه رفض رفضا قاطعا . ان الحديث عن جليل كمال الدين يعني الحديث عن مأساة المثقف العراقي المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين الذي اضطرته الظروف الاجتماعية والسياسية للعراق ان يعاني الكثير الكثير ويصل بعض الاحيان الى حد انفصام الشخصية والانحدار الى قاع مظلم ومرعب من الكذب والخداع والنفاق والتظاهر بالاقتناع بما لا يؤمن به بتاتا والازدواجية والانشطار الذي يجلد الروح بسياط التعذيب النفسي، بل وحتى كتابة التقارير عن الاخرين . لقد كنت شاهدا على ما اقول الان، ورأيت كيف كان جليل يضحك ويرقص وكيف كان يبكي وكيف كان ينزوي بعيدا عن الاخرين ويتجنبهم . واخيرا اود ان اقدم للقارئ بعض المواضيع التي سجلتها في مسوداتي والتي اخطط لكتابتها عنه مستقبلا وهي - / جليل كمال الدين وغوركي / جليل كمال الدين والنقد الادبي الروسي في القرن التاسع عشر / جليل كمال الدين وغوغول / جليل كمال الدين وآيتماتوف / جليل كمال الدين والادب الروسي في العراق / جليل كمال الدين مترجما / رسائل الماجستير التي اشرف عليها جليل كمال الدين في قسم اللغة الروسية / وربما ستبرز مواضيع اخرى اثناء تنفيذ كل ذلك . وداعا يا جليل، ايها العبقري الذي لم يكن يعرف قدر نفسه ولا قيمتها، والذي كان يمكن ان يكون - كما قال الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد – شخصية فكرية موسوعية في العراق مثل سلامه موسى او العقاد في مصر، لو عرف كيف يتصرف ...

 

سيرة ذاتية لطارق نجم العبدالله .. المُرشّح لرئاسة مجلس الوزراء العراقي خلفاً للسيد المالكي

ما أن بدأ تسريب الخبر عن ان الدكتور طارق نجم العبدالله هو المرشح الى رئاسة الوزراء بديلا عن السيد المالكي حتى بدأت المواقع المجندة بالخوض في عملية التحريف والتسقيط المبرمج بحقه فأخذت تسرد الكثير من الاكاذيب، والمؤسف أكثر ان موسوعة الويكيبيديا تستقي المعلومات المغلوطة من هذه المواقع، وأتمنى على أصحاب المواقع مراجعة معلوماتهم بشكل جيد، لأنهم نشروا الكثير من المعلومات الخاطئة عن الرجل وعن شخصيته .

 

سيرته الذاتية المؤكدة . . .

- طارق نجم العبدالله السعداوي

- مولود في تموز من عام 1945 في إحدى قرى قضاء الشطرة في محافظة ذي قار في العراق .

- ينتسب إلى عشيرة السعداوي إحدى أكبر عشائر الشطرة .

- والده نجم العبدالله شيخ العشيرة وآلت المشيخة من بعده إلى أخيه موحان العبدالله شيخ العشيرة الحالي .

- أكمل دراسته الجامعية في كلية أصول الدين في بغداد التي أسسها السيد مرتضى العسكري .

- أشرف على بحثه للتخرج المرحوم الشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم .

- انتمى في سنين دراسته إلى حزب الدعوة الإسلامية في نهاية الستينيات .

- غادر العراق سنة 1976 إلى مصر بعد حملة الاعتقالات والاعدامات التي طالت أعضاء الحزب .

- نال شهادتي الماجستير والدكتوراة من جامعة الأزهر في اللغة العربية .

- عمل في قسم اللغة العربية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة في المملكة العربية السعودية من عام 1981 ولغاية عام 1986 .

- انتقل إلى جامعة الإمارات ليُدرّس فيها إلى سنة 1991. التي غادرها إثر إنهاء الإمارات لتعاقدها مع الأساتذة العراقيين بسبب غزو صدام للكويت متوجها إلى اليمن .

- عمل في كلية الآداب بجامعة صنعاء حتى عام 2001 وكانت تلك الفترة حافلة بنشاطه السياسي والاجتماعي للعمل ضد النظام السابق نظام صدام وحزب البعث ما دفع السفارة العراقية آنذاك في اليمن الى مضايقته وقد تعرض على إثرها الى محاولات اغتيال مارسها ضده نظام بغداد ومخابراته في الفترة التي تواجد فيها في اليمن .

- له عدد من البحوث والمؤلفات المنشورة في مجال اختصاصه وفي الفكر الإسلامي .

- أشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه وساهم في تأسيس عدد من الكليات والأقسام في جامعات مختلفة.

- حصل على درجة الأستاذية (بروفسور) في تخصصه سنة 1996.

- لايحمل أي جنسية أخرى غير العراقية كونه وصل الى بريطانيا في العام 2001 ولا يمكن بحال من الأحوال ان يحصل المرء على الجنسية قبل مرور ما يقارب خمسة الى ستة سنوات من تواجده على الاراضي البريطانية .

- ابنه منتظر عملا على المتاجرة بالنفط ولااعرف أن لأبنه منصبا غير وظيفته في احدى الشركات البريطانية كمهندس مدني ولم يعمل في العراق ولا في أي مؤسسة عراقية على الإطلاق .

- لم يتم إتهامه بأي ملف فساد من أي نوع ومن أي حزب او كتلة، أثناء توليه إدارة مكتب رئيس مجلس الوزراء

زكي الكرمي .. وجه في الذاكرة !

shaker faredhasanالمرحوم الأستاذ زكي الكرمي هو أحد عناقيد الدالية الثقافية الفلسطينية، حمل الشعلة، وتألق بحدته ووضوحه الفكري ومنطقه العقلاني. تمتع بفكر متوقد وثقافة عالية وبصيرة نافذة، وكان شاهداً على العصر. أضاء أمامنا الطريق الحالكة الى عالم الأدب الواسع والكتب التراثية والأدبية والفكرية والسياسية، وحثنّا على قراءتها والغوص في أعماقها لتوسيع آفاقنا المعرفية والثقافية وتطوير ذائقتنا الأدبية .

ينحدر زكي الكرمي من عائلة عريقة في طولكرم والضفة الغربية، هي عائلة الشاعر الفلسطيني الكبير عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، وكنا تعرفنا عليه في حانوته لبيع الأحذية بحي الميدان في أم الفحم، الذي تحول الى منتدى ثقافي وفكري وسياسي، ومجمع للخلان وغير الخلان، وشكل حاضنة لجميع ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والثقافي .  وكان يلتقي في هذا الحانوت أهل الثقافة والأدب والفكر والعمل الوطني والسياسي وعشاق الكلمة والتراث، فيتجادلون ويتحاورون ويغوصون في بحور المعرفة والثقافة المختلفة، ويقضون اوقاتاً في النقاش وتبادل الأفكار ووجهات النظر وطرح المواقف ازاء القضايا الوطنية والاجتماعية والثقافية والمسائل الدينية، وكنا نستمتع ونحن نصغي الى احاديثه وأفكاره ومعتقداته الجريئة الشجاعة، دون أن يخشى لومة لائم .

 كانت المرة الاولى التي رأيت فيها المرحوم زكي الكرمي يوم الذكرى الأربعين لشاعر الوطن والبرتقال الحزين، ابن مصمص، راشد حسين، عندما وقف وقفته الشماء على المنصة ليؤبن راشداً، مستهلاً كلمته قائلاً : " ما أكثر الذين سألوني في ذلك اليوم المشهود قائلين : لم لم ترث راشداً ؟ . وأنا العليم بأن رثاء الحر على الاحرار حق ودين، فكنت أجيب وكيف تطلبون رثاء من لم يمت وما فارق ناظري طرفة عين . ها أنا قد جئت اليوم وجاء "راشد" معي ليسمع ما أقول، وليكون شاهدي على التزام الصدق في ما أقول. واني لاعترف سلفاً بأن حديثي ومعه كل الحديث لا يزيد مكانة راشد لأن الحديث عن العظماء لا بد وأن يترك التاريخ ولأبناء الاجيال، فكلمة الفصل من حق التاريخ وحده هو الذي يزن اعمال العظماء بميزان العدل والإنصاف وبعدئذ يكون من الواجب المحتوم على أبناء الأجيال التزام السير على الدرب التي سار عليها العظماء " .

ثم رأيته  واستمعت اليه في المهرجان التأبيني الضخم للشاعر أبو سلمى، زيتونة فلسطين، الذي أقيم في ناصرة الجليل يوم 22 تشرين أول عام 1980، وشارك فيه حشد واسع من أبناء شعبنا وادبائه وشعرائه ومثقفيه . وقد اعتلى المنصة ليقدم كلمة شكر باسم عائلة الفقيد، ومما قاله : " لقد كنت اعتقد وما زلت اعتقد بان كل شعب من الشعوب حين نراه يقدر جهود العاملين المخلصين من أبنائه وحين نراه يفيهم حقهم أحياءاً وأمواتاً فانه يقيم الدليل القاطع، على انه جدير بالحياة . ولقد رأيت خلال سيري الطويل على درب الحياة وها انا قد رأيت الكثير من جديد فكان كل ما رأيته أصدق دليل على ان الشعب الفلسطيني قد كان ولا يزال في طليعة الشعوب الجديرة بالحياة. وأضاف قائلاً : "ان الشاعر الكبير "أبا سلمى" قد نذر حياته للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية في جميع اقطارها، فهو ابن هذا الشعب، وهو ابن الامة العربية المجيدة . لهذا كان لزاماً علي أن أقول ان نصيب كل واحد من الاحرار في هذه الامة بكاملها من الافراح، وفي المآسي والأحزان على السواء . أقول في الأفراح! لأن الشاعر العظيم الذي ملأ اسمه اسماع الاحرار في العالم كله، وهو الذي حمل علم الثورة في دنيا العرب قد غدا مع الخالدين وهذا من دواعي الفحر والاعتزاز. وقلت في المآسي والأحزان لان نهاية هذا الشاعر الثائر كانت خسارة أصابت الامة العربية بكاملها ".

زكي الكرمي شخصية اجتماعية وسياسية ووطنيه ونضالية، حفلت حياته بالمواقف الوطنية الجذرية الصلبة وخدمة قضية شعبه العادلة . كان له اهتمام بالكتابة،  ونشر بعضاً من كتاباته في مجلة "الفجر" المحتجبة عن الصدور منذ زمن بعيد، التي كان يحررها الشاعر الراحل راشد حسين . وهو من جيل عاني القهر والاحباط، ومع ذلك ظل قابضاً على المبدأ والموقف الوطني، مناضلاً بدون زيف وادعاء، صامداً بدون جعجعة وصخب ودعاية، انتزع الحياة من البؤس والفقر والموت . قضى نحبه منذ سنوات طوال دون أن يتذكره أحد، ولذلك فمن الضروري والواجب ان نستحضر ذكراه، ونستذكر كل الوجوه الفلسطينية  التي اكتسبت بعداً جماهيرياً وشعبياً وثقافياً، وساهمت في مسيرة نضال شعبنا وحركته الوطنية التخررية المكللة بالعطاء والتضحيات الجسام .

 

المفاوضات العراقية – السوفيتية حول تعادل الشهادات الجامعية .. 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية

هذه هي الحلقة الثامنة من سلسلة مقالاتي عن تاريخ العلاقات العراقية – السوفيتية لمناسبة الذكرى السبعين على اقامتها .                        

حدث ذلك في اواسط سبعينيات القرن العشرين في بغداد، حيث استدعاني عميد كلية الاداب في جامعة بغداد المرحوم الاستاذ الدكتورنوري القيسي واخبرني بان العمادة رشحتني لترجمة المفاوضات العراقية – السوفيتية، والتي ستجري في بناية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ولم استطع التخلص من هذه المهمة الصعبة رغم محاولتي الاعتذار عن القيام بها، وهكذا التحقت بالوزارة المذكورة، وكان رئيس الوفد العراقي الدكتور فوزي محمد سامي وهو المدير العام في الوزارة المذكورة، اما رئيس الوفد السوفيتي فكان السفير السوفيتي نفسه آنذاك، وكان الوفد العراقي يضم عدة اعضاء منهم الدكتور تحسين معلة الشخصية البعثية المعروفة (وكان آنذاك عميدا لكلية الطب في جامعة بغداد ويحل بمكان رئيس الجامعة عند غيابه)، اما الوفد السوفيتي فكان ايضا يضم عدة اعضاء ابرزهم السيد سوخين مدير عام في وزارة التعليم العالي السوفيتية ومسؤول دراسة الاجانب في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وهو شخصية معروفة للعراقيين الذين درسوا في الاتحاد السوفيتي منذ الستينيات، واذكر ان بعض اعضاء الوفد العراقي كانوا يتهامسون فيما بينهم وهم يشيرون خفية اليه.

ابتدأت المفاوضات حول بعض الامور الروتينية ووصلت الى موضوع تعادل الشهادات السوفيتية في العراق، وهنا انبرى الحاج خميس العاني عضو الوفد العراقي ومندوب وزارة التربية العراقية وقال انه لا يعترف بمعادلة الشهادة الثانوية السوفيتية في العراق ويعتبرها اقل من الثانوية العراقية، لأن الفترة التي يقضيها التلميذ السوفيتي هي 11 سنة دراسية بينما يقضي التلميذ العراقي 12 سنة، وعليه فانه يقترح ان يكون التلميذ الروسي طالبا في الصف الاول من الجامعة كي يعترف بشهادته الثانوية وكونها معادلة في العراق للثانوية العراقية،و خلق هذا الطرح من قبل الحاج خميس العاني جوا متلبدا ومكهربا في مسيرة المفاوضات، واعترض سوخين على هذا الطرح، وقال انه من المعروف ان المدرسة السوفيتية تبدأ الدراسة وبانتظام منذ الاول من ايلول / سبتمبر، وحتى اواسط حزيران / يونيو وان ايام العطل اقل بكثير من ايام العطل العراقية وان العد النهائي للزمن الذي يدرس فيه التلميذ السوفيتي في نهاية المطاف يكون حتى في صالح المدرسة السوفيتية وليس العراقية، وان هذه المقارنة الساذجة تتعارض مع مبدأ التعادل العلمي الصحيح، الذي يجب ان يعتمد على المناهج المعتمدة قبل كل شئ، وبشكل عام فان مدارس معظم دول العالم معادلة بعضها للبعض بغض النظر عن هذه التفاصيل الصغيرة هنا وهناك . اقتنع الوفد العراقي بمنطق الجانب السوفيتي الذي طرحه سوخين، الا ان الحاج خميس العاني رفض ذلك رفضا قاطعا وأصر على موقفه السابق، وقد حاول اعضاء الوفد العراقي اقناعه ولكن دون جدوى، مما اثار سخرية الحاضرين من العراقيين والسوفيت بشكل عام، وهكذا وافق الجانب العراقي – رغم موقف الحاج خميس العاني – على معادلة الشهادتين، ولكن كل هذه الطروحات والمناقشات قد خلقت اجواء متوترة بالطبع، ثم انتقل المجتمعون الى النقطة الاساسية لكل هذه المفاوضات وهي معادلة الشهادات السوفيتية للدراسات الاولية، والتي كانت تمتد خمس سنوات او اكثر – حسب الاختصاصات – بعد السنة التحضيرية الخاصة بدراسة اللغة الروسية، اي ان مدة الدراسة تكون ست سنوات او اكثر، وكانت الجامعات السوفيتية تمنح شهادة الماجستير للمتخرجين الاجانب كافة، بما فيهم بالطبع العراقيين، الا ان الجانب العراقي رفض الاعتراف بهذه الشهادات باعتبارها شهادة ماجستير واعتبرها شهادة اولية جامعية ليس الا، اي بكالوريوس وليس ماجستير، واعتبر شهادة الكانديدات السوفيتية هي الماجستير وليس شهادة دكتوراه، وقد خاض العراقيون من حملة تلك الشهادة نضالا طويلا ومريرا جدا من اجل الاعتراف بشهادتهم هذه باعتبارها معادلة للدكتوراه عالميا، وقد استطاعوا فعلا معادلتها بعد جهد جهيد كما يقال، وعلى هذا الاساس، انطلق الوفد السوفيتي من موقفه لمعادلة الشهادة السوفيتية الاولية بالماجستير، ولكن الجانب العراقي رفض الطرح السوفيتي حول ذلك رفضا قاطعا، و تصدى الدكتور تحسين معلة للوفد السوفيتي ولسوخين بالذات، وطرح موقف الجانب العراقي حول ذلك، وبما ان الدكتور معلة كان طبيبا، فانه بدأ بالتهجم الشديد على الدراسات الطبية في الاتحاد السوفيتي، وقارنها بالدراسات الطبية الاخرى، بما فيها العراق، واعتبر ان مستواها اوطأ، وقد ادى هذا الكلام بالطبع الى توتر اشد في اجواء المفاوضات، وهنا اجاب سوخين، ان العالم الغربي يعترف بذلك، فكيف يرفض العراق الاعتراف، فاجابه معلة، ان العراق لن يعترف بذلك حتى اذا اعترف الغرب بهذا، وهنا اخذ سوخين يتكلم عن المستوى الصحي في الاتحاد السوفيتي، وقال ان هذا المستوى المعروف قد جاء نتيجة لمستوى التعليم الطبي في الاتحاد السوفيتي، وان المستوى الصحي في العراق معروف ايضا، وهو ايضا نتيجة المستوى العلمي في العراق، وان الفرق الشاسع بين المستويين هو الذي يشير الى مستوى الدراسات في البلدين . توتر جو المفاوضات جدا، واعتبر الدكتور معلة ان سوخين يهين التعليم العالي في العراق، واعلن رئيس الوفد العراقي ان العراق لن يوقع اتفاقية تعادل الشهادات بين الجانبين، وهكذا انتهت المفاوضات باصدار محضر جلسة ليس الا عن تلك الجلسات الطويلة من المناقشات بين الجانبين، وفعلا اوصل الدكتور معلة هذه المعلومات الى الجهات العليا العراقية، اذ لم يمر وقت طويل، واذا بالحكومة السوفيتية تنقل سوخين الى منصب آخر، وكلفته بتاسيس معهد خاص باللغة الروسية (وهو المعهد المعروف الان باسم معهد بوشكين للغة الروسية )، ويقولون، والعهدة على الراوي كما يقال، ان تحسين معلة اوصل تلك الاخبار الى الرئيس العراقي احمد حسن البكر،الذي كانت له علاقة قريبة معه، وقد اشار د. معلة فعلا الى رغبته بذلك بعد الجلسة تلك، وان احمد حسن البكر طلب من عزيز محمد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي (كان حليف حزب البعث آنذاك) ايصال هذه المعلومة الى الجانب السوفيتي وعلى اعلى المستويات، وان هذا الجانب قرر- بعد ان اوصل عزيز محمد تلك الشكوى - نقل سوخين واخراجه من منصبه الذي شغله لفترة طويلة وكان ناجحا فيه وذلك في محاولة لتسوية الخلافات مع العراق، والتي حدثت اثناء تلك المفاوضات، وان الجانب العراقي كان راضيا على هذا الاجراء السوفيتي ولم يطرح موضوع اهانة التعليم العالي العراقي كما طرح الموضوع الدكتور معلة آنذاك وانما اغلق الموضوع ليس الا . هذا وقد التقيت السيد سوخين مرة في موسكو عندما كنت في زيارة لمعهد بوشكين للغة الروسية، ولكني لم اسأله بالطبع عن اسباب نقله لان الموضوع حساس جدا، واذكر انه سألني عن اخبار الدكتور فوزي رئيس الوفد العراقي آنذاك، فاجبته بانه بروفيسورمعروف في جامعة بغداد، وتأسفت بعدئذ– خصوصا عندما سمعت بخبر وفاة سوخين - لاني لم اسأله حول ذلك، اذ كان من المحتمل معرفة الاسباب الحقيقية لنقله .

حينما يختطف المنون فرحة ساري العبد الله يبقى تاج العنقاء للفنان طلحت حمدي

mohamad rashedمسلسل ساري العبد الله الذي جسد دور البطولة فيه الفنان القدير الخالد الذكر طلحت حمدي حقق نجاحات كبيرة ولما صدر قرار تكريم الفنان القدير حمدي توجهت إلى دمشق والتقيته أول مرة في فندق الشام يوم الاثنين 9/1/2006 وتحدثنا عن طبيعة التكريم واتفقنا معا لكتابة السيناريو له وكان فرحا واتفقنا في المرة القادمة نحقق احتفالية تليق ومنجزه الكبير وطلب أن تكون شبيهة باحتفالية الخالد الذكر سعد الله ونوس التي أقيمت يوم الاثنين 21/2/2005 في نادي غسان كنفاني/ مخيم اليرموك كون الخالد الذكر ونوس كان يحب هذا المكان. والتقينا مرة ثانية في دمشق أيضا يوم الخميس 5/7/2007 وكان برفقته شقيقه وكان يشبهه كثيرا وتحاورنا وعرفت منه أن والده ينتمي لقبيلة عراقية ومن أصل كوردي ، وسألته عن الفنانة أصالة نصري وتحدث لي عنها كونه صديق والدها الروحي وفي نهاية الجلسة اخبرني ان الوضع في سوريا فيه نوع من الحساسية وكان يخشى ان يحدث شيء ما خارج التوقعات.والمرة الأخيرة التي التقيته كان لقاء حميمي أكثر من كل مرة حيث اصر ان يدعوني الى احد الأمكنة التراثية في منطقة الشام القديمة مع إسرته زوجته وولده وابنته وكان يوم الأحد 6/5/2007 واخبرني بأنه وعائلته سعداء جدا بجائزة العنقاء سيما ان هذا التكريم جاء من العراق وكان من الأجدر أن يكرمه بلده ومن خلال أحاديثنا تم الاتفاق على أن تبدل نوع الجائزة من (قلادة العنقاء) التي تمنح عادة للمبدعين اللذين هم فوق سن الأربعين إلى (تاج العنقاء) كونه من (الرواد المتميزين)والمؤثرين في مجال الفن وان تاج العنقاء يمنح للرواد المتميزين حصرا ووعدني في المرة القادمة تكون الاحتفالية بحضور نخبة من أصدقاءه في المجال الفني لكن يد المنون خطفت الفرحة اعني فرحة التكريم التي خططنا لها سوية ، لكن الالتزام الثقافي والأخلاقي يدعوني أن التقي مجددا بعائلته لنحيي ذكراه وتكريم اسمه ضمن احتفالية تليق بمقامه كفنان متميز قدم للفن الشيء الكثير والمثمر .

قصة ساري العبد الله تتلخص بان الشيخ عبد الله الفاضل ينتمي لقبيلة الحسنه من المنابهة من عنزة وهو ابن الشيخ فاضل المزيد وهو أخ الشيخ مهنا الفاضل من مواليد شبه الجزيرة العربية عام 1200 هجرية وحينما ترأس والده الشيخ فاضل قبائل الحسنه والمنابهة في هجرتها إلى بادية بلاد الشام كان عبد الله الفاضل الملقب (ساري العبد الله) في مقتبل العمر فارسا لا يهاب شيء خصوصا انه ينتمي لقبيلة قوية وقيادة حكيمة وواعية لوالده وقد شهد بأم عينه قبيلته وهي تكتسح القبائل من طريقها بعد معارك دامية لصالحها دائما حتى تمكنوا من فرض سيادتهم على بادية الشام بأكملها وكان له دور قيادي كونه فارس قبيلته وابن شيخها الشجاع لكن في لحظه ما ينقلب كل شيء فيحصل ما لم يكن في الحسبان كونه أصيب بمرض خبيث ومخيف يدعى (الجدري) كان علاجه أشبه بالمستحيل لأنه يؤدي بصاحبه إلى الموت وكانت القبائل لشدة خوفهم من هذا المرض الخطير يبنون لمن يصاب به بيتا على أطراف مضاربهم ويعتزله الناس حتى أهله خوفا من العدوى ويختارون شخصا ممن اكتسب مناعة من هذا المرض ليعتني به ويحضر له الطعام والشراب حتى يوافيه القدر المحتوم وهذا ما حصل مع   ساري العبد الله فبنى له اهله بيت على مسافة من ديرته واعتزله أهله وبقية القبائل فراح يصارع المرض والوحدة والألم، ويأس الكل من شفاءه وبعدها اضطرت القبائل إلى الرحيل بحثا عن الماء والعشب وكان ساري في غيبوبه التي لا تسمح له بالانتقال معهم مما اقترح البعض عليهم بإبقاء خادم له يعينه على مصيبته وكلبه الوفي (شير) الذي كان يرافقه في رحلات الصيد ولكن الخادم لم يطق البقاء بجانبه وحيدا في وسط الصحراء وسرعان ما لحق قبيلته واخبرهم بأن ساري مات . وهكذا مضت الليالي عليه وحيدا كلما أفاق من غيبوبته تذكر نكران أهله وتركهم إياه فيزداد أنينه فينفجر الشعر على لسانه ومما ينسب إليه مخاطبته كلبه الوفي شير قائلا (هلي شالو على مكحول ياشير ... وخلو لك عظام الحيل ياشير ... يلتبكي وتهل الدمع ياشير ... هلي ماعاد لي منهم رجا).

وفي ليلة ظلماء هجمت عليهم الذئاب وأرادت أن تفترسه الا أن كلبه الوفي شير ضحى بحياته من اجل سيده ساري وجاءه مضرج بالدماء وجراحه البليغة التي انتهت بموته في حضن سيده مما ازداد اساه بموت رفيقه الوفي وراح وحيدا في الصحراء يتصارع مع مرضه الخبيث وآلامه التي تزداد يوما بعد يوم وغربته فانشد قائلا (هلي بالدار خلوني وشالوا ... وخلوني جعود بطن شالو ... على حدب الظهور اليوم شالو ... وحايل دونهم كور وسراب) ومرة ينشد (هلي بالدار خلوني رميماي ... مثل حيد معقل برميماي ... يا محي العظام وهي رميماي ... توصلني على حي الأحباب)

وبينما هو يصارع الموت والوحدة أرسل الله له رجل عابر سبيل له خبره بعلاج الإعشاب فعالجه وبدأت حالته تتحسن شيئا فشيئا حتى شفي من مرضه ولكن الجدري ترك أثره على وجهه مما تغيرت ملامحه بالكامل وقرر أن يعطي بيته والمؤن للرجل الذي عالجه وحمل ربابته وانطلق عاقدا العزم على عدم العودة إلى أهله أبدا واخذ يتجول بين القبائل على انه شاعر ساعده على ذلك تغير ملامح وجهه من اثر الجدري فلم يتعرف عليه احد وكان ممن وفد عليهم شيخ يدعى تمر باش فأقام ساري عنده فتره من الزمن متخفيا على انه شاعر يعزف على الربابة ولكن اعتزازه بنفسه وأهله كان قد اخذ منه كل مأخذ فانفجر الشعر على لسانه في إحدى الليالي بعد أن سمع كلاما لا يروق له ومما ينسب إليه من العتابا قوله مخاطبا الشيخ تمر باش ومفاخرا بأهله (هلي المالبسو خادم سملهم ... وبجبود العدا بايت سم لهم ... ان كان اهلك نجم اهلي سما لهم ... جثير من النجم علا وغاب).

هنالك مقولة دائما ارددها (أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد) لقد التقينا وخططنا ورسمنا أشياء جميلة خلال لقاءات ثلاث اعتبرها تاريخية ومثمرة وأتمنى أن تتم احتفاليته وسط أهله ومحبيه لأنني اشعر بـ(دين) أثقل كاهلي مؤكد سوف ينزاح عني بعدما اسلم جائزته لعائلته كونه التزام أخلاقي وثقافي علينا أن نفي به بحق فنان أكثر من مبدع وإنسان ملتزم لديه سلوك راقي ومتحضر ذكرني الفنان حمدي بلقاءات سابقة لي مع الروائي التركي يشار كمال والروائي الإيراني محمود دولت آبادي والفنان يوسف العاني والموسيقار غانم حداد والموسيقار فرات كزلتو والدكتور شيرزاد النجار والقاص جليل القيسي والكاتب جاسم المطير والقاص محمد خضير والقاص فرج ياسين واللبناني حبيب صادق ، هؤلاء المثمرون حينما تلتقيهم تشعر انك في حضرة قديسين وعندما يتحدثون تمطر السماء زهورا وعنادل وفراشات.

الى بلاد العم سام* (1)

sahar alameriفي اليوم السادس عشر من الشهر السادس من سنتنا هذه حملتني أجنحة الطائرة الألمانية "اللوفتهانزا" الى الضفاف الأخرى من المحيط الأطلسي، وقد كانت نقطة الانطلاق الى تلك الضفاف هي مطار مدينة ميونخ الألمانية الذي نزلته قادما إليه من مطار العاصمة الدانماركية، كوبنهاجن .

حطت بنا الطائرة بعد طيران متواصل، أخذ مساء ألمانيا وصباح وعصر نيويورك، على أرض مطار نيوآرك ليبرتي الدولي (Newark Liberty International Airport) وبحساب الساعات تقدر رحلة الطيران المتواصلة هذه بتسع ساعات قد تقل أو قد تكثر، يضاف لها بعض من الوقت، يتوقف فيه زائر تلك المدينة في حاجز جوازات المطار المذكور، وهو الحاجز الذي لم أطل أنا الوقوف فيه سوى دقائق معدودة .

من السويد كنت قد قمت بحجز سيارة إجرة، وغرفة في فندق كارتر (Hotel Carter) وحال وصولي الى ذلك المطار حملتني تلك السيارة الى الفندق المذكور الذي يقع بالقرب من ساحة تايمز سكوير "Times square" وهي ساحة تقع في مانهاتن الذي يعد من أشهر المناطق الخمسة التي تتكون منها مدينة نيويورك، والساحة تلك تقع عند تقاطع شارع برودواي "   Broadway" والشارع السابع. وقد سميت بالتايمز سكوير لوجود مبنى مكاتب جريدة النيويورك تايمز فيها سابقا.

أنا الآن في وسط ذلك الحي من تلك المدينة التي حملت اسم مدينة يورك البريطانية التي تقع إلى الشمال الغربي من انكلترا، وذلك بعد قيام تشارلز الثاني ملك انكلترا بمنح الأراضي فيها لأخيه، دوق يورك بعيد الاستيلاء عليها من قبل قوات الملك المذكور في أكتوبر من سنة 1664 حين طردت تلك القوات الهولنديين منها، بعد ذلك بدل الانجليز اسمها من " نيو امستردام " إلى "نيويورك"، ولقد كانت المدينة في الأصل موطنا لقبيلتين من الهنود الحمر هما : الجونغيان، الأروكيوس قبل الاستعمار الهولندي لها عام 1624م، ثم الاستعمار الانجليزي عام 1664م، وكان هدف هذين الاستعمارين يتجسد في الاتجار بثروات المستعمرة من الفراء والجلود. ولكن بعد ذلك ازداد عدد سكان المدينة نتيجة للموجات البشرية المهاجرة من أصقاع بعيدة عنها، فصار البعض من المهاجرين يقوم بإنشاء حي خاص به، فظهرت أحياء مثل المدينة الصينية، أو ايطاليا الصغيرة .

قبل وصولي الى نيويورك كنت قد قررت زيارة المدينة الصينية، وكذلك جزيرة الحرية التي ينتصب بها تمثال الحرية الشهير، وعلى عادتي قمت بشراء تذكرة تصلح لركوب قطارات الانفاق والحافلات لمدة اسبوع واحد من أقرب محطة قطار انفاق التي تسمى هناك بـ (Subway )، وقد دفعت لقاء ذلك واحدا وثلاثين دولار، وهي قيمة تلك التذكرة وللفرد الواحد .

في صباح اليوم التالي من وصولنا توجهت أنا وزوجتي من الفندق الى مطعم قريب، تناولنا فيه فطورا كلفنا عشر دولارات، ثم بعدها ركبنا قطار انفاق من ساحة التايمز الى شارع يدعى قنال ستريت (Canal Street) وهو الشارع الرئيس الذي يخترق الحي الصيني الذي يبدو لمن زار الصين من قبل أنه شارع من شوارع مدينة صينية، وليس شارع من شوارع نيويورك، فالبشر الذين يقطنون هذه الحي غالبيتهم، إن لم يكن كلهم، هم من أصل صيني، حتى لكأنهم حملوا قطعة أرض صينية بما فيها من حوانيت وأسواق وبيوت، وعبروا فيها المحيطات من ضفاف مغارب الأرض ثم الى ضفاف مشارقها، والعجيب في الأمر أن هذا الحي يكاد يخلو من البناء الشاهق مثلما جرت العادة عليه في الأبنية الصينية التي لا ترتفع كثيرا في الفضاء، وهذه العادة درج عليها ملوك الصين القدماء الذين حرموا على مواطنيهم بناء دور عالية تعلو على بيوتهم التي تتكون في العادة من طابق أرضي واحد في الأغلب، والذي يزور المدينة المحرمة في بكين العاصمة يلمس هذه الحقيقة لمس اليد.

كل ما تريده وتطلبه من صناعة صينية تجده في هذا الحي، بل زد على ذلك كل المواد الغذائية الصينية متوفرة فيه، وهي رخيصة السعر، فوجبة الفطور المتكون من الخبز والبيض وقدحين من الشاي التي كلفتنا عشرة دولارات عند ساحة التايمز كلفتنا في الحي الصيني ثلاثة دولارات ونصف الدولار، وكأن هذا الحال يشير الى عالمين : عالم الرأسمالية حيث التايمز سكوير، وعالم الاشتراكية حيث قنال ستريت، رغم أن هذين العالمين لا يفصلها عن بعضهما البعض سوى خمس محطات لقطار الانفاق الذي يحمل رقم واحد في الأغلب الأعم، وعلى الخط الملون باللون الأحمر على خارطة أنفاق مدينة نيويورك. وعلى ذلك يمكنني القول أن المدينة الصينية في مانهاتن من نيويورك ما هي إلا قطعة أرض حملت من الصين وحطت بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الحقيقة عبرت عنها بائعة صينية حين ساومتها على شراء قميصا، طالبا منها تخفيض ثمنه فما كان منها إلا أن قالت لي : الأسعار هنا رخيصة جدا، فأنت الآن في السوق الصينية وليس في السوق الأمريكية !

هذه هي الحقيقة التي تبين بوضوح أن أمريكا ما هي إلا بلد مهاجرين جاءوا الى هذه الأرض من أصقاع قريبة وبعيدة عنها، وقد شكل هؤلاء المهاجرون قوة عمل عظيمة صعدت بها الرأسمالية الأمريكية على أرضها في بادئ الأمر، ثم عبرت بها كقوة امبريالية البحار والمحيطات، حتى صارت بوارجها وسفنها الحربية تجوب سواحل الأرض شرقا وغربا. كما أفرزت قوة العمل تلك علاقات اجتماعية بين مجتمع المهاجرين هذا لا تقوم على أساس من دين أو مذهب أو قومية، وإنما على أساس العمل ذاته، وما يفرزه من علاقات اجتماعية يكون السيد فيها المال والثروة، ويكون النقيض الكدح والفقر والتسول، فأنا نفسي ما شاهدت إلا كنيسة قديمة واحدة في زقاق ضيق على مقربة من شارع المال" Wall street " هي كنيسة " Trinity Church " مثلما شاهدت جامعا صغيرا يقع على قارعة الطريق الذاهب الى مطار جون كندي، ومثل ذلك لا يمكن لك أن تنافس الآخرين في مجتمع المهاجرين هذا على أساس قومي فتقول : أنا عربي ! ويقول الآخر : أنا تركي أو جرماني . فالمجتمع الأمريكي لم ينشأ من تكوين قبلي كما هي الحال في آسيا أو أوربا، وإنما كانت نشأته قد قامت على تجمعات زراعية أو عمالية، فلقد انصهرت الأعراق، والديانات، والمذاهب في مشروع زراعي أو في مشروع لمد سكة حديدية، وعلى هذا الاساس صارت نشأة مجتمع المهاجرين هؤلاء على أساس من علاقات العمل، وعلى أي طرف تقف أنت من علاقة العملية الانتاجية .

حدثني مهاجر لبناني هو واحد من مجتمع المهاجرين هذا قال : إنني أعجب من أن الناس في الشرق، وفي المنطقة العربية تتقاتل على أساس مذهبي، هذا شيعي وذاك سني، أليست هذه مهزلة ؟ تساءل هو ثم أضاف : انظر الى الناس هنا ! الكل متجه نحو العمل والانتاج، حتى أنهم يسخرون منا حين يسمعون من أننا نتقاتل بدوافع طائفية.

ثم في حانوت آخر سألني صاحباه المهاجران من المغرب العربي بعد أن عرفا أنني قادم من الشرق مثلما اعتقدا : ما الشيعة ؟ وما السنة ؟ لماذا هذا القتل المستمر عندكم ؟ لقد رأينا رؤوسا تقطع، وبيوتا تدكها الطائرات على رؤوس ساكنيها ؟

على بساطة التكوين الثقافي للمتسائلين خرجت بتصور هو أن هؤلاء الناس المهاجرين قد تخلصوا من أدران الشرق نتيجة لتواجدهم في مجتمع نشأ بصورة تختلف كلية عن نشأة مجتمعاتنا الشرقية التي قامت على أساس قبلي ثم بعد ذلك تغطت كل واحدة من تلك القبائل أو أفخاذ منها بخرقة من هذا المذهب أو ذاك . لكن سيظل التمايز الطبقي وليس العنصري هو المشكلة التي يعاني منها مجتمع المهاجرين هذا، فاذا كان شارع القناة المار الذكر يعكس واحدة من صور الفقر في هذا المجتمع، فإنك ترى صورة الغنى واضحة في شارع المال أو الوول ستريت ( Wall Street) والذي لا يبعد كثيرا عن الحي الصيني أو شارع القناة المذكور، والذي ترد تسميته الى الحائط الذي قام على أكتاف الزنوج الأفارقة حين أراد الهولنديون من وراء بنائه صد هجوم للقوات البريطانية وقت أن كانت نيويورك مستعمرة هولندية. ورغم أن الجيش البريطاني أزال هذا الحائط بعد انتصاره عام 1699م إلا أن الشارع ظل محتفظا باسمه.

 

................................

* العم سام : يعود اسم العم سام إلى بداية القرن التاسع عشر، وتحديدا إلى حرب سنة 1812م التي دارت بين أمريكا من جهة وبين بريطانيا وإيرلندا وكندا من جهة أخرى، وقد أخذ الاسم من اسم جزار محلي أميركي يدعى صموئيل ويلسون Samuel Wilson. وقد كان هذا الجزار يزود القوات الأميركية المتواجدة بقاعدة عسكرية بمدينة تروي الواقعة بولاية نيويورك، بلحم البقر، وكان يطبع براميل هذا اللحم بحرفي (U.S) أي الولايات المتحدة) إشارة إلى أنها ملك الدولة. فأطلقوا لقب العم سام على التاجر. فحرف U يرمز إلى   Uncle اي العم و S إلى Sam أي سام..

 

المهدي المنجرة .. أبدا اعتذاركم إليه لن يصل

mobarak abaeziمات المهدي المنجرة، مات حسرة على وطن جروحه استعصت على الاندمال، مات ميتة المثقفين، ميتة تلك المخلوقات الآدمية التي تعطي دون أن تنتظر مقابلا، مات كما يموت كل رجل عظيم، شامخا، وكبيرا، وبكثير من الصمت، وبقليل من الضجيج والفقاعات التي يحاط بها السياسيون عادة.

مات الرجل دون أن تصدر منه أنة استنجاد، فقد كان يعرف أنه أقوى، تماما كما كان في زمن قوته وقدرته، من كل غواية، ومن كل أشكال الإغراء، لأنه كان سيد المواقف التي لا تتململ، وصاحب المبادئ التي لا تشيخ، ورغم أن ذلك جلب عليه الكثير من الويلات، من قبيل منعه المتكرر من إلقاء محاضراته كما يذكر في كتابه "الإهانة في عهد الميغا إمبريالية"، وغيرها من المضايقات، إلا أنه كان كسائر المثقفين الجادين، مقاوما شرسا للضغوطات.

كان الرجل يفكر بكثير من الجدية في سبل إخراج بلدان العالم الثالث من التخلف الذي نخر بقايا الخلايا المتبقية من عقلية أبت إلا أن تداري قبحها بمساحيق زائلة، لكنه أدرك أن الأمر يحتاج إلى أكثر من قلم، وأكثر من حرب. ولابد أن تأخر بلدان العالم الثالث اقتصاديا هو من الأسباب الكبرى التي تجعل أي اجتهاد جديد، مهما كانت قيمته، يصبح غير ذي قيمة، تماما كما حصل معه عندما تحدث عن صدام الحضارات ولم ينتبه إليه أحد، فحتى عندما أفصح "صمويل هنتغتون" عن نظريته، أصبح الجميع يتشدق شرقا وغربا بهذا الفتح العلمي الجديد، متناسين أن رجلا فذا يتواجد بينهم، كان قد تحدث عن الأمر برصانة كبيرة، ولحسن حظه أنْ اعترف له هنتغتون بالسبق في مؤلفه "صدام الحضارات".

في حياته المهنية، كان يرفض تقلد المناصب السياسية، لأنه يعتقد أن ولوجها سيغير من شخصه كما حدث مع الكثير من أصدقاء النضال والطموحات الكبرى، لهذا بقي قابعا في الظل، رافضا لكل أشكال الظهور الإعلامي، بسبب من عدم استقلاليته التامة، فالقناة الثانية، تابعة لفرنسا، وتمول من قبلها لترويج نمط من السلوك وتسويغ أفكار معينة ونشر ثقافة ذات طابع خاص. وفي فترات كثيرة من حياته عرضت عليه مناصب سياسية كثيرة ورفضها، وكان يصرح في لقاءاته الصحفية بامتناعه عن الظهور في أية قناة مغربية حتى يتأكد من تمام استقلاليتها، وقد قال ذات حوار: «سبق لي أن شغلت مديرا للإذاعة والتلفزة المغربية، لكن القناة الأولى حاليا تابعة لوزارة الداخلية، وأنا أرفض المشاركة في أي برنامج فيها ما لم تكن مستقلة، والقناة الثانية محطة للدفاع عن الاستعمار الثقافي الحضاري بالخصوص، وفي شكل غير مباشر هي للدفاع عن بعض الأغراض. لم أتعامل مع القناتين ولا قنوات الخليج أيضا، و"دول البترودولار" وأرفض التعامل معها أو حتى زيارتها، أعرف جيدا خبايا الإعلام المغربي وما سيأتي مستقبلا «أكفس» مما سمي بالإصلاح أو التغيير».

وفي مسيرته الفكرية، كتب المنجرة مؤلفات عديدة، منها: "قيمة القيم"، و"الإهانة"، و"الحرب الحضارية الأولى"، و"حوار التواصل"، و"عولمة العولمة"، و"انتفاضات في زمن الذلقراطية"، وغيرها من المؤلفات ذات القيمة العلمية الكبيرة.

مات المنجرة وكل ما فكرت فيه أثناء نعيه، أن الوطن مهما اعتذر إليه، فحتما اعتذاره لن يصل إليه، ومهما أرسل من رسالات التعازي، فليس عليه إلا أن يعزي نفسه على فقده لقامة فكرية عظيمة. إن أوطاننا المأسوف عليها لا تتذكر مثقفيها إلا حين يغادرون للمرة الأخيرة، وآنذاك فقط تقول إنهم كانوا.. وكانوا.. دون مجيب.

 

عادل الهاشمي التواصل والتواضع .. دروس في الأخلاق والإبداع

mohamad rashedالكاتب الموسيقي والأب الروحي عادل الهاشمي عرفته من خلال متابعتي له من خلال عموده في نقد الموسيقى التي كانت تنشره جريدة الجمهورية على صفحتها الأخيرة التقيت معه بداية عام (2000) بعد افتتاح دار القصة العراقية وكان ضمن الشخصيات التي خططنا لتكريمها آنذاك بجائزة (قلادة الإبداع) التي كانت تمنحها دار القصة العراقية للمبدعين العراقيين، الشيء الذي أحببني فيه هو (خلقه العالي) و(إنسانيته المتميزة) كذلك سلوكه الدافئ الذي يسير جنبا إلى جنب مع إبداعه وهذه الميزة نادرا ما نجدها عند المبدعين الحقيقيين والتقيت معه مرة ثانية عام 2002 قرب مبنى أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد واتفقنا سوية على موعد تكريمه نهاية عام 2002 في بغداد واخبرني بأنه معجب جدا بهذه الجائزة وهذا الانتقاء الذي تحدث عنه الوسط الثقافي بفخر واعتزاز كون الجائزة منحت ضمن احتفاليات مهيبة إلى (المسرحي محي الدين زنكه نه والقاص جاسم عاصي والروائي عبد الخالق الركابي والقاص فرج ياسين والناقد سليمان البكري والقاص احمد خلف) وغيرهم وأعطاني رقم هاتف منزله الأرضي للتواصل ولكن شاء القدر وأصحاب الأقلام (؟؟؟) أن ينتهي الأمر بإغلاق دار القصة العراقية يوم 1/9/2002 بأمر من الحكومة العراقية وتحريض وتنفيذ من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وانتهى الأمر حينها، بعد أحداث 2003 أعيد افتتاح دار القصة العراقية واستمرت فعالياتها واستمرت اتصالاتي بالكاتب المبدع عادل الهاشمي والشيء المبهر الذي تعلمته منه هو تواضعه وسعة صدره، مرة سمعت صوته الأبوي الحنون من خلال الموبايل في صباح احد الأيام يهنئني بعيد الأضحى المبارك سعدت جدا ولكني خجلت كونه اكبر مني سنا وأفضل مني منزلة حتى إني تلعثمت حينما كلمته وحينما انتهى الاتصال جلست بين عائلتي وأخبرتهم بوقع هذه التهنئة على قلبي من قبله، وأنا اسرد لأولادي رحت ارتجف خجلا وتعرقت وقتها جبهتي، لقد تعلمت وأنا صغير من عائلتي والمجتمع أن الصغير هو من يبدأ التحية للكبير وهو من يقدم الاعتذار وهو من يفعل كل شيء احتراما وتقديرا لكبر سنه لكن الأب الهاشمي غمرني باحترامه وعطفه وحبه، أخبرته مرة كان عائد من مهرجان المربد (البصرة) هو ونقيب الفنانين السابق حسين البصري والكاتب ناظم السعود وشرفني بحضوره إلى دار القصة العراقية في العمارة حيث كانت محطة استراحة لهما واستقبلته مع صديقي الوفي الفنان جميل جبار نقيب الفنانين في ميسان وجمعتنا جلسة حوارية كانت من أجمل الجلسات في حياتي لانها صادقة وحميمة، قلت للأستاذ الهاشمي :- أستاذنا الكبير أنا اخجل جدا حينما تبدأ بتهنئتي في المناسبات واشعر بحرج.

فأخبرني:- أنت إنسان كبير تستحق كل الاحترام والتقدير كونك حققت للثقافة العراقية منجزات كبيرة وشجاعة وانكم حينما تدعون المبدعين تضعهم في ميزانهم الحقيقي ليس كباقي المؤسسات والمهرجانات التي سفهت الثقافة وقللت من قيمة وشأن المبدعين واعتقد هذا ليس رأيي فقط بل رأي عدد كبير من المثقفين العراقيين .

كنت أتمنى أن يطول اللقاء لكن ودعنا بعضنا واتفقنا على أن يكون تكريمه بجائزة العنقاء مع الكاتب ناظم السعود يوم الاحد25/3/2007 وحينما رتبنا كل شيء للاحتفاء برمز كبير من رموز العراق والوطن العربي حدث ما لم يكن في الحسبان وللأسف الشديد وهو قادم من بغداد وقبل أن يصلنا بساعتين اخبرني بأنه تلقى اتصال من البيت أن أخيه توفي ولا بد له أن يعود إلى بغداد، حزنت جدا لمصابه وكوننا لم نتشرف بحضوره لكننا تحدثنا عن إبداعه وتجربته الفريدة في الاحتفالية التي أعددناها له واستلم جائزته صديقه الوفي الكاتب ناظم السعود في (قاعة دار القصة العراقية/العمارة) بحضور الفنان حسين البصري نقيب الفنانين والفنان جميل جبار وعدد من المثقفين من مدينة العمارة .

لقد تعلمت من الرمز المثمر الخالد الذكر عادل الهاشمي أشياء مهمة في الحياة منها أن أبدء السلام وأقدم التهاني والتعازي على الصغير والكبير معا لان الإنسان المثمر حينما يبادر بالمعروف تسجل له منزلتين الأولى التواصل والثانية التواضع

معلومات إضافية