المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

مانع سعيد العتيبة 1946-

شاعرٌ، اقتصاديٌ، أمْ معاليِ وزير؟ هو كل ذلك بكلِّيَّتِهِ، حيث أجادَ وأبدعَ وانمازَ في كل مجال. هو نبضُ الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ ومؤرخُها شعراً، وشاهدُ عيانٍ على نضالِ امةٍ طالما شدَّت رحالها إلى مضارب " ليوا "، وواحات العين لإثبات كينونتها في وجه ظروفٍ حياتيةٍ كانت يومها تتطلب المزيد من التحدي، ونجحت أخيراً بجدارةٍ واقتدار.

يعود نسبهُ الى عائلة " العتيبات " العريقة، الضاربة جذورُها في أعماق التاريخ، وذاتِ الشهرةِ والباعِ الطويل في تجارةِ اللؤلؤ الطبيعي الذي بقيت تتربع على قمتهِ الى أن قدَّر المولى عز وجل أن تدْخل " اليابان " مضمارَه وتبدأ في زراعته وإنتاجه صناعياً، مما أثر على تجارته-سلبا- لدى الأسر الساحلية.

يمَّمَّتْ الاسرةُ نحو دولة قطر، وهناك وجدَ " مانع سعيد العتيبة " ضالته: فقد عبَّ من معين العلم وتذوق حلاوة الكدِّ والسهر، ويبدو أنه- وبفطرته البدوية- أدرك انْ لا مندوحةَ عن العلم مهما قست الظروف، فغذاءُ العقل أكثر أهميةً من غذاء الجسد. امتطى صهوةَ النسائم بعد نيله الثانوية العامة، وحطَّ في إحدى الكليات البريطانية العريقة لتكون القدحة الاولى في التعامل مع الآخر.

عاد مظفراً، ثم التحقَ بجامعة بغداد ليتخرجَ حاملاً درجة البكالوريوس في الاقتصاد، ما لبث أن أتبعها بشهادة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة برسالة موضوعها" منظمة اوبك "، ثم الدكتوراة من الجامعة نفسها- حيث كانت موئلا للنخبة من أبناء الوطن العربي آنذاك- بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف برسالة تحت عنوان" البترول واقتصاديات الامارات العربية المتحدة ". أبدع في الاقتصاد أيّما إبداع؛ فدولةٌ فتيَّةٌ كالإمارات كانت مضماره الاول ليفرغ في جوفها كل ما تعلمه من نظريات وتطبيق اقتصادي. فقد نذرَ نفسه لرعايتها اقتصادياً وسياسياً و وجدانياً. ألَّفَ العديد من الكتب في الاقتصاد. فعلى سبيل السرد لا الحصر: اقتصاديات أبوظبي قديما وحديثا، مجلس التخطيط في إمارة الفجيرة، اوبك والصناعة البترولية، وغيرها من الكتب المهمة.

شغل العديدَ من المناصبِ الحساسةِ في دولة الإمارات العربية المتحدة: ففي العام 1971 عُين وزيراً للبترول والصناعة في إمارة أبوظبي، وفي 1972 أصبح أول وزير للبترول والثروة المعدنية في الإمارات، وفي 1990 أصبح المستشار الشخصي لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه. ومن الجدير بالذكر، أن " العتيبة " قد تعلَّم الكثيرَ الكثيرَ من خبرات الشيخ زايد، وكان يحرص أشد الحرص على حضور مجلسه وبانتظام.

ومن المناصب الاخرى المهمة التي شغلها " العتيبة ": رئيس مجلس إدارة شركة بترول أبوظبي المحدودة، و شركة بترول أبوظبي الوطنية، والكثير غيرها. كما كان عضواً في المجالس التالية: المجلس الأعلى للبترول، مجلس إمارة أبوظبي للإستثمار، صندوق أبوظبي للتنمية العربية. كما منح العديد من شهادات الدكتوراة الفخرية تقديراً لما بذل من جهود في خدمة البشرية في مجال الإقتصاد المحلي والدولي. فقد منحتهُ جامعة كيو اليابانية، وجامعة مانيلا في الفلبين، وجامعة ساوث بيلار الامريكية، وجامعة ساوباولو في البرازيل شهادات الدكتوراة الفخرية تثمينا و تقديراً لمسيرة العطاء التي انتهجها.

في عام 1996 اختاره ملك المغرب الحسن الثاني ليكون عضواً في الأكاديمية الملكية. ولربما هذا التكريم قد أوقد جذوة الغوص في بحور العربية عنده ، حيث في العام 2000 ميلادية ، ومن جامعة محمد بن عبدالله في فاس، فقد نال درجة مميزة في الأدب العربي بعنوان" خطاب العروبة في الشعر العربي". وهنا يحار المرء حين يمر بسيرة أمثال الدكتور العتيبة، بل يقف مشدوها ولا يدري هل خُلقَ الشعرُ له، أم خُلقَ هو للشعر. فهو يكتب الشعر في المكتب، وفي السيارة، وفي البرِّ- الفلاة - الذي يفتح آفاق الإبداع والتميز نظراً لهدوئهِ وسكونهِ. يتماهى مع الشعر بكل أضربه: كتب في الوطنية، الغزل، البترول، وغيرها. يعتبر بمثابة الأب الروحي للقصيدة الإماراتية، ولا يتوانى البتة في مد يد العون لمن طلب المساعدة. هبط بجناحي صقر على المنابر الدولية والجامعات ملقياً محاضرات اقتصادية وثقافية، ومحيياً امسيات شعرية من أروع القصائد.

ترجمت قصائد الدكتور " العتيبة " الى لغات عدة منها الإنجليزية، الألمانية، الفرنسية، اليابانية وغيرها. وهنا لا نجد مفراً من ذكر ما عبّر عنه د. عدنان جواد طعمة حيث قال :

" بعد أن أتممت ترجمة قصائد سمو الأمير خالد الفيصل إلى الألمانية وصدر كتابه باللغتين العربية والألمانية عام 1997، رجوت السيد مدير مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي التفضل بإرسال المتوفر من دواوين سمو الشيخ د. مانع سعيد العتيبة. وعلى الفور تفضل المدير مشكورا بإرسال (16) ديوانا للشاعر المبدع الموهوب الدكتور مانع سعيد العتيبة بالفصحى والنبطي".

أثرى د. " العتيبة " المكتبة العربية والساحة الأدبية ب (33) ديوانا من نفائس الأشعار. من هذه الدواوين: ليل طويل، اغنيات من بلادي، ليل العاشقين، كما توجد مجموعة قصائد تتعلق بالذهب الأسود أودعها ديواناً أسماه " قصائد بترولية".

يعتبر د. مانع سعيد العتيبة من أبرز شعراء الإمارات العربية المتحدة بلا منازع. متعه الله بالصحة والعافية، وأمد في عمره للخير و بالخير.

أستاذي دومي

moamar habarدرست الفلسفة لدى 3 أساتذة، بثانوية بوقرة بالشلف إلى غاية 1986، سنة إمتحان البكالوريا، التي تعلمت في أقسامها الكثير، وكتبت عن أساتذتها الذين تركوا أثرا ومازال التلميذ يفتخربه ويكتب عنه ويعلنه..

الأستاذ زيدور.. بقي الأستاذ زيدور مع تلامذته أقل من شهر، لأسباب مازال التلميذ يجهلها. إمتاز بالصوت الجهوري، الذي مازال يرن في الأذن، ويعيد التلميذ على مسامع أبناءه طريقة الإلقاء الجذابة لأستاذة، كعبارته المشهورة "نصهرها في بوتقة واحدة"، التي يرددها الأستاذ بصوته الجهوري، فيرتج لها القسم، ضف لها تمكنه في المادة، وضبطه التام للقسم.

أستاذة الفلسفة.. كانت تعرض مقالاتي على الطلبة بإعجاب شديد، وتردد المصطلحات التي أستعملها وأقولها في القسم، وعبر الورقة المزدوجة+.

ومما علق بالذاكرة، ومازال يفتخر به التلميذ، أثناء إمتحان البكالوريا لسنة 1986، راحت الأستاذة تسأل الزملاء بلهفة شديدة ..

ماهو السؤال الذي أجاب عنه حبار؟. هل أحسن حبار الإجابة؟. ماهي الطريقة التي إتبعها في الإجابة؟.

ولم يهدأ لها بال، إلا بعد أن تم اللقاء، وأعلمتها بالإجابة والطريقة، ففرحت فرحا شديدا بإجابة تلميذها، وفرح التلميذ ومازال يردد، موقف أستاذته الذي لاينساه أبدا.

الأستاذ دومي.. أما عن أستاذي دومي، فقد كان أشدهم تأثيرا، لأنه درسني في العام الأول مادة الأدب العربي، وهو المتخصص في الفلسفة، لأنه في العام الأول لم يكن هناك منصب مالي لمادة الفلسفة ، فمنح له تدريس الفلسفة في إنتظار العام القادم، وفي العام الثاني درست عنده مادة الفلسفة.

كان كثير المطالعة، دخلت بيته الكائن يومها بمنطقة 5 بالشرفة، فلا تجد غير الكتب، منتشرة عبر كامل البيت، وبكمية كبيرة جدا. كان بليغا فصيحا، ثريا في معلوماته، يمتاز عن غيره من الأساتذة بسعة الإطلاع.

مازالت صورة الكتب الكثيرة المنتشرة، يحتفظ بها التلميذ، ويعترف أنها من الأسباب القوية التي دفعته لاقتناء ومطالعة الكتب باستمرار، ودون كلل ولا ملل.

بن نبي كما يراه أستاذي دومي.. كان حين يتطرق للمفكر مالك بن نبي، رحمة الله عليه، يقول.. أقول دائما سيكون لمالك بن نبي ، نفس مصير إبن خلدون.

لم يعرف التلميذ قيمة هذه المقارنة، إلا بعد أن إشتد عوده، وراح يغوص في كتب وأفكار بن نبي، فعلم أن إبن خلدون جهله العرب مدة 04 قرون، إلى أن جاءت أوربا، فأزالت الغبار عن المقدمة وسلطت الأضواء عليها، فقرأها أحفاد ابن خلدون وهم أهلها وأصحابها، بواسطة الأوربيين وبفضل مجهوداتهم.

وكان هذا الموقف، مما يحفظه التلميذ جيدا، ويردده دوما، وكان له أثر في توجه التلميذ في الإهتمام بفكر مالك بن نبي، قراءة وتعليقا وكتابة.

صوت التلميذ.. كان الأستاذ دومي معجب كثيرا بصوت تلميذه وبطريقة قراءته، فكان يقدمه في المناسبات، ليلقي على مسامع الأساتذة والطلبة آيات بينات، ويفضله على غيره من زملاءه في قراءة النصوص.

فلسفتنا و إقتصادنا.. يعترف التلميذ، أنه سمع لأول مرة إسم الأستاذ باقر الصدر من الأستاذ دومي، وكان يردد على مسامعنا كتابه "فلسفتنا" و "إقتصادنا"، وبأنهما الأفضل في مجال الاقتصاد والفلسفة. ومازال التلميذ يتساءل، ويقول.. ماسر إهتمام الأستاذ دومي، بباقر الصدر وبكتبه؟.

إعجاب الأستاذ بتلميذه من جديد.. بتاريخ الجمعة 06 جمادى الثانية 1436 هـ الموافق لـ 27 مارس 2015 ، نشرت مقالا، فجاءني تعقيبا من أستاذي، ففرحت أشد الفرح، فعبرت عن جزيل الشكر في حينها عبر صفحتي، فقلت..

تعقيبا على مقالي.. "خواطر من معرض الكتاب" .. يكرمني أستاذي دومي.. في مادة الفلسفة ، بكلمات من ذهب، ويقول لي..

"بسمه تعالى لا زالت رنات ترتيلك لأواخر سورة الزمر المباركة تهز علي كياني وتحرك مشاعري كأفضل ما يكون الإنصات المتأثر من قارء إلى مستمع أتمنى لك التوفيق وتمام الصحة والعافية بلغ سلامي للجميع.

ويفضل التلميذ، أن ينهي مقاله بهذه الخاتمة التي تحيي القلوب، وتعيد للأيام مجدها، وللطفل براءته، داعيا لأستاذه دومي، كل السداد والتوفيق، فيما يخدم العلم، والجزائر، وتلامذته وآهله وأحبابه.

 

 

في ذكرى استشهاد كمال ناصر ضمير الثورة وشاعرها

shaker faredhasanفي العاشر من نيسان العام 1972 أقدمت المخابرات الصهيونية على اغتيال الشاعر والمناضل الفلسطيني كمال ناصر مع رفيقيه كمال عدوان وأبو يوسف النجار في بيروت . وقد استهدفت هذه الجريمة هؤلاء الفلسطينيين الثلاثة كونهم من قيادات الثورة الفلسطينية، ولهم دور في المقاومة والتعبئة والنضال في سبيل تحرير الوطن السليب .

لقد اغتالوا كمال ناصر لأنهم خافوه، ولأنه أرعبهم بكلماته المقاتلة وأشعاره الثورية وقلمه الجريء، ولدوره في نشر وتأصيل ثقافة الرفض والالتزام السياسي وفكر المقاومة . كيف لا وهو كزميله وصديقه الشهيد غسان كنفاني، فقد جعل من الفن ثورة مقاتلة ومن الثورة فناً مقاتلاً .

يعد كمال ناصر من قادة الثورة الفلسطينية ومفكريها البارزين، أطلق عليه الشهيد صلاح خلف (أبو إياد) لقب ضمير الثورة . وهو مؤسس دائرة التوجيه والإعلام الفلسطيني، وبفضل حضوره الشخصي والثقافي أصبح رئيساً للجنة الإعلام العربي الدائمة المنبثقة عن الجامعة العربية . وإلى جانب مسؤولياته هذه كلف مهمة الإشراف على تشكيل اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين ونجح في ذلك . كذلك بادر وأشرف على إصدار مجلة "شؤون فلسطينية " وكتابة افتتاحياتها، وعمل على تطبيق الوحدة الإعلامية بين فصائل المقاومة، ولكن القدر لم يمهل زميله ورفيقه غسان كنفاني، رئيس الدائرة الإعلامية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كي يعيشا سعادة تحقيق هذه الوحدة الإعلامية تمهيداً لتحقيق الوحدة الوطنية – حلم كمال ناصر – على مختلف الأصعدة فكان أن اغتالته القوات الصهيونية في بيروت يوم الثامن من تموز 1972، كما جرت بعد ذلك محاولة ثانية لاغتيال بديل غسان، بسام أبو شريف، المسؤول الإعلامي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .

ولعل من المفارقات أن يولد كمال ناصر ويموت في الشهر والتاريخ نفسه، فقد ولد في العاشر من نيسان عام 1924، واغتيل في العاشر من نيسان العام 1973. وهو من مواليد غزة حيث كان والده يعمل فيها، وينتمي إلى أحد أشهر العائلات الفلسطينية في بير زيت . وقد بدأ وعيه السياسي بالتفتح والتبلور والنضوج في أيام ثورة العام 1936، وكان مواظباً على المشاركة في التظاهرات الشعبية الوطنية المناهضة للانتداب البريطاني وللهجرة اليهودية .

انطلق كمال ناصر إلى الجامعة الأمريكية في بيروت ليحصد العلم ويغرس الثورة، وفيها غنى الوطن وغنى الحبيبة، وتخرج قافلاً إلى بيروت ليبدأ نضاله المنظم من أرض الصراع والمعركة وهو الأشد فعالية، مقتفياً بذلك أثر كل المثقفين من أبناء قريته التي كانت تشهد أعذب معانقات مثقفيها في حين يكونون لها البلسم المنشود .

ومنذ صغره شغلته هموم وطنه السياسية، وراح يترجم أحاسيسه الوطنية وآمال أبناء شعبه، ويعبر عن مأساة اللاجئين والمشردين الفلسطينيين، فقال هاتفاً :

مأساة هذا الشعب مأساتي     وجراحه الثكلى جراحاتي

أنا بعض ما ينساب من دمه   وكأنه من   بعض   آهاتي

قدران في درب المنى اعتنقا   هيهات ينفصلان، هيهات

عاش كمال ناصر من اجل قضية شعبه ووطنه، ناسجاً أشعار الحب والحرية والفرح، وكرس قصائده صوتاً صافياً ومخلصاً لقضايا وطنه المعذب فلسطين .

كان شاعراً مجيداً وموهوباً، وشاعراً مناضلاً ومقاتلاً في صفوف الثورة والمقاومة الفلسطينية وقد عرف كيف يكون الهوى والعشق للمرأة، وكيف يكون الهوى والعشق لفلسطين وترابها المقدس .

كتب الشعر في كثير من الأغراض الشعرية، غير أن الشعر الوطني والسياسي والنضالي والإنساني طغى على غيره من الأغراض الأخرى بسبب مأساة ومعاناة شعبه في مخيمات اللجوء والتشرد . وجاء شعره في شكله ومضمونه تعبيراً وتجسيداً صادقاً وأميناً عن كفاح وبطولات أبناء شعبه وتطلعهم لنيل حقوقهم وتحقيق هدفهم الوطني . وكان يؤمن بأن الأدب يجب أن يكون ملتزماً، ويكون للحياة وللشعب وللمستقبل . واتسمت أشعاره بالبساطة والوضوح والرقة والجمالية الثورية، وخالياً من التكلف والصنعة اللفظية .

سقط كمال ناصر شهيداً على أرض لبنان برصاص الغدر الًصهيوني في العاشر من نيسان 1973، وأثار استشهاده موجة من الحزن والغضب الشديد في نفوس وأعماق أبناء شعبه، الذين أحبوه واحترموه وقدروه وثمنوا دوره الوطني والثوري والكفاحي كمثقف وشاعر حقيقي ملتزم بقضايا الوطن والإنسان . ورغم انتمائه للديانة المسيحية إلا أنه دفن في مقبرة الشهداء الإسلامية بجوار ضريح صديقه في النضال والمقاومة والأدب والصحافة والأدب غسان كنفاني، وذلك بناءً على رغبته .

خلاصة القول، كمال ناصر شاعر وأديب وصحفي وسياسي وثوري ومناضل شجاع صهرته النكبة وعجنته التجارب، دافع عن أرضه ووطنه وقضيته بقوة وعنفوان وكبرياء، فكان نصيبه الشهادة على يد الغدر والهوان . قال الشعر فأخصب خياله وأبدع وترجم مشاعره الوطنية الفياضة عبر الجمال والحرية، وسيظل في الوجدان والذاكرة الفلسطينية الحية .

 

 

الشاعر التركي ناظم حكمت 1902-1963

ان أجمل الأيام يوم لم نعشه بعد /// وأجمل البحار بحر لم ترتده أشرعتنا بعد

قبع وراء القضبان (13) عاما، ولم يفقد الأمل. كان ينظر لقادم الايام بمنظار التفاؤل، رغم قسوة السجن، ورغم قضائه بقية ايام محكوميته في زنزانة منفردة. ما كان يخفف عناءه، رؤيته لطيف زوجته- هكذا كان يتخيل- ومناجاته لها كل ليلة، وحضها على الصبر، والثقة بان انبلاج النور بات قريبا.

انه الشاعر التركي" ناظم حكمت"،شاعر البسطاء والمعوزين واصحاب المهن البسيطة، وشاعر الانسانية كلها، الذي تأثر بشعره الكثير من الشعراء أمثال عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، نزار قباني، وغيرهم، اضافةالى شعراء من الغرب. هو ابن اسرة تركية ثرية، ساند أفكار "أتاتورك " بداية، ثم ما لبث ان انقلب عليها، فاودع السجون التركية للعام1950، ثم فر الى الاتحاد السوفييتي، وانطلقت عجلة شعره هناك مدوية، ومطالبة بحقوق الطبقة المعدمة من المجتمعات، بعد ان استأثرت ما يسمى بالطبقة البرجوازية بخيرات البلاد.

هو حفيد ناظم باشا، عمدة حلب، وأمه ارستقراطية، ووالدها أنور باشا، تلك الشخصية العثمانية اللامعة. ففي صباه تشبع بحب الاناشيد الصوفية، وعرف الايقاع والشعر مبكرا اثر تشربه الايقاعات الدينية على ايدي اصحاب الطرق المولوية الصوفية. تلك بدايات روحية اسهمت في تشكل وجدانه ووعيه، ولازمته مدى الحياة، حيث وجهت كتاباته نحو السمو الوجداني، والعدالة، والانسانية جمعاء. يعتبر اول من نادى بعولمة الانسانية، دون تمييز عرق عن اخر. لقد قال عنه الكاتب السوري " حنا مينة ": " يكفي أن نقول ناظم، حتى نقول الانسان. لقد كان سبب موت ناظم هو جرعة كبيرة من حب الانسانية العظيم".

عاصر الحرب العالمية الاولى، ورأى تحول الحياة برمتها. فاخذ منحى هو الاخر لتحويل كتابة الشعر بما يتناسب والحقبة الجديدة. فحرر الشعر من القواعد والعروض، وحرك امكنة القوافي، فتارة هي في اخر الابيات، وتارة في أولها، وربما لا قافية، أحيانا. في عام 1931 صدر له ديوان بعنوان " المدينة التي فقدت صوتها "، حيث كان يحمل قصائد ذات روح وايدولوجيا متفتحة، تدعو الى الوعي والادراك فيما يدور في البلاد من هيمنة المتنفذين على خيرات البلاد واستعباد العباد. فشعره كان بمثابة المرآة للشعوب،خاصة اهل بلاده. وقال ذات مرة: " انني شاعر تركي عادي يعتز بأنه أعطى قلمه وقلبه وعمره كله لشعبه".

قال عنه الناقد" جوزين دينو": " ان ناظم اذكى النار في الهشيم الشعري، وحرره من القواعد العروضية".أما الناقد" تزيستان تزارا " فقد قال بان ناظم سخر شعره للانقضاض على الاستبداد، وناضل لتحقيق العدالة الاجتماعية. وحتى في غياهب السجن، كان ناظم يرفق بالناس ويقدر انسانيتهم. فقد جمعته الظروف بشتى انواع البشر، ولم يكن الا الانسان والمربي معهم. فها هو يتبنى أحد قائلي الشعر، وياخذ بيديه ليصبح – بعد خروجه من السجن-روائيا كبيرا هو " أورخان كمال " صاحب رواية " فوق الارض الخصبة". وها هو مرة اخرى يقدم ادواته من أقلام واوراق والوان لسجين اخر، ليصبح فيما بعد، اشهر رسام شعبي في تركيا وهو " بلابان ".

لم يتوقف عن مراسلة امه " جليلة " طيلة ايام سجنه. تلك السيدة الوقور ، التي كانت تزوره بين الفينة والاخرى، وتجلسه على كرسي في فناء السجن، وتبدا برسم صورة له، كونها فنانة بارعة. وكان يتأفف من الجلوس طويلا دون حراك، وكثيرة هي المرات التي يغير جلسته، بل يترك الكرسي ليبدأ في سرد اخر اشعاره على مسامع الجميع. فكانت كلماته لها الوقع الأكبر على مسامع امه،التي ما انفكت تترقرق الدموع في مقلتيها. اما زوجته " منور "، فكانت الوطن الدافئ لناظم. كانت علاقتهما ليست مجرد علاقة زوج بزوجه، انما انسان بانسان ذابا وتماهيا في تراب الوطن. فكلما كان يعرف بموعد زيارتها اليه، كان يكوي ملابسه في المساء، ويلمع حذاءه، ثم ينهض في الصباح الباكر نشيطا ليذهب للحلاق لتصفيف شعره وحلاقة ذقنه. كانت تدرك انها زوجة رجل مهم وصاحب مبدأ. من جهته، فناظم يرى ان تبقى المرأة السند والظهير للرجل، فتشد من أزره، وتعينه على تقلبات الدهر ونوائبه، وتسهم معه لاجل غد مشرق.

ففي قصيدة" معارفي هناك "، يستحضر ناظم حكمت زملاءه في السجن، ويستمع الى مطالبهم. فمنهم من يريده ان يغني الاطفال اغان الترابط والمحبة في الحدائق والمروج الخضر. ومنهم من يروي له الحكايات عن عائلته وأفراد اسرته، ومنهم من هو بشوق لرؤية ابنته ذات الخمسة أعوام، بعد ان تركتها امها للضياع، اثر زواجها من اخر، واخر يروي لناظم ان أجمل ما سمعه من أصوات هو صوت ابنه عن النجوم بينما يستعد للنوم على ركبته ذات ليلة صيفية. وهنا يبادلهم ناظم الدور، فيروي لهم حكايات عن العالم كله، حكايات عن ايام جميلة قادمة، تخضر المراعي، وتزهو المروج، وتتفتح الازهار وتورق الاشجار. فربما هذا الامل هو ما جعل الشاعر يقول قصيدة مبشرة جميلة مطلعها في مقدمة هذا المقال.

 

يونس عودة/الاردن

 

بَحْرُ العُلومِ .. ثُلاثِيّةُ التّوافُقِ (٥) وَالأَخيرَة

nazar haidarلم تنقطعْ علاقتي بالسيد بحر العلوم على مدى قرابة ربع قرن من الزمن، ولقد كانت اخر زياراتي له العام الماضي في منزله بالنجف الأشرف، والتي امتدت حوالي ساعتين لم نشعر بهما ونحن نتحدّث في مختلف القضايا، الأدب والثقافة، الدّين، المرجعيّة، السياسة، السّلطة، وفي كلِّ شيء، فلقد كان السيد موسوعة ليست علميّة ومعرفية فقط، وانّما كان كذلك مخزوناً هائلاً من الخبرة المتراكمة والتجارب، فلقد عاش السيد عدة اجيال اكتسب منها الخبرة واختزنها، ساعياً الى نقلِها من جيل الى اخر.

وعندما تجلس الى السيد تشعر وكانّك في حضرة أستاذ موسوعي لا تسأله عن شيء الا ويجيبك، ولا تسأله عن أحدٍ الا ويعرّفك به، فكان حديثه شيقاً جيداً.

ومن حسن حظّي انّ علاقتي بالسّيد كانت قائمة على الثقة المطلقة، ولذلك كان يسُرّني كثيراً ويُفضي لي آلامهُ وآماله ومعاناته، فكنتُ اشعر وكأنّه يجد فِيَّ (البئر) التي يرمي في أعماقها أسرارهُ التي لم يشأ البوح بها، لثقته العالية بي، كلما حالفني الحظ في لقاءٍ به او زيارةٍ له، منذ ايام (صلاح الدين) وحتى النجف الأشرف.

وللآن اذكر تلك اللّحظة التي انتفض بها من على أريكتهِ، عندما عرفني حقَّ المعرفة.

ففي ليلةٍ من ليالي (صلاح الدين) المُثلِجة، وبينما كنتُ أتمشّى في مقر (المؤتمر) في صلاح الدين، اقطعُ المسافات الممتدة بين المكاتب وغرف الإقامة، صادف ان مررتُ على مكتب السيد، وكان في زيارته الاخ الدكتور احمد الجلبي، وكانت بابُ المكتبِ مفتوحةٌ على مصراعيها، ربما أراد السيد بذلك ان يوحي للآخرين بانّ الاجتماعَ ليس سرّياً، فليس هناك ما يخفيه عنهم.

مررتُ امام باب المكتب فسلّمتُ عليه من بعيد، فرد السيد الجواب، واذا بالدكتور الجلبي، يناديني بصوتٍ عالٍ؛ نـــزار نــــزار!.

نعم دكتور، أجبتُه.

تفضّل عند السيّد.

عدتُ عدّة خطوات الى الوراء ودخلت مكتب السيد، والذي نهض ليصافحني ويرحّب بي، طبعاً بشكلٍ رسمي، ان صحّ التّعبير، كونه عضواً في مجلس الرئاسة وانا عضوٌ في المجلس التنفيذي.

قال لي تفضّل، فجلستُ ثمّ سألني ان كنت اشربُ شيئاً من باب الضيافة.

عندها بادرني الدكتور الجلبي وطلبَ منّي ان أُعرّف نفسي للسيد.

فبدأت أُحدّثهُ، فعرّجت على العائلة وما الى ذلك، فذكرتُ له، في البَين، اسم الوالد، رحمهُ الله.

لم أُكمِل حديثي، اذا بالسيد يقفزُ، لحظتها، من مجلسه واقفاً، ثم سألني؛ أأنتَ حقاً ابن المرحوم؟!.

قلت لَهُ؛ وهلْ تعرفُه؟!.

تجاهلَ السيد سؤالي، ثم أخذني بالاحضان، وضمّني الى صدرهِ وكأنّه يضمّ اليه احدَ أولاده.

ثمّ راح يحدثُني عن علاقته التاريخية القديمة بالوالد وعن صلةِ القربى والدّم بيننا، ثم سألني بالتفاصيل عن اخبار عدد من الاهل والأقارب، الامر الذي أعادني الى الوراء سنين طويلة، لتقف في ذهني شاخصة، وكأنها حدثت أمس، صورة الوالد وهو يُخبرني بأنّه يعرف جيداً مؤلف الكتابين!.

ولقد بَنَتْ لحظات التعارف هذه علاقتي بالسيد على أساس الثقة، فكان يُعاملني ويتعامل معي وكأنّه احد أولاده، فلم تكن السياسية هي الوحيدة في هذه العلاقة، ولذلك كنتُ محطّ أسراره، وحديثه الصريح وآرائه الخاصة في مختلف القضايا.

لقد تميّز السيد بحر العلوم بثلاث صفات كانت السبب الأساس في ان يكون نقطة التقاء جميع الفرقاء، حتى المتناقضين منهم. فلقد كنتُ اعتبرها (ثلاثيّة) التوافق بين الجميع، والتي كان يندر اجتماعها باحدٍ في تلك الظروف القاسية في حركة المعارضة العراقية.

الصّفةُ الاولى؛ الوطنيّة، فكان يرفض التمحور حول كلّ القيَم الضيّقة الاخرى، من منطلق مبدأ (العراق لكلِّ العراقيين).

كما كانَ مستعداً للتضحية بكلّ شيء من اجل وطنه، حتى بسمعتهِ، وهي لمثله مهمةٌ جداً تتعلق بالاسرة والحوزة والعمامة، وكان يرفض المساس بمصالح البلاد ولا يقبل ابداً تقديم ايّة مصلحة لأي طرفٍ كان، سواء من القوى الإقليمية او الدولية التي دخلت على خط القضية العراقية، على مصالح العراق.

الصّفةُ الثانية؛ الوسطيّة، فكان ينبذ التزمّت والتطرّف والعنف والتخندق الحزبي واحتكار الحقيقة، ولهذا السّبب، ربما، لم ينتمِ الى حزبٍ معيّن ابداً، فالحزبيّة عندنا، اقصد في العالم الثالث وتحديداً في العراق، تساعد على تنمية هذه الأمراض في شخصيّة المنتمي لها، بغضّ النظر عن هويّة الحزب وخلفيته، فهي أمراض حزبيّة مشتركة!.

وكنتُ أحياناً أُمازحهُ بالقول؛ سيّدنا لماذا لا تشكّل حزباً جديداً لننصوي تحت لوائه؟ فكان يجيبُني بكلّ جديّة؛

انّ ساحتنا لا تتحمّل وجود حزب وطني معيار الانتماء اليه المواطنة فقط. بغضِّ النّظر عن الدين والمذهب والإثنية والمناطقية، فكل أحزابنا هي إمّا دينية او مذهبية او إثنية، ولذلك لا تجد معنى للوسطية في ساحتنا وانما {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} يضيفُ السيّد.

ولقد صدقت رؤية السيد بهذا الصدد، ليتحوّل مشروع المظلّة نَفْسَهُ (المؤتمر) الى حزب يتمحور حول شخصٍ واحدٍ كايِّ حزبٍ آخر!.

الصّفةُ الثّالثة؛ التعايش، فلقد كان السيد يؤمن إيماناً مطلقاً بانّ الحل لكل مشاكل المعارضة، آنذاك، والعراق فيما بعد، تكمن في ان يؤمن الجميع بمبدأ التعايش، فلا يُلغي أَحدٌ الاخر ولا يتجاوز احدٌ الاخر، كون العراق بلد متعدّد في كل شيء لا يمكن ان يستقرَّ ويهدأ ابداً الا بتعايش الكلّ مع الكلّ، ولقد جرّب كثيرون سياسات الألغاء والاقصاء فما جَنَوا الا الخيبة والفشل.

واليوم، وبعد عقودٍ من زمن المعارضة وأكثر من عقد من زمن السلطة الجديدة، اعتقد انّ العراق بحاجةٍ اليوم الى هذه القيم التي ذاب فيها السيد، وبذلَ كلّ جهده من اجل ان يحقّقها كواقعٍ ثقافي في المجتمع العراقي، وعلى مختلف المستويات وليس على مستوى العمل السياسي والسلطة فقط.

لقد خسِرَ العراق احد ابرز رموزه الوطنية، والذي حدد رؤاه عن تجربة وخبرة وليس تنظيراً ولغواً وانشاءً، كما يفعل كثيرون، ولذلك يلمس اليوم الجميع صحّة رؤاه.

فسلامٌ على الفقيد العلَامة الحجّة الدكتور السيد محمّد بحر العلوم، يوم وُلد ويوم جاهد ويوم توفي ويوم يُبعثُ حيّا عند مليكٍ مُقتدر.

١٤ نيسان ٢٠١٥

خليل السكاكيني 1878-1953

يعتبر خليل السكاكيني رائدا من رواد التربية والمعرفة في مجالي اللغة العربية والتربية. فهو يمتاز بالخلق السليم، ورجاحة العقل . وطني بشكل لافت، يؤمن بأن العلم والمعرفة، هما ركنان أساسيان في تثقيف وتعليم المجتمعات المتحضرة .

ولد خليل االسكاكيني في القدس عام 1878، وتلقى تعليمه في المدرسة الانجليكانية اولا، ثم انتقل الى مدرسة " صهيون " الانجليزية . تابع دراسته في " كلية الشباب " حيث عقد عليه مربيه الفاضل " زريق نخلة " امالا عراضا. بحسن تدبيره، واهتمامه الشديدين للسير في طريق المعرفة والعلم، فقد ادخر خليل السكاكيني بعض المال لدراسة الطب في روسيا، ولكن موت ابيه قوض كل مشاريعه .قصد امريكا، حيث كان أخوه يوسف يعمل في منطقة فيلادلفيا، وأمده ببعض المال كي يشق طريقه في بلاد الغربة . ساءت احوال أخيه المادية، فتوقف عن مساعدته، مما اضطره للبحث عن عمل شريف اخر، وكان في محل تجاري سرعان ما غادره لعدم مقدرته على التكيف مع ما تتطلبه هذه الاعمال من قلة في الشفافية، وعدم الصدق مع الزبائن في كثير من الاحيان. تنقل بين مناطق عدة في أمريكا، فتارة يُدرّس اللغة العربية، وتارة يقوم بأعمال الترجمة لجهات أخرى.

لم يكد يسمع بنبأ اقرار السلطان عبد الحميد للدستور للبلاد، حتى قفل راجعا لمسقط راسه، ليزرع أول بذور المعرفة في الارض الطيبة. وكانت أولى ثمار هذا الزرع هي " المدرسة الدستورية " التي انشأها في وقت كانت اكثر المدارس أنذاك أجنبية. وكمرب متطور ، واسع الافق ، متفتق الذهن ، فقد امن بتطوير وتحديث وسائل التعليم، وخاصة البصرية، كما عمل على تحسين نظام التربية بالنسبة للبنات خاصة. الكثير من أفراد الرعيل الاول ما زالوا يذكرون الدرس الاول في منهاج اللغة العربية في الاردن لخليل السكاكيني، والذي يبدأ ب " راس ، روس "، وربما قناعات البعض ان تلك الطريقة كانت ضمن اكثر الطرق التربوية نجاحا في التعليم، رغم قدمها. فمن قناعات خليل السكاكيني في التعليم، نوجز مايلي:

معارضته اسلوب القصاص / عدم اذلال الطالب / تهذيب شخصية الطالب / علاقات اجتماعية مفتوحة مع الطالب / الغاء قيام الطلبة حين دخول المدرس للصف / التركيز على تعليم الدين .

تعرض للاعتقال اثر ايوائه صديقا يهوديا امريكيا له اثناء الحرب، واودع سجن الجامع الكبير في دمشق - 1918- ثم اخرج بكفالة، ثم التحق بالثورة العربية الكبرى تحت لواء الشريف حسين. تماهى السكاكيني مع مبادئ الثورة الكبرى، فألف فيها شعرا ، ما لبث أن أصبح نشيدا للثورة:

أيها المولى العظيم فخر كل العرب

ملكك الملك الفخيم ملك جدك النبي

نحو هذا الملك سيروا قبل فوت الزمن

وعلى الخصم أغيروا لخلاص الوطن

لقد تمكن منه سحر الثورة العربية الكبرى، فشد الرحال على جمل للقاء الامير فيصل بن الحسين في منطقة " أبي اللسن ". وبعد مدة ، توجه الى مصر عبر ثغر الاردن الباسم- العقبة، ولكن الانجليز منعوه بداية، ثم ما لبثوا ان سمحوا له، فكانت فرصة سانحة للالتقاء باساطين الفكر والمعرفة هناك أمثال العقاد، طه حسين، منصور فهمي، أحمد زكي باشا، وغيرهم الكثير.

في عام 1919 عاد الى القدس ليتفانى في التدريس؛ فعين مديرا لدار المعلمين . فألهب حماس الطلبة، واستنهض هممهم الوطنية. فشجع الخطابة، والقاء الكلمات المتقدة، والمساجلات الفكرية، فأنشأ مجلة " الجوزاء " . كما عين مفتشا للتعليم لمدة 12 عاما، ما لبث أن استقال، احتجاجا على تعيين " هربرت صموئيل " مندوبا ساميا لبريطانيا في فلسطين. لم يبخل السكاكيني بعلمه على أحد، فقد أضحى يساهم بمقالات واشعار سياسية معارضة في الصحف والمجلات ، سواء أمحلية كانت أم مصرية، ك" الهلال "، و " السياسة الاسبوعية ".

حمل السكاكيني هم الوطن، بنفس القدر الذي حمل فيه هم التربية واللغة العربية، ففي عام 1925 اعتلى منبر المسجد الأقصى وألقى خطبة نارية لاهبة، يستنهض الهمم الوطنية، ومحذرا مما ستؤول اليه الامور ان لم يتحد الجميع يدا واحدة للذود عن حياض الوطن.

وبعيدا عن السياسة والفكر، فطالما تردد السكاكيني على مقهى بلدية باب الخليل، الذي اطلق عليه اسم مقهى " الصعاليك"، وكان معظم روادة من المناضلين العرب الذين تم نفيهم من ديارهم، واثروا القدس فيئا و موئلا

 

يونس عودة /الاردن

 

وفاة الأديب الألماني غونتر غراس الذي أثار غضب إسرائيل

nabe  odaتوفي يوم الأحد (13/4/2015) الشاعر والروائي الألماني غونتر غراس عن عمر 87 عاما. حصل غونتر غراس على جائزة نوبل في الآداب 1999، وأثار حصوله على الجائزة غضب إسرائيل وانتقادها للجنة جائزة نوبل والطلب منها سحب الجائزة منه باتهامه بالعداء لإسرائيل، والمفروغ منه أيضا اتهامه بالعداء للسامية وكل اسطوانة الدعاية الإسرائيلية المملة المعروفة والجاهزة دائما، والتي تنطلق مثل صواريخ القبة الحديدية، لإسقاط كل نقد يشتم منه رفض للسياسات الإسرائيلية العدوانية والعنصرية والاستفزازية .

وتُعتبر رواية "طبلة التنك"، أو "طبلة الصفيح"، من أروع الروايات لغونتر غراس التي تلخص القرن العشرين كله.

وكنت في حينه قد نشرت مقالا تعقيبا على غضب اسرائيل تحت عنوان: "الساميّة مكشوفة على حقيقتها" جاء فيه:

نشر الشاعر الألماني غونتر غراس قصيدة أثارت غضب إسرائيل ووقاحتها، لدرجة التوجه الإسرائيلي للجنة جائزة نوبل السويدية بطلب سحب الجائزة منه باتهامه بالعداء لإسرائيل والعداء للسامية وكل اسطوانة الدعاية الإسرائيلية المملة المعروفة والجاهزة دائما.

إسرائيل سارعت باتخاذ قرار يمنع دخول الشاعر الألماني إلى إسرائيل، الأمر الذي أثار انتقادات ضد هذا القرار لدرجة ان صحيفة مثل "لوس انجلوس تايمز" انتقدت بحدة هذا التصرف وكتبت :" ان قرار منع غراس من دخول إسرائيل يلائم دولة مثل إيران ولا يلائم إسرائيل الديمقراطية والمنفتحة".

قصيدة غونتر غراس لا تتضمن أي انتقاد على أساس اثني أو ديني، أي لا علاقة لها بالعداء لليهود، بل لا تتجاوز تصريحات مسؤولين أمنيين إسرائيليين حذروا بقوة وعلنا من حرب ضد إيران،ووصف مئير دجان (قائد المخابرات في وقته) الحرب ضد إيران بأنها أكثر شيء جنوني يسمع به، وحذر قادة سياسيين وعسكريين وصحفيين وأدباء وأكاديميين من نتائج كارثية على إسرائيل والشرق الأوسط والعالم من مغامرة إسرائيلية ضد إيران.

تعالوا أولا نقرأ قصيدة غونتر غراس حتى نصبح أكثر فهما لمضمونها وأهدافها، ولعلها توضح بالتالي العقلية التي تتصدر أعلى مستويات القرار في إسرائيل، ولعلها تنورنا في فهم ما هي السامية حسب فكرهم السياسي:

ما ينبغي ان يقال

قصيدة للشاعر الألماني غونتر غراس

لماذا اصم، / لقد صمت طويلا/عما هو واضح،/وما تمرست على محاكاته/ بأننا نحن الذين نجونا/ في أفضل الأحوال في النهاية/ اننا الهوامش في أفضل الأحوال/ انه الحق المزعوم بالضربة الأولى/ من قبل مقهور متنمر/ وابتهاج منظم يمكن توجيهه لمحو الشعب الإيراني/ لاشتباههم انه يصنع قنبلة نووية/ لماذا امتنع عن تسمية ذلك البلد الآخر/ الذي يمتلك ومنذ سنوات -رغم السرية المفروضة-/ قدرات نووية متنامية لكن خارج نطاق المراقبة،/ لأنه لا يسمح بإجراء الكشف عليها/ التستر العام على هذه الحقيقة/ وصمتي جاء ضمنه/ أحسها ككذبة مرهقة لي/ وإجبار، ضمن عقوبة الرأي،/ عندما يتم تجاهلها،/الحكم بـ «معاداة السامية» المألوف/ لكن الآن، وذلك لأن بلدي/ ومن جرائمه التي تفرد بها / والتي لا يمكن مقارنتها/ يطلب منه بين حين لآخر لاتخاذ موقف،/ وتتحول إلى مسألة تجارية محضة،/ حتى وان/ بشفة فطنة تعلن كتعويضات،/غواصة أخرى إلى إسرائيل/ يجب تسليمها،/قدرتها تكمن،/بتوجيه الرؤوس المتفجرة المدمرة/إلى حيث لم يثبت وجود قنبلة ذرية واحدة،/ ولكن الخوف يأخذ مكان الدليل،/ أقول ما يجب أن يقال/ ولكن لماذا حتى ألان؟/ كما قل، // بلدي مرهون لعار لا يمكن التسامح فيه، / يمنع.../ هذا الواقع باعتباره حقيقة متميزة/ أرض إسرائيل، وبها انا مرتبط / وأريد ان أبقى هكذا/ لماذا أقول الآن/ شخت وقطرات حبر قليلة/ ان إسرائيل القوة النووية تهدد /السلام العالمي الهش أصلا؟/لأنه لا بد أن يقال/ وغدا سيكون الوقت متأخرا جدا/ أيضا لأننا - كألمان مثقلون بما يكفي-/لنكون موردين لما يعتبر جريمة /وأضيف: لن اصمت بعد ألان،/لأني سئمت من نفاق الغرب/ مثلما لدي الأمل/ بأن يتحرر الكثيرون من صمتهم/ ويطالبوا المتسبب في الخطر المحدق/ لنبذ العنف/ بنفس الوقت/ أصر على مراقبة دائمة وبدون عراقيل/ للترسانة النووية الإسرائيلية/ والمنشآت النووية الإيرانية/ ما يجب أن يقال،/ من قبل هيئة دولية،/أن يتم السماح بها من قبل البلدين/ عندئذ فقط،/الجميع،/ الإسرائيليين والفلسطينيين/ وأكثر من ذلك،/ كل الذين يعيشون بجنون العداء/ مكدسين في مناطق متجاورة/ بالنهاية سيساعدونا./ الذي يمكن التنبؤ به، سيكون تواطئا/ حينها لن تعود الأعذار المعتادة/ كافية للتكفير عن الذنب .

هذا النص الشعري الإنساني لم أجد فيه ذرة لاسامية أو عداء لليهود أو حتى عداء لإسرائيل الدولة بل يقول :" أرض إسرائيل، وبها إنا مرتبط /وأريد ان ابقي هكذا". أي دفاع واضح عن حق إسرائيل بالوجود كدولة الشعب اليهودي.

هناك نقد في القصيدة لسياسة المغامرة تنتهجها حكومة السيد بنيامين نتنياهو، حتى الحليف الوحيد الباقي لإسرائيل يحاول التملص من حرب مجنونة ضد إيران قد تكلف الأمريكيين أضعاف تكلفة الحربين المجنونتين ضد أفغانستان والعراق، وربما نضيف إليهما تكاليف الحرب القديمة ضد فيتنام أيضا. والعالم كله متوجس من مغامرة عسكرية إسرائيلية لا يمكن معرفة عواقبها على مستقبله، حتى لو نجحت في وقف اندفاع إيران لبناء سلاح نووي، سيكون الأمر مؤقتا وسيجر ردود فعل لا يمكن معرفة امتدادها وعنفها وتكاليفها مستقبلا.

إذن هل صار نقد نتنياهو وليبرمان وسياسة حكومة إسرائيل، عداء لاساميا يجب معاقبة من يجرؤ عليه؟

هل صار الطلب بقبول إسرائيل للمراقبة الدولية على مفاعلها النووي وإنتاجه عداء للسامية ؟

حتى كُتاب يهود في الصحافة الإسرائيلية كتبوا ما هو اعنف ألف مرة من كلمات قصيدة جونتر غراس.

من المفهوم تماما ان شاعرا عالميا له مكانته الكبيرة، يشكل موقفه الإنساني ضد الحرب وضد سياسة نتنياهو وحكومته التي تدفع العالم كله إلى أزمة مخيفة، نقطة تحول أكثر تأثيرا على صناع القرار من الضغط الإسرائيلي، لأنه يخاطب العقل الإنساني السليم في مجتمعات تشكل فيها الثقافة قوة أخلاقية جارفة لا يمكن تجاهلها. هذا بحد ذاته ضوء أحمر يخلق عرقلة للاندفاع الإسرائيلي يجب إزاحته بدون تمهل و"بضربة قاضية" تعطي درسا للمثقفين وأصحاب الفكر والسياسيين الغربيين بان معارضة سياسة حكومة إسرائيل تعني حرمانهم من المكانة الأدبية وإسقاط الجوائز عنهم، ونبذهم سياسيا، واتهامهم القاتل باللاسامية، وهي تهمة ليس من السهل احتمالها في أوروبا والعالم الحضاري الذي بات حساسا لقضايا الإنسان ورفض التعامل مع البشر على أساس اثني وديني وجنس ولون، خاصة في المسألة اليهودية لأسباب تاريخية تثقل على الضمير الأوروبي كما لا تثقل عليه كل جرائم الاستعمار ضد شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية .

هناك حلول طرحها غونتر غراس في قصيدته، وطرحها مفكرين وأكاديميين وكتاب يهود، بان تعلن إسرائيل تخليها هي أيضا عن السلاح النووي وتفتح المجال أمام الرقابة الدولية. كتب غراس:" أصر على مراقبة دائمة وبدون عراقيل/ للترسانة النووية الإسرائيلية/ والمنشآت النووية الإيرانية". موقف مثل هذا سيغير واقع الشرق الأوسط كله، فما الجريمة التي ارتكبها الشاعر لكي تشتكيه إسرائيل للجنة جائزة نوبل وتأمرها بوقاحة ان تسحب الجائزة منه "؟؟!!"، وتمنع دخوله ل "جنة الديمقراطية" في إسرائيل؟"

اليوم إيران وغدا ستضطر دولة عربية حرة وديمقراطية ان تضمن أمنها ومصالحها بسلاح نووي إذا لم يقفل هذا الموضوع نهائيا بتجريد الشرق الأوسط من كل أسلحة الدمار الشامل وفرض حلول تضمن استقلال وحرية كل شعوبه .

هنا يكمن الحل وليس بالشروط التعجيزية التي تطرح على إيران وتتجاهل ان إسرائيل حسب وسائل الإعلام الغربية،هي قوة نووية كبرى تشكل خطرا على كل الأمن العالمي والشرق الأوسط خاصة.

ان ما تقوم فيه إسرائيل بات مكشوفا. توجيه تهم اللاسامية بهذا الشكل يعني ان الصهيونية تنتقل إلى مرحلة تحويل إسرائيل نفسها إلى "يهودي العالم – يهودي الشعوب"، مكان ما ساد سابقا لاسامية ضد الأقليات اليهودية المنتشرة في مختلف أرجاء العالم.

ما يكشفه الهجوم الإسرائيلي الرسمي على غونتر غراس وقصيدته الإنسانية المعادية للحرب، ان إسرائيل الرسمية تأخذ على نفسها دور "يهود الشعوب". كل نقد لسياستها تعتبره ماكينتها الإعلامية الجيدة، تحريضا عنصريا لاساميا على اليهود. أي إسرائيل هي اسم مرادف لليهود، من ينتقد سياستها أو شخصيات السلطة فيها حتى على أساس سياسي، هو بالتأكيد لاسامي.

حتى موقف سياسي بسيط وقانوني ضد الاحتلال والاستيطان واستمرارهما رغم الجهود الدولية للوصول إلى حل سلمي، تسميه إسرائيل عداء لاساميا. حتى انتقاد حرق مسجد أو إدانة قلع أشجار الزيتون الفلسطينية على أيدي سوائب المستوطنين، أو قتل مواطنين أبرياء، هو موقف لاسامي بالتفكير الرسمي الإسرائيلي!!

لا أظن ان هذا يعبر عن ذكاء، ربما تذاكي ممل من سياسة تقودها حكومة يمينية متطرفة .

أرى ان الهجوم غير المبرر على الشاعر غونتر غراس وقصيدته الإنسانية، المعادية للحرب على إيران وللحروب عامة، وضد السلاح النووي الإيراني والإسرائيلي على حد سواء، يكشف ان داوود لم يعد ذلك الفتى الطيب الذي يواجه جوليات المتوحش، وان السامية حلقة ضرورية لإستراتيجية الصهيونية السياسية بأكثر تياراتها اليمينية المتطرفة.

 

 

فالنتين راسبوتين وداعا

فقد الادب الروسي (والادب العالمي ايضا) واحدا من أبرز أعلامه الكبار بتاريخ 15 / 3 / 2015 وهو فالنتين غريغوريفتش راسبوتين، الاديب الروسي الكبير، الذي ولد في 16 / 3 / 1937، وبهذا فانه توفي قبيل يوم واحد فقط من يوم ميلاده الثامن والسبعين، ومن هنا جاء تأبينه بشكل متباين ، اذ كتب البعض انه توفي عن عمر يناهز 77 سنة وكتب البعض الآخرانه توفى عن عمر يناهز 78 سنة .

فالنتين راسبوتين – اسم معروف للقارئ العربي عموما، وقد صدرت عدة نتاجات له بالعربية منها – (الهارب) بترجمة خيري الضامن عن دار نشر رادوغا (قوس قزح) السوفيتية عام 1982 (عنوانها بالروسية – تذكٌر ما دمت حيٌا) / و(الحريق) عام 1990 بترجمة خيري الضامن واصدار دار رادوغا ايضا، رغم اني وجدت اشارة في احدى المواقع الالكترونية الى ان د . نزار عيون السود قد ترجم هذه الرواية واصدرها اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 1989 ولكني لم أطلع عليها شخصيا / و(المهلة الاخيرة) و(نتاشا ...العجوز) و(في المستشفى) وذلك بترجمة أشرف الصباغ ... اضافة الى الكتابات الكثيرة حوله او الحوارات معه التي ظهرت في الصحافة العربية هنا وهناك، ومن بينها الحوار الممتع الذي أجراه معه الشاعر الفلسطيني الكبير معين بسيسو (1930 – 1984) في كتابه حول الاتحاد السوفيتي في ثمانينات القرن العشرين والذي صدر بالعربية بعنوان (الاتحاد السوفيتي لي)،وجاء هذا الحوار بست صفحات من الكتاب المذكور في الطبعة الروسية التي صدرت عام 1983 عن دار نشر (بروغريس) (التقدم) السوفيتية، حيث تحدث الشاعر الفلسطيني عن انطباعاته اثناء اللقاء مع راسبوتين في مدينة ايركوتسك الروسية (وهو حوار واسع وممتع وعميق يتناول كثيرا من المواقف الادبية لراسبوتين تجاه الادباء الروس مثل دستويفسكي، الذي قال عنه انه من اوائل الذين اكتشفوا الروح الروسية، وتشيخوف الذي أسماه معلمنا الحكيم، وايتماتوف الذي ذكر انه يجمع بشكل مدهش الروح الروسية وروحية الشرق ...الخ ولا مجال في اطار هذه المقالة الاستطراد تفصيلا حول مضمون هذا الحوار). وهناك مقالات عديدة اخرى ظهرت في الصحافة العربية، وخصوصا بعد رحيله، ومنها مقالة عبد الله حبه بعنوان طريف مشتق من رواية راسبوتين المشهورة دروس اللغة الفرنسية وهو - (دروس فالنتين راسبوتين الفرنسية) المنشورة في صحيفة طريق الشعب وعدة مواقع اليكترونية، والتي تناولت خصائص ادب راسبوتين من وجهة نظر مثقف عراقي عربي مقيم بشكل دائم في روسيا وتعامل فعلا مع نتاجات راسبوتين الابداعية وترجمها من الروسية الى العربية وتحاور معه شخصيا حول افكاره السياسية والاجتماعية والفلسفية والادبية، عندما التقى به مع الناقد السوري سعيد مراد واجريا سوية معه حوارا لمجلة (الطريق) اللبنانية التي كانت تصدر آنذاك في بيروت .. .

فالنتين راسبوتين هو استمرار ابداعي متألق ومتميز فعلا لتقاليد الادب الروسي العظيم منذ القرن التاسع عشر، ويمكن القول بالذات ان نتاجاته – قبل كل شئ - هي استمرار لتلك الموضوعات الانسانية البسيطة والعميقة والنموذجية لهذا الادب ومنهجه منذ كتابات بوشكين وغوغول وتشيخوف ...الخ، والتي تناولت هموم الناس البسطاء المشغولين ابدا بمشاكلهم الحياتية اليومية والغارقين فيها بغض النظر عن طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي السائد في روسيا سواء كان قيصريا أو سوفيتيا ، وفي نفس الوقت يمكن القول ايضا ان راسبوتين هو استمرار   لذلك الخط الآخر من الادباء الروس العظام الذين اقتحموا ابواب الحياة الفلسفية والاجتماعية والسياسية الروسية بكل قوة وجبروت وعنفوان مثل دستويفسكي وتولستوي وسولجينيتسن ...الخ وتركوا بصماتهم الواضحة ومواقفهم الشجاعة في مسيرة المجتمع الروسي وتاريخه، وليس من باب الصدفة ابدا، ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زار راسبوتين شخصيا في مكان اقامته (وهذا الشئ لم يحدث سوى مع سولجينيتسن فقط لا غير) وتشاور وتحدث معه حول قضايا حماية البيئة، وبالذات بشأن بحيرة بايكال الشهيرة وشؤون منطقة سيبيريا بشكل عام، والتي شغلت حيزا كبيرا في النشاط الاجتماعي والفكري للكاتب (آخر كتاب صدر له كان عن سيبيريا)، ولهذا السبب، فان راسبوتين حصل على جوائز وتكريمات أدبية سوفيتية رسمية كثيرة مثل بطل العمل الاشتراكي ..الخ، وفي نفس الوقت حصل على جائزة سولجينيتسن الادبية، وهي جائزة يتم منحها تكريما لادباء لا يتناغمون مع السلطة السائدة - بشكل او بآخر طبعا - كما هو معروف، ولا زلت اذكر شخصيا عندما حضرت مؤتمر اتحاد ادباء روسيا كيف ان رئيس الاتحاد الكاتب الروسي الكبير غانيتشيف ذكر في خطابه اثناء افتتاح المؤتمر الرابع عشر لاتحاد الادباء ان راسبوتين هو – (مرشحنا الدائم للحصول على جائزة نوبل للاداب) الا ان لجنة منح هذه الجائزة لا توافق على ذلك لان راسبوتين لا يتناغم ولا ينسجم مع متطلبات هذه اللجنة وشروطها، لأنه يجسٌد (أدب الروحانية الروسية النقيٌة) (انظر مقالتنا بعنوان – اتحاد ادباء روسيا يعقد مؤتمره الرابع عشر) .

ختاما لهذه السطور نتوقف قليلا عند بعض الوقائع وكلمات الوداع التي كتبها عدة ادباء روس عن رحيل راسبوتين . النقطة الاولى في هذا المجال هي حضور الرئيس بوتين شخصيا في كنيسة (المخلٌص) بمركز موسكو لمراسيم تشييع الكاتب الروسي والتي قام بها رأس الكنيسة الارثذوكسية في روسيا البطريرك كيريل، علما ان هذه هي الكنيسة رقم واحد في عموم روسيا، والتي نسفها ستالين في الثلاثينات وحولها الى مسبح، ثم اعادتها روسيا كما كانت في السابق، وكان راسبوتين واحدا من أكبر الدعاة الى اعادة بنائها في حينه بتسعينيات القرن الماضي . رئيس الحزب الشيوعي الروسي زيوغانوف كتب مقالا خاصا عن راسبوتين نشره في مواقع الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، واشار فيه الى ان ابداع راسبوتين يرتبط بالحقيقة والتي كان يتكلم عنها فقط في كل نتاجاته،ولهذا فانه دافع عن بقاء الاتحاد السوفيتي، وربط حياته في روسيا الجديدة بالدفاع عن سيبيريا وبحيرة البايكال باعتبارهما رمزا للوطن . صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) (الجريدة الادبية) الروسية الاسبوعية نشرت على صفحتها الاولى في عددها الصادر بتاريخ18 – 24 / 3/ 2015 صورة كبيرة لراسبوتين وفوقها جملة (ما دمنا أحياءا- نتذكر) بحروف بارزة وكبيرة، وقد جاء في تلك الكلمة التأبينية ما يأتي – (.. رحل من الحياة فالنتين راسبوتين ... ان الضياء الذي ينبعث من هذه الشخصية كان ساطعا ودائميا لدرجة بان الظلام لم يكن باستطاعته ابدا ان يتغلب عليه... لقد كان يؤكد في كل سطر يكتبه على قيمه الانسان واهميته السامية ...)، ونشرت (ليترتورنايا غازيتا) في عددها المذكور اعلاه قصيدة الشاعر الروسي المعروف عالميا يفتوشينكو حول راسبوتين، والتي كتبها من مكان اقامته الجديد (والذي انتقل اليه منذ سنوات وهو امريكا)، والتي تحدث فيها عن ذكرياته حول هذا الكاتب الروسي وتقييمه الكبير له، مشيرا في الوقت نفسه الى اختلاف الآراء بينهما ....

نختتم مقالتنا هذه بالاشارة الى وصية راسبوتين التي نشرها غانيتشيف – رئيس اتحاد ادباء روسيا بعد رحيله قائلا، ان راسبوتين قد أوصى بعدم اطلاق اسمه على اي شارع او اي مؤسسة روسية اخرى بعد وفاته، وما اروعها من وصية لهذا الكاتب المتواضع العظيم!

الشهيد محمد باقر الصدر .. طوز خورماتو والانطلاقة الاسلامية

jasim mohamaفي بداية الصحوة الاسلامية كلّف الشهيد الصدر رض السيد حسن شبر للاهتمام بالمناطق التركمانية والاهتمام بالدعاة المتواجدين هناك ولقد قام السيد شبر في حينه لزيارة كل من الطوز وتسعين والتقى مع الحاج شكر بك في طوز والحاج شوكت في تسعين لفتح الافاق في العمل الاسلامي وهذا في سنة 1962 هذا من جهة، ومن جهة اخرى كلّف سماحته وباذن من اية الله العظمى السيد محسن الحكيم كل من اية الله الشيخ حسين البشيري وعلماء أذرية اتراك من تبريز واردبيل وعلماء واعين اخرين تم إرسالهم المناطق التركمانية وذلك للتوعية وفتح افاق العمل الاسلامي في أوساط الشباب وجلب البعض منهم الى الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وهذا ما اثمر فعلا حيث التحق بعض الشباب الواعي المثقف والمتحمس من تسعين وتازة وبشير وكركوك وداقوق وطوز وامرلي وقرة تبه الى الحوزة العلمية، فسماحته جعل المناطق التركمانية بشكل خاص ومن أولوياته، حيث كلّف الشيخ البشيري لمناطق تركمان كركوك وطوز وكلف الشيخ المولى لتركمان تلعفر وسهل نينوى، واختار الشهيد محمد باقر الصدر من الشباب الذين التحقوا الى الحوزة العلمية في النجف آنذاك البعض من العلماء والمثقفين من أهالي طوز كانوا يدرسون الفقه والاصول في النجف الأشرف ومنهم الشهيد الشيخ محمد حسين البشيري ابن البشيري الكبير والشيخ مهدي البشيري ابن اخ البشيري الكبير والشيخ عبد الجليل قنبر والشيخ مصطفى علي تنزيلات، واهتم بهم وكلفهم بشكل خاص للاهتمام والانفتاح الى مناطق طوز وامرلي، ولكن مع الأسف هذا الجهد انتهى بانتهاء هذه الكوكبة المباركة حيث استشهد جميعهم لأنهم شاركوا في تظاهرات 17 رجب أثناء اعتقال الشهيد محمد باقر الصدر ضد النظام البائد وتم اعتقال جميع هؤلاء الطلبة وحكم على جميعهم حكم الإعدام .

والآن بعض العلماء الحركيين الذين توافدوا من قبل الشهيد محمد باقر الصدر إلى شمال العراق حيث

أرسل مرجعية اية الله العظمى السيد محسن الحكيم بعض العلماء الى منطقة كركوك وطوز ومنهم

 

١- الشيخ ابراهيم المشكيني الاردبيلي : في سنة 1965 أُرسل سماحة الشيخ إبراهيم المشكيني من قبل آية الله السيد محسن الحكيم إلى طوز بعدما هاجره الشيخ محمد واستقر مكانه، وكان لهذا العالم الجليل الدور المؤثر والجيد على شباب ومعلمي المنطقة حيث أعطى للمرجعية دور مؤثر في شؤون حياة الناس ووقف بحزم وقوة أمام الحكومة آنذاك وأمام أمنها وشرطتها وأوجد في نفوس الشيعة الشجاعة والبسالة للوقوف أمام تخرصات ازلام الحكومة وعلى أثره ابعد النظام هذا العالم الجليل بدلائل واهية من المدينة حتى يتمكن من الانفراد بهم لترهيبهم وزجهم في السجون.

 

٢- اية الله الشيخ حسين البشيري :

اما من توافد الى مناطق كركوك وطوز في حينه آية الله الشيخ حسين البشيري الكبير والذي ولد في قرية البشير والتحق للحوزة العلمية في النجف في السبعينات، كونه الطالب الوحيد من الشمال اهتم به آية الله العظمى السيد محسن الحكيم وتربى وترعرع في هذا البيت الكريم وبين أولاد سماحته كلا من سماحة آية الله الشهيد مهدي الحكيم وسماحة اية الله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم وسماحة آية الله الشهيد محمد باقر الحكيم،

يعتبر سماحته اول وكيل رسمي لسماحة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم من أهالي المنطقة ترسل الى شمال العراق وكما يعتبر أول داعية تركمانية حمل فكر حزب الدعوة الإسلامية الى المنطقة ولكن انسحاب آية الله الشهيد محمد باقر الصدر من هيكلية قيادة الدعوة الإسلامية تلبية لطلب سماحة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم الذي طلب من طلاب وعلماء الحوزة العلمية التريث في الانخراط بشكل مباشر في العمل السياسي والاهتمام في إدارة الحوزة العلمية، انسحب سماحة آية البشيري ايضا، بقي عمل حزب الدعوة معتمدا على بعض الأساتذة من الدعاة واستمر بواسطة طلاب ومثقفين من الجماعات العراقية

٣- سماحة السيد عبد الغني الاردبيلي: والذي يعتبر العمود الفقري لسماحة آية الله الشهيد محمد باقر الصدر ومن الفضلاء المعتمدين لديه بعد آية السيد الحائري وآية الله السيد الهاشمي والذي هُجر فيما بعد إلى إيران وتوفى هناك، كان سماحة السيد الاردبيلي من العلماء الفضلاء الذي استقر في كركوك وطوز مدد طويلة وكان لهذا العالم الجليل دور مميز في نشر أفكار وتوجهات سماحة آية الله السيد محمد باقر الصدر وكان يدّرس فلسفتنا واقتصادنا والمدرسة الإسلامية للشباب التركماني عندنا في كركوك وطوز وكان يحضر في حلقاته الكثير من شباب الجامعات والتي تشكلت فيما بعد نواة حزب الدعوة هناك وكما كان لسماحته علاقة متينة مع الشيخ إبراهيم المشكيني أعلاه .حاول سماحته جهدا كبير لجلب علماء فضلاء وبعدد لا يستهان إلى كل المناطق الشمالية ابتداءا من تلعفر إلى قزانية ومن امثال هؤلاء سيد عبد العزيز الاردبيلي وعبد الكريم الادربيلي شيخ حسين التبريزي وآخرين ممن يجيدون اللغة التركية .

٤- السيد محمد تقي التبريزي: وهو من طلبة الشهيد محمد باقر الصدر(وهو اخو الشهيد سيد عماد التبريزي احد قيادي الدعوة الإسلامية الذي استشهد مع كوكبة فبضة الهدى)1 الذي أرسله السيد الشهيد في سنوات 1972و1973م إلى طوز واستقر في المسجد الصغير في المدينة حيث أثر سماحته بشكل جيد للشباب .

٥- علماء اخرين: بعد مغادرة الشيخ ابراهيم المشكيني هذا العالم الجليل من منطقة طوز في سنة 1976م لم يسمح النظام بوفود علماء آخرين إلا على شكل أفراد متعددة ومتقطعة وبفترة زمنية وجيزة وبشكل سري في مواسم محرم وشهر رمضان وكان كلا من الشيخ جعفر الايراوني والسيد الطباطبائي التبريزي دور مميز لتردد إلى المنطقة ولكن النظام في أوائل الثمانينات تعامل بقساوة منفردة مع الإسلام والتحرك الإسلامي حيث لم يسمح أي تحرك وهمس إسلامي إلا قضى عليه ضنا منه القضاء على التحرك الإسلامي في العراق .

٦- الأستاذ ستار جبر(صاحب كتاب هامش علي الوردي) مدرس اللغة العربية الذي كان يدرس في ثانوية ابن خلدون في طوز وقد تمكن هذا الأستاذ الجليل من حضوره في المساجد وفي المكانات العامة من إيجاد تغير عند الشباب، في يوم استشهاد كوكبة فبضة الهدى سنة 1976م خطب أستاذ ستار جبر في المدرسة وأمام الطلاب ليبين للناس ظلم وجور البعثيين حيث خرج الطلاب من الصفوف كاد أن تندلع تظاهرة طلابية داخل المدرسة لولا حكمة المدير الأستاذ اكبر كوثر .

٧- عدد من الإخوة من الجامعيين كانوا آنذاك طلاب في جامعة بغداد وانتموا إلى حزب الدعوة الإسلامية في سنوات 1974ـ 1975م وحملوا حزب الدعوة الإسلامية إلى طوز وكان لهؤلاء الإخوة دور بارز ومؤثر لتنشيط الدعوة بشكله التنظيمي المتعارف في طوز، لقد انتمى إلى الدعوة الإسلامية إلى حد سنة 1982م أكثر من عشرين داعية ولكن الأحداث الدامية في تلك السنوات احرق الأخضر واليابس وكان نتيجة تلك الحملة الشعواء 75 شهيدا و15 سجينا، افرج عن بعضهم، وهاجر أكثر من 200شخص من هذه المدينة فقط

 

جاسم محمد جعفر البياتي

 

بَحْرُ العُلومِ .. ثُلاثِيّةُ التّوافُقِ (٤)

nazar haidarواخيراً؛ تُوِّجت الجهود التي بذلها قادة في المعارضة العراقية، وعلى رأسهم السيد محمد بحر العلوم، بولادة المشروع القيادي الذي جمع كلّ فصائلها وشخصيّاتها، وذلك على مرحلتين؛

المرحلة الاولى؛ تمثّلت بانعقاد المؤتمر العام للمعارضة في (فينا) والذي قاطعته، لأسباب عديدة، عدد من القوى السياسية الرئيسية من التيارين الاساسيّين في حركة المعارضة الا وهما، الاسلامي والقومي.

وقد انبثق عن اجتماع (فينا) مشروع (المؤتمر الوطني العراقي) الذي شكّل جمعية عامة ومجلس تنفيذي.

المرحلة الثانية؛ تمثلّت بانعقاد الاجتماع الموسّع لكلّ قوى المعارضة تقريباً والذي شمل (المؤتمر الوطني العراقي) وكل القوى التي قاطعت (مؤتمر فينا) وذلك في مصيف (صلاح الدين) في محافظة اربيل بإقليم كردستان، والذي انبثق عنه (المؤتمر الوطني العراقي الموحد) الذي انبثقت عنه المؤسسات التالية؛

الهيئة العامة من حوالي (٤٥٠) عضواً مثّلوا كل اطياف حركة المعارضة العراقية بلا استثناء.

المجلس الرئاسي، والذي انتخبته الهيئة العامة، وقد تشكل من السادة (العلامة محمد بحر العلوم، مسعود البارزاني، والمرحوم حسن مصطفى النقيب).

المجلس التنفيذي والذي رشّحه المجلس الرئاسي للهيئة العامة التي صادقت بدورها عليه، وقد تشكل من (٢٥) عضواً مثّلواً، كذلك، كل اطياف حركة المعارضة العراقية بلا استثناء.

وكنت شخصياً أحد أعضائه.

المجلس الاستشاري والذي تشكّل من اكثر من (٥٠) عضواً مثّلوا كل الاطياف والشخصيات المعارضة.

وفي اول اجتماع للمجلس التنفيذي تم انتخاب الدكتور احمد عبد الهادي الجلبي رئيساً له.

كما تمّ انتخاب الدكتور عبد الحسين شعبان أميناً للسرّ والدكتور صلاح الشيخلي ناطقاً رسمياً باسم المؤتمر.

كما تم ّتشكيل المكاتب التنفيذية وانتخاب رؤسائها.

وقد تقرر إصدار صحيفة رسمية باسم المؤتمر حملت اسم (المؤتمر) كما تمّ تاسيس الإذاعة الناطقة باسم المؤتمر.

ولقد اتخذ المؤتمر من مصيف (صلاح الدين) مقراً رئيسياً له.

وكانت الجمعية الوطنيّة قد صادقت على دستور المؤتمر والذي كان قد دوّنه واقترحه البروفيسور الدكتور القانوني الفذ السيد حسن عبد الهادي الجلبي.

ولقد بذل السّيد بحر العلوم جهداً كبيراً ومتميزاً في الفترة الممتدة بين انعقاد مؤتمر (فينا) ومؤتمر (صلاح الدين) لاقناع القوى السياسية المعارضة التي قاطعت المؤتمر الاول، وفيها قوى أساسية كالدعوة والمجلس والعمل، الى جانب عدد من قوى التيار القومي، فلولا قبولها حضور مؤتمر صلاح الدين ما كان يمكن ان نشهد ولادة (المؤتمر الوطني العراقي الموحّد).

بدأ السيد بحر العلوم تحرّكه السياسي وحركته المكوكيّة على القوى المقاطعة بُعيد الانتهاء من مؤتمر فينا، لتقريب وجهات النظر وإيجاد الارضيّة المشتركة بين جميع القوى لتسهيل عقد الاجتماع، فزار، بادئ ذي بدء، العاصمة طهران للقاء قادة الحركة الاسلامية، وعلى رأسهم الشهيد السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الاعلى، واية الله الشيخ الاصفي الناطق الرسمي باسم حزب الدعوة واية الله السيد محمد تقي المدرسي زعيم منظمة العمل، والشهيد عز الدين سليم (الحاج ابو ياسين) زعيم حركة الدعوة الاسلامية، وآخرون.

وخلال هذه الزيارة تشرّفتُ بزيارة السيد بحر العلوم في محلّ إقامته، فكانت الزيارة بالنسبة لي اول فرصة للتعرّف عليه عن قرب، اذ تبادلت معه الاّراء والأفكار وكل ما يتعلق بمشروع المؤتمر المزمع عقدهُ في صلاح الدين، كما اطلعتُ منه عن وجهة نظره بشأن مختلف القضايا التي تخصّ عمل المعارضة العراقية والظروف المستجدّة التي تحيط بالقضية العراقية اثر الانتفاضة الشعبانية الباسلة وتطوّرات الموقف الدولي المستجد بعد حرب تحرير الكويت.

وفي هذه الزيارة لم اشأ ان اعرِّفهُ بنفسي، على اعتبارها اوّل لقاء بيني وبينه.

فكيف ومتى عرّفته بنفسي؟!.

يتبع

١٣ نيسان ٢٠١٥

رحيل الأنثروبولوجية المصرية الكبيرة علية حسن حسين

kiyati ashorرحلت عن عالمنا في صمت منذ أيام قلائل (في 1/4/2015) واحدة من قامات الأنثروبولوجيا العربية، وهي الدكتورة علية حسن حسين، وهي واحدة من جيل الآباء المؤسسين للأنثروبولوجيا، وقد تتلمذت على يدي العالم الكبير أحمد أبو زيد

وهذه سيرة ذاتية موجزة للراحلة الكريمة الاستاذة الدكتورة علية حسن حسين، وهي سيرة زاخرة بالقيم الإنسانية والعلمية والأخلاقية، فاستاذتني نلت شرف التلمذة علي يديها طيلة ست سنوات قضيتها خلال مرحلتي الليسانس وتمهيدي الماجستير، ومن ثم التسجيل لدرجة الماجستير تحت إشرافها بعنوان "البيئة الثقافية والابداع: دراسة في الانثروبوولجيا النفسية للمبدعين ، فحقا كما نطلق عليها جميعا "مارجريت ميد العرب" كانت في المقام الاول أنسانة قبل ان تكون استاذا في تخصص نادر في مصر والوطن العربي فشقت استاذتي طريقها في البحث متجهه نحو البحث في الاعماق والصحراء فبدات دراستها في الواحات فجعلت من تلك المنطقة الصغيرة مجالا للبحث والفحص والتدقيق واكتشاف ما تحوية الثقافة البدائية المتمثلة في تلك الاماكن وتقديم اسهامات لتطوير المنطقة وغيرها.

ووجهت الراحلة الكريمة انظار الباحثيين من تلاميذها نحو هذة المنطقة ايضا وانشات بها اول متحف اثنوجرافي يضم تراث الواحات المصرية، حيث اشكال التراث الثقافي اللامادي ويحتوي على العديد من المقتنيات النادرة من ملابس وأزياء وحلي وفخار ومشغولات يدوية فضية وصور مجسمة تجسد العادات والتقاليد، قامت بتجميعها على مدار 50 عامًا من البحث العلمي للتراث الواحاتي، من سيوة والداخلة والفرافرة وجميع واحات مصر و وغيرها وتم افتتاحه عام 2002 بحضور اللواء مدحت عبد الرحمن محافظ الوادى الجديد فى هذا الوقت.

واليكم سيرة ذاتية تحمل اعمال علم من اعلام الانثروبولوجيا في مصر والوطن العربي التي لم تتوان لحظة واحدة في خدمة العلم والعطاء لكل من عرفها، فباحثة الصحراء يشهد الجميع بخلقها وعلمها الغزير الذي فاض وظهر جليا علي طلابها "أمثال الدكتور سيد فارس، والدكتور حسني ابراهيم"، فكانت تجول وتجول من محاضرة إلي مؤتمر إلي رحلة علمية حتى آخر نفس في حياتها وهذا لم نشهده في كثير من الأساتذة، فحبها للعلم وتحصيله جعلها تأـتي إلي المحاضرات جالسة علي كرسي متحرك وهذه ظاهرة لم نشهدها من قبل، فهذه الأدلة وغيرها تعكس لنا من هي علية حسين.

ونتناول الآن بعض من السيرة الذاتية العطرة عن رحلة كفاح استمرت عدة سنوات قضتها ما بين بحث وآخر.

فأستاذتي كانت أستاذ الأنثروبولوجيا المتفرغ والرئيس الأسبق لقسم علم الاجتماع – كلية الآداب – جامعة القاهرة – فرع بني سويف، ووكيل كلية الآداب للدراسات العليا والبحوث.

 

المؤهلات العلمية

1- دكتوراه في الآداب – قسم علم الاجتماع – جامعة الإسكندرية، 1971 م – مرتبة الشرف الأولى .

2- ماجستير في الآداب - قسم علم الاجتماع – جامعة الإسكندرية – بتقدير ممتاز .

3- ليسانس الآداب – قسم علم الاجتماع – جامعة القاهرة 1958 م .

الخبرة التدريسية

1- مبادئ البحث الاجتماعي .

2- علم الاجتماع الديني .

3- مدخل علم الاجتماع .

4- مدخل الأنثروبولوجيا .

5- تاريخ الفكر الأنثروبولوجي .

6- التنمية والتخطيط .

7- اجتماع بدوي وريفي .

8- تصميم البحوث .

9- علم اجتماع البيئة .

10- الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية .

11- الأنثروبولوجيا الطبية

12 – الأنثروبولوجيا التطبيقية .

13 - علم الاجتماع الطبي .

14 – مناهج البحث الأنثروبولوجي .

15 – أنثروبولوجيا التنمية .

16 – التراث والتنمية .

17 – الأنثروبولوجيا الاقتصادية .

18 – البيئة والصياغة التشريعية .

19 – الأنثروبولوجيا النفسية .

الجامعات التي تم التدريس بها

1- كلية الآداب – جامعة القاهرة – فرع بني سويف .

2- كلية الآداب – جامعة القاهرة - قسم الاجتماع .

3- كلية الآداب – جامعة الإسكندرية .

4- معهد الدراسات والبحوث الإفريقية - جامعة القاهرة .

5- كلية البنات – جامعة الأزهر .

6- كلية التجارة + كلية الآداب – جامعة الكويت .

7- المعهد العالي للفنون الشعبية – أكاديمية الفنون .

8- معهد البحوث والدراسات البيئية – جامعة عين شمس .

9- كلية التمريض – جامعة القاهرة – القصر العيني .

10- المعهد العالي للتمريض – كلية الطب - جامعة القاهرة – فرع بني سويف .

 

المؤتمرات الدولية والمحلية التي تم المشاركة فيها بالحضور أو تقديم البحوث

أولاً : المؤتمرات الدولية

1- المؤتمر الدولي العاشر للعلوم الأنثروبولوجية والاثنولوجية الذي عقد بنيودلهي بالهند عام 1978 م .

2- الحلقة الدولية للأنثروبولوجيا الحضرية – فيينا – النمسا عام 1982 م .

* IU AES Proposed International Commission on Urban Anthropology , Vienna , 1982

3- المؤتمر الدولي الحادي عشر للعلوم الأنثروبولوجية والاثنولوجية الذي عقد في كيبيك وفانكوفر بكندا – عام 1988 م .

4- المؤتمر الدولي الثاني عشر للعلوم الأنثروبولوجية والاثنولوجية الذي عقد في زغرب – يوغسلافيا – عام 1988 م .

5- المؤتمر الدولي للعلوم الأنثروبولوجية والاثنولوجية الذي عقد في لشبونة – البرتغال – عام 1990 م .

6- المؤتمر الدولي الثالث عشر للعلوم الأنثروبولوجية والاثنولوجية الذي عقد في المكسيك – عام 1993 م .

7- المؤتمر الدولي للأنثروبولوجيا عن " الأنثروبولوجيا والتحول الإفريقي " الذي عقد في بريتوريا – جنوب أفريقيا سنة 1996 م .

8- المؤتمر الدولي الرابع عشر للعلوم الأنثروبولوجية و الاثنولوجية الذي عقد في فرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكية – يوليو عام 1998 م .

9- المشاركة في المؤتمر الدولي الرابع مصر وإيطاليا عن " الوادي الجديد والواحات من الماضي إلى الحاضر" ، 21 – 28 أكتوبر عام 1998 .

10 – المشاركة في المؤتمر الدولي السادس عشر للعلوم الأنثروبولوجية والاثنولوجية الذي عقد بالصين في يوليو، 2009.

ثانياً المؤتمرات المحلية

11- مؤتمر " التنمية الشاملة للمجتمعات الصحراوية " ، مارس عام 1975 م .

12- مؤتمر المرأة والتنمية الذي عقد بالكويت عام 1981 م .

13- المؤتمر الدولي الرابع عشر للإحصاء والحاسبات العلمية والبحوث الاجتماعية والسكانية ، جامعة عين شمس ، عام 1989 م .

14- المؤتمر الدولي الرابع للدراسات والبحوث البيئية – " نحو بيئة أفضل معهد الدراسات والبحوث البيئية " – جامعة عين شمس - عام 1994 م.

15- مؤتمر " الثقافة السياسية في مصر بين الاستمرارية والتغير" – مركز البحوث والدراسات السياسية – جامعة القاهرة عام 1994 م .

16- الندوة السنوية الثانية لقسم الاجتماع كية الآداب " سياسات التكيف الهيكلي في مصر " – جامعة القاهرة – مايو عام 1995 .

17- مؤتمر " الخصوبة الإنجابية" – كلية الطب البيطري – جامعة القاهرة عام 1996 .

18- مؤتمر " الإعاقة في مصر" – مجلس الطفولة والأمومة – بالاشتراك مع المركز الدولي للطفولة بباريس ولجنة التعاون الدولي للبحوث في السفارة الفرنسية بالقاهرة عام 1996 م .

19- مؤتمر " دور الجامعات في خدمة المجتمع وتنمية البيئة " – جامعة القاهرة – مارس عام 1997 م .

20- الندوة المصرية الفرنسية عن " الطفل والإعاقة المفهوم والاستراتيجيات" المركز الدولي للطفولة بباريس ولجنة التعاون الدولي للبحوث في السفارة الفرنسية بالقاهرة مايو عام 1997 م .

21- الندوة السنوية الرابعة " المنهج في بحوث علم الاجتماع و الأنثروبولوجيا في مصر" التي عقدها مركز البحوث والدراسات الاجتماعية – جامعة القاهرة – مايو عام 1997 .

22 – المؤتمر الإفريقي الأول لرعاية وتأهيل المعوقين ، الجمعية المصرية لرعاية المعوقين بالتعاون مع الجمعية الإفريقية ، من 3 – 5 مارس 1999 .

23 – مؤتمر جنوب الوادي وتوشكا ، دراسة ديموجرافية واجتماعية ، كلية الآداب ، جامعة عين شمس ، من 7-8 أبريل 1999.

24 – حضور مؤتمر " الثقافة الشعبية والتنمية " – جامعة المنصورة – المركز الحضاري لعلوم الإنسان والتراث الشعبي – الفترة من 4 – 6 مايو 1999 .

25 – الندوة السنوية السادسة عن الفقر في مصر ، كية الآداب – جامعة القاهرة – من 8 – 9 مايو عام 1999 .

26 – حضور المؤتمر السنوي الرابع لإدارة الأزمات والكوارث – جامعة عين شمس0 30 – 31 أكتوبر عام 1999 م .

27 - حضور مؤتمر " البيئة الأشمل بين القيم والعقوبات " – الجمعية المصرية للتشريعات الصحية والبيئية – 5 يونيه عام 2000 م .

28 – المشاركة في مؤتمر " المأثورات الشعبية في مائة عام " – الملتقى القومي الثاني للفنون الشعبية – المجلس الأعلى للثقافة – 14 – 18 يناير 2001 .

29- عقد الندوة العلمية عن " تنمية الوعي البيئي لطلاب الجامعة " ، كية الآداب – جامعة القاهرة – فرع بني سويف – مارس 2001.

30 – حضور مؤتمر " الانتشار العمراني والأمان البيئي " – الجمعية المصرية للتشريعات الصحية والبيئية – يونية عام 2001 م .

31 – حضور مؤتمر " تنازع المصالح البيئية " – الجمعية المصرية للتشريعات الصحية والبيئية – 5 يونيه عام 2002 م .

32 - المشاركة في ندوة " التخطيط العمراني في جنوب توشكا " – مركز بحوث البناء ، القاهرة 2002 م .

33-عقد الندوة العلمية عن " البيئية والإعاقة " – كلية الآداب – جامعة القاهرة – فرع بني سويف – أبريل 2003 .

34 – المشاركة في ندوة " الثقافات المحلية في ظل العولمة " – معهد البحوث والدراسات الأفريقية 3-4 مايو عام 2003 .

35 – المشاركة في مؤتمر " مستقبل الأنثروبولوجيا في القرن 21 " – معهد البحوث والدراسات الإفريقية مايو عام 2004 .

36 – مؤتمر " الإصلاح الاقتصادي والبيئة " - الجمعية المصرية للتشريعات الصحية

والبيئية – يونيه عام 2004 م .

37 – المشاركة في المؤتمر العربي الثاني " الإعاقة الذهنية بين التجنب والرعاية " أسيوط 14 – 15 ديسمبر 2004 م .

38 - المشاركة في المؤتمر السنوي السادس " الأبعاد الاجتماعية والجنائية للتنمية في صعيد مصر " المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية – 18 – 21 أبريل

2004 م .

39 – المشاركة في مؤتمر " الأنثروبولوجيا وقضايا التنمية في أفريقيا " معهد البحوث والدراسات الأفريقية 3 – 4 مايو عام 2005 .

40 – حضور مؤتمر المسئولية عن " تنمية العقول والقيم " الجمعية المصرية للتشريعات الصحية والبيئية – يونيه عام 2005 م .

41 - حضور مؤتمر " العدوان على التراث " الجمعية المصرية للتشريعات الصحية والبيئية – 5 – 6 يونيه عام 2006 م .

42 – المشاركة في مؤتمر " الاتجاهات المعاصرة للعلوم الإنسانية " المؤتمر العلمي الخامس لمركز خدمة المجتمع وتنمية البيئة – جامعة بني سويف 91 – 20 أبريل 2006 م .

43 – المشاركة في الملتقى الثالث " للمأثورات الشعبية عن التراث الثقافي

والتنمية " - المجلس الأعلى للثقافة 27 – 30 نوفمبر 2006 م .

44 – المشاركة في مؤتمر عالمية ابن خلدون – مكتبة الإسكندرية 4 – 6 ديسمبر عام 2006 م .

45 – مؤتمر الصحة والمرض في أفريقيا، قسم الأنثروبولوجيا معهد الدراسات والبحوث الأفريقية ، جامعة القاهرة ، 22 – 23 مايو 2007 . بحث بعنوان " التغذية في دورة الحياة – بحث في أنثروبولوجيا الطعام في الواحات الخارجة والداخلة ".

46 – المؤتمر العلمي السنوي لخدمة المجتمع وتنمية البيئة بعنوان : دور التدريب والدراسة الميدانية في الارتقاء بدراسات العلوم الإنسانية. الفترة من 18-19 أبريل 2007. وكان عنوان البحث المقدم: "التدريب الميداني في البحوث الأنثروبولوجية".

47- مؤتمر المجلس الأعلى للثقافة: الملتقى القومي الثاني للفنون الشعبية : المأثورات الشعبية في 100 عام: 14 – 18 يناير عام 2004.

48- مؤتمر مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي- مكتبة الإسكندرية: المؤتمر الأول عن التراث النوبي، وموضوعه: التراث النوبي في عصر الرقمنة، 12 نوفمبر، 2006.

49- مؤتمر وزارة الثقافة: المؤتمر الأدبي: ثقافة الصحراء – الواحات المصرية: الفترة من 15- 17 مايو ، 2007. وكان الموضوع المقدم بعنوان : التنمية الثقافية والموارد البشرية.

50- المؤتمر العلمي السنوي الخامس لكلية الآداب – جامعة بنى سويف، أبريل 2006. وكان عنوان البحث: "الأنثروبولوجيا في القرن الحادي والعشرين: اتجاهات وتطبيقات".

51- المشاركة في ندوة لجنة الآثار: المجلس الأعلى للثقافة: بعنوان الصحراء مهد الحضارة، يومي 25 – 26 مارس 2008.

52 – الملتقى القومي الرابع للمأثورات الشعبية: المأثورات الشعبية في ظروف الحاضر وآفاق المستقبل: 26 –29 أكتوبر 2009. وكان عنوان البحث المشارك: "التراث الثقافي والتماسك الاجتماعي".

53- المشاركة في المؤتمر الدولي الأول لبرنامج الدراسات المتوسطية، كلية الآداب جامعة بنى سويف، أبريل، 2009. وكان عنوان البحث "واحات شمال أفريقيا".

54 - The International Congress of Anthropological and Ethnological Studies: Humanity, Development and Cultural Diversity, july, 2008.

Paper entitled: Cultural Diversity and Sustainable Development in Egyptian Oases.

 

الإنتاج العلمي

أولاً : البحوث

1- Population Problem In Egypt And Its Social Effects . Human Ecology Conference , Stockholm , 1972 .

2- بحث التكيف الاجتماعي بقرى أبيس - منشورات الشئون الاجتماعية بمصر عام 1972 .

3- القيم الاجتماعية والاقتصادية – المجلة الاجتماعية القومية – العدد الثاني – المجلد التاسع – عام 1972 م .

4- المسح الاجتماعي للأسرة بالوادي الجديد – منشورات وزارة الشئون الاجتماعية بمصر 0 عام 1973 م .

5- دراسة تقويمية لمشروعات التنمية الاجتماعية بالوادي الجديد – مشروع إعادة تخطيط القرية المصرية – أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا عام 1973 م .

6- محاولات العلاج الاجتماعي للمتخلفين عقلياً في مرحلة المراهقة – المجلة الاجتماعية القومية – عام 1975 م .

7- دور المرأة في تنمية المجتمعات الصحراوية _ المجلة الاجتماعية القومية – العدد الثالث – المجلد الثاني عشر – عام 1975 م .

8- بحث معوقات التنمية ( باللغة الإنجليزية ) قدم للمؤتمر الدولي العاشر للبحوث الأنثروبولوجية والاثنولوجية بالهند عام 1978 م .

9- الطلاق في المجتمع الكويتي – دراسة حقلية – منشورات الشئون الاجتماعية بالكويت – عام 1981 م .

10- الطلاق والعمل – بحث أنثروبولوجي عن المرأة الكويتية " مؤتمر المرأة والتنمية بالكويت عام 1981 م .

11- بحث الطلاق والتنمية ( باللغة الإنجليزية ) نشر في :

Peter , J .M . Nas , Town - Talk the Dynamics of Urban Anthropology , Heiden , E.J.Brill - 1983 .

12- التنمية والنمو الحضري ( باللغة الإنجليزية ) نشر في المجلة الاجتماعية القومية .

13 – الصراع والسلطة التقليدية ( باللغة الإنجليزية ) مجلة كلية الآداب جامعة القاهرة – فرع بني سويف – العدد الأول – المجلد الأ ول عام 1991 م .

14 – ملكية المياه والتماسك الاجتماعي والتنمية في الواحات الخارجة نشر في المجلد الخامس للمؤتمر الدولي الرابع عشر للإحصاء والحاسبات العلمية والبحوث الاجتماعية والسكانية عام 1989 م – جامعة عين شمس .

15 – شبكة العلاقات الاجتماعية – أسلوب منهجي - مجلة كلية الآداب جامعة القاهرة – فرع بني سويف – العدد الثاني – عام 1992 م .

16 – الواحات البحرية – مسح اثنوجرافي - مجلة كلية الآداب جامعة القاهرة – فرع بني سويف – العدد 3 و 4 - عام 1993 و 1994 م مقدم إلى المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية .

17- Environment , Health and Disease . A Research In Medical Anthrobology . Lesbon - Purtogal Septemper, 1990

18- Food Habits , Health and Disease - In Dakhla And Kharga Oases - A Study in Anthrobology of Food , 1994 .

19- "الثقافة السياسية" بحث أنثروبولوجي في الواحات الخارجة والنوبة – مركز البحوث والدراسات السياسية – جامعة القاهرة – القاهرة – المجلد الأول عام 1994 م .

20- البيئة والطعام والتنمية – نشر في أعمال المؤتمر القومي الرابع – المجلد الثالث – جامعة عين شمس عام 1994 م .

21 – " أثار التكيف الهيكلي في القرية المصرية – مثال من الواحات" – نشر في أعمال الندوة السنوية الثانية بقسم الاجتماع – جامعة القاهرة عن سياسات التكيف الهيكلي في مصر - الأبعاد الاجتماعية عام 1996 م .

22- Hazards of Cultural Environment and Its Effects On Health In Kharga And Dakhla Oases , Pretoria Soyth Africa , 1996 .

23- الاعتقاد في الحيوان والنبات وأثره على الصحة والمرض نشر في أعمال مؤتمر الخصوبة الإنجابية – كلية الطب البيطري – جامعة القاهرة 1996 .

Egyptian Society For Animal Reproduction . and Fertility of The Eighth Animal Congress , 1996 , cairo , egypt .

24 – البحث الأنثروبولوجي عن الإعاقة في مصر – مجلس الأمومة والطفولة – المركز الدولي للطفولة بباريس – 1996 م .

25 – البيئة والمسكن الواحاتي بحث في أنثروبولوجيا العمارة – مؤتمر الجامعات في خدمة المجتمع وتنمية البيئة – جامعة القاهرة عام 1997 .

26 – الدراسة التقويمية لمشروع جسور النيل والتنمية الشاملة – وزارة الري بالاشتراك مع الهلال الأحمر المصري والوكالة الألمانية ، عام 1997 م .

27 – الدراسة التقويمية لمشروع

Fuel - Wood Resources in Wadi Allaqui Asswan

مركز بحوث التنمية الدولية بكندا بالاشتراك مع كلية العلوم – جامعة جنوب الوادي - أسوان – عام 1997 م .

28 - التقرير النهائي لتقويم مشروع جسور النيل والتنمية الشاملة – عام 1998 م .

29 - The Roman Family In Kharga And Dakhla Oasis Presented To Fourth Italo- Egyptian forum . international conference the new

valley and the oasis from antiquity to the present . october 21- 28 , 1998 30- الأصول الإفريقية لبعض سكان الواحات الخارجة ، مقدم إلى المؤتمر الأنثروبولوجي الثاني ، مصر وأفريقيا ، كلية الآداب – جامعة القاهرة – فرع بني سويف – مارس 1998 م .

31 – أنثروبولوجيا الإعاقة والتنمية ، بحث مقدم إلى المؤتمر الأفريقي الأول لرعاية وتأهيل المعاقين ، الجمعية المصرية لرعاية المعاقين بالاشتراك مع الجمعية الأفريقية الفترة من 3 – 5 مارس 1999 م .

32 – البيئة والمسكن في المجتمع الصحراوي ، بحث في أنثروبولوجيا العمارة ، مقدم الى مؤتمر مجتمع جنوب الوادي وتوشكا ، كلية الآداب – جامعة عين شمس – 7-8 أبريل عام 1999 م .

33 – الفقر و الإعاقة ، منظور أنثروبولوجي مقدم إلى الندوة الثالثة عن الفقر في مصر ، قسم الاجتماع ، كلية الآداب ، جامعة القاهرة ، 8-9 مايو 1999 م .

34 – الحب والمصالحة والتضامن الاجتماعي – احتفال واحة سيوة – مؤتمر الثقافات المحلية في ظل العولمة – معهد البحوث والدراسات الأفريقية 3-4 مايو 2003 م .

35 – الإعاقة والتنمية المستدامة – بحث أنثروبولوجي عن المعاقين ذهنياً – المؤتمر العربي الثاني الإعاقة الذهنية بين التجنب والرعاية – جامعة أسيوط 14 – 15 ديسمبر 2004 م .

36 – البناء والتنظيم الاجتماعي للمناطق العشوائية بمركز بني سويف - الجزء الأول –قدم إلى المؤتمر السنوي السادس – الأبعاد الاجتماعية والجنائية في صعيد مصر – المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية 18 –20 أبريل 2004 م .

37 – بحث عن معوقات التنمية المستدامة – بحث في أنثروبولوجيا التنمية – تجربة مصرية - مؤتمر الأنثروبولوجيا وقضايا التنمية في أفريقيا - معهد البحوث والدراسات الأفريقية 3 – 4 مايو عام 2005 .

38 – الأنثروبولوجيا في القرن الحادي والعشرين اتجاهات وتطبيقات - مؤتمر " الاتجاهات المعاصرة للعلوم الإنسانية " المؤتمر العلمي الخامس لمركز خدمة المجتمع وتنمية البيئة – جامعة بني سويف 91 – 20 أبريل 2006 م .

39- بحث عن التراث الثقافي والتنمية في الواحات المصرية إيجابيات وسلبيات – مؤتمر الملتقى الثالث للمأثورات الشعبية – المجلس الأعلى للثقافة – 27 – 30 نوفمبر عام 2006م.

40 - Cultural Diversity and Sustainable Development in Egyptian Oases. The International Congress of Anthropological and Ethnological Studies: Humanity, Development and Cultural Diversity, July, 2008.

41- بحث عن التراث الثقافى والتماسك الاجتماعى – مؤتمر الملتقى الرابع للمأثورات الشعبية – المجلس الاعلى للثقافة – عام 2010 .

 

ثانياً : الكتب المنشورة والمترجمة

1- الواحات الخارجة – دراسة في التنمية والتغير في المجتمعات المستحدثة – الهيئة العامة للكتاب ، الإسكندرية ، الطبعة الأولى ، 1975 م .

2- التنمية نظرياً وتطبيقياً ، الهيئة العامة للكتاب ، الطبعة الأولى ، 1975 م .

3- التنمية نظرياً وتطبيقياً ، الطبعة الثانية ، دار القلم الكويت ، 1985 م .

4- مجالات الأنثروبولوجيا – مقالات مختارة من الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية ، دار القلم الكويت ، 1985 م .

5- دراسات أنثروبولوجية في المجتمع الكويتي – " دور ربة البيت " ، دار القلم الكويت ، 1986 م .

6- إصدار أول مجلة بكلية الآداب – جامعة القاهرة فرع بني سويف ، الأعداد أعوام 1991 ،1992 ، 1993 ، 1994 م .

7- إعداد كتاب المؤتمر الأنثروبولوجي الأول – أنثروبولوجيا مصر – ديسمبر عام 1995 م – وإصدار أعمال المؤتمر في ثلاث مجلدات عام 1996 م .

8- إعداد كتاب المؤتمر الأنثروبولوجي الثاني 0 مصر وأفريقيا – مارس 1998 م .

9- المشاركة في ترجمة كتاب مارفن هاريس المعنون ، "الأنثروبولوجيا الثقافية"، دار الثقافة العربية.

10- أعداد المؤتمر الأنثروبولوجي الثالث: الواحات المصرية – واحات الوادي الجديد، أكتوبر، 2002.

النشاط العلمي الميداني

1- إعداد وتنفيذ المؤتمر الأنثروبولوجي الأول – أنثروبولوجيا مصر – ديسمبر عام 1995 م – وإصدار أعمال المؤتمر في ثلاث مجلدات عام 1996 م .

2- إعداد وتنفيذ المؤتمر الأنثروبولوجي الثاني 0 مصر وأفريقيا – وإصدار أعمال المؤتمر في مجلد عام 1998 م .

3- إعداد المؤتمر الأنثروبولوجي الثالث: الواحات المصرية – واحات الوادي الجديد، أكتوبر، 2002.

4- إعداد وتنفيذ الندوة العلمية عن تنمية الوعي البيئي لطلاب الجامعة، كية الآداب – جامعة القاهرة – فرع بني سويف – مارس 2001.

5- إعداد وتنفيذ الندوة العلمية عن البيئية والإعاقة – كلية الآداب – جامعة القاهرة – فرع بني سويف – أبريل 2003 .

6- إنشاء وتأسيس المتحف الاثنوجرافي للتراث الثقافي للواحات المصرية بقرية القصر بالداخلة فبراير 2002 م .

7- تأسيس جمعية أصدقاء المتحف الاثنوجرافي للتراث الثقافي للواحات المصرية – بالواحات الداخلة – 2006 م .

8- عقد ندوة عن الحفاظ على التراث بالواحات الداخلة، عام 2009م.

9- عقد ندوة عن المشكلات البيئية العالمية أثرها على الواحات المصرية وكيفية مواجهتها، فبراير 2010م.

 

العضوية في الجمعيات العلمية

1- عضو الجمعية الدولية للعلوم الأنثروبولوجية والاثنولوجية (I U E A S )

2- عضو الجمعية الأفريقية الأنثروبولوجية Pan African Anthropological Association ( P A A A )

3- عضو الجمعية المصرية للتشريعات الصحية والبيئية .

4- عضو الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية .

5- رئيس مجلس إدارة جمعية أصدقاء المتحف الاثنوجرافي للتراث الثقافي للواحات المصرية – بالواحات الداخلة .

 

مجالات الخبرات الميدانية

1- مجال تنمية المجتمعات الصحراوية والمستحدثة .

2- مجال التنمية والتدريب الاجتماعي للمعوقين .

3- تقويم مشروعات التنمية المجتمعية .

أ – مشروع وادي العلاقي – أسوان بالاشتراك مع جامعة جنوب الوادي – كلية العلوم بأسوان .

ب – مشروع حماية جسور النيل – وزارة الري بالاشتراك مع الوكالة الألمانية في كل من أسوان وبني سويف.

4- التدريب الاجتماعي للعاملين في مشروع تصنيع خشب الكونتر من جريد النخل بالوادي الجديد بالاشتراك مع كلية هندسة عين شمس والوكالة الألمانية للتنمية GTZ .

أ – إجراء دراسة حالة للعاملين لاختيار العاملين في المشروع وإعداد برامج التنفيذ .

5- مشروع التدريب على تصنيع الأرابسك من جريد النخل بقرية الجديدة بالواحات الداخلة .

6- إجراء البحث الأنثروبولوجي عن الإعاقة في مصر بالاشتراك مع المركز الدولي للطفولة بباريس ، وذلك في كل من محافظة أسوان ، كفر الشيخ والجيزة .

7- البيئة والتنمية المستدامة .

8- الحفاظ على التراث .

رحم الله أستاذتنا رحمة واسعة، وجزاها خيرا عن كل ما قدمته من أعمال جليلة للعلم والإنسان

سليمان فياض كاتباً ومؤرخاً

shaker faredhasanفي السابع والعشرين من شباط الماضي رحل عن عالمنا الأديب المصري الكبير سليمان فياض، بعد مسيرة أدبية طويلة مع القص السردي، وحياة خصبة ثرية وزاخرة بالعطاء والإبداع الأدبي المتنوع، وبعد أن أكمل مشروعه الثقافي الحضاري التنويري .

سليمان فياض قاص وروائي ومؤرخ وباحث ولغوي ومفكر ومثقف نقدي عضوي صاحب رسالة تنويرية، ومن كبار المبدعين المصريين والعرب ورموز التجمعات الأدبية والثقافية . وبالرغم من انه ينتمي إلى جيل الستينات إلا أنه لم ينل حقه، ولم يحظ بهالة وقداسة كبيرة مثلما تمتع فيها غيره من أبناء جيله وعصره ومريديه في مصر، لكنه يظل صاحب حيثية رفيعة ومكانة مرموقة ومقام خاص في نفوس وأذهان الذين تابعوا مسيرته واطلعوا على أعماله وإبداعاته وآثاره الأدبية المختلفة .

يقول عنه معارفه أنه كان إنساناً متواضعاً إلى أبعد الحدود، وتمتع بدماثة الخلق، وكان صاحب عين ثاقبة، وحكاءً ماهراً، ومتحدثاً بارعاً، وصامتاً خجولاً في الأماكن والمحافل العامة .

سليمان فياض من محافظة الدقهلية شمال شرقي القاهرة، ولد سنة 1929، نال شهادة العالمية من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر في الخمسينات من القرن الفائت، وبعد تخرجه اشتغل معلماً للغة العربية وآدابها في المدارس المصرية .

بدأ فياض الكتابة في مجلة "الآداب" اللبنانية، وعمل مع رجاء النقاش وسعد وهبة في مجلة "البوليس"، ومارس خلال مشواره الثقافي الكتابة للإذاعات والتلفزيونات، وعمل محرراً في العديد من الصحف والمجلات، ومراسلاً لمجلة "الآداب" البيروتية لصاحبها سهيل إدريس .

وصدر لسلمان فياض الكثير من المجموعات القصصية، منها : "عطشان يا صبايا ، أحزان حزيران، وفاة عامل مطبعة، وبعدنا الطوفان،زمن الصمت والغياب، ذات العيون العسلية، وسواها . أما في باب الرواية فله : "القرين، لا احد، أيام مجازر، أصوات " وغير ذلك .

كذلك كتب فياض عن سير أعلام العرب أمثال : ابن رشد والهيثم وابن بطوطة والبيروني وجابر بن حيان وابن النفيس وابن سينا والفارابي والخوارزمي والإدريسي وابن خلدون والجاحظ وسواهم . وأرخ للحياة الثقافية المصرية، وتناول قضايا الثقافة الإسلامية وهموم المجتمع والواقع العربي .

ما يميز سليمان فياض قدرته اللغوية، وأسلوبه القصصي الناصع في عالم السرد، ولغته البارعة الجميلة المميزة المدهشة والممتعة . وقصصه تجمع بين الرومانسية والواقعية، وأبطاله من الأهل والجيران والمشايخ . وقد شكلت مجموعته القصصية "عطشان يا صبايا " الصادرة العام 1960 علامة فارقة من علامات تطور الأدب القصصي المصري .

سليمان فياض باحث توسعي، ومبدع هائم في محبرة الكتابة، تماهى مع إبداعه، وراهن على الكلمة، وأخلص للنص السردي، وانتمى لمملكة الإنسان الباحث عن الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، ودعا لثقافة التجديد والحداثة والمعاصرة، ثقافة العقل . ويظل رمزاً ثقافياُ بامتياز، رغم الرحيل والغياب .

بَحْرُ العُلومِ .. ثُلاثِيّةُ التّوافُقِ (٣)

nazar haidarكانت مهمّة التأسيس لمؤسّسة قياديّة حقيقيّة تجتمع تحت مظلّتها كلّ فصائل حركة المعارضة العراقية، تخطّط وتنفّذ، مهمّة صعبة جداً يعدّها البعض شبه مستحيلة، وذلك لعدّة اسباب؛

اولاً؛ التناقضات والخلافات الحادّة والعميقة بين هذه الفصائل، سواء داخل التيار الواحد [الاسلامي والكردي والقومي والديمقراطي (الليبرالي)] او بين الفصائل في التيّار الواحد.

لقد كانت خلافاتها تتوزع على المستويات التالية؛

الف؛ الولاءات السياسيّة للدول المظيِّفة، فمثلاً، بينما كان حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال طالباني، يميل بولاءاته الى ايران، كان الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود بارزاني، يميل اكثر الى تركيا، وبينما كانت الفصائل الاسلامية تميل الى طهران (الشيعية) والرياض (السنيّة) كانت القوميّة منها واليسارية الى دمشق، وهكذا.

باء؛ الرؤية والاهداف، فبينما كان التيار الاسلامي يرفع شعار (الاسلامية) لنظام الحكم المستقبلي، كان القوميون ينادون بالقومية، وهكذا.

وللآن اتذكر، مثلاً، كيف انّ هذه التيارات بذلت وقتاً طويلا جداً، تحاورُ وتناورُ، تجاوز الايام والأسابيع، بسبب الخلاف على ادراج البسملة في البيان الختامي لاحد اجتماعاتها!، فبينما كان الاسلاميّون يصرّون على ان يبدأ البيان بالبسملة، كان الشيوعيون يرفضون ذلك رفضاً قاطعاً، لدرجةٍ انّهم كانوا يهدّدون بالانسحاب اذا وردت البسملة!.

جيم؛ التمثيل وحجمه، فبينما كان التيار الاسلامي يصر على ان تكون له الحصة الأكبر في ايّة مؤسّسة قياديّة، يصرّ آخرون على ان يكون التمثيل متساوياً، وهكذا.

دال؛ وفوق كلّ هذا، كانت مختلف التيارات تعيش أزمة ثقة فيما ببنها بسبب الصراع على النفوذ وصراع الإرادات، والذي كان قد أفشلَ العديد من التجارب الوحدويّة السّابقة، واذا كان هذا الصراع يكتفي ببعده السياسي فقط، فانّه تجاوز السياسة الى السلاح، كما هو الحال بين الحزبين الكرديّين الكبيرين( الپارتي واليكتي) وكذلك بين (اليكتي والحركة الاسلامية في كردستان بزعامة المرحوم الملا علي عبد العزيز) وغيرها، والذي تمدّد ليتحوّل الى صراعات عسكريّة كانت نتائجها المزيد من الدماء والارواح والاسرى!.

ثانياً؛ التناقضات حدّ التقاطع بين القوى الإقليمية الثلاث المعنيّة بالدرجة الأساس في الملف العراقي (ايران وسوريا والسعودية) فبينما تعتبر طهران ودمشق أنفسهما حواضن طبيعية وتاريخية لحركة المعارضة العراقية، لما قدّماه من دعم وتأييد بكلّ اشكاله لمختلف فصائلها، كانتا ترفضان ان يكون للرياض دور يعتدُّ به، حدّ الاستحواذ، في اي مجهود بهذا الصدد، لانّها ظلّت تدعم نظام الطاغية الى آخر لحظة، كما انها لم تكن على علاقة، ومن اي نوع مع المعارضة، والعكس هو الصحيح، فلقد كان موقفها معادياً جداً لها، فهي تتحمّل مسؤولية الدماء الطاهرة والارواح البريئة التي وُئدت في المقابر الجماعية بعد قمع النظام للانتفاضة الشعبانية الباسلة.

لقد حاولت الرياض الاستحواذ على اي مجهود بهذا الصدد بأموالها، وأتذكر مرّة ان مسؤولاً سورياً بارزاً عبّر عن رفض دمشق وطهران لمثل هذا الامر، بالقول؛ يكفينا من الرياض أموالها، اما رايها فلتحتفظ به لنفسها، لسنا بحاجة اليه!.

ثالثاً؛ الشكوك وانعدام الثقة بين جلّ تيارات حركة المعارضة والمجتمع الدولي الذي دخل على خط الأزمة العراقية بشكل مباشر وواسع بسبب سياسات نظام الطاغية الذليل صدام حسين الحمقاء وعنتريّاته وبهلوانيّاته.

وسط هذه المعاناة والمخاطر والعُقد المتعدّدة الأشكال والمستعصية، فانّ تحمّل مسؤولية التأسيس للمؤسسة القيادية كان أشبه بالانتحار السياسي.

ولقد كان السيد محمد بحر العلوم من اكثر الشخصيّات في حركة المعارضة العراقية القادرة على التصدّي لمسؤولية مثل هذا التاسيس لاعتبارات عديدة لعلّ من ابرزها؛

١/ كونهُ شخصيّة مستقلّة، لا يحسبها احدٌ من المعنيين بالملف العراقي، سواء من تيارات حركة المعارضة او القوى الإقليمية والدولية، على ايٍّ من التيارات الآنفة الذكر.

٢/ كونهُ ذات تاريخ جهادي طويل جداً يفوق الاخرين، وقد كان اكبرُهم سناً، وأوسعهم خبرةً، ومن انظفهم يداً وولاءً.

٣/ كونهُ سليل أسرة عريقة هي محط احترام كل العراقيين بلا استثناء.

٤/ كونهُ على علاقة حسنة مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف العراقي.

٥/ وتحديداً، كونهُ ليس جزءاً من الفصائل المحسوبة على الجمهورية الاسلامية في ايران، وهي الفصائل التي كانت تتحسّس كثيراً من ايِّ دورٍ للولايات المتحدة الأميركية في الملف العراقي لاعتبارات عديدة، كما ان الاخيرة كانت تتحسّس منها لنفس الاعتبارات، وأكثر!.

...وبدأت الاستعدادات!

يتبع

١٢ نيسان ٢٠١٥

الشاعر الانجليزي جون كيتس 1795-1821

ذاق مرارة العيش بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فقد أباه ولم يبلغ التاسعة من العمر، وهجرته امه لتتزوج من اخر بعد شهرين من وفاة والده، ثم رجوعها للبيت مطلقة بعد ست سنوات من الزواج، فوفاتها بمرض السل، ووفاة اخيه وخاله بذات المرض، اضافة الى انتقال العدوى اليه هو، فأصبح جسده موئلا لفتك السل الرئوي الذي استشرى بين افراد العائلة. نصحه الاطباء بالخروج من هاتيك الديار برمتها، فقصد ايطاليا، عله يتحرر من براثن هذا المرض، إلا ان قدر الله كان الاسرع، فقد قضى في بلد الاستشفاء-ايطاليا- بعد شهور قليلة من وصوله اليها.

على الرغم من حياته البائسة؛ الفقر والجوع والمرض والحرمان والعوز، الا انه كان شاعرا رومانسيا عظيما. فقد قرأ أعمال هوميرس الاغريقي مترجمة على يدي ” جورج تشابمان “،فأحب الملاحم والاشعار والاساطير التي فاه بها شعراء الحضارة الاغريقية. أحب الجمال، والطبيعة الغناء، واتخذ من عشيقته ” فاني براون ” ملهما لاشعاره. وزادت حسرته كونه لم يستطع الارتباط بها بسبب مرضه وما يعانيه من خوار في الجسد. عشق الشعر واعتبره شيئا عظيما، ولا يمكن العيش بدونه، الا انه احيانا يعترف بأن الشعر لا يستطيع انقاذ البشرية مما تقع فيه، ومما تعاني منه، فهو نفسه ” كيتس ” قد ذاق مرارة الحياة، ولم يصلح الشعر حاله.

كتب المقطوعات القصيرة الرائعة والمعبرة. كتب عن الحزن، والخريف، ومقطوعة بعنوان” حسناء بلا رحمة”، وهي مخصوصة لتلك الحبيبة، وأنشودة ” الى العندليب” وأنشودة “الى جرة اغريقية”. كما كتب ملحمة” اندميون” يحاكي فيها النهج الاغريقي في الملاحم، وكان ذلك عام 1818. أما عام 1819، فقد كان عاما انطلقت كوامنه الشعرية مدوية في الافاق، اذ سكب روائع المقطوعات الشعرية. هاجمه النقاد بقوة، وأحيانا بالتجاهل والاحتقار، في محاولة لاخراجه من دائرة الشعر برمتها، ولكن الامر لم يثبط من عزيمته اطلاقا، فدافع وقاتل بضراوة ليبقى في

الميدان الشعري، وقد بقي فعلا. من ناحية أخرى، فقد امتدحه الشاعر “شيلي” لجودة شعره، واتخذه الشاعر”ألفرد تينيسون” مثالا للشاعر المبدع. ولم ينصفه من النقاد- فيما بعد- الا الشاعر والناقد “ماثيو أرنولد” اذ عده مع “شيكسبير “في الصف الاول من الشعر.

ومما تجدر الاشارة اليه هنا، أن “جون كيتس” و“أبي القاسم الشابي” و”بدر شاكر السياب” قد قضوا جميعهم نتيجة الامراض التي فتكت بأجسادهم. فثلاثتهم قضوا في ريعان الشباب، اضافة الى انهم لم يسعفهم الحظ في التمتع في قرب من هوت قلوبهم. فهذا الشابي يغيب الموت محبوبته، وجون كيتس لم يقدم على الارتباط ب” فاني براون ” بسبب مرضه، والسياب لم يكتب له ان يلتقي بمن تتخذه فارس الاحلام. جون كيتس مات في ايطاليا، والسياب في الكويت، وكلاهما مات بعيدا عن دياره.

وللوقوف على الشاعر جون كيتس الشاعر والانسان، فما على المرء الا الغوص في غياهب رسائله الشخصية. فهنا تظهر تجليات كيتس الابداعية ونضوجه الفكري، على الرغم من مرضة المتعب، وموته المبكر( 26عاما )، فهو يتحدث عن جودة الشعر وكنهه، ورقيه ورقته. فما أن أحس بدنو أجله، حتى اصبح يطلق صرخات الانين المدوية. وعليه، فقد طغت على رسائله سمة اللوعة والحنين والتشبث بالوجود الجميل من حوله. من أقواله: “الجمال هو الحقيقة، والحقيقة هي الجمال، هذا كل ما تحتاج الى معرفته “/ ” الحب استمرارية ونقاء، والكراهية موت وشقاء “/ ” الألحان المسموعة عذبة، والأعذب منها، مالم تسمع بعد”.

حلق بجناحي الخيال الى بلاد الاغريق التي لم يرها الا من خلال ما قرأه عنها من الكتب المترجمة. عشق الملاحم، والاساطير والبطولات التي تمتاز بها الاشعار الاغريقية. رقيق النفس والقلب معا، فهو شديد الاحساس بالبؤس الذي تعيشه بعض الفئات من المجتمع، هو نفسه شهد الفواجع في بيته، وبقي هذا الشعور يلازمه الى أن اغمض الاغماضة الاخيرة، وغيبه الموت غريبا، ودفن في روما. كتب هو بنفسه- وقيل أحد خلصاءه – على شاهد قبره عبارة: ” هنا يرقد شخص ما، كتب اسمه على صفحة الماء “.

 

بَحْرُ العُلومِ .. ثُلاثِيّةُ التّوافُقِ (٢)

nazar haidarفجّر العراقيون انتفاضتهم الباسلة ضد النظام الشمولي القومجي العنصري الطائفي عام ١٩٩١ إثْرَ هزيمتهِ النّكراء والمخزية في ما عُرفت بحرب الخليج، اثر احتلاله للجارة الكويت.

وبسبب التّحريض المباشر من قبل نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية، ضد الانتفاضة، سمحَ (الحُلفاء) لنظام الطاغية الذليل باستخدام الطيران لقمع الانتفاضة والقضاء عليها، وهذا ما حصل، بعد ان دفع العراقيون ثمناً باهضاً جداً تمثّل بقافلة طويلة جداً من الشهداء الابرار وضحايا المقابر الجماعية واعداد غفيرة من المهاجرين.

ولقد دخلت القضيّة العراقيّة جرّاء هذه التطوّرات الداخلية والخارجية، الإقليمية والدولية، مرحلة حسّاسة فرضت على قادة المعارضة العراقيّة اجندات وأدوات وطريقة تفكير جديدة بشكل كامل.

ولقد كانت الحركة الاسلامية المعني الاول والاكبر في كلّ ذلك، لما تتمتّع به من حضور ميداني واسع، تتحمّل بإزائه المسؤولية المباشرة، فكان يجب عليها ان تأخذ بزمام المبادرة بأسرع وقت.

في هذه الأثناء شكّلت فصائل الحركة الاسلامية في العراق مجلساً قيادياً لتوحيد الرؤى وتنسيق العمل المشترك فيما بينها، للنهوض بأدائها الى مستوى التحدّي الكبير الذي بات يعيشه العراق بسبب ما خلقته الانتفاضة من تطورات ميدانية وتغييرات إقليمية ودولية نقلت القضية العراقية الى مرحلة جديدة تختلف كلياً عمّا هو موجود.

ولقد تشكّل المجلس الذي أطلق عليه اسم (البيت الاسلامي) من السّادة؛

اية الله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم.

اية الله الشيخ محمد باقر الناصري.

آيه الله السيد محمد تقي المدرسي.

اية الله الشيخ محمد مهدي الاصفي.

حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد الحيدري.

حجة الاسلام والمسلمين السيد سامي البدري.

المرحوم حجة الاسلام والمسلمين السيد عبد العزيز الحكيم.

الشهيد عز الدين سليم.

المرحوم حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محسن الحسيني.

الحاج علي الأديب.

الدكتور خضير الخُزاعي.

نــــــــزار حيدر.

يمثّلون بمجموعهم القوى السّياسية التّالية اسماءهم؛

المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق.

حزب الدعوة الاسلامية.

منظمة العمل الاسلامي.

حركة الدعوة الاسلامية.

حركة جند الامام.

جماعة العلماء في العراق.

ولقد واصل المجلس اجتماعاته بشكل مكثّف يناقش الظروف الجديدة وآفاق المستقبل، فتبنّى رؤى جديدة ورسم خططاً حديثة تتناسب والظروف الجديدة التي تمر بها القضية العراقية.

ومن بين ما اتّفق عليه المجلس هو ضرورة التحرك على المجتمع الدولي، كونه دخل كعاملٍ مهمّ في القضية، بعد ان ورّط نظام الطاغية العراق في حربه العبثيّة ضد المجتمع الدولي، من جانب، وبسبب الموقف السّلبي للأخير من الانتفاضة الشعبانيّة بشكلٍ خاص ومن تطلعات الشعب العراقي بشكل عام بسبب غياب قواه السياسية الفاعلة عن الساحة الدولية وعدم تواصلها مع القوى الدّولية المؤثّرة، من جانب آخر.

اثر ذلك، بدأ التحرّك السياسي والدبلوماسي الدولي بهدف التواصل مع المجتمع الدولي، فتمّ وقتها إنجاز اوّل حركة سياسيّة ودبلوماسية على الصعيد الدولي بهذا الصدد والتي تمثلت باللقاء الذي تم بين الشهيد السيد محمد باقر الحكيم والوفد المرافق له مع الامين العام للأمم المتحدة وقتها السيد خافير بيريز دي كوييار، وذلك في جنيف.

في نفس الوقت بدأت فكرة التأسيس لمظلّة سياسية شاملة تجمع كل القوى السياسية في المعارضة العراقية، من خلال عقد مؤتمر عام تنبثق عنه مؤسسات قيادية تاخذ على عاتقها التّخطيط وتنفيذ السياسات الجديدة التي تنسجم والظروف الإقليمية والدولية الجديدة التي احاطت بالقضية العراقية اثر حرب تحرير الكويت والانتفاضة الشعبانية (آذار ١٩٩١) الباسلة والخالدة.

هنا برز الدّور المرتقب الذي سيلعبه السيد محمد بحر العلوم كونهُ الشّخصية العراقية الاقدر من بين الجميع على جمع شمل قوى المعارضة لما يتمتّع به من صفات كانت مطلوبة لإنجاز مثل هذا المشروع الوطني الهام.

يتبع

١١ نيسان ٢٠١٥

الزهد والتعفف في شخصية السيد الشهيد محمد باقر الصدر

abduljabar alrifaiما الذي تبقى في حياتنا وسلوكنا ومواقفنا وأخلاقياتنا من أخلاقيات وسلوك ومواقف السيد الشهيد محمد باقر الصدر؟!

ما أكثر الناطقين باسم الشهيد الصدر، وما أندر من يقتدي بتعففه وزهده وتواضعه وغيرته ووطنيته!!

فيما يلي نص مقتبس من كتابي: "منهج الشهيد الصدر في تجديد الفكر الاسلامي"، الصادر قبل٢٠ عاماً تقريباً.

 

الزهد بالعناوين والألقاب:

نشأ الشهيد الصدر في بيئة تضج بالالقاب والعناوين، حتى ان القارئ أحياناً لا يدرك اسم مؤلف الكتاب إلاّ بعد قراءة نصف صفحة من الالقاب (وأطلق لقب علامة وامام وآية الله وحجة الاسلام على كل ذي جبة وعمة، بلا مراعاة النظير حتى اختلط الحابل بالنابل، وتدنس الطاهر النقي، ورخص العالم التقي) حسب تعبير الشيخ محمد جواد مغنية(1). غير ان الشهيد الصدر وضع حداً فاصلاً لهذه الفوضى، وصدرت مؤلفاته بتمامها في طبعتها الاولى التي طبعت باشرافه وعلى غلافها (محمد باقر الصدر) فقط من دون أي لقب أو عنوان يسبق الاسم، كما أوعز لأحد تلامذته الذي كان يتابع ترجمة وطباعة كتابه الاسس المنطقية للاستقراء في ايران ان يذكر اسمه (بدون رتوش وجمل انشائية .. ويقتصر على ذلك بدون القاب وانشاءات)(2).

وأشار الشيخ النعماني الى ان (السيد الشهيد حينما أكمل كتابه "الفتاوى الواضحة"، وأردنا ارسالهالى المطبعة كتبت على الدفتر منها عبارة : "تأليف سماحة آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر"، فلما رأى ذلك شطب عبارة: سماحة آية الله العظمى. وقال لي: لا حاجة الى ذلك قدمها الى الطبع بهذا الشكل) (3).

 

الزهد والتعفف في العيش:

روّض الشهيد الصدر نفسه على جشوبة العيش وخشونة الحياة، فظل يعيش حتى أيامه الاخيرة في دار صغيرة، تعود الى احدى الاسر التي كانت قاطنة في النجف، ورفض بشدة كل العروض التي قدمت له من قبل بعض مريديه بالتبرع بشراء دار. فقد حدثني الصديق الحاج كاظم عبدالحسين، وهو تاجر من أهالي الكويت، انه ذهب بنفسه الى الشهيد الصدر، وقال له: سيدي لي اليك حاجة أرجو أن تقضيها؟ فأجاب الشهيد الصدر: تفضل، قال المحسن: لدي أمنية أن اشتري لك داراً من أموالي الخاصة لا من الحقوق الشرعية، فتبسم الشهيد الصدر ثم قال: اشتر لكن بشرط ان تشتري لكل طالب علوم دينية في النجف لا يملك داراً وأنا أحد هؤلاء، يقول فقلت له: ان هذا الشرط غير مقدور(4). لم يؤثر فيه كل رجاء والتماس في ذلك فلم يستجب لعروض اخرى في هذا المضمار[5.

أما في ملبسه فقد كان يكتفي بالمقدار الضروري ولا يسعى لا رتداء الملابس الفاخرة، حتى ان بعض محبيه كان يهدي له أرقى أنواع الاقمشة والالبسة، فلايستخدم منها أية قطعة، ويعمد الى اهدائها للطلاب في النجف الاشرف، ممن يصعب عليهم مادياً شراء الملابس الجديدة، وقد ذكر الشيخ النعماني انه دخل معه احدى المرات الحمام فوجد بعض ملابسه الداخلية "الفانيلة" ممزقة، فاقترح عليه ان يبتاع له اخرى جديدة، فامتنع، وقال: هذه لايراها أحد، وكان يقتصر في طعامه أحياناً على الخبز والماء فقط، بل كان يبعث بالخبز الساخن الجديد لخادمه فيما يأكل هو الخبز البارد(6).

 

أقواله هي أفعاله:

اهتم الشهيد الصدر بتجسيد أقواله بأفعاله، فلم ينفصل سلوكه عن قناعاته واقواله مثلما ابتلي به بعض من ينبغي ان يكونوا في مقام القدوة والاسوة، من هنا حرص على ان يبقى نمط معيشته مماثلاً لعيش الطبقة الفقيرة، فمثلاً كان يمتنع عن شراء الفواكه لعائلته مطلقاً حتى يتمكن جميع الناس من شرائها، وكان يقول: (يجب علي وانا في هذا الموقع ـ يعني المرجعية ـ ان أكون في مستوى العيش بمستوى الطلبة الاعتيادي) (7).

أما الاموال الوفيرة التي تصل اليه كحقوق شرعية، فقد كان يبادر الى انفاقها في مصارفها الشرعية على المحتاجين، وتنبه الى تثقيف ابنائه على ان هذه الاموال ليست ملكاً شخصياً لهم، ولذا يجب ان يبتعدوا عن العبث بها. يقول بهذا الصدد: (اني فهّمت ابنتي مرام ان هذه الأموال الموجودة لدينا ليست ملكاً لنا، فكانت هذه الطفلة البريئة تقول أحياناً: ان لدى والدي الاموال الكثيرة ولكنها ليست له، ذلك لكي لا تتربى على توقع الصرف الكثير في البيت بل تتربى على القناعة وعدم النظر الى هذه الأموال كأملاك شخصية) (8). وعندما تحدث معه الشيخ النعماني في فترة الاحتجاز عن امكانية الفرار والخلاص من سطوة الجلادين أجابه قائلاً: (حتى لو أن السلطة فكّت الحجز فسوف أبقى جليس داري ، فليس منطقياً أن أدعو الناس الى مواجهة السلطة حتى لو كلفهم ذلك حياتهم، ثم لا أكون أو لهم سبقاً الى الشهادة في الوقت الذي يستشهد فيه الشاب اليافع والشيخ الكبير من أمثال الشهيد المرحوم السيد قاسم شبر الذي جاوز التسعين من عمره)[9.

 

ايثاره وشفقته:

كان الشهيد الصدر يفيض عاطفة وشفقة ورقة على من حوله، ويرعاهم رعاية أبوية تختزن طاقة هائلة من الحنان والمودة، فمثلاً لما جرى اعتقاله في 17 رجب 1399هـ اعتقل معه الشيخ المجاهد طالب السنجري، ولما اندلعت التظاهرة الاحتجاجية العنيفة في ذلك اليوم في النجف الاشرف، تم الافراج عنه، بيد انه رفض العودة الى النجف من دون الافراج عن رفيقه الشيخ طالب السنجري، لكن مدير الأمن تمّنع لأول وهلة لأجل ان يثني الشهيد الصدر عن ذلك، إلاّ انه عندما لاحظ اصرار الشهيد الصدر على الافراج عن السنجري اضطر للافراج عنه، وقد عبر الشهيد الصدر عن هذه الحادثة قائلاً: (كنت مصمماً على البقاء في مديرية الامن مدى الحياة اذا لم تفرج السلطة عن مرافقي) (10).

وبلغت المشاعر الانسانية للشهيد الصدر ان يعطف على رجال الامن الذين كانوا مكلفين بفرض طوق وحشي على داره، اذ يذكر الشيخ النعماني انه سمعه في أحد أيام الاحتجاز يقول: لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، فقال له: (هل حدث شيء ؟ فقال: كلا، بل كنت انظر الى هؤلاء ـ ويقصد قوات الامن ـ من خلال فتحة في الكسر الصغير في زجاجة النافذة فرأيتهم عطاشى يتصبب العرق من وجوههم في هذا اليوم من أيام الصيف الحار. فقلت: سيدي أليس هؤلاء هم الذين يطوقون منزلكم ويعتقلون المؤمنين الاطهار من محبيكم وأنصاركم، هؤلاء الذين روعوا أطفالكم وحرموهم من أبسط ما يتمتع به الأطفال ممن هم في أعمارهم؟ فقال: ولدي، صحيح ما تقول: ولكن يجب ان نعطف حتى على هؤلاء، ان هؤلاء انما انحرفوا لأنهم لم يعيشوا في بيئة اسلامية صالحة، ولم تتوافر لهم الاجواء المناسبة للتربية الايمانية، وكم من أمثال هؤلاء شـملهم الله تعالى بهدايته ورحمته، فصلحوا وأصبحوا من المؤمنين) (11)

 

....................

(1) تجارب محمد جواد مغنية، اعداد: عبد الحسين مغنية، بيروت، دار الجواد، 1400هـ ـ 1980م، ص 290.

(2) قضايا اسلامية، مصدر سابق، ع3، ص 621ـ 622.

(3) النعماني، الشهيد الصدر، مصدر سابق، ص 72 ـ 73.

(4) الأخ الحاج كاظم عبد الحسين وجيه معروف وصاحب مشاريع خيرية عديدة.

(5) النعماني، الشهيد الصدر، مصدر سابق، ص 116 ـ 117.

(6) المصدر نفسه، ص 113 ـ 114.

(7) المصدر نفسه، ص 114 ـ 115.

(8) الحائري، مباحث الاصول، مصدر سابق، ص 49.

(9) النعماني، الشهيد الصدر، مصدر سابق، ص 104.

(10) المصدر نفسه، ص 134.

(11) المصدر نفسه، ص 104 ـ 105.ه

العلامة بحر العلوم سفير النجف للعالم وسفير العالم للنجف

abduljabar alrifaiرحم الله صديقي العلامة السيد محمد بحر العلوم؛ سفير النجف للعالم، وسفير العالم للنجف .. داعية العقلانية في زمن الجهل، والاعتدال في زمن التشدد، والوطنية في زمن الانتماء للطائفة والقبيلة، والعراق نصاباً في زمن طمس الهوية العراقية، والحياة في زمن الموت، والسلام في زمن الحرب، والتسامح في زمن الانغلاق، والعيش المشترك في زمن نفي الآخر، وتدين المحبة في زمن تدين الكراهية .. رحم الله العلامة السيد بحر العلوم؛ الروح المشرقة بالإيمان، القلب المشبع بمحبة الله والانسان والعالم، العقل المنفتح على المذاهب والفرق والثقافات والأديان المختلفة.

ينتمي السيد بحر العلوم الى جيل متميز لامع، ظهر في حوزة النجف قبل أكثر من نصف قرن، ضمّ نخبة من رجال الدين الأدباء المثقفين المستنيرين، مثل: السيد مصطفى جمال الدين، السيد محمد بحر العلوم، السيد محمد حسن الأمين، السيد هاني فحص..وغيرهم.

فضلا على تكوينها الحوزوي التراثي في المعارف الإسلامية وعلوم اللغة العربية؛ تواصلت هذه الجماعة مع الأدب الحديث، والكتب والدوريات الجديدة الصادرة في القاهرة وبيروت، وانفتحت على الصحف والمطبوعات العراقية في بغداد والنجف.

لم تقتصر على المطالعة فقط، بل اهتمت بنشر نصوص أدبية، ومقالات متنوعة في هذه المطبوعات، وفي مرحلة لاحقة تكثّف حضورها في نشراتها ودورياتها النجفية الخاصة، حين صدرت: البذرة، الأضواء، النجف، الايمان..وغيرها.كذلك انخرطت هذه الجماعة في فعاليات المنتديات الأدبية الثقافية النجفية، مثل: جمعية منتدى النشر، جمعية الرابطة الأدبية، جمعية التحرير الثقافي، أسرة الأدب اليقظ.. وغيرها.

استطاعت هذه الجماعة أن تبتكر لنفسها صورتها المنفردة، وبصمتها التي لا تنطبق إلاّ عليها، وصوتها الذي لا يكرّر أصوات سواها؛ ذلك أنها استطاعت في وقت مبكر أن تتخطى أسوار التراث، ولم تلبث غارقة في مداراته، مثلما هو الاتجاه السائد لدى معظم الدارسين في الحوزوة.

تكثفت مطالعات ونقاشات هذه الجماعة للنصوص المنشورة في مجلات: "الرسالة"، التي أصدرها أحمد حسن الزيات في القاهرة، و"الآداب" التي أصدرها سهيل ادريس في بيروت، و"الهلال"، التي أصدرها منذ القرن التاسع عشر جرجي زيدان في القاهرة، واستمر في إدارتها أبناؤه بعد وفاته..وهكذا.

لم تعبأ هذه الجماعة بأدبيات الجماعات الإسلامية وكراسات مؤسسيها ومنظريها، ولم تنبهر بكتابات: أبو الأعلى المودودي وسيد قطب وتقي الدين النبهاني، كما انبهرت أنا في شبابي، وغيري من أبناء جيلنا؛ ممن جاء بعدهم. فسرقتنا أحلام ومُثُل وشعارات هذه الأدبيات الرومانسية، بنحو لبثنا فيها لا نرى ماهو خارج أسيجتها، ولا ندري شيئاً عن أي فكر أو معرفة أو أدب أو فن لا يقع بين جدرانها. ولم أتمكن من الإفلات منها، إلاّ بعد أن سرقتْ أجمل سنوات حياتي وأغناها، وأشدها حيوية وتدفقاً. كان كلُّ شئ فيها يتكرر، بالرغم من اختلاف اسماء المنشئين والمدونين لها. إنها نص واحد؛ بكلمات تتبادل مواضعها، وجمل يتغير تركيبها، وعبارات تعاد صياغتها.

كان لاعتدال مرجعية الامام السيد محسن الحكيم الأثرُ الكبير في تأمين غطاء للعلامة بحر العلوم وتيار الثقافة والأدب في حوزة النجف. كما إنهم كانوا محظوظين برعاية أبوية لأساتذة مبرزين، مثل: العلامة الشيخ محمد رضا المظفر، والعلامة السيد محمد تقي الحكيم .. وغيرهما. تميز هؤلاء الأساتذة بتكوينهم التراثي العميق، وثقافتهم الحديثة، وتطلعهم الى كل ما هو جديد في المعرفة البشرية، وحرصهم على إعادة بناء النظام التعليمي في الحوزة، وتدشين تجربتهم من خلال تأسيس منتدى النشر، وكلية الفقه، ورفد مقرراتها بالعلوم الإنسانية الحديثة، كعلم النفس، والاجتماع، والقانون، والفلسفة الغربية.. وغيرها. بموازاة تأليف كتب بديلة لدراسة المقدمات والسطوح في الحوزة، تحاكي الكتب الجامعية، في أسلوبها، ومنهج تأليفها، وتسلسل مباحثها منطقياً، وتخلصها من إبهام وغموض وتلغيز الكلمات والعبارات، المتفشي في بعض الكتب. الوضوح هو ما يطبع مؤلفات الشيخ محمد رضا المظفر: "المنطق، عقائد الإمامية، أصول الفقه.."، وهكذا الكتاب الجاد للسيد محمد تقي الحكيم: "الأصول العامة للفقه المقارن". لقد تمّ تدريس هذه الكتب الجديدة ابتداءً في كلية الفقه، ثم زحفت بالتدريج الى الحوزة، بعد انزياح بعض الكتب المتعارفة السابقة.

في هذا الفضاء الحوزوي والأكاديمي والأدبي والثقافي نشأ وتكوّن بحرُ العلوم. وواصل تكوينه الأكاديمي في الدراسات العليا؛ الماجستير في جامعة طهران، والدكتوراه في جامعة القاهرة. بعد أن تعرّض للملاحقة من نظام البعث.

منذ مطلع السبعينيات في القرن الماضي أقام السيد بحر العلوم في الكويت ثم لندن، ولبث في الأخيرة حتى سقط صدام حسين. اشتهر بمثابرته على العمل والإنجاز حيثما حلّ، وأين استقر، فلم يترك المطالعة والبحث، مهما كانت الظروف المحيطة به. ولم يهمل الكتابة والتأليف أينما مكث. ففي كل مرة ألتقيه، رحمه الله، أجده يتطلع بشغف الى كل ماهو جديد، فيبادرني على الدوام بسؤاله الذي أدمنته، وكنت أستعد لجوابه؛ ما الجديد لديك؟ لحظة أقدّم له كتاباً جديداً، أو العدد حديث الصدور من مجلة قضايا اسلامية معاصرة، يبتهج، ويهمّه التعرف الى مضمونه، ويعدني بمطالعته، وإبداء ملاحظاته.

لا يزهد بالإنتاج الفكري أو يهمله أو يتجاهله، مثلما هي عادة بعض الذين لا يدركون قيمة الفكر، وأثر المعرفة في بناء الانسان والأوطان. في زيارتي الأخيرة له في معهد العلمين - قبل بضعة أشهر - أدهشني شغفُه بالتعرف الى ما هو جديد من إنتاج ثقافي. بالرغم من مرضه، ووهن جسده، وشيخوخته، لكن عقله لم يكسل أو يخبو.

في أكثر من مرة اقترحت عليه تدوين مذكراته، كنت استحثه لئلا تغيبَ ذاكرةٌ مكتنزة بتاريخ جيل، وغيابُ ذاكرة كهذه يعني احتراق مكتبة وأرشيف وثائق غزير، ولأني أعرف أنه الحلقة الأخيرة من جيل حوزوي عصامي متميز، تغلب على الأسيجة، فعبر من الحوزة الى الناس، من الشيعة الى السنة، من المسلمين الى غير المسلمين، من النجف الى العالم.

بحر العلوم أحد أبرز ممثلي هذا الجيل، إذ أصبح رسول النجف للعالم، ورسول العالم الى النجف. وهو في كل ذلك يثري هويته، ويرسخ وطنيته، ويكرّس إيمانه، ويعمّق وعيه؛ عبر الإصغاء لصوت العصر، والانفتاح على آفاق رحبة في فهم الدين والحياة، وما ينبغي أن يكون عليه التدين المواكب للواقع ومستجداته السريعة الإيقاع والتغير.

استطاع المرحوم بحر العلوم بناء شبكة علاقات ثقة مع مختلف الشخصيات في الحوزة وخارجها، من؛ رجال دين، ومثقفين، وأكاديميين، وسياسيين، من العراقيين وغيرهم. لم يعطله مذهب أو دين أو موطن أو قومية أي شخص عن بناء علاقة معه. قلما وجدت إجماعاً على قبول شخصية عراقية، واحترام الجميع وثقتهم بها، كما وجدت في شخصية السيد بحر العلوم.

الوضوح والهدوء والدفء والحميمية تكلّل صوته وحديثه وإشاراته وعباراته وإيماءاته ونظراته، كنت أشعر حين أجلس معه كأني في مقام كائن بشري لا يعرف العنفُ اليه سبيلاً. إنه يفيض سلاماً ومحبة ورقة. تلك هي فرادة شخصيته وسموها الأخلاقي.

ظل واضحا في تعبيره عن شكل الدولة التي ينشدها في العراق، لا يتردد في إعلانه تبني النظام الديمقراطي الحديث. لا يتوارى خلف الكلمات، أو يختفي بين العبارات، أو يتحذلق في نحت مصطلحات، لا صلة لها بقواعد الاشتقاق في العربية أو غيرها من اللغات، مثلما يفعل البعض، ممن يلتبس خطابهم برطانتهم، فلا ندري ما الذي يريدون، وأي نموذج للسلطة في بلادنا ينشدون.

طالما شعرت بالحرج الأخلاقي في إلحاحه عليّ للتدريس في معهد العلمين، وهو المعهد الذي أنجز فيه أحد أحلام حياته القديمة، بتأهيل خبراء في علوم السياسة والقانون والإدارة.. ذلك أنه يدرك أن النهوض بتأسيس دولة حديثة في العراق، يتطلب خبرات مهنية تستوعب المعارف الجديدة في بناء وإدارة الدولة.. لفرط رغبته، ومعرفتي بوطنيته، ومصداقيته، وغيرته، وضميره اليقظ، وحبي واحترامي العميق له؛ تمنيت أن أعود لأتوطن النجف مستقبلاً؛ متفرغاً للتعاون معه في تأهيل تلامذة معهد العلمين، وإن كنت أحسب تحقيق مثل هذه الأماني بعيد المنال، ذلك أن غرقي بإدارة مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، وتحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة، والإشراف على تلامذتي وتوجيههم، يقعدني عن إنجاز الكثير من الأحلام والأماني.. متمنياً أن لا تكون خسارتي بفقدانه سبباً لانطفاء هذا الحلم وغيره غداً.. ثقتي بالله تعالى لا حدود لها، والود والحميمية مع ولده: "د. ابراهيم"، ومعرفتي بمواهبه وخبراته ومثابرته وإخلاصه، تدعوني للتفاؤل والثقة؛ بأن الضوء الذي انبعث قبل أكثر من نصف قرن من قلب وروح وعقل بحر العلوم الأب، سيتوهج ويسطع مجدداً من قلب وروح وعقل بحر العلوم الابن.  

رحيل كوثر الثقافة وسياب الادب التركماني

708-hasankawtherفجعت الاوساط الثقافية مساء الاربعاء برحيل كوثر الثقافة التركمانية وسياب الادب التركماني الشاعرالكبير حسن كوثر (1944- - 2015) رئيس اتحاد الادباء التركمان، وابرز اعمدة الشعر والصحافة والادب التركماني المعاصر في العراق بعد صراع مع المرض منذ عدة شهور.. واغمض عينيه في مستشفى آزادي العام في كركوك بعد صراع مع المرض، وسيوارى جثمانه الطاهر الثرى في مقبرة عائلته بمسقط رأسه كركوك الحبيبة التي كتب لها و انشد وتغنى بها طيلة مسيرة حياته الابداعية شعرا وصحافة وادبا ..

حسن كوثر .. من القلائل الذين حفروا لهم اسما كبيرا ليس في عالم الابداع والنتاج الادبي والثقافي فحسب وانما في تصديه وتضحياته التي طالت عددا من عائلته كقرابين اعدموا على يد النظام السابق فكان قلمه بابضا بالانسانية ورافضا لكل اشكال العنف والاضطهاد والتهميش ضد المكونات والثقافات التي تنتمي الى الهوية العراقية كافة لاسيما شريحته الاجتماعية التي ينحدر منها والمتمثلة بالمكون التركماني الذي نال الكثير من اشكال الاضطهاد القومي والطائفي وتعرض الى الابادة الجماعية بشكل لم يسبق له مثيل الى جانب المكونات العراقية المضطهدة الاخرى .

"سياب الادب التركماني " هكذا يلقبونه ادباء العراق وزملاؤه في كركوك لما كتب وابدع بلغته التركمانية الام في اكثر من مجال مثلما تميز بنتاجه الادبي والشعري بالعربية بلغته الرصينة العالية .. وهو المميز في مجالات عدة فهو المربي والشاعر والكاتب والقاص والناقد والمترجم والصحفي الذي بلغ نتاجه الشعري المطبوع اكثر من عشر اصدارات باللغة التركمانية الى جانب نتاجاته الابداعية الاخرى التي تقدر بمئات من المقالات الادبية والنقدية والفكرية والثقافية والفولكلورية والفنية باللغتين العربية والتركمانية المنشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية المعروفة .

بتاريخ 24/ 12/ 2014 ناشدنا ومن منبركم هذا كل من الدولة العراقية ووزارة الثقافة واتحاد الادباء العراقيين وكل من يهمه الأمر .. واطلقنا صرخة عراقية لاسماع أصحاب القرار ومن يهمه الأمر لانقاذ حياة رئيس اتحاد ادباء التركمان حسن للتكفل بعلاجه خارج العراق، قبل فوات الآوان .. وقلنا .. اللهم اشهد اني بلغت !

ولم تلق ندائاتنا او صرخاتنا اي استجابة من الدولة في حينها ؟ فاضطر لاجراء العملية الجراحية في احدى مستشفيات اربيل ! وبتاريخ (31 /3/ 2015) ناشد رئيس اتحاد أدباء وكتاب كركوك محمد الحمداني وزارة الصحة وإدارة محافظة كركوك بضرورة التدخل لتوفيرالعلاج لشاعرنا كوثر بعد تدهور صحته اثر اجراء العملية الجراحية !

ولم يلق اي استجابة او اهتمام يذكر لا من الدولة ولا من محافظته التي تعد من اغنى المدن في العالم وبقي توفير العلاج عصيا عليه ..لقد استكثروا بضعة دولارات لقامة ادبية كركوكلية شامخة بعلو شعلة بابا كركر وتسمو بكبرياء العراق ..في بحر يموج بالبترول وفي ارض تسمى مدينة الذهب الاسود !

اهمال لا يليق بالمبدعين العراقيين سيما باديب عراقي ملتزم ولد في رحم المعاناة الانسانية العراقية وترعرع في قلب المظالم التركمانية .ونشأ بين أحياء تسعين السليبة التي تحكي قصص النضال والجهاد ضد الاستبداد والشمولية وهنا اود ان اعيد ما دونته عنه سابقا فهو صاحب القلم الشريف الذي لطالما تغنى بالوطن وانشد للعراق دون أن يركع للطاغية، وآثر أن يغادر وظيفته بعد اصدار اعدام وسجن اقربائه في 1995مفضلا شظف العيش على مدح الديكتاتور في الزمن الشمولي الغابر.

عتبنا على الحكومة العراقية برمتها وعلى وزارة الثقافة التي تغافلت عن الاهتمام "بكوثر الثقافة وسياب الادب التركماني "ونسيت انها وزارة كل المثقفين العراقيين على ما يبدو! هذا الذي رحل حاملا انينه ووجعه الى قبره بحثا عن الراحة الابدية تاركا بيننا اثاره الادبية لتحكي من بعده للأجيال القادمة حكاية رحلة شقاء مبدع عراقي في بلد البترول!

اليوم نودع الوريث الشرعي والامتداد الطبيعي لفطاحل الشعر الصوفي التركماني الذين لم يكن بيت في منطقة تسين في كركوك يخلو من دواوينهم، فنشأ شاعرا منذ العاشرة من عمره وحفظ قصائد وأشعار فضولي البغدادي ونسيمي البغدادي والشاعر خطائي عن ظهر قلب، تلك القصائدو المدائح التي تتموسق بحب الله والرسول واهل بيته الأطهارعليهم افضل الصلاة والسلام ويقينا ستكون له خير جواز مرور من زمن الاذلال والاهمال الى رياض الجنان عند رب الاكرام والاجلال .

 

الراحل حسن كوثر في سطور

-‍ ولد في تسعين بكركوك عام 1944

-‍ مدير تحرير جريدة ومجلة كركوك الصادرتان عن اتحاد الأدباء التركمان

-‍ مدير تحرير جريدة توركمن إيلى منذ سنة 2005م

-‍ محرر القسم العربي في مجلة توركمن إيلى

-‍ مدير تحرير مجلة افاق كركوك التربوية

-‍ عضو في نقابة الصحفيين العراقيين

-‍ عضو اتحاد الصحفيين العرب

-‍ عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق

-‍ نائب رئيس المجلس الاستشاري لتسعين

-‍ نائب رئيس اتحاد الادباء في العراق / فرع كركوك

-‍ رئيس اتحاد الادباء التركمان

مشاركاته المحلية

-‍ فاز بالجائزة الثانية من بين 42 شاعرا عام 1971 في كركوك

-‍ فاز بالجائزة الاولى من بين 32شاعرا عام 1996في كركوك

-‍ فاز بالجائزة الاولى من بين 37شاعرا عام 1998في كركوك

-‍ فاز بالجائزة الاولى من بين 45شاعرا عام 1999 لجريدة الوطن (يورد)

-‍ فاز بالجائزة الثانية في المسابقة الكبرى التي نظمتها مجلة الكوثر عام 2001

-‍ له اكثر من خمس مشاركات في مهرجانات المربد الشعرية

-‍ شارك في مهرجان فضولي البغدادي الذي اقامته وزارة الشباب في ( كربلاء المقدسة) عام 2009 ببحثه الموسوم ( الحداثة والدراما في شعر فضولي)

مشاركاته الخارجية

-‍ فاز بالجائزة الثانية من بين 600 شاعرا من الناطقين بالتركية في المسابقة الدولية لمهرجان فضولي الشعري الثاني) في اسطنبول التركية عام 2004

-‍ فاز بالجائزة الثانية للمهرجان الشعري الرضوي التركي الخامس عام 2010 من بين مئة شاعر من الناطقين بالتركية في اورميا بايران

توفي مساء اليوم مدير تحرير صحيفة توركمن ايلي رئيس اتحاد الادباء التركمان الشاعر والاديب حسن كوثر بعد ان المه مرض لم يمهله طويلا

يشار الى أن الأديب حسن كوثر من اهالي تسعين بمدينة كركوك وعانى من سياسات النظام السابق وعمل في مجال التدريس لأكثر من 40 عاماً وأحيل على التقاعد قبل خمس سنوات وكان بقسم النشاط المدرسي يشرف على المسابقات الأدبية وله العديد من الكتب والمؤلفات في اللغة العربية والتركمانية وعمل في مجال الصحافة التركمانية لعدة سنوات ويشغل منصب رئيس اتحاد الأدباء والكتاب التركمان .

- توفي في كركوك مساء الاربعاء 8/4 / 2015

 

زاهد البياتي – كاتب وباحث

 

يوميات الحرب .. شهادات للحقيقة والتاريخ

qassim salihyالصالحية .. في 8 نيسان 2003

كنت اسكن في مربع الخطر الذي يمتد من القصر الجمهوري الى الصالحية حيث مبنى الاذاعة والتلفزيون. وكانت شقتي مقابل وزارة العدل، مجاور تماما وزارة الحكم المحلي .. التي قصفت بالصواريخ الامريكية.

فجر الثامن من نيسان وكان يوم ثلاثاء .. فتحت بحذر زجاج نافذتي المطلة على تمثال الملك فيصل الأول .. ورأيت اربع دبابات امريكية .. تتوجه فوهاتها نحو شارع حيفا ومبنى الاذاعة وجسر الاحرار. كانت كامرتي بيدي لأصور ما يحدث. ومن خوفي فأنني لففت رأسي ببردة النافذة ووجهت العدسة فقط .. لثلاث او اربع ثوان.

صباح ذاك اليوم (الثلاثاء 8 نيسان 2003) .. دخلت الدبابات الامريكية الى شارع حيفا وقامت باطلاق النار من فوهات الرشاشات والمدافع ايضا باصوات رهيبة (افتهمنا فيما بعد انها قنابل صوتية) .. ادت الى تهشم زجاج معظم شقق عمارتنا وكانت شقتي وما تحتها وفوقها .. الأكثر تضررا لكونها الأقرب .. واستمرت النيران الى الظهر حيث استقر الموقف للقوات الامريكية في شارع حيفا والصالحية .. هذا يعني ان احتلال بغداد تم في الثامن من نيسان وليس التاسع منه.

 

حادث مفجع .. مقتل احد سكان عمارتنا

كان ابو انسام، جارنا، قد جاء بسيارته البرازيلي البيضاء من بيت اهله ليطمئن على زوجته. ولدى وصوله الانعطافة التي يدخل منها الى كراج العمارة .. سددت عليه الدبابة الواقفة قرب تمثال الملك فيصل الاول واردته قتيلا.

خرجت زوجته لتتاكد .. ورفعت احدى النساء راية بيضاء لتامين سلامتها من الجنود الامريكان .. . فتحت باب السيارة .. وصرخت .. فقد كانت الطلقة قد اصابته في الرأس .. وتوجه ابني نادر نحوهم رافعا يديه .. ليتحدث معهم بالسماح باخراج الجثة من السيارة.

احترنا اين ندفنه .. فلم نجد سوى المساحة الصغيرة المخصصة لزرع الورود .. فدفناه فيها!!

وفي هذا اليوم (الثلاثاء 8 نيسان) هجم شباب ونساء واطفال الشواكة والعلاوي الى مبنى وزارة العدل ونهبوا ما فيها من مواد: مراوح كهربائية، طابعات، اطارات ، كراسي .. وثقتها بكامرتي .. بينها موقفان، الاول: كان احدهم قد نهب من وزارة العدل اربع اطارات جديدة وجاء بها ليعبر الشارع باتجاه العلاوي .. فوقف قبل ان يعبر ورفع يده نحو الجنود الواقفين في ساحة الملك فيصل .. فاشاروا له .. ان اعبر.

والثاني: كانت امرأة اظنها موظفة في وزارة العدل قد حملت جنطتين حديديتين .. مقفلتين .. ووقفت على الرصيف واتجهت ببصرها نحو الاميركان .. واشاروا لها ان تعبر .. وكانت محجبة!!

وكنت كتبت في نهاية هذه الصفحةعن بدء حالة الفرهود: (حالة مخزية .. أي شعب هذا يدمر وطنه ويهرع الناس لنهبه)

•   من مذكرات (يوميات الحرب .. للحقيقة والتاريخ) .. سجلّت فيها الأحداث يوما بيوم .. وكتبت في صفحته الاولى ما يأتي:

(يسلّم الى ولدي المهندس مظفر في حالة .. ويفتح بعد الحرب وليس خلالها قطعا).

•   توثيق يستحق ان يطبع في كتاب .. مصحوب بمشاهد حقيقية لمن يريد ان يخرج فلما تسجيليا.

معلم الأمم .. في ذكرى الفيلسوف العظيم السيد محمد باقر الصدر

raheem alsaidiيطرح دائما التساؤل حول إشكالية ربما لم يبت بها، تتعلق بوصف الشهيد الصدر بالفيلسوف، فإذا أطلق البعض عليه لفظ المفكر فانه يحجم عن وصفه ربما بالفيلسوف، ومن المهم التنويه إلى ان المعيار الذي يمكننا إطلاقه على الفيلسوف يتمثل أولا بمعالجاته لمفهوم نظرية المعرفة في الفلسفة وثانيا بانشغاله بالمناهج التي تتصل أيضا بالفلسفة وثالثا بإمكانياته وإضافاته المتعلقة بالبحث المنطقي ورابعا بالبحث والتحليل والاستنتاج والإضافة في مختلف العلوم ومنها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية بالإضافة إلى العلوم الدينية والقرآنية والمستقبلية، فقد كتب الراحل العظيم (غاية الفكر في علم الأصول- فدك في التاريخ - فلسفتنا، اقتصادنا، البنك اللاربوي في الإسلام - المدرسة الإسلامية - المعالم الجديدة للأصول - الأسس المنطقية للاستقراء - بحوث في شرح - موجز أحكام الحج. الفتاوى الواضحة.دروس في علم الأصول - بحث حول الولاية - بحث حول المهدي- الإسلام يقود الحياة - المدرسة القرآنية - أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف) .

وهذه كلها منطلقات وأسس مهمة يوصف بها المفكر الشهيد محمد باقر الصدر، فما قدمه من جهد في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء ومحاولة نقد وتحليل وتقديم نظرية معرفية إسلامية في فلسفتنا وأيضا الجهود الكبيرة في مجالات الاقتصاد والاجتماع وفلسفة التاريخ سيما في مفهوم السنن التاريخية والمجتمع الفرعوني وأيضا في مجالات الفقه والأصول .

كل هذه الجهود المكثفة الموسوعية، وسمت المفكر الصدر الأول بالفيلسوف، لما قدم من جهد استثنائي إلى البيئة التي عاشها في مجال الأفكار وترشيد المعرفة وقبل ذلك في قيمة وقوة هذه الأفكار التي تمثل لا وجهة نظر توصف بالمغامرة، بل الجهد الفكري لفيلسوف يؤمن بتحرير الإنسان من الأفكار التي تقيده وتقوم بتأخير نموه المعرفي والإنساني والاجتماعي، كما يربط هذا المفكر الفيلسوف الإنسان بالمشروع الأخروي المتمثل بالسماء أو العالم الآخر، تلك الإشكالية التي يبتعد عنها معظم الفلاسفة أو على الأقل لا يتم تناولها وفق نظرهم من زاوية جادة موضوعية .

من هنا فان لفظة الفيلسوف محمد باقر الصدر هي النتيجة الطبيعية لمجمل الجهود والمبادئ التي انفق الراحل الكبير عمره من اجلها ومن اجل الإنسانية وهو يمثل القلة من الفلاسفة الذين يدفعون حياتهم من اجل المبدأ، كما حدث مع سقراط اليوناني من قبل والفيلسوفة هيباتيا (أول فيلسوفة في التاريخ) و الفيلسوف الإيطالي غوردانو برونو الذي احرق حيا، وحوكم غاليلو وفي القرن السادس عشر قتل الفيلسوف توماس مور صاحب مفهوم المدينة الفاضلة «يوتوبيا» وذلك بأمر من الملك الإنجليزي هنري الثامن، حيث رفض مور الاعتراف بالأول رئيسا للكنيسة الكاثوليكية الرومانية في إنجلترا.

وحديثا قتل لينين الفيلسوف تروتسكي وقتل متطرفون الايطالي جنتيله وقتل طالب مجنون صاحب الوضعية المنطقية موريس شليك، وغالب الذين قتلوا يحملون فهما ومشروعا سياسيا أو معارضا ومنهم الفيلسوف محمد باقر الصدر الذي قتله نظام البعث البائد مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم .

لقد نضجت في سياق مسيره الشاق إلى العلم والفكر والإصلاح والتغيير والتحرير والشهادة جملة من الأفكار والتي ستتشعب أيضا إلى صور فكرية متنوعة تشكل النظام العام لفكر الصدر منها على سبيل المثال :

1.المستقبل بين التنظير والتخطيط والتطبيق والاستيعاب.

2.الفلسفة وتقنينها واستثمارها في الشارع الإسلامي .

3.التاريخ وفلسفته و السنن التاريخية وتطبيقاتها وانتزاع النظريات من القران الكريم .

4.المشروع الإسلامي .

5.الموسوعية الموجهة المكثفة وتقديم منظومة علوم فلسفية واقتصادية ودينية وفقهية مهمة للساحة الإسلامية .

6.التجديد في الفكر القرآني، الفكر الاجتماعي، الفقهي والقانوني، الفلسفي،الكلامي،فلسفة التاريخ،الأصول .

7.التماس مع الفكر السياسي لبناء النظام السياسي الأفضل .

ان تلك المفاهيم والأفكار والمصطلحات والفرضيات والنظريات المهمة، مثلت الجهد الكبير الذي قام به الشهيد الصدر والذي يعد أيضا البناء الفكري له والبنى الأساسية التي شكلت شخصيته الفلسفية والفكرية والفقهية الأصولية، وبشكل موجز يمكن وصف خصائص هذه الأفكار التي تمثل بنية المفكر الصدر العامة والتي شكلت نتاجا مهما للإنسانية وللإسلام بالقول:

1.ان ابتكار مصطلح أو مفهوم إنما صفة تأتي بعد مرحلة تراكم المعرفة،والمصطلح عند الصدر يمثل صورة ملخصة لمشروع أو فكرة معينة،أو توصف أهميته بأنه جزء من فرضية أو نظرية أو مشروع .

2.يتسم فكر السيد الصدر بالتنوع والموسوعية والامتداد فهو لا يكتفي بعلوم إنسانية أو فلسفية أو دينية أو اجتماعية واقتصادية وغير ذلك من العلوم بل يشملها كلها بطريقة موسوعية .

3.التشاركية أيضا صفة ملازمة لفكر الصدر ومفهومة ومصطلحه فالتبادل والتداخل بين مصطلحات العلوم كافة .

4.على يد المفكر الصدر كان التحول من الثقافة الفقهية إلى الثقافة الفلسفية والتطبيقية في مجال المفاهيم وغيرها.

5.المشروع الصدري كان عراقيا من زوايا الفكر وإسلاميا من زاوية الفلسفة والاقتصاد الفلسفة والفقه والأصول وعالميا من زاوية التجديد والنقد وابتكار المصطلح وطرح المشاريع الفكرية .

6.المفهوم لديه يوصف بالمفهوم الشمولي لا الذاتي فحتى عندما نتحدث عن مفهوم للفلاسفة بشكل مفردة ابستيمية تعد بمثابة جزء من منظومة معرفية إلا انها في نهاية المطاف تعبر عن خيال ومعرفة خاصة وذاتية محضة كما في آراء ومفاهيم فوكو ونيتشة وشوبنهاور وغيرهم الكثير، إلا انها وفق تصور السيد الصدر تمثل عملية نزف فكري لرفع مستوى الأمة الإسلامية وموت في سبيل إخراج الناس من الظلمات إلى النور .

7. عبقريته في قدرته الخلاقة على توليد الأفكار الجديدة واطلاعه المعارف الغريبة وفي انجازه الفكري المبكر .

8. في كتاب فلسفتنا مثلا تسير مفاهيمه من القضايا العامة إلى الخاصة ومن الكليات إلى الجزئيات اما في الأسس المنطقية للاستقراء فيبني مفاهيمه أو يكون السير الفكري في الدليل الاستقرائي معاكسا للسير في الدليل الاستنباطي أي انه يسير من الخاص إلى العام .

9.من خصائص مفهوم إسلامية المعرفة عنده هو مشروعه الذي لم ينطلق من دراسة بل من ذات عقدية ومعرفة صالحة لقيادة البشرية، فهو لا يعتقد بالاستقلال الصوري ولا سبيل إلا بإيصال الأمة إلى الاستقلال والذاتية، ولم يكن يفكر برد فعل مرحلي مقابل ثقافة الآخر بل أسس لاستجابة واعية تأسيسية تتكامل عبر مشروع معرفي انطلاقا من الإسلامية فهو وان لم يستخدم مصطلح إسلامية المعرفة أو أسلمتها الا انه مارس هذين النشاطين المعرفيين من خلال حلقات مشروعه المعرفي وهو ما يتبن بالضمير (نا) في فلسفتنا واقتصادنا (1).

10. ابتكر على مستوى التجديد الفكري في علم الأصول مفاهيم حجية القطع وانتهى بان حجية القطع ليست ذاتية للقطع كما هو معروف عند الأصوليين واعتبرها تدور مدار مولوية المولى . وأنكر صحة ما يعرف بالبراءة العقلية، ومن ابتكاراته بحث حجية السيرة وحجية الإجماع وبحثه في ما يعرف بموافقة الكتاب ومخالفته في باب التعارض وبحثه في تفسير نشوء اللغة في نظرية القرن الأكيد وأيضا إسهامه في مباحث الألفاظ عند الأصوليين (2)

 

............

1 - حسن العمري، اسلامية المعرفة عند السيد محمد باقر الصدر،ط1، دار الهادي،1424هـ-2003م، ص79-82.

 2 - محمد الحسيني،محمد باقر الصدر، حياة حافلة وفكر خلاق، دار المحجة البضاء، 2005م،ص366

 

خمس محطات في حياة الشهيد محمد باقر الصدر

jasim mohamaالمحطة الاولى: شرارة الانطلاق

التقت عائلتان عملاقتان (ال الصدر مع ال ياسين) فأثمرت بركانا لا يطفأ وزلزالا لا يهدأ، فولد محمد باقر الصدر وذلك في يوم الاحد في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة من عام (1352هـ)، الموافق للثامن والعشرين من شهر شباط/ فبراير من عام (1935م)، فكان مولده مبعث فرحة عارمة اهتزت لها جوانب البيت الذي ضمّ السيد حيدر الصدر وكريمة آل ياسين، وقد مضى على أول وليد لهما ما يربو على عشرة أعوام. وها هو الوليد الثاني يطل عليهما بالفرح والسرور والالفة والمودة. لكن القدر فاجأ البيت ودخله دون استئذان فهز أركانـه بقـوة معلناً وفاة الاب (السيد حيدر الصدر). كان ذلك في عام (1356 هـ) ولم يمض على ولادة الشهيد الصدر ما يزيد على ثلاثة أعوام.

وقد نشأ وترعرع الشهيد الصدر في الكاظمية ما يقرب من ثلاث عشرة سنة، تعلم القراءة والكتابة وتلقى جانباً من الدراسة في مدارس منتدى النشر الابتدائية التي أسسها السيد مرتضى العسكري والمرحوم احمد الأمين سنة ١٣٦٢ هج، في مدينة الكاظمية المقدسة وهو صغير السن وكان موضع إعجاب الأساتذة والطلاب لشدة ذكائه ونبوغه المبكر، ولهذا درس أكثر كتب السطوح العالية دون أستاذ، وقد لاحظ عليه اساتذته ان اهتماماته الفكرية تتجاوز عمره بكثير من قبيل اطلاعه في تلك السنّ المبكرة على الفلسفة الماركسية فضلا عن مطالعاته المتنوعة واطلاعه على الاعمال الفكرية لعدد من مشاهير الغرب.

بدأ بدراسة المنطق وهو في سن الحادية عشرة من عمره، وفي نفس الفترة كتب رسالة في المنطق، وكانت له بعض الإشكالات على الكتب المنطقية، في بداية الثانية عشرة من عمره بدأ بدراسة كتاب معالم الأصول عند أخيه السيد إسماعيل الصدر، وكان يعترض على صاحب المعالم، فقال له أخوه: إن هذه الاعتراضات هي نفسها التي اعترض بها صاحب كفاية الأصول على صاحب المعالم.

 

المحطة الثانية: ابداع وتفان

في سنة 1365 هـ هاجر سيدنا الشهيد المفدى من الكاظمية المقدسة إلى النجف الاشرف، لإكمال دراسته، وتتلمذ عند شخصيتين بارزتين من أهل العلم والفضيلة وهما: آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سره)، وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (رضوان الله تعالى عليه).أنهى دراسته الفقهية عام 1379 هـ والأصولية عام 1378 هـ عند آية الله السيد الخوئي (رحمه الله).بالرغم من أن مدة دراسة السيد الصدر منذ الصبا وحتى إكمالها لم تتجاوز 17 أو 18 عاماً .

بدأ السيد الصدر في إلقاء دروسه ولم يتجاوز عمره خمس وعشرون عاماً، فقد بدأ بتدريس الدورة الأولى في علم الأصول بتاريخ 12 / جمادى الآخرة / 1378 هـ وأنهاها بتاريخ 12 / ربيع الأول / 1391، وشرع بتدريس الدورة الثانية في 20 رجب من نفس السنة، كما بدأ بتدريس البحث الخارج في الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة 1381هـ .

ان اهم ابداعين في العقد الثاني من حياة الشهيد الصدر هما كتابي فلسفتنا واقتصادنا، اللذان آتيا ثمارهما بعد عمل شاق وتفاني ودراسة صبورة في أفكار بعيد نوعا ما (الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية والوجودية) عن جو الحوزة العلمية وبالعكس كان التقرب لهذه الأفكار بحد ذاته تهمة وتشويه سمعه ومرفوضة في تلك الأجواء ولكن الشهيد لم يبالي وتمعن ودرس هذه الأفكار بعمق وتحليل وكانت النتيجة هذان الكتابين العملاقين :

" فلسفتنا " وهو مرجع هام وفى الفلسفة الاسلامية المقارنة مع النظريات الفلسفية فى عالمنا المعاصر اليوم، ويعد بحثاً عميقاً فى نقد النظريات الفلسفية وإعطاء الفلسفة الاسلامية حيويتها وروحها

"اقتصادنا"، ويتحدث فيه عن الاقتصاد فى النظرة الماركسية وانتقد نظرية الديالكتيك بانتقادات واشكالات لم تشهد النظرية مثيلاً لها، ثم نقد بعد ذلك الأفكار الرأسمالية وفى محاولة منه لاكتشاف النظرية الاقتصادية فى الاسلام وضع الأسس التى يقوم عليها الاقتصاد الاسلامى ثم أردف بها تطبيقات للاقتصاد الاسلامى

ولقد كان هذا العطاء القمة في زمانه ليٌسلح الشباب المسلم بسلاح الفكر والأيمان، وليرفعهم من الدفاع السلبي إلى الهجوم الايجابي وكان وقعها عظيما آنذاك حيث هز ضمير البشرية وارجع للإسلاميين ثقته وعنفوانه وفتح لهم آفاق العلم والممارسة السياسية للوقوف امام التيارات المعاندة .

اليوم الكل يرى كيف انحسرت تلك الأفكار الإلحادية وولت بلا رجعة وفي المقابل وبدلا عنها أينعت وأثمرت تلك الأفكار الإسلامية الهادئة المسالمة التي أسسه وتبناه الشهيد الصدر رض وهي محصنة في أذهان معتنقيه، دافعوا عنها بالدماء الغالية وفي السجون ودار الهجرة، كما يدافع عن هذه الأفكار تيار من الشباب في العالم الاسلامي اليوم وفي عصر العولمة، ان عصر العولمة ونتائجها السلبية على الشباب المسلم المعاصر والأفكار السلفية الجهادية والتكفيرية لا تقل سلبا وتخلفا وهدما لعقول الشباب من الاثار السلبية للعولمة، كلا الفكران (العولمة والتكفير) هما السيفان الذان سلطا على رقاب شبابنا، لابد من فكر يتحدى هذه الأفكار الضالة ويفتح الافاق امام شبابنا ليتبنى أفكار الاسلام الأصيل، ان الجذوة المتقدة التي اوقده الشهيد الصدر في ريحانة شبابه امام الماركسية والرأسمالية لاتزال قادرة على ان تقف امام العولمة والتكفير وان تسليح شبابنا بهذين الكتابين سيعطي القدرة والقوة لشبابنا لتصدي تلك الأفكار الضالة

 

المحطة الثالثة: بناء المؤسسات واركان العمل الاسلامي

ان هم ركيزة تتميز به الشهيد الصدر عن الاخرين تبنيه مفهوما سياسيا للإسلام وايمانا عميقا بحاكمية الاسلام على المعمورة وهذا لا يتم الا بتأسيس حكومة إسلامية في دولة معينة منبثقة من مجتمع مسلم يتبناه نخبة من العاملين والدعاة الى الاسلام وهذا واضح في أسسه العشرة في ادبيات حزب الدعوة الاسلامية وعلى اثر هذا الاعتقاد .

قام الشهيد الصدر رض بتشكيل حزب إسلامي سماه بـ (حزب الدعوة الاسلامية) في العام(1957/1377) وعمره 22 عاما وهو في أوائل العقد الثالث، ولم يكن تأسيس الحزب عند السيد الشهيد بعاطفة او نزهة إنما سبقته قراءة واعية للاحداث والمعطيات اشترك فيها عدد من المخلصين والمقربين للشهيد الصدر

وقد سجّل كبار العلماء حضوراً بارزاً في (حزب الدعودة الاسلامية) في مقدمتهم الامام الشهيد والسيد مرتضى العسكري والشهيد السيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم والشيخ علي الكوراني والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ مهدي السماوي والشيخ محمد مهدي الآصفي... وهو ما حقق للحزب فرصة كبيرة للصمود والارتقاء التدريجي على الرغم من غياب الدور الحقيقي للمراجع في ميلاده (1). غير أن دعم المرجع الاعلى السيد محسن الحكيم في ذلك الوقت كان واضحاً وحقيقياً، وتجلى في انتماء اثنين من أنجاله في الحزب وهما الشهيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم، فضلا عن انخراط عدد كبير من وكلائه وفي مقدمتهم السيد العسكري. هذا علاوة على أن تحرك الحزب كان ـ في الغالب ـ يتم من خلال مؤسسات كانت تحمل اسم (المرجع) السيد الحكيم كما في (مكتبات) السيد الحكيم المنتشرة في معظم المناطق العراقية والتي يديرها ويحضرها عشرات الدعاة، والاحتفالات والمهرجانات التي يحييها الدعاة تحت ظل السيد الحكيم وبرعايته (2).

وقد سعى حزب الدعوة الاسلامية جاهداً لكسب تأييد المراجع ومباركتهم، وفي هذا الاتجاه أطلع السيد الشهيد استاذه السيد الخوئي وأخبره بتأسيس الحزب، كما سلّمه نسخة من (الاسس) التي كتبها الشهيد الصدر، كما أنه أطلع خاله الشيخ مرتضى آل ياسين.

وفي العام 1961 انسحب سماحته من هيكلية التنظيم بناء على نصيحة من السيد الحكيم ـ كان ذلك اثر حملة تعرض لها السيد الصدر بوجه خاص قادها حسين الصافي وآخرون نيابة عن حزب البعث العراقي في محاولة استعداء المراجع وأفاضل حوزة النجف عليه،

اثر تلك (الحملة) كتب الشهيد الصدر الى (القيادة) يعتذر لها عن مواصلة العمل التنظيمي بشكل مباشر، وقد نقل الكتاب السيد مهدي الحكيم وسلّمه الى صالح الأديب(1).

يقول اية الله الشيخ الفضلي رحمة الله عليه : (لم يترك السيد الصدر الدعوة، وانما بالنظر الى حاجة الامّة الى مرجعية قائدة بعد وفاة السيد الحكيم ارتأت الدعوة ترشيحه للمرجعية لما يملك من شخصية قيادية .

هذا عطاءه في العقد الثالث من عمره الشريف الذي افاق عطاءه في العقد الثاني وهو يقر تاثير الأحزاب والحركات الإلحادية الوافدة من الغرب ودورها التخريبي لأذهان الشباب فتبنى نظرية جده السيد عبدالحسين شرف الدين (ره) ( لا ينتشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال ) وكان السبّاق في تأسيس حزب الدعوة الإسلامية، الحزب الذي غير خريطة المنطقة الإسلامية بل العالم بأجمله و حيث بدِأت ثلة مؤمنة صابرة يقودهم الشهيد الصدر ومعه ثلة من العلماء الواعين وبرعايته الشخصية ويحرص عليهم بفكره ونظرياته العبقرية رغم التشويش والاتهامات التي كانت تنهال من هنا وهناك على شخصه الكريم سواء من الحوزة العلمية ومن كبار العلماء او من أعداء الدين من اذناب البعث والأفكار الهدامة الاخرى ما فتئ حتى انظم في صفوفه عدد كبير من الشباب والمثقفين وخاصة طلاب الجامعات والأساتذة والطبقة الواعية من رواد الحوزة العلمية، فتلاقحت أفكار المدرستين، مدرسة الدراسة الأكاديمية في الجامعات ومدرسة الدراسة التقليدية في الحوزات العلمية آنذاك فكانت ثمرتها هذا الجيل الهادر من الأفكار والتوجهات والتي تحولت إلى حركة دؤوبة وقادت الصحوة الاسلامية المعاصرة ولا تزال هذه الصحوة تسير بافكار ومتبنيات ذلك الرجل العظيم ومن تربى بيده ومعه أمثال اية فظل الله وشمس الدين وموسى الصدر والفضلي والصدر الثاني هذا من المرحومين اما من الأحياء فأية الله الحائري والهاشمي والاصفي والناصري اضافة الى تيار من الشباب في حزب الدعوة الاسلامية استمرت الى يومنا هذا .

ان الاحترام الكبير الذي يكنه الشعب المسلم في العراق ودوّل اخرى في المنطقة لهذا الحزب ماهو الا احترام وتقدير لذلك السيد الكريم الشهيد اية الله محمد باقر الصدر .  

 

المحطة الرابعة: رسالة وقيادة

واستنادا على ما جاء فان ابتعاده عن هيكلية الحزب كان ضمن نظام ومنهج باتجاه قيادة الأمة، لان الحزب سيبقى العامل الأساسي لترسيخ المجتمع الاسلامي وتوجيه الحركة السياسية الاسلامية باتجاه بوصلة القيادة الاسلامية، لذا تبنى الشهيد الصدر في عقده الرابع من عمرة مشروع القيادة الاسلامية، وهذا لا يمكن تنفيذه الا من خلال المرجعية الدينية وهذا المعمول في المجتمع الاسلامي بشكل عام واتباع أهل البيت ع بشكل خاص، القيادة العليا متمثلة دائما بالمرجع العظمى، لذا توجه السيد الشهيد رض بوضع آلية جديدة كيف تكون المرجعية العظمى القادرة على قيادة المجتمع والدول الاسلامية، وهل الموجودة في الوسط الشيعي قادرة لمواكبة العصر والتطور الحاصل في آلية القيادة والإدارة، وكان مشروعه القيادي المبدع المرجعية الرشيدة في حياة الأمة، المرجعية التي تأخذ المجتمع الاسلامي في ظرف متلاطم نحو شاطئ الأمان، انطلق الشهيد الصدر وهو يحمل خلافة الانسان على قيادة الأمة فبدأ بتاسيس بذرة شورى المرجعية من خلال اختياره العلماء الواعين الذين يحملون فكره ونهجه من العلماء الذين تحملوا معه اعباء العمل الاسلامي السياسي، وان هذا الشورى الذي يمثل قياداته من علماء وقادة العالم الاسلامي وهم من العراق وإيران ولبنان والكويت والبحرين والسعودية واليمن وباكستان وافغانستان اضافة الى أوربا وأمريكا ومصر وشمال افريقا، وبعد إكمال شورى المرجعية طرح مشروع المرجعية الرشيدة، والهدف منها تنظيم إدارة المرجعية ومكتب المرجع الأعلى ليكون قادرة على متطلبات الحياة وتعقيداتها وان تنطلق أوسع من العبادات والمعاملات لتكون قائد الأمة الاسلامية لبناء دولة إسلامية راسخة لقيادة المجتمعات الاسلامية امام النظم الحديثة في إدارة الدول، وبعد المرجعية الرشيدة تلاه مشروع المرجعية الموضوعية ايمانا منه ان تتغير اُسلوب الاجتهاد والوصول الى القيادة والمرجعية العظمى والية التدريس وإعطاء الشهادات العلمية للعلماء ليشمل كل الكيان العلمائي في إدارة دفة الاجتهاد والتدريس الحوزوي في جسم الشيعة في العالم، كما التفت الشهيد الى نقطة هامة وهى تعرض المرجع للموت فقال عن هذه النقطة : " فلابد من ضمان نسبى لتسلسل المرجعية فى الانسان الصالح المؤمن بأهداف المرجعية الصالحة لئلا ينتكس العمل بانتقال المرجعية الى من لا يؤمن بأهدافها الواعية ولابد أيضاً من تهيئة المجال للمرجع الصالح الجديد، ليبدأ ممارسة مسئولياته من حيث انتهى المرجع العام السابق بدلا من ان يبدأ من الصفر ويتحمل مشاق هذه البداية وما تتطلبه من جهود جانبية، وبهذا يتاح للمرجعية الاحتفاظ بهذه الجهود للأهداف وممارسة ألوان من التخطيط الطويل المدى، ويتم ذلك عن طريق شكل المرجعية الموضوعية اذ فى اطار المرجعية الموضوعية لا يوجد المرجع فقط بل يوجد المرجع (كذات) ويوجد (الموضع) وهو المجلس بما يضم من جهاز يمارس العمل المرجعى الرشيد وشخص المرجع الصالح فى حالة خلو المركز، وللمجلس وللجهاز – بحكم ممارسته للعمل الجماعى ونفوذه وصلاته وثقة الأمة به – القدرة دائماً على اسناد مرشحه وكسب ثقة الأمة،، فرحم الله الإمام الشهيد محمد باقر الصدر المرجعية الدينية الوحيدة التي لم يكّون لنفسها حاشية حوزوية بل حاول أن يقضي على البيوتات التقليدية لأبناء وأحفاد وحواشي المراجع واستبدلها إلى مدارس فقهية وأصولية، وكتب كتبه الأربعة في الأصول التي غيرت المناهج والخطط في الحوزة العلمية، وكما ادخل للحوزة دراسة اللغات الأجنبية والرياضيات المعاصرة وكتابه (الأسس المنطقية للاستقراء )كتاب فلسفي رياضي عظيم هز الفكر الحوزوي التقليدي وأعطى له فكرا خلابا وتنافسا جذابا في النقاش والتجاذب، واليوم تحولت الحوزات العلمية بجهده الكريم إلى مدارس وكليات مرموقة تستقبل الوافدين إليها وبشروط اكثر تعقيدا .

نعم كان فكر الشهيد الصدر خلابة في إيجاد نقلة نوعية في قيادة الأمة من خلال المرجعية الدينية الرشيدة، ولكن لم يتوفق لتطبيق نظريته الاسلامية في قيادة الأمة متهما اياه الخروج عن الأمة كما اتهم جده الحسين ع لتنهال عليه من القريب والبعيد تهما واقاويل وتحول التيار العام ضده وهو أقوى منه، وهذا التيار سواء كان من قبل الأعداء الذين اغتالوه حيّا قبل استشهاده عندما حاصروه فردا وحيدا يعاديها الحوزة العلمية ببعض شخوصها قبل ان يعاديه النظام الصدامي .

 

المحطة الخامسة: مشروع الشهادة والخلافة

قدم الشهيد الصدر في مراحل حياته كما ذكرناه نمطا جديد من الفكر الاسلامي وأسلوبا مبدعا يختلف عما قدمه العلماء الاخرين، وتابع خطى وآثار هذا الاسلوب لحظة بلحظة ايمانا منه ان يأخذ حيّز التنفيذ وهو تطبيق حكم الله على الارض ولكن بأسلوب علمي راق، نعم عندما وصلت نتائج فكره الفذ الى مراحل عليا بالتنفيذ وتزامن هذه النتائج مع تأسيس اول حكومة إسلامية في الارض رفع رايتها اية الله العظمى السيد الخميني ره، تبنى مشروعه الكبير الذي قدم من قبسات حياته من عمره الشريف من اجله وهو تطبيق حكم الله في الارض وقدم نفسه جنديا من جنود الله في خندق العدل الالهي تحت راية اية الله الخميني لتحقيق الهدف المنشود، رغم علمه الشديد تبعات تلك الوقفة المشهودة وأعلن وقوفه مع اية الخميني ره بل وقدم مشروعه الاسلامي وهو مشروع ودستور الحكومة الاسلامية العادلة الى الجمهورية الاسلامية وهو اول مشروع يقدم بأسلوب عصري جديد، نعم انه كان يعلم عندما أعلن تأييده للخميني يكلفه حياته، وأعلن بكل وضوح تصميمه للشهادة (اني صممت على الشهادة) من اجل العدل اللهي المشهود، لذا فان حياته الكريمة في العقد الخامس منه كانت حبلى بالعمل والمفاهيم الاستراتيجية لانها تصب نحو الأمل المنشود هو تأسيس الحكومة الاسلامية .  

ففي هذا العقد من عمره وهو الأخير وقفتان احداهما أعظم من الثاني وكلاهما معا نتائج عمره المديد الأولى مشروع الدولة الإسلامية والثانية مشروع الشهادة والخلافة.

ففي كتبه سلسة (الإسلام يقود الحياة) والحكومة الإسلامية قد أبدع إبداعا لا مثيل له حيث فتح آفاق العالم حول إمكانية قيام الجمهورية الإسلامية والدولة الإسلامية وفق منهاج عصري جديد يوافق عليها الأفكار والتوجهات القانونية السائدة في الحكومات الديمقراطية الغربية والتي توافق عليه المنظمات والمؤسسات الدولية كالأمم المتحدة، ففكرة انتخاب مجلس الخبراء ومجلس الشورى وانتخاب رئيس الجمهورية من بين الشعب والتي تعتبر من لبناة أفكاره الكريمة تعتبر نقلة نوعية في النظم الديمقراطية المعاصرة وكانت لهذه الأفكار التأثير المباشر في تغيير بعض الأفكار الديمقراطية التي كانت سائدة آنذاك .

فعندما أراد أن ينال نتائج مشواره نحو الكمال في الحكومة النموذجية صمم على الشهادة بعدما أسس ووضع أركانها في المحطات الأربعة، ان مشروع الشهادة والخلافة هو مشروع على خطى مشروع جده الحسين (ع) عندما ركزه اللعين بن اللعين بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات من آل الرسول الذلة فتبنى مشروع الشهادة والخلافة اما الحكومة الاسلامية بعز وافتخار وأما الشهادة في سبيل الله واختار الشهادة في سبيل الله لان نهاية عمره الشريف هو الشهادة في سبيل الله.

 

جاسم محمد جعفر البياتي

من القُمْرَة بالعربية إلى الكاميرا باللاتينية .. الفكرة أصل كل إبتكار

mohamad bounil(هو، حيث أن معظمنا سوف يتفق، أنه أعظم فيزيائي في كل العصور) .. إسحاق نيوتن.

في اليوم الرابع من شهر جانفي/ يناير من عام 2009 قامت إدارة تحرير الموقع الإلكتروني الخاص بقناة الأخبار البريطانية الـ - بي بي سي/ BBC- بنشر ملخص عن مادة علمية - مساهمة - تحمل توقيع صاحبها المشرف على هذه الوثيقة والتي لها ميزة خاصة عن شخصية عربية فذة إذ ذاع صيتها في شتى العلوم والتي عاشت منذ ما يقارب عن ألف سنة من وقتنا الحالي وهذا أواخر الألفية الأولى إلى مقربة من منتصف القرن الأول من الألفية ألثانية، بحيث هذه الأخيرة تركت بصمتها بل عفوا بصماتها في العديد من المجالات العلمية، وبدون مجاملة لها أعتبر هذه الكلمات أنها لا تسوي بأي حال من الأحوال بشيء لقيمة وقامة هذا الرجل العظيم الذي كرس حياته في البحث العلمي خدمة ليس فقط للأمة العربية فحسب بل وللإنسانية قاطبة هذا ما أشاد به الكثيرون ممن يقدرون العلم والعلماء، سيتم بعد قليل رفع الستار عن إسم هذه الشخصية العربية العلمية بإمتياز والتي من واجبنا أن نبجلها بإعتراف وتقدير كونها رفعت في العديد من تخصصاتها العلمية من مستوى وقيمة أمة - إقرأ - وأضافت طفرة نوعية إلى باقي العلوم الحديثة المعاصرة وهذا ما يعكس إهتمام الغرب ومنذ عقود خلت وإلى يومنا هذا بـ - العقول العربية - التي يعتبرونها بـالغير "المستغلة" بأتم ما تحمله هذه الكلمة من معاني وحقائق ميدانية وهذا في أوطانها، وحتى لا أطيل عليكم أعزائي القراء وأكون خفيفا عليكم من خلال سرد للموضوع الذي دوما كانت هذه الشخصية تلهمني وتزيدني نخوة وإعتزازا بعروبتي التي ورثتها أبا عن جد وكان من واجبي التطرق إلى شخص هذا العبقري الفذ الذي كانت ولا تزال إنجازاته وشخصه الذي أبهر العالم بعلمه المتقدم عن أقرانه آنذاك بآلاف السنين بحيث أبحاثه العلمية وثقت وأكد صحتها العلم الحديث وهي حاليا لا تزال تدرس في كبريات الجامعات الأمريكية وحتى منها الأوروبية، كما قلت آنفا أن إدراج ورقة مخصصة أو بمعنى آخر - مساهمة - لمثل هذه الشخصية كان لزاما ولا بد منه بغية في ذكر مناقبه وجانبا من جوانب حياة ومسيرة هذا النابغة والعالم الفذ ولو من خلال لمحة موجزة، إذ كان إسمه دوما قريبا إلى فؤادي وفي ذاكرتي العميقة، إلى أن جأت لحظة الإلهام والإلمام بالأفكار وجمعها ثم سردها عبر هذه الورقة، إن عنوان البحث الميداني الذي وثق عبر شريط وثائقي وهذا لمدة الثلاث ساعات من الزمن، إذ أن هذه المادة عبارة عن تغطية ميدانية قامت ببث محتواها قناة الـ - بي بي سي - للأخبار والذي نشر ملخص عنها على الموقع الخاص بالقناة الفضائية الـ -BBC-، كما أن هذه الأخيرة رافقت صاحب البحث البروفسور - جيم الخليلي - عبر كامل المحطات التي قادته لإتمام بحثه الميداني المعنون كما يلي     - العلم والإسلام - بما يقابله باللغة الإنجليزية -Science and Islam- ، ويجدر بنا الإشارة إلى أن عنوان - المساهمة - التي نشرت كما سبق ذكره على الموقع الإلكتروني لقناة الـ بي بي سي للأخبار على النحو التالي - أول عالم حقيقي - بما يقابله باللغة الإنجليزية - The first true scientist- وأهم ما جاء في الورقة العلمية - المساهمة - والتي تطرق من خلالها البروفسور جيم الخليلي -Professor Jim Al-Khalili- من جامعة سري - بالمملكة المتحدة - University of Surrey (UK)، إذ وثق البروفسور جيم الخليلي مصرحا ]إنه أمر لا يصدق أن نكتشف الآن أن علماء الفيزياء اليوم مدينون بسبب العربي الذي عاش ألف سنة من العمر[، كما يجدر بنا التذكير أن مخطوطاته العلمية وكتبه لا تزال تدرس في الجامعات عبر العالم، هذه الأخيرة اتخذوها مرجع يستقون منها رؤيتهم ويؤسسون عليها تجاربهم العلمية عبر ما هو مدون فيها من أبحاث     وعلوم وهذا باستعمالهم لأدوات ومعدات علمية حديثة الصنع والتي تتماشى مع البرامج العلمية الحديثة والمعاصرة.

أعزائي القراء لنا اليوم موعدا مع العالم الذي أنار الدنيا بعلمه وشخصية دونها التاريخ، هو رائد في - علم البصريات - سينزل علينا اليوم ضيفا متميزا، فهل عرفتموه؟

هو أبو علي محمد بن الحسن ابن الهيثم (*) (965 – 1040م)، في البصرة (العراق) كان مولده وبها نشأ وتعلم، ولا يعرف شيء عن نشأته الأولى سوى أنه عاش في فترة مزدهرة، ظهر فيها أساطين العلم في الفلسفة والطب والكيمياء والرياضيات والفلك، فجذبته هذه العلوم فأقبل عليها بهمة لا تعرف الكلل وعزيمة لا يتطرق إليها وهن، فقرأ ما وقع تحت يديه من كتب المتقدمين والمتأخرين، ولم يكتفِ بالاطلاع عليها والقراءة فيها، وإنما عني بتلخيصها ووضع مذكرات ورسائل في موضوعات تلك العلوم وظل مشتغلا بهذه العلوم، وبالتصنيف فيها فترة طويلة حتى ذاعت شهرته، كما يعترف المؤرخون الغربيون بأهمية ابن الهيثم في تطوير علم البصريات، فأرنولد في كتاب " تراث الإسلام"، قال: (إن علم البصريات وصل إلى الأوج بظهور ابن الهيثم)، أما سارطون فقال : (إن ابن الهيثم أعظم عالم ظهر عند المسلمين في علم الطبيعة، بل أعظم علماء الطبيعة في القرون الوسطى، ومن أعظم علماء البصريات القليلين المشهورين في كل زمن، وأنه كان أيضاً فلكياً، ورياضياً، وطبيباً)، أما دائرة المعارف البريطانية، فقد وصفته بأنه رائد علم البصريات بعد بطليموس.

وتوصل ابن الهيثم إلى أن الرؤية تنشأ من انبعاث الأشعة من الجسم إلى العين التي تخترقها الأشعة، فترسم على الشبكية وينتقل الأثر من الشبكية إلى الدماغ بواسطة عصب الرؤية، فتتكون الصورة المرئية للجسم. وبذلك أبطل ابن الهيثم النظرية اليونانية لكل من أقليدس وبطليموس، التي كانت تقول بأن الرؤية تحصل من انبعاث شعاع ضوئي من العين إلى الجسم المرئي. كما بحث في الضوء والألوان والإنعكاسات الضوئية على بعض التجارب في قياس الزوايا المحدثة والإنعكاسية، ويعدّه بعض الباحثين رائد علم الضوء.

 كما وأسهم إبن الهيثم من خلال كتبه في العديد من المجالات العلمية، كالرياضيات، وعلم الفلك وغيرها من علوم الفيزياء والطبيعة، ضف إلى ذلك كله أنه قدّم أول وصف واضح وتحليل صحيح للكاميرا المظلمة والكاميرا ذات الثقب، على الرغم من أن أرسطو وثيون الإسكندري والكندي والفيلسوف الصيني موزي هؤلاء جميعهم سبق لهم وأن وصفوا الآثار المترتبة على مرور ضوء واحد عبر ثقب صغير، إلا أن أيًا منهم لم يذكر أن هذا الضوء سيُظهر على الشاشة صورة كل شيء في الجانب الآخر من تلك البؤرة، كان ابن الهيثم أول من شرح هذه التجربة مع مصباحه، فكان بذلك أول من نجح في مشروع نقل الصورة من الخارج إلى شاشة داخلية كما في الكاميرا المظلمة التي اشتقّ الغرب اسمها من الكلمة العربية ]القُمْرَة[، عن طريق كلمة obscura camera ، والتي تعني " الغرفة المظلمة " (*مصادر مفتوحة).

 في السنوات العشر الأخيرة أقام معهد العالم العربي بـ - باريس - فرنسا معرضا للصور الفوتوغرافية حيث شارك فيه ما يقارب عن العشرون مصورا عربيا جاؤوا ليشاركوا في تظاهرة علمية وفكرية، ثقافية وفنية، إبداعية ذات بعد تاريخي إذ أنها ومن خلالها أحيت أمجاد الماضي الجميل للعالم العربي الفذ الذي له باع طويل فيما أصبح الآن يعرف " بعلم البصريات " وقد دعمت تلك الصور الفوتوغرافية بوثائق ومعلومات تاريخية لها صلة بشخص العالم الحسن إبن الهيثم وتجاربه العلمية، كان هذا الحدث الفني الذي أقيم بالعاصمة الفرنسية باريس بمثابة إلتفاتة " إعتراف وتقدير " لشخصه وقامته إذ توافد على بهو المعرض زوار كثر أتوا من كل فج عميق، وأجمل ما في ذلك التكريم أنه خصص لعالم عربي وأحد أبناء العراق بلد العلوم والثقافة والتراث وملتقى الحضارات..

 

بونيل محمد

فنان مصور فوتوغرافي وكاتب مساهمات فنية وأدبية

حررت بتاريخ/ 30-03-2014

 

ت. اس. اليوت .. الشاعر والناقد الامريكي الأصل 1888-1965

ما أن يذكر اسمه حتى يتبادر الى الأذهان قصيدة "الأرض اليباب"، التي كتبها في العام 1922، والتي أحدثت ثورة عارمة في عالم الشعر الحديث. اشتغل على هاتيكم القصيدة أعواما عدة حتى اكتملت وزهت. قصيدة تعكس ثقافة شاعرنا العميقة والعالية، ضمّن خلالها مفردات من لغات عدة كالاغريقية، اللاتينية، الالمانية، الرومانية، السنسكريتية الهندية، ناهيك عن الاساطير والقصص اليونانية، أو الاشارات الدينية المسيحية. هي بحق معجم لأهوال الحرب العالمية الاولى، وما خلفته من دمار وتشريد، وعالم مخيف مثقل بالمخاوف والذعر. باختصار، هو مجرد عالم بانتظار شارة الخلاص والنهاية، لأجل الأفول الأبدي، لا أكثر.

قض مضجعه ما خلفته هذه الحرب التي أهلكت الحرث والنسل، فسكب كل أوجاعه وآلامه في ابيات شغلت العالم الغربي برمته، وامتدت الى العالم العربي، لتشغل بال النخبة من مدرسي الجامعات، وشعراء الدرجة الاولى ، ممن يتذوقون الشعر الغربي، سواء بلغة الشاعر، أم مترجمة الى لغاتهم. تتألف قصيدة " الأرض اليباب " من خمسة فصول: دفن الموتى، لعبة الشطرنج، موعظة النار، الموت بالماء، وأخيرا فصل ما قاله الرعد. هي بحق خيبة أمل وتبديد رؤى، وسقوط أقنعة وانهيار أحلام ظنها الكثيرون سرمدية، واذ بها يجرفها تيار الاقتتال، ويرمي بها في أتون حرب ضروس. يخيم على القصيدة كذلك غياب اليقين، والوهم والانحطاط الاخلاقي، يعقبه الانهيار النفسي الذي أثر في جيل كامل لمن كتب له أن يشاهد الحدث عيانا لشوارع اوروبا المهدمة والبالية، اثر ما خلفته الحرب العالمية الاولى.

فمن الناحية البنيوية، تعتبر قصيدة " الأرض اليباب " من أصعب، رغم اهميتها القصوى كمرجع ادبي، القصائد في تاريخ الادب الانجليزي، كونها تعتمد على العشرات من الاعمال الادبية التي سبقتها، كأعمال " شيكسبير "، ناهيك عن الحالة النفسية التي تعبر عنها القصيدة، والكم الهائل من مفردات اللغات التي وظفها الشاعر في صلب القصيدة، حتى غدت عضوا متناسقا في كيانها. فالشاعر نفسه يعترف بوجود زخم كبير وكثير من الرموز والايحاءات في قصيدته، ابتداء من عنوانها وانتهاء بموضوعها.

كان انتاج" ت. س. اليوت " قليلا، لكنه كان نوعيا الى حد كبير جدا. فقد كتب مرة الى استاذه " جي. اتش. وودز " في جامعة هارفارد: " سمعتي في لندن مبنية على قليل من الابيات، ويصونها طباعة قصيدتين أو ثلاث في السنة، الشيئ الوحيد المهم أن هذه القصائد ينبغي ان تكون كاملة، بحيث تصبح كل واحدة منها حدثا بحد ذاتها ". كتب عددا من المسرحيات الشعرية والتي غالبا ما كانت ذات طابع كوميدي. من ابرز ما قدم من مسرحيات كان" لم شمل العائلة "، " حفلة كوكتيل "، " الموظف الموثوق "، و " رجل الدولة الكبير ".في عام 1934، مثلت مسرحية بعنوان" الصخرة "، وكان ريعها لصالح الكنائس في ابرشية لندن. وسواء كتب " اليوت " قصائد أم مسرحيات، أم مقالات في النقد، فان المجال هنا لا يفيه حقه البتة، ولا يحيط بما قدمه للعقول الظمأى من أكاديميين، شعراء، أم نقادا.فهو من أحيا الاهتمام بالشعراء الميتافيزيقيين، شعراء ما وراء الطبيعة، وهاجم الحركة الرومانسية المنطلقة بداية القرن السابع عشروشعراءها، خاصة " شيلي".

طالما نشر" اليوت " قصائدة الاولى في دوريات وكتيبات على شكل قصيدة واحدة أحيانا،واكثر من قصيدة، أحيانا أخرى. اطلق على مجموعته الشعرية الاولى اسم"بروفروك"، ثم قام بجمع قصائده الاخرى وتبويبها في مجلد واحد. كتب كتبا مثل: " الجرذ العجوز" اضافة الى اشعار لم ينو نشرها، ولكنها نشرت بعد وفاته.

لربما والدا الشاعر أثرا في صياغة وتكوين شخصيته المعرفية. فوالدته شاعرة، ووالده رساما. ولقد عب من معين الشعر والفلسفة والادب كؤوسا مترعة. فمنذ ميلاده في 1888 في ولاية" ميزوري " في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمل العائلة العريقة.التحق بجامعة " هارفارد" ثم " السوربون " ثم " أكسفورد " في انجلترا، حيث نال الجنسية البريطانية في العام 1927، وبذلك أصبح أحد الرعايا البريطانيين رسميا.امتهن التدريس، وكذلك التحرير في دار للنشر، ليصبح مديرها لاحقا، ثم اسس وحرر مجلة" كريتيريون " . حصل على جائزة نوبل عام 1948. كان رحيله عام 1965.

 

يونس عودة/الاردن

 

وداعا جورج غريب صديقا مناضلا وأديبا

nabe  odaجورج غريب كان إلى جانب نضاله، كاتبا قصصيا مرموقا أصدر مجموعة قصصية حملت عنوان"حكايات من بلدي"

فقدت الناصرة يوم السبت الماضي (04-04-2015) احد المناضلين البارزين في تاريخ الناصرة، الذي أعطى زهرة شبابه في العمل اليومي من اجل الدفاع عن شعبه وتوجيه الشباب العرب نحو الاصطفاف السياسي الوطني في صفوف الشبيبة الشيوعية التي كانت حركة شبابية مؤثرة في المجتمع النصراوي، لها مكانتها كتنظيم سياسي أخذ على عاتقه مهمات التوعية والتثقيف ونشر فكر العدالة الاجتماعية ومقاومة طغيان الحكم العسكري في وقته، والدفاع عن حقوق العمال الشباب خاصة والعمال العرب عامة في مدينة الناصرة، وما زلت اذكر انه نشط لإقامة تنظيم عمالي مهني للدفاع عن حقوق العمال في مشاغل الناصرة.

كان جورج غريب أيضا عازفا على آلة نحاسية في فرقة الجوقة للشبيبة الشيوعية التي عرفت باسم "فرقة الطليعة" ذات التاريخ الفني المجيد، التي للأسف نفتقد اليوم لمثل هذا النشاط الفني السياسي الراقي، لدرجة ان نعي الفقيد من رفاق الأمس يبرز كم هم جاهلون بنشاط جورج غريب ، أيضا يجهلون ان جورج غريب كان من أوائل كتاب القصة القصيرة في الثقافة العربية داخل إسرائيل.

 

مراجعة لمجموعة جورج غريب القصصية "حكايات من بلدي"

بحماس خاص استقبلت مجموعة قصص الكاتب جورج غريب من الناصرة والتي أعطاها اسم "حكايات من بلدي" وقد عشت حيرته في تسمية الكتاب واعتقد انه أعطاه الاسم المناسب. حكاياته (قصصه) تنقل نبضه الشخصي ومعايشته لقضايا شعبه وارتباطه السياسي والاجتماعي مع أهل بلده وقضاياهم عبر ثلاثين عاما وهي المساحة التاريخية التي تفصل بين القصة الأولى والأخيرة، نلاحظ من تواريخ كتابة قصصه فترة صمت طويلة امتدت من سنة 1967 حتى سنة 1989.

نستطيع ان نحدد اننا أمام مرحلتين في إبداع الكاتب، الأولى تمتد من عام 1963 وحتى عام 1967، والثانية من عام 1989 وحتى توقفه عن الكتابة .. وهي الفترة التي اشتعلت فيها انتفاضة الشعب الفلسطيني (شعبنا) المشهورة باسم "انتفاضة الحجارة"، المعروف انه كان لها فعل كفعل الصدمات الكهربائية لإعادة تنشيط عضلة القلب- الإبداع الأدبي في حالتنا.

تعرفت على جورج غريب، النشيط السياسي في صفوف الشبيبة الشيوعية وانا في مطلع شبابي،وقد شدتني قصصه بحسها الإنساني والاجتماعي المرهف، باختياره الواضح معسكر المسحوقين، ثم جمعتنا فيما بعد الزمالة الأدبية والتوافق الفكري حول الكثير من المسائل السياسية والحياتية، وها انا اليوم أقف حائرا ، هل من الصائب أن أقيم عملا أدبيا لزميل عايشت إبداعه بكل ما في الإبداع من ارتعاش وأحاسيس جياشة متدفقة؟!هل استطيع ان أضع نفسي خارج عالم جورج الأدبي والفكري؟ هل استطيع ان اكتب عن قصصه بتجرد من العلاقة الشخصية والصداقة الطويلة بيننا ؟

عايشت الكثير من قصص جورج غريب وشعرت مع إعادة قراءتي لها انها تكاد تكون جزءا مني، خاصة قصص المرحلة الأولى..فانا عشت أيضا انفعالاته التي قادته لإبداعها.

تناقشنا مرات عديدة حول اختياره للجملة المعينة ورسمه للشخصية المعينة واختياره للنهايات، فهل استطيع أن أتجرد من كل ما يربطني بشكل شخصي بإبداعه لأكتب نقدا،وانأ لست بناقد، أو حتى لأكتب استعراضا ثقافيا دون أن أتأثر من معايشتي الأدبية لولادة قصصه؟ أو فقدان مصداقيتي الثقافية بسبب صداقتي الطويلة معه، خاصة واني كنت المشجع الوحيد له ليطبع مجموعته القصصية ؟ شعورا كان وما زال ان قصص جورج قريبة مني بكل ما يحيطها من أفكار وسرد وأحاسيس.

رغم ذلك لا بد من كلمة حق، جورج كان يعرف كيف يتغلغل لأعماق النفس البشرية بحسه الإنساني، محاولا ان يكشف أعظم ما في الإنسان من أفكار ومشاعر ومواقف، احيانا كثيرة تبدو قصصه تاريخا بلغة الأدب، أبطاله وبطلاته التقيناهم ونلقاهم في أحياء الناصرة وأسواقها وشوارعها، أوضح نموذجا على ذلك شخصية سعدية، برأيي ان جورج أبدع وخلد إحدى الشخصيات المسحوقة بقصة مليئة بالحس الإنساني والفهم العميق للواقع الاجتماعي المشوه الذي أفرز مثل هذه الشخصية وغيرها، في قصة أخرى بعنوان "خيانة زوجية" يقدم نموذجا عشناه لتصرفات السلطة ولتصميم شعبنا على تلقين زلمها درسا.

اعتقد ان القسم الأول (المرحلة الأولى) من قصص جورج غريب أجمل ببنائها الدرامي وعفويتها من القسم الثاني، قد يكون صمت جورج الطويل ، الممتد من عام 1967( عام نكسة العرب ، ترى ما دورها بانتكاس الكاتب عن الإبداع؟)وحتى بشائر الانتفاضة في عام 1989 سببا في ذلك.

التوقف الطويل يضعف قدرات الكاتب وفنيته، يحد كثيرا من عفويته الأدبية، وهي أزمة واجهها عدة كتاب كنت للأسف أحدهم ولكنه موضوع آخر.

قصص جورج عن الانتفاضة رغم جهده لتحديد هويته الفكرية، وجهده لمحاولة رؤية ضميرية، وتفاؤله الواضح من انتصار قضية الشعب الفلسطيني، كانت اضعف فنيا من قصص المرحلة الأولى، بقيت تدور في إطار الكتابة الحماسية عن الانتفاضة، وهو مميز للأكثرية الساحقة من قصص الانتفاضة لمعظم الكتاب. أقول ذلك رغم انه ينجح في مقاطع كثيرة بتقديم لوحات جميلة فنيا، محاولا كعادته الكشف عن عمق إنسانية المنتفضين.

لم ينشر جورج في مجموعته كل أعماله القصصية، بل ذهب إلى الاختيار، وأنا أريد ان افهم من ذلك انها إشارة بأنه يفكر بإصدار مجموعة أخرى (لكنه لم يفعل) . حقا انه مكسب هام لأدبنا المحلي ان يطلق جورج سراح قصصه، فهو كاتب يمثل مرحلة هامة من مراحل تأسيس قصتنا المحلية القصيرة. كان من أوائل الكتاب الذين تعاملوا مع القصة القصيرة بصفتها لونا قائما بذاته، عمل على تطوير فنية القصة القصيرة، من الأسلوب الشبيه بالريبورتاج الذي ميز الكثير من السابقين ، إلى بدايات هامة في تطور القصة القصيرة الفنية، وهي من العلامات المميزة لهذه المجموعة القصصية ، والمؤسف انه تأخر كثيرا في إصدارها.

آلمني جدا نسيان الناقد د. حبيب بولس في كتابه "انطولوجيا القصة المحلية القصيرة" لأسم جورج غريب وقد وعدني بإصلاح ذلك في الطبعة الثانية التي لم تصدر وفارقنا الناقد بولس قبل سنوات وهو في قمة عطائه. نفس الأمر ينسحب على كتاب "تراجم وآثار" تأليف د. محمود عباسي وشموئيل موريه، كذلك كتاب "أعلام من أرض السلام" لعرفان أبو احمد، بينما شملت الكتب الثلاثة من هم ما دون إبداع جورج غريب في الكم والكيف.

بالتلخيص: نحن أمام مجموعة قصص غير عادية في ثقافتنا المحلية، تحمل نكهة فنية خاصة، تحمل معاني خاصة كثيرة أدبيا، سياسيا وتاريخيا هي جزء من التاريخ الأدبي والفني لقصتنا المحلية القصيرة، جورج بإطلاق سراح حكاياته، بعد اسر طويل يقدم خدمة لقصتنا المحلية ولأدبنا المحلي ولحركتنا الثقافية، أمل ان يكون إصدار هذه المجموع محركا ودافعا للكاتب جورج غريب على تجديد نشاطه الإبداعي ، لعلها فاتحة بعودة عدد لا بأس به من فرسان القصة القصيرة، الصامتين منذ فترة طويلة للنشاط مجددا.

         

يعقوب زيادين .. وداعا أيها الشيوعي المعتق

shaker faredhasanفارق الحياة المناضل الشيوعي الأردني المخضرم المعتق الدكتور يعقوب زيادين، بعد حياة واسعة زاخرة بالنشاط السياسي والحزبي، وبالكفاح والعطاء والتضحية والدفاع عن مصالح وحقوق الجياع والمسحوقين والكادحين . وبوفاته تخسر الحركة الوطنية والشيوعية واليسارية الأردنية احد مناضليها الأفذاذ الأشاوس، واحد أعلام النضال والعمل السياسي والنقابي، واحد أبرز قادة الفكر الماركسي في الأردن وفلسطين والمنطقة العربية .

يعقوب زيادين سنديانة حمراء وارفة الظلال، وشخصية وطنية وشيوعية مكافحة ومقاتلة بارزة، ومناضل وطني وأممي كبير وعريق، وإنسان صاحب وجدان وضمير صافٍ، ومواقف وطنية جذرية صلبة وراسخة، وتضحيات جسيمة، تجسدت فيه الروح النضالية الوثابة، وعرف بالجسارة والاستقامة والنظافة والمبدئية والنزاهة والصلابة والنقاء الثوري والعناد والشموخ والتمسك الشديد بالكرامة الشخصية والوطنية والإنسانية، ولذلك كسب ثقة ومحبة الناس والجماهير ورفاق الدرب، وحتى ممن كانوا على خلاف معه في أرائه ومعتقداته وأفكاره .

ولد زيادين في الكرك العام 1922، نشأ وترعرع في الكرك وسط البادية، التي تركت أثراً واضحاً على حياته وفكره ونفسيته . عاش حياة بسيطة ومتواضعة، حياة كفاف، وعمل في الفلاحة ورعي الأغنام لمساعدة الأهل .

نهل من ينابيع الفكر الماركسي والمعارف الفلسفية العلمية الجدلية والثقافة الإنسانية الجمالية التقدمية، وآمن بالنظرية الماركسية، وتسلح بفكر الفقراء والعمال والطبقات الشعبية الكادحة، وظل وفياً لمبادئه وقناعاته الفكرية والسياسية، قابضاً على جمرها، رغم الهزات العنيفة التي أصابت الحركة الشيوعية العالمية .

انضم زيادين للحزب الشيوعي السوري اللبناني أثناء دراسته الطب في سوريا، ثم أًصبح مؤسساً في الحزب الشيوعي الأردني الذي انبثق وتأسس في الحياة السياسية والحزبية الأردنية في بدايات الخمسينيات . وفي العام 1970 اختير ليكون عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأردني، وفي العام 1977 أصبح أمينه العام حتى العام 1997.

تعرض زيادين كثيراً للاعتقال السياسي والتعذيب الجسدي والنفسي، وقضى اثنا عشر عاماً خلف القضبان في سجون وزنازين النظام بتهمة الانتماء للحركة الشيوعية، لكن ذلك لم يفت من عضده، ولم ينل من عزيمته القوية وإرادته الثورية العنيدة وإيمانه الراسخ، وبقي متمسكاً بالمبدأ والفكر والعقيدة، مغلباً القضايا الوطنية والطبقية الكبيرة لشعبه على رغباته ومصالحه الذاتية والشخصية . وقد أمضى عمره وحياته، إلى جانب عمله في الطب، في النضال والكفاح الشرس ضد الفقر والظلم والاضطهاد والاستغلال والعدوان والاحتلال والاستعمار، ولأجل تحرير وخلاص الإنسان من كل صنوف وألوان الاستعباد، وفي سبيل الحرية والتقدم والسلام والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية .

ولزيادين مجموعة من المقالات التحليلية والكتابات السياسية والفكرية والتاريخية من عباب الذاكرة، وبعض المؤلفات والكتب، منها " البدايات، ليست النهائيات، شاهد على العصر، لو عادت بي الأيام ".

يعقوب زيادين مثقف ثوري ومناضل جسور، تمتع بشخصية إنسانية من الدرجة الأولى، وبرؤية واضحة، وارتبط بقضايا شعبه الوطنية والطبقية وذاد عنها، وسيبقى مثالاً للعطاء والنضال والمثابرة والتضحية والجسارة والالتزام الفكري العقائدي، لأجل مجتمعه وشعبه ومستقبل الطبقة العاملة الكادحة، التي ستبني بدمائها وعرقها وقبضتها، مجتمع العدالة والمساواة والتعايش السلمي والديمقراطية .

رحل يعقوب زيادين ولكن إرثه النضالي والسياسي والفكري باقٍ لنا نحن معشر الناس الثوريين الحالمين والمقاتلين من اجل تحقيق الأهداف النبيلة السامية التي نؤمن فيها ونناضل ونستشهد في سبيلها، وإننا نستلهم من التزامه الثوري بقضايا شعبه نموذجاً لنا وذخراً للعد والمستقبل الجميل الزاهي الآتي لا محالة .

فوداعاً يعقوب زيادين، أيها الشيوعي العنيد، والمفكر الأصيل العميق، والقائد الشجاع، وسيظل اسمك محفوراً في سجل الخالدين، فأمثالك لا يموتون .

  

الأخلاقي المفسّر محمود البستاني

abduljabar alrifaiمحمود البستاني؛ مفسر، أديب، شاعر، ناقد، ناسك، زاهد، متهجد، ورع، مدمن قيام الليل وصيام النهار. تعرفت عليه في مرحلة مبكرة من حياتي عبر كتاباته في دوريات "النجف" و"الكلمة".. وغيرهما. وتوثقت علاقتي به في حوزة قم، وتواصلت صداقتنا أكثر من ربع قرن. كنت أحرص على حضور مجلسه الأسبوعي ليلة الثلاثاء في بيته. وهو مجلس يقتصر حضورُه على عدد محدود من أصدقائه. عادة ما يفتتحه هو رحمه الله بعرض نصوص روايات أخلاقية؛ من أحاديث النبي "ص" وأهل بيته "ع"، تفوح بعبق مواعظ ووصايا تربوية ومؤشرات معنوية. يطلب من الحضور شرح مضمونها. لكنه كان لا يتفاعل أحياناً مع وجهة نظري، عندما يشير النص الى ظاهرة اجتماعية، أو سلوك فردي، وأحاول أن أبحث عن تفسير وتحليل لذلك، من منظور ينهل من؛ علم النفس والتربية والاجتماع والعلوم الانسانية الحديثة. إلاّ أن ذلك لم يفتّ أخوتنا، أو يُصدّع حميمية صداقتنا.

غالبا ما كنت أجده صائماً، حين أزوره أو يزورني نهاراً، فأدعوه الى الافطار، ونحتفل معه في منزلنا وقت الافطار بمناخات روحية عبقة. تلوّنها صلواته وأدعيته واشراق وجهه أثناء تسبيحاته وأوراده وأذكاره. خاصة أن زوجتي "أم محمد" - لحظة تعدّ له الافطار – تكللها البهجة والانشراح، وهي تتلمس البركات، وتشعر بالسكينة والطمأنينة، ويملأ السلامُ روحَها، كما حدثتني هي بذلك أكثر من مرة. وكلما غاب عن بيتنا فترة، هي من كان يستحثني على الدوام على تكرار دعواته للإفطار. كل عائلتنا - أنا وهي والأبناء - تتهلل وجوهنا بالبشر، حين يحلّ علينا ضيفاً. نشعر بالغبطة لوجوده في منزلنا، وكأن أرواحنا تتطهر بطهارته، وأنفسنا تتزكى بتزكيته، فهو بالرغم من صمته، إلاّ ان عبادته وأذكاره، وما يبعثه من مناخات معنوية عذبة، كل ذلك يسقي حياتنا الروحية، ويكرس إيماننا، ويثري ذواتنا بمزيد من التدفق والإشراق المعنوي.  

البستاني بسيط كالهواء، طري كالماء، دافئ، عفوي، جذاب. ومع أنه كان معلماً أخلاقياً، وقدوة تربوية في الحياة الروحية، لكنه لم يتهكم أو يزدري من لا يتطابق مع رؤيته وطريقة تفكيره. كان يدرك أنه ليس بالضرورة أن يتعطل عقلنا في حضرة معلم الأخلاق، أو يتوقف تفكيرنا في مقام ملهم الروح، ذلك أن مسارات القلب والروح غير مسالك العقل ودروبه. إن هذا الخلط بين المسالك والمسارات المختلفة أفضى بالمتصوفة الى تعطيل عقولهم، وجمود تفكيرهم، والركون الى مشايخهم في كل شأن دنيوي، بل اتخذ بعضهم من شيوخ الطرق الصوفية أوثاناً.

كان البستاني زاهداً بالمال، وبكل متاع الدنيا الذي يهرول اليه معظم الناس، ولم يحرص على طلب الجاه والألقاب؛ مع انه ولد وعاش في بيئة غارقة بالعناوين والألقاب.لم يكن متصوفاً؛ بمعنى تصوف الدراويش الطرقي، ولا التصوف المعرفي الفلسفي، ولم يعبأ بالعرفان النظري.

وبالرغم من أن محمود كان مسكوناً بالتفسيرات الغيبية، لكني كنت أختلف معه في أسلوب فهمه، ومنهج تحليله في القضايا العلمية والمعرفية المختلفة، ومعظم ما يتصل بالعقل، وعادة لا نتفق إلاّ فيما يتصل بالروح والقلب والأخلاق. ولم يكن يتبرم من مناقشاتي، بل كان يهتم بما تثيره أسئلتي، وأحياناً يؤشر بدفء وهدوء لاهتمامي بمناقشة كل صديق تصوّب تواتر مناظراته تفكيري، ولا تتطابق رؤاه مع أفكاري. وحين أناقشه في الكثير مما يدلي به؛ لا يتعصب، أو يضجر، أو ينفعل، أو يحتكر الكلام، أو يضع نفسه في مقام الأستاذ والمعلم، أو يفرض رأيه على المتلقي. ظلّ على الدوام مهذباً؛ يتقن فن الإصغاء، يحتفي بمن يتحدث معه، يلتزم آداب العالِم والمتعلم، وأخلاقيات أهل العلم في المناظرة. صمته أكثر من كلامه، إشارته تسبق عبارته، يتجنب كل كلمة أو عبارة حادة أو خشنة في حديثه. لم أسمع من كلماته أو أرى من إشاراته ما يشي بعنف رمزي مضمر. طالما خضنا نقاشات في الظواهر الطبيعية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والصحية، والمناخية، والجغرافية، والتاريخية المختلفة.. وغيرها، التي يعللها هو؛ بما هو ميتافيزيقي، وما هو خارج العالم الطبيعي المحسوس، ويشدّد على اختزال كل ذلك ونسبته الى الغيب، والى الله تعالى مباشرة. ورغم ايماني، وعدم تنكري لعالم الغيب. إلاّ أني أسعى دائماً؛ لاستكشاف وتشريح أسباب تلك الظواهر وعللها وبواعثها، وظروفها، وعناصرها ومكوناتها، وبنيتها العميقة، وكل ما هو طبيعي من الأسباب.

704-rifae

من اليمين: أحمد الكناني، عبدالجبار الرفاعي، محمود البستاني، عبدالأمير المؤمن، في مشهد، عام 1989

البستاني كائن ميتافيزيقي، يعانق الملكوت في بصيرته. يخشع حينما يتحدث عن ملهم تجربته الروحية الحاج عبدالزهرة الكرعاوي، وسطوته العميقة على مريديه، وبراعته في التسامي بأرواحهم الى قمة مدارج السالكين.

رأيت عبدالزهرة الكرعاوي للمرة الأولى سنة 1978 عندما كنت طالبا في الحوزة العلمية في النجف، في دكانه الملاصق للصحن الشريف للامام علي بنأبي طالب "ع"، من جهة جامع الطوسي، وعادة ما كنت أشاهد السيد الشهيد محمد الصدر، والشيخ الشهيد غالي الأسدي، وغيرهما، يجلسون على دكة حانوته. أثار ذلك انتباهي؛ فسألت الشيخ غالي الأسدي: ماذا تفعل أنت والسيد محمد الصدر عند هذا الرجل، الذي يبيع الترب والسبح، وكراسات الزيارات والأدعية والأذكار؟ فقال: إنه شيخنا وأستاذنا، ومنبع إلهام أرواحنا، يهبنا ما نفتقر اليه في دراستنا وتدريسنا للفقه والأصول والمعارف الإسلامية، إنه يمتلك خبرات روحية، وتجارب دينية، ومعارف سلوكية هامة، تلقّاها من خبراء في هذا المجال، وتنامت بمرور الزمن، عبر التذوق المكاشفات والارتياض والأذكار والتنسك والوجد.

محمود البستاني لا يكفّ عن ذكر شيخه وملهمه الروحي، كان متيما بالحاج عبدالزهرة، يصرّ على أنه تلقى منه ما لم يحصل عليه من الدراسة الجامعية والمطالعة. ولفرط انغماره بالارتياض الروحي، وذوبانه في العبادات والطقوس، تجاهل بالتدريج ماضيه الأدبي، كشاعر مطبوع، وأديب محترف، وناقد أدبي، واسم متميز في الحداثة الأدبية الستينية في العراق، الى الحد الذي كان لا يحبذ قراءة الشعر، أو استعادة أي شئ يشير الى ذاكرته الشعرية، أو الاهتمام بما أبدعه في الشعر، بل تناسى ما نشره وكتبه من قصائد. لكن استمر تأثير موهبته الأدبية ومطالعاته لنصوص الحداثة في كتاباته. ومع ذلك سمعت منه مرات عدة كيف نشأت وتشكلت صداقاته مع جيله من الأدباء الستينيين في النجف، من دون أن يعطله إيمانه، أو يعزله تدينه عن بناء شبكة علاقات مع رموز الحداثة الشعرية المعروفين، مثل: عبدالأمير الحصيري، موسى كريدي، عبدالأمير معلّه، حميد المطبعي.. وغيرهم. ولم يُهمل ذكر بعض المواقف والحوادث الجميلة، عن؛ علاقاته الثقافية، وماضيه الأدبي، وبدايات تكوينه، ونمط مطالعاته المبكرة. قال لي: في السنوات الأولى لإصدار د. سهيل ادريس مجلة الآداب ببيروت، كان لا يصل الى النجف إلاّ نسختان أو ثلاث منها، ولأني أعمل مع المرحوم والدي في السوق، أستطيع شراء واحدة منها، وبعد مطالعتي لها يستعيرها بالتناوب كل مرة؛ الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد محمد حسين فضل الله.

بصمة بيانه المكثف تطبع الحقول كافة التي كتب فيها ، ففي تفسيره وغيره ترتسم النصوص بلغة غنية، غزيرة، مضيئة، حين تقرؤها كأنك تلتقي بأطياف قصيدة نثر، أو شذرات المتصوفة الكبار، كالنفري، والحلاج، وابن عربي.

حتى آخر حياته؛كان لا يزهد بمطالعة النصوص الإبداعية الأدبية، والإنتاج الفكري الجديد، فقد كان يستعير مني ما يجده من مطبوعات ودوريات جديدة، ويطالعها عاجلا. مع انه ابتعد كثيراً عن الشعر والأدب في الربع الأخير من حياته، وكان لا يستسيغ استماع الشعر أو إنشاده.لم يتوقف محمود البستاني عند اتخاذ قرار بطلاق الشعر، بل انه تبنى موقفاً مناهضاً للشعر.

نحن بحاجة الى استئناف النظر في تفسير البستاني "عمارة السورة القرآنية" دراسة وتدريساً؛ ذلك أنه يمثل محاولة متميزة في دراسة بنية ومنطق وشخصية السورة القرآنية، واكتشاف نسيج العناصر والمفاهيم والمقولات الخاصة المكونة لعمارة كل سورة. يجترح محمود تسمية "عمارة" لتفسيره، وكأنه يحاكي "عمارة المباني الجميلة"، بكل ما تشي به من جمال، وافتتان، ودهشة، وجلال، ولمسات فنية، وإيقاع متناغم مع البيئة. إنه يرى الآيات والسور مثلما يشاهد اللوحات الفنية المبهجة للفنانين البارعين.

التجربة الأولى التي دشنها محمود البستاني في هذا النمط من التفسير، تمثلت في نشره كتابه"في التعبير القرآني" سنة 1980، وضمّنه نموذجا تطبيقيا للتفسير البياني2 أو كما يصطلح عليه هو" التفسير البنائي أو العضوي"، ثم واصل تطبيق منهج التفسير البنائي على القرآن الكريم في تفسيره" عمارة السورة القرآنية"، كما استخلص رؤى أولية للأصول النظرية لهذا التفسير، والتي تمثل القسم الأول من كتابه " المنهج البنائي في التفسير".

اقترحت على المرحوم البستاني أن أعدّ له كتاباً، يشتمل على بعض نصوصه السابقة، مع حوار أجريته معه ونشرته في مجلة قضايا اسلامية معاصرة. وأسميت الكتاب: "المنهج البنائي في التفسير"، فوافق هو على العنوان. وكتبت له مقدمة تناولت فيها ملامح هذا المنهج ونشأته وتطوره، وجهود البستاني في إغنائه وتوظيفه في دراساته القرآنية، ثم في تفسيره الموسوم بـ: "عمارة السورة القرآنية".

حرص دكتور محمود على أن يجسد لنا ملامح منهجه في التفسير في رحلة تواكب السور القرآنية من أكبرها الى واحدة من السور الصغرى، موضحا أن الحافز الذي دفعه الى تناول النص القرآني في ضوء بنائه الهندسي أو العماري أو البنائي، يتلخص في أن القرآن الكريم مادام قد انتظم في سور خاصة فلابد من أسرار خاصة تكمن وراء ذلك، والاّ كان من الممكن أن ينتظم بصيغة أخرى، وهذا يعني أن السرّ لا ينحصر في مجرد تيسير عملية القراءة، بقدر ما يتجاوزها الى أسرار أخرى يكتشفها من يتدبر السور. ويدلّ على هذه الحقيقة ماكان يفعله النبي "ص"، حين كان يأمر كتّاب الوحي بأن يضعوا هذه الآية أو تلك في موقع معين من السورة.

اذن هناك وحدة في السورة تتجلى في موضوع أو موضوعات، ذات نسيج عضوي مترابط، على وفق تخطيط هندسي، بحيث اذا نقلنا بعض الآيات أو المقاطع ووضعناها في محل آخر، أو حذفنا أو قدّمنا أو أخّرنا بعضا منها عن الآخر، فسيحدث خلل في الموضوع، وتشوّه في الفكرة، التي تشي بها الآيات الكريمة، على وفق نظمها في السورة، أي إن النص القرآني هو وحدة موضوعية أو فكرية، تتضمن أجزاء متناسقة فيما بينها، بحيث تصب هذه الأجزاء في تلك الوحدة.

من هنا لا ينبغي النظر الى كل جزء منفصلا عن علاقته بالأجزاء الأُخر، وعلاقة الأجزاء جميعا بوحدة الفكرة والموضوع؛ لأن النظر الى كل جزء منفصلا عن الآخر يجعله فاقدا لوحدته الموضوعية.

رحل محمود الروح والقلب والسيرة، الذي كان معلماً للأخلاق بصمته، وملهماً للروح بوصاله مع الحق، وزاهداً في كل ما يتهافت عليه الكثير من الناس، وبعض من يزعمون انهم موقعون نيابة عن رب العالمين. ولم يسقط في ما سقط فيه غيره من معارك رخيصة على متاع رخيص، ولم يفتش عن مصفقين يمنحونه ألقاباً كاذبة، أو مهرجين يُقلدونه أوسمة زائفة، مثلما يفعل سواه في ديارنا.

ما أشد حاجتنا اليوم الى شخصيات روحية أخلاقية؛ تُكرّس تجربتها الروحية وجودنا، ويثري دعاؤها كينونتنا، ونتسامى معها الى حب الله والانسان والعالم، في مجتمعاتنا التي تختنق بدخان الحرائق، وتضج بصخب الدم المسفوح.

لا أعرف ما السرّ في رحيل أولئك الناس الذين يمنحون الناس السلام، فيما يلبث بيننا من يعبثون بحياتنا، ويملؤون عالمنا ضجيجاً وصخباً، ولا يكفّون عن الادعاء والتعالُم!

رحم الله صديقي الروحاني الأخلاقي المهذب محمود البستاني، الذي تعلمت منه شيئاً من؛ حكمة الصمت وصمت الحكمة، والهدوء والسكينة والطمأنينة، والثقة بالله، والاستغناء بالله عن كل ما سواه، والزهد بمتاع الدنيا وبريق بروتوكولاتها ومزاعمها الزائفة، وعدم الحسرة على ما فاتني، والكف عن اللهاث وراء ثرثرة المتملقين المداحين، والابتعاد عن النزاع المزمن على الألقاب والعناوين.

 

..........................

1- كتبت هذا المقال تخليداً للذكرى الخامسة لرحيل صديقي المرحوم الدكتور محمود البستاني إلى الملكوت الأعلى.

ولد محمود البستاني في النجف 1937، وتوفي في مدينة قم يوم الإثنين 9/ربيع الثاني/1432هـ الموافق 15/آذار/2011 م، ودفن في النجف.

2-   ظهر هذا النوع من التفسير في العصر الحديث في الآثار القرآنية للشيخ محمد عبدالله درّاز، والشيخ أمين الخولي وتلامذته في "مدرسة الأمناء". واصطلحت عليه د. بنت الشاطئ "التفسير البياني للقرآن الكريم". الذي صدر عن دار المعارف في القاهرة بجزئين.

لست شيوعيا ولكن!

kifah mahmoodبعد سنوات من انتصار ثورة أكتوبر في روسيا بدأت أولى بواكير المدرسة الوطنية العراقية بالتبلور في بلاد مابين النهرين وعلى ضفاف دجلة والفرات، حيث دخلت الأفكار الماركسية في العقد الثاني من القرن العشرين، وذلك بظهور عدد من المثقفين الذين تأثروا بتلك الأفكار، وجلبوا عددا من الكتب الماركسية من البلدان المجاورة، وانكبوا على دراستها وتداولها بين عدد محدود من الأشخاص في بادئ الأمر خوفا من اكتشاف أمرهم، وبعيدا عن الإيغال في التاريخ فقد انعقد في الحادي والثلاثين من آذار 1934م اجتماع تأسيسي في العاصمة بغداد حضره شيوعيون من مختلف إنحاء العراق، وأعلنوا توحيد منظماتهم في تنظيم مركزي واحد باسم (لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار) وتم انتخاب أول لجنة مركزية للحزب الذي تغير اسمه فيما بعد إلى الحزب الشيوعي العراقي حيث اتخذت اللجنة المركزية قراراً بإعلان اسم الحزب الشيوعي العراقي بدلاً من الاسم السابق في عام 1935م.

أردت بهذه المقدمة المختزلة أن ادخل في رحاب تاريخ واحدة من أقدم واعرق مدارس الوطنية إن لم تكن الأولى في بلورة الفكر الوطني والمشاعر النبيلة بين مكونات بلدان الشرق الأوسط وخاصة العراق منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا، والخطوات الأولى في مفاهيم الوطنية والنضال والتحرر الوطني والطبقي، مدرسة تتبنى فكرا يقدم الإنسان كقيمة عليا لا فرق بينه وبين الآخر لأي سبب في الجنس أو الدين أو اللغة أو القومية.

لقد عرفت هذا الحزب في شخص عمي عبدا لله كريم الذي اعتقل فجر العاشر من شباط 1963 م على أيدي البعثيين، الذين اقتحموا البيت مع ساعات الفجر الأولى دونما إذن مسبق أو حتى تنبيه على الباب، مستخدمين اساليبا أقل ما يقال عنها بأنها ليست آدمية في اقتحامهم للبيت والعبث في حاجياته وأثاثه دونما خجل أو حياء من نساء وأطفال يغطون في نومهم العميق في ساعات الفجر الأولى، لقد اعتقلوه وهو معلم وفنان تشكيلي وإنسان أرق من النسيم وأكثر شفافية من خيوط الفجر في تلك الساعة السوداء، ذلك الإنسان الإنسان والفنان والكاتب والمعلم الكبير في مدرسته ومجتمعه، واقتادوه بكل وحشية وحينما سألته زوجته وسط بكاء الأطفال وعويلهم، من هؤلاء ضحك وقال إنهم أحفاد شرطة الجسر(!) وكان يقصد شرطة نوري السعيد التي فتحت النار على المتظاهرين إبان انتفاضة الجسر في أواسط الأربعينات من القرن الماضي حيث كان طالبا في دار المعلمين التي عرفت حينذاك بـ (الريفية).

في هذه اللحظة عرفت من يكون الإنسان الشيوعي ولماذا يعتقل ويغتال وتقتحم داره، وتدمر مكتبته وتصادر أو تحرق كتبه وكتاباته، فقد دمروا كل شيء في البيت يومئ إلى الثقافة والكتب واللوحات وعبثوا بكل محتوياته بما في ذلك تلك الحديقة الصغيرة.

لم يوصف الشيوعي بالكفر إلا بعدما تسلط حزب البعث على السلطة في مطلع ستينيات القرن الماضي في محاولة فاشية لإسقاطه اجتماعيا كون معظم المجتمعات العراقية محافظة عقائديا، بل واستخدم أسلوبا دعائيا رخيصا لتوصيف أعضاء وكوادر هذا الحزب التي كانت تنتمي أصلا لأسر محافظة جدا، ورغم كل ما كانت تفعله ماكينة دعاية البعث ومن ماثله من تنظيمات قومية عنصرية أو دينية متطرفة بقي هذا الشيوعي نموذجا تربويا رفيعا وشخصية اجتماعية نبيلة في سلوكها وايجابيتها يذكرها جيلنا وهو يتذكر تلك الشخصيات النادرة في أخلاقها وعطائها وإنسانيتها، فكم منا لم يدرسه معلم شيوعي أو مدرس شيوعي في الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية ونقشت سماته الرفيعة في ذاكرتنا؟

هذا الشيوعي المتهم بالكفر علمنا ونحن صغارا لم نتجاوز السابعة من العمر أول مبادئ حب الوطن والشعب والمدرسة والعلم واحترام الكبير ورعاية الأصغر، علمنا إن نحب العربي والكوردي والتركماني والكلداني والسرياني والاشوري والمسلم والايزيدي والمسيحي وعدم التفرقة بين البشر لأي سبب كان، فكلهم أخوة في الإنسانية بصرف النظر عن اللغة والدين والجنس والعرق، كان يقول إن المرأة إنسانة عظيمة علينا احترامها وتقديرها، أماً كانت أم بنتا أو أختا، ولا يجوز إهانتها أو الاعتداء على كرامتها الإنسانية، علمنا إن للبشر حق تقرير مصيرهم واستخدام لغتهم وثقافتهم وان للفقراء حقوق مثل كل البشر وعلينا أن نعمل من اجل سعادتهم، أبعدنا عن الخرافات وأعمال الشعوذة وشق لنا طريقا في فضاء الثقافة الرصينة وتحليل الظواهر قبل قبولها والسؤال المستمر للوصول إلى الحقيقة دونما الاستكانة أو الرضوخ لموروثات في الفكر أو العلم أو العادات والتقاليد مع إمكانية تطويرها بما يتناغم والعصر الحديث.

لقد تعرض هذا الحزب إلى أقسى أنواع الحروب وأكثرها همجية على أيدي معظم أنظمة الحكم في العراق وغيره من بلدان الشرق الأوسط والعالم المتخلف لكنه دفع إلى مسرح الوطنية ارفع شخصياته ومفكريه وأصبح نموذج الإنسان الحر، بل انه كان مدرسة الوطنية الأولى في معظم دول العالم التي انتشر فيها، وتخرج منها فكرا أو ثقافة أو سلوكا كبار شخصيات تلك الدول ومفكريها ومثقفيها، فتحية إجلال وإكبار في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، الحزب الذي أصبح تراثه مدرسة ونضاله نموذجا للتحدي والصمود وأعضاءه مثالا للخلق الرفيع والانتماء الراقي والوطنية الحقة.

صحيح إننا لم نكن شيوعيون ونختلف معهم هنا وهناك لكنهم حقا مدرسة للوطنية الراقية، تعلمنا منها الكثير وتتلمذنا في فصولها على ثقافة العدالة الاجتماعية وإنصاف المضطهدين والدفاع عنهم وعن حق تقرير مصيرهم، حقا ترفع لهم اليوم في ذكرى تأسيس المدرسة الوطنية العراقية كل القبعات.

 

 

الطيب صالح 1929-2009

هو وعنوان روايته "موسم الهجرة الى الشمال" صنوان؛ فما أن يذكر أحدهما، حتى ينبري الاخر مقدما نفسه للجمهور، وبقوة.فهذه الرواية، قد اعتبرت من أفضل مائة رواية في العالم، وكانت قد نشرت لاول مرة في نهاية الستينات من القرن المنصرم.

اصدر الطيب صالح عدة روايات اخرى لا تقل روعة وأهمية عن رواية " موسم الهجرة الى الشمال ". فعلى سبيل السرد لا الحصر، فروايته" عرس الزين " قد نالت شهرة قوية كمنتج أدبي راق، ما لبثت ان حولت الى فيلم سينمائي في اواخر السبعينات، وفاز في مهرجان كان الدولي. فاض قلم الطيب صالح بقصص قصيرة، دار الكثير منها حول القضايا السياسية، والاستعمار البريطاني، اضافة الى الهم العربي. كما كان كاتبا منتظما لعمود يومي، ولمدة عشر سنين متتالية، في صحيفة عربية تصدر في بريطانيا، اضافة لعمله الرسمي كمدير لقسم الدراما في هيئة الاذاعة البريطانية ال ( بي بي سي ) في لندن.

تعد رواية " موسم الهجرة الى الشمال" بمثابة وثيقة قيمة تناولت لقاء الثقافات وتصادم الحضارات ما بين القطبين،الشرقي والغربي للعالم. فهي تبين الهيمنة والسيطرة على خيرات الاخر، متخذة من القوة والبطش، وأحيانا السياسة، طريقا لتحقيق ماربها، كما تبين هيمنة دول الشمال المتعافية والثرية، على دول الجنوب المتعثرة، او في أحسن الاحوال، النامية أو المعدمة.ولما تحمله هذه الرواية من قيمة، فقد ترجمت الى أكثر من عشرين لغة حية،كما نالت العديد من الجوائز. أطلق عليه النقاد العرب لقب " عبقري الرواية العربية" استحقاقا وجدارة. ومما فاض به قلمه بعض الروائع الادبية مثل " مريود "، " ضو البيت"، دومة ود حامد "، و " منسي " والكثير الكثير من الاعمال الادبية الرائعة. ومن الملاحظ ان كتابات الطيب صالح، خاصة بعد استقراره في لندن،قد اتخذت من الاختلافات بين الحضارتين الغربية والشرقية مجالا خصبا للنقاش.

فاذا كان البعض منا يتأبط حاسوبه الشخصي، " اللابتوب " في سفره بغية استثمار الوقت أو التسلية، فقد كان الطيب صالح يحتضن، وبرفق ديوان أبي الطيب المتنبي في حله وترحاله، بل كان يخاطبه بطريقة فيها الكثير من الود والحميمية كقوله: " يا طيب الله ثراك، والمتنبي العظيم، وسيد الشعراء، والاستاذ الذي لن يجود الزمان بمثله...الخ.". كان الطيب صالح يعتز بعروبته وبلغته العربية الجميلة، اذ ما انفك يقول بأن الشعر يمثل رمز العروبة، وأن على السودانيين ان يفهموا الناس بأنهم عرب أقحاح، ذوو ذائقة وسليقة شعرية، قلما وجدت في اقوام اخرين. فالشعرالعربي، حسب اعتقاده، هو الذي جمع كل روافد الروح والفكر والوجدان العربي، فهو غوص في نهر.

لم يغمط السودانيون الشرفاء حق عملاق الرواية، ابنهم البار، الطيب صالح، فهب اتحاد الكتاب السودانيين، ومجموعة من المؤسسات الثقافية والقلمية في البلاد، الى التواصل مع الاكاديمية السويدية لأجل ترشيحه لجائزة نوبل. والغريب ان صاحب الشأن نفسه، الطيب صالح، لم يكن متشجعا لذلك، ووصف الامر برمته على أنه ضربة حظ، او نوع من اليانصيب، ولا يشغل نفسه بها البتة، فان اتت فخير ونعمت، والا فالامر سيان، منوها الى وجود عشرات المستحقين لهذه الجائزة من المبدعين العرب، والذين يشار اليهم بالبنان، روعة وتالقا وابداعا.

ابصر النور في العام 1929 في اقليم مروى الواقع شمالي السودان، وبالتحديد في قرية كرمكول. معظم افراد عائلته هم من المزارعين ومعلمي الشعائر الدينية البسطاء. تلقى تعليمه الجامعي في جامعة الخرطوم،ثم طار الى بريطانيا لاتمام دراسته متخصصا في الشؤون الدولية، وهذا ما ساعده لاحقا، للعمل كمستشار لهيئة اليونسكو في باريس، ثم ممثلا لنفس الهيئة في دول الخليج العربي في دولة قطر.

في اواخر سني حياته، عانى الطيب صالح من متاعب جسدية مريرة، على رأسها صراعه المرير مع الفشل الكلوي. ففي مستشفى لندن،وتحديدا في 18شباط من العام 2009، اسلم الروح لباريها، تاركا قراءه يبحرون في جميل رواياته، ويغوصون في اعماقها، علهم يحيطون بالنزر اليسير مما جال في خاطر كاتبها العبقري العظيم. نقل جثمانه الى السودان حيث حضر مراسم العزاء رئيس الجمهورية عمر البشير، والسيد الصادق المهدي، والسيد محمد عثمان الميرغني، اضافة الى اعداد غفيرة من الكتاب والمفكرين والشخصيات البارزة، وقراؤه، وابناء بلده الاوفياء، ونعته جميع الاقلام الشريفة العربية وغير العربية في العالم.

 

يونس عودة/الاردن

 

في رحيل عبد اللـه رضوان

shaker faredhasanفقدت الساحة الثقافية الأردنية قبل أسابيع قليلة، واحداً من مبدعيها وفرسانها الكبار، وأحد رواد العمل الثقافي والأدبي والنقابي في الأردن، هو الشاعر والناقد من أصل فلسطيني، صاحب المنجزات النقدية والأعمال الشعرية الإبداعية، عبد اللـه رضوان، الذي غيبه الموت بعد معاناة وصراع مع مرض لم يمهله طويلاً، تاركاً وراءه إرثاً ثقافياً وأدبياً واسعاً .

الفقيد عبد اللـه رضوان من مواليد العام 1949، جاء إلى الدنيا في قرية بيت محسير (قضاء القدس)، ونزح عنها إلى الأردن، ولم يحقق حلمه بالعودة إليها مثل الكثيرين من أبناء شعبه المهجرين والمشردين في أنحاء المعمورة . عمل في وزارة الثقافة ومديرية الثقافة في أمانة عمان الكبرى ردحاً من الزمن، وكان له الدور الفاعل الملموس والمميز في الحياة الأدبية والمشهد الثقافي الأردني . وكان سنداً وعوناً للمثقفين والمبدعين الشباب، ولم يتوان لحظة، وبذل وقته وماله وجهده من أجل دعم الثقافة وخدمة عشاق القلم والكلمة والأدب .

وبشهادة كل من عرفه كان عبد اللـه رضوان إنساناً بالغ الرهافة، متسامحاً، مثيراً للإعجاب، عرف بدفئه الإنساني، وخفة ظله، ودماثته، وحبه للناس، وعشقه للحياة بكل تقلباتها وأفراحها وأحزانها وخيباتها . وهو شاعر شفاف منحاز للنص الإبداعي، ومشغول بأسئلته الوجودية وأوجاعها المقلقة . غنى على قيثارة الشعر أعذب الألحان الإنسانية التي عبر فيها عن خلجات النفس ونبضات الوجدان . وهو كذلك ناقد رصين وحصيف تميزت أعماله وكتاباته النقدية بالجدية والأصالة .

وللراحل عبد اللـه رضوان مجموعة وفيرة من الأعمال الشعرية والكتب النقدية والدراسات الأدبية، من أشهرها وأهمها : "خطوط على لافتة الوطن، وأما أنا فلا اخلع الوطن، الخروج من سلاسل مؤاب، أرى فرحاً في المدينة يسعى، ديوان المراثي، شهقة الطين، كتاب الرماد، عروس الشمال، مقام حبيبي،مقام المليحة، مقام عمان، ذئب الخطيئة، غراب أزرق، قصائد أردنية، أسئلة الرواية الأردنية، البنى الشعرية ودراسات تطبيقية في الشعر العربي، أدباء أردنيون، عرار شاعر الأردن وعاشقه، دراسات في سوسيولوجيا الرواية العربية " وغيرها .

جاءت أشعار عبد اللـه رضوان غزيرة بثروتها الفكرية والمعنوية ومتأججة في زخمها الوجداني الإنساني والوطني، وعكست صورة حقيقية صادقة لشخصيته القلقة المتمردة وتطلعاته الثورية .وما يميز قصائده التزامها بالهم الجماعي الإنساني وانتصارها لجموع وعوالم المسحوقين والمهمشين والمقهورين، اجتماعياً ونفسياً وفكرياً ووجدانياً، والتغني بالوطن وأحلام الأمة وعذابات الشعب، ومناجاة عمان، وإعلاء قيم الجمال والحق من خلال تأملاته ومشاعره وأحاسيسه النبيلة الفياضة . وتشيع فيها ومضات متميزة في حب الوطن، وعشق المكان، وحب الحرية، وحب الحياة . وتتسم بالعواطف القوية والأخيلة الرحبة، والألفاظ السلسة العذبة، ورقة الكلمة، وانسياب الموسيقى الشعرية، والتراكيب القوية، ومفعمة بالصور والإشارات والدلالات البليغة والمعاني البديعة الصادقة، وتتراوح بين البساطة والتعقيد .

وفي ديوانه "المراثي" يأخذنا رضوان نحو أفق عربي واسع يحتفي بالثورات والانتفاضات العربية وربيعها، ملامساً الوجع الشعبي وصيرورتها ونهوضها، ويواصل تجواله وتطوافه الوجودي المشبع بالقلق والألم، مستحضراً الموت في كثير من قصائده .

وقد ظل عبد اللـه رضوان طوال حياته وفياً ومخلصاً لعمان، العاصمة والمدينة الأردنية الساحرة التي أحبها، وتفجرت رؤاه الإبداعية فيها، وأفرد لها ديواناً خاصاً هو "مقام عمان" . وعن ذلك يقول الدكتور عماد الضمور في كتابه "عمان في شعر عبد اللـه رضوان " : " شكل المكان في شعره ملاذاً لأحزانه وحالة وجد خاصة، عبر من خلالها عن عذابات النفس، وفق مرجعية منتجة للنص، جعلت المكان ينزاح من استخدامه المألوف بوصفه جغرافيا مرئية ووصفاً للمشاهد السردية إلى كونه بنية دالة، وموضوعاً شعرياً يحمل أبعاد التجربة الشعرية بكل أبعادها . ويضيف : " إن البعد الجمالي لمدينة عمان في شعره حقق تأصيلاً واضحاً لفكرة الجسد في الشعر، فانعكاس هذه التقنية البصرية كان واضحاً في رسمه لصورة عمان كما أحسها، مما عكس بعداً فكرياً خصباً يقوم على التأسيس لرؤيا حداثية، تجعل من النص الشعري لحظة انعتاق، ولحظة سكينة، وخلود في الوجدان، فضلاً عما يشكله من تجاوز الارادة نحو الرؤيا وتجاوز للرغبة نحو التآكل، وهذا يبرز دور الفنان في إعادة صياغة الواقع برؤى جمالية خالدة " .

أخيراً يبقى القول، عبد اللـه رضوان رمز ثقافي وقامة شعرية ونقدية سامقة وساطعة في ولافتة في المشهد الثقافي الأردني، أبدع في الشعر والنقد، فجعت به قبيلة الشعر العربي الحديث / المعاصر، وسيظل في الذاكرة والتاريخ الثقافي العربي بتراثه الأدبي الذي تركه . فوداعاً يا طائر الفينيق، والشاعر الجميل الذي انتصر لقضايا الناس والفقراء والمعذبين في الأرض، وغنى لهم .

 

يوم المسرح العالمي .. خواطر الزمن الجميل في أبجديات "المسرح العراقي

abduljabar noriيوم 27 مارس يوافق اليوم العالمي للمسرح بذكراها الثالثة والخمسين، وكان من أقتراح المعهد الفنلندي للمسرح بأعتبار أنّ الفن المسرحي حصيلة أبداعات الأنسان في نسيجهِ الحضاري، وٌقُدم الأقتراح إلى المنظمة الأممية المعنية بالحفاظ على الجنس البشري وثقافته فصدرتْ الموافقة بالأحتفال بهذهِ المناسبة الثقافية في 27-3-1962 بأعتبارالمسرح أداة خلاقة للتطور والتقدم، ومرآة للشعوب عندما تعكس أفكارها وتطلعاتها وأمانيها للتعبير عن أفراحها وجروحها وطموحاتها وتصوراتها خلال تناقضات وأرهاصات الصراع الطبفي، وهي ثقافة عالمية تبحث عن "التغيير"، وتنشيط تبادل المعرفة وتعميق التفاهم المتبادل والأسهام في ترسيخ الصداقة بين الشعوب، ومحاربة كل أشكال التمييز العنصري والسياسي والأجتماعي، فهو عامل من عوامل البناء النفسي والمعنوي للشخصية البشرية، وهو المساهم الأكبر في تربية الذوق والأرتقاء بالمشاعر الأنسانية إلى الكمال، كما أنّ الطاقة لاتفنى فأنّ الفن أيضاً لايفنى بل هو في تجدد مستمر

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ونحن في عنفوان الشباب وكان يبدو أننا منقسمون في أفكارنا السياسية وحتى " الفنية "، كما هو اليوم الصراع المرير- ضمن الأسرة العراقية – بين مؤيدي فريق ريال مدريد وبرشلونه، فرض واقع الحال نموذجين من رواد المسرح الأول /جماعة المسرح الواقعي الجاد والملتزم والهادف الذي يتعامل مع هموم الناس ومشاكلهم اليومية وطموحاتهم وتطلعاتهم في عملية "التغيير" بدافع صيرورة حتمية حركة التأريخ في الصراع الطبقي، وهذه النخبة من محبي ومريدي هذا النوع من المسرح هم من الشباب المثقف ومعتنقي اليسار التقدمي والعولمة الحداثوية، والذي يكون فيه بطل المسرحية محور الحكاية التراجيدية على أساس (أنّ الأنسان أثمن رأسمال)، وكان هذا هو الزمن الجميل والعصر الذهبي لهذا النمط الحركي للخشبة المسرحية العراقية بالرغم من الرقيب الملعون صاحب المقص القاطع للجزء الذي لايحلو للحاكم .

والمسرح الثاني/ التجاري الذي يتمحور حول السردية الفكاهية والهزلية ورواد هذا النوع المسرحي هم نفسهم جماعة أفلام الأكشن والمغامرات والرعب والخيالية والأغراء، وبصراحة أنّ جمهور هذا النمط أوسع والطلب عليه أكثر وتفسيرهً السوسيولوج عند العلامة الدكتور علي الوردي : الحزن والأكتئاب هو السائد على المجتمع العراقي لما مرّ عليه من غزوات وتكبات وفيضانات وأوبئة ودكتاتوريات الحديد والناربحيث جعلتْ الأبتسامة عُملةً صعبةً لذا يشعر باللذة والمتعة في مشاهدة هذا النمط من المسرح للتصريف عن أسقاطاته النفسية .

وأنّ العديد من مؤرخي الثقافة العربية المعاصرة يتعاملون مع ذوقيات المتلقي خلال نوعية المسرحيات التي يحبذها أي أخضعتْ لقانون العرض والطلب مما شجع القطاع الخاص للدخول في مضمار هذا العمل الفني بالمال والترجمة والتأليف فكان حقاً العصر الذهبي بنوعيه الجاد والتجاري، فكانت سنة 1952 ولادة " فرقة المسرح الفني الحديث " بجهود عباقرة الفن المسرحي العراقي الفنان ( يوسف العاني) أطال الله عمره والراحل أبراهيم جلال برائعتهم، الشريعة والخرابة، آني أمك يا شاكر، خيط البريسم، راس الشليلة، وثُمّ رائعة غائب طعمه فرمان {النخله والجيران} في 1968 التي وازت وطاولت قمة المسرحيات العالمية، وسنة 1954 تأسست " فرقة المسرح الحر " بجهود المخرج العبقري قاسم محمد وجاسم العبودي ووكارلو هارتيون وشكري العقيدي فقدمت مسرحية {ثمن الحرية ومسرحية موتى بلا قبور لسارتر ومسرحية البخيل لمولير}، وسنة 1959 ظهور فرقة 14 تموز بقيادة الفنان أسعد عبد الرزاق وقدمت مسرحية (الدبخانه) على المسرح القومي في الكراده وأبطالها وجيه عبد الغني وقاسم الملاك في 1960، أما في سنة 1963 ذات الشباط الأسود ألغيت المسارح والفرق المسرحية بأعتبارها في نظر الأنقلابيين قاسمية وشيوعية !!!، ونصل إلى سنة 1983 وفرقة مسرح بغداد بقيادة خليل الرفاعي والمخرج مقداد سالم وسامي قفطان وراسم الجميلي في مسرحية {الخيط والعصفور} على مسرح المنصور.

وبعد الألفية الثانية أظلمّ المسرح العراقي وأسدل الستار عليه لأسباب منها :1-جمهورية الخوف كما وصفها الباحث حسن العلوي، 2- الأحتلال الأمريكي، 3- الأسلام الراديكالي، 4- التقنية الحداثوية في عالم اليوتوب والأقراص المدمجة والفضائيات وجيل الآيفون المتطورالذي لعب دوراً كبيراً في أختزال الزمن والجغرافية .

ومن أروع ما طلع به مثقفوالعراق بعد السقوط في 2008 نقلة نوعية للمسرح العراقي من المسرح السياسي للستينيات والسبعينيات القرن الماضي إلى المسرح الكوميدي الهادف والجاد للفرقة القومية العراقية بعرض عملها المسرحي الجريء لمسرحية {جيب الملك جيبه} للمبدع حيدر منعثر تمثيلاً وأخراجاً وكانت من تأليف الكاتب الرائع علي حسين، تعكس المسرحية الواقع السياسي المتردي عبر المحاصصة البغيضة وبطريقة ساخرة وكان الأقبال عليه منقطع النظير رغم التفجير الذي سبق العرض الأول للمسرحية وأغلاق قوات الشرطة المنافذ المؤدية إلى المكان فقد حضر المئات في حينها سيراً على الأقدام وأكتظت الصالة بألف متفرج جلوساً ووقوفاً. – وهذا النوع من المسرح شاهد النور في عهد الديمقراطية لحاجتها للمناخ الديمقراطي وهدم حواجز الخوف وثبت أنّ للمسرح الكوميدي الهادف والجاد تأثيراته الفعالة اللاذعة في كشف الفساد الأداري البيروقراطي وهفوات الحكام برمزية كوميدية ، لذا نستذكر الكاتب المبدع الراحل " عبد الجبار وهبي/ أبو سعيد " الذي كان لهُ عمود يومي في النقد اللاذع الساخرللظواهر السلبية السياسية للحكومة في جريدة {أتحاد الشعب} حينها قال عنهُ الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم{رصاص رأس القرية ولا تعليقات أبو سعيد}

 

عبد الجبار نوري- ستوكهولم - السويد