المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

في رحيل عبد اللـه رضوان

shaker faredhasanفقدت الساحة الثقافية الأردنية قبل أسابيع قليلة، واحداً من مبدعيها وفرسانها الكبار، وأحد رواد العمل الثقافي والأدبي والنقابي في الأردن، هو الشاعر والناقد من أصل فلسطيني، صاحب المنجزات النقدية والأعمال الشعرية الإبداعية، عبد اللـه رضوان، الذي غيبه الموت بعد معاناة وصراع مع مرض لم يمهله طويلاً، تاركاً وراءه إرثاً ثقافياً وأدبياً واسعاً .

الفقيد عبد اللـه رضوان من مواليد العام 1949، جاء إلى الدنيا في قرية بيت محسير (قضاء القدس)، ونزح عنها إلى الأردن، ولم يحقق حلمه بالعودة إليها مثل الكثيرين من أبناء شعبه المهجرين والمشردين في أنحاء المعمورة . عمل في وزارة الثقافة ومديرية الثقافة في أمانة عمان الكبرى ردحاً من الزمن، وكان له الدور الفاعل الملموس والمميز في الحياة الأدبية والمشهد الثقافي الأردني . وكان سنداً وعوناً للمثقفين والمبدعين الشباب، ولم يتوان لحظة، وبذل وقته وماله وجهده من أجل دعم الثقافة وخدمة عشاق القلم والكلمة والأدب .

وبشهادة كل من عرفه كان عبد اللـه رضوان إنساناً بالغ الرهافة، متسامحاً، مثيراً للإعجاب، عرف بدفئه الإنساني، وخفة ظله، ودماثته، وحبه للناس، وعشقه للحياة بكل تقلباتها وأفراحها وأحزانها وخيباتها . وهو شاعر شفاف منحاز للنص الإبداعي، ومشغول بأسئلته الوجودية وأوجاعها المقلقة . غنى على قيثارة الشعر أعذب الألحان الإنسانية التي عبر فيها عن خلجات النفس ونبضات الوجدان . وهو كذلك ناقد رصين وحصيف تميزت أعماله وكتاباته النقدية بالجدية والأصالة .

وللراحل عبد اللـه رضوان مجموعة وفيرة من الأعمال الشعرية والكتب النقدية والدراسات الأدبية، من أشهرها وأهمها : "خطوط على لافتة الوطن، وأما أنا فلا اخلع الوطن، الخروج من سلاسل مؤاب، أرى فرحاً في المدينة يسعى، ديوان المراثي، شهقة الطين، كتاب الرماد، عروس الشمال، مقام حبيبي،مقام المليحة، مقام عمان، ذئب الخطيئة، غراب أزرق، قصائد أردنية، أسئلة الرواية الأردنية، البنى الشعرية ودراسات تطبيقية في الشعر العربي، أدباء أردنيون، عرار شاعر الأردن وعاشقه، دراسات في سوسيولوجيا الرواية العربية " وغيرها .

جاءت أشعار عبد اللـه رضوان غزيرة بثروتها الفكرية والمعنوية ومتأججة في زخمها الوجداني الإنساني والوطني، وعكست صورة حقيقية صادقة لشخصيته القلقة المتمردة وتطلعاته الثورية .وما يميز قصائده التزامها بالهم الجماعي الإنساني وانتصارها لجموع وعوالم المسحوقين والمهمشين والمقهورين، اجتماعياً ونفسياً وفكرياً ووجدانياً، والتغني بالوطن وأحلام الأمة وعذابات الشعب، ومناجاة عمان، وإعلاء قيم الجمال والحق من خلال تأملاته ومشاعره وأحاسيسه النبيلة الفياضة . وتشيع فيها ومضات متميزة في حب الوطن، وعشق المكان، وحب الحرية، وحب الحياة . وتتسم بالعواطف القوية والأخيلة الرحبة، والألفاظ السلسة العذبة، ورقة الكلمة، وانسياب الموسيقى الشعرية، والتراكيب القوية، ومفعمة بالصور والإشارات والدلالات البليغة والمعاني البديعة الصادقة، وتتراوح بين البساطة والتعقيد .

وفي ديوانه "المراثي" يأخذنا رضوان نحو أفق عربي واسع يحتفي بالثورات والانتفاضات العربية وربيعها، ملامساً الوجع الشعبي وصيرورتها ونهوضها، ويواصل تجواله وتطوافه الوجودي المشبع بالقلق والألم، مستحضراً الموت في كثير من قصائده .

وقد ظل عبد اللـه رضوان طوال حياته وفياً ومخلصاً لعمان، العاصمة والمدينة الأردنية الساحرة التي أحبها، وتفجرت رؤاه الإبداعية فيها، وأفرد لها ديواناً خاصاً هو "مقام عمان" . وعن ذلك يقول الدكتور عماد الضمور في كتابه "عمان في شعر عبد اللـه رضوان " : " شكل المكان في شعره ملاذاً لأحزانه وحالة وجد خاصة، عبر من خلالها عن عذابات النفس، وفق مرجعية منتجة للنص، جعلت المكان ينزاح من استخدامه المألوف بوصفه جغرافيا مرئية ووصفاً للمشاهد السردية إلى كونه بنية دالة، وموضوعاً شعرياً يحمل أبعاد التجربة الشعرية بكل أبعادها . ويضيف : " إن البعد الجمالي لمدينة عمان في شعره حقق تأصيلاً واضحاً لفكرة الجسد في الشعر، فانعكاس هذه التقنية البصرية كان واضحاً في رسمه لصورة عمان كما أحسها، مما عكس بعداً فكرياً خصباً يقوم على التأسيس لرؤيا حداثية، تجعل من النص الشعري لحظة انعتاق، ولحظة سكينة، وخلود في الوجدان، فضلاً عما يشكله من تجاوز الارادة نحو الرؤيا وتجاوز للرغبة نحو التآكل، وهذا يبرز دور الفنان في إعادة صياغة الواقع برؤى جمالية خالدة " .

أخيراً يبقى القول، عبد اللـه رضوان رمز ثقافي وقامة شعرية ونقدية سامقة وساطعة في ولافتة في المشهد الثقافي الأردني، أبدع في الشعر والنقد، فجعت به قبيلة الشعر العربي الحديث / المعاصر، وسيظل في الذاكرة والتاريخ الثقافي العربي بتراثه الأدبي الذي تركه . فوداعاً يا طائر الفينيق، والشاعر الجميل الذي انتصر لقضايا الناس والفقراء والمعذبين في الأرض، وغنى لهم .

 

يوم المسرح العالمي .. خواطر الزمن الجميل في أبجديات "المسرح العراقي

abduljabar noriيوم 27 مارس يوافق اليوم العالمي للمسرح بذكراها الثالثة والخمسين، وكان من أقتراح المعهد الفنلندي للمسرح بأعتبار أنّ الفن المسرحي حصيلة أبداعات الأنسان في نسيجهِ الحضاري، وٌقُدم الأقتراح إلى المنظمة الأممية المعنية بالحفاظ على الجنس البشري وثقافته فصدرتْ الموافقة بالأحتفال بهذهِ المناسبة الثقافية في 27-3-1962 بأعتبارالمسرح أداة خلاقة للتطور والتقدم، ومرآة للشعوب عندما تعكس أفكارها وتطلعاتها وأمانيها للتعبير عن أفراحها وجروحها وطموحاتها وتصوراتها خلال تناقضات وأرهاصات الصراع الطبفي، وهي ثقافة عالمية تبحث عن "التغيير"، وتنشيط تبادل المعرفة وتعميق التفاهم المتبادل والأسهام في ترسيخ الصداقة بين الشعوب، ومحاربة كل أشكال التمييز العنصري والسياسي والأجتماعي، فهو عامل من عوامل البناء النفسي والمعنوي للشخصية البشرية، وهو المساهم الأكبر في تربية الذوق والأرتقاء بالمشاعر الأنسانية إلى الكمال، كما أنّ الطاقة لاتفنى فأنّ الفن أيضاً لايفنى بل هو في تجدد مستمر

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ونحن في عنفوان الشباب وكان يبدو أننا منقسمون في أفكارنا السياسية وحتى " الفنية "، كما هو اليوم الصراع المرير- ضمن الأسرة العراقية – بين مؤيدي فريق ريال مدريد وبرشلونه، فرض واقع الحال نموذجين من رواد المسرح الأول /جماعة المسرح الواقعي الجاد والملتزم والهادف الذي يتعامل مع هموم الناس ومشاكلهم اليومية وطموحاتهم وتطلعاتهم في عملية "التغيير" بدافع صيرورة حتمية حركة التأريخ في الصراع الطبقي، وهذه النخبة من محبي ومريدي هذا النوع من المسرح هم من الشباب المثقف ومعتنقي اليسار التقدمي والعولمة الحداثوية، والذي يكون فيه بطل المسرحية محور الحكاية التراجيدية على أساس (أنّ الأنسان أثمن رأسمال)، وكان هذا هو الزمن الجميل والعصر الذهبي لهذا النمط الحركي للخشبة المسرحية العراقية بالرغم من الرقيب الملعون صاحب المقص القاطع للجزء الذي لايحلو للحاكم .

والمسرح الثاني/ التجاري الذي يتمحور حول السردية الفكاهية والهزلية ورواد هذا النوع المسرحي هم نفسهم جماعة أفلام الأكشن والمغامرات والرعب والخيالية والأغراء، وبصراحة أنّ جمهور هذا النمط أوسع والطلب عليه أكثر وتفسيرهً السوسيولوج عند العلامة الدكتور علي الوردي : الحزن والأكتئاب هو السائد على المجتمع العراقي لما مرّ عليه من غزوات وتكبات وفيضانات وأوبئة ودكتاتوريات الحديد والناربحيث جعلتْ الأبتسامة عُملةً صعبةً لذا يشعر باللذة والمتعة في مشاهدة هذا النمط من المسرح للتصريف عن أسقاطاته النفسية .

وأنّ العديد من مؤرخي الثقافة العربية المعاصرة يتعاملون مع ذوقيات المتلقي خلال نوعية المسرحيات التي يحبذها أي أخضعتْ لقانون العرض والطلب مما شجع القطاع الخاص للدخول في مضمار هذا العمل الفني بالمال والترجمة والتأليف فكان حقاً العصر الذهبي بنوعيه الجاد والتجاري، فكانت سنة 1952 ولادة " فرقة المسرح الفني الحديث " بجهود عباقرة الفن المسرحي العراقي الفنان ( يوسف العاني) أطال الله عمره والراحل أبراهيم جلال برائعتهم، الشريعة والخرابة، آني أمك يا شاكر، خيط البريسم، راس الشليلة، وثُمّ رائعة غائب طعمه فرمان {النخله والجيران} في 1968 التي وازت وطاولت قمة المسرحيات العالمية، وسنة 1954 تأسست " فرقة المسرح الحر " بجهود المخرج العبقري قاسم محمد وجاسم العبودي ووكارلو هارتيون وشكري العقيدي فقدمت مسرحية {ثمن الحرية ومسرحية موتى بلا قبور لسارتر ومسرحية البخيل لمولير}، وسنة 1959 ظهور فرقة 14 تموز بقيادة الفنان أسعد عبد الرزاق وقدمت مسرحية (الدبخانه) على المسرح القومي في الكراده وأبطالها وجيه عبد الغني وقاسم الملاك في 1960، أما في سنة 1963 ذات الشباط الأسود ألغيت المسارح والفرق المسرحية بأعتبارها في نظر الأنقلابيين قاسمية وشيوعية !!!، ونصل إلى سنة 1983 وفرقة مسرح بغداد بقيادة خليل الرفاعي والمخرج مقداد سالم وسامي قفطان وراسم الجميلي في مسرحية {الخيط والعصفور} على مسرح المنصور.

وبعد الألفية الثانية أظلمّ المسرح العراقي وأسدل الستار عليه لأسباب منها :1-جمهورية الخوف كما وصفها الباحث حسن العلوي، 2- الأحتلال الأمريكي، 3- الأسلام الراديكالي، 4- التقنية الحداثوية في عالم اليوتوب والأقراص المدمجة والفضائيات وجيل الآيفون المتطورالذي لعب دوراً كبيراً في أختزال الزمن والجغرافية .

ومن أروع ما طلع به مثقفوالعراق بعد السقوط في 2008 نقلة نوعية للمسرح العراقي من المسرح السياسي للستينيات والسبعينيات القرن الماضي إلى المسرح الكوميدي الهادف والجاد للفرقة القومية العراقية بعرض عملها المسرحي الجريء لمسرحية {جيب الملك جيبه} للمبدع حيدر منعثر تمثيلاً وأخراجاً وكانت من تأليف الكاتب الرائع علي حسين، تعكس المسرحية الواقع السياسي المتردي عبر المحاصصة البغيضة وبطريقة ساخرة وكان الأقبال عليه منقطع النظير رغم التفجير الذي سبق العرض الأول للمسرحية وأغلاق قوات الشرطة المنافذ المؤدية إلى المكان فقد حضر المئات في حينها سيراً على الأقدام وأكتظت الصالة بألف متفرج جلوساً ووقوفاً. – وهذا النوع من المسرح شاهد النور في عهد الديمقراطية لحاجتها للمناخ الديمقراطي وهدم حواجز الخوف وثبت أنّ للمسرح الكوميدي الهادف والجاد تأثيراته الفعالة اللاذعة في كشف الفساد الأداري البيروقراطي وهفوات الحكام برمزية كوميدية ، لذا نستذكر الكاتب المبدع الراحل " عبد الجبار وهبي/ أبو سعيد " الذي كان لهُ عمود يومي في النقد اللاذع الساخرللظواهر السلبية السياسية للحكومة في جريدة {أتحاد الشعب} حينها قال عنهُ الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم{رصاص رأس القرية ولا تعليقات أبو سعيد}

 

عبد الجبار نوري- ستوكهولم - السويد

                        

يوم الميلاد .. مشهد من سيرة ذاتية!

yousif abolfawzحسنا .. لنبدأ من اخر الرحلة.. هاهو السندباد يهبطأارضا جديدة. محملًا بالهموم، بخور الاماني، اصداف السنين ومثقلا بعلامات الاستفهام. عيناه مترعتان بالوجد، ملء المدارات أغانيه، ملأ العمر أحلامه، ومن بين كفيه تهبط حكايات شهرزاد ...

تركت نافذة الغرفة مفتوحة، ففاجأك وعلى غير انتظار، طائر ملون، بقبعة من الريش الاحمر، حط بحذر على حافة النافذة، تفحص المكان بحذر، وادار ظهره لك وراح يهز ذيله بشكل مضحك . لا تذكر أن في عراقك طيرا جميلا كهذا. أهو نوع من عصافير القطب؟. حملت كوب الشاي بحذر وجلست الى طاولة الكتابة متحاشيا افزاع الطائر. أمامك حزمة من الاوراق عليك ان تسلمها غدا لدائرة التسجيل.

هذي السماء الغريبة، وخطاك الوئيدة، وبلادك بين نيران ظلم الديكتاتور ونيران الحصار والحروب. في غرفتك النائية يبرز لك سكون الوحدة لسانه. تلتهم الوجع، ارغفة يشويها لك صقيع الغربة. واذ ترتجف أضلاعك تحت سماوات رصاصية، تتدثر بأغنيات من داخل حسن وفؤاد سالم.

طلبت منك موظفة دائرة التسجيل، ان تملأ الاستمارات بشكل دقيق. وضعت لك علامات بالاحمر امأم الاماكن الاجبارية. حياتك الجديدة، بعيدا عن سمائك الاولى، تحت سماء القطب، سيكون لها أيقاع قوانين بلد منفاك الاجباري. وكلما تتفحص الاوراق يواجهك السؤال : تأريخ الميلاد .. اليوم والشهر.. !

بين ثلوج الغربة واطلال الذاكرة يمتد زقاق للوجع، هناك تتكىء روحك الى جذع نخلة، وتطلق اغنيتك، ترسمها بهواجسك، في السماء الغريبة، نجمة لها وجه أمك الجميل بعيونها الذكية.

لم يسجل احد تأريخ ميلادك، لكن أمك ظلت تكرر دائما بأنها ولدتك في أيام "دخول السنة". كررت بأنها قبل ولادتك بأيام لم تترك مسمارا لتعليق الملابس لم تزينه بالعشب الاخضر. أخبرتها غجرية بأن القادم سيكون ولدا، وسيكون غنيا وبهيا وفارسا مثل ملك. لم تصدق أمك بكل هذا، فقد عجنها الفقر كل يوم، طيلة السنوات التي عاشتها مع الرجل الذي احبته ورفضت ان تتزوج سواه، بعد قصة حب كان لها صدى في المدينة الفراتية الصغيرة. كانت امك تتمنى ان يكون لمولودها ملامح أبيه ولون بشرته الفاتح، لكنك جئت تحمل سمارها ولون عينيها، وانف أبيك الدقيق .

ايها العاشق العنيد. أيها الطفل الكبير. يا عامل السكك العصامي، الذي لم تخلف لابنائك بعد رحيلك سوى بهاء اسمك وبدلة عملك الزرقاء. ما معنى السماء من دون حرية جناح الطائر؟ ما معنى البحر من دون مرح الأسماك الصغيرة؟ ما معنى الكبرياء من دون حروف اسمك؟ سأخطه بالنار على بوابات الغربة، وأطرزه بالدمع على رموش القلب.

أبوك، الكادح، لم يقرأ يوما كتب ماركس ولينين، ولكنه عرف نضالات يوسف سلمان يوسف ـ فهد وأستشهاده الاسطوري، وشارك في مظاهرات عمال السكك وهتف لاجل سعادة الناس. ويوم لاحظك تخبأ كتبك الثخينة في مكان امين. سألك وهو يغمز لأمك : أهذه كتب صاحبكم أبو لحية، ابو البلاوي؟

تهبط غيمة. تحملني. افترش الحلم. اعبر كل سنين العتمة. لشمس ما زالت تكبر. لارض الدفء اغانيها : فارسنا امتشق الفرح سيفا وتزنر!

كانت أمك راوية قصص العائلة. مغامرات ابيكم العاطفية قبل الزواج منها. عراكه مع المهندس الانكليزي. عن زياراتها ودورانها بين السجون. عن قصص عوائل السجناء الباحثين عن ابنائهم في سجن نقرة السلمان. عن تظاهرة نساء السماوة صبيحة ثورة الرابع عشر من تموز، وكنت ذا عامين تحملك في التظاهرة على كتفها. لقاءات نساء المحلة في لمة "شاي العباس" والحضور الدائم للقائدة الرابطية أم موسى ـ المناضلة صفية الشيخ محمد . قصة أعتقال خالك الشيوعي، صاحب المكوى، من قبل "الحرس القومي" في ذلك اليوم الاسود من شباط . عن يوم الحشر في محطة القطار، يوم وصول "قطار الموت" لمدينتكم، حين هبت المدينة لانقاذ السجناء. كان ابوك يرمقها بنظرات الحب مؤكدا كلماتها، وكنت ، واخوتك، تلتهمون قصصها مع ارغفة الخبز الذي تحمله لكم ساخنا من تنور البيت .

كانت امي توصيني دوما : يا ولدي، احذر .. احذر، لا تعط ظهرك للريح. اسنده الى صخرة او كتف رفيق!

مدرسك المسيحي، ببشرته الناصعة البياض،وعيونه الملونة، أختار ساعة الظهيرة لزيارتكم. طرق الباب، بأناقة فنان موسيقي، ففتح له ابيك. فعاد ليهمس لك بتأمر: استاذك الأحيمر! لم تكن مفاجأة ما حمله لك، لكنها كانت سعادة غامرة لم تستطع اخفاءها عن اشقائك، اذ ابلغك أستاذك بقبول ترشيحك لصفوف الحزب، وأنك ...

كما لو لم اعرفه. كما لو يكن. جاء هذه المرة . مرايا دار بي ، والروح شفيفة كالاغاني . تساءلت ، لم يتلون كقوس قزح ؟ أهو نزيف الروح، ام هاجس لها؟ أهو ... أنه .. الفرح !

مرت الأيام سريعة، وفي اجتماع ضمك واخرين، حضر ذلك الرجل الاشيب، الذي لم يترك سجنا لم يخط اسمه على جدران زنازينه. مسح نظارته الطبية لأكثر من مرة، رفعها يفحصها عدة مرات، قبل ان ينادي ببعض الاسماء، ويرفع صوته، كأنه يقرأ خطابا في حفل عام : أحمل لكم تهاني الحزب بقبولكم اعضاء في صفوفه كاملي العضوية، وان ...

 يشتبك الاصبع بالاصبع، يختلط الاخضر بالاحمر، ويميل القلب كالسنبل. وكاول قبلة بشفتي عاشق، يذوب ... يذوب، بطقوس الحب، بين الارض ولهيب الارجل!

كان ذلك في يوم العشرين من اذار. قبل دخول السنة بيوم ... في ذات الايام، حين وزعت أمك العشب الاخضر في زوايا البيت وهي تنتظر ولادتك .. والرجل الاشيب حمل البشارة لك قبل الدخول بيوم . ومسؤولة التسجيل في البلد القطبي تنتظر اوراقك . حملت القلم وكتبت في خانة يوم وشهر الميلاد، وبوضوح كامل وانت تغمز للطائر المستكين عند النافذة : 20 / أذار !

غابات الدنيا تناديني ... ياهذا قد اشرق يومك .

يا كل العا ا ا ا ا ل ل ل ل ل م م م م أسمعني :

اليوم قد اشرق عمري !

عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) 1913-1998

كان ميلادها في 6-11 -1913 في بيت جدها لأمها الشيخ ابراهيم الدمهوجي، أما ابوها فكان أزهريا محافظا. في هذه الأجواء، تفتحت عينا الطفلة الصغيرة؛ أدب، فضيلة، عمل خير، وتطبيق لشعائر الدين.

ارتبط اسمها بشاطئ النيل، حيث قضت سني طفولتها المبكرة هناك، تلهو وتلعب ، مما حدا بها لأن تخلع على نفسها لقب "بنت الشاطئ " فيما بعد، لحبها لهذا الشاطئ من ناحية، ولتكتب خلفه من ناحية اخرى، يوم كان من غير المالوف أن تكتب النساء وتنشر باسمائهن الحقيقية. وحسب رغبة أبيها، فقد بدأ تعليمها منذ الخامسة، فحفظت القران جميعه، وبدأت ترنو الى المدارس الحكومية لتكمل مسيرتها التي أحبتها وتماهى بها الجسد الغض والعقل المتفتح التواق لنيل العلم.

" ليس لبنات المشايخ أن يخرجن للمدارس، وانما يتعلمن في بيوتهن"، هذا رد ابيها الرافض لأي تعليم غير ديني. فقد كان لهذا القرار الأثر الكبير في اثارة كوامن غضبها. لم تجد ما تفعله حيال ذلك القرار، الا الامتناع عن الطعام والشراب قدر تحمل ذلك الجسد النحيل. لجأت لجدها عله يتوسط لدى الأب، وبعد صولات وجولات، أذن لها بالالتحاق بالمدرسة، شريطة اكمال الدروس الدينية في البيت وترك المدرسة حال البلوغ. تاقت نفسها لاكمال مسيرة العلم بعد فترة البلوغ التي اشترطها الوالد، فتدخل الجد، واحتدم الجدال دون نتيجة، وخرج الجد مكفهر الوجه، منتفخ الاوداج، فصدمته دابة أقعدته الفراش مدى الحياة.

لزمته تلك الطفلة، تكفيرا عما لحق به بسببها: فأخذت تكتب له مما يمليه عليها من عرائض بأسماء الفقراء والمحتاجين لرفعها للجهات الرسمية، كونه لم يستطع فعل ذلك بنفسه. قضى الجد، وبلغت عائشة سن الحجاب، فاثرت اكمال دراستها في المنزل، وتأدية الامتحانات في ” طنطا “. وكانت اولى الناجحات، وذلك عام 1929.عينت في كلية البنات في الجيزة، ومن هناك نهض اليراع يسكب الدر. نشرت كتاباتها في صحف ومجلات كثيرة، فأتحفت القراء في زمن كان دور النساء في الحياة العامة شبه معدوم. جميع كتاباتها آنذاك كانت باسم مستعار، ” بنت الشاطئ “، احتراما ، وربما خوفا، من العادات والتقاليد الصارمة. التحقت بالجامعة، وتخرجت في قسم الاداب عام 1939 في مجال اللغة العربية. أتاحت لها الحياة الجامعية الالتقاء باساطين وجهابذة الدين والأدب والمعرفة، وعلى رأسهم استاذها، وزوجها فيما بعد، أمين الخولي : صاحب المنهج البياني في تفسير القران الكريم. فغدت كتيار جارف في نهل العلم. وفي 1950، نالت درجة الدكتوراة في تحقيق رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، حيث ناقشها في ذلك د. طه حسين. وبناء على نصيحة زوجها، فقد انكبت على دراسة الأدب، والاهتمام باللغة التي نزل بها القران. فبدأت بالاشتغال بالتفسير بطريقة ممنهجة مميزة استمرت لعشرين سنة.

انهالت عليها طلبات التوظيف من مختلف الجامعات العربية، فلبت النداء. فعملت استاذة للتفسير والدراسات العليا في جامعة القرويين في المغرب، جامعة عين شمس، جامعة أم درمان، جامعة الخرطوم، الجزائر، بيروت، الامارات، كلية التربية في الرياض، وغيرها . زادت مؤلفاتها على الاربعين كتابا في الدراسات الفقهية والقرانية واللغوية والادبية والتاريخية. كتبت عن التراجم والاعلام، عن ال البيت ، الصحابة رضوان الله عليهم . حصدت الكثير من الجوائز والاوسمة. ناصرت المرأة بشكل كبير، واهتمت بتحريرها من القيود التقليدية البعيدة عن الروح السمحة للاسلام. أثار موقفها ودفاعها عن المراة حفيظة البعض كالعقاد الذي بدا في كتابات يرى عكس ما تنادي به اديبتنا عائشة عبد الرحمن. شهدت وفاة ولديها الاثنين ، وهجرة ابنتها الوحيدة وزوجها خارج مصر، فاستثمرت وقتها رفيقة اليراع ونديمة خير الجلساء. أغمضت اغماضتها الأخيرة في 1-12-1998 اثر ازمة قلبية ألمت بها ادت الى جلطة في المخ والقلب وهبوط حاد في الدورة الدموية.

 

يونس عودة/ الاردن

القائد الذي لا يُعوض ابدا

emad aliكما عاصرته وتعايشت معه لمدة معينة وكنت معه في السراء والضراء في تلك المرحلة، ايام الثورة والانتفاضة والسلم وبناء ما نحن نعيش فيه، كان مثالا للانسان المثقف الواعي يمكن تحديد صفاته وهو يتميز بخصلاته المتكاملة جراء تجاربه الحياتية وثقافته العالية وسيرته ومنهاجه وعقليته ونظرته الى الحياة .

لا اكون مبالغا في امره لو ذكرت كل ما اتسم به بالدقة، انه كان صادقا مع الجميع ولو كان لا يريد ان يقول شيئا او يعبر عنه لا يفصح عن رايه في اسوء الاحوال ولا يكذب وحتى الابيض منه، وان كان لصالح القضية باكملها وناقشته في هذا كثيرا واقنعني بان الكذب الابيض جزء من الكذب ولا افرض انا رايي ما اؤمن وان ادى الكذب الابيض الى نجاة انسان فانه ربما يؤدي الى التضرر بالقضية والمسالة على العموم من جهة اخرى، ويمكن المبالغة بعيدا عن اي الكذب لما يمكن ان يفيد الجمع او مسالة دون المساس بالمباديء الاساسية .

كان وفيا بكل معنى الكلمة لقضيته وما يناضل من اجله كفكر وفلسفة وعقيدة، وكان ملتزما بنظرته الى الحياة وهو علماني حتى النخاع، كما كان سلوكه مع اصدقاءه ورفاقه الذين اعتبروه قائدا زاهدا يتصف بالعصامية والمثالية من كافة النواحي، فكان من الذين لا يوعد احدا الا بصعوبة تامة وان وعد كان لا يخلف كما عُرف عنه واقعيا وله قصص في ما كان يمكن ان يهلكه عند وفاءه لعهده ووعده اثناء الثورة الكوردستانية (ويكفي ان نقول في اوج الصراع والحرب وقوة حكم البعث والدكتاتورية نزل من الجبل سرا وسافر الى بغداد عاصمة الجبروت لوفاء بعهد قطعه على نفسه لام اسير من العدو) وهذا لا يمكن ان نسمع به في انقى واصفى ثورات العالم .

لم نر منه يوما وجها متجهما، ونساله عن السبب فانه كان يترك المكان ان لم يعجبه ما يجري دون اي معارضة او نقاش، كان حليما بكل ما يتصرف، لم اراه يغضب الا بعد ان يتاكد من الظلم ويقرر بعد نقاش مع المعنيين حول قضية ما، ويحزن مع غضبه، كل ما كان يتكلم به بكلمات نظيفة دون اية فاحشة في القول والفعل . ان ما يستحق القول انه كان يتكلم عن السؤء بسرية تامة ولا يجهر كي لا يخدش كرامة وشخصية احد وعن التاكيد من مَن له الصلة بالمسالة قبل غيره، كان دائما يثبت للحسن والجميل وليس المنكر . وعلى العكس من الامور الاخرى كان دائما يجهر للحق ويعلنه بصوته الجهوري العالي ولم يخاف من اي عاقبة لم تكن لصالحه ولا يلتفت للومة احد . كان عفيفا وجميلا وعالي النفس كريم ويضع كرامته فوق اية غاية شخصية ولم نر منه يوما طلبا شخصيا لمصلحة خاصة وكان يتكلم عن اية حاجة جمعا وان لم يكن في حاجة اليها، كان حقا اول المضحين في كافة الامور واخر ما ينتظر ان يُعطى له ، وكان غايته واضحة صريحة فيما يقول دون مقدمات واي تشويش على المطلوب.

حسب قناعته باي موضوع كان ينصف اصحاب الحق بقدر ما كان لديه من السلطة، ويصرح دائما؛ ان هناك شيء حسن في مضمون كل سيء ولا يمكن ان يكون هناك سيء في لب اي حسن، وانا عتقد البعض وناقشوه في هذا على عكسه، وقالوا؛ انة هناك شيء سيء في صميم كل حسن على عكس قناعاته هو، ولم يقتنع. في العمليات العسكرية كانت ام النقاشات والامور النظرية الثقافية، كان ياخذ الطرق السليمة للوصول الى الغاية في التعلم والتعليم وايصال الافضل الى الاخر. واهم صفاته انه كان يعفو بسرعة ويصفح عن من اذاه او حتى غدر به يوما والجميع لاحظوا انه ينسى السيء والسلوك غير المعقول يحدث له، ولا ينسى ما يحدث لغيره او شيء لم يقتنع به في داخله يبدر منه يوما، ويوضحه مهما تاخر في الامر، وعاش محبوبا للجميع، يا للاسفاه، الا ان غدر به طلقة صديق خطئا عند اداء الواجب وكان نكسة لكل من عايشه وعرفه للحظة .

هذا نموذج للمقاتل الكوردي البيشمركة المثقف الذي لم يتحمل غدر الدكتاتورية وظلمه في المدن والقصبات في العراق وتوجه جبلا واصبح من العصاة كما عرٌف نفسه ساخرا من التنعيت الذي اطلقه الدكتاتور العراقي على البيشمركة في وقته . وكان يقول لو كان النضال السلمي بالقلم والمحاضرة والنصح متاحا لي في المدن لم اتوجه يوما الى الجبل والثورة العسكرية . ولكنه كان في النضال العسكري اجرأ الجميع ايضا، فقال لا اؤمن بهذا، ولكن هذه الوسيلة الوحيدة التي اضطررنا لاختيارها، وتحدث كثيرا عن فترة دراسته الجامعية ودوره في التنظيم والتثقيف والتنوير، فتكلم عنه اصدقاء الجامعة وعرفوه كما هو منذ نعومة اظافره، كان علمانيا نظرته وفكره وسلوكه وتعامله مع الحياة وما فيها، وما احوجنا لامثاله الى جانب ما عندنا من الملايين من الموجودين من المخربين الحقيقيين للعقل والسلوك والسمات الانسان في العراق الان، وما يجري على ايدي من لم يتسم بنسبة قليلة من صفات الاخ القائد المناضل العفيف العصامي، نتيجة سيطرة الاسلام السياسي وطرق ادائهم للواجب الديني الملقاة على عاتقهم وتحقيق اهدافهم المشوهة للحياة العامة قبل الخاصة . فنحن بحاجة ماسة الى عدد معين من هؤلاء لينوروا الطريق بكلامهم وافعالهم وتجربة حياتهم امام الشعب لازالة هذا الفساد من كافة النواحي من الحياة العامة للشعب ، انه دكتؤر شاسوار.

الفساد ليس جديداً في العراق ولكنْ هل بلغ ذروتَـهُ الآن؟

bahjat abaasستـظـلّ الليلة كالبارحة ......

ما دامت البنية التحتيّة للإنسان لا تتغيّـر

(نبذة من الحياة قبل خمسين عاماً)

د. بهجت عباس

 

المؤسّسة العامة للأدوية

في تموز 1964 (حيث كان الحكم قوميّاً اِشتراكيّاً برئاسة عبد السلام عارف) صدر قانون بتأميم التجارة بصورة عامة وبحصر استيراد الأدوية والمواد الاستهلاكية الأخرى بالحكومة التي أنشأت بدورها (المؤسسة الاقتصادية)، وهي مؤسسة عملاقة تشمل المؤسسة العامة للتجارة التي تضمّ مؤسسة البنوك والمؤسسة العامة للسيارات والمؤسسة العامة للأدوية والمؤسسات الاقتصادية الأخرى التي أنيط بها استيراد ما يحتاجه العراق من بضائع مختلفة في سبيل تطبيق النظام الاشتراكي. فبهذا منع التجار من استيراد الأدوية والسيارات وغيرها، وكان يرأس هذه المؤسسة العملاقة الدكتور خير الدين حسيب وأعضاء مجلس إدارة قوميون اشتراكيون ناصريّون. سيطرت المؤسسة العامة للأدوية على الأدوية التي استوردتها مذاخر الأدوية الأهليّة سابقاً وحجزتها في مخازن كبيرة في منطقة المسبح، وكانت الإدارة الرئيسة أو المقرّ العام في شارع البنوك بإدارة أحد القوميين السيد سالم حسن الذي لا خبرة له بتجارة الأدوية ؛ استيرادها أو تصريفها أو التعامل مع الشركات المنتجة. ففتحت مخازن للتوزيع في أماكن مختلفة في بغداد خُصِّص لكل منها أدوية شركات معينة تستلمها من المخازن الرئيسية التي تصلها شحنات الأدوية من الكمرك، فتوزعها بدورها على الصيدليات . وهنا بدأت المتاعب للصيادلة والناس أجمعين. فمذاخر الأدوية الأهليّة المستورِدة للأدوية من شركاتها كانت قبل هذا القانون تتنافس فيما بينها لبيع أدويتها إلى الصيادلة، فكانت تجلب لهم الأدوية إلى الصيدليات وتغريهم بهدايا وخصومات ليبيعوا أدويتها التي تدرُّ عليهم أرباحاً خيالية بعض الأحيان نتيجة اتفاقات معينة مع الشركات المنتجة. فكان الصيادلة (مدلّلين)، وكمثال على ذلك إنني حينما فتحت صيدلية في الكاظمية بالاشتراك مع صديقي كمال سنة 1962 (قبل السفر إلى ألمانيا) لم يكن لدينا أيّ فلس لشراء الأدوية، فاتصلت بالسيد سيمون، مدير مذخر أدوية سامي سعد الدين في الكرخ و قلت له إنني مستعد لتزويد صيادلة الكاظمية باًدويتكم (صنع شركات ألمانية) إذا جهزتموني بالدَّيْن (على التصريف) وتعطوني 5% بدلاً من مجيئكم إلى الكاظمية كل يوم لتوزيع الأدوية على الصيدليات، فوافق وجهزني بما يزيد عن خمسمائة دينار كبداية، وكذلك فعلت مع مذاخر أخرى، فاتصلت بصيدليات الكاظمية وأخبرتهم بأنني وكيل سامي سعد الدين وأستطيع تجهيزهم بالكلفة، فربحت 5% وأصبح عندي (نقد) أيضاً اشتريت به أدوية من مذاخر لا تبيع بالدَّيْن، وبهذا أكملت الصيدلية بالأدوية وأنا بلا رأسمال ! وفي الوضع الجديد أخذ الصيدلي يذهب بنفسه أو يرسل موظفاً لديه يشتري الأدوية من مخازن المؤسسة العامة للأدوية، وعليه أن يدور على المخازن المتباعدة بين المسبح والعلوية والكرخ وشارع الرشيد ويقضي ساعات طوالاً ليحصل على بعض ما يحتاج لشحّ الأدوية الموجودة في هذه المخازن نتيجة عدم كفاءة العاملين في شعبة الاستيراد في المؤسسة من ناحية ولعدم قدرة المخازن الرئيسية على تزويد المخازن الفرعية باحتياجاتهم من ناحية أخرى. فكان استياء عام لدى الناس. كان رئيس المؤسسة العامة للأدوية شخصاً غير كفء ولكونه من الحزب القومي الحاكم استلم هذه المسؤولية.

 

التعيين

أما التعيين فيها فمضحك حقاً. فعند تقديم طلب من صيدلي أو أيّ أحد آخر يرغب في التعيين يؤشّر السيد حسن مدير الإدارة حينذاك بالقلم الأخضر على عريضته إذا كان ذا (واسطة)، وإن كان بدونها، فلا يؤشّر الطلب ويُرمى في مكب النفايات، كما وقع لي حين قدمت الطلب بعد استقالتي من وزارة الصّناعة. وبعد مرور شهر من تقديم الطلب لم أستلم أيَّ جواب . وفي أحد الأيام كنت أسير في شارع السّعدون (عطّال بطّال) مررت بصيدلية القزويني فلمحني صديقي الصيدلي حسين القزويني، صاحبها، فأشار عليّ أن آتيَ إليه ففعلت . لماذا مررت ذلك اليوم في شارع السّعدون وبصيدلية القزويني، ليكون بداية المسيرة الطويلة لتغيير مجرى حياتي والتي ابتسم لي فيها الحظ بعد تكشيرة القدر الغاضب ؟ لا أدري! ولن يعرف أيّ أحد تفسيراً للحظ، حسن الطالع أو سوئه. بعد السلام والسؤال عن الصحة والغياب قال لي إنّ الأستاذ قاسم الشمّاع مـرّ عليه في صيدليته، فقد كان صديقه، وشكا إليه عدم استطاعة المؤسّسة العامة للأدوية القيام بمهمّتها مما سبّب نقصاً في الأدوية في الصّيدليّات وتذمّراً لدى المواطنين الذين أخذوا يسبّون الاشتراكيّة، وهو، قاسم الشمّاع، يسأله عن الحلّ أو عن معرفة القزويني بصيادلة ذوي خبرة ليتمَّ تعيينهم. فمن هو قاسم الشمّاع؟ إنه رئيس التجارة العامّة المسؤول عن مؤسسة البنوك والمؤسّسات الأخرى وعضو الهيئة الإدارية في المؤسسة الاقتصادية وهو الرجل القويّ الثاني فيها بعد خير الدين حسيب. يقول القزويني: فذكرت له اسمك وكفاءتك وتحدّثتُ عنك الكثير، حيث تستطيع أن تساهم في حلّ أزمة الأدوية . فطلب (الشمّاع) مني أن أتصل بك لتعيينك فوراً في المؤسسة، فأعلمته بأنني لا أعرف عنوانك، ولكن سأتصل به الآن، فاتصل به أمامي، فطلب قاسم الشمّاع أنْ آتيه غداً في الساعة كذا وفي الطابق الثالث من البنك المركزي للقائه. شكرت صديقي حسين القزويني وغادرته. وفي اليوم الثاني ذهبت إلى البنك المركزي وقابلت السيد قاسم الشمّاع الذي رحّب بي وأعطاني بطاقته وكتب على ظهرها (يعيّن فوراً) ذهبت إلى المؤسّسة العامّة للأدوية وقدّمت طلباً للتعيين مع بطاقة (كارت) قاسم الشمّاع إلى السيد حسن مدير الإدارة، فأشّر على الطلب بالقلم الأخضر وقال لي طلبك سيكون مع الدكتور أحمد كمال عارف قفطان العاني، مدير المؤسّسة العام (نقيب ذوي المهن الطبّية آنذاك) الذي عُيِّن، في اليوم ذاته الذي قدّمت طلبي، بديلاً عن السيد سالم حسن. قابلتُ الدكتور أحمد كمال عارف فأراني كتاب وكيل وزير الصناعة العقيد عبد الهادي (قُتل مع عبد السلام عارف في حادثة تحطّم طائرة الهليكوبتر) وقال لي هذا الكتاب يمنع تعيينك (بسبب استقالتي من وزارة الصناعة التي عملت فيها وكيلاً لمدير مشروع معمل الأدوية في سامرّاء مدّة 3 أسابيع، فلم تُقبل الاستقالة، فتركت العمل والراتب ولهذه قصّة ستأتي)، ولكنك كعراقي إذا لم تعمل في العراق فأين تعمل؟ ومزّق الكتاب ورماه في مكبّ النفايات! وأصدر أمر تعييني فوراً وأعطانيه، وقال لي اِذهب غداً وباشر في (المخازن الرئيسية) كمدير فنّي مع المدير الإداري فيها الصيدلي حميد صفّو براتبٍ مقطوعٍ قدره تسعون ديناراً في الشهر.

 

المباشرة بالعمل

باشرتُ في (المخازن الرئيسية) أو الرئيسة كمدير فـنّي مسؤول عن فتح الإرساليات التي تصل المخازن من الكمرك وتسعيرها. وكان يعمل تحت إشرافي بضع عشرات من الموظفين . كان الصيدلي حميد صفّو مسؤولاً عن مباشرة الموظفين ودوامهم وإجازاتهم. رحّب بي السيد حميد صفّو كثيراً وأراني إرساليّات الأدوية المحجوزة سابقاً من المذاخر والواردة حديثاً وكانت حواليْ ثلاثة آلاف صندوق وكارتون وقال لي أرِني شطارتك وهمّتك بفتحها وإرسالها إلى المخازن الفرعية لبيعها إلى الصيدليات وابتسم، لأنه يعرف أنّه عمل غير يسير، وقد كان يفتح بضعة كارتونات يومياً والذي يصل المخازن كلّ يوم أكثر ممّا يخرج منها فيزداد عددها ! طلبت منه أن يعطيني قوائم الإرساليّات كلِّها لأبدأ بفتح ما هو متأخر جداً وما له أفضلية من حيث عدم وجوده في السوق وأهميّته الدوائية . قام العمّال (الحمّالون) بفتح الصّناديق حسبما ارتأيتُ وبدأتْ لجان التسعير التي شكّلتها تختم الأدوية بالأسعار التي كتبتها على أوراق وكنت أمرّ عليهم لتدقيقها وأوقّع عليها بعد أن ينتهوا من تسعيرها. أمّا الأسعار فكنت آخذها من السيد عبد الرضا صادق المحاسب المسؤول عن الأسعار في المديرية العامة وكنت أجلس معه بعض الوقت نقرأ الأشعار، فقد كان أديباً مولعاً بالشِّعر. أخذت الصيدليات تستلم الأدوية وتلبّي حاجة المرضى، فتحسّنت الأمور، وتعيّن الصيدلي نوري عبد الرزاق مسؤولاً عن التوزيع فتحسّنت الأمور أكثر. كان أصحاب المذاخر الأهليّة (وكلاء الشركات الأجنبية) يمرّون علينا باستمرار طالبين إخراج أدويتهم، وخصوصاً الأدوية المتنافسة، لأن السبق في إخراجها إلى السوق يسرّع بيعها ومن ثمّ استيرادها وحصولهم على أرباح نتيجة ذلك.

 

شركة شيرنك – برلين والانتقام!

جاء إليّ ممثل شركة شيرنك Schering AG البرلينية (اشترتها شركة باير سنة 2006 بستة عشر مليار يورو) ومعه مدير الشركة المصري في الشرق الأوسط وطلبا منّي فتح إرسالية مادة منع الحمل (أنوفلار Anovlar)، هذه المادة كانت مسيطرة على السوق العراقي وتنافسها مادة (لينديول Lyndiol ) من شركة أورغانون Organon الهولنديّة . وكلتا الإرساليتين موجودة في المخازن . قلت لهما إنني أفتح الإرساليات حسب تاريخ وصولها، فهناك شركة أورغانون قبلكم، لذا عليكما الانتظار . وبعد أيام أتياني فامتنعت عن فتحها فذهبا إلى الدكتور أحمد كمال عارف للتوسّط حيث اتصل هذا الأخير يطلب فتح إرساليتهما فأخبرته عن سبب التأخير ووعدته بأني سأفتحها قريباً. ولكني أثناء ذلك فتحت إرسالية الشركة الهولندية حيث أُرسِلَ اللينديول إلى الصيدليات فنفد بسرعة وثّبِّت في السوق أيضاً، فالمرأة التي استعملته بديلاً عن الأنوفلار سوف لا تبدّله بسهولة . لذا فقدت إرسالية الأنوفلار أهميّتها وخسرت شركة شيرنك تصديره . أمّا لماذا قمت بهذا العمل فله قصة. ففي أواخر أيامي في برلين (1964) حاولت العمل في شركة شيرنك فقدّمت طلباً وجاءني الجواب بأن (لا فراغ موجوداً الآن ولا في المستقبل) . فوجئت بهذا الرفض القاطع واعتبرته إهانة، فذهبت إلى الشركة لمقابلة المدير الذي كتب لي هذه الرسالة الحاقدة، فقالت لي سكرتيرته بأّنه رفض طلبك، فلماذا تريد مقابلته ؟ فقلت لها أريد أن أعرف لماذا رفض طلبي الآن وحتّى في المستقبل، فقالت ليس لديه وقت ليقابلك، فأجبتها بصوت عالٍ ليسمع: أيستنكف أن يقابل راعي إبل Kamel Treiber ؟، وهي كلمة مشهورة يطلقها الألمان على العرب لتحقيرهم. فسمع وخرج من غرفته أحمر الخدّين ودعاني أن أدخل، فدخلت، فبادرني قائلاً : إنَّ لديه طالباً سودانياً يعمل في مختبره، فإذا مات، فريّما يكون لديه مكان لي! فأجبته : أنتم الألمان تنظرون إلى الإنسان كعملة (المارك الألماني) قيمة له، ولكننا العربَ، أكثرُ إنسانية منكم فلنا قيم، وخرجت . ومن هنا جاء انتقامي، ولكن هل صدقت في جوابي له ونحن على ما عليه من تدهور أخلاقي وعدم إنسانية ومروءة، وخصوصاً حكامنا وسياساتهم ما عدا بعض النبلاء والأشراف؟

 

فضائيّان يقبضان رواتب شهرية ولا يداومان !

كان العمل في المخازن متعباً ولكن كلّ تعب يأتي بثمار، فقد بدأت الصيدليات تستلم كميات شبه كافية من الأدوية وأصبح العمل رتيباً. حدث أثناء عملي أن نُسِّب إلى المخازن الرئيسة في بداية عملي طالبان في السنة الأخيرة من دراستهما في كلية الطب كخبيرين في الأدوية البشرية على أن يعملا تحت إشرافي، وكانا سابقاً يعملان في شعبة الاستيراد في المديرية العامة وواجبهما هو أن يكونا حلقة الوصل بين المؤسَّسة العامة للأدوية والصيادلة لجمع المعلومات عن احتياج السوق للأدوية وإيصال هذه المعلومات إلى الصيدلي المرحوم وديع عيسى مدير الاستيراد في المؤسسة ليقوم باستيراد هذه المواد، فهما كانا يعملان في مديرية الاستيراد. والمديرية العامة تقع في شارع البنوك، منتصف شارع الرشيد، والموظف فيها سعيد لتـوفّـر كافة التسهيلات المتوفرة من طعام وشراب ووسائط نقل إضافة إلى التبريد في الصيف والتدفئة في الشتاء. ومخازن توزيع الأدوية لها بعض هذه المميزات أيضاً . أما المخازن الرئيسية، فإضافة إلى كونها بعيدة جداً، فلا توجد فيها أيّة تسهيلات، لذا عندما يكون أحد الموظفين مغضوباً عليه لأي سبب، فالاستغناء الفوري (الفصل) يكون عقابه، إذا لم يكن (مسنوداً) من أحد الوزراء أو المتنفذين في الحكم. ولما كان السيدان سعد وأحمد (طالبا كلية الطب) قد عيّنهما وزير الإصلاح الزراعي آنذاك الزعيم عبد الكريم فرحان، لذا يكون فصلهما من الوظيفة أمراً غير وارد، فإبعادهما أسهل. أتاني هذان السيدان، ولما رأيا المخازن اصابهما الهلع، فسألاني فيما إذا كنت بحاجة إليهما فأجبت بالنفي، والحقيقة إنني لم أكن مرتاحاً لتنسيبهما إلى المخازن، فقد علمت أنهما في المديرية العامة سبّبا استفزازاً للموظفين نتيجة تطرفهما القومي، فشكراني وغادرا. وبعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على الحادث، وبعد أن عملت بكل طاقتي لتوفير الأدوية في الصيدليات حيث أخذ الوضع يتحسن كثيراً وخصوصاً بعد التحاق الصيدلي نوري رشيد الذي خَصِّصتْ له مهمة توزيع الأدوية إلى مخازن المؤسسة، أي أن حميد صفو كان إدارياً وبهجت عباس مسؤولاً عن فتح الإرساليات وتدقيقها ومطابقتها مع قوائمها وتسعيرها، والصيدلي نوري رشيد يرسلها إلى المخازن، وكنا،الثلاثة، منسجمين جداً وبتوافق تام، فهمّنا الأول والأخير هو توفير الأدوية للناس. أقول بعد مرور ثمانية أشهر تقريباً على عملي بإخلاص لم أستلم أي ّ كتاب شكر بل فوجئت بكتاب تغريم مبلغ 540 ديناراً وهي الرواتب التي تقاضاها السيدان طالبا كلية الطب لمدة ستة أشهر (45 ديناراً كراتب شهري مقطوع لكل منهما) لأني لم أخبر المديرية العامة عن عدم مباشرتهما ! فهمت أن الدكتور أحمد كمال عارف أصدر كتاباً بادئ الأمر بتغريم السيد وديع عيسى مدير الاستيراد، لأنهما كانا موظفيْن لديه، فذهب السيد عيسى إلى الدكتور كمال متوسلاً، فمزّق الأخير هذا الكتاب وأصدر كتاباً بتغريم حميد صفّو الذي ذهب بدوره إلى الدكتور كمال وتوسّل إليه قائلاً إنهما كانا قد نُسِّبا للعمل تحت إشراف (بهجت)، ونسيَ أنه كان يكتب مباشرة أيِّ موظف يُنَسَّب إلى المخازن ولا علاقة لي بمباشرة أيّ موظف، فمزّق الدكتور كمال الكتاب وكتب (يغرّم السيد بهجت عباس..إلخ)، فثارت ثائرتي وكتبت إليه كتاباً شديد اللهجة، فقد كنتَ سئمت العملَ في المؤسّسة، جاء فيه حسبما أتذكر (هل يجوز تغريم موظف مثل هذا المبلغ دون الرجوع إلى لجنة تحقيق نزيهة كانت أم غير نزيهة؟ فحتى في شريعة الغاب لم يصدر مثل هذا الحكم الجائر، فيجب إلغاؤه وإعادة الحقّ إلى نصابه...إلخ) لم أخشَ العاقبة لأنهم بحاجة إليّ ولست بحاجة إليهم وكنتُ أرجو أن يُستغنى عن خدماتي لأتفق مع شركة أدوية، وخصوصاً ألمانية من خلال مكتب علميّ وهكذا كان بعدئذٍ. أما سبب إثارة هذه القضية بعد هذا الوقت الطويل والكلُّ يعرف أنَّ هذين الشخصين لا يداومان بل يأتيان في نهاية كلّ شهر يقبضان المقسوم لهما ويذهبان، هو أنَّ (كافلهما) الوزير عبد الكريم فرحان فقد منصبه فضاعت واسطتهما، والسبب الثاني هو أن لجنة تحقيق تشكلت، سُمِّيت بلجنة التحرّي عن الحقائق، وهي تُشبه لجنة النزاهة حاليّاً.

 

لجنة التحـرّي عن الحقائق

أخذت هذه اللجنة تحقق في الفساد في وزارات الدولة ومديرياتها، فابتدأت بالمؤسسة العامة للأدوية، لأن رائحة الرشوة في استيراد الأدوية أزكمت الأنوف، ولخوف الدكتور كمال عارف قفطان من عاقبة هذا الأمر أيضاً من أنَّ أيْ دفع رواتب موظفين من دون مباشرة، قد يزيد الطين بلّة، أراد استرجاع المبلغ . لم يجب الدكتور كمال على كتابي . وبعد أسبوع كتبت رسالة أخرى إليه أخبرته فيها أن ينقض كتابه خلال أربع وعشرين ساعة وإلا (سأدع القانون يأخذ مجراه) شجّعني على هذا لجنة التحرّي عن الحقائق. بعد ساعات من تقديم كتابي إليه جاء الدكتور كمال إلى المخازن الرئيسية فوجدني منهمكاً في العمل مع الموظفين والعمال في فتح صناديق الأدوية فقال لي : مرحبا سيد بهجت، فأجبته بفتور أهلا دكتور. فسألني عن العمل وأثنى على (همّتي)، وبعد ذلك سألني عن هذين الموظفيْن واقترح أن أدفع المبلغ إلى المؤسسة وبعدها أقيم دعوى قضائية ضدّهما لاسترجاع المبلغ منهما ! أجبته بأنْ لا علاقة لي معهما أبداً، وأنَّ عليه، أيْ الدكتور كمال، أن يُلغيَ الأمر الصادر بتغريمي. عندها أخرج ورقة من جيبه وكتب عليها بالقلم الأخضر، الأخضر الفعّال، كلمتين: (سيد بهجت) ووضعها في جيبه! وكم كانت فرحتي كبيرة عندما استلمت في اليوم التالي كتاباً يقول (يُلغى أمرنا الصادر بتاريخ كذا... القاضي بتغريم السيد بهجت عباس مبلغ ...إلخ). عندها تنفست الصّعداء وقررت أن لا أبقى في هذه المؤسسة إلا لحين حصولي على وكالة شركة أو شركات أجنبية، وخصوصاً ألمانية، ضمن مكتب علمي، حيث أجيزت هذه المكاتب العلمية منذ عهد قريب على أن يكون مديرها المسؤول صيدلانياً عراقياً ومن أبوين عراقيين!

بعد أيام استدعتني (لجنة التحرّي عن الحقائق) كشاهد على فساد شعبة الاستيراد في المؤسسة العامة للأدوية، وقبلها بيوم واحد استدعاني الدكتور كمال وسألني عما سأقوله، فسألته بدوري وماذا تقترح؟ هل أقول ما أعرف؟ قال : قل الحقيقة، والذي أعرفه عنه أنّه كان نزيهاً، وربما لم يكن يعرف ماذا كان يدور في شعبة الاستيراد (مركز الفساد)، فهناك تحوم الشبهات وليس ثمة دليل . كانت شعبة الاستيراد تتكوّن من الصيدلي وديع عيسى، مدير الاستيراد والصيدلي بهنام ومدير الحسابات في المؤسسة (لا أتذكّر اسمه) وثلاثتهم مسيحيون، ولا أعني أيّ شيء من هذا، ولم يكن السيد وديع عيسى إلا صفراً على اليسار بين الاثنين لا حلّ ولا ربط له) . لم تستطع لجنة التحرّي عن الحقائق بعد أن سألتني فيما إن كان ثمة (تلاعب) حصل في استيراد الأدوية، فأجبتهم بعدم درايتي وكيف لي أن أعرف وأنا بعيد عن شعبة الاستيراد والمديرية العامة، ولكني أيّدتُ أن استيراد الأدوية لم يكنْ متوازناً، فهناك استيراد لأدوية بكمية كبيرة لشركات معيّنة وشحٌّ في أدوية هامّة لشركات أخرى يُستورد منها ما لا يكفي . اكتفت لجنة التحقيق بإصدار قرار بأنَّ أعضاء لجنة الاستيراد تنقصهم الكفاءة والخبرة في العمل، وبعدها، كما أعتقد، لم تنظر في أيّة قضية أخرى من قضايا الفساد في الدولة وأغلقتْ أبوابها . أليست هذه الليلة كالبارحة مع سماء كالحة!؟

 

المفكر د. عبد الجبار الرفاعي .. قلم نابض بالحياة

abduljabar alrifaiهو صوتٌ جريء في زمن الخنوع، وفكر نير في وقت باتت عتمة الأفكار تكاد تخنقنا، يفكر بصوت عال، ولا يخاف في الحق لومة لائم. يخوض في الماضي لا ليستكين فيه، بل للاستعانة بمحطاته المضيئة التي تتناغم مع الحاضر وتبشر بالمستقبل. انه د. عبدالجبار الرفاعي المفكر والكاتب صاحب مجلة "قضايا إسلامية معاصرة"، والعديد من المؤلفات النابضة بالحياة. ميزته انه أحد القلائل الذين يغردون خارج سرب المألوف من الأفكار، التي أكل منها الدهر وشرب، حتى باتت رداءا رثاً مهلهلا ومتهرئا. ورغم ذلك ما زال البعض يعتصم بها ليلوي عنق الحقيقة.

أسفي أنني التقيته متأخرا فاكتشفت فيه العالم المتعفف عن كل شيء، إلا عن الاستزادة من الزاد الفكري والعلمي، والفكر المتواضع الذي لا يقبل الكف عن التبحر في القراءة بفهم، ليصل إلى ما يعينه على إشعال قناديل ضوء في حياتنا، التي افترسها التشدد الديني والشحن الطائفي، واستنساخ الماضي بكل رداءته وقبحه، لتطبيقه على واقع ومتغيرات القرن الحادي والعشرين.

إن د. عبد الجبار الرفاعي إذ يسير وحيداً في شارع المتنبي، قلب الثقافة النابضة في بغداد، ويلتقي المبدعين هنا وهناك، يستطلع واقعاً لا نحسد عليه، فكم الآراء والأفكار والكتب والمخطوطات التي يراد منها باسم الدين أن تكبل حياتنا وعملنا وعقلنا وعواطفنا. هو كالفيضان المدمر في زمن أصبح العامة تتقبلها دون سؤال أو محاولة اكتشاف أسرار وحقائق ما يطرح عليهم في المنابر وخطب الجمعة، ومن نصوص ومواثيق بعض الأحزاب السياسية التي ترتكز لفهم جامد وساكن للدين.

إننا بأمس الحاجة لفك الارتباط و الاشتباك بين الدين والدولة، بين الدين كمطلقات أزلية والسياسة كمتغيرات يومية كل شيء فيها نسبي يتغير حسب الزمان والمكان، والظروف وتغيرات الأشخاص والأحوال والحقب والضرورات العصرية والمصالح المرسلة. نحن أيضا بأمس الحاجة إلى التمييز بين الفهم السطحي للدين كطقوس ورموز وشكليات، وبين الفهم المعاصر الحقيقي للدين الإسلامي، وكل الأديان التي جاءت أساساً لصلاح الناس.

إن هذا الخلط بين المفاهيم وبين الدين والدولة جعل كليهما يخسران، والفصل بينهما يجعل كليهما يكسبان ويتضافران، كل من موقعه لبناء مجتمع آمن ومسالم.

أقول هذا لان صوت د. عبدالجبار الرفاعي هو بالضبط ضمن هذه الأصوات المتنورة لإنقاذ الدين الحقيقي ببعده الإنساني المرن، المتصالح والمتعافى والمنسجم بكلياته مع العصر، مع اختلاف في الجزئيات التي يتولاها البشر تطبيقا للآية الكريمة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 48].

د. عبدالجبار الرفاعي ينتمي إلى سلسلة من المتنورين والمجددين طوال التاريخ الإسلامي، والذين اما اضطهدوا، أو سجنوا، أو تمت تصفيتهم ببشاعة وأحرقت كتبهم، كما حصل لإخوان الصفا، ولفكر المعتزلة، والحلاج، وابن رشد، وآخرين تطول قوائم أسمائهم، وعلى من يرغب التعمق في ذلك قراءة كتاب "تاريخ العنف الدموي في العراق" للمفكر باقر ياسين.

وإذ بقيت هذه البؤر المشعة في تاريخنا ضئيلة التأثير، فلأن التاريخ يكتبه المنتصر، و تعني هنا السلطان والحاكم أياً كانت التسميات والألقاب، وهكذا نجد في الكتب المدرسية أن التاريخ حكايات وروايات لبطولات زائفة دموية، في حين لا يشار للمحطات المضيئة إلا عرضاً.

في العصر الحديث استمر هذا الضوء في الشيوع، دون أن يكون حاكماً، على يد جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين، وطه حسين، ونجيب محفوظ، وآخرين كثيرين مثل عالم الاجتماع الكبير د. علي الوردي، الذي صودرت كتبه وحجبت كل حقوقه، لكن اسمه بقي مرموقاً في العالم، وممنوعاً كالعادة في بلده على يد النظام الدكتاتوري السابق. ومحمد عابد الجابري، ومحمد اركون ونصر، حامد أبوزيد. وإذ نورد هذه الأسماء في حزمة واحدة لا يعني أنها تلتقي إلى حد التطابق، فالاختلاف في التفاصيل وطريقة البحث والمنهج العلمي المتبع واضح، ولكن الثابت انها تلتقي على ضفة التنوير والتجديد، ولا تقف عند حدود القرن السادس الميلادي، هذا الوقوف والجمود الذي يسميه عالم الفلسفة الإيراني مجتهد شبستري بأنه يعني الانتحار والاضمحلال.

إن د. عبدالجبار الرفاعي معني كما محمد اركون بأنسنة الخطاب الديني، ومهتم كما محمد عابد الجابري بنقد العقل العربي، وينشد كما علي الوردي انقاذ الدين السمح والنقي والمتسامح والطوعي من تأويلات وتفسيرات مغلقة، يقدسها بعض أدعياء الدين، من وعاظ السلاطين في كل زمان ومكان.

شكرا للصديق د. عبدالجبار الرفاعي. ولا أقول سوى ما قلت له دائما: ان اكتب وصمم على التفكير بصوت عال، فسوف تنعش مع مرور الزمن حتماً الحياة فيمن تنادي..

 

فوزي الاتروشي

وكيل وزارة الثقافة "العراق".

الشاعر ابراهيم ناجي 1898-1953

يا فؤادي لا تسل أين الهوى// كان صرحا من خيال فهوى

اسقني واشرب على أطلاله// وارو عني طالما الدمع روى

ليته كان حياً حين صدحت أم كلثوم برائعته "الأطلال". فطالما هفا قلبه لهذه الامنية، وطالما انتهز الفرصة تلو الفرصة، لعقد تعاون ثنائي مع هرم الطرب آنذاك، وطالما ألمح اليها بطريقة مباشرة و غير مباشرة أن يتعاونا فنيا، ولكن جوابها كان دائما يتخذ طابع التسويف. ربما لم تكن تظن ان في أشعاره ما يستحق الجهد والعناء والمغامرة، خاصة بعدما رأت هجوم طه حسين والعقاد على شعره، ووصفهما له- لشعره- باقذع الصفات.

هو طبيب، مثقف بارع واسع المعرفة، وذلك بفضل والده الذي طالما اهداه كتبا كثيرة ومتنوعة، اضافة الى ما اكتسبه هو شخصيا وذاتيا من دواين المتنبي، ابن الرومي، ابي نواس ،ناهيك عن قراءته اشعار الفحول الكبار من شعراء الجاهلية. درس العروض ونهل من بطون الشعر الغربي كذلك أمثال الشاعر الانجليزي شيلي وبيرون وغيرهم من شعراء الرومانسية. ومما يحسب له، ترجمته لاشعار بودلير من الفرنسية الى العربية مثل" أزهار الشر"، كما ترجم عن الانجليزية رواية " الجريمة والعقاب " لديستوفسكي، اضافة الى رواية "الموت في اجازة " عن الايطالية. انضم الى مدرسة " أبولو " التي افرزت نخبة عظيمة من الشعراء المصريين والعرب على حد سواء. كتب العديد من الكتب الادبية مثل مدينة " الاحلام " و " عالم الاسرة "، واصدر مجلة" حكيم البيت ". أما اشهر كتاباته فكانت قصيدة " الاطلال "، التي شدت بها ام كلثوم لتشق أجواز الفضاء المصري والعربي، وللاسف، فقد سبقها الى دار الحق حينذاك، ولم تشف صدره اثناء سني حياته، وعلى اثرها لقب ب " شاعر الأطلال ". تأثر بالشاعرين: اللبناني خليل مطران، وابن جلدته أحمد شوقي، لكنه نهج طريقه الخاص به، والذي يحمل بصماته الخاصة.

كان انسانا رومانسيا لأبعد الحدود، وكان رقيق القلب والمشاعر، رومانسي الحياة، شفوقا على الفقراء الذين كان يستقبلهم في عيادته، اذ كثيرة هي المرات التي كان يعالجهم بالمجان، بل ويدفع لهم ثمن الدواء من جيبه. أحب المنصورة وجمال طبيعتها، وأحب النيل بسحره الاخاذ، وهذا من اسباب رهافة حسه و رومانسيته. فقد قال عنه الامير عبدالله الفيصل: " يعد ناجي من ابرز الشعراء الذين اقرأ لهم". كما قالت عنه د. نعمات أحمد فؤاد: " كان ناجي سريع الانفعال، كثير الاوهام، قلق الظنون، طاغي الحس، رفاف النفس، هفاف المشاعر".

كان أول ديوان صدر له هو: " وراء الغمام" ويغلب عليه طابع الحزن، والتعابير عن الحب المحروم. لكنه لم يهنأ بصدور هكذا ديوان اثر مهاجمة النقاد له، فقد انزوى وترك الشعر ردحا من الزمن، ثم عاد يكتب البعض منه (وكان به بعض الهجاء لمن حاول احباطه)، اضافة الى القصص مثل "مدينة الاحلام " التي يذكر فيها حبه الطفولي الاول.

سافر مع شقيقه الى عاصمة النور- باريس-لأجل المساعدة في تسجيله في احدى الجامعات الفرنسية، ومن ثم يمم نحو عاصمة الضباب-لندن- لحضور مؤتمر طبي، واثناء وجوده هنالك، قرأ هجوم النقاد الكاسح على اشعاره،وعلى راسهم طه حسين و عباس محمود العقاد الذي اتهمه بسرقة الشعر، واصيب بخيبة امل،وحزن شديدين.و بينما كان يهم بقطع احد الشوارع في العاصمة البريطانية، اذ دهسته سيارة، نقل على الفور الى مستشفى سانت جورج، وبقي هناك الى ان تعافى، ثم عاد أدراجه الى ارض الكنانة، الارض التي احبها حتى النخاع.

في العام 1961 أصدرت وزارة الثقافة المصرية " ديوان ناجي " وهو مؤلف من ثلاثة دواوين له، اضافة الى بعض القصائد المتناثرة هنا وهناك. قام بجمعها د. أحمد هيكل ، استاذ الادب في كلية دار العلوم و الشاعر أحمد رامي. ومما يؤخذ على ناجي تركيزه المفرط على الناحية الرومانسية، اضافة لقصائد الهجر والحرمان. فهذا محمد مندور يصف شعره بقوله: "قد أوشك معظم شعره أن يصبح قصيدة غرام متصلة، وان تعددت أحداثها وتنوعت انفاسها". في حين يرى د. طه وادي بأن قصيدة " ليالي القاهرة" هي نوع من الغزل تجاه محبوبته مصر بأكملها، وحسرة على ما أصابها من عدم القدرة على الرد على أعدائها.

وبعد رحيله، فقد صدرت عنه عدة دراسات مهمة مثل" ابراهيم ناجي" للشاعر صالح جودت و"ناجي" للدكتورة نعمات احمد فؤاد، اضافة الى العديد من الرسائل العلمية (ماجستير و دكتوراه) في الجامعات المصرية.

نقل الى وزارة الاوقاف حيث اطمئنت نفسه لما وجده من تكريم وتقدير. لكنه أخرج من وظيفته عام 1952 ولم يكن يدخر شيئا، فتنكر له الجميع حتى زوجته. عانى من مرض السكري الذي اصيب به منذ فترة الشباب المبكرة،وأهمل العلاج، فتدهورت صحته، ورقد رقدته الاخيرة عام 1953 الى جوار جده لأمه الشيخ عبدالله الشرقاوي في مسجده بجوار الحسين. رحم الله ابراهيم ناجي شاعرا وانسانا، ف" أطلاله " ما زالت شاهدة على براعته.

 

يونس عودة/ الاردن

 

فريزر المثير للجدل

abas alimoradلا شك ان مالكوم فريزر الذي وافته المنية عن عمر ناهز 84 عاماً(1930-1915)، كان من ابرز السياسيين الأستراليين في القرن العشرين وأكثرهم إثارة للجدل منذ دخوله المعترك السياسي وحتى بعد خروجه من العمل السياسي ليتفرغ للعمل الوطني والإنساني.

 

كيف سيتذكّر الأستراليون فريزر؟

هناك محطات رئيسية لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، سواء كانت قضايا تتعلق بالسياسة الداخلية او الحزبية او الخارجية وحقوق الإنسان والمناخ وغيرها.

سياسياً، انتخب فريزر نائباً في العام 1955 وهو في عمر 25 وتدرج في الحزب حتى تولى الزعامة في اذار من العام 1975ومن ثم الى رئاسة الوزراء في تشرين ثاني من نفس العام ليصبح رئيس الوزراء الثاني والعشرين لأستراليا من العام 1975 - 1983، رافق وصوله الى منصب رئاسة الحكومة اخطر ازمة دستورية عرفتها البلاد في تاريخها السياسي، عندما استغل فريزر تحكمه بالأكثرية في مجلس الشيوخ لمنع تمويل حكومة غوف ويتلم بالأموال لإدارة البلاد ودفع معاشات موظفي القطاع العام وكان ذلك في 11 تشرين الثاني 1975، وقد كلّف الحاكم العام وقتذاك جون كير فريزر بتشكيل حكومة تصريف اعمال بعد اقالة حكومة غوف ويتلم العمالية، وكان تكليف فريزر تم بشروط وافق عليها فريزر منها تأمين المصادر المالية للحكومة والدعوة الى انتخابات لمجلسي النواب والشيوخ وعدم اتخاذ اية قرارات قبل الإنتخابات وعدم فتح اي تحقيق بسياسة حكومة ويتلم.

سار فريزر على نهج سلفه الأحراري هارولد هولت الذي انهى سياسة استراليا البيضاء فضاعف اعداد المهاجرين وكان الأب الروحي للتعددية الثقافية وفي العام 1977 اسس اذاعة البث الخاص (اس بي اس) وفي العام 1979 اسس المجلس الإستشاري لقضايا اللاجئين واستوعبت حكومة فريزر العديد من لاجئي القوارب من فيتنام (56000)، وفي العام 1981 اسس فريزر مفوضية حقوق الإنسان وكان من دعاة اعطاء السكان الأصليين حقوقهم في الأرض.

اقتصادياً، فريزر الذي كان محافظاً تقليدياً، عارض تحرير الإقتصاد بعكس المحافظين الجدد، وفي عهده ارتفعت نسبة التضخم والعجز في الميزانية ونسبة البطالة وتباطأ نمو الإقتصاد خصوصاً بين عامي 1977 و 1978، وتجاوز انفاق الحكومة في تلك الفترة اكثر مما انفقته حكومة سلفه غوف ويتلم، حتى ان بعض سياسي حزب الأحرار يعتبرون فترة حكم فريزر الفرصة الضائعة، فمثلا النائب الأحراري السابق روس كاميرون وصف فترة حكم فريزر بسنوات استراليا الثماني الضائعة وكانت تفتقر الى التماسك المنطقي (س م هـ 21-22-03/2015 ص 8 الملف الخاص عن فريزر).

وفي السياسة الخارجية، وقبل وصوله الى رئاسة الحكومة وعندما كان وزيراً للدفاع بين عامي 1966- 1971 كان من أكثر المؤيدين للدخول في حرب فيتنام، ودعى الى الخدمة العسكرية الإجبارية من اجل دعم تلك المعركة، وعندما تولى رئاسة الحكومة جعل اتفاقية الانترس (تضم الى جانب استراليا كلاً من اميركا نيوزيلد) والتهديد السوفياتي على رأس اولويات سياسته الخارجية، حيث كان له موقف معارض لسياسة التمييز العنصري في جنوب افريقيا وروديسيا ودعى الى حكم الأكثرية من السكان السود، لأن مبادئه تعارض العنصرية ومن اجل وضع حد للدعاية السوفياتية في العالم الثالث.

والمعلوم ان فريزر بعد ان اعتزل المعترك السياسي، كانت له مواقف مختلفة جذرياً خصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة واعتبر ان اتفاقية الانزس لم تعد في مصلحة استراليا وقد تضطرنا لدخول حروب اميركا في الشرق الأوسط وشبهها بالتعويذة السحرية. وفي كتابه الأخير (الحلف الخطر) اعتبر ان ميزان القوى في آسيا في القرن الحادي والعشرين يتطلب مقاربة مستقلة بعيدة عن سياسة الولايات المتحدة وكان فريزر قد قال ما معناه ان كل زعيم سياسي يُعتقد انه يسيئ او اساء للولايات المتحدة لا يمكن ان يفوز باية انتخابات، واعتبرفريزر ان قاعدة المراقبة في باين كاب تضرّ بسمعة استراليا في المنطقة، وقبل اسبوعين من وفاته ارسل تغريدة لمتظاهرين معارضين لبنيامين نتنياهو قال فيها بأن ليس كل الاسرائليين خطيرين مثل نتنياهو.

وحول موضوع التغييرات المناخية كان له موقف حاسم من رئيس الوزراء طوني ابوت عندما عارض تأييد توقيع اتفاقية الإتجار بالكربون للحد من الإنبعاث الحراري عندما كان زعيماً للمعارضة واعتزل العمل الحزبي ليعود ويقدم استقالته من الحزب كليا العام 2010، وكان فريزر اثناء توليه السلطة قد ادرج الشعب المرجانية على لائحة التراث العالمي عام 1981.

بالعودة الى استقالته من الحزب عام 2010 عزى فريزر السبب الى ان الحزب تغّير ولم يعد حزباً ليبيرالياً بل أصبح حزباً محافظاً ينجرف الى اقصى اليمين معتبراً ان الأفكار والأفراد أكثر أهمية من العقيدة الحزبية، وهذا ما ظهر جلياً في مواقفه في سنواته الأخيرة، حيث انتقد وبشدة سياسية الحزبين العمال والأحرار تجاه طالبيي اللجوء، وكان فريزر عدو لدود للعنصرية في كل مكان وزمان، وعمل على محاربة الفقر حول العالم وكان فريزر قد اسس عام1987 المؤسسة الخيرية (كير استراليا) التي تقدم المساعدات لضحايا الكوارث الطبيعية والحروب.

والمعروف ان علاقة شخصية وطيدة نشأت بين الخصمين اللدودين السابقين غوف ويتلم ومالكوم فريزر اللذين كانا يقضيان ساعات طوال في الحوار ومناقشة مجمل قضايا الساعة،وفي عام 1991عملا معاً من اجل منع احتكار القطاع الاعلامي وتغيير القوانين المتعلقة بذلك، وكان ويتلم قد اعترف قبل وفاته السنة الماضية 2014 ان فريزر قد اخذ مكانه كالعدو رقم واحد للسياسة الشيطانية لليمين الأسترالي.

هذا هو فريزر، في بعض مواقفه وحياته السياسية والإنسانية المثيرة للجدل، التي بدأت مع حزب الأحرار المحافظ والمؤيد بدون تحفّظ للحلف مع اميركا، لينتهي به المطاف في مصاف اكبر المدافعين عن حقوق الإنسان والفقراء ومعارضة الحلف مع الولايات المتحدة واتبع منهج القراءة الواقعية للتحولات السياسية والإقتصادية حول العالم، وما يخص استراليا منها خصوصاً في منطقة الباسيفيك وجنوب شرق اسيا.

 

عباس علي مراد

سدني

مقتطفات من رحلة قصيرة في بلد كبير

mohsin alafiأما وقد حَلَلْتُ بين أفيَائِك، فإن لي أ ن أصِفَكِ كما طلَبْتِ منّي حين كلَّمْتِنِي في سِرِّك، ولمَّا أصَابَنِي الذّهول وأنا أجوب رحابك الواسعة التي تستقطب القاصي والدّاني، أَنتِ بين أهلِك تلك الطيّبة الرائعة، وهم يزفُّونَك ملْفُوفَة بذَلك الثوب الطّاهر الذي يزيِّن قوامك، أنت فِطْرَة وجَدَتْ من يرْعى استِمْرَارَها ويصُون أصالتها، وهم أناس أخلصوا لرحابة المكان، وحياتهم جد وإخلاص لخدمة الجمال الذي يأسِر القلوب، وترحاب بمن أخلص للجمال فوهب للحياة جزءا من وقته للبحث عنه، لن يكون لهم عنوان بدونِكِ، وأنت بدونهم كزهر لا يحوم حوله النحل ولا الفَرَاش، هم بكرمهم زادوا المكان رحابة، وبحركاتهم وسكناتهم وهم حولك، خِلْتُكَ بينهم أي صديقي !!، كمن هو بين ذويه .

انبهرت لما وقفت قرب سفوح تلك الجبال المكللة بالثلوج،، تُرَاها أيادي رفعت لون البياض الذي يؤثث للسلام ! سلام طبع مُحَيَّا الأطفال وهم يتراشقون بحفنات من ثلج ناصع البياض، وضحكاتهم وصراخهم يملأ أرجاء المكان، وأنا أحدثك، وقفت مُطِلًّا من جنبات تلك الروابي، لأنقل إليكَ منظر الأودية بضفافها، وروعة خُضْرتها اليانعة الداعية للمرح والحبور، تَرَاءَتْ لِي كل كائنات المكان منْتَشِية وهي تتراقص على رائعة سانفونية الفصول الأربعة. وبين اختلاف المكان والزمان لاح لي منظر تلك البحار المتألقة بشواطئها، تُراها َمزْهٌوَّة بخُطَى زائريها الذين حجوا إليها من كل حدَب وصوب!!، لعلَّها تَعَوَّدَتْ أن تطْرَبَ لصَخَبِهم وحركاتهم وقهقهاتهم وهُم سُكارى من بهجتها، ووَجَدتُنِي في رحلة عبر الماضي لما حللت بين أرجاء تلك المآثر التي تشهد على تاريخ أمم وحضارات، أُمْعِن النظر في أقواس النصر المسماة: "الكَرَكَلَّا " ، أقواس ضاربة في أعماق الأرض وشاهدة على تاريخ ، كأنما هي أطلال من بناء أقامه مبدعوه ليبقى شاهدا على زمانهم، وباعثا على ما يبدي عظمتهم وعزتهم وقوَّتهم، وبين المَكَانٍ والمَكانٍ آثار وآثار، وعادات وتقاليد ...

كل ما تيسر لي ذكره، يجعل من هذه الربوع بلدا متنوع الثقافات، غني التراث متعدد العادات والتقاليد .......

هذا أنت بلدي المغرب مهد الحضارات، أنت ملاذي ومأواي، ومقصد كل مُتُيَّم بالجَمَال .هذا أنا ابْنُكَ يتحدث عنك، فما يكون حال الغريب وقد قصدك بحثا عما يريحه من كل عناء وتعب، ليجد فيك ما يأسر القلب ويحير العقل؟ .طبعا لن يكون حاله أفضل من حالي وهو يجوب رحابك، أنت شيء ملأ الدنيا عبقا، فشِيءَ للناس أن يظَلُّوا بين رِحَابك سُكَارى إلى أن يُغادِروا وهم يستَرِقُون النَّظر من نوافِذ مَرْكَباتهم، يُرْغِمُهم الإنتباه إلى الطَّريق عن الإمعان والتتمتع بما يسُرُّ النفس .

الخيام و رباعياته 1040-1123

أولى بهذا القلب أن يخفق

وفي ضرام الحب أن يحرق

ما أضيع اليوم الذي مر بي

من غير أن أهوى وأن أعشق

 

فيلسوف، شاعر، عالم تخصص في الرياضيات والفلك واللغة والفقه والتاريخ. يعد صاحب الباع الأول في طريقة حساب المثلثات والمعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة، ناهيك عن قمة الابداع الأدبي في الشعر- الرباعيات.

لم يدر في خلده تدوين هذه النفائس من الأشعار اطلاقا، فطالما تغنى بها لنفسه وعلى مسامع بعض الأصدقاء بغية التسلية وقضاء الوقت. فاول نسخة لها كانت باللغة الفارسية، ومع مرور الزمن ترجمت الى لغات عدة، منها العربية، اللاتينية، الانجليزية، الفرنسية، الألمانية، الايطالية وغيرها. وكما الحال مع كل عمل متميز، فقد لحق بالرباعيات وصاحبها الكثير من الأقوال؛ قدحا ومدحا. البعض لم يتوانى عن اتهامه بالدعوة الصريحة الى اانتهاز الفرص، واستثمار العمر في اللهو والمجون، واحتساء المحرم من المشروبات، وأحيانا الدعوة الى الالحاد. وهنالك فريق اخر نظر الى هذه الأشعار من منظار مختلف يدعو الى التمتع بالحياة- كونها قصيرة - باللهو المباح، والدعوة الى الرضا بما قسم له خالق الكون، واعمال العقل في كينونته كانسان، الا أن زخم الترجمات قد ألحق بها زيادة ونقصانا، أحيانا، وخرجت عن دائرة الالتزام والذوق. فهنالك اقوال تثبت بأن الخيام كان عالما جليلا، وذو أخلاق رفيعة تحول دون انزلاقه الى الفحش والتفحش، والبذيء من الأقوال، بل كان يطلق عليه لقب " الامام ".

الطريف في الأمر ظهور بعض الكتاب ممن ينسف فضل الخيام، ويكاد يخرجه-ضمنا- من دائرة امتلاك هذه الاشعار. فالمستشرق الروسي" زوكوفسكي "، قد انبرى للبحث والتنقيب عن أصحاب الرباعيات واستطاع ان يرفع ما مجموعه (82) رباعية الى أصحابها الأصليين، ولم يتبقى الا القليل، الذي يعتبره مجهول المؤلف. ومما يجدر ذكره، أن ذهب البعض الى الصاق بعض الرباعيات بالخيام وهو بريء منها. فمع مرور الزمن، نسبت الى الخيام ما مجموعه (2000) رباعية، في حين ان ما يرفع اليه على وجه اليقين هو أقل من (200) من هذه الرباعيات.

وممن قام بترجمة الرباعيات الى العربية: مصطفى وهبي التل/ الأردن، طالب الحيدري/ العراق، ابراهيم العريض/ البحرين، مصطفى صادق القرق/ الامارات، محمد حسن عواد/ السعودية، أحمد رامي/ مصر. ومع كل التقدير لجهود مترجمي الرباعيات، الا أن ترجمة أحمد رامي تعتبر الأكثر رواجا وجمالا. فقد شاء له القدر-احمد رامي- أن يلتحق باحدى جامعات باريس لسنتين كاملتين لدراسة اللغة الفارسية، تمكن خلالهما من التنقيب والبحث في الأدب الفارسي، وتحديدا الرباعيات. أسقط رامي الكثير من الرباعيات، وترجم ما وثق انه تصح نسبته الى الخيام، ومنها ما شدت به أم كلثوم.

فالرباعيات التي بين أيدينا تغص بالمتناقضات؛ ففيها التقى والمجون، وفيها التصوف والزهد والاستهتار، وفيها مسحة من تشائم لما سيأتي ما بعد الحياة. فهو هنا كذلك التائب الى الله تعالى، الذي يفر منه اليه. فتارة هو مسترسل و مفكر في الوجود، وفي ابداع المولى عز وجل، وتارة اخرى يلهث وراء اللهو. فهل جمع الخيام، حقيقة، كل هذه التناقضات في شعره الذي هو انعكاس لحياته اليومية؟ فكما سبق، فقد كان يطلق على هذا الرجل القابا جميلة مثل الامام، الحكيم، الدستور، وغيرها من الألقاب التي تصب في الثناء عليه، وليس العكس. فأحمد رامي، قد بصر بهذه الأضداد، وهذا ما جعله يبدأ ديوانه بأخر عبارة نطقها الخيام حين شعر بدنو أجله، اذ قام فصلى ركعتين ثم قال:" اللهم اني عرفتك على مبلغ امكاني فاغفر لي، فان معرفتي اياك وسيلتي اليك ". لقد ابدع رامي حيث ختم ديوانه بانتقائه لاروع المقاطع في التوبة والاستغفار ومناجاة الله تعالى، مدبر هذا الكون:

يا عالم الأسرار علم اليقين

يا كاشف الضر عن البائسين

يا قابل الأعذار عدنا الى

ظلك فاقبل توبة التائبين

 

يونس عودة/ الاردن

 

الأمير الشاعر عبد الله الفيصل 1923-2007

أكاد أشك في نفسي لأني// أكاد أشك فيك وأنت مني

يقول الناس إنك خنت عهدي// ولم تحفظ هواي ولم تصني

وأنت مناي أجمعها مشت بي//إليك خطى الشباب المطمئن

يكذب فيك كل الناس قلبي//وتسمع فيك كل الناس أذني

 

عذب الكلمة، رقيقها، غزير الانتاج، رقيق المشاعر مرهف الحس. امتطى صهوة الشعر كما الامارة، فاتقن الصنعتين معا بجدارة قل نظيرها.

هو نجل الملك فيصل بن عبد العزيزآل سعود طيب الله ثراه، وبكر الملك عبد العزيز من الأحفاد. عاش الخمسة أعوام الاولى من عمره في كنف جده، ولازمه في حله وترحاله، فتشرب منه طيب السجايا والحكمة، جراء حضور مجالسه، ولقاءاته مع من يفد اليه من ضيوف ووفود، حتى خلع عليه جده لقب" ربع الدنيا "، وذلك لرجاحة عقله، ونباهته، وسرعة بديهته.

بعد حصوله على الشهادة الابتدائية في مكة المكرمة، وهي أعلى شهادة مدرسية آنذاك، فقد انكب على اطفاء ظمئه من العلم . فنهل من كتب التاريخ، والادب، والسياسة الكثير الكثير. وكان ميالا للشعر العربي الأصيل و شغوفا به، حيث ظهر هذا من مداومته قراءة الاشعار الجزلة والقوية. فعلى سبيل السرد لا الحصر، فقد أتى على اشعار طرفة بن العبد، النابغة الذبياني، امرئ القيس، عنترة العبسي، عمر بن ابي ربيعة، اضافة الى بعض الشعراء المعاصرين أمثال عمر ابي ريشة، أحمد شوقي، ابراهيم ناجي، علي محمود طه، وغيرهم الكثير.

ففي جزيرة العرب، حيث صفاء الذهن، وهدوء الليالي، وصفاء السماء، لا يسع المرء الا ان يكون صاحب كلمة رقيقة. فها هو الامير عبد الله الفيصل تتفتق عبقريته الشاعرية، وتسيل كلماته الرقراقة اريجا رائعا، تتلقفه اعذب الحناجر واكثرها شهرة في الوطن العربي. صدحت باشعاره أم كلثوم في " ثورة الشك" و " من أجل عينيك عشقت الهوى "، كما غنى له محمد عبده، و نجاة الصغيرة، نبيل شعيل، عبدالكريم عبد القادر، اضافة الى الشيخ مشاري العفاسي الذي اخذ انشودة دينية من كلمات الامير بعنوان " مع الله " حيث لحنها وغناها وخرجت ضمن البوم ذكريات عام 2008.

فكما كتب الشعر العمودي،كتب الشعر الشعبي، وابدع فيه، كيف لا، ومعظم من يقطن الجزيرة العربية اما قارضا لهذا الفن، او محبا له. له من الدواوين الكثير، فمنها وحي الحرمان، حديث قلب،مشاعري، وحي الحروف، خريف العمر. كان مولعا بحضور الامسيات الشعرية الموسمية، وكان مجلسه يشكل صالونا شعريا لعماقة الشعر وكبار قائليه. ولجودة اشعاره، فقد تزاحم أصحاب الاقلام والعلم لنيل شرف دراسة أعماله، والكتابة عنها والغوص في اعماقها. فالشاعرة" منيرة العجلان " قد نالت شهادة الماجستير من جامعة السوربون إثر بحث قامت به عن شعر الامير عبدالله الفيصل، وهذا " عزت محمود علي الدين " قد نال درجة الدكتوراة بعد قيامه بدراسة مقارنة لظاهرة الاغتراب في شعر الفيصل وابراهيم ناجي. أما حورية العتيبي، وكانت حينها في كلية الاداب للبنات في الدمام، فقد نالت درجة الماجستير في دراسة قامت بها عن شعر الامير عبد الله الفيصل. وممن كتب عن شعر الفيصل من عمالقة الادب د. طه حسين، اضافة الى د. احمد كمال زكي، و د.حسن هويمل. كما تناول الكتاب والنقاد الكثير من اشعار الفيصل عبر صفحات الدوريات الادبية والصحف اليومية.

أطلق الامير عبد الله الفيصل على نفسه لقب" محروم "، وكتب ذلك على غلاف أحد دواوينه وهو" وحي الحرمان ". ومن مقولاته: " أريد ان يكون شعري طبق الاصل لحياتي ". اهتم بالحركة الرياضية كثيرا، فهو المؤسس والراعي والمنفق بسخاء عليها، لما فيها من تنمية للجسد والعقل معا. ودعم كذلك النادي الاهلى المصري ماديا ومعنويا.

حاز على اوسمة كثيرة وجوائز تليق بجهوده التي قدمها. حصل على الدكتوراة في العلوم الانسانية عام 1981/اللوحة الالفية لمدينة باريس عام 1985/ جائزة الدولة التقديرية للمملكة العربية السعودية عام 1985 / دكتوراة فخرية من جامعة " شاد " الامريكية / منحه ملك المغرب الحسن الثاني العضوية في الاكاديمية الملكية المغربية لعام 1985 / الف عنه عبدالكريم عبدالله نيازي كتابا بالعربية، ومنيرة العجلاني كتابا بالفرنسية.

نعاه الديوان الملكي السعودي معلنا انتقاله الى جوار ربه في 8/5/2007 عن عمر يناهز 85 عاما اثر مرض عانى منه كثيرا .نقل الجثمان الى مقبرة العدل بعد الصلاة عليه في المسجد الحرام في مكة المكرمة. رحم الله فقيد الادب والشعر والامارة، واسكنه فسيح جنانه.

 

يونس عودة/ الاردن/ مدرس جامعي

 

بعض من الذكريات: مجلّـة الرسالة المصريّـة

bahjat abaasفي شارع الإمام موسى الكاظم (الكاظمية) الذي يبدأ من باب الدروازة وينتهي عند صحن الكاظمين أو العكس وعند تقاطعه مع شارع أو (دربونة) عند منتصفه يقع دكّان دعدوش الصَّغير لبيع السكاير والصّحف والملازم المدرسيّة وبعض الحلويّات. وفي الجهة المقابلة له تقع صيدلية السّلام عند ركن (عقد السّادة) لصاحبها الصَّيدلي الحاج هادي باقر (أخ الدكتور فرحان باقر) وهي ثاني صيدلية تُفتح في الكاظمية عمل فيها ابن أخته مدحت حمّـودي (مدحت المحمود – رئيس القضاة حاليّاً) مساعداً له (مساعد صيدلي) في النصف الثاني من الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين. كنتُ أتمشّى في هذا الشارع عدّة مرات في اليوم في الخمسينات من القرن العشرين وألاحظ المجلاّت والجرائد المنتشرة في هذا الدكّان الصغير. لفت نظري إلى مجلة (الرسالة) معلّقة دائماً مما يدلّ أن لا أحد يشتريها. ومرّةً خطر ببالي شراؤها وكان سعرها 35 فلساً (نصف أسبوعيّتي). أعجبتني، إذ قرأت فيها مقالات جيدة وأشعاراً جميلة وكنتُ في الصف الثاني متوسّطة. كان صاحبها أحمد حسن الزيّات كاتباً قديراً ومترجماً عن الفرنسيّة، وكان يكتب فيها سيّد قطب قبل تطرّفه. وهناك الناقد المصريّ أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان ودريني خشبة وغيرهم. أعجبتني هذه المجلة (الرسالة) فاشتريتها في الأسبوع الذي تلاه. ولما رأى دعدوش أنني مواظب على شرائها، أخذ يجلب نسختين، واحدة لي حيث ضمَن بيعها وواحدة يعلّقها. واظبت على شرائها سنتين أو أكثر حتى إغلاقها عام 1953 فحزنتُ كثيراً ، إذ كانت في الحقيقة مدرستي الأدبية فقد تعلّمت الكثير منها، وخصوصاً المساجلات التي كانت تدور بين سيد قطب (من أتباع العقاد) والدكتور محمد مندور (من أتباع الدكتور طه حسين) وكنتُ أنتصر لسيّد قطب إذ أعجبتـني رصانة كتاباته وقوة حججه. وكان سيّد قطب يفتخر بالعقّاد الذي لم يحصل على دراسة جامعيّة بقدرته في الشعر والفلسفة وأنّه (أعظم) من طه حسين. وذكر بعض أبيات العقاد التي حفظتها وما زلتُ أتذكّرها (وهي من تنوّع القافية التي سألتني عنها الأديبة اللامعة ميّادة أبو شنب في حوارها معي) حيث كانت:

                         أذِنَ الشّفاء فماله لم يُــحمـد ِ     ودنا الرجاء وما الرجاء بمسعدى

                                          أغدوتُ أم شارفتُ غاية مقصدي

                         برد الغليلُ اليومَ وانطفأ الجَّوى     وسلا الفؤاد فلا لـقاءَ ولا نوى

                                             وتبـدّد الشَّملان أيَّ تبــدّدِ

وهو نفسه كان ينظم الشِّعر أيضاً.

وكان أنور المعداوي يصول ويجول بنقده بينما كانت فدوى طوقان تنشر شِعرها الجميل، فكانت علاقة من نوع ما بينهما، فأرسلت إليه صورتها مع هذه القصيدة الناعمة تقول فيها:

اذهبي واعبري الصّحارى إليْـهِ

فإذا ما احتواكِ بين يديْـهِ

ولمحتِ الأشواقّ في مقلتيْـهِ

مائجاتٍ أشعّـةً وظلالا

مُفعماتٍ ضراعةً وابتهالا

فإذا الليل سفّ منه الجناحُ

ومضتْ في انسراحها الأرواحُ

تتلاقى على مهـاد الأثيـر

عبـر آفاق عالمٍ مسحـورِ

عالم الحلم، مسبح اللاشعورِ

فاسبقي أنتِ كلّ حلم إليـهِ

واستقرّي هناك في جَـفـنـيـْهِ

عانقي روحه ورقّي عليـْهِ

واحذري أنْ تصرّحي، أنْ تبوحي

ودعيـهِ يمـوج في حبّـيـهِ

وفي أحد الأيّام من صيف 1952 ذهبتُ إلى سوق السّراي للبحث عن كتاب فوجدتُ بين الكتب المطروحة على الأرض مجلّداً ضخم الحجم، فلما تصفحته وجدته مجموعة مجلة الرسالة لعام 1943 (52 عدداً)، لم أصدّق ما وجدتُ، وخصوصا كان الثمن 50 فلساً فاشتريتها دون تردّد وقرأت فيها الكثير، حيث كانت كتابات مصطفى صادق الرافعي وزكي مبارك وإبراهيم المازني وأشعار على محمود طه ومقالات دريني خشبة الثوريّة (ذبح الفقراء لا يَحِلّ مشكلة الفقـر) خلال الحرب العالمية الثانية وكانت فرحتي لا تقدَّر!.

وعندما (أنعم) الملك فاروق على أحمد حسن الزيّات بلقب (البيكويّـة) وعلى طه حسين (كان وزيراً للمعارف) بـ (الباشويّة) عام 1951 مدحه الزيّاتُ بمقال فخم أشاد فيه بالملك (الصّالح) الذي كان يؤمّ المصلّيـن بلحية مستعارة في أحد جوامع القاهـرة. وحينما قضى انقلاب يوليو 1952 برئاسة محمد نجيب وجمال عبد الناصر على هذا الملك (الصّالح) كتبت الرسالة: (عجباً للشعب المصري تحكمه امرأة كشجرة الدرّ فيخنع ويحكمه ملك فاسق كفاروق فيخضع). تذكّرت عند هذا الأعرابيّ الأحمق (بيئس) الذي قال وما قاله اقتبسها الحريري في إحدى مقاماته (البس لكل حلة لَـبوسَها إمّا نعيمَها وإمّا بوسَها) قالها عبثاً أو هزلاً، فاتّخِذَتْ مثلاً وعملاً. وبعد مرور عام كامل احتفل الشعب المصري بمرور الذكرى الأولى للثورة / الانقلاب عام 1953 وجاءت كلمة تحرير مجلة الرسالة مفاجئةً: (يحتفل الشعب المصريّ بالذكرى الأولى لثورة 23 يوليو بينما تسقط الرسالة صريعة....) وهكذا كان آخر عهدي بالمدرسة الأدبيّة الأولى التي علّمتني كثيراً من الأدب والشِّعر وما يكون عليه المثقف العربيّ غالباً!

 

أبو القاسم الشابي 1909-1934

اذا الشعب يوما أراد الحياة     فلا بد ان يستجيب القدر

قال كلمته وتوارى عن الحياة الدنيا برمتها. سلّم الزناد، ثم أوكل المهمة لمن خلفه من أصحاب الحق والوطنية، التواقون لكسر القيد المدمي. لم يمهله القدر ليكون شاهداً على ما فعله بيته الشعري، الذي ألهب صدور الملايين شرقا وغربا وشحذ هممهم . انتقل الى جوار ربه شابا صغيرا يافعا، ولم يكمل العقد الثالث من عمره.

منذ نشاته تآخى مع المرض، فاصبحا لا يطيقان الفراق، وكلما تقدمت عجلة الزمن، تسارع الألم وازداد الحمل على الجسد الغض جراء هذا الخلّ الوفي الثقيل. نصحه أطباؤه بالابتعاد عما يتعب جسده أو نفسيته، فاستجاب لبعض منها؛ توقف عن تسلق الجبال والرحلات، والجري والقفز. أحس بالألم ومرارته وبالعذاب وشدّته، بل وبالاحباط وبالعجز حينما وقعت عيناه على بعض من اترابه يمارسون ضروب الرياضة التي حرم منها. عزّت عليه نفسه، وتألم وازدادت حرقته. دوّن هذه الحادثة في يومياته قائلا: "ها هنا صبيةٌ يلعبون بين الحقول، وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل، ومَنْ لي بأن أكون مثلهم، ولكنْ أنى لي ذلك والطبيب يحظر عليّ ذلك لأن قلبي ضعيفا ؟ آه يا قلبي، أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني، وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية". وما ضاعف من عذاب هذا الجسد النحيل هو اختطاف يد القدر محبوته الصغيرة (16 عاما) التي تعلق بها لدرجة كبيرة. أيقن بأن حياته بعدها ليست الا هباءً منثورا، أو غبار دهر.

وتنتكس حالة الشابي الصحية ، فينصحه الاطباء قضاء ما تبقى من رمق العمر ما بين المصايف والمشاتي. فطالما ذهب للمناطق ذات الطقس المعتدل ليمضي الوقت مابين الحقول والبساتين، مستمتعا بخرير الماء من عذب الجداول. إلا أن تدهور حالة القلب كانت أقوى من تلكم المصايف. ولله في خلقه شؤون؛ فالقلب الموجوع قد سكب أروع شعر رومانسي. فهذا الشاعر العراقي (فالح الحجية) يصف الشابي بأنه شاعر وجداني رومانسي، سلس الكلمة رقيقها، حيث ابدع ألوانا راقية من الغزل. اما الأستاذ الجامعي التونسي أنيس التمار، استاذ الترجمة في جامعة تونس سابقا، ورئيس قسم الترجمة في كلية عبري للعلوم التطبيقية في سلطنة عمان حاليا، فيعبر عن شديد اعجابه بشعر ابن تونس الخضراء البار؛ اذ استطاع ان يحلق في فضاء الرومانسية بكل جدارة واقتدار، على الرغم من نشأته في الجنوب التونسي الذي يختلف مناخه تماما عن مهد الرومانسية الاوروبية ذات الطبيعة الخلابة بمروجها الخضراء وغاباتها الكثيفة. ومن خلال اطلاعي على الادب الغربي، و بحكم دراستي وعملي، فقد وجدت شبها قويا ما بين ابي القاسم الشابي، والشاعر الانجليزي (جون كيتس). فكلاهما قضى ولم يكمل العقد الثالث من العمر، وكلاهما عانى من مرض عضال كان السبب وراء موته مبكرا، وكلاهما أبدع في شعر الرومانسية.

كما هي دعوته للتحرر ، فقد تحرر الشابي من قيده في تونس لينطلق في ارجاء الوطن العربي. فاتصل بمجلة " أبولو " في مصر ونشرت له الكثير من الاشعار، مما حدا ببلاده تونس الى إعادة النظر في اعماله الادبية، وإسدال الستار على تُهم في حقه تصل الى مستوى التكفير.

من الجدير بالذكر، ان والد الشابي قد ارسله الى " الكتّاب " وهو في الخامسة من العمر ليتعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب. وفي التاسعة، تمكن من حفظ القران الكريم. اما في سن 12، فقد التحق بجامعة الزيتونة ليغرف من بحر الادب القديم الراقي. فقد قرأ كتاب الأغاني للأصفهاني، وصبح الاعشى للقلقشندي، و كتاب الصناعتين للعسكري، و الأماني للقالي، وغيرها الكثير. وعلى الرغم من عدم المام شاعرنا باللغات الاجنبية، الا انه اطلع على ابداعات الغرب من خلال المترجم من الأعمال. فميوله الرومانسية قد وجهت بوصلته الى الشاعر الفرنسي" لامارتين "، والألماني " جوته "، كما كان مطلعا حاذقا على الحركات السياسية والثقافية في عصره لكثرة قراءته للمجلات والصحف انذاك.

برزت نزعة الشابي الاصلاحية منذ التحاقه بجامعة الزيتونة، وكان من أبرز من نادى بالاصلاح في الميدان الاداري والتعليمي، وكان رئيسا للجنة الطلابية الجامعية، كما ساهم في تأسيس النادي الادبي في العاصمة، ونادي الطلبة في مدينة " توزر".

تدهورت حالة الشابي أكثر فأكثر، فأدخل مستشفى الطليان في العاصمة، وهناك اسلم الروح لباريها في 9-10-1934 من فجر الاثنين، ونقل الجثمان الى " توزر " حيث ووري الثرى.وفي العام 1946، تم الايعازرسميا بتشكيل لجنة تشرف على اقامة ضريح للشابي يليق بمقامه الادبي، وقد تم ذلك فعلا.

 

يونس عودة/ الأردن

 

جورج جرداق .. 1931-2014

هذه ليلتي وحلم حياتي

بين ماضٍ من الزمان وآت

الهوى أنت كله والأماني

فاملأ الكأس بالغرام وهات

 

خطا خطواته الاولى ودرس المراحل الاساسية في بلدته "مرجعيون"، ذات المناظر الطبيعية الخلابة، وكثرة المياه المنسابة جداولا وعيونا. لم يُر الا متأبطا أحد الديوانين، أو كليهما: " ديوان أبي الطيب المتنبي، وديوان ناصيف اليازجي". عشق القراءة منذ نعومة أظفاره، واتخذ في حياته مسلكا يختلف عن مسالك اترابه. فطالما يمم نحو الطبيعة الغناء، ليقبع تحت شجرة وارفة الظلال، أو الى جانب نبع ماء أو جدول، ليعيش ساعات من سحر المتعة مع الكتب التي يعشق. واتفق أن اكتشف أخوه " فؤاد جرداق " شغفه في القراءة، فقدم له رائعة سيدنا علي بن أبي طالب " نهج البلاغة "، التي انكب عليها دراسة واعجابا وحفظا.

وفي أروقة الكلية البطريركية، رائدة المعرفة أنذاك، اثمرت جهوده واينعت. فبعد تخرجه زاول التدريس في معاهد بيروت، اضافة الى الكتابة في صحف لبنانية وعربية، بل وأجنبية. فكتب في صحيفة " القبس " الكويتية لسنتين متواصلتين، ولبعض الوقت في صحيفة " الراي العام " الكويتية كذلك، ناهيك عن صحف في لبنان ومصر وباريس.

برزت علامات النبوغ على شاعرنا العظيم مبكرا، ففي سن السابعة يكتب قصة، وفي الثالثة عشرة يكتب مسرحية، وفي الثامنة عشرة يؤلف كتابا تحت عنوان " فاغنر والمرأة " الذي أعده النقاد وأهل المعرفة، مرجعا ادبيا راقيا ورائعا. ولم يقف عند حد الكلمة المقروءة فحسب؛ بل تسللت نسائمه الى الاذاعة اللبنانية: " صوت لبنان"، اذ قدم برنامج " على طريقتي "، وكان شرطه الا يخضع ما يقدمه للرقابة، وكان له ما طلب، واستمر هذا البرنامج زهاء (15) سنة دون توقف. من كتبه على سبيل السرد، لا الحصر: قصور وأكواخ، رواية تاريخية عن صلاح الدين وريكاردوس قلب الاسد، وهي من الف صفحة، اضافة الى ما ينوف عن خمسين قصيدة تغنى بها كبار المطربين والمطربات، عدا القصائد التي لم تغنى. فمن بعض دواوينه: أنا شرقية، بوهيمية، الهة الاولمب، قصائد حب، ابدع الأغاني. كما كان أحد أعضاء الهيئة الاستشارية في مجلة " صروح " السورية، حيث كتب فيها بعض المقالات الساخرة و القصص الاخرى الهادفة. فأمام هذه العظمة والتألق، فقد اتيحت لشاعرنا الكبير بعثة لاوروبا لدراسة العلوم الطبيعية والرياضيات، لكنه رفض تلكم الفرصة، لفرط عشقة لتراب وطنه، وتماهيه مع ذرات ترابه، وقطرات مائه، ونسائم أجوائه.

في العام 1966، حط موكب مطرب الاجيال والملحن الكبير "محمد عبدالوهاب" ارض لبنان، واختار جوار شاعرنا "جورج جرداق" لعام كامل، وطلب منه اثناء لقائاتهما كتابة قصيدة لكوكب الشرق "أم كلثوم" لتصدح بها عبر الاثير. وتم الامر، وكان من المفترض ان تغنى عام 1967، ولكن احداث النكسة حالت دون ذلك، فغنتها في العام التالي، 1968. اجتمع ثلاثتهم في القاهرة: جورج جرداق، محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وتدارسوا القصيدة، واجروا عليها بعض التعديلات البسيطة، وانطلقت تلكم الحنجرة الذهبية تصدح بأغنية "هذه ليلتي"، التي ما فتئ القوم يتساءلون عن سحر تلكم الليلة التي الهمت شاعرنا عذب الكلام.

يفتخر بمدرسيه في الكلية البطريركية، ويشيد بجهودهم أمثال رئيف خوري، فؤاد أفرام البستاني وهو مؤسس الجامعة اللبنانية. بلغ مرحلة النبوغ في الكتابة، فقد كانت طوع خاطره، وسبيل يراعه. كتب المذهبات الراقية عن سيدنا على بن ابي طالب كرم الله وجهه، وأعطاه المكانة التي يستحق في التاريخ. فقد كتب ذات مرة: " على بن أبي طالب هو في الحقيقة والتاريخ واحد، سواء عرفته أم لم تعرفه. فالتاريخ والحقيقة يذعنان بأنه ضميرا حيا وقهارا، وأبو الشهداء والاحرار، وهو صوت العدالة الانسانية، وشخصية الشرق الخالدة ".

من القلائل الذين يولون مكتباتهم البيتية عناية خاصة؛ كتبه بمثابة اولاده، ولا فرق بين ولد واخر، فاللمس والامساك بهذه الكتب ممنوع قطعيا. تضم مكتبته كتبا عامة، تخدم عمله وحياته اليومية، وكتبا من نوع اخر، ذات قيمة تاريخية لا تقدر بثمن. اذ تضم مخطوطات بعدة لغات كالعربية، السريانية، والتركية. وتتربع على قمة الاهمية مخطوطة: " شرح أنوار التنزيل واسرار التاويل "، وهي مخطوطة ضخمة ومكتوبة بماء الذهب وبالزعفران وبالحبر القديم.

فتاريخ عملاق بقامة شاعرنا العظيم "جورج جرداق"، لا توفه حقه مقالات متواضعة؛ انه موسوعة بحق، ولعل المستقبل يعد بمقالات اخرى تظهر الكثير مما لم نتطرق اليه تفصيلا.

 

يونس عودة/ الاردن

 

"كاظم السماوي" الشخصية الوطنية الكبيرة .. في الذكرى الخامسة لرحيله

hashem mosawiتعتبر محافظة المثنى من المناطق التي سكنها الأنسان القديم منذ أقدم العصور التاريخية وما قبلها فقد وجدت آثار مستوطن المنطقة في العصر الحجري القديم في منطقة (وادي القصير) على بعد كيلو مترين فقط جنوب غرب قلعة القصير في بادية السماوة الجنوبية. وقد أنتقل انسان وادي الرافدين من عصور ما قبل التاريخ الى حياة التمدن والحضارة. ولأول مرة في تاريخ الانسان بمختلف عناصر الحضارة المميزة بظهور الوركاء حيث بداية ظهور المدينة ونظام الحكم والكتابة والتدوين والقوانين المنظمة للحياة الإجتماعية والفنون والآداب وأسس المعرفة الأخرى .. والممارسات في المعابد والكهنة .. وإضافة الى تطور الزراعة ونظام الري وبداية السيطرة على البيئة وإستثمار امكانياتها .. وبذلك تعتبر الوركاء إنطلاقة الثورة الحضارية في وادي الرافدين ومنه إلى العالم أجمع .. كما أن السومريين عاشوا في الوركاء في الألف الخامس ق.م وأسسوا فيها دولة قوية ازدهرت في الألف الرابع ق.م وقد خلدوا فيثها آثار حضارية شامخة حتى وقتنا الحاضر تشهد لهم بالتقدم وحضارتهم بالرقي والخلود. وتقع اطلال مدينة الوركاء تلكم المدينة العريقة على بعد كيلو متر واحد من مركز ناحية الوركاء الحالي وستين كيلو من قضاء السماوة.

ومن هذه المحافظة إنطلقت اول رصاصة معلنة إندلاع ثورة العشرين الوطنية والشعبية في 30/6/1920 على أثر اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون شيخ الظوالم، وقد تم اطلاق سراحه من قبل أبناء عشيرته بالقوة من سراي الحكومة اثر عملية فدائية جريئة. بهذه المحافظة ولد في عام 1919 الشخصية العراقية الفذة "كاظم السماوي" والذي

- اسس مع رفاق له اول حركة للسلام في العراق عام 1952م.

- مثل العراق في مؤتمر السلام لشعوب آسيا والباستيك في الصين عام 1952م.

- مثل العراق في مئتمر شعوب السلام في فينا عام 1952م.

- مثل العراق في مؤتمر شعوب الشرقين الأدنى والأوسط في بيروت عام 1953م.

- أسقطت عنه الجنسية العراقية عام 1954م مع رفيقيه عزيز شريف وصفاء الحافظ.

- امضى سبعة اعوام في منفاه الأول في هنغاريا.

- عاد الى العراق بعد ثورة 14 تموز المجيدة وعُين مديراً للإذاعة والتلفزيون في الاعوام 1959-1961م.

- أصدر صحيفة الأنسانية اليومية.

- غادر العراق الى المانيا الديمقراطية في رحلته الثانية في المنفى عام 1964م بعد إنقلاب 8 شباط الدموي .

- غادر الى الصين وأستقر في منفاه الثالث من عام 1977-1980م.

- أغتال الفاشيون ولده الشهيد "نصير السماوي" في بكين عام 1991م.

- أصدر ديوانه الأخير "فصول الريح ورحيل الغريب" عام 1993م.

- أصدر مجموعته الشعرية الكاملة عام 1994م التي تضم دواوينه:

• أغاني القافلة 1950م.

• ملحمة الحرب والسلام 1952م.

• إلى الامام أبداً 1954م.

• إلى اللقاء في منفى آخر 1979م.

• قصائد للرصاص، وقصائد للمطر

• أصدر كتابين نثريين:

1 - الفجر الأحمر فوق هنغاريا.

2 – حوار حول ماوتسي تونك.

• اعماله الشعرية المترجمة الى اللغات الأجنبية:

1- ديوان الساري – صدر باللغة المجرية شعراً.

2- ملخمة الحرب والسلام – صدر باللغة الروسية ترجمها الشاعر الروسي فلاديمير لوكوفسكي.

3- كما ترجمت له قصائد للإنجليزية والبلغارية.

 

وفي مثل هذا اليوم في الخامس عشر من آذار من عام 2010 فقد العراق هذا الأديب العراقي الفذ والكاتب الأنساني اللامع، الذي ناصر قضايا الشعوب والمضطهدين ووهب حياته للثقافة والشعر والصحافة، وضحى في سبيل نصرة وطنه من جور الاستبداد الإجتماعي، ولم يهادن، ولم يرضخ لرغبة طاغية أو جلاد وبقى شامخاً شموخ النخيل، صابراً وصلداً كصخور الجبال، وبقى ذلك الصوت الوطني الأصيل الذي غنى للفقراء وحلم بغدٍ مُلون لشبعه. ومثّل العراق في المحافل الدولية لحركة السلام العالمي.

كتب في رثائه أكثر من خمسين أديباً وسياسياً من العراق ومُختلف انحاء العالم وعلى رأسهم السيد جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق الأسبق فور سماعه النبأ المفجع بوفاة هذا الشاعر الكبير في أستكهولم عاصمة السويد، وقد تكفل بنقل جثمانه الى مدينة السليمانية عاصمة الثقافة والأدب الكردي، ليوارى الثرى في مقبرة الشهداء .. وليبعث لنا ببرقية تعزية كان نصها :

"مني شعبنا بخسارة فادحة بفقدان رمز من رموز النضال الوطني وعلم من أعلام الثقافة العراقية، المرحوم كاظم السماوي الذي وهب حياته للفقراء والكادحين، ولم يكف صوته الهادر عن استنهاض الناس ضد الطغيان. وحتى حينما كان حبيس السجون والمعتقلات كان صوته الصادح بأناشيد الحرية عابراً للأسوار ممجداً للإنسان.

لقد ناضل، شاعراً وكاتباً وصحفياً، في سبيل وطن عراقي يستظل بالمحبة والوئام والتكافؤ بين أبنائه غلى اختلاف قومياتهم وأديانهم، وطن متحرر من جور الإستبداد الاجتماعي والقومي، ولطالما رفع صوته هادراً ضد الدكتاتورية، دون أن يردعه سجن أو تعذيب أو تشريد.

تعازي الصادقة لأسرة الفقيد كاظم السماوي ومحبيه، شاعراً وكاتباً وإنساناً، وأعزي نفسي بفقدانه صديق ورفيق درب وكفاح،

رحم الله كاظم السماوي وسيبقى أسمه مسجلاً بحروف من نور في أسفار النضال والثقافة في العراق".

"جلال الطالباني"

رئيس العراق"

 

وقد قرر مجلس محافظة السليمانية أن يسمى أحد شوارع المدينة الثقافية فيها بإسمه ..

واليوم أتساءل أما آن لمجلس محافظة المثنى، ومركزها السماوة أن يقرأ سفر هذا الرجل ويكرمه ويضع اسمه البهي على مدرسة أو ساحة أو شارع مهم، أو يقيم له تمثالاً تذكارياً في مدينته التي أحبها وغنى لها .. من أجل أن يتعرف أطفال هذه المدينة، ومن سيولدون بعدهم على شاعرٍ أفنى عمره وشبابه من أجل العراق .. وليتذكروا كلما مروا على أسمه بكل التوقير والمهابة والإعتزاز فخرهم بإنتماء مثل هذه الشخصية الى تاريخ مدينتهم ؟

 

د.هاشم عبود الموسوي

 

من حديثة الى الجبايش على طريق الفرات

في يوم من الأيام - لا أعرف تاريخه بالضبط ولكنني أرجح ان يكون في بداية العقد الثلاثيني من القرن الماضي - أتى رجل من اقاصي غرب العراق، من حديثة الرمادي، حديثة الفرات، وكأنه انحدر مع هذا النهر الخالد الى جنوب وطنه العراقي، وصل هذا الرجل الناصرية، ولم يتوقف الّا في قصبة الجبايش الواقعة على الطريق المائي بين الناصرية والبصرة متشاطئة في قسم منها مع بحيرة هور الحمّار وعائمة فوق البحيرة في القسم الآخر..         ..

لم يكن لديه أقرباء مباشرون هناك، ومامن معارف وأصدقاء تعرَّف اليهم في وقت سابق كانوا في انتظاره..أتى غريباً ليحل بين أهله!!

زيارته هذه كانت الأولى الى الجبايش، ولم يقفل بعدها راجعاً الى حديثته هو الحديثي ألأب والجد ابن بساتين بروانة!!

نزل في الجبايش وقصد مضيف القبيلة الكبرى في الجبايش مضيف بني أسد متمثلين في فرعهم الرئيس ال الشيخ وأبناء ال الشيخ ومن ضمنهم عائلة آلخيون زعماء بني اسد في الجبايش وفي عموم العراق!!!

عُقد المجلس ودارت فناجين القهوة العربية ألأصيلة وقُدمت السُفرة التي تكفي للعشرات بل للمئات مثلما أعرف وأعهد في مضائف الجنوب وفي مضائف بني أسد وفي مضائف آل ألشيخ ,و مضيف آل خيون على الخصوص وهو تحفة معمارية نسجها أبرع مهندسي القصب على وجه البسيطة ليمارس أبناء بني أسد وأبناء العراق والجنوب فيها كرمهم ألأسطوري ألأنساني الأهوج!!!

كان القادم الغريب يُدعى حمزة..حمزة الحديثي، وكان سبب قدومه رغبته في العيش في الجبايش..وسبب ابتعاده عن مدينته حديثة كان خصاماً أوخلافاً مع بعض أهله أو أبناء مدينته أو غضباً منهم أو زعلاً عليهم..

قال له أبناء الجبايش : ابشرْ وأهلاً وسهلاً.. أنت الآ ن بين أهلك وأبناء عمومتك .. الجبايش مدينتك وبنو أسد أخوتك وأهل الجباش كلهم عائلتك!!!

كان من بين الحاضرين بعض أجدادي من آل الشيخ وأعمام مباشرين لأبي ومنهم قصّاب مدينة الجبايش مع ولده...

حمزة الذي كان يشتغل قصّاباً في مدينته حديثة سيشتغل لاحقاً مع أعمامي قصّابي الجبايش في نفس (ألكَنارة) وسيكون له بيت قريب من بيوتهم ولمّا كان من المستحيل ان يبقى عازباً تزوج من سيدة من بني أسد..واحدة من جداتنا الرائعات..

لم يفكر أحد في ثلاثينيات القرن المنصرم وقبل أكثر من ثمانين عاماً وما يقترب من قرن من الزمان بحمزة الحديثي السني وجدتي أم حسيبة الشيعية..

من أول أيام أقامته في الجبايش وجد حمزة الأهل والبيت والعمل ثم الزواج...

أنجب ابنته البكر حسيبة التي ستكون زوجة لعمّي لازم الذي ورث مهنة القصابة عن أبيه..

من هذا الزواج أتى ابن عمي منذر أو عوفي مثلما يسميه أهل الجبايش..مارس عوفي وبجدارة كبيرة مهنة القصابة وهو ابن لازم الأسدي و حفيد حمزة الحديثي..ولم يكن قصاباً في محله فقط بل كان متطوعاً دائماً في مناسبات المدينة من أعراس وأعياد ومآتم.. وأن كانت مناسبات العرس والفرح تليق به أكثر لأنه مرح وبشوش ولديه قابلية كبيرة على اضفاء روح الأبتهاج والأخاء والمودة حيثما يكون..بيد انه كان حاضراً للعون في جميع مناسبات المدينة بقامته الفارعة التي تقترب من المترين وبنيته القوية وشعره الأشقر وكرم روحه ووسامته والأبتسامة التي لم تفارق شفتيه الًا لماماً...

لحمزة الحديثي نسل في حديثة أيضاً حيث كان متزوجاً هناك من امرأة حديثية، ويبدو انه لابد من التقاء نسل حمزة في حديثة مع نسل حمزة في الجباش.. وهكذا شاءت المصادفة أو الأقدار !!

أما كيف حدث هذا بعد عشرات السنين؟!

في فترة الدراسة الأكاديمية التقى طالب ينحدر من الجبايش في سكن القسم الداخلي مع طالب من حديثة يدرس معه ويسكن في نفس القسم!

كان الطالب الحديثي حفيداً لحمزة من أبنة له بقيت في حديثة وتزوجت هناك..تبادل الطالبان الحديث حول مناطق السكن والأصول فعرف الطالب الحديثي ان زميله من بني أسد ومن الجبايش على وجه التحديد ..كلمة من هنا وكلمة من هناك ..سؤال من هذا وجواب من الآخر الى ان تعرف الحديثي الى آثار جده وعرف ان له أقرباء في الجباش : خالة وأبناء خالة ومنهم مُنذر أو عوفي شمعة المدينة وعمود وعميد أعراس الجبايش..

هرع الطالب الأسدي الى عمتي حسيبة ام عوفي بالنباْ الفرح قائلاً لها :تعرفتُ على أهل لكِ في حديثة، وقائلاً لعوفي .تعرفتُ على أقربائك وأولاد خالتك في حديثة.. فبدأت الزيارات والوفود العائلية بين الجبايش وحديثة..

ولما كان ابن عمي منذر أوعوفي أو أبو عدنان زوجاً لأختي ام عدنان فقد كان بيتنا أيضاً محط استقبال أهل وأقرباء من حديثة مثلما كان بيت عمي لازم الأسدي زوج عمتي حسيبة وابو عوفي وديوانيته الكبيرة الممتدة من بيتهم حتى لتكاد تقطع الشارع الوسطاني محط استقبالهم أيضاً..

الملفت للانتباه ان علاقة القربى هذه المنقطعة بحكم الظروف منذ عقود قد تطورت بسرعة عجيبة حتى عوضت في بضعة شهور في الحنان والمودة مافات في عقود!!

وقد روى لي أخي عوفي بعد أول زياراته الى أخواله وأبناء خالته في حديثة ان مجلساً انعقد هناك عند أحد الأقرباء لأستقباله وضم المجلس حشداً من أبناء بروانة وحديثة وكان من بين الحاضرين شيخ ضرير صديق لحمزة الحديثي في فترة وجوده في حديثة، ولما أتى عوفي الى الديوان ضمن جمع من أقاربه الحديثيين ونهض الحضور لمصافحة القادمين توقف الشيخ الضرير عند مصافحة ألأخ عوفي وصاح : هذه يد حمزة وكف حمزة اميزها من بين جميع الأيادي والكفوف!!

فقال له الموجودون: صدقت هذه يد عوف حفيد حمزة..

وقد تميزت يدا وكفا عوفي بالفعل بالكبر والضخامة ويبدو ان حمزة كان يمتلك نفس المواصفات الجسدية وقد ورثها أبو العوف من ضمن ماورث..

لم تنقطع زيارة عمتي حسيبة وأبنائها لحديثة وما انقطعت زياراتهم من حديثة عنّا حتى بعد ان غادرتُ العراق.كانوا يزورون بيت عمي لازم حيث يسكن الأبن عوفي وزوجته أم عدنان مع عمتي ام عوفي في بيت ألأهل الكبير. كانت عمتي واختي تتنافسان في الطيبة والنبل الأنساني والكرم ولا استطيع ان أقول من منهما كانت أنبل من الثانية، وقلما رأيتُ مثل هذا الأحترام والأنسجام بين أم وزوجة ابنها مثلما عرفتُ بين أم عوفي وأم عدنان..

بقي عوفي ضمن بيت امه وابيه الكبير الى ان توسعت عائلته فأبتنى له دارة في موقع قريب من بيت امه وابيه مباشرة على ضفة نهر الغميجة في الجبايش.

لم اتمكن للأسف الكبير من رؤية هذه الدار لوجودي في الخارج في المانيا الّا انني حينما كنت في زيارة لبعض أصدقاء العائلة المقيمين في السويد دعاني ورافقني صديق منهم في نزهة في أحد أحياء ميناء هلسنبورغ الراقية حيث القصور المنيفة في اطلالة ساحرة على الساحل، حيث بادرني الصديق بالسؤال:

كريم..هل ترى هذه البيوت الجميلة، أن بيت أختك أم عدنان وأبن عمك أبوعدنان أجمل وأفخم من كل هذه البيوت !

قلتُ له: معقول؟!

فأردف:

لقد كان قلعة على الماء بحيث اننا نتوه في أروقته ونحن ننقل الطعام من المطبخ الى غرفة الضيوف!

كنتُ أعرف كم تفخر عمتي حسيبة بأبنها منذر أو عوفي مثلما تحب هي ان تسميه مثلما تفخر بأبيها حمزة الحديثي!!

تفخر بأهل الجبايش مثلما تفخر بأهل حديثة!!

 

والآن وبعد ان رويت هذه القصة القصيرة ومن الممكن ان تكون قصة طويلة أو رواية أبطالها حمزة الحديثي ومنذر ألأسدي فأني لا اضيف شيئاً جديداً الى حقيقة ان : العراق بيت العراقيين جميعاً سنة وشيعة وان الطائفتين المسلمتين ابناء دين واحد ووطن واحد وماء واحد وتاريخ واحد، وتزواجهما وقرابتهما وتوحد دمهم امور موغلة في القدم بقدم تواجدهماعلى أرض العراق الخصبة الطيبة المعطاء..ولهم بالفعل عوائل كبيرة تشترك في النسب منها شمّر وعُبيد وجبور وزبيد وتميم وحتى أبناء بني أسد لهم اخوة في البلدان العربية الأخرى على المذاهب السنية بالأضافة الى حالات تزاوج عديدة بينهم وبين سنة العراق..

أردت فقط ان أقول ان هذا ألآخاء امتد ليصل حتى الى الجبايش القصية في أعماق بحيرات العراق!!!

ولا يقتصر أمر الأخوة هذا على شيعة وسنة العراق بل يمتد ليشمل أتباع وأبناء كل الأديان والمذاهب والأعراق في بلد الفراتين: المسلمين، المسيحيين، الصابئة، الأيزيدين والأمر سواء ان كانوا من العرب أو الكرد أو التركمان أو الكلدان أو ألآشوريين أو السريان أو ألأرمن أو الشبك، ,اتمنى بالفعل ان لا اكون قد نسيت مكوناً من مكونات هذا الشعب الطيب الكريم الجبّار ألمبدع ألعريق صاحب ألأفضال الكبيرة على الأنسانية كلها ورائد التاريخ البشري برمته، الذي يسدي الخير للآخرين ويبدع ويمنح فينقلب ألأعتراف بالأحسان عند الآخرين الى حسد وحقد وجحود وخبث و شر وتخريب وخسة ونذالة..

 

آه، ما اتعس الجهات والدول والأحزاب والمنظمات التي أساءت وتسيء وستسيء الى العراق وما اجدر بالعراقيين قطع دابر الفتنة والشر بضم أفئدتهم البعض الى البعض قلباً على قلب مثملما يقول الكلام العراقي ...

متوحدين أود أن اراهم في بلد الرافدين وخارجه واينما كانوا وفي كل زمان يجمع بينهم روح أبو الحسنين علي بن ابي طالب وكيان الحسين الفذ من مراقدهما ومساجدهما وحضرات موسى الكاظم وابو حنيفة والكيلاني من اضرحتهم وحب وتسامح ورسالة سيدنا المسيح من كنائسه واديرته في العراق والتي تُعد من الأقدم والأجمل على صعيد التاريخ المسيحي والأنساني كله..

هذا سفر التاريخ الأنساني كله سفر أسلافنا وأجدادنا الكبار العظام الأجلاء لا ولن نستغني عن أي شيء منه وكلنا وما نملك للدفاع عنه ضد الباطل الذي استفحل والشر الذي خرج من زرائبه وكهوفه وكواليسه الى العلن شامتاً ومتشفياً ومستهتراً،مشوَهاً و مشوِهاً ..ونحن العراقيين من يرد غيه ويعالجه مثما كان أجدادنا وأسلافنا السومريون والبابليون وأبناءبغداد العصر العباسي يشخصون الأمراض و يعالجون المرضى من كافة أنحا العالم..

أجلوا خلافاتكم ابناء وطني لأنها خلافات طفيفة وماهو طفيف لايجوز ان يفتك بالجليل والعظيم وتوحدوا على ماهو مشترك فهو هائل وكبير وجلل..

توحدوا على حب بلد الرافدين العريق : حب العراق النبيل ..العراق قب العالم وضمير العالم في مامضى والآن بعد الآن .. العراق ضمير الأبد!!

 

كريم الأسدي

برلين في 12.03.2015

 

أغدا ألقاك؟ .. يا خوف فؤادي من غد

في 6-5-1971، انسابت أرق الكلمات وأعذبها من حنجرة كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، تشدو بإحدى روائع الشاعر السوداني الهادي آدم؛ أغنية "أغدا ألقاك"، التي ادخرها القدر لمناسبة خاصة، عاشها العرب آنذاك، وقضت مضاجعهم.

وقعت نكسة عام 1967، وأصاب العرب ما أصابهم من جراح بليغة دامية، وخيبة أمل وانكسار. ومن موقعها، وبدافع حسها القومي، فقد ارتأت كوكب الشرق، أن تحيي حفلات في دول عربية عدة، بغية دعم المجهود الحربي في مصر . فقد أحيت حفلتين في السودان وعادت أدراجها إلى جمهورية مصر العربية، وهي في غاية التأثر مما وجدته ولمسته في الشعب السوداني من أسى و حزن وألم يعتصر قلوبهم بسبب نكسة 1967. " لقد كنت أدخل بيوتهم، فأحس أنني في بيتي، وألتقي بهم فأشعر بأنني بين أهلي وعشيرتي"، هكذا عبرت أم كلثوم عن الشعب السوداني المحب لأمته، والغيور على شرفها، والمدافع عن حياضها. تساءلت أم كلثوم عن الطريقة التي تستطيع بها إثبات حبها للشعب السوداني، ورد الجميل اليه، فخلصت الى قرار مفاده: " الشدو بأغنية لشاعر من السودان "، عرفانا وتقديرا لقلوب رقيقة بيضاء عاشت النكسة، وبكت حال العرب وأمجاد الأمة.

ولأجل ضمان اختيار موفق لإحدى قصائد الشعراء السودانيين، فقد أسندت أم كلثوم للشاعر "صالح جودت" إنجاز هذه المهمة. فطاف في مكتبات القاهرة جميعها، بحثا عن كتب وأشعار الشعراء السودانيين المعاصرين. وبمساعدة بعض الاصدقاء، فقد تجمعت لديه سبعة دواوين لسبعة شعراء. درسها ومحصها، واختار من كل ديوان قصيدة تتوافر فيها الذائقة الغنائية. وقدم القصائد السبع الى كوكب الشرق، التي ما أن قرأت قصيدة الهادي آدم، حتى عضت عليها بالنواجذ. وتم استدعاء صاحب القصيدة إلى مصر، في ضيافة أم كلثوم، وبحضور الموسيقار محمد عبد الوهاب، وقرأوا- ثلاثتهم - القصيدة مرات ومرات مع إجراء بعض التعديلات الطفيفة هنا وهناك، ثم حفظت في الأدراج لسنة كاملة بسبب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، ثم صدحت بها مدوية في العام 1971 بمسرح "قصر النيل" في مصر ليسمعها العرب، كل العرب، من المحيط الى الخليج.

 

وكما يقال في الامثال "ومن الحب ما قتل". فعلى الرغم من سعادة الشاعر بغناء أم كلثوم لقصيدته الرائعة، إلا أن هذا العمل قد اختصر جل تاريخه الادبي، فلا يكاد أحد يذكر قصائد أخرى للشاعر، رغم عددها الذي يزيد على المئة. والغريب أنه لم يغن أحد من أبناء الجلدة المطربين أيا من قصائده الأخريات، أو يتناولها النقاد ضمن عملهم. وبعدها أصبح يشترط على الصحفيين ألا يسألوه عن قصيدة " أغدا ألقاك "، ولم يدونها في دواوينه بهذا الاسم، إنما باسم" الغد "، خشية اختزال الديوان كاملا في تلك القصيدة. فهل هي لعنة – كلعنة الفراعنة -أصابته نتيجة هذه الرائعة؟ يبدو أن الأمر كذلك. فقد كرمته بلاده بسببها بوسام الجمهورية الذهبي، واستدعته السفارة المصرية في الخرطوم للسبب نفسه للتكريم. ولم يتوقف الأمر إبان حياته، بل حين وفاته في 2006 نعته وسائل الاعلام بالقول: " رحل صاحب قصيدة " أغدا ألقاك ".فهل هي لعنة الحياة والممات؟

امتهن الهادي آدم التدريس في جميع المراحل، خاصة الثانوية العليا، حيث وجد المكان خصبا لسكب أشعاره الرقيقة الدافئة في جوف الشباب اليافع المتلهف لحلو الكلام. فقد شهد له النقاد ودارسو تاريخ الأدب بالتميز والسبق في نهضة الشعر في البلاد. إنه شاعر متمكن بحق، فهو يمتلك ناصية العربية باقتدار. كيف لا، وقد تخرج في كلية دار العلوم في مصر، وحصل على الليسانس في اللغة العربية وآدابها، كما حصل على دبلوم في التربية من جامعة عين شمس، وشهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة الزعيم الأزهري في السودان.

من دواوينه " كوخ الاشواق "، " عفوا أيها المستحيل "و " نوافذ العدم ". كتب اشعارا لفلسطين، ولبنان، ودمشق، ورثى جمال عبد الناصر في قصيدة " أكذا تفارقنا ؟ "، كما كتب عام 1955 مسرحية شعرية بعنوان " سعاد ". استمر في كتابة القصائد لسنوات متأخرة من حياته، إذ كان آخرها " لن يرحل النيل " التي يصور فيها باتقان وحرفية، وبريشة الفنان الماهر والحاذق، ما عصف من ذكريات ايام الطفولة والصبا في حي " منيل الروضة "، حيث المرابع التي درج فيها خطواته الأولى. أحب تلك المرابع، كما أحب سماءها وترابها، وسهولها ومساكنها التي تعبق بالدفء والحنان، كأريج زهور الخزامى، وروائح البخور، ونسائم العطر السوداني، وحكايات الجدات المسلية.

من الجدير بالذكر، أن الهادي آدم لم يكن يحسب على تيار ايدولوجي بعينه، في حين ان بعضا من أترابه وأقرانه- ممن تلقوا تعليمهم في مصر- قد تميزوا بيسارية مفرطة، كالفيتوري ومحي الدين فارس وتاج السر الحسن. كما أنه لم يتفرغ للشعر مطلقا، بل ظل مواليا لمهنة التدريس الى أن غدا مشرفا تربويا، وحينها أحيل إلى التقاعد.

دماء لن تجف (50): ابتسام زويد عذاب .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadإستشهدت إبتسام زويد عذاب، شنقا في مديرية أمن "البصرة" العام 1982، ولها من العمر خمسة وعشرون عاما؛ بموجب القرار ذي الرقم 2622 / 10؛ لإنتمائها لحزب "الدعوة الاسلامية".

في ليلة تتعذر خلالها رؤية بياض راحة اليد، داهمت عصابة من جبناء الأمن.. مذعورين.. يستقوون على شعب لا حول له ولا قوة؛ لأن "الفسل" إذا تولى لايعف.

إقتادوا إمرأة صابرة محتسبة، لكونها قالت: "لا إله إلا الله" باللغة التي تفهمها الملائكة، وليس بالمراءآة التي يستغلها الشيطان!

وبعد تعذيب لا موجب له؛ تنكيلا بشجاعتها، في الاعتراف وملاقاة الموت مطمئنة لما وعد الرحمن، عباده المخلصين، في محكم كتابه، إستفز أقزام الامن، وهم يجدون تعملقهم والنفخة الجوفاء التي يتظاهرون بها، تتضاءل أمام لامبالاة سيدة مؤمنة بأن الموت حياة لأولي الألباب.

هي مولاها الله، وهم أدعياء الطاغوت.. وليهم صدام حسين؛ لذا واصلوا تعذيبها، في دهاليز أمن البصرة، ريثما جرت محاكمة صورية لها، قضت بإعدامها شنقا، فسارت نحو حبل المشنقة تسبق الجلادين للتنفيذ؛ ما زادهم أحساسا بالضآلة والتلاشي أمامها.

"قل موتوا بغيظكم"

ماذا يمتلك الخائفون على دنياهم، للحد من قوة إمرأة لا تخشى الدنيا: "الخناجر ما ترد صدر اليهد وسلاحه جرحه".

والشهيدة عذاب.. تولد البصرة.. العام 1957، ومن سمائها فاضت الروح الطاهرة الى بارئها يتلقاها سدنة الجنة مرورا بحوض الكوثر.. سلاما طبتم مقاما أهل النور.

أما على الارض.. حيث لا راد لجور صدام على العراقيين؛ فأن العقوبة لم تنته بإعدامها، إنما طالت زوجها وولدين إثنين من أبنائها، الذين أعدموا؛ لأن في سلطة صدام الهوجاء، يفهم ان "تزر الوازرة وزر الأخرى" أما الـ "لا" التي أسقطها من منهاج بطشه؛ فقد نفته هو من قصوره الفارهة، الى "زاغور" تكريت.

"ولا يحيق المكر السيء الا بأهله"

من كواليس الصحافة .. تحقيق (دكمه)

radi mutrafiفي احد الصباحات كنت وزميلة مبكرين لاجراء تحقيق صحفي في منطقة الكاظمية، اوقفت السيارة على عجل في كراج وتوجهنا نحو غايتنا وفي الطريق طلبت زميلتي ان امهلها بعض الوقت لتلقي نظرة على بعض المحلات المختصة ببيع الملابس النسائية وافقت مجبرا بعد ان أخبرتني ان هذا لا يأخذ وقتا طويلا مع علمي بولع النساء بالتمتع بمشاهدة ازياء حواء خصوصا والسوق الذي تروم الدخول له كبير جدا ويحوي مئات المحال . نظرت لساعتي وكانت تشير للتاسعة عندما وضعت رجلها اليمين على عتبة السوق وبعد ساعتين جاءت الى حيث انتظرها وسألت بضيق واحراج هل تحمل معك مبلغا كافي من المال قلت نعم لدي مايكفي لشراء اكثر من (سيت) ملابس لأمراة اخذته مني ووعدتني بتسديده في اليوم الثاني وقبل ان تذهب اخبرتها بعدم قدرتي على انتظارها ساعتين اخرى على ابواب السوق وذكرتها بما جئنا من اجله لكنها وعدت بالانتهاء سريعا فحددت لها مكانا انتظرها فيه وودعتها على امل اللحاق بي سريعا ثم تجولت في المكان وجلست في اكثر من مقهى وسار الوقت بطيئا حتى شعرت بالتعب والجوع فنظرت لساعتي واذا بها تتجاوز الثانية باكثر من نصف ساعة . اتخذت قراري بزيارة مطعم كبة علاء دروش وامضيت هناك اكثر من نصف ساعة ثم عدت للمكان المتفق عليه لانتظارها وانا اظنها سبقتني اليه لكن ذلك لم يحصل فمارست الانتظار حتى اقتربت الرابعة عصرا عندها نفذ صبري وقررت ترك المكان والذهاب لسيارتي لكنها بانت من بعيد من غير ان تحمل بيدها شيئا مما جعلني اضحك بهستيريا وهي تقف امامي كالتمثال ظاهرة عليها اثار التعب والجوع والارهاق بعد ذلك سالتها عن الملابس التي اشترتها فأخبرتني ان لاشيء نال رضاها او دخل مزاجها لتشتريه وطلبت مني ان اعود معها للسوق لعل ذهابي معها يفيد باختيارها شيئا، وافقت وسرت معها بعد ان اشتريت لها (لفة) التهمتها وهي تمشي ولم نخرج من السوق الا بحدود السادسة مساءا لكن هذه المرة ليس بيد خالية وانما استطاعت شراء (سيت) ملابس داخلية وفي السيارت سالتها متهكما كيف تعليم المراة شراء ملابسها بساعتين بعد ان تعلم الاخرون الصينية بسبعة ايام؟ ضحكت وقالت: هذا الامر يحتاج الى تحقيق صحفي موسع . ضحكت وقلت وتحقيقنا الذي جئنا لاجله ولم ننجزه ؟ قالت بكل ثقة: بسيطة استاذ صور كثيرة وانت ماشاء الله خبرة اشتغله تحقيق (دكمه) وفض الموضوع .

 

من يوميات نصير .. حركة الثقافة والأنصار

khadom almosawiحينما حمل انصار "مجهولون" صناديق خشب، محكمة الصنع، على ظهور البغال، وجالوا فيها شعاب الجبال والوديان من اجل ايصالها بأمان حيث يجب، كانوا يدركون اهمية هذه الصناديق. ويعرفون انها سلاح جديد يضاف الى اسلحتهم الاخرى. كانت صناديق الخشب هذه غالية عليهم، يحافظون عليها بدقة وعناية، فقد سهروا ليالي من اجلها حتى سمعوها تنطق، وتجتاز الاثير، تكشف الحجب وتدخل البيوت مخترقة الجبال والوديان التي عبروها. ترفع صوت الشعب، وتحرض الجماهير وتعبئهم لغد افضل.. فقد حملوا وسيلة اخرى لتحقيق اهدافهم وتجسيد نضالهم. انها اذاعة صوت الشعب العراقي، "صوت العمال والفلاحين والكادحين والجنود والمثقفين الثوريين" (1)، بشير الخلاص من ليل الفاشية الجاثم.

لقد افتتحت الاذاعة في شهر آذار 1981. وهذا الموعد له دلالاته، آذار الربيع، والأعياد، والمرأة، نوروز، عيد ميلاد الحزب الشيوعي. الافتتاح مع تفتح الزهور، والطبيعة، والحياة. فاحتفلت الاذاعة بهذه الاعياد، وهيأت للاحتفال الكبير، لعيد ميلاد الحزب، معلنة ان حزب فهد وسلام عادل، حزب الامل والمستقبل للشعب العراقي بعربه وكرده وأقلياته، لن يخبو ضوءه ولن يمحى أثره فها هو صوته يعلو، ويستبشر بمقدمه... وخاب ظن من اعلن تصفيته والقضاء عليه بوقت محدد وتاريخ معين.

اصبحت ساعة سماع الاذاعة محفزا، للتعبئة والتحريض والتحريك، للجماهير عامة، والأنصار خاصة. ضمت بين برامجها نشاطات وفعاليات ثقافية عامة. كانت هذه الفعاليات تحبو، فنمت وتطورت مع تطور الاجهزة والوسائل، ووصول اعداد من المثقفين الذين اختاروا الموقع النضالي المشرف، الاقرب الى نبض الشعب، في ساحة المعركة المباشرة. حملوا السلاح والقلم ليسهموا مع الحزب والحركة الوطنية ضد الارهاب والقمع والفاشية. اختاروا الطريق الصعب بعد ان تركوا الاغراءات والصبوات، والراحة والافياء، وآلوا على انفسهم ان يخوضوا الغمار.

ومع تنوع الوسائل تنوعت المجالات، وتطورت الحاجات. حيث كانت تصدر صحيفتان بتفاوت، الاولى عاودت الصدور، وهي "ريكاي كوردستان"- طريق كردستان- الناطقة باسم لجنة اقليم كردستان، والثانية جديدة هي "نهج الانصار". والاثنتان تصدران باللغتين العربية والكردية. وقد انتظم صدورهما شهريا بعد ذلك، وحوت صفحاتهما على اوراق ثقافية، ونتاجات ادبية وفنية بأقلام الانصار. قصائد وقصص وإبداعات اخرى. ولحقت الصحيفتين نشرتان، اعلامية وإخبارية. الاولى تنشر النتاجات والتحليلات السياسية والفكرية والثانية تطل على اخبار الوطن والنضال الجماهيري. ولاحقا، اعلن في منطقة بهدينان عن صدور "النصير" صحيفة منطقية، اصدرت، فيما بعد، ملحقا خاصا بمناسبة عيد الحزب عن الشعر والقصة بأقلام الانصار في بهدينان. وتتوالى الاصدارات والملاحق والنشرات، لاسيما في عام 1982، عام النهوض الجماهيري، والتلاحم الوطني بين فصائل المعارضة الوطنية.

وفي ربيع هذا العام، 1982، تتصاعد الهبة الشعبية، وتتسع نشاطات الانصار والبيشمركه. تهب جماهير قلعة دزة والسليمانية واربيل وغيرها من المدن وتواكب الاذاعة هذه الهبة، كما تفعل وسائل الاعلام الاخرى لحزبنا والحركة الوطنية ايضا. ويسهم الكتاب والصحفيون والفنانون بقسطهم: ندوات سياسية، فكرية، امسيات شعرية، غنائية، مسرحية، معارض تشكيلية...ومشاريع اخرى. يتجاوب هدير المذيع مع هدير التظاهرات، وتنزل المفارز قرب المتاريس في المدن. توزع المناشير والبيانات وتعلو الهتافات والشعارات... ويحتدم الجدل والنقاش. هبة الشعب هذه، طاقتها، حجمها، امكانياتها، ازمة النظام... شراسة قمعه، إرهابه، مؤسساته، وتسخن الندوات واللقاءات والجلسات.

ويتسع التفكير في تنشيط العمل الثقافي وتنظيمه: فرقة فنية- مسرحية، تشكيل فصيل للفنانين. الاعداد والتهيئة لتأسيس رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الانصار.

كانت مجموعة من الفنانين الشباب (2) يحملون ادواتهم الفنية التي جلبوها معهم ويغنون ويحيون الاحتفال بالمناسبات، يجتمع حولهم عدد من الانصار ويشاركونهم البهجة والمناسبة. حتى تطورت هذه المجموعة الى فصيل منتظم له برنامج عمل. وفي بهدينان كان ايضا مسعى اخر لتشكيل فرقة فنية غنائية (3)، وكانت ثمة اسهامات مسرحية (4)، وإعداد لنصوص مسرحية باللغتين العربية والكردية.

ونشطت المفارز الجوالة، المتنقلة قرب المدن، ولفترة غير قصيرة، بابتكار المجلة الجوالة، بين استراحة وأخرى، بين محطة انتظار ونقطة ترقب، يجتمع المساهمون فيها ويفكرون بموادها، وتجري التكليفات، كل وطاقته وإبداعه، وتتحول الى مجلة مبوبة، مدار نقاش وتثقيف، تحمل اسماء متميزة، فهذه باسم المفرزة مع ذكرى عيد الحزب، واخرى باسم الفصيل، وثالثة باسم النصير، وتبرز فيها كفاءات ومهارات. انها صورة للتحدي، صورة للبديل، صورة للثورة. بين ساعة الواجب، وساعة الحراسة، وساعة قبل النوم، وساعة الانتشار تومض اشارات، ارهاصات الابداع الثوري في الادب والفن. اقلام شابة، واعدة، وطاقات كامنة، ينابيع لإطار اوسع لم يتحدد بعد.

وفي سوران اجتمع عدد من المثقفين في واد تغطيه اشجار الجوز الراسخة الجذور، لتشكيل لجنة تحضيرية لرابطة الكتاب والصحفيين، وضمت اللجنة ممثلة معروفة وفنانا تشيكيليا وشاعرين وصحفيا، وضعت برنامجا لعملها، ولعلاقاتها مع اتحاد الادباء الاكراد، الذي تشكل هو ايضا في تلك المنطقة. اصدرت اللجنة بيانا تأسيسيا (5)، ودعت الى عقد مؤتمر تأسيسي للرابطة، بعد ان وجهت الدعوات، ونسقت مع اللجنة الادارية لاتحاد الادباء الاكراد ومجلته "الكاتب الكردستاني" (6).

وبين الحماس للعمل والظروف القاسية، بين الانطلاقة والاستمرارية، بين الاندفاع والحواجز المختلفة، بين الذين يرون الافاق رحبة، والذين ارتضوا الصخر افقا، تفجرت نشاطات وإبداعات وفعاليات، بمبادرات، او بإسهامات منظمة او ضمن البرامج الموضوعة، فأقيمت معارض فنية، فردية ومشتركة (7)، ونظمت ندوات وأمسيات ادبية، ثقافية عامة، شعرية، قراءات في نصوص عالمية لشعراء المقاومة البواسل، بين وديان كردستان، وجبالها ترددت اسماء اراغون، مايكوفسكي، ناظم حكمت، الجواهري، سعدي يوسف، محمود درويش، القاسم، زياد، وغيرهم من الشعراء، والكتاب والفنانين. وضمن اللقاءات تجري حوارات ونقاشات، حول الادب والثقافة والسياسة، ثقافة الانصار، ام ثقافة للأنصار؟، الادب السياسي ودوره في تحديد مهمات النضال اليومي، كيف تتعامل مع الادب، المسرح، الفنون الاخرى في ظروف النضال الصعبة، في شعاب الجبال، في الوديان، في الغرف الطينية الصخرية، في الكهوف وقسوة الطبيعة، تحت ضوء الفانوس او خطر الهجوم المعادي؟.

اصدرت الفصائل الجديدة (فصيل المدفعية، الدوشكا، وغيرها) نشرات "جدارية" ووضعت برامج تثقيف اسبوعية. واستمع الانصار الى محاضرات عن النضال الثوري في السلفادور وفيتنام والبوليساريو، عن احداث بولونيا، وتطور القضية الفلسطينية وأحداث بيروت.

والإذاعة ايضا، تضع بين برامجها، برنامجا عن الثقافة الوطنية. والصحافة والإعلام يتطوران ويتسع نشاطهما. اصدارات جديدة، بوسترات. ويحمل النصير الشيوعي مع عتاده وطعامه الاصدارات الجديدة، والكتب، والكراريس، والبوسترات، ليطلع عليها، وليوزع منها الى الجماهير التي يجتمع بها. وتدخل المفارز القرى والقصبات وتتناول مع اهلها الكتب، والإصدارات... مكتبة جوالة مع المفارز. وتصير الدفاتر المدرسية التي يتبرع بها طلاب المدارس الى المفارز صحفا دورية، تعبق بإرهاصات الابداع، وخلجات النصير، اشواقه وأمانيه.

كما نشطت الفرق الفنية والمسرحية، في بهدينان وسوران، حيث تحولت غرف النوم وسطوحها الى منتديات وقاعات عرض فني ومسرحي. اذ واصل النصير المقاتل، الشاعر، الكاتب، المغني، الممثل، المخرج، الرسام، اسهاماته، ابداعه. قصائد جديدة، قصص وكتابات عن التجربة الجديدة، اغان جديدة، مسرحيات، مشاريع عديدة اخرى... اعداد وتأليف، ابداع وتطوير، طاقات متمرسة وأخرى ابتدأت منذاك. اسماء معروفة وأخرى جديدة، واعدة. مواهب متدربة وأخرى تفتحت مع حمل البندقية لأول مرة، فأشرقت وأضاءت. وتحولت هذه النشاطات والفعاليات والإسهامات الى امكانات جديدة، ايجابية، لها مردوداتها المعنوية في ذلك الخضم الجديد. وصارت اخبارها تتناقل على السنة الناس، قبل الانصار في المواقع المختلفة، والمحطات المتعددة. خاصة حينما نزلت هذه الفعاليات الى الجماهير. بعد ان كانت بين الفصائل والمفارز. وقد اشتركت جماهير المناطق التي كان يجوبها الانصار في هذه الفعاليات، وحضرت احتفالات الأنصار شاهدت، وسمعت نشاطاتهم وفعالياتهم المتنوعة، المتعددة.

وتتطور الحركة بوتائر طردية، ويتسع المجال وتضيق الوسيلة. فيتم التنظيم والتنسيق والبرمجة. اللجنة التحضيرية واللجان الحزبية للفصائل ومكتب الاعلام والعسكري يخططون لبرامج شهرية وفصلية. برامج متنوعة تشمل كل مجالات الثقافة والإعلام... وحتى التدريب العسكري.

فمن تاريخ الصحافة في العراق الى تفكيك وتركيب المدفع الرشاش، ومن نظريات المسرح المعاصر الى الكمائن والهجوم الليلي. وبين الامسيات يطل الانصار على التجربة الثورية في العراق، امريكا اللاتينية، افريقيا، تجارب الانصار في الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، ويستمعون الى شهادة عن قادة الحزب والحركة الوطنية، عن فهد وسلام عادل، وعن الحركة الدينية وإعلام الفاشية، عن الصراع الايديولوجي والحرب العراقية الايرانية في ضوء القانون الدولي، عن فن الراديو والصحافة والمسرح والسينما.

وتشكل لجان مختلفة الاختصاص. لجنة الآداب، لجنة المسرح، لجنة السينما، لجنة الفن، وغيرها من النشاطات المتعددة. وتضع كل لجنة برنامجا لها.

وقد احتوى برنامج لجنة الادب على مشروع اصدار مجلة دورية، اضافة الى المحاضرات الثقافية العامة، وكذلك الاحتفال بذكرى تأسيس رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين. كما شمل برنامج لجنة المسرح على اخراج عدد جديد من المسرحيات التي اتفق عليها. وقد قامت اللجنة بعدة مشاريع مسرحية، منها مسرحية للشاعر ناظم حكمت تجولت فيها الفرقة بين معظم المقرات العسكرية والقرى المحيطة بها، وكذلك جرى مع مسرحية باللغة الكردية مترجمة عن الفارسية، قام بأداء المسرحيتين فنانون شباب وهواة وأخرجهما فنانان مختصان. ولفت الانتباه في هذه العروض المسرحية انه جرى حوار ساخن بين المخرج والممثلين من جهة، والأنصار المشاهدين من جهة ثانية، حول المسرحية، وفن المسرح وعملية الاعداد والإخراج في ظروف العمل العسكري.

اما لجنة السينما، فقد هيأت نفسها لاستكمال ما كانت قد انجزته، وكانت منجزة عدة افلام، منها فيلم عن دخول انصار الى الوطن، وآخر عن تدريب الانصار، وثالث عن نشاط النصيرات الباسلات، ورابع عن مهام فصيل الإعلام وخامس عن عملية هجوم على ربيئة، وفي برنامجها ارشفة نشاط فصائل الانصار وشراء كاميرات جديدة 16 ملم، وأفلام ومشاريع غير قليلة.

اما الفرقة الفنية فقد طرحت مشاريع تلحين اغان ثورية جديدة، وتدربت على اغان مغناة. ورسم برنامجها الاستعداد لتحضير احتفالات عن الحزب وأيار. والتشكيل اعد "سكيجات" بوسترات متنوعة، كبيرة الحجم كخلفية لمسرح الاحتفال، وبوسترات صغيرة للطبع بكميات كبيرة وتوزيعها.

وتتوالى الانجازات والمشاريع، ويأتي مطلع ايار 1983 ليكشف عن وجه قبيح، وجه قادة الاتحاد الوطني الكردستاني الذين قرروا خوض عدوان دموي ضد الاحزاب التقدمية والوطنية، وضد الثقافة، ورموزها في منطقة بشت آشان.

ويحدث ما يحدث، فيلخص بيان للرابطة صدر في كردستان في 19/5/1983 ذلك حيث يقول البيان: "انه لمفجع، بالنسبة لنا نحن المثقفين خصوصا، ان يؤدي هذا الاعتداء الى استشهاد وفقدان واسر العديد من زملائنا المناضلين. لقد استشهد الفنان المسرحي والسينمائي شهيد عبد الرضا (ابو يحيى) الذي سقط جريحا، ثم فتك به البرابرة طعنا بالحراب، والشاعر الشاب محمد صالح الساعدي (ابو وطفاء) والقاص الشاب جعفر عبد الائمة (ابو ظفر) وشمل التقتيل والإعدامات العديد من ذوي الاختصاصات والكفاءات في مجالات الطب والهندسة والقانون والتكنولوجيا وغيرها... وبالإضافة الى ذلك، انتزعت الهجمة العدوانية الكثير من اعضاء هيئة تحرير مجلة اتحاد الادباء الاكراد، وكثيرا من اعضاء رابطتنا.... وكما صب قادة عملية ايار 1983 العدوانية نارهم القاتلة على مثقفينا المناضلين، انقضوا بحقد مماثل على المؤسسات الثقافية، التي انشئت بدم وعرق مثقفينا ورفاقهم الانصار الاخرين، وأسهمت في تنوير وتعبئة جماهير شعبنا وطرح قضيتها ونضالها العادل للعالم: من اذاعة ومطبعة ومكتبات ومركز اعلامي وستوديو تصوير ومدرسة... الخ.... وبالإضافة الى ذلك كله، فقد الكتاب والفنانون والاختصاصيون الذين وقعوا ضحية العدوان، عشرات الاعمال الثقافية المخطوطة، من روايات ومسرحيات وأشعار ودراسات فكرية وأعمال فنية وأفلام وثائقية ونتاجات ثقافية اخرى. وهي كلها تشكل جزء عزيزا من الارث الثقافي والعلمي لشعبنا ولمثقفينا وواحدة من مفاخرنا، لأنها وضعت في موقع القتال والمعايشة"...

(تموز - 1983)

* نشرت هذه المادة في مجلة الثقافة الجديدة في عددها رقم 170، شباط/ فبراير 1986، بقلم: ابو بشير. وهي جزء من يوميات كنت قد كتبتها في كردستان، وحين مروري بمقر الحزب والمجلة في دمشق، قادما من كردستان، بعد اواسط 1983 طلب مني المسؤولون وقتها موضوعا، فأخرجتها من دفتري، وأضفت لها بعض الاسطر التي لم تكن مسجلة فيها لأسبابها، وسلمتها مباشرة في المكتب. وبقيت المادة اكثر من عامين في رفوف المجلة، حتى نشرت في العدد المذكور وتاريخه. اشرت لبعضها في كتابي "بشت اشان .. فصيل الاعلام" الصادر عن دار خطوات- دمشق 2007، والذي تصدره الاهداء: الى ارواح كل الشهداء، الذين سبقونا او الذين ينتظرون.. بتوقيع: ابو بشير.

الان أعيد نشر هذه المادة، مطلع عام 2015، وهي التي كتبت او سلمت للمجلة والنشر في تموز/ يوليو 1983، بهدف اعادة القراءة لكل من لم يقرأها وقتها او يكتب عن التاريخ، تشويها او اغفالا متعمدا او جهلا او ... وما شابهه، للتنبيه عن امانة التاريخ وحرمته وعقابه.

الهوامش:

1- من الافتتاح اليومي لبرامج الاذاعة. بعد الاشارة "السكَنال" الثابتة، تعلن الاذاعة بأنها: "اذاعة صوت الشعب العراقي، صوت العمال والفلاحين والكادحين والجنود والمثقفين الثوريين. صوت الانصار والبيشمركه البواسل، صوت الجبهة الوطنية الديمقراطية، صوت النضال من اجل اسقاط الحكم الدكتاتوري الفاشي وقيام حكومة وطنية ديمقراطية تنهي الحرب وتحقق الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكردستان".

2- ابتدأت المجموعة في سوران من شباب هواة، حملوا ادواتهم الموسيقية وهم يتخلصون من تعقب الفاشية لهم. كان من أبرزهم ابو الصوف، (عداي)، رائد، لينا، وغيرهم ممن التحقوا بالفرقة، وشكلوا فصيل الفنانين.

3- قبل ان يصل الفنان كوكب الى بهدينان كان هناك شباب يمتلكون اصواتا غنائية شعبية. وبعد حضوره والفنان حمودي شجعا العمل الفني وأبدعا في اداء الاغاني الثورية.

4- اضافة الى الاعمال المسرحية، اصدر الفنانون المسرحيون بيانات بمناسبة يوم المسرح العالمي، واستشهاد مسرحيين تحت التعذيب. ومن ابرز الذين اخرجوا المسرحيات في بهدينان الفنانان ابو داود وأبو صبا، وفي سوران، ابو يحيى، ابو واثق، ابو ليث، ابو النور، سركون. ومن الذين قدموا هذه المسرحيات العديدة في المنطقتين اضافة الى مساهمة المخرجين فيها ايضا، ام بسيم، إيمان، ابو سامر، آشتي، سميرة، سمير، ابو الصوف، ابو شاكر، ام ليث، وغيرهم من الهواة الرائعين.

5- نشرت مجلة البديل في عددها 3، نص البيان.

6- نشرت مجلة البديل، والثقافة الجديدة، رسائل من كردستان فيها هذه النشاطات وعرض ابواب المجلة.

7- في سوران اسهم الفنانون: الشهيد ابو زهرة (معتصم عبد الكريم)، ابو وسيم، ابو الصوف، ابو غصون، ابو هناء، هزار، وفي بهدينان الفنانون: قاسم، مهند، ايمان.

 

أيام لاتنسى في بعقوبه

jafar almuhajirفي حياة العراقيين الكثير من الأيام الحزينة والقليل من الأيام المفرحة. ولا يمكن لذاكرتهم أن تنسى ذلك الصباح المكفهر الذي أطل على العراق بكل ثقله وأوجاعه، وسفكت على أثره أنهار من الدماء ومازالت آثاره الكارثية باقية إلى يومنا هذا نتيجة مقولة (عفا الله عما سلف) التي أطلقها الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم . إنه يوم الثامن من شباط عام 1963م. يوم الإنقلاب الدموي البعثي الذي أجهز على ثورة الرابع عشر من تموز الوطنية الكبرى وزعيمها الخالد إبن الشعب البار الشهيد عبد الكريم قاسم وصحبه الشهداء الأحرار. وقد سادت بعد حدوثه حقبة من الإرهاب البعثي لم يشهد لها تأريخ العراق مثيلا لطخت تأريخ هذا الحزب الفاشي الدموي بالعاروالشنار.          

كان معهد المعلمين الذي كنت أحد طلابه في مدينة بعقوبة يقع على مساحة واسعة من الأرض تحيط به الأشجار من كل جانب. وكان عدد طلاب المعهد يربو على الألف طالب. وعدد المدرسين حوالي الخمسين مدرسا. وكان مدير المعهد شخصية اجتماعية متميزة ومعروفة هو الشاعر والأديب الأستاذ المرحوم (حسين بستانه) وكانت له معرفة بالزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم وأتذكر أحدي قصائده المنشوره والتي عنوانها (تحية الزعيم ) يقول في مطلعها :

لو أستطيع لصغت الشعر من ذهب قلادة   لزعيم   الكرد     والعرب.

وقد أضمر له البعثيون حقدا دفينا وانتقموا منه بعد حدوث الانقلاب الدموي. فتم إغتياله على طريق المقدادية – بعقوبه بعد الإنقلاب بفترة قصيرة رغم كبر سنه.

في إحدى الصباحات التي سبقت الإنقلاب المشؤوم بأيام وجدنا إعلانا يبشرنا بفرحتين إحداهما منح مبلغ عشرة دنانير تبرع بها الزعيم إلى كل طالب في المعهد. والثانية إن الزعيم سيقوم بزيارة للمعهد قريبا. وكان ذلك المبلغ كبيرا في تلك الفترة وقد أثلج قلوب الطلاب خاصة إن أكثرهم من الفقراء. وآنتظرنا يوم اللقاء بالزعيم على أحر من الجمر. وكنا نسأل المدرسين يوميا عن تلك الزيارة المرتقبة فكانوا يجيبوننا بأن الزيارة باتت على الأبواب ولكن ذلك الحلم لن يتحقق بعد حدوث الانقلاب وآستشهاد   الزعيم عبد الكريم قاسم وصحبه الأحرار.

لم أنس ذلك الطالب الضخم الجثة والمتجهم القسمات، والإنعزالي القليل الحديث وصاحب النظرات المريبة الذي يحضر للصف بين فترة وأخرى . وقد عرفت فيما بعد إن إسمه (مزبان خضر هادي)   عضو ماسمي بالقيادة القطرية لحزب البعث. الذي ترك المعهد ولم يتخرج منه. وتحول إلى وحش كاسرعلى الطلاب بعد حدوث الانقلاب. حيث كان يحضر إلى القسم الداخلي مع عصابة من المسلحين بعد منتصف الليل ويسحب بعض الطلاب من أسرة نومهم ويحشرهم في سيارات تنطلق بهم ألى مكان مجهول. وقد آختفت آثار البعض منهم ولم أتذكر أسماءهم. وكان يضمر حقدا دفينا لطلاب المحافظات الجنوبية ويكرر دائما إن معظمهم (شيوعيون قاسمييون شعوبيون فيليون.) والمصيبة أن مزبان هذا كردي الأصل تنكر لقوميته الكردية. ولا ضير أن يكون الإنسان من أية قومية حيث يقول الشاعر:

كن آبن من شئت وآكتسب أدبا

يغنيك محموده   عن   النسب

إن الفتى   من   يقول   هاأنذا

ليس الفتى من يقول كان أبي.

في ضحى ذلك اليوم الشباطي الرهيب وردتنا أنباء انقلاب الثامن   من شباط الدموي. وقد نزل الخبرعلى رؤوسنا كوقوع الصاعقة، واضطرب البعض ولن يصدقوا ماحدث، وتقاطرت الدموع من عيون الكثير من الطلاب حزنا وألما على ذلك الحدث المأساوي . حيث كانت شعبية الزعيم عبد الكريم قاسم بين أوساط الطلبة   كبيرة شأنهم شأن معظم العراقيين . وكنا نمني أنفسنا بأن نسمع خبرا يكذب حدوث الانقلاب أو يقبره في مهده ولكن سبق السيف العذل وحدثت الكارثة بعد أن تأكد نبأ الانقلاب حين لمحنا مدير المعهد الأستاذ المرحوم حسين بستانه يتجه نحو ساحة المعهد. فألقى كلمة وهو شاحب الوجه وطالب الطلاب بالحفاظ على النظام. فتعرض للصفير والسب والشتم من قبل بعض الطلاب البعثيين وعدد من المدرسين الانتهازيين. وكان أشرسهم مدرس فلسطيني يدرس اللغة العربيه أسمه ( محمد ) حيث هاجم حسين بستانه بعنف ووصفه بأنه ( عميل قاسمي موتور ) ثم وجه كلمات نابية إلى شخص الزعيم عبد الكريم قاسم الذي ناصر القضية الفلسطينية وأعتبر الفلسطينييين من أهل البلد. وحارب في فلسطين وحرر قرية كفر قاسم عام 1948م. ولكن أصبح حال ذلك المدرس الفلسطيني كحال الضبعة (أم عامر) حين بقرت بطن من آواها وقدم إليها الطعام وهي قصة تأريخية معروفة في التراث العربي حيث رثى اخ للضحية الذي آوى تلك الضبعه في قصيدة يقول في مطلعها

ومن يصنع المعروف في غير أهله

يلاقي الذي لاقى   مجير أم عامر.

بعد ذلك تم فصل الأستاذ حسين بستانه من المعهد ولم نسمع بخبره إلا بعد سماع خبر اغتياله وهو في سيارته على طريق المقدادية – بعقوبه.

يقول حنا بطاطو في الكتاب الثالث ص290:

(في الساعة 9:40 صدر البلاغ رقم 1 لزعماء الإنقلاب الذين سموا أنفسهم ( المجلس الوطني لقيادة الثوره ) وبإنشاء تكراري وفضفاض أعلن البلاغ ( إنه بعون الله تم وضع حد لنظام عدو الشعب عبد الكريم قاسم.) ثم يسرد في صفحة أخرى كيف إن قاسم إتصل بعبد السلام عارف مساء يوم الثامن من شباط وقال له بالحرف الواحد (أنا أخوك ولن أنسى أبدا الخبز والملح الذي بيننا . وطلب أن ينفى خارج العراق لكن عارف لم يصغ لكلامه.   ومن الجدير بالذكر إن قاسم عفا عن عبد السلام عارف حين كان الأخير يحاول قتله. وتم اعتقال قاسم في الساعة 12:30 وتم تنفيذ الإعدام به وبالمهداوي ووصفي طاهر وطه الشيخ أحمد ومساعد صغير في الساعة 13:30.) ولم يعرف المكان الذي ضم جثامينهم الطاهرة لحد هذا اليوم . وهكذا انتهت حياة قائد قاد أعظم ثورة وطنية في تأريخ العراق والوطن العربي بهذه الصورة المأساوية. وقد قدر الذين كتبوا عن ضحايا الإنقلاب خلال يومي 8 و 9 شباط بخمسة آلاف مواطن. وزج عشرات الآلاف في السجون.ويستطرد حنا بطاطو في صفحه 300 من كتابه قائلا (في حديث شخصي منفرد للملك الأردني الراحل حسين مع محمد حسنين هيكل رئيس تحرير ( الأهرام ) يقول له بالحرف الواحد ( إسمح لي أن أقول لك إن ماجرى في العراق يوم 8 شباط قد حظي بدعم الإستخبارات الأمريكية .) ولا يمكن إنكار قول علي صالح السعدي الذي قال ( جئنا بقطار أمريكي .)

تعطل الدوام في المعهد بعد آعتقال العديد من المدرسين، ونتيجة صدامات حدثت بين المعارضين والمؤيدين للإنقلاب. ولجأنا نحن طلاب المحافظات البعيدة إلى غرف القسم الداخلي وكنا نسمع البيانات التي يذيعها الإنقلابيون من راديو بغداد لتشويه سمعة الزعيم . وآدعوا بأنهم عثروا في وزارة الدفاع على ملاعق ذهبية كان يستعملها وغيرها من الأكاذيب المفضوحة التي يجيدها البعثيون إجادة تامة في مثل هذه الظروف.والشعب العراقي يعلم تمام العلم بأن الزعيم لم يترك وراءه غير البدلة العسكرية وفي جيبه مبلغ زهيد وقد عثر على بعض أوراقه بعد الإستيلاء على مكتبه إنه كان يوزع راتبه بآنتظام على بعض الأسر المحتاجة في بغداد وهذا ماذكره أشخاص عديدون كتبوا عن حياته الزاخرة بالزهد في الحياة. وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والحد من النوازع الطائفية. والتأكيد على الهوية الوطنية ، وتحقيق الإستقلالين السياسي والإقتصادي.وهناك الكثير من الكلام الذي يثبت زهد الزعيم ونزاهته وتضحياته من أجل سعادة الشعب العراقي التي آنتزعها البعثيون وحولوها إلى جحيم لايطاق لثلث قرن من الزمن . ومن أراد المزيد من الإطلاع فليقرأ كتاب سنوات الجحيم للأستاذ حامد الحمداني.

لقد سادت فترة دموية رهيبة واعتقل الكثير من المدرسين والمعلمين وأساتذة الجامعات والموظفين في بعقوبه ومن عجيب الصدف إن أحدى المقاهي القريبة من نهر خريسان الذي يخترق المدينة يملكها شخص إسمه خريسان أيضا. حيث هوجمت في إحد الأيام من قبل عصابات البعث وآختفى صاحبها بحجة أن المقهى كانت مقرا للشيوعيين . وهي تهمة سهلة كانت تلقى على أي مواطن يروم البعثيون اعتقاله.

ومن العادات السائدة في ضواحي بعقوبه إذا دخل شخص من غير أهل المنطقة وشرب كأسا من الشاي فأن أحد أبناء المنطقة يدفع قيمة كأس الشاي دون معرفة سابقة. وعندما يهم الشخص بالخروج يقول له صاحب المقهى ( جايك واصل.) وقد دفع عنا أجرة كؤوس الشاي مرة أحد الأشخاص الذي كان يغطي رأسه بكوفية بيضاء لكبر سنه وعندما اقتربنا منه لنشكره تأكد أنه مدرسنا في المعهد. وقد نصحنا بعدم التطرق إلى الأمور السياسية حيث وصف الأوضاع بالحرجة والخطيرة. و قال لنا إنكم من محافظات بعيدة وعليكم أن تكونوا في أتم الحذر واليقظة وقد لمسنا من كلامه بأنه مستاء من الإنقلاب. فشكرناه كثيرا على نصائحه .

حضر مزبان إلى المعهد بعد اختفاء دام عدة أسابيع.وأخذ يكيل الشتائم ويتوعد بآعتقال كل (عميل شيوعي وقاسمي) كما قال.   وبعد فترة صدرت إلينا الأوامر من مديرية التربية بالالتحاق في المدارس الإبتدائية معتبرة إن فترة التطبيق في المدارس هي الشرط الأساسي للتعيين.وكان نصيب طلاب المحافظات الجنوبية في قرى بعقوبة المترامية الأطراف. أما أهالي بعقوبه والمناطق القريبة منها فقد عينوا كمطبقين في مناطق سكناهم. ولا أدري ربما عمل ذلك بتوصية من مزبان.وكانت أجرتنا اليومية 200 فلسا.

وقد كان نصيبي مع ثلاثة آخرين قرية أسمها ( سنيجه) التي لم نسمع بها. فكتبنا عريضة إلى مدير التربية الجديد نطلب فيها وضعنا في مدارس قريبة بآعتبارنا غرباء عن المنطقه ولا نعرف هذه الأماكن فرفض طلبنا وطالبنا باللحاق في المدرسه دون أي اعتراض . كذلك رفضت كل طلبات طلاب المحافظات الجنوبية بتغيير المناطق التي أمروا أن يذهبوا أليها. بدأنا نسأل عن تلك القرية وبعد جهد استأجرنا سيارة تاكسي على حسابنا الخاص بعدة دنانير رغم قلة مافي أيدينا من نقود. وبعد حوالي الساعتين وصلنا إلى مشارف القرية حيث وجدنا بعض الأطفال يلعبون. وعندما لمحوا التاكسي دفعهم فضولهم إلى معرفة القادمين إليهم. ويبدو أن التاكسي كان لايصل إليهم إلا في حالات نادرة. وكان أحد الأشخاص من أهل القرية يملك سيارة باص خشبية قديمة من نوع (فالفو) ينقل أهالي القريه من وإلى مدينة بعقوبه يوميا. حيث ينطلق صباحا ويعود مساء.ثم سمعنا أحد الأشخاص يقول للأطفال ( يمكن أجوكم معلمين جدد) فانطلقوا راكضين نحو بيوتهم ليخبروا عوائلهم بقدومنا.

وحين توسطنا القرية جاء بعض الأشخاص للترحيب بنا وكان شيخ القرية ومختارها في مقدمتهم. ورحبوا بنا كثيرا ودلونا   على المدرسه فوصلنا إليها وكان بناؤها الخارجي لاباس به   وقرأنا القطعة المعلقة ( مدرسة سنيجة الابتدائية للبنين تأسست عام 1959م.) فاستقبلنا مدير المدرسه الأستاذ ذكر الله محمد صالح وكان يقيم في المدرسه . ويبدو أن بعض المعلمين الذين كانوا فيها قد نالوا نصيبهم من الاعتقال على يد مزبان وعصاباته الذين كانوا يجوبون المنطقة وهم مسلحون ويعتقلون أي شخص يرغبون باعتقاله. أرشدنا مدير المدرسة إلى غرفة نومنا ثم قال (لايمكنكم النوم مالم تمسحوا أجسامكم بهذا المسحوق الأبيض) وأشار إلى برميل صغير مغلق كان يرقد في الغرفه فقلنا له وما هو هذا المسحوق الأبيض؟ قال (إنه مادة قاتلة للبراغيث والبراغيث هنا لاترحم !!!) وقد ألقينا نظرة على زوايا الغرفه فرأينا تلك البراغيث تتقافز يمينا ويسارا وفي كل اتجاه. وبقينا نتحدث في مواضيع شتى عدا السياسة التي كنا نحذرها في تلك الأوقات العصيبة وفي تلك المنطقة البعيدة عن أهلنا. ويبدو أن صاحبنا كان يبادلنا نفس الشعور. وبعد ساعة من الزمن جلب إلينا شخصان سفرة من الأكل تكفي لعشرة أشخاص وقالوا إنها من أهل القرية وكان ذلك هو أول الغيث والكرم النبيل الذي اتصف به أهالي سنيجة طيلة مكوثنا في القرية التي زادت على الثلاثة أشهر. لم نكن نرغب في الليلة الأولى بمسح أجسامنا في المسحوق خوفا من تسممنا. ولكننا اضطررنا لاستعماله والإستحمام صباحا لأننا لم يغمض لنا جفن في الليلة الأولى حيث أصبحت أجسامنا غذاء دسما للبراغيث حتى الصباح .

كان عدد تلاميذ المدرسة يربو على 120 تلميذا والمدرسة تحتوي على ستة صفوف عدا صفين يستعملان للمبيت وغرفة أخرى للأداره وغرفة أخرى للمعلمين وقد قدمنا مدير المدرسة في الاصطفاف الصباحي لجميع التلاميذ وقال لقد حضر   المعلمون الجدد من أماكن بعيدة لتعليمكم وما عليكم إلا أن تحترموهم كإخوانكم الكبار فهل سمعتم ؟ أجاب الجميع وبصوت واحد ( نعم أستاذ) ثم عقب المدير بجملة ( بارك الله بكم أولادي النشامه) وقد مرت الأيام ولم نشعر بها لشدة طيبة أهل القرية أولا وكرمهم ثانيا . وكانت عوائل التلاميذ حريصة كل الحرص على أبنائها. وكان البرتقال اللذيذ الذي يتميز طعمه عن طعم أي برتقال في العالم يأتينا من أهل القرية مجانا .أما القيمر فلم أجد ألذ منه في تلك القرية. وفي كل يوم جمعه يأتينا شخص من أهل القريه ويعزمنا على تناول طعام الغداء في بيته وكان ذلك الأمر من تقاليد أهل القرية الثابتة. ورغم عدم وجود الكهرباء في القريه فقد كنا لانشعر بعدم وجودها لبرودة الجو.وقد حضر     مزبان وعصابته في أحد الأيام إلى المدرسه وآستفزنا بكلمات نابية وقاسية فكنا نسمعها ولم نرد عليها تحاشيا من عدوانيته وعدوانية جماعته . ولم نسمع كلمة جارحة واحدة من أهالي القرية . وكانوا كرماء جدا معنا وهي شيمة معظم العراقيين رغم بعض العدوانيين والطائفيين الذين خرجوا عن تقاليد هذا الشعب الكريم الأصيل. وشتان بين موقفهم وموقف مزبان الذي أستأسد علينا لكنه تحول بعد ذلك إلى جرذ مرعوب حين رأيته متخاذلا ذليلا وهو في قفص الإتهام داخل المحكمة الجنائية يستعطف القاضي ويدعي أنه (بريئ) و(سيد) خدم المجتمع، وعمل على توسعة مجاري مدينة النجف الأشرف حين عين محافظا لها. فشتان بين الموقفين المتناقضين. إن الشيء المؤلم الذي حز في نفسي ونفوس الكثير من الطلاب هو وأد ذلك الأمل الذي راودنا بتحية الزعيم الخالد الشهيد عبد الكريم قاسم وآلتقاط صورة تذكارية معه. وكما يقول الشاعر :

ماكل مايتمنى   المرء   يدركه

تجري الرياح بما لاتشتهي السفن.

 

جعفر المهاجر/ السويد

5/3/2015م

 

رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي (3)

استلمت كثيرا من تعليقات الزملاء حول مقالتي الاولى والثانية عن رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، واهمها – من وجهة نظري – ما جاء في حواري ومراسلاتي العديدة مع صديقي المهندس ضياء العكيلي، صاحب فكرة الكتابة عن تاريخ الرابطة وأحد قادتها في ستينيات القرن العشرين الماضي كما ذكرت في الحلقتين المذكورتين، وكان من الطبيعي – نتيجة لذلك - ان تولد فكرة تسجيل هذا الحوار معه اكمالا لهدفنا المشترك وهو المساهمة في كتابة تاريخ رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي ودورها في مسيرة الحركة الطلابية في العراق عموما .

طلبت من الصديق العكيلي ان يحدد لي اولا فترة رئاسته للرابطة، فقال ان ذلك حدث في المؤتمر الثالث للعام الدراسي 62/ 63، حيث تم انتخاب اللجنة التنفيذية للرابطة برئاسته، ولم تسمح الاحداث آنذاك بعد انقلاب 8 شباط الاسود عا م 1963 ان يعقد المؤتمر السنوي الرابع للرابطة كما كانت تجري الامور عادة سنويا، ولهذا استمرت اللجنة التنفيذية بعملها للسنة الدراسية الاخرى، اي للعام الدراسي 63/64، وعندما سألته عن اسماء اعضاء تلك اللجنة أجابني ان سنوات العمر جعلته لا يتذكرهم الان جميعا، ولكنه مع ذلك أشار الى بعضهم مثل صاحب مهدي وفالح عبد القادر والمرحوم خالد الزبيدي ودارا رشيد جودت، ولم يستطع ان يتذكر الاسماء الاخرى، وعندما قلت له ان بعض هذه الاسماء عملوا في اللجنة التنفيذية السابقة وليس معه، لم يستطع ان يحدد مدى دقٌة ذلك، وعندما أضفت انا له بعض الاسماء الاخرى حسب ذاكرتي مثل المرحوم سعود الناصري وسعد الجادر ومنذر نعمان الاعظمي وشريف الشيخ وعبد الله حبه وعبد الجبار عطيوي وعزيز عمران وعبد القادر الجبوري والمرحوم امين جلال وميران (نسيت اسم والده) واكرم عزيز وكذلك الزميلات ناهدة البدري وماركريت كانيكانيان وماجدة عبد الرضا وسلوى زكو ...، لم يستطع العكيلي ايضا تحديد مساهمة كل واحد من هؤلاء الزملاء، لكنه أكٌد وجهة نظره على ان تلك اللجنة كانت تعمل بروح الفريق الواحد المتضامن وبكل حماس واخلاص. سألته ايضا عن رأيه الشخصي بالرئيس الاول للرابطة المرحوم الدكتور محمد علي عبد الكريم الماشطة والرئيس الثاني للرابطة المرحوم الدكتور وجدي شوكت سري، فكتب اليٌ عدة سطور حولهما يقول فيها ما يأتي –

(فقيدنا الغالي الدكتور المرحوم محمد علي الماشطة الذي منحه الطلبة الذين توافدوا للدراسة في الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن الماضي ثقتهم بان يكون اول رئيس لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي دليل صارخ بالكفاءة العلمية والاخلاقية والوطنية التي كان يتحلى بها . أما رأي الشخصي فأقول – انه جبل من الطيبة والبساطة والوطنية / فقيدنا الثاني الدكتور المرحوم وجدي شوكت سري الرئيس الثاني للرابطة – نهر دافق من النشاط الطلابي والوطني، وفي رأي الشخصي، فان هذا النهر اثناء جريانه ( كما هو البعض من النشطاء في الحقلين الطلابي والوطني) تعلقت به بعض الشوائب، وهي خيوط من النرجسية الذاتية، لكنه لم يدخر وسعا في بذل الكثير من الجهود لرفع مكانة وسمعة الرابطة وخدمة مصالح زملائه الطلبة الذين منحوه الثقة في قيادة الطلبة).

سألته ايضا حول رأي رئيس الرابطة لمدة سنتين دراسيتين بشأن الاشياء التي أنجزتها الرابطة برئاسته وبشأن الاشياء التي لم يستطع انجازها، وقد أجابني العكيلي قائلا –

ما لم استطع القيام به اثناء تلك الفترة هو الجمع المتكامل والمتناسق بين نشاطي في عمل الرابطة وحياتي الشخصية بشقيها الاكاديمي والترفيهي مثل بقية الطلبة حولي، وهذا هو شأن من يختار العمل في هذا المجال، وانا لست بنادم على ذلك ابدا . أما فيما يخص الاشياء التي انجزتها الرابطة خلال تلك السنتين فيمكن ايجازها كما يأتي –

الشئ الذي اظن باني حققته اثناء تلك الفترة هو الحصول على ثقة اكثرية الطلبة واحترامهم، واذا لا ابالغ يمكنني القول ثقة الاكثرية المطلقة . ثانيا وبحكم علاقتي الجيدة مع العديد من مسؤولي وزارة التعليم السوفيتية بما فيهم الوزير نفسه، ومع مسؤولي الطلبة الاجانب في الجامعات والمعاهد التي كان يدرس فيها العراقيون، ومع مسؤول الطلبة الاجانب في عموم الاتحاد السوفيتي بوزارة التعليم السوفيتية السيد سوخين، وكذلك مع المسؤولين في السفارة العراقية في موسكو من سفراء والملحق الثقافي وحتى الملحق العسكري، استطعت تحقيق الكثير من احتياجات الطلبة العامة وحتى حل بعض المشاكل الشخصية . ثالثا كنت أسعى بشكل شخصي الى حل الخلافات الشخصية والسياسية وحتى القومية لدى بعض طلبتنا ما ان تبرز، ولا أدعها تكبر وتتضخم ابدا .

طلبت من الصديق العكيلي ان يحدثني عن انطباعاته حول تلك السنتين في رئاسة الرابطة فكتب الي ما يأتي –

انطباعاتي عن تلك الفترة كثيرة ومتشعبة بين الحياة الاكاديمية والحياة اليومية الجديدة بالنسبة للطلبة . لقد أولت الرابطة اهتماما خاصا وكبيرا لموضوع تعايش الطلبة مع المجتمع الروسي، اذ ان معظم طلبتنا لم يسبق لهم الاختلاط بشعوب اخرى والتعرف على عاداتهم وحياتهم اليومية، وقد وجدوا امامهم فجأة نوعا جديدا من الحياة، وكانوا طبعا بلا مراقبة الاهل، وقد ابتعد البعض منهم عن العادات والتقاليد التي ورثوها في مجتمعهم، وقد أدٌى ذلك الوضع الى امكانية الانحراف، لهذا فكان لزاما على الرابطة ان تبذل جهودا استثنائيا في هذا المجال، وحاولنا بكل اخلاص ان نجعل الطلبة يتعايشون مع المجتمع الجديد هذا . كان شعار الرابطة آنذاك هو – التفوق العلمي، وهو شعار تقبله الطلبة، ويمكن لي ان أقول ان 90% من الطلبة قد التزموا به، وانه أثمر فعلا، اذ عاد الخريجون الى العراق، وشغل بعضهم مراكز عليا في أجهزة الدولة وبكفاءة عالية وقدموا لبلدهم خلاصة ما تعلموه في الجامعات السوفيتة، رغم المواقف الرسمية العراقية المعروفة هنا وهناك تجاه الشهادات السوفيتية.

الحوار مع الزميل العزيز ضياء العكيلي ممتع بلا شك، ومن المؤكد ان هذا الحوار بحاجة الى اضاءات اخرى تتناول مثلا النشاطات الثقافية للرابطة وتلك الاسماء التي ترعرعت في اوساطها وبرزت فيما بعد، وهناك موضوع مهم آخر يتطلب التوقف عنده وهو العلاقة بين الاحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية وانعكاس ذلك على مسيرة رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي وتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي آنذاك وغيرها من المواضيع التي لازالت مطروحة امام المجتمع العراقي لحد الآن .. ان الاستمرار الحيوي الدائم للحوار مع العكيلي وبقية الاشخاص الذين عاصروا تلك الاحداث وحثٌهم على كتابة مذكراتهم – هي مسألة ضرورية جدا للوصول الى التفاصيل الدقيقة التي نخشى جميعا ان تطويها الاعوام ولا نستطيع تسجيلها لنا وللاجيال اللاحقة، كي نتمعن ونتأمل فيها وندرسها بعمق ونستنبط منها تلك الخلاصات الصائبة والمفيدة التي يجب ان تبقى على الارض بعدنا ...

د. سلمى خضراء الجيوسي 1928

- "العربُ لا يملكونَ ثقافةً ولا أدباً".

- "سأريك".

 

هذه القدحة أوالشرارة الأولى، التي ألهبت وحركت كوامن العمل، والجهد في قلب د. سلمى خضراء الجيوسي، تجاه أمة بأكملها. ففي نزهة ترفيهية مع طلابها في جامعة " تكساس " الأمريكية، تهكم أحد الطلاب الأمريكان وتفوه، وبطريقة ساخرة، بأنْ ليس للعرب في الركب الأدبي أو الثقافي شيئا. فلم تتمالك نفسها، وثارت بين جوانحها نخوة المعتصم، وانطلقت كالبركان يقذف بالحمم اللاهبة، وردت بقوة وتحد وإصرار:" سأريك " أن العرب يمتلكون الكثير من أصول وروائع الأدب والثقافة. وعلى اثر هذه المشادة الكلامية، عقدت د. سلمى العزم، ومن تلكم اللحظة، على تأسيس مشروع مختص بترجمة الأصيل من أصول الثقافة العربية، من شعر ونثر وتراث ومعرفة، لأجل تقديمها إلى الأخر؛ المتكلم بالانجليزية في هذا الكون الرحب.

شرعت في انشاء مشروعها الذي أطلقت عليه إسم" بروتا " عام 1980 متحملة بمفردها كل المشاق والضنك، لأجل الاثبات بأن لأمة الضاد دور في هذا العالم الرحب. فخلال ربع قرن من العمل الدؤوب، استطاع هذا المشروع ردم جزء كبير من الهوة المتمثلة في جهل " الأخر " بتاريخ أمتنا العربي والإسلامي. فتاريخ عظيم، كتاريخنا، يصعب أن يقوم به شخص واحد، ما لم تدعمه، وتؤازره أياد مخلصة، رسمية وغير رسمية، لا يقل اهتمامها عن اهتمام د. سلمى، إن لم يزد.

فحيثما يوجد النجاح، توجد المشكلات، وتكسير المجاذيف، والإحباطات، ونكران الجميل. فما أن وضعت قدميها على بداية الطريق، وبدأ المشروع يأتي أكله وثماره اليانعة، حتى تصدت له أياد خفية ظلامية ظالمة، من مثقفي العرب، وغير العرب. فوضعوا لها الكثير من العراقيل، بغية وأدِ المشروع الوليد في مهده ، كما لم يكلف أحد من العرب نفسه بارسال رسالة شكر وامتنان، الى صاحبة هذا المشروع، لشحذ همتها وتشجيعها، معنويا، على أقل تقدير. أما المؤسسات العربية الرسمية، فبرغم الإلحاح في طلب المساعدة المادية لانجاح مشروع وطني عربي كهذا، فجلها أشاح بوجهه عن المساعدة، إلا من رحم ربي، وكأن الأمر لا يعنيهم، أو لا يتعلق بتاريخ أمة ينتمون، هم انفسهم،إليها و كانت- وستبقى- عظيمة.

بلغ مجموع ما حققه مشروع " بروتا "، وما حررته د. سلمى الجيوسي من روائع الأعمال، ما يزيد على (30) عملاً، ومنها على سبيل السرد، لا الحصر، خمس موسوعات ضخمة للأدب العربي، وهي على النحو التالي:

1-الشعر العربي الحديث (93 شاعراً) 2. أدب الجزيرة العربية (95 شاعرا وقاصا) 3.الأدب الفلسطيني الحديث (103 شاعرا وكاتبا) 4.المسرح العربي الحديث (12 مسرحية كبيرة) 5.القصة العربية الحديثة (104 قاصا). كما قامت د. الجيوسي بتحرير كتاب عن اسبانيا بعنوان " تراث إسبانيا المسلمة " حيث اشتمل على (48) دراسة متخصصة، تغطي جميع مناحي الحضارة الإسلامية في الأندلس ، وقد اضطلع بهذا الجهد المضني (42) استاذا متخصصا في أمريكا، أوروبا، ومن العالم الإسلامي. كما لم يفت صاحبة المشروع، إغفال بعض السيرالعربية التراثية كسيرة " سيف بن ذي يزن "، حيث أسندت ترجمتها وإعدادها الى لينة الجيوسي، وكان عملا رائعا حقا.

د. سلمى الجيوسي لا تعرف الراحة إلا في العمل، وليس أي عمل، إنه العمل الفكري المضني . هي بحق تشقى في النعيم بعقلها. فمنذ العام 1989 وهي تعمل على أضخم وأقوى أنطولوجيا للأشعار العربية، ناهيك عن عملها على مقالات نقدية باللغة العربية والإنجليزية. وأما بخصوص دول المغرب العربي: ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، وموريتانيا، فقد خصصت ، ومنذ العام 1993، مشروعا شاملا متكاملا لدراسة الادب والثقافة في هذه الدول. ما بين العام 1994 والعام 1995، وفي " برلين " بالذات، أجرت الجيوسي دراسة معمقة عن تقنيات الشعر العربي منذ ما قبل الإسلام، إلى وقتنا الحالي، كما صدرت لها موسوعة الأدب الفلسطيني في العام 1997.

تقول الجيوسي: " أنا التي أعطيت نجيب محفوظ جائزة نوبل، أنا من كتبت عنه تقريرا بناء على طلب الجائزة، وقلت حينها ان محفوظ هو من أرسى قواعد الرواية العربية ". وحينما سئلت عن قناعاتها بأهلية " أدونيس " وجدارته وأحقيته بجائزة نوبل، أردفت بأنه فعلا يستحقها، ولكنه أفسد قضيته بتناقضاته الفكرية.

تم تكريم د. سلمى خضراء الجيوسي بمنحها وسام القدس 1990، ونالت جائزة تكريمية من اتحاد المرأة الفلسطينية في أمريكا عام 1991. أمد الله في عمرها ومتعها بالصحة والعافية، وأعانها على تحمل أعباء هذه المسئولية الكبيرة، والشاقة.

أمير الحلو .. شجاع في زمن الخوف

falah almishealضغوط شديدة عشتها في مجلة الف باء في تسعينات القرن الماضي، أولها الإنتماء لحزب البعث كان يريد فرضه علي (فايق الحديثي ) مسؤول تنظيم وزارة الإعلام، إضافة الى ضابط من الأمن العامة يدعى (طالب أبو سارة) أزاحه عني الشاعر الشعبي فالح حسون الدراجي، صديقي آنذاك، إضافة الى شخص من المخابرات وسيم ذي عينين ملونتين كان يدعى (محمد) .

هؤلاء كانوا يدعوني اما الإنتماء للحزب أو لأحدى هاتين المؤسستين الأمنيتين، فأتخذت قرارا ً بترك العمل في الصحافة ولاأنتمي لأي من هذه الأجهزة القمعية، لكن قبل يجب أخبار رئيس تحرير الأستاذ أمير الحلو بكل ماحصل قبل ان اغادر .

في ضيافة أمير الحلو ومكتبه الوفير الفسيح وروحه الفياضة بالوداعة والحنين وعبق سكائر السومر (سن طويل)،كنت احكي له بإنفعال عن تلك المضايقات ورفضي لها وقراري بترك العمل والبحث عن بديل ..!

ردني أمير بجدية وبعض الصرامة، لاأحد يستطيع ان يفرض عليك الإنتماء للحزب أو لأية جهة، أبق مستقل وأستمر بعملك، واذا عاودوا لك قل لهم رئيس التحرير لم ينتم للحزب أو للأمن أو المخابرات، وحين ألتقي هؤلاء سيكون لي كلام معهم .

صدمني استاذ أمير بهذه المعلومة فصرت أتطلع لمعرفتها أكثر من اكتساب اسباب لخلاصي، قلت له ؛ استاذ كيف انت لم تنتم للحزب وتصل لهذه الدرجة ..؟

فروى لي كيف أنه قدم استقالته حين جاء حزب البعث للسلطة وكان يشغل مدير إذاعة القوات المسلحة وكونه ينتمي للقوميين العرب، لكن نائب رئيس الجمهورية آنذاك صدام حسين تدخل ورفض الإستقالة وطلب منه ان يبقى في وظيفته ويستمر مستقلا حتى لحظة حديثه معي، هكذا قال وحرضني أن استمر مستقلا مؤمنا ً بقناعاتي ..!

حدث هذا في زمن الخوف والسمسرة السياسية، والعروض المجانية التي كان يقدمها بعض زملائنا متطوعين لخدمة المخابرات او الأمن أو الحزب .

موقف آخر لن أنساه للسيد الفاضل أمير الحلو، كنت اذهب بإيفاد كل ثلاثة اشهر الى عمان، أتفقت مع الحلو على إدخال ظرف مختوم من الدائرة الصحفية في سفارة العراق في الإردن، يضم بعض الكتب السياسية الحديثة الممنوعة على ان أكتب على الظرف تعود لرئيس تحرير مجلة الف باء أمير الحلو، لأنها تحت هذا العنوان لاتفتح من قبل المخابرات كونها تحمل ختم السفارة ...! دون تردد وافق مع طلب ان يقرأ هذه الكتب ايضا ً...، في السفارة كان أحدهم يساعدني بمغلفات كبيرة تحمل ختم السفارة، وكانت فرصة لأدخل صحف المعارضة وجريدة الزمان وكتب تدين الدكتاتور .

تلك بعض مواقف الصحفي الوطني الكبير والشجاع المتفاني والجميل الودود أمير الحلو رحمه الله ..كان أميرا ً للصحافة والجمال الأنساني

دماء لن تجف (49): آشنا خالد ججان .. موسوعة شهداء العراق

munir hadad"وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت"

إستشهدت آشنا خالد ججان، ذات الثماني سنوات، تحت التعذيب، إذ أعتقلت بموجب القرار رقم 766 / 17، الذي خول مديرية الامن العامة، إلقاء القبض على قاصر.. تولد العام 1988.

أودعت السجن العام 1996، ولم تستنفد وقتا طويلا بأيديهم المتغضنة؛ ضغطا خسيسا.. لا رجوليا، على والدها؛ كي يسلم نفسه؛ لأنه مطلوب لسلطة الطاغية المقبور صدام حسين؛ بسبب إنتمائه لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

لن أتساءل: "هل أبقى نظام الطاغية، وجلاوزته.. الذين أسماهم الامام محمد باقر الصدر.. تقدس سره الشريف: "أعوان الظلمة" سبيلا للتنكيل بالشعب العراقي، لم ينتهجوه؟ هل إدخروا وسعا للنيل من أمان وإستقرار الناس، لم يلجوه؟ فاضوا بقوة طوق الجبن المندفع من ذواتهم، في سعار التكالب على كرسي السلطة.

لم تنتفض "شوارب صدام الدعية" لطفلة في الثامنة من عمرها، تتعذب في دهاليز غيابات الامن العامة، تحت سدف دياجير الظلام، المتفجر من ذواتهم البعثية، بركاناً ذا صديد يفور بأضعاف حرائق جهنم، يسقطونه على طفلة، وأبوها لا يدري؛ لأنه متوار حيث إنقطاع الصلة، مطمئنا الى كونه لم يترك وراءه ذكرا ذا عمر يحكمه القضاء.

ولأن صدام لم يبقِ على حرمة لقضاء، ولا لطفولة بريئة، ولا لإنسانية؛ فلم يتردد رجال الامن من إعتقال آشنا، بإعتبار الكردي والشيعي والسني والمسيحي والتركماني والصابئي، مباحا لهم.. لا حرمة لأحد في العراق.

لكن ألا تعز رجولتهم عليهم وهم يقدمون على تعذيب طفلة، مثل الوردة؛ لمجرد انها كردية وأبوها منتم لحزب لا يوافق هواهم؟ هل هو سبب كافٍ لتعذيبها حتى الموت شهيدة، بين يدي رجال قساة، تهصرها أجهزة تعذيب متقنة الصنع.

وكما قال رجل دين عربي منصف: "العقوبة في عهد صدام تبدأ بالإعدام ولاتنتهِ به" فالملاحقات إستمرت تطارد عائلة الشهيدة الغضة آشنا خالد ججان، تمنعهم من الحزن عليها، كمن ينغزك بمخرز ملتهب.. يستعر، ويحظر عليك التأوه!

"وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت".

 

دماء لن تجف (48): فاضل العمشاني .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadالشهيد الشيخ فاضل العمشاني، انموذج لمقارعة الظلم والاستبداد، عاش حياة مؤثرة في محيطه الاجتماعي، إقتدى بسمو أخلاقه جمع ممن إحتكوا به، مثلما أحسن إلتقاط العلم والسلوك، من أساتذته أساطين العلم والتقوى.

شهيد عنوانه التقوى وبرهانه العلم والولاية ديباجه والتواضع سيرة له.. في لحظاته الأخيرة عندما لم يكن يفصله عن المشنقه إلا شربة من الماء قدمت اليه، أبى ان يلحق بحبيبه سيد الشهداء إلا وهو ظامئ مثله.

رجل عمل وصدق، لم يتأطر في دائرة التنظير فقط بل دار في حركة الامة والشباب، لفضح البعث ومعاداته للاسلام، يروي قصة ظلم صدام حسين للعراقيين.

دعى الله.. سبحانه وتعالى ان يرزقه الشهادة، في يوم "الغدير" بالذات؛ فإستجاب له.. جلت قدرته؛ ما يدل على صدق العلاقة بينه وأمير المؤمنين.

يُروى عند اعتقاله في شارع الرسول، من قبل البعثيين، وقبل صعوده الى السيارة، وقف متأملا، كما لو قوة خفية تبسط ظلها على معتقليه.. تهيمن عليهم، مطفئة قسوتهم ومسيطرة على ذعرهم.. تركوه حرا ضمن نطاق طائلة عتاد أسلحتهم الجبانة تستقوي بالنار.

نظر الى قبة أمير المؤمنين وأومأ برأسه وتمتم بكلمات لم يسمعها أحد، وإرتقى سيارة الأمن متجها الى قدر أفنى أعدائه بموته، وخلده.

الكلمات التي همهم بها، أمام حشد من متجمهرين؛ لأنه شخصية مشهورة، أيقن الجميع، بأنها عهدبينه والإمام علي.. عليه السلام، بحيث ان الله جعل شهادته يوم بيعته عند غدير "خم" لاحقا به الى الجنة، حيث حوض ماء "الكوثر".

موته حقق معجزة دعمت ألفا واربعمائة عام من المعجزات الاسلامية؛ للرسول وآل بيته وأوليائه وأصحابه وشهداء الرسالة ودعاتها.

فأي شرف، أمام الله والمؤمنين، ان يؤرخ بيوم الغدير كذكرى سنوية لأستشهاد المفكر والقائد والمجاهد الشيخ فاضل العمشاني، على يد الطغمة البعثية الصدامية.. مبايعا ابا الحسنين بروحه ودمه وحياته ووجوده الدنيوي، حين بايعه الناس بأيديهم والسنتهم.

لسان حاله يردد: "أي عظيم أتقي.. أي منيع أرتقي.. وكل ما خلق الله وما لم يخلقِ.. محتقر في همتي.. كشعرة في مفرقي" لكن كل ما زهد به الشهيد العمشاني، عظم في عين غريمه الطاغية المقبور صدام حسين، فذل الطاغية وشمخ قتيله مرتقيا الى عليين، في أوجدرجات الجنة، بينما إرتكس قاتله الى حضيض دركات سقر.. في الدنيا قبل الاخرة.

شهد الجميع حواره مع قبة الامام، وإرتياحه مرتويا، من عمق وجدانه.. منتميا للآخرة، وهو لم يزل حيا في الدنيا؛ إذ آثر ان يرفض شربة ماء منحت له خلسة، لأنه ليس ظامئاً بالشعور من الاعماق التي بلغت الجنة، يرتشف من الكوثر، سلسبيلا، بينما جسده الفاني ما زال حيا.. يتقدم من المشنقة، تفصله عنها خطوات واثقة.

طبتم مقاما أيها المؤمنون.

دماء لن تجف (47) علاء الدين الحكيم .. موسوعة شهداء العراق

munir hadadالشهيد أبو حسين السيد علاء الدين.. النجل الثامن للإمام السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس سره) ولد العام "1365 هـ" في "النجف الأشرف" مركز الحوزة العلمية والمرجعية الدينية.. اعتقل العام 1983، مع أفراد عائلته وزجّوا في السجن.

جوق ملائكة مسومين، ينضح العلم من رفيف اجنحتهم، زجوا في معتقلات الطاغية المقبور صدام حسين، بدخول الحجة علاء الدين الحكيم، أمن النجف ومنه الى مقصلة الأمن العامة، سجينا، من دون سبب، الا قوله "الحق حق والباطل باطل، من دون ان يخشى في الولاء للإسلام فظاعة الرعب.

سفحت صفحة العلم بمواراته المعتقل؛ إذ كان شغوفاً بعلوم أهل البيت.. عليهم السلام؛ منتظما في سلك الحوزة العلمية بالنجف، مجتازا المراحل بتسارع يدل على عقل مبكر النبوغ، يدرس بإشراف كبار العلماء في عصره أمثال أخيه الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم.. قدس سره.

فهو من طليعة المبادرين إلى الارتباط بالحركة الإسلامية، تسنّم مدة من الزمن مسؤولية إدارة مدرسة العلوم الإسلامية في "النجف" إضافة إلى عضويته الفعالة في هيئتي الإشراف والإدارة لـ "دار الحكمة".

قام الشهيد المجاهد الحكيم، بنشاط اجتماعي فاعل، وخاصّة في إقامة مراسم العزاء على سيد الشهداء الحسين.. عليه السلام، مشجعا على المسيرات، من مركز النجف إلى كربلاء، تحريضا على إقاف السلطة الصدامية عند حدود الاسلام، تضافرا مع سعة ثقافته، فكريا وفلسفيا، التي أفاد منها، في مناظرات حامية ضد الشيوعيين والبعثيين.

إجتماعيا له ثلاثة أبناء، ذكر وأنثيين.. إذ نسل من علمه ولده حجة الإسلام والمسلمين السيد حسين الحكيم، اعتقل مرات عدّة، إحداها مع أخيه شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم "قدس سره" والأخرى مع الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر "قدس سره" واقتيد إلى سجون الإرهاب.

وآخر مرّة أعتقل العام 1981، من مرقد جدّه الإمام الحسين.. عليه السلام، بعد أكثر من عامين نال شرف الشهادة، بعد أن لاقى صنوف العذاب والتعذيب النفسي والجسدي على أيدي البعثيين المجرمين.

آرا خاجادور .. الشيوعية المعتّقة (5)

abdulhusan shaabanآرا: آلهة الشمس: القضية الرابعة من المسؤول عن إرسال الرفيقات والرفاق إلى الداخل وكيف كانت قضايا من هذا النوع الخطير تتم بعدم معرفة بالظروف ولا أبالية وعدم شعور بالمسؤولية أحياناً، خصوصاً الرغبة في تسجيل نجاحات وهمية، علماً بأن الغالبية الساحقة من الذين أرسلوا كانوا ضحايا، لاسيّما وأن عملية إرسالهم كانت في الغالب الأعم مكشوفة ومعروفة بسبب الاختراقات من الأجهزة الأمنية.

 

العشرة المبشرون بالجنّة

القضية الخامسة هي موضوع اختيار ما سمّي بالعشرة المبشّرين بالجنة (وهم عشرة رفاق قيل أنهم مهيأون للذهاب إلى الداخل وأوكل أمر اختيارهم إلى عزيز محمد، فما هو موقفه وكيف تعاطى مع الموضوع؟)، ثم ما هي ملابسات هذه القضية، خصوصاً وأنها لم تعد سرّاً، بل إنها لم تكن سرًّا حينها، وقد تم نشر العديد من الأسرار في حينها على صفحات الجرائد الكويتية، وبعضها نُشر على شكل كراريس من جانب الأجهزة الأمنية .

 

الأمين العام

القضية السادسة، لم يقل لنا خاجادور في رسائله المذكورة، كيف تم اختيار السكرتير العام الجديد، بعد الإشكالية التي تحدّث عنها بخصوص السكرتير العام القديم، خصوصاً وأن زكي خيري عندما سُئل عن اختيار السكرتير العام، قال أن تأهيله النظري ضعيف وأنه لا موقف له، لاسيّما عندما يحتاج الأمر إلى موقف، وضرب مثلاً لاجتماع كان بإدارته.

قد يكون زكي خيري مصيباً أو مخطئاً، وقد يكون الأمر واقعاً، أي إن الاختيار مما هو موجود وقائم وممكن، إذْ إن السكرتير العام لا يأتي من السماء، بل هو بشر له إيجابيات مثلما له نواقص وأخطاء، وكان عزيز محمد قد عرض على أحد إدارييّ الحزب السابقين منصب السكرتير العام، لكن هذا الأخير، كما كرّر أكثر من مرّة، قال له : إذا كنت تقصد استدراجي لمعرفة طموحي في أن أكون سكرتيراً عاماً، بغرض إزاحتي، باستبطان أجواء الدسائس والمناورات، فليس لديّ رغبة، وإذا كان الهدف اختياري فعلياً، فليس لديّ رغبة أيضاً.

 

الهروب إلى الأمام

وإذا كان اللهاث وراء المواقع كما يذكر خاجادور صحيحاً، ومعروفاً، فإن انهيار الكتلة الاشتراكية وحالة الاحباط والقنوط، التي أصيب بها العديد من الإدارات السابقة وفي ظل الأجواء المحمومة، كانت وراء حالة العزوف عن العمل وعدم الرغبة في تحمّل المسؤولية، وهما السمتان اللتان طبعتا تلك الفترة، وإن ظلّت عيون البعض معلقة على الادارة، وإضافة إلى الأسباب الموضوعية، فإن حالة التفكّك وعدم الاقتناع التي سادت، دفعت الأمور إلى هذه النتيجة، حتى أن المؤتمر الخامس طلب من عدد من الحاضرين الترشيح فاعتذروا، وتم ترشيح 15 مرشحاً بعضهم بضغوط من الحاضرين، وفازوا دون منافسة، بمن فيهم من لم يكن قد ذهب للمؤتمر بنيّة الترشّح أو لم يكن في باله أصلاً.

ختاماً أقول إن الحوار المباشر أو على الورق مع الرفيق خاجادور مفتوحاً وقد سبق أن دخلنا في حوار تضمّنه بعض فقرات كتابه، وقد تم نشره في حينها، تقريضاً لكتاب خزندار، وكان الحوار قد حمل عنواناً " هامش على هوامش آرا خاجادور " بتاريخ 26/9/2007.

 

الوفاء الشيوعي ونقيضه!

إن من أهم دلالات هذا الكتاب، هو الوفاء الشيوعي، وإذا كان البعض يغمز من إن وراء الكتاب وما كُتب هو د. عبد الحميد برتو، فذلك دليل على نكران الذات وفي الوقت نفسه تضحية وإيثاراً، إذ يكرّس أحد الرفاق جهده وعقله لكي يساعد رفيقاً عزيزاً عليه.

والوجه الآخر لهذا الوفاء هو، حين يقرّ ويعترف الرفيق الآخر بفضل الأول عليه ويكرّمه بما يستحق من عبارات الإشادة والتقدير والاعتزاز، وهذا هو ما ينبغي أن يسود من علاقات بين الرفاق، وليس الكراهية والإساءة والضغينة.

ومع كل ما قيل، فالكتاب كتب بلغة مهذّبة وعبّر عن أدق وأخطر القضايا بأسلوب مناسب ومحترم، سواءً اتفقنا معه أو اختلفنا عليه أو على مضمونه، وقد جمعتني مع الرفيق آرا علاقة عمل حين كان مشرفاً على لجنة تنظيم الخارج، وكنا عبد الحميد برتو وأنا مسؤولين في لجنة تشيكوسلوفاكيا، وعن لجنة التنسيق الطلابية لعموم طلاب الخارج، وكانت بعض المشاكل قد حصلت بسبب تصرّفات فردية ونهج بيروقراطي، الأمر الذي اتفق فيه آرا مع مهدي الحافظ، على اختيار طالبين من قيادة المنظمة يمثّلان الحزب لدى الجامعة والسلطات الحزبية فيها، على الرغم من بداية مشوارنا في براغ وعدم إتقاننا للغة التشيكية، وفي ذلك تعبير عن نبض العاملين في القطاع الطلابي.

وعلى مدى الأعوام منذ السبعينيات وحتى الآن سواء في كردستان العراق أو في الشام أو في براغ كانت العلاقة ودية، حتى وإن كنّا نختلف حول الكثير من القضايا والتوجّهات، سواء على نحو مباشر أو غير مباشر، مثلما هي اختلافاتي الجميلة مع الصديق برتو، في العديد من المواقف والتقديرات، لكن الاحترام المتبادل والاعتزاز الأخوي وتقدير استقلالية التفكير كانت قائمة في كل الأحوال.

 

الشجاع: في الحرب والحب

وبعد كل ذلك فآرا خاجادور مقبل على الحياة في كل الظروف والأحوال، وهو "عييّش" كما يقول اللبنانيون، يستمتع بحياته، مثلما يغامر فيها، عندما يقتضي الأمر ذلك، وكأنه يردّد مع الجواهري الكبير:

وأركبُ الهولَ في ريعان مأمنةٍ         حبّ الحياة بحبّ الموت يغريني

كان في الرقص سبّاقاً، ويبادر لافتتاح الحلبة أحياناً برشاقة وهارموني، وكأنه يقتحم الميدان بشجاعة وهو يحمل الراية، أما موقفه من المرأة وحقوقها ومن التقدم الاجتماعي، فكان إنسانياً، وهو بذلك منسجم مع نفسه ولا يخفي ذلك، وعلى هامش إحدى المناسبات استذكرت معه ما رواه الجواهري وما دوّنته في كتابي عنه " الجواهري – جدل الشعر والحياة" الصادر في العام 1997، من أنه عندما رأى جمال الحيدري وهو يتقدم إلى حلبة الرقص، هتف في سرّه، ربّما يمكنه أن يصعد إلى حبل المشنقة بنفس الدرجة من الإقبال، مشيداً بجرأته وإقدامه، وكان ذلك في حانة كنّا نتردّد عليها، وكان قد ارتادها سلام عادل وجمال الحيدري، خلال مرورهما في براغ، وكان شغيلتها يعرفون آرا والمشروب الذي يتناوله ويسمونه آرا درنك Ara drink.

 

رمزية الكبار

وكم شعرت بحزن خفي حين تحوّل ذلك المكان التاريخي الرمزي بالنسبة لنا إلى مطعم سريع وأزيحت معالمه، ولعلّ تلك مناسبة للبحث عن بيوت وأماكن، سكن فيها قادة كبار أو مقاهي زاروها أو ارتادوها، وهو ما يحدث مع زعماء ومبدعين متميّزين، بل إن بعض أمكنتهم تظلّ فارغة، ويكتب عليها إن فلان جلس في هذا المكان، ومثل ذلك دعوة لاستذكار الشهداء، وكم سيكون رمزياً حين نعرف أين سكن فهد في باريس وأي مقهى ارتاد، وأية غرفة سكن في مدرسة كادحي الشرق في موسكو، مثلما سيكون وفاءً حين نعرف أين درس سلام عادل، وأين درّس في الديوانية، وأين عاش في بغداد، وكم من البيوت تنقّل فيها، لأن ذلك يضفي الجانب الإنساني العاطفي حول تلك الشخصيات خارج نطاق التقديس، وهو أمر قد يساعد فناناً سينمائياً غداً لإخراج فيلم عن ذلك، وقد تحين الفرصة ليتحوّل إلى متحف يحكي قصته الشيوعيين العراقيين.

 

صاحب مروءة

عاش آرا خاجادور متمدّناً وحضارياً وصاحب مروءة، وتلك واحدة من خصائص الشيوعية، وعلى الرغم من الظروف الصعبة، فقد كان كريماً دون إسراف أو تكلّف، بل كان عفوياً وتلقائياً دون حسابات في الكثير من الأحيان. وكان متواضعاً بل شديد التواضع بقدر اعتداده بنفسه، وتلك صفات الكبارـ دون تكبّر، وقد يكون مناسباً أن نعرف معنى اسم " آرا"، فحسب اللغة الأرمنية القديمة يعني " آلهة الشمس"، وكان آرا حالماً طيلة حياته بأن تشرق شمس الشيوعية في العراق.

 

آرا خاجادور .. الشيوعية المعتّقة (4): هوّية الحزب: شؤون وشجون

abdulhusan shaabanإذا ما اعتبرنا الباب الثالث استمراراً للبابين الأول والثاني وإنْ حمل عناوين فرعية في مواقف مختلفة، ولاسيّما بعد الاحتلال منها قراءات في كفاحنا المسلح وتجربة الأنصار الشيوعيين وغير ذلك (ص 369 و374)، فإن الباب الرابع جاء مختلفاً، إذْ كرّسه للأرمن (ص 459-499 وما بعدها)، وفيه تحدث عن أشخاص وتجارب، ولعلّ هذا عكس جانباً إنسانياً للهوّية العامة والفرعية لآرا خاجادور في إطار منسجم ومتّحد، وكان من أمتع أبواب الكتاب، وحسب وجهة نظري إنه الأكثر تعبيراً عن شخصية آرا خاجادور الشيوعية المعتّقة، فهو يبحث في "مجزرة الأرمن" ولاسيّما مراسلته مع الشيوعي الأرمني السوري فاروجان سالاتيان، الذي حاول استيضاح رأيه حول مجازر الأرمن، حيث أثيرت من جانب فرنسا والولايات المتحدة، وذلك خدمة لمصالح الدول الكبرى التي يحذّر من الثقة بها، وليس لجوانب إنسانية. ويعتبر خاجادور تسوية المسألة القومية تتم في إطار قضية الديمقراطية في البلد المعني، ويؤكد أنه بعد 90 عاماً على المذابح الأرمنية من جانب تركيا، فالحل هو بالحوار والمصالحة لا غير، وفي ذلك نزعة إنسانية للتسامح.

وقد كتب مقالة مطوّلة ترتقي إلى مستوى دراسة عن الكسندر مياسنيكيان الشيوعي الأرمني السوفيتي وذلك لمناسبة صدور المجلد الخامس من أعماله في يريفان، وفي هذا القسم شيء ممتع عن التاريخ الأرمني والتاريخ الشيوعي، حيث يرد ذكر أنستاس ميكويان القائد الأرمني الشيوعي ونائب رئيس مجلس السوفييت الأعلى، إضافة إلى زميل لينين، استيبان مياسنيكيان، وهو أحد القادة التاريخيين ويتناول في هذا المبحث لقاءات مياسنيكيان مع لينين في تبيليسي العام 1922، وموقفه من القضية القومية، ولاسيّما بخصوص أرمينيا السوفيتية لاحقاً، ولعلّ أزمة إقليم ناغورنو كاراباخ الحالية ، إنمّا تعود إلى مطلع القرن التاسع عشر . وتحت عنوان "قاسيون وآرارات" يكتب رثاءً لرفيقه الشيوعي السوري فاروجان وذكرياته عنه.

 

العرب في الذاكرة الأرمنية

ويخصص فقرة مهمة عن "العرب في الذاكرة الأرمنية" ويتحدّث فيه عن دعوته للمشاركة الأممية من جانب أرمن الخارج لإقامة نصب تذكاري وفاءً للشعب العربي" نصب العرفان بالجميل"، وذلك في العاصمة الأرمنية يريفان، وفي هذه المادة يذكر مسألة ينبغي أن تقرأ بدلالاتها وهي موقف الشريف الحسين بن علي (الهاشمي) لإدانة مذابح الأرمن، وانعكاسات ذلك على العالمين العربي والإسلامي، وذلك تنبيهاً منه إلى وحشية حزب الفتاة في تركيا وقادته طلعت باشا وجمال باشا وغيرهما. وفي هذا المبحث إشادة بالعرب وضيافتهم وتقديم المساعدة للضحايا، سواءً في سوريا أو في العراق. ، حيث يظهر آرا خاجادور أممياً إنسانياً من الطراز الأول، ومتشبعاً بالثقافة العربية ومتمسكاً في الوقت نفسه بهوّيته العراقية، مع اعتزازه بهوّيته الفرعية الأرمنية. وحين زرت أرمينيا في العام 2010 لحضور أحد المؤتمرات الدولية كتبت مادة في جريدة العرب القطرية بتاريخ 19/4/2010 ، بعنوان : أرمينيا وسمفونية المبارز وبعد اطلاع أرا خاجادور عليها، كتب لي تعليقاً يشيد بها، خصوصاً وقد جاء ذكر الجواهري وعامر عبدالله فيها، إضافة إلى شجاعة الشعب الأرمني وتضحياته ومآسيه، دون أن أنسى التذكير بكونياك أرارات الشهير الذي كان الجواهري " يتغزل" به. وقد أعود لعرض دلالات هذا الباب الشيق في إطار قراءة خاصة.

وأفرد خاجادور الباب الخامس للعمل النقابي والحركة العمالية، وأطلّ في الباب السادس على قضايا عربية، منها الموقف من ذبح الفلسطينيين في العراق وهو بعنوان " من الجريمة إلى العار"، وكذلك إدانة الموقف الإسرائيلي من الحرب على غزة، ويختتم الكتاب بباب سابع يتناول فيه بعض سجايا مناضلين غادرونا وفاءً واعتزازاً.

وإذا كان الباب الأول قد خصصه لخلافه مع إدارة الحزب والذي حمل " صراع في حزب ثوري" فإن الباب الثاني جاء تحت عنوان "الموقف من الاحتلال وخططه"، ويعتبر هذان من أهم أبواب الكتاب، وعلى الرغم من أن الكتاب كتب كمقالات على مدى 20 عاماً، إلاّ أن هناك خيطاً رابطاً بينها، وهو تعبير آرا خاجادور على ذاته في لحظة من لحظات التطهّر والصدق والوفاء، وخارج نطاق عوامل الصراع القديم، لاسيّما عندما وجد نفسه "متحرراً" من الكثير من الضغوط والاعتبارات القديمة.

صحيح إن آرا خاجادور تناول قضايا عقدية كثيرة، لكن بعضها لم يعطها حقها أو حتى لم يتناولها، منها:

 

المؤتمر الرابع

القضية الأولى المؤتمر الرابع للحزب الذي أدّى إلى انفجار الأزمة في الحزب. صحيح أنه أتى عليه من باب الإشارة أو النقد أو العبور، ولكن كان عليه أن يتوقّف عنده بشيء من الإفاضة وأن يحدّد موقفه منه، وهل كان جزءًا من التحالف المكوّن من عزيز محمد وفخري كريم كما هو شائع، لاسيّما المناوئ للجزء الثاني من الحزب حيث تم تنحية العديد من إدارات الحزب وكوادره وأعضائه في حملة تطهير لم يشهد الحزب لها مثيلاً، خصوصاً وقد انقسم الحزب عمودياً، وقد سبق لعزيز محمد أن عبّر عن ذلك بقوله: جئنا ليلغي نصفنا النصف الآخر!.

أعرف أن النتيجة كانت انفضاض التحالف الأول، وهو ما عبّر عنه خاجادور بالمؤامرات والدسائس، وأعرف إن موقفه اختلف كثيراً، لكنه كان ينبغي أن يفرد مبحثاً خاصاً في إطار النقد الذاتي عن المؤتمر الرابع، ويقدّم صورة حيّة من داخله وبشيء من التفصيل، ولذلك تبقى مطالبتي له بكتابة مذكراته التي هي أكثر من ضرورية الكثير من الفراغات التي لا تزال قائمة، خصوصاً في تناول قضية من هذا العيار الثقيل التي كانت فاصلاً بين عهدين.

 

التعذيب

القضية الثانية هي مسألة التعذيب الذي تعرّض له بعض الرفاق، وحتى وإن كان محدوداً، فإنه شكّل ظاهرة ترافقت مع حملة التطهير والإقصاء. وكنت أتمنى أن يأتي خاجادور على مقتل مشتاق جابر عبدالله " منتصر" تحت التعذيب وملابسات ذلك، إضافة على تعذيب عدد من الرفاق منهم ستار غانم "سامي حركات" الذي تعرّض للاعتقال والتعذيب وأطلق سراحه بعد استشهاد منتصر، وعانى من ضغوط عديدة، وبعدها توجّه إلى الداخل لإعادة بناء التنظيمات الشيوعية، فألقي عليه القبض في بغداد، واستشهد في العام 1993، كما جرى الحديث عن ذلك من جانب كوادر عديدة.

ولا يزال المناضل الباسل (أمين) " أحمد الناصري" الذي سبق له أن روى تفاصيل تعذيبه على يد رفاقه، إضافة إلى أنه كتب عدّة مقالات حول الموضوع، ووجه العديد من الرسائل والمناشدات، وهو يستحق الاعتذار، كما تستحق مثل هذه القضايا تسليط الضوء عليها، ليس من باب الانتقام أو الثأر، بل لكشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا، ولكي لا تبقى في الأدراج، علماً بأنه هناك من ينفي من إدارات الحزب السابقة وجود مثل هذه القضية، في حين أن الكثير من الأنصار يعرفونها، وقد سبق لقاسم سلمان (أبو الجاسم) أن جمع مواد التعذيب وبعض حاجيات الضحايا ووضعها أمام السكرتير العام للحزب، وبقية القضية معروفة، وقد تم نشرها في صحيفة المنبر خلال الصراع الدائر آنذاك.

 

المنبر

القضية الثالثة كنت آمل أن يوضح آرا خاجادور موقفه من حركة المنبر الشيوعية، التي أعلنت منذ أواسط الثمانينات، وعبّرت عن مواقف مختلفة عن إدارة الحزب، بل إنها حاولت تقديم قراءات جديدة للماركسية، كما توقّفت عند العلاقة مع المركز الأممي "الاتحاد السوفييتي" مقدّمة نقداً وتقييماً جديدين، فبقدر ترحيبها بالبريسترويكا التي يخالفها آرا خاجادور ويعتبرها مؤامرة، لكن التسلّط والاستبداد وشحّ الحريات والبيروقراطية والاختناق الاقتصادي وسباق التسلح، كانت كلها معضلات حقيقية ومزمنة وشائكة عانى منها الاتحاد السوفييتي على مدى عقود من الزمان، لذلك لم يكن إصلاح الحال لمجرد الرغبة في التجديد والتغيير، كما إن التشدّد بالمزيد من السياسات القديمة لم يكن كافياً لمعالجة الأمراض المستعصية أو للتغطية عليها، وهي التي أوصلت الحال إلى ما وصل إليه.

وهكذا وبمجرد اتخاذ أولى خطوات المراجعة خرّ النظام الاشتراكي صريعاً ومنهاراً على أرض صلدة، إذ كان فتح النوافذ كفيلاً بأن تتسرّب رائحة الفساد والترهل في كل مكان، فلم يعد بالإمكان وقف عملية الانهيار، والأمر لا يتعلق باختراق أو مؤامرة، لكن بسوء تقدير أو حسن ظن أو ثقة أكثر من اللازم، بإمكانية الإصلاح التي كانت تحتاج إلى تدرّج وتطوير وتوازن.

لقد سبق لجان بول سارتر أن قال أيام الستار الحديدي: إن الدول الاشتراكية تبدو قلاعاً محصّنة من الخارج ، لكنها هشّة وخاوية من الداخل، وهو ما تم الاشتغال عليه من جانب القوى الامبريالية، وفقاً لنظرية "بناء الجسور" لتهديم الاشتراكية من داخلها، خصوصاً بتراكم الأخطاء وفشل التطبيقات وسو الإدارة ونكوص دور الحزب، ناهيكم عن الجوانب الموضوعية الأخرى.

لقد انتقد المنبر الشيوعي في موقف متميّز انتعاش الحركة الصهيونية في الاتحاد السوفييتي، في حينها وناشد الرفاق السوفييت لإعادة النظر بموقفهم الخاطئ إزاء "هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل"، وذلك عبر مقالات نشرت في المنبر، تندّد بذلك وتحذّر منه، وكان مثل هذا الموقف قد عبّرت عنه كذلك في العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وعدد من المراسلات مع ياسر عرفات، بشأن القرار 3379 وعنصرية الصهيونية.

أعرف أن موقف خاجادور عندما توقفت صحيفة المنبر لبضعة أشهر كان يحثّنا على إصدارها، لأنها تُشجّع على الحوار وتثير الجدال والصراع الفكري، وتنشّط حيوية الحزب، وليس كما جاء في اتهام أحدهم له بأنه يقف وراء المنبر، فقادة المنبر معروفون وهم يتحمّلون مسؤولية نجاحهم وفشلهم وصعودهم ونزولهم، وكنت قد أشرت في وقت سابق أن الحركة كانت قد استنفدت أغراضها.