المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

جورنالجي عابر للأجيال

كثيرون هم الأشخاص الذين يرحلون عن عالمنا هذا دون أن يتركوا بصمات واضحة في حياة الناس وثقافتهم، ولكن هناك قلة وهبها الله وحباها بالموهبة والإرادة، صقلتها التجارب وحنكتها المحن، فإذا ما غادر واحد منها هذه الحياة أفل نجم في سماء الثقافة والفكر، محمد حسنين هيكل واحد من هؤلاء، رجل من جيل العمالقة جيل التحرير والتنوير، جيل الفن الراقي والأدب النهضوي التجديدي الحداثي،  أدب المازني والعقاد،  طه حسين،  توفيق الحكيم، فؤاد نجم، عبد الرحمان الأبنودي، يوسف السباعي ونجيب محفوظ ..، جيل الأحلام العظيمة والمعارك الشريفة مقارعة الاستعمار،  الوحدة والتحرير، إنه جيل النهضة الموؤودة الذي أفل، جيل منفتح على العالم بشرقه وغربه متجاوزًا حدود اللغة والجغرافيا، جيل الأسئلة العميقة، والأفكار الحية هيكل الذي قال عن نفسه إنه رجل محظوظ، بدأ العمل الصحفي في جريدة "إجبيشيان جازيت " من محقق صحفي عن بنات الليل إلى ساحات الحرب العالمية الثانية مراسلاً صحفيًا، إلى عالم السياسة منظرًا ووزيرُا، فكاتبًا مبدعًا قريب من الملوك والرؤساء شرقًا وغربًا صديقًا لهم وجليسهم،  وهيكل كاتب ولدت مهنة الجورنالجي في دمه، ذكر حادثة له مع عبد الناصر لما عين وزيرا للإعلام، وفي اجتماع لمجلس الأمن القومي، وما إن ذكرت مسألة مهمة حتى صاح قائلا هذه تصلح مانشيت في جريدة الأهرام غدا ...عندها خاطبه عبد الناصر قائلا طلبنا منك أن تجلس معنا على الطاولة رحت تجلس تحتها مثل القط تماما، يقول ناصحًا الصحفيين حينما يقترب الصحفي من السياسي يجب عليه أن لا ينسى أن هناك قارئًا شغوفًا يريد أن يعرف منه ما رأى وما سمع، ولما سئل عن سبب تميزه ومصدر معلوماته أجاب ببساطة إنه لم ينس أبدا أنه صحفي،  لذلك كانت له هذه الذاكرة وهذا التوثيق والحضور الدائم، بدأ التأليف بكتاب "إيران فوق بركان " سنة 1951 لما كانت إيران تدخل أزمة سياسية حادة نتيجة اغتيال رئيس الوزراء وأزمة النفط، حاور،  مصدق اليساري والخميني الإسلامي "مدافع آية الله  قصة إيران والثورة"، ولم يكن يرى في إيران عدوا تجب محاربته، واكب ثورة الضباط الأحرار وكان أحد منظريها " فلسفة الثورة " شكل رفقة عبد الناصر زواج المصلحة بين رجل السلطة والمثقف،  لما التقت الأفكار والتوجهات، فهو رجل مخلص لمساره اليساري والقومي وللرجال "لمصر لا لعبد الناصر" لما هرول الجميع غربًا، متمسكًا بمبادئه صلب المواقف، عــــــــــــارض السادات واتفـــــــاقية كامب ديفيد، "خريف الغـضب"،  " أكتوبر 73 السلاح والسياسة " وعارض حرب الخليج وتدمير العراق "الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق "، كما عارض اتفاقية السلام الفلسطينية الاسرائلية واصفًا إياها بالسلام المحاصر، وهو مؤرخ لتاريخ مصر والعالم العربي الحديث "العروش والجيوش"، ومستشرفا المستقبل أسس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية "مصر والقرن والواحد والعشرون "، فهو قارئ ومحلل جيد لأزمات العالم المعاصر وتغيراته السياسية " الزلزال السوفيتي "وعلاقة المثقف بالسلطة في العالم العربي "عبد الناصر والمثقفون والثقافة "،  نصيرًا للثقافة في مواجهة الانغلاق،  مدافعًا عن نجيب محفوظ مرتين الأولى في أزمته مع التيار المحافظ في رواية أولاد حارتنا، مصرًا على نشر الرواية كاملة على صفحات الأهرام، والثانية في صدامه مع السلطة لما نشر رواية "ثرثرة فوق النيل" متدخلا لدى عبد الناصر مدافعا لما أصدر المشير عبد الحكيم عامر،  أمرا باعتقاله، مانعًا المساس بالمثقف والناقد،  وهو كذلك من احتضن محمود درويش وفتح أمامه أبواب الشهرة العربية والعالمية، وقرب عبد الوهاب المسيري وجعله مستشارا له،  وهيكل مثقف مبدع وناحت للمصطلح منذ هزيمة 1967 التي وصفها بالنكسة تخفيفا من صدمتها على النفوس،  إلى السياسية خذلت السلاح في حرب أكتوبر 1973، إلى رئيس الضرورة سنة 2014 في توظيف وإبداع للمصطلح لصالح السياسي ولصالح الفكرة التي يؤمن بها،  فهو مسوق جيد للدعاية السياسية والأيديولوجية، وهيكل أيضا جزء من النظام الرسمي العربي بخيباته وانتكاساته، ومؤسس أسطورة الزعيم الخالد، وهو الرجل اليساري الذي عاش ارستقراطيًا عيشة الملوك لا يقبل عن المصيفِ في أوروبا بديلا،  سواء اتفقت مع هيكل أو اختلفت معه ستظل تحترمه لإبداعه، جرأته، عزة نفسه،  أحلامه،  وأفكاره القومية، ربما يكون هيكل آخر الصحفيين والكتاب الموسوعيين، فقد سجل نفسه بإرادته مع الكبار الخالدين في تاريخ العرب بإنتاجه وتوثيقه،  تاريخه، تحليلاته وآرائه، فهو سياسي لجميع الأجيال ومحلل لكل الأوقات تتهافت عليه جميع الصحف، وتتسابق الوكالات على آرائه، خاتما حياته بوصية الصلاة عليه في مسجد الحسين لرمزية المكان، واصلاً بذلك ما مضى من تاريخ مصر،  متصالحًا مع الذات  قاطعًا عنكبوت الطائفية المقيتة، بوفاته أيضا انقسم العرب مرة أخرى بين فئتين، فئة مودعة راثية للرجل بما يستحق، وفئة أخرى شامتة حتى في الوفاة ذاكرة إياه بما لايليق،  في انقسام قديم جديد بين الفريقين، ملخصًا حال العرب طوائف في الثقافة والفكر، وطوائف في الحرب والسلام، وطوائف حتى في الوفاة، ببساطة هيكل رجل ملأ الدنيا وشغل الناس لعدة أجيال وستبقى أجيال أخرى  تختلف حول ما كتب وما وثق ...وتلك لعمرى ميزة الكبار .

 

علي مختاري –كاتب من الجزائر

 

بمناسبة ذكرى ميلاده السادسة والتسعين .. عـادل مصري (ابو سرود) مناضل من هذا الزمان

rawaa jasaniفي سياق ما ُكتب ويُكتب من تاريخ وذكريات عن البلاد العراقية، وجوانب من سجلها الوطني، وعن سياسييها ومناضليها واحداثها، طفحت – وما برحت - كتابات اختلط فيها الغث والسمين، ولاسباب متعددة الاهداف والاغراض .. وقد تلفت الانتباه بهذا الشأن وقفات وتأرخة طالت او قصرت عن شخصيات واحداث عامة، كثير منها يستحق، وآخر غير قليل له ما له، وعليه ماعليه..

وبحسب روئ قد لا تكون جديدة على الكثيرين،  اقول بأن تدوير الكتابة عن احداث وشخصيات بذاتها، اقل فائدة من التوثيق لجوانب وشخصيات واحداث اخرى، غير منتشرة كثيرا- على ابسط وصف -  ولا سيما وان في تاريخ بلادنا العديد الشامل مما لم يجر التوقف عنده، ولاسباب معروفة أو سواها...

لقد كان من المخطط ان تكون لهذا التوثيق فضاءات اوسع، تأخذ بالاعتبار بعض تأرخة اضافية واراء ورؤى، سياسية وشخصية وما بينهما.. ولكني أثرت ان اوجز اولاً، لاسجل خلاصات عامة، وعلى ان اتوسع بها في وقت آخر- آمل الاّ يطول- مع توثيقات تكمل ما نهدف اليه، وهو كثير، ولكن اقلّه ايفاء مناضلين وطنيين بعض ما يستحقون، وذلك "اوسط الايمان" على ما نحسب!!!.

 

بدايات سياسية

والرجل الذي نتحدث عنه في هذه التأرخة هو: عادل مصري، مناضل وطني من العراق، ولد في  مدينة"مندلي" بتاريخ 1920.3.8.. انتسب للحزب الشيوعي منذ فتوته، وكان واخته عمومة - عميدة، من الكوادر النشيطة في العمل الحزبي بمختلف اشكاله - السري طبعا- حتى قيام الجمهورية العراقية الاولى في الرابع عشر من تموز عام 1958 ..

وبعد فترة وجيزة من قيام الجمهورية، اطلقت السلطة العراقية  الجديدة سراح عادل مصري، ضمن عفو عام عن السجناء والمعتقلين السياسيين. وكان يقبع أنذاك في سجن بعقوبة يقضي مع رفاقه محكوميته الاخيرة، ومنذ عام 1949  تحديدا، متنقلا خلالها بين سجون بغداد ونقرة السلمان والكوت...

ان متابعة سريعة لبعض تاريخ "مصري" العلني، في اواسط الاربعينات، تبين ان مسؤوليته السياسية والنضالية الابرز في تلك الفترة كانت مهمته، سكرتيرا عاماً لـ "عصبة مكافحة الصهيونية"التي عنى بها الحزب الشيوعي العراقي، وأجيزت رسميا في بغداد عام 1946 (*)..وقد اعتقل وسجن لمرات عدة بسبب نشاطاته في العصبة، وغيرها، وآخرها قضاؤه عشرة اعوام في السجن، بعد اعتقاله ببيت سري، في محلة القاطرخانة ببغداد، يحوي الات ومتطلبات طباعة واستنساخ حزبية. وكان من بين الذين حُكموا معه في الفترة ذاتها، وبقضايا ونشاطات سياسية مختلفة، وبمدد مختلفة: عزيز محمد وزكي خيري وأرا خاجادور، وكذلك اخته عميدة(عمومة) مصري.(**)

وحين اطلق سراح عادل مصري، بعد قيام الجمهورية عام 1958 كما اسلفنا، كلفه حزبه الشيوعي العراقي بمهام تنظيمية وسياسية عديدة، ومن ابرزها عام 1959 في التشكيل القيادى لتنظيم الحزب في كركوك، حيث تزوج فيها من رفيقته روناك علي، وانجبا هناك عام 1961 ولدهما الوحيد: سرود (***) ثم ليكنى به لاحقا، وطوال حياته السياسية، والخاصة والعامة، وحتى رحيله بتاريخ 1993.5.29 في براغ، حيث مثواه فيها الى اليوم.

 

بعيدا عن العراق

بعد الانقلاب الدموي البعثي الاول ، في شباط الاسود عام 1963 واغتيال الجمهورية العراقية الاولى، وسقوط  سلطة الزعيم عبد الكريم قاسم (1958-1963) وشيوع المجازر التي نفذتها اجهزة الانقلاب بحق الالوف من الشيوعيين والوطنيين: قتلا وتعذيبا وعسفا وسجنا.. اضطر ابو سرود للاختفاء عن الانظار، ولمدة عامين، ثم استطاع الخروج من العراق الى سوريا اولا، ومنها الى تركيا وايران، وليستقر بعدها في جمهورية قرغيزيا، بترتيبات من الحزب الشيوعي السوفياتي، حيث بقي يعمل هناك باختصاصه المهني، كهربائياً، في مصنع للمضخات، ثم في احد معامل النسيج، وحتى اوائل السبعينات الماضية، بحسب المسؤول الشيوعي العراقي البارز، وعضو قيادة اتحاد النقابات العالمي لفترة مديدة، أرا خاجادور، الذي اضاف لنا في حديث خاص، مطلع العام الجاري 2016:  لقد كنت في زيارة رسمية الى موسكو، وقد تفاجأت بوجــود "ابو سرود" بذلك المقام والعمل، منذ سنوات عديدة.. فتدخلت لدى المسؤولين الشيوعيين التشيك، وقد نجحت في ان ينتقل الرجل الى براغ عام 1973 ولتلتحق به بعد ذلك زوجته "روناك" وأبنه"سرود" عام 1975 وليقيم ويعمل، وينشط حزبيا وسياسيا فيها، لعقدين تاليين من الزمان ..

وفي مستقره الجديد، كرس "ابو سرود" جل وقته ، لتحمل مهام ومسؤوليات حزبية عديدة وحتى حيان الرحيل . وقد توظف اعلامياً، لعدة اعوام في القسم العربي باذاعة براغ، مع عصبة من المثقفين والصحفيين العراقيين، وكان – بحسب مزامنيه في الاذاعة ذاتها- من الملتزمين بشكل مثالي بضوابط ومتطلبات ذلك العمل.

لقد تنوعت مهام "ابو سرود" الحزبية والسياسية وما بينهما، في براغ، ومن ابرزها اشغاله عضوية مكتب تنظيم الخارج للحزب الشيوعي العراقي، وقد جهد حريصا في تلك المهمة، ونحن هنا شهود عيان، اذ ترافقنا لعدة سنوات في تشيكلة ذلك المكتب، وفي هيئة واحدة، تابعها واشرف عليها، قياديون عديدون في الحزب، ومنهم على التوالي: نزيهة الدليمي، ثابت حبيب، حميد مجيد موسى، كاظم حبيب، آرا خاجودور، ورحيم عجينة ...

لقد كان ابو سرود في تلكم الهيئة الحزبية، عضوا حينا، ومنسقا لها حينا اخر، نموذجا للشيوعي الملتزم، بعيدا عن التجاذبات والاراء الخلافية، الواقعية، او المدعاة، دعوا عنكم التنابز بالمسؤوليات والمهام.. كما كان بعيدا كل البعد عن الطموحات الذاتية، او المكاسب الشخصية، جهوداً والى ابعد الحدود في احترام قرارات وتوجيهات المركز الحزبي، وكل ذلك ضمن الضوابط التي كانت تسود في تلك الفترة، من التزام وثقة بقرارات الهيئات الاعلى .. وقد ترتب عليه بسبب ذلك  ان يتحمل ملاحظات وانتقادات من هنا وهناك، نسي اصحابها، او تناسوا، بان الرجل كان صلة وصل، وليس صاحب هذا القرار او ذلك، وقد كان اداء التوجيهات الحزبية - اصابت ام اخطأت- واجباً مقدساً، لا يجوز التهاون فيه، حتى وان كان هناك اعتراض اوعدم اتفاق، وتلك هي ضوابط وظروف، والتزامات ذلكم الزمان، ولسنا هنا بمعرض التدقيق او التفسير والتقييم لها.

 

شهادات شخصيــة

الى جانب ما يمكن الادلاء به من شهادات شخصية، ثمة اجماع بأن عادل مصري" ابو سرود" كان شخصية عراقية حميمة، ومناضلاً حريصاً في صفوف حزبه الشيوعي العراقي، وتميز بكل السمات الانسانية المعهودة: الاخلاص والتواضع والتفاني والتسامح، والعلاقات الاجتماعية المخلصة مع الغالب الاعم ممن تعرف عليهم، وتعرفوا عليه، في الحزب والعمل والحياة. ولعل ما قد يؤشر الى ذلك وبدلالة بينة، علاقاته الوطيدة مع العشرات من رفاقه - قيادات وقواعد - واصدقائه، لعل من ابرزهم، على ما نشهد: الجواهري الكبير ومحمود صبري وغائب طعمة فرمان، وقادر ديلان، وغيرهم من النخب والشخصيات العراقية التي اقامت، او مرت في براغ لسنوات عديدة.. وأشهد ايضا ان شقته كانت، برغم صغرها، اشبه بمقر حزبي وسياسي، كما ومضافة اجتماعية، أمها العشرات من الشخصيات السياسية والثقافية وغيرها، وطوال سنين.

لقد حرص عادل مصري- ابو سرود، ان يكون، وهو واجهة الحزب في براغ، على التواصل الجميل مع رفيقاته ورفاقه، العراقيين خصوصاً، والعرب عامة، بكل حميمية، وتفاعل. حاضرا ومشاركاً في مختلف المناسبات السياسية والثقافية، فضلا عن الاجتماعية.. ولا شك، وهو ذو ذاكرة حادة،  ان تكون لاحاديثه ومحطاته التاريخية والنضالية، وخاصة مع قيادات الحزب الشيوعي العراقي الاولى، اهتمامات المتلقين، وبكل تشوق، ومن بينها ذكرياته مع، وعن، قائد الحزب الاول، يوسف سلمان يوسف- فهد، في التنظيم والمعتقلات والسجون، وحتى استشهاده، حين نفذت فيه السلطات الملكية حكم الاعدام عام 1949.

لقد كانت حياة عادل مصرى- ابو سرود، منذورة، حقا لا قولاً، لحزبه وبلاده وشعبه، بحسب قناعاته ورؤاه ومفاهيمه،  ودون ان يكل او يمل، وبلا امتيازات او مقابل، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى . وقد دام على تلكم الحال، بكل قناعة واعتزاز طوال حياته الاجتماعية والحزبية والسياسية، ونأمل - كما سبق القول-  ان نستطيع كتابة تأرخة اوثق، واكثر تفصيلا  عنه، في وقت قريب قادم، داعين بهذه المناسبة رفاق ( ابو سرود) واصدقائه للمساهمة في ذلك الطموح، وهو بعض وفاء لمناضل وطني صميمي، من ذلك الزمان، الذي له ما له، وعليه ما عليه...

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

..............................

 احالات وهوامش

* عصبة مكافحة الصهيونية: عنى بها الحزب الشيوعي العراقي، اواسط الاربعينات الماضية، في ظل تأزم الاوضاع في فلسطين وازدياد الهجرة اليهودية اليها، وبدايات الصراع المسلح، وكانت تنشط – في مرحلة الاعلان عنها، كما بعد اجازتها رسميا - باصدار البيانات السياسية وتنظيم الفعاليات والتظاهرات الشعبية، كما اصدرت صحيفة خاصة بها حملت اسم" العصبة" .

** عميدة ( عمومة)مصري: مناضلة عراقية عريقة، ولدت عام 1922 ونشطت في العديد من تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، ومهامه، وتعرضت بسبب ذلك للمضايقات والملاحقات والسجون، وأٌضطرت للخروج - الرحيل عن العراق الى موسكو بعد انقلاب البعث الفاشي الاول في شباط 1963  لتكلف هناك ايضا بمسؤوليات حزبية وسياسية مختلفة، وحتى رحيلها عام 1995 .

*** سرود مصري: اكمل دراسته الثانوية والجامعية والعليا ببراغ، في العلوم الهندسية، وقد نشط طوال سنوات في العديد من المنظمات الجماهيرية والسياسية، ثم ليتفرغ بعدها للعمل المهني والاستثماري، والى الان .

 

الساعدي وبينالي فينسيا

عندما نزلنا في بشتاشان ومن ثم من قبلها الى مقرات اخرى تضج بالحيوية والنشاط والامل، التقينا بقاسم الساعدي، كنا فتيانا او شبانا، وجدناه يحمل فرشاة اسنان، وظن البعض بانه "بطر" في العزلة الجبلية،  بل انه مجرد ان تعبر ساقية صغيرة تكون في تركيا وحين تعبرها بالاتجاه المعاكس تكون بشمال العراق، فهي اقصي نقطة على الحدود،  لا اذكر اين التقيت به،  ربما بدمشق، فسألني اين فرشاتك؟ وبما انني اعرف بانه فنان تشكيلي مميز ومعروف على نطاق واسع عراقيا وعربيا ودوليا لاحقا، قلت له اي فرشاة؟! فضحك وقال "زين" والمعجون؟ فسألته اي معجون!! والتفت الى مجموعتنا وقال سمعتم.. وضحكنا ضحكا كما لو لم نضحك من قبل، لفت انتباه الجميع في المقر .واوصانا بضرورة توفير فراشاة ومعجون اسنان لكل واحد منا وبين ان ذلك يعادل حمل السلاح؟! ولم نمكث كثيرا معهم سوى بضعة ايام دعاني فيها أبو محمود لأمسية خاصة من العرق والزيتون التركي،  فكانت شبيهة بالحلم في تلك المناطق الجبلية النائية  .

ورغم ان الكتابة عن الفنان الساعدي لا تحتاج الى مناسبة، ولكن ما ذكرني بذلك اللقاء الغريب بتوقيته ومكانه،  خبر نشر بجريدة طريق الشعب عن الفنان، فقد رشح لتمثيل العراق وهولندا في بيناليه فينسيا للسنة القادمة، وهو حدث عالمي وفني يعد الاكبر على صعيد الفنون التشكيلية،  لذلك فان الدول تعتني بشكل استثنائي بانتقاء الفنانيين الذين يمثلونها فيه، فجاء ترشيحه من دولتين شهيرتين ومهمتين في مجال الفنون وبالذات الفنون التشكيلية وفن النحت الذي ينفرد به العراق ويتميز عن باقي الدول المعروفة بالفنون التشكيلية والنحت، منذ الحضارة السومرية وامتداداتها وصولا الى نصب الحرية الشهير لجواد سليم في بغداد.

فاذا اقر ترشيحه بشكل نهائي، ولو ان مجرد ترشيحه، يشكل بحد ذاته اعترافا بفنه وتميزه على صعيد الفنون التشكيلية العربية والعالمية،  لتمثيل هاتين الدولتين المهمتين على صعيد الفنون التشكيلية في بينالي فينسيا الشهير، عليه ان لا ينس الفرشاة ومعجون الاسنان، رغم انني متأكد بانهما معه اينما يذهب، لانهما من اولوياته،  وليكونا هذه المرة معادلا للوحة من احدى لوحاته الرائعة بدلا من السلاح ..

يليق بالعراق وهولندا العريقتين، ان يمثلهما الفنان قاسم الساعدي، ببينالي فينسيا للفنون التشكيلية، فنا وابداعا .

 

قيس العذاري

 

البريد الالكتروني ينعى أباه الروحي

اربعة عقود ونصف من الزمن مرت على قيام راي توملينسون بإبتكار برنامجا لصالح شبكة وكالة مشاريع البحوث المتقدمة (أربانت) أتاح هذا البرنامج إرسال رسائل شخصية بين مستخدمي الكمبيوتر على خوادم مختلفة . توملينسون الذي يعتبر الأب الروحي للبريد الالكتروني توفي صباح السبت حسب ما أعلن عن ذلك مايك دوبلي المتحدث باسم شركة رايثيون الأمريكية المتخصصة في أنظمة الدفاع، تطور الابتكار الجميل وأصبح هناك بريداً الكترونياً خاصاً لكل محرك بحث من المحركات التي نستخدمها يومياً مما وسع دائرة الامكانية في الإستفادة الكبيرة منها لمن يحسن الاستخدام .

عقود مرت على تأسيسه للبريد الالكتروني الذي أحد فرقاً كبيراً جداً في تناقل الرسائل الالكترونية على اختلافها، فثوان فقط هو الوقت الذي يتطلبه إرسال رسالة بريدية الكترونية أو وثيقة رسمية عبر العالم ولأعداد هائلة من مستخدمي الشبكة العنكبوتية، والجميع يعلم مدى المعانات التي كان يتطلبها ارسال رسالة الى بلد آخر غير بلدك قد تصل مدتها الى شهر أو حتى سنوات في بعض الاحيان، لقد أحدث هذا الابتكار فرقاً كبيراً كما هو ديدن المبتكرين في العالم ممن أحدثوا فرقاً في حياتنا إلا إننا نتباطىء كثيراً في حسن إستخدامه، فعلى الرغم من كل المحاذير وما عرف فيما بعد بالقرصنة، التهكير الالكتروني؛ لا زلنا غير قادرين على حسن استخدام البريد الالكتروني في حياتنا وفي تقديمنا للخدمة العامة لمواطنينا فالكثير من الوسائل المتخلفة، الورقية منها على الخصوص، تسببت في فقداننا الكثير من الوقت والجهد والمال في حين كان بأمكاننا العبور سريعاً عبر البريد الالكتروني لوسائل جديدة وابتكارات تضع الحلول الناجعة لكل مشاكلنا الادارية وبالاخص في الحالات التي يتطلب فيها نقل كميات كبيرة من الورق والملفات بين مؤسسة وأخرى .

العالم المتحضر ترتبط جميع مؤسساته بشبكة داخلية قوية التحصين بجدران نار ألكترونية تمنع الاختراق مهما كان نوعه تكفل تناقل المعلومات بأمنية أكبر وتخفف من مستوى الالتزامات الورقية على المواطنين، فسنوات مرت على الكثير من شعوب العالم غادرت معها تلك البيروقراطية الورقية وحزمة التواقيع والاختام وضياع والامكانيات الهائلة في تزويرها بسبب ضعف الرقابة، ملفات كاملة وأخطاء إملائية بسيطة قد تصل الى حد النقطة الواحدة تسببت في هدر الوقت والجهد والمال وضياع فرصة تقديم خدمة عامة الكترونية تخفف من حدة التوتر في الشارع العراقي .

وعلى الرغم من أن البريد الالكتروني أحد أسلحة الدولة في مواجهة الفساد المالي والاداري؛ لازالت خططها مكبلة بعوائق جمة أهمها المقاومة القوية التي تبديها بعض الجهات للأنتقال للخدمة الادارية الالكترونية طمعاً في استمرار الملفات الورقية لتدر مال الفساد والرشى عليهم، في حالة يتحمل المواطنون وحدهم وزرها، وليس بعيداً عن ذلك ما يعرف مصطلحاً بـ "صحة الصدور" التي اصبحت مثارا للسخرية، في الحقيقية نحن لا نحتاج الى "ضيق الصدور" هذا إذا ما كانت مكاتباتنا ألكترونية ومرسلة عبر بريد معتمد .

البطاقة الوطنية، والاستمارات الالكترونية التي تتبعها بعض المؤسسات الحكومية عمل جيد ومباركة جهود من يقوم عليه، علينا تطويره ومراقبة مساوئه بأستمرار وإصلاحه ليكون القاعدة الاساسية لبناء منظومة الكترونية تسهل أمورنا ونبعد من خلالها من ارتضوا على انفسهم أن يأكلوا الاموال الحرام وكأن شعبنا بحاجة الى من يمتص أخر ما تبقى في جيب جلبابه المخروم .

البريد الالكتروني أحد أسلحة الحرب على الفساد الاداري والمالي أبتكره لنا السيد توملينسون وغادرنا تاركتً فينا غصة على تخلفنا في حسن إستخدام هذا الأبتكار لما فيه خير شعبنا وابنائنا، عسى أن نحضى بذلك قريباً .

 

زاهر الزبيدي

 

ورحل حسن الترابي

adil ridhaد. حسن الترابي الي رحمه الله ، الحركي والمنظر والمتأمر الذكي والذي أنقلب عليه تلاميذه ولا زالت ابتسامته بين العبارة والعبارة تثير الخوف حول ما يفكر فيه.

شحصيةصنعت جدل لا ينتهي وبكل الأحوال انسان عاش تجربة حياة مثيرة مليئة بالأحداث.

وتجربته وضعت السودان تحت المجهر عندما عاش السودان الإسلام شعارا وفكر وحركة.

وللأسف كانت تجربة حكم إسلامي فاشلة ، كانت لكاتب هذه السطور الأمل المتفجر لنجاح تجربة نهضة حقيقية تعتمد علي الاسلام كوقود محرك وكان صراخ الاستعمار من حولها آنذاك دليل على نجاحها الي ان انتهت التجربة فتوقف صراخ الاستعمار.

وانتهي الأمل الي الإحباط.

وكان الوحيد الذي استطاع تجميع كل الإسلاميين من أقصي اليمين الي أقصي الشمال تحت مظلة واحدة وجعل من السودان حديث الدنيا وهدف للأسقاط منذ العام 1994 الي العام 1998 حين انتهت التجربة الي مشروع سلطة لأفراد وانتهي المشروع الإسلامي الحضاري.

أكثر ما ألمني هو شهداء حركة الدبابين الجامعية ومن استشهدوا بالجنوب السوداني إيمانا منهم بما قاله لهم وهو تخلي عن ما قاله علي المستوي التطبيقي وتركهم بواقع أنهى  حياتهم من أجل فكرة تخلي عنها هو نفسه من اطلقها!؟

ويستمر الجدل معه بعد وفاته. 

هل أشعر بالألم لرحيله؟

لا أعرف !

ولكني أشعر بالأسي علي الإسلام وعلي شهداء الحركة الإسلامية.

 

د.عادل رضا

 

إسلاميو السلطة (127): مقتدى الصدر في منظومة الفساد العراقي

salim alhasaniلم تتوقف الرسائل الخاصة التي تصلني حول ما كتبته في الحلقة (119) عن رغبة السيد مقتدى الصدر بأن يكون رئيساً لمجلس الحكم الذي شكله الحاكم المدني بول بريمر، وأنه وافق بعد ذلك أن يكون (فاضل الشرع) ممثلاً مشتركاً له وللشيخ اليعقوبي في المجلس.

 ...

يعرف المتابعون حجم الانفعال الذي غلب على أتباع السيد مقتدى الصدر، مع أني ذكرت التفاصيل بالأسماء، وأعود هنا للإجابة على تساؤلات الاخوة في رسائلهم الخاصة، بأن المعلومة صحيحة كما وردت في الحلقة رقم (119)، ولم يصدر حتى الآن أي تكذيب منهم وهم (إبراهيم الجعفري، فالح الفياض وعدنان الأسدي) كما يمكن الرجوع اليهم للتأكد مما كتبت، علماً بأني تناولتهم بالنقد في حلقات عديدة، مما يفتح لهم المجال للتشكيك فيما اكتب.

واضيف على ذلك ان مكتب السيد مقتدى الصدر يحتفظ بتسجيل اللقاء، وهذا أمر معروف عن تسجيل لقاءات السيد بالفديو. وفي قضية مهمة بهذا المستوى، فان من مصلحة مكتب السيد مقتدى نشر اللقاء ليكون بذلك حجة دامغة لا نقاش فيها ولا تأويل، فهي أقوى وثيقة لبيان الحقيقة. ولو ثبت ذلك خلاف ما ذكرت، فأني سأتوقف عن الكتابة في هذا المجال، بل سأكرر الاعتذارات للسيد مقتدى الصدر، ويعرف المتابعون الكرام، أنني اعتذرت من قبل عن معلومتين في هذه السلسلة، الأولى حول دخول سيارات وزارة الخارجية الى مطار بغداد لنقل عائلة من أقارب الجعفري، وكان الصحيح هو وقوف السيارات خارج المطار، والثانية عن مشاركة بهاء الأعرجي ومحمد صاحب الدراجي في تظاهرة الجمعة.

 ...

إن رغبة السيد مقتدى الصدر في تولي رئاسة مجلس الحكم، ومن ثم قبوله المشاركة فيه من خلال ممثل، لا يختلف كثيراً عن مشاركته في العملية السياسية التي صممها الاحتلال الأميركي، فلقد شارك ممثلوه في الجمعية الوطنية، وساهموا في كتابة الدستور الذي وضعه المحتل، وكان له عدد من الوزراء في الحكومات المتعاقبة وهي حكومات خاضعة لإرادة المحتل حتى خروجه نهاية 2011.

لقد انساق السيد مقتدى الصدر مع الامتيازات شأنه في ذلك شأن بقية القادة، فقام بزيارة ملك السعودية وأمير قطر وغيرهما في خطوة لا تناسب تاريخ وجهاد والده الشهيد الصدر الثاني. مع سطوع الحقيقة الكبرى بأن السعودية وقطر من أكثر الحكومات عداءاً للشيعة والعراق، وهما مصدر الإرهاب الأول مالياً وفكرياً وتحشيداً.

كما أن موكب السيارات الفخمة، أخرجه عن صفة القائد الذي يعيش هموم الجمهور، ويشارك بساطتهم. الى جانب الغموض الذي يلف موضوع الطائرة الخاصة التي انتشرت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي واضعها في نهاية المقال.

 ...

لقد أضاع السيد مقتدى الصدر، فرصة القيادة الحقيقية، ورضي أن يكون مثل غيره، شعارات كلامية، وخطوات استعراضية، وهي في النهاية جهود مؤقتة، مرهونة بالمستوى الثقافي لأتباعه، ومرتبطة بمستقبل القضاء، فاذا ما تغيرت منظومة القضاء الفاسدة حالياً، بمنظومة صحيحة، فانه سيكون واحداً من المتسترين على الفاسدين في ملفات سرقة المال العام، وبذلك تنتهي زعامته، مثلما تنتهي الزعامات الأخرى.

 ...

فعلى سبيل المثال لم يتعامل السيد مقتدى الصدر بجدية مع بهاء الأعرجي، مع أن ثراء الأعرجي المتفجر والطارئ لا يحتاج الى دليل بعد العام 2003، وحتى إجراء استدعائه الى مكتب النزاهة التابع للتيار، لا يمكن أن يكون مقنعاً، ما لم يسفر عن اجراء حقيقي يكشف سرقاته من الدولة، في حين ان الذي اعلنه المكتب هو الطلب من ذوي الحق الشخصي تقديم شكاواهم ضده، وهذه قضية ثانوية جداً قياساً بالمال العام الذي استولى عليه بهاء الأعرجي من قوت الشعب.

ان السيد مقتدى الصدر تبنى بهاء الأعرجي واعتبره شرطاً لدعم حكومة العبادي، وذلك بتعيينه نائباً لرئيس الوزراء، وليس أقل من ذلك.

والى جانب بهاء الأعرجي، تم إقفال ملف الوزير محمد صاحب الدراجي، كما أهمل السيد مقتدى فساد وجرائم النائب حاكم الزاملي والتي لا تزال ملفاتها عالقة في المحاكم، لأن أي قاض يفتح ملفات الزاملي في الاختطاف والقتل، يتعرض لتهديد مباشر بالتصفية الجسدية هو أو عائلته.

 ...

إن المطلوب من السيد مقتدى لكي يثبت جديته في الإصلاح، أن يخطو خطوة حقيقية، باتجاه تغيير القضاء، مع قدرته الجماهيرية على ذلك، فبإمكانه ان يدعو الى تظاهرات مستمرة والى اعتصامات جادة، لا تنتهي إلا بإصلاح القضاء، وهذا أمر متاح له حالياً، وبمقدوره فعله ببساطة فيما لو أراد ذلك حقاً، بعد أن أثبت قدرته على تحشيد جمهور عريض خلال تظاهرات الجمعة.

هذه حقائق مهمة، يجب أن يقف عندها المواطن في محاكمة عقلية موضوعية، بعيدة عن الانفعال العاطفي، والارتباط التبعي الساذج.

اختم مقالي بصورة الطائرة الخاصة، وهي صورة تثير الشكوك.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

 

ثلاثون عاما في الهباء (3)

emad aliكما قلت من قبل، لقد وهبت عمرا كبيرا في تنظيم لم اكن اؤمن به منذ البداية بانه  سيتمكن من تحقيق اهدافه المعلنة وشعاراته الكبيرة، بعدده وقدراته  لمتواضعة ماديا ومعنويا وامكانياته القليلة، اي ضمن حزب كادحي كوردستان الذي اتحد به راية الثورة بعدما انشق عن الاتحاد الوطني الكوردستاني، ليس ايمانا بالاتحاد به بقدر انقاذ نفسه من الضائقات التي وقع فيها بعد عمليات الانفال ومتابعة الاتحاد الوطني الكوردستاني له ومضايقته من اجل عدم تنميته على حسابه، لانه كان يعتبره هو من قطع حوالي نصف من عدد كوادره بشكل عام او اكثر . الا ان قيادته البائسةاي قيادة راية الثورة، وعدم تحمله وانعدام حزمه، وبرائته من ما اقدم عليه وتسليمه للامر الواقع دون ان يمتلك اي حزم او قوة ارادة او صبر، او قوة شخصية قياديية او ما تفرض نفسه من مثابرة المطلوبة للقيادة الناجحة السليمة، وتمرير ما تطلبته نواياهم غير النقسة وبدوافع شتى سواء كانت كاذبة او مبررة لما كانوا فيه من ضعف وعدم الايمان بالذات مع عدم الثقة بالامكانية الذاتية وتخبطهم الكبير في امور القيادة وما عملوا، والذي وقع على حساب الاعضاء والكوادر من ابناء الطبقة الكادحة واكثرهم كانوا من الاصدقاء او الرفاق القريبين من القيادة العليا، ولكن هذه القيادة لم تؤد الامانة التي كان من المنتظر منهم ان يؤدوها على الاقل وفاءا لدماء الشهداء التي سالت بسببهم وهم كانوا اثرب الاصدقاء لهم على الاقل، وليس الشعارات والتقولات الفضفاضة التي ادعوها كذبا وتضليلا .

هكذا بقيت انا ورفيق اخر صاحب ثقافة متواضعة في حزب كادحي كوردستان، دون ان اؤمن بهذا الحزب اصلا  من النخاع كما يُقال، بل كان هدفيمن  البقاء اساسا هو عدم ترك ما اقدم عليه الشهداء ومهما كان ايمانهم بما حدث من انشقاق في صفوف الاتحاد الوطني الكوردستاني في حينه .

كانت الكوادر الوسطية في حزب كادحي كوردستان مخلصين مؤمنين بما يعملون وما يهدفون ويعتقدون في قرارة انفسهم بانهم سوف ينجحون في تحقيق الاهداف الكبيرة التي حملها الحزب من الاستقلال والديموقراطية والحرية وغير ذلك من الشعارات التي تحتاج لقدرات وامكانيات وكوادر وعقليات تقدمية لتحقيقها، لم تكن موجودة لدى حزب صغير اكثرية قيادته متواضعة الثقافة والمعرفة من جميع النواحي السياسية والادارية ولهم قدرات متواضعة من الناحية الفكرية الفلسفية العامة ايضا وان كانوا مخلصين مؤمنين بقضية شعبهم .

كنا وبقينا ضمن صفوفه لمدة اكثر من عشرين عاما بعد توحيد راية الثورة وحزب كادحي كوردستان، واصبحنا في موقع وموقف ننتظر التغييرات التي يمكن ان تحدث في مسيرة الحزب وكيفية ادارته ومدى نجاحه ولو نسبيا، الا ان تاثر قياداته بما هو موجود في كوردستان من العقلية القيادية وسلوك قياداته وتصرفات شخصه الاول واستاثاره بما كان لدى الحزب من حتى الامكانيات الصغيرة، لم يكن يفرق عن غيره من القيادات للقوى الكوردستانية الكبرى، ولم يكن الا خاضعا في امور قيادته الى نرجسيته وطموحه الشخصي اكثر من الحزب ومن فيه كما هو حال اكثرية قيادات كوردستان التقليديين .

عندما عاد هؤلاء المخذولون من تنظيم راية الثورة الى صفوف الاتحاد الوطني الكوردستاني تسنموا مناصب ومواقع حزبية وحكومية كان من الاساس جل تفكيراكثريتهم مشغولا فيه، وهم وان كانوا عتقاء في صفوف الثورة الجديدة وساعدت ظروف العراق غير الملائمة على بقائهم ضمنها وعدم تسليم نفسهم للبعث، الا ان خوضهم لغمار الحركة التحررية الكوردستانية لم يكن نابعا بالايمان الكامل بما يحدث واكثرهم من وقع ميؤسا في ايام الصعاب وتشدق بما كان عليه في ايام السلام وسهولة المعيشة، وارتهنوا ما في جعبتهم من التفهم لما كانوا فيه وتلهفهم على اهداف خاصة وما امتلكوا من العقلية على الربح والخسارة في حساباتهم .

بعدما قررت البقاء رغم تيقني بان التنظيم او الحزب الذي انتمي ليس بامكانه تحقيق اي شيء ضمن الظروف التي وجد فيها، الا ان بقائي وانتظاري كثيرا لما يمكن ان يتغير كان دون حساب دقيق . وما اصبحت فيه فرض علي  ان اكون محايدا في جميع الامور على الرغم من ارائي ومواقفي التي ازعجت الكثيرين ومن ضمنهم الشخص الاول . هذا عدا النفاق والعداءات التي واجهتها من قبل الرفاق المتواضعين في العقلية والثقافة وتعرضت للكثير من المعوقات وتصديت للكثير من الحاسدين من غير المؤهلين فكريا وعقليا وحزبيا ومعرفيا ايضا، وبكل صراحة وبصريح العبارة اقول ان ما دفعني اكثر على اتخاذ الموقف الحاسم في طلاق الحزب والاستقالة، بعد كل الغمار في الصعاب ضمنه وبقائي متحديا لما تعرضت له، هو ما اصبح عليه العمل الحزبي وهو ضمان المعيشة العائلية ومستقبل الاولاد من خلاله .الى ان تضايقت من حالي اكثر من الحزب بعدما حدثت فيه من الانشقاقات التي لا تحصى ولا تعد، وطالما انتعش قليلا ونمى كميا وكيفيا ومن ثم انفصلت عنه مجموعة، وعاد الى ما كان عليه دون ان يتقدم بخطوة، وهكذا . وكان للمؤامرات التي حيكت وحصلت ضده من قبل الحزبين الكبيرين له دور رئيسي في بقاءه على حاله وتخلفه . الى  ان حدث الاشسقاق الاكبر فيه بتخطيط وتدخل وتآمر الحزب الديموقراطي الكوردستاني بشكل مباشر وشرائهم لعدد من قياداته ومن ضمنهم القادة الثلاث الذين يسيطرون اليوم على زمام الامور فيه . وللحديث بقية .

 

عماد علي

 

إسلاميو السلطة (126): الاستنزاف الداخلي للشيعة

salim alhasani2منذ سقوط نظام الطاغية عام 2003، وحتى الآن، لم يبرز مشروع سياسي ناضج عند القيادات الشيعية، فلقد انشغلت هذه القيادات بالتنافس السلطوي، والتسابق على المصالح الفئوية. يشمل ذلك الكتل الرئيسية (حزب الدعوة، التيار الصدري، المجلس الأعلى و حزب الفضيلة).

وقد انساقت هذه الكيانات مع المحاصصة انسياقاً قوياً في خضوع للإرادة الأميركية التي هيمنت على كافة الكيانات من شيعة وسنة وكرد.

كانت المحاصصة هي البديل القوي للمشروع الوطني، وحين صارت أمراً واقعاً من خلال الدستور والسياقات المرتبطة به، فان عملية بناء الدولة تراجعت الى مراتب ثانوية، لأن المحاصصة في حقيقتها هي تسابق على المكسب الفئوي بعد ان تضمن الأطراف وصولها الى دائرة السلطة.

 ...

وقع القادة الشيعة في خطأ آخر، عندما اعتمدوا المحاصصة مرة ثانية في كيانهم التحالفي، وذلك في تشكيل (الإئتلاف الوطني الموحد) ليخوض أول انتخابات عام 2005. فقد كان تشكيل الائتلاف صحيحاً من ناحية الشكل، لكنه في العمق كان خطأً فادحاً ضرب صميم الفعل الشيعي في الممارسة السياسية.

 

فلقد اعتمدت آليات الائتلاف الوطني، المحاصصة داخل الجسم الشيعي، وكان قادة الكتل السياسية يتفاوضون على توزيع النسب وعدد مرشحي كل كيان في القائمة المغلقة. وبذلك فانهم شكّلوا كتلة سياسية تبدو موحدة للعيان، لكنها تختزن عناصر التنافس الحاد والتسابق على عناصر القوة، وكانت تلك بداية التمزق الشيعي في أجواء السلطة.

في حين كان المطلوب الاهتمام بصيغة قيادية موحدة، تحدد مسار الموقف الشيعي، وتكون ملزمة لكافة الأطراف الشيعية، وليس كما حدث باعتماد اطار شكلي رخو ضعيف.

 ...

لقد قضت صيغة الائتلاف الوطني ـ ومن بعده التحالف الوطني ـ على إمكانية توحيد القيادة السياسية الشيعية، وعززت واقع القيادات المتحزبة، وبذلك تصاعدت حدة التنافس بين هذه القيادات، ومن الطبيعي ان ينسحب ذلك على المكونات الداخلية، فراحت المواقف تتباعد، وتزداد الفواصل والفروقات بين المكونات الشيعية مع تقادم سنوات العمل السياسي، وصولاً الى هذه الأيام حيث يعيش الشيعة أضعف حالاتهم، رغم كونهم الأكثرية السكانية.

 ...

أصبح همّ قادة الكتل ـ وهذا ينطبق على السنة والكرد أيضا ـ أن يحصلوا على الإمتياز المالي والسياسي لتدعيم مواقعهم في مواجهة المنافسين الآخرين، كما أفرز ذلك انقلاب المعايير والقيم بالنسبة للمقربين والمسؤولين والنواب، فأصبح القادة يفضلون المطيع الشاطر على الكفوء النزيه، لأن الأول هو الذي يفتح لهم خزائن الدولة ويبقى مرتبطاً بهم، أما الثاني فانه سيتصرف بعيداً عن حساباتهم الفئوية.

 

وبهذا نشأت فئة من أرباب الفساد من كافة الأحزاب والكيانات، مثل محمد الوائلي وحسن الشمري وبهاء الأعرجي ومحمد صاحب الدراجي وعبد الفلاح السوداني وخضير الخزاعي وصلاح عبد الرزاق وعدنان الأسدي وعبد الحسين عبطان وباقر الزبيدي وجواد البولاني وحسين الشهرستاني وعشرات الأسماء من كبار المسؤولين الغارقين في السرقة والفساد، ويتبعهم المئات والآلاف من الفاسدين الثانويين. وكانت قياداتهم في حزب الفضيلة والمجلس الأعلى وحزب الدعوة والتيار الصدري والمستقلين، توفر لهم الحماية التامة، لأنهم يقومون بمهمة خدمة القيادات والكيان الذي ينتمون اليه، فيما ضاع الجسم الشيعي بالتفجيرات والفقر والتهديدات والمؤامرات الإقليمية.

 ...

كما ظهر تطور آخر لا يقل خطورة عما تقدم، فقد صار قادة الكتل الشيعية ومن أجل تقوية مواقفهم، يعقدون اتفاقاتهم السرية مع كيانات من خارج التحالف، ضد حلفائهم في التحالف، وكان ذلك يعني الاستعانة بالقوى الإقليمية على الموقف الشيعي، وهي الثغرة التي وجدت فيها حكومات الشرّ (السعودية وقطر وتركيا) فرصة ثمينة لتمرق من خلالها، فتسدد رميتها تجاه الشيعة.

 

لا تنفصل تحركات السعودية ونشاطها المتصاعد في الفترة الأخيرة، عن تقديرها للتفكك الشيعي، لقد وجدت أن الكيان الذي تستهدفه وتريد القضاء عليه، يعينها على نفسه، وأنه متآكل من الداخل، وبذلك فأن مهمتها في عزل الوجودات الشيعية في المنطقة عن بعضها البعض، والاستفراد بها واحداً واحداً، صارت سهلة.

إن التفكك الشيعي في العراق والذي يحدث على يد القيادات السياسية، يُقدم أكبر الخدمات لمحور الشرّ، بقصد من بعضهم وبقلة حكمة من بعضهم الآخر وبحسابات مصلحية من البعض الثالث، لكن النتيجة واحدة، وهي تقديم شباب الشيعة وجماهيرهم ضحية سهلة للموت والجوع والفقر والمرض واليأس.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

الشيخ طه العلواني فقيه ضيّعه سنة العراق ونساه شيعته

abduljabar alrifaiفي صمت كما صمت شيخوخته، ونسيان كما نسيانه من أقرب الناس إليه، فقيه ومفكر آخر يمضي راحلاً الى عوالم الملكوت، بعيداً عن ركام ظلام عالمنا. لقد غادرنا الى رحمة الله أمس صديقنا العلامة الشيخ طه جابر العلواني. رحم الله العلامة الصديق العلواني الذي رحل إلى الملكوت الأعلى، وهو في طريقه من القاهرة إلى واشنطن، في 4-3- 2016 وهو اليوم الذي ولد فيه في مدينة الفلوجة في العراق عام 1935.

تعود علاقتي بالصديق المرحوم الشيخ العلواني إلى مايقارب الثلاثين عاماً، حين كنت وقتئذ مسكوناً بهاجس أسلمة العلوم والمعارف في عالم الاسلام، بعد أن تركت العمل الحركي التنظيمي، استهوتني فرضية "إسلامية المعرفة"، ولم أكن أعرف أن هذا الولع الجديد هو انبعاث الهوية بوجه آخر من أعماقي، وتعبيرها عن نفسها هذه المرة بصيغة أيديولوجية تختبئ خلف فكرة "إسلامية المعرفة".

عثرت على بعض كتابات واصدارات "المعهد العالمي للفكر الاسلامي"، الذي كان يقوده ذلك اليوم د. طه العلواني. وبعد أن طالعتها، رأيتها تتضمن شيئاً من التنظير والتبرير المتأمل تارة، والمبسّط تارة أخرى، لكن ما لفت انتباهي هو كتابات العلواني، التي كان يهتم فيها بالاحالة على التراث، خاصة أصول الفقه، الذي غرقت فيه في الحوزة، تدريساً وتأليفاً، أكثر من الفقه وغيره من علوم الشريعة، بموازاة شغفي المزمن بالفلسفة ومداراتها. واكتشفت أن رسالة الدكتوراه التي قدّمها الشيخ العلواني للأزهر هي تحقيق ودراسة أحد أهم المؤلفات الكلاسيكية في علم الأصول، وهو كتاب الفخر الرازي "المحصول في علم الأصول"، الذي نشره في ستة مجلدات. وجدت العلواني في كتاباته يحرص على المواءمة بين أصول الفقه والمفاهيم المنهجية الحديثة. وهي محاولات فيها شئ من التأمل والجدة، وإن كانت تفتقر للابتكار وصياغة رؤية نظرية دقيقة، إذ تقترب أحياناً من المقاربات والتلفيقات بين مفاهيم متنافرة.

بدأت مراسلاتي مع الشيخ العلواني وهو في واشنطن، رئيساً للمعهد العالمي للفكر الاسلامي، وأنا في الحوزة في قم. وفوجئت بسرعة تفاعله مع رسائلي، وحرصه على تكثيف التواصل وديمومته. كان يرفدني على الدوام بكل جديد من إصدارات المعهد ومطبوعاته. وتطور تواصلنا عبر الهاتف، وظل يحرص على معرفة رأيي بما يكتبه هو، وما يصدره معهدهم. وكان يهتم بما يسمعه من آراء تصدر عن المجال الشيعي في عالم الاسلام، خاصة آراء أساتذة الحوزة ومؤلفيها، والموقف من رؤاه وجماعته في "إسلامية المعرفة".

لم تتكامل وجهة نظري وتنضج رؤيتي النقدية لدعوتهم إلاّ بعد مضي عقد من السنين، من المطالعة والنقاش والمراجعة التقويمية لما كتبوه ونشروه. أجريت معه والصديق د. عبدالحميد أبو سليمان حوارين نقديين، نشرتهما في عددين من "مجلة قضايا اسلامية"، التي أصدرتها في قم عام 1994 قبل إصدار "مجلة قضايا إسلامية معاصرة" عام 1997. ثم خصصت لاحقاً عدداً نقدياً من مجلة قضايا إسلامية معاصرة لتفكيك وغربلة مقولات "اسلامية المعرفة"، وعنونت محور العدد "اشكاليات التحيز والتمركز في العلوم". ولم يتردّد المرحوم العلواني في دعم هذه المحاولات النقدية والثناء عليها.

945-jabar

ورغم  أني قدّمت تفسيراً لمنطلقات ووعود جماعة "إسلامية المعرفة" انزعج منه الصديق د. عبدالحميد أبوسليمان وجماعة المعهد العالمي لإسلامية المعرفة، في المؤتمر الذي عقده المعهد بأسطنبول سنة 2006، بعد مرور ربع قرن على تأسيسهم المعهد، لكن الشيخ العلواني كان الوحيد الذي دعم موقفي، فأعرب عن إعجابه في لقاء خاص معه، بعد الفراغ من الجلسة، وشدّد على أنهم (جماعة اسلامية المعرفة) في مأزق معرفي، ذلك أن مهمةَ المعهد صياغةُ رؤية اسلامية للمعرفة، وأحال ذلك إلى احتكار الفريق الذي يدير المعهد، بعد اقصائه هو، وغياب المرحوم المؤسس د. اسماعيل راجي الفاروقي، وابتعاد د. عبدالحميد أبوسليمان عن الادارة، فإن هذا الفريق الذي استحوذ على المعهد يضم مجموعة مهندسين، وهم: " المرحوم د. جمال البرزنجي، د. هشام الطالب، د. أحمد التتنجي"، ومعروف أن التكوين التخصصي للمهندسين لا صلة له بالتراث وعلوم الشريعة، مضافاً إلى افتقارهم للتكوين في العلوم الانسانية. وما ينشده المعهد هو تجسير العلاقة بين العلوم الانسانية والعلوم الشرعية. حسبما قاله الشيخ العلواني.

زارني الشيخ العلواني إلى قم قبل أكثر من عشرين عاماً، ونزل ضيفاً في بيتي. وأعددت له برنامجاً حافلاً، في زيارات لمراجع دين ومراكز أبحاث ومؤسسات فكرية. كما احتفى به الصديق العلامة السيد جواد الشهرستاني الوكيل العام لمرجعية آية الله السيد السستاني في العالم، وأقام على شرفه وليمة غداء، حضرها مجموعة من الفقهاء وأساتذة الحوزة المعروفين. وقبلها في الصباح الباكر التقى على الافطار في منزلي بأبرز الكتّاب العراقيين في قم.

تواصلت لقاءاتي مع المرحوم العلواني وكان آخرها في القاهرة. وفي كل مرة ألتقيه نجلس ساعات طويلة يحدثني فيها عن آماله وآلامه، غير أنه ظلّ يحلم ويجسّد بعض أحلامه في مبادرات ومشاريع ينهض بها بحدود إمكاناته.

كان يحلم بتأسيس "جامعة للحوار الاسلامي الاسلامي في العراق"، واقترح عليّ أن أكون رئيساً لهذه الجامعة، وهو يرأس مجلس الأمناء فيها، واقترحنا معاً جماعة من أكاديميي وعلماء العراق أعضاء في مجلس الأمناء، وأعرب عن أن ذلك هو الحلم الذي يريد أن يتوج به حياته، ويقدمه هدية لوطنه، بعد استعار حرائق الحرب الطائفية، وتسمم فضاء الوطن بدعوات التعصب والكراهية. وأصرّ على تأسيسها في بغداد، وذكر لي أن لديه قطعة أرض يمتلكها قبل نصف قرن قرب القناة، وبيت في منطقة الكرادة، وهو لا يعرف مصيرهما مذ غادر العراق،  وهو مستعد أن يهديهما للجامعة، ويرصد لها ما يجمعه من تبرعات. ولما عدت للعراق تعرفت من وزارة التعليم العالي على شروط الجامعات الأهلية، فوجدت نفسي غير قادر على تأمين متطلبات التأسيس، التي يتعذر على من ينشد العلم والمعرفة تأمينها، لأنها متاحة للرأسماليين خاصة، لا للعلماء والأكاديميين. فاعتذرت منه، وتألم كثيراً ساعتها، لحظة شعر بضياع آخر أحلامه، ببناء الحياة الدينية في فضاء العيش المشترك في وطنه العراق.

حدثني المرحوم الشيخ طه العلواني أن الحرس القومي في حزب البعث طلب منه بعد انقلاب 8 شباط  1963 الدموي، أن يفتيهم بارتداد الشيوعيين واستباحة دمائهم، ممن ساقوهم أفواجاً في قصة "قطار الموت" الشهيرة، غير أنه رفض ذلك ببسالة، وواجههم بشجاعة، ولم يتردد أو يخشاهم، رغم فاشية الحرس القومي وشناعة مجازره الشهيرة، وصرّح لهم: "إن هؤلاء مسلمون، وحتى لو كانوا مرتدين، فإنه مع ذلك لا يفتي بقتل المرتد".

المرحوم الشيخ طه العلواني (فقيه سنة العراق) فقيه ومفكر جرئ جسور مستنير، ضيّعه سنة العراق، كنبيّ ضيّعه قومه، كما نساه وفرّط به شيعة السلطة في العراق، رغم أنه كان على صلة عضوية بهم، وبمرجعية آية الله السيد محسن الحكيم، وهو المنسّق بين هذه المرجعية وسنة العراق، قبل أكثر من نصف قرن، من خلال صديقه ابن المرجع العلامة الشهيد المرحوم السيد مهدي الحكيم، والذي اشتركا معاً وآخرين بالتخطيط للإطاحة بحكم حزب البعث عام 1969، لكنه بعد اكتشاف المحاولة اضطر وجماعته للفرار من وطنه منذ ذلك الحين، وقال لي إحدى المرات، وهو يسرد مذكراته عن هذه المحاولة: قررتُ مغادرة السياسة ومكائدها منذ تلك الواقعة، والانصراف لعلوم الدين، وهكذا أمضى ما تبقى من حياته حتى توفي رحمه الله.

لا أعرف فقيهاً عربياً معاصراً تجرأ كما هو، فكتب كتاباً هاماً نفى فيه حدّ الردة، وشدّد على أن عقوبة المرتدّ أخروية لا دنيوية، كذلك تناقشنا أنا وهو في الحدود والعقوبات البدنية، فأصرّ هو على نفيها في العصر الحديث، وكان يستدلّ بأدلة فقيه بصير، يتوكأ على القرآن الكريم كمرجعية في استدلاله، بوصفه - كما يرى - قيماً ومهيمناً وشارحاً للحديث الشريف.

تسقط جماعات الإسلام الايديولوجي المفكرين والفقهاء الأحرار في زوايا معتمة، وتقصيهم في كهوف النسيان، ولا تبوح بمنجزهم، ولا تعلن عن أفكارهم وفتاواهم، حتى يموتون. كنت حين أزور المرحوم العلواني في منفاه الاختياري القاهرة، يحدثني بمرارة عن تجاهل الجماعات الاسلامية في مصر له، وتأثيرهم الذي امتد لتجاهل الأزهر له، وأنه ظلّ يتمنى أن تكون له نافذة أسبوعية في الأهرام، يتواصل من خلالها مع قرائه في مصر، التي أمضى فيها سنوات طويلة من عمره، إلاّ أنه لم يظفر بذلك.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

نتذكر هوغو شافيز.. (5) مارس/ آذار ذكرى رحيل هوغو شافيز

mahmod kawashالآن ونحن نستقبل الذكرى الثالثة لرحيل الزعيم الفنزويلي هوغو شافيز في الخامس من مارس/ آذار 2013 تعود بي الذاكرة إلى ذلك اليوم "الأحد الموافق السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2012"، الذي تحوَل إلى محطة سياسية هامة في تاريخ فنزويلا ومنطقة أمريكا اللاتينية بشكل عام، باعتبار أن ما شهدته هذه المنطقة الحيوية من العالم في ذلك اليوم شكل هزيمة منكرة لواشنطن نجم عنها انحسار هيمنة الإمبريالية الأمريكية فيها وسقوط مقولة "الأخ الأكبر" إلى ما لا رجعة.

في ذلك اليوم العظيم شهدت فنزويلا انتخابات رئاسية ديمقراطية قال الشعب الفنزويلي فيها كلمته الفصل التي ضمن الرئيس هوغو شافيز العدو الأكبر لواشنطن والغرب بموجبها البقاء في سدة الحكم لفترة رئاسية رابعة كان يفترض أن تمتد حتى نهاية عام 2018، لو لم ينتقل إلى رحمة الله تعالى بعد نصف عام من تلك الانتخابات.

لقد اتسمت تلك الانتخابات بالنزاهة والشفافية المطلوبتين، وذلك بشهادة صناديق الاقتراع والفرز الأمين والصادق والأجهزة الإلكترونية لأخذ البصمات التي تعتبر الأكثر تطوراً في العالم، وبشهادة 1200 شخصية دولية أشرفت عليها وفي مقدمها الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر وممثلون عن مؤسسات ومنظمات حقوقية ومدنية دولية بما فيها منظمة الأمم المتحدة، عملوا في أجواء من السلم الأمني الذي ضمنه 150 ألف جندي فنزويلي انتشروا على مساحة من البلاد احتوت أكثر من 32 ألف مركز انتخابي.

وبنتيجتها اكتسب شافيز شرعيةً رئاسية جديدة أضيفت إلى ثلاث شرعيات رئاسية سابقة وشرعية استفتائية إضافية تخللتهم، عرفتهم هذه الدولة الأمريكية اللاتينية بين ديسمبر/كانون الأول 1998 والسابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2012 الجاري. فقد انتخب شافيز رئيساً لفنزويلا لأول مرة في ديسمبر/كانون الأول 1998، وأعيد انتخابه في عام 2000 لضرورات قسرية افترضها تعديل دستوري أجري في البلاد، وتم تثبيت ذلك الانتخاب في استفتاء شعبي جرى في 15 أغسطس/آب 2004 قبل أن يُعاد انتخابه مجدداً في 3 ديسمبر/كانون الأول 2006.

عنى ذلك بالبديهة أن هوغو شافيز تمتع من خلال الشرعيات الخمس المتتالية التي منحه ياها الشعب الفنزويلي بشرعية فاقت صدقية شرعيات جميع الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا على السلطة في البيت الأبيض.

فعلى سبيل المثال لا الحصر فاقت شرعية الرئيس الفنزويلي ألف مرة الشرعيتين اللتين حصل عليهما الرئيس الأمريكي السابق الأرعن جورج بوش في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأولى عام 2000 والثانية عام 2004، لأن الشرعية التي حصل عليها بوش في الانتخابات الأولى ظلت مثار شك وريبة وجدل سياسي طويل قبل أن يتم التسليم بها. وما كان لبوش أن يصل إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض آنذاك لو لم يلجأ مضطراً إلى المحكمة الأمريكية العليا ولو لم يتصف خصمه الديمقراطي آل غور بالوطنية والحنكة، عندما قرر التسليم بالهزيمة برغم عدم اقتناعه بنتيجة الانتخابات، حرصاً على أمن وسلامة الولايات المتحدة الأمريكية. وأما الشرعية التي حصل عليها في الانتخابات الثانية فما كان لها أن تكون لولا اعتماده على أصوات المندوبين الحزبيين واليهود الأميركيين في حسم معركته مع خصمه الديمقراطي جون كيري.

ولعل أبسط ما يمكن أن يقال عن انتصارات هوغو شافيز المتتالية هو أنها شكلت تأكيداً لصدقية روح الثورة البوليفارية التي كان شافيز يعتبر نفسه امتداداً لها والتي أصر على اعتبارها محطة تاريخية هامة لا تنفصل عن تاريخ أمريكا اللاتينية، كما وشكلت انتصاراً للديمقراطية في فنزويلا باعتبار أنه كان لشافيز شرف تعديل دستور بلاده بشكلٍ يستحيل معه أن يقبض أي رئيس ديكتاتوري على مقاليد السلطة فيها إذا لم يكن الشعب راضياً عن سياساته ومؤيداً لسلطة حكمه.

ففي عام 1999 ولم يكن قد مضى بعد أكثر من عام على توليه رئاسته الأولى، أجرى شافيز تعديلاً دستورياً أوجب إجراء استفتاء على شخص الرئيس بعد عامين من استلامه السلطة إذا ما طعن الشعب بممارساته الديمقراطية. لكن جاءت المفارقة الغريبة فيما بعد ذلك بقليل من تحالف المعارضة الذي تشكل من النخبة والطبقة الوسطى والأوليغارشية السياسية والاقتصادية التي جثمت على صدور الفنزويليين عقوداً طويلة اتصفت بالفاشية والانحراف واستغلال الثروة النفطية والتنكر لحاجات ومصالح الفقراء والمعدمين من أبناء الطبقة الفقيرة، حين استغل ذلك التحالف التعديل الدستوري وقام بعملية انقلابية على شافيز بدعم ومساندة من واشنطن.

يُذكر أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" كانت قد وضعت كل ثقلها وراء ذلك التحالف للإطاحة بشافيز من خلال حثه على القيام بتلك العملية الانقلابية الحقيقية المماثلة لسابقتين لها، جرت الأولى في غواتيمالا عام 1954 والثانية في تشيلي عام 1973، أملاً في تنصيب سلطة عميلة لواشنطن في كاراكاس تسهل لها الهيمنة والسطو على النفط الفنزويلي.

فكما هو متعاف عليه فإن فنزويلا هي عضو هام في منظمة "أوبيك" وواحدة من أكبر خمس دول منتجة ومصدرة للنفط في العالم. ومن أجل ذلك أوعزت واشنطن في عام 2002 إلى تحالف المعارضة الذي قاده الأوليغارشيون من بطانة الحكم الذي سبق حكم شافيز للقيام بما أسمته انقلاباً دستورياً. وقد نجح تحالف المعارضة آنذاك في الإطاحة بهوغو شافيز، إلا أن الموالين والمخلصين له في الجيش وطبقة الفقراء والمعدمين استطاعوا إعادته للسلطة بعد يومين قضاهما في معتقل للتحالف.

مع وصول شافيز إلى السلطة في عام 1998، أثارت سياساته حفيظة واشنطن التي اعتبرته عدواً لها يجب الإطاحة به وإقصائه عن السلطة. فإلى جانب اعتزازه ببوليفاريته وحذوه حذو سيمون بوليفار بطل الاستقلال الوطني والمحرر الحقيقي لأميركا اللاتينية من وجهة نظره، أقام شافيز أفضل العلاقات مع كوبا ورئيسها السابق فيديل كاسترو وتدخل في شؤون كولومبيا الداخلية. وكما هو معروف فإن كاسترو كان من ألد أعداء واشنطن وأن كولومبيا هي من "حَوَشِها" الرئيسيين في أميركا اللاتينية، وفق النظرة الأمريكية العنصرية المعروفة!!

وفوق ذلك وعلى خلاف ما نهج عليه الرؤساء السابقون لفنزويلا، أبدى شافيز تشدداً وحزماً ظاهرين في مسألة النفط من خلال التزامه بحصة بلاده في منظمة "أوبيك"، وتقديم مصالح أبناء شعبه على مصالح الأمريكيين. والأسوأ من ذلك والأشد مرارةً بالنسبة لواشنطن وحلفائها، هو أن شافيز كان واحداً من أبرز زعماء العالم الذين وقفوا إلى جانب الشرعية الدولية والقانون الدولي في جميع المعضلات الدولية وعلى وجه الخصوص في العالم الثالث. ونذكر بأن شافيز كان الزعيم الأممي الوحيد الذي تحدى الحصار على العراق فزارها والتقى برئيسها وأركان نظامه. ويومها خاطب شافيز العراقيين ورئيسهم من منطلق وطني وإنساني مؤكداً على موقعهم في معركة الإنسانية الكبرى لدحر مخططات الإمبريالية الأمريكية.

كانت واشنطن تتخوف كثيراً من تدخل شافيز المباشر في شؤون شركة نفط فنزويلا وتأثيره المباشر على أسعار النفط الذي تستورده من كاراكاس، والذي تراوح في ذلك الوقت بين 12 و15 في المائة من استيرادها للنفط العالمي. وكما هو معروف فإن فنزويلا هي أكبر خامس دولة نفطية في العالم، أكان ذلك لجهة الإنتاج أو الاحتياط، وكانت معتادة على تصدير حوالي 90 في المائة من نفطها للولايات المتحدة الأمريكية.

عندما كانت واشنطن تتدخل في شؤون فنزويلا إبان حكم هوغو شافيز وتحاول قلب نظام الحكم فيها، فإنما كانت تفعل ذلك وفق منظورها الاستعماري القديم ـ الجديد أكان ذلك في سياق الإطار السياسي أو سياق الإطار الاقتصادي، لأنها لم تكن يوماً حريصةً على الديمقراطية فيها أو في أي مكان آخر من العالم ولأن جل ما كان ولم يزل يهمها هو مصالحها ألاً وأخيراً.

إنتصر هوغو شافيز يوم الأحد  7 نوفمبر/تشرين الأول 2012 على خصمه هنريك كابريليس الذي دعمته واشنطن بحصوله على 55 %  مقابل 45% للثاني، تماماً كما انتصر على خصمه مانويل روزاليس الذي دعمته واشنطن أيضاً يوم الأحد 3 ديسمبر/كانون الأول 2006، وكما انتصر في استفتاء 15 أغسطس/آب 2004 على خصمه كارلوس أندرياس بيريز الذي كانت دعمته واشنطن كذلك، مما عنى أن شافيز نجح مرات عدية في إنزال الهزائم بزعيمة الإمبريالية في العالم ومنعها من تحقيق أطماعها وتطلعاتها غير المشروعة في فنزويلا، الأمر الذي دلل على نهاية الهيمنة الأمريكية في أميركا اللاتينية بشكل جدي وسقوط الغطرسة الكاليغولية المقيتة المتمثلة بالأوليغارشية ونجاح البوليفارية. وبانتصارالشعب الفنزويلي لرئيسه السابق الذي وجد الديمقراطية الحقيقية في كنفه في جميع معاركه التي خاضها ضد هيمنة الإمبريالية الأمريكية، يمكن القول أن الفنزويليين اعتادو على التصويت ضد "الشيطان الأكبر" ليفوز هوغو شافيز الذي كان شعاره الانتخابي الدائم "صوت ضد الشيطان" !!

رحم الله هوغو شافيز الذي أحب شعبه فأحبه شعبه والذي كان وفياً لشعبه الذي بادله الوفاء بوفاء مماثل.

 

محمود كعوش - كوبنهاجن

كاتب وشاعر فلسطيني مقيم بالدانمارك

 

إسلاميو السلطة (125): تيار الصدر الثاني

salim alhasaniأكثر من مائتي قارئ ومتابع قمت بحظرهم حتى الآن من ضمن الأشخاص الذين يتابعون مقالاتي، والسبب هو استخدامهم عبارات خارج الذوق العام، تخدش الحياء ويعف عنها اللسان. وهم من أتباع السيد مقتدى الصدر.

هذه الظاهرة تستدعي التوقف طويلاً، لأنهم ينتمون لمدرسة الشهيد الصدر الثاني الذي ضحى بحياته من أجل خلق قيم إسلامية أخلاقية في المجتمع العراقي. في حين نجد أن المدعين بالانتماء لخطه يعيشون حالة الهبوط التربوي والأخلاقي والثقافي.

إن أي عملية تقييم لهذه الظاهرة، تُعطي نتيجة مخيبة، مفادها أن منهج السيد الشهيد محمد الصدر، لم يكن مؤثراً على صعيد التثقيف، وإن نجح في مجال التعبئة الجماهيرية.

 ...

قبل استشهاده قدس سره، كان هناك أحد كبار القادة المجاهدين ـ لا أذكر اسمه حالياً حرصاً على كرامته من الشتيمة ـ وكان موضع ثقة خاصة من قبل الامام الشهيد الصدر الأول، كما له علاقة تنسيق وثيقة مع آية الله السيد كاظم الحائري، ومع قيادات إسلامية رفيعة في إيران ولبنان، وقد تركز عمله داخل العراق طوال الثمانينات والتسعينات وحتى سقوط النظام.

كان هذا القائد الكبير يتواصل في فترات متباعدة مع السيد محمد الصدر بطريقة حذرة جداً، وفي إحدى المرات أوصل رسالة للسيد الشهيد الصدر الثاني، يُخبره فيها بأنه يلمس بساطة المستوى الثقافي لأتباعه، ويستفسر منه حول أسباب هذه الظاهرة. فجاءه جواب السيد رحمه الله بأنه حالياً يهتم بهذه الفئات الجماهيرية في مواجهة السلطة، لأن المرحلة تستدعي ذلك.

 ...

خلاصة ما أريد قوله، إن الشهيد الصدر الثاني وضع لنفسه منهجاً يختلف عن المنهج الذي كان سائداً في الحركات الإسلامية، وأبرزها منهج الإمام محمد باقر الصدر، حيث كان التركيز على النخبة المثقفة، والاهتمام بصناعة قاعدة عريضة من المثقفين الإسلاميين لتقوم عليها عملية تغيير المجتمع على أساس الإسلام.

إن الظروف الاجتماعية والسياسية اختلفت كثيراً بين عهدي الشهيدين، ففي أواسط القرن الماضي كان مظهر الساحة هو الصراع الفكري، مما استدعى ان يكون النشاط فكرياً. أما في تسعينات القرن الماضي، وبعد النتائج القمعية وتبعاتها على الانتفاضة الشعبانية عام 1991، فان الشهيد الصدر الثاني، وجد أن الساحة بحاجة أولاً الى تشكيل الجمهور الشيعي وإعادة الثقة اليه بعد انتكاسة الانتفاضة. وهذا ما قاله في رسالته الجوابية للقائد الكبير الذي ذكرته آنفاً.

 .

يتضح هذا المنهج بوضوح من خلال مشروع صلاة الجمعة الذي اعتمده السيد قدس سره، وقد أثبت فاعليته ونجاحه بشكل مذهل في تلك الفترة الصعبة من تاريخ العراق، فقد بدأ الجمهور الشيعي يتجاوز جدار الخوف، واستعاد الثقة بنفسه، ودخل مرحلة جديدة تتمثل في جماهير الجمعة، وخصوصاً في حضورها لمسجد الكوفة في تظاهرة أسبوعية كبرى، حتى صارت أمراً واقعاً في العراق.

 ...

كان الشهيد الصدر الثاني يريد بث الوعي الإسلامي من خلال الحضور الجماهيري الواسع، وهذا ما فعله في خطب الجمعة، مع علمه بانه يحتاج الى وقت طويل، وأن التثقيف العميق يكون من خلال المؤسسات والمشاريع والدروس وغير ذلك من نشاطات التوعية المركزة.

لم يمتلك الشهيد الصدر الثاني فرصة العمر التي تتيح له المضي في مشروعه، فقد اغتاله النظام الظالم عام 1999، وهو في أوج جماهيريته وقوته الميدانية، فكانت صدمة مفجعة وضربة موجعة لثاني نهضة في العراق في النصف الثاني من القرن العشرين.

 ...

بعد سقوط النظام الصدامي، كان التيار الصدري جاهزاً قائماً على ساقيه، ويضم الملايين من الشيعة، لكن المشكلة كانت في قيادته. وكان المطلوب قيادته بمعنى استكمال مسيرة الشهيد الصدر الثاني، وليس قيادة استحواذ على هذه الجماهير العريضة.

لكن الذي حصل هو تجاوز مشروع الصدر الشهيد تماماً، وبروز رغبة الاستحواذ على جمهوره، لتصبح كماً عددياً مجرداً في حركة المتغير السياسي الذي شهده العراق بعد السقوط.

 .

لذلك سرعان ما اقتطع الشيخ محمد اليعقوبي جزءاً من التيار الصدري ليصنع مرجعيته، مستفيداً من استحسان كلامي قاله السيد الشهيد بحقه، وليس على أسس علمية مما هو متعارف عليه في الحوزات العلمية في الحصول على رتبة الاجتهاد وشهادات الفقهاء وضوابط الأعلمية المعمول بها تاريخياً وبشكل دقيق في الجو العلمي الشيعي.

أما السيد مقتدى الصدر فانه تعامل مع جماهير التيار على أنهم إرث والده وأنه الأحق بهم، وكان ذلك سهلاً بحكم العلاقة العاطفية التي تغلب على الأجواء الشيعية، فهي تريد ان تستقر نفسياً في علاقة انتماء، من دون ان تسأل عن المستوى العلمي للوارث، مع ان هذه القضية أساسية في المجال الديني.

 ...

استغرق السيد مقتدى الصدر في العملية السياسية منذ البداية، وكان واضحاً انه كان يريد الحفاظ على جماهير والده، من خلال التأكيد على الربط العاطفي بالدرجة الأولى، وهذا ما نسمعه كثيراً في خطاباته وكلماته (سمعة أبي، سمعة آل الصدر، هل نسيتم قائدكم، وما الى ذلك) وهي كلمات تضرب على العاطفة الساذجة، وتبتعد عن المسار المفاهيمي، فالوارد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: (أحبونا حب الإسلام) أي ان العقيدة الإسلامية بقيمها ومفاهيمها وأحكامها هي التي تحدد العلاقة بالقيادة، وليس الارتباط العاطفي الساذج.

وقد رفض الإمام علي عليه السلام من قبل، وفي أحرج فترة مرّ بها الإسلام، البيعة على أساس العاطفة والارتباط الأسري، وذلك عندما لم يوافق على عرض عمه العباس بأن يبايعه (فيقول الناس عم رسول الله بايع أبن عمه، فلا يختلف عليك اثنان). لكن الإمام عليه السلام رفض هذا الشكل من الزعامة لأنها ستكون عشائرية أسرية عاطفية، بينما هو يريدها قائمة على أساس ديني أصيل عملاً بأحكام القرآن ووصية الرسول صلى الله عليه وآله.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

هيكل والدرس الأخير

abduljabar noriتوطئة لا بُدّ منها – أنشغل الفضاء الأعلامي في الأيام الماضية بوفاة الكاتب والصحفي "محمد حسنين هيكل" الذي غادر دنيانا بعد مكوث فيها جاوز التسعين عاماً، وفي الوقت الذي أختلف الناس عليه في حياته أختلافهم عليه في مماته، وأشار خطه الأنساني البياني بالهبوط، وعند اللحظة الأوكسيجينية الشحيحة وهو يحاول جاهداً أستنشاقها وهو يخاطب الأطباء لا تتعبوا أدواتكم، ولا تقفوا بأجهزتكم ومعداتكم في وجه الموت، فأدركتُ حينها أنهُ يريد أنْ يموت بكرامة، وبلا ألم، أذا ما حانت ساعة الحقيقة، وعلمتُ أنّ فلسفتهُ وصيرورتهُ في الحياة هي {المفهوم النوعي لا الكمي} .

العرض – من ضياع الوقت أن أعرّف بهذا الطود الشامخ لكونه أشهر من نارٍ على علم - وللضرورة أحكام - فهو "محمد حسنين هيكل" 23 سبتمبر 1923 – 17 فبراير 2016، أحد أشهر الصحفيين العرب والمصريين، فهو روائي وصحفي وسياسي، واشتهر كناقد ومحلل سياسي في الشؤون العربية منذ أكثر من خمسين عاماً، وهو منظّر سياسي بارز، ومؤرخ للتأريخ العربي الحديث خاصة تأريخ الصراع العربي الأسرائيلي، فقدرته التحليلية والأستراتيجية للأحداث مع علاقاته القوية مع الرؤساء والزعماء العرب والدوليين مكنتهُ من الوصول إلى وثائق وأرشيفات توثيق غاية في الأهمية، فكان أنْ بدأ بأصدار أكثر من مئة كتاب من الكتب السياسية المتميزة باللغة العربية والأنكليزية، وترجمت كتبه إلى 32 لغة، فهو بحق عميد الصحفيين العرب، فقد شغل رئاسة تحرير جريدة الأهرام الواسعة الأنتشار لمدة 17 عام من 1957 حتى 1974، وترأس في مرحلة الستينات مجلس أدارة أخبار اليوم ومجلة روز اليوسف، وفي 1970 عيّن وزيراً للأعلام ثُم وزيرا للأرشاد القومي، ويلتقي هيكل مع الأديب الفرنسي الشهير" أندري مارلو" في عالم الفكر والفن، أنّهُ شراعٌ على النيل جاء من صعيد مصر مرحلاً إلى الشمال حاملاً معهُ خصب النهر العظيم .

هيكل هو مجموعة من دروس لا يمكن لأي شخص أياً كان موقعهُ في الأسناد ألا أنْ يتأملها، فقد ظلّ الرجل حتى آخر لحظاتهِ حريصاً على أستكمال صورته من دون أن يترك الرتوش البسيطة، أنتهت الرحلة، وتوقف مشوار العمر وطويت صفحة أنسانية وفكرية وسياسية وصحفية من أهم صفحات التأريخ الحديث في مصر، مات الأستاذ محمد حسنين هيكل أحد أهم وأشهر الصحفيين المصريين، وكان آخر توصياته لأبناء شعب الكنانة : على المصريين أنْ لا يرتكبوا خطيئة أهالي بيزنطة .. عندما أنهمكوا في الجدل حول جنس الملائكة ونسوا أنّ الأعداء على الأسوار .

وأذكروامحاسن موتاكم

أناهنا لست بموقع مدافع عن الرجل لأنتماءه للجنس البشري الذي يختزن في أعماقه مجموعة أرهاصات متضاربة حول القضايا الساخنة منذ الخمسينات وحتى يوم وفاته في عصر 17 فبراير، لذا ظهر ضده رتلٌ من النقاد المختلفين معه، وبالمقابل حصل على جيوشٍ من المؤيدين والمحبين وخصوصاً من القادة المصريين كعبد الناصر الذي – حسب رأي – صنع نجوميته .

-والذي أعجبني جرأته  وصراحته الصحفية في لقاءه مع قناة CBCالمصرية ديسمبر 2015{وجه أنتقادا حاداًإلى الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وللرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لحرب عاصفة الحزم على اليمن، وأنتقد هيكل اللجوء الخليجي إلى خيار الحرب، كان المفروض أستخدام قوة المنطق لا منطق القوّة .

- وأنّ القوّة العربية المشتركة لا تستهدف (داعش) بل تعمل على تقويته سرا وعلانيه بغطاء طائفي ومذهبي مقيت .

- وصرح عن فشل حكام العراق الجدد بعد السقوط فقال بالحرف الواحد: {أنهم مجموعة من لصوص المال،نهبوا ثرواته وزرعوا الفتنة الطائفية فيه} .

- كان ضوءاًفي طريق يهتدي بها الحركات السياسية الطامحة نحو الأنعتاق من الظلم والأستبداد والتحرر من الأستعمار .

- عمل بجد ونشاط على تسليط الضوء على عقلية الحكام العرب وفضحهم أمام الأمة .

- كان شاهداً على على التحولات الدراماتيكية للعصر العربي .

- كان ضد سياسة الأنفتاح ومعاهدة كامب ديفد .------ في 3-3-2016

 

عبد الجبارنوري- السويد

 

ترومان كابوتي العبقري الذي جنى على نفسه

jawdat hoshyarيقال أن ثمة كاتبان فقط يعرفهما الشارع الأميركي وهما  ارنست همنجواي، وترومان كابوتي . واذا كان معظم نتاجات هيمنجواي قد ترجم الى اللغة العربية، فأن نتاجات كابوتي، لم تحظ بالأهتمام ذاته في العالم العربي، رغم حضوره الدائم في المشهد الثقافي العالمي بعد أكثر من ثلاثة عقود على وفاته، وصدور مئات الطبعات الجديدة من أعماله الأدبية،، و كتب عن سيرته الحياتية والأبداعية والعديد من الأفلام السينمائية المستوحاة من رواياته " افطار في تيفاني " و" بدم بارد " وغيرهما، والتي فاز بعضها بجائزة الأوسكار.وكابوتي هو الكاتب المؤسس الحقيقي لجنس أدبي جديد يعرف بـ" الرواية غير الخيالية"

ولد كابوتي في نيو اورليانز العام  1924 . وكان في الرابعة من عمره عند طلاق والديه، وارسلته امه الى خالته ( ناني فولك) في مونوروفيل ( ولاية الباما) . انتقلت فولك بصحبة الصبي الى نيويورك في عام 1931،ثم تزوجت رجل الأعمال الكوبي ( جوزيف غارسيا كابوتي) الذي تبنى ترومان . .

تعلم كابوتي الكتابة في سن مبكرة، ومنذ الثامنة من عمره بدأ بكتابة القصص القصيرة، وفي الحادية عشرة من عمره، كان يكتب من ست الى تسع ساعات يوميا . وقد تم في الآونة الأخيرة العثور على عدة كراريس مكتوبة بخطه في أرشيف (مكتبة نيويورك) تتضمن أقاصيص كتبها في سنوات المراهقة . وقالت صحيفة " نيويورك تايمس " أن هذه المسودات التي تحفل بتصحيحات على الهوامش، تبدو مثيرة للدهشة، لأننا نرى فيها عبقريا صغيراً يعمل، وتكشف عن موهبتة المبكرة ورؤيته للعالم .

التحق ترومان بكلية "ترينيتي " ولكنه ترك الدراسة عندما كان في السابعة عشرة قائلاً : " أن الدراسة في هذه الكلية مضيعة للوقت ولم اتعلم فيها شيئا . والتحق للعمل كموظف بسيط في صحيفة (النيو يوركر).

كان العام 1945 سعيدا في حياة كابوتي،فقد نشر عدة أقاصيص، وتنبأ له النقاد بمستقبل واعد . وتعرف على الكاتبة الموهوبة (كارسون ماكّاليرس (1917-1967) مؤلفة رواية " القلب – صياد وحيد " الصادرة عام 1940، و توثقت العلاقة بينهما، فقد رأت كارسون في كابوتي روحاً قريبة من روحها واسلوب كتابتها (التهكم، السخرية، أجواء القلق، والشعور بالوحدة) . واطلق النقاد على هذا الأتجاه الأدبي اسم " القوطية الجنوبية "،حيث تتسم نتاجاتهما بخلفية جنوب البلاد.

وفي اكتوبر 1945 وقع كابوتي عقدا مع دار نشر كبرى هي " راندوم هاوس " لنشر روايته الأولى " اصوات أخرى، غرف أخرى "، وفي ربيع العام 1946 فاز بجائزة (أو. هنري)، ورحل الى مدينة الكتّاب " يادو " للتفرغ لكتابة الرواية .ونشرت مجلة " لايف " في العام 1947 مقالاً عن الكتّاب الشباب في الولايات المتحدة الأميركية تصدرته صورة لكابوتي شغلت ثلثي الصفحة . وتحت الصورة النص التالي " ترومان كابوتي ابن (نيو اورليانز) يكتب قصصا لا تنسى" .

نشرت رواية " اصوات أخرى، غرف أخرى " في خريف العام ذاته . والرواية حكاية صبي يبحث عن والده فيجد نفسه . وبعد سنوات من نشر هذه الرواية قال عنها كابوتي " أنها كانت محاولة عفوية ولا واعية لطرد الشياطين، ولم أكن أدرك ان هذه الرواية – بأستثناء الوصف وبعض الحوادث – شبيهة بسيرتي الذاتية . وعندما أعيد قراءتها الآن أجدها خداعا للنفس لا يغتفر . "

تحدث النقاد عن الكتاب الأول لـ"الكاتب الأمريكي الأشهر." وقالوا عن الرواية انها (مثلية) وحداثوية منحطة، وشبهوا كابوتي بفولكنر، وأوسكار وايلد، وادغار بو . وتصدرت الرواية قائمة أكثر الكتب رواجاً لمدة تسعة أسابيع، حسب لائحة صحيفة (نيويورك تايمز). وكانت لها أصداء واسعة وأخذت رسائل القراء من كل أنحاء البلاد تنهال على المؤلف . وخصصت (نيويورك تايمز) حقلا تحت عنوان " زاوية كابوتي " تنشر فيها آخر أخبار الكاتب الشاب مرة في الأسبوع .واذا لم تكن ثمة أية أخبار كانت الجريدة تقول : " كابوتي : لا شيء جديد عنه هذا الأسبوع ."

وكانت صورة كابوتي على الغلاف الأول للكتاب هي الأكثر إثارة للإعجاب: فتى وسيم، وأنيق، جالس على أريكة فكتورية الطراز، ونظرته تعطي انطباعاً عن رجل عليم بكل شيء . وقد سمع المصور هارولد هالم - الذي التقط الصورة -  محادثة دارت بين سيدتين كانتا تتطلعان الى صورة كابوتي في واجهة متجر للكتب . قالت الأولى : " أقول لكِ أنه فتى يافع " . فردت الثانية : " وأنا أقول اذا لم يكن يافعاً فأنه خطر"

كان  (اندي وارهول) في العشرين من العمر ويعيش في (بيتسبرغ). وعندما رأى هذه الصورة تملكته رغبة عارمة في رؤية صاحبها والتعرف عليه، وانهالت رسائله على كابوتي، ثم جاء الى نيويورك ورابط عند باب منزل كابوتي ليلقي عليه نظرة عند خروجه. وفي نهاية المطاف أصبحا صديقين . كان وارهول رساما وقد أقام معرضه الفني الأول على قاعة " هيوج غاليري " في نيويورك في حزيران – تموز 1952 . وعرض فيه 15 لوحة فنية مستوحاة من قصص ترومان كابوتي .

شهرة كابوتي سبقته الى أوروربا، التي زارها لمتابعة الأصدارات الجديدة من : "أصوات أخرى ... غرف أخرى " في فرنسا وانجلترا . وأجرت المجلات والصحف الفرنسية مقابلات معه، وأصبح معروفا في الشارع الفرنسي، حيث كان الناس يتعرفون عليه عندما كان يتجول في شوارع باريس .

كتب كابوتي ذات مرة : " كنت دائما اريد أن أكون كاتباً مشهوراً وثرياً " . وعندما التحق بكلية خاصة، كان يكره الطلبة الأغنياء لأنهم لم يكونوا " ذوي أذواق جيدة " وكان معجباً بالأشخاص العصاميين الذين نجحوا في الحياة .  وكل من عرف كابوتي شخصيا يقول أنه كانت لديه قابلية مدهشة في كسب الأصدقاء من أول نظرة، وفي أول لقاء . واستغل هذه القابلية في كسب قلوب النساء الشهيرات في المجتمع النيويوركي المخملي . كلهن كن جميلات، وثريات، يلبسن وفق آخر صرعات الموضة. بينهن مارلين مونرو والزابيث تايلور.

في كانون الأول 1965 سافر كابوتي الى الأتحاد السوفييتي مندوباً عن النيويوركر لتغطية فعاليات فرقة فنية أميركية زائرة . وقد اصدر كابوتي في العام التالي كتابا عن زيارته تحت عنوان " الألهام يسمع " وهو كتاب يتصف بالسخرية المرحة والوصف البديع . وكان هذا تجربته الأولى في كتابة الرواية غير الخيالية . رفض ان يكتب تحقيقا صحفيا تقليديا وتعامل مع مادة الكتاب وفق تقنيات الفن الروائي . وبذلك سبق روّاد الصحافة الجديدة في استخدام التقنيات الفنية في الصحافة . وقال عن هذا الكتاب لاحقاً : " الألهام يسمع" وجه أفكاري في اتجاه آخر .اردت أن أكتب رواية صحفية، واصنع شيئا هائلاً يتسم بقوة الحقيقة المقنعة، وبتأثير مباشر، مثل أي فيلم جيد، أو نثر حر ومعمق، ودقيق كالشعر ."

 ولكن لم يكن الوقت قد حان لمثل هذه الرواية، ذلك لأنه كان يعمل في كتابة روايته المشهورة " إفطار في تيفاني " (1958) . بطلة الرواية – هولي غولايتلي فتاة غريبة أخرى، كان كابوتي يهوى الكتابة عنها وعن  فتيات يشبهن الأولاد . اللواتي من الصعب التخلص منهن، وإن كان من السهل فقدانهن . كانت هولي تأمل أن تتناول وجبة إفطار في تيفاني يوما ما . وتيفاني اسم  ورد في نكتة تقول –  إن بحاراً لم يكن على دراية بالماركات الحديثة، وسمع بأسم تيفاني، وظن أنه اسم مطعم فاخر،  وتملكته رغبة في تناول وجبة افطار في هذا المطعم، ولم يكن يعلم أنه (تيفاني) هو اسم مخزن مجوهرات .. بعد صدور الرواية قال نورمان ميلر ان ترومان كابوتي أفضل كاتب في جيلنا . "

في العام 1961 أنتجت هوليود فيلما بالعنوان ذاته . وكان كابوتي يرغب في قيام صديقته مارلين مونرو بدور البطولة فيه ولكن المخرج اختار أودري هيبورن . وجرى ادخال تعديلات كثيرة على الرواية . فعلى سبيل المثال البطل في الرواية كاتب ناشيء يعامل هولي بلطف، ولم يرتبط بها، اما في الفيلم فقد توجت علاقتهما بالزواج . ولقي الفيلم نجاخاً مذهلاً .

ولكن الشهرة المدوية لكابوتي في أميركا ومن ثم في العالم بأسره، جاءت مع نشر روايته " بدم بارد " ولم تكن هذه الرواية العظيمة ستظهر، لولا المصادفة المحض،ففي عام 1959 قرأ كابوتي خبراً عن جريمة قتل عائلة من المزارعين في كانساس،. في البداية اقترح كابوتي على صحيفة الـ(نيويوركر)، أن يقوم بكتابة ساسلة مقالات عن هذه الحادثة المروعة . وبعد سفره الى بلدة هولكومب التي وقعت فيها الجريمة، استولت عليه فكرة تأليف رواية عنها، وقضى ست سنوات، يحقق في هذه الجريمة الوحشية - التي كانت بلا معنى، حيث لم يجد القتلة في المنزل أي مال ولم يسرقوا شيئاً – ويحلل كابوتي الظروف الأجتماعية والخلفية السيكولوجية التي دفعت القاتلين ديك هيكوك وبيري سمث الى اقتراف ما اقترفا . وأحدث نشر الرواية في العام 1965 ضجة كبرى، وظلت لعدة أسابيع حديث الأوساط الثقافية والرأي العام الأميركي، وسرعان ما تم تحويلها الى فيلم سينمائي في هوليود . وبلغت حصة كابوتي من ارباح الكتاب والفيلم معاً حوالي ستة ملايين دولار . ولقيت الرواية اهتماما مكثفا من النقاد ومن وسائل الأعلام . وقيل أنها رواية رائعة . وتوجه كتّاب كثر لتقليد كابوتي في صنيعه ومنهم نورمان ميلر .

قرر كابوتي الأحتفال بهذا النجاح الكبير على طريقته، وأقام حفلاً هائلاً على شرف صاحبة صحيفة (واشنطن بوست ) كيت غراهام – أقوى إمرأة في الولايات المتحدة الأميركية – في 28 تشرين الثاني العام 1966 في فندق (بلازا هوتيل)،  ودعى الى الحفل (500) شخصية بارزة من وجوه المجتمع الأميركي. وكان الفنان الأميركي الشهير ملك (البوب – آرت)  أندي وارهول (1928-1987) من ضمن المدعوين في حينه. وقال لاحقاً : "  عندما وصلت الى : بلازا "  اصبت بدهشة عظيمة . لم أر في حياتي مثل هذا العدد الكبير من المشاهير. أعتقد ان هذا كان أكبرتجمع للمشاهير في تأريخ العالم . "

وعلى العموم فأن هذه الأيام الذهبية لم تستمر طويلاً، ذلك لأن كابوتي لم يكن سعيداً في حياته الخاصة قط , وسرعان ما انغمس في نمط العيش البوهيمي، وأدمن الكحول والمخدرات والحبوب المنومة  . ومع ذلك كان يتهيأ لتفجير قنبلة أدبية أخرى – رواية " الدعوات المستجابة"، وتعاقد مع دار نشر " راندوم هاوس " على نشر الكتاب عند اكتمال تأليفه . وباع الى هوليود حقوق تحويله الى فيلم سينمائي . ولكن العمل لم يكن يسير كما خطط له . وتأجل الموعد النهائي  لأكمال الرواية عدة مرات . وخلال عامي 1975-1976 نشر عدة فصول من الرواية في مجلة " اسكواير " . وكان الراوي أو سارد القصة، جونز طفلاً يتيما ومن ثم كاتباً منحلاً، شبيها بالمؤلف نفسه . أما الشخصيات النسائية في الرواية، فقد كان من السهل التعرف عليهن، رغم تغيير أسمائهن، فقد كن من نجوم هوليود أو صديقات المؤلف من سيدات المجتمع المخملي . وقد كشفت الرواية غسيلهن واسرارهن الشخصية على الملأ .

يقول كابوتي " ان أبطال الرواية هم أشخاص حقيقيون، ولم أخترع أياً منهم . ولم تكتب كرواية عادية، حيث تقدم الحقائق على أنها متخيلة، بل أن نيتي كانت - على النقيض من ذلك -  نزع الأقنعة، وليس صنعها ." نزع كابوتي الأقنعة عن الوجوه حقاً، ولكن دفع ثمناً غالياً لذلك . انتحرت زوجة محافظ ، وأدار الآخرون ظهورهم له . ونشرت مجلة " نيويورك " كاريكاتيراً على غلافها يصور كابوتي على هيئة كلب يعض يد سيدة مجتمع . والنص المصاحب يقول : " كابوتي يعض اليد التي تطعمه"

كان كابوتي أيضاً غاضباً: "يخيل اليهم أنني أعيش وفق قيمهم . أنا لم أعش هكذا أبداً . " ويبكي عندما يشرب ويقول نادماً : " لم أقصد الأساءة الى أي أحد ." . ولم يكمل كابوتي كتابة هذه الرواية أبداً، فقد كان من الصعب عليه التركيز على عمله الأبداعي.

في عام 1979 قرر كابوتي بدأ حياة جديدة، لا تعكرها اللهو الفاضح والأدمان، وأصدر كتاب " موسيقى الحرباء "  الذي يتألف من بورتريهات لشخصيات أجرى معها حوارات من بينها مارلين مونرو، وحوار مع نفسه يعلن فيه:" أنا مدمن كحول ومخدرات، أنا عبقري "، وقصة وثائقية تحت عنوان " نعوش محلية الصنع " . " موسيقى للحرباء " ظلت لمدة 16 اسبوعا على رأس قائمة الكتب الأكثر رواجاً، وهذا حدث نادر بالنسبة لىكتاب خليط من القصص القصيرة والذكريات والتحقيقات .

في أوائل العام 1980 تحسنت صحته وفكر في مشاريع جديدة ولكنه لم يستطع أن يترك شرب الكحول وشم المخدرات، رغم أنه كان يكرر دائماً أنها مضرة . دخل المصح عدة مرات وكان فيما مضى، يبقى صاحيا بعد خروجه  لمدة عدة أشهر، أما في سنواته الأخيرة فلم تكن صحوته تدوم لأكثر من يوم أو يومين ليعود بعدها الى تدمير نفسه . وكان يخيل اليه أن ثمة أشباحا تلاحقه في كل مكان في نيويورك. وقرر الأختباء في لوس انجلوس في منزل جوان كارسون حيث توفي في 25 أغسطس العام 1984 من التليف الكبدي، ليتحول بعدها الى اسطورة دائمة الحضور في المشهد الثقافي في العالم، حيث يعود الى الأضواء في كل مرة ينشر فيها شيء من نتاجاته غير المنشورة  أو مذكرات الآخرين عنه، أوالكتب الجديدة عن سيرة حياته .

 

جودت هوشيار

 

وجع الماضي وجراح السنين

elmrazik almustafaوأنا في منتصف الخمسينات من عمري، لا زلت إلى حدود اليوم وفي كل المحطات السياسية والنضالية أقرأ وأعيد قراءة كتاب "حركة القوميين العرب"، للمناضل والمثقف العضوي والوحدوي باسل الكبيسي، العراقي- الفلسطيني، أحد كوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي استشهد مغدورا في الاغتراب يوم 6 نيسان/ أبريل 1973 في إحدى شوارع باريس. تعلمت منه الثبات على المبادئ والقيم والصبر على الشدائد وتحمل المسؤولية مهما كان الثمن، ومبادئ العزة الوطنية والإيمان بالتحرر والبناء الاشتراكي.

كان الشهيد باسل الكبيسي، من بين من حملت نهجهم عل كتفي حالما بالمبادئ التي تدعو إلى تغيير الواقع القائم والحلم بمجتمع أفضل تسوده الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

وإذا كانت الدروس الأولى في النضال لم تكن مرتبطة بالمعتركات الايديولوجية والسياسية ولا بالثقافة الانتخابوية، فإن أغوار هذه التجربة استمرت لأزيد من 3 عقود، وكانت الجرائم الصهيونية ضد شعب فلسطين تحرك فينا عبق الإحساس بالسلم والسلام الذي لا يقوم على الإرهاب والتجويع والمحاصرة. كنا نؤمن بالأفكار المجردة ونجهل قواعد اللعبة السياسية، على عكس المناضلين الذين اختاروا الانحياز الإيديولوجي للمعسكرات التي كانت تطل علينا من مواقع مختلفة بالشعارات والبيانات والرسائل والمجلدات، لمقاومة الأنظمة الاستبدادية والماضوية والرجعية.

إن استحضارنا اليوم للشهيد باسل الكبيسي ولأستاذه في النضال المرحوم حكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش (مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) على سبيل المثال لا الحصر، هو استحضار لجيل كامل من رجالات حركات المقاومة والتحرر في العراق وفلسطين وفي سوريا ولبنان ومصر والجزائر وتونس والمغرب منذ نكبة فلسطين عام 1948. جيل كان يحلم بوحدة الشعوب وبتحريرها من ربقة الاستعمار، جيل ناضل من أجل الكرامة والحرية والعزة والعدالة الاجتماعية.

إنها مناسبة لطرح أسئلة متعددة حول ما الذي تغير منذ ذلك الحين؟

طبعا، ما حدث منذ ذلك الحين يفترض جهدا كاملا لفهم الماضي وربطه بالحاضر، ويتطلب مزيدا من التنوير واستعدادا كافيا للحاق بإيقاع المستقبل.

و إذا كانت كل التفسيرات والقراءات تحتاج إلى مقاربات متعددة التخصصات لفهم واقع المتغيرات التي شهدتها هذه المناطق التي يجمعنا معها أحلاما مشتركة، فإن أحداث كبرى وثورات عظمى شهدتها (هذه المناطق) عربيا ودوليا، أثرت في مسيراتها السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية. حيث كان لا بد أن تكون مثار بحث ونقاش بين فاعلين أساسيين ومدارس فكرية مختلفة. لكن ما يهمنا في هذه المناسبة هو الإقرار بالتحولات العميقة وبالمخاضات العسيرة التي غيرت معالم الرموز التاريخية المعروفة، وخاصة منذ ستينيات القرن الماضي إلى نهايته.

إن الأحداث السياسية الكبرى التي عاشتها مجتمعاتنا العربية، حملت في الوقت نفسه قلقا كبيرا ورؤيا جديدة لما نستطيع أن نسميه: "التحدي". فجيل الستينات تفتح وعيه على ثورات وتجارب العالم، ربما أكثر من اللازم. وفي فترة وجيزة خلق مساحة كبيرة من الوعي والنضج وبخار ورماد، وحلم انتهى به المطاف للعيش في دهاليز المعتقلات السرية والعلنية منها، لتبدأ معركة الصمود والمقاومة والتصدي مع جيل جديد لم يكن يملك إلا أقلاما ودفاتر شعر وأناشيد الثوار ضد الجمر والرصاص.

كانت نكسة حزيران هزيمة جيل كامل، وسقوط مرحلة كاملة من الزهو والصعود والبناء، وهو ما انعكس على نخبنا المناضلة التي صبت جام غضبها على جميع القوى الفاعلة في المجتمع، وانتهت للعيش المستدام في دوامة النقاشات الإيديولوجية والسياسية البعيدة عن الشعب، وإحصاء "المنشقون والمنسحبون والمجمدون والمطرودون والحائرون والخائنون وأنصاف الخائنين وكاتبو العفو والمشنعون عليهم وتيار العزة النفسية الشامخة..." (عبد القادر الشاوي، "كان وأخواتها").

ورغم محاولة انتعاش بعض الحركات السياسية اليسارية التي بنت نظرتها للماضي بغضب وسخط ونقد لاذع للنظام وكل القوى السياسية القريبة أو البعيدة منه، إلا أن هزيمة حرب أكتوبر واتفاقية "كامب ديفيد" ستطيح بكل ما تبقى من حلم القومية العربية التي كانت في أوج ازدهارها، وستتحول ( هذه الحركات) إلى حارس على البوابة اليسارية والتي لا بد لأي مناضل أن يمر من خلالها وعن طريقها، ومن يخالفها فهو لقيط وعدمي ومشبوه وقد ينعت حتى ب"السيخ" و"بيشمركة" وغيرها من التسميات. لكن ورغم ذلك، نهلت وغرفت القوى الصاعدة من كل التجارب ومن كتابات وإبداعات ودراسات الأجيال السابقة، وحملت معاناتهم وجراحهم المندملة إلى قمة النضال الحقوقي والديمقراطي، من دون أي عقدة نقص أو حقد أو تشويه في حق الجيل الأول من المؤسسين والقادة التاريخيين لهذه الحركات.

وعلى الرغم من فشل القوى اليسارية في مواجهة غطرسة القمع والخناق، وعدم قدرتها على تجاوز ضعف إمكانياتها الذاتية وما يتطلبه العمل في الشرعية من طاقات بشرية ومن كفاءات نسائية وشبابية وأطر ونخب، ظلت جزء لا يتجزأ من مسارات ونضالات قوى الحداثة والديمقراطية التي يجمعها شعب واحد: هو الشعب المغربي.

ورغم النكبات المتتالية، خاصة بعد موت الراحل جمال عبد الناصر سنة 1970 والتي كان لها الأثر الكبير على المثقفين العرب، استمر الحلم في المغرب يكبر، واستمر جيل السبعينات والثمانينات يتغنى بتضحيات وأمجاد جيل القومية والوحدة العربية ومن خرج من رحمها وأحضانها وفكرها، وينشد أغاني الثورة ويرفع الشعارات القومية والمدنية والحقوقية، غير مباليا بهزيمة أبناء الجيل الذين رأوا حلمهم ينهار أمام أعينهم.

ورغم أن جيل الثمانينات والتسعينات لم يولد من رحم الهزيمة ولم يلدها، إلا أنه شعر أن الهزيمة هزيمته، وأبدع أشكالا جديدة لمقاومتها خاصة في الساحة الجامعية وجمعيات المجتمع المدني، وكان هذا في كل أنحاء المغرب، وكلنا يتذكر عنفوان شباب في مقتبل العمر سقطوا شهداء في معارك الكرامة والممناعة من أجل الحرية والديمقراطية : أيت الجيد محمد بن عيسى (الذي تخلد اليوم عائلته الكبيرة والصغيرة الذكرى 23 لاستشهاده)، شباضة، زبيدة والمعطي وعادل، من دون أن ننسى كل شهداء الشعب المغربي.. إنها مرحلة النضال المستقل عن الأحزاب السياسية والتنظيمات اليسارية، مرحلة "التحدي" لواقع القمع والسلطة والتسلط.

 

خلاصة عامة لا بد منها اليوم وغدا

رغم المأزق السياسي العام الذي استمر فيه المغرب لعقود من الزمن، لم تتوقف مسيرة النضال رغم آلامها وانكساراتها وانتصاراتها.

لقد خلق جيل الممانعة ثقافة سياسية جديدة، وصنع تجربة متميزة في كل الحقول والتجارب، داخل المغرب وخارجه. جيل آمن بالحداثة والديمقراطية والحرية قبل الأوان، آمن بالنضال الديمقراطي النقدي. اهتم بالعمق الاجتماعي وانفتح على الروح النقدية العميقة التي تؤسس للرؤية المستقبلية. جيل يساري بمعنى النقد الاجتماعي لتغيير المجتمع وتجاوز الواقع، جيل مناضل بالمعنى المتطلع للأفضل والأحسن من أجل المستقبل.

هكذا كبر ونشأ هذا الجيل بعيدا عن لعب كبار السياسة، وبعيدا عن مواقفهم ولغتهم وانتخاباتهم ونجاحاتهم وإخفاقاتهم. والجميع كان يعرف تطلعات هذا الجيل الممانع ويعرف أحلامه وقوة انخراطه في الحركات الاجتماعية والنقابية والثقافية والحقوقي والإنسانية.

سجون المغرب كانت مليئة عن آخرها بأبناء هذا الجيل، مئات المعتقلين كانت تغص بهم سجون البلاد: فاس، القنيطرة، وجدة، مراكش، أسفي، الدار البيضاء، الصويرة، طنجة، الرباط والجديدة، الخ. لم يكن أحدا ينصت إلى آهاتهم وجراحهم وألام عائلاتهم ومن كان يعطف عليهم.

 الكل كان منشغلا ببوادر النظام العالمي الجديد وبسقوط الأنظمة الشيوعية المركزية: بولونيا، رومانيا، ألمانيا الشرقية، يوغوسلافيا، بلغاريا، البانيا، تشيكسلوفاكيا، والجزء الآخر كان يصفق ل"للمسلسل الديمقراطي" و"للسلم ألاجتماعيي" و"للمغرب الجديد"..

لم يكن أمام هذا الجيل إلا خيار الممانعة واّلإيمان بالمواجهة من دون دعم سياسي ولا تحالف استراتيجي. وبعد مرور 10 سنوات على انتفاضة 1981 و1984، وجد هذا الجيل نفسه على قارعة الطريق، من دون شغل ولا تغطية صحية، ومن دون سكن ولا كرامة. ورغم الحرص الذي أبداه شيوخ السياسة في محاولة لإعادة تنشيط اللعبة السياسية ببلادنا خلال السنوات العجاف خوفا من "السكتة القلبية"، إلا أن ذلك لم يمنع طرح أسئلة جادة ومبادرات مستقلة بشأن مستقبل أجيال بكاملها لم تنل حظها وحقها لا من خيرات البلد ولا من مؤسساتها، بل لم تجد لها مكان لا داخل ما تبقى من اليسار ولا داخل أعتاب الأحزاب التي نسميها بالتاريخية والوطنية.

فإذا جاز لنا التسليم من حيث المبدأ بأن الحوار بالنظرة الشاملة له، انقطع بين الأجيال منذ أكثر من 30 سنة، وإذا كان الحوار عمل حضاري، يتجاوز مجرد التعاون في ميدان واحد، بين قوم المناضلين، ليشمل كل الميادين، يمكننا القول أن القوى التي كان من المفروض فيها قيادة الصلح والحوار بين الأجيال، هي التي كرست التهميش وأوصدت أبوابها ونوافذها واعتبرت الفضاءات السياسية العمومية حكرا عليها وملكا لها.

و استنادا لهذه الرؤية، فقد أظهر النظام قوته في تجنيد الأعيان والمحافظين وتجار الدين والمرتزقة للدفع بعجلة خبراء الساسة المعروفين بالدهاء والنفاق والتسلط، لمقاومة "جيل العدميين" و"الفوضويين" المتمسكين بشعارات أكثر راديكالية منهم ومن حجمهم، ولنحر أحلام الشباب والاستهتار بمطالبهم واعتبارهم قاصرين وجب حظر عملهم السياسي والنقابي والرمي بهم في الشارع من دون تكوين ولا تأطير، وتشجيعهم على البطالة و"الحريك" عبر قوارب الموت وحاويات الشحن البري. إلا أن أحداث عديدة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية شهدها المغرب وطوال سنوات التسعينات من القرن الماضي، قلبت الموازين والحسابات الضيقة رأسا على عقب، وعجلت بفتح الحوار مع فاعلين حقوقيين ونشطاء من المجتمع المدني ونخبة من أولاد الشعب الذين لم تكن لهم حسابات سياسية يتفاوضون من أجلها كما جرت العادة في ستينات وسبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي(و نقصد مفاوضات القصر مع الأحزاب السياسية).

و إذا كانت انتخابات 7 شتنبر 2007، قد شكلت زلزالا سياسيا ونقطة تحول كبرى في مسار المسلسل الانتخابي المغربي والأحزاب السياسية التي تدعمه (هبوط تاريخي في نسبة المشاركة وصل إلى 37%)، فإنها كذلك كانت تعبيرا عن حالة اختناق سياسي وإدانة للفساد وبطئ الإصلاحات وتعثر الانتقال الديمقراطي وفشل التناوب التوافقي، كما أكدت في نفس الوقت اليقظة الجماهيرية لصالح النضال من أجل مشروع ديمقراطي حقيقي ينبثق من إصلاحات عميقة سياسية ودستورية تؤسس لانتقال ديمقراطي يعيد الثقة للمغاربة في المؤسسات السياسية ويشجعهم على تحمل المسؤولية والانخراط في النضال الديمقراطي من أجل التغيير. وهو ما عبرت عنه مطالب الحركات الاجتماعية في المغرب العميق (أنفكو، وبن صميم، وسيدي افني وصفرو، الخ).

ولعل ما أفرزه الصراع طيلة العقدين الأخيرين من أزمة ثقة ومن هجوم ممنهج على الفقراء والطبقات المسحوقة وذوي الدخل البسيط والمتوسط، شكل أرضية خصبة لجيل النضال الديمقراطي الذي وجد نفسه أمام مسافة زمنية مفصلية، تفصل بين زمن بداية الثورة الحقوقية الهادئة التي دشنها مسلسل الإنصاف والمصالحة وزمن نهاية القواعد الانتخابية التقليدية، والبحث عن أشكال وصيغ جديدة للمارسة السياسة. ولقد ساهم هذا الواقع في إعطاء فرصة جديدة للمؤسسة الملكية والأحزاب السياسية للدخول رأسا في معالجة كل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والاستجابة لكل الإنتظارات والتحديات، مثلما شرعن نضال جيل الثمانينات والتسعينات وبحثه عن آفاق جديدة تعزز مطالبه الاجتماعية والحقوقية في ارتباطها مع البناء الديمقراطي المنشود.

 

المريزق المصطفى/ باريس

 

على رصيف المسرح الوطني او جولة في بعض احياء بغداد

تبدأ الاشياء من حلم صغير أو كبير، لا تتحقق في أكثر الأحيان، ولكن لا يهم.. إنّها من صنف الأحلام، تأتي وتذهب كما تأتي، وننساها كما ننسى الأحلام كلّ يوم، حين نستيقظُ صباحاً على يومٍ جديد، كنتُ أفكّر بهذهِ اللحظة، لحظة اليقظة الماثلة، لأنها تشبهُ الحلم، ولكن صعبة النسيان، إنّهُ من نوع الحُلم السيء، وليس المبهج الذي يحملُ السرور، قطعت الشارع من جهة المسرح الوطني الى الرصيف البعيد المقابل، كانت محلات الكهربائيات، تصطفُ وتمتدُ على رصيف الشارع وتخفي جماله، ولم تستطع الأشجار الخضراء الجميلة، إعادة رونقه وجماله، وشعرتُ بالضيق عند الرصيف، كمن يهربُ من المكان، كانت ساحة التحرير لا تبعدُ كثيراً، وقريبة، ولكن لا توجد مظاهرات اليوم، يجب الانتظار ليوم الجمعة..لا أتذكر في تلك اللحظة الى أين كنت أنوي الذهاب، فقد أتيتُ لعملٍ ما ونسيتهُ، حتى اصبحت الكرادة والمسرح الوطني، بعيدين عني .

قال سائق التكسي، سأوصلُك الى الكرنتينه، فقلتُ له من بداية الشارع أو من كهرمانة، فسألني تنزل قرب الساحة، فأشرتُ له «نعم»، فسمع تعليقي «أي ساحة»، وضحك بسخرية!! كانت هنالك بنزين خانة جديدة، تسدُ الساحة وتخنقُ الفضاء من بداية الشارع وتلقي بظلالها على ما تبقى من جماله وهدوئه، فدخل في الشوارع الفرعية الضيّقة، وبيوتها الهادئة، ووقف على مسافةٍ بعيدة من الساحة، وقال وهو يضحك «خلّصتك منها»، فشكرتهُ ..واعطاني رقم موبايله، وطلب مني الاتصال به بأيّ وقتٍ اشاء.

كانت ساحة السباع كالحة ومنزوعة الأشجار وصاخبة، قطعتُ الشارع ودخلت الى شارع الهادي، وقبل نهايته، لاحت أسلاك الكهرباء الممتدة بكلّ اتجاه، وسوق الشارع المزدحم، والبنايات والخرائب المهملة على الساحة الصغيرة، نهاية الشارع، حتى تشعر بأنك لست في بغداد.. في ساحة السباع أو الهادي أو الأمين وباب الشيخ، فقد رفضت هذه الاحياء البغدادية المتداخلة والمختلطة، بشدّة، الكانتونات وعزل السُنّة عن الشيعة، بأوج سُعار الطائفية بين عاميّ 2006 و2007 م، فكوفئت بالإهمال المتعمد، كأنها خارج أمانة العاصمة، رغم إنّها وسط بغداد، وشعرتُ بالتوجس من الذهاب لساحة الميدان أو الرشيد، كان جامع الخلاني القريب عبارة عن خرابة بجدرانه العالية المحاذية للرصيف، ما زال بعض القاشاني الأخضر والأزرق، يتثبتُ بجدرانه وقبته المستديرة، كأنّهُ يشكو لشارع الهادي، ولكنهُ لا يجد في الشارع وساحته الشبيهة بمكب للنفايات، سوى خرائب مُماثلة، فيلوذ بالصمت والسكينة والهدوء، احياء وسط بغداد عبارة عن خرائب وساحات لجمع الانقاض، وتقطعُ الشوارع حواجز تفيض عن الحاجة ونقاط سيطرة تخيف المارة، وأنت تتمشي، أنس أنك في وضعٍ أمني مضطرب، وأنك في أمان حين تتجول في بغداد، واذا لم تستطع أن تشعر بالامان، عليك ان تبقى في بيتك أو ترحل وتسافر .

ومن شارع العلاوي أو من نهاية نفق الشارع والجسر أو المُجسّر الجديد، بداية الشارع باتجاه الكرادة، يرتفعُ حائطٌ كونكريتي هائل، يحمي المنطقة الخضراء، ويعزِلُها عن الشوارع والاحياء المجاورة، ويظلُ يلف مع الشارع الى نهايته، قبل أن ادخل في الشارع، فكّرت بالرجوع والذهاب الى شارع الرشيد، فتذكرتُ محلات الزيوت وإطارات السيارات التي غزت الشارع، وتوقفت .

عدتُ الى رصيف المسرح الوطني، بدون هواجس أو أحلام، كانت الكرادة خلف المسرح الوطني، هادئة بلا ضجيج، أردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله .. ولكنني نسيت!! قطعتُ الشارع مرّة ثانية من رصيف المسرح الوطني الى الرصيف البعيد المقابل، وشعرتُ بالارتباك، لكثرة الكهربائيات المعروضة على الرصيف، والمتسوقين وأصوات السيارات والحاجز أو نقطة التفتيش القريبة بنهاية الشارع، فقد عجزت الإعلانات الكبيرة والأشجار الخضراء الجميلة والمُشذّبة عن إعادة رونقه وجماله، كنت على بعد خطوات من دجلة وأبو نؤاس، ولكنهُ فارغ الآن، بهذه الساعة، كأنّهُ بلا مقاهي أو رواد ومشروبات، اردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله في الكرادة أو قرب المسرح الوطني، ولكنني نسيتهُ .. قلت «سهام» ستُذكّرني به، تذهبُ خصيصاً لمحلاتٍ قريبة من كهرمانة، تبيعُ أكياس «جبس مُملح» أو بالوزن، وتأكلُ أكثر مما تشتري .. ولكنني نسيتُ أن اسألها !!

حين عدتُ ..مشياً الى كهرمانة.

 

قيس العذاري

الفن والفقر.. في نعي الفنان أحمد أمنتاك

mobarak abaeziسأله أحدهم عن مصدر عيشه فقال: "من عطايا المحسنين". هذا ما قاله أحمد أمنتاك أحد كبار الفنانين الأمازيغ ذات حوار، بنبرة خالية من الضعف أو تحقير الذات، فقد يكون الفنان الأمازيغي متعودا طوال قرون على الكفاف وخلو ذات اليد. لكن يبدو أن "الرايس أحمد" مرتاح الآن من حياة الزوال، متخذا لنفسه سمت الاطمئنان.

غادرنا الفنان العملاق صبيحة يوم الثلاثاء(24/ 11/2015) بعد سنوات من المعاناة مع المرض الذي أفقده بصره ومنعه الاستمتاع، كما في أيام العز، بالحياة. وكان عموري قبله قد ترك فينا ألما دفينا، ودمعة في المآقي، وإحساسا بالحسرة على زمن لم يعد ينصف فنانيه المحترمين، فيما يجود بالعطايا على أنصاف الفنانين. غادرنا عموري في اللحظة الأخيرة، وترك خلفه الكثير من "الشقاء" و"الحسرة في الأرواح". وقبلهما معا رفض "الشامخ" أن يضيف معنا يوما آخر، فقد هدته الأيام ولم يعيد يطيق، فقال كلمته الأخيرة التي تجادل حولها الكثيرون، وغادر دون وداع.

غادرنا العملاق أحمد أمنتاك ملفعا بكثير من الأسى والإحباط، فقد تلاطمته نوبات اليأس حتى فقد ما كان يربطه بهذا العالم من حميمية. ولما أصبح طريح الفراش في آخر أيامه، لم يجد في فنه معينا، ولا في شهرته سندا. كان معروفا، لكن الأيام غلبته مثل نكرة في عالم التماسيح. كان سيد الناس، لكن زمن التردي غير معايير التقدير، ومنحها لمن ليسوا أهلا للتقدير.

ليس هناك مجال للشك، والحالة هذه، أن الفن الأمازيغي يتلازم مع الفقر، فالأمر لا يحتاج إلى دلائل ما دمنا نعرف جميعا الوضع المادي لكافة الفنانين الأمازيغ، ولا ينكر ذاك منهم ومن غيرهم إلا جاحد أو متكبر. وقد يكون هذا الوضع مشجعا لمن غايته "الفن للفن"، ومنفرا لمن يبحث عن اللقمة. وفي كل الأحوال، فالناس لم تعد تهمهم الأفكار الطوباوية والعيش في الأوهام بقدرما يعيشون وجودهم المادي كباقي الكائنات الحية.

إن نعينا لرجل معروف على نطاق واسع، لا يجب أن ينسينا محنته المادية التي قد تكون سببا في تفاقم معاناته، إذ كيف يتفق أن أحد رموز الفن الأمازيغي الكبار، أصبح في لحظاته الأخيرة، وقبلها بكثير، في حاجة إلى ما يلقم به فمه لولا "عطايا المحسنين".

إن الأمر يستوجب في الحقيقة إعادة النظر في أسس التعامل مع الفنان الأمازيغي، باعتباره منتجا لمادة فنية جمهورها منحسر أشد الانحسار، مما يؤدي قطعا إلى بوار الإنتاج الفني وقصور التلقي على فئة قليلة العدد، ومن ثمة تشريد الفنان وتغييب الفن.

أمام هذا الوضع، لا يمكننا إلا أن نشد على زملاء المرحوم أحمد أمنتاك، الذين ما زالوا على قيد الحياة، مثل أحمد بيزماون ومحمد أبعمران وغيرهما، راجين أن تتم صياغة قوانين جديدة لتدبير المجال الفني بالشكل الذي يحفظ كرامة الفنان ويبعده عن محن الزمن.

رحم الله الفقيد، وأدخله فسيح جناته

 

مبارك أباعزي

 

فضيلة عبد الكريم سادنة الفكر بعمق فلسفي وروح إبداعية

fatimaalzahraa bolaarasمن حين لآخر تطفو على السطح أسماء تستحق الإعجاب وتستحق الثناء، والأجدرأن يشار لها بالبنان  لأنها أسماء قد تزهر خيرا وتثمر وعيا وقد تكون قدوة تجذب إلى ظلها الكثير من المهتمين بالأدب والثقافة في بلادنا .. فتصنع بذلك جوا رائقا نحن في حاجة إليه .. ومتشوقين إليه شوق الظامئ إلى شربة ماء

من هذه الأسماء الأديبة الفيلسوفة فضيلة عبد الكريم التى ترعى بوعيها وقلمها كل الاقلام التي اتتهجت الصدق في كتاباتها واحترفت الأصالة منهجا لها ..... تلك الاقلام المخلصة التي تُحارب بتهميش فج... وتحقير مقيت...تلك الاقلام التي تتهم بالرجعية البليدة فقط لأنها تلتزم بما يدعم الوجود والخلود

كاتبة تخط بقلبها قبل قلمها حكاية بوسعادة ذات التاريخ الحافل بالأبطال .... العامر بالبطولات ....في كل مناحيه ...امرأة بأدرع وأيادي متعددة تشابكت وهي تمتد إلى كل جميل وإلى كل صانعي الجمال في بوسعادة   وفي الوطن

تكتب عن الجزائر بحب

وتكتب عن بوسعادة بوفاء

وتكتب عن أبناء الجزائر بوعي

وعن أبناء بوسعادة بإعجاب

أديبة أصيلة جعلتننا نمشي في واحات بوسعادة نستأنس بأهلها المبدعين...نسترخي في بيوتهم العامرة بالحنين والحب

امرأة تنوعت اهتماماتها تلتزم بواجباتها الدينية دون تعال ولا غرور  ولا تهمل ما في زمانها من حبور....سلم فكرها من التنطع وقلمها من التعالي والتكبر

مربية فاض على عملها سيل أمومتها فأجادت فن العطاء وأفاضت من حنانها على أبنائها الذين لم تنجبهم...بل أنجبهم حبها وتواضعها وعفويتها وتلقائيتها

لا أدعي أنني أعرفها ولكن ما قرأته لها هنا وهناك شدني إليها بمراس الجمال فأدمنت ما في كتاباتها من واقع وخيال....حتى صرت أتتبع حرفها  وأقتفي نصها...وأنا منبهرة برزانتها ومندهشة من ثباتها وجدارتها

هي إنسانة أولا....متفهمة ومتفاعلة... في زمن كثرت النسخ طبق الاصل التي لم تنسخ لا من أصل ولا فصل

تكتب بقلم سيال عن هموم الثقافة....عن تهميش المثقفين......وتبخل بنقطة حبر عن مظاهر السخافة واستعراضات المزيفين الذين انتموا ظلما وزورا إلى فضاءات كنا نعتقدها مقدسة

فضيلة عبد الكريم ابنة بوسعادة الأصيلة...تختار خطواتها.....تختار كلماتها....تتشبث بمواقفها.....صلبة كالنخيل....جميلة كشمس الأصيل..... حاضرة كالأمل الجميل.....

فضيلة جعلتني أرى الغد أجمل لأن في بلدي نساء لازلن شامخات كما جبال بلادي

شاسعات كما صحرائها

صادقات كما فجرها

صدوقات كما عهدها

هي امرأة من بلدي  تستحق أن اقول عنها الكثير يمنعني تواضعها الذي سيخدش، لذلك سأكتفي بتحيتها تحية أهل الجنة

السلام عليك ورحمة الله وبركاته أيتها السنبلة التي تنحني تواضعا تاركة التطاول للفارغات؟؟

 

فاطمة الزهراء بولعراس

 

ثلاثون عاما في الهباء (2)

emad aliرغم المعاناة التي مرت بها اجيالنا التي صادفت الزمن المعتوه والغدر، فان المبدئيين لم يعتقوا من ما امنوا به وناضلوا بكل معنى الكلمة من اجل ما انتموا اليه عقلا وفكراو تنظيما . غامرنا كثيرا واوصلنا حال العائلة ايضا معنا  الى ماتحت الصفر نتيجة ما عانوه جراء مغامراتنا، ونتيجة الحركات والافعال التي لم تكن من اجل المصلحة الخاصة ابدا ة ابتلت بنا الاهل وتسببنا في تعبهم وتشردهم، وهنا يجب ان نعتذر منهم قبل اي احد اخر، اي انكار الذات والعمل من اجل المباديء كان اهم ما تميز به جيلنا، ولا يمكن لاي منا ان يخلوا من افكار ومميزات ما عاش في وسطه رغم وجود الشواذ التي سبحت عكس التيار واضرت كثيرا بنا، اما لمصالح خاصة شخصية او غرر بهم من قبل البعث ومناوراته وخدعه .

اوصلنا نفسنا الى الانتفاضة العارمة، ورغم قلة الاخبار التي وصلتنا قبلها فاننا تحضرنا وكل حسب ما كنا ميالين اليه لاننا كنا في موضع صعب لما فلعته لنا منظمة راية الثورة من ارتباك حالنا ولم نعلم ما نعمله وضمن اي تنظيم او حزب، نتيجة الانشقاق عن الاتحدا الوطني وسجن الشخص الاول ومن ثم تحرره نتيجة الظروف غير المؤاتية على كوردستان، واستشهد العدد غير القليل من رقفاقنا على يد رفاق الامس دون ان يعلنوا عن ذلك . هذا من جهة، ومن جهة اخرى كسب الاتحاد الوطني بذكاء شخصه الاول وحركاته ومناوراته وتسغلاله لنقاط الضعف في الكثير من التنظيمات ومنها راية الثورة، فكسب احد ما كان يعتبر من قيادات راية الثورة وتنازل عما كان يدعيه من اول الامر لمصالح شخصية الا انه تحرك لولبيا واعاد الاكثرية اي المنشقين في النهاية الى حضن الام بعملية ذكية ناتجة من الاتفاقات السرية في الجبل والمدينة بعد الانتفاضة، وانا كنت ثاني اثنين ممن لم يعود من ضمن حزب كادحي كوردستان الى الاتحاد الوطني الكوردستاني الذي انشقت منه راية الثورة، ويجب ان نقول الحقيقة اننا كنا موالين اكثر من المنتمين عقائديا او مبدئيا الى راية الحرية لكون الشخص الاول من رفاق مدينتنا التي كانت العاطفة هي التي لها الدور البارز في تحركاتنا، وتمت الوحدة مع حزب الكادحين اضطراريا لاسباب ذاتية وموضوعية .

هم وبعد التضحيات واسالة الدماء البريئة عادوا الى حضن من يعتبرونهم غدروا بهم رغم وعودهم بانهم يحافظون على متاريسهم وتراجعوا واذلوا نفسهم ومن معهم وعادوا الى ما كانوا ينتقدونهم مبدئيا وتنظيميا وفكريا، وفلسفيا والمصالح الضيقة غطت على كل تلك الادعاءات . وتسنموا المواقع التي كانوا يعملون ليل نهار من اجلها فقط، واثروا على حساب تلك الدماء الزكية التي غدروا بها ومن رفاق الدرب .

و نحن استمرينا في حزب يعتبر يساريا، ولم نتركه لاننا تمسكنا به في الحقيقة  ليس ايمانا به مبدئيا وفكريا بقدر التزامنا بالوفاء لتلك الدماء التي سالت من رفاق راية الثورة من اجل عدم العودة الى  حضن من سفك دمائهم، لهذا السبب فقط . وهكذا وصلنا الى حال كنا نتوقعه رغم الصمود الذي ابديناه في المقاومة للظروف الصعبة التي مرينا بها، ورغم مقاومتنا من اجل ما اعلناه سابقا فقط، الا انه كان هناك من الكوادر النزيهة والمبدئية التي تعارفنا معهم ضمن حزب الكادحين لا يمنك انكارهم انهم من خيرة المناضلين في كوردستان، وكذلك كان هناك من اتفه الكوادر ومن الفاسدين ايضا معهم  .

ان من خان دماء الشهداء التي ضحوا بسبب عنجهية وعدم تحليل هؤلاء القادة  للوضع والظروف العامة موضوعيا وذاتيا، ارادوا ان يبرئوا ما اخطئوا، بعد عدم تنفيذ اوامرهم بالاعودة واثبتنا لعدم موالاتنا لكا اعتبرناه خطا فضيحانحن الاثنان فقط، حاربونا واعتبرونا نحن من يخون ابناء بلدته، يا للعشائرية المبتذلة في التفكير والتعامل مع الفكر والعقيدة . على الرغم من ذلك فانهم ندموا سريعا مما فعلوه ولم يحللوا الواقع بشكل جيد، على الرغم من عدم اعلانهم لذلك، لتلاقيهم باشخاص ورفاقهم العتيقين وتشفيهم بهم وبما عادوا بنفسهم مذلولين وخانعين الى حضن من انشقوا منهم من قبل، راضين صاغرين .

فاصبحوا ملكيين اكثر من الملك، واستفاد منهم الشخص الاول وحلقة صغيرة فقط، لما فعله من قبل من سياسة فرق تسد في تنظيمات عصبة الكادحين ومن ثم اعادهم بعد انشقاقهم من اجل ذلك الهدف ايضا، لان المنافسين القويين المتعاندين الشخصيين هما كانا لازالا باقيين ضمن تنظيم الاتحاد الوطني الكوردستاني في تلك الحقبة الى ان انشق المنافس الاخر هذه المرة ضمن حركة التغيير التي اعتبرها انا بانها راية الثورة في زمن الحرية والسلطة الكوردستانية، وراية الثورة كانت في زمن الثورة التحررية والمنافسة الشخضية فيما بين الاشخاص الذي انعكسوها على الفكر وليس للفكر والمباديء منها صلة فيهم، الا الكوادر السفلى التي امنت بما قيلت لهم تضليلا من الافكار والمباديء السامية المزرقشة .

في بداية الانتفاضة وتحرير المدن اعدنا جثث من استشهد على يد الحزب الذي انشقت منه راية الثورة،  اي الذي عادت اليه اكثرية من حسبوا انفسهم على راية الثورة الى حضنه مخذولا نادما، بينما وعد الشخص الاول  ومن على قبرهم ورفاتهم بانه لن يترك موقعهم ومتراسهم وما استشهدوا من اجله، ولكنه لم تمر اشهر وترك كل شيء اسمه وعد ومبدا وفكر وتنظيم اسمه راية الثورة، بعدما دخل الى حزب كادحي كوردستان من اجل التمهيد للعودة الى حضن من انشق منه وتسبب في استشهاد الكثيرين بافعاله وتحريكاته .  وللحديث بقية .

 

عماد علي

 

يوسف حلاق والادب الروسي

كنت في دمشق عام 2007، وكان وقتي محدودا جدا، وزرت مقرٌ الجمعية السورية لخريجي الجامعات الروسية  في المركز الثقافي الروسي  آنذاك، وطلبت منهم ان يتصلوا هاتفيا  ببعض الزملاء السوريين الذين درست معهم بجامعة موسكو في ستينيات القرن الماضي لاحييهم  وادردش معهم قليلا ليس الا، وتحدثت فعلا بشكل ودٌي جدا مع الاستاذ عدنان جاموس (انظر مقالتي بعنوان عدنان جاموس والادب الروسي)، وتحدثت ايضا  بعواطف جيٌاشة مع الدكتور عماد حاتم، وعندما تحدثت مع يوسف حلاق، أجابني انه لا يتذكرني، وحاولت ان أذكٌره بدراستنا معا قبل اكثر من أربعين سنة  في كلية الآداب بجامعة موسكو وتفصيلات صداقتنا واساتذتنا وذكرياتنا المشتركة في القسم الداخلي ...الخ، ولكنه لم يتذكر اي شئ، وقد اضطررت ان اقطع المكالمة الهاتفية معه تلك  والاعتذار منه  طبعا، وسألت المشرفين على تلك المحادثات الهاتفية  بعد ذلك، هل انهم اتصلوا فعلا بيوسف حلاق ؟  فقالوا نعم، فاندهشت ولم استطع ان اصدق ما سمعته منه بتاتا . الآن  فهمت فقط (عندما بدأت بكتابة هذه المقالة)، ان يوسف حلاق قد رحل من الحياة  قبل هذه المحادثة (لم يكن الشخص الذي قام بالاتصالات الهاتفية يعرف ذلك)، وان الذي تحدثت معه كان اسمه يوسف ايضا،  وهو ايضا خريج الجامعات الروسية، وقد كان اسمه موجودا في قائمة اسماء الخريجيين طبعا. وكم صعقتني هذه الحادثة عندما توضح لي الامر فيما بعد، ولازلت لحد الان متعجبا ومستغربا من تلك المصادفة العجيبة  والغريبة  فعلا، والتي ارتبطت باسم المرحوم يوسف حلاق !!!

عندما كنت في داغستان للمشاركة بالاحتفالات في الذكرى التسعين لميلاد الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف (2013) (انظر مقالتي بعنوان – (احتفالات داغستان بتسعينية حمزاتوف)، قال لي اليغ بافيكين (مسؤول العلاقات الخارجية في اتحاد ادباء روسيا) ان يوسف حلاق هو الذي ترجم كتاب حمزاتوف الشهير – (داغستان بلدي) الى العربية، ولكني لم اكن متأكدا من ذلك، وقلت له اني اتذكر اسم مترجم عربي آخر لهذا الكتاب (لم استطع آنذاك ان أتذكر اسمه)، ولكني – بعد التدقيق – عرفت، ان هذا الكتاب المهم قد صدر فعلا في بيروت  بالعربية بترجمة يوسف حلاق وعبد المعين الملوحي سوية عام 1979، وصدرت طبعته الثانية في بيروت ايضا عام 1982، ولم انتبه في حينها الى ذلك .

يوسف حلاق - اسم كبير في دنيا الترجمة من اللغة الروسية الى العربية و وقد ترجم حوالي عشرين كتابا في هذا المجال وهي كما يأتي – (الجمال في تفسيره الماركسي) 1968 // (قصص عن لينين بقلم لوناتشارسكي) 1970//  (الكحول والاولاد)  1972 // (عن الادب والفن) ج.1 و ج.2 بقلم لينين //  (دراسا ت ادبية وفكرية) – الكساندر بلوك . 1977 // (اسس علم الجمال الماركسي اللينيني) 1978 // (بلدي) بقلم رسول حمزاتوف (مع عبد المعين الملوحي) . طبعة اولى 1979، طبعة ثانية 1982 (لست متفقا مع عنوان هذه الترجمة التي تحذف اسم داغستان من هذا الكتاب، ولا يمكن مناقشة ذلك في اطار هذه المقالة) // نصوص مختارة . بيلينسكي . 1982 // (المبارزة) رواية . كوبرين . 1982 // (مولك) . كوبرين . 1982 //  (علاقات الفن الجمالية بالواقع) تشرنيشيفسكي . 1982 // (في الثقافة) . دراسات بقلم غوربونوف . 1982 // (نقود لماريا) . راسبوتين . 1984 . // (الادب والعلوم الاجتماعية)1986 // (المعلٌم ومرغريتا) . بولغاكوف . 1986 // (الكلمة في الرواية). باختين  1988// (اشكال الزمان والمكان في الرواية . باختين  1990 // .... وهناك مجموعة اخرى من الكتب التي صدرت له، منها – ماشينكا (نابوكوف) // نحن. رواية (زامياتين) // أيام عمرنا . مسرحية (أندرييف)...

ومن الطبيعي ان أعمال هذا المترجم الكبير لم تتوقف لحد الآن، اذ انها لازالت تصدر هنا وهناك بطبعات ثانية  وثالثة في دمشق وموسكو(قامت دور النشر السوفيتية بذلك في حينها) وبغداد (قامت دار المدى باصدار بعضها) وربما صدرت هذه الكتب  في اماكن اخرى من العالم العربي ، ومن الضروري جدا ان يقوم المتخصصون العرب بدراسة هذه الاعمال الترجمية العديدة  و تحليلها، اذ انها تعد مادة غنيٌة جدا للبحث العلمي في مجالات الترجمة الادبية عن اللغة الروسيٌة واسلوبها  ومقارنتها مع النصوص الروسية الاصلية واستنباط النتائج المحددة ...الخ، وقد اقترحت مرة على أ.م. الدكتورة منى عارف جاسم  في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد (وهي واحدة من طالباتي سابقا) مثل هذا الموضوع فعلا  (انظر مقالتي بعنوان – بولغاكوف في جامعة بغداد) وقد تم ذلك  وبنجاح، وقرأت مرة خبرا عن مؤتمر علمي انعقد في بغداد، ويتحدٌث الخبر عن دراسة مقارنة بين ترجمة رواية (المعلم ومرغريتا) ليوسف حلاق مع ترجمة ابراهيم شكر من مصر لنفس تلك الرواية، وقدٌم هذه الدراسة أ.م. الدكتور سامر اكرم من قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد(وهو أحد طلابي السابقين  ايضا)، ولكني لم اطٌلع على تلك الدراسة مع الاسف، ولهذا لا استطيع تقييمها . اطلعت كذلك على دراسة في غاية العمق و الشمولية  والموضوعية كتبها زميلي بالدراسة في كلية الاداب بجامعة موسكو عدنان جاموس   ونشرها عام 2008 بعنوان – ترجمة الرواية الروسية الى العربية – الماضي والحاضر . لقد تناول عدنان جاموس في دراسته تلك جوانب مهمة جدا ومعلومات واسعة في تاريخ ترجمة الروايات الروسية الى العربية منذ بداياتها في نهاية القرن التاسع عشر  في العالم العربي، وتوقف في ختام تلك الدراسة  بشكل  خاص وتفصيلي جدا  عند ترجمة يوسف حلاق لرواية بولغاكوف – المعلم ومرغريتا، وحدد كثيرا من الملاحظات الدقيقة بشأن الترجمة تلك مقارنة بالنص الاصلي الروسي للرواية . ان دراسة عدنان جاموس كانت وافية جدا وجاءت على خلفية كاتبها الثقافية المعمقة وتجربته الغنية في مجال الترجمة الادبية عن اللغة الروسية، واستنادا الى العديد من المصادر والقواميس الروسية المعتمدة ، رغم تشدده بعض الاحيان في تلك الدراسة، وقسوته الشديدة غير المبررة في احيان اخرى .

يوسف حلاق  مترجما عن اللغة الروسيٌة  الى العربية  - هو موضوع كبير ومهم جدا بالنسبة لثقافتنا العربية وتاريخها  و مستقبل مسيرتها لاحقا وعلاقتها بالثقافة الروسيٌة بشكل خاص وبالثقافة العالمية والادب العالمي بشكل عام، واتمنى (بل ومن الضروري) ان نعود اليه مستقبلا بشكل أوسع وأعمق واكثر تفصيلا، اذ ان هذه المقالة ليست سوى ملاحظات اولية حول هذا الموضوع .  

 

أ.د. ضياء نافع

 

إسلاميو السلطة (124): الخلل القيادي عند مقتدى الصدر

salim alhasani2بعد أن رفض الحاكم بول بريمر ضم السيد مقتدى الصدر والشيح محمد اليعقوبي الى مجلس الحكم، بقي الأخير محافظاً على توازنه بانتظار فرصة ثانية، أما زعيم التيار الصدري، فقد قرر ان يُعلن المعارضة المكشوفة ضد الاحتلال الأميركي، لكن معارضته لم تكن قائمة على أسس واضحة، فهي أشبه بمحاولة إزعاج إنتقاماً لحرمانه من مجلس الحكم.

وبشكل عام لم يمتلك السيد مقتدى الصدر مؤهلات القيادة، فلقد وجد نفسه فجأة أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في جماهير عريضة من مقلدي وانصار والده المرجع الشهيد الصدر الثاني قدس سره، وهي مسؤولية صعبة بلا شك، لم يستعد لها من قبل، فلم يحصل على تعليم مدرسي كاف، ولم يتلق من دروس الحوزة العلمية ما يكفي، كما أن ممارسته للعمل السياسي لم تكن موجودة أصلاً.

 ...

واجه السيد مقتدى الصدر خياراً صعباً، فهو إنْ انصرف الى الدراسة الحوزوية لبناء نفسه والوصول الى رتبة علمية مقبولة، فان ذلك قد يجعل الجماهير المؤيدة تنصرف الى غيره، خصوصاً وأن الشيخ محمد اليعقوبي قد استغل هذا الجانب، فزج نفسه تحت عنوان المرجعية مستغلاً بساطة الصدريين، ومثله فعل السيد الصرخي. وكان ذلك ضاغطاً على مقتدى الصدر لكي يتمسك بالفرصة العاطفية، فيعيشها كما هي، ويوظفها للتحول الى زعيم سياسي على قاعدة جماهيرية ساذجة.

 ...

إن هذا الاندفاع عند مقتدى الصدر جعله يكون من حيث لا يشعر، غطاءاً لمجاميع من البعثيين والمجرمين والطامعين الى الامتيازات، في ظاهرة متكررة عبر التاريخ، ففي الفترات التي تشهد تحولات جذرية، يندس المندفعون في الموجة الجديدة، ويصل بعضهم الى مراكز عليا. وعادة ما تبرز فئة من المتطرفين أو بعبارة أدق يفتعلون التطرف لإبعاد الشكوك عن أنفسهم، وهذا ما نجده واضحاً في التيار الصدري، حيث يبالغ البعض منهم في ولائه لقائده وللشهيد الصدر الثاني، متجاوزاً المعقول والضوابط الإسلامية، لأنهم يجدون في ذلك السبيل الأضمن للتغطية على ماضيهم المطعون.

 ...

يلاحظ المواطن العراقي كبار المسؤولين في التيار الصدري من وزراء ونواب، وهم يتسابقون على إضفاء ألقاب التعظيم على مقتدى الصدر عندما يتحدثون في وسائل الإعلام، مع أنهم متورطون في ملفات فساد كبيرة، فبهاء الأعرجي الذي يُعد أحد رموز الفساد في العراق، لا يذكره إلا بألقاب وأوصاف قيادية مفخمة، ومثله يفعله رئيس لجنة الأمن والدفاع حاكم الزاملي وهو الملاحق بقضايا اختطاف وقتل، لكن القضاة يخافون من فتح ملفاته وهي في المحاكم خوفاً على حياتهم، وتكون النتيجة أن يغضّ مقتدى الصدر الطرف عنهم، راضياً بما يقومون به، لأنهم أغرقوه بالطاعة الكاذبة والولاء المخادع، إضافة الى رفده بنسب مالية مجزية، وهذا ما يقوله بهاء الأعرجي لعملائه أن هذه الأموال تذهب الى التيار.

 ...

وقع مقتدى الصدر في سلسلة من التناقضات والإرباكات خلال مهمته القيادية للتيار الصدري، فهو من جانب كان يرفض الاحتلال الأميركي، لكنه الى جانب ذلك يشارك بقوة في العملية السياسية التي جاء بها الاحتلال، فقد شارك في الجمعية الوطنية وكتابة الدستور والتصويت على الدستور، وعيّن وزراءه في حكومات خاضعة للإحتلال تأتمر بأمر القائد العسكري والسفير الأميركي. فكيف يمكن أن نفهم الرفض والمشاركة في آن واحد؟.

 ...

ولعل اللجنة التي عيّنها مقتدى الصدر لتشكيل حكومة تكنوقراط، كشفت بساطة الرجل، وأنه ينخدع بآراء مقربيه، فأي متابع له معرفة بالواقع العراقي، يستطيع ان يعرف أن هذه الأسماء التي اقترحها غير مؤهلة الى حد كبير في اختيار حكومة تكنوقراط، ولا أقل منها بمسافات بعيدة.

 

إن السيد مقتدى الصدر، يتجاوز ما عليه القيام به، في محاولة هروب مكشوفة الى نقاط أخرى، فقد كان الأولى به أن يختار هو وزراءه من التكنوقراط منذ البداية، وبذلك يُغنيه سلوكه واختياره عن الخطب والكلام والمقترحات. وكان عليه أن يُطّهر طاقم مسؤوليه من الفاسدين، ويُصلح تياره من الداخل قبل أن يطرح مشاريع اصلاح حكومية.

إن ما يفعله السيد مقتدى الصدر، هو محاولة لإقناع اتباعه، بينما المطلوب منه أن يقنع الشارع العراقي، وأن يكون مؤثراً بإيجابية على العملية السياسية. وهذه نقطة لم يستوعبها بعد، للأسف.

 ...

لقد وجد مقتدى ان رصيده الوحيد هو اسم أبيه وانتسابه العائلي، فمضى يضخم من هذا الرصيد، وجعل من اسم أبيه قدس سره، ومن اسم عائلته قيمة مقدسة تفوق كل المقدسات حيث صار يكرر ان آل الصدر فوق كل شيء وأنهم خط احمر، في حين يعرف كل مسلم أن الذي فوق كل شيء هو الله وحده وأن ثوابت الدين هي الخط الاحمر وليست عوائل أو علماء مهما علا شأنهم.

 

ونتيجة ذلك أصبحت العلاقة بين مقتدى الصدر واتباعه علاقة خداع متبادل: القائد يدعي قدسيته والأتباع يقدسونه، وكلاهما يعرف أنه يستغفل الآخر.. وكلاهما بحاجة الى هذا التقديس فبدونه تنهار القيادة والقاعدة.

إن تركيزنا على التيار لأن الآخرين (المجلس والدعوة) سقطوا في نظر أتباعهم بعد أن انكشف فسادهم، أما التيار فان قوة الخداع التقديسي وبساطة أكثر الأتباع يستدعي كشف تلك الأغطية المقدسة وإيقاظ السذّج

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

الأديب الشاعر والفنان قاسم عبد الهادي السواد

qusay askarاليوم بعد بضعة ايام من وفاة الرسام القدير صديق الطبيعة الفنان ربيع عودة فقدت التنومة قاسم عبد الهادي السواد ذلك الشاعر والفنان الذي أحب الشعر والمسرح والذي كنت انا وإياه والدكتور صدام فهد الاسدي نتسابق ونحن نخرج من إعدادية العشار بعد دوام الظهر الى سوق الهنود حيث العربات التي تبيع الكتب الواردة من بيروت  او نقصد بائع الكتب الشهير على الرصيف مقابل سينما الرشيد.

كل هذا ونحن ما زلنا في المتوسطة والثانوية نفكر بالدروس وبروايات مكسيم غوركي ومسرحيات أسخيلوس وسوفوكليس فنظن العالم شعرا ومسرحا وكتبا وثقافة ومنبعا خصبا للخيال والجمال.

امتاز الفقيد بكونه شاعرا رقيقا في الشعر الشعبي والفصيح. كتب المسرحية ومارس الاخراج المسرحي وكانت اول مسرحية له اخرجها ومثلها مع مجموعة من طلاب إعدادية العشار وهو في الصف الخامس الثانوي ثم عمل بعد تخرجه مذيعا ومقدم برنامج في تلفزيون البصرة، ومن مؤلفاته مجموعة شعرية صدرت عام ٢٠١٣ في دمشق/ سورية بعنوان طيور المساء تسافر في الصيف، من مقدمتي للمجموعة اقتطف الآتي:

عرفت قاسم عبد الهادي السواد منذ ما قبل المرحلة الثانوية شخصا متعدد المواهب فهو كاتب ومخرج مسرحي وشاعر شعبي وشاعر ينظم الشعر العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر وذلك يعني ان له خبرة في الشعر وممارسته ومعرفة فنونه وطرقه وعوالمه من تشبيهات واستعارات وصور وغيرها لان تجاربه القديمة كانت تشير الى شاعريته وموهبته في هذا الفن..،،،،.

من شعره في مجموعته (طيور المساء تسافر في الصيف)

 

قصيدة: هاجس على نهر الشعيبي

 

جرحك معتقل في راسي

وأشجار الخرنوب على نهر الشعيبي

مطعونة بوجع الأنين

وانا اكثر اضطرابا

من ذي قبل

مفتونا بالخطوات الاولى

وطالعي يحمله العرافون

دون رؤى

لارض لاتسكنها الروح

ولا تحرسها اقبية الملكوت

 --------------

نهر الشعيبي نهر صغير في منطقة التنومة وهو فرع من شط العرب

 

قصيدة: رسالة الى امرأة بابلية

 

ترجلت عند بابل وأيقنت

ان رعشة من ظلال السواقي

لن يمسها البرد

لانها استضافت أولى خطوات الفجر

ثم راحت تواريخ اهلي

تتجلى عند سحابة من شتاء

تلبس دمع الفصول

وتتحجر على صدر امرأة بابلية

تستفيق وترتدي مزهوة

جرح الوطن

 

إسلاميو السلطة (123): التحكم الأميركي في القيادات الشيعية

salim alhasaniبعد سقوط النظام، لم تضع الكيانات الإسلامية في برامجها مهمة العمل المجتمعي، لقد شطبت عملياً على خيار النشاط الاسلامي والعمل الجماهيري والثقافة التربوية، واتجهت صوب الحكم تُلقي بكل ثقلها فيه من أجل الوصول الى أفضل مواقع السلطة بمكاسب سريعة عاجلة. وحتى الأعمال التي أخذت صفة دينية كانت في الحقيقة، محاولات لتوظيف الدين من أجل السلطة، ولذلك سرعان ما تكشفت أمام الجميع، ودخلت بورصة المزايدات والحسابات والصراعات السياسية.

 ...

كانت الولايات المتحدة مطمئنة من قوتين سياسيتين، الكرد وهم الحلفاء الأقرب إليها، وعليه فلا توجد مشكلة معهم على الاطلاق.. والقيادات السنية وهم في منطقة قلقة يمكن أن تتحكم بهم من خلال عوامل عديدة كالتفاهم والاتفاقات السرية والوساطات العربية وغير ذلك من خيارات سهلة.

لكن المشكلة الأميركية كانت مع الشيعة، فهم المكون الجماهيري الأكبر، ولهم ثقلهم التاريخي والسياسي، كما أن علاقتهم الخاصة بالمرجعية تجعلهم يتحولون بسرعة الى كتلة متماسكة فيما لو أصدرت المرجعية فتوى محددة.

 ...

استفادت الولايات المتحدة من التجربة البريطانية في حكم العراق بعد الحرب العالمية الأولى، وقد اكتشفت أن التصادم مع القيادات الشيعية سيهدد وجودها، لذلك بدأت سياستها بتفتيت الشيعة من خلال السلطة، وبالفعل جاءت النتائج سريعة، وربما بأسرع مما توقعت، فقد كان المجلس الأعلى وحزب الدعوة هما الأكثر استعجالاً في التسابق على المراكز السلطوية، ثم شكل الشيخ اليعقوبي حزب الفضيلة لينخرط في نفس الأجواء. أما الحالة الصدرية فقد كانت مناسبة جداً للتوجهات الأميركية، فهي مع العملية السياسية في التسابق على المكاسب، وهي ضد الاحتلال العسكري، وهذا يعني أنها يمكن أن تكون مصدر قلق داخلي في الجسم الشيعي، خصوصاً وأن قيادتها لا تمتلك الوعي السياسي ولا الخبرة القيادية، فيما تتحكم بملايين الأتباع البسطاء، وهذا هو المطلوب.

 ...

وفق هذا التوزيع فان المرجعية الدينية ستكون قوة معنوية أكثر مما هي قوية عملية في تأثيرها على العملية السياسية، خصوصاً إذا تمت صياغة الدستور بحيث يقلل من دور الشعب العراقي، وهذا ماحصل، فقد انهى الدستور دور المواطن عند ورقة الاقتراع. وبذلك فان تأثير المرجعية على الشارع العراقي، لن يكون مؤثراً في التحكم بمسارات الحكومة.

 ...

مع هذا الواقع صارت الجو الشيعي على النحو التالي:

حزب الدعوة انفصل عن جذوره وتاريخه، واختط لنفسه منهجاً سلطوياً صرفاً، تتحكم به قيادة هزيلة في معظمها تذوب في الامتيازات والمكاسب.

المجلس الأعلى يتحكم به شاب بسيط غارق في الترف والميوعة، لا يمتلك مقومات الإدارة والقيادة والسياسية، مما يجعل توجيهه عملية في غاية السهولة، فكل ما يهمه إرضاء طموحه الشخصي، اما قياداته فهم يتسابقون على المكاسب والمال والمواقع.

حزب الفضيلة ليس له دور مهم وكل همومه بناء مرجعية الشيخ اليعقوبي عن طريق استحصال المال من الدولة بأي طريقة ومن أي جهة.

منظمة بدر يمكن التعامل معها من خلال علاقات مباشرة وغير مباشرة مع إيران، فهي صاحبة القرار عليها، كما أن رجالها خضعوا ايضاً لعامل المال والثروة.

التيار الصدري يخضع تماماً لقائده الذي لا يمتلك عمقاً فكرياً ولا سياسيا، مما يجعل اختراق قياداته أمراً سهلاً، وهم يرغبون في الحصول على المكاسب ويتسابقون على الثراء شأنهم شأن غيرهم، ولذلك فان المال سيكون خياراً سهلاً في التحكم بمواقفهم، ومع بقاء اتباع التيار مرتبطين بقائدهم ارتباطاً عاطفياً، فان ذلك سيكون له أهمية كبيرة، لحرمان المرجعية من زيادة قاعدتها الجماهيرية.

 ...

بهذا الواقع القائم، فان التحكم الأميركي أصبح سهلاً للوصول الى هدف أعمق، عبر المظاهر التالية:

ـ الإسلاميون الشيعة فشلوا في إدارة الدولة، وعليه فان الإسلام السياسي فاشل، بل هو يُدمّر الدولة ويبدد ثرواتها.

ـ الشيعة فشلوا في استثمار الفرصة التي أعطيت لهم، وعليه فهم لا يصلحون لإدارة الدولة.

ـ المرجعية عاجزة عن التأثير في ساحة القرار السياسي، وأكثر ما تستطيع فعله توجيه جماهير الفقراء، والاجابة على الاستفتاءات الشرعية.

وتكون النتيجة أن الشيعة الذين كانت تخشاهم الولايات المتحدة في حكم العراق، صاروا على هذا الشكل، فهل هناك نتيجة أفضل لها من هذه؟

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (122) المخاطر العقائدية للتيار الصدري على التشيع

salim alhasani2ضمن تعليقات أتباع السيد مقتدى الصدر على مقالاتي، كتب أحدهم يصف الشهيد الصدر الثاني بـ (المرسل) وذلك بقوله:

 (يقول السيد الولي المرسل الصدر الشهيد.. )

وقد هالني هذا الوصف الغريب، فأردت التأكد من صاحب التعليق، فربما يكون قد أخطأ في الطباعة، فكتبت له السؤال التالي:

هل ترى أن الشهيد الصدر الثاني، مرسل من الله سبحانه بعد خاتم الأنبياء؟

 فأجاب مؤكداً أن الشهيد الصدر الثاني (مرسل) بقوله:

 (الله سبحانه وتعالى يرسل أولياءه الصالحين للبشرية لهدايتها ..الله يرسل لنا البشائر في الدنيا كي يبعدنا عن الظلاله..والسيد الشهيد كان ولي من أولياء الله الصالحين أرسله الله لهداية أهلنا في العراق وأخذ المجتمع من الظلاله للهداية). انتهى

 وقد أيده البعض وأضافوا المزيد من الشرح على ان الشهيد الصدر الثاني (السيد المولى الصدر كان مرسلا من الله)، وأنه أفضل من نبي الله نوح عليه السلام وافضل من كثير من الأنبياء.

وقد ابقيت التعليقات حتى كتابة هذه السطور ليطلع عليها القراء الكرام في تعليقات منشوري المعنون (مع قراء (إسلاميو السلطة) الكرام.. قادة الكتل وأتباعهم).

 ...

لقد حظي هذا الكلام المنحرف عن مفاهيم الإسلام والقرآن الكريم باعجاب أتباع مقتدى الصدر. فلم يعترض عليه أحد منهم، ولم يستنكر هذه الصفة التي تشكل إساءة للشهيد الصدر الثاني، بل أنه قدس سره كان يعمل من أجل الإسلام ومن أجل إنقاذه من هذه الأفكار الضالة التي يتحدثون بها.

لم تأت هذه الفكرة لأتباع مقتدى الصدر من فراغ، إنما هي نتاج تربية شاذة بعيدة عن الفكر الإسلامي، دخلت عليهم في ظل الفوضى العارمة التي دهمت العراق، ولم يجد هؤلاء من يرشدهم الى الصواب، بل وجدوا من يشجعهم على الجهل والغلو والانحراف الفكري، فساروا به بعيداً، حتى وصلوا الى مرحلة اعتبار الشهيد الصدر الثاني مرسل أرسله الله تعالى بعد خاتم الأنبياء، وأنه أفضل من نبي الله نوح عليه السلام.

 ...

عندما يخطب السيد مقتدى الصدر خطبة الجمعة ويؤكد فيها ظهور صورة والده الشهيد على القمر وفي الماء، فان الاتباع البسطاء سينسجون على كلامه المزيد من الخرافات ويؤسسون المزيد من الانحرافات (رابط الخطبة في نهاية المقال).

وبالفعل خطا أتباع مقتدى الصدر خطوة أكثر جرأة على العقيدة الإسلامية الشيعية، عندما قاموا بتنحية الإمام علي عليه السلام من الولاية، ومنحوها للسيد مقتدى الصدر، وذلك في منشور واسع التداول على شبكات التواصل الاجتماعي ينص على التالي: (من رخصتك يا علي مقتدى هو الولي). وقد وضعه الكثير من اتباع مقتدى الصدر على صفحاتهم في الفيسبوك. ورغم سعة تداوله، فلم يصدر عن زعيمهم أي اعتراض او توجيه أو نصح على خطورة هذا الاتجاه المنحرف عن التشيع.

 ...

نحن أمام كارثة حقيقية في مجال العقيدة الشيعية، وللأسف لا يمكن علاجها في ظل الظروف الحالية، فهناك قوة من السلاح المنفلت يستخدمها اتباع مقتدى الصدر لمن يعترض على زعيمهم، مما يجعل العلماء ينأون بأنفسهم عن تصحيحها خوفاً على حياتهم، كما أن الكيانات السياسية الشيعية ليست بصدد الاهتمام بهذه الأمور فهي مشغولة بالامتيازات والتصارع على المكاسب السلطوية.

ينحصر الحل في هذه الحالة، بالمرجعيات الدينية وبالأقلام المثقفة الواعية، بأن تعمل على استيعاب السيد مقتدى الصدر والتفاهم معه بطريقة هادئة، على أمل أن ينصح اتباعه بعدم الغلو والعودة الى العقيدة الشيعية الصحيحة، فلا زلنا نأمل أنه يحرص على سمعة والده ومدرسته الفكرية. والله المستعان على هذه الكارثة.

http://youtu.be/LnuR073-yB0

ملاحظة: في مقال قادم سأكتب ان شاء الله عن الدور التاريخي للمخابرات الدولية في استغلال بسطاء الشيعة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

محمد حسنين هيكل أو صانع الرؤى الإستراتيجية للأمة

zouhair khouildi"عندما كان قرب القمة كان الكل يهتمون بما يعرفه ، وعندما ابتعد عن القمة تحول اهتمام الكل إلى ما يفكر فيه"

 (كلام الوزير البريطاني أنتوني ناتنج عن الراحل محمد حسنين هيكل1923-2016) 

 لم يكن الراحل محمد حسنين هيكل مجرد صحفي مشهور ولا فقط محلل سياسي مرموق وإنما هو أيضا كاتب متزن ومناضل بالقلم ومن الموقع. ويمكن أن نضيف بأنه ظل مؤرخا دقيقا ومفكر حاذقا وضع الأسس الأولى لقيام إستراتيجية عربية تحدد بدقة البوصلة.

لقد عايش هيكل العديد من الزعامات العربية والإقليمية وكان قريبا من عدة حكام وتحمل مسؤوليات وكتب العديد من الدراسات والبحوث والمقالات عن تجاربه السياسية الوطنية والقومية وتكلم في كل القضايا الحساسة التي تمس جواهر الأمور حول التجربة الناصرية والقضية الفلسطينية والصراع مع العدو الصهيوني والثورة الإيرانية ونقد بشدة سياسة الانفتاح ومعاهدة كامب دفيد التي وقعها أنور السادات وقدم أوراق على غاية من الأهمية بخصوص تجارب البعث في العراق وسوريا وخذلان العرب لصدام والأسد. كما أعجب بتجربة حزب الله وأعجب كثيرا بقيادة حسن نصر الله للمقاومة اللبنانية والعربية ودعا إلى حماية حماس وبقية الفصائل الفلسطينية من سياسة التطبيع والتعديل والفوات الحضاري.

لقد كان شاهدا على العصر العربي في تحولات دراماتيكية ومبصرا لتغيرات الأحداث وكان يستبق المآلات ويستقرأ الاستتباعات قبل وقوعها وكانت الحصص التلفزية التي يحضرها منفردا بمثابة تنشيط للذاكرة العربية المصابة بالنسيان وإحياء للمحطات النضالية والحاسمة.

ربما تمكن هيكل من معرفة نقاط قوة العقل السياسي العربي ونقاط ضعفه وحاول فهم طرق اشتغال الأعداء المتربصين بالأمة ولكنه لم يتمكن من فهم العقل السياسي الغربي وربما حاول تفكيك الصورة النمطية التي يحملها عن الإسلام والعرب خاصة والشرق عامة.

ماهو حقيق بنا هو الاعتراف للشخصية الاستثنائية بالريادة الطويلة والإضافة النوعية التي قدمها للثقافة العربية وتحوله إلى ضمير حي للقضايا العربية المشتعلة ونبراس تهتدي بها الحركات السياسية الطامحة نحو الانعتاق من نير الظلم والاستبداد والتحرير من الاستعمار.لقد ظل طوال حياتها ناطقا رسميا باسم الأمة العربية ولسان حالها وبيانها المستفيض حول التحديات التي تواجها والقدرات التي تمتلكها وبقي قديسا منشدا حول أهمية الوحدة العربية والضرورة التاريخية للتكتل العربي في مواجهة العولمة المتوحشة. رحم الله الإنسان الصادق والوفي محمد حسنين هيكل ورحيله في هذا الوقت من الزمن الصعب التي تمر به الأمة مثل خسارة فادحة وكبيرة للعقل العربي ولكن يجب تقديم ألف  تحية والشكر الجزيل لروحه التائقة نحو الاستقلال الحضاري والسيادة التامة وبورك جسده على البذل والعطاء الذي قدمه للقراء والمتبعين. لكن هل فهم الحكام العرب رسائل هيكل الاستراتيجية؟ ومَن هو القادر من الكتاب العرب في الراهن على ملء الفراغ الذي تركه برحيله المنتظر؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

عبد المالك ابو الأنوار (أبا تراب) نجمة زرقاء في مجرة الصفاء

najat zebayerعادة ما تستفزني القصائد لأكتب عنها، فأراني أسافر في متاهاتها، أحاول القبض على جمالها، لكن لفتت انتباهي قصيدة إنسانية تسللت لجسد الإبداع بشتى أشكاله؛ لترسم دوائر من الصفاء الروحي ، نعانق من خلالها ما هو أبهى وأجمل في هذا الوجود.

عبد المالك ابو الأنوار، هذا الإنسان الذي يحمل في يديه قنديل عوالمه ليضيء به فضاءنا، يكتب اسمه بماء النور الأسطع على لوح الحياة الثقافية.

عرفته وهو يجدف هنا وهناك في بحر أزرق، يرحب بكل المسافرين في متاهات اللغة، ويقدم لهم سلالا من الحلم الجميل.

هكذا يفتح روحه لكل العابرين، ويقرأ القصص التي ينام على إيقاع نبضها العشاق، والحيارى، والمعذبون، والتائهون...

  وكلما اجتاحت ريح النبل وجدانه، دق بقوة وتد الخيام فوق أرضه، كي يعانق سحر فراشات لا تحسن الطيران إلا من خلال كفه.

 الآن؛ هو غيمة تمطر حبا لكل المحترقين بالنار البروميثية، وكلما انتهى طريق، نراه يمشي في آخر يفتح دفاتره للفجر كي يتسلل إلينا همسه، ويضرب لنا موعدا تحت أغصان الروح، كي نعانق قسمات الغير بمحبة كبيرة.

هو عاشق للكلمة الجميلة، أنى حطت رحالها نراه يدق بابها و يستأذن حُجَّابها، ليقول لنا، هنا كتابات بإيقاعات مختلفة، علينا أن نسمع موسيقاها، فتغدو هذه القارة الزرقاء مرآة نلتقي في صفائها.

...يتحرك في وطن الكتابة فارسا يتشح برداء البهاء، ليواكب نبض الآخرين، ويصغي لكل الأصوات التي تصدح بين أهداب الثقافة الجادة، ليصنع لنفسه مكانة في قلوب كل من صافح أيامهم.

ابو الأنوار اسمه؛ وهو رمز جميل لوجه الثقافة العربية البعيدة عن طواحين الهواء،يراه كل محبيه شمسا تلاطف بأشعتها وجدانهم، وسفيرا  لعالم الكتابة المترامي الأطراف، فهو رجل قلما يجود الزمان بمثله.

 

نجاة الزباير

كنت مديراً لإثنين من رؤساء ِ وزراء ِ العراق ِ الخائفـَين لكن ..

أولا ً: كنت معاون مدير مستشفى الفرات الأوسط في الكوفة،  وكان مديرها الصديق الدكتور صدقي ربيع، الطبيب الإختصاص في العيون، ولما كان يجري عمليات العيون الكبرى والصغرى في قاعة العمليات في المستشفى مرتان في الإسبوع ، فلا يستطع أحد ان يدخل عليه، بالطبع، فأتولى أنا إدارة المستشفى .. وكذلك خلال تمتعه بإجازة ٍ مرضية أو إعتيادية، حينها كان الدكتور إبراهيم عبد الكريم حمزة الأشيقر طبيبا ً مقيما ً فيها، وكانت زوجته السيدة الفاضلة الدكتورإبتهال القزويني (اخت الصديق السيد جودت القزويني)  طبيببة ً مقيمة، تعمل تحت إشراف الطبيبة المختصة زوجي الدكتورة بيان، كانت الدكتورة إبتهال مثال َ الأخلاق العالية والسيرة الحسنة الجميلة، (وهي لم تتغير ْ حتى بعد أن أصبح زوجُها رئيسا ً لوزراء العراق) وأتذكر لمرات عديدة عندما كان الدكتور إبراهيم الإشيقر يروم الحصول على إجازة إعتيادية .. فأنه لا يستطيع أن يتمتع بها إلا بعد موافقتي الخطية على طلبه، التي كانت تتطلب تقديم طلب يسمى (عريضة) على ورقة ٍ بيضاء،  يبين حاجتَه لتلك الإجازة، ولا أوافق عليها إلا بعد أن يوقع طبيب ٌ مقيم آخر زميل له، بأن يقوم َ بأعماله في حالة غيابه، وهذا إجراء ٌ واجب طبيعي، حتى لا يختل العمل ُ، ولا يكون غيابُه على حساب المرضى .. ولم يكن يلقب نفسه بـ (ابو أحمد الجعفري) إلا بعد ذهابه إلى إيران، ومارس العمل َ السياسي، وكان يتخفى بهذا الإسم خوفا ً من نظام صدام شأنه شأن كل ِ أعضاء حزب ِالدعوة... ولم يجاهر أحد منهم بأسمه الحقيقي إلا أفراد عائلة الحكيم، والأكراد، وقتها، وبعض المعارضين الجريئين مثل الصديقين المرحوم سعد صالح جبر، والمرحوم السيد محمد بحر العلوم والآخرين، الذين يطول المقام ُ بذكر أسمائهِم الكريمة هنا.

و بالمناسبة فإن نوري المالكي رئيس َ الوزراء السابق كان يتخفى بإسم جواد المالكي لمدة (3) سنوات حتى بعد سقوط صدام،  بالرغم من أنه يعيش في المنطقة ِ الخضراء المحصّنة، رعبا ً من صدام، ويحدثني المرحوم السيد عبد العزيز الحكيم عن طريفة .. نذكرها هنا بالمناسبة : أن الصديق جلال الطالباني المعروف َ بالظرف والنكتة المحببة، كان ينادي نوري بالمالكي بـ : تعال هنا نوري جواد المالكي ... فيبتسم الحضور تلطفا ً.   

ثانياً: كنت، ولا أزال الأمين العام لمنظمة حقوق الإنسان في العراق ORGANISATION OF HUMAN RIGHTS IN IRAQ OHRI (لندن 1982) وهي منظمة إنسانية كانت تدافع عن جميع العراقيين والعراقيات بغض النظر عن اللون والدين والعقيدة والأصل، وإعترفت بها الأمم المتحدة عام 1984، وشاركتَ ُ كأمين عام لها بحضور مؤتمرات وبدعوات رسمية في اجتماعاتها في جنيف ونيويورك، وساهمت وتحدثت في مؤتمرات ٍ دولية في عدة دول (زرت أكثر من 54 دولة في العالم) منها الأرجنيتن وجنوب أفريقيا والباكستان وأكثر الدول الأوربية ووصلت حتى  بروناي، وقابلت فيها كثيرا ً من رؤساء العالم وشخصياته، منهم البابا يوحنا، وكوفي عنان، وبينازير بوتو، ورئيسة جمهورية إيرلندا... ومدان ميتران في الإليزيه ...إلخ.

و كان من أعضاء مجلس الإدارة للمنظمة هو الشهيد السيد مهدي الحكيم، والأصدقاء  محمد علاوي (اصبح وزيرا ً للإتصالات) والمرحوم عبد اللطيف أغا جعفر، وغانم محمد جواد الذي كان يتخفى بإسم (سلام أحمد، غير المرحوم سلام أحمد القومي العربي ) من أجل  إرباك من يريد معرفته .. كذا، ومن اعضاء المنظمة الصديق الدكتور حيدر العبادي  الذي كان يخاف من النظام العراقي (شأنه شأن كل أعضاء حزب الدعوة) ويكني نفسه بـ (أبي يُسر)، ويكتب إسمه (حيدر عباس)  وأبوه ليس عباسًا ، وإنما هو الصديق الدكتور جواد الحاج كاظم الحاج عبود العبادي، الذي أصبح مديرا ً للأمور الطبية في وزارة الصحة العراقية، وكان قبلها مفتشا ً عاما ً، وكان من خيرة رجال العراق أمانة وصدقا ً،و الذي تنطبق عليه صفة (تكنوقراط) حقيقة، وعندما كان يزور مستشفى الفرات الأوسط في الكوفة على ساحل الفرات، لا أنسى سؤاله الجميل ... عندما يحين وقت الصلاة (وين غرفة إبن الحكيم) ؟ ليأتي ويؤدي صلاة َ الظهرو العصر في غرفتي الواسعة جدا،  بالرغم من الإرهاب البعثي الفاشي الذي كان يحارب المصلين والمتدينين خاصة ً،  وقد حزنت ُ لوفاته، وفي يوم الفاتحة التي أقامها الدكتور حيدر العبادي في لندن،  جلبت صورة ً مكبرة له وأطرتها في إطار  جميل، اخذتها من مجلة  (الموسم) التراثية الجميلة التي أصدرها الصديق الثبت الأستاذ محمد سعيد الطريحي، وعند دخولي مجلس الفاتحة المكتظ بالحاضرين حاملا ً الصورة الكبيرة، وهو أمر غير عادي في الفواتح والمجالس، وضعتها في صدر المجلس ... واتذكر أنها كانت  صورة ً جماعية للمرحوم الدكتور جواد حاضراً في إحدى حفلات النجف الأشرف الكبرى في مسجد الهندي المشهور، وعلى يمينه المرحوم الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، فالسيد المرحوم الشاعر مصطفى جمال الدين، توجد الصورة في الرابط التالي (1) .

والتقطت تلك الصورة بمناسبة ولادة الإمام الحسين عليه السلام، والتي كانت تقام فيها مهرجانات ضخمة (ذات طابع سياسي) تقابلها إحتفالات ومهرجانات مدينة  كربلاء المقدسة إحتفاء ً بذكرى ميلاد الإمام علي عليه السلام وكانت تلقى فيها الخطب السياسية  تحت إشراف المرجعية الدينية والتي كان يرأسها المرجع الراحل السيد محسن الحكيم ...، وتلقى فيها كلمتها التي كانت تطالب بالإصلاح،  نعود إلى موضوع مجلس الفاتحة ...  لقد تفاجأ الدكتور العبادي وأخوه، والحاضرون من أعضاء حزب الدعوة .. من ذلك الموقف، ودهشوا كيف أن واحدا ً من عائلة الحكيم يكرّم الراحل َ العبادي بهذه الطريقة ، ويجلب صورة ًكبيرة َ تاريخية، ومعروف ما صنع الحداد ُ بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى، وهم (يجهلون) أن ليست لي أية علاقة بالمجلس الأعلى لا من قريب ٍ ولا من بعيد ... والناس ُ أعداء ما جهلوا كما قال الإمام علي ع، و(اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون) كما قال الرسول الأعظم ص  .

و من  مظاهر خوفهما أنهما لم يُشاركا في (الإعتصــــــام المستمر) في لندن، ولا مرة واحدة،  والذي كنت أنا مسؤوله ومنظمه، وحتى أني كنت أدفع أجور (التأمين) عليه لدى شركات التأمين البريطانية، باعتبار ان المكان هو أثري، وهو ساحة ترافيلكر سكوير) التي يسميها العرب بساحة (الطرف الأغــر) ، وخوف الشرطة البريطانية من تعرض المصابيح الأثرية الغالية جدا في تلك الساحة للأذى، والتي يؤمها حوالي (30) مليون زائر وسائح في العام  ، كان (الإعتصام المستمر) هو أطول إعتصام في تاريخ العراق والعرب والمسلمين، إذ استمر (7) سنوات متتالية، بالبرد والثلج والأعاصير، وأحيي في هذه المناسبة المرأة العراقية .. الصابرة، التي كانت تشاركنا في تلك الوقفات الخالدة، وخاصة في أشهر رمضان المبارك تحت الثلج، مع عربات الأطفال الذين كانوا يعانون معنا تلك الظروف َ الطبيعية القاسية، لنحمل شعار (نطالب بمحاكمة صدام) ... بينما كان رئيسا وزراء العراق المذكوران أعلاه (العبادي) و(الإشيكر)  ينعمان في الدفء ِ والدعة في بيوت ٍمريحة واسعة ... ومع موائد َ كريمة سخية ... ولا زلت احتفظ بأطول عريضة من القماش الأصفر، ... وقعها الآلاف ُ من الأجانب (بأكثر لغات) العالم تعاطفا ً مع قضيتنا، ومطلبنا العادل بمحاكمة صدام،  (وكان يرتدي جميع المشاركات والمشاركين (الشارة) أو الربطة الصفراء من بداية الإعتصام وحتى نهايته  يوم سقوط النظام الصدامي الغاشم ...

وبهذه المناسبة أوصي هذين الصديقين أن يتذكرا أنهما كانا يُطالبان النظام الصدامي الغاشم بتطبيق ِ العدالة ومنع إنتهاكات حقوق الإنسان، وأنصاف المظلومين .. ويضعا في حسابهما ما كانا يرددان في مجالسهما الخاصة والعامة الآيات ِ الكريمة  الثلاثة التالية ..، والعجيب جدا ً فيها أنها تكررت بنفس المعاني التي أكد عليها الله 3 مرات في سورة واحدة، وهي سورة المائدة  بثلاث  صيغ رهيبة مخيفة ... (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون) 44،   (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الظالمون) الآية 45، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الفاسقون) الآية 47  ...

فيا إبراهيم ويا حيدر ... هل نسيتما هذه الآيات التي كنتما تكرران الحديث عنها وتعيدان نشرها، وتثقفون كوادر حزبِكما عليها  في صحيفة ِ (الجهاد) الإسبوعية التي كانت تصدر في طهران،  أيام المعارضة لنظام صدام، الذي كان ينتهك حقوق الإنسان في العراق، وصحيفة ِ (العراق) التي كان يشرف عليها الصديق الذي أعتقل بعد سقوط النظام في بغداد ... عمار الصفار.. وفقدت أخبارُه.

فيا أيها الصديقان .. لم تُحسنا ما قمتما به لحد ِّ الآن..

فالمسحوقون والمعدومون والمنكوبات والأرامل والأيتام سوف يقفون غدا ً لكما بالمرصاد...  

و قد انبثق إعلان قف أمام الفساد " قاف" ليكون صرخة بوجه الفاسدين في العراق... على العنوان التالي (2) .

"و ذّكر فإن الذكرى تنفع ُ المؤمنين َ". الذاريات 55.

 

د. صاحب الحكيم

مقرر حقوق الإنسان

نزيل لندن

 

عن وفاء هيكل للحقبة الناصرية وجحود عبد الجبار محسن للحقبة الصدامية

talalmarof najemاختلف الكتاب عن مكانة محمد حسنين هيكل عند الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، استطيع ان اختصر هذه المكانة بالقول ان عبد الناصر أذكى الحماس القومي والعروبي عند الكاتب الكبير، فيما مد هيكل زعيمه برؤاه السياسية الثاقبة وبتنظير لانظير له . فهيكل صاحب نظرية اصحاب الثقة افضل من اصحاب الكفاءة، وهي النظرية التي شغف بها كل حكام العرب لغاية يومنا الحاضر. لهذا ظل هيكل وفيا لمعلمه عبدالناصر وفاءا كبيرا. ويوم أقحم ناصر العرب الصحفي العملاق مصطفى امين على السفير الامريكي بالقاهرة كـــ "جاسوس"، لعب هيكل دورا ذكيا في صناعة الاخبار الملفقة التي مدها للعظيم مصطفى امين ليقوم الاخير بتسريبها للسفير الامريكي على انها معلومات سرية حقيقية.

رحم الله هيكل صحفيا وكاتبا ومفكرا كتبه ترجمت الى اكثر من 30 لغة . واعظم مبيعات لها كانت في اليابان واسبانيا .

اما عن المرحوم عبدالجبار محسن الذي عرفته ايام بغداد، فكان رجلا دمث الاخلاق والطيبة . وقدر ليّ ان نلتقي ثانية في عمان وبالذات في مركز "حقوق" ويوما دار حديث بيننا صعقت لما كاله من شتائم عن معلمه صدام حسين، فقلت له "يا ابا مصعب انت آخر من يفترض ان يشتم صدام" واضفت " انت تعرفني لم اكن يوما ما بعثيا وتركت الوطن في زمن صدام لاني لم اظفر بمنصب اووظيفة مرموقة، اما انت فظفرت من صدام بمناصب لم يحلم بها بشر. فكنت سكرتيره الصحفي الشخصي واصبحت بديلا من طارق عزيز مديرا لمركز البحوث بالجادرية. ومنحت رتبة لواء فخريا. ثم وكيلا لوزارة الاعلام . ثم مديرا للتوجيه المعنوي ورئيسا لتحرير صحيفة القادسية العسكرية . وناطقا رسميا عسكريا للحرب" وتساءلت بأنزعاج الا يكفي هذا لان تترحم لمعلمك لا تذمه ؟".

هنا أستشطت غضبا وهو يفاجئني بسؤال كما لو انه لم يفقه ماقلت الساعة البتة " "طلال كيف استطيع ان اتصل بنوري المالكي؟"، انذاك قررت ان أقاطعه ولم أره الى ان انتقل الى الرفيق الاعلى . رحمه الله .

قمة الاخلاص ان تموت وانت وفيا لمن صنعك . فالأوفياء كثيرون لقادتهم وحكامهم . والجاحدون يبزونهم في التطاول على معلميهم . واتذكر يوما ان المرحوم حسين الشافعي نائب الرئيس المصري، ان استضافه الاخوانجي احمد منصور في برنامج شاهد على العصر على قناة الجزيرة بداية الالفية الثالثة، وراح هذا الاخوانجي يتطاول على عبد الناصر، فصرخ به المرحوم الشافعي ان يصمت وهو يلوح له بسبابته بعصبية .

مات هيكل بعد 45 عاما على رحيل معلمه فظل وفيا للحقبة الناصرية . بينما مات عبد الجبار محسن بعد رحيل معلمه صدام بفترة قصيرة من السنين، جاحدا يحلم يوما بلقاء نوري المالكي.

 

بقلم / طلال معروف نجم

 

هيكل: "صار لازم أمشي"

warda bayaبالأمس، الأربعاء 17/02/2016، رحل عن عالمنا، الكاتب والصحفي العربي القدير، محمد حسنين هيكل عن عمر ناهز 93 عاما، بعد صراع مع مرض الفشل الكلوي..وكان قد صرح مؤخرا ً بأنه عاش ما يكفي "وصار لازم أمشي".

" الرصاصة التي انطلقت من صدر الاسلام، استقرت في قلب القرن العشرين".. هذه هي الحكمة التي نطق بها هيكل، وهو يُشًرح " ويُملح" في الوضع العربي السياسي.. لقد كان متشائما دوما حتى حفظنا عنه عبارته الشهيرة: "غير المتوقع يحدث دائماً".. والتي كانت جزءاً من شخصيته التي تئن لحال الوطن العربي..

كان عروبي الانتماء، له ذاكرة فائضة عن المعدل العادي للبشر.. صحفي سياسي من النوع النادر حيث عرف عنه أنه كان قادراً على جذب المعلومة إليه، بدل أن يبحث عنها..

شَرًح التاريخ تشريحا مستفيضا ومذهلا، فكتب الاعلامي عبدالله بدران رثائية له ترسخ للذاكرة الأسطورة بعنوان "هيكل.. خجل التاريخ في حضرتك"، قال فيها: "شاءت الاقدار أنك لم تكن فيها، لا مولوداً، ولا مغادراً، وكنت قريباً من الحدث واثاره، فحللت وقيمت فأصبت، وأنت نفسك من قلت يوم كتبت، إننا ننزلق نحو الغروب لنفسح مجالاً لحقب أخرى، نهايتها مع القرن العشرين، وهو أخطر قرون في تاريخ الانسانية، لأنه ينقلنا إلى دنيا مختلفة، وقد كان."

وليسمح لي القارئ الكريم في حضرة مقام هذا الرجل الاستثنائي، أن أعبر عن صدمتي وأنا أتابع الميادين، وكانت القناة العربية الوحيدة التي تنقل مراسم تشييع جنازته على المباشر، بينما كانت القنوات المصرية منشغلة بحصصها وأفلامها ورياضتها، وكأن هذا الزلزال الذي وصلت ارتداداته الى كل أصقاع العالم، لم يزعزع مضاجع الفضائيات المصرية..!

لي مع هيكل قصة لم تكتمل

بعد أن جددت جواز سفري، قررت أن تكون أول رحلتي خارج الوطن نحو مصر، بلد العروبة والثقافة والجمال..

وكنت قد خططت خلال زيارتي التي لم تحصل بعد للقاء شخصيات كبيرة، فيها من هو على قيد الحياة، وفيها من غادرها، لأقف عند قبره ان سنحت لي الفرصة، كما برمجت في مخيلتي دائما، أماكن كثيرة أحببتها في الريف والحضر، فمصر المحروسة هذه، كانت في قلبي وخاطري منذ الطفولة، أكن لها حبا كبيرا يضاهي حجمها وشموخها.. ويحاكي ما قاله الشاعر أحمد رامي:

مصر التي في خاطري وفي فمي     أحبها من كل روحي ودمي

ومما كان يجول بخاطري أيضا، القيام بزيارة للكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، والذي طالما حاولنا - بعد انطلاق جريدة التحرير مباشرة - أن نستضيفه في الجزائر، ولكن محاولاتنا كلها باءت بالفشل، لأن الراحل لا يقوى على السفر والتعب بحكم سنه ومرضه..

تعلقت بهذا الكبير، منذ أن شاهدته أول مرة ضيفا دائما على قناة الجزيرة، وفي حلقات مسلسلة يسرد فيها وقائع سياسية هامة حصلت معه ويسقطها على الحاضر، بطريقة دقيقة و ذكية، كان يستحضر الحدث ويفصصه، ظنا منه أن العرب سيقرؤون ما بين السطور، وهم الذين عجزوا عن قراءة ما بين أيديهم ..

كان حرا في مواقفه يدافع عن أفكاره بحكمة وتواضع، فقال عن نفسه عندما وصفه محدثه بأنه أكبر صحافي وهي الحقيقة، فقال: " أنا مش أكبر صحافي ولا حاجة، أنا جورنالجي أحب أروي قصص وحكايات ما فيهاش زيادة ولا كذب"..

في آخر تصريحاته انتقد هيكل غارات التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، وطالب مصر والدول العربية بإقامة علاقات مع إيران بدل اسرائيل، داعيا السيسي إلى زيارة سوريا.كما علق في حسابه على تويتر، على نبأ تشكيل السعودية لتحالف عسكري "اسلامي" قائلا: أن هذا التحالف تغافل عن إسرائيل، وان "بعض دوله من أهم الداعمين لتنظيم "داعش"..!

اليوم وقد آن الرحيل، نخاطبه وهو الغائب، وعزاؤنا أنه بقي صاحب الرأي الوفي للوطن وللعروبة .لنقدم تحية اجلال واكبار من أسرة التحرير الى روح محمد حسنين هيكل..

 

بقلم/ وردة بية

 

ذاكـرة هـيكـل

moamar habarمقدمة 1436 هـ – 2016: أسمع الآن عبر وسائل الإعلام، أن محمد حسنين هيكل توفى. وبما أني على سفر غدا، نظرت لأوراقي فوجدتني أكتب كلمات تتعلق بالذاكرة التي يتميز بها هيكل، فأضعها بين يدي القارئ، كما هي وبالشكل الذي كنت أكتب به يومها دون أدنى تغيير.

بقيت الإشارة، أن تغطية هيكل لجرائم عبد الناصر ومساندته للانقلاب العسكري بقيادة السيسي، سيفرد له صاحب الأسطر كلمات، إذا كانت الظروف مواتية.

- قرأت بعضا من كتب الأستاذ: محمد حسنين هيكل، تتعلق خاصة بالوضع العربي والصهيوني، وقرأت له بعضا من مقالاته في هذا الشأن.

- ولكن في السنوات القليلة الأخيرة تابعت الأستاذ: محمد حسين هيكل، وهو يسرد مذكراته عبر سلسلة: "مع هيكل"، في إحدى القنوات العربية.

- استوقفتني ذاكرته، فأحببت أن أقف عند أطرافها لأوضّحها. ونستفيد من هذه الثروة قدر المستطاع.

- أشير بداية إلى أن هيكل من مواليد 1923، والذي يتابعه في حلقاته، وهو في أوجّ نشاطه وعطاءه، يُجْزِم بأنه أقلّ من ذلك بكثير.

- والسؤال المطروح، أنَّى له بتلك المعلومات الدقيقة و الرّاسخة في العمق؟.

- إن هيكل أوتي بَسْطَةً في الجسم، وأزعم أن الموروث الفرعوني له دور في ذلك، وإن كنت أجهل تفاصيله.

- فالصحة الجيدة، مدعاة للذاكرة القوية المشتعلة. وصدق الأستاذ: محمد راتب النابلسي، حينما نَقَلَ عن مجموعة من علماء الشام الذين تجاوزوا التسعين من العمر، وكلّهم في صحة و عافية، قولهم: تلك نعمة حافظنا عليها في الصّغر، فحفظها الله تعالى في الكبر.

- ذاكرة هيكل ليست هي وحدها الملفتة للنظر، وإنما طريقة تنظيم هذه الذاكرة واستخراجها في حينها.

- فهو يستخرج مايريد .. في الوقت الذي يريد .. وبالطريقة التي يريد .. بسهولة وسَلاَسَةٍ .. تَسُرُّ السّامع والمتتبّع.

- وينتقل من سَنَةٍ إلى سَنَةٍ، ومن شخص إلى شخص، وأشخاص هيكل كلهم سادة وقادة. بنعومة ويُسْرٍ.

- هاهو الآن يتحدث عن حدث جلل وقع سنة 2010، ليربطه بحدث مماثل وقع سنة 1935، مستشهدا بمقطع صغير جدا من إحدى المقالات التي كتبها أو كُتِبَت يومها، ليدعمها برأي، وبالتالي رقم الصفحة، والعبارة المعنية بالاستشهاد، التي نقلها عن كتاب صدر سنة 1955.

- ناقلا في نفس الوقت ومُبْرِزًا المخطوطة التي تم نشرها سنة 1960، على يد الجهة الفلانية أو المركز الفلاني. مُعرّجا على أزمة النفط سنة 1973، مَارّاً بأحداث إيران سنة 1979، ذاكرا أقوال ريغن في الجزء الأول من عهدته حول الحرب الباردة في الثمانينات، بدون أن ينسى حرب الخليج الأولى سنة 1991، والثانية سنة 2003.

- ويعود بعدها من جديد إلى الثلاثينات و الأربعينات و الخمسينات والستينات، في قالب يوحي للسامع أنه يحدّثه عن وقائع وقعت منذ أسبوع أو شهر.

- وهكذا ينتقل كالنحلة بين السنوات، والأشخاص والكتب والمجلات والصحف، القديمة منها والجديدة، وما تمخّضت عليه هذه العقود من آمال وآلام.

- ولاغرو في ذلك فهو كان مراسل صحفي أثناء الحرب العالمية الثانية، أي كان شاهدا، وهو شاب في منتصف عقده الثاني، ناهيك عن تجاربه وعلاقاته بمختلف فئات المجتمع، عبر هذه العقود من الزمن.

- إذن عوامل قوة ذاكرة هيكل تكمن في عناصر القوة التالية:

- الصّحة الجيدة والمتكاملة.

- يسجل كل شاردة وواردة يمر بها.

- يحتفظ بكل ماكَتَب وسَمَع.

- يحتفظ بما قرأه عن غيره من كتب ومقالات وحوارات.

- يحتفظ بالصور والمخطوطات.

- التنظيم الدقيق لما يملك من وثائق ومخطوطات وصور وحوارات ولقاءات.

- قدرته الفائقة في استخراج هذا الكم الهائل من المعلومات حينما تستدعي الضرورة ذلك.

- علاقاته النوعية بالقادة والمفكرين والأمراء والوزراء.

- علاقاته الكمية بقرّائه ومتتبعيه، فهو كتب لحد الآن في 900 جريدة، وترجمت كتبه إلى 30 لغة.

- أريد أن أقول من خلال هذه السياحة عبر ذاكرة هيكل، أن: الذاكرة كغيرها من العوامل المساعدة، تحتاج إلى عناية وَدُرْبَةٍ وتَعَهُد.

- فلا يكفي الكم الذي بين يديك، أو مَابَقِيَ بين أضلعك، إذا لم ترعاه بالسّهَرِ والعناية والتّنظيم والتّجديد، وتُزيل عنه غُبَار الزّمن، وإلا تَحَوَّلَ إلى رَمَادٍ يَحْجُبُ عنك حاضرك، ويَدْفن ماضيك، ويُبَدِّدُ مستقبلك.

ثلاثون عاما في الهباء

emad aliكنا شبابا من ما يسمون بالدم الحار، لا نعرف غير ما موجود امام اعيننا وفي عقليتنا وما تعلمناه من البيت الى حد ما والشارع والمدرسة والاقرباء والاصدقاء بشكل عام، ومن ما كانوا قبلنا من ما يمكن ان نسميهم بالجيل الذهبي، ومنهم اعتبرناهم القدوة التي لا يمكن ان الا ان نقتدي بهم في كثير من الامور وبعضها يشكل مطلق للاسف، وبالاخص في الفكر والنضال والعقيدة والفلسة، عدا ما تعلمناه في البيت المتواضع من العادات والتقاليد ومنها المبتذلة حتى في حينه، وفرض الواقع علينا الالتزام بالكثير منها بدقة متناهية، الى ان وصلنا الى حال في حينه ايضا بوقت ربما يمكن اعتباره قياسيا في تغيير العقلية والفكر والفلسفة بشكل ملحوظ في كل مرحلة نقطعها، ولكن بعد ان تعارض الموجود مع المتغير اي ما اخذناه عفويا مع ما اكتسبناه من خلالتعليمنا ونشاطنا او جهدنا الشخصي او ما احتكنا بهم في محيطنا بشكل مباشر، ولكن كل تلك التغييرات كانت بفضل التنظيمات اليسارية المؤثرة على حياة الشباب في حينه، لكونها مخفية او ممنوعة ومرغوبة في نفس الوقت يضا، واستنتجنا من التقاطع بين الارضية التي عشناها وما تعلمناه في غير محله، اي؛ لم يكن في زمانه ومكانه، لاننا اصبحنا وسط التقاطعات التي فرضت نفسها نتيجة عدم توفر الظروف الموضوعية وا لذاتية معا في ما يخص تلك العملية المعقدة التي اثرت فينا مبدئا وما عشناه على ارض الواقع، اي بين حياتنا الخاص التي عشناها والمواضيع التي فرضت نفسها علينا بعدما امنا بما نحن نعمله فكريا وفلسفيا وسياسيا، وان كانت هذه كلها من نتاج الداخل او منها المستوردة؛ الملائمة للواقع بنسبة معينة او منها لم تلائم ولو بنسبة قليلة جدا، ودخلت في مربع الخيال . انا من جانبي تاثرت بعصبة كادحي كوردستان واخلاقيات المنتمين اليها والملتزمين بها، والفكر والفلسفة اتي حملتها والصفات والعقلية التي اكتسبها المنتمون في فترة قياسية والسمات التي تمتع بها المنتمين الي هذا التنظيم من كافة الجوانب، وان كانت بعضها تدخل خانة المثاليات، وفق الالتزام المطلق بالتعليمات والنصائح التي كانت تصدر الينا على حساب الحرية الفردية وما فرضته حياة الناس المتغيرة نتيجة امتداد ايدي الراسمالية وافعالها الينا، وما جلبته لنا الثقافة الغربية ايضا قبل كل شيء دون ان تكون لنا يد فيها، ولم تكن لدينا خبرة او علم بما يدور وراء الستار من قبل الكبار عالميا كانت ام في المنطقة، او حتى ضمن الحركة التحررية الكوردستانية التي كانت تدار من قبل مجموعة من السياسيين المخضرمين المصلحيين من الاجيال السبقة ايضا، ايمن قبل شخصيات وقوى محتكرة وفوقية، وسيطرت هذه العقليات على التجدد الذي حصل جراء بروز عصبة الكادحين، مستغلين هذه الخلافات الشخصية والفكرية المبدئية التي برزت فيها ودامت، وكانت من افعال الجيل القديم وبدهائهم استغلوها وشتتوا الصفوف من اجل السيطرة على الموجود بحسب فكرة فرق تسد، او كما تعلمنا من خلال مسيرة نضال تنظيمنا ايضا، وكما حصلت فيها تشويهات او تخبطات كما اعتقد هو التعريف المناسب لها، اثناء الحركة التحررية او بعد التغييرات المختلفة في المنطقة والعالم وكيف تاثرت بها تنظيمنا الحديدي واكثرنا من الشباب الجامعيين والمحسوبين على المثقفين .

مرت الايام وكنا من المتابعين والنشطاء وبدافع اساسه نابع من الايمان الذاتي بما نعتقد ونسير عليه وما نحمل من العقليات والافكارو ليس بدافع ما (كما يجري اليوم)، استندنا على الحركة والبحث ولم نعتمد على التوصيات او الاشارات او حتى ما يحصل اليوم من الاوامر العسكرية باسم التحزب والقادة المحتكرين فيه . الجراة سيطرت على العقلانية في اكثر الاحيان وغامرنا دون اية حاجة للمغامرة لامور اعتيادية بسيطة، وكان الدافع هو التهلف في العمل من اجل ما نؤمن فقط . وانا من جانبي قمت بنشاطات كان بيني وبين الاعدام لحظات ومن ثم اعدم عدد غير قليل من الاصدقاء في فترتين متقاربتين من البعض، وحتى حين شكوا بتحركاتنا، كان للخيرين الذين كانوا المخبرين السريين او من حواشي السلطة دورا ايجابيا بالنسبة لي، حيث اخبروني بشكل غير مباشر قبل ان يحدث شيء لي، عندما سالوا عني وبحثوا في ما انا فيه وتابعو نشاطاتي، وكان لي صديق وهوالابن جيران واخوه من اصدقاء مرافق الدكتاتور السابق صباح ميرزا، كان له دورا حسنا في انقاذي حينما وصف للباحثين وهم (معزومين) في بيته، تحدث عني في بيتهم وعن عائلتي الفقيرة المعدومة المنكوبة، ووصفني بالمقؤود وليس لي اي نشاط مريب كما قالوا له، وربما من تكلم عنه يحسدونه لانه مجتد في دروسه، اقتنعوا بشكل ما، ولكنهم حسب قول احدهم فيما بانهم اعتبروه اخر انذار للكف عن ما اتحرك خلاله، ولم يسع الوقت الا ان اخفيت نفسي في منطقة بعيدة عن بيتنا، ولم يعثروا علي منذ ذاك الوقت . بعد برود الموضوع، وانا صادفت يوما من المخبرين من الجيران، ولم اعلم عنه شيئا في حينه، وتيقنت من عمالته بعد حادث معه واثناء الانتفاضة عام 1991 عندما عثر اصدقاء لي ما كتبه هذا العميل من التقرير عني، ضمن اوراق دائرة امن خانقين عندما استولينا عليه، وكان الموضوع هو عند ملاقاتي به وعند تعليقي عن صورة الدكتاتور التي كانت في يده وانا لم اعلم وتكلمت بعفوية، ولم اعلم انه اخبر عني فاجبرت على ترك المنطقة ايضا في حينه نتيجة هروبي منهم وليس لهذا السبب وانما لامر الهروب من العسكرية، ومن وشى بي الان هو مسؤل لدى احد الاحزاب الكوردستانية، ولله في خلقه شؤون .

كانت كلار بيتا امنا لمن كان له نشاطات من هذا النوع، فكان بالامكان الابتعاد عن الاعين واللجوء اليها لحين ابتعاد الخطرعنك كما فعلت، لمرات ومن ثم عدت للنشاطات ذاته، واكثرها لم تات الينا باوامر مركزية، بل نحن من خلال حلقة ضيقة اصرينا عليها، لما كنا عليه من الايمان العميق بما نعمل .

من ضمن التنظيمات التي نشطت وفق افراد من الحزب الشيوعي العراقي، كان لي اصدقاء ممن اُعدم ومن اُسفر مع الذين سموا بالتبعية الايرانية ومن سُجن ولم يعثر اهلمهم عنهم حتى ما بعد السقوط ايضا، كنا نعلم عن البعضو ما نفكر ونعمل دون ان نتصارح بما نقوم، نحن مع عصبة الكادحين وهم من الحزب الشيوعي العراقي في حينه . اكملنا الاعدادية وتخرجنا وابتعدنا عن البيت اعوام الجامعة واصبحت فرصة سانحة للتجديد واعادة التواصل والنشاطات،بعد المظاهرات في اول السنةالجامعية مرت بخير على الرغم من وحشية التعامل معنا في اربيل من قب امنه وقواته، وصادف ان ضربني احدهم وتعرفت هليه انه كان ضمن سلك الامن وهو من اهل مدينتي خانقين، ففي الصف الثالث في جامعة رايت مسؤلا في الاتحاد الوطني وكان من عصبة الكادحين، وهو الان من الكبار، واستقبلته في القسم الداخلي ايام المفاوضات مع الحكومة، وطلب مني الانضمام ولم اقل له اني منضم وقبلت دعوته وحينما انفضت المفاوضات قلت له اني قبل ان اقبل بطلبك اعمل لهذا التنظيم ومنضم اليه من قبل صديقك هذا منذ خمس سنوات، ولم اره فيما بعد الا بعد الانتفاضة، و كان كما هو اليوم ما يهمه هو مصلحته، ولاؤكد للقاريء ما كان وما هو عليه اليوم اذكر لك هذا الحث المعبر عن كل جوانب القضية. في الاضراب العام ايام الجامعة وكنا في الصف الثالث عند احتجاجانا على تدريبات الجيش الشعبي وامتناعنا عن الدخول الى قاعات المحاضرات، وفصلنا في تلك السنة، ال ان هذا المسؤل المعتبر هو من طلب من بنت اخته ان تعود الى دوامها وتمتحن دون سائر الطلاب لكونها ابنة اختها ونحن الغرباء، ومن تلك العملية اكتشفت بانه غير مؤمن بما يقوم به، والا كيف يحتسب لمصلحة ابنة اخته دوننا، نحن ايضا الذي كنا معها في الكلية ذاتها . وللحديث بقية .

 

عماد علي