المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (2)

abdulhusan shaabanنجف في أعماق فحص كنت استحثه على إظهارها قبل رحيله

 

القسم الأول: القراءة والنقد والأزمة

1- مأزق المثقف الشيوعي

بعد صدور كتابي الموسوم " عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل" قرأت ما أثاره من ردود فعل واهتمام من جانب القرّاء بشكل عام والمعنيين بشكل خاص، كما تلقّيت عدداً كبيراً من الرسائل والمهاتفات من شخصيات وجهات عراقية وعربية، إضافة إلى ما كتب عنه في الصحافة وما أجري من مقابلات تلفزيونية وإذاعية وصحافية معي بخصوص الكتاب.

وفي الوقت نفسه كانت بعض ردود الأفعال مختلفة سلباً وإيجاباً في أواسط الشيوعيين، ولاسيّما من جانب بعض من عمل في إدارة الحزب في وقت سابق، لاسيّما من الذين أصبحوا "فائضين عن الحاجة"، وقد تكوّنت لدى هؤلاء ولأسباب مختلفة وجهات نظر خاصة إزاء عامر عبدالله وإزاء الصراع الذي دار في أوساط الحزب في الثمانينيات، وبعضه يمتدّ إلى فترة أبعد من ذلك في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، ولم يكن ذلك بعيداً عن شخصية عامر عبدالله الإشكالية وذات الكاريزمية الخاصة، ناهيكم عن المنافسات المشروعة وغير المشروعة، سواءً على المستوى الشخصي أو على المستوى السياسي أو على المستوى الفكري.

ولتلك الأسباب جميعها وجدت نفسي "مستدرجاً" بأريحية مجدّداً للكتابة حول "المثقف وفقه ألأزمة" انطلاقاً من بعض ما ورد بخصوص عامر عبدالله أو تاريخ الحركة الشيوعية، وما إلى ذلك من قضايا كانت ولا تزال مدار نقاش مفتوح وجدل مثار في الأوساط الشيوعية بشكل خاص والوطنية بشكل عام، بقدر ما تتشابك المصائر وتتداخل المصالح على المسرح السياسي، التاريخي والآني والمستقبلي، والأمر يمتدُّ إلى الحركة الشيوعية العربية والعالمية التي سبقتنا بمراجعات فكرية وسياسية للأزمة وأسبابها وتجلياتها وسبل الخروج من المأزق، وهو أمر لا زال بالغ الحيوية حتى وأن اعتبر بعضهم ذلك مجرد نزوة فكرية أو موضوع ماضوي لا يغني ولا يسمن من جوع، لكنني أعتقد أن الأمر يستحق تخصيص مثل هذا الوقت، لاسيّما في ظل تداخلات جديدة وتفاعلات فكرية كان من أبرزها المواقف من الاحتلال الأمريكي، فضلاً عما شهده العالم من تحدّيات جديدة، خصوصاً في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي عانت منها الرأسمالية التي ابتدأت في العام 2008 ولا تزال مستمرة حتى الآن.

بعض من قرأ الكتاب لاحظ إنني أتعامل مع نفسي كشيوعي، بل ومعتزٌ بشيوعيتي حتى وإن كنت خارج العمل الروتيني المسلكي واليومي، في حين كان ينتظر قسم آخر، ولاسيّما بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، الانزياح عنها إلى جانب خصومها بعد انسداد آفاقها وتدهور سمعتها بفعل ممارسات النظم الاشتراكية البيروقراطية الشمولية، وهو ما فعله البعض بالتبجّح بليبراليته الجديدة، فضاعت عليه البوصلة، فلم يعد يفرّق بين بنيامين نتنياهو وخالد مشعل، وبين الصهيونية ونظامها العنصري وحركة حماس، بل ويحمّل حركة حماس والمقاومة عموماً بما فيها حزب الله، أسباب عدوان "إسرائيل" المتكرّر.

وهناك من قرأ الكتاب أو قرأ ما كُتب عنه أو سمع به، فلاحظ أنني كتبت عن الشيوعية، وكأنني أخرج عليها، متصوّراً أن كل نقد لأخطائنا ومراجعة لتاريخنا، تضع الإنسان في خانة العداء والكره، هكذا يفسَّر النقد أحياناً من زاوية العقل السكوني والفكر المتخشّب والفهم المسطّح، فما بالك بالإغراضي.

لقد تصرّفت كناقد يشرح ويحلّل ويفسّر، سواء أصاب أم أخطأ، لكنه في كل الأحوال يقدّم اجتهادات وقراءات جديدة ومن الموقع ذاته، منطلقاً من نقد ذاتي اعتبره البعض جريئاً، في حين أغاظ البعض فندّد به، خصوصاً حينما تناولت بعض أخطائنا ونواقصنا، وبالطبع لا نقد يخلو من جرح أو ما يسبّبه من صدمة أحياناً، لاسيّما إذا انكشف المستور والمسكوت عنه، فالوقائع أحياناً تُفاجئ وتُدهش الكثيرين ممن لا يعرفون بواطن الأمور، أو ممن استغرقوا في السبات لدرجة التيبّس، وهنا نضع موضع المساءلة والمراجعة والنقد والنقد الذاتي تاريخنا بكل ما له من إشراق وتضحيات ودفاع عن قضايا التقدم والحداثة، مثلما عليه من مثالب وعيوب لا نريد أن نخفيها.

لقد حاولت كسر بعض التابوات والمحرّمات من خلال محاولات تشخيص ونقد ومكاشفة ومساءلة لقضايا لا يريد البعض لأحد أن يقترب منها، وكل قصدي الاّ يستمر تمويه الحقائق إلى ما لا نهاية أو الالتفاف على الأزمة الفكرية والسياسية التي لا زلنا نسبح في فضائها أو مشكلاتنا الداخلية العويصة، وليس الهدف الإساءة إلى أحد أو إلى التاريخ، بل لكي لا تتكرّر وتزداد الأزمة استعصاءً وتعقيداً، وهو ما يناقشه اليوم جمهرة من الشيوعيين والماركسيين العرب، فلم يعد مقنعاً التنكر للأزمة أو محاولة إلقاء تبعاتها على العدو فحسب، مثلما كان الأمر في السابق.

لقد ناقشنا على مدى عقد كامل (الثمانينيات) هل إن حركة التحرر الوطني في أزمة أم ثمة مصاعب ونواقص تعاني منها؟ وكان البعض يتضايق من مجرد ذكر كلمة الأزمة، معتبراً ذلك مبالغة أو تطرّفاً أو استهدافاً، وإذا بالأمر ينكشف على نحو سافر عن أزمة طاحنة وبنيوية في حركة التحرر الوطني، بل في الأنظمة الاشتراكية التي كان مجرد الاقتراب من نقدها تضع الناقد في خانة "الأعداء"، وهو أمر انعكس على صعيد نقد الحزب أو قيادته أو سياساته ومواقفه، وللأسف فإن بعض موروثاتها لا يزال قائماً ومستمراً ولم يتأثّر بالتغييرات الكبيرة التي حدثت في العالم.

والأمر لا يقتصر على الشيوعيين العرب، بل إنه موضوع مطروح للنقاش على المستوى الكوني، وهناك مساهمات جدية على هذا الصعيد، سواءً في الغرب أو في البلدان الاشتراكية السابقة، وحاولت عرض جزء منها في كتابي " الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية" .

الأساس في موقفي النقدي، إنني أعرّف بالشيوعية كما أفهمها، وكما أنظر إليها كيما تكون، خصوصاً وأنني خارج الصراع الداخلي، وقد حسمت هذا الأمر منذ زمن، وتحرّرت من انتمائي الضيق متوجّهاً إلى الفكر الرحب، متخلصاً من الطقوس والفرائض والأحكام والأطر التي تشبه إلى حدود غير قليلة أحياناً، تعاليم أتباع الأديان والطوائف، في حين أن الشيوعية تنتمي إلى أهل الفلسفات، فما بالك بقيم الحرية والعدالة والمساواة.

كنتُ أشعر بثقل الوصاية، ولهذا حاولت البحث عن صيغ أخرى جديدة مهنية وحقوقية لخدمة الإنسان، لاسيّما في البحث عن الحقيقة، خارج إطار اليقينيات السرمدية والحتميات التاريخية وبعيداً عن التهويمات العقائدية، بهدف التجديد الفكري، وعبر عناوين وأسماء ذات حيوية وفعالية راهنية.

لا شيء يجدي للقول إن النظرية سليمة والخطأ في التطبيق، خصوصاً بعدما أنتج هذا الأخير على يد دُعاته وحرّاسه كل هذا الكم الهائل من الاستبداد والعنف الأعمى والفساد الفاحش وشحّ الحرّيات وعدم تكافؤ الفرص ومحاولة احتكار الحقيقة، بل ومحاولات إذلال الإنسان وتصغير شأنه حتى وإن كان الهدف المعلن هو " أنسنة" إنسانيته، لكن التجارب جميعها تقريباً كانت عكسية.

في بعض المداولات لاحظنا منطق التهافت والافتئات على الحقائق، بل نكرانها، وحتى كيل التهم لتغطية الارتكابات ومتفرّعاتها ومحاولة محو آثارها. ولأنني لم أقصد سوى تسليط الضوء على بعض الظواهر، فقد أحجمت عن ذكر الكثير مما أعرفه من الحقائق والوقائع، والتي يعرف المتبجّحون قبل غيرهم أنني أعرف ذلك، بما فيه بعض ما خفي على بعضهم، ولذلك اتجهت إلى نقد العقل ونقد النصوص والبيانات، وعلى نحو آخر نقد الوقائع ونقد الحقائق، لأنه لا وجه واحد لها، فلا يستطيع المرء الزعم بأنه يمتلك الحقيقة كاملة وغير منقوصة.

علينا إعادة قراءة الوقائع والنصوص وأثرها المكتوب والمسموع، لنرى مدى الاقتراب بين الفكر والواقع، وبين النص ومعناه، وبين البيان ودلالاته، عند ذلك لا يجدي نفعاً الزوغان عن الحقائق أو محاولة طمسها، وإذا كانت هناك قراءة مغلوطة لها فستتضح وينكشف السرّ.

لا أنفي عن نفسي تهمة القراءة النقدية حتى للماركسية ذاتها، فهي بالنسبة لي قابلة للنقد وغير مقدّسة، وخصوصاً تعاليم ماركس نفسه، الحلقة الذهبية التأسيسية في الماركسية وليس نهايتها، فقد كانت تعاليمه تصلح لعصره وليس لعصرنا. أي أنها ليست سرمدية وخالدة، دون أن يعني ذلك التخلّي عن منهجه المادي الديالكتيكي الذي لا يزال صحيحاً، مثلما يمكن الإفادة من المدارس الأخرى، علماً بأن الرأسمالية ولاسيّما بعد الأزمة الراهنة عادت إلى كتب ماركس واستندت إلى منهجه في دراسة الظواهر المختلفة في السابق والحاضر، ولو عاد إلى الحياة هارولد ويلسون رئيس الوزراء البريطاني (العمالي) في الستينيات، فستراه يكون أكثر حصافة حين يتحدّث عن ماركس والماركسية، إذْ لم يعد بوسعه القول: يجب علينا ألاّ نبحث عن حلول في مقبرة هاي غيت (حيث يرقد ماركس) وبالطبع لم يكن بالإمكان مجادلته بمنطق يقبله، لكن أهمية منهج ماركس عادت اليوم إلى الحياة ولم تعد تقبع في المقابر، وهو ما يقرّ به كبار الرأسماليين.

كتب جورج ماغنوس وهو محلل اقتصادي كبير في بنك UBS الذي مقرّه في سويسرا ويمتلك رصيداً يزيد عن 2 تريليون دولار مقالة بعنوان " أعطوا كارل ماركس فرصة لانقاذ الاقتصاد العالمي"، وهو الأمر الذي فات الكثير من اليائسين والمندحرين الذين وجدوا في انهيار الأنظمة الاشتراكية وكأنه انهيار للحلم القديم، مثلما أفرح الكثير من الذين اعتقدوا بظفر الرأسمالية الأبدي، ونهاية التاريخ حسب فرانسيس فوكوياما، مبشرين بحقبة من الرخاء والنظام الأكثر عدلاً بفعل منجزات الاقتصاد الحر، وإذا بنا بعد أقل من عقدين من الزمان تتحول تلك الأحلام المريضة إلى كوابيس، واتضح إنها أوهام وتهويمات ليس إلاّ، وأن فرضية كفاءة السوق لا يمكنها أن تكون علاجاً شافياً لأمراض الرأسمالية، وذلك حسب تعبير الكاتب البريطاني " ألين وودز" في مقالته المثيرة " راهنية أفكار ماركس".

ولذلك فإن القراءة النمطية ذات الطابع القدسي، لا تقود إلاّ إلى الجمود العقائدي، والذي لا ينتج سوى التعصّب والانغلاق والتطرّف، وإذا ما أصبح ذلك أيديولوجيا وفيما بعد سلطة، فإنه سيقود إلى إلغاء الآخر أو استئصاله إمّا جسدياً أو فكرياً، سواء تجاه الشيوعي المختلف أو الخصم أو العدو، وذلك تحت عنوان الزعم بامتلاك الحقيقة، وهذا لا يعني سوى الحق في احتكارها، وتلك ليست سوى احتقار للعقول، أياً كان منهجها.

ولعلّ هذا ما تذهب إليه وما تقوم عليه الأصوليات الدينية، ونعني بها آفة التقديس التي تنطق بالحقيقة المطلقة والنهائية ومن خلال الاصطفائية الذاتية التي تزعم أن لها الأفضلية مهما عملت ومهما قامت به من ارتكابات، خصوصاً حين يصاحبها الادعاء بأن لها أجوبة لجميع أسئلة الكون والمجتمع، أي محاولة ختم العقول بعدم التفكير وشلّ الطاقات الحيوية للبشر في الخلق والإبداع والابتكار والنقد.

إن مثل هذه الادعاءات لا تنتج سوى الاحتراب ومحاولات التسيّد والعنف، سواء كان مادياً أو معنوياً وبجميع صوره وأشكاله، لأن الحصيلة هي غلق أبواب المعرفة، باعتبار نظريتنا بوسعها تفسير كل شيء، فهي خلاصة مكثفة للعلوم والفلسفة والاجتماع والاقتصاد والقوانين، في حين إن ما تراكم يتطلّب نقد العقل ونقد النص، إذ بقدر ما يتم الاستكانة لليقينيّات والمثاليات، كلّما ترتفع الانتهاكات للقيم والمثل والمبادئ والقواعد الناظمة للاجتماع الإنساني، والأمر سواء بسواء، للغيبيات الدينية أو للحتميات التاريخية، فكلاهما ذات نسقية مغلقة لا تقبل الإضافة أو الحذف أحياناً.

إن السبيل للخروج من المأزق هو الكف عن التعامل مع النص أو الشخص باعتباره مقدساً أو خط دفاع لا يقبل الاّ التمترس معه أو العداء له من منطلق شيطنة الآخر، في حين أن النص ليس فردوسياً والنقد ليس بعيداً عنه تجاه الذات، بالمراجعة والمحاسبة مع النفس دون أوهام أو تهويمات، وكذلك تجاه الغير بعيداً عن الوصاية إزاء أية آيديولوجية أو أية سلطة حكم أو حاكم، غير سلطة العقل.

 

2- الذاكرة والمعرفة والحلم

يمكن القول إن للذاكرة وظيفة نفسية، وهي مدى قدرتها في إحياء الحالات الشعورية التي انقضت، وبذلك تستبقي ما في الكائن في حاضره. وكنت في حواري مع السيد هاني فحص الذي رحل عن دنيانا مؤخراً، أستحثّه على استخراج النجف التي في داخله، كي لا تبدّد ويطويها النسيان أو تأخذنا غفلة من الزمن ويحصل المحذور كما يقال. ولعلّي وأنا استفزه، إنما أفعل ذلك كي أحرّض نفسي أيضاً، على إظهار النجف التي في أعماقي، والتي تطلّ برأسها بين الفينة والأخرى، بل تلحّ أحياناً في الظهور بصيغة ذكريات وذاكرة وتذكّر ووعي لا يتلاشى أو يضمر، وأكاد أرى ينبوعه وهو يتدفق ويرتسم بأشكال مختلفة، مادياً ومعنوياً، الأمر الذي يحتاج إلى تنظيمه ووضعه في إطار مراجعة شاملة.

وبعد صدور كتاب السيد هاني فحص عن النجف" ماضي لم يمضِ" حاورته عن الوجه الآخر للنجف وهو العنوان الذي اختاره الصديق الشيوعي المخضرم صاحب الحكيم لمذكّراته، التي صدرت في وقت لاحق، وعن حلقات اليسار والمواكب الحسينية والقصائد الحمراء وقرّاء المنابر وبعض ثنايا الحوزة والحضرة الحيدرية وبعض كادرها الشيوعي، وعن النساء النجفيات والجمال النجفي والعلاقات الاجتماعية والوافدين ومدرسة الخليلي والاختلاط بأمم وقوميات ولغات والتعايش الإسلامي، العروبي، الأممي، اليساري، وعن "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق" حسب السيد مصطفى جمال الدين، وصورته الأخرى " الانغلاق الظاهر" و"الانفتاح الباطن" أو المحافظة الشكلية والتقدمية الجوهرية.

المثقف وفقه الأزمة .. ما بعد الشيوعية الأولى (1)

abdulhusan shaabanنقد التاريخ طريق إلى تصحيح الأخطاء وتجاوز المعضلات ورضا الأجيال القادمة

 

إستهلال:

(حتى الشيطان يخجل من الحقيقة) .. نيتشه

يختلف الداعية عن المثقف في أن الأول يستخدم جميع الوسائل لتبرير أفعال "جماعته" وسلوكها ويروّج لسياساتها ويبرر أخطاءها، حتى وإن كان في الأمر ثمة خداع أو زيف، فجماعته هي الأفضل والأحسن والأوقر والأشرف والأنزه، أما خصومه أو أعدائه، فهم الأسوأ والأقبح والأحمق والأوضع والأدنأ.

باختصار الداعية يضع كل العيوب على شمّاعة الآخر، في حين يجد في جماعته كل مزايا البشر ومحاسنهم، إن لم تقترب من الملائكة أحياناً، في حين إن وظيفة المثقف هي النقد، ونقده يدعوه لنشر الحقيقة والمعرفة، وكشف المزعومات التي تنتجها جماعة سياسية لنفسها أو طائفة دينية أو فريق يضع بوجه النقد ميليشيات ثقافية.

فالنقد في نظر هؤلاء هو بدعة، ومراجعة التاريخ هدفها النيل من "الجماعة" أو الإساءة إليها، و"الجماعة" مطهّرة وخارج نطاق النقد، وهكذا سار على هذا النهج جميع الدكتاتوريين وأصحاب الأفكار والآيديولوجيات الشمولية والذين وضعوا "مقدسات" لا يمكن للآخر مساسها، سواء كانوا رجال دين أو جماعات سياسية في السلطة أو خارجها، جلادين أو ضحايا، غالبين أو مغلوبين، حيث تنتقل قيم الأول إلى الثاني حسب عبد الرحمن بن خلدون، لاسيّما بتوجّهات قيادية قاصرة، أو ادعاءات عشائرية فارغة أو تمثّلات جهوية مفروضة أو غير ذلك، وسيكون نقيض "المقدّس" هو "المدّنس".

غالباً ما يواجه النقد بالإتهام أو الشك، ويتم التعامل معه بالخفّة وعدم الاتزان، ويخرج بعضهم عن أخلاق المناظرة والمبادرة والمحاورة، ليدخل في متاهات المبارزة والمناورة والمؤامرة، والأكثر من ذلك حين يتصرّف خارج نطاق أي اعتبار، سوى ما يهيمن عليه من إلغاء الآخر أو استئصاله أو تحطيمه.

وقد يحتاج الأمر إلى قدر كبير من الغباء لقراءة أو للإصغاء لما يذهب إليه هؤلاء الذين يتحدثون مع أنفسهم وفي الدوائر الضيقة، وبالطبع فإن الردّ بالمثل وهو أمر مُتاحٌ وسهلٌ، لكنه سيجعل من النقد مهاترة، ومن المراجعة مشاغبة، أما مبدأ " العين بالعين"، فسيجعل العالم كلّه أعمى على حد تعبير المهاتما غاندي، في حين إن المثقف يسعى إلى التنوير والإلتزام بمعايير المعرفة والثقافة، وهو ما يحتاج إلى رياضة مع النفس وتصالحاً معها واحتراماً للآخر وإقراراً بحقه في النقد، مع إظهار الجانب الأخلاقي والتهذيبي في الكتابة، كما هو في الحياة.

حين تكون في الحزب الشيوعي، لا يعني إنك ينبغي أن تكون داعية لأخطائه أو لسلوك وتصرّفات بعض إدارييه، وحين تجد النقد مفيداً كمثقف، لا ينبغي عليك أن تحيد عنه، بما فيه انتقاد نفسك، بهدف قول الحقيقة في لحظة انسجام مع المعرفة، أما إذا سعيت إلى الترويج والدعاية، وهو من حقك فستخرج من دائرة الثقافة والتنوير لتمارس دور الداعية، والدعاة هم مروّجون لا تهمّهم الحقيقة، بقدر ما يهمّهم التأثير على الآخر وإخفاء النواقص والعيوب والأخطاء، لأنها تتعلّق " بالعشيرة" السياسية أو الملّة "الحزبية" أو حتى " بالإدارة السياسية" لهذه الفترة أو لما سبقها، وتلك مهمة لا تليق بالمثقف والناقد، أو لا ينبغي أن تكون وظيفته تلك، وقد سعت الحقبة الجدانوفية الستالينية إلى تطويع المثقفين بحجة الواقعية الاشتراكية، كما ساهمت في ترويضهم، لكي يكونوا دعاة ومروجين للاستبداد والعسف، وهي أمور سادت في حركتنا الشيوعية، وللأسف فإن ذيول الجدانوفية الصغار لا زالوا ينفخون بأنفسهم باستذكار سلوكيات تلك المرحلة.

للأسف لم يراجع تاريخنا، ولم يسهم النقد في كشف أخطاء الماضي، الاّ بحدود الصراعات الدائرة، بين هذا الطاقم القيادي أو ذاك، وتصفية حسابات بين الفرقاء، أما التاريخ فقد ظل "صامداً" ككتلة صمّاء، لا يمكن الاقتراب منها، وقد يكون بعضهم مسؤولاً عنها، والآخر لا يريد ذكر الحقيقة ويخشى الاقتراب منها، لأنها تتعلّق بفترة سكوته وصمته لسنوات طويلة، اعتاد فيها على تلقّي التعليمات.

لم نلحظ هناك من نقد حقيقي لتاريخنا، خصوصاً مسلّمات الماضي وعيوبه، لاسيّما إذا كان المعنيون قريبين من الطاقم الإداري أو من منحدراته،وحتى حين كُتبت الكثير من المذكرات، ظلّ الكثير من العقد الأساسية دون مساس، وإن جرى التعرّض لها، فمن باب إلقاء الحجة على الآخرين، وفي أحسن الأحوال سمعنا نقداً مثيراً للشفقة، لمن يقول أنه يتحمّل المسؤولية وهو بالطبع كذلك، لأنه كان على رأس الهرم أو من المحيطين به أو من حواشيه، والغالب الأعم يتحدّث هؤلاء باستمرار عن صواب سياستنا التي أثبتها التاريخ، والدفاع عن نقاوة النظرية وإن كان الأمر معكوساً، ففي تاريخنا بعض المطبّات والانحرافات التي علينا مراجعتها مثلما فيه الكثير من الاشراقات والإيجابيات التي يمكن استلهامها، كما لا يكفي الحديث عن إننا نمتلك "أعظم" نظرية في العالم، علماً بأنها لا ينبغي أن تكون بمعزل عن البراكسيس.

لاحظت ذلك بخصوص جميع القوى السياسية، فحزب البعث أو الجماعات المتبقية منه تتحدّث عن كل شيء باستثناء صدام حسين، وغالباً ما ينزّه ويمجّد، وإنْ جرى الحديث عن الارتكابات والجرائم، فهي ليست سوى أخطاء هناك من يقوم بها، وقد لا يعرف بها "الرئيس" وإذا انتقدت توجّهاتهم وحاورت في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، فإنك ستكون حاقداً أو مشبوهاً وفي أحسن الأحوال فإنك جاهلٌ.

أما القوميون العرب فلا يمكن المساس باسم جمال عبد الناصر أو حتى نقده، فالنقد سيضعك في خانة العداء للقومية العربية أو في صف "الشعوبية"، وحتى لو ذكرت مشروعه السياسي بملاحظات أو آراء، بخصوص قضية الحريات ووحدانية التنظيم السياسي وملاحقة اليسار وهزيمة 5 حزيران/يونيو/العام 1967، فإن ذلك ليس سوى تفاصيل بالنسبة لهم، إذْ لا يمكن المساس باسم الزعيم " الخالد والأمر يتعلق بغياب النقد الذاتي، وعدم قبول نقد الآخر.

ولم نسمع نقداً للمشروع الإسلامي من داخله، باستثناء مناكفات في فترة المعارضة بين جماعات سياسية، وإلاّ فإن المرجعية "مقدسة" والتعرّض لها سيجعلك في عداد الملاحدة أو من يتنكّرون لدورها التاريخي، وأحياناً تعتبر من طائفة أخرى، حتى لو كنت من صلب الانتماء الديني أو المذهبي، ضمن التصنيفات السائدة.

وإذا كانت الحركة الكردية قد عصفت بها رياح عاتية من داخلها، وواجهت نقداً حاداً وشديداً، وصل حدّ الاتهامات، فإن هذا النقد غالباً ما يطوى على حساب المصالحات السياسية الظرفية، وبذلك يضيع النقد الموضوعي التي هي بحاجة إليه، وأحياناً يضيق بعضها بالنقد حتى إذا كان انحيازك لصالح الشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره.

النقد فضيلة، ولاسيّما في السرديات الثقافية، وغيابه يجعلنا أمام حالة من الصدام والاحتدام المستمرين، خصوصاً في النظر إلى الآخر، أما على صعيد الآخر من الداخل فسيكون بديله الاستكانة والخنوع أو الاحتقان والاختناق حتى يحصل المحذور، لذلك فإن الكثير من التمرّدات والانشقاقات ليست بعيدة عن ذلك، إذ أن الإلغاء والتهميش واحتكار الحقيقة وادعاء امتلاك الأفضليات ستقود إلى نتائج أخرى في ظل غياب النقد ، وهو ما حاول الباحث تسليط الضوء عليه باعتباره الأساس في فقه الأزمة.

وإنْ كنت قد قدّمت قراءات انتقادية للحركة الشيوعية وتاريخها، فلأنني معني بها أكثر من غيرها وما أريده لها أن تكون معافاة وسليمة، كما إنني عندما استرجع جزء من التاريخ، فلأنه يحتاج إلى إعادة نظر بروح رياضية ودون خشية من النقد والاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها، والأمر قد ينسحب على الإدارات المسؤولة التي ارتكبت الكثير من الأخطاء، وظلّت تنكر أو تتصرّف باعتبارها فوق النقد، خصوصاً في ظلّ غياب المساءلة والشفافية، الأمر الذي يحتاج إلى نقد شفاف وجريء دون تجريح أو إساءة، بقدر ما يهمّ تاريخنا وعلاقاتنا الرفاقية ونظرتنا المختلفة إلى الماضي وإلى الحاضر وإلى المستقبل، ناهيكم إلى الحياة ذاتها بما فيها من مستجدّات ومتغيّرات، بما فيها محاولة قراءة الماركسية بروح القرن الحادي والعشرين وبمنهج ماركس الذي لا يزال يمتلك حيوية، لا بتعاليمه التي تصلح لعصره، وعفا الزمن على الكثير منها.

وأخيراً فالنقد لتاريخنا الشيوعي هو نقد من الداخل، وهو نقد مسؤول للذات ونقد لمسار يعني جميع الشيوعيين والماركسيين، بل وعموم الوطنيين، وكل من هو حريص على المستقبل الشيوعي، إذْ لا يمكن الحديث عن تاريخ الدولة العراقية، دون المرور بالقلم العريض على تاريخ اليسار العراقي الذي لعب دوراً مهماً منذ تأسيسها.

والهدف من النقد تسليط الضوء على بعض النواقص والثغرات في مسيرتنا الكفاحية المقدامة، لكي لا تتكرّر، ولكي يتعرّف عليها الجيل الحالي والمستقبلي وينتفع منها، ونقد التاريخ هو أيضاً نقد للبرامج والسياسات والممارسات وما علق به من سلوكيات غريبة. ولعلّ أهم خدمة تقدّم إلى العدو هو إخفاء أخطائنا والزعم بصواب سياستنا على طول الخط، فتلك المهمة الإيمانية التبشيرية الاستكانية لا تصلح الاّ للدعاة والمروّجين المنحازين، وهي غير المهمة النقدية العقلانية التساؤلية، التي يضطلع بها من يبحث عن الحقيقة.

سأتوقّف بعد هذا الاستهلال في القسم الأول بالقراءة والنقد والأزمة، وخصوصاً في التوقف عن مأزق المثقف الشيوعي، خصوصاً بمحاولة السياسي إخضاع المثقف والعلاقة بين الحزبي وبين الحزبي وبين الشيوعي الثقافي لمناقشة مقوّمات الأزمة والقراءة النقدية لها. وقد حاولت المرور على الذاكرة والمعرفة والحلم كثلاثية يكمّل بعضها البعض، ولاسيّما للمثقفين.

أما القسم الثاني، فكان بعنوان " المثقف والموقف من الآخر" المثقف والموقف من الآخر، وهو يتناول حدثين يتعلّقان بكتابين أساسيين وكتب أخرى، فالعمر لديّ لا يعني شيئاً بدون كتب وأوراق وأقلام. والحدثان فيهما دلالة لمنهج التفكير الشمولي والعقل الإقصائي، وحتى لو اختلفت المواقع، فالأمر لا يختلف من حيث الفعل. الكتاب الأول: النزاع العراقي – الإيراني، وقد صدر في العام 1981 وقدّم له باقر ابراهيم عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي في حينها ، والثاني: عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل، وصدر في العام 2014، أي أن الفارق بينهما نحو 33 عاماً، وهو فارق تاريخي بلا أدنى شك، وكذلك في الموضوع والتناول وجهة النقد، لكنهما أثارا بعض ردود الفعل الغاضبة وإن كان توجّهات أصحابها مختلفة، بل ومتعاكسة، لكن التواشج الإلغائي كان بمثابة الحبل السري، للرضاعة من ثدي واحد، حسبما يبدو، وحليب إلغاء الآخر، هو الذي تشرّب منه البعض ولا يزال على الرغم من كل ما حدث لنا من كوارث. ففي الكثير من الأحيان يستعير الضحية أساليب جلاّده ويحاول تقليده شكلاً ومضموناً.

وحسب بابلونيرودا فإن تعاقب الحلم يجعل المرء يقوى على تحمّل الكثير من المشقّات وحين يستحضر الإنسان ذلك استذكاراً وقراءة ونقداً فإنه سيجد إن الكثير مما يفترض أن يدوّنه التاريخ قد أمحي وعفا عليه الزمن أو غدا غباراً لا يهدأ " كمثل زجاج جريح ليس يبرأ"!

ولعلّ واحداً من أهداف هذه الاستعادة التاريخية هو الحرص على الحقيقة كي لا تضيع بما فيها من آلام وعذابات ودروس وعبر، وهو ما حاول الباحث فيه تسليط الضوء على بعض الجزئيات التي يهتم بها بما فيها المنسي أو المهمل أو غير المرغوب استذكاره أو غير المسموح الحديث عنه، كي لا تندثر أو تتبدّد أو يطويها النسيان وذلك استكمالاً لصورة المشهد من زواياه المختلفة. وإذا كانت هذه إحدى جوانب القراءة المؤدلجة والإغراضية، فإن القراءة المفتوحة ودون عقد مسبقة، كانت هي الأكثر استقبالاً وحفاوة للنصّين، دون أن يعنيها الانحيازات الجاهزة الصنع. وهو الأمر الذي ينطبق على كتب أخرى ومواقف مختلفة.

أما القسم الثالث، فيسلّط الضوء على المثقف والرقم الصعب ويتناول فقه الأزمة ومتفرّعاتها من خلال الثقافة ودور المثقف واختلال العلاقة بالسياسي، ويبحث في هذا القسم ظاهرة عامر عبدالله " طائر الفينيق" الذي ما إن يزاح عن مواقعه، حتى يعود إليها منبعثاً من الرماد، ولكن على نحو أقوى، وتحت عنوان المعلن والمستتر يدرج الكاتب خمسة أسباب وراء استهداف عامر عبدالله وفي ظروف المنفى إضافة إلى التراكمات القديمة، ويضيف هذا القسم إشارات ودلالات جديدة إلى قضية ثابت حبيب العاني، ويتساءل أين مذكرات عامر عبدالله ؟ ويكشف عن البعثيين الذين لم ينتموا، ويناقش في خط انسحابنا من بشتاشان واستراتيجياتنا في أوضاع مختلفة. ويختم الكاتب بشيء عن الماركسلوجيا.

سحر الجنابي شاعرة الشجو ِ والشجن

sahar samialjanabiيغمرني الفرح عندما يقع نظري على اسم انثوي تحت قصيدة شعرية او مقالة او بحث او خاطرة . بهذا المنشور تثبت المرأة جدارتها عن حق مشروع ليست مستجدية له عن طريق منظمة انسانية او مدنية . تمتلأ جوانحي طربا ًعندما اشاهد امرأة وسط جمع رجالي في حوار ونقاش في احدى الفضائيات تعرض وجهة نظرها في هذا الموضوع او تلك المشكلة اوهذه الحادثة او الحالة ..والذي اشاهده عندما تتكلم فآراءها تكون رصينة وعلمية ومستندة على قاعدة سليمة دون تلكؤ ودون لف ودوران .. وفي الحقيقة هناك اسماء نسائية فرضت وجودها عبر الدهور ..صدحتْ حناجرها في الشعر وفي الادب، واثبتت جدارتها في العمران وفي الهندسة والطب الى جانب تربية الاولاد وتهذيبهم .. وشاركت ْ الرجل في صقل الجيل الصاعد في مجالات التربية والتعليم .. اسماء كان لها وقعها في النفوس ومكانتها في التاريخ . حتى إنَّ البعض منهن َّ ارتقين َ المشانق من اجل المبدأ ..وتعرضـْن َ من اجل كلمة حق الى شتى صنوف التعذيب .

انا استغرب من البعض الذي يدعو الى المساواة بين الرجل والمرأة ! فالمرأة تفوق الرجل وتتفوق عليه في مجالات عدة ..فكان الأَولى ان يدعو الى مساواة الرجل بالمرأة . ولكن طلاّب الشهرة وحاملوا لواء السيادة حديثا ً لهم آراء ورؤى تختلف عمـّا نحمله ُ نحن المنصفين ممتلئي الوجدان فلافرق ولاتفريق بين هذا وهذه

سحر الجنابي اسم تسمـّرَ نظري أمامه ُ عندما رأيته ُ متربـّعا ً في احدى صحفنا المحلية الرصينة وتحته ُ قصيدة عمودية . انطبع هذا الاسم في رأسي ورأيته ُ ثانية ًوثالثة ً ورابعة ً فعرفتُ إنـّه ُ لأُستاذة من ناحية السدة وتشغل وظيفة مـُدرِّسة

وإنَّ لها نتاجات كثيرة في مجال الشعر .. وتعرّفتْ عليها في حفل تكريم المبدعين من قبل وزارة الثقافة فكانت تتبختر بالشهادة التقديرية وبالدرع الذي حازته بجدارة واستحقاق و لم يتسن َ لي انْ اسألها..لإزدحام القاعة وضيق الوقت عن ابجديتها وعن اتجاهها في الشعر ..هل هو هواية ؟ أم موهبة ؟ أم احتراف ؟ أم مجرد تنفيس عمــّا يجول في خاطرها من احاسيس وافكار ورؤى وتطلعات .. لم تغالبني العجلة حتى تفاخرت ْ مكتبتي المتواضعة بإحتوائها نسخة من ديوانها (ضفاف ملونة) .. فبدأت ْ بقراءته ِ، نعم بقراءته ِ ودراسته ِ بإشتياق كإشتياق من يقرأ قصـّة أو رواية أو مقالة فكان اعجابي يزداد مــُقدِّرا ً موهبتها، وخاصة ً عندما تتجول عيني في قصائدها العمودية ذات الرصانة والحياكة الجميلة والترابط بين ابياتها وكأنها تتجول في غابة وتندهش من تنسيق اشجارها وهندستها .. أو تشعر وكأنك تتجول بين سطور رواية وتحاول جاهدا ً أنْ تصل الى النهاية .. ومما زاد من اعجابي وعجبي هو انني وجدت ُ نفسي امسك بالقلم وابدأ بتدوين بعض المقترحات الشخصية او الخاصة بي ربما لأني لااجيد النقد ولم امارسه ُ ..أو لأني لااتمكن من الغوص فيما يدور في خلدها أو تفكيرها أو مخيلتها عندما اندفعتْ لإنشاء هذه التحفة ..أو تلك الحقيقة المغلـّفة بموسيقى الشعر وانغام التفعيلات واوزانها .

بعد هذه المقدمة سوف ادخل في متاهات ديوانها (ضفاف ملونة) من العنوان حتى الغلاف الاخير الحاوي على سيرتها الذاتية سابحا ً ومــُفتــّشا ًوغائصا ً في سبيل الحصول على مايطفئ غليل الشوق الذي تثيره هذه الكلمات المنسابة انسياب النهر الهادئ الذي رسم لنا الضفاف الملونة .ولو إنَّ ضفاف انهارنا في واقع الحال ملوثة وغير ملونة ..بفضل جهود ماسكي ثروة العراق واصحاب الكراسي والحكم والسطوة .وهم يمتطون جيادا ًمن خشب وعيدانا ًمن قصب،وافكارا خاوية إلا ّ من كيف انهب ؟ ..وكيف اصبح مليونيرا في يوم وليلة ؟ واين اقضي عمري بعد نهاية الجولة .

باكورة انتاجها الادبي تشرّف بعنوان (ضفاف ملونة) ..الذي ألهمني ان اتمنى من الله والحكومة ان تصير ضفاف انهارنا ملونة تزهو بأشجارها المنسّقة وحدائقها الحاوية على كل وسائل الراحة والتسلية وبعث البهجة في النفوس لاملوثة كما هي الان .ديوانها يحتوي على تسع وخمسين قطعة اونفثة صدر في مقطوعة، أو ترنيمة، أو أنـّة ألم وحسرة، أو أمنية ورغبة، أو هدف يصبو اليه قلبها أو حسـّها أو تفكيرها .

وقفتْ أكثر ماوقفت ْ عند قصائدها العمودية إذ تمتاز بوحدة النص والهدف والترابط بين ابياتها ..عكس الشعر الحرعندها و النثر الذي تجده عبارة عن جمل او كلمات متنافرة او ملغومة او غامضة تحتاج الى شرح او تفسير ..كنت اتمنى لها ان تسلك طريق الشعر العمودي لأنها متمكنة فيه ومتميزة . والقدرة على بناء القصيدة ذات الحبكة ووحدة البناء والتفعيلة ولايهم تعدد القافية وتنوعها مادامت مترابطة مع ماقبلها ومابعدها كما في قصيدة ضفاف ملونة ص10 من الديوان وقصيدة مولاة قلبي ص84 من الديوان فتغيـّرتْ القافية وبقي الوزن والتفعيلة واحدة . واريد أنْ اقف مع قصيدة انت حلمي ص100 ابياتها تحاكي المخاطب، ولكن في الشطر الخامس تحاكي الغائب ( يامن وقوده من دمي )وفي المقطع الثاني تكرر المنهج نفسه . كنت اتمنى أنْ تكرِّر مقطع يامن وقوده من دمي مع تغيير كلمة (من) الى (في) فتصبح يامن وقوده في دمي وهذا اوقع في النفس واكثر وجعا ً.مع الاعتذار وتكون للقصيدة اشارة ضمنية وهي حب الوطن ...لي وقفة قد تكون طويلة مع بعض القصائد، ولكن التعب وعدم القابلية على التركيز والكتابة يجعلني مضطرا ً الى ذكر بعض ماتساعدني صحتي على طرحه ِبعد انْ يصفو الفكر كي لااقع فيما اخشاه واخافه، وفي نهاية ملاحظاتي امنياتي بالتوفيق وامنياتي ان ارى اسمك ِفي اكثر من صحيفة لأنه يستحق الإنتشار .واتمنى ان تتجهي الى الكتابة بأي موضوع أدبي وخاصة النقد والقصة والرواية والخاطرة والمذكرات اليومية .

 

مهدي الانباري

حياة ايليا اهرنبورغ الصاخبة بين باريس وموسكو

jawdat hoshyarتبوأ ايليا اهرنبورغ (1891 – 1967) مكانة بارزة وفريدة في الأدب الروسي، وفي الثقافة الأوروبية عموماً في القرن العشرين، لا يدانيه فيها أي كاتب روسي آخر، من المعاصرين له، فقد كان الكاتب الروسي، الأكثر شهرة في الغرب، طوال أكثر من نصف قرن من حياته الأبداعية الخصبة، أنتج خلالها أكثر من مائة كتاب في شتى أنواع الأدب، من رواية، وقصة، ونقد، وبحث، ولكنه يعد في المقام الأول، روائياً رفيع المستوى . ترجمت أعماله الى أهم اللغات الحية في العالم ومن بينها اللغة العربية . وكان له- كخالق للأشكال الأدبية الجديدة في الشعر، والرواية، وأدب المقال - تأثير واضح في كتّاب وروائيين وشعراء طليعيين من جيله والأجيال الروسية اللاحقة. ويعتقد بعض النقاد الروس، أن اهرنبوغ أسهم أكثر من أي أديب آخر في تشكيل الأدب الروسي المعاصر بصورته الحالية، وأنه لا يمكن فهم تأريخ هذا الأدب، ولا التأريخ السوفييتي عموماً من دون اهرنبورغ .

 

بداية المشوار – من السجن الى باريس

 ولد ايليا اهرنبورغ في كييف في27 كانون الثاني سنة1891، في عائلة روسية متنورة، من اصول يهودية، تنتمي الى الطبقة الوسطى، وبعد أربع سنوات، أنتقلت العائلة (الوالدان مع ايليا وشقيقاته الثلاث) الى موسكو، حيث عمل والده مديراً لأحد مصانع البيرة . أما أمه فقد كانت ربة بيت هادئة وحانية ولكن معلولة الصحة، سافرت الى ألمانيا عدة مرات للعلاج مستصحبة معها ابنها الوحيد.

 واجه ايليا الصعوبات في مقتبل العمر، حيث فصل من المدرسة الأعدادية واعتقل في ايارعام 1908، بسبب انتمائه الى الحزب البلشفي ونشاطه الثوري، بتأثير مباشر من صديقه (نيكولاي بوخارين) الذي كان يكبره بثلاث سنين . وبعد أن أمضى في السجن ستة أشهر، اطلق سراحه بكفالة والده، وغادر الى فرنسا - وليس الى ألمانيا، كما أرادت أمه - ولم يحضر الى المحكمة عند النظر في قضيته، في أواخر تلك السنة، واستقر في باريس . هنا عاش ابن السابعة عشرة، الرقيق الحالم في أجواء مدينة الحب والجمال والموجات الجديدة في الأدب والفن.

التقي اهرنبورغ في مقهى" روتوندا " في مونبارناس - الذي كان معظم رواده من الكتّاب والشعراء والفنانين والمهاجرين من جنسيات شتى، بينهم العشرات من اللاجئين السياسيين الروس - بفلاديمير لينين ، وزاره في بيته عدة مرات . ولكن سرعان ما خاب ظنه في البلاشفة، الذين وصفهم، في ما بعد، بأنهم كانوا حوالي اربعين مهاجرأ، ارتسمت على وجوههم الحزينة، علامات البؤس والملل والكسل.

كان بطبعه انسانا ساخراً، يتمتع بموهبة فريدة في التقاط المواقف العبثية سواء لدى الساسة او الثوار المهاجرين، أو من يلتقي بهم في باريس، وقد تجلت موهبته في المجلة الساخرة، التي اصدرها بعنوان " الناس السابقون " في نهاية عام 1909، والتي لم تدم طويلاً، ثمّ أصدر بعدها مجلة ساخرة أخرى بعنوان " الأسرة الهادئة " . كانت معظم صفحات المجلتين تتضمن كتابات وكاريكاتيرات، تتهكم على الجوانب السلبية للحياة فيما حوله .، مما أثار استياء لينين . وكان ذلك بمثابة القشة التي فصمت علاقة اهرنبورغ بالحزب البلشفي، خاصة بعد أن سمع من تروتسكي كلاماً أثار سخطه الشديد، عن توظيف الأدب والفن لخدمة اهداف سياسية، في حين ان الشاب الحالم، كان يعتقد، أن الثقافة أسمى من أن يستخدم لأي غرض كان . فالثقافة – كما كان يرى - هي التي تسمو بالأنسان وتقرّب بين البشر بصرف النظر، عن الجنس، والعرق، والدين، واللون، وهي جسر حقيقي للتقريب بين الشعوب . وقد ظل طوال عمره متمسكاً بهذا الرأي وواجه جراء ذلك في بلده خلال السنوات اللاحقة الكثير من المصاعب والمحن .

أصبحت باريس مدينته المفضلة، وعاش في الحي اللاتيني، وتعرف في مقهى " روتوندا " على العديد من المبدعين الشباب، أصدقاء العمر، الثائرين على الأساليب التقليدية في الأدب والفن، الذين أصبحوا، في ما بعد من أهم كتاب وشعراء وفناني القرن العشرين (غيوم أبولينير، ماكس جالوب، أندريه موروا، بيكاسو، موديلياني، ليجيه، ريفيرا، مارك شاغال، وغيرهم) .

كان حياة اهرنبورغ في باريس بائسة وشاقة مادياً، وثرية فكرياً وروحياً . كان مفلساً وجائعاً في أغلب الأحيان، يقرأ كثيراً، ويزور المعارض والورش الفنية لأصدقائه الفنانين، ويكتب الشعرالعاطفي والفلسفي، في أجواء "روتوندا " البوهيمية الصاخبة، حيث يجلس لساعات طوال، الى أن تأتي شاعرة فرنسية ناشئة، كان يترجم شعرها الى اللغة الروسية، لتدفع ثمن كوب القهوة التي شربها . وعندما يستلم مبلغاً من المال، الذي كان والده يرسله، بين حين وآخر، يصرفه على الفور مع أصدقائه المفلسين والجائعين مثله .ويقول عن هذه الفترة من حباته: " كانت رائحة الطعام، المنبعثة من المطاعم الباريسية – التي كنت أمر أمامها – تصيبني بالدوار ".

وفي عام 1911 أصدر ديوانه الشعري الأول تحت عنوان " أنا أعيش ". وكان ينشر بمعدل ديوان واحد كل عام . ولعل أهم ديوان أصدره في هذه الفترة، هو " قصائد عن العشايا "، في عام 1916 ، الذي لفت اليه الأنظار، وأشاد به كبار الشعراء الروس (بريوسوف، غوميلوف، غوروديتسكي) وكان له صدى واسع في الصحافة الأدبية الروسية . كانت قصائد اهرنبورغ نوعا جديدا من الشعر الحر، قلده عدد من الشعراء الشباب من جيله. وكتب الشاعر الروسي الكبير الكساندر بلوك مقالاً تحت عنوان " الروسي المدهش " يقول فيه عن شعر اهرنبورغ أنه أصبح موضة . وكان في الوقت ذاته، يكتب مقالات هجائية لاذعة يسخر فيها من البلاشفة ومن النظام الرأسمالي في آن، ويترجم الى الروسية قصائد الشعراء الفرنسيين الشباب بينهم صديقه، غيوم أبولينير (1880 ـ 1918) .وقد جمع اهرنبورغ هذه الترجمات في انطولوجيا الشعر الفرنسي، الذي أصدره في باريس عام 1914 تحت عنوان " شعراء فرنسا بين عامي 1870 –1913" وضمت هذه الأنطولوجيا (74) قصيدة لـ (29) شاعراً، من مالارمي الى دورسينيوس .

خلال الحرب العالمية الأولي ، عمل مراسلاً حربياً في الجبهة الفرنسية – الألمانية لعدة صحف روسية، واسعة الأنتشار، وسافر الى الجبهة الغربية وشهد، سفك الدماء والموت والقسوة غير المبررة، واستخدام الغاز السام لأول مرة في تأريخ الحروب . وادرك أن الحرب تعد مصدراً لمآسي وويلات جماعية، وظهرتأثير هذه الحرب الدموية، في ما بعد في نتاجاته .

 

العودة الى روسيا:

بعد ثورة شباط 1917، التي سبقت ثورة اكتوبر، صدر عفو عام عن السجناء السياسيين والمهاجرين، وعاد اهرنبورغ الى روسيا في يوليو من السنة ذاتها . وكان الوضع معقداً للغاية، والأحداث تتلاحق بسرعة، وقدر له أن يكون شاهداً على أندلاع ثورة اكتوبر 1917البلشفية، التي استقبلها بأمتعاض شديد، ووصفها بأنها (كارثة بالنسبة الى روسيا)، وانعكس ذلك في مجموعته الشعرية " الصلاة لروسيا " التي اعتبرتها السلطة السوفيتية معادية للثورة، خاصة أنه نشر في الوقت ذاته، مقالات، ينتقد فيها بشدة النظام البلشفي والعنف المفرط المستخدم ضد شرائح واسعة من المجتمع الروسي، و ضد الأنتلجنسيا الروسية على وجه التحديد، مما أرغم عدداً غفيراً من العلماء والمفكرين والفلاسفة والكتاب والشعراء والفنانين الروس اللجوء الى الدول الغربية وبعضهم الى تركيا ..

حاول اهرنبورغ العودة الى باريس ولكنه أخفق في الحصول على جواز سفر سوفييتي يسمح له بمغادرة البلاد، حيث كان البلاشفة قد منعوا السفر الى خارج روسيا، الا للأغراض الرسمية .

وفي عام 1918 سافر الى مدينة (بولتافا) حيث كانت أمه تحتضر . وبعد وفاتها استقر في مدينة كييف، مسقط رأسه. وكان الوضع الأمني قلقاً في المدينة، التي كانت تنتقل من يد الى يد، في الحرب الأهلية الضروس بين الجانبين المتحاربين (البلشفيك والبيض).

 وفي عام 1919 استولى البلشفيك على المدينة ولكن ذلك لم يدم طويلاً، حيث وقعت بعد فترة وجيزة، تحت سيطرة القوات البولونية، ورافق كل ذلك قتل عدد كبير من اليهود ونهب وسلب ممتلكاتهم، على أيدي المحتلين، وكتب أهرنبورغ مقالاً في جريدة (كيفسكايا جيزن) أي (حياة كييف) يقول فيه: " لو كان الدم يشفي، لكانت روسيا اليوم دولة مزدهرة، ولكن الدم لا يعالج ولا يشفي، بل يشحن الحياة بالغضب والشقاق ." 

تزوج اهرنبورغ في كييف فنانة تشكيلية موهوبة اسمها (لوبوف كوزنيتسيفا)، التي أثر ابداعها الفني كثيراً في ذائقته الجمالية . وفي عام 1920 رحل مع زوجته الى موسكو عن طريق شبه جزيرة القرم، وكان السفر في ظروف الحرب الأهلية محفوفاً بالمخاطر، وبعد وصولهما، عانيا من صعوبات معيشية جمة . وواصل اهرنبورغ نقده اللاذع للبلاشفة، وضاقت السلطات ذرعاً به، حيث اعتقل مرة أخرى، بعد بضعة أشهر من عودته الى موسكو، ولم ينقذه من السجن والنفي الى أصقاع سيبيريا، سوى زميله في المدرسة الأعدادية وصديقه " بوخارين" الذي كان قد أصبح أحد القادة البارزين في النظام الجديد، وأوسعهم علماً وثقافة، ونشر بعد الثورة عدة مؤلفات قيمة في الأقتصاد .(تم اعدام بوخارين من قبل ستالين بتهم مفبركة بعد محاكمة صورية عام 1938)  

في عام 1921 تمكن اهرنبورغ، بشق الأنفس وبمساعدة (بوخارين) من الحصول على جواز سفر والعودة الى أوروبا، بشكل شرعي هذه المرة . عاش في البداية في فرنسا وبلجيكا، ثم انتقل الى برلين - التي هاجر اليها عدد كبير من المثقفين الروس - وأقام فيها لمدة ثلاث سنوات حافلة بالنشاط الأبداعي، أصدر خلالها كتاب " وجه الحرب " (مقالات عن الحرب العالمية الأولى)، ثم روايته الأولى الرائعة " المغامرات غير العادية لخوليو خورينيتو وتلاميذه " التي نشرت في برلين عام 1922, وفي موسكو عام 1923, وكتب بوخارين مقدمة جميلة للرواية . ويرى مؤرخو الأدب الروسي الحديث، ان هذه الرواية الطليعية الفلسفية الساخرة، هي خير ما كتبه اهرنبورغ من روايات، و احدى أفضل الروايات الروسية في الربع الأول من القرن العشرين .أنها حقاً رواية مدهشة من حيث المضمون والبناء والأسلوب، لأديب حر في عالم غير حر، حيث يسخر فيها الكاتب من النظم التي كانت قائمة في أوروبا آنذاك، وبخاصة من النظام البلشفي .وعندما نقرأ هذه الرواية سنفهم ماذا يعني أن يكون الأنسان حراً .! .

ومن الملفت للنظر ان الكاتب وصف لينين في هذه الرواية بأقذع الأوصاف وأقساها، ومع ذلك فأن لينين عندما قرأ الرواية أعجبته للغاية – كما كتبت زوجته (كروبسكايا) في مذكراتها - وقال لها: أتذكرين ذلك الشاب الأشعث ؟

 

ظهور رواية " خوليو خورينيتو " أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية الروسية . بعض النقاد أتهم المؤلف بالعدمية وبعضهم الآخر بالتشاؤم . اهرنبورغ نفسه أعتبر الرواية، بدايةً لمسيرته ككاتب، وكتب في مذكراته يقول: " منذ ذلك الحين اصبحت كاتباً، وألفت حوالي مائة كتاب في شتى الأجناس الأدبية (روايات، دراسات، مقالات، ووصف رحلات، وغيرها . هذه الكتب مختلفة من حيث النوع (الجنس) الأدبي . لقد تغيرت أنا وتغير الزمن أيضاً . . ومع ذلك أجد شيئاً مشتركاً بين " خوليو خورينيتو " وبين آخر كتبي . لقد حاولت منذ مدة طويلة أن أمزج العدالة والشعر من دون أن أعزل نفسي عن العصر . حاولت فهم الطريق الكبير لشعبي، والدفاع عن حق كل انسان في شيء من السعادة . " 

قدّم اهرنبورغ في " خوليو خورينيتو " صورة فسيفسائية ممتعة ومشوقة للحياة في أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى وفي روسيا البلشفية، ولكن الأهم من ذلك – عرض مجموعة مذهلة من التنبؤات المستقبلية الدقيقة، التي تحققت في العقود التالية لصدور الرواية، ومن هذه التنبؤات، وصول النازيين الى السلطة في ألمانيا، والفاشيين في ايطاليا، واختراع القنبلة الذرية .

 لم تكن تلك التنبؤات مجرد مصادفات – بل كان ثمة عقل جبار وادراك سريع للظواهر الجديدة في أوروبا، اللذان سمحا للكاتب الشاب، التقاط الملامح الأساسية لشعوب بأكملها وتوقع مسارات تطورها اللاحق، خلال العقود اللاحقة .

وتجدر الأشارة الى ما حدث في أثناء احدى ندوات الكاتب مع القراء في موسكو، حيث حاول صحفي ياباني، ان يعرف من اين حصل هرنبورغ في عام 1921 (زمن كتابة الرواية) على معلومات حول القصف الذري القادم لهيروشيما وناغازاكي؟ .

 

كتب اهرنبورغ ذات مرة يقول: " ما أن يقول الكاتب شيئاً قبل حدوثه بخمسين عاماً أو بيوم واحد ، قبل أن يصبح حقيقة معروفة للجميع، حتى ينهال عليه الأنتقادات . ان الكتّاب الذين يرددون بعناية بديهيات معروفة، ليسوا سوى طفيليات عادية."

وقال أيضاً: " أن ترى الحقيقة قبل الآخرين، أمر مفرح، حتى لو تعرضت الى اللوم . وليس ثمة ما هو أسهل من ارتكاب الخطأ مع الآخرين ."

واصل اهرنبورغ خلق روايات جديدة بموازاة عمله الصحفي مراسلاً لجريدة (ازفستيا) السوفيتية، حيث أصدر في عام 1923 رواية " حياة وموت نيكولاي كوربوف " . بطل الرواية يفقد فرديته، ويتحول الى برغي صغير في الماكنة الثورية، وينهي حياته بالأنتحار، بعد صراع نفسي طويل، بين اخلاصه الرومانسي للمرأة الحبيبة وبين المهمات القاسية المكلف بها من قبل المخابرات السوفيتية . وعلى هذا النحو أسهم اهرنبورغ في التشريح الفني للنظام الشمولي البلشفي، على غرار الكاتب الروسي " يفغيني زامياتين " في روايته " نحن "

في عام 1924 زار اهرنبورغ الأتحاد السوفييتي، حيث ألقى محاضرات عن الثقافة الأوروبية . وفي العام نفسه غادر الى باريس، التي أصبحت، في واقع الأمر، مكان اقامته الدائمة الى عام 1940 . وخلال هذه الفترة كان يزور موسكو بين حين وآخر، محتفظاً بالجنسية السوفيتية .ربما كانت هذه السنوات من أخصب مراحل حياته، اصدر خلالها العديد من الروايات والمجاميع القصصية والدراسات، منها رواية " مجموعة شركات اي دي " التي كان لها صدى كبير. ثم روايات " صيف عام 1925 " و " ممر التدفق " و" اليوم الثاني " و" الحياة العاصفة للازيك رويتشفارتنز " و " قصة حب جين ناي " و " الأنتهازي "، ومجموعة قصصية تحت عنوان " ثلاثة عشر غليونا " وهي مجموعة " نوفيلا " أي القصة الطويلة القصيرة حسب المصطلح العربي، وهي، تدهش القاريء، بسعة نطاقها وتشابك المصائر البشرية فيها وفهم التأريخ والطبيعة البشرية، كما اصدر في الفترة ذاتها مجموعة مقالات عن الفن تحت عنوان " ومع ذلك فأنها تدور" . وكتاباً تأريخياً تحت عنوان " مؤامرة المتساوين " المكرس للمؤامرة التي تزعمها الشيوعي الطوبائي (غراكخ بابيف 1760 - 1797) في فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر .

وكما فعل غوركي عندما كان يقيم في أوروبا، بذل اهرنبورغ جهودا كبيرة لنشر هذه الكتب في روسيا، حيث جمهوره الواسع من القراء، وأفلح في ذلك أحياناً بفضل جهود " بوخارين "، وفي الوقت ذاته، تم نشر معظمها في أوروبا أيضاً مترجمة الى اللغات الفرنسية والألمانية والأنجليزية. وحسب علمي، لم تترجم، هذه النتاجات الى اللغة العربية لحد الآن .

 

موقف اهرنبورغ من معاداة السامية

 في العديد من نتاجاته ثمة اشارات الى أصله اليهودي، رغم جهله للغة العبرية وعدائه الواضح للصهيونية، كشكل من اشكال العنصرية . ففي عام 1927 نشر مقالاً تحت عنوان " ملعقة من القطران " لفت انتباه القراء والنقاد، أشاد فيه بالتشاؤم كأهم محرك للتطور الثقافي في المجتمع اليهودي، الحامل على الدوام روح الشك والبحث، وهذا هو السبب الرئيس لأسهام اليهود العظيم في الثقافة العالمية .

كان اليهود أبطال روايتيه " ممر التدفق " و " الحياة العاصفة للازيك رويشفانيتس " ومن اللافت للنظر ان تنقل " لازيك " في اراضي الأتحاد السوفييتي، كانت تلك الخلفية، التي سمحت للكاتب، استخدام قلمه الهجائي اللاذع، للسخرية من النظام البلشفي، وكل من يمثل هذا النظام بشتى أصنافهم - البيروقراطيون، ومنتسبي القضاء، الذين مارسوا الأضطهاد بحق الأبرياء من اجل مصالحهم الشخصية، وأخيراً الكتّاب والنقاد، المنافقين، المهتمين بسلامتهم الشخصية والحصول على فتات الموائد .

 

احساس مبكر بالخطر النازي الداهم:

في أوائل الثلاثينات، راقب اهرنبورغ بقلق عميق، كيف يتوثب الفاشست الألمان للقفزالى السلطة، وكيف تتراجع الأحزاب الديمقراطية أمام ضغطهم الشديد، وكيف يقع الشعب الألماني العظيم – الذي منح العالم روائع الثقافة والفكر والفلسفة والموسيقى والأنجازات التكنولوجية، التي اسهمت في تقدم البشرية – على نحو متزايد، تحت رحمة قوى الظلام والهمجية، ومعاداة السامية .

وأحس، قبل غيره، بخطر النازية الداهم , وكان أمامه خياران احلاهما مر: اما البقاء في باريس في ظل مستقبل مجهول محفوف بالمخاطر، أوالرجوع الى الوطن. لم يدم تردده طويلاً، خاصة أن نظام ستالين لم يكن قد كشر عن أنيابه ولم يكشف عن طبيعته الدموية بعد . وكان الكاتب كدأبه، يتطلع نحوالمستقبل، الذي يبذل الشعب الروسي العرق والدماء في سبيل بنائه، مضحياً بمباهج الحياة . 

زار اهرنبورغ موسكوفي اواخرعام 1931، وقام في صيف وخريف عام 1932 بجولة في ارجاء روسيا، زار خلالها مواقع المشاريع الأنشائية والصناعية العملاقة في مدن كوزنيتسك، وسفردلوفسك، ونوفوسيبيرسك، وتومسك ومنها مشروع بناء الطريق السريع موسكو – دونباس .ورأى كيف ان الشعب الروسي الكادح يتحمل عبء الحياة ومتاعبها، ويضحي بكل شيء، بما يفوق طاقة البشر، في سبيل بناء المستقبل الجديد الموعود .

صوّراهرنبورغ كل ذلك في رواية " اليوم الثاني " التي كتبها خلال عامي 1933، 1934. وفي الفترة نفسها انشغل بتأليف عدة كتب غير روائية، عن الحياة الجديدة للشعب الكادح: " خبزنا اليومي " و" دون التقاط الأنفاس " و" كتاب للبالغين " .

 

أسلوب اهرنبورغ البرقي: 

ربما كان اهرنبورغ أول من استخدم الأسلوب البرقي في الكتابة، وتجلى ذلك بكل وضوح في رواياته ومقالاته، خصوصاً في كتابيه " خبزنا اليومي " 1932 و " باريس مدينتي " 1935 . هذا الأسلوب الجديد تعرض الى نقد شديد في الصحافة السوفيتية، لأنه يتناقض مع اساليب الكتاب الكلاسيكيين الروس، الذين اعتادوا على استخدام الفقرات الطويلة للتعبيرعن فكرة ما، والتي تظل مع ذلك غير واضحة للقاريء . الفكرة الذكية، لا ينبغي تغليفه بغطاء سميك من الفقرات، لأن ذلك يربك القاريء، والفكرة تبدو تقريبية وغير دقيقة، في حين ان الأسلوب البرقي، والجمل القصيرة الفعالة، التي تعبر عن فكرة واضحة بكل دقة، أكثر تأثيراً في القاريء .

أخذ عدد من الكتاب الروس الشباب يقلدون الأسلوب البرقي . خاصة بعد اطلاعهم على هذا الأسلوب لدى كتاب غربيين ايضاً وفي مقدمتهم ارنست همنغواي .  

اما كتاب " باريس مدينتي " فأنه فريد في نوعه، و يتألف من صور باريسية بارعة التقطها اهرنبورغ بكاميرته الشخصية، دون أن يحس به أحد، . ويصاحب كل صورة، نص ذكي، بالأسلوب البرقي ذاته . المزج بين الصورة والنص، كشف عن المبدأ الرئيس للمؤلف في هذا الكتاب: كل الصور جانبية، ولم يكن أحد من الذين ظهروا في الصور، يعلم أن العدسة موجهة نحوه . وهذا الأسلوب في التصوير، يعرف في ايامنا هذه بالكاميرا الخفية ..

 

أما " خبزنا اليومي " فأنه مبني على مبدأ مماثل . ويعتمد على الحقائق والوقائع، منها مثلاً - كما يقول المؤلف – " ان في الغرب الغارق في النعم والرفاهية ثمة أناس يموتون من الجوع.".

 

اهرنبورغ في اسبانيا:

 كان اهرنبورغ، أحد أنشط منظمي القطار الأممي المتوجه الى اسبانيا والذي حمل عدداً كبيراً من أشهر كتّاب وشعراء وفناني وصحفي العالم بينهم (أندريه مالرو، وجورج أورويل، هيمنغواي، وبابلو نيرودا، وغيرهم .) وذلك للألتحاق بالجمهوريين ومقاتلة قوات فرانكو الفاشية بالبندقية والقلم في آن واحد .

ومن اسبانيا أرسل اهرنبورغ تقارير وريبورتاجات وحوارات ومقالات صحفية، تتحدث عن بطولات المقاتلين الوطنيين، ومآسي الحرب الأهلية، وتعد – حتى اليوم - نماذج رفيعة المستوى للفن الصحفي، بجدة مضامينها، وعمق أفكارها وجمال لغتها، والأهم من ذلك بحرارتها العاطفية المشبوبة، وقد جمعت هذه المواد في وقت لاحقً في عدة كتب منها " تأشيرة الزمن ". ويقول ناقد روسي ان لا أحد يكتب اليوم على غرار اهرنبورغ، لأنه لا أحد يمكن أن يصل الى مستواه .

  وبموازاة عمله الصحفي كتب في عام 1937 مجموعة قصص قصيرة بعنوان " خارج الهدنة " ورواية " ما الذي يحتاجه الأنسان "الذي ترجم الى العربية تحت عنوان " اذا أردت أن تعيش "..

 بعد هزيمة الجمهوريين في الحرب الأهلية الأسبانية، انتقل اهرنبورغ الى باريس، وشهد الأحتلال الألماني لفرنسا في عام 1940 . وكاد أن يقع في ايدي الجستابو الألماني، فقد كان كاتباً وصحفيا معروفاً، شجب في تقاريره الصحفية، النظام الفاشي بشتى صوره (الأسبانية والألمانية والأيطالية)، ولكنه استطاع الأفلات واللجؤ الى السفارة السوفيتية في باريس والأختباء فيها. ويقول أهرنبورغ، عن الأيام الأولى للحرب، أنه كان يعمل لساعات طويلة، اكثر من أي وقت مضى، حيث كان يكتب ثلاث أوأربع مقالات في اليوم الواحد للصحف السوفيتية، وبعد عدة اسابيع من اختبائه، استطاع بمساعدة السفارة العودة الى بلاده.

 كان سقوط باريس كارثة شخصية حقيقية لأهرنبورغ، باريس المدينة الرائعة، التي احبها بعمق وقضى فيها أفضل سنوات عمره، مدينة السحر والجمال والفنون والآداب والفكر والعلم تقع تحت أقدام الفاشست ! يا لها من مأساة مروعة !. وفور عودته الى موسكو شرع بكتابة رواية عظيمة تحت عنوان (سقوط باريس)، التي صدرت عام 1942 . وتصدرت على الفور قائمة الكتب الأكثر رواجاً في بلدان التحالف المناهض للنازية، وسرعان ما ترجمت الى اللغة الأنجليزية في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، والى الفرنسية في موسكو وباريس والعديد من اللغات الأوروبية والآسيوية، بضمنها اللغة العربية .

في عام 1944 عندما زار الجنرال ديغول موسكو، التقي اهرنبورغ وأنعم عليه بوسام جوقة الشرف .

 

من المعارضة الى تأييد الجوانب الأيجابية للحياة السوفيتية

 منذ أوائل الثلاثينت ظهرت بوادر تأييد أهرنبورغ للجوانب الأيجابية من الحياة السوفيتية، وتعززت هذه البوادر في السنوات اللاحقة، ولكن دون التضحية بأستقلالية الكاتب الروحية – السياسية، ودون اللجؤ الى كيل المديح للنظام أو لستالين شخصياً، كما كان يفعل معظم الكتّاب السوفيت .اهرنبورغ ركز على مناحي الحياة المثيرة لأهتمامه وتجاهل المناحي الأخرى عن عمد، لكي لا يصطدم بالنظام الأستبدادي والذي يؤدي حتما، ليس فقط الى منعه من النشر، بل حتى تصفيته جسديا، كما حدث لأصدقائه من رجال الدولة والكتاب والشعراء الفنانين الروس الكبار (بوخارين، بابل، ماندلشتام، ايزنشتين، وغيرهم) .

ورغم حذره الشديد، فأنه اصطدم أكثر من مرة بالرقابة الحكومية المتمثلة ليس فقط، في الرقباء الرسمين على النشر، بل برؤساء تحرير الصحف ودور النشر، والأهم من ذلك بالقسم الأيديولوجي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي . وكان في كل مرة يعتقد أن نهايته قد قربت وان (زائر الفجر) سيدق باب منزله قريباً، ويصادر كل ما هو موجود في مكتبه من نتاجاته غير المنشورة وأرشيفه الثري، واللوحات الفنية الرائعة، المهداة اليه من أصدقائه الفنانين (بيكاسو، شاغال، مودلياني، ليجيه، وريفيرا، وآخرين . وانه سيرمي في زنزانة مظلمة وخانقة، ويقوم الجلادون، بأنتزاع الأعترافات منه بالتعذيب الوحشي، الذي تفننت فيه المخابرات السوفيتية . ولم يكن يهمه سلامته الشخصية بقدر ما كان يخشى عار الأعترافات المفبركة والكاذبة، التي ستنتزع منه، كما حدث مع أصدقائه .

 الحياة علمت اهرنبورغ أن يكون دبلوماسياً مراوغا ، وكان في كل مرة يصطدم فيها بأيديولوجي الحزب وممثلي السلطة، يلجأ الى المخاطرة بحياته وكتابة رسالة خطية الى ستالين نفسه، يشرح فيها موقفه، و كان يعرف نفسية الطاغية ستالين، أكثر من علماء النفس، ويعرف كيف يقنعه برأيه، ويكسبه الى جانبه . ومن يقرأ هذه الرسائل، لا بد أن يدهش لجرأة هذا الأنسان الحر ومخاطرته بحياته اكثر من مرة . وينبغي القول هنا أن كل رسالة من هذه الرسالة قطعة من الأدب السياسي الرفيع، حيث كان أهرنبورغ يشير الى اخطاء بعض ممثلي الحزب والسلطة وتداعياتها السلبية ويقترح البدائل للمضي قدماً في بناء ما يتطلع اليه الشعب الروسي . لقد أصبحت رسائله الى ستالين مادة دسمة للباحثين ومؤرخي الأدب الروسي الحديث .

بعد تفكك الأتحاد السوفييتي، عاد من بقي على قيد الحياة من النقاد الذين كانوا يعتاشون على فتات موائد الستالينية، الى نشر سمومهم، ولكن هذه المرة ليس اتهام اهرنبورغ بمخالفة تعاليم ستالين و الواقعية الأشتراكية، بل ألحوا في التساؤل: كيف بقي أهرنبورغ على قيد الحياة ولم يقم ستالين بتصفيته كما فعل مع العديد من زملاءه وأصدقاءه من الكتاب والشعراء والمسرحيين ؟

أعتقد أن اهرنبورغ نجا بأعجوبة من مقصلة ستالين، لأن الطاغية كان بحاجة اليه، كممثل للأدب السوفييتي في الغرب، وعلاقاته الواسعة مع الأنتلجنسيا الأوروبية .

 

 أما اهرنبورغ نفسه فأنه كتب في ختام مذكراته يقول:

 " اريد أن أقول مرة أخرى للقراء الشباب، أنه لا يمكن شطب الماضي . خلال ربع قرن من تأريخنا حوّل شعبنا روسيا المتخلفة الى دولة حديثة قوية . ولكن مهما كان فرحتنا بنجاحاتنا ومهما أثارت القوة الروحية لشعبنا الموهوب اعجابنا، ومهما كان تقييمنا لعقل وارادة ستالين، لم نتمكن من العيش في وئام مع ضمائرنا وحاولنا عبثاً عدم التفكير في أشياء كثيرة ."

 

مقالات أقوى تأثيراً من البنادق

 مع بداية الهجوم الألماني على الأتحاد السوفييتي في 21 حزيران 1941، أخذ يكتب المقالات النارية من جبهات القتال ضد الفاشستية الهتلرية، للصحف والأذاعات السوفيتية ، مقالات تلهب حماس المقاتلين والتي وصفها أحد قادة الجيش الأحمر، بأنها كانت أكثر فعالية من البندقية الآلية . وكان الضباط يقرأون كل مقالة جديدة للكاتب لجنودهم قبيل خوض المعارك .

ومن الطريف أن الجنود السوفييت، الذين لم تكن السكائر متوفرة لديهم، كانوا يلجأون الى تدخين اللف المصنوع من أوراق الجرائد .وقد أصدرت قيادة احدى الفرق العسكرية أمرأ موجها الى منتسبيها تقول فيه، أنه يسمح بتدخين اللف المصنوع من ورق الجرائد ماعدا تلك، التي تحتوي على مقالات أهرنبورغ . ويعلق الكاتب السوفييتي الشهير قسطنطين سيمونوف على هذا الأمر قائلاً: " هذا أقصروأفضل تقييم سمعته في حياتي، والذي يغمر قلب أي كاتب بالفرحة ". .

في سنوات الحرب كان اهرنبورغ غالباً ما يلقي المحاضرات على المراسلين الحربيين الجدد . وقال في محاضرة له: " يا زملائي الجدد، تذكروا، ليس بوسع أي شخص أن يصبح صحفيا . كما ان سنوات من المثابرة لا تجعلك صحفيا، اذا لم تكن لديك الموهبة والأحتراق الروحي الداخلي، ولم تعشق هذه المهنة الرائعة، الأكثر تعقيدا، وشمولاً .. جامعاتي لا تتعدى ست سنوات في الأعدادية والناس، والكتب، والمدن، والبلدان، والجبهات، والطرق، والقطارات، والبواخر، والدراجات، والكراسي، والمتاحف، والمسارح، ، حياة النباتات , والسينما . ستعودون الى وحداتكم العسكرية قريباً، وسيبدأ عملكم في الصحافة الجبهوية . اعلموا انكم ستعانون من ضيق الوقت دائماً، ولكن قبل اعطاء أي مادة للنشر، سواء كانت - مقالة، أو حواراً، أو قصة ، أو معلومات - الى يد رئيس التحرير المجهد، أقرأوا المادة بعناية مرة أخرى، وفكروا، هل سينشرها ويقدمها، كمشروب منعش، الى الجنود المرابطين في الخنادق. تجنبوا في نتاجاتكم الشعارات الصارخة غير المبررة –كل شعار ينطوي على مناشدة، ينبغي ان يصاغ دائما في قالب أدبي وبشكل مركز ووجداني.

 

كان اهرنبورغ غزير الأنتاج ويكتب يوميا أكثر من مقال مؤثر ومشحون بالعواطف الجياشة ، وهي بمجملها تبلغ أكثر من 1500 مقال، يفضح فيها الجرائم البشعة التي ارتكبتها قوات هتلر في الأراضي السوفيتية المحتلة، ولعل أشهر هذه المقالات هي سلسة (فريتس) اللاذعة، التي يسخر فيها من الجنود النازيين . وقد أصدر هتلر أمراً حربيا موجها الى جيشه يأمر فيها بأعدام أهرنبورغ، فور القاء القبلض عليه بعد (احتلال) موسكو . ولكن موسكو صمدت، ولم تتمكن القوات الهتلرية من دخولها. وقبل بضع سنوات صدرت هذه المقالات في ثلاثة مجلدات .وهي لم تفقد اهميتها حتى اليوم

في السنوات التي اعقبت الحرب العالمية الثانية نشرروايتان، هما " العاصفة " (1946) و" الموجة التاسعة " (1950) اللتان أثارتا جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية السوفيتية، وتزامن صدور الرواية الثانية مع بدأ حملة ستالين الدموية ضد "الكوسموبوليتية " التي ذهب ضحيتها عدد كبير من خيرة الكتاب والشعراءالروس . شظايا هذه الحملة كادت أن تودي بحياة أهرنبورغ، حيث قام عدد من النقاد الأنتهازيين، بما زعم أنه " فضح "لمحتوى أدب اهرنبورغ المودرنزمي، وأعادوا الى الأذهان رواياته القديمة الحداثوية ومنها على وجه الخصوص " قصة حب جين ناي " و " حياة لزيك رويتشفانتس الصاخبة " و كتابه عن الرمزيين والمستقبليين الروس " صور الشعراء الروس " و" بيان للدفاع عن البنائية في الفن " .

 

محاكمة أدبية:

في الأجتماع الشائن، الذي عقد في مقر اتحاد الكتّاب السوفييت عام 1949، لأدانة اهرنبورغ، شن عدد من كتّاب السلطة هجوماً عنيفا على الكاتب وأنحوا عليه باللائمة في كل شيء، ووصل الأمر حتى الى شجب مقالاته المناهضة للفاشست .

 قام أولئك الكتّاب، بأستجواب أهرنبورغ، بطريقة أشبه بالمحاكمة . ونحن ننقل هنا محضر ذلك الأجتماع - الذي تم كشف النقاب عنه في زمن البريسترويكا وبعد سنوات طويلة من وفاة اهرنبورغ . وثيقة قاسية من العهد السوفييتي القريب، حينما كانت المدارس السوفيتية تعلم تلامذتها أن يكتبوا في دفاترهم بخط كبير: " نحن لسنا عبيداً، نحن لسنا عبيداً " .

لم يكن من السهل تلقي ضربات المصير في ظل نظام شمولي، وكان على الكتاب الأحرار أن يكونوا بصلابة الفولاذ، لكي يتمكنوا من تجاوز المحن، ومن كان يمتلك مثل هذه الصلابة هم وحدهم ، الذين لم يخونوا ضمائرهم وحافظوا على كرامتهم الأنسانية، وهم يخاطرون بحياتهم . وكان بين هؤلاء أو بتعبير أدق في مقدمة هؤلاء الكاتب الأنساني ايليا اهرنبورغ . هذا المحضر مادة نفسية مثيرة . ويحمل عنوان:" النظر في النشاط الأدبي للكاتب غير الحزبي، ايليا غريغورييفيج أهرنبورغ "

 

نص المحضر 

 سيتحدث في الأجتماع كل من سوفرونوف، غريباتشيف، سوروف، كوجيفنيكوف، والناقد يرميلوف .

 أناتولي سوفوروف: " أقترح فصل الرفيق أهرنبورغ من اتحاد الكتاب السوفييت بسبب النزعة الكوسموبوليتية في نتاجاته . " .

نيكولاي غريباتشيف: " أيها الرفاق، هنا، قيل الكثير عن اهرنبورغ، ككاتب بارز، خلال الحرب الوطنية (يقصد الحرب العالمية الثانية) وكتب مقالات مطلوبة وضرورية للجبهة الداخلية ولجبهات القتال . ولكن في روايته، المتعددة الأوجه " العاصفة "، دفن ليس فقط البطل الرئيسي للرواية، ¬بل ايضاً كل الأبطال الأيجابين الروس من شخوص الرواية.

الكاتب اعطى الأفضلية على نحو متعمد للفرنسي مادو . ويستنتج القاريء على نحو عفوي: دع الناس الروس يموتون، والفرنسيون يستمتعون بالحياة.

انني أؤيد الرفيقين سوفوروف و يرميلوف، ان المواطن اهرنبورغ الذي يحتقر كل ما هو روسي، لا يمكن ان يكون له مكان في صفوف " مهندسي الروح البشرية " هكذا علمنا معلمنا الحكيم جوزيف فيساريونوفيج ستالين .".

ميخائيل شولوخوف: " اهرنبورغ – يهودي ! الشعب الروسي غريب عنه روحياً، ولا يهمه اطلاقا، هموم الشعب الروسي وتطلعاته . وهو لا يحب ولم يحب روسيا قط . الغرب الموبؤ، الغارق في القيء، أقرب اليه . انا اعتبر ان اهرنبورغ لا يستحق المديح الذي اغدق عليه لمقالاته في زمن الحرب . الأدب الروسي المقاتل، ليس بحاجة الى هذه الحشائش الضارة، بالمعنى الحقيقي لهذه لهذه الكلمة ."

 ايليا غريغوريفيج اهرنبورغ: " أنتم للتو – بحدة وقحة، لا يقدر عليها، سوى اناس حاسدون -حكمتم بالموت ليس على روايتي " العاصفة " فقط، ولكن حاولتم أن تمرغوا بالوحل، كل نتاجاتي الأبداعية دفعة واحدة..

 ذات مرة في سيفاستوبول جاءني ضابط روسي، وقال لي لماذا اليهود هم هكذا أذكياء؟، على سبيل المثال كان (ليفيتان) قبل الحرب يرسم المناظر الطبيعية، ويبيعها للمتاحف ولهواة الفن التشكيلي لقاء مبالغ كبيرة، ولكنه في أيام الحرب بدلا من أن يلتحق بالجبهة، عمل مذيعاً في اذاعة موسكو . وعلى خطى الضابط الشوفييني الجاهل يسير أكاديمي شبه جاهل ومتحذلق . ومما لا شك فيه أن أي قاريء، له الحق أن يتقبل أو يرفض أي كتاب .اسمحوا لي أن أن اقدم تعليقات

بعض القراء على تلك الرواية . وأنا أتحدث عن ذلك، ليس من أجل استمالتكم للعفو عني، بل

من أجل أن اعلّمكم، أن لا ترموا في وجوه الناس كومة اوساخ . اليكم مقتطف من رسالة المعلمة نيكولايفسكويا من فيرخويانسك البعيدة: " قتل زوجي وثلاثة من أبنائي . خلال الحرب . بقيت وحيدة . يمكنكم ان تتخيلوا، مدى عمق حزني ؟ . لقد قرأت روايتكم " العاصفة " . هذا الكتاب، عزيزي ايليا غريغوريفيج، ساعدني كثيرأً . صدقوني،، فأنا لست في عمر يسمح لي أن اهدر كلامي في المجاملات . شكرا لكم، لأنكم تكتبون مثل هذه النتاجات الرائعة . " 

وهذه سطور من رسالة الكساندر بوزدنيكوف: " أنا معوق من الدرجة الأولى . نجوت من حصار مسقط رأسي، مدينة سانت بطرسبورغ، واصبت في الحرب عام 1944 . في المستشفي بتروا كلتا ساقي . امشي على ساقين اصطناعيين . في البداية كان ذلك صعباً، ثم عدت الى مصنع كيروف، الذي عملت فيه منذ يفاعتي . كنا نقرأ روايتكم " العاصفة " بصوت عال في الأمسيات، وخلال استراحة الغداء، وفي فواصل التدخين . بعض الصفحات كنا نعيد قراءتها مرتين. " العاصفة " رواية صادقة حقاً . في المصنع عمال قاتلوا ضد الفاشية في صفوف المقاومة الفرنسية الباسلة . لقد كتبتم ما كان يجري فعلا، ومن اجل هذا ننحني لكم احتراماً . " .

وهذه رسالة أخرى، وهي الأكثر أهمية بالنسبة اليّ: " عزيزي ايليا غريغوريفيج ! لقد قرأت للتو روايتكم الرائعة " العاصفة " . شكراً لكم. مع خالص الأحترام . ي .ستالين . "

 نهض جميع الحضور وقوفاً ودوّت عاصفة من التصفيق المتواصل .

 

حصل اهرنبورغ على ارفع جائزة أدبية في الأتحاد السوفييتي وهي جائزة ستالين من الدرجة الأولى ثلاث مرات، عن رواياته (اليوم الثاني) و (سقوط باريس) و (العاصفة))

ويمكن القول ان اهرنبورغ، كان عبقري العنوان – ان جاز التعبير – والدليل على ذلك هو روايته الشهيرة " ذوبان الجليد " . ليس العنوان هنا مجرد مصادفة موفقة، بل يعبّر عن القدرة على رؤية الظواهر الجديدة في المجتمع، والأحساس الآني السريع بالتغيرات التي تحدث فيه والتعبيرعنها قبل الآخرين .

لقد أصبح هذا الأسم عنواناّ لعصر بأكمله في التأريخ الروسي .ويقصد به فترة حكم نيكيتا خروشوف، التي تميزت بحد معقول من الحرية الفكرية والسياسية، ومن المؤسف، ان انقلاب القصر على خروشوف في عام 1964 حول الجليد الذائب الى كتل صماء من جديد .

 

الدفاتر الفرنسية:

 كتاب اهرنبورغ الموسوم " الدفاتر الفرنسية " الصادر عام 1957، أثار اهتمام القراء وأصبح حدثاً مهماً في الحياة الثقافية في روسيا، بمعلوماته الغزيرة الجديدة، والذي تناول فيه الانطباعية في الفن التشكيلي، وتحدث عن سيزان ورينوار ومانيه وبيكاسو...ودافع عن ابداع تشيلر وكونجالوفسكي وساريان...وترجم مختارات من الشعر الفرنسي، وأكٌد على ضرورة تنوع الاشكال في الفن .

أثارالكتاب، رد فعل غاضب في القسم الأيديولوجي للحزب الشيوعي، الذي أصدر قراراً بشجب فيه آراء الكاتب واعتبارها " مضرة ايديولوجياً " .وكان ذلك ايذاناً ببدأ حملة جديدة ضده، شارك فيها نقاد يأتمرون بأوامر الحزب .، ولكن بعض أصدقاء الكاتب في الغرب وبخاصة في فرنسا، هبّ للدفاع عن اهرنبورغ وكتابه ومنهم أراغون . واليوم لا أحد يتذكر النقد الموجه للكاتب، في حين ان تحليله الذكي للفن الفرنسي ما يزال يحتفظ بكل قيمته .

لم يكن هدف الكاتب التعريف بالثقافة الفرنسية فقط، بل التعبير عن آرائه في الأدب والفن، التي لا تتفق بأي حال من الأحوال مع " الواقعية الأشتراكية " التي تبدو غريبة وغير منطقية على الأطلاق: هل يمكن أن نكون هناك واقعية رأسمالية أو بورجوازية، أو مسيحية، أو أية واقعية أخرى، لكي تكون هناك " واقعية اشتراكية " ؟ .

 كان اهرنبورغ الجسر الثقافي الذي كان يربط بين روسيا وفرنسا، طوال خمسة عقود تقريباً (1908 – 1967)، سواء بعلاقاته الواسعة مع الكتاب والشعراء والفنانين الفرنسيين، أو بنتاجاته المتنوعة الأشكال، التي كرسها للثقافة الفرنسية .

 

الناس، والأعوام، والحياة:

 رغم ان اهرنبورغ أخرج ما لا يقل عن مائة كتاب أدبي وفكري وسياسي، الا أن عمله الأبداعي الأهم وأروع ما كتبه في حياته بشهادة النقاد، هو مذكراته الموسومة " الناس والأعوام والحياة "، وهي مذكرات بآلاف الصفحات كتبت بين عامي 1859 – 1967، وتتألف من ستة أجزاء، ولم تصدر دفعة واحدة، بل ان الكاتب كان يدفع جزءاً واحداً للنشر في كل عام، غير أن الرقابة كانت تضع عراقيل كثيرة مع محاولة الكاتب نشر جزء جديد منها، وتشترط عليه حذف هذا الفصل أو ذاك أو تعديل فقرات معيتة، غير ان اهرنبورغ قاوم وعاند، وكادت الضغوط ان تصيبه بالأحباط، لولا أرادته القوية، ومن جهة أخرى، فأنه كان يدرك ان الأصرارعلى موقفه، يعني بكل بساطة منع نشر أهم نتاج له في روسيا، لذا وافق على حذف (أو بتعبير أدق تأجيل نشر بعض الفصول) و لجأ الى تعديل أية فقرة تعترض عليها الرقابة، ويعيد صياغتها على نحو جديد أجمل واحكم من الفقرة السابقة، وتنطوي على المعنى نفسه تلميحاً أوبين السطور، بيد أن الرقباء الحزبيين بجهلهم المركب، لم يكتشفوا الخدعة، ومرت عليهم مرور الكرام . ومن الفصول المحذوفة، الفصل المكرس لرجل الدولة البارز " بوخارين ". كما أن فصولاً أخرى ارتأى عدم نشرها، خلال حياته، وذكر ذلك في مقدمة مذكراته قائلاً: " ان بعض الفصول تتعلق بشخصيات لا زالت على قيد الحياة ولم تصبح جزءاً من التأريخ بعد ." .. 

كان من اليسير عليه نشر كتبه ومذكراته في الخارج، كما فعل آخرون ولكنه لم ير ذلك امرا ًصائبا ً، لأن النشر داخل البلاد كان أمراً بالغ الأهمية بالنسبة اليه، وان كانت كتبه تترجم الى اللغات الأجنبية فور صدورها في موسكو . فقد أراد بمذكراته، التأثير في الوعي الجمعي الروسي، والكشف عن حقائق مذهلة عن النظام الستاليني. 

مذكرات أهرنبورغ تختلف من حيث المضمون والشكل والأسلوب عن تلك التي يكتبها المشاهير في خريف العمر . فقد فتح في هذه المذكرات امام القاري، المشهد الثقافي العالمي على مدى حوالي ستين عاماً وعالماً بأكمله – عالم العباقرة والمبدعين في الأدب والفن والفكر والعلم في النصف الأول من القرن العشرين، بينهم من الفنانين (بيكاسو، موديلياني ,ليجيه) ومن الشعراء (ابولينير، ايلوار، نيرودا، باسترناك، تسفيتايفا) ومن الكتّاب (موروا، وجيد، وهيمنغواي)، ومن العلماء (اينشتاين وجوليو كيوري)، الذين عرفهم عن كثب، وكانوا من أصدقائه المقربين .

 

والأهم من ذلك أنه كشف النقاب لأول مرة عن حياة ونتاجات عدد من الكتاب والشعراء الروس الكبار، وفي مقدمتهم (بابل، وزوشنكو، ماندلشتام، كولتسوف و المخرج المسرحي ايزنشتين وغيرهم)، الذين أعدمهم ستالين بعد محاكمات صورية بتهم ملفقة .وبعد تصفيتهم سحبت كتبهم من المكتبات وتمّ منع تداولها وازيلت اسمائهم ونتاجاتهم من المناهج الدراسية ومنع عرض المسرحيات التي اسهموا في كتابتها أو اخراجها .

 كما كشف اهرنبورغ عن عدد آخر من المبدعين الروس، الذين حجبت نتاجاتهم عن الجمهور العام بأوامر من الرقابة، لأنهم حافظوا على استقلاليتهم ورفضوا أن يتحولوا الى ابواق للدعاية وأن يكتبوا وفق أيديولوجية الحزب. كل هؤلاء سواء المعدومين منهم أو الممنوعين من النشر،

لم يكن الجيل الجديد من القراء الروس مطلعاًعلى نتاجاتهم ولم يسمع عنهم شيئاً، الا عن طريق هذه المذكرات، وبعد مرور سنوات طويلة على رحيلهم عن الحياة ، حين كشف اهرنبورغ النقاب عنهم بكل موضوعية وجرأة، واطلع القراء للمرة ألأولى على اسماءهم وسير حياتهم، و جرى البحث عن كتب ودواوين الكتاب والشعراء الذين تحدث عنهم اهرنبورغ، وتداول نتاجاتهم المستنسخة سراً، بين المثقفين الروس . ويمكن القول بكل ثقة ان " الناس، والأعوام، والحياة " أصبحت التربة الفكرية، التي انبثقت عنها حركة (المنشقين) الروس .

كانت لمذكرات اهرنبورغ أصداء واسعة، في داخل البلاد وخارجها وتلقفقتها الأيادي ونشرت عنها مئات المقالات النقدية، معظمها تثمن عالياً بانوراما الحياة والثقافة التي رسمها اهرنبورغ وتشيد بشجاعته الأدبية .

غير ان البعض ممن في قلبوبهم مرض، اخذوا يحرضون السلطة ضد الكاتب . ولكن مكانته العالمية منعت السلطات من حجب نتاجاته أو المساس به شخصياً، وان كانت تضيق عليه الخناق بين آونة وأخرى . فالزمن تغير وتغير القادة أنفسهم الى حد كبير، وأخذوا العبرة من الضجة التي اثيرت في العالم الغربي عام 1958، عندما اضطر باسترناك الى رفض جائزة نوبل ومنعت السلطات السوفيتية نشر روايته " دكتور زيفاكو " داخل البلاد . ولم يتم نشر مذكرات اهرنبورغ كاملاً وبضمنها الأجزاء المحذوفة، الا في عام .1990

 

مؤتمر لينينغراد الأدبي: 

كان تأثير اهرنبورغ عظيما على المثقفين الروس . واتذكر – وكنت حينذاك طالباً في موسكو –المؤتمر الذي عقدته جمعية الكتاب الأوربيين، حول قضايا الرواية المعاصرة في لينينغراد (بطرسبورغ حالياً) في الخامس من اغسطس عام 1963، وضم أشهر الروائيين الأوروبيين، بينهم (جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار) والقي فيه اهرنبورغ كلمة أثارت اعجاب كتاب أوروبا، وفي الوقت نفسه امتعاض السلطة وكتابها المشاركين في المؤتمر، مثل شولوخوف وسيمنوف وآخرين، الذين لم يكونوا يتجاسرون على تجاوز الخطوط الحمراء لـ(الواقعية الأشتراكية) أو ذكر اسماء الكتاب الغربيين الذين منعت السلطات دخول نتاجاتهم الى الأتحاد السوفييتي أو ترجمتها الى اللغة الروسية .

 قال اهرنبورغ في كلمته: كيف يمكن لمن لم يقرأ نتاجاً أن ينتقده !، وكان يقصد بذلك النقاد السوفيت، الذين لم يقرأوا روايات كافكا واورويل وغيرهما، ومع ذلك كانوا يتهجمون عليها وينعتونها بأسوأ الألفاظ المبتذلة . وبعد القاء اهرنبورغ لكلمته التف حوله الروائيون الأجانب المشاركين في المؤتمر، وكذلك بعض الكتاب الروس الشباب، وقدموا له التهنئة على كلمته المؤثرة . صورة اهرنبورغ محاطاً بعمالقة العصر، ما تزال عالقة بذهني، وأتذكر أيضاً كيف خرجت الصحف السوفيتية في اليوم التالي وهي تشن حملة هوجاء، على الكاتب، الذي نطق بالحقيقة، متهمة اياه بمجاملة الغرب الأمبريالي وبالكوسموبوليتية، وبأنه يحب فرنسا أكثر من وطنه، لأنه عاش فيها نصف عمره وتشبع بالثقافة الغربية . وكانت تلك التهم متهافتة الى أبعد الحدود، لأن احدا من كتاب القرن العشرين، لم يظهر قبح الرأسمالية مثلما فعل اهرنبورغ، ثم أنه قال لكتاب الغرب: أنتم كذلك لم تقرأوا الأدب السوفييتي الحقيقي، فكيف يمكنكم الحكم عليه ؟ .

 

 أهرنبورغ: الكاتب الأممي

 كان اهرنبورغ كاتباً انسانياً واخلاقياً، قل نظيره، ويؤمن ايماناً عميقاً، ان الثقافة تقرّب بين الشعوب، وكان يكره أي تعصب، أوتمييز قومي، أو ديني، أو ثقافي، ويرى " ان مثل هذا التعصب كان وراء حروب كثيرة، وأنه لا يوجد شر أسوأ من الحرب وويلاتها، وان الناس في جميع انحاء العالم يمكن ان يفهموا بعضهم البعض، حتى لو كان الطغاة يحاولون عزل شعوبهم عن العالم الخارجي ." ويقول بهذا الصدد: " الكتاب أيضاً يمكن يمكن أن يناضل من أجل السلام، والسعادة، والكاتب بوسعه أن ينحى مخطوطة كتابه جانباً، كي يسافر، ويتحدث، ويقنع، ويناقش، وكأنه يواصل تأليف كتابه، الذي لم ينته بعد من كتابته . الكاتب مسؤول عن حياة قراءه، وعن حياة الناس، الذين لن يقرؤا كتبه أبداً، وعن كل الكتب التي كتبت قبله، وعن تلك التي لن تكتب أبداً . وحتى عندما ينسون اسمه تماماً.

لقد قلت ما أفكر فيه عن واجب الكاتب والأنسان . أما الموت فأنه يجب أن يدخل الى الحياة على نحو جيد، ويصبح تلك الصفحة الأخيرة التي يتعذب من اجلها الكاتب الى أن يتوقف قلبه عن النبض. ينبغي أن نحب بعنفوان الشباب، وأن ندافع عما هو عزيز علينا، ونناضل ونعمل ونحيا ما دام القلب ما يزال ينبض .".

 توفي اهرنبورغ في 31 آب – أغسطس عام 1967، عندما كان في حديقة منزله، يسقي الورود، التي كان يحبها ويعتني بها . وتقول ابنته الكاتبة والمترجمة (ايرينا اهرنبورغ) في مذكراتها، أن قوة من المخابرات السوفيتية، حضرت الى الدار، فور تسرب خبر وفاته، ونقلت جثمانه الى مكان مجهول، وحين حاولت عائلته الأحتجاج على هذا التصرف الغريب، قال أحد الضباط المكلفين بنقل الجثمان: " ان اهرنبورغ ملك للدولة وليس لعائلته . " وحاولت السلطة عدم الأعلان عن يوم تشييعه، غير أن الخبر سرى سريان النار في الهشيم، وشيع الكاتب الكبير الى مثواه الأخير في مقبرة العظماء (نوفو ديفيتشي) أكثر من عشرين الفاً من المثقفين الروس، اضافة الى أفراد عائلته وأصدقائه .

 

استاذ مجنون يحصل على جائزة نوبل

qassim salihyتوفي السبت 23 ايار الجاري في حادث سير عالم الرياضيات العبقري..المجنون صاحب (نظرية اللعبة).

  الجميل..المدهش..المفجع..المفارقة..ان زوجته توفيت معه في نفس الحادث.ولكم ان تتذكروا المشهد المهيب الاخير في فيلم بيتوفل مايند لحظة منحه الجائزة..وقوله:ان اعظم من كل انجازاته العلمية هو الحب..حب زوجته له..(ياه..فعلا احلى موته!).

*

   نص المقالة التي كنا نشرناها عنه في عام 2007

في عام 1959 كان " جون ناش " البالغ في حينه ثلاثين سنة واحدا من أشهر العقول في اختصاص الرياضيات . وحصل على الأستاذية " بروفيسور " بهذا العمر عندما كان يدّرس في المعهد التقني بولاية ماساشوستس. وكان يدهش الجميع بحلّه مشكلات رياضية يستحيل على الآخرين حلّها بطريقة غير تقليدية . واستطاع وهو ما يزال طالب دراسات عليا أن يقدّم فكرة " التوازن " في " نظرية اللعبةGame Theory" التي أحدثت ثورة في ميدان الاقتصاد ونال عليها جائزة نوبل.

وتروي زوجته " سيليفيا"أن زوجها " ناش " ظهرت عليه تصرفات غريبة الأطوار ، ثم ساءت حالته بأن أخذ يكتب رسائل الى الـ" FBI " ومؤسسات ووكالات حكومية أخرى يؤكد فيها أن هنالك مؤامرات عالمية على وشك أن تحدث . ثم صار يتحدث علنا في محاضراته الجامعية عن أن قوى في الفضاء الخارجي ومن حكومات أخرى تتصل به عبر الصفحة الأولى من مجلة " New York Times " . وصار يرى أشخاصا بأربطة عنق حمر " وهميين طبعا " يدورون حول المجمّع الذي يسكن فيه ، معتقدا أنهم من المخابرات الروسية " الشيوعية ."

ونظرالأوهامه وهلوساته وسلوكه الذي صار خطرا ، أدخلته زوجته مستشفى الأمراض العقلية في نيسان 1959 ، فشخّصه الأطباء بأنه مصاب بـ " الفصام الزوري Paranoid Schizophrenia " الذي يعني تحديدا : " متلازمة تتصف بالأوهام والهلوسات التي تتضمن أفكارا اضطهادية وعظمة ". وبعد خضوعه لعلاج طبي دوائي وتحليل نفسي تحسّنت حالة "ناش " الذي كان يقضي معظم أوقاته في المستشفى مع الشاعر المشهور آنذاك " روبرت لويل " المصاب هو الآخر بـ" الاكتئاب الهوسي ".

 

تعلّم " ناش " أن يخفي أوهامه وهلوساته ، ويتصرف بعقلانية ، على الرغم من أنه كان يعانيها في داخله . وخرج من المستشفى ، واقسم أن يتخلص من كونه مواطنا أمريكيا ..فسافر الى جنيف وأتلف جواز سفره الأمريكي . لكنه أضطر بعد سنتين الى العودة . وظهرت عليه أعراض جديدة من الشيزوفرينيا .فقد أخذ يرتدي ثياب فلاّح روسي ، ويتحدث عن السلام العالمي ، وضرورة وجود حكومة عالمية واحدة . وبعث برسائل وأجرى اتصالات هاتفية يتحدث فيها عن نظريات رياضية وشؤون عالمية ، الأمر الذي دعا المسؤولين في الجامعة والأصدقاء والأطباء النفسيين أن يلحّوا على زوجته لإدخاله المستشفى مرة أخرى ، ففعلت . وتلقى علاج الأنسولين والرجّات الكهربائية الشائعة الاستعمال في الستينات . وتحسنت حالته وغادر في عمر الثالثة والثلاثين ، وعاد الى البحث العلمي مركّزا هذه المرة في " توازنات التمايز الجزئي " . وبدأت تظهر عليه من جديد اختلالات في تفكيره وكلامه وسلوكه ، فأدخلته زوجته مستشفى خصوصيا هذه المرة ، قضى فيه خمسة أشهر من العلاج النفسي والدوائي . وبعد مغادرته ، قام أصدقاؤه بمساعدته من جديد على إنجاز أبحاثه . فكتب مقالات مميزة نشرت في مجلات علمية رائدة . غير أن الذهانات الحادة ظلت تأتيه من وقت لآخر ..الى السبعينات والثمانينات حيث تحسنت حالته تدريجيا وتعافى من الفصام "الشيزوفرينيا " على الرغم من عدم تناوله أي علاج ، الأمر الذي أثار دهشة الاختصاصيين الذين لم يجدوا تفسيرا لشفائه إلا في رعاية زوجته ومداراتها له وعلاقتها الحميمة به ، وفي الإسناد الدائم له من أصدقائه في اختصاص الرياضيات .

 

واصل " ناش " أبحاثه العلمية ، ومنح جائزة نوبل في الاقتصاد لمساهماته الأصيلة والمبتكرة في " نظرية اللعبة " التي أحدثت - كما أشرنا – ثورة في حقل الاقتصاد . وهو يعيش الآن مع زوجته في برنستون ، ويواصل عمله في ابتكار نظريات في الرياضيات ، ويرعى في الوقت نفسه أبنه " جوني " الحاصل على الدكتوراه في الرياضيات أيضا ، والمصاب بمرض أبيه نفسه " فصام البارانويا !".

وفضلا عما لقيه من تكريم ، فقد كرّمته السينما أيضا بإنتاجها فلما عنه بعنوان : " عقل جميل The Beautiful Mind ".

 

والآن : افترض معي لو أن أستاذا جامعيا أو عالما أو مفكرا أو أديبا أو شاعرا أو فنانا في بيئتنا العربية الخصبة بإنتاج " المجانين " أصيب بالشيزوفرينيا ، فما الذي سيحصل له ؟

أولا : سيفصل من الجامعة أو المؤسسة التي يعمل فيها ، لأنه صار في عرفهم مجنونا . وسيتخلى عنه أصدقاؤه وزملاء المهنة.

 

ثانيا : سيصبح عارا على أسرته . وقد تتخلى عنه زوجته ، ويتنكّر له أبناؤه وبناته .

ثالثا : سيسخر منه الناس ، وسيعاقبه المجتمع ليس بنبذه فحسب ، بل في تحريم الزواج من بناته .

استعيدوا من ذاكرتكم كم " مجنون " بعقل ذكي في مجتمعاتنا العربية مات في مستشفى المجانين ، أو في الشارع ، أو أنهي حياته بطلقة ؟ . أنا شخصيا أعرف خمسة من العراقيين ، فكم أنتم تعرفون ؟. ومن منّا " نحن والسلطة وهذه العقول " العاقل والمجنون؟!.

 

 د.قاسم حسين صالح

حسقيل ساسون وبصمته في تاريخ العراق

أكيد ذاكرة الزمن تضم الكثير من صفحات تاريخ العراق المشرف والمشرق ولا تزال تخزن الكثير والكثير مما يمرُّ عليها، ليس فقط أحداثًا ومواقف بل وشخصيات كان لها مسيرتها والتي أتضحت من خلال ما بصمته أنها تستحق الانحناء من أجلها والتذكير بها من أجل أن لا يطمر الزمن ذكراهم وأن لا يتناسىّ عملهم وأن تكون دروسًا لغيرهم السائرين على نفس الدروب.

والمحطات التي يحفل بها تاريخ العراق كثيرة، سنتوقف قليلا عند أحداها لنستذكر أحد أبرز الشخصيات التي كان لها دورًا مشرفًا في إعلاء وإبراز اسم العراق في فترة الحكم الملكي، أنه (حسقيل ساسون / وزير المالية العراقي  عام 1921م).

 يعد حسقيل ساسون أشهر وأنزه وزير مالية عراقي في تاريخ الحكومات العراقية المتعاقبة، هو أول وزير مالية أسهم بشكل كبير في وضع الأسس الصحيحة والسليمة لقيام الاقتصاد العراقي وبناء ماليته وفق نظام دقيق جدًا. قال عنه أمين الريحاني:" أنه الوزير الثابت في الوزارات العراقية، لأنه ليس في العراق من يضاهيه في علم الاقتصاد والتضلع في إدراك الشؤون المالية".

ولادته وتعليمه وعمله:

حسقيل ساسون  (1860 – 1932) هو عراقي يهودي ولد من عائلة يهودية بغدادية اشتهرت بالتجارة في بغداد كانت تسمى بــ (روتشيلد الشرق)، كان لديه (3 أخوة و 4 اخوات)، أما والده فقد كان من رجال الدين المتفقهين في الشريعة الموسوية. ساسون كان غير متزوج وكان يقطن في بيت فخم على شاطئ دجلة قرب غرفة تجارة بغداد. أما دراسته فقد تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة (الاليانس) ثم ذهب إلى اسطنبول للدراسة عام 1877، بعدها ذهب إلى لندن ليجتاز امتحان المتروكوليشن Matriculation  ومن ثم إلى فيينا ليدخل كلية الحقوق ويحصل على الشهادة. ومن فيينا عاد إلى اسطنبول لينال شهادة المحاماة من الدرجة الأولى من وزارة الحقانية في الأستانة. ساسون برحلاته الدراسية المتعددة هذه أتقن العديد من اللغات وامتلك مكتبة فخمة جمع فيها الكثير من الكتب المتعددة، لكن فيما بعد استولت عليها الحكومة العراقية وأدعتها ضمن مكتبة المتحف العراقي عام 1970م.

 في عام 1885م عاد إلى بغداد ليعين ترجمانًا لولاية بغداد ثم انتخب نائبًا في مجلس النواب التركي الأول عام 1908. شغل ساسون منصب وزير المالية خمسة مرات في فترة الحكم الملكي، حيث عين أول وزير مالية في حكومة السيد عبد الرحمن النقيب (الحكومة المؤقتة 1918 – 1921)، كما وأنتخب لوزارة المالية في وزارة النقيب الثانية 1921، والثالثة، ووزارة عبد المحسن السعدون الأولى، وكذلك في وزارة ياسين الهاشمي.

عرف عن ساسون أنه كان متشددًا في محاسبة الموظفين وحتى المسؤولين، حتى الملك فيصل الأول والحكومة البريطانية، كان لا يترك لهم ثغرة يسيئون فيها لمالية البلاد، ومن هنا جاءت الكلمة المترددة على ألسنة الكثير من العراقيين ( يحسقلها  ... تريد تحسقلها عليّ!).... (بمعنى يتشدد في المحاسبة). كما يُروى عنه بأنه كان سريع الغضب مع الموظفين إذا وجد منهم أي تهاونًا أو تقصيرًا، وهنا يذكر (مير بصري) أن (صفوت باشا) حدثه حينما كان ناظرا للخزينة الملكية الخاصة عن نفقات فصل البريد والبرق المخصصة للديوان الملكي عام 1925، أنها نفذت قبل أشهر من ختام السنة، فقد كانت الحرب الحجازية النجدية قائمة والبرقيات ترسل يوميًا من البلاط الملكي العراقي إلى (الملك علي) في الحجاز لمعرفة الموقف الحربي، فكتب الديوان الملكي إلى وزارة المالية يسأل الموافقة على نقل مبالغ من فصل أخر في الميزانية المصدقة إلى فصل البريد والبرق تلافيًا للمصروفات الطارئة. وهنا قال (صفوت باشا):" دخل على وزير المالية ساسون أفندي ثائرًا منتقدا كثرة النفقات ومعترضا على نقل الاعتماد، فحاولت تهدئته وقلت له: أن جلالة الملك في الغرفة المجاورة! وفي اليوم الثاني سألني الملك: لماذا كان ساسون هائجًا بالأمس؟! وحينما أوضحت له الأمر، قال: أنهُ مبتهج ومسرور من موقف وزير ماليته وصلابته وحرصه على التمسك بالقواعد المالية والحرص على خزينة الدولة".

ومما يذكر عن ساسون أيضًا حينما كان وزيرًا للمالية، كانت هنالك مناقشة لبعض الأمور الاقتصادية في مجلس الوزراء، وكان من الطبيعي أن يتم مناقشة الأمور وطرح الآراء، قام ساسون بطرح بعض الآراء، فقاطعه (جعفر العسكري)! فما كان من ساسون ألا أن ينتفض في وجهه ويقول له بصوت مرتفع:" أرجو يا باشا أن لا تتدخل في أمور لا علاقة لك بها، ولا تعرف عنها شيئًا، فهذه قضايا قانونية وأنت رجل عسكري".

شاعت عنه الكثير من الحكايات الطريفة ومن أشهرها ما حصل بيه وبين شركة النفط البريطانية، عندما أصر على شركة النفط البريطانية المسجلة عندئذ باسم (شركة النفط العراقية التركية) بدفع حصة العراق بالذهب (الشلن الذهبي) بدلا من (الباون الانكليزي الورقي)، استخفوا طلبه وقتها، حيث كان الباون الانكليزي (السترلنغ) أقوى عملة في العالم، سخروا منه وضحكوا عليه وأتهموه بأنه رجل قديم الطراز! هزَّ رأسه قائلا:" نعم هكذا أنا ... سامحوني، رجل مُتحجر الفكر ومن بقايا العهد العثماني، رجاءًا ادفعوا لنا بالذهب". ضحكوا عليه و لكنهم طيبوا خاطره فوقعوا على الدفع بالذهب، لكن سرعان ما ثبت أن ساسون حسقيل كان أعلم منهم جميعا، فبعد سنوات قليلة تدهور الباون الإسترليني بالنسبة للذهب، وشركة النفط لم تجد مفراً من الدفع للعراق! كانت النتيجة أن ظل العراق يكسب ملايين إضافية بسبب تفوق الذهب على العملة الورقية الإنكليزية! ولا عجب أن أخذ البريطانيون يتضايقون من وجود ساسون على رأس وزارة المالية في كل مفاوضاتهم معها، فسعوا إلى التخلص منه حتى تمكنوا من ذلك بعد سقوط حكومة ياسين الهاشمي.

يتبين مما سبق توضيحه أعلاه بشيء من التبسيط أن هكذا شخصية تستحق فعلا أن يخلدها التاريخ. يستحق بلدنا أن يكون منها الاف النسخ من أجل أن تعيد بناءه وانتشاله من المستنقع الذي بقلة تفكير الكثيرين وصل إلى الحال الذي هو عليه اليوم! حسقيل ساسون كان أمينًا لدرجة الامانة المطلقة. كان لديه سعة من الثقافة والتفاني والجدية والتي برزت في عمله وتكونت في شخصيته القوية والواثقة، كان شريفًا ومخلصا لمهنته ووطنيا بكل ما يحمله الوطن. كان مؤمنا بإمكانية صهر جميع الطوائف والأقليات في بوتقة الوطن واعتبارها شعبًا عراقيا واحدًا. حسقيل ساسون كان رجلا يعمل من أجل الوطن وليس من أجل أن يستنزف وطنًا، وهذا هو الفرق بين ما قدمه في زمانه للعراق وبين ما يقدمه اليوم من يقود دفته باختلافهم واختلافاتهم! كان يقول:" أن الإهدار يجعل من المال سائبا، والمال السائب يعلم السرقة!"، العراق يسرق وماله يهدر والشعب يجوع وكان الله في عون الشعب المسكين.

الرائد النهضوي السيد محمد بحر العلوم

ali almomenبحر العلوم .. الحاضر الغائب في تاريخ النهضة العراقية

كعادتنا؛ لانكرم رموزنا الّا بعد وفاتهم، ولانكتب عنهم الّا بعد إغلاق ملفاتهم. ولكن العلامة السيد محمد بحر العلوم تغافلنا عنه مرتين؛ مرة عندما لم نكتب تاريخه في حياته؛ واخرى لأننا أغفلنا دوره في النهضة الإسلامية الشيعية الوطنية المعاصرة في العراق؛ حين أرّخنا لها في كتبنا ودراستنا؛ رغم أن للسيد محمد بحر العلوم حضور مهم في مسار هذه النهضة منذ أربعينات القرن الماضي. ولعلّي من الباحثين القلائل جداً الذين ذكروا السيد محمد بحر العلوم في مؤلفاتهم ودراساتهم؛ إذ كتبت في كتابي (سنوات الجمر) عن دوره في المثلث البغدادي الذي جمعه الى جانب السيد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري في فترة الستينات؛ والذي كان يمثل المرجعية النجفية العليا الممثلة بالإمام الحكيم حينها؛ والذي كاد أن يقلب موازين السلطة العراقية ومضمون الدولة خلال فترة حكم عبد الرحمن عارف. كما ذكرته ضمن رواد النهضة الإسلامية والدعاة المؤسسين في سلسلسة مقالاتي النقدية (حزب الدعوة من الشروق الى السطوع). وكان السيد محمد بحر العلوم يطالع هذه المقالات بدقة، ويدلي ببعض ملاحظاته عليها. وفي لقاءاتي به كان يذكر إشكالاته على بعض الذين يؤرخون لتاريخ الحركة الإسلامية العراقية؛ والذين لايراعون الأمانة والدقة. وعبّر لي في إحدى المرات عن استغرابه مما ذكره أحد مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية في أماليه؛ والذي ألغى فيه دور السيد محمد بحر العلوم في كثير من الأحداث والمسارات. ورغم مرارة الموقف؛ الّا أن الخلق الرفيع والهدوء المهيب اللذين يتمتع بهما؛ كانا يمنعانه من التعبير الإنفعالي عن هذه الظواهر الخاطئة في الكتابة التأريخية السياسية العراقية؛ ولاسيما تلك التي تمسه شخصياً.

كل هذا؛ دفعني لأن أتفق مع سماحة السيد في عام 2012 للتعاون معه في تدوين مذكراته. ولكن للأسف ولأسباب موضوعية لم تتح فرصة تنفيذ المشروع. ولكن قُدر لي أن أسمع منه الكثير. وما أكتبه في هذا المقال؛ سمعت جزءاً منه من السيد مباشرة.

 738-ali

بحر العلوم و وعي النهضة

يمكن القول إن مرحلة السكون في مسيرة الحركة الإسلامية العراقية التي بدأت في أعقاب إنعقاد مؤتمر كربلاء عام 1924 ثم نفي المراجع الأربعة الى إيران؛ أخذت تتراجع تدريجياً مع إندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان المنعطف الذي خلق تحوّلاً في واقع الإسلاميين العراقيين هو تداعيات حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 وارتداداته في النجف، وإصدار مراجع العراق وفقهائه؛ ولاسيما المرجع الأعلى في النجف الإمام السيد أبو الحسن الموسوي الإصفهاني والمرجع الإصلاحي الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء؛ فتاوى صريحة في معارضة الإحتلال الإنجليزي، وداعمة لإستقلال العراق وللتغيير في توجهات الحكومة.

لقد وعى السيد محمد بحر العلوم وقائع حركة الكيلاني وفتاوى المراجع ومعارضة الإنجليز وبدايات الحراك النهضوي في النجف الأشرف عام 1941؛ وكان يبلغ من العمر 14 عشر عاماً. وبما إنه ينتمي الى بيئة علمية دينية عريقة لها تاريخها الجهادي والإصلاحي؛ فقد وجد نفسه جزءاً من هذا الوعي النهضوي الجديد. وأخذ خلال الأربعينات يتحرك في فضاء الجمعيات الدينية والثقافية والأدبية، وفي بيوتات المرجعيات الإصلاحية، وبدء يطرح كتاباته الأولى ويلقي الكلمات في المناسبات. والجانب الأهم هو انه التقى بعدد من الأقران الشباب في النجف؛ والذين تقاربت أفكارهم وآراؤهم؛ وشكّلوا شبه محور؛ أصبح له شأنه فيما بعد؛ ولاسيما في عقد الخمسينات.

لقد كانت هناك ثلاثة أنواع من الأحداث التي عايشها السيد محمد بحر العلوم؛ الأول يتمثل في الأحداث التي عاش على هامشها؛ كتداعيات حركة الكيلاني الإنقلابية وانعكاسها على النجف، والإعتراضات العنيفة التي عمت العراق والنجف على معاهدة بورتسموث بين الحكومة العراقية والحكومة البريطانية عام 1947، ثم تداعيات تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948وانعكاسه على العراق والنجف.

أما النوع الثاني فهي الأحداث التي كان السيد محمد بحر العلوم يعيش كثيراً من تفاصيلها؛ كنشاط الشيخ عز الدين الجزائري في أواخر الأربعينات وبدايات الخمسينات وحركتيه الشباب المسلم والعقائديين، وتحرك الثلاثي الشهيد عبد الصاحب دخيل والسيد حسن شبر ومحمد صادق القاموسي وتأسيسهم الحزب الجعفري عام 1953، و تحرك العلامة الزعيم الإصلاحي الشيخ محمد رضا المظفر في الأربعينات وتأسيسه جمعية منتدى النشر ونشاطها، ثم تاسيس كلية الفقه ودراسة السيد محمد بحر العلوم فيها؛ والتي كانت معقلاً للحركة الإسلامية النهضوية الإصلاحية.

ويبقى النوع الثالث؛ وهي الأحداث التي عاش السيد محمد بحر العلوم في صميمها، وكان جزءا منها ومن صانعيها. وفي مقدمها تأسيس حزب الدعوة الإسلامية؛ الذي كان السيد من المشاركين في الجلسات الأولى لمناقشة فكرته منذ عام 1956. ورغم أنه لم يشارك في الإجتماعات التأسيسية التمهيدية في النجف الأشرف وفي إجتماع كربلاء التأسيسي النهائي؛ إلّا أنه كان مشاركاً في جلسات الحزب الأخرى وكان من أعضائه الأوائل. ورغم خروج السيد مبكراً من التنظيم؛ الّا أنه بقي قريباً من الدعوة وقادتها ونشاطاتها.

ومن هذه الأحداث أيضاً؛ النشاطات التي كانت تقوم بها جماعة العلماء في النجف الأشرف؛ فكان السيد محمد بحر العلوم من الكوادر الشبابية الناشطة فيها؛ الى جانب السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد حسين فضل الله والسيد مهدي الحكيم والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد باقر الحكيم والشيخ محمد أمين زين الدين والشيخ محمد باقر الناصري والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد طالب الرفاعي والشيخ عبد الامير الجمري الشيخ مهدي السماوي الشيخ عبد الهادي الفضلي و السيد عدنان البكاء والشيخ سليمان المدني والشيخ عارف البصري والسيد عبد الرسول علي خان وغيرهم. وهذه الثلة الشبابية لم يكونوا أعضاء في جماعة العلماء أو هيئتها الإدارية؛ ولكنهم كانوا المحرك الميداني الرئيس لنشاطاتها. وكانوا يحظون برعاية مباشرة من رئيس الجماعة الشيخ مرتضى آل ياسين. كما أن جماعة العلماء وحزب الدعوة كانا يحضيان برعاية المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم.

 

بحر العلوم من أعمدة تحرك مرجعية الإمام الحكيم

في خمسينات القرن الماضي برز الإمام السيد محسن الحكيم مرجعاً أعلى في النجف الأشرف، ثم تفرد بزعامة الطائفة الشيعية في العالم بعد وفاة السيد البروجردي عام 1961 ثم وفاة السيد عبد الهادي الشيرازي بعده بأشهر معدودات. وقد عاش السيد محمد بحر العلوم كل تفاصيل تحرك الإمام الحكيم ومرجعيته، وكان جزءاً منها، ثم أصبح من أعمدتها الميدانية في الستينات؛ ولاسيما بعد إنتقاله الى العاصمة بغداد مع نجل الإمام الحكيم ووكيله المطلق في بغداد السيد مهدي الحكيم. وكان وجود السيد مهدي الحكيم في بغداد حافزاً لتاسيس جماعة علمائية تحت إسم (جماعة العلماء في بغداد والكاظمية) في عام 1965، على غرار جماعة العلماء في النجف الأشرف؛ برعاية الإمام الحكيم ودعم الحركة الإسلامية. وكان من أبرز أعضائها السيد مرتضى العسكري والسيد إسماعيل الصدر والسيد مهدي الحكيم والسيد محمد بحر العلوم والشيخ علي الصغير والشيخ محمد آل ياسين والشيخ موسى السوداني والشيخ جواد الظالمي والشيخ عارف البصري.

وكان مجيء عبد الرحمن عارف على رأس السلطة في العراق عام 1966، ثم نكسة حزيران عام 1967؛ من أهم العوامل التي دعمت المرجعية النجفية و الحركة الإسلامية العراقية لبلوغ مستوى كبير من القوة؛ بالشكل الذي أصبح فيه المراقبون يتوقعون تغييراً قريباً في خارطة العراق السياسية لمصلحة الحركة الإسلامية، فيما لو استثمرت هذه الفرصة ـ الضائعة ـ بالشكل الذي ينبغي، والتي لم يتوفر مثيل لها مطلقاً فيما بعد.

وقد اعتمد الإمام الحكيم في تحركه السياسي غير الرسمي على مثلث اختاره بنفسه، ومنطلقه بغداد وليس النجف؛ يتكون من السيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد بحر العلوم والسيد مرتضى العسكري، ويدعمهم من النجف السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد باقر الحكيم. وكان هؤلاء الخمسة على تواصل وتنسيق مباشر مع ثلاثي قيادة حزب الدعوة الإسلامية: محمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل والشيخ عارف البصري. وفي النتيجة كان هناك ثماني شخصيات تقود العمل السياسي بمضمونه الإسلامي الشيعي على مستوى العراق أجمع. وكان السيد محمد بحر العلوم أحد هؤلاء الثمانية.

والقوة الشعبية والنخبوية والسياسية والتنظيمية التي بلغها الإسلاميون الشيعة في عام 1967؛ جعل أنظار الكثير من السياسيين العراقيين التقليديين تتجه صوبهم، فعقد رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز وعدد من رفاقه محادثات مع الطرف المرجعي في بغداد؛ أي السيد مهدي الحكيم والسيد محمد بحر العلوم والسيد مرتضى العسكري؛ بغية تشكيل حكومة وطنية تحظى برضى المرجع الأعلى، وتعمل على إقامة نظام عادل في البلاد، ومنح الحريات للمواطنين. وفي هذا الصدد يقول السيد مهدي الحكيم بأننا ـ و بأمر من السيد محسن الحكيم ـ أبلغنا عبد الرحمن البزاز بأن موت عبد السلام عارف هو فرصة لتحويل الحكم العسكري إلى مدني، وتشكيل مجلس قيادة من ثلاثة أشخاص؛ يكون ممثل المرجعية أحدهم؛ إلا أن البزاز لم يقبل العرض.

 

المواجهة مع حزب البعث

عبأ حزب البعث – منذ استيلائه على السلطة عام 1968- إمكاناته لمحاربة الواقع الإسلامي الشيعي. ومقابل ذلك قرّر الإسلاميون التريث في مواجهة الحدث المستجد؛ وعدم الدخول في مواجهة غير متكافئة مع السلطة. وصدر القرار الرسمي بالقضاء على الحالة الإسلامية و الوجود الديني في العراق في 4 نيسان 1969 عن القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث، ونصّ على (ضرورة القضاء على الرجعيّة الدينية باعتبارها العقبة الكبرى في مسيرة الحزب) كما نشرته مجلة العمل الشعبي. والرجعيّة الدينية هنا كناية عن الحالة الإسلامية و المرجعية الدينية وعلماء الدين.

أما التحرش العملي فقد بدأ بمصادرة السلطات للأموال المرصودة لجامعة الكوفة (الخيرية الأهلية) - قيد الإنشاء- والتي تبلغ (4،530،000) دينار(2)، وسحب إجازتها. وتم ذلك تحت ستار القانون الذي أصدرته الحكومة بتأميم جميع المدارس الإسلامية. مع التأكيد على الكلّيات و المعاهد والمدارس الإسلامية. وقد احتج الإمام الحكيم على إلغاء مشروع جامعة الكوفة و مصادرة أموالها، إذ قابل نجله السيد مهدي الحكيم أحمد حسن البكر (رئيس الجمهورية) وأبلغه احتجاج والده.

واستغل النظام البعثي أجواء خلافاته مع النظام الإيراني؛ ليقوم بحملة قاسية و شاملة ضد العراقيين من ذوي الأصول الإيرانية و الإيرانيين المقيمين في العراق، فبدأ في بغداد والكاظمية بحملة التهجير المجتمعية الأولى في أواخر نيسان 1969، ثم شملت النجف الأشرف وسامراء وكربلاء وعدداً آخر من المدن في أيار من نفس السنة. وقد قررت القيادة البعثية تهجير أكثر من نصف مليون نسمة أي 6% من نفوس العراق إلى إيران، و يشمل ذلك أعدادا" كبيرة من العلماء و الشخصيات الإسلامية.

وفي خضم هذه الأحداث أقيم في مرقد الإمام علي (ع) في النجف الأشراف مؤتمر جماهيري حاشد ذو طابع احتجاجي، بدعوة من الإمام الحكيم؛ الذي حضرة شخصياً، إلى جانب جمع غفير من المراجع وعلماء الدين، كالسيد الخوئي والشيخ مرتضى آل ياسين والسيد عبد الله الشيرازي والسيد محمد باقر الصدر. وألقى السيد مهدي الحكيم كلمة في المؤتمر نيابة عن والده، تضمنت نقداً حاداً للنظام الحاكم، و تطرق فيها إلى مجمل القضايا التي شغلت الشارع العراقي طوال فترة الحكم الجديد، كمطاردة الإسلاميين و حملات التهجير ومصادرة الحريات والتضييق على الحوزة العلمية وعلماء الدين.

وفي نفس السياق عقد سبعون عالماً دينياً في بغداد اجتماعاً استشارياً بطلب من الإمام الحكيم؛ لبحث الوضع عموماً و الموقف الذي يجب اتخاذه. وكان السيد محمد بحر العلوم أحد الناشطين الأساسيين في هذا الإجتماع. واختار المجتمعون عشرة علماء لعرض ما توصلوا إليه على الإمام الحكيم. واستقر الرأي بشكل نهائي على أن يتجه سماحته إلى بغداد كإيحاء بالاحتجاج. وعندما سافر السيد الحكيم بدأت الوفود بالتقاطر على محل إقامته، مما أشعر السلطة بالخطر. وكان يحيط بالمرجع الأعلى عدداً من مقربيه بصفة مستشارين؛ كالسيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد بحر العلوم والسيد هادي الحكيم وغيرهم. وخلال أيام مكوثه القليلة في بغداد زاره جمع من رجال السلطة و مسؤوليها، كخير الله طفاح (محافظة بغداد) وحامد العاني (مدير الأمن العام) كمبعوثين شخصيين عن رئيس الجمهورية، وحماد شهاب (وزير الدفاع) وعبد الحسين ودّاي (وزير الزراعة). وكانت مجمل مطالب ممثلي النظام تدور حول إقناع المرجع الأعلى بتحسين موقفه من النظام والكف عن معارضته له. ولكن الإمام الحكيم كان يواجههم بمطالبته النظام بالكف عن ملاحقة العلماء واعتقالهم و مطاردة الأبرياء، و إطلاق سراح المعتقلين.

هذه الأمور دفعت النظام الى الإقدام الفوري على تنفيذ الفصل الحاسم من مخطط حزب البعث القاضي بإنهاء وجود المرجعية الشيعية وامتداداتها إنهاء كاملاً، ليس في العراق وحسب؛ بل في جميع أنحاء العالم. فقام أحمد حسن البكر بعقد إجتماع طارئ لمجلس قيادة الثورة، وتقرر فيه تشكيل لجنة من طه الجزراوي وناظم كزار وعبد الوهاب كريم وشبلي العيسمي وصالح مهدي عماش، بوضع خطة للقضاء على المرجعية الدينية والحركة الاسلامية الشيعية. كما تم الإتفاق على استمرار الحملة ضد علماء الدين، واعتقال أكبر عدد ممكن منهم، و الإعلان عنهم كجواسيس يعملون لحساب إيران بدل إسرائيل، لأن عمالة رجال الدين لإسرائيل أمر لا يمكن تصديقه، ولكن ما دامت إيران دولة شيعية فإن من المحتمل تصديق عمالتهم للشاه.

وفي حزيران عام 1969، ظهر العميد مدحت الحاج سري على شاشة التلفزيون ليكشف عن (المؤامرة) التي يقف على رأسها للإطاحة بالنظام الحاكم، بمساعدة إيران وأميركا واسرائيل، وليتّهم السيد مهدي الحكيم بالتعاون معه وبالعمل لحساب إيران والملا مصطفى البرزاني. وبذلك وجهت السلطة ضربة مباشرة لشخص المرجع الأعلى؛ لأن المتهم هو نجله ومعتمده. وفي اليوم التالي اقتحمت قوات السلطة مقر إقامة آية الله الحكيم في بغداد؛ من أجل إلقاء القبض على نجله السيد مهدي، الذي تمكن من ترك العراق بعد فترة من التخفي. ثم أخذت السلطات السيد الحكيم عنوة بسيارة حكومية وأرسلته إلى مقره في الكوفة، ثم وضعته تحت الإقامة الجبرية المشددة، وقطعت عنه الماء والكهرباء و الهاتف.

وفي الوقت نفسه؛ أصدرت السلطة أمرها بإلقاء القبض على آخرين بالتهمة نفسها؛ أبرزهم السيد محمد بحر العلوم والسيد مرتضى العسكري؛ ولكنهما تمكنا من الهرب أيضاً. أعقبها صدور حكم الإعدام عليهما غيابياً. وبذلك قضت السلطة على المثلث الذي يمثل المرجعية سياسياً في العراق، والذي كان يحرك الوضع ويمسك بالساحة الشيعية إنطلاقاً من بغداد.

وفي المهجر؛ ظل السيد بحر العلوم يعمل الى جانب رفيق دربه السيد مهدي الحكيم ضد النظام البعثي. وكانت أفكارهما منذ عام 1969 وحتى بداية السبعينات تتركز على محاولات القيام بانقلاب عسكري وتحرك ثوري بالتعاون مع أطراف المعارضة العراقية في الداخل والخارج؛ ولاسيما كبار الضباط السابقين وشيوخ العشائر وقادة الأحزاب الوطنية والكردية. وبقي السيد محمد بحر العلوم ناشطاً بقوة ضد النظام البعثي طيلة 35 عاماً متواصلة؛ أي منذ اليوم الذي وصل فيه البعث الى السلطة عام 1968 وحتى سقوطه عام 2003؛ وبكل الوسائل المتاحة. وخلال هذه الفترة تعرضت أسرته (السادة آل بحر العلوم) الى أبشع صنوف الإنتقام من النظام البائد؛ فاعتقل معظم رجالها وأعدم كثير منهم، وكان بينهم فقهاء وعلماء دين كبار.

ويداول الله الأيام؛ فيتقلّد السيد محمد بحر العلوم المطارد المحكوم بالإعدام؛ منصب رئيس مجلس الحكم الإنتقالي في العراق (بدرجة رئيس حكومة) في عام 2004؛ وهو في سن 76 عاماً؛ بعد ستة عقود من الكفاح والعمل السري والعلني في إطار مشروع النهضة الإسلامية الوطنية في العراق.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

شيوعيون عراقيون قاتلوا دفاعاً عن الجمهورية الاسبانية

بينما كنت اقلب ملفات أحد الارشيفات السوفيتية المتعلقة بالكومنترن، عثرت على وثائق وصور تشير إلى مشاركة عراقيين في الحرب الاهلية الاسبانية حين هب الشعب الاسباني للدفاع عن حريته وجمهوريته ضد طغيان زمرة الفلانج بقيادة الجنرال فرانكو المدعومة من قبل ألمانيا النازية. وقد عجبت لأمر هؤلاء العراقيين في الوقت الذي نشهد فيه ونحن في القرن 21 ابناء العراق وهم يقتلون اليوم بعضهم البعض لأسباب طائفية وليس دفاعاً عن الحرية والديمقراطية. وكنت اعتقد ان الطائفية البغيضة التي عرفتها اوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر قد اصبحت في طيات الماضي من تاريخ الشعوب. لكنها انبثقت اليوم في بلادنا بإسم الاسلام الذي هو براء منها كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب.

 736-haba1

سبتي ابراهيم هورش                     نوري أنور روفائيل

لقد وجدت في أرشيف الاممية الذي يوجد في مبنى بوسط موسكو عند نصب مؤسسها يوري دولغوروكي مقابل دار البلدية. كان هذا المبنى مقراً للجامعة الشيوعية لكادحي الشرق سابقاً، والتي كانت مخصصة للكوادر الشيوعية من بلدان الشرق. وعثرت في الأرشيف على عدة وثائق وصور عن العراقيين الذين توجهوا الى اسبانيا للدفاع عن الجمهورية الديمقراطية البعيدة عن بلادهم، إلى جانب رسائل واردة من العراق حول الوضع في البلاد والمشاكل التي رافقت تأسيس الحزب الشيوعي العراقي. إن هؤلاء العراقيين شاركوا في ملحمة الشعب الاسباني في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، هذه الملحمة التي تغنى بها الشاعر الاسباني لوركا واستشهد في سبيلها، بينما أبدع بيكاسو في تخليدها بلوحته الشهيرة "غورنيكا" التي تدين الفاشية والحرب بكافة اشكالها 736-haba2

وثيقة المنظمة الحزبية في برشلونة باللغة الاسبانية حول المتطوعين العراقيين للدفاع عن الجمهورية الاسبانية

 تتحدث مجموعة من الوثائق عن المواطن العراقي نوري أنور رفائيل (33 عاما) العريف المتطوع في الفوج 15 في الجيش الاسباني. وكان ، حسب الوثائق، عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. وقد بدأ القتال كجندي، ثم جرى ترقيته إلى رتبة عريف، ووصل الى اسبانيا في 1/6/1938 بتفويض من الحزب الشيوعي السوري.

ويتبين من السيرة الذاتية لهذا المواطن العراقي أن اسمه الكامل هو نوري أنور رفائيل من أهالي بغداد التي ترك فيها والدته واخيه العاطل عن العمل دون ان يعرفا بسفره إلى اسبانيا. علما انه تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت، ثم واصل الدراسة في ((M.I.T في ماساشوسيتس في الولايات المتحدة. وعند عودته الى العراق، عمل في فترة 1930 – 1931 معلماً للرياضيات والفيزياء في مدرسة ثانوية في بغداد. وفي عام 1934 عمل معلماً في البصرة. ثم التحق في عام 1935 بمديرية المساحة، وفصل منها بلا سبب. وبعد ذلك إلتحق بمديرية السكك الحديدية بوظيفة مساعد مهندس . لكن الشرطة لاحقته بسبب نشاطه السياسي في صفوف العمال ،فهرب في عام 1937 الى خارج العراق وعاش في باريس عند أحد اصدقائه. وانخرط نوري أنور روفائيل في النشاط الدعائي في اوساط عمال السكك والجنود والفنانين والطلاب، مما جذب انتباه اجهزة الأمن اليه. ويشار في احدى الوثائق إلى صلته منذ عام 1927 بالمنظمات الشيوعية المتفرقة في العراق، وذلك قبل تأسيس الحزب . وفي عام 1934، أصبح عضواً في لجنة الحزب المركزية. ويرد في الوثيقة قوله :" انني جئت الى اسبانيا بصفتي معاديا للفاشية من اجل محاربة الفاشست الذين يريدون القضاء على الجمهورية الاسبانية ".

ويذكر رفائيل في وثيقة دونت باللغة الانكليزية وبتوقيع قائده العسكري، أنه جاء إلى اسبانيا للقتال لأن غالبية الجماهير في الجمهورية الاسبانية تقف الى جانب الجبهة الشعبية الاسبانية التي تناضل ضد الفاشية ومن أجل الحرية والاستقلال. وبما انه لم يخدم في الجيش سابقا، فقد تعرف في اسبانيا كجندي ومن ثم كعريف على أهمية الانضباط والتعاضد بين الجنود. وقد قرأ البنود ال 13 لحكومة الاتحاد الوطني في اسبانيا، وكان يعتبرها جيدة. كوتشير الوثيقة إلى أنه يؤيد سياسة الجبهة الشعبية في اسبانيا.

ويرد في توصية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاسباني الصادرة في برشلونة بتاريخ 19/11/1938، ان اللجنة الحزبية في الفوج 15 تؤكد حسن أداء نوري من العراق لواجبه العسكري. ويشار إلى أنه كان جندياً ذا كفاءة جيدة، ويتسم نشاطه السياسي بالانضباط ويتميز بالشجاعة. ووصفه رفاقه بأنه كفوء في تنفيذ المهام. وتؤكد اللجنة الحزبية للكتيبة بأنه : 1) معاد للفاشية بالرغم من أنه ليس عضوا في الحزب الشيوعي الاسباني، و2) أثبت كونه عضواً جيداً في حزبه، و3) منظم وداعية حزبي جيد، و4) يقف ضد التروتسكية، و" ليس عدواً أو عميلاً أو استفزازيا"، و5) لا يعتبر عنصراً غير طبقي "هارب ومثير للفتن والخ". والوثيقة بتوقيع عضوين في اللجنة الحزبية.

وجاء في وثيقة أخرى باللغة الانكليزية، أن نوري أنور رفائيل من العراق وجاء إلى اسبانيا قادما من باريس . وهو مهندس مدني عمل في مديرية المساحة في بلاده . ويجيد الانكليزية والفرنسية والعربية وكذلك اللغة الكلدانية. وهو عضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. لكن لا توجد لديه وثائق تؤكد ذلك. المعلومات التي قدمها تبعث على الثقة ويبدو انها صحيحة. والوثيقة موقعة من قبل (سالود) في الدائرة الانجلو – امريكية .

وتتحدث الوثائق الاخرى عن عراقي آخر بالاسم المستعار (جون سميث) البالغ من العمر 34 عاما. وهو عضو في الحزب الشيوعي العراقي، ودرس في مدرسة (N.C.O ) . وصل إلى اسبانيا في عام 1938. ويوصف بأنه مضمون سياسياً، ولديه خبرة في استخدام جميع اصناف الاسلحة .

وورد في وثيقة صادرة عن قوميسارية الدفاع للكتائب الاممية في برشلونة باللغة الاسبانية، أن سيتي ابراهام هورش (33 عاما)، هوعضو في الحزب الشيوعي العراقي، والتحق بالكتيبة رقم 24 في الفوج الاممي 15. وهو يتكلم الانكليزية والاسبانية والفرنسية والعربية. وتشير الوثائق الشخصية إلى كونه جنديا جيدا منضبطا ومثقفا سياسيا ، ويؤيد سياسة الجبهة الشعبية في محاربة الفاشية في اسبانيا. ويلاحظ في الوثائق الاخرى المتعلقة بنشاط الحزب، والتي كتبها قاسم حسن (الاسم المستعار زهير نعيم) أن اسمه لم يرد بين اعضاء اللجنة المركزية.

 

عبد الله حبه - موسكو

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو(14)

استلمت رسالة كريمة من الدكتور كامل عباس مهدي تعليقا على هذه السلسلة من مقالاتي يشير فيها الى الحلقة الثانية منها بالذات، والتي تحدثت فيها عن اول سفير عراقي في موسكو للجمهورية العراقية بعد 14 تموز 1958 وهو المرحوم عبد الوهاب محمود، ويعتبر الدكتور كامل عباس مهدي ان هذه المعلومة غير دقيقة، اذ ان اول سفير عراقي في موسكو هو والده المرحوم عباس مهدي (1898- 1961)، الذي وصل الى موسكو عام 1945 وبقي فيها الى عام 1947 ممثلا للمملكة العراقية آنذاك. لقد أشرت في مقالتي تلك الى ان العلاقات العراقية – السوفيتية قد بدأت طبعا في عام 1944، وان مقالاتي عام 2014 قد انطلقت بالذات لمناسبة الذكرى السبعين لاقامة هذه العلاقات، لكنها لم تصل الى مستوى السفراء الا بعد اعلان الجمهورية العراقية، لكن الدكتور كامل يشير الى ان والده كان (وزيرا مفوضا ومندوبا فوق العادة) لتمثيل المملكة العراقية في الاتحاد السوفيتي، وانه كان – بالنسبة لمفاهيم تلك المرحلة الزمنية - بمثابة السفير، واود ان اسجل اعجابي الشديد بملاحظة الدكتور كامل الدقيقة واحييه على ذلك خدمة للحقيقة وتسجيلا للتاريخ وتوثيقا له، وأظن اننا لم نختلف كثيرا، اذ ان المرحوم عباس مهدي كان فعلا يقوم بتلك المهمة في حينه رغم كونه لم يحمل العنوان الوظيفي المشار اليه اعلاه وهو (السفير). لقد بدأت بكتابة سلسلة مقالاتي هذه انطلاقا من تجربتي الشخصية البحتة ليس الا، اذ اني وصلت الى موسكو للدراسة فيها عام 1959 عندما كان المرحوم عبد الوهاب محمود سفيرا للجمهورية العراقية، وعلى هذا الاساس كتبت تلك المعلومات التي كنا نتداولها – نحن الطلبة – آنذاك، وكانت مناسبة الذكرى السبعين لتلك العلاقات السبب المباشر لذلك كما أشرت اعلاه، أما الشرارة (ان صح التعبير) التي دفعتني لكتابة هذه السلسلة فكانت الوقفة التأملية عند الجدار الخاص بصور السفراء العراقيين في السفارة العراقية بموسكو، وهو جدار تاريخي بكل معنى الكلمة يضم صورا لسفراء العراق في موسكو كافة وهم يقدمون اوراق الاعتماد الى القادة السوفيت والروس فيما بعد، وتحت كل صورة اسم السفير وتاريخ بداية ونهاية عمله في موسكو واسم الزعيم الروسي الذي يتسلم منه اوراق الاعتماد، والصورة الاولى هناك لعبدالوهاب محمود، وانا احاول في كل مرة ازور بها السفارة لانجاز معاملاتي الرسمية ان ألقي نظرة على هذا الجدار واحاول ان اسجٌل بعض الملاحظات بشأن الاسماء الكاملة للسفراء و تواريخ عملهم في موسكو للاستفادة منها لاحقا في كتاباتي، {بل اني سألت مرة العاملة الروسية التي مرٌت بالصدفة من قرب الجدار (وهي التي عملت اكثر من ثلاثين سنة في السفارة) عن انطباعاتها عنهم، فأشارت الى احدى تلك الصور حيث كان فاضل البراك يقف وقالت انها كانت تخاف منه لانها كانت تعلم انه (أقوى من السفير)، ولهذا كانت تلبي رأسا كل اوامره وطلباته !!!}، ولا توجد الان على هذا الجدار – مع الاسف – صور الذين عملوا قبل 14 تموز 1958، ولكني أذكر مرة اني شاهدت بعض صور هؤلاء معلقة على هذا الجدار، وقد استفسرت عن تلك الصور في حينها وعرفت ان السفارة حصلت عليها اكمالا لتاريخ العلاقات العراقية – الروسية، الا اني لم اجدها بعد فترة، ولا اعرف سبب ذلك، وربما يعود السبب الى ان الصور كانت شخصية ليس الا ولا تتناسب مع الصور الاخرى التي تمثٌل السفراء وهم يسلمون اوراق اعتمادهم الى القادة الروس، واتمنى ان تعيد السفارة تلك الصور الى ذلك الجدار- رغم ذلك - في ركن خاص، اذ انها صور تاريخية فعلا، ومن المؤكد ان صورة المرحوم عباس مهدي كانت من ضمنها .

تشير رسالة الدكتور كامل ايضا الى ان والده كان الوزير المفوض في طهران قبل تسنمه المنصب نفسه في موسكو، وهذا يؤدي بنا الى الاستنتاج بانه هو بالذات الذي أجرى اتصالات مع السفير السوفيتي بطهران لاقامة العلاقات الدبلوماسية العراقية – السوفيتية في حينها (بناء على تعليمات الحكومة العراقية والتي كانت تنسق مع الجانب البريطاني طبعا اثناء الحرب العالمية الثانية) كما تؤكد المصادر والوثائق حول تاريخ اقامة هذه العلاقات، وبالتالي فان تكليفه بالسفر الى موسكو وافتتاح السفارة العراقية هناك هو واقعيا استمرار لتلك المهمة التي بدأها في طهران، وهي نقطة جديرة بالانتباه، وخطوة ذكية جدا من قبل الدبلوماسية العراقية بلا شك بتكليف شخص يعرف اوليات الموضوع وساهم في حياكة تفاصيله .

توجد في رسالة الدكتور كامل كذلك اشارة الى مصدر مهم حول هذا الموضوع بالذات، وهذا المصدر هو رسالة ماجستير قام بها الاستاذ محمد عبود الساعدي في قسم التاريخ بكلية التربية في الجامعة المستنصرية عام 2013 حول هذا الموضوع بعنوان – (عباس مهدي ودوره السياسي في العراق حتى عام 1961)، ولكني – مع الاسف – لم استطع ان أطلع عليها، الا اني قرأت لنفس هذا الباحث مقالة واسعة وتفصيلية في جريدة المدى الغراء (ملحق ذاكرة عراقية بتاريخ 19/1/2014) عن هذا الموضوع بعنوان – (حكاية أول سفارة عراقية في موسكو سنة 1945 واول سفير عراقي فيها)، ووجدت في تلك المقالة تفصيلات رائعة فعلا عن نشاط المرحوم عباس مهدي في موسكو ومتابعة دقيقة وذكية من قبله للاحداث السياسية السوفيتية آنذاك و الخاصة بالعراق والعالم العربي، ومن المؤكد ان الباحث قد استند الى مصادر محددة بشأن ذلك (رغم انه لم يذكرها في مقالته مع الاسف)، ومنها استقبال ستالين له بتاريخ 13 كانون الاول عام 1945، وان صحت تلك المعلومات (واظن ان الامر كذلك) فانه يمكن القول ان عباس مهدي هو اول شخصية عراقية رسمية قابلت ستالين وتحدثت معه – حسب معلوماتي المتواضعة -، وهي معلومة تاريخية طريفة .

شكرا للدكتور كامل عباس مهدي على رسالته المهمة فعلا، وشكرا للباحث الاستاذ محمد عبود الساعدي على دراسته المبتكرة والاصيلة في تاريخ العراق الحديث .

ميخائيل نعيمة 1889-1988

"إنَّ الأُدباءَ الروسَ فتحوا لي البابَ الى الأَدب الإنساني الرَّحْب، فنهجتُ نهجهم في ما صنّفت من قصص .. أما في النقد فقد وجدت في "بيلينسكي"- إمام النقاد الروس- مثلا رائعاً للنقد الرفيع. أما في الشعر فقد اعجبت ب "بوشكين" و"لرمونتو" و"نكراسكوف". (ميخائل نعيمة).

أديب ومسرحي وقاص لا يقل شأنا عن أرز لبنان الضارب عمقاً في جذور التاريخ. هو الوطن بكليَّته أينما حل وارتحل. تراه يحمل وطنه بين جوانحه ويتمثله ذرة فذرة. أديب احترم نفسه وعمله فاحترمه قراؤه، إذ ليس في كتاباته ما يثير العصبية أو الطائفية لمذهب معين أو دين ما أو بغضاء لا تخدم إلا أجندة المتربصين بالوطن والبشر. طالما ساند الضعفاء والمعذبين والمشردين والكادحين في كتاباته. ما أن يهم بكتابة ما، حتى تتجلى أمامه صورة الكاتب الشريف النظيف، صاحب الرسالة الراقية. تلك الرسالة تمثل البلسم والمسحة الانسانية التي تحتوي الجميع وتتسع لآهاتهم وسكناتهم وأفراحهم وأتراحهم.

هل أثَّرت دراسته للقانون في الولايات المتحدة في كتاباته بحيث أضحى يوزن كلماته بالقسطاس، ويضعها في المكان المناسب بلا مواربة أو تأويل او تفسيرقد يفقدها كنهها؟ أم أن اطلاعه على الأدب الروسي في جامعة بولتافيا في اوكرانيا قد أثرى حصيلته المعرفية وفتح القريحة لتلقي بالدر من نفائس الاعمال؟ أم أهَّلَهُ موقعه كنائب لجبران في الرابطة القلمية في أمريكا ليتحف المهجريين بما مر به من تجارب أدبية رائعه؟ كل ذلك حدث مع نعيمة وأكثر. فهو الكاتب المسرحي الفذ، فقد كتب مسرحية" الآباء والبنون" ومسرحية" أيوب"، كما كتب القصص والاشعار العربية والانجليزية مما تفخر به المكتبة العربية مثل " النور والديجور" و" البيادر" و" همس الجفون". ويعتقد بأن " الغربال" هو أحد الأعمال التي يشار اليها بالبنان، إذ يقوم نعيمة (بغربلة) ما خطَّتْهُ أقلام كثيرة- قديمة ومحدثة- ويُخْضِعُها للتمحيص والتدقيق. نقدُهُ لهذه الاعمال ليس من منطلق شخصي، بل مهني حرفي بحت لا همَّ له إلا تبيان حقيقة المادة المكتوبة وإظهارها من منظور الجودة أو اللاجودة.

فكما عكس كتاب "الأيام" لطه حسين سيرته الذاتية ومسيرة حياته، فقد جسَّد كتاب نعيمة "سبعون" سبعة عقود من حياته ظنا منه أن نجمه كان على وشك الأُفول حينها، لكن القدر طالما كان كريماً معه، إذ منحة ثلاثة عقود إضافية، لكنها سقطت من تلكم السيرة.

من يقرأ لنعيمة بعين البصيرة يرى ما ينماز به اسلوبه من السهولة واليسر بعيدا عن الفظِّ وحوشي الكلام بل ذهب البعض الى القول بأن لغة نعيمة تقترب- أحيانا- من لغة العوام، وربما هذا ما قصده هو حتى يصل خطابه الى ادنى طبقة في المجتمع. ومما يسُسَجَّلُ لنعيمه أنه لا مجال في أدبه لكلمات أو تعابير خادشة للحياء؛ ففي إحدى المرات كان يستمع لأحد تلامذته يقرأُ عليه بعضاً مما كتب، إذ اومأَ اليه-نعيمة- بيده بحذف كلمة لا يستسيغها الذوق العام ولا يجدر بها أن تكون ضمن كتابات همُّها الأول والأخير التنوير ونشر الفضيلة، ولعل هذه النزعة لدى نعيمة هي نتاج تعمقه في الدراسات الدينية: الاسلامية والمسيحية، إضافة الى الديانات غير السماوية. لم يترك نعيمة شيئا مما يقع عليه بصره الا وتعامل معه بجدية: فقد أحب لغة القرآن واعجب بطريقة سبك الكلمات باسلوب جميل بستهوي الافئدة. كتب ذات مرة: "وأبلغ هذه النصوص: وصف الطوفان في سورة هود (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء واستوت على الجودي .. الآية).

أحب نعيمة الوحدة وخاصة حينما يتوحد جسدا ونفسا وروحا مع الطبيعة الساحرة في" الشخروب"، القرية المحاذية لبلدته " بسكنتا، حيث كان يتماهى مع شلالات الماء ونسائم الربيع ذات العبق الأخّاذ. كل تلك الطبيعة قد أفاضت وأضافت على القريحة الكثير. وُجد في أحد مجلداته قصيدة نظمها باللغة الروسية اختتمها بهذ الأبيات:

"نؤمن بروسيا

نؤمن من صميم قلوبنا

بأن الربيع سيأتي

الى ربوعك.

فقولي متى سيتحقق ذلك؟

لماذا تصمتين يا روسيا؟

نامي يا حبيبتي".

من طريف ما يروى عن ميخائيل نعيمة انه تعلق بحسناء روسية بِنيَّة الإرتباط الرسمي، لكنه تفاجأ بأنها كانت متزوجة، ولم يكن من السهولة بمكان انفصالها عن زوجها. أمام هذه الصدمة، عاد الى لبنان ثم توجه بصحبة أخية الى أمريكا. ومكث هناك زهاء (20) سنة، جاءت خلال تلكم السنوات حسناء روسيا الى لبنان وقد طُلِّقَتْ، ولكن" ولات حين مناص".

 

يونس عودة/ الاردن

 

بحر العلوم: السكون الرؤوم! (4-4)

abdulhusan shaabanبالعودة إلى مؤتمر المعارضة التأسيسي في فيينا، فبعد ثلاثة أشهر (في أيلول/سبتمبر/1992) انعقد اجتماع تمهيدي بدعوة من مسعود البارزاني، حضرته "جبهة الشام" كما كانت تسمّى ووافق الجميع على وثائق مؤتمر فيينا، وبعد شهر من تاريخ انعقاد هذا الاجتماع انعقد مؤتمر صلاح الدين في أواخر تشرين الأول (اكتوبر) ومطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 1992، وحضرت جميع الأطراف باستثناء مجموعة سوريا وقوى صغيرة قريبة منها، حيث حضر حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى والمجموعات القومية، ممثلة بحسن النقيب وطالب شبيب وآخرين، إضافة إلى الحزب الشيوعي ومجموعات صغيرة باسم الديمقراطيين، وبالطبع القوى والشخصيات التي شاركت في اجتماع فيينا، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة الوفاق ومجاميع صغيرة إسلامية ووطنية أخرى، إضافة إلى شخصيات وطنية واجتماعية، والغريب أن بعض من عارضوا مؤتمر فيينا أصبحوا أكثر حماسة له وأخذوا يوسّطون كل من يعرفونه بتمثيلهم وزيادة عدد عضويتهم، وكان يسيل اللعاب لعضوية المجلس التنفيذي.

وانتخب بحر العلوم عضواً في مجلس الرئاسة مع مسعود البارزاني وحسن النقيب، لكن المجلس لم يمارس دوره ولم يكن فاعلاً، وكان النشاط الأساسي والصلاحيات قد انحصرت بالمجلس التنفيذي وعلى نحو أضيق وبالتحديد لدى رئيسه أحمد الجلبي، الأمر الذي أثار اعتراضات بوقت مبكّر، لاسيّما للتوجّه السياسي، الذي اعتبر ممالئاً للولايات المتحدة والجهات الخارجية، وكذلك الموقف من نظام العقوبات المفروضة على العراق، حيث كان الجهد التنفيذي ينصبّ على تأييد ما يسمى بالقرارات الدولية، وإرسال الوفود إلى الأمم المتحدة لهذا الغرض، خلافاً للوثائق التي تقرّرت في المؤتمرين.

وفي هذا المؤتمر لم يكن البعض من الإسلاميين راغباً أو مرتاحاً في أن يأخذ السيد بحر العلوم مكانته التي احتلّها بجدارة، وحاول وضع عقبات وعراقيل أمامه، بهدف ثنيه عن ذلك، وحصل شيء مثير على هامش إحدى جلسات المؤتمر، فوجئ به المقرّبون، حين حاول أحدهم أن يطالبه بعدم قبول هذا الموقع، لأنه ليس له وبصوت عالي، الأمر الذي استهجن من قبل الغالبية الساحقة من الحاضرين، وظلّ بحر العلوم رابط الجأش ومتوازناً على الرغم من انفعاله، وهو دليل على خصاله النبيلة وتسامحه الكبير وثقته بنفسه.

شاركنا في ندوة في إسبانيا، نظمها د. محمد سعيد شبّر بالتعاون مع جهات أكاديمية إسبانيه، وكان الشاعر جمعة الحلفي وأبو أيوب قد حضرا من الشام. حينها أعجب بحر العلوم كثيراً بالحلفي الذي تعرّف عليه لأول مرّة، وظلّ يردّد قصيدته التي هي عنوان إحدى مجموعاته "مليّت" وإحدى قصائدها " بستان الورد"

من يا نبع مرتوي؟

من يا غصن تفاح جبت ألوان لخدودك

من يا مجرّة نزلت

من يا سما ويا كًاع لميّت الهوه لعودك

وك أنا مجبور

أنا مجبور بعيونك

خلّيني لبستان الورد ناطور

محدّ يوصل حدودك

وقد طلب منه إعادتها مرّتين، وقد طلب منيّ ما لديّ في وقت لاحق لجمعة الحلفي، وأعطيته ما كان عندي وبقيت لديه نحو ستة أشهر.

كما شاركنا في مؤتمر دعا له مهدي الحافظ وأديب الجادر في فيينا بعد تحرير الكويت وتوقف حرب التحالف ضد العراق، ولبحث المسألة العراقية بكل تعقيداتها وآفاقها، وكان المؤتمر قد حضرته أيضاً شخصيات عربية مثل صلاح الدين حافظ ومحمد فايق وزياد أحمد بهاء الدين وآخرين، وحضر المؤتمر نوري عبد الرزاق وأديب الجادر وصادق العطية وعادل مراد ومحمد عبد الجبار وطارق الخضيري وصادق العطية ومالك الياسري ومفيد الجزائري ولطيف رشيد وأحمد الجلبي وآخرين وأرجو أن لا أكون قد أخطأت في بعض الأسماء.

وكان السيد بحر العلوم مهجوساً لعدم معرفته بأجواء الاجتماع المذكور، واستشارني بالمشاركة أو عدم المشاركة، وحمّسته على المشاركة، وقال لي إذاً أذهب معك على نفس الطائرة، وفي ليلة سفرنا هاتفني فيما إذا أنا مطمئن من هذه الفعالية، وأبلغته بكل تأكيد، وفي المطار كنّا سوية السيد بحر العلوم وعادل مراد ومحمد عبد الجبار وآخرين، وعند وصولنا كان في استقبالنا طارق الخضيري، وبعد السلام والترحيب سألني بحر العلوم إن كنت أعرفه، وأضاف هل كان مع النظام، فأجبته كلاّ وهو خبير ويعمل في منظمة دولية، وبدّدت جزء من قلقه، وأعتقد إن حادثة تصفية السيد مهدي الحكيم في الخرطوم، ظلّت شاخصة أمام عينيه، ولم يرغب في أن يتكرّر مثل ذلك المشهد المأساوي.

وقد تسنّى لي مرافقة بحر العلوم في أكثر من سفرة، إلى اسطنبول وإلى كردستان، ووجدته شفافاً وأنيساً، وأتذكّر إنه في إحدى المرّات كان الشاعر هاشم شفيق معنا، وأراد أن يقدح خياله الشعري وتهبط عليه القصيدة ونحن على البحر، فإرتكنا بزاوية، لكي نمارس طقوسنا، وجاء حينها أياد علاوي وجلس معنا، وكذلك هاني الفكيكي، ثم جاء بحر العلوم، وقال والله لقد اخترتم موقعاً ستراتيجياً، فأشرت له إلى الطاولة التي جنبنا وقلت له هذه طاولتنا، وتلك طاولتكم وهذه هي التعددية، ففهم الأمر بكل أريحية.

أعود إلى لقائنا في طهران بعد عودتنا من مؤتمر صلاح الدين، فقد أوقفتنا سيارات شرطة في منتصف الطريق وتأكّدوا من جوازات سفرنا وأعادوها إلينا، وبعد نحو ساعة اعترضتنا سيارات شرطة وحرس ثوري واقتادونا إلى أحد مراكز الشرطة، وطلبوا منّا النزول ونحن كنّا قد جئنا بفيزة رسمية، وكان معي السيدة عايدة عسيران والسيدة فريال العطية في نفس السيارة، وفي سيارة أخرى الشيخ حسين الشعلان والشيخ أبو حيدر (محمد محمد علي) وشخص آخر كان ضابطاً في الجيش العراقي والتحق بالمعارضة، وبعد نقاش وحوار طويلين، أخذوا الثلاثة في سيارة سجن إلى مكان نجهله، كما أخذوا جوازات سفرنا، ولكنهم وبعد نحو ساعتين أعادوا الزملاء الثلاثة، لكنهم لم يسمحوا لنا بالمغادرة واضطررنا إلى المبيت داخل السيارات في طقس قارص البرودة ودرجة حرارة وصلت إلى 5 تحت الصفر، وذلك في باحة مركز للشرطة ( وكانت منطقة باختران إن لم أخطأ أو في الطريق إليها بعد اجتياز بحيرة وان) من جانب محافظة آرومية " الرضائية".

عرفنا لاحقا إن هناك من سرّب معلومة عن احتواء التقرير على فكرة حق تقرير المصير للشعب الكردي وإنهم أرادوا إلفات النظر بطريقة ناعمة، ممن كان قد كتب التقرير، وهكذا لحق الأذى بالآخرين، ولكنهم لم يفتحوا الموضوع أصلاً، ولم يذكروا أي شيء يتعلق بالشأن السياسي، فضلاً عن أنهم لا يجيبون على أسئلتنا، وأخيراً وبعد أن أرهقونا أعادوا جوازات سفرنا في صباح اليوم التالي، وتوجّهنا إلى طهران، وعندما أبلغت السيد بحر العلوم بذلك، وقلت له إنْ لم نصدر بياناً نحتج به على ذلك ، فإنني سأضطر لإصدار بيان بإسمي، وخصوصاً بعد دخولي بمناقشات حادة مع الجهة التي احتجزتنا، فأخبرني بأنه سبق أن تعرّض لإيقافه على الحدود منتظراً عدّة ساعات، وذكرت حالات أخرى أكثر حدّة، ورجاني عدم القيام بذلك، فإن إيران مكان لعبورنا وذهابنا وإيابنا، وسوف تؤثر خطوة من هذا القبيل على حركتنا واستجبت له وكذلك لمناشدات آخرين.

ومهما قيل ويُقال عن اجتهادات السيد بحر العلوم السياسية، أصاب أم أخطأ، فقد كان رمزاً وطنياً عراقياً وعربياً مخلصاً ومسلماً حقيقياً، وفوق كل ذلك كان إنساناً رقيقاً وعميقاً، له من الخصال الشخصية ما يندر أن تجتمع في شخص واحد، حيث التواضع والظرافة وخفّة الظل والفكاهة لدرجة تستهويه النكتة فيضحك من القلب، ويطرّبه النغم الجميل، ويستولي على لبّه بيت شعر، وحين يعجب بفكرة أو رأي يرقص كالطفل، ببراءة وعفوية وبلا تكلّف، كما كان فمه معطّراً باستمرار بالحديث عن مزايا الناس وحسناتها وإيجابياتها، دون أن يعني عدم معرفة عيوبها ومثالبها، وكان غالباً ما يردّد، " كل حلو وبي لوله"، أي إنه لا وجود لإنسان كامل، فالكمال لله وحده، ولا يستثني من ذلك نفسه أيضاً، فالبشر خطاءون مهما بلغوا من العلم والخلق والإنسانية، وتلك صفة بشرية.

كنتُ أتمنى أن لا يدخل بحر العلوم مجلس الحكم الانتقالي، كما كنتُ أتمنى أن لا يخطأ بتسمية الاحتلال بالتحرير، وأن توضع على لسانه اعتبار يوم احتلال العراق في 9 نيسان (ابريل) 2003 يوم "تحرير العراق"، وعيداً وطنياً عراقياً ففي هذا اليوم بدأت كارثة جديدة لا يزال العراقيون يدفعون ثمنها غالياً ، بعد كارثة النظام السابق وإرهابه وجرائمه.

منذ ذلك التاريخ حلّت بالعراق مأساة كبرى جديدة، وهذه المرّة لا ضفاف لها، بعد مآسي النظام السابق الذي حكم بالحديد والنار طيلة 35 عاماً، ورحل غير مأسوف عليه، وإلى غير رجعة، مثقلاً بجرائمه وآثامه، لكن العراقيين ما زالوا منغمسين في معاناة شاملة ويعيشون تلك المأساة يومياً، والأفق يشهد انسداداً كل يوم منذ الاحتلال، أي قبل ما يزيد عن اثني عشر عاماً وحتى الآن.

وإذا كان الاحتلال قد اضطرّ إلى الرحيل مُرغماً بفعل رفض واعتراض ومقاومة الشعب العراقي وخسائره البشرية والمادية وضغط الرأي العام العالمي، لاسيّما الأمريكي والغربي، فقد تُرك العراق مقسّماً ومتشظيّاً، وتستفحل فيه الطائفية، ويضرب الإرهاب والعنف الجميع دون استثناء، وهو في تصاعد مستمر، سواءً من جانب تنظيم القاعدة أو ربيبتها تنظيم داعش لاحقاً، باستشراء أنواع متعددة من الإلغاء والإقصاء والتهميش، إضافة إلى الفساد المالي والإداري، وضعف وتفكك مؤسسات الدولة، وإلاّ كيف لجيش صُرفت على إعادة تأهيله ، المليارات من الدولار، يترك مواقعه بكل هذه السهولة أمام بضعة مئات من الإرهابيين والقتلة المحترفين؟ حتى إن ثلث البلاد وقعت تحت هيمنتهم، ليس هذا فحسب، بل إن القيود الأمريكية ظلّت تكبّل العراق، سواءً عبر مجلس الأمن الدولي واستمرار قرارات الحصار لسنوات أو عبر اتفاقيات غير متكافئة.

وعلى الرغم من انحسار نفوذ داعش، ولاسيّما العسكري والسياسي، لكن ما بعد داعش قد يكون أكثر خطراً مما قبلها، فهل سيبقى العراق عراقاً؟ وهي الخطة التي جرى الاشتغال عليها لأكثر من ثلاثة عقود ونيّف من الزمان، أي منذ اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية العام 1980، سواءً انقسمت المنطقة إلى دويلات، كما يريد برنارد لويس بحيث تتفتت بحسب سيناريوهاته إلى 41 كياناً ، أو كما رسم جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي خارطة العراق بتقسيمه إلى ثلاثة أجزاء أقرب إلى دول، وفي كل الأحوال، فإن الأمر ليس بعيداً عن الاحتراب العراقي ونزعة الهيمنة والصراع على السلطة والامتيازات، إضافة إلى عدم وجود أية رؤية ستراتيجية للأطراف السياسية باتفاقها أو باختلافها، خصوصاً باستمرار نظام المحاصصة المذهبية- الإثنية.

في مثل هذه المناسبات الحزينة قد لا يكون الحديث عن مثل هذه القضايا لائقاً، على الرغم من ضرورته، وإذا كان ثمة ما هو شخصي، فلست مدّعياً، إنني كنت الأقرب لأبي إبراهيم، فكثيرون غيري يستحقون هذا الموقع، بل هم أجدر به، أو يريدون أن يحظوا بهذه المكانة، وقد يكونوا عرفوه أكثر وعاشوا معه فترات أطول واتّفقوا معه على نحو أفضل، لكنني أعرف إنني كنت صريحاً معه، وهذا الأمر يعرفه نجلاه إبراهيم محمد بحر العلوم وزير النفط الأسبق، ومحمد حسين محمد بحر العلوم، السفير العراقي بدولة الكويت منذ حزيران 2010، حتى تبدو الكتابة اليوم عنه مسألة في غاية الصعوبة والحساسية،خصوصاً إذا كانت خارج دائرة التمجيد أو المجاملة أو مشاعر الحزن الإنساني، وبعيداً عن التزلّف الرخيص أو التباكي الزائف. وما نحتاج إليه هو قراءة بحر العلوم كإنسان من خلال مسيرته وتجربته الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والإنسانية، وأين مصادر قوته مثلما مكامن ضعفه؟.

أختم بالقول إنه كان أحبّ على نفسي أن أناديه بأبي ابراهيم خارج نطاق الصفات الكثيرة، أو السيد أبو ابراهيم الذي نفتقده كثيراً في هذا الزمن الخائب.

 

عبد الحسين شعبان

 

بحر العلوم: السكون الرؤوم! (3-4)

abdulhusan shaabanكان بحر العلوم يمثّل " الجامع" للمعارضة العراقية، ويحاول امتصاص التقاطعات والاختلافات، وكان هدفه الأول والأساس هو الإطاحة بالنظام السابق، وقد دعا أديب الجادر لإلقاء محاضرة في المركز، وكان مما قاله الجادر أن نظام صدام حسين كان قوياً بمخابراته وأمواله وإعلامه وعلاقاته، أما المخابرات فقد ضعفت بسبب الحصار، وكذلك الأموال شحّت، والإعلام بدأ يتراجع ويفقد صدقيته، بل إن بعضه تحوّل من مؤيد إلى معارض له، كما هو جزء كبير من الإعلام العربي، وكذلك تلكّأت علاقاته العربية والعالمية، خصوصاً بعد غزو الكويت العام 1990 والحملة التي قادتها واشنطن ضده، وعملت على عزله.

لكن الجادر أضاف أن حليفاً جديداً قد جاء ليخدم صدام حسين وهو بعض أطراف المعارضة العراقية، بسياستها الخاطئة، سواءً بتعويلها على العامل الخارجي، أو بمراهنتها على استمرار الحصار للاطاحة بصدام حسين، وكذلك موقفها من الحرب واستمرار العمليات العسكرية ضد العراق. ويعتبر الجادر إحدى الشخصيات الوازنة، وهو يتحدّر من عائلة موصلية معروفة، وكان عمله رئيساً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان قد أكسبه مراناً وخبرة جديدة، وتعزّزت مواقفه، سواءً من قضية الديمقراطية بشكل عام أو من المسألة الكردية بشكل خاص، علماً بأنه يعتبر إحدى الشخصيات القومية والناصرية المعروفة، ويحظى باحترام عربي، بل إن حتى بعض الأوساط من النظام السابق، كانت تتمنّى لو حصل التغيير وكانت شخصيات مثل الجادر وفيما بعد ناجي طالب قد تصدّرت المشهد.

وكان بحر العلوم قد لقي لوماً من الذين لا يريدون سماع مثل هذه التقييمات، خصوصاً وأن الجادر أفاض في موضوع الحصار وتأثيراته والديون التي ستستحق على العراق وتكبّله، ناهيكم عن خطورة قرارات العقوبات الدولية، وهو ما عاد وكرّره في اجتماعات للهيئة الاستشارية التي كان أمينها العام مهدي الحافظ في فيينا ورئيسها الجادر، وقد اقتبست بعض الأرقام والتقديرات تلك في كتابي الموسوم " المحاكمة- المشهد المحذوف من دراما الخليج" ومن قام بطبعه محمد حسين بحر العلوم الذي كان ينشط مع ابراهيم بحر العلوم في دار زيد بلندن (العام 1992).

لقد تحوّل مركز آل البيت في لندن إلى خلية نحل لاجتماعات وخطط وبرامج وبيانات، مثلما كان بيت بحر العلوم مفتوحاً بكرم غير مبالغ فيه، ولكن بعطاء لا حدود له. وأتذكّر أن الاجتماع الذي كان مقرّراً أن تعقده المعارضة العراقية بعد مؤتمرها الأول في بيروت آذار /مارس 1991، تقرّر أن يُعقد في فيينا في نيسان/ أبريل/ 1992. ولكن إعلان لجنة العمل المشترك ومقرّها دمشق (ولنقل بعض أطرافها، حيث شاركت الأحزاب الكردية وهي جزء منها، بحماسة شديدة في المؤتمر) أربك الموقف، خصوصاً في الفترة القصيرة التي كان مقرّراً انعقاده، وتم تأجيل المؤتمر إلى حزيران/يونيو 1992.، وتقرّرت لجنته السياسية في منزل بحر العلوم، التي ضمت بحر العلوم، وتحسين معلّه، وهاني الفكيكي، وليث كبّه، ولطيف رشيد وكاتب السطور الذي كلّف بكتابة التقرير والبرنامج السياسي للمؤتمر والمعارضة.

وكم حاول بحر العلوم مستفيداً إقناع الآخرين من علاقاته الواسعة من السوريين والإيرانيين وغيرهم ودعوتهم للحضور والضغط عليهم ولكن دون جدوى، ولهذا فقد انعقد المؤتمر بمن حضر وتضمن التقرير والبرنامج السياسي الذي أعددته حينها أكثر من إشارة واضحة ومحدّدة بشأن حق تقرير المصير للشعب الكردي طبقاً للقانون الدولي، وهي أول وثيقة عراقية تصدر باسم المعارضة تأخذ بمبدأ حق تقرير المصير وهو ما يعتز به الكاتب، بل هي جزء من إيمانه بحق الشعوب والأمم في تقرير مصيرها، وموقفه هذا ليس افتئاتاً على أحد أو منّة أو هديّة، وإنّما هو إقرار بواقع أليم عانى منه الشعب الكردي، على الرغم من الدعوة للاتحاد الاختياري الأخوي، أما اختيار شكل التعبير عن حق تقرير المصير، فيمكن أن يبدأ من المساواة التامة في المواطنة واحترام حقوق الإنسان ومروراً بالحكم الذاتي أو الفيدرالية، أو حين يصبح العيش المشترك مستحيلاً، فعندها يحدث الطلاق، وهو أبغض الحلال عند الله، ولكنه بدلاً من أن يكون عدائياً وتناحرياً، يمكن أن يكون توافقياً وسلمياً، لاسيّما إذا أصبح لا مفرّ منه، وذلك بدلاً من الاحتراب والصراع والحروب العبثية.

والشيء بالشيء يُذكر كما يقال، فإن خمسة من المشاركين في المؤتمر بمن فيهم أعضاء في اللجنة التحضيرية شكّلوا وفداً للقاء بجلال الطالباني، وإقناعه بإلغاء هذه الفقرة، ولكل أسبابه بالطبع، وقبل أن يقابلوه إلتقوني، وإذا بأحدهم يقول لي لماذا "ورّطتنا" بهذه الورطة؟ والمقصود بذلك حق تقرير المصير، فقلتُ لهم إن هذا رأيي وقد دونته كما أجتهد، ويمكنكم مناقشته إذا رغبتم بالتوجّه إلى المؤتمر، بما فيه إلغاءه، ثم إنني أرسلت هذه المادة قبل نيسان/ابريل، وعدت وأرسلتها بعد طلبها ثانية يوم 27/أيار/مايو/1992، ولم أتلقّ أية ملاحظة أو اعتراض أو رأي مخالف لحين انعقاد المؤتمر، فالمادة لم تعد ملكي، بل ملك الاجتماع الذي سيقرر الرأي بشأنها.

قابل الوفد الطالباني في الفندق ذاته الذي انعقد فيه المؤتمر، وحاول إقناعهم بعد جدال طويل بوضع عبارة "دون الانفصال" بتذييل حق تقرير المصير، وبعدها طلبني مام جلال، وطلب مني عدم معارضة ذلك، لأنها تسوية توصّل إليها، وقلت له أن المسألة من الناحية القانونية غير منسجمة، فكيف يستقيم حق تقرير المصير مع التقيّيد، لاسيّما بعبارة، "دون الانفصال"، فرجاني أن لا أثير مثل هذه المسألة، لكن التناقض كان واضحاً، فقد ظل حق تقرير المصير مقيّداً في فقرتين، وكان مطلقاً في فقرتين أخريتين، سواءً في النص أو في البيان الختامي، ومن يرغب بمراجعة ذلك سيكتشف الأمر في كرّاس صدر عن مؤتمر فيينا في حينها (1992).

إن مثل هذا التشوّش والالتباس يعني فيما يعنيه أن المعارضات غالباً لا تقرأ، بل لا تهتم بما هو مكتوب، وتصبّ جلّ انشغالها بالاتفاقيات والصفقات السياسية من تحت الطاولة أو من فوقها، والأمر ينطبق على الموقف من الحصار الدولي والقرارات الدولية المجحفة، وخاصة القرار رقم 687 الصادر في 3 نيسان (ابريل) 1991 كما ورد في النص، إضافة إلى تحميل الولايات المتحدة ما حصل للعراق من خراب ودمار، بسبب تجاوز مسألة تحرير الكويت إلى تدمير العراق، وهو نص مكتوب في التقرير والبرنامج السياسي، الذي لم ينس النظام وجرائمه وآثامه، سواء في حلبجة والأنفال أو في جنوب العراق أو غربه وشماله، فالبطش كان عاماً وشاملاً، لكنّه ندّد بالحصار الدولي، ودعا إلى تطبيق القرار 688 الصادر في 5 نيسان (ابريل) العام 1992، والقاضي بوقف القمع الذي تعرّضت له المنطقة الكردية واحترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين وهو القرار الوحيد، بل واليتيم والمنسي أو المهمل، كما أسماه الكاتب في حينها الذي ينتصر للشعب العراقي، خلافاً لجميع القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي، وهو ما كثّف البحث فيه في كتابيه " عاصفة على بلاد الشمس" الصادر في العام 1994 و"بانوراما حرب الخليج " الصادر في العام 1995.

بالمناسبة فقد أصبح بعض من المعترضين على حق تقرير المصير من أشد الداعمين والمؤيدين للحركة الكردية وليس لحقوق الشعب الكردي، فالحركة الكردية مثلها مثل غيرها تصيب وتخطأ، أمّا حقوق الشعوب فهي الأساس وهي الباقية، والمسألة لا تتعلق بتطوّر المواقف بقدر تعلّقها بتطوّر المصالح، وهو ما أصبح ملحوظاً ومصدراً للتندّر بعد احتلال العراق، لاسيّما حين أصبح إقليم كردستان سلطة فعلية ومقرِّرة لدى بغداد فاستدار كثيرون مثلما بالغ آخرون في الترويج والدعاية، وتلك إحدى مساوئ العمل الوطني العراقي.

وللأمانة أقول إن بحر العلوم لم يكن من هؤلاء، الذين تحفّظوا على حق تقرير المصير أو ما ورد في التقرير، وكان يردّد باستمرار بخصوص القضية الكردية أنه يتمنّى أن يكون لنا وطناً واحداً، وأن يعيش في عراق دون تمييز، وهو ما كان مؤمناً به، أما إذا استحال الأمر فعلينا أن نعيد حساباتنا، ولكن دون حروب أو قتال، بل بالتفاهم، فقد كان ملتزماً بحقوق الأكراد، ليس من باب المجاملة أو المصلحة أو لنفوذ لاحق، كما يتملّق كثيرون، ويتزلّفون لهذا أو ذاك، بل كان ذلك عن قناعة وإيمان حقيقيين في سرّه وفي علنه.

ولعلّها مناسبة أن نذكر إن الحركة الدينية (الإسلامية) بشقيها لم يكن لها موقفاً واضحاً ومحدّداً إزاء القضية الكردية حتى العام 1992، ويعتبر بيان حزب الدعوة (برنامجه) العام 1992، أول وثيقة سياسية تؤيد " حقوق أخواننا الأكراد بالحكم الذاتي".

وقد دعاني السيد بحر العلوم لإلقاء محاضرة عن القضية الكردية في مركز آل البيت في لندن 1992 وذلك بعد محاضرتي في الكوفة كاليري حول مشكلة المهجرين العراقيين في ضوء القانون الدولي.

وكان بحر العلوم دائم الحضور معنا في أنشطة المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وأذكر منها حين لبّى دعوتنا بكل اعتزاز كما عبّر عن ذلك، لحضور الملتقى الفكري الأول الذي نظّمته المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كنت أتشرف برئاستها والذي كان عنوان "الحوار العربي- الكردي" خريف العام 1992، وساعدنا في الإعداد له سامي شورش (عن الجانب الكردي) ونوقش فيه لأول مرة موضوع الفيدرالية وحق تقرير المصير، إضافة إلى الحكم الذاتي .

وحضره 25 كردياً نستذكر منهم محسن دزئي وإبراهيم أحمد ولطيف رشيد وهوشيار زيباري ومحمود عثمان وعادل مراد وسامي شورش ومحمد صدّيق ومحمد هماوندي وعمر شيخ موس وآخرين، و25 عربياً، بينهم من عرب العراق: بحر العلوم وعامر عبدالله وهاني الفكيكي وحسن الجلبي ومحمد عبد الجبار الشبوط، ومن الشخصيات الإعلامية التي شاركت وكتبت لاحقاً عبد الوهاب بدرخان وكاميران قرداغي وحازم صاغية، إضافة إلى حضور مصري وبحريني وسوري وسعودي وفلسطيني ومغربي وتونسي وليبي وآخرين.

كما حضر بحر العلوم الملتقى الخاص بالثقافة والمثقفين والملتقى الموسوم بالتسامح والنخب العربية والملتقى المخصص للقدس والملتقى الخاص بالحصار الدولي، وغيرها من الفعاليات.

وجّهت لي دعوة لحضور مؤتمر في ديربون بالقرب ديترويت (الولايات المتحدة) لحضور مؤتمر بمناسبة ذكرى يوم الغدير، وأجبتُ محدثي عبر التلفون وهو السيد صادق بحر العلوم زوج ابنة بحر العلوم السيّدة خمائل وصديقة شقيقتي سلمى، بأنه ليس لي علاقة بمثل هذا الموضوع وهناك كثيرون هم أقرب إلى هذا الموضوع. وقلتُ له أيعقل إنني أتحدث عن ذلك؟ قال لي المهم نحن نريدك أن تحضر لنلتقي بك، وبعد يومين عاد واتّصل بي وطلب مني كيف يرسل لي بطاقة الدعوة للحصول على الفيزا ثم إرسال التذكرة، فأجبته إذا وافقتم ستكون محاضرتي عن " الإمام علي وفلسفة الحق والحرية".

وهذا ما حصل وكان من الحاضرين على ما أتذكّر إضافة إلى السيد بحر العلوم ومحمد عبد الجبار، فهمي هويدي والسيد الأمين، ومحمد التيجاني السماوي، التونسي الذي ألّف كتاباً بعنوان " ثم اهتديت"، وكنت قد قرأته نظراً للدعاية الكبيرة التي صاحبته، ولم أجد فيه شيئاً مميّزاً، إذا استبعدنا الجانب الدعائي للشيعة الخاص ببلدان المغرب العربي، حين يعلن أحد علماء السنّة بالتحوّل إلى المذهب الشيعي، ويسوق لذلك مبرّرات لم أرها كافية لمثل هذا التحوّل، ولكن للمسألة بُعدٌ سياسي، وخصوصاً بعد الثورة الإيرانية العام 1979 ومحاولة تمدّدها أو تصديرها بطرق مختلفة، وكنتُ قد أعربت عن رأيي هذا للسيد بحر العلوم، علماً بأن الكتاب حتى ذلك الحين طبع 29 مرّة وبمئات الآلاف من النسخ من جانب الإيرانيين.

عند انتهائي من محاضرتي، جاءني التيجاني السماوي بزيّه التونسي الواسع الجميل (البرنص كما يسمّى)، وسـألني هل أنت قيادي في حزب الدعوة؟ فأجبته كّلا، ثم قال من أي حزب إسلامي أنت؟ قلت لست حزبياً، وقال لي أنت إسلامي مستقل إذاً، قلت له لستُ إسلامياً، قال : كيف؟ قلت له: الإسلاميون يريدون إقامة حكم إسلامي وأنا ضد ذلك، فقال لي إذاً من أين جاءت ثقافتك الإسلامية؟ قلت له لقد رضعنا ذلك مع الحليب. قال لي إذاً أنت تدعو إلى حكم غير إسلامي فماذا تسمّيه؟ قلت له، حكم ديمقراطي دستوري تعدّدي وفسّرت له ذلك، ثم صدمته بقولي إنني علماني واشتراكي النزعة وماركسي التوجّه، فنادى على بحر العلوم وسأله أحقاً ما يقول؟ فضحك بحر العلوم قائلاً هذه هي التعددية، ولكن لا تنسى أن عائلة فلان هي من العوائل الدينية في الروضة الحيدرية للإمام علي.

وظلّ التيجاني السماوي مستغرباً، وتحاورنا أكثر من مرّة، فاكتشفت أن معلوماته، ولاسيّما بخصوص التجديد في الفقه الشيعي وإطلاعه على آراء وأفكار بعض المفكّرين الشيعة محدوداً، ومن يقرأ علي شريعتي، وخصوصاً كتابه " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي" وكتاب " العودة إلى الذات"، يدرك القيمة الحقيقية لتجديد الفكر الإسلامي، الذي لا يعتبر ترفاً فكرياً، بل حاجة ضرورية لتخليصه من الكثير من القيود والرتابة والروتينية، وذلك بحد ذاته يمثل تحدّياً للمؤسسة الدينية التقليدية والتيارات المحافظة وخطراً عليها، الأمر الذي دفع برجال السافاك إلى اغتيال شريعتي في لندن العام 1977، ولم يبلغ عمره آنذاك سوى 43 عاماً، ويمكننا أن نتصوّر لو واصل شريعتي عطاءه، خصوصاً وقد اكتملت أدواته البحثية وبلغ مرحلة النضج والامتلاء.

وقد يكون التيجاني ملمّاً أكثر من غيره ببعض جوانب الفقه الشيعي بشكلانيته المدرسية، بدراسة السطوح وثم بحث الخارج والرسالة العملية، وبعض من الكتب المعروفة للشيخ الكيلني والشيخ الصدوق والشيخ المفيد (وهي كتب تأسيسية في الفقه الشيعي) لكنّني أعتقد أن ذلك ليس كافياً لإقناع آخرين على التحوّل أو الاختيار، الاّ إذا كان الأمر لاعتبارات سياسية أو فردية لكنها تبقى محدودة، بل ونادرة. لقد ظلّت صورة التيجاني السماوي عالقة بذهني على الرغم من غيابه عن المسرح منذ أواسط التسعينيات، ولم أسمع عنه، وقد سألت عنه في تونس، فلم يكن قد ترك تأثيراً يُذكر على المستوى الفكري والسياسي أو الاجتماعي، سوى أنه كان إحدى إفرازات المذهبية والصراع المحموم في المنطقة، وقد أبلغني الأخ الكاتب والإعلامي خالد شوكات (الناطق باسم مجلس النواب التونسي) أن التيجاني ما زال حيّاً يرزق ويعتبر داعية للمذهب الشيعي في تونس، لكن حركته أصبحت محدودة، ويزور إيران بين فترة وأخرى.

بحر العلوم: السكون الرؤوم! (2-4)

abdulhusan shaabanومن المفارقة أن التيار المعاكس أي "المحافظ"، الذي وقف في السابق ضد القانون رقم 188 وجدها فرصة لإلغائه على الرغم من التعديلات العديدة التي انتقصت منه منذ العام 1963، خصوصاً وأن هذا التيار يحظى بدعم الشارع في ظل الشحن الديني والتمترس الطائفي، وقد ارتفع رصيده بعد احتلال العراق، ولعلّها مفارقة ثانية أن تقف النسوة في غالبيتهم ضد حقوقهن، حيث قدن تظاهرة بدعم من التيار الديني للمطالبة بإلغاء القانون رقم 188، وشارك فيها نحو 50 ألف إمرأة، في حين إن النسوة اللواتي كنّ قد تظاهرن مع إبقاء القانون الذي يكفل جزء من حقوق المرأة، لم يزد عددهن عن ألف إمرأة، مثلما هي مفارقة ثالثة أن لا يصادق بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق 13 أيار/مايو 2003- 28 حزيران/يونيو 2004 على قرار مجلس الحكم الانتقالي، بل ويدعو لإعادة مناقشة القرار والتصويت عليه مجدّداً، فلم يحرز هذه المرّة الأصوات المطلوبة، وهي مفارقة رابعة.

ومثلما ثارت ثائرة بعض المتدينين لتأسيس مدرسة للبنات، فقد علت أصواتهم حين شاركت عدداً من النسوة في تظاهرات العام 1956 ضد العدوان الإمبريالي الإسرائيلي على الشقيقة مصر، وانتصاراً لحقوقها، لكن الحملة ضد قانون الأحوال الشخصية كانت هي الأعنف على الإطلاق، مثلما لقي قانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في 30 أيلول /سبتمبر العام 1958 معارضة شديدة وحادة. وكانت هاتان القضيتان، إضافة إلى قانون رقم 80 لعام 1961 بخصوص استعادة أراضي نحو 99.5% من "الشركات النفطية" ومنعها من التنقيب فيها، وكذلك المطالبة بالكويت العام 1961، إضافة إلى الهجوم على الحركة الكردية العام 1961، هي من الأسباب الرئيسية الإطاحة بالجمهورية الأولى (العام 1963 بانقلاب دموي كما هو معروف) وبتحالفات مباشرة أو غير مباشرة لم يكن بعيداً عنها القوى الخارجية.

V

وقد لعبت فتوى السيد محسن الحكيم والتي ملخّصها " الشيوعية كفر وإلحاد" وتحريم الانتماء إلى الحزب الشيوعي دورها في تهيئة أرضية وبيئة مناوئة لإجراءات الزعيم عبد الكريم قاسم، سواء بالتكامل مع آخرين مباشرة أو بشكل غير مباشر للإطاحة به. وقد أثارت الفتوى في حينها ضجة كبرى، سواءً على صعيد النجف بالدرجة الأساس أو المدن العراقية الأخرى (المراكز الحضرية)، حيث عزّزت الانقسامات الموجودة والحادّة بين الشيوعيين والقوميين، وأضافت إليها بُعداً دينياً ، أما في الريف والمناطق النائية فقد كان التأثير على نحو أوسع بحكم دور العامل الديني، وهو ما لا يمكن قياسه في النجف وكربلاء والكاظمية على الرغم من إن الدين جزء من حياتها اليومية، إلاّ أن تأثير الفتوى كان ضعيفاً بحكم رسوخ أقدام الحركة اليسارية والتحرّرية.

وبقدر ما ألحقت الفتوى ضرراً بالحركة الشيوعية باستهدافها من جانب مرجعية دينية شيعية ومؤيدة من رجال دين سنّه، فإنها ألحقت في الوقت نفسه ضرراً بالتيار الديني (الإسلامي) الذي تعرّض لانتقادات شديدة، بل لاتهامات وشكوك، بحكم الصراع السياسي والآيديولوجي في حينها بين معسكرين الإشتراكية والرأسمالية، وانعكاساته وذيوله، سواءً بين الشيوعيين والبعثيين والقوميين، وبين حكم قاسم وعبد الناصر، واستكملت لوحة الصراع بإضافة التيار الديني، وبالطبع فقد كان صراعاً أعمى بشكل عام، وحتى الذين يُبصرون، كان عمى الألوان يصيبهم أحياناً، وهو ما عانى منه التيار الديني أيضاً، مثلما هي التيارات السياسية القومية والبعثية والشيوعية، التي دخلت في صراع محموم. والأمر لا يقتصر على العراق، بل كان هناك أنواع أخرى للصراع شهدتها مصر وسوريا وعموم بلدان المنطقة، بامتداداتها الدولية.

كنتُ قد سألت السيد بحر العلوم بعد انقطاع طويل نسبياً وخلال دعوته في منزل شقيقتي سلمى شعبان في الشام في أواسط الثمانينات، ما الذي استهدفوه من حملة مكافحة الشيوعية وتحريمها؟، وقد كان هو من أنشط المروّجين لها، حيث كان يعمل بمعيّة السيد محسن الحكيم " آية الله" العظمى كما أطلق عليه، وكما يقول الشيخ شمس الدين، أردنا كتابة رسالة وتذييلها فابتكرنا كلمة "العظمى" وهي ليست موجودة في المراتب الحوزوية، ولكن لإظهار هيبة ونفوذ "المرجعية"، وخصوصاً في مواجهتها للشيوعية.

ثمة مفارقة شديدة الغرابة، لكنها كثيرة الدلالة، لانحياز الكثير من أبناء المناطق المحرومة، وكذلك عدد غير قليل من العوائل الدينية وبينهم رجال دين وفي حضرة الإمام علي وقرّاء منابر وشعراء شعبيين، إلى جانب الحركة الشيوعية، بل إن فيهم شيوعيين منظّمين ونشطين، حتى إن مسؤول اللجنة المحلية في النجف آنذاك، كان السيد صاحب جليل الحكيم، وقد سألني بحر العلوم عنه، خصوصاً وكنت قد ذكرت اسمه لأكثر من مرّة: أتقصد المناضل العتيق؟ قلت له نعم، وهو ما خاطب به الشيخ جعفر الدجيلي، صاحب جليل الحكيم عندما التقاه في منزل شقيقتي في الشام قائلاً: أنت قائد المظاهرات، وقدّر لنا أن نلتقيك بعد أربعة عقود من الزمان، فقد كُنتَ الحاضر " الغائب".

ومن أبرز العوائل الدينية التي كان نفوذ الحزب الشيوعي قوّياً فيها، وهي في حضرة الإمام علي، آل الرفيعي (وهم الكليدارية) وآل شعبان (سرخدمة- أي رؤساء الخدم) وآل الحكيم وآل الخرسان وآل شريف وآل زوين وبعض من آل شمسه وآل كمونة، إضافة إلى عوائل كان حضور الحزب الشيوعي فيها نافذاً مثل آل الجواهري وآل الشبيبي وآل بحر العلوم وآل سميسم وآل زيردهام وآل الدجيلي وغيرها، وهذه كلّها عوائل دينية ضمّت الكثير من الشيوعيين، إضافة إلى أبناء عوائل أخرى غير دينية.

بعد أن اعتدل بحر العلوم في جلسته وحرّك عمامته لتجلس فوق رأسه تماماً: قال: ماذا نعمل، فقد سيطرتم على الشارع بالمقاومة الشعبية والمنظمات الجماهيرية؟ لقد قلنا حينها وقع العراق تحت هيمنة الحزب الشيوعي وخلفه موسكو، ولن تقوم لنا قائمة، فلم نجد بدّاً لوقف المدّ الشيوعي "الأحمر" سوى دمغ الشيوعية بالكفر والإلحاد وتحريم الانتماء إلى الحزب الشيوعي، وأضاف بحر العلوم كانت الفتوى إحدى أسلحتنا الأساسية لوضع حدّ لنفوذكم، ولكنه لم يكن بإمكاننا المواجهة السياسية، سوى الاعتصام بحبل الدين وجعل الشيوعية مناقضة له، في حين اختار القوميون والبعثيون المواجهة العسكرية بالإعداد لانقلابات، اخترنا نحن المواجهة الفكرية.

وكان وقتها قد تبلور تنظيم حزب الدعوة تدريجياً بعد الثورة، وأضاف بحر العلوم شجّعنا السيد محمد باقر الصدر على محاججة الشيوعيين ونظرياتهم لإمكاناته الفكرية، فأصدر كتاب " فلسفتنا"، ثم كتاب " اقتصادنا"، وهو ما أخبرني به السيد طالب الرفاعي، حين إلتقيته في الولايات المتحدة العام 1992، ويعتبر أحد أبرز مؤسسي الحزب البارزين، وكان قد صلّى على جثمان شاه إيران محمد رضا بهلوي حين توفي في القاهرة، إذْ لم يجدوا رجل ديني شيعي يوافق على ذلك، ولأنه كان في القاهرة، فبادرت الرئاسة المصرية للاتصال به، وهذا ما حدث.

كان بحر العلوم جزءًا من التركيبة الأولى لحزب الدعوة، مثلما كان السيد محمد باقر الصدر ومحمد باقر الحكيم وآخرين، ولكن هؤلاء وأعني بهم ثلاثة من المؤسسين تخلّوا عن العمل الدعووي التنظيمي الحزبي بعد أن أبدت مرجعية الحكيم تحفظاتها حول العمل الحزبي وانخراط رجال الدين فيه، وقد أخبرني السيد بحر العلوم أنه امتثل لأوامر السيد محسن الحكيم ، وعندما غادر العراق لم ينتظم في أي إطار حزبي أيضاً، ونشط كشخصية إسلامية مستقلة ومعتدلة، وقد استقطب أوساطاً غير قليلة، الأمر الذي أغاظ بعض القائمين على حزب الدعوة في لندن، فأرسلوا له العام 1984 من يلفت نظره إلى أن بعض تصريحاته قد تُحسب على خط الدعوة، في حين كان هو يتصرّف من موقع مستقل، وأحياناً تتعارض مواقفه مع بعض القوى الإسلامية، سواءً في مواقف عامة أو في بعض الجزئيات.

وكنت قد سألته عن رأيه في الحرب العراقية- الإيرانية، وبقدر تنديده بنظام صدام حسين ودكتاتوريته ومسؤوليته، إلاّ أنه لم يكن متطابقاً مع الموقف الإيراني ولا بشأن البديل المطروح، وأخذت ملاحظاته تكبر إزاء السياسة الإيرانية منذ أواسط الثمانينات، وقد عبّر عن ذلك في مقابلة أجرتها معه جريدة البديل الإسلامي، في الثلث الأخير من العام 1988 في دمشق، على ما أتذكّر.

VI

لقد اضطّر بحر العلوم إلى مغادرة العراق في العام 1969 بعد اتّهام النظام السابق له، وكذلك للسيد مهدي الحكيم (نجل السيد محسن الحكيم)، بالعمل لصالح جهات أجنبية مثيراً لغطاً حول ارتباطاتهم المشبوهة في إطار حملة إعلامية شرسة (قبيل وفاة السيد محسن الحكيم – في حزيران /يونيو 1970) وهي الطريقة التي كانت السلطة تستخدمها ضد خصومها، وقد قتل من آل الحكيم وآل بحر العلوم على أيدي النظام السابق وعلى مدى العقدين الأخيرين (الثمانينات والتسعينات) من القرن الماضي عشرات من الشباب، وهي أرقام ليست عائمة أو مبالغ فيها، بل موثقة بالأسماء، ويعرف كاتب السطور العديد منهم زمالة وجيرة في فترة طفولته وفتوّته في النجف.

وقد اغتيل السيد مهدي الحكيم في الخرطوم (السودان) حين كان يحضر مؤتمراً إسلامياً العام 1988، على الرغم من تحذيرات وصلته بعدم السفر، لكنه أصرّ على الذهاب لشرح معاناة العراقيين بسبب الحرب والنظام.

بعد غزو الكويت من جانب القوات العراقية في 2 آب (أغسطس) العام 1990 بقرار فردي من الرئيس السابق صدام حسين، وكنت قد وصلت إلى لندن، زرتُ السيد بحر العلوم في منزله، واتفقنا على لقاءات لاحقة، وكان أول لقاء اقترحه هو مع هاني الفكيكي في مكتبه. وقد استغربت عند حضوره بلا عمامة ويرتدي البنطلون ولاحظت أن شكله تغيّر كثيراً، وكنتُ أتصوره أطول من ذلك، ولاسيّما بالعمامة، لكنني وجدته قصيراً، ولم يكن جسمه كبيراً أو ممتلئاً كما كنت أعتقد، خصوصاً بالجبّة أو الصاية والعباءة، وهو الشكل الذي اعتدنا عليه، ومازحته قائلاً: لسنا فقط نحن عشّاق العمل السرّي ونقبع في السراديب، ها إنكم تفعلون مثلنا! وضحكنا، الفكيكي وبحر العلوم وأنا.

وقد تعمّقت علاقتنا كثيراً في لندن، مع الكثير من اللقاءات والاجتماعات والأسفار، فضلاً عن الزيارات الشخصية والترابطات العائلية مع إبراهيم بحر العلوم ومحمد حسين بحر العلوم وعوائلهم إضافة إلى كريمته في أمريكا وأحفاده مع إبن اختي بسّام.

وقبل مرض السيد جمال الدين، كنت قد دعوتهما للعشاء ومعهما بعض الأصدقاء في منزلي واستمعنا إلى قصائد غزل من جمال الدين وبحر العلوم، وكانت قد أقيمت أمسية جميلة لجمال الدين في الكوفة كاليري في لندن، وكان جلّ الحديث حول التحديّات الجديدة التي تواجه المعارضة العراقية، لاسيّما بانهيار صورة المؤتمر الوطني العراقي، واستقالة العديد من أعضائه القياديين ومنهم عبد الستار الدوري وطالب شبيب وانسحاب حزب الدعوة وهاني الفكيكي والحزب الشيوعي وتعطّل اجتماعاته، إضافة إلى الانتقادات السياسية التي وجهت له.

وكان كاتب السطور قد كتب مذكرة احتجاجية بهذا الخصوص منذ وقت مبكّر (تموز/يوليو/1993) وأعقبها باستقالته بعد أربعة أشهر وأعلن موقفه من الحصار الدولي الجائر، والرهان على العنصر الخارجي وتأييد عمليات ضرب العراق بحجة تقليم أظافر النظام والارتجالية والفردية في عمله، مما جعل صورته تتدنّى أمام الجماهير الكردية، التي كان على تماسٍ بها، وكان السيد بحر العلوم لا يخالف هذه التوجّهات كثيراً على الرغم من أنه حاول ثنيي وثني الآخرين عن عزوفهم عن العمل، ولكنه كان يردّد إن استقالته في جيبه وإنه سيقدّمها حالما يجد الفرصة المناسبة.

وقد عادت معظم الأطراف التي انسحبت من المؤتمر وتعاونت معه بشكل مباشر أو غير مباشر عشية احتلال العراق، وقد كان الثلاثة المواظبين على الاستمرار والحضور هم: الحزبين الكرديين، وإن كان قد ضعف اهتمام الحزب الديمقراطي الكردستاني به، والمجلس الإسلامي الأعلى، في حين كانت حركة الوفاق (د. إياد علاوي) قد اختّطت نهجاً خاصاً بها ولم تعر أي اهتمام بتشكيلات المؤتمر أو نشاطه على الرغم من أنها استمرت في إطاره، سواء في مؤتمر ونزور العام 1999 أو مؤتمر واشنطن العام 2001 أو مؤتمر لندن العام 2002 الذي وضع اللمسات الأخيرة ما قبل غزو العراق.

 

عبد الحسين شعبان

 

شذرات من حياة الشيخ المفيد في تاريخ الفكر الاسلامي

هو ابو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي، العكبري، البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد، وبابن المعلم. والملَّقب ايضا بشيخ المشايخ الأجلّة ورئيس رؤساء الملّة فخر الشيعة ومحي الشريعة علم الحق ودليله ومنار الدين وسبيله اجتمعت فيه خلال الفضل وانتهت إليه رئاسة الكل واتفق الجميع على علمه وفضله وفقهه وعدالته وثقته وجلالته.

ولد سنة 336 ه‍، وقيل : سنة 338 ه‍، في بلدة عكبرا [اسم بليدة من نواحي دجيل، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ. ينظر: ياقوت،معجم البلدان،ج4،ص142] ترعرع في كنف والده الذي كان معلما في واسط، ولذا كان ابنه يكنى بابن المعلم . انحدر به أبوه إلى بغداد وهو بعد صبي، وبغداد حينذاك حاضرة العلم، و مركز الحضارة وعاصمة العالم الإسلامي كله ومهد العلماء. وهو من الشخصيات الإسلامية الفذّة التي يفتخر ويسمو بها مذهب اهل البيت (عليهم السلام).

وأما وجه تسميته بالمفيد قال الشيخ النوري في كتابه مستدرك وسائل الشيعة: ولقبّه المفيد صاحب الزمان (صلوات الله عليه) والمشهور أنَّ لقبه هذا إنما لقبه به بعض علماء العامة. وقيل لقبه الشيخ الرماني ب‍ (المفيد)، لسبب محاجته المعروفة معه، وكان المترجم له يقرء آنذاك على أبي عبد الله الحسين بن علي المعروف ب‍ (جعل) في منزله بدرب رباح . شيوخه وأساتذته يربون على الخمسين، جلهم من أقطاب المدرسة البغدادية، في الأدب والفقه والحديث وغيرها . وصفاته : كان شيخا، أسمر نحيفا، قوي النفس، كثير البر والصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، حسن اللباس، يلبس الخشن من الثياب، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، حسن اللسان والجدل، صبور على الخصم، ضنين السر، جميل العلانية . كان له مجلس نظر في داره بدرب رباح، يحضره كافة العلماء من سائر الطوائف، يناظر أهل كل عقيدة، زاره ابن النديم صاحب الفهرست في ذلك المجلس و قال عنه : شاهدته فرأيته بارعا . كان مديما للمطالعة والتعليم، من أحفظ الناس وأحرصهم على التعليم، يدور على حوانيت الحاكة والمكاتب فيتلمح الصبي الفطن فيستأجره من أبويه .

مؤلفاته ومصنفاته ناهزت المائتين أو جاوزتها (كتاب ورسالة) في الفقه والكلام والحديث من هذه المؤلفات :الأرشاد في معرفة حجج الله على العباد، والأختصاص، والأمالي ، والمقنعة. وغيرها الكثير.

لقد كان من جملة مقتضيات الزعامة العامة للإمامية التي بلغها الشيخ المفيد(رحمه الله) في زمانه، وجود نواب له، وممثلين عنه في كثير من النواحي والبقاع في أرجاء المعمورة، حيث تواجد الشيعة الإمامية . ومن البديهي أن النائب يمثل امتدادا طبيعيا للعقيدة عنه واتجاهاته وانطباعاته عن الأشياء، ويبقى كلما أشكل عليه أمر استرشد بموكله، واستمد من توجيهاته، فارسل إليه وكيله من ناحية (صاغان)، وكان قد أدلى بها فقيه الأحناف في ذلك البلد، ولم يكن له بد من إرسالها إلى زعيم الإمامية ليجيب عنها ويشفعها بالأدلة والبراهين، فتصدى لها الشيخ المفيد .

ولابد من الاشارة انه في القرن الخامس الهجري انتقلت المدرسة من (قم والري) إلى (بغداد) حاضرة العالم الإسلامي عامة . وكان لهذا الانتقال أسباب عديدة :نذكر منها ضعف جهاز الحكم العباسي، حيث ضعفت سيطرتهم في هذه القترة، ودب الانحلال في كيان الجهاز، فلم يجد الجهاز القوة الكافية لملاحقة (الشيعة) والضغط عليهم . وظهور شخصيات فقهية من بيوتات كبيرة . (كالشيخ المفيد والسيد المرتضى) فقد كان هؤلاء يستغلون مكانة بيوتهم الاجتماعية، ومكاناتهم السياسية في نشر (الفقه الشيعي ) وتطوير (دراسة الفقه) . و توسعت المدرسة البغدادية وتضخمها مما أدى إلى احتلال (بغداد حاضرة العالم الإسلامي) في ذلك الوقت، وقد كانت هذه البيئة الجديدة صالحة لتقبل هذه المدرسة، وتطويرها وخدمتها . فهي مركز ثقافي كبير من مراكز الحركة العقلية في العالم الإسلامي يقطنها الآلاف من الفقهاء والمحدثين،فكان لانتقال المدرسة إلى هذا الجو الفكري على يد علماء كبار أمثال (المفيد والمرتضى والطوسي) أثر كبير في الحركة الفكرية القائمة في حينه، وظهرت ملامح الاستقلال عليها وتبلورت أصولها وقواعدها في بغداد. ان عناية (الشيخ المفيد) ومكانة أسرته الاجتماعية تفرض شخصيته في الآداب الاجتماعية، والثقافية ببغداد . ولم يتوقف أستاذه الأكبر (المفيد) وتولى بنفسه مهمة التدريس، وزعامة الطائفة، واحتشد حوله الطلاب . وكان يجري عليهم حقوقا تختلف حسب مكانة الطالب منه ومؤهلاته .

كما وقعت في أيامه اضطرابات وفتن طائفية في بغداد، وكان من مقتضيات السياسة الحاكمة آنذاك (الحكم العباسي) نفي الشيخ المفيد من بغداد، ووضعه تحت الإقامة الجبرية خارجها، ونصرة المعتدين عليه . فمن ذلك ما حدث سنة (393 هـ)، وتكرر في رجب عام (398 ه‍)، وكان إخراج المفيد من بغداد ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، إلى أن شفع فيه علي بن المزيد فأعيد. توفي ليلة الثالث من شهر رمضان في بغداد، وهو في العقد الثامن من عمره المملوء بالكفاح، سنة (413 هـ)، وشيعه ثمانون ألفا من الباكين عليه. صلى عليه تلميذه الشريف المرتضى الموسوي، بميدان الأشنان، وضاق بالناس على كبره. دفن بداره في بغداد، ثم نقل إلى مقابر قريش، فدفن عند رجلي الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام) وقبره في البقعة الكاظمية، بجنب أستاذه الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي، صاحب كتاب (كامل الزيارات) .

رثاه الشريف المرتضى، والشيخ عبد المحسن الصوري وغيرهما من الشعراء، و من أروع ما رثي به مرثية مهيار الديلمي، التي جاوزت تسعين بيتا، والتي يقول فيها :

مـــــا بـعـــد يـومـك سـلوة لــمعـلل * مــــني ولا ظفرت بـــسمع مـــعذل

سوى المصاب بك القلوب على الجوى* فيد الجليد على الحشا المتململ

فسلام عليه يوم ولد ويوم مات وهو مدافعٌ عن ولاية أهل البيت (عليهم السلام) ويوم يبعثُ حياً.

 
 

شيشرون – Cicero .. 106 – 43 ق.م

في عام 106 ق.م.، كانت روما بأكملها على موعد مع ميلاد أحد أساطين الخطابة العمالقة. شخصية متعددة النشاطات والمجالات؛ فتارة رجل قانون، وتارة أخرى رجل سياسة بارع، ومرة مثقفا وصاحب فكر نير، ومرة أخرى خطيبا مفوها لا يشق له غبار .

درس القانون وتمكن من كل شاردة وواردة فيه . اشتهر - على مستوى روما كاملة - بنبوغه الأخاذ، خاصة في مجال فن الخطابة والبلاغة، والتعبير الذي كان يقوم بتدريسه لأناس تواقون لهذا الفن، بغية الإبداع والتميز.

ينحدر شيشرون من أسرة الفرسان . فقد شاءت الأقدار أن تعقد أسرته العزم على إيفاد هذا الشاب اليافع إلى أروقة العلم آنذاك، ليدرس الفلسفة والخطابة على أيدي المهرة في مجالات العلم والقانون والمعرفة . بز أقرانه، وأنهى مواضيع الدراسة بتفوق قل نظيره، مما أهله لنيل المكانة الأعلى في ميدان الخطابة والإلقاء . القانون عشقه، والمحاكم بيته الثاني . فأول عمل اضطلع به هو المرافعة عن المظلومين أصحاب الحقوق المهدورة والمهضومة . تألق، وبزغ نجمه في هذا المجال، حتى أصبح يشار إليه بالبنان كنصير للضعفاء والبائسين، ممن سطت عليهم سلطات التغول، وهضم الحقوق التي لا ترحم .

ولأن مهنة المحاماة والمرافعة تتطلبان لغة قوية، وتراكيب نحوية دقيقة وواضحة، فقد لجأ شيشرون إلى بلاد أخرى لتحقيق مأربه . فوجد ضالته في أسيا الوسطى وأثينا . لفت انتباه مدرسيه هناك كعادته، وأنهى مقررات الدراسة والمراس في وقت قياسي، وعاد إلى روما، محملا بأرقى أنواع البلاغة، والفصاحة، والإتقان المبهر، وعلى اثر ذلك، بويع رئيسا عاما للخطباء في بلادة.

خلق شيشرون عند بقية الخطباء ورجال القانون مركب نقص؛ فسرى تأثيره في المجتمع كسيل العرم الجارف، وبات يحصد الانتصار تلو الانتصار في مرافعاته، والتي كان في الكثير منها، يجهز على خصمه من الجولة الأولى . أحبه أهل صقلية وعشقوا ذكاءه وعلمه وبلاغته، وفوق ذلك كله، عشقوا عدله، ولم يتوانوا في اختياره ممثلا شرعيا ورسميا في قضية ضد حاكم جزيرتهم التي كسبها بجدارة، وكنتيجة لذلك، ساندته الطبقة الارستقراطية في روما عام 63 ق.م.، وحصل على لقب قنصل، وهو ارفع منصب سياسي في روما في ذلك الوقت .

برع شيشرون في كتابة الخطب الرائعة ( 100 خطبة)، حيث تميزت كلها بالاختيار الدقيق للفظ والتركيب اللغوي السليم . وكان لبعض خطبه تأثير حارق وصاعق في ان . ففي إحدى المرات القي أربع خطب ضد " كاتلين "، أحد الرومان المتآمرين على زعزعة أمن الحكومة، أدت إلى سوقه – كاتلين - وأتباعه الى حبل المشنقة .

شيشرون لا ينكر فضل تأثره بعمالقة الفلسفة أمثال أفلاطون وأرسطو وتبنيه للكثير من أرائهما . فقد حذا حذو أفلاطون في تبني فكرة المدينة الفاضلة، حيث العدل والاستقرار والتآخي .

من أقواله الشهيرة:

الكاذب لا يصدق ولو قال صدقا / البلاغة هي الضوء الذي يجعل الذكاء يشع / من لا يقرأ التاريخ يبقى ابد الدهر طفلا صغيرا / بحسن التقدير نجعل الآخرين من ممتلكاتنا .

انتهى المطاف بشيشرون مقتولا على يد معارضيه عام 43 ق.م.، وقطع رأسه، وقيل كذلك لسانه .

 

يونس عودة/الاردن

 

بحر العلوم: السكون الرؤوم! (1)

abdulhusan shaabanحين هاتفني السيّد علي الحكيم ليخبرني إن جدّه السيد بحر العلوم يرقد في مستشفى الجامعة الأمريكية وإنه سأل عني قلقت كثيراً لتقدّمه في السن وللعذابات التي اجترحها ، وقلت له سأزوره غداً بالتأكيد، ثم سألته هل ثمة أمر جدّي، فأبلغني أنه أجرى عملية في الركّبة (لتغيير المفصل)، وعندها شعرت بالإطمئنان. كان ذلك قبل ثلاث سنوات. وعندما خرج من المستشفى في اليوم التالي هرعت لزيارته ووجدت بيته عامراً، وخصوصاً في المرّة الثانية للزيارة، وما إن رآني حتى هتف بصوت عال " وقد يجمع الله الشتيتين بعدما" فأكملت الشطر الثاني " يظّنان كل الظّن أن لا تلاقيا " وهو بيت شعر للشاعر قيس بن الملوّح (مجنون ليلى)، وكان قد مضى عدّة سنوات على آخر لقاء بيننا.

وعلى الفور دخلنا في حوار استكملته في الزيارة الثاني واستمعت إليه تفصيلاً عن الوضع السياسي وتداخلاته وعقده واستمرار انغلاق الآفاق، مصحوباً بغصّة ومرارة لا حدود لهما. وكنت أتمنّى حضور التكريم الذي أجري له في بيروت بمبادرة من مركز الإمام الحكيم، وفي الحديث عنه، إلاّ أنه تعذّر حضوري بسبب سفري ارتباطاً بموعد مسبق وقد اعتذرت منه، وكان أخي حيدر حاضراً.

حين سمعتُ خبر دخوله في غيبوبة قلتُ أتمنّى أن يخرج منها سالماً، فما زال أمامه الكثير، فمقام وقامة مثل السيد محمد بحر العلوم، الأديب، والمؤلف، والقاضي، والسياسي ورجل الدين، الذي اضطرّ للعيش في المنفى نحو ثلاثة عقود ونصف من الزمان، واكتسب تجربة غنيّة وخبرة غزيرة بحلوها ومرّها، وبنجاحاتها وإخفاقاتها، يجعل منه عامل جذب ونقطة استقطاب، وليس مصدر تنافس أو تباعد، خصوصاً وقد ازدان بالحكمة، وهو الأمر الذي ينقص الكثير من الجماعات والشخصيات السياسية.

ولعلّها مفارقة أن يكون بحر العلوم المولود في النجف العام 1927 قد ولد في العام ذاته، الذي ولد فيه الشاعر حسين مردان والروائي غائب طعمه فرمان والفنان محمود صبري والشاعر مصطفى جمال الدين .

أول لقاء لي معه بعد الاحتلال في النجف في مطلع شهر تموز (يوليو) العام 2003 حين وصلتها لإلقاء محاضرة، قال لي " والله لقد عادت لي الحياة من جديد حين عدتُ إلى النجف" ووجدت صحته قد تحسّنت فعلاً. قال اليوم عشاءكم عندنا، قلت له سنضطّر للعودة إلى بغداد قبل بداية منع التجوال، ولكننا سنشرب الشاي عندك، وهذا ما حصل بحضور مجموعة كبيرة من الأقارب والأصدقاء، وكان حينها مُبتهجاً وفرحاً، ودعاني للمشاركة أمام الحاضرين متحدثاً بكلام قد أستحق بعضه وقد لا أستحق، وقلتُ له "وعين الرضا عن كل عيب كليلة..."، واعتذرت منه وغادرنا النجف، وكان أن وجدت جنوداً أمريكان يأكلون الكباب في أحد مطاعمها، فلم أستطع الاستمرار بوجودهم بالقرب منّا وهاجت حينها قرحتي القديمة، واضطررنا لترك المطعم.

عرفتُ بحر العلوم في النجف بحكم العلاقات العائلية والاجتماعية والجيرة، ومنذ فترة مبكّرةٍ، وخصوصاً مع بدايات وعي وانخراطي في العمل الوطني في إطار الحركة الشيوعية (أواخر الخمسينات)، لاحظت حيويته ونشاطه في إطار التيار الديني، وقد تابعت لاحقاً مسيرته الأدبية، ولاسيّما حين أصبح رئيساً للرابطة الأدبية، التي جمعت نخبة من الأدباء والكتاب، وإنْ كان غالبيتهم من منحدرات دينية، لكنها ضمّت أيضاً مجموعة من ميول أخرى، وبالتدريج بدأت أتعرّف على مدرسته الفكرية والاجتماعية وشخصيته المنفتحة، فهو سليل عائلة عريقة، وكان جدّه الأقدم السيد محمد مهدي بحر العلوم (1155-1212) ذا شهرة واسعة، حتى إن هناك من يقول إن الفترة التي عاش بها السيد محمد مهدي كان يطلق عليها "عصر السيد محمد مهدي بحر العلوم"، حيث كان في النجف وحدها آنذاك نحو 200 شاعر، في حين لم يزد نفوسها على 30 ألف نسمة، ويعود نسب الأسرة إلى الإمام الحسن، وانتقلت من الحجاز إلى العراق وسكنت البصرة والكوفة وهاجرت إلى إيران وعادت إلى العراق، فسكنت النجف وكربلاء.

وإذا كان الجواهري الكبير قد أخذ إسم عائلته من كتاب لجدّه الأقدم واكتسبت لقبها الحالي "الجواهري" نسبة إلى كتاب فقهي موسوعي، ألفّه أحد أجداد الأسرة وهو الشيخ محمد حسن النجفي، وأسماه "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام " ويضم44 مجلداً، لُقِّب بعده بـ"صاحب الجواهر"، ولُقبت أسرته بـ"آل الجواهري"، ومنه جاء لقب الجواهري، فإن بحر العلوم أخذ إسمه من تبحّرهم بالعلوم وانصرافهم إلى الدين والأدب والفقه، وبرز منهم أعلام كثيرون، مثلما أخذنا إسم العائلة شعبان من جبل في اليمن ، وهو جبل النبي شعيب، وكان الأقدمون يذيلون اللقب بشعبان أو بني الأشعوب أو الشعبانيون الحميرون القحطانيون، إلى أن أطلق الشيخ عامر الشعبي، إسمه فأخذته العائلة، بدءًا من العلاّمة يحيى سديد الدين حيث تم حذف الإسم الطويل : آل شعبان الحميري القحطاني، واكتفينا باسم آل شعبان وبالتدريج وللسهولة حذفنا الألف واللام.

كان من أبرز علاقات بحر العلوم الملازمة له في النجف الدكتور مصطفى جمال الدين الذي جاءها من لواء (محافظة) الناصرية للدراسة في الحوزة العلمية، وكان عمره 11 عاماً، إضافة إلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، المولود في النجف العام 1936 والذي عاش أكثر من ثلاثة عقود فيها، حتى بعد أن اضطرّ والده العودة إلى لبنان بقي فيها، والأمر كذلك بالنسبة للسيد محمد حسين فضل الله المولود في النجف العام 1935 والذي ترعرع وشبّ فيها، حتى بلغ عمره نحو 33 عاماً، فغادرها إلى لبنان بتكليف خاص.

وإذا كنتُ قد تعرّفت على السيد جمال الدين في العراق، فقد تعرّفت على الشيخ محمد مهدي شمس الدين في لندن واستكملت ذلك في بيروت. وقد أنستُ بفيض مشاعر رجال الدين الثلاثة بحر العلوم وجمال الدين وشمس الدين ، وكذلك بطيبة أنفاسهم ورقّة طباعهم وعمق تفكيرهم، وقدرتهم على التعامل مع مختلف الأوساط دون حساسيات.

وقد كتبتُ قبل ما يزيد عن عقدين من الزمان كيف أن هذا الثلاثي المنفتح حاول تجديد التوجّهات الدينية والمناهج الدراسية للحوزة العلمية التقليدية، وهي محاولة مستحدثة في الخمسينيات والستينيات، وقد سبقتها محاولات كثيرة مثل ما أطلق على محاولة جنينية في العقد الثاني من القرن العشرين وبالتحديد في العام ،1918 حين اتخذت عصبة شبابية من طلاّب الحوزة العلمية اسم " معقل الأحرار" في مدرسة الأخوند، والتي ضمّت سعيد كمال الدين وسعد صالح وعباس الخليلي والشاعر أحمد الصافي النجفي، وشارك معهم أحد الإيرانيين المدعو " علي الدشتي" الذي غادر إلى إيران وأصبح له شأن كبير فيها.

أما الأربعة الآخرون فقد شاركوا في ثورة العشرين، واضطرّوا بعد فشلها إلى الهرب لحين تسوية أمورهم، باستثناء أحمد الصافي، الذي ظلّ في إيران نحو ثمان سنوات وترجم "رباعيات الخيام" واختار المنفى وطناً له، لاسيّما بعد انتقاله إلى لبنان وسوريا حتى أصابته شظية خلال الحرب الأهلية اللبنانية فعاد إلى بغداد ، ليتوفى فيها بعد عام تقريباً (العام 1977). ويمكن اعتبار أطروحات السيد أبو الحسن الاصبهاني المتوفي العام 1946 أحد المجدّدين من آيات الله التي كان لها حضور كبير لم ينل درجته أحد من قبله ومن بعده إذا استثنينا السيد علي السيستاني لاعتبارات أخرى لم تكن السياسة بعيدة عنها، لكن الظروف التي عاش فيها السيد أبو الحسن كانت مختلفة عن الظروف الحالية، حيث كانت الأمية مستشرية والتخلّف مستفحلاً، وإنْ كان يقابله بدايات حركة تنوير محدودة، لكن الأوضاع العامة لم تكن لتستوعب الآراء المتقدمة للعلاّمة السيد أبو الحسن وقبله الشيخ حسين النائيني وكتابه الشهير " تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة".

وإذا أضفنا السيد محمد حسين فضل الله إلى الثلاثي بحر العلوم وجمال الدين وشمس الدين، فأعتقد إن الصورة ستكون أكثر وضوحاً، ليس في مجال الفقه والدراسة الحوزوية فحسب، بل اقبالهم على الأدب الحديث والشعر العمودي الكلاسيكي، وانفتاحهم على الشعر الحر، كما كان يسمّى، وإنْ ظلّوا جميعهم يتمسّكون بالوزن والقافية، وحتى وإن وجدت شيئاً من قصائد التفعيلة في شعرهم، فإنها لم تكن "الغالب الشائع، بل النادر الضائع"، وقد تأثروا في قراءاتهم بالسيّاب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري ونزار قباني، وغيرهم من شعراء الحداثة، إضافة إلى تأثرهم بالجواهري رائد القصيدة الكلاسيكية الجديدة.

وفي تقريضي لغزليات مصطفى جمال الدين المنشورة في صحيفة العرب القطرية العدد 7428 تاريخ 13/10/2008 وقبل ذلك بسنوات في صحيفة الزمان اللندنية، وكذلك في كتابتي عن النجف وسسيولوجيتها، وخصوصاً في كتابي عن سعد صالح "الوسطية والفرصة الضائعة"، تناولت التأثير المبكّر لهذه العلاقة الثلاثية التي استدامت حتى مغادرتهم جميعاً دنيانا. ومن درجة تعلّقهم ببعض، فقد أطلقوا اسم " ابراهيم" على أبنائهم البكر وكلّهم يكنّون بأبي ابراهيم.

وقد بلور الارهاصات الأولى للتجديد أحد مجايلي الأربعة المتطلّعين إلى التغيير، وذلك على نحو منهجي ونقدي وفي إطار مشروع إسلامي شامل، ونعني به المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر، الذي اختفى قسرياً في العام 1980، ومعه أخته بنت الهدى، وأعلن في وقت لاحق عن تصفيتهما خارج نطاق القانون والقضاء على يد النظام السابق، رغم أن هذا الإعلان لم يكن رسمياً.

III

في النجف التي كانت ترزح تحت ثقل التقاليد القاسية، كان هناك الكثير من الارهاصات والتمرّدات سواء على الجانب السياسي والفكري، أو الجانب الثقافي والاجتماعي، فالنجف كانت قد عقدت اتفاقاً مع التمرد، وظلّت مستعصية وترفض الاستكانة، فإضافة إلى اندلاع ثورتها العام 1918، وتنكيل المحتلين البريطانيين بها، فقد كانت معقلاً أساسياً للثورة في العام 1920، مثلما كان محطّة للفكر والثقافة والأدب والفقه والدراسة، باعتبارها جامعة مضى عليها أكثر من ألف عام، أي منذ أن جاءها الإمام الطوسي هارباً في العام 448 هجرية والمتوفي في 460 هجرية، ويعتمر في داخلها الكثير من التناقضات الجديدة والقديمة، التقدمية والمحافظة، الدينية والعلمانية، الإيمانية اليقينية والتساؤلية العقلية، وهكذا، ولذلك ظلّت تعيش هذا التناقض بين " المجتمع المنغلق والفكر المنفتح"، كما أسماه جمال الدين في كتابه "الديوان"، واستعاد هذه الرؤية المقاربة السيد هاني فحص في كتابه "ماضٍ لم يمضِ" حين خصّ النجف بخصوصيته مثّلت أحد وجوهها المعروفة.

وكنت في حوار مع السيد هاني فحص، إضافة على حوارات ولقاءات مع السيد بحر العلوم والسيد جمال الدين، قد أشرت إلى أن هناك وجه آخر للنجف، وقد تكون تجربتهم بعيدة عن ذلك، سواء على الصعيد الاجتماعي لكسر التزمت والدعوة للانفتاح وموجة التحرّر التي تلقفتها النجف بحماسة بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، إضافة إلى دور اليسار وحضوره الذي يمتدّ إلى عمق المؤسسة الدينية، سواءً رجال الدين أو "خدّام" في الروضة الحيدرية للإمام علي أو قرّاء المنابر الحسينية أو الشعراء الشعبيين، ناهيكم عن النساء النجفيات والجمال النجفي، والرأي العام الذي يترنّح بين البداوة أو على طرفها، حيث تقبع النجف كآخر معلم حضاري وتأتي بعد الصحراء، وبين المدنية حيث الانفتاح والاختلاط بأمم وحضارات وشعوب ولغات وسلالات أخرى.

كانت جامعة النجف تضم خليطاً متنوّعاً، حيث يجتمع الإيراني والأفغاني والباكستاني والهندي والتيبتي والتركي، إضافة إلى اللبناني والسوري والكويتي والسعودي والبحريني، وغيرهم، ولم يكن هناك من بدّ حين يضطرّ هؤلاء جميعهم الانصهار بالنجف وباللغة العربية، إذا أرادوا التقدّم في ميادين الدرس، وكم حملت النجف معها بسبب ذلك، من تناقضات سلالية ولغوية وتقاليد اجتماعية وأصول عرقية وحضارات مختلفة وثقافات متنوّعة، وإن ظلّ طابعها العروبي بما فيه العشائري إلى حدود معينة طاغياً؟ ولعلّ هذا التناقض والصراع الذي يعتمل داخل الشخصية النجفية، يعود إلى الازدواجية في الشخصية العراقية التي كان أحسن من عبّر عنها علي الوردي في دراساته حول طبيعة المجتمع العراقي، خصوصاً تناوله الصراع بين البداوة والحضارة وما يتركه من تأثيرات، كما تحدث الشاعر الجواهري عنها في مذكراته التي نشرها العام 1988 (جزءان) بعنوان "ذكرياتي".

وقد كتب الشيوعي المخضرم " صاحب جليل الحكيم" مذكراته تحت عنوان "النجف- الوجه الآخر" حيث أطلّ على كل تلك التناقضات، كما كتب عبد الحسين الرفيعي وهو من الشخصيات البعثية، كتاباً عن النجف وجغرافيتها وسسيولوجيتها وتناقضاتها، وهي إطلالة أخرى على الوجه الآخر للنجف، وكنت قد ألقيت محاضرة في الكويت بتحريض من الصديقين جهاد الزين وحامد حمود العجلان، ومحاضرة أخرى في الجامعة اليسوعية في بيروت، تعرّضت فيها إلى جوانب غير منظورة، وأخرى مسكوت عنها، وثالثة يتم تجنبها أو الحديث عنها بعمومية كبيرة، لتلك المدينة جامعة التناقضات أو ما أطلق عليه "جوار الأضداد"، إذ قد يكون ثمة في الأمر افتئاتاً على الحقيقة، حين تقول إن النجف مدينة دينية وتكتفي بذلك، فهي في الوقت نفسه لها جانب فكري وثقافي واجتماعي غير ديني، وقد لعبت التجارة دوراً آخر في تكوينها وفي شخصية المدينة وشخصيات النجفيين، بحكم النظر إلى الآخر والاختلاط والتعامل المباشر.

لقد شهدت النجف تطوّراً كبيراً بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 على الرغم من المشاكل والتحدّيات الكثيرة التي واجهتها،فقد ارتفعت نسبة دراسة البنات ثلاث مرّات ما قبل الثورة، وكانت لجان محو الأمية تنتشر في الأحياء والمناطق الشعبية، بل إن حقوق المرأة كانت مطروحة بتعمّق الوعي السياسي والحقوقي، ويجتمع حولها تيّار أخذ بالاتّساع، ولاسيّما بعد صدور قانون رقم 188 للأحوال الشخصية لعام 1959، على الرغم من قوة التيار المحافظ وانحياز أوساط سياسية قومية لصالحه، وهو ما يذكّرنا بالجواهري الكبير يوم تحدّى المحظورات، عندما رفضت الاتجاهات الدينية تأسيس مدرسة للبنات في النجف، فكتب قصيدته الشهيرة العام 1929 وهي بعنوان " الرجعيون" التي يقول في مطلعها :

إذا لم تُقصِّرْ عُمرَها الصدَّمَاتُ   ستَبقى طويلاً هذه الأزماتُ

جريئونَ فيما يَدَّعـــــــونَ كُفاة   إذا لم يَنَلْها مُصلحونَ بواسلٌ

بانقـــــــاذِ أهليهِ همُ العَثَرات    ومِنْ عَجَبٍ أن الذينَ تكفَّلوا

كما اليومَ ظُلماً تُمنَعُ الفتيات    غداً يُمْنَعُ الفتيانَ أنْ يتعلَّموا

 

عبد الحسين شعبان

 

مي زيادة

ماري زيادة، والشهيرة ب (مي زيادة)، هي رمز للمرأة المثقفة والمتعلمة والمبدعة حين كانت النظرةالى النساء نظرة مغايرة من حيث التعليم والظهور في الساحات الادبية. هي شاعرة وأديبة ومترجمة ومجيدة للغات عدة :الايطالية، الانجليزية، الالمانية، الفرنسية، الاسبانية، اضافة الى لغتها الام –العربية.

ابصرت مي زيادة النور في مدينة الناصرة في فلسطين عام 1941 من أب لبناني، وام فلسطينية . ففلسطين هي ميلاد لمشروع الاديبة المتميزة، حيث تلقت تعليمها في المراحل الاولية هناك، والثانوية في "عينطورة" في لبنان. بدت علامات النبوغ تتفتق من شخصية مي زيادة باكرا. كيف لا، وهي وحيدة ابويها وأملهما. فقد اعطياها مهجتيهما، ورعايتهما؛ علما وأدبا. كانت محط أنظار العائلة والجوار .فهي من القلائل اللواتي سطع نجمهن، بل وجالسن الرجال في سبيل العلم والمعرفة.

انتقلت العائلة الى مصر، فانبلج يوم أغر للكاتبة اليافعة. نهلت من ينبوع العلم الكثير والكثير. انكبت على دراسة اللغة الالمانية والاسبانية والايطالية بشكل مكثف وقامت بتدريس الفرنسية والانجليزية. أما اللغة العربية، عشقها الابدي، وهمها الأوحد، فقد صقلتها في أروقة جامعة القاهرة، حيث درست الادب العربي والتاريخ الاسلامي اضافة الى الفلسفة. ذاع صيتها أكثر فأكثر، خاصة عندما دأبت على نشر نفائس المقالات في الصحافة المصرية. عشقت الجو الادبي، فأنشأت ركنا في المنزل لاستقبال اساطين اللغة أنذاك أمثال لطفي السيد، طه حسين، عباس العقاد، أحمد زكي، وغيرهم وهو ما عرف لاحقا بالصالون الادبي . كانت تناظر الجميع، وتدخل معهم في نقاش معمق حول كثير من القضايا الادبية والفلسفية، فازداد الجمع بها تعلقا وكلفا لعلمها و، لحد ما، لحضورها الأخاذ.

عاشت أديبتنا اياما جميلة مفعمة بالنشاط والعمل . أحست بأن الكون اصبح طوع يديها. فقد شدت عواطفُها الرحالَ الى أمريكا، وامتطت صهوة الأمل علها تجد متنفسا لبركانِ متاجج نحوه بعد ان أحبته من خلال المراسلات البريدية فقط. انه " جبران خليل جبران". لم يلتقيا البتة الا على اوراق الرسائل . عشرون سنة عصفت (1911-1931) وما زالت مي تسكب حروفا رقيقة في حق جبران، وهو الوحيد الذي أحبته حبا روحيا خالصا، رغم الكثيرين ممن حولها – أعضاء صالونها الادبي وغيرهم- ممن ذابت حشاشتهم توقا لنظرة رقيقة من عينيها . مات حبيب العمر.

هدها الحزن وحطم قلبها . ارتدت السواد حدادا على جبران – لم تحزن على موت والديها بهذا القدر- واعتبرت نفسها أرملته. أصابها مس من الهذيان والهستيريا، وانكبت على التدخين: تشعل سيجارة من اخرى، فلا تفتأ مرددة : " لماذا لم يأت، لقد انتظرته طويلا؟". ساءت حالتها الجسدية، والنفسية كثيرا فقرر الاصحاب والاصدقاء ارسالها الى لبنان، علها تجد عوضا عمن فارقت. فخاب ظنها، وتنكر لها الصحب والاهلون من ذوي القربى، بل واودعوها مستشفى الامراض العقلية والعصبية لعدة شهور، لم يشفع لها الا الاقلام الشريفة وو سائل الاعلام التي أثارت أمرها على أعلى المستويات. تعافت قليلا، ثم عادت أدراجها لتشرب من النيل ثانية. فيما تبقى لها من سنوات قليلة، تنقلت ما بين مصر، وايطاليا، ثم بريطانيا، وأخيرا لفظت انفاسها في مصر عام 1931 عن عمر ناهز 55 عاما.

من اقوالها:" ولدت في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وسَكَني في بلد، وأشباح نفسي تتنقل من بلد الى بلد". كذلك قالت:" أتمنى أن يأتي بعد موتي من ينصفني ويستخرج من كتاباتي الصغيرة المتواضعة ما فيها من روح الاخلاص والصدق". أما ما كان من أمر المراسلات بينها وبين جبران، فكان عشق من نوع أخر. فهذه بضعة أسطر من رسالة طويلة، تلقتها مي من جبران:

." استعطفك يا صديقتي أن تكتبي إليَّ

واستعطفك أن تكتبي إليَّ بالروح المطلقة المجردة المجنحة التي تعلو فوق سبل البشر

أنت وأنا نعلم الشيء الكثير عن البشر

وعن تلك الميول التي تقربهم إلى بعضهم البعض، وتلك العوامل التي تبعد بعضهم عن البعض

فهلا تنحينا ولو ساعة واحدة عن تلك السبل المطروقة

ووقفنا محدقين...ولو مرة واحدة

بما وراء الليل، بما وراء النهار، بما وراء الزمن

بما وراء الأبدي

والله يحفظك يا ميّ

ويحرسك دائما ".ً

 

صديقك المخلص

جبران خليل جبران

نيويورك 25 تموز 1919

وهذه بضعة أسطر من رسالة من مي الى جبران:

"غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة الأشكال والألوان، حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة، آلهة الحب، أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وجد فيها بنتا هي مثلي، لها جبران واحد، حلو بعيد هو القريب القريب تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل أن ترى الذي تحب، فتتسرب

إليها كل وحشة الشفق، وكل وحشة الليل، فتلقي بالقلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد: جبران".

 

شخصيات علمية وثقافية من بلادي: د. دنان الظاهر رحلة طويلة في مقارعة التحديات وملاواة الصعاب

adnan aldhahirعدنان الظاهر علامة مضيئة بشموخ، عنوانها تحدي الواقع ومقارعته حين يكون قاهرا للانسان وملاواة الصعاب والتغلب عليها حين تكون اداة معرقلة او وسيلة شد للوراء. فطوال رحلة امدها ستون عاما اثبت هذا الرجل الذي كان يجب ان يكون علما من اعلام العراق بانه العالم النشيط والاديب الضليع والكاتب المبدع، وان ايام عمره كانت شلال منهمر من العطاء المتميز كان الأولى ببلادنا ان تكون مصبا له . ومايتميز في عطاء هذا الانسان الجليل ان البذرة التي زرعها نمت لتصبح شجرة باسقة معطاء اغصانها متعددة الاشكال وثمارها متباينة النوعية فات العراق بان يكون سلة لها، فتساقطت هنا وهناك على ارض غريبة واسعة حقولها تمتد بين العلم والادب والشعر والفن والمقالة 

733-adnanولد الدكتور عدنان عبد الكريم الظاهر في مدينة الحلة بالعراق عام 1935، وقضى دراسته الابتدائية في مدرسة المحاويل الإبتدائية للبنين والمدرسة الشرقية الإبتدائية في مدينة الحلة. اما دراسته المتوسطة فكانت في متوسطة الحلة للبنين ومتوسطة المسيب للبنين ، بينما اكمل دراسته الاعدادية بثانوية الحلة للبنين . التحق بدار المعلمين العالية بجامعة بغداد عام 1955 وتخرج منها بتفوق عام 1959 حاملا شهادة البكلوريوس في الكيمياء ليعمل بعدها كمدرس في السلك الثانوي بالحلة.

ان لكل انسان الحق في ان يعتنق الفكر الذي يميل اليه وتتوافق روحه وافكاره معه، كما ان لكل شخص الحق ايضا في تبني الطريق الذي يلائمه والذي يشعر فيه بانه اكثر قدرة على العطاء والانجاز من خلاله . وفي مقتبل عمره، وجد الدكتور عدنان الظاهر نفسه متوافقا مع الفكر اليساري والاشتراكي الذي كان طاغيا على الساحة السياسية في عقدي الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي لانه كان في نظره الطريق الايسر والامضى لنصرة الطبقات الفقيرة من عمال وفلاحين والذي تتكون منهم غالبية الشعب العراقي . لذلك فقد قام عدنان الظاهر – مدرس الكيمياء في متوسطة الحلة الواقعة على ضفاف نهر الفرات بوسط مدينة الحلة بالتعبير عن افكاره وتطلعاته ومحاولة ايصال صوته الى خارج محيطه من خلال نقابة المعلمين التي كان لها مكانة كبيرة في الوسط الثقافي العراقي لانها كانت تضم الشريحة المثقفة الواعية التي طفت على سطح الطبقة المتوسطة التي كانت في طور النمو والتكون بذلك الوقت . وبعد ثورة 14 تموز 1958 وصعود التيار اليساري الى المقدمة صارت الساحة اكثر تلائما مع فكره مما شكل دفعة قوية له لان يكون له دور اكبر في محيط معتركه والذي تمثل في خوض انتخابات نقابة المعلمين لعام 1961-1960 لايصال )القائمة المهنية الديمقراطية) التي ينتمي اليها لتتصدر قيادة تلك النقابة التي صار لها دور قيادي ليس بالوسط الثقافي فحسب بل حتى بالوسط السياسي بالبلد . ومع ان قائمته الانتخابية لم تفز بتلك الجولة الانتخابية الا ان ذلك لم يؤثر على سلوكه وشعوره مما يدلل على انه كان يحمل عقلية ديمقراطية حقيقية تؤمن بالرأي المقابل وترضخ لما تقرره صناديق الانتخاب . خاض الانتخابات مرة اخرى للعام 1961-1962، لكن هذه المرة كان المعترك شديدا والصدام عنفويا، اذ تعرض للاعتداء واصيب بجراح كبيرة وادخل للمستشفى واعتقل بسبب الاعتراك مع عناصر من الجبهة المقابلة . وفي نيسان من نفس العام رشح لعضوية الزمالة الدراسية لدراسة الكيمياء النووية بجامعة موسكو . وبعد خوض طريق صعب للحصول على الموافقات الاصولية من العديد من الجهات جسدت اصرار هذا الرجل على خوض الصعاب وتحدي الواقع المضاد نجح اخيرا بالسفر في أب عام 1962 ليلتحق بدراسته . وبعد رحلة طويلة من الدراسة في موسكو تخللتها الكثير من الاحداث التي مرت بالشاب عدنان الظاهر المتطلع والطموح اكمل دراسته ونال شهادة الدكتوراه في شهر حزيران عام 1968. سافر بعد تخرجه الى الولايات المتحدة ملتحقا بجامعة كاليفورنيا في إرفاين كباحث مشارك في حقل كيمياء التحولات النووية ليصبح بعدها أول عراقي يتخصص في علم كيمياء التحولات النووية والذرة الساخنة .

في خريف عام 1969 عاد الدكتور عدنان الظاهر للعراق وكله امل باني يبدأ بخدمة بلده في مجال تخصصه دون ان يهتم بان الوضع السياسي واجواء البلد العامة صارت مغايرة ومخالفة لفكره ومعتقداته بسبب وصول حزب البعث الى السلطة الذي قلما يعترف ويتقبل الرأي المقابل والمخالف له . من الطبيعي ان يتجه انسان علمي وباحث مثله للعمل في المجال التطبيقي حيث المجال واسعا للقيام بالابحاث المفيدة وتحويل نتائجها الى ثمار مفيدة، لذلك قدم للعمل في في معهد الأبحاث النووية في التويثة التابع لمؤسسة الطاقة الذرية العراقية حيث قابلته لجنة رفيعة من بين أعضاؤها الدكتور غازي درويش والدكتور جعفر ضياء جعفر والتي رشحته للانضمام الى ذلك المعهد والذي اقترن ايضا بموافقة لجنة الطاقة الذرية العراقية على هذا الترشيح، الا ان طلبه بالتعيين ظل يخضع للمماطلة والتسويف لمدة مما اضطره عناده واصراره على الكتابة مباشرة الى رئيس الجمهورية، ليتبع ذلك ايضا مقابلته لرئيس الوزراء لنفس الغرض . ومع ذلك فان طلبه للعمل رفض من دون وجود لسبب وجيه، لكنه فهم بعدها بان العمل بهذه المؤسسة هو حكر على الموالين للنظام وان لا مجال ابدا للمستقلين او الذين يحملون فكرا مغايرا لدخولها . بعد هذه الجولة لم يجد امامه غير التقديم للتعين كأستاذ في كلية العلوم بجامعة بغداد، لكن طلبه رفض مرة اخرى من قبل جامعة بغداد بالرغم من موافقة الكلية وقسم الكيمياء على تعيينه . ظل عدنان الظاهر فترة ليست قليلة عاطلا بدون عمل وهو الدكتور المبعوث الى الخارج والعائد للبلد بشهادة رفيعة حاملا خبرة تخصصية نادرة والرافض لكل العروض التي قدمت له بالبقاء في الولايات المتحدة والعمل فيها . ووسط هذا الأجواء الحساسة جرت مساومة الرجل في محاولة لجعله ينخرط بحزب السلطة من اجل حصوله على عمل، لكنه رفض بعناد مما يؤشر خاصية الثبات على المواقف عنده وعدم طأطأة الرأس مهما كانت الصعاب التي تواجهه . وبعد معترك اخر جرى لمحاولة منع انخراطه بسلك التعليم استطاع الدكتور الظاهر التعيين بكلية العلوم بعد مقابلته لوزيرة التعليم العالي الدكتورة سعاد البستاني فبدأت بذلك جولة جديدة من حياته استمرت قرابة الثمان سنوات تخلتها انواع التجارب والاحداث .

بعد التعيين بكلية العلوم مر شهر عسل لابأس به تمثل بالعامين الدراسيين (1970-1971) و (1971-1972)، واللذين كانا عامين جميلين بالنسبة للدكتور عدنان الظاهر ملئتهما سعادته بعمله الجديد كمدرس لمواضيع مهمة في كليتي العلوم والتربية، خصوصا بعد أنْ أصبح مقرراً لقسم الكيمياء عام 1971، وكذلك مجيء ولده البكر (أمثل) وأبنته (قرطبة) . كما اصبح عضواً في لجنة الدراسات العليا في القسم، وصار ايضا رئيساً للّجان الإمتحانية في القسم لعدة مرات . لكن الرياح لم تظل تهب بالاتجاه الذي تريده سفنه، فبعد تلك السنتين الجميلتين اخذت الضغوط تتزايد على الدكتور الظاهر من جانبين، أولهما أقتصادي بسبب قلة راتبه الذي لم يكن يسد مصاريف ومتطلبات معيشته، والثاني معنوي حين بدأ يحس بالمضايقة بسبب العيون التي تراقبه عن كثب . لم يكن للدكتور الظاهر نشاط سياسي في تلك الفترة، لكن الريبة من العناصر اليسارية طالته حتى بات يشعر وكانه مراقب في كل صغيرة وكبيرة بحياته ونشاطاته. لذلك قرر اواسط عام 1973 ان يغادر العراق ملتحقا باعارة الى ليبيا لكنه لم يفلح بالحصول عليها بالرغم من موافقة الجانب الليبي، عندها قرر الانتقال منسبا الى جامعة السليمانية لمدة سنتين . وبعد سنة كاملة متعبة قطع تنسيبه وعاد الى كلية العلوم في جامعة بغداد كمدرس من جديد بينما استمرت الاحوال تسير باتجاه معاكس لما يتمناه . استمر بعمله كتدريسي في قسم الكيمياء وظل متواصلا مع طموحه مقررا بعزم على المضي بحياته وصولا لتحقيق اهدافه . وفي تلك الاثناء تأسست نقابة الكيمياويين العراقية فصار عضواً في الهيئة الإدارية للنقابة لقرابة أربع سنوات متتالية (1974 ـ 1978) . وفي عام 1978 فوجيء بصدور قرار من مجلس قيادة الثورة / مكتب أمانة السر بأبعاده عن التدريس ونقله الى وزارة الصناعة والمعادن ، عندها عقد العزم على ان يترك العراق بشكل نهائي . اصطحب اسرته وسافر الى ليبيا في صيف نفس العام خلال رحلة محفوفة بالمخاطر لينتهي به المطاف في طرابلس – ليبيا ليلتحق بجامعة الفاتح بطرابلس والتي كان قد حصل على عقد تدريسي فيها في ذلك العام. اصبح الدكتور عدنان الظاهر أستاذاً مشاركاً في قسم الكيمياء في كلية العلوم - جامعة الفاتح ومدرسا لمواد الكيمياء اللاعضوية والكيمياء النووية لطلبة الدراسات الأولية والعليا ورئيساً للجنة الدراسات العليا في نفس القسم . ظل الدكتور الظاهر يعمل في ليبيا حتى عام 1984 حيث غادرها الى المانيا ليستقر فيها حتى يومنا هذا . لم يبتعد عن تخصصه العلمي كثيرا اذ التحق بجامعة ويلز البريطانية في مدينة كاردف ليعمل كأكاديمي زائر لمدة عامين اقريباً (1988-1990) . وبعد هذه الجولة من العمل انتقل ليصبح باحثاً علمياً مشاركاً في جامعة شفيلد البريطانية للفترة (1990 ـ 1993) .

بالرغم من الكثير من العثرات والعراقيل التي صادفت الدكتور الظاهر بحياته العملية والعلمية الا انه استطاع ان يحقق بعض طموحه العلمي ونشر عدة ابحاث في مجالات الكيمياء غير العضوية والتحولات النووية. غير ان القفزة الكبرى التي حصلت في حياته هي بتحول اهتمامه نحو الادب لتظهر عبقريته كشاعر وكاتب ومؤرخ . لم يكن اهتمام الدكتور الظاهر بالادب وفروعه مفاجئا بل في الواقع هو دأب على كتابة الشعر منذ العام 1960 حين نشر ديوانه الاول الذي كان بعنوان (احساسي يصيب الهدف) . وفي ليبيا كان ينشر بعض قصائده في المجلات والصحف المحلية والاوربية، وحتى يذيع بعضها بصوته من الاذاعة الليبية . لكن يمكن القول بان ذهابه الى المانيا عام 1984 قد وفر فرصة كبيرة امامه بان يصرف وقتا اكبر في المحالات الادبية . وقد نشر العديد من الدواوين الشعرية بعد تلك الفترة، كما الف بعض الكتب الاخرى . وبين هذا وذاك فقد نشر المئات من المقالات الثقافية والسياسية التي تناول فيها مختلف المواضيع . كما كان له حضور واضح في العديد من المؤتمرات والندوات الثقافية في مختلف مدن العالم . واليوم للدكتور الظاهر العديد من المواقع التي ينشر فيها، ويكاد لا يمر شهر مالم يظهر له مقال ثقافي او سياسي او قصيدة شعرية .

هذه جولة خاطفة ولمحات موجزة عن حياة الاستاذ الدكتور عدنان الظاهر الذي اتشرف بان اكون احد تلامذته حين درسني موضوع الكيمياء النووية في كلية العلوم – جامعة بغداد . ان المحطات المختلفة التي تضمنتها حياته تشخص بوضوح قدرة كبيرة على تحدي الصعاب وعدم الركون للواقع المثبط للعزيمة، وملاواة التحديات بقوة خصوصا حين تصبح عامل مواجه لايقاف السائر وتدمير عزيمته بالتقدم والاندفاع للامام . ورغم كل ما مر بحياته من صعاب اصبح الدكتور عدنان الظاهر اليوم مفخرة علمية وثقافية وادبية، وعطاءاته المتميزة والمتنوعة هي الان مثار اعجاب للكثيرين ومكانته محط اعتزاز وتقدير للمهتمين والمتابعين . ان من المؤسف ان يكون موقع هذه الشخصية في مكان بعيد عن وطنها الذي نشأت وترعرت فيه رغم ما يحمله من اخلاص له وأماني كبيرة في ان يتقدم ويسمو في الاعالي . وما يلمس بوضوح في الكثير من اعمال الدكتور الظاهر هو الحنين الطاغي للوطن والحب الجارف له. كما تظهر بين سطوره مشاعر الاشتياق الكبير للعودة الى احضانه والعيش فيه بعد عقود من الغربة المؤلمة . لكن ظروف البلد التي ظلت تمضي منذ نصف قرن حتى اليوم من سيء الى اسوأ، وظاهرة لفظ المبدعين والمخلصين التي اتصفت بها بلاد الرافدين حالت دون رجوعه لتبقيه معصورا بطاحونة الغربة يحاكي الوطن من بعيد ويناجي مرابع هيامه عبر الكلمات . حفظ الله الاستاذ الجليل عدنان الظاهر وبارك له بعمره وزاد من اعماله لكي يبقى علما عاليا من اعلام بلادي .

 

د. وسام الشالجي

24 نيسان (ابريل) 2015

 

لقاء: شرايين جديدة في الصحافة الكربلائية !

nadom alseoud(لا بد من الجديد) كنت اردد هذه الكلمات وأنا أخوض أيّ مجال جديد في هذه الحياة حتى لم اعد أتصور بحصول مفاجأة ما او ارتقاء من حالة لأخرى إلا في ظل الجديد الذي ينقل الحالة – المتصورة او المعيشة – إلى خضم الحياة بعد إن كانت مهيأة للبلادة والتقليد والموات، لهذا صار من اليقين لدي إن هناك انقطاعا عن دورة الحياة (في أي شأن نخوضه عنوة أو اختيارا) إن لم نستوعب الجديد ونحث عليه في الأقل، بمثل هذه الفكرة كنت ابحث دائبا في وسطي الصحفي والثقافي عن المتميز والجاذب للفكر والنظر حتى أتوقف أمامه وأحاول انتشاله من سكون النمط والتكرار والتجهيل الى فضاء الجهر والتعريف والإشارة ليس بما هو فيه بل إلى المتوقع منه او المرتجى منه في الغد بعد إن اجلب موهبته إلى دائرة الضوء وأوسع له تقديرا جمعيا لأنه يمثل الجديد.

ومنذ تسع سنين متصلة " أي منذ إقامتي واستقراري هنا " كنت أتابع (بحكم الشغف والمهنة) ما يكتبه زملاء وصحفيون من موضوعات شتى في ألوان من الصحافة الكربلائية لأخرج منهم بحصيلة معرفية مضافة وكان ان تعرفت على بعضهم وعملت السنون الطويلة على التقريب وزيادة المثاقفة بيننا، وان كنت لا استطيع هنا ان اعرّفهم باجمعهم (بسبب الحيز الضيق ووهن الذاكرة) لكنه من الأنسب الإشارة إلى بعضهم فقط:

 

حنين علي: الصحافة الثقافية!

جذبني هذا الاسم لأنه يكتب في الشؤون الثقافية كتخصص تعبيري ولا يكاد يحيد عنها بل نراه يتلاحق مع جديد الثقافة وأسماء منتجيها بلا كلل، والحقيقة ان هذا ما دعاني الى متابعة موضوعات حنين علي في أي مكان تظهر فيه (صحيفة / مجلة / موقعا) وحين تعدد الكاتبة في مجالاتها الكتابية المنشورة فهذا مدعاة لسرور إضافي لي بسبب كثرة الموضوعات الثقافية التي تنتقيها حنين علي وتدفعها لقراء ومتابعين مثلي يرى أحقية الشأن الثقافي من الإضاءة والإبراز والتغور وهذا ما تنهض به الكاتبة بشكل واضح، وثاني أسباب الاختيار يكمن في قوة الظهور الفجائي لهذه الكاتبة وكيفية ملاحقة ما ينشره اسم جديد يؤكد مرة بعد مرة انه موهوب في هذه المهنة والكتابة عموما .

واستطيع ان أؤشر هنا على ابرز ملاحظاتي على كتابات مختارة من إنتاج حنين علي ومنها: (اللامعقول النقدي) و(الشعر في لجة الإبداع) و(السطوع الشعري بين الغموض والإبهام) و(إشكالية القص بين التفاعلية وغياب النقد) فأقول أن كلا من العناوين أعلاه يعتني بإبراز ظاهرة ثقافية لوضعها تحت المجهر النقدي وتحليلها بأناة للوصول الى نتائج وهي جميعا (الظواهر) محسوسة ومعروفة في الوسط الثقافي منذ عقود متتالية ولكنها تنتظر من يخرجها من مآزقها ويخضها بالتحليل والرأي وهذا عين ما أقدمت عليه الكاتبة حنين علي حين رفعت الظاهرة الثقافية الى مستوى التحليل والنقد، فمثلا في موضوعها الأول الذي أشرت إليه (اللامعقول النقدي) تتوقف الكاتبة أمام محنة التداخل الحاصل بين سلطة الشعر وسلطة النقد والإرباك المعرفي والجمالي الذي يسفر عن الصراع بينهما وتجهر أمام القارئ بأنها تقف مع الشعر وضد سلطة ألنقد(او شرطي النقد) طالما انه يقف بالضد من حيثيات النص وقيمته الإبداعية ! وقس على ذلك في موضوعها الثاني اذ نراها موفقة حين تستنصر للشعر وأدواره الحياتية والشعورية خلال عمليات الإبداع وبعدها ولا سيما عند توقير الشاعر وجهده التجديدي في هذه الحياة المختارة .

هنا احار فالكاتبة تجد الموضوع الذي تكتب عنه وتختار له عنوانا جاذبا للقراءة ولكن الغرابة تكون في معالجة ما تختار فتظهر السرعة وإيجاز المفاصل والمرور بعجالة حتى تتراكم المصطلحات ولا يفيد منها القارئ الا قليلا، وهذا يعني ان على الكاتبة حنين علي ان تتروى قليلا وتعالج موضوعها بمزيد من التحليل والتنصيص لما تقول والوصول الى نتائج مبرهنة حتى نقول أننا قد حظينا أخيرا بكاتبة صحفية متخصصة في الشؤون الثقافي.

 

مصطفى غازي ألدعمي: شغوف بالتنوع !

لاحظت، وفقا لتتبعي الطويل، ان هذا الكاتب (الذي امتهن التنوع وشغف به) يختار موضوعه بعناية ويخرجه للقارئ بشكل جيد بعد ان يحشد لفكرته الأمثلة الكافية ويترسمه بمقولات جدلية تجعل من قارئه مقتنعا بما يطالعه من أفكار فيصحح من سلوكياته المعوجة بهدى من الكتابة ذاتها .

وشخصيا لا أكاد افترق عن موضوع اسمع ان كاتبه هو مصطفى غازي ألدعمي لسبب يسير ان هذا الكاتب ينضّج أفكاره قبل ان يضعها على الورق تاركا لقارئه مهمة استيعاب ما يكتب والتفاعل الضروري مع هواجسه واختياراته التي تعكس طموحاته (الظاهرة والدفينة معا) ولا جدال في ان ألدعمي يحرص على قارئه من خلال إحاطته ببيئة مناسبة وتوصيل أفكاره إليه من خلال أسلوب لغوي شفاف حتى لو اختلفنا معه !.

ومن الطبيعي ان تحتاج الصحافة العراقية (في مسيرتها الطويلة والمستمرة) الى أسماء جديدة تواكب مراحلها وتكمل النواقص التي تظهر في كل آن بسبب الرحيل والانسحاب والهجرة وهنا تكمن أهمية ومسؤولية الجهات والمؤسسات الصحفية بتعويض الفراغ بأسماء وشرايين جديدة تكمل المسيرة مع الحاضرين، من هنا وجدت بعض المواهب وكأنها تستكمل حلقات كتابية بدلا عن الغائبين او الذين سيغيبون لأسباب كثيرة (اختيارية او جبرية)،

بين يدي الان ست موضوعات هن بعض مما كتبه ونشره مصطفى غازي ألدعمي في جريدة (صدى الروضتين) وتظهر هذه الموضوعات مدى انشغال الكاتب ألدعمي بما يحيطه او يضغط عليه فيخرجه من داخله الى الورق بعد ان يعالجه ويجادل من ورائه بشكل تكون فيه الكتابة جزءا من علاج الظاهرة التي يتطرق إليها، ويمكنني ان اطرح العناوين المختارة:

الأنموذج الأكمل للإعلام النسوي/ الحوار/ لكل مشكلة حل / من أنا/

الزواج عند المسلمين / طيارا آل أبي طالب، وتمثل هذه العناوين المنشورة في أوقات متفرقة جانبا من اهتمامات مصطفى ألدعمي واندماجه في المحيط الكبير وتنافذه معه الى حد انه يتحاور مع ابرز طروحاته وظواهره المترشحه فيستل من أهابه بعض المشكلات بحثا عن العلاج المطلوب، بمعنى ان ألدعمي يروم من الصحافة " كما يفهمها ويستشعرها" ان تتحول الى علاج يشفي من ألام مطروحة ومحسوسة في مناخ الكاتب ومشاعره .

ومن الطبيعي ان تكون هناك اختلافان او حتى اراء متضادة ومحاجة مع ما يطرحه أي كاتب في هذا الرأي او ذاك الاختيار تبعا إلى الفكر والفهم المسبق وحساسية الموضوع إلا أن هذا الاختلاف لا ينبغي ان يتحول إلى قطيعة او فراق ابدي لا تواصل بعده ويجب أن يكون الخلاف متاحا ومقبولا مع أي رأي، فان اتفقنا مع كاتبنا ألدعمي على ان الزهراء (ع) هي أول إعلامية عرفها التاريخ الإسلامي وإذا لم نتفق معه في هذه التخريجة (بسبب مؤهلات إعلامية) إلا ان هذا الموقف لا يفترض ان يجرد الكاتب من حقه في ان يعبر ويطرح ما يراه حقيقيا طالما انه امتلك الحجج المناسبة التي تدعم موقفه وتسند حرية التناول، وان ذكر الدعمي في موضوعه الثاني ان الحوار مهم " لأنه الباب الرحب للتواصل وفهم الآخر" فعلينا تصديقه او مناقشته ولكن هذا لا يسوغ لأي كان الافتراء عليه او إساءة الظن به وتكثير الاتهامات عليه لان في ذلك تعديا على حقوقه المهنية ككاتب صحفي، وقس على ذلك في موضوعه الثالث حين قال " إننا وللأسف لا نؤمن إلا بنصف الحقيقة، وبالتأكيد السيئ منها فمع كل مشكلة ولو كانت بسيطة تنقلب أحوالنا رأساً على عقبٍ، وتتلبد سماء حياتنا بسحائب الكدر والحزن .. " يكون من حقنا ان نتجادل معه او نرد على أرائه كتابة إلا ان ذلك لا يخرج عن الكتابة الصحفية والاختلاف المشروع القائم على أسس موضوعية وحوارية ونتذكر دائما ان نحفظ للكاتب مساحة كافية من حرية التعبير بل والخلاف مع ما يردده ويفضله محيطه القريب والبعيد .

وأنا مع تفاؤلي الشديد بقدرة الكاتب مصطفى غازي ألدعمي على تفعيل الموضوعات العراقية وإضاءتها وإثراءها من جوانب عدة إلا ان هذا لا يقف حائلا من دون ان أقول باختلافي معه بل لي تحفظات على كتابته التي نفراها، هذه التحفظات تتضح مع (تعميم) الكتابة لا تخصيصها بمعنى أني أراه منساقا لان تأتي كتاباته في مدارات عامة من غير أي محاولة لوضعها في باب تعبيري معين وهذا – كما أراه أنا – إنما هو خطا مهني كبير وقد ينزلق به إلى درب عاثر لمستقبله الذي ننتظره، والقارئ الحاذق لتلك الموضوعات الست وسواها مما ينشره الكاتب مصطفى غازي في بقية الصحف والمواقع الالكترونية سيلحظ ان كاتبنا ينشد التعبير ذاته لا شكله او بنيته المهنية وهذا ما يدفعه الى تعميم كتاباته بين أقاليم ثلاثة: النوع الديني/ النوع التربوي / ألنوع الاجتماعي، فان وجد نفسه مليئة بالمحبة الزهو والتوقير للسيدة الزهراء (ع) فيكتب عنها موضوعا خاصا ويكون من جراء ذلك كاتبا دينيا، ولو ارقته في حياته مشكلة ما او مصيبة جديدة فلا باس ان يعالجا ضمن باب (لكل مشكلة حل) ويدخل في حيثياتها ويقترح حلولا لها من غير ان يهمه ان كان مسلكه هذا قد دفعه لان يصبح كاتبا اجتماعيا أم لا؟!.

وبهذا المنظار، لو أننا قرانا وحللنا بقية موضوعاته، سنجد ان مصطفى غازي قد يكون عاملا في الصحافة الاقتصادية او متابعا في الصحافة السياسية او محللا في الصحافة الرياضية .. الخ بل يمكن لنا ان تضمه لأي صحافة موجودة طالما انه " صحفي عام " ولم يشأ هو او من امتهنه من تشخيص إمكاناته المهنية ويخلصها من الخسائر والزيادات ويجعلها تتخصص في نوع صحفي معين وهذا خير لها من التشتت وفقدان الهوية والضياع بين الأجناس بحجة التنوع !!.

 

علاء سعدون: التوجيه التربوي أولا !

يحق لي (بعد إن جست في مواضيع نشرها الكاتب المجتهد علاء سعدون من مقالات وحوارات) إن اخرج بحصيلة فكرية وصحفية مؤداها انه يعتد كثيرا ب (التوجيه التربوي) ولا يمكن فهم المغزى الذي يسعى إليه علاء سعدون إلا من خلال عرضه لحججه واستقبال التوجيه التربوي على انه مكمل لما بدأه في موضوعه وحاول إنباته في ذهن المتلقي كهدف اوليّ،لقد وضح لي ان علاء يتبسط في إتيان براهينه التي تقوي مضمونه الذي يريد توكيده قبل ان يمرر بذكاء مهني توجيهه التربوي الذي وضعه منذ البدء كخاصية تعبيرية لكتابته فيصبح لزاما على من يقرا له ان يتوقع مثل هذا التوجيه من خلال سير الموضوع او في نهايته !.

لو جئنا إلى موضوع كتبه علاء سعدون تحت عنوان (نعمة العقل) لوجدنا مصداقا لما توصلنا إليه، فالكاتب بعد ان يمهد لهذه النعمة ويستشهد بشخصيات وأراء قويمة يثبت " التوجيه التربوي " الذي سعى إليه منذ البدء وهو (وما من إنسان عاقل يرى طريق الحق أمامه ويسلك غيره، كذلك لا خير في عقل أدرك العلوم، وصنع الطاقة، وشرّف صاحبه في قومه بالعزة والمال، وخلده في التاريخ، ما لم يعرف الله وواجبه اتجاهه) وكان المقصود بهذا التوجيه هو متلقي كتابته الذي يعنيه ويخصه بكلماته التربوية هذه، وينطبق الحال ذاته بموضوع آخر كتبه علاء تحت عنوان(رقص على الجراح) فبعد ان يمر الكاتب بسرعة على مفاهيم كبيرة كالحرية والانتماء يأتي على الموضوع الذي أراد التنويه به وهو (القصائد والأشعار وتمريرها مع القضية الحسينية) فيقول ان هذا لخطل كبير يقترفه صاحب القضية المقدسة تجاه نفسه وفنه والجمهور الذي يستمع إليه ثم يأتي بخلاصة موقفه على شكل توجيه تربوي(فليعلم الرادود أن كل قصيدة تخرج بصوته، إما أن تكون في ميزان حسناته، أو في ميزان سيئاته، وهو من يختار!) .

وفي موضوع ثالث عنوانه (لست وحدك) يعدد علاء سعدون الأمثلة الدالة على سيآت رمي " الأوساخ " الى الشارع من دون استشعار الخاتمة المتوقعة لهكذا فعل سلبي، وبالرغم من أن الكاتب كان قد أشار الى جنحة خادشة تعتور حياتنا اليومية والمجتمعية – وهو موضوع صحفي ممتاز- إلا ان الحكمة منه أو التوجيه التربوي الذي خرج به الكاتب يصح ان يكون مزدوج الدلالة: فهو يخص الذات الفردية كما يمكن تعميمه على الذوات المجتمعية كاملة، بمعنى إن علاءً ينجح بتوسيع مدى التوجيه التربوي وجعله خاصا وعاما في أن وهو ما يتعلق بمستوى القراءة لا الكتابة حسب!.

ولعل هذه الخاصية في التعبير (أي التوجيه التربوي) تتضح أكثر في موضوع " رسالة الى الإنسان " فقد عالجه الكاتب بطريقة علمية مع انه كان مرشحا ليكون إنشائيا او دينيا ولكن طريقة المعالجة قربته لان ينتسب للموضوعات العلمية بتشخيص دقيق لأهم أسرار الإنسان ان كان في حياته ام بعد وفاته،ان اختيار " عالم ما بعد الموت " والكتابة فيه هو بمثابة الدخول في منطقة عسيرة بل هي خطرة لمن كان في شبابه الأول ولم يتمرس بعد على الموضوعات المدببة ولكن موهبة علاء سعدون جنبته مهالك الاختيار وأوصلته لان يثب بمنطقية الى التوجيه المنتظر: لا بأس بمغامرة لاستطلاع الأديان والمذاهب وتثبيت ان دينك هو الحق لتقف محتجا أمام الله يوم الحساب وتقول له هذا ما توصلت إليه بعد البحث بكل ما لدي من طاقه ..!.

وفي موضوع آخر (أسمعت لو ناديت حيا) نكون إزاء تنويع غير مخل لفكرة "توجيه الآخر" ولكن الجديد او اللافت هنا ان علاء سعدون يركز كثيرا على دفع موضوعه لينبت حالات متعددة من الحث والتوجيه، فمثلا نختار عبارة من الموضوع ذاته فيظهر قصدنا (لا تكن مغروراً بنفسك وتحقر الآخرين، مهما تكن وأينما تكون وبأي صفة، إذا جعلك الله في مكان فلا تبخس حق الآخرين الذين وضعهم في مكان اقل منك، وتذكر إن الله من يختار لا أنت ..) حتى يحل اليقين بدلا عن الظن في أن الكاتب إنما أراد من هذا الاختيار إعلان توجيهاته التربوية قبل أي شئ آخر!.

 

الخلاصة:

اخترنا في ما سبق من صفحات أسماء بعينها لها جهدها وذيوعها في مضمار الصحافة منذ سنوات، كاتبة وكاتبين، هم الآن من الساعين الى تثبيت أسمائهم بأشكال مختلفة في الصحافة الكربلائية وان كان بإمكانهم - بقليل من الجهد والتمعن في آثار من سبقوهم – من الوصول الى مرتبة (الصحافة العراقية) ومن ثم الصحافة العربية والعالمية، ليس كثيرا على " حنين علي "ان تعثر على طموحها الصحفي طالما إنها وجدت في الكتابة الثقافية خلاصها وحلمها، وسيجد

"مصطفي غازي ألدعمي" مستقبله في العمل المهني لأنه يمتلك من الطموح والأخلاق السديدة ما يكفل له صيتا في الصحافة المقروءة لا سيما انه يسعى بجد لان يصبح (كاتبا شاملا) وهذا حسبه .. ولا اشك أبداً في ان "علاء سعدون" سيجد قراء بالملايين يتابعون جديدة ويتلهفون لأخبار ذلك الكاتب الذي دسّ لهم (توجيهاتهم التربوية) بين ثنايا موضوعاته فعاش بينهم ودفع قاماتهم وأفكارهم للأمام واسهم بإضاءة عوالمهم المعتمة حتى وان كان بعيدا عنهم !.

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو (13)

بدأت بنشر هذه السلسلة من مقالاتي قبيل الذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية (ايلول / سبتمبر 1944 – ايلول/ سبتمبر 2014)، الا انني استلمت الكثير من الرسائل التي أشارت الى ضرورة الاستمرار بهذه السلسلة (بغض النظر عن تلك المناسبة المحددة) لانها تؤرٌخ بشكل عام العلاقات العراقية – الروسية من وجهة نظر مبتكرة وفريدة، ولأن هناك العديد من الاشخاص الآخرين الذين يستحقون ان نكتب عنهم في اطار هذا الموضوع، وانا اتفق مع هذه الآراء فعلا ، ولهذا فانني قررت ان اقدم حلقات جديدة من هذه السلسلة، و هذه واحدة منها والتي ستكون مكرٌسة للدكتور خليل عبد العزيز .

سبق لي ان ذكرت اسم الدكتور خليل عبد العزيز في حلقة سابقة من هذه السلسلة تحت رقم (2)، عندما تحدثت عن كتاب سفير العراق الاسبق في موسكو صالح مهدي عماش والذي صدر في بغداد عام 1972 بعنوان – (موسكو عاصمة الثلوج)، وأشرت هناك الى انه كان يعمل في معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية، واود ان اضيف هنا انه كان اول عراقي عمل في هذا المعهد، وثاني أجنبي بعد الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت، ولا اعرف لحد الان – حسب علمي المتواضع - عراقيا آخرا عمل في هذا المعهد الاكاديمي العتيد.

لقد وصل خليل عبد العزيز الى موسكو في بداية الستينات من القرن الماضي، بعد ان ساهم – وبشكل واسع وفعٌال - في الاحداث المتشابكة والمعقدة في الموصل عام 1959 والمرتبطة بحركة التمرد التي قام بها الشواف، وقد صدر ضده حكما بالاعدام آنذاك، وقام الحزب الشيوعي العراقي بترتيب اخراجه (او بالاحرى تهريبه) من العراق وارساله الى موسكو لاكمال دراسته الجامعية، وهكذا ظهر فجأة عراقي شاب بيننا في جامعة موسكو في بداية الستينات اسمه يوسف الياس، وكنا نسميه طبعا (ابو يعقوب)، ولكن الاسرار – مع الاسف - في اوساط العراقيين لا تصمد طويلا كما هو معروف، وهكذا كان العراقيون في جامعة موسكو - بعد فترة قصيرة - يتهامسون فيما بينهم عندما يمر يوسف الياس امامهم قائلين - انه (خليل عبد العزيز) وليس (ابو يعقوب) ...

درس (ابو يعقوب) بشكل مثابروملتزم و جديٌ وناجح جدا، وحصل على شهادة الدكتوراه في الصحافة بعد دراسة دامت سنوات طويلة، وتم تعينه عام 1971 في معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية، وكان رئيس هذا المعهد آنذاك الاكاديمي السوفيتي المعروف غفوروف، المستعرب الشهير، واصبح خليل عبد العزيز مساعدا له فيما يخص شؤون الشرق العربي بحكم كونه عراقي عربي وحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو، وقد كان يحضر طبعا كل اللقاءات التي تحدث بين غفوروف والسفراء العرب والوفود العربية الرفيعة المستوى في المعهد، ومن أبرزها تلك التي حدثت بمناسبة الاحتفالات العالمية لمناسبة الذكرى الالفية للفارابي. لقد اقترحت ايران آنذاك ان تتبنى هذه الاحتفالية تحت عنوان – الفيلسوف الفارسي الفارابي، واقترح العراق ان يتبنى تلك الاحتفالية تحت عنوان – الفيلسوف العربي الفارابي، أما الاتحاد السوفيتي فقد اقترح ان يكون الاحتفال تحت عنوان – فيلسوف الشرق الفارابي . كان السفير العراقي صالح مهدي عماش يتفاوض مع غفوروف باسم الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، وكان الاتحاد السوفيتي يميل الى عقد هذه الاحتفالية في بغداد لاسباب سياسية بالطبع ايام ايران زمن الشاه ، وهكذا قرر معهد الاستشراق ان يرسل خليل عبد العزيز الى العراق للتفاوض حول التفصيلات باسم المعهد، اي باسم الاتحاد السوفيتي واقعيا، وقد حاول عماش ان يقنع خليل عبد العزيز بعدم الموافقة على قبول هذه المهمة والاعتذار عنها، ولكنه لم يستطع اقناعه بذلك، اذ أصرٌ المعهد على اقتراحه هذا بتنسيق دقيق ومحدد مع الجهات السوفيتية العليا بالطبع، وهكذا اضطر سفير العراق ان يفاتح الجهات العراقية برأي الجانب السوفيتي حول ذلك، وقد وصل الموضوع طبعا الى رئيس الجمهورية احمد حسن البكر، اذ ان الموافقة على ذلك المقترح كان يقتضي اولا وقبل كل شئ الغاء احكام الاعدام الصادرة في العراق بحق خليل عبد العزيز عام 1960، والاعتراف بان هذا المواطن العراقي يمثٌل الان الاتحاد السوفيتي، وبالتالي يتمتع بكافة حقوق المواطن السوفيتي وحصانته امام المفاوض العراقي في بغداد نفسها. استجاب العراق لتلك الشروط التي وضعها معهد الاستشراق السوفيتي، وحضر السفير العراقي عماش الى المعهد واخبرهم بذلك بصورة رسمية وارسل صورة من القرار الذي نشر في صحيفة الوقائع العراقية للامر الرئاسي بالغاء احكام الاعدام على خليل عبد العزيز، وتم اتخاذ كافة الاجراءآت اللازمة في سفارة العراق بموسكو بشأن سفره رسميا الى بغداد باسم الاتحاد السوفيتي . وهكذا عاد المواطن العراقي الدكتور خليل عبد العزيز الى بغداد (الذي تركها عام 1960 بعد صدور الحكم بالاعدام ضده نتيجة مشاركته باحداث الموصل عام 1959) ليتفاوض مع رئيس الجمهورية العراقية أحمد حسن البكر باسم الاتحاد السوفيتي، وهو شئ حدث لاول مرة في تاريخ العراق - حسب علمنا المتواضع – والذي لم يتكرر لحد الآن في تاريخ العلاقات العراقية - الروسية. لقد سألت الدكتور خليل عن ردود فعل احمد حسن البكر عندما استقبله في بغداد، فقال انه أشار في اللقاء الاول الى أحداث الموصل ومساهمتي بها وموقفي المضاد تجاه البعثيين، وقد اضطر الدكتور خليل طبعا ان يدافع عن موقفه وذكر له بعض الارقام الرسمية حول الضحايا من الجانبين وقد كان الاجتماع متوترا، اذ ان البكر أشار الى استغرابه (بقيامي بمهمة التفاوض باسم السوفييت وانا العراقي، فقلت له انني موظف في المعهد وأنفذ اوامره)، ولكن البكر لم يكرر هذا الحديث في اللقاءآت الاخرى . لقد كانت المهمة محددة للدكتور خليل من قبل الاكاديمي غفوروف وهي – عدم الخوض مع البكر في مواضيع تخص مهرجان الفارابي، وانما طرح أسئلة سياسية تتعلق بمدى صدقية التعاون مع القوى الوطنية العراقية وبالذات مع الشيوعيين والاكراد، أما فيما يخص مهرجان الفارابي، فيجب عليه طرحها تفصيلا مع وزير الثقافة والاعلام طارق عزيز، وقد تم عقد أربعة اجتماعات مع البكر على مدى اربع ساعات كل يوم . لقد سألت الدكتور خليل عن انطباعاته حول البكر، فقال انه كان صريحا، وانه لم يكن مخلصا في التعاون مع الشيوعيين وتلبية الحقوق القومية للاكراد وانه كان يطمح في بسط نفوذ حزب البعث في العالم العربي .

هناك جوانب اخرى كثيرة في حديثي مع الدكتور خليل عبد العزيز (الذي يسكن الان في السويد) حول عمله في معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية، منها اللقاء مع هيكل – رئيس تحرير جريدة الاهرام المصرية آنذاك، وسفره الى القاهرة واللقاءات مع الشخصيات المصرية الرسمية مثل جمال عبد الناصر وبقية أعضاء القيادة المصرية، ومنها متابعة رسائل الدكتوراه لبعض الشخصيات العربية في موسكو مثل رفعت الاسد ومكرم الطالباني وفاضل البراك وغيرهم وعلاقة ذلك بالسياسة السوفيتية بشأن اعداد الكوادر الوطنية في العالم العربي .. واتمنى ان تسنح لي الفرصة للحديث عن ذلك لاحقا...  

الشاعرة السورية المعاصرة خزامى الشلبي

ما أن تسدد سهمها نحو الهدف، حتى يصبح أثرا بعد عين. هي رامية بعين صقر، وقلب ورد.، شاعرة ولكنها ليست كبقية من قرضن الشعر من بنات جنسها. ربة بيت، ولكنها ليست كربات البيوت الأخريات. انها عبق وأريج تضوع من أحلى المروج الدمشقية وأجملها، رغم أنها استأثرت بزهرة " الخزامى " فقط، لاسباب ستبديها لنا الكلمات لاحقا.

تنحدر الشاعرة الدمشقية "خزامى الشلبي" من اسرة أصيلة وعريقة، محافظة وفاضلة، حباها الله تعالى بالخير، وخصها بالفضل من نعماءه. فرغم ثراء الاسرة الفاحش، الا أن التواضع، وعمل الخير، ومد يد العون، واغاثة الملهوف، هو ما يميزها عن كثير من العائلات التي انعم الله عليها. فكل تلك الصفات الطيبة، قد صهرت شاعرتنا " الخزامى " في بوتقة الفضيلة والعلم والمعرفة معا، وقدمتها مثالا يحتذى، في الابداع والتفوق والتميز. هي فعلا نادرة الوجود.

اصطحبها الوالد في حله وترحاله، فنهلت من القيم والعادات الحسنة، والاساليب القويمة في التعامل الراقي مع البشر، وانفتحت على المجتمع المحلي بأسره، ما أضفى على شخصيتها الجرأة والفصاحة واللباقة في التعامل مع شتى شرائح المجتمع. سريعة البديهة، حاضرة الجواب، لينة الجانب، طيبة المعشر. ولكنها، في المقابل، تمتلك قلب اسد ضار اذا ما اشتد الخطب ودعا الداع. فقد فازت في بطولة الجمهورية السورية في الرماية، واصبحت ممن يشار اليهن بالبنان في دقة التصويب، وتدمير الهدف عن بكرة ابيه .

كانت الشرارة الاولى التي قدحت زناد الشعر عندها يوم بلغت التاسعة من العمر. فقد أفاقت على الوالد وهو يتبادل وصلات الزجل الدمشقي الراقي مع ابنائه الذكور، فابتدرت مدلية بدلوها بوصلة راقية أذهلت الجميع، ومنذ تلكم اللحظة، أصبح لها الصدر دون الاخرين؛ فقد منحها الوالد كامل الصلاحية، ومطلق الحرية، في استخدام مكتبته الشخصية الضخمة، وبات يوليها رعاية خاصة، كرعايته باقة الياسمين الندية الغضة، حتى اشتد عودها وأزهرت سامقة نحو العلى. وفي سن الثالثة عشرة، طلبت مدرسة الفصل من جميع الطالبات الرد على احدى قصائد الشاعر " محمود درويش "، وكان ردها هو الملجم. وعلى صعيد المناظرات الشعرية، فقد كانت تبز زميلاتها جميعهن في الفصل، وكن حوالي الاربعون تلميذة.

ولعلها اتخذت من بيت شعر للشافعي نبراسا لها: " سافر تجد عوضا عمن تفارق / وانصب فان لذيذ العيش في النصب. فعلا سافرت والعائلة، ويا له من سفر استمر زهاء (29) عاما في بلاد الحرمين. فهناك تفقتقت العبقرية، و انطلق الشعر من عقاله، وبات يضرب يمنة ويسرى، محطما كل ما يقف امامه من عقبات التحدي. حصدت جوائز عدة في المملكة العربية السعودية في مجال الشعر النبطي، وشاركت في العديد العديد من المسابقات الشعرية والثقافية، لدرجة انها تلقت من الكثير من جمهورها المحب (أقارب ومعارف وزملاء) دعوات بضرورة الاشتراك في مسابقة " شاعر المليون"، ولكنها شخصيا لم تتقبل فكرة الاشتراك في ذلك البرنامج. حصلت على تكريم من الامير محمد بن فهد بن عبد العزير عن عمل فني بالشمع عن التراث المحلي السعودي. ترسم بالفحم وتبدع ارقى اللوحات كذلك. معظم كتاباتها للوطن الذي تعشق، وتتماهى فيه، كما تكتب للاسرة الكريمة، والابناء، وتخص نصفها الاخر باشعار جميلة رقراقة، كونه الملهم والمساند الحقيقي والفعلي لمسيرتها منذ البداية، والى اخر رمق. فأحيانها يخبو قول الشعر لديها قليلا، لظرف ما، لكنه سرعان ما يعود نسيما عليلا يجتاح سهول مروج الخزامى، التي تسمت بها، متخذة منها المثل الاعلى في الاستقامة، والشموخ، وعدم الانحناء، الا لمبدع الكون.

هي عضو فاعل، بل ومؤثر، في مجلس ادارة رابطة الشعراء العرب. وفي مسابقة شعر الفصحى الشهرية لرابطة الكتاب العرب على " الفيس بوك"، فقد تربعت على عرش البطولة اثر حصولها على المركز الاول لشهر يناير 2014. كما حصلت على المركز الاول في مسابقة " همسة " لشهر نوفمبر 2014، والمركز الثالث للشعر الفصيح لرابطة الكتاب العرب لشهر نوفمبر 2013 . تكتب الزجل الدمشقي وتتقنه، وفي الاونة الاخيرة، فقد كتبت كلمات " زفة " احد انجالها، وصدح بها القائمون على الحفل، وكانت أعذب الكلمات التي لاقت استحسان الحضور. كل اشعارها وليدة الشعور والاحساس، وليس التصنع. فكثيرة هي المرات التي تترك فيها مخدعها، وتنفض غبار النوم عن وجنتيها، وتنهض نشيطة لسكب كلمات خطرن في البال قبل فوات الاوان. أهي خنساء الشعر، أم الشمس، أم الأم، أم الدمشقية، أم مليكة الشعر، كما يصفها الكثير من متذوقي شعرها الراقي؟

كل ذلك الابداع لم يكن ليبزغ لولا صقل الموهبة علميا. فشاعرتنا الفاضلة تحمل مؤهلا جامعيا في اللغة العربية من كلية البنات في الدمام- المملكة العربية السعودية. تعشق الادب الجاهلي بشقيه، الشعر والنثر، كما تعشق كذلك شعراء صدر الاسلام. ولا تتعصب لشاعر بعينه، انما القصيدة هي من تفرض نفسها على المتلقي. حكمتها المفضلة :" لكل شيئ اذا ما تم نقصان// فلا يغر بطيب العيش انسان. عملت في مجال الدعوة لتسع من السنوات، قدمت خلالها ندوات اسبوعية تثقيفية في العقيدة السمحة.

حياتها الاسرية ضرب من الروعة والسحر؛ فتراها تداعب الاولاد وتضاحكهم وتتحمل، بل تشاطرهم، شقاوتهم .وعلى نطاق صداقاتها، فلا تملها زميلاتها البتة، فهي لهن البلسم الشافي، ونبع الاخوة الصافية الصادقة، ومكمن لاسرارهن الدقيقة، ولا يشعرن بمرور الزمن معها، ولسان حالهن يقول: " لا بورك في مجلس ليست فيه الخزامى ". وبكل اختصار، هي بمثابة " الحناء " في العرس، روعة وبهاء وحضورا.

" الخزامى" هي ابنة ريف دمشق النقي الرضي ذات الحضور الأخاذ، والطلة الساحرة. هي ابنة " التل " وما تملكه اسرتها الموسرة من مساحات شاسعة خصبة، سهول مزهرة، ورياض غناء، وبيت عربي تتوسطه نافورة نضاخة، وشجيرات الياسمين، والمشمش والدراق، وغيرها مما تشتهيه الانفس. هنا كانت تلهو وتلعب في الطفولة وأيام الصبا، وتنصت الى اصوات السواقي تعزف بحور الشعر الجميلة. فهل هذه الاجواء هي السبب المباشر لاعطاء الصبغة الرومانسية لجزء من اشعارها؟ فأنا شخصيا،وبحكم عملي ودراستي، فقد وجدت قواسم مشتركة بين بعض اشعار شاعرتنا " خزامى الشلبي " واشعار بعض الشعراء الانجليز أمثال ويليام ويردزويرث، جون كيتس، شيلي، و ويليم بليك. فهل جاءت هذه القواسم وليدة الصدفة، أم ان شاعرتنا استثمرت معرفتها وثقافتها باللغة الانجليزية، وتعمقت في دراسة ما يقع تحت يديها من شعر غربي؟ لا ندري على وجه الدقة، ولربما كان جوابها: " أنام ملء جفوني عن شواردها / ويسهر الخلق جراها ويختصم.

 

يونس عودة/الاردن

 

الشاعر الانجليزي جون درايدن (1633 – 1700)

شاعر انجليزي متمكن، يشار اليه بالبنان، عاصر عودة الملكية، وأصبح من القلائل المقربين للبلاط، على الرغم من بساطة نشأته ومولده. هو الطفل الرابع عشر في الابناء، والاكبر فيهم، مما خوله تلك الايام، ان يرث عقارا بسيطا خلفه والده، عله يدبر معيشته. كتب الشعر ابتداء، ثم – لظروف المعيشة القاسية – اتجه للكتابة المسرحية . عصفت ايامه قلاقل كبيرة في البلاد، وعمت الخلافات والرؤى السياسية، فكان اختياره العقلاني، يحتم عليه مساندة العرش، وعليه، فقد أصبح منذ حينها يطلق عليه لقب : " مؤرخ العرش".

تزوج من السيدة (اليزابيث هيوارد)، ابنة كاتب المسرح الشهير أنذاك . قدم مسرحيات، لكنها لم تكن بتلك الجودة كشعره. أخفق في فن الملهاة، كونه لا يمتلك المقومات الاساسية في هذا الفن من خفة الظل ولطف التعبير. وكما يبدو، فقد نجحت مساعيه في كتابة التراجيديا بشكل أفضل من الملهاة. وسواء نجح أم أخفق، فالمرجح أنه كان يقوم بذلك،لأجل لقمة العيش .كتب شعرا مسرحيا عام (1667)، وعبر فيه عن اعجابه الكبير، بل منقطع النظير، بالشاعر والكاتب المسرحي الانجليزي " شيكسبير "، اضافة الى الشاعر الكبير "تشوسر". وصل عدد ما كتبه من مسرحيات (27) مسرحية، أشهرها " الحب للجميع)، و(زواج على الموضة) اضافة لغيرهما، ولكنها – جلها- لم تصل الى مصاف المسرحيات الراقية . يشهد له الخصوم، قبل الاصدقاء، بأنه كان لا يتجنى في هجاءه على أحد، فحيثما وجد الخطأ، أو اللا استقامة، أو القذف من أحد، كائنا من كان، فسرعان ما يصوب عليه أسلحة الهجاء المقذع، كما فعل مع معاصريه من الشعراء، أمثال :" سيتل "، و شادويل "، لدرجة أنه حط من قيمة ما يكتبه " شادويل " من شعر ؛ فهو لا يغدو شعرا، ولا يستحق الورق الذي يدون عليه، ومكان هذا الورق، بما عليه من شعر، هو المرافق العامة، حسب قوله. وعلى الرغم من هذا الابداع في الهجاء، الا أنه لم يصل لدرجة " بايرون "، واسلوبة المهلك في الهجاء – ان جاز لنا التعبير- ان دعت الضرورة لهجاء أحد ما . أطلق الناقد " صموئيل جونسون " على " درايدن " لقب : " أبو النقد الانجليزي " .وكان نقده يعنى بالحالة الفنية في حرفة الكتابة، وليس لنواح اجتماعية صرفة، كما يفعل الغير . وأشد ما لقيه خصوم الشاعر من قدح، ونقد، هم خصوم الملك، اذ كان يعيب مما يكتبونه من مقاطع شعرية ركيكة، هدفها الاعلاء من قيمة من يؤيدون، تكسبا ورياء . ففي بعض أشعاره، يعمد " جون درايدن " الى الكتابة على نهج " اليكساندر بوب " فيما يسمى بالثنائيات البطولية " هيرويك كبلتس "، وهو اسلوب في كتابة الشعر . كما كتب قصيدة بعنوان" الظبية والنمر"، حيث دافع فيها عن دينه ومعتقداته، اذ كان ينتمي للمذهب الكاثوليكي الروماني. من أرقى ما كتب " درايدن " المقطوعة الشعرية الملحمية " سنة العجائب "، وهي وصف بارع لما الت اليه لندن في عام 1666 يوم الحريق العظيم الذي ذهب بجلها من ناحية، وبمرض الطاعون الذي أهلك الحرث والنسل، من ناحية أخرى . كما لم ينسى تخليد ذكرى انتصار بلاده في معركتها ضد هولندا . مدح بلاده وعرشها، وتمنى استقرارها، وهدوء أحوالها السياسية . احيانا كانت تهب عواصف التغيير، وتقتلع كل وشيجة احكمت فيما بينه وبين ذلك النظام، خاصة ما حل بالملك " جيمس "، مما أثر على شاعرنا بشكل قوي. لم تكن أخر سني " جون درايدن " مسكا، كما كانت، أحيانا، في السابق . فعندما دارت الدائرة على " الملك جيمس "، فقد خبا نجم الشاعر، واطفئت نيرانه . انتهى به المطاف الى دار نشر محلية، يدقق، ويصحح ما يعد للنشر . استثمر وجوده في الدار، وكتب عددا من القصائد، تضاف الى رصيده السابق، أيام مجده، اضافة لقيامه بترجمة البعض من اعمال " فيرجيل " . لفظ " درايدن " اخر أنفاسه، وأسلم الروح في لندن . تؤكد بعض الروايات، أنه دفن في دير يقع في وستمنستر، حيث يرقد جثمانه بين قبري شاعرين عملاقين –" تشوسر " و" كاولي "

 

محمد مفتاح الفيتوري 1936-2015

في حَضْرَة مَنْ أهوى عَبثتْ بِيَ الأشواقْ

حَّدَّقْتُ بِلا وَجهٍ وَرَقَصْتُ بلا ساقْ

وَزَحَمْتُ بِراياتي وَطُبولي الآفاقْ

عِشقي يفني عِشقي وَفَنائي استغراقْ

مَمْلوكُكَ لكنِّي سلطانُ العشّاقْ

الشعراءُ لا يموتونَ ولا ينقرضون. إنْ ووري جسدُ الفيتوري الثرى، فتاريخُه المشرِّف لن يموتَ ولن يندثر، فَسيرةُ المرءِ أكثرَ طولاً وبقاءً من عمرهِ الزمني. لَمْ يُعرفْ عنه المهادنةُ أو المساومةُ أو الإستكانة. ناضلَ وكافحَ لكسرِ القيدِ المدمي ونبذِ العبوديةِ التي خلفتها أيدي وأرجُلُ الاستعمارِ البغيضِ الذي جَثم عقوداً طويلةً على صدور العباد والبلاد. شاعر يحمل الهمَّ العربي على كاهله، فأفرد الكثير من لعاب يراعه لفلسطين وأطفال الحجارة. فهو مسكونٌ بالعروبةِ والإخلاصِ لهذه الامةِ حتى النخاع. لم يكن راضٍ تمام الرضى عن سياسةِ النميري؛ بل كانا على طرفي نقيض في فهم الحياِ وسياستها، ما حَدا بالأخيرِ الى تجريدهِ من الجنسيةِ السودانيةِ في العام 1974.

طابعه العزةُ بالنفسِ والشموخُ والتعالي على كل من يحاول النَّيْلَ من شخصيتهِ أو كرامتهِ أو من مظهره العام. قَلَمُهُ خارقٌ حارقٌ يقذف لظىً على كل من يُبدي نظرةً مريبة في حقِّه. أتْقنَ السَّبكَ الشعريَّ وأتقن اختيار الموضوعات في كتاباته. فقد كانت بعضُ مواضيعه ضِمنَ مقررات اللغة العربية التي تُدرَّس في جمهورية مصر العربية؛ تلك البلاد التي عشقها وأحب شعبها الطيِّب، وبخاصةٍ طبقةَ الفلاحينِ التي تعمل وتكد وتكدح في هذه الحياة.

يُروى عن الفيتوري أنَّ والدَهُ تنبأ له بمستقبل مشرق، وحياة مليئة بالإبداعِ والشهرة. فَهلْ نالَ من تلك النبوءة حظاً، أمْ كان المستقبلُ بالنسبة اليه مجرَّدَ صراعٍ ونضالٍ لشقِّ الطَّريقِ نحو العُلا والتميز؟ أغلبُ الظَّن أنهُ فعلا قد كُتِبَ له من تلكم الارهاصاتِ حظَّاً ونصيباً، لكنَّ الأمْرَ لم يكن بتلكَ السهولة. قيَّضَ له القدرُ، وبما بذله من جهد مضنٍ في حياته، العملَ كَصحفي في صحف مصريةٍ وسودانيةٍ شتى، وخبير إعلام في جامعة الدول العربية في القاهرة.أغدق عليه الرئيس صدام حسين الهدايا إضافة الى جائزة نقدية قيِّمة حين تغنى ببغداد ، قلعة الاسود وموئل المحبين والعشاق. كما قرِّبه الرئيسُ المصري الأسبق أنور السادات واحترم مكانته الأدبية، لكنه هجاه فيما بعد لأسباب في " بطن الشاعر ". فكما ذَكَرَ "عمر شبانة" فيما ذكرهُ في جريدةِ الحياة عن الفيتوري، فان الرئيسَ السابق معمر القذافي قد احتضنه وأكرم مثواه ، بل ومنحه الجنسية الليبية وجواز سفر دبلوماسي مع وظيفة سفير. فأمام هذا التقدير من القذافي، لم يتوانى الفيتوري في سَكب الاشعار الجميلةِ في حقِّه، حتى اعتبره – لحد ما- فوق طينة البشر:

فليسمع الحالمونَ الراقدونَ على

بطونهم والدجى فوقهم حجرُ

أن المقاديرَ تستثني الرجالَ وإنْ

تشابَهَ البشرُ الأفذاذ والبشرُ

كتب يوما للرئيس الجزائري الأسبق " بن بلّة ":

يا بن بلة

ما أجملَ أن يصحوَ الإنسانُ

فإذا التاريخُ بلا قضبان

وإذا الثورة في كل مكان

ترك الكثير من الدواوين الشعرية المميزة كمثل: عاشق إفريقيا/ اذكريني يا إفريقيا/ البطل والثورة والمشنقة وغيرها الكثير، إضافة الى بعض المسرحيات كمثل أحزان إفريقيا/ يوسف بن تاشفين/ الشاعر واللعبة وغيرها.

يمَّمَّ نحو لبنان، حين ترك عمله كخبير إعلام في جامعة الدول العربية، ليتماهى في العمل الصحفي الذي أحبَّهُ حتى النخاع. أحبَّ لبنانَ وشعبها واعجب بمثقفيها وسياسييها، ووجد المُناخَ مهيئاً للإنطلاق في المعترك السياسي. لم تكن الرياحُ كما اشتهتها سُفُنُه، فسرعان ما ابْعِدَ عن لبنان الى ليبيا التي غادرها بمحض إرادته الى سوريا. هاجَت الأقلامُ الحرَّةُ آنذاك واستنكرت الإبعاد بتلك الطريقِ التي لا تنم عن تقديرٍ واحترامٍ لرموز عربية مخلصة تحمل هموم أمة بحجم الوطن العربي. أعاد لبنان النظر في قرار الإبعاد، ثم رحّب بالفيتوري ضيفاً وأخاً بين أهله.

في جنازة مهيبة، شُيِّعَ الفيتوري الى مثواهُ الأخير في مدينة الرباط، بعيداً عن مسقط رأسه- السودان. بكاهُ المثقفون الشُّرفاءُ، وبكاه الوطن العربي الكبير الذي يحتضن في جوفه أقلاما ذادت ودافعت عن حماهُ ووجوده ما استطاعت.

 

يونس عودة

 

مات عمار.. مات الولد الطيب

salim alhasaniهل هذا الذي يتحدثون عن استشهاده في تفجير الكرادة هو نفسه عمار غالب الشابندر، الطفل الذي كان يستقبلني بمرح في شقتهم المتداعية في طهران؟.

هناك في زقاق قديم ضيق كل بيوته متداعية، مكتبة قديمة مهجورة لم يبق منها سوى جدران سرق الزمن الطويل استقامتها، وفارق بين طابوقها، ويافطة صغيرة بحروف واهية (كتابخانة بزرك/ المكتبة الكبيرة) ربما كانت كذلك قبل قرن أو اكثر من الزمن، لكنها في بداية الثمانينات، ملجأ للشباب المهاجر من العراق.

725-amarعبر سلم حجري مظلم يقيم غالب الشابندر، شقة بلا باب، بلا مطبخ بلا زجاج نوافذ، أكياس النايلون تقاوم ريح الشتاء، تتمزق فيعالجها الطفل النشيط عمار بمسمار أو شريط لاصق.

غرفتان متداخلتان له ولعائلته، والغرفة المقابلة كانت لي في أول يوم من حياتي الزوجية. رتبتها أم عمار أحسن ترتيب، جددت أكياس النايلون على النوافذ، ركبت بطانية ممزقة لتمنع تسرب الهواء البارد من شقوق الباب.

غالب الشابندر يقرأ ويكتب، وعمار ومعاذ وتوحيد يقاومون البرد بطبقات من الملابس البسيطة.. وغالب يكتب ويقرأ متدثراً ببطانية تحمي ظهره من البرد، وامامه رزم الأوراق والكتب المبعثرة.

أخرج معه في الصباح الباكر، نطوي مسافات طويلة مشياً حتى نصل الى أقرب موقف للحافلات، نقضي ساعات الدوام في مجلة صوت الأمة، ثم نعود الى أجمل شقة وأحسن ناس.

تمنيت أن أمضي مزيداً من الأيام والأسابيع فيها، لكن الأستاذ السيد موسى الخوئي، عاتبني بشدة، رفقاً بزوجتي وبحياتي الجديدة، قال: (هذه ستتحول الى ذكريات، ولا أريد لزوجتك ان تكون ذكرياتها بهذا الشكل)، انتقلت منها الى بيت قرب ميدان الحرية المعروف على واحد من أوسع شوارع طهران، لكني كنت اجد زقاق الشابندر اجمل واوسع واهدأ.

يكبر عمار، سنة بعد أخرى، صار يختلف عن والده المفكر المشاكس الجرئ، صار يشبه والده الطيب الحساس.

ثم افترقنا.. سافروا الى سوريا عام 1986 ثم الى السويد.

في اجتماع عراقي في لندن عام 2001، اقترب مني شاب ينضح حيوية، ابتسم ثم عانقني.

كبر عمار.. صار يختلف اكثر عن والده المفكر الصاخب المتمرد، صار يشبه أكثر والده الانسان الرقيق المرهف الحس.

رن هاتفي الجوال:

ـ مات عمار..

قلت بذهول: ماذا؟ أبو عمار هل انت متأكد؟ ماذا تقول؟.

ـ مات عمار الولد الطيب.. مات عمار الولد الوديع.. مات عمار الذي تحبه.

كلمات غير مفهومة منه، وكلمات غير مفهومة مني. وينتهي الاتصال.

ما أضعفك يا استاذي غالب الشابندر وانت تبادرني بالخبر.

ما اقواك يا استاذي غالب الشابندر وأنت تبكي (عمار).

إنصافاً للتاريخ

jasim alhalwaniنشر الأستاذ حامد الحمداني مقالاً في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 24 نيسان 2015 تحت عنوان "من ذاكرة التاريخ: البعثيون والشيوعيون والجبهة الوطنية"

لقد استعرض الكاتب طبيعة العلاقة بين الشيوعيين والبعثيين منذُ أن عاد البعثيون إلى الحكم عن طريق انقلاب 17ـ 30 تموز 1968 وحتى انهيار "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية". إن استعراض الأستاذ الحمداني تضمن الكثير من المعلومات الصحيحة، ولكن المقال احتوى أيضا، بعض النواقص والأخطاء المهمة التي لم تنصف الحزب الشيوعي العراق، حيث أظهرت الحزب وقيادته بمظهر الضعيف والمستسلم والمهزوم، وتوحي نهايات المقال وكأنما الحزب الشيوعي العراقي انتهى بنهاية تلك المرحلة. وهذا هو الانطباع الذي يخرج به قارئ المقال. وبالتالي لم ينصف الكاتب حامد الحمداني التاريخ، إن لم نقل شوّهه! وهذا ما نأسف له أشد الأسف، لأننا لم نكن نتوقع ذلك من كاتب نجّله ونحترمه ونحسبه ملماً بتاريخ العراق المعاصر، بما في ذلك تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. (مقال الحمداني مرفق)

قبل التطرق إلى نواقص وأخطاء المقال، لابد من الإشارة إلى أننا عندما نتناول مواقف الحزب الشيوعي وخلفياته في ذلك العهد أو أي عهد آخر، لا نقصد تبريرها، وإنما نعرض واقع الحال كما هو آنذاك إنصافاً للتاريخ. وللحزب تقييمه لتلك الفترة، التي يتناولها الأستاذ الحمداني، والذي أقر في مؤتمره الرابع المنعقد في عام 1985، بعد مناقشة مسودته في منظمات الحزب ونشر التقييم في وثيقة تحت عنوان "تقييم تجربة حزبنا النضالية للسنوات 1968-1979" والذي ينتقد الحزب فيه أخطاءه في ذلك العهد.

وسأجمل ملاحظاتي في عدد من الأمور التي تؤكد رأيي في مقال الحمداني:

أولاً- يذكر الكاتب الحمداني في مقاله، بعد التطرق إلى الضربة التي وجهت إلى القيادة المركزية في شباط عام 1969 ما يلي: " إلا أن تلك الضربة كان تأثيرها ما يزال يفعل فعله، حيث فقد الحزب العديد من أعضائه إما قتلاً أو سجناً أو اعتكافاً عن مزاولة أي نشاط سياسي بسبب فقدان الثقة التي سببتها اعترافات عزيز الحاج و بيتر يوسف وحميد خضر الصافي وكاظم رضا الصفار أعضاء القيادة .

أما الحزب الشيوعي [اللجنة المركزية] فقد ألتزم جانب السكوت عما جرى، وتمسك بالهدنة المعلنة مع حكومة البعث ثم بادر الطرفان البعث والشيوعي بالتقارب شيئاً فشيئاً بعد أن أقدمت حكومة البعث على جملة من القرارات والإجراءات التي أعتبرها الحزب الشيوعي مشجعة على هذا التقارب، وبالتالي التعاون والسعي لإقامة جبهة وطنية فيما بعد". انتهى الاقتباس.

ليس من الصحيح القول بأن الحزب الشيوعي العراقي "ألتزم جانب السكوت عما جرى"، فقد أدان الحزب القمع الوحشي الذي تعرضت له المنظمة المنشقة وطالب بإطلاق سراح المعتقلين. ويشير إلى ذلك د. رحيم عجينة في مذكراته على الوجه التالي:

"تعرض المنشقون على الحزب (القيادة المركزية) لحملة اعتقالات واسعة ورافقتها انهيارات مهينة وظهور على شاشة التلفزيون. وعندما سمعنا باعتقال عزيز الحاج بادرنا إلى بحث الموضوع في لجنة العلاقات (وكانت تضم اللجنة آنذاك عامر عبد الله ومكرم الطالباني ومهدي الحافظ وماجد عبد الرضا، ويشرف عليها مباشرة عزيز محمد. ج) وقررنا أن نلتقي بالبعثيين ونطلب منهم الحفاظ على حياته، بالرغم مما سببه للحزب من أضرار جسيمة، لأننا توقعنا إعدامه بسبب تبني المنشقين الكفاح المسلح ضد البعثيين.

من أجل ذلك قابل بعضنا عبد الله سلوم السامرائي وآخرون عبد الخالق السامرائي وقدمنا طلبنا لهم. لكن الذين قابلوا عبد الله سلوم حصلوا على تأكيد أن حياة عزيز الحاج لن تمس لأنه بعد إلقاء القبض عليه مباشرة طلب اللقاء مع المسؤولين في القيادة البعثية!!

وعليّ أن أذكر أننا شجبنا الحملة الإرهابية الشرسة التي تعرضت لها هذه المجموعة وطالبنا بوقفها وإطلاق سراحهم وأدّنا بقوة ما تعرضوا له من تعذيب وقتل تحت التعذيب واستشهاد عدد منهم استشهاداً بطولياً". انتهى الاقتباس.1

فهل أنصف الحمداني التاريخ بادعائه بأن الحزب "ألتزم جانب السكوت عما جرى"؟!

ثانياً- ولتبشيع "سكوت" الحزب على القمع الوحشي، الذي تعرض له شيوعيون منشقون عنه، فإن الكاتب الحمداني يقفز على الأحداث ويشير إلى تطور علاقة الحزبين الشيوعي والبعث والسعي لإقامة جبهة وطنية. وسنتناول ما قفز عليه الكاتب وأسباب ذلك لاحقاً.

يذكر الكاتب الحمداني في مقاله ما يلي:

"وفي العاشر من تموز( يذكر الكاتب اليوم ولم يذكر العام، وهو 1970، وسيظهر لنا بأن ذلك لم يكن سهواً، وإنما له علاقة بالقفزة إياها.ج) تقدم حزب البعث بشروطه للحزب الشيوعي لقيام جبهة بينهما ، طالباً من الحزب قبولها والإقرار بها كشرط لقيام الجبهة، وكان أهم ما ورد في تلك الشروط

1ـ اعتراف الحزب الشيوعي بحزب البعث كحزب ثوري وحدوي اشتراكي ديمقراطي.

2 ـ وجوب تقييم انقلاب 17 ـ 30 تموز كثورة وطنية تقدمية.

3ـ وجوب إقرار الحزب الشيوعي بالدور القيادي لحزب البعث سواء في الحكم أو قيادة المنظمات المهنية والجماهيرية.

4 ـ وجوب عدم قيام الحزب الشيوعي بأي نشاط داخل الجيش والقوات المسلحة.

5ـ العمل على قيام تعاون بين الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية وحزب البعث.

6ـ القبول بالوحدة العربية كهدف أسمى، ورفض الكيان الإسرائيلي، وتبني الكفاح المسلح لتحرير فلسطين.

ورغم أن شروط البعث كانت غير مقبولة من جانب قواعد الحزب الشيوعي، إلا أن الحزب أستأنف حواره مع حزب البعث من جديد، وما لبث الرئيس أحمد حسن البكر أن أعلن في 15 تشرين الثاني 1971 عن برنامج للعمل الوطني عارضاً على الحزب الشيوعي، والحزب الديمقراطي الكردستاني القبول به لإقامة جبهة وطنية بين الأطراف الثلاث". انتهى الاقتباس.

إن الشروط المذكورة طرحت على جميع الأحزاب والقوى الوطنية، ولم تقتصر على الحزب الشيوعي العراقي، ونشرت في جريدة الثورة في 10 تموز 1970، ومن غير الصحيح الإيحاء بأن الشروط كانت مقبولة من قبل قيادة الحزب الشيوعي، عندما يذكر الأستاذ الحمداني : "ورغم أن شروط البعث كانت غير مقبولة من جانب قواعد الحزب الشيوعي، إلا أن الحزب أستأنف حواره مع حزب البعث من جديد..."

لقد رفض الحزب الشيوعي العراقي شروط البعث و فنّد في جريدته "طريق الشعب" في عددها الصادر في الأول من آب 1970 الأسس التي بني عليها حزب البعث شروطه، وسماها "شروط البعث التعجيزية للجبهة"، وقال: "إننا لا نتجنى على الحقيقة والواقع إذا قلنا: إن الشروط التي يطرحها البعث كأساس لإقامة الجبهة لا يمكن أن تحظى بتأييد الحزب أو منظمة وطنية في العراق بما فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتحالف مع البعث على أساس اتفاقية 11 آذار 1970". وعاد الحزب الشيوعي وكرر في رده الطويل الذي شغل عدداً كاملاً من جريدته، ما كان يؤكد عليه دوماً وهو إن "أي حزب من الأحزاب السياسية المتحالفة غير مطالب بالتخلي عن أيديولوجيته وبرامجه الإستراتيجية (...) إن الاستقلال الفكري والتنظيمي والسياسي، وحتى النشاط العملي والأيديولوجي المستقل لجميع الأحزاب والقوى السياسية المتحالفة هو مبدأ يجب مراعاته في أي تحالف يراد له الحد الأدنى والضروري من الدوام والتماسك" وأختتم الحزب مناقشته بالمطالبة بإلغاء تلك الشروط.2

وظهر أن كاتب المقال هو عبد الرزاق الصافي، فهو يذكر في مذكراته ما يلي: "في اجتماع ساحة الكشافة طرح البعث الحاكم عشرة شروط لإقامة الجبهة وشرطاً آخر من غير رقم. وعكست الشروط التي طرحها رغبته الواضحة في الهيمنة على الجبهة سياسياً وتنظيمياً وفكرياً. وكانت هذه الشروط موضع مناقشة وتفنيد في مقال كتبته في "طريق الشعب".3

وأكد المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي المنعقد في أيلول 1970 رفض شروط البعث بنص صريح وهو: "... رفض المؤتمر شروط "البعث" لقيام الجبهة، وهذه الشروط تقتضي بالجوهر بأن تسلم جميع الأحزاب السياسية بقيادة البعث لها ولسلطة الدولة والمنظمات الاجتماعية، وأن تقبل برنامج حزب البعث وأيديولوجيته دونما حاجة لبرنامج مشترك يتضمن نقاط الالتقاء وتجنب نقاط الخلاف، على أن يسمح البعث لقاء قبول الأحزاب الوطنية بهذا، بإصدار جريدة والمشاركة الشكلية في الحكم".4

ثالثاً- وليثبت الأستاذ الحمداني إيحاءه بأن الشروط كانت مقبولة من قبل قيادة الحزب، فإنه يربط إعلان شروط البعث في 10 تموز 1970 تعسفياً بحدث وقع بعد سنة وأربعة أشهر، عندما طرح البعث مسودة ميثاق العمل الوطني في 15 تشرين الثاني 1971 حيث يذكر: " وما لبث الرئيس أحمد حسن البكر أن أعلن في 15 تشرين الثاني 1971 عن برنامج للعمل الوطني...الخ. ولكي يبرر قوله "وما لبث" فانه لم يذكر العام الذي طرحت فيه شروط البعث،كما مر بنا، وليقفز على المرحلة التي سبق وأن أشرنا إليها، والتي حصل ما حصل فيها بما في ذلك القطيعة بين الحزب الشيوعي والبعث. فيذكر ممثل الحزب في العلاقة مع البعث د. رحيم عجينة: "أوقف الحزب كل حوار مع قيادة البعث احتجاجاً على هذه الحملة الإرهابية وأبلغناهم أن لكل حزب طريقه. وانشغلنا في (طريق الشعب) بإدانة الإرهاب والمطالبة بوقفه وتكريس أغلب صفحاتها لتعريته، وشددنا من الحملة العالمية لفضح الإرهاب وطالبنا بإدانته وإعلان التضامن مع الحزب ونضاله في سبيل الديمقراطية"5

وهذه المرحلة التي تجاهلها الكاتب الحمداني والتي تعرض فيها الحزب الشيوعي العراقي إلى حملة إرهابية شرسة، سببها الأساسي رفض الحزب لشروط البعث في التحالف قبل إعلانها وبعده.

لقد أعتقل وعُذب في هذه الحملة الإرهابية ، التي بدأت في ربيع 1970 وتواصلت حتى صيف 1971، آلاف الشيوعيين تعذيباً وحشياً واستشهد الكثيرون منهم تحت التعذيب أو الاغتيال من بينهم محمد الخضري وعلي البرزنجي وماجد العبايجي ومشكور مطرود وحسين نادر وأحمد رجب وعبد الله صالح ومحمد حسين الدجيلي وعبد الأمير رشاد وجواد عطية وكاظم الجاسم و عزيز حميد وغيرهم. واغتيل لاحقاً شاكر محمود عضو اللجنة المركزية، وقبل هذه الحملة جرى اغتيال الشهيد ستار خضير عضو اللجنة المركزية، وأستشهد تحت التعذيب عبد الأمير سعيد.

واستولت السلطة على جميع أجهزة الطباعة المركزية واعتقلت ثابت حبيب العاني العضو المرشح للمكتب السياسي وتعرض لتعذيب وحشي، وكذلك عامل النفط توفيق أحمد، عضو اللجنة المركزية وسكرتير لجنة منطقة بغداد، الذي لم يستطع الصمود أمام التعذيب فأسقط سياسيا. ودمرت منظمة الحزب في مدينة بغداد.

وتواصلت الحملة الإرهابية وطالت كردستان، حيث أختطف في كركوك الرفيق علي حسين البرزنجي عضو اللجنة المركزية و40 رفيقاً، وتم السطو على مطبعة الحزب، ونقل المعتقلون إلى قصر النهاية. ولم يكن نهج الحزب السياسي المعتمد سوى المعارضة غير المطلقة وبالوسائل السلمية، والتي كانت مقتصرة على مطبوعات الحزب السرية وصلاته المباشرة. وقد أدينت الحملة الإرهابية من قبل القوى التقدمية العربية وقوى اليسار العالمي، وكانت ضعيفة جداً في البلدان الاشتراكية.

لقد ورد ذكر هذه الحملة الإرهابية في الكثير من مذكرات قادة الحزب وكوادره، وهي بالعشرات، ووردت في أبرز الكتب عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، مع ذلك تجاهلها، الأستاذ حامد الحمداني، وكأنه لم يسمع بها ولم يقرأ عنها وهو المهتم بتاريخ العراق المعاصر؟! ويجد القارئ في الهامش سبعة مصادر تناولت الحملة الوحشية المذكورة، على سبيل المثال لا الحصر!6

رابعاً- يعدد الأستاذ الحمداني تنازلات الحزب الشيوعي العراقي في تحالفه مع حزب البعث، وهي صحيحة، وسبق أن ذكرت بأن الحزب خطأها في تقييمه للتجربة، ولكن الأستاذ الحمداني يبالغ ويحمل بعض هذه الأخطاء أحياناً أكثر مما تحتمل، فتفقد مصداقيتها لمن يعرفها، وتضلل من لا يعرفها. وعلى سبيل المثال، إشارته بأن الحزب الشيوعي العراقي أقر "بأن انقلاب 17ـ 30 تموز ثورة وطنية ديمقراطية اشتراكية!!". إن ذكر الاشتراكية بالصيغة المذكورة هنا لم ترد في ميثاق العمل الوطني الذي يستشهد به الحمداني ولا في أي وثيقة من وثائق الحزب الشيوعي العراقي.

إن المفاهيم الخاطئة حول هذا الموضوع، والتي اعتبرها تقييم الحزب المشار إليه أعلاه، "مقولات معزولة عن الظرف التاريخي الملموس وطبيعة البعث الطبقية والإيديولوجية وممارساته السياسية"، هي حول إمكانية وصول المتحالفين "سوية إلى بناء الاشتراكية" أو "تملك (الجبهة) أفقاً ستراتيجياً لمواصلة التحالف، حتى بناء الاشتراكية". وهناك فرق نوعي بين هذه الصيغ الخاطئة والصيغة التي يذكرها الحمداني. وهذا الفرق كان يدركه صدام حسين. ففي لقائه مع مكرم الطالباني، جرت مناقشة بينهما في شباط 1979 حول مفردة "حتى" وفسرها صدام بأن المقصود بمواصلة التحالف "حتى بناء الاشتراكية"، هو أن القيادة يجب أن تتحول إلى الشيوعيين عند بناء الاشتراكية. ويبدو أن ذلك ظل هاجسه، فقد مات صدام حسين "وفي نفسه شيء من حتى"! وقد نقل الطالباني الحديث لنا في مقر جريدة "طريق الشعب" بحضور عبد الرزاق الصافي وسلام الناصري وكاتب هذه السطور.

خامساً- يذكر الأستاذ الحمداني ما يلي: " أحدثت موافقة قيادة الحزب الشيوعي على شروط البعثيين وتوقيعه على ميثاق الجبهة شرخاً كبيراً بين القيادة من جهة والكادر وقواعد الحزب من جهة أخرى، حيث لم تستطع قواعد وكوادر الحزب هضم تلك الشروط، وكان الشعور بخيبة الأمل والقلق على المستقبل، وعدم الثقة بالبعثيين سائداً صفوف الحزب وجانباً كبيراً من كوادره..."

وعلق قبل ذلك على قرار الحزب بالموافقة على الاشتراك بالحكومة بوزيرين بقوله: "أحدث ذلك القرار انقساماً في صفوف الحزب الشيوعي، وتباعداً بين القاعدة والقيادة"

وبعد إقامة الجبهة يقول الحمداني أيضاً: " لم تمضي فترة طويلة من الزمن حتى بدأ التناقض ظاهراً بين قيادة الحزب وقواعده..."

أعتقد ليس لدى الحمداني أدلة ملموسة تثبت ادعاءاته حول حصول انقسام أو شرخ أو تناقض بين قاعدة الحزب وقيادته، أو الشعور بخيبة الأمل، بينما هناك أدلة ملموسة تثبت بأن بعض ما يقوله الحمداني لا أساس له من الصحة والبعض الآخر مبالغ به كثيراً، إن لم نقل بأنه يجافي الحقيقة والواقع.

ﻔ"في الفترة التي عقدت فيها الجبهة الوطنية، مارس الحزب نشاطه بصورة شبه علنية، استطاع النهوض من جديد وتضاعفت عضويته، ونمى كادره على مختلف المستويات. فقد نمت عضويته لتبلغ حوالي 75% بالقياس إلى أكبر نمو شهدته عضويته في تاريخه، أي في السنوات الأربع التي تلت انتصار ثورة 14 تموز 1958".7

لا شك كان هناك بعض الكوادر والأعضاء الذين لديهم تحفظات على سياسة الحزب التحالفية مع البعث، ولكن نسبتهم لم تكن كبيرة، ففي المؤتمر الوطني الثالث للحزب الشيوعي العراقي، المنعقد بعد ثلاث سنوات من عقد الجبهة، والذي حضره 300 مندوب منتخب من المنظمات، عارض ثلاث مندوبين نهج الحزب التحالفي مع البعث، والحق يقال، فقد كانت المعارضة الحقيقية أكبر من العدد المذكور، وعبرت عن نفسها بمعارضة موضوعة التطور اللارأسمالي (الذي سمي لاحقاً بالتوجه الاشتراكي)، وكان عددهم 30 مندوباً فقط. وتمثل هذه الظاهرة أمرا طبيعيا وصحياً داخل إي حزب سياسي، ولم ينشق أو يترك الحزب أي واحد من المعارضين . وإذا كان نصف أعضاء اللجنة المركزية تقريباً، قد عارضوا قرار انضمام الحزب للجبهة عند اتخاذه، حيث كان الموافقون نصف زائداً واحد، فلم يبق سوى رفيق واحد معارضاً لها في المؤتمر الثالث للحزب.

خامساً- ويجافي الأستاذ الحمداني الحقيقة مرة أخرى، عندما يدّعي بهروب بعض قادة الحزب في الضربة التي وجهت للحزب في عام 1978، حيت يقول: "لكن معظم أعضاء القيادة كان قد أفلت من الاعتقال وهرب البعض منهم إلى خارج العراق". ليس لدى الأستاذ الحمداني أي دليل ملموس على هروب قادة حزبيين، فلم يخرج أي قيادي إلى خارج العراق ،ً بدون قرار حزبي إطلاقاً، وينطبق هذا الأمر على شبكة واسعة من الكادر المتقدم والمتوسط. وجميع أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية ومعهم مئات الكوادر والأعضاء، نساءً ورجالاً، عادوا إلى الوطن في كردستان ليساهموا في حركة الأنصار ضد النظام الدكتاتوري، وبناء تنظيمات في المنطقة العربية، باستثناء عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، كانت منوطة بهم مهمات في الخارج. واستشهد الكثيرون من العائدين، بمن فيهم أبناء بعض قادة الحزب. وأرسل العشرات من الرفيقات والرفاق للمنطقة العربية لإيجاد ركائز أو تعزيز ما موجود منها، من بينهم عدنان عباس عضو اللجنة المركزية، واستشهد عدد غير قليل منهم. وفي أول فرصة، بعد انتفاضة 1991، رحلت مجموعة من أعضاء اللجنة المركزية من كردستان إلى بغداد والمحافظات الأخرى بينهم، من القدماء، عضو المكتب السياسي عمر علي الشيخ وعادل حبه عضو سكرتارية اللجنة المركزية. فلمصلحة من تغيّب هذه الروح الجهادية العالية ونكران الذات المتناهي ومحاولة إظهار قيادة الحزب وكأنها مهزومة، والإيحاء بأن الحزب الشيوعي قد انتهى مع انهيار تحالفه مع البعث. وليس هذا الأمر فقط دليل على خطأ ما يوحي به الحمداني. فقد أصبح الحزب بعد انتقاله إلى المعارضة عنصراً أساسياً في التحالفات التي أقيمت بين القوى الوطنية والإسلامية طيلة سنوات الثمانينيات وبداية التسعينيات.

سادساً- وفي نهاية مقاله يشير الأستاذ الحمداني إلى ما يلي:" كما قامت السلطات البعثية بكبس مقرات الحزب، وصحيفته [طريق الشعب] وصادرت مطبعة الحزب وكل الوثائق الموجودة...". بودنا أن نطمئن القراء بأنه لم يتسن للبعث السطو على أية وثيقة مهمة. وما يذكره الحمداني لا أساس له من الصحة، فقد تم نقل جميع الوثائق إلى خارج الوطن بشكل سري بإشراف كاتب هذه السطور وبمساعدة الفقيد حميد بخش، قبل غلق المقر العام للحزب، الذي أغلق على يد كاتب هذه السطور. وهي محفوظة الآن في أرشيف الحزب الذي يحوي وثائقه منذ تأسيسه، في مكان أمين جداً لا يمكن أن يتعرض للخطر أو التلف، بأي حال من الأحوال.

سابعاً- باعتقادي بان الموضوع الذي تناوله الأستاذ الحمداني " البعثيون والشيوعيون والجبهة الوطنية" تجاهل الإشارة إلى بعض الأمور السياسية ذات العلاقة المباشرة بالموضوع وأهمها:

1- التحذير من الارتداد الوارد في برنامج الحزب الشيوعي العراقي الذي أقره المؤتمر الوطني الثالث للحزب (1976) فهناك "فقرة ضافية عن أخطار الارتداد في مسيرة العراق كاستدراك وذلك في الفصل الأول من الوثيقة البرنامجية لأن تجربة مسيرة العراق لم تكن محسومة وان مقومات الارتداد موجودة، و كما جرى التأكيد على البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية الحكومية، المالية والعسكرية، وإن مقومات الارتداد لا تقتصر على الاقتصاد وإنما في فكر حزب البعث أيضاً".8

2- اجتماع اللجنة المركزية الكامل التاريخي والجريء المنعقد في آذار 1978، التي تصدى فيه لحزب البعث، في ثلاثة جوانب أساسية في نهج السلطة في التقرير الصادر عنه وهي:

ا- السياسة التي يصر الحزب الحاكم على انتهاجها في معاداة الديمقراطية وما يمس الحزب الشيوعي منها، واستمرار الأوضاع الاستثنائية، ومواصلة الحكم على هذا الأساس والمماطلة والتسويف في تشريع الدستور، وفي إقامة المؤسسات الديمقراطية، ومن بينها المجلس الوطني.

ب- سياسة التبعيث القسري التي تسير عليها الدولة في مختلف الميادين، وفي عامة البلاد، واتباع سياسة التعريب القسري الذي تمارسه السلطة ضد الشعب الكردي والأقليات القومية، وتشويه الحكم الذاتي في كردستان.

ج- السير على سياسة معادية للدول العربية المتحررة، لاسيما سوريا واليمن الديمقراطية.9

3- رد فعل حزب البعث على تقرير اللجنة المركزية والذي كان عنيفاً، بالرغم من أن معالجاته كانت في إطار الجبهة الوطنية والقومية التقدمية. وجنّد حزب البعث صحيفة "الراصد" للتهجم على التقرير سياسياً وفكرياً. وظل البعث يطالب الحزب الشيوعي بسحب التقرير والتراجع عنه. إلا أن طلب حزب البعث قوبل بالرفض القاطع.

وفي الختام نود أن نذّكر بإشارتنا في بداية المقال بأن للحزب الشيوعي تقييمه لتلك الفترة والذي أقر في مؤتمره الرابع المنعقد في عام 1985، بعد مناقشته في منظمات الحزب، ونشر في وثيقة تحت عنوان "تقييم تجربة حزبنا النضالية للسنوات 1968-1979" والذي يؤشر فيه إلى ما هو صحيح وما هو خاطئ في سياسته في ذلك العهد، وبمقاييس زمن إقراره، ولم يتطرق الأستاذ الحمداني للتقييم المذكور، لا من بعيد ولا من قريب!؟.

وباعتقادنا أن التقييم المذكور وكذلك تقييمات الحزب السابقة تحتاج إلى مراجعة في ضوء فكر الحزب الذي تجدد في مؤتمره الخامس المنعقد في عام 1993. وعند مراجعة كاتب هذه السطور النقدية لهذه التجربة، ضمن دراسة شاملة لتحالفات الحزب السياسية منذ تأسيسه حتى يومنا هذا، توصل إلى ما يلي: "إن تحالف إي حزب سياسي مع حزب حاكم في نظام لا يقوم على أسس ديمقراطية مؤسساتية، هو خطأ مبدأي يرتكبه الحزب غير الحاكم، لا بسبب عدم توفر تكافؤ الفرص فحسب، بل لتعذر ضمان استقلال الحزب سياسياً وتنظيمياً وفكرياً، وهو مبدأ أساسي في أي تحالف سياسي". وقد نشر الحزب هذه الدراسة، التي تتضمن هذا الاستنتاج، في جميع وسائل إعلامه المركزية: مجلة "الثقافة الجديدة" وموقع الحزب الالكتروني، وجريدة "طريق الشعب"، وذلك في ربيع عام 2014. والاستنتاج معروض للتدقيق والإغناء.

 

رابط مقال الأستاذ حامد الحمداني

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=465211

 

..........

هوامش

1 - د. رحيم عجينة، "الاختيار المتجدد - ذكريات شخصية وصفحات من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ص 99.

2 - أنظر عزيز سباهي، عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" الجزء الثالث، دار الرواد المزدهرة، بغداد، ص 100 والهامشين 128 و129. أنظر كذلك جاسم الحلوائي "الحقيقة كما عشتها"، دار الرواد للطباعة والنشر، ص 125.

3 - عبد الرزاق الصافي، "شهادة على زمن عاصف وجوانب من سيرة ذاتية"، الجزء الثاني، ص 116 وما يليها.

4 - تقييم تجربة حزبنا النضالية للسنوات 1968-1979، أقره المؤتمر الوطني الرابع للحزب الشيوعي العراقي، ص 20 وما يليها.

5- د. رحيم عجينة، مصدر سابق، ص 104.

6 - هذه بعض الكتب التي تناولت الحملة التي تجاهلها الأستاذ حامد الحمداني، على سبيل المثال لا الحصر: ا- عزيز سباهي، مصدر سابق، ص 108. ب- د.رحيم عجينة، مصدر سابق، ص 102 وما يليها. ج- كريم أحمد "المسيرة" ص 200. د- جاسم الحلوائي، "محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، ص 358 وما يليها ه- د.سيف عدنان القيسي، "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر 1968- 1979"، ص 339 وما يليها. و- جاسم الحلوائي، "الحقيقة كما عشتها"، ص 220. ز- عبد الرزاق الصافي، مصدر سابق ص 121 وما يليها.

7- باقر إبراهيم، مذكرات، دار الطليعة- بيروت ص 152. بالمناسبة، كان باقر إبراهيم في حينه عضواً في المكتب السياسي والمسؤول الأول عن الشؤون التنظيمية في الحزب.

8- د. رحيم عجينة، مصدر سابق، ص129.

9- عزيز سباهي، مصدر سابق، ص 162.

ادوارد سعيد (1935-2003)

ادوارد وديع سعيد: ولد في القدس عام 1935، حيث كان ابوه من رجال الاعمال، ويحمل الجنسية الامريكية، ويدين بالديانة المسيحية الارثودوكسية . أما امه، فهي من مواليد الناصرة، وتدين كذلك بالديانة المسيحية الارثودكسية، وهي نصف لبنانية.

دأبت عائلة ادوارد سعيد على التنقل ما بين القاهرة وفلسطين، وقد التحق بالمدرسة الانجيلية ومدرسة المطران في القدس عام 1947، ثم مع حلول هجرة 1948، توجهت الاسرة جميعها الى القاهرة .

التحق بكلية فكتوريا في الاسكندرية، ولكن طيش الطفولة، وصخبها، كان وراء طرده من هذا الصرح العلمي الرفيع أنذاك. وكتصرف اسعافي سريع، قرر الوالد الحاق الابن في مدرسة داخلية نخبوية في أمريكا – ماساتسوستس. كانت سنته الاولى في هذه المدرسة تعيسة جدا . شعر، ولأول مرة، أنه خارج المكان. لكنه بذل جهودا جبارة للتعامل مع الوضع الدراسي، ولم يخب ظنه، كما لم يخيب ظن والديه فيه. حصل على أعلى التقادير، ففتحت له الافاق الواسعة لمقابلة أناس، وشخصيات كثيرة من ثقافات عدة، ليتولد بشكل اكبر احساسه خارج المكان. فقد حاز على الاجازة في الاداب من جامعة برنستون عام 1957، ومن ثم الماجستير في الاداب من الجامعة نفسها في 1960.أما درجة الدكتوراه، فقد حصل عليها من جامعة هارفارد، حيث كانت في اللغة الانجليزية والادب المقارن عام 1964.

انضم ادوارد سعيد الى أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة كولومبيا منذ 1963 الى 2003، حيث اسلم الروح لباريها. خلال مسيرته التدريسية في جامعة كولومبيا، كان مثالا للمدرس المتمكن، والذي يربط الحياة النظرية بالعملية. كان بين الفينة والاخرى، يعرج على موضوع الاستشراق الذي اولاه الغرب اهمية كبرى. فمن وجهة نظر ادوارد سعيد، كان الاستشراق يضمر افكارا غير معلنة، يروم تحقيقها من خلال الدراسة الادبية للشرق. كثيرا ما كان يحتد الجدال بين ادوارد سعيد وطلبته من جانب، وزملائه في المهنة من جانب اخروذلك نتيجة لفكره الذي يؤمن به. خلال عمله، قام بالتدريس كاستاذ زائر في اكثر من مئة جامعة، ناهيك عن المحاضرات الاكاديمية، والحلقات التلفزيونية، مثال ذلك قناة ال بي بي سي التي صورت معه مجموعة من الحلقات القيمة . ففي عام 1992، منحته جامعته، كولومبيا، لقب "استاذ جامعي"، وهو أعلى درجة علمية أكاديمية على مستوى الجامعة. كان ادوارد سعيد رئيسا لجمعية اللغة الحديثة، وعضوا في الأكاديمية الامريكية للفنون والعلوم، وعضوا في نادي القلم الدولي والأكاديمية الأمريكية. كما أنه نشر مقالات، وبشكل دوري، في دوريات محكمة، وصحف يومية عالية المستوى .

فكما أبدعت حنجرة ادوارد سعيد في القاء المحاضرات القيمة، وكما ابدع قلمه النابض بالمعرفة والعلم، فقد ابدعت انامله . كان يعزف البيانو ببراعة واقتدار. كما كتب الكثير عن الموسيقى، بل وألف كتبا عن هذا الفن، حيث كان يراه انعكاسا لافكاره في الادب والتاريخ. ففي 1999 وقام وأحد اصدقائه بتأسيس اوركسترا الديوان الغربي الشرقي، حيث ضمت شبانا من دول عدة، هدفها نشر معزوفاتها على نطاق عالمي .

وفي عام 2003، أغمض ادوارد سعيد اغماضته الاخيرة، متاثرا بمرض اللوكيميا الذي لازمه كظله 12 عاما. خلف وراءه زوجته مريم، وابنه وديع، وابنته نجلاء، الممثلة والكاتبة المسرحية. أوصى ادوارد بان ينثر رماده في دولة عربية – لبنان. كرمته جامعة بيرزيت عام 2004، بعد وفاته بأن اطلقت اسم " معهد ادوارد سعيد" على مدرستها الموسيقية.

 

الاستاذ غالب الشابندر يفقد ولده البكر عمار .. والمثقف تنعى

725-amarالمصاب واحد يا ابا عمار، لا اجد ما اكتب، سوى الحزن، ودموعي التي تخالط دموعك، انا لله وانا اليه راجعون، فقد عمار صدمني

ليتعاظم الحزن، وتمتلئ جفوني بالدمع، فالمصاب جلل، لقد اصابني الذهول، وفقدت القدرة على الكلام .. وكدت لا اصدق .. ما احوج العراق لك يا عمار، كيف ترحل وتترك بلدك يأن بصراعاته الطائفية، العراق بحاجة لك ولكل انسان وطني واع يا عمار .. كان فقدك خسارة للعراق الحبيب، وصدمة لكل احبائك ومحبيك.

رحمك الله يا عمار .. يغمرني الفرح حينما يكلمني عمار، فاستعرض حياة ذلك الطفل المدلل، كان ذكاؤه يثير دهشة السامعين .. كان محبا للقراءة شغوفا باستزادة العلم والمعرفة، طيبا حنونا، كريما .. ممتلئا وعيا وحبا للعراق .. قدرة كبيرة على فهم الاحداث، وخبرة واسعة برجال السياسية. وهو مدير معهد الحرب والسلام في بغداد ..

لا ادري كيف تلقى غالب الخبر، وبأي حلم تشبثت امه وهي تفقد عزيزها .. لقد شاهدت دموع محبيه تجري من خلال كلمات التأبين،

لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، رحمك الله برحمته الواسعة ياعمار، وقتل لله من قتلك، ومازال يقتل بهذا الشعب البريء

سابقى اذكرك بألم، بحزن، بحجم معرفتي بك

صبرا ابا عمار، صبرا اخي الكبير، صبرا ام عمار، صبرا اختي العزيزة، صبرا لكم احبتي واهلي وخاصة اصدقائي .. رفقاء الدرب الطويل، واخلاء الغربة القاتلة

ماجد الغرباوي

 725-amar

وكتب نزار حاتم

وداعا ً يا عمار.. بئس قوم ٌ قتلوك

يوم بجترح الحزن،، كل الحزن، ولحظات تحشد ُ نياط القلب بأسى ً عميق ولوعة مدوية بالألم في استشهاد الشاب الممتلئ بحب العراق قدر امتلائه بالوعي، والعمل الإعلامي، والثقافي المضئ بالمهنية ودماثة الخلق، ورصانة التواضع .

إنه رحيل العزيز عمار الشابندر نجل أخينا الأكبر ومعلمنا الكبير غالب الشابندر .

أشاطرك يا غالب هول المصاب، كل عارفي عمار الذي أطفأت شبابه ظلامية القتلة الإرهابيين،، يبكون معك،،، يحزنون معك لأن عمار كان مضيئا ً للجميع لاسيما الباحثين عن الضوء بصدق، .

كنت الليلة الماضية معه في نقاش حول أوضاع بلدنا والمنطقة،، كان ثرياً بالمعلومة متدفق الفكرة، حاضر الذهن يشدك إليه حتى في لحظة الإختلاف لأن تلك اللحظة لديه عامرة بالثراء .

حزني عليك مقيم يا عمار .

وباك ٍ على قلب أبيك الذي لا أدري كيف تتحمل رهافة نبضه المفعم بالحساسية هول هذا المصاب . تغمدك الله يا عمار بواسع رحمته، وأدخل قاتليك قعر الجحيم .

نزار حاتم

 729-amar

كما نعاه مجاهد ابو الهيل

كم انت قاسٍ يا عمار، لماذا تمزح معنا، أتضحك كعادتك رغم كل شيء، هل حقاً ما سمعتُ، لا اريد ان اصدق، كيف ورطتنا بالحياة ورحلت، اخبرني بحق ابتسامتك، لمَ ترحل، مازال عودك طرياً، مازال تفاؤلك يسحق خيباتنا، لا تكذب علينا ارجوك، قل انها واحدة من مزحاتك معنا، كُنتَ متفائلا بعراقك رغم قسوته عليك، كُنتَ تريدنا ان نستمر في لعبة الحياة، كنتُ مطمئناً انك ستبقى متحركاً كريح، وحياً كروح، لا اصدق انا اكتب عنك بدل ان اكتب لك كعادتنا، مازال عشاؤنا مُعداً في حديقة معهد الحرب والسلام، كيف سقطت مضرجاً بالحرب، اين السلام يا عمار، لماذا اخذتك الحرب على حين غفوةٍ من جفن أبيك الشيخ غالب، اه يا غالب لقد غلبكَ عمارُك وغلّبكَ، اين ستأوي هذه الليلة واي ابتسامة ستكون بانتظارك، ربما انت مثلي لم ولن تصدق الخبر، لانك انت من يجوب شوارع الكرادة كل ليل، فأهل الكرادة ادرى بشعاب خطرها، كيف سمحت له ان يخرج الليلة، الست أباه؟

رحل عمار الشابندر ورحل معه سرب ابتسامات وهودج حزن ودموع، أخذ معه كسرة من الحياة التي كانت تبثها أقدامه في بغداد المفخخة بالمفاجئآت، لم اكن اتوقع ان يكون عمار الضحية القادمة التي سأبكيها طوال هذه الليلة .

وداعاً لروحك النقية ولعقلك الوضاء، كنت أمازحك كثيراً لتضحك على طول ابتسامتك على تشبيهي لك بأنك نصف من غالب ونصف من عزت الشابندريَن، لقد اخذت من ابيك غالب طيبته وتواضعه وزهده وفلسفته للحياة وأخذت من عمك عزت حنكته ودهاءه ودبلوماسيته، وأخذت منا فرحتنا هذه الليلة

وداعاً ايها المبتسم حتى حين رحيله

وداعاً لشهيد الكلمة والحياة

وداعاً لشهيد السلام

مجاهد ابو الهيل

 

علما ان الاستاذ عمار الشابندر هو:

- مدير معهد الحرب والسلام في بغداد

- ولد المغفور له في بغداد عام 1973، وتنقل مع اسرته في عدد من البلدان هربا من جور النظام الصدامي، وهو ينتمي لعائلة معروفة بمعارضتها للنظام الدموي في بغداد آنذاك.

- متزوج وله عدد من الاطفال

- حصل عمار الشابندر على عدد من الشهادات العلمية، واتقن اكثر من لغة، منها الانكليزية، والسويدية، والفارسية اضافة الى اللغة العربية.

- عاد الى بغداد بعد سقوط النظام، مديرا لمعهد الحرب والسلام

- حقق حضورا كبيرا صحفيا واعلاميا من خلال نشاطه الواسع في الساحة العراقية

- انتقل الى جوار ربه في اليوم العالمي للصحافة، إثر تفجير ارهابي وقع في منطقة الكرادة بمدينة بغداد يوم 2 - 5 - 2015

 

رحمه الله وجميع الشهداء برحمته الواسعة

2-5-2015

........

اقرا ايضا

الى صديقي غالب الشابندر العلوي في زمن تفشي التدين الأموي / د. عبد الجبار الرفاعي

عمار مات / نزار حاتم

حتما سنلتقي / وداد فرحان!ّ

إلى أخي غالب الشابندر .. الفتى عمّار و"صوفية الزهاد / نبيل المسعودي"!

مات عمار.. مات الولد الطيب / د. سليم الحسني

استعجلت الرحيل ياقمر / فلاح المشعل..!

غربة تقطف سنوات العمر

farida alhasaniمع استمرار الصراع في البلدان العربية والعراق خصوصا ازدادت حالات التوطين مما أدى الى تمزيق النسيج الاجتماعي والعائلي والشعور بحاله نفسيه سيئة .

(التوطين) مصطلح شديد الصعوبة لانه يحمل في طياته تأثيرات نفسيه كبيرة من هموم وآلام الغربة والبعد عن الاهل والأصدقاء والوطن لاسباب اجتماعيه او عرقيه او مذهبيه تعرض لها المواطن العراقي خلال السنوات الماضية .

ترك بلده بحثا عن الاستقرار ووصل الى بلاد يحمل الكثير الكثير من الاختلافات معها كالثقافة والتقاليد واللغة والسكن والقوانين، فجأة اصبح في مواجهه مع نظام حياة مختلف تماما عما تعود عليه وهذا الامر يحتاج الى صبر وطاقه تحمل وتحقيق كل هذا من خلال مفرده بالغة الأهمية وهي التحدي، كان موضوع الندوة الحوارية التي اقامها المركز الصحي ادورد ام كندي قسم الصحة النفسية في مدينة ويستر ولايه ماساشوستس الأمريكية وترأست الندوة الدكتورة ميري فيريرو مديرة القسم النفسي في المركز الصحي، تحدثت عن التحدي وكيفيه توظيفه بشكل إيجابي للتغلب على مصاعب الغربه لوجوده في مجتمع مختلف تماما عن مجتمعه الاصلي وبدات الحديث عن تجربه مرت بها وأسمَتها بالتوطين المصغر لانه داخل البلاد وهو الانتقال من نيوجيرسي مدينه اقامتها الأصلية الى مدينه اخرى ونتيجة هذا التحول والذي كان باختيارها وليس مفروضا عليها تركت الاهل والأصدقاء وزملاء العمل مما سبب لديها الشعور بالحزن ولكن استطاعت التغلب عليه من خلال قوة الاراده فجعلت السعادة مكانا بديلا للحزن الذي كانت تعاني منه نتيجة تركها جزءا منها في مدينتها وهم الاهل والاصدقاء وزملاء العمل وبالتالي استطاعت مواصلة حياتها اليوميه بشكل طبيعي وبينت الدكتوره ميري فيريرو حجم مشكله التوطين الكبير الذي يواجهه المواطن العراقي وهو انتقاله من بلد الى آخر حاملا معه همومه واحزانه املا للعيش بحياة افضل، هنا يحتاج الى كثير من التحدي حتى يتغلب على ماسيواجهه في المجتمع او الحياة الجديدة، وحاولت فيريرو توضيح معنى التحدي فهو ليس قوة التغلب على الحزن فقط ولكن التحدي له اوجه عديده منها الاكل الجيد والقيام بفعاليات الحياة والحركة والنوم العميق، كل هذه الاشياء هي تحدي كبير يجب السيطره عليه حتى نستطيع ان نتواصل مع الحياة الجديده وفي نفس الوقت نعطي املا كبيرا لمن هم جزء منا، اولادنا، اصدقائنا، جيراننا الذين ينتضرون فرصة الانتقال الى بر الامان والعيش في مجتمع مبهم بالنسبه لهم ولكن من خلالكم سوف يتعرفون على ايجابيات هذا المجتمع لانكم امل بالنسبة لهم، كما اكدت على ضرورة الاهتمام بالصحه النفسيه لانها مرتبطه بالصحه الجسديه وبما اننا نواجه امورا كثيره في الحياة تعمل على عرقلة صحتنا النفسيه يجب البحث عن طرق المحافظه عليها فأعطت مثلا شبهت فيه الجسد كالبيت يحتاج الى تهويه واضاءه ونظافه،عندما تتوفر هذه الشروط يسمى البيت صحيا والانسان هنا ليس جسدا فقط بل هو روح وافكار واعتقاد وشعور وايمان، كل هذه الاشياء تعيش في الجسد الواحد والجميع يحملها ولكن نختلف في كيفية التعاطي معها لذا يجب علينا توظيفها ايجابيا حتى ننتصر على الحزن والخوف من العيش في المجتمع الجديد، واضافت الدكتورة فيريرو، يوجد بعض الاشخاص يحبون التغيير واشخاص مترددين وقلقين واشخاص يحبون خوض المغامره وهم متشوقون للتعرف على ماهو جديد ويوجد ايضا اشخاص مندفعين للخوض بحياة جديده نتيجه لتعرضهم لضغوطات كبيره في بلدهم الام كل هؤولاء محتاجين للتحدي النفسي والاراده القويه للتغلب على صعوبه الحياة المختلفة .

حدثت مناقشات ومداخلات كثيره من الحاضرين جميعها توصلنا الى نقطه رئيسيه وهي ان الانسان العراقي صلب وقوي ويتحمل العيش في هذا المجتمع الجديد بالرغم من اختلافه ولكن هناك اسباب تؤدي الى كسر اوهدم هذه الاراده وهي عدم تكامل الاسره فهناك من اتى وترك اولاده او والدته التي بحاجه ماسه اليه أملا في مجيئها ويلتم الشمل من جديد ولكن لم يتحقق ذلك نتيجة الآليه السمجه التي تسيرعليها معاملات التوطين وهذا يعزز روح الحزن وعدم الشعور بالسعادة مطلقا، لاننا مجتمع متماسك يحترم ويقدر الحياة الاسريه يرافقنا هذا الشعور لاننا نربينا وكبرنا على حب الاهل وهم جزءل لايتجزأ منا لذلك لن نجد متعه بما يقدمه المجتمع الجديد من نظام ومستوى معيشي وصحي واهتمام بالغ في كبار السن والاطفال والاسره عموما . هذا النقص الاسري يجعلنا محطمين من الداخل وبالتالي ينعكس على الحاله النفسيه . وبالرغم من تصاعد الاصوات في مطالبه لم شمل اسرهم كانت الدكتورة ميري فيريرو محافظه على هدوئها وابتسامتها ودبلوماسيتها الشديده في امتصاص الحزن الكبير الذي حصل اثناء المناقشه من خلال تذكر الاهالي لاولادهم واخوانهم وامهاتهم، استطاعت ان تدخل الطمأنينه والراحه والامل في قلوبهم وانتهت الندوه الحواريه بسلام .

بعد انتهاء الندوه توجهنا الى الدكتوره ميري فيريرو وسألناها عن سبب اقامه هذه الندوه؟ قالت: التوطين مشكله كبيره تحدث تغيير عملاق في حياة اللاجئ فهناك اشخاص ومنظمات هم من قرر او كان له القرار في تغيير حياة اللاجيء وانتقاله الى مجتمع اخر، دورنا هنا المشاركه في تخفيف الحمل الثقيل الذي يحطم نفسية الفرد اثناء وجوده المفاجئ في بلاد مختلف تماما بتقاليده وطريقة معيشته وحتى سكنه لذا نحن نعمل بشكل منظم ندوات حواريه نتناول فيها مواضيع عديده في كل مره سواءا كانت قانونيه او غذائيه او نفسيه او اجتماعيه نحاول جهد الامكان التخفيف من التوتر الذي يشعر به اللاجيء في وطنه الجديد.

بقي ان نذكر من كان وجوده مميزاً ايضاً في الندوة وفي حياة اللاجئين العراقيين جميعاً، يبدئون معهم ويستمرون لحين الاعتماد على انفسهم، نبدأ بالمترجمه الطبيه فرح سعيد، طبيبه عراقيه متميزه استطاعت اثبات الذات من خلال عملها في المركز الصحي ادورد ام كندي، تستقبلك بابتسامه وبكلام جميل يصل الى القلب تشعرك بانك مازلت في العراق عملت مترجمه طبيه بعد مجيئها الى اميركا وهذه المهنه قريبه جدا لاختصاصها في بلدها الام استطاعت ان تضع بصمه متميزه في بلاد الغربه تحمل طاقه كبيره من التالق والايجابيه بشهادة مسؤوليها في العمل تقول : انها سعيده جدا بتواجدها وسط اخوانها العراقيين فعملها يشعرها انها مازالت مستمره في العطاء كما كانت في بلدها العراق وترى ثمره نجاحها من خلال الشعور بالارتياح والابتسامه التي تُرسم على وجوه العراقيين عند اللقاء بها لتترجم لهم عند المقابله مع الأطباء الاخصائيين واطباء العائله في المركز الصحي فهي حلقه وصل مهمه بين افراد مجتمعين مختلفين في اللغه والعادات وطريقة التعامل او التصرف لانه في بعض الاحيان توجد مفردات وايماءات تحمل معنىً مغايراً، هُنا، اشعر بأهميه الدور المُناط لي في توضيح مايقصده ابن بلدي فهو يمثل جزء من كيان انتمي اليه وسابقى .

اما الست سوسن الامام، بلدها الام سوريا الياسمين، استطاعت ان تجد مكانا كبيرا بين قلوب العراقيين متمثلاً بالمحبه والاحترام من خلال تقديم المساعدات الكبيرة والكثيرة لهم كباحثه اجتماعيه في المركز الصحي وهي ايضا حلقه وصل مهمه بين اللاجيء وجميع دوائر الدوله مثل السوشيل سيكيورتي والفود ستامب والماس هيلث وغيرها من المشاكل الاجتماعيه والقانونيه، جميع اللاجئين العراقيين مروا عليها فتستقبلهم ببشاشه الوجه والصدر الرحب والتوجيه الصحيح وتقديم النصيحه كما اعتدنا عليها وتحدثت لنا الامام عما يقدمه المركز ادورد ام كندي من خدمات كبيره وكثيره لمساعده اللاجيء العراقي والسوري والبوتاني وغيرهم من جنسيات مختلفه عمل ندوات عديده صحيه واجتماعيه وقانونيه فهناك ايام معينه تجلس فيها منفرده مع اللاجيء وتقوم بالاستماع لمشكلته ومن ثم الاتصال بالمكان المعني ليجدوا حلا ممكنا لما يعانيه من ربكه في التواصل وذكرت ايضا ان هذه الندوات تبدأ في فصلي الربيع والصيف حتى يتمكن اكبر عدد ممكن للوصول الى المركز لان الشتاء والخريف تتواجد الثلوج بكثافه في الولايه ولايتمكنوا من الوصول بسهوله الى المركز، كما ان المركز يقوم بتوفير بطاقات الباص ذهاب وايابا مع وجبه طعام صحيه ومدروسه واكدت ايضا ان المركز مستمر في تقديم كل مابوسعه من اجل اسعاد اللاجئين نفسيا وصحيا واجتماعيا حتى يعتمدوا على انفسهم والانصهار مع الحياة الجديده في المجتمع الجديد.

 

فريدة الحسني

بدر شاكر السياب 1925-1964؟

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعة السَّحر

أو شرفتانِ راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبْسمانِ تورق الكروم

وترقصُ الاضواء كالأقمارِ في نهر

العيونُ نوافذُ الجسد، وشَفْرَتُهُ التي تحملُ خفايا وأسرارِ الجسد، وهي التي تبوحُ بما لا تستطعهُ الألْسن، أحياناً. فما أكثرَ العيونَ التي تَعلَّقَ بها شاعرُنا المتَيَّمُ، وما أكثرَ اللياليَ التي قضاها ساهراً سامراً مع عيونٍ أرهقتهُ وقضَّت مضْجعهْ. " هويلة "، أم " وفيقة "، أم " إبنة الجلبي "؟ أم من غير بني الجلدة؟

لا شك أن السَّيابَ كان مرهف الحس، عاشقا للجمال. فقلبه الغضُّ يخفق، و تسارعُ ضرباتُه حينما يباغتهُ المحيا الأخّاذ، ولكنْ - على ما يبدو- لم يحالفْهُ الحظُّ في الارتباط بمن اجتاحت نسائِمُهُ سهولَها، فتزوج من إحدى قريباتِه، وكان زواجاً تقليدياً من ترتيب الاسرة؛ وكانت الزوجة خير رفيقٍ في حياته، سواء في حال صحته أم حال مرضه ومعاناته حين كان يصارع الموت في كل حين.

يُعتبرُ ونازك الملائكة من رواد التغيير في مجال الشعر. فقد شهد عام 1948 تحولاتٍ كثيرةٍ في جسد الوطن العربي، أدت في مجملها الى فرض تغييرات كثيرةٍ تنادي بالحرية والتحرر من حياةٍ تقليديةٍ رتيبةٍ جثمتْ على صدر العرب طويلا. لحقت نيرانُ التغيير ثوبَ الشعر العربي التقليدي، فانبرى البعض بالسير على نهجٍ جديد يختلف عن نهج الفراهيدي ومدرسته، ودعَّم ذلك التغيُّرُ الانفتاحَ على الأدبِ الغربي (الإنجليزي والفرنسي) والتأثُّر به. فبرز هنا ما يسمى بشعر التفعيلة، وأخذ يسري في وجدان الكثير من أصحاب الأقلام الأدبية. البعض يرجِّحُ بداية شعر التفعيلة الى آخرين سبقوا السياب و الملائكة؛ د. لويس عوض وعلي أحمد باكثير.

اعتبر الوسطُ الادبي المحافظُ والتقليدي آنذاك هذا الضَّربَ من الشعر نَسْفاً لما تربَّوْا عليه من ابداع ضمن قوالبَ وأوزانَ دقيقة تضربُ جذورها في أعماق الأدب. فتعالت الاصوات رافضة هذا اللون من الشعر، بينما أيَّدهُ آخرون ممن اعتبروا الشعر العمودي بمثابةِ الكابح لجماح تحررهم وانطلاقتهم نحو الابداع. فهي عملية- في نظر الغير- ايجابية رغم غرابتها.

مما كتبته نازك الملائكة: " في عام 1962 صدر كتابي هذا وفيه حكمْتُ أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف الى أقطار الوطن العربي ولم أكن يوم أقرَرْتُ هذا الحكمَ أدري أن هناك شعرا حرا قد نُظم في العالم العربي قبل 1947 سنةَ نَظمي لقصيدة الكوليرا، ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ 1932 وهو امر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين لأنني لم أقرأ بعدُ تلك القصائد في مصادرها. وأن أسماء غير قليلة ترد في هذا المجال منها اسم علي باكثير ومحمد فريد أبي حديد ومحمود حسن اسماعيل وعرار شاعر الاردن ولويس عوض وسواهم. ثم عثرت أنا نفسي على قصيدة حرة منشورة قبل قصيدتي وقصيدة بدر شاكر السياب للشاعر بديع حقي وهذا مطلع منها:

أي نسمة

حلوة الخفق عليلة

تمسح الاوراق في لين ورحمة ...الخ".

ونستطيع القول أن تلك التغيرات في الشعر العربي قد شجعت الكثيرين على خوض غمارها ومنهم على سبيل السرد لا الحصر عبد الصبور وعبد المعطي حجازي. فالسياب قد تجلى وأبدع في الكتابة بطريقة التفعيلة وقد قدَّم للقارئ الكثير من روائع ومذهبات الشعر أمثال: شناشيل بنت الجلبي/ فجر السلام / قيثارة الريح / حفار القبور / انشودة المطر / المومس العمياء، وغيرها الكثير. كما قدم ترجمات نثرية و شعرية منها ترجمته لبعض قصائد الشاعر التركي ناظم حكمت.

تتجلى روعة السياب في قصيدته " المومس العمياء " والتي تعتبر صرخة مدوية في مواجهة الفساد والعوز الذي تعاني منه الكثير من المجتمعات. كانت – وما زالت- ملحمة هزت قلوب القراء فانبرت اقلامهم تفسيرا وتحليلا لما بين السطور. فقد كتب د. محمد العبودي: " كتب بدر شاكر السياب ملحمته الشعرية الرائعة ( المومس العمياء ) في مطلع خمسينيات القرن الماضي وهي ملحمة شعرية رائعة تعج بصور شعرية فاخرة وبمشاعر انسانية متفجرة تدور حول الفقر المتفشي في العراق والذي يدفع بفتاة قروية عمياء الى ممارسة البغاء. كانت القصيدة عبارة عن صرخة حادة ضد الفقر والظلم ممزوجة بكوميديا سوداء حيث يصور الشاعر كيف ان على هذه الضريرة ان تدفع ثمن زيت سراج القنديل وهي تستقبل زبائنها من الرجال حيث يقول:

ويح العراق! أكان عدلاً فيه أنك تدفعين

سهاد مقلتك الضريرة

ثمنه لملء يديك زيتاً من منابعه الغزيرة

كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين؟

" إن السياب رمز شعري وأدبي متميز ترك ارثاً لافتاً متصلاً بثورته الشعرية وريادته لنمطٍ وشكلٍ شعريٍ كان أحد رموزه ومؤسسيه". (الكاتب والإعلامي علي حسين، مدير تحرير صحيفة " المدى ".

رغم ابداعه في مجال الشعر الحر شكلا ومضموناً في تناول الهمِّ المحلي والعربي، هل كان السياب متفاعلا مع ما يتضمنه شعر الغرب؟ لربما الإجابة هنا تأتي على لسان سمير عطا في جريدة الشرق الاوسط تحت عنوان" انشودة الشعر وديوان الحزن":

(عاش بدر الى فترة جزءاً من حركة شعر في بيروت. غير أن شعره ظل غنائياً. وفيما يتأثر الآخرون بشعراء الحداثة في الغرب، روحاً وإيقاً وإمالة نحو النثر، يبدو أنه لم يتاثر إلا بنفسه، ولا خرج من عالمه العروبي الموشّى بالتعب وأعالي النخيل. ولقد أحببت شعره الذي يجدد ذاته في النفوس مثل جميع أعمال الرواد. وأرجو أن أُسامحَ على رأي شخصي وذائقة ربما مخطئة، ولكن بدر كان شاعر العراق في القرن الماضي، كان الشعر يأتيه ويخرج عنه كما يهطل المطر على الأرض ويطلع منها في شكل زهرة أو فراشة. انشودةَ الشعر والمطر كان السياب، وديوان الحزن العربي".

قضى السياب عام 1964؟ بعد أن أقعده المرض في إحدى مستشفيات الكويت، ونقل الجثمان النحيل الى البصرة تشيعه السماء بدموع منهمرة، ربما لتغسله من ادران الدنيا وحطامها وتقدمه طاهرا نظيفا الى دار الحق.

  

يونس عودة/ الاردن

 

جبرا ابراهيم جبرا 1920-1994

"جبرا" كلمة ارامية تعني القوة والشدة.

أتم دراسته في بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، وحال العودة التحق بالسلك التدريسي في جامعات العراق. كان اكثر ما يمتاز به جبرا، بل ويتقنه، هو الترجمة الرائعة، التي تسبغ على النص المترجم رونقا خاصا، حتى أن صاحب النص الاصلي، كان يجد متعة في قراءة نصه المترجم في حلته الجديدة، اكثر مما يجده في ما كتبه هو قبل الترجمة.

كان ميلاده في بيت لحم في فلسطين في28-8-1920 . درس في مدرسة طائفة السريان، ثم التحق بالمدرسة الرشيدية في القدس، حيث شاء القدر ان يتعرف على كبار الاساتذة انذاك أمثال ابراهيم طوقان، اسحق موسى الحسيني، وعبد الكريم الكرمي (ابو سلمى)، ومحمد خورشيد. بعد ذلك التحق بالكلية العربية ،حيث تمكن من ناصية اللغة العربية والانجليزية، اضافة الى لغته الام" السريانية "- لغة اسرته.

انهى دراسته في القدس، ثم يمم نحو بريطانيا وأمريكا، وعند العودة، اتخذ من العراق موطنا اخر، اثر حدوث النكبة عام 1948. ففي العراق، تعرف عن قرب على قامات وقيم قيمة في المجال الادبي أمثال بدر شاكر السياب والبياتي، وعقد علاقات متينة معهما ومع الكثيرين من أصحاب القلم. يعتبره البعض من أكثر الادباء انتاجا وسخاء ادبيا، كما ونوعا، اذ بلغ عدد ما انتجه خلال سني حياته (65-70) عملا، في الرواية والنقد والمسرح والترجمة التي ابدع فيها بشكل متميز.

ففي بعض اعماله، قدم جبرا صورة قوية الايحاء لمأساة فلسطين مثل رواية " البحث عن وليد مسعود "، " السفينة"، " عالم بلا خرائط "، وغيرها من نفائس الاعمال. فكما برع جبرا في التعامل مع الهموم المحلية في أعماله، فهو كذلك يجيد فهم المتغيرات العالمية على حد سواء. فقد قدم للقارئ العربي ابرز اهل الادب الغربيين، ولعل ترجماته لشيكسبير تعد من اهم وأروع الترجمات الخالدة، ناهيك عن قيامه بترجمة رواية ويليام فوكنر"الصخب والعنف" والتي قدم لها مقدمة رائعة، بغية التمهيد والشرح الوافيين للمتلقي عما تدور حوله من احداث. يميل جبرا من خلال بعض كتاباته الى ابراز الهم والهدف التنويري؛ فهو يقدم مفردات وتراكيب ونصوص الى جمهور قد لا يكون ملما بأدق تفاصيلها. فهو يعمد الى شرح المونولوج، والديالوج،والبرولوج، وبعض المدارس الادبية ونشأتها، وغيرها من مفردات اخرى لاجل الاطمئنان على سير العمل ووصول الفكرة الى المتلقي.

لم يغفل جبرا، ولم تغب عن باله ثنائية العراقي الفلسطيني التي لازمته في بعض كتاباته. فهو النجم العراقي المثقف الناجح في حياته وأعماله، والذي يشار الى نتاجه بالبنان، الا انه لا ينسى انه ذلك الفلسطيني المسيحي الفلاح المجروح وطنيا، حتى اصبح الجرح شخصيا بحتا. هذا ما تجسد في روايته الرائعة " البحث عن وليد مسعود "، التي حار في التعامل معها عمالقة النقد امثال د. فيصل دراج، الا انها في المجمل تلخيص للكينونة والهوية ومعنى التفوق.

النقد ميدان اخر برع فيه جبرا كثيرا. فهو من أكثر النقاد حضورا وتالقا في الساحة الثقافية، ليس في مجال الادب فحسب، بل في مجالات اخرى تهم الجمهور كالمسرح والسينما والفنون، وخاصة التشكيلية. لم يحالفه الحظ في كتابة الشعر، الا انه مع ظهور حركة الشعر النثري، فقد خاض غماره وكتب بنفس حماس الشعراء الشبان. كان لنتاجه النوعي اكبر الاثر في حياة الاجيال الشبابية المتلاحقة. زخم من الاعمال الراقية، وفيض من الانتاج المعرفي أهلانه لنيل ارفع الاوسمة والجوائز، سواء على المستوى الاقليمي، أم الدولي، ناهيك عن ترجمة الكثير من اعماله الى الانجليزية، الاسبانية، الايطالية، الصربية، السلوفاكية، والفرنسية.

من أقوال جبرا ابراهيم جبرا: "لحظات العشق الباهظة لا بد لها من ثمن باهظ، وتستحقه"، "لا بأس ان يساورك الشعور بالاثم، فهذا معناه ان ذهنك نابض، وقلبك نابض، وأحاسيسك نابضة"، " يبدو أن الهنود كانوا محقين عندما قالوا بأن هدف الحياة الاسمى هو الخلاص"، "ان المتحدث لا تتجلى قريحته الا بوجود متحدث متجلي القريحة معه".

وفي أواخر ايامه، لم يفارقه طنين حاد في اذنيه، حتى اصيب بالدوار مرات عديدة، وسقط ارضا، وادخل العناية المركزة، حيث أغمض عينيه، وللابد، في 1994 ودفن في بغداد.