شهادات ومذكرات

من تجاربي في القسم الداخلي

kalil mohamadibrahemقد يتصوّر الكثيرون؛ أن انضمام ذوي الاحتياجات الخاصة؛ إلى الأقسام الداخلية؛ في أثناء دراستهم؛ يُعرّضهم للانفصال عن المجتمع /دامجا كان أم لم يكُنْ دامجا\ وواقع الحال/ قبل كل شيء\ أن الأقسام الداخلية؛ ليست حكرا على ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن فئات أخرى من أبناء المجتمع؛ قد تنتسب/ لسبب أو لآخر\ إلى الأقسام الداخلية؛ من مثل الأيتام، والذين يُريد لهم أهلوهم الانتساب لمثل هذه الأقسام، كما أن الغرباء والغريبات؛ من طلبة الجامعات وطالباتها؛ يفضّلون ويُفضلْنَ السكن في مثل هذه الأقسام، فيبدو الأمر مستساغا بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة؛ على هذا الأساس.

وسبب استفادة ذوي الاحتياجات الخاصة؛ من مثل هذا النظام الداخلي؛ ناتج عن صغر أسنانهم، وتشتت مساكنهم، وصعوبة وصولهم إلى الدوام صباحا، وعودتهم بعد انتهاء الدوام، فهُم صغار غير مؤهّلين لمثل هذا الانتقال إلا بمساعدة الأهل، وهو أمر صعب، وقد كُنْتُ/ بصفتي كفيفا\ قبل دخولي معهد الأمل؛ في المجتمع؛ دون أن أفكر/ أو يُفكّر أحد أهلي والمختلطين بي\ أن المجتمع دامج أم غير دامج، فقد كُنْتُ أمارس الحياة بشكل طبيعيّ؛ مثل أخوتي وأصدقائي/ على صغري\ وما كُنْتُ أحس تفرقة بيني وبين أخوتي أو أبناء عمومتي، فقد كُنْتُ واحدا منهم؛ لا أختلف عنهم إلا في أنهم يذهبون إلى المدرسة، أما أنا، فمن الصعب عليَّ أن أدرس، لكن ذلك؛ لم يمنعني من حفظ القرآن الكريم، عند الكتّاب.

وبهذا كُنْتُ مندمجا في المجتمع الاعتيادي والدراسي القرآني.

وحين افتتح (معهد الأمل)؛ انتسبْت إليه طالبا، ولم يبدأ داخليا، لكنه بدأ خارجيا؛ تخصصت له حافلة نقل؛ تنقلنا من بيوتنا إلى المعهد، وتعيدنا من المعهد؛ إلى بيوتنا، وكُنّا نحلم بالعيش في القسم الداخليّ، فقد كانوا يُصوّرونه لنا جنة الفردوس؛ من يدخلها، لا يُحب الخروج منها؛ من هنا؛ كُنّا ننتظر يوم انفتاح القسم الداخليّ، وكان يوما حافلا، فقد حضره المرحوم (عبد الجبار فهمي) متصرّف لواء بغداد/ المحافظ\، ليشهد احتفالا لا أجمل منه، فقد حضرتْه طالبات إحدى المدارس الثانوية؛ اللاتي قرأْنَ الأناشيد، وغنيْن، وأقمْنَ احتفالا رائعا؛ انتهى بوليمة فاخرة؛ صحيح أن ما كُنا نحلم به؛ كان رائعا، لكن هذه الروعة؛ انعكست في المساء، فقد ذهب المتصرّف، وبنات المدرسة الثانوية اللاتي اختلطْنَ بنا بعد انتهاء الحفل، وفي أثناء الطعام، وبدا أنه لم يُفكّر أحد في عشائنا، وفكّرت مديرة القسم الداخليّ، ومراقباته، فلم يجدْنَ إلا ما احتفظْنَ به من حلويات؛ نتعشّى به، وقدمْنَ لنا تلك الحلويات؛ آسفات على ما فقدْنَه منها.

وكُنّا مجموعة من البنين والبنات، فقد دخلت البنات الكفيفات الدراسة، لأول مرة في العراق الحبيب، وكانتْ غرف للبنين، وأخرى للبنات، وفي كل الأحوال، فقد كان كل منا؛ متعوّدا على الذين معه؛ من الطلبة والطالبات، والمعلمين والمراقبات / مذ كنا خارجيين\ وكان معنا المتخلفون، والصم، وكثيرا ما كانت تقوم المعارك العنيفة بيننا، لكننا حين تركْنا المعهد؛ كُنّا أصدقاء؛ يُساعد بعضنا بعضا؛ في الحدود الممكنة، كما كانت البنات مثل أخواتنا، وكان بيننا تعاون دراسي أخويّ، وكان المعهد يُقدّم لنا ثلاث وجبات من الطعام؛ توضع على مناضد جميلة؛ فوق كل منها مزهرية خالية من أي نوع من أنواع الزهر، وكان لكل منا كرسيه الحديدي الأبيض؛ المثقب من خلف، ومن تحت، وكان أمام كل منا؛ جرارة فيها منديل أبيض في كيس؛ ينبغي إخراجه من الكيس، ووضعه على صدورنا وأرجلنا، فهو منديل كبير؛ إذا فرشْناه، حمى ثيابنا من التلوث، وما كُنّا نضيق بشيء أكثر من هذا المنديل الذي طالما تمردنا على وضعه على أرجلنا وصدورنا، ولا أذكر أن أحدا لوّثه الطعام، ومع المنديل؛ كانت ملعقة وشوكة وسكين؛ ما كُنّا نستعمل منها غير الملعقة.

وكثيرا ما كان يضرب بعضنا بعضا برجله من تحت المنضدة، وكثيرا ما كانت الضربات مؤذية، وربما اشتكى أحدنا إلى المراقبة، لكن مَن الذي ضربه؟!

هذا ما لا يذكره أحد/ على علمه بضاربه\ وتمرُّ الشكوى على خير.

وكان فينا مَن يأكل كل ما يُقدمونه له من طعام، لا يعترض ولا يتأوه، أما أنا، فكُنْتُ لا أحب من طعام الغداء/ في المعهد\ غير وجبة الفاصولياء؛ التي تقدم لنا أسبوعيا مرة واحدة، وهي ما كُنْتُ آكله، أما بقية الأيام، فقد كُنْتُ آكل نصف صمونة كهربائية؛ يضعونها لنا مع الطعام، ومعها قطعة فاكهة، أما وجبة العشاء، فلم تكُنْ محتملة هي الأخرى، لكنها خير من وجبة الغداء، فقد كانوا يُقدمون (المكرونة)، وما كُنْتُ أطيقها، ولا أحتملها حتى الآن، كما كانوا يُقدمون لنا الكبة؛ مع الصمون الكهربائي، ولم أكُنْ أحبُّ هذا الصمون الذي يُقدمونه لنا في كل وجبة، لكن الجائع يأكل الحجار، ومع الصمون الكهربائي/ في بعض الليالي\ يُقدمون ما يسمّونه (كبة حلب)، وهي من عجين الرز الذي يُغلّفون به اللحم والمكسرات في العادة، أما في المعهد، فكانوا يُغلّفون بها البصل المطبوخ الذي ما كُنْتُ أحبه، ولا أحببْته حتى الآن، لكنني كُنْتُ أقشِّر البصل، فآكل الرز وحده.

في ليالٍ أخرى؛ كانوا يُقدِّمون لنا الكباب المقليَّ بسمن لا أعرف نوعيته، فهو يترك/ في الفم\ طعما كطعم الصابون، وهكذا كان العشاء في ليالينا التي كانت سعيدة فعلا، لذلك؛، ولما كان زملائي يعرفون أنني لا آكل شيئا تقريبا طول النهار، فقد كان الصائمون منهم/ في رمضان\ يسرقون لي بعض الرز والفاصولياء، لآكله بعيدا عنهم، فما كُنْتُ أصوم في تلك الأيام، وحتى يوم زارتنا الأميرة (فاضلة)/ خطيبة الملك (فيصل) الثاني؛ ترافقها زوج (نوري السعيد)؛/ رئيس الوزراء آنذاك\ مساءً، لتقف الأميرة خلفي/ قُبَيل ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958\ لم يتحسن عشاؤنا.

وكان إفطارنا عجيبا غريبا، فقد كانوا يُقدمون لنا في كل يوم شيئا معه صمونة كهربائية، ونصف كوب حليب، وكان هذا الذي يُقدمونه لا يكفي فعلا، لكن متصرف لواء بغداد المرحوم اللواء (طارق سعيد)؛ زارنا بُعَيْد ثورة الرابع عشر من تموز، فكان أمامنا الكثير من القيمر والدبس، وكوب حليب ممتلئ، وصمونة كهربائية، فلما دخل متصرّف الثورة، وجد هذا الكم الكبير من الطعام، وسمع المراقبة تسأل:- (من يُريد الحليب؟!)

ولم يُجب أحد منا طبعا، لأننا لم نعتد مثل هذا السؤال، فسأل المتصرّف فرحا بمنجز الثورة:- (كيف طعامكم؟!)

وتوقع إجابتنا بأنه جيّد/ وهو جيد فعلا\ في ذلك اليوم، لكن إحدى زميلاتنا أجابته بأنه (ليس جيدا).

واستغرب هذا الجواب، فسألها:- (أفي بيت أبيكِ تأكلين خيرا من هذا الطعام؟!)

وكان واقفا خلفي، فرفعْتُ رأسي إليه، وسألته:- (وهل أنت هنا كل يوم؟!)

وإذا كان قد دخل مبتهجا مسلِّما، فقد خرج مكتئبا دون توديع.

هذا شيء من تجاربي في القسم الداخليّ، ولو أردْتُ الاستمرار فيه، لأخذ مني وقتا طويلا، فهو كثير وجميل في الحقيقة، وعلى كل حال، فلم أشعر أن القسم الداخليّ؛ فصلني عن المجتمع الذي لم نكُنْ نُفرّق فيه بين الدامج، وغير الدامج، لكنه/ على كل حال\ أضاف إلى تجاربي؛ تجارب كثيرة؛ أغنت خبراتي، ومنحتْني ما ليس موجودا لدى الكثيرين ممَن عاشوا في الأقسام الداخلية؛ أم لم يعيشوا فيها، فعلى تلك الأيام السلام على الرغم مما كان فيها من بؤس.

 

(كتبْتُ هذا الموضوع؛ بناءً على اقتراح جمعية المكفوفين العراقية)

 

لغة .. رحلة وقلم

هو القدر الكردي الملازم لأبنائه أينما حلو. حقائبهم حاضرة في كل المطارات. يحملون همهم الكردي، ليبوحوا لها سرّ الألم، الحب وخيال الحرية.

 

سيروان قجو:

يكتب دون ضجيج الأماكن، لا حدود لديه للحب. نزق في صراعه مع أبجديته الكردية التي يتنفسها مع الحياة . يكتب بشوق ممزوجاً بالوجع، فنقرأ حروفاً لأصابعٍ تبوح بأمنياتها العذبة، شفافة كقلبه الصغير.

وكأنه يصفّي حساباته مع الألم المستديم في حلمه بوطن.

هو لم يتهيء للنهايات المرتجفة .لهذا فهو يسير باتجاه خياله الملهم.

أقرأه في ديوانه الأول ( Bîranînin Serxweş )، فأجده يغوص في قاع اللغة، ليزخرف المعاني بأحلامه اللازوردية. ليشبع القارىء بلغته كالماء المحايد .

عشقت الحرف الكردي عندما غصت في شرنقات قصائده. بكبرياء لغته السلسة يضع قرائه في حلم القصيدة، ملقياً تأملاته على أكتاف الوجع، فيعود مرة أخرى، متابعا هذا الشغف في ديوانه الجديد (xewn û vodka û tiştên din ).

ترعرع في وطنه مع أبجديته الكردية التي نالت نصيبها من التجاهل والغبن و حلت بدلا عنها، لغة طاولت في مدها شعور الكرد و كتابها، فباتت لسان حال الكثيرين، عوضا عن لغتهم الأم.

47-majda dari

هو أنين تلك اللغة التي استغوته منذ البداية، فتهاوى عليها و تعلمها بإلتقاط مخارجها من أفواه المكان، حتى ذاب فيها وغاصت به.

يبدأ في سرد ذكرياته من غربته الأولى في بيروت. التي باتت حاضنة لكل الأقلام الهاربة من عدمها. من جحيم السلطة بانواعها إلى حضن البحر .

بيروت هذه المدينة المليئة بالتناقضات و الأحلام، أغوت هذا الطفل و جعلت له فضاء يمرح فيها و يسرد حكايته من دون مقدمات.

أبدأ مع سيروان من بيروت. البداية التي كانت في فضائية كردستان TV كمذيع، حيث مارس اللغة مرئياً، و نقلها عبر الصورة من مفاتن بيروت الى عوالم الكرد في كردستان.

أحب تلك المدينة، تاه بين نوافذ الحروب فيها و تعلق بفسحات ثقافتها المتناغمة و المفتوحة دوماً على رياح الفكر.

سنتان هناك ومن ثم يستأذن بيروت إلى غربته الثانية ( أمريكا) .

قبل أن يغادرها قال عنها: أنها مدينة الله والجنون .

أمريكا لم تفاجئه بتناقضاتها، إنما أذاقته طعم الحرية بكل أناقتها جاعلة من جنونه يركض من دون حسابات.

تعرف على لغتها و أنكب عليها بنهم . أحبها بشغف، ليبدأ سرد قصائده بالأنجليزية وبنكهة كردية او كردية بنكهة انجليزية، لتقارب الروح بينهما .

فتح ذراعيه ليعانق المكان الجديد، هذه المرة لم تخذله جناحيه للطيران إلى مدى اتساع فضائها. ويعانق سمائها ويرسم عليها لغته الكردية نجوماً، تنير غرفته الصغيرة.

ينتقل للعمل في إذاعة صوت أمريكا القسم الكردي. ليبث عبر أثيرها لكنته العامودية (نسبة إلى مدينة عامودا) ليقول:

Vêde Waşintone، Dengê Amêrika beşê Kurdî .

يقولها بكبرياء، ليوصل إمتنانه لإستاذه الباحث في شؤون اللغة الأستاذ دحام عبد الفتاح،و لعامودا.

هو يعتبر نفسه تلميذاً متسكعاً على أرصفة الشعر، يغوص في بحاره وينهل من ينابيعه. يحاكي نفسه دوما ً ليصل إلى صيغة جديدة لتعبر عن خياله المليء بالحكايات و البوح للعدم.

 

مكارم الغمري والادب الروسي

التقينا لاول مرة في  الندوة العالمية لاساتذة اللغة الروسية وآدابها في اواسط سبعينيات القرن العشرين في موسكو، وتعارفنا بالطبع، وكم كانت المفاجأة كبيرة وجميلة  لكلينا، اذ اننا اكتشفنا انها تعرف – وبعمق - معظم اساتذة اللغة الروسية وآدابها في كلية الاداب بجامعة بغداد في العراق وانني اعرف – وبعمق ايضا -  معظم اساتذة اللغة الروسية وآدابها في كلية الالسن بجامعة عين شمس في مصر، وهكذا وجدنا رأسا لغتنا المشتركة وموضوعنا الذي يوحدنا، وبدأنا نتحدث كأصدقاء بحيوية و بالتفصيل طبعا عن مشاكلنا وهمومنا العامة في مجال اللغة الروسية وآدابها وتدريسها في عالمنا العربي وعن طلبتنا وبحوثنا وصعوبة نشرها وعن مناهجنا الدراسية وكتبنا الروسية المنهجية ومواقف الدوائر الرسمية  في بلداننا من اختصاصنا وعدم تفهمهم وحتى تقبلهم له ولمكانته العالمية وقيمته العلمية والخلط الساذج لديهم  لهذا الاختصاص مع النظرة السياسية الضيقة والباهتة  وغير الموضوعية تجاهه في تلك الفترة السوفيتية المعروفة ومستقبل خريجينا غير الواضح ...الخ هذه المواضيع المشتركة والهموم والاشكالات التي كانت تعترض طريقنا وعملنا واختصاصنا في كلا البلدين . لقد أدهشتني آنذاك حيوية الدكتورة مكارم الغمري ونشاطاتها حتى في اطار الندوة العلمية تلك ومساهماتها في النقاشات التي تدور في جلساتها مع الاساتذة الروس والمشاركين الاجانب، ولا زلت أتذكر كيف كانت تسرع - بعد انتهاء جلسات الندوة - الى مكتبة لينين العامة في مركز العاصمة الروسية موسكو لمتابعة دراسة مصادر بحوثها وتنفيذ وتحقيق  خططها العلمية وهي تقول لي، انها فرصة نادرة لاكمال بحوثها والاطلاع على المصادر النادرة في مجال اختصاصنا والموجودة في تلك المكتبة المركزية الكبرى فقط . بعد عودتي الى بغداد، تحدثت بالطبع – وبالتفصيل – عن فحوى تلك اللقاءآت مع زملائي في قسم اللغة الروسية في كلية الآداب، ولا زلت أتذكر لحد الآن ردود الفعل والفرحة الكبيرة للمرحوم الدكتور محمد يونس عندما  كان يستمع الى كل هذه الانطباعات والاخبارعنها، وكيف أخذ يتحدث هو نفسه بعدئذ – وبالتفصيل -   عن اطروحتها ونشاطها العلمي اثناء فترة دراستة معها في قسم الدراسات العليا بجامعة موسكو آنذاك . بعد ذلك اللقاء معها بدأت طبعا متابعة بحوثها ونشاطها العلمي واخبارها، وكذلك بدأت بحملة واسعة اثناء محاضراتي امام طلبتي حول مكانتها العلمية وبحوثها، وحدثتهم عن اللقاء معها في موسكو، وقد كنت اؤكد لهم دائما ضرورة الاطلاع على كتبها وخصوصا كتابها - (الرواية الروسية في القرن التاسع عشر) وكتابها الآخر -  (مؤثرات عربية اسلامية في الادب الروسي)، وهما كتابان مهمان جدا جدا في مسيرة الدراسات العربية حول الادب الروسي اولا، وفي مجال الموضوعة الروسية وتاريخها في العالم العربي ثانيا،  بل اني أجريت مرة حوارا خاصا مع الطلبة حول كتابها المذكور عن الرواية الروسية اشبه ما يمكن ان نسميه ب (السيمنار) العلمي، وأعددت له مسبقا، وتم توزيع الفصول على مجاميع من الطلبة وتحديد المتكلمين والمناقشين ...الى آخر متطلبات هذا التمرين العلمي، وكان مفيدا وناجحا جدا وتقبله الطلبة بكل حب وامتنان وحماس، اذ ان مستوى معرفة الطلبة الضعيف والمحدود باللغة الروسية لم تكن تسمح لهم بدراسة المصادر الروسية حول خصائص الرواية الروسية واستيعاب سماتها وعظمتها والقضايا التي تطرحها والتوغل في اعماقها، ولهذا استخدمت كتاب الدكتوره مكارم باللغة العربية عن الرواية الروسية لتوسيع مدارك الطلبة وتعميق معرفة اختصاصهم . وكم كنت سعيدا عندما علمت بحصول الدكتوره مكارم الغمري على العديد  من التكريمات الرائعة والكبيرة من قبل الجهات الروسية الرسمية، اذ انها حصلت على ميدالية بوشكين عام 1999 وعلى وسام فخري لنشر الادب الروسي عام 2006 وعلى ميدالية شولوخوف عام 2007، اضافة الى حصولها على جائزة الملك فيصل في الادب المقارن عام 1900، وكل ذلك يعد طبعا فخرا لنا جميعا – نحن المتخصصين العرب في اللغة الروسية وآدابها -  وتكريما لاختصاصنا بلا ادنى شك، هذا وقد شغلت الدكتوره مكارم الغمري منصب عميدة كلية الالسن في جامعة عين شمس المصرية  من عام 2002 الى عام 2008 بعد ان كانت رئيسة لقسم اللغات السلافية في تلك الكلية، وهي الان – كما كانت دائما –  بروفيسورة بارزة في دنيا الجامعات المصرية وعلم من اعلام العرب في مجال دراسات الادب الروسي في عالمنا العربي وفي مجال الترجمة عن الروسية طبعا، وانا شخصيا لا زلت لحد الان اتابع اخبارها بكل سرور، وقد التقيت في الندوة العالمية الثالثة لخريجي الجامعات الروسية في موسكو عام 2012 برئيس الوفد المصري (وهو مدير المركز الثقافي الروسي  في مصر)  وسألته عنها، فقال انه غالبا ما يلتقيها ليستمع منها الى آخر اخبار الادب الروسي، وان حديثها عن الادب الروسي يمتاز دائما  بالعمق وبالعذوبة (هكذا قال بالنص)، فضحكت انا وقلت له اني اؤيد هذه الملاحظة الدقيقة فعلا، ثم كتبت لها رسالة قصيرة وطلبت منه ان يوصلها لها، فأخذها ووعد بايصالها . وفي عام 2013 التقيت بالدكتور أحمد عبد الرحمن الخميسي، القاص والباحث والصحفي والمترجم المصري المعروف في عاصمة داغستان – محج قلعة، وذلك اثناء احتفالية داغستان بالذكرى التسعين لميلاد الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف، وسألته – من جملة ما سألت – لماذا لا يعمل في قسم اللغة الروسية بجامعة عين شمس المصرية وهو يحمل شهادة الدكتوراه في اللغة الروسية وآدابها من جامعة موسكو ؟ فقال لي رأسا وبكل عفوية وصدق ان الدكتورة مكارم الغمري  عميدة الكلية  قد اتصلت به وعرضت عليه فعلا ان يعمل هناك عندما عاد الى مصر لانها امرأة تمتاز بمواقفها العلمية والانسانية، ولكنه اعتذرعن ذلك، لانه لا يحب مهنة التدريس ولا يرغب ان يكون مدرسا، وان مكانه الطبيعي هو الصحافة، وقد ازداد احترامي واعتزازي بالدكتوره مكارم بعد هذا الحديث مع الدكتور الخميسي وموقفها منه . ان عواطفي الاخوية الجياشة تجاه الدكتورة مكارم الغمري واحترامي الكبير لها  واعتزازي بها جعلني ادافع عنها دائما انطلاقا من القول العربي المعروف – انصر أخاك ظالما او مظلوما، وأذكر ان احد المترجمين تكلم مرة امامي حول ترجمتها لقصيدة بوشكين الشهيرة – (النبي)، اذ ان الدكتورة مكارم أطلقت عليها تسمية اخرى، وجاءت عندها بعنوان – (الرسول)، واعترض الزميل المترجم على ذلك، مشيرا الى  ان الكلمة التي استخدمها بوشكين عنوانا لقصيدته لا تتحمل التأويل او الاجتهاد هذا، وقد حاولت أنا ان ابرر ذلك، وأشرت الى ان هذا الاستخدام لا يتعارض مع مضمون قصيدة بوشكين اولا، وثانيا، من الممكن ان الدكتوره مكارم استخدمت هذه الكلمة لعنوان القصيدة متعمدة، لأن المصادر السوفيتية تؤكد دائما ان مضمون تلك القصيدة يرتبط بروحية وقصص الكتاب المقدس واجوائه، وان مكارم ارادت ان تقول  لهم بشكل غير مباشر، ولكن واضح تماما، ان تلك القصيدة تتناول قصة معروفة لدينا جميعا حول رسولنا الكريم بالذات، ولهذا أطلقت عليها هذه التسمية وحددت ذلك العنوان، وثالثا يمكن اعتبار ذلك اجتهادا من قبلها ليس الا، والاجتهاد مسموح به في الترجمة الابداعية، وقد اضطر الزميل المترجم  الذي أثار ذلك الاعتراض ان يصمت عندها،  وتكرر نفس الموقف عندما عرض أحد الزملاء الملاحظتين الصائبتين اللتين نشرهما المترجم الكبير يوسف حلاق (وهو زميلي في كلية الاداب بجامعة موسكو في الستينات) حول مقالة الدكتوره مكارم في مجلة العربي الكويتية، وخصوصا بشأن ترجمتها غير الدقيقة  لمصطلح (بروليتكولت) الروسي المختصر، وقلت عندها للمحيطين حولي، ان علوم اللغات وآدابها واسعة جدا، مثل بقية العلوم الانسانية الاخرى، وتتميز وتختلف عن العلوم الدقيقة والبحتة كالرياضيات مثلا، لهذا يجب علينا ان نتقبل الاجتهادات المختلفة والمتنوعة، بما فيها بعض الاحيان حتى (الهفوات) الصغيرة هنا وهناك، والتي تحدث نتيجة مسيرة الحياة المعقدة والصعبة والمتشابكة، او عدم وجود امكانية الرجوع الى المصادر المتخصصة بعض الاحيان، او تشابه الكلمات، وهو ما حدث هنا بالذات مع الدكتوره مكارم  بشأن كلمة (كولت) الروسية، خصوصا عندما يدور الحديث عن مواضيع او مصطلحات جديدة بكل معنى الكلمة، وذكرٌتهم بالمثل العربي المعروف – لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة   .

 

" يا علي"!!

في مدينتنا عندما نريد الإقدام على عملٍ يتطلب همة وعزما وشجاعة نقول: "يا علي"، تأكيدا على قدرات وعزيمة الإمام علي بن أبي طالب.

وفي ذكرى مولده تذكرت "يا علي"، وما تعنيه وتدل عليه من إرتباط المسلم بالأئمة وأولهم الإمام علي، فالمسلم ايا كان مذهبه ومدرسته يعتز أيما إعتزاز بعلي وأحفاده أجمعين.

والإمام علي مدرسة أخلاقية وسلوكية وفكرية وثقافية وفقهية، وبلاغية موسوعية صنعت الإرادة الإسلامية، ووضعت الحجر الأساس لإنطلاقة الدين الخالدة.

فهو المدافع الكرار عن الإسلام منذ أولى المواجهات الحامية مع أعدائه قبل معركة بدرٍ وبعدها، وله ملاحمه البطولية وشخصيته العربية الأبية.

وكان الفقيه المنيرعلى مدى ربع قرن من زمن الخلفاء الراشدين حتى آلت إليه الخلافة، وتعامل معها بحلم الإنسان الذي يقدم القدوة الحسنة الصالحة، اللازمة لديمومة الدين والتعبير عن قيمه ومبادئه، التي ترسخت في يقينه منذ الصبى وهو برفقة نبي البرية وسيد المرسلين.

وقد ضرب أمثالا خالدة في العفة والمعاني السامية النابعة من جوهر الدين، وفيض المدارك القرآنية التي كان يعلمها علم اليقين.

ولا يمكن لكاتب أن يبلغ التمام والكمال في الكتابة عن الإمام علي، ذلك السراج العربي الهاشمي الساطع في ربوع الأماكن والأزمان، والذي يزداد حضورا في جميع الأجيال المسلمة على مر العصور، فما أن يُذكر الإسلام إلا ويكون متوقدا فيه.

فهو الذي أغنى العقول وأترع النفوس بأصدق الكلمات المنيرات، المعبرات عن خلاصة وعيه للسلوك البشري ونوازع النفس ومشاربها.

وهو واضع أصول ومبادئ علم النحو والبلاغة، وكانت خطبه وأقواله روائع إبداع أصيل لا تتفوق عليها قدرات البلاغيين من بعده.

هذا الإنسان المنوّر بالقرآن والصحبة والمصاهرة المحمدية، والعارف بشؤون الدين والدنيا، تجدنا اليوم لا نعرفه بأعمالنا، وندعيه بأقوالنا وعواطفنا وجهلنا، فنسيئ إليه ونظلمه وأحفاده، إذ نحسب أننا نحبه ونحبهم وما نقوم به لا يرضاه أي واحد منهم.

فهل أن قتل المسلم للمسلم يرضي عليا، وهل ما نقوم به من مظالم ومفاسد وشراهة مال ومناصب ، وأنانية وغرور وإفقار للناس وسلب لحقوقهم وقهرهم من مبادئ علي؟

إن ما نفعله جميعا ومن كافة المذاهب والفرق والمدارس والتصورات، إنما يقاتل عليا ويُغضبه وينسف مبادءه وقيمه ويمحق معاني الدين القويم، الذي ذاد عنه بالغالي والنفيس وأبى أن ينكسر أو ينحني للدنيا الوافدة إليه بما رحبت وأهدت.

"يا علي"، ما أحوجنا لقولها سوية بقلب واحد وإرادة معتصمة بحبل الله المتين، لكي نكون ونتحرر من الذل والهوان والسلوك المُخزي، الذي نلصقه بالإسلام ورموزه الأخيار الأبرار.

تحية محبة ووفاء وإجلال وتقديرللإمام علي، وياليت مَن يدّعيه أن يعبّربسلوكه عن خصلة واحدة من خصاله العلياء، ولكن هيهات هيهات أن نعرف عليا بأفعالنا، ولا حتى بأقوالنا!!

وهو القائل:

"ذهبَ الوفاءُ ذِهابَ أمْسِ الذاهبِ

فالناسُ بينَ مُخاتلٍ ومُواربِ"

وما أكثرهم في زماننا الموؤد بجهلنا "يا علي"!!

 

د-صادق السامرائي

 

هكذا أحتفل الجواهري بعيد ميلاده الثمانين

rawaa jasaniمع حلول عام 1982 يحتفل الجواهري، الشيخ – الشاب، بعيد ميلاده الثمانين، وان اختلف مع بعض المؤرخين والنقاد الذين ثبتوا ولادته في عام  1898 بل وخاصم البعض منهم لذلك السبب... وبهذه المناسبة راح الشاعر العظيم يبث شجوناً كانت، وبقيت، واستمرت تؤرقه على مدى عقود، ومن أشدها ألماً، ما يزعمه ويراه، من جحود البلاد له، والتي اضطر للاغتراب عنها مرة أخرى واخيرة، مطلع عام 1980، بعد اشتداد ارهاب وعسف العهد الدكتاتوري الساقط، والذي طال بعض أهل بيته حتى... وقد انطلق في قصيدته التي نتوقف عندها يعاتب، ويدين زعامات سياسية وثقافية وغيرها، حاولت أن تنال من عبقريته وأدواره الوطنية والثقافية ... وهكذا جاءت رائعة :يـا ابـن الثـمـانـيـن" ومن مطلعها:

حسبُ "الثمانين" من فخر ومن جَذَل، غشيانُها بجَنان ٍ يافع ٍ خضل ِ

طلقٌ كما انبلج الإصباح عن سَحَر، ند ٍ، وزهرُ الربى عن عارض هَطِل

"يا للثمانين" ما ملَّت مطاوحَها، لكن يُعاودها خوف من الملل ...

ولم يشتعل ضرام آهات ولواعج هذه اللامية المطولة من تراكمات وحسب، بل ان الجواهري، وهو في غربته الجديدة في براغ، والتي صارت مديدة فيها، وفي دمشق، حتى رحيله في عام 1997، أُُبلغ بصدور كتاب لئيم، ألفه "أكاديمي" عراقي، حاول فيه ان يطال الشاعر العظيم، وبعض سيرته وحياته وابداعه. وقد تناولته بائية جواهرية ساخرة، هادرة، بعنوان "عبدة الغجرية" عام 1982 بعيّد نشر ذلك المؤلف المشبوه مضموناً وتمويلاً... وفي المقطع التالي اشارة، وان دون مباشرة، لذلك الحدث:

وأنت يا ابن "الثمانين" استرحتَ بها، كما تظنّنتَ من لوم ٍ ومن عذَل

جاءت تحييك في أعيادها قِذَعٌ، نكراءُ، لقَّنها الساداتُ للخَوَل

وفَّتْكَ نُذراً لها عما وَفيتَ به، من النذور ِ لَدُن أيامِكَ الأوَل

يا ابن "الثمانين" صبراً أنت صاحبُه، في ما تضيقُ به اضلاعُ مُحتمل ...

وكن كعهدك "سَحَّاراً" بمعجزة ٍ، ُتحوِّلُ الصَّابَ مسموماً إلى عَسَل ِ

...  ثم تعود القصيدة في الأبيات اللاحقة لتردَّ على تلكم التجاوزات ولتواجه وتتصدى لاصحابها، وأسيادهم، الذين سعوا جاهدين للنيل من الرمز العراقي الكبير، بهذه "الحجة" تارة، وبغيرها، من مزاعم، تارة أخرى... وجميعها لم تستطع إلا أن تثير "زوابع في فنجان" بحسب الجواهري في مجالس خاصة... ثم لتخمد وأصحابها، وليبقى الشعر، والابداع وصاحبه، خالدين:

يا "ابن الثمانين" كم عولجت عن غَصص، بالمُغريات فلم تَشْرَقْ ولم تَمِل ِ

كم هزَّ دَوحَكَ من "قزْمٍ" يُطاولُه، فلم ينلْهُ ولم تقصر، ولم يَطُل ِ

وكم سعت "إمَّعاتٌ" أن يكون لها، ما ثار حولك من لغو ٍ، ومن جدَل ِ

ثبِّتْ جَنانك للبلوى فقد نُصبَتْ، لك الكمائنُ من غدر ٍ، ومن خَتَل ِ

ودَعْ ضميرَك يَحذَرْ من براءته، ففي البراءات ِ مَدعاةٌ إلى الزَّلَل ِ

لا تنسَ أنكَ من أشلاء مجتمع، يَدينُ بالحقد ِ والثارات والدَّجَل ِ

حرب ٍعلى كل "موهوبٍ" وموهِبة، لديه، مُسرَجة الأضواء والشُّعَل ِ ...

عصَّرتهم فتحمَّلْ وضرة الثقل، ودُستهم فتوقعْ غضبةَ الخَوَل

وبعد كل التمهيد أعلاه، يحين الوقت كما رأى الشاعر، ليوضح المزيد من "التفاصيل" ذات الصلة ومنها هجوم "الأذناب" و"الأسياد" من جهة، وصمت "المحبين" و"القادرين" على الرد من جهة ثانية... ولعلّ مواقف الأخيرين كان أشد إيلاماً لأنهم تناسوا عهود الاخاء ومزاعم الود ومشاعر التقدير التي كانوا يبدونها للجواهري بمناسبة، وبغيرها، حباً واعجاباً حقيقياً أو زائفاً.. ويقول بهذا الشأن:

نُبِّئتُ "شِرذمةَ الأذناب" تنهشني، بمشهد من "رُماة ِ الحي"مـن "ثَعَل"

يا للحفيظَة ِ لم تظفَرْ بذي شَمم ٍ، وللشهامة ملقاة ً على طللِ

... وهكذا يتواصل القصيد جدلاً وحواراً وفلسفة ورؤى حول "الأصالة" و"الرجولة" و"المدعين" و"الهاربين" و"الناكثين" وغيرهم، ممن لم ينتصروا للحق – كما يرى ذلك الشاعر على الأقل- منوهاً إلى تجاريب كثيرة كان لصولة الحرف فيها، الثبات والانتصار... وتستمر التساؤلات والادانة:

أيستثيرُ دمي "وغْدٌ" و"صاحبُه"، بما يثير رمال السَّهل ِ والجبلِ

ولا يندّ فمٌ، لا بَعْدَه خَرَسٌ، ولا تُمدُّ  يد ، لا تشْفَ من شلل ...

قد كان شوطُ رجولات ٍ مشرِّفةٍ،  لو كان تحت سِبالِ القَوم ِ مِنْ رَجُل..

الخانعين بمنجاة ٍ تسومُهمُ، جدعَ الأنوفِ، وذلَّ العاجز ِ الوكِل ...

والناكثين بعهد ِ الحَرْف ِ منتفضاً، على الضغائن والبهتان والدجل:

إن الحياة معاناة وتضحية، حب السلامة فيها أرذل السبل

وللبطولات جولات، وكم شهدت، سوح الوغى "لحماة الحرف" من بطل

وثمَّ من لعنة ِ الأجيال جازيةٌ، تقتصُّ من قولةٍ حَقٍّ ولم تُقَلِ

... وقبيل ختام القصيدة التي بلغت أكثر من سبعين بيتاً يعود الشاعر المهضوم، موضحاً، ومدافعاً عن النفس أولاً، ثم ليفضح بكل صلابة وعنف مدعين مزعومين، و"زعاماتهم" التي لولاها لما استطاع أولئك ان "يستأسدوا" على الجواهري مستغلين غربته بعيداً، أو مبتعداً عن الوطن:

أقول "للخِدن" ما حالت مَودَّتُه، فظنَّ أن عهود الناس لم تَحُل ِ

سلني أُجِبْكَ بما يعيا "الجواب" به، وإن ينل منك إشفاقٌ فلا تَسَل ِ

فقد تقرحتُ حتى العظم من شجن، دامي الشكاة ِ بلوح ِ الصدر معتمِل

أُجِبْكَ عن نُصُبٍ أعلام ِ "مقلمَة"، غُفْل ٍ ، شتات ٍ إذا كشَّفتَهم ، هُمُل ِ

و"للتماثيلُ" يستوحى بها "مُثُلٌ"، خيرٌ من البشر الخالين من "مُثُل ِ"

"خُرْس"وإن خَرقوا الأسماع في هَذَر، يُغْثي النفوسَ، وفي مرصوفة "الجُمَل"

وعن "كروش" "زعامات ٍ" كأنَّ بها،من فرْط ِ ما اعتلفتْ، مَسَّاً من الحَبَل

يستأسدون إذا مُدَّ العنانُ لهم، فإن يُشَدَّ تردَّوا بِزَّة "الحَمَل""...

... وكما هي الخلاصات التي يقدمها القادرون في نهاية عطاءاتهم، أو الرتوش التي يضعها الفنانون قبيل عرض ابداعاتهم، يختار الشاعر فضيلة التحذير نهاية لقصيدته، ومذكّراً من يريد أن يتذكر قدرات الجواهري في مواجهة اللؤماء ومن يقف وراءهم، والاخيرين هم الأكثر قصداً من غيرهم على ما نظن:

يا "صاحبي" وحتوفُ "القوم" طَوْعُ يدي، وكم أتتهم "رياح الموت" من قِبَلي

أجِلْ يراعَك في آجالهم مِزقاً، فليس عندك بعد اليوم من أجل ِ

واضرب بهم أسوأ "الأمثال" سائرة ً، حتى تَثَلَّمَ فيهم مضربَ المَثَلِ !

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

دعاة عصاميون من ذاكرة الريف

كان الريف في خمسينات القرن الماضي، يغط في جهل عميق، وتخلف مرير، وأمية مطبقة، وأمراض مزمنة، كجزء من الحال العام في الوطن العربي والعالم الاسلامي، وفي خضم هكذا ظروف قاسية، كان الفاضلان، محمد العلي الضاحي، وصالح الدهوك، قد استطاعا بحسهما الريفي المتوثب، وتطلعهما المؤمن، أن يتداعيا للتصدي لكل تلك الإشكالات، التي تؤرق مجتمع ديرتهم. فقد قدر لهما ان يتواصلا مع الدعوة الإسلامية التي انفتحت على منطقة جنوب الموصل، وريفها في تلك الفترة، ضمن تحركها للإصلاح، ونشر الدعوة الإسلامية، وتخليص الدين من الخرافات التي لحقت به، بسبب الجهل والتخلف، حيث سادت الاعتقادات بالأساطير، والضرب بالسحر، والشعوذة، والدجل.

ومع أن الرجلين محمد العلي الضاحي وصالح الدهوك، كانا بالقياسات الاكاديمية ليسا من علماء الدين البارزين، ولا من الدعاة المختصين المشهورين، إلا أنهما كانا من العاملين المجدّين، وتمكنا بجهودهما الذاتية، من الالمام بتلاوة القران الكريم، وحفظا ما تيسر لهما من سوره، بالإضافة إلى حفظ الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة، وخاصة المنتقاة من الأربعين النووية، ورياض الصالحين.كما أنهما فقها نفسيهما، بالكثير من أحكام الدين، بالرجوع إلى كتب الفقه المتيسرة.وحرصا على استظهار المأثورات من الأدعية والأذكار.

وقد كانا من دعاة الإصلاح والخير، ومتحمسان للدين والعلم والتحضر المحكوم بضوابط الدين الاسلامي. فعملا على نشر الوعي الديني المتنور في القرية، بسداد رأي، وفق قاعدة (يسروا ولا تعسروا)، فكسبوا الجمهور، ونالوا ثقته. وحاربوا بحكمة، المفاهيم والممارسات الدينية المتخلفة، التي كانت سائدة بين الناس، من دون تناحر، ومنعوا بلا هوادة، تردد الغجر إلى القرية، والقرى المجاورة، حيث كانت مضاربهم، مصدر فساد وإفساد، يتجاوز حالة الطرب البريء، إلى نشر مظاهر الفساد، والفتنة بين الناس. وحاربوا بتروي، مظاهر الشرك، وتقديس البشر باسم الولاية، انطلاقا من إيمانهما بعقيدة التوحيد الخالص.

وكانت مشاعرهما الإسلامية، متفاعلة مع القضايا الإسلامية والعربية ، ويتفاعلون باهتمام مع حركة الأحداث، باعتمادهم شعار( إذا ذل العرب ذل الإسلام)، من واقع قناعتهما الثابتة، بان العروبة جسد روحه الإسلام. لذلك كانوا يدعمون نضال الجزائر، ضد الاستعمار الفرنسي، وينتصرون إلى قضايا المسلين في كشمير، كما حاربوا المد الشعوبي، وثقافة الإلحاد، لخطورتها على المجتمع العربي والإسلامي.فنهضوا بالوعي الديني الشعبي، في المجالس العامة والأماسي.

كما اهتموا ببناء الجيل، وتربيته تربية سليمة. فشجعوا الشباب على أداء الصلاة، وارتياد المساجد، والتمسك بالقيم العربية الإسلامية، بتركيزهما على شعار( نهوض الأمة في شبابها). وبادروا ببناء أول مسجد في القرية، من الطين، وبالتعاون مع أبناء القرية في عام 1956، حيث حرصا على ان يكون ذلك المسجد، نقطة إشعاع، ومصدر تنوير للشباب، وخاصة في المناسبات الدينية، ومن خلال حثهم على إلقاء الكلمات والخطب، وتشجيعهم على قراءة الكتب النافعة، وعرض بعض المواضيع المهمة منها على الجمهور، لتعميم الفائدة، وتفقيه الناس. وقد تواصل الدعاة من الموصل معهما في زيارات اسبوعية كل يوم جمعة للوعظ، ولإلقاء خطبة الجمعة في جامع القرية.

وبادرا إلى إنشاء المدرسة الابتدائية في القرية، بجهود مضنية، ومتابعات مباشرة، استغرقت الكثير من الوقت والجهد، مع المسئولين في المتصرفية، ومديرية المعارف، حيث تكللت جهودهم بالنجاح، فتم افتتاح المدرسة في أوائل العام1954. وكان المعلم الرائد والتربوي الحاذق، الذي افتتحها، ودرس الجيل الأول فيها، هو المرحوم الأستاذ محمود حامد سليمان، الذي آزرهما بشكل فعال، ورسخ تقاليد تربوية، ومعايير مدرسية راقية ورصينة، أنتجت جيلا من التلاميذ، بمستوى عالي من التعليم، فعلق في ذاكرة الجيل، حيث لا زالت تذكر مآثره التربوية بالإطراء حتى الآن.

 وقد حرص المصلحان الفاضلان، محمد العلي الضاحي، وصالح الدهوك، على تسجيل كل شباب القرية، والقرى المجاورة، ممن هم في سن الدراسة، أو خارجه، وإلحاقهم بالمدرسة، وتشجيعهم على مواصلة الدراسة، لأنهما كانا يريان، أن العلم يرفع شان الإنسان، ويقوده الى فهم احكام الدين.وقد تخرج بفضل هذا الحرص، جيل لامع من القادة، والمفكرين، والكتاب، والأكاديميين، والأطباء، والمهندسين. كما حرصوا على تعليم البنات وتشجيعهن على الدخول إلى المدرسة أيضا في سابقة لم تكن مألوفة، ساهمت في تعليم البنات، والقضاء على الامية بينهن، من منطلق قناعتهما أن المرأة نصف المجتمع، ويقتضي الواجب الديني، ومتطلبات التطور الحضاري تعليمها، وإنقاذها من الجهل، والأمية، حيث تخرج منهن معلمات، وطبيبات، واختصاصات أخرى.

 وكانا يضيفان الدعاة والمرشدين الجوالين في بيوتهم، على مدار العام، وفي المناسبات الدينية، ويستجلبون الفرق الصحية لمكافحة الأمراض المزمنة، ويسهلون السبيل أمامهم. وللأصداء الواسعة التي عكستها نهضة القرية، والمكانة المرموقة التي تبوأتها، بجهودهما المباركة، فقد زارها الكثير من الدعاة، وألقوا خطبة الجمعة من على منبر مسجدها.

وقد كانت جهودهما كرواد للنهوض، ودعاة للخير، ومربين اجتماعيين، متميزة في كل الاتجاهات. حيث ساهما في تنوير الجيل وصحوته الدينية، وقضيا على كل مظاهر العشائرية السلبية، وسموا بالتقاليد الاجتماعية، والقيم والأعراف الموروثة، إلى مستوى متقدم من الوعي الديني والانفتاح المعتدل، بعد أن نقياها من كل ما لحق بها من أدران، مما جعلهما في المقدمة من أعلام القوم.

 وبعد أن انتقل المرحوم صالح الدهوك إلى جوار ربه في أواخر العام 1959، ناء بعبء الإصلاح والدعوة، المصلح الكبير، زميله محمد العلي الضاحي، وقد نجح في مجال حركة الإصلاح الديني والاجتماعي، على حد سواء. فقد تمكن من تصفية كل مظاهر النزعة العشائرية الضيقة، وافلح في إشاعة جو اجتماعي ديني مريح في القرية، بحيث أصبحت مركز إشعاع متميز. وانعكس هذا المشهد الرائع، بتجلياته الايجابية، على القرى المجاورة. وبذلك خلت المنطقة، من إرهاصات التدابر، والضغينة، والتناحر، وعاشت حياة مستنيرة ومتوازنة.

وظل الداعية الراحل محمد العلي الضاحي رحمه الله خلال مسيرته الطويلة مصلحا اسلاميا اجتماعيا، ورائدا تنويريا، وداعية جليلا، في فكره وسلوكه، يحظى بثقة وتقدير الجميع، بما مثله من رمزية دينية واجتماعية عالية بينهم، حتى وافه الأجل المحتوم في عام 1989، فكانت سيرته الوضاءة محمودة، وجهوده مشكورة بين الناس. وبذلك ظل حيا في ذاكرة الجميع، بما قدمه من مسعى مبارك لدينه، ولقريته، ومنطقته.

 

محمود البريكان .. ناسك الشعر الخالد

wadea shamekh2بين شباط ونيسان رابطة دم في الذاكرة العراقية، فأن كان شباط توارى من تقويم هذا العام، وهلّ علينا نيسان. فلابد أن نتذكّر قربان العراق الشاعر الكبير محمود البريكان ..

في عام الفيل، كان للشعراء معلقاتٌ مقدسة، وفي عام الخوف قتل الشاعر محمود البريكان

كان الشاعر " اليوت " يشمّ رائحة الموت في نيسان ..

وكان السياب يشمّ الموت كلّ يوم

ولكن البريكان إختار موته في شباط

وكانت أشرّ ميته لشاعر ...

............................

 في زمن الظلام والفجيعة تٌقترف الجرائم بخفة ووقاحة عاليتين

في زمن الدكتاتوريات الأسود يصبح الموت بضاعة اليوم وخاتمة الحياة الأكيدة

في ختام شباط "شهر الدم العراقي" من عام 2002 حطت وطاويط الكوارث وغربان الشؤم ومديات القتلة على جسد شاعر عراقي كبير وهو الراحل محمود البريكان / الذي كان قامة شامخة في سماء الابداع والجمال والانسانية معا

عاصر الشعراء الرواد وكان منهم ولكنه إختار الصمت الجليل، وقال عنه السياب " البريكان شاعر عظيم سوف أحاول جاهدا إخراجه عن صمته "

إذ كان للراحل سره الشعري العميق وأسئلته الوجودية الغائرة في فضاء الكون والانسان ..

قتل البريكان بدم بارد، وراح لموته وهو يتنبأ بهذا الزائر المجهول  "

أعددت ُ مائدتي وهيأت ُ الكؤوس

متى يجي ء

الزائر المجهول ُ ؟

أوقدت ُ القناديل َالصغار

ببقية ِ الزيت المضيء ِ

فهل يطول ُ الانتظار ؟

أنا في انتظار سفينة الاشباح ِ تحدوها الرياحْ"

 

لقد عرفنا البريكان شاعرا فذا ومربيا فاضلا وإنسانا غاية في التواضع والنبل .. كان صمته المهيب في حضرة الدكتاتور المقبور هو عنوانه المدهش، لقد رفض كل مغريات السلاطين .

كان البريكان يحمل قوة الحضور الشعري والغياب الشخصي معا، في زمن تناهبه وعاظ السلاطين والشعراء الأبواق .. حيث لم يكتب حرفا واحدا لصالح أعداء الحياة، فشكل نموذجا للمثقف والمبدع والانسان الحقيقي . وكان عزاءً للباحثين عن الجمال والحرية بأسئلة وجودية كبرى .

مات البريكان مغدورا في ظل صمت مريب من قبل النظام الفاشستي السابق، حيث لم يتم تكريمه رسميا ولم يحضر في جنازته ايّ مسؤول .. ويبدو هذا ما كان يشرف البريكان حقا، وهو الموت وحيدا واللحاق بأساتذته وزملائه في مقبرة الحسن البصري .

 وبعد سقوط الدكتاتور البدوي في العراقي، كنّا نتمنى من الحكومات العراقية المتعاقبة ووزارات ثقافتها أن تلتفت الى البريكان الذي علمنّا دروسا في مناهضة الطغاة إبداعيا .. كنا نأمل أن يقام له نصبا يليق به، او أن يطلق أسمه على شارع مهم في البصرة او بغداد، او يقام له مشروعا لطباعة كل ما نشره وما لم ينشره في كتاب جامع / لكيما يبقى خالد ا في ذاكرة العراق ..

كنّا نأمل أن تشكل لجنة معنية بجمع تراث البريكان وتقديمه للأجيال الحالية لكي يكون نبراسا لهم في معنى البحث عن الحرية ومقاومة الطواغيت بالشعر والجمال والموسيقى . لكن شيئا من هذا لم يحصل . يا للعار حقا .. ساسة العراق يحرقون رموزنا بدم بارد أيضا .

عندما جاء الشاعر رسول حمزاتوف للسكن في موسكو، رفض أن يسكن في المنزل الذي أعطته أياه بلدية موسكو في شارع " غوركي" وقال لهم :

حينما أموت . سوف لم يكن هذا الشارع بأسمي ..

 ولكن ساسة اليوم مشغولون بحمل ما خف وزنه وثقل ميزانة في سوق صرف العملات ..

نحن في "الصالون الثقافي" سنشير بسبابة صائتة لمواطن الخراب في عراقنا الجديد ..لانه عراقنا، حتى ونحن في أصقاع الأرض النائية .

وأقسى الخراب أن يكون في ظلم قامات إبداعية يفتخر العالم من حولنا بها .

 

..................

في الذكرى الثانية عشرة لاغتيال الشاعر الكبير محمود البريكان - بيان الصالون الثقافي لمنتدى الجامعيين العراقي الاسترالي، القاها الشاعر وديع شامخ في الامسية امسية الصالون الاخيرة" جسور اللغة العامية الى الشعر الشعبي والامثال الشائعة"

 

 

المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي

ألقيت محاضرة في اواسط  تسعينيات القرن العشرين في بيت الحكمة  في بغداد بعنوان – (الترجمة عن اللغة الروسية في العراق) ضمن نشاطات قسم الترجمة في بيت الحكمة آنذاك، ثم نشرت ملخصا واسعا لها في مجلة (الاقلام) العراقية بنفس العنوان، ولا توجد لديٌ الان - مع الاسف - اوليات تلك المحاضرة ولا الملخص المذكور والمنشور في المجلة، ولكني أذكر اني تحدثت هناك عن مدرستين عراقيتين للترجمة عن الروسية، الاولى واسميتها مجازا – (مدرسة موسكو)، والتي تشمل الاعمال الترجمية للمترجمين العراقيين الذين لم يعودوا الى العراق بعد انهاء دراستهم وبقوا في موسكو وعملوا في مجال الترجمة من الروسية الى العربية في مؤسسات سوفيتية مختلفة، والثانية واسميتها مجازا ايضا – (مدرسة بغداد)، والتي تشمل الاعمال الترجمية للمترجمين العراقيين الذين عادوا الى العراق بعد اكمال دراستهم في الاتحاد السوفيتي وعملوا في مجال الترجمة من الروسية الى العربية في مؤسسات عراقية مختلفة، وتوقفت بتفصيل نسبي عند ترجمات المرحوم غائب طعمه فرمان باعتباره نموذجا لنشاطات المترجمين العراقيين في مدرسة موسكو للترجمة، وعند ترجمات المرحومة الدكتورة حياة شرارة باعتبارها نموذجا لنشاطات المترجمين العراقيين في مدرسة بغداد للترجمة، وقد أثارت تلك المحاضرة في بيت الحكمة والمقالة في مجلة الاقلام  ردود فعل مختلفة تجاهها في حينها، اغلبها كانت ايجابية، وخصوصا  بين مستمعي المحاضرة آنذاك  (وأود أن أخص منهم بالذكر المرحوم الشاعر والصحفي والاذاعي والمترجم  صادق الجلاد الذي ساهم مساهمة كبيرة بالمناقشات التي اعقبت المحاضرة)، ومن القراء ايضا، باعتبارها طرحت لاول مرة في العراق موضوعا جديدا واصيلا بكل معنى الكلمة، كان يتجنبه الباحثون العراقيون عادة آنذاك لما يحمل من حساسيات فكرية معروفة، اذ ان اي حديث عن اللغة الروسية والترجمة عنها في ذلك الوقت كان يمكن ان يعني الحديث عن الاتحاد السوفيتي وايديولوجيته المعروفة والمرتبطة به، اما ردود الفعل السلبية فقد جاءت من بعض المترجمين انفسهم، اذ انهم كانوا غير راضين بشكل او بآخر لاني لم اتحدث عنهم  كثيرا وبالتفصيل، اي بما يوازي ما قلته عن غائب طعمه فرمان وحياة شرارة، رغم اني ذكرتهم وأشرت الى اعمالهم الترجمية ومساهمتهم الكبيرة في مسيرة هذه العملية الثقافية المهمة، ولا اريد الان ان اتوقف عند تلك الاسماء (وهم قلٌة) والآراء الذاتية البحتة والنرجسية والمديح المبالغ به لانفسهم – مع الاسف -  ولاعمالهم ونشاطاتهم الترجمية التي  تحدثوا حولها معي في بغداد آنذاك، ولكني أود في هذه السطور الوجيزة الان العودة الى عدة  افكار طرحتها في تلك المحاضرة والمقالة في حينها وكنت اتمنى ان تجد ردود فعل لها او تتحقق بشكل او بآخر عمليا، واحدى هذه الافكار التي اريد ان اتحدث عنها في هذه المقالة الان بشكل دقيق هي – من وجهة نظري – ضرورة واهمية دراسة ظاهرة الترجمة من الروسية الى العربية ضمن مدرسة موسكو كما اسميتها مجازا في مرحلة الاتحاد السوفيتي (1917- 1991)، وهي ظاهرة غنية وكبيرة ومهمة في مسيرة العلاقات الثقافية بين الفكر الروسي والعربي، وهذا يعني بالطبع دراسة وتوثيق وأرشفة مساهمة المترجمين العراقيين فيها وتقويم هذه الظاهرة وتحديد قيمتها العلمية في مسيرة الحياة الثقافية العراقية، وقد حاولت في محاضرتي ومقالتي ان احدد اسماء المترجمين هؤلاء بحكم معرفتي الشخصية بهم او دراستي معهم في الجامعات السوفيتية في بداية الستينات ( رغم اني كنت عندها بعيدا عن حركة الترجمة تلك ولم اساهم بها لاني تركت الاتحاد السوفيتي آنذاك بعد انهاء دراستي هناك رأسا)، ولم تكن المصادر الكافية متوفرة في تسعينيات القرن الماضي في بغداد عندما طرحت ذلك الموضوع، اضافة الى عوامل اخرى اهمها بالطبع عدم وجود حرية التعبير الكاملة وكما يجب في تلك الاجواء والتي كانت تقتضي انتقاء الكلمات بحذر شديد، وانعزال العراق عندئذ عن العالم الخارجي، وعدم استطاعتنا استخدام وسائل الاتصالات الموجودة في الوقت الحاضر...الخ، ولهذا اود العودة الى هذا الموضوع الان وادعو زملائي المعنيين بالامر ان يساهموا معي في تحديد معالم هذه الظاهرة الثقافية المهمة والمتفردة في مسيرة العراق المعاصر، والتي لم يتناولها الباحثون  كما يجب لحد الان حسب علمي المتواضع، وأظن ان الخطوة الاولى لدراسة هذه الظاهرة الثقافية تقتضي  - قبل كل شئ – تحديد الاسماء العراقية بشكل عام ومن ثمٌ تصنيفها على وفق مجالات الترجمة المختلفة التي عملوا فيها، خصوصا وان بعض هؤلاء الذين شاركوا في حركة الترجمة هذه لا زالوا موجودين في روسيا لحد الان ومن بينهم وحسب تسلسل الحروف – جلال الماشطة  // وخيري الضامن// وسلام الشهباز// وسلام مسافر// وصالح الحمراني // وعادل الجبوري// وعادل العبيدي // وعلي عبد الرزاق // وعبد الله حبه // ومحمد الطيار//، ومن المحتمل جدا جدا وجود اشخاص آخرين لا اعرفهم او لا اتذكرهم الان بسبب سنوات العمر واحكامه ليس الا،  ونأمل مساهمة الآخرين ايضا، والذين هم الان خارج روسيا مثل -  برهان الخطيب // وجليل كمال الدين // وجميل نصيف التكريتي // وحسين محمد سعيد // وداود كرومي // وزهير شليبة // وسعدي المالح // ومن المؤكد انني لا استطيع حصر كل تلك الاسماء  التي ساهمت في مجال الترجمةهذه ... // وكذلك ارجو ان يشارك في هذه العملية الثقافية المهمة المترجمون العراقيون من الجيل الثاني والذي جاء بعد ذلك الجيل من المترجمين الاوائل وساهموا في حركة الترجمة تلك، وكذلك اتمنى ان يساهم معنا المترجمون من البلدان العربية الاخرى، الذين عاصروا هذه الحركة وساهموا فيها، واود ان اشير قبل كل شئ الى اسم صديقي ورفيق دراستي في جامعة موسكو المترجم المصري الكبير الدكتور ابو بكر يوسف، والذي كان في قلب أحداث تلك المسيرة منذ بدايتها الى نهايتها واحد ابرز نجومها واعلامها، ومن المؤكد انه يعرف الكثير من المعلومات حولها ويتذٌكر تفاصيلها الدقيقة، واقترح ان  نبدأ بمجال ترجمة الادب الروسي الى اللغة العربية لأنه المجال الاوسع بين القراء في كافة البلدان العربية اولا، وثانيا، لأنه يجسٌد الاعمال الترجمية الباقية على مدى فترات زمنية طويلة يتداولها القراء من جيل الى جيل، والاسماء التي تخطر الان في ذاكرتي في هذا المجال وحسب تسلسل الحروف العربية هم – برهان الخطيب // جليل كمال الدين // خيري الضامن // عبد الله حبه // غائب طعمه فرمان // موفق الدليمي // ومن الممكن جدا ان تكون هناك اسماء اخرى لا اعرفها او لا اتذكرها في الوقت الحاضر، ومن الضروري بالطبع التوقف عند كل اسم من هذه الاسماء واعطاء مواصفاته ومميزاته وتحديد مساهماته الخاصة والعامة في هذا المجال ووضع قائمة دقيقة لنتاجاته الترجمية، وهي مهمة ليست سهلة ابدا،اذ تقتضي من الباحث ان يجد بنفسه كل هذه الاوليات وتفصيلاتها، واذا كان الامر – بشكل او بآخر – واضحا نسبيا بالنسبة لاسم مثل المرحوم غائب طعمه فرمان، والذي سبق للكثير من الباحثين (واتشرف ان اكون واحدا منهم) الكتابة عنه مترجما، وتوجد قائمة كاملة منشورة لكتبه، وكذلك الحال بالنسبة لخيري الضامن وعبد الله حبه الى حد -ما، فان    ترجمات المرحوم موفق الدليمي مثلا تشكٌل صعوبة للباحث، اذ توجد القليل من المصادر حولها او حتى يمكن القول انها لا زالت مادة خام ليس الا  لم يتناولها الباحثون اصلا رغم اهميتها وقيمتها في مجمل تلك الظاهرة الثقافية الكبيرة والمهمة والمتميزة في دنيا ترجمة روائع نتاجات الادب الروسي في القرن التاسع عشر والقرن العشرين الى اللغة العربية .

ختاما لهذه السطور الوجيزة عن هذا الموضوع الكبير اود ان اشير الى اسماء بعض المترجمين العراقيين الراحلين، والذين ساهموا في هذه الحركة الثقافية بشكل او بآخر وحسب ما اتذكر ليس الا، والذين لم  اذكرهم أعلاه، وهم حسب تسلسل الحروف العربية طبعا  كل من  – // احمد النعمان // و// الياس شاهين // و// سعود الناصري// و// عدي عجينه // و// فايق أبو الحب //، ومن المؤكد انني لا اعرف الجميع في هذه الفترة الزمنية الطويلة، وبالتالي لا استطيع ان اذكر جميع الاسماء التي ساهمت في هذه الحركة، ومن المؤكد ايضا ان هذا العمل الارشيفي والتاريخي والثقافي  يحتاج الى جهود الكثيرين من الذين ساهموا فيه، وكلي أمل ان يستجيب الجميع الى هذا النداء كي ننجزه معا وسوية وبمشاركة المعنيين كافة، من اجل أرشفة هذه الحركة الثقافية المتميزة في تاريخ العراق الحديث ودراستها وتقويمها وتحديد مكانتها واهميتها الجديرة بها في مجمل مسيرة الثقافة العراقية .  

 

جابو المُسافِر بِلونِ حكاية!

rajaa baktiaولعلّنا حين نستذكره اليوم نستدعي قواميسَ الغرابة، وأسرار السِّحرِ من أوّله. لم أجد في دُواةِ سواه ما لحبره من حرفيّةٍ في تسجيل الوجوه’ ورسمِها. ترتيب الحياةِ وأحداثِهَا، فالحياة ظلّت فوضى لا تكفّ عن تجاوز المفترض

رحل جابو، كما أسماهُ مواطنو السّاحلِ الكاريبي،في السّابع عشر من أبريل، جابو الّذي خاض غمار مجابهات بلا آخر ليُباري غُشَّ الحَياةِ بصنَاعَةِ عُشِّ الأدب! أليس الفنّ هو أن تضع ظلال الحياةِ على الخشبةِ أو الورق على حدّ قول بنتلي؟ جابو الّذي ظلّ يُجمِّلُ إيقاع الوَجَعِ برائحةِ الحبر الّذي استعارهُ من سترات الجنرالات ودبابيس أحزمتهم.

رحلَ جابو، وفي ذات اليوم الّذي وقّعت فيه الطّبعة الجديدة من روايتي "امرأة الرّسالة". لم أحدّد تماما ما للمصادفة من تداعيات. حزنتُ جدا في ذلك اليوم، ولكنّي لم أبتئس، إنّما وجدتُ في الغياب بريقا يلقي بظلالهِ الملوّنة على مسائي ذاك!

وقد أكون أصغر قرّاء جابو المغمورين في زمن برتقالات الجليل البعيدة. يوم تعرّفتُ إليهِ لأوّلِ مرّة، وأخفيتُ عن أمّي غلاف كتابه، فلجأتُ للحيلة. دسستُهُ تحت قميصي، وتسحبتُ متذرِّعة بألم في الصّدر، هكذا ضممته دون أن يعاديني أحد. ذلك الكتاب، "الجنرال في متاهته"، أو "ليس للجنرال من يكاتبه" شكَّلَ أغرب ما قرأت، وأوّل حكاية عشق متخيّلة وقعتُ فيها. لقد قبض عليّ في خضمّ محاولاتي الشّعريّة الأولى، وجعلني أجزم حينذاك أنّ التّراشق بالقوافي لا يناسب شهقات دهشتي الّتي ركضت بين سطوره، ونبشت على لهفةٍ في كومة الورق الّتي له!

لا أذكر كم أثَّرَتْ، أثارَت وأَثْرَتني الأسماء اللامعة، ولا أنكر الوجوه الأدبية العريقة الّتي أفذتُ منها، ولكنّي لا أنسى أبدا لمعان الخرز الأبيض الّذي تقافز في عينيّ وأنا ألاحق أفكاره وهواجسه، رجل الخريفِ والعزلة. نادرة هي اللحظات الّتي نعثر فيها على حفنة الدّفء الغائبة، وكمشةِ رهف تأتي مصادفة، لتملأ مخازن الجمرِ ثلجا لا يتوقّف عن التّساقط في جنباتِ القلبِ والبدن.

جابرييل غارسيا ماركيز، يرنّ الاسم رنين الصّاجات بين أصابع بائع السّوسِ في سوق القدس القديمة، فيثيرُ عطراً عتّقه الزّمن بتوابل الغيب. من بعدِهِ جاءوا كُثر، مسحتُ كلامهم بسرعة أو على مهل، لكنّهُ ظلّ العلامةُ فارقةً في مشوار قراءاتي. ولعلّنا حين نستذكره اليوم نستدعي قواميسَ الغرابة، وأسرار السِّحرِ من أوّله. لم أجد في دُواةِ سواه ما لحبره من حرفيّةٍ في تسجيل الوجوه’ ورسمِها. ترتيب الحياةِ وأحداثِهَا، فالحياة ظلّت فوضى لا تكفّ عن تجاوز المفترض. انخلبتُ بلا آخر باختلال سحرِ الفصول في "خريف البطريرك"، ففيهِ مزّقَ التميّز قمصانَ العادي، كيف؟ لا أذكر تماما ولكنّها لحظة تشبهُ سقوط المفردة بينَ عينيك واستحالتها إلى شيء لا علاقة له بك، من قبيلِ عنُقٍ أو كتِفٍ، أو شفةٍ أو عينين. كلّها معا أو بعضها متفرّقة.

في "خريف البطريرك" شبَت أشرس ملاحِمَ الزّمن مع الشُّخوصِ والأمكنة، وفهمت، وأنا أتيه بين أزرارِ سترته المذهّبة، وعصاه المنقّشة أنّ الديكة والدّجاجات مثصدرا لصناعة التّاريخ، ولذا ُيجوز أن تصيرَ أبطالا لروايات، وأنّ نياشين السترات وريشَ القبّعات يجوز أن تكون مخبأ لحكايات، فتاريخنا الفلسطينيّ تختزله ألوانُ الحكاية.لقد أسطر الرّجلُ السّاحل الكاريبي ضمن ما أنجزه ليجعلهُ عاصمة للثّقافة. قلّة من يفعلون، قلّة من تجعلهم شعوبهم لغة لنبض ساعاتِهِم.

ولعلّني حين أستدعي السّطور الأولى الّتي سجّلها الباحث والمترجم العراقي كاظم جهاد أستدعي معها الحضور اللافت لشعب الكاريبي في ذرّ سحر الحضور في أمير حكاياهم. فغابو ظلَّ بعض الحدث اليومي للكاريبي وأناسه، وقد فهموا جيّدا أنّه موهبة غير العادة، وأنّهم من سيتبارى لإكمالها!    

 

كتابة: رجاء بكريّة

حيفا

لو كنت عربيا يا غابو

مئة حكاية فينيقية ستولد من رماده. ستدشن لحظة جديدة من لحظات التاريخ والحكاية الشهرزادية، فماركيز "سرفانتس" آخر عرف كيف يستمد من سحر الشرق واقعية لا تقل فتنة وجمالا وفانتازية.

أعمال "ماركيز" تبدو كما لو كانت تنويعا لحكاية من حكايات "ألف ليلة وليلة" يسردها على طريقته: السمكة تخفي بداخلها معدنا ثمينا، من سيشقها ليستخرج منها ماسة بحجم حبة لوز؟ هذه حكاية أثيرة عند ماركيز، ربما لأنها تختصر كل فلسفته في الكتابة، الفلسفة التي تقلص كل مسافة فاصلة بين ما نعيشه وما نرويه "الفرق الرئيسي بين الحياة والأدب، هو مجرد خطأ بسيط في الشكل" إنه المبدأ الذي عايشه غابو منذ صغره.

يقال إنه كان شاحبا ومستغرقا في التأمل، كان لا يروي إلا هذيانات، أحداث بسيطة مأخوذة من الحياة اليومية، وأشياء بسيطة مثل الشبكة والسمكة والألماسة التي بداخلها، لكنه وهو الساحر منذ صغره يضفي عليها سحرا يجعلها أكثر جاذبية.

الرواية الجيدة عند غابو هي الحياة نفسها، أما الكاتب الجيد فهو الخيمائي الذي يستخرج من كل سمكة معدنا نفيسا، الأدب ليس تحويلا وإنما اكتشاف، جمالية خاصة تحيل العالم إلى دراما ساحرة، ليس الأدب فذلكة لغوية أو حيل بلاغية، إنه يقبع في مكانه عند أديبنا الراحل، يظل الأدب قراءة رموز، لكنها رموز الواقع نفسه دون أي تدخل أو مزايدات ميتافيزيقية أو تبجحات "جمالوية". الواقع عند كتابته يتفجر سحرا، كأن في تحويله إلى كتابة سحرا خاصا، "علمتني الحياة نفسها – يكتب ماركيز- أن أحد أكثر الأسرار فائدة في الكتابة هو تعلم قراءة رموز الواقع دون توجيه أسئلة" ليست واقعية ماركيز واقعية فجة إذن، ولا هو ساحر شأنه خداعنا بتحويل الأحداث وابتداع واقع زائف، لا يبدع المبدع واقعه المفارق، إنه فقط يحكيه حيث تكمن الميزة الإبداعية الوحيدة للخيمائي المبدع، فالواقع بمجرد ما نقصه يصبح فانتازيا، لا يعود واقعا فجا كما حدث للمرة الأولى، بل واقعا "مرمزا" يلمع كألماس.

يقول ريلكه: "إذا كنت تظن أنك قادر على العيش دون كتابة، فلا تكتب" الكتابة فن عيش ونمط حياتي قائم بذاته، لا يعيش الكاتب إلا لكي يروي، لكي يكتب وينثر رموزه في العالم، الكتابة ليست شيئا اضافيا، ليست كماليات زائدة. كتب "غابو" وأبدع فيما كتب لأنه آمن بكل شغف بسحر الكتابة وتنفسها في كل ما أنتجه، من الريبورتاجات التي كان يقدرها كجنس كتابي بارز "في أفضل مهنة في العالم" كما كان يقول، أو من خلال الرواية نفسها التي كرس لها كل حياته: "الرواية والريبروتاج ابنان للأم نفسها".

الافتتان بالكتابة افتتان بالحياة، هكذا يريد أن يقل "غابو"، هذا العالم منجم ثمين يغترف منه الكاتب بإحالته إلى نص، "لا وجود لشيء في هذا العالم، ولا في العالم الآخر، إلا له فائدة للكاتب" والمبدع على طريقة غابو هو من يقول الأشياء ببساطتها، لكنها بساطة لم تأت إلا بعد مخاض، إلا بعد امتلاك تجربة ومعرفة تنأى بالأدب عن قبعة السحر وأدواته وشعوذته، الكاتب يجب أن يتجهز تجهيزا خاصا حتى يستخرج الألماسة من بطن السمكة، ليس ماركيز مجرد مشعوذ محتال يضحك علينا بترهاته، لم يستخرج من الأشياء والأحداث سحرها إلا بعد أن ساح في "أوديسة" خاصة من القراءة النهمة والتجارب المؤلمة، لقد عجنته القراءة والفاقة معا، لم تتحقق على يديه معجزة الأشياء البسيطة، إلا بعد أن توطنت نفسه -إن جاز لنا القول- على الأشياء،المفارقة، ماركيز لا يكسر "الأدب الرفيع" إلا بعد التشبع به، ففي سيرته الذاتية "عشت لأوري" نتلمس خاصية الشغف بالقراءة الممتزج بتعب المعدمين والبسطاء، "حتى أنه لم يجد ذات مرة مكانا يبيت فيه سوى الزنزانة"، ماركيز عجنته الحياة وهذبته القراءة النخبوية ليعود مجددا مثل ساحر يظهر في "العادي" كل ما هو مفارق وعجائبي.

من عادة ماركيز أن يكتب بوحي الموسيقى، عادة استمدها من عائلته التي لم تسلم من النكبات بقدر ما ارادت احتضان الفنون، أمه تخلت عن البيانو لكي تنجب الأبناء وتهتم بهم، أما أبيه فترك الكمان ليعيل أبناءه، فمن الطبيعي إذن، والعهدة على غابو نفسه، أن يكون وريثا لكل ذلك الشغف: حب الموسيقى، حب قدري/تملكي/ إلى الدرجة التي يموت فيها جوعا مقابل أمسية غنائية كعازف جيتار صغير، قبل أن يجد ضالته في الموسيقى الكلاسيكية، حيث تبحر وحشد مكتبة من الاسطوانات، قضى ليال طويلة مع باخ وموزارت وبتهوفن وغيرهم، بنى ذائقة ليست كتلك التي كان يجدها لكنها كفيلة بأذن تتذوق، في كل ما يرن، موسيقاها الخاصة.

ليست الموسيقى "كونشيرتو" كان يلوذ به حين الكتابة، الموسيقى حنين، كما هو الأدب تماما، الموسيقى تذكر، إن قول اليومي مضمخ بحنينه، تبنى الحياة في سلسلة من التكرارات/ الاختلافات: ليلة شهرزاد التي تتكرر في ألف ليلة.. خطب دون كيوخوته واحلامه الهذيانية التي تتكرر في مصارعة طواحين الهواء أو انقاذ أميرة مختطفة.. مئة عام من العزلة، التي تشكل وجها آخر لحنين لا نهائي.. إن الرواية حنين وتذكر يعيد صوغ الأشياء بسحر الكتابة، يرويها ماركيز فقط ليعيش، أو يعيش ليرويها، وهكذا يفتتح سيرته الذاتية بعبارة مفتاحية تختزل كل أعماله: "الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه"

رحل ماركيز، وبرحيله طويت الألفية الثالثة لسردية كبرى مستمدة من "أم أسطورية"، احتفى به العالم في حياته قبل رحيله، في حدث يضعنا نحن الورثة الافتراضين لشهرزاد وألف ليلة وليلة في موقع اتهامي، فماذا لو كان ماركيز عربيا؟ هل سيحتفى به كما يحتفى بأي زعيم وثرثار ديماغوجي؟ أدع الاجابة لكم !

 

سركون بولص .. المآثر والتفرد سمة التنوع في بيئته وشعره

adnan aboandolis تنحى بعيدا "عن الأرض واقانيمها، كالنسر حلق عاليا" وفريسته بين مخالبه، كانت له الفرادة في كتابة قصيدته، شذب حواشيها من الشائع والمألوف وترك ما نلوك به من مكنونات شعورية مكررة، عاش في  زمان خلقه لنفسه وحفر بأدواته المبتكرة أساسه وبني عليه جدرانه من رؤاه الخالصة ليكمل قصره الشعري  الكوني ذاك هو سركون بولص الذي هام وتوحد لمطابقة إرهاصاته وأحاسيسه مع التطور الشعري حيث  حول جسده إلى مكان، بهذا الجدل يصبح الشاعر والمكان صنوان على مستوى واحد من القناعة اللحظوية،  بعث من هناك برقيات اللايقين من لذاذات تاقت إليها العين بالنظرة والنفس بالحسرة غبطا" لما وصل إليه من إمدادات الماوراء فكانت صدى نصوصه تشبه إلى حد ما – حلم قصير، مضطرب، خائف لمكوثه في  مكان وحيدا" يخلقه لنفسه في جدليته أرست له تحقيق عالمه الكوني، يخلقه ويدمره في آن واحد، فهو مجهول له خططه بنفسه كي يلائم محيطه البعيد وخاصة في إرساء المعاني والتي لم تنطق بعد .

 يدخل في مهاوي ومجاهيل تصل إلى مفترق طرق، يلج بالذي يقابله أولا"، ثم يتركه إلى آخر فترى ممارساته تبدو ناقصة، ثم يكملها – يتعامل مع حدث ما أن ينجزه آلا وقد اتلف معظمه فيعيد تشكيله وفق  رياق جديد وهكذا (1).

 إن السمات المحببة في سيكولوجيته هي اسمه ورسمه وهندامه وأناقته وحيويته وصمته المهذب ومدنيته  في حقبة كانت تعج بالترف والانفتاح والتمدن والتقليعات التي تستهوي شباب تلك الفترة، أن تقليعة شعره  المهفهف وقميصه المفتوح للريح تؤهله في ذات الحين أن تجعله ممثلا" بارعا" رومانسيا" سيما وانه يجيد  اللغة الانكليزية بطلاقة لاطلاعه الواسع على الآداب الأجنبية وترجمتها هي التي جعلته متفردا" في راؤه والتي أضفت على نصوصه (ملامح أساسية تجدها متجسدة فيها بناء الأدب الانكليزي وصورها ومناجاتها  السريالية إضافة إلى تجسيده الصوفية المسيحية) (2) من مزامير توراتية وإيقاعات لاهوتية لذا استحق قصب السبق في حداثة الطرح والتي واكبت المناخ السائد آنذاك، وفي كركوك بلذات شكل سركون نقله نوعية في مسيرة القصيدة الحديثة فهو شاعر حقيقي متمدن بروحه وموهبته وأدواته الشعرية ، هذه الملامح تراءت له في الامثال والحكم متاثرا" بها متخطيا" الحواجز المحلية التقليدية مرفرفا" على تخوم النمط الاوربي فجاءت مسمياته الغريبة (الاكروبول، تلميذة من بيركلي، سيزار فابيخو، فيبر سدروف، سيدوري، انسيننادا) وكما في مقطعه .

 من بين اسناني اخرج داخنا"

 حالما" / دافشا" / نازعا" سراويلي

 سيزار فابيخو – عجلة الانسان الجائع

 يا سيزار فابيخو – انا من يصلح هذه المرة

 اسمح لي ان افتح فمي – واحتج على الدم الصاعد

 في المحرار – أرى الزئبق إلى الخلف

 هذه المناجات السريالية استقطبت مفردات حديثه وواقعية وخيالية في آن واحد، مفردات متناثرة تنظيم فني وفوضى مدمرة نستنتج من ان رفض الاتحاد القائم بينهما إلا في وحدة الشاعرية حيث جاءت على شكل مواعظ وحكم واسترشادات وحكايات وموروث وذكرى عبرا ديوانه (الحياة قرب الاكروبول) المختلف عن  اصداراته الاخرى ... قصائده عما اسلفناه عنونتها مثل الحالمين – العشاق – بستان الاشوري – الأم تريزا 

 ونستل منها قصيدة (الله)

 شاء الله

 للعالم السفلي ان يتجلى

 ازقة مظلمة، حزينة

 كتب على البشر ان تهيؤا فيها

 الى الابد

 اما مناجاته الأخرى والتي استعذبناها وارهقتنا باللايقين كان له تفرد حقيقي فيها استدرك شظاياها المتناثرة  وإشعاعاتها الساطعة بلغته المستحدثة هي السمة التي لا تخلو منها أيا" من قصائده وفق سبيكة صنعها بنفسه  فلمعت في افق الادب العربي والعراقي والذي كان يخلو في مناخه الواقعي مثل هكذا لون، وإليك هذا  النص المفكك السريالي – الفوضوي – المتناثر – السائب – التائه – الفالت من سيطرة العقل والإدراك والوعي والذي كتبه في اوج قصائد التمرد هو (الام بودلير وصلت) نستل منها ما يلي:

 وصلت الى الحد

 في الاصل كنت راعيا"

 يفترس ارخبيلا" ممزقا"

 من الارواح

 في الماضي الذي يمكن صيده

 اخرج اليه فيهرب

 غزالة تاكل الملح على بابي

 أي ملح بقي لي ايه الماضي

 هذه الملامح التي ذكرت سمه بارزة في عنفوان حداثته الشعرية وفي ذائقة متلقيه، ذلك المغامر الكوني الذي اقتحم المنافي منذ امد بعيد لان مساحة الشعر الأرضية ضاقت به ولم تعد تسعه، لذا اضطر أن يهاجر ويهجر ذاك المناخ الضيق والذي يستوعب فقط مفردات يقرها الواقع المألوف وتقرها الذائقة ذات السجية المفطورة على الشخوصات الماثلة عيانا"، سافر إلى بلاد تفتح ذراعيها للمبدعين حيثما كانوا يتقاطرون إليها .

 من خلال استقراءي للبيئة التي ولد فيها الشاعر (الحبانية) والبيئة التي نشأ بها كركوك وبيأت أخر تطارح بها الهوى والحب مثل ( الكرادة – بيروت – سان فرانسيسكو) وهنالك ملمح أخر أود ذكره ألا وانه  التنوع والاختلاط بالاثنيات والتلاقح والثقافات واحتكاكه ب عمال شركة نفط العراق من الأجانب متقنا"

 فن التعايش مدركا" هذا التنوع (3) لذا ألهمه هذا المآثر في تنوع مفرداته فانطلقت رؤاه على أفق ملون استقله  لتوظيف كريستالي أو أمساك السمكة العصية السابحة في بحر الزئبق هكذا اسميها شخصيا" قصائده الحداثوية  هذا الرائد الكوني المغامر المقتحم أعاصير الحلم منظرا" في وقفته تأمل أخاذ وقدرته من التأملات الفكرية والفلسفية والجدلية جعلته وما زال أعلى صوتا" وحضوره أوسع وصورته جذبا" وسحرا" رغم شيخوخته لدى قراءه فكل ما يصدر منه جميل وفق مآثر سيكولوجية يغرق فيها بهواجس عاطفية صارخة وإيقاعات تمتد على مسافة التكييف الجديد، هذا الدخول الواهم والسابر لأغوار اللاوعي يمنحك مؤشرات في  قصائده النثرية، عبر تدرجات بين السريعة والمقطعية الطويلة والمسترسلة (4) ذلك سركون بولص السيل الزاهي في عالم الشعر .

 

....................

المصادر 

1- جريدة نركال – العدد -60 – تشرين اول /2008 – كركوك .

2- افق الحداثة وحداثة النمط – سامي مهدي – بغداد – 1988 .

3- كتاب شعرية الماء – جريدة النبأ – العدد – 185 / 2007 – كركوك .

4-  أسد آشور – قراءات ومختارات – هشام القيسي – كركوك 2008 .            

             

               

صفحات منسية من تاريخ الموانئ العراقية في عهدة بيت النعمة

khadom finjanلسنا مغالين إذا قلنا أن الذين كتبوا تاريخ البصرة ارتكبوا سلسلة من الأخطاء والهفوات المتعاقبة بتجاهلهم تاريخ الموانئ العراقية، التي تمثل الواجهة الملاحية والتجارية والسياحية والسيادية لهذه المدينة المينائية العريقة، حتى بات من الصعب التعرف على تفاصيل السجلات الشخصية لقادة الموانئ في الحقبة الممتدة من عام 1919 ولغاية العام 1953.  فعلى الرغم من قصر تلك المدة المحددة بثلاثة عقود، لم يكن من السهل التعرف على السيرة الذاتية لمدير حساباتها الأقدم (كامل يوسف عبد الأحد)، ولا على أشقائه (فيليب ونوري) الذين عملوا معه في إدارة بعض مفاصل الموانئ، ولا التعرف على مدراء الأقسام والشعب الهندسية والتشغيلية والملاحية من أمثال: نصوري توماس، ونجم الدين النقيب، وقاسم الزهير، وألبرت ح شماس، وعلي فؤاد حمزة، وعلي عباس، وسلمان جويدة، وتوفيق النقيب، والمهندس الكبير محمد خان، وعزرا يوسف ليفي، والدكتور علي فتاح، وآخرون غيرهم من الذين أسسوا قواعد الموانئ العراقية، ووضعوا ركائزها الأولية القوية، حتى عرفها العالم كله بصورتها الحضارية المزدانة بالإنجازات المينائية الباهرة.

لذا واجهتني صعوبات كبيرة، حرمتني من الاطلاع على السيرة الذاتي للسيد رجب النعمة، ولم يكن بوسعي القيام بخطوة واحدة لولا مساعدة المؤرخ الأستاذ ياسين صالح العبود، والمشاور القانوني الأستاذ عمار مهدي العطية، والدكتور هاشم الخياط، والدكتورة لمياء النعمة، والدكتور محمد موسى، الذين يعود لهم الفضل في إعداد هذا التحقيق. 

 387-khadom

جذور بيت النعمة

أسرة عربية أصيلة، تنتمي إلى قبيلة الدهنوي المضرية (جذم مضر من عدنان) بالحجاز وقد كانت لها الرئاسة على تفرعات القبيلة منذ القدم. هاجروا منذ قرون من الحجاز إلى الدورق، ثم هاجر جدهم الأكبر (غضبان) من الدورق في عربستان إلى البصرة سنة 1747 من الميلاد. عمل في بداية حياته بالتجارة حتى توفاه الله عن ولدين: أصغرهم (عبد الرحمن)، وأكبرهم (نعمة)، الذي يرتبط به الاسم الجديد للأسرة، وقد رزقه الله ولداً واحداً هو (أحمد)، الذي شيد أجمل قصور شط العرب، بشناشيله المزينة بالمكونات الخشبية الجميلة، وأقواسه العباسية المزدانة بالزخارف المعمارية البهية.

كان أحمد (جد السيد رجب) وكيلاً للأملاك السنية في زمن السلطان عبد الحميد، ومن التجار المشهورين في البصرة، لما عُرف عنه من سمعة طيبة، نالها بكفاءته وأمانته وذكائه وتعامله الحسن مع الناس.

ثم توسعت أسرة (بيت النعمة) وانتشرت في العراق والكويت والبحرين وقطر، وهاجر أحفاد أحفادهم إلى أمريكا وأوربا واستراليا.

 لعب رجال الأسرة دوراً مؤثراً في الحياة السياسية والثقافية والتجارية والاجتماعية والعلمية للبصرة منذ عام 1909 وحتى يومنا هذا، وربما تعد الدكتورة لمياء مصطفى النعمة، من النساء اللواتي يقفن الآن في طليعة الكوكبة العلمية النسوية في البصرة، وهي نجلة الأستاذ الدكتور مصطفى النعمة عميد كلية الطب بالبصرة (1971 – 1979).

 

فوق قمة الهرم المينائي

ولد رجب بن عبد الرزاق بن أحمد بن نعمة بن غضبان في البصرة عام 1898، وهو أول عراقي يصل إلى قمة الهرم الإداري في ميناء المعقل، وأول عراقي يدير دائرة النقليات، ويشرف مباشرة على عمليات الشحن والتفريغ والنقل والمناولة بين السفن التجارية والأرصفة والسقائف والمخازن والساحات المينائية.

درس (النعمة) في المدارس العثمانية، ثم سافر إلى بيروت ليلتحق بالكلية الإسلامية العثمانية، ثم أكمل تعليمه العالي في الكلية الأمريكية، ولما عاد إلى البصرة أشتغل رئيساً لقسم الترجمة في المحاكم البصرية في زمن الاحتلال، ثم أصبح في العهد الملكي رئيساً لبلدية البصرة عام 1918، واسندوا له رئاسة المدينتين بعد ارتباط مدينة العشار بالبصرة، وظل في منصبه هذا أربع سنوات ثم استقال، وفي عام 1929 أصبح معاوناً لمدير النقليات في الموانئ العراقية، وظل في منصبه حتى السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1938 إذ ارتقى في حينها إلى قمة السلم الإداري، وأصبح هو المدير التنفيذي لشعبة النقليات لما عرف عنه من مقدرة ونباهة وحزم، وهو أول عراقي يشغل هذا الدرجة الوظيفية بعد البريطاني (أس بيفور).

 لقد جاء تعيين (النعمة) في هذا الموقع الإداري المرموق على الرغم من اعتراض وزارة المالية على ذلك، وكانت الممانعة مبنية على أن (النعمة) لم يصل إلى الدرجة الوظيفية التي تؤهله لإشغال المنصب.

يعزا إصرار سلطة الموانئ على تعيينه في هذا المركز من أجل الاستفادة من خبراته الإدارية الواسعة، ولتسهيل التعامل المباشر مع الكوادر العراقية العاملة في ميناء المعقل.

تألق (النعمة) في وظيفته الجديدة، حتى صار معاوناً للمدير العام للشؤون التجارية، واستمر في عمله في ميناء المعقل حتى الرابع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1946. انتقل بعدها إلى مقر سلطة الموانئ العراقية ليصبح معاوناً تجارياً لمديرها العام الكابتن (وليم بنت) للمدة من 15/11/1946 إلى 27/7/1948، ثم معاوناً لمديرها العام الكابتن (جورج توماس جونسون) للمدة من 17/8/1948 إلى 16/8/1951، ثم وكيلاً لمديرها العراقي الأول، الراحل (سعيد بيك قزاز)، واستمر في موقعه هذا حتى عام 1958 عندما أحيل إلى التقاعد لبلوغه السن القانوني (ستون سنة).

يعود إليه الفضل في تعريب السجلات الانجليزية، وتعريب المخاطبات الرسمية. ازدهرت بخبرته أرصفة ميناء المعقل، وتحسن أدائها المينائي نحو الأفضل، حتى استقطبت أشهر خطوط الشحن البحري، وكانت الموانئ العراقية في زمنه هي الملاذ الآمن لمكاتب الوكالات البحرية المتعددة الجنسيات، والمتباينة النشاطات.

 نهض ميناء المعقل في زمنه بدور هام في تعزيز التجارة الخارجية، وفي دعم التكامل الاقتصادي والاجتماعي، فقد انحصرت من خلاله عمليات التبادل التجاري عن طريق الاستيراد والتصدير، والتي توفرت بموجبها احتياجات العراق من السلع المختلفة، وأصبح ميناء المعقل في زمنه من الكيانات الاقتصادية المربحة.

وربما كان (النعمة) أول من اجتهد في مراقبة مؤشرات الأداء باعتبارها من البيانات المبنية على الخصائص الجوهرية لنشاطات الميناء، والتي تعد أيضاً من المعايير المعتمدة في قياس البيانات الأخرى، فقد أعطى (النعمة) أهمية كبيرة للتقارير الإحصائية، واهتم كثيراً بمؤشرات الأجور والعوائد المينائية، فبادر إلى تصميم جداول السفن التجارية القادمة والمغادرة، وجداول البضائع الواردة والمصدرة، والبضائع المخزونة في المستودعات. كانت هذه هي الأدوات التي منحته القدرة لرسم ملامح الاتجاهات المستقبلية للأداء، وبالتالي معرفة الميول العامة لأداء ميناء المعقل.

يعد (النعمة) من أبناء البصرة الغيورين الذين يحملون روحاً وطنياً وثّابة وفكراً خصباً، له إرادة سديدة، وهو على جانب كبير من الخلق المتين، والأدب الجم، ومن أسرة عربية عريقة. كان والده من شخصيات البصرة البارزين، وقد أنتخب نائباً عن البصرة في مجلس المبعوثان العثماني.

تزوج (النعمة) عام  1919، وهو العام الذي تأسست فيه الموانئ العراقية، وله من الأبناء اثنان، ومن البنات ثلاثة، توفاهم الله جميعا (إلا ابنة واحدة). أما ولده الأكبر فهو الدكتور مصطفى النعمة (رحمه الله)، يليه المهندس عدنان النعمة الذي استوطن الولايات المتحدة الأمريكية، وتوفاه الله منذ بضعة أعوام.

 أحفاده موزعون الآن بين أمريكا وكندا والخليج العربي، ولم يبق منهم في البصرة إلا الدكتورة لمياء مصطفى النعمة أستاذة الكيمياء الحياتية في كلية الطب في البصرة.

أنتقل الأستاذ والمينائي الكبير (رجب النعمة) إلى جوار ربه في شباط 1967 عن عمر قارب السبعين عاما.

 

أزهار من تلك الشجرة الطيبة

ربما لا يتسع المجال هنا لتسليط الأضواء على تفرعات هذه الأسرة البصرية العريقة، وإنجازاتها العلمية والثقافية، التي سطرتها في سجلها الوطني والإنساني، فالكتابة عن أحفاد بيت (النعمة) لا تختلف كثيراً عن الكتابة بمداد الفخر والامتنان فوق ناصية العز والشرف، وسنختصر حديثنا هنا عن أثنين من أبنائها. هما الدكتور مصطفى النعمة، والدكتورة لمياء النعمة.

ولد الدكتور مصطفى رجب النعمة عام 1923. أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس البصرة، ثم التحق بكلية الطب / جامعة بغداد، ليتخرج فيها عام 1947. خدم في صفوف الجيش العراقي، وشارك في حرب التحرير في فلسطين عام 1948، سافر بعد إنهاء خدمته العسكرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراسته العليا في الطب، فالتحق بكلية (جرسي ستي)، لينال البورد الأمريكي عام 1956، ثم أصبح عضواً لكلية الأطباء الملكية في لندن عام 1976، وزميلاً لكلية الأطباء الملكية في لندن عام 1978.

كان من مؤسسي كلية الطب في جامعة البصرة، وعميد لها بالوكالة للمدة من (1971 – 1975)، ثم أصبح عميدها بالأصالة للمدة من (1975 – 1979)، وهو أول المتخصصين بأمراض القلب في مدينة البصرة. انتقل إلى رحمة الله تعالى عام 1995، تاركاً وراءه سجلاً حافلا بالمنجزات الطبية والأكاديمية.

أما ابنته الدكتورة (لمياء مصطفى النعمة) المولودة في البصرة عام 1949، فقد أكملت دراستها الابتدائية في مدارس (حداد) الأهلية، وأنهت دراستها المتوسطة والثانوية في ثانوية العشار للبنات، ثم التحقت بكلية الصيدلة / جامعة بغداد لتنال البكالوريوس عام 1970، عادت بعدها إلى البصرة لتعمل في كلية الطب بدرجة (معيد)، لكنها لم تترشح للدراسات العليا على الرغم من تربع والدها على كرسي العمادة، فلم يتحيز لها، ولم يفضلها على غيرها.

كان رحمه الله ملتزماً بتطبيق مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة بين العاملين في معيته، فلم تحصل ابنته على الدكتوراه في الكيمياء الحياتية إلا في عام 1979 من جامعة مانشستر بانجلترا، ثم أصبحت رئيسة لفرع الكيمياء الحياتية في كلية الطب / جامعة البصرة عام 1982، أي بعد مغادرة والدها لمركز العمادة بثلاثة أعوام.

تزوجت عام 1982 من كبير الجراحين الأستاذ الدكتور هاشم الخياط، وتعيش الآن في بيت زوجها في أجمل أحياء البصرة.

كانت هذه لمحات سريعة من تاريخ هذه الأسرة العريقة، نستعرضها هنا لنسترجع معاً بعض الصور المشرقة من تاريخ البصرة الزاهرة دائماً بأهلها.

 

أمير الحلو وروسيا

اتابع ما يكتبه الاستاذ أمير الحلو في الصحافة والمواقع العراقية لأني من المعجبين بكتاباته الممتعة والرشيقة والذكية، وكنت حريصا على شراء مجلة الف باء في الايام الخوالي وتصفحها رأسا(من اليسار الى اليمين) لمتابعة عدة فقرات فيها، ومنها (آراء حرة) التي كان يكتبها امير الحلو عندما كان رئيسا لتحريرها. لقد تعارفنا عام 1972 عندما عملت في وزارة الثقافة والاعلام، وكان الاستاذ أمير الحلو مديري المباشر، واعجبت جدا باخلاقه الراقية وادارته الديمقراطية الهادئة  وبساطته وتواضعه وعمق ثقافته وروحه المرحة، ثم انتقلت للعمل عام 1973 من الوزارة الى قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد،  و هكذا ابتعدنا عن بعض ولكننا احتفظنا -عن بعد - بعلاقات الود والاحترام المتبادل تجاه بعضنا طوال الوقت . تغير الحال بعد عام 2003 بالطبع، واطلعت على مقالات امير الحلو حول روسيا ولينين وستالين وثورة اكتوبر الروسية عام 1917 ، واستوقفتني مقالته بعنوان (علاقة ثورة اكتوبر بجليكانات البانزين) المنشورة في 6/9/ 2009 . يشير الحلو هناك الى انه – (قومجي منذ نعومة أظفاره)، ولكنه – مع ذلك -  يدافع عن ثورة اكتوبر البلشفية الروسية وقائدها  لينين،بل ويختتم مقالته تلك بالهتاف بحياة الثورة هذه وقائدها، ويسمي ستالين ب (الجبار) ويدعو الى الاعتراف بقوته وشخصيته وجبروته وانجازاته .. وتذكرت  - وانا اطالع تلك المقالة -  ما حدث اثناء زيارة احد الصحفيين اليوغسلافي الاصل والامريكي الجنسية لبغداد عام 1972، والذي رافقته طوال فترة  زيارته للعراق بحكم عملي في وزارة الاعلام، وكنت اتحدث معه بالروسية . لقد قال لي هذا الصحفي الهارب آنذاك  من يوغسلافيا الاشتراكية الى الولايات المتحدة الامريكية ان أمير الحلو شيوعي، فابتسمت وقلت له ان هذا الاستنتاج غير صحيح، فقال معترضا، انه متأكد ان امير الحلو شيوعي لأنه كان في ضيافته في بيته ورأى تمثالا نصفيا صغيرا للينين في مكتبته، وبالنسبة لذلك الشخص بتلك السيرة الذاتية وعقليته المحدودة وذات السمات الامريكية الساذجة و شبه المغلقة فان هذا دليل دقيق وثابت واكيد ولا يقبل الشك على ان هذا الشخص شيوعي، وحاولت اقناعه بعدم صحة هذا الرأي و تلك النظرة الاحادية للامور، بل وحتى الساذجة، ولكني لم استطع، ولهذا لم ارغب الاستمرار بالنقاش معه، ولم اتحدث مع الحلو بذلك لان ظروف تلك الفترة لم تكن تسمح بهذا طبعا، و باختصار،  تذكرت هذه الحادثة القديمة جدا  عندما قرأت مقالة أمير الحلو تلك عن ثورة اكتوبر، وهي مقالة جميلة جدا، وتمتعت اثناء القراءة  وشعرت بصدق مشاعرها و كلماتها واقتناع كاتبها بكل ما جاء فيها فعلا، ولكني وجدت في ثنايا سطورها  ايضا عدم المعرفة العميقة والدقيقة  بالتاريخ الروسي وبالشئ الذي يجري ويحدث الان في روسيا المعاصرة، وهي صفة عامة عند مثقفي العراق بالنسبة لروسيا، لأن مصادر المعرفة عن هذا البلد  جاءت بالاساس من رافدين اثنين، الرافد الاول مناصر متطرف ومؤيد مطلق للتجربة السوفيتية بغض النظر عن كل سلبياتها والرافد الثاني مضاد متطرف وبشكل  مطلق ايضا  لتلك التجربة بغض النظر عن كل ايجابياتها، وكلاهما – ومع الاسف -  لا يعرفان بشكل صحيح وعميق وموضوعي تاريخ روسيا ومسيرتها الفكرية وواقعها المتشابك، واذكر اننا -  الطلبة  العراقيين الاوائل في  ستينيات القرن العشرين بالاتحاد السوفيتي – كنا نجتمع فيما بيننا بعض الاحيان في القسم الداخلي ونتذكر – بمرح الشباب ومشاكساته - الحكايات التي سمعناها في العراق عن روسيا قبل سفرنا، بين مفاهيم (الجوع الرهيب والبرد القاتل والتدفئة بالفودكا والخبز الاسود والهلاك في سيبيريا) وبين (الحنفيات التي تصب الحليب مباشرة في الشقق السكنية للمواطنين السوفيت السعداء)، ولا زلت اقهقه  لحد الان، وبعد مرور حوالي نصف قرن، عندما اتذكر احد اصدقائي المرحين وقد(اصطاد) ذبابة وركض بها الى احد الرفاق العراقيين الذي كان يؤكد (عدم وجود الذباب في موسكو) ليثبت له خطأ(نظريته !!)، والامثلة كثيرة ومتنوعة جدا جدا، ولكني اريد ان اشير هنا الى مسألة مهمة فعلا، ومرتبطة بالطبع بهذه الوضعية العامة والسائدة في بلداننا   التي لا زالت في بداية مسيرة تطورها ونضوجها وتنميتها في المجالات كافة، و هذه المسألة - هي عدم  استيعابنا وعدم اعتراف مجتمعاتنا لحد الان بمفهوم التخصص الدقيق في الكثير من الفروع العلمية المعروفة، ومنها (علم البلدان)، والذي لا زلنا لا نعترف به اصلا حتى كعلم مستقل، رغم ان اسسه قد وضعها فخر امتنا العظيم احمد بن فضلان في القرن العاشر الميلادي، وعلى هذا الاساس اطرح سؤالي الآتي هذا -  من هو العراقي المتخصص، او حتى العربي المتخصص، مثلا، بالشأن الروسي او الامريكي او البريطاني او الفرنسي ...الخ، والذي يستطيع ان يقول كلمته الفاصلة والحاسمة في هذا الشأن او ذاك ؟؟؟، والجواب عن هذا السؤال معروف طبعا، واذكر ان الشخصية العراقية العلمية المرموقة المرحوم البروفيسور الدكتور القطيفي – عميد كلية القانون بجامعة بغداد، (والذي أصدر صدام حسين أمرا باقالته  من منصبه الجامعي وتجريده من لقبه العلمي نتيجة رسوب طالب عسكري يعمل في القصر الجمهوري آنذاك في امتحان تحريري بالمادة التي كان يقوم القطيفي بتدريسها وبالتالي بتصليح دفاترها  الامتحانية ذات الارقام السرية) قال لي مرة، اجابة عن سؤالي له حول سبب انتقاله للعمل وكيلا لوزارة الخارجية ايام المرحوم عبد الكريم قاسم، انه التقى بالصدفة وزير الخارجية آنذاك المرحوم هاشم جواد، واقترح عليه الوزير ان يعمل معه في الخارجية باعتباره خبيرا قانونيا في الشأن الايراني، اذ ان اطروحته في فرنسا كانت عن العلاقات العراقية - الايرانية، ولكن القطيفي رفض العرض وقال له انه استاذ في جامعة  بغداد ولا يرغب الانتقال منها والعمل في وزارة الخارجية، فاقترح عليه الوزير عندئذ ان يداوم مساء في الوزارة ليس الا، ليطلع على الموضوع وابداء الرأي، فوافق القطيفي، ووجد، كما قال لي (غرفة كاملة تحتوي على وثائق العلاقات العراقية – الايرانية منذ تأسيس الدولة العراقية) واطلع عليها – اثناء دوامه المسائي بالوزارة -  بدقة وروح علمية موضوعية وكتب بعد ذلك تقريرا تفصيليا للوزير حول تلك العلاقات مستندا الى الوثائق التي اطلع عليها والى خبرته الطويلة والعميقة بالطبع في الشأن الايراني، وقد اطلع الوزير على ذلك التقرير واعجب به اعجابا شديدا، وقرر ان يرسله للاطلاع الى المرحوم عبد الكريم قاسم باعتباره رئيسا للوزراء، وعندما اطلع قاسم على ذلك التقرير العلمي العميق أصدر أمرا بتعين القطيفي وكيلا لوزارة الخارجية رأسا، وهكذا اضطر القطيفي الى الانتقال من جامعة بغداد للعمل في وزارة الخارجية  وبقي في ذلك المنصب الى الانقلاب الاسود و الدموي في 8 شباط 1963.

ان الكتابة عن روسيا وتاريخها وحاضرها يقتضي بلا شك التقصي الدقيق والنظرة المعمقة والاطلاع المتعدد الاوجه والدائمي على مسيرة احداثها المتشابكة والمعقدة، ويجب ان نتذكر ان هذه الاحداث لا زالت متواصلة الى حد هذه اللحظة التي اكتب فيها الان ونحن في عام 2014، وقد شاهدت قبل ايام ليس الا برنامجا في احدى قنوات التلفزيون الروسي يناقش فيه المشتركون بالبرنامج موضوع امكانية محاكمة غورباتشوف ويلتسين بتهمة المساهمة المتعمدة في عملية انهيار دولة الاتحاد السوفيتي، وقرأت اليوم خبرا يشير الى ان نسبة 61%  من المواطنين الروس الذين جرى الاستفسار منهم يؤيد دفن لينين جنب قبر والدته وحسب وصيته التي ابقاها، وان هؤلاء يتحدثون بالطبع عن الجثمان وليس عن الافكار، وقد بيٌنت احداث اوكرانيا الاخيرة موقع لينين وتمثاله واهميته ورمزيته الهائلة في مسيرة تلك الاحداث الكبيرة، اما شخصية ستالين فانها لا تزال تثير النقاشات العاصفة والحادة في مختلف الاوساط الروسية، وقد جاء اسمه في المرتبة الثالثة في برنامج تلفزيوني بثته قناة روسية قبل فترة قصيرة لاختيار شخصية روسية ترمز الى اسم روسيا، وشاهدت صورة كبيرة له معلقة على واجهة جامعة اهلية في داغستان وتحتها جملة – شكرا لك على النصر، وعندما استفسرت حول ذلك أجابوني، انه كان رئيسا لنا وقائدنا عندما انتصرنا على المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فنحن نشكره على ذلك، ولكن بعض المحيطين بنا قالوا غير هذا وأخذوا يتكلمون عن افعاله التعسفية الرهيبة ودكتاتوريته المقيتة، اما ذكرى ثورة اكتوبر فان الكثير من المواطنين الروس والقوى السياسية الروسية لا زالت تتحدث عنها بحيوية ولا زالت تثير النقاشات الحادة حولها سلبا او ايجابا، وباختصار، فان تلك المواضيع التي أثارها الاستاذ أمير الحلو في مقالته تلك لا زالت ملتهبة في الحياة الفكرية الروسية، كما هو الحال بالنسبة لبعض المواضيع الكبرى في الحياة الفكرية لكثير من بلدان العالم، بما فيها طبعا العراق، اذ اننا مثلا لا نزال نناقش احداث 14 تموز 1958 وتبعاتها رغم مرور اكثر من خمسين سنة على كل هذه الاحداث، ونناقش احداثا اخرى سبقتها او حدثت بعدها . أليس كذلك يا أخي العزيز أبا خالد؟

 

مع الشاعر محمد حراث

moamar habarمن النعم التي يظلّ المرء يفتخر بها، أن الشبكة العنكبوتية مكّنته ومازالت من التعرف على مختلف معادن الرجال والنساء ومختلف الأوطان، وهو قابع وراء مجموعة من الأزرار، يوجّهها وتتوجه معه، حيث الصحبة التي جعلت من الحرف جليسا، ومن الكلمة مؤنسا.

كان أول مرة يراه من بعيد، ويستمع إليه من قريب، حين ألقى كلمته الافتتاحية بعنوان " كن فارس القرآن"، بمناسبة المسابقة الوطنية لفارس القرآن الجامعي في طبعتها الثالثة، بجامعة حسيبة بن بوعلي، الشلف، والتي تمّ نشرها فيما بعد على الجرائد والمواقع.

وقف بجسده النحيل، ليلقي الكلمة القوية، بصوت يدمع له الشديد، فولد من يومها جنين الإعجاب بالأديب والشاعر .. محمد حراث.

استمر من يومها التواصل عبر عالم الأزرار، هذا بنقده وتوجيهاته التي مازال يمتثل لها، والشاعر بعطاءه المدهش، الذي لم يبخل به يوما.

وجاء اليوم المشهود، فتواعدا البارحة لأمر قد قدر، حول فنجان قهوة وعصير برتقال، بمقهى فندق الحمادية، بعد أن أديا صلاة العصر.

يلقي بسمعه لك، كأنه التلميذ وهو الشاعر والأستاذ. لايرفع بصره، ويظل من العصر إلى المغرب لايرفع صوته، وهو الذي أوتي البراعة في الإلقاء، والجمال في التعبير.

لايتدخل إلا بالقدر الذي يضيف، ولا يقاطع محدّثه إلا ليصحح خطأ خشية أن يفسد المعنى والجلسة. ورغم حياءه وخجله، إلا أنّ له مزاجا قويا ونبرة حادة، حين يعلن رفضه لفكرة أو شخص يذكره بالاسم والصفة، ولا يقبل في موقفه النهائي رأيا ولا نصيحة.

يقول عنه صاحب الأسطر، ربما عنفوان الشباب من وراء ذلك التصلب في الرأي والموقف، وإن لعوامل الزمن والوظيفة والتجربة، مايجعل الشاب يلين في بعض المواقف، ويراجع منحناه، ويبقي على الخط المستقيم، ليهتدي به في علوه وانخفاضه.

حين ينعم عليك الزمن بالجلوس معه، فإن الماضي السحيق، يأتيك حبوا ليقاسمك دقائق الحاضر. فالشاعر محمد حراث، لايحلو له الجلوس، إلا وهو يستمد من الكتب الماضية، والأشعار الباقية، والمخطوطات الغابرة، مايجعل الجليس يتمنى لو طالت الجلسة وامتدت.

من أراد أن يستخرج منه معادنه النفيسة، فليلقي السمع دائما، فإن صفاء معدنه، وحلاوة لسانه، والبيان الذي أوتي، يجعل من الزميل التلميذ، يطلب المزيد من هذا البئر العميق، الذي كلّما غرفت منه، زاد ارتفاعا وعطاء.

صاحب الأسطر مازال يردد بين أضلعه، أن الشاعر محمد حراث، سيسجله التاريخ مع الكبار، وسيحتفظ باسمه مع الذين احتفظ بهم منذ قرون، وعلامات النبوءة كثيرة، يعرف بعضها ويلمسها من جالس هذا الفتى، وألقى السمع وهو شهيد.  

 

وداعاً .. غابرييل صانع ألحكايات

abduljabar noriأفتقد ألمحفل ألأدبي ألعالمي واحداً من أبرز قاماتها ألأدبية والروائية "غابرييل غارسيا ماركيز" روائي وصحفي وناشر وناشط سياسي كولومبي ألولادة والولاء والمواطنة ومكسيكي ألأقامة، ولد في 6 مارس 1927 في قرية (أراكاتاكا) في كولومبيا، رحل غائباً حاضراً في 18 نيسان 2014،عن عمر ناهز 87 عام، بدأ حياته صحفيا مغموراً مراسلا في أحدى ألصحف ألكولومبية، ثُمّ درس ألقانون بين عامي 1946 – 1950 وجرب حظهُ في ألكتابة لأول مرّة في كتابة روايتهِ (عاصفة ألأوراق) بعمر 25 سنة، لم يكن موفقاً بها حين رُدتْ أليهِ حفنة أوراق من دار ألنشرمع قصاصةٍ ورقيةٍ كتُبتْ عليها: أيها ألسيد أبحث عن مهنة أخرى!! ولم يثنيه ذلك بل أصرّ على ألكتابة حين قدّم للعالم رائعتهُ (مئة عام من ألعزلة) ألني كانت قنبلة ألعصر ألأدبي ألكولومبي والعالمي والأكثر شهرة في 1967 ألطبعة ألأولى في نهاية ألستينات حين لاقت أنتشاراً واسعاً غير مسبوق في ألعالم ، وبعد ثلاثة عقود تُرجمتْ ألرواية ألى 37 لغة وبيع منها أكثر من 25 مليون نسخة في جميع أنحاء ألعالم منذ صدورها في أليوم ألأول،وفي 1970 ترجمت ألرواية الى ألأنكليزية وأختيرت كأفضل أثني عشر كتاباً في أمريكا، وألرواية تمثل تيار "ألواقعيّة ألسحرية " في أدب أمريكا أللآتينية، وتتناول ألرواية أحداث ألمدينة من خلاال سيرة عائلة (بوينديا) على مدى ستة أجيال والذين يعيشون في قرية خيالية تدعى (ماكوندو) والتي أسسها ((بوينديا)، ثًمّ أشتهر برائعتهِ رواية " ألحب في زمن ألكوليرا" 1985 وهي قصة حب بين زوجين مستوحاة من قصة حب بين والديه منذ ألمراهقة وحتى بلوغهما ألسبعين، ثُمّ ألّف" ألجنرال في متاهتهِ" و" خريف البطريرك " و" قصة موت معلن"، وبذلك أصبح من أبرز كتاب أمريكا أللاتينية حين قال فيه ألكاتب ألشيلي (بابلو نيرودا بتناول عمله مئة عام من ألعزلة واصفاً أياه بأنهُ أعظم تراث أدبي في تأريخ أللغة ألأسبانية)، وحصل غابرييل على جائزة نوبل للآداب عام 1982، ومن أقوالهِ ألمؤثرة :" تعلمتُ أنّ ألجميع يريد ألعيش في قمة ألجبل غير مدركين أنّ سرْ ألسعادة تكمن في تسلقهِ"، "

 

أسلوبهُ

 ليس هناك أسلوباً واضحاً محدداً سلفاً لأعمال (ماركيز)، تجاوب مع أسلوب حياة منطقة ألبحر ألكاريبي، وأشتهر(ماركيز) بتركهِ ألعنان للقاريء ليكّونْ لهُ دوراً هاماً من بعض ألأفكار والتفاصيل ألهامة للعمل ألأدبي، على سبيل ألمثال: أنّ ألكاتب لم يعطِ أسماً لأحد ألشخصيات ألرئيسية في روايتهِ " ليس للكلونيل من يكاتبهُ" وهي تقنية مستمدة من ألتراجيديا ألأغريقية مثل أنتيجون وأوديب ملكاً، حين تتطوّر بعض ألأحداث ألهامة خارج نطاق ألعرض حيث يفسح ألمجال لمخيلة ألجمهور أنّ يكتشف.* وقد تكشف روايتهُ " ألحب في زمن ألكوليرا" وحدة ألجنس ألبشري ومصيرهً من خلال ألشعور بالوحدة في ألحب وألوقوع في ألحب .* و(ألعزلة) - في روايتهِ " مئة عام من ألعزلة" - عند ألكاتب تعني ألعيش في ألبحر ألكاريبي أو أمريكا ألوسطى حين يشعر ألمرأ بألعزلة للهوّة ألسحيقة بين ألحاكم وألمحكوم، فهي مرتبطة بجغرافية ألمنطقة ومنها كولومبيا كأنهُ يقول : نشعر وكأننا غرباء في وطننا حيث نصبح أقل حريّة وأكثر وحدة من كل مرّةٍ. *فهو محترف من ألطراز ألأول في كتابة القصة ألقصيرة، وبراعتهِ في سرد حكايات ألرواية ألطويلة . * يتميّز(ماركيز) بألواقعيّة ألسحريّة (ألغرائبيّة) حين تحفل ألرواية بخلفيّةٍ واقعيّةٍ تتداخل معها حكايات خياليّة فيجيد (ألتوليف) بينهما * و(غابرييل) هو من مؤسسي (ألواقعيّة ألعجائبيّةِ) فيما يعد عملهُ " مئة عام من ألعزلة" هو أكثر تمثيلآُ لهذا ألنوع ألأدبي . * وغابرييل يمتلك موهبة ألجمع بين ألخيال والواقع حين يدير بهِ صراعات ألقارة أللاتينية والتي سميّتْ ب(ألواقعيّة ألسحريّة) * وقد يظهر ألعنف في رواياتهِ أشارةً ألي موضوع ألسخونة ألسياسيّة في كولومبيا حتى ستينات ألقرن ألعشرين في ألصراعات ألتأريخيّة وألحرب ألأهليّة بين ألحزبين أللبرالي والمحافظ والذى أدى ألى قتل مئات ألآلاف من ألكولومبيين في أضراب مزارع ألموز، ويشير (غابرييل) الى ظاهرة ألعنف بوضوح في روايتهِ "ليس للكولونيل من يكاتبهُ" .

 

أعماله ألروائية

1-ألأوراق ألذابلة/1955، 2- ليس للكولونيل من يكاتبهُ 1961، 3- في ساعة نحس1962، 4- جائزة ألأم ألكبيرة 1962، 5- مئة عام من ألعزلة 1967، 6- خريف ألبطريك 1975، 7- ألحب في زمن ألكوليرا1985 .

ألمسرح/ خطبة لاذعة ضد رجل جالس--- سينوريوهات سينمائية /ألأختطاف 1982 وأيرنديرا ألبريئة 1983

 

الجوائز

1-جائزة نوبل للآداب 1982، 2- جائزة الرواية في عمله " ساعة نحس" 1961، 3- الدكتورا الفخرية من جامعة كولومبيا في نيويورك 1971، 4- وسام جوقة ألشرف ألفرنسية 1981، 5- وسام ألنسر ألأزتيك في ألمكسيك 1982، 6-جائزة مرور أربعين عاماً على تأسيس (جروب بارانكويلا) للصحفيين في بوغوتا 1985 7-عضو شرف في معهد كارو 1993، 8- وفي 2010 حوّلت الحكومة ألكولومبية منزلهُ ألتي وُلدَ فيها (اراكاتاكا) ألى متحف مخصص لذكراه .9- جائزة كيانشانوعن رواية مئة عام من العزلة والتي أعتبرت أفضل كتاب أجنبي في فرنسا .

 

 ألخاتمة

 وأدت شهرة رواياتهِ ألى كسب صداقات مع ألزعماء ألأقوياء ومنهم ألرئيس ألكوبي فيدل كاسترو حيث يقول عنه أنها صداقة ثقافية وأدبية لأنكم لاتعرفون هذا ألجانب ألمجهول في حياة كاسترو ألتي هي تطلعاتهِ ألأدبية وألثقافية، وبالمثل مع ألزعيم ألفلسطيني ألراحل ياسر عرفات للتوافق ألثوري بين ألأثنين، ومع ألرئيس ألأمريكي ألسابق بيل كلنتون ألذي أعلن أن روايتهُ ألمفضلة {مئة عام من ألعزلة}، وفي رحلةٍ ألى كوبا وتفهّم ثوريّة جيفارا وتضحياتهِ خارج وطنهِ، وكوّن معهُ صداقة، وغابرييل ألأعلامي ألصحفي شارك ألمعارضة ألكولومبية وقف جنباُ ألى جنب مع عدد من ألمثقفين وألصحفيين أليساريين بتأسيس مجلة (التراناتيبا) وألتي أستمرت حتى 1980وشكلت علامة في تأريخ صحف ألمعارضة، ومن أفكارهِ يكره ألحاكم ألمستبد ويتساءل دائماً كيف يمكن أن يحكم ألحاكم بسلطات مطلقة ألتي تقوم على ألفساد؟، فوضع كل مايفكر بهِ لتحرير ألأنسان من ألعبوديّة في كتابهِ " خريف ألبطريك" حين كان فيها ألجواب على سؤال من هو ألدكتاتور؟ فيجيب بكل صراحة: بأنّ كلمة دكتاتور تصنعها ألحاشية وألمستشارين ألمحيطين بأ لدكتاتور !!---- ألمجد لغابرييل والخلود لرواياتهِ ألأنسانية ألرائعة -----

 

عبد الجبارنوري/ السويد

 

ملحمة مجرشة الكرخي ومعانات المرأة العاملة العراقية

nabil alrobaeiيتمتع الشاعر الملا عبود الكرخي بمنزلة مأثورة لدى الشعب العراقي اضافه الوصول مكانته الأدبية فى الشعر الشعبي، وكان شعره لسان الشعب وصوته المدوي فى قضاياه الوطنيه من أجل حياة حرة كريمة.

ولد الشاعر عبود بن الحاج حسين السهيل الكرخي فى جانب الكرخ من بغداد عام 1861 م ومنه أخذ كنيته التي عرف بها بين الناس، نال قسطا من التعليم في أوائل حياته على أيدي الملالي (الكتاتيب) حيث تعلم فيها القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، كما أرتاد بقدر معين حلقات الدرس التي كانت تعقد حينذاك في مساجد بغداد والكاظمية. فكانت لها الأثر الكبير في الحياة الأدبية والثقافية لما كان يدور فيها من أحاديث وما يلقى فيها من خطب ومحاضرات يشارك فيها كبار رجال الدين.

كان والده تاجرا واسع الثراء يتاجر بالإبل والجلود بين مختلف بلدان الشرق الأوسط، وقد دفع ولده عبود إلى خوض غمار الحياة العملية وهو ما زال صبيا يافعا لم يكن قد تجاوز بعد الخامسة عشر من عمره، بدأ الشاعر، الملا عبود الكرخي يقرض الشعر وهو ما زال صبيا يرافق قطارات الإبل عبر الصحارى إلى مختلف البلدان، ولقد بدأ نظم الشعر في بداية حياته الشاعرية باللهجة البدوية متأثرا بالمحيط الذي وجد نفسه فيه والناس الذين اتصل بهم ورافقهم ومعظمهم من البدو الرحل.

عمل أكثر من عشرين عاما في تجارة الإبل، وإن زخم شاعريته الفذة قد تميزت بالاندفاع ووفرة العطاء بعد أن استقر ببغداد بمدة طويلة، حيث مارس الكرخي أعمالا عديدة ومتنوعة وقد شارك مع بعض العراقيين في تأسيس شركة لنقل المسافرين بين أمهات المدن العراقية، وكانت وسائل النقل التي تعتمدها هذه الشركة في أعمالها تقتصر على العربات التي تجرها الخيول. كما مارس الكرخي أعمالا آخرى منها التعهد بتجهيز الطعام ومواد المعيشة واللوازم الأخرى لبعثة ألمانية كانت تعمل فى انشاء خط حديدي بين بغداد وسامراء، وقد ساعد ذلك على كسب قدر حسن من الاطلاع على اللغة الألمانية، وعند نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 وتورط العراق في معمعتها بحكم كونه جزءا من الإمبراطورية العثمانية حينذاك، وجهت السلطات العسكرية التركية حملة من العراق، عبر إيران للمساهمة في الحرب ضد روسيا القيصرية، كجزء من المجهود الحربي العام. ورافق الكرخي هذه الحملة بصفة مترجم، حيث وقع الشاعر أسيرا بأيدي الجيش القيصري، وعندما أعلنت الثورة العربية في الحجاز على الحكم التركي عام 1916 تمكن الكرخي من الفرار من الأسر، ومن ثم الانحياز إلى جانب الخارجين على الطاعة التركية.

ارسل الكرخي فى مجال الصحافة لمدة طويلة تناهز الستة عشر عاما، وخلالها أصدر عدة صحف شقت لأول مرة الطريق أمام الشعر والفكاهة الشعبية ليحتلا مكانا لائقا في دنيا المطبعة والكلمة المطبوعة. لكن كل من يدرس تاريخ الشاعر الكرخي، لا يشك انه قد استجاب دون شك لذلك المد الثوري العارم الذي هب في وجه المحتلين الانكليز، ولا يشك في أن الكرخي قد ساهم فعلا بشعره خلال تلك المرحلة العاصفة في تاريخ العراق. ولقد قيل إن الحاكم العسكري البريطاني في بغداد كان قد دعاه إليه يوما، وطلب منه أن يتعهد بعدم كتابة الأشعار الحماسية، ولكن الكرخي أجاب بكل إباء، مصرا على أن يكون إلى جانب الشعب ومدافعا عن حرية الوطن.

في عام 1942 مرض الكرخي وأصبح عاجزا عن كتابة الشعر، ثم لزم داره إلا أحيانا قليلة، وبعد أن ألح عليه المرض وضعف قواه توفي في اليوم التاسع من شهر تشرين الثاني عام 1946.

لقد كتب الكثير عن الملا عبود الكرخي منها ما قال الرصافي "... انتهت الشهرة في الشعر العامي اليوم في العراق إلى حضرة صديقنا الملا عبود الكرخي، الشاعر المطبوع آلذي طالما احدثت ارتجاجا قصائده الرنانة فى مجامع العامة وابتهاجا فى نفوس الخاصه فى أنحاء القطر كافة، فهو جدير بأن يعد نابغة العراق في الشعر العامي على الإطلاق "، كما أعجب بشعره الصحفي روفائيل بطي فقال" و اعجابي عظيم بأمير الشعر العامي (الملا عبود الكرخي) لأنه شاعر شعبي يتغلغل في طبقات الأمة كلها وهو يكنز في أشعاره ثروة طائلة من أحساس العامة وصور أفكارها ونظراتها إلى الحياة "، ويصفه ويصف قصائده الأب أنستاس الكرملي مخاطبا إياه" سيدي الأستاذ المحبوب الملا عبود الكرخي : ... آن كل قصيدة من قصائدك تساوي ديوانا من دواوين المولدين الذين يكررون معاني من سبقهم ... وامتاز شعرك بحفظ لغة العراق الخاصة به وبآدابه وأخلاقه وارثه ".

مع هذآ الوصف لشعر الملا عبود الكرخي والإيجابية فى مواقفه الوطنيه هنالك جوانب سلبية فى شعره منها عدم التفريق بين الملاك بالوصف والاقطاعي والسركال والفلاح فى شعره إنما يدل دلالة واضحة علي انة لم يستطع ميسور يفهم تماما الاسم الاسم التناقض الطبقي الحاد آلذي يتميز بة الريف العراقي، وأنه كان ينظر إلى "مجتمع الزراعة" أو الريف نظرة عامة دون أن يعير الأهمية اللازمة للعلاقات الانتاجية القائمة بين مختلف فئات الريف من اقطاعيين كبار وملاكين صغار وسراكيل وفلاحين أغنياء وفلاحين معدمين بصورة مطلقة.

من مميزات الشعر عند الكرخي أنه نحا في شعره على وجه العموم منحى التقرب من الفصحى، بل والانغمار في ذلك إلى حد حشر المفردات الفصحى حشرا ضمن إطارات شعره الشعبي وبشكل جعله ينزل بشعره إلى مستويات ركيكة في كثير من الأحيان، يقول الملا عبود الكرخي في قصيدة له بعنوان (الطب العتيق والمدرسة القديمة):

اسمع يا عراقي شعر منه شعور

يتفجر سلس، محبوب للجمهور

سالم من سنير وشبرق وطحلب

وطخات وصحصحان واوقص وسهلب

وتكعكع والنقاخ ومترع وغيهب

وحملاق وفهق والتنخ وديجور

من هذه القصيدة نجد أن الكرخي ينطلق من تقييم شعره من حقيقة أنه ينبذ استعمال العبارات والكلمات الجاهلية القديمة، لكن يتصف شعر الكرخي بثلاث صفات هي (أن شعره يفهمه البدو والحضر، ولكونه من السهل الممتنع وكونه ملمعا بكلمات هندية وفارسية وألمانية وعبرية وروسية أحيانا) لأنه كان ملما بهذه اللغات، لكن هنالك بعض المؤاخذات علي شعر الكرخي انة خال من الصورة الشعرية الفنيه والتشبيهات الأدبية ذات المستوى الرفيع والاستعارات الجميلة التي تثير فى نفس السامع القارئ الإحساس بالجمال اقتراحات للوالشعور بالمعاناة وذلك بسبب حقيقه كونه لم يبدأ من أدب الفلاحين مثل:

سمعتم ما جرى في معبد السريان

أعني بالكنيسة أيها الأخوان

أو من قبيل:

خطابكم أيها الكيلاني الهمام

مطلقا أثر كل الأنام

كما هنالك ناحية سلبية أخرى في أشعار الكرخي هي صفة التكرار لا في المعاني فقط، وإنما في الألفاظ والبناء الشعري أيضا، ومنها على سبيل المثال في قصيدته (يا بلد بغداد):

يا أم الخلافة ويا وطن هارون ..... مستنصر مع المستكفي والمأمون

المدارس والمكاتب أهلها يفنون .... تعسا للزمان الصرنه بي معيار

لقد كرر الكرخي هذين المقطعين بشكل تام تقريبا في اثنين من قصائده أحدهما قصيدة (مكتبة الزهاوي) بقوله:

يا أم الخلافة ويا وطن هارون ..... مستنصر مع المستكفي والمأمون

المدارس والمعاهد أهلها يفنون ..... كومي بسرعة حالا واكسري الأصفاد

كما من الناحية الأخرى من الجوانب السلبية فى شعر الكرخي، هجاؤه المقذع البذيء واستعماله من القول، بداعي الهزل أو أمعانا في الهجاء، مع العلم ميسور الكرخي من ايجابياته انة أسس مدرسة خاصه فى الشعر الشعبي ما تزال تحتل مكانتها حتي اليوم، ولا ننسى ملحمة المجرشة ومعانات المرأه العاملة العراقية التي عانت من الظلم الجهل المطبق والاستغلال والأضطهاد الإجتماعي والعائلي المزدوج مع العلم انة وقف ضد الدعوة لسفور المرأه فى ذلك الوقت، إلا أنه دعى لتعلم المرأة وتثقيفها وتسلحها بالعلم والمعرفة ، ويصور الكرخي حاله الكدح المضني لعاملة المجرشة والمعاملة القاسية اللاإنسانية التي تتلقاها من صاحب العمل، وعلى لسان عاملة المجرشة) صب الكرخي جام غضبه على آلة الجرش، من مقاطع القصيدة:

ساعة واكسر المجرشة ............. واشتم أهل كل الوشر

بقران أجرش ساهرة .............. من المغرب لوجه الفجر

ساعة واكسر المجرشة ......... وأضرب على متوني ضرب

وألعن أبو الكير وزف ............. والمجرشة ويده وكطب

استادي على راسي النذل ........... كل ساعة لنة منتصب

ويكول هذي عبدتي ............ من السوك أنا شاريها

فى حين تستمر الأيدي العاملة بالنحول نتيجة التعب والأرهاق وسوء الظروف المعاشية:

ساعة واكسر المجرشة ........... وانحر على المناوي

ايدي انبرت من هالعمل ............ والجسم مني خاوي

ساعة واكسر المجرشة .......... وألعن أبو كلمن جرش

بالشلب أجرش للفجر ........ وأقبض فلوسي من دبش

لكن كانت ظروف العمل فى ذلك الوقت قاسية جدا وإن اصحاب الجرش كانوا كثيرا ما يلجأون الوصول الأعتداء بالضرب علي العاملات لأقل هفوة:

ساعة واكسر المجرشة ......... واسكن بحي الحلة

استادي المضعوف البخت ......... ظالم. وادنى زله

يلخمني لخمة على حلكي ........... وشفتي يدميها

لقد اشتهرت ملحمة المجرشة في مختلف أنحاء العراق وذاع صيتها كثيرا، حتى أصبحت أبياتها مضرب للأمثال، تقع القصيدة في أربعة وسبعين مقطعا، أو مائة وخمسين بيتا مع مطلعها، وقد ترجمت إلى اللغة الفارسية، فقد كانت تتميز بأسلوبا لغويا لأنها تميل إلى التقرب من الفصحى، كما ميسور سبب نجاحها كانت تميل بلهجتها وكلماتها الوصول لهجة الفلاحين فى الفرات الاوسط، لكن ما أشيع من لغط بعد وفاة الكرخي أنها لم تكن من نظمه وهذا إجحاف بحق الراحل ملا عبود الكرخي. يذكر الشاعر والناقد زاهد محمد في كتابه (دراسات عن الملا عبود الكرخي) الصادر عام 1971 عن وزارة الاعلام العراقي المركز الفلكلوري -1 - دار الحرية للطباعة ص 180 "إن ناظمها هو المرحوم (ملا ناجي بن جاسم بن جواد) الصائغ الحلي واخر يقول إنها من نظم ملا نور الحاج شبيب، ويتفق معظم الأشخاص الذين ينسبون القصيدة لهذا اقتراحات للذاك من الشعراء وعدا الكرخي - على إنها نظمت من قبل أحد شعراء الفرات الأوسط، بينما يشذ على ذلك بعضهم فيقول إنها لشاعرة عمارية "، ثم يعود ويذكر البعض إن" قصيدة المجرشة الاصلية هي للشاعر الكبير السيد علي بن الشاعر الخالد السيد حيدر الحلي، وقد نظمها عام 1920 وهي رواية السيد عبد الحسن بهية الحلي البالغ من العمر 90 عاما (عبد الجبار السامرائي - اضواء على المجرشة - مجلة التراث الشعبي - العدد السادس شباط 1970 ص 112 "لكن يعود الشاعر والناقد زاهد محمد للرد علي مضت هذه الاقاويل والاتهامات فى كتابه المذكور أعلاه ص 181 "إلا أنني بعد أن محصت هذه الآراء، قمت بدراسة المجرشة نفسها، مقارنا إياها بالأتجاه العام لشعر الكرخي، مضيفا إلى ذلك ما يتيسر لدي من معلومات بهذا الخصوص، توصلت إلى رأي قاطع بصحة نسب المجرشة إلى الشاعر الشعبي الكبير، المرحوم الملا عبود الكرخي ، وإنه لا يمكن الطعن بنسبتها إليه ".

لكن المطرب الراحل محمد القبنجي يؤكد في مجلة الفكاهة العدد 124 في 14 -1-1969 ما يلي "ان المجرشة كرخية، واني لم اسمعها إلا من لسانه، وكل ادعاء يخالف ذلك لا يستند إلى الحق والواقع" والسبب لأن القبنجي قد غناها بصوته وهو المعاصر للكرخي وسمع القصيدة مرارا من فمه، ثم يستطرد القبنجي قائلا: "إن المجرشة نشرت في الصحف العراقية عام 1924 كما صدرت في كراس مستقل، ثم نشرت في فاتحة الجزء الأول من ديوانه المطبوع عام 1933 ولم نسمع أن أحدا أدعاها لنفسه، أو شكك في نسبتها للمرحوم الكرخي "، وأخيرا مهما كان من أمر هذه القصيدة الرائعة، فإن القصيدة من نظم شاعرنا الكبير الملا عبود الكرخي.

مقاطع من القصيدة:

ساعة وأكسر المجرشة وألعن أبو راعيها

ساعة واكسر المجرشة وألعن أبو السواها

إشجم سفينة بالبحر يمشي ابعكسها اهواها

إيصير أظلن ياخلكك متجابلة آنه وياها

كلما يكيرها النذل آني بحيلي ابريها

.....................

ساعة واكسر المجرشة واكصد أبو الحملة علي

واطلب مرادي وانتحب بلجي همومي تنجلي

نار البكلبي اسعرت يهل المروة وتصطلي

ما شفت واحد ينتخي من اهل الرحم يطفيها

.............

ساعة واكسر المجرشة وألعن أبو اليجرش بعد

حظي يهل ودي نزل والجايفه حظها صعد

سلمت أمري واسكتت للي وعدني ابهالوعد

نصبر على الدنيه غصب للحد وانباريها

.............

ساعة واكسر المجرشه واشغر أنا لسابع سمه

وادعي على الجان السبب أمي وأبوي بالعمه

أم كشره وام بوز الجلب جي يرضه ربي امنعمه

كعدها بأعلى مرتبه وجوخ وزري يجسيها

............

ساعة واكسر المجرشه وألعن أبو راعي الجرش

كعدت ياداده أم البخت خلخالها يدوي ويدش

وآني استادي لو زعل يمعش شعر راسي معش

هم هاي دنيا وتنكضي وحساب أكو تاليها

. ..............

ساعة واكسر المجرشه والبس لباس التنتنه

جي فوكك درد الله، النذل استادي ضربني بميجنه

بالهيمه عطشان الأسد والهوش معتاش ابهنه

هل مال أبو هدلان للدجله شرب صافيها

. ..............

ساعة واكسر المجرشه وانحر على النمسا ومجر

هناك أنكر تبع وقحطان والطائي ومضر

ترضه يالمسير سفينة نوح يا رب البشر

عبيات ابو ها اكحيله واحضان الجرد يشبيها

. ............

ساعة واكسر المجرشه واقسم أنا برب الفلق

ويللي ابطن الحوت ابن متي النبي يونس نطق

كله كتبته بالورق عندي فقط إلا الزلق

ما قيدتها بدفتري اوغيري فلا قاريها

. ............

ساعة واكسر المجرشة واكطع من الدنيا الأمل

للجرش ما أرجع بعد إلا بابره يخش جمل

كل يوم ناصبلي عزه استادي النغل ما الثول

عقلي انذهل جسمي نحل روحي السكم لافيها

. .............

ساعة واكسر المجرشة واصعد برجلي للفلك

واوصل السابع سما وبيدي ألزمه للملك

من يوم أمص جمعي، الدهر لاحكك على عمري وكللك

يعبر علي. كل وكت للملعنه يجزيها

. ..............

ساعة واكسر المجرشه وانحر على أهل الصيره

وانشد على شيوخ العرب أهل الشيم والغيره

يرضى إلهي بالرفاه العبده أم خنفيره

تخدمها حره وكل وكت كاس الصبر تسكيها

. .............

ساعة واكسر المجرشة وألعن أبو الكيرها

واحركك أبو كل من ابمنشاره وفاسه انجرها

بعناد هالظالم استا دي رويحتي مرمرها

للكفر يا أهل الرحم إبن الزنه يقريها

. ...............

ساعة واكسر المجرشه وألعن أبو اليكطع مهر

طفله على شايب هرم يفطن على حفر البحر

وصله سختيانه الوجه واللحية تشبه للأبر

الله ما يقبل هالبشع لرويحتي سابيها

 

. ...........

المصادر

1 - عبود الكرخي - ديوان الكرخي بجزأين ط 2 - مطبعة المعارف - بغداد 1956

2 - علي الخاقاني - فنون الادب الشعبي - الحلقة الرابعة - مطبعة الازهر - بغداد 1962

3 - زاهد محمد - دراسات عن الملا عبود الكرخي - الصادر عام 1971 عن وزارة الاعلام العراقي المركز الفلكلوري -1 - دار الحرية للطباعة

4 - عبد الجبار السامرائي - اضواء على المجرشة - مجلة التراث الشعبي - العدد السادس شباط 1970

 

 

مهدي النجم في ذكرى رحيله

jawad abdulkadomتحلّ هذه الأيام الذكرى السنوية السابعة لرحيل الشهيد الأديب مهدي عبد الحسين النجم، وهو من النجوم المضيئة والخالدة في عالم البحث والتأليف والكتابة لا على صعيد العراق فحسب بل على صعيد العالمين العربي والإسلامي لما تركه من آثار مطبوعة قيّمة، وأخرى مخطوطة في منتهى الأهمية ؛ إذ يكفي أن نذكر منها (روايات سيف بن عمر التميمي ؛ دراسة ومقارنة) والكتاب هذا تكملة لجهود المرحوم السيد مرتضى العسكري في هذا المضمار، ومن مخطوطاته (معجم الشعراء العرب) في خمس مجلدات ضخام، وتحقيقه لكتاب (تاريخ ابن أبي الحديد المعتزلي)، و(تاريخ الغرابي) و(معجم الشعراء في معجم البلدان) وغيرها .

والمرحوم النجم مجموعة من المواهب الثقافية المتعددة، فهو الأديب الشاعر، وقد ألقى ونشر مجموعة من قصائده الجميلة، ولديه ديوان مخطوط، ولا أرق من شعره بديباجته العباسية وعذوبة إنشاده، وهو الباحث الدؤوب الذي صرف جلّ سنوات عمره في البحث والتمعن والكتابة، فأخرج جديداً غير مسبوق في (مالك بن الحارث الأشتر)، و(ملامح من سيرة الأمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام)، و(ثورات العلويين وأثرها في نشوء المذاهب الإسلامية) وسواها، وهو المحقق الثبت في (الحوادث الجامعة والتجارب النافعة) و(جامع الأنوار في مناقب الأخيار)، وما حققه وطبع من أجزاء مهمة في (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)، وما جمعه لشعراء إسلاميين وصنع منه دواوين لهم، وكانت له معرفة تامة بلهجة العوام من أهل البادية في نجد وشعرهم، وله عنهم : (البحث عن إعراب نجد وما يتعلق بهم – تحقيق، مطبوع)، و (ديوان الشعراء النجديين من العوام العصريين – تحقيق، مخطوط)، وهو بعد كل هذا وغيره رسام تشكيلي أنجز لوحات بديعة وتخطيطات بارعة بالقلم تثير الدهشة والإعجاب .

وللشهيد النجم مجموعة خصال كريمة وسجايا حميدة وسيرة شخصية ناصعة في الاستقامة والخلق النبيل وحبّ الخير والشجاعة والجرأة في قول الحق ونصرة أهله، وأقول شهادتي وقد رافقته عقوداً إني ما رأيته يوماً مرعوباً من أحد أو قلقاً من تهديد أو محتاطاً من خطر، وحسبي أن أذكر وقد أدركته في لحظات حياته الأخيرة، وهو يجود بنفسه وكان معي الصديق المشترك جابر الحمداني، فقد وجدناه وهو مسجى وبينه والموت لحظات قصيرة، وتكاد تنفصل أحدى رجليه من أثر الإصابة، والثانية ليست بأفضل حالاً منها، كان قد أغمض عينيه، وحين شعر بوجودنا قربه فتحهما، وغمرت وجهه الشاحب من شدة النزف ابتسامة خفيفة هي ابتسامة الشجاع، وكان آخر ما نطق به قبل مغادرته لدار الفناء إلى دار الخلود والبقاء أنه لا يحتاج سوى (شفاعة أبي الحسن)، وبينه وبين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام عرى وثيقة من الحب والإيمان والتعلق، فقد تشرّب مبكراً بـ (نهج البلاغة) فكراً ولغة وأسلوباً ومنهجاً حتى كتب ونشر وهو لم ينهِ بعد دراسته المتوسطة سلسلة حلقات بعنوان (مآخذ الشعراء من نهج البلاغة)، وكان فخوراً بها، كما كتب فيما بعد (فاطمة بنت محمد عليها السلام أم الشهداء) .

اللهم بحق محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين صلواتك وسلامك عليهم أجمعين ارحم عبدك مهدي النجم واجعل روحه في عليين مع الذين أنعمت عليهم  (من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا).

 

د. محمد مكيّة .. أسطورة ألفن ألمعماري

abduljabar noriشاءت ألأقدار أنْ يعيش معظم مثقفو علماء العراق بعيداً عن وطنهم ومن هؤلاء الدكتور محمد مكيه، والذي حفزني أن أكتب عن هذهِ القامة العراقية ألفنية الرائعة هو أطلاعي على أحتفالية يوم ألأحد 6.4 ألمئوية للمعماري العراقي الدكتور محمد مكية الذي أنعقد في بغداد يوم السبت 5.4 تكريماً وأحتفاءً بشيخ ألمعماريين ألذي هو أليوم بعمر 98 سنة وبعطاء معماري فني ثر بشكل سيلٍ متدفق مستمر لم تخدش منهُ السنون بل زادتهُ ألقاً ورقياً في ترك بصماتهِ ألأسلامية والعربية في هذا ألمضمار ألمعماري ألفني ألصعب، وأثار أعجاب الحضور حين أفتتح عريف الحفل بقراءة وصيتهِ ألى ألعراقيين ألتي نصّها {ألأعزاء وألأحياء في بغداد الروح والوجدان والمعاني ألكبيرة .. بغداد أيها ألأحبة جوهرة من جواهر ألعصر .. ربما تمرض .. ربما تتعب .. تئن، لكنها لا تشيخ فزمن ألمدن ألعظيمة مغايّر لتفسيرنا للزمن .. بغداد عزيزة وغالية عندنا غادرناها مضطرين، عرفنا أنّ شيئاً من ذراتنا علق هناك على ضفاف دجله .. في ألأزقة .. في ألمقاهي .. والشناشيل .. والساحات، من ألمؤسف إنّ بغداد تتعرض ألى ىتشويه لذاتها وصفاتها منذ عقود .. من ألمؤسف أنّ العمايرة لم تكن تفشي ألى تلك ألعلاقة ألأصيلة مع ألنهر والضفة والروح ألساكنة بينها .. أوصيكم ببغداد .. أستمعوا أليها .. أصغوا ألى صوتها كثيراً ستكتشفون في حركة ألشجروالنخيل .. وفي دفق ماء ألنهر .. في الضحكات ألصافية .. تأملوا لونها تجدونهُ في الطابوق في ألخشب .. في زرقة ألماء .. في سمرة ألأهل، ديوان ألكوفة ينتمي ألى بغداد بكل أرثهِ وتراثهِ ألتأريخي لذلك أطالب ألى أعادتهِ ألى مكانهِ ألطبيعي في بغداد، أيها ألأصدقاء وألأبناء وألأحفاد لكم مني كل ألمحبة والعرفان .. أعتنوا ببغداد لتعتني بكم، أعتنوا بألعراق ألذي منحنا ألكثير رغم ألأوجاع}

سيرة حياته

الدكتور محمد صالح مكية من مواليد بغداد 4 نيسان 1914 وهو ألمعماري ألأول في العراق، أكمل دراستهُ ألأولية في بغداد وتفوّق في الهندسة ألمعمارية أعتبر ألمهندس ألمعماري ألأول في العراق، ومؤسس القسم ألمعماري في كلية الهندسة بجامعة بغداد عام 1959،وحصل على شهادة ألبكلوريوس عام 1941 في ألهندسة ألمعمارية من جامعة ليفربول / بريطانيا، ودبلوم في ألتصميم ألمدني من ألجامعة نفسها، وحصل على ألدكتوراه عام 1946 من كلية (كينفز/ جامعة كامبرج / بريطانيا) وكان موضوع أطروحتهِ (تأثير ألمناخ في تطّوّر العمارة في منطقة ألبحر ألمتوسط) وعاد ألى بغداد في ألعام نفسه، وأنشأ (شركاء مكيه للأستشارات ألمعمارية والتخطيط) وبعدها أقيمت شركات مكيه في كل من البحرين، وعُمان، ولندن، والكويت، والدوحه، وأبو ظبي، ودبي، أنتخب عام 1952 خبيراً في ألأمم ألمتحدة، وأنتخب رئيساً لجمعية ألتشكيليين العراقيين في بغداد عام 1955، وأنتخب عام 1967 عضواً للمجلس ألدولي للنصب ألتذكاريّة في روما، وفي 2003 حصل على جائزة أفضل أنجاز مدى ألحياةفي مدينة دبي، وهو الذي وأسس ديوان ألكوفة في لندن عام 1987، وشارك في فعاليات مؤتمر بغداد عاصمة ألثقافة العربية عام 2013 برعاية جامعة بعداد والمعهد الفرنسي للشرق ألأدنى ومكتب منظمة اليونسكو في العراق، ولا يزال الدكتور مكيه رغم بلوغهِ ألثامنة والتسعين متوقّد ألذهن متابعاً جيداً للأحداث ولا يزال يطمح للأستفادة من منجزاتهِ الأبداعيّة (موقع/archnet.org)

 

مميزات مكيّة ألمعماريّة

أدخالهُ ألبارع للأشكال التقليدية في الهندسة المعمارية ألحديثة ألتي أطّر بها مهارتهُ الهندسية ألمرئية ألحداثوية (جامع ألخلفاء) سنة 60.63 ثُمّ أضاف ألتوسع عام 1980 حين جسّم فيها تصميم مكيه ألمبتكر للجامع ألذي يقع في منطقة صبابيغ الآل / بغداد القديمة ووضع فيها أهم مميزات عملهُ ألفني هو: ألمحافظة ألمدنية على ألتراث، أضفاء ألطابع ألأقليمي على ألشكل، أستمرارية ألتراث ألمعماري(الجمعية العربية للعمارة والتصميم/ مجلة بناة) ** ويقول عنهُ نجلهُ (كنعان مكيه): أنّ ألمصدر ألأصيل ألذي أستلهم منهُ محمد مكيه فنهُ للريازة ألعباسية لم يكن يحاكي ألفن ألقديم بل أبدع في أضافات ألحداثوية في ملائمتهِ لعصرهِ ألحاضر، ** يعتبر رائد ألحداثة في العراق وواحد من أبرز رواد ألحداثة في مجال ألهندسة ألمعمارية أنْ لم يكن أبرزهم على ألأطلاق، **جاءت أعمالهُ شاهداً على قدرتهِ ألمعمارية في أستلهام ألمعالم والرموز وألدلالات ألتأريخية ألأصيلة في ألمعمار ألمعاصر. ** أطلق على أعمالهِ {سومرية الوطن والبيئة والشكل والوظيفة} ** وسريان ألفن ألتشكيلي والعمارة الى زها حديد في جدلية ألأنتقال من ألتراث في عمارة ألحداثة الى عمارة ما بعد ألحداثة .

 

قالوا عنهُ

- محمد آركون: أستاذ تأريخ ألفكر ألأسلامي في جامعة ألسوربون: أنّ محمد مكيه قد نفخ حياة جديدة في ألعمارة ألأسلامية بدمج تراثها ألفني بأفضل ما في ألثقافة والتكنلوجية ألحديثة .

- المهندس شارل كوريا المخطط المعماري: أنّ محمد مكيه مهندس معماري ذو أهمية عظيمة في العالم ألسلامي، وعملهُ يثير منافذ ذات أهتمام حيوي للمحترفين .

- السير هيو كاسون الرئيس السابق لأكاديمية ألفنون ألملكية في أنكلترا : قال فيهِ .. أنّ أعمال محمد مكيه تستحق أنْ تثير أهتماماً أوسع في العالم ألأسلامي والعربي .

 

ألخاتمة

أعلن عن طموحاته في أعادة تصميم بغداد وتوسيعها في كتابه (تأريخ خواطر ألسنين) سيرة معماري ويوميات محلّة بغدادية/ محمد مكيه) ولكنها لم تتحقق هذه ألأحلام هو ما دفع مكية الحالم الى أن يبحث عن من يتولى بعثها في قرنٍ قادم أو حتى ألفيّة قادمة عندما ستكون بغداد {جنة ألخلد} تتعالى حتى على مجدها العباسي لذا أكد في وصيتهِ لبغداد ألحبيبة .. ولديه أحلام بأعادة أعمار بغداد التي دمرها ألأحتلال ويتحدث بشغف عن شارع ألمتنبي والحيدرخانه والباب الشرقي وشارع الرشيد وأبونؤاس أحلامهُ نابضة وهو يتحدث عنها بواقعيّة تجعلنا نتأمل في ظاهرة هذا ألرجل والذي حباهُ الله ُقدرة أستثنائية في ألنشاط ألدهني والعطاءستبقى آثارهُ شاهدة على مفكر معماري صاحب مدرسة " آمن بأنّ ألمعمورة قطعة واحدة مترابطة، وكان سباقاً الى الدعوة الى حماية ألبيئة من خطر ألتلوّث ألذي يحيق بالعالم اليوم

 

عبد الجبار نوري/ السويد

................

*حوارمع مكيه / المنتدى العربي – الشرق ألأوسط ..

وفاة "غابو" خالق "مئة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا"

saman soraniبالأمس فاجأنا نبأ رحيل الروائي الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز، الملقب بـ"غابو"، صاحب الرواية الأشهر في القرن العشرين "مئة عام من العزلة"، المولود في اراكاتاكا التابعة لمقاطعة ماجدالينا الكولومبية والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1982، في مكسيكو سيتي عن عمر يناهز 87 عاماً.

روايات ماركيز التي أثرت تأثيراً قوياً علی الكتاب في أكثر من موقع جغرافي حملت في طياتها جماليات وخامات سردية قديمة نابعة من التراث الكولومبي الفالتة من الواقع المعيش و ينابيع الأسطورة وطفولة العقل البشري الخارقة لآفاق عجائبية سحرية ميتافيزيقية.

هذا الكاتب العالمي بدأ عمله مراسلاً لصحيفة إلإسبكتادور الكولومبية اليومية (El Espectador) قبل أن يساهم بدوره العظيم في إغناء فن السرد الروائي في العالم الدافع لأدب أمريكا اللاتينية نحو القمة.

في روايته "مئة عام من العزلة" (١٩٦٧) الرائعة، التي إستغرت مني شخصياً سنوات لقرأتها بسبب (خوسيه اركاديو بوينديا) وهو شخصية رئيسة في الرواية يخلق ماكيز عالم يسبح بين الواقع والخيال، بشخصيات تتكرر في اسمائها واقدارها ويسافر بنا مع قريته (ماكوندو) ليزرع الاحداث والشخصيات بمنطقية وعبثية ممزوجة ورائعة ثم يمحيها ويقتلها.

الهدف من روايته "مئة عام من العزلة" بنظري هو تعرية الكائن البشري وكشف حقيقتة الباطنه ومشاعره المهيجه الثائرة مهما كان منصبه وجنسه امراة كانت أو رجلاً. أراد الكاتب إيصال القاریء فكرة تقول بأن الزمن لا يسير في خط مستقيم بل في دائرة، فكلما تلاشت الاحداث من ذاكرتنا اعادها الكون لكن في شخصيات وأزمنة مختلفة وأن الماضي لم يكن سوى كذبة وأن لا عودة للذاكرة وأن كل ربيع يمضي لا يمكن أن يستعاد وأن أعنف حب وأطوله وأبقاه لم يكن في النهاية سوى حقيقة عابرة. غابريل ماركيز كان يردد دوماً بأنه متعلق بشخصيات روایاته حد التعلق ويعزؔ عليه ان يميت شخصية محاولاً أن يبقيها عمر لا ينتهي لتغلبه الشخصية أخيراً وتختار قدرها. رغم أن "مئة عام من العزلة" رائعة مكتوبة بأسلوب بسيط تقودنا نحو نسيان الذات لساعات  وساعات لكنها تمتاز بسمتان لايمكن أن لانراهما، إحداها هي سمة العزلة التي اتخذها الكاتب عنوانا لروايته والثانية هي حتمية الاحداث. لكن هل ياتری بأن الانسان في هذه الدنيا مسير بالمطلق أو مخير بالمطلق، أم أنه يعيش بين الاثنين؟ وهل ياتری بأن إشباع الغزائز بلا كبح لايٶثرعلی حياة الإنسان ونجاحه‌ أو أنه بالفعل أمر مقبول من المجتمع؟ 

ماركيز إستمد قوته من الواقع بطريقة غرائبية مشوقة أظهر فيها كمن يمارس الهروب من الواقع نحو واقعية من نوع آخر.

أما روایته "الحب في زمن الكوليرا" بالإسبانية (El amor en los tiempos del cólera)  (١٩٨٥) المليئة بالزخم والأحداث فإنها تربط التباعد بالتنافر. يقدم فیها التحولات في بلده كولومبيا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مكان لا يسميه قرب نهر ماغدالينا. هنا لايسعنا إلا أن نعيد قول الشاعر الإسباني الشهير وعضو الأكاديمية الملكية للفنون، خوسيه كارثيا نيثيو: "إن أهم ما فى رواية الحب فى زمن الكوليرا هو تلك الحيرة التى نجد أنفسنا غارقين فيها منذ بداية الرواية حتى آخرها، والدهشة التى أصابتنا فى رواية مائة عام من العزلة لكفاءتها العالية تصيبنا مجدداً عند قراءة هذه الرواية بالرغم من إنها قادمة من طرق أخرى، هنا كل شىء ممكن، كل شىء يتحرك إلى الممكن، ويظهر بعد معرفة الأحداث بأنه لم يكن بالإمكان حدوثها بشكل آخر".

روایتە التي تعد واحدة من أفتن ما كتب الإنسان فى تاريخ الأدب عبر كل العصور، تنقل لنا قصة حزينة في وسط حزين، قصة رجل وامرأة منذ المراهقة وحتى ما بعد بلوغهما السبعين، استلهمها الكاتب من قصة حب أبيه لأمه ووضع فيها عصارة موهبته وخبرته ومدرسته الأديبة التى أسس لها في النصف الثاني من القرن العشرين.

وختاماً يقول ماركيز: "تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه".

 

الدكتور سامان سوراني

 

عبد الكريم قاسم ظاهرة وطنية لم تكتمل فصولها

ahmad alkhozaiبطلبه لشربة ماء من قتلته البعثيين رفضوا اعطاءها له كي يفطر بها من صوم يوم رمضاني مرير ومفصلي في حياة فقراء العراق هكذا انتهت حياة الزعيم العراقي الخالد عبد الكريم قاسم برصاصات قليلة في احد استوديوهات الاذعة والتلفزيون العراقية نهاية لامست خواتيم الاولياء والصالحين والثائرين العظماء ليطوي العراق صفحة مشرقة وخالدة من تاريخه الحديث .. الذي بدء عام 1921 كناتج عرضي لثورة العشرين التي قام بها عرب وسط وجنوب العراق و الذين لم يجنوا من ثمارها سوى نعتهم بالغرباء من قبل مخلفات الدولة العثمانية وبرجوازياتها التي اصبحت صديقة للمستعمرين الجدد اّن ذاك الانكليز .. كقول مزاحم الباججي لأرنولد ويلسون المندوب السامي البريطاني في العراق عند توديعه له بعد فصله من عمله لفشله في مواجهة الثورة .. اخبر الملك جورج الخامس بان الذين حاربوكم في الوسط والجنوب ليسوا عراقيين..وعلى هذا الاساس الاقصائي الشوفيني تشكلت اول حكومة عراقية في ظل الاحتلال البريطاني برئاسة عبد الرحمن النقيب عام 1920 ومن ثم اختير فيصل الاول بعد فشل تجربته في سوريا ..ليحل ضيفا وملكا على العراق مكافئة له على الثورة التي شارك فيها هو واهله في الحجاز والشام على الدولة العثمانية عام 1916.. ليظهر على الواجهة السياسية اشبه مايمكن ان نسميه بالديمقراطية الصورية الشكلية الخاصة بالواقع العراقي اّن ذاك والذي كان يسوده الفقر والتخلف والحرمان ونهب لثرواته من قبل الدول الاستعمارية وعلى راسها بريطانيا ..وقد تزامن مع تشكيل اول حكومة عراقية تأسيس نواة الجيش العراقي وتشكيل فوج موسى الكاظم بقيادة جعفر العسكري عام 1921 ليبدء دور الجيش في الحياة السياسية العراقية منذ هذه اللحظة ويصبح سلاح ذو حدين وكانت اولى تجليات هذا الدور هو انقلاب بكر صدقي عام 1936 على حكومة ياسين الهاشمي ..ومن ثم انقلاب رشيد علي الكيلاني عام 1941 على وصي العرش الامير عبد الاله وهروب الاخير مع نوري سعيد الى المملكة الاردنية والذي كان انقلابا المانيا يامتياز على المصالح البريطانية في العراق مما دعى الانكليز الى انزال قواتهم في البصرة   وهرب رشيد علي الكيلاني الى السعودية .. وهذا بدوره اعاد الاحتلال البريطني للعراق مرة اخرى بعد ان نال استقلاله عام 1932 ودخوله لعصبة الامم المتحدة .. وبقيت الاوضاع السياسية في ظل الملكية بين مد وجزر وساحة للتجاذبات والصراعات الفكرية المتمثلة بكل توجهاتها الوطنية والقومية واليمينية واليسارية والذي كان من ضحايا هذا الصراع عبد المحسن السعدون رئيس وزراء العراق الذي انهى حياته برصاصة في راسه من مسدسه الشخصي عام 1929 ليترك قصاصة لولده علي يخبره فيها انه كان ضحية المطرقة الوطنية المطالبة بالاستقلال وسندان الرفض البريطاني..وفي خضم هذه الاحداث السياسية المحتدمة كان المواطن العراقي ابعد ما يكون عن فحوى وأهتمام هذه الصراعات فمدن العراق تعاني الفقر والحرمان والجهل وغياب التعليم وعشوائيات اهل الوسط والجنوب تملئ بغداد في الشاكرية والميزرة والوشاش هؤلاء البسطاء الهاربين من مدنهم بسبب ظلم وجور الاقطاع ومرارة الجوع والحرمان...وفي احدى غفلات الزمن حيث كان العراقين على موعد مع عهد جديد مجهول المعالم والهوية قام العقيد عبد الكريم قاسم ذلك الضابط العراقي هو ومجموعة من الضباط الاحرار بانقلاب عسكري على حكومة احمد مختار بابان عام 1958 ليطيح بالحكم الملكي في العراق ويعلن قيام جمهوريته الخالدة كما أسماها هو ويشعل بعدها شرارة ثورة الفقراء التي انهت العالم الاستعماري القديم واذنابه في العراق ويشرق نور صباح جديد على هذا البلد يكون لفقرائه ومهمشيه كلمة الفصل فيه وعلى الرغم مما شاب هذه الثورة من اخطاء ككل الثورات في العالم والتي كانت ناتجة من تصرفات شخصية وعفوية من بعض منتسبي الجيش العراقي والمواطنين تمثلت بقتل الملك فيصل الثاني والطريقة التي قتل فيها السياسي المخضرم نوري سعيد ..الا ان هذه الثورة تبقى من اهم المنعطفات في تاريخ العراق الحديث والخطوة الصحيحة التي لو توفرت لها الظروف الداخلية والاقليمية والدولية المناسبة لبقائها وديمومتها لأنتقل العراق بما يحتويه من موارد بشرية ومعدنية وزراعية نقلة نوعية جعلته الان في مصافي الدول المتقدمة وذلك نتيجة النهج الوطني الذي سلكه عبد الكريم قاسم ..هذه الوطنية المتجذرة في عراقيتها والتي اعترف بها خصومه قبل محبيه حتى وسموه بالشعوبية وبزهده العلوي النبيل الذي صغرت امامه كل مغريات السلطة وبهرجتها ..وقد واجهت الثورة الكثير من التحديات والمؤامرات الدولية والاقليمية الناتجة من المواقف والقرارات التي اصدرها عبد الكريم قاسم مثل قانون استثمار النفط رقم 80 عام 1961 والذي اثار حفيظة بريطانيا وشركاتها الاحتكارية وبموجبه اوقفت عمليات تنقيب واستثمار ابار نفط جديدة في العراق ..وكذلك موقفه من الثورة الجزائرية وتخصيصه لمليوني دينار عراقي لدعمها واتهام جمال عبد الناصر له بتحريض ودعم العميد عبد الكريم النحلاوي والعقيد موفق عصاصة الذان قادة حركة الانفصال في الشطر السوري من الوحدة مع مصر عام 1961 كل هذه الاسباب مجتمعة ادت الى توجه الانظار من قبل تلك الدول وسعيها الى الاطاحة بقاسم وقد تقاسمت الادوار والسيناريوهات المختلفة والتي اصطبغت بشعارات وتوجهات كثيرة ومتنوعة الاهداف تمثلت بحركة عبد الوهاب الشواف ورفعت الحاج سري عام 1959 وبعض الضباط القوميين في الموصل وكركوك والمحاولة الفاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم في بغداد من نفس العام والتي قام بها بعض الاشقياء المأجورين من قبل نظام جمال عبد الناصر والصراع الخفي والمعلن على السلطة من قبل الاحزاب والحركات العاملة في الساحة العراقية اّن ذاك اضافة الى المشكلة الكوردية التي تم اثارتها من جديد في ايلول عام 1961 بعد هدوء دام لاكثر من عقد من الزمن نتيجة فشل وانهيار دولة مهاباد الكوردية في ايران ولجوء مصطفى البرزاني الذي كان وزيرا للدفاع فيها الى الاتحاد السوفيتي ومن ثم عودته بعد الثورة عام 1958 .. وكان لهذه الاحداث تداعيات كبيرة وخطيرة اربكت المشهد العراقي والتي انتهت بانقلاب شباط الاسود عام 1963 .. ووثوب البعثين والقوميين على راس السلطة في العراق والقضاء على تجربة لم تكتمل فصولها بعد وكان لها ان تحقق الكثير للعراق والمنطقة لكن الاستكبار العالمي حال دون تحقيق ذلك كما عبر عن عنه القنصل البريطاني في العراق اّن ذاك بقوله لعبد الكريم قاسم (ان رفض العراق الغاء قانون النفط سيضطرنا الى السعي لتغيير الحكومة هنا ..فساله عبد الكريم هل هذا تهديد .. فاجابة القنصل .. لا لكنه الواقع ) .. وبالرغم من قصر عمر الثورة والمخاطر التي واجهتها استطاع عبد الكريم قاسم ان ينجز الكثير للمواطن العراقي بقوله لبعض الحاضرين معه اثناء انقلاب شباط الاسود عام 1963 .. (سيخلد اسمي التاريخ وانني بنيت 35 الف دار لفقراء العراق في عمر الثورة) .. فهو اول من بنى بيوت لفقراء العراق وخلص فلاحيه ومعدميه من ظلم وسطوة الاقطاع باصداره لقانون الاصلاح الزراعي رقم 30 والذي اعاد بموجبه توزيع الاراضي الزراعية على الفلاحين الفقراء والقضاء على النظام الاقطاعي البغيض وكذلك قانون رقم 80 الخاص بالثروة النفطية واستثمارها واخراج العراق من حلف بغداد وتحرير العملة الوطنية من الارتباط بالاسترليني .. كل هذه الانجازات وغيرها الكثير قد لجمت اعدائه من ايجاد مثلبه عليه فنعتوه بالدكتاتور والشعوبي متناسين انه اول من دعى الى قيام فيدرالية عربية على غرار التجربة الاميركية وهو اول من دعم الثورة الجزائرية وهو صاحب شعار (عائدون يافلسطين) وانه اول من سمح للفلسطينين بالدخول للكلية العسكرية في العراق .. لقد شكل عبد الكريم قاسم ظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ العراق منذ الفتح الاسلامي له عام 15 هجريه كونه اول عراقي يحكم العراق .. وبأعتقادي انه كان يعي هذا الامر جيدا فقد اسقط كل المسميات وتجرد من كل الانتمائات غير انتمائه للعراق وأستكثر على نفسه حتى أمتيازاته كحاكم له لاجل فقرائه ولم اجد وصف له أفضل مما قاله بحقه الكاتب البحريني عبد الله المدني .. (كان عفيف اللسان نزيه الكف لم تذكر خطبه المسجلة كلمة شائنة على خصومه ولم تذكر دفاتره انه حقق جاها او مالا لنفسه او لعائلته مات كما يمت غيره من صناع التاريخ وحيدا دونما جاه او قصور او حتى ملابس مدنية ودونما احزاب ومتحزبين ومليشيات بل دونما زوجة او وريث من صلبه ..بل سيذكر التاريخ ان الرجل الذي فجر الثورة واسس الجمهورية وحالف الفقراء ووهب للوطن كل حياته لم يجد في ارض العراق مترين من الارض ليحتضنا جثته المثقوبة بالرصاص .. وفضل رفاق الامس في ظاهرة تكشف قلة الوفاء ان يرموا بالجسد في النهر ليكون طعاما للاسماك حتى لايعود للعراقيون ذات يوم حينما يعود الوعي الغائب او المتغيب قسرا .. الى الترحم على رجل لم يبخل على العراق بشيئ فبخل العراق عليه بكل شيئ حتى القبر) .. انها كلمات رائعة تثير الحزن والشجن لزعيم نحن بأمس الحاجة لمثله اليوم لقائد يجعل من عراقيته بوصلته التي يقود بها هذا البلد الجريح الى بر الامان في خضم هذه الفوضى السياسية والامنية التي نعيشها وغياب الرمز ووضوح الهدف وتشتت السبل والولائات لساستنا الجدد الذين اعطاهم العراق كل شيئ وبخلوا عليه بكل شيئ ..العراق اليوم بحاجة الى رجال وقادة كوصف القاص العراقي ذو النون ايوب لعبد الكريم قاسم (حمامة بثياب نسر ومسيح يحمل صليبه على كتفه).

 

احمد الخزاعي.......بغداد

 

الشيخ المؤيد متحولا

أعلن رجل الدين العراقي "الشيخ حسين المؤيد" في العام 2011 التحاقه بالمذهب السني، في ولادة شهدت فصولا ومسار متدرجا، من تشيع منهمك ومشبع بتشيعه، مرورا باعتدال ونزوع وحدوي، لينتهي، حيث استقر أخيرا على الضفة الاخرى، كسلفي أصيل. مراحل ثلاث مر بها الشيخ ليصل إلى ما وصل إليه، وفيما يشبه حركة تراجيدية أو ديالكتيك نجد أنفسنا أمام ثالوث لا يسفر عن جديد: طمأنينة ثم قلق ثم الطمأنينة ذاتها.. ومن انتماء إلى آخر سيظل العقل الأحادي هو نفسه، والبطل مكانه، ولا جديد تحت الشمس.

عرفت الشيخ حسين المؤيد كمعارض للوجود الأمريكي في العراق، بعد الاطاحة بنظام، تسكنه هو الآخر أحادية شمولية، مخلفا انفجارا مدويا للمكبوت على شكل هويات متقاتلة ومتنابذة ومسكونة بهاجس الانتقام، في ذلك الحين كنت سعيدا بخطابه الوحدوي، أجد فيه مخرجا محتملا لإشكالية ومرض وقتال عبثي، كنت مبتهجا ومثلي كثيرون بدعوة منفتحة تحاول أن تتجاوز الخلافات نحو عيش مشترك، تحاول أن تجبر الكسر وتجمع الأصوات في جوقة واحدة، لكن الحمامة انجبت صقرا.

كل تحول هو حدث مدوي ولا شك، حدث مربك يعزز الانقسام والتعارض: فما هو مكسب عند طرف يصبح خسارة عند آخر، بحيث يبدو مثل شق جديد في الرقعة، تأكيد للانقسام والتعارض نفسه، وفي حالة الشيخ المؤيد يبلغ التعارض أقصاه، حيث يبدو التحول نفسه وقد تحول إلى استبصار أو هداية حينا وضلال وردة حينا آخر، التحول بصفته صيغة أكثر تواضعا لا يقال هنا، الشيخ المؤيد أكثر من متحول، إنه تائب مهتدي وجد الحقيقة واطمأن بها قبل أن يستأنف دوره كداعية تبشيري يوزع أحكام الخلاص: ها هو المتهم وقد صار قاضيا يستبدل متهما بآخر، وها هي الحقيقة والطائفة الناجية قد عادت من جديد طوع اليد وكأن شيئا لم يتغير.

ودون التورط بممارسات تفتيشية في نوايا الرجل أو السقوط في مستنقع العقل التآمري يمكننا قراءة الحدث كتجسيد لظاهرة التحولات المنتعشة في سوق التبشير، إن كل شيء يتغير إلا الروح والجوهر، فهنا، كما في كل مكان تسوده الثنائيات، تنتعش مقولات مكتملة وواضحة: الحقيقة مكتملة وواضحة، النص مكتمل وواضح، التاريخ مكتمل وواضح، أما الآخر فهو أيضا مكتمل أو منسجم ولا تفاوت فيه.. وكما هي الذات، يحتجز هذا الآخر، سواء كان سنيا أو شيعيا، بتحديق نرجسي، حيث كل شيء معتقل بأمر بوليسي ومنشطر إلى ثنائيات: نحن/ وهم، ايمان/ كفر، حق/ باطل، هداية/ ضلال.

لن يجادل أحد في أن فحص الأسس بادرة مشجعة تدغدغ مشاعر المتسائل والباحث الجاد والمخلص، يقول الشيخ أنه قد فحص الأسس جيدا قبل أن يقرر ويصيح: "وجدتها.. وجدتها" على طريقة أرخميدس.. حسنا، لكن أي أسس يا شيخنا الكريم؟ وهل الحقيقة بكل هذه البساطة بحيث ننتقل من ضفة إلى أخرى في غضون سنوات لا تتجاوز الأصابع؟ هل النص معطى لنا بسهولة كافية بحيث نقول أننا عدنا إليه ووجدناه إلى جانب هذا الطرف أو ذاك؟..

فحص الأسس اعادة بناء، إنه تفكيك يستدعي نقلة طوبوغرافية وتحويل مكاني لا مجرد تحويل موضعي، فمسائلة الأسس وفحصها تفرض رؤية متجاوزة، رؤية من فوق تعيد فحص أسس الصراع نفسه، الأسس التي تشكل أرضية مشتركة للطوائف والمذاهب وهي الأسس نفسها التي تحكم وتحرك الاحتراب والنقاش المذهبي العريق.. من يفحص الأسس سيرتطم، بقصد أو بدون قصد، باشكاليات النص والحقيقة والتاريخ والعقل التيولوجي، وحينها فقط يمكن الحديث عن فحص أسس!، لأن مثل هذا الفحص يعتمد قبل كل شيء على تهيؤ واستعداد سيكولوجي لاحداث قطيعة معرفية جذرية لا تكتفي برتوش هنا وهناك، بل تحفر عميقا لتعثر على المسبقات المعرفية فيما وراء الخطاب والمذهب والاعتقادات، إن فحص الأسس ليس سوى تخريب أصولي، مشاغبة تستهدف الأصول نفسها، أما دون ذلك فتغيير شكلي: يكتفي الأصل باستبدال ثوبه، كما فعل الشيخ باستبداله زي ديني بآخر، وكأن اشهار الزي تعويض عن فقر التجربة وكسر حلقة المراوحة في الذهنية نفسها.

ليس هنالك من أفق جديد: يفتح الشيخ نافذة للمسائلة ثم يغلقها بالأجوبة الجاهزة، يعالج اشكاليات التأويل "التي تأتي الباطنية المدانة في سياقها" برغبات تملك النص واستيهامات الحقيقة والأصل، وفيما نسمع اليوم عن رهانات فلسفية حول انسحاب متأصل لكل نص بحيث تدين كل نخبوية أو استقامة عقائدية أو قراءة نهائية صحيحة ومكتملة، نجد الشيخ الذي يفخر باعادة فحصه لكل الأسس كما يقول، يمنح الرهان لنصه الواضح والمعطى ومعانيه النهائية.هل يبدو الشيخ المؤيد دليل إضافي على المأزق الذي يعيشه الطائفي داخل صندوقه الضيق، أليس في تحول الشيخ برهان ناصع على الضرورة الأخلاقية والمعرفية لنقد الذهنية الكامنة وراء كل "طوبيا" مرتكزة على نفي الآخر أو احتجازه في أرخبيل اعتقالي؟!

تمنيت لو أن الشيخ لم يقطع شعرة معاوية، لو أنه تجاوز التمذهب نحو رؤية أعم، لو تخطى الانتماء العصبوي والتخندق الطائفي بكسر حلقة الاصطفاف بكل ما تكتنفه من كراهية ونرجسية، لكي يغادر نهائيا ذلك السياق الذي ديدنه الخيانة المزمنة للمعرفة والفكر النقدي والوفاء لذهنيات قطعية استئصالية متأججة عاطفا لا تفرز إلا تحولات اجترارية مكرورة لا يعول عليها، ليته قد فعل، ولكن... !

غيرتسن ..الاديب والصحفي الروسي المهاجر

ولد الكساندر ايفانوفيتش غيرتسن في موسكو عام 1812 من أب روسي وام المانية، لم يتمكنا من تسجيل زواجهما آنذاك، ولم يستطع والده ان يمنحه لقبه بسبب ذلك ، فاطلق عليه لقب غيرتسن، والذي صاغه من الكلمه الالمانيه (هيرز/ هيرس) التي تعني القلب ، وبما انه لا يوجد حرف ال (الهاء – ه) باللغة الروسية، أصبح اسمه – (غيرتسن او جيرتسن حسب لفظ اخواننا المصريين لحرف الجيم)، لهذا نجد ان معظم المصادر غير الروسية (بما فيها العربية) تسميه هكذا – (هيرزن) او (هيرتسن)، ويظن البعض ان ذلك ربما (واؤكد على كلمة ربما لأني لست متأكدا من ذلك) يعني محاولة من هؤلاء لاضفاء السمة والروحية الالمانية عليه ضد السمة والروحية الروسية لديه، واذا كان الامر كذلك فان هذا شئ غير دقيق، اذ ان الكساندر ايفانوفيتش غيرتسن (1812 – 1870) جزء لا يتجزأ من تاريخ الفكر والادب الروسي في القرن التاسع عشر رغم كل مساهماته ومشاركاته ونشاطاته المتميزة في الحركات الفكرية والسياسية الاوربية بعد هجرته الى اوربا واستقراره فيها ووفاته هناك . ان اي محاولة لاضفاء صفة اخرى عليه تبعده او تعزله عن روحية روسيته وارتباطه العضوي والجذري بتلك الروحية او تقلل منها - هي مسألة غير صحيحة بتاتا وطرح غير موضوعي لمكانته واهميته في تاريخ الفكر الروسي .

معظم المصادر العربية حول غيرتسن تتناول الجانب الفلسفي والثوري في نشاطه وتتحدث عن دوره ومساهماته في تهيئة عملية تحرير الفلاحين الاقنان وفي صياغة النظرية الثورية ووضع اسس حركة ال (نارودنيتشستفو) والتي ترتبط بكلمة (نارود) الروسية ومعناها – الشعب، ومن هنا يترجمها البعض ب (الحركة الشعبية)، بل ان البعض يتكلم حتى عن صياغة غيرتسن ل (عقيدة الاشتراكية الروسية)، وكل هذه الآراء والافكار والنشاطات واردة فعلا ويمكن ايجاد انعكاسات لها هنا وهناك في مسيرته وصحيحة بشكل او بآخر ولكنها بحاجة ماسة جدا جدا للنظرة العلمية المعمقة والتحليلية والشاملة وليست للنظرة الاحادية فقط كما نرى في الكثير من تلك الدراسات والمقالات، ولا مجال للتوقف هنا عند هذه النقطة والتوسع بشأنها في اطار هذه المقالة، بل يقتضي ذلك كتابة مقالة خاصة ومستقلة بلا شك، ولكننا نود هنا ان نشير الى مسألة مهمة من وجهة نظرنا وهي، ان النشاطات الفلسفية والثورية طغت كثيرا (في تلك الدراسات والمقالات) على جوانب اخرى في نشاط غيرتسن الفكري لدرجة انها حجبت تقريبا ابداعه في مجال الادب ومساهماته المتميزة والاصيلة والرائدة في مجال الصحافة وجعلتها غير مرئية تقريبا، ولهذا نريد ان نتناول في مقالتنا الجانبين الادبي والصحفي لديه فقط، وعلى هذا الاساس تم صياغة عنوان مقالتنا بهذا الشكل، اي – الاديب والصحفي غيرتسن ليس الا .

غيرتسن الاديب يرتبط قبل كل شئ برواية معروفة في تاريخ الادب الروسي بعنوان - (من المذنب)، وبكتاب رائع ومتميز ومهم وفريد في مسيرة الادب الروسي بعنوان – (الماضي والافكار)(يترجم عنوان هذا الكتاب باشكال مختلفة بالعربية منها – ذكريات الماضي والافكار // ماض وافكار // ماض وتأملات فكرية ...) ، اما غيرتسن الصحفي فيرتبط باصدارين شهيرين في تاريخ الصحافة الروسية المعارضة في الخارج وهما – (نجم القطب الشمالي) و(الناقوس)، وسنحاول ان نعرض كل ذلك بايجاز فيما يأتي .

صدرت رواية (من المذنب) عام 1846 وبجزأين، وقد بدأ غيرتسن بكتابها عام 1841 عندما كان مبعدا عن موسكو،وتشير بعض المصادر الى ان الناقد الادبي الكبير بيلينسكي (1811 – 1848) قد أطلع على مخطوطتها وأشاد بها . لم يكن هناك في تلك الفترة من تاريخ الادب الروسي اي اسم من اسماء الروائيين الكبار مثل تورغينيف ودستويفسكي وتولستوي، وفجأة تظهر رواية ناضجة وذات نكهة وسمات اجتماعية وسيكولوجية تصور الواقع الروسي الكئيب في المدن البعيدة عن المركز وطريقة الحياة الباهتة فيها والتي تذكر باجواء غوغول، وأما مؤلف الرواية، فهو نبيل روسي خريج جامعة موسكو ومبعد عن العاصمة لنشاطه الفكري المعارض للسلطة القيصرية – كل تلك الوقائع التي أحاطت رواية غيرتسن لفتت الانظار اليه وجعلته يشغل مكانه الخاص به ضمن ادباء روسيا الكبار وضمن تاريخ أدبها .

يعد عام 1846 تاريخا حاسما في حياة غيرتسن، اذ ظهرت فيه روايته (من المذنب) والذي تحول عنوانها بحد ذاته الى سؤال سياسي واجتماعي كبير في روسيا يبحث عن جواب، وفي هذا العام ايضا توفي والده الغني جدا وأبقى له ثروة هائلة، وهذا ما سمح له بالسفرالى اوربا والتعايش والاختلاط مع شعوبها ومشاهدة احداثها الثورية بل وحتى المساهمة الفعالة في تلك الاحداث، وبعد رحلات عديدة قرر ان يستقر في لندن عام 1852 ويكرٌس حياته للعمل الفكري والثوري هناك من اجل تحقيق اهدافه بعيدا عن السلطة القيصرية ورقابتها الصارمة وعقليتها، وهكذا اقتنى مطبعة روسيٌة في لندن واطلق عليها تسمية – (المطبعة الروسية الحرٌة) وهو عمل رائد وخطوة شجاعة لم يكن لها سابقة في تاريخ روسيا، وبالتعاون وبمساعدة صديق عمره منذ أيام الدراسة في جامعة موسكو أغاريوف بدأ باصدار مجلة (نجم القطب الشمالي) (1857- 1868) وجريدة (الناقوس)(1857- 1867) وأصبح واحدا من أشهر الشخصيات الروسية داخل روسيا واكبر شخصية خارجها ايضا.

نجم القطب الشمالي –تسمية مجلة الديسمبريين في روسيا، وهي حركة مشهورة حدثت في شهر ديسمبر / كانون الاول عام 1825 ضد القيصر قام بها مجموعة من الضباط والمثقفين الشباب، وانتهت باعدام خمسة منهم ونفي الباقين، وقد أخذ غيرتسن تسمية مجلتهم متقصدا كي يقول انه يريد ان يستمر بعملهم ويعلن تايده لافكارهم، بل انه وضع صور الخمسة الذين أعدمهم القيصر على غلاف تلك المجلة وتحت اسم المجلة . صدر من المجلة هذه سبعة اعداد فقط طوال فترة وجودها، وقد نشرت كل النتاجات الادبية التي كانت ممنوعة باوامر الرقابة في روسيا، بما فيها بعض قصائد بوشكين ورسالة بيلينسكي الشهيرة الى غوغول ورحلة من بطرسبورغ الى موسكو لراديشيف (انظر مقالتنا بعنوان راديشيف وكتابه رحلة من بطرسبورغ الى موسكو) وغيرها، اما جريدة (الناقوس) (يترجمها البعض الجرس وهي ترجمة غير دقيقة) فقد كانت تصدر مرة او مرتين في الشهر وكان شعارها – تحرير الكلمة من الرقابة وتحرير الفلاحين من الاقطاع، وكانت بحق صوت احرار روسيا آنذاك، وقد حاول غيرتسن جذب الاسماء الكبيرة للكتابة فيها ونجح فعلا بذلك، اذ ساهمت بالكتابة فيها اسماء لامعة مثل الكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هيغو والبطل الاسطوري الايطالي غاريبالدي ومن الادباء الروس تورغينيف ودبرالوبوف، اضافة الى ما نشره غيرتسن نفسه وزميله أغاريوف من مقالات ومتابعات دقيقة للحياة السياسية والفكرية والثقافية في روسيا واوروبا .

غادر غيرتسن لندن في نهاية الستينات وقام برحلات عديدة في اوربا واستقر عام 1869 في باريس وتوفي فيها عام 1870، وقد انجز خلال تلك السنوات آخر كتاب له بعنوان – (الماضي والافكار)، وهو كتاب فريد من نوعه في المكتبة الروسية، يضم المذكرات الشخصية والذكريات والوقائع وصورا قلمية متنوعة، وفيه تسعة فصول وكالآتي – الطفولة والجامعة // السجن والمنفى // مدينة فلاديمر وقصة الحب مع ناتاليا زاخارينا // موسكو بطرسبورغ نوفغورود والنزعة الغربية والسلافية // باريس ايطاليا باريس – مرحلة الثورات وما بعدها // انكلترا. الحياة في لندن بعد وفاة الزوجة // اللاجئون الروس . صور قلمية عن باكونين وبيجيرين // انطباعات عن السفر عبر اوربا //رسائل قديمة من بيلينسكي وتشآداييف وآخرين .

اهتمت الاوساط الفكرية في الاتحاد السوفيتي بتراث غيرتسن باعتباره ثوريا ومناضلا ضد السلطة القيصرية، وأعادت طبع مؤلفاته باعداد هائلة، وتم اعادة اصدار كل اعداد مجلته وجريدته التي صدرت في لندن في مجلدات خاصة، وصدرت دراسات عديدة لافكاره ومكانته في تاريخ الفكر والادب الروسي، اضافة الى تسمية شوارع ومؤسسات مختلفة من معاهد ومكتبات باسمه وفي الكثير من المدن الروسية وتنظيم متاحف خاصة به وهناك العديد من التماثيل له، واهمها تمثال بالحجم الكامل يقف امام البناية القديمة لجامعة موسكو في مركز المدينة له ولرفيق دربه اغاريوف، اي انهما لا زالا – كما كانا في حياتهما – يقفان معا .

يوميات مدير (2): الضمير والثواب والعقاب

ghazi altaiفي القطاع الحكومي، هنالك وضع سائد، المُجِد والمُتَفانِ في عمله، والكسول اللامبالي، راتبهما ساري المفعول، لذلك فنحن بحاجة الى صحوة ضمير، بالدرجة الأولى للمسؤول، ويعقبها للعاملين .

الموظف الذي ضميره حي، ومخلص في أداء واجباته، ومسؤولياته، ويفكر جدياً في خدمة بلده، ويحاول بأستمرار ان يؤدي واجباته الوظيفية بشرف وامانه، على أكمل وجه،تجده ديناميكي الحركه، ويبحث عن الجديد في مجال عمله بأستمرار.

اما الذي يفكر في مصالحة الشخصية، ومنافعه الشخصية، ولا يفكر قيد أنمله بخدمة بلده، تجده لا يبالي ويعمل بمبداً (أشطب يومي)، ويحاول ان يقتنص الفرص من اجل مصلحته الشخصية، وبكافة الأساليب، النفاق، التملق، المجاملات، كسب رضا المسؤول بكافة الطرق، والصعود على اكتاف الاخرين، هذا واقع حال في بلدنا بالنسبة للقطاع الحكومي لفئه معينه من الموظفين.في العمل الحكومي كل من هم بنفس الدرجة والعنوان بنفس الراتب سواءأكان كفوء، أومتوسط الكفاءه، أوضعيف، عدا الفوارق البسيطة والتي قد يكون الضعيف أعلى راتبا والتي ليس لها علاقة بالأداء. لذلك نلاحظ الجيل الجديد، يلهث وراء التعيين في القطاع الحكومي .. لماذا؟! .

1- الراتب الشهري مضمون.

2-وجود عمل او عدمه، فالراتب ساري المفعول.

3-العمل لا يتطلب جهداً وخبره عالية عند بداية التعيين وبعده .

4-الراتب يقاس على عدد سنوات الخدمة وليس بالخبرة لذلك فهم سواسيه في الراتب من هم بنفس العنوان والدرجة والتحصيل الدراسي.

5- العطل والاجازات.

6- الموظف انيق وملابسه نظيفة.

7- القطاع الخاص، لايلبي طموح الخريج وخصوصا الجامعي، لأساليبها السوقيه والتجاريه، يظاف الى ذلك فهو غير مضمون.

هذا الكلام، ليس عبثاً، ولكنه واقع حال، حتى العوائل عندما تتوسط لتعين احد أبنائها تضع على بالها هذه الأعتبارات. كل ما ورد للفقرات أعلاه لا بأس به ان كان الموظف يؤدي واجبه على أتم وجهه وبإخلاص وتفاني وجد ومثابرة . ولكن هذا مع الأسف نراه لا يحصل من قبل شريحة لابأس بها من الموظفين. ولوأن مديرلمؤسسه أو شركة معينه،أجرى إحصاء بصورة واقعية وجدية لمن هو: فعال، وغير فعال، فسيحصل على أرقام مهوله ومرعبة، اذن ..اين الخلل؟!!.

أقول وبكل صراحة، الخلل الرئيسي في الإدارة العليا للمنشأ (دائرة،شركة،مؤسسه).

1- عدم استثمار الايدي العامله بشكل صحيح .

2- عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

3- عدم التفكير، الجدي، والواقعي، بمعالجة الترهل والبطالة في دائرته، وإيجاد حلول ناجعة لتفعيل هؤلاء ليصبحوا منتجين .

4-قصر ومحدودية التفكير، في تطوير العمل، وعدم استخدام الأساليب والوسائل الحديثة في الأدارة وتطوير العمل .

بالنسبة للقطاع الحكومي .. فهو واقع حال، كون المبدأ السائد عند العديد من العاملين (مهما كان ادائي فراتبي مضمون) وطبعا هذا المبدأ خاطيء وفيه قصر نظر. ذلك فأن المسؤول عندمايُراد منه تنفيذ عمل معين، ولغرض إنجازه بالدقة المطلوبه والوقت المطلوب، يكلف فئه من العاملين مشهود لهم بالخبرة والكفاءة والإخلاص لإنجاز المطلوب، اما والذين لايمكن الاعتماد عليهم في مثل هذه الاعمال يستبعدون أو يكون دورهم هامشي لانهم سيخذلونه اما بالنوعية، اوبالوقت .

ان إدارة عجلة العمل بالقطاع العام والأشتراكي متعب، ولكن في القطاع الرأٍسمالي مريح جداً ومتطور باستمرار، وهذا ظهر جلياً في الدول الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز الثورة الصناعية، والتي وصلت ما وصلت الية حتى يومنا هذا من تقدم وتطور. اماالبلدان النامية (بلدان العالم الثالث) فتطورها ضعيف جداً، ومنها ما حصل فيها العكس، حتى البلدان النفطيةالناميه، والتي حصل فيها تقدم عمراني، وحضاري، وخدمي، فهو مستورد وبنوعيه (البشري، والمادي).

ان صحوة الضمير في العمل، مفعولها ضعيف في القطاع الحكومي، لذا يتطلب ان تكون هنالك قوانين صارمه تدير دفة العمل، واستخدام مبدأ الثواب والعقاب في إدارة العمل، ولكافة الحلقات القيادية. نلاحظ: عندما يكلف موظف بعمل معين وهو غير راغب بإنجازه ويرى فيه انه سيضعه على المحك والمسؤولية ويتطلب منه الجهد الكثير، نلاحظه يبدأ بالتهرب منه بحجج واهية، وان ُأُجبِر على ذلك فأداءه في تنفيذالعمل يكون أقل من مهله (حسب قول المصرين)، ويكلف نفسه اقل من طاقتها .. وعند احساسه بان هنالك ظغوط عليه لإنجاز العمل، فالخيارات مفتوحة امامه مريض (متمارض) يطلب عياده، وقوانين العمل لا تمنع عنه طلب عياده، اكذوبة وفاة احد اقاربه (إجازة)، والم فقرات .. وغيرها من الحجج الواهيه والتي تصادفنا بأستمرار في حياتنا الوظيفيه، كل هذه الخيارات مع الأسف تبرز عند أصحاب النفوس الضعيفة، والذين يتهربون من العمل، وهم بكل أسف عددهم لا بأس به، بالمقابل: ان وِجِهَت عقوبة لأي لأي موظف متلكيء، تقام الدنيا ولا تقعد،أول كلام يوجه للمسؤول او المُعاقِب، من قبل الاخرين (قطع الاعناق ولا قطع الارزاق) هذه العبارة الدارجة على مر الأزمان .. عجبا!!!، اصبح قطع الارزاق لمن يبخل بجهده عن خدمة وطنه، الا يعلم ان إخلاصه في العمل، هو وغيره يعود بالتالي بالفائده له ولعائلته.فموظف البلدية،ورافع النفايات،والعامل في قطاع الكهرباء، و الصحة، و الماء، و المجاري، و المرور .. جمعيهم، بإخلاصهم لعملهم ينجم عنه فائده لهم ولعوائلهم ولمجتمعهم . على الانسان مهما كان مجال عملة بسيط،المفروض ان لا يٌستهان، ولايستهين به،فهو بالتالي جهدة يكلل مع بقية الحلقات بالفائدة العامه.

احد المهندسين، برزت لديه مبادرة جيدة تخدم العمل،وهذه المبادرة كلفته من الجهد والعناء الكثير، من اجل نجاحها، فكان لا يكل ولايمل من اجل ان ترى النور مبادرته هذه. لذلك فمنهم من ساوره الشك والظن انه مستفاد من ذلك (يقصدون الاستفادة بمعناها في وقتنا الحالي) لقوة أصراره لتفعيل المبادره، ومنهم من يهمس بأذن صاحبه :ورط نفسه بعمل متعب.. فليتلقى النتائج، ولكن الحصيلة النهائية عكس ما كانوا يتوقعون، نجحت المبادرة، ودارت عجلت العمل .

العديد من الدول عالجت هذا الخلل (الكسل واللامبالاة للعاملين) في القطاع الحكومي والاشتراكي، باستخدام نظام الحوافز، والأرباح السنويه، وقد تم وضع نظام صارم ورصين لصرف هذه الحوافز، والأرباح، وخصوصا في القطاعات الصناعية، والإنتاجية والعمرانية، والخدمية .ويتم التوزيع حسب درجة ونوعية العطاء نزولا الى المهمل المتكاسل فيُحرَم منها . يتم تخصيص مبالغ الحوافز من أرباح الشركة التي يتعدى عطائها خط الشروع. وقد ظهر مردود ذلك جليا على عطاء العاملين، وعلى نوعية وكمية العمل.لذلك المطلوب من وزاراتنا كافة، الإنتاجية والخدمية بالخصوص، ان تُفَعِل نظام الحوافز الشهرية والأرباح السنوية وبضوابط صارمه، للحصول على نتائج متقدمه، حصل التطبيق في بعض الدوائر ولكن مع الأسف لم يكن بمستوى الطموح، والتطبيق كان يشوبه التلاعب والتحايل مما جعل من المتلكئين في عملهم يُشمَلُون بهذا النظام، وهنا الكارثة الكبرى، لان ذلك سيعزز المقولة عن الوظيفة بأسلوب اخر (أعمَل او لا أعمَل فالحوافز والارباح تشملني) وهذا لا يجوز .شمول الأشخاص الكفوئين وأصحاب العطاء الثر في نظام الحوافز يحفز الموظف المتلكيءليتنافس مع هؤلاء في العطاء بالنوعية والكمية، والمعطاء يزيد من عطاءه لتزداد نسبتة في الحوافز، لان تحديد حجم الحافز يعتمد على النوعيه والكميه، اذن من خلال ذلك ستظهر المنافسه الشريفه لزيادة الانتاج.

ان نظام الحوافز إضافة الى المردود المالي، الذي يدره للمخلص والمثابر في عمله، ويطورالعمل، ويزيدالانتاج، فهو يقلل من الفساد الإداري والمالي في هذا القطاعات، وكذلك له مردود ايجابي على الاقتصاد العراقي، ففي القطاع الصناعي، زيادة كمية ونوعية الأنتاج سيقلل من الأستيراد للنوعيات والمناشئ الرديئة، فالمنتج العراقي مشهود له بالنوعية والمتانة والعمر الطويل .. وخير مثال على ذلك ثلاجة عشتار، لازالت تعمل في العديد من البيوت العراقية لحد الان، وقد مر عليها عشرات السنين، الجلود العراقية مشهود لها بالكفاءة والديمومة.

العراقي عندما يُقدَم له الدعم بشكل مدروس .. فأن عطائه لا ينضب كالنخلة.. عطائها على مر الدهور .. حلو المذاق .

 

المهندس الفنان: غازي الطائي

بغداد 12\4\2014

 

أسماء غرائبية

ahmad alhiliثمة حكايات كثيرة رواها له صديقه خطاط الوحدة العسكرية، الذي يبدو أن ذاكرته والوقائع الحياتية التي عاشها أو عايشها إبّان فترة الحرب العراقية الإيرانية تشكل منجماً ثميناً من المرويات والهواجس والهموم الشخصية التي قلما يجدها في مكان آخر، وهو اعتاد أن يدوّنها على شكل رؤوس أقلام في دفتر صغير، من بين ما أفضى به إليه في إحدى المرات ؛

"يضطر من يخدم في الجيش، ولا سيما أثناء قادسية صدام، إلى التعرّف والتعايش مع أساليب حياتية لم يألفها من قبل، بالإضافة إلى ذلك فإنه يرى نفسه ملزماً بمسايرة أمزجة وعادات وطبائع مختلفة كلياً عما كان يألفه في محيطه الاجتماعي، يصبح جميع هؤلاء زملاء وأصدقاء له شاء ذلك أم أبى، بحكم التواجد اليومي في ذات الملجأ المخصص للمبيت والسكن وتناول وجبات الطعام، وقد يصل عدد أفراد الجنود الذين يعيش معهم في ذات المكان إلى حوالي 8 أفراد يُطلق عليهم تسمية حظيرة، وبحكم النظام الصارم المعمول به في الجيش، لا يستطيع أي فرد من هذه الحظيرة أن يتميز على رفاقه، مهما يكن يحمل من مؤهلات دراسية أو موهبة ثقافية أو فنية، فهو واحد منهم يقوم بتنفيذ المهام الموكلة إليه أسوة بالآخرين ..."

من بين الأمور التي ربما سيتفاجأ بها هذا الوافد الجديد، ولا سيما إذا كان قادماً من المدن الكبيرة، غرابة الأسماء التي يحملها بعض المراتب، وفي أحدى المراحل أتيح له أن يتعرّف على شخص قادم من الأهوار اسمه "عفن"، وقيل له أن له أخٌ أكبر منه سناً يخدم في وحدة عسكرية أخرى اسمه " تبن" .

في إحدى المرات جاء إلى وحدتهم منقولاً من وحدة أخرى شخص اسمه " مجيد عبد الواحد سمير"، وقد اعتاد هذا الشخص أن يتبختر مزهوّاً أمام الجنود مدِلّاً باسمه ولا سيما اسم جده " سمير" حين تتم المناداة عليه في ساحة العرضات على الرغم من أنه كان قادماً من منطقة نائية في أهوار الجبايش، وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت سحنته وهيئته والطريقة الفجة التي يتحدث بها لا تسوّغ أن يكون جدّه حاملاً لهذا الاسم الذي يتضمن شيئاً من الحداثة، في أحد المرات طلب مساعد الوحدة على عجلٍ أن يمثل مجيد أمامه، وحين حضر، قال له بحدة، فقط أسالك سؤالاً واحداً، وعليك أن تجيبني إجابة صريحة وإلا فسوف يكون مصيرك السجن ؛ هل أن اسم جدَّك هو سمير أم سْمير ( بميم مفخّمة) ؟؟ فطأطأ مجيد رأسه وكأنه قد أسقط في يده، وقال ؛ نعم سيدي إن اسم جدي هو سْمير ... فلم يجرؤ على التبجح بعد ذلك أبداً .

......................

ولعل أغرب وأطرف الحكايات حول التسمية الغريبة لبعض الجنود ما رواه له بشأن شخص اسمه فدعيّر جريو مجباس، وكان هذا الشخص يحمل رتبة نائب عريف، ويبدو أنه عانى كثيراً من اسمه الثلاثي، إذ دأب الجنود ونواب الضباط وكذلك الضباط على جعل ذلك مادة دسمة للتندر والتفكه الماجن، في إحدى المرّات، وأثناء العرض الصباحي، بدا أن رأس عرفاء الوحدة كان قد هيّأ قنبلة من العيار الثقيل وهو يقرأ أسماء الجنود المكلفين بمختلف أنواع الواجبات، وحين وصل إلى اسم فدعيّر قرأه هكذا ؛ فدعير، من دون تشديد الياء !

فما كان من فدعيّر، الذي يبدو أنه كان متهيّئاً تماماً لمثل هكذا نوع من المماحكات، إلا أن أجابه بثقة وأريحية ؛ " سيّدي، تريد واحد لو أكثر " !

 

عادت به غرائبية أسماء بعض الجنود، التي حدثه عنها صديقه إلى واقعة غريبة من ذات النوع حدثت في الحي الشعبي الذي نزل فيه هو وعائلته الصغيرة مستأجراً بعد هروبه من بغداد ومكائدها إبان فترة الستينات، فعلى مقربة من بيتهم العتيق كان ثمة امرأة وزوجها الطاعنان في السن يعيشون في بيت فسيح ينم عن ثراء ونعمة، وشاء القدر أن لا يرزقهما الله من الأبناء سوى بابن واحد بعد مضي أكثر من خمسة عشر عاماً على زواجهما، ومن الطبيعي أن يعيش هذا الابن مدللاً، ولاسيما وأن أباه كان ميسور الحال وكذلك أمه وأخواله، ونما الطفل الذي أسمياه "حمزة" تيمناً باسم الإمام الذي دأبا على التبرّك بزيارته في كل أسبوع متضرّعين إليه بأن يهبهما ولداً .

نشأ الصبي الذي كان يتمتع ببنية بدنية رائقة ؛ بشرة بيضاء وعينان زرقاوان أخذهما من أمه

في بحبوحة قل نظيرها بين أقرانه، ولاسيما في ذات المنطقة التي تتسم حياة غالبية قاطنيها بالفقر والعوز، كان الأب والأم يُحسان بنوازع الحسد والغيرة في عيون الآباء وكذلك الصبية الذين لم يسمح لهم بالالتقاء بابنهم إلا في بعض أوقات نادرة .

كان الأب والأم يساورهما قلق كبير بشأن تأخر ابنهما في النطق، ويوماً بعد يوم اكتشفا أنه يصعب عليه كثيراً تشكيل جمل مفيدة، وواظبا على الذهاب إلى "الحمزة" الذي اتخذاه عرّاباً لابنهما، وكانا يحرصان في كل زيارة على أن يشتريا خروفاً ويقدماه نذراً لإمامهما ... إلا أنهما ما لبثا أن أصيبا باليأس والقنوط، ذلك أن ابنهما لم تتحسن حاله، بل أنه غالباً ما كان يصاب بنوبات من الصرع والهلع، فيأخذ بالصراخ والعويل وينتفض جسده، وعند ذاك أزجى بعضهم النصيحة للأبوين منكودي الطالع بأن يسمحا للصبي بأن يقيم بعض الصداقات مع أقرانه من صبيان الحي، وأن يتم ذلك تحت رعايتهما، إلا أن وضع حمزة لم يصب شيئاً من التحسن

في إحدى المرات قدم إلى الحي شخصٌ قيل إنه يجيد قراءة الطالع وكشف المستور، وقد اعتاد الناس على إطلاق تسمية " فتّاح الفال" على هذا الشخص، قرر الأبوان أنها فرصة لا تعوّض لكي يدلو بدلوه ويخبرهما عن علة ابنهما، وبعد أن أجرى عليه كشوفاته المعتادة وهو يحوطه بدخان أنواع نادرة من البخور التي تتطاير من مبخرة فضية يحملها متمتماً بأدعية وطلاسم لم يسمعا بها من قبل، وفي نهاية المطاف، تهلل وجهه وأشرق وأخبرهما أنه وقع على علّة ابنهما وأن بعض الجن أطلعوه على سبب معاناته وبالتالي معاناتهما، تهلل وجه الأبوين بشراً وسروراً وهما يريان أن سفينتهما المنهكة التي تتقاذفها الأمواج العاتية توشك على الرسو في بر الأمان، لم يشأ فتّاح الفأل أن يخبر الأبوين في بادئ الأمر، وظل يماطل ويسوّف، وأخيراً علم الأبوان أنه يريد منهما أن ينفحاه مبلغاً طائلاً من المال حتى يخبرهما بما توصل إليه، وأخيراً جلبا إليه المال، فتهلل وجهه وأخبرهما أن زعيماً من الجن المنسوب إلى إحدى قبائل الجن الموكلة بأسماء البشر تطوّع بإخباره بأن هناك خطأً فادحاً في اسم ابنهما، وأنه من أجل أن تجري الأمور على ما يرام بالنسبة لهذه العائلة فإنه ينبغي لهم أن يقوموا بتغيير اسمه .

شكر الأبوان فتّاح الفال الطيّب وهو يُطلعهما على هذا السر الذي لم يشأ أحدٌ في السابق أن يفكر فيه ، إلا أنهما توسّلا إليه أن يتصل بمصدره من أجل أن يعطيهما الاسم البديل، فطلب منهما أن يتركاه وحيداً مع ابنهما ومبخرته، ووقفا إلى جانب الباب يصغيان إلى ولولته وأدعيته، وأخيراً دعاهما إلى الدخول وقد أشرق وجهه كرة أخرى، قال من الآن فصاعداً يتوجب على الجميع أن يأخذوا بمناداته بـ" صادق" وأن يكفوا عن مناداته بـ " حمزة" ...

وتمر الأيام وتتلوها السنوات، وحمزة أو صادق لم يزل مرمياً في ذات الحفرة التي وجد نفسه فيها، بل وازداد وضعه سوءاً، وأخيراً وجد نفسه واحداً من نزلاء مستشفى الشماعية ...

 

 

بمناسبــة الذكــرى الثانية لرحيله .. محمـود صبــري يوميات وشهادات شخصية

rawaa jasaniبرغم مرور عامين على رحيل محمود صبري، الفنان والمفكر الرائد، والانسان قبل هذا وذاك، لم ازل ما بين مصدق ومكذب ذلكم الخبر المؤسي، فتطوف الخيال بين حين وآخر ذكريات ومعايشات، دامت نحو ربع قرن، وقد كتبت عن بعض منها في الذكرى السنوية الاولى للفقيد الجليل التي صادفت في 2013.4.13 ...

... وإذ كتب، ويكتبُ، اهلٌ واصحاب ومعارف ومتابعون، قبل الرحيل وبعده، عن محطات تاريخية في حياة محمود صبري، ومواهبه وفكره ومنجزه الثري، دعوني احدثكم هذه المرة عن لمحات من نهار وليل تقليديين في حياة ذلك العبقري، وبما قد يسهم في ان تكتمل الصورة النيرة عنه كما أزعم، لما فيها من اشارات ومؤشرات تتشابك لتضئ انسانية رجل متفرد، وقد "قــلّ الرجالُ فقيـــلَ: ذا رجلُ" ..

 

صور يوميـــة

يبدأ نهار محمود صبري، التقليدي متأخرا بعض الوقت، إذ يسهر غالياً ما بين قلمه وفرشاته وأفكاره وعوالمه المتألقة، وعادة ما يكون إفطاره بسيطا، يهيئه لوحده، ثم يستمر بمتابعة الاخبار، وجلها من اذاعات تبث بالانجليزية، مبتعدا عن الضجيج العربي... دعوا عنكم مجافاته للتلفزيون الذي لم يكن ذا صحبة معه، بل ولم يضمه اثاث شقته ذات الغرفتين، المتواضعة والانيقة في آن، والتي عاش فيها الرائد الكبير طوال عقود، في الدائرة العاشرة من العاصمة التشيكية – براغ..

ولأن الرجل يتابع شؤونه بنفسه، ولا يرغب بتكليف احد بها- الا في ضروريات لا حول له بها، خاصة وان لغته التشيكية ليست بالكافية- لذلك كان في الظهريات يراجع البريد، ويتسوق لمتطلبات البيت التقليدية، ويعود لمواصلة البحث والقراءة والترجمة، والغوص في الكتب والمصادر الفكرية – الفلسفية في الغالب الاعم .

ولأنه نباتي، فلم يغرق في "هموم" الغداء والعشاء وما بينهما، مكتفياً بالفاكهة والخضار ومشتقات الالبان، وبعض الحلوى. ولكن دون الاستغناء عن الشاي المرادف، وعلى طريقته الخاصة .. وهكذا كان يستغل اقصى ما استطاع من وقت للبحث والعطاء.

والرجل قليل الزيارات، وخاصة في الاعوام العشرين الاخيرة من حياته الزاخرة، ان لا ابالغ فأقول بأنها بقيّت اكثر من محدودة، وكذلك كانت الحال بشأن استقباله للزائرين والضيوف، مع الاستثناءات طبعاً للقريبين والمقربين، وممن كان يظنهم بعيدين عن الضجة والضجيج، والكلام والاحاديث المكرورة المملة، ثقافية كانت أو سياسية، وعداهما. ... ولكن وفي نفس الوقت، ما اجلّه في تعقب واحترام المناسبات الخاصة والشخصية للاصدقاء والمعارف وحتى غيرهم، المفرحة منها والمحزنة .

ولاغراض التريض، وتغيير الاجواء، كان محمود صبري يحب التمشي، وفي المساحات الخضراء عادة ، وحتى لساعتين متواصلتين احياناً. وقد "تورطت" معه اكثر من مرة، حين يكون ذلكم الثمانيني مسترسلاً في متعته، وانا ذو الخمسين الى جانبه، الهث للحاق به!!! حتى بدأت اهـــرب من ذلك التقليد، لنستعيض عنه بجلسة مقهى هنا، أو رحلات قصيرة بالسيارة، هناك.

 

لمحات شخصيــة

وأذ تستدرجني الكتابة، وتتشابك اليوميات، بشؤون اخرى، فلأحدثكم عن بعض السمات الشخصية للراحل الجليل، المرادفة للممتلئين وحسب. ومن ذلك تواضعه الجم مع الكبير والصغير، النابه والبسيط، القريب والبعيد. وكم من المرات أخجل الاخرين بتلكم الصفة الاستثناء، النابعة باقتناع دون تصنع أو ادعاء....

كما اشهد هنا اني لم اسمع من الرجل، ولأزيد من ربع قرن، ولا كلمة سوء عن احد، ولا انتقاد او نقد شخصي. سوى حوارات وجدل دقيق حريص، عميق متأصل. ولقد حاولت وأنا في خضم هذه التأرخة العجلى، أن استذكر ولو مشاركة كتابية واحدة لمجمود صبري، تُشمُّ منها قسوة او مغالاة أو تشدد شخصي....

غير ان ذلكم الثبات اعلاه، غير مشمول، طبعاً، في ما يتعلق بالجوانب الفلسفية والفكرية، والوطنية، التي لا مساومة او تردد لديه بشأنها. ومن يريد دليلاً فليعد لدراسة لم تتكرر كما أدعي، حول المقارنة بين " العفلقية والفاشية" نشرها محمود صبري، سنتي 1963و1964 على صفحات ثلاثة اعداد من مجلة "الغد" الصادرة في براغ، عن اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، برئاسة الجواهري الكبير، والتي تشكلت بعيّد الانقلاب البعثي الدموي الاول في شباط 1963. وقد كان الرجل يشغل المسؤولية الفعلية عن تحريرها، بصفته عضوا في تلكم اللجنة العليا .

... ولأن الالتزام بالمواعيد، وبالوعود، ظاهرة حضارية، فمن الطبيعي تماماً ان تكون من سمات محمود صبري. وهنا دعوني اتباهى مجدداً فأتحدث عن ايفاء الرجل بقراره في تبني مشروع "بابيلون" للثقافة والاعلام الذي اطلقنــــاه، أنا وعبد الاله النعيمي، أواخر العام 1990 ... فقد بقي الرائد الجليل راعياً للمشروع، بل ومصمما لابرز اصداراته الاولى، وموجهاً له وحتى الايام الاخيرة من رحيله الى الخلود. وما زال غلاف المجلة اليومية، ثم الاسبوعية، التي ما برحت تصدرها مؤسسة بابيلون، ومنذ ازيد من ثلاثة وعشرين عاما، بأسم " انباء براغ" يحمل ذات الغلاف الذي صدر به العدد الاول، بتصميم: محمود صبري .

والرجل أنيق ليس في كتاباته وأفكاره وفنه وقيمه، وحسب، بل اقترن كل ذلك باناقته في الملبس والترتيب، وكيف لا وهو الفنان – الانسان. ولا تتخيلوا ان تلكم الاناقة ، والمظهر، نتيجة ثياب ممهورة بغالٍ أونفيس، كما اولئك الاخرون! ..فبكل بساطة كان يلبس الرجل، ولكن بذوق وتناسق. وقبل ان انسى لا بد ان اضيف الى ذلك: أن الطبيعة قد حبته شكلاً وقواماً ممشوقاً، فارعاً، مما اضاف اليه وسامة متميزة، كما هو تميزه في عوالمه ومنجزه الثري.

أما عن أعتداد محمود صبري بعطائه، وشخصيته، فلا اظن أن أثنين من عارفيه يختلفان بأنموذجته في ذلكم الشأن، وليس من منطلق الغرور، أبداً، ولكن من فيض ثقته العميقة بالنفس، وقناعاته المستندة لما آمن به من مبادئ وأفكار وقيم. وكل ذلك بعيداً عن الاضواء، والبهرجة والافتعال. وهكذا بقي الفقيد الجليل مَحج رواد، وكل ذوي الفهم والمعرفة، والعاملين في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والفن .. وميادين الوطنية الحقة!

.. ثم دعوني أتوقف أيضاً عند واحدة أخرى من مآثر محمود صبري، وتلكم هي عزوفه الراسخ عن شؤون ذاتية كم سعى ويسعى اليها آخرون .. واعني هنا ابتعاده وحتى ايامه ألاخيرة عن الطلب أو المطالبة بحقوق وطنية وسياسية ووظيفية، أذ لم تَدر في خلده هموم الراتب التقاعدي، أو احتساب الفصل السياسي- دعوا عنكم الجهادي!!- بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق عام 2003 .وقدبقي الرجل خارج اللعبة، وكذلك عن لاعبيها الذين نسوا أو تناسوا - مع أستثناء هنا وآخر هناك- احد ابرز رجالات العراق في القرن العشرين، فكراً وقيما ومبادئ .

أخيرا، وكما هي عادتي في الاحتراز من مقصودين، أقول ان كل ما سبق من وقفات جاء عن معايشة مباشرة، على مدى ربع قرن، وكم يعجبني ان أتباهى بها، فكم مثل محمود صبري، كان، وكم بقي مثله، أو سيأتي؟... وأما قِيل:

يموتُ الخالدونَ بكل فجٍ، ويستعصي على الموتِ، الخلودُ

رجال قامت الموانئ على أكتافهم

khadom finjanالآباء المؤسسون الذين ضاعوا بين صفحات تاريخ الموانئ

إذا كنا نسينا أو تجاهلنا رجال الموانئ في التاريخ المنظور، فكيف يا ترى سنتذكر جيل الآباء المؤسسين. أولئك الرجال الذين اختفوا تماماً من ذاكرة الموانئ العراقية، تلك الذاكرة البائسة، التي تلاعبت بها الأهواء والعصبيات والسياسات المتقلبة. ما أقصده بالمؤسسين: الرجال الذين بُنيت الموانئ على أكتافهم. كان من بينهم العربي والانجليزي والكردي والأرميني والهندي والفارسي، ومنهم المسلم والمسيحي واليهودي والمندائي. لكنهم اشتركوا جميعاً في بناء هذا الصرح العظيم، ولم يبق لدينا ما نتذكرهم به (للأسف الشديد) سوى أسمائهم وعناوين وظائفهم، على الرغم من أنهم خدموا الموانئ من عام 1919 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

ألا يستحق هؤلاء على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم لوحة تذكارية صغيرة، لتذكرنا بجهود هؤلاء الرجال الأفذاذ، تعلق في فناء قبة الموانئ، وتوضع داخل البناية التي شيدوها بأيديهم لتستقر فيها الإدارات المتعاقبة بين هذه الجدران بعد عشرات الأعوام. لوحة تذكارية واحدة.

لقد عثر الأستاذ الكبير (عبد الرزاق عبد الوهاب) على هذه القائمة المُختزلة بالصدفة، وذلك أثناء بحثه المتواصل بين رفوف أرشيف الموانئ، وفي تراكمات خزاناتها الورقية الممزقة، في محاولة منه للعثور على أية معلومات عن حقبة الثلاثينات أو الأربعينات، عسى أن تكون مفيدة للأجيال القادمة في أرشفة تاريخ الموانئ، فكانت النتيجة المؤسفة انه حصل فقط على أسمائهم، من دون أن يتعرف على تاريخهم الزاخر بالعطاءات والانجازات المثمرة:-

 

الكولونيل: السير جون سي وارد

وهو من أكفأ ضباط البحرية البريطانية، الذين وصلوا العراق مع الجيش البريطاني. كان مديراً مؤسساً للموانئ العراقية. يعد من أقدم وأكفأ الربابنة الانجليز العاملين في البحر. التحق أول الأمر بمشروع حفر سد الفاو، ويعود له الفضل في رسم الخرائط الملاحية لشط العرب بصيغتها الملاحية المعتمدة من قبل الأدميرالية البريطانية، ثم أصبح مديراً لميناء (عبادان)، وظل في منصبه هذا قرابة ستة أعوام، ثم انتقل إلى البصرة ليشغل منصب مدير الشؤون البحرية للمدة من 1917 إلى 1919، وكان من المراسلين الصحفيين لصحيفة (نيوز كرونيكل) اللندنية. ثم قفز إلى أعلى السلم الإداري ليصبح هو المدير العام للموانئ العراقية منذ تأسيسها عام 1919، وحتى إحالته إلى التقاعد عام 1943. عاد بعد تقاعده إلى لندن، ففارق الحياة هناك عام 1945 عن عمر يناهز (75) عاماً بمرض السرطان.

 

السيد اج. ام. دوبري

رئيس المهندسين المسؤول عن كافة الشؤون الهندسية في الميناء. خدم في الموانئ طيلة فترة وجود (السير جون وارد) في إدارة الموانئ.

 

السيد سي. اف. نيكول

مدير الإدارة المالية تحت مسمى سكرتير الإدارة المالية في الميناء وخدم خلال الفترة نفسها في إدارة (السير جون وارد).

 

الكابتن ار. اج. كارستون

مدير الإدارة البحرية تحت مسمى ضابط الميناء.

 

قسم الهندسه

ضم هذا القسم أواسط الثلاثينات كل من الملاكات التالية:

• بول فير: مساعد أول رئيس مهندسي الميناء.

• جي . دبليو. لاودون: مساعد ثان رئيس مهندسي الميناء.

• جي. أم. موريس: مدير الهندسة الميكانيكية والكهربائية.

• السيد توفيق بيك النقيب: مساعد رئيس مهندسي الميناء من أوائل المهندسين العراقيين، ومن رجال البصرة. خريج بريطانيا.

• السيد عزرا يوسف ليفي: المشرف الميداني العام على أرصفة الميناء.

 

قسم الحسابات

كانت إدارة هذا القسم بشكل عام بيد الكادر العراقي، ويضم الذوات المدرجة أسمائهم في أدناه:

 

• السيد كامل يوسف عبد الأحد: مدير الحسابات. ولد في البصرة عام 1903، أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في العراق، ثم سافر إلى انجلترا، فالتحق بجامعة أكسفورد. عاد بعد تخرجه إلى العراق عام 1928 ليعمل في قسم الحسابات بدرجة (معاون)، وظل في وظيفته حتى عام 1936، ليصبح فيما بعد مديراً لقسم الحسابات، وهو الابن الأكبر للتاجر البصري الكبير (يوسف عبد الأحد)، الذي كان نائباً في ولاية البصرة، وهو على جانب كبير من الأدب والمعرفة، وأسرته من أصل عربي أصيل.

• موشي داوود شوهيت: معاون مدير الحسابات.

• السيد سلمان جويدة: محاسب.

• فيليب يوسف عبد الأحد: مدير المخازن ومسؤول المشتريات المحلية.

 

قسم النقل (الشحن والتفريغ والنقل)

ويتألف من:-

• السيد رجب عبد الرزاق النعمة: مدير النقل ومسؤول عمليات الشحن والتفريغ والنقل على الأرصفة. ولد (النعمة) في البصرة سنة 1898، ودرس في المدارس العثمانية، ثم سافر إلى بيروت، فدخل الكلية الإسلامية العثمانية، وبعدها الكلية الأمريكية، ولما عاد إلى البصرة أشتغل رئيساً لقسم الترجمة في المحاكم البصرية في زمن الاختلال، ولما جاء العهد الوطني عُين رئيساً لبلدية البصرة عام 1918، واسندوا له رئاسة المدينتين بعد التحاق مدينة العشار بالبصرة، وظل في منصبه هذا أربع سنوات ثم استقال، وفي عام 1929 أصبح معاوناً لمدير النقليات في الموانئ العراقية، وظل في منصبه حتى السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1938 إذ ارتقى في حينها إل قمة السلم الإداري، وأصبح هو المدير العام لشعبة النقليات لما عرف عنه من مقدرة ونباهة وحزم، وهو أول عراقي يشغل هذا الدرجة الوظيفية بعد البريطاني (أس بيفور)، وجاء تعيين (النعمة) على الرغم من اعتراض وزارة المالية على ذلك، وكانت الممانعة مبنية على أن (النعمة) لم يصل إلى الدرجة الوظيفية التي تؤهله لإشغال المنصب. ربما يعزا إصرار سلطة الموانئ على تعيينه إلى جعله في مواجهة الكوادر العراقية العاملة في ميناء المعقل، وربما يعزا السبب إلى الاستفادة من خبراته الإدارية الواسعة. تألق (النعمة) في وظيفته حتى صار معاوناً للمدير العام للشؤون التجارية، واستمر في عمله حتى الرابع عشر من عام 1946. يعد (النعمة) من أبناء البصرة الغيورين الذين يحملون روحاً وطنياً وثّابة وفكراً خصباً، له إرادة سديدة، وهو على جانب كبير من الخلق المتين، والأدب الجم، ومن أسرة عربية عريقة.

• السيد عباس علي: وقد شغل إدارة القسم بعد (النعمة). التحق بالموانئ العراقية في حزيران (يونيو) عام 1922، ثم أصبح مساعداً لمعاون مدير القسم في الثالث عشر من نسيان (أبريل) 1943، ثم معاوناً لمدير القسم في 22/ أكتوبر /1945.

• السيد نوري يوسف عبد الأحد: عمل مساعداً لمدير النقل (النعمة) للمدة التي سبقت مجيء (عباس علي)، ثم أصبح معاوناً لمدير القسم (عباس علي)، ثم تولى إدارة القسم بعد إحالة (عباس) إلى التقاعد، وهو شقيق فيليب يوسف عبد الأحد المشار إليه في الأعلى.

• السيد علي فؤاد حمزة: مساعد مدير النقل.

• السيد ألبرت حسقيل شماش: مساعد مدير النقل.

 

قسم الإدارة البحرية

• السيد دبليو. ام. شوزميت: نائب مدير الميناء للإدارة البحرية.

• السيد اي. دبليو. براد فيلد: المساعد الثاني لمدير الميناء.

• السيد سي. جي. فوكس: المساعد الأول لمدير الميناء للإدارة البحرية.

• السيد اي. دبليو. برنارد: ربان المرفأ الأقدم.

 

القسم القانوني

• ويديره السيد نجم الدين بيك النقيب، وهو المشاور القانوني العام لمدير الميناء (كان هذا الرجل من أبناء البصرة. هل يا ترى لدى قسم الشؤون القانونية في الموانئ أية معلومات عنه) باعتباره أول مشاور قانوني للميناء، وهو الذي أسس القسم المذكور.

• السيد قاسم الزهير: المستشار الحقوقي في القسم القانوني.

 

إدارة المسح والحفر والهيدروغرافيا

• السيد اي. كوسترر: رئيس ادارة المسح والحفر والهيدروغرافيا.

• السيد جي. أم. باين: مساعد مدير الميناء لشؤون الحفر والهيدروغرافيا.

• السيد نصوري توماس: مشرف عام المسح والحفر والهيدروغرافيا.

 

مدير صحة الميناء:

• الدكتور (بي. برايد): مدير صحة الميناء.

• الدكتور تي. ثورنتون: طبيب صحة الميناء.

• الدكتور علي فتاح: مدير الشؤون الطبية.

 

أما المهندس المعماري الذي صمم فندق ومطار الميناء (فندق شط العرب حاليا)، فهو المهندس البريطاني: (أج . سي. ميسون).

ألا يستحق هؤلاء لوحة تذكاريه صغيرة تعلق في قبة الموانئ، وباللغتين (العربية والانجليزية) لتخليد الرجال الذين كان لهم الفضل في تأسيس القواعد والمرتكزات المينائية العراقية ؟.

 

.............

أنا بحاجة إلى من يد لي يد العون بتوفير المزيد من المعلومات عن الآباء الواردة أسمائهم في هذه المقالة، ولا بأس بأي معلومة مهما كانت صغيرة، وأرجو مخلصا تزويدي ببعض الصورة المتوفرة عنهم

 

استشهاد الصدر الاول ومنطلقات صناعة الذات

najah alatyaتصادف اليوم ذكرى الجريمة الانسانية الكبرى لقيام الطاغية المقبور صدام ونظامه القذر باعدام الشهيد المفكر ونابغة العصور السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه وشقيقته المجاهدة آمنة الصدر (بنت الهدى) في التاسع من نيسان عام 1980 وذلك بعد ان اخذ الطاغية الضوء الأخضر من أسياده الصهاينة الذين جاؤوا به الى سدة الحكم في العراق وبعد ان استشعرت الدوائر الصهيونية ومراكز صنع القرار في الدول الغربية ان وجود السيد الشهيد بين ظهراني الشعب العراقي يشكل خطرا ستراتيجيا على مصالح الولايات المتحدة والغرب وعلى نفوذهما في اهم منطقة من مناطق النفوذ في العالم لاسيما بعد انتصار الثورة الاسلامية الايرانية ذلك الزلزال المدوي الذي شكل ضربة حقيقية كبرى لمصالح الولايات المتحدة وقوى الهيمنة الغربية في منطقتنا واستشعار تلك القوى ان العراق سيكون المحطة الثانية في سلسلة تتابع الثورات الشعبية على الانظمة العميلة للغرب فيما يعرف بنظرية الدومينو التي تخص مناطق النفوذ الكبرى للولايات المتحدة وحليفاتها وفي مقدمتها الكيان الاسرائيلي.

ان ذكرى استشهاد السيد الصدر يجب ان تكون منطلقا حقيقيا لاعادة بناء الذات والمجتمع اذا اردنا ان نمجد صاحب الذكرى الذي ضحى بوجوده وكل ما يملك من اجل ابناء العراق بكافة اطيافهم وتنوع مذاهبهم واعراقهم فهو كان مشروع تضحية وعطاء لجميع الاشراف في العراق ولم يكن محسوبا على فئة دون اخرى

واذا كنا نقيم الاحتفاليات التابينية له في هذا اليوم بذكرى استشهاده فاننا أحوج ما نكون اليوم وغدا لاستلهام اخلاقيات وسلوكيات السيد الشهيد في نضاله من اجل انجاح حركة التغيير الواقعي الاجتماعي والسياسي في بلدنا الذي هو بامس الحاجة الى العمل الدؤوب والفعل التضحوي المثمر من اجل اعادة تاهيل عقل الانسان في هذا البلد المثخن بالجراح والازمات والنكبات

وليس علينا ان نكتفي فقط باقامة شعائر التابين لهذه الشخصية التي اذهلت العالم بشمولية وغزارة علمها ليوم واحد يمر علينا مرور الكرام دون ان نعي ان السيد الشهيد انما نذر حياته وقدم نفسه الزكية قربانا من اجل صحوة الضمير ونهضة النفس عند كل مواطن عراقي بل وكل مواطن عربي مسلم وغير مسلم وانه اراد بكل قوته وتضحياته التي شهد لها التاريخ بناء شخصية الانسان والمجتمع وقيام دولة الانسان وفق الاطار القانوني والمؤسساتي الذي يحفظ للانسان عزته وحريته وكرامته ومستقبله على ضوء منطلقات الاسلام المحمدي الاصيل

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) صدق الله العلي العظيم

 

نجاح العطيه

الاربعاء 9/4/2014م

 

 

 

وحدكَ .. وحدك*

mustafa almohajerســــــــــيدي أبا جعفر ...

من أينَ ألجُ الى رحابكَ المليئة بالدهشةِ والفواجع .. ؟! ..

وأيَّ الدروبِ توصلني الى ساحتكَ المتصلة بالسماء .. الممتدة الى أبعد الآفاق ..؟!

لذكراكَ طعمُ الدمِ الحسيني .. ونسيمُ الفاجعةِ الكربلائية .. ولنا أغطية ُ الخيبة التي تدثرُ حزننا المشتعلَ ندماً .. أننا لم نمتْ دونكَ ..! ، وأننا جميعاً ساهمنا بدمك ..!، من أعلى مفصلٍ في نظامنا الاجتماعي والعلمي والديني .. وحتى أصغرِ نقطةٍ في ذلك النظام.

حوزاتُنا المبجلةُ بكل طقوسها النائمة في أحضان الماضي ..!، وجامعاتنا المستباحةُ للفكر المستوردِ .. وخيولِ الهمجيةِ الجديدةِ اللابسةِ شعارات الحرية ...

أسواقنا الغارقة ُ في عمليات بيع الآخرةِ بالدنيا .. ، ومساجدنا الكئيبة ُ على امتداد الوطن ... والوكلاء المشغولونَ باقتسامِ الغنائمِ .. أرباعاً .. وأثلاثا ..!.

وأخيراً طلائعُ الوعي .. الهاربونَ من المواجهةِ الى حيث ُ الأمانُ والكلماتُ التي لا تجرحُ أحدا ...!.

كلُّ هؤلاء .. كُلّنا ساهمنا في دمكَ، فضلاً عن ذلك "التكريتي" "الهمجي" "المتخلف".

ســــــــــيدي أبا جعفر

من دمكَ المشتعلِ فكراً ... وضياءً، من أريجكَ الممتدِ الى آخر خليةٍ في أجسادنا المملوءة ندماً .. وفجيعة ، تطلعُ خيول قصائدنا راكضةً نحو الشمس .. علّها تلتقط ُ خيطاً من شعاعِ عينيكَ الذابلتين .. سهراً .. وخيبةً .. وحنينا.

أية ُ جريمةٍ اقترفها ذلك "الهمجي" المتربعُ حتى الآن (1) على أضلاع العراقِ بكل وحشيةٍ وحقد..؟!، وأية خسارة أورثها فقدكَ لعالمنا الاسلامي ... وللفكر .. والعقيدةِ .. والعمل ..؟!.

ها هو العراق .. استحالتْ تخيلُهُ بعدكَ كَرَبَاً .. ومشانق .. ومياهُهُ دماً ومرارة .. ورجالُهُ وقوداً لشهواتٍ مجنونة ..!!.

وكما حوصرتَ في دارك أشهراً عديدة .. ها هو العراقُ كلُّه محاصر .. وكَلوعة أمكَ المريضةِ (2) .. لوعةُ امهاتنا ومرضانا ..!، وكجوعِ أطفالكَ الصغار .. جوعُ أطفالِ العراق جميعاً ..!!

وأولئك القتلة ُ الذين مشوا الى دمك .. مشى القتلُ اليهم واحداً .. واحدا ..!

ومَنْ حرّضوا عليكَ السلطانَ الجائرَ خوفاً على مصالحهم المتسترةِ بالجهل .. من علمك المزدانِ بالتقوى، وحبِّ الناس .. سحقتهم طاحونة ُ الطاغوتِ كياناً .. كيانا، وسلبتهم دنياهم التي خافوكَ عليها .. واللهُ خصمهم .. وعذاباتكَ شاهدةٌ عليهم يوم القيامة..!. (3)

وحدكَ الخارجُ من تلكَ الغياهبِ .. مكللاً بضوء الشمسِ .. وغار الشهادة .. وحدكَ المتطاولُ على مرِّ الزمانِ .. شموخاً .. وعلواً .. ومفاخر..

ووحدكَ الطالعُ من أحزاننا .. فرحاً لعمرٍ قادم .. وربيعاً لأرضٍ جديدة .. ونهاراً مضمخاً بالعزِ والوفاء.

وحدكَ .. وحدكَ .. تبقى ساريةَ الانتصارِ الآتي على خرائب أحقادهم .. ومتاهات تخاذلنا ..

وحدكَ المحمولُ في دمنا .. مواعيدَ فجرٍ مشتعلٍ بالأمنياتِ .. وضحكاتِ الأطفال.

وحدكَ .. أيها الأكبرُ من همجيةِ قاتليك .. والأرفعُ من دنيا حاسديك ..و الأورعُ من كلِّ كلماتِ الحب .. والأصدقُ من دماءِ الحرية ..

وحدكَ .. متفرداً في كلِّ ما قدّمتَ .. وكلِّ ما فكرت .. وكلِّ ما كتبتَ .. وكلِّ ما خطوتَ ..

وحدكَ الباقي .. رمزاً .. ومناراً .. ومواويل حريةٍ وانتصار ..

وحدكَ .. وحدكَ

والجميعُ الى الفجيعة ..!!

 

مصطفى المهاجر

.......................

*المقدمة التي كتبها الشاعر لمجموعته الشعرية الخاصة بالشهيد السيد محمد باقر الصدر، والموسومة بــ "ليس حباً .. سواه". وهي معدة وجاهزة للطبع.

1 – كتبت هذه المقدمة قبل سقوط جلاد العراق.

2 – تؤكد بعض الدراسات أن والدة السيد الشهيد كانت مريضة فترة الحصار الذي فرض عليه من قبل النظام البعثي، ولم يسمح بادخال الدواء اليها.

3 – تشير بعض الدراسات المؤكدة الى أن تقارير محرضة كانت ترفع الى السلطات آنذاك ضد السيد الشهيد.

 

صورة نادرة لزعماء الربيع الأوربي

khadom finjanلنبتعد قليلا عن ثورات الربيع العربي وزعمائها المجهولين، الذين خرجوا علينا من أرصفة الساحات والميادين، ليؤججوا براكين فوضى عارمة اجتاحت العواصم العربية الجمهورية، واستثنت العواصم الملكية والأميرية، ولنذهب في رحلة خاطفة إلى الماضي القريب، نخترق فيها حواجز الزمن إلى الوراء، فنزور فيها ميدان التحرير وسط العاصمة البلجيكية بروكسل، في المكان الذي أينعت فيه أشجار الحدائق الأوربية، وتعطرت بشذى أزهار ربيعها العلمي، وأشرقت صباحاتها الجميلة على المنصة، التي وقف فوقها نخبة من رواد علوم الفيزياء والكيمياء، حاملين بأيديهم مشاعل الرقي والإبداع والتفوق، ومسجلين أولى خطوات الانقلاب العلمي في مؤتمر عقدوه هناك للمرة الخامسة على نفقة رجل الأعمال البلجيكي (أهرنفست سولفاي) للمدة من 24 إلى 27 تشرين الثاني (أكتوبر) عام 1927، فالتقطوا لهم هذه الصورة التذكارية الرائعة، ثم تسلح أحفادهم بتقنيات التصوير الرقمي، وادخلوا عليها الألوان الطبيعية الزاهية، وفاءً وعرفاناً للرعيل الأول الذي أنار لهم الطريق في مسيرة الازدهار والتقدم. .

كان الوطن العربي منشغلا وقتذاك بتكفير كل من يتجرأ على التمرد على السياقات الفكرية التقليدية الموروثة، فكفروا الشيخ (علي عبد الرزاق) عام 1925، وكفروا من بعده عميد الأدب العربي الدكتور (طه حسين)، في الوقت الذي سارت فيه أوربا نحو تفعيل مقومات الثورة العلمية والصناعية، التي بدأت بنبوغ (ماكس بلانك)، باكتشافه الكوانتم عام 1900، والكوانتم لفظة لاتينية تعني (الكم)، ثم جاء ألبرت أينشتاين ليعلن في نيسان (أبريل) عام 1911 انه توقف عن التساؤل عما إذا كان للطاقة كوانتم من عدمه، معبرا عن قناعته المطلقة بالكم الذي تحمله الطاقة. .

في تلك الحقبة كان العلماء في حيرة من تعريف طبيعة الطاقة الضوئية، هل هي جسيمية أم موجية ؟، حتى جاء اليوم الذي نشر فيه آينشتاين خلاصة أبحاثه في الرابع والعشرين من نيسان (أبريل) عام 1924، والتي قال فيها: إن النظريتين الموجية والجسيمية صادقتان، ويتعين علينا القبول بهذا التناقض، ولم تمض بضعة أيام حتى تسلم آينشتاين رسالة علمية من الأمير (لوي دي بروي) تتضمن نتائج دراساته المختبرية عن العلاقة بين المادة والضوء كجزء من المتطلبات الجامعية المترتبة على نيله درجة الدكتوراه في الفيزياء. .

367-khadom

قال الأمير (بروي) في رسالته: إن الالكترونات لها خاصية مزدوجة، فهي جسيمات وموجات في آن واحد، ولكن لا يمكن رؤيتهما معاً، فتشكلت لجنة رباعية لمناقشتها، بيد أنها قررت الاستئناس بآراء آينشتاين، وهكذا وصلت إليه الرسالة في طرد بريدي، فجاء جواب آينشتاين على النحو الآتي: لقد أزاح الأمير طرفا مهما من الحاجز الكبير، وبهذا الجواب المختصر نال الأمير درجة الدكتوراه، وانضم إلى علماء الفيزياء النووية، وكان من ضمن المدعوين لمؤتمر سولفاي الخامس، وسنأتي على تسمية العلماء الظاهرين في الصورة التذكارية، التي ضمت (29) عالما في ثورة الربيع الأوربي، من بينهم العالم النمساوي المتألق (بول أهرنفست)، وكان بعمر (34) سنة، ويعمل أستاذا للفيزياء النظرية بجامعة ليدن بهولندا، ويعد من المؤازرين لآينشتاين، ومن المؤمنين بنظرية الكم (الكوانتم)، لكنه انحاز في اليوم الأول للمؤتمر ليقف ضد صديقه آينشتاين، ويدعم أفكار عالم الفيزياء الكلاسيكية الدنمركي (نيلز بور)، فحزن آينشتاين، وتألم لموقفه المتذبذب وقال له: من يضحك أخيراً سيضحك كثيراً. .

كان من بين المشاركين في الربيع الأوربي سبعة عشر عالماً من الحائزين على جائزة نوبل، ولهذا قيل عنه انه ربيع العقول، التي صنعت العصر الذهبي للفيزياء الحديثة، ومهدت الطريق للصناعات الالكترونية الباهرة. .

كان (نيلز بور) على قناعة تامة بوجود عالمين: عالم كبير، وعالم صغير، العالم الأول هو الذي نعيش فيه، والذي يخضع لمنطق (العلية)، بمعنى إن لكل علة معلول، والمعلول في هذه الحالة حتمي الحدوث، وليس احتمالي الحدوث، أما العالم الصغير فهو عالم الكوانتم، التي لا تخضع لمنطق (العلية) بسبب حركتها العشوائية غير المنتظمة، ويصعب التكهن بتصرفاتها على حد قول (نيلز بور)، و(هيزنبرغ)، الذين أطلقوا على تأويلهم هذا اصطلاح (تأويل كوبنهاكن)، فقال لهم آينشتاين: (لقد خلق الله الكون كله بنظام حسابي ثابت مستقر منضبط، لا يخضع للعشوائية ولا الاحتمالية، فالله جل شأنه لا يلعب النرد، وان نفي العلية يعني الفوضى، وان تأويلكم هذا سيحدث زلزالا مدمرا في العلوم والمفاهيم والنظريات القديمة والحديثة، وان عجزكم عن فهم خصائص الجزيئات الصغيرة في الذرة يعبر عن قصور عقولكم عن فهم عوالمها وألغازها). .

لقد استدل العلماء بالدليل القاطع على إن التوازنات الدقيقة لأصغر الأجسام في الكون تعكس صورة التصميم الدقيق لكل المخلوقات المادية والحيوانية، ومن غير المعقول إن يحدث ذلك كله بالمصادفة، فالذرة الصغير ومكوناتها المتناهية في الصغر هي الدليل على إتقان الخلق اتقاناً يدل على إن الخالق المبدع يتصف بصفات الكمال. .

لقد رسم زعماء الربيع الأوربي ملامح الطريق الصحيح نحو ارتقاء سلم المجد والتفوق، ونحو بناء القواعد الصناعية العملاقة، ونحو صياغة المناهج التربوية الصحيحة، والاعتماد عليها في إعداد الأجيال القادمة. .

دعونا الآن نستعرض أسماء العلماء الظاهرين في الصورة، ونبدأ بالصف الأول من اليسار بالعالم (لانغمور إيرفنغ Langmuir Irving) ويحمل الرقم (1)، وهو عالم كيميائي أمريكي من مواليد 1881، حصل على جائزة نوبل عام 1932 في كيمياء السطوح، ويعود له الفضل باختراع المصباح ذي الشريط التنغستوني المملوء بالغاز الخامل، وهو أول من استعمل الهيدروجين الذري في اللحام، وله نظرية ذرية مسجلة باسمه بالاشتراك مع العالم (لويس Lewis)، وابتكر طريقة لتصوير الفيروسات بواسطة الطبقة وحيدة الجزيئات، وكانت وفاته عام 1957. .

يأتي بعده في الصف الأول من اليسار العالم (ماكس بلانك Max Plank)، ويحمل الرقم (2)، وهو عالم ألماني من مواليد 1858 يعود له الفضل الأكبر في تأسيس نظرية الكم، ويعد من أشهر علماء القرن العشرين، وكانت وفاته عام 1947. .

تأتي بعده العالمة البولندية الأصل (مدام كوري Marie Sklodovska)، وتحمل الرقم (3)، وهي من مواليد 1867، عالمة في الفيزياء والكيمياء، اكتسبت الجنسية الفرنسية بعد زواجها من العالم (بيير كوري)، تعد من رواد فيزياء الإشعاع، وأول من حصل على جائزة نوبل مرتين، مرة في الفيزياء ومرة في الكيمياء، وهي المرأة الأولى التي تحصل على هذه الجائزة، والأولى التي تحصل عليها في مجالين مختلفين، وكانت وفاتها رحمها الله عام 1934. .

يأتي بعدها العالم الهولندي (هندريك أنتون لورنتس Hendrek Antoon Lorentz)، ويحمل الرقم (4)، وهو من مواليد 1853، حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1902 مع (بيتر زيمان)، وهو أول من وضع معادلات التحويل التي اعتمد عليها آينشتاين في وصف الفراغ والزمن، وله اكتشافات كثيرة في المجال الكهرومغناطيسي، وكانت وفاته عام 1928. .

اما الشخص الخامس في التسلسل، والذي يجلس في المقدمة، ويتوسط الجميع، فهو الفيزيائي الألماني الفذ، والموسيقي المبدع، والرياضي اللامع، (ألبرت آينشتاين Albert Einstein)، المولود في ألمانيا عام 1879، وهو أبو النظرية النسبية، حاز عام 1921 على جائزة نوبل في الفيزياء، وله بحوث كثيرة في ميكانيكا الكم، وتكافؤ المادة والطاقة، عرفه الناس بذكائه المفرط، حتى أصبحت كلمة (آينشتاين) مرادفة للعبقرية، كانت وفاته رحمه الله في أمريكا عام 1955. .

ويجلس إلى يساره العالم الفيزيائي (بيير لانغفن Pierre Langevin)، ويحمل الرقم (6)، ولد في فرنسا عام 1872، كان من خيرة العلماء الذين درسوا الموجات الصوتية، ويعود له الفضل باختراع أجهزة السونار. كانت وفاته في فرنسا عام 1946. .

يأتي بعده العالم الفيزيائي السويسري (تشارلس يوجين جاي Charles Eugene Guye)، ويحمل الرقم (7)، ولد عام 1866، كان ألبرت آينشتاين من الذين تتلمذوا على يده، تخصص في الفيزياء الذرية، وله فيها أكثر من 200 ورقة بحثية، ذاع صيته بين الناس بعد أن اثبت مختبريا بأنه لا وجود للصدفة في خلق الطبيعة، وان الله وحده هو الخالق المبدع المدبر، كانت وفاته عام 1942. .

يأتي بعده العالم الاسكتلندي (تشارلس توماس ريس ويلسون C.T.R. Wilson) ويحمل الرقم (8)، ولد عام 1869، وحصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1927 لاختراعه الغرفة الغيمية، وكانت وفاته عام 1959. .

اما الجالس في طرف الصورة ويحمل الرقم (9) فهو العالم الفيزيائي الانجليزي البارع (أوين وليانز ريتشاردسون Owen W. Richardson)، ولد عام 1879، وكانت وفاته عام 1959، وحصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1928 لنجاحه في صياغة قانون الانبعاث الحراري. .

ثم نتعرف على الجالسين في الصف الثاني، ونبدأ من اليسار بالتسلسل رقم (10)، وهو العالم (بيتر ديبي Peter Debye)، المولود في هولندا عام 1884، والحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1936، وكانت وفاته في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1966. .

ثم يأتي بعده العالم الدنماركي الكبير (مارتن كنودسن Martin Knodson)، ويحمل الرقم (11)، ولد عام 1871، ويعود له الفضل في صياغة ما يسمى برقم كنودسن، ويرمز له (Kn)، وهو رقم لا بعدي يعرف على انه يمثل نسبة المجال الوسطي الحر للجزيئات إلى طول فيزيائي معين في الأوساط المائعة، وكانت وفاته عام 1949. .

ويجلس إلى جانبه العالم الاسترالي (وليم لورنس براغ W. Lawrence Bragg)، ويحمل الرقم (12)، وهو مولود عام 1890، وحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1915 بالاشتراك مع (وليم هنري براغ)، وكانت وفاته عام 1971. .

يأتي بعده العالم الفيزيائي الهولندي (هانز كرامرز Hans Kramers)، ويحمل الرقم (13)، وهو من مواليد عام 1894، وكانت وفاته عام 1952. .

ويجلس إلى جانبه العالم الانجليزي الشاب (Pual Direc)، ويحمل الرقم (14) خلف آينشتاين تماماُ، وهو أصغر المشاركين سناً، ولد عام 1902، وكان عمره (25) عاما عندما شارك في المؤتمر، حصل على جائزة نوبل عام 1933 بالاشتراك مع العالم (إروين شرودنغر)، لوضعه صياغات جديدة لنظرية الكم، وكانت وفاته في فلوريدا عام 1984. .

يليه عالم الفيزياء الأمريكي (آرثر كومبتون Arthur Compton)، ويحمل الرقم (15)، وهو من مواليد 1892، حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1927 عن اكتشافه تأثير كومبتون، وكانت وفاته عام 1962. .

يليه العالم الفرنسي الكبير (الأمير لوي دي بروي Louise de Broglie)، ويحمل الرقم (16)، ولد عام 1892، وتخصص في الفيزياء وبرع فيها، وكان من المقربين لآينشتاين، حصل عام 1929 على جائزة نوبل في الفيزياء، وتولى منصب سكرتير الأكاديمية الفرنسية للعلوم، ساهم في تطوير نظرية الكم، واخترع المجهر الالكتروني، وكانت وفاته عام 1987. .

يأتي بعده العالم الألماني (ماكس بورن Max Born)، ويحمل الرقم (17)، ولد عام 1882، وحصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1954 عن ميكانيكا الكم، كانت وفاته عام 1970. .

ثم يأتي بعده غريم آينشتاين وهو العالم (نيلز بور Niels Bohr)، ويحمل الرقم (18)، وهو من المنادين بقبول الطبيعة الاحتمالية في تفسير نظرية الكم، وكانت وفاته عام 1962. .

أما الذين يقفون في الصف الثالث، فهم من اليسار: العالم الفيزيائي السويسري (أوغست بيكر Augeste Piccard)، ويحمل الرقم (19)، ولد عام 1884، وهو أول من اكتشف طبقة الستراتوسفير في الغلاف الجوي، وصمم أول غواصة لسبر الأعماق السحيقة في البحار والمحيطات، توفي هذا العالم الكبير عام 1962، وخلف وراءه كل مفيد للبشرية من اختراعاته المتنوعة كالمناطيد والغواصات، والمعادلات الفيزيائية التي أنارت الطريق للأجيال القادمة. .

اما العالم الذي يحمل الرقم (20) فهو الكيميائي الفرنسي (إيميل هنريوت Emile Henriot)، ولد عام 1885، وهو من تلاميذ مدام كوري، ويعود له الفضل في تطوير المجهر الالكتروني، وكانت وفاته عام 1961. .

ثم يقف إلى جانبه العالم النمساوي (بول اهرنفست Paul Ehrenfest)، الذي يحمل الرقم (21)، ولد عام 1880، وتوفى عام 1933، لكنه وعلى الرغم من صغر سنه كان من أشهر علماء الفيزياء في عصره. .

ويقف إلى جانبه العالم البلجيكي (إدوارد هيرزن Edouard Herzen)، الذي يحمل الرقم (22)، وهو من مواليد عام 1877، تخصص في الكيمياء الفيزياوية، وهو حفيد الكاتب الروسي (الكسندر هيرزن)، تبوأ أرقى المناصب العلمية عام 1921، وتوفي عام 1933. .

ويقف إلى جانبه عالم الرياضيات البلجيكي (ثيوفيل دي دوندور Theophile de Donder)، ويحمل الرقم (23)، ولد عام 1872، اشتق عام 1923 بعض الصيغ الرياضية للتفاعلات الكيماوية، وتوفي عام 1957. .

ويقف إلى جانبه عالم الفيزياء النمساوي (إروين شرودنغر Erwin Shrodenger)، ويحمل الرقم (24)، ولد 1887 وتوفي عام 1961، وهو معروف بإسهاماته في ميكانيكا الكم، وبخاصة معادلة (شرودنغر)، التي حاز من أجلها على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1933، اشتهر بوضع صيغ رياضية لوصف سلوك الالكترونات في تركيبة الذرة. .

ويقف إلى جانبه العالم البلجيكي (يوليوس إيميل فيرشافلت Jules Emile Vershafelt)، ويحمل الرقم (25)، ولد عام 1870، وتوفي عام 1955، وكان من أشهر علماء الفيزياء في عصره. .

ثم يأتي من بعده العالم النمساوي (فولفغانغ باولي Wolfgang Pauli)، ويحمل الرقم (26)، ولد عام 1900، وتوفي عام 1958، لكنه كان من أشهر علماء الفيزياء، وحاز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1945، واسهم إسهاما فاعلا في تطوير نظرية الكم. .

ويقف إلى جانبه العالم الألماني (فيرنر هليزنبيرغ Werner Heisenberg)، ويحمل الرقم (27)، ولد عام 1901، وتوفي عام 1976، حاز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1932، واكتشف أهم مبادئ الفيزياء الحديثة، وهو مبدأ عدم التأكد، أو عدم اليقين، الذي أعلنه عام 1927. وانصبت اهتماماته المختبرية على دراسة سلوك أشعة غاما. .

ويقف إلى جانبه العالم البريطاني (رالف هاورد فاولر Ralph Howard)، ويحمل الرقم (28)، ولد عام 1889، وتوفي عام 1944، وكان بارعا في الفيزياء والفلك. .

ويقف في الطرف الأخير من الصف الثالث العالم الفرنسي الكبير (ليون نيكولاس بريلوين Leon Brillouin)، الذي يحمل الرقم (29)، ولد عام 1889، وانتقل إلى رحمة الله عام 1969، ينحدر من عائلة توارثت علم الفيزياء جيل بعد جيل، وكان من أشهر الفيزيائيين في منتصف القرن الماضي. .

لقد حصل المشاركون في الربيع الأوربي على أكثر من سبعة عشر جائزة نوبل، وعشرات الجوائز العلمية والأوسمة الرفيعة، وتركوا للأجيال اللاحقة كنوزا علمية زاخرة بالمفاهيم العلمية الجديدة، التي منحتهم القدرة على النهوض بالمراحل المستقبلية المثقلة بالمهمات الصعبة. .

كان أكبر المشاركين في انتفاضة الربيع الأوربي العالم الهولندي (هندريك أنتون لورنتس)، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد عام واحد (1928) من انعقاد المؤتمر، أما اصغر المشاركين في الربيع فهو العالم الانجليزي الشاب (Pual Direc)، وكان آخر الراحلين منهم، إذ وافته المنية عام 1984، بعد ثماني عقود حافلة بالانجازات العلمية الباهرة، نال على أثرها جائزة نوبل بالفيزياء. .

كانوا قدوة حسنة قادوا أحفاد القارة العجوز نحو المجد، وكانوا نخبة منتخبة من العلماء الأعلام شيدوا الأسس الرصينة لقيام النهضة الصناعية الحديثة، التي منحتهم القوة في مواجهة أصعب التحديات، لم يشغلوا أنفسهم مثلنا بالمهاترات والصراعات الطائفية العقيمة، ولم يتفننوا بصناعة الموت، ولم يغرقوا في مستنقعات الحقد والكراهية. كرسوا حياتهم كلها من اجل تحقيق المنافع العامة لأوطانهم، وافنوا أعمارها في ميادين الإبداع والتفوق. كان لهم الفضل الكبير على كل القارات بما تركوه من تراث علمي وضعوه في خدمة الجنس البشري. .

بعد هذه الانجازات الرائعة والقفزات العلمية الهائلة يأتيك احد المتحجرين من المنظمات المتطرفة الغارقة في الجهل والتخلف ليهمس في إذنك، ويخبرك إن هؤلاء الذين خدموا الإنسانية سيذهبون كلهم إلى النار، لأنهم .... ؟؟؟؟. .

كان هذا ملخصا للربيع الأوربي، الذي نهض به علماء تركوا بصماتهم على صفحات المقررات الدراسية لمدارس ومعاهد وكليات البلدان والمدن والقصبات في كوكب الأرض، ومن المفارقات العجيبة إن بعض الذين شاركوا (مع أو ضد) ثورات (الربيع العربي) كانوا من رجال الأمن وأصحاب السوابق، ولديهم سجلات ملوثة بدماء الأبرياء في أقبية مديريات الأمن وأجهزة المخابرات والاستخبارات ومراكز الشرطة. .

وهذا هو الفارق الكبير بين الرجال الذين شيدوا المستقبل وبين الرجال الذين شيدوا المعتقل. .

 

السيد فضل الله مازال مطاردا

naeem yasinطلع علينا احدهم يدعى (ابو احمد الكعبي) بمقال نشره بهذا الاسم الذي يختفي به خوف المؤاخذة او التحقير، طلع بمقاله المنشور في موقع كتابات في الميزان بعنوان "وقفه مع السيد محمد حسين فضل الله (2)"، وكنت اظنه مقالا علميا رصينا يناقش السيد فضل في نظرية فقهية او كلامية او فلسفية او تفسيرية او على الاقل في ارائه السياسية، لم يكن مقاله حتى قريبا من هذا كله ويبدوا ذلك لقلة بضاعته.

بدأ صاحب الكنية (ابو احمد) مقاله بان الجدل مازال يدور حول شخصية فضل الله، وكأن من يشغل الباحثين بافكاره نقضا وابراما يجب علينا شتمه وطمس معالمه، قال المكنى ابو احمد: "منذ سنوات والجدال يحتدم هنا وهناك حول شخصية فضل الله بين الشيعة انفسهم قبل غيرهم رغم صدور (الحوزة العلمية تدين الانحراف) منذ تسعينات القرن المنصرم ورغم اراء العلماء والفقهاء".

ويضيف "ولم يكن فضل الله الشخصية الوحيدة التي اثير حولها الجدل لكن خصوصية فضل الله هو انه متهم بالانحراف عقائديا اما غيره من الاسماء محل الجدل فان مصدر الاتهامات ضدها كانت سياسية وتتعلق بفساد مالي وماشابه ولعل اكثر من اثير حوله اللغط والجدل في العراق السياسي كان سماحة السيد عبد العزيز الحكيم رحمه الله .. ومن كان متابعا ومطلعا او قريبا على المرجعية يعلم حقيقة الامر ومصدر تلك التهم والجهات التي تقف خلفها وانتهى المطاف برحيله رضوان الله عليه وبيان سماحة المرجع الاعلى وماورد فيه .." .

السيد فضل الله منحرف عقائديا عن ابي احمد الكعبي لكنه لم يوضح لنا انحرافه عن الاسلام برمته ام عن عقيدة التشيع، ولم يطرح لنا المعيار الذي يحكم في ضوئه على شخص بالانحراف . هكذا يلقى الكلام لان في النفس شيء من الرجل . هل نحن بحاجة الى تشخيص التوجه السياسي للمدعو ابي احمد بعد دفاعه عن شخصية دينية تتعاطى السياسة بتفاصيلها وضيق دهاليزها، ويلصق دفاعه بالمرجعية؟ . نحن بدورنا لانتهم من ذكره ونجلّه، ولكن اما شفع للسيد فضل الله موته وذهابه الى ربه من السنة السوء واقلام السوء فتنتهي عن اكل لحمه ميتا كما انتهت عن السيد عبد العزيز برحيله رحمه الله؟ .

وليؤكد نقمة المرجعية في النجف الاشرف على السيد فضل قال ان المرجعية لم تعزي احدا بوفاته بينما عزت " الزعماء الكرد لمناسبة تفجير في مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني .."ويضيف" بل ارسل سماحة المرجع الاعلى برقية تعزية للامين العام للامم المتحدة لمناسبة اغتيال سيرجيو ديميلو مبعوث الامم المتحدة في العراق ! " . لقد تناسى ابو احمد وهو في غمرة النشوة بموت السيد فضل الله ان بعض من في الحوزة سبق ان فرح باعدام السيد محمد باقر الصدر، وفيها من كان يحرض على اعدامه ويصور لنظام صدام بان الصدر خميني العراق، وفي الحوزة من كان يسخر من الفكر العميق في كتابي الصدر "فلسفتنا  و"اقتصادنا" فكان يطلق عبارة " عبائتنا وعصاتنا "، فكون النجف لم تعز برحيل السيد فضل الله لا يضير الراحل شيئا، وهذا كان متوقعا لان السيد ليس من خط " كل راية قبل ظهور القائم راية ضلالة " وانما كان من خط يعمل على بث الوعي السياسي والاجتماعي في الاوساط الشابة، وهو الخط الذي اخرج شيعة لبنان من دائرة الخدم في قصور السياسيين اللبنانيين الى رقم يحسب له الف حساب في معادلة الحكم في لبنان، وشتان بين الخطين.

ويضيف المكنى ابو احمد بان السيد فضل الله " لم يهتم لامره سوى الاحزاب السياسية والشخصيات المرتبطة بالسياسة او من تحوم حولهم ذات الشبهات التي تسببت بادانة فضل الله وحكمت بانحرافه من قبل ! " . ابو احمد منزعج جدا من السياسة واحزابها وبالتالي لاقيمة لها بينما حكمتنا الاحزاب السنية منذ مطلع القرن العشرين حتى عام ( 2003 ) لانها تنظيم مقابل فوضى، ومراحل عمل مقابل لاهدفية ولا تخطيط، وهكذا اعتبر ابو احمد كل من يلهج بذكر فضل الله مشبوها منحرفا عن الدين والمذهب، ويمضي في تقيء سوئه فيعتبر حزب الدعوة الاسلامية بقيادته وجماهيره ومؤسسه وشهدائه وسجنائه كلهم معاديا للحوزة ولخطها العقائدي لا لشيء سوى ان الحزب يستأنس ببعض اراء السيد فضل الله وبعض الدعاة يقرأون بعض كتبه لما تحمله من فكر تنويري يلامس مشاكل الامة وقضاياها كما يقراون للشيخ شمس الدين والامام الخميني ومطهري مع ان الدعاة كانوا يصنفون في ايران على السيد الخوئي لانهم لا يقولون بولاية الفقيه وقد لاقوا ما لاقوا جراء ذلك .

يبدوا ان الرجل ومن يقف خلفه يستعدون لتحطيم وتسقيط شخصية جديدة لم اتبين من هي هذه الشخصية ولكن ابا احمد يقول صريحا: "اعتقد ان الامور باتت اكثر وضوحا بموت فضل الله ويبدو انهم قد أستعانوا بمدعي جديد يحل محل السيد فضل الله !! " .

 

ملاحظة:

وجه جمع من فضلاء الحوزة في قم رسالة الى اية الله العظمى الشيخ حسين نوري الهمداني حول ما اشيع عن فضل الله، وبدوره ارسل الشيخ الهمداني رسالة الى السيد فضل الله مستفسرا عن جملة من الاشكالات المثارة وبعد تلقيه جواب رسالته اعلن الشيخ الهمداني ما نصه: ان شخصية ووجود اية الله السيد محمد حسين فضل الله من الاهمية بمكان، وانني اعلن عن كمال اسفي لما نسب اليه من اشكالات " واضاف في رسالته " ونظرا لكونه عالما عاملا وفقيها داعيا ومجتهدا بصيرا، ونظرا لتاكيده على كل عقائد الشيعة الامامية فانني ارى من اللازم احترام سماحته واكرامه". (جعفر البحراني، مرجعية المرحلة ص358-359 ) .

معلومات إضافية