المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

جواد غلوم: كومونة عراقية ناهضة

jawadkadom gloomدعيتُ مؤخرا من قبل أصدقاء مثقفين لزيارة قريتهم والاستضافة عندهم أمَدا فاعتذرت اول الامر لأني – وفقا لظني – لم أجد مايروق لي بهذا الوطن المحترق ويسعى لحرق أهليه ويذروهم رمادا بخساً، ففي بلادي استحال كل شيء الى خراب ودمار، وقلت في نفسي ما الجدوى من الزيارة ان لم اجد ما يبهج، وبعد إلحاح ووعودٍ باني سأرى شيئا مختلفا ؛ أذعنت لرغباتهم فشددنا الرحال متجهين الى محافظة القادسية التي تبعد عن العاصمة بغداد مسافة 180 كم

وعلى مبعدة من مركز المحافظة بحوالي 30 كم ؛ توجد هناك قرية صغيرة لايزيد عدد بيوتها عن الثمانين بيتاً ليست نائية عن المحافظة من حيث المسافة، ولكنها نائية عن كل مايجري من صراعات حزبية ومناكفات إثنية وقبلية ونزاعات حول المكاسب والامتيازات ؛ تلك الضيعة الجميلة التي وطأت اقدامي بأرضها المباركة تسمى قرية " البو ناهض " اتخذت مسارا مختلفا عما يجري في مركز المحافظة وما يدور في العراق ككل من إرباكات وسيادة الفوضى واتساع الجهل والخصومات السياسية التي أثقلت كاهلنا وعطّـلتنا عن مسار النهوض والتقدم الى الأمام

1064-jawad

 

وقبيل بضعة شهور من زيارتي هذه ؛ وانا أتفحص درجات نجاح احد أحفادي فقد أظهرت نتائج الامتحانات للدراسة المتوسطة لكل مدارس العراق ان ثلاثا من بنات هذه القرية أحرزن نسبة نسبة نجاح أقلّها 98% وان فتيانها المثابرين يتحصلون على الاولوية في الفوز في الفعاليات الرياضية حيث تجد في وسطها ملعبا تم تخصيص جانب منه مضمارا للركض ومضمارا آخر للدرّاجات الهوائية وقد نال أحد أبنائها المرتبة الاولى في الركض وتفوّق على كل عدّائي العراق في مباريات الماراثون ويشارك الان في بطولات دولية وله مبادرات السبق عربيا وعالميا في أنشطته الرياضية باعتباره عدّاءً من الطراز الرفيع وهذا المسار المختلف الذي اتخذته القرية وساكنوها هو ما لفت انظار الصحافة وميديا الاعلام المرئي على زيارتها والتعرّف على مايجري هناك من مبادرات ثقافية ورياضية وسلوك سويّ رائق لم نألفه في بلادنا الكسيحة الواهنة في الوقت الحاضر

مما أسعدنا أكثر هو وجود مكتبة ومركز ثقافي داخل هذه القصبة وزيادة على ذلك لديهم ايضا مكتبة متنقلة على عربة كما نطلق عليها " التوك توك " تم تحويرها وصنع رفوف فيها لحمل الكتب والكراسات سمّوها " المكتبة الخضراء " يستطيع كل قارئ ان يقرأ مايستسيغه ويعيد الكتاب الى مكانه وقد تنتقل تلك المكتبة الجوّالة الى مكان اخر في شوارعها النظيفة المؤثـثة بإشارات المرور البارزة والدَلالات المكانية ليقرأها آخرون في الجانب البعيد من القرية نفسها وقد بدأت المكتبة أول الامر بمئتي كتاب يتم تداولها بين القرّاء وتضاعفت كثيرا بفعل مبادرات مثقفي ومؤلفي العراق لتعزيز رصيدها من الكتب وزيادة أعدادها وقد خُصص يومان للقارئات أسبوعيا الى النسوة بسبب الظروف الاجتماعية بشأن الاختلاط بين الجنسين

الشيء الجميل ان اكثر ما اثار انتباهي هو ان وجهاءها ومثقفيها عملوا جهدهم الاستثنائي اولا وقبل كل شيء على منع التدخين نهائيا في مرتعهم الجميل الوديع واستخدموا طرائق النصح والإرشاد والتوجيه لا الإرغام لكل مدخّني القرية بالإقلاع عنه وترى على جدران البيوت لافتاتٍ معلقة تقول لك ولكل العابرين والسابلين (لا للتدخين) وقد انصاع الجميع لهذه المبادرة وقد آلوا على أنفسهم ان يجعلوا من جنّـتهم الصغيرة هذه ان تكون مصحّة بدنية ونفسية فلا تكتلات دينية تثير القرف ولا صراعات حزبية بين السكان اذ يمنع الجدل والنقاش السياسي بين الجموع، ولا مساعي نحو النفوذ والطمع والجاه والثراء غير المشروع حتى وصل الأمر الى منع تداول وبيع المشروبات الروحية ولا حتى المشروبات الغازية وعدم استخدام منبه السيارات وسط القرية وشوارعها وأزقّـتها منعا للضوضاء والإزعاج وتحديد السرعة القصوى الى 30 كم / الساعة

أينما تذهب في شوارع القرية وأركانها ترى لافتات منبهة تنهيك الاّ تقطع شجرة ولا ترمِ النفايات بغير أماكنها المقررة وتمنعك من التدخين وتشير الى السرعة المسموح بها في عربتك وترى الشوارع زاهية بالنظافة الفائقة وكل الخدمات البلدية على افضل مايرام ومراكز ثقافية ورياضية على صغرِها تستقبلك وتقول لك على الرحب والسعة

ففي وسط كل هذه العتمة والظلام الدامس الطاغي على بلادنا ينبثق ضوء لامع من قصبة صغيرة تكاد تكون عيّنة رائقة ومتفوقة لقرية فاضلة ويوتوبيا الحلم الذي ننشد وتعصم نفسها عن المناكفات السياسية الضالة المضلّة وتختار الأسلوب الأمثل والأسلم لأبنائها في العيش بسلام ووئام ووعيّ وعافية للعقل والجسد معا وهذا ما لمسته من سكان القرية ووجهائها الذين سلّموا مقاليد ترتيب العمل والارتقاء بالقرية الى مجموعة من مثقفيها رعاة النهوض لتكون أنموذجا لمجتمع مصغّر قائم على المحبة والتآزر وبثّ الوعي الثقافي الجمعي وتطوير قابلياتهم العقلية والبدنية على افضل مايرام

ولا أخفي انني ازددت سعادة بهذه الزيارة التي لم أكن اتوقع قبلا هذا النماء والوعيّ الشامل من لدن أهل القرية ونخبتها من أصدقائنا المثقفين الساكنين فيها ولاسيما صديقنا المهندس المثقف والاديب السيد كاظم حسون الذي كانت له اليد الطولى في إظهار الوجه المشرق للقرية بالتعاون مع نخبة مثقفة من فتيان وشباب القرية ودعم من زملائه المثقفين في داخل العراق وخارجه لتكون انموذجا يحتذى بها وقد أباح لي ان لديه مشروعات اخرى طموحة لتعليم شبابها وصغارها وتطوير مهاراتهم الفنية في الرسم والغرافيتي لتزيين جدران القرية واظهارها بالشكل الرائق وتعزيز الانشطة الرياضية والادبية والعلمية من خلال اعداد دورات لهم وتنمية هواياتهم وتوسيع أفقهم العقلي في المستقبل القريب وهناك بعض المنظمات والشخصيات خارج العراق التي لاتتوانى عن دعم القرية وخطواتها ومساعيها من اجل بثّ الوعي الحضاري لأجل الارتقاء بها أكثر فأكثر

حقا انها كومونة وادي الرافدين الصغيرة الناهضة كاسمها سيتّسع ضؤوها أكثر فاكثر ليشمل كل بقاع وقصبات وضياع ومدن العراق فهي الأمل وان تباطأ الخلاصُ لكنه سيصل حتماً ليعمّ بلادي كلها وتصير مثل مرتع " البو ناهض " لو عملت جماعات الانتلجنسيا في أمكنتها بعموم البلاد مثلما عمل زملاؤهم في هذه القصبة السعيدة

 

جواد غلوم

 

ناصر سالم المقرحي: عميد الأدب السوداني

نوع من الأُلفة والتفاهم ينشأ ما بيننا وبين من نقرأ لهم، أو أن شئت نوع من الترابط الوجداني والتجاذب الروحي، حتى إذا ما قررنا أن نكتب عنهم يكون الأمر سهلاً ومُتاحاً لأننا نكتب عن شيء عرفناه وألِفناه، وفي زحمة قِراءاتنا وانشغالاتنا ننسى بعضاً ممن قرأنا لهم وتأثرنا بهم وتفتح وعينا على أعمالهم مبكراً فيأتي موتهم لينبهنا إليهم أو بالأصح ليُعيدنا إليهم ويُعيدهم إلينا بعد جفوة غير متعمدة وطول بعاد، ومن هَؤلاء العُظماء، الروائي والكاتب السوداني الراحل الطيب صالح .

بسيطاً ومتواضعاً عاش الراحل، ومثل شخصيته التي اتسمت بالوضوح والهدوء والدماثة والتعاطي بروية مع الأشياء، كانت كتاباته بسيطة وواضحة في الوقت الذي ابتعدت فيه عن السطحية واحتفظت بحمولتها العالية من العمق والرصانة والرؤية النافذة .

هكذا هو الطيب صالح الذي غادر السودان مبكراً ليتنقل ما بين فرنسا وبريطانيا حيثُ عمِلَ موظفاَ في الخارجية السودانية ثم مُحرِراً في القسم العربي لإذاعة البي بي سي البريطانية فترة من الزمن وليستقر هناك ويطل على قراءه ومتتبعيه من خلال زواياه ومقالاته ببعض المجلات والصفحات الثقافية العربية مثل مجلة المجلة ومجلة زهرة الخليج التي احتفظ فيهما بزاوية أسبوعية ومنها إلى قطر حيثُ تقلَّدَ للمرة الثانية منصباً في منظمة اليونيسكو كممثل لها  بمنطقة الخليج العربي بعد أن عمل أقليمياً لصالحها في باريس قبل تقاعده وإصابته بالفشل الكلوي حيثَ استمرت معاناته مع المرض إلى أن انتهت بوفاته، ليُدفن كما أوصى بوطنه في مدينة أم درمان بمقابر البكري، في جنازة مهيبة تليق بكاتب كبير شيعهُ فيها محبيه من رجالات الثقافة والفكر وبحضور الرئيس السوداني .

هكذا وهو يرسم من قبل المصير التراجيدي لبطله مصطفى سيعيد كأنهُ كانَ يخط مصيره ويضع نهايته دونً أن يدري فيعود في خِتام تطوافه الطويل وبعد طول اغتراب وارتحال إلى موئله ليحتضنه ثرى بلاده ويرقد رقدته الأخيرة بين أهله وذويه ومحبيه .

في وقتٌ ما فوجئ الروائي بالنجاح الكبير والأستقبال الرائع  الذي قوبلت به روايته الأشهر " موسم الهجرة إلى الشمال "  التي اقترنت بأسمه وعُرِفَ بها دون بقية أعماله الروائية مثل مريود وعرس الزين ودومة وحامد و ضوء البيت وغيرها .

وكانت بمثابة الدوح العظيم الذي أخفى الغابة بحسب تعبير أديبنا الكبير خليفة التليسي، فاحتلت هذه الروايات مرتبة أدنى في سلم اهتمامات القارئ، هذه الرواية التي أسقط البعض جزءاً من أحداثها ومجرياتها على شخصية كاتبها واعتبرها انعكاساً له لتقاطعها بأكثر من موضع مع سيرته الذاتية و هو الشيء الذي لم ينفيه الروائي، عندما عزفت بمهارة فائقة عل تيمة الأغتراب على المستويين النفسي والجغرافي، وتحليلها الموضوعي للصراع الحاد الذي مزّقَ نفسية البطل حينما تم وضعه في مفترق الطرق وملتقى الأهواء والرياح تتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال، ليجد نفسه متوزعا بين جذوره ودمائه الحارة التي تسري في عروقه منذُ الأزل وتناديه إلى مواطن الدفء الذي افتقدها طويلاً، من جهة وبين حياته الجديدة التي يلفها ضباب الشمال والبرودة بشقيها المادي والمعنوي في الغرب الرأسمالي، وبعد صراع حاد وقع البطل فريسة لهُ ينتصر نداء الجذور ويغلبه الحنين ليعود إلى موطنه بأمل أن يعود إلى نفسه التي ضيَّعها وأضاعته في الغربة، قبل كل شيء، ولكن هيهات لأن البطل بعدَ أن وجدت الغربة سبيلها إلى نفسه تأبى أن تغادره حتى وهو بين أهله وعلى أرضه، والبطل هنا يشبه إلى حد كبير بطل أحمد ابراهيم الفقيه في ثلاثيته في الجزء الذي تدور وقائعه في بريطانيا، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات النسائية للبطلين وهاتين الروايتين من الروايات القليلة التي درست وناقشت بطريقة فنية عالية علاقة الشرق بالغرب وبينت بالتحليل والتشريح فيما يلتقيان وفيما يختلفان أو يتصادمان كما يروج الآن، على مستوى القيم والأيديولوجيات ونُظم الحياة .

كل  هذه المعاناة الذاتية والضغط الهائل الذي تعرَّضَ له البطل أجاد الكاتب تصويره وتجسيده ورسمه بمهارة وبتقنيات روائية بسيطة، حيث يتم السرد هنا على لسان البطل تارة فيما يُشبه الأعتراف الطويل والإفضاء اللامحدود . وعلى لسان بعض الشخصيات المشاركة في العمل تارة أخرى مثل شخصية صديق البطل الذي عاش تجربة مماثلة وعاد بعد سبع سنوات من الدراسة في أوروبا حامِلاً في جعبته شهادة دكتوراه، والذي عرفنا من خلاله كل ما يحيط بهِ وبالبطل بدءاً بأفراد العائلة وانتهاء بأدق تفاصيل حياة أهل القرية .

وكما فاجأه النجاح فاجأتهُ القراءات النقدية الغزيرة والتأويلات التي وضعها النقاد عن عمله لأنها لم تخطر لهُ على بال عند كتابته لهذا العمل ومثلما أعجبَ ببعض تلك القراءات التي فتحت أمامه أفاق أخرى استهجن بعضها الآخر لأنها اشتطت كثيراً في نظره وحمَّلت العمل أكثر مما يحتمل، بل أن بعضها اندفعَ بعيداً في الغموض والإبهام والتعقيد و هو الأمر الذي لم تتكلفه وتتقصده الرواية التي كُتبت بطريقه بسيطة، ولم يُخفي الروائي عجزه عن التواصل مع هذه النوعية من القراءات التي لم تُضيف برأيه شيئاً إلى عمله مع تقديره لواضعيها وحُسن النوايا التي انطلقوا منها .

وعلى شهرته ومكانته في عالم الأدب وكدليل على تواضعه الجمّ، و هو الذي كان من المنتظر أن يُرشح لجائزة نوبل الآداب، كان الروائي لا يأنف من الأعتراف والإقرار بأنهُ لم تتاح لهُ الفرصة حتى يجلس إلى أو يقرأ كونديرا مثلاً، ليردف اعترافه بأن ذلك يعد تقصيراً منهُ، وذلك في سياق رده على سؤال وجِهَ إليه ذات لقاء حول رأيه في الرواية الحديثة أو التي تُكتب الآن والتي تخلت تماما عن مرتكزات الرواية التقليدية كالحدث والترابط وتسلسل الأحداث وتراتبية الزمن وغيرها لصالح مرتكزات أخرى كسرت من خلالها عمود السرد، والتي أفاد بأنه اطَّلع على نماذج منها بقدر ما استطاع غير أن الكثير مما قرأ لم يجد لهُ صدى في نفسه ولم تستسيغه ذائقته ذات التكوين المغاير ولم يعثر فيه على ما يبحث عنه، و هذا ما جعله دائما ينحاز إلى الكتابة التي تتخذ من الواقع مرجعية لها، هذا إن لم تنسج على منواله فتنطلق منه لتعود إليه في كل مرة دون أن تتورط في إعادة كتابته كما هو بطريقة تقريرية وبتناول مباشر، مستغلا الروائي في سبيل تحقيق حداثته الشخصية ومعتمدا عدة تكتيكات روائية وخصائص فنية ليس أخرها الشعرية التي طالما طبعت أعماله إضافة لنفحة الرومانسية التي غلَّفتها، وإقحامه للتراث الشفهي في صلب موضوعاته وغيرها من التقنيات والحيل الكتابية الأخرى، والأهم من كل ذلك هو معالجته وبطريقة فنية راقية لواقع المجتمع السوداني الذي ظل طويلا رهن الغموض والتجاهل عبر بعض النماذج التي أختارها بعناية .

 

ناصر سالم المقرحي

 

عبد الحسين شعبان: براغ.. وثمّة عـشـق!! (3-3)

abdulhusan shaabanللمبدعين العراقيين مكانة في نفسي "البراغية"، وقد رويت جزءً منها في كتابي عن "الجواهري – جدل الشعر والحياة"، ولو كتب الجواهري قصيدة "يا دجلة الخير" لوحدها، لكان الشاعر الأكبر، فما بالك حين يوجد له 20 ألف بيت، بل عمارة من الشعر.

"حيّيت سُفحكِ عن بعد فحيّيني          يا دجلة الخير يا أمّ البساتين"

وفي حواراتي معه، كثيراً ما جئنا على براغ، ومعشوقاته، وكان قد أهدى إليّ مذكراته وكتاب الجمهرة، ومعها أبيات كتبها في براغ:

أبا ياسر وأنت نعم الصحيب / وقلّ الصحاب ونعم الخدين

لقد كنت في محضر والمغيب / ذاك الوفي وذاك الأمين

وفي ذكرياتي كنت الصميم / سمير المعنّى وسلوى الحزين

ورويت في كتابي عن أبو كاطع "شمران الياسري" – "على ضفاف السخرية الحزينة"، مقاطع من حياته البراغية، قبل عودتي إلى العراق، وكان قد جاء "لاجئاً" غير سياسي على حد تعبيره. كتب فيها حكاية موت الكلبة مرزوكة، وقصة "بائع عرق السوس"، وحاول استكمال قاموسه الشعبي، وأكمل الجزء الأول من قضية "الحمزة الخلف"، وكتب حكاية "حدث هذا في مملكة الضبع الأكبر". وأعاد نشر يا شجرة التفاح.

ومن اللقطات التي لا أنساها، حين شاهدتُ أبو كاطع، وهو يتكىء على الحائط في الممرّ المقابل، لقاعة الدفاع عن أطروحتي للدكتوراه 13/9/1977 (كلية الحقوق – جامعة جارلس)، فحين عانقني، قال: كان التأجيل أوجب، "وهي حسجة عراقية"، وفهمت أنه لا يرغب في مغادرتي براغ إلى بغداد، خصوصاً وأنني كنت مطلوباً لأداء الخدمة الإلزامية، وحاول معي كثيراً، لكن موّال العودة كان برأسي وهو منسجم مع موقعي، فكيف لرئيس الطلبة الذي يعلن ليل نهار "التفوق العلمي والعودة للوطن"، أن يتخلّف عن تنفيذه، وهو الشعار الذي كنّا نرفعه. وكان أبو كاطع قد عاد هو الآخر "بقرار حزبي" قبل عودتي، وغادر على مسؤوليته، حين كان مُحالاً إلى "محكمة الثورة"، بتهمة "المتاجرة بالأسلحة".

وكيف أنسى محمود صبري وواقعية الكم. كنتُ قد قدّمته إلى الجمهور في نادي الصداقة العام 1972، بعد انقطاع أو غياب أو تغييب، والمحاضرة كانت بعنوان: فن جديد لعصر جديد، بشّر فيها بنظريته حول واقعية الكم، وقد طلب منّي الصديق رواء الجصاني أن أكتب عنه بعد رحيله وفي ذكراه، وهو ما وضعته في برنامجي، وأرجو أن يسعفني الوقت، لكي أفي بالتزامي الأخلاقي والثقافي، إزاء رموز وشخصيات نافذة، خصوصاً من الذين عرفتهم عن قرب وارتبطت مع بعضهم بصداقات متينة وفي مقدمتهم الفنان محمود صبري.

وأتذكّر لقائي مع مظفر النواب في براغ، بعد وصولي إليها ببضعة أشهر "خريف العام 1970" واحتفالنا به في مطعم "أوفليكو U Fleků" الشهير، الذي تعود واجهته الأمامية إلى القرن الثاني عشر، وهو مطعم يقدّم البيرة السوداء. وألقى النواب بعضاً من قصائده في جلسات خاصة، وصاحبه في الغناء لقصائده الصحافي جعفر ياسين.

وكان مظفر النواب قد التقى بالجواهري في مقهى سلوفانسكي دوم، الذي كان "مقراً" للجواهري، يرتاده كل يوم تقريباً، وهناك دارت الكؤوس حيث تزدان مدينة براها "براغ" وكأنها "حلم العذراء في يقظتها" جامعة كل الفصول والجمال والحُسن والفتنة. وقصة لقاء الجواهري بالنواب من الطرافة بمكان، وكنت قد رويتها في كتابي "الجواهري – جدل الشعر والحياة"، كما نشرت القصيدة الموسومة "محمد المصباح"، والمقصود مظفر النواب، والمعنونة "فاتنة ورسام"، في كتاب "الجواهري في العيون من أشعاره" العام 1986.

وفي سلوفانسكي دوم ومن مشارفها كتب الجواهري قصيدته المملّحة إلى الفريق صالح مهدي عماش الذي جمعته به صداقة حميمة (أيار / مايو 1969) وكان حينها وزيراً للداخلية، والقصيدة "الرسالة" هي تعبير عن وجهة نظر مغايرة واحتجاج "شجاع"، إزاء حملة الأجهزة الأمنية على ما سمي حينها "الميني جوب" وميوعة الشباب، بحجة مجافاة ذلك للأخلاق، وجاء في مطلعها:

وفّى لها نذراً فوافى / وسعى بها سبعاً وطافا

إلى أن يقول:

أ"أبا هدى" شوقٌ يُلحُّ / ولاعجٌ يُذكي الشِّعافا

نُبئـتُ أنّكَ توسع الـ / أزياء عَتّاً، واعتسافا

تقفو خطى المتأنقا / تِ كسالكِ الأثرِ اقتيافا

وتقيس بالأفتار أر / ديةً بحجّة أن تَنافى

ماذا تُنافي؟ بـل وما / ذا ثمَّ من خلُقٍ يُنافى؟

حوشيتَ، أنت أرقَّ حا / شيةً، ولطفاً، وانعطافا

وأشدُّ لِصقاً بالحجى / وألدُّ بالعدل اتصافا

أترى العفاف مقاس أقـ / ـمشة؟ ظلمتَ إذن عفافا

هِوَ في الضمائر لا تخا / ط ولا تقصُّ، ولا تكافى

وفي زيارتي الأولى إلى براغ في العام 1969 قبل أن أستقر بها بعد عام ونيف، زرت الجواهري في صومعته في سلوفانسكي دوم، وكانت القصيدة "الرسالة المملّحة" قد سرت في بغداد مثل النار في الهشيم – كما يقال –، خصوصاً لدى النّخب الثقافية، ومن متذوقي شعر الجواهري، وحدثته عن تأثيرها المعنوي الشديد الأهمية، وعن تردّد ثم تراجع السلطات لاحقاً عن إجراءاتها التعسفية المتعلقة بالحريّات الشخصية، وكم كان وجهه مشرقاً وعيناه تلمعان وهو يستمع إلى تلك الأخبار التي قد يكون لديه الكثير منها، لكنني نقلتها بعفوية واعتزاز مصحوبة بالإعجاب الشبابي وروح التحدّي.

جدير بالذكر أن الجواهري بدأ بكتابة تلك القصيدة على قصاصة ورق لفاتورة حساب صغيرة، صباح أحد الأيام في براغ، ثم اكتملت القصيدة في عصر ذلك اليوم، حتى أرسلت بالبريد المسجل إلى الفريق عمّاش، وقد نشرت القصيدة في "جريدة النور" في 11 أيار (مايو) 1969.

وكان الجواهري قد أحيط باهتمام كبير ورعاية خاصة من فريق الحكم الجديد، في بداية عودته إلى العراق من المنفى، وخصوصاً من الفريق عمّاش وعبد الله سلوم السامرائي وزير الإعلام وخلفه صلاح عمر العلي والشاعر شاذل طاقة، والشاعر شفيق الكمالي، والصحافي حسن العلوي، وغيرهم ممن كانوا يتصدرون الواجهة الثقافية الرسمية، ثم خصص له مجلس قيادة الثورة راتباً تقاعدياً، وذلك بمرسوم جمهوري. وقد أقيم له احتفال كبير في بغداد يوم 3 كانون الثاني (يناير) 1969 في "كازينو صدر القناة"، وألقى قصيدته الشهيرة:

أرح ركابك من أين ومن عثر / كفاك جيلانِ محمولاً على خطرِ

كفاك موحشُ دربٍ رُحتَ تقطعهُ / كأن مغبرَّهُ ليلٌ بلا سَحر

ويا أخا الطير في وردٍ وفي صدر / في كلِّ يوم له عشٌ على شجر

عُريانَ يحملُ منقاراً وأجنحة / أخفَّ ما لمَّ من زادٍ أخو سفرِ

وافتتح وزير الداخلية صالح مهدي عمّاش الاحتفال بقصيدة على وزن هذه القصيدة، التي يقول فيها:

أرحْ ركابكَ من أين ومن عثر / هيهات مالك بعد اليوم من سفرِ

فما كان من الجواهري أن مازح صديقه عمّاش بقوله: يعني هل ستستخدم صلاحياتك لمنعي من السفر؟ وتلك شجون وشؤون ثقافية أخرى لا مجال للتوسّع فيها.

وفي براغ تعزّزت علاقتي مع الجنرال غضبان السعد، وهي علاقة عائلية بالأساس، وكان قد زارها لمرّتين متتاليتين، وصادفت زيارته مع زيارة والدي الذي كثيراً ما كان يستأنس بصحبته، كما أعطى اهتماماً خاصاً بأخي حيدر، وكان يدعوه بالزميل، على الرغم من تفاوت السن بينهما، وكان حينها حيدر في السابعة عشر من عمره، وكثيراً ما كانا يترافقان ويسهران معاً، وكان يمزح ويعلّق "دع أخوك للكتب" حيث كنت مستغرقاً بكتابة أطروحة الدكتوراه، و"دع الحاج للعبادة والتأمل" و"دع لنا الحياة". وقد تألّم كثيراً حينما علم لاحقاً في الشام أن حيدر وقع أسيراً، واستمر يسأل عنه كلما التقينا، وعندما عرف أن شقيقتي سلمى تمكّنت من زيارته خلال فترة أسره التي استمرت ثمان سنوات، حمّلها تمنياته وقال لها: أبلغيه أن "الزميل" بانتظاره.

يعتبر العقيد غضبان السعد من العسكريين القلائل الذين يتمتعون بثقافة موسوعية، حيث كان يجيد عدّة لغات ويتمتّع بعقل نقدي، ورؤية استراتيجية، كما كان لمّاحاً وسريع البديهة، وقد كتب وترجم العديد من الكتب والمؤلفات، إضافة إلى عشرات الدراسات ومئات المقالات وكان بعضها قد أخذ طريقه إلى النشر في جريدة "طريق الشعب" في السبعينات، وبعضه قدّمه إلى مركز الدراسات الفلسطينية في الشام، ومنظمات فلسطينية أخرى.

وفي زيارته الثانية سكن معي في المبنى الذي أسكن فيه، كنّا أبو كاطع الذي جاء من بغداد، وأنا نسكن في الطابق الثالث، وكان السعد في الطابق الثاني، وصاحبة المبنى السيدة "كلودوفا Kloudova" في الطابق الأول "الأرضي"، وكان نقاشنا يومياً يدور حول الوضع في العراق. وكان رأيه أنه يميل إلى التدهور سريعاً، وهو ما كان رأينا أيضاً.

أما بخصوص التجربة التشيكية، فكان السعد كثير الملاحظات ودقيق التشخيصات للنواقص والثغرات والعيوب التي تعاني منها، وكثيراً ما كان يردّد بسخرية تعليقاً على كلام الزعيم السوفييتي خروشوف الذي اشتهر في حينها بحديثه عن "اشتراكية الكولاج"، إذ كان قد استكثر على الشعب الهنغاري "أكلة الكولاج"، التي اعتبرها دليلاً للرفاه والسعادة. وكانت أجهزة الدعاية الصينية و"وكالة شينخوا" بشكل خاص قد ضجّت بتقريع "اشتراكية خروشوف" ذات الطبيعة الكولاجية.

في الشام كان غضبان السعد يستعيد معي أيام براغ، ونستذكر بعض حكايات أبو كاطع. وكان يختم حديثه أحياناً بالقول: "بلابوش دنيا". وحين رحل عن دنيانا بعد حياة من العذاب والألم، كتبت عنه كلمة رثائية بعنوان: "يا سيد الحزن والورد"، نشرتها في مجلة "الهدف" الفلسطينية في 3/12/1989، كما نشرت المادة مجلة "لدنيا" اللبنانية، وأعادت نشرها نشرة "مرافىء" العراقية التي تصدرها رابطة الكتاب والصحافيين والفنانين العراقيين.

وكان السعد قد فُصل من الجيش ثلاث مرات، الأولى في العام 1941، والثانية في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، حيث كان قد سجن، ثم غادر إلى النمسا – فيينا لدراسة الطب ووصل إلى السنة الرابعة، ولكنه عاد بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وعيّن ملحقاً عسكرياً في موسكو، وعند انقلاب شباط (فبراير) 1963 فصل من الجيش للمرة الثالثة، وسجن أيضاً. والتحق بعدها بقوات الأنصار لغاية العام 1970. واضطرّ إلى مغادرة العراق في أواخر العام 1978، وعاش في المنفى حياة زهد أقرب إلى العوز، ومات وهو يصارع السرطان، لكن الابتسامة والسخرية لم تفارقه.

وأشعر شخصياً أنني في صحبتي البراغية مع غضبان السعد والتي امتدت إلى بغداد ودمشق استفدت من آرائه ووجهات نظره ومعلوماته. وفي الشام التقيته لأكثر من مرة مع عبد الرزاق الصافي، وفي كل زيارة لنعمان سهيل التميمي "ملازم خضر" – (أبو رائد) وأحمد الجبوري، كنّا نلتقيه ونستمتع بأحاديثه وانتقاداته وسخرياته.

ونتذكّر لقاءات حميمة مع الشاعر اللبناني ميشال سليمان، وأنطولوجيا الشعر، وقصة "المملكة الزندية"، التي استلهمها موسى أسد الكريم "أبو عمران" من اسم ولقب "عصام الحافظ الزند"، وذلك حين سأله عن علاقته بكريم خان الزند "الملك العادل"، فأجابه أنه جده السادس، وهنا راح خياله ينسج حكايات وقصص وتنبؤات عن الإطاحة بشاه إيران محمد رضا بهلوي، وانبعاث "الدولة الزندية" الثانية، بتنصيب عصام الزند سليل الأسرة الزندية الشرعي ملكاً مصوناً غير مسؤول، وكان أبو عمران قد قدّم عصام الزند إلى الشاعر ميشال سليمان بقوله: أقدم لكم حفيد كريم خان الزند، فما كان من سليمان وبحركة مسرحية، أن رحّب بالزند قائلاً: "مولانا هذا شرف عظيم أن تشرفنا وأن يعود العرش إلى أصحابه الشرعيين".

ثم كلف ميشال سليمان بكتابة (البيان رقم 1) الذي سمي "الرقيم الأرقم"، وكان محتواه "نحو التطوّر اللاّبهلوي صوب المملكة الزندية" وهي مشاكلة مع فكرة "التطوّر اللارأسمالي صوب الاشتراكية" الذي كان مطروحاً بقوة شديدة في تلك الأيام. وزادت التعليقات والتخيّلات والسخريات بين الممكن والمستحيل، التي جاءت على لسان أبو كاطع ومجيد الراضي ومحمود البياتي وعلي كريم وعصام الزند وكاتب السطور.

وإذا أردتُ أن أتوقف قليلاً عند موسى أسد الكريم الذي سبق أن ذكرته عدّة مرات وفي مناسبات مختلفة، فهو شخصية أثيرة، لا يمكن لزائري براغ من الشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية الكبرى في تلك الأيام، إلاّ أن يلتقوه أو يلتقيهم، فقد كان بحيويّته وحبه للمساعدة وقدرته في بناء العلاقات، وجهاً مألوفاً ومقبولاً وله حضور كبير. وأبو عمران واسع المعارف والاطّلاع ويهتم بالأشياء والقضايا من أصغرها حتى أرقاها، وهو يمتلك صداقات واسعة ولغات عدّة، وقلماً رشيقاً، وتجارب حياتية لا حدود لها.

وفي براغ جمعتني هيئة واحدة مع الشاعر الشعبي زاهد محمد، وتطوّرت إلى صداقة، وكان هو الآخر قد درس وتخرّج من براغ، وامتاز بالظرافة وخفّة الظل، كما كان سريع البديهة، وحلو المعشر، لا يترك فرصة إلاّ ويمرّر فيها بعض مملّحاته حتى في الاجتماعات التي ضمتنا، والتي شملت: خضير عباس "أبو سهيل" وكريم حسين، وحميد برتو، وصباح محمود شكري، وجبار الريحاني، ومهدي الحافظ، وكاتب السطور، إضافة إلى مشاركاته في المناسبات المختلفة، ومنها "مناسبة وثبة كانون" التي شارك فيها أيضاً عبد الستار الدوري، الملحق الثقافي حينها والسفير لاحقاً، بكلمة مؤثرة نالت إعجاب الجميع.

كان زاهد محمد، صاحب رأي حتى وإن كان صادماً أحياناً، وسواءً اختلفت أو اتفقت معه، فإن حبل الودّ لن ينقطع، وكان من المتحمسين للتحالف مع حزب البعث الحاكم، وعبّر عن تلك القناعات بشكل صريح وواضح، في كونفرنس حزبي، مثل ما كان خطيباً ذرب اللسان، وقد عمل في الإذاعة التشيكية القسم العربي في حينها، كما عمل في التسعينات في الإذاعة السعودية الموجهة نحو العراق بعد مغادرته، وتعزّزت علاقتي به في المنفى الجديد، خصوصاً خلال زياراته المتكرّرة إلى لندن والتي استقرّ فيها قبيل رحيله، ولا زلت أحتفظ بالعديد من رسائله ومملّحاته.

وقد عرفتُ أن القصيدة التي ألقيتها، حين حملني المتظاهرون، وأنا فتى صغير متأثراً بأجواء العائلة اليسارية، في تظاهرة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر ضد العدوان الثلاثي، كانت من نظمه، وأنا الآن أستعيدها بعد ستة عقود من الزمان، ويقول فيها:

ناضل يا شعب واحقد على العدوان

تجلي من الشعيبة وقلعة الذبّان

وامحي هالعبيد الباعوا الأوطان

والغي للأبد صك العبودية

*        *        *

ليش الشعب جايع ما يحصل القوت

والكادح أطفاله من المجاعة تموت

أنابيب النفط ملك الشعب وتفوت

كل أرباحها بجيب الحراميه

*        *        *

يا جيش السلم ومحطّم العدوان

يا حامي الشعوب وحارس الأوطان

ذكرك من يمرّ يبعث ثقة وإيمان

مية مرحبه باسمه وطاريّه

*        *        *

كل احنه نناضل لاجل الاستقلال

أحرار الشعب والفلح والعمال

وبالجبهة يخوتي نحطّم الأغلال

ونحرر شعبنه من العبودية

وفي براغ تعرّفت على محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وإميل حبيبي ومبدعين فلسطينيين ومن قيادات شتى وزعماء ورؤساء وسياسيين ونقابيين من ذلك الزمان، عراقيين وعرب وأجانب، بينهم ثلاث سفراء عراقيين ربطتني بهم علاقة طيبة وهم: محسن دزئي ونعمة النعمة وعبد الستار الدوري، وتطوّرت العلاقات مع دزئي والدوري إلى صداقة حميمة.

لن أكون منصفاً وعادلاً إذا اختزلت ذلك على بعض الأسماء أو تعدادها، الأمر يحتاج إلى حفز جديد للذاكرة، ووقت ميسور، ومناسبة أخرى للحديث أو الكتابة عن شخصيات ثقافية وفكرية ومهنية، عراقية وعربية، كان لها حضور بارز في براغ، كلٌّ في مجال اختصاصه، ولكن ذلك سيكون مؤجلاً وهو على ذمّتي لمناسبة أخرى، فما أن تضيء النجوم الفضية المشرقة، سماء الذاكرة، حتى يرنّ جرسي الداخلي فأبادر لوضعها على الورق، كي لا تفلت أو تختفي، أو يتسلّل الوهن والضعف إلى الذهن فيتشتّت.

حين أستعيد ذلك مع براغ، كأنّي أهمس على نحو لذيذ بأُذن المعشوقة، لأسمع نبضها وأتحسّس رقّة مشاعرها، وكأنها تخاطبني بما كان جلال الدّين الرومي يقوله:

اخفض صوتك: فالزهر ينبته المطر، لا الرعد

براغ كانت حمولة كاملة لمخاض طويل تجمّعت فيه مثلما هي الذاكرة، قطرات نور تقبل بالمفاجىء الذي يتكىء أحياناً على الحلم، ويحق لنا الاقتباس من الشاعر الكردي المبدع شيركو بيكسه قوله الذي أتمثّله وكأنه يقوله في عشق براغ:

الريح تنحني للخريف

الخريف ينحني للعاشق

باحترام

العاشق للعشق

العشق للخيال

والخيال لي

وأنا للشعر

 

د. عبد الحسين شعبان -  أكاديمي وأديب عراقي

.....................

* الأصل في هذه المادّة، محاضرة ألقاها الباحث في براغ، بدعوة من النادي الثقافي العراقي، بتاريخ 8 يونيو (حزيران) 2016.

 

فاطمة الزهراء بولعراس: يوم مع شلالات نياجرا

fatimaalzahraa bolaarasمن منا لم يسمع بتلك الشلالات العجيبة شلالات نياجرا؟.. من منا لم ينبهر بصورها والماء يتدفق مدرارا بقدرة فائقة.. من منا لم يرهب قدرة الله وقوته وعظمته وهو يرى هذه الآيات العظيمة وتلك الآلاء الخارقة؟.. لكن من فكر في زيارتها ؟ وهل هي متاحة مثلا بنفس الفرصة التي تتاح  لنا لزيارة برج إيفل  مثلا؟.. لا أظن ذلك

 شخصيا لم أكن أحلم بالوصول إليها وأذكر أنني عندما قرأت عنها وأنا مراهقة انبهرت أكثر بذلك الكاتب اللبناني (نسيت اسمه) الذي وصفها منبهرا بدوره.. تحدث عن اللجين المتدفق بقوة خارقة وعن الجمال الذي تمتاز به تلك الشلالات التي لا مثيل لها في أي مكان آخر وأعتقد أنه زارها من الجهة الأمريكية حسب ما أذكر يعني من ولاية نيويورك وكانت نيويورك المدينة أو الولاية (لا يهم) بالنسبة لفتاة مثلي تعيش في مدينة صغيرة تشبه القرية  هذه النيويورك بدت لي في ذلك الوقت وكأنها موجودة في السماء لا في الأرض.. لذلك كنت أتساءل لم يذهب هؤلاء إلى هناك أصلا وكنت معجبة بشعراء المهجر وكتاباتهم العميقة ولطالما بكيت وأنا أقرا بغض نصوصهم لما أجد فيها من صدق وحنين جارف..وخاصة بعض النصوص الإنسانية التي خاطبوا بها بلدهم (لبنان) لأن اغلبهم من هناك...ولكأن هجرتهم عمقت انتماءهم و ربطت قلوبهم  بوشائج الحب والحنين الأبدي.. وما أشبه اليوم بالبارحة مع اختلاف قد يكون كبيرا في ظل هذه العولمة وهذه الحروب وتلك الوسائل المتاحة

1058-fatima

وهكذا غمرتني فرحة عارمة وأنا أنطلق لزيارة الشلالات وعلى خطى ذلك الكاتب اللبناني شحذت قلمي وكل ما أملك من لغة لكي أكتب عنها  كأول مرة رغم أنها الأكثر شهرة في العالم تعم بدأت رحلتي إلى نياجرا في ذلك الخميس الرابع من أوث 2016

المسافة بين مونتريال بمقاطعة الكيبك وتورونتو بمقاطعة أونتاريو طويلة ولا تقطع في أقل من ست ساعات كاملة... لكننا قطعناها (ابني وزوجته وزوجي وابنتي وأنا) في أكثر من ثماني ساعات  نظرا للأشغال التي كانت تنجز في أجزاء من الطريق... المناظر كانت رائعة حيثما وليت وجهك شمالا أو يمينا غمرتك الخضرة والفضاء الواسع... الجو كان جميلا... فكنا نعب من الهواء النقي بينما نمسك بهواتفنا نلتقط صورا لهذه الأماكن الرائعة وفي بعض الأحيان نسجل فيديوهات كأننا نريد القبض على المكان الجميل ولو للحظات

وصلنا تورونتو وأكملنا إلى نياجرا ووصلناها على الساعة الثامنة ليلا   وبعد استراحة قصيرة نزلنا  لنرى الشلالات العظيمة وهي تتدفق بقوة خارقة تقابلها الأضواء الملونة فتنعكس على المياه فإذا بها تتلألأ  بألوان الزرقة والأرجوان... الناس ينتشرون أمام الشلالات على الحواجز الحجرية يلتقطون الصور صامتين أمام قدرة الخالق وعظمته؟؟ بعضهم يسجل فيديوهات البعض الآخر يحمل كاميرا...كل منشغل بما هو فيه كل حريص على ما هو فيه وكل يستمتع بالمكان بطريقته.... لكن الجميع متيقنون أنه مكان يجب أن يزار إذا ما أتيحت الفرصة لزيارته وأنه لا يوجد مثله آخر  في طول العالم وعرضه

لا شئ يمكن أن تقوله وأنت ترى هذا الجمال المتدفق في المياه الغزيرة والرذاذ يتطاير منها ويغطي مسافات واسعة فينزل على الوجوه فينعشها وينزل على الأرض فيبللها لا شئ سوى : سبحانك يا الله سبحانك يا رب يا بديع السموات والأرض

لم نفوت الفرصة في زيارة الشلالات مرة أخرى في الصباح مادمنا قد قضينا ليلتنا هناك فلم نعجل العودة إلى مونتريال وعدنا مرة أخرى إلى الشلالات نتملى جمالها في النهار لا لغة تصفها لا تعبير يفيها حقها وأي وصف سيزري بجمالها... بقوتها.... بنصاعتها.... بصفائها...  ولا شئ يصف شعورك وأنت على بعد يسير من العالم الجديد.... من نيويورك.... والشلالات  من الضفة الأخرى (الجهة الأمريكية) لكن وكما قيل لنا فإنها تشاهد بشكل أكبر وأجمل من كندا....

منظر الشلالات نهارا كان أفضل وأوضح وقد متعنا أنظارنا بكل هذا الجمال لأكثر من ساعتين كانتا من أجمل أوقاتنا انطلقنا بعدها عائدين إلى مونتريال محملين بذكريات جميلة وراحة وهدوء اكتسبناهما من الخضرة والماء والرحابة وعظمة الخالق

 وكانت رحلة العودة أقل صعوبة والجو ألطف ووصلنا مونتريال في السابعة مساء وقد ارتوينا بالطبيعة في رحلة جميلة لم نكن قد خططنا لها....ونحن نحلم (أسرتي وأنا) برحلة أخرى لكن لا أظن أنها ستكون أجمل من زيارة شلالات نياجرا المدهشة الرائعة.......يتبع

 

فاطمة الزهراء بولعراس

 

عبد الحسين شعبان: براغ.. وثمّة عـشـق!! (2-3)

abdulhusan shaabanمدن أحببتها وعشت تفاصيل عشقها ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة، سواء كنت قريباً منها أو بعيداً عنها:

النجف مسقط رأسي،

وحسب الروائي محمود البياتي، – عاشق براغ الآخر –: كانت بغداد مسقط رأسه، أما براغ فمسقط حبّه.

وبغداد، حيث النّشأة والتكوّن والأسئلة الأولى.

وبراغ، حيث الاكتشاف والدهشة والقلق المعرفي.

ودمشق، حيث التنوّع والاغتناء.

وبيروت، الأفق واللاّحدود.

وكل تلك المدن مرتبطة بنساء كثيرات، وكل واحدة منهنّ تتلوّن بألوان قوس قزح المدينة وتستحم في نهرها أو بحرها وتتعطّر بعطرها، ومثلما تقرأ المدينة، تكون هي قد قرأتك، من خلال المرأة التي تضفي عليك شيئاً منها، حيث الدهشة الأولى وشاطىء النّهر والأحلام والشوارع الخلفية والزهور والياسمين.

من عاش في براغ أو استمهلته بالبقاء ولم يعشقها، فلا قلب له، وبراغ لها حقوق علينا، وهل للمدن حقوق؟ نعم.

الحق في الأمل

والحق في العشق

والحق في الجمال

والحق في الحلم

والحق في السلام

والحق في البيئة،

إضافة إلى منظومة الحقوق الإنسانية الكاملة. إنها حقوق السعادة، وأعني حق "التأنسن" الإنساني، أي "أنسنة" ما في الإنسان، بمعنى جعله أكثر جمالاً وأكثر عدلاً وأكثر حرّية وأكثر شراكة وأكثر تسامحاً.

بيني وبين براغ علاقة سرّية فيها الكثير من البوح، حتى وإنْ كان صامتاً أحياناً، بعضه يأتي مثل إشارات، وآخر أقرب إلى إيحاءات وثالث يشبه إيماءات ورابع فيه ثمة تلميحات وخامس يعطيك دلالات أقرب إلى التصريح مثل "إعلان حالة حب"، وهو ما اقتفيت إثره.

كلّما تبتعد عن المعشوقة، وتشتاق إليها وتقترب منها، وكلّما تقترب منها تكتوي بنار الشوق أيضاً، فالشوق معها والشوق وأنت بعيد أو غائب عنها. وحين نكتب عن براغ، تخطّها يراعنا لغة أقرب إلى لغة الثلج والمطر والريح في الشتاء، ولغة الغابات في الخريف، ولغة الزّهور في الربيع، ولغة الضوء في الصّيف.

هناك شيفرة في غاية الغموض تجمعني مع براغ، هي في أحد وجوهها لغز باهر لا أستطيع حلّه، وفي وجه آخر سرٌّ مقدّس أحتفظ فيه لنفسي، كأنّه الشعر، والشعر احتفاء بالحياة وبالوجود.

التساؤل جاءني بعد المعاينة والكشف، فزعزع شيئاً من إيماني التقليدي وصارعني، حتى انتصر الإيمان بالعقل، والإيمان بالسؤال، والإيمان بالنقد، والإيمان بالمعرفة، والإيمان بالرأي، والإيمان بالاستقلالية، والإيمان بالاستعداد لتحمّل الخطأ، أي الإيمان بالاجتهاد. والإيمان بدون العقل تعصّب، وهذا يقود إلى تطرّف، ناهيك عمّا فيه من تبعية وروتينية وترهّل وتقليدية وإذعان، لأنه سيكون أقرب إلى الجهل والاستكانة وعدم التفكير والخضوع.

والإيمان دون الضمير يقود في الكثير من الأحيان إلى عصبوية وانحياز مسبق وتأييد أو رفض أعمى، بما فيه أحياناً من تبرير للانتهاكات والتجاوزات، قد يصل إلى الدفاع عن الظّلم، سواء بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات، وإخضاع كل شيء لتحقيق الأهداف المرسومة، وقد يقود إلى تدنيس الآخر، فالآخر سواء كان عدوّاً أو خصماً أو حتى من الموقع ذاته، لكنه يمثل وجهة نظر مغايرة، فإنه سيكون مخالفاً ومعارضاً أو حتى مشبوهاً، أو مرذولاً، في حين ننسب إلى "النحن" وللجماعة التي نتغنّى بالانتساب إليها كل الفضائل والمقدّسات والشّرف والإيثار.

ومهما كانت المبرّرات والمزاعم سواء بحسن نيّة أو بسوء نيّة، فالنتيجة واحدة، هي الاستقواء على الإنسان، والاستعلاء على الآخر، "المختلف" واستصغار شأنه، حتى وإنْ قاد ذلك إلى مجافاة الحقيقة والافتراق عن الضمير الذي هو الخط الفاصل بين الإيمانية العمياء والتفكيرية التساؤلية، لأن التفكير يأخذ باحتمال الخطأ والصّواب، فهو اجتهاد إنساني، وللمجتهد حسنتان إنْ أصاب، وإن أخطأ فله حسنة الاجتهاد، كما قال جدّنا الأقدم الإمام الشافعي.

وإذا كان رأسي مستودعاً للقلق، فإن براغ ألهمتني حباً صافياً ورقيقاً غلّف روحي بوهج لؤلؤي، وهكذا كان الضوء والهدوء ملازمين لي في نافورة العشق المتدفق، فالهدوء يوصلك، أو لنقلْ يفتح الأفق أمامك للسؤال والبحث عن الحقيقة حيث اللاّنهايات، والضوء يضعك في اتصال حميم مع الحقيقة في إطار عذوبة غامضة ومضنية.

و(كما يقول الجواهري) بخصوص الضمير:

ومن لم يخفْ عقب الضمير / فمن سـواه لـن يـخافا

الفارق كبير بين العارف وغير العارف، بين المؤمن بالعقل وبين المؤمن بدونه، وصدق ما جاء في القرآن الكريم (في سورة الزُّمر): (... قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون...؟)، فأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، وذلك معيار التبصّر والتطهّر.

إذا كانت المعرفة شقاء وقلق وصراع، فإن الجهل بؤس وتخلف وخنوع، والفارق كبير بين البؤس والشقاء، وتلك مفارقة المؤمن العارف والمؤمن غير العارف، والمعرفة تأتي بالهمّ والأرق واللاّقناعة واللاّيقين واللاّاستقرار أحياناً، لكنها تفسح أمامك في المجال لطريق التفكير والسؤال بحثاً عن الحقيقة، في حين يأتي بك الجهل إلى التّسليم بما هو قائم أو رفضه ليس بالبعد أو القرب من الحقيقة، بل لأسباب تتعلّق بالجمود وعدم التفكير، ويكتفي البعض بتبرير "السير مع القطيع والهتاف مع الجميع"، خشية من العزلة، أي التصرّف بسلوك الجماعة التي ينتمي إليها دون تفكير، وإلاّ سيكون وحيداً خارج "مجتمع المؤمنين"، فذلك طريق "السلامة" بالنسبة إليه، وهو الذي اعتبره الجواهري "أرذل السبل"، وتلك لحظة تأمّل وتفكّر وتذكّر.

*        *        *

كل شيء في براغ معمِّر، وحتى لو ترك الزمن آثاره، يبقى ثمة خلود، للبشر والحجر، والشجر، وكل ما أنتجه الإنسان، تتم المحافظة عليه. تلك سمة حضارية وتقدمية، بالشعوب والأمم التي تحترم نفسها وتحترم تاريخها وتحترم مبدعيها. فهل نستطيع استبدال الشقاء بالبؤس، وأيّهما سيكون مطهّراً للنفس، وعلى أي الجانبين يقف الوهم والعذاب؟ وحسب ابن خلدون، فالخراب بالظلم، والعمران بالعدل، وحتى وإنْ كان الأمر يحمل بعض التناقض، ولكن لحين، فسرعان ما يتّخذ المسار أحد الخيارين.

غالباً ما كان السؤال يكبر: أيّهما نقدّم الإنسان أم الفكر؟ وهو السؤال الفلسفي التاريخي والتقليدي حول أيّهما أسبق: المادة أم الوعي؟ وفي حين يذهب أصحاب المذهب المثالي إلى اعتبار الفكر يتقدّم على المادة، يقول الماديون لا سيّما الجدليون، إن وجود المادة يسبق الفكر، وهذا الأخير انعكاس للواقع.

وقد أخضعنا الإنسان لتجارب وعرضنّاه لتحديّات بزعم إثبات صحة الفكر، علماً أن لا فكر صحيح، دون البراكسيس، وحتى لو سوّغ آيديولوجيون من شتى الأصناف وفلاسفة ورجال دين، أن هدفهم خدمة الإنسان والارتقاء به إلى حيث السعادة والرفاه في الدنيا والآخرة، لكن المعيار يظل هو الإنسان ابتداءً وانتهاءً.

وبقدر ما تكون الغاية شريفة، فالوسيلة ينبغي أن تكون كذلك، لأنه لا انفصال بينهما، مثلما لا تنفصل البذرة عن الشجرة حسب المهاتما غاندي، فإننا لاحظنا وشهدنا كيف انهارت أنظمة كانت مثل القلاع المحصّنة على حد تعبير جون بول سارتر لا يمكن اقتحامها من الخارج، لكنها في حقيقة الأمر، كانت خاوية وهشّة من الداخل، حتى ظهرت وكأنها صُنعت من ورق باستعارة تعبير ماوتسي تونغ، عندما كان يصف الأنظمة الإمبريالية بأنها "نمور من ورق"، فالغاية الشريفة تتطلب وسيلة شريفة وهذه الأخيرة هي جزء لا يتجزأ من الغاية ذاتها.

 لقد انهارت جميع التبريرات والحجج الواحدة بعد الأخرى، تلك التي قدّمت ما هو طارىء على ما هو استراتيجي، وما هو استثناء على ما هو قاعدة، وما هو مصلحي على ما هو إنساني، ولم يعد الحديث عن العدوّ الخارجي وحده مقنعاً، وإنْ كان موجوداً ومؤثراً، لكن العدوّ كان يتربّع في الداخل، وعلى أعلى المواقع. وهل يستطيع عدوّ خارجي أن يتمكّن من تحطيم تجارب وإطاحة أنظمة، لولا وجود العدوّ الداخلي المتلبّس بلبوس شتى، لتبرير نهج هيمنته وانفراده وتسلّطه، وبالتالي فشله، دون أن يعني التقليل من شأن العدوّ الخارجي؟

أليس في الأمر ثمة استغفال؟ وأكثر من ذلك حين يبرّر محق الإنسان لكي تنتصر "الآيديولوجيا"، تلك التي سادت كذريعة باعتبارها "الهادي" و"المرشد"، في حين أنها شدّت الإنسان بأكثر من وثاق وقيّدته بأكثر من قيد وأغرقته في بحرها، وهكذا تعطل العقل التساؤلي النقدي ليحلّ محلّه العقل التبشيري الإيماني السكوني، وننسى أن الإنسان هو الأساس، وهو مقياس كل شيء، حسب الفيلسوف الإغريقي بروتاغوراس، وصدق كارل ماركس حين قال: الإنسان أثمن رأسمال. ومهما قيل من تبريرات أو حجج لانتهاك كرامة الإنسان، تحت أي سبب كان، فإنها لا تصمد أمام حقيقة سمو الإنسان، الذي لأجله قامت الأديان وتبلورت الفلسفات وتأسست النظريات، إنه الهدف وينبغي أن يكون الوسيلة.

 

في براغ: الكشف، والفيض، والإلهام

هناك تجد نقطة البداية التي توصلك إلى نقطة النهاية، لأنها تقوم على بُنية دائرية، فثمة مركز وثمة أطراف، ومن حيث تبدأ تصل إلى النهاية، تصل إلى الذروة والتّحقق، وتلك علاقة العلّة بالمعلول، والعاشق بالمعشوق!

لمجرد سماع اسم براغ سيكون أمامك:

يوليوس فوتشيك الذي خاطب الغزاة الألمان وهم يريدون مساومته قائلاً لهم: ستكون براغ أجمل بدونكم، وهم يحاولون من على قلعة براغ أن يستثيروا غرائزه الإنسانية، كي يتنازل، لكنه اختار طريق الشرف والتضحية، دفاعاً عن وطنه وأفكاره، وهو القيادي الصحافي ورئيس تحرير صحيفة الرودي برافو "الحقيقة الحمراء". نستذكر "سكّة الغابات" والمقاومة، واللحن الذي يردّده البراغيون (خلال الحرب العالمية الأولى): نحن "البراغيون" لن نسلّم براغ.

ولا ننسى كيف قرأنا فرانز كافكا: المسخ، والمحاكمة، والقلعة؟ وكيف استهوانا هذا الروائي المبدع ورائد الرواية الكابوسية؟ على الرغم من محاولة التقليل من شأنه بزعم فردانيته وسوداويته المخالفة للواقعية الاشتراكية "الجدانوفية". وكنّا في صراع مستمر بين ما هو سائد وما هي رغباتنا ومشاعرنا، والإنسان في داخلنا.

لم نكن نستطع – أقصد من داهمتهم عاصفة الشّك والسّؤال وخرق الولاء والطاعة العمياء – أن نهضم لماذا يهمّش كاتباً بهذا الوزن؟ لذلك أقبلنا على قراءته كجزء من الرفض التساؤلي والشك الوجودي والتمرّد الأول، والشغب "المشاكس"!

كان كافكا من جلاّس مقهى سلافيا Slavia الذي كنّا نرتاده في أوائل السبعينات من القرن الماضي، أي بعد نحو ستة إلى سبعة عقود على ارتياد كافكا. والمقهى الذي افتتح في العام 1863، يطلّ على نهر الفلتافا ويقابل مبنى المسرح الوطني "الشهير"، ويواجه في الوقت نفسه قلعة براغ التي تنتصب فوق الجبل، هو قريب من الجسر الحجري المعروف باسم "جسر جارلس"، وهو من أقدم جسور أوروبا.

كما كان من رواّد المقهى الشاعر والكاتب راينر ماريا ريلكه البوهيمي النمساوي الذي كتب بالألمانية والمولود في براغ والمتوفي في مونترو في سويسرا، والموسيقار دفورجاك والموسيقارة سميتانا، والشاعر ياروسلاف سيفرت (الحائز على جائزة نوبل العام 1984)، وطائفة من الفنانين والفنانات والأدباء والمسرحيين، وكان يترددّ عليه عندما يزور براغ الشاعر التركي ناظم حكمت، كما كان الشاعر الجواهري يرتاده أيضاً، وخصوصاً في الثمانينات، ومن رواده المشهورين الكاتب المسرحي فاتسلاف هافل الذي أصبح رئيساً للجمهورية، بعد التغييرات التي حصلت في خريف العام 1989.

حين أستحضر براغ بعد غياب، أستمتع بقراءة ميلان كونديرا: الذي لجأ إلى فرنسا العام 1975 وأخذ يكتب بلغتها لاحقاً: خفّة الكائن التي لا تحتمل، الضحك والنّسيان، البطء، فالس الوداع، فأية مواهب طُردت وأية كفاءات هاجرت وأية مظالم ارتكبت؟

قرأت براغ الأخرى من خلاله، براغ التحتانية وليس براغ الفوقانية، براغ السرّية وليس براغ العلنية، براغ الشعبية، وليس براغ الرسمية، وكنتُ كثير الفضول لمعرفة ما يدور في الخفاء. وبعد إنهاء دراستي وقبل مغادرتي براغ العام 1977، كنت قد قرأت Charter 77. تداولته وتناقلته مع صديقات وأصدقاء بحذر شديد، وقد لا أكون متفقاً مع كل ما جاء فيه، خصوصاً بنزع روح الاشتراكية، لكنني كنت أرغب في معرفة خفايا حركة تمرّد واحتجاج، كان هناك الكثير من التعتيم عليها، بل وازدرائها لدرجة اتّهام أي صوت معارض أو مختلف بشتى التهم المسيئة، ودون تمييز أحياناً، في حين كان الغرب كثير التهويل فيها، وهو ما كانت إذاعة أوروبا الحرّة التي تشرف عليها الـ CIA تبث عنها في إطار دعاية سوداء وصراع آيديولوجي إلغائي، وفقاً لنظرية "بناء الجسور" التي صمّمها تروست الأدمغة (مجمّع العقول) الذي يعمل بمعيّة الرؤساء الأمريكان لتحطيم البلدان الاشتراكية من داخلها.

لم تكن الأخطاء والخطايا مخفية، بل كانت مظاهرها تفاجئك حتى إذا كنت عابراً، فما بالك حين تعيش وتعرف وتتكوّن لك صداقات. هكذا سقطت التجربة مثل "التفاحة الناضجة" بالأحضان، وكانت قد تركت تأثيرات فكرية وعملية على الحركة الاشتراكية الماركسية بمجملها منذ وقت مبكر، وأعني بذلك الحراك الذي عرف باسم "ربيع براغ" الذي أثار انشغالاً عالمياً (العام 1968) وآراء متعارضة ومواقف متناقضة.

وكنت قد كتبت قبل عقدين ونيّف من الزمان عن تأثيراتها الشخصية عليّ، تلك التي ترافقت مع عدوان الخامس من يونيو (حزيران) العام 1967، وما تركه من مرارات وخيبات، وهو ما أعدت قراءته في أوقات لاحقة، خصوصاً فكرة الاشتراكية ذات الوجه الإنساني، من منظورين نقديين: الأول من منظور التوظيف الإمبريالي الغربي، والثاني من منظور "التدخل" العسكري والسياسي السوفييتي، والمواقف المتطابقة معه، بل والمغالية أحياناً في تبنّي توجهاته، ناهيك عما له علاقة بالحرّيات، ولا سيّما حرّية التعبير، إضافة إلى بطء عملية التنمية وتعثّرها والاختناقات الاقتصادية التي صاحبتها، ولعلّ تلك رؤية ثالثة أخذت ببعضها أحزاب شيوعية واشتراكية أوروبية، وهو ما تحدثت عنه في محاضرة لي في لندن، بديوان الكوفة، ولاحقاً بكرّاس صدر لي بعنوان: بعيداً عن أعين الرقيب – بين الثقافة والسياسة 1994.

ولعلّ التوقّف عند المعلن والمستتر والظاهر والمخفي، ولا سيّما بعد التغيير، يعطينا تصوّراً أكثر واقعية عن ازدواجية "الإنسان" في ظل الأنظمة الشمولية تلك، التي لا تترك مساحة فارغة إلاّ وحاولت أن تسدّها، سواء بطبعتها الأصلية أو بنسختها الفرعية العالمثالثية بما فيها العربية، بشكل عام والعراقية بشكل خاص.

نستذكر بعض دراسات الاستشراق: مثل بيتراجيك، الذي ترجم القرآن إلى اللغة التشيكية، ومعهد الاستشراق، ونأسف لماذا لم نستثمر ذلك، بما كان لدينا من طاقات وإمكانات كعرب وكماركسيين (ماديين جدليين). وقد اكتفينا بما هو سائد ورسمي من العلاقات، وبالنتيجة حتى العلاقات القديمة لم نستثمرها على نحو جيد، وهو ما كان حديثي مع رفاق عراقيين وفلسطينيين وسوريين.

نعيد اسم كارل غوت المغني الجميل والصوت العذب، رحل إلى المنفى ثم عاد. من يستمع إليه يغنّي يشعر أن براغ كلها أصبحت مُلكه، بل هو أصبح مثل طائر يحلّق فوقها ليبسط جناحيه على أبراجها الذهبية وهضابها وتلالها المكتظة ونهرها الفلتافا العريض والمتدرج وجسورها الممتدة وحاناتها الأنيقة.

نستحضر الموسيقار دفورجاك وسمفونياته، وخصوصاً سمفونيته التاسعة "العالم الجديد"، وأسماء أخرى لسمفونياته التي أبدعها حيث وُلد في بوهيميا التابعة حينها لإمبراطورية النمسا 1841 ودرس في براغ، وقدّم أعماله في لندن ونيويورك وبلدان أخرى، وتوفي في العام 1904، تاركاً وراءه تراثاً موسيقياً ضخماً، هو امتداد وتواصل "لِـ" و"مع" موسيقاريين كبار مثل بتهوفن وموزارت وباخ وتشايكوفسكي وآرام ختشادوريان، وغيرهم.

 

عبد الحسين شعبان: براغ.. وثمّة عـشـق!! (1-3)

abdulhusan shaabanحين دعاني "النّادي الثقافي العراقي" في براغ لإلقاء محاضرة، اخترتُ "العِشق" عنواناً لحديثي، بما له من مدلولات وألغاز وأسرار، خصوصاً حين نكون في حضرة براغ، حيث الثقافة وسرديّاتها المكتوبة والبصرية والمرويّة، تلك التي تجمّع بعضها في زوايا الذاكرة المُتعبة. قلت: لكنّها ليست محاضرة، بل هي بضعة خواطر مبعثرة ومتناثرة عن معشوقة، ظلّ العاشق يحتفظ بمنديلها المعطّر، فيشمّه كلّما شعر بالشوق إليها، ليستحضر صورتها ويستذوق طعمها ويلامس وجوهها المتعدّدة.

حاولت أن أستفزّ الذّاكرة لتخرج على غير نظام من زواياها، ولم أنتظر أنْ تكون لها منهجية أو تخطيطاً، فالمحاضرة تحتاج إلى قراءة ومراجعة واستحضار وكتابة، بما فيها من مقدّمة ومتن واستنتاجات واقتباسات وتدقيق ومناظرة ومصادر.

إذاً، فلنؤجل الحديث عن الهويّة وفرعياتها، والنجف وخصوصياتها، كما كنت قد وعدت من دعاني لإلقاء محاضرة لأكثر من مرّة، لمناسبة أخرى، وهو ما ذكرته في استهلالي "البراغي"، ولنترك الحديث ينساب عن براغ، فثمّة عشق معتّق.

وهكذا جاءت الأحاديث بعفويّة وبساطة، تكاد تكون أقرب إلى الارتجال والشفوية، لقناعتي أن الكلام عن براغ يخفّف من غلواء القسوة الماثلة أمامنا بكل جوانبها، وثانياً أنه يقرّبنا من بعضنا، حين يعيد استذكار الحميميّة العفوية الشبابية الأولى، وثالثاً أنه يسترجع تاريخاً يكاد يكون متّفقاً على خطوطه العريضة، وإنْ احتوى ألغاماً من الأسئلة، ورابعاً أنه تشجيع على البوح، فلكلّ من الحاضرين قصّته الخاصة عن المعشوقة "براغ"، التي يلتقي في حبها كثيرون، دون أن يشعر أحدهم بالغيرة من الآخر، ودون أن تعطي هي نفسها لواحد منهم، لأنها ملكٌ للجميع، ولكن بشروط العشق التي تحرص على مراعاتها، هكذا تقترب المعشوقة مِن كل مَن عشقها.

وأخيراً، إن المناسبة اجتماعية ثقافية، وهي أقرب إلى "احتفالية"، استجبتُ إليها، وأنا الذي أتردّد في قبول دعوات إلاّ باتفاقات وتهيئة مناسبة، ولذلك قلت: لا ينبغي الإثقال على الأصدقاء بمواضيع ذات طبيعة إشكالية، سواء بمعناها الأكاديمي أو الفكري أو السياسي، ولا بدّ لي من الاكتفاء بخبطة ثقافية، هي تصوير بانورامي عن لقاء العاشق بالمعشوق.

*        *        *

في براغ تستحضر معك:

الدهشة،

الإبداع،

الحميمية،

عبق التاريخ،

فكلّ شيء في المدينة يدلّك على حضورها البهيّ وجلال قدْرِها وجمال روحها وحُسن محيّاها وعظمة تاريخها. إنها مدينة مفتوحة، ساحرة وفاتنة، تُظهر بقدر ما تُخبّىء، وتبوح بقدر ما تكتم، وتتكلّم بقدر ما تصغي، وتسأل بقدر ما تُجيب.

هكذا هي براغ "المعشوقة"، حتى وإنْ كان طقسها مكفهّراً أحياناً وربما باكياً، وأبنيتها قديمة وأزقّتها ضيّقة وحاراتها متعرّجة، ولكن على الرغم من أن الطقس يبعث أحياناً نوعاً من التبرّم والكآبة، إلاّ أن الإنسان الذي يدخلها باكياً بصورتها الأولى، يخرج منها باكياً أيضاً، وهذه المرّة على فراقها، بعد أن يكون قد تعرّف على خباياها وخفاياها، ودخل في تفاصيل حياتها ونسائها وخمورها وأطايبها وعوالمها.

بصوتها ذات النّبرة الشاميّة المدهشة صاحت شيرين، حينها: "يا الله... العمى، تئبرني": ما أروع الخريف في براغ، لاحظْ ألوان الأشجار كيف تتغيّر كل يوم؟ الأشجار بلون البرتقال والورد والتوت والرمّان والكرز والمشمش... وأضافت كنت أعتقد أن الجمال في الربيع، ولكن خريف براغ هو ربيعها أيضاً، أما الصيف، فقلت لها: تبدأ المدينة فيه بالتحلّل من أثقال الشتاء وتخلع ملابسها قطعة قطعة، لتعود حوّاء كما خلقها الباري، وهي تقضم تفاحة آدم. أما الشتاء، فهناك الشلالات الفضيّة والسنديانات وأشجار البلوط، حيث تفيض براغ بالإبداع والثلج، تلك هي الطبيعة أمُّنا الحنونة.

وفي وصف براغ يقول الجواهري الكبير، (براها باللّغة التشيكية):

قف على "براها" وجب أرباضها / وسل المصطاف والمرتبعا

أعلى الحُسنِ ازدهاءً وقعت / أم عليها الحُسن زهواً وقعا؟

واستعرْ منها عيوناً جمّة / وتملَّ الناس والمجتمعا

وسل الخلاّق هلْ في وسعه / فوق ما أبدعه أن يُبدعا

وفي قصيدة أخرى حملت اسم براها، يقول:

(براها) سلامٌ كلّما خفق الصباحُ على الهضاب

وفي السهل الممتنع للجواهري عن براغ يقول:

أطلت الشوط من عمري / أطال الله من عمرك

ولا بُلّغت بالسوء / ولا بالشرِّ في خبرك

حسوت الخمر من نهرك / وذقت الحلو من ثمرك

ألا يا مزهر الخلد / تغنّى الدّهر في وترك

وقصائد الجواهري الخمسة عشر (15 قصيدة) عن براغ وحدها تكفي أن تكون ألبوماً لحياة براغ، ومن أبرز ما كتبه "يا غادة التشيك"، و"بائعة السمك"، و"آهات"، و"مونيكا"، وهناك مقطوعات شعرية في مجالسة مظفر النواب، وسميح القاسم، وهي تعدّ من الشعر "الإخواني؟!

وفي براغ نظم الجواهري قصائده الخالدة: يا دجلة الخير، وكردستان موطن الأبطال، وأبا زيدون، وبيروت ابنة الدهر، ووارشو النجمة التي تتلألأ، وقصيدته في تخليد جمال عبد الناصر، وقصيدة زوربا، وقصيدة الأرق، كما كتب قصيدته الرائعة:

لُمّي لهاتيكِ لمّا / وقرّبي الشفتينِ

كنت أتحدّث عن براغ في جمع يعيش فيها وقسم منهم قرّر ألاّ يغادرها، فخاطبتهم أنتم أدرى منّي بفنون براغ وعلومها، فأهل مكّة أدرى بشِعابِها، ولا يُفتى ومالك في المدينة، ومع ذلك فلكلّ منّا زاوية نظره لهذه المعشوقة، وهو ما أحاول أن أستعيده وأنا أزور براغ، ففيه شيء من استذكار واستحضار لمونولوج داخلي، إنه نوع من الحوار مع النفس، وكل حوار مع النفس، حوار مع الآخر، وهكذا تكون "الأنا" و"الأنت" و"الآخر"، في حوار لا ينقطع. أكرّر هذه الاستعادة مرّات عديدة في ذاكرتي، لتنفتح أمامي كتلة من ضوء باهر، أحاول الإمساك به، لكنه يتحرّك سريعاً، فكأنما أقبض على الريح، وريح براغ التي في ذاكرتي، هي خفيفة ومنعشة مثل تلك التي تسبق المطر.

حين أفقت من غيبوبتي، شعرت أن ضباباً كثيفاً يلفّني، فهل عدت إلى الحياة يا تُرى؟ أم أنني في العالم الآخر؟ كان ثمّة حنو ورأفة، هي مزيج من حنان عطوف ومشاعر بالرعاية تغمرني على نحو شديد، وتخيّلت، ولربما رأيت ثمّة ثلوج بيضاء فوق الجبال، تتوزّع على الحقول، وغيوم فضيّة تعلو السماء الزرقاء والداكنة، تتجوّل ببطء لينفرج بعدها صفاء لا حدود له. مرّ الأمر سريعاً تاركاً لي شيئاً أقرب إلى رائحة العشب، قلت مع نفسي وبين اليقظة والغيبوبة، لقد شممت مثل تلك الرائحة من قبل، فجاءني جواب من بعيد، تذكّر!!

وحاولت ثم غبت، وأفقتُ وغبتُ مرّات ومرّات، وبعدها أدركت أنَّ ذلك الشعاع الذي داهمني وسط زحام من العتمة كان بخيوط الفجر التي تأتي مع نور الشمس، وأن تلك الرائحة المحفّزة كانت تتسلّل إلى أنفي بعد تلك الارتعاشة العظيمة والآسرة، إنها المدينة التي تسهر معي لتطمئن على صحتي، لأنها تعرف مدى عشقي، وتعلّقي بها.

*        *        *

منحتني براغ هدايا كثيرة، ووهبتني عطايا عديدة، وأهم من كل ذلك صاحبتني طيلة عقود، ومعها وفيها وإليها كان ثمّة حلم طويل، يأتي ويذهب، متواصلاً ومتقطّعاً، مباشراً ومتعرّجاً، لا زلت أعيش هذا الحلم ومعه، وأجد كل يوم له تفسيراً جديداً، بل أحياناً أترك الأمور بلا تفسير، ويأتي الحلم بلا مواعيد أو إخبار، يطلّ برأسه من بعيد، حيث:

التحقّق،

والامتلاء،

والمعنى،

والدلالة،

وتلك علامات العشق وهذا له أحكامه. والعشق بقدر ما هو يقين فهو حيرة أيضاً، ولا هدى إلاّ بعد حيرة، والحيرة حركة، والحركة حياة، حسب ابن عربي.

براغ عاظمت من حيرتي وجعلتني أطرح السؤال بعد السؤال دون أن أجد الجواب، وكلّما ازدادت أسئلتي، زاد قلقي وارتفع منسوب حيرتي، ودائماً يظلّ الجواب عصيّاً عن الحضور، "هذا زمن تتقدّم فيه الأسئلة، وينهزم الجواب" حسب أدونيس.

مثلما للمكان دور، فللزمان دور آخر. "والزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمّد" على حدّ تعبير ابن عربي أيضاً. في المكان الذي نجلس فيه (اتحاد الطلاّب العالمي سابقاً) رمزية خاصة في ذاكرتي الأولى، فما بالك حين يجتمع بالزمان، وباجتماع الزمان بالمكان تنبجس حقيقة. "الزمكان" – تاريخ وحقائق، مثلما هو أحداث وقراءات وتأويلات وزوايا نظر.

كان ذلك أول لقاء لي بالمكان. وحين وصلت كانت ثمّة ندف ثلجية تنهمر من أعماق السماء. أما الزمان والمناسبة، فقد كانت للتحضير لمئوية عبقرية خلطت الفكر بالممارسة فأنتجت رؤية، وهذه الرؤية تحوّلت إلى فعل، والفعل استهدف التغيير، وهذا أصبح واقعاً، حتى وإنْ انقلب بعد حين، وليس أمامنا في قراءة الواقع التاريخي سوى التقويم وإعادة القراءة بتوسيع دائرة المعرفة، وتقليب وجهات النظر: إيجاباً وسلباً، فالماضي أصبح ماضياً ولا يمكننا استعادته، إنه مضى وإنْ ترك شيئاً فينا، لا يمكننا اقتلاعه، لأنه جزء منّا، فلنحسن إذاً التبصّر والاعتبار لما فيه من دروس وخبرات ومراجعات ونقد.

المكان هو المكان، والزمان غير زمان. كنّا نلتقي سابقاً في "نادي الصداقة" والمقصود الصداقة بين الشعوب، أما الآن فنحن نجلس تحت عنوان "الأقليّات". والأقليّة مفهوم ملتبس يحمل معنى التسيّد من جهة والاستتباع من جهة أخرى، وذلك لم يكنْ اختلاف الزمان فحسب، بل اختلاف رؤيا وتعاكس منظور وصراع في بطن صراع، وهكذا عاشت براغ موزّعة بين زمانين.

وكنتُ قد انتقدت إعلان حقوق الأقليّات لعام 1992 وإعلان حقوق الشعوب الأصلية لعام 2007 على ذات الأسباب الملتبسة التي تستبطن اختلال العلاقة بين مجموعة ثقافية وأخرى، بزعم "الأكثريّة" و"الأقليّة"، لأن المسألة لا تتعلّق بالعدد والحجم، بقدر ما تتعلّق بمفهوم المساواة والتكافؤ، فهو يندرج في موضوع الهويّة، وعلاقة الهويّات مع بعضها، فلا هويّة صغيرة وأخرى كبيرة، وهويّة عُلوية وأخرى سفلية، وهويّة تابعة وأخرى متبوعة.

فالهويّات ينبغي أن تكون متكافئة في الحقوق والواجبات، وهكذا ينبغي أن يتم التعامل معها قانونياً ومن منظور حقوقي، وإنساني، باعتبارها تعبيراً عن مجموعة ثقافية، سواء كانت إثنية أو دينية أو لغوية أو سلالية أو غير ذلك، أي أنها ينبغي أن تكون على قدر المساواة مع المجاميع الثقافية الأخرى، بغض النّظر عن حجمها وعددها، طالما هي تمثّل هويّة لها طابعها الخصوصي، والهويّة أياً كانت عامة أو خاصّة، شاملة أو فرعية ينبغي احترام حقوقها المتساوية، وفي التطوّر المستقلّ، والتّعبير عن ذاتها.

أتوقّف عند زاوية أخرى، في علاقتي الخاصّة، باستذكار المدينة، وهذه الزاوية لها علاقة بزمن الإيمانية – التبشيرية – اليقينية، أي زمن الوعد والشعارات الكبرى والحتميات، فقد كانت براغ بالنسبة لي، إحدى محطّات التأمّل والتّفكير والمراجعة نحو العقلانية التساؤلية الوضعية النقديّة، وإن ظلّت اليقينية تسير موازية للتساؤلية، ولكن كان ذلك لحين، حيث تراجعت الوثوقية التبشيرية بتغليب الثانية، خصوصاً بارتفاع موجة الأسئلة، وكلّما كانت هذه الموجة تعلوّ، كان السبيل يتعزّز لبناء المنظومة المعرفية.

ويقود طريق المعرفة إلى الكشف. وهي وإنْ كانت شقاء، فالجهل بؤس، والصراع بين المعرفة والجهل يتّخذ أحياناً طابع الصراع بين الشقاء الذي يكتظّ بالأسئلة والشكّ والبحث المضني عن الحقيقة، وبين البؤس الذي يحمل الاستكانة والخضوع والانحياز المسبق.

كانت براغ بالنسبة لي محطّة لتدقيق العلاقة بين المرئي واللاّمرئي، والمنظور والمستور، والحالم والواهم، والتبشير والتفكير، والأسئلة التي تلد أخرى وتظل تستفهم، والأجوبة المعلّبة والجاهزة، وهكذا يشتبك السكون بالحركة، واليقين بالشك، الأمر الذي يزيد من حجم الحيرة ويعاظم من القلق.

*        *        *

المدن مثل النّساء، وبراغ مدينة لأكثر من امرأة، هي جمع من النّساء، حيث يلتقي الذكاء والجمال والفتنة والإثارة والثقافة والعذوبة في بساتينها العامرة وفي حدائقها الساحرة، مثلما هي جمع من العشق يأتي عناقيداً ويتوزّع أغصاناً وثماراً وبذوراً. ومهما زعمت معرفتك بالنساء، لكن دهشتك تزداد مع كل جديد، ولهذا لكل مدينة مثلما لكل امرأة رائحتها ومذاقها، بوحُها وسرّها، سحرها وغموضها، روحها وشكلها. ومثلما المرأة لا تكشف أسرارها بسهولة، فإن براغ لا تستسلم من أول لقاء، وهي لا تبوح لك بأسرارها وتفسيرات ألغازها إلاّ بعد حين وبالتدرّج، إنها لا تعطي نفسها دفعة واحدة، بل تتأكد أن ثمة حبل سري أخذ يشدّها بالعاشق، بعد أن رمت بشباكها فاصطادته، حينها تفتح لك صدرها وقلبها وعقلها وتحتضنك بذراعيها بقوّة وحنان.

أحببت مدناً كثيرة، مثلما أحببت نساءً كثيرات، وقلت إنّني لا أستطيع العيش دون عشق، سأتحوّل إلى شجرة بلا ماء. "لا أتذكر قلبي إلاّ إذا شقّهُ الحبُّ نصفين، أو جفَّ من عطش الحب"، كما يقول محمود درويش. والإنسان بدون العشق يصبح خاوياً وكئيباً، بل ويفقد توازنه، فالعشق ضدّ الرتابة والنمطية. وإذا كان مارك توين قد قال: عندما تحاول اصطياد الحب: قامر بقلبك لا بعقلك، لكن كل مقامرة بالقلب، هي شكل من أشكال المقامرة بالعقل أيضاً، بحكم علاقة الجذب والتبادل بينهما.

 

نارين عمر: شخصيّات من التّراث والتّاريخ الكورديّ: رستم زال

narian omarالتّراث والتّاريخ الكورديّ فيهما من العراقة وخفايا الأشياء الكثير، وقد اخترنا شخصيّة كانت وﻻ تزال راسخة في أذهان الشّعب الكورديّ وهي شخصيّة "رستم زال".

إنّها إحدى أبرز الشّخصيّات التي اقترنت بالشّجاعة الخارقة، وﻻ تزال الشّعوب الآريّة من الكورد والفرس وحتى آريو الهند وباكستان وأفغانستان تعتبره بطلها الأوحد على الرّغم من أنّ شخصيّة رستم زال يعتبرها البعض شخصيّة اسطورية.

 الفردوسيّ في كتابه الشّاهنامه يعتبره مخلّصاً للملك كيكاوس بعد أن أسره هاماوران وهو ابن زال ورودابه، أمّا الهمذاني فيؤكّد على أنّ مربط فرسه في سجستان، وياقوت الحمويّ يقول في شوشان بالقرب من إيﻻم.  هذا ماتناوله مؤرّخو ذلك العصر عن رستم زال وفي الحقيقة دراسة المصادر والمراجع التّاريخية توضّح لنا بعض الخفايا في هذه الشّخصيّة منها تخليص الملك كيكاوس من أسر ملك هاماروان حيث ظلّت المنطقة الشّرقيّة من أراضي الآريين وموطن الشّعوب التّركية مصدر القلق الأكبر لكلّ ممالك الآريين من أيّام الميديين والأخمينيين وحتى بني ساسان، ﻻ بل تجاوز خطرها إلى أوربا نفسها وما هجمات الهون وقائدهم اتيﻻ الهوني إﻻ واحدة من زحف سكان تلك المناطق نحو جنّات النّعيم بعيداً عن تلك السّهوب الفقيرة، وتلتها حركة مستمرّة من تلك الشّعوب التّركية نحو أوربا مثل هجمات التّتار والمغول الذين سيطروا على روسيا وبولندا والشّرق الأوسط وما قبلها من هجرة التّركمان ممثّليين بأوﻻد سلجوق وآخرهم بني عثمان. 

إذا كان الصّراع بين الأقوام التّركية والشّعوب الآريّة، وإذا كان رستم شخصيّة أسطوريّة كما تصفه معظم المصادر فإنّه يمثّل انتصاراً للآريين على تلك الشّعوب، وقد تحقّق ذلك فعﻻً وإن بشكل جزئيّ أيّام شابور؛ أمّا اسم الملك كيكاوس ففي قائمة ملوك الآريين وﻻ وجود لاسم الملك كيكاوس إﻻ في العصر الميدي وهو نفسه من تسميه المصادر الغربيّة اكرزسيس الذي أسقط نينوى بالتّعاون مع نابوبوﻻصار الكلدانيّ، وهذه نقطة لم يستطع المؤرّخون تفسيرها، وفي تاريخ الشّرق هنالك شخصيات حقيقيّة ولكن صبغت عليها بعض الصّفات للدﻻلة الرّمزيّة كشخصيّة الملك كلكامش ملك الوركاء السّومريّة الذي تؤكّد معظم المؤرّخيين على أنّه شخصيّة حقيقيّة ولكن اصطبغت ببعض الظّواهر الخارجيّة، جدير بالذّكر أنّ شخصيّة رستم زال تختلف عن رستم فرخوزاد قائد الجيش السّاساني والذي قتل في معركة القادسية على يد هلال التّيمي.

ورستم زال أو رستم داستان شخصيّة معروفة ومشهورة في ذاكرة الكورد وفي ملاحمهم الغنائيّة وفي أشعارهم وفلكلورهم، ويربطون اسمه دوماً بالقوّة الخارقة والشّجاعة التي لا تفوقها قوّة أو شجاعة لبشريّ آخر، وهو الفيصل الحادّ بين الخير والشّر، في قوّته تكمن منابع الخير والحقيقة والعدالة التي تجفّف كلّ مستنقعات الشّرّ والباطل والظّلم، وعلى الرّغم من أنّ الكثير من الشّعوب تنسبه إليها إلا أنّ المصادر التّاريخيّة والشّعبيّة تؤكّد على نسبه الكرديّ؛ فعندما قامت الدّولة الرّستميّة اعترفوا على أنّهم من نسل الكورد، والتي قامت في العصر العباسيّ الثّاني في المغرب، وهم من نسل ملوك بني ساسان الكورد  كما ذكر ابن حزم القرطبيّ، وامتدت دولتهم بين 776-909.م في بلاد المغرب "تونس الجزائر المغرب"

أهم ما في رواية وحكاية رستم الشّعبيّة هي المعركة التي حدثت بينه وبين ابنه زوهراب، حيث تقول الرّواية إنّ رستم تزوّج من "تامينا" ابنة أمير "سامان كايي على حدود توران" لفترة قصيرة، والتي قالت له سأهديك ابناً أو ابنة، فماذا تريد؟ ردّ عليها لا يهمّ، ولكن إليك هذه القلادة، ضعيها في جيد المولود كتذكار من كلينا، وتمرّ الأعوام، ويبلغ الولد الذي تسميه "زوهراب، زوهراڤ" الرّابعة عشرة من العمر، وتنشأ حرب بين ميديا بقيادة افرستياب وتوران بقيادة كيكوس أو كيكواس، ويشاء القدر أن يكون رستم في صفوف مقاتلي كيكوس وابنه زوهراب بين مقاتلي افرستياب، وعلى الرّغم من أنّ "تامينا" تحذّر الاثنين بعدم المشاركة في الحرب، فإنّ المواجهة بين الاثنين تتمّ وعلى جولات متتالية وخلال ثلاثة أيّام بالرّمح والسّيف والتّشابك باليدين، وعلى الرّغم من تمكّن زوهراب من رستم في اليوم الثّاني إلا أنّه لم يقتله احتراماً لشجاعته وعظمته، ولكنّ رستم وفي اليوم الثّالث والأخير من العراك يتمكّن منه، ويقتله، لتأتيه المفاجأة المميتة من زوهراب الذي يرفع رأسه، ويقول له قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة:

 (هناك شخص أقوى وأشجع منّي، اسمه رستم زال، إنّه أبي، اهرب بسرعة، لأنّه لو سمع بمقتلي، سيأتي، ويقتلك..) وهنا يبحث رستم في جيده ليجد القلادة، وليبدأ بالبكاء والنّحيب على ما فعله بابنه برفقة حصانه رخش.

 ومهما يكن من أمر رستم فإنّ الكرديّ يرى فيه انتصاراً لوجوده واستمراريته، ويطلق اسمه على أبنائه تيمّناً بعظمته وشجاعته، فمعنى اسمه بحدّ ذاته كرديّ ويعني القوّة والضّخامة، وسيظلّون يرونه رمزاً من رموز البقاء الكرديّ والنّضال الكرديّ من أجل البقاء والاستمراريّة على مرّ العصور.

 

نارين عمر، بهجت أحمد

 

كريم الأسدي: عودةٌ الى منبعِ الحبِ الأول.. الى العراق (2)

karim alasadiفي بيتنا في الفهود: بعد ان وصلنا الى بيتنا في الفهود قادمين من مطارالبصرة، وبعد لقاء الأهل والأقرباء والأحبة والأصدقاء وأبناء المنطقة وتناول العشاء سوية في ديوانية بيتنا ووفود جمهرة من أبناء المنطقة بعد العشاء أيضا لمجلس القهوة والشاي ورؤية وجوه أحبة فصلني عنهم الزمن لأكثر من ثلاثة عقود استغربتُ لسرعة التآلف مجدداً، لقد بدوا لي في ودادهم وطيبتهم عواطفهم وكأنني تركتهم لبضعة شهور فقط، ورغم ان الزمن قد أوغل في تبديل الملامح وداهم شعر الرؤوس بالشيب بيد ان القلوب مازالت على عهود الحب والأخاء والوفاء ...عجيب بل عجيب جداً ان هذه الحروب والحصارات والمقاطعات كلها لم تفت في عضد هؤلاء الناس ولم تربك حساباتهم ولم تجعلهم يخلطون بين الجوهري والثانوي وبين الخالد والعابر وبين الثمين والرخيص ... لقد  صمدوا ببسالتهم المعهودة ونبلهم المعروف وكرمهم المشهود له أمام جبروت الطغيان وزيف العالم ورذالة صاحب القرار فعلَّموا البشرية بأسرها دروساً في البطولة سيفرد لها التاريخ الأنساني صفحات من نور.. أستنهض أحد الأحبة من الشعراء جمهور المجلس والديوان ليقفوا واستأذنني كي أسمح له بقراءة أشعار وأهازيج كتبها لمناسبة قدومي لزيارة الوطن والأهل .. كان يقرأ كل مقطع ويختمه بأهزوجة يرددها معه كل الحاضرين في الديوان على طريقة الهوسة العراقية .. حاز العراق الوطن والعراقيون الأهل على مكان بارز في أشعاره وأهازيجه فكان لي كبير الشرف ان يربط اسمي باسم هذا الوطن العظيم الذي رجعت اليه فقير المال فاستقبلني أهله استقبال الأمراء ... بعد ان انصرف بعض الضيوف وعادوا من بيتنا الى بيوتهم  وبقي معنا في البيت  مَن قدم مِن بعيد تفقدتُ بيتنا الذي أعاد أهلي بناءه في نفس قطعة أرض بيتنا القديم فزاد عدد الغرف وبنوا في الطابق الثاني غرفتين اضافيتين وحمّاماً . لم أحس أبداً ان البيت  في طرازه وتصميمه الجديد غريب عني فهاهم أهلي يسكنون غرفه وجنباته وهاهي أرواح  أبي وأمي وجدتي وخالتي ترف فوق فضائه وبين ثناياه..  بعدها تفقدتُ صديقاً آخر لم أره منذ غادرت الوطن الّا في الأحلام، أحلام اليقظة والمنام، وكنتُ أسأل عنه سؤالي عن الأب والأخ والصديق الحميم وكان يمثل بالنسبة لي كل هؤلاء وربما استغرب مَن اهاتفه من منفاي ومغتربي في المانيا سؤالي عن هذا الصديق بكل هذه اللهفة والحرص على معرفة الحال والمصير وربما يستغرب بعضكم  حين يعلم ان هذا الصديق الذي كنتُ أسأل أهلي عنه هو النهر، نهر المدينة، انه النهر الذي كنتُ اسرِح البصر فيه واليه من شبّاك غرفة الأستقبال في بيتنا طويلاً في الليالي المقمرة وترشدني أمي اليه حين أشكو الضجر بعض الأحيان فيسامرني أروع السمر ويحدّثني بأبهى الحديث، وأي لغة في العالم ترقى الى مستوى لغة الماء والنور!! حتى الأنسان الأمي هناك يدرك في كنهه وجوهره كنه النهر وجوهره!! والّا كيف استطيع ان افسر نصيحة امي التي لم تذهب الى المدرسة في حياتها على الأطلاق ان أذهب الى النهر كي ابدد الشعور بالضجر وكي اشعر بالأرتياح والسرور؟ أليس في هذه النصيحة ذوق شخصي رفيع وخبرة أجيال جاورتِ النهرَ وتعلمتْ منه وركنتْ اليه؟

ببيتنا في الفهود يقع في حي الأحمدي على ضفة النهر..يسميه البعض حي المحمدي أيضاً .. بمقايس المنطقة في أيام زمان ـ والمنطقة كلها تتصف بالبساطة ـ  كان حي الأحمدي حياً راقياً وجميلاً بحكم موقعه على النهر ولأن معظم ساكنيه من ميسوري الحال من تجّار سوق المدينة وموظفي الدولة.. كان بامكانك، ببساطة ان تغادر البيت ـ أي بيت في حي الأحمدي ـ  لتكون بعد ممشى دقيقة واحدة  أو أقل عند ضفة النهر مباشرة، بل ان بعض البيوت مثل بيت العم السيد عمران وبيت العم الحاج شرهان وبيت العم الحاج وهيل  تقع على مبعدة عشرة امتار فقط من النهر، والنهر هنا هو الغرّاف وهو فرع من دجلة يأتي بعد ان يتفرع من النهرالرئيس بعد مدينة الكوت ليمر بمدن الموفقية والحي والفجر والقلعة والرفاعي  والنصروالشطرة وناحية الغرّاف  لينتهي عند الفهود التي تسلمه الى هور الحمّار .. كان عميقاً، جميلاً، واسعاً، متفرعاً ببهاء أخاذ وسخاء باهر، بل ان حتى فروعه كانت عميقة وعامرة بالمياه .. كان يتفرع  الى فرعين قبل بيتنا بمئتي متر تقريباً، وبعد بيتنا بمئة متر تقريباً  يتفرع مرّة ثانية الى ثلاثة فروع فيقيم عرساً مائياً حقيقياً في المدينة  التي يرعاها ويتعدها بكرمه ويشرف علها بحنانه ويمنحها من عطاياه،وبين فروعه تنشأ جُزرٌ حقيقية، صغيرة وجميلة ويانعة الخضرة على مدار السنة مثل جزيرة السيد صاحب المقابلة لبيت العم سيد عمران بسدرة نبقها العريقة والكبيرة والقوية  وجزيرة مردان المقابلة لبيتنا والتي أنشأ فيها العم مردان ميناءً صغيراً لبناء القوارب النهرية التي تُعرف في المنطقة بأسم المشاحيف ويستخدمها بعض سكان المنطقة في التنقل والوصول الى أماكن في قلب الماء لايمكن الوصول اليها بواسطة نقل بري، كنتُ أرى هذا البهاء المائي من موقعين في بيتنا : غرفة الأستقبال التي تنفتح نافذتها على النهر وسطح الدار الذي ننام فوق تربته في ليالي الصيف فنبدو متحدين مع كواكب الفضاء ونجومه حيث سماء الصيف الصافية في جنوب العراق وحيث وضوح بريق النجوم في منطقة صغيرة تقل فيها الأنارة الصناعية ولم تبتعد بعد عن حضن الطبيعة التي تحيط بها ونقاء عناصر الحياة الأولى... كثيرون من أهل المدينة كانوا يعتاشون بالفعل من هدايا الماء : الأسماك، الطيور، القصب، البردي، الرز والحنطة والشعير بالأضافة الى بساتين النخيل التي ماكانت لتكون بتلك الخصوبة بدون النهر وما يحمله من ماء وطمي .

 أكتب عن هذ النهر الآن وأنا أكتب عن ذكريات زيارتي لوطني بعد فراق أِجباري دام أكثر من ثلاثة عقود... أكتب عن لأنه لأهل المدينة بمثابة الأب والجار والصديق!!! ولأنه الشريان الأبهر في قلب المدينة أِذ بدونه لايمكن تصور هذا المكان على الأطلاق ...حينما كنتُ أهاتف الأهل من المانيا كنتُ أسألهم عن النهر لعلمي ان هناك أنهاراً خُنقت وانهاراً حُولت عن مجاريها وطرق سريانها القديم وأنهاراً غاض فيها الماء و فقدت عنفوانها المعهود.. نهر الغراف في الفهود حدثت معه هذه الأشياء مجتمعة : قُطعت أو حُولت الشرايين التي تغذيه وحولوه عن مساره قبل حوالي مئة متر من بيتنا وقلَّ عمقه واتساعه بل و نقاؤه  أيضاً بشكل ملفت للأنتباه . فهمتُ تماماً تلعثم بعض أهلي وأنا أسألهم عن النهر أثناء مهاتفاتي لهم من المانيا بعد ان وقفتُ علي حاله لدى وصولي مباشرة، لقد شاهدتُ كارثة حقيقية بدت وتجلَّت لي أكثر وضوحاً من تجليها للذين رافقوا ضمور النهر تدريجياً أنا الذي تركته  متألقاً تحت  نور الشمس ونور القمر واسعاً، عميقاً، نقياً، سخياً، أخاذاً في روعته وسحره وجريانه...ومع ضمور النهر ضمرت المساحات الخضراء في المدينة وتراجعت مهنة الفلاحة ومهنة الصيد وهما مهنتان اساسيتان لسكان المنطقة  وتراجع المستوى الجمالي الطبيعي العام الذي كان يتجلى بشكل خاص على ضفاف النهر وفي صفوف النخيل التي تنتظم حولها رفقة أشجار الصفصاف والغرب وعلى شواطيء وفي قلب البحيرات ـ الأهوار التي يغذيها النهر حيث تنمو بكثافة نباتات القصب والبردي وزنابق الماء.بل انني اعتقد ان تراجع مستوى العناية بالمدينة وتردي مستوى النظافة على الضفاف وفي الشوارع راجعٌ في الأساس الى غياب النهر، فاحساس الأنسان بجمال النهر يجبره على الحفاظ على نظافة ضفافه لأنه سيجالسه ويؤي اليه  بل ويشرب مباشرة منه ويسبح فيه، أما اذا غاب النهر فستصبح الضفة مكاناً مهجوراً ومهملاً ومكاناً للمهملات، وقد تجلى لي هذا الأمر واضحاً في مقارنة بين مدينتين هما الفهود والجبايش، فالجبايش  المدينة التي يجري فيها الفرات نظيفة وانيقة ومرتبة، والفهود التي انقطع عنها الغرّاف مهملة وعشوائية رغم ان الجبايش والفهود مدينتان في مدينة، فالجبايش قضاء والفهود ناحية تابعة له ويسكنهما نفس الأنسان هو أنسان المنطقة ابن أهوار العراق، ولايمكن ان يُفسر البون الكبير بين المدينتين اللتين كانت أحداهما تكمّل الثانية الّا بوجود الماء في مدينة وانحساره في المدينة الثانية.

سررتُ بالغ السرور حينما بدأ الماء يتدفق من جديد هناك وأنا في آخر أيام زيارتي فاستبشر الناس وخرجوا جماعات ليرموا بأجسادهم الى الماء المتدفق طيورَ ماء عطشى . وها أنا استفسر و أسمع عن تدفق المزيد من الماء .

قبل  فترة قصيرة دخلت منطقة الأهوار والمدن الأثرية في هذه المنطقة والمناطق القريبة منها  اور وأريدو واوروك قائمة التراث العالمي فأصبحت أرثاً انسانياً نال اعترافاً دولياً .. لايسعنا الّا ان نتمنى ان تصدق المنظمات  العالمية المشرفة على هذا القرار بعهدها في حفظ ورعاية هذا الأرث الثقافي العالمي الأنساني وأن تكون الجهات الرسمية العراقية بمستوى الأخلاص للوطن والشعب والهوية والتاريخ وذلك لما يخدم الأنسانية وتراث الأنسان وما يُحسِّن حياة أبناء المنطقة الذين لم يعرفوا الهناءة والراحة منذ حوالي أربعة عقود !!!!

هناك شيء أتأسف عليه اذ ضيّعتُ حضور محاضرة عن الأهوارفي مركز الجنوب الثقافي في الناصرية  قبل رجوعي الى المانيا مباشرة لأنني كنت مع بعض الأقرباء في ذاك المساء ولم نكن نعلم بموعد المحاضرة بل مررنا مصادفة بالمكان حيث تقام المحاضرة لوجود امكانية للعب كرة تنس الطاولة فيه وهي لعبة احبها منذ طفولتي وكنت اترشح عن مدرستي لخوض السباقات المدرسية في هذه اللعبة مع مدارس المدن الأخرى،  بيد اننا حين وصلنا المكان عرفنا من الجمهور أمرين أولهما ان محاضرة ستعقد حول الأهوار وثانيهما ان التيار الكهربائي مقطوع في هذه الأثناء عن المكان وهم في انتظار عودته! لذا اقترحنا على أنفسنا الذهاب الى مركز تدريب منتخب الناصرية للشباب الذي سبق وان أعلمنا مدربه هاتفياً في نفس المساء فرحب بقدومنا بأريحية عالية اِذْ كان زميلاً لأحد الأقرباء الذين كانوا في رفقتي في هذا المساء. سأكتب بعض ملاحظاتي عن هذا المنتدى الرياضي وعن المستوى المدهش للتدريب واللاعبات واللاعبين الذي رأيته هناك في حلقة قادمة عن مدينة الناصرية، والذي أوصلهم لحيازة بطولة العراق كله لمرّات عدة.

ماأفتقدتُهُ في رحلتي الى الوطن وكنتُ أتمنى ان أحظى بوجوده أو بالأحرى استمراره في الفهود أوفي الجبايش أوفي الناصرية أو البصرة هو التقليد الشعبي الصيفي الذي يرقى الى مستوى الطقوس والمتمثل في النوم على سطوح البيوت صيفاً، بل أحياناً تحمل العوائل مائدة العشاء معها الى السطح وتمضي المساء كله هناك بانتظار النوم والأستفاقة مع ضوء الشمس عند الصباح! لقد اختفى هذا التقليد الجميل والرومانسي من ليالي العراقيين الصيفية للأسف وباتت سطوح البيوت مهجورة، اِذْ يبدو ان العراقيين فضَّلوا هواء المكيّف المستورد على نسمات أواخر المساء والفجر العذبة العليلة فانسحبوا الى داخل الغرف التي ماكان أحد يطيق النوم فيها في ذلك الزمان، أو ربما بسبب التغيرات المناخية التي صاحبت تجفيف الأهوار حيث ارتفعت درجات الحرارة ولم تعد المساحات المائية الضئيلة المتبقية بقادرة على تلطيف أجواء الصيف العراقي الساخن أصلاً . ومع هذا اتمنى ان يعود هذا التقليد الرائع فله علاقة بتنمية القابلية على التفكير واِعمال الخيال وتوسيع افق الأنسان وأدراكه، فالذي ينظر الى الكون المفتوح على أقاصي الأقاصي بقمره  وكواكبه ونجومه ومجرّاته، ويعانق اللانهاية واللامحدود ليس كمن يصطدم بصرُهُ بحائط لايبعد عنه سوى ثلاثة أو أربعة أمتار ثم يرتد اليه !! كما أنني أعتقد بما يرقى الى اليقين ان في نور النجوم والكواكب والقمر فائدة لجسد الأنسان وروح الأنسان مثل فائدة ضوء الشمس!!

 

هاشم عبود الموسوي: عندما هزمت ثوراً هائجاً

hashem mosawi"كريستبورغر شتراسه" هو اسم هذا الشارع الذي لا يتجاوز طوله الخمسمائة متراً، يقع في أحد الأحياء القديمة لمدينة برلين الشرقية... انتقلت إليه في نهاية عام 1966م لأسكن في أحد الشقق الواقعة خلف الفناء الأوسط لعمارة قديمة.

أمام بيتي في هذا الشارع، كانت تقبع حانة صغيرة يسودها اللغط والأصوات العالية والضوضاء التي لا تنقطع، وتسبح في فضائها سحب الدخان.. وعندما يتقدّم الليل، يتضوّع المكان بشذى عطرٍ نسائي نفّاذ، يجلب إليه الرجال الباحثين عن لحظة دفءٍ ونسيان، بين أحضان امرأةٍ ما.

لم يكن في هذه الحانة أكثر من عشرة طاولات، وتعوّدتُ أن أذهبَ إليها كلّ ليلة تقريباً، وذلك بين العاشرة والحادية عشر مساءً. أدلفُ على عجلٍ، وأرتمي بتهالك وإعياء على أحد كراسي الطاولة الفخرية، والتي حجزتها لنا صاحبة الحانة "ريتا تسوادا".. كان الألمان يطلقون على مثل هذه الطاولات (شتام تِش)، وهي تبقى محجوزة لا يجلس عندها أحد، حتى يأتي روادها المُحبّذون.

نحن كنّا مجموعة من المثقفين من مختلف التوجهات والمهن، جمعتنا الصدفة عند هذه الطاولة، ويعود الفضل في ذلك إلى "ريتا" صاحبة الحانة، هذه المرأة ذات القوام الفارع، والصدر الممتلئ، والجمال الأخاذ، والتي كانت تسحر زائري الحانة، وكأنها هي نقطة الجذب لكثيرٍ من الرجال من رواد الحانة، وهي تمتلك شخصية قوية وصوتٍ باعث على الثقة بالنفس.. كانت تسرق الوقت أحياناً لتجلس معنا على هذه الطاولة الفخرية، تستمتع وتُشارك بالحديث، كانت تمتلك ثقافة متوسطة.. ولكنها ذكية تُحاول أن تسأل وتطّلع.. كانت تُحب لعبة الورق والشطرنج، حيث كانت تُنهي ادوار الشطرنج بالفوز السريع على منافسيها.. ومرارا طلبت مني أن ألاعبها.. لكني لم أكن ماهراً في اللعب ، فكنتُ أكذب عليها، مُدّعياً بأنها لا تزال ضعيفة بلعبة الشطرنج، ولا أُريد حالياً التباري معها خوفاً على هبوط مستواي في هذه اللعبة.. كانت تُصدّق ذلك.. وكل مرّة تقول بأنّها تقدّمت في اللعبة، وأصبحت أقوى من السابق.. ولكن دون جدوى.

كان المُزاح الحميم بيننا لا ينقطع.. ولكن ما كان يُعكّر صفو جلساء هذه الطاولة في بعض الأمسيات هو مجيء صديقها "هانس"، ذلك الرجل الضخم الطويل، حيث كان يبقى ينتظرها على نفس الطاولة، وهنالك تتوقف أحاديثنا الثقافية والملونة بمختلف التوجهات.. وعندما أُغادر دائما في الساعة الحادية عشر أو قبلها، يبقى "هانس" مُنتظراً حتى يغادر آخر الزبائن الحانة ليصطحبها إلى شقتها، والتي لم تكن بعيدة كثيراً عن موقع الحانة، وذكر لي صديقي "لوتس" والذي كان يسكن في الشقة التي تحت شقة ريتا مباشرةً بأنّ هانس يزورها مرتين في الأسبوع، وعندما يكونان هذان الجسمان الضخمان مع بعضهما.. يشعر لوتس في تلك الليالي بسقف غرفته يهتز فوقه، وكان يسمع شهيقهما وزعيقهما يأتي عبر النافذة.

هذه الحانة كانت عالم خاص يعج بالمشاعر والأمزجة والقصص المتنوعة.

المجموعة الفخرية على طاولتنا، تتكون من النحات "بيتر فايس"، والمتزوج من امرأة جميلة وهي راقصة في فرقة برلين إنسامبل، وكان ينظر بشغف إلى مؤخرات النساء، ويذكر لي دائماً، بأن أهم كتلة في جسم المرأة هي مؤخرتها، وربما أثّر عليه تخصصه في النحت وبحثه عن جمالية وتناسق كتل الأجسام.. و"لوتس براند" المهندس المعماري طويل القامة صاحب  اللحية الشبيهة بلحية ليو تولستوي، وهو كذلك كان مُعجباً بأفكار وكتابات تولستوي، ، ومتعود على ركوب الدراجة النارية، والتي يوقفها خارج الحانة أحياناً ويَدخل متأبطاً قبعته الواقية، غالبا يبقى لفترة قصيرة معنا دون أن يتناول المشروبات الكحولية، وكان لوتس بارعاً في الرسم على الواجهات الضخمة للمباني وفي الجوانب التي لا تحتوي على نوافذ.. ومُصممة السيراميك "كريستا باوخ" ذات الأربعين عاماً، وهي كما حدثتني مرة كانت صديقة لأحد الرسامين العراقيين، والذي كان مقيماً في ألمانيا كلاجئ سياسي فيما مضى، ثم رجع إلى العراق، وبعدها إلى المغرب ليموت فيها، كانت تتذكره باستمرار وتسأل عن أخباره.. وكانت "كريستا" تكتب الشعر وتعرضه عليّ لأقوم بنقده، وكانت متأثرة بالشاعرة الألمانية اليهودية "إلزا لاسكير شولير".

وذاك "ماتياس" الصحافي، والذي كان يبكي أحياناً، عندما يتجرّع كميات كبيرة من المشروبات الروحية، ويقف ليقبّلني، مكرراً عبارات انفعالية، بأنّه لا يرى فارقاً بين البشر، وأنّ الناس سواسية، وأنّ عليّ ألا أعتقد بأنّ الألمان كلّهم سيئون، وأنّه لا يكره الأجانب بتاتاً، ولكنه في صحوة يكون شديد الملاحظة، يدرس حركات كل الزبائن الداخلين إلى الحانة، ويُحلّل حركاتهم، ويُعطيني انطباعاته عنهم، وكنتُ أعتقدُ بأنّه كان مُتحرّر قد خَبِرَ الحياة بشكلٍ مُعمّق.لقد كان كاثوليكيا ملتزما ويعتقد إن الإنسان ، يجب أن يعتنق عقيدة ما، أيا  ما تكون هذه العقيدة،من اجل استقراره النفسي وتوازنه العاطفي، وإلا فأنه سيكون هشا أمام مفاجئات الحياة  .

شخصيات هذه الطاولة والذين ربطتني معهم أُلفة توطّدت مع الأيام، وكما ترون هم متنوعي الثقافات والأمزجة والميول. كنتُ أجدُ في هذا التنوع مدرسة متكاملة تعلّمتُ منها الكثير عن مزاج الإنسان الألماني و حياته الاجتماعية، وتأثره بإرثه التاريخي  والحضاري .

وأما "هانس" ذاك الثور الضخم، فكان عندما يراني جالساً إلى جانب ريتا وهي تتحدث إليّ بودٍ وأُلفة، كنتُ أشعرُ بغيرته عليها،  من خلال الكلمات  التي يوجّهها إليّ واصفا إياي بأني آتٍ من بلدٍ مُتخلّف.. لكنّ ريتا كانت تزيد في مجاملتي والتعاطف معي.. ولا أدري إن كانت تُريد أن تُشعل لديه الغيرة عليها، أو أنها كانت تريد أن تغيظه حقاً.. لقد سبق وأن دعتني ريتا ولعدة مرات، لأن أزورها في شقتها، مُدّعية بأنّنا نستطيع أن نتحدث بهدوء، وبعيداً عن صخب هذه الحانة، وأبدت رغبتها في الاستماع والتحدّث عن الحضارات القديمة لوادي الرافدين.. وكنتُ دائماً أعتذر، مؤجلاً هذه الزيارة، وذلك لانشغالي في الدراسة، وتقديم مشروع التخرّج... وبصراحة كانت ريتا من أجمل النساء اللواتي يُغرين الرجال، والذين يتهافتون عليها مثل الفراشات الحائمة حول المصباح.. ولكنها كانت تكبرني بسبع سنوات.. ومن المبادئ التي تربيت عليها بأن لا أُقيم علاقات عاطفية في مكان عملي أو دراستي ولا في المكان المحيط بسكناي، هذا هو ما كان يُلجم شهوتي نحوها.

حدث مرّة أن دخلتُ إلى الحانة في الساعة الحادية عشر مساءً ولم يكن لديّ في تلك الليلة وقتاً كافياً.. حاولتُ أن أمرّ مروراً سريعاً وكأنّ عليّ واجباً يجب أن أؤديه بحضوري للحانة، حيث أصبحت هذه العادة من الطقوس الهامة في حياتي اليومية، شاهدتُ الطاولة فارغة، لا أدري إن كان روّاد هذا (الشتام تِش) قد جاءوا مبكراً وغادروا، أو أنّهم لم يحضروا على الإطلاق.. جلستُ وحدي علي كرسييّ المُفضّل، لمحتني ريتا من خلف كاونتر البار، فأسرعت إليّ، لتجلس معي.. شاهدتُ في عينيها شوقٌ غير مسبوق.. ولتفاجئني بأنّها خطّطت لاستضافتي يوم الأحد القادم لتناول الغداء لديها في شقتها.. وأعادت عليّ نفس الجُمل، وبأنّها تريدني أن أُحدّثها عن بلدي وحضاراته القديمة.. وأضافت أنّها ستزعل عليّ، إن لم أقبل دعوتها.. وفي ذروة تفاعلها العاطفي معي.. فاجأها هانس قادماً وبدون موعد مُسبق، وبعد أن ألقى التحيّة المستعجلة بجفاء، طلب من ريتا أن يتحدّث معها على انفراد، قامت من الطاولة منزعجة، وبادي عليها الذهول.. وقف الاثنان في الزاوية القريبة من الطاولة، حاولتُ ألا أعير لذلك اهتماماً، لأنني على عجل وأريد أن أعود لمواصلة عملي في شقتي.. ولكنّ التراشق بالكلمات وصل بعضه إلى أذني، حيث سمعتُ ريتا تنهره وتقول له اذهب إلى زوجتك ولا تعد إليّ بتاتاً.. لم أفهم شيء مما جرى، ولكنني لأول مرّة أعرف أنّ هانس كان متزوجاً. ً عادت ريتا إلى الطاولة ويبدو عليها بأنّها تخلّصت من حملٍ ثقيل، من خلال تنهداتها العميقة وزفيرها المسموع والهواء الدافئ يخرج محتبساً من صدرها.

ما كان من هانس إلا أن يعود ليقف أمام الطاولة، ويزعق بوجهها.. "لتبقِ مع هذا المُتخلّف من رُعاة الجمال في الصحراء.. فهو قد يُفيدكِ أكثر منّي..."، ولم يكتفِ بذلك، وإنما بصق بوجهي، وخرج مُسرعاً من الحانة.

شعرتُ بغضبٍ شديد مصحوب بحُمّى وشبه غثيان، وأصبحتُ مُخدّراً وأتصرّف بلا شعور، نهضتُ من الكُرسي وجريتُ خلف هانس الذي يزيد عنّي وزناً بثلاثين كيلوغرام وطوله أكثر منّي بـ10 سنتمترات، وكان قد أصبح خارج الحانة. حاولت ريتا أن تمنعني من اللحاق به، ولكنّي أصبحتُ كالثور الهائج، أُريدُ أن أنتقمَ بأيّ شكلٍ من الأشكال، عندما فتحتُ الباب الزجاجي المروحي، وناديتُ هانس بكل غضبي: (تعال يا خنزير.. سأُريك من أنت..) شاهدتهُ يعود مُسرعاً، وكأنّه كان يبحث بشغف عن هذه المنازلة، ولا أُخفيكم بأنّي استدعيتُ مساعدة الله والأنبياء والصالحين الذين حضرتني أسمائهم في تلك اللحظة ورجوتهم بألا أكون مُهاناً أمام الحاضرين.. وكان كلّ همّي أن استدرج هانس للدخول إلى الحانة، لكي أنتقم أمام زبائنها منه، ولم تكن لديّ خطّة لهذه المعركة.. كنتُ أعتبرُ المنازلة هذه هي لُعبة قاتل أو مقتول.. وفجأة عندما أصبح هانس قريباً من الدخول إلى الحانة أغلقتُ الباب الزجاجي الثقيل ثم فتحتهُ بقوة وبسرعة مهولة لأصدمهُ بوجهه، كنتُ أتصوّر بأنّ الزجاج الذي سُمكهُ سنتمتراً واحداً سيتكسّر من شدة الضربة التي سمعتُ صوتها وأنا من الجانب الآخر من الباب، فشاهدتهُ يسقط خلف الزجاج.. انتظرتُ حتى قام بصعوبة منتصباً، كرّرتُ ضربه بالباب المروحي.. هذه المرة بشكلٍ أقوى، سقط هانس بلا حراك، وخرجتُ بسرعة لأركله بوجهه ركلات حاقدة ووحشية، ولتسيل الدماء من أنفه ومن أماكن أخرى من وجهه.. خرج بعض الرجال من الحانة ليساعدوه على النهوض.. وكنتُ أنتظر الاستمرار في المنازلة وإدخاله إلى داخل الحانة من أجل أن يراه الحاضرون، وبذلك أشفي غليلي، لكنّه كان مُهاناً وفضّل الذهاب إلى بيته وبدون رجعة.

ريتا المتوازنة المتماسكة في كل تصرفاتها.. شاهدتُ عينيها تغرورق بالدموع وتُقبّلني من كلتا خديّ وهي حائرة بترتيب جملها وكلماتها مُعتذرة أمامي للإساءة التي تعرّضتُ لها.. ولأول مرّة أسمعها تُناديني باسمي الأول، على غير عادة الألمان بمناداة الأشخاص غير المُقرّبين باسم الجد أو اللقب، لم أستطع سوى أن أواسيها وأقول لها: "لا ذنب لكِ في ذلك".. وفجأة الفرحُ  يشع في عينيها، وتطلب من النادل أن يُوزّع المشروبات مجاناً على الزبائن.. وتطلب منهم أن يُغنّوا ويهزجوا، وينسوا ما حدث، و راحوا ينشدون أهازيج وأغاني ألمانية تراثية يحفظونها عن ظهر قلب،  ومنها أغنية تقول: "لابد من عودتي يا حبيبتي إلى مدينتي (موس إيش دَنْ موس إيش دَنْ تسوم شتيته ليهناوس) لا أستطيع أن أبقى دائماً.. ورغم فرحتي بوجودك معي .

في تلك الساعة خضعتُ لرغبات ريتا، ووجدتُ نفسي متعاطفاً معها ومُنجذباً إليها.. كنتُ أشعر بأنّها خائفة ولا تريد أن تكون لوحدها.

انتظرتُ معها حتى يغادر آخر الزبائن الحانة، فأقفلنا أبوابها.. وتأبطتُ ذراعها الأيسر، وأدخلت يدها اليسرى في جيب معطفي، ورغم البرد القارس والجليد الذي نزل على برلين في تلك الليلة، كُنّا نشعر بدفءٍ متبادل، كنتُ أُحسّ بها وهي تُمسك بكفّي بحرارة وقوة، وكأنها تخاف أن أهرب منها، وهكذا وصلنا إلى المبنى الذي تسكن فيه.

كانت شقتها التي تقع في الطابق الثاني تحتوي على أنتيكات تعكس لمسات الحداثة في تأثيثها، واحتوت غرفة المعيشة على بار صغير به كل أنواع المشروبات الروحية، وحتى تلك النوعيات التي لم تكن معروضة في الأسواق المحلية لبرلين.. كانت شقتها وثيرة وتنم عن ذوقٍ رفيع .

وفي غمرة انفعالها راحت تصف لي  شعورها بالمرارة من آلام دفينة اختزنتها لفترة طويلة.. حاولتُ أن أنسيها كل همومها مع هانس وأُشعرها بدفء وادي الرافدين.. وبعذوبة مياه نهريه، حيث قالت لي "ريتا" عند الصباح: "هذه ليلةٌ ليست ككل الليالي.. لكنّنا لابدّ لنا أن نتحدّث عن تاريخ العراق وحضاراته القديمة في مرةٍ أخرى .

 

د.هاشم عبود الموسوي

 

ضياء نافع: حديث مع المترجمة الفورية كاترين

diaa nafieالتقيتها اثناء دراستي في القسم الروسي بجامعة باريس عام 1967 . كانت كاترين تكتب بحثا عن يسينين، وقد ادهشتني بعمق معرفتها للغة الروسية آنذاك . وهكذا تطورت اللقاءآت في اجواء ذلك القسم الذي كان بادارة البروفيسورة صوفي لافيت مشرفتي العلمية، وظهور نجوم  فرنسية ساطعة متخصصة آنذاك في الادب الروسي مثل نيكيتا ستروفه وغيره ...

واستمر الحوار مع كاترين اثناء اللقاءآت في النشاطات الثقافية  العديدة والمتنوعة للجالية الروسية في باريس، واللذين كانوا يصرون على تسميتها بالروسية يكاترينا وليس بالفرنسية كاترين، بل وكانوا يستخدمون – بعض الاحيان -  اسم الدلع بالروسية، اي كاتيا، ليس الا.

انقطع هذا التواصل عام 1971 عندما انهيت دراستي في باريس وعودتي الى بغداد . بعد عدة سنوات (في اواسط السبعينات) استلمت فجأة رسالة من كاترين تقول فيها انها ستكون في فندق ميليا منصور ببغداد بصفة مترجم فوري في مؤتمر عالمي حول الاتصالات السلكية واللاسلكية . والتقينا في بغداد مرة اخرى، وعرفت منها اخبارها، وكيف انها اصبحت تعمل في منظمة الامم المتحدة مترجمة فورية، حيث تجلس في كابينة صغيرة وتضع السماعات على اذنيها وتستمع الى كلمات الوفود وتترجمها الى لغة اخرى فورا (تعمل في اطار لغات ثلاث هي الفرنسية والانكليزية والروسية). دخلت الى فندق ميليا منصور وزرت قاعة المؤتمر وشاهدت كابينات المترجمين الفوريين، ولاحظت كيف يعملون بتوتر شديد، وكيف يغيرون المترجم بعد كل نصف ساعة من العمل، وتعرفت على الوثائق التي كانت بحوزتهم وهي  تضم معظم المصطلحات الخاصة بموضوع المؤتمر وبخمس لغات، والتي اعدٌتها لجنة علمية خاصة في الامم المتحدة قبل انعقاد المؤتمر بفترة، وتم توزيعها على المترجمين الفوريين في حينها لتسهيل مهمة الترجمة الفورية، وعرفت ايضا ان المترجم الفوري يحصل على بطاقة الطائرة والسكن في نفس الفندق مجانا، ويستلم 250 دولارا يوميا اجورا لعمله .

عادت كاترين بعد لقاء بغداد - الذي استمر ثلاثة أيام – الى مقر عملها في جنيف، ولم نلتق طوال اكثر من اربعين سنة . وفجأة استلمت منها رسالة الكترونية قبل ايام (تموز / يوليو 2016)، تقول فيها انها ستمر بموسكو لمدة يومين، وهكذا التقينا مرة اخرى . وسنحت الفرصة لي اخيرا ان اتحدث معها عن تفاصيل حياتها المهنية باعتبارها مترجمة فورية في الامم المتحدة ترتبط بثلاث لغات، واخبرتها باني اود الكتابة عن مسيرة  حياتها، خصوصا واني عملت طوال حياتي في مجال اللغات، فوافقت بكل سرور.

حدثتني كاترين انها كانت تعشق لغتها الفرنسية، ثم بدأت تدرس اللغة الانكليزية في المدرسة الابتدائية، وعندما كان يجب ان تختار لغة اجنبية ثانية، اختارت اللغة الروسية، ولكن اهلها اختاروا لها اللغة الاسبانية لانهم كانوا يعتقدون انها اسهل لها وان الروسية لغة صعبة جدا، ولكنها أصرت على الروسية، بل واضربت عن الطعام لثلاثة ايام احتجاجا، وهكذا وافق اهلها على اختيارها . ضحكت انا وسالتها لماذا كل هذا العناد، فقالت لانها قررت ان تكون مترجمة، ولما شاهدت ان معظم التلاميذ اختاروا اللغة الاسهل، فقررت ان تختار اللغة الاصعب كي تكون المنافسة لاحقا اسهل في مجال الترجمة . عندما لاحظ اهلها عشقها للغات وانها تريد ان تكون مترجمة، أخذوا يساندونها، وهكذا ارسلوها في العطلة الصيفية الى لندن لقضاء شهرين في بيت عائلة انكليزية يعرفونها، واستمرت كاترين بالسفر الى لندن كل صيف وتطوير لغتها الانكليزية اثناء دراستها في المدرسة، واستمرت كذلك بدراسة اللغة الروسية ايضا في المدرسة وعند معلمة خصوصية من اللاجئين الروس في باريس . عندما انهت كاترين المدرسة، كانت تتقن بشكل جيد جدا لغتين اجنبيتين، فالتحقت بالقسم الروسي في جامعة باريس، وتخرجت هناك متخصصة باللغة الروسية وآدابها . وجدت فرصة عمل بالصدفة في باريس مع وفد روسي كان يصور فلما سينمائيا عن حياة الكاتب الروسي اليكسي تولستوي، الذي عاش فترة في الغرب، ونجحت نجاحا باهرا في عملها مترجمة، وهكذا فهمت انها تستطيع تحقيق حلمها للعمل في مجال الترجمة، فالتحقت بمعهد الترجمة في باريس لتطوير مهاراتها الترجمية . وهذا المعهد يعد من اشهر معاهد الترجمة في العالم، اذ يقبل فقط طلبة يتقنون لغتين اجنبيتين، ويجري امتحانا صعبا لكل الراغبين بالدراسة في اللغتين اضافة الى امتحان في اللغة الفرنسية . وهكذا التحقت كاترين في هذا المعهد العتيد ودرست سنتين فيه ونجحت في صقل موهبتها واصبحت جاهزة لتحقيق حلمها والعمل في مجال الترجمة . بدأت تترجم تحريريا، ولكنها انتقلت الى الترجمة الشفهية بالتدريج . سألتها عن السبب في هذا الانتقال، فقالت انها كانت تستيقظ من النوم عدة مرات يوميا لانها كانت ترى في منامها انها لم تترجم الكلمة تلك كما يجب وانها كان من الافضل ان تضع كلمة اخرى  بدلا عنها اكثر دقة، وتنسى تلك الكلمة في الصباح، ولهذا وضعت دفترا وقلما قرب سرير النوم وكانت تكتب الكلمة البديلة، ولكنها لم تقدر ان تفهم ما كتبته في الصباح، وهكذا قررت الانتقال الى الترجمة الشفهية للتخلص من هذه الكوابيس، واضافت كاترين، انها فهمت الان ان قرارها كان صائبا، وانها خلقت للترجمة الشفهية، ووصلت الى قمتها – وهي الترجمة الفورية . سألتها الا تجدين صعوبة في تنوع المواضيع عند الترجمة الفورية، فقالت نعم بالطبع ولكنني الان امتلك تجربة كبيرة تساعدني على تذليل الصعوبات . قلت لها اظن ان الترجمة التقنية هي الاصعب، فقالت لا، بل الترجمة السياسية . تعجبت انا من ذلك القول، فاجابت، ان الترجمة التقنية محددة ومحدودة، ويمكن الاستفسار عن مفرداتها عند الضرورة، اما الترجمة السياسية، فانها تعتمد على  مفردات غير محددة للوصول الى اهداف متباينة باسلوب غير مباشر، وغالبا ما تعتمد على الضبابية، وقالت انها كانت شاهدة لعدة مواقف في مجلس الامن تم ايقاف الجلسات فيه نتيجة اعتراضات على عمل المترجمين الفوريين .

سألتها اخيرا عن رواتبهم هناك وهل هي مجزية وتتناسب مع هذا العمل الفكري المتوتر، فقالت انهم يستلمون اجورا عن كل يوم عمل مقدارها 650 دولارا، وان يوم العمل هو 6 ساعات (ثلاث ساعات صباحا وثلاث ساعات بعد الظهر، والاستراحة بعد كل نصف ساعة عمل)، وانهم لا يستلمون اي شئ عن اليوم الذي لا عمل فيه . سألتها – وهل انت راضية عن هذه الاجور وشروطها، فقالت نعم، وكذلك بقية الزملاء . قلت لها ألم تتعبي من مسيرتك الطويلة في هذه المهنة الصعبة؟ فضحكت وقالت – ابدا، انني لحد الان اذهب كل صباح للعمل بكل سرور ونشاط، ولا استطيع ان اتصور حياتي بدون عملي في الترجمة الفورية . 

 

أ.د. ضياء نافع

 

هاشم عبود الموسوي: المصادفةُ التي منحتني مسرةً لا تنسى

hashem mosawiهل يُمكن لأحدٍ أن يُصدّق بأن البامياء يُمكن لها أن تصنع مترجماً من الدرجة الأولى؟ هذا السؤال الغريب سينكشف سرّه عندما أتحدث إليكم عن هذه المفارقة التي عشتها وتعايشتُ معها في فترة مهمة من حياتي..!!

لم أكن في يومٍ من الأيام أحلم، ولم أُخطّط لأُصبح مترجماً فورياً بالمؤتمرات.. إلا أن الصدفة قادتني إلى ذلك.. وحدث أن شدّتني الترجمة، وأخذتني معها لفترة ليست قصيرة.. أقمتُ خلالها بأحسن وأرقى الفنادق، وركبتُ أفخم السيارات، وأكلتُ أشهى الوجبات، وامتلأت جيوبي بالنقود، وفاض منها على بعض الأصدقاء والأحبة، وقبل ذلك وأنا لا زلتُ طالباً كُنتُ مُقتّراً، أُعاني من أزمات مالية.. والأسعد من ذلك كلّه فإنّي في هذه الفترة الاستثنائية، التقيت شخصيات عربية وأجنبية مهمة مثل المرحوم ياسر عرفات، والسيد هونيكر رئيس الدولة الألمانية الاشتراكية السابق، وزوجته وزيرة التعليم السيدة ماركوت هونيكر، إضافة إلى شخصيات ثقافية وعلمية متعددة مثل محمد مهدي الجواهري، ود. فيصل جري السامر (وزير سابق في عهد عبد الكريم قاسم) والسيد عزيز شريف (وزير عراقي سابق)، وشخصيات مهمة لها تأثير وثقل سياسي في كلٍ من سوريا ومصر والسودان واليمن والعراق، إضافة إلى فنانين وأدباء مثل زكريا تامر والمرحوم الصديق "أبو كاطع" شمران الياسري.. وغيرهم وغيرهم. ولكن أي مفاجئة تلك التي دفعتني إلى الخوض في بحيرةٍ لم أكن أجيد السباحة فيها من قبل، وكيف تمّ لي أن أكون من أقدر العوامين فيها؟ كُنتُ أعيش في برلين غارقاً بالتفكير للتحضير للبدء بكتابة أطروحة الماجستير، حين فاجئتني مهاتفة تلفونية من شخصٍ لا أعرفه قادم من العراق ضمن أحد الوفود الرسمية الزائرة لألمانيا، يُخبرني فيها، أنّه وصل يوم أمس مطار برلين واُستقبل من قبل الجهة المضيفة، وأُقلّ مع بقية أعضاء الوفد إلى مدينة أخرى، لم يكن حتى يعرف اسمها، وقد جلب لي من الأهل في العراق حقيبة فيها هدايا لا يعلم بتفاصيل محتوياتها، وهو يُريد أن يتخلّص منها لأنّه غير مُطّلع على البرنامج المُعدّ لهم من قِبل مضيفيهم.

فكّرتُ في بادئ الأمر أن أُهمل هذا الموضوع، وأتنازل عن الحقيبة ومحتوياتها، ما دامت الرحلة للمدينة التي علمتُ أنّهم يُقيمون فيها كانت تستغرق آنذاك خمس ساعات.. ناهيك عن تحمّسي للبدء بكتابة أطروحتي.. وأحسستُ بأن الموضوع لا يتطلّب كل هذه المتاعب، إن لم أستطع أن استلم الهدايا في برلين، حيث كُنتُ أُقيم..

لا أدري، كيف أنّي غيّرتُ قراري في فجر اليوم التالي، لأتوجّه إلى المحطة، وأستقلّ القطار الذاهب إلى فايمار.. نزلتُ في الساعة الحادية عشر صباحاً في محطتها، ووجدتُ نفسي أُسرع بالخطى تحت شمس الصباح على طرقات عُبّدت بالحجارة الصغيرة.. كأني طيرٌ عاد إلى عُشٍّ كان يعرفه جيداً.. هذه المدينة الصغيرة التي أعرفها شبراً شبراً، مقاهيها ومتنزهاتها، ومتاحفها، وبرجها القديم المدعو (كاساتورم) "برج الخزينة" والذي أصبح نادياً للطلبة، كُنتُ أسهر فيه كل مساء سبت حتى مطلع فجر اليوم التالي وفيه نسجتُ طوال سنوات مكوثي هناك أحلى ذكريات صباي على مقاعده وقاعة الرقص فيه.. أعرف مسرحها الوطني الذي شاهدتُ فيه لأول مرة مسرحيات كتبها الشاعر كوته.. وعلى خشبة هذا المسرح كان قد تدرّب هتلر على الخطابة بإشراف أساتذة متخصصين، وفندقها التراثي باسم (أليفانت) "الفيل" والذي كان يُقيم به هتلر عند قدومه إلى هذه المدينة.. وقد أقمتُ فيه لاول مرة كمرافق ومُترجم لكلٍ من الجواهري والدكتور السامر.. ثم أقمتُ به مرات عديدة، إنها ذكريات كثيرة رافقت سنوات الدراسة الأولى في المرحلة الجامعية.. توجّهتُ مسرعاً إلى معهد الاستراتيجيات الإدارية، على أمل التقاط الحقيبة والرجوع بالقطار المغادر إلى برلين في عصر نفس اليوم.. والتقيتُ بأعضاء الوفد، ورحّبوا بي كثيراً، وعرفتُ منهم بأنّهم لا يُجيدون أي لغة أخرى غير العربية، وهم يشعرون بصعوبة التفاهم مع إدارة الدورة.. وبعد استراحة قصيرة لديهم، سيطرت عليها المجاملات، تسلّمتُ الحقيبة منهم، وفتحتها على الحال، فلم أجد فيها غير كمية من البامياء المجففة والرز العنبر العراقي، وقليلاً من شاي الليمون المجفف "النومي بصره"، فثارت حفيظتي لأنّي تجشّمتُ عناء السفر، وأتعب أهلي أعضاء الوفد بحمل مثل هذه الحقيبة.. لكنّني أخفيتُ غضبي وشكرتهم مرّة أخرى، وهممتُ بالعودة.. تفاجئتُ عندما أخبرني أحد الموظفين في المعهد بأن مُدير المركز يطلبني لمقابلته.. خمّنتُ بادئ الأمر بأنّه يُريد أن يُخبرني بأن هذا المعهد يضم وفوداً من مختلف الدول وذوي مناصب عُليا في دولهم، ويُمنع دخوله إلا بموافقات خاصة.. إلا أن شيئاً من هذا لم يحصل، فقد استقبلني الرجل بحفاوة كبيرة أثارت انتباهي، وأصبحتُ أشك بأنّه توهّم بي واعتبرني أحد الأشخاص المهمين في السفارة العراقية.. تفاجئتُ أكثر عندما ذكرتُ له بأنّي طالب في مرحلة الماجستير، وردّ عليّ بأنّه يعلم ذلك.. ويُصرّ عليّ للبقاء لتناول وجبة الغداء مع الوفد، ثم يدعوني لحضور حفل الافتتاح الذي سيُلقي فيه عددٌ من الكلمات الترحيبية.. اعتذرتُ عن ذلك، ولكن دون جدوى، فالمشاعر الدافئة والترحاب الحميمي، الذي قوبلتُ به جعلني أخجل من رفض هذه الدعوة.

وهنا تأتي اللحظة المفصلية التي غيّرت حياتي وطريقة معيشتي اليومية لفترة سنة كاملة.. وفي أثناء فترة الغداء استدعاني مدير المركز، وهو الذي يملك من الصلاحيات ما يملكه أي وزير في الدولة، لأجلس بجانبه، وأفشى إليّ بما يُعاني منه من عدم وصول مترجمي اللغة العربية الثلاثة، والذين طلبهم عن طريق مؤسسة الترجمة الرسمية، وقد تخلّفوا عن أقرانهم مترجمي اللغات الأخرى، وسألني إن كُنتُ أستطيع مساعدته بهذا الشأن.. فسألته "ماذا تعني بالمساعدة التي تطلبها مني؟ هل تقصد بأن اتصل بمترجمين أعرفهم ليأتوا إلى هنا؟". فأجابني لقد فات الوقت، ولا يستطيع أحد أن يصل إلى هنا وبعد ساعة من الآن ستبدأ مراسيم الافتتاح. أجبته: إذاً كيف أستطيع أن أساعدك.. فردّ وبشكلٍ مباشر بأن أقوم بالترجمة الفورية.. راعني الموقف أن يطلب مني أحدٌ أن أساعده ولا أستطيع أن أُقدّم له العون.. وعندما تأكد من رفضي لطلبه هذا.. ذكر لي بشكلٍ لائق، لا بأس أن اطّلع على آلية العمل بهذا المجال.. فنادى شاباً، قال بأنّه متخصص بإلكترونيات هذه المنظومة التي تجري عملية نقل الترجمة من خلالها.

فضولياً ومرتاباً مشيتُ برفقة مهندس الصوت إلى نهاية القاعة المدرجة، والتي كانت فارغة من أي أحد، حيث توجد أربعة كابينات زجاجية تُشبه كابينات الهواتف على الطرق العامة.. وجدتُ أشخاصاً جالسين في الكابينات الأخرى، ومنشغلين، فهمتُ بعد ذلك بأنهم ّهم مترجمي اللغات الأخرى. وأشار إليّ المهندس للتفضّل بدخول الكابينة رقم 4.. جلستُ على الكرسي ووجدت أمامي سماعة رأسية، وأمامي منظومة صغيرة الحجم فيها عدة أزرار وأرقامها تدل على اللغة التي يُمكن أن يستمع إليها المترجم، وكانت أرقامها على التسلسل الآتي: 1) الألمانية. 2) الإنكليزية. 3) الفرنسية. 4) العربية. وثم الأسبانية والروسية.. وتعرّفتُ على أزرار الفتح والإغلاق للمنظومة. وشرح لي المهندس بدقة، كيفية إجراء الترجمة.. وما هي إلا نصف ساعة عصيبة من القلق والترقّب، وإذا بالقاعة تمتلئ بالمشاركين في هذه الدورة.. وبدأ الافتتاح بكلمة ترحيبية من مدير المركز، استمعتُ إلى سطورها الألمانية من خلال الرقم 1 باللغة الألمانية دون أن أنبس بكلمة واحدة، وبعد أن بدأ بتقديم الشكر للدول المشاركة، وذكر اسم العراق. وجدتُ نفسي وبشكلٍ تلقائي أفتح المايك وأُسارع بالقول. نُرحّب بضيوفنا من جمهورية العراق... و ... و... ولا أدري كيف انفكّت عقدة اللسان وواصلتُ الترجمة حتى نهاية الكلمة بشكلٍ متواتر.. وتلتها بعد ذلك كلمات لوزراء.. قمت بترجمتها بانسيابية أكثر، حتى تنفسّتُ الصعداء عندما أُعلنت استراحة لتناول المشروبات والمعجنات.. وما أن خرجتُ من القاعة حتى وجدتُ الوفد بانتظاري يُقبّلونني، ويُطلقون كلمات وجُمل المديح لطريقة أدائي للترجمة، لم أُعر ذلك انتباهاً وأهمية، لأنّني اعتبرت ذلك من قبيل المجاملات، والمستفيد من شيء حتى على علاته فهو لابد أن يتقدم بالشكر والثناء. إلا أن مهندس الصوت فاجأني بقوله: "كُنتُ استمع إليك مسروراً، رغم أني لا أفهم اللغة العربية، إلا أن الأداء والصوت الهادئ والتوقفات المريحة بين الجمل، أحسستُ بأنّها آتية من شخصٍ متمرّس واثق من نفسه وليس لديه ارتباك".

وبناءً على رجاء من مدير المركز بقيتُ بعدها ثلاثة أيام، أُترجم المحاضرات والمناقشات بشكلٍ فوري ومباشر بين اللغتين.. حتى جاءت مجموعة الترجمة المكونة من شابة وشابين من الألمان، ممن درسوا الترجمة في جامعة لايبزك.. سلّمتهم الكابينة وكُنتُ مسروراً لأنّي سأُغادر وأرجع مشتاقاً إلى خطيبتي التي فارقتها لمدة أربعة أيام. وقبل خروجي من المركز ناداني أحد الموظفين إلى مكتب المدير.. لأتلقّى منه الشكر والثناء. وهدايا على شكل كتب "انسيكلوبيديات" ملونة عن الفن والعمارة مُهداة منه، إضافة إلى مظروف، أحسستُ بأنّه ثقيلٌ نوعاً ما، وسألته عن محتوى هذا المظروف، فقال لي مختصراً، كتاب الشكر والتقدير على جهودي الطيبة، استأذنتُ مودعاً.. وقادني فضولي إلى أن أفض المظروف في بهو مدخل المبنى.. وإذا بي أجد آلافاً من الماركات التي لم تملكها يداي طيلة سنواتي السابقة في ألمانيا.. عُدتُ مسرعاً للمكتب وطلبتُ من السكرتيرة أن تُخبر المدير بأنني أُريد مقابلته ثانيةً.. فأذن لي بالدخول.. سألته مباشرةً فيما إذا كانت هذه النقود قد وُضعت سهواً في المظروف.. فقال لي: كلا لو قرأت الورقة المرفقة بالمبلغ، لفهمت بأنّك كنتَ تقوم بالترجمة لوحدك بدلاً من ثلاثة مترجمين.. وقد احتسبنا لك أجور الساعة بثلاثة أضعاف.. قاطعته قائلاً بأني لستُ مترجماً محترفاً.. وإنما قمتُ بالعمل بشكلٍ طوعي كمساعدة للوفد العراقي.. فأجابني بأنني أسديتُ للمعهد فضلاً لا يُنسى، وهذا المبلغ من حقي وليس لأحدٍ من منةٍ عليك، غادرتُ فايمار بخليط من المشاعر، وأول ما وصلتُ إلى خطيبتي ودخلتُ الشقة، أخرجتُ مظروف النقود وأفرغته فوق رأسها.. لتتطاير الأوراق النقدية في كل أرجاء الغرفة.

قضيتُ عشرة أيام متمتعاً بالأوقات الجميلة مع خطيبتي، نزور فيها المتاحف، وحديقة الحيوانات، ونجلس في المطاعم الممتازة نتناول فيها "الأوبن بوفيه".. وبدأت أضع آلية وهيكلية للبدء بكتابة أطروحتي.

لم يدم هذا الوقت الرائق طويلاً حتى تفاجأتُ بمكالمة من مؤسسة الأنترتيكست الألمانية تدعوني للترجمة الفورية لإحدى المؤسسات في مدينة ثانية.

كان ردّ فعلي ينم عن استغراب شديد، عندما أطلقتُ السؤال بدون تفكير وبلا تحضير مسبق.. الترجمة ليست مهنتي، ومن الذي أعطاكم رقم الهاتف.. فأجابتني سيدة، خمّنتُ من صوتها أنّها كبيرة بالعمر قائلة: "التقرير الذي رفعه مركز الاستراتيجيات الإدارية، يحمل تقييماً جيداً لعملك.. وفيه معلومات شخصية عنك.. وإذا وافقتَ أرجو أن تتصل بنا اليوم أو غداً في أقصى حد".

وهكذا انزلقتُ إلى ممارسة هذا العمل المغري، من كل الجوانب لمدة تقترب من عامٍ كامل، وانهالت عليّ العروض المغرية، وأحياناً كُنتُ أرفض بعضها لتقاطعها وتزامنها. كُنتُ عندما أعود إلى بيتي أُحاول أن أُعوّض خطيبتي عن فترات غيابي.. نحاول أن نخرج من البيت إلى أماكن ترويح متنوعة.. ولكن خطيبتي كانت تُعاني من سكوتي وبحثي عن الراحة، حيث أكون مقلاً في الكلام، وقد انزعجت مني في المرات الأولى.. إلا أنها فهمت بعد ذلك بأني طوال رحلاتي وترجماتي، كنتُ لا أتوقف طوال النهار عن الكلام، وحتى في أثناء تناول وجبات الطعام. إذ كُنتُ أُستدعى من قبل رئيس أحد الوفود لأجلس على طاولته، وفي الغالب يكون أحد المسؤولين أو المرافقين الألمان من الجهة المضيفة جالساً معه.. وكانت أحاديث المجاملات بينهما تُزعجني بشكلٍ كبير، لأنّها تمنعني من تناول الوجبات الشهية، لتبدأ جولة جديدة من الترجمة بعد الوجبات.. تكاد تكون حنجرتي قد جفّت طوال هذه الفترة، لذلك فإنني كُنتُ أعتمد على خطيبتي بالكلام عندما نخرج إلى المدينة، فهي توقف التاكسي وهي تطلب الطعام، وهي تشتري تذاكر الدخول.. وهكذا.

كنا أحياناً نُريد أن نُشعر أصدقائنا من طلبتنا المغتربين بأن وضعنا المادي قد تحسّن، لذلك افتعلنا كثيراً من المناسبات لندعوهم إلى بيتنا.. يتناولون معنا الأكلات المشوية.. والفواكه والمشروبات المتنوعة، التي كُنّا شبه محرومين منها فيما مضى.. عامُ كامل من المسرات والمشاهدات والمعايشات التي لا تعود.

لقد تبدّلت حياتي تماماً وتحوّلت من الملل والإيقاع الرتيب إلى حركة دائبة وتنقّل بين المدن.. وأمام الباب كانت تنتظرني في الغالب سيارة فارهة، تنقلني إلى مدينة أخرى، أو إلى المطار لحضور مؤتمر في مدينة نائية.

كُنتُ لاهياً أشعر بأني أعيش كرنفالاً، وبالرغم من التعب والإرهاق اللذين كُنتُ أعالجهما بفناجين القهوة التي كانت تصلني إلى الكابينة الزجاجية، الواقعة في الطرف الخلفي من القاعة، خلف ظهور المؤتَمِرِين، كُنتُ أشعر بنشوة وطاقة مُتجدّدة لا تنضب.. لم أكن أدري أو أُفكّر بهذه المَلَكَة التي أمتازُ بها عن بقية المُترجمين المتخصصين.

كانت الترجمة الفورية تحتاج من الشخص أن يقوم بثلاث فعاليات في آنٍ واحد، أن ينقل بجملٍ واضحة ومُريحة للسامع ما استوعبه قبل قليل من المُتكلّم، وأن يستمع في نفس الآن إلى جملة جديدة يُلقيها المتكلم، وأن يتهيأ لإلقاء ترجمة ما يسمعه الآن.. هذه الفعاليات الثلاث، تجعل الدماغ البشري يُبرمجها بشكلٍ تلقائي، دون توتّر أو انفعال من المُترجم، وهذا ما لم أكن أعرفه عن نفسي سابقاً بأنني أمتلك مثل هذه القابلية الدماغية، ومن الطبيعي أن لمثل هذه المهمة إضافةً إلى المعرفة الجيدة باللغتين لا يصلح من يكون عصبياً أو متنرفزاً.. ولا أدري كيف كانت تتمالكني السكينة ويتلبّسني الهدوء والارتياح الداخلي عندما أضع السماعة على أذني.. وأبدأ الترجمة وأنسى كل متاعبي ومشاكلي.. ومع مرور الزمن، أصبحتُ أكتب نصاً على الورق لا يمت لما أسمعه وأقوله بشيء، كأن أطلب الشاي أو القهوة من العاملين كتابةً، وأنا مستمر على الترجمة الفورية بدون انقطاع، حتى أن العاملين كانوا يُطلقون ابتساماتهم أثناء تناولهم الورقة مني وأنا منهمك بالترجمة. وأذكر يوماً أن أستاذة لغات اصطحبت عدداً من الطلبة الدارسين للترجمة الفورية، لتُجلسهم في النهاية الخلفية للقاعة ليستمعوا إلى ترجمتي. وعند الاستراحة خرجتُ من الكابينة ووجدت هؤلاء الطلبة مع أساتذتهم يتوجّهون نحوي ويدعوني لتناول المشروبات الساخنة معهم، وليبدوا إعجابهم بالترجمة التي استمعوا إليها من خلال السماعات المربوطة في مقاعدهم.

لقد تولّدت لديّ صداقات جديدة، مع مترجمات ومترجمين بلغاتٍ مختلفة، كُنتُ ألتقيهم بهذه المؤتمرات، وكنا نشعر بأُلفة ومحبة وتعاطف.

لكن كل شيءٍ وله نهاية.. أنتبهتُ إلى أن الوقت يضيع مني وأنا لم أكتب سطراً واحداً من أطروحة الماجستير.. لذا قرّرتُ أن أتوقف عن ممارسة العمل بالترجمة الفورية، وشعرتُ بأني مثل مُدمن مُنع من تناول ما كان يستذوقه ويستهويه.. وكان ذلك قراراً حاسماً مني لا رجعة فيه وطلاقاً أبدياً مع الترجمة الفورية.. قاومتُ نفسي كثيراً، و أنا أنطق بكلمات الاعتذار رداً على المهاتفات التلفونية التي تدعوني للقيام بعمل ترجمي.. بعد سنين وفي أيام القلق الدائم الذي عشتهُ وأنا في وطني العراق، متخفياً وراء اهتماماتي الأكاديمية، مبتعداً عن الممارسات الثقافية والأدبية.. كُنتُ أُشاهد لقطات تلفزيونية تنقل أحيانا ترجمة فورية من مؤتمرات وندوات، وأحنّ إليها بشيءٍ من الريبة، وقد دُعيتُ مراتٍ من بعض المنظمات للترجمة الفورية ومن جمعية المترجمين، والتي كُنتُ أحد أعضائها المؤسسين، وأحمل الرقم 72، وهي تملك اليوم عشرات الآلاف من الأعضاء.. ولكن دون جدوى، رفضتُ كل هذه الدعوات.

وكانت فرحتي كبيرة عندما اتصلت بي إحدى المترجمات المعتمدات لدى منظمة الأمم المتحدة، وهي قادمة للترجمة في أحد المؤتمرات الدولية ببغداد (وما أكثرها آنذاك).. ولتخبرني بأن كل الأصدقاء في الخارج قلقين عليّ، ويريدون أن يعرفوا عن مصيري أي شيء. وذهبتُ إليها مع زوجتي في فندق الشيراتون ببغداد.. وتبادلنا حديثاً قصيراً معها.. ذكّرتني فيه بأيام المؤتمرات في ألمانيا، والتي كنا نحضرها سوياً.. وذكرت من ضمن ما ذكرت بأنّها بالرغم من عملها الذي تُحسد عليه في الأمم المتحدة، إلا أنها تُعاني من قلة الوقت لديها.. فهي قلقة دائماً وفي توتر مستمر. إذ عندما تعود إلى مقر عملها في سويسرا تُستدعى مرة أخرى بعد أيام لتلتحق بمؤتمر في دولةٍ أخرى، حاملةً معها ملابسها المتسخة "التي لم تسنح الفرصة لها لتنظيفها".. ولتُسلّمها إلى مغسلة التنظيف في أي فندق ستُقيم فيه في جولتها التالية.. ودّعناها وعُدنا إلى بيتنا.. وفي تلك الليلة بقيتُ ساهراً، تؤرقني ذكريات وأحداث عامٍ كامل، وشعرتُ بأن المدينة، ساكنة ومهجورة، مثل مقبرة تعجّ بالأشباح.

وعند الصباح أحسستُ بأنّي كُنتُ أغرق في حلمٍ قديم، بدأت تمحوه الشمس التي عانقت وجه بغداد.. وتوجّهتُ إلى عملي مقتنعاً على مضض بصواب المثل الشعبي: "ما فات مات".

 

د. هاشم عبود الموسوي

 

الحبيب الواعي: ديان دي بريما صوت نسوي من أصوات جيل "البيت" إختار أن يسبح ضد التيار

1052-dyanaإنه إرهاب، أليس كذلك؟ عندما تخاف من أن تجيب الطارق

لأنّك لا تتوفر على البطاقة الخضراء

عندما تخاف من البحث عن العمل، من الدخول إلى المستشفى

عندما يكون ابنك مريضاً

( مقتطف من مرح جميل ونقي)

تستحق الشاعرة الأمريكية المرموقة ديان دي بريما أن يحتفل بها و بأعمالها ولو مرة واحدة قبل أن تغادر هذا العالم، خاصة و أن منابرنا الإعلامية و الثقافية لم تلتفت إليها قط، باستثناء إشارات بسيطة إلى إسمها في خضم الحديث عن رفيق حياتها لفترة وجيزة، الشاعر أميري بركة.  نود من هذه المقالة أن تكون بمثابة تكريم وتذكير بأهمية هذه الشاعرة وأعمالها، خاصة وأن عيد ميلادها الثاني و الثمانون يصادف السادس من غشت الجاري.  تكمن أهمية الشاعرة ديان دي بريما في كونها دمجت بين توجهات أدبية عديدة في وقت تميز بسيادة التفرقة و التحزب في الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك تكون دي بريما قد ساهمت في تقريب الهوة المتزايدة بين مختلف الأجناس و الاعراق المشكلة للمجتمع الأمريكي خلال الستينات من خلال كتاباتها النسائية التي اتسمت بالثورة على أعراف اجتماعية تدعوا الى التفرقة عوض لم شتات المجتمع.

 ولدت ديان  دي بريما في مقاطعة بروكلين  بنيويورك عام 1934 وتربت في كنف عائلة ايطالية مهاجرة، ودرست بكلية سوارثمور قبل أن تنقطع عن الدراسة و تركز على حلمها الذي اختزلته في رغبتها الجامحة في أن تصبح شاعرة في مانهاتن مهما كلفها الأمر. بدأت  دي بريما الكتابة في سن مبكرة من طفولتها  حيث شرعت وعمرها تسعة عشر سنة في مراسلة شعراء كبار أمثال كينيث بثشن و إزرا باوند  الذي قامت بزيارته بانتظام في مستشفى للأمراض النفسية في واشنطن ، و نشرت دار طوطم بريس ديوانها الأول و المعنون ب"هذا النوع من الطير يطير عكس المسار" عام 1958.

خلال فترة عيشها بغرينتش فيلاج بمنهاتن إلتقت دي بريما بفرانك أوهارا، أودر لورد ورواد حركة جيل 'البيت' جاك كيرواك، ألين غينسبرج وأميري بركة، وبدأت تشارك في تنشيط الحركة الأدبية هناك وساهمت في ازدهارها بالمدينة حيث أصبحت من أهم الكاتبات المؤسسات لحركة جيل الإيقاع أو جيل "البيت". وخلال هذه الفترة شاركت دي بريما كذلك في تأسيس مسرح شعراء نيويورك ، وأسست دار نشر 'دبويتس برس' التي نشرت أعمال العديد من الكتاب الجدد الذين لم يسبق و أن تعرف عليهم القارئ الأمريكي، كما أنها شاركت في تحرير النشرة الأدبية 'دفلوتين بير' جنبا إلى جنب مع أميري بركة.

تعتبر دي بريما لبنة أساسية في حركة الستينات الأدبية حيث شكلت جسرا يربط بين حركة جيل 'البيت' الأدبية وحركة 'الهيبي' التي استمدت جدورها الثقافية من جيل الايقاع في وقت لاحق، وكذلك بين فناني الساحل الشرقي والساحل الغربي لأمريكا. تميزت دي بريما باعتبارها أول صوت نسوي يكسر قيود المجتمع البطرياركي و ينضم إلى حركة جيل "البيت" التي تميز بنبذها لكل ماهو مؤسساتي. وكغيرها من الكتاب الذين وقفوا في وجه السلطة السائدة و المؤسسات التي تمثلها فقد واجهت دي بريما في عدة مناسبات مضايقات نظرا لطبيعة شعرها واتهمت باستمرار بنشر الفاحشة بسبب ما ينشره مسرح شعراء نيويورك ومجلة 'دفلوتين بير،'  وفي عام 1961 تم القبض عليها بالفعل من قبل المكتب الفيدرالي للتحقيقات بسبب نشرها لقصيدتين في مجلة "دفلوتين بير". في عام 1966، أمضت بعض الوقت في ميلبروك بنيويورك مع جماعة تيموثي ليري وأصدرت نسختين من  كتابه "صلوات سايكيديلية"، وهو كتاب يتكون من قصائد تأملية كتبها ليري خلال رحلته بالهند 1965 متأثرا بلاوتسي، وأمضت سنة 1967 على الطريق مسافرة في حافلة فولكس فاغن، تقرأ الشعر أمام واجهات المحلات والبارات وصالات العرض والجامعات، قبل أن تنتقل سنة 1968 إلى مدينة سان فرانسيسكو حيث ستقضي معظم حياتها و تنكب على دراسة البوذية و الغنوصية و الخيميا و السنسكريتية.

قاريء شعر دي بريما سيلاحظ أنه يمزج بين تقنيات الإنسياب العفوي لتيار الوعي مع الإنتباه الدقيق إلى الشكل واللغة  كما أنه يجمع بين السياسة والممارسة الروحية في قالب واحد. مواقفها السياسة توصف أحيانا بأنها فوضوية، وتدين بذلك إلى جدها دومينيكو ملوزي  وهو مهاجر إيطالي ومفكر سياسي حر كان من أقرب أصدقائه الفوضوي كارلو تريسكا. تقول دي بريما في إحدى مقابلاتها "جلب جدي فكر الفوضوية معه وإحساسا مشتركا بأن الشعر للجميع، وكان يقول أن الجميع قد قرأ دانتي، وتخيلت كل ربات البيوت يقرأن دانتي... وعندما بلغت عشرة أعوام طلب مني والدي أن أقرأ مكيافيلي، وقال لن تفهمي أبدا ما يجري في العالم لأنه لا أحد سيخبرك بذلك، كل ما يكتبونه هو مجرد دعاية".  وفي مقابلة أخرى لها مع مجلة 'جاكيت' تتحدث دي بريما عن حياتها ككاتبة وأم وناشطة سياسية قائلة: "كنت أريد كل شيء- بجد وفي كليته- أردت أن أمر بجميع التجارب الممكنة، وكنت أرغب في كل ما هو ممكن لشخص في جسد أنثوي، ويعني ذلك أنني أردت أن أكون أما... وكان شعوري،'حسنا'، لا أحد قام بذلك بهذه الطريقة من قبل ولكن تبا لكل شيء، هذا ما سأفعله، و سأجازف من أجله". و يعتبر شيلي، كيتس، بليك إزرا باوند، تشارلز أولسون، الشاعرة هيلدا دوليتل) من أهم الشعرا الذين تأثرت بهم بالإضافة الى موسيقى الجاز والبلوز، وبطبيعة الحال، كتابات شعراء معاصرين لها أمثال مايكل مكلور، جون وينرز وأميري بركة.

لم تقتصر دي بريما على كتابة الشعر و المساهمة في الحركات الثورية للخمسينات و الستينات بل واصلت مسيرتها كناشطة سياسية من خلال التدريس و تربية الأجيال الصاعدة على مبادئ الحرية والعدالة والاختلاف في العديد من المدارس و الكليات. من عام 1974 إلى عام 1997، اشتغلت دي بريما مدرسة للشعر في مدرسة جاك كيرواك جاك للشعر بجامعة ناروبا في بولدر بولاية كولورادو، وتقاسمت حصص البرنامج مع زميلها ألين غينسبيرج (الشريك المؤسس للمدرسة)، ويليام بوروز، غريغوري كورسو، و اخرين، كما أنها درست بكلية كاليفورنيا للفنون والحرف، وبرنامج الماجستير في  الشعر و البويتيقا بنيوكوليج بولاية كاليفورنيا.

نشرت دي بريما أكثر من 40 كتابا ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وتشمل دواوينها الشعرية "هذا النوع من الطيور يطير عكس المسار" (1958)، "رسائل ثورية"(1971) و"قصيدة طويلة لوبا"((1978، و"مقطوعات من أغنية: قصائد مختارة" (2001)، بالإضافة الى مجموعة قصصية معنونة ب"عشاءات وكوابيس" (1960)، و"مذكرات امرأة من جيل البيت" (1968)، ومذكرات "ذكريات من حياتي كامرأة: سنوات نيويورك" (2001) و"صفقة الشعر" (2014). في عام 2009 تقلدت دي بريما منصب شاعرة مدينة سان فرانسيسكو ومنحت جائزة الجمعية الوطنية للشعر اعترافا بمقدمته للثقافة و المجتمع كما حصلت على جوائز أخرى منها جائزة فريد كودي لأحسن إنجاز مدى الحياة، وتلقت أيضا منحا من الصندوق الوطني للفنون، ولجنة الشعر، ومعهد التنمية الجمالية،  وكللت جهودها بشهادة دكتوراه فخرية من جامعة سانت لورانس. تعيش دي بريما الان بسان فرانسيسكو محاطة ببعض من أفراد عائلتها وأصدقاء و شعراء من جيلها. عيد ميلاد سعيد ديان دي بريما!!

 

نصوص مختارة

رسالة ثورية # 20

(مهداة إلى هيوي نيوتن)

لن نستريح

حتى يمشي الإنسان حرّاً وشُجاعاً على هذه الأرض

كلّ واحد وفق طريقته الأصلية

وقبيلته، مُسالماً في الهواء الطلق

::

حتى يمكن للجميع أن يبحثوا دون عوائق

عن شكل أفكارهم

لا وجود لسحابة سوداء من الخوف أو شعور بالذنب

بينهما والشمس، لا أطفال يحترقون

لا شبابَ محبوسين، لا عالمًا من الورق

يقف بين الجسد والجسد في

التقاء الإنسان بالإنسان

::

حتى تصبح الشابات

أنفسهن شريفات وغير خائفات

يلدن أبناء أقوياء

يحببن و يرقصن

::

حتى يمكن للشباب في نهاية المطاف

أن يفقدوا بعضاً من صرامتهم، أن يعودوا

إلى أفكار الشباب، حتى يرتدَّ صدى

الضحك  مرة أخرى على تلالنا ويملأ

سهولنا

 

رسالة ثوريه رقم 21

هل تستطيع

أن تمتلك الأراضي، هل تستطيع أن تمتلك

بيتا، أن تكون لك حقوق في

عمل الآخر، (أسهما، أو مصانع

أو مالا مقدما بفوائد)

ماذا عن

العائدات من نفس المحاصيل وسيارات،

طائرات تسقط القنابل، هل تستطيع أن تمتلك

العقارات حتى يدفع لك الاخرون

ثمن الإيجار؟ من يمتلك

الماء، من سيمتلك

الهواء وهو في طريقه الى النذرة؟

يقول الهنود الحمر ان الإنسان

لا يمكنه أن يمتلك أكثر مما يستطيع أن يحمل

على حصانه

 

*باحث ومترجم من المغرب

 

محمد توفيق علاوي: قصّة الملياردير الذي تاجر مع الله

mohamad tawfiqalawiتوفى المهندس صلاح عطيّة يوم الاثنين 11 كانون الثاني 2016، وخرجت جنازته في موكب مُهيب شارك فيه عشرات الآلاف من الناس.

بداية الحكاية كانت في بلدة صغيرة اسمها "تفهنا الأشراف" بمركز ميت غمر التابعة لمحافظة الدقهلية في جمهورية مصر.

كان هناك تسعة أفراد من القرية الصغيرة تخرّجوا من كلية الزراعة يعانون من فقر شديد ويريدون بدء حياتهم العملية بمشروع دواجن، حسب خبراتهم العملية. جمع الشركاء مبالغ ضئيلة وكانوا يبحثون عن شريك عاشر لديه المال الكافي كي يبدأوا المشروع.

واحد منهم هو المهندس صلاح عطيّه قال لهم: لقد وجدت الشريك العاشر.... فسألوه جميعاً من هو؟ أجاب: هو الله ... سيدخل معنا شريكاً عاشراً له عُشر الأرباح في مقابل أن يتعهد مشروعنا بالحماية والرعاية والأمان من الآفات والأمراض .. فلنتكّل على الله ونبدأ بما تيسّر. فوافق الجميع.

مرّت الدورة الأولى من المشروع وكانت النتيجة أرباحاً لا مثيل لها، وإنتاجاً لم يسبق له مثيل، تخطّى كل التوقعات.

الدورة الثانية من المشروع كانت أكثر نجاحاً، فقرر الشركاء زيادة نصيب الشريك العاشر "الله" إلى 20% ... وهكذا دواليك .. كل عام يزيد نصيب الشريك العاشر حتى أصبح 50%.

كيف صُرفت أرباح الشريك العاشر؟

تم إعداد حضانة لتحفيظ الأطفال القرآن الكريم بالمجان، ثم بناء معهد إبتدائي للبنين في القرية، تلاه معهد ابتدائي للبنات، ثم إنشاء معهد إعدادي للبنين، تلاه معهد إعدادي للبنات، فإنشاء معهد ثانوي للبنين، تلاه معهد ثانوي للبنات، مع تأمين المواصلات مجاناً من القرى والبلدات المجاورة إلى تلك المعاهد.

فجّر صلاح عطيّة الطاقة الخيرية في نفوس البسطاء الذين لم يتأخروا في المساهمة بمشاريع الخير تلك بأموالهم البسيطة، حتى لو كانت دجاجة لإطعام العاملين على تنفيذها، وتبارى الجميع في التبرّع كل حسب طاقته، فمن ليس عنده مال تبرّع بجهده للعمل، كل حسب حرفته.

وبما أن الأرباح في إزدياد مستمر، أنشأ صلاح عطيّة بيت مال للمسلمين قدّم مساعدات للفقراء والأرامل والمُطلّقات مع تدبير وسيلة كسب لكل منهم، كما تمّ تجهيز البنات اليتامى للزواج . وقُدّم المساعدات للشباب العاطل لعمل مشاريع تُغنيهم عن الحاجة إلى الآخرين، وكذلك تأمين الدعم الكافي لأصحاب الحرف لمزاولة حرفهم بكفاءة.

وطرأت على باله فكرة إنشاء كليّة جامعيّة، وتم تقديم طلب للجهات المُختصّة لكنه رُفض لأنها قرية ولا محطة للقطار بها، إضافة إلى أن إنشاء الكليات تكون عادة في المدن ... فتم إنشاء محطة قطار بالجهود الذاتية.

ولأول مرة بتاريخ جمهورية مصر تم تأسيس كليّة جامعيّة في قرية صغيرة ... والكليّة أصبحت كليّتان وثلاثة وأربعة، واستقطبت الطلاب من القرى والبلدات المجاورة، فتمّ بناء بيت طالبات يسع 600 طالبة، وبيت طلاب يسع 1000 طالب.

ليس هذا فحسب بل بنى مستشفى ومراكز صحيّة في قريته، وعدداً من المساجد والمعاهد فى عدّة مُحافظات على نفقته الخاصة، كما أقام ثلاث مصانع ووقف ريعها للنفقة على هذه الأبنية، علماً بأن حصة الشريك العاشر أصبحت بمرور الزمن 100%!

إضافة إلى مشاريع الدواجن، بدأ الشركاء في زراعة الخضروات وتصديرها، واعتادوا يوم تجميع الإنتاج على تقديم تشكيلة وافرة من الخضروات لكل أفراد القرية هدية لهم.

عُمّمت تجربة الشركاء على القرى المجاورة، ولم يزر المهندس صلاح عطيّة قرية إلا وأنشأ بها بيت مال للمسلمين.

رحل صلاح عطيّة إلى ذمّة الله ولم يقبل في حياته مُطلقاً الظهور في أية وسيلة من وسائل الإعلام.

إنه الرجل الذي تاجر مع الله .. وحارب الفقر بالفقراء !!

عبد الفتاح خطاب | اللواء

 

خالد حسين سلطان: الفقيدة أم حسين (سعودة حسون)

انها جدتي لأبي، كثيرا ما حملت البريد الحزبي وبحثت عن بيوت حزبية بديلة تعلمت العمل بهدوء وصمت مع السكائر والشاي اعتقلت لمدة 6 اشهر من احد البيوت الحزبية في العهد الملكي زارت غالبية السجون العراقية لمواجهة ابنها الوحيد حسين سلطان اقرب الناس اليها من الشيوعيين المناضل كاظم فرهود (ابو قاعدة) وله معها جلسات مطولة مع الشاي والسكائر ، كانت تطلق عليه اسم (ابو الصندوق) لأنه اول مرة تعرفت عليه عند قدومه للنجف العهد الملكي حيث ارسله الحزب الى للاختفاء وارسل معه صندوق من الادوية لتوزيعها على الرفاق والعوائل الفقيرة فاستلمته ام حسين على اطراف النجف وجاءت به للبيت الحزبي وساعدته في حمل الصندوق لكونه كان يعاني من رجليه المتورمة بعد المشي المستمر ومن هنا جاءت تسمية (ابو الصندوق) وارتاح لهذه الكنية ابو علي وابو قاعدة وبقية الرفاق لانها لاتعني اي شيء بالنسبة للاجهزة الامنية المجد والخلود للفقيدة ام حسين  اعتزازا ومحبة بها نشر المناضل كاظم فرهود صورتها تلك في كتاب مذكراته مع الكتابة التالية والدة حسين سلطان بقلم : كاظم فرهود بلغت أم حسين سلطان من العمر 90 عاماً، وكانت حياتها مليئة بالشقاء والمرارة إلا إنها عاشت أيضاً أسعد الفترات وأحلى أيام ذكرياتها في العمل الثوري وأيام الاختفاء، وهي بسنها المتقدم كانت مثالاً حياً للأم النموذجية التي ربطت مصيرها بالحركة الثورية مع ولدها الوحيد المناضل العمالي الثوري المحترف .

كان لأم حسين دور جليل في خدمة الحركة الثورية والحزب الشيوعي بالذات، فقد كرست نفسها كمراسلة حزبية رغم إنها كانت " أمية " وأدت مهمتها بإخلاص وأمانة، فتقوم بمهمة الاستطلاع لمعرفة ما يجري في الشارع واستطلاع أخبار الناس والمجتمع النجفي .

سايرت مواكب النضال ونشاط ابنها في معظم حياته متخفياً، فلقد تعودت حياة الاختفاء، فلم تضجر أو تمل، وراعت الظروف الصعبة والعيش وسط الحرمان وانتظار المخاطر والمداهمات. كانت تتصرف بسليقتها وطبيعتها، المعروفة بالحذر والاحتراس وتجارب العمل الطويل، فكثيراً ما كانت تضطر بالتردد إلى بيوت حزبية تقع في أحياء ومناطق فيها بعض النسوة اللاتي يعرفنها، فكانت بلباقتها، ومجاملاتها معهن تخفي مهماتها .

لقد كان لها دور كبير في اختيار البيوت الصالحة للعمل السري والاختفاء فتستطلع أحوال البيوت المجاورة وما يتعلق بها من ظروف وأحوال، وفي مرات عديدة كانت بحكم تحركها وخبرتها الحياتية تشم رائحة الخطر فتنبه حسين وتقترح بأن يغادر الدار حتى ينجلي الخطر وتجنب الاحتمالات السيئة. إن خزين تجاربها الحياتية كانت خير عون لها في تدبير الأمور السرية ومساعدة ابنها .

أدمنت أم حسين على شرب الشاي وتدخين السكائر والأكل القليل وتجنب كثرة التحدث أو التدخل في الأمور المنزلية والعائلية، بينما ترهف السمع لمن يحادثها .

اعتقلت أم حسين في سنة 1957 في أحد البيوت الحزبية في الحلة وظلت موقوفة لمدة تسعة أشهر. كان اعتقالها مع مجموعة من كوادر الفرات الأوسط منهم باقر إبراهيم، عدنان عباس، صالح الرازقي، فرحان طعمة، محمد الحياوي، عبد الرزاق عبد الرضا وعباس كاظم.

لقد وافها الأجل وغادرت الحياة وأحب الناس إليها وهي راضية مرضية .. لقد منحها حسين سلطان كل الحب والتقدير وفي يوم وفاتها انحنى ليقبلها قبلات الــوداع والامتنان

 

خالد جواد شبيل: كوريا رحلة ودرس (4)

khalidjawad shbaylوطولُ مُقام المرءِ في الحيِّ مُخلَقٌ – لديباجتيه فاغتربْ تتجددِ

فإني رأيتُ الشمس زِيدت مَحبّةً – إلى الناسِ أنْ ليست عليهم بسرمدِ

 وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي يريد ببيتيه- الطويل- أن يحبذ السفر إلى الناس، فهو لا يريد أن يطرق معنىً متداولاً عن فائدة السفر الذي يغني عن الكتب، بل وهو المبتكر للمعاني يريد أنك باغترابك سيشتاق إليك أصدقاؤك ومحبوك، كما الشمس التي تغيب أو تحجبها الغيوم والسحب فيفرح الناس بشروقها وانبلاجها وقد قالت العرب: زُر غَبّاً تزدد حُبّاً.. ولكن أبا تمام لا يُخبر عن شوق المغترب إلى دياره وأهله في هذين البيتين لعل حجته تكمن في بيتين آخرين –الكامل- افُتُتِن بهما الناس وما زالا يترددان على الشفاه:

نقّل فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى – ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ

كم منزِلٍ في الأرضِ يألفُه الفتى  –  وحنينُه أبداً لأول مَنزلِ

وأبو أبو تمام هو أول من خرج على عمود الشعر وشق عصا الطاعة وجعل القصيدة ذات وحدة موضوعية متماسكة مبنىً ومعنى، ولم تأته المعاني عفو خاطر وإنْ جاءته وقبِلها سيزوِّقُها بالبيان والبديع وما إلى ذلك من المُحسنات اللفظية جناساً وطباقاً، ما يعسّر الفهم على سامعيه أحيانا...وهو يبدأ بالمعاني بلا مقدمات بل يدخل في معمعمة المعاني منذ الاستهلالات وتستمر حتى الخواتم ولا أدلّ على ذلك من قصيدته البسيطية في واقعة عمّورية ذات المطلع الصارخ:

السيفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبِ – في حَدّه الحَدُ بين الْجِدِّ واللَّعِبِ

(وهذا البيت سمعته وأنا صغير لأول مرة من الزعيم عبد الكريم قاسم في إحدى خطبه واستقر في الذاكرة).

أبو تمام بالإضافة إلى كونه شاعراً كبيراً فهو رحّالة أحبّ السفر وطوى الأرض مُشرِّقاً ومُغرِّبا! وذات مرّة وهو في خراسان عند حاكمها للخليفة المأمون وأعني به القائد العسكري المرموق عبد الله بن الطاهر الخراساني (ت230) الذي مدحه فلم يلق عندة حظوة، فقفل راجعاً وإذ هو في أطراف همذان سقط الثلج ثقيلاً وحوصر بسببه ففتح له مضيّفُه خزائن مكتبته وأكبّ يقرأ ويدون ما يختار فتكونت عنده حصيلة هامة انضافت إلى حافظته الغنية السابقة من أشعار العرب جمعها في ديوان قوامه عشرة أبواب، وحيث شغل ثلث ما تحصل عليه من باب الحماسة سمّى كتابه باسمها (ديوان الحماسة) إضافة إلى أبواب أخرى من مديح وهجاء وغزل ورثاء،، وحين حذا حذوه آخرون أصبحت تسمى (حماسة أبي تمام) ...فالفضل هنا يعود بولادتها لرحلته وللثلج!

وبعد نحو قرن ونيّف سيتكرر المشهد ذاتُه مع شاعر آخر عظيم الشأن هو الآخر رحّالة، شرقّ وغرّب في أطراف الأرض، يمدح هذا ويهجو ذاك ثم ينقلب على ممدوحه هاجياً كأقذع ما يكون الهجاءّ، وسجل ما شاهد في رحلاته شعراً وأعني به أبا الطيب المتنبي (303-354)...

توسم المتنبي خيراً بالأمير العربي بدر بن عمّار بن إسماعيل الأسدي صاحب طبرية فشدّ الرحال إليه وحيث هو في جبال لبنان هطل الثلج ثقيلاً في شتاء 327ه فأوحى له بقصيدة كاملية من أجمل قصائد المتنبي بل أحسبها من حور الشعر العربي العين:

أمِنَ ازديارَكِ في الدُّجى الرُّقُّباءُ – إذ حيثُ كنتِ من الظلامِ ضياءُ

إلى أن يقول:

وعِقاب لُبنانٍ وكيف بقَطْعِها - وهُوَ الشتاءُ وصيفهنّ شتاءُ

لبَس الثلوجُ بها عليَّ مَسالكي – فكأنها ببياضِها سَوْداءُ

وكذا الكريمُ إذا أقام ببَلدةٍ – سال النُّضارُ بها وقامَ الماءُ

ولولا الرحلة وهطْل الثلج الذي حاصر شاعرنا لما ولِدت هذه الخريدة.!

كل هذه الخواطر داهمتني وأنا أنتظر في ميناء جيجو الجزيرة الكورية لآخذ الباخرة إلى مدينة واندو...

***

دلفت من بويبة خاصة للأجانب وكنت الوحيد غير الآسيوي، تحركت الباخرة الموسومة باللؤلؤة الحمراء انزلقت في موعدها في الثالثة والنصف عصراً على صفحة الماء وانسابت وئيدة؛ واستمتعت بمشاهدة السيارات الكثيرة وبحمولات ثقيلة وكان عدد الركاب قليلاً نسبياً بعد تقليص الرحلات عقب حادثة الغرق التي ذكرناها.. الجو جميل والمناظر خلاّبه حيث تظهر من بحر الماء جزر شاهقة ضيقة تكللت ذؤاباتها بأشجار .. وقوارب الصيادين تدل أن البحر غني بالثروة السمكية توقفنا مرة في إحدى هذه الجزر ثم واصلت رحلتها؛ كان مشهد الغروب آسراً جلست خلال الرحلة أدون ما جال في خاطري عن ابي تمام والمتنبي.. وصلنا على السابعة والنصف.. أعطيت العنوان لسائق التكسي وأخبرني أن الأوتيل خارج المدينة مطل على البحر ويبعد خمسة عشر كيلومتراً حدست أن المناظر جميلة حيث تتلألأ الأضواء على صفحة البحر فتبدو كأشباح متراقصة على الماء... المدينة صغيرة والأوتيل صيفي صغير سجل رواده الغربيون والآسيويون رسومهم وكلماتهم على أحد الجدران بمختلف اللغات والأسماء! لم يكن في الأوتيل سوى نزيلتين شابتين كوريتين لم تتكلما أي لغة أجنبية .. جلسنا في المطبخ نتناول العشاء، عليً أن أسافر في الغد الباكر الى ميناء بوسان! أشارتا بأنهما يستطيعان أن يوصلاني بسيارتهما في الصباح الى مجمع السيارات إن نهضتُ مبكراً هكذا فهمت!

من أجمل المفاجآت حين ينهض المسافر ليكتشف ما يحيط به وهل يتطابق الواق مع مخيلة الأمس! .. رأيت البحر جميلاً والصيادون يلقون شباكهم أويجمعون صيدهم... خرجت أنتظر الباص وقد دلني رجل الى حيث أريد وكان غاية في اللطف أراد أن يدفع عني أجرة الباص فاعتذرت!

وصلت بوسان بطريق برّي بحوالي خمس ساعات على مرحلتين.. وبوسان هي ثاني أهمّ المدن الكورية وهي ميناؤها الأكبر هي عروس البحر ومفخرة الكوريين لمن يودع عند المغادرة إلى اليابان أو للقادم من اليابان عبر الأرخبيل.. قررت وفق خطتي أن أعبر من خلالها الأرخبيل بعد ثلاث ليال فإن طابت لي مُقاماً ستكون مستقري لليال أخَر.. فندقي يقع قبالة المحطة المركزية في أهم موقع حيث المدينة الصينية والمطاعم والأسواق التي تعج بالفواكه والأسماك وثمار البحر، وعلى خلاف أي مكان آخر في كوريا كان طعامها الالذ وناسها الأكثر طيبة، فيها أناس من كل القارات والمدينة الصينية حافظت على طابعها المعماري الصيني لكنها أصبحت روسية تزدحم باللحم الابيض الروسي حيث يُنادى على المارّة بمختلف اللغات حسب سحنة المار وللتخمين والخبرة دور كبير!!

لم أعاودِ المرور بالمدينة الصينية رغم أن هناك مطاعم ومحلات تجارية محترمة، فضلت أن آكل السمك وأشرب السوجو المشروب الوطني الكوري اللذيذ والرخيص وفيه انواع شتى، وهو فاتح شهية أيضا!

وإذا وُصِفت مدينةٌ حالمة فستكون بلا شك بوسان، هي مدينة الجولات المائية وهي مدينة الباركات وأهمها بارك يونغدوسان الذي يحتوي على أشجار نادرة ويتوسط البارك الذي يتبوء تلال وسط المدينة برج مسمى باسم البارك وفي الحديقة تماثيل لأبطال كوريا الذين صدّوا الغزوات البحرية، كما تجد فيه سياج العشاق الذي يحتوي على أقفال العشاق الذين تعاهدين على الإخلاص وديمومة الحب الخالد؛ وعدد الأقفال هو الأعلى في العالم ولكنني لا أعلم كم من هذه الأقفال التي لا تحصى عدداً بقي أصحابها أوفياء مخلصين للحب الخالد! من البرج ترى بانوراما المدينة والجسور المتحركة والجسور التي تنفتح بأوقات محددة لعبور البواخر.. أما المتاحف المتخصصة فهي عديدة بوسان ذات معابد تاريخية قليلة فالكنائس لها هي الأخرى نصيب.. وعندما تسأل الناس عن الدين ستجدهم في الأعم الأغلب ملحدين أو لا دينيين!! ولكوني مزمع السفر ذهبت إلى الميناء مشياً عبر المحطة، ودهشت لهذا الميناء لسعته وحسن تنظيمه وما توفر عليه من مطاعم ومشارب قطعت إلى فوكوكا اليابانية على الجانب المقابل للأرخبيل حيث كان في نيّتي أن أزور ناغازاكي وأرجع الى هيروشيما التي اشتقت إلى سحرها..وحسناً فعلت حين لم أحجز في أوتيل ذلك أن الرحلات أرجئت بسبب المد لمرتين! وإذ ذهبتُ الى الشركة لأُلغي الرحلة وأسترجع المبلغ المدفوع، وإذا بعاصفة هبت مع أمطار خلعت المظلة فاضطررت لإطلاقها فحلّقت كأنها ريشة في مهب الريح! وقد فعل غيري مثلَ ما فعلت؛ رجعت الى الأوتيل متعباً انتابتني حمى خفيفة وسعال!! ذهبت لأجدد الحجز فلم أجد مكاناً.. قررت السفر الى مدينة قريبة من سيؤل وهي أوساني وحصلت على حجز في أوتيل ممتاز وبسعر معقول لثلاثة ليال، وهكذا قضيت نحو أربع ساعات في حافلة أوصلتني الى مدينة قريبة وأكملت ما تبقى بالتكسي... وصلت متعباً فقد اعترتني رعداتٌ ورجفات وشيء بين الحمى والبرودة فاعتمدت سوائل ساخنة وعصائر باردة وبقيت لا أخرج من الأوتيل إلا لَماما.. المدينة صغيرة وجميلة تشبه المدن التي يصفها أج. سي. أندرسن في عالمه القصصي، هي صغيرة وذات طابع كوري تقليدي قديم في كل شيء وحسبتُ أنني وحدي الأجنبي وإذا أفاجأ بالأوربيين متوسطي العمر من الجنسين ينشدون الهدوء ويرومون تمضية عدة أيام على طريقة الحياة الكورية فقد ملّ الغربيون أماكنهم الغربية وانجذبوا لسحر الشرق!

بدأت أستعيد عافيتي بعضَها لا كلَّها، فقد كنت أحسب نفسي متوهماً أنني مازلت ذلك الشاب الرياضي فقد كانت ملابسي خفيفة لا تتلائم مع المناخ الربيعي الكوري المتقلب، فرجعت بقناعتي الى كهولتي واشتريت ما يدفئني من الملابس مردداً قول أخي خزاعة (الطويل):

لقد عجبت سلمى وذاك عجيبُ – رأت بي شيبا عجّلته خطوبُ

وما شيبتني كبرة غير أنني – بدهر به رأس الفطيم يشيبُ

لله درّك يا دعبل وهي يخاطب سلماه نفسها (الكامل):

لا تعجبي ياسلم من رجلٍ – ضحِك المشيبُ برأسه فبكى!

وللموضوع صلة

 

ملاحظة: لم أنشر الصور لكي أوفر للنص الكتابي مجالاً أوسع ومن يروم فسأنشر في موقعي على الفيس بوك صوراً تعزز النص..

 

خالد جواد شبيل

 رام كم هنغ 31 تموز/يوليو 2016

 

رواء الجصاني: تسعة عشر عاما على رحيل الجواهري الخالد

rawaa jasaniيا ابنَ الفراتيّنِ قد أصغى لكَ البلدُ .. زعمـاً بأنـك فيهِ الصـادحُ الغـردُ

قبل تسعة عشر عاماُ، وفي وصبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء:

"الجواهري يرحل إلى الخلود في احدى مشافي العاصمة السورية - دمشق،عن عمر يناهز المئة عام..."

... وهكذا يطبق "الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم:

- المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد.

- السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان "حزباً" بذاته، يخوض المعارك شعراً

وفكراً ومواقف رائدة...

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

- وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي "لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر".. ناشر صحف "الرأي العام"و"الجهـــاد" و"الثبات" ... ورفيقاتهن الأخريات ...

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة:

"لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صلبا"..

- صـاحب "يوم الشـهيد" و"آمنت بالحسين" و"قلبي لكردستان" و"الغضب الخلاق" و"الفداء والدم"... شامخ، يطأ الطغاة بشسع نعل ٍ عازبا..

- والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن "وشـك معترك أو قرب مشتجر".. كيّ "يطعم النيران باللهب"! ..

- مبدعٌ بلا حـدود في فرائـد "المقصورة" و"زوربـا" و"المعـري" و"سـجا البحـر" و"أفروديـت" و"أنيتـا" و"لغة الثياب" و"أيها الأرق" وأخواتهن الكثار...

- وهو قبل كل هذا وذاك "أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماس".

- كما انه "الفتى الممراح فراج الكروب" الذي "لم يخل من البهجة دارا" ..

- رائدٌ في حب وتقديس من "زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر "قلائداً لعقودهنَّ" ... و"يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

- وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره "ميتون على ما استفرغوا جمدوا" ..

- وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى "لغير الشعر من وثن " ... فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ...

-ا نه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته "يخشى أن يروح

ولم يبقِ ذكرا" ... فهل راحت قصائده - حقا - "ملؤ فم الزمان"!! وهل ثبتت

مزاعمه بأن قصيــده "سيبقى ويفنى نيزك وشهاب" وهو القائل:

وها هو عنده فلك يدوي..... وعند منعمِ قصر مشيدُ

يموت الخالدون بكل فج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلودُ

ترى هل صدق بما زعم ؟؟!!

... التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!

 

 رواء الجصاني

رئيس مركز الجواهري للثقافة والتوثيق

 

بكر السباتين: سنديانة الروح وطائر الزرزور.. المبدع ورجل الصناعة تيسير حرب

bakir sabatinفي لحظات التجلي مع الذات، نبحث أحياناً في الذاكرة المزدحمة عن أصدقاء نبلاء لا يجب العبور عنهم دون توقف لاستنهاض شيء جميل جمعنا ذات يوم، وحين لا نجد لهم أثرا في غياهب الذاكرة العميقة، ستغمرنا الدهشة بأسئلتها عن سر هذا الشعور الغامر بالتلاقي العميق في مكان وزمان ما!! لتكتشف ماذا يعني تلاقي الأرواح .

هذا هو الشعور العميق الذي كان يغمرني كلما أرسل المبدع تيسير حرب تعليقاً فذاً على ما أكتبه من نصوص شعرية أو قصصية أنشرها على صفحتي الرسمية في موقع التواصل الاحتماعي فيسبوك، إلى أن قرأت النص المذهل التالي بعنوان:

"ماذا لو"

قال كاتبه:

" ماذا لو قطفوا كل الأزاهير هل يغرق النحلُ في لججِ الريح ؟ أم يغزلُ أحلاماً سداسيةً، ويصب قوالبَها من رحيقِ القهر .

يا معشر النحل، أين تأوِ القبرات ساعة المطر؟ وأين ترفرف الفراشات اذا بات الضوءُ دون أنياب الرماد؟

ماذا لو مات الشاعر، هل تَفْنَى القصيدة وتبكي بغير دموع ؟ وهل تحوم في غير مدارها المراثي ؛ الا إذا عافت الكأسُ رحيق الزجاجة، ولم تجل في زقاق وعيي .

ماذا لو مات الغدُ بالأمس ؟ فهل تراني إلا حرفاً يبحث عن كاتبه في قصاصة تدحرَجَتْ وتاهت بين خطى الريح .

إلى أن قال:

" ماذا لو بُعِثَ الأمس عارياً من رماده، غَضّاً، باعثاً طفولتي متعرِّقاً جبينُها من لهاثِ الروح ؛ لآويتُ غديْ في لحدِ يومي، فهل تُراني إلا في فَيْءِ حلمٍ لم أبرح أضغاثه بعد  !!! ماذا لو... "

فعلقت على هذا النص الذي تفاعلت معه بكل مشاعري ويقظتي، فقلت:

" هذا نص سردي مفخخ بالصور الشعرية .. الدهشة في حرثه قمح تستشعر براعمه الضوء، وتستل النور من رمادية البوح فتخلصه من السواد.. لتميز الحديقة لون زهرة الود وهي تحتفي بحمرة الغسق.. فترتجف أيادي قاطفيها، وقد تعبقت بفلسفة التراب والجذور..فمن يقتفي أثر الروح فيحتسي قهوتها لن تفرق السبل بين قلبه وحظه المكتوب.. نص مدهش ويعج بالأسئلة!!"

فمن هو المبدع والاقتصادي الطموح تيسير حرب؟

كان علي قبل كل شيء التنقيب عنه معرفياً من خلال الموسوعات الأدبية عبر الشبكة العنكبوتية، ثم في موقع رابطة الكتاب الأردنيين، فلم أجد له أثراً، إلى أن اتصل بي ذات يوم من عمان راغباً بزيارتي من أجل التعارف وقراءة بعض نصوصه الجميلة عليّ، وكانت زيارة لي عائلية.. وطياً لكثير من التفاصيل إلى أن شرع في الحديث عن تجربته في الكتابة، فتهيأ الحقل ونثر بذور شعره في حقل اللقاء، تنسمنا خلاله عبق الروح الهائمة في الخيال، نرتشق قهوة الصحبة الطيبة من عمق السؤال، ما جعلها جلسة آسرة ومفعمة بجمال الكلمة وروح التلاقي الذي انفتح بيننا على كل الفضاءات دون محاذير،  بفطرية عازف الناي الذي يبهج عزفه شقائق النعمان، وقد حلق في أجوائنا السنونو يخبرنا عن رحلته في سماء الأدب وفضاءات الروح: "هل التقينا ذات يوم يا تيسير!" وكأن السنونو أجاب بأن الأرواح تتلاقي في الماضي لتستمر في حدائق الاستشراف على محاذاة المستقبل إلى أن ننطوي في الغياب، وأثناء اللقاء قرأ علينا تيسير حرب النص التالي تحت عنوان:

"رَحيل "

قال فيه:

"رَحَلَتْ كآخرِ لوحةٍ

مرّت بها عينُ قُبَّرةٍ

وارتطمتْ بشروخِ نافذةِ الغيب

كأنّي بها حطامٌ تاه في الصورةِ

أم صورة تبعثرتْ بين الكُسور

كانت كثوانٍ ذابتْ في رحيل الغسق

وألمَحُ قُطيراتِ دمِها بين السطور

لمْ تكتَمِل بَعْدُ الروايةُ

ولم تتَّقِد بالحياة البُذور

غصصٌ تتْرىْ في عتمةِ النفس

ولم نذُقْ في الفقاعةِ

سوىْ طعم القشور"

فأنتابني شعور غامر في أننا اجتمعنا روحياً ذات يوم، وقد التقت اهتماماتنا في كل المحاور، حيث كان البوح سيد الموقف والشعر أفق تجاوز الغرفة التي جمعتنا ذات مساء.

وخلال الجلسة التي اتخذت طابع الأمسية الأدبية، وفي غمرة قلبين غمرتهما الدهشة إزاء الشعر الذي حلق عالياً في سماء الجمال، حدثني المبدع حرب عن نفسه بتلقائية الفنان الذي يحسن البوح بفطرية السرد دون أن يُكَذِّبَ تيارُ الشعور لديه، جوهرَ نصوصه المفعمة بأريج المحبة، ونكهة الهيل الفواحة عبر نوافذ قلبه المليء بالخير .

كأنه بذلك يبوح بالسر الذي جعل يدفع بهذا الاقتصادي الطموح كي يعبر عن مشاعره العميقة من خلال النصوص الإبداعية، معلناً عن انحيازه إلى جانب الإنسان، وكونه ثرياً كان يعطي اهتمامه للفئة الأشد فقراً، حيث خرج منها معدماً ليحقق ذاته في هذا الزمن الصعب، ويستطيع المهتم بكتاباته التقاط شيئاً من ذلك في نصوصه الثرية بالصور الشعرية المفعمة بعاطفة جياشة تجمع بين الرحمة والشعور بالألم، ليسجل من خلالها موقفه إزاء الظلم والفقر المتفشيين كالطاعون في الفئة المحرومة التي خرج منها صلباً كساق سنديانة تغور في وجع البداية الصعبة لتشق طريقها إلى السماء، بعصامية الشوك في الرمضاء، ليقبل على تحدي الظروف والصعاب بأشد صلابة في حياة يأكل قويها الضعيف، وتتحكم في مدخلاتها شريعة الغاب.

تيسير حرب كاتب متمرس ويمتلك أدواته، لا يرصف الصورة الشعرية على جدارية البوح كلوحة فسيفسائية تقليدية، وهذا سياق جمالي لافت بتكويناته الرائعة، بحيث يخرج المعنى من النص كأنه مقطوعة موسيقية أخّاذة تهتف كل آلة موسيقية فيها منفردة، ولكن تيسير شسدهشك أكثر إذْ يسقيك من سلافة المعنى، ورحيق الزهر ليذيب الصورة الشعرية في النص فيفوح عطر المعنى، فلا يرى المتلقي تكوينات اللوحة وجمالياتها إلا من خلال رهافة الحس ونباهة القلب، فتشعر بلذعة الدهشة، ونسائم الروح وهي توقظ براعم الحنظل والشقاء كي تصيل لشمس الحقيقة التي توشح الأرض بالنهار، وتنثره بالزهور، وترسل إلى الليل ضوء القمر.

هذا هو الشاعر المبدع تيسير حرب، الذي توارى في ظل الحديقة مطلقاً لروحه العنان كي تحلق مع الزرزور قريباً من شرفات الصدفة، حتى تمازجت تعليقاتنا المتبادلة كقطعة الحلوى وهي تذوب في قهوة الحوار المنكه بأريج المحبة، كأنها تحيط بقلب راهب يتجلى بالدعاء.

نشر تيسير حرب كثيراً من ابداعاته على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع على الشبكة العنكبوتية،ولكن الأجمل في سياق علاقتي به ما تجلى في لقائنا الأول، إذ قضينا معاً أمتع الأوقات بالعوم بعيداً على محاذاة الأفق المنفتح على المدى، وعميقاً في غياهب الشعر ووظلال الخيال.

وكان لمذاق نصوصه الخاص وقعه الجميل عليّ، فتساءلت عن نتاجه في مجال الشعر المنثور والتأملات العميقة فأجاب بأن لديه ثلاث مخطوطات تنتمي إلى جنس الشعر المنثور أولها ديوان (على شفا محبرة)، ولديه تجربة مسرحية يشغل وقته بها تدخل في سياق التجريب .

وعن سر الألم المتجذر في بوحه الشعري رغم يسر حالته المادية، لفت انتباهي إلى عمق تحربته في الحياة التي انسدلت على ألوانها الخلابة غلالة من حزن، كأنه مالك الحزين الذي يسعدك بألوانه الجميلة فيما تبوح عيناه بحزن غائر، غذى مشاعره دائماً بحب العطاء دون حساب، وبقبول الآخر والخروج من الغرف المقفلة لتنسم الهواء في مجتمع صحي يقبل به .

فقد عانى تيسير حرب شظف العيش في حياة مليئة بالأشواك، كابد خلالها واجتهد حتى يثبت لزهرة النور بأن الديدان لا تأكل من البراعم إلا التي تهوى المبيت يابسة في الحفر، فاشرأب ليرتوي من ينابيع النهار سلافة الحياة وروح التحدي في صراع البقاء .

وفجأة طوى كل التفاصيل ليضعني على متن الشوق باتجاه كيف صار رجل أعمال ناجح في مجالي الصناعة والتجاره، إذ تنتشر أعماله بين المغرب وعمان والسعودية، كما لديه طموحات لمشاريع زراعيه في بلد عربي آخر يجري التخطيط له الان.

وهو ما شجعني على تلخيص سيرته الذاتية لضمها إلى النسخة المنقحة من كتابي:

"الفلسطينيون وتجربة النماء عبر العالم" المنشور في موقعي الرسمي على الشبكة العنكبوتية (موقع الروائي بكر السباتين )، ففوجئت به، ونحن نحتسي القهوة في ظلال حديقة بيته الجميل بالبنيات بعمان، يتحدث عن جوهر الرحمة من خلال قصصه مع الكادر الوظيفي الذي يعمل معه عبر مسيرته الطويلة:"هم جزء من أسرتي الكبيرة" مؤكدا كمن لسعته النار بانه لم يعاقب احداً قط منهم في حياته على خطأ او ذنب اقترفه لا بل كان يبقيه على رأس عمله ويكافئه إن صلح حاله، لأن الرحمة في نظره تعويذة مغلفة بالرحمة، بوسعها أن تحول دون التائب والعودة إلى مستنقع الخطيئة، أما الحزم المفرط في الادارة فهي منفرة وقد تعثر خطوط الانتاج .

ويعتقد المبدع حرب بأن هذا النوع من من الإجراءات الاداريه التي تتوخى الرحمة تجاه موظفيه؛ كانت تمنحته طاقة إيجابية حيال التعامل مع الموارد البشرية في العمل من باب العدالة في سياق احترام حقوق العامل، وهو لا ينسى بأنه بنى صرحه الاقتصادي بالتعاون مع شقيقه (ياسر حرب) بعد حياة بائسة في إطار الوظيفه، ومقارعته للصعاب بروح التحدي والرغبة بالتغيير.

بدأ تيسير حرب حياته المهنيه بوظيفه محاسب في سلطة الطيران المدني براتب قدره مئه وعشرة دنانير عام 1986م، وتلاها بمهنة خطاط في مجال تصميم وتنفيذ اللوحات الاعلانيه (القارمات)، ثم افتتح شركة الأولى بفرعين وكانت متخصصة ببيع قطع غيار السيارات ذات المنشأ الكوري في شرق عمان قرابة اربعة عشر عاماً. وبعد إصابة هذا القطاع بالكساد تحول إلى قطاع الصناعة والتجارة المفتوحة في السعوديه كمستثمر برأسمال أولي قدره مليون ريال .

ويمتلك الان عدة مصالح منها: شركة استثمارية أنشأها مع شقيقه في الرياض عام 2006 لانتاج الحبيبات البلاستيكيه  تحت اسم شركه "العمالقه السعوديه للصناعات البلاستيكيه" وأنتاجها يربو على 100 طن شهرياً تصدر بأكملها الى الاسواق الاردنيه، وشركة استثمارية أخرى مقامة حاليا في المغرب بمدينة (كازابلانكا) تنتج المواد البلاستيكيه، والمندرجة في قائمة المواد الكيميائيه والتي تدخل كمواد مساعدة لإنتاج الصناعات البلاستيكيه مثل: (تيتانيوم، وستابلايزر، والبرافين، وستيريك أسيد، والملونات البلاستيكيه) إضافة إلى المنتجات البلاستيكيه التي تدخل في صناعات الكوابل والاحذيه والخراطيم وجميع المنتجات البلاستيكيه اللينه ...وتغطي هذه المنتجات السوق المحلي في المغرب فيما تزود مصنعهم في الرياض بالمواد الأوليه .

في اخر سهرتنا، وبعد مثاقفة معرفية مبهجة في كل القضايا التي تطغى انعكاساتها على عالمنا المتأزم، كان لا بد من أن نحلق معاً في سماء الخيال على متن اخر قصائده المنثورة، وهي بعنوان:

" كفى خداعاَ"

يقول فيها:

"رسولُك لم يَلتقيْ وحيَهُ

لتُبعَثَ لؤلؤةً

في خرائب هذي القرائن

تاهتْ مفاتيحُك

في مغاليقِ السما

ولم تَعُدْ وتراً

في حناجر المآذِن

فلستَ سوى مِلْحاً

تَذوّقَ جُرحَنَا

وغصّتْ بماِءك

الجداولُ والذُّرى

...والمساكن ْ

يا أيها الخائنُ شِرعةَ السنابل

كيف تدَّعي عذوبة البحر

وأنت الغارقُ

في عُباب هذا الكأس

الآن أشقُّ لسان صمتي

وأُبحرُ في دم

كلِّ خائنْ

أنت العهرُ الذي التقى

الموءودةَ في قاع تلك البئر

والمتراسُ الذي

أجهضَ سر الكمائن

أنت ذاكرة الجُبِّ والغَيَابةِ

وتعلم رائحةَ العتمةِ

وأنياب الرحىْ ...

والمطاحِن

وتحسن رسم التضاريسِ

على شفاه الضغائِن

رأيت فيك حقد الموج

إذ يشـدُّ

تلابيبَ السفائِن

أنت من خرقَ السفينة

وهي تمخر عُباب روحي

تتلو مطلع القصيده

المكتوب تحت جفن

شِراعِيَ الشّادِنْ

هما آخر بيتين

من معلقتي انتَحـراْ

إثـرَ حرفٍ شائِن

عَبَسَ البحرُ لما

أُغْرِقَتْ فيه

القصيدة والرهائن

يا أيها القصيد ...

جُثّة ريشةٍ طارتْ

من جناحها أنا

وليس غير الزمانِ

يكشف سـرَّها

بين أحطابِ المدافنْ "

إنها قصة سنديانة الروح التي تحاور النسائم وطائر الزرزور الذي يحلم بالغناء. فإلى اللقاء مع شخصية أخرى نتناولها تحت عنوان:" مبدعون خلف الستار".

 

بقلم: بكر السباتين

 

علجية عيش: 31 سنة تمر على وفاة مؤرخ القضية الفلسطينية.. مع إميل توما مؤسس صحيفة الإتحاد ومجلة الجديد

eljya ayshتشير العديد من الكتابات أن إميل توما لم يكن مناضلا ثوريا فقط، بل كان أيضا مفكرا ومؤرخا، حيث شارك في صنع التاريخ، والتأريخ له من موقع المثقف الثوري الملتزم، ولم تكن مؤلفاته مجرد سرد للوقائع التاريخية وتسلسلها، بل كانت تشمل تحليلا عميقا ونقدا مبدئيا موضوعيا ورؤية شاملة مع استخلاص العبر والنتائج، لقد أرخ إميل نضال الشعب العربي الفلسطيني منذ بداية الانتداب البريطاني في فلسطين، وظل على هذا المبدأ يناضل قلبا وفكرا إلى غاية وفاته، وقبل وفاته ترك رسالة قال فيها: "لقد أحببت شعبي حبا ملك علي مشاعري وآمنت بأخوّة الشعوب إيمانا عميقا لا تحفّظ فيه"

هو من مواليد حيفا جاء إلى الحياة في 16 مارس 1919 من عائلة حيفاوية فلسطينية، عرفت بالفن، درس في مدرسة صهيون في القدس، وسافر إلى جامعة كيمبريدج في لندن لدراسة القانون، خلال الحرب العالمية الثانية ، ولكن بسبب الثورة أوقف دراسته ورغم ذلك لم تمنعه الظروف من أن يصبح قائدا شعبيا مرموقا ومناضلا ومفكرا، حيث نال شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو عام 1968 ، كان إميل يتمتع بشخصية قوية جذابة،  شخصية وطنية وشعبية بارزة، تمتعت باحترام كبير بين الجماهير العربية وفي أوساط يهودية واسعة ، من سماته أنه يحب الإصغاء للناس وسماع أفكارهم وانتقاداتهم، كما عرف إميل توما  بالبساطة والتواضع.

انضم إميل إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني في نهاية 1939، وقام مع رفقاء الدرب في تأسيس نادي شعاع الأمل، كما ساهم إميل ورفاقه في تأسيس "اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب" الذي كان لاحقا النواة لتأسيس مؤتمر العمال العرب، وبمركز الإتحاد أسس إميل توما صحيفة "الاتحاد" وكان فيها عاملا أساسيا ، وبحكم أنه كان رئيس تحريرها، عمل إميل توما على  تنوير الفكر العربي، وتأسيس عصبة التحرر الوطني ، فقد كان صدور "الاتحاد" خطوة كبيرة نحو الأمام قام بها إميل توما ورفاقه ، الذين كانوا يؤمنون بمبادئ الاشتراكية العلمية،  وأرادوا أن تكون "الاتحاد"  وكذلك مجلة "الجديد" قوة إعلامية فكرية تناضل من أجل استقلال فلسطين وإقامة دولة ديمقراطية مستقلة، وتدافع عن مصالح العمال والفلاحين وتنشر الوعي الوطني والاجتماعي في جماهير الشعب.

فقد قدم إميل توما كمحرر لـ "الاتحاد" ومجلة "الجديد" إسهاما كبيرا في الدفاع عن الهوية الفلسطينية والتمسك بها، وعن الثقافة العربية في مرحلة حاولت فيها السلطة الحاكمة وأبواقها طمس الهوية العربية والثقافة العربية ونشر العدمية القومية، كما لعبت صحيفة "الاتحاد" و"الجديد" دورا هاما في هذا المجال،  وفي نمو كوكبة من الشعراء والكتاب الوطنيين الذين ابتعدوا عن كل تعصب قومي، وكانوا يعبرون في نثرهم وشعرهم عن مشاعر شعبهم وهمومه وآماله، لم يكن إميل يناضل سياسيا فقط بل سخر قلمه للتعبير عن هموم وطنه، حيث راح يكتب ويؤلف ليشخص الداء،  ويكشف جرائم إسرائيل ، وقد رأت العصبة في كتاباته خطوة هامة نحو بناء الحركة الوطنية على أسس شعبية ديمقراطية، غير أن المشروع لم يلق قبول الجامعة العربية التي لم يرق لها قيام قيادة شعبية ديمقراطية للشعب الفلسطيني،  ورأى النقاد ورجال السياسة أن  تدخل الجامعة العربية في شؤون الشعب العربي الفلسطيني في الفترة ما بين 1947 و1948  جرده من حقه في القرار المستقل بخصوص نضاله ومستقبله، وكانت النتيجة  إبعاد جماهير الشعب العربي الفلسطيني عن القيام بدورهم الطبيعي في تقرير مصيرهم والدفاع عن وطنهم وكيانهم،  ولذا أقسم الرفاق على التصدي لكل محاولة إخضاع الحركة الوطنية الفلسطينية ، وكان لإميل توما موقف صارم من قضية تقسيم فلسطين عندما نوقشت المسألة في اللجنة المركزية لعصبة التحرر الوطني وأبدى إميل توما رأيه معارضا لقرار التقسيم، ومتمسكا بالحل الذي كانت تطرحه العصبة بإقامة دولة ديمقراطية واحدة في كل فلسطين العرب واليهود على السواء.

هذا الموقف أدى به إلى الاعتقال، حيث قضى ما يقرب عن 03 أشهر في معسكر للاعتقال في بعلبك ، ومنذ ذلك الوقت أصبح إميل توما  مؤرخ القضية الفلسطينية، تشير الكتابات أن إميل توما  لم يكن مناضلا ثوريا فقط، بل كان أيضا مفكرا ومؤرخا، حيث شارك في صنع التاريخ،  والتأريخ له من موقع   المثقف الثوري الملتزم، ولم تكن مؤلفاته مجرد سرد للوقائع التاريخية وتسلسلها، بل كانت تشمل تحليلا عميقا ونقدا مبدئيا موضوعيا ورؤية شاملة مع استخلاص العبر والنتائج، وطرح إميل توما في مؤلفاته الحل الذي يجبر إسرائيل على الانسحاب من كافة المناطق التي احتلتها عام 67 وإقامة الدولة الفلسطينية في هذه المناطق – الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمة هذه الدولة القدس الشرقية، وحق اللاجئين في العودة .

من ثمار نضالاته  أنه أنشأ معهدا  للأبحاث السياسية والاجتماعية في حيفا، سمي على اسمه، كما أصدر عدة كتب منها الأعمال الكاملة وعددها 14 مؤلفا، ومؤلفه مسيرة الشعوب العربية الحديث، الذي سجل تاريخ مسيرة الشعوب العربية منذ بدء الاحتلال العثماني للأقطار العربية والنضالات ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي، وبالإضافة إلى هذا الرصيد الفكري،  خصص إميل توما مؤلفات خاصة حول القضية الفلسطينية، من بينها  "جذور القضية الفلسطينية"، " 60 عاما على الحركة القومية العربية الفلسطينية"، "منظمة التحرير الفلسطينية"، "الحركة القومية العربية والقضية الفلسطينية"، أرخ فيها إميل نضال الشعب العربي الفلسطيني منذ بداية الانتداب البريطاني في فلسطين، وظل إميل على هذا المبدأ يناضل قلبا وفكرا إلى غاية وفاته عام 1985 ، وقبل وفاته رسالة قال فيها: " لقد أحببت شعبي حبا ملك علي مشاعري وآمنت بأخوّة الشعوب إيمانا عميقا لا تحفّظ فيه".

 

قراءة علجية عيش بتصرف

 

ضياء نافع: اطاريح الماجستير التي أشرفت عليها

diaa nafieابتدأت دراسة الماجستير في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد عام 1992 . لقد فاتحتنا جامعة بغداد مرة في اواسط الثمانينات حول ذلك، ولكن اللجنة العلمية في القسم لم توافق على المقترح، واقترحنا نحن بدورنا تحقيق هذه الدراسة بالتعاون مع احدى الجامعات الروسية، حيث يدرس طالب الماجستير سنة في قسمنا وسنة في تلك الجامعة الروسية، وان يكون  للطالب هذا مشرفان (عراقي وروسي) يتعاونان معا، وان يتم انجاز الاطروحة بالروسية وتتم مناقشتها من قبل لجنة عراقية – روسية مشتركة في بغداد . لم توافق الجامعة والوزارة على مقترحنا في حينها واغلق الموضوع . اما في عام 1992 فقد صدر امر بافتتاح دراسة الماجستير دون مفاتحة الاقسام العلمية في الجامعات (بعد حرب الكويت وبداية الحصار على العراق)، وقد جاء هذا الامر من أعلى السلطة العراقية آنذاك وبعد اجتماعات كان يعرضها تلفزيون بغداد برئاسة رئيس الجمهورية ومجموعة من الوزراء !!!

عندما استلمنا هذا الامر الاداري وبدأنا بتنفيذه، انقسمت الآراء في اللجنة العلمية الى قسمين. القسم الاول يؤيد كتابة الاطاريح حول مواضيع ترتبط بالاختصاص البحت (اي اللغة الروسية وآدابها)، ويؤيد القسم الثاني كتابة الاطاريح المرتبطة بعلوم اللغات والآداب المقارنة والترجمة . كنت انا ضمن القسم الثاني من تلك الآراء والمتحمسين لها ولعلميتها، ولا مجال هنا لعرض تفاصيل النقاشات التي جرت عندئذ في اللجنة العلمية، وربما تسنح الفرصة يوما لنشر تلك التفاصيل . 

لقد أشرفت خلال مدة عملي في قسم اللغة الروسية على العديد من اطاريح الماجستير، وكانت كلها ترتبط بالادب الروسي مع واقعنا، وكيف كان يتقبله المجتمع العراقي خصوصا والعربي عموما، وما الذي تم انجازه في حياتنا الفكرية بشأن هذا الادب، والمشاكل المرتبطة بذلك ...الخ.

الاطروحة الاولى التي بدأت  بها مسيرتي العلمية آنذاك كانت بعنوان – (مسرح تشيخوف في العراق)، والتي انجزها طالب الماجستير خلف الموسوي (وهو الان احد تدريسي القسم بدرجة استاذ)، وقد أشرت في مقالتي – (تشيخوف في العراق) الى ان وفد جامعة بغداد اهدى نسخة منها الى جامعة موسكو اثناء احدى زياراته الرسمية، وكيف تقبلها الجانب الروسي بترحاب، واسماها – (هدية كبيرة).

الاطروحة الثانية كانت بعنوان – (تشيخوف في النقد الادبي العربي)، والتي انجزتها طالبة الماجستير هديل اسماعيل خليل (وهي الان احدى تدريسيات القسم بدرجة ا .م. د. بعد ان حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة بطرسبورغ الروسية) .

الاطروحة الثالثة كانت بعنوان – (قصص تشيخوف المبكرة في الترجمات العربية)، والتي انجزها طالب الماجستر تحسين رزاق عزيز (وهو الان احد تدريسي القسم بدرجة ا.م. د. بعد ان حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة فارونش الروسية، ويعد الان واحدا من المترجمين العراقيين البارزين عن اللغة الروسية).

الاطروحة الرابعة كانت بعنوان – (المصطلحات الادبية في المعجمات الروسية – العربية والعربية الروسية)، والتي انجزتها طالبة الماجستير نهلة جواد هادي (وهي الان احدى تدريسيات القسم بدرجة ا.م. د. بعد ان حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة فارونش).

الاطروحة الخامسة كانت بعنوان – (دراسة تحليلية لبيبلوغرافيا الادب الروسي في المجلات العراقية)، والتي انجزها طالب الماجستير أثير زهير توفيق (ولا اعرف الان مصيره مع الاسف الشديد).

الاطروحة السادسة كانت بعنوان – (حكايات تولستوي في الترجمات العربية –  ترجمة كاظم سعد الدين نموذجا)، والتي انجزتها طالبة الماجستير نعيمة ابراهيم محمد (ولا اعرف الان مصيرها مع الاسف الشديد).

الاطروحة السابعة كانت بعنوان – (الادب الروسي في مجلة الاقلام العراقية – دراسة تحليلية)، وقد انجزها طالب الماجستير هاشم صاحب الموسوي (وهو الان احد العاملين العراقيين البارزين في تلفزيون روسيا اليوم في موسكو).

الاطروحة الثامنة كانت بعنوان – (ترجمة شعر بوشكين في العراق – ترجمة أ.د. جميل نصيف التكريتي نموذجا)، وقد انجزتها طالبة الماجستير غادة طارق العاني (وهي الان احدى تدريسيات القسم بدرجة ا.م. د. بعد حصولها على شهادة الدكتوراه من الجامعة التربوية في مدينة فارونش).

الاطروحة التاسعة كانت بعنوان – (تدريس اللغة الروسية وآدابها في العراق . المشاكل والآفاق .)، وقد انجزها طالب الماجستير ياسين حمزة عباس (وهو الان احد تدريسي القسم بدرجة أ. م. د. بعد حصوله على شهادة الدكتوراه من جامعة بطرسبورغ)

الاطروحة العاشرة كانت بعنوان -  (غوغول في العراق من السبعينات وحتى وقتنا الحاضر)، وقد انجزها طالب الماجستير منذر ملا كاظم (وهو الان احد تدريسي القسم بدرجة أ.م. د. بعد حصوله على شهادة الدكتوراه من جامعة فارونش).

لقد اعتمدت  في مقالتي هذه على كتاب – (دليل الدراسات العليا) الذي اعدته الدكتورة أحلام حنش كاطع مديرة شعبة الدراسات العليا في كلية اللغات، والصادر عن مجلة كلية اللغات عام 2001 / 2002 ، ولكني لم أجد فيه الاطروحة التي انجزتها  طالبة الماجستير ابتسام احمد حمزة بعنوان – (الادب الروسي في مجلة الثقافة الاجنبية  العراقية)، وهي الان احدى تدريسيات القسم وطالبة دكتوراه في احدى الجامعات الروسية، وكذلك لم أجد في هذا الدليل الاطروحة التي انجزها طالب الماجستير ميثاق محمد وكانت  حول ترجمة عبد الله حبه لمسرحيات استروفسكي، وهو الان احد تدريسي القسم بدرجة أ .م. د. بعد حصوله على شهادة الدكتوراه من جامعة فارونش، ولم اجد ايضا اطروحة طالبة الماجستير آيات يوسف حول ترجمة رواية تورغينيف (الاباء والبنون) في العراق، وهي الان م.د. في القسم بعد حصولها على شهادة الدكتوراه من الجامعة التربوية في موسكو . واظن ان سبب ذلك كله هو ان الدليل قد تم طبعه قبل اكمال المناقشات اللازمة لتلك الاطاريح ليس الا .

واختتم هذه السطور بالاشارة الى اني لم استطع اكمال المشوار مع احدى طالبات الماجستير التي اخترت لها اطروحة بعنوان – (كتب عراقية حول الادب الروسي)، وعملت معها فترة من الزمن، وذلك نتيجة لظروف عملي آنذاك و سفري و تفرغي العلمي في روسيا، وقد أكمل الاشراف أحد زملائي التدريسيين في القسم .

اتمنى ان يحاول كل هؤلاء نشر اطاريحهم باللغة العربية، اذ انها لازالت تمتلك اهميتها لتدوين الحركة الفكرية في العراق والعالم العربي حول الادب الروسي بالنسبة للقراء العراقيين والعرب عموما، وبالنسبة للباحثين الروس ايضا الذين لا يعرفون – مع الاسف الشديد - مستوى الدراسات العراقية والعربية للادب الروسي وما استطاع باحثونا ومترجمونا ان يحققوه في هذا المجال .

 

أ.د. ضياء نافع

 

علجية عيش: شيرلي شيزوم: مسيرة نضالية لامرأة سوداء واجهت الكونغرس الأمريكي للقضاءعلى الرقّ

eljya ayshألفت كتابا بعنوان: لا أُبَــاعُ ولا أشـْتـَرَى ...

هي قصة امرأة سوداء تنتخب عضوا بالكونجرس، تتحدث بصراحة عن حياتها وعن النظام السياسي في أمريكا، وقد علمتها التجربة دروسا زادت قيمتها يوما بعد يوم، رغم العراقيل التي واجهتها في إيجاد عمل لاعتزازها بنفسها، خاصة وأن التنظيمات ترى أن صاحب النفوذ، يكون في موقع القوة، والتي كانت تقول إحدى قواعده " إذا أثار أحد المتاعب واستطعت أن تتخلص منه فلا تتردد، أو لن تنال رضاهم إلا مقابل أغلى ما يمتلكه الإنسان"، إنها شيرلي شيزوم التي روت مسيرتها النضالية في كتاب بعنوان: " لا أباع ولا أشترى " يحتوي على 214  صفحة، ترجمة محمد حقي، طبع بدار المعرفة القاهرة عام 1976  بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين

وهي تدخل عالم السياسة اكتشفت شيرلي المناورات التي يقوم بها السياسيون وما كانوا يضمرونه، وكيف كانت تعقد الصفقات السياسية، وامتصت كثيرا من آرائه النافذة، حول الطريقة التي يعمل بها النظام السياسي، وكيف يستبقي البعض خارج النظام ويسمح للبعض بالدخول فيه، فشعرت أنها من حقها أن ترشح نفسها، وذلك ما تعنيه الديمقراطية الحقة، وهنا وقف ماك ضدها، ظنا منه أنها تحاول أن تدفع به إلى الخارج،ذلك بكتابة منشورات مطبوعة مليئة بالدعاية له، ومن هنا بدأ الاغتيال الشخصي. .، بقيت شيرلي تمارس نشاطها السياسي وكونت عام 1959 نادي الوحدة والديمقراطية، وكان عامها هذا، عام التمرد المتصاعد في دعوتها إلى الإصـلاح والتكـامل العنصـري،  أصبحت شيرلي شيزوم مرشحة لعضوية مجلس الولاية وكان عام 1964 أول عام بالنسبة للمترشحين السود في ولاية نيفي شن حملتها الانتخابية الأخرى، حيث قوبلت بالعداء بسبب جنسها، تقول شيرلي: " لم يكن أحد يعيرني اهتماما، كنت امرأة، حديثة العهد، وكانوا يتوقعون مني أن أقبل القواعد، وأتبع التقاليد التي فرضوها، وظنوا أنني سأدعمهم، وهكذا كانوا لا يكفون عن تغيير حدود الدائرة،مما جعلها في شك دائم، حتى يصدونها عن هدفها المنشود، لأنه هناك طرقا عديدة، يملكها الذين بأيديهم السلطة، للسيطرة على هؤلاء الذين يخالفونها، تقول شيرلي: " درس تعلمته هو أنك، إذا قررت أن تعمل بوحي ضميرك، وليس على أساس منفعتك السياسية، فلا بد أن تكون على استعداد لتحمل التبعات، فليس هناك متسع من الساحة السياسية، لشخص مستقل مبدع، أي لمناضل نزيه، والذي يرضى بهذا الدور، لابد أن يدفع الثمن..

 

امرأة تواجه نظاما سياسيا عفنا

تواصل شيرلي شيزوم مسيرتها في المجال السياسي ولم تتخلى عن أملها في تمثيل الديمقراطية،وكيف تم انتخابها في عضوية الكونجرس أي البرلمان، إذ تقول: تمزقت أصوات السود،بتقسيم مدينة بروكلين أين تجمدت فيها فعالية الناخبين السود، وأعلن جهاز الحزب أنه لم ينتقل في الدائرة السوداء، وسوف يترك اختيار المرشح للشعب، يقرره بنفسه، في تلك الآونة تكونت شيرلي في إدارة اللجنة للمواطنين، ودعت هذه الأخيرة كثيرا من المرشحين المحتملين لمساءلتهم، كانت شيرلي المرأة الوحيدة بينهم، وقررت اللجنة في الأخير تأييدها، فقد كانت شيرلي المرشح الوحيد الذي ناقشهم، واختلف معهم حول بعض الأمور، التي قالوا إنهم يتوقعون من المرشح المعين تحقيقها، وما إن انتشر النبأ، حتى بدأ السياسيون يتذمرون بقولهم : "إذا لم يكن قد استطعنا أن نسيطر عليها في الباني فكيف نستطيع ذلك في واشنطن"، واستطاعت شيرلي أن تثبت لجهاز الحزب، أن امرأة صغيرة سوداء قادرة على هزيمتهم، لم يكن لديها المال الكافي لحملة انتخابية لمقعد الكونجرس، ولكنها عقدت العزم،على أن تثبت لهم بأنه بإمكان أي شخص على قدر من اللياقة والروح النضالية، أن يتغلب على النظام القائم بضربه بنفس أسلحته.

كانت شيرلي ترقب النظام السياسي العفن، الذي يقف في وجه التغيير، لأن القائمين عليه ملتزمون بالوقوف ضد التغيير، وتغيير النظام لمنفعة الناس بصورة أكبر، معناه أنهم لن يكونوا بعد الآن صانعي الملوك، والمتحكمين في عجلة القيادة، هؤلاء الذين وضعوا أنفسهم في المقدمة كزعماء وحراس للشعب، وهذا هو الخداع الذي يجب أن نحاربه، وهكذا سلكت شيرلي الطريق الصعب في إدارة حملتها الانتخابية، في مناطق البناءات السكنية، في المنتزهات العامة، وكتبت شيرلي شعارا، عبرت فيه عن موقفها الكلي: شيرلي شيزوم المناضلة "لا أباع ولا أشترى"، وكانت أيام آخر الأسبوع من أثمن الأوقات، كما كانت شيرلي في هذه الفترة الحرجة قد أصيبت فجأة، وبلا مقدمات بمرض شديد، ورم لكنه ليس من النوع الخبيث، ودخلت المستشفى وأجرت العملية، في هذه الفترة كان غريمها فارمر،  وهو مرشح الانتخابات قد بدأ يتساءل عن غيابها، اصطحبت شيرلي ثلاث رجال معها وقالت لأضخم الرجال حجما، عليك أن تتقدمني في النزول، فإذا وقعتُ  سأقع عليك، وباستطاعة الرجلين الآخرين أن يمسكا بي، وخرجت وفي مكبر الصوت قالت : "سيداتي سادتي هذه شيرلي شيزوم المناضلة إنني ما زلت كما أنا وفي كل مكان برغم ما يقول به الناس عني" ،  لم تشعر شيرلي بأية آلام أو مضاعفات من جراء العملية واستمرت شيرلي حملتها الانتخابية ودعمها الأهالي بالمال،و كذا صديقها وأستاذها "ماك" خاصة حين اكتشف أن فارمر غريمها يستغلون جنسها كأنثى، في الدعاية ضدها..

 

شيرلي تترأس لجنة العمال والتعليم في الكونغرس

اشتركت شيرلي في مناظرات مع غريمها فارمر المرشح للانتخابات وحصلت على 34885  صوتا مقابل 13777  صوتا حصل عليها هو، وانتهت الحملة الانتخابية التي استغرقت عشرة أشهر بعملية جراحية كبرى، وتضيف شيرلي، أن أول حدث كبير يمر به عضو الكونجرس في منصبه عندما يعين بإحدى اللجان المنبثقة عن الكونجرس، أن يختار اللجنة التي يفضلها ويود العمل فيها، وكان اختيار شيرلي، لجنة العمال والتعليم باعتبارها معلمة من جهة، وعملت في تشريع التعليم بمجلس ولاية نيويورك من ناحية أخرى، ولكن اللجنة عقدت اجتماعها خلف أبواب مغلقة، وتم تعيينها في لجنة الزراعة، دون أن يعلموا أنها نشأت في مزرعة، واتصلت شيرلي بماك كورمان رئيس المجلس، واعترضت عن القرار، فقال لها الرئيس:  "هكذا تسير الأمور … ولابد أن تكوني جنديا مطيعا"، وأكد لها أنها بعد سنوات قليلة كجندي مطيع سوف تكافئ على ذلك، كان الكثير من رجال الكونجرس ليسوا سادة أنفسهم ويكفي أن يراقب المرء كل واحد منهم قليلا ليرى مصدر النغمة التي يرقص عليها، وهذه هي السياسة.

وحول نظرتها للكونجرس تقول شيرلي كان يواجه العضو الجديد كثير من خيبة الأمل لأن أفكاره عن القوانين التي سجلت مشكلات البلاد مهما تكن رؤيته لهذه المشكلات محكوم عليها بالفشل لأنه مبتدئ في مجموعة ضخمة . وقد وقفت شيرلي في البداية بعيدة عن الزحام خاصة تلك الدعوات والحفلات لأنها لا تلائم طبيعتها الأنثوية، كونها دقيقة في اختيار من ترغب في صحبتهم فعندما تصطدم الأخلاقيات بالمكاسب فإن المكاسب نادرا ما تكون هي الخاسرة ورأت شيرلي بوضوح كيف تعمل العنصرية عملها في الكونجرس. إن المرأة عندما تدخل ميدان السياسة سوف تجد الرجال يعاملونها كناضر مدرسة يعامل تلميذة مستجدة، ينظرون إليها كشخص يبحث عن اللهو، وهكذا جاء شعار شيرلي:" لا أباع ولا أشترى " وهو شعار يجعلنا نبحث عن مثل هؤلاء الزعماء أمثال شيرلي في حياتنا اليومية وسط مجتمع يعطي للمرأة قدرها ويجعلها مجرد أداة بين يديه، أو لعبة يتسلى بها.

 

قراءة/ علجية عيش

 

ﻣﻦ ﻋﻠﻤﺎﺋﻨﺎ ﺍﻟﻤﻨﺴﻴﻴﻦ ﯾﻮﺳﻒ ﻫﻮﺯﺍﻳﺎ

tawfeq alnassariﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻄﻮﺭ ﺣﺎﻭﻟﺖ ﺍﻥ ﺍﻧﻔﺦ ﻏﺒﺎﺭ ﺍﻟﻨﺴﻴﺎﻥ ﻋﻦ ﺍﺣﺪ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﺘﺮﺟﻢ ﻭﺍﻟﻠﻐﻮﻱ ﻳﻮﺳﻒ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯﻱ ﺍﻟﻤﺘﻮﻓﯽ ﺳﻨﺔ 580 ﻟﻠﻤﻴﻼﺩ .

ﻟﻢ ﻧﮑﻦ ﻧﺴﻤﻊ ﺑﻪ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻭﻗﺪ ﺧﻠﺖ ﺍﻟﮑﺘﺐ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻭﺍﻟﻔﺎﺭﺳﻴﺔ ﻣﻦ ﺫﮐﺮﻩ ﻟﮑﻦ ﺑﻘﯽ ﺍﺳﻤﻪ ﻣﺤﻔﻮﻇﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺆﻟﻔﺎﺕ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﺍﻵﺭﺍﻣﻴﺔ ﻭﻟﻮﻻ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﮑﺘﺐ ﻟﮑﺎﻥ ﻣﻤﻦ ﻃﻮﺗﻬﻢ ﺍﻭﺭﺍﻕ ﺍﻟﻨﺴﻴﺎﻥ ﻭﻣﻤﻦ ﻋﻔﯽ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ .

ﻛﺎﻥ ﻳﻮﺳﻒ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯﻱ ﻣﺪﺭّﺳﺎً ﺑﺠﺎﻣﻌﺔ ﻧﺼﻴﺒﻴﻦ ﻭﻫﻲ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﮐﺎﻥ ﻳُﺪﺭَّﺱ ﺑﻬﺎ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﻤﻘﺪﺱ ﻭﺍﻟﻄﺐ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻭﺍﻟﻼﻫﻮﺕ ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﺍﻵﺭﺍﻣﻴﺔ .

ﻭﺗﻌﺘﺒﺮ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﻣﻦ ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ . ﺗﻘﻊ ﺑﻠﺪﺓ ﻧﺼﻴﺒﻴﻦ ﺣﺎﻟﻴﺎ ﻓﻲ ﺟﻨﻮﺏ ﺷﺮﻗﻲ ﺗﺮﻛﻴﺎ .

ﻛﺎﻥ ﻳﻮﺳﻒ ﻣﺪﺭﺳﺎً ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯ ﻭ ﻛﺎﻥ ﺧﺒﻴﺮﺍ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﻭﺍﻟﻨﺤﻮ ﻭﺍﻟﺘﺮﺟﻤﺔ ﻭأﻗﺪﻡ ﻣﻦ ﻳﺬﻛﺮ ﻣﻤﻦ ﺃﻟﻒ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﺸﺘﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻵﺭﺍﻣﻴﺔ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ .

ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺎًُ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻲ ﻗﺎﻡ ﻋﻠﻲ ﺃﺳﺎﺱ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ. ﻓﺘﺮﺟﻢ ﻳﻮﺳﻒ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﺃﺷﻬﺮ ﻛﺘﺎﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ ﻭﻫﻮ ﻛﺘﺎﺏ "ﺍﻟﺼﻨﺎﻋﺔ ﺍﻟﻨﺤﻮﻳﺔ" ﻟﺪﻳﻮﻧﻴﺴﻴﻮﺱ ﺛﺮﺍﻛﺲ ﺃﺷﻬﺮ ﻧﺤﺎﺓ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﺍﻹﺳﻜﻨﺪﺭﻳﺔ. ‏(ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻨﺤﻮﻱ - ﺩ . ﻣﺤﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻣﺤﺴَّﺐ‏) .

ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻮﺍﺿﺢ ﺃﻥ ﺗﺮﺟﻤﺔ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯﻱ ﻟﻜﺘﺎﺏ ﺩﻳﻮﻧﻴﺴﻴﻮﺱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻐﺮﺽ ﻣﻨﻬﺎ ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﻨﺺ ﻓﻰ ﻣﺘﻨﺎﻭﻝ ﺍﻟﻘﺮﺍﺀ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﺗﺘﻮﻓﺮ ﻟﺪﻳﻬﻢ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻜﺎﻓﻴﺔ ﺑﺎﻟﺨﻠﻔﻴﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻰ ﺃﺳﺘﻨﺪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺩﻳﻮﻧﻴﺴﻴﻮﺱ، ﺑﺎﻷﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﺳﺘﻔﺎﺩﺓ ﻣﻦ ﻭﺿﻊ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﻟﻠﻨﺤﻮ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻲ، ﻭﻫﻮ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻥ ﻓﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻓﻰ ﺃﻣﺲ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻴﻪ.

ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺼﺎﺩﺭ ﺍﻟﺘﻰ ﺗﺼﻒ ﻳﻮﺳﻒ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯﻱ ﺑﺄﻧﻪ ﻭﺿﻊ ﺃﻗﺪﻡ ﻣﺆﻟﻒ ﻓﻰ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻲ ﻭﻟﻢ ﺗﺸﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻪ ﻣﻨﻘﻮﻝ ﺃﻭ ﻣﻘﺘﺒﺲ ﻣﻦ ﻧﺺ ﻳﻮﻧﺎﻧﻲ . ﻭﻗﺪ ﺍﻧﺘﻔﻊ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺘﺮﺟﻤﺔ ﻛﺘﺒﺔ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻩ ‏(ﺃﻗﺴﺎﻡ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻲ ﺩ. ﺍﺣﻤﺪ ﺍﻟﺠﻤﻞ) ﻭﺃﺷﺎﺭﺕ ﺍﻟﺪﮐﺘﻮﺭﺓ ﺯﺍﮐﻴﺔ ﺭﺷﺪﻱ ﻓﻲ ﮐﺘﺎﺑﻬﺎ ‏« ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﻧﺤﻮﻫﺎ ﻭﺻﺮﻓﻬﺎ‏» : ﻭﻳﻌﺘﺒﺮ ﻳﻮﺳﻒ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯﻱ ﺃﺳﺘﺎﺫ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻧﺼﻴﺒﻴﻦ ‏(ﺍﻟﻤﺘﻮﻓﻲ 580 ﻡ) ﺻﺎﺣﺐ ﺃﻗﺪﻡ ﻣﺆﻟﻒ ﺳﺮﻳﺎﻧﻲ ﻋُﺮﻑ ﻓﻰ ﺍﻟﻨﺤﻮ .

ﻭ ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺔ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﺍﻷﻧﺒﺎﺭ ﻟﻠﻌﻠﻮﻡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺪﺩ ﺍﻷﻭﻝ ‏(ﺍﺫﺍﺭ – 2010): ﻭﻻ ﻳﻐﺮﺏ ﻋﻦ ﺑﺎﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻣﺎﺭ ﺍﺣﻮﺩﺍﻣﺔ ﻭﻳﻮﺳﻒ ﺍﻻﻫﻮﺍﺯﻱ ﻭﻋﻨﺎﻥ ﻳﺸﻮﻉ ﻗﺪ ﻛﺘﺒﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺮﻫﺎﻭﻱ ﻭﻟﻜﻦ ﻛﺘﺒﻬﻢ ﻫﺬﻩ ﺿﺎﻋﺖ ﻭﻟﻢ ﻳﺒﻘﻰ ﻣﻨﻬﺎ ﺷﻴﺌﺎ .

ﻭ ﺻﺮّﺡ ﻏﺮﻳﻐﻮﺭﻳﻮﺱ ﻳﻮﺣﻨﺎ ﺍﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻓﻲ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﮐﺘﺎﺏ ﺍﻟﻠﻤﻌﺔ ﺍﻟﺸﻬﻴﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﺭﺍﺟﻊ ﺍﻟﻄﺒﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ: ‏« ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﻬﻤﻨﺎ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﻣﻦ ﺃﻫﺘﻢ ﺑﺄﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﻭﺿﺒﻄﻬﺎ، ﺃﻥ ﻧﺮﻯ ﻳﻮﺳﻒ ﻫﻮﺯﺍﻳﺎ ﺃﻭ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻮﻓﻲ ﺳﻨﺔ ‏(580 ﻡ‏) ﻭﺃﺻﻠّﻪ ﻣﻦ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯ، ﻳﺄﺗﻲ ﻓﻲ ﻣﻘﺪﻣﺘﻬﻢ ﻭﻫﻮ ﺻﺎﺣﺐ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﺍﻵﺭﺍﻣﻲ ﺑﻌﻨﻮﺍﻥ: ﻣﻘﺎﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﻟﺮﺑﺎﻥ ﻳﻮﺳﻒ ﻫﻮﺯﺍﻳﺎ ﺍﻟﻘﺪﻳﺲ ﺍﻟﻤُﻘﺮﻯ ﻓﻲ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﺭﺑﺎﻥ ﻧﺮﺳﺎﻱ، ﻭﻳﻘﺎﻝ ﺃﻧﻪ ﻧﻘﻞ ﻛﺘﺎﺏ Teqne ، ﻟﺪﻳﻮﻧﻴﺴﻴﻮﺱ ﺍﻟﺘﺮﺍﻗﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ، ﻭﻳﻜﺘﺐ ﺍﻟﻌﻼّﻣﺔ ﻣﺎﺭ ﻏﺮﻳﻐﻮﺭﻳﻮﺱ ﻳﻮﺣﻨﺎ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﻌﺒﺮﻱ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺨﻪ ﺍﻟﻜﻨﺴﻲ ﺃﻥ ﻳﻮﺳﻒ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯﻱ ﺧﻠﻒ ﺍﻟﻤﻠﻔﺎﻥ ﻧﺮﺳﺎﻱ ﻓﻲ ﻧﺼﻴﺒﻴﻦ، ﻭﻏﻴّﺮ ﺍﻟﻘﺮﺍﺀﺓ ﺍﻟﺮﻫﺎﻭﻳﺔ ﺑﺎﻟﻘﺮﺍﺀﺓ ﺍﻟﺸﺮﻗﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﺒﻌﻬﺎ ﺍﻟﻨﺴﺎﻃﺮﺓ ‏» .

ﻭ ﺑﻴّﻦ ﺍﻟﺪﮐﺘﻮﺭ ﺳﺎﻣﻲ ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻷﺣﻤﺪ ﻓﻲ ﮐﺘﺎﺑﻪ ‏« ﺍﻟﻤﺪﺧﻞ ﺍﻟﻰ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﺍﻟﺠﺰﺭﻳﺔ ‏» : ﺍﻥ ﺃﻭﻝ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﻟﻨﻘﻂ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﺗﻨﺴﺐ ﺍﻟﻰ ﻳﻮﺳﻒ ﺍﻻﻫﻮﺍﺯﻱ ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻧﻘﺎﻃﺎً ﺗﻤﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺸﺎﺑﻬﺔ ﺧﻄﺎً ﻭﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﻣﻌﻨﻰ .

ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺴﻴّﺪ ﺍﻗﻠﻴﻤﻴﺲ ﻳﻮﺳﻒ ﺩﺍﻭﺩ ﺍﻟﻤﻮﺻﻠﻲ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ‏« ﺍﻟﻠﻤﻌﻪ ﺍﻟﺸﻬﻴﺔ ﻓﻲ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ » ﺍﻟﺬﻱ ﻃﺒﻊ ﻋﺎﻡ 1879 ﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺻﻞ: ‏«ﻭﻟﻜﻦ ﻣﻤﺎ ﻳﻮﺟﺐ ﺍﻟﻌﺠﺐ ﺍﻧﻪ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺪﺓ ﻛﻠﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻻﺣﻘﺎﺏ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻧﻌﻬﺪ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻥ ﻛﺘﺐ ﻧﺤﻮﻳﺔ ﺍﻭ ﻟﻐﻮﻳﺔ ﻟﻀﺒﻂ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻜﻼﻡ . ﻓﻜﺎﻥ ﺍﻟﻄﻼﺏ ﻳﺘﻌﻠﻤﻮﻥ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻭﻳﺤﻜﻤﻮﻧﻬﺎ ﺑﺎﻟﻨﻘﻞ ﻭﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪ ﻭﺍﻟﻤﻄﺎﻟﻌﺔ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ . ﻭﻟﻢ ﻳﻈﻬﺮ ﻛﺘﺎﺏ ﻟﻀﺒﻂ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺍﺗﺼﻞ ﺑﻨﺎ ﺇﻻ ﺑﻌﺪ ﺯﻣﺎﻥ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ ‏(ﻉ‏) ﺑﻘﺮﻭﻥ . ﻭﺫﻟﻚ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺸﺮﻗﻴﻴﻦ ﺍﻭﻻ .

ﻭﺍﻗﺪﻡ ﻣﻦ ﻳﺬﻛﺮ ﻣﻤﻦ ﺃﻟﻒّ ﺷﻴﺌﺎ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻛﺎﻥ ﻳﻮﺳﻒ ﺍﻻﻫﻮﺍﺯﻱ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﺑﺎﻟﺤﺰّﺍﻱ ﺍﻱ ﺍﻟﺮﺍﺋﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺷﺘﻬﺮ ﺑﺎﻟﺘﺪﺭﻳﺲ ﻓﻲ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻧﺼﻴﺒﻴﻦ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ ﻭﺗﻮﻓﻲ 580 ﻟﻠﻤﻴﻼﺩ ‏» .

ﻭﺍﺧﻴﺮﺍً ﻧﺸﺮﺕ ﺍﻟﺪﻛﺘﻮﺭﺓ ﻣﺎﺟﺪﺓ ﻣﺤﻤﺪ ﺃﻧﻮﺭ ﻋﺎﻡ2001 ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮﺍﻥ: ﻓﻦ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺴﺮﻳﺎﻧﻴﺔ: ﺗﺮﺟﻤﺔ ﻭﺩﺭﺍﺳﺔ ﻟﻜﺘﺎﺑﻲ ﺩﻳﻮﻧﻴﺴﻴﻮﺱ ﺛﺮﺍﻛﺲ ﻭﻳﻮﺳﻒ ﺍﻷﻫﻮﺍﺯﻱ .

 

توفيق النصّاري

 

الحقيقة لا تغطى بغربال

yousif jazrawiفي مطلع حياتي الأدبيّة وتحديدًا عام 2000 أرسل في طلبي أحد اساتذتي الراحلين، وهو كاهن تقي، للذهاب معه إلى شارع المتنبي كالعادة، وفي الطريق اسدى لي نصيحة مجانية مفادها: "أنت الآن دخلت وسطًا لا تفقه خفاياه ولا تدرك محنه جيدًا، لأنك في مقتبل العمر، ولكن أعلم يا بُني أنَّ الدخول في رحاب هذا الوسط اشبه بتسلق الجبل، كلّما تقدمت  خطوة نحو القمة كلّما أتتكَ ركلّة  لغرض اعادتك إلى الوراء عدة خطوات".  وأردف: "كما أنَّ ذكاءَ المرء محسوب عليه، فإنَّ تألق الأديب أو أيّ مبدع  في شتى المجالات يكون خصمًا له. وفي تاريخنا العربي على مرّ العصور أيقنا دائمًا: ويل لمن تطول قامته أكثر من اللازم!، كما اختبرنا في محيطنا الشرقي كلّما كثرت الأضواء على شخص ما، كلّما كثرت حاجته لسيارات الأسعاف!".

وفي إحدى المكتبات الرائدة قصّ عليَّ هذه القصّة التي تشرح ما جاء في النصيحة، وهنا الكلام له:

"كنتُ قد تعرفتُ على هاوية للرسم، اتتني متوسّلة كي  اضع احد رسوماتها  غلافًا لكتابٍ لي، واصرت على اخذ موافقتي للمشاركة بهذه اللوحة في معرضٍ، وقالت لي بالحرف الواحد:" هذه الصورة ستؤلب عليك الحاسدين وأوّلهم أخي وفلان..، لأنني اعرفهم قبلك، ولم ارسم لهم صورة".

خذلتني طيبتي وروحانيتي،وقلتُ في سرّي: لندعمها من اجل ادبنا وفننا في المجتمع العراقي، سيّما وهي قضت سنوات طوالاً محكومة بالعزلة،  بسبب امراضها العقليّة وعُقدها النفسيّة؛ بحيث نفر منها الأخ قبل الصديق، والقريب قبل الغريب.

وإذا بها مع الأيام تظهر  كالحشرة الزاحفة التي رأت نفسها بالمرآة المحدبة فراشة فاتنة، فعرفتُ أنها تتقمص شخصيّة المبدعة وتلبس لباسها.

تاريخها ملغوم بالمغالطات؛ شقيقها  لا يطيق سماع اسمها،وأختها تقرف منها، أما أولادها فكانوا يتنقلون هنا وهناك في بيوت الله للعثور على بنت حلال ترضى بعنجهيات  السيّدة المتصابية، التي إن لم تجد احدًا تخاصمه، تراها تتناحر مع نفسها!.

هي حرف نكرة لا محل له من الاعراب في الوسط الثقافي ، وجملة ناقصة في عالم الفن والأدب.

وأكمل الكاهن الورع قصّته:

"جاءتني زاحفة لتتسلق على قلمي،لتسير بفيء اسمي، فعرفتها من خلال انطباعات الآخرين ومحادثاتها معي انها في مستوى يستحق الشفقة: فمرّة تحدثني لتثرثر على هذا وذاك طاعنة بشرف فلانة، ومرّة أخرى تقلل من ابداع فلان وفلانة، حتّى اصدقاؤها لم تتنوانَ من نتف ريشهم بمنشار النميمة. فكنتُ اصدها لانني لا أطيق الثرثرة واصحابها، ولأنها تنبع من فراغ.

وتارة أخرى كانت تهاتفني لتطلب تكريمًا لنفسها بعد أن ندبت حياتها بالبكاء. أو مشاركة في فعالية ما  أو تشحذ كلمة تثرثر بها على مسامع الآخرين في الإحتفالات الأدبيّة والندوات الفكريّة التي اقيمها، مُدعية إنها الشّاعرة الوحيدة الحقيقية، وذلك ارضاءً لغرورها، في محاولة لتوهم الآخرين انها مبدعة ذات قيمة مرموقة! وهذه الواقعة يشهد لها بعض اصدقائي المقربين العاملين معي في حقل الثقافة. كلّ تلك الأمور اثارت حفيظتي، خاصّة وأن من طالتهم بسهام حقدها، كانت تحبو خلفهم لتلتقط  معهم الصور، وكأنها كما نقول في أمثالنا العراقية: ( حمص بالجدر ينبص).

وساخة قلبها لا تخفى على لبيبٍ .. بلغت من العمر عتيًا و دماغها  يخلو من عقلٍ راجحٍ، للأسف تفتقر لدماثة الخلق، وينتابها النقص والغيرة من الجميلات والمبدعين.

تجر خلفها عجوزًا إبتلى بها، يلتقط لها صورًا، تتوسل الاخرين ليلتقطوا معها الصور التذكاريّة لتنشرها،  فتوهم الملأ بأهميتها الفنية وثقلها الإجتماعي!!.

وصفت زوجها بالفيلسوف الكبير، فقلت لها: ماذا عن افلاطون وسقراط وارسطو وديفيد هيوم  وجان باول سارتر، وهيكل. فكان صمتها ابلغ هروب.

ادعت العالمية وهي هاوية، فقلت:  وماذا عن رامبرانت وفان غوغ وسلفادور دالي ويريجيت لويز رايلي! فنكست راسها.

عرفتها تطلب التكريم بلسانها، تجري خلف الجوائز، تلهث وراء مانحيها. إذ في تكريمٍ ما نابت السيّدة المعنية عن إحدى المكرمات، فتزينت بقلادة الإبداع وطالبت بالاحتفاظ بها لنفسها، وهذا يُنافي قوانين الجائزة!. علمًا انها حاصلة على نفس الجائزة منذ سنوات خلت.

تدعي  المهارة في  الفن  والأدب، وتنسب لنفسها التعليم للمتاجرة والمفاخرة، تعاني من عُقدة الدونية، تقلل من قيمة الآخرين، لتعلي من شأنها.

وأذكر ذات يوم رنّ هاتف البيت وإذا بالمتصل هي  ذاتها، تجاهلت اتصالها كالعادة، لأنها تستجدي الحديث  5 دقائق وثمّ تسترسل بالثرثرة ساعات، ولا تمل من تكرار الكلام الباهت. وأخيرًا استسلمت لإلحاحها  المقرف، وإذا بها تحدثني عن كاتبٍ مرموقٍ يشتغل في الترجمة، سعت للتشكيك بشهادته والإنتقاص من موهبته وكتابه، وهي التقته مرّة واحدة بواسطتي.  ومرّة أخرى تتهم أحد الأدباء بالسرقة الأدبيّة كونها ناقدة مشهورة!!. اوقفت ثرثرتها بقسوة، ثمّ راحت تطعن  بصديقٍ لي وهو رئيس تحرير صحيفة ورقيّة واسعة الإنتشار،  تنشر عنده شطحاتها، فهي تكتب الاخبار عن نفسها، تعظم ذاتها ومن ثّم ترسلها للنشر، لتدعي هكذا كتبت عنها الصحف!!!.

في صباح اليوم التالي، كنتُ في زيارة لمقر الصحيفة ببغداد،  والتقيت برئيس تحريرها، فذكر اسمها بعد أن  شاهدتُ  إحدى محاولاتها في الرسم،  ارسلتها له كهدية.

قلتُ لمن هذه اللوحة البدائيّة:

قال لفلانة.

اطلقتُ شهقة تعجب، وقلت في نفسي: آهٍ لو يقوى الصمتُ على الكلام لحدثتك عن هذه الفريسيّة، وما قالته عنك ليلة أمس!.

اضاف الأب الجليل: "قبل إحدى المناسبات، هاتفتني لتطلب تكريمًا لنفسها، بشهادة أحد الكهنة الأفاضل وبعض الأدباء الأجلاء. رفضتُ  الأمر وعنفتها بشدة امام مسمع الاخرين، لأنني لم ولن اسمح لها أو لغيرها بفرض وصايتها عليَّ، وقلتُ لها كلمة  صريحة واضحة لا لُبس فيها: نحن المسيحيين لدينا انكار الذات، والرب يسوع لا يستطيبه اصحاب الذوات المتضخمة. صمتت كمن انكسر خاطره، وقالت: "حسنًا انسَ الأمر، ولكن هذه رغبتي، اتمنى ألا تحرمني منها".

مرّة أخرى تحكمت فيَّ طيبتي وأخلاق الإنجيل، وقلت لمن معي: رسالتنا لمثل هؤلاءِ الناس، خصوصًا وأنا على درايّة واسعة بعومها في مستنقع النقص وداء الظهور. طويت النفس على أمرٍ ما، وقررت أن اشكرها بشكلٍ مميز، وأن أمنح لها التقدير أمام مرأى الناس.

جاء يوم المناسبة، وقبل بدء الفعاليات  انتحى بي زوجها ليحدثني عن مقدار محبتهم لي، وراح يُبخرني بكلمات معسولة، وكأنني جبران زماني!، حتّى باح ما في جعبته قائلاً: " بعض الحضور ليسوا على المستوى، والبعض الآخر لا نود رؤيتهم هنا، وحاول فرض الوصاية مجددًا قائلاً: لماذا وجهت لهم الدعوة". فاجبته بصوتٍ مسموع بحضور كاهنين وشباب كنيستي: لا تحرجني رجاءً، فكما أنت ضيفي أولئك الناس ضيوفي أيضًا، وأنا لا اعادي الاخرين لكونكم على خلافٍ معهم.

ثمّ دخلا  غرفة الإدارة والتقطا بعض الصور معي ومع رئيسي الروحي الموقر ، وانصرفت أمام سيادته والاخرين بكيل المديح والثناء على نشاطاتي ومؤلفاتي وشخصي، وهذه الحادثة موثقة بالصور والشهود أيضًا.

ولما جاء دوري في الحديث وقبل أن افرغ من كلمتي، اراها اخلت بالأدب في احتفالٍ مهيبٍ بحضور شخصيات دينية رفيعة المستوى، وكبار الشّعراء والأدباء والجمعيات الأدبيّة وحشد من المؤسسات الثقافيّة  وامام مرأى الإعلام بكلّ مسمياته، وبحضور نوعي تجاوز الـ450 شخصًا، إذ القت التحفة التي بيدها على الأرض وسقط الباقي على حاحب أمرأة طالها الأذى النفسي والجسدي،اخلاقها تكشف عن حسن الخَلق والخُلُق . فرّت السيّدة الهاوية هاربة من فعلتها الشنيعة، أما زوجها فقد انسحب من الباب الخلفي للقاعة والخجل يعلو محياه ،  متنصلاً من فعلة سيدته الطائشة.

هذه الحادثة اللا اخلاقية والتي لا تمت للإنسانيّة والفن والأدب  بصلةٍ، موثقة بشريط فيديو احتفظ به، ولكن الواقعة توثقت بذاكرة الحضور، وانتشرت كالنار في الهشيم، ممّا جعلها حديث الشارع في ليلة وضحاها، فهذا يقول عنها: مجنونة، واخر مريضة نفسية، وتلك تنعتها بالمعتوهة، وآخرون لم يستغربوا الأمر لأنهم على علم تام بتورم ذاتها المتضخمة، من  خلال تجاربها السابقة معهم، وعقدها المتكدسة المعروفة للبعيد والقريب!، حتّى إن احدهم صرح علانية امام لفيف من المثقفين: " (يا أبونا)، حان الوقت الآن لتعرف ناسك الاسوياء ، ومع مَن تتعامل".

مضت الليلة بنجاح يشهد له الجميع، وإذا بتلك المتصابية التي تدعي الفن الراقي تهاتف فلانًا وفلانة لتنفث حقدها وتجافي الحقيقة، ومعظم من اتصلت بهم تجاهلوا مكالماتها وهم كثر، والبعض وبخها بقسوة شديدة على حماقة فعلتها وسموم لسانها.

بعد بضعة أيامٍ زحفت إلى أحد اصدقائي الأجلاء وهو رمز من رموز الثقافة العراقيّة، وتوسّلت  الحديث معه، فانفتحت قريحتها لتشتمني، وتقلل من شأني، وانبرت للطعن بشرف بعض الحضور، حتّى تمادت وافرغت جميع الحاضرين من قيمهم، والأنكى من ذلك أنها راحت تقول بسفاهةٍ عُرفت بها: "مَن مِن الحاضرين له قيمة، كلهم لا يساوون عندي شيئًا". ممّا دفع بالرمز العراقي إلى اسكاتها، واغلاق الهاتف بوجهها. فتخيلوا مقدار الإنفصام الذي تعيشه هذه السيّدة، التي تؤطر نفسها بإطارٍ لا يتناسب مع حجمها الحقيقي!.

وقد وصلني من البعض، ان حتّى المرحوم أبي الذي يرقد في مراحم السماء لم يسلم من شتائمها!!!. ولم تكتفِ بذلك القدر، بل شمرت عن ساعد الجد بالإنتقاص  شفويًا من كلّ المستائين من فعلتها الشهيرة، وخصت شخصيّة أدبيّة  عراقيّة لها مكانة العلم من الساريات بمقالٍ هزيل، ملغوم بالاخطاء النحوية، والسبك الضعيف وتشويه الاستشهادات وتحوريها، بحيث حُسب ضدها قبل أن يكون لها!!.

أنا على يقين مطلق لا يقربه الشك  بأنّ الكثيرين يتفقون معي، إنّ هذه المدعوة التي تدعي العالمية، إذا خرجت خارج حدود المدينة التي تقطنها، ستجد  نفسها نكرة، بل صفر على الشمال، لأنها وبحسب قول البعض: بضاعة كاسدة في سوق المشاهير، ومادة منتهية الصلاحيّة. وتجدر الإشارة أنّ هذه السيّدة  وفي الكثير من المناسبات والمنتديات الأدبية واماسي توقيع الكتب، تختلق الازمات وتدخل في مهاترات لا طال تحتها، فقط لتقول للاخرين أنا الأفضل؛ بحيث هي اليوم موضوعة في رفّ التجاهل، ومركونة في درجّ مع المنبوذين.

لو كانت فنانة حقيقية لاختلقنا عذرًا لتصرفها الوقح وسلوكياتها المريضة، ولقلنا إنّ من الفنون جنونًا،  لكنها مجرد هاوية، تعرض رسوماتها على الكُتّاب لغرض الشهرة والإنشار.

ملكة الشرّ تنعتها بالاسطورة وهما للشرِّ مملكة مهجورة. كلتاهما غيمة ماطرة بالحقد والغل والضغينة والمشاكل،تزهران كلامًا ولا تثمران، ترعدان ولا تمطران. كلتاهما غراب ينعق دون طيران، فهذه عصفور وتلك زرزور، فكيف للزرزور أن يكفل عصفورًا، فكلاهما من الطوائر!.

حتمًا وبشهادة الكثير أصبح مصيرهما في مزابل التاريخ، لأنهما مصابتان بهوس الـ ( أنا) وجنون العظمة، ومرض الصورة. تثيران الضجة،  ولا عجب،  فالبرميل الفارغ وحده من يثير الضوضاء".

قلت لأستاذي الحبيب: هكذا نوع  من البشر لا تتألم منه، بل تألم عليه.

فربّما الحشرة تلسع جوادًا،ولكن الحشرة تبقى حشرة، والجواد يبقى جوادًا.

فتح فاهه ونطق: "اصبت يا ولدي، ولكن دعني اذكر لك رأيي فيها :

أيتُها العجوز الشمطاء 

رجولتكِ بقايا إمرأةٌ  سلوكياتها حمقاء

يتقيِؤكِ الأقرباء والغرباء  في كلّ صباح ومساء

القاصي والداني يعرف من أنتِ،

عقب أن محوتِ الأدب وأصبحتِ ندمانة.

بالأمس أهديتُ لكِ من الورد باقةٌ

وبنيتُ لكِ اسمًا لتصبحي إنسانة ومن ثمّ فنانة،

لعقتِ قلمي لكي اكتب عنكِ،

 ارسلتِ سيرتكِ، وإذا بكِ تعظمين نفسكِ

هوني عليك ، الغرور فيكِ سخافة،

ما أنتِ إلّا اسطورة العصر في الكذب والحماقة

من الإنسانيّة ليست  لكِ وجاهة،

ومن تعاليم الرب أنتِ جاهلة ومتاهة.

ليتكِ تتزينين بالخلق  الرفيع  والعقل السوي، مبتعدة عن البلاهة،قبل أن تدعي الثقافة.

فيا أيتها الهاوية المتقيحة بالحقد والكبرياء كوني خلوقة،

وعيشي المحبة وطبقي ما تطلبينه من الناس بعدالة،

ولا تكوني جاحدة  للنعمة، ومرآئية كالفريسي،

فمهما قلتِ وفعلتِ فانكِ فقاعة فارغة،

ووصمة عارٍ على كلّ  عارف وعارفة".

حقيقةً لم اتمالك نفسي من الضحك، ورحنا نضحك حتّى دمعت عيوننا.

استلمتُ منه خيط الحديث وقلت له:

يا أبتي:  صدق القائل :

لو كلّ كلبٍ عوى ألقمته حجرًا

لأصبح الصخر مثقالاً بدينار.

اتركها تنبح، فنحن في زمن الكلاب النابحة، وليس من الحكمة أن تعض كلبًا عضك.

اجابني الكاهن الخلوق:

" يا ولدي، هؤلاءِ المتطفلون لا يساورني أيّ قلقٍ منهم، لأنهم يفضحون انفسهم بانفسهم دون عناء الاخرين، أنا متألم لأنها غدت موضع سخريّة في الأوساط الثقافيّة  وحديث على كلّ لسان، فيا لها من ندبة في جبين الثقافة وحدبة في ظهر الإنسانيّة. رحم الله جبران القائل"من حسنات الناس أنهم لا يستطيعون إخفاء سيئاتهم طويلا".

-       إذنْ  يا أبتي اغفر لها.

اجابني:

" يا بُني الرب يسوع له كلّ المجد علّمنا  المغفرة في إنجيله المُقدّس ، لكنه أوصانا أيضًا:

"لا تدينوا لكي لا تدانوا. لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها. أم كيف تقول لأخيك دعني اخرج القذى من عينك وها الخشبة في عينك. يا مرائي اخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيدًا أن تخرج القذى من عين أخيك". ( متّى 7: 1- 5).

لو أنّ هذه السيدة المتشاعرة قد انتظرت بضع دقائق لجاء دورها في تقديمي لها قلادة تقدير، لكنها تُريد ان تكونَ أوّل من يتحدث وأوّل من يُكرم، مع أنها تعرف أن الأخرين أجدر منها، فهم لهم منجزهم الإبداعي، وليسوا دعاة أدب وثقافة.

إنّني على يقين لا يتاخم الشك لو لبيتُ رغبتها في الإشادة بها وفي تقديمها على الاخرين، لنشرت صورها معي ومع الذين طلبت مني أن تلتقط صورًا معهم، وكالت لنا المديح بمكيالين.

ألم تكن ستنشر عني وعن المناسبة أجمل التقارير في الصحف كما فعلت في المرّة السابقة. وربّما تضعني في مرتبة تفوق مرتبة المتنبي والمعري؟!!.

إنَّ هذه المرأة غير المسالمة  والمنفصمة، تخفي التجاعيد من وجهها ولا ترى في الوجوه البريئة إلّا التجاعيد، عليها التعلّم، قبل أن تعلّم الآخرين".

-اجبته:

لقد أصبت يا أبتي كبد الحقيقة، فالمثل الشعبي يقول: إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمِ الناس بالحجر.

والمثل الفلسفي يُعلّم" فاقد الشيء لا يعطيه"، والحكمة تنص: "إنَّ السمكة التي تغلق فمها تنجو من الصنّارة".

"إذنْ  يا ولدي أتقِ شرّ من أحسن إليه، خاصّة الزواحف، الذين اعتادوا العيش بفمٍ  مفتوح!".

"هذا أوّل الغيث من قصّةٍ ذكرتها لك يا بُني عن مُدعية لا تميز  الثرى من  الثريا، لها حكاية باقية،  ساسردها بصراحةٍ وافية".

 

الأب يوسف جزراوي

 

يوم محافظة ذي قار كما أراه

gaffar afrawiلكل بلد من البلدان، ولكل شعب من الشعوب، يوم مميّز في تاريخها لاعتبارات مختلفة ولدوافع متعددة. الشعب العراقي ولكثرة الأحداث التي حصلت في تاريخه لم يستطع أن ينتخب يوماً محدداً ليحتفي به أمام شعوب العالم الأخرى . بسبب تعدد الأحزاب وتعدد أيامها وقادتها الثوريين صارت التواريخ متشعبة وغير مدروسة.

إلا أننا يمكن أن نختار أياماً معينة تصلح أن تكون هي الحدث الأبرز الذي نستطيع أن نفاخر به شعوب العالم أجمع وبلا تردد ..ولأن العراق حُكِمَ من قبل سلطة دموية إجرامية لعدة عقود من الزمن، ولم تكن هناك ثورة عارمة استطاعت أن تُطيح بها، فأنا أقترح أن يكون لكلّ محافظة من المحافظات يوماً خاصاً بها وهو اليوم الذي ثارت فيه بوجه الطاغية وحزبه ومرتزقته الإجرامية.

في محافظة ذي قار وبالتحديد في الناصرية تمر علينا هذه الأيام وبالتحديد آخر يوم جمعة من شهر رمضان وكانت في 27 منه -على ما أذكر - ذكرى عظيمة من أهم وأبرز المواقف البطولية للشباب العراقي المؤمن بقيادته والواثق بنفسه، ألا وهي انتفاضة مصلي الجمعة ضد مديرية أمن صدام والتي نطلق عليها (ثورة التربة).

وسأروي القصة بإيجاز لمن لم يسمع او يقرأ عنها ولم يكن موجوداً أيامها :

كنا في صلاة الجمعة (الشيعية الوحيدة) في الناصرية في شارع الجمعة حاليا ننتظر كالعادة وصول إمام الجمعة الدائم حينذاك الشيخ أوس الخفاجي الذي وصل خبر اعتقاله قبل الصلاة بقليل . نهض أحد وكلاء الشهيد الصدر وهو الشيخ أسعد الناصري وقال عبر مُكبّر الصوت إن الشيخ آوس قد اعتقل في مديرية الامن وسنصلي جماعة - باعتبار الشيخ الخفاجي منصّب بالولاية أي ولاية السيد الشهيد الصدر رضوان الله عليه ولذلك أعتذر عن صلاة الجمعة وصلى الظهرين-  وبعدها نعطي ثلث ساعة - على ما اذكر - اذا لم يتم اطلاق سراحه سيكون لنا كلام آخر!!

أتممنا الصلاة ولم يحضر الشيخ آوس وحينها قال الشيخ أسعد أنا ذاهب الى مديرية الأمن فسار معه عدد كبير من المصلين وتوجهوا الى المديرية وبدأ أزلام البعث بإطلاق النار وتفرّق الشباب في الأزقّة ووصل عدد منهم الى مديرية الأمن وأصيب بعضهم بجروح وتم اعتقال عدد آخر .

هاجم  المصلون مديرية أمن صدام بتربة الصلاة فقط !! والكل يعلم ماذا تعني مديرية أمن صدام، إنها الرعب، والخوف، والتعذيب، والقتل، والترويع،والتيزاب، والكهرباء، والفلقة، والحجر، والتعليق بالمروحة، وووو..

وعلى الرغم من كل تلك السمعة المخيفة الرهيبة المليئة بالذكريات المرعبة، قام مجموعة من الشباب بالهجوم على تلك المديرية للمطالبة بإطلاق سراح إمام جمعتهم وبلا سلاح يذكر إلا سلاح الايمان بالله وبقضيتهم المتمثلة بتربة الصلاة .

افلا يحق لي ان أعتب على أهل الناصرية لنسيانهم هذا اليوم العظيم؟، واعتب كذلك على الصدريين بكافة توجهاتهم – أي قبل التفرق -، لانهم أهل الانتفاضة العظمى التي أستطيع ان أقول انها تعدل إن لم تكن أقوى من الانتفاضة الفلسطينية !!.

٢٧ من شهر رمضان هو يوم ذي قار بالنسبة لي.. فمن يؤيد هذا التاريخ ؟

‏ثورة_التربة_الصدرية_الناصرية

‏٢٧_رمضان

 

كيف أختار بحثي؟

mohamad alhusayniشعرت بالإعياء والأسى وأنا أحدّق في وجه أستاذي المشرف على البح.! كنت أنظر له بنظرات ملؤها الريبة والدهشة والإنكسار بعدما سمعته يقول: فتش عن موضوع بحثك العلمي بنفسك كي تنال الدرجة الأكاديمية التي تسعى لها !

قلت له بشفاه ترقص من شدّة الإرتجاف والإرتباك: أيها الأستاذ المبجّل نحن غادرنا بلداننا وجئنا لكم نعمل البحوث العلميّة عندكم لأن لكم الباع الطويل فيها، فلو كنا قادرين على عمل البحوث بأنفسنا لبقينا في بلداننا بدلا من وعثاء السفر وألم الغربة وكثرة الإنفاق .. لقد جئنا نتعلم منكم ونتأهل بما نتعلمه كي ننقل خبرتنا ومعرفتنا لبلداننا.

كان الأستاذ يتفحص أوراق كتاب بين يديه حينما كنت أحاججه وأبدي الرأي الآخر له، لكن كلماتي الأخيرة إستفزته فرفع عينيه خارج عدسات نظارته المتكأة على أطراف نهاية أنفه وسلّط لي نظرة إمتعاض وحنق ثم همس قائلا وقد إحمّر وجهه: أنتم تأتون إلينا لنقص التقنية عندكم وليس لنقص الأفكار، فأفكاركم ليست أضعف من أفكارنا وقدراتكم ليست أقل من قدراتنا .. هذه الأجهزة المتطورة والمواد الأولية كلها بين يديك وأمام عينيك فقم وسخرها فما أطوع منها حينما يوجهها الفكر وتديرها الإرادة !

سمّرني بجوابه وغلبني بخطابه لأنه مسّ المعنويات وتبارى بالإرادات فأصاب الشلل لساني وهدد التحدي كياني .. فإما أن أفكر بمستوى ما يفكرون وأبدع بقدر ما يبدعون وإما أن أرحل وأرجع من حيث جئت وأتيت أجر أذيال الخيبة والفشل .. إما الإنتصار وإما الإنكسار فبأي درب سأسير !؟.

خرجت من مكتبه أجري ولكن لا أدري الى أين؟ كان فكري يتصارع مع ذاته .. فطابور من الأفكار يؤيد ما قاله الأستاذ المشرف وطابور آخر يتهم .. يتمرد .. ويثور .. فإنني الوحيد بين زملاء العمل والدراسة الذي يجب أن يبتكر موضوع بحثه بنفسه وأنا لا أملك الخبرة وليس عندي التجربة بالبحوث !. فلماذا أغرد دائما خارج السرب؟ ولماذا أعاني جزافا من لوعة التباين والإستثناء؟ فحياة الآخرين مبرمجة منظمه تسير بهدوء وثبات، إنما حياتي المبعثرة عليّ أن أبرمجها دائما بنفسي وسرعان ما أسقط في المطبّات .. فما أوهى من مجسّات الحظ عندي وما أقواها عند الآخرين!

مضيت مترنحا بين أمواج الأفكار المتضاربة مع بعضها، لا أشعر بمن حولي ولا أرى من كان معي، حتى وجدت نفسي أنشد وبلحن شجيّ أبياتا من الشعر كان ينشدها بألم وحسرة والدي رحمة الله عليه:

قل لمن رام بالأفكار مفخرة ****** مهلا فلا أحـــــد منكم يساوينــا

فقد هبطنا الى الدنيا لنملأها ****** ونغمر الأرض إبداعا وتحسينا

العلم والعدل والأخلاق غايتنا****** هذي مآثرنــــا هذي أمانينــــــا

حقائق قد تجلت وهي واضحة ***** قد قالها التأريخ لا ظنا وتخمينا

وفي اليوم التالي كنت أجر بقدميّ نحو قسم أمراض الدم وهو القسم الذي تجرى فيه البحوث العلمية .. كان جميع طلاب البحث منهمكين في أعمالهم لا يلهيهم خبر ولا يستهويهم سمر .. كنت أتفحصهم فردا فردا ولسان حالي يقول: ما أسعدكم .. ما أروعكم .. يا من أبحرتم بربّان .. فياليتني قد أبحرت معكم .. ! وتساءلت مع النفس، لماذا أنا الوحيد بينهم: الحزن خطابي والضياع نصابي واليأس موضوع بحثي وكتابي .. ؟ لماذا هذا الظلم ولماذا هذا التجني .. !؟ هل لأنني غريب وهم من أبناء البلد، ومتى أصبحت الغربة ذنب .. !؟ أم أن حظي العاثر ألقاني بيد أستاذ حاقد لا يعرف الرحمة ولا يدرك المساواة ؟ فلماذا يبقى الإنسان لا يرحم ولا يعدل مهما بلغت به المناصب والألقاب وأتسعت به الأوصاف والعناوين !؟ .

إنسقت ببعد فلسفي غامق، عميق المعاني واسع الأطراف، ناقشت فيه مع النفس قيم الإنسانية وصفاتها .. نهج العدالة ومفاهيمها .. فقه الحياة وأسرارها .. مسار الطبيعة وناموسها .. وتساءلت هل الطبيعة التي صنعت الإنسان وصيرته منصفة وعادلة في سلوكها وتصرفها أم أنها مثل صنيعتها الإنسان، لا توفي ولا تعرف الإنصاف !؟

نعم سؤال حيّرني في إجابته والجواب ومهما كان مدبلجا وأنيقا فهو لا يُقنع بدون البيان والبرهان ولكن ما هو البرهان !؟ أنه حقا موضوع حساس ومثير وهام، فلماذا لا أنظّر وأبحث فيه فيكون هو الموضوع المنشود .. موضوع البحث الذي أفتش عنه .. أجل أبحث عن البرهان ! ولكن كيف أجمع بين البحث في عدالة الطبيعة وبين البحث في أمراض الدم؟ فشتّان بين الإثنين ! تساؤلات جابت ضواحي فكري الملتهب بنار الفكرة والمتعذب في بيانها .. لكن رغم كل هذا وذاك فقد ملكني إحساس صامت، روحاني المصدر، جعلني أشعر بالثقة والثبات وكأنني كنت أقترب من منطقة الهدف ! نعم هكذا سيكون موضوع بحثي .. "عدالة الطبيعة" من خلال فسلجة الدم !

في دم الإنسان والحيوان ثلاثة خطوط من الخلايا .. الكريات الحمراء والكريات البيضاء والأقراص الدموية ولكل خط منها وظائفه الخاصة به. نخاع العظم هو المصنع الرئيسي لهذه الخطوط ونسبة إنتاجه لمولدات هذه الخلايا الثلاثة ثابته ومستقرة لكل خط ولا تقبل التغيير في الحالات الطبيعية. فماذا سيحصل لو تحرشت بناموس الطبيعه وحاولت الإخلال بالموازنه؟ فلو أعطيت فئران التجارب كريات دم حمراء أي أجريت زيادة في نسبة الخط الأحمر بالدم، فماذا سيحصل في مصنع الدم هل سيستمر نخاع العظم بإنتاج نفس النسبة الثابته المعتاده من مولدات الكريات الحمراء رغم الثروة المكتسبة لهذا الخط؟ أم أن الطبيعة ستتحسس معنى العدالة والمساواة بين الخطوط الثلاثة، فتأمر نخاع العظم بتقليل إنتاج مولدات الكريات الحمراء من أجل المحافظة على الموازنة والإنصاف بين الخطوط الثلاثة؟ من هنا ومن خلال موقف الطبيعة سنبرهن بما لا يقبل الشك سلوك الطبيعة وعدالتها ..

إنطلقت بسرعة الضوء أخبر صديقي الحميم، وهو باحث علمي يعمل بنفس الكلية، بأفكاري الجديدة الصارمة وقد ملكتني الغبطة وغمرني الفرح فصرخت شامخا في وجهه: وجدتها .. وجدتها !

فقال والعجب يشع في عينيه: وماذا وجدت أيها المجنون!؟

قلت: "عدالة الطبيعة"!

قال: وما بها!؟

قلت: ستكون موضوع بحثي !

إهتزت فرائصه فأنتفض يعكف بحاجبيه ليقول: وما علاقة عدالة الطبيعة بأمراض الدم يا عبقري الزمان، هل تريد أن تحصل على شهادة الدكتوراه في اللاهوت!؟ هل غيّرت الإتجاه، ومن أعطاك صلاحية هذا التغيير!؟.

هنا وجب عليّ أن أوافيه بكل التفاصيل كي يقتنع بما أقول قبل أن يفسد لي حلاوة سعادتي بتهكماته وردود أقواله، فأنا اليوم بأمس الحاجة الى التشجيع والتأييد والدفع .. ! ولما عرف صديقي بالتفاصيل أدار وجهه نحوي وهو يضحك بلون السخرية والإستهزاء متمتما مع نفسه: من يدري فربما في الجنون فنون ! ثم لم يلبث طويلا حتى عدّل قامته المائلة على كتف الكرسي ونظم ملامح وجهه المتقلبه وقال بلهجة الحث والجد: إذهب يا عزيز الخاطر الى أستاذك المشرف على البحث وأطرح عليه هذه الفكرة، فمن يدري .. فعسى ولعل وربما .. !

وبينما كنت منهمكا بإجراء تجاربي في المختبر، بعد أن وافق أستاذي المشرف على مشروع البحث، جاءني أحد الزملاء في العمل يسألني بهدوء ولطف عن بعض التفاصيل حول موضوع بحثي .. إستغربت من أسئلته المفصلة والمتطفلة بنوعيتها وطبيعتها لأنها تمس بسرّ المهنة وبسلامة البحث، وما أكثر من سرقة الأفكار في عالم اليوم ! غير أنه طمأنني، بعدما قرأ ترددي وإستغرابي، بأنه مبعوث من قبل الأستاذ المشرف ولا يتصرف لوحده، حيث أن قسم أمراض الدم قد تبنى فكرة مشروع بحثي ليجري هو الآخر الإختبارات الموازية على خطوط الدم الأخرى من أجل التوسع بموضوع هذا البحث الذي يبدو مهما وواعدا !

بدهشة المظلوم المنتصر أنشدت ثانية ودموع الشموخ والفرح تموج في عيني:

قل لمن رام بالأفكار مفخرة ****** مهلا فلا أحد منكم يساوينا !

 

د. محمد مسلم الحسيني - بروكسل

 

تيسير قـبّعة غيمة فضيّة في فضاء الذاكرة

abdulhusan shaabanسبقته شهّرته: لم أكن قد تعرّفت عليه شخصيّاً، لكنّني كنت قد سمعت عنه وقرأت بعض أخباره، بصفته رئيساً للاتحاد العام لطلبة فلسطين. مرّ الاسم عليّ أكثر من مرّة، وخصوصاً بعد عدوان حزيران (يونيو) العام 1967. بعد أشهر قليلة وصلتنا من براغ (رسالة) عن طريق الحزب الشيوعي، وهي عبارة عن لفافة ورق خفيف ملصقة بشريط، وهو ما كنّا نستخدمه في العمل السرّي. ربّما كان التاريخ في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1967، أو أنّ الرسالة مذيّلة بهذا التاريخ (أواخر كانون الأول/ ديسمبر/ 1967).

مضمون الرسالة الموجّه إلى سكرتارية اتحاد الطّلبة العام في الجمهورية العراقية، يبلغنا باعتقال المناضل الطلابي تيسير قبّعة، الذي ألقت السلطات الإسرائيلية القبض عليه خلال "تسلّله" للأرض المحتلة لمهمّات نضالية. وكان قبّعة، إضافة إلى مسؤولياته المهنية، عضواً قيادياً في حركة القوميين العرب، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لاحقاً حين تم تشكيلها بعد العام 1967.

 كانت براغ حينها مقرّاً لاتحاد الطلاّب العالمي، بل تكاد تكون مركز تنسيق للحركة الشيوعية، حيث يوجد فيها أيضاً، اتحاد نقابات العمال العالمي، واتحاد الصحفيين العالمي، ومجلة "الوقت"، التي سمّيت لاحقاً مجلة "قضايا السلم والاشتراكية"، وهي المجلة النظرية للأحزاب الشيوعية والعمّالية.

1023-shaban

 

بقي لاسم تيسير قبّعة رنين خاصّ في ذاكرتي، جزء منه هو لمعان سواعد شبّان وشابات المقاومة، والأحلام الكبيرة التي حملناها. وبحكم مسؤولياتي المتواضعة في العمل المهني آنذاك، قرّرنا تنظيم حملة لجمع تواقيع للمطالبة بإطلاق سراحه وإدانة العدوان الإسرائيلي، خصوصاً وأن النقاش كان داخلنا يفور لدرجة الغليان: هل شعار "كلّ شيء إلى الجبهة" هو الذي يستحقّ أن نعمل تحت لوائه، أو شعار "كل شيء من أجل المعركة"، ولم يكن ذلك بمعزل عن نقد أو حتى بعض تشكّك بموقف الاتحاد السوفييتي، واستعادة لمواقف سابقة، وخصوصاً موقفه من قرار التقسيم العام 1947، ولعلّ الفارق بين الشعارين كان واضحاً، وكنّا قد دخلنا في سجالات وحوارات متنوّعة ومفتوحة بعد 5 حزيران (يونيو)، شجّع عليها أجواء الانفراج النسبي، وتطوّع عدد منّا مع المقاومة الفلسطينية، حيث أقمنا علاقات طيبة معها وبمختلف توجّهاتها.

ولم يكن الجدل والنقاش الدائر، المباشر منه وغير المباشر، بمعزل عن قراءات انتقادية وتساؤلات معرفية ومراجعات تاريخية وتوتّرات بين بعضنا البعض، وبيننا وبين قوى أخرى قومية، ومنها سلطة عبد الرحمن عارف التي كانت تحتفظ بمئات الشيوعيين خلف القضبان، بمن فيهم عدد من العسكريين الذين تطوّعوا خلال العدوان الإسرائيلي واندلاع المعارك بإرسالهم إلى جبهات القتال، وتعهّدوا بإعادتهم بعد الانتهاء منها إلى السجون، وتلك واحدة من مفارقات الوضع السياسي في العراق، ومن مآثر الشيوعيين ونكران ذاتهم أيضاً.

وركّزنا في حملتنا لإطلاق سراح تيسير قبّعة، على إدانة العدوان الإسرائيلي والتشديد على حماية حياته، وإبداء القلق بشأن مصيره، وتحميل السلطات الإسرائيلية عن أي أذى قد يلحق به، وعن أية مخاطر قد يتعرّض لها.

لا أتذكّر كم من التواقيع جمعنا حينها، فقد أردنا إرسالها على عجل إلى براغ، كما كنّا آنذاك في سباق محموم مع مجموعة أخرى من الزملاء كانت قد أخذت الغالبية الساحقة من تنظيمات الاتحاد والتنظيمات الحزبية معها، فضلاً عن أن موقفها كان أكثر راديكالية من موقفنا في عُرف تلك الأيام. والمقصود بذلك هو مجموعة القيادة المركزية، حيث انشطر الحزب الشيوعي في 17 أيلول (سبتمبر) العام 1967 إلى جناحين، الأول حمل اسم اللّجنة المركزية والثاني حمل اسم القيادة المركزية.

نجحنا بمعاناة وجهد، وليس دون أخطاء ارتكبناها، وفشلنا في مواقع أخرى في جرّ أوساط أخرى إلى جانبنا، وكانت علاقاتنا الوطنية والعربية، إضافة إلى العالمية جيّدة، قياساً إلى ضعفنا على مستوى التنظيم الذي انحاز إلى الطرف الآخر، ناهيك عن الجمهور الذي كانت حماسته تزداد لجانبه.

حملتنا لإطلاق سراح تيسير قبّعة، قرّبت قوى قومية عربية منّا، فنحن كنّا من بادر، ونحن كنّا من قام بمخاطبة الجهات العربية والعالمية، بما فيها اتحاد الطلاب العالمي، واستجابة إلى ندائه، وكان حينها نوري عبد الرزاق لا يزال أميناً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي، ولذلك فإنّ عملاً من هذا النّوع، إضافة إلى كونه تضامناً مطلوباً وواجباً سياسياً وأخلاقياً ووفاء لعلاقات الصداقة، فإنه في الوقت نفسه، كان عملاً نضالياً إنسانياً، منحنا حضوراً أكبر، بل أظهرنا أحياناً أكبر من حجمنا بكثير، وعلى الرغم من كوننا مجموعة صغيرة، إلاّ أن حماستنا وتحدّينا وطموحنا، كان كبيراً، مع قلّة تجربتنا.

ربّما كانت مثل هذه العلاقات، ولا سيّما العربية، تعويضاً عن ضعفنا في جوانب أخرى، لكنها كانت توجّهاً صحيحاً لقي التفاتاً من جانب الأصدقاء العرب. وأتذكّر أننا في كل مناسبة كنّا نقيمها كان عدد من الشخصيات العربية، والطلابية بشكل خاص يحضر معنا، ويشارك في فعاليتنا على الرغم من الظروف السريّة، سواء في جزيرة أم الخنازير أو في بساتين صفوك الجبوري (والد الرفيق طه صفوك) في الراشدية، أو حتى في بعض البيوت، حين استضفنا فتحي الفضل الأمين العام لاتحاد الطلاب العالمي من السودان، وكتجمن من ألمانيا الديمقراطية نائب الرئيس، في اجتماع في أحد البيوت، في بغداد الجديدة، خلال زيارتهما إلى بغداد كبعثة لتقصّي الحقائق بشأن الانتخابات الطلابية، وقد رافـقناهما طيلة فترة وجودهما حميد برتو وأنا.

***    ***    ***

حكم على تيسير قبّعة ثلاث سنوات، قضاها في السجون الإسرائيلية، وحكى لي ماذا حصل له عند لقائنا الأول في براغ، ثم في براتسلافا، حينما حضرنا المؤتمر العاشر لاتحاد الطلاب العالمي.

كنت قد وصلت إلى براغ بعد رحلة مضنية، حيث اضطررت قبلها للاختفاء بعد صدور أمر إلقاء القبض بحقي العام 1970، في الوقت الذي كنت رئيساً للوفد المفاوض في مجالين: الطلبة والجمعية العراقية للعلوم السياسية التي انضمت جمعية إلى الحقوقيين العراقيين لاحقاً. كانت وجهتي الأولى بيروت، ومن البصرة اخترت الطريق البريّ عبر سفوان إلى الكويت بوسائل مختلفة وبمساعدة فنيّة، ومنها إلى دمشق فبيروت، ومن هناك كتبت رسالة إلى ماجد عبد الرضا على عنوان مجلة الثقافة الجديدة، (الشارع المتفرّع من شارع سينما الخيام في الباب الشرقي)، حسب الاتفاق باسم: عمر محمود، أبلغته فيها أن العلاج جيّد والوالد بخير، واستبعد الأطباء العملية، وهي الرسالة التي اتفقنا عليها.

اتصلتُ بالحزب الشيوعي اللبناني، وكان عندي تلفون الرفيق نديم عبد الصمد، فأبلغوني أنه في الجبل، وكلّمني قائلاً إنه سيعود بعد ثلاثة أيام، والتقيت به بعد عودته، وكان قد طلب مني التنسيق مع خليل الدبس وخليل نعّوس لحين اللقاء به. وزرتُ صحيفة الأخبار الأسبوعية (خلف سينما ريفولي في ساحة الشهداء)، وكان الحزب الشيوعي اللبناني يصدر إضافة إليها صحيفة النداء اليومية (4 صفحات)، والرفيق الدبس كان من قيادة الحزب الشابة آنذاك، أما نعّوس، فهو من قيادة منظمة بيروت، وعمل في جمعية الصداقة اللبنانية ـ البلغارية، واغتيل في 20 شباط (فبراير) العام 1986، وقد اغتيل بعده بأربعة أيام المفكر والصحافي الشيوعي القيادي سهيل الطويلة، وكان حينها عضواً في المكتب السياسي ورئيساً لتحرير جريدة النداء.

وقام الرفيقان "الخليلان" كما أسميّتهما بمرافقتي وتأمين اتّصالاتي، واستمعا مني إلى تفاصيل الوضع في العراق، وتدهور العلاقة مع حزب البعث، ودوّن أحـد الصحفيـين، - ولا أتذكر اسمه - المعلومات والأخبار التي نقلتها، وفي اليوم التالي ولبضعة أيام، كانت النداء اليومية والأخبار الأسبوعية، قد حملت باقة أخبار جديدة عن الوضع في العراق، وبشكل خاص عن ملاحقات الشيوعيين، ونسبت الأمر إلى مصادر خاصة من داخل العراق.

ثم أجرت معي صحيفة الراية التي كانت تمثّل الاتجاه القريب من تنظيم حزب البعث السوري، وفيما بعد مجموعة (صلاح جديد)، مقابلة مطوّلة نشرتها على عددين ليومين متتاليين، ووضعت العنوان على الصفحة الأولى: "هارب من العراق يروي قصص رهيبة عن قصر النهاية"، وقد أخذت العددين معي، وسلّمتهما إلى مهدي الحافظ في براغ بعد وصولي إليها، واطّلع عليها آرا خاجادور الذي استقرّ في براغ بسبب تدهور العلاقات مع الحزب الحاكم.

طلبت من الحزب الشيوعي اللبناني، تأمين اللّقاء مع غسّان كنفاني رئيس تحرير مجلة الهدف، وكنت قد قرأت له بعض كتبه ودراسات في الستينات، أتذكر منها: تعريفه بشعراء المقاومة، وخصوصاً محمود درويش، وسميح القاسم، وعن الأدب الصهيوني، إضافة إلى روايته الشهيرة "رجال في الشمس"، وبادر بإهدائي روايته "أم سعد"، وهي من الكتب التي أعتزّ بها، وبقيت معي في براغ، وحين عودتي حملتها في حقيبتي اليدوية، ولم أضعه في حقائبي مع حاجياتي وكتبي التي شحنتها إلى بغداد، وقد تمّ مصادرتها لاحقاً مع مكتبتي وثلاث مخطوطات، كنت قد أعددتها للطبع من قبل الأجهزة الأمنية العراقية، بعد احتلال منزلي ومكوثهم فيه لخمسة أيام، في حين كنت قد غادرت العراق قبل ذلك. وكان همّي الأول بعد شرح طبيعة تعقيدات الوضع في العراق، هو السؤال عن تيسير قبّعة.

استقبلني غسّان كنفاني بابتسامة عريضة في مقرّ المجلة في كورنيش المزرعة على ما أتذكر، طمأنني أنّ تيسير قبّعة بخير وتوشك مدّة المحكومية على الانتهاء، ولذلك يتطلّب الأمر استمرار الحملة لإطلاق سراحه، خوفاً من أن السلطات الإسرائيلية قد تحتفظ به أو تحاول المداورة بتوجيه تهم جديدة له. طلب من المصوّر تصويري لأرشيف المجلة، وخلال حديثي معه كان أحد الصحفيين يدوّن بعض ما أقوله. لا أتذكّر إن كان قد نشر شيء بعد مقابلتي أو لم ينشر، لكنه على ما أذكر جيداً، كان يتمنى أن تنصب جهود الوطنيين واليساريين لمواجهة العدوان الصهيوني والمخططات الامبريالية.

ذكّرني الأخ صلاح صلاح، وهو الصديق العزيز الذي تستمر صداقتنا لعقود من الزمان، أنه سمع أول مرة عنّي من غسّان كنفاني، وقبل أن يلتقيني، إضافة إلى قيادات فلسطينية لاحقاً، حيث جاء اللّقاء الأوّل بيننا بعد ذلك بسنوات، لكننا كنّا نعرف بعضنا قبل هذا التاريخ، وهو ما تناوله بشيء من التفصيل في كلمته عند تكريمي في بيروت العام 2006.

كم حزنت لفقدان ذلك المبدع اللاّمع وهو في ربيع عمره وفي أوج عطائه، فلم يتجاوز السادسة والثلاثين (36 عاماً)، خصوصاً وقد استكمل أدواته الفنية، ونضجت تجربته، لكن جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) كانت له بالمرصاد، حيث تجرأت على تفجير سيارته في منطقة الحازمية في 8 تموز (يوليو) العام 1972، وكانت تلك واحدة من الصدمات التي صُعقت بها، وما زاد ألمي هو محاولة اغتيال العقل الفلسطيني والمثقف الفلسطيني والإبداع الفلسطيني. والفلسطينيون لم يقدّموا مناضلين ومقاومين كبار فحسب، بل مبدعين كبار مثل غسّان كنفاني، ومحمود درويش، وإدوارد سعيد، وإميل حبيبي، وغيرهم.

وقد أعقب كنفاني في مهمّة رئاسة تحرير مجلة الهدف بسّام أبو شريف، الذي كنت قد تعرفّت عليه في المؤتمر المذكور، ثم التقيته كثيراً، وإذا بطرد ملغوم يُرسل إليه لينفجر بوجهه بتاريخ 25 تموز (يوليو) 1972، فيأخذ إحدى عينيه وأربعة من أصابعه، ويفقد جزء من سمعه، وبقيت بعض شظاياه "تطرّز" صدره، ولا يزال يحملها إلى الآن. وكانت براغ محطة أساسية لعلاجه، إضافة إلى تردّده عليها بصفته نائب رئيس اتحاد الصحفيين العالمي. وقد وقع حادث التفجير بعد أسبوعين من اغتيال غسان كنفاني.

وكانت الأجهزة الاستخبارية والأمنية الإسرائيلية تنشط في بيروت لملاحقة القيادات الفلسطينية لاغتيالها، ففي 28 كانون الأول (ديسمبر) العام 1968 قام الطيران الإسرائيلي بقصف مطار بيروت وتدمير 13 طائرة مدنية، بزعم الردّ على المقاومة. وفي 10 نيسان (أبريل) 1973 استهدف الكوموندوس الإسرائيلي في عملية قرصنية كمال عدوان عضو المجلس الوطني الفلسطيني ومسؤول الإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، مع زميليه الشاعر  كمال ناصر وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمد يوسف النجار (أبو يوسف).

طلب مني مهدي الحافظ كتابة تقرير شامل عن نشاطي ليرسله إلى المكتب السياسي، وكتبت تفاصيل لقاءات أخرى لا مجال لذكرها. وكان من المؤمل أن أصل إلى روستوك (ألمانيا الديمقراطية)، حيث وصل عامر عبد الله لحضور المهرجان، لكنّني لم أتمكّن من الوصول لبقائي نحو شهر ونصف في بيروت، وفي الطريق الطويل حتى وصولي إلى براغ، حيث مكثت في إسطنبول، ثم صوفيا ومنها إلى براغ.

تحدّثت مع اليوغسلاف أثناء زيارتي لدبروفنيك لحضور ندوة طلابية عن ضرورة تشديد التضامن مع طلبة وشعب فلسطين، وذكرت اسم تيسير قبّعة الذي يعرفونه جيداً، كان معي ضمن الزيارة علي الخالدي، طالب الطب النشيط حينها والذي يدرس في بلغراد. وقد حصلت معنا مفارقة طريفة أودُّ روايتها، وإنْ كانت خارج السياق، فحين كتبت مذكرة تطالب بوقف الحملة الإرهابية في العراق، وقّع عليها 39 منظمة، بضمنها ممثلون عن طلبة يوغسلافيا، وفي اليوم التالي فتحوا الحوار مجدّداً معنا وطلبوا شطب توقيعهم، ونصحونا بعدم نشر المذكرة، لأنها سوف تحرجهم أمام المسؤولين، نظراً لعلاقة العراق مع يوغوسلافيا.

حاولنا أن نقنعهم بأننا أشد حرصاً على علاقة البلدين والشعبين، بما فيه الحكومتين، لكن الأمر يتعلق بحملة تعرّضنا لها وكل مطالبتنا هو وقفها، وذكرت اسم عضو مكتب سكرتارية اتحاد الطلبة وعضو الوفد المفاوض لؤي أبو التمنّ، الذي تعرّض للاعتقال والتعذيب، وهو من كان قد مُنح عضوية شرف لنضاله الوطني والمهني، من جانب الاتحاد الوطني لطلبة العراق، لكن السياسة والأحزاب الشمولية لها قوانينها وشروطها، لا سيّما في تلك المرحلة.

عشية انعقاد المؤتمر العاشر لاتحاد الطلاب العالمي، وكنّا نستعدّ له، وقبله لاجتماع اللجنة التنفيذية، اضطررت بتكليف إلى تلبية دعوة لزيارة للقاهرة لحضور مؤتمر بمناسبة ذكرى ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر بعد وفاته بنحو 4 أشهر، على الرغم من صدور قبول بمباشرتي لدراسة الدكتوراه، وقدمت بحثاً فيه بعنوان: عبد الناصر وحركة التحرّر الوطني.

بعد انتهاء أعمال المؤتمر الذي انعقد في جامعة القاهرة، كان من المقرّر تنظيم سفرة لنا لزيارة سدّ أسوان. وحدّد موعد السفر، وتم تهيئة الحافلة لنقلنا إلى هناك، وقد وضعت حقائبي في السيارة المخصصة لذلك، وكنت جالساً بجانب الصديق محمد الحبوبي (رئيس الطلبة في مصر آنذاك وهو من المجموعات الناصرية)، وفوجئت بمجيء عامل الفندق راكضاً، لتسليمي برقية تقول: حاول المجيء إلى براغ لحضور اجتماع اللجنة التنفيذية، وكان التوقيع باسم مهدي الحافظ.

أنزلت حقائبي ووضعتها في الفندق، وتوجّهت إلى شركة الطيران التشيكية التي تعرف اليوم بـČeské aerolinie ، وبالإنجليزية Czech Airlines في شارع 26 يوليو فاستبدلت، تذكرتي ودفعت الفرق، وكانت العودة عن طريق لارنكا، ومنها إلى براغ، وبسبب الثلوج نزلت الطائرة في براتسلافا، وانتظرنا لبضع ساعات، ثم توجّهت إلى براغ، بعد أن فضّل عدد من الركاب خيار الذهاب بالقطار.

***    ***    ***

حين وصولي إلى براغ، عرفت أن نوري عبد الرزاق سيصل ضيفاً على المؤتمر بحكم وظيفته السابقة، وأن أعضاء الوفد هم خليل الجزائري (من موسكو) وعدنان الجلبي (من لندن) وناظم الجواهري (من بغداد). وكان وفد جمعية الطلبة الأكراد قد ضمّ نوزاد نوري وترأسه طارق عقراوي. رسمنا خطة للتحرّك، ولكن ما كان يقلقنا هو: هل سنحتفظ بالموقع (الأمين العام)؟ أم أن هناك ثمّة تطوّرات ومفاجئات؟ بدأت أشعر بها خلال اجتماعات اللجنة التنفيذية، وسألت مهدي الحافظ: هل تعتقد أنك ستبقى أو أن الاتحاد سيبقى في هذا الموقع الدولي؟ الذي كان أيضاً سبباً لخلاف مع الاتحاد الوطني خلال مفاوضاتنا في العراق؟ لم يكن متأكّداً، ولكنه كان قد تلمّس قبل غيره، عدم الرضا السوفييتي، فضلاً عن ثمة مشاكل داخلية، والأهم من ذلك هو تغيّر الموقف السياسي لصالح السودان بدلاً من العراق، (قبل إعدام عبد الخالق محجوب ورفاقه في انقلاب هاشم العطا. تموز / يوليو  1971)، والأمر ليس بمعزل عن علاقة موسكو مع بغداد.

حين وصل نوري عبد الرزاق، وبعد سويعات، جاء بالخبر: صاحبنا (طار)، لأن السوفييت لا يرغبون باستمراره، وكان ذلك يتم في الكواليس، وكان مازن الحسيني وهو ممثل الأردن آنذاك (وقيادي لاحقاً في الحزب الشيوعي الفلسطيني)، قد عبّر بصورة غير مباشرة عن احتمال إجراء تغييرات في قمّة الهرم الاتحادي، وهو ما فهمنا أنه من المحتمل أن يشمل زميلنا الحافظ. ومثل ذلك المشهد الانتظاري بقي عالقاً بذهني، وعرفت بالملموس أن تلك المنظمات الدولية، إنما يحرّكها السوفييت مثلما يحرّكون البيادق في إطار صراع محموم مع الإمبريالية، خلال فترة الحرب الباردة.

أتذكّر أطول جلسة في المؤتمر استمرت 22 ساعة قادها الروسي ساشا، وكان يمثّلهم في الاتحاد هو فلاديمير (فلوديا)، وكنّا قد ذهبنا ونمنا واستيقظنا والجلسة مستمرة، وهو لا يزال على المنصّة، بسبب خلافات مع الرومان وأحد أعضاء الوفد المغربي وآخرين.

عند وصول نوري عبد الرزاق أبلغنا بأنه تم إطلاق سراح تيسير قبّعة، وسألنا عن رأينا فيما إذا كنّا نؤيّد إرسال برقية إلى جورج حبش للطلب منه تهيئة المستلزمات لوصول تيسير إلى المؤتمر، أيّدنا ذلك بحرارة، وكنت على شغف كبير للتعرّف عليه، وهو ما كان الوفد الفلسطيني قد فعله قبل ذلك.

بعد أيام قليلة وقبيل انعقاد المؤتمر في براتسلافا التي انتقلنا إليها بعد اجتماع اللجنة التنفيذية، وصل تيسير قبّعة، وكان معي في الفندق نفسه "يوفانتوس" الذي التقينا فيه أكثر من مرّة، ولدينا ذكريات حميمة فيه، في براتسلافا التحق بالوفد الفلسطيني، وكان الوفد برئاسة أمين الهندي على ما أتذكر (فتح) ومشاركة محمد صُبيح، ومنى الشابة الفلسطينية الجميلة التي ألهبت حماس المؤتمر، وشريف الحسيني وبسام أبو شريف وصادق الشافعي وآخرين - لا أتذكرهم - وكان الوفد الفلسطيني من الوفود الكبيرة جداً.

ولكن معظم وقت تيسير قبّعة كان مع الوفد العراقي، وعندما لم يرشَّح العراق إلى منصب الأمين العام، طلب تيسير الكلام وتم منحه استثناءً، لأنه خلال الترشيح والتحضير لعملية التصويت لا يجوز التعليق أو تقديم مداخلة، وحسب نظام إدارة الجلسات (نظام روبرت رولز Robert Rules)، فإن الرئاسة لا تعطي حق الكلام في مثل هذه الأوقات إلاّ بالقدر الذي يذهب إلى التثنية على المرشحين، فحيّا اتحاد الطلبة ونضال العراقيين، وقال إنهم الأكثر جدارة على تحمّل المسؤولية، وأنه يطالب بتوجيه تحية خاصة لهم في نضالهم القاسي، وكان الوحيد الذي تحدّث، وشعر بحزن شديد. يومها كان الجميع ينظرون إلى قبّعة كبطل خارج من زنازين الاحتلال، صامداً ومتحدّياً.

عند وصول تيسير قبّعة إلى المؤتمر، طلب مني نوري عبد الرزاق أن أضعه بصورة ما يجري في العراق، وعلاقتنا مع الجهة الشعبية، والتي كان مسؤولها "أبو وائل" الذي ربطتني به علاقة طيبة، وقدّم لنا بعض المساعدات في حينها، وكنّا نتبادل الرأي باستمرار باجتماعات دورية معه في المكتب، وفي الغالب مع إيهاب نافع ومع غسان، (نسيت الاسم الثاني ـ اللقب). وكان يوسف سريّة قد تم اعتقاله وحكم عليه لأسباب أخرى. مَسَكني نوري عبد الرزاق بيده اليسرى، ووضع يده اليمنى على كتف تيسير قبّعة وخاطبه قائلاً: هذا هو جيل غوسير Gusir الجديد (أي اختصاراً لاسم اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية) وهم من قاموا بتنظيم حملة إطلاق سراحك.

فتح تيسير قبّعة عينيه الواسعتين اللّتـان تزدادان اتّساعاً بالدهشة والتأمّل، وفيهما شيء من الاحمرار، ووضع يده اليمنى على رقبته، وقال سأبقى ما حييت مديناً للعراقيين، وحيثما أتمكّن سأكون معكم، فأنا مدين لكم ولا بدّ لي من إيفاء هذا الدين.

***    ***    ***

روى لي تيسير قبّعة ما حصل له ومعه، قال: بعد نحو شهر من الاعتقال والتعذيب كنت أنكر اسمي، لأن وثيقة السفر التي كنت قد استخدمتها هي باسم "محمد زياد تيسير" والإسرائيليون كانوا يقولون لي إن اسمك تيسير قبّعة، وأنا كنت أنكر.

قرّروا نقلي إلى سجن آخر "المسكوبية"، ثم اقتادوني إلى السيارة، خلعوا الكلبشة من يدي، وقال لي الضابط: اتفضل أستاذ تيسير. نظرت إليه بشرز، وقلت له: أنا محمد زياد، وفكّرت مع نفسي، والحديث لتيسير قبّعة، إن الإسرائيليين الذين كانوا يعذبونني جسدياً وعلى نحو أشد نفسياً ومعنوياً، ما الذي جرى لهم وأخذوا ينادونني أستاذ، لعلّ في ذلك خطة لتصفيتي، وقد وصلت إلى النهاية، واعتقدت أنهم في الطريق إلى المسكوبية، سيطلقون النار عليّ ويبرّرون ذلك بهروبي من السجن أو سيارة السجن أو محاولة الاعتداء على الحرّاس.

ويمضي قبّعة في حكايته الدرامية المثيرة فيقول: وصلت إلى السجن، ولكي أعرف العرب من اليهود، سلّمت بصوت عالي على الحاضرين بعبارة "السلام عليكم"، فردّ عليّ اثنان، عرفت أنهما عربيان، فأجلساني على فراشهما، وتحدّثا معي بلطف، ولكن أحدهما همس في أذني: ألست تيسير قبّعة؟ يقول تيسير قبّعة: امتعضت وعبّست في وجهه قائلاً: أينما أذهب يسألونني عن تيسير قبّعة، ويفسّر ذلك بقوله: كنت أعتقد أنهم دسّوا أحد المتعاونين مع الأجهزة الإسرائيلية، لاستدراجي لقول اسمي، ويبدأ بعدها مسلسل الاعتراف، كما يظنّون.

يقول قبّعة: أمهلني السجين قليلاً، فرفع غطاء فراشه وأخرج من تحته صحيفة سريّة كانت تسمّى "الجماهير" يصدرها الحزب الشيوعي الأردني، وإذا بصورتي فيها، وعنوان النداء الذي عمّمه اتحاد الطلاب العالمي لإطلاق سراحي. ويواصل تيسير قبّعة حديثه: قلت عملوها العراقيون، لأنني كنت أعرف قدراتهم التنظيمية والتعبوية، فضلاً عن إمكاناتهم وتجاربهم بشأن تنظيم حملات التضامن.

ويمضي قبّعة قائلاً: إذا كنتُ حريصاً على إخفاء اسمي وهويّتي قبل ذلك، فلم يعد بالإمكان الآن، ولكن ربّ ضارة نافعة، فقد امتنع الإسرائيليون بعد ذلك من معاملتي بتلك الفظاظة، وأخذوا يستجيبون لمطالبي السجنية، بما فيها أوقات الرياضة والتعرّض للشمس والزيارات وغيرها. منذ ذلك الوقت عرفت قيمة التضامن الدولي، وعرفت قيمة الوفاء، ووجه خطابه إليّ لا تتردّدوا أن تطلبوا منّا أي شيء نستطيع تقديمه لكم.

مضت الأيام سريعة، التقيته في بيروت بعد ذلك، وعدّة مرّات في براغ، وكان يحبّ مطعم الراعي الذي كنّا نلتقي فيه مع منيرة البياتي وسعد عبد الرزاق ومحمود البياتي في السبعينات، وفي أواخر الثمانينات، كنا نلتقي مع طارق محمود مسؤول الجبهة الشعبية وزوجته ليدا في براغ ومحمود البياتي وياسمين عمر وآخرين. كما التقيته في بغداد في إحدى زياراته في أواخر السبعينات عند عودتي، ولكن العلاقة تعزّزت في دمشق لاحقاً في الثمانينات، حين كنت أعمل في مجال العلاقات، وعرفت كم يتمتّع تيسير قبّعة بصفات متميّزة، وهو ما يحتاجه المناضل الحقيقي، فقد كان شجاعاً غير هيّاب، وصاحب مروءة وشهامة عاليتين، وله رأي في الكثير من الأحداث، ويتصرّف بصورة أقرب إلى الاستقلالية في إطار الخطوط العامة للجبهة الشعبية، لكن فلسطين تسكن ضميره وتحتلّ عقله.

***    ***    ***

كنت ملتزماً مع الهدف، بكتابة مادة أسبوعية، استمرت العلاقة على نحو متواصل لأكثر من ثلاث سنوات، إضافة إلى تكليفات وأبحاث ومحاضرات لإعداد كوادر. (وأتواصل مع الهدف إلى الآن على نحو متقطع)، وكنت قد نشرت مادة لفتت انتباه "حكيم الثورة" كما سمّاه فؤاد مطر في كتابه المهم. وقد رويت بعض محطات العلاقة مع الدكتور جورج حبش، وسأحاول اقتباس جزء من النص الذي نشرته في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 1 شباط (فبراير) 2008 بعد رحيله، لعلاقته بالموضوع، وهي بعنوان: جورج حبش - الاستثناء في التفاصيل أيضاً، وجاء فيها ما يلي:

"أعددت نصّاً كان قد كتبه ييرجي بوهاتكا بعنوان: "عندما تحدّث في يومياته..."، نشر في حينها في مجلة «المنبر» أو المنصّة العام 1974، في براغ على أربع حلقات، وكانت إحدى المستشرقات قد لفتت انتباهي إليه، وقمت في وقتها بترجمته (ولستُ بمترجم)، على أمل نشره، لكنه سرعان ما ضاع بين أوراقي في العراق التي عبثت بها يد القدر.

وبعد خروجي إلى المنفى مرّة أخرى استعدتُ النصّ، وقمت بإعداده، وكتبت مقدّمة له، ووضعت له عنواناً جديداً وهو "مذكرات صهيوني" وقد صدر بكرّاس لاحقاً عن دار الصمود العربي 1985، ونشرته على خمس حلقات في مجلة الهدف، التي تربطني بها صداقة حميمة منذ أن تعرّفت على غسان كنفاني في بيروت في العام 1970، وفيما بعد بسّام أبو شريف في العام ذاته، وصابر محيي الدين رئيس التحرير في حينها.

بعد استكمال نشر المادة، هاتفني الأخ والصديق تيسير قـبّعة، وقال لي: "الحكيم بدّو يشوفك" والتقيت به، واستفسر عن إمكانية الحصول على نص المذكرات التي تعود الى إيغون ردليخ عضو المنظمة الصهيونية "مكابي هاكير" الذي كان معتقلاً في معسكر أوشفيتز (أشهر معسكرات النازية)، والذي تعاون مع جهاز الغاستابو (1940 – 1944).

وقد توقّف الدكتور جورج حبش عند المعلومات التي وردت في المذكرات والتي كتبها إيغون ردليخ في المعتقل، الذي أعدم في العام 1944، والتي هي عبارة عن صفقة لا أخلاقية بين النازية والصهيونية، فمقابل إرسال الآلاف من اليهود إلى أفران الموت النازية، يُرسل بضع عشرات أو مئات من القيادات والمتموّلين الصهاينة إلى فلسطين، وقد تمّ العثور على تلك المذكرات في سقف لأحد البيوت الحجرية في مدينة غودوالدوف بعد أكثر من عقدين من الزمان.

جدير بالذكر، أن المذكرات كُتبت بطريقة حذرة خوفاً من وقوعها بيد جهاز الغاستابو، لكنها تفصح عن الكثير من الخبايا والخفايا حول التعاون والتنسيق بين القيادات النازية والقيادات الصهيونية، فيما يتعلق بمأساة اليهود، ناهيكم عن أنها تكشف عن طريقة التفكير الصهيونية الخاصة بالتربية والتعليم والتنشئة والعلاقات وغير ذلك.

وبسؤال "الحكيم" عن إمكانية الحصول على نص المذكرات، توقعت أن العملية سهلة ويسيرة، ولكن بعد الاتصال بصديقنا القديم موسى أسد الكريم والطلب إليه تأمين نسخة من نص المذكرات، فاجأني محدثي من براغ بعد أسبوع أن ييرجي بوهاتكا هو اسم مستعار لضابط مسؤول عن ملف النشاط الصهيوني في "تشيكوسلوفاكيا" أقيل من منصبه العام 1968، ثم سُمح له الكتابة باسم مستعار، والتقى الكريم بزوجته التي كانت تعيش في إحدى المصحات بعد وفاته بعامين، وحاول الحصول على نسخة من المذكرات حتى وإنْ دفع ثمنها، وكانت تلك إشارة من الدكتور حبش، لكنها رفضت الاستجابة لطلبه ثم امتنعت عن الحديث في الموضوع.

واستفسرتُ من الصديق حسين العامل العراقي المخضرم في براغ فيما إذا كان لديه معلومات عن الرجل، وبعد تدقيق أبلغني أن ييرجي بوهاتكا كان قد ألّف كتاباً عن النشاط الصهيوني في الدول الاشتراكية، واستلم حقوقه البالغة 50 ألف كورون آنذاك، وهو مبلغ لا بأس به في حينها، وقام بتصحيح المسوّدات، واطّلع على صورة الغلاف وعلى الكتاب مطبوعاً في المطبعة، لكن الكتاب اختفى قبل يومين (من صدوره)، ونقلت تلك المعلومات إلى الدكتور حبش الذي أصيب بدهشة وذهول مثلي وربما أكثر منّي، لا سيّما أن ذلك جرى في ظل النظام الاشتراكي السابق.

***    ***    ***

في بيروت، وفيما بعد في الشام، لم يبخل معنا تيسير قبّعة، وقدّم كل ما يستطيع بصفته مسؤولاً عن العلاقات الخارجية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفيما بعد بصفته عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني (نائب رئيس) أو في منظمة التضامن الإفرو – آسيوي (AAPSO) أو في عضويته بمجلس السلم العالمي، فقد دعم طلبنا حين تقدّمنا باسم اللجنة الوطنية للسلم والتضامن للانضمام إلى المجلس، وخصوصاً بعد إعادة تركيبها في مطلع الثمانينات، ومفاتحة شخصيات سياسية وثقافية مهمّة للانضمام إليها، مثل الجواهري ومحمود صبري وعلي الشوك، وغيرهم.

وأذكر حين نشب الخلاف داخل الحزب الشيوعي، وتعرّض العديد من المناضلين إلى الفصل، واستخدمت بحقهم وسائل عديدة للإذلال، مثل قطع المخصّصات، وما يتفرّع عنها، من علاج ودراسة للأولاد، ووثائق سفر (جوازات) وتزكيات أمنية وغير ذلك، بادر تيسير قبّعة إلى مساعدة الكثيرين، وبطيبة خاطر.

وأتذكّر بعد فصل ماجد عبد الرضا من الحزب، تم قطع مخصص تفرّغه والامتناع عن تسديد علاج ابنته التي كانت في إحدى المصحّات اللبنانية، وتوفيت لاحقاً، وكان عليه تسديد إيجار ثلاثة أشهر، فقررنا فيها مفاتحة تيسير قبّعة بالأمر، وكان بحضور مهدي الحافظ، الذي جاء من فيينا بزيارة عمل إلى الشام، ولم نكد ننتهي من عرض المسألة على قبّعة، حتى قال عليه الذهاب إلى مجلة الهدف لاستلام راتبه الشهري، وسأبلّغ الحكيم بما حصل، (لأنه كان مسافراً).

خصَّصت الهدف أعلى راتب لماجد عبد الرضا، قياساً لما كانت تدفعه للمحرّرين الأساسيين، ولم تطلب منه الكتابة، وتعاملت معه باحترام شديد، وكان ذلك جزء من أخلاقيات صابر محيي الدين أيضاً، الذي تسنّى لي التعامل المباشر معه لفترة طويلة، وليس بمعزل عن توصية قيادات الجبهة وخصوصاً تيسير قبّعة وجورج حبش. فضّل ماجد عبد الرضا الكتابة، ولم يرغب باستلام راتب دون عمل، وكان قد كتب عدداً من المقالات في المجلة، لكن كتاباته كانت مطوّلة ومُسهبة، وبعضها ليست محلّ اهتمامهم، أو ليس لها طابع راهني، وهو ما كان يحرج رئاسة التحرير، التي لا تريد ردّ طلب لماجد عبد الرضا، ولكنها كانت تراعي الجانب المهني في الوقت نفسه. ومن رهافة حسّ رئيس تحرير وذوقه وتواضعه عمّم كتاباً، جاء فيه: إن المقالات الأسبوعية لا ينبغي أن تزيد عن 700 كلمة، أما الأبحاث والدراسات، فهي إما أن تتم بتكليف خاص للأعداد الخاصة أو للعدد السنوي، أو لبعض الملفّات، الأمر الذي ينبغي مراعاته من الجميع، وهو ما كنّا قد اتفقنا عليه معه.

أذكر حادثة ثانية لها دلالة مهمّة، كيف وقف تيسير قبّعة مع محمود البياتي في محنته في براغ، يوم تعرّض إلى مساءلات وضغوطات وتهديدات بخصوص علاقته مع "المنبر"، (المجموعة الشيوعية التي اتخذت مواقف مختلفة عن قيادة الحزب الشيوعي، ولا سيّما بخصوص الحرب العراقية – الإيرانية، وتطوّرت إلى اتجاه فكري ينحى نحو التجديد)، حيث تم تهديده بالطرد، وحرمت زوجته ياسمين من العمل في الإذاعة التشيكية (القسم العربي) بعد أن كانت قد أدّت اختباراً ونجحت فيه، لكنه لم يتم تعيينها بسبب رفض المسؤول عن التنظيم الحزبي إعطاء موافقة الحزب، وقد روى محمود البياتي تفاصيل ذلك بمرارة في أكثر من مناسبة، وكان يعدّ لرواية خاصة، لهذه الحادثة، وما تعرّض له من اتهامات وتحقيقات، وكذلك لحوادث أخرى مماثلة، استغلّ فيها المسؤولون نفوذهم مع الدول المضيفة، للتنكيل بخصومهم والنيل منهم.

قام تيسير قبّعة بالاتصال بمنظمة التضامن التشيكية، وقال لهم: يمكنكم اعتبار محمود البياتي على ملاك الجبهة الشعبية، أو منظمة التحرير الفلسطينية، أو حتى اعتباره فلسطينياً، فهو يقوم بمهمات استشارية لمندوبنا ولسفارتنا. وزكّى عامر عبد الله ونوري عبد الرزاق، ما قاله تيسير قبّعة إلى التشيك، بشرح جوانب من الخلافات الدائرة آنذاك، وبعض التصرفات اللاّإنسانية.

كانت الفيز للدول الاشتراكية، وبخاصة إلى تشيكوسلوفاكيا، تشترط بالمتقدّم أن يصرّف يومياً مبلغاً من المال بالعملة الصعبة، وهي مبالغ كبيرة ضمن حسابات تلك الأيام، ولأن الحصول على الفيز كان يتم عبر الحزب، فإن ممثليه امتنعوا، بل وجّهوا كتاباً إلى سفارات الدول الاشتراكية ببعض الأسماء، لكي لا يتم منحهم الفيز بزعم أنهم يقومون بمهمات تخريبية ضد الحزب. وقد اعتذر سمساروف السفير البلغاري في دمشق شخصياً لرفيقنا ماجد عبد الرضا عن منحه فيزا في وقتها، الأمر الذي طلبنا له جوازاً خاصاً (خدمة) من اليمن، لكي يعفى من مسألة التصريف والفيزا التي تمنح له في المطار، حسب اتفاق بين الدولتين، وقام نوري عبد الرزاق بكتابة رسالة إلى "محسن" (محمد سعيد عبد الله) لتسهيل الأمر وتسريعه.

وكنتُ دائماً ما ألتجىء إلى تيسير قبّعة، فأطلب منه ذلك لبعض الرفاق أو المرضى، ولم يردّ لي طلباً، فقد كان يتعامل بكل سخاء إنساني مع تلك الاحتياجات، وقد قدّر لي أن أحصل على الفيزا لعدد من الرفاق، كما طلبت منه عدداً من جوازات سفر يمنية، فلم يتردّد لحظة، إضافة إلى هويّات باسم الجبهة الشعبية وفرص عمل لعدد من الرفاق، وغير ذلك من التسهيلات، بما فيها لدى الحكومة السورية، وكان قد وضع توصية إلى صالح... عضو مكتب العلاقات لمساعدتنا وتلبية طلباتنا حين يكون مسافراً. وأعرف أنه كان يرسل مبلغاً شهرياً لأحد الرفاق في أوروبا وآخر في إحدى البلدان العربية.

قال تيسير قبّعة: إن التجويع ليس سياسة، بل هو انتقام، وهو ليس شجاعة، بل جبن، وهو ليس مواجهة، بل كيدية وثأر، إنه باختصار طريقة لا أخلاقية في التعامل مع المناضلين وفي الاختلاف. قال ذلك أمام عامر عبد الله، وأمام مهدي الحافظ وماجد عبد الرضا، ولذلك كان قد قرّر تخفيض الدعم المقدّم إلى الجهة الرسمية بالحزب، لكي يستطيع أن يعوّض بعضها للمناضلين كي لا ينتهوا.

أذكر ذلك الآن، لأن تيسير قبّعة الإنسان السخي والكريم، يتم التعامل معه انتقاماً بسبب الرأي، بل مع الجبهة ككل، فتقطع مخصصاته، وهو في آخر العمر ويعاني من أمراض شتى. أعرف أنّ حديثاً من هذا القبيل قد لا يرضي تيسير قبّعة، وربما يزعجه، فكم هو أبيٌ ومفعم بكبرياء عالية، ومع ذلك أكتبه لأنه يريح ضميري، وأستطيع أن أتكهّن أنه سيرضي الآلاف، بل عشرات الآلاف من المناضلين، الذين ينظرون إلى تيسير قبّعة كرمز شجاع اختلفوا أو اتفقوا معه. وكل كريم وسخي نقيض للجبن والشّح، فالشجاعة صفة لصيقة بكرم الأخلاق والقدرة على العطاء والاستعداد للتضحية، في حين أن البخل والشّح ملازمة للجبن والأنانية.

كان بعض الرفاق يعتقدون أن الفيز التي نحصل عليها هي بمساعدة دوشان أولجيك رئيس اتحاد الطلاب العالمي السابق، والسفير في دمشق لاحقاً، وفيما بعد الأمين العام لاتحاد الصحفيين العالمي، وكان أحد الرفاق القياديين قد سألني مباشرة، لكن الحقيقة وعلى الرغم من علاقتي به، لكنني لم أطلب منه ولا مرّة أية مساعدة، وكنت ألتجىء إلى تيسير قبّعة وأصدقاء آخرين، أذكرهم الآن باعتزاز: قيس السامرائي (أبو ليلى)، وخالد عبد المجيد (الأمين العام لجبهة النضال الشعبي)، وعاطف أبو بكر، وفي براغ كنا نستعين بسميح عبد الفتاح (فتح)، وطارق محمود (الجبهة الشعبية) وآخرين. ولا أريد أن أتحدث عن دور أبو عمّار وماجد أبو شرار وعبد الله حوراني، ممن قدّموا لنا مساعدات لا حدود لها.

***    ***    ***

وخلال عقد الثمانينات كنت ألتقي مع تيسير قبّعة في مؤتمرات في دمشق والقاهرة وطرابلس وعدن وأثينا وبراغ وغيرها، سواء في إطار مؤتمر الشعب العربي أو منظمات التضامن والسلم أو في عدد من الندوات الفكرية والمؤتمرات حول الإرهاب والصهيونية أو في ما يتعلق باشتراكي البحر المتوسط، وقد رويت مؤخراً لابتسام نويهض (زوجة تيسير قبّعة) ما حصل في إحدى المرّات في طرابلس مع تيسير قبّعة، فلم تكن تعرف ذلك وكذلك ابنته رانية.

كان الحوار في طرابلس حول الأزمة في حركة التحرر الوطني، (أعتقد أنه في النصف الثاني من الثمانينات)، وكانت الدعوة قد شملت القوميين بمختلف توجهاتهم، وكذلك الماركسيين بمختلف ألوانهم. وكان الحاضرون يمثّلون نخبة متميّزة، مثل كامل الزهيري ومحمد فايق وتيسير قبّعة وعوني صادق وأحمد سالم وإنعام رعد ونجاح واكيم وعبد الله الساعف، وعصمت سيف الدولة، ومبدر الويس وعبد الرحمن النعيمي وميلاد مهذبي وعمر الحامدي والحضيري وجورج حاوي وجورج البطل وعربي عوّاد وأديب ديمتري ومصطفى القباج وناجي علوش وعبد الله العياشي وعمر علي وإلياس مرقص وعبد الحسين شعبان، وقيادات من حركة المقاومة بمختلف فصائلها وممثليها في طرابلس.

وكنت أقدّم بحثي الموسوم: الأزمة في حركة التحرر الوطني: هل هي استعصاء دائم أم مجرد مصاعب مؤقتة؟ (وقد أدرجت هذا البحث الذي يعود إلى نحو ثلاثة عقود من الزمان في كتابي الموسوم: المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى، دار بيسان، بيروت، 2016). وكان رئيس الجلسة تيسير قبّعة، وإذا بها مفاجأة تحدث من العيار الثقيل، حين قام أحد الموجودين في القاعة، بالوقوف مخاطباً المنصّة: أنت.. إسمع: الماركسية سقطت.. نعم الماركسية سقطت.. فاعتقدت أن الأمر يخصّني، وإذا به يوجّه كلامه إلى تيسير قبّعة، قائلاً أنت يا تيسير الماركسية سقطت، خلّيكم قوميين.. لكن المفاجأة الأكبر حين لم يردّ عليه تيسير، وأنا أعرف أنه لا يتقبّل مثل هذا التحدّي أمام الجمع الكبير من المثقفين والمفكرين العرب.

كان تيسير يعرف أن موعد وصول العقيد القذافي أو الرائد عبد السلام جلّود قد أوشك، فانتظر، وبعد لحظات دخل جلّود، فقام تيسير ورحّب به وطلب منه القدوم إلى الصف الأول، بل ألحّ عليه، وحين استقرّ جلّود في مقعده، استأذن تيسير من الباحث، لكي يرحب بجلود، وإذا به يطلب من الشخص الذي تهجّم عليه الوقوف، قائلاً: "سباطّي عليه وعلى..."، نحن لا نقبل أن يزاود علينا أحد، نحن في الشعب العربي الفلسطيني لدينا شهداء يفوق عددهم سكان دول، نحن في الجبهة الشعبية نحسن الاختيار، ونعرف أين مصالحنا والأفكار التي تخدمنا والتي نتبنّاها بعد حوار ونقاش، انسجاماً مع أهداف شعبنا.

واحتدم الموقف وقام جلّود وجورج حاوي والآخرون لتهدئة الأجواء، ولاحظنا أن الذي كان قد تهجّم قبل مجيء جلّود اختفى تماماً، وذاب وكأنه فص من الملح، ولا أحد يعرف من أين أتى؟ ومن دعاه؟ ومن يقف خلفه؟ وبالطبع، فالأمر لم يكن بعيداً عن أجهزة أمنية وردود فعل للنقاشات بين الماركسيين والقوميين العرب بخصوص إشكالات حركة التحرّر الوطني، وهي إشكالات مطروحة بحدّة في تلك الأيام، لا سيّما من يقول إنها مجرد مصاعب وأخطاء ونواقص، في حين هناك من كانت تشخيصاته تقول إنها أزمة بنيوية تتعلّق بالفكر والممارسة والقيادة وأساليب العمل، تحتاج إلى مراجعة ونقد وتصويب وتعديل في الوجهة.

وحين دعاني لاستكمال إلقاء البحث الذي لم يتبقى منه إلاّ القليل، قلت له لقد أكملت، إذْ لم يكن من المعقول عندي استمرار إلقاء البحث في تلك الأجواء، وفي ظلّ الوجوم الذي اعترى الجميع، وخيّم على القاعة.

أستعيد الآن ذلك المشهد الدرامي، وكأنّه مرّ يوم أمس: كان تيسير كلّما يصعّد في الموقف ويعلو صوته، كنت أضغط بأصبعي على ركبته من تحت الطاولة لكي يخفّف، لكن تعنيفاته وتحدّياته كانت في تصاعد، واضطررت أن أضغط على حذائه لإلفات نظره أكثر، لأنني شعرت أن المسألة قد تأخذ بُعداً آخر، بعد انتهاء هذه "الحفلة"، سألت تيسير، ألا كنت تشعر أنني أحاول تنبيهك إلى ضرورة التهدئة؟ فقال لي: نعم، كنت أحسّ بما تقوم به، ولكنني دون استخدام مثل هذا الأسلوب لا يمكن أن يستمع إليك "هؤلاء"، ويقصد بعض المهووسين الذين يريدون الانتقاص من المناضلين أو المثقفين، وأظنّه كان على حق، فهو صاحب تجربة وخبرة طويلة في التعامل مع مثل هذه الأوساط، وهو ما اتّضح حين اعتذر له "الجميع" والمقصود هنا المسؤولون الرسميون.

***    ***    ***

مؤخراً حين دعتني الإعلامية والشاعرة العربية السورية نوال الحوار، للحديث مع صديق قديم عبر الهاتف، لم أكن أعرف أنه سيكون تيسير قبّعة. وبحميميّته المعتادة باشرنا فوراً بالسؤال عن الأحوال وجرّنا الحديث إلى الأهوال، وكان للأصدقاء وبعض عتب مملّح حضور في ذلك. كنت قد التقيت قبل ذلك ابنته رانية وتبادلنا الحديث عنه وأرسلت عبرها سلامات إليه، وحاولت خلال تردّدي إلى عمان الاتصال به، فأحياناً يكون خارج الأردن، أو أن زيارتي قصيرة لم تسمح للقاء، والاكتفاء أحياناً بالهاتف.

كان اللقاء في بيروت مزيجاً من مراجعات واستعادات لصداقات وأسماء ومواقف وذكريات، فقد استعاد معي بعض علاقات وخصوصيات مع عامر عبد الله وفاروق رضاعة وماجد عبد الرضا وآرا خاجادور ومنيرة البياتي وسعد عبد الرزاق ومحمود البياتي وآخرين. بعضهم رحل عن دنيانا وبعضهم الآخر حدثته عنهم.

وأعاد لي اللقاء الأخير بحضور مفكرين وفنانين ومثقفين، ستينات القرن الماضي، حين كنّا شباباً، وكان كل منّا يشعر أنه يستطيع أن ينزل القمر أو يلعب بالشمس كما يريد. لم نعاني حينها من أمراض أو عقد، ولم يكن يَدُر بخلدنا أن الحياة هكذا مملوءة بالغدر والخديعة. كنّا نحلم ونشعر بقوّة الأجساد والعقول والإرادات، وكان الحق مصدر الإلهام الأساسي لدينا.

كان الدخان يملأ الشقة الصغيرة الأنيقة وغناء خفيف يأتي من غرفة داخلية إلى الصالون، وكؤوس النبيذ أحمرها وأبيضها ترتفع وتنزل، وغير ذلك من الدنان العتيقة، تصب في الأقداح الأنيقة، شربت من كل قلبي بصحة تيسير قبّعة، وتمنيت له عمراً مديداً، بكرمه وسخائه وشجاعته ومروءته.

أوَيوجد رأسمال أثمن من ذلك أو أقيم منه؟ إنه رأسمال الكبير الذي امتلكه ماركس حين خاطبته والدته: أفضل لك أن تجمع المال لا أن تكتب المؤلفات عن الرأسمال، لكن ماركس وغيره من الذين عملوا للمستقبل، بل إن نصف عقولهم كانت له: كانوا أصحاب رأسمال كبير: هو سعادتهم في النضال من أجل إلغاء استغلال الإنسان وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، ومع تيسير قبّعة كان أمل التحرير ودحر الصهيونية واستعادة حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وخصوصاً حقه في تقرير المصير وحق العودة، المدخل لأي تحرّر من الاستغلال ولتحقيق العدالة والمساواة.

كم كان تيسير قبّعة متابعاً لنشاطنا في اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379 الصادر في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975، "اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية" والذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، واعتبرها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وكنت أتشرف بتواضع كوني أميناً عاماً لها، وكان قبّعة داعماً للجنة ونشاطاتها سواء بدعوتنا للمؤتمرات والفعاليات العربية والدولية، أو حين يطلب مني أحياناً إعداد بعض الأبحاث والدراسات عن طبيعة الصهيونية والصراع العربي – الصهيوني، وخصوصاً من الزوايا القانونية الدولية.

***    ***    ***

ابن قلقيلية الحالم بموعد تحت ظلال شجرة الزيتون وعلى ضفة الشاطىء، حيث الدهشة الأولى، لرجال صادقوا أحزانهم، في أرض الأنبياء والقدّيسين، يستحضرون التاريخ لعهود سالفة، حيث شهدت تلك البقعة مقام النبي يامين والنبي شمعون والنبي إلياس، مثلما عرفت مسجد محمد الفاتح والجامع العمري (نسبة إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب) ومسجد حجة الذي يعود إلى العهد المملوكي... لا زال يتهجّى دروس المقاومة برومانسيتها الأولى ويستعيد أبجديات الثورة بإشراقاتها، لكي تبقى القضية طازجة وطريّة لا يلفّها النسيان، أو تحفظ في الأدراج، لأنها ليست قضية لاجئين، بل هي قضية شعب له الحق في تقرير المصير.

وتشير بطاقة ابن قلقيلية إلى أنه وُلِد في 20 آب (أغسطس) 1938 وتخرّج من مدرستها الثانوية، والتحق بجامعة دمشق، واعتقل بعد الانفصال، وأُبعد إلى القاهرة، حيث أكمل دراسته في التاريخ ونال درجة الماجستير. وبعد اعتقاله وسجنه في القدس العام 1967، أبعد إلى الأردن عبر صحراء النقب في مطلع العام 1971، وانتخب عضواً في منظمة التحرير الفلسطينية (م ت ف)، وظلّ أبو فارس على صلة وثيقة باليسار العربي، وبشكل خاص باليسار اللبناني والعراقي، وبأوساط يسارية دولية في أميركا اللاتينية وأوروبا.

لتيسير قبّعة الحق كل الحق أن يفخر أنّه فلسطينيّ، فهذه الأرض حتى وإن "هطلت الحجارة" فيها على الصحراء، فإنها تستصلحها لتثمر تيناً وزيتوناً على حد تعبير إميل حبيبي، فما بالك إذا تآخى مع التمرّد وتحالف مع الحلم، وعقد معاهدة مع المستقبل، حتى وإن كان غامضاً أو بعيداً.

وتيسير قبّعة على الرّغم من كل الأحزان والمرارات والخيبات والانكسارات، في الوطن والشّتات، فإن فلسطينه الواقعية والمتخيلة، قلب بلاد الشّام وأمّة العرب، ظلّت حاضرة في عقله، يراها كلّما فتح عينيه أو أغمضهما، فصاحب العينين الواسعتين والصوت المميّز والرأي الشّجاع، ظلّت قبلته قلقيلية، وكل شيء يدلّه على قلقيلية، وأينما اتّجه تكون بوصلته قلقيلية، وحين يتذكّر قلقيلية تكبر ابتسامته وتزداد إشراقاً.

 

قرية الجرف (2)

ali alsawadتحولت بيئة الريف خلال سنوات الاهمال المقصود الى بيئة طاردة بعد ان تدهورت حالتها وبالتالي حرضت على الهجرة الى المدن. حتى ارتفع منسوب سكان المدن مما سبب الكثير من الاختناقات في كل شيء في السكن في المعيشة  والخ،اضف الى تزايد اعداد العاطلين عن العمل والى ماهنالك من السلبيات الكثيرة . فقرية اليرف التي تحولت الى مكان مجهول الهوية لانه لم تحدد معالمه الى الان ولم يعرف ماهو بالضبط  كما كان سابقا.

 كقرية ريفية على الاقل كانت منتجة اما الان فهي شبه عاطلة عن ممارسة اي شيء الا من بعض المحاولات الخجولة وبالتالي لاتختلف عن اي قرية في العراق، والعراق شبه معطل عن اللحاق في الاقل بدول الجوار. ولهذا فقرية اليرف قد فقدت رمزيتها التاريخية كموطن للاباء والاجداد لانها تغيرت تماما وانقطعت صلتها بالريف بسبب عوامل كثيرة، واهمها ان الجيل الحالي يرفض الانتماء الى الريف.

وحالهم لايختلف عن اكثرية العراقيين الذين يحتقرون الريف ويعتبرونه مكان تخلف ومعيق للتطور... ولهذا فان عملية احتقار الريف والتعالي عليه ونبذه والهروب منه مستمرة حتى تصحر اغلب انحاء العراق، وهذا مايؤكد بشكل قطعي ان القائلين غير مدركين لما يقولون او يعتقدون،على اي حال ليس الان مجال مناقشة هكذا اراء عشوائية ساذجة ولكن علينا ان نتعرف ان مثل هذه الاراء العشوائية والساذجة قد اثرت تاثيرا كبيرا بتطفيش اغلبية سكان الارياف من قرارهم.

 مثل ماحصل مع سكان محافظة ميسان ومن صمد او لم يترك قريته وارضه فانه قد ترك الزراعة وتحول الى مستهلك تقليدي.. لايختلف عن غيره وبالتالي انخرط لاقتناء مغريات العولمة الشكلية الكاذبة التي للاسف كمايتصورها الكثير من العراقيين على انها المعيار الحقيقي للتمدن والتطور.

وهذا بتقديري تهافت يكشف عن تدهور الوعي والادراك. لكنهم يعتقدون انهم قد احرزوا و حجزوا لهم مكانا تحت الشمس اي اصبحوا مثل الامم المتطورة!بينما الحقيقة والواقع غير ذلك تماما والان لست بصدد الكتابة عن هذه الموضوع المعقد والشائك جدا، فقرية اليرف التي حفزتني على ان اتناول ماضيها الجيد تقريبا واقصد كما رايتها انا منذ فترة بعيدة تقريبا.

 وبالمناسبة من المناسبات الجميلة جدا التي اتذكرها في قرية يرفنا جرفنا بكل تفاصيلها الان وهي زواج احدى خالتي الكريمات والتي يكون ترتيبها بين خواتها الستة الترتيب الخامس،من ابن عمها وكان شابا يافعا مظهره الخارجي يوحي بهيئة جسمانية لاباس بها وقوة وان كانت غير مجربة في وقتها لكنني كنت اراه يحاول ان يتخلص من فائض القوة.

 التي لديه حينما يمازح اويمسك بعضد او طرف احد من هم بنفس عمره فاسمعهم يتأوهون وسرعان ما يفلتوا من قبضته ويطلقوا سيقانهم للريح. المهم كانت ليلة زفاف هائلة صاخبة رغم الظلام الذي لف المكان وان تغلبوا عليه بأضوية الفوانيس كما يسمونها( باللوكس) التي تحتاج الى شخص يملك خبرة في اشعالها والا تتعثر عملية الاشعال.وتأخذ وقتا طويلا بسبب دقة الفتيلة فاذا تلقت الضغط المتسارع والعنيف فانها تسقط.

وقد تتعرض الى التلف واذا لم تتلف فان اعادتها تحتاج الى صبر، فمازلت اتذكر يدور حول العملية اعتراضات ونقد واخذ ورد حتى يتحول الحدث الى شبه دراما، ومن الذكريات المهمة ايضا التي تكشف عن جانب من طفولتنا السيء عندما ننفرد بممارسة الفوضى التي نظنها جزء من الحرية التي لم نحصل عليها اطلاقا بسبب التربية التقليدية الخاطئة التي نشأنا عليها فباختصار انفلتت الغرائز المقموعة في ظهيرة ذلك اليوم باتجاه بستان السيد محمد الهويدي.

من سكان القرية ويبدو انه كان ينتظر ريع بستانه البسيط المزروع بالبطيخ والرقي الذي وحدهم العراقيين يسمونه بالرقي لان مصدره من مدينة الرقة السورية بينما العرب يسمونه بطيخ والبطيخ هو الشمام المهم فان بستان السيد قد تعرض الى غزوة صبيانية همجية عاثت بمزروعاته و ببستانه بقسوة بحيث لم تبق له اي شتلة في مكانها او اي نبتة.

 الا وقد تعرضت للقلع او الدوس بارجلنا وبايدينا كانت هستيريا جماعية لا اعرف بالضبط ما اصابنا حينها، فخلال لحظات قد انهار كل شيء بعد عملية التقاذف والتراشق بالبطيخ والرقي والخيار والنباتات حتى تغير منظر البستان وصار حزينا... لان كل نباتاته مقطعت الاوصال ولم يثير فينا اي رغبة للتعاطف معه وتركناه ورجعنا محملين بالرقي والبطيخ الذي لم ينضج بعد وكنا فرحون بفعلتنا الوقحة الا اننا في بدابة الامر لم نواجه باي اعتراض من قبل الكبار اقصد كل اقاربنا بما فيهم بعض اهل من كانوا معنا وايديهم اثمة بقلع وقطع مزروعات البستان.

 الذين كلهم شاركونا في الغنائم وراحوا يخطفون من ايدنا كل شيء يرونه وماهي الا لحظات مباغتة حتى اننا قد عرفنا ان السيد علم بما حل به في ذلك اليوم الحار والدبق،جاءت الاخبار ان السيد واهله وجيرانه غاضبين علينا ويتوعدوننا ويهددوننا واحدى تهديداتهم سوف يرموننا بالشوايخ ،والشوايخ يقصدون بها هي الترع اي القنوات المائية.تعالت اصوات الرفض والاحتجاج واصبحوا الكبار يبوخوننا ويهددونا بالويل والثبور بعد ان تنصلوا من فعلتهم.

وانا شاهدت منهم الكثير يحاول ان يخفي معالم الجريمة والتخلص من اثارها من خلال ترك المكان والانتقال الى مكان اخر لم تمارس به اي عملية كسر بطيخة او رقية او قثاء يعني (طرحة- طرح) كما يسموه اهل البصرة وهي طرحة كبيرة يتجاوز طولها احيانا النصف متر او اقل اعتقد هم يتركونها للموسم القادم، للحصول على بذورها. فهكذا رايت اهل اليرف بكل مناسباتهم، فمثلا من المناسبات التي شاركتهم بها فهي مناسبة الليلة الاخيرة من عاشوراء ليلة الاحياء وهي باللهجة المحلية ليلة الحي.

التي تتطلب منا وان كنا صغارا ان نكون على اتم الاستعداد واليقظة والا داهمنا النعاس وفرض علينا سلطته وبالتالي يجعلنا في حالة من الاهانة والفشل بين اقراننا الذين فازوا بتحديهم ليل الشتاء الطويل واذا صمدنا الى الساعات الاخيرة فيجب علينا القيام كما صادفته للمرة الاولى والاخيرة وهو احد الطقوس المهمة لاهل اليرف ومنهم مثلا اهل الحسينية الذين يذهبون الى خطوة العباس والتبرك بطابوقها اللامفخوركما اتذكره الان والدوران حول قبتها.

 حتى يثبت لك الاجر وبعدها تشعر بالرضا التام،وانك قد احرزت قبول وبركات الامام الحسين، بالرغم ان القبة تعود الى الامام العباس وهي عبارة عن قبة معمارية جميلة توحي الى ان من قام بتشيدها يملك الخبرة الكافية ويفهم شروط البناء ويفهم مقتضيات فن العمارة بشكل جيد، الا ان اهل اليرف بسبب وعيهم التلقائي البسيط فقد اطاحوا بالقبة المميزة وهي اهم معلم تاريخي لديهم ولايوجد غيره اطلاقا.

 اما اهل الزبيرية فيمارسون طقسهم الاخير من ليلة الاحياء عند علي ابو الغزلان وكيف سمي بهذا الاسم وهذه حكاية جميلة وان هي خرافة واضحة المعالم والاسباب،الا اننا سنعتني بذكرها بالتفصيل بعد ان نستعين بالذاكرة وما تبقى فيها من الحكاية عموما الحكاية تقول في احدى السنين المنصرمة نزحوا اهل القرية من بيوتهم بسبب الفيضان فكانت عادتهم تقتضي ان يضحوا بخروف او عجل لصاحب القبر والقبر قريب من بيوتهم جدا.

 ولكن بما ان الفيضان قد اعاق العملية وانشغال اهل القرية في محنتهم ولملمة اشيائهم الطافية والراكسة فوق الماء وتحت الماء.حتى انكشف النهار وهدأت نفوسهم واحصوا تقريبا خسائرهم وتعايشوا مع محنتهم كمجبرين لا كابطال حتى نهض من بينهم احدهم وهو يصيح بهم الله واكبر لقد نسينا ان نقدم القربان الى سيد علي وهو كما يعتقدون يرجع نسبه الى الامام علي ع فراحوا يتراكضون وهم يخلعون دشاديشهم ذات الخياطة السيئة والقماش الرديء لاقتحام برك الماء باتجاه الضريح الذي لم يصل اليه ماء الفيضان وهذه احدى علامات الاعتزاز والفخر به.

 بل ضاعفت من قيمته الرمزية المقدسة!كما انا رايته بمنتصف الثمانينيات وهو عبارة عن اشلاء من الحجر والطابوق الصغير والقليل اي بضعة حجرات وانصاف وارباع الطابوق الموضعة بطريقة غير منظمة على اية حال كما يقول الراوي وهو احد سكان القرية فوصلوا الى المكان فوجدوا غزالا مطروحا باتجاه القبلة وينتظر بكل هدوء وسكينة.

حتى يذبح وبجانبة الايمن سكين لامعة عاكسة لاشعة الشمس فلما اقتربوا منه اجتاحهم الاضطراب والارتباك وخافوا، لكنهم سرعان ما تناخوا ولملموا شتات قوتهم وتشجعوا و تغلبوا على صدمتهم،و خوفهم، حتى تطوع احدهم واخذ السكين وانهال على الغزال حتى عزل راسه عن جسمه وهو في غاية الحماس وتعالت التكبيرات والصلوات.

 ومن هنا انطلقت التسمية واصبح علي ابو الغزلان بينما الحكاية تقر بان حادثة الغزال تتحدث عن غزال واحد وحصلت مرة واحدة والى الابد فسؤالي كيف سمي علي ابو الغزلان وليس على ابو الغزال؟! عموما انها من حكايات التراث الشعبي الجميل الذي يجب الاعتناء به والمحافظة عليه لانه من خلاله نستطيع ان نفهم ونتعرف على الاجيال التي سبقتنا.

 

علي السواد

 

من تاريخ مدينة سوق الشيوخ المعاصر .. ديكسون (2)

hamid shakir(سوق الشيوخ بين عصرين): ما يميز الحقبة التي حكم وادار فيها الكولونيل (ديكسون) مدينة سوق الشيوخ العراقية (1915م، 1918م) عن غيرها من المناطق الاخرى انها:

اولا: حقبة تاريخية فاصلة بامتياز لمدينة سوق الشيوخ مابعد الهيمنة التركية والتبعية المشيخية المنتفجية لها، والتي بقيت اجتماعيا وتجاريا وسياسيا و .. تاريخيا ما قبل ذالك تتحرك لقرون متصلة ب (الدفع الذاتي)، ومن خلال الاحكام العرفية العشائرية البعيدةعن تنظيم وادارة الدولة والحكم والقانون !.

ثانيا: ان رائد وقائد هذا الفاصل المعاصر الجديد لهذه المدينة، وان كان في عنوانه العام هو الاحتلال البريطاني لها وللعراق بصورة عامة الّا ان مباشر ومدير هذا التاسيس (ديكسون) لسوق الشيوخ هو احد امهر، وابرع القادة السياسيين والعسكريين البريطانيبن الذين تميزوا بفكرسياسي واداري مختلف عن ما موجود عند باقي العسكر البريطانيين الذين اداروا وحكموا باقي مدن العراق الاخرى وربما باقي مدن العالم العربي ايضا !.

بمعنى اوسع واوضح: ان مدينة سوق الشيوخ وكما هو معروف عن نشأتها التاريخية هي من المدن التي برزت (للفعل) الاجتماعي العراقي التاريخي والاقتصادي بالتحديد منذ (مايقارب) الاربع قرون خلت من تاريخ العراق الحديث باعتبارها مدينة اقتصادية اكثر(في بداية امرها) منها كمدينة سياسية، بل ان اقتصاديات هذه المدينة (وجود التنوع المهني، والسكاني بالاظافة لمواردها الزراعية والنهرية) ربما يشكل احد الاسباب الرئيسية التي دفعت (مشائخ المنتفك)لاتخاذها عاصمة سياسية لحكم تحالفهم القبلي الذي كان قائما (بين أجود، وبني مالك، وبني سعيد)، والذي كان يمتد وينتشر في جنوب العراق من هور الحمّار الى الشطرة وحتى قلعة سكر فسوق الشيوخ كمركز ليغطي بنفوذه (حكم هذا التحالف القبلي)، وسيطرته الفعلية فضاء السماوة شمالاغربيا صاعدا، والبصرة جنوبا نازلا، والعمارة شرقا !!.

وحسب ماطرحه صاحب كتاب (اربع قرون من تاريخ العراق الحديث) (لونكريك) في موضوعتي (نشأة المدن النهرية الجنوبية) وعلاقة التحالف المنتفجي بالخصوص بمدينة سوق الشيوخ، يتبين لنا:

اولا: في نشاة المدن النهرية الجنوبية العراقية بصورة عامة، ومدينة سوق الشيوخ بصورة خاصة يشير(لونكريك) بتعليل علمي لكيفية نشأة هذه المدن الحديثة بالقول: (وكانت المنازل/ يقصد في القرن السادس عشر الميلادي/ النهرية نصف الدائمة في العراق الجنوبي قبائلية في جميع الوجوه الاساسية وكان يسيطر عليها هذا الشيخ الحاكم او ذاك ممن يعين نفسه بنفسه اما غير هذه فالبلدان العراقية لهامناشئ مختلفة، ولكنها بسيطة. فالتناسق الواضح جدا في المسافات التي تفصل البلدان بعضها عن بعض (يدل) على ان اصل اكثر البلدان كان (منازل القوافل)، ومنها ما كان قد نشأ (حول مزار) او عتبة مقدسة واتسعت بتوارد الزوار اليها. وقد ساعدت(الحاجة لسوق يباع فيها) الصوف وثمار البستان والحبوب والجلود في عدة اماكن على تشييد الدكاكين، والمناثر (مخازن الحبوب) مع جامع وحمام ومقهى .../ لونكريك / اربعة قرون ../ ص 22 / ترجمة جعفر الخياط / ط رابعة)

 ثانيا: اما ما يتصل ب(المنتفك) ومشيخة حكمهم، وتحالفاتهم القبلية فيذكر لونكريك في احداث بدايات القرن السابع عشر الميلادي الاتي:

(وشهد الفرات الاسفل في اوائل القرن تكوّن اتحاد قبائلي قوي فكانت القبائل السائدة في الغرّاف الجنوبي وهوالنهرالرئيسي جنوب السماوة وحوالي بحيرة الحمّار بنو مالك والاجود وبنو سعيد، وكان مع هؤلاء وتحت سيطرتهم مئة من الفروع من الجمّالة ومربي الجاموس . على ان هذه الجمهرة كلها لم تكن لها اسم عام، ولا رابطة معنوية (مفهوم الوطن) تربط بين اجزائها سوى تشابه الحال بين الجميع وقرب بعضهم من بعض . فنشأ من قدوم شريف من اشراف مكة ملتجئا من الحجازوعن تحكيمه في النزاع الذي كان محتدما بين الاجود وبني مالك وعن قتله فيما بعد، وفرار بني مالك بابنه وهو طفل الى البادية، وعن رجوعهم به بعد ان شبّ، وكبر واصبح رئيسهم للقضاء على خصومهم .. من تاريخ كهذا بل من اسطورة مثل هذه ظهرت اسرة ال شبيب المالكة التي قدر لها ان تحكم مدة قرنين جمهرة القبائل المتحدة الان المسماة ب (المنتفك) ..../ لونكريك / نفس المصدر السابق / ص 103) .

والحقيقة ان هذا العرض ل(لونكريك) في كتابه يسلط لنا الضوء:

اولا:على الكيفية التي بدأت من خلالها المدن النهرية العراقية الحديثة لاسيما النهرية الفراتية بالبروز، والتطور حتى الاستقرار كمدن دخلت في العراق الوطني 1921م ما بعد الاندحارالتركي كمحافظات واقضية ونواحي داخل الادارة الحديثة للعراق الوطني !!.

واشارة (لونكريك) للمدن (النصف دائمة) اشارة لها مغزى ايضا باعتبار ان حقبة ماقبل العراق الوطني كانت الغزوات، والحروب القبلية تلعب دورا اساسيا في بقاء او نهاية هذه المدن من الوجود من جهة، وباعتبار ان المدن العراقية (قبل الاندحار التركي) كانت هي عبارة عن مدن استقبال ومواسم لموجات القبائل الصحراوية التي كلما جفّت وبخلت عليها الصحراء بالقوت والكلأ زحفت الى الاماكن القريبة من الانهر العراقية، وحتى عودتهم مجددا للصحراء من جانب اخر !.

نعم لاريب ان مدينة سوق الشيوخ العراقية الفراتية جمعت في داخلها الكثير من المواصفات المغرية لقبائل الصحراء وغيرهم لتكون هذه المدينة عنصر استقطاب لتجمعات بشرية متنوعة !!.

فهي، وحسب التقلبات المناخية الطبيعية التاريخية في هذا الصقع الجغرافي الذي اشتهر عنه فيضان الانهار وصعود مياه الاهوار في فترة وانحساره في فترة اخرى انحسرت عن (تلتها = ايشانها) مياه الاهوار الفيضانية مايقارب القرن السادس الميلادي، مما هيئها طبيعيا (كما ذكر لونكريك في عوامل نشاة المدن النهرية) لتكون اولا (منازل قوافل) للمتنقلين في هذه المنطقة، وسرعان ما تحول هذا (التلّ البارز) لمدينة سوق الشيوخ ثانيا لسوق يباع ويشترى فيها البضائع وحاجات الناس المحيطين في هذه المنطقة ليتطور هذا السوق فيما بعد ليصبح سوقا (مصدّرا) لباقي مناطق الصحراء النجدية من بضائع و(مستوردا) ايضامنها ماتنتجه الباديةمن بضائع ومنتوجات (صوف لبن سجاد ...الج)، وهكذا ثالثا لايغفل ان مدينة سوق الشيوخ كانت ولم تزل تقع على محطة من اهم محطات السفر التاريخية، لاسيما المسافرين لزيارة العتبات المقدسة من ايران والبصرة الى النجف وكربلاء، واذا اضفنا رابعا ان المدينة مدينة زراعية وان انهارها واهوارهامليئة بالثروة السمكية النهرية وتربتها بعد انحسارالمياه الفيضانيةعنهاصالحة لزراعة النخيل والرز والقمح (كانت) والفاكهة والخضروات و .... بالاضافة خامسا ان الموقع الجغرافي للمدينة يعد سياسيا وحربيا من المواقع المحصنة والقابلة لتكون قلعة (نخلية ونهرية) لكل من يريد ان يعلن التمرد والعصيان بداخلها ضد الحكم او ضد غزوات بدو الصحراء ....الخ !.

عند ذاك تصبح مدينة سوق الشيوخ تاريخيا مدينة (استقطاب قوية) لاصحاب المهن ومستوطني الانهر وبائعي البضائع ومتاجري المنتوجات وهكذا حتى اثبتت مدينة سوق الشيوخ قدرتها على التحول لمدينة دائمة ومستقرة من جهة، وانها مدينة استراتيجية في كل المقاييس التاريخية من جانب اخر !.

كل ذالك هو الذي هيئ (مدينة سوق الشيوخ) لتكون عاصمة مشائخ المنتفج السياسية (حيث كانت ترد المخاطبات السلطانية من بغدادالى سوق الشيوخ) والاقتصادية (من خلال تطورهالميناء نهري ضخم لاستقبال البضائع الهندية والخليجية والايرانية الصاعدة الى بغداد والهابطة منها)، والحربية (لكثافة النخيل والاحراش، والمستنقعات حولها مما جعلها ارض معارك معقدة لاي عدوان على المنطقة) والقضائية (في مدينة سوق الشيوخ حكم على سعيد باشا بالاعدام وتم الاعدام به فعلا في هذه المدينة)، وهو الذي هيئ المدينة ايضا لتكون عاصمة الجنوب العراقي بلا منازع !.

ان هذه المدينة ومع ماذكرناه لها من خصال ومميزات وماتوفرت عليه لفترة تمتدلاربع قرون حديثة من تاريخ العراق التركي الا انهامن جانب اخر وقفت في منتصف الطريق (المديني) الذي لم يصلها لتكون مدينة بالمعنى المديني الكامل، ولم تتراجع لتكتفي بدور القرية المنتجة للزراعة، والثروة الحيوانية فحسب !!.

بمعنى: منذ تاسيس مدينة سوق الشيوخ الحديث كانت هذه المدينة تحمل كل الصفات المدنية الاجتماعية الناهضة فهي عاصمة الجنوب لفترة ثلاث قرون من حكم المشيخة المنتفجية لها وفيها كل مافي المدن العراقية الكبيرة (بغداد الموصل السليمانية نموذجا انذاك) والعربية الاخرى من تنوع سكاني وديني وثقافي وحركة تجارية اقتصادية متجولة في التصدير، والاستيراد، وعلمية برزت فيها الكثيرمن الفعاليات الحضارية الكبيرة .... لكن مع ذالك كله بقيت مدينة سوق الشيوخ بلا (حكم مدني وادارة دولة وصناعة ارشفة مباشرة لها) مما افقدها اهم عنصر (للمدينية المتكاملة) بل بقيت لفترة اكثر من ثلاث قرون متواصلة تحت حكم الاعراف القبلية والمدنية ايضاتحكمها حسب قيمها السائدة وداخل كل صراعاتها المتواصلة وكيفما توجهت، وتقلب مزاجها !.

هذا الواقع التاريخي القريب من (الفوضوي) تماماهو الذي طبع مجتمع مدينة سوق الشيوخ حتى بداية القرن التاسع عشرالميلادي ابّان الاحتلال البريطاني للعراق، او بدايته في 1914م، وهو نفس الواقع الذي اشار له الكولونيل (ديكسون) في 1915 م في كتابه عندما وصف لنا مدينة سوق الشيوخ بالاتي:

(سوق الشيوخ المدينة العربية الصغيرة على الفرات في وسط قبائل المنتفك ... ولم تكن القوانين تسري هناك حتى في ايام الاتراك قبل سنة 1914 م .... فقبائل المنتفك عنيدة متمردة، وكانت في حالة من الفوضى بحيث اضطرني ذالك الى حث الدائرة السياسية التي يراسها السير(برسي كوكس) الذي كان ينظم الادارة المدنية في جنوب العراق على ارسال ضباط لادارة المنطقة / الكويت وجاراتها / مصدر سابق / ص 164) !.

نعم من الطبيعي ان (تلاصق الفوضى) هذه المنطقة ابّان الاحتلال البريطاني لها باعتبار ان القوانين والقيم الحاكمة لها هي قوانين وقيم عرفية قبلية لاغير وليست مدنية حكومية، وتختلف هذه الاعراف بطبيعتها بين منطقة واخرى وبين قبيلة وشيخها الاخر، وكل هذا الوضع القائم انذاك في منطقة الجنوب بصورة عامة ومدينة سوق الشيوخ بصورة خاصة هو نتيجة طبيعية للوضع السياسي العثماني التركي الذي كان قائما، فالاتراك وحكمهم العثماني اعتمد بالكلية على ضبط كل مناطق العراق، لاسيما الجنوبية منها على سياسة جني واستحصال الضرائب من ملاك الاراضي ومشيخات القبائل فحسب ثم ترك المنطقة وضبطها امنيا وقضائيا، واجتماعيا لشيوخ التحالفات القبلية العراقية تديرها كيفما ارتات وبالاسلوب الذي تراه مناسبا !!.

وهذه السياسة استمرت منذ احتلال الاتراك للعراق (حقبة سليمان القانوني) حتى اندحارعثمانيتهم عن هذاالوطن على يدالاحتلال البريطاني وهي سياسة حولت العراق كله لمجرد بقرة حلوب في خزائن الوالي والخليفة العثماني في اسطنبول بدون اي تفكيرلتحمل مسؤولية هذا الوطن في الاعمار والتطوير !.

ولايتدخل الحكم التركي انذاك ضد حكم اي مشيخة من القبائل الحاكمة في العراق الجنوبي الا عندما تمتنع هذه المشيخة من تقديم الضرائب او ما عليها من جبايات تقوم باستحصالها من صغار الشيوخ، والمزارعين التابعين لهم من جهة ليذهب بها الى الباب العالي في اسطنبول اوعندما تعلن هذه المشائخ التمرد والعصيان على طاعة والي بغداد التركي انذاك !!.

هذه هي الصورة التي حكمت منطقةالجنوب العراقي لثلاث قرون خلت وهذه هي قسماتها التي يبدو فيهاغياب حكم الدولة المباشر لهذه الاصقاع الجغرافية الجنوبية العراقية من جهة، وهو ماساهم ببقاء هذه المنطقة تتحرك، وتنموا وتعيش من خلال حركتها، ووجودها الذاتي معتمدة على نفسها في كل شيئ من جانب اخر !.

يتبقى لنا من هذا العرض لاوضاع المنطقة الجنوبية العراقية، ابّان الوجود التركي في العراق بصورة عامة، ولمدينة (سوق الشيوخ) بصورة خاصة ملاحظة (اجتهد فيها من خلال قرائتي لما طرحته ديكسون في كتابه الكويت وجاراتها حول مدينة سوق الشيوخ في اول يوم من دخوله لها) وهي:

ان مدينة سوق الشيوخ وان بقيت لفترة ثلاث قرون او اكثر قليلا تحت حكم التحالفات المنتفجية مع باقي قبائل وعشائر هذه المنطقة الا انها مدينة تجارية قبل ان تكون سياسية !!.

اي وبمعنى اوضح ان قيم المدن التجارية والتي منها سوق الشيوخ في نشاتها تحكم على وجودها الاجتماعي وتفرض اخلاقياتها المدينية رغم وجود تدافع لحكم قيم القبيلة عليها وارادة السيطرة على مقدراتها الداخلية !!.

ولهذا ومنذ نشاة مدينة سوق الشيوخ تجاريا كانت اللمسات المدينية التجارية حاضرة بقوة في صياغة هوية المدينة من الداخل، فهي مدينة حالها حال اي مدينة عربية بلورت لنفسها * نظام المحلات * (لمدينة سوق الشيوخ اربع محلات تاسيسية، البغادة، الحويزة، الحضر، النجادة)، وهونظام شبيه ب(نظام الحارات) في المدن الشامية ابّان التواجد التركي العثماني فيها وهذا النظام المديني في سوق الشيوخ يفرض عليها(ادارة)مختلفة عن نظام وادارة القبيلة وان كان قريبا منه كحالة تنظيمية وقانونية عرفية الّا انه مختلف عنه في بعض التفاصيل العلمية الاجتماعية !.

فكان لكل محلة في مدينة سوق الشيوخ (زعيم) او كبير يدير ويشرف على حماية محلته والدفاع عنها من جهة بالاظافة الى انه المسؤول مع كبار باقي المحلات على حفظ الامن للمدينة ككل بصورة عامة من جانب اخر !!.

مسؤولية حكم، وادارة المدينة يتم بشكل جماعي لزعماء هذه المحلات، وكذا القانون الذي يدير المدينة ايضا يتم باتفاق زعماء هذه المحلات بشكله المدني الذي ياخذ بنظر الاعتبار تنوعات المدينة الدينية (مسلمين، صابئة مسيحيين يهود)، والطائفية (سنة وشيعة) والقومية (عرب، كرد، عجم) والتجارية والاجتماعية و ...الخ !.

وكل هذا في مدينة سوق الشيوخ يفرض علينا بحث موضوعة حكم المشيخة المنتفجية للمنطقة الجنوبية العراقية بصورة عامة وعلاقة هذا الحكم والنفوذ داخل مدينة سوق الشيوخ ؟.

وهل ان نفوذ، وسطوة المشيخة المنتفجية وقوانينها القبلية وقيمها الاجتماعية كانت نافذة داخل مدينة سوق الشيوخ ؟.

ام ان هذه المدينة،وحسب المعطيات التي قدمناها استطاعت التمتع بنوع من الاستقلال الذاتي في حكمها المديني انذاك؟.

يذكرديكسون تاريخيا في كتابه(الكويت وجاراتها) ان ممثل العائلة السعدونية انذاك في مدينة سوق الشيوخ هوالمرحوم (عبد العزيز الراشد السعدون/ ص 163) ثم يذكر في موضع اخر قادة وزعماء محلات سوق الشيوخ الاربعة الذين اصبحوا فيمابعد المستشارين المقربين لديكسون في ادارة سوق الشيوخ وماحولها، والذين هم كل من (حجي حسن الحمدي عميد عائلة الحمدي في سوق الشيوخ، وحجي عباس السنيد عميد ال السنيد / في محلة الحضر كما ذكره عبد الكريم علي في كتابه تاريخ سوق الشيوخ ص 43 /، وحجي علي الدبوس عميد ال الدبوس،والحجي ابراهيم العمّاري عميدالعمّارية واحد كبار محلة النجادة انذاك / الكويت وجاراتها / مصدر سابق / ص 166)

وهذا ان دلّ على شيئ فانما يدل على ان لمدينة سوق الشيوخ في هذه الحقبة وما قبلها استقلالها الاداري عن المشيخة المنتفجية بشكل واخر، وان مشيخة العائلة لم تكن من سكنة المدينة نفسهاوانما توجد لهافروع تسكن داخل المدينة كاحد سكنة هذه المدينة وليس لقيادتها او ربطهات بقوانين المشيخة المنتفجية بشكل مباشر !.

اظف الى ذالك ان طبيعة المشيخة المنتفجية حتى الاحتلال البريطاني للعراق كانت تطغى عليها (الصفاة البدوية القبلية) التي ترفض العيش داخل المدن وهناك ايضا من الاشارات التي تؤكد: ان زعامة المشيخة المنتفجية تاريخيا كانت تفضل سكنى (الخميسية) على مدينة سوق الشيوخ لاتصال الخميسية بالبادية وطبيعتها الصحراوية الاكثرقربا من طبيعة مدينة سوق الشيوخ النهرية والزراعية الخانقة لاهل الصحراء !.

ثانيا: ديكسون وادارة سوق الشيوخ

 

حميد الشاكر

 

عودةٌ الى منبع الحب الأول.. الى العراق!! (1)

karim alasadiانْ تطل من السماء باحثاً عن بساتين النخيل وفروع الأنهار في أرض وطن فارقته منذ أمد بعيد بعيد، انْ تحاول ان تجد مكاناً لك جنب نافذة من نوافذ الطائرة لتشرئب كطفل مهوّس باكتشاف العالم، ان تعود باحثاً عن شجر ظللك وبستان نخيل كنت تطالع فيه دروسك وتأكل من ثمره وعن نهر شربت منه بيديك مباشرة ونزلت اليه سابحاً في مياهه، ان تبحث عن لون التراب الذي درجت عليه أقدامك الحافية زاحفاً وناقلاً خطواتك الأولى ..كل هذا يعود وينتمي الى عوالم الجلال والرهبة، هو حلم وحقيقة، غيب ومحسوس، ماضٍ وحاضر، حياة وموت، ربيع وخريف، محال وواقع، سراب وماء، نعم هو كل هذا بل وأكثر من هذا ..للوطن علاقة بالتكوين الأول، ببداية الخلق والتشيّء، بالطفولة، باللغة في فجر تعلم اللغة، ببدء الوعي والتفكير، بالحب الأول، بالأبجدية الأولى، بالعائلة والبيت والأرض، بالأنتماء الى المجتمع الأول: الأسرة، الحي، المدرسة، القرية أو المدينة .. هذه كلها درجات في الأنتماء الى الوطن وبنفس القدر درجات في الأنتماء الى الأنسانية والى الثقافة الأنسانية أذ انني اعتقد اعتقاداً راسخاً بأن الأنتماء الى الوطن هو حجر الأساس في الأنتماء الى الأنسانية، وحب الوطن هو الخطوة الأهم على طريق حب الأنسانية فلا يمكن لأنسان يكره وطنه ان يحب العالم والبشرية ولا لأنسان ينكر أو يهمل الأنتماء الى وطنه ان يدعي الأنتماء الى الأنسانية .. الأممية الكبرى وفكرة المواطن العالمي تبدأ من حب الوطن، ومن يكره وطنه مريض أو انه يتمرض بسبب هذا الكره والمريض بالكره أو من الكره لايمكن له ان يكون مواطناً عالمياً... الوطن ليس الحكومة التي تحكمه ولا الحكومات التي تحكمه، وهو ليس مجموع أخطاء حاكميه ولامجموع أخطاء بنيه أو الأحزاب التي تأسست وهي تهتف باسمه ثم نامت بأحضان الغرباء ومنحتهم كل شيء أو قادتهم الى الوطن ودلتهم عليه . الوطن بأعلى تشبيه وأقدس تشبيه واكثر التشابيه واقعية هو الأم: رحم الأم وصدر الأم وحجر الأم وبيت الأم وحب الأم . والوطن هو التربة والشجرة مانحة الأكل والعطر والظل والهواء النقي والخضرة والجمال والوقود والدفء! والوطن هو النهر وينبوع الماء والجدول والساقية والبئر والبحيرة وكل مصدر مياه يرعى التربة الأولى ويروي عطش أهلها ويسقي زروعهم...

ينهار كل شيء في الأنسان حينما تنتهي علاقته بوطنه، والعلاقة بالوطن من الممكن ان تنتهي حينما يكون الأنسان في الخارج أوفي الداخل !!

ومن الممكن ان يعيش الأنسان في الخارج ويقدم لوطنه أروع وأجل وأسمى آيات الحب والأخلاص والوفاء : يدافع عنه ويرفع اسمه في المحافل وينتصر لأهله ان وقع عليهم ظلم ويشيد بأنجازاته وابداعات ابنائه ويكون صوته النبيل العالي الذي لايُشترى ولا يُباع ولايمكن اخراسه لابالترغيب ولا بالترهيب ولا بالخداع !!!

زرتُ وطني العراق الذي لم انقطع عنه روحياً وقلبياً وعقلياً وغبت عنه جسدياً لما يزيد عن ثلاثين سنة...كنتُ متوجساً ان يكون كل شيء قد تغيَّر نحو الأسوأ أو تدهور : الناس والعمران والعلاقات والمدن والقرى والأرواح والقلوب والعقول والأنهار والبساتين، ولشد ما خشيت ان الحب العراقي قد تراجع ولم تعد قلوب العراقيين تنبض بالود والحب والعشق والوجد، واذا بي أتأكد تماماً ان الحب لايزال تاجاً على رؤوس العراقيين يلبسونه ويفخرون به وما لهم عنه من بديل !!

الحب في العراق بخير والف خير والكرم لم يزل سيد الأخلاق والعاطفة الغزيرة السمحاء لم تزل والشهامة لم تزل والرغبة في الأنتماء لكل ماهو نبيل وجميل لم تزل أيضاً!!

صوَّر البعض لي العراقيين وقد تحولوا الى عبيد للمال يسعون خلفه من اين أتى مستعدين للهاث خلفه مهما كلّف الأمر فالتقيت مَن بدد تماماً هذا التصور، ألتقيت مَن لا يبالي بالمال ولايلهث بأثره ولايقيِّم الناس على أساسه، فمن الممكن ان يعرف العراقيين انك فقير مال ويستقبلونك استقبالهم للأمراء مبدين حساً مرهفاً الى أبعد حد بمعرفة أبناء وطنهم حتى مَن تغرب منهم منذ عقود !! انهم يميزون، وهم أذكياء في التمييز الى حد مذهل يجعلهم يتمتعون بموهبة العرّاف والمتنبيء !!

 

في مطار البصرة ...

استقبلني حشد من أهلي في مطار البصرة ..كان ذلك بعد ظهريوم الثاني عشر من آيار من هذا العام 2016 ...

كنتُ قادماً على طائرة الخطوط الأماراتية من هامبورغ عبر دبي، من عوالم تتنافس في الرخاء والبذخ، برلين ثم هامبورغ ثم دبي التي امضيت فيها مايقارب يومين وليلة وأذهلني المعمار والتناسق وتقدم الخدمات والمواصلات فيها وفخامة وأبهة مطارها لأحط فيما بعد في مطار البصرة بوضعه البائس للأسف واقفرار وتداعي معالم الشارع الذي يربطه بالمدينة ...

أعتصر قلبي ألم ممض، بيد ان جمهرة ألأهل في سيارتين من النوع الكبير، والفرح البادي على الوجوه وألق الحب في العيون والدفء في الكلمات، مكنني من أطرد بخبرة خبير مشاعر الحزن والأسى لأمكِّن الأهل من السرور أنا القادم اليهم بعد غياب استمر عنوةً أكثر من ثلاثة عقود !

هذه البصرة ام الثروات الكبرى : العقول أولاً والنخيل ثانياً وخيرات نبات الأرض ثالثاً والأسماك ماهو نهري وبحري منها رابعاً وستطول القائمة قبل ان تختتم بالنفط والغاز وربما تجاوز احتياطي نفط البصرة وحدها احتياطي دولة الامارت العربية كلها بأضعاف !!

للبصرة في جدولي ضمن سفرتي هذه زيارة ثانية سأمكث خلالها في بيوت أقاربي الكثيرة في هذه المدينة مركزاً وضواحي، اذْ تحاور الأهل حول مكان الأستقبال الأول فقرروا ان يكون البيت الأول بيت أبي وأمي وبيت طفولتي هو البيت الذي يستقبلني في اليوم الأول وأليه يفد الضيوف وتعقد الوليمة الأولى . بيتنا يقع في ناحية الفهود في الناصرية، والمستقبلون كانوا من أهل الفهود والجبايش والناصرية المركز والبصرة .

اتجهت السيارتان الكبيرتان من البصرة صوب الطريق المائي المؤدي الى الناصرية وهو نفس الطريق الذي كنت أتبعه غالباً حينما كنت طالباً أدرس الفيزياء في كلية العلوم في جامعة البصرة اذ كنتُ أفضل هذا الطريق لتنوع معالمه وتناوب المياه والأخضرار على ضفافه مقارنةً ربالطريق الصحرواي الذي يربط البصرة بالناصرية والذي تكون المعالم فيه

من البداية حتى النهاية حالة واحدة تقريباً هي حالة الصحراء، أما الطريق المائي الذي ستسلكه سيارتانا فيمر من البصرة عبر كرمة علي والهارثة والدير الى القرنة فالهوير فالمْدينة فالجبايش ثم الى الفهود، حيث سيكون قضاء المْدينة آخر مجطة بصرية قبل الدخول الى حدود الناصرية في مدينة الجبايش.

منحني أهلي مكاناً في صدر السيارة ـ قرب السائق وهو أحد الأقرباء كي أتمكن من الأطلال على معالم الطريق والمدن والأنهار، مررنا عبر كرمة علي حيث موضع التقاء النهرين العظيمين سابقاً والضامرين مع كل الأسف حالياً دجلة والفرات ... لم يزل في المكان الكثير من الجمال، من البهاء، من الجلال ومن الرهبة . هذان هما الثديان اللذان رضع منهما الأنسان الأول والمدن الأولى وهما في الطريق الى توديع العراق بعد ان يلتحما في نهر كبير واحد ارتبط اسمه باسم الجنوب واسم البصرة . شط العرب، نعم، اذْ لايمتلك العرب شطاً مثل هذا الشط سوى نهر النيل .رأيت الفروع الكثيرة لشط العرب من نافذة الطائرة ونحن نقترب من مطار البصرة ولم أرَ للأسف النخيل الذي كنت أبحث عنه، بيد انني سأرى النخيل في البساتين المنتشرة حول ضفتي الطريق وعلى الأخص بين كرمة علي والقرنة وفي المْدينة التي تمتاز بنخيلها القصير والقوي والكثيف وكذلك على ضفة الطريق اليسرى بين الجبايش والفهود لأن الضفة اليمنى كانت اما مغمورة بمياه الهور حيث ينمو نبات القصب والبردي أو أنها اراض زراعية كان قسم منها يُزرع في مواسم زراعة الحبوب، ولم تستثمر تلك الأرض المعطاءة في العصر الحديث مثلما ينبغي أبداً . وأحزنني ان أرى نبات الأثل الذي أخذ مكان غابات القصب والبردي بعد انحسار أو قطع المياه عن الأهوار وقلَّة مناسيب دجلة والفرات بسبب السدود العملاقة التي أقيمت على منابع وروافد النهرين في تركيا على الأخص بأسناد دولي مبرمج وخبيث!!

قبيل الغروب وصلنا البيت، بيتنا في الفهود، بيت أبي وأمي وأخواتي وأخوتي..

 

في ناحية الفهود - الناصرية

كان المستقبلون في الشارع وقد غصت بهم باحة البيت وغرفة الأستقبال الكبيرة . وقبل ان أدلف الى البيت سأنشغل لبضع دقائق بالسلام والعناق ..ثمة دموع في مقل البعض وحبوب أرز تُنثر فوق رأسي وزغاريد تسبق خطواتي الى البيت، ثم مشهد دم الفداء، حيث نُحر كبش على عتبة الدار قرب أقدامي، لقد تسببتُ في مقتل هذا الكبش المسكين قلتُ وتذكرتُ بريجيت باردو وبعض أصدقائي وزملائي من النباتيين الألمان والأوربيين وعلى الأخص زميلاتي وزملائي في قسم الأدب العام والأدب المقارن الذين كنت أعمل لبعضهم أكلة التبسي العراقي بدون لحم. هنا سترافقني اللحوم والعزائم والأكل الغزير جداً والمتنوع جداً لأسابيع، ثلاثة أنواع من اللحوم في كل وجبة ماعدا الأسماك في أكثر من نوع من السمك النهري، جنب نوعين أو ثلاثة من الرز ونوعين أو ثلاثة من المرق مع الخبز والخضر والحلويات وأصناف الفااكهة وسيدها التمر الذي كنت أفضله وعلى الأخص في طور الرطب منه في طفولتي وشبابي على كل أصناف الفاكهة المحلي منها والمستورد ولم يزل أهلي وأقربائي يتذكرون هذا..ومن حسن الحظ ان حدائق بيوت معظمهم لم تزل تحتوي على أصناف فاخرة من النخيل المثمر الذي لم يزل في هذا الوقت من العام في طور الخلال..

جاء العشاء وغرفة الأستقبال رحبة وملأى بالأهل والأقرباء والجيران وأبناء المنطقة من الفهود وأبناء الأعمام من الجبايش وضيوف وأقرباء من الناصرية والبصرة، وبعد العشاء جاء دور الشعر وقصائد الَّفوها لأستقبال ألأخ والخال والعم وابن العم والصديق القادم من أوربا، من ألمانيا . وبأسم الوطن والعراق وبأسم الذي لم يبع الوطن والعراق صدحت الحناجر بالأهازيج على طريقة الهوسة العراقية، والشعر كله جديد ومُعَد ليوم الأستقبال، وعندما نهض الديوان كله الصغير والكبير، الضيف وصاحب المائدة ليهزج وبدأ الرجال بالردح تذكرت الرحالة الأنجليزي ولفريد ثيسجر ( Wilfred Thesiger) الذي عاش ثمانية أعوام في أهوار العراق اذْ كان يطلق على هذا النوع من الطقوس اسم رقصة الحرب أو (wardance) في اللغة الأنجليزية...

وتذكرتُ ماقاله هذا الغريب حينما التقته قناة تلفزيونية بريطانية ـ وهو في وطنه بريطانيا! عشية حرب الخليج أو حرب التحالف على العراق سائلة اياه عن شعوره وهو يغادر منطقة الأهوار في جنوب العراق حين قال:

حينما غادرت تلك المنطقة شعرتُ بأنني ذاهب الى المنفى والى الأبد.

هذا مايقوله الغريب البريطاني، فماذا يقول ابن المنطقة المغادر الى أوروبا ؟!!

للحديث صلة في حلقة اخرى ...اِذْ سأكتب مذكرات ومشاهدات وتجارب ومقارنات هذه السفرة في حلقات وأتحدث عن المدن التي زرتها ومكثت فيها: الفهود، الجبايش، الناصرية، سوق الشيوخ والبصرة ...

 

كريم الأسدي برلين

 

الامام علي ومحنة العدالة.. شخصية الزمان المطلق

abduljabar alobaydiمن يتجرأ ان يتحدثَ عن الامام علي ومن يريد ان يسمعَ عنه، عليه ان يدركَ ان المتحدث يتكلم عن شخصيةٍ عربيةٍ اسلاميةٍ فذة قل نظيرها بين شخصيات العالم نسبأ وأخلاقا وعظمة وعدلاً.فهو ليس أماماً لأتباعه الذين يحكمون اليوم بالباطل، بل هو أمام المتقين جميعاً.

 

نقول في هذا الامام اسطورة الزمان:

هو علي بن أبي طالب هاشمي من قريش، ولد بمكة قبل عشرين سنة من البعثة النبوية الشريفة، واستشهد في الكوفة يوم الجمعة الحادي والعشرين من رمضان سنة 40 للهجرة، وله من العمر ثلاثةُ وستون سنة، ولقب بشهيد المحراب ولم يلقب من بعده احد بهذا اللقب.هو وبنوه كانوا توجاً من تيجان الزمن التي رُصعت في هامات بني هاشم وأمة العرب ، وأمهُ فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف قرشية عدنانية.أصيل من الأب والام والفعل دوماً دليل الأصل.

قال فيه العلماء ما عجز القلم عن تدوينه، قالوا فيه: قلة من الرجال الذين هم على شاكلته، تتنهد بهم الحياة، موزعين على مفارق الاجيال أنارتها هدياً لمسالك العابرين.ومن بين أولئك الافذاذ يبرز أسم علي في هالةً من رسالةٍ، وفي ظل من نبوةٍ، فاضتا عليه أسجاماً وأكتمالاً، كما أحتواها لوناً وأطاراً.

وحين التحدث عن هذه الشخصية المتكاملة، ليقف الانسان خشوعاً والقلم خضوعاً الا من مداده الفذ ليخط كلمات يشعر بها القلم سيكون خالداً خلود من يكتب عليه. بهذا اللون البهيج عصي على الحرف بتصويره بقدر ما هو قصيُ عليه بمعانيه.

الناس يولدون ويموتون ويطويهم النسيان، اما هو فلقد آتى الدنيا، وكأنه آتى بها، ولما آتت عليه بقي وكانه آتى عليها.لقد جاء لا ليقتلع بوابة خيبر العصية من جذورها، بل جاء ليقتلع حصون الشر والظلم والباطل من أعماقها، فهو منهج مدرسة أجيال بحاجة الى ان تتعلمها الاجيال وتطبقها، لتحيا حياة العدالة التي أستُشهد من اجلها.

كل الغيوم التي رافقت حياته العزيزة، لم تستطع أن تطفأ شمسه المنيرة، فأنه لم يمت ولم يطويه النسيان، بل ظل جوهرةً متلألأةً خلفها تلبث الشمس خلف الغيوم.

من هنا أقول وانا المغرم به، أن كل قولٍ يحصره في مكان أو زمان يبقى حديثا له قيمة السرد، لينير دروب الاخرين، ولبيقى حروفاً مقفلة لا تنفذ اليها آلوان المعاني، لأن الوانها ثابته لا تغيرها الظروف، ولا تتأكلها الازمان كمنارته المتلألئة في النجف الاشرف ذهبا وياقوتا ومرجان، فباي ألاء ريكما تكذبان .وسيبقى أبا الحسن عنوان القيم والمبادىْ رائدا للحق والعدل متبرءأً من كل من خان المبادىء والمنهج القويم لمدرسة أهل البيت العظام، التي ما جرأ احد ان ينفذ اليها بعثرة من عثرات الزمن.وستبقى الدنيا تغرف الطيب من فمه الطيب، يا صاحب الوجه المنير، وياصاحب كل أستقامة.

كتب الامام علي سفره المعروف الذي سماه الشريف الرضي بنهج البلاغة، ولم يكن ذلك السفر الا مقدمات أستخلص منها النتائج المحكمة بالحجة والبيان، وبهذا اتبع أسلوباً أستقرائياً في مجال العلم والعقيدة، وهو ما يتماشى ومفهوم التطور العلمي للثقافة عبر الزمن، فمفهوم العقيدة عنده تحرر وتقرير مصير، هذا الادراك هو الذي أحس به رسول الله (ص) فأحاط به الامام لما يستحقه من مكانة التكريم وعلم وتقدير، حتى جعله بابا ومنطلقا لعلمه ومدركاته وسننه حين قال: "انا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتِ الباب".

وبالمناسبة فأن السُنة النبوية اليوم بحاجة ماسة الى أعادة نظر في كل الاحاديث المروية عن الرسول (ص) سواءً من أهل بيته أو عامة الناس لقوله عند دخوله مكة نصيراً للمظلومين : "يا قوم خلوا بيني وبين الناس ولا تنقلوا عني غير القرآن، حتى لا يتداخل حديثي معه، انظر الواقدي، المغازي". وهذه اشارة صريحة ان كل ما نقل عن الرسول بحاجة الى اعادة نظر، ناهيك عن ان الصحاح لابي مسلم والبخاري والمجلسي هي احاديث رواتها من العصرين البويهي الفارسي والسلجوقي التركي، وكلها احاديث بحاجة الى أعادة نظر وصدق الاثبات. احاديث أدخلت الحابل بالنابل وفرقت العرب والمسلمين خدمة للسلطان البويهي والسلجوقي الغرباء عن الوطن.فهل نحن مدركون، أم نبقى في غينا سادرون؟

نشأ الامام علي وكله علمُ ومعرفة، فقه وحكمة، فصاحةٍُ وبلاغة. لقد طغى عليه العلم فأخذ بمجاميع قلبه الوضاء، وحركات لسانه الكريمة، وأستنباط هواجسه الصافية. يدرك ما يحيط به، ويحيط بما يُدرك، يَدركُ ادراك العالم المتطلع، العامل بعلمه، المعتقد بما يلزم، ان يعمللأصلاح مجتمعه ورفع مستواه، موظفاً طاقاته له، لا يحجمٌ عن درء خطأ وخطر، ولا يقف دون مشورة، ولا يتلكأ في أبداء نصح.هذا الرجل المعجزة الذي لم يدركه من أهل زمانه ولا زماننا الا النزر القليل من الناس، ولو ادركه محبي أهل بيته وأخذوا به لما وهنوا، ولا ضعفوا، ولا أستكانوا، ولا أخطئوا بحق الناس والوطن، كما نراهم اليوم حين اعمتهم الدنيا بطمعها فتبلدوا.حث على طلب العلم حثاً لا يدانيه أحد قولا وصدقاً وعملاً حين قال: (تعلموا العلم صغارا تسودوا كباراً) وقال: (يا حملة العلم أتحملونه فأن العلم لمن علم، ثم عمل به ورافق عمله علمهُ، وهنا يربط الامام العلم بالعمل، ولا أغالي أذا قلت لم أقرأ طيلة مدة دراستي وعملي من قبل مثل هذا النص الذي قاله علي :( تعلموا العلم وان لم تنالوا به حظاً). فالعلم في ميزانه عمل، وفي نظريته تطبيق، وفي أهدافه نفع لمن يحمله وللاخرين. وصدق رسول الله حين قال:(ان اشر أمتي العلماء أذا فسدوا).فالعالم اذا فسد يفسد البلد الذي يعيش فيه، أما الجاهل فأذا فسد لا يفسد الا نفسه والتجارب الحالية خير شاهد على ما نقول.

وفي مجال الحياة وتطبيقات السياسة وولاية العهد علينا ان نطلع على الرسالة التي كتبها الأمام (ع) لمالك الاشتر حاكمه عل مصر ستجد فيها كل تفاصيل الحكمة والعدل والالتزام بالمبادىء في حكم الناس.يقول الامام: يا مالك:

ان السلطة وسيلة لتحقيق حكم الله في الأرض ونشر العدالة الاجتماعية، وأحذر يا مالك فان القوانين لا تطبق الا خوفاً من العقاب، ولا سبيل الى ذلك الا بالعقاب والثواب، وحددَ في رسالته مهام السلطة في اربعة ابواب هي :

الأمان والأطمئنان والكفاية والعدل لينعم بها الجميع فهي النهج القويم، ويقول : على الحاكم المختار من الناس ان يكون منصفاً عدلاً، فالعدل أساس الملك والله هو العدل الذي لا يجور (اعدلوا هو أقرب للتقوى، المائدة 8).فلا كثرة الناس حولي تزيدني رفعة، ولا بعدهم عني تزيدني ذلة، لكن كلمة الحق لم تبقِ لي من صاحب. (يقول :آيأك وظلم الرعية، فأن الظلم حوَبُ عند الله، وواسي الرعية ولا تَدع معوزاً وأمامُك يحكم بين الناس). أين شعيتك اليوم يا ابا الحسن من كل وصاياك؟ لقد أستمرؤا الباطل.. وقتلوا النفس... وسرقوا الاموال..وخانوا الوطن..وباعوا تراثه وترابه للأخرين ..؟

ويقول في رسالته لمالك الاشتر:اسمع يا مالك :لا تكن عبدا لغير الله، فليكن أحبُ الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح ، فالشرع مثبت وليس مخبر، ولا يوجد شيء حسنُ او قبيح بذاته، لكنهما من صنع البشر. يقول: وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعأً ضارياَ تغتنم أكلهم، فأنهم صنفان: أما أخُ لك في الدين، أو نظيرُ لك في الخَلق. يا الله من قال هذا قبل علي، لقد أدركت الامم المتحدة فحوى رسالته الانسانية فأعتبرتها وثيقة من وثائقها المهمة، معلقة في جدارياتها في نيويورك، ليعترف بها العالم اجمع، وهذا ما هو حاصل اليوم.

ويقول: كن حراً في علمك وعملك، فمن دان بالجبر فقد أبطل العقوبة على المذنب، ومنح الحرية لكل الناس دون تمييز، فالحر يكون مسئولا عن الخطأ والصحيح، فالحق والعدل اساس الملك والحكم في الاسلام، وان الدين والسياسة هما تعبيران عن الحكومة العادلة،  واي خروج عليهما هو خروج عن البشرية والدين معا.وفي مسالة أموال الدولة يقول:أنتم عباد الله والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لاحد على احدٍ بقدر جهدكم وعلمكم وعملكم.

ويقول: الا ان كل قطيعة اقطعها ..فلان وفلان...... وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال فالحق القديم لا يبطله شيء ، فمن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق. انه كان يرى ببصيرته النافذة موازين الحق والعدل كما يراها الله، انه كان يرى مشهدا يكاد ينطق بصوت الكارثة من وراء حجب الليل البهيم على ابناء أمة الاسلام بعد ما ينحرف عنها الحكام.أما يكن هذا درسُ للحاكمين اليوم ...الذين أنحرفوا عن جادة الصواب ...؟

ويقول الامام الشافعي في كتابه الرسالة: (يا الله ما هذه المعجزة التي أسمها علي التي خلقتها للناس لأحقاق الحق وتحقيق العدل بينهم، فلا أحد بعده يستطيع الا قول الحق "لأن العقل مضطر لقبول الحق".

كان الامام علي (ع) مدرسة فكرية بنظرته الثاقبة في الحكم اراد ان يعلم الناس ان الدنيا دار عمل وأمر ونهي ومحنة واختبار، والاخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا دار أمر ولا محنة ولا أختيار، نظرية ما سبقه فيها أحد من العالمين. وكان يرى في العصمة هي عدم الوقوع في الخطأ والزلل والمعصية، وليست هي هبة من الله دون عمل.وهذا تأكيد منه على ان عصمة اهل البيت هي عصمة الحق والعدل وليست عصمة التقديس.

وفي مجال التربية كان يرى ان نوعية البشر لا قيمة لها ان لم تقترن بالفاعلية، فالعلم لا يراد لذاته، بل لاجل التغيير والنمو في شخصية الفرد والمجتمع حيث يقول(ع): (لا تجعلوا عملكم جهلا ويقينكم شكاً، اذا علمتم فأعملوا واذا تيقنتم فأقدموا، فمن عرف الله عرف نفسه، ومن عجز عن معرفة نفسه، فهو عن معرفة خالقه اعجز، وثقوا ان لن يؤتي الفكر ثماره الا اذا استند على الخبرة والعمل، لان غاية المعرفة هي الحياة، وان قيمة كل فكرة او نظرية تقاس بمدى ما تحققه من نفع له ولمجتمعه والناس) لا تجاملوا الباطل ولا تناصروه فهو آثم. وهكذا فان الامام وجد في التفكير القدرة على كشف الحقائق وتخليص العقل من الاوهام والاساطير، وقال: (لاتقبل القول من أحدٍ الا اذا ثبتت لك صحته). لأن الشك هو أول الاثبات.

وفي الغلو والترفع على الاخرين يقول في وصيته لابنه الحسن المجتبى: (يا بُني أجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين الناس، فاحبب لنفسك ما تحب لأنفسهم وأكره ما تكره لها، لا تظلم كما لا تحب ان تُظلم، واحسن كما تحب ان يُحسن اليك، وأستقبح في نفسك ما تستقبحهُ من غيرك، وأرضي بين الناس، بما ترضى لهم من نفسك). ألم يرفض طلباً من أخيه عقيل بتوليته ولاية، فيقول له: يا عقيل أنها أمانة وأنت لست كفوءاً لها .كلمة موجهة للمسئولين اليوم الذين عليهم ان يقتدوا بالأمام الحق ولا يجيروا وظائف الدولة لأبنائهم والمقربين، فهي لكل الناس ولمن قدر عليها، وها هو يرفض الوظيفة بالباطل حتى مع أقرب الناس اليه.فداك أبي وأمي يا أمير الحق والمؤمنين.

من يتصفح نهج البلاغة يجد ان الامام يطرح نظريات أنسانية وليست أفكارأً بحاجة الى آجابة كنظرية المصلحة، ونظرية الحسن والقبيح، ونظرية الأرادة الانسانية.، يطرح أسئلة بحاجة الى تحليل، وليست أفكارأً عامة للقارئين، فعندما سئل عن العدل قال:(العدل هو الله الذي لا يجور) وعندما سئل عن العقل قال: (العقل هو الحجة) وعندما سئل عن الحرية قال: (هي لب الحياة فمن دان بالجبرفقد أبطل العقوبة على المذنب، فالحرية هي أن يكون الانسان مسؤولاً).

يوجه رسائل لعماله في الامصاريطلب منهم التطبيق لنصرة المحكومين، وليست رسائل نصح وأرشاد على غرار الموجهين. يعدهم بالعقاب ان هم تخلوا عنها. ان عملية التجديد التي جاء بها الامام في الاسلام، لا تعتبر مسألة في النظر والعمل بل فيهما معاً، وعلى مستوى الرؤية التاريخية، والعمل الصالح في اي زمان ومكان.، مادام الدين للناس جميعاً دون تفريق.

أن أول عمل عمله بأستلامه السلطة قد غير رجال حكم الولايات الفاسدين وغيرهم من الفاسقين، فجعل عثمان بن حنيف على البصرة، عمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيدلله بن عباس على اليمن، ومالك الاشتر على مصر، وسهيل بن حنيف على الشام، وكلهم من الخلص الاتقياء، ومنحهم سلطة التصرف تحت الرقابة، ووضع قيوداً على بيت المال، فالمال السائب يفسد أخلاق الرجال- كما نرى اليوم- وليكن أحب الأمورأليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل. وبهذا التوجه بدأ المشروع الاسلامي يظهر الى الوجود في عهده.فأين أنت سيدي الامام ممن سرقوا الوطن وحقوق الناس وتركوهم عرايا في الصحارى تأكلهم الامراض والضواري وهم في غيهم يعمهون ؟ لكن اذا حان وقت الصلاة تجدهم ركع سجود ..؟

هنا أنبرى الباطل ومن حوله لدس الدسائس وأضرام الفتن والعصيان فكانت موقعة صفين التي أنكسر فيها الاسلام، ليبدل بأسلام أخر عقيدته المصلحة الذاتية والمحاصصة الوظيفية والطائفية والعنصرية حين ظهرت كلمة الموالي والعرب لتفريق المسلمين واخذت تتسع حتى قيام حرب النهروان والخوارج التي ما أرادها ابداً، لكنها فرضت عليه فرضاً، ورغم قتال الخوارج له لكنه أنصفهم حين قال: (ايها الناس لا تقاتلوا الخوارج فمن اراد الحق فأخطئه، ليس كمن أراد الباطل فأدركه، أنظر نهج البلاغة ج1 ص144). كلام يطول في هذه الشخصية التي أفتقدها حتى أصحابها اليوم.

وختاماً نقول كان الامام علي، ملكاً قي نفسه، متواضعاً في مجتمعه،، فقيراً في عيشه،  بسيطاً في حياته، عظيماً في مدركاته، عزيزا في عدله، قديساً في أيمانه، نبياً في تجرده.

هذه هي ميزة المثل العليا لانسانية الانسان، هذه هي حياة فيلسوف مؤمن بأسمى صور الفلسفة، ولكن من أين يأتي بالذي يريد، كان الموقف صعباً، ادركته الخطوب، وأحاطت به النوازل، وحاصرته الاحداث، حتى قال له أصحابه الخلص: يا ابا الحسن أتدري ما انت فيه اليوم، قال أدري ورب الكعبة والذي نفسُ علي بيده قالوا: (يا ابا الحسن لا تخرج الى مسجد الكوفة، فالخوارج يتربصون بك الدوائر). فقال لهم بكلمته المشهورة (من لم يستطع ان يواجه الناس ويحميهم عليه ان يتخلى عن حكمهم).وهذا منتهى الصدق والوفاء من حاكم لمحكوميه في دنيا السياسة والحكم.فأين انت يا ابا الحسن ممن تحصنوا في منطقتهم الصفراء البائسة وتركوا الناس للسيف ..؟

بعده توقفت نظرية الاسلام حين اصبحت الدولة تحتاج الى سند شرعي لا يعترف بشرعيتها، فبعد حكم الامام، أصبحت ألسلطة محتكرة بيد أهل العرش،  والثروة محتكرة بيد الكانزين لها ذهبا وفضة، والمعرفة محتكرة بيد الفقهاء والرجال الدين، والقرآن يرفضهم ولا يخولهم حق الفتوى على الناس، والسلاح محتكر بيد الخليفة يقتل به من يشاء، والخليفة يصفي خصومه السياسيين، والقرآن يرفض قتل النفس بدون وجه حق، فهل بقي من منطق ينطبق علينا كمسلمين. لقد خانوا العهد ونكثوا الايمان. والقرآن يقول: ولا تنقضوا الآيمان بعد توكيدها.فلم يعد الاسلام الا أسلام سلطة لا أسلام دين؟

لقد أصبح الاسلام كالشجرة التي جفت عروقها وماتت قبل آوانها.بعد ان فقدت أستيفاء الجانب الشرعي من تكوينها بعد ان أقترفت جنايات بشعة في حق الحق والقانون والامة، وتلك التي كان يعمل الامام من أجل ان تكون الشرعية هي الاساس في حكم الناس. وها ترون اليوم قادة الاسلام معزولين عن الرعية، يتخذون من الدين وسيلة لسلب المحكومين .

شُلت اليد التي أمتدت اليك.. وكُسر السيف الذي قتلك ... وخَسئت النفس التي قبلت الاعتداء عليك.. هم ما ارادوا قتلك –لا والله- بل أرادوا قتل القيم والمبادىء التي حملتها للناس اجمعين.. وما دروا أنهم هم الذين ماتوا وانت الباقي بين الناس... يا عز العرب والمسلمين أجمعين ...؟

سلام عليك يا امير المؤمنين، يا رائد الحق.. وصوت العدالة الانسانية ... ستبقى ذاكراك الطيبة بين الناس ابد الدهر والسنين....؟

 

 

كوريا رحلة ودرس (3)

khalidjawad shbaylهذا هو مطار جمبو في سيؤل وهو مطار كوريا قبل أن يُبنى مطارها العظيم أنتشون عام 2001، لم يستغنَ عنه بل هو الآخر مطار كبير فيه بنايتان متجاورتان العالمية والداخلية..نحن إذن في قسم الرحلات الداخلية والطائرة متجهة الى الجنوب الغربي نحو جزيرة جيجو..تبدو الأراضي الكورية خضراء في مرتفاعاتها التي تشكل ثلاثة أرباع الأراضي ووهادها وسهولها حيث تقع المدن ، بعد خمسين دقيقة من الطيران، بدأت الطائرة في الهبوط، اشرأبت أعناق الركّاب نحو النوافذ والبعض تهيأ لألتقاط الصور ، المنظر آسر والأكثر غرابة فيه قمة هالا البركانية الشهيرة التي تتوسط الجزيرة المدهشة، معظم الركاب من اليابانيين والصينيين وكذلك من الكوريين لا سيّما المتزوجين الجدد يقصدون هذه الجزيرة لقضاء شهر العسل ليكونوا ذكريات حلوة هي الأخرى من عسل!

هي جزيرة الطبيعة في أغرب وأبهى صورها، وهي جزيرة الجن والآلهة والأساطير والحكايات الواقعية السحرية التي تشكل بنية ثقافية غنية مستمدة من الواقع الجغرافي الذي كونته البراكين التي انجزت مهمتها وكونت تشكيلاتها الصخرية وكهوفها وغاباتها وحاصلاتها الزراعية ثم خمدت!

هي قلعة وموئل النضال التي حاربت المحتلين من يابانيين وصينيين، وهي حصن الشيوعيين الذي ذادوا عن وحدة كوريا ووقفوا ضد الحكومات الدكتاتوريات التي استحوذت على السلطة بالتزوير وتزييف إرادة الشعب والتنكيل به وارتكاب أبشع المجازر بالتواطؤ مع الأمريكانيين.. وهي موطن الجمال الطبيعي الذي لا يشبهه أيُّ جمال لتفرده؛ لأجل هذه المزايا بدأت تتعاظم أهميتها السياحية حيث تجاوز عدد الزوّار عام 2013 العشرة ملايين!!كما بدأت تجذب المستثمرين لا سيما الصينيين ما أقلق أهلها خوفاً على ثقافتهم واقتصادهم!

هي بيضية الشكل تبلغ مساحتها1848كم2 ، وتعداد سكانها ستمائة الف نسمة، تبعد عن سيؤل ب434 كم، وتبعد عن الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة بخمس وستين كيلومتراً. طولها الأفقي 73كم وعرضها العمودي 31كم، فهي صغيرة سهل التنقل بها بمختلف الوسائط -عدا السكك الحديد المنعدمة - والنقل ميسور ومعتدل السعر..ومناخها معتدل فلا تدنو درجة الحرارة الصفر شتاء حين يكون الجو في شبه الجزيرة مثلجاً وتنخفض الحرارة كثيراً عن الصفر! وماذا بعد؟ نعم هي جزيرة اللاءات الثلاث: لا تسوّل، لا لصوص، لا أبواب موصدة.. وبثلاث قولات توصف بأنها جزيرة: الرياح، الصخور، النساء (لا تستعجلوا الثالثة!).

لا أود الاستغراق في التاريخ النضالي المشرّف لسكان هذه الجزيرة الذين قاوموا الاحتلال الياباني وضمَّ كوريا لليابان فشنّوا نضالاً اسطوريا من عام 1910 حتى عام 1945، وكان الشيوعيون يشكلون طليعة المقاومة وكذلك الدور النضالي ل"نساء البحر" وتدعى بالكورية "هاينيو"  ولا بد من وقفة موجزة: من الناحية الاجتماعية تبرز ظاهرة السيادة الأمومية الماترياركية  Materiarchal التي ترجع إلى أسّها الأقتصادي حين تتسيد الزوجة العائلة والسبب هو أن النساء في هذه الجزيرة معروفات بنشاطهن الذي يفوق الرجال وبنية أجسامهن المتينه فهن مدهشات في الغوص في المياه الباردة واستخراج قشريات البحر وأعشابه ومكنوناته، وهن أيضا صيادات ماهرات لا يجاريهن أزواجهن وهن بالإضافة لكل هذا مزارعات وربات بيوت ما عزّز مكانتهن الأسرية والأجتماعية ودورهن في العمل السياسي والنقابي المشهود!

من هنا يمكن فهم الدور النضالي لهن في حزب العمل الكوري وفي نقابات عمال البحر وخاصة في عامي 48 و49 وأيام الحرب فقد قتل من مناضلي الجزيرة الذين يقدرون 90% من شيوعيين ووطنيين للتصدي لزيف الانتخابات، لقد ارتكبت المذابح والقتل الجماعي بلا تمييز وأحرقت القرى بسكانها لإجهاض الانتفاضة التي سيطر فيها السكان على الإدارة وأحرقوا مراكز الشرطة، لقد كان النضال بين السكان العُزّل والقوات الحكومية مدعومة من قبل الجنود الامريكانيين.. ولقد فرً 40000 من السكان الى اليابان بأعمارهم ..في عام 2006 اصدرت الحكومة بيان اعتذار ووعدت عام 2010 أن تعوّض السكان جميعا عن الأضرار بالأرواح والممتلكات التي أحرقت ولم تنفذ وعدها لحد الساعة!!

***

وأنا أجول في هذه الجزيرة وأقطع سهولها ووهادها وجبالها لم تغادرني قصيدتان، أولاهما لأبي المحسَّد قالها في شعب بوان/ البسيط:

مغاني الشِّعب طيبٌ في المغاني – بمنزلة الربيع من الزمانِ

ولكن الفتى العربيَ فيها – غريبُ الطبع واليد واللسان

أما الثانية فهي تلازمني على كل شاهق، حين قال في جبل صنين اللبناني/ الخفيف:

أرجِعي مااستطعتِ لي من شبابي – يا سهولاً تدثّرت بالهضابِ

 

 أردنا أن نقف على أهم أربع مواضع هامة من بين أكثر من عشرين موضعا فأبدأ:

قمة هالا Mt. Halla: هي الأروع والأجمل لمحبي المغامرات وتسلق الجبل الذي هو الأعلى في كل كوريا الجنوبية ويصل ارتفاعه الى 1950م، ومن يُؤثر العافية فيستطيع بلوغ الجبل بالحافلة السياحية! وكان خيار محدثكم هو التسلق والصعود على ألاقدام، وقد بلغت أكثر من الف متر بطريق وعر من صخور بازلتية غاية في الصلابة وخاصة عندما تكون حادة.

وهالسا جبل بركاني ذو فوهة دائرية ناتئة تكون شكل اسطوانة يقبع في وسط الجزيرة وهو أقرب لساحلها الشمالي، ولغرابته وهيبته اعتقد السكان بأنه واحد من ثلاثة آلهة في الجزيرة وهو مشابه من هذه الناحية لجبل فوجي! وفوهته تشكل بحيرة ما يجعل منظره آخاذاً من الجو،..

 1018-shbal1

بلوغ ارتفاع ألف متر نحو قمة هالا

 حديقة الصخور

هي أجمل ما رأت عيناي في زياراتي، صخور نحتتها الطبيعة، تارة وتعلم الإنسان منها فراح ينحت منها ما يحتاج من أسلحة وأواني وصخور لرحي الحبوب، وراح يشكل من هذه الصخور جدران المنازل والمعابد ما يعجز عنه الوصف، كما نحت وكوّن  أشكالاً لمعتقد ديني يبعد عنه الشر بما يشبه الطوطم عند العرب على شكل أبراج عالية تدعى  تجده في القرى والحقول، يزار وهو ايضا اعتبر إلهاً   Bangsatap

 1018-shbal2

بانغساتاب

   Manjanggul    الأنفاق البركانية

عام 2007 قررت اليونسكو اعتبار جزيرة جيجو ضمن محفوظات التراث العالمي، لما أحتوته من كنوز تاريخية وجغرافية وثقافية (*)، ثم أعقبت ذلك وتحت رئاسة الكوري بان كي مون جعلت الأنفاق الأنبوبية البركانية البازلتية منجنغول ضمن عجائب الطبيعة السبع! وهي فعلاً تستحق ذلك لغرابتها وجمالها وقيمتها العلمية. هذه الأنفاق شكلتها الححمم البركانية التي تلقي بمقذوفاتها ومنصهراتها من باطن الأرض الى سطحها، مكونة بمرور الزمن وبعد خمودها حفائر وأنفاق وكهوفاً تضم تشكيلات وألواناً مدهشة مغلفة بطبقة بازلتية ناهيك عن نتؤات صاعدة ونازلة بطول 70سم ما تكسب هذه الكهوف غرابة فوق غرابة! وأحد هذه الكهوف المسموح بزيارتها بطول 1كم وعرض يقرب من 14م، فيها حيوانات متكيفة للحياة الكهفية وأهمها الخفافيش التي تشكل مصدرا هاما للبحوث العلمية؛ يمكن الزيارة ضمن مجاميع سياحية أو بشكل فردي حيث تتوفر وسائط النقل، والملاحظ في جيجو أن رسوم الزيارات في كل المواقع السياحية رخيصة لا تتعدى الدولارين أو الثلاثة! ويتساوى فيها الأجانب وأبناء البلد.

 

مساقط مياه جيونغجيون:

ويعني اسمها لقاء السماء بالأرض! تقع هذه المساقط في غابة منظمة كأحسن ما يكون التنظيم وهي مرقمة وفقا لما احتوته من اشجارنادرة من الإبريات الصنوبرية ذات التنوع الهائل الى الورقيات، تتيح الأرقام متابعة جميع التنوعات النباتية مع وجود عيّنات شيئية لمقاطعها..

والمسقطان بارتفاعين مختلفين أحدهما 22م والثاني 12 م، يكونان بحيرة بعمق 20م رفعت مياهها الى مستوى ثابت بفعل سد، واقيم مجسر فوق البحيرة يسمح بالتصوير، حفًّت البحيرة زهور من مختلف بقاع العالم، البارك المحيط بالمساقط تختلط فيه تغاريد الطيور مع خرير المياه الذي يعطي أصوات وقع المياه بشكل متفاوت تفاوت عمق المسقط. في البارك دور استراحة مصممة وفق المعمار التقليدي الشائع في الجزيرة وهذا البارك يتيح لمن فاتته زيارة بارك الصخور أن يتعرف ويستمتع بتشكيلات الصخور البازلتية هنا المنتشرة في الممرات ...ولم ينغّص علينا شيء سوى نثيث المطر الذي لم ينقطع ليومين كاملين صباح مساء!

 1018-shbal3

جيجو جزيرة الصخور

ليس هذا كل شيء في الجزيرة المدهشة ففيها أكثر من عشرين موقعاً جذّابا مثل ممرات أولى الجبلية الدائرية المطلة على البحر والمنظمة تنظيماً ومرقمة ترقيماً مع محطات استراحة، وهناك غابة ساريوني التي لا ينقطع عنها السائحون لجمالها الخلّاب، وحدائق هليم ومتحف الشاي...ومن يُحسن ركوب الدراجة النارية أو الهوائية يستطع أن يجول في مغاني الجزيرة ذات الطول والعرض، على أن تأجير السيارات يشترط إجازة سياقة دولية!

شهدت جيجو كارثة اهتزت لها كل كوريا؛ ففي يوم 16نيسان/أبريل 2014 غرقت العبارة "سول" المنطلقة من أسان الى جيجو، وعلى متنها 476 راكباً، بضمنهم 300 طالب ثانوي في رحلة مدرسية لأربعة أيام في الجزيرة  لم ينجُ منهم سوى 75طالباً، وقد قضى من الجميع 304 مسافراً؛ وقد ألقيت تبعة الحادث على القبطان الذي نجا من حكم الموت ليحكم بستة وثلاثين عاماً. ما جعل كثيراً من الشركات تلغي رحلاتها لحد اليوم نظراً للقيود الاحترازية التي فرضتها الحكومة على الشركات الناقلة. فقد كان الدرس قاسيا..

 

خالد جواد شبيل

رام كم هنغ في 23/06/2016

.............................

 (*) أتمنى أن يهتم المعنيون العراقيون بالأهوار لتظهر بمظهر منظم ويقام بها مواقع سياحية مع شواخص ومطبوعات ثقافية تعرّف بسكانها وحياتهم، ليتاح تسجيل الأهوار ضمن لائحة التراث العالمي من قبل اليونسكو.

 

عبد الوهاب البياتي في موسكو .. ملاحظات وإنطباعات

jawdat hoshyarأنا لست موظفاً، أنا شاعر!

لم يكن قد مضى على وجودنا في موسكو في نوفمبر 1959 – نحن الوجبة الأولى من طلبة البعثات العراقية -  سوى بضعة أسابيع حين سرى بين الطلبة خبر (مفرح)، مفاده ان الشاعر عبد الوهاب البياتي قد وصل موسكو ملحقاً ثقافياً في السفارة العراقية . كان المزاج اليساري طاغياً بين الطلبة العراقيين، وكان البياتي في ظنهم هو رائد الشعر العراقي (التقدمي) الجديد، أي الشعر المكرس للدفاع عن الفقراء والمظلومين . ولكنني تلقيت الخبر بحذر وتوجس . لأنني لم أكن يوما معجباً بشعر البياتي أو  بشخصيته

كانت قصائد ديوان البياتي الأول "ملائكة وشياطين" من الشعر العمودي العادي الذي كان مثله، بل أفضل منه بكثير، ينشر في الصحافة الأدبية العراقية وفي دواوين شعراء الخمسينات . أما شعره المنشور في دواوينه الخمسة اللاحقة الصادرة حتى ذلك الحين، فقد كان من نمط شعر التفعيلة، ولكنه كان شعراً مباشرا أشبه بالشعارات، ولا يمت الى الشعر الحقيقي بصلة . لم يكن الشعر هو الذي كان يهم معظم الطلبة، بل البياتي نفسه، لأنه كما كانوا يقولون (منا وبينا)  . لم يكن أي طالب يحفظ ولو بيتاً واحداً من شعره، رغم بساطة هذا الشعر، الذي لا يتطلب أي جهد لفك ألغازه المغلفة بالكلمات الثورية . وكان واضحاً أن أدوات البياتي الفنية بائسة، وشعره لا يرقي الى مستوى شعر بدر شاكر السيّاب . ولكن السياب كان مكروها من هؤلاء الطلبة، وعندما كنت أبدي اعجابي به، كانوا يقولون في استنكار: (ما الذي يعجبك  في قصائد هذا " الخائن " ؟) . والمعروف ان " الخائن " عنوان قصيدة للبياتي يهجو فيها السياب بأقذع الألفاظ، ونشره في حينه في بعض الصحف (التقدمية)  لركوب الموجة اليسارية السائدة، واشغال المكان الذي تركه السيّاب خالياً  بعد  ابتعاده عن هذه الموجة .

نظمت رابطة الطلبة العراقيين في موسكو لقاءًا مع البياتي في احدى قاعات الكلية التحضيرية التابعة لجامعة موسكو، حضره معظم الطلبة العراقيين الدارسين في العاصمة السوفيتية، الذين استقبلوا البياتي استقبال الأبطال، ولم تهدأ عاصفة التصفيق الا بأشارة من منظمي اللقاء . اعتلى البياتي المنبر، وهو منفوش كالطاووس، وأجال بصره في انحاء القاعة، قبل أن يتحدث بصوته المبحوح  عن الصداقة العراقية – السوفيتية وأشياء أخرى من هذا القبيل .وأخذ الطلبة يطرحون عليه أسئلة تتعلق بمشاكلهم  الدراسية والمعيشية . استمع الى كل هذه الأسئلة بتأفف، ثم صرخ في وجوههم: " أنا لست موظفاً، أنا شاعر " . والغريب في الأمر أن أحداً لم يقل له: " اذن ما هي مهمتك في موسكو،  اذا كنت لا تريد حتى سماع مشاكل الطلبة الذين  لولاهم لما كنت اليوم في عاصمة العمال والفلاحيين الذين تتغنى بهم دوماً "؟

انتهى اللقاء وودع الشاعر بمثل ما استقبل به من حفاوة . ولكني لا أدري لماذا تشاءمت من هذا اللقاء وقلت في نفسي، هل أرسلته بغداد لمتابعة قضايا الطلبة وتعزيز العلاقات الثقافية مع الشعب السوفييتي الصديق أم للأستجمام على حساب الدولة؟

 

بعثة جمهورية مهاباد:

كانت لدي مشكلة تتعلق بتخصصي الدراسي . كنت أرغب في دراسة الهندسة الكهربائية، ولكن ظهر اسمي ضمن المقبولين في الهندسة المدنية . كنا سنقضي في الكلية التحضيرية سنة دراسية كاملة وكان لدي الوقت لمعالجة المشكلة ولكن كيف؟ هذا ما كنت أفكر فيه دوماً  ولكن الحل جاء من حيث لا أحتسب.

ذات أمسية طرق باب غرفتي شخص يسأل عني . وبادر الى التعريف بنفسه، وقال بلغة كوردية رائقة وصوت رخيم: - أنا الدكتور م. س. طبيب القلب .

-  قلت: تفضل على الرحب والسعة

جلس حول الطاولة الوحيدة في الغرفة - التي كنا – أنا وزميلي الأوكراني -  نستخدمها لأغراض شتى: للأكل والمطالعة والكتابة وكي الملابس.

- قلت: يا دكتور لدي شاي سيلاني جلبته معي، وسأحضر لك شايا أصيلا خلال بضع دقائق . عندما رجعت من المطبخ كان الدكتور يتبادل الحديث مع زميلي الأوكراني، ثم قال له: معذرة لأننا سنتحدث مع زميلك بالكردية لو سمحت .

ثم خاطبني قائلاً: قد تتساءل من أكون ولماذا جئت أبحث عنك وعن زملائك الكرد؟

وحكى قصة اول بعثة دراسية أوفدتها حكومة جمهورية مهاباد الى الأتحاد السوفييتي قائلاً: "  كنا خمسة طلاب جئنا لدراسة الطب، ولم نكد ننهي السنة التحضيرية حتى أنهارت الجمهورية بعد صفقة النفط المعروفة بين ستالين ورئيس الوزراء الأيراني على حساب الشعب الكوردي . بقينا بلا مورد ومقطوعين عن أهلنا ووطننا، وقد  تحملنا الكثير من المشاق والمتاعب حتى انهينا دراستنا بنجاح، ونحن نعمل اليوم في مستشفيات موسكو . ويسرني أن ادعوك الى تناول العشاء في شقتي غداً . وأخرج قلما وورقة من حقيبته وكتب العنوان بالروسية وبخط واضح، ورسم  طريق الوصول الى مسكنه ..

كانت شقة جميلة في عمارة شاهقة تقع بالقرب من محطة مترو " جامعة موسكو " وكان الدكتور متزوجاً من طبيبة روسية شقراء، في غاية الطيبة والرقة  . وفي هذه الجلسة شرحت للدكتور مشكلتي فوعدني خيراً . وذات يوم قال لي ان الملحق الثقافي في السفارة العراقية صديقي وسيعالج المشكلة التي حدثتني عنها . لم أكن متفائلا ولكن الدكتور بدد مخاوفي وقال: ان البياتي سيهتم بمشكلتك  لأنه منذ أن علم بأنني طبيب ناظم حكمت، أخذ يلح عليّ، أن ارتب له لقاءًا مع الشاعر التركي،، ولكن ناظم مشغول دوماً،  فهو ما أن يرجع من رحلة حتى يغادر من جديد الى بلد آخر بدعوة من أصدقائه ومترجمي وناشري شعره في كثير من بلدان العالم .

 جاءني الدكتور يوماً ليقول لي أنه رتب كل شيء، وسينتظرني غداً في الثامنة صباحا قرب باب الدخول الى محطة المترو القريبة من الجامعة للذهاب الى السفارة العراقية .

كانت الملحقية تشغل جناحا صغيراً في بناية السفارة . وبعد أن رحب البياتي  بنا . قال الدكتور: هذا صديقي الذي حدثتك عنه. وبعد أن شرحت مشكلتي للبياتي،قال: قدم طلبا وسنرى . سألته وماذا اكتب في الطلب . قال:  اكتب نظراً لرغبتي الشديدة في دراسة الهندسة الكهربائية ... الخ . أخذ الطلب وقال سأحاول الحصول على موافقة مديرية البعثات في بغداد .

 كنت التقي الدكتور وزملائه الأطباء الكورد الآخرين الذين كانوا يقيمون الولائم للطلبة الكرد بسخاء . بعد بضعة أسابيع وفي احدى لقاءاتنا قال الدكتور:.

  - ما أن عاد ناظم حكمت من سفرته الأخيرة، حتى ذهبت الى شقته للأطمئنان على صحته، فقلبه عليل وهو لا يهتم بصحته كثيرا .ً قلت له: ان الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي متلهف للقاءك ويتصل بي هاتفيا يوميا، ويسألني ان كا ن بوسعك مقابلته!

قال ناظم: لقد التقيت البياتي في أحد المؤتمرات الأدبية . الشعراء المناضلون اخوتي . وهذا شاعر ثوري حكم بالأعدام مرتين من قبل السلطة الرجعية في بلاده، ولكن الشعب العراقي هاج وخرجت مظاهرات حاشدة في بغداد والمدن العراقية الأخرى  ترفع شعار " الحرية للبياتي " وقد اضطرت السلطة الى اطلاق سراحه فهرب من العراق، كما هربت أنا من تركيا بعد قضاء سبعة عشر عاما في السجن . فكيف لا أقابله !

قلت للدكتور: هذه أول مرة أسمع فيها هذه الحكاية .! وفهم الدكتور مغزى كلامي ولكنه لم يعلق عليه. بل اضاف:

  عندما اخبرت البياتي بترحيب ناظم لأستقباله في مسكنه شكرني، وقال: سأحاول تحقيق رغبة صديقك الطالب الكردي،  فمدير البعثات الدكتور صلاح خالص لا يرفض لي طلباً .

بعد حوالي عشرين يوما، جاءني الدكتور هاشاً باشاً ليقول لي: بغداد وافقت على طلبك . ينبغي أن نحتفل بهذه المناسبة ونشرب نخب نجاحك.

- قلت: بل نخب ناظم حكمت الذي وافق على مقابلة البياتي، ولولا هذه الموافقة لكان (ملحقنا الثقافي)  قد رمى طلبي في سلة المهملات، فهو شاعر وليس موظفاً !.

 

لقاءات عابرة:

السنوات التي قضاها البياتي في موسكو (أواخر 1959- 1964) كانت سنوات ذهبية للشعر الروسي، فقد كان الشعراء الشباب (يفتوشينكو، فوزنيسينسكي، أخمدولينا وغيرهم) يوقدون حماس الشباب بقصائدهم الجديدة الرائعة .ولم يكن يمر اسبوع دون ان يقام اكثر من لقاء شعري مع جمهورالشباب في الجامعات والمعاهد، وفي المعامل وقصور الثقافة، وفي ستوديو لينين الرياضي الذي كان يتسع لثلاثين الف متفرج جاءوا ليستمعوا الى  آخر قصائد الشعراء المعبرين عن همومهم وتطلعاتهم وآمالهم في التغيير . ولكن رغم ترددي الدائم على مثل هذه اللقاءات لم أر البياتي يوما في أي لقاء شعري . لا مشاركاً ولا مستمعاً، ولا اعلم السبب .هل لأن ان شعره غير صالح للألقاء، أم أن العلة في صوته.وطريقة القائه  ربما يقول البعض انه الخجل، ولكني لا أعتقد ذلك . لأن البياتي لم يكن خجولا،بل صامتا معظم الأحيان، ينفث دخان سيكارته في وجهك، ثم يأخذ نفساً عميقاً و يحدق في المجهول ..

 ويبدو أنه لم يكن لديه وقت يضيّعه في مثل هذه اللقاءات، فقد كانت هناك لقاءات أجمل وأمتع ! .كم مرة رأيته واقفا في نواصي الشوارع وقرب مداخل محطات المترو يتطلع الى الجهة التي ستأتي منها سيدة المساء. والغريب في الأمر أن مغامراته النسائية لم تنعكس قط في شعره، كما انعكس  في شعر زميلنا في الكلية التحضيرية حسب الشيخ جعفر مثلاً . الذي كتب قصائد كثيرة وعدة روايات استمد مادتها من علاقاته العاطفية وان كان قد بالغ مبالغة عظيمة في سردها، كأنه دون جوان ترتمي الحسناوات على قدميه أينما حل .

أن الشعراء قي العادة هم من أرق الناس وأكثرهم انبهاراً بالجمال الأنثوي . ولا يوجد شاعر مهما كان حجم موهبته، لم يذب عشقا وهياما في حضرة المحبوبة . ولكن يبدو ان البياتي لم يكن يحب أحداً. لا الشعراء، ولا النساء .

بعد انقلاب الثامن من فبراير 1963 وفصله من الوظيفة، أتخذ البياتي من مقهى يقع في لوبي فندق (موسكو) الشهير في قلب العاصمة السوفيتية .، مقراً دائماً له . كان الطلبة العراقيون يتجمعون حوله وينقلون له آخر ما تتناقله الوكالات وما يقول الناس الهاربون من جحيم البعث. لم تكن الصحف العربية تصل الى موسكو ما عدا صحيفة (النداء) اللبنانية وأحيانا (الأهرام) القاهرية، وكان  البث الأذاعي العربي بالكاد يسمع  في موسكو وسط (ضجيج) صاخب ..

كان البياتي ومعه عدد من الطلبة العراقيين قد حولوا المقهى الى سوق هرج. يشربون قدحا من الشاي أو القهوة ويجلسون ساعات طويلة تتخللها مناقشات سياسية صاخبة . كانت نادلات المقهى فتيات جميلات  بتنانير قصيرة (ميني جوب) التي كانت موضة تلك الأيام  ومريلات بيضاء تكاد لا تصل الى ما فوق الركبة . كن يتأففن وهن يطردن الدخان الكثيف من امام وجوههن وتكاد عيونهن تدمع  من أثر سحابة سكائر (كيم) الكوبية الرخيصة. ضاقت ادارة الفندق ذرعا، وأقفلت المقهى، ولسان حالها يقول (عليّ وعلى أعدائي). ! ولكن البياتي ومعه الشلة الطلابية انتقلوا هذه المرة الى (بار) يقع بجانب الفندق المواجه للساحة الحمراء . وكان الزبائن يصعدون اليه بسلم من المرمر الصقيل . ولم يكن بالأمكان البقاء ساعات عديدة هنا، لأن معظم المقاعد كانت عالية، دائرية الشكل وبدون مساند، والى جانب ذلك عدة طاولات وكرسي خشبية خشنة لا تقارن بالأرائك الجلدية الفاخرة والوثيرة للوبي الفندق، ثم أن الأزدحام كان شديدا في البار الصغير، وليس ثمة مجال  للجلوس لساعات طويلة والدخول في مناقشات لا نهاية لها. وعلى هذا النحو انحلت شلة البياتي تلقائياً . وغاب البياتي عن الأنظار لأشهر عديدة، وفي عام 1964 غادر موسكو متوجها الى القاهرة . 

لم يتعلم (ملحقنا الثقافي) اللغة الروسية رغم اقامته في موسكو لحوالي أربع سنوات، في حين اني رأيت طلاباً أجانب من أوروبا الغربية وأميركا جاءوا الى موسكو لتعلم اللغة الروسية من أجل قراءة الروائع الأدبية الروسية بلغتها الأصلية التي كتبت بها .

ثمة اشاعة - روجها البياتي بنفسه بعد اقامته في القاهرة – مفادها أنه عمل استاذاً في جامعة موسكو وباحثا علميا في معهد الأستشراق . ولكن هذا كان بنداً ضمن برنامجه الدعائي، الذي تصدره قصائد سياسية مباشرة وتقريرية  في مديح عبدالناصر .

ان الزمن هو الحكم الفصل في فرز الصالح عن الطالح . والأبداع الحقيقي يبقى حياً ومقروءا  مهما طال الزمن، ولكن لا أحد اليوم يحفظ أو يقرأ شيئاً من شعر البياتي . ولكي أكون دقيقاً أذكر أنني سمعت منذ عدة سنوات في بغداد أحد الشعراء الشباب وهو يردد ضاحكاً بيتا واحدا من شعر البياتي ورد في مطلع قصيدته المسماة " الأميرة والغجري " وهو بيت (شعري) عجيب، هذا نصه  " أدخل في عينيك -  تخرجين من فمي "

 

جـودت هوشيار

 

زيد الحلي: حين يغمّس يراعه بحبر المودة

abdulhusan shaabanيبدو الصحافي المخضرم زيد الحلي وهو يدلف أعوامه نحو السبعين، شاباً حيوياً مفعماً بالأمل، حتى وإن كان هذا الأمل غامضاً. وعلى الرغم من أنه قضى أكثر من ثلاثة أرباع عمره البيولوجي في خدمة "صاحبة الجلالة" كما يُقال عن الصحافة أو "مهنة المتاعب"، إلاّ أنه لا يكترث بكل ذلك العناء والألم، لأن شعوره مثل شعور العاشق الذي لا يرتوي، بل يزداد هيماناً كلّما التصق بمعشوقته، ولعلّ عشق زيد الحلي مثل ينبوع لا يكاد ينضب، فتراه يتدفق بقوّة وعنفوان، إنه عشق يتجدّد ويتفاعل ويتخالق ويتراكب ويتواصل في بحر شاسع حتى كأنه بلا نهاية.

كأن زيد الحلي يسبح في بحر بلا ضفاف، دون رغبة في الوصول إلى الشواطئ، لأنه لا يحب النهايات، فمنذ خمس عقود من الزمان يسير دون توقف أو محطة استراحة، رغم العواصف والزوابع وعاديات الزمن، لكنه يشعر أنه في بداية الطريق: يتعلّم ويجرّب ويُخطىء ويُصحّح، لأنه واثق كلّ الثقة أن الطريق الذي اختاره بشغف ورومانسية وبتحدٍّ لا يزال يستهويه حتى الثمالة، لدرجة الهيمان والاندغام، فالجمال بالعمل، والمتعة بالاكتشاف، والإبداع بالتجديد.

جرّب زيد الحلي كل أجناس العمل الصحافي مبتدئاً من نشر أخبار الرياضة والفن والفنانين إلى مدير قسم وسكرتير تحرير ورئيس تحرير، وتعلّم وهو فتىً كيف يكتب الخبر وكيف يُصاغ العنوان ويوضع المانشيت، مروراً بكتابة التحقيق والريبورتاج والتعليق والعمود والمقابلة والمقالة، وفي كل ذلك كان يمارس الكتابة كفنٍّ مهني يحتاج إلى تغذيته بالتجربة والتدريب والمهارة، حتى اكتسب الخبرة، وكان يفعل كلّ ما يتطلّبه العمل الصحافي باسترسال أقرب إلى العفوية، مستخدماً ذاكرته الطريّة من جهة، ومن جهة ثانية سلاح الوثيقة: الصورة والمعلومة والقصاصة والتعليق، ليس هذا فحسب، بل لا زال يكتب بذهن مفتوح ومائز، وكأنه يمارس طقساً يومياً، أشبه بالخشوع، فحضرة صاحبة الجلالة عشقه المستمر، مثل نسغ صاعد تتطلّب منه، مثل تلك الهيبة والاحترام والعطاء والتّفاني والحب.

لعلّ زيد الحلي في مذكراته وذكرياته، يحاول استعادة ذاته الكامنة فيما وراء السطور والشخصيات والمواقف، في نوع من التّصالح لدرجة الصداقة الحميمة مع النّفس ومع الآخر، غير مكترث بتدافع سنوات العمر، وتضاعيف المهنة ومتاعبها، ومشاكل الحياة وانقلاباتها وغدر البعض وجبنهم، والمهم عنده هو مدى الاقتراب أو الابتعاد عن أخلاقيات المهنة التي نذر لها نفسه، حتى وإن كان وسط زحام من الأخطاء والعيوب والتوجيهات الصّارمة والمحاذير الشّديدة والتابوات الكثيرة.

ولعلّ كتاب زيد الحلي "50 عاماً في الصحافة" هو محاولة للقفز فوق الموانع وعبور الألغام، وتجاوز الحواجز باتجاه الحقيقة، على الرغم من الضبابيات الكثيرة التي تغلّفها، والتشويهات الهائلة التي لحقت بها، والتداخلات الكبيرة التي طبعها الزمن على وجهها الكثير التجاعيد، لكن زيد الحلي وهو يدخل في صومعته ليمارس عمله الإبداعي بافتتان كبير تراه غير عابئ بكل ما حوله، لأنه يبحث عن الحقيقة، التي يريد أن يراها أو يتلمّس معالمها حتى وإن كان جزءها الآخر بعيداً أو غارقاً، وليس بمستطاعه أن يصله، لكنّه كان يريد أن يشعر به أو يحسّ بوجوده.

من حقّ زيد الحلي، ومن حقّنا أن نعتزّ بأربع سجايا كانت مرافقة له طيلة عقوده الخمسة التي قضاها في عمله الصحافي، مؤرخاً للّحظة على حد تعبير ألبير كامو:

الأولى - هي إخلاصه اللاّمتناهي للمهنة التي عشقها، حتى إنه لا يمكن تصوّر زيد الحلي بدونها، كما أنه لا يستطيع أن يتخيّل نفسه خارج دائرتها حتى لو أراد، فثمة حبل سرّي يشدّه إليها، خصوصاً وأنه تربّى في كنفها وعاش حياته كلّها وفياً لها، فمنحها أعزّ ما يملك، وكافح ونافح حسب ظروف معقّدة وملتبسة من أجلها، بل كاد أن يذهب ضحيّة بسببها "لا غير"، وعاش صراعاً عنيفاً مع النفس، واختار الأصعب وهو أن يبقى صحافياً كما هو، وصحافياً فقط، وكان ثمن ذلك تجميد عضويته في مجلس النقابة في ظروف لم يكن أحد يسأل فيها عن السبب، وكان صمته جواباً كافياً لمعرفة موقع أقدامه، فضلاً عمّن وقف معه بالتّشجيع أو بالإشارة أو بالإيماءة أو التقاء العيون، ومن تنكّر له بالقسوة أو بالإهمال أو بالجحود، وهي أمور كثيرة الحزن في فترة عصيبة أظْلَّمت فيها الدنيا أمامه.

والثانية - هي إخلاصه للأصدقاء وحبّه لهم، لدرجة أنه وهو يروي يحاول أن يجد أعذاراً أو مبرّرات لهذا الموقف أو ذاك، ولهذا التصرّف والسلوك أو ذاك، لكي لا يحرج أحداً أو يؤذي صديقاً، حتى بكلمة أو بوردة يرميها عليه، دون أن يعني ذلك أنه لا يسمّي الخطأ خطأ، والصواب صواباً، والحق حقاً، والباطل باطلاً، حسب الظروف والأحوال. ومع أنه حاول النأي بنفسه عن مشكلات السياسة ومضاعفاتها، حتى وإن شمله رذاذها، إلاّ أنه حاول أن يتناول عدداً من الشخصيات في ضوء القيم الإنسانية العامة والسجايا الأخلاقية، ما فوق السياسية أحياناً، وهو ما يستكمل الحديث عنها في هذا الكتاب.

والثالثة - تميّزه بروح التلمذة والرغبة في التعلّم، ولن ينسى ما فاته أحياناً أو ما لم يتعلّم منه، كما لا ينسى أن ينتقد نفسه، كلّما أخطأ على نحو عفوي أو مقصود، حتى عُـدّ الكتاب نقداً ذاتياً بشفافية عالية، وبقدر تعلّمه واستفادته من أخطائه، فهو حاول أن يعلّم أيضاً، وكان يقدّم ولا يزال عصارة تجربته، للأجيال القادمة مردّداً: إياكم والغرور، ولعلّ الكثير من الذين عملوا معه وتحت إمرته لم يجدوا لديه تلك الروح الأستاذية أو التّسلطية أو البيروقراطية، وكان يعاملهم باستمرار كزملاء مهنة.

وقد قدّم خلال تجربته أسماء فنية مهمّة يمكنك التعرّف عليها من خلال كتابه الشيّق مثل: الياس خضر وحسين نعمه وسعدي الحلي، والفنان المسرحي سامي قفطان والممثل والمخرج عوني كرومي، والممثلة المسرحية غزوة الخالدي، والطبيب الفنان التشكيلي علاء بشير وآخرين، ولم يتحدث عن ذلك منّة أو افتخاراً، بل يكتب ذلك بتواضع جمّ ولكلّ ظرفه، فقد وجد نفسه وجهاً لوجه أمام مسؤولية، قرّر أن يتحمّلها من وحي ضميره. 

الرابعة – وهي ما يمكنني إضافتها، حبّه للخير ورغبته في المساعدة، وهي ميزة إنسانية يحسّ بها من يقدّم مساعداته وخدماته للناس، لا سيّما إذا وجدهم في مواقع متقدّمة لاحقاً، ولعلّ الكثير من الأسماء الواردة كانت ممتنة جداً لفرصة قد تكون صدفة أتاحها لهم زيد الحلي، أو ساهم في إخراجها إلى دائرة النور.

كما كان زيد الحلي مدفوعاً بحب المغامرة، فقد حلّق في عمله المهني مدفوعاً بهديها، وهو فتى في السابعة عشر من عمره، ليتحمّل مسؤولية شيخ في السّتين، حيث كان يسهر حتى تخرج صحيفة العرب من "التنّور". من شارع حسان بن ثابت في بغداد الستينية من القرن الماضي.

واكتسب زيد الحلي خبرة جديدة، في الإذاعة من خلال عمله في صوت الجماهير، وهي خبرة مكّنته من التكثيف والاختزال، وكأنه يكتب برقيات أو يعرض عناوين، سواء في صناعة الخبر أو المقالة أو التعليق، وأتاحت له تلك الخبرة، في رشاقة القلم ودقّة التعبير وموسيقية اللّفظ، لا سيّما وأن المسموع غير المقروء، فالأوّل يحتاج إلى نوع من الشدّ والتشويق، مثلما هي الصورة في المنظور، ولذلك قيل الصورة خبر، ولعلّها تغني أكثر من عشرات ومئات المقالات، من خلال: كمية الضوء وكثافة اللون والمظهر الخارجي والإخراج والعرض والتعليق أو بدونه أحياناً، وتلك من حيثيات العولمة وفي ظلّ الثورة العلمية – التقنية وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية " الديجيتل".

سبقني إلى تقديم كتابه الأول 50 عاماً في الصحافة، صحافيان كبيران ومبدعان، مَثّلا جزءًا مهمّاً من مدرسة الصحافة العراقية، هما الأستاذ فيصل حسون نقيب الصحافيين الأسبق، والأستاذ سجّاد الغازي الأمين العام الأسبق لاتحاد الصحافيين العرب، وهما تعرّفا على زيد الحلي في بدايات عمله الصحافي، وتلمّسا نباهته وموهبته المبكرة، ناهيك عن جرأته في اقتحام ميادين أو فتح أبواب، فالصحافي يحتاج إلى سرعة بديهة وقدرة على التقاط الجوهري من الأشياء، إضافة إلى طائفة من العلاقات التي تغذّيه بالمعلومات.

من يعرف العمل الصحافي يستطيع أن يقدّر مشقة الكتابة اليومية، وكم هي مسؤولية، خصوصاً بالتواصل مع جمهرة القرّاء، فقد تحتاج إلى كلمات محدودة ومركّزة، أقرب إلى البرقيات أو العناوين، وبقدر ما تكون نافذة، فإنها تصيب الهدف، فالصحافي الناجح من يستطيع الإيجاز دون إخلال بالمعنى أو افتئات على المضمون، سواء في الرسالة أو الخبر أو التفكير أو الاستعارة، دون أن ينسى التشويق والحبكة والمتعة والفائدة والمعلومة التي يقدّمها كطبق يومي إلى القارئ.

الكتابة أيضاً حوار مع النفس ومع الآخر، وكل حوار دون الآخر يرتدّ انعكاسياً، ولهذا يحتاج الصحافي إلى براعة ومقدرة لإيصال القارئ إلى شاطئ الحقيقة، حتى وإن ظلّ هو مبحراً. قد يحتاج لكي يقفل حبكته الدرامية إلى مثل شعبي أو حكاية أو أقصوصة أو استشهاد  ببضعة جمل أو مقاطع، حتى وإن بدت حالمة أو غامضة، لكنها لا ينبغي أن تترك القارئ تائهاً في درب الكلمات أو عند منتصف الطريق، إنها تؤثر عليه أو تستدل عليه، وقد تكون ثمّة طرق أو بدائل يمكن للصحافي اصطحاب القارئ إليها، في إطار صحبة حميمة ورفقة أنيسة.

التكثيف جهد مضنيّ بحدّ ذاته، لأنه يبلّور الرأي ويقدّم عصارة الفكر وعناء التّجربة، في صفاء ذهن وسلاسة أُسلوب ورقّة في التناول وهارموني في اللّفظ.

إن التكثيف هي حرفة الصحافي الناجح، وزيد الحلّي بأسلوبه الأنيق وقلمه الرشيق يعلّمنا تلك الحرفة بمسؤولية ومتعة، ليقدّم لنا الجميل والجديد على نحو شيّق لدرجة يشدّنا ونحن نقرأ عموداً كتبه أو خبراً نقله أو فكرة أراد أن يطرحها. وقد أشرت أكثر من مرّة حين انتظر كارل ماركس أن تأتيه رسالة من رفيق عمره فردريك انجلز، ليعلّق فيها على مخطوطة كان قد أرسلها إليه، أو ليكتب بضعة ملاحظات، ولكن الرسالة لم تصل وكاد صبره أن ينفذ، وإذا به وبعد بضعة أشهر تصله رسالة وكتاب جديد "مخطوطة لإنجلز" تعليقاً على مخطوطة ماركس مع رسالة قصيرة جاء فيها: آسف لم يكن لديّ الوقت لكتابة ملاحظات مكثّفة أو مركّزة، فكتبت هذا الكتاب "المخطوطة".

التكثيف هو جهد فكري، وليس أسلوباً فحسب، وهو واحد من مكوّنات عدّة الصحافي النّاجح، لأنه بحاجة إلى قراءة يومية ومتابعة وشبكة علاقات واسعة وجدارة في اختيار الموضوع والتقاط اللّحظة المناسبة، مع مراعاة ما يريد القارئ، بأسلوب فعّال في معالجة أعقد وأخطر القضايا.

يمكن احتساب زيد الحلّي على الجيل الثاني من الصحفيين العراقيين المتميّزين بعد جيل الروّاد للصحافيين الكبار متزامناً مع ما أُطلق عليه "جيل الستينيات- الروح الحيّة" وهو عنوان كتاب للشاعر والروائي والصحافي فاضل العزاوي، تلك الموجة التي عرفت إضافة إلى العزاوي، مؤيّد الراوي وشريف الربيعي وسركون بولص وأنور الغساني وعبد الرحمن مجيد الربيعي وابتسام عبدالله وعمران القيسي وحميد المطبعي وسلام خياط وسلوى زكّو وسالمة صالح وجليل العطية وقيس السامرائي وحسن العاني وآخرين، وهي امتداد لجيل ضم روفائيل بطي والجواهري وعبد المجيد لطفي وعبد الجبار وهبي وعبد الرحيم شريف وحسن العلوي ويوسف الصائغ ومحمد كامل عارف وشاكر علي التكريتي وقاسم حمودي وسجّاد الغازي وفيصل حسون وشمران الياسري "أبوﮔاطـع" ومدني صالح وسعد قاسم حمودي وإبراهيم الحريري وإن كان هناك تداخل بين الأجيال.

زيد الحلي كتب بوحي من ضميره، وكان حين يريد تجديد قلمه يغمسه بحبر المودّة!

تعالوا معي نقرأ كيف يقدّم شخصياته، من المبدعين في أجناس مختلفة من الكتابة والأدب والفن، فزيد الحلي مشغول بالثقافة وفروعها المختلفة، ويجد من واجبه تقديم ذلك لجمهرة القرّاء، وهو ما حرص عليه طيلة خمسة عقود من الزمان، سارت فيها تحت الجسور مياه كثيرة، وإذا كان أربعة رؤساء توالوا فيها على رئاسة البلاد وهم: عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف وأحمد حسن البكر وصدّام حسين ورئيسان بعد الاحتلال العام 2003 وهما: غازي الياور وجلال الطالباني، لكنه عاصر ما بعد اغتيال كينيدي رئيس الولايات المتحدة: جونسون ونيكسون وفورد وكارتر وريغان وجورج بوش الأب وكلينتون وجورج بوش الابن وأوباما، مثلما عاصر زعماء الاتحاد السوفييتي وبعدها روسيا، وهم خروتشوف وبريجينف وتشرننكو وآندروبوف وغورباتشوف ويلتسن ومدفيديف وبوتين .

زيد الحلّي يكتب بحبر المودّة.

 

بقلم عبد الحسين شعبان

 

 

من تاريخ مدينة سوق الشيوخ المعاصر: ديكسون (1)

hamid shakirالحديث عن الكولونيل والسياسي، والكاتب الانثربولوجي البريطاني (هارولد ريتشارد ديكسون / تولد:1881م، توفي 1959م) وعلاقته التاريخية بمدينة (سوق الشيوخ العراقية) في حقبتها المعاصر لاسيما ما بعد الاندحار العثماني التركي واحتلال بريطانيا للعراق (1914م / 1918 م) هوحديث يندرج تحت، وفي ثنايا اكثر من اطار تاريخي وسياسي واجتماعي وفكري وعلمي وعسكري و .... الخ !!.

فهذا الرجل استطاع  ان يتحرك في عصره من خلال دوائر تهيئت له (قدريا) ليلعب، ويؤثر في اكثر من ساحة سياسية عالمية وعسكرية واجتماعية، و... عايشها في عصره، الذي هو (ايضا) كان عصرا مليئا بالاحداث والتطورات، والمتغيرات العالمية الكبيرة والمتنوعة في حروبها الكونية الاولى 1914م، والثانية 1939 م وقادة ورجال هذه الحروب الذي كان (ديكسون) احد صّناعها من جهة وسقوط الخلافة التركية وتقسيم تركتها وانشاء الاوطان العربية والاسلامية فيما بعد ودخول العالم رسميا الى عالم الصناعة والاقتصاد و ...الخ من جانب اخر !!.

والحقيقة ان كل ذالك يصلح ليكون مادةَ محاورٍبحثية تاريخية وعلمية وسياسيةوحتى عائلية لحياة ديكسون بامتيازلكن ما يصلح له ديكسون فعلا، وبشكل مختلف هو ان نتناول تاريخ هذا الرجل، ومدينه سوق الشيوخ العراقية بالذات !!.

فلديكسون تاريخ مع مدينة سوق الشيوخ ومع اهلها يختلف عن تاريخ ديكسون العائلي (باعتبار انه ينحدر من عائلة ارستقراطية بريطانية عريقة)، وكذا يختلف عن تاريخه العسكري، او الوطني البريطاني وحتى تاريخه الجزيري العربي (مع مشائخ الخليج) بصورة عامة وتاريخه الكويتي الوظيفي بصورة خاصة الذي انتقل لها في/ 1929 م، مع زوجته (فيوليت) ليشغل منصب (الوكيل السياسي البريطاني في الكويت) فقد كانت ايضاعلاقة مختلفةَ اللمسات عن علاقة ديكسون بمدينة سوق الشيوخ،التي يبدو انها سكنت ذهن وعقل وفكر وتاريخ ديكسون، حتى بعد انسلاخه من العراق، وقصرالفترة التي خدم فيها ديكسون (لم تدم اكثرمن ثلاث سنوات فقط) وظيفيا عسكريا في مدينة سوق الشيوخ من جانب اخر !!.

وظفّ ديكسون جزءا مهما وعيمقا من كتابه (الكويت وجاراتها) او فصلا مستقلا في هذا الكتاب، لتكون مدينة سوق الشيوخ حاضرة فيه وهذا الكتاب، وكما هو معروف يعتبر من (اهم المصادر) التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفها ديكسون لهذه المنطقة النفطية الخطيرة  على المصالح البريطانية انذاك، ومن ثم الامريكية الى وقتنا الراهن؟.

والحقيقة ان السؤال البحثي، والعلمي، والتاريخي بهذا الصدد لم يزل قائما، وملحا في بحث محور: لماذية اهتمام ديكسون نفسه مع تاريخه المليئ بالمغامرات، والاحداث الاطول عمرا في باقي مناطق خدمته العسكرية والسياسية بتاريخ مدينة سوق الشيوخ على التحديد ليذكرها في اهم كتبه او تراثه الفكري والسياسي الذي بقي لنا حتى اليوم؟.

ولماذا عندما اراد ذكر(الكويت وجاراتها) ارتاى ان تكون مدينة سوق الشيوخ وليس غيرها من العراق من ضمن (جارات الكويت) مع انها مدينة منفصلة جغرافيا واجتماعيا عنها انذاك وحتى اليوم؟.

ماهو السرّ الذي بقي عند ديكسون نفسه ليرى في سوق الشيوخ محطة من محطات تاريخه العسكري والسياسي الذي لايقل اهمية عن محطة ادارته للكويت (منذ 1929 الى وفاته 1959م) وعلاقته بشيوخ النفط الخليجي في الجزيرة العربية انذاك ولهذا كانت سوق الشيوخ حاضرة في ذاكرة ومؤلفات وتقاريرديكسون السياسية والعسكرية والاقتصادية المهمة ايضا ؟. 

طبعا لاريب ان حضور(مدينة سوق الشيوخ) من ضمن اهتمامات ديكسون التاريخية والفكرية والسياسية لم تكن قطعا بسبب النفط الذي شغف قلب العقل الراسمالي البريطاني انذاك، وارادت بريطانيا من خلال وكلائها وموظفيها الرسميين ان يكون تحت يدها تقارير سياسية واجتماعية، واقتصادية .. مفصلة عن هذه المناطق الجغرافية الحيوية لاقتصاد العالم وسير حركته الصناعية التجارية انذاك والى الان !!.

بل لم تكن سوق الشيوخ وماحولها ابّان قيام العراق الوطني المعاصر لها علاقة بالاقتصاد النفطي الذي كان ولم يزل يمثل شريان الاقتصاد الراسمالي الغربي الحديث لا لسبب معقدبل لسبب بسيط هو ان المدينة بحدودها الجغرافية لم تكن من ضمن دوائرالذهب الاسودانذاك ولاتقع هذه المدينة (ايضا) على مفاصل ممرات استراتيجية برية او بحرية سياسية، واقتصادية عصرية لتكون سببا لدفع ديكسون لرفع التقارير او الكتابة بشان هذه المدينة، لمساسها بالمصالح الاقتصادية لبريطانيا الاستراتيجية العظمى مباشرة !!.

اذاً اذا لم يكن الدافع الوظيفي السياسي لديكسون هو الذي فرض عليه التورخة لمدينة سوق الشيوخ، ولم تكن المدينة نفسها ضمن جغرافيا النفط التي جننت الاقتصاد الصناعي البريطاني في بداية امره، وكذا لم تكن المدينة تشكل منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم مفصل من مفاصل الطرق الاستراتيجية الحديثة للعالم التي يتحتم السيطرة عليها استراتيجيا في مخططات الدول العظمى الحديثة !!.

اذا لم يكن كل ذالك دافع يضطر (ديكسون) لذكر مدينة سوق الشيوخ كاحد اهم المدن العربية الاصيلة، التي ارخ لها في رحلته العسكرية والسياسية في القرن العشرين، فماهي الدوافع الحقيقية التي وان فارق ديكسون مدينة سوق الشيوخ وظيفيا ( شغل /ديكسون / وظيفة ضابط الاستخبارات لمدينة سوق الشيوخ في، تموز 1915 م، وانتقل عنها للبحرين قبل الكويت في نهاية الحرب العالمية الاولى 1918م) الا انه حملها معه فكريا ونفسيا الى مفارقته لهذه الحياة في 1959 م ؟.

يبدو لي ان الدافع لديكسون، الذي فرض عليه عدم نسيان مدينة سوق الشيوخ في تورخته ل(سيرة حياته المهنية) كان شيئا اعمق مماهو وظيفيً !!.

ومن الطبيعي ان يذكر (ديكسون) محطة من محطات حياته المهنية السياسية، والعسكرية في كتابه (الكويت وجاراتها) ويذكر عمله في مدينة سوق الشيوخ كاحد المحطات المهمة في سيرة حياته تلك لكن ما يجعلنا نميل الى اعمق من هذا السبب هو تلك التفصيلات التي تحدث فيها عن مدينة سوق الشيوخ،وذالك العمق الاجتماعي والروحي الذي يتسرب من بين حروف ما كتبه ديكسون عن هذه المدينة !!.

نعم (من وجهة نظري) ان علاقة (ديكسون) مع مدينة سوق الشيوخ لاسيما بعد انفصاله عنها وكتابته عن هذه المدينة لم تكن علاقة مهنية فحسب او كانت علاقة عسكرية جافة بين ضابط استخبارات عسكري ومدينة محتلة بريطانيا في 1915 م، ومطلوب منه ان يحكمها بالقوة والضبط الامني لاغير !!.

بل كانت علاقة ديكسون مع هذه المدينة فيها عدة ابعاد فكرية وروحية وسياسية وتاريخية واجتماعية و... حتى نفسية شخصية !!.

من الجانب النفسي الشخصي لديكسون، وبعد دراسة وبحث هذا البعد بتامل، والذي اعتبره شخصيا من اهم العوامل التي فرضت عليه ان ينسج علاقة فوق المهنية مع مدينة سوق الشيوخ، واهلها : ان تركيبة ديكسون الشخصية والنفسية هي تركيبة قيادية متطلعة لانجازاكبر من وظيفته العسكرية !!.

اي بمعنى اخر: اذا حاولنا قراءة التركيبة الشخصية والنفسية والفكرية لديكسون ابّان اسناد وظيفة ادارة مدينة سوق الشيوخ له في / تموز / 1915م من قبل الجنرال (غورنج) وبحضور السير (برسي كوكس) الذي رفع الراية البريطانية في المدينة سنكتشف امامنا معادلتين:

الاولى: ذالك الشاب العسكري البريطاني الرائد(هارولد ديكسون) الذي يمارس اول مهامه (القيادية السياسية والادارية وليست العسكرية فقط) لمدينة تطأها اقدامه لاول مرة في حياته من جهة !.

ونحن امام ضابط عسكري عُرف من خلال (سجله العسكري) بالحزم والصرامة والشجاعة والذكاء الحاد والاخلاص والامانه بالاظافة الى انه من المغامرين، الذين لا يشعرون بمتعة الحياة بدون الارتماء في احضان الخطر !!.

الثانية: وهي معادلة مدينة عُرفت في تاريخها: انها من اعرق المدن العراقية الحديثة اقتصاديا، وسياسيا، ومجتمعيا من جهة وانها مدينة صعبة المراس الجغرافي والتنوع المهني السكاني والتطورالاجتماعي بالمقارنة بما كان موجودا في العراق انذاك وانها مدينة معقدة التركيبة السيوسولجية بالاظافة الى انهامدينةعرف عن اهلها البسالة والشجاعة والقتال والتمرد بين الفينة والاخرى على اوامروقوانين الحكم والدولة؟.

في المعادلة الاولى يتحدث صاحب كتاب (العودة الى الاهوار) (كافن يونغ) عن (نوعية شخصية) القيادات البريطانية العسكرية التي احتلت منطقة الاهوار وسوق الشيوخ بالتحديد ومن ضمنهم ديكسون ليقول: (من الضروري قول كلمات بحق الملحقين السياسيين البريطانيين وهي قضية مهمة طالما يجري الحديث عن المشهد السياسي العراقي انذاك، بكل المقاييس فان اؤلئك الشباب المشتتين في الاماكن القصية الذين كانوا يتعلمون من التجربة يستحقون كل احترام، كانوا يتحدثون العربية بطلاقة على عكس من سابقيهم الاتراك ويعملون بحماس على الرغم من متاعب الحرارة، والحشرات، والاوحال محاطين بعشائر مسلحة، دون ان يكون تحت امرتهم اي عساكر بريطانيين بغرض الحماية الشخصية في افضل الاحوال كان لديهم مجندون عراقيون لم يكونوامعصومين من الخطأبالطبع لكنهم لم يكونواجائرين ايضا احبوا قبائل المنطقة، وطبيعتها كان اغلبهم من المهتمين بعلم الانثربولوجيا وعلوم الاثار والطيور اعتمد نجاحهم اساسا على قوة الشخصية لانهم كانوا يواجهون رؤساءقبائل على قدركبيرمن الحزم والسطوة / العودة الى الاهوار / ترجمة حسن الجنابي/ ص 79 / 1997 / ط اولى).

ان هذا الوصف ل(كافن يونغ) لنوعية القيادات العسكرية البريطانية يسلط لنا الضوء ايضاعلى نوعية شخصية (ديكسون) الذي تكلّف فيما بعد بادارة مدينة سوق الشيوخ ابان احتلالها بريطانيا في 1915م، بل ربما كانت شخصية ديكسون اعمق مما وصفه (كافن) نفسه لجنرالات الملحقية البريطانية ف(ديكسون) بالاظافة الى حماسه وتحمله للمشاق واتقانه للغة العربيةودراسته للانثربولوجيا الانسانية وحزمه العسكري الصارم وحبه لمدينة سوق الشيوخ واهلها وعشائرها وعدله في الحكم (وهذاماسنذكر نماذج له فيمابعد) و.. بالاظافة لكل ذالك كان فعلا امام تجربة جديدة ومختلفة عن تجاربه العسكريةالاخرى عندماكّلف بادارة مدينة سوق الشيوخ سياسيا، واقتصاديا، وعسكريا، وامنيا وقضائيا واداريا و ....الخ !.

ان هذه الوظائف السياسية والمدنية والاقتصادية والامنية لامست بعدٌ في شخصية الكولونيل ديكسون لم يكن ليظهر للعلن لولا هذه التجربة التي قدمت لديكسون في ادارة مدينة سوق الشيوخ !!.

وفرق واضح، وكبير بين شخصية كولونيل يعمل من خلال الاوامر المباشرة لمرؤسيه، وبين قائد يعمل بمطلق الحرية معتمدا على ذكائه وحنكته السياسية وتجاربه الشخصيةفي ادارة مجتمع مدني بحاجة الى عقل سياسي ودبلماسي وعسكري وامني واقتصادي وقضائي .. مبدع ومبتكر وخلاق وحكيم وحازم وشجاع و .... الخ يعمل بمطلق الحرية بدون الرجوع الى اي احد سوى حنكته وادارته الناجحة !!.

هذه التجربة المتنوعة سياسيا، واداريا، واقتصاديا، وقضائيا وامنيا وعسكريا و... لديكسون (وحسب ما اعتقد شخصيا) هي ما جعلت من مدينة سوق الشيوخ تجربةً (اهم واعمق) من كونها تجربة عسكرية فحسب بالنسبة لديكسون الذي حمل سوق الشيوح معه وداخل ذاكرته اينما حلّ او ارتحل !!.

لاسيما ان ادركنا ان مدينةسوق الشيوخ ابّان بداية الاحتلال البريطاني لم تزل بعدُ هي(عاصمة الجنوب العراقي) السياسية والاقتصادية حتى العسكرية لمشائخ وعشائر ومدن التحالف المنتفجي انذاك !!.

اي هي المرجع والمنطلق لكل الجنوب العراقي (منها انطلقت جيوش الجهاد في حرب الشعيبة 1914 م، بقيادة السيد الحبوبي والتي شارك فيها ديكسون ايضا في القتال من الجانب البريطاني) والسيطرة عليها تحدي لايمكن اسناده بريطانيا، الاّ لجنرال تتميز مواصفاته باعلى من المواصفات العسكرية او الامنية فحسب !!.

وهنا ولد(ديكسون) السياسي والاداري والحاكم المطلق لمدينة عراقية جنوبية اسمها سوق الشيوخ في 1915 م !!.

وهنا برزت مواهب ومكامن ديكسون السياسية التي رشحته بريطانيا ليكون المدير الفعلي، فيما بعد للكويت النفطية المهمة للاستراتيجيات البريطانية انذاك !!.

وهنا يكمن التحدي لديكسون نفسه الذي ابقى مدينة سوق الشيوخ مدينة اصعب من ان تنسى بالنسبة لكولونيل فتح مشوار حياته سياسيا بادارة مدينة كل زقاق او (دربونه) من محلاتها الاربع فيه لغز محيّر او فيه بندقية يمكن ان تستقر رصاصة من رصاصاتها في قلب ديكسون ابان ادارته للمدينة !!.

يقول ديكسون في كتابه (الكويت وجاراتها) تحت فصل (انا ادير سوق الشيوخ): وبعد ان احتلّ الجنرال (نورمنج) الناصرية في تموز سنه 1915م ارسلت كضابط استخبارات الى سوق الشيوخ المدينة العربية الصغيرة على الفرات في وسط قبائل المنتفج ولم تكن القوانين تسري هناك حتى في ايام الاتراك قبل سنة 1914 م، . فقبائل المنتفك عنيدة متمردة وكانت في حالة من الفوضى بحيث اضطرني الى حث الدائرة السياسية، التي يرئسها السير برسي كوكس، الذي كان ينظم الادارة المدنيةفي جنوب العراق على ارسال ضباط لادارة المنطقة وكم كانت دهشتي عندما تلقيت برقية عينني فيها السير (برسي) مساعد ضابط سياسي، بالاضافة الى واجباتي الاخرى في سوق الشيوخ ../ الكويت وجاراتها / . ه . ر . ب . ديكسون / ج اول / ط اولى / صحارى للطبع / 1990م / ص 164، 165.

 

حميد الشاكر

 

الامام الحسن المجتبي مدرسة القيم الخالدة

mohamadjawad sonbaولد الإمام الحسن في الخامس عشر من شهر رمضان من السنة الثالثة للهجرة، وقد كان لمصادر الاعداد الأصيل، التي رعت الامام الحسن، أثراً مهماً في تربيته الإسلامية الرسالية الرصينة، التي تلقاها من رسول الله (ص)، ومن بضعة رسول الله فاطمة الزهراء(ع)، ومن سيد الوصيين الإمام أمير المؤمنين، علي بن ابي طالب (ع)، فكانت هذه التربية مصادرَ ثرةً لبناء شخصيته وتكاملها .

هذه التربية النبوية أعطت لكيانه الروحي زخماً قوياً، وجعلت منه (ع)  شخصية قياديّة من الطراز الأول، صمدت أمام أعتى التحديات التاريخية، التي واجهتها المنظومة الإسلامية العقائدية والفكرية والسياسية والاجتماعية.

بدأ دور الإمام الحسن (ع)، يتألق في دنيا الإسلام، في وقت مبكر من حياته الشريفة، فقد كان أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع)، يُنيبُه ممثلاً عنه ويرسله لتهيأة الجيوش، وإعداد الخطط مع قادته، وكان والده (ع)، يُسند إليه مهمّة قيادةِ أحدِ أجنحةِ جيشهِ، أثناء مواجهات أعداء الاسلام في القتال، وقد بلغت تلك الشخصية ذروتها بعد استشهاد أبيه (ع).

لقد ورث الإمام الحسن (ع)، ركاماً ضخماً من التناقضات، التي أنتجتها الأفعال المعادية لدولة الاسلام، في زمن خلافة أمير المؤمنين (ع)، ومنها المنهج التكفيري الذي تبناه الخوارج، الذين لم يتورعوا، بنعت الإمام علي بن طالب (ع)،  بالكفر وعدم الحكم بالقرآن ، فيالها من مهزلة تاريخيّة، تصف ربيب القرآن، ببُعده عن القرآن .

لقد كانت السياسة المعادية لمنهج أهل البيت (عليهم السلام)، تذكي الاتجاه المعادي لدولة الاسلام التي كان يقودها الامام علي (ع)، وتمدّه بما يحتاج من دعم مادي ومعنوي، وكانت محصّلة هذا الصراع، استشهاد وصي رسول الله (ص)، في محراب مسجد الكوفة في العام أربعين من الهجرة الشريفة.

كان الموقف الذي واجهه الإمام الحسن(ع)، قد وضعه إزاء حلين لاثالث لهما:

الأول: إمّا ان يتنازل عن قيادة دولة الإسلام، ويعهد أمر الأمة إلى أعداء الاسلام، معاوية ابن هند، ويزيد بن معاوية، وابن (النابغة/ كنية للمرأة المشبوهة) عمرو بن العاص وأشباههم.

الثاني: أو أن يقف بحزم لإرساء دعائم الإسلام، والحفاظ على كيانه. وهذا ما عمل به الإمام الحسن (ع).

فلم يلجأ للحرب كوسيلة لحل الأزمات، لسبب مهم هو أنّ الدولة التي ورثها عن ابيه (ع)، قد انهكتها الحروب. إضافة الى ذلك فان الازمات، قد اضعفت البعد الروحي والايماني في نفوس الناس.

فكان على الأمام الحسن (ع)، الدخول في صفحة التفاهمات السياسية، للوصول الى حالة التوازن الذي يحفظ للمسلمين سلامة عقيدتهم وكرامتهم، وأمنهم واستقرارهم، بعيدا عن جعجعة السلاح .

 

لقدّ أَرسى الامام الحسن (ع)، مبدأ استثمار السياسة، للوصول الى المصالح المفيدة للأمّة الاسلامية، وبناء هيكليتها الروحيّة والفكريّة والنفسيّة من جديد، بعدما نالت منها الأزمات المختلفة الكثير، على مدى نصف قرن من الزمن تقريباً.

و إذا نجح الإمام (ع) في حفظ بيّضة الاسلام، فانه لم يسلم من تأثير الدعاية الإعلامية المعاديّة. فأمر معاوية بن أبي سفيان، أن يُسمى العام الذي تصالح فيه مع الامام الحسن (ع)، بـ(عام الجماعة)، ليوحي للجماهير انه (اي معاوية)، مع الجماعة، والامام الحسن كان خارجاً عن الجماعة، ثم عاد اليها.

و في القرن الثاني الهجري، تم تحوير المصطلح ليكون (أهل الجماعة). وفي الصدر الأول من حكم العباسيين، أُجري تحوير آخر على هذا المصطلح، فأضيف اليه كلمة (السنة)، فاصبح (أهل السنة والجماعة). وهذا المصطلح لم يكن موجوداً على الاطلاق، في زمن رسول الله (ص).

كما نعتت الدعاية الأموية الامام الحسن (ع)، ظلماً وعدواناً، بأنه رجل مزّواج (كثير الزواج من النساء)، حتى يُصدق الناس بأن الامام الحسن (ع)، رجل طالب لَذّات.

كما كان يُروّج بين العامّة والجهلة، بأن الامام الحسن (ع)، بعَقده الصلح مع معاوية، قدّ ذلّ المؤمنين، وغير ذلك من التخرصات والاراجيف المعادية، التي ترمي النيل من شخصية الإمام (ع)، وتسقيطه في نظر العامة من الناس.

ولعَمري كيّف لا أَعتب، على أُمّة ذلك الزمن، التي ارتضت لنفسها، أن يقودها (ابن هند آكلة الأكباد)، وأَبتّْ أن يقودها (ابن الزهراء)(ع).

الإمام الحسن (ع) إمام معصوم من الخطأ والزلل، وهو أعرف من غيره بمصلحة الاسلام والأمة الإسلاميّة، خصوصاً أن المرحلة التاريخية التي عاشها الإمام (ع)، كانت في غاية الحراجة والحدّة، من حيث حساسيّة المواقف، وكثرة المتغيرات المحفوفة بالمفاجآت.

وعلينا اليوم أن نستذكر، سلوك الإمام الحسن (ع)، لنستلهم من ذلك التراث الضخم، أبلغ الدروس، في تقديم الأهم على المهم، والمصلحة العامة على المصلحة الخاصّة. ومصلحة الأمّة على مصلحة القلّة.

فسلام عليك يا أبا محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) حين ولدت، وحين رَأَبْتَ صدعَ الأمّة، وحين استشهدتَ، وحين تبعث حيا ، وان العاقبة للمتقين .

 

مُحَمَّد جَواد سُنبَه - كاتِبٌ وبَاحِثٌ عِرَاقي

 

رجـَالٌ يـُقـَاومـُون ويـَكـْتـُبـُون .. الروائي مولود معمري تشابكٌ بين الوَعْيِ والتاريخ

eljya ayshلا أحد يمكنه أن يتنكر أن المرأة القبائلية خرج من بطنها "رجال" آمنوا بأن المقاومة والبناء أساس السيادة والحرية، فما كان لهم إلا أن يتعلموا كما قال - كاتب ياسين- "متى وكيف يكون النضال ممكنا" فكان عليهم أن يتقاسمون الألم والمحن والاعتقال والسجن وحتى الاغتيال، كما تقاسموا الفكر والإبداع بالطريقة نفسها فكتبوا وأبدعوا وأنشدوا وغنوا للوطن والحرية والعدالة من أجل التجديد وآفاق المستقبل

و من هؤلاء نذكر المؤرخ عمار بن سعيد بوليفة الذي اهتم بالدراسات البربرية، كما اهتم بوليفة بوضع القوانين العربية لمنطقة القبائل ومنها قانون عدني عام 1905 وهي قرية تقع بالأربعاء ناث إيراثن أسفل قرية عزوزة،  ويعتبر كتاب " جرجرة عبر التاريخ" أهم مؤلفات عمار بوليفة نشره عام 1925 ذكر فيه تاريخ منطقة القبائل منذ العهد الروماني إلى غاية الاحتلال الفرنسي يبين فيه كيف واجهت منطقة القبائل كل القوى الاستعمارية، كانت له مواقف مرابطية جعلته يدفع ثمنا غاليا من قبل ألإدارة الاستعمارية ولاقى على إثرها إهمالا كبيرا إلى غاية وفاته في 08 جوان 1931، ونقف مع شعراء منطقة القبائل الذين جعلوا من أشعارهم قنابل زعزعت من يمشي فوق الأرض ومن يرقد تحتها، ونشيد "انهض يابن مازيغ" من جملة الأناشيد التي نظمتها مجموعة "البربرو وطنيين"، وكان هذا النشيد كثير الإنشاد في منطقة القبائل قبل الاستقلال وأشهرها على الإطلاق يذكر فيه أبطال آيت عمران ومنهم الأمير عبد القادر، ونقف مع نشيد " بلادي" الذي وضعه محند إيدير آيت عمران الملقب بـ: " أب البربرية"  عام 1950 وهو يعبر عن تفاهم العرب والبربر تقول بعض أبياته:

"وامتزجت دماءنا وسكنا بيتا واحدا وخرجنا من الظلمات ودخلنا الإسلام"

ألقي القبض عليه من طرف السلطات الفرنسية بتيارت عام 1956 وهو بصدد تأسيس الخلايا الأولى لجبهة التحرير الوطني وبقي في السجن إلى غاية الاستقلال..،  وكانت الكتابة محل مضايقة ومراقبة بخلاف ألأغنية، فالدولة كانت تحتكر وسائل النشر وتراقبها إلى غاية التعددية، خاصة تلك الصادرة باللغة الأمازيغية اضطر هؤلاء الكتاب إلى نشر مؤلفاتهم خارج الوطن ومنهم الكاتب مولود معمري، مما مكن الشباب إلى التزود بالثقافة الأمازيغية وتعلم قراءة وكتابة الأمازيغية، على إثرها شدد الحصار على النخبة القبائلية وفرض عليها السياسة القمعية، وتقول المصادر التاريخية أن 117 أطروحة كانت مقيدة في الفهرس في 01 جوان 1998، ومن بين الأطروحات التي نوقشت في الجزائر تحتل منطقة القبائل المرتبة الأولى من حيث المناقشات بـ: 33 أطروحة، بخلاف أطروحة واحدة في الأوراس و03 أطروحات في مناطق أخرى وهذا ما يؤكد على الثراء الثقافي الفكري الذي كانت تتمته به منطقة القبائل، ويعد مولود معمري من الروائيين الجزائريين الذين ينتمون إلى الرعيل الأول، أجبرته الظروف الاستعمارية على الكتابة بالفرنسية، فكان من الأدباء الذين قرأت لهم النخبة الفرنسية، ولد في قرية تاوريرت ميمون في 28   ديسمبر عام 1917 وسط أسرة تتمتع بالثراء والجاه الاجتماعي، وتلقى تعليمه في مدرسة القرية، ولما بلغ سن السادسة عشر من عمره التحق الشاب بما يسمى بالفرقة الأجنبية التي تعسكر في الصحراء، وهي تضم الجنود من مختلف بلاد أوروبا..

و عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية وجد نفسه جنديا في الجيش الفرنسي، وهو أمر لم يكن بالطبع على هواه.، مع بداية الاستقلال شارك مولود معمري في تأسيس خلية التفكير في مستقبل اللغة الأمازيغية عام 1963 رفقة بعض النخب القبائلية ولكنها توقفت عام 1965 بعد اعتقال نظام بومدين بعض أعضاء الخلية وحله مجلة " الضوء" taf tilt  والنادي الذي كان يصدر هذه المجلة ببن عكنون، والمطلع على كتابات مولود معمري يقف على أن هذا الرجل كان مهيكلا في مجموعة الدراسات البربرية بجامعة باريس 08 بفان سان بعد تزعمه "الاتجاه البربرو جامعي"عام 1978 وهو اتجاه ثقافي معتدل في تعبيره وأكثر أكاديمية ومنهجي في العمل المبني على الأسس العلمية..

وكان مولود معمري يشغل إدارة مركز البحوث الأنتروبولوجية للشعوب والأثينيات ولمجلتها (ليبيكا) لخدمة الثقافة البربرية ولكن النظام أحاله على التقاعد، لكن هذا لم يمنعه من أن يترك بصماته من خلال رواياته التي ألفها: (التل المنسي نشرت عام 1952، الأفيون والعصا التي تحولت إلى فيلم، ورواية نوم العادل عام 1955، ثم رواية العبور) ركز فيها مولود فرعون على الصراع الموجود من أجل ترسيخ الهوية الأمازيغية..، وتشكل الكتابة عند مولود معمري في التحامها بقضايا الوطن والدفاع عن القيم الثابتة التي رسخها الأسلاف والمحدد للهوية والانتماء، ما يمكننا قوله هو أنه لا أحد يمكنه أن يتنكر أنه المرأة القبائلية خرج من بطنها "رجال" آمنوا بأن المقاومة والبناء أساس السيادة والحرية وأن هذه الأخيرة (الحرية) تحتاج إلى نزيف فما كان لهذا النزيف إلا أن يزيدهم إيمانا ووعيا بعدالة قضيتهم وإصرارا على المقاومة مهما كانت النتائج، وإن مات هؤلاء فذكراهم ما تزال حية في قلوب أبناء المدينة، من خلال التمثال المنتصب بالمركز الثقافي بوسط مدينة تيزي وزو، والذي سمي المركز على اسمه، والمتأمل في تمثال هذا الرجل يمكن أن يحلل شخصيته ويقرأ ما تخفيه تلك النظارات، رجل عرف كيف يراقص القلم بين الأوراق المختلفة الألوان والأفكار المتضاربة للانفلات من المأزق..

 

علجية عيش

 

في عيدها السابع والأربعين بعد المئة: تفاصيل ولادة نقابة الصحفيين العراقيين في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم

firas amdaniما زال الزعيم عبدالكريم قاسم الذي فجر ثورة 14 تموز 1958 والبعض يطلق عليها انقلابا عسكريا مثار جدل ونقاش وبعضهم يرى فيه دكتاتورا ويرى البعض الآخر بأنه مؤسس الجمهورية العراقية، وبين هذا وذاك فان اغلب العراقيين يعتقدون بان الزعيم كان عادلا ومنصفا وأمينا ولكنه أصبح ضحية صراعات الأحزاب ودمويتها، ويشهد له بقراراته المنحازة إلى المجتمع وخاصة الفقراء منهم وهو الذي أطلق حرية التعبير ووضع حجر الأساس للحريات العامة وتأسست في ظله مشاريع الإسكان وقوانين لإنصاف كل الأحرار، كان الزعيم هو البطل الذي اصدر القانون رقم 80 الذي بسط من خلاله سيطرة الشعب على ثرواته النفطية وانتزع الأراضي من الإقطاعيين ووزعها على الفقراء ووضع حجر الأساس لمنظمات حقيقية للمجتمع المدني وكان في مقدمتها إقرار قانون نقابة الصحفيين العراقيين الذي كان نقيبها الأول الشاعر محمد مهدي الجواهري .

حقق قيام النظام الجمهوري في العراق، تطورات ايجابية كثيرة، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحفية، وفتح الباب على مصراعيه لتأسيس النقابات والجمعيات والمنظمات المهنية بشكل لم يشهد العراق له مثيلاً في السابق، وأغتنم الصحفيون العراقيون الفرصة، ويقول فائق بطي في كتابه (الموسوعة الصحفية) أن 45 صحفياً، وكان هو أحدهم، اجتمعوا في نادي المحامين ببغداد، وتدارسوا مشروع تأسيس نقابة للصحفيين، واتفقوا على اختيار لجنة تأسيسية ضمن 11 صحفياً لإعداد الترتيبات الأولية للمشروع، والحصول على موافقة الحكومة وفي تقديرها، أن هؤلاء الصحفيين الخمسة والأربعين، بصفتهم الجماعية، وليس واحداً منهم، أو بعضاً منهم، هم مؤسسي أول نقابة للصحفيين في العراق .

وضمت اللجنة التأسيسية التي انبثقت عن الاجتماع، الأسماء التالية محمد مهدي الجواهري (صاحب صحيفة الرأي العام)، يوسف إسماعيل البستاني (ممثلا عن صحيفة اتحاد الشعب) عبدالله عباس (صاحب صحيفة الأهالي) عبدالمجيد الونداوي (رئيس تحرير صحيفة الأهالي) صالح سليمان (ممثلا عن صحيفة صوت الأحرار) فائق بطي (احد أصحاب صحيفة البلاد) موسى جعفر أسد (ممثلا عن صحيفة الثورة) حمزة عبدالله (ممثلا عن صحيفة خه بات الكردية، وتعني النضال بالعربية) صالح الحيدري (من صحيفة خه بات أيضا) حميد رشيد صحفي محترف، عبدالكريم الصفار صحفي محترف، وانقضى شهران، دون أن تمارس اللجنة التأسيسية نشاطاً، سوى النشاطات السياسية، وفي 8 أيار مايو 1959، قابل أعضاؤها، رئيس الحكومة الزعيم عبد الكريم قاسم، في مكتبه بوزارة الدفاع، وقدموا له مذكرة، تطلب أجازة نقابة الصحفيين رسميا . 

ويؤكد صالح سليمان لي، بأنه عندما وصل الزعيم قاسم له، وسأله عن طلباته (فلم أجد شيئاً أطالب به أو أطلبه، سوى أن أجد وسيلة توصلني إلى بيتي في مثل هذه الساعة المبكرة من الفجر، فأمر قاسم أحد ضباطه بإيصالي بسيارة جيب عسـكرية إلى بيتي في الكرادة الشرقية (ووافق قاسم على تأسيس نقابة الصحفيين العراقيين، ومنحها مساعدة مالية قدرها عشرة آلاف دينار لصرفها على تهيئة مكاتبها في بغداد .

وواصل رئيس اللجنة التأسيسية محمد مهدي الجواهري اتصالاته بالسلطـات الحكومية لتنفيذ مشروع تأسيس النقابـة، حتى نشرت (الوقائع العراقية)، الجريدة الرسمية للحكومة العراقية يوم 23 حزيران يونيو 1959 القانون رقم 98 الخاص بالنقابة، ووقعه رئيس وأعضاء مجلس السيادة، ورئيس الحكومة والوزراء كافة، ومن بينهم الزعيم عبد الكريم قاسم، والزعيم محي الدين عبد الحميد وزير المعارف، بصفته وزيراً للإرشاد بالوكالة، ومصطفى علي وزير العدل، وهو أول قانون في تاريخ العراق لنقابة الصحفيين. وأحتوى هذا القانون على 31 مادة، خولت الثامنة والعشرون منها، اللجنة التأسيسية بأعمال الهيئة الإدارية لحين عقد المؤتمر العام الأول وانتخاب هيئة إدارية، وطيلة الشهور الثلاثة المقبلة لم تتمكن اللجنة التأسيسية من عقد مؤتمرها العام الأول، بسبب الظروف السياسية الداخلية المعقدة، حيث شهدت آخر شهور عام 1959 بداية الخلاف بين الزعيم قاسم وبين الحزب الشيوعي، الذي يهيمن أنصاره على النقابة، ونتيجة لذلك هاجمت الصحف المناهضة لهم،اللجنة التأسيسية وأسلوبها في قبول الأعضاء الجدد في النقابة، وازدادت الحملة حدة قبل أيام معدودة من عقد المؤتمر الأول في 6 أيلول سبتمبر 1959.

 

وفي البداية أعترض ثمانية صحفيين يوم 1 أيلول بينهم قاسم حمودي صاحب (الحرية)، وتوفيق السمعاني صاحب (الزمان)، وطه الفياض صاحب (الفجر الجديد) والصحفي سجاد الغازي، على (وجود بعض الأسماء ممن لا علاقة لهم بالصحافة، وبعضهم مستخدم لدى الدولة) مما يخالف المادة 17 من قانون النقابة التي تمنع اشتغال موظفي الدولة في الصحافة، وطالبوا بشطب أسمائهم من سجلات النقابة وفي اليوم التالي 2 أيلول.ولكي تضمن الإدارة العسكرية هيمنتها على الحياة الصحفية عشية المؤتمر الأول للنقابة، أصدر الحاكم العسكري العام الزعيم أحمد صالح العبدي بياناً وجهه إلى أصحاب الصحف والمجلات، وصفه بأنه مجرد (توجيهات) منه إلى الصحافة، وضمنه اتهاما لها (بالإخلال بالأمن)، مع سلسلة طويلة مما هو ممنوع عليها نشره من المقالات والتقارير والأخبار، وما يمكن لها أن تنشره وفي هذه الأجواء، عقدت نقابة الصحفيين العراقيين مؤتمرها العام الأول بحضور رئيس الحكومة الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي ألقى في افتتاحه، خطاباً عاصفاً طلب فيه من أعضاء النقابة الالتزام بالفقرتين السابعة والثامنة من المادة الثانية لقانون النقابة، واعتبر أن هذا الالتزام هو (الخدمة الحقيقية للمصلحة العامة) وتنص هاتان الفقرتان السابعة حماية الصحافة من إفسادها على يد الحكومات الاستعمارية ولم يتسن لنا التعرف على سبب تشديد الزعيم قاسم على الإشارة للفقرة السابعة، وهل كان لدى الحكومة معلومات عن فساد صحفي مصدره حكومات أجنبية ؟ أما تكراره للفقرة الثامنة فله ما يبرره لأن صحف تلك الفترة كانت مملوءة بالأخبار والحوادث المفتعلة دون دليل عليها  . 

وفي اليوم الثاني للمؤتمر، السابع من أيلول 1959، اشترك 171 صحفياً من أصل 205 عضو في النقابة في التصويت لانتخاب أول هيئة إدارية لنقابة الصحفيين، ونشرت الصحف، في اليوم التالي8 أيلول 1959، ومنها صحيفتا (الأهالي) و(الأخبار) النتائج، وكما يلي : محمد مهدي الجواهري، نقيباً، وحصل على 163 صوتاً محمد السعدون، نائباً للنقيب، وحصل على 106 أصوات، والأعضاء هم لطفي بكر صدقي 160 صوتا، قاسم حمودي 103 صوتا، عبدالرحمن شريف 154 صوتا، وأصبح فيما بعد سكرتيرا للنقابة، محمود شوكت 96 صوتا، جلال الطالباني 162 صوتا، فاضل مهدي 161 صوتا، محمود الجندي 132 صوتا، والأعضاء الاحتياط هم خالد الدرة، ومنير رزوق . ومن استعراضنا لأسماء الهيئة الإدارية الأولى، نجد أن جميع أعضائها تقريباً باستثناء محمد السعدون وقاسم حمودي وفاضل مهدي وخالد الدرة، كانوا من الموالين للحزب الشيوعي، وبعد ثلاثة أيام من انتخابها، قابلت الهيئة الإدارية رئيس الحكومة الزعيم قاسم، وانطلقت في ممارسة مهامها، فكتبت إلى وزارة الإرشاد بضرورة (استشارتها قبل منح أي امتياز جديد) لإصدار الصحف، وعند (اختيار الوفود الصحفية التي ترافق الوفود الرسمية في سفراتها خارج العراق) ولابد من أن يكون الصحفي متفائلاً ببدء العمل النقابي، لكن تجربة الشهور اللاحقة بعد المؤتمر الأول شهدت أزمة بين الصحف، وحتى تلك التي يملكها عدد من أعضاء الهيئة الإدارية، وتبادلت الاتهامات والشتائم، إلى أن جرى انعقاد المؤتمر الثاني في نيسان 1960.

 هكذا يتصرف ما كانوا يسمونه دكتاتورا انتعشت في سنواته القصيرة نقابة الصحفيين العراقيين وازدهرت حرية التعبير التي خانتها ودمرتها الأحزاب بصراعاتها وأنانيتها وتمردها كما يحدث الآن ما بين أحزاب هذا الزمان .

 

فراس الغضبان الحمداني

 

رحل عنا جليل السنيد ليبقى هكذا حيا في قلوبنا

akeel alabodابن الناصرية وسوق الشيوخ البار، والاستاذ، والمربي، والمشرف التربوي، الخال جليل السنيد، بعد صراع مع المرض، سافر بلا حقيبة، غادرنا دون ان يقول وداعا، إذن لا امل بعد اليوم بالحديث معه، الا عبر هذا الرثاء.

كان الفقيد نموذجا متميزا للأسرة التعليمية في المحافظة؛مسيرته ابتدأت في الباب المذكور، مع خمسينيات القرن المنصرم، بصفة مدرس للغة العربية، وتلك حقبة تختزل في أرشيفها تجربة من الزمان.

نجاحا باهرا في المجال التربوي حققه الراحل، ليبقى شاهدا هكذا، يختصر قصصا وحكايات، حيث للسياسة فيها حتما نصيب.

 اختير كمدير لاعدادية سوق الشيوخ في نهاية الستينيات، والسبعينيات، ثم تم تعيينه كمشرف تربوي في الثمانينات، وكمميز عام للأسرة التعليمية في محافظة ذي قار، ابان فترة من الزمان انقضت أوزارها. وكمسؤول للجان الخاصة للامتحانات الوزارية أنداك.

احيل على التقاعد في اول التسعينات، لتبقى هكذا حافلة بالعطاء مسيرته.

قبل ان يرحل، جليل السنيد، ذاكرة حاضرة، وشاهد على عصر حافل بالخبرة، والعمل المثابر.

كان، ليبقى كما عرفناه،  هكذا، نموذجا متميزا، ومؤثرا، ليس في باب العلم، والتعليم فحسب، بل بشخصيته المؤثرة، والقوية؛ وتلك صفة منحته امتيازا اخرا، وشهادة فخرية، لمهنة عشقها ونذر حياته قربانا لأجلها.

لم يكن يتساهل، او يتوان في تأدية عمله كمرب ومعلم، واستاذ، حتى مع ابنائه، عرفانا، وتفانيا لشرف الوظيفة التي احبها.

اليوم مدينتنا السرمرية، بجميع اقضيتها، ونواحيها، تفقد واحدا من مرجعياتها المهمة في هذا الباب.

إعدادية سوق الشيوخ، ومديرية تربية ذي قار، بشطرتها، ورفاعيها، وقلعتها، وجميع ما فيها من أقضية، ونواح، ترتدي السواد حزنا، وألما، وهي تودع واحدا من ابنائها، ورموزها، وإعلامها المتميزين.

وداعا ايها المعلم، والاستاذ، والمربي، والبار لمحافظته.. لقد فقدناك أيها الغالي عزيزا، وابا، وأستاذا، وقريبا، ومربيا.

كان بودنا ان نقول وداعا، كان بودنا ان نرفع نعشك، ونحن على مقربة منك؛ ان نقيم مراسيم العزاء مع اهلينا، وذوينا، لكنك كما قبلك، ودعتنا على حين غرة، طويت صفحة من صفحات عصر لم تزل صوره تؤرقنا، نشتاق اليها، كما شوقنا الى مدينتنا السمراء، بمدارسها، وبيوتاتها، وشوارعها، ونخلها، ونهرها وأبنائها.

فارقناك ونحن لا زلنا، تعتصرنا لوعة الرحيل؛ فارقناك مع اخر دعوة منك الينا، لحضور الإفطار معا على مائدة من موائد رمضان، ودعتنا بعد ان اتعبك المرض، وأعياك الالم.

ولكن نم قرير العين ايها العزيز، فصورتك ستبقى حية، نحملها قلائدا في قلوبنا، وشموعا نحتفي بها في أعياد ميلادنا، نحتفي بها هكذا، نتباهى برموز مدينتنا التي علمتنا لغة الحروف،

نبقى هكذا، تعتصرنا المسافات، يسكن الصبر كما الالم في جوانحنا، ونحن نخوض تجربة محطة نحتاج فيها الى الأنقياء، والأتقياء، والأقوياء. 

 

عقيل العبود

 

رحلة ودرس من كوريا (2)

khalidjawad shbaylوردني من قارئة وقارىء سؤالان أحسبهما مترابطين: لما كانت منطقة الهدنة منزوعة السلاح فكيف تحدث المناوشات المسلحة؟ والثاني: هل هناك مناوشات خارج هذه المنطقة؟

والسؤالان ورداني على مدونتي في البريد الخاص. ويبدو أن السائلين أرادا مشكورين أن يدفعا عني الحرج فيما إذا لم أحر جواباً..

المنطقة المنزوعة فيها حراس مسلحون بأسلحة خفيفة من الجانبين متفق على عددهم وفيها عدد من المراقبين الدوليين المسلحين أيضاً، وخلف الشريط الحدودي هذا تكمن الأسلحة الثقيلة، والخطر كل الخطر أن تحدث حركة غامضة أو نأمة عفوية يمكن أن تؤدي إلى اشتباك كما ذكرت في السابق.

وأجيب على السؤالين باختصار شديد على أمل أن أتطرق للعلاقة بين الكوريتين بشيء من الاستفاضة في مدها وجزرها..

لعل أجرأ عملية تلك التي نفذها واحد وثلاثون من رجال الكومندوز الشماليين، استطاعوا اختراق الشريط المنزوع من السلاح وعبور نهرامجين في فجر يوم17/1/ 1968 والوصول الى القصر الرئاسي في سيؤل المعروف بالقصر الأزرق لاغتيال الرئيس يوم 21 وقد فشلت العملية وتركت آثاراً خطيرة في مسار العلاقة بين البلدين، وتُعد هذه واحدة من أكثر العمليات إثارة ودقة..  وإسقاط الطائرة الجنوبية في عام 1987 هي الأخرى من أكثر العمليات الكارثية في العلاقة المتوترة بين الكوريتين.. أما قصف البارجة الجنوبية تشيونان في 26 مارس 2010 فهو يشكل نقلة نوعية خطيرة حين تعرضت في البحر الأصفر الى قصف بطوربيد أصاب مؤخرتها وأغرقها وعلى متنها 104 بحار من طاقمها تم إنقاذ 58 منهم، وقد "أثبتت" لجنة تحقيق عالمية بمسؤولية كوريا الشمالية، التي أنكرت أن يكون لها علاقة بالحدث! لقد نسف هذا الحدث كل الجهود السلمية والعلاقات  التجارية، والدبلوماسية بل والأهم نسف اتفاقية عدم الاعتداء.هذه مجرد عيّنات مختصرة.. أما نشاط السي آي اي في تأجيج الصراع وجعل العلاقة متوترة أو القيام بعمليات سريّة متقنة لرمي التهمة على كوريا الشمالية، فهو موضوع واسع بحد ذاته..

 1014-khalid1

هذا ما تبقى من القطار!

 ولا يسعني الحال لأتكلم عن حروب من نمط آخر بين الكوريتين، فضيلتها أنها غير دموية من قبيل حرب الرياضة وحرب الأعلام (بفتح الهمزة) فهي حروب لا تعدم طرافة، شأنها شأن حرب الاستعراض بين شطري إقليم البنجاب على الحدود الهندية الباكستانية ففيها من المضحكات والغرائب من الجانبين ما يُضحك الثكلى حين تفتح البوابات للنظارة وتبدأ الهتافات والرقص والغناء بحماسة تقترب من الهستيريا وحين تكون مندهشاً مما ترى ستتلقى ممن جاورك سؤالاً محرجاً: سيدي إلى أي الجانبين تميل؟!! 

***

 هذا هو مطار أنتشون، بدا من الجو مذهلا ، يتربع على جزيرة اصطنعت من جزيرتين، فهو محاط بالمياه تربطه بالبر الكوري جسور أحدها اطول جسر في آسيا، أنشأ المطار ودُشِّن عام 2001، ليصبح منذ عام 2005 من أكبر المطارات في العالم ويحوز على المرتبة الأولى من حيث الازدحام وحسن التسيير والنظافة وما احتواه من حدائق داخلية وملعب غولف وكازينو ومستشفى ومتحف كوريا الثقافي وغرف مخصصة للنوم ناهيك عن المطاعم والمقاهي الباذخة والسوق الحر الذي هو الأكبر طُرّاً في العالم..والأهم أن المطار مربوط بشبكة مواصلات سريعة مع كل بقعة في البلد بمختلف وسائل المواصلات من حافلات وتاكسيات ومترو وقطار سريع  وقطار عاديّ، حيث زمن الوصول بالقطار السريع الى مركز سيؤل 45 دقيقة والعادي 55 دقيقة..

أما أن يكون الأسرع في الإجراءات ( 12 دقيقة للوصول و19 دقيقة للمغادرة) وفق بيانات المطار، فهو أمر مشكوك فيه، فمنذ أن حطت طائرتنا القادمة من هانوي حتى عبور مكاتب الهجرة استغرق 70 دقيقة! وهو زمن يفوق مطار بانغكوك (45دقيقة ومطار طوكيو ناريتا 40 دقيقة) أما المغادرة فكانت 30 دقيقة!! ولئن قيل أن أي مطار هو بوابة البلد، وصورتها المصغرة عنه، حتى وإن مرّ المسافر عابراً (ترانزيت) من خلاله، فهذا ينطبق على مطار أنتشون الذي يعكس صورة صادقة عن تطور كوريا الجنوبية السريع المدهش!

***

منذ غادرنا المطار عبر جزيرة أنتشون بدا كل شيء حديثا جميلاً منظماً، جسور وطرقات وملاعب وعمارات وشوارع أنيقة ونسبة الاخضرار عالية بفضل الحدائق، والفصل ربيع الجو معتدل، المرور ينساب بدون عقد مرورية كنت وحدي في الحافلة حتى نهاية الخط حيث أكملت المسافة الى فندقي بتكسي الى حيث أقيم.

من الملاحظات الهامة في اختيار الفندق في العواصم الآسيوية - خصوصاً- أن يكون في مركز المدينة، لأنه سيوفر النقل ويتحاشى العقد المرورية إن لم يتوفر المترو، ثم سيوفر رياضة المشي  الى معالم المدينة وأسواقها ومطاعمها وخاصة الشعبية ما يتيح التعرف الى وضع البلد الثقافي والاقتصادي والاجتماعي..ناهيك أنه يوفر مبالغ غير قليلة تصرف للمواصلات..

وسيؤل (وتلفظ بالكورية سُول) هي مدينة الأسوار وأهمها طرّاً سور سيؤل الكبير، وهي مدينة القصور الملكية والحدائق والأسواق التقليدية والأسواق الحديثة وأهمها وأكبرها مول لوته، وهي مدينة مركز التسوق، أما الحدائق فنصيب هذه المدينة التي غزتها الأبراج العالية نصيبها من الاخضرار واسع بفعل باركاتها الكبيرة المحافظة على النمط التقليدي الكوري المستمد من حدائق القصور الملكية، وهي المدينة التي غزتها الحضارة ومعطياتها على حين غرّة فتوسعت وجلبت من أبناء الريف الى المدن، فعلى الرغم من الثورة التكنولوجية التي عمّت البلد فإنك تلمس لدى الكوريين التواضع والطيبة الريفية والكرم رغم حاجز اللغة فقليل من يتكلم لغة أجنبية حية بل حتى قطاع السياحة ذا الخدمات الممتازة قلّ من يتكلم فيه الانكليزية!

 1014-khalid2

جانب من حي ميونغ دونغ

تُعد مدينة سيؤل مدينة نموذجية لمن يتخذ من قدميه مركباً! لتنظيم مسالك المُشاة ومناطق عبور آمنة من أنفاق، والأنفاق هي وحدها مدينة مزدهرة تحت الأرض، لا تتعب الماشي قط لتوفر المصاعد والسلالم المتحركة، التمشي متعة كبيرة وأهم المناطق هو بارك نامسان وحديقته النباتية، وبرج مدينة سيؤول العملاق، معظم الأشجار والأزهار تحمل الأسم المرجعي العلمي (واضعه العالم السويدي كارل فون ليننيه) إضافة إلى الإسم الشائع..ويمكن النزول من البارك الذي يتبوأ تله نامسان (300م ارتفاعها) واسعة الى حي ميونغ دونغ الجميل بشوارعه وأسواقه وأشهرها سوق سامدمونغ هذه المنطقة لا تهجع ليلاً ولا تستكين نهاراً، بمطاعمها ومشاربها وما إلى ذلك من وسائل اللهو والمتعة البريء منها وغير البريء، هذا الحي لا تدخلة المركبات فهو مخصص للمشاة ...

من يتوق الى الطعام الشرقي (الحلال) فعليه بحي إيته ون ، الذي يحتوي على الجامع الوحيد الذي أُنشىء في بداية الستينات، وهو بناء كبير على مرتفع اشتهر ببوابته المقوسة الواسعة ..وكان مسؤول الاستعلامات رجل كوري قال جواباً على سؤالي عن عدد المسلمين الكوريين: عددهم أكثر من خمسة آلاف مسلم وجلهم من الكوريين المتحولين! الذي أعجبني أن المسجد يستقبل طلاب وطالبات من كوريا وخارجها ولا يلزمهن بالحجاب! وقد شهدت نقاشاً بين الطلبة وبين شاب مسلم يجيبهن على اسئلتهن وقد اعطاهن ما يلزم من الكراريس باللغة الكورية! ثم راح الطلبة يجولون في أنحاء المسجد ويلقون التحية الإسلامية على كل من يقابلون... ولقد لاحظت وغيري أن المطاعم الإسلامية عموما غالية وأحسنها وأكثرها اعتدالاً هو "مطعم زعفران" الذي يقدم الأطباق العربية من المنسف حتى الكبسة!! وفي شارع المسجد تجد أيضاً مشارب ومراقص وما إلى ذلك، ويبدو أن أبناء العُرب لا ينسون نصيبهم من الدنيا!

وأنت نازل من إته ون نحو محطة سامغاكجي ستمر على نصب الحرب الكورية بمقابل وزارة الدفاع حيث هناك المُتحف الحربي، وقد اصابتني الدهشة حين عرفت أن كوريا كانت تصنع المُعَدات العسكرية المتطورة بما فيها الطائرات منذ الخمسينات!

ما يلفت النظر هو العدد الملحوظ للكنائس وأهمها كاتدرائية سيؤول، أما المعابد -البوذية والشامانية - فهي تقع فوق الجبال وحول مدينة سيؤول باستثناء معابد القصور الملكية معبد يوغييسا في وسط Jogyesa Temple  البوذية، والمعبد التاريخي الكبير والوحيد مدينة سيؤول وفي الحي الشهير جونغنوغو المزدحم بالجامعات والأسواق. وهو من أقدم المعابد التي تعكس ثقافة الزن البوذيين، المعبد مبهج حقاً وخاصة في بالوناته الملونة وتماثيل بوذا الذهبية في جلساته التأملية المتعددة، ويستقبل الزائر بكأس من الشاي الكوري ذي النكهة والعبق المميزين..

القصور الملكية الستة، هي كنوز مدينة سيؤول التي تتباهى بها بين كل العواصم الآسيوية ، ففي سيؤول وحدها هناك خمسة قصور ملكية تعكس مراحل العوائل الملكية لاسيّما مملكة جوسون حين قسِّمت العائلة لى عدة عوائل متخاصمة فبنت كل عائلة لنفسها قصرا مميزاً، والسبب الرئيس للإنقسام والتنافس هو أن الملوك كانوا يتزوجون أكثر من زوجة ويتخذون أكثر من مَحظيّة!! تماماً مثل خلفائنا العباسيين الذين زادوا على الزوجات بما ملكت أيمانهم من الجواري الفارسيات والتركيات والخلاسيات ووو..

لخصوصية معمارها وتنوعه بشكل هارموني وقيمه التي تعكس معتقدات المرحلة التي بني فيها، زد على ذلك حدائقها المحفوظة بأشجارها المعمرة وزهورها وبركها، والديكورات الأبواب واللوحات الثمينة على الجدران والسقوف والأشعار التي سجلت عليها وبعضها بخطوط الملوك الشعراء أنفسهم، ما أكسب هذه القصور أهمية ثقافية وتدوينية إضافة للفنون المعمارية والتشكيلية وكذلك الأثاث الذي سلم وحفظ وكان خير شاهد على ثقافة تلك المراحل..سأتوقف مع أهم قصرين، وهما : قصر غيونغبوك Geongbok Palace وهو أكبر القصور وأهمها، بني في بداية حكم عائلة جوسن حين أصبحت سيؤول هي العاصمة، حيث بني في وسطها عام 1394، يتميز ببوابته العملاقة الجمية ويضم هذا القصر 200 بناية تحتلف كل احدة عن الأخرى ما يشكل لوحة هارمونية متنوعة، فالبناية الكبري هي مقر الملك، وبناية التشريفات ، وبناية مخصصة للديوان الملكي وبناية للحرس، وبناية لكل زوجة فيه حدائق واسعة وبركة، شيد في وسطها قصر ترفيهي للضيوف وبناية خاصة لعلماء الفلك.. والملفت أن في كل بوابة

 1014-khalid3

بوابة قصر  جيونغ بوك

هناك بوابة خاصة للأشباح والجن لا يجتازها الأنس لكي لا يصطدموا بالجن! أما بلاط القصر فشيد من أحجار لاتعكس اشعة الشمس كي لا تزعج ساكنيه.  جناح من القصر استغل كمتحف للثقافة الكورية..

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا القصر قد دُمّر من قبل الغزاة اليابانيين عام1592..وقد أعيد بناؤه عام 1865 وفق أسس البناء الأصلية، ثم دمرت بناياته المائتان عندما ألحِقت كوريا باليابان! ثم رمم من جديد بعد الحرب العالمية الثانية، فهو ذو سبعة أرواح!!

    قصر تشانغ ديوك Changdeok Palace  وهذا القصر المحفوظ من قبل اليونسكو للتراث العالمي، هو خير ممثل لحقبة سلالة جوسيون الملكية (1392-1897)، يقع شرق قصر جيونغبوك ببضعة مئات من الأمتار، وهو وإن كان أصغر من الأول إلا أنه أكثر عكسا لثقافة عصره من ناحية المعمار والحديقة المشهورة "الحديقة السرية" ذات المداخل والممرات المدهشة والتي تحتوي أشجاراً ونباتات نادرة يبلغ عمرها عدة قرون!، وأهم ما فيه مقتنيات الملوك وكتبهم وأشعارهم لا سيما الملك الشاعرإيشان Iysan  حيث لا زالت بعض قصائده معلقة بخط يده بالخط المتداول الى اليوم وأعني به خط الهنغول..الحديث عن هذا القصر التاريخي يطول فهو يحظى بأهمية متفردة.. وقد عانى ها القصر الخراب نفسه لعدة مرات خلال مراحل الغزو الياباني ولم يسلم منه إلا 30% قبل أن يعاد بناؤه..

وأخيرأ لا بد من التنويه بقلعة هواسيونغ العملاقة والتي بمثابة مدينة سيؤل الجنوبية وقد سوًرت بأسوار، نظراً لما عانته هذه المدينة من الغزاة، شُيّدت عام 1796 واستخدم في تشييدها تقنيات حديثة من رافعات وعتلات؛ ونظراً لكونها واسعة فيمكن المرور على أهم أسوارها وأبراجها بمقطورة سياحية مكشوفة، وللأسف لم يتوفر دليل يتكلم الإنكليزية، وإنما سيجود عليك من يجاورك الذي يلم بالإنكليزية بعض الإلمام بشيء من معلومات الدليل!

لقد ركّزت على أهم العيّنات التأريخية والثقافية في سيؤل ونأيت عن الجوانب الترفيهية وما أكثرها!  

 

كارل يونج والزمن النفسي!!

في السادس من حزيران قبل خمسٍ وخمسين سنة توفى (كارل يونج)، وقد مرّت ذكرى وفاته قبل أيام، وهذا العالم معروف بنظريته عن الشخصية البشرية، وقد بدأ حياته مع العالم (بلوير) و(جانيه)  ومن ثم عمل مع (فرويد) لكنه إفترق عنه ومضى في تأسيس مدرسته التي رسخ فيها نظرياته النفسية.

وقد إشتهر بجزء قليل مما قدمه من الطروحات النفسية الفكرية، أما الجزء الأكبر من عطاءاته الفكرية فليست ذات شهرة كنظريته عن الشخصية.

والعجيب في أمره أنه عندما كان يضع العالم في منظار ما يراه، يجد أنه سينتهي إلى ما هو عليه الآن من إضطرابات تفاعلية دامية ذات منطلقات دينية وإعتقادية، فقد فرغ من الجزم بأنّ العدو الأكبر للإنسان هو الإنسان، وأن الجوهر الأساسي للعدوانية سيكون العامل الديني لا غير!!

ويبدو أن ما جاء به لا يمكن إخضاعه للتجربة العملية، لكنه ترجمة وعيوية لواقع سلوكي متكرر بين المخلوقات، وقد توصل إلى رؤيته لإهتمامه بالتنقيبات والتراث الإنساني المتنوع ومعرفته للغات أخرى تعمق بثقافات أهلها، وهذا يعني أنه وضع إستشرافاته الإدراكية في منطوقات نظرية يصعب إثباتها أو نفيها بالتجربة والبحث، لكنها قائمة ومتفاعلة في واقعنا المنساب عبر العصور، وما يحصل اليوم يؤكد ما ذهب إليه قبل أكثر من نصف قرن.

وقد خاض تجارب معرفية وعاطفية على المستوى الشخصي، وكأنه أخضع نفسه للتجربة والبحث لكي يحاول التوصل إلى وعي أفضل للسلوك ومنتهيات التفاعلات ما بين البشر، وربما المخلوقات كافة، لأن الجهاز التفاعلي واحد وربما يختلف بالدرجة فقط.

وفي ما كتبه وصرّح به، يؤكد على أن العالِم النفسي يمكنه أن يساهم في صناعة الحاضر والمستقبل الأفضل، بما يثيره من أفكار ويكتشفه من آليات تفاعلية ضرورية لحياة إنسانية كريمة، فنظرياته أسهمت في فهم سلوكي جديد، وأثارت نشاطات بحثية في جميع المجتمعات، وأثرت على الأدباء والشعراء والكتاب والرسامين، ومنحتهم رؤى ذات قيمة إبداعية أصيلة لعالم يمضي في متاهته نطارد سراب المجهول.

وهو طبيب سويسري قرر أن يمتهن الطب النفسي بعد أن عمل مع (بلوير)، وإنهمك بالأحلام، ويُحكى أن أول لقاء بينه بين (فرويد) في فينا إستغرق ثلاثة عشر ساعة، إذ ألغى (فرويد) مواعيد مرضاه في ذلك اليوم، وتواصلت علاقتهما لعامين وإنفرطت، لأسباب معروفة وموثقة في أدبيات العلوم النفسية.

وكلما تأمّلت حياته أجدني أدرك بأن الطبيب النفسي يمكنه أن يقدم خدمة متميزة لمجتمعه وللإنسانية، إذا إلتزم بالملاحظة السريرية وقراءتها بمنظار علمي بحثي يساهم في الإرشاد والتبصر السلوكي، وإكتشاف ما يمكن الإستثمار فيه لصناعة الحياة البشرية الأفضل والأجمل.

ولنا به وبأمثاله قدوة في الجد والإجتهاد المعرفي!!

 

د-صادق السامرائي

 

نظرات من خلال نافذة السيارة

ali alsawadفكرنا في نهاية عطلة الاسبوع ان نذهب الى العاصمة امستردام التي تعتبر من العواصم السياحية المهمة في العالم، ولهذا فهي دائما مكتظة بالسائحين والزوار من كل دول العالم تقريبا. فبعد ان شحنا حقائبنا الصغيرة في مؤخرة السيارة فيات الصغيرة ايضا وكان مزاجنا رائعا بحيث كل واحد منا  قد جهز لنفسه اشيائه الضرورية.

وبعد ان انطلقت سيارتنا باتجاه الطريق السريع، وكنا نسير بسرعة معتدلة لا تتجاوز المئة والعشرون بطرق فسيحة ومنظمة تنظيما هندسيا مذهلا،حيث لايمكنك ان تفهم لغة الطرق مالم تكون دارسا من قبل، اي حاصل على (رخصة القيادة) اجازة السوق. ولهذا عليك ان تفهم الاشارات والرموز،انها فلسفة عالم السياقة التي تدعوك ان تكون ملما وسريع البديهية،والا اصبحت عبئا ثقيلا اوشخصا لايستحق الا ان يعزل من الطريق.

لكي لا تخرب السير ولا تسبب معاناة للاخرين،فكنت انا جالسا في الكرسي الامامي وانظر احيانا بسكون الى المزراع والمروج الخضراء الجميلة بطبيعتها المميزة ومما ادهشني وبقوة حينما رايت الابقار الهولندية كبيرة الحجم وهي مشدوهة بقضم الحشيش الريان، حقا انها ابقار تسر الناظر بشكلها ولونها فمنها الاصفر الفاقع وهو الاقل والاغلب هي المرقطة بالاسود والابيض. كأنها خرائط جغرافية بعض البلدان. وكانت الشمس حاضرة بقوة التي نرجو حضورها دائما.

لاننا نعيش في بلد منخفض وبارد ورطب دائما ودائما شمسه غائبة الا في يومنا هذا، كانت فيه حاضرة وساطعة باشعتها الذهبية، الواقعة على المروج الخضراء التي ترعى فيها الابقار كبيرة الحجم.معنى كلمة بقر فهي تعني شق باطن الارض والفتح والتوسع. فالابقار الهولندية هي من اشهر الانواع واجودها في العالم، لكثرة ما تدره من الحليب. وبكميات كبيرة جدا تصل ما بين 30الى  40 لتر يوميا،واتذكر الان مسابقة ملكة جمال الابقار التي حصلت في هانوي عاصمة فيتنام وفازت بها البقرة التي هي من ام هولندية واب امريكي.ومعايير الجمال في حينها ان تكون البقرة سليمة الظهر وارجل جميلة وبالاضافة الى المشي والطاعة اثناء السير حول الحلبة +كمية الحليب التي تدرها.وبينما نحن منهمكون في السير شاهدت بعض الممارسات التي لاتخلو من الزهو المفتعل والاستعراض المبتذل لشباب اظن ان اعمارهم دون 25سنة وخصوصا عند من يمتلكون السيارات الحديثة المميزة والفارهة.

ذات سرعة بالغة الخطورة ويتزاحمون في مابينهم كالثيران الهائجة والمرعوبة ولكن بمجرد ان شاهدوا سيارة الشرطة فمن فورهم تظاهروا بالهدوء والادب وتخلوا بسرعة عن عنجهيتهم، انه القانون الرادع لكل التصرفات المخالفة. هكذا نحن نحتاج في العراق الى القانون وتطبيقه ولكن ياليت شعري من يضعه ومن يطبقه ؟ على اي حال نحن سنبقى بفوضويتنا السيئة و المخجلة. ولهذا فالمراهنة خاسرة بالتاكيد على شعب مصر على ان يبقى يجتر الاعذار والتبريرات لكل شيء وعلى لاشيء. استغرق وقت رحلتنا تقريبا اكثر من ساعتين،لان المدن الكبيرة او العواصم حصرا هي مزدحمة دائما فمهما توفرت فيها كثرة الطرق والانفاق فستبقى تعاني من الاختناقات المرورية المثيرة لفقدان التوازن.اما نحن فكان حظنا جيدا لانه قادنا الى احد الانفاق التي اختصرت لنا الطريق.

المؤدي الى بيت موفق وصديقته الهولندية (انميكه) وكلبهم (تنتن) الاليف الذي اعترض على وجودنا  في بداية الامر،وشن علينا حملة نباح شرسة قاصدا تخويفنا ومنعنا من الدخول او التوغل اكثر فاكثر في داخل البيت.

رغم اننا قد تملقنا وتوددنا له الا اننا فشلنا في كسبه الينا بل رفض وبشدة اي مساومة الا بعد ان تدخل موفق لمنعه من الامعان في استنباحنا والتشهير بنا امام سكان العمارة، واخيرا هدأ تنتن وتغير سلوكه بسرعة من حالة العداء الى حالة الحب والقبول بنا كضيوف وراح يقفز بيننا فارضاعلينا ان نهتم به ونصادقه، فنحن ايضا جاملناه واشعرناه باننا ضيوف جيدين وليس سيئين، وهو كذلك عرف وتاكد من مشاعرنا الايجابية.ان تنتن كلب ذكي وينقل عنه موفق يقول: اذا غبت عن البيت ليوم او يومين فان تنتن سيأخذ له فردة حذاء من احذيتي وينقلها الى مكانه المخصص للنوم،وهي عبارة عن سلة مصنوعة من البردي فيضع الحذاء فيها ويشم رائحته طوال فترة الغياب ونفس العملية مع انميكه،حقا انه يستحق كل العناية لوفائه الخرافي.

 وهو مازال صغيرا لم يتجاوز عامه الثاني. وبعد لحظات جلسنا كلنا نتبادل المشاعر والاحاديث العامة وتفقدنا ايضا انميكة لانها حامل بليلو في شهرها الاخير وتحدثنا عن غرفة ليلو وما تحتاج الية  ففعلا  فاليوم الثاني باشرنا العمل،فانا كانت حصتي من العمل ان اصبغ الشباك بالون الابيض واطار الباب اصبغه بنفس اللون الا ان الفرشاة كانت من النوع الرديء بحيث يتساقط شعرها كأنها مصابة بداء الثعلبة حتى تشوه الشباك من جراءها وانا اخبرت موفق قبل الشروع في العمل،الا ان موفق تجاوزانتقادي لفرشاته واعتبرانتقادي له ليس وقته الان،اي انه لم يعتن بالشكوى، اما انا فبادرت بالبدء وقمت بتغميس نصف الفرشاة في علبة الصبغ.

 حتى اكملت ماكلفت به دون ان استعين بصديق،وهكذا الى ان عادا موفق وارشد (ارى) بعد مهمة كانت خارج البيت ويبدولي انهم فشلوا بتحقيقها ودخلوا يتذمرون وخصوصا موفق واضح عليه التذمر الا انه كظم غيضه وجاملني رغم اعتراضاته على بعض من عملي الذي لم يكن كما كان يجب ان يكون.على اي حال شكرني بامتنان ملحوظ.

 وابدينا بعض الملاحظات على غرفة (ليلو) بشكل عام التي بدات تظهر بالمظهر الجميل بالوانها كالابيض،والاخضر الفاتح وهذه الوان هادئة تجعل من المكان يبدو انه واسعا وكبيرا.وبينما نحن مستمرون بالحديث حول عودتنا الى البيت،فان موفق كانت رغبتة ملحة وهي ان نبيت عندهم ليلة اخرى ولكن بحكم التزامتنا الكثيرة فضلنا العودة ولكن بعد ان عرف موفق باننا سنغادر بعد قليل اختفى عنا لعدة دقائق ليعود بعدها مسرعا ومعه ثلاثة كتب اهداهن لي وكان احداهن كتيب وهي مجموعة قصصية مهمة بعنوان ساقي اليمنى من ادب اسبانيا والبرتغال وامريكا اللاتينية.

 

علي السواد