المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

هيت تستعيد أسرار مدني صالح

jamal alatabiمدن أعالي الفرات،هيت وحديثة وعانة، مثل الجنائن الاسطورية رابضة في محيط المياه، جزر صغيرة تطفو، تروي قصص الحب، والحضارات القديمة، تحمل تاريخ مولدها،لنواعيرها قصص أخرى يتناقلها أبناؤها، تعيش في بيوتهم المطمئنة، مسبّحين بحمد المياه الجارية، تغني ليل نهار، ترافقهم مع أحلامهم على مدارات الفصول، كأنها الدهر الذي لايشيخ، فهي الملاذ والمقبل في صيف لايعرف مذاقه إلا أولئك الذين إستوطنوا الضفاف السعيدة فيها .

هيت التي يتصاعد فيها الدخان وألسنة النيران، إغتصبتها مخالب الحديد التي تقضم الحجر، لاضوء فيها، غير سَورَة الغبار والجحيم، لانار في بيوتها تدفىء العظام، سوى تلك النار التي تجتاح الشوارع الخرساء حين يغزوها الجيش الأسود، وترحل عن دارتها السماء ويكفهر وجهها، سوى ما تتناقله الأخبار عن حروب الإنكشاريين الذين جاؤها من بعيد . يقول عنها إبنها ابراهيم أحمد: رغم ان المدينة مفعمة بالغيبيات والأساطير والخرافات، وتضم عشرات الأضرحة لإولياء وقديسين، لكنها أيضا وبنفس القدرة مكتنزة بروح مشاكسة وعنيدة، وحين تسأل كيف لاتسقط المدينة وهي مائلة والريح عاتية؟ يأتي من يقول لك انها مسنودة بكف الأمام علي عليه السلام، ويريك كفا من الحنّاء على جدارها الداخلي .

هيت تعيد لي الآن أسرار أبنائها الذين فتحوا منافذ الهواء فيها،نيرانها المتصاعدة غير تلك، نيران المعرفة التي أضرمها مدني صالح وآخرون أمثال مهدي حنتوش وابراهيم عبد الله وفاضل عبدالواحد ويوسف نمر ذياب وغيرهم، فأمطروها بالخير والأحلام دونما ضجة ودونما صخب .

المدينة وهي تحت أزيز الناروالرصاص، تغصّ بالدمع والآهات، فيها ظمأ لمدني صالح ليأتي معه الغيث والمطر، ليغسل ما خلّفه الأوباش من خراب .إنه يبكي على هيت وينعاها، كلما مرّت بها ركابه، وقطع بها السبيل، كما يقول رباح آل جعفر، لقد مضى عنها دون أن تودعه، أو يودعها .

هل يجد مدني صالح ملاذاً له الان فيها؟ أم أن هناك من يسرق السكينة منه ويقتص من خجله وإرتباكه، ويحرق كتبه وكلماته . أكاد أشك في ذلك، وهوالذي إمتلك إستشراف ما سيحصل: إذهبوا وأقرؤا تاريخ العراق، هذه ليست أول محنة تصيبه، كم مرّعليه من غزاة وطغاة وبغاة؟ أين هم الآن؟ من الدخان  والخوف سينهض العقل والفلسفة، إنهما المنقذ من مسار الطوفان والنار، وإن أحاطهُ القتلة والمسعورون والأشرار. إنه الصوت الحقيقي وسط الظلام. الأشرار يحفرون قبورهم، وعليكم أنتم تحفروا أسس حجرات الدرس .من يضع زهرة على قبرك الان يا سقراط العراق؟ من يدلّنا إليك والطرق محتشدة بما خلّفه الهمج؟ والمدينة مسوّرة بالجند، ليس عدلا أن تنام وليالي هيت تغادر أسحارها، والفراشات ملّت رصاص الحروب .ها أنت تطلب الفلسفة في الطين كما دوّنت  .

في المقامة الفراتية يتحدث مدني صالح عن هيت التي لايختار سواها، لو قدّر له الولادة من جديد، وعاش بحرية وإختيار، ليس سوى ذلك البيت الذي ولد فيه،ولما درسَ الإبتدائية إلاّ في مدرسة هيت، إنها (الرحيق) الذي يشهق فيه، وريحانة قلبه، يضمها بين يديه، يشمّها حليبا، تقاسمه حشف التمر، وسنبل مائدته، يبوح بحزنها ويبتهل، فما مسّ ضفائرها ذئب، وما روضها زمن، منها خرج البناة الذين شادوا الإهرامات في مصر، والسور في الصين، والبرج البابلي في العراق، مقالعها القديمة قدمت الحجارة لبناء السدود المشيدة على الفرات، وقالوا: انها سومرية، وقيل إنها قامت وإزدهرت قبل أن يكون أحد السومريين في الوجود، نقلوا منها الطابوق والحجارة والقار والجص وجذوع النخيل،يذكرها بطليموس في كتابه الجغرافية بإسم إديكاروتعني عيون القار في الآرامية .

هيت (مدينة مدني الفاضلة) ترفّ على الماء وتحوم فيه النوارس، وسحائب زهر وندى  .يستدير لها بعينيه، وفيهما دمعة راعفة، تستمع لندائه الخافت: يا حي بن يقظان، ويا ابن طفيل خذاني إليكما، وهبا لي من كلماتكما، أجنحة أطير بها إليكما، لإقرأ في أسفاركما قوانين العدل والحرية، وروح المغامرة، ونكهة الفلسفة، وزيف السلطة والقبيلة،وقوة العقل والخير.

 

جمال العتابي

 

هل رحل حقا مقداد رحيم؟

qusay askarالساعة العاشرة صباحا ورنة الهاتف ثم صوت السيدة الفاضلة زوجة الأكاديمي والشاعر الأديب الدكتور مقداد رحيم وهي تقول  توفي صديقك  بعدها مباشرة كلمة تعزية من البروفيسور الكبير فاروق مواسي  ابن فلسطين الاصيل وباقة الغربية  يعزي بوفاة الدكتور مقداد رحيم والحق صدمت للخبر، كنّا نتحدث كل ليلة تقريبا هو في بغداد وانا في نوتنغهام، قال لي انه سيسافر الى السويد حيث بيته هناك وعائلته ليجري عملية جراحية في ظهره  وجاء الى السويد ثم اجرى العملية وواصلنا الحديث كل ليلة تقريبا بعثت له بعضا من كتبي على عنوانه في السويد وكنت من قبل في البصرة طلبت من اهلي ان يبعثوا له على عنوان الدكتور صبحي ناصر حسين بعضا من كتبي ليوصلها له لكنه سافر الى السويد وكنت امل ان يرجع للعراق كي يواصل التدريس هناك فيستلم الكتب لكن المنية ابت الا ان تخطفه من أهله ومحبيه.

971-muqdadكانت أحاديثنا تدور حول الادب والاُدباء فمن جملة ما اذكره انه اخبرني عن علم الدكتور فاروق موسي  ومنزلته الادبية  وان أدباء فلسطين او ما نطلق عليهم عرب اسرائيل مازالوا محاصرين الى الان وان على الأفق العربي ان يستوعبهم كما استوعب من قبل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد.

  ودار الحديث ايضا عن  قصيدة النثر قلت له البارحة اتصلت بالدكتور عبد الرضا علي فأخبرني ان احد كتاب قصيدة النثر (سميته للدكتور مقداد) يرسل للدكتور رضا كتبه وكلما يطبع كتابا يرسله له ويظل يسال هل وصل الكتاب  غرض ان يكتب عنه مع العلم ان الدكتور عبد الرضا يرى ان هناك أقلية فقط تجيد كتابة قصيدة النثر،وقد سمى لي هؤلاء القلة  وما ان ذكرت للدكتور مقداد ذلك الأديب حتى قال لي ان هذا الأديب ارسل لي  أولى مجموعاته الشعرية  قبل ان يطبعها  فصححتها له لانها كانت مليئة بالأغلاط بل قل هناك ماساة من الأغلاط  وضعف في تركيب الجمل وان الادب يمر الان بمأساة حقيقة يمكن ان نطلق عليها ماساة قصيدة النثر فمعظم هؤلاء لايجيدون اللغة  ويعرضون مخطوطاتهم على مصلحين قبل الطبع والادهى ان  المؤتمرات الشعرية تقبلهم مع شعراء التفعيلة والعمود ( الحر والعمود) والأجدى ان تكون لقصيدة النثر مؤتمراتها الخاصة  لا ضمن مهرجانات الشعر.

احاديث كثيرة  سأحاول ان اتذكر  بعضها او معظمها  لعل الذكرى تلهمنا الصبر

 

من مؤلفات الفقيد في مجال الدراسة

1. النوريات في الشعر الأندلسي- بيروت- 1986.

2. نظرية نشأة الموشحات الأندلسية بين العرب والمستشرقين- بغداد-1986.

3. الموشحات في بلاد الشام منذ نشأتها حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري- بيروت-1987.

4. عروض الموشحات الأندلسية-بغداد-1990.

5. أبحاث في الأدب الأندلسي- ليبيا- 1994.

6. مصادر التراث الأندلسي من كتاب كشف الظنون- أبو ظبي- 1999-

7. # اتجاهات نقد الشعر في الأندلس في عصر بني الأحمر- أبو ظبي- 2000..

 

مجموعاته الشعرية

1. الحب مرَّتين-بغداد-1975.

2. لا شيء سوى الحب- بغداد-1980.

3. عفواً أيها الساتر –بغداد-1988.

4. ليلة شهرزاد الأخيرة- القاهرة- 2003.

 

من شعر الدكتور مقداد رحيم

أضاعوني

 

أضاعوني فـتـىً يصطادُ صبوتهُ

على شريانِ باسقةٍ

ويلثمُ طلعَها قلباً

فما أنقى وما أطيبْ

يعلُّ الصبحَ ضِحْكاتٍ

وكركرةً تَـمدُّ جناحها

للعصرِ والمغربْ

يشيلُ من اللمى توتاً

وفي العينينِ يرسُمُ لونَ مَوسـمـِهِ

ويدخلُ جنةً في ظلِّ أعنابٍ

وأعذاقٍ

ومن رُطَبٍ شهيٍّ كانَ يـملأ جيـبَهُ

نـَهَماً

يهزُّ الجذعَ تسقطُ تـمرةٌ

ويهزُّ..تسقطُ تمرةٌ أخرى

غنيٌّ بالذي يجني..

ويصنعُ مركَباً ألواحُهُ سَعَفٌ

ويفرحُ إذْ يسيرُ النهرُ بالمركَبْ

أضاعوني فتى الأحلامِ

والآمالِ

والأصحابِ

والـملعبْ

فتىً لا يرتوي عشقاً

ولا الأيامُ من أحلامِهِ تـتعبْ

فتىً يشتاقُ للأنهارِ دانـيةً

تلوِّنُ يومَهُ بالأخضرِ الهادي

صفاءً

أو بهاءً

كلما ألفَى خريرَ الـماءِ

غابَ عن الورى

ورأى لهُ وجهينِ

في موج الضحى الأشيبْ

وللأطيارِ هزتْ من معاطفِهِ

صفاءَ النفسِ

حيثُ اللحنُ مسحوراً

يدسُّ جنونهُ في كلِّ حانيةٍ

يضجُّ بـهِ الهوى الأرحبْ

أضاعونـي فتى الفتيانِ

يحلمُ بالـمحبّةِ والهوى وطناً

على أنخابِهِ يشربْ

فتىً يـَمشي على أطرافِ أنـملةٍ

ويخفضُ صوتهُ

ويعانقُ الأفلاكَ في سمَرٍ

وقد يغفو على كوكبْ

فتىً تحلو لهُ الدنيا

حديثَ اللهِ ترغيـباً

بِـخُلدٍ شافَ مطلعَها

على أطرافِ بابلَ

ثمَّ لم يعجبْ

أضاعوني

فتىً كتبَ الهوى شِعراً

وغنَّـى راقصَ الخفقاتِ

للأعشاشِ

والأعذاقِ

والربواتِ

والأطيارِ

والأسحارِ

حالمةً

وغنَّى كلَّ ساقيةٍ

وقد أطربْ

أضاعوني

فتىً آمالُهُ أفـقٌ

عريضُ الصبحِ

منبلجاً

فغصَّ بـهِ نهاراً كوكبُ الشِّعْـرَى

وأعشتْ شمسَـهُ النـزواتُ

والغزواتُ

والهفواتُ

والسقطاتُ

يحملُ وزرَها

ولغيرهِ التدبـيرُ والمكسبْ

فتىً ما أجملَ الدنيا إذا ابتسمتْ

فتاةُ الحيِّ في دَعةٍ

ونامَ العاشقُ الولهانُ

محمولاً على وعدٍ

تَديفُ سريرَهُ الآمالُ

كاذبةً

يُصدِّقُها العواذلُ

وهو يجني جورَ مَن يعتبْ

فتىً ما سرَّهُ وطنٌ

يسلُّ السيفَ مجنوناً

ويفخرُ بالدماءِ تسيلُ..

بالأرواحِ تُـزهقُ..

بالـمُنى تُـنهَبْ

أضاعوني فتىً للسلمِ يجنحُ

والهوى الشرقيِّ

لا أحلى ولا أعذبْ

فأيَّ فتى أضاعوا

أيَّ مَبخرةٍ أهالوا

أيُّ نبعٍ غاضَ،

أيُّ كنانةٍ تُـثقَبْ

.....

أضاعوني فتىً تغفو طفولتهُ

على أكتافِ دجلةَ

حيثُ يلهو الماءُ بين رصافةٍ والكرخِ

طفلاً ضجَّ بالأحبابِ

لا ينأى ولا يصخبْ

ويفزعُ من مراكبهِ

إذا الأمواج حنَّ لبعضها بعضٌ

وغنَّتْ أجملَ الألحانِ موّالاً

عراقياً يشيلُ غلالةَ الكربِ الطويلِ

ويا لهُ مِن كَربْ

وعينٌ للفتى حفظتْ

خيالاً باهرَ الألوانِ  والأصواتِ

والحركاتِ

مِن جسرٍ إلى جسرٍ

ومن بَلَمٍ إلى بَلَمٍ

ومن رَكْبٍ إلى مركبْ

وبينَ رموشهِ علقتْ

عيونٌ للمها

تقتصُّ من كيدِ الوشاةِ

ومن ظلامِ الليلِ

فاتنةً بلا سحرٍ

وقاتلةً بلا قَـتلٍ

وجانيةً ولمْ تُذنِبْ

 

يلمُّ الرملَ مبهوراً برائحة الهوى المقصورِ

ليتَ هواهُ مَـمدودٌ

وينهل من أحبتهِ الذي يدري

ولا يدري

ولكنَّ الهوى المقصورَ مقصورٌ على الـمَسْلَبْ

فتىً بالكرخِ مطلعُهُ

له الشوقُ القديمُ هناكَ

لا يسلوهُ

لا يسلوهُ

أينَ الكرخُ

أينَ رصافةٌ

والدجلةُ الأعذبْ؟

................

غوتنبورغ في 23-9-2005.

 

ما أشبه اليوم بالبارحة!

رحم الله الفقيد الكبير الشاعر الباحث الأكاديمي الدكتور مقداد رحيم والعزاء للسيدة زوجته وكريمتيه وانا لله وانا اليه راجعون.

 

 

من أدب المذكرات: مساجلة بين أبو معيشي والملا عبود .. شذرات من الجنوب

karim alasadiفي عراق العصور الخوالي كانت هناك حياة لأن الحب كان هناك !!.الحب في أروع وأصدق صوره : الحب العائلي، حب أهل الجوار، حب أهل القرية أو المدينة التي ينتمي اليها العراقي ولاينتهي هذا الحب عند حب كبير هو حب الوطن، فهناك حب الجمال: جمال الناس والطبيعة والمخلوقات لذا كان الشعر حاضراً تسمعه من غناء الفلّاحين في الحقول أو البساتين وغناء الملاحين في الزوارق والسفن وغناء الصيادين اذ يأتيك صاعداً الى البر من قلب النهر أو البحيرة .أقصد بعراق العصور الخوالي العراق الى ماقبل عقود قليلة قبل ان تفجعنا الحروب الخاسرة وتدمر حياتنا الأحزاب فتسهِّل لمن يريد ان يفتك أو يشمت أو يتشفى  بنا مهمته . لاخراب يأتي من الخارج فقط اذا لم تمهد له أوضاع في الداخل!!

عفوية الحياة، تلقائية الناس، حميمية العلاقة بين البشر فيما بينهم وجمال العلاقة بين البشر والطبيعة الجميلة حد الأبهار والتي تثري روح وقلب الأنسان في وعيه ولاوعيه وتجعله جانحاً للأبداع ليصوِّر ويصف ويبوح ويحاول ان يرد الجميل بالجميل، وبراءة أرواح الناس آنذاك من الغدر والذم والنميمة والتكالب على مصالح ضيقة ومنافع مزعومة، كل هذه الأوضاع والمواصفات  كانت محفزات ودوافع ليزهر الشِعر ويزدهر .

الشعر من نتاجات الحب والتوق للحب، وعلاقته بالحب لاتقل عن علاقته بالحرية، بالخير وبالجمال . ما أن يمس الحب شغاف قلب الأنسان حتى يبدأ بالترنم ويريد ان يقول شيئاً عذباً وهائلاً والِقاً، وبعضهم يبدأ بالغناء ان لم يتمكن من الشعر، فيغني شعر الآخرين، وكل الغناء البشري أصلاً شعر بل حتى غناء الطيور والحيوات الأخرى انما تدفعة قوة الشعر والشعور. وكم هو رائع وهائل ومعبِّر هذ الأسم الذي منحته العربية لهذا النشاط الأنساني الأِبداعي : شِعر!

أكاد أقول ان الحياة في الجنوب العراقي، مثلاً، قبل أربعة عقود وأكثر كانت مهرجاناً شعرياً متواصلاً، والقرية أو المدينة كلها صالونا أدبياً وشعرياً كبيراً اركانه القراءات الشعرية والمداخلات والردود والنقد الأدبي، وقد يمارس هذا  النشاط أناس أميّون لم يتعلموا القراءة والكتابة قط، ولديهم من قوة الحافظة وسرعة التأليف وحضور البديهة ما يُعجز الوصف حقاً.

مِن هؤلاء كان العم أبومعيشي من سوق الشيوخ وهو شاعر شعبي بالفطرة له موهبة لاتُجارى في كتابة رباعي الأبوذية . أطبقت شهرته الآفاق فتجاوز سوق الشيوخ الى عموم الناصرية فالجنوب والفرات الأوسط . تقدم أبو معيشي في العمر ولكنه بقي مثل المعدن النبيل في التحفة الأثرية لايفقد من قيمته شيئاً بمرور الزمن بل يزيده مرور الزمن أهمية.

تبادل أبو معيشي الأبوذيات والأشعار مع معظم شعراء سوق الشيوخ والناصرية البارزين، وكان من أصدقائه الشعريين ومجايليه حمدي الحمدي والشيخ مطرب السعيدي والسيد عبد العزيز الحصونة وان كان أبو معيشي أكبر من هؤلاء سناً هو المولود في العام 1880 والمتحدر من نجد الى العراق والى سوق الشيوخ على وجه التحديد .

كان والدي الشاعر ملا عبود الأسدي شاباً حين تعرف الى أبو معيشي في كهولته وقد عمَّر أبو معيشي حتى وصل عمره الى قرن كامل حيث توفي في العام 1978 على حد علمي فرحل شاعر كبير ومؤرخ موسوعي للشعر الشعبي العراقي  . كان والدي كثير التردد الى مركز سوق الشيوخ في ذاك الزمان بسبب عمله آنذاك كتاجر للحبوب والمواد الغذائية حيث سوق الشيوخ مركز تجاري كبير، أو لزيارة أصدقائه الشعراء ومنهم السيد محمد سعيد السيد عكَلة آل النبي الموسوي رفيق طفولته في قرية الحمادية في الفهود والذي أستقر فيما بعد نهائياً  في مركز سوق الشيوخ المدينة التي كانت تمتد في ذاك الزمان ليدخل ضمن حدودها الجبايش والفهود، قبل ان يستقل الجبايش كقضاء وتتبع له الفهود كناحية.

كان والدي يهتم بشعر الغزل، ولجمال صوته ووسامة طلعته وعذوبة حديثه واسلوبه في التعامل كان لديه في شبابه الكثير من العلاقات مع النساء  قبل ان يتزوج أمي، وقد روت لي أمي مراراً وتكراراً ان عدد عشيقات أبي بلغ أربع وعشرين عشيقة، وعشقُ ذاك الزمان هو عشقُ براءة وكلام جميل على طريقة الشرق العربي المسلم المحافظ الخجول، والحياء بشكل عام صفة من صفات الشرقي وان لم يكن مسلماً .

أختار أبو معيشي والدي من بين الشعراء، ربما للأسباب تلك، ليبوح له بحبه للنساء وأمنيته ان يتواصل معهن حتى بعد موته، ورغم كبر سنه كان أبو معيشي يحس ان له دوماً دَيناً في أعناق النساء الجميلات البيضاوات خصوصاً يجب عليهن تسديده ..

يبدو ان أبو معيشي كان أسمر شديد السمرة، ومن هنا جاء لقبه  الجوهرة السوداء، ولذا كان يميل أكثر الى النسوة البيض مثلما سنحدد هذا الأمر في بيته الشعري الذي أرسله الى والدي طالباً الرد.

كتب الشاعر أبو معيشي الى والدي الشاعر ملا عبود الأسدي هذا البيت من الأبوذية يقول:

 

وحقْ المصطفى ودينك وداني

وياهن دوم الي مطلب وداني

يملّا لو كَرب وكتي وداني

لِمْ البيض الي وانصبْ عزيه

فما كان والدي الّا ان أجاب صديقه أبا معيشي في بيت الأبوذية الذي يقول فيه:

نكر كَلبي سهام الوكت ويحاد *

وتجلَّد كَام للمضعون ويحاد

جيش البيض الك حزنان ويحاد

وأخلي السمر تلطم بالثنيه

أبو معيشي يحلم حتى بعد حلول أجله ووقته بوصال مع الجميلات، يحلم وهو ميت ان تجتمع البيضاوات للتعزية في وفاته لأن له ديناً في أعناقهن  كما يعتقد ويقول في هذا البيت..

ووالدي يتعهد له انه سيقوم بأضافة السمراوات الى البيضاوات في مأتم حداد الشاعر الراحل.

فما أروع وأبهى وأجمل تلك العلاقات وذياك الزمان وذياك المكان، وهل الحنين الى تلك الأجواء وتلك الأيام لايعدو عن كونه نوعاً من الحنين الى الماضي والناستولوجيا !!

 

كريم الأسدي

...................

* أصل كلمة (كَلبي) هنا قلبي، حيث تُلفظ القاف هنا في اللهجة العراقية مثل الجيم المصرية، وتكتب مثل حرف الكاف وعليه علامة الفتحة، وكذا الأمر في كلمة (حق) التي تفيد القسم هنا والتي يستهل بها أبومعيشي بيته الأبوذية هذا، ولكننا فضَّلنا كتابتها بالقاف تخفيفاً على القاريء الذي لايعرف اللهجة العراقية. 

 

كنت في بيت ليرمنتوف بموسكو

عاش ليرمنتوف في هذا البيت الخشبي المتواضع بموسكو منذ عام 1829 ولغاية عام 1832 . سكن في هذا البيت الكثيرون فيما بعد،  بل انه اصبح شققا للكثير من العوائل ايام السلطة السوفيتية، حيث سكنت عوائل عديدة فيه، وبواقع عائلة في كل غرفة من غرف ذلك البيت الخشبي  الصغير، و كان هذا اسلوب اتخذته السلطة آنذاك لمعالجة أزمة السكن في تلك السنين العجاف، ولكن السلطة السوفيتية – مع ذلك – حولته الى متحف خاص بالاديب الكبير ليرمنتوف عام 1981، وهو منذ ذلك الحين الى حد الان يعد – متحف ليرمنتوف في موسكو، ويقف امام البيت الان تمثال نصفي رشيق وصغير و جميل جدا يجسٌد ليرمنتوف  وقصيدته الشهيرة – (الشراع) التي كتبها الشاعرعام 1832،  والتي كان يحبها طلبتي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد، عندما كنا ندرسها ضمن مادة (الشعر الروسي) في الصف الثالث آنذاك، و تذكرت كيف كنت أغري بعض طلبتي الموهوبين بترجمتها الى العربية، ونتناقش معا حول تلك الترجمات، وليس عبثا  اقامة التمثال النصفي هذا هنا، اذ ان ليرمنتوف كتب هذه القصيدة  عندما كان يسكن في هذا البيت بالذات وهو في ذلك العمر المبكر جدا (18 سنة ليس الا)، حيث لم يكن يعرفه أحد كشاعر او كأديب روسي، و لا ادري لماذا ترتبط هذه القصيدة في عقلي وقلبي ووجداني ببيت للجواهري في قصيدته العملاقة (يا دجلة الخير) والتي يسميها البعض ب (المعلقة الثامنة !) في مسيرة شعرنا العربي، والبيت هذا هو –

وددت ذاك الشراع الرخص لو كفني    يحاك منه، غداة البين يطويني.

اقتربت من بيت ليرمنتوف صباحا في حدود الساعة العاشرة كي اكون اول الزائرين، واكتشفت ان المتحف يفتتح ابوابه في الساعة الحادية عشرة، وهكذا اضطررت ان ادخل في حديقه البيت وانتظر . رأيت تمثالا لبوشكين في الحديقة، وهو يجلس على كرسي وثير ويضع كلا رجليه على كرسي وثير ايضا يقف جنبه تقريبا . لم افهم لماذا يقف هذا التمثال الغريب لبوشكين في متحف ليرمنتوف ، ولا رمزيته، ولا علاقته مع بيت ليرمنتوف، ولكني دخلت – مع ذلك -  وجلست هناك  مقابل بوشكين (الجالس بهذه الطريقة الغريبة وهو في كامل ملابسه الرسمية !) انتظر موعد افتتاح بيت ليرمنتوف  و متحفه.  لاحظت مجئ الموظفات فقط، ولم الاحظ اي رجل بينهم  (وكلهن متقاعدات على ما يبدو) وهن يسرعن  للدوام في هذه المؤسسه المتميزة فعلا . كنت أتأمل هذا البيت الخشبي الروسي الجميل الذي يتكون من طابق واحد ليس الا،  وطابق ثان صغير فوقه نسميه نحن في العراق (بيتونه)  .  يقع هذا البيت الصغير جدا والمتواضع جدا وسط عمارات كبيرة و هائلة تحيط به  في شارع (أربات) الشهير بمركز موسكو، بحيث لا يستطيع الشخص للوهلة الاولى ان يميٌزه بشكل واضح، ويقتضي منه ان يتأمل المنطقة جيدا كي يجده في زحمة هذا المكان وبناياته الشامخة والكبيرة، وقد علمت فيما بعد انهم حافظوا عليه عندما بنوا هذه العمارات الهائلة لانه بيت ليرمنتوف  .

وهكذا دخلت متحف ليرمنتوف، وكنت الوحيد الذي يزوره  في ذلك الوقت. رأيت امرأة بوليس جميلة جدا في المدخل تجلس امام جهاز كمبيوتر يعرض صالات المتحف وما يوجد فيها، فسألتها عن طبيعة عملها، فقالت انها تحافظ على موجودات هذا المتحف المهم في تاريخ روسيا الثقافي . اشتريت بطاقة الدخول  ودخلت . رأيت قبل كل شئ لوحة مرمرية موضوعة بشكل بارز ومكتوب عليها – (ولد في هذا البيت الشاعر الروسي ليرمنتوف)، وهي اللوحة التي كانت موجودة على واجهة البيت، الذي ولد فيه الشاعر بمنطقة – ما بموسكو، والتي تم ازالته  وبناء عمارة كبيرة بدلا عنه، ويوجد امامها الآن تمثال ضخم لليرمنتوف في موسكو (انظر مقالتي بعنوان – سبع نقاط من الذاكرة عن ليرمنتوف)، وقالت لي المسؤولة عن ذلك الجناح، انهم طالبوا بتلك اللوحة للاحتفاظ بها في متحف ليرمنتوف الوحيد في موسكو، ووضعوا خلف تلك اللوحة صورة كبيرة للبيت الذي ولد فيه الشاعر والمنطقة التي كانت تحيطه في ذلك الزمن البعيد . صعدت الى الطابق الثاني حيث غرفة ليرمنتوف نفسه، بعد ان اطلعت على غرفة جدته، التي أجٌرٌت هذا البيت، كي تسكن فيه مع حفيدها، اذ ان والداه قد توفيٌا مبكرا، وعاش الشاعر في كنف جدته واقعيا منذ طفولته . ادهشتني غرفة ليرمنتوف ببساطتها . كان هناك سرير نومه، وعليه قيثارة كان يعزف عليها، وهناك مكتبة في الغرفة تضم كتبا روسية كان ليرمنتوف يفتخر بها، وتضم مؤلفات  لبوشكين وفانفيزين وكارامزين و جوكوفسكي .. والى آخر اسماء الادباء الروس في ذلك الزمان، و تحتوي على كتب اخرى لروسو وشكسبير وغوته وبايرون ..الخ و بلغاتها الاصلية، وكانت هناك على الجدار صورتان  صغيرتان، واحدة لبوشكين، واخرى لبايرون، اما المنضدة الموجودة في تلك الغرفة فكانت عليها لوحة شطرنج ثابتة، وتوجد عليها كل ادوات لعبة الشطرنج، مما يشير الى حب ليرمنتوف لهذه اللعبة الفكرية . ان هذه الغرفة في هذا المتحف هي الاجمل هناك، وقد قرأت في احدى تعليقات زوار المتحف جملة اعجبتني تقول، انني شعرت، عندما كنت في هذه الغرفة، أن ليرمنتوف خرج لتوه من هذه الغرفة، وانه سيعود اليها بعد قليل .

تمتعت جدا باللوحات  التي رسمها الفنان التشكيلي ليرمنتوف، والتي كانت معلقة على جدران هذا المتحف (نسخ اصلية وليست مستنسخة)، لوحات رائعة للقوقاز وجباله المدهشة الجمال، وهي لوحات مشهورة لليرمنتوف ومنشورة في معظم الكتب عنه، ولكنها اصبحت الان نتاجات ثانوية مقارنة مع شعره ونثره ومسرحه، والتي دخلت في الوعي الاجتماعي الروسي والعالمي كجزء لا يتجزأ من عظمة الادب الروسي ومكانته، وكذلك ادهشتني اللوحات  المؤطرة المعلقة هناك، والتي كانت تضم مقاطع من كلمات الادباء الروس وانطباعاتهم حول شعر ليرمنتوف واهميته في مسيرة الادب الروسي، ومنها قول الكاتب الروسي ليف تولستوي، الذي توقفت عنده طويلا وتأملته اعجابا، و هو الذي يقول فيه تولستوي – (لو عاش هذا الكاتب اكثر، لما كانت هناك ضرورة لي او لدستويفسكي) (من المعروف ان ليرمنتوف عاش 27 سنة فقط)، وهناك قول للشاعرة تسفيتايفا موجود على جدران هذا المتحف ايضا يقول، ان قصيدة (الشراع) تؤكد، ان ليرمنتوف ولد شاعرا رأسا، وانه لم يمر مثل بوشكين  بمراحل تطور منذ البداية  في مسيرته كشاعر .

عندما خرجت من البيت كتبت بعض السطور بالعربية عن جمالية هذا المتحف واهمية ليرمنتوف، وطلبوا مني ان اترجم هذه الكلمات الى الروسية، واخبرتني المسؤولة ان أحد الزوار الصينيين قد كتب لهم قبل ايام كلمات اعجابه بالصينية، وان هذا كله اغناء لسجل المتحف، وهم يفتخرون بذلك، فكتبت لهم بالروسية ترجمة تلك الكلمات . سألتها وانا اغادر المتحف، لماذا يوجد بالحديقة هذا التمثال الغريب لبوشكين ؟ فاجابتني ضاحكة، ان ورشة النحٌات قريبة من هنا، وانه انجز هذا التمثال الجميل لبوشكين الذي يشغل مكانا كبيرا في ورشته، فجاء الى متحفنا وطلب وضع التمثال مؤقتا في الحديقة، وقال لنا (اعتبروا ان بوشكين جاء لزيارة بيت ليرمنتوف)، فوافقنا على هذه الفكرة الطريفة والمبتكرة من اجل تجميل متحف ليرمنتوف.

 

أ.د. ضياء نافع

 

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو (19): عطشان ضيؤول الازيرجاوي

الحلقة هذه من سلسلة مقالاتي عن العراقيين الذين مروا بموسكو مكرٌسة للمرحوم عطشان ضيؤول الازيرجاوي (ويكتبون اسمه في بعض المصادر الايزيرجاوي)، الشخصية العراقية المعروفة في تاريخ الحركة الشيوعية في العراق منذ بدايات اواسط القرن العشرين والى تاريخ  وفاته (خارج العراق) بظروف وملابسات  لا زالت لحد الان غامضة .

التقيت عطشان الازيرجاوي  للمرة الاولى في جامعة موسكو صيف عام 1967، عندما كنت هناك في زيارة لموسكو، قادما اليها من فرنسا، حيث كنت طالب دراسات عليا هناك. اخبرني بعض الاصدقاء العراقيين بانهم ذاهبون لزيارة شخص عراقي في غرفة المرحوم مصباح الخيرو (طالب الدراسات العليا في كلية القانون بجامعة موسكو آنذاك) اسمه عطشان، وهو شيوعي عراقي كبير كان (شبه محتجز!) بمستشفى للمجانين في موسكو نتيجة خلافات داخل الحزب الشيوعي العراقي معه، (وقد تم اطلاق سراحه من المستشفى بتدخل مباشر وعنيف، بل وحتى بتهديد من قبل  بعض  عناصر الحزب الشيوعي العراقي بعد الانشقاق الذي حدث في الحزب عندئذ) . ذهبت معهم طبعا، اذ ان الموضوع كان مثيرا جدا وغريبا جدا في آن . استقبلنا زميلنا مصباح الخيرو بكل لطف وترحاب، وشاهدت عطشان الازيرجاوي هناك لاول مرة وهو يتكلم بثقة مطلقة عن النهج الجديد للقيادة  المركزية الجديدة للحزب الشيوعي العراقي وسياستها وتخطيطها وتوجهها لاستلام السلطة في العراق قريبا، ومن ثم بناء الدولة العراقية  الاشتراكية الجديدة . كان حديثه عاما جدا وغير متناسق، ولم استطع في ذلك اللقاء طبعا ان أسأله عن مستشفى المجانين وكل التفاصيل الاخرى المرتبطة بهذه القضية . عرفت من الزملاء العراقيين بعدئذ، ان عطشان كان ضابطا في الجيش العراقي، وتم فصله طبعا بعد ان اصبح شيوعيا، وعاش ظروف العمل السري القاسية للحزب، وخرج الى العلن بعد اعلان الجمهورية في 14 تموز 1958 واصبح احد المسؤولين البارزين عن الخط العسكري في الحزب الشيوعي، وانه كان يطرح دائما فكرة استلام السلطة من قبل الحزب الشيوعي واعلان العراق دولة اشتراكية ، وانه كان مقتنعا تماما بامكانية تطبيق ذلك وبكل سهولة عن طريق انقلاب عسكري يقوم به الضباط الشيوعيون وانصارهم،  ويقال ان رفاقه في الحزب اقنعوه بالسفر الى موسكو(للتخلص منه على الاغلب)، وذلك بحجة الدراسة في المدرسة الحزبية هناك، وربما  لمناقشة هذه الفكرة مع السوفيت فيما بعد، هذه الفكرة التي كانت على ما يبدو مسيطرة تماما على عقله وقلبه .

عند انتهاء ذلك اللقاء العام معه في جامعة موسكو، اخبرته باني طالب دراسات عليا في باريس، فطلب عنواني هناك، و فجأة، وبعد مرور فترة ليست قصيرة على ذلك اللقاء بجامعة موسكو، طرق عطشان باب سكني في باريس، وقد استقبلته طبعا بترحاب عراقي، واخبرني بانه سيبقى يومين هناك، وكان يسكن في فندق متواضع . وهكذا قضينا معا تلك اليومين باكملها سوية مع بعض الزملاء الآخرين . تسنى لي الحديث طويلا معه آنذاك،  وقد سألته طبعا عن مستشفى المجانين في موسكو وقصتها، والتي سمعت بها من الزملاء العراقيين بموسكو كما ذكرت أعلاه . أخبرني عطشان، ان هذه القصة حقيقية فعلا، وانه كان نزيل مستشفى المجانين هناك . كان عطشان على قناعة تامة،ان هذا الحدث جاء نتيجة الخلافات مع رفاقه في الحزب الشيوعي العراقي  ونكاية به، وانه لولا الانشقاق الذي حدث في الحزب لما استطاع التخلص  والتحرر من تلك التجربة الرهيبة في حياته . سألته كيف استطاع الصمود  في تلك الظروف المعروفة في هذه المستشفيات بشكل عام، فقال لي انه كان مضطرأ ان يتصرف مثل هؤلاء المجانين الروس الذين كانوا يحيطون به في تصرفاتهم وحركاتهم وطريقة عيشهم ...الخ  بعد ان درس وتأمل وضعه معهم، وذلك لأن فهم، ان  المجانين لا يطيقون وجود اشخاص يتميزون عنهم، اذ انهم عندها يكونون عدوانيين وخطرين تجاههم  حد القتل. لم ارغب طبعا ان اتحدث اكثر وبتفصيلات عن هذه الحادثة المريرة، التي مرٌت بحياته، وانكث الجراح القديمة  كما يقال، ولكني فهمت منه، انه التقى هناك باجانب آخرين، وببعض الروس المثقفين ايضا، وحتى ادباء،  لكنه لم يستطع ان يحدد آنذاك، هل هم مثل حالته  (اي ادخلوهم عنوة نتيجة مواقفهم السياسية) أم انهم مرضى نفسيين فعلا، رغم انه كان يميل الى الاعتقاد انهم في وضع مشابه له، وانهم كانوا هناك ايضا نتيجة وشايات وخلافات وتناقضات فكرية مع رفاقهم المحيطين بهم  .

تحدثنا ايضا عن جوانب اخرى كثيرة، ولم اجد في ثنايا تلك الاحاديث تحليلات علمية في السياسة والتاريخ  لديه، ولا افكارا  معمقة في الثقافة عموما، ولا زلت أذكر جوابه عن سؤال طرحته عليه وهو – هل توجد لديكم خططا محددة لفترة ما بعد السيطرة على السلطة في العراق، اذ ان ادارة الدولة مسؤولية كبيرة جدا ؟ فقال نعم (نبيع النفط ونبني الوطن الحر السعيد)، فقلت له وماذا سيكون موقفكم مثلا من القوى السياسية الاخرى المعارضة لكم؟

فضحك باستهزاء وقال – (نقطع العضو التناسلي لكل معارض ونضعه في فمه) .

عندما بدأت بكتابة هذه المقالة، بحثت في بعض المصادر العراقية عن معلومات عامة حوله، فوجدت ان رفاقه بالحزب الشيوعي العراقي يشيرون الى نفس الخصائص هذه، وهي المبالغة وعدم الدقة الموضوعية والتسرع باطلاق الاحكام  وعدم امتلاكه للنظرة العلمية والفكرية العميقة...الخ . ووجدت في مصادر اخرى ايضا الاشارة الى انه ساهم – وبشكل فعٌال جدا - في عمليات تعذيب الموقوفين والمتهمين، عندما كان عضوا في لجان التحقيق في المحكمة العسكرية العليا الخاصة بعد 14 تموز 1958، وهي المشهورة بمحكمة الشعب او محكمة المهداوي  (وتذكرت جملته التي قالها لي بشأن الموقف من المعارضة !!!) .

انقطعت اخباره تماما بالنسبة لي، ولكني سمعت من بعض الاصدقاء بعد سنوات طويلة جدا من ذلك اللقاء الباريسي، انهم وجدوه في شقته (في خارج  العراق)  وقد فارق الحياة . ولم استطع ان  اعرف اين كانت  هذه الشقة (قال احدهم انها كانت  في دمشق، وقال آخر انها في برلين الشرقية ،  وقال ثالث  انها في بلغاريا)، وسمعت ايضا انهم وجدوه مقتولا هناك، وقد سألت قبل فترة قصيرة الدكتور خليل عبد العزيز  الذي كان يعرفه شخصيا، والتقى به في المدرسة الحزبية في طاشقند عاصمة اوزبكستان السوفيتية آنذاك، وكتب عنه (انظر- سلسلة مقالات بعنوان -  محطات وشخوص  في حياة الدكتور خليل عبد العزيز /  بقلم فرات المحسن)، فقال لي حرفيا – (انا  شخصيا اعتقد بانه  قد انتحر). 

 

أ.د. ضياء نافع

 

خط برلين بغداد

hashem mosawiقطار الشرق السريع أو (خط برلين – بغداد) ..كم مرة جلست في عرباته، إثناء مرحلتي دراستي الجامعية الأولى والثانية في ألمانيا؟، قاطعا أراضي ست دول، كي أصل الى حبيبتاي "دمشق" و"بيروت" أيام كان وصولي الى بغداد محفوفا بالمخاطر التي يعرفها أهلي وأصدقائي المقربين . لكن ما قصة هذا الخط ومن الذي ساهم في إنشائه؟ ..  فإليكم القصة كاملة . وأرجو ألا يصيبكم الملل .

قبل مائة عام بالنسبة للمثقفين الألمان كان اسم "بغداد" يكتنفه سحر رومانتيكي فهناك كان مقر الخليفة الاسطوري هارون الرشيد الذي حكم من 786 وحتى 809 وهناك جرت احداث حكايات وقصص الف ليلة وليلة . كانت بغداد رمزا للشرق الحافل بالاسرار والغني بثرواته مما اثار الرغبة في الاستيلاء عليه وهكذا اثار مشروع بناء خط سكة حديدية من قونية في جنوب غرب الاناضول الى سواحل خليج البصرة عبر بغداد غرائز الطامعين واصحاب البنوك في برلين ولندن وبطرسبورغ واخذ بلبهم.. ان مجرد ذكر كلمة بغداد يكفي لأن يفتح شهية الدول الكولونيالية كما ان التصورات التي شغلت بال المبادرين لتنفيذ المشروع صاحبتها حسابات وتقديرات حصيفة ذات دلالات ستراتيجية للمستقبل.

شرع القيصر الالماني فيلهلم الثاني ومدير البنك الالماني جيورج فون سيمنس خلال زيارتهما للشرق عام 1898 بالتفاوض مع السلطان عبد الحميد الثاني بشأن مشروع مد الخط الحديدي الضخم. وكان السلطان عبد الحميد هو الذي بادر بمشروع بناء ذلك الخط. فقد كان العراق في حينه خاضعا تابع الى حكم السلطان المستبد الماكر الذي كان معنيا جدا بمواصلة مد الخط الواصل بين القسطنطينية‘ اي الاستانة وقونية الذي انجز في الفترة بين 1888 و1896 وربطه بالخليج ‘فقد كان مثل هذا الخط بالنسبة للدولة العثمانية ذا اهمية بالغة في المجال الاقتصادي والستراتيجي العسكري.

في عام 1902 حصلت شركة الاناضول للسكك الحديدية التي اسسها البنك الالماني على امتياز لمدة 99 سنة يحق لها بموجبه بناء وتشغيل خط طوله 3200 كيلو متر يربط بين قونية وخليج البصرة يضاف لذلك استخراج الثروات المعدنية في المناطق التي سيمر بها الخط. في عام 1903 تأسست شركة خط بغداد الحديدي بمشاركة رأسمال فرنسي ايضا وكانت ادارة هذه الشركة تحت سيطرة البنك الالماني واصبح آرثور فون جيفيلنر البنك الالماني الجديد رئيسا للشركة .في شهر يوليو/ حزيران من عام 1903 بدأ العمل بالبناء وفي شهر اوكتوبر من نفس السنة شرع بتشغيل قاطع قونية بورغولو وطوله 200 كيلومتر.ورغم تقلبات السياسة الالمانية الدولية ظل خط بغداد الحديدي هو المحور الاساس في مجال نشاطات سياسة المانيا الخارجية التوسعية.

وازداد "التوغل السلمي " في تركيا ‘فازدادت الاستثمارات الالمانية في فترة من قبل  و1914 فأرتفعت من 40 مليون الى 60 مليون مارك وجنت شركات المانية ارباحا من بناء الخط اضافة لما ترتب على توريد مواد البناء اللازمة.

وكان مردود القروض التي منحتها البنوك الالمانية للدولة التركية فوائد بلغت 20 مليون سنويا في عام 1912 الى جانب ذلك عززت المانيا نفوذها السياسي.

اقلق ذلك حكومات بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا التي رأت في ذلك تهديدا لمصالحها الحيوية1904 السياسية والاقتصادية والستراتيجية العسكرية وفعلت كل ما في جهدها لاحباط تلك المساعي‘ وفي عام توقفت تماما ‘ولفترة طويلة‘ اعمال البناء غير انه في سنة 1911 استمرت اعمال البناء وتم حل مشكلات تقنية وهندسية معقدة منها على سبيل المثال حفر نفق طوروس الكبير.في عام 1918 وعندما إنهارت الامبراطورية العثمانية ولم يتم بعد مد جزء طوله 300 كيلومترا تأجل انجازه حتى عام 1940‘ وفي يوم 15 يوليو تموز 1940 جرى لاول مرة تشغيل الخط بين اسطنبول وبغداد.

 

د.هاشم عبود الموسوي

 

في الذكرى السادسة لرحيلة: كاظم السماوي شاعر ومناضل اممي

964-khadomasamawiمرت قبل ايام الذكرى السادسة على رحيل "شيخ المنافي"، الشاعر العراقي كاظم السماوي. وهو وأن كان ليس الوحيد من مبدعي العراق الذين ارتحلوا في المنافي، بعيدا عن الوطن الذي نزفو حياتهم من اجله فناً ومعاناة والقائمة تطول، لكن السنوات الاخيرة من حياته، في منفاه الأخير كانت شديدة القسوة، اذ عاش في ستوكهولم وحيدا لا أنيس له سوى ذكريات مشحونة بالالم، بعدما فقد افراد عائلته الواحد تلو الآخر. فقد اغتال عملاء نظام صدام في سفارة العراق في الصين، ولده نصير العام 1991 حيث كان يدرس، وتوفيت زوجته قهرا على ولدها، وأُختطف ولده رياض في بغداد، بعد ان جاء اليها عائدا من دراسته في المانيا، وزج به في الحرب العراقية الايرانية، ثم توفى بعد سنوات لاحقة مصابا بالسرطان. وفي لندن، وقبل عام ونيف من رحيل الشاعر الابدي، توفيت ابنته الكاتبة والفنانة تحرير السماوي، بعد ان دفعت قسطها، هي الاخرى، من المنفى اكثر من اربعين عاماً قاسية ختم حياتها المرض الخبيث، وهي في ذروة عطائها الفني والادبي.

بعدها تُسدل ستارة العمر، في مغتربه الأخير، السويد، على اكثر من نصف قرن، هو زمن منفاه الطويل. هذا المنفى الذي مر خلاله قطار العمر بمحطات عديدة: من بودابست الى برلين الى بكين الى بيروت نقوسيا ودمشق، آخرها ستوكهولم، حيث توقف قلب الشاعر في يوم آذاري، من عام 2010 بل في منتصف الشهر تماماً، والذي عادة ما تفوح صباحاته بروائح الربيع في بلادنا وتتفتح زهوره فيها، لكنه هنا على حواف الشمال الباردة،  كان الصقيع يلف المدينة الغافية بين مياه الجزر الكثيرة المنتشرة هنا وهناك، رحل السماوي كاظم عن عمر ناهز التسعين عاماً. وصدقت نبوءة الشاعر، بأنه لن يعود الى الوطن الا بعد سنوات طوال قضاها في المنافي. وقد عاد، اخيراً الى الوطن، لكنه عاد اليه جسدا بارداً ليدفئه ثراه.

كنت التقيت الشاعر كاظم السماوي في اكثر من مناسبة، ولكنني حاورته، في الشعر والصحافة وفي مسيرته النضالية، الانسانية مرتين. في المرة الاخيرة كنا نجلس في الهواء الطلق على احدى مصاطب حديقة الملك وسط  العاصمة ستوكهولم.

كان ذلك يوما مشمساً، والمدينة تفرش أهدابها لاستقبال الصيف، وازعم، غير جازم، بأن ذلك اللقاء الصحفي كان الاخير الذي أُجري معه قبل رحيله الابدي.

وكالعادة حينما يلتقي صحفي بأديب او فنان وقد عاش كلاهما المنفى، سنوات طوال، يطفح السؤال التقليدي المثقل بأحمال الزمن وتداعياته، عن المكان النقيض، او الضفة الأخرى الحاضرة، النائية عن ضفة الوطن، ليس بقياس المدى الزمني فحسب، بل وبالأحاسيس والمعاناة. وفيما بين الضفتين بحر شاسع ورحيل متواصل بين تموجاته وعصف رياحه العاتية.

- ماذا سلب منك المنفى وماذا أعطاك؟

- "المنفى مهنة شاقة"

هكذا بدأ السماوي اجابته، بعد صمت قصير، مستشهدا بقول الشاعر التركي ناظم حكمت ومسترسلاً في توضيح فكرة المنفى، الشفافة البسيطة والمركبة، الشديدة التعقيد في آن واحد، بأن:

- "المنفى هو اغتراب الانسان عن جذوره ومحيطه، وربما عن وشائجه الفكرية حتى. إذ أن الانتساب ليس فقط للأرض والوطن، بل وللفكر ايضاً. ولكون المنفى حالة اضطرارية، ينبغي على المنفي خارج حدود بلاده ان يحرص على التواصل مع محيطة، بكل الوسائل. عندما أُسقطت عني الجنسية في العام 1954، تصورت بأنني سوف لن اعود الى وطني الا بعد عشرات السنين. خاصة وان السلطة التي قامت باسقاط جنسيتي، كانت تبدو راسخة في مكانها". قال السماوي.

على اثر اسقاط الجنسية عنه، بدأت حينها رحلة الشاعر والمناضل كاظم السماوي ليعيش في المنافي سنوات طوال، اكسبته، برغم معاناتها، معارف جديدة، على الصعيدين الفكري والنضالي، كما وصف ذلك، مشيراً الى أن البلدان التي عاش فيها، منحته رؤية جديدة وثقافة مكنته من الاطلاع على ما لم يطلع عليه في بلاده او مما لايجده في الكتب، حسب تعبيره، وهذا من اجل مقاومة المنفى وترويضه.

- "اكتسبتُ خبرة واسعة من خلال اطلاعي على حياة الكتاب والأدباء العالميين الكبار في الخارج، وكان قسم منهم منفياً وعاد الى بلاده، وهذه الخبرات منحتني معارف غير التي تسلحت بها وانا في الوطن".

تعرّف كاظم السماوي على زعماء وشخصيات عالمية، وادباء كبار، ذكر منهم اسم كيو موسو الذي كان رئيسا لاتحاد الكتاب الصينيين، والشاعر والمناضل التركي الشهير ناظم حكمت، وفي المؤتمرات العالمية  التي شارك فيها التقى اسماء لامعة مثل الشاعر الفرنسي الكبير لوي اراغون وغيره. وعن علاقته بهذه الشخصيات، قال السماوي انها وسعت من افاق معرفته و نقلته الى آفاق اخرى، كانت تعتبر محدودة بالنسبة له في السابق. ومنحته ايضا، امكانية الاطلاع على ثقافات لم تكن لها جذور في العراق.

- "مثلا، عندما خرجت من الوطن، لأول مرة في خمسينات القرن الماضي، اطلعت على الاوبرا، هذا الفن الراقي الذي لم يكن معروفا في بلدي، ولا حتى في البلدان العربية الاخرى حينئذ، وتعرفت على الحركات المسرحية التي لم نكن نعرفها سوى على نطاق ضيق. وكذلك حضرت حفلات سيمفونية راقية كثيرة". قال السماوي.

كان كاظم السماوي من الناشطين في حركة السلم العالمي، وقد اسهم في تأسيس حركة السلام في العراق عام 1952 التي مثلها في مؤتمرات دولية عديدة. وبعدما سحبت منه الجنسية العراقية، وكان حينها في بيروت، تمكن من السفر الى المجر، بمساعدة من حكومتها التي منحته الاقامة ليعش في بودابست عدة سنوات:

- "وبعد ان تعلمت لغتها اصبحت عضوا في اتحاد الكتاب المجريين. وكنت اكتب قصائد وما اكتبه كان يترجم الى المجرية، ثم تُرجمت قصائد من ديوان كتبته في العام 1950 الى المجرية، وصدرت في كتاب العام 1956 من قبل احدى دور النشر في المجر.

بعد انتصار ثورة 14 تموز العام 1958 عاد السماوي الى العراق، وأعيدت له الجنسية  وفي العام 1959 عين مديراً للاذاعة والتلفزيون في الجمهورية الفتية، لكنه وبعد ثلاث من سنوات من عمله في الوظيفة استقال منها، محتجا على بعض الممارسات التي كان يرى فيها تعارضا مع اهداف الثورة، حتى انه سجن لعدة اشهر، لكنه ظل وفيا لمبادئ الثورة وزعيمها عبد الكريم قاسم، حيث طلب منه ان يكون سفيراً في المجر، غير انه رفض المنصب، مفضلا البقاء في العراق وعمله في اصدار جريدته "الانسانية".

بعد انقلاب 8 شباط المشؤوم عام 1963 ومجئ البعثيين الى سدة الحكم، تم اعتقاله مجدداً. وبعد اطلاق سراحه غادر السماوي العراق العام 1964، وكانت وجهته هذه المرة المانيا الديمقراطية، وهي الثانية في قطار المنفى، ولم يعد الى الوطن حتى العام 1973 على اثر اعلان الجبهة الوطنية الديمقراطية بين حزب البعث الحاكم آنذاك والحزب الشيوعي. لكن مكوثه في الوطن لم يدم طويلا، كما هو عمر الجبهة، حيث بدء البعثيون بحملة دموية شرسة ضد حلفائهم، من قوى اليسار والديمقراطية، فرحل الى الصين ومنها الى المنافي الاخرى، حتى رحيله الابدي في ستوكهولم 2010.

كان السماوي كاظم، شاعرا كبيراً في مقدرته البلاغية واتقان ادواته الشعرية ومضامين قصائده الانسانية. شاعراً التزم قضايا الانسان وتحرره بإصرار عنيد.

 

هل تغيرت وظيفة الشعر لدى كاظم السماوي؟

- "الشعر الذي اكتبه تثويري، اذ كنت متاثراً بحركات التحرر التي اجتاحت مناطق كثيرة في العالم، حيث القت انتفاضات الشعوب من اجل التحرر على الشعر مهمة اخرى، وهي التثوير او الشعر الثوري المناصر للافكار التحررية. انا من هذه المدرسة، منذ ان اصدرت ديواني الاول في العام 1950 واسميته (اغاني القافلة) وحتى ديواني الاخير، لم يتغير نهجي الشعري. فلم تكن تشغلني الاحداث الذاتية، بل كانت  ومازالت نزعتي هي الحرية. فالشعر الغزلي وشعر الحب، يأتي بعد ان يتحرر الانسان من الذل والعبودية. فطالما الانسان مستعبد وغير حر، لم يستسغ طعم  الغزل او حتى الالتفات الى الافكار الذاتية".

قال السماوي مسترسلا بالحديث، من انه لاينتمي الى اي مدرسة شعرية من تلك المدارس السائدة التي تمثل بها بعض مجايليه من الشعراء وغيرهم ممن تأثروا بالمدارس الغربية، كالسريالية، مثلا:

- "شعري يمتاز بالوضوح والتعبير عن ارادة الجماهير. وهذا يشمل جميع دواويني. فأنا اطالب، على الدوام، بان يكون الشاعر او الفنان واضحا في نتاجاته ازاء المتلقي".

كان السماوي قد اصدر مجموعات شعرية عديدة، جُمعت في كتاب " المجموعة الكاملة" التي صدرت العام، وهي الى جانب "اغاني القافلة" في العام 1950، " ملحمة الحرب والسلم، " الى الامام أبدا"، " فصول الريح، "رحيل الغريب"، قصائد للرصاص قصائد للمطر"، "رياح هانوي" و" الى اللقاء في منفى آخر"، التي صدرت في العام 1993

وضوح قصائده وانسنتها امر يتفق عليه المتابعون لشعر السماوي مؤكدين بأن جل قصائده وهبها للانسانية ولغدها المشرق، حيث اطلق عليه الشاعر اللبناني محمد شرارة لقب "شاعر الانسانية". وبرغم ان هناك من لا تتوافق أفكاره الايديووجية وآراؤه السياسية معه، او بعض مواقفه في سياق أو آخر، الا ان ثمة شبه اجماع على ان السماوي، الانسان الذي توحد في داخله الشاعر، بما يملكه من قدرة التعبير عن مكنونات الاحساس بفيض من العاطفة الجياشةٍ، والمناضل الاممي الذي وهب شعره وحياته من اجل الانسان وعزته وكرامته، في كل مكان في العالم، فتحمل جراء ذلك السجون والمعتقلات والتشرد والمنافي، وفقدان الاحبة، يعد من الشخصيات التي غبن حقها في الحصول على المكانة التي تستحقها، على الاقل، في مدونة الذاكرة الأدبية والنضالية العراقية.

لكنه ما كان يأبه من انه ظل بعيدا عن الاضواء وهو في قمة عطاءه الشعري، ذلك لأنه كما قال بأنه ليس شاعراً ذاتيا كي يسعى للشهرة:

- "ان جل طموحي هو ان اعبرفقط عن آمال الشعب".

ولكنه برغم ذلك كان شاعراً معروفاً خارج وطنه، في دول عربية، وفى بلدان اخرى حيث تُرجم بعض دواوينه وقصائده الى لغات كالمجرية والروسية والبلغارية والانجليزية.

كان السماوي وبخلاف النظرة التي ترى علاقة السياسي بالمثقف، غير متوازنة، وكثيرا ما يشوبها التوجس مما يحاول السياسي الاستحواذ على المثقف وتسخيره لأهدافه السياسية، كان هو يرى عكس ذلك، فأن ما بينهما ترابط عضوي.

- "هناك من يسعى في هذه المرحلة الى الفصل بين المثقف والسياسي. لو اردنا تعريف السياسة ماهي؟ السياسة تسعى الى الحرية، الى الابداع، الى الطموح الانساني. وانا ارى ان السياسة والفكر متلازمان. واذا الفكر لم يعبّر عن طموح انساني، او سياسي، كما يصفه الاخرون، فهذا يعتبر فكراً مهوماً، ذاتيا ومتقوقعاً. السياسة تعني الانسان، في ثقافته وتحرره، وحريته ونزوعه الفكري والحضاري. بالنسبة لي ليس هناك فكر بعيد عن السياسة او سياسة بعيدة عن الفكر. ليس هنالك تجريد بين المعنيين.  

وفي خاتمة ذلك اللقاء سألت الشاعر عن أحب قصيدة اليه، فأخذ ينشد هذه، التي تعكس وتلخّص المعاناة الشديدة التي كان يعيشها السماوي وحيداً في مغتربه الاخير:

 

ياغربةً لم تشعتل بدمٍ ولا حلمٍ ترمدها¬¬ السكون

وأُطفأ النبضُ المجلجلُ في القصيدةِ

في تباريحِ الكلامْ

عبرت بنا الايام لم تترك سوى

شجرِ الغبارِ على الطريق

سوى ليالي الحلمِ ترحلُ

في حقائِبنا ويغتربُ النشيد

شجراً لرملِكمُ طويتُ العمرَ

مارسمت خطاي ....

سوى خطاي

لم تنطفئ جمراتُ حلمي

ياسواي...

ولم اكن يوماً سواي

وطنٌ ؟

ومذ خمسين عاماً كان لي وطنٌ

ومذ خمسين عاماً كان لي منفىً

وما اغتربَ الزمان

وكنتِ لي

يادفء قلبكِ شمسَ نافذتي

ومذ خمسين عاماً

تعبرُ الاطيافُ موحشةً

وكان الوهمُ يوماً أن نعودْ

من ليلِ غربتِنا

من السفرِ الطويل

من ارتماءِ الشوقِ في احداقِنا

شاهت ليالينا وما اسرى بنا قدرٌ

وما اشتعلَ الظلامْ.

وكنتِ عاشقةَ الصباح

منديلكُ الفضي فاتحةُ النهار

يمورُ في عينيك

تنسلُ الحياةُ من الحياة

لنعمِّر المنفى

نرشُ الحلمَ من صَبَواتِنا

ما تحملُ الأمطارُ للاعشابِ، للانهار.

مذ خمسين عاماً

كنتِ لي وردَ الضحى

القَ الصباح

عيناك مغمضتان، آسرتي

صباح الخير

ما لكِ لا تحيّينَ الصباح؟

ويداكِ باردتان؟

 

تلطُمُني الرياح

تولولُ الاصداءُ تشهقُ

يالتي كنتِ التوهجَ في رمادِ العمرِ

يازهوَ الزمان

اذا اغتَربْنا والمكان.

لمَ يالحبيبةُ والسماءُ، الارضُ

خاويةُ الصدى

لمَ ترحلين

يا قَلْبُكِ المتأججُ الخفقاتِ

يا شمساً تَغَشّاها الغروب

ويا نَشيجَ الريح ياغسقَ الخريف.

كُسِرَ الزمان؟

تناثر الحُلمُ الكسير؟

ماذا الملمُ من جراحٍ

ياجراح؟

وياهشيمَ العمرِ

ساحبةُ الرؤى اياميَ السوداء

ما ارتعَشَ المساء

وكلما انطفأ الصباح

ولا اراك

أغورُ في جرحي

ويعصفُ بي صَداك

يرجُّ وهجَ دمي

ويا وحدي

أحدِّقُ في الظلام

وكلُ ما حولي ظلام

صورٌ وأصداءٌ تشقُ الليل

واجمةً يحرُّقُها الحنين.

وكم بكيتْ وكم غفوتْ

وكم مددت لك اليدين.

ويا انا ملقى وراءَ الليل

ما ابقت لي الايامُ

غيرَدموعيَ الثكلى

وخاتِمَتي الحزينة.

 

طالب عبد الأمير - ستوكهولم

....................................

*القيت في الامسية التي اقامها اتحاد الكتاب العراقيين في السويد، في استذكار الشاعر كاظم السماوي.

 

تساؤلات حول فكر ابن باديس..!؟

warda bayaمنذ أن ولجنا مقاعد الدراسة الأولى، عرفنا أن عيد العلم هو أكبر حدث في الجزائر، أو كما كان يتصور لنا ونحن صغار .. ففيه كنا نترك الدراسة جانبا لنتفرغ في المدرسة ليوم سعيد بلباس جديد، فيه نغني ونمرح ونلهو ونفرح ..

كنا نسمع أنه عيد العلم، ولكننا لم نكن نعرف أنه يوم ذكرى وفاة الشيخ الامام عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي الصنهاجي، المولود بقسنطينة في 4 ديسمبر 1889 وتوفي في 16 أفريل 1940 الذي كانت أمه تسمى بزهيرة بنت محمد .. حفظ القرآن الكريم وعمره ثلاثة عشر عاما ثم أخذ مبادئ العربية على يد شيخه حمدان لونيسي،سافر إلى جامع الزيتونة بتونس، وتتلمذ على يد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وعاد بشهادة التطويع، وبدأ تدريسه في قسنطينة، ثم سافر للحج عام 1913، ومن بعده عاد لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان لها دور بارز في مواجهة الفقر بالتشجيع على العمل من كسب اليد، وحاربت الجهل بالمدارس الحرة  الى نشر العلم، كما ساهمت في القضاء على الخرافات، ودعت الى الوحدة الوطنية، ونبذ الفرقة.. كما هو معروف من السلف..

يعتبر الإمام ابن باديس أبرز رجالات الإصلاح في الوطن العربي ورائد النهضة الإسلامية في الجزائر، و قرأنا في مناهجنا التعليمية عن مواقفه الوطنية ونهجه الثوري، وأنه قال للمستعمر الفرنسي قولته الشهيرة :" والله لو قالت لي فرنسا أن أقول لا اله الا الله لما قلتها".. كان له دور بارز في مناهضة الاستعمار الفرنسي، وحاربه بقلمه عندما اشهره في وجوهم قائلا بعدما سمع بمقولة "الجزائر فرنسية":

شعب الجزائر مسلم ***  والى العروبة ينتسب...

كل ماكنت أعرفه عن ابن باديس في زمن الطفولة الأولى كان مثاليا رائعا،  ولكنني صعقت في مرحلة ما بعد الطفولة، وفي حادثة وقعت لي مع أحد أقاربي، عندما كنت أحدثه عن الفكر الوهابي المتشدد، فقال لي صراحة أن الفكر الوهابي سليم، وهو نهج شيوخ علماء الأمة (وكان يقصد علماء السعودية) وجمعية العلماء المسلمين وأكثر من تأثر به ابن باديس ..! ومن هنا انطلقت في رحلة البحث عن حقيقة تغلغل هذا الفكر في عقول ممن يفترض أنهم نخبة الأمة وعلماؤها آنذاك..؟؟

يقول الشيخ ابن باديس نصا في العدد الثاني من جريدة السنة ص7:".. ماهي الوهابية التي تصورها المتخيلون أم صورها لهم المجرمون بغير صورتها . أهي حزب سياسي أم هي مذهب ديني وعقيدة اسلامية . وإذا كانت الوهابية هي عبادة الله وحده بما شرعه لعباده فإنها هي مذهبنا وديننا وملتنا السمحة التي ندين بها وعليها نحيا وعليها نموت ونبعث ان شاء الله من الامنين".. ففي هذا الفقرة يصور الشيخ المخالفين للوهابية بـ (المجرمين)...!

وأثنى في نص آخر على مؤسس الوهابية قائلا: " انما كانت غاية ابن عبد الوهاب تطهير الدين من كل ما أحدث فيه المحدثون من البدع في الأقوال والأعمال والعقائد والرجوع بالمسلمين الى الصراط السوي من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير وزيغهم المبين... "

وفي موضع آخر لما سئل رحمه الله :من هم الوهابيون؟ فقال :" قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية فتبعه عليها قوم فلقبوا بالوهابيين . لم يدع الى مذهب مستقل في الفقه فان اتباعه النجديين كانوا قبله ولا زالوا الى الآن بعده حنبليين يدرسون الفقه في كتب الحنابلة سنيين سلفيين أهل اثبات وتنزيه ".

ومن خلال ما ذكر، ندرك أن الشيخ ابن باديس - رحمه الله - لم يكن مولعا بالفكر الوهابي فحسب، بل كان مدافعا شرسا عنه، وربما يكون ذلك سببا في تورط أبنائنا من بعده في اعتناقهم لهذا الفكر والذود عنه.

فكر قال عنه عدنان ابراهيم .." أنه فكر الخوارج، تسبب في ذبح الألوف من المسلمين، وابن عبد الوهاب أحد الغلاة المتشددين والمكفرين، ينعت كتب الفقه بالشرك.."

ووصفه علي الشعيبي قائلا: "الدين الوهابي ألغى مكانة النبي العظيمة بين المسلمين، وجعلها أقل من عادية "

كل الدلائل التاريخية تثبت أن الفكر الوهابي هدم بيت الرسول محمد (ص) الذي ولد فيه وبنوا فوقه مراحيض، لأنه - بحسبهم - صنم يقدسه المسلمون، وهدم بيت أبي بكر في المدينة وفي مكة ودار حمزة  ودار الأرقم وطمس كل مقابر البقيع وسواها بالأرض حتى أصبح لا يعرف قبر صحابي من آخر، وفي نفس الوقت أبقوا الى اليوم على حصن خيبر (اليهودي) وأحاطوه بأسلاك شائكة على أنه أثر، ويعاقب كل من تسول له نفسه الاقتراب منه أو مسه بسوء أو أذى..!

ولمن لا يعرف الوهابية، فليقرأ  كتبهم التي تقول: " من دخل في دعوتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ومن لم يدخل فهو كافر حلال الدم والمال ".!!، ولينظر الى فكرهم الذي أنتج القاعدة وداعش وقضى على كل ما هو انساني في الدين الاسلامي..

 

بقلم/ وردة بية

 

مترجم جديد في قبيلتنا

المقدمة التي كتبتها لديوان الشاعر الروسي ايفان بونين بترجمة حسين الشويلي عن الروسية، والذي صدر في بغداد هذا العام (2016) بعنوان- ألست أنت كنت الملاك .

 

 كانت القبائل العربية تحتفل بشكل مهيب عند ظهور شاعر في القبيلة، لانه  سيكون لسان حالها امام الشعوب والقبائل الاخرى (ليتعارفوا !) . نحن ايضا – قبيلة اللغة الروسية وآدابها في العراق، يجب ان نحتفل بميلاد كل مترجم  يظهر في قبيلتنا،  خصوصا وانهم نادرون وقليلون مع الاسف رغم ان قبيلتنا الآن اصبحت كبيرة  او حتى مترهلة  (كما يقولون !) . لهذا فانا اشعر بالفرح والغبطة الان لميلاد المترجم حسين في قبيلتنا  باعتباري احد افراد تلك  القبيلة  العراقية، هذه القبيلة التي ولدت في 1/12/1958 بمعهد اللغات العالي في بناية  دار المعلمين العالية العتيدة في الوزيرية في عاصمتنا الحبيبة بغداد، باقتراح وبمبادرة من المرحوم الدكتور حمدي يونس –  استاذنا وعميد معهدنا آنذاك، العميد المحبوب والمرح والشفاف مثل الكريستال والعميق  مثل بئر الماء الصافي الذي يسقي الجميع بلا استثناء، و العميد - الشيخ المنسي حاليا مع شديد الاسف  .

لقد برز المترجم الشاب حسين في الآونة الاخيرة، ولفت اليه الانظار بمحاولاته الغريبة، اذ انه بدأ يكتب الشعر بالروسية مباشرة، محاولا محاكاة كبار الشعراء الروس، وكان الحزن العميق (والكئيب!) موضوعه المفضل والاثير جدا، وتذكرٌت - عندئذ- الفنانين التشكيليين الشباب، الذين يحاولون محاكاة اللوحات الشهيرة لكبار الفنانين التشكيليين وتقليدها في بداية مسيرتهم الفنية . لقد كنت اتابع طريق حسين الابداعي هذا (باعتباري احد رجالات القبيلة!) وحاولت ان اثنيه  - برقة وبشكل غير مباشر طبعا - عن ذلك، لأني أعتقد وأؤمن واؤكد على ان الشاعر يحتاج اولا واخيرا الى لغته الام للتعبير عن احاسيسه، ولكن حسين كان يؤكد لي دائما انه يكتب بالروسية بشكل سهل، فاقترحت عليه – كحل وسط - ان يترجم الشعر الروسي الى العربية لأنه لن يصل الى القارئ الروسي ابدا بقصائده تلك، بينما يستطيع الوصول الى القارئ العربي بترجماته حتما، وان مهمته وقيمته واهميته تكمن في ذلك، اذ لا قيمة لاي نتاج ادبي دون التفاعل الحي مع القارئ  ومع المجتمع  طبعا.  وكم انا سعيد لأن حسين  بدأ فعلا – وبالتدريج - بترجمة الشعر الروسي الى العربية، وقد اطلعت على تلك الترجمات في حينها ومنحتها (باعتباري معلما عتيقا !) درجة الامتياز اعجابا بها اولا وحبا وتشجيعا له ثانيا (يتذٌكر طلبتي باني لم أكن معقٌدا في منحي للدرجات !). وهكذا  بدأ حسين ينشر تلك الترجمات، وبدأ اسمه يبرز في هذا العالم الجديد والجميل رغم كل الملاحظات هنا وهناك بشأن تلك الترجمات . ومن جملة تلك الملاحظات، ان حسين متسرع بترجماته، وانه يميل في تلك العجالة الى الترجمة الحرفية بعض الاحيان (اؤكد على ذلك، اي بعض الاحيان) دون ان يدع القصيدة تنضج على نار هادئة، وبالتالي يبتعد عن الترجمة الفنية الرشيقة المطلوبة، التي تصيغ النص المترجم صياغة شعرية وبهدوء، كي لا تفقد القصيدة رونقها الموسيقي والبناء الشعري الجميل لها، اي ان تبقى القصيدة المترجمة قصيدة حقيقية  بكل معنى الكلمة،  وليس مجرد ترتيب لمعاني مفرداتها ليس الا، وما أصعب هذه المهمة طبعا امام مترجمي الشعر، واعلن رأسا ان المترجم حسين قد قام بهذه المهمة هنا كما يجب، واستطاع ان يقدم للقارئ العربي - وبابداع – جوهر الشاعر بونين وصوره  الجميلة والرقيقة للطبيعة وكيف يتقبلها الشاعر  .  ولا اريد ان اطيل، واترككم مع (.. الضباب الذي غدا اكثر بياضا في الوهاد والمروج عند نافذة بونين المليئة برائحة (اقصد عطر) عبير الربيع، حيث ينتظر الشاعر شروق الضياء واحمرار الغروب وراء السهوب، كي يهرب وحيدا الى الغابات، من جراء الطيش والكذب، ليستنشق الهواء الرطب، ثم يذهب في منتصف الليل كي يرى كيف تحرس نجوم السماء بحار الارض، ثم يتذٌكر الفراش الدافئ والمصباح في عتمة الزاوية وظلال المصابيح وظهور الملائكة ...).

هنيئا لقبيلتنا العراقية - الروسية بميلاد المترجم الحقيقي حسين، وهنيئا لبونين الشاعر، الذي قدمه حسين للقارئ العربي بهذه الصيغة الرشيقة . ونحن – القراء - ننتظر المزيد من ابداعاتك يا ابا علي ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

في حضرة ناظم حكمت

jawdat hoshyarاذا كانت إيطاليا بلد الفنون التشكيلية، وألمانيا بلد الموسيقى، فإن روسيا بلد الشعر .. فقد كان الشعر على مدى مئات السنين أحد أهم روافد الثقافة الروحية للشخصية الروسية . وحين يجتمع عدد من الأصدقاء أو الزملاء - سواء في مناسبة عائلية، أو حول موقد النار في أعماق الغابة الروسية الساحرة في سفرة استجمام أو في بعثة جيولوجية – فأن الحديث لا يخلو عن الشعر والشعراء وقد يصاحبه العزف على الغيتار . ولا يقتصر الأمر على الشعراء الروس، بل يرددون أحياناً أبيات من قصائد كبار الشعراء الأجانب مترجما الى اللغة الروسية شعراً. كم مرة سمعت في موسكو يرددون بعض أبيات شعر الشاعر التركي العظيم ناظم حكمت .

" أجمل الأيام، تلك التي لم نعشها بعد

أجمل البحار، تلك التي لم نبحر فيها بعد

 أجمل الأطفال، هم الذين لم يولدوا بعد

 أجمل الزهور، تلك التي لم نرها بعد

 أجمل الكلمات، تلك التي لم أقلها لكِ بعد

 وأجمل القصائد، تلك التي لم أكتبها بعد."

 ورغم أنني كنت وما أزال من عشاق شعر ومسرح ناظم حكمت، وقرأت كل ما ترجم منها الى اللغة العربية، غير أني سمعت تلك الأبيات لأول مرة،  من فتاة روسية - ونحن على ظهر باخرة سياحية في صيف عام 1961 ضمن مجموعة طلابية من جامعتنا، في ليلة صيف روسية بيضاء، حين يظل الأفق مضيئا طوال الليل .

قضى حكمت حوالي 17 سنة في السجون التركية بسبب شعره الأنساني الجميل التي فسرته السلطة كشعر ثوري يروج للشيوعية . وفي اوائل 1951 أعلن الشاعر المشرف علىى الموت بسبب عجز في القلب، الأضراب عن الطعام مطالباً بإطلاق سراحه . ولكن السلطة ظلت صمّاء . وكان حكمت آنذاك في حوالي الخمسين من العمر، وأشهر شاعر تركي في داخل تركيا وخارجها .وخلال فترة الأضراب حاز على جائزة مجلس السلم العالمي وانتخب على إثرها نائباً لرئيس المجلس . واثيرت ضجة عالمية وطالب  كبار الكتّاب والشعراء والفلاسفة والمفكرين والفنانين في شتى انحاء العالم بضمنهم سارتر وأراغون ونيرودا وبيكاسو باطلاق سراحه .وقد اضطرت السلطة تحت ضغط الرأي العام العالمي الى الأستجابة لهذا المطلب، ولكن وضعته  تحت الأقامة الجبرية والمراقبة . ثم تم استدعاؤه لأداء الخدمة الألزامية في الجيش، رغم أنه كان مريضاً، وسبق اعفائه من التجنيد لأسباب صحية  . وكان الهدف من وراء هذا الأستدعاء واضحاً وهو القضاء عليه، عن طريق ما تتطلبه الخدمة الألزامية من تدريب عنيف . ولم يكن أمامه سوى الهروب من تركيا واللجؤ الى الأتحاد السوفييتي في حزيران 1951.

 شهرة حكمت سبقته الى موسكو حيث ترجمت قصائده  الى اللغة الروسية ونشرت على نطاق واسع منذ الثلاثينات من القرن العشرين، وعرضت مسرحياته على مسارح موسكو وليننغراد وبقدومه الى موسكو أصبح على الفور محط أنظار الأوساط الأدبية في الأتحاد السوفييتي، وقام برحلات  كثيرة الى شتى بلدان العالم .

لم تكن الحياة سهلة في الأتحاد السوفييتي في أوائل الخمسينات وأصيب بخيبة أمل في النظام الأشتراكي على النمط الستاليني، ولم يكن يتوقع ان تكون الحياة في بلد إشتراكي بهذا البؤس،  فقد اختفىت تلك الأجواء الفنية والأدبية المفعمة بالتجديد والأبداع الحقيقى الذي كان سائدا حينما كان طالبا في موسكو في العشرينات. واختفى اصدقاؤه من الكتاب والشعراء والمسرحيين والفنانين الذين عرفهم في شبابه . منهم من تمت تصفيته ومنهم من كان يقضي سنوات السجن في معسكرات الأعتقال الرهيبة . وكان يزعجه ذكر اسم ستالين في قصائد الشعراء الروس (الرسميين) من دون مسوغ فني والتشويه المتعمد لقصائده المترجمة الى اللغة الروسية، وصور ستالين في كل مكان .

 ذات مرة قال حكمت لصديقه الكاتب والشاعر ايليا اهرنبورغ :" إنني احترم جداً الرفيق ستالين، ولكنني لا أحتمل القصائد التي تقارنه بالشمس . هذه ليست قصائد سيئة فقط، بل تنم عن ذوق سيء ."

في شباط عام 1953 أصيب حكمت بأزمة قلبية وظل طريح الفراش في حالة حرجة لعدة أسابيع . وتقول الطبيبة التي كانت تعالجه، وأصبحت في ما بعد على علاقة حميمة معه :" لقد نجا حكمت بأعجوبة اذا أخذنا بنظر الأعتبار مستوى الطب في ذلك الوقت " .

صراحة غير معهودة :

في أوائل الستينات- في فترة ذوبان الجليد . هبت رياح التغيير على روسيا في كافة مجالات الحياة، وشرع الروس بفتح ابواب الستار الحديدي أمام الأجانب وخاصة الطلبة من بلدان العالم الثالث ومنها العراق . لم يكن يمر اسبوع دون أن احضر أمسية شعرية أو أدبية في هذه القاعة أو تلك . ولن أنسى ما حييت أمسية أقيمت لناظم حكمت في 18 تشرين الثاني 1961 في متحف (ماياكوفسكي) . (وأنا أنقل هنا ما كتبته في دفتر يومياتي في ساعة متأخرة من تلك الليلة بعد رجوعي الي المدينة الجامعية حيث كنت أسكن) .  كان الأزدحام شديداً واغتصت القاعة الصغيرة والممرات بعشاق الشعر . وقف الشاعر امام الجمهور المتلهف لشعره، فارع القامة، أشقر الشعر، وعيناه الزرقاوان تلمعان ويبدو مفعماً بالحيوية وعلامات الرضى على محياه ، قال الشاعر:

- أيها الرفاق!  أتذكر جيدا تلك الأمسية الشعرية في قاعة البولوتكنيك، التي حضرتها بصحبة ماياكوفسكي  وقرأت شيئا من شعري لأول مرة أمام الجمهور الموسكوبي .كنت في التاسعة عشرة من عمري، مرتعباً من قراءة شعري باللغة التركية، ومتردداً جداً . ولكن ماياكوفسكي دفعني وقال :" تعال ايها التركي، لا تخف . على اية حال  لن يفهموا شيئا، ولكنهم سيصفقون لك، لأنك شاعر ثوري .حقاً لم بفهموا شيئاً من شعري ولكنهم صفقوا لي بحرارة، وكان ذلك أول تصفيق لي هنا . درست في موسكو وقضيت فيها  أجمل سنوات شبابي . وفيها أحببت وكتبت شعراً حقيقياً لأول مرة . رأيت في موسكو (الأوبرا). وتعلمت الكثير والكثير من الأشياء لأول مرة هنا . تعرفت على مترجم اشعاري، الشاعر أدوارد باغريتسكي، ولهذا أعتبر نفسي موسكوبياً قديماً . سأبلغ الستين من العمر قريباً . أحاول كتابة الشعر والمسرحيات ورواية واحدة . ربما سأنجح في كتابة الشعر، وستكون مسرحيتي سيئة، وسأفشل في كتابة الرواية .

- ضحك في القاعة !

- والآن أسأل زملائي الشعراء المترجمين قراءة ما كتبته من قصائد في الآونة الأخيرة . وكأنها تقريري المقدم اليكم . ولكن قبل ذلك أريد أن أقرأ عليكم احدى قصائدي باللغة التركية وهي بعنوان  (بحر قزوين) . هل أنتم موافقون؟ . عندما يطلب مني قراءة شيء من شعري أمام الجمهور أختار هذه القصيدة القديمة لأنني لا أحفظ غيرها عن ظهر قلب . هذا اولاً، ولأنها أسهل فهما من حيث الأيقاع ثانياً . الآن أنا لا اكتب مثل هذا الشعر . كنت اكتب هكذا عندما كنت في العشرين من عمري ".

كان كل من في القاعة يصغي بأنتباه وهم يحبسون أنفاسهم . وعندما انهي الشاعر كلامه،  دوت عاصفة من التصفيق المتواصل .

ثم قرأت الشاعرة المترجمة (فيرا بافلوفا) مقاطع من مسرحية حكمت (البانوراما الأنسانية) . القاعة صامتة . لا نأمة ولا سعال، ولا صوت تحريك مقعد .

 قال الشاعر : " استلمت الآن ورقة من احد الحاضرين يقول فيها: " الرفيق ناظم، نحن نحبك جداً، ولهذا جئنا لنستمع الى أشعارك الرائعة، ولنعرف رأيك في المسرح وعن حال الفن اليوم عموماً ."

ناظم حكمت: " بعد المؤتمر العشرين فتحت النوافذ على الحياة الثقافية في روسيا – هذه حقيقة ! ولكن ظهرت على هذه النوافذ مشبكات مختلفة في الآونة الأخيرة - هل هذا أمر طبيعي؟ الجديد سينتصر حتماً .أنا متأكد من ذلك . وبالنسبة الى المسرح أيضاً . لقد شاهدت العصر الذهبي للمسرح السوفييتي، قبل اربعين عاماً، وعندما عدت الى موسكو في عام 1951، وجدت ان كل المسارح كأنها تطبق نظرية ستانيسلافسكي، ولكن شيء ما قد اختفى منها، ولا وجود لروح ستانيسلافسكي فيها  . واتضح ان المخرجين اللامباليين او غير الموهوبين يستخرجون نظرية ستانيسلافسكي من الخزانة كعمامة معقمة بالنفتالين .

في يدي ورقة أخري، ولكني أريد أن أرى الشخص الذي يسألني، لأن هذه مجرد ورقة . تسألون عن الفن التشكيلي .! . يبدو لي أن هذا الفن عالمي أكثر من أي فن آخر، لأنه لا يحتاج الى الترجمة، كما يحتاج  الشعر .  قد يكون الشعر المترجم جيداً أو سيئاً، أما الفن التشكيلي فانه لا يحتاج الى الترجمة . لدينا في روسيا الكثير من الفنانين التشكيليين الشباب الموهوبين جداً، ولكن كل الطرق مسدودة أمامهم، وهم لا يستطيعون عرض لوحاتهم هنا أو في الخارج، وليس بوسعهم حتى الحصول على الكتب الغربية عن الفن التشكيلي الحديث. البيروقراطيون يعتقدون ان الموهبة ليس بالأمر المهم، وان المواهب غالباً ما تظهر بكثرة، ولذا يمكن التعامل معها بخشونة . هذه هي جريمة الجهلة . الموهبة بحاجة الى المساعدة والرعاية وهي  تضيع من دونهما . لا ينبغي الزعل من البيروقراطيين ومن السلطة . في البحر الأسود نوع من الأسماك القوية، ومن الصعب جدا اصطيادها . ولكن الصيادين يضربونها على خَيْشُومَها فتزعل، وبذلك يسهل اصطيادها . أنفي كبير والحمد لله . ومهما تلقيت من ضربات على أنفي فانني اواصل الكتابة . "

ثم تحدث الشاعر عن منع عرض الكثير من مسرحياته في الأتحاد السوفييتي رغم انها تعرض بنجاح في العواصم الغربية ومنها  مسرحية " وهل كان هناك ايفان ايفانوفيتش ؟ ". وقال حكمت : " كلما سألت احدا من أصدقائي عن السبب، لا أتلقى جواباً . كان يمكن أن أستاء وأتوقف عن الكتابة ولكنني واصلت الكتابة وكتبت بعدها مسرحية " أن تكون أو لا تكون " وهي مسرحية جادة للغاية . كتبتها وأنا افكر في مصير صديقي الكساندر فادييف وغيرها  كثير . اذا كنتَ حقاً كاتباً فلن تتوقف عن الكتابة . جلبت لي زوجة بولغاكوف روايته " المعلم ومرجريتا " وعدة مخطوطات أخرى له. نتاجاته ممنوعة من النشر أيضاً، ولكنني على ثقة أن اولادكم سيقرؤن نتاجات بولغاكوف الممتازة وستدخل ضمن المقرر الدراسي في المدارس في زمن احفادكم مثل نتاجات بوشكين ودوستويفسكي ."

رأيت ناظم حكمت للمرة الأخيرة في بيت الأدباء ( مقر اتحاد الكتاب السوفييت ) عام 1962،  في امسية مكرسة للأحتفال بالذكرى االستين لميلاده. جلس الشاعر على منصة الرئاسة وبجانبه الكاتب العالمي ايليا اهرنبورغ - الذي قدمه للحضور – اضافة الى بعض الشعراء الروس المشهورين .

. كان ناظم حكمت يبدو مرهقاً ولكن سعيداً في الوقت ذاته . كانت القاعة تغص بمئات الأدباء والمثقفين ارتجل اهرنبورغ كلمة قصيرة هزت مشاعر الحضور، وتقدم ناظم ليلقي قصائده باللغة التركية، كما فعل ذلك قبل اربعين عاما في قاعة البولوتيكنيك  - ولكن هذه المرة كانت قصائده مترجمة الى الروسية مسبقاً -   حيث يأتي بعده شاعر روسي مشهور ليلقي القصيدة ذاتها باللغة الروسية . وكان قد كتب قصيدة لمناسبة بلوغه الستين، تحت عنوان " رؤيا" . وجاء صوته رخيماً وعذباً، يشوبه بعض الحزن والأسى:

أنا الآن في الستين

 لم أكن أبلغ العشرين

 حينما رأيت حلماً

 وما زلت أراه كل حين

 أراه صيفاً

 أراه شتاءاً

 حينما يهطل المطر

 وحينما تتلبد السماء بالغيوم

 أستيقظ في هذا الحلم وأحيا

  وأقتفي اثره

 ما الذي لم يحرمني منه الفراق ؟

 إنتزع مني الأماني – بالكيلومترات

 والأسى بالأطنان

 شعر رأسي

 والأيادي التي صافحتها

 غير أني لم أفارق حلمي وحده

 تجولت في حلمي

 في أوروبا

 في آسيا

 في أفريقيا

 الأميركان وحدهم

 منعوني من الدخول

 أحببت كثيراً من الناس في حلمي

 من البحار

 من الجبال

 من السهول

 دهشت لأشياء كثيرة !

كان حلمي في السجن – نور الحرية

 وفي المنفى - تابل خبزي

 ومع إشراقة كل يوم

 مع أول خيوط الضياء

  كان حلمي – الحرية العظيمة لبلادي.

توفي ناظم حكمت في صبيحة يوم الثالث من حزيران 1963 عندما كان يمد يده الى صندوق البريد قرب باب شقته ليتناول جرائد الصباح التي كان مشتركاً بهاً، نقل جثمانه الى القاعة ذاتها التي شهدت الأحتفال بالذكرى الستين لمولده، وجاءت جماهير غفيرة لألقاء النظرة الأخيرة عليه، ودفن في مقبرة العظماء في موسكو . وضريحه منحوتة على شكل انسان يحمل على ظهره صخرة كبيرة ترمز الى تركيا التي حملها معه اينما حل وعاش . هي من ابداع الفنان العالمي مارك شاغال. كلما زرت موسكو اقف خاشعاً امام ضريح ناظم حكمت، واشاهد كيف ان الناس من مختلف الجنسيات يضعون باقات الورود عليه وهم يقفون خاشعين، وربما يرددون بينهم وبين أنفسهم بعض ابيات شعره السهل الممتنع .

في عام 2009 قررت الحكومة التركية اعادة الجنسية التركية الى شاعرها العظيم بعد اسقاطها عنه اثر لجوئه الى روسيا  . وعاد شعره المحظور سابقاً الى الجمهور التركي مجدداً، وحتى الرئيس التركي أردوغان يردد في خطبه احياناً ابياتا من شعره الجميل . احدث ناظم حكمت ثورة حقيقية في الشعر التركي محطماً القيود التقليدية التي كانت تكبله،  وقد اسبغ النقاد عليه لقب (بوشكين التركي) . تأثر العديد من الشعراء العرب بشعر ناظم حكمت منهم عبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري ونزار قباني ومحمود درويش .

 

 

بمناسبة الذكرى الرابعة لرحيله .. محمود صبري بعيدا عن السياسة والفن

rawaa jasaniنشر، وكتبَ، اهلٌ واصحاب ومثقفون ومتابعون - وما برحوا- الكثير الكثير،  عن محطات تاريخية في حياة محمود صبري، ومواهبه وفكره ومنجزه، الفني والثقافي والسياسي، الثري... ولكن دعوني - في ذكرى رحيله الرابعة التي تصادف الثالث عشر من نيسان الحالي- احدثكم عن لمحات من نهار وليل تقليديين في حياة ذلك العبقري، وبما قد يسهم في ان تكتمل الصورة النيّرة عنه كما أزعم، لما فيها من اشارات ومؤشرات تتشابك لتضئ انسانية رجل متفرد، وقد "قلّ الرجالُ فقيلَ: ذا رجلُ" ..

 

** ليالٍ ونهارات

يبدأ نهار محمود صبري، التقليدي متأخرا بعض الوقت، إذ يسهر غالباً ما بين قلمه وفرشاته وأفكاره وعوالمه المتألقة، وعادة ما يكون إفطاره بسيطاَ، يحضره بنفسه عجولاَ، ثم يستمر بمتابعة الاخبار، وجلها من اذاعات تبث بالانجليزية، مبتعداَ عن الضجيج الاعلامي العربي ... دعوا عنكم مجافاته للتلفزيون الذي لم يكن ذا صحبة معه، بل ولم يضمه اثاث شقته ذات الغرفتين، المتواضعة والانيقة في آن، والتي عاش فيها-  المفكر والفنان العراقي الوطني، الكبير، صاحب نظرية "واقعية الكم"- طوال عقود، في الدائرة العاشرة من العاصمة التشيكية – براغ..

ولأن الرجل يتابع شؤونه لوحده، ويجهد ألاّ يكلفُ احد بها- الا في ضروريات لا حول له بها، خاصة وان لغته التشيكية ليست بالكافية - لذلك كان في "الظهريات" يراجع البريد، ويتسوق لمتطلبات البيت التقليدية، ويعود لمواصلة البحث والقراءة والترجمة، والغوص في الكتب والمصادر الفكرية – الفلسفية في الغالب الاعم .

ولأنه نباتي، فلم يغرق في "هموم" الغداء والعشاء وما بينهما، مكتفياً بالفاكهة والخضار ومشتقات الالبان، وبعض الحلوى. ولكن دون الاستغناء عن الشاي المرادف، وعلى طريقته الخاصة .. وهكذا كان يستغل اقصى ما استطاع من وقت للبحث والعطاء.

والرجل قليل الزيارات، وخاصة في الاعوام العشرين الاخيرة من حياته الزاخرة، ولا ابالغ فأقول بأنها بقيّت اكثر من محدودة. وكذلك كانت الحال بشأن استقباله للزائرين والضيوف، مع الاستثناءات طبعاً للقريبين والمقربين، ومن المختارين الذين يظنهم بعيدين عن الضجة والضجيج، وعن الكلام والاحاديث المكرورة المملة، ثقافية كانت أو سياسية، وعداهما.... ولكنه وفي نفس الوقت، ما اجلّه في تعقب واحترام المناسبات الخاصة والشخصية للاصدقاء والمعارف، وحتى غيرهم، المفرحة منها والمحزنة .

ولاغراض التريض، وتغيير الاجواء، كان محمود صبري يحب التمشي طويلاً، وفي المساحات الخضراء عادة ، وحتى لساعتين متواصلتين احياناً. وقد "تورطت" معه اكثر من مرة، حين كان ذلكم الثمانيني مسترسلاً في متعته، وانا ذو الخمسين الى جانبه، الهث للحاق به!!! .. حتى بدأت اهرب من ذلك التقليد، لنستعيض عنه بجلسة مقهى هنا، أو رحلات قصيرة بالسيارة، هناك.

 

شخصيات وخصوصيات

وأذ تستدرجني الكتابة، وتتشابك اليوميات والذكريات، بشؤون اخرى، فلأحدثكم عن بعض السمات الشخصية للراحل الجليل، المرادفة للممتلئين وحسب. ومن ذلك تواضعه الجم مع الكبير والصغير، النابه والبسيط، القريب والبعيد. وكم من المرات أخجلَ الاخرين بتلكم الصفة الاستثناء، النابعة باقتناع دون تصنع أو ادعاء....

كما اشهد هنا بأني لم اسمع من الرجل، ولأزيد من ربع قرن من الرفقة والمرافقة شبه الاسبوعية، ولا كلمة سوء عن احد، ولا انتقادا او نقدا شخصيا. سوى حوارات وجدل دقيق حريص، عميق متأصل. ولقد حاولت، فعجزت، وأنا في خضم هذه التأرخة العجلى، أن استذكر ولو مشاركة كتابية واحدة لمحمود صبري، تُشمُّ منها قسوة او مغالاة أو يُلاحظ فيها تشددٌ شخصي....

غير ان ذلكم الثبات اعلاه، غير مشمول، طبعاً، في ما يتعلق بالجوانب الفلسفية والفكرية، والوطنية، التي لا مساومة او تردد لديه بشأنها. ومن يريد دليلاً، واحدا على الاقل، فليعد لدراسةٍ لم تتكرر كما أدعي، حول المقارنة بين "العفلقية والفاشية" نشرها الفقيد الرائد، سنتي 1963و1964 على صفحات ثلاثة اعداد من مجلة "الغد" التي اصدرتها في براغ، اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، برئاسة الجواهري الكبير، والتي تشكلت بعيّد الانقلاب البعثي الدموي الاول في شباط 1963. وقد كان الرجل- محمود صبري- يشغل المسؤولية الفعلية عن تحريرها، بصفته عضوا في تلكم اللجنة العليا .

... ولأن الالتزام بالمواعيد، وبالوعود، ظاهرة حضارية، فمن الطبيعي تماماً ان تكون تلك من سمات محمود صبري. وهنا دعوني اتباهى مجدداً فأتحدث عن ايفاء الرجل بقراره في تبني مشروع "بابيلون" للثقافة والاعلام، الذي اطلقناه، أنا وعبد الاله النعيمي، أواخر العام 1990 ... فقد بقي الرجل راعياً معنوياً للمشروع، بل ومصمماً لابرز اصداراته الصحفية، وموجهاً له، وحتى الايام الاخيرة من رحيله الى عالم الخلود. وهكذا ما زال غلاف المجلة اليومية، ثم الاسبوعية، التي ما برحت تصدرها مؤسسة "بابيلون" منذ ازيد من ربع قرن، بأسم " انباء براغ"، يحمل ذات الغلاف الذي صدر به العدد الاول، بتصميم: محمود صبري .

والرجل أنيق ليس في كتاباته وأفكاره وفنه وقيمه، وحسب، بل اقترن كل ذلك بأناقته في الملبس والترتيب، وكيف لا وهو الفنان – الانسان. ولا تتخيلوا ان تلكم الاناقة، والمظهر، نتيجة ثياب ممهورة بغالٍ أونفيس، كما يفعل الاخرون! .. فبكل بساطة كان يلبس محمود صبري، ولكن بذوق وتناسق. وقبل ان انسى لا بد ان اضيف الى كل ذلك: أن الطبيعة قد حبته شكلاً وقواماً ممشوقاً، فارعاً، مما اضاف اليه وسامة متميزة، كما هو تميزه في عوالمه ومنجزه الثري.

أما عن أعتداد محمود صبري بعطائه، وشخصيته، فلا اظن أن أثنين من عارفيه يختلفان بأنموذجته في ذلكم الشأن، وليس من منطلق الغرور، أبداً، ولكن من فيض ثقته العميقة بالنفس، وقناعاته المستندة الى ما آمن به من مبادئ وأفكار وقيم. وكل ذلك بعيداً عن الاضواء، والبهرجة والافتعال. وهكذا بقي الفقيد مَحج الرواد، وكل ذوي الفهم والمعرفة، والعاملين في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والفن... وميادين الوطنية الحقة، وليست المدعاة!.

... ثم دعوني أتوقف أيضاً عند واحدة أخرى من مآثر محمود صبري، وتلكم هي عزوفه الراسخ عن شؤون ذاتية كم سعى ويسعى اليها آخرون... واعني هنا ابتعاده وحتى ايامه ألاخيرة عن الطلب أو المطالبة بحقوق وطنية وسياسية ووظيفية، إذ لم تَدر في خلده هموم الراتب التقاعدي، أو احتساب الفصل السياسي- دعوا عنكم الجهادي!!- بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق عام 2003 . وقد بقي الرجل خارج اللعبة، بعيداً عن لاعبيها، ومحترفيها، الذين نسوا أو تناسوا - مع أستثناء هنا وآخر هناك- احد ابرز رجالات العراق في القرن العشرين، فكراً وقيماً ومبادئ، ومواقف .

أخيرا، وكما هي عادتي في الاحتراز من مقصودين، أقول ان كل ما سبق من وقفات جاء عن معايشة مباشرة، على مدى ربع قرن، وكم يعجبني ان أتباهى بها، فكم مثل محمود صبري، كان، وكم بقي مثله، أو سيأتي؟... وأما قِيل:

يموتُ الخالدونَ بكل فجٍ، ويستعصي على الموتِ، الخلودُ؟!

 

رواء الجصاني

 

الاديب عطا ترزي باشي والرحيل بصمت

الشعب التوركماني شارك في الحركة الحضارية الانسانية في الشرق كمثيلاتها من شعوب الشرق لكن معظم علمائه وأدبائها غير معروفين لقارئ العربية. التوركمان من الشعوب التي جاءت الى العراق قبل اكثر من دهر من الزمان وهم الاقرب لغة وثقافة وعادات الى الاذريين منهم الى الشعب التركي الحديث في تركيا الحالية. كما هم الاقرب الى السلاجقة الذين دخلوا الدين الحنيف في الفترات الاولى لنزول الرسالة المحمدية وشاكوا في الدفاع عن ثغور الخلافة منذ الاف السنين.  شارك الشعب التوركماني في بناء دولة العراق الحديث منذ عام 1921 وكانت لها امارات ودول وحكمت العراق في فترات تاريخية عديدة. ورغم وجود العديد من الاراء حول اصولهم وانحدارهم الحقيقی تبقى لغتهم هوية متميزة بين الشعوب الناطقة بالارومة المغولية. التدين هو الصفة الاساسية لهذا الشعب وهم ينقسمون الى طائفتين اساسيتين السنة الحنفية و منهم من ينتمون الى المذهب الشيعي في مدن مثل تلعفر وخانقين ومندلي وطوز وداقوق وصولا الى الحاضرة كركوك.

طوقات محلسي وتسمى كذلك بريادي من المحلات العريقة والقديمة في كركوك وربما اولى المحلات التي شيدت خارج قلعة كركوك ويعتقد بان ابناها جائوا من مدينة طوقات في تركيا الحالية وقد عاش هنا معظم اجدادي ولا يزال مكان بيت جدي قائما لحد يومنا هذا. هنا وفي عام 1924 ولد المرحوم الكاتب والصحفي والباحث المحامي عطا ترزي باشي (في العربية رئيس الخياطين) من عائلة متدينة عريقة محبة للعلم والثقافة. شارك وبفعالية في الحياة الادبية والصحافة العراقية والعربية منذ عام 1946 وكتب بأسماء مستعارة كثيرة كما شارك في المؤتمرات الثقافية حيث قام بتقديم رموز وعادات وتقاليد التوركمان في محاضراته ومشاركاته . شارك في اصدار مجلة افاق وقارداشلق (الاخاء في العربية) وبشير. بقى ان نعرف بان المرحوم كان بعيدا كل البعد من الدخول في سجال ونقاشات ومحبا لابناء مدينته وقد كان رحمه الله واعيا لأهمية التراث الشعبي لذلك قام بتوثيق التراث الشعبي للشعب التوركماني وبذلك قدم للأجيال خدمة كبيرة تاركا ورائه تراثا ادبيا انسانيا ورغم كونه ناسكا بعيدا عن الاضواء والإعلام الا انه التقى بالصحفي والاعلامي كوران فتحي كي يحدثه احلامه وبعض شجونه وقد كنت قد كتبت الى صديقي فتحي كي يسعفني ببعض ما قاله في ذلك اللقاء فرد مشكورا.

 عن اخر لقاء مع المرحوم فذكر لي مشكورا.

-انني لا استطيع اخفاء اعجابي بهذه الشخصية التي خدم مجال الصحافة والأدب والبحث في كركوك هذا اضافة الى خدماته في المجال الثقافي في المدينة مثل كتاباته عن المقامات والخوريات التركمانية في كركوك". اعتقدت ان ترزي باشي وبسبب كبر سنه لن يستطيع تحمل لقاء طويلا والتحدث كثيرا، ولكن تعدى اللقاء الساعتين، واستفدت فيها من تجاربه في الحياة والكتابة، ولكن طلب مني ان لا يكون اللقاء معه بأسلوب السؤال والجواب عازيا ذلك بأنه لايحبذ الاجابة  على الاسئلة محددة بل يسرد الحديث. يسرد المرحوم الكثير من ذكرياته عن الادب والادباء في كركوك موضحا الفرق الكبير بين ما كان فيه حرية الصحافة والنشر اليوم وفي تلك الاوقات التي انت فيها السلطات تعتقل الكتاب والادباء واحيانا تعدمهم لمجرد كتابة مقال سياسي او نقدي ولذلك توجه الكتاب الى الدول العربية الاخرى لنشر ابداعاتهم خاصة الى لبنان و مصر. الا انه ينتقد المستوى و النوعية الهابطة للكتابات الحديثة. المرحوم كان على دراية كاملة ويجيد اللغات الثلاث التي يتحدث بها اهل المدينة ، الكردية،العربية والتوركمانية طبعا.

يتحدث المرحوم بإسهاب ولهفة عن روح التسامح بين المكونات القومية للمدينة قديما والاختلاط والتزاوج والتناسب بين ابناء عوائل المدينة وذلك الحوار الحضاري بين تلك المكونات العقائدية والقومية. لكن الافكار القومية السلبية وانشارها ابين ابناء المدينة ابان الحرب العالمية الاولى ادى الى ظهور شرخ كبير في التركيبة الاجتماعية للمدينة.

لم ينسى المرحوم في هذا اللقاء ابداء اعجابه للمقامات الكوردية واصوات المطربين امثال علي مردان كما انه كان مغرما بالشاعر الشيخ رضا الطالباني ويعتبره من اهم شعراء العراق وقد نشر حديثا في ثلاث اجزء اشعار الطالباني المدونة بالتركية واسهب في ذكر العديد من وجوه المدينة من الادباء ذاكرا مكانة الصحفي رفيق حلمي

 

 

أصدر الكاتب العديد من المؤلفات التي تعتبر مراجع مهمة وتوثيقي للتراث الشعبي التوركماني.

موسوعة شعراء كركوك ـ كركوك شاعرلرى في 12 جزاء.

كتاب كركوكده اسكيلر سوزى ،الأمثال الشعبية في كركوك

كتاب أغاني كركوك خويرات كركوك في ثلاث اجزاء سنوات 1955،1056 و عام 1957.

كتاب تعلیقات علی التعلیقات الوافیه‌ ، عام 1954.

عراق توكمنلری اراسنده‌ یاغمور دعاسی 1976. 

اربيل شاعرلاري 2005.

كتاب حكاية ارزى وقنبر ـ ارزى قنبر مطالى طبع الكتاب في العراق عام1964  وإيران وأذربيجان وتركيا، كما ترجم إلى الفرنسية عن طريق العزيزة سومر مردان في منفاها في سويسرا.

 اصدر كتابة التوثيقي كركوكده باصين ومطبوعات تاريخي، تاريخ الصحافة والمطبوعات في كركوك بين اعوام 1879 ـ 1985 ـ 2001.

 أصدرت مجلة (قارداشلق) التي تصدر باستانبول من قبل وقف كركوك عددا خاصا عنه بمناسبة بلوغه الثمانين من عمره المديد.

كتاب كركوكده‌ عمارت واسیسلرك منظوم تاریخلری 2005  .

كتاب توركمان كیشكۆلۆ 2007 كما أصدر الباحث آيدن كركوك كتابا عنه بعنوان عطا ترزي باشي، حياته ومؤلفاته.

 

برحيل هذا الكاتب الكبير تفقد الثقافة الرافيدنية علما من اعلامها الكرام في زمن بات الثقافة عملة نادرة والمثقفين لا يزالون في زحمة الزمن يناضلون من اجل ان يتركوا |اثرا على رمال الزمن| سلاما الى ارواحكم اينما كنتم

 

توفيق آلتونچي

 

كنت في بيت غوركي بموسكو

في الطريق الى بيت مكسيم غوركي في موسكو(الذي تحول الان الى متحف) تذكرت مسيرتي الشخصية نحوه، و طريقي الذاتي اليه، منذ ان حصلت – وبصعوبة ومجازفة وخطورة – على روايته (الام) عندما كنت في الصف الثاني المتوسط ببغداد قبل حوالي ستين سنة، والى نقاشاتي الحادة (والساذجة معا !) مع المرحوم الاستاذ مراد غالب سفير مصر في موسكو عام 1962 عندما أخبرته برغبتي ان أدرس واتخصص باديب (الواقعية الاشتراكية غوركي) في كلية الآداب بجامعة موسكو، وكيف كان السفير مراد غالب يناقشني بهدوء ودبلوماسية وهو يبتسم حول ذلك ويشرح لي موقع غوركي الحقيقي في مسيرة الادب الروسي (انظر مقالتي بعنوان – غوركي ومراد غالب) . وتذكرت كذلك كيف قمت بتدريس تلاميذ الصف العاشر في احدى المدارس السوفيتية آنذاك ضمن تطبيقات التخرج من الجامعة، وكانت مادة الدرس ذاك – (بافل فلاسوف - بطل رواية الام لغوركي)، وكيف تعثٌر التلاميذ في اجاباتهم حول ذلك، والذي كان واضحا انهم لا يتقبلون هذا الموضوع كما يجب، وكيف اضطررت ان الومهم بشدة واحكي لهم قصة العراقيين مع هذه الرواية وبطلها وقصتي انا شخصيا عندما قرأتها في تلك السنين الخوالي . وتذكرت طبعا اسماء بعض الادباء العراقيين المعروفين، الذين كانوا يحاولون محاكاة (ولا أقول تقليد) غوركي وطبيعة كتاباته.....

وهكذا وصلت الى البيت المهيب، الذي أهدته الدولة السوفيتية برئاسة ستالين الى مكسيم غوركي، كي لا يعود الى ايطاليا، اذ لم يكن يمتلك غوركي مكانا للسكن في موسكو. لقد بنى المليونير الروسي ريابوشينسكي هذا القصر عام 1902 وسكن فيه الى عام 1917، وترك روسيا مع عائلته عندما حدثت ثورة اكتوبر، واصبح القصر ضمن املاك الدولة السوفيتية، وشغلته عدة مؤسسات سوفيتية منها جمعية الاتصال الثقافي مع الخارج، ثم معهد علمي، ثم روضة للاطفال، واخيرا تم تخصيصه لغوركي وعائلته، وعندما توفي غوركي عام 1936 بقيت عائلته تسكن هناك، وأخذت زوجة ابنه تخطط لتحويله الى متحف خاص لغوركي والحفاظ على تراثه، وقد عرقلت الحرب العالمية الثانية طبعا تنفيذ هذه الخطة، ولكنها استمرت بتنفيذها، وهكذا تحول هذا البيت الفخم الى متحف غوركي عام 1965، وقد كان افتتاحه مناسبة كبيرة لمجئ كل اقارب غوركي من كثير من بلدان العالم، وشارك في حفل التدشين شخصيات رسمية وادبية كبيرة .

عندما دخلت الى المتحف واردت ان اشتري بطاقة الدخول كما هو متبع في المتاحف الروسية، فوجئت ان الشخص الجالس في المدخل قال لي ان زيارة متحف غوركي مجانا للجميع، وان الشرط الوحيد لدينا هو كتابة اسماء الزائرين ليس الا، اذ ان هذا المتحف هو الوحيد بين المتاحف الروسية الذي يضم اسماء الزائرين له قاطبة ومهنهم . ابتسمت أنا لهذه المفاجأة الجميلة وقلت له، اني سأكتب اسمي بالعربية والروسية، وهذا ما فعلته، وقد فرح مسؤول الاستعلامات وقال لي انه سيعرض ذلك بكل سرور لادارة المتحف . وهكذا بدأت زيارتي لبيت غوركي . دخلت الى غرفة سكرتير غوركي الانيقة، وشاهدت مكتبه وعدة اجهزة من التلفونات القديمة والاثاث المتواضع للضيوف، ثم دلفنا الى مكتب غوركي نفسه، وشاهدت المنضدة الواسعة جدا التي كان يجلس خلفها كل يوم من الصباح لاكمال روايته الملحمية (حياة كليم سامغين) وبقية نتاجاته ومراسلاته في اعوامه الاخيرة . كانت تلك المنضدة نسخة طبق الاصل من تلك المنضدة التي كانت عنده في ايطاليا – واسعة وبلا مجرٌات، وعليها العديد من الاقلام وقناني الحبر، وكانت هناك ورقة عليها خط غوركي الانيق والجميل جدا . شاهدت في تلك الغرفة مجموعة هائلة جدا من التماثيل العاجية الصغيرة والتي كان غوركي يحب جمعها من اليابان والصين، وهي مجموعة لا تضمها حتى المتاحف المتخصصة بتلك الاعمال الفنية، وتشغل مكانا كبيرا في دواليب خاصة ومعروضة بشكل جميل جدا . انتقلنا بعدئذ الى غرفة منامه المتواضعة، ثم الى باحة البيت، حيث شاهدنا السٌلٌم الى الطابق الثاني . يعد هذا السٌلم تحفة فنية، اذ ان المهندس المعماري واسمه سيختيل، الذي أشرف على تخطيط البيت، بنى سياج هذا السٌلم من المرمر على هيئة موجة من امواج البحر، وقد أدهشني بجماله لدرجة ان الشخص الموجود قربه لاحظ ذلك، واقترب منيٌ وقال لي، ان هذا السٌلم قد دخل ضمن الاعمال الفنية العالمية النادرة في الفن المعماري، واوصاني ان الاحظ الابواب والشبابيك في هذا البيت، والتي خططها و أشرف على تنفيذها المهندس المعماري سيختيل بنفسه . وفعلا بدأت الاحظ الابواب والشبابيك ووجدتها تجسٌد اعمالا فنية مدهشة الجمال وكل واحدة من تلك الابواب والشبابيك تمثٌل لوحات فنية قائمة بحد ذاتها، وخصوصا غرفة الطعام وسقفها، ومكتبة غوركي الغنية جدا بالكتب الروسية، وبحثت في تلك المكتبة عن كتب اجنبية ولكني لم أجد اي كتاب بلغات اخرى، ومن الواضح ان غوركي لم يكن يتقن اي لغة اجنبية . دخلنا بعد ذلك في غرفة خاصة للضيوف ووجدنا هناك اسماء كبار الزوار الذين زاروا غوركي ومنهم ستالين و الكاتب الفرنسي رومان رولان والكاتب الانكليزي برنارد شو وغيرهم .. ثم رأيت آخر ورقة صغيرة كتبها غوركي بيده، وهي موجودة على منضدة صغيرة ومحفوظة تحت قطعة من الزجاج، ويكتب غوركي هناك كلمات متشائمة نتيجة مرضه واحساسه باقتراب الموت، و اقدم للقارئ بعض ما جاء فيها – (...احساس غريب جدا...لا توجد لدي اي رغبة بالكلام، وأصل حتى الى الهذيان، وأشعر باني اتكلم دون ربط ... أشعر باني لن ابقى حيٌا ...لا أقدر ان انام او أقرأ...ولا اريد اي شئ .)

عندما خرجنا من بيت غوركي، بدأنا نتكلم عن انطباعاتنا بعد هذه الزيارة، فقال احدهم – لقد منح ستالين لغوركي قصرا مهيبا في محاولة لاغرائه ان يكتب عنه، كما كتب غوركي عن لينين، لكن غوركي تهرب من ذلك بمختلف الحجج، ولم يستطع ستالين ان يجبره على ذلك رغم انه قدٌم له هذا القصر الفخم لمليونير روسي قبل الثورة.  

 

أ.د. ضياء نافع

 

عن طهران وأبا ذر الثورة الإيرانية

قبل نصف قرن قيّض لي التعرف على إيران من الداخل، كنت هارباً من البعث والحرس القومي، ترى ماذا يكون مصير عضو إرتباط في الحزب الشيوعي العراقي لو وقع بأيدي الجلادين؟!

كنت وصديقي ورفيقي هادي السيد جايد في ضيافة حزب " تودة"، وزيادة في الحذر كانوا ينقلوننا من بيت إلى آخر، بحيث قيّض لنا التعرف على طهران من شمالها إلى جنوبها .

أول ما لاحظته أن طهران " طهرانان"، طهران الشمالية، وطهران الجنوبية، الأولى أقل تديناً وعصرية منفتحة، لاهية، متنعمة، تجد فيها كل شيء، بارات، ومراقص، ومسارح، وسينمات، ودور لهو بريء، وغير بريء، ونساء يتبخترن في الشوارع وهن يرتدين أحدث الموديلات، و(مشاهد أخرى سيحين وقت التحدث عنها)، وطهران جنوبية فقيرة على وجه العموم، متدينة بإفراط، لا تجد في شوارعها امرأة سافرة إلا ما ندر، فالشادور هنا متسيد بلا منازع، تتجاور فيها أحياناً الجوامع والحسينيات.

في طهران الشمالية قلما تجد من يتحدث العربية، اللغة الثانية بعد الفارسية هي الإنكليزية ، وفي طهران الجنوبية لا يتكلمون سوى الفارسية، ولا تعدم وجود من يتكلم العربية بطلاقة، مع وجود عوائل لا تتكلم داخل جدران البيوت إلا باللغة العربية.

عندما كنا في ضيافة أحد الدور في طهران الشمالية، تبين لنا فيما بعد إنها دار جلال رياحي، عضو اللجنة المركزية لحزب تودة، والمسؤول عن إذاعة" بيكي إيران" في برلين، الناطقة باسم حزب تودة والتي ستمنح حزبنا فيما بعد ساعة من البث، لبث " صوت الشعب العراقي"، تفطنت عرضاً للأسماء، كان إسم الولد الأكبر لجلال رياحي" أرجفان" ، وإسم الولد الثاني" كوماتا"، بعد التمحيص غير الدقيق أصبحت شبه متيقن أن الأسماء العربية والإسلامية هنا تشح، وتقل لحد الندرة، أكثر الأسماء شيوعاً " شيرين " للفتيات، و" فرهاد" للذكور، على عكس الوضع في طهران الجنوبية، حيث تشيع أسماء محمد، وعلي، وحسن وحسين، وموسى، وجعفر، وكاظم، ورضا، وعباس، إلى آخر الأسماء العربية للذكور، وفاطمة، وزينب، وخديجة، ورقية، ومعصومة، للأناث..

قادتني هذه الملاحظة للتوصل إلى إكتشاف أن بعض الطهرانيين الجنوبيين محب للعرب، ليس فقط عبر التسمي بأسمائهم، وإنما الفخر بالإنتساب لهم، على العكس مما يحدث في طهران الشمالية، حيث ينظرون بتعال إلى العرب، ويعدونهم "بدو همج"، ويرونهم السبب الأساس في تخلف إيران عبر العصور، وهم يعلنون عن إنبهارهم بالغرب وحبهم له، ويحسبون أنهم ينتسبون لهم عرقياً، فهم "آريون" مثلما الغربيون، في حين أن العرب "ساميون" !!

الشوارع، والأسماء، والعمارة، والولاء، والإنتماء، والشعائر، والممارسات، واللغة والمصطلحات، والأزياء، والإهتمامات، تشعرك أنك بإزاء عالمين مختلفين، لكنهما في عالم واحد، فطهران أولا وأخيراً طهران. 

من السهل جداً معرفة أن العلمانيين والليبراليين الإيرانيين، مثلما القوميين الإيرانيين، يحملون نظرة إزدراء للعرب، كل العرب، وهم يتجهون بإنظارهم إلى عالم آخر، بعيد، لكنهم يرونه الأقرب والأكثر إبهاراً، سواء كان غربي " رأسمالي" أو شرقي " إشتراكي " ، ولكن من الإنصاف القول أن الطهرانيين الآخرين، المؤمنين تحديداً، وإستعمل مفردة (الإسلاميين) بعد وضعها بين قوسين، على العكس من هذا فهم يرتبطون بالعرب إرتباطاً لا فكاك له، فمن العرب محمد، وعلي، والحسين، وعند العرب مكة، والمدينة، وكربلاء، والنجف، والقدس ( القدس وقتها ما زالت تحت حكم العرب).

شيء يمكن تلمسه، من دون الجزم فيه، أن اليسار في ذلك الوقت، (نحن نتحدث هنا عن اليسار، ولا يشمل هذا القوميين الفرس، فالقوميين الفرس كانوا تغريبين، أو مندفعين مع هوس آريا مهر شاهنشاه إيران  في إعادة مجد فارس التليد)، قد ضيَق الخندق الفاصل بينه وبين الإسلاميين، ربما بسبب العدو الرئيس، نظام الشاهنشاه، فجميعهم ضحايا السافاك وبطشه، كان اليسار وكذا الإسلاميون ينظرون بتقدير عال لبعض الرموز سواء المحلية كمصدق، أو الإقليمية كجمال عبد الناصر، وكانوا يتعاونون في مجالات شتى، ومنها على سبيل المثال فيما يتعلق بإيواء الرفاق العراقيين، الذين كانوا مطاردين من جهتين، من نظام البعث في العراق، ومن نظام الشاهنشاه في إيران الذي كان يتعاون مع البعث بعد الإنقلاب ، وما قضية إعتقال العديد من الرفاق العراقيين، ومنهم الرفيق " مظفر النواب " وسجنهم في كرج ، ثم ترحيلهم وتسليمهم إلى حكومة البعث إلا مثالاً على هذا التعاون .

قيض لي ورفيقي هادي، وشخص آخر من السماوة إسمه "عبد الزهرة " أعتقل فيما بعد وسلم لحكومة البعث، أن نكون في ضيافة أحد المعممين الكبار في جنوب طهران بالقرب من مرقد أمام يحيي لعدة أسابيع،  كنا نلتقي مع الشيخ المعمم في بعض الأماسي في ديوانه، وكان يحدثنا بلغة عربية صافية، الغريب أن الشيخ عندما كان يتحدث لم نكن نفرق حديثه عن حديث أي يساري، ما خلا ذكره لآيات من الذكر الحكيم ، ثم نقلنا على عجل من الغرفة فوق السطوح في الدار الكبيرة، إلى مكان آخر في شهر ري، كانت إنتفاضة محرم قد بدأت بقيادة الأمام الخميني، فيما بعد عرفنا أن من إستضافنا في داره لأسابيع دافئة ، هو آية الله العظمى الطالقاني، الشخص الذي سيطلق الأمام الخميني عليه فيما بعد لقب " أبا ذر الثورة الإيرانية " .

 

صباح علي الشاهر

 

 

ودمه شاخب: محمد باقر الصدر يزور المتوارين خلف صوره

نستذكر اليوم قيمة استشهاد الامام محمد باقر الصدر، في 9 نيسان 1980، في حدث تاريخي، طبع العراق ومستقبله بألوان وخطوط تحتاج للتمعن، وقتا طويلا؛ لاستنباط دلالتها، ومقدار الطاقة آلتي ولدتها، لتشغيل متناقضات القوى المحركة للمجتمع العراقي، وهذا هو اليوم نفسه الذي تم فيه تغيير النظام السياسي في العراق، العام 2003، وقد تكون الإرادة الإلهية هي من جمعت المناسبتين، او قد تكون من غير ميعاد.

في السبعينات، ونحن في البصرة، باعمار متطلعة للحياة.. طامحة للمشاركة في فعالياتها، كانت الصراعات السياسية والفكرية تمتزج مع دوافع الثقافة الفطرية الكامنة في ذواتنا.

الصراع على أشده بين فكر حزب السلطة (البعث) بكل امكانياته المادية، والإغراءات الممزوجة بروح التهديد والوعيدن وبين الثقافة الشيوعية التي تحاكي حرمان الفئات الاجتماعية؛ لضخ الفكر الماركسي ممزوجا بشواهد الحياة في الدول الاشتراكية.

غالبا ماكان النقاش، يجري في ممرات وساحات كلية الطب، منتهيا بتهديد ابناء حزب السلطة للفئات الاخرى. بين قطبي النقاش، فض احد الزملاء أوراقا مطوية، وطلب منا قراءتها؛ تعميما للفائدة، وهو يتلفت يميناً ويسارا، ويحاول ابعادنا عن الأنظار قبل وضع الأوراق في جيب الصدرية، وبعد الحصول على مكان آمن، فتحنا الاوراق وعددها عشر مطويات، مكتوبة بخط اليد نقلا عن كتاب (غاية الفكر في علم الفصول).. وقع نظرنا على اسم مؤلفه السيد محمد باقر الصدر، مبهورين بعمره، عند تأليف الكتاب.. كان بأعمارنا نفسها.

قرأناها شغوفين بمحتواها، عالي المنهجية يسير الفهم، متسائلين: كيف لشاب من العراق ان يتحدث في علوم اللغة والاصول والتاريخ والدين بهذا المستوى؟ ويناقش الفلاسفة والعلماء ويرد آراءهم؟ ونحن نستحي الحديث وتتلعثم الكلمات بين اللسان والشفتين؟ ويتعرق الجسد؛ عندما نواجه الجمهور؟ وننفعل عندما تدحض اراؤنا؟ إذن لابد لهذا السيد مميزات هائلة، ومواهب عقلية وأدبية، كبيرة وسعة أفق ارتبطت بحبه للبحث عن الحقيقة ومحاولة تجسيد ما يتجمع في خاطره للفائدة العامة وتحقيق مبادئ عليا في الحياة الدنيا و تأمين موقعٍ في الاخرى.

ردفنا بصدمة كبرى؛ عندما تسلمنا أوراقا من كتابي ( فلسفتنا) و (اقتصادنا) لأننا لم نستطع فهم محمولاتهما.. عبارات وكلمات غريبة على مسامعنا.. مناقشة واعتراض على مفاهيم وجمل نرددها، جاهلين خفاياها ونحتاط عند الحديث بها مثل الديالكتيك والماركسية و الجرأة في تفسير الكون والحياة ومناقشة الاقتصاد السياسي وقوانينه ومفهوم النظام الاقتصادي الاسلامي، ثم اطلعنا على مقتطفات من كتاب (رسالتنا) الذي أكد لنا الحقائق أعلاه، التي صعقت اجسادنا وهزت كياننا هزا عنيفا، والظاهر ليس نحن فقط من صعق مرتجف، إنما الحكومة ايضا.. برجالها و مؤسساتها، سرى فيها تاثر الفلاسفة والعلماء والمفكرين وهذا ما لم نكن نعرفه ونحن بين ملازم المحاضرات وقاعات الدروس وردهات المرضى، الا بعد تكرار سماعنا لاختفاء بعض الزملاء من بيننا، طالتهم يد الامن إعتقالا، وبالتالي الإعدام؛ لحملهم افكارا تهدد كرسي الحاكم وتفضح ضحالة تفكيره.

تبين انهم يتبعون حزب السيد الصدر، تزامنا مع التنكيل بحملة الفكر الماركسي وبعض اصحاب الرؤى المستقلة.. المتنورة.

نال الجميع.. بالرغم من أختلافاتهم العقائدية، المصير نفسه، من قبل سلطة لا تؤمن بالراي الاخر ولا تتقبل المساس بعنجهيتها.

ثمة سوْال نكرره دوما، من دون مناسبة.. بل مناسبته مفتوحة: هل لاصحاب المبادئ السياسية والفكرية تصور عن دور مبادئهم في بناء البلد وتأمين مستقبله وتحديد شكله الحضاري؟ وكان الجواب من اصحاب السلطة بـ: "نعم" معززة بإنجازات القيادة ومواقفها الوطنية والقومية وروح التغيير والعزم والشباب وعظمة السلطة التي يهيمنون بها مقتربين من القضاء على الأفكار المناوئة، وجاء ألجواب ايضا من حملة الفكر الماركس بنعم بدليل انتشار الفكر الاشتراكي في العالم وسيطرته على نصف العالم وتعادل القوة بينهم والدول الرأسمالية، والواقع يشير الى ان أفق انتصار الاشتراكية مستقبلا واردا؛ فالاتحاد السوفيتي سيساعد باللين والقوة، قوى التحرر في العالم، اما اصحاب السيد الشهيد الصدر الاول؛ فكانوا يرددون النعم ويستشهدون بعدالة الدين وقيمه وتاريخ الأنبياء و الأئمة وصلابة إيمان الامام علي.. عليه السلام واولاده، وما واقعة "ألطف" الا تجسيد حي لمنطلقاتها الفكرية، ولكن ليس هناك على ارض الواقع نموذج يمكن تعزيز الرأي فيه وكانوا ياملون الحصول على فرصة القيادة لتحقيق إفكاره و رؤاه، وتجلت فرحتهم الكبرى بانتصار الثورة الاسلامية في ايران، عارضين علينا فكرها، مؤكدين: "ان هذا هو الفكر النموذجي، من عطاء السيد الصدر (قدس سره) فماذا لو تسلم الحكم في العراق؟ أجابونا بان العراق سيكون أحسن دولة في العالم؟  وبالرغم من عدم قناعتنا بستراتيجيتهم، وغير متفقين بل ومعترضين على بعض طروحاتهم، الا اننا كنّا نحلم بما وعدونا، وكان لنا الحق في هذا الحلم، ولنا ان ننتظر اليوم الذي يتسلم خلالها الرجال الذين يحملون أفكار السيد الشهيد "قدس سره" القيادة متسلحين بالمبادئ والأفكار ، ومرتدين رباط الإيمان وحاملين راية التقوى املنا في ذلك الاقتداء بقدرة السيد قدس سره وحصانته ضد الفساد ورفضه للمناصب ووقوفه بوجه طاغية العراق.. المقبور صدام حسين، وجلاوزته بشهادة حواره وردوده ورفضه تسلام اي منصب مفضلا الاستشهاد (بالتيزاب) على ملذات الحياة، ليكون مقربا من ربه ضامنا مكانه في جناته، تاركا إرثا نضاليا ومنارا للإقتداء وشد العزم.

ترك لنا فكره الفلسفي والاقتصادي ورجالا يسعون للسلطة؛ فدالت لهم، لكن ليرفعوا صور السيد قدس سره على أبواب مقراتهم غالقين كتب فلسفتنا واقتصادنا وواضعيها فوق رفوف عالية، ويعملون بهدي غرائزهم وفق مصالح بمستويات عالية الفساد.

ماذا لو بُعِثَ آية الله العظمى الشهيد محمد باقر الصدر.. قدس سره الشريف، وزار المقرات المتوارية خلف صوره، باحثا عن القيم والمبادئ العظيمة، التي ضحى بروحه من أجلها، هل سيجدها؟ أشك بذلك.. وأنا أكيد الشك.

  

جاسم مطشر ثامر العواد العزاوي.. طبيب اختصاص.. محامٍ وإعلامي

 

فيلسوف في HNO3 .. أتم الله وعد الصدر في 9 نيسان 2003

amar talalلحظة ضاقت خلالها الدنيا بما وسعت، من حول حسين العصر.. الفيلسوف محمد باقر الصدر، وأخته زينب زمانها بنت الهدى.. آمنة الصدر، في حوار غير متكافئ، مع الطاغية المقبور صدام حسين، كان فيها الشقيقان المحطمان جسديا، أقوى!

تلك اللحظة، يملك فيها الطاغية صدام، الدنيا الزائلة، ويملك الفيلسوف الصدر، بقاء الآخرة.. فكان الارجح في حوار، قائم على قوة صدام الظاهرة، نظير ضعفه الباطن، وقوة الصدر الباطنة إزاء ضعفه الواقع.. والتناظر مركب، يصب في مركب كيميائي.

ما يسميه العراقيون "تيزاب" إسمه العلمي: "حامض النتريك – hno3" يتمتع بميزة تفتيت العظم وتبخير الفلسفة العظمى، الكامنة في جمجمة عالم، تخطى الدين الى تنظيم شؤون الحياة المدنية، من منظور ملتزم، يقومه الأيمان من دون ان يقيد الدولة بتعاليم فوقية منزلة، إنما يستثمر التنزيل غيثا هاميا كالمطر؛ لسقي معطيات الواقع، مثل نبت طيب.. "أصله ثابت وفرعه في السماء".

 

عبقرية في حوض

أجمعت روايات شهود، من منتسبي أمن النجف، ان صدام كان الاوهى في النقاش، بينما الامام.. آية الله محمد باقر الصدر "قدس سره" يتكلم بشدة، ردا على الأسئلة الاستفزازية التي يطرحها عليه الطاغية بطريقة بلهاء.. متلعثمة، بشأن: - لماذا ولاؤكم لإيران وليس للوطن؟ لماذا هاتفت الخميني تقول له أقبل فالعراق مهيء لك؟ لماذا فتيت بان الانتماء الجاد والصوري لحزب البعث كلاهما كفر والحاد؟ واذا وافقت انصبك نائبا لرئيس الجمهورية؟

لم يتخاذل الامام، ولم يغره المنصب، وهو يجيب: ولاؤنا للاسلام، كمنظومة تحتضننا وايران مع سوانا من السياسات المدنية، التي تسير بهدي الدين، وبهذا لخص له "ولاية الفقيه" التأملية، التي لن يفقهها شخص أهوج...

واصل.. قدس سره، الإجابات: أما إقبال الاسلام ممثلا بفكر الخميني، آتٍ مع شخصه او حملة فكره.. لا محالة، وحزب البعث كفر والحاد، سواء أفتيت انا بذلك ام لم أفتِ، وسواء أوقفت من ضعفي بهذا الجبروت، ام وقفنا كلانا.. بين يدي الله.. أتحمل أنا ثواب فتواي، وتتحمل انت عقاب الانتماء للبعث، اما عرضك بان اكون نائبا لمجرم منك فإدنو لتسمع جوابي.

ولما دنا بصق بوجهه، فوجه اليه "دريل – ثاقبة" يستخدمونها في التعذيب من الاطراف، غرزها في رأسه الشريف، وأمرهم بإلقاء الجثة في حوض من التيزاب، جفت فيه آخر نظريات العبقرية النابضة، نسغا يجري في عروق الكون.. متدفقا، وكانت آخر جملة قالها، وهو ينازع للتماسك، قبل سكرة الموت؛ جراء الثقب النافذ من الجبين الى خلفية الجمجمة: "صدام تذَكر هذا اليوم 9 نيسان ولا تنساه" وسلم الروح الى بارئها، مغتسلة بالتيزاب طهرا من آثام دنيا فانية، لوثت الطغاة.

 

العالم يكسر صمته

برغم التواطئ الدولي، مع صدام في تخبطاته السياسية، لكن دولا عدة ناشدته تسليمها الصدر؛ لتفيد من علمه، ضامنة له الكف عن السياسة، وعدم تكرار تجربة الخميني مع الشاه، الذي تراجع عن اعدام الامام روح الله الخميني، خلال الخمسينيات؛ فكانت نهايته عام 1979 بهذا العفو الذي ألب ايران بأشرطة الكاسيت.. فلم يستجب صدام لتلك المناشدات!

 

فلسفته وإقتصادنا

يكمن سر عظمة فكر الشهيد الصدر، بكونه لا يقيد الدولة، بما تقيد به جده الامام علي.. عليه السلام: "لولا التقوى لكنت ادهى العرب" فمحمد باقر يؤسس لدولة تتعاطى مع متطلبات الواقع السياسي ميدانيا، وفق الحاجة الموضوعية، وهذا من شنه ان يفيد من فلسافات الادارة السياسية كافة.. الديني منها، مثلما داود وسليمان وموسى ومحمد.. عليهم الصلاة والسلام اجمعين، ومثلما دالت الدنيا للشيوعيين والراسماليين معا.

إذن فلسفة الامام الصدر تنظم شؤون اقتصادنا الانساني.. مباشرة، برؤيا إلهية، ساء المتمسكون بكرسي السلطة، ووجاهتها ان تتحول الى منهج عمل تجري سياقات الدولة بموجبه.

أعدم الصدر شهيدا، في جنات النعيم، لكن فلسفته ما زالت تسير إقتصادات عظمى، تنتشلها من جحيم الارض؛ فما خاب من إتبع الحق وجاهد هواه، معتصما بالله عن الإقبالا المتهافت على مغريات الدنيا، يفرط لأجلها بجنة دائمة ونعيم مقيم.. طبت ثرى واثرا وثريا منيرة.. سيدى أيها الآية الشهيدة والفلسفة الذائبة في تيزاب الطغاة.

 

عمار طلال

مدير عام مجموعة السومرية

 

رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي (4)

سبق وان نشرت ثلاث حلقات حول رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي استجابة للنداء الذي وجهه الصديق المهندس ضياء العكيلي (الرئيس الثالث للرابطة في ستينيات القرن الماضي)، الا اني توقفت عن الاستمرار بالكتابة لعدم مشاركة الآخرين في هذا المشروع الجميل والمهم في تاريخ الحركة الطلابية العراقية بشكل خاص ومجمل تاريخ الحركة الوطنية عموما . لقد تحدثت في الحلقة الاولى عن تأسيس الرابطة ومؤتمراتها واعضائها وقياداتها ومشاكلها عموما، وتناولت في الحلقة الثانية الاجتماع  التاريخي الذي حدث مع مدير البعثات في وزارة المعارف آنذاك الدكتور محمد المشاط في موسكو، اما الحلقة الثالثة فقد كرسٌتها للحوار مع الصديق ضياء العكيلي وذكرياته عن عمل الرابطة ونشاطها.

سنحت لي الفرصة اخيرا  ان اتحدث مع الدكتور صاحب مهدي – السكرتير العام لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي في العام الدراسي 1960 – 1961، والذي انتخبه المؤتمر الاول (التأسيسي) للرابطة  في خريف عام 1960، وانا على ثقة تامة ان هذا الحديث سيكون مفيدا جدا لاكمال الصورة التاريخية وابعادها، التي رسمتها للرابطة في مقالاتي المشار اليها اعلاه، هذه الصورة التي لا أزال اتمنى واحلم ان يكملها الزملاء الآخرون بذكرياتهم عن وقائعها وكتاباتهم وتحليلاتهم لكل تلك الاحداث التي عشناها معا، والتي تعتبر جزءا لا يتجزأ من تاريخ الحركة الطلابية والوطنية المعاصرة في مسيرة عراقنا الحبيب .

سألت الدكتور صاحب مهدي – قبل كل شئ – عن اعضاء اللجنة التنفيذية، الذين انتخبهم المؤتمر الاول للرابطة، فلم يتذكر غير محمد علي الماشطة – رئيس الرابطة ومصطفى الجواهري – نائب الرئيس، وهو طبعا الذي انتخبوه سكرتيرا عاما للرابطة آنذاك . واود ان أضيف الى اجابة الدكتور صاحب في هذا الشأن، ان الرابطة كانت تؤكد دائما على تمثيل المرأة العراقية في قياداتها، وان السيدة ماركريت كانيكانيان كانت عضوة في تلك اللجنة على ما اتذكر .

تحدٌث د.صاحب عن الايام الاولى لوصوله الى موسكو في عام 1959 وتذكر بعض العراقيين الذين وصلوا معه مثل بشير الناشئ (الموجود الى حد الآن في موسكو) وأحمد السماوي وعبد القادر الجبوري وغيرهم، وكيف ساعدهم العراقيون القلائل الذين كانوا في موسكو قبل 14 تموز 1958 وهم محمد علي الماشطة ومصطفى الجواهري وفلاح الجواهري، وكيف تم بعد ذلك تشكيل لجنة (مساعدة الطلبة) كما أطلقوا عليها (وهي تسمية غير دقيقة ولا تعبٌر عن نشاطها ودورها) . كانت هذه اللجنة واقعيا البداية الحقيقية للتنظيم الطلابي الذي تبلور لاحقا واصبح يحمل تسمية - (رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي). توقف  د . صاحب  في حديثه عند الخطوات الاوليٌة والتحضيرية، التي اتخذها العراقيون الاوائل عندما بدأت اعداد الطلبة بالازدياد، وهكذا ظهرت (اللجنة التحضيرية للرابطة)، والتي كان محمد علي الماشطة لولبها ومحركها الاساسي بحكم كونه الطالب العراقي الاقدم، اذ انه وصل الى موسكو عام 1957 باعتباره عضوا ضمن الوفد العراقي للمشاركة في اعمال مهرجان الطلبة والشباب العالمي الذي انعقد عندها في الاتحاد السوفيتي، وبقي بعد ذلك المهرجان هناك واصبح طالبا في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو، وكان في الصف الثاني في تلك الكلية آنذاك (اي عام 1959) عندما بدأ الطلبة بالوصول الى موسكو. وهكذا اصبح الماشطة رئيسا للجنة التحضيرية، ثم انعقد المؤتمر الاول لرابطة الطلبة العراقيين واصبح الماشطة رئيسا للرابطة نظرا لدوره الكبير في مسيرتها وتكوينها في بداياتها،  وأصبح صاحب مهدي السكرتير العام للرابطة .  كان صاحب مهدي شخصية بارزة بيننا، نحن الطلبة، الذين كنا بالاساس خريجي المدرسة الثانوية ليس الا، وكان بيننا طبعا بعض خريجي الكليات العراقية، الذين التحقوا بالدراسات العليا، اما صاحب مهدي فكان خريج جامعة ولاية  آيوا  في الولايات المتحدة  الامريكية، ولهذا فقد كان متميزا بين  كل  الطلبة  العراقيين فعلا (شكلا ومضمونا !) ان صح هذا التعبير  . لقد توقفت طبعا عند هذه النقطة في حديثي مع صاحب مهدي، وسألته كيف وجد الدراسة في موسكو آنذاك بعد تجربته الطويلة في الدراسة بامريكا، فقال لي انه كان مندهشا من مستوى الدراسة في معهد الطاقة بروسيا (تحول هذا المعهد الان الى جامعة الطاقة)، ومن الرعاية العلمية والتربوية القصوى   التي اولاها المعهد المذكور له، وان مشرفه العلمي كان شخصية علمية معروفة وعضوا في اكاديمية العلوم السوفيتية . واخبرني د. صاحب ايضا – وبفخر – انه  يتواصل لحد الان مع هذه الجامعة ويستلم منها المصادر الجديدة  والدوريات المختلفة، رغم انه قد انهى دراسته هناك عام 1964 .

استمر الحديث مع د.صاحب حول الرابطة، وسألته لماذا لم يستمر بالعمل في الرابطة بعد المؤتمر الاول، فأخبرني بانه أراد التفرغ التام للدراسة، ولكن محمد علي الماشطة وبقية اعضاء قيادة الرابطة حاولوا ان يثنوه عن ذلك بعد نجاحه في عمله في صفوف الرابطة، ولهذا قرر الترشيح في المؤتمر الثاني لعضوية اللجنة التنفيذية، لكن دون العمل سكرتيرا عاما للرابطة، وهذا ما تم فعلا، وحل محله الزميل خالد الزبيدي، وهكذا استمر صاحب مهدي بالعمل في قيادة الرابطة، وفي نفس الوقت كان يكرٌس جل وقته للدراسة في ذلك المعهد العلمي المعروف . ويتذكر د. صاحب انه كان ممثلا للرابطة في مؤتمر عقده اتحاد الطلبة العالمي في مدينة كييف – عاصمة اوكراينا السوفيتية آنذاك، وان الرابطة اوفدته الى هناك لتمثيلها في هذا المؤتمر العالمي المهم، وانه سافر الى هناك وقام بتمثيل الرابطة على أحسن وجه، وانه كان رئيسا لاحدى لجان المؤتمر باعتباره مندوبا لاحدى اهم  الروابط الطلابية الكبيرة في الاتحاد السوفيتي .

سألت د. صاحب أخيرا عن رأيه برؤساء الرابطة الذين عاصرهم  وهم – محمد علي الماشطة ووجدي شوكت سري وضياء العكيلي وخليل الجزائري، فأجاب انهم جميعا أعزاء على قلبه، ويكن لهم جميعا كل الاحترام . لم استطع بعد هذه الاجابة الدبلوماسية والراقية ان أسأله عن تفصيلات رأيه هذا، اذ اننا جميعا نعتبرهم (اعزاء على قلوبنا !)، لكن – مع ذلك – توجد فروقات بينهم، وان كل واحد منهم يتميٌز بخصائص ذاتية انعكست على عملهم ونشاطهم في الرابطة، وان شخصا بموقع د.صاحب مهدي ومشاركته الواسعة بعمل الرابطة وقيادتها لابد ان يكون على اطلاع تفصيلي اكثر من الاعضاء الاعتياديين الآخرين في هذا المجال، الا ان د. صاحب بنزاكته ورقته  ودبلوماسيته وسموه الروحي ارتأى ان يجيب عن سؤالي هذا حولهم بهذا الشكل، وانا احييه على موقفه النبيل هذا .

 

أ.د. ضياء نافع

 

عودة مدهشة للروائية الأميركية هاربر لي

jawdat hoshyarعادت الكاتبة الأميركية (هاربر لي) الى الأضواء من جديد بعد مضي 55 عاماً على نشر روايتها الأولى " أن تقتل طائراً محاكيا " في عام 1960، واعتزالها في بلدة (مونروفيل) الصغيرة بولاية الاباما . ففي مساء يوم 14 تموز 2015 تدفق عشاق الأدب على متاجر الكتب في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا من اجل إقتناء روايتها الثانية " فلتعين لنفسك حارساً " بعد الأعلان عن عرضها للبيع في تمام الساعة الثانية عشرة ليلاً . وفي الوقت نفسه عرضت في العديد من دول العالم، الترجمات الألمانية والأسبانية والهولندية والدنماركية والنرويجية والسويدية والفنلندية والكورية للرواية الجديدة . وقالت دار النشر (هاربر كولينز) أن عدد نسخ الطبعة الأولى الأنجليزية قد بلغ مليوني نسخة، ونفدت في فترة وجيزة . وتصدرت مبيعات الكتب في الولايات المتحدة لتصبح حدثاً أدبياً مشهوداً .

ومن اجل فهم سبب هذا الأقبال منقطع النظير على الرواية الجديدة " فلتعين لنفسك حارساً " لا بد من القاء بعض الضؤ على السيرة الحياتية والأبداعية للكاتبة، والأهم من ذلك أن القاريء لن يفهم ولن يستطيع أن يقيًم الرواية الجديدة من دون قراءة الرواية الأولى . لأن أحداث الرواية الثانية تجري في الأمكنة نفسها، كما ان معظم الشخصيات نعرفها من الرواية الأولى وان تغيرت حياتها في فترة زمنية لاحقة . أي اننا امام (ثنائية روائية) . والقاري الذي سبق له قراءة الجزء الأول من هذا العمل الأبداعي الكبير، سيشعر بالصدمة حين يكتشف ان المحامي اتيكوس فينتش،الذي تصدى للتمييز العنصري في الرواية الأولى سيبدو عنصرياً في الرواية الجديدة .

ولدت نيلي هاربر لى، فى28 نيسان 1926، في بلدة مونروفيل الصغيرة الجميلة في الجنوب الغربي من ولاية الاباما في عائلة بروتستانتية متدينة. وكانت الأبنة الصغرى للمحامي (اماسا كولمان لي والسيدة فرانسيس كانينجهام). كانت نيلي الأبنة الصغرى في عائلة لها اربعة اطفال، ولد وثلاث بنات. عمل (اماسا كولمان لي) فترة موظفا حكوميا، ثم أصدر جريدة كان هو صاحبها ورئيس تحريرها قبل أن يتفرغ لممارسة مهنة المحاماة.

كانت نيلي في الخامسة من عمرها في عام 1931 عندما جرت في بلدة سكوتسبورو (ولاية الاباما) محاكمة تسعة شبان سود بتهمة إغتصاب امرأتين بيضاوتين، ورغم التقرير الطبي الذي اثبت ان المرأتين لم تتعرضا الى الأغتصاب، فأن المحكمة التي تشكلت من البيض حصراً، حكمت على جميع المتهمين بالأعدام بإستثناء فتى قاصر كان في الثالثة عشر من العمر . وعلى مدى السنوات الست التالية نظرت محاكم الأستئناف في الطعون المقدمة ضد الحكم الأولي، ونتيجة لذلك تم سحب معظم التهم والأفراج عن المتهمين ما عدا واحدا منهم . تركت هذه المحاكمة اثراً لا يمحى في نفس الصبية نيلي .

بعد أن أكملت دراستها في المدرسة الثانوية في مونروفيل التحقت بكلية هانتينجون للبنات في مونتغمري، وكانت لمدة عام رئيسة تحرير مجلة فكاهية تصدرعن الجامعة . ثم درست الحقوق في جامعة الاباما ولكنها تركت الدراسة، رغم أنها كانت طالبة واعية وناضجة التفكير . ثم قضت عدة أشهر في جامعة اكسفورد في انجلترا . لتعود بعدها للأقامة في نيويورك والعمل كموظفة حجز في شركة طيران حتى نهاية الخمسينات، وكانت لديها شقة خاصة متواضعة في نيويورك . وفي هذا الوقت نشرت عدة قصص قصيرة وكانت تسافر بين حين وآخرالى مونروفيل لتقضي بعض الوقت في منزل العائلة، للأعتناء بوالدها المريض .

 وذلت يوم من شهر كانون الأول 1956، تلقت من صديقيها- مايكل براون، ووليام براون - مغلفا فيها صك بمبلغ يعادل اجمالي راتبها السنوي مع رسالة يقولان فيها : " لديك اجازة لمدة سنة كاملة، تستطيعين خلالها أن تكتبي ما تشائين . عيد ميلاد سعيد " .

في هذا الوقت كان ابن بلدتها وصديق طفولتها ترومان كابوتي قد أصبح كاتباً معروفاً. وقال لها والدها ذات مرة : " لعلك تدركين أنه لا يمكن لبلدة صغيرة مثل مونروفيل أن تخرج كاتبين مشهورين في آن واحد . ولم تضيّع هاربر لي فرصة التفرغ لمدة سنة، فقد كتبت خلالها روايتها الأولى " أن تقتل طائراً محاكياً " وتعالج فيها الكاتبة قضية الفصل العنصري التي عاصرتها في طفولتها ببلدتها (مونروفيل) .أحدثت الرواية ضجة عند نشرها في عام 1960،أي في الوقت المطلوب تماماً، عندما أصبحت هذه القضية الشغل الشاغل للرأي العام الأميركي .. وهذا أمر نادر الحدوث بالنسبة لعمل أدبي .

 لقي الكتاب ترحيبا حاراً من ألمع نقاد الأدب، وبقى 848 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً. وحازت هاربر لي في عام 1961 عن هذه الرواية على أعلى جائزة أدبية في أميركا وهي جائزة (بوليتزر).

في العام التالي(1962) حقق الفيلم المقتبس من الرواية نجاحاً مذهلاً . وبعد عرض الفيلم هرع حشد من الشبان للألتحاق بكليات الحقوق في الجامعات الأميركية، فقد أرادوا أن يصبحوا بعد التخرج على غرار الرجل الشهم والنبيل المحامي أتيكوس فينتش (بطل الفيلم) . وأصبح اسم أتيكوس النادر شائعاً في أميركا منذ ذلك الحين . وفاز الفيلم بثلاث جوائز أوسكار بضمنها جائزة أفضل ممثل حصل عليها غريغوري بيك عن دوره في القيلم حيث جسد فيه شخصية المحامي أتيكوس فينتش .ويعد هذا الفيلم واحداً من أعظم الأفلام في تأريخ السينما . كما احتل غريغوري بيك – عن دوره في تجسيد شخصية اتيكوس فينتش - الموقع الأول في اللائحة التي اعدها معهد السينما الأميركي عن أفضل الممثلين الذين قاموا بأدوار البطولة في السينما الأميركية .

وقد صرحت هاربر لي في عام 1964، بأنها لم تكن تتوقع لروايتها النجاح، قائلة: "كنت آمل لها موتاً سريعاً ورحيماً على يد النقاد، لكن فى الوقت ذاته تمنيت أن تعجب شخصًا ما، بشكل كاف حتى يشجعنى، تمنيت القليل ونلت الكثير جداً، وبشكل ما كان هذا مرعباً، مثل ذلك الموت السريع والرحيم الذى توقعت .

 ما الذي يميز هذه الرواية الرائعة، التي يتوهم البعض أنها رواية للأطفال، لأننا نرى فيها عالمنا بعيون الأطفال . وهي ليست رواية سيرة ذاتية، بل أنها تصوّربعمق وبأسوب أدبي جميل محاكمة فتى زنجي بريء متهم بإغتصاب إمرأة بيضاء. وتروي أحدى مآسي الفصل العنصري في ولاية الاباما . وكانت للرواية تأثير هائل في الرأي العام الأميركي واصبحت اداة في النضال ضد شتى أشكال التمييز العنصري،وما زالت تحظى منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا بمقروئية عالية في كل أنحاء العالم . .

المجتمع الأميركي في الثلاثينات من القرن الماضي كان يقسم الناس الى بيض وسود أي الى أخيار وأشرار، ولكن محاكمة توم روبنسون التي نراها في الرواية بعيون الأطفال - وخاصة الطفلة جان لويز - شكلت نقطة تحول في النظر الى قضية التمييز العنصري .رؤية الأطفال لسير المحاكمة، تعكس بجلاء موقف المؤلفة من هذه القضية . كان الجميع على قناعة تامة، ان الدفاع عن الفتى الأسود توم روبنسون قضية خاسرة مسبقاً . وكان بطل الرواية، المحامي (اتيكوس فينتش) يعرف هذا . ولكنه مع ذلك صمم على القيام بواجبه الأخلاقي والدفاع عن العدالة بدفاعه عن توم، ورد الأعتبار اليه . قتل توم بينما كان يحاول الفرار . ولكن الفكرة التي نراها مجسدة في الرواية هي أن الناس عموماً أخيار وإن كان بينهم قلة نادرة من الأشرار . وهذه الفكرة هي التي تسبغ على كلمات أتيكوس قوة مؤثرة : " الشجاعة – هي ان تعلم مسبقاً إنك ستخسر، ومع ذلك تصمم على أداء واجبك حتى النهاية .لأن النصر ممكن أحياناً، رغم أن ذلك يحدث نادرا "

ًيعبر إسم الرواية " أن تقتل طائراً محاكياً " عن فكرتها الرئيسية . الطائر المحاكي – على درجة من الوَداعة لا مثيل لها، لا ينقر الثمار في الحديقة، ولا يبني عشاً على شجرة، وهو غريد متميّز بقدرته البارعة على محاكاة أصوات الطيور الأخرى، وادخال السرور الى قلب الأنسان بغنائه الشجي، لذا فإن قتل هذا الطائر الفريد – خطيئة. أتيكوس فينتش حاول إنقاذ حياة الطائر المحاكي – توم روبنسون البريء، والدفاع عن حقه في الحياة وعن كرامته، والتصدي للكراهية والتمييز بين البشر، والدعوة الى المحبة والعدالة.

الرواية حركت الرأي العام الأميركي " للوقوف بوجه كل أشكال التفرقة العنصرية . وصدرت في طبعات جديدة متلاحقة بين فترة وأخرى . وما زالت منذ ذلك الحين تلقى رواجاً عظيماً في شتى بلدان العالم، حيث بيع منها منذ صدورها لأول مرة وحتى الآن حوالي ثلاثين مليون نسخة . وحسب استبيان أجرته مجلة (المكتبة) الأميركية بين القراء تبين أن " أن تقتل طائراً محاكياً " هي أفضل رواية في القرن العشرين " .

نالت هاربرلي شهرة غير متوقعة وصاخبة الى درجة أنها هربت منها الى بلدتها الأم مونروفيل في ولاية الاباما .، والتي وصفتها بشكل رائع في روايتها، حيث عاشت فيها معظم حياتها .

وكان الناس يعتقدون أنها توفيت منذ زمن طويل ولكن كاتب سيرتها الذاتية تشارلز شيلدز قال في مقابلة صحفية عام 2006 أنها على قيد الحياة ,وتشارك بنشاط في الأعمال الخيرية لكنها ترفض لقاء الصحفيين , ولا تشارك في الحياة العامة ولم تجر أي مقابلة صحفية منذ عام 1965 . وطوال أكثر من نصف قرن لم تكتب هاربر أي اعمال ابداعية جديدة، ما عدا بعض المقالات في اوائل الستينات . ولهذا فوجيء الجميع بالأعلان عن ظهور رواية ثانية لها تحت عنوان " فلتعين لنفسك حارساً ". ويرى معظم النقاد انها ليست رواية جديدة تماماً، لأنها كتبت في عام 1957 . وهي على الأرجح مسودة الرواية الأولى. ولكن من يقرأ الرواية الجديدة بامعان سيكتشف أنها جزء مكمل لرواية " أن تقتل طائراً محاكياً ".

في الفصل الأول من " فلتعين لنفسك حارساً " نرى جان لويز شابة تبلغ من العمر 26 عاماً – تصل بالقطار الى مسقط رأسها مدينة (ميكومب)، من اجل التأثير في والدها – اتيكوس فينتش، الذي يرفض أن يتقاعد على الرغم من تقدمه في السن . صديقها هنري كلينتون – شاب يسعى لخطبتها - يستقبلها في محطة القطار. "عانقها بقوة بين ذراعيه المفتولتين ووضعها امامه . أخذ يقبلها في البداية في شفتيها، ثم بلطف في خذها . قالت جان لويز وهي تحاول إغاظته، انها لا تمانع أن يكون صديقاً لها، ولكنها لا توافق على الأقتران به . كانت تحبه تقريباً . " كلا هذا غير ممكن – فكرت بينها وبين نفسها – أنتِ إما مغرمة به أو غير مغرمة . الحب – الشيء الوحيد الواضح في هذا العالم . بالطبع هناك أنواع مختلفة من الحب، ولكن مهما كان شكله . فان الحب اما ان يكون أو لا يكون " .

هنري كلينتون احدى الشخصيات الجديدة في " فلتعين لنفسك حارساً "، في حين اختفت من الرواية بعض الشخصيات الأخرى . فعلى سبيل المثال (جيم)، شقيق جان لويز، وهوً احد الأبطال في رواية " أن تقتل طائراً محاكياً " مات مبكرا في الرواية الجديدة، ومع ذلك فأن أقوى صدمة للقراء هي التغيير الذي جرى في شخصية البطل الرئيسي في الروايتين (اتيكوس فينتش)البالغ من العمر 72عاماً، الذي أحبه القراء في الرواية الأولى، لأنه كان انساناً مبدئياً ومثالياّ، يؤمن ايماناً راسخاً بالعدل والأنصاف . أما في الرواية الثانية" فلتعين لنفسك حارساً " فأنه يبدوعنصرياً . فهو يقول مثلاً " الزنوج المحليون كشعب ما زالوا في مرحلة الطفولة ". أو أنه يسأل ابنته : " هل أنتِ على استعداد لقبولهم في عالمك ". وجان لويز العائدة من نيويورك الى الجنوب تجد ان وجهات نظر والدها وصديقها هنري كلينتون حول مشكلة العنصرية تختلف اختلافا كبيرا عن وجهة نظرها .

" فلتعين لنفسك حارساً " عنوان مقتبس من أحد نصوص الكتاب المقدس، بمعنى " أن كل انسان هو حارس ضميره، ولا يوجد أي ضمير جمعي " وهذا ما قاله احد أبطال الرواية (جيم) لجان لويز . والذي يلخص معنى الرواية تماماً .

وقد نشرت صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية الفصل الأول من الرواية الثانية . وحسب الحجوزات المسبقة في شركة (امازون) تصدرت " فلتعين لنفسك حارساً " مبيعات الكتب . وفي بلدتها الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 5300 نسمة فان متجر الكتب فيها تلقى طلبات لحجز 7000 نسخة منها. ولأول مرة منذ سنوات طويلة أجرت هاربر لي لقاءا صحفيا وسمحت بتصويرها وتلقي التهاني.

في عام 2007 اصيبت هاربر لي يجلطة في الدماغ، وشقيقتها الكبرى اليسا التي كانت تديرشؤونها توفيت في نهاية عام 2014عن عمر ناهز 103 سنة، بعدها لم تتواصل هاربر لي مع العالم الخارجي . واعلنت بلدية مونروفيل عن وفاتها في 19 شباط 2016. رحلت الروائية التي اسرت قلوب الملايين من قراء رائعتها " أن تقتل طائراً محاكياً ". وما يزال الجدل محتدما في الأوساط الأدبية في أميركا وأوروبا واليابان ودول أخرى حول الرواية الثانية . هل هي مسودة الرواية الأولى، أم تكملة لها، ولماذا دب الخلاف بينها وبين صديقها وابن بلدتها الكاتب ترومان كابوتي بعد فوزها بجائزة (بوليتزر) في عام 1961 . وماذا يقول القراء العاديون في انحاء العالم عن الرواية الثانية . هذه مسائل يضيق عنها المجال هنا، وقد نعود اليها في مقال قادم .

 

جــودت هوشيار

 

 

ليس وداعا يا ابنة العراق وفخره

abdulsahib alnasirولو كن النساء كمن فقدنا.... لفضلت النساء على الرجال

فما التأنيث لاسم الشمس عيب... ولا التذكير فخر للهلال

ابو الطيب المتنبي

 

اكتفوا ببيان مقتضب يتيم، وتعزية باهتة. حتى هذا القليل القليل جاء كمزايدة لمصالحهم الشخصية وللصعود ( وطنيا) على اكتاف زهاء حديد، وعلى اكتاف  كبار المبدعين العراقيين وعظمائهم. هذا كل ما يملكون ويعرفون وكل ما تعلموا، ولم يفكر  اي منهم  بإرسال وزير او سفير او مندوب  خاص  ليقوم بالواجب  تكريما لهذه السيدة العظيمة، كفتح سجل التعزية في السفارت العراقية ليمر ويقرأ الفاتحة، ويوقع احتراما و تعاطفا مع روح السيدة الكبيرة، ولم تبعث الحكومة العراقية وفدا رسميا  ليحضر اجتماعات ومقابلات تجري متلفزة عن حياة الراحلة العزيزة . ولم يوعز احد من السياسيين العراقيين ممثلين له لتعزية عائلة الفقيدة.

 

اما  الاخطل  المهطول الجعفري وزير الخارجية المهموم بعزله فلم ترمش له عين اسفا على رحيل ابنتنا (زهاء) ولم يبعث  احد سفراءه ليقوم بالواجب العراقي والاخلاقي والوطني  كما بعث  مندوبون عنه وعن الوزارة ليعزي من توفى  في بلدان التطرف السلفي  الارهابي. ولم تقم الحكومة العراقية ضمن سفاراتها بفتح  ابواب سفاراتها وكتب التعزية  ليشعر العالم ان هناك اهتمام خاص واحتراما لهذه السيدة العظيمة ولعلماء العراق.

إلا أن ، من عظمة زهاء حديد انه، حتى بعد رحيلها، ان يستغل الكل، من الجهلة والمديوكرية ( Mediocre)  ووصوليون وانصاف المثقفين ، يستغلون مناسبة وفاتها  ليرفع من شأنه ومن موقعه " كما يتصورون "  بالكتابة عنها، هي ادعاءات انتهازية  ليس الا .

و لم اقرأ ولا كلمة  واحدة ممن تبرع خلال هذا الاسبوع للكتابة عن  سعة وعمق علمها وجمال فنها وأبعاد افقها وخيالها في مجال العمارة والفن والابداع.

و باتت زهاء حديد مسلوبه من كل انتاجها ومكانتها الفنية والعلمية ( في العالم العربي)، ولا عن ما احدثت من توسع في الافق وفي المادة وفي الفضاء وفي كل جوانب العمارة الحديثة، حيث طوعت زهاء اقصى مواد البناء تصلبا لتغرد معها في فضاءات جاءت بها وبفلسفتها . و لم يتجرأ حتى الكثيرون من المعماريين من  التفكير او التقرب  بمس تلك المجالات.

 قالت سيدة العمارة العالمية، رحمها الله ، متمنية:-

( افتقد جوانب عندما اكون في العالم العربي، اللغة ،وهناك الهدوء والسكينة، إن كنت في القاهرة  ام في بغداد، ان تجلس هناك وتفكر، هذه الانهار التي تجري منذ آلاف السنين،هناك لحظات سحرية في تلك الاماكن) .

حتما سينصف العالم والتاريخ ( زهاء)، فهي لا تحتاج الى شهادة متوسطى الفهم والمستوى، لأن هذا شأن العباقرة والمبدعين القياديين، صانعي مسيرات التغير والابداع.

وقالت أيضاً:(انا مع المودة والتصميم والاتجاه، لانهما يحملان  مزاج اليوم، مزاج اللحظة ، كالموسيقى والادب والفن).

لانها تتعامل في كل اعمالها وتصاميمها من خلال معايشتها لتلك المجالات واللحظات، تتعامل بحس مرهف حد  الجنون والنبوغ،لكنها  تتعامل بسعة وشمولية بكل جوانب الفن والعمارة والابداع، حتى قالت (ما هو جميل عن الكونكريت، انك تشعر انه غير كامل) اي انها تتعمق في تطوير وتطويع المادة حد الكسر.

وافصح ما قالت عن اتجاهها في العمارة وهي تنتقد متوسطي  الفهم والرغبات:ـ

"Architecture is not a medium of personal expression for me," she said. "To interpret it as striving for individual expression is to misunderstand it. This misunderstanding is often linked to the dismissal of my work as self-indulgent or wilful."

 

عبد الصاحب الناصر - لندن

 

علاء الديب.. شجن الوحدة والاغتراب

لو أن الظروف كانت قد أسعدتك بالتعرف إلي شخص علاء الديب والتردد عليه في الفيلا الصغيرة التي يسكنها في المعادي، والجلوس معه في شرفته المطلة على حديقة صغيرة هادئة، لرأيت كيف يختلس الديب وهو يشرب قهوته نظرات محبة سريعة إلي الحديقة فتبدو لك كأنها امتداد أخضر هامس لروحه العذبة، ولكنت قد لمحت الشجن المهذب الصامت في نظرته. تتطلع إليه وتحتار أيهما الأعز فيه: الكاتب؟أم الإنسان؟ أم هي حقول الروح مترامية يفضي كل منها للآخر؟. الشجن المهذب في استسلام طائر أسقطته رصاصة، والحزن على مصائر البشر، والتشبث رغم بالأمل، من ذلك كله يقوم عالم علاء الديب القصصي والروائي. الديب من مواليد 1939، لكن إبداعه بدأ في الظهور في الستينات مع حلقة من الكتاب شكلوا جسرا ما بين جيلي الخمسينات والستينات، منهم بهاء طاهر وأبو المعاطي أبو النجا وسليمان فياض وإدوار الخراط وغالب هلسا. كلهم من مواليد الأربعينات لكن ظهورهم وإبداعهم تقاطع مع أبناء الستينات. نشر الديب أول قصة له " الشيخة" في 1962وصدرت مجموعته الأولى"القاهرة" في 1964، وصدرت مجموعته الثانية " صباح الجمعة " في1970. فكريا ينتمى الديب إلي قيم الوطنية المصرية التي تشكلت قبل ثورة يوليو ثم رسختها الثورة: الاستقلال. التصنيع. العدالة الاجتماعية. العداء للاستعمار ودعم حركات التحرر وفي المقدمة منها فلسطين التي تشغل مكانة خاصة لدي شخصيات علاء الديب في تأملاتها وأحاديثها. وعند أمين الألفي بطل " أيام وردية " فإن فلسطين هي:" فكرة مسيطرة يقيس بها مواقع الناس، وعامل مساعد يكشف به الصدق من الكذب"، بل وفلسطين لديه"دائما  تسد حلقه، كأنما هو الذي باع، والذي خان، هو الذي مات وصمد مثل الشجر، هو الذي انفجر واستشهد، هو الذي تشرد وحوصر وقاتل وقتل". ومع أن الديب لا يهمل تأثير الشروط الموضوعية التي تساهم في خلق الوعي وتشكيل البشر، إلا أنه يميل بقوة للاعتقاد بأن بوسع الانسان، بل وواجبه، أن يتجاوز كل الظروف وأن يتحكم في حياته في مواجهة كل شيء، تلك هي القضية الأخلاقية الأولى في إبداع الديب كله: المسئولية الشخصية، الأخلاقية والانسانية، عن مواجهة المنظومة السياسية والفكرية المنهارة، هذا أو أن يلقى الانسان عقابه فينزلق إلي الخواء،والوحدة، وتقديس المعايير الاجتماعية التي تمجد الثروة والنفاق والكذب. هكذا تتصدر مسئولية الانسان الأخلاقية المشهد الأدبي لدي علاء الديب، وتكاد أن تكون عقدة العمل الأدبي وجوهره. لهذا فإن كل شخصيات علاء الديب من دون استثناء تكابد الوحدة والاغتراب المرير بعمق، ومعظمها من مثقفي الطبقة الوسطى التي تشتبك بدرجات متفاوتة مع الابداع. يلوح قدر الوحدة والاغتراب لدي الديب منذ روايته الأولى" القاهرة" 1968، إذ يطالعنا الديب بشخصية"فتحي" التي تجسد الخواء الروحي القاسي. موظف شاب يحيا مع امرأة تراه"شخص مترهل تعس.. لكنه فرصتها الأخيرة"ويراها هو مجرد "إطار كاوتش لم يعد صالحا للاستعمال"، وحينما تفاجئه المرأة بأنها حامل فإنه يرتبط بها لكنه يقوم بخنقها في الليلة الأولى من الزواج. ويقول في دفاعه في المحكمة:" لم أقتلها لأنها بغي.. لم أكن اريد لابني أن يولد.. كنت أريد أن أتأكد من أن حياتي لن تلوث الجيل القادم.. وأن الدنيا لن تشهد فتحي آخر". يأتي دفاع فتحي أقرب ما يكو إلي بيان بانسحاب المثقف، وهزيمته، بل وانتحاره بعد نكسة 1967، مدركا – سواء أكان على حق أم لا- أنه لم يترك أثرا، والأقسى أنه لا يود أن يترك أثرا، بعد أن انزوى حسب اعتقاده" كل وجه نبيل وكل قيمة شريفة"، فلم يبق سوى أن يعيش وحده " هذا الخواء المرعب". ويظل بيان موت المثقف الذي أعلنه الديب في روايته الصادرة بعد النكسة مباشرة يحكم وينتظم كل أعماله اللاحقة من دون استثناء حتى روايته الأخيرة "أيام وردية" الصادرة عام ألفين، مرورا بثلاثية الديب :" أطفال بلا دموع" 1989، و" قمر على مستنقع"1993، و"عيون البنفسج" 1999. في كل أعمال الديب اللاحقة على " القاهرة" نرى ثمار النكسة – بعد حوالي ربع قرن من وقوعها- وقد تجسدت وأصبحت جزءا من التكوين النفسي والفكري للبشر الذين تشبعوا بالمرارة واليأس والانتهازية والهروب من كل مواجهة والتطلع إلي النقود ، والشعور بأنه ما من مخرج وما من ضوء في نهاية النفق. وبينما يشير الديب إلي الظروف التاريخية التي خلقت كل ذلك، فإنه لايكف في الوقت ذاته عن تحميل الانسان مسئولية شخصية أخلاقية عما آل إليه وجوده. في ثلاثية الديب يتناول الكاتب حياة أسرة تتألف من الزوج  د. منير في " أطفال بلا دموع"، ثم زوجته د. سناء في " قمر على مستنقع" وأخيرا ابنهما تامر في" عيون البنفسج". في الروايات الثلاث القصيرة نقرأ القصة على لسان الراوي، الشخصية الرئيسية، لننتهي إلي تأمل أسرة يعيش كل فرد منها بمعزل عن الآخر بل وعن الآخرين، ويعاني بمفرده من الوحدة والخواء، قدر شخصيات علاء الديب المرير.  لايلي الديب في أعماله اهتماما جماليا خاصا للغة بحد ذاتها، ويعتمد البناء الفني لديه أساسا على"المونولوج الداخلي" للراوي، و"الفلاش باك"، ونثار أحداث صغيرة متفرقة يومية،أما أفعال الشخصيات فلا تأتي استجابة لأحداث محددة لكنها تنبع من الداخل، أقرب لحوار مع النفس، ويكاد العالم الخارجي لديه أن يكون تكئة لحديث النفس، لهذا يلقي الشعر بظلاله وعطره على الروايات، ولا يعوض شحوب العالم الخارجي الواقعي سوى ذلك الصدق المرير والأمل الخافت الذي يتنهد بروح الكاتب في الروايات. في"أطفال بلا دموع" يقدم لنا علاء الديب دكتور منير أستاذ الأدب العربي بإحدى الجامعات الخليجية، المفكر العربي، الذي هجر كل آماله أو هجرته هي، وهاجر متفرغا لجمع الأموال بكتابة أبحاث في قضايا قتلت بحثا مثل غزل المعلقات. ينفصل عن زوجته د. سناء ويتذكرها بصفتها" بنت مصر الجديدة والنادي.. لا تعرف إلا المرحاض الأفرنجي والاستلقاء عارية في البانيو الفاخر وتدليك فخذيها ويديها بالكريم". يقول د. منير لنفسه : " كنت وحيدا. ومتى لم أكن وحيدا؟". وفي وحدته يشتاق لبلدته في الصعيد، وللشجرة التي يتكرر ظهورها في أعمال الديب رمزا للطبيعة، لكن أشواقه تلك تحوم حول قرية لم يعد لها وجود، مثل الفردوس المفقود. أما الحقيقة الصلبة فهي أنه يعيش على كتابة المقالات الجوفاء، وتدريس قشور العلم، ويتجرع مرارة الافتراق عن ولديه اللذين انتزعتهما منه زوجته بعد الانفصال. يتذكر الولدين في حلم:" يصرخان في وجهه بلا صوت، عيونهما من حجارة مليئة بدموع لا تنحدر.. أمسك وجهيهما. أهز الوجه. لا أسمع لهما صوتا ولا الدموع تنهمر". كيف أطبقت الوحدة والغربة والنهم إلي المال قدر إنسان كان يوما مشغولا بأحلام كبري؟. في الجزء الثاني " قمر على مستنقع" تحكي د. سناء زوجته القصة من وجهة نظرها، وتقدم لنا حياتها معه على أنها كانت" جحيما في جحيم"، وأن د. منير لم يكن سوى" ماكينة بشعة للأكل والجنس والنقود"أما عن علاقته بالثقافة فتقول إنه كان" يغلق على نفسه حجرة المكتب.. يغيب ساعة أو ساعتين، يخرج منتصرا يحمل كومة أوراق، يلقي بها أمامي، يقول: خمسمائة دولار ياهانم.. مقال رهيب عن التصوف الإسلامي"! أما السنوات التي قضتها معه في الخليج فلم تكن إلا غرقا في " مستنقع الغباء والأنانية والنفط". وخلافا  لحكاية د. منير فإن قصة سناء تكاد أن تخلو من ضغط الهموم العامة، ما عدا إشارتها العابرة لاختلاف أحوال مصر بعد وفاة عبد الناصر، وإلي تبدل البشر، وهجرة أخيها أمين الذي كان يتحدث عن:" طب الريف، وخدمة الفقراء، وتبسيط العلاج والمصاريف.. كيف انسحب؟". ومثل كل شخصيات الديب تعاني سناء كما تقول من:" الفشل والضعف والوحدة الحارقة". الجزء الثالث" عيون البنفسج" يصل فيه المؤلف إلي حالة جديدة مجسدة في شخصية " تامر" ابن منير وسناء، فإذا كان الوطن قد تعرض من قبل لهزة ونكسة لكنه بقى ملاذا ، فإن ذلك الوطن يتلاشى  تماما لدي ابنهما تامر الذي تحاصره – مثل كل شخصيات الديب- " أحزان الوحدة الخانقة". تامر رمز لجيل آخر مختلف، حيث لم يعد  لشيء أي شيء معنى أو قيمة.  يشعر تامر بأنه " بلا جذور، معلق في الهواء"، ولم تعد هموم الوطن هي سؤاله، فقد انقلب السؤال إلي: هل ثمت وطن أصلا؟. إنه يسأل صديقه حسين كاظم " أنا لم أعد أعرف ماذا يعني أن أكون مصريا؟ هل تستطيع أن تقدم لي تعريفا للوطن؟!". وينتهى الجزء الأخير من الثلاثية بهزيمة حسين كاظم صديق تامر الذي يقع هو الآخر في فخ الهجرة بعد أن ضاق بالفقر وقرر السفر إلي الخليج. بهذه الهزيمة الأخيرة، هزيمة حسين كاظم تنتهي عيون البنفسج، وتنتهى معها ثلاثية الغربة والوحدة، قدر المثقف المهزوم، وهو الموضوع الرئيسي لروايات وقصص علاء الديب، وإليه يعود في آخر رواياته " أيام وردية" فيقدم لنا أمين الألفى تجسيدا لكل ملامح بطل الستينات الذي حطمته النكسة وأطاحت أحلامه في التحرر، والعدل. أخلص من صميم قلبه لتلك الأحلام، لم يبدل جلده ، ولا تماشى مع التيار، فأخذ الواقع الجديد يطحنه على المستوى العام وعلى المستوى الشخصي في علاقته بزوجته شادن التي تعرف إليها ذات يوم بعد النكسة حين كانت : " تجرى في مكاتب الجرائد والمجلات، تكتب موضوعات لاعلاء كلمة اليسار وقوى الشعب العامل، مندفعة متحمسة" ، فإذا بها تقع بعد النكسة في قبضة " الحاجة زينب" التي عادت من الخليج مسلحة بكل قيم الرجعية، وإذا بزوجته تختلف، فلا يكاد يعرفها، إلي أن ينفصل عنها. وتحط الكآبة على روحه وتؤدي به لدخول مصحة نفسية. يقدم الديب بطله بصفته " مفكر عربي" ويقصد بذلك ما جاء لاحقا من أن فلسطين بالنسبة للألفي هي" النغمة الحزينة الممضة التي تربض تحت كل الأيام والساعات.. نغمة تتصاعد في القلب مستمرة ثابتة رغم طبول الأكاذيب". لكن أمين الألفي، المثقف، العربي، المصري، لايفلت من مصير د. منير، وسناء، وتامر، ومن قبلهم فتحي في " القاهرة". مجددا يعزف الديب على وتر الوحدة والضعف. أما الشخصيات التي تبشر بالأمل، أوتجرب الانتصار والتحدي، فإنها تلوح عند الكاتب من بعيد، شاحبة، كأنما لابد من الاعتراف بإمكانية وجودها نظريا لكن من دون حماسة المؤلف لها. إن الصدق مع النفس، والاعتراف بالهزيمة، هو السمة الايجابية العظيمة لشخصيات لا تخدع نفسها، ولاتكذب، ولا تداري حقيقة الهزيمة التي لحقت بها. شخصيات علاء الديب كما يصف إحداها "انتصاراتها مهزومة وهزائمها تنتحل رايات النصر". ويضيف الديب: " لكن أليست هذه هي قصة هذا الزمن الذي نعيش فيه؟"! . يقول علاء الديب في أوراقه إن والده كان: " ينقل إلي جليسه محبة وسكينة". هذا بالضبط هو الأثر الذي كان علاء الديب يتركه في أصدقائه ومحبيه" محبة وسكينة"، لكنها مشبعة بشجن عميق وأسى على العالم والبشر. ظل على مدى أربعين عاما يقدم في الصحافة باب" عصير الكتب" ويعرف القراء بالكتاب الجدد بدأب وصبر، مرورا بمجموعاته القصصية الخمس، ورواياته الخمس، وترجماته التي تنوعت ما بين القصة والمسرح. كنت أجلس معه ساعة أو ساعتين فلا أسمع منه أبدا كلمة    " أنا " ولا أية إشارة عابرة لأعماله. يحدق بك باهتمام ويسأل:" كتبت حاجة جديدة؟". أو يتناول كتابا ويدفع به إليك قائلا:"اقرأ قصص هذا الشاب، ممتاز". لم أسمعه مرة يغتاب أحدا أو يقلل من شأن أحد. رحل علاء الديب عن عالمنا في 18 فبراير هذا العام. فارقنا إنسان تمتع بموهبة حب الناس الفريدة، وكاتب تجاوز دائما النقص في محاولات الآخرين وفيهم أنفسهم متطلعا إلي أبعد من ذلك: ربما يحل يوم يصبح فيه أولئك البشر أفضل، وذلك الأدب أجمل؟ ولأجل يوم كهذا يمكن التشبث حتى النهاية بحب الناس والأمل. لاشي يقال عند الوداع سوى أن كلمات الوداع مرة، والموت مر، وكل شيء يسرق الإنسان من إنسان. 

 

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

المناضل الشيوعي العراقي عبد السلام الناصري في ذمة الخلود

رحل عنا يوم الاثنين الماضي 28 اذار 2016 المناضل الشيوعي المخضرم عبد السلام الناصري (أنور مصطفى ـ ابو نصير) وهو من الرعيل الاول من الشيوعيين العراقيين او كما يسمى هذا الجيل (الحرس القديم)، حيث عاصر الشهيد الخالد فهد وساهم في قيادة الحزب الشيوعي العراقي مبكرا كعضو في اللجنة المركزية، اعتقل في العهد الملكي من قبل الاجهزة الامنية (مديرية التحقيقات الجنائية). اطلق سراحه بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ليلتحق بقيادة الحزب ثم عضو مرشح للمكتب السياسي. ارسل بعدها للدراسة الحزبية في موسكو وضمن خطة صيانة، تتضمن ارسال قسم لا بأس به من القادة والكوادر المتقدمة للدراسة في البلدان الاشتراكية، كضمان احتياطي للحزب وخصوصا بعد ان قلب الزعيم عبد الكريم قاسم ظهر المجن للحزب على اثر احداث الموصل وكركوك عام 1959. بعد انقلاب 8 شباط الدموي 1963 نشط الفقيد الناصري في الخارج لقيادة حملة مناهضة للانقلاب وحرسه اللاقومي ولملمة الرفاق في الخارج للاتصال بما تبقى من قادة في الداخل واعادة بناء الحزب المشتت على اثر الضربة القاسية التي تعرض لها، وابرز من ساهم معه من الخارج في اعادة البناء هم القادة آرا خاجادور والفقيدين ثابت حبيب العاني وحسين سلطان صبي، برز الناصري في تلك الفترة كناطق رسمي باسم الحزب وبدعم من الكرملن، مما ولد انطباعا عاما بان الناصري هو السكرتير القادم للحزب الشيوعي العراقي، في اب 1964 وفي مدينة براغ عقد اجتماع لما تبقى من اعضاء اللجنة المركزية وبحضور بعض الكوادر، وهو الاجتماع الذي انبثق منه ما يعرف بخط آب، وتم فيه اختيار عزيز محمد سكرتيرا للحزب باعتباره عضوا اصيلا في المكتب السياسي قبل 8 شباط والناصري عضو مرشح للمكتب السياسي وفي اجواء لا تخلوا من هواجس وترددات طائفية، مهدت لمرحلة تكريد جديدة لقيادة الحزب استمرت لغاية 1993 حيث ابعد عزيز محمد من قيادة الحزب في ما يسمى بالمؤتمر الخامس، بعد تصاعد روائح نتنة من فساد مالي واخلاقي وخروقات امنية وانحرافات حزبية لعزيز محمد وبطانته، تركت اثرها وتوابعها على مسيرة الحزب اللاحقة لينتهي به المطاف في دهاليز السياسة الانكلوأمريكية ومجلس الحكم البريمري ومستنقعات الاحزاب الكردستانية واخيرا مسح الاكتاف واللهاث وراء الاحزاب الدينية . على اثر اجتماع اب 1964 وانشقاق القيادة المركزية 1967، اعتبر الناصري من عرابي خط اب وناله ما ناله من محاولة اساءة وتهميش لغرض امتصاص نقمة واعتراض القاعدة الحزبية، في حين ان خط اب تم اقراره بقناعة عامة للجميع او الغالبية العظمى من قادة الحزب باستثناء اعتراضات وتحفظات قليلة وخجولة (أكد الناصري تلك الحقيقة لأحد زائريه من الاصدقاء بعد الاحتلال الامريكي رغم صمته وشبه انعزاله وابتعاده عن الحزب في تلك الفترة)، ومع هذا تم الاطاحة ببعض الرفاق لارضاء القاعدة وليحتفظ الاخرين بمراكزهم ضمن مناورة حزبية من عزيز محمد وبطانته. بعدها وصولا الى انقلاب البعث في 17 تموز 1968 ومباحثات الجبهة مع البعث، برز الجفاء بين الناصري وعزيز محمد، وجه خلاله الناصري نقد لاذع وشديد اللهجة لعزيز محمد عبر رسائل حزبية، في المؤتمر الوطني الثالث 1976 للحزب عاد ابو نصير الى قيادة الحزب بعد توسيعها الى 44 عضوا في اللجنة المركزية. خلال الهجمة الشرسة لاجهزة الطاغية صدام ضد الحزب 78 ــ 79 وما رافقها من هجرة جماعية لقيادة الحزب. آثر الناصري البقاء داخل العراق لاسباب وظروف غير معروفة ولم ينحني امام كل مغريات النظام البعثي، وعانى من ظروف معيشية صعبة وقاسية وخصوصا في فترة الحصار الاقتصادي على البلد. في المؤتمر اللاوطني الرابع (سيء الصيت) 1985 أعتبر الناصري خارج القيادة ضمن حملة التصفيات التي قادها عزيز محمد وبطانته العفنة لخيرة المناضلين في الحزب وتحت مسميات هزيلة (اجتمعنا ليلغي نصفنا النصف الآخر، التخلص من الحواشي الرخوة في قيادة الحزب). بعد الاحتلال الأنكلوأمريكي للعراق والتحاق الحزب الشيوعي العراقي بالقطار الامريكي ومجلس الحكم البريمري، اعتكف الناصري في منزله مبتعدا عن مستنقع الخيانة محافظا على تاريخه الثر والنقي رغم قساوة الظروف في جميع نواحي الحياة، رافضا كل محاولات الاتصال به من جهات اعلامية مختلفة وحتى الباحثين وطلاب الدراسات العليا للاستفادة من ذكرياته حول تاريخ الحزب الشيوعي العراقي والحركة اليسارية في العراق، ليرحل الى مثواه الاخير بهدوء. بعد الرحيل كتبت احدى الجهات نعيا للناصري، قفزت فيه على الكثير من المراحل واختلط عليها الاسم الحركي للناصري في محاولة بائسة لتجيير تاريخ الرجل لصالحها بعيدا عن اي نبل انساني من حاملي اسم النبل ظاهريا ولاغراض المدح الذاتي الغادوي .

سيبقى انور مصطفى نورا صافيا في سماء العراق وداعا ابا نصير يا نصير الفقراء المجد والخلود للمناضل عبد السلام الناصري

 

خالد حسين سلطان

بغداد / 2ـ4ـ2016

 

في وداع زها

khadom almosawiخبر تناقلته وكالات الاخبار ونشر عبر الفضاء الالكتروني. زها حديد توفيت في مستشفى في مدينة ميامي في امريكا وهي تعالج من التهابات رئوية.. نوبة قلبية مفاجئة نقلت زها من عالمنا الذي تركت فيه ما يبقيها حية فيه طالما بقيت شواهدها شاخصة لمن يرى او يسمع. انجازات معمارية مشهود لها فيها. رحلت بعيدة عن مكتبها في لندن وعن مسقط رأسها في بغداد، (31/10/1950).

قال مكتبها في بيان "بحزن كبير تؤكد شركة زها حديد للهندسة المعمارية ان زها توفيت بشكل مفاجئ في ميامي هذا الصباح (31/3/2016). كانت تعاني من التهاب الشعب الهوائية اصيبت به مطلع الاسبوع وتعرضت لازمة قلبية اثناء علاجها في المستشفى". وأضاف البيان ان "زها حديد كانت تعتبر الى حد كبير اهم مهندسة معمارية في العالم اليوم".

وتابع مكتبها "عبر العمل مع شريكها باتريك شوماخر، كانت تهتم بالعلاقات بين الهندسة المعمارية والمناظر الطبيعية والجيولوجيا، وأدخلتها في ممارسة مهنتها مع تكنولوجيا خلاقة وترجمت في غالب الاحيان عبر اشكال هندسية غير متوقعة ودينامية".

نعتها اوساط رسمية ومهنية وخسرها مكتبها وأخواها وعائلتها وبلدها الاصلي الذي تمنت ان تشارك في اعادة اعماره من تدمير الحروب وتخريب الاحتلال الامريكي البريطاني، والبلد الذي عاشت فيه وحملت جنسيته، والعالم كله ولاسيما الدول التي صممت فيها ما تميزت به ومن وما ارتبطت معه بمشاريع جديدة لم تستطع ان تنجزها وستظل تحمل اسمها المختار لها رغم الرحيل عنها قبل التنفيذ والانجاز.

استلمت جوائز وميداليات ذهبية، تقديرا واحتراما لإبداعها وإنتاجها وخطوط معمارها واجتهاد فنها. جوائز لأول امرأة في تاريخ الابداع المعماري وجوائز لامرأة اثبتت بجرأة وجدارة استحقاقها وحقها وإصرارها على ما اقتنعت به ورسمته مخيلتها ووضعته في تاريخ المعمار والعمران.

صرحت لدى تسلمها جائزة بريتزكر للهندسة المعمارية في 2004 "اعتقد ان تعقيدات وديناميات الحياة العصرية لا يمكن عكسها في الاشكال الكلاسيكية القديمة". وقالت ان "الشعور الاولي بالتجريدية والغرابة لا يمكن تجنبه وهو ليس مؤشرا الى ارادة شخصية".

حزنت لفقدها والدها محمد حديد (1999 - 1907)،  الوزير اليساري بعد ثورة تموز 1958،  قبل ان يرى ما وصلت اليه في مجال اختصاصها وإبداعها، وها هي ترحل مبكرة، مسجلة انذارا متقدما لموت مفاجئ وسريع وغير متوقع. ناقوس يعلن الفجيعة ويخاطب غيرها استعدادا لرحيل غير مأمون وتحضيرا ليوم عاجل. . عاجل، مهما أوجل او تأجل.

بعد ولادتها في بغداد اكملت مرحلتها الاولى من الدراسة فيها، وانتقلت الى بيروت لدراسة الرياضيات في الجامعة الاميركية، ومن ثم التحقت بالجمعية المعمارية في لندن ونالت منها اجازتها عام 1977. وأصبحت لاحقا مدرسة فيها ومحاضرة في جامعات عديدة. وأسست شركتها الخاصة  Zaha Hadid Architects عام 1979، وكانت أول امرأة تنال سنة 2004 جائزة "بريتزكر" التي تعد بمثابة "نوبل" الهندسة المعمارية. وفي العام 2015، اصبحت أول امرأة ايضا تنال الميدالية الذهبية الملكية للهندسة المعمارية، بعد جان نوفيل وفرانك غيري وأوسكار نييماير.

نالت  في العام 2010 جائزة "ستيرلينغ" البريطانية وهي احدى اهم الجوائز العالمية في مجال الهندسة، كما منحت وسام الشرف الفرنسي في الفنون والآداب برتبة كوموندور وسمتها اليونيسكو "فنانة للسلام". وفي العام نفسه، اختارتها مجلة "تايم" من بين الشخصيات المائة الاكثر نفوذا في العالم. كما منحتها الملكة اليزابيث الثانية لقب ليدي في 2012 وحصلت على الميدالية الذهبية الملكية البريطانية لأعمالها في شهر شباط/ فبراير الماضي.

هذه الجوائز والألقاب الشرفية اعتراف بما قدمت وشهادة لما ابدعت. لولا عطاؤها لما عرفت. المهندسة المعمارية التي كتب اسمها عنوانا للابداع والاختصاص والابتكار. عراقية المنطلق بريطانية المكسب عالمية الشهرة. ..اكاديمية المظهر... معمارية المبنى. مبدعة بامتياز.

عندما حصلت على ميداليتها الذهبية في شباط/  فبراير الماضي قالت زها انها فخورة لكونها أول إمرأة تحصل على هذه الميدالية رفيعة المستوى بصفتها. وقالت :"لقد أصبحنا اليوم نرى معماريات من النساء رائدات أكثر من أي وقت مضى". وأضافت: "هذا لا يعني أن الأمر سهل،  بعض الأحيان التحديات تكون هائلة، ولقد حدثت تغيرات مهولة في الأعوام الماضية، ولكننا سوف نستمر في مجاراة ذلك".

رحلت زها حديد، وبقيت اثارها شهادة خلود لها وسجل اقرار لمواهبها وتذكيرا باسمها وإبداعها وبلدانها التي فقدت فيها ما لا تعوضه الكلمات.

 

كاظم الموسوي

 

 

لماذا لم تقرع الأجراس لإمبراطورة العراق زهاء حديد ولم تقام لها أقواس النصر في وطنها العراق قبل وفاتها؟

hashem mosawiاعتاد الأباطرة العظام، عبر صفحات التاريخ، عندما يحققون نصراً على أعدائهم، ويعودون بجيوشهم الجرارة إلى بلدانهم، بعد أن يكونوا قد أحلوا الدمار، ونشروا الموت والخراب في أراضي أخرى خارج أراضيهم، تقام لهم أقواس النصر، ويأمرون ببناء صروح ضخمة تخليداً لانتصاراتهم. كل ذلك حدث منذ بدء الخليقة، وعند ظهور الحضارات الأولى: السومرية والأكدية والبابلية والأشورية والفارسية والفرعونية، وحضارات المايا. والإنكاس والفينيقية والإغريقية والرومانية، وغيرها، وحتى يومنا هذا.

والثمن كان إزهاق أرواح بشر وتهديم حضارات بشرية قائمة.. ويعود هؤلاء الأباطرة مُبلّلةٌ أيديهم بدماء قتلاهم، يجرّون خلفهم أسرى شعوب أخرى من النساء والأطفال بعد أن قتلوا كل الرجال.. ويا بلاهة التاريخ، هؤلاء تُقام الاحتفالات تكريماً لبربريتهم، وتُشاد القلاع والحصون باسمهم، وتُطلق عليهم الألقاب، وتُحاك حول بسالتهم الأساطير، ويبقي التاريخ يُزيّف سيرهم، لتفخر من بعدهم أجيالٌ ببأسهم، وشجاعتهم وسطوتهم.

 

توجد إمبراطورة واحدة فقط في تاريخ البشرية من بين كل هؤلاء الأباطرة، احتلت كل قارات العالم دون سفك دماء. وإجلالاً لها شَهِدَت، وشيّدت لها الدول من شرق المعمورة إلى غربها صروحاً حضارية، كانت تقوم هي بنفسها بوضع تصاميمها.. مُشيرةً إلى أنّ امرأةً عراقية آتية من بلاد ما بين الرافدين، وضعت تصميماتها على خارطة العالم، وختمت ختمها واشتهر اسمها لدى كل شعوب الأرض، أكثر من اسم أي قائد، أو مُفكّر أو شاعر، أو فنان عراقي تعرفه الشعوب.. تلك هي المفكرة الفذّة والمعمارية العراقية، الأسطورة.. زهاء حديد.

لا فخر لأشور بانيبال أو نبوخذ نصر أو الاسكندر المقدوني عندما قادوا آلاف البشر إلى معارك الكراهية والعنف والبغضاء.. الفخر لامرأة دخلت بلدان الفراعنة والإغريق والرومان، وامتدادات الأرض لا بآلة دمار وإنما بثقافة إنسانية مُرهفة، ومُشبعة بإحساس الإنسان بواقعه المعاصر مع نهايات قرننا الماضي وبدايات قرننا الحادي والعشرين.

 أشادت المتاحف ومنشآت السياحة والترويح، ومباني الخدمات، ومختلف المشاريع والمواقع الحضرية ذات النفع العام على المجتمعات البشرية.

أتعرفون يا من تقرأون مقالتي كيف تم استقبال هذه الإمبراطورة في أعرق المدن الأوروبية؟ عندما دُعيت إلى أثينا.. ووجد منظموا الدعوة أن أكبر قاعات هذه الدولة العريقة لا تتسع للجماهير المتعطّشة للقاء الإمبراطورة الفاتحة زهاء حديد. فأُقيم حفل استقبالها في ملعب رياضي كبير.. لتُلقي فيه محاضرتها وبوجود شاشات العرض الضخمة التي غطّت جوانب كل الاستاد الرياضي. هل نسأل أنفسنا، لم يجهل أبناء شعبنا اللامعين من مبدعينا ومُفكّرينا؟

ألم تستحق هذه الإمبراطورة فاتحة كل بلدان العالم أن تُقام لها أقواس نصر في كل المداخل الحدودية العراقية، وفي كل مدينة كبيرة وصغيرة..

ألم يكن من حقنا على حكومتنا أن نُطالبها بالتعاقد مع ابنة البلد البارة (والتي في كل مقابلة تذكر بأنها عراقية قبل كل شيء، وتعتز بعراقيتها).. كي تُصمّم مشاريع إعمار كل المدن والقرى.. لنُشير للعالم بأننا رغم المآسي والحروب والدمار التي مرّت علينا طوال العقود الأربعة الماضية، فلا زال إبداعنا قائم، ومجتمعنا يحمل في داخله الصفات الذاتية التي تضمن له استمرار دوره الريادي بين شعوب العالم.

وليعلم الجميع وحكامنا أولّهم أن أمام كل مجتمع غاية، فهو يندفع في تقدّمه إما إلى الحضارة، وإما إلى الانهيار عندما يفقد المجتمع ثقته بنفسه، وتتقدّم الحركة لديه، فإنّه يفقد حتى تاريخه القديم، ويُصبح لا غاية له.

المرحومة الإمبراطورة زهاء حديد، الأسطورة، والمعجزة، بعد أن أعادت لنا كرامتنا وثقتنا بالنفس، بعد أن كانت قد تعفّرت بمستنقعات حروب همجية واحتلال وحشي .. وغياب الألق العراقي الأصيل الذي عرفته البشرية عنّا، بألم بالغ وصلنا اليوم خبر وفاتها

فهل هناك من قادتنا من يقرأ ما نكتب؟ وهل فيهم واحدٌ يفهم ما نُريد؟

 955-abod

د. هاشم عبود الموسوي

 

عطا ترزي باشي ورحيل قامة ثقافية عراقية

954-ataبعد صراع طويلٍ مع المرض، توفّي مساء الخميس (31/3/2016) المحامي والكاتب والصحفي والباحث والفلكلوري الكبير "عطا عمر ترزي باشي" عن عمرٍ يُناهز 92عاماً .

برحيله فقدنا علما قديرا من اعلام العراق الذي أثرى الصحافة العراقية والتركمانية  بكتاباته وبحوثه التي تناولت التاريخ الأدبي واللغوي والفولكلوري والتاريخي لمدينة كركوك وتوثيق تراثها اضافة الى فترات ممتدة من تاريخ الصحافة التركمانية في العراق .

"عطا " قامة من القامات العراقية الرفيعة في مجال البحث في الثقافة والصحافة والفلكلور ، الذي ساهم بقدر كبير في إثراء الحياة الفكرية العراقية بما قدمه من الكتب والمقالات والدراسات الادبية والتاريخية فيما يخص الثقافة التركمانية باعتبارها جزء اساسي من الثقافة والهوية العراقية ، وكانت المحطة الأبرز في مسيرة "عطا "هو تعريفه بالهوية الثقافية لتركمان العراق على مدى اكثر من نصف قرن .

"عطا " كاتب صحفي كتب باللغتين العربية والتركية وساهم في تحرير معظم الصحف والمجلات التركمانية الصادرة في كركوك وبغداد في العهد الملكي والجمهوري مثل صحيفتي (آفاق) و(بشير) ومجلة (الإخاء ـ قارداشلق).

نشراولى مقالاته في في جريدة الجهاد البغدادية بتاريخ 25/4/1946بعنوان(جسر كركوك) كما نشر في صحف الشورى والسجل والنداء البغدادية ومجلة (الرسالة) المصرية و(الأديب) اللبنانية و(الحديث) السورية مطلع الخمسينيات.

"عطا" لم يلق الاهتمام اللائق بعطائه الثر ولا بمقامه في بلده العراق ولم يمنح العضوية في المجمع العلمي العراقي ولم تعره الجامعات العراقية اهمية ! للأسف ولم يطرز صدره بوسام عراقي لا في زمن النظام السابق ولا في العهود التي سبقته  ولا في العهد الحالي الذي يدعي العدالة والديمقواطية ! فيما منحته معظم الدول الناطقة بالتركية شهادات الدكتوراه الفخرية  لشخصه وفتحت جامعاتها الابواب امام الباحثين ومنحتهم شهادات الدكتوراه للبحث في ارثه الابداعي ونتاجه الادبي والفلكلوري .

رحل "عطا " بعد نهاية رحلة طويلة بين الصحافة والأدب والقانون تارك ورائه ارثا من المؤلفات والكتب التي بلغت 35 مؤلفا ومئات المقالات والدراسات التي تعتبر مراجع هامة لكل باحث يود الخوض في الثقافة والتراث التركمانيين كما جاء في (الموسوعة الحرة )منها :

ـ موسوعة شعراء كركوك ـ (10 أجزاء).

 ـ الأمثال الشعبية في كركوك

 ـ أغاني (خويرات) كركوك

- حكاية ارزى وقنبر-  ترجمت إلى الفرنسية ، وطبعت في العراق وإيران وأذربيجان وتركيا .

- تاريخ الصحافة والمطبوعات في كركوك 1879 ـ 1985.

- والعديد من الكتب والمؤلفات الاخرى

برحيل عطا ترزي باشي هوت نجمة من نجوم كركوك وانهارت قلعة من قلاعها الثقافية والفلكلورية التي قلما يأتي الزمان بمثلها .. نعزي انفسنا والوسط الثقافي العراقي برحيل نخلة عراقية مثمرة .. رحيل شخصية قانونية ادبية صحافية فلكلورية مخلصة للبحث والتقصي .. ومنتج ثقافي من نوع خاص ..شخصية مستقيمة سواء في حياته المهنية كمحامي او حياته العامة قضى حياته اعزبا اقترن بالثقافة كشريكة عمر له ولم يصادق الى الكتب فعاش في بيت بسيط زاهدا بعيشة متواضعة رغم فرصه الكثيرة التي سنحت له للاغتناء واليسر ،الا انه آثر العمل بتواضع وصمت وهدوء مندمجا مع ابحاثه بعيدا عن الضجيج .. فرحل من الدنيا وهو يتأبط زهده في الدنيا وزاده اوراقه وحروفه الغنية .. الرحمة على روحه ..

 

زاهد البياتي

 

يونس صالح بحري الجبوري العراقي أسطورة

saleh altaeiمنذ مدة ليست بالقصيرة وأنا أتابع ما ينشر عن شخصية أسطورية مشاكسة، هذه الشخصية المحيرة الغريبة لعراقي اسمه يونس صالح بحري الجبوري، وقد دهشت من قدرات هذا الرجل الفريدة، فهي لا يمكن أن تجتمع كلها عند إنسان واحد على وجه البسيطة غير الإنسان العراقي الأصيل، هذا الكائن الذي ملأ الدنيا وشغل الناس على مر التاريخ. ومن المستحيل أن يتمكن إنسان ما مهما امتلك من قدرات خارقة أن يجمع أصنافا من الأعمال المتناقضة جدا، فيكون السيد والعبد، والمؤمن والسكير، والبتول والداعر في الزمان والمكان نفسه، وإلا بماذا نفسر اشتغال يونس صالح بمجموعة وظائف متعارضة وبعيدة جدا عن بعضها، تزامن بعضها مع البعض الآخر لدرجة أنه كان يؤدي بعضها نهارا، ويؤدى نقيضها ليلا، مثل: موظف حكومي، مؤلف، رحالة، صحفي ومحرر ومراسل، مذيع، مؤذن في جامع، إمام جماعة في الصلاة، علما أنه خلال ترحاله، عمل إماما وخطيبا في عدد من الدول الأوروبية، رئيس تخت موسيقى، عازف عود، مغني، ممثل، مؤديا للرقص الشرقي، راهب، راقص في ملهى ليلي، رئيس تحرير صحف ومجلات، مفتي، مستشارا ملك ليبيا السنوسي، بطل سباحة دولي، هارب مطلوب للشرطة العراقية، محكوم بالإعدام، مدير ومذيع إذاعة برلين العربية، مارشال في الجيش النازي يرتدي الصليب المعقوف ومن المقربين لهتلر والقادة الألمان، سجين في سجن (أبو غريب) بجانب كبار ضباط العهد الملكي.

ولد يونس صالح بحري الجبوري في الموصل عام 1903، وكان أبوه ساعي بريد في الجيش العثماني، يوصل  البريد بين الموصل وإسطنبول. بمعنى أنه من عائلة بسيطة، تملك كما قليلا من التعليم، ومع هذا وضعه والده لدى أحد (الملالي) ليتعلم القران الكريم في (الكتاتيب)، ثم في مرحلة لاحقة، ألحقه بالمدارس النظامية في الموصل، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وتحديدا في عام 1921، أدخله دار المعلمين العالية في بغداد.

والظاهر أن الانتقال من بيئة مغلقة إلى بيئة مفتوحة، أثر عليه في بداية الأمر، مما حدا به أن يترك الدراسة في دار المعلمين، ويعمل موظفا في وزارة المالية، بوظيفة كاتب؛ التي استمر يزاولها لغاية عام 1923، ثم فجأة، ترك الوظيفة، وسافر إلى خارج العراق، سائحا في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية والإفريقية، زار خلالها الجزائر، والتقى بمدينة قسنطينة بالمفكر مالك بن نبي؛ الذي ترك فيه أثرا كبيرا. وفي الجزائر مارس عدة مهن، وبعد سنتين من الغربة عاد إلى العراق في عام 1925، حيث أصدر أول كتبه؛ وهو بعنوان (العراق اليوم)، لكنه  ما لبث أن عاد إلى هواية الترحال، حتى اشتهر باسم (السائح العراقي).

 

 

وفي عام  1929 زار فرنسا، والتقى في مدينة نيس الفرنسية بفتاة هولندية اسمها (جولي فان در فين)، وأراد الزواج بها، فرفضت لأنها لم تكن تحب الترحال.

وفي تلك المدة كان بناء جامع باريس قد اكتمل وفق المواصفات الغربية، حيث كان يحوي مكانا للصلاة، وسوقا، وحمامات عربية، ومطعما مغربيا، فضلا عن ملهى ليليا، وهي تناقضات غريبة. والظاهر أن هذا التناقض حفز لدى يونس روح المشاكسة، فقرر أن يؤسس لنفسه حيزا من التناقضات الخاصة به، والتي تناسب تناقضات الجامع، حيث جمع بين وظيفة العبادة ووظيفة الفن، ففي الجانب الإيماني، شغل منصب المؤذن في الجامع، وإمام الجماعة البديل عند غياب الإمام الأصيل. وفي الجانب الفني، شغل منصب رئيس تخت الموسيقى في الملهى الليلي، وعازف العود، والمغني، والممثل وبطل الرقص الشرقي، مقلدا لأشهر الراقصات المصريات. مع كل هذه المشاغل، دعاه حبه إلى الترحال إلى أن يغادر باريس، سائحا في أرجاء المعمورة.

في عام 1930 قادته خطاه إلى إندونيسيا، وخلال إقامته فيها، اشترك عام 1931 مع الأديب الكويتي عبد العزيز الرشيد بإصدار مجلة (الكويتي والعراقي)، التي توقفت عن الصدور عام 1937. وأصدر مجلة أخرى هي (الحق والإسلام)، وتزوج فتاة اندونيسية جميلة. ثم سرعان ما هاج لديه الحنين إلى الترحال، فغادرها، تاركا كل شيء. وكانت قصة زواجه بهذه الفتاة غريبة هي الأخرى، فهو حينما كان في إندونيسيا عمل مفتيا في إحدى جزرها، وفي أحد الأيام، جاءه أحد السكان الأصليين المسنين وبصحبته فتاة في منتهى الجمال، طالبا منه عقد قرانه عليها، لكنه أعجب بالفتاة كثيرا، فقرر أن يمنع هذه الزيجة ويستحوذ على الفتاة، فقال للرجل: حرام ولا يجوز شرعا لرجل طاعن في السن الاقتران بفتاة اصغر منه، فصدقه المسكين، وترك الفتاة، فقام بالزواج منها فورا. ولكنه سرعان ما تركها وعاد إلى العراق، فأصدر جريدة باسم (العقاب).  وما هي إلا مدة قليلة حتى غادرها، متجها إلى الهند. وفي الهند مارس ثلاث مهن غريبة، حيث عمل مراسلا لإحدى الصحف الهندية، وفي نفس الوقت عمل راهبا في النهار، وراقصا في ملهى في الليل، ثم هاج به الحنين، فترك الهند وعاد إلى العراق، وأصدر عدة مطبوعات. وخلال إقامته في العراق، كان أول من قدم الملك غازي من إذاعة قصر الزهور، وكان الصوت الذي يعبر عن آراء وأفكار الملك.

منذ عام 1935 ولغاية عام 1939 لم يسافر خارج العراق عدا زيارته لمنطقة عسير جنوب السعودية، ومشاركته باسم العراق في سباق لعبور القنال الانجليزي (المانش) سباحة، ومن الطريف أنه شارك في السباق دون إعداد أو تدريب، فكانت المفاجأة فوزه بالمركز الأول والميدالية الذهبية!

أما الذي دعاه إلى الخروج من العراق في عام 1939 فهو أنه كان هاربا من الشرطة العراقية، حيث صدر أمر بالقبض عليه في نيسان من عام 1939 وتحديدا في اليوم التالي لوفاة الملك غازي وذلك لأنه اصدر في هذا اليوم صحيفته (العقاب) موشحة بالسواد حزنا على غازي، وكان العنوان الرئيسي لها (مقتل الملك غازي) حيث اتهم في مقاله الانجليز ونوري السعيد والأمير عبد الإله بافتعال حادث السيارة الذي أودى بحياة الملك. وقد أثار صدور العدد الموشح بالسواد ردود فعل غاضبة خرجت على أثرها تظاهرة جماهيرية كبيرة في الموصل، حيث قام المتظاهرون بقتل القنصل البريطاني العام.

وخلال ترحاله، حط رحاله في ليبيا، وما هي إلا أيام حتى عمل مستشارا لملك ليبيا السنوسي مدة يسيرة، ثم رحل دون وداع.

قادته قدماه إلى برلين التي التقى فيها وزير الدعاية النازي (جوزف غوبلز) والدكتور (الفريد روزنبرج) منظر الحزب النازي، وهناك عمل مذيعا يقرأ التعليقات والتحليلات في محطة برلين العربية، وكان يبدأ خطاباته بجملة (حي العرب). ثم قام بجمع ما قدمه في الإذاعة  وأصدره في بيروت بكتاب  في عام 1956تحت عنوان (هنا برلين).

كان خلال عمله في الإذاعة، يروج الدعاية النازية والخطاب العدائي لبريطانيا وحلفائها. وأصبح أحد المقربين للقيادة الألمانية، يحضر الاحتفالات الرسمية مرتديا الزي العسكري الألماني النازي برتبة مارشال، مرتديا الصليب المعقوف على ساعده، مما أتاح له مقابلة العديد من رموز النازية بما فيهم الزعيم (أدولف هتلر) والزعيم الفاشي الايطالي (بينيتو موسوليني).

من طريف ما عمله من اجل جذب المستمعين العرب لإذاعة برلين أنه طلب من غوبلز أن يوافق على بث القرآن الكريم في بداية إرسال الإذاعة، فتردد غوبلز لكنه أوصل المقترح إلى هتلر؛ الذي وافق عليه بعد أن شرح له يونس أن بث القرآن الكريم سيجذب انتباه المستمعين العرب إلى إذاعة برلين، والعزوف عن الاستماع إلى الإذاعة البريطانية (BBC) التي كانت لا تذيع القرآن، فكسبت إذاعة برلين انتباه المسلمين وأصبحت المفضلة عند العرب، وبعد مدة بدأت إذاعة (BBC) ببث آيات القرآن الكريم!.

بعد سقوط برلين على يد الحلفاء، كان يونس بحري من الأسماء المطلوب القبض عليها، فقرر السفر إلى الجزائر، فوصلها في 20 مايس 1945م، وفي يوم 26 مايس 1945م وصل بالقطار إلى تونس.

والظاهر أن وسمه بالنازي، وصدور أمر بإلقاء القبض عليه، حدد حركته كثيرا، ولذا قل نشاطه عن قبل حيث عاش في بعض البلدان العربية ومنها لبنان.

في 13 تموز 1958 أي قبل ثورة تموز بيوم واحد، هرب يونس من بيروت عائدا إلى العراق بسبب المواجهات التي حدثت بين الرئيس اللبناني آنذاك (كميل شمعون) ومعارضيه من القوميين.

فأعتقل، وأودع سجن (أبو غريب) بجانب كبار ضباط العهد الملكي. ومن الطريف أن اعتقاله جاء صدفة حيث عثر عليه في منزل ابن أخيه العقيد الركن (وحيد صادق الجبوري)؛ الذي كان من بين المطلوب اعتقالهم.

بعد مدة يسيرة حكم على يونس بالإعدام، ثم تم تبديل الحكم إلى المؤبد لعدم كفاية الأدلة، وبعدها أطلق سراحه بعد وساطات كثيرة من زعماء وقادة عرب وأجانب، فافتتح مطعما في بغداد، كان زبائنه من السفراء والوزراء والكتاب، وكان يقوم بطبخ الأطباق العديدة التي تعلمها من رحلاته، ولم يستمر المطعم طويلا، حيث غادر إلى بيروت، وهناك اصدر عدة كتب ومجلات منها مذكراته في سجن أبو غريب.

وبعد حركة عام 1963، استدعاه الرئيس عبد السلام عارف، ورد اعتباره، وكرمه، فأصدر كتابا عن حركة 8 شباط باسم (أغاريد ربيع).

مع كل الدهشة التي تثيرها سيرة حياة يونس، هناك دهشات أكبر:

الأولى: أنه مع انشغاله بكل تلك الأعمال المتنوعة كان يجيد التحدث بست عشرة لغة أجنبية، وتمكن من الزواج بأكثر من ثمانين امرأة حول العالم، وأنجب أكثر من مائة ولد وبنت.

الثانية: أنه نجح في إصدار أكثر من عشرين كتابا، منها:

1. أسرار 2/مايس/1941، أو الحرب العراقية الإنكليزية. (بغداد 1968)

2. تاريخ السودان. (القاهرة 1937)

3. تونس. (بيروت 1955)

4. ثورة 14 رمضان المبارك. (بيروت 1963)

5. الجامعة الإسلامية. (باريس 1948)

6. الجزائر. (بيروت 1956)

7. الحرب مع إسرائيل وحلفائها. (بيروت 1956)

8. دماء في المغرب العربي. (بيروت 1955)

9. سبعة أشهر في سجون بغداد. (بيروت 1960)

10. صوت الشباب في سبيل فلسطين الدامية والبلاد العربية المضامة. (1933)

11. العراق اليوم. (بيروت 1936)

12. العرب في أفريقيا. (بيروت)

13. العرب في المهجر. (بيروت 1964)

14. ليالي باريس. (باريس 1965)

15. ليبيا. (بيروت 1956)

16. محاكمة المهداوي. (بيروت 1961)

17. المغرب. (بيروت 1956)

18. موريتانيا الإسلامية. (بيروت 1961)

19. هنا برلين : حيّ العرب. (1 – 8 بيروت 1956)

20. هنا بغداد. (بغداد 1938)

 

الثالثة: أنه توفي في عام 1979 ببغداد التي أحبها، معدما فقيرا لا يملك شروى نقير، فقامت "البلدية" بدفنه على نفقتها.

 

صالح الطائي

 

 

الشاعر كاظم السماوي في تقييم الكبار!!!

abduljabar noriأنهُ طودٌ شامخ، وأنوار أزلية على قمة جبل قنديل، ونوارس مهاجرة على ضفتي الفراتين، وهو نموذج أنساني للمثقف الوطني سمته الأدب الواقعي اليساري الملتزم، وشيخ المنافي،التي قضمت الغربة اللعينة الخمسين من عمره التسعين بين المجر والصين وأخيرا ثلوج السويد وغاباتها الموحشة،وبذلك لُقب بشيخ المناضلين، توأم جيفارا وهوشي منه، وأعطى سلفا نصف عمره فاتورة مبصومة من سجون الدكتاتوريات المظلمة ---- هو أبو رياض  كاظم السماوي ولادة 1919 ورحل عن دنيانا الفانية في 15 آذار 2010، تاركاً بعده أرثاً ثقافيا ثراً مترعاً بأوسع خزانة ذهبية وماسية تحوي على سبعة أو تسعة دواوين زينت أرشيف الذاكرة العراقية والعربية والعالمية بذخائرنفيسة موسومة ببصمات سومرية بمقتربات جسور عالمية من الشعر الملحمي، وأشبه ما تكون بقصائد الملهاة، فكانت سنة 1950 كتب ديوانه الأول (أغاني القافلة)، وبعد 1958 كتب الدواوين التالية : ملحمة الحرب والسلام، إلى الأمام أبداً، فصول الريح ورحيل الغريب، قصائد للرصاص --- قصائد للمطر، رياح هانوي، إلى اللقاء في منفى آخر .

والمعذرة لكوني لست ناقدا أدبيا بل  كاتبا وقارئا مدمنا على قراءة نتاجات مثل هذه القامات الشامخة والتي تركت بصماتها في ذاكرة الأدب والثقافة العراقية والعربية والعالمية، لذا وجدتُ من الضروري طرح هذا السؤال بغية مشاركة القاريء  الكريم---- السؤال : في أية بقعة يسكن كاظم السماوي في جغرافية وتأريخ الشعر الوطني والأممي الثوري؟ متمنيا أن تكون الأجابة مرضية للبعض وهي :

أولاً- يتسم شعر السماوي بمزج النشاط الوطني بالنشاط الأدبي والثقافي، بحيث لم يتمكن من أخفاء عشقه الممنوع سياسياً في جغرافية الوطن وتأريخه، فقد شرب من مرارة الغربة والبعد عن الحبيب العراق حتى الثمالة، خمسين عاما في المنفى حتى سميّ بشيخ المنافي، وهو يقترب بآهات وآلام مما تعانيه الطبقات الكادحة والفقيرة، ولم يتخلى عنهم يوما، فوجدت ترجمتها في قصائده الوطنية في حب العراق وشعب العراق، وقف شامخا متحديا الدكتاتوريات الغاشمة التي توالت على رقبة المواطن المظلوم، فتارة تجده حادياً للقافلة، وأخرى عابراً للحدود ليتصافح مع جيفارا وهوشي منه، وتلك صفات الشاعر المتمرد على الواقع المرْ، وجدتُهُ  يعلمنا الصبر والمطاولة في ديوانه " إلى الأمام أبداً "

ثانياً- أن الأنسنة تكاد تؤطر جميع قصائده، فهو نموذج أنساني للأنسان المثقف، وقد أصدر " جريدة الأنسانية " بعد ثورة 14تموز 1958، وكتب بصوتٍ عالٍ متوّج بالعنفوان والكبرياء والتحدي {أنا إنْ خسرتُ العمرَ لم أخسر خطاي --- حاصرتُ منتفضاً حصاري --- ليس من أحدٍ سواي --- فأنا التوازن والتناقض والمصير}، وتدافعت وطنيته وحبهُ للشعب الكردي أصبح من أبرز مناصري (القضية الكردية) ضد الطغيان العرقي البعثي الصدامي، لذا كتب في رثائه السيد جلال الطالاباني :{ مُني شعبنا بخسارة فادحة بفقدان رمز من رموز النضال الوطني، وعلم من أعلام الثقافة العراقية، لم يكفْ صوتهُ الهادر وحتى كان حبيس السجون والمعتقلات، مدافعا عن الفقراء والمعدمين، وكان صوته الصارخ بأناشيد الحرية عابر للأسوار ممجداً للأنسان، تعازي الصادقة لأسرة الفقيد " كاظم السماوي " ومحبيه، وأعزي نفسي بفقدان صديق ورفيق درب وكفاح } ---- جلال طلباني (رئيس جمهورية العراق).

ثالثا- ووجدتُ كاظم السماوي في (الوطنية الأممية) هوية وعنواناً في ملحمة الحرب والسلام، وقصائد للرصاص --- وقصائد للمطر، رياح هانوي، أضافة إلى كتابين الفجر الأحمر فوق هنغاريه والثاني حوار حول ماوسي تونك وبذلك وضع  مقتربات جسور الثورية الأممية مع " جيفارا وهوشي منه " ووجدت بهذه الفضاءات الثورية أبدع حين كتب عنهُ 

 " محمد شراره" – شاعر وكاتب حيث قال : أرأيت الزوبعة كيف تنطلق؟ والعاصفة كيف تندفع ؟ أو البركان كيف يتنفس ؟والغابة كيف تشتعل ؟ فأذا كنت قد رأيت هذه العوالم فأمزجها معا وأضف بعضها على بعض تجد أمامك كاظم السماوي الذي يسكب روحه في ( أغاني القافلة)  ويذيب حياته في أحداثها، أنهُ شاعر القافلة التي تسير في طريقٍ موحش تتواثب في قلبه الأشواك،  وترى في (فضائله) أرواح الضحايا، ويختلط (بنيرانه) أرواح الشهداء .

رابعاً- الغربة في شعر كاظم السماوي، بالرغم من قوة هذا الجبل الذي  يمشي على رجلين لم يتمكن من صد تيار الحنين لمدينته القاحلة بوابة أكبر سجن عراقي " نقرة السلمان" مكتوبٌ على بوابتها بيت العراقيين جميعا، وهذا مقتطف نقدي ومن أروع ما قرأت للناقد والأديب الكردي " د- نوزاد حمد عمر " في كتابه الغربة في شعر كاظم السماوي :{ لقد قام الشاعر بتوظيف الأسطورة والرمز والمفارقة والتناقض، وبهذا توصلتُ إلى الأنزياحات الدلالية في أسلوبه، وعند أطلاعي على نتاجات الشعراء المعاصرين له مثل الجواهري والبياتي والسياب وجدتُ (مقاربات أدبية أبداعية، وتقنيات السرد والموضوع وظفها الشاعر كاظم السماوي في دواوينه التسعة } .أنتهى

وقال فيه : الدكتور جورج حنا (الكاتب التقدمي المشهور): {أن أشعار كاظم السماوي وبنظر الكثيرين " هو ما يجمع بين الغايتين : أي بين اللذة العقلية والشعور النفسي وبين الألهام الذهني والفكري بحيث لا يكون الشعر قالبا فنيا فحسب بل يمتزج المتلقي مع الأحداث روحاً وفكرا في أماله وألامه، فيدفع القاريء إلى الأنتقام والثأر من الجلاد، والأرتياح عند أستلهام الآمال والتطلعات لغدٍ أفضل } أنتهى

وأخيراً--- المنافي باتت قبور عمالقة شعراء وأدباء العراق من هادي العلوي إلى الجواهري والبياتي ومصطفى جمال الدين ---- وأليك يا أبا رياض تبقى المنافي سكن لقبورنا .

المجد والخلود لشاعر السماوة، وكذلك نستلهم من شاعرنا الكبير فضاءات وأبجديات الحرية الحمراء والديمقراطية النقية  والعدالة الأجتماعية لنواصل المسير في طريق الألف ميل الذي سار فيه شاعرنا " كاظم السماوي ------

وألف تحية لأتحاد الكتاب العراقيين – في السويد على عقد أمسية أستذكار عن حياته وشعره وذلك يوم السبت 26-3-2016 بمناسبة الذكرى السادسة لرحيل الشاعر الكبير " كاظم السماوي " هنا في ستوكهولم

 

عبدالجبارنوري-السويد

 

وداعاً طرابيشي

raed jabarkhadomفي الوقت الذي تزداد فيه خطوب الدهر، ومدلهمات الزمن، وضنك العيش والحياة، من كل مكان على الانسان العربي، جراء سوء الممارسة السياسية، والفشل الاداري للحكومات والاحزاب والتيارات، وضياع الثروات، وغياب الخطط والاستراتيجيات الاقتصادية والامنية والادارية في كثير من الدول العربية، وسيطرة الحركات والجماعات الارهابية والتكفيرية المتطرفة على بنية الفكر السياسي والاجتماعي والحياتي لبعض الدول والمجتمعات والافراد، وتسيير عقول كثير من الناس نحو التطرف والعنف والكراهية، والشحن الطائفي والعرقي والمذهبي المتزايد، ودخول مجتمعاتنا في عصر التدهور والانحطاط والتخلف، من جراء تلك الممارسات، وغياب أي نور او تنوير في الافق، في الوقت الذي يشهد فيه العالم باسره لحظة تحول كبير في مجالات الحياة والثقافة والعلم والفكر، في هذا الوقت العصي العصيب الذي اشد ما نكون نحن بامس الحاجة اليه الى مفكر تنويري، او الى جماعة من المفكرين التنويرين، لتغيير نسق ونمط الافكار المشوهة والكريهة المنتشرة في عالمنا اليوم، وقد كان المفكر جورج طرابيشي، الذي رحل عن عالمنا بتاريخ 16/3/2016، احد اعلام الفكر العربي المعاصر، الذي سعى من خلال فكره التنويري الى التواصل من خلال ما طرحه من مشروع فكري الى تغيير ذلك النمط الراكد والمتخلف من طرق التفكير والحياة في عالمنا العربي، وقد تمثل ذلك من خلال ما نشره من افكار وطروحات نقدية وتحليلية جريئة وفاعلة في الوسط الفكري والثقافي والاجتماعي العربي المعاصر، وتجسد ذلك المشروع الفكري التنويري في مؤلفاته وكتاباته وترجماته، الفلسفية والفكرية والادبية والنقدية، التي انتشرت في الاوساط الفكرية والثقافية العربية منذ زمن طويل، وما يقارب النصف قرن من الزمان.

لقد عاش طرابيشي مدة زمنية حرجة من تاريخ العالم عموماً والعالم العربي خصوصاً، اذ كانت ولادته في العام 1939 وهو العام الذي بدأت فيه الحرب العالمية الثانية، والتي تخلل العالم منذ اندلاع هذه الحرب الى يومنا هذا مجموعة كبيرة من الاحداث والصراعات والتصدعات، على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والفكري سواء العالمي منه او العربي، كما ان تلك الحقبة الزمنية كانت صاخبة بالافكار والتيارات الثقافية والفلسفية والادبية والفنية، الى جانب الاحداث السياسية والاجتماعية الكبرى التي حدثت في العالم، وكان الحراك الثقافي والفكري على اوجه في العالم العربي، الذي خرج من حقب تاريخية مظلمة وجمود فكري مهول، في ظل سيطرة الاحتلال العسكري المتوالي على الدول العربية، مشرقاً ومغرباً، تمثل بالسيطرة العثمانية الطويلة على مجتمعاتنا، وبالسيطرة الاوربية ايضاً، واللذين شكلا لمدة طويلة من الزمن عائقاً وسوراً كبيراً للفساد والتخلف والانحطاط على العقل العربي، ولكن بفضل عقول تنويرية واصلاحية ناهضة وفاعلة حاولت ان تنقل العقل والانسان العربي من الظلمة والانحطاط الى النور والتقدم، وخاصة بعد ان احتك هؤلاء المفكرين بالعالم والعلم الغربي المتطور، والذي قضى فيه الفكر الغربي شوطاً كبيراً في محاربة التخلف والهمجية والانحطاط الذي مر به العقل والانسان الغربي، والذي تغير نحو الافضل والاحسن والارقى بفضل عقول وافكار وفلسفات مجموعة كبيرة من العلماء والفلاسفة والادباء، الذين غيروا وجه العالم الغربي ونقلوه من شكل الى آخر، وذلك بفضل ثورة العقل والعلم والنهضة التي قاموا بها ضد الجهل والتخلف والهمجية السياسية والفكرية والدينية والاجتماعية، التي عانى منها الفرد والمجتمع الغربي لحقب مظلمة طويلة، راح ضحيتها خيرة العلماء والفلاسفة والادباء في تلك المدة، ولكنه تم القضاء عليها بفضل ثورة العقل، التي اجتاحت اوربا بالكامل.

تلك الانوار والافكار والفلسفات لم يحجبها شيء من ان تصل الى العالم العربي، وانما حاول الكثير من المفكرين والمثقفين والمصلحين ممن تأثر بأفكار الغرب ومنجزات تلك الحضارة من محاكاتها وترجمتها والسعي لنقلها الى العالم العربي وتغيير نمط الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية نحو الافضل، ولكنهم اصطدموا بحواجز وسواتر كثيرة اعاقت مشاريعهم الفكرية من الانتشار واحداث عملية الوعي وتغيير نمط التفكير، كما ان هناك فرقاً كبيراً في طبيعة تفكير وحياة وسلوك الفرد والمجتمع العربي عن الفرد والمجتمع الغربي، وقد كان هذا السبب عاملاً معيقاً في احداث عملية التغيير الكبرى في طريقة تفكير ووعي الفرد العربي، مما شكل خيبة امل وعائقاً كبيراً في مشروع أي مفكر يقوم به. فضلاً عن الولاءات الايدلوجية الضيقة التي ينتمي لها هؤلاء الافراد والتي يصعب عليهم مغادرتها نحو عوالم ثقافية وفكرية ارحب، انهم قد ألفوا ماهم عليه من تقليد وجمود وعبودية، فضلاً عن عامل التجهيل الذي تقوم به سلطات سياسية ودينية مستبدة ومنحرفة عن جادة الصواب مستفيدة من استمرار الافراد والمجتمعات بغرقها في بحر الجهل والتخلف والظلمات.

في تلك الحقب التاريخية الصاخبة والمثيرة على كافة المجالات، عاش طرابيشي، سيما وان البيئة الشامية، وسوريا تحديداً مسقط رأسه، كانت تمر باحداث وتيارات فكرية وثقافية وادبية عديدة، نشط في ظلها طرابيشي، طالباً للعلم ودارساً ومثقفاً واستاذاً ومفكراً واديباً وناقداً ومترجماً، وقد غادرها الى لبنان مدة من الزمن، ثم سافر الى فرنسا وبقى فيها حتى وافته المنية في باريس في السادس عشر من آذار.

مشروع طرابيشي الفكري مشروع كبير، وذو طابع نقدي بامتياز، وقد كان جل دراسته واهتمامه ونقده منصباً على العقل العربي، وعلى مصادره المعرفية التراثية التاريخية، التي استقى هذا العقل جل معارفه وثقافته وعلومه منها واستند عليها في بناء منظومته الفكرية والثقافية والاجتماعية والدينية، وقد تجسد ذلك المشروع الفكري الهائل لطرابيشي من خلال مؤلفاته وكتاباته التي حملت الكثير من الهموم والطروحات والافكار التي عالجها، وقد حملت تلك الكتابات روح كل حقبة زمنية مر بها طرابيشي من مراحل فكره المتعددة، من نزعة قومية وتوجه نحو الفلسفة الوجودية، الى الغوص في مدرسة التحليل النفسي ومدرسة فرويد النفسية، الى الفلسفة الماركسية، الى كتاباته الادبية والنقدية، الى قراءته النقدية للتراث العربي ومحاولة تخليصه من نزعته الصنمية وعبوديته الطويلة للاستبداد، وايقاض العقل العربي من سباته الدوغمائي وايقاضه من استقالته وتحقيق استقلاله، والوصول به الى مديات ارحب واوسع في هذا العالم الساعي نحو التقدم في كل خطوة يخطوها، فمتى يصل الانسان العربي الى مصاف العقل الغربي الذي قطع اشواطاً طويلة نحو العقل والعقلانية وتصحيح مساراته الفكرية والاجتماعية والحياتية، من خلال انصاته لصوت العقل والعلم والقانون، وسعيه الدؤوب نحو انسنة كل شيء من خلال تعاملاته اليومية والاجتماعية والثقافية.

لقد اطل علينا طرابيشي بطروحاته الفكرية الجادة من خلال مجموعة كبيرة من كتاباته تمثلت في:

1ـ نظرية العقل العربي: نقد نقد العقل العربي ج1.

2ـ إشكاليات العقل العربي: نقد نقد العقل العربي ج2.

3ـ وحدة العقل العربي: نقد نقد العقل العربي ج3.

4ـ العقل المستقيل في الإسلام: نقد نقد العقل العربي ج4.

5ـ مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة.

6ـ مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام.

7ـ من النهضة إلى الردّة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة.

8ـ المثقفون العرب والتراث، التحليل النفسي لعصاب جماعي.

9ـ من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.

10ـ المعجزة أو سبات العقل في الإسلام.

11ـ هرطقات 1: عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية.

12ـ هرطقات 2: العلمانية كإشكالية إسلامية- إسلامية.

هذا بالاضافة الى العشرات من الكتابات والدراسات والترجمات الادبية والنفسية والفلسفية التي علت المكتبة العربية.

لقد غادرنا طرابيشي ونحن بأمس الحاجة اليه والى المئات من المفكرين الذين ترنو عيوننا صوب فكرهم وطرواحاتهم، لانقاذنا من نزعتنا الشريرة، والسير بنا نحو صلاحنا وخيرنا، والعمل على احياء نزعتنا الانسانية، وتطليق كل نزعة تسير بنا نحو الشر والعنف والتطرف والكراهية.

لقد غادرنا طرابيشي وعينه ترنو على سوريا وشعبها الممزق والمسحوق تحت لهيب العنف والحروب والكراهية، وهو الذي غادرها ومات بعيداً عنها في بلاد الغرب والغربة.

لقد غادرنا طرابيشي وهو ممزق الاوصال على الوضع العربي، ذلك الوضع المأساوي الذي تصنعه ايادي ملطخة بالدماء وتنم عن فكرٍ تكفيري عنفي متطرف، حكام وقادة وملوك ورؤوساء يشعلون حرباً بعد حرب، ويقتلون شعوبهم وشعوب الدول العربية بدمٍ بارد، تحت مرأى ومسمع الكثيرين، ودون رادع او ناه.

وداعاً طرابيشي وانت تودع هذا العالم المأزوم الممزق المتشدد، الذي اغدقت عليه من فكرك وانوارك وفلسفتك وادبك لتخرجه من الظلمات الى النور، فهل نحن نحث الخطى نحو تلك الافكار والانوار لنكون كما تريد، فهذا ما ستثبته الايام والسنين، وهو ما نتمناه من تلك المسيرة الطويلة، وان كانت تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ولكن عسى ان تكون ايامنا القادمة ومستقبلنا افضل بكثير من حاضرنا وماضينا، وان غبت عنا ياطرابيشي جسداً فهذا فكرك وعطاؤك حي خالد بيننا لم ولن يغب يوماً ما، ولن تطاله يد المنية. 

  

نخيلٌ ومدرسةٌ وأهل

 karim alasadiفي منتصف أيلول من كل عام كنّا نتهيأ للعودة الى مدارسنا بعد عطلة الصيف الطويلة التي تستمر لمئة يوم!

يتزامن مع موعد رجوعنا الى المدارس في منتصف أيلول موسمُ القطاف النهائي للتمور!

في كل مدن وقرى النخيل في العراق يمنح النخيل غلته في هذا الوقت تمراً في انتظار موسم ثمرة آخر، وبعد ان استمر موسم الثمرة لأكثر من شهرين يجتني فيه الناس من النخيل الرَطب الشهي.

مايزيد على حاجة العوائل يُهدى قسمٌ منه ويتم تسويق القسم الآخر الى البصرة عاصمة التمور في العراق والعالم!!

الرطب أشهى وأجمل وأروع من التمر بأعتقادي والأفضل منه ماكان نصفه خلالاً والنصف الباقي تمراً.

ولربما كان الرطب أروع وأجمل وأشهى أنواع الفاكهة في عموم الكوكب الأرضي، هذا فضلاً عن قيمته الغذائية التي لا تُبارى!!

لي مع النخيل وبساتين النخيل وعوالم النخيل علاقة قوية تقارن بعلاقة الطفلل بأمه، وفي مدينة صغيرة مثل المدينة التي وُلدتُ ودرستُ فيها كان بستان النخيل يعني المتنزه والمكتبة وأحياناً الملعب وشاطيء المسبح.

علاقتنا بالنخيل وبستانه يومية ففي أيام المدرسة كنّا نحضر فيه واجباتنا المدرسية وفي أيام العطل كنّا نقصده للنزهة أو لتسلق أشجاره وقطف أرطابه.

كتبتُ في الحقيقة الكثير عن بساتين النخيل وعن هذه الشجرة الرائعة الكريمة الشامخة المباركة الطيبة الحانية، وسأعود للكتابة في هذا الموضوع واصفاً ومسهباً ومدققاً فللنخلة علاقة بأخلاق العراقي وطبيعته الحقيقية وفطرته، وكيف لا ووجودها في هذا البلد ممتد على مدى دهور وألفيات وقد ربّت الأنسان ورعته، فما ان يتجاوز العراقي مرحلة الفطام حتى تبدأ علاقته بالتمر واللبن!!

بدأت علاقتي ببستان النخيل كمكتبة في الصف الخامس الأبتدائي، وفي الصف السادس الأبتدائي كنتُ أحضرهناك للأمتحان الوزاري أو أمتحان البكلوريا مثلما كنّا نسميه في العراق!

الدروس التي تخلو من الأرقام والمعادلات مثل التاريخ والأدب كنا نقرأها مشياً حيث يختطُّ  كلٌ منّا لنفسه درباً بين صفين من أشجار النخيل ذاهباً وآيباً وهو يقرأ بصوت عال.

أما دروس الرياضيات وفيما بعد الجبر والفيزياء والهندسة  المستوية والمجسمة والتحليلية  فانها تحتاج الى جلوس وقلم وورقة .

الصف السادس الأبتدائي كان الطريق الى الدراسة المتوسطة والثانوية ومن ثم الطريق الى عالم الكبار، وبعده ستتغير الأزياء التي نرتديها في المدرسة ففي الأبتدائية كان مسموحاً لنا بالذهاب الى المدرسة بالدشداشة، أما في الدراسة المتوسطة والثانوية فيجب ارتداء القميص والبنطلون.

والقميص والبنطال أو الزي الأوربي بدأ في منطقتنا في الأعم الأغلب مع جيلنا وجيل أخواننا الأكبر، حيث يرتدي معظم آبائنا الزي العراقي التقليدي القديم بالعقال والكوفية مع الدشداشة أوالصاية.

أدينا الأمتحانات الوزارية للصف السادس الأبتدائي في مدرسة الخزرجية الأبتدائية للبنين في ناحية الفهود التابعة الى قضاء الجبايش في محافظة الناصرية، وقالوا لنا ان أسماء الطلبة على دفاتر الامتحانات ستكون مغلقة وستذهب الدفاتر للتصحيح من قبل معلمين غرباء في بغداد أو في مركز الناصرية.

كنّا ننتظر النتائج بفارغ الصبر!

المدرسة في مدينتنا  مفصل مهم جداً في حياة الناس، فأعلان نتائج الأمتحانات والمسابقات الأدبية والشعرية والخطابية والمباريات الرياضية مناسبات تخص الجميع وجمهورها اناس المدينة من مختلف الأعمار والأماكن!!

قالوا ان أعلان وتوزيع النتائج سيتم في بيت مدير المدرسة الأستاذ شريف محمد الصالح، وهو من أقدم معلمي المنطقة وأكثرهم حرصاً على مستوى التعليم فيها، وقد تخرجت على يديه أجيال وأجيال!!

لم تكن هناك هواتف في البيوت بعد سوى في بيوت محدودة وفي دوائرالدولة الّا ان الخبر ينتقل بين الناس بطريقة سحرية!!

علينا ان نذهب الى بيت مدير المدرسة العم شريف الصالح أو أبو نبيل، وبيته لا يبعد عن المدرسة سوى بعض الأمتار، وله بابان، باب قريب جداً من المدرسة أما الباب الثاني فينفتح على حديقة البيت، وكانت حديقة جميلة عامرة خضراء تميزها أوراق نبات متسلق التلفون.

طلبتُ من أبي  مبلغ مئة فلس لأدفعه للمدرسة مقابل الحصول على النتيجة وهذا تقليد يشبه الواجب متبع في أوقات توزيع نتائج الأمتحانات حيث يتعين على الطلبة الناجحين فقط، لأنهم سيفرحون!!

أعطاني أبي مئة فلس وأضاف خمسين فلساً أو درهماً، فأصبح عندي ثلاثة دراهم!

ذهبتُ وطرقتُ الباب الذي كان مفتوحاً، كان الأستاذ شريف يتوسط أصدقاء ووجهاء من أهل المدينة، وقد جلسوا على الكراسي والأرائك في منتصف الحديقة أمام غرفة الضيوف، حين لمحني قادماً صاح بأعلى صوته   :

كريم .. مبروك ابني، أنت الناجح الأول وليس على المدرسة فقط، بل على كل مدارس الناحية وكل مدارس القضاء، معدلك تسعون ولديك مئة في الرياضيات!

قال هذا وبريق الفخر يشع من عينيه عابراً نظارته ووجهه الأسمر باتجاه الضيوف.

دوى بين الجمهور مايشبه الهتاف والتصفيق!

كنتُ أريد ان امنح مئة فلس واحتفظ بالدرهم المتبقي لي، ولكنني وجدتني أعطي المئة وخمسين فلساً بأكملها واستلم الورقة التي احتوت الدرجات لأعبر الجسر على فرع النهر الأول والجسر على فرع النهر الثاني والمسافة بين بيت العم أبو نبيل وبيتنا وكأنني عداء مسافات الماراثون الطويلة !!

 

من أدب المذكرات: كريم الأسدي

........................

* كتبتُ هذا النص الذي ستتبعه سلسلة نصوص من أدب المذكرات في برلين ـ في  14.09.2015

 

أيام الشاعر علي بدر الدين النجفيّة

jawadkadom gloomفي يوم صباحي حسبته رائقا وديعا بلا منغصات او مواجع، نهضت من فراشي مبكرا نشطا على غير المعتاد؛ خطرت لي فكرة ان استعيد عادتي التي لازمتني ردحا طويلا قبل ان تتوطن الأسقام والمواجع جسدي المتهالك وأظن ان الكثيرين يشاركونني تلك العادة  التي ألفتها منذ سنين طويلة ومازالت تلازمني كلما صحوت باكرا متعافيا "الإنصات بقدسيّة الى صوت فيروز"

ولكي لا أوقظ سيدتي ورفيقة عمري نؤوم الضحى فاني اختلي بغرفتي وحدي وأدندن مع صوتها السماوي الساحر حتى حفظت معظم أغانيها وبالذات القصائد والموشحات، فجاءني صوتها رخيما في أوّل أغنياتها:

"أنا ياعصفورة الشجنِ --- مثل عينيك بلا وطنِ" 

 قلت في سرّي، هذه قصيدة اعرفها تماما لشاعر صديق الى حدّ الحميمية أسمعني إياها فور ان كتبها في النجف ونحن في ميعة الصبا، توا بدأنا نرتقي سلالم الشعر ومازلنا في عتبته الأولى، هذا الشاعر اسمه " علي بدر الدين "، شاب معمّم بعمّةٍ سوداء، تعرّفت عليه مذ كان في العشرين من عمره حينما حطّ ركابه في مدينتي لأجل الدراسة، واسع الأفق، يهوى العلم والأدب، جاء الى النجف من جنوب لبنان،هو ابن قرويّ من إحدى ضيعات النبطيّة ليدرس الفقه الإسلامي في الحوزة العلمية، هذه القصيدة التي سمعتها من فمّ فيروز قد قرأها لي اواسط السبعينات من القرن الماضي حيث كنّا معا  فتيانا نهوى الشعر ونقرأ لبعضنا ما تجود به قريحتانا من براعم شعرية تنبت في نفوسنا

 لايخفى على القرّاء ان أغنية "عصفورة الشجن" من عيون الأغاني التي أدّتها مطربتنا الكبيرة فيروز في لبوس لحنها،ورقّة لفظها  وللتذكير انقل بعض أبياتها هنا :

" انا ياعصفورة الشجنِ ---- مثل عينيك بلا وطنِ

بي كما بالطفل تسرقه ----- أوّل الـلـيل يـد الوسن

واغتراب بي وبي فرحٌ ---- كارتحال البحر بالسفن

راجعٌ من صوب أغنيةٍ --- يا زمانا ضاع في الزمن

مما أثار دهشتي باطّراد ان السيدة فيروز أعقبت القصيدة الأولى بقصيدة أخرى مغناة من  نفس قريحة الشاعر عليّ بدر الدين في إداء غنائي ممتع أخر مازال رجع صداه يرنّ في أذني (وهي من الوزن البسيط) مطلعها:

لملمت ذكرى لقاء الأمسِ بالهدبِ ----- ورحت احضرها في الخافق التعبِ

أيـدٍ تـلوّح مـن غـيبٍ وتـأمـرنـي ----- بالـدفء بالضوء بالأقمار والشهـبِ

حيرى أنا يا أنا والعـين شـاردة ---- ابـكي واضحك في سـري بلا سـبـبِ

قفزت كالملسوع فور ان سمعت الأغنية التالية، وكأن سوطا يحفّزني ويدفعني لكتابة هذه الحقيقة الخفيّة، لا، لم أكن انا أحلم، فهذه القصيدة الأخرى كأختها كنت سمعتها منه وكأنّ رجع صدى السنين الماضية تتناغى وتتخاطر معي الان وتذكرت ذلك الفتى الملتهب شعرا ذا العمامة السوداء الذي أجلب له الخبز يوميا من المخبز المجاور لبيتنا بعد ان يعطيني الكارت الخاص به وهي حصته اليومية من الأرغفة التي كانت الحوزة الدينية تخصصها له فنجلس لنأكل معا بعد ان يفرش ورق الجرائد ويعملها كسُفرة طعام ونتبادل سوية ماقرأنا وكتبنا وكنّا غالبا مانلتقي في عطلة نهاية الاسبوع والعطلات الدراسية عندما آتي من بغداد حيث كنت ادرس في كلية الآداب وأعود لأهلي في النجف وأراه في الرابطة الادبية التي يرأسها الشاعر الكبير مصطفى جمال الدين لكون صاحبي عضوا فاعلا ونشيطا فيها

الى حدّ هذه اللحظة قد اكون نازعتني نفسي وتوهّمت وأخذني الشرود الذهني بعيدا، ولكي أؤكد يقيني مما سمعت، رحت ابحث في ذاكرتي عمن بقي من أصدقائنا القدامى ممن لا زال على قيد  الحياة عسى ان اظفر بالخبر اليقين اذ لم تسعفني جهينة الانترنيت بما يشفي غليلي وكل الصفحات التي أراني اياها غوغل تقول لي انها من شعر الاخوين رحباني فاتصلت بصديق مشترك بيننا يهوى الادب ويعرف هذا الشاعر كمعرفتي به يقيم في هولندا ممن كان يزاملنا وقتذاك وأكد لي صحة ظنوني وأضاف ايضا ان الشاعر علي بدر الدين عاد الى لبنان في العام/ 1980 بعد ان انهى دراسته الفقهية في الحوزة لكنه تعرّض الى الفاقة والعوز ايام الحرب الاهلية هناك واضطر ان يعرض ما كتب من قصائد للبيع الى الغير ومنها هاتان القصيدتان اللتان باعهما الى الملحن عاصي الرحباني بثمن لايتعدى الثلاثين ليرة ولاادري ان كان بخسا او مناسبا وقتذاك ولكن الذي أدريه حتما ان بضاعة الادب والشعر عندنا جدّ رخيصة في كل الاوقات حالها حال كاتب الادب والشاعر والفنان

حمدت الله على مابقي من خصب في ذاكرتي، فكم كان حدسي وهاجسي مصيبا، لم تكذب أذني ما سمعت قبلا وآناً

هذه المقايضة تبدو مشروعة في أعرافنا التجارية طالما كانت برضا الطرفين، وقد حصلت قبيل حادثة اختطاف الشاعر الفقير للمال في السنة ذاتها حيث وجدت جثته مرمية في احد شوارع النبطية بعد ثلاثة ايام من خطفه ايام كانت الحرب الاهلية تحصد الأرواح بالجملة والمفرق

انا لله وانا اليه راجعون ولكن هل ترجع القصيدتان الى من أولدهما لتنتسبا اليه؟؟

أشكّ في ذلك فالبضاعة المباعة لاتسترجع ولو كانت في سوق الأدب الكاسد

 

جواد غلوم

 

جورنالجي عابر للأجيال

كثيرون هم الأشخاص الذين يرحلون عن عالمنا هذا دون أن يتركوا بصمات واضحة في حياة الناس وثقافتهم، ولكن هناك قلة وهبها الله وحباها بالموهبة والإرادة، صقلتها التجارب وحنكتها المحن، فإذا ما غادر واحد منها هذه الحياة أفل نجم في سماء الثقافة والفكر، محمد حسنين هيكل واحد من هؤلاء، رجل من جيل العمالقة جيل التحرير والتنوير، جيل الفن الراقي والأدب النهضوي التجديدي الحداثي،  أدب المازني والعقاد،  طه حسين،  توفيق الحكيم، فؤاد نجم، عبد الرحمان الأبنودي، يوسف السباعي ونجيب محفوظ ..، جيل الأحلام العظيمة والمعارك الشريفة مقارعة الاستعمار،  الوحدة والتحرير، إنه جيل النهضة الموؤودة الذي أفل، جيل منفتح على العالم بشرقه وغربه متجاوزًا حدود اللغة والجغرافيا، جيل الأسئلة العميقة، والأفكار الحية هيكل الذي قال عن نفسه إنه رجل محظوظ، بدأ العمل الصحفي في جريدة "إجبيشيان جازيت " من محقق صحفي عن بنات الليل إلى ساحات الحرب العالمية الثانية مراسلاً صحفيًا، إلى عالم السياسة منظرًا ووزيرُا، فكاتبًا مبدعًا قريب من الملوك والرؤساء شرقًا وغربًا صديقًا لهم وجليسهم،  وهيكل كاتب ولدت مهنة الجورنالجي في دمه، ذكر حادثة له مع عبد الناصر لما عين وزيرا للإعلام، وفي اجتماع لمجلس الأمن القومي، وما إن ذكرت مسألة مهمة حتى صاح قائلا هذه تصلح مانشيت في جريدة الأهرام غدا ...عندها خاطبه عبد الناصر قائلا طلبنا منك أن تجلس معنا على الطاولة رحت تجلس تحتها مثل القط تماما، يقول ناصحًا الصحفيين حينما يقترب الصحفي من السياسي يجب عليه أن لا ينسى أن هناك قارئًا شغوفًا يريد أن يعرف منه ما رأى وما سمع، ولما سئل عن سبب تميزه ومصدر معلوماته أجاب ببساطة إنه لم ينس أبدا أنه صحفي،  لذلك كانت له هذه الذاكرة وهذا التوثيق والحضور الدائم، بدأ التأليف بكتاب "إيران فوق بركان " سنة 1951 لما كانت إيران تدخل أزمة سياسية حادة نتيجة اغتيال رئيس الوزراء وأزمة النفط، حاور،  مصدق اليساري والخميني الإسلامي "مدافع آية الله  قصة إيران والثورة"، ولم يكن يرى في إيران عدوا تجب محاربته، واكب ثورة الضباط الأحرار وكان أحد منظريها " فلسفة الثورة " شكل رفقة عبد الناصر زواج المصلحة بين رجل السلطة والمثقف،  لما التقت الأفكار والتوجهات، فهو رجل مخلص لمساره اليساري والقومي وللرجال "لمصر لا لعبد الناصر" لما هرول الجميع غربًا، متمسكًا بمبادئه صلب المواقف، عــــــــــــارض السادات واتفـــــــاقية كامب ديفيد، "خريف الغـضب"،  " أكتوبر 73 السلاح والسياسة " وعارض حرب الخليج وتدمير العراق "الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق "، كما عارض اتفاقية السلام الفلسطينية الاسرائلية واصفًا إياها بالسلام المحاصر، وهو مؤرخ لتاريخ مصر والعالم العربي الحديث "العروش والجيوش"، ومستشرفا المستقبل أسس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية "مصر والقرن والواحد والعشرون "، فهو قارئ ومحلل جيد لأزمات العالم المعاصر وتغيراته السياسية " الزلزال السوفيتي "وعلاقة المثقف بالسلطة في العالم العربي "عبد الناصر والمثقفون والثقافة "،  نصيرًا للثقافة في مواجهة الانغلاق،  مدافعًا عن نجيب محفوظ مرتين الأولى في أزمته مع التيار المحافظ في رواية أولاد حارتنا، مصرًا على نشر الرواية كاملة على صفحات الأهرام، والثانية في صدامه مع السلطة لما نشر رواية "ثرثرة فوق النيل" متدخلا لدى عبد الناصر مدافعا لما أصدر المشير عبد الحكيم عامر،  أمرا باعتقاله، مانعًا المساس بالمثقف والناقد،  وهو كذلك من احتضن محمود درويش وفتح أمامه أبواب الشهرة العربية والعالمية، وقرب عبد الوهاب المسيري وجعله مستشارا له،  وهيكل مثقف مبدع وناحت للمصطلح منذ هزيمة 1967 التي وصفها بالنكسة تخفيفا من صدمتها على النفوس،  إلى السياسية خذلت السلاح في حرب أكتوبر 1973، إلى رئيس الضرورة سنة 2014 في توظيف وإبداع للمصطلح لصالح السياسي ولصالح الفكرة التي يؤمن بها،  فهو مسوق جيد للدعاية السياسية والأيديولوجية، وهيكل أيضا جزء من النظام الرسمي العربي بخيباته وانتكاساته، ومؤسس أسطورة الزعيم الخالد، وهو الرجل اليساري الذي عاش ارستقراطيًا عيشة الملوك لا يقبل عن المصيفِ في أوروبا بديلا،  سواء اتفقت مع هيكل أو اختلفت معه ستظل تحترمه لإبداعه، جرأته، عزة نفسه،  أحلامه،  وأفكاره القومية، ربما يكون هيكل آخر الصحفيين والكتاب الموسوعيين، فقد سجل نفسه بإرادته مع الكبار الخالدين في تاريخ العرب بإنتاجه وتوثيقه،  تاريخه، تحليلاته وآرائه، فهو سياسي لجميع الأجيال ومحلل لكل الأوقات تتهافت عليه جميع الصحف، وتتسابق الوكالات على آرائه، خاتما حياته بوصية الصلاة عليه في مسجد الحسين لرمزية المكان، واصلاً بذلك ما مضى من تاريخ مصر،  متصالحًا مع الذات  قاطعًا عنكبوت الطائفية المقيتة، بوفاته أيضا انقسم العرب مرة أخرى بين فئتين، فئة مودعة راثية للرجل بما يستحق، وفئة أخرى شامتة حتى في الوفاة ذاكرة إياه بما لايليق،  في انقسام قديم جديد بين الفريقين، ملخصًا حال العرب طوائف في الثقافة والفكر، وطوائف في الحرب والسلام، وطوائف حتى في الوفاة، ببساطة هيكل رجل ملأ الدنيا وشغل الناس لعدة أجيال وستبقى أجيال أخرى  تختلف حول ما كتب وما وثق ...وتلك لعمرى ميزة الكبار .

 

علي مختاري –كاتب من الجزائر