نصوص أدبية

استشارة دينية

moslim alsardah حين عاد الى الطبيب ليساله عن ابرة الدواء التي وصفها لها يوم أمس، وهل هي مفطرة لزوجته ام لا. وجد الطبيب متبحرا في شؤون الدين يستطيع قيادة حوزة دينية بكاملها. ولايعوزه الا ان يلبس عمامة بيضاء او سوداء من تلك التي يلبسها الحوزويون، مع جبّة روزخونية. حتى انه قال، بعد ان هش وبش في وجهه مرحبا، قال بالحرف الواحد، معبرا عن حالته:

- لو لم اكن طبيبا، لتفرغت لشؤون الدين، لاني درست الدين بما يضاهي شهادتي في دكتوراه الطب.

ومضى تفكيره بعيدا وهو يحمد الله لانه وجد طبيبا متدينا، اذ لازال في الدنيا بعض الخير، كما قال في نفسه. وتذكر حكاية صديقه، التي رواها له، عن طبيب كان يتنازل للفقراء عن ثمن كشفية العيادة وهو إضافة لذلك كان يرشدهم إلى الصيدلية المقابلة ليأخذوا الدواء مجانا على حسابه الخاص. حتى انه كان في نهاية كل شهر يدفع راتبه الى صاحب الصيدلية. ما دعا الفقراء الى التردد الى عيادته للحد الذي جعل دائرة الأمن العامة تضعه في قائمة المشكوك بانتمائهم الى احد الأحزاب العلمانية المحظورة، وتجنّد بناء على ذلك احد السريين* لمراقبة الطبيب. ولكنه فرح، هذا اليوم، إذ وجد هذا الطبيب الذي أمامه جهارا عيانا وهو يحدثه عن فضيلة الصوم ومفطراته واضطرار المريض للدواء وزرق الإبر، وماشاكل.

حين ودع الطبيب وأدار ظهره ليخرج من العيادة، ولم يكد يضع قدمه على عتبتها، حتى ناداه الطبيب:

- لم تدفع لي أجرة العيادة. فاستدار قائلا:

- أتيت فقط لاسالك.

- ولكنك أخذت من العيادة وقتا يكفي لفحص اكثر من مريض. وكان سؤالك دينيا ولا علاقة له بالطب.

- أنا سألتك عن الطب وأنت أسهبت في الدين.

- كان يجب أن أسهب لان في سؤالك حلال وحرام، وانا مكلف دينيا أن أجيبك على سؤالك.

دفع الرجل آخر فلس في جيبه وخرج. ولم يسال الطبيب عن التكليف الديني في خروج الرجل مفلسا من العيادة.

 

برقع

 

سال الأبناء أمهم:

- هل كنت جميلة يا أماه؟

اجابتهم الام المسكينة، مبرقعة الوجه، متحسرة على ماضاع منها:

- اه لو رايتم كم كنت جميلة ايام شبابي، وكنت قبلة للطلاب ايام دراستي الجامعية. ولكن، حين تزوجني والدكم اجبرني على ان البس البرقع لتغطية وجهي.

 سألها ابناؤها:

- وهل لديك صورة لما قبل الزواج؟

قالت الأم بارتباك:

- لقد مزق والدكم كل صوري القديمة.

- ولماذا يفعل والدنا ذلك؟

- يقول إن ذلك يتعارض مع الدين.

- ما دام يتعارض مع الدين فلماذا منح الله للنساء وجوها؟. كان الأفضل أن يخلق المرأة بلا وجه.

ثم سألوها:

- ولماذا رضيت الزواج به إذا كانت أفكاره هكذا؟

- لم يكن هكذا قبل الزواج. لكنه تغير فجأة بعد الزواج اثر هبوب عاصفة دينية أحرقت اليابس مع الأخضر.

قالت ذلك وراحت تبحث عن صورة تعيد لها وجهها الذي لم تكن تفتقده قبل الآن. وتمنت ساعتها أن تكون تكتمت على زوجها في أمورها الخاصة!!!.

 

.............

• كانوا يطلقون على العنصر الأمني لقب "السرّي".

 

مسلم السرداح

 

............................
الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 2645 الاثنين 02 - 12 - 2013م)

التعليقات (9)

  • جمعة عبدالله

    تبليغ

    الكاتب القدير
    صورتان متعلقة في كيفية غسل الادمغة بالافكار والثقافة الدينية المتخلفة عن معاني الحياة , وكيف تصبح نقمة وليس نعمة ,هكذا تستمر بكشف السيئات التي تجعل الحياة ضيقة وخانقة , انت رائع بهذا الاسلوب القصصي المتمكن من مهارته

  • مسلم يعقوب السرداح

    ردا على : جمعة عبدالله تبليغ

    الاستاذ الاديب الكاتب القدير جمعة عبد الله قصتان حقيقيتان الاولى وقعت شبيهة لها لي انا كاتب السطور والثانية سمعت بها وقد اضفت لهما لمسة فنية ليتحسس من خلالهما كيف يستخدم الدين من خلال بعض النفوس الضعيفة بعكس ما يراد له وهو خدمة الانسان
    تقبل تحياتي صديقي الكريم

  • حسن البصام

    تبليغ

    الاديب القدير الاستاذ العزيز مسلم السرداح
    واقع حال صار الدين لعقنا على السنتنا وهذا هو تردي الضمير .. الضمير يرتدي مايشاء من اقنعته الدينية والسياسية .. ولكن تظل الحقائق ماثلة امام بصائر الشرفاء ولاتنطلي ابدا على من روض قلبه على المحبة والحق
    دمت شاعرا وقاصا بارعا وانت توظف معاناة اجيال في كلماتك الهادفة
    تحياتي وتقديري لك

  • مسلم السرداح

    ردا على : حسن البصام تبليغ

    الشاعر والقاص المبدع الكبير الاستاذ حسن البصام شكرا لك صديقا عزيزا وقارئا عميقا يفهم مرامي النص ومغازيه
    وتقبل تحياتي وشكري واحترامي لك

  • د. سعد الصالحي

    تبليغ

    أعجبني أنني أحسست وكأنني مازلتُ في ( مشهدك اليومي ) على الرغم من اختلاف أجواء النصين .. لكنها روح التمرد التي تجمعهما .
    محبتي الدائمة أخي مسلم الجميل .

  • مسلم السرداح

    ردا على : د. سعد الصالحي تبليغ

    الصديق العزيز الشاعر القاص الكبير ابداعا الدكتور سعد الصالحي صاحب مراثي غيلان المبهرة اشكرك جدا لمرورك الذي افرحني متوجا باعجابك وقراءتك البارعة للنصين
    تقبل تحياتي وقبلاتي على جبينك الكريم

  • بوعبدالله فلاح

    تبليغ

    صديقك لا يجامل يا مسلم..لا يقول :هذا أعجبني إلا لأنه أعجبه..
    نصان رائعان ..الفكرة ..اللغة ...السرد..
    جميع مقومات القصّ..
    الفكرة في النصين واحدة...زيفُ الدّين ..ودين الزيف..
    ليس هذا هو الإسلام الذي اتى به نبينا الأعظم .محمد صلى الله عليه وسلم....
    رجال الدين في البلاد العربية أضرّوا بالدين عندما تخلّوا عنه لأجل الدنيا....وأفرطوا في إدماجه كرها وتطرفا في مضامير السياسة ..
    الإسلام معاملة ....وجوهر....
    البرقع لا يعني الفضيلة دائما..وصور الماضي لا تنحصر دائما في خدمة الغرام كي لا نقول الرذيلة .....
    مدهش حين تغوص في أعماق المجتمع الميؤوس منه
    القاص القدير ..مسلم السرداح
    مودتي
    وتقديري

  • مسلم السرداح

    ردا على : بوعبدالله فلاح تبليغ

    شكرا لمرورك وتجشمك قراءة النص قراءة عميقة والتعليق عليه صديقي الكبير ابداعا وشعرا ولغة ونقدا الاستاذ بو عبد الله فلاح
    وتقبل تحياتي وحبي وصداقتي

  • زاحم جهاد مطر

    تبليغ

    مسلم السرداح
    صورتان من الواقع المزيف و المنحرف واقعيتان.المشكلة ان البعض مقتنعين بها او يتصنعون القناعة لغايات و اغراض معروفة.و المشكلة الاكبر ان هذه القناعات المنحرفة وصلت الى حد لا يمكن تصوره بخصوص التكفير و القتل و الذبح.اي عقل بشري يقتنع بمثل هذه الامور.الا ترى معي ان في الامر سرا نجهله.
    تحياتي و مودتي

أضف تعليقا

معلومات إضافية