المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

مجموعة: أنا وأنتِ لأحمد الخميسي .. التشبث بالأمل

ezat rashad"ليس من السهل أن تعلِّق عشرين رجلًا مرة واحدة" لكنهم فعلوها في.. "ليلة بلا قمر"، برابرة قِدام ومعاصرون، لا يحبون الكلام.. "اغلق فمك. إنه طريق الشيطان إلى المؤمن"، علَّقوا العشرين بعد أن شنقوهم ثم أخذوا يفحصون الغنائم.. "خواتم بفصوص كريمة ومسامير من الذهب.. إلخ". ولهذا لن تعييهم الحِيلة لتعويض المشنوق الناقص.. "ننتظر إلى أن يرزقنا الله.... ويفك كربنا"، يقتلون بدم بارد ولديهم ميكانيزمات تسويغ للجريمة وترييح للضمير، ولهذا سيمسح أحدهم وجهه بيديه بعد القتل مباشرة ويرفع يديه بالدعاء.. "لك الحمد والشكر".

الأمل في "روح الضباب" ليس مصادفة بل خيار وجودي، كما لن نحتاج التفتيش عن البرابرة فهم واضحون، حتى لو لم يظهر أحدهم في المشهد القصصي المُروِّع، حيث.. "تنحل الطرق وتذوب جوانبها أمام عينيه"، وآثار بربريتهم واضحة.. "صرخات صغيرة من حوله وفوقه تهرس أذنيه برنين أبيض قاطع" وذاكرة تتقلب.. "كان الناس يُقتلون ويُعذبون أمامنا و..." هل كانوا مثل "كيفين كارتر: المُصوِر الذي التزم بدور المتفرج ثم عجز عن احتمال اللوم فانتحر؟"، أيًا كانت الإجابة فها نحن نصل إلى.. "البقاء هنا انتحار"، وبينما تستمر كابوسية واقعنا فإن السارد يختار أن ينهي قصته بهذه العبارة المفتاح لأغلب قصص المجموعة: "لايمكن أن يحكموا علينا بالعزلة والموت. سنخرج معًا. سأمشي بجوارك لا أفارقك خطوة بخطوة".

 

الأمل في علاقته بالحب:

عن تجاوز المسافات الجغرافية والنفسية، وعن انهيار الجدار

الأمل في خلود الحب لا يكابده المتصوفة وحدهم، بل قد يحدث في حياتنا العادية، وإن في أحيانٍ نادرة؛ هذا الأمل يتجسد في قصة "أنا وأنتِ"، حيث المقاومة المستميتة للفناء.. "يجلد قلبي أمل لا يموت"، حتى لو أن الحبيبة منذ سنوات.. "تمدين بصرك إلى الجدار الأزرق الفاتح خلف ظهري"، حتى لو كابد السارد.. "ثمت قلق ومحبة وعزلة مؤلمة"، حتى لو لم تكُّف الحيرة عن تعذيبه.. "فقط لو تقولين لي من منا الذي..... لم يعد يرى الآخر؟" في قصة تُشبه صورة غائمة يحطِّم فيها الحب الجدار بين الحياة بالموت، كما يختلط فيها الواقع بالحلم وبالمتخَيل والمُتوهَم.

في قصة "سأفتح الباب وأراكِ يومًأ" التي تبدو كقصيدة عشق خالص، صوفي المنحى.. "كل ما يفصلني عنكِ يغرقني، كل ما يصلني بكِ يُغرقني"، لا ينفك الأمل يلعب دور البطولة ويتحدى.. "حتى لو لم تظهري أبدًا سأراكِ"، لأن.. "ما جاء وردة، يرحل وردة"، ولأنه العاشق الذي.. "وحده لم يفقد الأمل...، وحده.... أكبر من اليأس" ولأنه لا يُصغي لمن يقولون له.. "عليك أن تذعن للفراق، كما يواجه الإنسان موته بشجاعة المرة الأخيرة للشجاعة"، لا يُصغي بل يُصر على فتح الباب والانتظار، ولكن... "لا صوت ولا صدى"،، ولا لحظة لقاء قبل النهاية، فقط.. "سأفتح الباب وأراكِ يومًا".. وهذا الأمل لا يمكن لأحد أن ينتزعه منه.

"أليونا" تبدو كأنها قصة التوق الذي لا ينتهي إلى الحب، التوق الذي يجعل رجل في منتصف العمر متزوج ولديه أبناء وحياة مستقرة "أي رتيبة بمعنى ما"، يُغرم بمراهِقة لم تكد تخرج بعد من طور الطفولة، "أليونا" قصة التمزق النفسي بين هذا الحب وبين ما سيترتب على تحققه من تداعيات، ويبدو السارد "المتعقل بمعنى ما" قد اختار أن يبتعد ويظل يكابد الرغبة والأمل في رؤية أليونا مجددًا؛ وعندما يلتقيها بعد سنوات طويلة في ظروف لا تمنع تحقق هذا الحب يكتشف أنه.. "لم يكن يشتهي أليونا طوال هذه السنوات"، ربما كان يتوق إلى احتياجات... تخصه، يكتشف أنه.. "لا يحبها، لم يحبها من البداية"، كاشفًا النقاب عن اشتهاء خفي لديه كرجل لحب "أليونا: وهم مكابدة الحب المُحرَّم، الحب المستحيل، ما يشير إلى أن كل ""رجل"" في الغالب، يصنع "أليونته" بنفسه.

 

اقتناص لحظات مؤثرة وشخصيات ذات حمولة إنسانية عالية

في قصة "الخطوبة": نتعرف إلى رجل يستعد لاستقبال شاب آت ليطلب يد ابنته، وهو من فرط القلق والترقب ينشط ذهنه ويستبِق الحدث بتخيل ردود أفعال الزائرين.. "يسترقون النظر ألى ما حولهم/ يمهد والده الطريق بحديث موزون عن أن الطيبين للطيبات"، حائر.. "هل يهز رأسه ببطء محتميًا بالوقار والرصانة؟ أم يُطلق فرحته لتتواثب في عينيه؟ أم ..؟" هذا الأب يبذل جهدًا، يشيل ويحط، ويعيد ترتيب المكان من أجل أن يبدو أفضل ما يُمكن، ثم يرتج من فرط الذهول عندما يرتفع صوت والد العريس بالطلب المتوقع تمامًأ.. "يُشرفنا نطلب يد ابنتك". وفي لحظة مكثفة تتزاحم الصور.. "صور بيضاء من الطفولة والأبوة والحب رفرفت قبل أن يطمرها الزمن القادم"، والمقصود بالزمن القادم.. "انسلاخ حياتها عن حياته"، لحظة مكثفة فيها.. "فرح رقيق داخل حزن"، وسعادة.. "كيف يمكن أن تكون مؤلمة هكذا!!".

الأمل في القيم الانسانية النبيلة يتجسد في قصة "بالميرو"، حيث المفاجأة الطريفة.. "هذا بيت وليس كافيه"، وحيث.. "بالميرو من الناحية الأخرى"، بينما يبقى الأمل في وجود بشر يحتفون بالإنسان أيًا كان اسمه، جنسه، عمره، وظيفته، لونه، جنسيته، دون أن يتوقف كل شيء على أن.. يدفع الحساب، سواء في "قلعة محج" أو في غيرها.

ذاكرة طفل في السادسة من عمره هي البطل في قصة "بيت جدي" حيث يشير السارد ضاحكا إلى أن طرافة ملاحظات الطفل لن تنفصل عن مآخذ سيسجلها تاريخه الشخصي على من سيخذله، وكأنه بهذا ينبِّه من يهمه الأمر: أحسنوا معاملة أحفادكم لأن كل شيء سيُحكى أو سيُسرد. فصورة الجد العظيم النبيل القديس "هذه الصورة المفتعلة" مُحطَمة هنا تمامًا ومُستبدَلة بأخرى حقيقية: جدٍ كسول واسع الخيال وكثير الأكاذيب ولا مثيل لطرافة الحكايات عن نوادره وقفشاته.. "الكُتب التسعة التي تألفت منها كل مكتبته" و.. "يُطري الليمون بدعكة في فروة رأس من يقع منها تحت يديه"، و.. "كان جدي معلمًا بالمدرسة ثم رفتوه لأنه نِكدي وكل يوم بخناقة"، و.. "كان أستاذًا في "المريسة"؛ ولكن أيضًا هذا الجد... "إذا تسللت أصابع أحدنا الصغيرة لأكثر من نصيبه لسع جدي عليها بكفه الثقيلة، كان يراقب الجميع بعينين مفتوحتين وهم يأكلون ليضمن أن الخبز سيكفي الأفواه النهِمة كلها وأن عدالة الفقر ستتخذ مجراها"؛ نزْع الطفل السارد القداسة أيضًا عن العائلة ككل بالكوميديا أكثر مما بالتهكم.. "سُمعتنا العطِرة (أمراض جلدية) لم تمنعنا من مواصلة دورنا الرئيسي وهو النمو في الشارع العِرَّة المُسمى بشارع السروجي". أما الجدة التي هي حمامة مستكينة فقد إزداد حوَل عينيها بعد أن ضيَّع الجد "الصقر" أرضها، وصارت بطيئة الحركة نادرة الكلام مع فشله في مشروعه الاستثماري: "دكان"، ولم تفرد جناحيها في وجه هذا الصقر إلا مرة واحدة عندما عزم على رفع قضية على اخوتها.. "إذا رفعت قضية هأسيبلك البيت وأمشي"؛ كما تفترش الأم مساحة معتبرة، أما "سعاد" أخت نُصْحي فهي حب الطفولة الأول.

بيت جدي قصة مكان مختلف، زمان مختلف، ولكن جوهر إنساني واحد مهما تنوعت مظاهره، وهي تبدو مثل فصل من رواية سيرة، لا تُبجِّل الماضي ولا تُهوِّن من شأنه، سيرة توسِّع من المجال البصري تاريخًا وأجيالًا في المقام الأول.

& وإذا كانت القصص السابقة قد استمدت جمالياتها من اختيار لحظات مثقلة بالمعنى وشخصيات ذات حمولة إنسانية عالية، واقتنصت قدرتها على الإدهاش من تعقيدات دواخل البشر وعدم وضوحها، واكتسبت زخمها من تفصيلات وجزئيات موحية وذاكرة مفتوحة أفقيًا: على عالمنا اليوم: بلدان وشعوب أخرى، وتاريخيًا: حرب 1956 وغيرها، كما اتكأت في شعريتها على ضمير المتكلم في أغلب القصص لكي يناسب كشف أعماق وأغوار الشخوص، ولهذا احتاجت في سردها إيقاعًا هادئًا بما يكفي لتأملها وكشف خبيئتها؛؛ أما القصص التالية فأتصور أنها اختارت التكثيف والاقتصاد اللغوي وهذا القص القصير اعتمد التجربة المناوءة، فهي ليست حكاية آدمي يستعيد حقيقته كعصفور، وآخر يتحول إلى شجرة، أو مرآة قررت ألا ترانا، ليست كذلك حكاية قمر خاصمنا وكفَّ عن إلهامنا، أو طفل يأكل الماء، بل هو خيار جمالي بعدم التشبث بعالم "واقعي" مستهلَك، وكذلك بتفكيك الثابت وتشييد بدائل وخرافات صغيرة، ولهذا اتسعت رغم قصرها لظواهر مثل: التناص مع بعض الأساطير والحكايات القديمة، واعتمدت التداعي الحر أحيانًا، كما تلاعبت بالمفاهيم القاطعة للزمان والمكان، ومالت للتجريب كما استخدمت تقنية الكتابة عن الكتاب في إحدى القصص.

 

الواقعية السحرية بدلًا من واقعية الدمار:

&في "سماء ضائعة": رحلة فقد واستعادة السماء "أو: الحرية والكبرياء المنتهك"، فبعدما اعتادت العصافير مع جريان نهر الزمن أن تكون.. "سماؤها برك المياه في الشوارع"، كما ألِفت مناقيرها.. "ضرب الأرض بحثًا عن فتات الطعام وقطرات من الماء"، ولكن يحدث أن تضيق بها الأرض.. "وقف عصفور بقميص نصف كم وسروال أزرق أمام محل يسأل صاحبه عملًا"، ويتعرض للغبن والإذلال، عندئذٍ يضرب ويضرب حتى يستعيد "عن قصد أو غير قصد" مكونها الطيري، فخطواته.. "أقرب إلى خطوات جده العصفور الأول"، كما تصلَّب أنفه...، و.. "هزته فطرة عريقة...... ورفرف بذراعيه بحثًا عن السماء الضائعة". التي هي قد تكون رمزًأ للحرية الضائعة، أو للرقي أو الكرامة الضائعة أو غيرها، لكن يبقى الأمل في استعادتهم مرفرفًأ.

تبدو قصة طرح القلب مثل سيرة تحول الكائن من.. وإلى، حيث الفوح هو أول ما لاحظه السارد.. "شم في أنفاسه العطر ذاته، أدرك أنه هو مصدر ذلك الفوح"، عندئذٍ "وبعيدًا عن الأسباب" يبدأ التحول في الحدوث.. "قدميه وساقيه قد تخشَّبت/ أصابع قدمه تطول وتنغرز في التربة/ ذراعيه تستطيلان لأعلى كفرعين/ مالبث الورد أن نما من خصره وصدره وعنقه". نمت الشجرة وحولها نمت الأساطير.. "كل من يجلس تحتها يغدو متيمًا مولعًا"، حتى تحولت إلى مزار سُمي "طرح القلب"، وتنتهي القصة بغرابة حاضرنا.. "مازالت الحديقة مزهرة إلا أن البعض يعبر اليوم بجوارها مسرعًا فلا يراها.   

&في قصة "مرآة": لا يبدو أين يبدأ الحلم.. "ينظرون إليّ معًا برصانة وصمت"، أو متى يتحول إلى كابوس.. "أحسست بالمكان خاويًا موحِشًا"، أو كيف يتحول العقل إلى مرآة تومض في العتمة.. "يظهر حقل ممتد... عفاف التي أحبها منذ الصِغر. عين جدتي الطيبة الحولاء. أمي ممسكة بكفي نقطع شارعًا طويلًا ..إلخ". أو حقيقة مشروعية هذه التخوُّفات.. "إذا فارقتني هذه الصور فلن أرى نفسي ثانية".

وفي مستوى آخر تحيلنا "مرآة" للهموم الفلسفية حول حقيقة الميلاد، وأيهما الأصل: الموت أم الحياة؟ وعن الذاكرة والحياة: من منهما تحمي الأخرى؟ وفي الغالب لا نهاية للمرآة ولا حتى بتهشمها.. "كما يشعر الأعمى بالضوء على جلده، شعرت بالظلام الذي يعم، لكني لم أره".

قصة "النور": لا تنتقد التقدم التكنولوجي والاستغلال المجحف للطبيعة رغم أشارتها إلى كوننا نحن البشر من دمرنا القمر "وتجسيد ذلك في شخصية الصياد"، لا تفعل ذلك بل تقترح أسطورة جديدة لتفسير مجافاة "السماء أو الطبيعة" لعصرنا، حيث.. "أخذ الصياد الذي صاد القمر يحطمه بمعول ضخم إلى قطع وشظايا صغيرة"، وبعد تعبئته وبيعه واستثماره.. "أصبح في كل بيت نور، لكن لم تعد السماء تلهم البشر دروب العشق".

&قصة "الصبي الذي يأكل الماء": قدمت فجاجة الواقع: الطفل الجائع ومثل ملايين، ثم أشركت القارئ في كيفية الكتابة "الكتابة عن الكتابة" عندما قال السارد.. "خطر لي أن أجمع معلومات عن الأطفال الذين يشبهونه" وهكذا بدأ بجمع وثائق مشحونة بالدلالات، ثم بدأ بين كل وثيقة وأخرى ينمو الحدث القصصي المتخيل.. "لابد من اسمٍ للصبي، ولابد من مكانٍ يعيش فيه" يفكر السارد المؤلف، هذا التناوب أو التضفير بين الواقعي الوثائقي الجاف وبين المتخيل الإبداعي لقصة واقعية عن طفل جائع فقير خففت منه إضافة صورة شعرية مائزة هي صورة الصبي الذي ينمو على الماء مثلما تنمو الزهور، هذه الصورة المفعمة بمقاومة الموت وبالأمل في الحياة، التي تعيدنا لقصة "روح الضباب"... "إن فقدنا الأمل.. نكون قد فقدنا كل شيء".                     

"أنا وأنتِ" كتاب يجمع خمس عشرة قصة متنوعة ومتباينة الحجم من صفحة واحدة إلى أكثر من خمسين صفحة، أي أن بعضها قصص قصيرة جدا وبعضها متوسطة وبعضها قصص طويلة، وكلها تحتفظ بجوهر فن القصة القصيرة، وهو الكتاب القصصي الرابع للكاتب الصحفي والناقد والقاص أحمد الخميسي بعد: قطعة ليل، وكناري، ورأس الديك الأحمر؛ أو الكتاب السادس إذا أخذنا بعين الاعتبار كتابين آخرين ساهم فيهما مع آخرين "الأحلام، وطيور الكرنفال" مع: أحمد هاشم الشريف، محمود يونس؛ و"الأجيال الثلاثة" مع: عبد الرحمن الخميسي وآنا أحمد الخميسي".

 

بقلم: د. عزة رشاد

..............................

هوامش:

-"أنا وأنتِ" مجموعة قصصية إصدار دار كيان للنشر - القاهرة 2015

-د. عزة رشاد كاتبة وروائية مصرية معروفة صدر لها: " نصف ضوء"، و" بنات أحلامي" و" ذاكرة التيه" و" شجرة اللبخ

 

قراءة في المجموعة القصصية: رقصة الجنازة للقاص إدريس الجرماطي

ridowan alrokbiأول ما يثير قارئ أي كتاب هو عنوانه، لأنه يستجمع مختلف مكوناته، ويسعى ليكون دالا على مختلف عوالمه، ونجاح عنوان الكتاب لا يبرز فقط من خلال كونه يثير فضول القارئ إلى الحد الذي يجعله يقدم على الحصول عليه والشروع في قراءته، ولكن أيضا في دلالته العامة على ما يتضمنه من أبواب وفصول، وما تحمله من قضايا وأفكار تتطابق مع ما يوحي به أو يومئ إليه. ويعرف ليو هويك leo Hoekالعنوان على النحو التالي:" مجموعة من الأدلة ... التي يمكن أن تثبت في مقدمة نص لتعينه، وبيان محتواه الشامل، وإغراء الجمهور المستهدف."

وتأسيسا على ما سبق يتكون عنوان مؤلف القاص إدريس الجرماطي من مفهومين بارزين هما رقصة / الجنازة. يعبران عن تداخل الواقعي بالخيالي لرسم تصور واضح، يعكس طبيعة التجربة القصصية الموسومة بالعمق في تناول القضايا برؤية جديدة لم نألفها في الكتابة القصصية.وهذا ما جعل الكاتب يعنون مجموعته القصصية بعنوان القصة الأولى في هذه المجموعة القصصية رقصة الجنازة، كمقطع قصصي استهلالي يشكل بؤرة المجموعة ويبين تمفصلاتها الأساسية. وفي الوقت ذاته يشكل خلخلة واستفزاز للقارئ، يجعله يقبل بنهم على قراءة هذا العمل لفك طلاسيم هذا العنوان. ويدرك علاقة الرقصة بالجنازة، فإذا كانت الرقصة تحمل طابعا فلكلوريا يتسم بالفرح والسرور، فان ارتباطها بالجنازة كقداس مشحون ببعد ميتافيزيقي يجعل الرقصة تأخذ مدلولا جديدا يربط برؤية خاصة لطبيعة الغربة والتيه الوجودي للإنسان في زحمة مجموع قصص هذه المجموعة والذي تفصح القراءة الكلية للمجموعة القصصية عنه.

ومن هذا المنطلق فالعنوان يفصح بقوة عن موضوع المجموعة القصصية، الموسومة بغرابة عناوينها (خارج السطر، ملائكة لم تمت بعد، الحصاد في قرية ذابلة، مراسيم الجوع...) بمعنى أن القاص إدريس الجرماطي يفكك التجربة القصصية الحديثة ويعيد تشكيلها وفق رؤية جديدة مشحونة ببعد تأملي فلسفي في أعماق كينونة الإنسان، وهذا المدلول يتأكد من خلال التوغل في قراءة المجموعة القصصية، (رقصة الجنازة، سقوط حر، ملائكة لم تمت بعد....) حيث يبرز المؤلف في مواقع مختلفة طبيعة التجربة الجديدة التي يمر منها الكائن البشري في صيرورته، وهي تجربة استدعت اقتراحا فنيا جديدا يلائمها، ويحملها إلى القارئ الجديد، وليس ذلك الاقتراح الجديد سوى القصة الجرماطية، برؤاها ومضامينها وأنساقها الجمالية.

تتميز لغة الجرماطي بكونها تتجاوز استخدام اللغة الطبيعية الواقعية المباشرة التي تنبني على الخاصة التقريرية الجافة الخالية من كل رونق بلاغي وجمالي. فالقاص إدريس يوظف في بعض الأحيان تعابير قائمة على المجاز والمشابهة واستعمال الرموز لتشخيص الأحداث والمواقف وتجسيدها ذهنيا وإحاليا وجماليا. وهذا يوضح أن إدريس قد استفاد من التقنيات الغربية على مستوى الكتابة القصصية (المنولوج. الأسلوب غير المباشر الحر. فلاش باك. استشراف المستقبل...).

 فقد استند الكاتب على السرد ليقترب من الواقع أكثر لمحاكاته وتسجيله وتشخيصه بطريقة تراجيدية تعتمد الرمز والإيحاء، تجعل المتلقي لا يدرك المعنى ولا يمسك بخيوطه إلا عند آخر كلمة في القصة، كما في قصة رقصة الجنازة، الأحلام، في الطائرة... وفي نفس الوقت يلتجئ إلى الحوار قصد معرفة تصورات الشخصيات وتناقض مواقفها، (ملاك النوم، مجرد مرآة، بداية النهاية، عيون تدمع...) كما التجأ إلى المنولوج (مواجهة بدون جمهور،أوراق سجين،...) للتعبير عن صراع الشخصيات وتمزقاتها الداخلية ذهنيا ونفسيا، كما يحضر أسلوب سردي آخر يسمى بالأسلوب غير المباشر الحر الذي يختلط فيه كلام السارد مع كلام الشخصية، ولعل هذا ما سيجعل قراءة المجموعة القصصية صعبا في إدراك المعاني الثاوية وراء هذا الأسلوب، مما يحتم على القارئ التزود برصيد معرفي مستوحى من البيئة الفلسفية، ليفك بعض رموز وإيحاءات هذه النصوص القصصية. يقول في قصته: كانوا.. (انتم ذلك الواقف مصنوع بخليط يسمى الإنسان) وفي قصة: الروح والتمزق نجد ما يلي: (أأنت الجسد والروح؟ بودي أن اعرف من يسكن منكما الآخر؟ وكيف يسكنه؟ وكيف يقع الرحيل؟..).فهي لغة متعددة الأبعاد ترصد الواقع بتعددية متناقضاته، لتغوص في أغوار الذاكر تنبشها لخلق رؤية جديد في السرد العربي.

إن الصورة الإنسانية للشخصية في هذه المجموعة لا تتحقق بذاتها، بل بواسطة الكائنات والفضاءات التي تحيط بها وهذا يعني أن إدريس الجرماطي يعي كما أكد لي في إحدى لقاءاتنا أن الوعي الإنساني الكوني الكامل لصورة الشخصية إنما يتحقق على مستوى التلقي وليس على مستوى التشخصن الكلاسيكي الذي تحدده المرجعيات والاديولوجيات، التي تظل محدودة الإدراك، وهذا ما جعل القاص يختار في كثير من الأحيان، شخصيات ذات جذور عالمية (البيرتو، كابرييل، البير، بوتيرو، ستانلي...) وفي بعض الأحيان شخصيات ذات جذور عربية: ( ميلود، ليلى، عيس: بمعنى إدريس كما أفصح لي الكاتب. سليم...)  مما يوسع دائرة الوعي بكينونة هذه الشخصية.

 فشخصيات الجرماطي تتضافر مع مكونات قصصية أخرى كالفضاء والإيقاع والتلقي لتكون عملا قصصيا. لهذا لا يمكن تحديد صورة الشخصية باعتبارها مكونا واستخلاص سماتها إلا بوضعها ضمن سياقها الجمالي والأسلوبي، وذلك بضبط قواعدها الفنية التي تستند إليها الصورة عموما.باعتبارها تجسيدا جماليا وفنيا على مستوى اللغة والتعبير.لان الشخصية في رقصة الجنازة لا تؤدي وظيفتها إلا ضمن سياقها النصي الكلي، ولا يمكن أن تكون إنسانية في أعماقها إلا إذا أقنعت المتلقي بصدق متخيلها السردي. وهذا ما نلمسه في هذه المجموعة القصصية. وعلى هذا الأساس فان البعد الإنساني هو الذي يحدد هوية صورة الشخصية ومفعولها الحيوي في رقصة الجنازة ويكسبها حيوية وخصوبة في تلقي البناء التشكيلي لهذه الصورة عبر امتداداتها الإنسانية الكونية وإيقاعاتها الدينامية و المتوترة.

وعلى العموم فالمجموعة القصصية رقصة الجنازة، تضم 62 قصة قصيرة تعبر عن عمق المأساة الإنسانية، وعن التيه الوجودي لهذا الكائن في زحمة أسئلة انطولوجية تؤرق القاص إدريس الجرماطي، فيبحث لها عن أجوبة في عالم السرد القصصي الموسوم بأسلوب فني يتميز بالكثيف والاختزال واقتناص اللحظة الزمنية العابرة، وبلغة شاعرية قل نظيرها في الحساسيات السردية المعاصرة، والتي تمتزج فيها ضراوة ومرارة الواقع المعيش للقاص، بتطلعات استشرافية إلى غد يحفر في الذاكرة معاني الإنسانية الخالدة.

فرقصة الجنازة هي سنفونية سردية تتراقص على إيقاعات التشكيل اللغوي والتصويري الذي يعكس جرح وكلوم الأمة العربية، وفي الوقت ذاته يتطلع إلى تقديم إشراقات. فالخيط الناظم بين جميع قصص المجموعة القصصية، يتجلى في طبيعة اللغة المائية المتسمة بقصر دفقاتها الشعورية، على مستوى الإيقاع السردي المتجلي في الاختزال الدلالي والتكثيف الإيحائي، الذي يختزل جوهر العملية الإبداعية عند إدريس الجرماطي، الحاملة لرؤية خاصة تميز كتاباته القصصية كم نجد في كتابته الأولى (رحلة في السراب، وعيون الفجر الزرقاء). فالقاص إدريس الجرماطي مهووس إلى حد الجنون بسحر الإبداع والتخييل يصور ما لا يراه الإنسان العادي في سيرته الوجودية.

إن القارئ لرقصة الجنازة للقاص إدريس الجرماطي سيستمتع بلا شك باللغة الإيحائية الراقية المفعمة برؤية فلسفية، وبجمالية الحبك السردي المأسور بعالم الدهشة والتخييل الشيء الذي سيجعل المتلقي يرقص.. ويسافر.. ليرسو في جزيرة سردية تربتها حفر في الذاكرة الموشومة بالضياع والتيه الهيدكري، وأشجارها نصوص قصصية قصيرة، ولكنها طويلة الدلالة وعميقة المعنى، وأغصانها لغة رمزية إيحائية مشحونة بأبعاد ودلالات متعددة، وثمارها نفس جديد في الكتابة السردية في الوطن العربي.      

 

د. رضوان الرقبي

 

الغموض العارف للغة القصيدة ومكانة القارئ

madona askarقراءة في ديوان "كأعمى تقودني قصبة النّأي" للشّاعر محمد حلمي الرّيشة.

تقودنا قصبة نأي الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة إلى عوالم الشّعر المتأرجحة بين الحقيقة والخيال، والمترعة بالجمال المجازيّ. تحركّنا الدّهشة وتجذبنا منقادين إلى عالم الشّاعر المحتجب في خفايا ذاته المتأنّية في تلمّس الوحي الشعريّ والتّبشير به في كلمات/ أنفاس يصفها الشّاعر بالأبديّة.

على الرُّغمِ من أنَّها لَيسَتْ سِوى أنفاسٍ

إِنَّ الكَلِماتِ الّتي تَصدُرُ عنّي أَبَدِيَّة (1)

ولئن كنّا منقادين مجذوبين إلى سحر الشّعر وبهائه سبرنا أغوار الشّاعر، وذهبنا عميقاً في معناه القلبيّ لنقطف ثمار الكلمة، ونحصد غلال الجمال. إلّا أنّه وهو العالِم بكونه الشّعريّ، والعارف بمقاصده القلبيّة، يتركنا في حيرة من أمرنا، خالقاً بيننا وبينه حلقة وجدانيّة مفقودة.  تشكّل هذه الحلقة حالة من الشّوق بين القارئ والقصيدة، فيطمح إلى مزيد من الولوج في كون الشّاعر، إلّا أنّه يجد نفسه ظامئاً إلى تلمّس المعنى الأصيل. فالشّاعر محمد حلمي الرّيشة يريد للقارئ اشتعال الحيرة واتّقاد التّوق المعرفيّ الشّعريّ، ولا يريد له الخمول والاستكانة للقراءة العادية المرحليّة. كما يريد الاستئثار بقارئه حتّى يعود إليه كلّما تباعدت أمواج المعرفة.  فالشّاعر الأصيل هو ذاك الّذي يمنح قارئه آفاقاً واسعة، فيربّي خياله، وينمّي فكره، ويرتقي بروحه إلى مقامات تتجلّى بالتّأمّل.

 

- القصيدة/ الحبّ الدّهشة:

القصيدة في عرف الشاعر محمد حلمي الرّيشة كائن حيّ، يحاوره ويتصادق معه، بل يوليه رتبة أرفع من ذلك. فينقل القصيدة من قلب الشّاعر ليولد هو منها. فتكون هي السّيدة وهو الّذي يمدّ حبره ليتجدّد بها. "لأنّك غير مقطوعة ولا ممنوعة،/ تظلّين تنتظرين يداً عارفة مذاق عينها الثّالثة./ لأنّك تعودين الشّاعر كلّ مرّة، بيضاء من غير سوء/ يحاولك حبره من جديد." (2). هي الحبيبة الصّامتة  الّتي لا تُلمَسُ بالحواس وإنّما تُغرم بها العين الثّالثة. ويظلّ الشّاعر بارتحال مستمرّ إليها ولا يصل، حتّى لا يتعطّل اللّقاء ولا تبرد المحبّة، ولا تبرح القصيدة مكانتها السّامية كحبيبة متجدّدة أبداً. "يدع الشّاعر كلّ شيء لأجلك إلّاكِ/ ذكيّة أنتِ في اجتذاب لاوعيه نحوكِ طائعاً/ لانخطافه/ منصتاً لأوار صمتك يضجّ بين خلاياه." (3). وبالحديث عن (لاوعي) نحن بصدد انجذاب لا إراديّ، أو بمعنى أصحّ، انجذاب أعمى. فالشّاعر شديد التّعلّق بالقصيدة. ويبدو لنا الشّاعر الرّيشة مسكوناً بالشّعر، مجبولاً بلغته، منغمساً في صمته البليغ. والعبارة (لانخطافه) تؤكّد أنّ للشّاعر مسكناً واحداً هو القصيدة، حيث يحيا منخطفاً، أشبه بناسك يكرّس ذاته لمحبوبه الإلهيّ، متخطياً الزّمان والمكان، ملتحماً به حتّى المنتهى. "تأخذين الشّاعر من زمانه ومكانه/ ليلدكِ بعد حركاتٍ شبه عابثة/ فدخولٍ مريضٍ/ فيتيمٍ على صفحة الحياة" (4)

لاوعي/ انخطاف/ يد ثالثة/ لا يجد أناه حتّى في هوامشه/ اليد الواحدة للموت... وعبارات عدّة تبلّغنا الحالة الرّؤيويّة الّتي أسرت الشّاعر أمام بهاء القصيدة وسرّها. وكأنّي بنا أمام ديوان رؤيويّ إن جاز التّعبير، نقرأ ألغازه ونفكّ شيفرته بتأنٍّ لندرك المعنى الكامن في قلب الشّاعر.

 

- الغربة عن الذّات:

ولمّا كنّا أمام فنّ رؤيويّ، لزمنا الغوص في عمق الحرف حتّى نرتفع إلى الجمال المرجو، فنتبيّن غربة الشّاعر عن ذاته واتّحاده بالقصيدة. (أمدّ جناحيّ، أحرّك هوائي/ لم تعد الأرض تشبهني) (5).

تقود قصبة النّأي شاعرنا إلى فوق، إلى ما بعد هذا العالم وهذه الأرض. من هنا أتت اللّغة الشّعريّة في الدّيوان مغايرة للغة العالم. كأن نقرأ في السّطور التّالية:

" تأمّل

... ... ...

... ...

..." (6)

وكأنّي بالشّاعر وصل إلى نقطة الصّمت شبه المطلق، أم أنّه ولج في تأمّله حدّ تلاشي الكلمات، ما دلّت عليه العلامات السّيميائيّة بتلاشيها، فنشهد تضاؤل ملامحها لتدلّ على انتفاء اللّغة الأرضيّة والتّحوّل نحو اللّغة الشعريّة. يؤكّد على قولنا السّطور الّتي تلي مباشرة (التّأمّل):

" خلاص

أمدّ جناحيّ

أحرّك هوائي

لم تعد الأرض تشبهني" (7)

 

- الوعي الأيروسي عند الشّاعر محمد حلمي الرّيشة:

حذر جدّاً شاعرنا في محاكاة لغة الجسد الشّعريّة. وللأمر إيجابيّة في جعل القارئ قابعاً في الحالة الرّؤيويّة، لا يبارحها حتّى وإن عبّرت القصيدة عن التّناغم الجسدي. فالحال هنا أشبه باتّحاد الكلّ في الكلّ، جسداً وروحاً. وبما أنّنا نقرأ فنّاً رؤيويّاً فلا بدّ أن نتفهّم هذا الوعي الأيروسي الإبداعي لدى الشّاعر. كما لا بدّ أن نتبيّن الإبداع الشّعريّ في سكب المعاني في قالب الجسد بتعابير مجازيّة  تحاكي الجسد من ناحية وترتقي بالرّوح من ناحية أخرى. فيظهر لنا الأيروس في إطار غامض، مبهم، لا يكشفه القارئ إلّا بعد أن يتّحد بقلب الشّاعر.

قد لا نقرأ تعابير واضحة وصريحة تشير إلى لغة الجسد وإنّما بتفكيك العبارات نصل إلى غايتنا المرجوّة.

" أريكة ضيّقة لا تسع كرة أرض خلجاتنا

نثرت وسائدها كأوراق رزنامة الفقد

: هيّا فوق صهوة الصّدر وافتراق السّاق

هكذا شاء قوسها، فشاء سهمي" (8)

" بصفحات شغف

وتوهان قنديلي

أقرأ كتابها الجسد

بأمّيّة ارتباكي" (9)

وتظلّ قصبة النّأي تقودنا حتّى نبلغ فردوس الشّعر، حيث يعبّر الشّاعر عن ذروة إبداعه، ويعلن بخجل عن تلك الحلقة الوجدانيّة المفقودة، فنجدها في تواريه واحتجابه الأرضي كَيما يظهر متلألئاً بإبداعه. وبهذا التّواري أو الاحتجاب نتفهّم هدفه من خلق حيرة لدى القارئ. بل إنّه يتباعد عنه ويتدانى حتّى يحافظ على مكانة القصيدة ومكانة القارئ معاً. فلا هي تنحدر إلى الابتذال، ولا هو يسقط في سطحيّة المعنى.

يقول الأديب والمفكّر  اللّبناني جورج الأشقر: " الجمال هو الإلحاح على الكلمة حتّى تتجسّد". ولا ريب أنّنا ونحن نقرأ ديوان الشّاعر محمد حلمي الرّيشة "كأعمى تقودني قصبة النّأي"، نشهد لجمال الكلمة المتجسّد، فنحاكي القصيدة شخصاً، ويتراءى لنا بهاء سرّ الكلمة، وينعكس سناها على نفوسنا فنرتقي ونسمو.

 

  مادونا عسكر/ لبنان

..........................

(1) ال (حبيبته العالقة في دبق نجمة المجاز) (ص 138)

(2) القصيدة؛ صدقة الغيظ في يد الموت (ص 11)

(3) القصيدة؛ صدقة الغيظ في يد الموت (ص 13)

(4) القصيدة؛ صدقة الغيظ في يد الموت (ص 12)

(5) أمدّ جناحيّ، أحرّك هوائي/ لم تعد الأرض تشبهني (ص 21)

(6) شرهان تائهان في حلولهما- أمدّ جناحيّ، أحرّك هوائي/ لم تعد الأرض تشبهني- (ص 43)

(7) شرهان تائهان في حلولهما (ص 43)

(8) لا جداولي تملؤها ، ولا بئرها تلقيني (ص 60)

(9) لا جداولي تملؤها ، ولا بئرها تلقيني (ص 61)

 

قراءة في كتاب: قصص شعرية تعبر عن أحلام محبطة

sabiha shobarفي مجموعة قصص  (طائر الغابة السوداء) يصحبنا الأديب المغربي (محمد فاهي) في رحلة ممتعة إلى غابة كثيفة من الأشجار المتشابكة الأغصان، المتعرجة الدروب حيث البراءة والرغبة الكبيرة في العودة الى أحضان الطفولة السعيدة، والابتعاد عن الأقنعة الكثيرة التي ما فتئت  مدننا  ترغمنا، على ارتدائها مهما تحججنا من ذرائع.

يحاول الإنسان إنقاذ نفسه من عبثية الواقع، والبحث عن سبل الخلاص وأمله أن نكون صادقين، تتراءى لنا هذه الرغبة كبيرة مقهورة في المجموعة القصص الجميلة التي أبدعتها مخيلة أديب كبير .

 يواصل المرء البحث عن حبل النجاة، فكل منا مجبر على النوم والاستيقاظ،  والورقة والقلم هما الواقع الوحيد الذي يتمسك به ( حبل ص 3)

 شعور  هائل بالفراغ، لا يمكن مجابهته، وفي إدراك هذه الحقيقة يمنح الإنسان اليقظة، التي لا يجد عندها النجدة، فليس هناك غير الصمت والظلام  والجنون والموت..

 الحيرة مسيطرة، تتفاقم،تستبد بالنفس الإنسانية أمام هذا الخضم من المجهولات، الجد يحمل محفظة الحفيد، تحتار اليد المرتعشة، كيف تحمل المحفظة ؟ هل تتأبطها؟ أم تأخذها كلعبة؟ وهذا مما لا يليق بجلال  الشيخوخة (أغنية ص4)

 القسوة تلاحق الناس، أفرادا وجماعات، يكونون مجموعين في أوقات الأفراح، ولكن حين يطلب الفرد منهم قطرات قليلة من الحنان، لتقيه صقيع البرد، يقابله الآخرون بلامبالاة  قاتلة، فالمرأة الهاربة، يتعقبها مختل، تدق باب المدينة المتجاهلة تطلب الحماية، فلا تكترث لها الأبواب الموصدة إلا بابا واحدا، يوصلها الى المبغى  الدخول منه والخروج سيان (غجرية ص 6)

 وتبدو القسوة واضحة جلية،على الصديق الوفي (الحصان) حيث يتلقى  ضربات السوط لسعات حارقة، بشكل يستعصى على الفهم، فيأخذ بالركض هربا من صوت الحوافر، ولكن الخوف من اشتداد  عنف اللسعات، التي سبق له ان جربها، يمنعه أن يكون حرا، يلبي نداء الغابة، ينقذ  الحيوان المسكين الصابر، من  قسوة المعاناة  انتشار رائحة الياسمين في حقل أبيض، يستنشق السائق العطر، ويستعير نظرة المرأة  إلى العالم، فيرى  حصانه بعيون جديدة،جميلا بهيا، منتميا للعالم اللطيف للمرأة (حقل من الياسمين ص10)..

 الحنين إلى الطفولة، حيث البراءة والركض بين المروج، والبحث بين شقائق النعمان، وعن الأمكنة التي تمسح فيها الشمس قطرات الندى، يقودنا المبدع الهاديء (محمد فاهي) الى شتلات الفرح، لننسى حينا  من الوقت،عالمنا المفجوع قسوة وضياعا، يقف الطفل حائرا، يصير طائر السمان، يحرس قوقعة الطائر، يتلمس إصغاءه العميق، يتخيل حقل القمح، فيهتف بأكوام السنابل، كما يهتف الطائر بأكوام الصباح، يتخيل مربط البهائم، فيهتف بما كسب،  كما يهتف الطائر بثلاثة أصوات مختلفة الذبذبات، ليموه عن مكانه، يفتح الطفل عينيه من حلم لذيذ، حين يسمع صوت الرصاص، تردد صداه الأرض، فأي لذة يفرضها انتفاض الطائر من بين الحشائش؟ حين يطلق الصياد الرصاص، يسقط الطائر عموديا، يتسابق الأطفال اليه، يلتقطونه دافئا مستسلما (قاف، سين، تاء  ص 11)

 يتواصل الحلم الجميل بحياة أكثر دفئا ومحبة، ويبدو شديد الوضوح، في مجموعة قصص (محمد فاهي)، العودة إلى القرية  حيث المحبة الصادقة، والرحيل عن حياة المدينة القاسية الجافة، والبعيدة عن دفء العواطف، ونشدان الهواء الطلق المنعش والخيرات الكثيرة والألفة بين البشر، تكون الخيمة، لتقي من البرد والمطر المنهمر، يتواصل الحلم بالدفء المفقود، باشعال أعواد الخشب، لكن الطفل لا يمكنه أن يدرك أحلام  الغرباء،الباحثين عن  ظلال الحنان، وسكينة النفس في الصلات الحميمية (خيمة ص15)

 

 هل يستعين الكتّاب بعالم الورق والحبر عن عالم الواقع الخداع ؟ هل يهربون عن  واقع كالح لا طعم له ولا لون؟ في قصص المجموعة: نلحظ ذلك الحب الكبير، لعالم الكتابة والعلاقة الوطيدة مع  الكلمات وتركيب الحروف، لخلق مدن رائعة، يسكن فيها الغرباء الغامضون، في حوار بين القاص والقصة، نسمع القصة تدلي بحججها أمام القاص، الذي يأتيها متأخرا، إما مجروحا، فيجعل منها خميلة تلعق جراحه، وإما مدركا لما فاته، فيحول القصة إلى ذاكرة للوجع، أو يأتيها مدفوعا بالعادة أو بالحنين، حاملا أثقالا لا يمكنه التخلص منها إلا برفقته للكتابة، فهي الصديق الوفي الذي  يحمل عنا همومنا، وتتفهم دوافعنا، وتعرف طبيعة الأثقال المرهقة،التي لا قدرة لنا بتحملها، فتمد أياديها منتشلة  الكتاب من شعور ممض بالخذلان، القاص يتحدث عن أسراره للقصة،التي تصغي إليه بانتباه، وتساعده في إعادة تركيب ما تريده من عوالم (غابة سوداء ص21)

 ولأن الأساتذة يدركون، ما في عالم التعليم من  غرائب، فان الكاتب يصحبنا في رحلة إلى قاعة الدرس، في الزاوية اليمنى عش عنكبوت  كبير، في حضنه يرقد عنكبوت ضخم، عيناه تنظران شزرا الى ما يدور  على  الخشبة، على اليسار سبورة  كالحة بلون التراب، وضعت على الأرضية،فيعطي التقابل بين سماء العنكبوت  والسبورة، صورة مختلة لعالم مقلوب، لا توجد فيه السماء والأرض في موضعهما، وهذا العالم المقلوب نجده كثيرا في قصص الأديب (محمد فاهي) حيث أحلام الإنسان تغدو سرابا، والرغبة بالحب تصير جفافا، السبورة المغطاة بورق ملون، خرقت من الوسط، وبدلا من وسائل الإيضاح التعليمية، علقت ملصقات علب الشاي، ولا يعلم لأي غاية؟

 رجل يبحث بين الطاولات، عن آخر الكلمات، قد يكون المدير أو المفتش، كلام كثير بعضه محفور، وبعضه مكتوب،كلمات فقدت أطرافها، لأنها خربشت في عجلة، يبدو المعلم يغوص في شرحه للدرس، فيقتحم غرفة الدرس طائر، يسبب ضحكا متواصلا للأطفال، ثم تتبعه نحلة عابسة تئز، هذا التصوير الرائع لشخصيات القصص،والخيال الخصب والكلمات المرهفة، والمعاني الغنية يبدع فيها القاص المتمكن، مهارة في  إبراز عالم الأطفال السعيد، حيث الأحلام ترتدي أجنحة، تدخل فراشة تغمز الأطفال، يتبعونها واحدا واحدا الى الغابة، ويظل المدرس  وحيدا، بين عنكبوت ظافر وسبورة ضاحكة (جرة الضحك ص27)

 يبلغ الحلم أوجه، ويصل الخيال إلى أحلى القمم، حيث القصيدة تنبت شجرة،، في أعلى الشجرة حطّ طائر كبير، هل  يكون الطائر نذير شؤم،عن الخراب الذي حلّ بأراضينا التي كان ماضيها سعيدا؟ رغم إنشاد الشاعرة لأبياتها في أول الليل، طائر الشؤم يخفق بجناحيه، تتفرق القصيدة أبياتا، تتحول إلى طائر بجناحين قويين، يحوم حول رحبة واسعة ويحط، يصير خيمة سوداء، حيث يتربع النابغة، يتوجه الطائر نحو بلاد الرافدين حيث الحضارة العميقة، ويحلق على أطلال  آشور ونينوى، نازلا على ألواح الطين، يختفي الطائر، ويلوح أخيرا في سماء بغداد، يبتعد عن جزمات المارينز، يغيب في سحاب من دخان، فيعود للشاعرة صوتها، وتتفقد الخراب، يتساءل الطفل عن الطائر، الذي يحلق في الرماد الداكن، فيطارد الأب الطائر عبر طريق هولاكو (الطائر البابلي ص36)

تصوير رائع لحضارة آفلة، وواقع مظلم، وضعف مهين، قطعة  قصصية شعرية لمبدع يجيد القص.

 في التعبير عن انقطاع حبل المودة، حين لا يجد المرء من يتواصل معه، فيحيا غريبا عاجزا عن الدفاع عن نفسه، أمام سيل الاتهامات التي توجه له، يفتح علبة السردين بالطماطم، لم يقدر على كل السمكتين، لأنه أفرط في تناول السردين المعلب، زوجته المتربصة به، والتي يلذ لها أن تكيل له،  في مثل هذا الموقف، ظلت تتغيب عن البيت، قاصدة هذا القريب أو تلك القريبة، أو ممن لا تربطها بهم إلا رائحة (الشحمة في الشاقور) بمناسبة زفاف أو ختان، أو بدون مناسبة، كانت تقول له  :

- لأنك معقد وانعزالي

 وكالعادة، كان الكلام ينحبس في حلقه، فلا يجد غير الهروب ملاذا (علبة سردين ص63)

 رحلة ممتعة في غابة (محمد فاهي) السوداء حيث الطيور تغرد وتبني أعشاشا للحب ولتواصل في عالم  ينأى الانسان به عن صحبة الآخر، والأشجار الباسقة تمنحنا ثمارا من رائع المعاني وجميل الكلمات

 

صبيحة شبر

 

قراءة في قصيدة (صوت القلب) لرفيف الفارس

goma abdulahصوت القلب / رفيف الفارس

ينادي ... يسمعهُ نبضي

سلاما عليه حين غنى ..

    سلاما عليه حين تنهد وحين مس الشوق قلبه

بحارا من خلف تيجان الشمس

يجلو الغربة والتنهدات

ويرسو على فضة القمر

تضج بأشرعته المرافئ .. صورا وعطورا

ويختفي ... ويزهرعطرك

وأنا ونورسي القديم مسافران.... على صوت القلب.

ولادة همسات .. القصيدة

تتجمع فكرة فكرة ..

  وتفور

   وتنضج

     وتتبخر

       وتؤلم

         وتتمحور

وتدنو من حافة القلم وتتعثر

      ولادة القصيدة

تتّكئ على خيبتي وتتقشر صورا وازهارا ودمعة ... تتفجر

هذيان بعمق الألم وحلم لا يتفسر

  ينذر بالاقمار في عينيك...

      بصوت القلب المنتظر

2016

رنين صوتها الواضح، يتداخل بين المناجاة والتشكي لصوت همسات القلب، الذي يتعذب من عسر الولادة والمخاض، بهذا التعمق تسير في اغوار عمق المعضلة التي برقتها في هذا الشغاف الشعري، وفي صوره الشعرية المتعددة، في الولوج في عمق اللغة الشفافة، من اجل وضوح الفكرة والهدف، في ناصية التأمل نحو الانطلاق الى ولادة جديدة، بكل شفافية العشق والمشتهى والمرتجى والمطلوب، وهي تتسلق في خطواتها نحو حاضنة التفكير، والنزوع الى الذات، بكشف مراميها التي تعذب القلب،هذه شفرات الايحائية المغزى للقصيدة، فقد انتهجت اسلوب المحاكاة الذات ومحاورتها، بتوظيف اللغة المركبة، لغة داخل لغة، او صوت داخل صوت (ينادي ...... يسمع نبضي / سلاماً عليه حين غنى) هذا الانسراح في صميم الشوق ليحلق الفضاءات بكل اشتهاء وتفاعل، ليعيد بناء تكوين نبضات القلب من جديد، بما تشتهي الروح والوجدان . يقول مارسيل بروست (نحن لا نشفى من المعاناة، حتى نعايشها حتى النهاية) هذه المعاناة هي مخاض الولادة (الفكرة والتفكير) ان تطرح نفسها بكل فعالية، وبكل حضور مرسوم لها، حتى ترسو على فضة القمر، هذه الدلالة المرتجى من ولادة الفكرة، بالايحاء المرسوم في خضام الولادة وعسرها، التي تولد من (هذيان الالم) انها عملية معقدة تمر في ثلاثة مراحل، حتى تكتمل الصورة النهائية، او الاطار العام للوحة التشكيلية، وهي:

1 - مرحلة التكوين والتجمع وهي (تدنو من حافة القلم)

2 - التعثر والمخاض العسير

3 - حالة الولادة (ولادة القصيدة)، اي انها صراع داخلي لتكوين شكل الجنين المولود بكل وضوح، ليكون مرادف لصوت القلب . اي ان القصيدة تخرج من ذات الانا الصغيرة، الى الرحاب الاوسع من الذات العامة، في شمولية الخيال والرؤية التأملية، ليكون الدال منطبقاً على المدلول (انتظار . ولادة . انطلاق) لتتمدد على اشواق القلب، التي تحلق افرازاتها في الغربة والتنهيدات التي تبحر في البعيد من بحار الالم . من اجل ان تمسك تيجان الشمس، لهذا تفتح اشرعتها المسافرة على كل المرافئ والصور، وقلب يحسب نبضاته التي (تفور / وتنضج / وتتبخر / وتؤلم / وتتمحور) في فكرة التفكير الحاضر (هذيان الالم) ومخاض الولادة . هذا الانبهار الذاتي في تصويره الشعري لصوت القلب المنتظر

 

هذيان بعمق الألم وحلم لا يتفسر

  ينذر بالاقمار في عينيك...

      بصوت القلب المنتظر

 

لغة القصيدة:

لغة ايحائية باشارات تعبيرية وصورية ورمزية مرسومة، لتجسد بدقة لغة الاحاسيس والمشاعر الداخلية، التي تشغل وتنشغل بها الهموم (الفكرية والنفسية) في اطار لغة شعرية فخمة التعبير، بعبارات شعرية مكثفة، لتكوين الصورة المتكاملة، ضمن سياقات الحبكة الشعرية في بنيوية التكوين، التي تتمثل في بناء الايقاع . في البلاغة . الاسلوب . الايحاء . والشفرات الرمزية، لتكون محصلة جامعة الصياغة والتركيب لمحطات التأويل والتفكير، والمرتبطة بالواقع العام . حتى تثير الاسئلة لدى القارئ، ليبحث عن كينونة الولادة، وينبغي ان نأخذ في الاعتبار، بأنه لا يمكن تجريد القصيدة، من الزمان والمكان والواقع الملموس، لانها مخضبة من روى التأمل والتأويل من هذا الواقع الملموس، الذي يعطي مساحة واسعة من الاحتمالات، التي يجتاحها وتدلف في تشكيلاته في المشتهى العام، لذا لايمكن حصر القصيدة في مساحات ضيقة، لانها تنتظر الولادة والانطلاق، وجمالية القصيدة، بأنها تحرك الذهن بالتداعيات والصور المطلوبة لتفكير في جدليتها، ضمن الواقع الموجود، انها عملية اندماجية بين الدال والمدلول، حتى يأخذ خيارات الولادة والانطلاق

 

جمعة عبدالله

...........................

للاطلاع على قصيدة

صوت القلب / رفيف الفارس

 

دينامية النص الشعري.. ستراتيجية الخطاب السيميائي عند الشاعرة فاطمة منصور .. مراة الرغبة أنموذجا

naser alasadiتوطئة: لاشك أن الشاعرة اللبنانية فاطمة منصور ذات الحس الجنوبي المرهف هي واحدة من الشاعرات اللاتي تركن بصماتهن على قصيدة النثر، قصيدة الومضة الساحرة والنص المكثف في نمط مهم من أنماط القصيدة النسوية المشبعة بالصور والتراكمات الابداعية شأنها شان أية امراة في هذا العالم تحاول إيصال خطابها إلى الاّخر النسوي أو الذكوري في محاولة جادة لكتابة قصيدة بالغة التفاصيل، فائقة اللغة، تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لكتابة قصيدة من هذا النوع وهو في اعتقادي من أصعب الانواع الشعرية لما ينطوي عليه من مخاطر التشابه الكبير بينه وبين النثر المطلق وهو عروج لتراتيل مهمة وتفاصيل من الصعب الإلمام بها على كثرة حالات التجريب من لدن شاعرات في الوطن العربي وهنا لا أستعرض تجارب الأخريات بقدر ما اقول: إن الشاعرة فاطمة منصور على وعي بتجربتها الشعرية ومنجزها الشعري لأنها استطاعت أن تترك فاعلية واضحة من خلال تعلقها باللغة وانزياحاتها الجميلة وهي بالتالي تعمد إلى إرسال خطاب شعري يمتلك المواصفات الخاصة لأن يدرس دراسة واعية وناجحة ونحن في ظل المنهج السيميائي بوصفنا نقوم بالنقد الحديث كانت لنا هذه الدراسة السيميائية التي تناولت إحدى قصائد الشاعرة فاطمة منصور والموسومة (مراة الرغبة) على أمل ان نقوم بتسليط الضوء على دينامية النص الشعرية واكتشاف تجليات الخطاب الشعري من وجهة نظر السيمياء الحديثة.إذ تتحدد الاتجاهات التكوينية من خلال التناسق النصي وشيوع الارتقاء في لازمة القصيدة  لانها تمثل الجانب الاكثر حراكا

والأكمل نسيجا في المحور الدال للدلاله القادمة في اصول الاشارة وابانة الاثر في المترادف المقبول والمطابق المنقول في خطاب الحكاية وتماهيات النص الشعري ومدى  الانسجام والتناسف في أصول اللغة ومدى الفاعلية في انزياحاتها المركزية  .

 

 النص الشعري:

مرآة الرغبة (أقلمُ أظافرَ الغيابِ بعزلتي) في مدنِ البكاءِ أعدُّ لحظاتِ الطرب الهارب لروحكَ المترعة هي كيمياء تفاعل الحبّ أصرخُ بثنايا عبيرِ الأرجوانِ حتى أفزز الفجرَ من سباتِ الوجعِ وأستدركُ بقايا الغجرِ أتعلمُ الرقصَ على أصابع الشمسِ وأملأ دفاترَ الوهمِ بثرثرة فوضى عطش البحار مازلتُ أمشي، بلا جهةٍ مازالت وسادتي خالية من تيجانها تلهو بغرقِ مراكب الصلوات جرداءُ شجرة الجنونِ على طريقِ الجراد سيشبعني السهادُ في مزادِ النعاسِ أنتزعُ الصباحَ عنوةً واجري مع الريحِ، نشربُ كأسَ الضبابِ اسندُ روحي على بقايا ذكرياتنا تعطرني مقاهي الدروب الخاوية يا ليتني بقيتُ أبحثُ عن ذاتي في صور مرآة الرغبة أتركُ الضجيجَ في مقلبِ الحلم الآخر يدورُ على مكبِّ العمرِ حتى تشيخ الشهوة أتركُ العالمَ يتلبسهُ شيطان العاطفة .

 

الدراسة السيميائية:

مراّة الرغبة:

تعمد الشاعرة فاطمة منصور الى نوع من المحددات النصية في تعاملها مع الخطاب الارتكازي وانتهاج نظام المساحات الممكنة لحلحلة الكليات الى جزيئات يضطلع بها السيموز وهو اصغر وحدة سيميائية فاعلة في مسار التوجه السيميائي وصولا لقصديات اللغة ومايترتب عليها من انزياح في ثيمة النص وتكويناته المركزية. فاطمة منصور شاعرة تنطوي على خزين متماسك من المحددات الذاتية العاملة في نسق الشعر وهي في ذاتها تركز على بلورة التركيب بما يتناغم مع السياق اللغوي وهي على معرفة تامة بنصوصها واشتغالاتها. (اقلم اظفار الغياب بعزلتي) عتبة نصية ثانية بعد الاولى تعمدت الشاعرة تنصيصها بين قوسي التنصيص لتنبيه المتلقي إنها إزاء استقراء أولي للحدث الشعري وهي إنما تتناغم مع الانزياح اللغوي وفرادته التكوينية .

في مدن البكاء تنطلق الشاعرة من المشهد الاكثر اثارة وهي تجسد مسار المدن العربية التي اجتاحها البكاء بسبب القتل والدمار والحرب وهي دعوة امراة تمثل بنات جنسها للقفز على البكاء واحصاء لحظات النشوى التي تطرب توجهات الروح الثكلى وذلك انما تفرزه الشاعرة فاطمة منصور لنوعين من الثنائية الضدية مابين الوجع والطرب وبين الهروب والخنوع في رغبة جامحة لصراخ يفزز الفجر (اعد لحظات الطرب الهارب لروحك المترعة). في صناعة لكيمياء الحب في تفاعلية مضادة كما يستخدم الخيميائيون وصفات معادنهم ويحولونها الى ذهب نفيس. تلك هي الضدية التفاعلية في تكوين الشكل المتخفي في صناعة فاطمة لقوالب شعرها متماهية مع المنظور الارتكازي للنص وتداعياته الاخرى. تصرخ فاطمة بمنجزها عاليا من خلال صرختها بثنايا العبير المتالق منزاحا بلون الارجوان دلالة البوح الصعب الذي يمتلك القدرة على خلق حالة الوجع (حتى افزز الفجر من سبات الوجع واستدرك بقايا الغجر) الغجر لازمة الحرية والسياحة في الارض بغير تراخيص وهذا استدلال اولي لعروج الشاعرة الى جوهر المعنى في انها تتمنى أن تسافر في الوطن الكبير الذي تتلاشى فيه الحدود ويكون متاحا لاي احد الانطلاق بغير الادلة الدالة على الهوية لتتماهى مع اللغة الموحدة والدين الواحد والرب الواحد من خلال كيمياء صناعة الحب لان العرب لايعرفون صناعة الحب كما لو انه الهوية الخاصة بالرفعة والانطلاق.

(اتعلم الرقص على اصابع الشمس) للرقص حكايات مثيرة في الموروث العربي وله دلالاته الموحية وعلى مر العصور كان للشعوب طقوس خاصة بالرقص وكل انواع الرقص هو احياء للاحتدام الذي يحدث داخل النفس وتنفيسا عما يجول في وعي الانسان من الخوف من المجهول وقد يرقص الطير مذبوحا من الالم لذا فان الشاعرة فاطمة منصور اجادت صنع الصورة الموحية حين ربطت الرقص بالشمس واصابعها وهو تماثل في الوعي الجمعي الذي يربط حرارة الرقص بحرارة ودفئ الشمس وكنوع من الارتباط الفيزيقي الارضي بالميتافيزيقي الشمسي وذلك ارتقاء في وعي الشاعرة وتكويناتها المتكاملة وتعود بعد ذلك (لتملا دفاتر الوهم بثرثرة فوضى عطش البحار) انها تعمد لتوظيف الصور المركبة في زمن واحد تلك هي صور الوهم والثرثرة والفوضى والعطش. انه توظيف متحرك لمعان مختلفة لكنها دالة مابين الوهم خرافة ومابين الثرثرة جنون والفوضى تدمير والعطش بحر مالح لكنه حياة ومصدر رزق وماء. ولعل شاعرتنا تعمد على التوليف النصي كحراك ثنائي الضد متجانس مع البناء الفني للقصيدة وامكنتها السيميائية المتعددة

والقفر على المتغيرات الوظيفية ودلالات انبعاثاتها النصية في سياق الاتصال والانفصال في مواجهة الممكن واللاممكن في ايجاد المحور الارتكازي لعملية توليد الشعر وبلورة صوره المتتالية. انها فاطمة منصور شاعرة الومضة الشعرية الفاعلة والمجسدة لبنائها الفني .

(مازلت امشي بلا جهة) وهذا هو الاستدراج نحو اللاممكن في فوضى حواس النص وانجرار فواعله الذاتية في نسق المجهول لتشكل فلسفتها الخاصة وطريقة تجانسها بما يخدم المولدات الحيثية الكامنة فيه. والمشي بلا جهة هو نوع من التيه الموضوعاتي بحثا عن جوهر الاشياء في حيرة الكاتبة في تعاملها مع تراجع القيم والمورثات الايديولوجية الكامنة في  الوعي الجمعي. إن إلغاء الجهات المعلومة الاربع وفرز نمط جديد من اللاانتماء هو فكر حر تنتهجه الشاعرة لايتبنى نظرية التمسح باحد وهي نظرية التكوين الذاتي التي قد تودي بالمثقف الى عزلته الدائمة عن الواقع الذي يعيشه هاربا محلقا بجناحي امانيه الغرائبية والعجائبية.

(مازالت وسادتي خالية من تيجانها) نمط اخر من الانماط الشعرية تعتمده الشاعرة في تجربتها المتالقة وهي توسس لنوعين من التوجهات الدلالية والتركيز على الروابط والاواصر الخطابية وهي محصلة ايحائية ترسم بموجبها مقاطع القصيدة بنغم التاثير في المتلقي وكسر الافق لديه من خلال المجانسة بين ماهو حسي وبين ماهو انفعالي يتكون على سطح النسيج ليصل بنا الى العمق التراتبي والتداولي. فالمسافة بين الساكن والمتحرك بين الوسادة والتيجان من جهة وبين المقطع الذي يليه (تلهو بغرق مراكب الصلوات) الذي يجسده الغرق  المتحرك ديناميا بفعل الكهرومغناطيسية التي يجتاحها الماء و الدينامية الفاعلة التي تشبهها الشاعرة بالمراكب ايذانا بعروج الصلوات في بحر الدعاء والقرب من الله انه مشهد مركب تعتمده الشاعرة على طول نصوصها وهي توائم بصورها المترادفة والمتلاحقة وانت كقارئ لايسعك الا الدخول في كل تلك الصور للوصول الى شفرة الخطاب الذي تزمع الشاعرة ارسالة.

(جرداء شجرة الجنون على طريق الجراد)

وهل للجنون شجرة نعم انها من الاستعارات النادرة التي يشتغل عليها البلاغيون في جعل المستعار منه فوضوي متفرد من اجله، منزاح في غياهب الفكر وتداعياته الكبرى فاي شجرة من اشجار الجنون لا تكون الا جرداء من الوعي الجمعي والانطلاق نحو المجهول في سبات الحركة وموت الدليل

وما الجراد الا نوع من انواع الجنون كون صور الجراد تشكل انمحاء للخضرة في سياق الجنون نحو الغاء صورة الحياة الخضراء واكساء الارض بلون الخراب فاذا كان الجنون وعي متأخر فإن الجراد وعي مدمر داعشي التصور يحرق الاشياء التي تمت للحياة بكل صلاتها وهو عصر الظلاميين في عالمنا المعاصر

 (سيشبعني السهاد في مزاد النعاس) مازالت صور الشاعرة فاطمة منصور تترى مابين الذاتي وعلاقته بالليل شانها شان الشعراء الذين تعاملوا مع الليل كمستودع للهموم والتجليات الكبيرة وولادة النصوص التي تخلدهم بعد ذلك، وبين السهاد والناس تضاد، السهاد يمثل الرغبة في تجافي النوم لان امرا مهما قد سلب نعاس الفكر وابقاه يقضا وما النعاس الا موت للفكرة وانهاء للبوح كما كانت شهرزاد تنهي البوح لحكاياتها وتعلن لشهريار ان الصبح قد جاء وان البوح لايمكنه استقراء الغواية الا ليلا.

(انتزع الصباح عنوة واجري مع الريح) عذرا ايها الشعر فانا امام مشهد شعري قل نظيره في الشعر انه بوح رائع متفرد في حيوية التوهج  الى درجة التماهي تنتزع الصباح انتزاعا وبداية  الرغبة لعودة الصباح الذي يكون المأمن لعودة اخرى للبوح والسرد لان القص والحكاية لابد لهما من توقف وهو نوع من الفرار في اماني تحملها الريح و الهروب مع الريح جريا و هروبا من  كل الخطايا التي ارتكبها شهريار النص وشهرزاد القصيدة لانهما في اعتقادي من اباحا السرد المخيف.

(نشرب كاس الضباب

اسند روحي على بقايا ذكرياتنا)

مازالت الشاعرة تستمد استعاراتها من وحي الالم المر الذي تتجرعة كمثقفة عربية تحمل همها وهم جيل ذاق الامرين من الاحباط والتيه  والارق . فهي ونحن نشرب من كاس ضبابية لاتسكر خاوية لاماء فياء ولا فكر بقايا ذكريات نجتر لحظات سعادتها الغابرة والشاعرة تتكأ بروحها على الكم الهائل من الذكريات الحزينة والسعيدة على حد سواء  من خلال الخزين الفكري الدفين . إنه الانقلاب الفكري في مجمل ما كنا نعتقد او نفكر .  ولعل من نافلة القول التاكيد على ان الخوض في المنهج السيميائي سيتبنى الوظائف الدلالية التي تتحرك بافعال الحركة الذاتية والذي نطلق عليه دينامية الفعل السيميائي التي تمتلك القدرة على التواصل في الدوال المنظمة والثابتة ضمن معايير قيمية لاتتخطى المنظور النقدي منزاحة على الشكل اللغوي وتكوين المسارات الدالة عليه، ويكون ذلك الانطلاق من النص الى المناص ومن الفعل الى الى المناص في حركة دائرية بعكس اتجاه عقرب الساعة تقوم بانتاج الحزم الميتانصية المولدة لتلك الافعال بدءا بالحرف الاصغر (السيموز) في ترابطه مع الحروف الاخرى وخروجا للجملة التي تنطلق منها المحددات الاستقرائية للنص المتكامل .

(تعطرني مقاهي الدروب الخاوية)

مازالت الشاعرة تؤسس لمنظورها الشعري من خلال الارتقاء باللغة حدا يثير التساؤل ماحجم القدرة الحاصلة لمقاهي الدروب الخاوية وهي تهب العطر ترى اي عطر تهبه تلك المقاهي  . ربما هي تلك المقاهي التي كانت ذات يوم تعج بروادها وخاصة مقاهي الادباء على شاطئ البحر وهي دلالة سيميائية تكمن في ذات الشاعرة وهي تتذكر زمان التالق في تلك المقاهي التي هجرت بفعل الحرب والضياع  . ثم البحث عن الذات وهو شعور بالالم لفقدان الكثير من الاصالة والابداع . تتمنى الشاعرة ان تعود لذاتها في بحث حقيقي عن الهوية التي تكاد تكون ضائعة (ياليتني بقيت ابحث عن ذاتي) وهي علاقة مرتبطة بروح الماضي متعلقة برابط الحلم والحنين لتلك المقاهي التي شهدت الابداع والوحي . واين يكون هذا البحث ؟ كما تراه الشاعرة انه في تلك الصور الجميلة  تختزنها مراة الرغبة (في صور مراة الرغبة) وعندها تلجأ الشاعرة الى ترك مايعكر صفو الهدوء الا وهو ضجيج الحياة المدمر لكن في وهم الشعراء للهروب من الواقع المر الى الحلم الاخر في رغبة للبحث عن الذات في هدوء الباقي من الذكريات حلم يدور(على مكب العمر حيث تراكم السنين واوجاعها والرغبة في طمانينة الزهد والقناعة متى ؟ حين (تشيخ النشوة) وتخمد نار فتنتها، يتغير العالم تتوالد الرغبة في ترك العالم تقول (اترك العالم) اي عالم هذا الذي تتركه اهو العالم الواقعي ام الافتراضي ذلك العالم الذي يتلبسه شيطان العاطفة اي شيطان الشعر وخيالاته الجامحة .

أخلص  للقول:

إن الشاعرة فاطمة منصور قد اسست اسلوبا شعريا مختلفا  من حيث  المستويات الاجرائية واستجلاء  الوظائف الاستقرائية معتمدة اسلوب الاشارة الدالة على القرائن الثابتة والمتحركة و الذاهبة في العمق النصي وهي تفر من لوعة البقاء على الشكل او المظهر في ظل تماهي اللغة وانزياحاتها المحورية وهي شاعرة لها تميزها الخاص في صناعة النص الشعري واستلهام الباطن المحايث للنص في تكوينات نادرة وجميلة تنم عن روح الشاعرة التي تنطلق من الحلم الى الواقع في ثنائية رائعة ومبدعة لانها تمتلك خزينا كاملا من بيئتها ذات الصور المتعددة في جغرافية الجبل تارة والحقل الريفي تارة اخرى علما انها تطل على مكمن الالهام الشعري وهي تسكن قبالة البحر . لقد تهيات لشاعرتنا اسباب الجمال والابداع في ذات شاعرة تحتفي بالجمال والعمق الجغرافي والحضاري . اتمنى من النقاد الاعزاء الوقوف على تجربتها الشعرية التي تستحق هذا الاهتمام الكبير .

 

الناقد الاستاذ الدكتور ناصر الاسدي / جمهورية العراق .

 

الواقعية التعبيرية في شعر كريم عبد الله

anwar ghaniإنّ وطأة الأحداث وما تمرّ به شعوب الأرض عموما والعربية والاسلامية خصوصا، لا يترك مجالا للكتابة الرومانسية والذاتية، بل يدفع وبشكل واع وغيرواع نحو تصوير المأساة وندب الواقع المرّ لهذا العالم الأعمى . وبخلاف الواقعية القديمة التي ازدهرت في القرن التاسع عشر المعتمدة على محاكاة الطبيعة والتصوير المطابق للخارج، فإنّ تناول الواقع والمأساة الخارجية في الكتابات المعاصرة إنّما يعتمد التصوير التعبيري وطرح الموضوعات بصبغة ذاتية وداخلية (1)، وهذا جمع فذّ ومتقدّم بين الواقعية بتناول الخارج والموضوعي والتعبيرية بطرح الموضوعي بصيغ واشكال داخلية وذاتية . ومن هنا صح أن نسمّي الكتابة الجديدة التي تتناول الواقع بأنها واقعية جديدة لإختلافها تقنيا عن الواقعية القديمة وصحّ أيضا أن نصفها بالواقعية التعبيرية لهذا المزج بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي .

لقد أشرنا في مناسبات كثير وفي مواضع عدّة من كتابنا (التعبير الأدبي)(2) أنّ الكتابة ذات الملامح الإنتمائية والمرتبطة بالواقع والخارج تمثل شكلا من أشكال الأدب الرسالي . وأنّ هذه النصوص الرسالية وبمحافظتها على المستوى الفني العالي الذي وصلته الكتابة المعاصرة وما صاحبها من تغيّر في الوعي تجاه اللغة عموما والكتابة خصوصا والأدب بشكل أخصّ، تحقّق أدبا رفيعا عذبا يضرب بعيدا في جهات عدّة أهمها تجاوز اخفاقات الحداثة وعزلة الأدب عن الناس، بالأقتراب منهم والكتابة بلغة قريبة بعيدة عن التحليق والتحصينات الرمزية العالية، ومن جهة أخرى أنّها تقدّم أدبا عذبا مبهرا وبنكهة عالمية يمثّل المرحلة ويواكب عصر العوالمة وتداخل الثقافات ومن جهة ثالثة مهمّة أنّها في الشعر خاصة تقدّم نموذجا عالميا لقصيدة النثر، يعتمد النثروشعرية (3) والبناء الجمالي المتواصل بكتابة شعر سردي على شكل المقطوعة النثرية بعيدا عن التحسينات الشكلية المعتادة للشعر، وإنّما الاعتماد الكلي على توهّج اللغة وعمق نفوذها وموسيقها الداخلية وعذوبتها الظاهرة .

كريم عبد الله، الحائز على جائزة القصيدة الجديدة السنوية لعام 2016 (4)، يكتب نصوصا تتسم بالرسالية وتحافظ على الفنيّة والشروط المطلوبة لكتابة قصيدة النثر، ببناء جملي متواصل وسردية تعبيرية (5) ظاهرة ونثروشعرية جليّة . فالهمّ الوطني والانساني حاضر دوما في كتابات كريم عبد الله، كما أنّ الهمّ الأدبي والجمالي حاضر أيضا بكتابة النص المواكب للقصيدة العالمية المعاصرة، وتحضر أيضا تلك العناصر المميزة للسرد التعبيري .

لقد تناولنا كثيرا من هذه المظاهر والمضامين الرسالية والفنية والجمالية في كتايات كريم عبد الله في كتابنا (التعبير الأدبي)  وفي غيره لأهمية هذا الشاعر، هنا سنعمد الى بحث أسلوبي في تجلّ تلك المظاهر الواقعية التعبيرية في شعر كريم عبد الله، وبالضبط نظام وحالة المزج بين ما هو واقعي وما هو تعبيري في الوحدات الكلامية من النصوص، ولقد بينا في مناسبة سابقة (6) أن الواقعية الجديدة في الشعر، لها أشكال منها النص البسيط كما عند أنور غني ومنها القصيدة السريالية كما عند فريد غانم ومنها السرد التعبيري كما عند كريم عبد الله، وأشرنا هناك أنّ الجامع لذلك هو اللغة المتموجة التي تتنقل بين التوصيلية والرمزية وبين الواقعي والخيالي .

 ومن المهمّ الأشارة هنا أنّ تلك التصنيفات والتسميات التي نعتمدها إنما هي وليدة الحاجة والضرورة لأجل مواكبة النص المعاصر والقصيدة المعاصرة، حيث أنّا في كتبتنا وبحثنا - وكما يعلم الكثيرون - نتجه من النص الى النظرية وليس العكس كما يفعل البعض بالنزول من النظرية الى النص بأحكأم مسبقّة وممارسة وصاية فنية وجمالية، لأنّ وظيفة النقد والبحث الأدبي هي متابعة النص وملاحقته والنظر اليه كظاهرة انسانية بتجرد وبحريّة من دون اسقاطات ولا تكلفات، وهذا ما نسميه النقد الصادق الذي لا يرى في النص الا ما فيه ولا يحاول أبدا تطبيق نظرية جاهرة على النص كما في المدارس البنوية وما بعدها من تفكيكية وأسلوبية والتي لا يمكنها الصمود أمام سعة تجربة وثراء القصيدة المعاصرة، بل لا بدّ من اعتماد نقد منفتح وحرّ ومرن وأمين ومؤمن بالنص، يضعه في المقدمة ليس فقط باعتباره مادة بحث فقط بل باعتباره منجماً للعطاء والاضافة مع اعتماد السهولة والوضح في الافكار والتعابير . وهذا ما يمكن أن نصفه (بمابعد الأسلوبية) في النقد والبحث الأدبي .هنا سنتناول مقاطع من مجموعة قصائد للشاعر كريم عبد الله نشير فيها الى ملامح الواقعية التعبيرية (الواقعية الجديدة) في الشعر كنماذج أسلوبية وأشكال كتابية . وهذه القصائد كلّها منشورة في مجلة تجديد الأدبية المكرّسة بالكامل لقصيدة النثر السردية الأفقية (7) .

من الموضوعات الحاضرة في شعر كريم عبد وكنموذج للرسالية والتعبير الانتمائي هو الحزن والأسى للخراب وآثار الحرب، اذ لا تجد نصّا له الا وتجده معجونا بهذا الحزن .

في تعبيرية عالية لواقع مرّ وأعمى يحضر الظلام فيه والأسى ويتخفّى خلف كلماته الفاعل المخرّب كحالة من المسكوت عنه ونظام من الغياب والحضور للمعاني والدلالات ، حيث يقول كريم عبد الله في قصيدة (خيانةٌ في تلافيفِ العقل)

(شمسٌ سوداء تتشمّسُ عليها خيانة أسئلةٍ مِنْ مقابرها الموغلةِ في أعماقِ الأنا . تتسلّلُ بلا صوتٍ بعنادٍ ترفضُ الظلامَ …/ دويٌّ يمعنُ حفراً في أخاديدِ تجاويفِ الروح يسرقُ الأمانَ لا يورّثُ إلاَ أرتالاً مِنَ المتاريس …/ كالشياطين تتراقصُ تُحكِمُ أقفالها على منافذِ رحلةٍ ملغومة تشدُّ إلى نفقٍ كابوسهُ طوييييييييييل ..)

انّها الشمس السوداء المظلمة (نظام رمزي) وأسئلة خائنة متجذرة في عمق الأنا (نظام تعبيري) في نظام مجازي رمزي، تتسلل بلا صوت عناد يرفض الظلام، انه الخواء ووجه الخراب (نظام توصيلي)، في (نظام سردي) . ثمّ ترجع اللوحة بصورة أخرى (فيسفسائية تعبيرية) (دويٌّ يمعنُ حفراً في أخاديدِ تجاويفِ الروح) (خيالية رمزية) هنا مرآة وترادف معنوي للجملة الأولى (مقابر موغلة في عملق الأنا)، مما يحقق الفسيفسائية . ثم هو (يسرقُ الأمانَ) (واقعية) وهنا شرج للشمس السوداء وهو ايضا فسيفسائية تعبيرية فهو (لا يورّثُ إلاَ أرتالاً مِنَ المتاريس …) (توصيلية وواقعية) وهنا يحضر خيط الى المسكوت عنه من حيث الارتال والمتاريس وهي وطأة الحرب .

في ما قدّمناه من استقراء أسلوبي كشف عن انظمة معقدة تعبيرية، تصف واقعا محزنا وآثارا مدمرة وظلاما يتجذر في النفس (الكلية)، بلغة متموجة تتراوح بين التوصيلية والرمزية وبين الواقعي والخيالي، وبسرد تعبيري بقصد الايحاء والرمز وليس بقصد الحكاية والقص، مع توظيف للفسيفسائية تجذيرا لرسالة النص وتمكينا للفكرة ومزيد بيان لوطأة وعمق المأساة، فانّ من أهم دواعي الكتابة الفسيفسائية هو تجذير الرسالة وتعميقها في نفس القارئ .

 و تحضر الواقعية التعبيرية بصور الحزن والأسى والخواء والخراب في قصيدة (قيامةُ الأدغالِ المرتجفة)

 (تفقّدَ أضلاعَ أيامهِ ../ كانَ ضلعٌ أعوج يتمطّى ../ تركَ القفص مهجوراً ../ بلا جدوى … غاباته الغارقة بأسى الشفق ../ أمطرتْ بـعشراتِ الحكايات ../ فشبَّ في النهاراتِ حريق ../ …… / لكنَّ مساحات الندم ../ إفترشتْ لوعةَ القنوط …المواعيدُ على غيمةِ الرحيل …/ التذاكر مسروقةٌ في كفِّ العطش .. حقولُ القمحِ فوقَ الصدرِ تحلمُ بنيّسان ـــ المناجلُ جرّحتْ أخاديدَ جوع الينابيع … على هاويةِ الحزنِ الساكت ../ شربوا الملذّات بكأسِ التشفّي …)

و هنا أيضا وبسرد تعبيري ونثروشعرية ظاهرة ولغة متموجة تتنقل بين الواقعي والخيالي والتوصيلي والرمزي، يوثق لنا كريم عبد الله الواقع المر والخارج الموضوعي السقيم، فالقاموس اللفظي لهذا االمقطع - وحده فقط - ينقل القارئ الى الحقول المعنوية المرتبطة بالخواء والخراب والحزن والأسى، ولقد بينا في مناسبة سابقة (7) أنّ القاموس النصي يمكن أن يوظف كمعادل تعبيري (9) دون الحاجة الى التراكيب الجملية المعنوية، بمعنى عدم انحصار التعبير بالجمل المفيدة بل ان مزاج النص وفضاؤه العالم والعالم الذي سيعيش فيه القارئ يعتمد كثيرا على قاموس الألفاظ التي يختارها المؤلف، وأنّ من خلال العلاقة بين القاموس النصي ومعاني الجمل ورسالة النص يمكن استخراج عدد من اشكال الانظمة التعبيرية المركبة والمعقد والتي تؤثر في وعي القارئ وهذا ما سنتناوله في مقالات قادمة ان شاء الله .

و أيضا من الأساليب التي يجيدها كريم عبد الله والتي هي من علامات الكتابات الواقعية هو توظيف المفردة اليومية والحياتية حتى انه احيانا يستعمل المفردات العامة كما هو معروف لمتابعيه، وكثيرا ما يستعمل أكثر المفردات حياتية ويومية والتي تخرج عن الشعر الرمانسي بالمرة يطعم بها الانظمة الرمزية  . في قصيدة (منشارٌ على قارعةِ الحكاية)

نجد العنوان منشار وهو خارج نظام القصيدة الرمانسية والكتابات الانتقائية، وهو مختار بشكل متعمد كما يختار غيره من المفردات اللاشعرية في الشعر، وهذا يذكرنا بحركة (الشعر ضد الشعر) بأن يكتب الشعر بمفردات غير شعرية هي في منتهى البساطة واليومية والحياتية او التقريرية فنجد القصيدة التقريرية او الاخبارية او اليومية وكل هذا هو من الواقعية الجديدة ان صيغت بشكل جيد ووظفت برمزية وايحائية تكسبها التوهج والابهار .

في هذه القصيدة (منشارٌ على قارعةِ الحكاية) يقول كريم عبد الله

(الحظوظُ شعثاء تحرّكُ شطوط الألم تنقلُ هوادجَ حزنِ الأرض، خَبَرتْ حنكةَ منشارٍ حاذقٍ يدمنُ لعبةَ إقتناص المغانمِ الوفيرة مبتسماً يمارسُ طقوسَ المكائدِ الساخنةِ، طوّفتْ في درابينهم الهاربة، تسارقُ بيقينِ قطّاعِ الرقاب، يتغلغلُ القحطُ في حكاياتِ أولادِ الدموعِ الرخيصة مذ كان الغراب يتوضأُ بالخطيئةِ هيّجَ إستعراض الجيوشِ الهائجةِ خيولَ الغزوات، تستحلبُ الضواري تقاويماً تستدرجُ الآلامَ في مزادٍ مجانيٍّ مرضعتهُ رثّةُ الضرعِ تروفُ وقتاً شحيح الألفةِ يتقافزُ على خارطةِ الزمنِ العجول ينزُّ مِنْ طيّاتهِ نحسٌ يذرقُ مبتهجاً في ماسورةِ الحلمِ يحلمُ أنْ يكونَ متأنقاً مرفوعَ الرمح تعلوهُ فضيحةُ الدسائسِ خيانةٌ مسعورةٌ تحشرجُ في أحاديث ملساءَ كجلدِ افعى تدفنُ بيوضها في صحراء تافهة تشتاقُ كثبانها نزعةَ توترٍ تعتصرُ نشوةً عجفاءَ بواعثها مركونة الى أجلٍ أعمى تسبحُ فيهِ رائحةُ القلق الخشن متخبطاً باللامبالاةِ تفخخه الاعلانات تحدُّ كتلٌ إسمنتية صماءَ.)

في هذا المقطع العالية النثروشعرية وبناء جملي متوصل، يحقق النص شكلا جديدا من التموج اللغوي، ليس من حيث التراكيب المعنوية بل من حيث المفردات فالنص يتنقل بين مستويات من الانشاء للمفردات فمن كلمة عالية الشاعرية الى كلمة يومية وبسيطة جدا وهكذا . فوسط الكلمات المنتقاة والعالية الشعرية نجد كلمات (منشار، درابين، الاعلانات، اسمنتية) .

وهنا تحضر ايضا الواقعية التعبير بما تقدم من مفردات يومية وبحضور الحزن والأسى والخراب والخواء، ساء على مستوى قاموس المفردات ام على التراكيب المعنوية والافادات . فمفردات (الحظوظُ شعثاء، شطوط الألم، هوادجَ حزنِ الأرض، منشارٍ حاذقٍ، المكائدِ الساخنةِ،، درابينهم الهاربة، تسارقُ بيقينِ، قطّاعِ الرقاب، يتغلغلُ القحطُ، يتوضأُ بالخطيئةِ، تستحلبُ الضواري، تستدرجُ الآلامَ، مرضعتهُ رثّةُ الضرعِ، وقتاً شحيح الألفةِ، الزمنِ العجول، نحسٌ، فضيحةُ الدسائسِ، خيانةٌ مسعورةٌ، تحشرجُ، أحاديث ملساءَ، كجلدِ افعى، صحراء تافهة، نشوةً عجفاءَ، أجلٍ أعمى، القلق الخشن، متخبطاً باللامبالاةِ، تفخخه الاعلانات)

انّ كريم عبد الله هنا كشف عن قدرة تعبيرية مهولة، حيث انه لم يترك اية امكانية للغة الا ووظفها لأجل بيان رسالته، فالالفاظ مختارة بشكل يمكن من القول ان الشاعر كان يعيش اللحظة الشعرية الغارقة التي تفيض بالتعابير، فما من مفردة الا وهي معبأة بالألم ومعبرة عن الخواء والعمى باكبر قدر من طاقاتها بحيث انه لا يمكن أداء تلك المعاني بغير تلك الالفاظ . كما انّه قدّم هنا مقطوعة تعبيرية لم تدع شيئا ذكرته الى ووجهته توجيها ذاتيها وتطرفت في وصفه وبالغت في نعته وحاله وهذه من معالم التعبيرية الحقّة، ولو أنّا اردنا تقديم نموذج للتعبيرية في الشعر فانّ هذا سيكون أحدها ليس على مستوى الشعر العربي بل العالمي أيضا .

كما أنّ هنا أساوبا آخر استخدمه المؤلف وهو تعدد الاصوات . حيث نجد تعدد الرؤى واضحا، ولكريم عبد الله قصائد بوليفونية متعدد الاصوات كثيرة (10). ونجد الرؤى والاصوات المتعددة المحققة للبوليفونية

الصوت الاول : الحظوظ الشعثاء: (الحظوظُ شعثاء تحرّكُ شطوط الألم تنقلُ هوادجَ حزنِ الأرض،)  فالتحريك والنقل افعال فاعلة تعبر عن تبئر خارجي ومحايد للمؤلف ويتجلى صوت الفاعل .

الصوت الثاني : المنشار: (خَبَرتْ حنكةَ منشارٍ حاذقٍ يدمنُ لعبةَ إقتناص المغانمِ الوفيرة مبتسماً يمارسُ طقوسَ المكائدِ الساخنةِ،) فحاذق ومقتنص للمغانم ومبتسم كلها تعبر عن جهة ورؤية الفاعل والشخصية النصية وليس المؤلف بالطبع .

الصوت الثالث : النحس: (ينزُّ مِنْ طيّاتهِ نحسٌ يذرقُ مبتهجاً في ماسورةِ الحلمِ يحلمُ أنْ يكونَ متأنقاً مرفوعَ الرمح تعلوهُ فضيحةُ الدسائسِ) فالنحس يذرق مبتهجا ويحلم ان يكون متأقنا مرفوع الرمح، وهذه كلها من بؤرة الشخص الثالث الذي لا يتدخل ويحايد بينما عبارة (تعلوه فضيحة الدسائس) هي من انطباع ورؤية المؤلف . وهكذا في باقي النص . ومن الواضح أن البوليفونية وتعدد الاصوات والذي هو من سمات الرواية اساسا، غالبا ما يكن في الشعر ملتصقا بالرسالة والانتماء وبيان الواقع واداة تعبيرية للتعبير عن الخارج والموضوعي ويختلف جدا عن التعبيري الغنائي والرمانسي الغارق في الذاتية .

 

د. أنور غني الموسوي

 

شعراء الواحدة (5): دوقلة المنبجي / يتيمة الدهر الدعدية .. رؤى جديدة وأسئلة مثيرة

karem merza1 - المقدمة: لأيم الله أنا حائرٌ لمن أنسب هذه  القصيدة الدعدية  اليتيمة الكاملية (من البحر الكامل، عروضها حذاء، وضربها مضمر)، عدد أبياتها مختلف فيه بين 60  إلى 66 بيتاً، تسلسل أبياتها غير متفق عليه، مترادفات كلماتها متباينة حتى يكاد كلّ بيت يروى بصياغة مختلفة ، مما يشير إلى أنّ العديد من الشعراء عبثوا بها لينحلوها لهم غصباً، وكل واحد منهم يزعم  نسخته هي الصحيحة الأصيلة، لأنه صاحبها، وما عداها صورة مشوهة لولادة غير شرعية، الحق أنّها فريدة جميلة يتيمة، يتيمة لا من حيث تسببت في مقتل  مبدعها فتيتمت، ولا  لأنها واحدة شاعرها، لا أخت لها، لا ولا... !! أنا عندي هذه المسكينة يتيمة  لأنها عرضة للعبث والتحرش بها لكلّ من هبَّ ودبَّ دون خجل ولا حياء، لا راعي لها، ولا ولي لأمرها،  كلّ يقول أنا لها، ولا يدري ما سرّها إلا الذي بدعا   !!

2 - صورتان لا تجتمعان حتى لو تشكيليا...!!:

يعني لا أريد أن أجرجرك إلى يتم المسكينة المطعون بشرفها رغم عفتها وأنفها ...!! أنت  - بربّك - لا توافقني الرأي حين أقول شاعر هذه الأبيات  الرجولية العفيفة الحكيمة الرائعة :

ولقد عَلِمْـــــتِ بأنَّني رَجُـــــلٌ ***** فــــي الصالحاتِ أروحُ أو أغْـــدوا

بَرْدٌ على الأدْنى ومَرحَمَــــــــــةٌ ****** وعلـــى المكـــارِهِ باسِــلٌ جَلْــدُ

مَنَعَ المطامــــــعَ أن تُثَلِّمَنـــــي ****** أنِّــــي لِمِعْوَلِــها صَــــفَاً صَــــلْدُ

فأظـــلُّ حُـــرّاً مــن مَذَلَّتِهـــــا****** والحُـــرُّ حيـــن يُطيعُــهـــا عَبْـــــدُ

آلَيْـــــتُ أمـــدحُ مُقْرِفأً أبـــــــداً******* يَبْقـــى المديـــحُ ويَنْفَـــدُ الرِّفْـــدُ

هيهـــات يأبــــى ذاك لـــي سَـــلَفٌ ****** خَمَدوا ولـــم يَخْمَدْ لـهم مَجْــدُ

فالجَـــدُّ كِنْــــدَةُ والبَنـــونَ هــــمُ  ****** فَزَكـــا البَــنونَ وأنْجَــــبَ الجَــدُّ

فلَئِـــنْ قَفَـــــوْتُ جميــــلَ فِعْلِهِــــمُ ****** بِذَميــــمِ فِعْلــــي إنّنــــي وَغْـــدُ

لا يمكن بأي حالٍ سكران، تعبان، بطران ...!! أن يضع  هذين البيتين  الفاحشين حتى العهر الساقط الرذيل:

ولها هـنٌ رابٌ مجستـه**** وعر المسالك حشوه وقـدُ

فإذا طعنت طعنت في لبـدٍ *****وإذا نزعـت يكـاد ينسـد

النقد - لعنه الله -  تجبرني لذته أن أعرّي العارين تماما من شرف الكلمة، والاحترام الآدمي ، ولو أن شرف النفاق والرياء لأعرى وأسقط  وأرذل ...!!، ولعلك تعلم:(هن) من الأسماء الستة، حذفت لندرة استعمالها على ذمة فحشها وعيبها، فقيل الأسماء الخمسة، جزماً لم أضم هذين البيتين للقصيدة، وحاولت جاهداً أن أختار أقرب االنصوص صحة لجمالية  الفريدة الخالدة في لغة العرب ...!! القصيدة اشتهرت منذ العصر العباسي الأول، لذلك نسبت لأبي الشيص والعكوك العباسيين، وهذا عصر يضم كثيراً من الشعراء المتهتكيكن الخبثاء، وهي أيضاً نسبت لأبي نؤاس، والشعراء - في خلواتهم -  مزاحهم ثقيل، وعبثهم متهتك لعين، لابد أنهم وضعوها على مشرحة فسقهم، ونالوا منها ما شاءوا، أو من بعدُ شعراء أواخر القرن الرابع الهجري، لعبوا بها ما لعبوا - سيأتي الحديث -  لأن البيتين السابقين الفاجرين، لا يقولهما إلا شاعر شاعر، ولله في خلقه شؤون، وعليهم عيون ...!!

نعم القصيدة ملئت الدنيا، وشغلت الناس، رائعة، بل من أروع الشعر العربي عشقاً ورقّة ووصفاً وحكمة وبلاغة وإحساسا، وقد تنازع عليها أربعون  شاعر، كل يدّعيها لنفسه، بعضهم من الشعراء المشهورين، وبعضهم من الشعراء المغمورين، ولكن رست الحال  على دوقلة المنبجي، ولم تنسب إليه قصيدة أخرى،  مَنْ هذا الدوقلة المنبجي ؟!!

 

3 - دوقلة المنبجي:

هو الحسين بن محمد المنبجي، نسبة لبلدة منبج السورية المعروفة بتاريخ الأدب العربي، لم يذكر لنا التاريخ سنة ولادته، ولا تاريخ وفاته، ولكن نستطيع أن نجتهد أنه أول المنبجيين من الشعراء المشهورين في تاريخ الأدب العربي  أي سبق البحتري ولادة  بجيل، فهو بزغ في عصر المأمون، وربما مات في عصره، والبحتري جاء من بعده عاش ما بين (206 - 284 هـ / 820 - 897م)، وبزغ في عصر المتوكل الذي تسنم عرش الخلافة بعد عمّه المأمون بخلفتين، أبيه المعتصم، وأخيه الواثق، أما أبو فراس الحمداني (320 - 357 هـ / 932 - 968 م)، فمتأخر عليهما بنيف وقرن من الزمان، ومعاصرنا عمر أبو ريشة، ذاك اليوم مات ...!!، عاش بين (1910 - 1990م) .

جاءت ترجمة شاعرنا التي تنسب إليه هذه الدعدية  قصيرة في (تراجم شعراء الموسوعة الشعرية) وفي الكتاب (دواوين الشعر العربي على مر العصور)، وفي كتاب (فهرس شعراء الموسوعة الشعرية)، كالآتي:

" دوقلة المنبجي:

? - ? هـ / ? - ? م

الحسين بن محمد المنبجي، المعروف بدوقلة.

شاعر مغمور، تنسب إليه القصيدة المشهورة باليتيمة، ووقعت نسبتها إليه في فهرست ابن خير الأندلسي وهي القصيدة التي حلف أربعون من الشعراء على انتحالها ثم غلب عليها اثنان هما أبو الشيص والعكوك العباسيان، وتنسب في بعض المصادر إلى ذي الرمة، وشذ الآلوسي في بلوغ الأرب فجعلها من الشعر الجاهلي، وتابعه جرجي زيدان في مجلة الهلال (14-174)، وخلاصة القول أن القصيدة كانت معروفة منذ القرن الثالث الهجري عند علماء الشعر، وأول من ذهب أنها لدوقلة هو ثعلب المتوفى سنة 291هـ "

 

4 - القصيدة من البحر الكامل، عروضها حذاء (فَعِلُنْ)، وضربها أحذ مضمر (فَعْللُنْ):

مُتَفَاعِلُنْ  مُتَفَاعِلُنْ  فَعِلُنْ **** مُتَفَاعِلُنْ  مُتَفَاعِلُنْ  فَعْلُنْ

القافية: متواترة .

لاريب أن الضرب جاء أحذ مضمر، والقافية متواترة للتوافق مع اسم حبيبته (دَعْدُ)، بوعيٍّ منه، أو لا وعي..!!

 

1 - هل بالطُّلول لِسائِلٍ رَدُّ؟***** أَمْ هل لها بِتَكَلُّمٍ عَهْـــــــدُ؟

2 - دَرَسَ الجَديدُ جَديدُ مَعْهَدِها **** فَكَأنما هي رَيْطَةٌ جَــرْدُ

3 - مِن طولِ ما يَبْكي الغَمامُ على** عَرَصَاتِها ويُقَهْقِهُ الرعْدُ

4 - وتَلُثُّ سارِيَةٌ وغادِيَـةٌ **** ويَكُرُّ نَحْسٌ بعدهُ سَعْـــــــــــدُ

5 - تَلْقى شآمِيَةٌ يَمانِيَــةً**** ولها بِمَوْرِدِ ثَرِّها سَـــــــــــــرْدُ

6 - فَكَسَتْ مَواطِرُها ظَواهِرَها *** نَوْراً كــــأنَّ زَهاءَها بُــــرْدُ

7 - تَنْدى فَيَسْري نَسْجُها زَرَداً**** واهِي العُـــرى ويَغُرُّه عَقْـدُ

8 - فَوَقَفْتُ أسألُها وليس بهــا ***** إلاّ المهَا ونَقانِـــــقٌ رُبْـدُ

9 - وَمُكَدَّمٌ فــي عانَةٍ جـــــزأت ****حَتّـى يُهَيِّجَ شَــأوَها الوِردُ

10 - فَتَناثَرَتْ دُرَرُ الشؤونِ على **** خَـــدِّي كما يَتَناثَرُ العِقْـدُ

11 - أَو نَضحُ عَزلاءِ الشَعيبِ وَقَد ****راحَ العَسيف بِملئِها يَعدو

12 - لَهْفي على دَعْدٍ وما خُلِقَـــــتْ ***** إلاّ لِطولِ تلَهُّفي دَعْــدُ

13 - بَيْضاءُ قد لبِسَ الأديــمُ أديْـ*** ـمَ الحُسْنِ فَهْــوَ لِجِلْدِها جِلْدُ

14 - وَيَزيِنُ فَوْدَيْها إذا حَســـــرَتْ **** ضافي الغَدائرِ فاحمٌ جَعْدُ

15 - فالوَجْهُ مِثْلُ الصُّبْحِ مُبْيَضٌّ**** والشَّــــعْرُ مِثْلُ الليلِ مُسْوَدُّ

16 - ضِدَّانِ لمّا استَجْمَعا حَسُنــــا*** والضِّدُّ يُظْــهِرُ حُسْنَهُ الضِّـدُّ

17 - وجبينُها صَلْتٌ وحاجِبُهــــا *****شــخْتُ المَخَطِّ أزَجُّ مُمْـــتَدُ

18 - وكَأنَّها وَسْنى إذا نَظَــــــرَتْ ******أوْ مُدْنَــفٌ لَمَّــا يُفِقْ بَعْـدُ

19 - بِفتورِ عَينٍ ما بِها رَمَــــدٌ ****** وَبِها تُداوى الأَعيُنُ الرُمــدُ

20 - وَتُريكَ عِرنيناً بـــه شَمَـــمٌ******وتُـريك خَــــدّاً لَونُـــهُ الوَردُ

21 - وَتُجيلُ مِسواكَ الأَراكِ عَلــــى *****رَتـــلٍ كَـأَنَّ رُضابَهُ الشَهدُ

22 - والجِيدُ منها جيدُ جازئــــةٍ ******تعطو إذا ما طالهـــا المَــردُ

23 - وَكَأَنَّما سُقِيَت تَرائِبُهـــــا ******وَالنَحرُ مـــــاءَ الحُسنِ إِذ تَبدو

24 - وَاِمتَدَّ مِـــن أَعضادِها قَصَبٌ *******فَعمٌ زهتـــهُ مَرافِــــقٌ دُردُ

25 - وَلَها بَنــــــانٌ لَو أَرَدتَ لَــــه **** عَقــــداً بِكَفِّـكَ أَمكَنُ العَقــــدُ

26 - وَالمِعصمان فَمـــــا يُرى لَهُما ******مِــــن نَعمَةٍ وَبَضاضَةٍ زَندُ

27 - وَالبَطنُ مَطوِيٌّ كَما طُوِيَــــت ******بيضُ الرِيـاطِ يَصونُها المَلدُ

28 - وَبِخَصرِها هَيَــفٌ يُزَيِّنُــــهُ *******فَــــإِذا تَنـــوءُ يَكـــــادُ يَنقَـــدُّ

29 - وَالتَـــــفَّ فَخذاها وَفَوقَهُـــم *****كَفَـــلٌ كدِعصِ الرمـــل مُشــتَدُّ

30 - فَنهوضُها مَـــثنىً إِذا نَهَـــضتْ *****مِــن ثِقلَـــهِ وَقُعودهـــا فَــردُ

31 - وَالســــاقِ خَرعَبَةٌ مُنَعَّمَـــةٌ ****** عَبِــلَت فَطَـــوقُ الحَجلِ مُنسَدُّ

32 - وَالكَعــــبُ أَدرَمُ لا يَبينُ لَــــه ******حَجـــمً وَلَيــسَ لِرَأسِـــهِ حَـــدُّ

33 - وَمَشَت عَلــى قَدمَيــــنِ خُصِّرتـــا ***** واُلينَتـــا فَتَكامَـــــلَ القَـــدُّ

34 - إنْ لم يَــــكُنْ وَصْــلٌ لَدَيْكِ لنـــا*****يَشْفي الصَّبـــابَةَ فَلْيَكُنْ وعْــــدُ

35  - قد كـــــان أوْرَقَ وصْلُكُم زَمَنــــاً *****فَذَوى الوِصالُ وأوْرَقَ الصَّدُّ

36  - للَّهِ أشْـــواقٌ إذا نَزَحَـــــــــتْ ******دارٌ بِنـــا، ونَبــا بِكُـــــمْ بُعْـــــدُ

37 - إِن تُتهِمي فَتَهـــــــــــامَةٌ وَطني *******أَو تُنجِدي يكنِ الهَـــوى نَجدُ

38 - وَزَعَمتِ أَنَّكِ تضمُريـــــــنَ لَنــــا ******** وُدّاً فَهَلّا يَنفَـــــعُ الــــــوُدُّ

39 - وَإِذا المُحِــــبُّ شَكا الصُدودَ فلَــــم ******** يُعطَف عَلَيـــهِ فَقَتلُهُ عَمدُ

40 - تَختَصُّها بِالحُبِّ وُهـــــيَ علـــــى ******ما لا نُـــــحِبُّ فَهكَــــذا الوَجدُ

41 - أوَ ما تَرى طِمــــــرَيَّ بَينَهُمــــا ***** رَجُـلٌ أَلَـــــحَّ بِهَزلِـــــهِ الجِــــدُّ

42 - فالسَّيفُ يَقْطَعُ وهْـــــوَ ذو صَدَأٍ ****** والنَّصْلُ يَفْري الهــــامَ لا الغِمْدُ

43 - لا تَنْفَعَـــــنَّ الســــيفَ حِلْيَتُـــهُ *********يــــومَ الجِـــــلادِ إذا نَـبا الحَدُّ

44  - ولقد عَلِمْـــــتِ بأنَّني رَجُـــــلٌ ***** فــــي الصالحاتِ أروحُ أو أغْـــدوا

45 - بَرْدٌ على الأدْنى ومَرحَمَــــــــــةٌ ****** وعلـــى المكـــارِهِ باسِــلٌ جَلْــدُ

46 - مَنَعَ المطامــــــعَ أن تُثَلِّمَنـــــي ****** أنِّــــي لِمِعْوَلِــها صَــــفَاً صَــــلْدُ

47 - فأظـــلُّ حُـــرّاً مــن مَذَلَّتِهـــــا****** والحُـــرُّ حيـــن يُطيعُــهـــا عَبْـــــدُ

48 - آلَيْـــــتُ أمـــدحُ مُقْرِفأً أبـــــــداً******* يَبْقـــى المديـــحُ ويَنْفَـــدُ الرِّفْـــدُ

49 - هيهـــات يأبــــى ذاك لـــي سَـــلَفٌ ****** خَمَدوا ولـــم يَخْمَدْ لـهم مَجْــدُ

50 - فالجَـــدُّ كِنْــــدَةُ والبَنـــونَ هــــمُ  ****** فَزَكـــا البَــنونَ وأنْجَــــبَ الجَــدُّ

51 - فلَئِـــنْ قَفَـــــوْتُ جميــــلَ فِعْلِهِــــمُ ******بِذَميــــمِ فِعْلــــي إنّنــــي وَغْـــدُ

52 - أجْمِـــــلْ إذا حاولــــتَ في طَلَـــــبٍ ****فالجِــــدُّ يُغْــــني عنــــك لا الجَـــدُّ

53 - وإذا صبَــــرْتَ لِجَهْــــدِ نـــازِلَــــةٍ *******فكَأنَّـــما مـــا مَسَّـــكَ الجُهْـــــــدُ

54 - وطَريــــــدِ لــــيلٍ ســــاقَهُ سَـــغَـــــبٌ *****وَهْنــــاً إلَـــــيَّ وقــــــادَهُ بَـــرْدُ

55 - أوْسَعْــــــتُ جَهْـــــدَ بَشاشَـــــةٍ وقِرىً*****وعلى الكريـــمِ لضَيْـــــفِهِ جَهْـــدُ

56 - فَتَصَــــرَّمَ المشْتى ومَرْبَعُــــــــهُ *******رحْـــــبٌ لــــديَّ وعَيْشُــــهُ رَغْــــــدُ

57 - ثـــــمّ اغتَــــــدى ورداؤهُ نِعَـــــمٌ*******أسْـــــأرْتُهـــــا وردائــــــيَ الحَمْـــــدُ

58 - لِيَـــــكُن لَدَيـــــكَ لِســــائِلٍ فَــــرَجٌ ******إِن لِــــم يَكُـــــن فَليَحسُــــن الـــــرَدُّ

59 - ياليــــــتَ شِـــــــعْري، بعـــــــد ذلكمُ ******ومَحـــــالُ كــــلِّ مُعَمَّــــــرٍ لَحْــــدُ

60 - أصَريــــعَ كَلْــــمٍ أم صَريـــــعَ ضَنـــىً***** أرْدى؟ فليــــسَ مــــنَ الرّدى بُـــدُّ

 

5 - تعقيب: عودٌ على بدء:

شاعر اليتيمة الدية رسّام ناطق من طراز رفيع يصل للمعجزة الإلهامية، كأنما يضع حبيبته أمام ناظريك عارية  بشحمها وولحمها، وتقول سبحان الخالق المبدع، ما كان يعوزها إلا الشعراء الشعراء الخبثاء ليكملوا ويتمموا بالبيتين المجرمين ...!!  ومع هذا لم تخلُ من رقة  ولا أعذب، وسلاسة ولا أجزل، وحكمة ولا أعقل ... قصيدة متكاملة من جميع جوانبها

ولمّا نسبت القصيدة:

لأبي الشيص الخزاعي (130 - 196 هـ / 747 - 811 م)، وهو محمد بن علي بن عبد الله بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي - ابن عم دعبل الخزاعي الشهير - وتوجد في ديوانه . وإلى (العكوك)، وهو علي بن جبلة بن عبد الله الأبناوي، ويكنى أبا الحسن، ويلقب بالعكوك علي بن جَبلة بن مسلم بن عبد الرحمن الأبناوي، ولد سنة 160 هـ / 776 م ـ توفي سنة 213 هـ / 828 م . وهو شاعر عراقي مجيد، أعمى، أسود، أبرص، من أبناء الشيعة الخراسانية، ولد بحيّ الحربية في الجانب الغربي من بغداد ويلقب بالعَكَوَّك وبه اشتهر ومعناه القصير السمين، ويقال إن الأصمعي هو الذي لقبه به حين رأى هارون الرشيد متقبلاً له، معجباً بهم . وقيل لأبي نؤاس كما يذكر فاروق شوشة في كتابه (أحلى 20 قصيدة حب  في الشعر العربي)....

و لكن الذي ثبتها لدوقلة، شيخ الكوفيين في النحو العربي ثعلب، وهو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار، عاش بين (200-291هـ/816-904م)، رجل ثقة كبير، له حافظة قوية، وأسلوب في الخطابة، لا يضاهيه أحد فيها حتى  أبو العباس المبرد شيخ البصريين.

مما سبق نستطيع أن نطمئن أن القصيدة ولدت أيّام صدر العصر العباسي الأول، لأنها نسبت لشعراء معروفين ومشهورين من ذلك العصر، وثبتت في دواوينهم، ونخص أبا شيص والعكوك، لذا من المحال أ مثل هذه القصيدة الرائعة تعبرعلى  أمثال ابن سلام الجمحي، والأصمعي، وخلف الأحمر.... ثم أن أسلوب القصيدة ليس بإسلوب الشعر الجاهلي، ولا تسير على نهجه، وليست من أغراضه، القصيدة الغزلية الكاملة، وبهذه الإباحية، والوصف الدقيق لمفاتن المرأة، بزغت في العصر الأموي، وعلى يد الشاعر الشهير عمر بن أبي ربيعة (ولد 644 م / 23 هـ - توفي 711م / 93 هـ) .

لذلك أنا في شكٍّ كبير ممن ينسبها لذي الرمة، ولا أذهب مع الشيخ الآلوسي، ولا مع جرجي زيدانه، وهلاله في جاهليتها ، وإنما القصيدة عباسية، ولدت في العصر الذهبي ما بين هارونه ومأمونه ...!!

 

6 - هل هو انتحارٌ أم أسطورة للخيال الشعبي ... متأثراً بعصر ألف ليلة وليلة ؟!!:

هل هو انتحار، صيّره الضمير الشعبي لأسطورة، أم ماذا ؟ اقرأ معي البيتين الآخيرين من القصيدة:

59 - ياليــــــتَ شِـــــــعْري، بعـــــــد ذلكمُ ******ومَحـــــالُ كــــلِّ مُعَمَّــــــرٍ لَحْــــدُ

60 - أصَريــــعَ كَلْــــمٍ أم صَريـــــعَ ضَنـــىً***** أرْدى؟ فليــــسَ مــــنَ الرّدى بُـــدُّ

 

هذا انتحار برسم البيتين ؟ فهل كان  معمراً كهلاً - وهذا ما أرتأيه - عند نظم القصيدة؟

ويبدو لي جلياً قد هُدّد بالقتل، إن تمادى بالعشق والهيام، واختار الموت، وقال مع نفسه، ما ردد سعد بن معاذ ذات يوم في غزوة الأحزاب ...!!:

لبّث قليلا يلحق الهيجا حملْ ***لابأس بالموت إذا الموت نزلْ

وللقصيدة الشهيرة قصة ممتعة   ما بعدها إمتاع، ولا مؤانسة، ربّما نسجها الخيال الشعبي، أو رتبها أحد الرواة، لينشر بضاعته بين الحفاة ... لتغدو إحدى الأسطورات الباقيات !!.

قصص ألف ليلة وليلة  الشهيرة كتبت بمهارة فائقة في منتصف القرن الرابع الهجري - أي بعد موت المتنبي بعقد أو عقدين -  سنوات أبي حيان التوحيدي والوزيرين ابن العميد والصاحب بن عباد والسلاطين البويهيين، وكان هذا أبو الحيان قد ألف  كتابه (الإمتاع والمؤانسة)  وهو من الكتب الجامعة وإن غلب عليه الطابع الأدبي، تقول الموسوعة الحرة عنه "هو ثمرة لمسامرات سبع وثلاثين ليلة نادم فيها الوزير أبا عبد الله العارض. كتبها لصديقه أبي الوفاء المهندس، تقلب فيها الكلام وتنوع من أدب إلى فلسفة إلى شعر إلى مجون إلى فلك إلى حيوان إلى مشاءت ثقافة تلك العصرأن تأخذنا فهو أشبه بموسوعة غير مرتبة ودائرة معارف لا نظام فيها "، وهذا طابع ألف ليلة وليلة، ولا ننسى في هذا العصر بزغ نور أدب المقامات على يد بديع الزمان الهمذاني،  وتلميذه أبي محمد القاسم الحريري، وهذا الأدب أيضا جمع بين النثر والشعر، والشخصيات الوهمية ...

أقول: وهذه القصيدة (اليتيمة الدعدية)، قد مرّت بهذا العصر الذي امتزجت فيه الأساطير الشعبية بأدب الفصحى نثراً وشعراً،  لاريب أنهم وضعوها على دكّة التشريح، وعبثوا بها كأسلافهم شعراء صدر العصر العباسي الأول، وقدموها في مجالس أنس وإمتاع وزرائهم، لعلهم يتذكرون ...!!

أنقل إليك إحدى الرويات، واحسبها عليّ من قصص ألف ليلة وليلة، وإن أبيت، توقعها واقعاً، ولِم لا ؟ والليالي يلدن كلّ عجيب ..!!

تقول الروايات: إنه كان لأحد أمراء نجد في العصور القديمة ابنة فائقة الجمال والذكاء مبدعة في الشعر اسمها (دعد) تهافت عليها الخطاب وهي ترفض وتشترط في من يتزوجها أن يصفها بقصيدة تخلدها وتكون أجمل من شعرها....سار ذكر الأميرة دعد في الآفاق وطار وتسابق الشعراء في وصفها رغبة في الحظوة والزواج، ولكنها - لذكائها وثقافتها - تنتقد قصائدهم واحداً بعد واحد وتُظهر مافيها من المثالب...وسمع (دوقلة المنبجي وهو شاعر مجهول)... بالقصة والشرط، وكان قد رأى هذه الأميرة الجميلة فأبدع قصيدته الشهيرة، وسار اليها يريد أن ينشدها بين يديها، وفي الطريق الصحراوي صاحبه أعرابي وسامره وسأله عن سبب سفره فذكره له وأسمعه القصيدة فطرب لها الأعرابي وطلب إعادتها مراراً ودوقلة مسرور من إعجاب الأعرابي بشعره، حتى حفظ الأعرابي القصيدة كاملة، فقتل دوقلة غيلة وهو نائم وحثّ الخطى إلى الأميرة دعد وأنشد بين يديها القصيدة فطربت لها طرباً شديداً،  وطلبت من الأعرابي أن يزيد فيها بيتاً - كي تختبره - فعجز وأصابه العي، وحاورته فأحست أنه كاذب وقاتل، فقالت لحراسها: اقتلوه فإنه قتل مبدع القصيدة وسرقها ولو كان قائل القصيدة حياً لتزوجته فوراً.. فسألها والدها: وكيف عرفتِ أنه سرق القصيدة، فقالت: لأنه يقول::

إِن تُتهِمي فَتَهامَةٌ وَطني ****أَو تُنجِدي يكنِ الهَوى نَجدُ

والأعرابي ليس من تهامة ولا في لهجته شيء من هوى نجد، كما انه عجز عن اضافة بيت واحد فقُتل....

إنا لله وإنّا إليه راجعون، نحن ننادي في (انتصارنا للمرأة العربية)، أن تقتسم مع الرجل مسؤولية القرارات السيادية كاملة مكمّلة، وهنا تاريخنا طلّعها قاتلة أكثر من الرجل ... هذي طركاعة، بطلت عمي ..(فوت بيها وعَ الزلم خليها)، و(شرّ البليةِ ما يضحكْ)، فيُدهينا  ...مع السلام والاحترام ... شكراً لمرافقتي .

 

كريم مرزة الأسدي

 

التاريخ المسرحي بين الانثروبولجيا والتنقيب الآثاري

jasim alayffيحدد "هـيغـل" الجمال صفة للروح والوعي، بسبب الطابع التأملي الذاتي، وتماثل تمام الأجزاء والكل، كنتيجة منطقية لوجهة النظر المثالية. ويؤكد أن "علــم الجمـــال" يتجســـد بشكل حسي موضوعــي في إطـــلاق حريـــة الإبـــداع والمعــرفة في مكونــات الحياة الإنسانية، الاجتماعية - السياسية والروحية.كما يذهب إلى إن، الجمال الفني، من حيث انه، فكرة، يغدو سهل التعريف، ويضيف:" الجمال لا يمكن أن يقتصر على مفهومه العام وحده، بل يستلزم أيضاً، توضيحات وتخصيصات، ولا مناص له بالتالي من الخروج من دائرته الذاتية ليدخل في التعيين الواقعي". بينما يتم توسيع النظر إلى جوانب الجمال بالنسبة لوجهة النظر المادية بإعطائها طابعاً تاريخياً وإكسابها مضموناً اجتماعياً، حيث "الجميل إنتاج للممارسة الاجتماعية التاريخية" أي تحويل الجانب الحسي إلى ممارسة "السيادة" على الأشياء وذلك بمنح اللذة الروحية والمتعة الجمالية دوراً معرفياً. يعترف الباحث كمال عيد في كتابه "علم الجمال المسرحي" بصعوبة معرفة البدايات التاريخية لعلم الجمال على المستوى النظري، متجاوزاً ذلك إلى البحث في تحديد ماهية التفكير الجمالي، لكون تلك المبادئ تُعتبر المصدر الأساس للكثير من المبادئ والقيم الإنسانية الأخرى، مثل الخير والتعبد للفن، والشعر، والموسيقى، ولكون علم الجمال معنياً بالوصف والتغير بالنسبة للظواهر الفنية تم قياس التجربة الجمالية بالاستعانة بعلم النفس، وعلم التاريخ وعلم الاجتماع، وعلوم أخرى متشابكة في مناهجها ومدلولاتها مع الجمال. إن أصل كلمة "الجمالية" في اليونانية القديمة يعني "وعي الذات الاستبطاني" أو "الإدراك بالترابط"ن ومصطلح "الجمالية" يصبح أكثر تعقيدا و صعوبة في البحث عن دلالته، ففي حوالي "388-310" ق.م، وفي اليونان القديمة افتتحت مدرسة لـتقليد الجماليات، ليصمت بعد ذلك علم الجمال، والحديث عنه، حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، حيث يبرز الألماني "بومجارتن" وكتابه "تأملات" والذي هو مجموعة محاضرات ألقاها على طلبة جامعة فرانكفورت في ألمانيا, محدداً فيها ولأول مرة اصطلاح " AESTHETIC" كدلالة على فلسفة الجمال والفن مستفيداً من نظام التطبيق الحسابي في الموسيقى , ومحاولاً الارتفاع بالقيمة الفلسفية في علم الجمال، أسوة بما كان مُتبعاً في علمي المنطق والأخلاق. وقد قاده ذلك إلى البحث في متطلبات الفن حيث يتساوى، الشعر والتمثيل، بالظهور عن طريق، القول، والموسيقى والأوبرا، عن طريق الاستماع،والمشاهد البصرية في، الفنون التشكيلية. ولغرض اعتماد قبول العمل الفني ايجابياً، يقتضي وجود حلقة اتصال حسية بين "المرسل والمستقبل". ثم تضيء الانثروبولجيا الوصفية وعلم الآثار الدلالات الجمالية، حيث بدايات المحاكاة والتقليد خلال العصر الحجري في المغارات والكهوف، وتقود الشواهد العينية إلى الاهتمام بنشاط العمل الواقعي، في الفعل بشكل تصويري عندما يتم تقليد الأحداث الواقعية ذاتها. وبهذا فان الأدب الدرامي بدأ حدثاً وان فن التمثيل بدأ صامتاً، بلا حوار ومعتمداً على حركات اليدين والقدمين والحواس الأخرى، وعبر هذا وذاك، تكــونت الظاهــرة الاجتماعيــة الأولــى في فن التمثيــل، والتي تسمـــى "مسرحيــة الحياة " بعناصــرها الثلاثة، قبل، وأثناء، وبعد العمل، ومن ذلك انبثقت مسرحيات الأعياد والمناسبات الطقسية، والتي تطلق مشاعر الإنسان وأحاسيسه، ويسعى هذا النوع من المسرحيات من خلال استخدام اليد والحجر والسهام إلى التأثير على الطبيعة والواقع والآخر. أن المسرح الحديث يعود إلى "المفهوم القديم" من حيث اعتبار النص والممثل والجمهور في الدرجة المثالية، وهو المعادل الموضوعي لما عرف في المسرح القديـــم،" الدور، الحدث، الجمهور"، استناداً إلى ذلك يقدم الباحث "عيد"، وجهة نظره في تاريخ المسرح، حيث يعارض البحوث العالمية والمحلية الكثيرة والتي تقرر: أن الأصل في المسرح والمسرحية أنهما قد خرجا من المسرح اليوناني القديم ومن عبادة وطقوس آلهة اليونان القدامى. ويرى، مع قلة من الباحثين في تاريخ المسرح من الأجانب والعرب، أن التجربة المسرحية الأولى هي تجربة وادي النيل، بعد أن تم فك رموز الكتابة الهيروغليفية، وقد أطلق على بعض رموزها لفظة "حوارات درامية" حيث "يمكننا أن نقول بوجود ما يسمى بالفرقة المسرحية المتجولة الفنية"، ويتأكد هذا الاستنتاج بوجود شخصيات مسرحية مثل ايزيس، اوزيوس، موراس، ضمن الأسطورة الفرعونية المعروفة " ايزيس". أما التجربة المسرحية الثانية فقد انبثقت في بلاد ما بين النهرين، وفي مدينة آشور تحديداً، وعبر الدراسات الآركيولوجية الحديثة تم العثور على ألواح ورقم طينية تحتوي على نصوص تتضمن حوارات "درامية"، ومنها المسرحية المعروفة باسم "الموت والبعث" وغيرها من علامات توضح توفر الشكل الطقوسي المسرحي في بلاد ما بين النهرين خلال القرنين السابع والثالث "ق. م"، وثمة لوح عثر عليه خلال التنقيب الاثاري، في بلاد ما بين النهرين، ويعرف باسم "طريق وزيارة الإلهة عشتار إلى الجحيم"، وكذلك العمل المسرحي الدرامي المسمى، "شعائر ميثراس"، وكانت حينها تقدم بالأقنعة التي يرتديها الممثلون، كجزء لازم، من متطلبات العمل المسرحي. ويضاف إلى ذلك النص البابلي المعروف بـ "التشاؤم" والذي عده الباحث والمؤرخ الألماني "ا.هوفر- هلزيرج" كأول تمثيلية "مـرحـة" في تاريخ المسرح، أي ما يعادل الآن المسرحية الكوميدية. و جاء ذلك في دراسته المعنونة "أقدم نص مسرحي في الأدب العالمي وتأثيره " والتي نشرها في مجلة المسرح العالمي الألمانية "العدد3-4 سنة 1937"، و"هذا النص ، البابلي، الغريب ، المعروف باسم "حوار التشاؤم" تسري فيه روح المرح والعبث والسخرية وهو حوار بين السيد والعبد يعد من أقدم النصوص الدراميـــة في تأريــــخ الأدب المسرحـــي العالمــي". إضافــة إلى علامـــات أخـــرى تصــل إلينــا من عهــد الاسكنــدر الأكبـــر "323-356" ق.م. مع وجود شواهد مسرحية في أماكن أخرى في العالم متفرقة هنا وهناك، كان يجري فيها التمثيل المسرحي وقتذاك، وقبل ما مدون من تاريخ مختص بالمسرح اليوناني القديم. أما المسرح المعاصر فهو يمثل جزئاً ضئيلاً في الحياة العامة، و هذه الخشبة الصماء القائمة على فراغ لا بد منه، هي شكل تجريدي إلا أنها تترجم أعظم لحظات الإنسان المصيرية وتقدم صراعه وكفاحه وأمانيه وانتصاراته، ولكل ذلك سيظل المسرح ملازماً للإنسان أينما كان في العصر الحجري إلى عصرنا هذا وبعد عصرنا كذلك. في مبحث "جماليات المسرح عبر العصور" يرى الباحث أن علوم الجمال تعرضت ولا تزال تتعرض حتى اليوم للجدل والنقاش، وان أرسطو قد ركز الجماليات على "الخبرة الواقعية" وقد عد المزاج وروح الشعب الموضوع الأهم في الفن، وان ازدهار فن المسرح في اليونان والاحتفالات الفنية والدرامية تعود إلى تكريم الآلهة الذين يقررون مصيــر البشر. وفي البحث عن العصر "الهلليني" وملامحه العامة يلاحـظ "تغير موقف الفن" بسبب انهيار مصير الحياة الديمقراطية السابقة حيث اصطدمت الحياة العامة في ذلك العصر بأساليب الحياة الخاصة وبالترفيه وبالمتعة البصرية وبالشكل التام للأهداف الفردية ومطالبها الشخصية، وقد قادت الفلسفة "الرواقية" المسرح إلى الاهتمام بالبصريات والمتعة الشخصية، ولم تبق صورة حية عن الحياة. أما عن "جماليات الفن العربي" فأنه يؤكد" أن المسرح العربي حديث التاريخ ولا تظهر كثيراً في محاولاته القديمة أو الجديدة علامات وإشارات جمالية حقيقية". ومن تنقيبه في تاريخ المسرح العربي يلاحظ ثمة علامات وإشارات جمالية تتحدد في مقامات بديع الزمان الهمذاني وبخلاء الجاحظ وكتاب النمر والثعلب لسهيل بن هارون وحلقات الذكر ومجالس السماع الصوفية والاحتفالات الجماهيرية الشعبية مثل احتفالات المولد النبوي، ومأساة "واقعة الطف" حيث يعاد فيها تجسيد للمعركة، شعبياً، خاصة في العراق وإيران، وأماكن أخرى في العالم الإسلامي. وكذلك الحكواتي في قصص سيف بن ذي يزن وعنترة ابن شداد والأميرة ذات الهمة، والظاهرة الطقوسية عند العرب في الكعبة وحولها، عندما كانوا يطوفون، في مواسم الحجيج رجالا ونساء، وبعضهم عرايا، قبل ظهور الدين الإسلامي، الذي شذب بعض الطقوس الوثنية وذهب إلى أسلمتها, وقد تعد بدايات مسرحية بسيطة. أما علم الجمال التمثيلي فانه ينطلق من "الموديل" النموذج، إلى الاستمرارية الإبداعية. والآن وبعد مرور حوالي أكثر من ثلاثة عقود على صدور الطبعة الأولى لكتابه* ، فقد أحيطت "أطروحاته في كتابة تاريخ جديد للمسرح في العالم" بالصمت التام، وتم تجاهلها وحتى من دون مناقشتها، دحضاً أو تعميقاً، تأيداً أو رفضاً، من قبل المعنيين، والمتخصصين، في أمر المسرح وتاريخه. واعتقد أن ذلك يعود إلى عوامل ومسببات كثيرة، أهمها هو أن القناعة بها أو وترسيخها والعمل على وفقها بعد تأصيلها علمياً، سيقود إلى إهمال أو تصحيح آلاف الصفحات والمشاريع والمفاهيم والنتائج والأعمال المسرحية والتي وثّقت أسبقية "اليونان" تاريخياً في العمل المسرحي، وبالتالي فان الكثير من الأعمال والألقاب ستصبح عديمة الجدوى، ما لم تعدل على وفق ذلك. ويشترك كذلك في هذا، النظرة الدونية الاستشراقية والتي ترى أن المركزية الغربية وأطروحتها تملك حق الثبات واحتكار الحقيقة، وكل استنتاجها بمثابة المسلمات، التي لا يرقى لها الشك ولا يمكن تجاوزها أو الإضافة لها. وكذلك ضعف، لا بل ندرة العمل الآركيولوجي، والبحث ألآثاري المعتمد على الكشوفات العلمية الحديثة، وذلك يعود إلى غياب الاستقرار الاجتماعي - السياسي في منطقة الشرق عموماً، و العربية خصوصاً. ومع ذلك تبقى أفكار وأطروحات واجتهادات "الباحث كمال عيد"، في تصحيح تاريخ المسرح العالمي، بحاجة إلى المزيد من الشواهد المتنوعة، والبحوث الدقيقة المتخصصة في حقول التنقيبات والمكتشفات الآثارية، ودراساتها العلمية المتعلقة بهذا الشأن، بعيداً عن الرغبات الشخصية، والتوجهات الفكرية المنحازة.

 

جاسم العايف

.........................

(*) ط-2-  دمشق - 2016- لم تذكر دار النشر.

 

قراءة في المجموعة القصصية (تانغو) للقاصة شهرزاد الربيعي

ahmad alkhozaiفي لقاء صحفي اجري في ثمانينات القرن الماضي مع الناقد الدكتور جواد علي الطاهر، صنف فيه النقد الادبي الى نوعين (الاول يمثل تسجيل اعجاب وارتياح لمنجز ادبي في مقالة، دون طرح الاسباب والتحليلات، وهو اشبه بالتحية لذلك الاثر الادبي، وهو لا يقل اهمية عن غيره من الناحية النقدية ..وأما الثاني، فهو ما يغوص في ثنايا النص الادبي، ويعمل على تحليله وتقيمه وإخضاعه لقواعد مدارس النقد الحديثة).

وتماشيا مع هاتين القاعدتين الرئيسيتين في النقد الادبي، سأسلط الضوء في هذه المقالة على منجز ادبي يستحق الإشادة والتقييم وهو المجموعة القصصية (تانغو) للقاصة شهرزاد الربيعي، والصادرة عن دار (امل الجديدة) في دمشق، والتي ضمت ثلاثة وثلاثون قصة قصيرة، وتعد تجربتها الاولى في عالم السرد، تميزت هذه المجموعة بتمحور معظم ثيماتها حول مسائل فكرية رصينة ذات ابعاد فلسفية (كالحرية وحقوق المرأة )، اختارت لقصصها ابطالا من طراز خاص، يمتلكون وعيا ثقافيا عاليا (استاذ جامعي، شاعر، رسام، كاتب) لتجعلهم جسرا تمرر من خلالهم افكارها ورؤاها حول بعض القضايا والمشاكل المهمة في مجتمعنا الانساني والعراقي بوجه خاص، تماهت في طروحاتها هذه ونظرتها التحليلية للأمور مع القصة العراقية في سيتينيات القرن الماضي، والتي تميزت بالبعد الفلسفي لنظرتها الى مشاكل المجتمع، وفق رؤى طوبائية، يتعاطى ابطالها مع محيطهم البيئي بصورة اكثر نضجا وتعقيدا من بقية ابناء مجتمعاتهم، وكان هذا التوجه للقصة العراقية انذاك واقع تحت تأثير المد الوجودي القادم من الغرب والمحمل بكم كبير من التساؤلات، كما يشير الأستاذ ياسين النصير في كتابه (القاص والواقع)، إلا إن القاصة شهرزاد الربيعي حاولت الإفلات في بعض محطات مجموعتها القصصية من هذا الإطار المعقد والشائك، والبعيد عن واقعنا الاجتماعي العراقي المعاصر، بكل ما يحمل من مشاكل اجتماعية خطيرة وانثيالات نفسية سيئة على الفرد العراقي، فقد أشارت بصورة مباشرة أو باستخدام الرمز إلى فوضى القتل التي يشهدها بلدنا خلال السنوات القليلة الماضية، كما في قصة (ذاكرة مثقوبة) والتي تحكي قصة أستاذ جامعي عراقي في مادة التاريخ، تعرض لمحاولة اغتيال نجا منها بعاهة ذهنية جعلته يعيش بقية حياته فاقدا للذاكرة، وكذلك في قصة (أسرار أبي) والتي تعد تتمة لقصة (ذاكرة مثقوبة)، وأما في قصة (أسرار النخيل) فنجد القاصة تضعنا عنوة أمام حالة إنسانية مؤلمة لرجل عجوز يظل لأيام عدة يجوب منزله المحطم وهو يجمع أشلاء أجساد عائلته البريئة التي مزقتها صواريخ الطائرات الأمريكية، غير إن أجمل تصوير للواقع العراقي المعاصر جسدته في قصتها (قاتلو الخيول) والتي استخدمت فيها الرمزية العالية بحرفية جيدة، وذلك بخلقها لواقع افتراضي طغى على معظم حيثيات القصة، عبر سردها لحلم فنان يعشق رسم الخيول وتصويرها لمشهد سيرك خيول في مدينة ليس لها وجود على ارض الواقع، لكنها أشارت إليها من بعيد على إنها تشبه مدينة هذا الفنان، الذي ربما يكون القاصة نفسها، وفي خضم هذا العرض تتعرض الخيول إلى القتل والتعذيب على يد مروضيها، مما يثير هلع وخوف الجمهور الذين يغادرون السيرك هاربين وآثار الصدمة بادية عليهم من هول ما رأوه، لينتهي الحلم باستفاقة هذا الفنان على صوت دوي انفجار كبير، ليهرع متفقدا لوحاته المعلقة على جدران مرسمه، فيجد إن لوحة الخيول هي الوحيدة التي سقطت على الأرض نتيجة هذا الانفجار.

قصة (قاتلو الخيول) هي واحدة من عدة قصص كانت القاصة حاضرة فيها بقوة كفنانة تشكيلية (رسامة)، وهذا يبدو واضحا لكل من يطلع على مجموعتها القصصية والتي ضمت بين طياتها بعضا من لوحاتها، فاستخدمت الفنان بحسه المرهف ومخيلته الواسعة، واللوحة بكل ما تحمل من مدلولات مادية وحسية مؤثرة على المتلقي ،وسيلة للتعبير عن بعض القضايا المهمة في المجتمع، كما في قصص (الواشي، نقمة النسيان، زنزانة المشاعر، الحياة من وجهة نظر حمامة، أرواح هائمة، اللامنتمي).

كما إن تطلعات المرأة العربية وهمومها وحلمها بحرية مازالت بعيدة المنال في مجتمعاتنا الذكورية، فرضت نفسها على السياق العام للمجموعة القصصية، برؤيتين مختلفتين، الأولى لا تخلو من الندية والتحدي للطرف الآخر (الرجل)، كما في قصة (تانغو) التي حملت المجموعة اسمها، والثانية بيان حجم المظلومية الواقعة على المرأة في مجتمعاتنا الشرقية، كما في قصة (حديث في الحديقة الخلفية) حيث تحكي على لسان البطلة (في مجتمعنا على المرأة أن تعمل كل ما يجب عليها أن تعمل، وكل ما لا يجب عليها عمله، برضا دون اعتراض أو حتى دعم أو تشجيع، لتكون دائما على هامش الأشياء، وخلف الصورة، انه مجتمع ذكوري متخلف).

في المجموعة القصصية (تانغو)، اختارت القاصة شهرزاد الربيعي أسلوبا سرديا متنوعا، قد يعده البعض بأنه خارج عن ما هو مألوف في القصة القصيرة، وتمرد على سياقها العام، الذي يتطلب فكرة مركزة مع حوارات سردية مقتضبة و حدث هرمي يتصاعد إلى الذروة ثم ينتهي بالحل، لكن القاصة طرحت لنا في مجموعتها هذه أسلوبا سرديا ثلاثي الأبعاد، ففي قصص (ذلك البطل، أنا ونفسي وأنا أيضا، أرواح هائمة، غرباء)، نجد إن القاصة قد نحت منحى مسرحيا في البناء العام لهذه القصص من خلال إتباعها أسلوبا سرديا مسرحيا عبر حوارات متبادلة بين أبطالها أو تيار وعي باطني (منلوج داخلي) يعيشه البطل داخل النص ..ثم نجد إن الأسلوب قد تحول إلى شيء مغاير تماما في قصص أخرى، ويبدو لنا النص وكأنه اقتطع من رواية، وذلك بسبب تشعب الأحداث وتعدد الشخوص الذين استعانت بهم القاصة للفت انتباه القارئ نحو الحدث الرئيسي للقصة، أو غياب سببية الحدث، كما في قصص (العائلة، الميراث المشؤوم، اللامنتمي) ..إلا إن البعد الثالث لغة وأسلوبا هو ما وشح المجموعة القصصية وأضفى عليها حسا إبداعيا متناسقا وجميلا، عبر لغة حداثوية  اقتربت من القصيدة النثرية في كثير من محطاتها، وأسلوبا سرديا متناسقا متزن الإيقاع، و(مشاكسات لفظية) إن صح التعبير، تميزت بها بعض عناوين قصص هذه المجموعة، والتي بدت خارجة عن المألوف، وهذا التنوع بكل أبعاده لم يمنحنا سوى منجز أدبي جميلا يستحق الثناء، وخطوة واثقة في عالم السرد ننتظر من القاصة شهرزاد الربيعي خطوات أخرى أكثر وثوقا وابداعا.

 

احمد عواد الخزاعي

 

زمن الجوى.. قصائد من الشعر المنثور للشاعر حكيم نديم الداوودي

adnan aldhahirوصلني كتاب الأستاذ حكيم نديم الداوودي وأنا في أسوا حال وأتعس ظرف. كنت فيه ولم أزل أجد صعوبة بالغة في الجلوس للكتابة وكيف أكتب ما لم أقرأ؟ وعليه فأنا مُحرج أمامه وأمام صديقنا المشترك الدكتور زُهدي خورشيد الداوودي فبضله وصلني هذا الديوان.

قصائد الأستاذ الشاعر والمحامي والفنان حكيم نديم تمثل عالماً خاصاً لا يفهمها كائنٌ من كان بل ويعجز أمامها من هم مثلي وأمثالي. بلى، سبق وأنْ تصديت لبعض كتب قصائد الشعر المنثور وكتبت نقداً عنها لكنها كانت مختلفة عن قصائد حكيم. بل ومختلفة جذرياً أعني كنت ـ على غرابتها وجدّيتها وكثرة ما فيها من ألغاز ـ قادراً على الخوض في غمارها وفك الكثير من رموزها والعويص من مفاتيحها. لذا كان في مقدوري فهم الكثير من معانيها وكشف المستور منها وتحليل ما تيسّر لي من مقدرة على الغوص وفحص ما بين وما وراء السطور والغايات. الآن أجد نفسي بإزاء مهمة أخرى مغايرة في المضامين والتفاصيل وأمام أشكال جديدة عليَّ من فنون وآليات قول الشعر والتفنن في صياغاته. نعم، أجد نفس أمام تجربة جديدة بالنسبة لي وأرى فيها تحديّاً لكل ما أعرف وكل ما عندي من قدرات على فهم ونقد وتحليل الشعر. هل أشعر لذلك بالعجز فأستسلم وأرفع الرايات البيض على سطح داري وأعتذر من الأستاذ حكيم نديم ؟ هل أجرّب حظي وأقبل المغامرة والسباحة في البحار المظلمة وهل ستحقق هذه المغامرة ولو الحد الأدنى من النجاح ؟ من يدري. فلأشمّر عن ساعدي كما وصف المتنبي " الخارجي " الذي أسرَ أبا وائل تغلب بن حمدان العِدوي عام 337 للهجرة  ساخراً:

يُشمِّرُ لِلُجِّ عن ساقه

ويغمرهُ الموجُ في الساحلِ

هذا هو واقع حالي اليوم لا حولَ عندي ولا قوّة ولا خيول ولا سيوف ولا قدرة على الجلوس الطويل أمام الكومبيوتر فما أفعل بي وبباقي عمري وكيف أواجه الأصدقاء والأحباب وقرّاء نصوصي؟ لكني ها قد شمّرتُ للُج عن يدي ويراعي فهل يرحم الكومبيوتر فيتعاون معي ويُيسر أمري وأنا بمسيس الحاجة لمن يقف معي ويشد من أزري و (يحلل عقدةً  من لساني).

عزيزي الأستاذ حكيم: لمن أشكو حالي إذا لم أتوجه بشكواي لحضرة جنابكم ؟ أتوجه إليك محامياً تدافع عني وتدفع الضرر عني وتكشف ما أنا فيه من ضنى وشَجَن وليعاونك في ذلك أخونا دكتور زهدي.

هل تسمح لي بالتصريح أني لا أستطيع نقد شعر لا أفهمه وأعجز عن سبر أغواره وخفاياه. فكيف أغامر وأحاول معالجة ما يشبه المستحيل ؟ أنا كما يعلم الجميع لستُ " دون كيخوت " صاحب السيف الخشبي يقاتل به طواحين الهواء. وعلى من يريد فهم شعرك أنْ يدوزنَ ذبذبات روحه لتنسجمَ مع ذبذبات روحك أو تتوافق معها أو تقع عليها عندذاك فقط تنفتحُ على قارئك وينفتح هذا عليك فيفك الألغاز الشعرية ويفهم المجازات ويرتاح لرفقتك عزيزي الأستاذ حكيم.

أجل أستاذ حكيم، قرأت ما في كتابك من أشعار ووضعت علامات وإشارات وتعليقات لكني لم أجدها كافية للولوج في عالمك الشعري ولم أجدْ فيها ما يكفي من ضوء للدخول في دهاليز وسراديب الكتاب " زمن الجوى ". سأترك محاولات دخول هذا العالم المعقد والعويص وأحاول بدلاً من ذلك رصد ما في الكتاب من ملامح وظواهر لفتت نظري. لفتت نظري سلامة عربية الشاعر رغم أنه يجيد لغتين هما التركمانية والكردية بحكم الأصل والنشأة والتربية. فكيف تأتّى له ذلك ؟ ثم ميله لتوظيف مفردات نادرة أجاد اختيارها وصقلها وأعاد لها الحياة. كما لفت نظري ميل الشاعر الواضح لتوظيف السجع الرنيني وتلك موهبة لا يتمكن منها كل من ابتغاها. وقد طالما تمنيتُ لو جاءت تخطيطات ولوحات الديوان بالألوان بدل الأبيض والأسود فاللون يكشف سرائر الشاعر. ثمَّ جاءت القصائد خلواً من تواريخ كتابتها لذا يتعسر على القارئ متابعة خط ومسارات الشاعر للوقوف على مراحل تطور الفن الشعري لدى هذا الشاعر. لكن يبقى أمر واحد يُثير انتباه القارئ أعني سيطرة أجواء وطقوس الحزن والتغرب والوحدانية فبم نُفسر ذلك والشاعر يقيم في الدنمارك محاطاً بثلّة من الأصدقاء والمحبين؟ أخيراً أثار تساؤلاتي أمر آخر هو خلو الكتاب من أي أثر للرومانس ومسائل الحب والغرام فهل وُلد الشاعر بدون قلب أم انتزعه ورماه للقطط السائبة؟

نماذج من شعر الحزن والتشاؤم وبعض السوداوية والشعور الممض بالغربة والتوحد:

نجودُ بماء الوجهِ النقي

بالبسمة الحانية

بمكنتنا نحتضن اليقينَ

سيّان أنْ يكونَ

عابرَ سبيل

لا سريرَ

لا أهلٌ

لا عشير

وقَدَرٌ بلا مصير ..  

لاحظ التسجيع الرنيني: لا سرير ... لا عشير .. بلا مصير.

ثم يذكرني هذا المقطع بقوة بما قال المتنبي:

بمَ التعلّلُ لا أهلٌ ولا وطنٌ

ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سَكَنُ

هناك " سرير " وهنا " سَكَن " وكلاهما يرمزان للزوجة التي يسكن الرجل إليها فتمنحه السكينة والأمان. ثم ورود اسم والد حكيم المرحوم " نديم " في شعر المتنبي فالشعراء يجاملون بعضهم البعض الآخر.... هيّا حكيم فردَّ للمتنبي جميله واذكره في شعرك القادم.   (من قصيدة ماء الصفحة 76)

ومن قصيدة هلوسة / الصفحة 95:

في البريّة، وحيداً يتقاذفني التشرّد، ملاذي عُريي، وكتابٌ ما قرأته أبداً، نافذتي مُطلّة على جدب جنون، وشُفرة مِقصلة، وحزمة قصب، وكِسرة خبز يابس، ونغمة بكاء نشاز.

وقال الشاعر في قصيدة " غُربة " الصفحة 102:

ما زلتُ أمسكُ بريشتي، لأرسمَ بدمِ غربتك ودمعك شططَ عويلي يقطع مسارَ شقائي من بدئهِ حتى آخر الشوط.

قبل اختتام قراءتي لكتاب الأستاذ حكيم أود أنْ أقدمَ للقارئ الكريم نموذجاً آخرَ مغايراً وجدتُ فيه البهجة والأمل وبعض المسرّة والمفتاح السحري هو الوطن.

من قصيدة " سيل " في الصفحة 44:

جدْ صبابتك

درْ مع من تُحبُ

في أقاصي الفرح

إنك الآن في الوطن

تحت رائحته

ولك أهلٌ ودارٌ

وأمل ووظيفة

وهوايات وغدٌ أرقُّ من الحرير ...

* 

زمن الجوى. أشعار منثورة للشاعر حكيم نديم الداوودي.

الناشر: دار نشر فورفاتاريه بوكماشين . ستوكهولم . الطبعة الأولى 2016

 

عدنان الظاهر

 

بناء الشخصية في رواية الجديلة والنهر

wafaa abdulrazaq3الدكتور عدي عدنان محمد

 الكتابة عن واقع حالي تعرضه الأخبار والصحف، وواقع نعيشه كل يوم، أظنه أصعب بكثير من الكتابة عن ماض بعيد أو قريب، لذا كانت الكتابة في رواية (رقصة الجديلة والنهر) بحاجة إلى الخروج عن المألوف كما هو شأني في السرد الذي اتخذ نهجا غرائبيا، لإعطاء الرواية صبغة فنية لتصبح نصا أدبيا. . ومن الصعب أيضا الدخول إلى عوالم الرواية التي تأخذ بالقارئ إلى الخيال، والرجوع إلى البدايات مهما توغل في الفصول الأخيرة، ليكتشف أن ما قرأه عن حياة الأبطال، هو أنهم أرواح يتحركون ويعيدون الحياة من خلال السنابل التي هي رمز الحياة، والناي صوت الحياة، من أول العمل حتى نهايته حيث التحامهم أي الأرواح من الشمال إلى الجنوب، من كوباني، الموصل وسبايكر، والمدن التي نهبها داعش.

لذا، ما كتبه الدكتور "عدي عدنان محمد" أعتبره جهدا مضاعفا لبداياتي في الرواية حتى النهايات، فعين القارئ العارف والمكتشف لخلفية كل بطل وعلاقته بالحدث، والمكان والزمان، وتأويل تلك العلاقة، وعلاقتها ايضا بالأسلوب الغرائبي، في الرواية، وماهية الشخصية باعتارها دالا، الشخصية الرئيسية والثانوية. . فضلا عن أن الموضع الذي اختاره (بناء الشخصية في رواية رقصة الجديلة والنهر) موضوع في غاية الأهمية، وأول موضوع يتناول الرواية من هذا الجانب، على الرغم من كثرة النقود والدراسات حولها، لا اريد أن أسرق من القارئ متعة اكتاشاف هذا البحث في الإطالة، لذا أتركه بين يديه وأرجوه أن يكون عيننا الآخرى.

 

وفاء عبد الرزاق

... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

 

بناء الشخصية في رواية الجديلة والنهر

عدي عدنان محمد

 

توطئة: مفهوم بناء الشخصية في الرواية

 لما كان المنهج يعني الوقوف على آلة التحليل، أو ما يسمى بأدوات التحليل، فإنَّ هذه التوطئة تحاول إيضاح الآلية الإجرائية التي سيقوم عليها البحث، إذ نجد من المفيدهنا أنْ نحدد معنى كلمة (بنية) و (شخصية) محاولين توجيه مدلولهما لخدمة غرضنا في هذا البحث.

 

1. مفهوم البنية:

 جاء في معجم مقاييس اللغة أنّ (بني) هيأة يُبنى عليها شيءٌ ما بعد ضمّ مكوناته بعضها إلى بعض فـ (بني) ، (الباء، والنون، والياء، أصلٌ واحدٌ، وهو بناء الشيء بضم بعضه إلى بعض، تقول: بنيتُ البناءَ أبنيةً…) (1) . ويذهب ابن منظور إلى المعنى نفسه، فـ (البَنْية والبُنْية، وهو البنى، والبُنى… ويقال بَنْيَةٌ؛ وهو مثل رشوة ورشا؛ لأن البَنيْةَ: الهيئة التي يبنى عليها مثل المشية والركبة…) (2) .

والبنية: (الكيفية التي تنظم بها عناصر مجموعة ما، أي إنّها تعني مجموعة من العناصر المتماسكة فيما بينها بحيث يتوقف كلّ عنصرٍ على باقي العناصر الأخرى، وبحيث يتحدد هذا العنصر بعلاقته بمجموعة العناصر) (3) . والبنية بما هي: (آلية للدلالة وديناميكية لتجسيد الدلالة في سلسلة من المكونات الجذرية، والعمليات المتصلة، وفي شبكة من التفاعلات التي تتكامل لتحول اللغة –بمعناها الواسع- إلى بنية معقدة تجسد البنية الدلالية تجسيداً مطلقاً في اكتماله) (4) . فالعنصر داخل البنية يتحدد من خلال علاقته مع غيره من العناصر التي تعمل مجتمعة لتكوين الدلالة.

والبنية ليست مجموعة هذه العناصر، بل هي هذه العناصر بما ينهض بينها من علاقات مع بعضها الآخر، وعلاقتها بالنص كلاً أو البنية بوصفها كلاً (5) . فتتكون البنية من حركة هذه العناصر، والعلاقات المتبادلة فيما بينها.

وبناء النص: هو كل متكامل، ومعطى لساني بالدرجة الأولى يكتسب قيمته الدلالية والفنية والأسلوبية من خلال اللغة التي تدخل في صياغته، بالإضافة إلى الأساليب التي تتم فيها تلك الصياغة والعناصر الأخرى التي يتم بها النص فيتوجه به مؤلفه إلى القارئ (6) .

فالبنية: هي الكل المتكامل من العلاقات المتبادلة بين عناصرها المكونة التي تضافرت فيما بينها على تكوينها. أو هي ما نعقله من علاقات العناصر المكونة للبنية وحركتها من خلال تضافرها و تعالقها معاً.

 

2. مفهوم الشخصية:

الشخصية، من شَخَصَ، والشَخص، جماعة شَخْصٍ... والجمع أشخاص، وشخوص، وشخاص... والشخص:سواد الإنسان وغيره، وتراه من بعيدٍ، ... وكلُّ شيءٍ رأيت جسمه فقد رأيت شخصه (7) . فالشخص هنا يعني الذات الظاهرة للعين، وقد وصف بها الإنسان في أغلب استعمالاتها .

والشخصية في العمل السردي: (أحد الأفراد الخياليين أو الواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القصة) (8) ، بل هو المحور الذي تدور حوله القصة كلها (9) . إذ تمثل العنصر الحيوي الذي يضطلع بمختلف الأفعال التي تترابط وتتكامل في مجرى القص (10) . فضلاً عن أنّها تجسد في ذاتها تعبيراً تاماً وكاملاً عن فكرته الظاهرة المطروحة في القصة (11) .

 ولما كانت الشخصية الروائية هي إنسان، والإنسان هو محور الحياة والكون ؛فإنَّ الرواية أشبه ما تكون بمنظار يضعنا خلفه الراوي لنرى بوضوح ما هو غامض التفاصيل أو بعيد عن مرمى نظرنا من خلال الشخصية الروائية في قناعاتها وحركاتها وسكناتها، فوجود الشخصية هو ما يفترض وجود الظروف الطبيعية والفيزيائية (خارجية) ، والأفكار والمفاهيم الذهنية (داخلية) المرافقة لحياة هذا الإنسان. لذا لا ينتظرُ قارئ أنْ يرى في رواية مكاناً أو زماناً بدون أشخاص يتحركون لتشكل تماساً مع هموم القارئ وشؤونه.

من هنا تبدو أهمية وجود الشخصيات في الرواية، فهذا الوجود يصور الحياة وقد أُعيد تشكيله في العالم التخيلي الخاص بالرواية، فيكون مرآةً للقارئ يرى فيها نفسه . فالشخصية في الرواية هي إعادة خلق للحياة والواقع المعيش على الورق بأسلوب الكاتب.

 وبناء الشخصية في الرواية يعني الهيأة التي تبنى بها من خلال علاقتها بمجموع العناصر المكونة للرواية، فيما بينها، إذ يتوقف كلّ عنصرٍ على باقي العناصر الأخرى، و يتحدد هذا العنصر بعلاقته بمجموعة العناصر الأخرى.

ولما كانت مكونات الخطاب الروائي هي: (الشخصية –الحدث –الزمان – المكان) ، فإنّ بناء الشخصية الروائية:هو علاقتها بهذه العناصر بحيث يشكلون معاً بنية متكاملةً للرواية . فيتم دراسة الشخصية الروائية في ذاتها بعيدة عن هذه العناصر، فتتحدد ماهيتها وطبيعتها، وأفكارها بوصفها دالاً. ومن ثمّ تدرس في علاقتها بالعناصر الأخرى، أي علاقة الشخصية بالشخصيات الأخرى، وعلاقة الشخصية بالحدث والزمان والمكان، فيتحدد معناها بوصفها مدلولاً . وبذلك تكون الشخصية عبارةً عن بنية متكاملة لها دال، ومدلول.

 

المبحث الأول: ماهية الشخصية الروائية (بوصفها دالاً) :

نقصد بماهية الشخصية الروائية هويتها الثقافية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية، ثم الجسدية، فهذه الرواية أعطت معلوماتٍ مكثفةٍ عن هوية الشخصيات من هذه النواحي، فضلاً عن رصد المواصفات الخارجية . ولقد تبين لدى دراسة رواية رقصة الجديل والنهر أنّ الأحداث والأدوار الأساسية في الرواية تتوزعها مجموعة من الشخصيات يمكن تقسيمها على الآتي:

الشخصية الأساس:

- ريحانة:

وهي الشخصية الأساس في هذه الرواية ؛ لأنّها مصدر الأحداث، وهي تطغى على الشخصيات الأخرى من ناحية حضورها، إذ تبدأ الرواية بهذه الشخصية بوصفها ملاكاً تتكاثر حولها الأقاويل، وتنتهي بها عند ذبحها وتحول روحها إلى ملاك يوزع السنابل الذهبية، فهذه الشخصية من الناحية الجسدية ؛شابة شقراء جميلة (12) ، ذات عينين خضراوين (13) ، وضفيرة شقراء متدلية (14) . وهذا الوصف يتناسب تماماً مع فكرة السارد الذي حولها إلى ملاك، فهذه خصائص الملاك، وتلك هي أفعاله.

أما من الناحية الاجتماعية، فقد كانت تنتمي إلى أسرةٍ عريقةٍ تتكون من أب وثلاثة أطفال (نعيم- ورياض، وريحانة) رباهم أبوهم أحسن تربية، وعلمهم حب الوطن، والموت من أجله، وقد ورثت ريحانة من أبيها صفات البطولة والإباء (15) . وكانت تحب عادل وتتابعه في نظراتها، تشدها إليه آراؤه في الحكم والوطن ومعرفة حقيقة الوطنيين من غيرهم (16) .

 وقد كانت شخصية غير متفائلة من الناحية النفسية، وهذا ما أوحت به في حوارها الداخلي عندما تحدثت في سرها عن حبها لعادل وخفقان قلبها له، إذ نجدها تقول:

تحدثت في سرها:

- وما الفائدة من هذا الخفقان يا قلبي !!

غداً أو بعد غدٍ سنموت، سيظل صوت حبي أبكمَ، وعيناه كرفيف أعمى.

علي التخلص من هذه المشاعر، أنا لم أخلق للحب ... (17) .

وقد قاتلت في كوباني مع صديقاتها، وقتلت من داعش الكثير ثم وقعت أسيرةً لأحد مجرمي داعش فحزَّ نحرها، ونشرت صورها في الإعلام والداعشي يرفع رأسها المقطوع، وضفيرتها الشقراء المتدلية إلى الأرض، وعلى الرغم من ذلك لم تفارقها الابتسامة، وتحولت بذلك إلى ملاك يقتل الدواعش ويفرق السنابل على عوائل الضحايا (18) .

نستنتج من ذلك؛ أنَّ هذه الشخصية رمزٌ للثورة على كلّ فكرٍ هدام يحاول استعباد الناس، واستباحة أعراضهم وأموالهم متخذاً من الدين سبيلاً لذلك، والدين منه براء، بأسلوب تظهر فيه هذه الشخصية متأرجحةً بين الواقعية والخيال . فالرواية مستوحاة من حادثتي كوباني وسبايكر، وشخصية ريحانة مستمدة من الواقع المغلف بخيال الراوي، إذ أظهرت وسائل الإعلام صورتها عند احتلال داعش لكوباني، وقد حزّ رأسها، ولكنها غلفت بخيال الروي الذي حولها إلى ملاك يقتل الدواعش، و يساعد المهجرين، ويوزع السنابل على أهل القتلى بعد هذا الفعل.

- حامد :

من الناحية الاجتماعية، ف (" حامد" شابٌ تولع بجنون ب"شيرين " منذ لحظة وطأت قدمه أرض كردستان، هارباً مع أمه من ظلم سلطة البعث، وهو شاب في السابعة عشر، بعد إعدام أبيه على يد السلطة في السجون البائسة، فبعد تعذيبه تم إعدامه في أصبوحة عيد ميلاد "حامد") (19) فالحب بجنون هي الصفة الغالبة على هذه الشخصية حتى وصف بصاحب الناي المعتوه، ، إذ نجد السارد يقول: (... ويعولون على صاحب الناي المعتوه لمعرفة السر الدفين بين أضلعه. يتوقعونه يكذب عليهم، بل يجزمون إنّه يكذب، وكل الحكايات من نسج خيالات الجنون . تصيبهم الريبة منه، ويتقبلون ظهوره ليلاً على مضض) (20) . وكان أبوه يعمل محاسباًفي فرعمصرف الرافدينفي إحدى القرى الجنوبية، يتصف بالتواضع لكنه عنيف مع الظالم والمستبد، وهو يدافع عن حقوق الفلاحين والمضطهدين، وهو محبوب من قبل الفلاحين، وقد أهداه أحد الفلاحين ناياً، فورثه منه حامد بعد مقتله (21) .

أما من الناحية النفسية، فقد ظهرت هذه الشخصية مضطربة، إذ نجده مرةً عاشقاً مفعم الإحساس، ومثال ذلك قول السارد في زمن فرح أهل القرية قبل دخول داعش: (بدأت الأجساد تتمايل... مسك "حامد" يد " شيرين " بقوة، وشعر بدفءٍ غريبٍ ينساب من بين أناملها إلى كفه، ثم جسده كله، فارتعش ارتعاش العاشق، في المقابل تسرب الحرارة ذاتها لكفها من بين أصابعه) (22) . وأخرىيكتم سر الحب بعد دخول داعش ورحيل حبيبته للقتال في كوباني، إذ نجد السارد يقول: (أما العازف فلم يستقر باله ولم يهدأ قلبه، مع هذا عليه أن يعتصم بالحكمة لئلا يشك به أهل القرية، ويعرفون ما بينه وبين "شيرين" من خلال جنونه، لقد جُنَّ فعلاً، فالفراق جلاّدٌ لا يرحم) (23) . و مجنوناً معتوهاً بعد مقتل حبيبته على أيدي داعش يقص عليهم قصة الملاك الذي يراه ولا يرونه (24) .

وقد جسد حزنه في نايه، فكلما مرَّ مشهد حزين في الرواية، عزف صاحب الناي، إذ نجد الراوي يقول: (وكلما أسهبوا في وصف هول المأساة، ارتفع حزن الناي ... مبتكراً تنغيماً جديداً لعله يجدها. الفاجعة تلمع كما الشمس أحياناً، من هنا ترتجف ثقوب الناي الرخيم، ومن هنا تنبثق التساؤلات ؟- لماذا الموت ؟ أين حبيبتي "شيرين") (25) .

نستنتج من ذلك أنّ هذه الشخصية تمثل الواقع المأساوي الذي مرت به هذه المناطق في العراق، فكانت رمزاً لمأساة الواقع، فرسمت أبعاد الإنسان العراقي في ظلِّ خراب داعش، وحربه على العراقيين، فكانت هذه الرواية محاولةً لقراءة العنف من خلال بنية العلاقات الاجتماعية والنفسية التي أدت إلى هذه المأساة وما نتج عنها من معاناة المنفى، ومشكلة الهوية، وفقد الأحبة، وعجز البطل عن تغير هذا الواقع المأساوي .

- عادل:

شاب فارع الطول ذو شعرٍ أسودَ ناعمٍ (26) ، من الناحية الجسدية ,وهو (شاب ممشوق القوام، باهر الطلّة، له حاجبان كثيفان، وشاربٌ كثيف توحي بالقوة والصرامة، و بين أضلعه شكوى النفس للنفس) (27) . وقد امتلك طباعاً باهرةً، ولكن ليس من السهولة قراءة أفكاره، إذ اتصف بالغموض (28) . كما (تجد في ثقافته الواسعة متعةً كبيرة، خاصة حين يتحدث عن الحرية، والسلام، حتى لو كانوا يخوضون حرباً... تشغل باله حرية الإنسان المطلقة . يتحدث بها ويرجع يتساءل:- هل هناك فعلاً حرية مطلقة؟) (29) .

أما من الناحية الاجتماعية، فهو ضابط هارب من الجيش الصدامي بعد نفاذ صبره، من قطع الأذن، وحرق الجباه بعلامة ناقص للجندي الهارب (30) ، فقد (عانى " عادل " من الشعور بالألم وهو يدون تفاصيل معاقبة الجنود الفارين من خدمة الجيش) (31) . و كان صاحب مبدأ فهو لا يقاتل مع كاذب عاشق لجرمه ولنفسه (32) ، وقد هرّبته عمته "أسماء "التي ربته وهو صغير إلى إقليم كردستان بمساعدة رجل كانت تحبه، ولم تستطع الزواج منه (33) .

فضلاً عن ذلك فقد كان عادل هذا عاشقاً يرى الأشياء كلها حبيبته (34) ، ، ولكنه أخفى حبه هذا أو امتنع عن إظهاره لحبيبته ريحانة ؛لأنّ ظروف المعركة فرضت عليه ذلك (35) . وهذه الظروف نفسها جعلته يقاتل مع البيشمركة في حين قاتلت حبيبته ريحانة في كوباني، وقتلت هناك (36) .

 

نلحظ أنّ عادل شخصية قوية في الرواية، وهو ينمو مع الحدث، فالمبادئ التي يتبناها هي المحرك له في السرد ؛ لأنّ الهروب إلى كردستان، والقتال مع البيشمركة، والعمل مدرباً في المعسكر كان سببها الإيمان بمبادئ الحرية والعدالة والصدق.

- شيرين:

شيرين هي إحدى المتطوعات للدفاع عن أرضها، وهي ابنة "خلّات " الذي يئن ليلاً ونهاراً عليها (37) ، وكانت تحب حامد (صاحب الناي) ، إذ نجدها تتحدث عنه بانتشاء: (... هو هكذا "حامد" مثل الطير، فحين تهاجر الطيور يفكر بي، وحين ترجع يفكر بي، لا شجرة غيري يكن إليها) (38) .

وقد حاربت داعش في كوباني وقتلت هناك مع ريحانة (39) ، فتحولت روحها إلى ملاك يعاتب السماء، ويمثل ذلك قولها: (لكن الأرواح لم تصمت، مسحت الجباه المعفرة بالدم ... عاتبت "شيرين " السماء العريانة وهي ترى أربعة نسوةٍ رُميت جثثهنَّ على جانبي الطريق الرابطة بين الموصل وتكريت، جمعت التراب ونثرته على عوراتهنَّ المكشوفة للحشرات والزواحف، وقربهنّ أطفالهنّ الخالية غمّازات خدودهم من الابتسامة، تكوّرت الوجوه الشمسية والعيون القمرية حتى صارت حفراً للغبار) (40) .

نلحظ مما تقدم أنّ شيرين تمثل البطل المأساوي، إذ إنها تخلت عن حبها لتقاتل في كوباني، فتتحول إلى روح تعاتب السماء على هذا القتل، فكانت سببَ مأساة حامد وتحوله إلى عازف ناي معتوه، فضلاً عن كونها السبب الرئيس في حزن خلات، وأنينه ليلاً ونهاراً عليها.

- سليمى

فتاة إيزيدية من سنجار اختطفها داعش بعد احتلال سنجار، وقدموها هديةً لأحد الإرهابين على الخط الأمامي، إذ كان من المقرر بعد ذلك أن تشهر إسلامها، ويتم تزويجها منه (41) . تمكنت من الهرب مع صديقتها من الدواعش بمساعدة حزب العمال (42) .

أما من الناحية النفسية فقد (تتظاهر "سليمى "بالشجاعة وقلبها يرتجف، وتشد من عزم ذاتها، وصديقتها، كلما شعرت بخذلان قدميها النازفتين جراء المشي على الأرض الوعرة دون حذاء) (43) .

من الناحية الاجتماعية، فقدتْ سليمى أسرتها إثرَ استيلاء داعش على مساحات كبيرة من شمال العراق، وسوريا (44) ، ولكنها كانت تشعر بالسعادة نتيجة لهروبها من تلك الغرفة السوداء حالكة الظلام (45) .

نلحظ من خلال النص، وهو مروي من قبل الراوي "كوفان" –أحد شخصيات الرواية- أن الهدف من رواية هذه القصة هو أخذ العبرة من هذه الشخصية، وبذل الجهد في سبيل الخلاص من داعش فكما انتصرت "سليمى " على الدواعش بهروبها منهم سينتصر أصحاب القرية ويخرجوا داعش من أراضيهم.

 

الشخصية الثانوية:

الشخصية الثانوية (الثابتة) شخصية لا تفاجئ السرد فجميع ردود أفعالها متوقعة تماماً، لأنّها راكدة متحجرة على الاطلاق أثناء تقديم الفعل (46) ، وإنّما يحدث التغير في علاقاتها بالشخصيات الأخرى فحسب، أمّا تصرفاتها فلها دائماً طابع واحد (47) ، ولذلك سميت بالمسطحة، أو الجاهزة (48) ، أو البسيطة غير المعقدة، أو ذات المستوى الواحد (49) . و بذلك يمكن تلخص دورها في ألقاء الضوء على جوانب الشخصيات الرئيسة، فتعين القارئ على فهمها من خلال التفاعل والاحتكاك بتك الشخصيّة. ونذكر من هذا النوع في رواية رقصة الجديلة والنهر الشخصيات الآتية:

- السيدة " زينة"، وقد انحصر دوره بتوضيح شخصية الطفل العجائبي، إذ تتذكر فيه طفولة ولديها الذين فقدتهما في سنجار (50) .

- "أم جوان " أنحصر دورها بأنها تسرد قصصاً غريبةً عن بعض السنبلات، وأنها رأت في الحلم شابةً شقراء جميلة- ريحانة- تجلس بقرب السنابل، وتسقيها بأصابعها (51) .

- "آزاد"، وينحصر دوره بتجسيد الحزن على والديه وبنته الذين التحقوا بالبيشمركة لمقاتلة داعش، فكان شخصية تحب العزلة، وتشعر بالعذاب وعدم التفاؤل (52) .

- "خلات " والد شيرين ينحصر دورها بتجسيد الحزن على ابنته "شيرين"، إذ كان يتخيل ما سيحل بها من اغتصاب أو قتل ... ألخ (53) .

- " كوفان" وزوجها "هافال "، وينحصر دوره"كوفا" في قص قصة هروب "سليمى" من الدواعش (54) ، في حين انفرد "هافال " بقص قصة دخول داعش إلى الموصل، وما جلبوه من دمار للمدينة (55) .

- " البغدادي " وينحصر دوره في إصدار أمر قطع رؤوس المرتدين، وتطبيق العين بالعين، وقطع يد السارق (56) .

- " سميرة" إحدى المسيحيات المهجرات، ينحصر دورها في الدعاء، وتأمل قمة الجبل العالية، لعل الله يستجيب لدعائها، فترجع إلى دارها (57) .

- الأرملة "سعاد" وينحصر دورها في تجسيد مآسي المهجرات وأطفالهن الرضع، إذ جف حليب صدر الأم، ومات الطفل من البرد (58) .

- مختار القرية، وهي شخصية بخيلة متواطئة مع داعش، أثرت على حساب الآخرين (59) .

- "نيروز" ينحصر دوره في توضيح شخصية الملاك، إذ يرتبط ظهوره بظهور صاحب الناي والطفل (60) .

- "روناهي" ينحصر دورها في توضيح شخصية شيرين (61) ، إذ قتلت معها في كوباني، وتحولت إلى روح تدخل إلى محكمة داعش (62) .

- "كازين" مدرب عسكري من البيشمركة، يمتلك إحساساً، ويتلخص دوره في توضيح شخصية عادل (63) .

- "بريفان" يتلخص دورها بتوضيح شخصية ريحانة (64) ، فجرت نفسها على الدواعش في كوباني (65) .

- "زبان" مقاتل سوري سيذهب إلى سوريا ليقاتل هناك (66) .

- " رياض"، أخو ريحانة الذي استذكرت أيامه وشقاوته معها، فيتلخص دوره في توضيح شخصية ريحانة، ومما تتكون عائلتها (67) .

- " أسماء" عمّة عادل التي ربته وهو صغير، ويتلخص دورها في تهريب عادل إلى كردستان بوساطة حبيبها القديم (68) .

- "سيفان " أحد الشباب الإيزيدين، ينحصر دوره بتجسيد معاناة الإيزيدين، إذ تساق حبيبته إلى ملتح وسخ، وتعذب فيما بعد (69) .

- "محمد" شخصية من شخصيات معسكر سبايكر، يتلخص دوره بتجسيد معاناة جنود سبايكر، وكيفية قتلهم، وسلب أحلامهم (70) .

يتضح مما سبق أنّ الشخصية الثانوية في رواية رقصة الجديلة والنهر، شخصيات لا تتطور مكتملةً، وتفتقد التركيب، ولا تدهش المتلقي بما تقوله أو تفعله ؛لأنّها تبنى حول فكرة واحدة أو صفة لا تتغير طول الرواية، فلا تؤثر إلّا قليلاً، وينحصر دورها بتوضيح فعل ما أو تجسيده.

 

الشخصية العجائبية:

وهي الشخصية الخارقة للعادة، وتقوم بأفعالٍ مستحيلة، ونجد هذه الشخصية في رواية رقصة الجديل والنهر في شخصية الطفل الأخرس، إذ أكسبها المؤلف صفات أعلى من صفات الإنسان، ويمكن تلمس ذلك في قول السارد: (الطفل الأخرس لا يشبه أحداً في القرية، قادم من مكان مجهول ... حاول الأهالي مراراً تعويضه بثوبٍ جميل جديد، وإجباره على نزع الممزق ... لكنه يرفض كلياً، ربما يرى الثوب حارسه الوحيد من الضياع) (71) .

أما من الناحية الجسدية، إذ يصفه الراوي بقوله: (شعر ناعم مسترسل على الكتفين، وعينان واسعتان، نحيل يميل إلى سمرة تشوبها صفرة ... على وجههِ ملامح الذهول، وبأصابع نحيلة يلوح بها بالتحايا للآخرين ويبتسم) (72) ، وكذلك وصفه: (الطفل الرث الثياب، من أين حصل على هذه الدشداشة إنها قصيرة عليه فوق الركبتين، وممزقة ثلاث ثقوب عند موضع القلب، لماذا استقرت هذه الثقوب ومن الفاعل) (73) . وكأنه رمزٌ لقتل الطفولة بكل تجلياتها.

وقد كان من الناحية الاجتماعية فريسة الاختلافات والتناقضات كلها، فأهل القرية لا يعرفونه، ولا يعرفون بالضبط من أين أتى، ولماذا إلى قريتهم بالذات، لا يظهر إلّا حين ينحسر الضجيج، ولا يجيب عن التساؤلات (74) .

أما من الناحية النفسية، فقد كان يبحث عن أجمل الأنهار، وأصدق الرجال، وأجمل النساء، كما كان يبحث بالتراب ظاناً أنّه سيجد أجمل الأيام، وسيجد أسرته، ولكن أصابعه اعوجت، واسودّت أظافره، ولم يستطع تحقيق هدفه (75) . فكان رمزاً لكل يتيم فقد أهله وعاش وحيداً من دون أمل.

 يتضح مما تقدم أن الشخصيات في رواية رقصة الجديلة والنهر جاءت على ثلاثة أنواع، تنحصر خصائصها في:

 1. فقد جاءت الشخصيات الرئيسة، والثانوية مكتملة الدلالة، توحي للقارئ بدلالتها من دون تعقيد، في حين كانت دلالة الشخصيات الخيالية (الملاك) دلالة موحية لا يتوصل إليها بسهولة، وقد خلت الشخصية العجائبية من الدلالة المسبقة فهي مفتوحة على كل الدلالات الممكنة.

2. يركز السارد مع الشخصيات الرئيسة على الشخصية وما تقوم به من فعل، في حين يركز مع الشخصية الثانوية على الفعل، أو الشخصية الرئيسة التي تقوم الشخصية الثانوية بتوضيحها أو تسويغ أفعالها . ويركز السارد مع الشخصية العجائبية على الفعل الخيالي.

3. الخيال:

 يكون الخيال مع الشخصية الرئيسة والثانوية مقيداً بالعقل، في حين يمزج بين العقل والخيال الخارق مع الشخصية العجائبية.

4. المعرفة:

 جميع الشخصيات الرئيسة والثانوية معرفة بأسمائها إلّا شخصية حبيب أسماء عمة عادل، في حين خلت الشخصية العجائبية من التعريف.

 

المبحث الثاني: (الشخصية الروائية بوصفها مدلولاً)

 1- علاقات الشخصيات (الإنموذج العاملي)

توطئة: مفهوم الإنموذج العاملي:

 وهو بنيةالعلاقات القائمة بين الشخصيات التي تتحدد في ضوئها دلالة السرد (76) ، ، وتعرف العوامل بأنها: (الفواعل التي تنجز أفعالها على وفق معايير محددة، وقيم خاصة تدرج ضمن المقاصد المرغوب في تحقيقها من قبل الفاعل) (77) . فالعامل مفهوم إجرائي أشمل من الفاعل، إذ إنّه يشمل مستويين، أحدهما، عام، لا يهتم الشخصية نفسها المنجزة للفعل، بل يهتم بالدور الذي تقوم به، كفعل الموت، أو فكرة الدهر، فتتخذ الشخصية بذلك مفهوماً شمولياً . والآخر: خاص (ممثلي) ، تتخذ فيه الشخصية صورة فردٍ يقوم بدور ما في الرواية، أو مجموعة من الأدوار (78) . في حين يشمل الفاعل مستوى التمثيل فقط . ، فهو شخص فاعل يشارك مع غيره في تحديد الدور العاملي . وبذلك فالعامل دور يقوم به فاعل ما أو عدة فواعل .

وقد أثيرت هذه العلاقة بين العوامل في أكثر من ميدان، فقد استعملت في المسرح عند سوريو، وأراد بها طبقة من الممثلين المحددين بمجموعة من الوظائف والخصائص الأصلية التي تتوزع على المحكي بأكمله (79) . واستعملت عند بروب، إذ قسم الوظائف بحسب الأدوار التي تقوم بها الشخصيات، وهي عنده على (البطل –المعتدي –الواهب –المساعد –الأمير –البطل المزيف) (80) وقد استعملت في علم النحو، إذ تحد العوامل – قواعدياً- بكونها متممات للفعل بما في ذلك الفاعل (81) ، فضلاً عن أنّها قد استعملتْ في أسلوبية العوامل، إذ تكون أقطاباً وظيفية في عملية التبادل الخطابي، فهي تحلل في إطار (الكاتب/ الناشر) أو الشخصية من حيث هي جزءٌ من عملية القول (82) .

وبإعادة تنظيم نمطية الأدوار التي اقترحها بروب وسوريو توصل غريماس إلى ما أسماه بالإنموذج العاملي الذي تألف في البداية من ستة عوامل: (الذات، والموضوع) و (المرسل والمرسل إليه) ، و (المعين والخصم) (83) .

ولما كانت أي حالة من الوعي أو القصد تفترض وجود فاعل (ذات) وموضوع يؤلف كلاهما الآخر، فيظهر العامل من خلالهما (84) ، فإننا نستطيع أنْ نستنتج بأنّ العامل: هو فلسفة الأدوار المتبادلة بين العناصر الفاعلة (العلاقات) التي يقوم بها الفاعل على وفق معايير محدودة وقيم خاصة مرغوب في تحقيقها، وتتلخص هذه الأدوار في ثلاث علاقات: (رغبة- تواصل –صراع) .

 

تحليل رقصة الجديلة والنهر في ضوء هذا الإنموذج

يمكن تلمس هذه (العلاقات) بين الشخصيات في رواية رقصة الجديلة والنهر من خلال الآتي:

علاقة رغبة:

وهي العلاقة التي تجمع بين الفاعل وموضوعه الذي يرغب في تحقيقه (85) ؛ لأنّ التقديم غير بريء، بل ينطوي على فعلٍ تأويلي ينتقل المعاين في ضوئه من الظاهر الجلي إلى الباطن الخفي ؛مبرزاً مدى مطابقة هذا لذاك، فالحقيقة ليست مضموناً مستقلاً بذاته، وإنّما يمكن التوصل إليه من خلال آليات معرفيةٍ منتظمة، فهو موصول بملابسات الخطاب، وتكمن حقيقته في ذاته (86) . فالعلاقة بين الفاعل وموضوعه هي بؤرة النموذج العاملي الذي تصوره غريماس، والذي يكون مشحوناً بالدلالة الكامنة في رغبة الفاعل بموضوعه (87) .

ولا تخلو العلاقة الحالية بين العاملين من احتمالين:

الأول: تحقيق موضوع الرغبة .

والآخر:عدم تحقيق موضوع الرغبة.

وإذا نظرنا إلى رواية رقصة الجديلة والنهر نجد موضوعات شتى ترغب الشخصيات في تحقيقها نذكر منها:

الحب موضوع الرغبة:

يمكن تلمس ذلك في علاقة عادل بريحانة، إذ نجد أنّ كلّ واحدٍ منهما يرغب بالآخر، فعادل: (عاشق حقيقي يرى الأشياء كلها حبيبته، لذلك ينغمها وينغم بها ...) (88) ، وريحانة (تتابع طوله الفارع وشبابه، وشعره الأسود الناعم) (89) . ولكن رغبة الحب هذه لا تتحقق لوجود رغبة أكبر منها، وهي رغبة الدفاع عن الوطن وطرد الدواعش، فقتلت ريحانة في كوباني، وبقي عادل يقاتل مع البيشمركة.

ونجد مثل هذا النوع أيضا في علاقة حامد وشيرين، فالحب هو موضوع الرغبة بينهما ؛لذلك يتحول حامد إلى عازف ناي معتوه عندما تقتل شيرين في كوباني مع ريحانة، وبذلك لا يتحقق موضوع الرغبة هذا.

ومثله أيضا رغبة "روناهي" بأحد شباب المعسكر، إذ كان ينظر إليها بإعجاب فبادلته النظرات، ولكنها عندما فكرت بالموضوع، وجدت أن هناك موضوعاً أهم من هذا الموضوع، وهو الموت في سبيل الوطن، فنجدها تقول: (لسنا بحاجة للحب الآن بقدر حاجتنا للعناية الإلهية كي نبقى أحياءً وننجو من الموت) (90) .

 

الموت موضوع الرغبة:

 نجد هذا الموضوع يتحقق في كوباني (كما تناقلت الأخبار أيضاًعن موت شيرين وروهاني، إثناء تأدية الواجب، لكن ريحانة بقيت تتخفى من داعش وقتلت منهم العدد الكثير. بعدما تمكن داعش من السيطرة على مناطق كثيرة من (كوباني) وقعت في قبضة مجرم حزّ نحرها وسالت دماؤها بيد لصوص الحياة) (91) .

فجميع هذه الشخصيات تتخلى عن حبها دفاعاً عن الوطن، فتموت من أجله، وهي فرحة لا تفارقها الابتسامة، إذ نجد السارد يصف ابتسامة ريحانة وهي مقتولة ما يدل على تحقيق رغبتها، ويمثل ذلك قوله: (نُشرت صورها في الإعلام والداعشي يرفع رأسها المقطوع، وضفيرتها الشقراء المتدلية إلى الأرض، رغم ذلك لم تفارقها الابتسامة، مرسومة على محياها، وهي ذاهبة للشهادة في سبيل الوطن... ابتسامة حب كبير يتسع العالم كله ... أو نور يتسلل الحوائط كلها ليخترق الحواجز، ويصل إلى كلِّ شبر عاث فيه هؤلاء المجرمون) (92)

 

ج- التعرف موضوع الرغبة:

نقصد بالتعرف رغبة الشخصية في التعرف على معلومات لا يعرفها . ويمكن تلمس هذا النوع في رغبة السيدة "زينة " في التعرف على سر الطفل الصغير، إذ نجد السارد يقول: (كلما حاولت السيدة "زينة" الاقتراب من الطفل ولمسه، هرب منها مسرعاً عائدا إلى نفسه... تتذكر به طفولة ولديها اللذين فقدتهما في سنجار ... سألته مراراً إن كان له أهل، وما بوسعها أن تفعل!! حتى وصل الأمر بها إلى اليأس؛ لأنّه يتابعها بنظرات بائسة ولا يجيب) (93) .

ونجده أيضاً في رغبة أهل القرية في التعرف على سر السنابل من حامد (صاحب الناي المعتوه) ، ولكن هذه الرغبة لا تتحقق أيضاً، إذ نجد الراوي يقول: (... ويعولون على صاحب الناي المعتوه لمعرفة السر الدفين بين أضلعه. يتوقعونه يكذب عليهم، بل يجزمون إنّه يكذب، وكل الحكايات من نسج خيالات الجنون . تصيبهم الريبة منه، ويتقبلون ظهوره ليلاً على مضض) (94) .

يتضح مما تقدم أنّ الشخصيات في رواية رقصة الجديلة والنهر تحاول تحقيق موضوع رغبتها بطرائق مختلفة، فإن تنازعت الرغبات قدم حب الوطن والموت من أجله على غيره من الرغبات، وأنّ هذه الرغبة قد تتحقق، وقد لا تتحقق.

 

علاقة صراع:

في سياق العلاقة بين الفاعل وموضوعه تنشأ علاقة صراع، فإذا كان أحد الفاعلين يرغب باحتلال موضوع رغبة الشخصيات الأخرى، فإنّ تلك الشخصيات ستحاول الدفاع عن موضوع رغبتها، وبذلك ينشأ هذا الصراع. ويمكن تلمس هذا الصراع بين داعش، وشخصيات الرواية الأخر جميعاً، فنجد البغدادي، يصرح على لسان الراوي: وصرح رئيسهم (البغدادي) يجوز قطع رؤوس المرتدين، وتطبيق العين بالعين، وقطع يد السارق) (95) . وهذا الفعل سيؤدي بالضرورة إلى صراع بين مؤيدي داعش، وأهل المناطق المغتصبة.

فالصراع هو الذي أدى إلى التهجير والقتل وتعطيل المدارس، وهو الذي أدى إلى معاناة المهجرين، إذ وصف السارد هذه المعاناة في قوله: (في اقتراب الصقيع يعيشون في خيم شُيّدتْ على عجلٍ في أربيل وكردستان العراق ... الأطفال والنساء على حافة المرض والعوز والبرد، بينما قصورهم وممتلكاتهم تعرضت للنهب من قبل داعش الذي يدّعي الدين والحلال والحرام ...) (96) .

الصراع بين داعش وأهل هذه المناطق، هو المحور الرئيس الذي تقوم عليه هذه الرواية، إذ تحاول المؤلفة إظهار وحشية داعش، وكيفية تعامله مع الناس، فهو يستعمل شتى الطرق لتحقيق رغبته في السيطرة على المناطق ونهب خيراتها، واغتصاب نساءها وتشريد أطفالها، الأمر الذي أدى بأهل هذه المناطق إلى محاولة منع تحقيق هذه الرغبة عن طريق القتال، وتفجير النفس عليهم كما فعلت بريفان، إذ يقول السارد: (إلّا أنّ خبر المقاتلة "بريفان" تصدّر في الإعلام التلفازي والإذاعي، وهي تفجر نفسها لئلا تقع أسيرةً) (97) ، أو الانتحار، (فقد تعاهدنّ على الانتحار بأخر رصاصة قبل وقوعهن بيد العدو) (98) . وبهذا الصراع تتشكل الحبكة، وينمو الحدث إلى الذروة.

يتضح مما سبق أن هناك فاعلاً يرغب في تحقيق موضوعه، وفاعلاً مضاداً يحاول أن يمنع تحقيق هذا الموضوع، فيحدث صراعٌ بين الفاعلين، ويقف السارد مع وجهة نظره رقيباً على هذا الصراع فيغلف أفعال داعش بغلاف العدو الغاشم الذي لا يملك ديناً في سعيه لتحقيق رغبته، في حين يغلف باقي الفاعلين في الرواية غلاف الشرف والوفاء للوطن، إذ تتجلى المأساة في كل بيت، ويذهب الحب مع الابتسامة حتى يدفع هذا العدوان وينتصر الحق.

 

علاقة تواصل:

وهي عملية تعاقدية تربط بين الشخصيات توضح إرادة المتعاقدين ومراميهم (99) وقد قسمها غريماس على العقد الإجباري، والعقد الترخيصي، والعقد الائتماني، فيكون العقد إجبارياً إذا كان أحد طرفي الاتصال مجبراً على العقد، في حين يكون في العقد الترخيصي غير مجبرٍ على العقد، ويبنى العقد الائتماني على الفعل الإقناعي الذي تقوم به إحدى الشخصيات، فتؤوله الشخصية الثانية تأويلاً صادقاً بغض النظر عن صدقه (100) .

ويمكن تلمس العقد الإجباري في امتثال ريحانة وشيرين وروهاني، وبريفان للأوامر العسكرية، إذ نجد السارد يقول: (اقتضت الأوامر العسكرية بتوزيع الفرق المدربة على طول الخط الجبلي الممتد بين شمال العراق وسوريا، فصار نصيب ريحانة وشيرين وروهاني، وبريفان التوجه مع فرقتهنَ إلى (كوباني) بينما بقي الآخرون مع البيشمركة) (101) .

فجميع هذه الشخصيات مجبرة على العقد ؛لأنّ الأوامر العسكرية هي التي اقتضت ذلك، وهو أمر لابد من تنفيذه، فلا تمتلك الشخصيات حق الرفض أو المناقشة، وبذلك تكون إرادة الشخصية في هذا العقد غير مقصودة، بل المقصود تنفيذ الأمر.

ونجد العقد الترخيصي في شخصية ريحانه وعادل اللذين اختارا القتال ضد داعش، وقدماه على الحب، إذ نجد ريحانة تقول:

تحدثت في سرها:

- وما الفائدة من هذا الخفقان يا قلبي !!

غداً أو بعد غدٍ سنموت، سيظل صوت حبي أبكمَ، وعيناه كرفيف أعمى.

علي التخلص من هذه المشاعر، أنا لم أخلق للحب ... (102) .

 فالعقد بين عادل وريحانة لم يكن قائماً على الإجبار، بل يمتلك كل واحد منهما حق الرفض أو القبول، وبالتالي فقد اختارا القتال على الزواج وممارسة الحب، وهذا الأمر أدى إلى الفراق الأبدي بين الطرفين فقتلت ريحانة، ولم تظهر الرواية مصير عادل.

ويمكن لحاظ العقد الائتماني في شخصية مختار القرية، فهو متواطئ مع داعش، ولكن إخفاءه لذلك وادعائه أنّه مختار القرية يجعلهم يصدقونه وإن كان كاذباً (103) .

يتضح مما تقدم أن هناك ثلاث علاقات للتواصل، تتمثل إحدهما بعلاقة ترتيب، وتكون فيه الشخصية الروائية مجبرة على العقد إذا كان العقد أعلى منها مرتبةً، وعلاقة تناقض عندما تكون الشخصية الروائية مناقضة في فعلها للشخصيات الروائية الأخرى كشخصية المختار المذكورة آنفاً، وعلاقة تكميل عندما تكمل الشخصيات بعضها بعضاً في العقد الترخيصي أعلاه.

 

2- علاقة الشخصيات بالزمان

للزمان أهمية كبيرة في الواقع ؛لأنّه الإطار العام للحياة، وتظهر أهميته في الرواية في أنّ السرد (أكثر الأنواع الأدبية التصاقاً بالزمن) (104) ، وقد تعددت اتجاهات دراسة الزمن على وفق رؤية كلّ باحث. ولكن دراستنا هذه ستقتصر على علاقة الزمن بالشخصيات العوامل، وهو مفهوم الزمن حين ينبثق من ذات الشخصية أو صفتها، إذ تظهر هذه العلاقة في اتجاهين:

 

1. الزمن الوصفي:

يعرف الوصف بأنّه: (إنشاء يراد به إعطاء صورة ذهنية عن مشهد أو شخص أو إحساس أو زمن للقارئ أو المستمع) (105) . ويتألف من مضمون موضوع يشير إلى الشيء أو الشخص أو الزمن الذي يرمز لغاية معينة يراد تبليغها إلى القارئ .

فالزمان الوصفي:هو إنشاء يراد به إعطاء صورة ذهنية للقاريء عن زمن الحالة البدئية الوصفية للشخصيات العاملة، وما قطعته هذه الشخصيات من زمن بحيث تستطيع أداء الفعل المنوط بها.

ولو تتبعنا الزمان الوصفي للشخصيات العاملة في رواية رقصة الجديل لوجدناه يظهر في عمر الشخصية الفاعلة في السرد، فيصف الراوي الشخصية بأنّها (شاب –شيخ- عجوز- طفل... ألخ) ، ومثال ذلك: (أُحبُ العجوز" علوان "وعينيه اللتين تشبهان عين نسر، عندما أنظر إليهما، أشعر بالدم يتجمد، له نظرة تخترق الأفكار التي تدور في رؤوس الآخرين...) (106) .

فالسارد يصف الشخصية بأنّها (عجوز) ؛ليعطي للقارئ صورةً عن الزمن الحياتي لهذه الشخصية، وما قطعته في الحياة، وهي حالة بدئية تتصف بها هذه الشخصية أراد السارد أن يخبر القارئ بأنّ هذه الشخصية خبيرة بالناس، فهي تستطيع من نظرة واحدة اختراق أفكارهم والتعرف على خباياهم .

وقد يصف السارد الشخصية بالشباب، إذ نجده يقول: (تمرُّ على عجلٍ شابةٌ يملأ عينيها نعاس شمسي، و يهفهف على ضفيرتيها الشقراوين هواء ندي . هيفاء فارعة بعينيها الواسعتين ستجعل من العشاق عبيداً) (107) .

فالسارد يصف الشخصية بالشباب ليعطي صورة ذهنية للقارئ عن مدى الحيوية والجمال الذي تمتلكه هذه الشخصية بحيث سيكون العشاق عبيدا لها ؛لفرط جمالها وحيوية شبابها، فخصال الجمال تكثر عندها، فضلاً عن شبابها .

يتضح مما سبق أنّ دلالة العمر في رواية رقصة الجديلة والنهر يأتي بها السارد ليعرف القارئ على الفترة العمرية التي تعيشها الشخصية من جهة، وما يحمله هذا الزمان من دلالة خفية قد تدل على الخبرة أو الجمال أو الطفولة ... ألخ، وهو معنى فلسفي يعنى بالجانب التعليمي يستكشفه القارئ من خلال النص.

 

2. الزمن النفسي:

وهو مفهوم الزمان الذي ينبثق من داخل الشخصية، ومن أعماق أحاسيسها ومشاعره (108) . فهو زمن يتعلق برؤية الشخصية للزمن، وما تشعر به اتجاه نوع خاص من الزمان . فقد تضيق بزمان معين فتتمنى زواله، وقد تأتلف بالزمن فيعيش في داخلها حبٌّ له، فتتمنى بقاءه، ويمكن أن نطلق على الأول وسم الزمان السلبي، في حين يكون وسم الثاني بالزمن الإيجابي .

ومثال الزمن الأول، قصة هروب عادل من الجيش، إذ نجد السارد يقول: (عانى عادل من الشعور بالألم وهو يدون تفاصيل معاقبة الجنود الفارين من خدمة الجيش . أما قصة هروبه في إجازته العسكرية في حرب العراق مع إيران، فكانت معجزة حقيقية ... في يوم ٍ غائمٍ وباردٍ، رجع منهكاً إلى داره، وأخبر عمته أنْ لا رغبة له في الرجوع إلى الجبهة، وأنّه يقاتل من أجل نصرة كاذب ومن أجل طاغٍ عاشق لجرمه ولنفسه) (109) .

فعادل يهرب من الجيش في زمن حرب العراق وإيران في يوم غائم وبارد؛ لأنّه عانى من الشعور بالألم، وهو يدون تفاصيل معاقبة الجنود الفارين من جهة، ولأنّه لا يقاتل من أجل كاذب طاغٍ من جهة أخرى، فهو يحاول الانفصال عن هذا الزمن بالهروب عنه، إذ يشعر بالكراهية والنفور من هذا الزمن وما يجري فيه.

ومثال الثاني قصة الصبي "بيور"، إذ نجد الراوي يقول: (... يحكي مع الأيام في ذهابه إلى المدرسة ويتغزل بها ... يوم الأحد أجمل أيام الأسبوع، الاثنين يوم مزعج إليه ؛لأنّه يكره حصة التاريخ، والثلاثاء يوم تعلم السباحة بعد حصة الدرس، الأربعاء رياضة كرة القدم، يعشقها وتعلمها من أبيه الذي مات شنقاً...) (110) .

فالطفل " بيور" يشعر بالانزعاج في يوم الاثنين ؛لارتباط هذا الزمن بدرس التاريخ الذي يكرهه، فيصبح يوم الاثنين مزعجاً وسلبياً بالنسبة للشخصية ؛لارتباطه بالحالة النفسية لها، فالزمن ليس سلبياً، بل ما تشعر به الشخصية اتجاه هذا الزمن جعله يتصف بالسلبية.

يتضح مما سبق أنّ الزمن النفسي، هوزمن ليس له مقياس محدد، فهو بعيد عن الضبط يتعلق بالشخصية وما تشعر، فإنْ شعرت بالسلبية والحزن في ذلك الزمن كان الزمن تابعاً لمشاعرها، وإن شعرت بالفرح كان الزمن إيجابياً فرحاً.

 

3- علاقة الشخصيات بالمكان:

للمكان أهمية كبيرة في السرد؛ لأنّه يشكل انتماء أي فرد في الحياة، فهو يؤثر في الافراد ويطبعهم بطابعه، ومن ثم يظهر دوره في تكوين هوية الكيان الجمعي في التعبير عن المقومات الثقافية التي ينتمون إليها، فيصبح المكان إشكالية إنسانية تكتسب قيمة دلالية خاصة تكون محوراً أساساً من محاور نظرية الأدب (111) .

فقد تنسجم الشخصية مع المكان فتحبه وتعيش في ألفةٍ معه، وقد لا تنسجم معه فتكرهه وتشعر أنها في ضيق فيه، وإنّ هذا الضيق يخلق نوعاً من الصراع بين دواخل الشخصية وعلاقتها بأنماط المكان المختلفة (112) . ويمكن تقسيم الأمكنة في علاقتها بالشخصيات الروائية على:

 

أولاً: الأمكنة الإيجابية:

وهي: (الأمكنة التي يشعر الإنسان بالألفة والارتباط بها) (113) ، فتحاول الشخصيات أداء الأفعال فيها، ومثال ذلك: (أم "جوان" أكثر فرحاً واستغراباً من باقي الأمهات في القرية، كونها ترى ثلاث سنبلات كل صباح...) (114) .

أم "جوان" أكثر فرحاً من غيرها في القرية (مكان) ، لكونها تجد ثلاث سنبلات عند دارها، فالمكان أصبح إيجابياً ؛لأنّ أم جوان تشعر فيه بالسعادة، فالمكان في ذاته غير مقصود، وشعور الشخصية فيه هو المقصود، وبذلك فإنّ إسقاطات الشعور هي التي تجعل من المكان يتصف بالإيجاب.

 

ثانياً: الأمكنة السلبية:

وهي الأمكنة التي تشعر الشخصية إزاءها بالنفور والكراهية، فتحاول الانفصال عنها (115) . ومثال ذلك وصف دار الطفل العجائبي وتذكره لأمه، إذ يقول السارد: (لقد زرت دارنا البارحة فلم تعرفني الشبابيك، لم يعرفني سريري المخضب بالدماء، حتى الدجاجات الميتات، تجمد عليهن الريش، ليحنطهن أثراً باقياً من ظلم الكفرة، والمتأسلمين. يرى ظله الصغير ممدّداً، وهو ينظر إلى وجهه في المرآة أخافه الظل ... عاد مسرعاً إلى عازف الناي ...) (116) .

فالطفل ينفر من داره ويبغضها ؛لأنه المكان الذي قتل فيه مع إمه، وبقيت روحه تدور في المكان، وبالتالي فإنّ شعور الشخصية نحو هذا المكان هو الذي جعلها تنفر منه، فهو مكان طارد للشخصية، تنفر منه نفسها وتحس بالضيق عندما تكون فيه .

 

عدي عدنان محمد

...............................

 (1) معجم مقاييس اللغة، أبو الحسن احمد بن فارس (ت395هـ) ، تح: عبد السلام هارون، : 1/302.

 (2) لسان العرب، محمد بن مكرم (ابن منظور) ، (ت711هـ) : 1/510.

 (3) مفهوم البنية، د. الزّواوي بغورة، مجلة المناظرة، السنة الثالثة، العدد:5، 1992: 95- 96.

 (4) جدلية الخفاء والتجلي، دراسة بنيوية في الشعر، كمال أبو ديب : 9.

 (5) ينظر: في معرفة النص (دراسات في النقد الأدبي) ، يمنى العيد: 32.

 (6) ينظر: في بناء النص ودلالته (محاور الإحالة الكلامية) مريم فرنسيس: 4- 5.

 (7) لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت، ط 7، 1997:7/45.

 (8) معجم المصطلحات العربية في اللغة والادب، مجدي وهبة وكامل المهندس: 208.

 (9) ينظر: فن كتابة القصة، حسين القباني: 68، وعالم القصة في سرد طه حسين، احمد السماوي: 1.

 (10) ينظر: قال الراوي، البنيات الحكائية في السيرة الشعبية، سعيد يقطين: 87.

 (11) ينظر: الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية، سمر روحي الفيصل: 35.

 (12) ينظر: رقصة الجديلة والنهر، وفاء عبد الرزاق:26

 (13) ينظر: نفسه:88.

 (14) ينظر: نفسه:106.

 (15) ينظر: نفسه:89.

 (16) ينظر نفسه:87.

 (17) نفسه:89.

 (18) ينظر: نفسه:105- 106.

 (19) رقصة الجديلة والنهر:62.

 (20) نفسه: 56.

 (21) ينظر: نفسه:61- 63.

 (22) نفسه:68.

 (23) نفسه:61.

 (24) ينظر: نفسه: 56.

 (25) نفسه:38.

 (26) ينظر: رقصة الجديلة والنهر:87.

 (27) نفسه:101.

 (28) ينظر: نفسه:93.

 (29) نفسه:93.

 (30) ينظر: نفسه:82.

 (31) نفسه:97.

 (32) ينظر: نفسه: 98.

 (33) ينظر: نفسه:97- 100.

 (34) ينظر: نفسه:83.

 (35) ينظر:نفسه:87.

 (36) ينظر: نفسه:105- 108.

 (37) ينظر:نفسه:28.

 (38) نفسه: 79.

 (39) ينظر: رقصة الجديلة والنهر:105- 106.

 (40) نفسه: 118.

 (41) ينظر: نفسه:29.

 (42) ينظر:نفسه:28.

 (43) نفسه: 30.

 (44) ينظر:نفسه:31.

 (45) ينظر: نفسه: 30.

 (46) ينظر: معجم المصطلحات الأدبية: 211.

 (47) ينظر: أركان القصة، أ. م . فورستر: 83.

 (48) ينظر: الأدب وفنونه، محمد مندور: 192.

 (49) ينظر: النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال: 566.

 (50) ينظر:رقصة الجديلة والنهر:25.

 (51) ينظر: نفسه: 26.

 (52) ينظر: نفسه:27. و 36.

 (53) ينظر: نفسه:28.

 (54) ينظر: نفسه:29.

 (55) ينظر: نفسه:34- 36.

 (56) ينظر: نفسه: 43.

 (57) ينظر رقصة الجديلة والنهر:44- 51.

 (58) ينظر: نفسه: 49- 50.

 (59) ينظر: نفسه: 56.

 (60) ينظر: نفسه:57- 58.

 (61) ينظر: نفسه: 79.

 (62) ينظر: نفسه:118.

 (63) ينظر: نفسه:82- 83.

 (64) ينظر: نفسه:83.

 (65) ينظر: نفسه: 105

 (66) ينظر: نفسه:84.

 (67) ينظر: نفسه:89- 90.

 (68) ينظر: نفسه:97- 98.

 (69) ينظر: نفسه:115- 116.

 (70) ينظر: رقصة الجديلة والنهر:120.

 (71) نفسه: 19.

 (72) نفسه:26.

 (73) نفسه:53.

 (74) ينظر: نفسه: 25- 26.

 (75) ينظر: نفسه: 21.

 (76) ينظر: المصطلح السردي (معجم مصطلحات) ، جيرالد برنس: 18.

 (77) قال الراوي، البنيات الحكائية في السيرة الشعبية، سعيد يقطين:92.

 (78) ينظر: بنية النص السردي: حميد لحمداني:52.

 (79) ينظر: المصطلح السردي:17.

 (80) ينظر: مورفولوجيا الخرافة:8- 9.

 (81) ينظر: الأسلوبية، جورج مونيه:135.

 (82) ينظر:نفسه: 135.

 (83) ينظر: المصطلح السردي:17.

 (84) ينظر:المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيك، وليم راي:17.

 (85) ينظر: مدخل إلى نظرية القصة، سمير المرزوقي وجميل شاكر:68- 69.

 (86) ينظر: في الخطاب السردي، محمد الناصر العجيمي:68- 69.

 (87) ينظر:نفسه:40.

 (88) رقصة الجديلة والنهر:83.

 (89) نفسه: 87.

 (90) نفسه:81.

 (91) رقصة الجديلة والنهر: 105- 106.

 (92) نفسه: 106.

 (93) نفسه:26.

 (94) نفسه: 56.

 (95) نفسه: 43.

 (96) رقصة الجديلة والنهر:43.

 (97) نفسه: 105.

 (98) نفسه:105.

 (99) ينظر: مدخل إلى نظرية القصة، سمير المرزوقي، وجميل شاكر: 65- 66.

 (100) ينظر: نفسه: 66.

 (101) نفسه:105.

 (102) رقصة الجديلة والنهر:89.

 (103) ينظر: نفسه:56.

 (104) بناء الرواية (دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ) ، سيزا أحمد قاسم:26.

 (105) معجم المصطلحات العربية في اللغة والآداب، مجدي وهبة، وكامل المهندس:433.

 (106) رقصة الجديلة والنهر:14.

 (107) نفسه:19.

 (108) ينظر: الزمن التراجيدي في الرواية المعاصرة، ، سعيد عبد العزيز:33- 35

 (109) رقصة الجديلة والنهر:97- 98.

 (110) رقصة الجديلة والنهر:72.

 (111) ينظر: جماليات المكان، مجموعة من الباحثين:3.

 (112) ينظر:غائب طعمة فرمان روائياً، فاطمة عيسى جاسم:158.

 (113) نفسه:160.

 (114) رقصة الجديلة والنهر:26.

 (115) ينظر:غائب طعمة فرمان روائياً:167.

 (116) رقصة الجديلة والنهر:20. 

 

سحر الإستهلال الروائي الجاذب

jawdat hoshyarالرواية الجيدة، والممتعة حقاً، تبدأ بجملة أو فقرة مشوقة، قد تكون مثيرة، أو مدهشة، أو مرحة، أو حزينة، ولكنها قادرة على أن يجذب إنتباه القاريء وتحفيزه على مواصلة القراءة . الدراسات النقدية العربية، التي عنيت بالأستهلال الروائي قليلة جداً، وان وجدت فهي شكلية في معظمها، لا تعبر عن خصوصيات الأستهلال ودلالته ووظيفته كأهم عنصر من عناصر البناء الروائي . بعض النقاد العراقيين، الذين عالجوا موضوع الأستهلال الروائي، أخذوا يبحثون عما قيل في الأستهلال في الكتب اللغوية والبلاغية العربية القديمة، ولكن تلك الكتب تتحدث عن أهمية الأستهلال في المؤلفات والمصنفات عموما، وليس عن الأستهلال الروائي. فالرواية الحديثة بمفهومها الحقيقي فن سردي غربي خالص، ويقول النقاد الغربيون ان الرواية - كجنس ادبي مستقل - خرجت من رحم رواية سيرفانتس "دون كيشوت"، التي نشر جزئها الأول في العام 1605 . انتقل فن الرواية الى الثقافة العربية مع ما انتقل اليها من فكر الغرب وفنونه وآدابه في بواكير عصر النهضة العربية .

 الأستهلال في الرواية (فيكشن) شيء وفي غيرها من كتابات (نون فيكشن) شيء آخر تماماً، وان كان التشويق مطلوباً في مفتتح أي رواية،أو كتاب أو دراسة أو مقال .

مفتتح الرواية أمر حيوي، وبالغ الأهمية، ويجب ألا يضجر القاريء بالعبارات المأثورة المبتذلة (الكليشيهات) وأن لا يقحم الكاتب فيه المقدمة التي يبرر بها عمله أوالوصف الممل أوالأستطراد غير الضروري، بل أن يتضمن معلومات مهمة عن بطل الرواية أو احدى الشخصيات الرئيسية فيها وأن يكون مركزاً، وقصيرا وواضحا، وضرورياً في سياق الرواية، ومن ثم تطويره في عدة جمل لاحقة على نحو يثير الأهتمام والفضول، لأن القراء لديهم الكثير من الكتب للأختيار من بينها . الأستهلال هو الذي يشكل عند المتلقي الأنطباع الفوري عن الرواية وهل تستحق أن تقرأ. .

من الخطأ استهلال الرواية بمفتتح درامي من اجل جذب انتباه القاريء، لأن القاري لم يطلع بعد على القصة ولم يتعرف على شخصيات الرواية، لذا لا يتفاعل مع الحوادث الدرامية ولا يتجاوب معها اذا كان لا يعرف شيئا عن المواقف والشخصيات .

ليس المهم في الرواية المعاصرة، أن يكون الأستهلال وصفاً أو مشهداً أو حواراً، أو فكرة جديدة أو حقيقة ما، بل أن يكون قوياً ومثيرأ . ومن العبث تصنيف الأستهلالات أو تبويبها في أنماط وقوالب محددة، فلكل رواية استهلال خاص بها لا علاقة له بأي استهلال في أي رواية أخرى .

الأستهلال أصعب وأهم فقرة في أي رواية، وقد عانى كبار الروائيين في العالم من معضلة العثور على الأستهلال المناسب عند شروعهم بكتابة رواية جديدة . يقول غابريل غارسيا ماركيز: " المشكلة الرئيسية تكمن في البداية . الجملة الأولى في الرواية أو القصة تحدد امتداد النص، ونطاقه، و نبرته، وايقاعه، واسلوبه . أصعب ما في الرواية – الفقرة الأولى .ما أن تتقن ذلك حتى تسير الأمور بأنسيابية وسهولة . في الفقرة الأولى أنت تحل معظم المشاكل التي تواجهك في كتابة الرواية – تحدد الموضوع والأيقاع . لقد يحثت عن الجملة الأولى المناسبة لرواية "خريف البطريق" طوال ثلاثة أشهر. ولكن عندما وجدتها، أدركت كيف تكون الرواية بأسرها . "

وكتب ايفان بونين، يقول: "الرواية الجيدة تبدأ بجملة حقيقية . حقاً ان الجملة الأولى لها الدور الحسم، فهي التي تحدد في المقام الأول حجم العمل وصوته ككل . واذا لم تنجح في العثور على الصوت الصحيح، فإنه لا مفر من تأجيل الكتابة أو التخلص مما كتبت ورميه في سلة المهملات .

اما ليف تولستوي، فقد بدأ روايته الشهيرة " آنّا كارينينا بالجملة التالية الشهيرة، التي دخلت الى المناهج الدراسية للفروع الأدبية في جامعات العالم: " كل الأسرالسعيدة تتشابه، ولكن كل أسرة شقية فريدة في شقائها ". ثم أضاف " كل شيء اختلط في بيت آل اوبلونسكي" . وبعد كتابة هاتين الجملتين اسرع ليقول لأهل بيته : "لقد أنجزت الرواية" . حقاً لقد اتضحت حبكة الرواية امام عينيه كاملة فهو يعرف على وجه التحقيق، ما الذي سيحدث لاحقاً، وكيف سيكتب الرواية؟

الجملة الأولى المثالية، ليست مجرد استهلال، أو بوابة للولوج الى عالم الرواية، بل يرسم العمل اجمالاً، كأنها الرواية كلها مضغوطة في جملة واحدة . وكما قال وليم بليك "أن نرى العالم في حبة رمل". السطر الأول في رواية فرانز كافكا "التحول" التي ترجمت الى العربية تحت عنوان "المسخ" يحتوي على مجمل مضمونها: ما أن استيقظ غريغور سامسا صباح أحد الأيام من أحلام مضطربة، حتى وجد نفسه في فراشه وقد تحول الى حشرة عملاقة ." يمكننا أن نرى في هذا الأستهلال رحلة سامسا الداخلية ومحنته المؤلمة وموته في نهاية المطاف .

لا حاجة لكتابة وصف ممل للطبيعة أو وصف الأشخاص الذين لن يلتقي بهم القاريء في سياق الرواية، على سبيل المثال، " رأيت جارتي من الطابق الثالث منحنية على رجل جريح تهمس له بشيء "، هذه هي الأشارة الوحيدة الى الجارة،في رواية روسية حديثة ولا يرد ذكرها في الفقرات والفصول اللاحقة . في هذه الحالة تظل الجارة في ذهن القاريء، ويحس بخيبة أمل كبيرة عندما يكمل قراءة الرواية حتى النهاية دون أن يلتقي بها في النص، ولو مرة واحدة . وكما قال أنطون تشيخوف : " لا يمكنك تعليق بندقية محشوة بالرصاص على الحائط، اذا لم تكن في نيتك أن تطلق النار لاحقاً "

لا ينبغي ان تبدأ الرواية بالمواعظ الأخلاقية أو التأملات الفلسفية لعدة اسباب منها ان القاريء لا يحب المواعظ وان الجرعة الفلسفية لا تعطى بشكل مركز بل ينبغي توزيعها بالتساوي على امتداد الرواية . ولا مجال في المفتتح للتفكير في معنى الحياة أو أن تسأل : ما العمل اذن !.

أحيانا يكون الأستهلال صورة حية يسهل تحويله الى لقطة سنمائية . صورة تركز على التفاصيل الصغيرة التي تدعونا للتعرف على حياة شخصية مهمة في الرواية، لذا فأن الأستهلال يبدو وكأنه بداية لفيلم سينمائي تقودنا الى المشاهد الأخرى . صورة تستخدم فيها الأضاءة والنبرة، لنقل المزاج السائد في الرواية الى القاريء .

لكل استهلال صوته المنفرد. نحن نحب أن نسمع القصص من رواة أو ساردين يتميزون بالصوت الحسن، والأستهلال ينبغي أن يكون بصوت شخصية مهمة في القصة، وهذا الصوت خاص برواية معينة ولا يتكرر أبداً في رواية أخرى.

المفتتح الجيد يثير اسئلة . القاريء يسأل من هم هؤلاء الناس ولماذا تصرفوا على هذا النحو . اذا بدأت مباشرة بالصراع لن يكون بوسعك ان تحقق هدفك، لأن المشهد لن يجذب من دون سياق؟

لتقرأ هذا الأستهلال الحاذق والمؤثر الذي يفتتح به ماركيز رائعته " مائة عام من العزلة " التي تتصدّر أفضل روايات القرن العشرين: "بعد سنوات طويلة، وأمام فصيل الأعدام، تذكر الكولونيل اوريليانو بوينديا، عصر ذلك اليوم البعيد، الذي اصطحبه فيه أبوه، لكي يتعرف على الجليد " . " .

الأستهلال هنا ليس صاخباً ولكنه يجذب من حيث الحبكة والشخصية وخط الأنفتاح . لماذا يواجه الكولونيل حكما بالأعدام رميا بالرصاص؟ وأين كان يعيش، ومتى أخذ أبنه ليكتشف الجليد؟

ماركيز يمسك بتلابيب القاريء من الجملة الأولي . لنقرأ معاً هذا الأستهلال الذي بدأ به قصته الرائعة: " رحلة موفقة، سيدي الرئيس: " جلس على مصطبة خشبية تحت الأوراق الصفراء في المنتزه المهجور، متأملاً الوز ذي اللون المغبر، وكلتا يديه على المقبض الفضي لعصاه، وراح يفكر بالموت "

القاريء يسأل : من هو هذا الرجل، ولماذا يفكر بالموت؟ الأوراق الصفراء المتساقطة في أواخر الخريف تلميح ذكي الى ما ينتظر الرجل في ايامه التي أوشكت على النهاية .

قد يكون الأستهلال محاكاةً ساخرة، كما في رواية "كبرياء وهوى" لجين أوستن، "حقيقة معترف بها عالمياً أن الرجل الأعزب صاحب الثروة الجيدة بحاجة إلى زوجة "

أما سكوت فيتزجيرالد فقد افتتح رواية "غاتسبي العظيم" بالفقرة التالية الموحية بما سيأتي: "في سنوات صغري وطيشي، أخبرني والدي بنصيحة ظلّت تدور في رأسي منذ ذلك الحين: عندما تشعر بالرغبة في انتقاد أحد، تذكر فقط أن ما أتيح لك في هذا العالم من مزايا لم يتح لغيرك من الناس" ..

قد يكون الأستهلال شاعرياً ينطبع في ذهن القاريء بنبرته وايقاعه . كما في رواية " لوليتا " لنابوكوف، التي تبدأ بالجملة التالية: " لوليتا ضؤ حياتي، والنار المتوقدة في عروقي . لوليتا خطيئتي، وروحي . لو- لي- تا، رأس اللسان حين يمضي في رحلة من ثلاث خطوات عبر الحلق، ليدق ثلاثاً فوق اللسان، لو – لي – تا " . هذا المفتتح العاطفي يكشف عن الفاجعة التي ستأتي .

أما الروائي العراقي أحمد سعداوي، فقد افتتح روايته " البلد الجميل " (بالجملة التالية: " نود أغنيتي التي رحلت . نصف تفاحتي، سمكة أيامي اللائبة في بحيرة صمتي، كلمتي التي اكررها مرارا. " وليس من الصعب للقاريء ان يلاحظ التطابق في الأيقاع بين "لوليتا" و"البلد الجميل" رغم اختلاف الكلمات .

وقد شبه الكاتب الروسي يوري بولياكوف الأستهلال الشاعري بالقبلة الأولى في الحب فهي تعد بما لا يمكن التنبؤء به .

استهل الكاتب المصري المبدع بهاء طاهر رواية " الحب في المنفى " بمقطع شاعري جميل ومركز، وكأنه دعوة للقاريء للدخول الى عالم الرواية، التي تعد من أروع الروايات العربية في القرن العشرين وقد وصفها أحد كبار النقاد المصريين بأنها كاملة الأوصاف، الكاتب يستهل الرواية بهذا المفتتح المثير: " اشتهيتها اشتهاءً عاجزاً، كخوف الدنس بالمحارم . كانت صغيرة وجميلة، وكنت عجوزاً وأباً ومطلقاً . لم يطرأ على بالي الحب، ولم أفعل شيئاً لأعبر عن إشتهائي . لكنها قالت لي فيما بعد : كان يطل من عينيك " . وكما نرى فأن الخيال الممتع يسري خفيفا لطيفا في ثنايا الرواية منذ البداية، بطريقة تثير حب الأستطلاع إثارة متصلة، والعبارات قصيرة ومحددة وواضحة يستريح لها القاريء وتغريه بمواصلة القراءة .

يتبين لنا من كل هذه الأمثلة أن، الأستهلال يتنوع ويتخذ أشكالاً مختلفة، وليس ثمة أي قواعد لكتابته . والواقع أن لكل رواية جيدة استهلال خاص بها، ينطبع فيى الذاكرة اذا كان قوياً ومؤثراً،وعلى الروائي ان يتحلى بالصبر لأن البحث المضني عن الأٍستهلال الأفضل لروايته قد يستغرق وقتا أطول مما يتصور .

الروائي العراقي عموماً لا يتعب نفسه ولا يصرف الوقت الكافي ولا الجهد اللازم للعثور على الأستهلال البارع، بأستثناء البعض منهم وفي مقدمتهم الروائي المبدع أحمد سعداوي، حيث لم اجد في معظم تلك الروايات أي استهلال قوي ومؤثر يثير الرغبة في مواصلة القراءة، فالرواية العراقية الحديثة،غالبا ما تبدأ بموعظة أخلاقية أو حكمة، أوحقيقة معروفة، او وصف عادي، أو حوار ممل، فيفقد القاريء كل شهية لقراءة الرواية فيطويها في ضيق ويلقيها جانباً وربما كان هذا أحد أسباب عزوف المتلقي العراقي عن اقتناء الروايات العراقية وقراءتها، في حين أن الرواية العربية غير العراقية لها سوق رائجة نسبيا في العراق .

 

جـودت هوشيار                             

 

لوحة وقصيدة: قارئة الفنجان بين الشاعر نزار قباني والفنان محمود فتيح

dawd salmanalshiwayliجَلَسَت والخوفُ بعينيها

تتأمَّلُ فنجاني المقلوب

قالت:

يا ولدي.. لا تَحزَن

فالحُبُّ عَليكَ هوَ المكتوب

يا ولدي،

قد ماتَ شهيداً

من ماتَ على دينِ المحبوب

فنجانك دنيا مرعبةٌ

وحياتُكَ أسفارٌ وحروب..

ستُحِبُّ كثيراً يا ولدي..

وتموتُ كثيراً يا ولدي

وستعشقُ كُلَّ نساءِ الأرض..

وتَرجِعُ كالملكِ المغلوب

بحياتك يا ولدي امرأةٌ

عيناها، سبحانَ المعبود

فمُها مرسومٌ كالعنقود

ضحكتُها موسيقى و ورود

لكنَّ سماءكَ ممطرةٌ..

وطريقكَ مسدودٌ.. مسدود

فحبيبةُ قلبكَ.. يا ولدي

نائمةٌ في قصرٍ مرصود

والقصرُ كبيرٌ يا ولدي

وكلابٌ تحرسُهُ.. وجنود

وأميرةُ قلبكَ نائمةٌ..

من يدخُلُ حُجرتها مفقود..

من يطلبُ يَدَها..

من يَدنو من سورِ حديقتها.. مفقود

من حاولَ فكَّ ضفائرها..

يا ولدي..

مفقودٌ.. مفقود

بصَّرتُ.. ونجَّمت كثيراً

لكنّي.. لم أقرأ أبداً

فنجاناً يشبهُ فنجانك

لم أعرف أبداً يا ولدي..

أحزاناً تشبهُ أحزانك

مقدُورُكَ.. أن تمشي أبداً

في الحُبِّ .. على حدِّ الخنجر

وتَظلَّ وحيداً كالأصداف

وتظلَّ حزيناً كالصفصاف

مقدوركَ أن تمضي أبداً..

في بحرِ الحُبِّ بغيرِ قُلوع

وتُحبُّ ملايينَ المَرَّاتِ...

وترجعُ كالملكِ المخلوع..


ان شعر الشاعر الكبير نزار قباني يمكن ان نصفه بالعبارة المشهورة التي تذكر انه شعر ( من السهل الممتنع) اي انه سهل يسير لمن يقرأه او يرغب بكتابة شعر مثله، ولكنه عسير عندما تحين الكتابة بافضل منه، او على شاكلته، حيث من الصعب تحقيق ذلك في الواقع .

تذكر المصادر ان نزار قباني كتب قصيدته " قارئة الفنجان " عام 1970، واختارها المطرب عبد الحليم حافظ وغناها بعد ان غير قليلا في كلماتها بالاتفاق مع الشاعر عام 1976، وقد وضع لحنها الملحن القدير محمد الموجي .

جاءت القصيدة في وزن سلس، متدفق، وايقاع حزين تطرب له النفس، هذا الوزن هو على بحر المتدارك، مما سمح للبصارة ان تهديء من روع الفتى وهي تقرأ له طالعة المحزن.

تذهب القصيدة مذهب الرمزية عند بعض الدارسين فيؤلوها عدة تأويلات، منها انها  تقرأ طالع الامة العربية، ومنها انه طالع القضية الفلسطيني، الا ان التفسير الظاهري – ليس الظاهراتي – يقول انه طالع شخص ما جاء لهذه القارئة او البصارة لتقرأ طالعه، وما يحدث له في المستقبل – من انباء الغيب - مع حبيبته.

تهدئ القارئة من روع الفتى بقولها ان لايحزن، مع العلم انها قد جلست تقرأ الفنجان وهي خائفة مما يظهره من امور، واول امر تخبره هو انه قد كتب عليه الحب، ومن مات بسببه فهو شهيد لا محال في ذلك، وهذا يذكرنا بقول مأثور للنبي محمد انه وصف الميت بسبب العشق هو شهيد كما يذهب المتصوفة .

وكذلك فان هذه اللا تحزن تذكرنا بقول النبي محمد لصاحبه في الغار ابي بكر الصديق ان لا يحزن، وبهذا فقد دفعت القصيدة تفكيرنا وذاكرتنا الى الانثيال وارتياد مناطق كثيرة، وارتنا امورا عديدة، وهذه من صفات الشاعر المتمكن والمجيد في شعره.

ثم تقرأ البصارة الفنجان للفتى الشاب وهو يتطلع الى ان يكون طالعه حسن، الا انه غير ذلك كما اطلعت عليه وقرأته البصارة، فتقول له :

* لكنّي.. لم أقرأ أبداً

1011-lawhaفنجاناً يشبهُ فنجانك

لم أعرف أبداً يا ولدي..

أحزاناً تشبهُ أحزانك.

لتنذره في النهاية بقولها :

* وتظلَّ حزيناً كالصفصاف

مقدوركَ أن تمضي أبداً..

في بحرِ الحُبِّ بغيرِ قُلوع

وتُحبُّ ملايينَ المَرَّاتِ...

وترجعُ كالملكِ المخلوع..

هذه القصيدة التي غناها المطرب عبد الحليم حافظ قد دفعت بالفان البورسعيدي محمود فتيح ان يرسم اكثر من لوحة تشكيلية لهذه القارئة، فخلدها الشعر والغناء والرسم .

محمود فتيح فنان تشكيلي من بورسعيد في مصر تخرج من كلية الفنون الجميلة، واشتهر برسم وجوه الفتيات المصريات من الريفيات و من الحارة الشعبية، ووجوه الرجال المنحدرين من الحارة والريف المصري .

في واحدة من اللوحات التي وثق بها قصيدة قارئة الفنجان، او ان اللوحة قد تناصت مع القصيدة، تظهر هذه البصارة التي تلبس الملابس الشعبية لفتيات مصر، وقد اكتسى وجهها الحزن، إذ بدت العينان وهي تحدق في الفنجان حزينتان بسبب ما رأت في الفنجان:

* جَلَسَت والخوفُ بعينيها

تتأمَّلُ فنجاني المقلوب.

و من اكسسوارات اللوحة التي اضافها الفنان فتيح، هي وجود " شربة " قلة تبريد وحفظ الماء على حامل خشبي مغطاة بغطاء نحاسي، ليؤكد شعبية المرأة وجلستها .

كذلك فقد اسدلت البصارة عباءتها التي تشبه عباءات فتيات مصر في الحارة الشعبية على ساقيها، ووضعت غطاء الرأس " الطرحة " الاحمر اللون على راسها، فاضفى عليها الملامح الشعبية، وهذا تأكيد اخر من الفنان للمرأة المنحدرة من حارات مصر الشعبية التي تزخر بالبصارات.

ان الرسام فتيح كان مهتما بعيني البصارة، وبفنجان القهوة الذي تتطلع اليه، لهذا لم يشأ الفنان ان يرسم الفتى، وهذا تأكيد على ان الامور التي يحملها فنجان الفتى الذي تقرأ فيه البصارة طالعه غير مريح ولا يحمل اخبارا حسنة.

ان تناص اللوحة مع القصيدة هو دليل على ان الفن بصورة عامة يتناول الموضوعات الانسانية نفسها التي يتناولها الادب وعلى الخصوص الشعر.

 

قراءة : داود سلمان الشويلي

 

 

أحمد شوقي: شوقي إليه طفلاً..!! (1)

karem merza1 - المقدمة: شوقي وما أدراك ما شوقي بالنسبة لي؟!! ومتى توثقت علاقتي به، وبشعره الرائع الجميل، البليغ البسيط، السهل الممتنع؟!! ومع كل ذلك أفضل الجواهري عليه، وأصرّ، وأجادل، وأناقش، وأتلي بالحجج، كأنه خصمي العنيد ...!!

أنتم - وأعني معظم قرّائي الكرام - تعرفون أنا ابن النجف الأشرف، ومن مواليد 1946م / 1365هـ، يعني قريب لعصر شوقي وبهرجته، وإمارته وشهرته، ومعاصر لشيخنا الجواهري، وماذا بالنجف في عصرنا غير الكتب والمكتبات، لا ملاهي، ولا نوادي، ولا يجوز بمثل سنّنا أن يرتاد المقاهي ....نعم المكتبات العامة، كمكتبة أمير المؤمنين، وهي من أكبر المكتبات في العراق، والوطن العربي، والمكتبة العامة، ومكتبة الحكيم، وفي طرفنا (البراق) مكتبة آل حنوش، ونحن - مع بعض الأصدقاء - أسسنا مكتبة الحجة، وتوجد قيصرية لمكتبات تبيع الكتب، وفي يوم الجمعة يقام مزاد علني لبيع الكتب في المكتبة الحيدرية في القيصرية نفسها لصاحبها الشيخ محمد كاظم الكتبي، وكنت أشتري بعض الكتب منها بما تيسر لي من نقود، أجمعها من يومياتي، أو من العيديات المتراكمة عندي، هذا الكلام إبان بداية دراستي في المتوسطة، قل في بدايات حكم عبد الكريم قاسم، وشرعت حينها بتأسيس مكتبة خاصة لي،ربما عندما غادرت النجف 1965م إلى بغداد للدراسة في كلية طب الأسنان، قد جمعت ما يقارب ألفي كتاب، ومن بعد هذا التاريخ لم أعد لمدينتي كمقيم دائمي، بل أعود إليها غبّاً حتى هجرتي النهائية 1978م.

أقول في تلك الأيام، وكان خالي من محبي الأدب والشعر، رغبني، وشجعني على قراءة الشوقيات لأحمد شوقي، ولعل هو الذي قرّبني للجواهري أكثر، ولا أعلم الآن بدقة، هل الجواهري عنده هو الأعظم عن دراية تامة بالشعر وفنونه، أم لأن الجواهري نجفي؟!!

المهم ما أطيل عليك ...أقتنيت الشوقيات منذ بدايات دراستي المتوسطة حتى الآن وقد شارفت السبعين وبجنبي، يدور معي البلدان أنّى درت وأدور !!، يتمزق وأبدل، أبدل ويتمزق ...وكنت أحفظ معظم شعره، واستشهد به، ولا تتخيل أنني سأذكر لك فقط عناوين قصائده، بل أتغنى ببعض ما أحببت منذ الطفولة، قبل أن أدخل عالمه الشعري معك، والتسلسل حسب ما تجود به الذاكرة.

 

 2 - الصورة الأولى:

 فمن قصيدته (انتحار الطلبة)، وقد نظمها إثر انتحار الطلبة بعد سقوطهم بالامتحانات، وقد أرجعها لصعوبة الأسئلة، وغلظة الأساتذة ....، وأنا عندما كنت تلميذا في كل مرحلة الثانوية، عندما أحنق على أستاذ لسوء تصرف مني أو منه !!، ممن؟ لا أدري !، أو لصعوبة الأسئلة، أو هكذا أرى ! ألجأ لهذه القصيدة، أحدو بها، وأعتبر منها، ولله في خلقه شؤون !! من البحر الرمل:

 ناشئٌ في الوردِ من أيامِهِ:

ناشئٌ في الورد من أيّامه *** حسبه الله أبالورد عثرْ

سدد السهم إلى صدر الصبا *** ورماه في حواشيه الغررْ

بيدٍ لا تعرف الشر ولا *** صلحت إلا لتلهو بالأكرْ

بسطت للسم والحبل وما *** بسطت للكأس يوما والوترْ

غفر الله له ما ضرّه *** لو قضى من لذة العيش الوطرْ

لم يمتع من صبا أيّامه *** ولياليه أصيلٌ وسحرْ

يتمنى الشيخ منه ساعةً *** بحجاب السمع أو نور البصرْ

كلّ يومٍ خبرٌ عن حدثٍ *** سئم العيش ومن يسأم يذرْ

قال ناسٌ صرعةٌ من قدرٍ *** وقديماً ظلم الناس القدرْ

ويقول الطب بل من جنّةٍ *** ورأيت العقل في الناس ندرْ

ويقولون جفاءٌ راعهُ *** من أبٍ أغلظ قلباً من حجرْ

وامتحان صعبته وطأة *** شدها في العلم أستاذ نكر

لا أرى إلا نظاماً فاسداً *** فكك الغلم وأودى بالأسر

ودروساً لم يذللْ قطفها *** عالم إن نطق الدرس سحرْ

ولقد تنهكه نهك الضنى *** ضرّة منظرها سقمٌ وضرْ

تضمر اليأس من الدنيا وما *** عندها عن حادث الدنيا خبرْ

فيم تجنون على آبائكم *** ألم الثكل شديدا في الكبر

وتعقون بلادا لم تزل *** بين إشفاق عليكم وحذر

فمصاب الملك في شبانه *** كمصاب الأرض في الزرع النضر

ليس يدري أحدٌ منكم بما *** كان يعطى لو تأنى وانتظرْ

 فلك جارٍ ودنيا لم يدم *** عندها السعد ولا النحس استمرْ

روحوا القلب بلذات الصبا *** فكفى الشيب مجالا للكدر

عالجوا الحكمة واستشفوا بها *** وانشدوا ما ضل منها في السير

واطلبوا العلم لذات العلم لا *** لشهاداتٍ وآراب أخرْ

كم غلام خامل في درسه *** صار بحر العلم أستاذ العصر

ومجد فيه أمسى خاملا *** ليس فيمن غاب أو فيمن حضر

قاتل النفس لو كانت له **** أسخط الله ولم يرض البشر

لا تموت النفس إلا باسمه **** قام بالموت عليها وقهر

 

3 - الصورة الثانية:

كانت لشوقي قصيدة جميلة مغناة من (مجزوء الكامل)، الشجي والجميل، ومطلعها رائع،، وعنوانها (بين الحجاب والسفور)، قالها مخاطباً كنارياً، وضعه في قفص من ذهب في حديقة داره في الجيزة، و كنّى به عن المرأة المسجونة بدارها وحجابها، وفضل وضعها الخانق على أن تقع فريسة بيد الرجل الخانق ...!!! واستطرد شوقي بها الناريخ العربي الإسلامي، والرجل - مثل بقية المصريين - له تعلق، وعشق لأل بيت النبوة، فلذا تراه يناصر الإمام في قضية التحكيم بيوم الجندل الشهير، المهم وضع آمنة ابنته في حضنه، وابنه علي عن يمينه، وابنه حسين عن يساره، اقرأ منها، وتمتع بشوقينا وأشواقنا:

صدّاح يا ملك الكنا **** ر ويا أمـــــير البلبلِ

قد فزت منك بمعبدٍ ** ورزقت قرب الموصلي

وأتيح لي داود مـــــز **** ماراً وحسن ترتلِ

فوق الأسرة والمنـــــا ***** بر قط لم تترجلِ

تهتز كالدينار فـــي ****** مرتج لحظ الأحول

وإذا خطرت على الملا *****عبِ لم تدع لممثلِ

ولك ابتداءات الفرز *****دق في مقاطع جرولِ

يا ليت شعري يا أسيرَ******شـجٍ فؤادك أم خلِ

وحليف سهد أم تنــا****** م الليل حتى ينجلى

بالرغم منى ما تعا *****لج في النحاس المقفلِ

حرصي عليك هوىً ومن *****يحرز ثمينا ينجلِ

والشح تحدثه الضرو ****رة في الجواد المجزلِِ

أنا إن جعلتك فـــــي نضا **** ر بالحريــر مجللِ

ولففته في سُوســــــنٍ ****** وحففته بقَــــرنفلِ

وحرقت أزكى العود حو *****لَيهِ وأغلى الصندلِ

وحملته فوق العيو ***** نِ وفوق رأس الجدولِ

وأمرت بابني فالتقا ***** كَ بوجهــــــهِ المتهللِ

بيمينه فالـــــــــوذجٌ ****** لــــم يهدِِ للمتوكلِ

وزجاجة من فضـــــةٍ ****** مملؤة مــن سلسل

ما كنت يا صدّاح عنـ ******ـدك بالكريـم المفضلِ

شهد الحياة مشوبــــةٌ ***** بالـرقِّ مثل الحنظـلِ

والقيد لو كان الجمــــــا ***** ن منظما لم يحملِ

يا طير لولا أن يقـــــو **** لوا جُـــــن قلـت تعقلِ

اسمع فرب مفصــــــلٍ **** لك لــــم يفدك كمجملِ

صبراً لما تشقى بـــــــه ******أو ما بدا لك فافعلِ

أنــــــت أبن رأى للطبيـ ******عـة فيك غير مبدلِ

صداح حق ما أقـــــــول**** حفلـــت أم لـــم تحفلِ

يا طـــير والأمثـــــال تضــرب *** للبيــب الأمـثلِ

دنيـــــاك مـــــن عـــــاداتها ***ألا تكـــون لأعــزلِ

أو للغبـــــيِّ وإنْ تعلْـ ****** لَلَ بالزمــــان المقبلِ

إن طرت عن كنفي وقعْـ*** تَ على النسور الجـهَّـلِ

جُعلـــــت لحـــيٍّ يبتلى *** في ذي الحـياة ويبتلـي

أسمعتَ بالحكمينفي الـ***** ـإسلامَ يــــوم الجندلِ؟

في الفتنة الكبرى، ولو***** لا حكمـــة لم تُشـعلِ

رضي الصحابة يــــوم َ ذ *** لكَ بالكتاب المنــزل

وهم المصابيح، الروا **** ةُ عن النبي المرســلِِ

قالوا الكتاب وقــــام كـــ**** ــلُّ مفسرٍ ومــــؤولِ

حتى إذا وسعت معــا**** ويةً وضـــاق بها علـي

رجعوا لظـــلمٍ كالطبا *****ئعِ في النفوس مؤصّلِ

نزلـــــوا على حكم القويِّ،****وعند رأي الأحـيَلِ

صدّاح حقٌّ ما أقـــــو****** ل حفلـت أم لم تحفلِ

جاورت أندى روضةٍ****** وحللتَ أكـــــرم منزلِ

بين الحفاوة من "حسينٍ"** والرعاية من "عـلي"

وحنان "آمنة" كأمـّـ*** ـك فــــي صـــباك الأولِ

صحْ بالصباح وبشّر الـ ***** ـأبنــاء بالمستقـبلِ

واسأل لمصر عنايةً ***** تــأتي وتهبط مــن علِ

قل ربّنا افتح رحمة ****** والخيــر منــك فأرسل

أدرك كنانـــــتك الكريـــــ ****** ـمة ربّـنا وتقــبلِ

 

4 - الصورة الثالثة:

غاندي وثورته الهندية، ملئت الدنيا وشغلت الناس، ففي مدينتنا بالنجف الأشرف، نظم الشاعر المعروف، الشيخ صالح الجعفري، وهو من آل كاشف الغطاء، وانتسب لجده الشيخ جعفر الكبير، ثم نزع العمامة، وأصبح مدرساً أفندياً، أقول إبان ثورة الهند ضد السلطات الإنكليزية نظم قصيدة كافرة رهيبة، يناصر الهنود، ويستهزأ بأهم أركان الإسلام وهو الحج بقوله:

قف في "منى" واهتف بمزدحم القبائل والوفودِ

حجّوا فلســـــتم بالــــــغين بحجّكم شرف الهنودِ

حجوا إلى استقلالـــهم وحججــــتم خوف الوعيدِ

فعبادة الأحـــرار أشرف من إطاعـــــــــات العبيدِ

ثار عوام النجف، بل وخاصتهم، وهموا بقتله

 نشرها في صحيفة "الفجر الصادق" وبعض الصحف النجفية، فهاج العامة، بل وبعض الخاصة، وكتب رجال الدين مقالات بتكفيره، ولكن الذي أنقذه من موت محقق المرجع الديني الكبير الأمام أبو الحسن الموسوي، فدافع عنه عنه، وعن حرية رأيه، والشعراء يقولون ما لا يفعلون، فابتعد عنه المحرضون عنه !!!

"مهاتما غاندى" اسم حين نقرأه أو نسمعه نتذكر قصة كفاح قادها فرد لنيل استقلال بلاده. نتذكر سياسة "اللاعنف" التى دعا إليها باعتبارها الوسيلة السلمية الوحيدة التى ستمكنه من طرد الاستعمار البريطانى من أراضى الهند. اسمه بالكامل "مُهندس كرمشاند غاندى" ولقبهُ أبناء قرية بور بندر الهندية، بالـ"مهاتما غاندى"، والتى تعنى القديس صاحب النفس العظيمة، وكان من أبرزها الكتاب الذى ألفه عنه الأديب الراحل عباس محمود العقاد "مهاتما غاندى..روح عظيم"، والقصيدة التى أهداها إليه الشاعر أحمد شوقى بمناسبة مروره من قناة السويس وجاء فى أبياتها الكتاب الذى ألفه عنه المؤرخ إسماعيل مظهر والذى روى فيه حياة غاندى وقصة نضاله ضد العنصرية، اغتيل الرجل سنة 1948م .

لما غادر الزعيم الهندي الغاندي بلاده لحضور مؤتمر الدائرة المستديرة في لندن سنة 1931 م، مرّ بسويس مصر، فنظم شوقي هذه القصيدة تحية له، ومنها:

بني مصر، ارفعوا الغار *** وحيوا بطل الهندِ

وأدوا واجباً، واقضوا *****حقوق العلم الفردِ

أخوكم في المقاساة *****وعرك الموقف النكد

وفي التضحية الكبرى ** وفي المطلب، والجهد

وفي الجرح،وفي الدمع **وفي النفي من المهدِ

قفوا حيوه مــن قرب *** على الفلك، ومن بعدِ

وغطوا البر بالآس **** وغطوا البحــر بالوردِ

***

نبي مثل (كونفشيو ****س)، أو من ذلك العهدِ

قريب القول والــفعل **** مـــن المنتظر المهدي

شيبه الرسل في الذود *** عن الحق، وفي الزهد

ونادى المشـــرق الأقصى **** فلبـــاه من اللحد

وجاء الأنفس المرضى **** فداواها مـــن الحقد

دعا الهندوس والإسلا **** م للألفــــة والـــــود

وسلطان من النفس ********يقوي رائض الأسد

***

سلام النيل يا غندي **** وهذا الزهر مــن عندي

وإجلال مـــن الأهـرا *** م، والكرنك، والـــبردي

ومن مشيخة الــوادي ***** ومن أشبــــاله المرد

سلام حالب الشـــــاة ****** سلام غـــــزل البــرد

ومن صد عن الملــح **** ولم يقـــبل على الشهد

ومن تركب ساقيـــــه ***** مــــن الهند إلى السند

وفي زاوية الســـــجن ***** وفي سلســـــلة القيــد

ولاقي العبقرييـــــــــن ***** لقـــــاء النــــد للنــــــدِ

وقل: هاتوا أفاعيـــــكم ***** أتى الحاوي من الهند!

فهذا النــجم لا ترقـــــى ***** إليـــــه همّـــة النقــــد

ورد الهنــــــد للأمّـ ****** ـة من حــــدٍّ إلــــى حـــدِّ

 

5 - الصورة الرابعة:

كنت أحبّ قصائد أحمد شوقي في ابنته أمينة، وخصوصا في تلك الأيام الخوالي في عهد عبد الكريم قاسم، أحمل ابنة أختي وعمرها سنة، وألاعبها مردداً قصائد شاعرنا الأمير بحقّ ابنته، وأنا أعلم علم اليقين أن أمينةهانم الشوقية بعمر جدتي، والحق دوّن شوقي كل تواريخ قصائده السياسية والدينية والاجتماعية، ولكن عندما يصل إلى باب الخصوصيات لم نعثر على أي تاريخ، بل الرجل وهو من مواليد (1868م) - سنأتي على حياته في الحلقة الثانية - لم يتظرق لا هو، ولا من أرخ له عن تاريخ زواجه، وميلاد ولديه علي وحسين، وأختهما الأمينة، ومن أسماء أبنائه، وقصائده النبوية الخالدة كنهج البردة وولد الهدى يتجلى مدى إجلاله للدين الحنيف، ومحبته لآل البيت، وعلى أغلب ظني كان الرجل أقرب للطرب والكأس منه للتمسك الشديد بالدين، فهو من عاشقي أبي نؤاس، حتى منزله القديم بالمطرية،، وفي سنة 1920 م بناه على نيل الجيزة سمّاه كرمة أبن هانئ، وفي سنة 1972 م حوّل إلى متحف له، يعني هو صاحب:

 رمضان ولى هاتِها يا ساق *** مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ

 ما كان أكثرهُ على أُلافِهـــــا ******وأقلُهُ في طاعة الخلاقِ

الله غفار الذنوبِ جميعه ***** إن كان ثمَّ من الذنوب بواقي

 بالأمس قد كنا سجيني طاعة *****واليوم منّ العيد بالإطلاقِ

 ضحِكت إليّ من السرور ولم تزل* بنت الكروم كريمة الأعراقِ

 هات اسقنيها غير ذات عواقبٍ ****حتى نُراع لصيحةِ الصفّاقِ

 حمراءَ أو صفراءَ إن كريمَها ******كالغيدِ، كـــل مليحةٍ بمذاقِ

 وحَذارِ من دمها الزكيّ تريقُهُ ******يكفيك يا قاسي دمُ العشاقِ

وكما خرج منها أستاذنا الشيخ صالح الجعفري بتفهم من السيد أبو الحسن الأصفهاني - كما مرّ علينا سالفاً، أيضاً تفهم الشيخ محمد الشعراوي عذر شاعرنا الشوقي أحمد، حين تعلل بالآية الكريمة: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ).

مهما يكن نرجع لسالفتنا، لم نعثر على أي تاريخ لمواليد ولديه وابنته، ولكن على أغلب ظني أواخر القرن التاسع عشر، وبالتحديد عقد التسعينات منه، ولم يبق ذكر لأولاد شوقي وأحفاده في زمننا المعاصر سوى في سنة 2012م زارت مصرليلى الدمرداش حفيدة الشاعر وبصحبتها ابنتها أمينة، وتعتبر ليلى هي الحفيدة الثالثة لأمير الشعراء حيث أنها ابنة نعمة الله رياض ابنة خديجة رياض ابنة أمينة أحمد شوقي، وهذه الليلى تجيد الإنكليزية والفرنسية والأسبانية والبرتغالية، ولا تتكلم العربية إلا بعدة كلمات مكسرة ..!!

نعود لأيام طفولتنا وكنا نردد قصائد شوقي في أمينته (أرجوزة):

 

يا حبذا أمينة وكلبها *******تحبه جداً كما يحبها

أمينتي تحبو إلى الحولين **وكلبها يناهز الشهرين

لكنها بيضاء مثل العاج ****وعبده أسود كالدياجي

يلزمها نهارها وتلزمه ****ومثلما يكرمها لا تكرمه

فعندها من شدة الإشفاقِ ***أن تأخذ الصغير بالخناق

في كل ساعة له صيـــاحُ *****وقلما ينعم، أو يرتاحُ

وهذه حادثة لها معه ***تنبيك كيف استأثرت بالمنفعه

جاءت به إلي ذات مرةِ ****تحمله وهــــي بــه كالبره

فقلت:أهلاً بالعروس وابنها* ماذا يكون يا ترى من شأنها؟

قالت: "غلامي يا أبي جوعان *****وما له كما لنا لسان

فمر همو يأتوا بخبز ولبن *****ويحضروا آنيةً ذاتَ ثمن

فقمت كالعادة بالمطـــــلوب ***** وجئتها أنظر من قريب

فعجنت في اللبن البـــــــابا ******كما ترانا نطــــعم الكلابا

ثم أرادت أن تذوق قبلـــــــه ** فاستطعمت بنـت الكرام أكله

هناك ألقت بالصغير للـــــورا *** واندفعت تبكي بكاء مفترى

تقول: بابا، أنا (دحا) وهو (كخ) ** معناه: بابا، لي وحدي ما طبخ

فقل لمن يجهل خطب الآنية ** ***قد فطر الطفل على الأنانية

6 - الصورة الخامسة:صورة مؤلمة جدا، موت وحياة في ساعة واحدة ...!!!:

الموت حقٌّ، وكلّ من عليها فان، ولا يبقى إلا وجه ربّك ذي الجلال والإكرام، وهو عظة لكلّ إنسان، والدنيا دولٌ، أمدها قصير، ودربها عسير، وإن بدى لحينٍ يسير، والله يخرج الحيّ من الميت، وهو على كلّ شيء قدير، ولكن من عجائب الدنيا ولغزها وغرائبها، أن يطلَّ عليها حفيد جديد، ويودّعها جدٌّ عتيد في نفس الليلة، وذات الساعة، وهذا ماحدث لشاعرنا،فكانت ولادة ابنته (أمينة) ووفاة والده في ساعة واحدة، فقال في ذلك شعراً مؤثراً بليغاً، طالما كررناه، كأنما نرثي أنفسنا، قبل أن نفقه ما الرثاء !! من البحر السريع:

 

ياليلةً سميتها ليلتي******* لأنّها بالنــاس مامرت

أذكرها والموت في ذكرها**على سبيل البث والعبرة

ليعلم الغافل ماأمســـــه *** مايومه مامنتهى العيشة

نبّهني المقدور في جنحها***وكنت بين النوم واليقظة

الموت عجلان إلى والدي**والوضع مستعص على زوجتي

وتلك في مصر على حالها **وذاك رهن الموت والغربة

هذا فتى يبكى على مثــــــله*****وهذه فــي أول النشأة

والقلب مابينهما حـــــائرٌ ****مـــن بلدة أسري إلى بلدة

حتى بدا الصبح فولى أبـــــي ***وأقبلت بعد العناء ابنتي

فقلت أحكامك حزناً لهـــــــا*** يا مخرِج الحيِّ من الميت

له العديد من النتف والمقطوعات والقصائد في باب الخصويات عن ابنه علي وابنته أمينة وعن ديوان (شوقياته)، وعن بعض أصدقائه كأحمد مظلوم وإسماعيل صبري، وخليل مطران وحمزة فهمي .... ولكن هذه القصائد ما كنت أكررها في طفولتي كثيراً، ونترك غيرها من القصائد التي أخذت أحدو بها وأنشدها في مرحلة الإعدادية (المرحلة العليا من الثانوية) كنهج البردة، ولد الهدى، يوم المولد، أبو الهول، معارضات أبي نؤاس والبحتري وابن زيدون ... وطرائفه ومحجوبياته، وحكمه على لسان حيواناته إلى حلقات قادمة بعد الحديث عن مسيرة حياته الحياة، وكلّ قريب آت...!!

 

 أتلانتا المحروسة الثاني من حزيران 2016 م ليلاً

كريم مرزة الأسدي

 

قصائد ”في البدء كانت الأنثى“ لسعاد الصباح بالفنلندية

haseeb shahadaقليلة هي الأعمال الأدبية العربية الحديثة، التي تُرجمت مباشرة إلى اللغة الفنلندية. من هذه الآثار نعرّج في هذه العُجالة على خمسة، ونولي الأخير، وهو الأحدث، بعض التفصيل (للمزيد يُنظر في: ُTranslating from Arabic into Finnish. Data Collection, analysis and write up by Maria Pakkala, 2011، على الشبكة العنكبوتية).

١) الجزء الأوّل من كتاب ’الأيّام‘، ذي الثلاثة أجزاء، وهي السيرة الذاتية لطه حسين، عميد الأدب العربي (١٨٨٩-١٩٧٣)، ترجمة الأستاذ المرحوم يوسّي تنلي أرو (Jussi Taneli Aro, 1928-1983، ترجم القرآن إلى الفنلندية عام ١٩٥٧)، الذي شغل كرسي الأدب الشرقي في جامعة هلسنكي في السنوات ١٩٦٥-١٩٨٣ (منذ العام ١٩٧٩ أصبح الاسم: لغات سامية، فاللغات السامية وثقافاتها، فدراسات الشرق الأوسط حاليا!، سبحان مبدّل الأحوال). نُشر كتاب الأيام عام ١٩٢٩ (يشمل قرابة الـ ٧٠٠ ص.)، أمّا  الترجمة الفنلندية الجزئية: Päivät، فقد رأت النور بعد تأخير طويل، في هلسنكي عام ١٩٨٢ من قبل دار النشر Librum، (عدد الصفحات ٢٢٢؛ في مكتبة جامعة هلسنكي نسخة من هذه الترجمة).

يبدو أنّ هذه الرواية، كانت أوّل رواية عربية ترجمت إلى الفنلندية. كنت قد تعرّفت على الأستاذ أرو  للمرّة الأولى، في صيف عام ١٩٧٤ في جامعة هلسنكي. إنّها قامة شامخة في الأخلاق السامية والعلم والمعرفة في ميادين كثيرة؛ أجاد العربية بشكل يثير الإعجاب، حديثا وكتابة، بالرغم من أن مجال تخصّصه الأساسي كان الأشوريات، وقلّما زار بلدانا عربية. ما زلت أذكر جيّدًا، كيف تحسّر كصبي يافع، على أنّه لم يحظ بمدرّس، كما هي الحال في المدرسة العربية في حصّة الخطّ، ليمسك بيده و’يجلّسها‘ ويرشده خطوة تلو الأخرى إلى الكتابة العربية الجميلة والواضحة. كما وتتطرقنا ذات يوم، لموضوع سَعة اللغات في مجالات معيّنة، وعَوَزها في مجالات أخرى (نحويا، أنظر مثلًا: إبراهيم السامرائي، من سعة العربية. بيروت: دار الجيل، ط. ١، ١٩٩٤). عندها، أتيت بما يقال في لهجتي الجليلية الكفرساوية بالنسبة لبعض من كل مثل: حزّ بطّيخ/خرّوش/بردقان، راس بصل، سنّ تومه، كوز رمّان/صبر، قرن موز/بامي/لوبي، حبّة بندورة/بردقان/خوخ/زتون الخ. عندها قهقه أرو كعادته معقبًا: وكيف تسمّي: mansikka, mustikka, puolukka,  punainen viinimarja, mustaviinimarja, juolukka, tyrni, lakka, vadelma, mesimarja, karviainen, kataja, tuomi, ahomansikka، عندها دُهشت، وآونتها لم أعرف سوى اسم نوع أو اثنين من هذا الكم من أصناف التوت في فنلندا، برية وجوية؛ ضحكنا سوية وقلنا تووووووت، توت أرضي، توت كذا وكذا. ممّا يجدر ذكره في هذا السياق، أن شقيقي المرحوم سميح، عندما رأى وذاق المُسْتاڤينيمَرْيا ذات يوم قال: هادا عُنّيب، unnēb‘!

الحقّ يُقال إنّ المرحوم يوسّي أرو، أحبّ العربية وأهلها، فأقام علاقاتِ صداقة متينةً، مع نخبة من العرب الذين سكنوا في هلسنكي منذ منتصف ستينات القرن الفائت فصاعدًا، ومارس التحدّث معهم بالعربية. ننوّه بالتالية أسماؤهم: أسامة القادري من العراق، يوسف نجا من لبنان، بشر أحمد مروة وشقيقه سحبان من لبنان، عبد المجيد عرار من سوريا وفاروق أبو شقرا من لبنان. لسبب ما في نفس يعقوب، مثل تلك العلاقة المثمرة للطرف الفنلندي بشكل خاصّ، لم تكتب لها الحياة لاحقًا. [حول أرو أنظر: 

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2005/11/08/30125.html، ومقال الأستاذ هيكي پالڤا على الشبكة العنكبوتية: (Jussi Aro (1928-1983].

 

٢) رواية حنان الشيخ، إنّها لندن يا عزيزي. بيروت: دار الآداب، ط. ١، ٢٠٠١، ط. ٢، ٢٠٠٣. ٤٠٨ ص. ونقلها إلى العربية الأستاذ الحالي لمساق ما يدعى باسم ”العربية والأبحاث الإسلامية“، ياكّو هامين-أنتلا (Jaakko Hämeen-Anttila, Kaukana lontoossa)، وصدرت في Jyväskylä: Gummerus عام ٢٠٠٣؛ ٥٣٩ ص. أمامنا مثل لترجمة قام بها شخص، بناءً على العربية التي  درسها نظريّا فقط، في غضون بضعة أعوام في جامعة هلسنكي، في حين أن قدرته على التحدّث بإحدى عامّياتها التي لا تحصى، أو بالعربية المعيارية الحديثة (MSA) لم تتجلّ قطّ حتى يوم الناس هذا، وبعد حصوله على الأستاذية بعقد ونصف! هذا الوصف، الذي يبدو غريبًا عجيبًا، وكأنّ منبعه من عالم الخيال والأساطير، ينسحب على الكتابة أيضًا. هذا الوضع، يذكّرني بما صرّحت به الكاتبة اللبنانية الشهيرة، إيملي نصر الله (١٩٣١-)، حول مترجمة كتابها ”الإقلاع عكس الزمان“ إلى اللغة الدانمركية عند لقائهما: دُهشتْ بأنّها لا تتكلّم العربية فتحادثتا بالإنكليزية! التمكّن الفعلي من اللغة، أية لغة حيّة شيء، والترجمة منها إلى لغة الأمّ، شيء آخر بالمرّة، وهذا الموضوع يحتاج لبحث لغوي ونفسي معمّق، لا سيّما بالنسبة لمستويات اللغة المختلفة والدلالات الاجتماعية العميقة، التي لا يسبر غورها، من لا يمارس اللغة بمهاراتها الأساسية الثلاث: قراءة، كلام وكتابة؛ ولا أذكر هنا مرحلة التفكير بها، وهي أسمى درجات الرسوخ في اللغة، وهي الملكة اللغوية عند ابن خلدون. لا يخفى على أحد أن هناك إمكانية اعتماد مثل هؤلاء المترجمين أو المستشرقين على ترجمات بلغات معيّنة يجيدونها أكثر من العربية، وعلى وجود أشخاص وراء الكواليس، لا تذكر أسماؤهم ولو بكليمة امتنان في ثنايا المقدّمة، في الغالب الأعمّ.

 

٣) ظل الغيمة للشاعر والأديب والمربّي الفلسطيني حنّا أبو حنا، ط. ١، الناصرة، ١٩٧٧، ط. ٥، بيروت، ٢٠٠١، ط. ٦، الناصرة، ٢٠٠٦، ٢٥٣ ص. هذا هو الجزء الأول من سيرة الكاتب ذات الثلاثة أجزاء (الجزء الثاني: مهر البومة، حيفا: مكتبة كل شيء، ٢٠٠٤، ٢٦٥ ص.، الجزء الثالث: خيمة الرماد. حيفا: مكتبة كل شيء، ط. ١، ٢٠٠٤،  ٢٢٥ ص.). نقل هذا الجزء الأوّل إلى الفنلندية السيد القِسّيس كارلو إرْتياهو (Kaarlo Yrtiaho)، أبو إسكندر، حامل شهادة الماجستير في اللغة العربية وفي علم اللاهوت،  وصدرت الترجمة في هلسنكي عام ٢٠٠٧ تحت عنوان: Pilven varjo, Hanna Abu Hannan omaelämäkerrallisesta teoksesta، ٣١٨ ص. حاز ”ظل الغيمة“ على جائزة فلسطين للسيرة الذاتية سنة ١٩٩٩.

السيّد إرتياهو يهوى العربية ويجيد التكلّم  والكتابة بها على حدّ سواء. زار وعمل في عدّة أقطار عربية كلبنان وليبيا والعراق وفلسطين؛ كما عمل قِسّيسًا في الكنيسة اللوثرية الناطقة بالعربية في هلسنكي، وهو من طلائع المترجمين المحلّفين من العربية إلى الفنلندية في بلد الشمال، منذ العام ١٩٧٣. عالجت أطروحته للماجستير لهجة بيت ساحور. [; http://www.wata.cc/forums/archive/index.php/t-35630.html

http://www.sofiea.net/index.php?option=com_content&view=article&id=1496:2010-08-09-02-49-55&catid=95:articals3&Itemid=45].

 

٤) ساحات زَتونْيا، رواية  للصحفي والكاتب الفلسطيني عودة بشارات، ابن قرية معلول، والساكن في يافة الناصرة الآن، وهي باكورة أعماله. صدرت في حيفا، دار نشر الشجرة، ٢٠٠٧، ٢٣٧ ص. نقلها بشارات نفسه إلى اللغة العبرية، ونقّح الترجمة البروفيسور موشه (موقي) رون، أستاذ الأدب الإنجليزي والآداب المقارنة في الجامعة العبرية، إضافة إلى كونه مترجمًا ومحرّرًا أدبيا. חוּצוֹת זַתוּניא. תל–אביב: עם עובד, 2009, ٢٥٥ص. يكتب السيد بشارات مقالًا أسبوعيا رزينًا، كل يوم اثنين ويُنشر في الصحيفة العبرية اليومية هآرتص (البلاد) ومقالاته مطعّمة بنكهة من التراث العربي.

ترجمت هذه الرواية، التي تعالج موضوع الانتخابات الحمائلية في قرية فلسطينية في الداخل، إلى اللغة الفنلندية، وصدرت في هلسنكي عام ٢٠١٥. قامت بهذه الترجمة آيْنو ڤيسَنِن (Aino Vesanen) الحائزة على شهادة الماجستير في اللغة العربية والأبحاث الإسلامية في جامعة هلسنكي، بإشراف المترجم المذكور أعلاه في رقم ٢. قضت ڤيسَنِن مدّة معيّنة في القاهرة، وتعمل الآن مساعدة في روضة أطفال للسودانيين في مدينتها. Zatunia kadut, Helsinki: into, 2015 وبالعربية: شوارع زتونيا، ٢٤٥ص. يبدو أن هذه الترجمة، حتى الآن، لم تحظ  كمثيلاها السالفة برواج لافت، وما كتب عنها بالفنلندية قليل، وعصارته أن التركيز غائب أحيانا في سرد الرواية، والترجمة الفنلندية مملّة لحدّ ما، وأحيانًا غير صحيحة حتّى، ومسؤولية ذلك تقع على دار النشر أيضا. من سمات هذه الرواية استخدام كلمات وتعابير عامّية يعسر نقلها إلى ثقافة بعيدة كالفنلندية، من تلك يمكن ذكر: قزمة، جاهة الصلح، سياسة لاعنة أبو أبونا، زواج خطيفة، أزعر، ماذا تنفع الماشطة في الشعر العكش، الزعرورة، لا في العير ولا في النفير، إلتم المتعوس على خايب الرجا، المقصوفة، شرّابة خُرج، الحزّة واللزّة، خبط لزق، شلقة، عجقة.  صدرت لبشارات مؤخّرًا روايته الثانية بعنوان ’دنيا‘.

 

٥) في البَدء كانت الأنثى (هذا العنوان يذكّرنا بـ: في البدء كان الكلمة، إنجيل يوحنا ١: ١)، هذا العمل يختلف عمّا سبق. أمامنا سبع وتسعون قصيدة قصيرة  في الديوان المذكور، للشاعرة الكويتية المعروفة، سعاد الصباح، وفي الفنلندية Alussa oli Nainen (في البدء/البداية كانت امرأة/الإمرأة). النصّ العربي مثبت في الجهة اليمنى ومقابله في الجهة اليسرى الترجمة الفنلندية. المحرّر هو الأستاذ اللبناني فاروق أبو شقرا، والمترجمة إلى الفنلندية هي سَري كوسْتولا (Sari Kuustola)، دار عماطور، شارع مانرهيم ٩٦أ ٤، هلسنكي ٢٠٠٦، ٢٧١ ص. الأصل العربي صدر عام ١٩٨٨ في لندن عن شركة رياض الريس للكتب والنشر (ص. ٨ وفي ص. ١١ ذكر ١٩٩٤!). هناك ترجمات: للإنجليزية  بقلم  عبد الواحد لؤلؤة، وللصينية والجورجية، وللسويدية بقلم حائزة الماجستير هيدي يوهنسون (Heidi Johansson). فاروق أبو شقرا أستاذ متقاعد الآن، عمل محاضرًا للغة العربية في جامعة ابنة البلطيق في السنوات ١٩٧٢-٢٠٠١. المترجمة الفنلندية، سَرِي كوسْتولا، تحمل شهادة الماجستير منذ العام ١٩٩٦، في مساق اللغات السامية وثقافاتها، وقد عالجت أطروحتها موضوع: الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية في الشرق الأوسط. تعمل منذ العام ١٩٩٧ في مضمار الترجمة، بجانب عملها الرئيسي كمنسقة ترجمة في شركة للترجمة الشفوية. أمضت كوسْتولا مدّة سنة ونصف في سوريا ولبنان وهي ناطقة بالعربية.

ولدت الشيخة سعاد عبد الله المبارك الصباح، في ٢٢ أيار ١٩٤٢ في الكويت، وتتحدّر من عائلة أمير، عاشت في القاهرة وانچلترا، وهي ناشطة في جمعيات حقوق الإنسان ونشر الثقافة العربية، وهي ذات توجّهات قومية. إنّها من مؤسّسي المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي أعلن عن إقامتها في قبرص، ومقرّها في القاهرة. وهي عضوة في مجلس أمناء منتدى الفكر العربي، وجمعية الصحفيين الكويتية، والمجلس الاستشاري الأعلى للتربية، واللجنة العليا لتدعيم التعليم، ورئيسة شرف جمعية بيادر السلام النسائية. هنالك باسمها جائزة أدبية لشعراء شباب، وكتّاب الدراما والقصّة القصيرة، ولها أيضًا دار نشر باسم دار سعاد الصباح افتتحت عام ١٩٨٥. حصلت الصباح على شهادة الماجستير في الاقتصاد مع مرتبة الشرف الأولى من جامعة القاهرة عام ١٩٧٣، وفي العام ١٩٨١ حصلت على شهادة الدكتوراة من الجامعة البريطانية Surry- Guildford في الاقتصاد والعلوم السياسية. إنّها واحدة من أهم خمس شاعرات عربيات، ص. ٩؛ قسم من قصائدها مغناة؛ تتمتّع بانفتاح واضح على الأديان والثقافات الأخرى؛ أصدرت كتبًا عن اقتصاد الكويت ودول الخليج ودول أخرى؛ في ١٧ أيار ٢٠١٥ مُنحت المرأة الكويتية حقّ الاقتراع (هنا في فنلندا كان ذلك قبل ١٠٠ عام)، وكان لسعاد الصباح دور في تحقيق هذا المطلب.

بدأتْ الشيخة الشاعرة سعاد الصباح في نشر قصائدها العمودية منذ سبعينات القرن المنصرم، وقد اقترن اسمها باسم نزار توفيق قبّاني (١٩٢٣-١٩٩٨)، فهناك تشابه بينهما من حيث الجوّ الشعري والمفردات. وقيل عنها في السويد إنّ شعرها يشبه شعر الشاعرة والباحثة والمترجمة البولندية فيسوافا شيمبورسكا (ًWislawa Szymborska, 1923-2012) التي حصلت على جائزة نوبل للآداب سنة ١٩٩٦.  تتناول قصائد الصباح القصيرة والبسيطة والمباشرة بشكل لافت، العلاقة غير الندّية بين الرجل والمرأة. في شعرها تتردّد مفردات مثل: الرجل الشرقي، سيّدي، القبيلة، غابات، مطر، موسيقى، مقاهٍ، احتجاج، مدن أوروبية، عصافير، عشق، خوف، مطارات، ذراعان، تجوال. ثمة جرأة جلية في المحتوى الرومنسي. يبدو أن زخم شعرها، في الأساس، يكمن فيما تطرح الشاعرة من مواقفَ اجتماعية ونفسية، أكثر منه لغويًّا وفنيًا. قارىء قصائدها قلّما يعثر على مفردات مبتكرة أو صور شعرية أخّاذة. التفنّن في الألفاظ والتعمّق في الشعر نادران. وهناك من قال: ثمة تسطيح فكري وفنّي. 

من مؤلفاتها:

أ) الشعرية: آخر السيوف، ١٩٩٢؛ إليك يا ولدي، ١٩٨٢، ١٩٨٥، ١٩٩٠؛ امرأة بلا سواحل، ١٩٩٤؛ أمنية، ١٩٧٢، ١٩٩٢؛ برقيات عاجلة إلى وطني، ١٩٩٠، ١٩٩٢؛ حوار الورد والبنادق، ١٩٩٠؛ فتافيت امرأة، ١٩٨٦، ١٩٨٩، ١٩٩٢ (ترجمتها للإنجليزية نهاد صليحة)؛ قصائد حب، ١٩٩٢؛ أمنية، ١٩٧١؛ لحظات من عمري، ١٩٦١؛ ومضات باكرة، ١٩٦١.

ب) دراسات ومقالات: الأوبك بين تجارب الماضي وملامح المستقبل، ١٩٨٦؛ السوق النفطي الجديد: السعودية تسترد زمام المبادرة، ١٩٨٦؛ صقر الخليج عبد الله المبارك، ١٩٩٥ (زوجها، حوالي ٧٠٠ ص.)؛ عودة إلى المشاكل المالية والآمال المستقبلية، ١٩٨٥؛ هل تسمحون لي أن أحب وطني، ١٩٩٢. ترجم العديد من كتبها إلى لغات عدة كالإنجليزية والفرنسية والصينية والأكرانية. ولها كتابان في الاقتصاد بالإنجليزية:

Development Planning in an Oil Economy and the Role of the Woman: The Case of Kuwait. London: Eastlords Pub., 1983.

Kuwait: Anatomy of a Crisis Economy. London: Eastlords Pub., 1983.

 

النصّ العربي للديوان قيد العرض والمراجعة مشكّل جزئيّا. وفيما يلي عيّنة مما رصدت عيناي من ملاحظات لغوية في خلال المطالعة؛ الصغيرهْ ص. ١٣؛ نقطتان بدلا من واحدة في آخر السطر تردان كثيرا في الكتاب؛ في أسفل صفحات الترجمة تجد أحيانًا شرحًا قصيرًا للفظة معيّنة مثل شهريار ص. ١٤ وقريش وكليب، ص. ٤٦ ولكن في ص. ٢٠٨ بقيت الألفاظ: قيس ابن الملوّح وجميل بثينة والعذري، بدون شرح، القارىء الفنلندي العادي، لا يعرف أي شيء عنها، وكان من الأفضل استخدام الحبّ الأفلاطوني في الترجمة ؛ والأمر ذاته ينسحب على عبارة ”حي الباطنية“ في القاهرة حيث تجّار المخدّرات، ص. ٢٢٩؛ التنوين على الألف، هكذا: خلطاً ساذجاً، عطراً فرنسياً ص. ١٧، ١٩، عاماً، ص. ٢٦٧؛ كلْمةٌ، ؟. ص. ٤٣؛ صليي بدلا من صليبي، ص. ٤٩؛ إسْماً بدلا من اسمًا، ص. ٥١؛  تمارسُ عنَّ القتل والمطلوب فنَّ، ص. ٥٥؛ الهاويّهْ، ص. ٦١؛ عندكَ إسْمٌ آخرٌ، ص. ٦٣؛ تكرِج على صدركْ، ٩٣؛ )أُحبُّكْ.(.، ص. ١٠٧؛ العنوان: ’فضول‘ يتكرّر مرّتين، ١٤٧،  ١٧٩؛ )زواج فيغارو.(.، ١٧٣؛ رحلتْ الحضارةُ، ص. ٢٠٥؛ سحبت نقطة من دمي، ٢٣٧؛ أنظر ترجمة: مياه عينيك الصافيتين ص. ٢٤٥-٢٤٤ حيث يعود الصفاء إلى المياه.

السيّدة كوسْتولا وُفّقت بشكل عامّ في نقل مضمون القصائد بدقّة وبلغة فنلندية واضحة، مثلها مثل لغة الأصل التي تخلو من أيّة تعقيدات لغوية أو صور شعرية مبتكرة، كما نوّهت. في اللغة الفنلندية لا وجود لأل التعريف وحروف المعاني شبة منعدمة، إذ فيها خمس عشرة صيغة إعراب تعبّر بعضها عن ذلك، ولا فرق بين صيغة المذكّر والمؤنّث. في بعض الأحيان، يبدو أن  المترجمة قد ابتعدت لحدّ ما عن فحوى النصّ الأصلي وغّيرت فيه ليتلائم وروح اللغة المنقول إليها وثقافتها: مثلا: الثرثرة غير النميمة ص. ٢٥؛ أتحمّص ومقابلها تتشمّس/تتسمرّ/تأخذ شمس، ص. ٢٧ أتثنّى كالملكات ترجمتا والمشي حول نفسي كالملكة، ص. ٢٩؛ الأزياء ليست بالضرورة ملابس المساء، ص. ٣١؛ القمع ليس بالضبط إخضاعًا، ص. ٣٥؛ اخترتُ نُقلت أردتُ، ص. ٤١؛ القميص غير البلوزة، ص. ٤٥؛ تضيق عليّ غير محدود جدا، ص. ٤٥؛ علم الغيوب يختلف عن علوم سرية، ص. ٤٧؛ نبشتُ غير تصفّحت، ص. ٥٠؛ تنفر غير تهرب، ص. ٥٧؛ الثغر والهاوية غير الشفة والفجوة، ص. ٦١، ٢٢١؛ أفكّر غير أخطّط، ص. ٦٥؛ في الهواء الطلق غير في الهواء، ص. ٧٣؛ عندما يحينُ موعدي مَعَكْ غير عندما ألقاك، ص. ٨٥؛ الشقاوة شيء والعصيان أو عدم الطاعة شيء آخر، ص. ٩١؛ قطرة عرق تكرج على الصدر تختلف عن قطرة عرق تقطر، ص. ٩٣؛ عرفتُ غير فهمتُ، ص. ٩٩؛ تتدخل من جهة وتأتي من جهة أخرى، ص. ١٠١؛ رائحة في العربية حيادية، قد تكون زكية وقد تكون كريهة، وذلك وفق السياق، أمّا اللفظة tuoksu الفنلندية فهي دائمًا إيجابية، زكيّة، ص. ١٠٥، ص. ١٨٧، ٢١٧؛ أتسكّع بالعربية وأسير بدون هدف في الفنلندية، نفس المدلول ولكن شتّان ما بينهما من حيث الصورة الشعرية التي تنبعث من اللفظة، ص. ١٠٧؛  أتغرغر من جهة وأهدل/وأجزل/أسقسق/أفتن في الناحية الأخرى، ص. ١٠٧؛ فأنا … وأنتْ … ومقابلها: أنتَِ وأنا، كما في الثقافة الغربية، ص. ١٠٩؛ يخترع في العربية ويخلق في الفنلندية، ص. ١١٣؛ ضارّة ومقابلها سيّء(ة)، ص. ١١٥؛ وهميَّهْ ومقابلها قاتمة، ص. ١١٩؛ رجال الأمن غير فاحصي جوازات السفر، ص. ١٢٧؛ السفر غير الرحلة، ص. ١٣٣؛ أدخلني وإزاءها أقدتني، ص. ١٣٩؛ الدانةُ الأغلى أي حبّة لؤلؤ كبيرة ترجمت: أثمن لؤلؤة، ص. ١٤١؛ بلادي غير منطقتي، ص. ١٤١؛ لا أتصوّر ومقابلها: لا أستطيع أن أتصوّر، ص. ١٤٥؛ الفضول ليس بالضبط حبّ الاستطلاع، ص. ١٤٧؛ نكتشف وإزاءها ندرك، ص. ١٥١؛ منبرا للخطابة ومقابلها كرسي الوعظ، ١٦٣؛ قبل أن أعرفَكْ وإزاءها قبل أن التقيتك، ص. ١٨١؛ تترك وإزاءها تطير، ص. ١٩٨؛ وأعيدُ النظرَ في هذه الفوضى وفي الفنلندية: أتمكن من تنظيم الفوضى، ص. ٢١٧؛  أقولُ بالفم الملآنِ (لو كان مستعمل هذه العبارة من فلسطينيي ١٩٤٨ لتبادر فورًا إلى ذهن القارىء المثقّف تأثير العبرية، בפה מלא) وإزاءها أصرخ بأقوى ما يمكنني، ٢٢٩، ولكن المعنى في العربية: بصراحة تامّة؛ تتناول ومقابلها تتمتع، ص. ٢٣٥؛ للفظة ”تحليل“ معنيان رئيسيان وهذا لم ينعكس في الترجمة بل اختيرت اللفظة غير المقصودة في القصيدة، ص. ٢٣٧؛ خِفْتُ ومقابلها لم أجرؤ، ص. ٢٤٣، ٢٥١؛ فتفضحني لم توفق الترجمة، ص. ٢٤٧؛ المأثورة غير التقليدية، ص. ٢٥٣؛ كتاب ومقابلها قصص، ص. ٢٦٣؛ جحافل مقابل جيوش، ص. ٢٧١.

قضيت وقتا لا بأس به في قراءة الأصل العربي ومقارنته بالترجمة الفنلندية، واستفدت من ذلك. من نافلة القول، إنّ الأصل عامّة يفقد شيئًا ما من روحه ورونقه عبر الترجمة (يقال: المترجم خائن بالإيطالية: il traduttore è un traditore)، بالرغم من مهارة المترجم، وفي حالات نادرة تفوق الترجمة الأصلَ رونقًا وإبداعا. مدى هذا الفقدان يتوقّف بالأساس على مهارة المترجم ودرجة تمكّنه من اللغتين، أو قل بالثقافتين، ونقل الشعر بالطبع أعسر من غيره من الألوان الأدبية الأخرى، ويبدو أنّه لا مناص من شاعر يقوم  بالترجمة. هذه الأعمال الأدبية العربية الحديثة، وغيرها التي لم تذكر هنا، بحاجة إلى تقييم شامل وعميق في دراسة منفردة، أطروحة دكتوراة مثلا تعتمد على عيّنة من هذه الترجمات. لا ريب في أن هناك بونًا بين الذائقة الأدبية لدى العرب عامّة وتلك لدى الفنلنديين عامّة. الجزء الأول من سيرة طه حسين صدرت بعد تأخر طويل، إلى أن عُثر على ناشر، ويظهر أن الترجمة الفنلندية  للجزء الثاني من السيرة، كان جاهزا، إلا أنه لم ير النور.

أحيانا رأت المترجمة أن تحذف من الأصل لفظة ما مثل: عطري الخصوصي في الأصل وفي الترجمة عطري، ص. ١٣١؛ ضوء في ص. ٢١٣؛ سرية، ص. ٢٤٧؛ رسائلها، ص. ٢٦٧؛ حقنتها في دمي، ص. ٢٣١.

نادرًا ما تبتعد المترجمة عن الأصل مثل: ”من هذه الحديقة“ بدلا من ”أشجارها“، ص. ٥؛ أصبحتُ أخاف مقابل أخاف، ص. ١٣٣.

في كل لغة حيّة بعض الألفاظ التي من العسير جدًّا إيجاد بدائل لها (equivalents) في لغات أخرى، لا سيما في هاتين اللغتين المتباعدتين الواحدة عن الأخرى بشكل كبير. في هذه الحالات لا بدّ من الالتفاف واستخدام ألفاظ أخرى مثل: زغاليل حمام في الأصل وفي الترجمة حمام شاب، ص. ٢٣.

 

فيما يلي مثل من هذا الكتاب، الأصل العربي فالترجمة الفنلندية، كما هما، ص. ١٠٧-١٠٦.

 

 

 

لماذا فمي؟ .

 

إذا كنتُ لا أستطيعُ أن أشربَ

القهوةَ معكْ ..

فلماذا وُجدتِ المقاهي ؟ ..

وإذا كنتُ لا أستطيعُ أن أتسكّعَ

معكَ بغير هَدَفْ

فلماذا وُجدتِ الشوارعْ ؟ ..

وإذا كنتُ لا أستطيعُ أن أتغرْغَرَ

باسْمِكَ بلا خوفْ ..

فلماذا كانتِ الُّلغاتْ ؟ ..

وإذا كنتُ لا أستطيعُ أنْ أصرخَ (أُحبُّكْ).

فما جدوى فمي ؟ ..

MIKSI SUUNI ON OLEMASSA?

 

Jos en voi juoda

kahviani sinun kanssasi

miksi kahvilat ovat olemassa?

Jos en voi kuljeksia

kanssasi ilman päämäärää

miksi kadut ovat olemassa?

Josen voi lirkutta

nimeäsi ilman pelkoa

miksi kielet ovat olemassa?

Ja jos en voi huutaa: ‘‘Rakastan sinua’’

mitä hyötyä minun suustani on?

 

ترجمة الترجمة الفنلندية حرفيا تقريبا:

 

لماذا فمي في الوجود

إن لا أستطيع الشرب/أن أشرب

قهوتي معك

لماذا المقاهي في الوجود؟

إن لا أستطيع التجوّا/أن أتجوّل

معك بدون غاية

لماذا الشوارع في الوجود؟

إن لا أستطيع أهدل/أسجع/أتملّق

اسمك بدون خوف

لماذا الللغات في الوجود؟

وإن لا أستطيع الصراخ/أن أصرخ/أصيح: "أحبّك"

ما الفائدة من فمي؟

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

نقر على أوتار الحرف للعامرية سعد الله .. نصوص البدايات الواعدة بين الذاتي والموضوعي

907-amriaمـقـــدمـة: أقدّر الشعر ضربا من البوح بما يعتمل داخل الوجدان، وقولا متجاوزا يستفزّ الرتيب، فإن لم يكن كذلك صار لغوا من الهراء والهذيان، فإذا هو عقيم.

ولقد رأيت الشعر صنفا من التواشج الحميم يتعالى على المبتذل بما هو نتاج اختلاجات الوجدان الصادق لا ميْن فيه ولا تقية، عدوا للرداءة لدودا، أو هو يرتد تواطؤًا ولعنة على الزائفين...

والشعر صناعة لغوية في منجم الروح، وإنه لجمالية مخصوصة: جمالية الفهم والتذوق والتفاعل، خطاب استثنائي مراكبه الإضمار قبل الإظهار، إيعازا وإحالة وانزياحا وعدولا...

وأما التلفّظ، فركن يدركه السامع نافذة للمضمر من القول وأنساق المعاني، ولذّة يؤمنها المتلفِّظ بالمتلفَّظ، صادقا، صانعا غير متصنّع. وإنّ الفتنة لخلاّبة، وإن تجويد القول كما تجويد الإنصات، ضرورة انبناء القصيد الذي يأبى أن يقع عبدا لضوابط الأخلاق وقوانين المجتمع، وخطب الساسة والأئمة والرعاع إلى الالتزام بحدود صناع الشريعة والمنظّرين إلى مذهبية الدين أو منزعية الفكر، لأنه نمط من القول يظل أبدا مستقلا توّاقا إلى الانعتاق، ممتلئا بذاته، مخلصا لسماته... فالشعر ليس جمعية خيرية، ولا حزبا سياسيا، ولا دعوة مذهبية، ولا نعرة دينية ولا خطبة منبرية، وهو بذلك ولذلك يكون نرجسيا إلى حدّ بعيد، وتتضخّم فيه الأنا الشاعرة فتلوّنه الذات القائلة، وتسبغ عليه من الإحساس ما به يستقل ويعلن عن استقلاليته دون نفاق ولا مجاملات...

هكذا رأيت الشعر وقدّرته، وما عداه فثرثرة خارج الشعر، أو هو القول في اللاّشعر.

 

الشعر بين الذاتي والموضوعي:

إن الحديث في مسألة الموضوعي في الشعر قول افتراضي لا يستند إلى حقيقة ولا يقوم على برهان، اعتبارا لأن هذا النمط من القول منشؤه الشعور وميدانه الإحساس لا محالة. إذ هو إفرازات الانفعال والتفاعل في ذلك العمق السحيق من الوجدان، يتكون في البدء إرهاصات خفية تتشكل تفاصيلها في اختلاجات عاطفة جياشة لا تخرج عن كون الشاعر وذاته، حتى إذا ما طفت على السطح تأجّجت فتحولت إلى قول تخون اللغة أصدق تطلعاته، لأن الفكرة تضمحلّ بين انطلاقتها ساخنة مندفعة ومشرئبة، وبين انكشافها في ثنايا القول عبر آلية معقدة تمرّ من القلب أو العقل إلى اللسان، عن طريق نوع من الترجمة. ولا يخفى ما تقترفه الترجمة من خيانة وخذلان للأصل، فإذا ما يقوله الشاعر، أو ما يُسمَع ليس إلا ظلاّ لما يحسه، مالكا للغة ومسيطرا على أدوات القول والتعبير.

نخلص من وراء هذا إلى أن الشعر ذاتي بالأساس، طالما هو نتاج انفعال وجداني، غير أنه قد يتجاوز الذاتية إلى الموضوعية بمقدار حين يهتم بمفاهيم عامة كالوطن أو العمل أو القضايا الاجتماعية المشتركة بين الناس، فيسعى إلى التعبير عن بعض هموم الآخرين وانشغالاتهم ورؤاهم، ولكن ذلك يبقى مرتبطا أساسا بنظرة الشاعر ورؤيته في الجزء الإنشائي من القول، وقد يكتسب صفة الموضوعية في جانب الخبر، ولا يخفى أن الشعر أنشاء قبل أن يكون خبرا، فإن نحن تحدثنا عن الموضوعي فيه، فإن ذلك من باب التجاوز في القول واعتبارا لتوسع دائرته حتى تتجاوز قليلا مدارات الذات القائلة، ولن يحدث ذلك إلا بمقدار. على أساس ما سبق، نرى ما كتبته الشاعرة العامرية سعد الله في مجموعتها الشعرية الأولى "نقر على أوتار الحرف" التي نحن بصدد مساءلتها محاولة في القول لا تشذّ عما حاول الشعراء غيرها ويحاولون قوله، سعيا في المصالحة بين الذاتي والموضوعي، في نصوص بكر، ولا يخفى طغيان الذاتي لدى الشعراء المبتدئين، بحثا عن ذواتهم وإبرازا لها ودفاعا عنها في اللاوعي السائد لديهم لحظة البوح وتكريسا لحميمية خاصة مع ما يبذرونه في حقول النفس/ حقول القصيد.

907-amriaوكأني بالشاعرة العامرية تقدم لمجموعتها الشعرية الأولى بقصيدتها الأولى: "حروفي" التي افتتحت بها لتختزل من خلالها علاقتها بالشعر، وتعقد فيها روابط حميمة مع الحرف- حرفها- إذ ترى في حروفها، المنسوبة إليها بياء المتكلم في تركيب إضافي، ينابيع من الأحلام ودروبا للفرح، وبابا لولوج عالم الشعر المنشود، ببعض ثقة في النفس، فخرا مبطنا لا يطفو على السطح ولكن ظلاله تتراقص على جدار القول، فتستند على الذاتي، وتتكئ على الوجداني، في البوح بما تحسه، من تلاحم بينها وبين الحروف أدوات لكتابة القصيد، طلبا لنحت العبارة المؤدية إلى المعنى، ولكنها لا تبقى قيد الذاتي، سجينة الانفعال، ولا تتوقف عنده، لأن الشعر كما رأته- وإنه لكذلك- هو قضية ومسؤولية، وامتداد إلى الآخر، خارج نطاق الذات المتشظية الراسبة في أعماق قصية، لذلك فقد سعت إلى أن تُجاوز بين الذاتي والموضوعي بالخروج من الاحتفاء بالذات إلى الوطن الذي إن خبت شمسه تألمت الحروف واشتكت وجعا إذ هو يسكن القصيدة بالضرورة.

هذا النص يفتح باب القول ويلخص رؤية الشاعرة وانتظاراتها ليقول لنا إن الشعر هو الاحتفاء بالذات أولا وفي أغلب الأحيان، ولكنه لا يقف عند ذلك بالضرورة إذ لا مناص له من الاهتمام بمن حولنا وما حولنا.

هذا النص نجد له صدى يتردد فيتجدد في نص : "أنثى السراب" ص21 حيث تكتمل ملامح فعل الكتابة الشعرية لدى الشاعرة إيغالا في تخوم قصية فتصير القصيدة: أنثى السراب/أنثى الغرام، تمثالا مرمريا يقوم بين الأسطر، أسطورة "تانيت" و "دمترا" وعروس البحر، أشباحا في برزخ الأحلام والرؤى، لتكتمل التفاصيل، ولن تكتمل دون وجع الكتابة، ومابين جرح المريد ونبض الوريد ينبني القصيد ألما وأملا.

في الجزء الخاص بالذاتي من شعر العامرية سعد الله تلتصق الشاعرة بذاتها التصاقا حميما لتترجم وشائجها الوجدانية وتحتفي بصدق الإحساس النابع من ذاتها من خلال استعمال قاموس لغوي مخصوص يحقق لها ذلك بدرجة عالية حيث تستخدم بكثافة ملحوظة ضمير المتكلمة بتاء التأنيث توظيفا للفعل المصرّف مع أنا ماضيا (فعلت) ومضارعا (أفعل) مثبتا في الغالب، ولم نسجل استعمال النفي إلا لماما.

هذا بالإضافة إلى الاستخدام المكثف لياء المتكلم المثبتة للملكية في المركب الإضافي: حروفي- كلماتي- أملي- أحلامي... إلخ...

وقد ورد ذلك بكثرة طي النصوص، وتجسّم في عناوين ثلاثة هي: حروفي ص7/ حبيبتي استثناء ص 9/ وطني ص23.

وياء المتكلم لا تلتصق بالجانب الذاتي فقط من القصائد، فقد برزت كذلك في الاحتفاء بالوطن في نص بعنوان "وطني" ص23. ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن الوطن يوجد في مرحلة وسطى بين الذاتي والموضوعي، فهو الموضوعي الأقرب إلى الذاتي، وهو الذاتي والأقرب إلى الموضوعي.

 

الوطن: ذاتية الموضوعي أو موضوعية الذاتي

حين يتحدث الشاعر عن وطنه، فإنه ينطلق دائما من علاقة ذاتية بينهما وهو ممتلئ بإحساسه الشخصي بهذا الوطن كأنه ملكه وحده قبل أن يفكر في أن الآخرين هم أيضا شركاء له فيه، وليس ذلك من باب الأنانية في شيء ولكنه بعض من صدق وهذا لا ينقص من قيمة الوطن ومكانته في إحساس المواطنين جميعا لأن الشاعر، ولئن عبر بصيغة المفرد، فإنه في أعماقه ينطق بلسان الجماعة نيابة عن كل المواطنين لأنه يعلم في المقابل أن الوطن ملك مشاع للجميع، وحب البلاد إحساس مشترك بين الناس إلا من أنكر وخان... وثمة إحساس آخر مواز لدى الشاعر لما يكتب عن الوطن فهو يختزن في ذاته شعورا أكيدا بأنه ينتمي إلى هذا الوطن، وأن الوطن هو الآخر يمتلكه فهو بعض منه والكل يمتلك البعض: شعوران متوازيان يتكاملان ليكون المواطن حيال وطنه مالكا ومملوكا فيتقاطع هاهنا الذاتي بالموضوعي وكلاهما مشروع وضروري.

أما الشاعرة العامرية فلم تخرج عن ذلك بل كرسته على أوضح صورة،

إذ جاهرت به معلنا من العنوان وقد صاغته مركبا إضافيا والمضاف إليه (ياء المتكلم) وطني ليكون المقطع الأول من القصيدة بمنطوق لسان الجماعة تعلنه نون المتكلم الجمع.

كسرنا المرايا التي تجلي ملامحنا/ سرقنا شمسك يا وطني.

غير أن الشاعرة لا تلبث أن تعود إلى ضمير المتكلم المفرد في ما تبقى من مقاطع (خمسة مقاطع) يبدأ كل منها بـ: يا وطني لتؤكد أن الوطن مصدر الأنس، وأن الوطن رحم الأمل، وأن الوطن حضن دافئ للشعور بالأمن والاطمئنان، وأن الوطن نجدة الملهوف، وأن الوطن واجب الفداء والبناء .

يا وطني/بتّ أسكنك غريبا/ وبات يسكنني هاجس الأنس/فأورقت خواطري اشتهاء...

 

لماذا الوطن؟

يكاد لا يوجد شاعر إلا ما ندر لا يعرّج في كتاباته على الوطن ويفرده بالقول في ما يصدر عنه من إفشاء أحاسيسه للناس. وتشهد المدونة الشعرية العربية بأن أروع وأكثر ما قاله الشعراء على مدى التاريخ، بعد شعر الغزل هو ما قيل في حب الأوطان، والحنين إلى الأوطان، والتعلق بالأوطان. وإن ذلك لمن منطق الأشياء لأن الشاعر في ما يقوله لا يخرج عن السعي إلى إثبات ذاته، وتكريس دوره فاعلا في ما حوله

ومنفعلا به ايجابيا، لذلك يمثل شعر الوطن أجلى نماذج لتقاطع الذاتي بالموضوعي إلى حد التماهي والانصهار.

يقول ابن الرومي: ولي وطن آليت ألاّ أبيعه وألاّ يكون غيري له الدهر مالكا.

بين الذاتي والموضوعي تؤثث الشاعرة باكورة إنتاجها الشعري باثنين وثلاثين نصا يغلب عليها الاحتفاء بالذاتية بنسبة تسعة عشر نصا تمجّد المشاعر وتعزف على وتر القلب والروح وتكرّس عنايتها بهموم الذات، ويرد إحدى عشر نصا في ما هو موضوعي خارج الذات، في حين تكتفي الشاعرة بنصين اثنين مشتركين هما:

وطني ص23، وفي ماهية النور ص74.

في ما اعتبرناه ذاتيا نرصد النص "فجر الأماني ص35 " نموذجا لذلك صورة لميلاد القصيد يختزل لحظة المخاض العسير حين تزدحم الأفكار في ذهن الشاعرة وتحتشد المعاني لتخرج الزفرة من شعاب الروح ( والكلام للشاعرة...) فإذا القصيد بتعبيرها: أشبه بشرنقة/ تصارع لحظتها/ تحاول تمزيق قشرتها/ لترسم لوحة البدء الغريبة.

في نص تأملات من وحي الأرض ص59، تتخلص الشاعرة من سيطرة الأنا وتتحرر من سلطة الذات لتخرج بالنص إلى ما حولها، إلى الأرض والتراب، إلى الزمان والمكان وعلاقة الإنسان وغدر الزمان يتحمله الاثنان... الزمان عدو لدود يغيّر كليهما إلى الأسوإ، وما الشيخوخة إلا تأثير الزمان على الإنسان وفعله في المكان، بصمات اهتراء وترهّل يورث خطوطا وندوبا وكدمات، فعل الوقت ومخلّفاته تورثنا للوهن والضعف إيذانا بقرب النهاية. ويظل الإنسان حتى يضلّ، يحمل في البدء حزمه وعزمه وتفاؤله وتحفّزه للحياة يدعمه الأمل فيتسلح بالرجاء تحديا وطموحا، وإيمانا بالفعل والخلق والبناء والإعمار فتكون الحياة.

يقول مطلع القصيدة:

ماذا تحمل في دفترك؟

شمسا...

أو وهجا يتراقص

يلمع

ترابا يختمر في واحات الأمل

هذا النور المنتشر في آفاق القلب يضيء الدرب ويبعث عل التفاؤل تحفّـزا للحياة يدعمه الأمل يفتح مجالا رحبا لفعل الإنسان في الزمان والمكان، سيرة في التاريخ وتخليدا للحضارة على الأرض وفعلا في الحياة مادام الإنسان يحمل في دفتره، في صحائفه، في قلبه، في روحه، ضوءا، شمسا، وهجا يلمع... ويكون الانجاز. ويختمر التراب في واحات الأمل يتهيأ للإخصاب...

ولأن الأرض وفاء والزمان خؤون فإن النص ينزاح نحو التعبير عن ذلك، وترد الجملة صريحة: "ويزنى الزمان" فإذا هي المأساة، وإذا هي مرحلة السقوط والفوضى وتقويض الأمل.

يزنى الزمان

لا رمس يتسع لفوضانا

لم يبق غير بخار

تقذفه حمم الأرض العطشانة

إن الحياة قصيرة والزمن فاعل فعّال. وجهد الإنسان محدود، موعود للفشل، محكوم بالعجز مرهون بالواقع، وإن التوازن سرعانما يختل فيكون الانهيار والسقوط، وتلك بعض أروقة الفلسفة المنشغلة بالوضع الوجودي للإنسان في مكرهاته الحياتية كبشر وهو يجاهد أن يكون بين ما يريد وما هو كذلك أي بين التّـوق والإمكان، وهي أجلّ قضايا الفلسفة وأكثر اهتماماتها جدية وصرامة، وأشدها إيغالا في الاهتمام بالمنزلة البشرية ودورها في العناية بقضايا الكون...

ولأن الإنسان كائن متفائل غير يؤوس، مصرّ متحدّ (سيزيف يتحدى ويصنع ذاته) فلابدّ له من تجاوز العراقيل والمثبطات ومصارعة المحبط والمدمّر كي يظل ولا يضل.

تقول الشاعرة:

الماء يحتضر في مطحنة العدم

قيّد أحلامك يا خريف

ألبسها تيجان النخل الصامد

في واحات الأمل..

قيد أحلامك

وانشرها في فجاج الريح.

هاهنا مرحلة الانتقال من العدم إلى الكينونة ترددا بين الممكن والمنشود، انتفاضة المتردّى في السقوط يسعى إلى النهوض، يطلب الوقوف. ثم صراع الحلم والواقع، ثم مواجهة بين الاستسلام والأمل، بين النزول والصعود. الخريف بداية مرحلة الضعف والوهن بين الكهولة والشيخوخة في العمر الافتراضي للإنسان وكذلك في دورة الزمان من فصول السنة.

الخريف رمز للضعف. فكل شيء إلى وهن. أوراق الأشجار تصفر وتتساقط النباتات الضئيلة، و تذبل الشمس معتلّـة شاحبة الوجه، فقدت أشعتها ألقها وحرارتها وعنفوانها، تبدو منكسرة حزينة. كل الطبيعة قيد الظل والذل. هذا الوجه الأول للخريف، ولكن للفصل وجها آخر يأبى الإحباط ويتشبث بالأمل، فهنالك نخل صامد، والخريف موسم الأمطار، ماء يحيي الحياة ويميت الموت، فاتحة الأمل الموعود، موسم البذر والحراثة إيذانا بموسم الخصب والصابة والعطاء الوفير. فإذا كان الربيع طفولة وجمالا، والصيف خصوبة وغلالا، والشتاء شيخوخة وهزالا، فإن الخريف لا يكون إلا بشرى وآمالا.

قيد أحلامك

وانثرها في فجاج الريح

ترسم بدايات للغد...

إنه هدم الماضي لبناء المستقبل

ما عادت دساتير الأمس

تتسع لتناقض حاضرنا

هذا خريفك يا أرض.

هذا النص: " تأملات من وحي الأرض" يتقاطع مع النص "الخلق" ص48 ويتماهى معه.

يأتي شتاء بعد ربيع

تتراكم في الأفق سحب

إن حياة الفرد إلى فناء ولا شك، والفلسفة الوجودية تتعامل مع هذه القضية بوجوب قتل الموت لإحياء الحياة، ولكن القدر فوق العلم، وفوق الفلسفة جميعا، والموت قدر لابدّ منه، فلننتصر للحياة ما دمنا في الحياة. وجب إذن أن نتطهر من رجس زمن عشناه، من دنس الماضي. لابدّ من توظيف الفعل البشري إلى فعل بناء ومقاومة القبح بتكريس الجمال والانتصار إلى الخلق والإبداع.

تقول الشاعرة:

كيف تغتسلين من دنس الأمس

كيف تكونين عروسا

تكتحل بوهج الدم

وتشهر زينتها لغاصبيها.

إن الإنسان كائن شرير، أنانيّ ومنافق أيضا، حمّل الأرض أوزاره، وأثقلها بأخطائه مذ نزلها آدم فكانت الخطيئة الأولى أن عصى ربه وأطاع الشيطان فأكل من الشجرة المحرمة، ثم كانت الجريمة فسال دم هابيل بيد قابيل بسبب الحقد والغيرة فترتّب عن ذلك وجوب العقاب لتتواصل الحياة على نسقين ضروريين لاستمرارية التاريخ، هما الخير والشر، الموت والحياة، وذلك هو محور الاهتمام الجدّي، وقلق السؤال الحائر الحارق، أهم قضايا الفلسفة على الإطلاق.

ألا ترى أن الإنسان يبني ويهدم في نفس الوقت، أليست الحضارة والتقدم التكنولوجي شرف الإنسان وفضيحته في آن، ألم نصنع بالعلم وذكائنا القنبلة الذرية الماحقة للحياة، وأسلحة الدمار الشامل، وبعثنا في الأرض الحروب لتدميرها وإبادة الإنسان؟

قد يكون ذلك من سنة الحياة لخلق التوازن من خلال صراع الخير والشر، ولكن الإنسان بطبعه كنود، وللخير جحود. قتل الإنسان ما أكفره.

عذرا أيتها الأم

ما عاد صدرك يحوينا

يظلّلنا... يهدينا

وينغلق النص على نهاية محتومة مادام الموت خاتمة الكائن الحي. تلك لعبة الزمن خَـلْقٌ فحياة وكينونة، فموت وفناء.

هكذا يتماهى النص مع الوضع البشري للإنسان لينهض على مراحل ثلاث، هي مسيرة الكائن تتبدّى من خلال انطلاقته باتجاه الأعلى صعودا، توقا إلى الأفضل فاستقرار وخلق وبناء وتعمير، فسقوط وفناء واندثار، ولكن الحلم مشروع ومطلوب ليكون في الحياة ما يستحق الحياة بتعبير العظيم محمود درويش. وما الشعر إلا حلم جميل وسعي لبناء الحياة وزرع الأمل ومقاومة تشيّئ العالم وصلابته، فالقصيدة حياة والشعر بعض معاني الكون، لذلك فإن الشاعرة لم تكن غافلة عن ذلك، فإذا هي تتطرق إليه في نصّيْـها: "حروفي" ص7 و "حبيبتي استثناء" ص9 الذي تعالج فيه تعريف القصيدة حبيبة للشعراء تولد من رحم الحلم الذي يكشف عن ذاته باكرا منذ المنطلق فإذا هو أول ما تقرأ مما كتبت الشاعرة في أول سطر من أول قصيدة. ولقد وردت لفظة الحلم أربع عشرة مرة في النصوص.

إن المتأمل في القصائد المدرجة لا يفوته أن يلاحظ هيمنة البحر وما يتّصل به والنور ومصادره ومشتقاته: وباعتبار سيطرة هذين الاهتمامين على غالب النصوص فقد رأينا أن نركز عليهما بصفة خاصة لنرصد مدى حضورهما في الحقل اللغوي للخطاب.

1) في البحر وما يتصل به:

البحر- الشاطئ- الزورق- اللجّة- السفينة- الإبحار: يتوزع هذا القاموس على أربعة عشر نصا من جملة اثنين وثلاثين، والعدد مشيرومؤشّر ودالّ. وقد نوعِز تردد هذه العبارات عبر النصوص إلى علاقة وجدانية حميمة للشاعرة مع البحر باعتبارها ابنة الجبل تتوق إلى ليونة الماء، ولكن أيضا إلى ضرورة البحر حافزا مهما في الكتابة الشعرية يُليّن صلابة تجتاح المناخ، ويبلّل اليابس. والشعر يكره الجفاف ويطلب النديّ لتبتلّ جوانحه.

2) قاموس النور في قصائد العامرية وإحالاته الإيحائية:

يلاحظ المتأمل في نصوص العامرية أنها اشتغلت بكثافة على قاموس لغوي مخصوص يطغى على غيره وظفت فيه النور ومصادره والأفعال ذات العلاقة، مقابل العتمة ومشتقاتها، إحالة على صراع الخير والشر/ الأمل واليأس/ التفاؤل والتشاؤم/ الحياة والموت في واقع الإنسان عامة وفي حياة الشاعر بصفة خاصة.

ومن خلال إحصائية دالة، رصدنا المؤشرات التالية:

الاشتغال على النور ومصادره

وردت العبارات التالية بكثافة نضبطها في ما يلي بعدد مرات ورودها لنتبين مدى انتشارها.

الشمس (15 مرة)/ النور (12 مرة)/ الفجر (5 مرات)/ النجوم (5 مرات)/ القبس (3 مرات)، ومرة واحدة الألفاظ التالية: الضوء- قناديل- سراج- النار- منارة- مشتعل- الشعاع- وميض- المضيء.

وبصيغة الفعل: سطع- ينير- يومض- أشرق.

ولقد وردت هذه الألفاظ في النصوص 64 مرة فكانت أكثر العبارات استعمالا بالإضافة إلى أربعة عناوين تحمل بعض هذه العبارات مثل: نقر على أوتار الشعاع- فجر الأماني- قناديل الأرض العطشى- في ماهية النور.

وفي المقابل فإن الاشتغال على قاموس العتمة وما يواليها في اللغة كان محدودا بشكل لافت، حيث وردت عبارة الليل (9 مرات)، الدجى (مرتين)، الغسق (مرة واحدة). وورد عنوان واحد يتيم في هذا المضمون هو: "حورية الليل"، ولكن الليل فيه لا يعود إلى نفس المرجعية ليعبر عن الظلام ، بل جاء محيلا على الرؤى والحلم والإلهام.

الخــلاصــــة: يمكن بمقارنة سريعة أن يتّضح لنا توسع مساحة النور على حساب تقلّص العتمة في مجموع النصوص، فيكون الاستنتاج المباشر حينئذ أن القصائد في مجملها تحلّق في أفق فضاء مضيء وتجنح نحو التفاؤل والأمل ليطغى قاموس الفرح على ما كُتِبَ إيحاء بالغبطة والسرور والفرح بالحياة اعتبارا لأن القصيدة تكتب شاعرها على حدّ قول "موريس بلانشو".

على سبيل الخاتمة: "نقر على أوتار الحرف" مجموعة شعرية موسومة بشرف البدايات، تبشر بميلاد نصوص لاحقة واعدة بالعزف على أوتار الإبداع الأفضل والأرقى.

 

الهادي العثماني- تونس

 

 

نثر خالص للشاعر نهيد درجاني وشذرات الكينونة في تجربة تمسُّ الصّميم الإنساني

ahmad alshekhawiيجوز القول أن المقاربة هذه المرة تختلف كليا نظرا لكونها تضع المتلقي إزاء قامة وازنة جدّا وتحت صدمة صوت أكثر انفتاحا على الطوارئ وأعمق إصغاء لنبض الحياة في مدها وجزرها  وتجدّدها وتماهيها مع  شتى عناصر الدهشة والمفارقات والمفاجآت.

ذات تتشرب الطقوس الموحية بنفاذ الرؤى إلى عوالم لا مرئية وتدمن التجديف في مستويات اللامعقول بغرض التّنصل من املاءات وشروط الواقع المكلفة والمسمّمة للجبلّة وللصميم الإنساني في أدنى تجلياته.

من ثمّ تبنيّ الفعل الإبداعي المترع بآليات أنسنة الحرف وسائر المكونات الأخرى خلال عملية بوح ضمني عميق مكسّر لطوباوية اللفظ، ومصطبغ بإيقاعات تجاوز نصوص الذاكرة وعدم استنساخها حتى في حالات الانبعاث من رماد الماضوية السحيقة والغابرة.

تلكم شعرية تبوأ مراتب المابين،وكأن تفريغ المعاناة يحصل استنادا إلى جملة مواقف فاضحة ومعريّة تتناسل تبعا لفلسفة معينة ودوامة أسئلة وجودية واستنطاقات ليست تتأتى بسوى تملّي العالم عبر قلب مفتوح.

  " الكلمة الأولى، مصابةٌ باضطراب عقليّ،

لذلك، أحتاج للسير على قارعة الجنون لدخول النصّ بكامل طقوسه :

الفراغ .

أمسكُ الكوسى باليد اليسرى، لتستقرَّ فُتحَةُ الكتابة قُبالةَ سبابتي لاستقامةِ خطّي الرقعيّ،

وأحشو .

كلُّ التضادات

كلُّ ما يصلح للتأويل

كلُّ ما يُثيرُ

وما يُضحكُ

وما يُبكي،

هذا خداعٌ أنيقٌ لإخراج قبلةٍ حارّة من الثلاجة،

هذه هي الحلقةُ الأولى من مسلسل تافه"

وإذن ... المرجعية على الدوام جغرافية عطشى لكتابة محايدة تستكنه الغيب،وتنرسم مغامرة وسندبادية بين الفاعل والمفعول به. منذ العتبة يهيمن الاضطراب والجنون الرمزي الوقف على أقنعة خطابية ذات طابع خاص ونكهة مدغدغة لجوارح التلقّي و محيلة على زئبقية المعنى وتشظّ مقصود واعتماد ممنهج للومضة في محاولات لاهثة لإضاءة ما وراء ألوان خارطة الحكي.

"الحبرُ يَغلي على نارٍ هادئة لزُرْقَةٍ أكثر .

لكثافةٍ مسموحٍ بها ورقياً، لمائة سنةٍ مُضادةٍ للعثاث،

لاحتكاك العينِ بإصبعِ الدلالات،

قدْ أقتطعُ شيئاً لتفريق علاماتِ الإعراب،

لأنّ الكتابةَ تظاهرةٌ مرخّصة ٌ، منظّمةٌ . تنادي . تهتفُ .

تستردُّ أنفاسها ضمن الإيقاع، فيما يقفزُ الكاتبُ بين الفاعل والمفعول به كمهرجٍ بأنفٍ كبير يتقلّدُ شاعراً في الحلقة الثانيةِ من مسلسلٍ رديء ."

ما الخواء هاهنا مبهرجا بعبثية الحياة، إلاّ محفزا وباعثا على نبذ انشطارنا أنصافا في سباق محموم مع أكذوبة لا تدور في عدا أفلاك كتابة ترقى إلى حجم النضال الحقيقي والتمرد الذي قد يثمر بدائل يتوجّب تفعيلها  وتخصيبها وتسهيل تفشّيها ضمن آفاق تتيح ما هو أفضل للإنسانية وأسمى وأشهى وآمنُ لمستقبلها.

"هذه حمّالةُ صدرٍ، كي لا يتهدَّلَ نهدٌ في الطريق إلى السماء .

وهذا سروالٌ داخليٌّ أحمرُ الخيط لامرأة ممتلئة،

لأنَّ الجنسَ مكوّنٌ أساسيّ في الصفوف الثانويّة،

كاستراحة الساعة العاشرة

كالقتال في الحرب العالمية العاشرة

كالوصايا العشرِ على أصابع اليدين، فلا تقطعْ إصبعا في الحشْوِ،

حافظ على سكينك بعيداً عن جسدِك، أَغرزْه في أجسادهم، هم الأعداء،

أنت صديقهم فقط، لديهم قطنٌ وشاشٌ كثيرٌ لإيقاف النزيف،

للتوقّف فجأة عن الهراء، للتوقّف عن متابعة الحلقة الثالثة من مسلسلٍ رديء ."

 إقحام اللازمة الدالة على الفجوة بين الذات ومحيطها أو الفراغ الناجم عن انفصام رمزي عن منظومة تعاليم مكرسة لاستعباد آلي أوتوماتيكي وروتيني يخترق إنسانيتنا ويلغي الوظائف الحيوية للروح ويفضي إلى سراديب تقديس الجسدنة كصيغة تستغرق شحنة الجلد الذاتي الذي يعارضه انتشار السياق العام للنص في علانية تحدّيه لتيارات النقيض بالتّمام للمعاني الشّبحية الموازية للعتبة / نثر خالص.

"الحلقة الرابعة

للراشدين فقط ... محذوف بأمر الرقيب ... محذوف بأمر الرقيب .....

محذوف بإذنه تعالى ...

كيف تتّسعُ مخيلتي لامرأة بهذا الرّخام ؟

الحلقة الأخيرة

امتلأت حبَّةُ الكوسى .

أسقطها في الحبر المغلي،

كما أُسقطُ جنيناً تكوَّر من غير رجل دينٍ لم يصلِّ ولم يُسلِّمْ، ولم يُصلِّبْ ولم يُبارك،

(هذا حشوٌ لتوازن طائفي كيلا أفقدَ الاتزان على الفرس الأشهب، وأُنْسَبَ إلى ربٍّ غير محايد) .

مدَّةُ الطّهي : خمس حلقات من مسلسل رديء وتافه .

صحتين"

أنامل تستقطبها مسافات المحو ونظير ما يورّط الذات ببرزخية معجونة الأنفاس بهذيان ناريّ يرقى بالقصيدة  حدّ جعلها معادلا للمكنون .

هكذا وبكل تلقائية يطالعنا شاعرنا المتمرّس بما يأسر أحاسيسنا ويشدنا إلى قطوف مخيلة الاتساع والتجاوز وإتيان معاني الحياة الكامنة في عوالم اللامعقول على نحو يمنح للروح سلطتها.

 

احمد الشيخاوي - كاتب مغربي

 

التكسّب بالقصيدة العربية

sabiha shobarعُرف العرب ومنذ عصر ما قبل الإسلام، إنهم يعتنون بالشعر، معتبرين إياه ديوانا لهم، يؤرخ حياتهم ويسجّل مآثرهم، ويحفظ أيامهم ويخلّد وقائعهم، وإن كان النثر قد أحرز بعض الاهتمام، أقلّ مما حظي به الشعر لاعتبارات عديدة، منها إن الشعر أسهل حفظا من النثر، مما سبب ضياع معظم النثر الجاهلي الذي كان يتركز في الأمثال والحكم والقصص والخطب، لهذا لجأ العربي للشعر، و اعتنى بناظميه واعتز بهم، مراعيا مكانتهم الكبيرة، وللشعر فنون كثيرة، كان من أهمها في عصر ما قبل الإسلام المديح والغزل والهجاء، والرثاء والوصف والفخر، وقد عرفت منذ ذلك العصر ظاهرة التكسب بالشعر، واتخاذه وسيلة للحصول على المال، عند الحواضر، واشتهر من الشعراء المدّاحين تكسبا: أعشى قيس والنابغة الذبياني، أنهما مدحا ملوك ذلك الزمان، من أجل الحصول على رفدهم، وتنقّل النابغة الذبياني بين بلاط المناذرة والغساسنة، مادحا كل فريق بالصفات الحميدة، التي كان يراها من أجمل الصفات والتي تستحق الثناء، رغم ما سادت بين القبيلتين الكثير من مظاهر الخصومة والعداء، حتى إن النابغة حين مدح ملوك الغساسنة، غضب عليه ملوك المناذرة فاضطر الى الإعتذار منهم، بقصيدة مشهورة موضحا الأسباب، التي دعته إلى الذهاب إلى أعدائهم ولم يكتفي بذلك فحسب، إنما بالغ النابغة في خطيئته، فمدح ملوك الغساسنة رغبة في إنقاذ نفسه من بطشهم، وخشية من عقابهم، وبهذا يتخذ الشاعر قصيدته وقاية من عقاب الحكام وخشية من ايقاعهم به، ولم تكن ظاهرة التكسب تلك، مقبولة في ذلك الزمان، حيث الاعتزاز بالصدق، والمدح لصفات حقيقية موجودة في الممدوح وليست مدعاة، فالممدوح يستحق المديح لخصاله الحميدة، من كرم وشجاعة ومروءة وإقدام ونبل، وليس لإعطائه الشعراء على قصائدهم في مديحه.. وإن كانت المهارة التي أبداها الشعراء الكبار في مديحهم، تبعد عنهم صفة التملق والرياء، وتجعلنا نعتقد أنهم كانوا معجبين حقا بالممدوح، لآن خصاله الجميلة تدعو إلى الإعجاب، ومن يقرأ أبيات النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر ملك الحيرة، يستبعد صفة التملق، لما كان لتلك المدائح من مكانة متميزة، تدل على وفاء خالص، والتزام أخلاقي يعبّر عن محبة عميقة:

أتاني- أبيت اللعن- أنك لمتني ×× وتلك التي تستكّ منها المسامع

مقالة أن قد قلت: سوف أناله ××× وذلك من تلقاء مثلك رائع

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ×× وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع

فقد لام حكام المناذرة النابغة لمدحه اعداءهم، فاستبد به الخوف لانه سمع ان المناذرة قد هددوه بالعقاب القاسي، فأقسم لهم ان مدائحه لأعدائهم كان مضطرا لها وليس مختارا، ربما يكون الخوف من العقاب القاسي السبب الذي دفع النابغة الى الاكثار من المديح، يمدح المناذرة ثم يعرج الى مدح أعدائهم، ثم يعود الى مدحهم حين يسمع انهم غضبوا لمدح الغساسنة المستمرين على العداوة، فكيف يرى بعض النقاد ان الشاعر النابغة كان صادقا ؟ فكيف يكون متنقلا بالمديح بين المناذرة واعدائهم في وقت قريب، وكيف تنقلب عواطفه هذا الانقلاب الكبير ؟هل ان المهارة وحدها دفعت الشاعر الى الاجادة ام ان هناك رغبة في نوال الممدوحين وعطاياهم الكثيرة، لأنهم ملوك، يستطيعون ان يبذلوا من المال العام كما كان يسمى ذلك الزمان

 

صفات تستحق الثناء

وقد مدح الشعراء أشخاصا لاتصافهم بصفات تثير الاعجاب مثل الشجاعة والاقدام والمروءة

 وكان لصفة الكرم نصيبها الكبير في مديح الشعراء، وقد عُرف في هذا الميدان الشاعر الكبير (زهير بن أبي سلمى) الذي أكثر من مدح سيدين من سادات قريش سعيا في الصلح بين القبيلتين المتنازعتين (عبس وذبيان) حين أعلنا أنهما يتحملان ديات القتلى، حتى تضع الحروب أوزارها بين القبيلتين، ونالت مدائح زهير شهرة واسعة، لأنها تمدح ظاهرة عرفت أنها من الصفات الحسان التي يقبل عليها العرب ويفحرون ان كانت هذه الصفة ضمن الصفات آنذاك، وما زالت تثير إعجابهم، رغم تبدل العادات وتغير الزمن وانقلاب المقاييس..

 ورغم إن زهير قد ربح ماليا بمديحه ذاك، فقد كان الرصيد المعنوي أجمل بكثير لأن شعره، كما يرى النقاد، لم يكن لغرض التكسب، بل دفعه إعجابه بكرم الشخصين إلى أن ينظم فيهما أجمل أبيات المديح.وكلما كثر مديحه لهما بالغا في اكرامه

اتّسعت ظاهرة التكسب بالشعر، في العصر الأموي والعباسي، لطبيعة نظام الحكم القائم آنذاك، ولوجود الأحزاب السياسية الكثيرة، ولكثرة المال الذي نعم به الحكام جراء الفتوحات الكثيرة التي جرت لفتح البلدان، والاستئثار بثرواتها، فكان الشاعر حين يمدح الخليفة، مغدقا عليه الخصال الحميدة، كان يقوم بمهام الإعلام في التنويه عن روائع الأعمال، التي قدمها الخليفة للناس، كما يظن الشاعر المادح وكان الخلفاء يحتفون بالشاعر، حيث يظهرهم بمظهر الإنسان المتمكّن من حكمه، والذي يحظى بحب الجماهير وتأييدها، وان الشاعر حينذاك، كان يتكلم باسم تلك الشعوب، معبّرا عن مؤازرتها للحكام، ولقد انتشرت قصائد المديح في العصرين الأموي والعباسي، لنعومة العيش ورفاهيته التي كان ينعم بها الحكام ومن يحيطون بهم من الشعراء، ولكثرة الأموال التي كان يجنيها الحكام نتيجة فتوحات البلدان المختلفة، والتمتع بخيرات شعوبها، كما ان الشاعر كان يجد فيها القناة الوحيدة للتكسب، والحصول على المال، ولم يبتعد أغلب الشعراء عن فن المديح فقد تناوله الشعراء العرب بكثرة لطبيعة الحياة الاجتماعية السائدة حينذاك

 

مدح شيوخ القبيلة

ومنذ وُجد الخليفة في نظام الحكم، وكان قبلا شيخ القبيلة، اعتاد الشعراء أن يتنافسوا، فيما بينهم لمدحه بشعرهم. وكان غرض المديح من طليعة الأغراض الشعرية، التي أقبلت عليها الجماهير العربية المتذوقة لهذا الفن . فهل يمكن أن يكون الدافع لشعر المديح رغبة مخفية أو معلنة في التكسب، أو إن الشاعر كاذب يخفي تزلفه ونفاقه . هذا التعميم بعيد عن الحقيقة الناصعة، فكثيراً ما امتزج شعر المديح بشعر الفخر والحماسة، قديماً، أو بالشعر الوطني حديثاً.مما جعل بعض الشعراء يجدون، ان حكامهم يمثلون قيماً وفضائل وخلقا نبيلا، وخصالا اجتمعت عليها، وكان الشعراء طليعتها المثقفة، فتغنوا بها. وهذا ما نلحظه واضحا في الشعر الجاهلي، حيث كان شيخ القبيلة يمثل الصفات المحمودة التي سعى إليها العربي، وخلدها في شعره، وحين اتسعت الدولة، لم تكن جميع قصائد المديح، كاذبة مرائية، فما وصلنا من مدائح رائعة قالها الشعراء، في شخصيات كانت موضع الاعجاب الكبير، تبين لنا إن المديح الصادق، ينطلق من نفس تؤمن بأحقية الممدوح بهذا الفن، الذي اختلفت حوله وجهات النظر كثيرا، وتباينت دوافع الشعراء، فلا يمكن ان نعد كل المدائح التي عرفها الشعر العربي رياء، فهذا الإدعاء تجن واضح على الحقيقة، والنفوس البشرية لا يمكن تقنينها، وما يصح لدى شاعر معين، قد يخطئ حين ندرس الأغراض، التي تطرق إليها شاعر آخر، فالمتنبي مثلا قد مدح أشخاصا كثيرين، بعضهم كان لا يستحق المديح، لان الشاعر سرعان ما انقلب على الممدوح، سالبا منه ما سبق وان قدمه من ثناء، لهذا يمكن ان نبريء المتنبي في مديح سيف الدولة الحمداني من تهمة التزلف والرياء، فقد كان أبو الطيب معجبا كامل الإعجاب، بتلك الشخصية الرائعة التي مثلها سيف الدولة، بما تحمله من صفات المروءة والبطولة والجهاد ضد الأعداء والمغيرين، ومن الظلم أن يجد بعض النقاد ومؤرخي الأدب، إن مدائح المتنبي لسيف الدولة كان دافعها الارتزاق، فالمال قد يكون أحد العناصر في استمرار تلك العلاقة الحميمية بين الشاعر والأمير، إلا انه لم يكن الدافع الوحيد، وكان المتنبي مهموما بقضايا أمته، ووجد في سيف الدولة المؤهل لتنفيذ الطموحات المشروعة في تحقيقها ..

 

للمديح أنواع

وكان المديح ذلك الوقت يأتي على اتجاهين مختلفين : الاتجاه الأول حين يكون المديح صادقا، ينطلق من رأي حقيقي بالخليفة، يجده الشاعر يتمتع حقا بصفات جميلة، تستحق الثناء، فيكون المديح واقعيا معتدلا، بعيدا عن المبالغة والغلو، يشعر القارئ بحرارته وصدقه، والاتجاه الثاني حين يكون المديح كاذبا، ويلجأ إليه الشاعر لأنه يجد الخليفة فقيرا من صفات تستحق المديح، فيتظاهر بالإعجاب بخصال لم تكن موجودة، ويبالغ في إسباغ الصفات الحسان، ويظهر الغلو واضحا، والفتور في العاطفة مما يلمسه القارئ، رغم محاولة الشاعر في الإيغال بخلع صفات الجمال على ممدوحه، رغبة في عطائه، فان خاب رجاؤه، انقلب عليه هاجيا مشنّعا، وقصة أبي الطيب المتنبي مع كافور الإخشيدي، ما زالت بعيدة في الأذهان، وقصيدته اليائية خير مثال.

 فمن يفهم ابيات المتنبي مديحا لكافور، والشاعر يتمنى الموت ويرى المنايا امنيات يتطلع الى تحقيقها، فقد أصبح متمنيا للموت حين أعياه البحث عن صديق حقيقي او عدوا يداجيه

كفى بك داء ان ترى الموت شافيا ////  وحسب المنايا ان يكن امانيا

تمنيتها لما تمنيت ان ترى /////  صديقا فأعيا أو عدوا مداجيا

والمديح حين يكون صادقا، ويتميز بصدق العاطفة، يلمس القارئ المتابع هذا الصدق، ويكون سببا في الإعجاب به، لان صدقه ذاك من عوامل إتقان الناحية الفنية المطلوبة، في الأجناس الأدبية والشعر من بينها، أما إن كان المديح منطلقا من رغبة مخبوءة لعطايا الممدوح وكرمه، فان الكذب والنفاق يأتيان واضحين في الأبيات، فتقلل من جمالها، هل استطاع شاعر كبير مثل أبي تمام أن يخفي رغبته الحقيقية من أبيات قالها في فن المديح ؟ فلم تنطلي على المتابع، ووجد المتذوقون للشعر ان الغرض الأساس واضح، يكاد يأتي إلى الناس ويقول خذوني:

ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ///// ويكدي الفتى في دهره وهو عالم

ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ///// هلكن إذن من جهلهن البهائم

فظاهر معنى البيتين يقول إنهما في غرض المديح، ولكنه مدح معناه الهجاء، فأبو تمام فقير من المال، لكنه غني في العقل والفهم والذكاء، وهذا ما يلمح الى حقيقة رغم عدم قولها صراحة إن الممدوح يملك المال لكنه خلو من الذكاء والعقل، فالأرزاق تأتي الفتي وهو جاهل، ويظل العالم يكدح ويعاني، ولكن الفقر يلازمه، ولو كانت الأرزاق تأتي حسب درجة الفهم، لما وجد الأغبياء ما يقتاتون منه، ولأصابهم الهلاك، إنها رغبة في الإستجداء من الوزير لا تخفى على اللبيب

 

المديح في العصر الحديث

وفي عصرنا الحديث، نجد الكثير من الشعراء يمدحون الحكام، وقد يكون القليلون صادقين في مديحهم، لأنهم يجدون حكامهم يستحقون القصائد المادحة، لما يتمتعون به من خصال تدعو إلى المديح، وهذا قليل، وفي أحايين كثيرة يكذب الشاعر، وينظم قصيدة في مدح حاكم معين، وحين ينال نواله، أو يخفق في الوصول الى حلمه الجميل ذاك، يذهب إلى حاكم آخر، ويقرا له القصيدة نفسها، وبعض أشباه الشعراء ممن لا يتمتع بموهبة شعرية حقيقية، ينظم قصيدة واحدة، يمدح فيها رؤساء دول عديدين، رغم ما بين أؤلئك الحكام، من خصومات لا تخفى على المتابعين، والأجدر باللبيب الابتعاد عنها، لان رئيس الدولة لو كان يتصف بحب الاطلاع، لعرف ان القصيدة ليست له، ولكان شعبه أجدر بالعطاء، رغم ان عصرنا، بما توفرت فيه من وسائل الإعلام، أصبحت كل قصائد المديح، مشهورة بين الجماهير وحكامها، ورغم هذا يتجرأ بعضهم على الادعاء..

ولقد بالغ بعض الأشباه في الغلو في ظاهرة المديح، فلم يقتصر على شخصية الممدوح، إنما امتد مديحهم إلى أخيه وأبيه وأمه وزوجته وأولاده وقد تنال بناته نصيبهن من آيات المديح، ولم يقتصر غرض التكسب على المديح فقط، إنما نظموا الهجاء، من اجل خاطر احدهم، لا يبخل في عطاء يرومون الوصول إليه، ونظمت قصائد الرثاء أيضا، إرضاء لأقارب المتوفى وكسب ودهم..

البعض الآخر من الشعراء، يهدي ديوانا كاملا لشخصية عامة، تتمتع بالنفوذ رغبة في عطائها، أو خوفا من عقابها، خاصة إن كانت، من ذوي السمعة في بشاعة التنكيل ..

هذه الظاهرة لا نجد مثيلها في الأمم الأخرى، الشعراء هناك لا تضطرهم الفاقة المادية أو الروحية، الى مدح إنسان لا يستحق المديح، ولا يتصف بما يدعو الى الإعجاب، إنما الموهبة فقط، والقدرة على الصمود أمام المحبطات، ما يجعل المبدع غنيا، أو فقيرا يرزح تحت أعباء كثيرة، كما إن ذكاء القارئ وثقافته، تمنع أي أديب من الكذب على نفسه، قبل أن يحاول إيهام ممد وحيه، فاحترام النفس والمحافظة على الموهبة كفيلان بإبعاد المبدعين عن الادعاءات الكاذبة..

 

الشعراء الحقيقيون

الشعراء الحقيقيون لا يضطرون الى المديح الكاذب، حتى لو عانوا من شظف العيش ومن الحرمان الطويل، فمن هم المسئولون عن هذا الوضع المتردي ؟ ولماذا نجد الشعراء وحدهم، من ينظمون القصائد في غرض المديح؟،، ورغم إن الإعجاب بالآخر من مميزات الإنسان، وخاصة ذوي الشعور المرهف، الذي يتميز به المبدعون أدبا وفنا، فلماذ نجد ان مدح الشعراء للحاكمين يكثر، و يقل للأصدقاء ومن لايملكون سلطة اغداق المال او القدرة على التنكيل

ولماذا نجد الشاعر عندنا، يظهر كالتاجر، يعرض بضاعته أمام المشتري، رغم إن أذواق المشترين تتباين عادة، فليس قراء القصيدة المعينة جميعهم، يصلون الى رأي واحد حين يقومون بتقييمها، الاختلاف في الأذواق والأفكار، من الأمور الواضحة، أليس الشاعر حين يعرض بضاعته، أمام الجمهور، يجهد كي تأتي بما يريده ذلك الجمهور، وبذلك يهبط إلى مستواهم، الم يتساءل الشاعر المشهور أبو تمام، حين اتهموه انه يكتب الغريب ؟ وليس باستطاعة الجمهور ان يفهموه؟ من هو المسؤؤل عن هذا الوضع المتردي في الأخلاق ومن الكذب والادعاء بما ليس حقيقة ومن تبذير المال العام، لمذا يمون الحكام مطلقي اليد في انفاق مال الدولة ؟ ولماذا يكثر الفقر في بلداننا، وينعدم شعور البعض بالكرامة ؟ رغم ان اكثر الشعراء الفقراء لايضطرون الى المديح الكاذب، و يمنعهم الشعور بالمسؤؤلية نحو أنفسهم وأسرهم وأوطانهم من ادعاء المديح لمن لايستحقه حتى وان كان حاكما معروفا بالتبذير او التنكيل او الصفتين معا

 يجب ان تحظى آدابنا وفنوننا بمستواها اللائق بها، وان ينال المبدعون في كل صنوف الإبداع، ما يستحقونه من رعاية واهتمام، لئلا يضطر احدهم إلى مديح من لا يستحق، لان الفقر ظالم قد يدفع الناس الى ارتكاب مالا يرغبون به، والأدب العربي لم ينل ما يستحق من رعاية واهتمام، لهذا يلجأ البعض الى مديح الحكام رغبة في الشهرة وان تنال كتبه ما يريد لها من ترجمة وانتشار، ومن لايكثرث برأي الحكام، يمضي عمره دون ان يعرفه أحد، ويخسر في طباعة كتبه، ولا تستطيع الجماهير ان تعرف قيمتها، في حين ان الكتاب الأوربي والأمريكي يطبع عشرات المرات، ويكرم كاتبه ويقدر، وتمنح له الجوائز المختلفة، ويدعى الى المهارجانات الاقليمية والدولية، وبعض الكتاب يكون متفرغا للكتابة، في الوقت الذي يسهر به الكاتب العربي ويتعب، وبقضي العمر مجهولا، لم يعرف به أحد ولم يقرؤه الكثيرون، وكانت تلك القراءات من أعذب الأمنيات التي تداعب الأدباء والشعراء

 

صبيحة شبر

 

الأبعاد السايكولوجية في رواية (حفل رئاسي) .. وقائع غيرمروية عن مجزرة قاعة الخلد عام 1979

jamal alatabiيقيم الروائي سعد العبيدي صلة حميمة ومباشرة بين الواقع والعالم الروائي الذي يبنيه، وتتداخل العوالم وتتفاعل وتتكامل حد الإندماج في أحداث روايته (حفل رئاسي) الصادرة حديثا عن منشورات ضفاف، معرفة الكاتب وتجاربه الشخصية ورؤاه، وعلاقاته الشخصية مع زملاء المهنة أو أبناء مدينته الذين نجوا من المجزرة، تظل هي الباعث الرئيس لكتابة الرواية التي، أضاف لعنوانها الرئيس، (وقائع غير مروية من أحداث مجزرة قاعة الخلد عام 1979).

التعبير الرمزي في العنوان، توظيف (الحفل) ليحتلّ مساحة العمل الروائي توظيفاً فنياً، مازجا بينه وبين (الرئاسي) كاشفاً عن الدلالة الأشدّ بلاغة والأ كثر تعبيراً عن ذلك الواقع المريرفي العتبة العنوانية التي ظل يشتغل عليها الروائي كبؤرة مركزية للتعبير عن واقعة قاعة الخلد التي يتذكرها جيداً أبناء ذاك الجيل .كمرحلة مفصلية من تاريخ العراق القريب، لبناء الحدث الروائي.

من الصعب التعاطي مع النص على أنه عمل روائي يندرج ضمن شروط السرد كما وردت عند (لوبوك) في كتابه عن صنعة الرواية، علماً إن العبيدي سبق له أن أصدر روايتين كما تشير سيرته الإبداعية، إذ يرى لوبوك إن نجاح الرواية يكمن في خلق عوالم جديدة أمام الخيال، أوإنها العالم الذي (يبدع الوهم)، ونرتضي الضياع فيه بكل سعادة، الا إن المسألة تبدو أكثر تعقيداً حين يعود بالقول ليصف الرواية، إنها صورة للحياة، صادقة مفعمة بالحياة ومقنعة .

وعلى وفق هذا المعطى، يمكننا تجاوز إشكالية العنوان حينما ندرك أهمية ماقدمه العبيدي كنص بمستوى الحدث (الفاجعة)، قيمته الأساسية تكمن في دلالاته

السياسية والإجتماعية، وتعبيره الصادق عن عذابات الإنسان المؤدلج حزبياً، وهو مايريد أن يذهب إليه الكاتب في إختيار (حفل رئاسي) عنواناً لـ(روايته)، متجاوزاً عنصرالتخيل، فسعى إلى تقديم حالات إنسانية قائمة، فجّر فيها الحسّ الإنساني بأعمق تجلياته، وصوّر ثقل العذاب الذي ينوء به المرء، حين ليس بمقدوره إيجاد الحلول .ليتحول النص إلى عمل فني إبداعي يشدك إليه ويمنحك طاقة إستثنائية لمواصلة القراءة، وأنت مشدود الأعصاب حتى النهاية .ومن وجهة نظر أخرى، يتبادر إلى الذهن السؤال التالئ : هل يمكن أن يندرج النص ضمن مايسمى بـ (الرواية التاريخية) التي تشكل أدباً قائماً بذاته، وله قوانينه الخاصة، حسب تعريف (جورج لوكاتش)، لأنها تعكس وتصور تطور الواقع التاريخي، فإن مقياس مضمونها وشكلها يوجد في هذا الواقع ذاته المليء بالأزمات .لذا تفتقد الرواية الى عنصرجمالية الشكل، وإن كان عنصراً مهما في الكتابة، إن البحث في جمالية النص، توخاها الكاتب في مواجهة اللاجمالي في الواقع والتاريخ، انها كتابة ضد العنف والدمار الذي يستهدف الإنسان .فأقام الكاتب مشهداً سردياً من مستويات لغوية متنوعة، وتبنّى المشهد الأكثر درامية للدمار والتزوير الذي ألبس القاتل قناع البطولة، في مفارقة يبدولنا فيها مشهد الثأر هو المضمون نفسه .وتكشف لنا دراسة النص عمّا نوى الكاتب فعله، ولكن ثمة محددات منعته من ذلك فآثر الإفصاح عن أفكاره روائياً .

وجد الكاتب الطريق أمامه سالكاً نحو رفع الستار عن العالم الخفي، وعن الداخل المستور والمخابىء السرية، وهدف إلى فضحه والتنديد به، وإكتشاف أبعاده عبر تجارب الماضي والممتد الى الراهن واللاحق، ويسجل له سبق المحاولة الفنية وهي مهمة الرائي المتميزة، وإن تناول بعض الكتاب الحادثة برؤى توثيقية وتاريخية، فهو لم يماثل سواه، إذ مكّنه تخصصه الأكاديمي بعلم النفس، أن يغور بأعماق الشخصيات وهي تواجه الموت الحتمي لفعل لم يرتكبوه، بإتهامات مزورة وملفقة وباطلة إدّعت التآمر على (الرئيس)، وإسقاط نظامه، بعد أيام من تسنّمه مقاليد (الرئاسة) في مسرحية هزيلة، عُرض المأساوي منها في قاعة الخلد مكان (الحفل). حاور الكاتب شخوصه ( رفاق الأمس ) بأسمائهم الحقيقية : محمد، المشهدي، طارق، حليم، مرتضى، عايش، محجوب، غانم، وليد، عبد الخالق حامد، شكري، كردي، وغيرهم، أكثر من ثلاثين (رفيقا) يساقون الى الإعدام وآخرين بمحكوميات مختلفة، أصدرتها محكمة مضحكة من رفاق الهتاف والرعب والخوف من المصيرالمماثل .وفي الحوار كان الكاتب محايداً واعياً، منتمياً إلى عمله وشخصياته، لم يعلن إنحيازه الفكري لهم، يأخذونه بعيداً نحو ظلمة الزنزانات وأقبية التعذيب، نحوالأنفس المنساقة بشكل أعمى إلى الإحتراق المجنون .

قراءة هذا الإنموذج بما يحمل من أضداد، تتعلق بذاكرة حية توقظ الضحايا وتنسخ أرواحهم ثانية، ذاكرة لايسحقها النسيان ويدمّرها الغياب التام، هو ما يمنح النص حضوراً نادراً، فالعبيدي لايحول روايته الى تحريات مجردة، أو ملاحقة لنتائج تحقيقات، بل انها تحريات تبوح عن عالم يتعلق بالزمان والشخصيات، الأمر الذي يجعل من هذا العمل لوناً من ألوان التنقيب عن الخفي الكامن في النفس المعذبة، ووحشية رجال التعذيب، وفي العالم المحيط بهما بآن واحد، إنه يقود القارىء الى إيقاظ وعيه نحو معطيات الإستبداد وأدواته، وصناعة الديكتاتوريات، فيلزم نفسه في البحث عن الحقائق بصدق، وبما يوحي بالإثارة التي إحتلت موقع الإنتباه الاول .

يوظّف الكاتب تخصصه العلمي في تسليط الضوء على نمط التفكير المريض لمعد ومخرج (الحفل) ومساعديه، إذ يقودهم إنحرافهم النفسي والإجتماعي، إلى البطش بأقرب (الرفاق) والأصدقاء المقربين جدا، فإنشغل بكشف الأبعاد السايكولوجية لهذا النمط من الشخصيات والتوغل في أعماقها، ومن المؤكد أن في عقل الكاتب حضوراً لامعاً لمواصفات الشخصية (السايكوباثية)، المندفعة للعنف والعدوان بدون ضوابط، وهي أخطر إنحرافات السلوك السايكوباثي، يلازمها متعة في ممارسة القسوة والأذى، بكبرياء مريضة منحرفة تخدم أغراض التباهي والتفاخرالمزيفين، دون توفردلائل على الندم أو الشعور بالإثم، ولا خشية من عقاب يكبح جماح نزوات الإعتداء .

بإعتقادنا ان معادل الضد من (الحفل) يجد تفسيره في هذا النمط من السلوك، الرئيس يجمع كوادر حزبه من غير علمها بسبب الحفل، كان ذلك في قمة الأداء الدرامي، كما يصفه الكاتب رياض رمزي في كتابه (الدكتاتورفنانا)، عندما أعلن أن هناك مؤامرة اكتُشفت، وإن الجناة موجودون في القاعة بين الحضور، كان هناك (عضو قيادة) يرتجف أمامه وهو يدلي بإعترافات وهمية، ممارسة المتعة في مشاهدة إكتشاف البريء انه مجرم، وشغفٌ بمفاجأة الآخرين عن طريق إنزال الآلام بهم .إن الصورة الخارجية للواقع المأساوي كامنة في الواقع الروائي، الحقيقة الفنية الداخلية ذائبة فيها، مؤثرة في حركتها، بعد أن إستحالت أحقاداً وضغائن سرية وقوانين لاأخلاقية تبرر الجريمة، حلكة داخلية، حلكة الحدث والنفس البشرية، هي إمتداد لحلكة الواقع الكبير.

هكذا يبدأ الطاغية حكمه بعمل عنيف يشعر الانسان من خلاله ان عهدا جديدا قد حلّ، تُحرك فيه الحياة العامة كي يصبح الحدث قيمة بذاته، تسمح له اولا بتغيير الذاكرة الفردية، وثانياً بطبع الحياة العامة بطابعه الشخصي، تغيير الذاكرة بأعمال إستعراضية ومؤثرة (الحروب، الإضطرابات الكبيرة، عمليات الإعدام في الساحات العامة، الإغتيالات، التصفيات الجسدية، التهجيروغيرها الكثير).

إن حبكة الأداء هذه، منحت الكاتب فرصة النجاح في إختيار عنوان روايته، إذ لاسلطة تعلو على سلطات (بطل الحفل)، ومهاراته الفائقة والمطلقة في إعداد وتنفيذ وإخراج الحدث، ليدع المشاهد في حيرة السؤال :هل يمكن للفن الروائي أو الدرامي الذهاب أبعد من هذا الحد ؟ إنها حكاية تقتفي خطى رواة المغامرات الصارمين، وكتاب التراجيديا والكوميديا بكل أشكالها .

من المنصف القول ان سعد العبيدي أجهد نفسه في صياغة نص قوامه الشهادة بدل الرؤية، فالوقائع هي الرؤية، وهي مايشهد على التمزق وبداية الإنهيارات .

 

جمال العتابي

 

رواية (الفئران) تصوير فانتازيا الرعب

goma abdulahادب السجون، او روايات السجون، يطول الحديث عنه، ومهما كتب عن رعب السجون، فأنه لايشفي الغليل، بالهول الكبير بحالات من صور الانسلاخ والرعب والانتهاك البشع للقيمة الانسانية ، التي يتعرض لها سجناء الرأي من المعارضين السياسيين، الذين ينتهي بهم الحال  خلف القضبان، انها معاناة انسانية مريرة، من القمع والاضطهاد في دهاليز السجون، في حياة مغلقة ومظلمة منفصلة عن العالم تماماً . حيث يمارس بحقهم  ابشع انواع  الاساليب الرهيبة، من اسلوب التعذيب الوحشي، والحرب النفسية والمحاصرة الخانقة، في سبيل اسقاط السجين سياسياً، وانتزاع انسانيته وقيمه ومبادئه، بأن يصبح انسان مدجن هجين  بهرمون الصمم والبكم والعمى، هذا مصير من يتجاسر او يتذمر على السلطة الاستبدادية الطاغية، والسجون العراقية والعربية، في زمن الحكام الطغاة، مليئة بالصور والاحداث المرعبة من الاساليب الوحشية من الانتهاك . في سبيل الترويض والتدجين السجين  بالذل والمهانة والاذلال . ان عالم السجون عالم مظلم فضيع وبشع، في الخيالات العقليات  المريضة من المشرفين على السجون في تطبيق الاساليبهم المرعبة. وقد برزت الكثير من الرويات التي تكشف هذا العالم المرعب، الذي يقبع خلف القضبان وفي سراديب العذاب والموت، التي يواجهها سجناء الرأي، والتي توثق هذه الاحداث، حتى لا تكون طي الكتمان . نشرت عنه الكثير من الروايات . مثلاً روايات عبدالرحمن منيف في جزئي رواية (شرق المتوسط) . صنع الله ابراهيم في رواية (شرف) . مصطفى خليفة في رواية (القوقعة) . احمد المرزوق في رواية (تزمميمات) . الطاهر بن جلون في رواية (تلك العتمة الباهرة) عبدالمجيد الربيعي في رواية (الوشم) . فاضل العزاوي في رواية (القلعة الخامسة) . مارينا نعمت في رواية (السجينة) . وتطول قائمة الرويات العراقية والعربية، التي تصور وتصف، وتتوغل في ثنايا سجون التهلكة والمهالك، من نهج الممارسات التي تصاحب المعتقل السياسي، منذ اللحظة الاولى لدخوله بوابة السجن، بأن يكون تحت مجهر الاختبار والتجربة للقمع والتعذيب والمهانة، بحيث ينسى انه من فصيلة الانسان،  وله كرامة وحرمة، امام العقليات  الوحشية، التي تشرف على التحقيق، في الايقاع المزيد من  ابشع الوان الاذلال  والمهانة والرعب، بأن يتحول جسد المعتقل، لتفريغ الوحشي المريض، حتى يتحول الى جسد مشوه تعصف به الامراض، او يكون هيكل عظمي يئن من العذاب القاهر، من آلة التعذيب السادية، باحقر واقذر الاساليب بما فيها الاغتصاب الجنسي، بالحقد والانتقام من الضحية، التي هي بين ايديهم وتحت اقدامهم، ان هذه الممارسات الوحشية المرعبة، هي الخوف من الحرية . الخوف من كشف العورات النظام ، الخوف من الرأي الاخر، الخوف من تزعزع الكرسي والسلطة والنفوذ، ان هوس الغطرسة بجلوسهم على دفة الحكم والسلطة، يعتقدون بأنهم قادرون على تدجين البشر بالذل والمهانة ، حتى يكون يخاف من خياله ومن هواجسه، بأن يتحول الى مواطن لا شيء، سوى الطاعة العمياء، مواطن منتزع الارادة والرجولة . وحقاً وصفت زنازين الانظمة القمعية الظالمة، بأنها زنازين وسراديب الموت والجحيم . الذي يصطدم بها السجين السياسي . اضافة ما يعانية من الامراض والجوع والعذابات النفسية، التي تتحطم وتتكسر داخله، بالضياع والذل . ومحمد الماغوط يكتب عن تجربته في السجن فيقول (عندما دخلت السجن . احسست أن بداخلي شيء تحطم، ولم تنفع كتاباتي في المسرح والشعر والسينما والصحافة، على ترميم هذا الكسر) وكذلك تكتب مليكة محمد اوفقير، عن تجربتها في السجن عقدين من الزمان هي وعائلتها بجريرة ابيها الذي قام بانقلاب فاشل ضد الملك الحسن في المغرب، تذكر في روايتها (السجينة) (كم كنت اتوق الى الموت واشتهيهه،بأن ذكره يؤنسنني، وصرت اقضي الليل بأكمله . اناجيه) وما تعلمت بعد خروجها من السجن (علمني السجن، ان الانسان اقوى من الظلم والقهر والطغيان والحرمان والتعذيب والمستحيل) . ان فواجع السجن الفادحة، هي  شباب ممتلئين بالعنفوان والطموح والامال، لكنهم يغادرون السجن، تلوح عليهم الخيبة والضياع والاذلال، اذا نجوا من محرقة السجن، في جحيمه وعذابه، الذي يفوق طاقة التحمل البشر  ... ورواية (الفئران) للشاعر والروائي العراقي (حميد العقابي) بأنها تصور  الفانتازيا الرعب البعثي، بكوابيسها السوداء،   بأن كل مواطن يحمل معاملة وينتظر دوره (الحياة معاملات، وكل واحد ينتظر معاملته) وتدور احداث رواية (الفئران) باسلوبها الساخرواللاذع بالكوميدية السوداء . داخل احدى سراديب السجن تحت الارض، في زمن مجيء  البعث في انقلابهم العسكري وسطوع حظوظ (قائد الضرورة الملهم) ليحول العراق الى مختبر للجحيم والموت . فكان ثيمة الاعتقال والسجن لادنى شبهة، فيكون على الضحية ، بأن ينسى الحياة وبما فيها، فقد هبت جراوي البعث والامن  تتصيد المواطنين، في اماكن العمل . في الشارع . في غرفة النوم بين احضان زوجته، وصراخ ورعب اطفاله، فقد كانت كلمة (معارضة) محذوفة من قاموس البعث، لان كل عراقي يجب ان يكون خادم وعبد ذليل تحت اقدام (قائد الضرورة الملهم)، حتى تتكامل مقومات  الانصياع والطاعة العمياء، الى نوازع وجنون (القائد حفظه الله) . وحين تسلم قيادة الدولة والحزب، لم يسلم من جنونه حتى قيادة حزبه، الذي مارس بشاعة الموت بما يعرف (بمجزرة قاعة الخلد)، وتحولت منظمات الحزب الى زنابير القائد ، الى كتبة تقارير مزيفة ترفع الى الجهات الامنية، ليبدأ مهرجانات الاعدام، اضافة الى مطاردة الجنود الفارين من جبهات الحرب المجنونة، ليواجهوا الاعدامات الميدانية، تروي احداث الرواية على لسان بطلها في السجن، الذي يكرم بأسم (الواوي)، لان كل سجين عليه ان ينسى اسمه ولقبه، بمنحه اسم جديد من اسماء الحيوانات (حمار . خروف . عجل . غراب . ذيب . كُر . يربوع . جحش . ثور . بعير . بغل . عتوي . جريدي . زرزور . قرد . خنفس . ابو بريص ... الخ) ص 27 . حتى يفقد  السجين حساب الزمن، الايام والشهور، حتى لم يعد في مقدورهم تمييز وتفريق بين الليل والنهار . ومن اجل ان تطبق عليهم حياة الفئران ، حتى وجبات الاكل (قطعة جبن صغيرة ملفوفة بقطعة خبز، موجودة تحت مخدة كل منا ......... ألسنا فئراناً) ص31 . ويقفون بالاصطفاف العسكري الصارم، ساعات طويلة ومملة ومرهقة، امام الضابط الذي يتمعن ويتسلى في انتظارهم الطويل، بأن يتفحص الوجوه، ثم يتخطى بخيلاء كالقنفذ بزهواً وحبور، ويرفع هراوته في الهواء، بعدما ارهقهم بالانتظار الطويل، وفي شهر تموز الحارق من احل الاذلال الشديد، حتى كان كل سجين يتمنى ان يطلق عليه النار، حتى يتخلص من هذا الارهاق الثقيل . وعندما يشعر الضابط بالممل الطويل، تنطلق منه ضحكة عالية بنشوة النصر ويقول (أبنائي الاعزاء .... أنتم لستم مجرمين . أنتم مواطنون صالحون في هذا البلد العزيز . ويعلم الله كم انتم اعزاء على قلبي، وقلب القيادة السياسية الحكيمة، ولحسن حظكم، فقد وقعت عليكم القرعة . لتجري عليكم تجارب علمية، لمعرفة طاقة البشر القصوى على تحمل المهانة ........ كي تكونوا فئران تجارب . نعم . نعم فئران تجارب) ص 11 . ويحشرونهم في سراديب تحت الارض . لتمارس عليهم التجارب المختبرية، ليكونوا فئران حقيقية . فقد توقعوا السجناء بعد المسيرة الطويلة من اللف والدوران، بأنهم متوجهون الى الدفن في القبور الجماعية . لكنهم يكتشفون  بأنهم في سراديب تحت الارض . هكذا كانت وسائل الارهاب والبطش والتنكيل للمواطن، سواء كان خارج السجون او في داخلها، بواسطة الاجهزة الامنية، التي تراقب وتفحص كل شاردة وواردة . حتى اصبح المواطن يخشى من الحيطان، لعل فيها اذان تسمع، حتى بات يخاف من مداهمة الامن، حتى في غرفة النوم، او في المرافق الصحية، وكان يعيش تحت طائلة الضجيج من التهويل الاعلامي البغيض والممل والمفرط ، الذي يصلي ويكبر بالتعظيم، بالاسفاف المجنون، وبالابتذال المسخ، ليل نهار وهو يهتف بنفاق مريع (بالروح بالدم، نفديك يا عظيم) هذه  الحفنة المارقة التي  جاءت الى السلطة . وهم زمرة وعصابات شوارع، جاءوا الى السلطة وهم عدد محدود من الافراد، ولكن المصيبة رغم قلة عددهم، نجحوا في اغتصاب السلطة (على الرغم من انحدارهم من ارومة المزابل والنفايات . إلا أنهم أستطاعوا ان يسيطروا على البلد . بسهولة . منْ يسوق نعجة . هم انفسهم لم يصدقوا بسهولة تنفيذ انقلابهم العسكري . وسهولة انقياد الشعب الى ارادتهم) ص35 . ولم تمضِ شهور حتى استطاعوا ان يتسيدوا الشارع، لينفردوا وحدهم دون شريك لهم في السلطة، وكانوا يقطعون كل لسان يتذمر او يشكو، حتى اصبحت عبارة (لعنة الله على الظالمين) جريمة للاعدام وسبي عائلته واغتصاب عرضه . هكذا كانت حمى جنون (قائد الضرورة الملهم) اي يهون كل شيء تحت اقدامه، انها هستريا الجنون لشخص مريض ومعتوه نصبه القدر اللعين .  . وحين ينشب الخلاف والشجار بين السجناء، وهو نتيجة اليأس والاحباط، يصرخ بهم الشيخ جاموس، ليطفئ الخلافات بينهم  (ياناس ...  يا حيوانات . ماذا يفعل الله بنا، اكثر مما نحن فيه ؟ . وانه عاقبة سوداء، ينتظرنا بعد كل هذا العذاب) ص61 . وكان غياب كل سجين مادة للقلق والخوف واستفزاز للهواجس السوداء . فأما ان يكون غيابه بأنه نفذ حكم الاعدام به، او انه كان جاسوس متواجد بينهم ليتجسس عليهم ونقل الاخبارمنهم  . وحين تفتح  الابواب فجأة، يعني ارتكاب مجزرة جديدة . فقد يظهر  الجنود المسلحين ويطلقوا النيران دون مقدمات، وتسقط الجثث المضرجة بالدماء . وكانت عودة كل سجين بعد التحقيق، مطأطئ الرأس بذل ومهانة (يا جماعة اعتقد انهم وضعوا في الهواء والماء الذي نشربه، مادة قاتلة للفحولة) ص96 . ومن الممارسات الهجينة في بشاعتها الدنيئة، التي تمارس بحق السجناء، بأن يختاروا كل اثنين، احدهم بمواجهة الاخر، وحين تطلق الصافرة لبدأ مباراة السباق، بأن يبصق احدهم بوجه الاخر، او يبول احدهم على وجه الاخر . فالويل من يتهاون او يعارض، فأنه يواجه الجحيم الحقيقي، بحيث يكفربيوم ولادته، من الممارسات الحيوانية البشعة ضد السجين، بما فيها الاغتصاب الجنسي والممارسات الرذيلة والمهينة ، التي تفوق عقلية المجنون . وفي النهاية السجن، اذا واصل السجين  الحياة، بأن يحكم عليه بعدما نجحت تجربته بأن يكون فأراً حقيقياً (حكمت عليك المحكمة بالسجن مدى الحياة، باشغال الصمت الشاقة) ص130، وحين ينتهي من سماع قرار الحكم يهتف  (عاش القائد) .

والشيء الجميل ان تختتم الرواية (الفئران) في مقولة التي تدل على ان   . الانسان اقوى من الموت والطغيان . بأن يقف بطل الرواية (الواوي) (توقف عند ساحة الرئيس وتمثاله الحجري . بصقت عليه . بصقت . بصقت، ثم واصلت الركض . ودخلت الزقاق المؤدي الى بيتنا) ص 143 .

 

- رواية (الفئران) صادرة من منشورات الجمل . بيروت . بغداد . عام 2013

143   صفحة . للشاعر والروائي العراقي حميد العقابي

 

جمعة عبدالله

 

شعرية الخطاب بين التشكيل اللغوي والتمظهر البصري في قصيدة: وبكى الماء للشاعر العراقي شلال عنوز

khaira mobarakiمثلت قصيدة "وبكى الماء" إحدى  أهم أعمال الشاعر العراقي "شلال عنوز" . لعلها نموذج للقصائد  التي عدت منعرجا هاما وحاسما للكتابة الشعرية عنده . أو لعلها أقرب إبداعاته إلى نفسه.. ولأهميتها سمى  الديوان على اسمها ..وهي القصيدة العشرون منه، بعد العديد من القصائد التي عبرت عن هواجسه الوطنية... فبعد "أيها العيد الذي صادرته المجازر" و" مدائن من رحيل" و"هو وجع في جوف الليل " وغير ذلك من عناوين شملها الديوان.. تأتي القصيدة «وبكى الماء" وكأنها تختزل أقصى  ما حل بالوجدان الناطق من خيبات الواقع وانكساراته .. وأبلغ  مراحل  الألم والمعاناة ..لتغدو نموذجا للقصيدة الدرامية التي تحتشد فيها الصراعات وتحتد فيها المواقف ..إنه الصراع الذي يحتدم داخل الذات لينعكس على الموضوع أو قل يشتد وطيسه في وطن تبخرت  أحلامه بين  العواصف  الماجنة والابتكارات الدينية وفسوق المذهبية .. فبين الذات والموضوع مساحات فاجعة في نسيج النص تنبئ عن هموم داخلية من ناحية، وهموم المرحلة  التاريخية وانعطافاتها من ناحية ثانية لتنفتح على هموم الكتابة ومخاضاتها، وهذا ما  يجعلنا أمام فعل كلامي يتجه إلى توظيف العلامة  اللغوية في مستوياتها المختلفة: الصوتية والمعجمية والتركيبية والرمزية في ذات النص ..إنه نسيج كلام  وحوار بين العلامة والعلامة ..هو كيان مخادع ظاهره يخفي باطنه، يضمر أكثر مما يصرح..وهذا ما يجعلنا نتجاوز الحديث عن الشاعر والواقع  إلى  الحديث عن النص في علاقته بمتلقيه، حيث تغدو القراءة  ضربا من الجدل بين القارئ والمقروء ..وخاصة من خلال جملة من الثنائيات التي مثلت ركيزة هذا الخطاب ..هي بمثابة مفاتيح للفضاءات المحجبة .. وهو الشيء المميز الذي نلج به عالم النص..إنها ثنائيات الماضي والحاضر، الحلم والرؤيا، الواقع والمتخيل، البياض والسواد ال"أنا" وال "أنت"، الحياة والموت .. قد تعبر عن سقوط الحلم ومرايا الانكسار ولكنها تعلن اتساقا فنيا ونظاما في كيان اللغة وشعرية في الخطاب..

وأول ما يطالعنا في هذه القصيدة هذا التشكيل البصري لفضاء الصفحة وهو تشكيل ممتد فيه حشد من الكلام ترجم عن رغبة صاحبها في إخراج طاقة كلامية استرسلت استرسالا ووفاقا في دفقة شعورية، فيها تكثيف للمادة المنطوقة وصلت إلى ثلاثة عشر صفحة. تقوم على ثنائية أولى هي ثنائية العنوان والمتن .. وثنائية ثانية  أثبتها تقسيم وتفضئة بين لوحة أولى ولوحة ثانية يفصل بينهما نهر من الفراغ شاسع ..

فأما الثنائية الأولى فهي تقوم على نص أصغر هو العنوان ونص المتن..وبالنظر إلى البعد النحوي التركيبي فقد بدئ العنوان ب "واو".. وبالرجوع إلى استعمالاتها الثمانية كما جاءت في كتب النحو القديمة فهي "واو" الاستئناف على نص غائب..قد يكون نصا شعريا افتراضيا أو مكتوبا وقد يكون هذا الذي أمامنا..ولكن قد يتجاوز النص إلى ما بعد النص ليعلن  الشاعر عن أسن الواقع وانكساراته في قصائد أخرى  في الديوان أو من خلال القصيدة ذاتها، لتصل الأمور  إلى أقصاها حيث بكى الماء .. وهنا يظهر البعد البلاغي  القائم على  التأويل فيوحي "الواو" بوضع كارثي فاجع تصل فيه  الأمور حد أن يبكي الماء ..كائن آخر غير الإنسان يمكن أن  يبكي، كل عناصر الوجود تقف ساهمة ..بذلك يوقفنا السياق إزاء صورة فنية تنبني على استعارة مكنية  قائمة  على التشبيه المبني على التشخيص فيشبه الماء بالبشر الذي يبكي لأنه  وحده من يتأثر وينفعل باعتبار أن لفظ "بكى" هو بالأساس فعل يترجم  حالة  شعورية انفعالية، وهو التعبير الفيزيولوجي عن حالة الحزن  واليأس في الغالب ..وبكى الماء لغة تعصف بمعقولية الأشياء فكيف ينسكب الماء من الماء؟ هذا هو الواقع الذي أعيته لغات الأرض في التعبير عنه .. فاستدار إلى كل صوب يستعير لغته حتى وصل لغة الماء لعلها تقوى على التعبير..وهاهو الواقع  يصحو من باطله فيكشف فظاعة الخديعة والوهم ..ولكن .. بكى الماء لم  يصمد أمام انكسارات هذا الواقع ..نزيف  الدم على عتبات الوطن أقوى من أن يحتملها كائن ولو كان جامدا.. لم يبق أمامه إلا أن يستغيث على بوابات قهره.. وآلامه القاسية  التي  لا ترحم، وليس لجراح الحياة من بلسم سوى الدمع النازف من المقل..إنه تعبير عن واقع دميم، دام ..حاضره يحيض  وماضيه ملوث ..يريد أن يغتسل منهما ويشفى..بذلك فبكاء الماء قد يكون مقدمة لخيبة .. فالماء رمز للخصوبة والانبعاث في قوله تعالى "وجعلنا  من الماء كل شيء حيا "، وكأن  عشتار من تبكي على فناء الجمال واندثار  الحياة والموت، فيبكي  بملح الرمل ويولول في الفضاء، تصفعه الخطى المخذولة البلهاء في الطريق المفجوع بالحواجز والموانع ..ولا  يبكي وحده بل  استعار نائحات باكيات من عناصر الوجود الأخرى..لقد شاركه  الرمل:

كل ذرة رمل

تريك مصرع  عشقها

تنتحب  باكية هذا

الانهيار

الانحدار

هذا المأزق المريع

والسماء:

عشية يوم بكته السماء

وحدك تبكي

دما

وجعا

صارخا:

أين الوطن؟

كما شاركته النار:

لا أحد يحس

بهذا البركان الذي

يتفجر في أعماقك

يستعر زفيرا

مدنا من لهب

يتأجج ولا مدى

لحدود حرائقه

إنها العناصر الأربعة لكسمولوجية الكون (الماء، الأرض، الهواء،النار) كل عناصر الوجود باتت متحفزة لهذا الحدث الجلل وأي حدث أعمق وأخطر من أن تنتحر الجنادل وتنوح النوارس على الوطن المفجوع ؟ وما أعظم من أن يتشيطن الغدر على أديمه وتنتحب  الرمال على مصرع عشقها ويتهاوى النازفون المتخاذلون الملتاعون من نحيب الضوء .. الرابضون على هسيس  الفواجع يتناسلون من الحوافر المنكسة .. إنها قلوب تشرئب صوب العواصف المتعبة بنبيذ الكثبان المترهلة من ريق العطش .. ولم لا يبكي الماء؟؟؟؟ فالفرات صادرته الدماء  ورقصت على أديمه نياشين (الجنرالات) واستباحت أجرامه المحرمة وغزت وطنا مركوما  للضجيج ..لقد بنى الشاعر خطابه على أساس علائقي جديد وكأن فوضى الأشياء في هذا  الواقع الفاجع جعله يعيد  ترتيب نظام اللغة ويقدم  تشكيلا جديدا للعالم والأشياء ينفصل عن الواقع ويذهب في اتجاه أفق  يبقي  على احتمالات القراءة .. وتأكيدا على هذا  البعد العلائقي يبسط العنوان ظلاله على النص ويحدد هويته، بهذا فما يطالعنا في هذا التشكيل الممتد جملة من الوحدات البصرية القائمة على بنية مخصوصة أقام من  خلاله عالما متموجا منخرطا في فضاء مكاني إيقاعه البياض  والسواد،هو  أشبه بجدول ماء ممتد وفقا لتكسير خطية البناء الشعري  والنزوع إلى التموج من خلال حركة الأسطر التي  تتحول بفضل التقلص والانحسار تارة والامتداد والتراجع طورا.. مما يجعلها قائمة بين  المد والجزر ..وهذا من شأنه أن  يجعل النص لوحة تشكيلية أو هي صورة بصرية يتوارى فيها المدلول وراء هيمنة الدال:

لا أحد يحس

بهذا البركان الذي

يتفجر في  أعماقك

يستعر زفيرا

مدنا من لهب

يتأجج ولا مدى

لحدود حرائقه

الموغلة في صمت الغابات

أنت وحدك

تصفعك الخطى المخذولة

البلهاء

في  الطريق المفجوع

بالحواجز

بالموانع

بالعسكر الذين لا ترى

في وجوههم وطنك

بهذا  تنزاح الأسطر عن مواقعها الأصلية وكأنها تتحفز للفراغ والصمت وهذا ما يجعلنا نقف على إيقاع البصر الذي  يعاضد الإيقاع السمعي ليكشفا عن خبايا الذات..فنظام الأسطر  يعلن عن حركة الماء وهي حركة  متمهلة، متباطئة، متعبة، مخذولة، مثقلة بالمآسي .. إنه ماء يحتضر في سيره لعله إشارة إلى هذه الحياة التي تطل على الفناء وتعانقه.. بهذا فقد بدا هذا النص متحررا كالماء يجري لا نقف له على أثر..متحرر من كبت الذات المتلفظة، تلفظ أنفاس  أبجدية مجنونة لعله صوت الرحيل إلى دنيا الغياب  ..رحيل من  جنون الحرب إلى جنون الكتابة .. ويعبر عن ذلك بلوحتين ونصين من مدونات سنة ثلاث وألفين  أشار  إليهما بالرقمين (1) و(2) ..قد تكون العلاقة بينهما علاقة تراتبية، زمنية أو مجرد تواتر فرضه السياق .. لكن ما يشدنا أسلوب الشاعر بين اللوحتين  رغم أن الظاهر يفصح عن  توافق كلي في  معاني اللوحتين ..فقد غلب على اللوحة الأولى الأسلوب الخبري وتعلق هذا الإخبار بضمير المخاطب "أنت" وهو في تقديرنا بمثابة الحوار الباطني ولكنه مكتوم لا صوت  فيه إلا خطابا لا يتعدى حدود  الذات  الناطقة .. وهذا الخطاب من شأنه أن يضفي حركية في مواجهة الذات وحرية أكثر في البوح من ناحية . ومن ناحية ثانية يعطي للغة شاعرية أكثر  في شحن الوجدان والإفصاح عن أغوار النفس في تشنجها وانبساطها وفي  تقوقعها وانغلاقها وغربتها .. وهذا ما يجعلها ترقى عن مجرد الإبلاغ إلى وظيفة تأثيرية تعتمد آلياتها الخاصة لتفرز ما يعتمل في ذات الشاعر من مرارة وانكسار..فقد بدت الوحدة الأولى بمثابة البركان الذي يتفجر في نسيج النص  يخبر به  الشاعر عن صخب هذه الذات وضجيجها في علا قتها بالموضوع والعالم الخارجي ..فيتكثف الخطاب عبر مخاطب يستثيرنا وجوده  فمن هذا الذي  يخاطبه  الشاعر ويرصد حركاته وسكناته؟ قد يكون ال" أنت" المخاطب: الوطن أو الماء كلاهما  وجهان لعملة واحدة.. فالماء هو الوطن والوطن هو الماء إذا ما اعتبرنا الماء ضربا من المجاز المرسل ولعل الماء ليس المقصود بالخطاب بل يشير به إلى نهري دجلة والفرات إذا فهو مجاز علاقته الحالية، أطلق فيه الحال وأريد به المحل:

من يبكي معك؟

أنت ضحية

جنون السلطة

وقد يكون هذا المخاطب أنا الشاعر..فكأنه يصف نفسه وهو يكتب أو يفكر في هذه القصيدة يسير على غير هدى.. مهزوما يضيع به الطريق ويبتلع صراخ المواسم..يتسكع بين الماضي والحاضر  ..وينزف بجراحاته على موائد  الوجع ومخاضاته .. وهو يواجه العدم ..وكأن القصيدة تحكي ذاتها وظروف ولادتها وهذا أمر طريف..فالقاعدة هي أن ظروف نشأة النص يعلن عنها من  خارج النص الإبداعي غير  أن الشاعر قد يكون كسر القاعدة وأطلق  العنان للقول الشعري أن يعلن دون قيد عن كل الملابسات التي حفت به، بهذا قد تصبح القصيدة سجن الشاعر أو ملاذه وتتحول إلى طرف فاعل فيه، مؤثرة .. بهذا تحتشد هذه اللوحة بكل معاني الانكسار والهزيمة موصول بالغضب ليعبر عن ذاته وقد اكتوى بنار تجربته وغربته فاستوى سعيرا وبركانا يتفجر، يستعر زفيرا وتتأجج حرائقه فشرع يصور عوائق وحواجز الآمال التي تصفعه خيبة باستحضار مشهد الاحتلال:

(....)

بالعسكر الذين لا ترى

في وجوههم وطنك

(....)

تحت سرف دبابات

الليل الغازي

ومشهد السلطة وما يحيط بها من صراعات وفتن و جنون إنها الحياة  السياسية التي تملأ الدنيا ضجيجا وخداعا فكل ما فيها زائف مغشوش، إنه نفق الساسة ،نفق آسن ..فهم مجرد رحل  ظاعنين مسافرين عابرين لا يعنيهم الوطن إلا بمقدار ما يفيدون منه ويرضعوا من ثديه:

أنت ضحية

جنون السلطة

نياشين (الجنرالات)

الهتاف الفارغ

إضافة إلى الفتن  الداخلية وهذا النزيف الجماعي الذي تغذيه الصراعات الإيديولوجية .. كل شيء يعبث فيه السواد وتنتحر على عتباته الأماني..ويستغرق الشاعر في تصويره المتدفق كأنه لا يريد أن يتوقف فيعرض مشهد الهزيمة بكل تفاصيلها ويستحضر صورة الجيش العراقي وكأنه يقف على أطلال مجده:

أنت أمام كارثة

الهروب الجماعي

وبقايا جيش تبخر

عشية يوم بكته السماء

هنا يعلن الشاعر صوت الهزيمة إنها صورة الجيش الذي كان من أقوى الجيوش العربية يتبخر ويتلاشى بذلك فنصرة العراق غابت بين لهيب الفتنة وشرارة الشعوبية.

أما اللوحة الثانية فيتحول فيها الخطاب من الخبر إلى الإنشاء ومن المكاشفة إلى  المحاسبة،فتتدرج فيه حالة الشاعر إلى الانفعال والتوتر لتنشأ دينامية في الحركة النفسية من عرض الواقع وفضحه إلى التأثر به  ومخاطبته ..وهذه الدينامية  تقترن بصيرورة الذات المتلفظة نحو إعلان المحاسبة  وهو إعلان عن أقصى ما وصلت إليه حالة الشاعر من وجع  وألم ..لذا فهو يتجاوز كونه مجرد إنسان متقوقع في المكان إلى شاعر ملتزم بقضية وطنه،  ولكنه يتجاوز الحاضر ليعود إلى التاريخ والأسطورة ويجعل من الراهن حلقة من سلسلة صاغ الماضي ملامحها.. ويصبح هذا الواقع مطبوعا بانفعالاته ويجعل من صوته حقيقة يدعمها التاريخ وتصدح بتفاصيلها الأسطورة التي رتقها الزمن وأعادها إلى الحياة:

أيها الماء

لا تكترث لهذا اللغو

الهمجي

فصوتي هو الحقيقة

الآتية من

أعماق بابل

تشظيات  كلكامش

وجع علي

حرارة دم

الحسين

لقد استحضر هذه الرموز في شكل من التقمص فالماضي هو الحاضر والحاضر هو الماضي.. كل يرتدي حلة الآخر وكأن القتل والاغتيالات باتت جبلة في العربى،وتراثا تتناقله الأجيال،هدير الموت الصاخب الذي يعصف  بالواقع العقيم والدميم الذي  تنشق فيه  الشمس ويصلب النهار، ويضيع الطريق ..يصبح الوطن بلا بندقية وحراسه يهربون عراة بأول مواجهة وأول صافرة لص دخيل ..إنها صورة الخيبة والانكسار والخيانة: خيانة داخلية وأخرى خارجية،كما في اللوحة الأولى ولكن يعلنها صراحة  بنداءاته التي أخرسها الصهيل .. وآهاته المرهقة بالعويل.. المشطوبة بالرايات  المنكسة ..بصفير الريح  .. بياءاته  وتمهلها التي تحلم بالإنعتاق وتخرسها الأهازيج .. فينهار الحلم ويتحول التاريخ والأسطورة إلى بعد سياسي.. وتتحول مواجهة الموت إلى مواجهة أبدية وهذا ما يدعم الحس المأسوي في القصيدة..فتغدو رثاء للوطن من راث انغرس سكين  الهزيمة في قلبه ليعلن نزيف الذات ..فيقترن  الزمن بالوجع  والعتمة وحفيف الغربان:

هذه الغربان التي

حفت بها شرور

أزمنة الضياع

تجوب سماءك مستهزئة

براياتك المنكسة

وهذه الغربان قد تكون رمزا للشرور والضياع أو لعلها صورة الفجيعة الصامتة..ويمكن أن تشير إلى طائرات الاحتلال... ويرتبط الماء بالعطش:

لماذا  نحن بلاد

من عطش؟

أنهار بلا ماء؟

كما يربط الماء بالبندقية:

أيها الماء الخالد

هل رأيت وطنا بلا بندقية؟

وتقترن الحياة بالموت:

هل رأيت أمة

تذبح البراءة

ليتناسل الإجرام؟

والمقدس بالمدنس:

لماذا نحن دون  خلق

الله

نصفق للأشباح

ننشد  للمهزومين؟

نقدس طغاتنا

نظفي على القاتلين

العصمة.. والعظمة؟

والطهارة بالنجاسة:

أجبني أيها الماء الخالد؟

هل  رأيت أمة

تتوضأ بالدم؟

والحب بالكراهية:

تنشئ مصانع

للكراهية؟

تقاوم الحب

بالسلاح لتصادر

الأمل؟

بهذا يعلو الندب ونغمة الفقد في نسق عجيب من الشجن والقنوط تكونه سلسلة من الأسئلة المتلاحقة التي تخرج عن وظائفها الأصلية لتؤدي وظيفة فنية هي التعبير عن المشاعر الباهظة التي يرزح الشاعر تحت وطأتها.. بكل ذلك تتشكل شعرية الخطاب التي يتعانق فيها التصوير بالتعبير.. والمنطوق بالمرئي.. والذاتي بالموضوعي .. إنها قصيدة الثنائيات..وهذا ما  شكل الإيقاع  فيها .. ويكون بذلك شاعرنا قد وازن بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، لأن هذه الصور والتراكيب، وهذا التحول من الإخبار والتقرير إلى الإنشاء والانفعال إنما يضفي إيقاعا موسيقيا،وأجواء متغيرة، تغير النفس المتلفظة بأوجاعها ومرارتها، يثوي بين أعطافها ..وهذا  ما يؤكد وشاجة الصلة والعلاقة بين إيقاع السمع وإيقاع البصر.. ويتأكد وقعه ويزيد من  خلال هذا النسق التصاعدي على مستوى الأصوات التي يعلنها التحول من الهدوء إلى الانفعال ومن الصمت إلى اللغة ..ولعلها دعوة ضمنية إلى الإفاقة بالحلم من خلال هذه الكلمات التي تجيء حبلى بالرفض في فضاء المثلث الإيقاعي:البصر والسمع والصورة..بهذه الأنساق التعبيرية يعلن صوت الرحيل إلى بنية الغياب ، رحيل من جنون الحرب إلى جنون الكتابة ..بهذا  فما يطالعنا في قصيدة الشاعر شلال عنوز منظور إبداعي شعري تتمرد فيه الكتابة على انتظامها وفق أسس وقواعد مأنوسة وتمنح للمتلقي حرية القراءة التي تذهب بدورها في أكثر من اتجاه ..إنه نص بمستوى تركيبي علامي، يحدث أنساقا  بصرية تستلزم شروط تقبل متميزة ..ولئن انتهت هذه الدراسة كتابة،  فإنها تبدأ انشغالا وتفكرا في إمكانيات جديدة للتناول والقراءة ..وهذا سر الإبداع فيها ..قصيدة ملحمة تحكي مأساة شعب ترهلت آماله وانحنت..ولكنها ولادة للإبداع والتألق وعشق التميز ..والماء  في القصيدة قد يكون شلال عنوز  بما في الاسم من تورية ..ومن بكى فهو الشلال الشامخ ولكن من بكائه إخصاب لفعل اللغة  بشكل عاصف، يعصف بمعقولية الأشياء ويبني قوله الخاص به .. يحكي  ذاكرة وملحمة تاريخ فيتناغم الدال والمدلول  لتجديد آليات اللغة والنهوض بالقصيدة ...

 

الناقدة والتشكيلية التونسية: خيرة مباركي

 

عندما تتحول الأشجار الى قصائد

905-saadقراءه في ديوان (اشــجار خــريف موحــش) للشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف.

ونحن نقرأ قصائد ديوان (اشــجار خــريف موحــش) ونمر عبر فضائها الشعري نتسأل هل القصيدة رؤيا صوفيه لا حدود لها

حين أتخذ الشاعر من فلسفة التأمل أساساً منطقياً يرتفع عليه بناء تجربته الشعرية او الصوفية بالتعبير الأسمى, وابتكر من الصورة ما يفيض عنها بقية المعاني فهي تنمو وتتكاثر وتعبر عن نفسها بشتى التجليات فتغادر المستوى الشعري الى فضاء التأويل كلوحة تشكيلية شعرية لها قدرة إيحائية عالية بقصديه التعبير عن ذات الشاعر وتأثيره على المتلقي , فهي قصائد تنتمي الى طبيعة الشعر وروحه الحقيقية

 

اسلوب الشاعر

905-saadففي هذا الديوان يحقق الشاعر إيقاعات عذبة ومدهشة , حين يجعلنا نرى الشجرة ونتأملها من خلال فكره وابتكاراته فکل شيء لديه يبدأ من الشجرة وينبعث منها ليبدو كقصيدة وجدت لتحيا ثم لا تموت ؛ فالشجر قصيدة بإيقاعات متعددة , وهذا هو ما يناسب أسلوب الشاعر في كتاباته ويطابق حدسه وتوجسه وما يشعر به

فمن عتبة الديوان الى الأهداء يضعنا الشاعر أمام خسارات وخيبات أتت بعد انتظار فالصدور المشرعة للرصاص أملا بربيع مبهج وجدت نفسها في خريف موحش

ففي قصيدته مرثية لسائق الغمام والتي استهل بها الشاعر

ديونه نجد ان هناك فقدانات كثيرة مثل زمن مفقود ,كف الرحمة التي لا تستجيب للدعاء , ارض أصبحت يباب بعد ان تكاثرَ فيها المحلُ ووَلجَ الخنجرُ في خاصرةِ الحلم ِ

فيدون الشاعر مرثيته لسائق الغمام والمرثية تعبير عن التوجع والإشفاق على شيء ذهب ولن يعود

" منذُ زمانٍ كنا

إذا ما وَلجَ المَحلُ

بخاصرةِ الأرضِ

خرجنا

نرفعُ كفَ الرحمةِ

فيجئ الغيمُ، المطرُ،

الخبزُ

يفيضُ النهرُ، وتعلو

سنبلةُ الأرضِ، وتنأى أشلاءُ الليلِ ,

بقاياهُ الرثّة "

بينما هو يرتل فجيعته على مقام الخسارات تكون كلماته دونت ما نشعر به وأرخت لتاريخ شاحب من الحزن العميق الذي يرافقنا كنواح ليلي فيكون ولوجنا لهذا العالم نوع من الفقدان

"حين وُلدتُ

" لم أخرجْ بمشيمة "

- قالت (قابلتي المأذونة):

بلْ كانتْ سلة ً

لخساراتٍ وليدة

هكذا .....

كلما سرت ُعلى هديِ النجوم ِ

وُلدتْ ألفُ خسارة، "

يرتفع بناء النص لديه من ثيمته الأساسية الأشجار , فتحضر الأشجار، ويحضر اللون الأخضر، لا بوصفهما المرئي بل بصفتهما المطلقة كسيمياء للقصيدة ,ثم تتعدد مراكز الحدث الشعري حسب تدفق الأفكار في حوار داخلي والاسترجاعات للأشياء المفقودة التي كانت موجودة سابقا او ما كان يحلم به الشاعر على اعتباره واقع ممكن التحقيق

فالترتيب للنص حسب ما أتسع به أفق الشاعر والذي طوره فيما بعد بفيض الصور واستخدامه الاستعارات والتشبيه :

فترى ... " الأرض قبضة الله "، او ... " ترف سنبلة تنوء بحملها"

او نجد ... " المدى صبحٌ،وإمساكٌ عن الصيامِ "، و" الشمس سيدة النهارات " او " تلويحةَ القمرِ المعذّبِ في المحاقِ "

الإيقاعات الموسيقية

نجد أن هذه الصور حافلة بالإيقاعات الموسيقية الهادئة والحزينة عبر تدرج ألوان الخريف الذابلة والأشجار وهي تتعرى تحت سياط الريح كم هو حزين ومؤلم أن تجد نفسك بعد الانتظار الطويل خارج الربيع في خريف موحش، والشاعر اجتهد ليعطي إدراكا مركبا يمتزج فيه التفاؤل بالأمل والحزن الذي يختبئ عميقا في ثنايا الروح :

" آه يا حزنيَ،

المولودَ .. من جمرِ الخسارةِ،

خساراتي ... غيومٌ غيرَ ما يبقى

قميصٌ ... مزقتهُ الريحُ

فوقَ أشواكِ الخريف ِ

كفاه استغاثات ِالعصورِ "

في قصيدة قبل أن يُلقيَ إلى البحرِ شراعَه يتأمل في وجه البحر في هذه اللون الأزرق الشاسع ويغمض عينيه في زرقة عينيه ويلقي الى المطلق أشرعته :

" أغمضتُ عينيَّ على

زرقةِ عينيهِ

وألقيتُ شراعي

ربما أحيا هناكَ

وبعينيَّ

سأرنو ما حييتُ

صوبَ بيتي الحجريّ

باحثاً عن جذعِ سروة

أمِنَتْ سرَّ حروفي

وجهَ من أحببتُ

وتواريخَ عتيقة

غيرَ أني

كلُّ ما أخشاهُ أن

تُنكرَني الأسماءُ

من حزني

أموتُ . "

وفي قصيدة " أشجار خريف موحش " والتي أختارها عنوان لمجموعته يبتكر الشاعر صوره معتمدا على خياله الابداعي القادر على التخلص من أسر الرتابة، وعلى العروج نحو لحظته الشعرية , مستلهما بيئته وهذا يدل على الجهد الدؤوب للشاعر وحرصه على اكتمال لوحته الشعرية، واقتناصه للحظته الانفعالية المنفلتة والمتمردة في علوها، وإخضاعها الى رهافة التعبير واللغة الحرة المحتفظة بعناصر اللغة الطبيعية الصافية :

" عند ضياءٍ

يُوصف " فجراً "

وصلنا كتفَ كتابِ البحرِ

نثارُ زوارقِنا يطفو خشباً أدماهُ الموجُ "

فهذه اللوحة الفنية التي اختصر بها هذا الأفق الشاسع من الضوء عند حافة الفجر الى زرقة البحر في مداه البعيد هو الحياة ثم هذه الزوارق وهي الأيام ثم هذه التحول الصادم للموج الذي يدمي نثار هذه الزوارق التي لطخها الموج الأزرق بتحوله الى اللون الأحمر، واتساءَل أي موسيقى سترافقنا ونحن نقرأ هذا اللوحة الشعرية ؟

هذا المشهد محملٌ بالدلالات التأويلية بقصديه التحول الى المقطع الصادم الثاني وهو ما أراد الشاعر أن يهيئنا اليه لنجد رؤوس الأطفال المذبوحين وسنعرف حينها لماذا موج البحر أدمى نثار زوارقنا ...

" .... ......

رؤوسَ الأطفالِ المذبوحينَ

بنهمِ نبيٍ كاذب،

عيوناً ترنو ...

أبعدَ من مملكةِ الضوء ِ، "

وذا تأملنا القصيدة عبر صورها وإنزياحاتها البديعة سنجد أنفسنا داخلها كمن يرى وجهه على صفحة الماء نحيا بخوف اللحظة وقد تحولنا الى أشجار في خريف موحش :

" بخوفِ اللحظةِ

بالأجنحةِ المكسورة ِ

بأغانٍ ... يتشظى الصوتُ

إذا غنتها النايات ُ.

بنهاراتِ ربيع ٍ

أضحتْ

أشجارَ

خريفٍ موحش .!!! "

الأنا الشعرية

رغم أن الأنا الشعرية حاضرة إلا أننا نجد أن الشاعر قد توارى خلف نصوصه تماماً فهو سيتجلى هنا في صورة شجرة او أشجار ؛ يعرض نفسه على شكل قصيدة او شجرة سيان لا فرق لديه

ليلغي الخاص ويذهب نحو العام،

ثم يستفيق النخل من غيابه , وتعشوشب الكلمات , وتنتشي رئة الطين , فيتذكر الحروف الأولى التي دونها كلكامش لتغدو ملحمته كتاب الحياة ,ويبدأ النسغ الصاعد يدب في أشجار الخريف لتعود الحياة مرة أخرى فأشجار الشاعر لا تموت ابداً .

لغة النص

إن لغة النص وصوره هي الصيغة المثلى لتجسيد فكر الشاعر حيث يأخذنا الى حيث يريد ,فعلى صعيد الرؤية الشعرية نستطيع أن نكتشف عمق الدلالة الإبداعية التي أحدثتها هذه النصوص على صعيد التعبير الشعري ,وسطوع الفكرة لدى الشاعر سعد ياسين بقصديه لما ستؤول إليه تجربته الشعرية أو رؤيته التي تنظم علاقة الأشياء مع بعضها بعضاً لتقدم رؤية جمالية لحركتها دخل النص سواء بالايقاعات او تدرج الألوان الذي سيرافقنا عبر لون الخريف الشاحب وأشجاره الصفراء والجرداء والتي سوف يجعلنا الشاعر نشعر بإحساسها , وكذلك بالخريف وهو يعاني من انتظاره الموحش والمخيب للآمال .

وهنا تكمن شاعرية الشاعر سعد ياسين فحدسه يقوده إلى جوهر الشعر، والى روحه الحقيقية بحكم ثراء مخيلته وامتلاكه

تلك النزعة الفطرية للرسم بالكلمات لتجسيد الاحساس حيث يجعل المعنى يتصل بالشكل دائماً .

 

ناظم ناصر القريشي

 

 

الروائيات العربيات يحلن العلاقة الحميمية ضربا من العنف والعذاب

alkabir aldasisiعندما توصلت بدعوة المشاركة في الملتقى الدولي الذي تنظمه مؤسسة الكلمة للثقافة والفنونتحتمحور "تمثلاتالعنففيالسرد" استسهلت الأمر في البداية، وقلت مع نفسي لم يطلبوا إلا الموجود، فلا شيء أوجد في حياتنا وكتاباتنا من العنف، وتساءلت لماذا البحث عن العنف في السرد أما يكفينا ما في الواقع من عنف، ولم البحث عن تجلياته في السرد ونحن يكفينا إلقاء نظرة ذات اليمين أو ذات الشمال لتتجلى لنا مختلف تمظهراته في الوقع لدرجة غدا يحاصرنا أينما حللنا وارتحلنا، تمطرنا به وسائل الإعلام أبابيل من سجيل، ينبث في شوارعنا كالفطر حتى أصبح يشكل جزء من هويتنا والمحرك لحضارتنا المعاصرة ... لذلك ولو كنتم طلبتم منا البحث عن الفرح وتجليات السعادة في السرد لعز الطلب ..

 لكن ما أن جلست للتفكير في الموضوع حتى شخصت أمامي الأسئلة من كل فج عميق : لماذا العنف وليس الصراع في السرد؟ ما الفرق بين المفهومين؟ ما المقصود بمفهوم العنف في السرد؟ هل المقصود البحث في السرود التي جعلت العنف تيمتها الأساس وكان العنف محورا لها وحاولت انتقاده والبحث له عن حلول ؟ أم هل السرود التي تمارس العنف على المتلقي بكل الوسائل المادية والمعنوية ؟ أم هل المطلوب السرود التي عنف الأشكال الموروثة وحطمت قدسيتها في الشكل واللغة وطريقة التصوير .. ؟؟ وعن أي نوع من العنف يبحث هؤلاء المنظمون للملتقى؟؟ .. عنف من وضد من ؟ من المعنٍف ومن المعنَّف في سرودنا؟ وهل ناقل العنف (الكاتب/ السارد) معنٍف أم معنَف ... ؟ ناهيك عن الأسئلة المتعلقة بتعريف العنف، وأشكاله، وتعريف السرد وأجناسه ....

لا أخفيكم أنه بعد أن حاصرتني كل هذه الأسئلة خامرتني فكرة الرجوع لإحدى الروايات التي سبق لي قراءتها أو الكتابة عنها والبحث في إحدى الدراسات التي سبق لي نشرها حول العنف في أدب السجون وروايات الاعتقال، وأدب سنوات الجمر والرصاص في المغرب، أو أحدى روايات الاستعمار .. أو إعادة ترتيب بعض المقالات حول بعض الروايات كان العنف حاضرا فيها بقوة وكتبت عنها فور صدورها أو تتويجها بإحدى الجوائز ك (فرانكشتاي في بغداد) لأحمد السعداوي حيث الأشلاء والدماء تنبعث من السرد، أو رواية ترمي تشرر ليوسف الخال التي تمحورت حول تلذذ بعض الأمراء في بلاد الحرمين الشريفين في تعذيب منافسيهم بطرق لا تخطر على بال،

أمام كثرة الأسئلة وجدتني في مواجهة سرود كثيرة حكت عن عنف مارسه الأفراد في ما بينهم تحت وطأة الحاجة والفقر، أو مورس عليهم لإخضاعهم وإسكاتهم فتمطط الموضوع أمامي وغدا هلاميا لا شواطئ له وأصبحت صورة الكتابة عن العنف في السرد أكثر ضبابية .. فكان لا بد من تسييج الموضوع، والتحكم في رسنه لتوجيهه نحو هدف محدد.. لذلك أثرت أن تكون هذه الكلمة تحت مظلة مؤسسة الكلمة تركيبة أكثر منها تحليلية.. ودراسة سانكرونية ستاتيكية أكثر من دراسة تاريخية دياكرونية، فحصرت الموضوع في الرواية دون غيرها من السرود الأخرى، وضمن الرواية حددته في مقاربة المرأة للعنف لأقف عن نظرة المرأة العربية للعنف ضد المرأة ...معتقدا أن الموضوع أضحى محددا لكن ما أن بدأت في البحث عن تعريف مفهوم (العنف ضد المرأة) حتى تشعب الموضوع أكثر و تناسلت أمامي التعريفات والتزاما بالوقت المخصص للمداخلة سأقتصر على تعريف واحد للعنف ضد النساء هو التعريف الصادر عنالأمم المتحدة، باعتبارها أعلى هيأة أممية وكل الدول الأعضاء فيها ملتزمون ومتفقون على ما يصدر عنها.. فقد عرفت الجمعية العامة للأمم المتحدة العنف ضد النساء بأنه(اعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس، والذي يتسبب بإحداث إيذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات، سواء حدث في إطار الحياة العامة أو الخاصة."

لكن ما أن وضعت هذا التعريف على روايات النساء محاولا استقصاء معانيه وتجلياته في الرواية النسائية العربية حتى تمطط الموضوع أمامي أكثر وغدا من المستحيل تطويعه في مداخلة واحدة مهما خصص لها من وقت لذلك كان لا بد من تقريب الصورة أكثر (ZOOM) لأقتصر على عنف المرأة في الحياة الخاصة دون الحياة العامة لأن العنف في الحياة العامة سيفتح لنا إشكاليات سياسية، ثقافية دينية اجتماعية يستحيل تسييجها في لقاء مثل هذا ومداخلة محدد سقفها الزمني مسبقا.. وداخل الحياة الخاصة قربت الصورة أكثر لأقف على العنف في العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة .. لأجد نفسي في مواجهة عنف يرتكب في الظلام وفي سرية مطلقة لا شهود عليه ويصعب إثباته، عنف مغلف بالصمت والسرية، ويصعب - للبوح مهما علت الأصوات - تكسير كل الجدران والأقبية التي تغلفه .. عنف يقع في مكان وزمان يفترض ألا يكون فيهما عنف، في مكان وزمان يفترض أن ألا تكون فيه للشريكين إلا الأحاسيس والمشاعر والعواطف ما دامت اللحظة قصيرة الهدف منها اقتناص لحظات للاستمتاع باللذة والنشوة، لكن النساء أبين إلا أن تستحيل تلك اللحظات الحميمية عند معظم روائياتنا إلى لحظة معاناة وتعنيف وعذاب وألم تفنن في تصوير تفاصيلها وآلامها .. إذن سأحاول أن أقدم لكم عنفا تحكيه النساء وقد نعين الرومانسية في الكتابة النسائية المعاصرة... كل المنى إذن أن أنقل لكم بعض المشاهد من هذا العنف و ألا يصل ما أنقله لكم من عنف مستوى التقزز لأنكم أنتم من طلب الحديث عن العنف... وألا يكون كلامي عنفا ضدكم وفي حقم ...

في هذه المداخلة سأركز على حوالي 30 رواية نسائية عربية معاصرة حصرت موضوع حديثها في العنف في العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة معتقدات بذلك ارتباطهن الوثيق بالواقع اليومي، بالتركيز على ما يقع (هنا) و(الآن) دون هروب من الواقع إلى الكتابات السريالية، أو الرومانسية الحالمة، ولا النبش في التجارب الغرائبية و الخيال العلمي، أو التاريخ السحيق، أو الاقتباس من الآخر ..... وعند إلقاء أول نظرة على هذه العينة من الرواية يتضح بجلاء كيف حضرت العلاقة بين المرأة والرجل في مخيال النسائي كعلاقة مأزومة وهي بهذه الصورة ليست سوى صورة مصغرة لوطن عربي ينخره العنف في كل مناحي حياته،.. زما دامت هذه العلاقة هي مصدر النشأة، ومنبع الحياة، فأكيد إذا كانت مأزومة وعنيفة فكل ما سينتج عنها سيكون مأزوما وعنيفا لأن ما بني على باطل فهو باطل، فأكيد أن الانطلاقة والعلاقة الحميمية المأزومة لن تنتج إلا مجتمعا مأزوما، عنيفا تعشش مختلف العقد في أبنائه...

وقد يتخذ العنف في هذه العلاقة الحميمية المأزومة صورا منحرفة منها الشذوذ فقدمت الروائيات الرجل العربي ميالا إلى الشذوذ والرغبة في الاغتصاب تتساوى في ذلك الكاتبات الشابات في أعمالهن الأولى كما وجدنا عند ربيعة ريحان من المغرب التي تجعل من زوج بطلة روايتها (طريق الغرام) رجلا شاذا يحب أن يمارس عليه الجنس غير مبال بزوجته، وإذا طالبته بحقها كزوجة ثار في وجهها وكال لها الإهانة والاحتقار.. وفي رواية (المنسيون) لربيعة البلغيتي وهي في ريعان شبابها (كتبت هذه الرواية وهي لما تتجاوز العشرين سنة) تصور عنفا لا يخطر على بال شاب : أب يعنف كل يوم زوجته ويصل به العنف إلى اغتصاب ابنته القاصر، ويموت ليتركها في معاناة لا تتعرف ما تقوله للمجتمع وللابن هل هي أمه أم أخته وهل والده هو أبوه أم جده جاء في الرواية (يا للكارثة إنها أم لطفل أبوه وجده نفس الشخص طفل لا زالت أمه طفلة)[2] أي عنف هذا يخطر ببال شابة صعيرة ؟؟؟

 أو في أعمال الكاتبات ذوات التجربة الطويلة في الإبداع الروائي مثلما وجدنا في رواية (زينة) لنوال السعداوي حيث الرجل في آخر رواياتها (زينة) بيدوفيل ميال إلى الاغتصاب بطبعه سواء كان كبيرا مثقفا مثل أب أحدى البطلات الذي اكتشفته يغتصب طفلا أعرج قاصر من أطفال الشوارع جاء في الرواية أن البطلة وقفت على (جسد أبيها وجسد الطفل الولد الأعرج كمن أولاد الشوارع، عمره ثمانية أعوام مثل عمرها)[3] ولكم أ تتخيلوا مستوى العنف الممارس على الطفلين في هذه الصورة، أو كان مجرد طفل؛ ما دام الاغتصاب متجرد في الفكر الذكوري منذ النشأة هكذا جعلت رواية (زينة) الطفل أحمد ابن ثماني سنوات يسرق دمية ابنة عمه ويغتصبها بطريقة جنونية (أخذها معه تحت السرير خلع عنها الثوب الرقيق من الدانتيلا تمزق الكيلوط الوردي الشفاف بين يديه وهو يشده أسفل ساقيها بحثت عيناه وأصابعه عن الشق بين الفخذين دون جدوى .. كان الطريق أمامه لا يقوى على اختراقه ...)[4]

ويصل العنف في العلاقة ذروته عندما تتحول لحظة العمرالتي تنتظرها الفتاة لجرح ومعاناة وعنف ينخر الذات سرمديا وفي رواية (اكتشاف الشهوة) للروائية الجزائرية فضيلة الفاروق يمارس الرجل العنف و الشذوذ على زوجته منذ أول ليلة في زواجهما فبدل المعاشرة الزوجية العادية اختارت الساردة لبطلها طريقا آخر بأن جعلته يعاشر زوجته ليلة الدخلة من دبرها عنوة. تقول معبرة عما أصابها : (أصبت بعطب في مؤخرتي لهذا السبب، وأصبح عذابي الأكبر دخولي إلى الحمام لقضاء حاجتي، في كل مرة كانت مؤخرتي تتمزق وتنزف)[5] وبعد أسبوع من زواجهما (والمفروض أن يكون أسبوع عسل) يهاجمها يعنفها ويغتصبها، تقول: (في اليوم السابع جن جنونه، حاصرني في المطبخ، ومزق ثيابي، ثم طرحني أرضا واخترقني بعضوه.. ورمى بدم عذريتي مع ورق الكلينكس في الزبالة)

وفي الخليج رغم المحافظة الشكلية الظاهرة في المجتمع وجدنا عددا من الروائيات من أشرن للشذوذ ففي رواية (بنات الرياض) لرجاء الصانع من السعودية أشارت لممارسة الشذوذ وممارسة الجنس على الأطفال الذكور بإشارتها إلى تخنث ابن أم نوير ا، وتنكر الأب للأسرة فما أن علم بحال ابنه حتى ترك (المنزل بعد هذه الحادثة ليعيش مع زوجته الثانية بشكل دائم مبتعدا عن هذا المنزل وهذا الولد الخـ...) [6]. وكانت فوزية شويش من الكويت في (سلالم النهار) أكثر جرأة إذ وجدت المرأة بطلب من زوجها مدفوعة إلى كل أنواع الشذوذ،فجعلت الرواية الزوجين الكويتيين العربيين المسلمين يمارسان الجنس وسط الشواذ في باريس تلبية لطب الزوج، فتقول الساردة (كنا نتسلل ليلا إلى غابة بولونيا مثلنا مثل حال الشواذ ومتعاطي المخذرات والمتشردين في الشوارع نعبر في أحراشها، لنمارس الجنس حالنا من حالهم، الخوف منهم هو الجزء الهام والأساسي في قواعد اللعبة)[7] بل أخذ معه زوجته لأوكار السحاق ودفعها إليه ليستمتع بمشاهدتها، وكذلك اتفق معها للعب دور العاهرات في الشوارع ليلا أمام عينيه...

والملاحظ أن عدد من الروائيات العربيات لم يقتصرن على الإشارة إلى شذوذ الرجال بل منهن من عالجن الشذوذ والمثلية بين النساء كطاهر عنف اكتوى بنارها الأطفال ونكتفي بهذه الإشارة من رواية (الملهمات) التي وقف فيها البطل على شذوذ والدته يقول : (اتجهتُ وسط الظلام إلى غرفة والدتي استجدي بعض الحنان، لأجدها بين أحضان دادة الغالية في وضعية تفوق الحنان، كانت الواحدة تقبل الأخرى بشغف وقد تحررتا من ملابسهما)[8] ليعلق على الحدث قائلا: (كان هذا الحدث أول زلزال في علاقتي بالنساء)[9] أليس هذا ضرب من العنف سيظل تأثيره القوي يصاحب البطل طيلة حياته وهو الذي سيحدد علاقته بالنساء وجعله مارس عليه عنفه ...

 بالإضافة إلى الشذوذ كمظهر عنف في الجنس كانت في روايات النساء إشارات إلى عنف جنسي آخر جرحه لا يندمل يمارس في حق الزوجة هو عنف الخيانة الزوجية والأنانية، فأي عنف أكثر من أن تعرف الزوجة في رواية زينة أن زوجها :(في الليل يتسلل من فراشها إلى الخادمة في المطبخ،أو السكريتيرة في المكتب، لا يشتهي إلا الفتيات الصغيرات من الطبقة الدنيا)[10].

 ويصل العنف في العلاقة درجة من السادية عندما يتلذذ الزوج بتعنيف زوجته و لا يهمه ألا إشباع غريزته دون أدنى تفكير في إشباع شهوتها، ففي رواية (اكتشاف الشهوة) تقول البطلة (حين يمارس الجنس معي يفعل ذلك بعكس رغبتي .. يفعل ذلك كما في كل مرة بسرعة دون أن يعطيني مجالا لأعبر عن وجودي كان يقوم بالعملية وكأنها عملية عسكرية مستعجلة يسلمني بعدها للأرق..) وتضيف معبرة عن هذا العنف : (يخترقني قبل أن يوقظ شهوتي، يفعل ذلك بسرعة وأنا بعد شايحة يؤلمني دون أن أشعر بأي متعة ثم ينتهي ويتركني جثة تحتضر)[11] أي شيء أألم من هكذا عنف... هذه بعض تجليات العنف المسكوت عنه والذي قد يتجاوز ألمه العنف المادي، لأن هذا الأخير منهي في الزمان والمكان، والعنف المعنوي يتسلل للدواخل ينخر الجوانح للأبد .. لكم أن تتصوروا تأثير أن يجلس الرجل يمارس الجنس الأحادي، ويلجأ إلى العادة السرية أمام أنظار زوجته تقول بطلة (اكتشاف الشهوة) : (يعود ثملا في الغالب، والحمرة النسائية تلطخ قميصه والمني يلوث ثيابه الداخلية ... بسهولة يجلس أمام إحدى القنوات البورنوغرافية ويمارس العادة السرية دون أن يعيرني اهتماما)[12]، إنه عنف يجعل الرجل (يعيش حياته بالطول والعرض) وقد تهون كل أشكال التعنيف أما العنف الذي تحسه امرأة انتظرت زوجها حتى وقت متأخر من الليل ليطعنها ويجبرها الاستسلام لوحدتها مجبرة وعلى عظ الطرف عن سلوكات الزوج : (عاد منتشيا يغني ... واضح أن ليلته لم تكن خالية من اللحم الأبيض المتوسط .. لم أهتم دفنت رأسي في المخذة واستسلمت للنوم مرة أخرى)[13]

وفي اليمن نقدم لكم تجربة نبيلة الزبير في روايتها (زوج حذاء لعائشة) التي تقدم صورة أقتم لهذا العنف من خلال رجل دين مزواج يجمع بين أربع نساء من مختلف الشرائح كأنه لا يريد ترك نوعا من النساء دون أن يجربه فهو يجمع بين (الفتاة القاصر، والمحجبة التي لم يسبق لها ممارسة الجنس، والعاهرة ذات التجربة الجنسية المتنوعة، والمطلقة أم البنين ذات التجربة الجنسية المحدودة (زوجة أخيه الذي تنازل له عنها بعد اختياره طريق الجهاد) يمارس عليهن عنفه شذوذه، وكذلك وكان والده قبله يمارس في السر عكس كل ما يتظاهر به : يعاقر الخمر ويعاشر خليلاته اللواتي يستقبلهن في بيته بزي الرجال على أنهم ضيوفه، دون أن تكون لأي فرد من الأسرة القدرة على أن يحتج، وهم العارفون بأفعاله، بل يعتبرون (مكسبا إليهم أنه لازال يكترث لهم ويفحش في السر)[14] وأكثر من ذلك يمارس الجنس مع خليلاته أمام فتاته الصغيرة التي جعلها حارسته وأمينة سره فكان طبيعيا ألا ينتج هذا العنف الرمزي إلا عنفا أكبر : فتاة اتجهت للدعارة وفتى متطرف قليل التعليم مهموس بالجنس يمارس العادة السرية . فقد ورد في الرواية أن البطل حسب الساردة رجل (لم يكمل تعليمه، انظم إلى جماعة إسلامية لم يعرف امرأة في مراهقته وشبابه ولم يكن أمامه إلا العادة السرية التي ظل يمارسها حتى وهو إمام يصلي بالناس وغدت فرضا في حياته) يقول هو عن نفسه:(لا جديد في الصلاة، لا جديد في إمامة المصلين . الجديد هو حيرتي إزاء العادة السرية، لقد كانت فرضا هي الأخرى دخلته لسنين)[15] . ومثل أبطال رواية زينة للسعداوي كانت سمة أبطال (زوج حذاء لعائشة) هي الاغتصاب دون أدنى مراعاة لمشاعر المرأة : (داهمها حيث هي في السجادة ... اجتاحها بدون أية مقدمات... لم يمط من ثيابها إلا الموضع المخصص للإيلاج .. ومن فوره غادرها إلى الحمام ليتطهر بغسل باهه، حين عاد رآها لم تزل على حالها تلك، لم تتحرك من مكانها ولا ثيابها عادت إلى موضعها..)[16] وكان (قد اعتاد أن يدخل على زوجته بشرى هكذا لسنين ولا مشكلة) (كان يجيئها في سجادتها، في سجودها وكان دخوله عليها لا يقطع صلاتها ولا صيامها، استفت و قيل لها جمعت بين الطاعتين طاعة الله وطاعة زوجك .. ما دام جاءك اغتصابا فلا تثريب عليك، المهم النية، اعقدي النية على الطاعة بارك الله فيه . عقدتُها، كان الاغتصاب سمة ذلك الرجل .. طوال الوقت كنتَ هذا الرجل الذي لا يقطع صلاة ولا صياما)[17] .. ويصل العنف الجنس درجة من السادية في رواية العمامة والطربوش (الجزائر) حين يتزوج الرجل على زوجته ليلة ولادتها لفتاة انتقاما منها (تزوج عليها أبي لما أنجبت له بنتا ثانية وأجبرها على الرقص في عرسه وهي نفساء)[18] مما تسبب في وفاتها...

العنف بكل تجلياته (شذوذ، خيانة، اعتصاب، سرية ...) يوحد الرجال في نظر الروائيات العربيات فقد ورد في رواية(زينة) لنوال السعداوي أن الرجال : (شبه بعض في كل حاجة،في الشغل السري، في النشاط السياسي، في النشاط الجنسي، شبه بعض في كل حاجة، حتى الخيانة والكذب والمراوغة وعشق السرية والتخفي، وإخفاء الفساد والتشدق بكلمات كبيرة أوي، تحت اسم ربنا الله، أو ربنا كارل ماركس ...)[19]

ترجع الروائيات العربيات عنف الرجال في العلاقة الحميمية إلى الكبت وضعف شخصية الرجل وفراغ عقله إلا من الجنس مما يجعله يعوض هذا الضعف ببالظاهر بالفحولة والاستأساد على المرأة، هكذا كان الرجل رغم ثقافته في رواية (سعار) (رجل عامر بالنساء) يستغل فتاة طاهرة لا جنس في حياتها، كل شيء عنده مرتبط بالجنس (كل شيء في العالم قائم على الجنس كل الحضارات و الثقافات والآداب العظيمة هي شهوة جنسية)[20]،. كان يفعل ذلك بدعوى تكسير الطابوهات يقول لها (ساعديني لنكسر معا كل تابوهات العالم) وبعدما نضجت تقول (أعرف الآن بأن كسر تابوهات العالم بالنسبة لك هو أن أملأ سريرك، ونفس الفراغ نلمسه في رواية (زينة) لنوال السعداوي إذ ترى أن الرجل العربي (عقله فارغ ليس فيه إلا الحيض والنفاس والرضاع)[21] و (كل الرجالة ورق، كلهم مرضى، كذابين منافقين مزدوجين)[22] ...

لذلك ليس غريبا أن يستغل الرجل منصبه لتعويض نقصه، فوجدنا طبيبا نفسيا في رواية زينة يستغل مهنته لاستغلال مرضاه: (يستخدم الأريكة لعلاج نفسه من الحرمان الجنسي ينكح من النساء ما يشاء أحل الله له النكاح بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الطب النفسي)[23] بذلك يتحول الطبيب نتيجة عنفه إلى مريض (أدرك الطبيب النفسي أنه مريض، يحتاج إلى طبيب يعالجه، الانفصام بين عقله ووجدانه، عقله غير مؤمن، لكنّ وجدانه مؤمن، لا أمل له في الشفاء، محكوم عليه بالازدواجية منذ الطفولة)

عنف الرجل إذن في رواية النساء مرتبط بضعف ثقافته، يعوض ضعف العقل بالقوة العضلية، والفحولة المزعومة لتربط معظم الروايات عنف الرجل بأزمة الجنس ففي (سلالم النهار) كل ما في الحياة وعلى الأرض عند الرجل مرتبط بالجنس و(لكل شيء معنى للإيروتيكية: قبضة الملاكم، خرطوم الفيل، رأس الحية، كعب عالي، مقدمة سيارة قديمة، فتاحة علب، مسدس،يد التيلفون القديم، الحبال، السلاسل صبابة البنزين، والتراث العربي أيضا حصة ونصيب كبير فيه .. حرف الألف مثلا وكل مستقيم واقف وكل عصا ... هل الحياة في حقيقتها ليس لها أي معنى خارج الفعل الجنسي ؟ نظرية والدي أيضا تثبت هذا المعنى)[24] هذا هو الرجل العربي همه الوحيد الجنس واختراق خواتم المرأة .. ففي سلالم النهار بينت الساردة أن ضاري لم يترك خاتما في جسد زوجته إلا حاول اختراقه ففي باريس جعلها تكيف حواسها وكل "خواتمها" لإرضائه (خاتم الشفاه المكتنزة،خاتما فتحتي الأذن، خاتما فتحتي الأنف، خاتم الصرة، خاتم الدبر وخاتم الأختام كلها الفرج مصب الأحاسيس كلها)، رجل لم يعجبه من كل متاحف باريس ودورها الثقافية إلا أن يأخذها إلى متحف اللوريتزم المتخصص في المعروضات الجنسية، تقول: (ليريني الحياة الجنسية منذ بدء خليقتها ومن اللحظة الأولى ... المبنى الغريب خصصت كل طوابقه المثيرة للعرض الجنسي كل ما فيه مرصود لتثبيت العلاقة الجنسية منذ فجر البدائية)[25] هذا الهوس والتظاهر بالفحولة ألفيناه أيضا في رواية الملهمات لفاتحة مورشيد من المغرب حيث البطل لم تشفع له أستاذيته وثقافته ومؤلفاته هوسه الجنسي، بل لا تستقيم ثقافته ولا يستقيم أحد القلمين دون الآخر: فليكتب عليه ممارسة الجنس ن بقدر ما تكون الممارسة جنونية يكون الإبداع لذلك حرص على تنويع شركائه من النساء بين (المغنية، الراقصة، الأديبة، الشاعرة، الرسامة، الخادمة، العربية، والأعجمية ..)، ومختلف الجنسيات (المغربية، الصينية، الألمانية، الخليجية ..) عاش معهن وهو المتزوج لحظات جنسية كانت وحدها سبب إبداعه وكتاباته، مؤمنا أن أمام كل رجل عظيم (نساء كثيرات مستعدات للقيام بالتضحيات نفسها حتى يستقيم لهن القلم.. وتستقيم له الكتابة)[26]، دون أن يسيل حبر قلمه طبعا لتلك العلاقات مع من سماهن (مومسات أو عابرات لعواطفي)[27] وهو في كل ذلك ظل (دائم الجوع للنساء... يحبهن لدرجة السادية)[28] . هوسه وجوعه الجنسي هذا جعله يقضي حياته في عذاب وعنف دائم يحاول (إقناع النساء بأن ممارسة الجنس خلال فترة الحيض مسألة طبيعية)، ويسعى إلى تحقيق ذلك كمن يسعى إلى حتفه، وفعلا كان ذلك بأن أصيب بسرطان البروستات بعد مضاجعة أم سعودية حائض فجف نبع إبداعه قلميه مصدرا فخره.

ذلك هو الرجل العربي في عيون الروائيات وهو رجل بيدوفيل يفضل البنات الصغيرات على المرأة الناضجة، وهي ظاهر يبدو أنها تؤرق بال الروايات العربيات المعاصرات، لذلك استنكرتها معظم الروايات، فانتقدت رواية نبيلة الزبير زواج طارق بنشوى ابنة ثلاثة عشر ربيعا، واستنكرت منصورة عز الدين زواج رحمة بزوج أختها وهي (في الخامسة عشرة من عمرها حين تزوجت عثمان زوج شقيقتها الكبرى التي توفيت على يد القابلة وهي تلد طفلها الثاني الذي ولد ميتا هو الآخر تركت خلفها ابنها سميح ذا الثلاث سنوات وكي لا يتربى حفيده مع زوجة أب غريبة وافق والد رحمة على تزويجها من عثمان كي تعتني بابن أختها... اقتلعت الصبية من أسرتها وجاءت كقطعة من جهاز العرس إلى عائلة أخرى لتكون زوجة لرجل يكبرها بأكثر من عشر سنوات)[29]، وإذا كانت رحمة قد اقتيدت لرجل يكبرها بأكثر من عقد من الزمن فإن أديب في رواية (أوهام) تزوج (مها) وهي في سن بنته، فيما اختارت صاحبة (الطربوش والعمامة) من الجزائر تزويج (العارم) بشيخ يكبرها بعصر وصفحات تاريخه[30]، والزواج في كل هذه الحالات وغيرها عنف في حق الطفولة، واغتصاب للبراءة، وتحتار عدة روايات في تفسير سبب عشق الرجال للأطفال، فتؤكد رواية (بنات الرياض) أن (الإقبال على الفتاة الصغيرة الساذجة عند البحث عن عروس مناسبة ما زال مرتفعا مقارنة بالإقبال على الفتاة التي تصل درجة عالية من العلم والمعرفة والاطلاع العام على الحياة)[31] وتبرر ذلك بارتفاع نسبة العنوسة في صفوف النساء لطبيبات...

وحتى إن استنكرت الروايات مثل هذه الأوضاع فأن الواقع يقبلها وتبدو للناس فيه عادية.. لذلك وجدنا منهن من تدافع على تزويج القاصرات وتبحث لذلك عن أدلة وأسباب شرعية كما في رواية (في قلبي أنثى عبرية) التي دافعت بكل الوسائل على زواج عائشة من الرسول (ص) تقول على لسان ندى (إذا عدنا إلى تلك الحقبة الزمنية، لوجدنا أن تزويج الفتيات في سن السادسة كان أمرا عاديا، فالسيدة عائشة لم تكن حالة شاذة في ذلك. بدليل أن قريش التي كانت تعادي النبي محمدا (ص) وتقتنص الفرص لاتهامه والتنكيل به لم تستنكر عليه صنيعه... والرسول لم يكن أول الخاطبين لعائشة بل كانت مخطوبة لرجل قبله..)[32] وحاولت جاهدة البحث عن الحجج والأدلة التي يمكنها أن تقنع بها فتاة صغيرة مثل سارا عندما سألتها قائلة: (بمعنى أنهم كانوا جميعا يعتدون على الأطفال ويجدون ذلك أمرا عاديا؟ أليس هذا اختلالا اجتماعيا؟؟) فحاولت الكاتبة من خلال ندى البحث عن الأدلة للتبرير وربط الظاهرة بالمناخ والعادات فتقول: (إن الفتيات في تلك الحقبة الزمنية، وفي تلك البقعة من الأرض، كن ينضجن مبكرا....) وكأنها بذلك تبرر تزويج القاصريات في زماننا ..

 

أن العنف في العلاقة الحميمية يعد مصدر كل المشاكل في الحياة الزوجية، فمشاكل السرير والعنف أهمها تجعل المرأة تعيش مأساة قد تنسيها اسمها، فتزويج رحمة واغتصاب طفولتها، وانخراطها في مسؤولية البيت وتربية الأبناء وهي طفلة أنساها اسمها، تقول الساردة عن رحمة بعد موتها: (منذ زمن بعيد فقدت رحمة اسمها للأبد ... الجارات كن ينادينها بأم جابر ... وهي نفسها كانت تشعر أن اسمها غريب عنها، وحين يحدث ويناديها زوجها به تظل فترة قبل تدرك بأنها المرأة المقصودة) [33] .. هذه المأساوية جعلت عدد من بطلات الرواية النسائية يرفضن الزواج، أو يضعن حدا له، فاختارت معظم الروايات - موضع التحليل- أن تنهي علاقة المرأة بالرجل معتبرة في ذلك راحة للمرأة حسب مسار أحداث كل رواية فمن الروايات ما قتل فيها الرجل لترتاح المرأة من مشاكله كما في روايتي سلالم النهار والملهمات... ومنهن من هجرن الرجل وبحثن عن حياة أخرى كما في روايات طريق الغرام، وسعار، وراء الفردوس،.... ومنهن من جعل المرأة تعتمد على نفسها وتبني مشاريعها دون مبالاة بالرجل مثلما فعلت بطلات (زوج حذاء لعائشة) لنبيلة زبير بأن جعلت الثلاثي (NRZ) ينشئ مقاولاته الخاصة ويقتحمن السوق لفرض ذواتهن، وهو ما سلكته سمر يزبك برهام بعدما أجبر علي حسن ابنه فادي على التخلي عنها في رواية صلصال....

فإذا كان العنف في روايات النساء ثلاثي البعاد بعده الأول أنا: المرأة الكاتبة/ الساردة،والثاني هو الرجل، و الثالث العلاقة بينهما والتي جعلت منها روايات النساء علاقة متوترة، فكان الرجل في المخيال النسائي لا يتجسد إلا في صورة سالبة تجسد مختلف مظاهر الانحراف الجنسي ولا تبتعد عن الرجل الشاذ، المغتصب المتسلط العنيف الأناني و الذي لا شيء في عقله غير الجنس، مهوس باغتصاب الصغار والصغيرات... وتقديم المرأة في صورة الضحية المعتدى عليها

 حتى وأن رأى البعض في تأزيم النساء للعلاقة الحميمية وتحويلها من اللذة إلى العنف فإن ذلك ليس إلا مظهرا من مظاهر العنف التي أصبحنا نستأنس وكل ما استطاعته هذه الروايات هو تحويل الصراع من الواقع العربي العام إلى صراع داخل الذات، جاعلة من أعماق الذات فضاء لمرايا متقابلة يتناسل فيها انحرافات شخصية الرجل العربي، وحلبة لصراع يعكس شخصية الإنسان والواقع العربي، خاصة وأن عددا من الروايات النسائية جعلت من المرأة رمزا للمدينة أو الوطن ككل بكل تناقضاتهما وكثيرا ما صرحت بذلك فاستحالت بطلة أوهام رمزا لبيروت، وبطلة اكتشاف الشهوة رمز لقسنطينة، و سعدة بطلة العمامة والطربوش رمزا لمدينة يافا بتعبير البطلات أنفسهن. ومنهن من تماهى مع الوطن كما في ثلاثية أحلام مستغانمي وخاصة في (ذاكرة جسد)، أوفي رواية (يا دمشق وداعا) لغادة السمان حيث البطلة زين الخيال تعترف أن حبها لدمشق وحده يذلها وما عداه يمكن ترويضه، وفي ثنائية سميحة خريس شجرة الفهود التي أرّخت لحوالي 90 سنة من تاريخ الأردن الحديث في قالبي سردي ربطت بين المرأة والتطور التاريخي للأردن.... ليتجلى أن في أي تعنيف للمرأة إحالة مباشرة على عنف في المدينة و المجتمع عامة...

ومثلما هي العلاقة متوثرة بين الحكام والمحكومين، بين الأفراد والمؤسسات في المجتمع، فهي متوترة بين الرجل المرأة داخل الأسرة، وما وصول العنف للعلاقة الحميمية إلا دليل على تجاوزه لكل العلاقات الأخرى.. ومن تم كانت الرواية النسائية مرآة عاكسة فقط لعلاقة متوترة وعنيفة بين قطبين متناقضين (المرأة بصورتها الإيجابية) والرجل (بصورته السالبة، لذلك لا غرو أن تنفر معظم بطلات الرواية النسائية من هذا العنف وترفض الارتباط به، فألفينا من الروائيات من يذهبن إلى اعتبار (الزواج ورطة)[34] يجب الخروج منها، ومشروع محكوم عليه بالفشل، بل من البطلات من جعلت المرأة المقبلة على الزواج ينتابها شعور (يشبه ذلك الذي ينتاب المحكوم عليه بالإعدام أو السجن مدى الحياة)[35]، فتعتبر الزواج بالرجل العربي العنيف جناية و تجن على المرأة وتعنيف لها، ونسب نجاحه ناذرة كفوز ورق يناصيب؛ تقول بطلة اكتشاف الشهوة (ما أقسى أن نسلم أجسادنا باسم وثيقة لمن يقيم ورشة عليها أو بحثا عن المتعة وكأننا نقطع ورقة يناصيب من النادر أن تصيب)[36]... بل من البطلات من غدا يفكر في الانتقام من الفكر الذكوري العنيف باعتبار الرجال عالة قد لا تحتاجه المرأة في حياتها وأنها تفضل العيش وحيدة على العيش تحت وصالية رجل متسلط عنيف فظلت بطلة (العمامة والطربوش) تتساءل مستنكرة: (ما حاجتنا للرجال، ما دام شرف القبيلة، بين أفخاذ نسائها، تحميه الخلاخل)[37] رافضة الفكر الذكوري الذي يمارس العنف المادي والمعنوي، وقد يكون العنف المعنوي أقسى من المادي، فتحسيس المرأة بالدونية عنف يومي يمارس عليها لأن المجتمع يعتبر قلة الاحترام (أن تضع المرأة نفسها في مستوى زوجها) فهي دائما في الحضيض ودون مستوى الرجل مهما كان علمها ومالها، لذلك إذا كان الرجل (في الأمام عادت هي للخلف، إن جلس على الكرسي تفترش الحصير، وإن اتخذ الحصير فرشا ليس لها ألا الأرض)[38]... وللتخفيف من معاناة عنف هذا الإحساس اختارت عدة بطلات الهروب من العنف ومن الواقع "المرير" العنيف إلى العالم الافتراضي تارة كما في (بنات الرياض) و (طريق الغرام) أو الهروب إلى الحلم مثلما كان في رواية (وراء الفردوس) بل و الهروب إلى الجنون والغيبوبة على طريقة بطلة (اكتشاف الشهوة)، كحل في مجتمع كل شيء فيه مهين معنف للمرأة، مقتنع أن المرأة محدودة ومنتهية الصلاحية جنسيا، تقول بطلة اكتشاف الشهوة (للأسف كنت أنتمي لمجتمع ينهي حياة المرأة في الثلاثين)[39] لكن هذه المرأة المنتهية الصلاحية سرعان ما تصبح امرأة خطيرة، وتتعرض لعنف أخطر عندما تصبح أرملة أو مطلقة لأن الفكر الذوري العنيف يرى آنئذ أن (حريتها ستمنحها حرية إغراء الرجال، و "خطف" الأزواج من زوجاتهم)[40] فتتعرض لعنف مزدوج وحتى النساء يخاصمنها ويقاطعنها خوفا على أزواجهن منها، فلم ترحم النساء ثريا في (وراء الفردوس) التي شقت ثوبها حزنا على زوجها المتوفي مطحونا في معمل الآجور وما أن رأين جسدها حتى (قاطعتها معظم نساء القرية خوفا على أزواجهم الذين عاينوا حلاوة جسدها حين شقت ملابسها يوم مصرع زوجها)[41] ويصل العنف إلى اعتبار المرأة المطلقة ليست سوى (امرأة تخلصت من جدار عذريتها الذي كان يمنعها من ممارسة الرذيلة، امرأة بدون ذلك الجدار، امرأة مستباحة، وعاهرة مع بعض التحفظ)[42] و (أن الثقب الذي انهار جداره هو كل ما يراه الناس في امرأة مطلقة أو أرملة)[43]

ومن مظاهر العنف طمس هوية المرأة في المجتمع وانتسابها إلى الرجل في كل شيء تقول بطلة العمامة والطربوش : (عوّدونا على صيغ النداء التي تكون فيها المرأة تابعة لا أكثر :بنت فلان، زوجة فلان، أم فلان ..) وذلك في نظرها جعل المرأة أقرب لأن تكون (ملكية تتداول حصرا بين الرجال تبقى متنقلة من أحدهم إلى الآخر ما دمنا بين ضفتي الوجود، الأب الأخ ثم الزوج وأخير أولئك الذين ننجبهم ثم يتنكرون لأسمائنا ويخجلون بها)[44]، بل أكثر من ذلك، الواقع العربي يجعل (نطق اسم امرأة عندنا، يكاد يكون تلطيخا لجدار المقدس)[45]، وحتى ملابسها عورة لا يجوز لها نشرها ضمن الغسيل هذا العنف جعلها تعتبر نفسها شبيهة بأمها الميتة (أنت دفينة التراب، وأنا رهينة القبيلة) [46]، أما إذا كانت المرأة عاقرا فالعنف الممارس عليها مضاعف ويكفي ما وصفت به بطلة (صهيل النهر) المرأة العاقر عند قولها (امرأة، عاقر، نصف مطلقة... نصف ميتة..)[47]

يتضح أنه رغم التطور الذي شهده المجتمع العربي في العمران والاقتصاد والبنية التحتية مقارنة مع ما كان عليه قبل قرن من الزمن، فإن الروائيات العربيات يرين من خلال إبداعهن أن العقلية العربية لم يطرأ عليها التغيير الذي يناسب التطلعات خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع المرأة وتعنيفها، عنف يشعر بنات الرياض بأنهن في (سجن كبير) مسجونات سجنا انفراديا المرأة فيه محرومة من كل ما هو مباح للفتيات في كل بقاع المعمور: محرومة من الاختلاط بزملائها من الطلاب، ومحرومة من مكالمة من تحب، حتى ولو كان خطيبها أو زوجها الذي عقد عليها إلا بعد الدخلة التي تكون أول لحظة ترى فيها زوجها؛ تقول الساردة في تصوير هذا العنف (كان الزواج عندهم كالبطيخ على السكين)[48] واستعمال السكين هنا له دلالته، وأمام هذا الحرمان كان العشاق يلجؤون إلى (الحب المسروق والمخفي والمطموس في سره عن الجهر والمجاهرة والذي هو مهرب وصعب المنال في ظل قوانين وأعراف لا تبيح الجهر بالعلاقات المحرمة ولا تسمح بقيامها خارج منظومة الحلال) على حد تعبير ساردة رواية سلالم النهار في علاقة نورة وزياد ...

 إن هذا العنف نتيجة منطقية لعلاقة طرفاها معنفان معا، لذلك يتظاهر الطرف "القوي" بالتسلط، ويكثر الطرف "الضعيف" من التشكي والتعبير أمام حرمانه من أشياء لا يعرف سبب تحريمها، فما أن وجدت التلميذات متنفسا في عيد الحب لتبادل بعض الهدايا حتى تم منع (جميع مظاهر الاحتفال بعيد الحب في السعودية، وتمت معاقبة أصحاب محلات الزهور الذين يقومون بتوفير الورود الحمراء لزبنائهم، .. وكأنها بضائع مهربة)[49] بل تم تعنيف تلميذة في المدرسة لأنها ارتدت الأحمر لتعلق الساردة بقوله (مضطهد أنت أيها الحب في هذا البلد)[50]، والضحية الأولى من اضطهاد الحب هي المرأة التي تظل تعيش (تحت النعال) مرتبتها دائما دونية، لا تجلب إلا العار حتى ولو كانت ضحية أو معنفة، فقد اعتبرت (الغالية) وهي التي اختطفها أحد أبناء قبيلة توارة في الجزائر، عارا على قبيلتها ولا يجوز أن تصلح بعد ذلك زوجة (امرأة جلبت عارا ولعنة لا يجوز بعدها أن تبقى على عصمة أحد رجالنا)[51]

ومن بين التجارب الروائية التي تصور هذه العلاقة غير المتكافئة بين المرأة والرجل، علاقة بقطبين سالب(الرجل) وموجب(المرأة) ما كتبته أثير عبد الله النمشي وهي تحكي عن علاقة جمانة وعزيز في روايتين مختلفتين صادرتين عن دار الفرابي الأولى (أحببتك أكثر مما ينبغي)[52] تحكيها جمانة تبرز فيها كيف تنظر إلى الرجل (غزيز)، والثانية (فلتغفري)[53] يحكيها عزيز يدافع فيها عما اتهمته به جمانة وتبرز عبر تصريحاته خصوصية الرجل العربي . وفيهما ظلت جمانة متعلقة بعزيز رغم خياناته وزيجاته المتكررة ..

العنف في علاقة المرأة بالرجل في روايات النساء مصدره الرجل في الغالب، الذي لا يفعل ما يجب من اجل الحفاظ على تلك العلاقة، تقول جمانة لعزيز في رواية أحببتك أكثر مما تستحق :(أنام كل ليلة وأنا على يقين من أنني بذلت كل ما بوسعي، وتنام كل ليلة وأنتَ على يقين بأنك لم تفعل بعضا مما أستحقه)[54] . فكان الرجل السبب قطع هذا الرباط لأتفه الأسباب، ففي بنات (بنات الرياض) طلق أبو نوير زوجته وتزوج ثانية وتنكر لأسرته بمجرد أن ظهرت بعض مظاهر التخنث على ابنه نوير، وما أن بدأت قمر القصمنجي تبني قصور أحلامها بأمريكا حتى طلقها راشد وتزوج الفيلبينية كاري ليعيدها إلى السعودية تعاني معاناة المطلقة .. وكذلك طلق وليد زوجته سديم الحرملي فقط لأنها سلمته جسدها قبل العرس، والأمثلة كثيرة على قطع الرجل لصلته بالمرأة، أما المرأة إن حدث وسعت إلى قطع علاقتها بالرجل فتكون مضطرة ولأن كل الأبواب أغلقت في وجهها مثلما فعلت زين الخيال في (يا دمشق وداعا) عندما وجدت نفسها مجبرة على طلب الطلاق بعد سنة من زواجها برجل خاب أفق انتظارها فيه وهي التي أحبته وتحدت الجميع وأجبرتهم على قبوله[55] وكذلك فعلت بطلت طريق الغرام وبطلة أوهام والأمثلة كثيرة ...

في النهاية لا ينبغي أن يفهم من خلال هذه الكلمة أن الرواية النسائية تغيت حصر الحياة في علاقة الرجل بالمرأة، ومهاجمة الرجل وتحميله مسؤولية أزمة وطننا العربي وأنما في مهاجمتها الرجل مهاجمة صورة الرجل المتسلط فيه إذ وجدنا من البطلات من تجري وراء الرجل الذي يهفو قلبها له مستعدة للتضحية بحياتها من أجله : فقضت سلوى في رواية (أوهام) مخلصة لزوجها رغم خياناته، جزءا هاما من حياتها وراء عزيز تتمنى أن يفتح لها قلبه، وعرضت سعدة في رواية (العمامة والطربوش) حياتها للخطر من أجل الهروب مع مروان الشاب الفلسطيني وقدمت نفسها قربانا لحبهما، واختارت ريما بطلة (في قلبي أنثى عبرية) تغيير ديانتها من اليهودية إلى الإسلام، وتغيير وطنها من تونس إلى لبنان والوقوف في وجه عائلتها، وبل والدفع بأسرتها كلها إلى دخول الإسلام، حبا في أحمد ليكون زوجا لها، دون أن تقدم رواية النساء أية امرأة تجري وراء الرجل لأهداف مادية، ولا رغبة جنسية أو بغية تغيير وضعها المادي وإن وجدنا من الخليجيات من ترغب في الرجل لتخليصها من قسوة الواقع حتى لو اقتضى الأمر زواجا أبيض من خلال البحث عن رجل للزواج والسفر بها خارجا وتطليقها هروبا من عنف الواقع الذكوري المحتقر للمرأة فوجدنا الفتيات الكويتيات يقلن (لنعثر على رجل فيتزوجنا ويمضي بنا إلى الخارج ثم يقوم بتطليقنا ..)[56]

لقد هاجمت الرواية النسائية المعاصرة الرجل الخائن والمتسلط، وهو ليس هجوما على الرجل بمعناه المطلق والعام، وإنما رغبة في تصحيح وضعية تحس فيها المرأة بأنها مضطهدة، محتقرة ومستغلة، بدليل أن لا امرأة واحدة في كل ما طالعنا من روائيات نسائية اختارت حبيبا غربيا. فقارئ الرواية النسائية المعاصرة قلما يعثر فيها على امرأة تعلقت برجل غربي، وإنما ظلت كل البطلات مصرات على الارتباط بالرجل العربي/ الشرقي، كما لم يسمح خيال الروائية الخليجية بتخيل علاقة خارج الحدود المحلية، فلم ترتبط الخليجية روائيا إلا بالرجل الخليجي بل وبابن البلد خاصة، فظل كل عشاق بطلات : بنات الرياض، وأوهام، وطشاري، وسعار وسلالم النهار وصلصال، وفلتغفري، وأحببتك أكثر مما تستحق، وأنا أحيا ... وغيرها من الأعمال المشرقية كلهم مشارقة.... مقابل ذلك كانت المغاربيات أكثر انفتاحا وتخيلن في أعمالهن علاقات بين المرأة المغاربية والرجل المشرقي، وإن كن حريصات في اختيار الشريك بطريقة لا تسيء للمرأة المغاربية؛ فجمعت علاقة مغربية بعراقي مقيم في أنجلترا في رواية (طريق الغرام) للكاتبة المغربية ربيعة ريحان) فضلته على زوجها الشاذ، كما اختارت بطلة رواية (العمامة والطربوش) الجزائرية عشيقا من فلسطين مقيما بالجزائر وفضلت الموت على الارتباط برجل جزائري، واختارت بطلة رواية (اكتشاف الشهوة) من الجزائر أيضا عشيقا من لبنان وفضلته على زوجها، وكذلك اختارت كاتبة رواية الملهمات فاتحة مورشيد لبطلها عشيقات من عدة جنسيات خارج المغرب والعالم العربي والأمثلة كثيرة ...

 

ذ. الكبير الداديسي

....................

 [1] - القيت الخطوط العريضة لهذا المقال في ملتقى السرد الذي نظمته مؤسسة الكلمة في ميدنة الثقافة والفنون بآسفي ما بين

[2] - المنسيون ربيعة البلغيثي منشورات مرسم 2013 ط1 ص 36 الرواية فائزة بجائزة القناة الثانية 2011/2012

[3] - رواية زينة . نوال السعداوي ص - 128

[4] - المصدر نفسه ص – 219

[5] - رواية اكتشاف الشهوة، فضيلة الفاروق ص – 52

[6] - رواية بنات الرياض - ص – 29

[7] - رواية سلالم النهار فوزية شويش ص – 121

[8] - رواية الملهمات ص 179

[9] - رواية الملهمات - ص 180

[10] - رواية زينة لنوال السعداوي ص - 100

[11] - رواية اكتشاف الشهوة ص – 92

[12] - رواية اكتشاف الشهوة ص- 12

[13] - المصدر نفسه ص - 42

[14] - رواية زوج حذاء لعائشة، نبيلة الزبير- ص – 34

[15] - رواية زوج حذاء لعائشة ص – 141 – 142

[16] - رواية زوج حذاء لعائشة ص – 167

[17] - رواية زوج حذاء لعائشة ص – 168

[18] - العمامة والطربوش ص – 13

[19] - رواية زينة لنوال السعداوي ص - 155

[20] - رواية سعار . بثينة العيسى - ص – 174

[21] - رواية زينة - ص – 140

[22] - رواية زينة - ص – 157

[23] - رواية زينة- ص - 122

[24] - سعار - ص – 115

[25] - سعار - ص – 114

[26] - رواية الملهمات - ص - 29

[27] - ص - 27

[28] - رواية الملهمات - ص - 91

[29] - وراء الفردوس - ص – 96

[30] - رواية العمامة والطربوش – ص – 76

[31] - بنات الرياض ص – 278

[32] - ص – 578

[33] - ص – 96

[34] - اكتشاف الشهوة ص 28

[35] - اكتشاف الشهوة - ص – 23

[36] - رواية أوهام - ص – 72

[37] - رواية العمامة والطربوش - ص – 80

[38] - رواية العمامة والطربوش - ص – 69

[39] - اكتشاف الشهوة ص – 13

[40] - رواية أوهام - ص – 76

[41] - وراء الفردوس ص – 56

[42] - رواية اكتشاف الشهوة - ص – 86

[43] - رواية اكتشاف الشهوة ص – 87

[44] - رواية العمامة والطربوش - ص – 29

[45] - رواية العمامة والطربوش - ص – 28

[46] - رواية العمامة والطربوش - ص – 31

[47] - صهيل النهر – بثينة خضر مكي – ص - 11

[48] - رواية بنات الرياض - ص – 62

[49] - رواية بنات الرياض - ص – 69

[50] - رواية بنات الرياض - ص – 69

[51] - رواية العمامة والطربوش - ص – 71

[52] - رواية .أحببتك أكثر مما ينبغي. أثير عبد الله النشمي دار الفرابي بيروت ط1 2009

[53] - رواية فلتغفري . أثير عبد الله النشمي دار الفراربي بيروت ط1 2013

[54] - أحببتك أكثر مما تستحق . أثير عبد الله النشمي ص 12

[55] - رواية يا دمشق وداعا – فسيفساء التمرد – غادة السمنان منشورات غادة السمان ط1 2015

[56] - ص – 128

قراءة وإضاءة لرحلات: خرائط منتصف الليل لعلي بدر .. فضاء المدن يشذب شعرية يوتوبيا السرد

haidar abdullradaتوطئة: لا يمكننا فصل نشوة الولع (الرحلاتي) بأي حال من الأحوال عن منظومة مسار الجدل النصي التجنيسي الأدبي ونظمه التخييلي ومبانيه البلاغية وربما بات يشكل تقليدا سائدا في معاودة التفكير الكتابي اليوم في مقولات (انتاج المكان / الفضاء) المولدة لأنواع الصور السردية من قبيل البيان / التخييل والتصوير اللغوي والمحاكاتي .. كما أضحى أدب الرحلات من الشائع في زوايا وثيمات سياقية مقولات الانعكاس والتمثيل والانطباع التشخيصي..

المفضية بدورها الى مجمل مجليات شتى الظلال المعنوية لمقولة وخلفيات الصورة المكانية والزمانية والفضائية وتبقى أدبية نصوص الرحلات ولا شك تشكل من جهة ما لنفسها تلك الحاضنة المأربية الجليلة في التآتي لحد الصورة السفرية التي ليست على جهة السفر المكاني فحسب وأنما على جهة تشكلات تدليلية ما من شأنها صنع دلالاتها النظرية والقاعدية في مدار فهم أدوات ووجماليات الفن المكاني في رحم المرجع التراثي العالمي . ومن جهة أخرى يبدو أن أدب الرحلات بوصفه معيارا ملتبسا ومستعصيا على الضبط المخيالي المقايس لدى مخيلة الكاتب الروائي أو الكاتب الشعري ما لم يدعمه بحضورا ــ أي حكاية الرحلة ــ مولدا في السعي لغاية تقنين إدائه الكتابي في حدود صناعة الأنشائية التكميلية والتشكيلية ومقدار ديناميتها في الانجاز الفني لديه إجمالا . هكذا سنحاول في حدود رقعة دراسة مقالنا لفصول كتاب الرحلات للكاتب الروائي العراقي المغترب (علي بدر / خرائط منتصف الليل) لنعاين من خلال أسلوبية

رحلات هذا المنجز حجم كيفية عرض الكاتب لقيم أنتاج المكان / الفضاء وحجم انتاج ذلك التشكيل التقديري في عضوية الصورة السردية الرحلاتية في نقل خرائط مرجعيات كتابتها ونقلها وتحولاتها ضمن أسس خرائطية تقاويم العوامل والمكونات العمرانية والتأريخية والبشرية وتمظهراتها كعرض لمفهوم الصورة السفرية الناطقة بلسان حال الظرف الشعري الراهن في تحاورات السارد مع هوية الأمكنة والشخوص والأضواء والمناظر الطبيعية وعلاقته الشخصانية الانطباعية بمجال الأدباء و الكتاب في حاضنة مقاهي وليل تلك المدن اليوتوبية . من جهة أخرى يبقى رصيد تلك الرحلات ما يشكل خطابا تعبيريا دالا وكيانا رمزيا وجماليا ووظيفيا في مستقبل كتابات الكاتب الروائية.

 

الصورة الوصفية في موسيقى شعرية المدن

ونحن نقرأ تصديرات وعنوانات ودلالات وأيقونات أدب رحلات علي بدر ، تواجهنا قبل الدخول الى صلب زمن فصول رحلاته ثمة مقدمة تبويبية للمنجز نفسه يقول فيها الكاتب شتى من المفاصل الفقراتية التي تخص عوالم نصية وتنصيصات ثقافة الرحلات وعلى نحو اضحت وكأنها وجهة نظر الكاتب الاستقرائية والتوصيلية التي أتسمت بطابع الإقناع والتأثير والمؤانسة والمقبولية في محاولة منه أي الكاتب لتجميل وتحوير نمط صفاتية الرحلة بنوع من المغايرة والتعميمية التي من شأنها بالتالي منح محطة التلقي تلك القيمة التعريفية بتعدد الذات المتكلمة بلسان آحادية الضمير المتكلم في شتى تحولاته الظرفية والفضائية وعلى مستوى راح يتفاعل مع إجرائية محور الأشياء والحالات في تجربة الرحلة : (في الباخرة التي أقلتني الى بيروس ..

تذكرت المقطع الذي أجبر أرثور رامبو على الهجرة والرحيل الى أفريقيا .. أن السماء المخضبة بالبطولة تؤذن بالليل لا بالنهار..أن الحياة الحقة هناك .. في مكان آخر .. رامبو / من الذي يدفعنا اليوم الى الهجرات والرحيل الى المكان الآخر .. حلم اللاعودة ..أم الحلم بالوصول .. المنفى والمكان المستحيل أم الصورة الاستعارية للفردوس؟ / الفكرة التقديسية غير الهندسية للكون

ــ الكوزموس ــ أم الأصول الأولى لأدابنا الشرقية والتي تعني البحث عن العالم المكتنف بالغموض والمحاط بالجمال العصي على الوصف ؟ الأحلام غير المتبلورة عن الفردوس الأرضي أم المكان المجهول دون حدود ؟ . المقدمة) والحق أن نقول بشأن عوالم منجز علي بدر الرحلاتي أنه يشكل في حد ذاته ضمير التنصيص المرجعي التقويمي في نظرية ومحصلات أنساق الصورة الأفقية لقراءة أوليات مدد تراث المدن الأستدلالي وصولا منه الى محاولة توسيع مدار خلجات ومغامرات الأفكار والتخيلات وحلقات التأليف المونتاجي لديه . مما راح يجعل أوليات الأشكال التصويرية في علاقة مطلقة بثلاثية (الكاتب / المدينة / شعرية المتخيل) وهذه المحاور الثلاثية ما راح يفضي منها بدوره الى استقراء أهم المفاهيم والتصورات الثقافية في أتون سرديات ذهنية السؤال المركب والمتاح في تقديم طرحية أفتراضات الأنا الباحثة والمنقبة في متاريس المركزية الصورية الرحلاتية في وجه ومدار اطلاقية معنى الإجرائية الرحلاتية وكيفية معجمها التفصيلي الخصيب في دلالة (رؤيا / فكرة / مواءمة / هوية / استنتاج / دليل / مؤول) ويسفر مفهوم دليل ودال (الرحلة) لدى فصول منجز نصوص (خرائط منتصف الليل) نحو وثيقة من التحدد أو اللاتحديد في مختلف فضاءات نصوص الرحلات بطرق متباينة . فقد يكون هناك رحلة ما تشكل في ذاتها نقطة خصيصة (النص الداخلية) وهناك بالمقابل منها ثمة رحلة ما تشكل في حد ذاتها وحدة كلية ضمن خريطة علاقات المراحل الظرفية وتشعباتها في آفاق الوظيفة الدلالية المزدوجة للسائح نفسه، أن القارىء لكتاب (رحلات علي بدر) قد يتصور لنفسه بأنه يقرأ عملا روائيا حول هوية موضوعة روائية تخص انتاج المكان مع وجود أرضية أنساقه الفنية والأسلوبية في صناعة المروي السردي . كحال رحلة دلالة فصل (رحلة الى اسطنبول) حيث نجد الروائي علي بدر عبر ملامح هذه النصية الرحلية يسعى الى وصف عناصر المكان / الشخوص / الزمان / العلاقات / طبيعة الأشياء الساكنة وغير الساكنة وكأنها تمرر داخل فاعلية علاقة الأفق البنائي الروائي . ذلك لأن جميع تواصيف ومرويات ومشاهدات الروائي في حدود هذه الرحلة قد حلت في بنى مجالية واسعة من الحبك والشد والتعقيد والرسم والتحولات السردية الحركية المنجدلة في دائرة الإجرائية الروائية المتسللة هرميا وعلى نحو باتت الأنساق المتشكلة من خلالها تبدو وكأنها سيناريوهات لقطاتية قادمة من مسارية شريط سينمائي مضغوط بعناصر الفلملة السينمائية وفي كافة عناصرها الحقيقية الراسمة لدور لعبة وصناعة الرواية السينمائية المرتبة في البؤرة والتوظيف والمواقعة والتكوين . فالنص الروائي إذن في رحلات  منجز(خرائط منتصف الليل) قد جاءنا كعنصر فاعل تحت جنح النص الرحلاتي وكنوع متواضع من الأنتشار التأطيري في أفق أنتاج شفافية نص رواية الرحلات المروية بطريقة السارد العليم / المؤلف كإشارات متداعية من المنتوج الوصفي الداخل بنسق علامات سلطة المؤلف وضماناته في العودة الى النص المروي على نحو دلالة جوالة تعكس حقيقة تلك الرحلات السردية في فصول الكتاب .

 

(رحلة الى اسطنبول / في ظلال البازار الكبير

و في ساحة / فضاء آليات رحلة المؤلف الى بنى مدن اسطنبول نراه يستهل في بدء تصديرية كل رحلة فصل من فصول رحلاته بأبيات شعرية لشاعر كبير أو صغير من شعراء تلك المدن التي قام بزيارتها : (رويدا رويدا .. بتمهل وببطء .. وكمثل من يكتشف متحسسا بيديه جسد امرأة غريبة تعرفت عليك .. مع أنك موجودة دائما .. منذ أن اقتنع ــ المغاربون ــ بأقوال كاهن دلف وسكنوا في شبه الجزيرة المقابلة لشاطىء العميان .. بل وقبل ذلك بكثير .. منذ أن بنى الأنسان الأول ملاجىء القصب عند مصب نهر ــ كاغيت هانه ــ في الخليج لتحميه من الوحوش الكاسرة ..منذ ذلك الوقت موجودة كنت وحتى الآن / مقطع من كتاب حبيبتي اسطنبول للكاتب التركي نديم غورسيل) أن دقة وعناية مقولة العتبة الاستهلالية في مركز الحالة النصية المذكورة في أعلى الرحلة السردية الشعرية، هي ما يحدد فيما إذا كان المؤلف / المسافر / الراوي يكرر نفسه في نصوص رحلاته ــ بعد رحلة النص الأول ــ أم أن نصوص رحلاته اللاحقة تكون بمثابة ايقونة تنويعات على متن إيقاع مركب المغايرة في التجربة والرؤية . بيد أنها تبدو بالتالي ــ أي الرحلات ــ قادرة على ديمومة فكرة التوفر في أكثر من نص رحلة وفي هذه الحالة يتكون أكثر من نص رحلوي رئيس للراوي حيث يمكنه من خلاله أن يتشظى في محاور رحلات أخرى متقاربة في التوصيف والإحاطة: (حين وطئت قدماي اسطنبول أول مرة كنت أعرف جيدا أي أرض وطئت .. لا أتحدث هنا عن التأريخ وهو أمر لا يمكن إهماله بأي حال من الأحوال .. ذلك لأنها مدينة تجاوزت هذا الحس العادي الذي نطلق عليه مدينة التأريخ لأنها مدينة صنعت التأريخ ورشحته وعممته..بل شغلت الناس وشغلت التأريخ على مدار القرون الخمسة المنصرمة .) وهكذا يتمكن المؤلف / السارد / السائح من تحويل ذلك المحسوس ــ التأريخ ــ الى صور فنية حيث يعبر المؤلف من خلاله عن قدرته في تصعيد الواقع المعاش ويتمكن بالمقابل منه المتلقي في أن يستشعر حجم ومدى هذه المدينة الجميلة وما يدور حولها من أحساسات عميقة وخصيبة حيث مكنه من اكتشاف ما لهذه المدينة من جذور تأريخية معكوسة داخل روافد حيواتها اليومية من اتزان وانسجام وإيقاع وصور تحصيلية نابعة من النطق العادي لمدركاتها المعمارية والبشرية وقد جعل المؤلف لهذا النطق الأيقوني معنى جماليا يخلع عليه ضربا من الامتلاء في تعامله مع طبيعة الأشياء وما يجري فيها من شرائط احتمالية وخيالية وفنية : (كان السائق كبير السن يرتدي قميصا أزرق ويضع على رأسه بيرية حمراء قانية .. سار بي هادئا من مطار أتاتورك الواقع شمال شرق اسطنبول نحو فندق فيلا زويرخ في ضاحية بايوغلو / كنت أقلب دليل الرحلة الى اسطنبول الذي طبعته دار إيفير في باريس وقد أرسلته لي صديقة فرنسية كانت مولعة بالسفر الى تركيا وقد كتبت لي على غلافه الخارجي مقطعا من رحلة تيوفييل غوتييه الى اسطنبول غير أن هذا الدليل لم يكن يقدم سوى معلومات بسيطة ومبتذلة عن المدينة .. فالوقائع التي تحيط بي والتي كانت تزاحمني من نافذة السيارة كلما رفعت رأسي تكذب المعلومات التجريدية والسطحية المكتوبة بشكل مبتذل في الدليل .. وعلى رصيف البحر حيث انعطف السائق بي كانت البواخر التركية شبه المتداعية مزدحمة كما لو كانت بواخر لاجئين .. واسطنبول الصباحية تفوح برائحة الأحجار و الأزهار الموضوعة في الزهريات بعناية .) أن منظور الإدراك الجمالي الحسي لدى مخيلة علي بدر هو بوضعه لحظات حقائق المعاينات الوجدانية لعوالم تلك المدينة ومدركاتها الكونية ، في حدود أقرب الى المشاهدة الأنطباعية منها الى المشاهدة الأبداعية التي تمكنه من الأحساس بحقيقة الجمال الخالص . وهذه القدرة الأبداعية موجودة في الأنسان المبدع تحديدا حيث تكمن في داخله و في أعماقه الشعورية واللاشعورية ، وهذا الأمر كامن في العقل الباطن أختزنه الأنسان من جراء ما اكتسبه من خبرات جمالية سابقة . وفي هذا المختزن الجمالي تكمن حقيقة الصور والمعاني بشكل دقيق حيث تتداعى عند استدعاءها الأول .

 

دراما يومية في عدسة المشاهدة

أن التركيب في لغة المكون السردي كما في اللغة الشعرية: صيرورة الأداء الفني .. كيفية في الإنجاز وفعل البناء ..

أداء في الخلق والتعبير أو الشكل والتصوير المؤديين الى ابداع المعنى الإيحائي . فالمعطيات الرحلوية في فضاء رحلة تجوال السائح / المؤلف في شوارع وفنادق ومقاهي ومناظر اسطنبول تأخذ بالمعنى المشهدي المصور في لغة وعدسة دراما المؤلف في التقاط المناظر اليومية حيث ينفتح كلام السارد تدبرا وتأملا وتأويلا . وهي بمثابة الصور القادمة من عدسة كاميرا التلقي حيث تجيء على الضد من جنة الأحلام الوهمية أو التمنيات الفنتازيا المفقودة . إلا أننا كقراء وجدنا مجمل كلام ومشاهدات السارد كحالة من حالات مساحة الوصف الشعري المكثف في فضاء صميم مكونات التصويرية المشهدية وتوصيفها المؤثر (توقفت أما بوابة الفندق الزجاجية الكبيرة في شارع جيهان ..هبط مسرعا وترك باب سيارته مفتوحا .. أنزل الحقائب بسرعة فتلقفتها منه عمال الفندق / دخلت الفندق لم يكن مرتفعا كثيرا كان صغيرا متواضعا بثلاثة نجوم ولكنه محايد وحميمي جدا / دخلت الصالة وتوجهت نحو موظفة الأستعلامات .. توقفت أمامها وأخرجت أوراقي وجواز سفري .. ــ عراقي؟ ــ نعم؟ ــ أهلا وسهلا .. ابتسمت .. أكدت لي الحجز أعطتني ورقة قدمت لي المفتاح .. قلت لها بالتركية بأني أريد حجرتي مقابلة للبحر ..

ابتسمت كأنها لم تفهم ما قلته لها .. ألتفتت الى الشاب الذي يجلس الى جانبها وقد فهمني مباشرة .. ابتسم لي وقال لها بأني أتحدث التركمانية العراقية ثم ألتفت نحوي وقال : هنا لا يفهمون إلا التركية الحديثة .. / ساحل البسفور / .. كنت أنظر الى الأسوار الى صفوف الأزهار الشفافة الى التلال العالية العصية على التسلق /هذا المشهد البسيط والمحايد يلح على ذاكرتي كلما سمعت هذه الكلمة السحر التي تنتهي الى عالم الخيال أكثر مما تنتهي الى عالم الواقع .. اسطنبول)

 

تعليق القراءة

أن قراءة نصوص رحلات (خرائط منتصف الليل) ومنذ بدء حلقات رحلة (رحلة الى اسطنبول) وحتى آخر حلقات رحلة (رحلة طهران) نعاين بأن الذات الساردة تتعرض بحكم تفاعلها الحسي مع الأشياء في تجربة الأكتشاف الى خطية من التحولات المشهدية النوعية وتقابلاتها التوصيلية الى غاية جميلة من المغايرة والإطلاق والبنيانية الإختزالية المعبرة . وعبر ما يمكن أن نقوله حول ثيمة تجربة نصوص الرحلات السردية لعلي بدر في فحوى منجزه الرائع (خرائط منتصف الليل) بأنها جملة وقائع نصوصية تستلهم الأجواء المكانية الى مدركات تسجيلية مخيالية خصيبة راح يتمخض عنها بطريقة المحمول الذهني الأنطباعي فضاء المدن وهو يشذب شعرية يوتوبيا السرد . إن الكلام حول دلالات رحلة علي بدر ما هو إلا ذلك الفضاء الذي راح يبني الأحداث الرحلوية لأفعالها وهي تقترن بمنتوجها المونتاجي واللقطاتي التوصيفي الساحر للروائي الذي أخذ من رصيد رحلاته لتلك المدن الكبيرة مع شخوصها المارة وعرباتها ومبانيها ونساءها وشعراءها وأزهارها وأساطيرها وآلهة شعوبها الخرافية بمثابة تلك المخطوطة الذاكراتية لخرائط نصوص منتصف الليل الروائية.

 

حيدر عبد الرضا

 

الصعود للسماء بسلالم من ألم .. قراءة تحليلية لنص: خفان كلما اردنا النزول من السماء للكاتبة نضال القاضي

sadia alsymawiعندما تكتب المراة العراقية نصا لابد ان تنقل ملامح تجربة ذايتة سواء ان كانت منقولة من ذوات نساء آخريات ام هي رؤية للمراة الكاتبة نفسها، في نهاية الامر هو نقل لمعاناة لطاما شكلت انطباعا مرسل الينا عبر نص مقروء .. ونص الكاتبة (خفان كلما اردنا النزول من السماء) للاديبة العراقية نضال القاضي خير مثال على ذلك .

ملعقة .. ملعقة – شوكة شوكة ..شك ومزيد من الوقت حتى اصبح لايفارق ذات نمى فيها، تعداها لاطوار عدة .. صغير (معرفة) ترعرع بارض خصبة ليصبح صورة متكاملة الجوانب (يقين).

هواجس تفرض نفسها، تصطدم ببعضها بشكل عشوائي (محشورة ببعضها) تتصادم لتنزوي في خانة واحدة .

حفزت بصيلة الدم الميت في الشعر لكي تعلن عن نفسها بشكل ملموس من خلال انزلاقها على وجهها .

(خصلة حمراء انفرطت من راسي) لكنها تابى الا ان تصب هواجسها في ناصية الشك، هواجس الذات الغاضبة تستعيد حركات مرتقبة منه، غضب مفتعل، يأس ناتج عن مواقف محسوبة عليه تجعله متمردا، يتمسك وتلاليب الغرور (انا فلان) .

تنتقل الرؤية لدى الكاتبة من عوالم الذات (الغير ملموسة) الى عالم ملموس (صوت وصورة) من بيت الى محطة الباص .

حين يختلط الامر بين الشعور والرغبة لابد ان يقف منطق السلوك حائراً.. فاي رغبة بالضحك ترافق شعور برغبة البكاء وكلاهما نقيضين يورثان الانسان الفوضى المنتهية بساحة استبداد المشاعر الصادقة بالرغم من ان كلا الشعورين صادق .

بين سطور النص تكمن الانثى ..

صور لامراة شرقية حمكت عليها الاعراف بالسجن بين جدران المظهر وانزلاقات ذوات الجنس آلاخر.

مارد اللون الجسدي المرئي ترك انطباعا ذكوريا عن هوية انثى (بشرة سمراء) لم يسعفها اللون الابيض ولم يضف لها اشراقا كما تعتقد الامهات في وصاياها .

فالامر منوط بمشاعر كينونة اخرى، منحتها حصة من خسارة وتجاهل لوجودها ..

الاعوام وحرب الاستحالات وحصاد سنين القهر والضحك الفارغ من الفرح والبكاء على مانشرت الازقة من موانع للطيوف العذراء كلها حملتها انثى بسلة الجسد المنهك .

نص لامراة شرقية خبرت طبيعة المراة الناشئة في وديان شبة جافة من الحياة المثلى .

امراة الارض السمراء التي اتسمت بالحب اليقض، لايفارقها الوفاء قي غمرة خلوة الحب تلك الخلوة التي تنوعت في اسلوبها ومحيطها.

حيث تجاوزت الانثى المحبة لشريكها انحدارات مخطورة قد لاتستمر لاخر الامر، فالذات خير واد ٍ لمدفن الهفوات ولكن الصمت عن تلك الهفوات ق لايعني دائما رضى او قبول بها ..

بل هي ترنيمة امراة شرقية عليها الانصياع الى رباطها المقدس كي يدوم .

اورررراق اورررراق.. قد لا تكون هذه الاوراق في حوزة رجل تجاهل شريكته المرمية في اتون الانصياع الى رباطها المقدس .

لكن الاوراق هذه المرة اوراقها هي، بدءاً من شرارتها الاولى التي اطرقت ذاتها (انه يكذب) وانتهاءاً بخطوات مبتعدة ليس كاي جارية لرجل اسمه قلم واوراق، بل لفم لم تشعر من قبل بنتانة انفاسه الا حين كذب وكذب عليها .

فشبكية عين تحب تتجاوز عتمة القبيح لدرجة ان تغلق نوافذ الاحساس والشعور خارج نطاق الجمال .

وشعورها (لاول مرة برائحة كريهة تصدر من فمه) ماهو الا شعور بتقويم شبكية عين لطالما رافقتها العتمة .

قلم واوراق ونص يخلق ذكريات ويحركها من محطة سردية فتحت ابواب الذاكرة كي تنطلق بودائعها الى القارئ دون ان يعلم انه مرهون بنطاق ذات الكاتبة ولايتسلق اداراكه الا شجرة سرد وصولا الى امراة علقت خفيه على الباب الخارجية لبيتها، ذلك الذي تركت الكاتبة الخيار للقارئ عن ماهيته وماهية ما (حكته الارض وهو يمشي) .

 

خفّان كلما أردنا النزول من السماء / نضال القاضي

كنتُ أعرفُ أنّهُ يكذبُ ويكذبُ ويكذبُ..يجلس على الكرسيّ ويكذب,حتى وأنا في المطبخ أجلي الصحون هو يكذب صحناً صحناً..ملعقةً ملعقةً ..سكّيناً سكّيناً..شوكةً شوكةً فـأعيدُ ترتيبَها كلاّ في خانتهِ لأجدَها في المرّة التاليةِ محشورةً ببعضها في خانةٍ واحدة .وفي ذات خصلة حمراء انفرطتْ من رأسي فدفَعْتُها عن وجهي الى الخلف وقَفَ يغطي كُتُبَهُ بالسّباب ..بيأسِهِ وبتمرُّدِهِ:أنا فلان..فلااااان!!! ثمّ رفعَ يدَهُ فاستدارَ نصفُ وجهي الى الجهة الأخرى وقطعتُ أربعةَ.. خمسةَ سلالم حتى محطّة الباص..هناك صاحتْ امرأة : أنت ِ أيضا ؟!اليوم أيضا!؟وأنا أنظر الى يدها تصعد وتهبطُ على ساقها بخفّة فيما راحت تتسلّقُ درج الباص بهمّة رغم بدانَتِها لتأخذَ مقعداً مجاوراً للنافذة ,

لابأس ! لابأس ..وأجمع صحونَ الغداء ثمّ أعملُ مشاركةً مع صديقةٍ لي فأسمعُهُ يتمتمُ :مَن هذهِ الصديقة؟! من أين لها صديقة؟ فأفكّرُ ُ..لو أنّي أفكّرُ معه! سأ فكّرُ !..إنّي أفكّرُ حقّا وأبتسمُ ببلاهةٍ لم تُعْرَفْ عنّي من قبلُ.. بل وزدتُ عليها بقهقهة ٍصامتة ٍطويلة ٍلاتتوقّفُ كمنغوليّة! ..ربّما كنت أريدُ أن أبكي فضحكتُ !ياإلهي!.. هل غدا التمييز بين البكاء والضحك عصيّا لهذا الحدّ؟!! يالي من !!وأعقبتُ بفتور ..مَن هي فعلا ؟مَن هي هذه الصديقة ؟من أين لي ؟يالي مِن !! كانت يدُهُ قريبة ًمن يدي ذات مرّةٍ فاقشعرّتْ ذاكرتي..اقشعرَّ بصري وكذا سمعي ..بل حتى تنهُدّاتي وتذكّرتُ ..نعم تذكّرت..أنا في الحقيقة كنتُ أريدُ أن أتجنَّبُهُ فاحتميْتُ بذراعهِ عن طريق الخطأ ..عيناهُ عينا طائرٍ فزِعٍ وهو يخبّئُ فمَهُ في أذني :

-هل أرَحتُكِ أمس؟..

كان رأسي رقبةَ ذلك الطائر الفزع.. تلوَّتْ.. وأكملَ:

-أريد أن أنام.

يبدو أنّهُ لم ينَمْ جيّدا .فجرّني من يدي أسفلَ أسفلَ أسفلَ.. ثم قاطعاً بي شارعاً شارعاً..حتّى سهلٍ ..أو شُبِّهَ لي ..وتلّةٍ أو شُبِّهَ لي بعشبٍ جافٍّ بدا ذهبيّا رغم ماتخلّلَهُ من ظلمةٍ شاحبة..تقطعها بلا مبالاة غيومٌ خلفها غيمةٌ بطيئةٌ كفَهْمِ جارتي التي كلّما سألتُها بدَتْ لي مثل نسخةٍ طويلةٍ من تلفُّتٍ رغم أن لاأحدَ سواي معها ..لاأحدَ غيري كي تلتفتَ إليه !! هو على حقٍّ إذن !!لم تكن هناك صديقة, لم تكن..! فأحملُ صحونَ العشاء دون عمل مشاركةٍ مع صديقة لي لاوجودَ لها فهو صادقٌ وأنا أحشرُ الصحون والملاعق والسكاكين في خانة واحدة ..هو يفرزُها في كلّ مرّةٍ ويعيد توزيعَها على الخانات!,هكذا أكون قد أنهيتُ أعمالي البيتيّة وآنَ أن أدخلَ غرفتي..سأرتدي قميصا أبيضَ فلطالما قالت لي أمّي جميلةٌ أنت بالأبيض رغم أنّك سمراء ,مع الأيّام ياأمي زادت سمرتي! .. قطوعاتُ الماء والكهرباء..مساحيق الغسيل الحادّة..توقّفُ حواراتِنا بعد فلم سهرة جميل .. حلّت محلّها تحقيقاتٌ بألسنةٍ ناريّةٍ لها إصبعٌ دفعني مرّةً بطرفِهِ من ظهري ومضى ليقضي يومين مع امرأة أخرى ,أرسل لي كلمتين فقط :أنا نادمٌ فنسيت وعدتُ اليهِ ,وكلّما جئتُ لزيارتك ِ شدّدَ:

-هل وصلتِ؟ لمِ لمْ تخبريني بوصولكِ؟ألم أقل لكِ أرسلي لي مسجا عند وصولكِ!

وأنا أحدّقُ في وجههِ يفترشُهُ سهلٌ أو شبّهَ لي.. بعشبٍ بدا ذهبيّا رغم الظلمة الشاحبة تكوّرُهُ تلّةٌ أو شبّهَ لي فأتحسَّسُ ببطءٍ خَنَسَا في أنفي و تنفرجُ شفتاي :

-لقد انشغلتُ بـ.....حسنا سأرسل لك مسجاً في المرّة المقبلة .

لكنّني ازدَدْتُ سمرةً في المرّات التي أعْقَبَتْ ..صرتُ طاعنةً في السُّمْرة ..صرتُ أخفي يديّ كي لايرى تقشّفَ أظافري..وأضمّ أصابعَ قدميّ كي لاينظر الى تشقُّقِهِما وأنا أقرّبُهُما وأباعِدُ بينهما على شكلِ الرقَم ثمانية..مع ذلك كلّهِ ارتديتُ القميصَ الأبيض.. لن يفسد قميصٌ أبيض عليّ سمرتي!!..وبدوتُ وأنا في داخلهُ مثل أبنوسةٍ مشقّقةٍ بخيطانٍ بيضٍ ..أو أجاصة ٍداكنةٍ مدعوكة..ثم ّرأيتُ قهقهاتٍ طويلةً صامتةً لاتتوقّفُ معها شفتي السُّفلى عن الإرتعاش ..كمنغوليّة فيما يتغضّنُ البياض عليّ وينكمش..هل كان القميصُ يضحكُ عليّ أم معي؟..هو ..قطعا ً..لم يكن ينظرُ إليّ ..كان وجهُهُ في أوراقهِ..في أوراقٍ بل أورااااااااااااااااااااااااااااااااااااقٌ وأكثر.. يدقّقُ فيها ويؤشّرُ لي :

- فنجان القهوة.

ليس هو بالتأكيد من كان يضحك..فهو صادقٌ لايكذب!.. لم يكن هو..! كان يدقّقُ ويؤشّرُ وحسب ..أنا مَنْ أرتدَّ قليلا إلى الوراء حين شعرتُ لأوّلِ مرّة برائحةٍ كريهةٍ تصدرُ من فمِهِ فتلاحَقتْ خُطواتي مبتعدةً بي..:

- فنجانا آخر

أسمعُهُ ..لاأردُّ ..كان بيني وبينهُ سلّمٌ ,حمّام مهجور لايصعد الماء في صنبوره طوال الصيف ثم غرفةٌ طويلةٌ في نهايتِها خزانةُ ملابس وأنا أستبدلُ القمصانَ قميصا قميصا.. فنجانا فنجانا..ثم أرتديها جميعَها واحدا فوق الآخر وزعيقهُ يصلُ إليّ فأهُشُّهُ عنّي بعنادٍ يرفعُ قدمي ويضرب بها الأرض ..ثمّ أنهمكُ بفتحِ زجاجاتِ العطر وإفراغِها على رأسي ..كتفيّ ..ساقيّ وأدورُ تحتها كما لو كنت آخُذُ "دُشّا".. زجاجةً زجاجةً حتى أتيتُ على آخرها ..ياالله !..الزجاجات فارغةٌ الآن.. أفواهُها فاغرةٌ تتوسّلُني لاهثةً من حولي وأنا أقطعُ طريقي بتيهٍ مثل أميرةٍ اصطفّت خلفها وصيفاتٌ من زجاجاتِ العطر ِالفارغةِ فيما أخْفَتْ ألأكمامُ المختلفةُ أصابعي تماما ,لم تكن ابتسامتي جذّابةً بل لا تنقطعُ.. كبلهاء.. تُذَكّرُ بجارةٍ طويلةٍ تتلفّتُ وأنا أنزل إلى الأسفلِ أكملُ سيْري حتى السّطر الأخير من الورقة,حيثُ لايصلُ فحيحُ الزجاجاتِ الفاغرةِ الفارغةِ من فوق فقد تعطّل تماما بمرسوم ٍ مغطّس ٍ في بُنٍّ وفتاتِ خبزٍ مُحَمَّص,هو الآخرُ لم يعد يراني..فهو يقطنُ في أعلى الصفحةِ وأنا مازلتُ أقطعُ السلالمَ إلى الأسفل ..ثمّ ..هناك ..في العمْق لم يعد وقْعُ خطواتي مسموعا ,ولاحفيفُ قمصاني حين مَسَّ زهرةً تدلّتْ على الحياد من رصيف ٍ وظلّتْ حياديّةً حتّى حين شاكستُها بعطري الفائر .لكن ماأن وصلتُ السّهْل وجدْتُ زعيقه قد وصل قبلي..واهناً .. ثمّ بدأ يقوى أكثر ..أكثرَ ..ويهزّ يدي بعنف.. فأفلتُهُ بعنف.. انخرَطَتْ معهُ خرخشةٌ اتّضحَ أنها أساورٌ كانت في يدي ,لم أهتمّ, صِرْتُ أدفعهُ..وأذهبُ معه ,يدفعني ويذهبُ معي , أنفضُهُ وينفضُني ,أتعبُ ويتهالكُ..ثمّ تمدّدَ على ظهرهِ يراقبُني بصمت..وأنا أغطّيهِ بقُبَل ٍ قديمة ٍ لم أجِدْها ..لم أجدْ طريقاً إلى فمِه ِ الذي أتلفهُ الزعيق ..فجعلتُ أقطع شتلاتٍ من هنا وهناك وأفرِكُهُ بها فركا ًثمّ أرميها وآتي بغيرها حتى بدَتْ الأرضُ معها ساحةَ معركةٍ حقيقية انتشرَتْ فيها خِرَقٌ التفَّ بعضُها ببعض.. بسيقان الشتلات الذابلة.. بأكثر من فم ٍ شاهدتُهُ يقطُرُ ..كانت عيناهُ شاخصتين هناك..فوق, فرفعتُ رأسي ببط ء الى السماء.. ياإلهي ماأعمقَهُما ..كيف تسلّقتْ دمعتان هذا العمقَ وسالتا من السماء على صدْغَيهِ ؟!..ونَزَعْتُ عنه خُفّيْهِ وأطبقْتُهُما على بعضِهِما ..رحتُ أضغطهُما بإحدى يديّ على صدري ,في اليد الاخرى أجمِّعُ ماتناثر من الخِرَق وأغطّيهِ ..أحشُرُ فيه الأحرفَ الساكنةَ ..المتحرّكةَ..الفوارزَ ..علاماتِ التعجّب ..الإستفهام ..حشراً بعضها بجانب ..في ..فوق ..تحت..بعض حتّى السّطر الأخير وقد امتلأ وأتخِمَ تماما..بقِيَتْ معي نقطة واحدة فدعكتُها دعكاً بين إبهامي وسبّابتي ووضعتُها على جبينِهِ ثمّ نهضتُ..هل نهضتُ ؟لقد شعرتُ بقامتي تقفُ بي.. بقدميّ لاتضمّان أصابعهما فلا تنحرف خطواتي على شكل الرقم ثمانية وجارتي لم تعدْ تتلفّتُ .. باغتَتْني وأنا أقفُ على حَجَرَةٍ أعلّقُ خُفّيْهِ أعلى الباب فأمسكَتْ بي كي لا أتهاوى :

- ماذا تفعلين؟

أعلّقُ الخُفّيْن فوق الباب !

لِمَ؟..ها ها ها.. أمِنَ الحسد؟..هاهاها..أنتِ بحدِّ ذاتِكِ مانعةُ حسد ..هاهاها..ماهذا ! لقد تقدّمنا كثيرا !! إنّكِ تتكلمين بوضوح !!شَفَتُكِ السفلى لاترتعش ..لاتضحكين كـ..(وكسَرَتْ عينَها بحرجٍ وهي تبتلعُ منغولية).. ولاتتلفّتين !!..مرّةً قلتُ في نفسي ستخلعُ جارتي رقبَتَها يوما!! ..ياإلهي كم هو رائع..رائعٌ حقّا ماأشاهدُهُ الآن..لكن أين زوجُكِ ؟هه!

- راح...!

-راح !.. أين؟!

سألَتْ بفتور و حرَّكَتْ عينيْها باتّجاهِ خُفّيْهِ وأنا أفلتُهُما من بين يدَيّ..ثمّ وأنا أعاودُ حمْلَهُما وأرتقي الحَجَرةَ ثانيةً فأتمايلُ فتعود تمسكُ بي كي لاأتهاوى..حتّى انتهيتُ من تعليق الخفّيْن ونزلتُ عن الحَجَرَةِ أمسحُ يداً بيد..بنَفَسٍ مُتَقَطّع :

-- راح..(بحْ) .. (بحْ)..حكّتْهُ الأرض وهو يمشي .

 

         

سومري ينقش حروفه بإزميل الزمن

904-zaydanفي شتاء ساخن.. قصص للروائي والقاص زيدان حمود، من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

ضمت المجموعة القصصية 15 قصة في شتاء ساخن، في الليل وعند الظهيرة، همس متواصل، امتداد، غناء، سيدة الصمت، صوت، انحراف المسافات، عندما تحدث سلطان، دائرة حسابات العبود، ما حصل في اليوم الأول لاختفاء القافلة، في دائرة الصدى، دفوف، مدخل إلى رقصة صوفية، ماء .

المدخل: إلى بوابة الجحيم ..جحيم الحرب:

المرأة التي فقدت ولدها في السوق وهو يبحث عن الطحين ليشبع جوعه وجوع أمه، تجده جثة في ركن من أركانه .

"الحوذي بعينين قاسيتين وجسد مشدود يعلن رفضا قاطعا للانكماش لجبروت الشتاء القاسي، وامرأة عجوز بعينين دامعتين مرتعشتين وهي تطلق نداءها المتكرر

تعبان ..

904-zaydan- عمن تبحثين يا أمي؟

- أبحث عن تعبان .

- ومن يكون؟

- ولدي الوحيد وليس لي أحد سواه

- وماذا يفعل تعبان في هذا السوق المحترق ؟

- لا أدري .. ولكنه ذهب ليشتري لنا الطحين ..

- أليس هذا هو سوق الطحين؟

:القاص كان يخرج كل يوم في أشد حالات القصف ودفتره بيده يكتب مشاهداته لهذا الدمار ..

وعندما نستغرب من ذلك، يقول :أوثق يوميات "الحرب ".

لمسة النهاية في القصة لمسة تشي بالوضع الذي وصلنا إليه فقد وجد الحوذي جثة ولدها الوحيد وها هو يدلها عليه "هرولت العجوز بعينين دامعتين وقلب مرتعش وابتسامة بلهاء فوق وجه جائع وهي تصرخ

- ربما تمكن من شراء الطحين .ص7

ترجل الحوذي عن عربته وقاد حصانه ماشيا خلف العجوز الراكضة وقد أحس لأول مرة أن برد الشتاء القاسي قد تمكن منه تماما "ص8

في قصة" في الليل وعند الظهيرة" ..الروائي ابن مدينته هو المتعلق بها كالطفل المتعلق بعباءة أمه ..هو الكاتب الذي شغلته المدينة وشغلته الحرب هنا، في هذه القصة مكابدات أزهر وهو يشاهد صديقه، من كان معه في ملجأ واحد يتحول إلى كومة لحم لزج ..ومعاناته كيف يخبر أهله باستشهاده بعد ترقبه لحائط في المدينة كانت تعلق عليه القطع السوداء، ويا لكثرتها ..يقول :"ثمانية أيام ؟العائدون ..الناس الذين يسألون ..كل الأشياء توضحت وأنت وراء هذا الحائط، لا تريد للثامك أن يسقط، الحائط يتسع والأسماء تأخذ مدى أوسع، ومجالس الفاتحة شيء للتذكار، لجمع الشمل، حكايا وأحاديث ووصف للأيام الماضية التي عاشها الشخص في النفوس "ص13

يا ألهي ..عمن تكتب يا صديقي ؟!..وكأنك تكتب عنك ! وقت غدوت الآن قطعة من قماش أسود لكنها خطت بحروف من نور، هذه المرة، علقت على حائط الزمن .

في بعض الأحيان نكتب دون أن نعلم أننا نكتب عما يشغلنا، عن حياة نحياها بأفراحها وآلامها ففي قصة "امتداد " البطل يرزق بصبي ..ويضع آماله وتطلعاته به يقول : كان ذلك منذ زمن طويل، انتظرتك فيه، وكنت أحوج ما أكون إليك، ولكنك تأخرت .."ص26

الانتظار قد يطول ليكون لنا امتداد، يعتقد الإنسان انه سيكون له فرع بشجرة الحياة ..يقول مصطفى محمود في كتابه "لغز الموت "

"الفنان والفيلسوف ورجل الدين ثلاثة يقفون على بوابة الموت ..

الفيلسوف يحاول أن يجد تفسيرا

ورجل الدين يحاول أن يجد سبيلا للاطمئنان

والفنان يحاول أن يجد سبيلا إلى الخلود، يحاول أن يترك مولودا غير شرعي على الباب يخلد أسمه ..قطعة موسيقية أو تمثال أو قصة أو قصيدة .

كلنا يخلقنا الموت ..الموت المدهش ."ص21 .

.. في قصته غناء "هناك صوت للغناء يأتي من مكان بعيد يظنه السامع قريبا .. السرد الشيق الذي يؤثر في القاريء يأخذنا حيث الأدراك السمعي، مع الصوت الشجي، يقول :" المرأة الممددة على السرير برداء النوم الشفاف أيقظت زوجها الذي دفن رأسه بوسادة ناعمة، وهو يقول

- أجل أسمع ..متشرد صعلوك ثمل، يطوف الشوارع ويزعج الناس بغنائه الممل .

- أنني خائفة .

- ممن ؟

- صوت الغناء يخرج من داخل خزانة الملابس .

انتصب الرجل وسط السرير هائجا مذعورا أشعث الشعر، عيناه باتجاه خزانة الملابس وصوت الغناء بدأت مواويله تسيطر على المرأة التي تمايلت نشوانة وهي تحاول مسك الرجل الذي قفز باتجاه الخزانة فتحها على مصراعيها وهو يصرخ:

- أخرج ..أنسا كنت أو جن .ص37

هذا المغني الذي شد صوته الجميع الذي أطرب الجميع بالأمس

"عيناه تائهتان، تتطلعان بالوجوه الكثيرة المحدقة به ..فجأة أغمض عينيه، توقف الغناء، أنهار الجميع فوق أرض الفضاء المفتوح، غمسوا أيديهم بالرمل، ضربوا بها على رؤوسهم بقوة وابتدأ العويل ..عويل مكبوت بحرقة دامية وأصوات مبحوحة، عويل جاف يشبه الصراخ استنطق عيني الفتى الذي بدأت ملامحه تعكس صدى الصرخات المدوية التي حلت محل الغناء "ص40

لقد انتهيت من غناءك العذب وما عادت عيناك تتطلعان لنا، وها نحن قد بدأنا فصلا من فصول العويل .

لكل قارئ مفتاح لسبر غور كل قصة لمعرفة الرمز الذي أراد منا الكاتب الوصول إليه أنا هنا ولأني على مقربة من الكاتب فقد ألبست بعض حروفه على شخصه وليغفر لي ذلك .

*ستكون لي وقفات أخرى لكل قصة من قصص المجموعة هذه الدراسة على عجالة .

 

خلود البدري

 

 

معارج العشق"تسقط الجدار العازل بين الشعر والنثر

قوة التخييل وشعرية الخطاب: "معارج العشق" للأديب العراقي عبد الكريم الساعدي أنموذجا

 

تصدير:

لا يستطيع إنسان أن يكشف لك عن شيء إلا إذا كان غافياً في فجر معرفتك

جبران خليل جبران/ النبي

 

مدخل:

 إن الشعرية مصطلح بعيد كل البعد عن مسألة الإيقاع أو الوزن، الذي هو عنصر مهم للشعر.

والشعرية معنى أدق وأشمل إذ يمكن أن نجد نماذج عديدة نثرية، لكنها تغوص في الشعرية، ومن أهمها على الإطلاق، نماذج ابن عربي، ونماذج للنفري.

والقصة القصيرة اليوم تحطم القيود وتتجاوز المنطق أو الضوابط والنواميس فهي تجمع شيئين متقابلين أساسا، وهما قصة، وتشير لجنسها الذي به تعرف، وترتدي سربالاً مخالفا لها وهو الشعرية.

فما الحد الجامع/ المانع بين الجنسين: الشعر والقصة القصيرة؟

سؤال إشكالي لا ندعي الإجابة عليه، فهو يحتاج إلى مقاربات مختلفة ومتعددة.

لكن سنحاول التوقف عند ركيزتين من خلال الأنموذج الذي بين أيدينا وهما:

ـ الركيزة الأولى: اللغة الشعرية:

 ـ الركيزة الثانية: التخييل

 ـ المعراج نحو العشق: تأملات / ومنعرجات:

اللغة أو السنن، وهي الأنساق الصوتية والصرفية والتركيبة والدلالية المشتركة بين المتكلم والمخاطب

وهي نظام يمكن الأفراد من التواصل فيما بينهم.

أما اللغة الشعرية فهي تخالف اللغة أو السنن التي ترتبط بوظيفة الإبلاغ والتوصيل إلى وظائف أخرى أعمق وأدق.

وبالغوص في عمق "معارج العشق" يطوّقنا الكاتب بعقد من الصور والدرر ليرسم لنا عالماً يرفل في الإنتشاء والبوح، نغوص فيه فنعثر على عالمين: القَبْلُ / البَعْدُ.

 ـ العالم القبلي: "قبل أن تلثمني ضحكتها"

بدا الراوي / البطل موغلا في الغربة، وحيداً، محدّقاً في مرايا العطش، مكتظّا بالوجع.

إنّه عالم الروح الكئيب، المثقل بوجع الواقع، المتحطم تحت أصوات العويل والنحيب.

  حتى تبرز صورة الأمواج المتمردة " تقطع مسافات طويلة من أجل موتها" فتتشكل صورة مجازية كبرى، في مكونين يختزلان دلالات عميقة.

(الموج/ الماء/ الصخرة/ الصلابة/ القوة..) رحلة الموج   نحو الصخور.

إن الصخرة أشدّ صلابة من الموج رغم ذلك الموج يخوض التجربة في سبيل معانقة الصخر.

رحلة وجودية/ فلسفية/ روحية، رحلة الروح لمعانقة الصعوبات، رحلة لها مكوناتها ودلالاتها

تنتظم في مسار تراجيدي رهيب: التوق / الطموح / التمرد / المغامرة / الموت.

لكن هل الموت هو النهاية؟

أبداً إنّه التوحّد، والانصهار/ الذوبان/ التماهي.

وداخل الصورة الأولى تنتظم صورة أخرى، صورة الفًراش وعشقه لمواقد النور، يظلّ يدور حولها حتى الاحتراق، ما أجمل أن يسعى الإنسان إلى نهايته، دون أن يخشى المخاطر.

هذه الفلسفة تأتينا من الجماد/ غير العاقل، لندرك أن داخل الكون تنتظم أشياء عجيبة وغريبة ومذهلة،

منها نتعلم كيف تنتظم الموجودات، وكيف نستمد وجودنا وفلسفتنا منها.

هنا ندرك أن الانغلاق على ذواتنا لا يعطينا الحياة التي نتوق إليها، وأن مشهداً بسيطاً قد يغيّر مسارنا إلى  الأبد.

  ـ العالم البعدي: اللحظة القادحة:

لحظة الإصابة بالعشق، وما أروعها من لحظة...وما أجملها  من إصابة.. تضرب الروح فتذوي، ذابلة في رحابه.

تتجلى لحظة العشق سابقة لصورة المعشوقة، لحظة كالنور، يقذفه الله في قلوبنا، ليس لنا أن نختار، ليس لنا أن نتوقف، فتتشكل الصورة بكلّ مكوناتها:

وردة ــــــــــــــــــــ أثقلها الندى

       ـــــــــــــــــــــــ وجدتها صبابة شوق

أغنية ـــــــــــــــــــــــــ عطشى لموائد حانتي

آهة ــــــــــــــــــــــــــــ  تطفأ حرائقي

صورة مركبة، مجازية تنتظم داخل معجم العشق والصبابة.

هكذا تسربت إلى عالمه بكل هدوء، فكسرت شعوره بالغربة ونثرت عطرها فوق شيبه.

آه، ما أروع المعنى المقبور في بطون الصور، وما أجمل الشيب المعطر بهمسات تشعل الحريق وتدفن آثار الحرب وتكسر نواميس القبيلة.

هكذا تكتمل الصورة لتمثل ذروة الحسن،واكتمال اللذة الروحية، الناتجة عن الانصهار.

وتبدو أن الطريق إليها عسيرة فيداهمنا بالسؤال " إلى أي مدى ستنتظرين الأسى؟"

ويتجلى مشهداً حوارياً، مشحوناً بالأسى، يصوّر لحظات قاسية، كحدّ السكين، تشقّ منّا الوريد، وتقطع الأنفاس، فنصغي إلى همس الأرواح ونشعر بالعشق الحارق المكبّل بالنواميس.

ويصبح الفراق كالنار تشتعل في الشرايين.

ـ لحظة البحث عن الهوية:

"معارج العشق" قصة/ قصيدة تبنى  على طاقة داخلية، مشتعلة فينتج عنها قوة التخييل وتتوالد الصور البلاغية، من مجاز واستعارة وتشبيه، وتتوالد معها المغامرة في اللغة وباللغة، وفي العشق وبالعشق.

فتتحرر الشعرية من الموروث الشفوي   / الخطاب الشعري  والإلقاء، إلى شعرية الكتابة ـ بمفهوم بارط ـ وشعرية الانطلاق والانبعاث، لا شعرية القيود والانكماش. إنّه الانعتاق في أرقى تجلياته  .

لقد أسقطت قصة "معارج العشق" الجدار العازل بين النثر والشعر و أزالت  الخيط الفاصل بينهما

وكشفت عن كمّ هائل من المشاعر قد تسكن تلك القلعة الصغيرة (القلب)  التي مهما بنينا حولها الأسوار والحصون فلن نتمكن من تحصينها من نار العشق التي إذا اشتعلت كانت كالسرّ الذي يلتهمنا في صمت.

 إن كتابات الساعدي  قد شهد لها الأستاذ والناقد الأكاديمي أحمد الطنطاوي، إذ قال:

  القارئ للساعدي تجابهه يقينًا مشكلة الحيرة

و التوقف العاجز عن التعبير اندهاشًا و انبهارًا .. و خشية أن يتفوه في محراب

الجمال فيسيء الكلام لبهاء اللوحة و نورانيتها القدسية :

" “فإذا وقفت أمام حسنك صامتا

فالصمت في حرم الجمال جمال

كلماتنا في الحب تقتل حبنا

إنّ الحروف تموت حين تقال

حسبي وحسبك أن تظلّي دائماً

سراً يمزّقني وليس يقال”

(نزار قباني )

.....................

جانب الحيرة الآخر _ المشمول بالانبهار الشديد _ هو هذا المزيج الغريب :

القصة \ القصيدة

القصيدة النثرية \ القصة القصيرة جدًا

الشعر \ النثر

و تلك التوأمة الغريبة التي تحقّق للقصة القصيرة جدًا معنى شعريتها تحقيقًا

كاملاً اجتهد النقاد و من نظَّروا لها في بيان كنهها ..

ها هي شعرية القصة ... لمن يريد أن يرى

.......

الأفكار التى يتناولها الساعدى فى سردياته الإعجازية بحق هى أفكار عالية جدًا ,

و أبطاله على درجة فائقة من الثقافة _ كما وصِفت شخصيات رواية " رباعية

الإسكندرية " لداريل _ و هذا طبيعى , فالأفكار المتجاوزة للعادية و المألوف ,

و السابحة تحليقًا و عمقًا ذهنيًا و صوفية لا يمكن أن ترتدي أردية المألوف

الساذج المتواتر المنتشر و الشائع , و من هنا كانت غرابتها و طرافتها و جدتها

و سحرها المشوق.

...

شكلا و تقنية .. يحدث ( التنامي الدرامي ) ـــــــــــــــ [ وجدانيًا ] .. لا حدثياً

فالتتبع هو لمسارات الروح , و دروب المشاعر و ليس لتطور الأحداث , و هذا نمط

جديد يحسب له باعتباره رائده و مؤكده و مجسِّده وراعيه في طرق الكتابة

....................

سيدي الملك ..

حقيقة لا أعرف ماذا أقول و الله العظيم ..

سأهمس لك بشيء غريب :

كتابتك تصيبنا بالأسى و الحزن أن نعرف أن هناك جانبًا آخر مشرقًا ووهاجًا

لا نراه إلا للحظات قصار .. ثم يغيب فنحزن و نقول ليته لم يجيء فنظلّ في

جهلنا سعداء .. بدلاً من تذوق الظامئ لقطرة ماء تزيده إحساسًا بالعذاب و العطش ,

و يتمنى أن لو كان لم يتذوقها لأنّه قد تعود الشقاء

أحمد طنطاوي

 2016- 5 - 17

  وليس لي بعد إيراد هذه الشهادة حقّ التلفظ أو الكلام فالكلام ـ كما أورد الفيلسوف التوحيدي ـ على الكلام صعب.

خاتمة:

معارج العشق، نص يشتعل شوقا وصبابة ، تعلو منه رائحة العطر المخضب بالشعر والبهاء،

قصة تهمس في الوريد وتتسلق الأنفاس، معراج نحو التجلي والإنعتاق من الواقع المهزوز.

تعانق روحي معارج العشق، ألوح بفكري إلى أعماقها، ترتعش داخلي لحظة غريبة، أغوص في عالم النص، أغرق، أغرق.. أتوغل حتى الجنون، وعندما أرفع رأسي لأخطّ الحرف الأخير تغتالني الدموع، أحدّق في عيني، ويغتالني كطيف.، وأهمس :

"لا عليك سأتسلّق حروفك همساً

أنثر عطري فوقها لأغفو"

ويشتد الوجع

وأعلم حينها

كيف يشعر الوحيد بالضياع

كما الجياع...

كما  الطفل  المحاصر  في القلاع

كما الدم المراق..

كما الوداع..

الوداع، الوداع...........

 

الأستاذة سامية البحري/ تونس

  

 

الشاعرة ميّادة أبو شنب بين رسائل السنونو وكبرياء الأنوثة .. انتصاراً للمرأة العربية (8)

karem merza 1 - المشهد الأول:أبيات من قصيدة لكاتب هذه السطور عن صحيفة (المثقف) الغرّاء تحت عنوان (وهلهلَ الشعرُ يشـدو في علا الرّتبِ...!!) - من البحر البسيط -:

 (ميّادةُ) الشعرِ والذوقِ الرفيعِ وما***جادتْ قريحتُـــها العليـاءُ بالأرَبِ

شعّتْ تحاورنا، في لطفِها أدبٌ **** كأنّها شــعلة ٌمـن (نـازكِ) الأدبِ

مرحى ففي حلبةِ الأشعارِ تُلهمنا **** بنتُ الذكاء، فولّــتْ ابنـةَ العنبِ

" قالوا بمن لا ترى تهذي فقلتُ لهمْ"**صاحَ الرجاءُ: ولودٌ أمّة العربِ

 

2 - المشهد الثاني بقراءتين نقديتين تحليليتين:

أ - مقدمة الديوان، للفنون شجون وشؤون:

 تضع الشاعرة ميّادة أبو شنب في مقدمة ديوانها (رسائل من بريد السنونو) هذه الأبيات من البحر المتقارب، تحت عنوان:

لماذا السنونو؟

لأنّي عشــــــقتُ بها الإنطلاقا

وعشق الفضاء النقي الرحيبْ

وحبُّ الحيـــاةِ وروح التحـــدي

وجرأةُ قلبٍ شـــــجيّ الوجــيبْ

ونهجًاً يفــــوحُ بإنـــسٍ وبشــرٍ

وشكلًا يبـــــوحُ بــــسرٍ عجيـبْ

 

ماذا أبقيت لنا - يا سيدتي -؟!!

بمقطوعة شعرٍ قصيرة من (المتقارب) الشجي، أخذت الدنيا كلها بانطلاقتها وعشقها وفضائها ونقاوتها ورحابها وحبّ حياتها وروح تحديها وجرأة قلبها بشجيِّ وجيبه ...الله الله ثم تطلُّ عليك بأنوثتها الفواحة بعطر الياسمين، وإنس الجمال، وابتسامة الثغر المفلج ... سأتوقف من التمادي مع الميادة، لأن الشطر الأخير، يوحي لي أنها أدركت قد منحت من اللين واللطف والدلع، ما يستوجب الإشارة إلى الشكل بسرّه العجيب، وعلى ما يغلب ظني أنها تعني الاعتداد بالنفس والشموخ والكبرياء الأنثوي ومن يريد أن يتغزّل بها، فبها وحدها، لا شريك لها ...!!!

اقرأ معي ما تقول في مقطع من نص آخر:

 مهما أجمعَت كل النساء

 انك عاشق محترف

 فلن تكون في ظلالي

 إلا عاشقا مبتدئا

تقسيم ولا أروع، وبلاغة ولا أبدع، وخيال ولا أوسع، وسنونو ولا أجمع ...يذكرني متقاربها بمتقارب أبي القاسم الشابي، وقوله:

خُلقتَ طَليقاً كَطَيفِ النسيمْ *** وحُرًّا كَنُورِ الضُّحى في سَمَاهْ

تُغَرِّدُ كالطَّيرِ أَيْنَ اندفـــعتَ ****وتشدو بمـــا شاءَ وَحْيُ الإِلهْ

وتَمْرَحُ بَيْنَ وُرودِ الصباحْ ****وتنعَمُ بالنُّـــــورِ أَنَّـــــى تَرَاهْ

كذا صاغكَ اللهُ يا ابنَ الوُجُودِ **وأَلْقَتْكَ في الكونِ هذي الحيَاهْ

فما لكَ ترضَى بذُلِّ القيــــــودِ ****وتَحْني لمنْ كبَّلوكَ الجِبَاهْ

 أبيات شاعرتنا جامعة مانعة، (كفت ووفت) وأمتعت وأطربت، وتفلسفت، وفلسفت، ولمّا تطرقنا للوفاء، فمن الوفاء أن نذكر وفاءها لأستاذها، إذ عندما أرسلت لي الأبيات، أقرنتها، بهذه الكلمات: " هذه الابيات كتبتها كمقدمة لمجموعتي الشعرية بإرشاد أستاذي الشاعر د. عناد جابر، فقد أُعجبَ جدًّا بأسباب اختياري للسنونو كعنوان لكتابي واقترحَ أن أضع هذه الفلسفة البسيطة كمقدمة للكتاب.

فله كل الشكر والتقدير على الرعاية والتشجيع."

كلمة (الفلسفة) الواردة بالفقرة مجازية، وإلا فالشعر فن وجمال، وليس بعلم أو فلسفة، بارك الله فيك وبأستاذك الجليل ...

 

ب - نص الغلاف الخلفي، يدهشني فأفرده...:

أين نريد الآن أن نذهب ...؟!! مثلما تصفحنا المقدمة، لاريب أن نلقي نظرة عابرة على ما كتبت على وجه الغلاف الخلفي لديوانها (الرسائل... السنونية) من قصيدة وسمتها بـ (سوء تفاهم) .. إليك، ونعقب كما نرى نحن من زاويتنا، لا كما ترى هي من زاويتها، فالنقد هو نصّ إبداعي أدبي تابع للنص الإبداعي الأصلي، والتابعية ليست بالضرورة أن تكون الثانية، فالنص النقدي نصٌّ آخر ...!!، نص شاعرتنا يخاطب الرجل على الخصوص مزدوج الشخصية:

أخافك خريفا مراهقا

وأنا ورقة شجر

أخافك بردا وثلوجا

وأنا تائهة

يغرقني رذاذ المطر

وبكل حواسي الأنثوية

أخافك رجلا صحراويا

يدّعي التحضّر

 

 خلجات نفسٍ لعواطف شاعرية صادقة، متفهمة واعية لطبيعة مجتمعها، بل لتطبّعه على أن يكون ظاهره غير باطنه، وهذا ما أشار إليه عالم الاجتماع الشهير الدكتور علي الوردي في (لمحاته الاجتماعية) عند التطرق في حديثه عن الشخصية العراقية خصوصاً، والعربية بوجه عام، فهو في طبعه أو تطبعه - بكلمة أدق - بدوي، وإن اكتسى قناع التحضر والمدنية، وهذا مرض اجتماعي شائع، الشخص يعيش بوجهين، كل وجه يدرك ما يفعله الوجه الآخر، سيان بوعي أو لا وعي، أي من عقله الظاهر، أو من تراكمات العقل الباطن نتيجة لعقد نفسية منذ الطفولة المبكرة، وهذا غير المرض العضوي الخطير المسمى بانفصام الشخصية، وفي هذه الحالة، يكون الشخص بشخصيتين منفصلتين تماماً، لا تدري ولا تدرك ولا تعرف ما عملت أي من الشخصيتين الشخصية الأخرى...!!

والحق رسمت لنا الشاعرة المائزة صورة الرجل المزدوج اجتماعياً بأروع الصور الفنية والبلاغية واللغوية بما تضمنت من استعارات مكنية متتالية ..خريفاً ..برداً ...ثلوجاً... وبتشبيهات بليغة ...ورقة شجر ...تائهة .. وبصور تخيلية خارقة ..خريفية ..شتائية ..الثلوج تتراكم ... ورذاذ المطر يتساقط ... وموجات البرد القارس يلسعك ... والأنوثة بمسكها وزينتها وزهوها ودفئها تحتضنك، وتنسيك الدنيا بما فيها ومن فيها، وإذا بك ذاك البدوي الصحراوي المتعجرف الأقلح ...الأملح ...!!

هذه الصور الرائعة الخيال الريفي الخريفي الشتوي بطقوس ثلوجه، ورذاذ مطره، وموجات برده، وأوراق شجره، وامرأة حسناء تائهه حتى الثمالة، وأحاسيسها الأنثوية المغرية حتى الأمومة، بما سبقها من تحليلات علمية اجتماعية ونفسية ليست مني، وإنما من الميادة ...!!!!

هذه الميادة أنثى حتى النخاع، أكمّل معك قصيدتها (سوء تفاهم)، وقصتها مع الصحراوي المتحضر ...!!:

 

لغة أخرى

لو كانَ العشقُ مُسدّساً

لأفرغتُ رصاصاته النحاسية

في قلبكَ

أو كان قوساً جاهلياً

لمَزّقتُ بسهامه

صَدرَكَ

حتى تفهمني...

حين اقول: أحبّكَ .

 

مُحاكمة

كشهابٍ حَطُمَ زجاجة السماء

وعلى الأرض ... لم يَرضَ السقوط

ذنبٌ لن أغفرَه

والعقابُ: قبلة

لا بدّ أن تموت

 

في لغتها الأخرى ومحاكمتها، هي أنثى ما بعدها أنثى، لا يعرف الرجل معنى المرأة تماماً، ولا يتحسس بعشقها وتعشّقها حتى الذوبان، ولا يتلذذ بقبلتها حتى الموت، إذا لم يستملكها بالتمام والكمال دون غيره من الرجال، وإلا لم تعد زوجه كما أرادت غريزته - ناهيك عن الشرائع السماوية والقوانين الوضعية والتقاليد الاجتماعية -، وغريزة التملك نفسها عند المرأة، ودافعها الجنس، لأن الرجل والمرأة نوع واحد، والحق الأنواع المتباينة لا يمكن لها التزاوج، إلا ما ندر،، ويكون نسلهما عقيم كالبغل، من هنا يجب أن نفهم ونتفهم أن المرأة هي نفسه الرجل غريزيا، وإن تعددت الزوجات عند الرجل، لا يعني هذا إلى إلغاء الغريزة أو ضعفها عند المرأة، بل تتنافس الزوجات بشتى الوسائل لتكون هي الأولى والأخيرة في حياة زوجها، من هنا دون تعمد من الشاعرة لكل هذه التفصيلات، وضعت صوراً رائعة حتى الإلهام،وبجرأة متناهية صادقة العواطف والأحاسيس والمشاعر، ولا تخفى المسحة الساخرة والرسوم الكاركتيرية فيها ...!!

 وسأنقل لك صورة أخرى تتضمن الأحاسيس الإنثوية نفسها، من امرأة أميرة مقتدرة على قول ما تختلج بها نفسها، وتعكسه شعرا ملهماً دون تردد ولا خوف ولا وجل، الآ وهي الولادة ابنة المستكفي بالله الأموي الأندلسي، عاشت بين (994 - 1091 م)، نشأت علاقة بينها وبين الوزير والشاعر الشهير إبن زيدون، واتَّقدت جذوة الحب بينهما حتى الانصهار والصهر ...!!، لكن نشبت خلافات بينهما بسبب جاريتها التي تتمتع بصوت جميل، جرفت شاعرنا إلى حيث الشبهة، أو قل الخطيئة، المكشوفة، والمرأة بحدسها الأنثوي الرهيب، لا تخفى عليها بواطن الأمور، لو أقسم عشيقها بألف ألف يمين، المهم الولادة، رمت عليه أبياتها التالية، ولم تتزوج من بعد طيلة حياتها، وقاربت القرن أو تكاد ...!!:

لو كنتَ تُنصِفُ في الهوى ما بيننا *** لـم تهـوَ جـاريتي ولـم تتـخيَّـرِ

وَتـركـتَ غـصـناً مثمـراً بجـمـالـه *** وجنحْتَ للغصنِ الذي لم يثمرِ

ولقـد عـلـمْـتَ بـأنّـني بـدر الســمـا *** لَكن دهيت لشقوتي بالمشتري

وعُرفت ولَّادة بكتابتها لبيتين شهيرين من الشعر تزهو فيهما بنفسها، وكان كل واحد منهما منقوشاً على جهة من ثوبها، تقول فيهما

أنـــا والله أصــلُـحُ للـمـعـــالي *** وأمشي مشـيتي وأتيـهُ تيـهـا

أُمَكِّنُ عاشقي من صحْنِ خدِّي *** وأُعطي قُبلتي مَن يَشـتهيهـا

نكتفي بهذا القدر الوافي، لندخل عالم ميادة من حيث نشأتها، شهاداتها، منشورتها، ما قيل عنها، وكتب عن شعرها تحليلاً وترجمة.

 

 3 - المشهد الثالث: تقديمي لها - من هي ميادة أبو شنب ...؟؟؟

 شاعرتنا وإعلاميتنا من مواليد مدينة عكا الفلسطينية التاريخية - منذ الألف الثالث قبل الميلاد - تقع في الطرف الشمالي لخليج عكا، وقد حمت أسوار المدينة العريقة أهلها من التهجير سنة النكبة.

درست شاعرتنا في معهد هندسة "البيئة"، وحصلت على شهادة Landscape Architect

ثم درست علم الآثار والفنون التشكيلية في جامعة حيفا، وفي سنة (2002) شاركت في حفريات أثريّة، وفي إصدار تقرير مفصّل باللغة الانجليزية عن نتائج الحفريات بإشراف قسم الابحاث في جامعة حيفا، تمّ توزيعه في أنحاء العالم، وشاركت في عدّة دورات تدريبية في مجال علم الاجتماع، وعلم النفس والتربية، والترجمة الفورية، فهي تجيد اللغة العربية والعبرية والانجليزية.

في سنة 1992 شاركت في إصدار مجموعة أدبية لنخبة من الأدباء الشباب "الغد المشرق" بمبادرة وإشراف الشاعر القدير ميشيل حداد.

نشرت العديد من النصوص في المجلات الأدبية: المواكب والمجتمع (في فلسطين)

شاركت في عدّة ندوات أدبية

وفي سنة 2002، قبل هجرتها إلى كندا بفترة قصيرة، أصدرت مجموعتها الشعرية الأولى بإشراف الشاعر القدير د. عناد جابر، بعنوان "رسائل من بريد السنونو" وقد تولّى الشاعران القديران د. عناد جابر و د. جمال قعوار توزيعها.

تعمل حالياً في التدريس والترجمة في كندا، وتشارك في تحرير صحيفة المثقف، وحصلت على شهادة تقديرية من "المثقف" (2012) بعد فترة قصيرة من انضمامها لأسرة تحريرها. ثم حصلت على "درع المثقف للثقافة والأدب والفن" 2014 كإعلامية في صحيفة "المثقف"

 

 4 - المشهد الرابع - انتصاراً لمرأة العربية: آراء تشعُّ من كتاباتها ومقالاتها عن المرأة:

في مقالة لها تحت عنوان (المرأة في عصر الجاهلية الجديدة)، تطلق صيحتها الواعية المتألمة بمناسبة يوم المرأة العالمي، للتضامن مع المرأة المسلوبة الإنسانية كما ترتأي قائلة:

" من صميم الألم نطلقها، إلى كل نساء الكون في يوم المرأة العالمي، من صحيفة ومؤسسة "المثقف"، للتضامن مع المرأة مسلوبة الإنسانيّة.

 دعاء بالرّحمة من ربّ الرّحمة وصلاة استسقاء لمطر من المفاتيح تفكّ إسار كل إمرأة مكبّلة بالتخلّف والجاهليّة، وأن تمنّ عليها يد الخالق بالإنعتاق وتحرسها عينه حتى عودتها إلى مملكتها الآمنة - بيتها- وأهلها.

 لا يوجد دولة في العالم قد منحت المرأة حقوقها الكاملة، فانتهاكات حقوق المرأة هي وصمة عار على جبين الحضارة الانسانيّة. لكنهم يثابرون من أجل أن تكون المرأة آمنة من العنف، متمتّعة بحقوق الإنسان، وقادرة اقتصادياً من خلال تكافؤ فرص التعليم والعمل والمشاركة باتخاذ القرارات."

وتكرر أديبتنا الشاعرة الإعلامية النشطة على هذه النقطة وغيرها بقولها في مقال آخر وسمته بـ

 (المرأة واستراتيجية الفعل السياسي):

 " إن القانون المدني يخاطب المرأة كمواطن يتمتع بكافة الحقوق كشريكها الرجل، لكن قانون الأحوال الشخصية يساهم في ترسيخ دونية المرأة التي تنسجم مع معتقدات أفراد المجتمع محدودي الوعي. وهذا يلجم طموح المرأة في خوض الميادين ذات "الطابع الذكوري" ... إن تبوء المرأة أعلى المناصب في القيادة والسياسة منذ فجر التاريخ لهو الدليل الدامغ على قدرتها، التي لا بدّ أنها تطوّرت مع مرّ العصور، في اتخاذ القرارات وريادة الشعوب.

 نظرا لاهمية دور المرأة سياسيا ومساندة لسعيها الحثيث في انتزاع حقها في الحضور الفاعل في مراكز اتخاذ القرار وفي الساحة السياسية، ولان كل خطوة عملية تسبقها رؤية نظرية، لذا قررنا ان يكون موضوع ملف يوم المرأة العالمي لهذا العام ....."

 

ونحن نركز على كلمة (المشاركة باتخاذ القرارات) السيادية فعلاً ناجزاً، وإلا فهنا مكمن الخلل الكبير لانقلاب الأمم عاليها دانيها، لا من حيث وجوب الالتزام بالقوانين المدنية، والتجاوب مع الصرخات الداعية للمساواة ... كلاّ ... وإنما التوازن الحيوي الطبيعي سنّة فرضتها الحياة، نعم الحياة سر وجودها وتحضرها، وازدهارها، وسعادتها بالتوازن الطبيعي لكل الكائنات الحية وغير الحية في الطبيعة، والكون، فعندما يحدث خلل كبير في التوازن تحدث الكوارث والحروب، وهلاك البشر والحشر والشجر والحجر، والرجل والمرأة خلقهما الله متكاملين تماماً، لا بتموازيين ولا بمتساويين ولا بمتنافسين، لذلك المرأة تسدد الخلل السلوكي، الفكري، التخطيطي، الاقتصادي، الصحي، التعليمي، التربوي ...، وكذلك الرجل مثله مثلها، لذا يجب أن تكون القرارات السيادية لتسيير دفة حياة المجتمع بالاشتراك الفعلي الناجز، وأنا من وجهة نظري لو كان الأمر كما نوهنا، لما رأيت الحروب والمجاعات والأمراض والجهل والفقر بهذا المستوى الرهيب، ولا تنسوا المرأة أم، ولديها غريزة الأمومة، وهي الأقوى من بين كل غرائز الإنسان، أرجو أن لا يحرف رأينا لأمور شخصية هامشية، كالحجاب والسفور ... والتبرج ... وتربية الأطفال، والأسرة، هذه أمور شخصية وعائلية يتفاهم عليها الرجل والمرأة ...!!الذي أريد أن أقول، المطالبة بالانتصار للمرأة لايعني التبرج، والتفكك الأسري، وكما يهمشون ويمشون ..!!

لقد شخصت ميادة المرأة في مقالة لها بعنوان (المرأة والمجتمع .. الطموحات والقابليات) العوائق التي تقف أمام قدراتها، وميّزت إيجازاً بعض هذه القدرات، وهي تفقه ما تقول، وإليك قولها:

 "أول درجة في سلم الارتقاء هي تحنيط الاعراف والتقاليد، خاصة المستوحاة وفق تفسير خاطيء من الدين، وفتح كل الابواب امام المرأة كي ترقى علميا ومعرفيا. فهي مَن حباه الخالق بقدرات ذهنية مميزة: كالنظرة الحاذقة للمستقبل، والدقة في تقييم قضايا العصر، والصبر على عاديات الدهر، وتخطّيها بعزيمة جبّارة من أجل البقاء. وعلى قمة هذا الهرم من الميّزات، نعمة الأمومة والحدس الانثوي."

 

5 - المشهد الخامس: تقديم قصيدتها " استِعارةٌ مَوسِميّة "، توقّفتْ فوقفتُ، لنكون شركةً بعد هذا!! فهاك بعض ما قال من علق عليها متسلسلاً لا منتخباً:

 

استِعارةٌ مَوسِميّة:

 على بساطِي الخَمرِي ... يَختالُ

 ذاكَ الضّياعُ المَنفِي.

 يدخلُ جنّةَ ... ناري،

 ينفخُ شهوةَ التّشردِ في لهيبِها الأسطوري،

روحاً تُشاكسُني...

 وتُحلّقُ في خُرافةِ الألوان،

حين تنزح هالة شمالك

إلى أقاليم النسيان.

 يتسلّلُ من ظِلِّ قوسِ النّصرِ مَيْساني،

 ليُؤنسَني بلحنِ الضّوءِ اللّقيط.

 أتَفقدُني خِلسةً في خريفِ خوائِكَ،

 رعشةَ رهامٍ ...

 تَميدُ في أنفاسِ المَغيب.

 أستعيرُ حواسَكَ الموسِميّة،

 ألامسُني ... بأناملكَ الطّيفِ

في فَجْرِ أنوثَةِ السّنابل.

ألثِمُني ... بجمرِ شفةٍ تَسْكنُ حُلمَ المَوقدِ.

أهمسُ لي سيمفونيةَ البونِ

 في مدِّها اللّجلاجِ ...

 وأعاتبُ الوترَ

إنْ حادَ عن جَزْرِ الوَميض.

سأفركُ كُلَّ مصَابيح الجنّ المنسِيّة

 من سَالفِ الحبِّ

 وغابرِ النّشوةِ والأنِين

مع تَغلغُلِ اللّيلِ الأيهَمِ في عهدِ الوعودِ،

 فَلن يَقهرَ النّزفَ المختالَ في مَدارِ الجِراح

 إلا تَمائمَ الصّبرِ على هَوْدجِ السّنين.

 مَيْسان: كلُّ نَجم شديد اللّمعان.

 نيسان 2014

 

إليكم مقتطفات بعض مما علق على هامشها متسلساً حتى السعود، ولدى السعود عود ...!!

 

مصطفى المهاجر

مونولوج داخلي مثير وممتع... الحوار مع الذات في لحظات الصمت، أبلغ من الصراخ في وديان الضوضاء الصاخبة...!!!!

 

 جواد غلوم

 لو كان هذا نيسانك طافحا بمثل هذا الشعر فمرحبا بطلّته

 ليذهب الصبر والنزف والالم الى الجحيم

 

 ميّادة ابو شنب ردا على: جواد غلوم

 كان في نيسان يوم ككلّ الأيام

 أصبح في نيسان يوم هو كلّ الأيام

 

 زاحم جهاد مطر

 والى متى نلوذ بتمائم الصبر يا ميادة.

 اردنا الحياة ولكن:

 لم يستجب القدر ولا القيد انكسر بل تبدل

 الشاعرة المثقفة بامتياز شكرا على هذا النص المفعم والمكتنز بالفخامة.

 

 د هناء القاضي

 يتسلّلُ من ظِلِّ قوسِ النّصرِ مَيْساني،

 ليُؤنسَني بلحنِ الضّوءِ اللّقيط.

 أتَفقدُني خِلسةً في خريفِ خوائِكَ،

 هل قدر البعض منّا أن يظل مصاهرا للحلم؟؟ فنغتنم مرور شعاع أو دغدغة نسمة لتشعل فينا ذلك الجمر.

 

 ميّادة ابو شنب ردا على: د هناء القاضي

حين يقذفنا القدر بعشوائيته... وننأى عن "هلالنا الخصيب"، لن تنمو أحلامنا إلا على عصارة الحنين.

 لمرورك على ضفاف نصّي عبق بستان ورود

 

 سعود الأسدي

 ميّادة الشوق!

 هذا الشعر مذ زمنٍ

 لـم تُسعدينــــا بــه والنصـــرُ مَيْسـاني

 وأغْصُنُ الميس في نيسانَ قد رقصتْ

 كأنّمـــــا حلــــمُ الأشجـــــارِ نيســـاني

 

 والصبـحُ إطلالــــةٌ بالنــــورِ تُؤنـسُني

 وبهجـــــة الروح غنّتْ: ليس تنساني

 

 قد تيــــأسُ الناسُ ممّا قد ألــمَّ بهـــــا

 أمّـا أنـــا فسأبقى غيـــرَ يأســـــــــانِِ

 

 ولـــيس ذلك منــي عـــــــن مكابـرةٍ

 فالشعرُ الليــلُ لي من بعض فرساني

 باحترام ومودة

 

 ميّادة ابو شنب ردا على: سعود الأسدي

 الشاعر الشاعر سعود الأسدي

 ينهل حرفي من أغادير إبداعك على مهل... فيزهر ويضوع شذاه حين تجيزه باطلالتك الطافحة شعراً ولحناً.

 ممتنّة لتقييمك الميساني

 

 

6 المشهد السادس تقديم بنظرات خاطفة لترجمة نصوصها، ولمسات من التعليقات:

 

أ - ترجمة إلى الإنجليزية لنص الأديبة

استِعارةٌ مَوسِميّة / ترجمة: فرياد ابراهيم

.....................................

بعض ما ورد تعليقاً على الترجمة متسلسلاً:

ماجد الغرباوي

 نص (استعارة موسمية) نص ثري في مداليله ومعانيه، باذخ في صوره الشعرية، مكتنز في رموزه وايحاءاته. ترجمة موفقه، دمت اديبا قديرا.

 

جمعة عبدالله

يحمل في طياته روائع الشعر، من الايحاء الى الرمزية، الى التوغل العميق في الروح، انها قصيدة مميزة.

 

حسن البصام

اختيار مدروس لنص تتوفر فيه غواية الترجمة ..اعتقد ان في مثل تلك النصوص تلاقي المترجم صعوبات في صياغات الجمل الشعرية المكتنزة والضاجة بالتاويلات.

 

بهجت عباس

ترجمة باذخة لنصّ عميق المعنى ذي رموز تتطلّب تفكيراً وجهداً لفهمها قام بها مترجم حاذق وقد أجاد حقّاً في ترجمتها. ولكنّي وقفت لحظة عند هذا المقطع.....

 

ب - والدكتور بهجت عباس نفسه يترجم إلى الألمانية لثلاثة من نصوصها:

 

سوء تفاهم

....................

عناد

لأن موعدنا

مع شروق الشمس

تأجّل الفجر

لصباح غير مسمّى

فكان موعدنا

مع الغروب

لتنسى الشمس معنى المغيب

وحين كان موعدنا

بعد خسوف القمر

لم يعد القمر

..................

 

خرافة السّنونو

هلّلتْ طيور السّنونو

عند ولادتك

إذ استقبلتْ أجمل سنونوه

وفراشات المونارك

أقامت على ثوبك

عسى أن تنال مزيداً من الجمال

والرياح هدأت

حين لمست عطركِ

والزهور..... من بعيد

ترقب غصنك

فقد جاء الربيع

احتفاءً بكِ.

 

ميّادة ابو شنب تعقب على ترجمة أ.د. بهجت:

بهجة ما بعدها بهجة، حين يختار حسّك المرهف بوحي الغرير ويحتضنه بأمانة تحت كنف إبداعك الوارف.

رعايتك لحرفي وريّه بمحبة ليتفتّح وروداً في بساتين جديدة، لهي وسام فخر أعتز به جداً.

اختيارك لهذه النصوص من مجموعتي الشعرية الأولى دليل تفاعلك مع الكلمة التي تحمل معان انسانية وتترجمها حتى لا تبقى حكراً على القارئ العربي.

شموع مضيئة في محراب المحبة ودعاء من القلب العامر بالعرفان والامتنان لوجدانك العاشق للجمال لأنه يعيه ويحياه

 

أ. د. بهجت عباس يجيب:

 والحق إنّها نصوصك الرائعة بمعناها العميق ولغتها المنسابة هي التي جعلتني أنقلها إلى لغة أخرى ليعرف الطرف

الآخر مفهوم الحياة لدينا المُعبَّـر عنها، وخصوصاً في الشعر الأنثوي، والتي نحياها،

والإبداع الذي لا يكون محصوراً في شعب دون آخر، أو فئات معينّة. كما قد تفيد العرب

الذين يدرسون اللغة الألمانية أو الألمان الذين يتعلمون العربية . حاولت جهدي أن أكون

أميناً في نقلها وأن أضعها في نغم مشابه لهذه النصوص، وأن أحافظ على روح النصّ.

أرجو أن أكون وُفِّقت في مهمّتي، والغاية هي خدمة الثقافة بصورة عامة وتقديم ما أستطيع

 

والشاعر المترجم جميل حسين الساعدي، وهو يجيد الألمانية، وله ترجمات مشهود لها منها وإليها يبدي رأيه الحصيف حول ترجمة أ. د. بهجت قائلاً

الشاعر المبدع والمترجم الحاذق د. بهجت عباس

هذه الترجمة متميزة عن ترجماتك السابقة، رغم

أن جميعها ترجمات أمينة ورائعة، لكن هنا شعرت

وكأن شاعرا ألمانيا مثل هسة أو هاينرش هاينة، قد كتب هذه القصائد

تحياتي للأخت ميّادة أبو شنب

ولك خصيصا باقات من الورود من أجمل الورود

لهذه الترجمة المبهرة

ومثلما قلت من يقرأها يعتقد أن كاتبها شاعر ألماني وليست ترجمة.

 

7 - المشهد السابع: موجز خاطف لقراءآت نقدية من نصوصها:

 أ - ماجد الغرباوي:

 ميادة ابو شنب ونصها: "استِعارةٌ مَوسِميّة" .. قراءة أولية

 منذ مطلع القصيدة تفاجؤنا الشاعرة ميادة أبو شنب في نصها الجديد (استِعارةٌ مَوسِميّة) باسلوب رمزي، يدعو للتأمل في سياقات النص بحثا عن مآلاته ضمن المنحى الفكري والثقافي لها. فهي شاعرة رهيفة ترتكز في كتاباتها إلى خلفية فكرية وثقافية، يؤكد ذلك ديوانها الأول الصادر سنة 2002م بعنوان: "رسائل من بريد السنونو" إذ تجد الشاعرة تعمل في أكثر نصوصها على ثيمتين: "حرية المرأة". و"تداعيات العلاقة بالرجل المتخلّف" او (الصحراوي) كما تسميه، حيث لازمها خوف مرير من رجل لا يفهم المرأة الإنسان،

 أخافك خريفا مراهقا

 وأنا ورقة شجر

 في نصها الجديد، (استِعارةٌ مَوسِميّة) ظلت الشاعرة وفية لمنهجها في الكتابة الواعية لأهدافها فعالجت في نصها الجديد موضوع الغربة والاغتراب والبعد عن الأحبة والأوطان، واشكالية

 أتَفقدُني خِلسةً في خريفِ خوائِكَ،

 رعشةَ رهامٍ ...

 تَميدُ في أنفاسِ المَغيب.

 فهي تعيشه لحظة سحرية، لا يتوارى عن عينها ووجدانها، مهما كان البعد، ومهما بعدت الشقة، لذا رغم اليأس تعود الشاعرة لتعزف سيمفونية الأمل، ما يعكس قوة تعلقها بميسانها / بحبيبها، وعمق العلاقة الروحية والعاطفية، فاختارت أسلوبا رمزيا بارعا في التعبير عن أمنياتها المشوبة باليأس، ضمن قدسية الأمكنية والأزمنة التي احتضنت حبهما.

 بنية النص بلاغيا

 أولا: الضياع والغربة والخوف من خسارة الحبيب وتبدد الحلم.

 ثانيا: بدأت الشاعرة نصها بأفعال مضارعة كي تمنح المشهد الشعري ديناميكية وحيوية واستمرارية تضع القارئ في مداراته، وتشده لمتابعته.

 ثالثا: رغم ترميز النص وثرائه الدلالي، إلا إن المنحى التأويلي فيه ظلّ متوازنا لا يتطلب جهدا تأويليا كبيرا. وهذا ليس نقصا بل ضرورة فرضتها معمارية النص وميكانيكية اللغة

 رابعا: نقطة اخيرة، إن كثافة الترميز برأيي اقتضتها صعوبة المشهد، مشهد غياب الحبيب / الأحبة / الوطن في ظل غربة قاتلة، وللضرورات أحكامها، وليس هناك أي خلل بنائي بسبب الكثافة الرمزية.

.......................................................

 أبو شنب تشيد بنص الغرباوي:

 قراءتك لخفايا نصي جعلتني أغبطه... بل أحسده، إذ أثار قدرتك النقدية الكامنة وأستشفّ منها ذروة الفنيّة وعمق التأويل... كنسمة زائرة من بحر صيفي وديع تزيل الرمال عن زنابق الساحل في أوج رونقها...وحدها تجرؤ على تحديد موعد لقائها مع أشعة الشمس دون أن تخدش لونها أو شذاها...

 قراءتك المبهرة هي قراءة خلجات وجدانية اجتاحت سكون ليل أيهم وأوقعتني في أسر مزيج من المشاعر التي تآمرت على بقايا آمال... فكان لا بدّ من النّزال بكفاءة تصون كينونة الوعود التي تتناسل منها رغبتنا في الحياة.

 

 ب - سردار محمد سعيد:

(ميادة ابو شنب ورسائلها في بريد السنونو .. قراءة نقدية)

 نصوص مكثفة لا ترهل فيها والعنوان يصرخ بالمتلقي أولا ً وبعد قراءة ديوان "رسائل من بريد السنونو" للشاعرة المائزة ميادة أبو شنب يلحظ أن النصوص صرخة أنثى بوجه المجتمع الذي استفحلت الذكورة فيه وهيمنت على المجتمع الأمومي ولكنها كأنثى طبيعية وهي محض انسان تحب الحياة وتعشقها تتحدى الذكورة بجرأة......

 الخطاب في الديوان عامة يجري على لسان أنثى تفخر وتعتز وتعتد بحقيقة الأنوثة التي لا يستغني عنها ذ َكر من غير اسفاف أو إيروسية متعمدة غايتها جلب أنظار الذكورة للنص وتحفيزها لدغدغة المشاعر البدائية:

 خذ تفاحتي

 تلذذ بطعمها

 ولا تتردد

 وهذا يذكّر بتفاحة حواء وثمرة عشتار التي طلبت من جلجامش التلذذ بها .......

 إن ما يجري على لسانها هو لسان حال النساء جميعا ً اللواتي قهرتهن وظلمتهن الذكورة طوال دهور، وإن أنكرت ذلك عبدات الذكورة فخشين قولة أحبك وأعشقك إذ سيوقعن أنفسهن تحت طائلة عقاب الذكوريين.......

 تصدع ميادة بالأنوثة وتفخر بها فلا تغلف نصوصها باستعارات لفظية كما تفعل غيرها من الشواعر فهي تتحدث عن الحب والعشق بصراحة الأنثى الواثقة من أنوثتها التي فرضتها عليها الطبيعة .....

 نصوص ميادة ناتجة عن وعي بالتاريخ فلا يعقل أنه بعد آلاف من السنين من صدح عشتار بالحب يعترض الذكوريون والذكوريات على صدح ميادة:

 تعال ياجلجامش وكن عريسي

 وهبني ثمرتك أتمتع بها

 موقف النقد الثابت في النظر إلى جيد النصوص من رداءتها وصوره البنيويه في التاكيد على البلاغة دون النظر إلى العوامل الخارجية والطبيعة الفردية معا ًوالتي تقلل من الغاية النقدية كما تقلل من فخامة وروعة النصوص.....

 شعر ميادة يتوجه نحو سر الذات وآلامها، يتجاوز الوجهات الجاهزة والثابتة في أي شعر فلا تخشى صولة فكرها ورأيها في التعبير بأي كلمة أو لفظة أو خطاب يمكن التعبير به في خدمة النص الشعري.....

 وتزيد فتبدو الأنوثة وقد انهارت أمام الذكورة:

 يثير وحشيتي

 لأنني أنانية مثلك

 ولا بد ان أتلذذ بخسارتك......

 ميادة الشاعرة لا تجعل من الأنثى مثالية ولا من الذكر مثالي وهما متكاملان في المجتمع الإنساني ما للذكر ما للأنثى وليس أكثر ولا يفضل أحدهما الآخر إلا بصدق المشاعر والنيات.

 فيك أحيا ربيعا ً آخر

 تتوجني مليكة لكل الألوان

 وتنصب عرشي على أعلى التلال........

.....................................................

 ميادة أبو شنب تشيد بقراءة سردار النقدية:

 " كنت فريسة الانتظار منذ حضور مفرداتي بحلتها الطفولية إلى مختبر الفن والجمال... ومثولها على شريحة مجهرك الأبجدي...

 وغدوت مع تقييمك وتحليلك الغائر في وجداني الأنثوي، ريشة في فضاء من أثير البهجة والحبور...

 قراءتك التأمليّة نثرت على نصوصي رذاذاً من ألوان النبض وغرست في ظلالها شموعاً مضيئة كشفت تنهداتها المستترة...

 تناثرت حروفي نشوة في جنّة نصك... فلملمتها لأغزل منها سرباً من نجمات تتلألأ بوهج الشكر والامتنان لحرفك الشمس..."

 

شكراً لكم لمرافقتي لتفهم بعض جوانب ميادة أبو شنب كشاعرة وإعلامية وامرأة وناشطة، انتصاراً للمرأة العربية، وهذا ديدني، حسب وجهة نظري تحليلاً ونقداً وتقدمة، وقد أوجزتُ ما قدّمه المترجمون والنقّاد الآخرون لنصوصها، وشكراً لها لِما زوّدتني من معلومات عن نشأتها وشهاداتها ومشاركاتها، ضمنتها في المشهد الثالث .

 والله الموفق لكل خير، والسلام.

على المرءِ أن يسعى بمقدارِ جهدهِ *** وليس عليهِ أن يكونَ موفقا

 

كريم مرزة الأسدي 

 

الحبّ دعوة رسوليّة.. قراءة في قصيدة للشّاعرة كوثر الشّعباني

madona askar"أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ... كائِبُهُ فالحُبُّ ديني وإيماني" (ابن عربي)

 

هل سألتني يوماً لِمَ أنهض...

هل قرأت الكتب

وأسباب النزول

هل سألتني يوماً لِمَ انهض...

هل لبست تباشير الدّعوة

وصلبت على ألواح الاعتناق المغمور...

لا أنهض إلّا لأترشّفك تاريخاً

في كأس حرب لوّنتها الحضارات القديمة

ثم أهيم بإيمانك وأتعرى للفضيلة

أغتسل بمياهك المقدّسة

لتنبت على جسدي أوشام

النّصوص الجديدة

... ولأفترش ساحة الوغى

في عينك...

حيث راحتي والسّكينة

وحيث أعتنقك ديناً...

وأقتفي اثر الحب ... كغنيمة...

 

نهض هذا النّصّ اللّطيف على حوار قائم بين الشّاعرة والكائن المعشوق في عمقها الإنسانيّ. ويذكّرنا هذا النّصّ البديع بفصول سفر المزامير، إذ إنّنا نقرأ فيها حواراً مخفيّاً ، يحاور فيه كاتب المزامير الله ونجد الرّدّ الإلهي بشكل مخفيّ في نهاية المزمور. وإن دلّ هذا الأمر على شيء، فهو يدلّ على علاقة حميمة جدّاً بين المتحاوريْن. يعبّر المحاوِر عن رغبته الدّفينة في الاتّصال بالطّرف الآخر فيأتي الرّدّ من عمق أعماق العاشق.

تغوص شاعرتنا في عالمها الدّاخليّ لتشرق منه بتساؤلات تنبيهيّة لا استفهاميّة. تدلّ عليها التّركيبة الشّعريّة بين قسميّ النّص/ السّؤال والجواب. فالشّاعرة لا تسأل لتنتظر ردّاً، بقدر ما تعبّر عن هيام كيانها العاشق في حرّيّة الحبّ.

(هل سألتني يوماً لِمَ أنهض ...

هل قرأت الكتب

وأسباب النّزول

هل سألتني يوماً لِمَ أنهض ...

هل لبست تباشير الدّعوة

و صلبت على ألواح الاعتناق المغمور ...)

تتبيّن لنا من خلال هذه التّساؤلات خيوط تنسج الحبّ/ الحرّيّة، والحبّ/ الدّين. فتستخدم الشّاعرة مصطلحات دينيّة (الكتب/ النّزول/ تباشير الدّعوة/ صلبت/ ألواح الاعتناق)، تشير إلى حالة ما قبل الأسر الدّيني التّشريعي لتقول الحبّ الوحي، المنزّه عن القيد التّشريعي، وتدخلنا في عالم الحبّ العلوي المنافي للفكر الدّيني المنغلق. ففي حين أنّ الدّين يسهم في انغلاق الجماعات، يطلق الحبّ العنان لدين علويّ يذهب بالإنسان إلى الخلاص والانعتاق. وقد يشير السّؤال ( هل سألتني لِمَ أنهض) إلى رغبة تحرّر من الكلّ في سبيل الهيام في الكلّ أي الحبّ الكوني.

(لا أنهض إلا لأترشفك تاريخاً

في كأس حرب لوّنتها الحضارات القديمة)

وكأنّي بالشّاعرة تعيد صياغة التّاريخ وخلق الحضارات بالمفهوم العشقيّ، فتتحرّر من القديم لتلبس الجديد فتنهض وتبدأ من جديد. بل تنهض وتصوغ تاريخ العشق برسوليّتها. (ثم أهيم بإيمانك وأتعرى للفضيلة/ أغتسل بمياهك المقدسة / لتنبت على جسدي أوشام /النصوص الجديدة ). فعل حرّيّة بامتياز وارتقاء إلى الجديد. تجرّد وتخلٍّ عن القديم في سبيل الاتّحاد الحرّ والنّهائي بالكيان العاشق.

(...  ولأفترش ساحة الوغى

في عينك...

حيث راحتي والسكينة

وحيث أعتنقك ديناً ...

وأقتفي أثر الحب .. كغنيمة ...)

الحبّ تحدٍّ عظيم، والمحبّون هم المنتصرون والسّائرون نحو النّور. وهمُ العباقرة الهانئون والمستنيرون، حاملو سراج الحبّ كدعوة رسوليّة. يقتفون أثر الحبّ، بل يحيون فيه ومعه، ولا يتلفّتون إلى أيّ عائق يمكن أن يحول بينهم وبين النّور العشقيّ. هم الأحرار بحقّ، والمتفلّتون من التّعقيدات والتّشريعات. وهم المجبولون بالحبّ، والمقتاتون منه والسّابحون في نوره الّذي لا يخبو.

يبشّرون به، ويتنفّسون شذاه. يماتون من أجله ليحيوا أحراراً في دائرة الكون العشقيّ.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

الميلودراما والمحاكاة الداخلية في نصوص الكاتبة المصرية هالة محمود .. قراءة نقدية إغنائية مقدّمة

ربما / هالة محمود

لعل الرحيل هو الحل، ربما أكون على صوابٍ وربما أندم، بين قوسي ربما جرس يدق، يعلن حان الوقت ولا إضافة لوقت جديد، ترتجف نبضات قلبي، تبحث بتلابيب العقل عن ذكريات، تسرع النبضات كلما عثرت على واحدة، ينشرح الصدر وتتسع البسمة، سرعان ما يأتي الأفول فبذيل كل ذكرى طعمٍ مر، صوت بداخلي يحدث من كان بزمنٍ ما يسكن قلبي، أيها الحي الميت، لكم ترقبتك وانتظرت سماع صوتك ولو بالسبابِ، طال انتظاري ولم يعد الأمر قلب تعكر أو كلمات سُجِنت بالحناجر، بل أصبح ظلام بالنفوس، عتمة بالأحاسيس، خبت السكينة من الشعور واللاشعور، وكل شيء قريب ولكنه بعيد بعيد، حان وقت الرحيل، سأرحل لمن يجيد لغة الحديث، ولهفة المحبين، لمن تعلم فن النحت على جدار الذكريات، تاركاً لي ما إن تذكرته تتسع ابتساماتي وتتهلل أساريري، سأرحل إلى صفحات كتب العشاق، أبحث بين الصفحات عن حديقة للمشاعر، أنعم فيها بعطرٍ وهمسٍ ولمسٍ نسمات الحياة، سأبحث بين الصفحات عن مشرط الجراح، كي أنتزع ما تبقى من أحزان بالقلب، سأجعله زورق نجاتي، وأتكئ على جدران زورقي وأحتمي بشراعها، سأبحر في اللاموجود، ولن أنظر خلفي، سأتجرد من الإستكانة وأخلع ثوب الخنوع، وأتبرأ من الأمل في الإصلاح الذي لم يأتِ قط، ولِمَ أنظر، والخلف كله ضباب تضيع معه كل الملامح وكل الحدود، لِمَ لا أنظر أمامي وأنا أعلم علم اليقين بأنه لا يوجد بالخلف ما نأمل فيه، لن أأمل في العودة ولن أفكر يوماً فيها، هل لو عًدتُ .. لعاد؟؟ لا ... لن يعود .... لأن لا أحداً بعد الموت يعود .

 

١- المقدمة:

عرفتها شاعرة يفيض قلمها رقة وعذوبة، تنبسط الحروف بين أناملها طَيّعة، تصطف بانسجام وتناسق كفريق أوركسترا، كل في مكانه، وكل يؤدي دوره بإشارة منها فهي رائدة في قيادتها، بهية من أرض الكنانة، جمعت علوم الهندسة وفنون الأدب لتكون أنموذجاً فريداً، ومثالاً للفكر الديناميكي، والإبداع الأدبي المتنوع، فهي روائية وشاعرة وناقدة من الطراز المقتدر .

 

2- الموضوع:

النص بعد إخضاعه للمميزات السبعة، نجده نصاً أدبياً بامتياز، وسأدخل عليه بالنقد من مدخل السببية، هو نص كُتب على بمشهدية الميلودراما، قرار بالرحيل والمفارقة سببه خيبة أمل في الحبيب أو الشريك، وفقدان كل أمل في إصلاح ما فسد،

وتتناوب إشاراتها بين علو وانخفاض، في قالب ميلودرامي يأخذنا إلى أعماقها السحيقة لنبلغ القاع من حيث ينفجر قرارها برحيل محتّم لا رجوع عنه، تطلقه صامتاً بدوي بركان يلقي بحمم من حزن ويأس، جذبني هذا الانتقال السريع من حال إلى حال، وهذا ما يميز الميلودراما،

 

الميلودراما في الأدب:

إن كلمة ميلودراما مشتقة من كلمتين إغريقيتين الأولي ميلو MELOS وتعني أغنية أو موسيقي .. والثانية دراما Drama وتعني عملاً أو فعلاً حيـاتياً من الواقع تتناوله المسرحية أو الرواية وخاصة المسرحيـات والروايات التي تعتمـد على التراجيديا كبعض مسرحيات شكسبير وغيره .. وبدأ استخدام هذا المصطلح في بداية القرن التاسع عشر عندما أصبح النقاد والجمهور يميزون نوعاً مسرحياً يتمتع بعقدة حسية رومانسية وحوادث ممزوجة بالأغاني والموسيقى الأوركسترالية

والحديث عن الميلودراما في الأدب العالمي سيجرنـا بالتـأكيد للحديث عن المذهب الرومانسي .. والتي تـُعد الميلودرامـا أحد أهم تعبيراته الشعورية وركائزه الأساسيـة في إيصال أفكاره ومعتقداته .. فيقوم المذهب الرومانسي على حرية الفرد المطلقة وسعة خيـاله وتحرره من الأعراف والقيود الاجتمـاعية البغيضة والأحكام السياسية الظالمة.. حيث كان مذهب الرومـانسية يمثل ثورة حقيقيـة على المذهب الكلاسيكي المتحفظ والملتزم بالطقوس والعـادات الاجتمـاعية المُلزمة للفرد بأن يتبعهـا .. فنجد شخصيات هذا المذهب في الأدبيات العالميـة ثائرة دائماً على المجتمع ..وتقاليده السائدة

فحينما نتكلم عن الميلودراما – في شكلها العام – فإننا حتماً لن نتكلم عن المنطق الصريح وعن تداعيـات الأحداث من خلال العقلية المنطقية القائمة على الأسباب والمسببـات ..

بل سنتكلم عن صنف أدبي يعتمد في طرحـه اعتمادا كليا على نشر العـواطف في كل جزء من أجزاء العمل متجـاهلاً التفسيرات المنطقية والتعليلات العقليـة حيث يعتمـد على الصدفة في أغلب معالجاتـه .. حيث وكما يجيء الخلق غامضاً وغير متوقع فإن الحل يأتي غامضاً أيضاً .. فمحرك الميلودراماهو الصدفة.

يلقي النص الضوء على قضية أخلاقية هامة جداً وهي انتصار الكرامة، كقيمة إنسانية جليلة لا يمكن التضحية بها مهما كان الحب كبيراً، فالحياة بلا كرامة لا تستحق أن تُعاش، وحب بلا كرامة هو حب ميت حُكماً، والمفارقة أوجب .

 

3- الهيكلية الإخبارية:

النص قصة قصيرة مكثفة، تتبع المدرسة الرومانسية بمنحى ميلودرامي، تتبع نظرية الفن للمجتمع .

*الزمكانية :

الزمان فترة اتخاذ القرار بالرحيل ثم الخطف خلفاً باستعراض الماضي من بدء الصراع والانتهاء بالقرار .

المكان : داخل نفس الكاتبة

 

*(الصراع الدرامي (الحبكة):

عنوان النص كلمة واحدة ( ربما )

وهي كلمة وظيفية تعني من المحتمل، مركبة من (رُبّ) و(ما) الكافة أو الزائدة، تدخل على المعارف والأفعال، تفيد معانٍ كثيرة حسب دلالة السياق، تستخدم للتكثير وقد تستخدم للتقليل، لكن عندما تأتي مفردة كعنوان تفتح النص على احتمالات غير محدودة، وغير متوقعة، تثير الفضول والتساؤلات وتجعلنا نسرع في الدخول إلى النص ...

الصراع الدرامي كان flash back الخطف خلفاً، بدأ من لحظة اتخاذ قرار خطير بالرحيل، صدر داخل الكاتبة وبقي مخبوءًاغير منطوق مع الكثير من /لعل/ و/ربما/تكتنفها الحيرة والخوف والتشكيك بصوابية القرار، يتبعها الإصرار على القرار رغم كل الاحتمالات الحالية والمستقبلية، ومع القرار تصوير مشهدي ينقلنا فجأة إلى الماضي، مترافقاً بمؤثرات جانبية تنقل لنا الصورة بإيقاع متلاحق وكأننا على خشبة مسرح حقيقية، تستحضر صوراً من ذكريات تبحث فيها عن لحظة سعادة، بالكاد تجدها لتختفي بسرعة قبل أن تنطبع بالذاكرة، طعم المرار أقوى بكثير .

(لعل الرحيل هو الحل، ربما أكون على صواب وربما أندم، بين قوسي ربما جرس يدق، يعلن حان الوقت ولا إضافة لوقت جديد، ترتجف نبضات قلبي، تبحث بتلابيب العقل عن ذكريات، تسرع النبضات كلما عثرت على واحدة، ينشرح الصدر وتتسع البسمةً، سرعان ما يأتي الأفول فبذيل كل ذكرى طعم مر)

وهنا تكشف لنا الكاتبة عن الشخص الذي ستفارقه، شريك كان يسكن القلب، حبيب هو ..

تناديه بالحي الميت، ومتى يموت الحبيب في قلب الحبيبة إلا عندما يهمل ويغدر؟ تستكثر مرات انتظارها له فقط لتسمع صوته حتى بسباب أو صراخ، الميت لا ينطق ...

تنقلنا بميلودراما أصيلة بين الحزن والعتب والإصرار بقفزات متوالية،وتكرر سأرحل، وتعود تستعرض أسباب القرار بعتب ولوم وحرقة، تنفعل وهي تصف حال هذا الشريك الذي شابه الموتى بل وفاقهم، تعدد الخيبات ...

ثم .... ترحل وتكسب ما تبقى من ذاتها بعد يأس من عودة الميت .

( أيها الحي الميت، لكم ترقبتك وانتظرت سماع صوتك ولو بالسبابِ، طال انتظاري ولم يعد الأمر قلب تعكر أو كلمات سُجِنت بالحناجر، بل أصبح ظلام بالنفوس، عتمة بالأحاسيس، خبت السكينة من الشعور واللاشعور، وكل شيء قريب ولكنه بعيد بعيد )

 

*العقدة:

حان وقت الرحيل، بناء على كل ما الصور والمواقف الماضية الآن حان وقت الرحيل، وإلى أين؟ إلى من عالم حي، ينطق، يتكلم، يشعر، يهمس، يلمس، يحيا، يحب (حان وقت الرحيل، سأرحل لمن يجيد لغة الحديث، ولهفة المحبين، لمن تعلم فن النحت على جدار الذكريات، تاركاً لي ما إن تذكرته تتسع ابتساماتي وتتهلل أساريري، سأرحل إلى صفحات كتب العشاق، أبحث بين الصفحات عن حديقة للمشاعر، أنعم فيها بعطرٍ وهمسٍ ولمسٍ نسمات الحياة

 

*الحل (الانفراج)

يأتي الحل بطريق تيار وعي Stream of consciousness

إدراك واعي لضرورة الرحيل ونيل الحرية، وقرار بالمضي إلى المستقبل، دون النظر إلى الخلف، هذا الرحيل قد يكون روحياً وفقط،بالانفصال عن الواقع المعاش بطريقة تعتمد على البرمجة النفسية والتدريب على تهميش بل جعل الشريك مصدر الشقاء غير مرئي نهائيا على ساحة الإدراك والوعي وهي عملية معقدة جداً، لكن لابدمن بديل! وقد وجدته أيضا في مستوى الخيال، هذا ما صرّحت به في حوارها الداخلي هذا ويثبت ذلك تكرارها لكلمة (صفحات وصفحات لا تعني أكثر من انصرافها إلى عالم الأدب والثقافة، تأخذ منه كل ما تحتاجه الروح من عذب الكلام وحلاوة المشاعر، قصائد الغزل وقصص الحب، تعيش مع إبطال من وهم، تداوي قلبها بمبضع العلم ...

سأرحل إلى صفحات كتب)

(العشاق، أبحث بين الصفحات عن حديقة للمشاعر، أنعم فيها بعطرٍ وهمسٍ ولمسٍ نسمات الحياة، سأبحث بين الصفحات عن مشرط الجراح، كي أنتزع ما تبقى من أحزان بالقلب، سأجعله زورق نجاتي، وأتكئ على جدران زورقي وأحتمي بشراعها، سأبحر في اللاموجود، ولن أنظر خلفي، سأتجرد من الإستكانة وأخلع ثوب الخنوع، وأتبرأ من الأمل في الإصلاح الذي لم يأتِ قط، ولِمَ أنظر، والخلف كله ضباب تضيع معه كل الملامح وكل الحدود، لِمَ لا أنظر أمامي وأنا أعلم علم اليقين بأنه لا يوجد بالخلف ما نأمل فيه)

 

*النهاية:

Open مفتوحة

كون النص موقف إنساني تختلف فيه النهايات باختلاف المحاكمة العقلية من شخص لآخر،ونحن هنا أمام موقف فصل إما أن يقود إلى الإنحراف، أو إلى التعفف

إنهيار الحب كان نتيجة حتمية لانحراف أحد الطرفين، نخر مشى فيه فانهار خراباً

دروس وعبر ... وخصوصاً في مجتمعاتنا العربية التي تسلل فيها الإهمال وقلة المروءة والرجولة ونضب المشاعر بإذلال واضح لكرامة المرأة والإمعان بالاستخفاف بمشاعرها واحتياجاتها العاطفية وكأنها استحالت بعد العشرة إلى خشب مسنّدة لا روح فيها ولا مشاعر

هذا النص يحمل رسالة تحذير مبطنة ...

من يفقد الشيء سيبتكر البديل، وقد يكون البديل انحرافاً ...

فهل يفقهون ؟

 

4- الجمالية في النص والأسلوب :

•السرد :

محاكاة داخلية قامت بها الكاتبة مع عودة لوميض الماضي

Stream of consciousness with flashback

 

وهنا نرى تناصاً واضحاً مع الرواية العالمية (الطريق إلى المنارة To the lighthous ) للكاتبة الإنكليزية / فرجينا وولف

هي رواية صدرت عام 1927 بقلم فرجينيا وولف. ترتكز الرواية على آل رامزي وزياراتهم إلى جزيرة سكاي في اسكتلندا بين عامي 1910 و1920.

اتبعت وولف نطاق الروائيين الحداثيين مثل[ مارسيل بروست و[جيمس جويس ] ووسعت فيه، وتمتاز حبكة الرواية بالتأمل الفلسفي. واستشهد بها كمثال رئيسي في الأسلوب الأدبي المعروف باسم سيل الوعي the stream of consciousness، الرواية تقريبا خالية من الحوارات والأحداث؛ وهي في مجملها أفكار وملاحظات. تشير الرواية إلى عواطف الطفولة وتسلط الضوء على علاقات الكبار. من أهم مواضيع واستعارات الكتاب نجد الخسارة، والذاتية، ومشكلة الإدراك.

في معرض حديثنا عن

الاستحضار أو الاسترجاع بالإنجليزيةflashback

انقطاع التسلسل الزمني أو المكاني للقصة أو المسرحية أو الفيلم لاستحضار مشهد أو مشاهد ماضية, تلقي الضوء على موقف من المواقف أو تعلق عليه. وكانت هذه التقنية في الأصل مقصورة على السينما ومن ثم كانت دلالة التسمية فلاش باك إلا أن الكتاب وظفوها في الأدب المسرحي, والشعر , والأعمال الروائية وبخاصة الرواية البوليسية التي كثيرا ما تبدأ بنهاية الأحداث ثم تسترجع وقائع الجريمة شيئاً فشيئاً. وقد وظف هذه التقنية الكاتب الروائي نجيب محفوظ في روايته اللص والكلاب (رواية).

 

•الأسلوب:

رمزي مخبوء بين السطور بتكثيف جيد .

 

•الصور البلاغية:

احتوى النص على العديد من الصور البيانية الجميلة، استخدم فيها التشبيهات والطباق والجناس والتورية، وقد وضعت الكاتبة نفسها في paradox فهي يائسة مظلومة وحرة سعيدة .

-  تلابيب العقل = استعارة مكنية

-  بذيل كل ذكرى طعم مر = استعارة مكنية

-  الحي الميت بينهما طباق

-  أيها الحي الميت =تشبيه

-  قلب تعكر = استعارة مكنية

- كلمات سجنت = استعارة مكنية

-  سجنت بالحناجر = استعارة مكنية

- ظلام بالنفوس، عتمة بالأحاسيس = استعارة مكنية

- خبت السكينة = استعارة مكنية

-  الشعور واللاشعور = طباق سلبي

-  قريب بعيد = طباق إيجاب

-  جدار الذكريات = تشبيه

-  حديقة للمشاعر = استعارة مكنية

-  سأرحل إلى صفحات كتب العشاق = تورية

-  سأتجرد من الاستكانة= استعارة تصريحية

-  أخلع ثوب الخنوع = استعارة مكنية

- أتبرأ من الأمل = استعارة مكنية

- الخلف كله ضباب = تشبيه

 

•الحوار:

محاكاة داخلية، حوارية نفسية، مونولوج داخلي .

 

5- الشخصيات:

الكاتبة ذاتها، وشخصيات مخبوءة.

 

6- الدلالات السيميائية

- لعل الرحيل هو الحل،آن الأوان لأرحل = flashback

- صوت داخلي يحدث .. = فلاش باك

-  أيها الميت الحي = سيل الوعي

-  كم ترقبتك وانتظرت سماع صوتك =flashback

- سأبحث في صفحات

سأرحل إلى، سأسافر إلى ..

لن أنظر إلى الخلف ...= سيل الوعي.

 

7- الخاتمة:

نص صغير بدلالات بهذا العمق، لا شك هو نص ثري يستحق الوقوف عنده والتأمّل فيه طويلاً ...

وقد امتازت نصوص الكاتبة بإلقاء الضوء على الكثير من السرطانات الاجتماعية التي تتفشى في مجتمعاتنا الحالية وتأكل من هيكل الأسرة والمجتمع، جاعلة من نفسها بطلة ما تروي، بهدف إيصال صرخة من شخص بلغ منه الضعف حداً أعجزه عن النطق ...

كلي أمل أن تكون دراستي هذه قد أحاطت بأهم جوانب هذا النص الغني، تحياتي إلى الكاتبة هالة محمود أحمد .

 

د. عبير خالد يحيي

 

المكون اللغوي الجمالي في شعر جوزف حرب

esam shartahإنَّ اللُّغة الشعريَّة هي جوهر الإبداع؛ ووسيلة الصياغة الشعريَّة؛ وهي أداة الشاعر الطيعة في بناء الصورة، وتحفيزها البصري والجمالي؛ والشاعر خلاّق لغة؛ أي: خلاّق صور وتراكيب شعريَّة جديدة، ولذا؛ عليه يقع الاعتماد في خلق الإثارة الشعريَّة وتحفيزها؛ في مضمار اللغة الشعريَّة، وعليه تقع مسؤولية جذب القارئ من خلال مهارته اللغوية الإبداعية المتميزة، وصياغته المتفرِّدة؛ ولذا؛ فإنَّ "الشاعريَّة أو الأدبيَّة هي ما يمكن أن نسمِّيه بالمضمرِ أو المسكوت عنه؛ وهذا المضمر هو ما يثيره النصّ لدى متلقيه، ومن هنا، فهي تجاوز وتخطٍّ لأي تحليل أحادي يجعل سبيله – فقط- البحث عن خصائص لغويّة؛ ولا ينفي ذلك – بالضرورة- قيمة هذا التحليل؛ ولكنه – بالضرورة أيضاً- لا يفي بمتطلبات قراءة النصّ؛ ومن هنا يكون التأويل مشروعاً ومطلوباً؛ ومهما يَتَنَّوع أو يتعدَّد فإنَّه لا يُلْغِي تأويلاً سواه؛ ولا يهدِّد مضمراً غيره، لأنَّ المعجم اللُّغويّ – هنا- يتوقف على إمدادنا بما نوده، وتظلُّ الدلالات أشبه بهامشيَّات معجميَّة؛ تتولَّد أطيافُها من مختلف دلالات معجميَّة أخرى" (1) .

وهذا يدلنا أنَّ اللغة الشعريَّة ولادة متجدّدة؛ ولتبقى - كذلك- ينبغي أن تتطور لغة الشاعر مع مطلع كل قصيدة؛ وعلى هذا؛ فالكتابة الشعريَّة الراقية تفجر مستمر، وتغاير دائم؛ وعلى هذا أكَّدَ أُدونيس بوصفه شاعراً وناقداً من الطراز الرفيع على ضرورة فهم عملية الكتابة الشعريَّة؛ إذْ يقول: "الكتابة الشعريَّة عملٌ مزدوج: تفجِّر اللغة الشعريَّة المثقلة، المشحونة باللغة الأيديولوجيَّة التقليديَّة؛ وتفجِّر بنيتها التركيبيَّة وأشكالها، إنَّها تُحَرِّر اللغة الشعريَّة من مناخها الفني التقليدي، وتدخلها في مناخ آخر" (2) .

واللغة الشعريَّة - من منظور أُدونيس- ليست فقط عملية ولادة؛ وإنما عملية خلق وإبداع دائمين، وضرورة وجوديَّة كذلك؛ إذْ يقول: "إذا لم أكتبْ، فأنا أشعرُ بأنَّني غير موجود. بالكتابةِ أكتشفُ من أكون، أتعوَّدُ اكتشاف ذاتي، والإفصاح عنها... تتيح لي الكتابةِ أيضاً معرفة الآخر. ومعرفة العالم بالتأكيد. يراودني إحساسٌ بأنَّ الحياة بأكملها حركة اكتشاف متواصلة. وهذه الحركة تتيح للإنسان أن يشعر بأنَّه موجود؛ وأنَّه يساهم في خلق العالم، وفي تغييره...وما يمكن أن يقال عن الشعر، يمكن أن يقال على جميع أشكال الخلق والفن والفلسفة...إلخ" (3) .

إنَّ رؤية جوزف حرب للغة الشعريَّة لا تقل قيمة أو أهمية عن رؤية أُدونيس؛ فالشاعر جوزف يُعَدَّ اللغة الشعريّة لغة الحس الشعوريّ المصوَّر بأسلوب جمالي وبحساسيّة فنية عالية؛ وهذه الحساسيّة هي التي تميِّز الشاعر الجيد عن الشاعر الردِيء؛ يقول جوزف حرب في حوارنا معه : (اللغة هي قنديل الإبداع المضيء الذي يضيء التجربة بقنديل من نور، ويبعث فيها شعاعها البهي الطهور.. إنها أداة المبدع الطيعة التي يشكلها ببوح الخيال، وسحر الجمال.. باختصار إنها حياة النص، وقلبه النابض) (44) لهذا؛ عمد الشاعر جوزف حرب إلى تحفيز قصائده بتشكيلات لغويَّة جديدة؛ تعتمد لغة الابتكار، من خلال هندسة الجمل، وهندسة إيقاعها الخارجي والداخلي؛ وهذا؛ ليس بغريب على شاعر حسّاسّ، شاعر أعطى للقصيدة مناخاً شعوريًّا جديداً، وأفقاً تشكيليًّا متميّزاً في سماء الفن والحداثة الشعريَّة، وللتدليل على هذه المهارة التشكيليَّة، والقدرة الّلغويَّة التصويريَّة العالية التي يملكها جوزف حرب؛ سنجري إضاءات على هذه اللغة من خلال التقنيات التي حققتها على الصعيد الدلالي والتشكيلي في آن؛ نذكر من هذه التقنيات:

 

1- اللغة/ والتنظيم النسقي:

ونقصد بـ [اللغة/ والتنظيم النسقي]: تنظيم الأنساق اللغويَّة في القصيدة؛ لتحفيز مدلولاتها، ومستثيراتها الدلالية؛ إذْ إنَّ التنظيم النسقي يهب الصورة الشعريَّة أيقونتها الدلاليّة المكثفة، وشعريتها المفعمة بالإدراك، والشعور العميق؛ ويُعَدَّ التنظيم النسقي عنصراً مهماً في تحقيق الاستجابة الشعريَّة؛ واللّذة الإيقاعيَّة التي تطرب لها الأذن؛ نظراً إلى الإيقاعيَّة الخفية التي تحملها الأنساق اللغوية المتضافرة ضمن السياق الشعريّ.

وقد جاءت قصائد جوزف حرب منظمة نسقيًّا؛ يإيقاعات متضافرة؛ منها إيقاعات بصريَّة، ومنها إيقاعات لغوية؛ ومنها إيقاعات صوتية تتبدّى أكثر ما تتبدَّى في حركة الأنساق الّلغويَّة المتضافرة، وتنظيمها النسقي المتوازن، الذي يخلق هندسة إيقاعيَّة تستثيرها حركة نصوصه؛ بإيقاع داخلي يحفِّز العبارة الشعريَّة من الداخل، قبل تحفيزها من الخارج بالأنساق الّلغويَّة المتضافرة خاصة في القوافي الشطريَّة، كما قوله:

"أيتُّهَا العريشةُ العاريةُ الصفراءْ

 إنَّا معاً في حضرةِ الخريفْ، لا ورقٌ فينا، ولا حفيفْ

 ماضٍ، ولَنْ أعودَ. أقبلَ المساءْ.

 أيتُّها العريشةُ العاريةُ الصفراءْ

 أدرككِ الخريفُ مثلي.

 سوفَ تمضينَ كما أمضيْ.

 فلا تَنْسِيْ إذاً

 نيسانُ جاءْ، أنْ ترجعي عريشةً خضراءْ" () .

لابد من الإشارة بداية، إلى أن اللغة الشعرية –في قصائد جوزف حرب تحقق منتظمها الفني الجمالي من حيث توليف الكلمات والجمل برشاقة، وإيقاعية جمالية مفعمة بالشعور، والإحساس والشاعري. وهنا نحنُ، إزاء نصّ منظم نسقياً تقوده حركة الأنساق اللُّغويّة التقفوية المتوازنة؛ محققة درجة إيقاعيَّة مثلى تنبعث من صدى الإيقاع الداخلي؛ لحركة الأنساق اللغويّة المتوازنة بين الأنساق المضافة، والأنساق الوصفية، والأنساق التقفويّة التي تعتمد حروف المدّ، وتكرار الصيغ، بفواصل متوازنة منظمة تثير إيقاعها الداخلي؛ وتعكس هذه الإيقاعية بالحس اللغويّ والإدراك الفني لنسيج هذه الأنساق ضمن القصيدة؛ كما في حركة الأنساق التالية: [العارية = عريشةً خضراء]، و[حضرة الخريف = لا حفيف] [ماضٍ = أمضي] [أقبل المساء = نيسان جاء]؛ إنَّ هذه الأنساق اللغويَّة المتوازنة تثير القارئ بإيقاعين:إيقاع موسيقي يرنّم الحركة الإيقاعية؛ ويزيد تآلف النغم ونسقه الصوتي الإيقاعي العذب؛ وإيقاع لغوي؛ يؤكد الهندسة المحكمة للتشكيلات الُّلغويَّة المتوازنة التي تنسجم والإيقاع الرومانسيّ للحالة الشعوريّة المجسدة؛ إزاء الإحساس باليأس والهرم الذي يعشش في باطن الذات؛ مسقطاً هذا الإحساس على الطبيعة؛ لتبدِّد جهامة هذا الإحساس من خلال ما تبثه من أمل، واخضرار؛ وخصوبة وروحانيَّة وصفاء، وهذا ما نلحظه في قوله: فلا تَنْسِيْ إذا نيسانُ جاءْ، أنْ ترجعي عريشةً خضراءْ".

وقد أتاح هذا التنظيم النسقي للأنساق اللغويَّة – في قصائد جوزف حرب- أن يثير نصوصه إيقاعيًّا ودلاليًّا من خلال خلق هذا اللون من الانسجام والتآلف التصويري بين الأنساق اللغويَّة، والمواقف النفسية الشعوريَّة التي تبثها حركة هذه الأنساق، أو الإيقاعات اللغويَّة مجتمعة، كما في قوله:

"هَلْ ألومُ سَرِيْرَكِ؟

 أنتِ الفتيَّةُ كالجمرِ.

 كيفَ أغارُ إذا ضَاجَعَتْكِ الرياحُ، ولا شيءَ فيَّ

 وليس صَحَارى؟

 تناديكِ شهوةُ هذا السريرِ، فتعرينَ مثل الظهيرة للراقصينَ بعيدِ الحصادِ.

 فكيفَ يحقُّ لهذا الخريفِ الذي بي أنْ يغارَ؟

 وأغضبُ منكِ وأَغضبُ" (5) .

لابد من التأكيد بداية أن شعرية اللغة –في قصائد جوزف حرب- تتأسس على فاعلية التنظيم الدقيق للمفردات والأنساق الشعرية، وهذا ما يجعلها ذات قيم فنية متوالدة، وأنساق ائتلافية منسجمة، إن إيقاعاً أو صوتاً؛ وهنا، تكمن فاعليَّة حركة الأنساق اللغويَّة من خلال تفعيلها النسقي الائتلافي بين حركة الأنساق اللغويَّة المضافة حيناً، والوصفيَّة حيناً آخر؛ محقِّقاً درجة قصوى من التآلف النسقي بين الأنساق اللغويَّة التالية: [سريركِ = هذا السرير] [الظهيرة = الراقصين] [الخريف = الرياح] و[أغارُ = يغارُ]؛ وهكذا؛ يزحزح جوزف حرب النسق الإيقاعي المتوتر بالأنساق الوصفيَّة المنكسرة حيناً، والمتوازنة حيناً آخر، لشعرنة قصائده بالتماوج الإيقاعي على المستوى الصوتي والدلالي معاً.

ومن ناحية أخرى؛ قد تأتي بعض قصائد جوزف حرب مؤسَّسة - جماليًّا- على التنظيم النسقي لحركة الأنساق اللغويَّة؛ وهذه الأنساق لا تحفِّز الإيقاع الداخلي فحسب؛ وإنما تحفّز الرؤى؛ وتستثير الفاعلية الجمالية التوَّاقة لهذا النوع من الائتلاف النسقي المنظم، كما في قوله:

"لَمْ أجِئْ كي أُقيمَ بظلٍّ من الوقت، أو أدَّعِيْ مرفأً، أو وصولاَ

 فإنِّي رأيتُ الكثيرَ قليلاَ.

 وما عدتُ أملكُ من جسدِ العشقِ للكونِ حتَّى النُحُولاَ

 ورسولي إلى الليلِ قنديلُ رُوحي، وقد قَتَلُوا في بلاطِ الظلامِ الرَّسُوْلاَ.

 ورغمَ هدوءِ المجاذيفِ فيَّ، وأنِّي محوتُ المدى، وطويتُ الفُصُولا

 فلا شيءَ إلاَّ غبارٌ وملحٌ، وبيتُ وصولٍ أرى انتظاري فيهِ الرَّحِيْلا" (6) .

لابد من الإشارة إلى أن سحر اللغة ومصدر جماليتها- عند جوزف حرب- أنها تشعرك بنكهة الإبداع الصافي من خلال هذه الأنساق المتوالفة في تشكيلها وحراكها الفني.وهنا، يبدو لنا أن المقطع مشبع بالأنساق الّلغويَّة، المنظمة نسقيًّا؛ بإيقاع التقفيات المنسجة فيما بينها؛ ليخلق منها موقفاً وموضوعاً جماليًّا؛ يُعزِّز منحاها التأملي في البوح عن المعاناة الداخلية؛ ليبدو لنا الإيقاع إيقاعين متماثلين: إيقاع نغمي مبثوث من أصداء الذات؛ يتشكل نسقيًّا بمهارة الشاعر وحنكته التعبيريَّة على تشكيل تلكم الأنساق اللغويَّة المتضافرة فيما بينها، كما في قوله: [وصولا = قليلا- النحولا- الرسولا- الفصولا- الرحيلا]، ناهيك عن تماوج النفي [لم أجِئ = ما عدتُ/ فلا شيء] مع الإثبات [إني رأيت- إني محوتُ]، مولِّداً حركة نغمية على صعيد التشكيلات اللغويَّة، والأصداء الدلالية بين [السلب/ والإيجاب]/ و[ البوح/ والتصريح]، و[الإخفاء/ وعدم الإظهار]؛ ينسابُ هذا الإيقاع النصي على صعيد الدلالات والرؤى الاغترابية التي تنحو إلى تأكيد اليأس، والإحساس بالفقد والّلاجدوى؛ أما الإيقاع الثاني فهو إيقاع نفسي؛ يتصاعد شيئاً فشيئاً عن طريق تفعيل هذه الأنساق اللغويَّة المنظمة على صعيد التقفيات حيناً، وعلى صعيد الرؤى الاغترابية الحزينة التي تنزع إلى الرحيل حيناً آخر؛ وهو - بهذه الهندسة النسقيَّة- يفجر فينا شهوة الإحساس الدافئ الذي يكمن في أعماقنا؛ للإحساس بشعور الشاعر، ومعاناته واغترابه؛ أي يستثير فينا حسّ التأمل وعاطفة التفاعل مع النصّ؛ وهكذا، يُسَلِّمنا جوزف حرب إلى أصداء قصائده بنغمات إيقاعيَّة؛ تنساب من خلال أنساقها اللغويَّة المنظمة؛ لنتفاعل معها من الداخل؛ بنغمات مؤتلفة تتركها تلكم الأنساق في أنساق القصيدة وعباراتها كلها؛ لتبدو أشبه بتلك الذبذبات النغمية التي تثير الأسماع لحظة الانتهاء من الفاصلة الشطريَّة؛ أو النغمة الختامية التي تثير مفاصل القصيدة كلها.

وقد ينوِّع في إيقاع أنساقه اللغويَّة بين إيقاعات نسقيَّة عديدة؛ لكنها تنزع كلها إلى الانتظام والائتلاف؛ لتؤكِّد تنظيمها وتنسيقها المحكم؛ وكأنَّها موقّعة إيقاعيًّا بشبكة متواكبة من الأنساق المنظمة؛ التي تسهم في تجسيد أضواء فنية كاشفة لأنغامها وأصدائها الترنيميَّة العميقة، كما في قوله:

"مَضَى ألفُ عصرٍ عَلَيّْ

 وما غيرُ رائحةِ الوقتِ، والملحِ، فوقَ يَدَيّْ.

 مَضَى ألفُ عصرٍ عليّْ،

 فَمَنْ كانَ لصًّا فقد صار لصّيْنِ.

 والسجنُ صارَ سُجُوناً.

 وأصبحَ أقصرَ عُمْرُ الحدائِقِ، والشوكُ أصبحَ أقْوَى وأعلى.

 ويا طعنَةَ الرُّمْحِ، كم أنتِ أرفقُ ممَّا يحاصِرُني اليومَ مِنْ أسلِحَهْ.

 لقد ضاقَ بَهْوُ الأسابيعِ، واتَّسَعَتْ قاعَةُ الأضْرِحَهْ.

...ولكن إلى الآن مازال يدخلُ بيتُ يدي ويبكي" (7) .

إنَّ هذا النصّ يمضي بنسقِهِ السردي الوصفي مثيراً حركات نغمية متواشجة بين الأنساق الوصفيَّة، والأنساق المضافة؛ تاركاً القارئ يغوص في مداليل هذه الأنساق الدالّة على الحزن، والكآبة، والاغتراب الوجودي؛ فالشاعر يحاول أن يكتشف وجوده؛ متأملاً معالم هذا الوجود؛ لكن الزمن يفلت من بين يديه؛ وينكسر حلمه أم ضباب الحزن، وغيوم الكآبة، والدموع، واليأس، والانكسار؛ "ولكن إلى الآن مازالَ يدخُلُ وجي بيتَ يديّ ويبكي"؛ وهنا، تتجلّى حركيَّة القصيدة وتناميها التشكيلي بتآلف الوصف السردي، الذي يراكم الحالات النفسية الشعوريَّة العميقة في مداليل العبارة وزخمها النفسي/ والأنساق اللغويَّة المنظمة التي يبثها في حركة قوافيه على شكل إيقاعات داخلية تنبعث من أصداء العبارات وتواشجها النسقيّ المنظّم، إذْ يقف الشاعر على القوافي الائتلافية التي تترك نصه في حالة توهج إيقاعي وبثّ نفسي لمداليل الشعور الداخلي المنبعث من أصداء ذاته الحزينة الجريحة التي تتلمس الوجود؛ لكنها تصدم بالضباب والتلاشي والجراح والدموع؛ وهكذا تسهم الأنساق اللّغويَّة المنظمة تقفويًّا/ ودلاليًّا في تحقيق درجة عليا من التآلف الإيقاعي/ والدلالي؛ لبلوغ القصيدة ذروتها الفنية، وإثارتها الدلاليَّة، من خلال بثّ منعرجات الذات وأحاسيسها؛ بتنظيم نسقي يرسمها بوضوح أمام المتلقي.

 

2- اللُّغة وتبئير الحدث الشعريّ:

ونقصد بـ [اللغة/ وتبئير الحدث الشعريّ]: تعميق الحدث الشعريّ من خلال تحفيز الرؤية؛ ليكون الحدث مكمن تفاعل المستويات اللغويَّ، وتفجير مداليلها كلها؛ وأنساقها التصويريَّة والتشكيليَّة على اختلاف تشعباتها وتفرعاتها في كيان القصيدة؛ ومن هنا؛ فإن تبئير الحدث الشعري يعني – بالدرجة الأولى- تشكيل رؤية جديدة متمحورة حول بنية الحدث، ومثيراته النفسية، والبصريَّة، والدلاليَّة؛ وإذا كان جوزف حرب قد تميّز على مستوى الصورة، والرؤية، والإيقاع العاطفي الرومانسي في نصوصه؛ بوصفه شاعراً تصويريًّا من الطراز الرفيع من خلال بداعة الصورة، وفضاء متخيلها الشعري، وتجسيدها البصري؛ فإنه برز - كذلك- على مستوى تبئير الحدث، وتفعيل الرؤية، وممغنطتها للأحداث الجزئية، والأنساق اللغويَّة؛ لتبدو قصائده ذات أفق تأملي مفتوح، وهندسة تشكيليَّة بارعة في تشكيل العبارة؛ ونحت الصورة، وحياكة المشهد الشعريّ بطريقة تجسيديَّة ترسم الحدث، وتوسِّع آفاق الرؤية؛ الأمر الذي يجعل نصوصه الشعريَّة نصوصاً بانورامية؛ متشعبة الأحداث، والرؤى، والدلالات دون أن تترك أثراً لتنافرٍ، أو نشوزٍ، أو خلخلة في بنية تشكيل الأنساق اللغوية، وتفاعلها النسقي، وائتلافها التشكيلي، كما في قوله:

 أيُّها الكونُ، لماذا عندما أًصغي إلى أشرعةِ الموتِ، أرى كَمْ أنتَ يا كونُ جميلُ، وبعيدٌ وجليلُ. ومع الرملةِ في الصحراءِ، كَمْ أنتَ كريمٌ، ومعي، يا كونُ، كَمْ أنتَ بخيلُ!

 لَمْ أزَلْ في عمقِ أعماقي لا شيءَ، لعليَّ ليس لي ظلٌّ، ومن كثرةِ ما أنِّي ضئيلُ

 لا تُرَاني عَيْنُ ممحاةٍ ولا فيَّ زوالٌ. وَحْدَهُ الشيءُ إذا كانَ يَزُولُ" (8) .

يستوقفنا - في هذه القصيدة- أمران: أحدهما: تبئير الرؤية صوب الحسّ الشعوريّ المأزوم؛ إزاء وجوده الذي يتمخض عنه إحساسه اليائس بالضعف، واليأس، من وجوده المتلاشي؛ وإحساسه بالضآلة الوجوديَّة. أمَّا الثاني فيتمثل في تكثيف الأنساق اللغويَّة؛ التي تعبِّر عن تأملاته الوجودية، وإحساسه المتراكم باليأس الوجودي؛ إذْ تلاشى الأمل أمامه؛ ولم يبقَ إلا سراباً أو خيوطاً من ضبابٍ ضئيلة؛ ووجود عبثي ضئيل؛ يصل إلى درجة التقزم والاضمحلال، كما في قوله: "ومن كثرةِ ما أنِّي ضئيلُ/ لا تُرَاني عَيْنُ ممحاةٍ ولا فيَّ زوالٌ. وَحْدَهُ الشيءُ إذا كانَ يَزُولُ) ". ولاشكَّ في أنَّ النصّ مُبَأَّرٌ حول هذه الرؤية اليائسة التي رسمها؛ وكل صورة أو جملة تعكس طبيعة الحدث الشعريّ الذي يجسده من إحساسه القلق، اليائس الذي يرسم أصداء ذاته المنكسرة؛ المتصدعة بالحزن، والدموع، والعتمة، والظلمة الوجوديَّة، أو المحو الوجودي؛ وقد جاء قوله التالي: "كَمْ أرى نفسي مرَّاتٍ، ضباباً، دَبَّ في خيطانِهِ البيضِ النُّحُولُ"؛ يائساً معبِّراً عن عمق التلاشي والأسى الوجودي؛ وبهذا النهج المتمثل في زعزعة الرؤى، وبلورة الإحساس الوجودي يرسم الشاعر أبعاده النفسية الشعوريَّة، بحسّ تصويريّ؛ يرتحل صوب التلاشي، والمحو الوجودي.

والَّلافت أنَّ نصوص جوزف حرب الشعريَّة ذات الطابع التوصيفي السردي؛ تعتمد توالي الأفعال التي تبئر مدلولها صوب الحدث الشعريَّ؛ لهذا؛ تكتسب نصوصه شرعيتها المشهديَّة؛ بإيقاعها الرؤيوي العميق حيناً؛ وإيقاعها البصري المجسد؛ بطابع عاطفي شفيف، حيناً آخر؛ ومن هنا؛ تلعب الأفعال دورها الحدثي بنسق زمني يُبَئِّر رؤيته صوب الحدث الشعري المُجَسَّد أو المشهد الغزلي المرسوم بعدسة مونتاجية شعريَّة عميقة الحسّ والشعور الغزلي، كما في قوله:

"لا أستطيعُ النومَ للآنَ مَعَكْ.

 فَلَمْ تَزَلْ رائحتي ملأى رجالاً.

 أعطني بعضاً من الوقتِ لكي يَغْسُلني حبُّكَ مِنْهُمْ.

 آه كَمْ أحتاجُ في عشِقكَ هذي النارَ حتّى جسديْ يطهرُ من أجسادهِمْ. دعني أذُبْ أكثرَ، أقلقْ، أحترقْ، أشتقْ.

 أكادُ أنْ أجُنَّ كي أنامَ ليلةً معكْ

 لكنّني لا أستطيعُ النومَ للآنَ معكْ.

 أُحبُّ أنْ أنامَ مَلأَى بنقاءِ العشقِ./ حتّى إنْ شممتني، وقد لَفَفْتَ حولَ قامتي أجنحتَكْ شممتَ بي رائحتَكْ" (9) .

هنا؛ يعتمد الشاعر تبئير الرؤية؛ وتعزيز مدلولها الغزليّ؛ إذْ يطغى - على القصيدة- الطابع الشعوريّ الغزلي الذي يشي بالعذوبة، والنقاء؛ فالمحبوبة تحاول أن تُطَهِّر ذاتها من دنس الرجال السابقين، لتتطهَّر بحبه الذي يمثل لها الصفاء المطلق؛ إنَّ هذه القدرة التعبيريَّة على خلق الإثارة التشكيليَّة في نسقها اللغويّ؛ تدفع الحركة التعبيريَّة صوب بؤرة الرؤية المركزيَّة؛ التي تعتمد التطهير من دنس الخطيئة؛ لتغدو طاهرة من دنس الماديَّات؛ لإبراز التناقض، بين ما كانت عليه، وما آلت إليه بحبه؛ فهي أصبحت نقية كنقاء الحبّ، وصفائه، وجماله، وروحانيته التي تهدهد النفس، وتبهج الفؤاد والروح.

وقد تعتمد بعض النصوص الشعريَّة - عند جوزف حرب- على القفلة النصّيَّة المثيرة؛ مُبَئِّراً الرؤية الشعريَّة، أو الحدث الشعريّ في فاصلة الختام؛ ليعزِّز إيقاعها الجمالي المحكم، كما في قوله:

"فَتِّشْ عميقاً في الجناحْ،

 تَصِلْ إلى العصفورْ.

 فَتِّشْ عميقاً في البياضْ، تصِلْ إلى الكُحْليّْ.

 فَتِّش عميقاً في الحِرَابْ،

 تصل إلى الطحينْ.

 فَتِّشْ عميقاً في الغمامْ، تصل إلى البحارْ.

 فَتِّشْ عميقاً في دواةِ الشِّعْرِ حتَّى المرَّةِ الأولى التي قد عُرِفَ فيها الموتْ، تَصِلْ إلى نايٍ وصوتْ" (10) .

هنا؛ تبدو القصيدة أنَّها تمركز رؤيتها على الجدل الشعوري صوب الموجودات؛ معتمداً القفلة المثيرة التي تترك حيّزها الجمالي المتنامي بآليات تشكيليَّة؛ تخلق الإثارة؛ وتُعَزِّز حسّ الإدراك التخييلي بالقفلة النصّيَّة المدهشة التي تثير القارئ؛ كما في قوله: (فَتِّشْ عميقاً في دواةِ الشِّعْرِ حتَّى المرَّةِ الأولى التي قد عُرِفَ فيها الموتْ، تَصِلْ إلى نايٍ وصوتْ) "؛ والَّلافت أنَّ الجمل كلها تعتمد على صيغة واحدة تقريباً منظمة نسقيًّا، بإيقاع الجدل الشعوريّ بين الإحساس بالأمل، وتلاشي الأمل، بين ثنائيات متوازنة، أو متضادة؛ كما في الثنائيات التالية: [الجناح = العصفور]، و[البياض/ الكحليّ]، و[الحرابْ/ الطحينْ]، و[الغمامْ/ البحارْ]، و[ناي/ صوت]؛ إنَّ هذه القدرة على جمع الأنساق اللغويَّة، وتفعيلها في الفواصل الشطرية، والقفلة الختامية يُعَزِّز شعريّة القصيدة عند جوزف حرب؛ ويمدّها بألق جمالي مفتوح يفتح أفق التأمل والاستغراق بما تبثه رؤاه من مثيرات بصريَّة- تشكيليَّة تحفّز قصائده، وتبعث جمالها بسحر الإيقاع وترانيمه الصوتية المتوازنة.

 

3- اللغة وتحفيز الدلالات:

ونقصد بـ [اللُّغة وتحفيز الدلالات]: أن يكثِّف الشاعر الرؤى والدلالات المتضادة والمترادفة في تعزيز إيقاع الصورة، وتعميق رؤاها الشعريَّة؛ بالمنافرة والاختلاف النسقي حيناً؛ وبالمواءمة، والانسجام، والتضافر اللّغوي حيناً آخر؛ لدعم الحسّ اللّغويّ التشكيليّ بعملية الإبداع والتآلف النصّي- التشكيليّ؛ كما لو أنَّ الشاعر يبدع الصورة؛ لخلق الدهشة، والإثارة، والترسيم الشعوريّ المرهف بعملية الخلق الشعري؛ بحيث يتصاعد التعبير الجمالي كلّما تغوَّر الشاعر، وأطنَبَ في ترسيم الصورة؛ وتعميق المشهد الشعريّ؛ مفعِّلاً الأنساق التصويريَّة كلها؛ لخلق حركة نسقيّة متضافرة؛ تسهم في تحفيز الدلالات؛ وتعميق إيحاءاتها في نفس المتلقي.

وقد استطاع الشاعر جوزف حرب بحنكته اللُّغويَّة، وقدرتها التشكيليَّة البارعة على استقطاب القارئ بالمحفِّزات الدلاليَّة، وإثارتها التشكيليَّة، بوساطة الترسيم الشعوري الدقيق للأنساق اللّغويَّة، لتحفيز دلالاتها، واستقطابها الشاعري المثير للمواقف والأحداث الغزليَّة، كما في قوله:

"فتحتُ شُبَّاكيْ

 وكانَ الليلُ بَردْ،

 وشمعةٌ في غرفتي، كحبَّةٍ من بلحٍ أحْمَرَ، أو كَزِرِّ وردْ،

 هبَّ الهواءُ، أصبحتْ في لوحةٍ سوداءَ نَهَدْ" (11) .

هنا؛ بدأ تحفيز الدلالات، والرؤى بالجملة الفعليَّة: [فتحتُ شُبَّاكي]، ثم أردفها بجملة حالية تصوِّر الطقس الذي كان عليه؛ وقد جاءت الجملة الثالثة: [وشمعةٌ في غرفتي، كحبَّةٍ من بلحٍ أحمر، أو كزرِّ وردْ] مُحَفِّزة الدلالات؛ بإثارتها التشكيليَّة؛ وترسيمها النسقي؛ الدقيق بين القافيتين [برد= ورد]؛ وقد جاءت الإضافات المتواترة بحرف الكاف التشبيهي [كحبة= كزرِّ ورد] باثة إيقاعات داخلية؛ تضفي على الصورة تحفيزاً بصريًّا ودلاليًّا في آن؛ وقد عمَّق هذا التحفيز الدلالي الجملة الختاميَّة، لتؤكد المواءمة التشكيليَّة بين [البلح الأحمر/ والورد/ واللوحة السوداء، والنهد]؛ وهنا، يتصاعد الألق التعبيري بهذه القفلة؛ مكتسباً عمقاً تأمليًّا وجمالاً تخييليًّا بارعاً من خلال النسقين المتوائمين [كزرِّ ورد = أصبحت في لوحةٍ سوداء نَهَدْ]؛ وهذه الموازاة التشكيليَّة- الإيقاعيَّة في حركة النسقين؛ تسهم في تحفيز الدلالات، وخلق الدهشة الإيقاعيَّة الداخلية بين النسقين، بتوائم وتفاعل وانسجام تام على المستويات التعبيريَّة كلها.

وقد يعمد جوزف حرب إلى شعرنة اللغة، وتحفيز الدلالات بالإضاءات المشهديَّة، والشذرات التصويريَّة المرافقة للمواقف الغزليَّة، والرؤى واللقطات المشهديَّة الغزليَّة المفاجئة؛ كما في الشاعر:

"وكانَ لنا مَوْعِدٌ في المساءِ،

 جميلٌ كقامَتِها في الضبابِ،

 سريعٌ كنومٍ، رقيقٌ كماءِ.

 ومِنْ شغفي باللقاءِ، رأيتُ الدقيقةَ عاماً.

 ورحتُ أشيخُ إلى أنْ غدوتُ عجوزاً،

عَصَاتِي عُكَّازُ ريحٍ، وجِسْمِي غمامُ شتاءِ.

 وجاءَتْ، فَمَا عَرِفَتْنِي

 استراحتْ قليلاً، وراحتْ" (12) .

هنا؛ يرسم الشاعر المشهد الغزليّ رسماً فنيًّا؛ بادئاً بتشعير اللغة، والقوافي الشطريَّة، من دون أن تطغى صورة على صورة؛ أو قافية على قافية، إذْ تأتي كل صورة ومثيلتها في التركيب؛ وكأنَّ خيطاً دلاليًّا يشدّها؛ ويحفّزها لاستقطاب الصورة الأخرى في نسق تآلفي انسجامي يرسم الصورة ومثيلتها بريشة فنية؛ وهذا ما ينطبق كذلك على القوافي؛ إذْ تأتي القوافي منسابة بإيقاع هادئ بعد دورة تصويريَّة إيقاعيَّة متآلفة محكمة؛ تخطها من بداية الجملة إلى نهايتها؛ وكأنَّ الكلمات تتخلى عن دلالاتها؛ لتدخل في دلالات تحفيزيَّة جديدة؛ تقود حركتها النسقية بتماسك خفي؛ يشدُّ الصور؛ ويخلق الدلالات الغزليَّة؛ فالشاعر رسم مواقفه الغزليَّة الشعوريَّة بحيازة جماليَّة تلّفت القارئ إلى سيرورتها الدلاليَّة ونسقها الجمالي المحفِّز للقارئ المتأمل بعمق لنصوصه الشعريَّة.

وقد يلجأ جوزف حرب إلى تحفيز الدلالات بالصورة المشهديَّة الغراميَّة المعقدة، التي تترك مسافة تصوريَّة لدى القارئ بنزوعها إلى القصّ المشهدي الترسيمي في التعبير عن الحالة النفسية الشعوريَّة، كما في قوله:

"كُلَّمَا نِمْنَا معاً، تُغْمِضُ عَيْنَيْهَا؛ وتغدو امرأةً عاريةً بينَ يَدَيهْ.

 تَتَصَوَّرْ

 أنَّها نائمةٌ ليس معي، بل مَعَهْ، أشْعُرُ في ذلك لمَّا جِسْمُهَا، أو حركاتُ الصوتِ فيها تَتَغَيَّرْ

 فهي آناً تَتَكَسَّرْ

 وهي آناً مَدُّ آهاتٍ إذا في فَمِهِ قد أغرقتْ ياقوتةَ النَّهْدِ المدوَّرْ

 وأنا أشْعُرُ أنِّي قَيْدُهَا لا مُشْتَهَاها.

 وهي لا تصرخُ من رَعْشَتِهَا في التختِ لكنْ تتحرَّرْ.

 كحمامٍ نائمٍ في راحتيهْ

 فإذا نحنُ انْتَهَيْنَا، وأدارتْ ظَهْرَها في سرعةٍ، أطبقتْ أجفانهَا ذاهبةً

 دامعةَ الوجهِ إليه" (13) .

بادئ ذي بدء نقول: إن اللغة الشعرية –عند جوزف حرب - تحتفي بالمشهدية، والحركة الجمالية المباغتة، لهذا، ترى الصورة- لديه- مشهدية توصيفية تجري مجرىً قصصياً، دون أن تفقد تمركزها الفني على خصوصية الرؤيا، وسحر النبض الجمالي التي تشعه في أجزائها؛ وهذا يدلنا – بالتأكيد- أنَّ الصورة الشعريَّة- في قصائده- مشهديَّة؛ تصف مشهداً رومانسيًّا لحالة المرأة العاشقة التي تعشق رجلاً آخر؛ فيبث من خلال إيقاع اللغة وطواعيتها بين يديه حسيَّة المشهد ورؤاه البصريَّة المتخيلة المجسدة في شكل ما، أو هيئة معينة؛ واصفاً مغامرة جنسية تنزع إلى اختزال الرؤى، وتجسيد الهيئات البصريَّة؛ متجاوزاً دلالة الكلمة والجملة ذاتها إلى دلالات تحفيزيَّة؛ تزيد المشهد عمقاً وشعوراً صوب ما يبثه الشاعر من رؤى، ومداليل رومانسيَّة مباغتة، تصف ظواهر إنسانية شائعة، مثل الخيانة الزوجية، وعدم الإخلاص للحبيب؛ ومن هنا؛ فإنَّ تحفيز الدلالات الشعريَّة يتعلق بمستوى إثارة اللغة؛ الأمر الذي يجعل نصوص جوزف حرب ذات فاعلية نسقية متميزة، ومثيراتها البصريّة- المشهديَّة التي تتمثل في تفعيل الرؤى المتناقضة ذات الصدى الرومانسيّ والإيقاع الجمالي الشاعري المثير.وهذا ما أكده في حوارنا معه قائلاً: (اللغة الشعرية –في قصائدي –تنزع إلى الصورة الحية المتحركة بصرياً، ودلالياً، إنها مشبعة بأطياف من التكثيف المشهدي والتمثيل التجسيدي لما أتخيله وأراه من أطياف تمر على خاطري لحظة تشكيل القصيدة وتفريغها على بياض الصفحة الشعرية) .

 

4- اللُّغة وتراكم الأنساق اللُّغويَّة:

ونقصد بـ [تراكم الأنساق اللّغويَّة]: تراكم المحفِّزات اللّغويَّة والأنساق التشكيليَّة المرتبطة فيما بينها برباط السببيَّة، أو العلاقة التجاوريَّة؛ بين المتجاورات النسقيَّة: [الصفة/ والموصوف]، و[المضاف/ والمضاف إليه]؛ ولمَّا كانت الأنساق اللّغويَّة تمثل المثير الإيقاعي للتجانس بين المتجاورات فإنها تتنوّع بتنوّع تلكم المتجاورات؛ وهذا يعني أن اللغة الشعرية تنتشي بالأنساق اللغوية المبتكرة التي تبين شعرية الشاعر، وقوته البلاغية الدافقة بالحس والخيال؛ تقول الناقدة راوية يحياوي: "إنَّ الحداثة الشعريَّة سعت إلى تفجير اللغة لتجاوز أزمتها المتمثلة في اجترار المفردات بالدلالات نفسها؛ وفي سياقات مستهلكة، وأصبحت الكلمة حقلاً خصباً بالدلالات التي تسهم في تفجير اللغة من الداخل" (14) .

وبهذا المعنى؛ فإنَّ اللّغة الحداثية لغة متجاوزة نطاقها الدلاليّ إلى نطاقات دلاليَّة متجدّدة؛ مع كل نأمة تشكيليَّة، أو حركة نسقية جديدة لنظام التشكيل اللغويّ؛ ومن هذا المنظور؛ لجأ جوزف حرب إلى تقنية تراكم الأنساق اللغويَّة؛ لبث الزخم الشعوري الذي يصطهج في داخله، ليبثه إلى القارئ بنظام جمالي ودلالي فاعل في التعبير عن مكنون هذه الحالة، وعمق تلك التجربة؛ ولعلَّ من أهم مثيرات تراكم الأنساق اللّغويَّة التأزم النفسي من جرَّاء الإحساس بمرور الزمن، وأُفول سني العمر الجميلة، كما في قوله:

"كنتُ طفلاً. يا لهذا الجريِ في الأشياءِ!

 يجري الطيبُ.

 يجري الموجُ.

 والأشرعةُ البيضاءُ فوقَ البحرِ تجري.

 الكرةُ الخضراء والزرقاءُ تجري حولَ قرصِ الشمسِ.

 ما مِنْ حجرٍ في يدِ طفلٍ ليس يجري.

 القمرُ الفضيُّ يجري.

 ولَدٌ يرمي إلى شبَّاكِ بنتٍ بيتَ شعرٍ، ثمَّ يجري

...........................................

كنتُ طفلاً وكبرت

بين مجذافي خريفٍ وشراع فوق أيدي الريح صرت

 كنتُ طفلا دهشتي زالتْ.

 وقد أدركتُ أن لا شيءَ يوماً كانَ يجريْ غيرُ عمري" (15) .

إنَّ تتابع الأنساق الجمليَّة في نسق تصويريّ مؤتلف؛ يعكس حركة نفسية مهندسة، أو منسجمة تتمثل في الإحساس الشعوري المنتظم صوب هروب الزمن وأفوله؛ فكل شيء يجري أمام الشاعر، وهذا الجري يمثل حالة من عدم التوازن والاستقرار من جهة؛ والكينونة الوجوديَّة المتلاشية شيئاً فشيئاً من جهة ثانية؛ وكأنَّ كل شيء أمامه يرتحل ويجري إلى اللانهاية؛ وهذا الجريان مرده أفول سني العمر ورحيل سني الخصوبة والزهو والشباب؛ ولهذا جاء تراكم الأنساق اللّغويَّة موازياً للحالة الشعوريَّة التي تصطرع في داخله، من قلق إحساس وشعور يائس يتمثل في كثافة الانفعال، والشعور المأزوم صوب ماهية الحياة وطبيعتها المتغيرة؛ التي تؤذن بالارتحال الدائم، والجريان المستمر صوب الهاوية أو النهاية الوجوديَّة المحتومة؛ وما تراكم الجمل إلاَّ إيذاناً بحركة الوجود المتغيِّرة والتي تدل على الارتحال الدائم، وعدم الثبات؛ دلالة على جريانها السريع، ورحيل ربيع العمر مسرعاً كلمح البصر؛ ولا يسعنا إزاء هذا الإحساس إلاَّ التأكيد على جماليَّة الأنساق اللغويَّة المتوازنة التي تخلقها نصوصه الشعريَّة في ترسيم الحالة الشعوريَّة، وبثها بطريقة تأملية ترصد الأوضاع النفسية، وتعبِّر عنها بمصداقية، وشفافية متناهية؛ وهذا ما نلحظه في قوله: "كنتُ طفلاً وكبرتُ./ بين مجذافيْ خريفٍ، وشراعٍ فوقَ أيدي الريحِ صرتُ"؛ ولعلَّ هذا التراكم النسقي في توصيف الحالة الشعوريَّة، والتعبير عنها يؤكِّد قدرته العالية على الترسيم الشعوري الدقيق للمشاهد والصور الشعريَّة المجسّدة؛ لتأتي ذات عمق فني، وبراعة تشكيليَّة لافتة في توصيف الحالة، وتعميق الشعور بها.

وقد تكشف قصائد جوزف حرب عن مهارة لافتة في تنسيق المتراكمات؛ خاصَّة فيما يتعلق بالأنساق اللغويَّة المترادفة، التي تشي بتنظيم نسقي رغم تراكم الصور، وكثافة المتواليات النسقية، كما في قوله:

"من زبدٍ مالحٍ ومن شَجَرِ

 أنتَ، ومِنْ سوسَنٍ، ومن مَطَرِ.

 عيناكَ كُحْلِيُّ غامضٍ. ومن الصبحِ فراشٌ على أصَابِعِكَ المُغْمَضَةِ اللّينِ.

 والمساءُ يذوبُ تواشيحَ في ساعديكَ كما ذابتْ بوجهِكَ فضَّةُ القمرِ.

 جِسْمُكَ من حنطةٍ.

 وشاحُكَ مِنْ صوفِ خُزَامى.

 ومن نسيجِ ملاكٍ شعرُكَ المُرْسَلُ البياضِ على الهلالِ في كتفيكَ

 يا جسداً قَدْ أُنْزِلَ العمرُ فوقَ أشهُرِهِ كقطرةٍ أُنْزِلَتْ على حَجَرِ." (16) .

بادئ ذي بدء نقول:إن تراكم الأنساق اللغوية- في شعر جوزف حرب- يدلل على كثافة الرؤى والمتخيلات الشعرية، ومهارة الشاعر في إبراز المشهد بخصوصيته الرؤيوية العميقة، ومدلولها الجمالي الفاعل الذي يرتقي قمة في التوصيف والتجسيد المشهدي العميق؛وهنا؛ يجتذبنا الشاعر بمتراكماته النسقية المتآلفة التي تسهم في ترسيم الصور، وتفعيلها النسقي؛ حتى لتكاد الصورة تفرض ذاتها على القارئ بسيرورتها النسقية المتآلفة، أو المتناغمة ضمن مساقها الشعريَّ؛ معتمداً الصور التآلفية المتراكمة التي تتشكل وتتنامى في متواليات نسقية متضافرة على المستويات كلها؛ كما في هذه المتواليات التصويريَّة المتواشجة التالية: "والمساءُ يذوبُ تواشيحَ في ساعديكَ كما ذابتْ بوجهِكَ فضَّةُ القمرِ./ جِسْمُكَ من حنطةٍ./ وشاحُكَ مِنْ صوفِ خُزَامى./ ومن نسيجِ ملاكٍ شعرُكَ المُرْسَلُ البياضِ على الهلالِ في كتفيكَ"؛ إنَّ هذه المتواليات النسقية تتماسك، وتتآلف رغم تراكمها في توصيف المشهد، وترسيمه الواضح؛ والّلافت أنَّ جلّ هذه الأنساق المتراكمة وصفية تمضي في نسق مترابط توصيفي لجزئيات الطبيعة الترسيمية الدقيقة، وهذا يعني أنَّ المشاعر المبثوثة - في هذه القصيدة- هي لإضفاء جو رومانسي يتسق والحالة الشعوريَّة المبثوثة التي تعتمد المتراكمات الوصفية للحيازة النسقية، والتكثيف النسقي للمتراكمات الوصفية، ذات المد التأملي والقدرة التوصيفيَّة الخلاَّقة للمشاهد البصريَّة المجسدة.

والملاحظ أنَّ قصائد جوزف حرب تفرض نسقها التراكمي على القارئ في كثير من الأحيان؛ وهذا التراكم النسقي لا يضعفها أو يُقَلِّل من جمالها؛ بل على العكس يزيدها ألقاً وجمالاً وهندسة تنظيميَّة محكمة؛ لأنها؛ تأتي منسوجة بعناية، وبحنكة فنية متمرسة، قادرة على الاستقطاب والتنامي الجمالي، كما في قوله:

"شجرتانِ في حديقتيْ، وارفتانْ،

 وتحتَ كُلٍّ منهما كرسيّْ، واحدةٌ بيضاءْ، واحدةٌ زرقاءْ.

 حبيبتي استلقتْ على البيضاءْ.

 لم يَبْقَ عصفورٌ وما غطَّ على الشجرةِ التي ترى بظلِّها كُرْسيَّهَا البيضاءْ.

 جاءَ النسيمُ، حفَّ خِصْرَ الورقِ المائج في الرقصةِ الخضراء.

 لا غُصْنَ إلاَّ التفَّ في شوقٍ إلى غصنٍ، لكي لا تصلَ الشمسُ إلى حبيبتي إذا هبَّ الهواءْ.

 مرَّتْ بقربِ قَدَمِيْ حبيبتي آهاتُ ماءْ كصوتِ نايٍ في المساءْ

 ورحلتْ حبيبتي؛ وفي غدٍ أشرقتِ الشمسُ، رأيت الشَجرَهْ، تلك التي كُرْسيّهَا زرقاءْ شجرةً صفراءْ" (17) .

هنا؛ تفرض القصيدة تصاعدها التراكمي في تنسق الصور الجماليَّة التي تصف جمال الحبيبة، من جهة؛ وجمال الشجرة، واخضرار أغْصَانِها تبركاً بجمال الحبيبة من جهة ثانية؛ مما يجعل الحركة النسقية التصويريَّة متلاحمة في تبيان هذا المشهد، وتوصيف الحالة المشهديَّة؛ بإلحاح تعبيري يبلغ درجة مثلى من التعميق المشهدي، والحس الرومانسيّ المرهف؛ ناهيك عن المهارة الفنية في استقطاب الرؤى التي تدعم الحسّ الرومانسي؛ وتثير العاطفة بوساطة هذا التجسيد الجمالي للمشهد الشعري المجسّد.

وقد يكثف جوزف حرب المتراكمات النسقية البليغة بغياب حروف العطف، أوحضورها، دلالة على كثافة المتواليات اللغويَّة التي تجسد عمق الموقف، وكثافة الرؤى، والصور، التي تفيض من مخيلته الخصبة، كما في قوله:

"حَمَلَتْ خَنَاجِرَهَا، خيانَتَهَا، تَعْذِيْبَهَا، إِهْمَالَهَا، سَهَرِي، ممحاتَهَا لي، حُبَّهَا لِسِوَايَ، وبُعْدَهَا عني، وغُرْبَتَهَا.

 حَمَلَتْ وِسَادَتَهَا، وعَاشِقَهَا، فَمَهَا المُعَتَّقَ، عريَ قَاَمَتِهَا، آهاتِهَا، لهبَ الأنينِ بها، ومُضَاجَعْيِهَا، عُهْرَهَا، حَمَلَتْ، أنّي القتيلُ، وودَّعتْ جَسَدِي./ ومضتْ إلى قلبيْ، ولَمْ تَعُدِ" (18) .

هنا، تأتي المتراكمات في نسقها اللغويّ متتابعة؛ بروابط تشكيليَّة؛ متوافقة تشي بالزخم الانفعالي، والتتابع النسقي، والكثافة الشعوريَّة التي تتتابع بحروف العطف، ودوال لغويةَّ متتابعة بروابط ممثلة بحروف العطف حيناً؛ وأنساق متتابعة بغياب الحروف العاطفة حيناً آخر، كما في قوله: "حَمَلَتْ خَنَاجِرَهَا، خيانَتَهَا، تَعْذِيْبَهَا، إِهْمَالَهَا، سَهَرِي، ممحاتَهَا لي، حُبَّهَا لِسِوَايَ، وبُعْدَهَا عني، وغُرْبَتَهَا"؛ إنَّ هذه الدوال المتراكمة تشي بتوتر الحالة العاطفية، وتثوير إيقاعها التراكمي الغاضب صوب محوها ذاته وتعلقها بالآخرين؛ وهنا؛ تتابعت الأنساق اللغويَّة المتراكمة في تحفيز الصور؛ وتعزيز فاعلية إيقاعها النسقي في ذهن المتلقي؛ إذْ إنَّ كثافة الأنساق اللغويَّة المتراكمة تسهم في التعبير عن الحالة العاطفية بكل زخمها وانفعالها الشعوري؛ وهكذا؛ يتصاعد التعبير الشعري جمالاً و ألقاً تصويريًّا في قصائد جوزف حرب رغم كثافة الأنساق المتراكمة؛ مُكْسِباً قصائده فاعلية قصوى على صعيد التنامي التصويري، والزخم الانفعالي، والتوتر العاطفي.

 

نتائج أخيرة:

1-  تنبني القصيدة الشعريَّة – عند جوزف حرب- على بداعة التشكيلات اللغويَّة، وبلاغة تمفصلاتها الشعريَّة؛ لدرجة تبدو قصيدته متواصلة العطاء، كثيفة الدلالات؛ خاصَّة على مستوى التنامي التصويريّ؛ وعلى هذا؛ تمتلك قصائد جوزف حرب خصوصيَّة في الأداء، وتميُّز في المعنى؛ ناهيك عن بداعتها التصويريَّة المحكمة؛ إذْ يلتف الشاعر على القارئ في نسق تشكيلاته اللغويَّة؛ وكأنها منسوجة نسجاً فنيًّا محكماً؛ أو محبوكة حبكاً نسجيًّا متآلفاً على المستويات كلها.

2-  إنَّ شعر - جوزف حرب – مثال تجسيدي صريح للشعر الوجداني الإنساني؛ إذْ إنَّ القارئ يجدُ فيه لذّة دائمة، وألقاً ساحراً، وشفافيَّة شعريَّة عظيمة؛ مع كل مطالعة لنصوصه الشعريَّة؛ بمعنى أنَّ إنسانيته العظيمة؛ ورُقِيِّه التشكيلي المستمر حلَّقت بفضاءات قصائده شعوريًّا ودلاليًّا وإنسانيًّا فوق حدود الواقع؛ فانتظم النصّ – لديه- بلغة توصيفيَّة حينًّا، وتصويرية حنياً آخر؛ ثم يقوم بتعميقها فنيًّا عن طريق التبئير النسقي، وتكثيف الرؤى والأحداث؛ لتطرح تساؤلات عميقة متجذِّرة في حقل الفن، والاستكشاف، والتأمل الوجوي.

3-  إنَّ هندسة المعنى في المقاطع الشعريَّة، وتحفيزها للقارئ؛ بالانسجام، والتفاعل، والتضافر، يجعلها ذات سيرورة نسقية منظمة؛ تبهج القارئ بتفاعلها؛ وإنْ كان ثمَّة إغراقاً في متاهات سرديَّة، وتفاصيل يوميَّة؛ فإنَّ هذا لا يضعفها أو يُّمَزِّق وحدتها؛ مما يجعلها ذات خصوصيَّة صوتيَّة إيقاعيَّة، وجرس صوتي موسيقى متناغم على مستوى الألفاظ، والحروف، والقوافي المتآلفة، أو المتناغمة؛ لخلق الدهشة في المستويين التصويريَّ والإيقاعيَّ في آن معاً.

 

عصام شرتح

.........................

 (1) عيد، رجاء، 1995- القول الشعريّ (منظورات معاصرة)، منشأة المعارف الإسكندرية، ص 190- 191.

 (2) أُدونيس، 2005- زمن الشعر، دار الساقي، بيروت، ط 6، ص 46.

 (3) إسبر، نينار، 2010- أحاديث مع والدي أُدونيس، دار الساقي، بيروت، ط 1، ص 43.

 (4) شرتح، عصام، 2012- حوار مع جوزف حرب، مخطوط، ص15.

 (5) حرب، جوزف، 2006- المحبرة، دار الريس، بيروت، ط 1، ص 1412- 1413.

 (6) حرب، جوزف، 2007- رخام الماء، ص 319.

 (7) حرب، جوزف، 2006- المحبرة، ص 1138- 1139.

 (8) المصدر نفسه، ص 1131- 1133.

 (9) المصدر نفسه، ص 1330- 1333.

 (10) حرب، جوزف، 2007- رخام الماء، ص 62- 63.

 (11) حرب، جوزف، 2008- كُلُّكَ عندي إلاّ أنتْ، رياض الريس، ط 1، ص 152- 153.

 (12) المصدر نفسه، ص 291.

 (13) حرب، جوزف، 2000- السيِّدةُ البيضاءُ في شهوتِها الكحليَّة، رياض الريس، بيروت، ط 1، ص 406- 407.

 (14) المصدر نفسه، ص 377- 379.

 (15) يحياوي، راوية، 2008- شعر أُدونيس البنية والدلالة، اتحاد الكتَّاب العرب، دمشق، ص 21.

 (16) حرب، جوزف، 2006- المحبرة، ص 1546- 1550.

 (17) حرب، جوزف، 2000- السيِّدةُ البيضاءُ في شهوتِها الكحليَّة، ص 256- 258.

 (18) حرب، جوزف، 2009- أجملُ ما في الأرض أن أبقى عليها، دار الريس؛ بيروت، ط 1، ص 197- 199.

 (19) المصدر نفسه، ص 268- 269.

 

 

قراة في ديوان مواكب العشق للشاعر محمد نوحي

ridowan alrokbiالشعر غوص في أعماق الذات الإنسانية، واستنطاق لمكنوناتها الباطنية، فهو الحقيقة في أسمى تجلياتها وأبهى صورها، يأسرك ليسافر بك الى عوالم خفية، بحثا عن المجهول الذي يسكننا. فالشعر بهذا المعنى هو القوة الاصلية بما هي ذات الحقيقة التي تصدر عن العمل الفني، وهي في نفس الوقت الهاجس الذي يسعى الى التعبير عنه كطبيعة روحية. فهو بهذا المعنى لا يتحقق الا بوصفه عملا شعريا ما دامت القوة التي يصدر عنها هي روح الحقيقة ذاتها بما هي طبيعة شعرية وما دامت غايته التعبيرية كحقيقة فنية، هي ان يصل الى الامساك بما يجعل من كل ممارسة فنية قولا شعريا. لا يهم عند هذا الحد ان تختلف الاساليب والممارسات الفنية وتتعدد، وانما الذي يهم ان ما يشكل قوام الحقيقة لا يقال الا على نحو شعري.

 

1- عتبات النص الشعري:

النقد الأدبي المواكب لحركية الإبداع الشعري المعاصر، يؤكد في تحققاته الجديدة على الأهمية الكبيرة التي تتمتع بها عتبات النصوص، باعتبارها مداخل جديرة بالدراسة والتحليل، خاصة وأنها تمثل العناصر الأولى التي يواجهها المتلقي أثناء تلقيه للعمل الادبي. فالعناوين التي يختارها الشعراء لكي يوشحوا بها صدور أعمالهم تمثل في جوهرها إعلانا صريحا عن توجهاتهم الفنية، وأساليبهم في الكتابة الشعرية، فهم لا يختارونها عبثا، وإنما تكون موجهة بقلق إبداعي، وبأسئلة جابهها المبدع أثناء اشتغاله بفعل القول، وخلص من خلالها إلى صيغة العنوان التي يراها مناسبة لإثارة استجابات معينة لدى القارئ هذا ما يبرر الاهتمام المتزايد بالعناوين وما يصاحبها من لوحات فنية، الإغفال عنها ربما يقوض من القدرة على الاقتراب مما يطرحه المؤلف من أفكار وتصورات ودلالات.

 

العنوان:

وأول ما يثير قارئ أي كتاب هو عنوانه، لأنه يستجمع مختلف مكوناته، ويسعى ليكون دالا على مختلف عوالمه، ونجاح عنوان الكتاب لا يبرز فقط من خلال كونه يثير فضول القارئ إلى الحد الذي يجعله يقدم على الحصول عليه والشروع في قراءته، ولكن أيضا في دلالته العامة على ما يتضمنه من أبواب وفصول، وما تحمله من قضايا وأفكار تتطابق مع ما يوحي به أو يومئ إليه. ويعرف ليو هويك leo Hoekالعنوان على النحو التالي:هو " مجموعة من الأدلة ... التي يمكن أن تثبت في مقدمة نص لتعينه، وبيان محتواه الشامل، وإغراء الجمهور المستهدف."

وإذا انتقلنا لمحاورة عتبات ديوان الأستاذ الدكتور محمد نوحي، وبدأنا بعتبة العنوان أمكننا القول بان الشاعر قد جعل عنوانه يتفرع الى وحدتين دلاليتين تتقاطعان، لتبرزا لنا الخيط الناظم الذي يشكل جوهر الفعل الشعري الذي يحمله الديوان، ذلك ان لفظة مواكب وهي جمع موكب توحي في بنائها الدلالي الى البعد الاحتفالي والتزيني، فاذا كان الموكب هم جماعة ركبان يسيرون برفق، وهم أيضا القوم الركوب للزينة والتنزه كم حكى ذلك ابن منظور. فان الشاعر الدكتور محمد النوحي يدعونا للسير معه برفق للتنزه في حدائق العشق، والعروج  معه الى سدرته، لتطهير الذات من رواسب ما علق فيها من دناسة، وما اعتراها من رزايا تحجب عنها الحقيقة. العشق عند الشاعر محمد النوحي يستمد مرجعيته من الأبعاد الصوفية التي ترتفع بالعاشق إلى درجة الصفاء والكمال، لتتجلى له مظاهر الجلال والجمال. والعشق عند الشاعر ايضا يرتبط في أبعاده الوجدانية بمفهوم عام للعشق يبتدئ بعشق المصطفى صل الله عليه وسلم، ليرخي ظلاله الملكوتية على حب الأم والوطن والزوج والحرية...الخ وكلها تسقى بماء العشق النبوي الذي يلزم الشاعر بهذا الفعل، ويطوق عنقه بقلادة العشق التي تشع أنوارها لتصل إلى كل الأشياء، متجاوزة الزمان والمكان... ولا غرابة في جمالية هذا العشق العذري عند الشاعر، لاسيما إذا علمنا انه ينحدر من منطقة صحراوية بدوية تمده بعناصر الجمال والجلال. أقا الحاضرة التي غرست في الشاعر الدكتور محمد النوحي بذور العشق الأفلاطوني المثالي الصافي بصفاء البداوة، وجذرت فيه أواصر التعلق الصوفي بكنه العشق وزعت فيه معانيه، ليثمر هذه الباكورة الشعرية التي تفوح عطرا ومسكا وجدانيا تجعلنا نسافر مع الديوان في جولات العشق نتنسم عبق الرحلة، ونتزود بزاد القرب إلى الأحبة في زمن التيه والضياع الوجوديين.

مواكب العشق هو سنفونية شعرية تتراقص على إيقاعات التشكيل اللغوي والتصويري الذي يعكس حب الشاعر محمد النوحي للانساية في أبعادها المختلفة والمتعددة، وفي الوقت ذاته يتطلع إلى تقديم إشراقات تخرج هذا الكائن الإنساني من دوابيته وتوحشه، فالعشق هو البلسم الذي يضمد به الشاعر كل الجراحات التي تنزف.

 

1- بين يدي المضامين الشعرية:

يتكون ديوان مواكب العشق من 123 صفحة من الحجم المتوسط، تتخلل محتوياته ستة عشر قصيدة( حب المصطفى، أمي، هيام، غزة تنتصر، بين العشق والتمرد، ملحمة الثورة، طبول الحرية، سخرية الوادي، بين الأعاصير، جنون الملاعب، تأمل، طائر، احتجاج، لأحمد ياسين تحية، حبيبتي، بلادي.) مع توطئة حدد فيها الشاعر الخيط الناظم بين هذه القصائد، ومعبرا فيها عن دلالاتها التي ترتبط بمفهوم العشق ومواكبه، باعتبارها كواكب تسبح في ملكوت الأجرام وأفلاك السماء..

والمتأمل في الديوان، يلاحظ أن الشاعر قد حاول ملامسة اغلب المواضيع التي ترتبط بتيمة الحب في مفهومه الواسع، الذي يحدد جوهر العملية الإبداعية عند الشاعر محمد نوحي، ذلك أن الشاعر قد انزاح عن المألوف والمعتاد عند اغلب الشعراء، وهذا ما جعل ديوانه يتميز بميزة التفرد لقدرته على ملامسة بعض الجراحات، وتحويل الألم إلى صورة عشقية تتماهى مع عمق التجربة الإنسانية في أبعادها الكونية. وإذا كانت المرجعيات الفكرية والخلفيات المعرفية التي تؤطر العملية الإبداعية عند الشاعر محمد نوحي تبدو مستقاة من المرجعية الدينية، كما هو واضح بجلاء في جل القصائد، فإنها في الحقيقة تتعزز بانفتاح واسع من الشاعر على المرجعيات الكونية، مما جعل القصيد في الديوان يكسر الحدود والزمان والامكنة، ويتجاوزها إلى اعتبار الحكمة ضالة المسلم أنى وجدها فهو أحق بها. ولا غرابة في هذا الانفتاح لاسيما إذا استحضرنا الجانب المعرفي لمحمد نوحي باعتباره أستاذا باحثا حاصل على الدكتوراه تخصص الأدب الانجليزي. هذا التلاقح الثقافي أمد الشاعر باليات جديد في فهم جوهر العملية الشعرية، وقد انعكس ذلك بوضوح في قصائد الديوان.

1- حب المصطفى: يفتتح الشاعر ديوانه الشعري، بإبراز التعلق الروحي الوجداني للحبيب المصطفى صل الله عليه وسلم، مستذكرا مناقبه وخصاله وصفاته الخلقية والخلقية.. ولعل الدافع الذي جعل الشاعر يكتب هذه القصيدة كما هو واضح في ثناياها، هو تلك الحملة المغرضة التي ارتبطت بالرسومات الكارتورية، فالشاعر محمد نوحي يرى بان هذه "الإساءة " هي امتداد فكري وحضاري لمحاولات سابقة للنيل من كرامته صلى الله عليه وسلم سجلها التاريخ...ارتدت في أعناق أصحابها.. هذه الحقد الدفين للرسول من طرف بعض الغربيين، يتحول من محنة إلى منحة ربانية ترخي بظلالها النوراي على قلوب جاهلة لقدره، فتحولها إلى عاشقة له صلى الله عليه وسلم. هذا العشق النوراي الممزوج بعطر الرحمة هو ما يدعو له الشاعر ليكون وسيلة للرد على كل إساءة، عوض العنف الذي يتناقض مع معاني العشق النبوي.

2-  أمــي: هي القصيدة الثانية في الديوان، يتغنى فيها الشاعر بأمه الحنون:

يا مورد الأمان والحنان في بلدي*** يا كنز الكنوز في عقلي وفي خلدي

يعرج شاعرنا في هذه القصيدة الماتعة، بنا إلى معالي الأمومة وأحضانها الدافئة، مستحضرا مناقبها وما تحملته من وهن على وهن في الحمل والتربية والتوجيه...الخ فهي " النبراس لكل مجد ومقصد" هذا النبراس الذي سيظل متوقدا في أعماقنا، لا تخبو ناره أبدا.

3-      هيام: يعرض فيها الشاعر لقلبه الشغوف إلى مسرى المصطفى. هذا القلب الذي أفشى الوجد أسراره:

كتمت سري والسقم أفشى سريرتي *** ولا جسد لسجن الغرام يطيق.

 

4- غزة تنتصر:

من تحت الركام غزة تنتصر  *** والماء الزلال تحت الصخر ينفجر

تعرض فيها الشاعر محمد النوحي لملحمة غزة الابية في كفاحها ضد الكيان الصهيوني الغاشم، مبرزا فيها باسلوبه التصويري الفتح الرباني وصمود جند الله، امام قوة وعتاد الجيش الذي لا يقهر؟

 

5- بين العشق والتمرد:

في قلب القدس..

تنسف الذات لاحزام..

وفي منعطف التاريخ..

يثور الشعب ضد الحكام.

توضح هذه القصيدة عشق الشاعر الى الحرية، وكسر اغلال القيود التي كبلت البشرية، وجعلتها ترزخ تحت كلل الاستبداد والظلم، والاستكبار العالمي.

6- ملحمة الثورة: هي اطول قصيدة في الديوان، تحاول اعادة قراءة تاريخ الامة، وما صاحبها من انكسارات تاريخية ادت الى تزعزع وحدتها وتشتت صفها. قصيدة مضمخة بعبق التاريخ تترجم الرؤية الفكرية عند الشاعر محمد نوحي،الذي يرى بان الانسان يعيش في بيداء التيه، يجتر الخطى، حيث لا ظل ولا ماء ولا طلل..

7- طبول الحرية: تترجم عشق محمد النوحي الى الحرية، حيث صوت الطبول يعلن من بعيد عن شعلة لا زالت متقدة في دواخل الشاعر، تقاوم كل مظاهر الاستغلال والاستكبار.. تنفض الغبار عن افئدة ذابت في الاحتلال.. تغسل قلوبا تربت على الظلم والاستغلال...

وعلى العموم فهذي بعض مضامين القصائد الشعرية في ديوان الشاعر محمد النوحي، وقع اختيارنا عليها، لانها تترجم مختلف الاسئلة التي تؤرق الذات الشاعرة، ولانها كذلك تعكس مواقفه الفكرية ورؤيته الوجودية، هذا بالاضافة الى انها تختزل المواقف التي تعبر عنها القصائد الاخرى في الديوان.. والتي يمكن اجمال حصرها في ثلاث تيمات اساسة: هي:

1- العشق والانسان

2- العشق والطبيعة

3- العشق وهموم الامة

وعلى العموم فشعر الشاعر الدكتور محمد نوحي، هو شعر يكتشف من خلاله الشاعر العالم، وفعالية جوهرية تتصل بوضع الإنسان ومستقبله، بل انه يقتضي من صاحبه اتخاذ موقف من الكون والإنسان والحضارة، ويحتاج إلى روح المغامرة التي تطمح إلى تفسير العالم وتغييره، والمزج في فكره ووجدانه بين روح الثقافة العربية وبين الثقافات الأخرى، وفق رؤيا جديدة تمزق قشرة المجتمع العربي وتقف على مواطن التيه والضياع التي اصابت الذات العربية والاسلامية.

2- البناء الأسلوبي والتصويري في الديوان:

1-   الصورة الشعرية:

تقوم الصورة عند الشاعر محمد نوحي على على توسيع مدلول الكلمات من خلال تحريك الخيال والتخييل وتشغيل الانزياح والرموز والأساطير، وتوظيف الرؤيا وتجاوز اللغة التقريرية المباشرة إلى لغة إيحائية. وهكذا فالصورة في ديوان مواكب العشق قد وسعت الإطار ليشمل الهم الذاتي والجمعي، وجعلت من الصور معبرا ملائما لتطوير التجربة الشعرية، على أساس أن هذه الصورة في الشعر العربي الحديث قد أخذت ثلاث تجليات: أولاً:  توسيع أفق الصورة نفسها لتتسع لأكثر قدر من الاحتمالات المتصلة بأعماق التجربة الشعرية. ثانيا: الحد من أفق الصورة، وذلك بإحكام ما يجمع بينها وبين بقية صور القصيدة، قصد الابتعاد عن النزعة التقريرية الجافة. ثالثا: إزالة المسافات الزمكانية عبر تغذيتها بالرمز والأسطورة.

2- اللغة الشعرية: رغم وحدة المرجع الذي ينهل منه الشاعر محمد نوحي، إلا أننا حين نتأمل لغته في ديوانه الشعري نجدها تتوزع في ثلاث أنواع مختلفة، بل متباينة أحيانا:

• لغة محافظة على خصائص اللغة العربية التقليدية: إذ نجد ا الشاعر محمد نوحي يستعمل لغة جزلة وعبارات فخمة وسبكا متينا على غرار الشعر التقليدي، الذي يتميز بالمتانة،

• لغة تميل إلى اللغة اليومية: إذ يعتبر توظيف هذا النوع من اللغة في الشعر، مظهرا من مظاهر اللغة الشعرية الحديثة، وملمحا من ملامحها.

• لغة تبتعد عن اللغة المتداولة: وذلك باستعمال لغة إنزياحية موحية، تنتهك معايير الوضوح والعقل والمنطق،. كما نجد في الديوان كذلك اللغة الدرامية المتوترة النابعة من الصوت الداخلي، هذا الصوت المنبثق من أعماق الذات، خلافا لما هو عليه الأمر في الشعر العربي القديم الذي امتاز سياقه اللغوي بصدوره عن صوت داخلي متجه إلى الخارج.

 

على سبيل الختم:

وعلى العموم فديوان مواكب العشق هو تعبير صادق عن عمق المأساة الإنسانية، وعن التيه الوجودي لهذا الكائن في زحمة أسئلة انطولوجية تؤرق الشاعر المبدع محمد نوحي، فيبحث لها عن أجوبة في عالم الشعر الموسوم بأسلوب فني يتميز بالكثيف والاختزال ، وبلغة شاعرية أخاذة، تمتزج فيها ضراوة ومرارة الواقع المعيش للشاعر، بتطلعات استشرافية إلى غد يحفر في الذاكرة معاني الإنسانية الخالدة.

ديوان مواكب العشق هو سنفونية شعرية تتراقص على إيقاعات التشكيل اللغوي والتصويري، الذي يعكس جرح وكلوم الأمة الإسلامية، وفي الوقت ذاته يتطلع إلى تقديم إشراقات. فالخيط الناظم بين جميع قصائد الديوان، يتجلى في طبيعة اللغة المتسمة بدفقاتها الشعورية، التي تحمل في طياتها مشعل الابداع الفني في زحمة مختلف الحساسيات الشعرية الجديدة. وكذا على مستوى الإيقاع الشعري المتجلي في الاختزال الدلالي والتكثيف الإيحائي، الذي يختزل جوهر العملية الإبداعية عند الشاعر، الحاملة لرؤية خاصة تميز كتاباته الشعرية.

إن القارئ لديوان مواكب العشق سيستمتع بلا شك باللغة الإيحائية الراقية المفعمة برؤية فلسفية، وبجمالية الحبك الشعري المأسور بعالم الدهشة والتخييل الشيء الذي سيجعل المتلقي يرقص.. ويسافر.. ليرسو في جزيرة شعرية تربتها حفر في الذاكرة الموشومةباسئلة عن مصير الانسان الحقيقي، وأشجارها نصوص شعرية، عميقة الدلالة و المعنى، وأغصانها لغة رمزية إيحائية مشحونة بأبعاد ودلالات متعددة، وثمارها نفس جديد في الكتابة الشعرية... مغلفة بعشق نوراني مستمد من مشكاة الوحي.   

 

د. رضوان الرقبي- المغرب- اكادير

 

رواية (الغجرية) والبحث عن الهوية

rahman khodairabasتعتبر رواية الغجرية المحاولة الأولى للمبدعة المغربية وئام حسن المددي في مضمار الفن الروائي . ومع ذلك فقد أحرزت المركز الأول في جائزة الطيب صالح لللإبداع الكتابي . ولكنّ لوئام سجلا حافلا في مضمار القصة القصيرة والشعر . وقد احرزت الكثير من الجوائز المحلية , وهي منهمكة الآن في البحوث الأدبية لنيل شهادة الدكتوراه . ومع أن هذا العمل الروائي باكورة إنتاجها في هذا المضمار، ولكنها أثبتت من خلاله وقوفها على أرضية إبداعية صلبة، بحيث زاحمت الكثير من المبدعين، واحرزت قصب السبق بجدارة.

تتصدى الروائية وئام في عملها هذا، الى وجع الهوية ومرجعياتها وإنتمائاتها، وقبل كل ذلك عن فحوى الهوية المتعلقة باللغة او الجغرافية او العرق او الولادة او التبني . لانها اشكالية يعاني منها الكثيرون من أبناء هذا الجيل والأجيال التي سبقته، والذين وجدوا أنفسهم فجأة على قارعة الأضداد، يتأرجحون بين مدها وجزرها .

ولنحاول أنْ نستقرأ مجسات الجهد، لعلنا نخرج بحصيلة لتفكيك الغايات والأهداف التي سعت اليها الكاتبة وهي تستعر في هذا الخضم الهائل من الشخوص والأحداث والحكايات، في عملية تعتيم مبيّت لما تقتضيه تقنيات الفن الروائي، الى عمليات الكشف عن الأحداث ورمزيتها . في رواية متوسطة الحجم تصل عدد صفحاتها الى 247 صفحة . حفلت بمزيج هائل من الأحداث والتصورات والعواطف والصراعات .في نصوص جميلة وشفافة، تستدرج القاريء للتمعن في بعض تشفيراتها وألغازها، من خلال فيض حكائي ينتقل بين الأزمنة والأمكنة ويتجول بين ثقافات الشعوب وعاداتها وطقوسها .

يبدأ مسرح الحدث في مدينة كوت العراقية، حينما يتعرف شاب مغربي إسمه بدر على فتاة غجرية اسمها مهتاب . وهو فلاح أتى الى العراق ضمن الإتفاقية العراقية /المغربية والتي تم بموجبها إستدعاء الآلآف من الفلاحين المغاربة للعمل في العراق . وبدر ابن الجنوب المغربي والحاصل على ثقافة جيدة، لكنه يضطر أنْ بسجل إسمه كفلاح، كي يحصل على عمل . ولكن لقاء الصدفة سيغير حياة مهتاب الى الأبد وسيغير حياته ايضا . حيث تهرب معه من حياة الغجر ويتزوجان وينجبان طفلة أسمها قمر . ولكن ظروفا جعلتهما يفترقان، تلك الظروف التي تتزامن مع حرب الخليج الثانية وعاصفة الصحراء . فيختفي بدر المغربي، وتعود مهتاب الى مهنة الرقص لجنود الحلفاء بينما ينخرط بدر في صفوف المقاومة ضد الحلفاء، وحينما يعود يكتشف أنّ صاروخا يبيد عائلته بعد سقوطه على البيت في الكوت .ونجاة زوجته مهتاب، ولكنه حينما يكتشف عودتها الى الرقص، للترويح عن المارينز، ينتفض ويشق فمها بمقص كان يحمله . وتتعرف مهتاب على جندي اسباني إسمه غريغويو،والذي يقرر ان يتبنى إبنتها قمر ويصطحبها معه الى اسبانيا على أنها مربية خوفا من زوجته الفرنسية آنْ . مستبدلا اسم قمر الى لونا ومهتاب الى مادرينا، حيث الطفلة لاتعرف انها بصحبة امها وتعتقد انها مربية مشرقية . وبعد فترة لاتتحمل الطفلة سلوك آن فتهرب، لتتبناها عائلة فرنسية ذات ميول يسارية، وتتربى لونا على قيم جديدة، تعتمد على عقدة الإنتماء الى العرق الأوربي، وتختفي المربية في ظروف غامضة بعد ان تترك رسالة للونا بشرط ان تقرأها حينما تصل الى العشرين،وتلتقي في القسم الداخلي بباريس بالكردية العراقية إيلانة وهي من ضحايا حلبجة والتي أصبحت نصف معوقة نتيجة الحروب . وتقيم لونا في حياتها الجامعية، سلسلة من العلاقات العاطفية الطارئة مع ياسين المغربي ومع استاذها في الفنون الجميلة خايمي ذي الأصول الامريكيلاتينية . ويحدث الطلاق بين ابويها بالتبني الفرنسية آن والإسباني غريغوريو . وتعتمد لونا على نفسها في شق حياتها، ولكنها تكتشف بعد عشرين عاما من عمرها أنها قمر . وان مهتاب امها الحقيقية التي مارست التمويه بعملية ادعاء الإحتراق . وان هذه الأم تمارس الرقص في اسبانيا بعد ان تتعرف على ثري أوربي فيتزوجان،وتقوم بعملية تجميل لإزالة آثار الجرح في فمها، وتلتقي بإبنتها لونا التي كانت تبيع لوحاتها الفنية في شوارع باريس . فتعلن لها بعد مفرقات بانها امها . وتدعوها الى زيارة أبيها الحقيقي بدر،فيسافران الى المغرب، حيث يجدانه في ساحة جامع الفنا بمراكش المغربية .

هذه هي الخطوط العامة لهذه الرواية بشكل شديد الإختصار،والتي اشتملت على قسمين منفصلين يتكوّن كل فصل من تسعة أجزاء .

تبدأ الرواية بالإفصاح عن لقاء يكتنفه الوجع بين بدر الذي فقد ذاكرته، فعاد الى مدينة الكوت العراقية، التي عاش فيها ردحا من الزمن،وها هو يلوذ بها من جديد بعد أنْ فقد ذاكرته :

" إنها مدينة تتقن الأوجاع وتمتهن الألم، وكأنها راهبة إقترفت خطيئة العشق فصعقتها لعنة الذبول الأبدي . أنتَ كذلك ستعشق هذه المدينة، ستقدس حزنها الجميل، ستحتسي صخَب صمتها مع قهوتك الصباحية .. ص15"

هكذا ستضعنا الكاتبة امام شخص يبحث عن الفراغ، وعن ذاكرته المعطوبة، وهو يلوذ بمكتبة يريد من خلالها أنْ يتسلل الى نبض اللحظة الأولى، حيث تفجّر فيه غضب عطيلي مابين الغيرة على زوجته ومابين الغيرة على وطنه الثاني، أي العراق . فلجأ الى تمزيق وجه زوجته الغجرية مهتاب حينما علم بانها ترقص للغزاة . لقد وضعت الكاتبة بدر في متاهة الحلم والواقع، هذان القطبان اللذان يتشابكان في ضبابية الأزمنة وغرائبيتها،وكأن هذا الغريب يتأرجح في متاهة لايستطيع الخروج منها تربطه بماضيه المغربي، وبين حاضره العراقي المشحون بالقلق والألم .

تصف لقاءه الأول بمهتاب التي تغويه وتستدرجه الى عالم الغجر، حيث الرقص والغناء وحيث الإتجار بالحضور الأنثوي، مماجعل الفاتنة الغجرية تتحرر من رقّها، بزواجها من بدر . وتكون ثمرة الزواج (قمر) التي تعيش نفس متاهة إمها وأبيها. حيث تتعرض الى الإختطاف وهي في لجة بحثها عن كينونتها المتشظية، وحالما تجد أمير الليل، حتى تختطف من قبل الغجرأنفسهم، وبعد صراع على الخلاص، تهرب ومجموعة من الذين يريدون الخلاص برفقة أمير الليل في مغامرات غرائبية . وهي ذات المتاهة التي عاشتها مهتاب ويعيشها بدر . في لحظة كسوف فريدة من نوعها يمتزج فيها النهار بالليل، والعتمة بالضوء والحقيقة بالخيال، ليلتقي في حانة على أطراف المدينة بالطيف الرسام الذي فقد بصره بسبب الدهان الأسود الذي سكبته عليه مهتاب الراقصة الغجرية التي تتحول الى خيال غامض وعاصف . ومن هنا نستطيع ان نفترض بأنّ الروائية وئام المددي قد جعلت من الأحلام على أنها نصوص سردية تحولت الى منطقة اللاشعور، مما منح النص حرية المزج مابين الحلم والواقع، من خلال اختراق منطقة الوعي والإستغراق في الذهول والحيرة . مما جعل السرد ينهمر من خلال الأخيلة، التي تلاحق النص السردي وتسيطر على قسماته وملامحه، بإعتبار أنّ الأحلام هي جزء من نشاط فكري يخضع لحالة من اللاوعي الذي يتأسس بدوره على تجاوز الأزمان والأمكنة، فتتم حالة من الإستغراق في الذكريات والتخيلات .كما تتم حالة من إبراز الأحلام والتخيلات على أنها الجزء المتخيل من النص . وهذا ما حفل به القسم الأول من الرواية، والذي استغرق تسعة فصول .

اما في القسم الثاني فقد تغير المكان حيث لونا/قمر تصارع وجودها المتأرجح في المكان والزمان والهوية . فهي متبناة من اسرة جندي اسباني (غريغوريو) شارك في عاصفة الصحراء وزوجته آن ذات الأصول الفرنسية والتي تعامل الآخرين بسلوك قائم على الإستعلاء والعنصرية . أمّا لونا الصغيرة فهي لاتعلم بأنّ مادرينا المربية هي أمها الحقيقية (مهتاب)، والتي تزوجت هذا الجندي غريغوريو سرّا، واتفقا على أن تمثل دور المربية للونا . واذا تجاوزنا الأحداث الثانوية التي تنبعث في إطار السرد . فإنّ الحدث الرئيسي في حبكة الرواية وعقدتها يعتمد على لونا، التي تفر من سطوة آن الفرنسية النزقة والعنصرية، فتتبناها عائلة فرنسية اخرى ذات توجهات يسارية، تؤمن بالعدالة والمساواة بين البشرعلى مختلف أجناسهم . وفي ظل هذه السرد الحكائي الذي ينهمر كالشلال . تصبح لونا يافعة وتدخل معهد الفنون الجميلة، وتتعرف على فتاة عراقية من أصل كردي، كانت احد ضحايا مدينة حلبجة . والتي تتعايش مع لونا في القسم الداخلي، لنطل من خلال حوارهما على تنازع المشاعر للونا والتي اعتمدت على نزعات إثنية ودينية أيضا . ومن خلال هذا السيل من الأحداث الصغيرة التي ترافق عمود السرد . تطفح الى السطح إشكالية الهوية التي جعلت الصبية لونا تعيش جحيم اللحظة . يواجهها سؤال حاد كالحجر، وهو سؤال الهوية . فقد ظلت تبحث عن ماهيتها وفق هذه الإشكاليات الحادة المحيطة بها والتي تتجاذبها. وقد حاولت الروائية وئام أنْ تجعل من موضوع الهوية ثيمة رئيسية تمتد على طول الخط السردي لروايتها، وحتى إمتد الى عنوان الرواية، فالغجر يعيشون على هامش الإنتماء الجغرافي والتأريخي .أو كما عبرت عنهم :

"الغجر أبناء وطن يمتد كبقعة زيت إلى أنْ تشمل رقعته كل البسيطة ص42"

وحتى حينما يستقرون فان قلق المكان والإنتماء يؤرقهم . وهذه الظاهرة الغجرية، وأعني قلق الإنتماء تحاصرنا وتجعلنا نعيش على هامش العصر في الوقت الذي يتجه العالم نحو فكرة الإندماج والتعايش .

لقد رافق البحث عن الهوية صراعات متعددة، منها نزعة محو الآخر وإمتلاكه . صراع لارأفة فيه بحيث يصبح الأنسان مجردا من دعائم القوة، سوى قدرته على التكيف أو إلإنغماس في هذا البحر المتلاطم من اللوعات التي تتفجر في مسرى الأحداث، يرافق ذالك هروب الى الأمام . هروب جماعي أحيانا كما حدث للنسوة اللواتي أختطفن في القرية الغجرية . هرب لونا من أسرتها حينما كانت طفلة، و مهتاب من قدرها الغجري، ثم هروبها من تقمص شخصية المربية، وهروبها الطويل لسنوات من مسرح الحدث لتخرج الى الوجود على هيئة سيدة ثرية لتتصدى لإبنتها قمر وتطرح لها الحقيقة

إضافة الى هروب ياسين من المواجهة الحقيقية، وحتى بدر يهرب من المواجهة الحادة لتحدي الحياة فيصبح بلا ذاكرة .

رغم أنّ رواية الغجرية قد إزدحمت بالأسماء التي شكّلت أنسجة الأحداث ومادة صياغتها . لكن الأسماء التي تمتلك صفة البطولة هي اسماء قليلة . وفي مقدمتها قمر . وهي التي تشكل الجيل الأول الذي يهرب من التشرد الغجري لإبداله بضياع آخر . فقد اصبح جيلا هجينا لايعرف هويته . وقد اشتغلت الكاتبة بصبر وتأن، لترسم صورة متعددة الوجوه لبطلتها الرئيسية . فهي طفلة موزعة، تعاني الحرمان العاطفي، والذي انعكس على شخصيتها حينما تصبح شابة فكانت تعيش حالة من القلق في المشاعر التي لاتصدر من أعماقها، وانما تنطلق من عوامل خارجية، فقد إنجذبت للأستاذها الإسباني خايمي لأنها تعتقد بجذورها الإسبانية . ولكنه تكرهه لإنها اكتشفت جذرها الشرقي . وهذا يقودنا الى أنّ الكاتبة كانت تقع في فخ الشعوربالتمايز العرقي والديني، في العلاقات الإنسانية مثل موقف خايمي حيث يخاطب لونا

" لاأستطيع ان اعيش معك وانت عربية . وحينما يرى بحوزتها نسخة من معاني القرآن الكريم فيقول لها: "لقد ضعت يالونا..ضعت الى الأبد " .

ونحن لاننكر ان هناك الكثير من الأوربيين من يكره الغرباء، ولكن هذه الكراهية والعنصرية قد انحسرت نتيجة للضوابط القانونية في الغرب، والتي تعاقب على الإفصاح بالسلوك العنصري، فكيف يصدر هذا السلوك من شريحة مثقفة كخايمي وهو استاذ للفنون الجميلة ؟ كما انه ليس اسبانيا، بل من امريكا اللاتينية التي يشعر سكانها بعقدة الاضطهاد ايضا من قبل الأوربيين، وعلى وجه الخصوص الإسبان ؟ وأعتقد أن الكاتبة كانت تحت تأثير ماحدث للمورسكيين على أثر سقوط الأندلس وماتبعتها من عمليات قتل وتنكيل من قبل الإسبان تجاه العرب والأمازيغ وحتى اليهود . وقد تناول الكثير من الكتاب العرب والأجانب هذه الظاهرة وأشبعوها روائيا . ولعل الكاتب الأمريكي واشنطون ايرفنج ممن كتبوا بموضوعية عن حملات الإبادة والكراهية ضد المسلمين .

إتكأ السرد الروائي في الغجرية على بعض الأحداث التأريخية . ومنها انتداب الكثير من الفلاحين المغاربة لتحسين الوضع الفلاحي في العراق إبّان الثمانينات من القرن المنصرم، وكان مجيء بدر الى مدينة الكوت كجزء من هذه الإتفاقية .وحينما بدأت عاصفة الصحراء لضرب الجيش العراقي وطرده من الكويت، لم يبق الأمريكان في العراق . ولم تنشأ في تلك الفترة مقاومة شعبية من العراقيين، بل حدثت انتفاضة من قبل العراقيين الذين شعروا بخيبة أمل وإذلال للهزيمة التي يتحملها النظام الصدامي، مما دفع بالجيش العراقي ان يقوم بقمع المنتفضين .أمّا أحداث الرواية فتذهب الى أنّ بدر قد إنخرط في صفوف المقاومة العراقية ضد الحلفاء والأمريكان . وهذا ما جعل السرد يتناقض مع بعض الحقائق التأريخية .

لقد حفلت رواية الغجرية للكاتبة المبدعة وئام المددي بلغة روائية ثرية، تقترب أحيانا من الشعر في بلاغتها وقدرتها على التأثير اللغوي . فجاء نصها الروائي غنيا ومعبرا . وقد إمتلك وصفها طاقات تعبيرية هائلة، وكأنها ترسم بالكلمات لوحات فنية تتضرج بالألوان والأخيلة، مستخدمة اساليب كتابية حديثة، تجعل القاريء مسمرا على وهج لغوي يتميز بالأناقة . تلك النصوص التي تفجرت بطاقات من الإيحاء، والتي إختزنت القابلية على التماهي مع روح الأفعال والأحداث والشخوص . كما أنّها رصّعت نصوصها بالكثير من المقاطع الشعرية لشعراء عرب كالسياب ومحمود درويش وأجانب كشكسبير ووليم بليك، كما استخدمت الكثير من أقوال الفلاسفة وحكمتهم، واستعارت من أقوال الكبار كهمنغواي وفكتور هوجو وجبران .كما أفاضت عن رقي ثقافتها، التي انعكست في استشهاداتها بالشعر الإسباني أو الفرنسي، أو إستخدام الحكمة او المثل السائر عند الأمم الأخرى في مكانها المناسب فحينما تحدثت عن وسائل المرأة في الدفاع عن نفسها

" المرأة تفكر بعقلية النسناس، لاتفلت غصنا حتى تمسك بآخر" .

كما تناولت مفهوم القوة في التأثير والكاريزما مستشهدة بشخصية راسبوتين، كما أظهرت معرفة بعادات الشعوب ورقصاتها ومهرجاناتها وطقوسها الدينية . فقد أوردت بعض أغاني الهجع والتجليبة في الجنوب العراقي وربطتها بأغاني ورقصات الجنوب المغربي، مثل كناوة ورقصة أحواش . كما أنّ نصوصها كانت تنضح بالمقاطع الغنائية لشعوب متناثرة في عالمنا . وقد طرزت نصها بحشد كبير من المعلومات عن طقوس الشعوب ومهرجاناتها الدينية والإجتماعية . فقد سلطت الأضواء على مهرجان اللومناريس وعلى مصارعة الثيران في إسبانيا ووحشيتها ومبررات وجودها، وتحدثت عن الطقوس في بعض ديانات الهند، ثم تناولت بعض الأساطير عن عادات الغجر في الرقص والسرقة . كل ذلك ينضح من النص بشكل تلقائي، وكأنه جزء من مسار الأحداث وليس مقحما عليها . مما يجعل القاريء منبهرا بهذا التنوع الجميل ومستغرقا في متاهات أحداثه .

لقد إعتمدت وئام المددي على عملية ألإستحضار للماضي في منعطفات السرد مما جعلها تعتمد على تيارات الوعي التي إشتهر بها الكاتب الإيرلندي جيمس جويس ولاسيما في روايته عوليس . فكأنّ الزمن الذي تدور به الأحداث متلونا، ينطفيء أحيانا ويتوهج أحيانا أخرى، في عملية إرتداد وتقدم وانحسار، وكأن السرد يتمرد على الزمن، في عمليات متتالية من البعثرة والتفكيك لمستويات الوعي وإدخاله في رؤية عبثية، تقترب الى روح القص التراثي في قصص ألف ليلة وليلة : (أمير الليل، الأحدب، الهندية، الطيف الرسام ..الخ)، وفي مناخ من الأحلام والتخيلات والأفعال والمعجزات . وحالما تشد القاريء حتى تعكف على التوقف عن لعبة التمويه والشد الروائي، فتبدأ بلملمة الأحداث، وتأسيس قاعدتها، وتوفير كل مستلزمات نموها ضمن حركة زمنية محسوبة .

إنها رواية جميلة تستحق الجائزة التي مُنحت لها .

 

بقلم: رحمن خضير عباس

 

رواية (صخب ونساء وكاتب مغمور) رسمت ازمة جيل

goma abdulahيتميز اسلوب الروائي العراقي (علي بدر) في صفات معينة من المهارة الاحترافية القديرة، في محاولة النقش على جدلية التكتيك والتقنية الفنية، في اساليب تعبيرية في ثنايا الحبكة الفنية المعاصرة، فهو يحاول بأتقان رائع، صهر الاصناف والاشكال المتعددة في فن الرواية،ومزجها في بوتقة واحدة، لتخرج خليط متجانس ومتناسق من اجناس واشكال الحديثة من العمل الروائي الحديث، فنجد في طياتها وخلال مسار احداثها من. الرواية الايروتيكية. الرواية الساخرة والكوميدية السوداء. الرومانسية. السياسية والانتقادية. البوليسية، الى الفنتازيا من سريالية الواقع، يحرك دفتها السرد الرشيق والمشوق، المشبع بالتكتيات الفنية المختلفة والمتنوعة، التي تشد القارئ اليها شداً بالمتابعة المتلهفة، كما انه يملك حذاقة وحرفية التلاعب بهذه الاساليب، في اسلوبه المميز في البناء الروائي، وعلينا ان لاننسى، بأنه يدس بشكل ناعم وطريف وعلى الخفيف، وبطريقة الاقناع، رؤياه وقناعاته الشاملة في الحياة والواقع بالفلسفة الفكرية والسياسية، التي تغوص الى الاعماق في الشارع في حركته وتذبذباته وانعكاساته على المواطن، وخاصة المناطق الشعبية، اي انه يمزج بذكاء روائي بين الخيال والواقع، وبكل التفاصيل، الانسان المعدم والمهمش والمنسي والمهمل. الذي يعاني الحصار والعفونة والعوز والاضطهاد، كما لايخلو من مخالب النفاق والاحتيال، واللعب بالمواطن. اي انه باختصار عنده العمل الروائي، يمثل عالم كامل بحد ذاته لاينقصه من التناقض والتنافر، نتيجة حرائق الواقع، اي عالم مصنوع ومختلق بدقة واهتمام من انعكاسات الواقع الفعلي، ولا شائبة فيه، في اسلوبه البسيط والرشيق المتنوع في ادواته وفي الحبكة الفنية. والروائي (علي بدر) يعتبر من جيل التسعينيات، الذي يمتلك كنز وفير من نتاج الواقع ومخالبه. ويعتبر من الجيل الروائي الحديث في الرواية العربية والعراقية، بأسلوب الحداثة المعاصرة. ويصنف اكثر غزارة في الانتاج الروائي، الذي يؤرخ الواقع الفعلي في مسار عمله الروائي، بالواقعية الخلاقة، ولابد ان نذكر بأنه من الجيل الذي خرج من محرقة الحرب والنظام والحصار الدولي، وشحة الحياة بالحرمان والعسف. اي انه من جيل الذي يحمل كوابيس الحياة ومعاناتها وشرورها، ووقعها على كاهل المواطن، الذي يعاني في داخله من انكسارات وهزائم. ورواية (صخب ونساء وكاتب مغمور) خير شاهد على تلك المرحلة الصعبة والحرجة. وهي تدل على ازمة جيل يلوك الضياع والحرمان، بهوس الهجرة والمغادرة، ليتخلص من شرنقة جحيم الواقع.

  ×× احداث الرواية ومساراتها :

في هذه الرواية يحاول ان يقدم تكتيك حديث، الذي يخرج من عباءة حكايات الف ليلة وليلة، ولكن باسلوب معاصر يتلاعب على الادوات الفنية، بالتقنية الحديثة، في القطع وهوامش المتنوعة، كأنها سلسلة متكاملة غير قابلة للقص والحذف. وتدور احداث الرواية بضمير المتكلم، والرواي احداثها هو (الكاتب المغمور) وما يأتي على لسانه من تفاصيل. مسرح الرواية الرئيسي هو، استوديو صغير ورثه الرواي (الكاتب المغمور) من جده، ويحلم ان يكون كاتباً مشهوراً على الصعيد العربي والعالمي. مثل (نجيب محفوظ)، حتى يمزق الاهمال والحرمان والعفونة، والاستلاب والفقر. بأن تجلب له الشهرة العالمية، الحظ السعيد، في النساء والمال الذي يسقط عليه كالمطر الغزير، وان يكون فارس الاعلام والصحافة ودور النشر دون منازع. ويكون من سكنة الفنادق الراقية والفخمة وهي تسلط عليه الاضواء بالبهجة والاغتباط، هذه الاحلام الوردية، هي رد طبيعي للازمة التي يعاني منها، التي جعلته مختنق ومحاصر، يحاول ان يمسك بطوق النجاة حتى لو كان قشة. فهو كان جندياً خرج من محرقة الحرب والخراب، ليدخل في محرقة الحصار الدولي الذي فرض على العراق في التسعينات، ورماه على ضفة الحرمان واليأس والفقر المدقع، مفلساً بجيوب خاوية وفارغة لا يملك سوى استوديو صغير قديم ومتعفن، ويشعر ان حياته لا تطاق وتحتمل بارهاقها الثقيل (اريد ان اهاجر بأي ثمن. اريد ان اغادر الى الابد) ص14. وكانت حمى السفر والهجرة تسيطر على عقول الشباب العراقيين من كل الاجناس، رداً لعسف مظاليم الحياة القاحلة والجدبة، والتي جعلت حياتهم على كف عفريت. يروي (الكاتب المغمور) مسار حياة (سعاد التركمانية) التي كانت تتبختر بغنج واغراء وغواية في مفاتنها وجمالها، فهي من عاهرة في البيوت الرخيصة، الى فتاة شركات الاعلانات المضيئة بالبهرجة البراقة، الى عاهرة استقراطية لصلات الرقص والملاهي الراقية على مستوى الطبقة الاستقراطية، وتتنقل من عشيق ثري الى اخر في نفس المستوى من الاستقراطية، ويسعدها الحظ بان تصبح عشيقة لاحد كبار الضباط الاثرياء، في عهد (عبدالكريم قاسم) وتعيش معه في الترف والنعيم والبذخ الاستقراطي. ولكن الانقلاب الذي اطاح بحكومة (عبدالكريم قاسم) ومقتل عشيقها الضابط الكبير، اصابها بالصميم، وشحت الاموال والبذخ، وطردت الخدم والبواب والسائق، وراحت تفتش عن عشيق ثري، لكن لم يحالفها الحظ، فشيئاً فشيئاً تعود الى مهنتها الاولى، عاهرة في البيوت الرخيصة، فقد جعلتها الحياة تترنح بقسوة وعناء، وينتهي بها المطاف، ان تتزوج من (عبود) سائق عشيقها الضابط الكبير. وتذهب معه الى منزله، في حي بائس وفقير في مدينة الثورة. وتتجرع كأس المرارة والعذاب والبؤس،بحياة لا تطاق من زوجها (عبود) من الاستقراطية الباذخة الى الفقر المدقع. وكان زوجها (عبود) يتبجح بفخر امام عامة الناس، بأنه تزوج من زوجة ضابط كبير، لكي يسترها من عواقب الزمن (والله شأسوي. تزوجت. من ارملة المقدم محمود المارودي، صديق عبدالكريم قاسم) ص73. ولكن حين ينشب العراك والخصام بينهما، يصرخ في وجهها غاضباً، ويذكرها بأنها كانت عاهرة في بيوت البتاوين الرخيصة، وهي ترد عليه بعصبية وحنق، بأنه كان سائق ذليل نائب عريف، ويرد عليها الصاع صاعين بأن يذكرها في ماضيها المخزي (من تكون حتى تعيره، فهي لم تكن سوى عاهرة في البتاوين. فأن اصبحت عشيقة المقدم. هذا لايعني زوجته، او انها كبيرة) ص74، وانجبت منه ولد (عباس) وبنت (تمارى)، وتطلب الطلاق، فيتم ذلك. ويعود (عبود) الى زوجته القديمة واولاده، حنى مات حزيناً.. (عباس) يصبح صاحب محل لتصليح الساعات. و(تمارى) تتنقل من عشيق الى اخر. و (عباس) يرتبط بصداقة قديمة مع (الكاتب المغمور) ويطلب منه ان يترجم الرسائل باللغة الفرنسية، لان (عباس) تعرف خلال تواجد الوفد المغربي الرياضي، على فتاة سمراء (عيشة) كانت ضمن الوفد الرياضي، واتفق معها على الزواج، حين وصولها الى المغرب (طنجة) سترسل الف دولار، تكاليف السفر الى المغرب، حتى يتم الزواج في (طنجة)، ويبعث اليها عدة رسائل يطلب منها ارسال مبلغ السفر بالسرعة اللازمة، لانه لا يملكه، حتى يتم الزواج، وترد علية باللازمة المتكررة، بأن يتدبر المبلغ الف دولار، وحين يصل الى (طنجة) ستعوضه على كل المصاريف. ويجد (الكاتب المغمور) نفسه شريك فعلي، لان سفر (عباس) وزواجه، سيفتح الطريق له للهجرة، حتى ينقذ نفسه من الواقع المرير الذي يكتنف حياته، يتخلص من الواقع المدمر الذي يعيشه، بالفقر والحرمان والاستلاب، ومن قحط الحياة التي اصبحت صحراء قاحلة، سوى من العواصف الرملية (هل أنا المسؤول عن غزو الكويت. هل أنا من يستحق العفونة، وحياتي وفردتي، أين يذهبان، هل اتعفن بقية حياتي في هذه الحجرة المنخورة والرطبة. وما اكتبه اين يذهب. أنا اتعفن في الخراء، بينما يعيش الشباب في العالم على ضفاف البحار المشمسة، وهم يجدفون في البحر) ص129. ويتساءل هل تنقذه (عيشة) المغربية بعد زواجها من (عباس) ويفتح له طريق الهجرة والمغادرة من بغداد ( لقد ضجرت من بغداد. ضجرت من حصارها الشنيع، وفقرها المدقع، وحرارة صيفها المدمرة، واسعارها الباهظة، ودنانيرها الطبع) ص130. ويتعرف على (وليد) الشاعر المزيف والمخادع والمحتال، الذي يضحك على الكثير من الكتاب والادباء، بأنه ابن الشاعر اللبناني (سعيد العقل)، فيضحك على (عباس) في عملية احتيالية، فيقنعه ببيع محل تصليح الساعات بخمسمائة دولار، ثم يشتري سجادة ثمينة بالمبلغ ليبعها بالف دولار بعد ذلك، ويتم ذلك بموافقة وحماس (الكاتب المغمور) حتى يحصل على الف دولار، ويطير الى المغرب (طنجة) ويتم اجراءات الزواج، ويرسل له مبلغ السفر ليلحق به، ليجد العالم الجديد، الذي سيطلق شهرته العالمية من (طنجة). ولكن في النهاية تسرق (السجادة) ويطير المال والمحل في عملية احتيال، ولم يجد وسيلة لانقاذ وضعه المأجور، سوى في بيع (الاستوديو الصغير) بالف وخمسمائة دولار، يعطي، الف دولار الى (عباس) حتى يطير الى (عيشة المغربية) ليتزوجها، ويرسل المال له، حتى يلحق به. ولكن اخبار (عباس) انقطعت عنه وتضيع اخباره، ولكن بعد ثلاثة شهور، بعد كتابة عدة رسائل الى (عباس) يرجوه ان يرسل المبلغ الف دولار، يستلم الجواب الصاعق بأن (عباس ذهب الى المغرب، ولكن لم يجد اثراً ل (عيشة) المغربية، وان العنوان الذي زودته به، لا اساس له من الصحة، ولا وجود بهذا العنوان على الاطلاق). ثم يعرف، بأن (عباس) يقبض عليه في وكر اللصوص ومهربي الحشيشة في طنجة، بعد ماسرقوه وتركه في الوكر، وتشك به الشرطة المغربية بشبهة الجاسوسية، ولكن لم يثبت اي شيء عليه، يطلق سراحه ويسفر الى بغداد. هكذا تتحطم احلام وامال (الكاتب المغمور) وتذهب ادراح السراب، فيظل متعفن ومهمل ومنسي، فلا كتابة رواية ولا شهرة، ولا احلام السفر والهجرة، لكنه يقتنع ان يبدأ حياته من جديد من بغداد وليس من طنجة المغربية، بأن ينطلق بجدية

الى علم الادب والرواية وبشكل جديد من العمل والمثابرة

 

- صدرت عن دار نون للنشر - في الامارات العربية

- تاريخ النشر عام 2005

- 218 صفحة

 

استطيقا الرؤيا الشعرية والروائية في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد (2-2)

2- أستطيقيا الرؤيا الشعرية والروائية في قصيدة (صمت البحر) لحميد سعيد:

لابد من الإشارة بداية إلى أن قصيدة (صمت البحر) لحميد سعيد تعد درة قصائد (أولئك أصحابي) رؤيوياً، من حيث كثافة أحداثها، وتعدد رؤاها، وغنى موحياتها ومؤثراتها الفاعلة في توجيه الرؤى صوب مركز رؤيوي محدد يصب في دائرة الاحتجاج والرفض الصامت، فالقصيدة تطرح رؤيتها بجسارة إبداعية، وقوة تصويرية بالغة العمق، والفاعلية، والتحفيز الجمالي، ولذلك، فإن قارئ هذه القصيدة لا يخفى عليه عمق الطرح، وقوة الحدث، وتنوعه في حقل الوعي، والإثارة، esam shartahورشاقة الأسلوب، وغناها بالرؤى، والمواقف الاحتجاجية الرافضة في الموقف والسلوك، ولعل أبرز مفاتيح الدخول فضاء هذه القصيدة ما أضاء نقاطها الكثيرة حمدي مخلف الحديثي، إذ يقول: رواية – صمت البحر – للكاتب والرسام الفرنسي جان بريلير المولود في باريس عام 1902، وفيركور اسم مستعار عرف به أيام مقاومة الاحتلال النازي لفرنسا، وظل معروفاً به حتى وفاته في باريس عام 1992 .كتب – صمت البحر – في العام 1942، أيامها كانت فرنسا تحت الاحتلال النازي، ووزعت كمنشور سري، ضمن سلسلة منشورات " نصف الليل" التي أصدرتها المقاومة، ومما قيل عنها وعن تأثيرها، إنها كانت مثل شعلة نار في كومة قش؛ تتناول الرواية حياة المجتمع الفرنسي خلال الاحتلال الألماني، وكانت من أشهر روايات المقاومة، ومكان أحداثها قرية فرنسية، يأتي جنديان ألمانيان إلى منزل ريفي يسكنه رجل كهل وابنة أخته الشابة، يتفحصان الغرفة من أجل أن يقيم فيها ضابط ألماني، لأن الضباط الألمان كانوا يقيمون في بيوت الفرنسيين .جاء الضابط إلى المنزل واختار غرفة فيه، وقدم نفسه، كان اسمه فرنرفون.ويتحدث الخال قائلاً: كان الضابط يجيد الفرنسية، ويتحدث بإسهاب، لكنه وابنة أخته قابلا أحاديثه بالصمت، فشعر بأنه انتهك خصوصية المنزل وساكنيه، إذ كان الصمت سيد الموقف .بمرور الأيام أحب الخال الضابط، واعتاد وجوده، وكشف الضابط عن وجه آخر له، ثقافة واسعة، وموهبة في العزف على البيانو.كان الفرنسيون يرفضون الاحتلال ورموزه والمتعاونين معه، وكان الضابط الألماني في عذاب نفسي، حتى أعلن يوماً إنه راحل إلى الجحيم مختاراً أن يكون فرداً في معركة بدلاً من أن يكون ضابطاً يواجه بالكراهية، وكان يدرك أن الصمت قد قهره، صمت الخال والفتاة وصمت المنزل والبلاد، وأخيراً قالت له الفتاة كلمة واحدة هي : وداعاً" (16) .

تطرح القصيدة رؤيتها بجسارة، من خلال البنى، والمتعلقات، والإسقاطات الرؤيوية، فهو يعلن من خلال قصيدته (صمت البحر) صرخته الاحتجاجية على الممارسات الأمريكية في حقه من مداهمة منزله، وكسره، ونهب مقتنياته، برؤى صارخة كاشفة، من خلال ربط الواقعين معاً، (الواقع الروائي-والواقع الشعري) ؛ولهذا، يحاول الشاعر أن يرسم ملامح الحدث، برصد مشهدي بالغ الدقة، والحساسية، والرهافة الشعورية، وهو كعادته دوماً يبدأ قصائده بداية سردية توصيفية بالتمهيد لصوغ الحدث الشعري، أو التمهيد للدخول بواطن النص من فضاءات الحدث، ومتعلقاته من وصف الأماكن أو الأحداث، أو وصف المشاعر الصاخبة التي تجول في خاطره في لجوة الاحتدامات والصراعات الداخلية، كما في هذه البداية الموفقة التالية:

"ظلَّ يدفَعُ عنه مخاوِفَهُ.. بالتذكُّرِ

ماذا تَبَقّى له؟

والبلادُ تُفارِقهُ.. وسيرحلُ بعدَ قليلٍ..

إلى أين؟" (17) .

إن الرصد الشعوري لبواطن الذات والخوف الذي ينتاب الذات الشاعرة قبل مغادرة البلاد جعله مفتاح المتخيل الشعري لدخول فضاءات القصيدة، وبواطن الشخصية الروائية، فهو يرصد ما يغلي في داخله من توجسات واصطراعات؛ إلى أين المسير في ظل هذا الجو العاصف بالرصاص، والخراب، والدمار، وهذا السؤال جاء ليثير الحدث الشعري، ويمهد الطريق لبوابة الرؤيا الشعرية، وفضائها المفتوح، وكأن الشاعر يعلن بداية رصد التوجسات والمشاعر المحتدمة، والقلق الذي ينتاب الذات لحظة فراقها الوطن إلى أين المسير، وما هي الطرق المفضية إلى الهرب بأمان:

"توقظهُ رشقةٌ من رصاصٍ..

يرى كلَّ ما كانَ في بيته..

قبلَ أن يدخل الجنودُ إليهِ..

على غيرِ ما كانَ

إذْ لمْ يَجِدْ ساعة الجدار التي طالما شاركَتْهُ الليالي..

إلى الفجرِ

لا صورة المتنبّي.. التي رافقته من زمن القرنفل البابليِّ

إلى اللحظة الأخيرةِ..

هذا الحُطامُ الذي يملأُ الأرضَ" (18) .

هنا، يعبر الشاعر أستطيقياً تعبيراً مشهدياً عن الواقع الذي عاناه في زمنه الواقعي إزاء الاحتلال الأمريكي وممارساته الإجرامية من تدمير أثاث منزله، والسطو على ممتلكاته، والعبث بدواوينه، وأوراقه، ومكتبته، وكأن الذي حدث بالأمس، يحمل من الوجاعة، والأسى، والحزن ما يجعل حطامه راسخاً في ذاكرته لا يمحي أثره أو يزول، وهكذا، تتلون الدلالات والرؤى المريرة، بجامع الالتحام بين واقعه الذي حدث له في العراق وشخصياته الروائية التي عانت الاضطهاد، والاحتلال الألماني، فكما انتهك الجندي الرسام بيت الرجل العجوز وابنة أخته التي تعيش معه في نفس المنزل، فاحتجا عليه بالصمت، فهو كذلك احتج على الممارسات الأمريكية ليس بالصمت الكظيم، والتنديد بالواقع، وإنما بالغليان الداخلي، وتعرية مواقفه الوحشية، ورصد المشاهد الإجرامية بعين لاقطة لا تنسى أي لقطة من تلكم اللقطات، أو مشهداً من تلك المشاهد، كما في قوله:

كان فضاءُ القصيدةِ

تُقبِلُ من كوكبٍ بعيدٍ .. إليهْ

تُغافِلُهُ

ثمَّ تدنو مُشاكِسَةً .. لتُريه مفاتِنها

تُشعل النار في ما تبقّى من الوقت..

وتتركُ جمرتَها في يديهْ" (19) .

فكما عانى الشاعر الاضطهاد عانت شخصيته الروائية الواقع ذاته، وأعلنت طقس حدادها المرير، وهذا يعني كثافة الرؤى المريرة، وكثافة المدلول الحارق على الذات، وفداحة الرؤيا واتساع وقعها المرير (تُشعل النار في ما تبقّى من الوقت..وتتركُ جمرتَها في يديهْ"؛وهكذا تتلون الرؤى، وتتداخل الأحداث الروائية بالشعرية، والواقع الاغترابي الكظيم بالواقع الحالي، كما في قوله:

قبلَ أنْ تبدأ القصيدةُ.. طقسَ الحِدادِ

رأى الضابطَ الأمريكيَّ .. مُرتبِكاً

ضائعاً في تضاريسها..

مثلما ضاعَ في ما يرى..

رجلٌ غائبٌ وظلالُ ابنةٍ غائبهْ

رجلٌ واحدٌ..تتدافعُ في ذهنهِ صورٌ شاحِبهْ

لماذا يجيءُ إلى بيته الضابطُ الأمريكيُّ ؟!

ماذا جرى..

ليرى أصابعَ العريفِ الملوَّنِ..

تعبثُ بالمُعجَمِ العربيِّ؟!

يدوسُ ببسطاله كتبَ الجاحظِ وابنَ المقفَّعِ وابن هشامْ

وما ضمَّتْ المكتبهْ

من فرائدَ.." (20) 0

هنا، يرصد الشاعر الممارسات الإجرامية التي حدثت معه في العراق من مشاهد، وصور عالقة في الأذهان، وكأن ثمة إحساساً مريراً متصدعاً تعاني منه الذات في اغترابها وأساها المرير، إزاء المشاهد الوحشية المترامية التي تجول في خاطره، وتركت وقعها المرير ماثلاً في مخيلته، قبل مغادرته العراق، وهذا يعني أن الحركة النصية مفتوحة على رؤى ممتدة تشي بوجاعتها، وإحساسها المرير، وتصدعها المؤلم، وهذه المشاهد عبر عنها بقسوة بالغة وجارحة، كما في قوله: (يدوسُ ببسطاله كتبَ الجاحظِ وابنَ المقفَّعِ وابن هشامْ وما ضمَّتْ المكتبهْ من فرائدَ.) ؛ وهكذا، تتلون الدلالات، والرؤى، والمداليل الشعرية الباعثة على التأمل، والإثارة والتأزم الداخلي، كما في قوله:

"هل كان بين العريف الملوَّنِ والطبرّي..

عداءٌ قديمْ؟

لماذا تَخَيَّرَ تاريخَه واستباحَ الفصولْ ؟

لوحةٌ من سمرقّند .. حيث المدينة حشدُ قَبابْ

وأخرى..

عجوزٌ يدبُّ على الثلج من أصفهانْ

كلُّ ما كانَ في البيتِ.. غطّى شذاه الدخانْ" (21) .

وما ينبغي الإشارة إليه بداية أن القيمة الجمالية التي تنبني عليها القصيدة، تتأسس على الانتقال المفاجئ من التجريد على التجسيد، والانتقال من الحدث الروائي إلى الحدث الشعري بمناوشة دلالية مفتوحة تنفتح على فضاءات الرواية، بتعرجاتها الكثيرة، وفضاءات الرؤيا الشعرية بأطيافها الرؤيوية الواسعة، وهذا يعني أن ثمة مناوبة بين إثارة الصورة المشهدية في مدها الدلالي، وإثارة الحدث الشعري، بجوامع كاشفة عمق الحدث، وعمق تمثل الرؤية الروائية-الشعرية، وتأسيساً على هذا، تتفاعل الرؤى، والمؤثرات الشعرية حاملة مجموعة من الدلائل، والمشاهد الشعورية المترامية، متسائلاً على سبيل السخرية، والتهكم: ("هل كان بين العريف الملوَّنِ والطبرّي..عداءٌ قديمْ؟)، وهذا يعني احتدام الرؤى المتداخلة بين الواقع الروائي، والوقع الشعري، وكأن هذا المد الشعوري المترامي، يرصد الحالة بكل وجاعتها وإحساسها التعروي الصارخ، كما في قوله:

كأنَّ الذي كانَ.. كلّ الذي كانَ..

صارَ سؤالاً..

أما زلتَ بعد الذي كان.. كلّ الذي كانَ..

تَزعمٌ إنَّ الجمالَ

يرفعُ راياته في مواجهة القوّة الغاشمه ْ؟!

منذُ سقراط والفلسفهْ

تَتَخَيَّلُ فردوسها.. وتُسَيِّجُهُ بالملاحم والشعر والمعرفهْ

وفي كلِّ عصرٍ يجيْ الغزاةُ . . بما تحملُ الآزِفَهْ !!

فتمحو السطورَ التي خطّها الحكماءُ ..كما تفعل العاصفهْ" (22) .

هنا، ينقل المأساة الوجودية إلى رقعة التساؤل الرؤيوي المفتوح، هل الجمال ينتصر على القبح؟! وهل الإيجاب ينتصر على السلب؟ وهل يصمد الجمال أمام قوة الحرب وآلياته المدمرة، ووحشيتها البشعة؟!!، فالإجرام مازال هو المسيطر على التاريخ، ومازالت القوى الغاشمة تفرض نفسها على جميع معالم البراءة، والصفاء، والجمال، بقوة وتبيد الحضارات، وتمحى أمام قوى الشر الغاشمة وآلياتها المدمرة: (وفي كلِّ عصرٍ يجيْ الغزاةُ . . بما تحملُ الآزِفَهْ !!فتمحو السطورَ التي خطّها الحكماءُ ..كما تفعل العاصفهْ") .، وهذا يعني أن رؤيا الشاعر تساؤلية مفتوحة على آفاق مدلولية لاتحد، وذلك بالانفتاح على جو الرواية، وجو المآسي الوجودية التي تحدث في جميع العصور، وفي كل الأزمان، فالآلة المدمرة هي هي دائماً رغم اختلاف العصور، وامتداد الأزمنة هي التي تمحو البطولات والأمجاد، وتعلن الخراب والدمار وتمحو معالم الثقافة والحضارات التي شهدتها الأمم، كما في قوله:

"بينَ صحوٍ وغيبوبةٍ..

جاءَ – ورنر فون – من صفحاتٍ مُمَزَّقَةٍ

وطروسٍ مُحَرَّقَةٍ..

وأناشيد َ بيضْ

هادئاً ونحيلاً

وغابَ العريفُ الملوَّنُ والضابطُ الأمريكيُّ

كأنَّ الرُكامَ الذي كان بيتاً جميلاً..

يعودُ إلى البيتِ

يستقبلُ الهادئ النحيلَ الذي فاجأته الدماءْ

أيّها الهادئ النحيلُ.. كيفَ وصلتَ؟!

وكيفَ ارتضى صاحباكَ.. باخ وموزارتْ ..

أَنْ يشهدا ما شهِدتَ ؟

يَمُدُّ الرصاصُ مخالبهُ في النشيد الألهي..

أو في المقامِ العراقيِّ..

في ما تُغَنّي النساءُ .. لأطفالهنَّ

وينزلُ سيلُ دمٍ من ربابي

تغصُّ به صفحاتُ كتابي"" (23) .

لاشك في أن انفتاح الرؤيا على آفاق الرواية، يكثف من مردودها الإيحائي؛فالشاعر لا يقيس زمنه بزمان شخصيته الروائية، وإنما يستقطب الشخصية الروائية لتعيش زمنه الراهن وإحساسه المأزوم، وكأن الشاعر ينقل إحساسه الرؤيوي عبر مناوشة الأحداث الروائية تارة، ومناوشة عوالمه الماضية، بكل مرارتها، وأساها المفجع، على قلبه تارة أخرى، كحنينه الدامع إلى منزله، ورغبته في العودة وحنينه إلى الوطن، ولعل هذا التفصيل في شخصيات الرواية (ونر فون) وصاحبيه (باخ وموزارت)، يقرب الواقع الرؤيوي إلى الواقع الشعري، ويجعل الرؤيا الروائية والشعرية تصب في خانة واحدة هي الرفض والاحتجاج على وجود المحتل، (الرواية بالاحتجاج الصامت) والقصيدة (بالاحتجاج الصارخ) والتعرية الكاشفة؛ وهكذا يحاول الشاعر أن يؤسس رؤيته التفاؤلية رغم الغربة الداخلية، والاحتراق الشعوري، كما في قوله:

بين صحوٍ وغيبوبةٍ.. جاءَ

الفضاءُ الرماديُّ أغلقَ باب الصباحِ..

من أينَ جاءَ؟

الطريق إليه يَمُرُّ قريباً من الشجرِ المستباحِ..

من أينَ جاءَ ؟

رآهُ.. يُجَمِّعُ أوراقَهُ

ويمسحُ عنها الدماءْ" (24) .

هنا، يحاول الشاعر أن يمثل دور العائد إلى أحضان الوطن، مغيباً شخصيته الروائية، لتحل شخصيته، بديلاً عنها، وتتراكم الرؤى والتساؤلات إيذاناً بعودة قريبة يلملم من خلالها شعث آلامه، وجراح غربته، وهكذا، تتأسس هذه القصيدة على رؤى عميقة، تصب جلها في رحم الرؤيا الاستطيقية (غربة الذات والشخصية الروائية)، ورصد المشاهد الدموية الراسخة في الأذهان إبان الاحتلال الأمريكي للعراق؛وتأسيساً على هذا تحقق القصيدة موجوديتها الفاعلة، ومتحققها الرؤيوي، وطاقتها الإبداعية الخلاقة، ودليلنا على ذلك أن الشخصية الروائية لم تكن سكونية، ولم تكن رهينة حدثها الروائي الملتصق بها في زمنها الروائي المعتاد؛ فكما رحل الجندي النازي إثر الاحتجاج الصامت، فالعدو الأمريكي رحل باحتجاجه الصارخ، وصرخته الاحتجاجية المدوية؛وهكذا استطاع الشاعر أن يشكل رؤيته الفنية، بالاعتماد على الحدث الروائي، والارتقاء به إلى الحدث الشعري، من خلال نقل الحدث الروائي إلى الواقع الراهن، وتكثيف مردوده الراسخ في الذهن، وكأن ما حدث للشاعر بالأمس ماثل في حاضره وزمنه الراهن واقعاً معاشاً الآن لا ذكريات ولت في زمنها وقضي أمرها.

وصفوة القول: إن شعرية الرؤيا في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد تبني عالمها الشعري-الروائي بقالب فني متغير، بتضافر كتلة من الأحداث والمواقف والرؤى المتغيرة، والإحالات الجديدة التي تتضافر فيما بينها في تعزيز الموقف الشعري والحدث الروائي المرتبط به.

 

3- أستطيقيا الرؤيا الشعرية والروائية في قصيدة (لم تشرق الشمس ثانية) لحميد سعيد:

يحاول الشاعر في هذه القصيدة تمثل رواية (ثم تشرق الشمس) لآرنست همنغواي، وتتناول أحداث الرواية مجموعة من المغتربين الأمريكيين في أوربا، وتحديداً في فرنسا، خلال عشرينيات القرن العشرين، وقد عاش همنغواي في باريس من 1921 إلى 1926 والتقى بشخصيات أدبية أمريكية، منهم إزرا باوند وفتزجيرالد سكوت .فالرواية سيرية في مكون من مكوناتها، والراوي صحفي مغترب يعيش في باريس يدعى – جاك برنز – وهو معوق بسبب إصابته في الحرب.يلتقي بأصدقائه في باريس ثم يسافر إلى مدينة بنبلونا الإسبانية ويقضون أوقاتهم بين الصيد والسهر الليلي وحضور عروض مصارعة الثيران، والصراع على امرأة، تتلاعب بهم .وما يؤكد إن الرواية سيرية في مكون من مكوناتها، إن همنغواي سافر إلى بنبلونا في صيف سنة 1925 برفقة مجموعة من أصدقائه المغتربين الأمريكيين وأعجب بالسيدة دوف، وأحس بالغيرة عندما عرف أنها قضت أسبوعاً مع لويب في باريس، فحدث شجار بينه وبين لويب" (25) .

تحاول القصيدة أن تطرح رؤيتها من خلال جسارة المنظور الشعري وإبراز جو الاصطراع، ونقله من جو التصادم والتصارع على امرأة عشقها ثلاثة أصدقاء في الواقع، إلى حلبة الصراع مع الثيران، إلى الفضاء الروائي والشعري؛وهنا، تبرز لغة القص الشعري، أو لغة الراوي الذي تمرس في سرد الأوصاف، والتعبير عن المشاهد بحرفنة سردية شائقة، ورؤية فنية مفتوحة، كما في قوله:

"في النزل الريفيِّ تعارفنا

رسامٌ بوليفيٌ ومصارعُ ثيرانٍ معتزلٌ..

وأنا وامرأةٌ سمراءْ

تقولُ..

رأيتكَ من قبلُ بمقهى في الدار البيضاءْ

وتُشيرُ إلى طاولَةٍ في أقصى الصالةِ..

كان هنا يجلسُ همنغواي.. ليكتبَ في كلِّ مساءْ

صفحاتٍ..

تَتَشَكَّلُ فيها قاراتٌ.. يتخيَّلها

مدنٌ صاخبةٌ .. حاناتٌ وفنادقُ..

أنهارٌ.. غاباتٌ وجبالٌ وموانئُ..

بحارّونَ .. نساءْ

ذاتَ ضحىً.. يستقبلنا بدرو روميرو.. فتحدَّثْنا عن بدرو روميرو" (26) .

هنا، يبدو المشهد الشعري توصيفياً سردياً يقع ضمن دائرة سرد السيرة، وكأن الروائي اختار هذه اللغة (السير-ذاتية) لإبراز الواقع التصادمي الذي يعيشه الأصدقاء الثالثة، وولعهم بالمرأة ذاتها التي أحبها كل واحد منهم على طريقته، وهنا؛ يكثف الأحداث، والمشاهد المحتدمة، ليرصد الحراك التصادمي بين أولئك الثلاثة، كما في قوله:

كُنتُ قريباً منهُ.. فيسألُني

هلْ صَدَّقت الأمريكيَّ المتَطَفِّلَ .. في ما قالَ؟

أحقاً.. تعنيكَ مصارعةَ الثيران؟!

وتلكَ المُدمنةُ العجفاءْ

يتقاسمُها في الليلِ سكارى فقراءْ

فيجعلُ منها امرأةً..

تتهادى بينَ رجالٍ ورجالٍ .. في خُيَلاءْ" (27) .

إن القارئ للقصيدة يتضح له البعد الدرامي في تصوير ملامحها، خاصة عندما يستغرق في ترسيم الأوصاف والاصطراع على تلك الفتاة من قبل الأصدقاء الثلاثة، وهنا؛ تتضح الحبكة القصصية، وتتسع الأطياف الدالة في رؤاها، ومتغيراتها النسقية، وكأن الشاعر يبث رؤاه الصاخبة بقلق، وانكسار، وتأزم شعوري عميق، كما في قوله:

إنَّ امرأةً أُخرى..

تظهرُ لي بين ذؤابةِ سيفٍ مسلولْ

وضَراعةِ ثورٍ مخذولْ

ترقصُ في غابات النارْ

فيجثو.. كبناءٍ ينهارْ

كنتُ أراها مُفردَةً في الجمعِ..

تُناديني

وكما النجمةُ تصعدُ من خلف الأسوارِ..

تُحَييّني

فإذا انفضَّ المُحتفلونْ

أَفَلَتْ.." (28) .

إن القارئ للقصيدة يلحظ التوصيف الدقيق لكل شخصية في الرواية، وهذا التوصيف المشاعري يكتظ بالرؤى الدقيقة التي ترصد الواقع الروائي، بكل ما فيه من أحداث، ورؤى، ومشاهد تعود إلى الوقع الروائي، بكل مسبباته ورؤاه، خاصة بإدخال المرأة المعشوقة حيز الصراع وحلبة السيرك، وكأنه يروض الشخصية الروائية لتنطق بمتغيره الشعوري ورؤاه الصاخبة، كما في قوله:

وأنا مُذْ غادرتُ الميدانْ

أَبحثُ عنها في كلِّ مكانْ

هلْ كنتُ أراها؟!

أمْ كانتْ روحاً تحميني..

من خطرٍ يتراءى لي.. أتفاداهُ

وتدفعُ عنّي الموتَ.. وكنتُ أراهُ" (29) .

هنا، يحوِّر الشاعر بالشخصيات الروائية، ليكون مربي الثيران البوليفي البطل الروائي لأحداثها والشخصية المحركة لكل أجواء الرواية؛ليس فقط عاشق الفتاة الحسناء التي يتصارع مع أصدقائه من أجلها، بل هو الذي يبرهن أن الصراع على الحياة أقسى وأمر من الصراع مع الثيران، لأن الحياة أوسع في الميدان، وأكثر قوة وصعوبة في مواجهتها، إذ يقول:

"يقولُ الرسامُ البوليفيُّ..

وكنتَ محاطاً بالرسامينَ وبالشعراءْ؟

فيصمتُ.. ثمَّ يقولُ..

لا أَتذكَّرُ إنّي كنتُ محاطاً بالرسامين وبالشعراءْ

أنا رجلٌ.. أعرفُ كيف أربي الثيرانَ..

وأعرفُ كيفَ أقاتلها

فيقول الرسام البوليفيُّ.. تربّي الثيرانَ وتَقتلُها

أقتُلها..

أقتُلُها..

إنْ لم أقتلها تقتلني .. أو يقتُلُها غيري

أوْ يقتلها القصّابُ .. لتأكلها" (30) .

هنا، يحكي الشاعر على لسان الرسام البوليفي واقعه الروائي في الصراع مع الثيران، وهذا الصراع هو أشبه بصراع الحياة، فكما أن الصراع مع الثيران إمَّا أن تكون قاتلاً، وإما أن تكون صريعاً، فكذلك صراعك مع الحياة قد تضعك الحياة في هذه المواقف في كثير من الأحيان، ولهذا، يرى في صراع الثيران، صراع الواقع بكل مرارته المؤلمة، وأساه المرير، إذ يقول:

في الليلِ نرى امرأةً.. ولّتْ شمسُ أنوثتها..

في بار النزل الريفيِّ..

وحدَّثنا النادلُ عنها.. إذْ تأتي حين يحلُّ الصيفُ

وتسألُ عن رجلٍ كان هنا..

تحكي عنه إذا سكرتْ

فإذا قيلَ لها لنْ يأتي.. امتعضتْ

تُخرجُ من طيّاتِ حقيبتها.. صوراً وقصاصات من صحف الأمسِ..

تُحَدِّثُ مَنْ فيها..

أتكونُ المرأةُ تبحثُ عما كنّا نبحثُ عنهُ (31) .

هنا، يصور لنا المرأة المعشوقة كيف بقيت لوحدها في الحلبة، وانتهى الصراع وبقيت وحيدة في الحانة تنتظر عشاقها المتصارعين من أجلها، تحاول أن تستعيد زمنها القديم، وواقعها الذي كان، لكن دون جدوى انتهى كل شيء، وبقيت مجرد ذكريات، وبقايا صور، تتلقفها بالدموع، والحسرات، والأنات المريرة.وهكذا، انتهت الرؤية الشعرية لتحط رؤاها، على مدلولات عميقة، فكما أن المحبوبة قد فقدت بريق أيامها، ولياليها الخصبة الغناء، فكذلك هو فقد فضاءاته البغدادية وأزمنته الماضية التي كانت تموج بالخصوبة والجمال؛فكلاهما فقد الجو الذي يحب، وكلاهما فقد العالم المزدهي الذي يرغب؛وهكذا، تتلون الرؤى والدلالات في القصيدة لتصل في النهاية إلى الفكرة الرؤيوية المبئرة للحدث الشعري:

"تُغَنّي السيِّدةُ السمراءْ

كانَ هنا بدرو روميرو.. ومضى يبحثُ عمّن كانَ يُحبُّ

سيأتي يوماً ليرى " باريت"

تصحو المرأةُ..

وتقولُ.. أنا باريت.. أنا باريتْ

سيأتي من أجلي وأنا مَن كان يُحبْ

تتوارى الشمسُ بعيداً .. وتضيء أعالي الأشجارْ

تعمُّ العتمةُ..

في ما يهرع من كان هناك.. إلى الحاناتْ

نواصلُ سهرتنا..

وتشاركنا في الليل الأحلامْ" (32) .

هنا، يدخلنا الشاعر فضاء الرواية بمتخيل شعري يبث الأمل في نفس العاشقة المهجورة التي فقدت زمنها وأهميتها، وفقدت سحرها الذي كان، وهكذا، تتلون الرؤى، وتدخل غمار الحدث الشعري، وتزداد قوة الحدث تعبيراً عن الواقع الروائي، الذي تتنوع أحداثه، ورؤاه بكثافة الرؤى الشعرية، والإحالات الجديدة المكتسبة إلى الشخصية، وبناءً على ما تقدم يمكن القول: تتمحور قصائد (أولئك أصحابي) على التفعيل الفني للشخصيات الروائية، لتنطق بواقع رؤيوي جديد، يمنح الشخصيات الروائية متنفساً إبداعياً جديداً؛ وهذا ما يحسب لها في تكوين تشكيلها الرؤيوي، ورؤيتها الجمالية الخلاقة؛وهذا يقودنا إلى القول: إن زبدة الحدث الروائي تتأسس على مرجعية فنية خلاقة، تثير الحدث الشعري، وتحقق متغيره الجمالي، لاسيما عندما يضفي الشاعر على الشخصية والأحداث من لمساته الشيء الكثير، وهذا ما يمنحها أهميتها في النسق الشعري المتضمنة فيه.

وصفوة القول:

إن ارتياد فضاء قصائد (أولئك أصحابي) من بوابة الرؤيا الاستطيقية وفاعليتها في توجيه الأحداث وتنامي التجربة، لمغامرة في حد ذاتها لأن توهج الرؤيا، وتعدد مساربها الدلالية، يفرض على القارئ تعدد الرؤى والأساليب في الدخول متنها؛ وهذا ما حاولنا الارتكاز عليه في الكشف عن الكثير من الرؤى والدلالات التي ترتكز عليها هذه القصائد في مسارها الرؤيوي المفتوح.ولا نبالغ في قولنا: إن جوهر الرؤيا الشعرية في هذه القصائد يعود إلى إبراز المتغير الوجودي في الحياة؛وإبراز جوانب الصراع بين الخير/ والشر، والحق/والباطل، والوعي/والجهل، والقوة /والضعف، فكل واحدة من شخصياته الروائية تظهر الجانبين معا، وربما تظهر السلوكين معاً، ولهذا، تشكل وجهي الحياة المتناقض أو المحتدم، لأنها متغيرة، ومنفتحة على الحياة بكل إيجابياتها، وسلبياتها، واستكانتها، وتمردها،، ويخطئ من يظن أن هذه القصائد لعبة شاعر تجريبي، وإنما قدرة شاعر إبداعي رائي أراد أن يُضَمِّن قصائده نبض الحياة، ليكون هو شخصية خفية ضمن شخصياته الروائية، يعيش تجربته كرواية، يرويها من خلف الكواليس، مظهراً غربته، وحرقته الداخلية، وجوانب مهمة من غربته الروحية.وهذا لا يدركه إلا من تغور عمق الدلالات وحراكها على المستوى الباطني.

 

عصام شرتح

..............................

الحواشي:

(1) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص313.

(2) جابر، يوسف، 1991- قضايا الإبداع في قصيدة النثر، دمشق، دار الحصاد، ط1، دمشق، ص180.

(3) عوض، ريتا، 1993- رائد القصيدة الحديثة يعيد للشعر دوره الحضاري، مقدمة ديوان (خليل حاوي) بيروت،

دار العودة، ص10.

(4) أدونيس، 1971- مقدمة للشعر العربي، دار العودة، بيروت، ط4، ص120-121.

(5) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حوار بشرى البستاني ص365-366.

(6) شرتح، عصام، 2016- حوار مع حميد سعيد حول مجموعته (أولئك أصحابي)، مجلة ديوان العرب، موجود على الرابط الإلكتروني التالي: www.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...

(7) مخلف الحديثي، حمدي، 2016- تكامل الرؤى، بحث موجود على الرابط الإلكترونيwww.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...

(8) المرجع نفسه على الرابط نفسه.

(9) سعيد، حميد، 2015- أولئك أصحابي، ص61.

(10) المصدر نفسه، ص61.

(11) المصدر نفسه، ص62.

(12) المصدر نفسه، ص62.

(13) المصدر نفسه، ص63.

(14) المصدر نفسه، ص63.

(15) المصدر نفسه، ص64.

(16) مخلف الحديثي، حمدي، 2016- تكامل الرؤى، بحث موجود على الرابط الإلكترونيwww.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...

(17) سعيد، حميد، 2015- أولئك أصحابي، ص48.

(18) المصدر نفسه، ص48-49.

(19) المصدر نفسه، ص49.

(20) المصدر نفسه، ص50

(21) المصدر نفسه، ص50

(22) المصدر نفسه، ص51

(23) المصدر نفسه، ص51.

(24) المصدر نفسه، ص52.

(25) مخلف الحديثي، حمدي، 2016- تكامل الرؤى، بحث موجود على الرابط الإلكترونيwww.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...

(26) سعيد، حميد، 2015- أولئك أصحابي، ص30.

(27) المصدر نفسه، ص30.

(28) المصدر نفسه، ص31.

(29) المصدر نفسه، ص31.

(30) المصدر نفسه، ص32.

(31) المصدر نفسه، ص33.

(32) المصدر نفسه، ص34.

 

استطيقا الرؤيا الشعرية والروائية في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد (1-2)

esam shartahلا شك في أن مصطلح (الرؤيا) من المصطلحات المهمة التي تطرق إليه الكثير من باحثينا ودارسينا في حقل الشعر والشعرية، لاسيما الكبار من النقاد والشعراء، أمثال أدونيس، وعلي جعفر العلاق، وعز الدين المناصرة، وآخرين، ويرى أدونيس - في الشعر الرؤيوي- التجاوز، والابتكار، والخلق الإبداعي الجديد، وهو ينظر إلى الشعر الإبداعي الحقيقي على أنه خلق، وتجاوز دائم، وحراك رؤيوي مستمر، وتطور ملحوظ في الرؤيا، وطريقة التعبير، وهذا ما يراه شاعرنا حميد سعيد، إذ يرى أن الشعر الحقيقي هو الذي ينطوي على رؤيا إبداعية خلاقة، ولغة وثابة متوهجة، بالبكارة، والغنى، والثراء، والتجدد، والخصوبة الرؤيوية، والدهشة التعبيرية والغنى القاموسي (خصوبة المعجم الشعري وتنوع حقوله الدلالية)، وذلك لئلا يكون الشعر مجرد تكرار لفظي تقليدي ممجوج لما قد سلف، ولهذا، يقرن الشاعر حميد سعيد الشعر التجاوزي الإبداعي بكل ما هو خلاق ومبدع في الشكل اللغوي، والرؤيا المتوهجة الخلاقة التي ينطوي عليها، وهذا الشعر هو الذي ينبغي أن يحظى بالرعاية والاهتمام؛وهذا ما يؤكده إذ يقول: (إن الكثير من النصوص الشعرية التي تبدو جميلة ومقبولة لا تستهوي النقاد، ولا يجد فيها الناقد ما يستدعي قراءة نقدية مهمة" (1) .لأن الشعر الحقيقي هو الذي يقدم رؤيا شاملة، ونظرة متجددة للحياة، والخلق، والكون، ولا يهم التنميق، والتوشية اللفظية، والمشاكلات اللفظية المموسقة الفارغة، وإنما ما يهم –بالدرجة الأولى- الرؤيا الخلاقة المتوهجة التي تتجاوز زمنها الخاص وتخلق زمنها الإبداعي المتفرد.

ويرى الناقد يوسف جابر أن الرؤيا" هي حصيلة معاناة اجتماعية قامت أساساً على محاور كونية متقاطعة، توحد في مركزها الشاعر مع الحياة بفئاتها حتى خبرها واستوعبها، وصار من هذا المركز يبث رؤاه على تلك المحاور في اتجاهاتها المختلفة تبعاً لغنى تجربته وخصبها" (2) .وهذا المنظور الشامل للرؤيا، يجعلها محور الوجود التأملي لدى المبدع؛ولهذا، نجد أن الكثير ممن خبروا العملية الإبداعية على حقيقتها، يقفون على رؤى دقيقة لحقيقة الإبداع والشعرية، فهاهو الشاعر الكبير خليل حاوي يعرِّف الشعر باعتماد ركيزة الرؤيا في تحديد جمالية الإبداع الشعري الحقيقي عما سواه، قائلاً: "الشعر رؤيا تنير تجربة، وفن قادر على تجسيدهما" (3) .وبهذا التعريف المختصر يضعنا في صلب الوعي الدقيق لمفهوم (الرؤيا) في جوهرها الإبداعي الذي وعاه أدونيس وعبر عنه في أكثر من موقف، ولهذا يرى أدونيس أن الشعر في رؤياه الخلاقة هو تجاوز، وخرق أسلوبي وفكري لكل ما هو معتاد، ليس على صعيد اللغة والشكل اللغوي فحسب، وإنما على صعيد الفكر، والرؤيا، والإحساس الجمالي، إذ يقول:" فكل واقع في الشعر نتجاوزه ويوصلنا إلى واقع آخر أغنى وأسمى.. هذا البحث عن الواقع الآخر، عن الممكنات، هو ما يعطي الكشوف الشعرية فرادتها. ففي هذه الكشوف يتعانق المرئي مع اللامرئي، والمعروف مع المجهول، والواقع المحسوس مع الحلم. وهكذا، تكتمل رؤيا الشاعر في جدلية الأنا والآخر، الشخص والتاريخ، الذات والموضوع، الواقع وما فوق الواقع" (4) .

وما نقصده ب (أستطيقا الرؤيا) القيمة الإبداعية التي تحققها القصيدة في توهجها الرؤيوي، وبكارة الطرح الرؤيوي، والقوة الدافقة التي تولده في النص، بما يثير الحركة الشعرية، ويخلق الرؤية الجمالية الفتانة في القصيدة، فالنص الإبداعي لا يسمو ولا يحقق فرادته إلا بتوفر عاملين –على حد تعبير الناقدة بشرى البستاني- هما اللغة المتوهجة الوثابة، والطاقة الرؤيوية الفاعلة (شعرية االرؤيا)، وهذان هما الشرطان الضروريان في الإبداع، وفي تخليق المنتج الجمالي الإبداعي المؤثر؛ تقول الناقدة المبدعة بشرى البستاني:" البحث عن الشعرية وفي الشعر –باعتقادي- ليس هو إلا البحث في اللغة والرؤيا، وعند التنقيب في هذين المجالين ترد كل التقنيات الأخرى، فالبحث في الصورة الفنية إنما هو بحث في اللغة، ومن ورائها المخيلة التي تشكلها، والبحث في الرمز بحث في اللغة، وفي المخيلة التي تعمل على تشكيل الروابط بين الرامز والمرموز له، والبحث في الإيقاع هو بحث في اللغة، وفي طرائق تشكها، وأنظمة تعبيرها زمنياً، والبحث في المعجم الشعري، وفي تراكيبه هو بحث في اللغة، وفي طرائق اللعب الحر بها؛ فالفن هو أرقى أنواع اللعب، لأنه يمتلك قوانينه الدقيقة والراقية" (5) . وهذا يعني أن لعبة الفن الاستطيقية هي العزف على استطيقا اللغة، وأستطيقا الرؤيا، ومادام توهج اللغة من توهج الرؤيا سينصب البحث في أتون فاعلية الرؤيا وتوهجها فنياً في مسار الحركة التي تحكم سيرورة هذه القصائد في مدها الدلالي وحراكها الرؤيوي المكثف.

 

فواعل الرؤيا الشعرية والروائية أستطيقياً في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد:

إن قارئ قصائد (أولئك أصدقائي) لا يخفى عليه القيمة العظمى التي تمتاز بها هذه القصائد على مستوى توهج الرؤيا، وحساسية المنظور الشعري، فالشاعر حميد سعيد كما صرح لنا بالدافع الذي كان وراء إنتاج مثل هذه القصائد وهو (الرؤيا الجمالية) يؤكد في موضع آخر الآلية الجمالية في توهج هذه القصائد ومطلبها الإبداعي المتوخى منها، إذ يقول:" نعم، أنا أوظف ما أتوفر عليه من معرفة وما أمتلك من ثقافة، في كل ما أكتب، وبخاصة في ما أكتب من شعر، وقد عرفنا شعراء كثيرين موهوبين، وبداياتهم تفصح عن موهبتهم، لكنهم يظلون عند البدايات، يكررونها من دون تجديد أو إضافة، لأنهم لا يمتلكون ثقافة عميقة، وجادة وحيوية، أو لأن ثقافتهم محدودة، وهامشية، وأمثال هؤلاء، أما أن ينصرفوا عن الكتابة الشعرية فتضمر موهبتهم، أو أن يكون نتاجهم، مجرد كم يتكرر .وسواء في قصائد هذه المجموعة أو في سواها، أجد في الثقافة وفي القراءات، ما يغني تجربتي الشعرية، ويعدد مساراتها، وينفتح بها على آفاق واسعة، وأمداء جديدة.هل كان عليَ، أن أتنازل عن معارفي وثقافتي وتجاربي وقراءاتي، وأضعها في محيط معزول، لتبدو قصيدتي سطحية وباهتة، لا تقارب إلا ما هو شائع ومعروف ومكرر من الأفكار والصور، من أجل أن أتصالح مع ناقد كسول، وقارئ أكثر كسلاً،، أو مستمع يصفق لما يعرف وينأى بنفسه عما لا يعرف" (6) .

ولهذا، حاول حميد سعيد أن يرتقي بالرؤيا الشعرية بفواعلها الاستطيقية البليغة، لتصيب مرماها الفني، بقوة تعبيرية فعالة، وحراك رؤيوي مفتوح، ومن يقرأ قصائد (أولئك أصحابي) - بعمق وشمولية- يلحظ أن غنى الحركة الجمالية إبداعياً فيها يعود إلى توهج الرؤيا، وتنوع مساربها الدلالية، والدلائل الاستطيقية على ذلك كثيرة؛ فقوة الحدث في مسار الشخصيات وفواعلها النشطة في هذه القصائد ترتد إلى شعرية الرؤيا، وتوهجها فنياً، وكذلك سموق الزمن الشعري بفواعله المحرضة يرتبط بالرؤيا ومحفزاتها للحدث والمشهد الشعري في آن، وكذلك فإن شعرية الحدث ترتبط بشعرية الزمن وحراك المواقف والأحداث الشعرية ضمن مسار القصيدة ترتبط بشعرية الرؤيا كذلك، فالشعرية إذاً- في هذه القصائد كل متكامل- ترتبط بجذرها الإبداعي- وهو استطيقيا الرؤيا – وترتبط بالأحداث المتعلقة بالشخصيات والمواقف الجديدة التي تفرزها هذه القصائد في مسارها الإبداعي؛ فكما ترتقي بعض القصائد بفواعل الحدث، وحراك المشاهد الدرامية فإن بعضها الآخر يرتقي بمحفزات الرؤيا والإحالات الجديدة المضافة لتبدو الرؤيا الشعرية ليست وليدة الرواية، وإنما وليدة الذات الشعرية، في حراكها الشعوري المكثف، وهذا يرتد إلى فواعل الرؤيا المتوهجة التي حركت الأحداث، وأكسبت المواقف قوة بلاغية في تعزيز الرؤيا الشعرية المتعلقة بالحدث الروائي والشعري معاً؛وهذا يعني – باختصار- أن قوى الجمال -في هذه القصائد- ترتد إلى الفواعل المشتركة بين الأحداث، والرؤى، والتجارب، والمواقف الجديدة التي تنطوي عليها الحركة الدلالية والرؤيوية في هذه القصائد، سواء على مستوى حراك الشخصيات أم على مستوى كثافة الأحداث، وتوترها الدرامي، أو البانورامي في هذه القصائد.

 

1- أستطيقيا الرؤيا الشعرية والروائية في قصيدة (قريباً من الليدي شاترلي .. بعيداً عنها) لحميد سعيد:

لابد من الإشارة بداية أن خصوبة الرؤيا الشعرية- في هذه القصائد- لا ترجع إلى الشخصيات الروائية، ولا إلى أحداثها، وفواعلها الرؤيوية النشطة في الرواية، وإنما إلى فواعل الحدث الشعري، والموقف الشعري الجديد المتخذ في تحريك الشخصيات، فالشخصية الروائية لا تحمل الأهمية من كونها لب الحدث الشعري، أو لب الاستقطاب الرؤيوي للمواقف، والإحالات، والأحداث الجديدة، ولكنها من كونها تعرض رؤيا متوهجة، تعايش الواقع الراهن، وتسعى إلى تجاوزه، ولهذا، يضفي الشاعر على الحدث الروائي ما هو متخيل من جهة، وما هو معاصر لنا في واقعنا الراهن من جهة ثانية؛ وهذه المفارقة هي ما يكسب هذه القصائد سحرها الجمالي وعجائبية مردودها الإيحائي، وتوالدها الرؤيوي على الدوام، ففي هذه القصيدة (قريباً من الليدي شاترلي.. بعيداً عنها) لحميد سعيد، يتمثل فيها الشاعر رواية" عشيق الليدي شاترلي" ل- د. ه لورنس - . و(ديفيد هربرت لورنس، كاتب بريطاني، ولد في قرية ايستورد في العام 1885، وكان والده من عمال المناجم، وكانت والدته مدرسة، وتزوج من فتاة ألمانية وتوفي في العام 1930نشرت رواية – عشيق الليدي شاترلي– في العام 1928 في إيطاليا، ولم تنشر في بريطانيا إلا في العام 1960 .وهي تحكي علاقة جسدية بين رجل من الطبقة العاملة، وامرأة من الطبقة الأرستقراطية، ويقال إن – لورنس – استوحى هذه الرواية من الواقع الاجتماعي الذي عاشه، ومن علاقة حقيقية كانت بين السيدة –أوتلاين موريل – الأرستقراطية وعشيقها البناء –تايغر– الذي دخل قصرها لبناء قاعدة حجرية لأحد التماثيل في الحديقة المنزلية" (7) .

وقد كان الناقد حمدي مخلف الحديثي، محقاً في تعليقه على هذه القصيدة بقوله:" إن هذه القصيدة تصدر عن تجربة غنية، فلم يذهب بها الشاعر إلى محددات قصيدة الغزل، في الوقت الذي كان من الممكن أن تكون تجربة الليدي شاترلي مع عشيقها تمهد لقصيدة غزلية مثلاً.إنها قصيدة ذات رؤية اجتماعية عميقة، تكشف دراما الذات حين تصطدم بدراما المجتمع في تقاليده ومعطياته الطبقية، ومع هذا كان يمكن أيضاً أن ينزلق الشاعر إلى تناولها في هذه الحدود، الاجتماعية والطبقية، لكن شاعراً مثقفا وموهوباً مثل حميد سعيد جعل منها تجربة إنسانية فريدة" (8) .

وهذا القول الحصيف من الناقد يدل على دراية ومعرفة بالبعد الرؤيوي للقصيدة، فهي ليست صراعاً بين شعرية الجسد أو شعرية الروح، إنها صراع استطيقي بين المتناقضات، أو المتضادات (الجوهر/والمادة)، و(الواقع/ والمثال)، و(الممكن/والمستحيل)، و(الحسي/والمعنوي)، صحيح أن الشاعر غلَّب الطابع الغريزي الحسي على شخصيته الروائية، لتعلن ثورتها بالجنس والجسد، على حساب الجوهر أو الروح، ليؤكد أن للقصيدة طيفها الرؤيوي المختلف عن نسق الرواية، إنه أراد أن يبين أن قوة الجسد تجذب الروح، لاسيما حين تجمح هذه القوة، وتعلن ثورتها على الأعراف والتقاليد، ولهذا كرَّس هذا الجانب في هذه القصيدة على الروح:

للجمرِ.. في الجَسَدِ المعبّأ بالزوابع والرعودِ ..

خريطَةٌ صمّاءُ مُعتِمَةٌ

سيفتَحُ في خطوط الطول حيناً

أو خطوط العَرضِ .. حيناً آخرَ..

الأبوابَ..

نحوَ فضاءِ فتنتها.. وما اكتنزتْ من الأسرارْ" (9) .

هنا، يلعب الشاعر أستطيقياً بالعزف على شعرية الجسد، ويبث رؤاه الاغترابية الثائرة من خلال لغة الجسد الجموح بالرغبة رغم كل القيود، وهنا، يفتح بوابة الاصطراع بين تغليب الحسي على المعنوي، وتغليب المعنوي على الحسي بمفارقة رؤيوية مصطرعة بين ما تمثله شخصيته الروائية (الليدي شاترلي) من قوة ورغبة جامحة تؤكد عصيانها وتمردها على الواقع وبين إحساسه الوجودي؛ فهو يعلن تمرده على الواقع ليس بلغة الجسد، وإنما بعزيمة الروح، فالقصيدة هي صراع بين قوة الجسد وثورته ممثله ب (الليدي شاترلي)، ورغبتها وتمردها المشبوب بالانفتاح والتمرد وكسر القيود الاجتماعية، وقوة الروح وثباتها ممثلة بشخصية الشاعر، فكلاهما يعلن ثورته في جانب على حساب الجانب الآخر، وكلاهما يعلن تمرده الفائق، واغترابه المحتدم، وهنا؛ تنفتح التساؤلات، وتطرح القصيدة جملة من المتغيرات والمفارقات المفتوحة على أشدها، كما في هذه التساؤلات المدببة بالرفض والتمرد والثورة، (الليدي شاترلي) على واقعها، وهو على واقعه الاغترابي المرير، كما في قوله:

مَنْ أعطى الرياحَ شراسةَ الإعصارْ

تِلكَ التستفيقُ على جليدٍ .. يسكنُ الرحمَ البليدَ

رأتْ صباحاً لا حدودَ لهُ..

وشمساً طفلةً تتسلّقُ الأشجارْ

تقترنُ السحالي بالسحالي

والسناجبُ بالسناجبِ..

كلُّ ما في الغابة العذراء من شَجَرٍ..

يحضُّ الماء..

تغتلِمُ الثمارْ" (10) .

هنا، ينتقل الشاعر بمرواحة أستطيقية مكثفة من التساؤلات المفتوحة التي تشير إلى شخصيته الروائية من بعد؛ ليترك الرؤيا الروائية مشرعة كل الاحتمالات أي مشرعة على رؤى ودلالات متتابعة لا تسكن في موقف أو هدف بَيِّن ظاهر، وهذا يعني انشغال الشخصية بالجزئيات والمرئيات البسيطة على حساب القضايا والرؤى الكبرى، (كلُّ ما في الغابة العذراء من شَجَرٍ..يحضُّ الماء..تغتلِمُ الثمارْ"؛وهذه الرؤى تنفتح بكثافة لتزداد قوة الحدث، وتوهج الرؤى المحتدمة، وكأن الإحالات الرؤيوية الجديدة فعَّلت الشخصية، وأكسبتها قوة في نقل الحدث، والتعبير عن شعرية الجسد، وثورته على جميع الأعراف، والتقاليد، والأنظمة الاجتماعية الضيقة، ليدخل لب الحدث الروائي في حراك رؤيوي مفتوح، كما في قوله:

"في ليلةٍ ما عادَ يذكرها..

وكان يمرُّ قُرْبَ فنارها الذهبيِّ.. مُرتاباً

فَتَهرَعُ كي تراهْ

وإذا دنا منها.. تُفاجِئُهُ حرائقُها ..

وفي غَيبوبةٍ بيضاء.. تَشْتَبِكُ الحرائقُ

أيُّ عاصفةٍ من الرغباتِ..

يطلقُ جمْرَها الجسدُ الجميلُ

أكانتْ امرأةَ ؟

يكادُ يَشُكُّ ..

ما هذا الثراء الفضُّ في إيقاعِ ربوَتِها..

وفي النهدين ؟!

كيفَ يكونُ هذا السحرُ في لغةٍ..

تنوءُ بما تُشيرُ إليه منْ فِتَنٍ " (11) .

هنا، يدخلنا الشاعر أجواء الرواية، ويسرد لنا الأحداث بلعبة أستطيقية مكشوفة بتفاصيلها، ورؤاها الجزئية، ومشاهدها، ولقطاتها المتخيلة . كيف تهرع إليه، وهو يتلقفها ويستقبلها بذراعيه، ويشتم أريجها بعبق يفيض بالشهوة والغريزة، وهنا، تتراكم التساؤلات المدببة بالرؤيا الشعرية المفتوحة، وتزداد الأسئلة حراكاً وكثافة كلما أوغل القارئ في تتبع حيثياتها الجزئية: (وكان يمرُّ قُرْبَ فنارها الذهبيِّ.. مُرتاباً فَتَهرَعُ كي تراهْ وإذا دنا منها.. تُفاجِئُهُ حرائقُها)، وهذا التصوير المشهدي البانورامي الحي يدلنا على طزاجة الرؤيا وحراكها المشهدي المتتابع، وهكذا، فإن الرؤيا الشعرية تؤسطر الجسد الأنثوي، ليقف القارئ أمام لوحة في تجسيد مفاتن الأنثى وإحساسها الداخلي، بلغة تقترب في وقعها من حساسية القارئ، ولذلك، تتمثل القصيدة الواقع الروائي، وترصد تفاصيله برؤى متخيلة تتغوَّر أعماق الشخصية، ومداراكها كافة، ولو تتبع القارئ الجزئيات والمشاهد المتخيلة لأدرك شعرية الرؤيا، وعمق ما تصيبه من رؤى ودلالات ثائرة ترتد إلى عمق الشخصية الروائية، وعمق الذات الشعرية في تمثل أبعاد الشخصية، وماتنطوي عليه من رؤى ومشاعر محتدمة في قرارة الذات الداخلية، كما في قوله:

تقولُ لهُ..

أَ نقرأها معاً ؟

ماذا سنقرأُ ؟!

إنَّ مُعجَمها تعثَّرَ بارتياب العاشقينْ

وليسَ ثَمَّةَ من يقينْ

بما ادعتهُ..

ستندمينَ .. إذا ارتضيتِ حدودَ فتنتها..

فذاكَ فضاؤها

ابتعدي قليلاً أو كثيراً.. وليكنْ لكِ ما يخصّكِ من فضاءْ" (12) .

هنا، تتعدى الرؤيا حيز المشهد الحواري الوصفي لتدخل قمة المعمعة الشعورية بين إحساس الذات الشعرية، والشخصية الروائية التي تنفتح على أكثر من محرق دلالي، وكأن المشهد الحواري الغريزي الذي تنطق به شخصيته الروائية يرتد إلى الداخل، إلى الإحساس بالتمرد والثورة على الواقع، بكل ما فيه من سلبيات، ومواقف صاخبة تمتد في مسار رؤيوي، على أكثر من محرق دلالي، وأكثر من رؤية، كما في قوله:

كيفَ التقاها ؟

عندَ بابِ الفندقِ الجبليِّ .. في .... ؟!

كانت بقبَّعَةٍ وبنطالٍ قصيرٍ

لم يكن يسعى إليها

كان معتزلاً حزيناً..

هلْ تَذَكَّرها ؟

وإذ حلَّ المساءْ

تَخيَّلته كما تشاءْ

وأدخَلَتهُ خريفَ غابتها.. وأمطَرَت السماءْ

وكأنَّ عُريَهُما أعادَ إليهما..ما كانَ بينهما

و" أسدلت الظلامَ على الضياءْ"

وبانتظار ثمارها

غطّى ضجيج العُريِّ بالأزهارْ

إنَّ أريجها الليلي يدخلُ في استعارات الكلام

وإذ تحاولُ أن ْ.... ؟!

تفيضُ ضفافُها حُمَماً..

وتحرمُ كلَّ مَنْ في الغابة السوداء..

مِنْ نِعَمِ المَنامْ." (13) .

هنا، يقوم الشاعر برصد المشهد الغرامي الحميم المتخيل بين شخصيته البطلة (الليدي شاترلي) وعشيقها، وكأن الشاعر يرصد المشهد عن قرب بإحساس رؤيوي شامل، من خلال الإحاطة بالمكان، ورسم تفاصيله الجزئية، وهذه القوة في رصد المشهد بتفاصيله، هو ما يهب الإحالات الرؤيوية المتخيلة قيمة عليا من التكثيف، والتفعيل الرؤيوي الكاشف، ولهذا، يستغرق الشاعر في رصد المشهد بقوى بلاغية رؤيوية مفتوحة، كما في قوله:

"في مهرجان الماءِ.. تنشَأُ مرَّةً أُخرى ويَنْشَاُ

كان يخلقُها

وتخلقهُ

ويرجو أن تكون وأنْ يكونْ

ويغادران معاً .. ويفترِقان ..

لامرأةٍ من البللور كان قد اقتناها..

من مَزادٍ هامشيٍّ في الضواحي

بعضُ ما قد كان فيها

هل ستخرُجُ ذاتَ يومٍ من تَشَكُّلها المُريب ؟!

وهل تكون ؟

وهل يكون ؟ (14) .

إن اللعبة الاستطيقية الرؤيوية تتبدى في التساؤلات المتخيلة المفتوحة على كم وافر من المفارقات والاستفهامات اللامتناهية عن جمالها، وفتنتها، وثورتها الجسدية التي تكسر حاجز العرف، والعادة، وتحلق في سماء أنوثتها، وفتنتها، وهذا ما يضمن للقصيدة شعرية الرؤيا، وكثافة التعبير، وتنامي الدلالات وانتشار طيفها الدلالي الواسع، وهنا، تتلون الدلالات، تبعاً لمنعرجات الحدث، وفواعل الشخصية، وحراكها الرؤيوي المتجدد، كما في قوله:

"مازالَ حين يمرُّ بالشجرِ المُخاتل .. حيثُ كانا

يَتَخَيّلُ امرأةً.. تَسلَّلُ في الظلام إليهِ..

من مسكٍ وغارْ

شاخت أعاصيرُ البلادِ .. ولَمْ تَشِخْ

فَرَسٌ ..

تَذَكَّرَ ما تجودُ به عواصفُها..

وما تهبُ الرياحُ

حتى إذا اقتربَ الصباحُ

لمَّت بقايا عطرها السريِّ ..واعتكفَتْ بعيداً..

وانتهى الحُلُمُ المُباحُ" (15) .

هنا، يفتح الشاعر بوابة الرؤيا، ليحكي على لسان عاشقها، بما يجول في خاطره، من رؤى متخيلة لرغبته بها والأنس بجسدها البض الجميل، وكأن رغبة الشاعر بها رغبة في العودة إلى عالمه الوجودي العراقي، إلى زمنه القديم، ليستعيد ما كان، فالشاعر أراد أن يجسد من خلال هذه القصيدة فكرة الحب المثالي، أو الثورة الوجودية على الأعراف، والعادات، والتقاليد الاجتماعية، برؤى مفتوحة، تشي بأكثر من دلالة، وتفيض بأكثر من مدلول، وهكذا، تتأسس الرؤى الشعرية على تحريك المداليل الرافضة للأعراف، والعادات، والقوانين الصارمة، وما شخصية (الليدي شارترلي) إلا الشخصية الرمز الثائرة على وجودها، عبر حرية الجسد، والانفتاح به على واقع وجودي مفتوح على كل زمان ومكان، فهي رمز لقوة العراق، وحيويتها، وزهوها في الزمن الماضي، ولهذا، تكاثفت الرؤى، وانفتحت على أكثر من معنى، ومدلول، وإيحاء. وهذا يقودنا إلى القول : إن فواعل الرؤيا الشعرية تنطلق من الرؤى المتخيلة المضافة للشخصيات، والأدوار التي لعبتها بفواعل رؤيوية نشطة، تثير الدلالات الجديدة، وتغدو الشخصيات الشعرية متنفس الشاعر الوجودي في التعبير عن رؤاه العميقة، ومنظوراته الرؤيوية الجدلية للحياة. ولهذا، تلعب الشخصيات الروائية في المتن الشعري دور المحرك للرؤى الشعرية، ودور الباعث الرؤيوي الدافق، لتفاعل الأحداث، والمواقف الرؤيوية –الشعرية التي تبثها القصائد في محرقها الرؤيوي، وحراكها الدلالي المفتوح.

 

الطلياني واللاز وجهان لعملة واحدة .. مصرع أيديولوجيا اليسار على أرض العرب

aboyouns marofiالمقدمة: يقول بن طباطبا: "واليد تنعم بالملمس اللين الناعم وتتأذى بالخشن المؤذي والفهم يأنس من الكلام بالعدل والصواب الحق والجائز المألوف ويتشوف إليه ويتجلى له ويستوحش من الكلام الجائر والخطأ الباطل والمحال المجهول المنكر وينفر منه ويصدأ له فإذا كان الكلام الوارد على الفهم منظوما مصفى من كدر العي مقوما من أود الخطأ واللحن سالما من جور التأليف موزونا بميزان الصواب لفظا ومعنى وتركيبا اتسعت طرقه ولطفت موالجه فقبله الفهم وارتاح له وأنس به وإذا ورد عليه على ضد هذه الصفة وكان باطلا محالا مجهولا انسدت طرقه ونفاه واستوحش عنه حسه وصدئ له1 ويقصد بهذا القول ما يكون عليه الوسيط الذي تقتضيه عملية الاتصال فلا يكفي وجود مرسل ومرسل ورسالة كوساطة بينهما إن لم يكن هناك اتفاق مسبق ولا يخرج عن هذا المفهوم ذلك التواصل الذي يحدث بين المبدع والقارئ فذاك مرسل معلوم وهذا مرسل إليه مجهول الهوية ولكن لا يتم تشكيل الخطاب إلا بحضوره في ذهن المبدع فتكون الواسطة التي يلتقيان داخلها فإما الجفاء والقطيعة وأما المودة والتآلف والتواصل المستمر ويصف الدكتور محمد مبارك صاحب كتاب استقبال النص عند العرب هذه العملية التواصلية والفهم المشترك بأنها أكثر العمليات الأدبية دقة وصعوبة لأنها تلخص العملية الإبداعية برمتها باعتبار أن هناك دافع يؤدي إلى إنتاج النص وتقابله استجابة التلقي كحتمية تلازمية فالعملية في نظره تقتضي أن يتوصل الطرفان إلى الوعي بأهمية العامل المشترك بينهما وهو النص لتهيئة المجال لنمو النص في ذهن المتلقي ولا يكتمل ذلك إلا بإدراك القيم المتضمنة في كل إبداع أدبي لأنه السبيل الذي يجعل أحدهما مفهوما من الآخر2 .مبدئيا هناك جملة من العوامل المشتركة أساسها لغة التخاطب وللغة ركائز ترتكز عليها فتنطلق منها عند استحضار المتلقي ومحاورته محاورة جادة، والبدء تواصلا يقتضي الأقرب كنقطة محورية أساسية لا يمكن تجاوزها والابتعاد عنها إلا باتفاق ضمني يكون فيه للمتلقي رأي يلزم المرسل باحترامه في حدود الإمكان وما من شك أن باختين وهو يتحدث عن الإيديولوجيا في الرواية على أنها مادة أولية في بناء الرواية كان يتحدث عن ذلك العامل المهم في عملية التوافق لأن النص لا يمكن له التموقع خارج الواقع الأيديولوجي المنبعث منه كلغة تختزن مقومات تاريخية عقائدية داخل حيزها الجغرافي بداية ثم تتوسع بعدها إلى ذلك البعد الإنساني في مثاليته المنشودة

وما دمنا بصدد البحث في الرواية كمادة إرسال وتلقي لا تخرج عن هذا السياق فإننا يجب أن نبحث في كيفية التوصل إلى توافق ضمني بين المرسل والمرسل إليه وكل له أيديولوجيته الخاصة هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن كل نص روائي يُبنى على المبدأ الحواري الذي تتصارع فيه شخصيات بأيديولوجيات مختلفة ما يجعل المبدع مقيدا إلى حد ما في إدارته للصراع لأن «العمل الأدبي يمتلك قطبين يمكن تسميتهما بالقطب الفني، والقطب الجمالي. ويعني الأول النص كما أبدعه المؤلف، أما الثاني فهو تحقيق القارئ له(..) ومن التقاء النص بالقارئ يولد العمل الأدبي»3 وهكذا فإن المبدع الذي لا يلتزم بإدارة إيديولوجيات النص بما يضمن التكافؤ والحياد سيرد له خطابه إن آجلا أم عاجلا .

إنّ باختين في معاكسته للنظرة الماركسية يرفض الكلام عن موقف الكاتب أو على الأصح يعتبر الموقف الجوهري للكاتب هو الحياد أمام صراع الأيديولوجيات فلا يتدخل أبد لصالح إيديولوجية دون أخرى إلى الحد الذي يعجز فيه القارئ على تحديد الموقف الحقيقي للمبدع لأن الحياد من منظور أيديولوجي هو أيضا موقف أيديولوجي إلا أنه عندما يكون في إطار فني إبداعي يكون غالبا معبرا عن حيرة معرفية وإنسانية مثيرة للمشاعر4 و هو الذي يصنع التوافق الذي ذكرنا ولكن حين يحاول المبدع توجيه فكر الناس في اتجاه مضاد عن طريق مناقضة المعتقدات النظرية التي كانت من قبيل المسلمات في عصره"5 وينزع إلى التوظيف المادي أساسا للصراع مثلما يرى ماركس الذي ينظر دائما إلى الجانب الاقتصادي بوصفه العامل النهائي الذي يتحكم في غيره من الجوانب الأخرى وهو إهمال واضح للقارئ بما يحمله من معتقدات ومفاهيم وإلغاء لدوره في عملية التحقيق ومهما اجتهد صاحبه في تصديره ضمن قالب فني إبداعي فإنه سيظل يمثل غزوا فكريا يثير مشاعر الاشمئزاز والنفور ولكن هذا الفكر الماركسي بما يحمله من نظريات سياسية وعقائدية سيطر على جزء كبير من الفكر والفلسفة وقد وجد العقل العربي أرضا خصبة كانت لسياسة التجهيل الاستعمارية فضلا في الرضوخ له بسهولة والانجذاب لشعارات التحرر والعدل والإخاء والمساواة التي كان يتغنى بها هذا الفكر وهكذا قفز المفكرون والساسة العرب في حضنه وتبنوه فروجوا له حتى أن منهم من صنف النبي محمد صلى الله عليه وسلم كزعيم ثوري6 فظهر التزامهم الشيوعي سياسيا كسلطة حاكمة وفي كل الفنون الأدبية كاستعمار ثقافي وفي خضم ازدهار الشيوعية واحتلالها القطبية الثنائية آنذاك نزع كتابها والمتعاطفون معها والانتهازيون إلى الخوض في الأدب بكل أجناسه ملتزمين بالتوجيهات الماركسية محاولين فرض الواقعية الاشتراكية في كل نظرياتهم الفكرية، ففي الجزائر يمكن "الاستشهاد بكتاب كاترين سيمون "الجزائر سنوات الأقدام الحمراء" الذي تسلط فيه الضوء على مرحلة هامة من تاريخ الجزائر غداة الاستقلال فهي تجمع فيه شهادات لعناصر شيوعية قدمت إلى الجزائر في إطار مد يد العون لبناء مؤسسات الدولة الفنية لكنها ما فتئت أن تسللت إلى مفاصل الدولة بغرض خلق حالة من الإرباك والتشويش على توجهاتها وجرها للابتعاد عن المبادئ التي قامت على ثورة التحرير المباركة "7 ومن بين الأسماء المتواجدة ضمن الفوج الأول الذي وصل إلى الجزائر نجد فرنسواس لفي شقيقة الصهيوني برنار ليفي Bernard Henri Lévy الذي قام بدور تحطيم ليبيا وهو ما جاء في ص 24 من كتاب "تشكيل تيار أفكار وطنية" على لسان الدكتور مشال مارتيني Michel martiniالذي قدم إلى الجزائر وكله أمل "في المساعدة في بناء نظام اشتراكي والمكوث بالجزائر" ولم يكتفوا بذلك بل نجدهم قد تسللوا إلى كل ثوابت الأمة في محاولة منهم للعبث بها وها هو مالك بن نبي يذكر قصته مع بركات شعبان وهو شيوعي حيث قام بطريقة غير مشروعة بترجمة كتابه"مستقبل الإسلام" دون إذن من صاحبه ونشره دون أن يذكر على الغلاف اسم مؤلفه وهو أحد أوجه السرقة وحسب المؤلف فإن السارق لجأ إلى بعثرة الأفكار وهذا حتى لا تأتي تحت نفس الاسم كطريقة للانتقاص من قيمة الشيء وفي رأيي فإنهم إنما شرعوا في التسلل إلى المجتمع بشتى الطرق والوسائل حتى عن طريق الدين الإسلامي8 لصناعة واقعية اشتراكية بكل الأساليب فلم يراعوا للقارئ حرمة في كل ما أنتجوه فسخروا من دينه ولوثوا تراثه وعابوا عليه التواصل مع سلفه من العلماء محاولين فرضها كفكر شاذ لطالما انتصب في كتاباتهم كأنها التي تحرك العالم وتديره كما يشاء أصحابها .

ونحن من خلال قراءتنا لرواية الطلياني للكاتب اليساري التونسي شكري المبخوت وجدنا هذه الواقعية الاشتراكية تلملم أشلاءها من جديد على يد هذا الروائي وكنا نحسبها بما تحمله من أفكار ولدت ميتة قد دفنها الروس حين فككوا اتحادهم الاشتراكي المزعوم وهو بالضبط ما سوف نقف عليه في هذا العمل الروائي وفي تناصه مع رواية "اللاز" للطاهر وطار .

 

القراءة المجيزة وتأثيرها على لاوعي القارئ

إنّ تثمين وانتقاء أي عمل روائي من طرف زمرة معينة من المروي لهم بغض النظر عن وظائفهم الأدبية و مستوى التلقي لديهم لا يعد بأي حال من الأحوال مقياسا موضوعيا لأن هؤلاء ما هم إلا جزء يسير من كتلة القراء باعتبار أن "النص في صراعه مع عناصر الكتلة لا يرضى أن يكون مقروءاً فقط، بل يحلم بإثارة جملة من التفاعلات تعود على صاحبه نهاية الأمر بما يُقوّمُ به نزعته وتوجهه العام، أو يفتح أمامه آفاقاً أرحب وأوسع."9 إذا فهؤلاء لا يستعطون بأي حال من الأحوال النفاذ خارج دائرة السيطرة والتأثير النصي ثم التفاعل معه تعاطفا أو شذبا ومن ثمة لا يمكن أن يصنف رأيهم فوقيا يُعتد به كمعيار ذا ديمومة "لأن الدور الذي تقوم به لجان القراءة ما هو إلا سلطة تنضاف إلى جملة السلطات التقييدية التي يرزح تحتها الإبداع"10 وهكذا "فالقراءة المجيزة" التي تميز بها لجان التحكيم الأعمال المترشحة، والتي هي قراءة من بين عدة قراءات يقع فيها ما يحصل في غيرها من نجاح أو إخفاق. وحين يصيب القراءة المجيزة خلل ما لا يمكن للجائزة إلا أن تكون بتراء"11 .فإذا كان انتقاء اللجنة لأي عمل يُمكن له التثمين فإنه في حقيقته سيظل مجرد فعل إشهاري كأي عمل تقوم به وكالة إشهار تدفع بالمنتوج إلى واجهة العرض فقط" ويدخل الإشهار كلغة تحريضية -ذات شأن- في ترويج السلعة فتنتصب في وجه "المستهلك" بتقنياتها المتطورة "لتفرض" المنتوج فرضاً يستقر في اللاوعي العام فينقاد إليه." 12 ويبقى بعد ذلك دور الذوق والطعم ومدى تفاعل هذا مع ذاك، فالتتويج في حقيقة تثمين للبضاعة يصنع الرغبة لاقتناء المنتوج لدى المستهلك "القارئ" فقط، وقد يستمر تأثير هذا التتويج أو الإشهار إن صح التعبير عند البعض فيصدرون قرارات ودراسات تتوافق والرأي الذي أفرز عملية الإشهار كما هو الحال بالنسبة للكثيرين الذي أبدوا إعجابهم برواية "الطلياني" مع تفاوت مستوياتهم فظهر التمجيد إما لتعصب وإما لعدم تمييز أو أتى كمجاملة ولم يخرج عن الإطراء إلا قليلا وهؤلاءلم يستمر تأثير التتويج عليهم طويلا، لأن بعضا آخر من القراء هم "جمهور على درجة عالية من الذكاء والذوق والمعرفة، إنه خبير بسرّ العملية الإبداعية وقواعدها وآفاقها، فهو ينتظر من الكاتب تجسيد ذلك الأفق، وتحقيقه في صورة تضمن اللذة والمتعة على السواء. أو تفسح صدر النص لجملة من الصراعات المثمرة بين القارئ والنص من جهة، وبينه وبين الكاتب من جهة أخرى."13 والمؤكد أن رأي اللجنة سيلازم القارئ منهم عند امتطائه صهوة القراءة وقد يُربكه لفترة معينة غير أنه سرعان ما يتراجع ويتلاشى وتصبح "اللغة المستعملة أو اللّسان المسند إلى الذات المتكلمة "14 هو وحده القادر على صناعة (الفعـل التأثيـريL’acte perlocutoire ) لشد القارئ إذا ما وظفت الوسائل الكلامية بتقنية احترافية في تشكيل الخطاب للوصول إلى الهدف شريطة أن لا يكون ذلك بمعزل عن المحيط، وأن لا يكون تعامله مع جمهوره المستحضر زمن عملية البناء النصي فوقيا متعاليا لأن التغريد هنا سيصبح خارج سيمفونية السرب .فلا كتابة من دون قراءة، لأن كل خاصية لغوية في أسلوب الخطاب تطابق خاصية نفسية كما يرى (أمادو ألونسو) ويعني هذا أن الخصائص اللغوية والقيم التعبيرية للغة كاشف للدوافع النفسية وفي الخطاب الروائي فهي كشف عن نوازع السارد من قبل المسرود له وهي أولى درجات الفهم والاستيعاب "15 ، وفي النهاية فإن انطباع اللجنة يلزمها وحدها وما تتويجها رواية الطلياني بجائزة البوكر العربية إلا فعل إشهاري ربما نتج عن تطابق في إيديولوجيات الكاتب وأعضاء اللجنة ورغم ذلك فهو الذي دفعني دفعا ككل القراء إلى البحث عنها وقراءتها.

 يتبع.....

 

ابو يونس معروفي عمر الطيب - الجزائر مايو 2016

........................

هوامش

 1- ابن طباطبا العلوي عيار الشعر ص 14 ذكره الدكتور .محمد مبارك استقبال النص عند العرب ص 154

 2- ابن طباطبا العلوي عيار الشعر ص 14 ذكره الدكتور .محمد مبارك استقبال النص عند العرب ص 154

3- جورج بليخانوف الفن والتصور المادي للتاريخ، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1977. ص 116 – 118.

4- الدكتور حميد لحمداني النقد الروائي والايدولوجيا من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي ص 52 انظر الهامش أيضا

5- دليل القارئ إلى النظرية الأدبية المعاصرة" "Guide to contemporary literary theory" أنظر رامان، سلدن، النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور، دار قباء (القاهرة)، د ط، 1998، هامش ص 40

6- تصريح رشيد بوجدرة الذي أعلن فيه إلحاده بقناة الشروق الجزائرية حصة المحكمة – الجلسة الثامنة – 03/06/2015

7- مالك بن نبي، في الحضارة وفي الايديولوحيا (نصوص غير معروفة ) ترجمة ، تقديم وتعليق محمد بغداد باي الم الافكار الطبعة dl 2167 /2013 ص 83

8- مالك بن نبي، في الحضارة وفي الإيديولوجيا (نصوص غير معروفة ) ترجمة ، تقديم وتعليق محمد بغداد باي الم الافكار الطبعة dl 2167 /2013 ص 85

9- القـراءة و الحداثـة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية ص206من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000 للدكتور حبيب مونسي

10- القـراءة و الحداثـة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية ص204 من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000 للدكتور حبيب مونسي

11- الجوائز العربية..المكافأة المبتورة المصدر :السعيد يقطين الجزيرة نت 25/2/2016

12- القـراءة و الحداثـة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية ص204 من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000 للدكتور حبيب مونسي

13- القـراءة و الحداثة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية ص206من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000 للدكتور حبيب مونسي

14- – J. Dubois et al (2001) : Dictionnaire de linguistique، Paris، Larousse.

15- د .محمد مبارك استقبال النص عند العرب ص 63

 

هوشنك أوسي من ارتجالات الأزرق إلى قلائد النّارالضّالة!!

rasheed alahmadصدرت مؤخّراً عن دار "فضاءات"  2016 في المملكة الأردنيّة  للسّوريّ "الكُرديّ" هوشنك أوسي" صاحب (ارتجالات الأزرق) و(الكلام الشّهيد) مجموعة جديدة بعنوان (قلائدُ النّار الضَّال في مديح القرابين ) حوالي 176 صفحة من القطع المتوسّط ، منطوية على ثلاث عشرة قصيدة متنوّعة بالتساوي في كلّ قصيدة، ممزوجة بين العشق، الوطن، السوداويّة، الغَبن، الخيانة إلى حد الاستماتة، الحرب والمجزرة وسفك الدّماء، الأسطورة، وربّما عالم الجن...

هذه المجموعةٍ الشعريّة ذات سقفٍ مقبَّب تتدلّى منها صورٌ مؤطّرة قديمة غير واضحة للقارئ العادي، عملٌ خارج عن المألوف المتداول، المحكي، يضعنا أمام إشكالياتٍ معقّدة، ولغةٍ صعبة للقارئ الذي اعتاد لغة «التواصل الاجتماعيّ» بمفهومها الحديث، أصحاب الوجبات السّريعة.

نحنُ هنا أمام مفهوم «أوركسترا» إيقاع معزوفة قد تستهج بها، بينما تحتاج إلى ضَليع في اللغة كي يلقنكَ اللغة التي تتحدّث بها النصوص الشّعريّة، نحنُ هنا أمام بركات وسليم، في آنينٍ معاً، أمام «أدونيس» الشّاعر، و«علي إسبر» الغامض، والمختلف، أمام عقدةٍ كلاسيكيّةٍ إن جاز التعبير...

أمام مُجازفةٍ في ساحة الشّعر المحكي، البسيط، الذي لا يطلب من القارئ أيّة لغة، سوى مذيعة تلفزيونيّة أنيقة، تلقي على القارئ، صوراً بيانيّة، تشبيهات بليغة، ترافقها عزفٌ حزين...

الأمر هُنا مختلفٌ تماماً، بعيدٌ كل البُعد عن مفهوم «الماغوط» النثريّ، هُنا اجتياحاتٌ لغويّة، واختزالاتٌ مربكة جدّاً، هنا ليس كلاماً كُتِب على يافطة تهتف للثورة، بل تحتاج إلى أدوات لغويّة، وخبرات عالية- عالية- حتّى تتمكّن في الخوض في هذه المعركة التي تبدأ من العنوان المعقّد، الذي قد يصدم به القارئ لما يحمل في طياته احتمالاتً مُتشابكة من «خوفٍ، قلقٍ، انصياعٍ، إرباك...»، لكن الإهداء الذي أهداه الشّاعر «هوشنك أوسي» لحبيبته «نسرين» قد يخفّ من وقع الصّدمة- على القارئ المُرتبك، ويشجّعه على المتابعة، وهول تلك الصّدمة، وهو يقول: «إلى من تفيض من عينيها، حقولُ عبّاد الشّمس، وظلالُ الغابات».

تجنّب "أوسي" في مجموعته الشعرية هذه، السّهولة، والبساطة، عمداً، واختار الطّريق الصّعب، الحذاقة في اختيار المفردات، الصقل والتّرصّع اللغويّ، والتّواشج في إيقاع المفردات، الاعتماد على تشكيل الصّور، والكنايات، والتشبيهات اللغويّة في الكلمة نفسها، والجملة كَكل، الأمر الذي يضعنا أمام تلكَ الإشكاليات آنفة الذكر، عن هذا العمل اللغوي الذي أقل ما يمكن وصفه بالوجبة اللغوية الدّسمة، وهي حرب الاستمتاع واللّعب بالمفردات، حربٌ أعلنها الشّاعر على نفسه أولاً ثم على جمهور الشّعر والنقّاد، والأدباء، وعلماء الطبوغرافيا، والجيولوجيا، والتاريخ ثانياً، لكن ليس باستطاعته أن ينهيها، اختار جمهوره بعناية، ورفض التّصفيق بيدٍ واحدة، قالها علناً لقارئ العناوين، والمقدّمات الجميلة "كش ملك" أنت هُنا في قلبِ معركة "شطرنج" مات فيها جميع الحُرّاس، والجنود، ولم يبقَ سوى أمراء حرب، ورُتب عليا، وملوك، وجبابرة لغة، وقرابين لأبناء النّار الضّالة.

لا أعرف إذا ما كانت قراءتي للنصوص التي احترتُ في تأويلها، كانت مقاربة نوعاً ما،"أوسي" الشّاعر  يسرد لنا قصصه، يضعُكَ أمام كلّ الاحتمالات، ويجعلك تختار رؤيتك، وحاجاتك الشّخصيّة، ما ينقصكَ، ويقول لكَ: احمل حقيبتكَ اللغويّة، وأفسح المجال لغيرك "إنْ شئْتَ أو لم تشأ سأُسيّجكَ بالعثماتِ الصّخرِ في مساراته، والماءِ المنبجسِ، من عظامكَ.. سأدلقُ عليكَ قليلاً من السّماءِ العاشرةِ.." ينسى هذا الكُرديّ الضّال المجروح، أنّه يتكلّم بلغة المنافي، لغته الثّانيّة، وكأنّه يريد أن يُثبت للجميع تعلّقه وعشقه لهذه اللغة، يتحدّى الجميع في هذه العلاقة الحميميّة.

لا يجوز للقارئ أن يقرأ لـ"أوسي" وهو يُفكّر في أمرٍ آخر، سيصعب عليه العودة إلى النصّ من جديد، وربّما يفقد الرّعشة المثقّلة بالدّهشة، والحلول الرّياضيّة، أنت أمام تفاعلات، كيميائيّة، معادلات حسابيّة، أيّ سهوٍ سيجعل من الرقم واحد مليوناً بعشر أصفار.

الأمر الثاني هو، قبل أن تنتهي من حلّ المعادلة، يضعكَ أمام بابٍ آخر، باب العشق، والغزل، فيها قصّة المرأة- ليس الأنوثة المعتادة لدى الشّعراء- وهل يصحّ لهذا الكُرديّ ألا يجعلكَ تنصدم بجدرانٍ من الطّين؟! بنساء الشّمال، اللاتي يحملْنَ في جيوبهنَّ النهر، والمنجل، وأغاني، وعويل وحقول القمح وهنَّ ضائعات عندما يقول: يا عذارى الزيتونِ أفِقْنَ ..ثيبٌ أغانيكنّ ..قفروٌ مراميكنّ ..كذبٌ بشاراتكنّ ..عويلٌ خوابيكنّ ..أفقْنَ من دمكنَّ الدّائخِ في حضرةِ صائغ الضّالات ..هذا الوعلُ يودُّ الاختلالَ بأدغالِ عاناتكنّ".

استخدم الشاعر المواربة، والتّماهي الملوّن في استعمال الشّهوات في مقاطع نصوصه، بالفصحى، كما هُنا أيضاً" حيثُ أنتابك احتلاماً ..هذا قدُّكِ أنضدهُ بالعثماتي وألمي ..هذا شَعرُكِ أتشمّمهُ قصيدةً ..دوَّنها شيطانٌ عاشق ..ها هما نهداكِ أتوسَّلهما كطفلاٍ يتيم .. الشاعر يلج عوالم من مسقطِ رأسه، بسياق تعبيري، وعلى منسوب متفاوت بين المرأة كقضيّة، والوطن كضحيّة، والجلاد، والولوج التدريجي في أقبيته الضّالة، بين خطوط طول كل قصيدة، وخطوط عرض القرابين، يلج في عوالم تلك القرابين خطوةً كلمة.. وهناك مشاهد في نصوصه ينقلنا إليها "أوسي" هي عنوانات قصّة حكايته، بين الحقل والمنجل، وقصّة المنفى والمدينة...

 

راشد الأحمد - كاتب وإعلاميّ سوريّ

مقيم في النرويج

 

شعراء الواحدة (4): دَوْسَر بن ذُهَيْل القُريْعيّ

karem merzaلم تذكر لنا المراجع ترجمه لهذا الشاعر الدوسر سوى هذه القصيدة الواحدة التي ندوّنها، ونتكلم بما يتوفر لدينا، وما يأتي به القلم ُ، تذكر بعض المصادرعند الحديث عن عشائر وبطون تميم المضريه ألعدنانيه أنّ نسبة (الدوسري) تعود إلى دَوْسَر بن ذُهَيْل القُرَيْعي، من ذرية قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم . يقول دَوسر القريعي، وتذكر مطلع قصيدته (1)

 ويذكر د.مسعود بوبو في مقالته (ما أخذه العرب من اللغات الأخرى)، أن معنى كلمة دوسر هي: " إحدى كتيبتي النعمان بن امرئ القيس، اسم نبات، الجمل الضخم، اسم قلعة جعبر المعروفة قرب الرقة بشمال سورية، اسم شاعر هو دوسر بن ذهيل القريعي، ومعناها: (ذو الرأسين) " (2)

والقصيدة يرويها الأصمعي في (أصمعياته)، دون أي ذكر لترجمة له، سوى ذكر اسمه: قال دَوْسَر بن ذُهَيْل القُريْعيّ:

1 - وقائلـةٍ مَا بالُ دَوسَرَ بَعدَنَــا ******* صَحَـا قلبُهُ مِنْ آلِ لَيْلَى وعنْ هِنْدِ

2 - فإنْ تــكُ أثْوَابِي تَمَزَّقْنَ لِلْبِلَى ***** فإنِّي كَنَصْلِ السَّيْفِ في خَلَقِ الغِمدِ

3 - وإِنْ يَكُ شَيبٌ قدْ عَلاني فرُبَّمَـــا ****** أَرَاني في رَيْعِ الشبابِ معَ المُرْدِ

4 - طَوِيلُ يدِ السِّرْبَالِ أَغْيَدُ لِلصِّـــبَا ****** أكُفُّ علـــى ذِفْرَايَ ذَا خُصَلٍ جَعْدِ

5 - وحَنَّــــتْ قَلُوصِي مِنْ عَدَانَ إلى نَجْدٍ****** ولمْ يُنْسِها أوطانَها قِدَمُ العَهدِ

6 - وإنَّ الذي لاقيتِ في القَــلبِ مِثْلُهُ ******* إلى آلِ نجدٍ مِنْ غَليلٍ ومِنْ وَجدِ

7 - إذَا شِــــئْتِ لاقَيْــتِ القِلاصَ ولا أَرَى******** لِـــقَوْمِيَ أَبدَالاً فَيَأْلَفَهُمْ وُدِّي

8 - وأَرْمِي الذي يَرْمُونَ عنْ قَوسِ بِغْضَةٍ * وليسَ عَلى مَوْلايَ حَدِّي ولا عَهدِي

9 - إذَا مَـا امْرُؤٌ ولَّـــى عَلَيَّ بِوُدِّهِ *******وأَدْبَــــــــرَ لـم يَصْدُرْ بإدبــــارِه وُدِّي

10 - ولم أَتَعَذَّرْ مِن خِلالٍ تَسُــــوءُهُ******* لِمَـا كان يَأْتِـي مثلَهُنَّ علــــــى عَمْدِ

11 - وذي نَخَوَاتٍ طامِحِ الرأسِ جـــاذَبَتْ ***** حِبَالِي فَرَخَّى مِن عَلابِيِّهِ مَــــدِّي(3)

الإنسان هو الإنسان، مهما طالت العهود، وانقلبت العصور، الجنس الآخر شغله الشاغل، وإن تكلّف، وتزّهد، وتعفف ...!! لم يطلع علينا إلا بـ (وقائلةٍ)، ويردف بليلى وهند في عجزه، وما أجمل التصوير والتشبيه والطباق في البيتين الثاني والثالث:

2 - فإنْ تــكُ أثْوَابِي تَمَزَّقْنَ لِلْبِلَى ***** فإنِّي كَنَصْلِ السَّيْفِ في خَلَقِ الغِمدِ

 ألم يذكرك هذا الدوسر البالي الرميم، بأحمد الصافي النجفي بعقاله وكوفيته وجلبابه، وبساطة ثيابه، وهو الصارم المهند، ويصكّ مسامعك بقوله:

سنّي بروحي، لا بعدّ سنيني ******* فسأهزنّ غداً من التسعينِ

عمري إلى السبعين يمشي راكضاً ** والروح ثابتةٌ على التسعينِ 

ولكن ربما صافينا النجفي، كان يتلبس المعنى بوقارًوهدوء وابتسامة عابرة ذات مغزى، أما صاحبنا على ما يبدو كان يلهو ويعبث ويلعب مذ فتوته وصبابته، وبقى على عهده حتى اشتعل رأسه شيباً، اقرأ معي:

 3 - وإِنْ يَكُ شَيبٌ قدْ عَلاني فرُبَّمَـــا ****** أَرَاني في رَيْعِ الشبابِ معَ المُرْدِ

على حين دعبل الخزاعي، على ما أظنه قد علاه الشيب مبكراً، إذ في أول إطلالته على الرشيد (172 هـ)، وما كان قد تجاوز الرابعة والعشرين من عمره المديد، أطرب رشيده بفصيدته، ومنها قوله:

لا تعجبي يا سلمُ من رجلٍ *** ضحك المشيبُ برأسهِ فبكى ..!!

وليس غريباً ولا عجيباً مَن مثل دوسرينا الذي قضى حياته لهواً وعبثاً وأنساً مع أصحابه ما بين شيوخٍ بشيبتهم، وشبابٍ بريعانهم، ومردٍ بصبوتهم، يحسّ بالوحشة الرهيبة، والغربة القاتلة حين يفارق ناسه وأهله، وعند عودته لقى ما يلقى الإنسان من جفاء طبع، وغلظة عشرة، وبغض وحقد، بينما ناقته لم تتجشم هذا العناء والشعور، وعادت إلى نوقها وصويحباتها على الطبع الفطري، والجبلة النوقية ...!!! اقرأ وتأمل رجاءً:

5 - وحَنَّــــتْ قَلُوصِي مِنْ عَدَانَ إلى نَجْدٍ****** ولمْ يُنْسِها أوطانَها قِدَمُ العَهدِ

6 - وإنَّ الذي لاقيتِ في القَــلبِ مِثْلُهُ ******* إلى آلِ نجدٍ مِنْ غَليلٍ ومِنْ وَجدِ

7 - إذَا شِــــئْتِ لاقَيْــتِ القِلاصَ ولا أَرَى******** لِـــقَوْمِيَ أَبدَالاً فَيَأْلَفَهُمْ وُدِّي

8 - وأَرْمِي الذي يَرْمُونَ عنْ قَوسِ بِغْضَةٍ * وليسَ عَلى مَوْلايَ حَدِّي ولا عَهدِي

مخاطبة أو محاورة الشاعر العربي لناقته، أو قلوصه، أو فرسه، أمرٌ مألوف في الشعر العربي، فهذا المتنبي يخاطبه حصانه في شُعب بوان ببلاد فارس، ويردُّ عليه:

يَقُولُ بشِعْبِ بَوّانٍ حِصَاني: *** أعَنْ هَذا يُسَارُ إلى الطّعَانِ؟!

أبُوكُمْ آدَمٌ سَنّ المَعَـــاصِي *******وَعَلّمَكُمْ مُفَارَقَةَ الجِنَانِ

فَقُلتُ: إذا رَأيْتُ أبَا شُجاعٍ ***سَلَوْتُ عَنِ العِبادِ وَذا المَكانِ

 وتذكّرت الآن بيتي المنخل اليشكري، وهو أيضاً من شعراء الواحدة، إذ يرفع منزلة ناقته إلى المنزلة الآدمية في شعورها وأحاسيسها:

وأحبـــــها وتحبنى******ويحب نـــــاقتها بعيرى

 

ولقد شربت الخمر بالخيل** الانـــــــــاث وبالذكور

بقى عليّ أن أشركك بوجهة نظري،إذ أرى كلمة (مولاي) الواردة في عجز البيت الثامن، أشكّ في استعمالها بالشعر الجاهلي، لأن الكلمة شاعت بعد الفتوحات الإسلامية، واختلاط العرب بالأعاجم، وهي من كلمات الأضداد، فالمولى تطلق على العبد والسيد، أو المالك والمملوك في عصور المماليك والمملوكات، ولا أعني الدول التي قامت باسمهم من بعد ...!

يكفي ويفي ما سردناه عن دَوْسَرالقُريْعيّ، وإلى ملتقانا مع ابن زريق البغدادي وواحدته الفريدة الخالدة في الشعر العربي...!! 

 

كريم مرزة الأسدي 

....................................

(1) راجع: شبكة العراق الثقافية

http://www.iraqcenter.net/vb/showthread.php?t=52011

(2) (ما أخذه العرب من اللغات الأخرى): د.مسعود بوبو - موقع ستارتايمز

 http://www.startimes.com/?

 (3) الأصمعيات  - مصدر الكتاب: موقع الوراق (3) الأصمعيات: الأصمعي - 1 / 8 - 9

 http://www.alwarraq.com

 وتجدها في (خزانة الأدب): عبد القادر البغدادي 4/ 366

(4) معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > علوم اللغة > متون علوم اللغة العربية > الأدب > الأصمعيات: معاني بعض الكلمات كما أوردها المعهد:

http://afaqattaiseer.net/vb/showthread.php?t=15077#.VxCG3Hpk9-w

دِ 1 - خلق الغمد: أراد الغمد الخلق أي البالي، فأضاف الصفة للموصوف.

4 - السربال: القميص. الأغيد: المائل العنق اللين الأعطاف. الذفري: العظم الشاخص خلف الأذن أراد أنه يرد شعره إلى ما وراء أذنيه.

 5 - عدان: موضع.

 6 - يخاطب ناقته، يقول: بي مثل ما بك من حنين ووجد.

 8 - يريد بالمولى القريب أو الحليف. الحد: الحدة والغضب. يقول: إنه ينصر قومه لا يريه منهم مناصرة أو عونًا على ما ينوبه من الحقوق.

11 - نخوات: جمع نخوة، وهي العظمة والكبر والفخر. جاذبت حبالى: أي جاذبته حبالى. علابى: في حاشية الشنقيطية «جمع علباء: عرق في العنق». أراد بذلك أنه أذله وأخفضه.