المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

رواية: أنْ تقتل طائراً بريئاً بقلم أمرأة .. دراسة تحليلية في عصرنة ظاهرة التفرقة العنصرية

abduljabar noriنيلي هاربرلي28 نيسان1926 في بلدة (مونروفيل) في ولاية ألباما في أمريكا – 19 شباط 2016 عن عمر ناهز89 سنة صاحبة الرواية الأكثر شعبية في الولايات المتحدة الأمريكية (أنْ تقتل طائراً بريئاً) To K ILL amocking Bird، وهو بشأن الظلم العنصري في الجنوب الأمريكي، وهي تعالج قضية الكراهية العنصرية، كانت سنة 1956 صدور كتابها الأول ان تقتل طائرا بريئا،ونشرت الرواية سنة 1960 مع الأعتراف بحركة الحقوق المدنية في أمريكا، وتعتبر الرواية ثورة بأسطره النارية لأنصاف المظلومين، وهي رسالة أحتجاج قوية على التمييز العنصري عندما تجد يافطات على واجهات المطاعم والبارات والفنادق - في الولايات الجنوبية بالذات-  NO  place to negro )، وبيعت منها 30 مليون نسخة وهو أول وأكبر رقم قياسي في مبيعات الكتب، وعند نشره عام 1960 مع الأعتراف بحركة الحقوق المدنية، وحولت إلى فيلم رائع يلعب الممثل الرائع كريكوري بك دور المحامي (أتيكوس فينيتس) وحصل الفيلم على ثلاث جوائز أوسكار في عام 1962 لأعتباره من كلاسيكيات السينما الأمريكية، والرواية تروي قصة محامٍ في الجنوب الأمريكي يدافع عن رجل أسود متهم بأغتصاب أمرأة بيضاء، وخلال المرافعة يدافع عن الحريات، وترسيخ الأيمان بحقوق الأنسان، وأصبح كلمة " الأغتصاب " تهمة جاهزة للتنكيل، ويمكن تلخيص سردية القصة وأرهاصاتها وصراعات الذات البشرية في النصيحة التي قدمها في بطل الرواية المحامي " أتيكوس فينيتس " لأبتنه الصغيرة سكاوت : (أنّكِ لم تفهمي شخصاً حتى تأخذي الأمور من وجهة نظره ---- حين ترتدين جلدهُ وتعيشين بهِ) فهي تتناول التفرقة العنصرية، وضياع البراءة وهي أبرز ملامح الصراع الطبقي وأعلى مراحل الأستغلال الرأسمالي برؤوسٍ متعددة .

وهذه بعض الأقتباسات النصية من الرواية { --- حين تكون هناك شهادة رجل أبيض ضد رجل أسود، فالأبيض هو الرابح دائماً، أنّها حقيقة بشعة جداً، لكنها من حقائق الحياة في أمريكا، هكذا يكون منبوذ من يدافع عن السود الزنوج، والقانون الأمريكي ليس لجميع البشر سواسية، بل هناك فردٌ يحظى بمميزات تختلف عن الآخر لأسباب عديدة، المنصب أو النفوذ، وبعد 55 سنة أصدرت كتابها الثاني " أذهب ونصّبْ حارساً " والذي يتناول موضوع العنصرية بمقاربات مع الكتاب الأول} وأشتهر الكتاب أيضا لأنه يتناول موضوع العنصرية أيضا بنفس المقاربات الفكرية فهي تكمل معالجة نفس الموضوع الحساس في الكراهية العنصرية، وبيع منها حوالي مليون وستمائة نسخة .

أسباب أشتهار رواية " أنْ تقتل طائراً بريئاً " :

1 – أصبح لها تأثير مدوي في المشهد السياسي الأمريكي .

2- أعطت زخماً أستفادت منه حركة الحقوق المدنية أيما أستفادة .

3- المؤلفة من البيض تكتب عن العدالة وحق الأنسان في الحياة بكرامة – طوعيه غير نفعية – دون ان يكون عملها رومانسيا أو عاطفياً كما في القصص التقليدية حين تنتهي بعلاقة حب، فهي رواية واقعية عندما وضعت لها نهاية مأساوية، تأثرتْ بها من بيئتها بلدة (مونرو فيل) الموبوءة بالتفرقة العنصرية، وحين كان عمرها عشرة سنوات، عايشت محاكمة تسعة شبان سود أتهموا بأغتصاب أمرأتين بيضاوتين، ورغم التقرير الطبي الذي دحض أغتصابهما، ولكن المحكمة العنصرية حكمت على الجميع بالأعدام، بلغت مبيعات القصة 40 مليون نسخة، وأضيفت إلى المناهج الدراسية وكليات في أنحاء العالم، لذا خسر العالم بوفاتها ذهناً ثاقباً وكاتبة رائعة لصراحتها وموهبتها والحقائق التي كشفتها أمام العالم .

أن هاربر لي سلطت الضوء على جانب من الأوجه المتعددة لهايكو الحقد العنصري وهو جانب (لون الجلد)، وللحقيقة أن لها جوانب متعددة مثلاً : ** النظرة (العرقية الأثنية) السيئة الصيت التي أججت حرائق ومنازعات كثيرة على مدى التأريخ، ولن تنسى البشرية الحربين العالميتين الكونيتين التي راح ضحيتهما أكثر من 500 مليون بين قتيل وجريح ومفقود وأصحاب عاهات نفسية كل ذلك بسبب أنتشار التيار النازي الشوفيني في ألمانيا  ** (النظرة الطائفية)  والتي تعتبر من أخطر فايروسات الكراهية في نخر جسم الأمة كما جرى بين الطائفتين الكاثوليكية والأرثدوكسية في القرن الثامن عشر وطحنت الآلاف من شباب الكنيستين إلى أن جاءت أصلاحات القس لوثر في ترميم ما تهدم من البناء النفسي، وما جرى في لبنان من حربٍ أهلية في سبعينات القرن الماضي وأستمرت 15 سنة راح ضحيتها  الآلاف من البشر وتدمير البنى التحتية، وما يجري اليوم في العراق بعد 2003 من الشحن الطائفي المصحوب بالحقد والكراهية والذي تحول في 2006 و 2014 و2016 الى حربٍ أهلية بين المذاهب والذي يقوده اليوم " داعش " المحتل لأجزاء من العراق، والذي يسير بهدى فتاوى الظلالة في التفرقة بين الطوائف والأديان وتكفير جميع البشر والتعامل معها بأزدراء وأحتقار .

تحية أكبار وأجلال للروائية الشجاعة " هاربر لي " وتأثيرات روايتها في تثبيت الحقوق المدنية وسط أعتى دولة أحتكارية مدعومة بغطرسة كارتلات الأستعباد والسخرة وألغاء الآخرين لأنّهم يرتدون جلباب جلد أسود .

وأخيراً ثمة سؤال يفرض نفسه، في زمنٍ يغرق فيه شعبنا العراقي في وحل التعصب العنصري والطائفي الذي يقودهُ أصحاب الرايات السود داعش في أستعباد وأسترقاق العباد وأذلاله ---- السؤال: هل عقمتْ الأرحام في أنجاب " لي هاربر" عراقية في طرح مأساة شعبنا في المحاكم الدولية؟؟

 

عبدالجبارنوري- السويد

 

قراءة وتأويل للمجموعة الشعرية: بستان الليل للشاعر كاظم مزهر

ryad abdulwahedشعرية العتمة وفضاءات الذات: ان رصد نتاج شعري عند شاعر ما غايته الاساس فحص ومساءلة التجربة الشعرية لديه وما ترشح منها، اذ يشكل الشعر تعبيرا دقيقا عن الذات المنتجة له انى كان توجهها . المجموعة الشعرية التي بين ايدينا هي \ بستان الليل \  للشاعر كاظم مزهر ، وهي الخامسة بعد مجموعة واحدة منفردة وثلاث مجموعات مشتركة  . ثريا المجموعة تكونت من فونيمين على نحو جملة اسمية من مبتدأ مقدر وخبر مضاف الى اسم  . يبدو النصيص كما لو انه يحمل بنيتي المكان والزمان، اذ على ما هو معتاد ان يلتصق المكان في مفردة \ البستان \ والزمن في مفردة \ الليل \ . الا انني اميل الى خلاف ذلك، اذ ارى في البستان سيلان  اخر للزمن في ضوء المتحصل المعجمي لمفردة بستان والمتأتية من \ البست \ وهو الانسياب \، وبذلك يضفي البستان زخما جديدا لليل، بمعنى يعطيه دفقا نحو الخلاص من ربقة المحددات التقطيعية للزمن بوحداته المعروفة  . هذا الانسياب التحولي من بنية مكانية \ بستان \ يؤشر لسيولة الحياة في بعديها المكاني والزمني معا . اما مفردة \ الليل \ وما تثير فينا من مهيمنات قوية للأسئلة والدهشة فهي تحصيل حاصل  . ومما يشي العنوان به تلك الماورائية غير المنكشفة، فالليل يحجب عنا الرؤية، ولابد لنا – كمتلقين – من فك  المرموزات العيانية من اجل استنطاق النص بنحو يليق به . يظهر على غلاف المجموعة اسم الشاعر باللون الارجواني الذي يثير فينا الكثير من التحفيز والاثارة والانتباه، ويتشح الغلاف بالسواد معبرا عن ظلمة الليل، اذ ان الاسود لون اللارؤية والمعادل الموضوعي للحضور القاسي غير المكتشف لحظويا في اقل تقدير . تظهر على الغلاف ايضا صورة لشجرة جرداء تستقر في صفيحة كبيرة وليست في (سندان) كما هو متعارف عليه، وهنالك رجل يجلس على كرسي عصري ويرتدي بنطالا وحذاء وملابس داخلية فقط من دون قميص . اغصان الشجرة الجرداء تتجه الى الاعلى وهذا دليل على انها تبحث عن ضوء يبدد ما يحيط بها من ظلام  . عملية مسك الرجل للشجرة يعطينا احساسا بالتوازن الحاصل بين الأنسان وما يحيط به اضافة الى ذلك محاولته، اي الرجل، لتجميع  اغصان تلك الشجرة حتى لا تبدو وكأنها مؤسلبة  زمنيا بواسطة الخريف . الصورة عبارة عن اعلان عن المخفي والمتخفي، عن الباطن الذي هو خارج الرؤية العينية اللحظوية بل هو محاولة لاستجلاء ما يغلفها من قناع الاشياء بكل انواعها ، كما ان عملية مسك الرجل بالشجرة اشبه باحتواء الليل للبستان او هيمنة مفردة الزمن على المكان او ابتلاعه بنحو تام . كل هذا يؤشر بنحو واضح وجلي  وجود ماورائية، حجب للرؤية، انه مضمار الرمز والترميز من اجل الركض خلف استنطاق النص من قبل المتلقي لان الشعر الجيد بحسب \ ميشيل فوكو \ هو الذي ييد للأشياء براءتها الاولى قبل ان تتسخ بدنس الوجود، وقبل ان تتورى خلف غبار اللغة اليومي والمستهلك \ .

تبدأ المجموعة بإهداء يحاول كسر رتابة الليل . اذ يبدأ بهذه العبارة \ الى بهائه وهو يسر الجالسين \ . انه بهاء الاب ذلك الارث الكبير الذي يضيء عتمة الايام  ويعانقها بنقائه المضيء . في التوطئة الطويلة نسبيا يستعمل الشاعر \ السينوغراف \ ، بمعنى تحويل الافكار الى ما يترشح من معاناة تثقل الذاكرة والجسد وتحويلها الى دلالات مرئية، اذ تتلاطم امواج الانثيالات من  كل حدب وصوب لتتجمع في بؤرة مشعة هي الليل  . الليل لم يعد مظلما، انه محطة تقف  عندها النهارات لتأخذ قيلولة . يشكل \ البصر \ هنا  فعلا مساهما في الكشف والغوص في اعماق الروح، تلك الهائمة التي تحاول الا تنهد ولا تنشطر امام  الاخر

 

الليل

مرآة كما شئت تدار

اياك ان تبدي انشطارك

فالرؤى عصف

وهل يلتم في العصف انشطار

 

دلالات مرئية، وحواس تستجلي افقا لا يتبدد ولا ينشطر، ليل متحرر من اسار التحديد لأنه مراة غير مستقرة لعالم متسارع لا يقف عن نقطة ، انها اطروحة بيكينية، (فليس كل من يصيبه المطر يزكم)، ولكل مرصود مجموعة من الاستثناءات . \ الليل \ هنا يخوض صراعا مضادا مع الزمن المنتج له والذي يطوقه فيصبح مرأة يمكن ان نرى فيها كل شيء . لم يعد الليل – هنا – مغموسا بظلمته المعتادة لأنه

 

راقصة في ملهى ليلي

كثيرة الفساتين

في كل مساء

تأتيك بلون لا تعرفه

 

لم يلتفت الشاعر – هنا – وهو في خضم هذا الصراع الى القيمة الخبرية بل تنبه الى العامل النفسي الذي يغلف المنولوجست الذاتي بواسطة اضفاء وظيفة برهانية لما يعتلي تلك الذات من ارهاصات متأتية بفعل مؤثر خارجي

 

حاول ان تقدم لهذه الوسادة

دليلا يعرفها ..

انك ذاتك من نمت عليها

قبل ساعة من فجر اليوم

ومن فارقها تماما

عند طلوعه

والا ستبيت هذه الليلة

خارج اسوار النوم

 

هنا التركيز على مجموعة الانفعالات اللحظوية، الافعالات الشعورية واللاشعورية  التي تتمركز في بؤرة الذات، انه تفعيل لمبدأ التمركز localization   بعيدا عن عواصف الدماغ . انها ساعة الكشف والانكشاف معا ومطالبة الذات لذبح قرابينها لوسادة الوجع . ان هذه المطالبة الذكية ما هي الا عملية استفزاز لتحريك وتشغيل المخيلة في ساعة سباتها  . لقد اجاد الشاعر في هذا المقطع اجادة رائعة في تفعيل المؤثر الدرامي بواسطة تغير الازمنة واللغب بالزمن فن فعل امر \ حاول \ الى فعل مضارع مقرون بالسين وهو بهذا يحاول ضبط المتسيب من الذاكرة بل وتفعيله لتبيين الاثر الفاعل لما يعتلي النفس وهي تمور بالكثير مما يقلقها في هجعة ليل بهيم . في القصيدة التي تحمل المجموعة عنوانها \ بستان الليل \ نلاحظ ان النص  يبني مجموعة من الدفاعات التي تحاول النأي بالآخر او بالذات الحاكية عما يواجهها من دلالات الوحشة التي يفرزها الليل  . ان الشاعر، او ذاته تقيم دلالات مترشحة من تجربة سابقة، من مترشحات وعيها المتحصل مما استفادت منه . انها تنهل من وعي اللحظة خلاصها، وتذود عن وجودها بما تنضح بها التجربة المتعالية على السالب مما يحيط بتلك الذات

 

تكفيك من الليل

وشائج قديمة

لست عتالا

ولا كادحا

لتغادر سوادا ملائكيا

على جناح نجمة مبكرة

فما النهار من رغائبك

والمارة ....

لا عهد لك برجاجة اقدامهم

يكفيك من الليل هدوء جامح

 

ان عملية البحث عن فضاء اخر هو صرخة لعبور الضجيج الى شاطئ الهدوء العابر لمصدات الليل، انه الطيران فوق افق الليل ليس من اجل هروب مقرر بقدر ما هو تزيين لأفق جديد، افق يصوغ عالما جديدا خارج سواد الايام المعتم . ويتأزر الشاعر مع ذاته ضمن متوالية متناغمة مع ما يعتريها، اذ ان الوله الصوفي لاستكشاف المغيوب المختبئ في ظلمة الليل يبدد مجاهل الليل

 

فأقترف لوجهك الصوفي

في حضرة الضوء

واقطف شعاع المعنى النائم

في بوصلة الاشياء

 

هنا، الادراك المتحصل هو المحمول الصوفي الملصق بالوجه كونه المراة العاكسة لصفحات المشاعر الجوانية، فالعارف يخرج من ظلمة الغيب الى نور الوجود، والضوء – هنا – هو الادراك الاشمل الذي تتحق به معرفة كل الاشياء لذلك كان بوصلة لكل ما يحيط به . ومما يلاحظ في هذا النص ايضا بناء دفاعات ذاتية تحاول النأي به عن المباشرة ازاء ما هو متحصل . ان الشاعر يستعمل دلالات وحشة \ الليل \ بكل اسقاطاتها ليقيم دلالات لحظوية مترشحة من عندياته . من مترشحات وعيه الذي ينهل من ذلك المخيال المكتنز بما يبدد قوة الليل الفاعلة كمؤثر خارجي، انه يدير دفة الليل  صوب معابر الهدوء العابر لمصدات ذلك الليل البهيم

 

القناديل التي تضيء

هي خطاك المتمردة

في الاشتعال . من صفاء الكوم

خذ مسحة

لترشيح ارتباك المسافة المباغتة

 

هنا تتآزر ذات الشاعر مع ذلك الضوء النابع من نهاية الافق الروحي لأعادة انتاج رؤية تفاؤلية بواسطة مجموعة من المتضادات المتقابلة المنتجة لبنية اوسع من بنية الليل وما يترشح عنه عبر عملية زرع مختبري للصفاء \ خذ مسحة \ ، انها العينة المرتابة من خطى واثقة للصفاء من اجل تبديد ارتباك المسافات التي قد تباغت المسيرة الوضاءة . لقد استطاعت هذه المجموعة  ان ترينا رؤى الشاعر بواسطة رؤيته التي ما انفكت تقاوم ظلمة الليل من اجل غد مشرق غير (منسدل الستائر) .

 

رياض عبد الواحد

 

معجزة الشيخ عسكر

adnan aldhahirتفضّل فأرسل لي الأستاذ الدكتور قصيّ الشيخ عسكر كتابه المثير للدهشة والجدل الذي يحمل عنوان" روايات وقصص من الخيال العلمي". وصلني هذا الكتاب بتأريخ 20.1.2011 مع كلمة إهداء لا أحلى ولا أبلغ منها حتى أني حسبتها جزءاً من قصص خياله العلمي الكثير السعة والمرونة. قرأتها بتمعن حين وصولها لي فكتبت أو خابرت الدكتور قصي ووجهت له سؤالاً واحداً: هل اختصاصك الفيزياء؟ قال كلاّ، إختصاصي اللغة والأدب العربيين ! لم يزدْ عَجَبي حسبُ إنما وازدادت حيرتي وزاد حَرَجي: ماذا عساني قادراً على الكتابة عن مثل هذا الأدب الذي رأيته ولم أزل أكبر مني ومن كل ما لديَّ من قدرات متواضعة محدودة قصيرة الباع والذراع؟ ماذا سيقول مثلي في مثل الأستاذ الدكتور البصراوي قضي الشيخ عسكر؟

الوقت والفراغ وتكالب العلل (تكسّرت النصالُ على النصالِ / المتنبي) تجمعت فوق رأسي لا حسب قانون التراكمات الكميّة والتحوّلات النوعية ولكن حسب قوانينها الخاصة وفوق وأول الجميع أحكام وقوانين العمر والزمان. أغرتني ـ ولا أقولُ أجبرتني ـ هذه الأحكام والعوامل على تقليب ما في مكتبتي من كتب منوّعة الأغراض والموضوعات وروايات  أتاني أغلبها هدايا من أصدقاء ومعارف من كلا الجنسين بل ومن أناس أخيار نبلاء لا سابق معرفة جمعتني بهم. فوجئتُ بكتاب الأستاذ قصي رافعاً رأسه من بين مجاميع هذه الكتب فوسوست لي النفس الأمّارة بالخير والفضول وحب الإستطلاع أنْ أُعيد قراءة ما فيه لعل الزمن ليّن أو ألان صعوبة ما فيه من قصص خيالية لا ولن تقع في الدنيا ذات يوم. الأكثر صعوبة هو إختلاف الموضوعات بشكل بحيث لا يجد القارئ شيئاً أو خيطاً يجمعها أو يجعلها تقف في صف واحد ليقارن ويوازي ويختار الأفضل أو الأكثر إثارة.  لذا قررتُ أنْ أمشي في طريق آخر عسى أنْ أحظى ببعض النجاح في محاولاتي لفهم وتحليل وتفسير قصص الأستاذ قصي. أعني أعمل مسحاً عاماً شاملاً لكافة قصص الكتاب من غير تسلسل رقمي لصفحات الكتاب. وأضع أسئلة دقيقة ثم أنتهي بتبني مخطط للنقد أو القراءة فحواه أني أفهم النصوص بعقليتي الخاصة وما فيَّ من قُدرات على التفسير والإستنتاج لا حسبما يريد ويتوقع كاتب النص. قد أقلب النصوص وأحفرها وأُنقّب تحت أديمها وما فوق هذا الأديم لأجد شيئاً يُريحني ويُقنعني وينفع القرّاء الكرام ويفكُّ الكثير أو بعض ما يعتري النصوص من غموض وإشكاليات. إتفقنا؟ إذاً فلأغامر وأرفع قلوع السفينة كملاّح سندبادي غشيم لا علمَ له بعالم الملاحة والإبحار.

في الكتاب 12 قصة ست منها قصيرة جداً وقد أطلق الأستاذ المؤلّف عليها " قصص قصيرة جداً من الخيال العلمي " ليته لم يدرجها في كتابه الطريف هذا... ليته ! شأنها شأن المسكين المغضوب عليه " حنّون " الذي لم يزدْ في الإسلامِ خَردلةً ولا النصارى لهم شغلٌ بحنّونِ. أراها زوائد خاصة وقد وضعها قصّي جميعاً في آخر الكتاب كأنه مثلي مقتنع بأنها زوائد دودية أو زوائد غير دوديّة ... مع احترامي لقرار الدكتور نجل الشيخ عسكر صاحب المعجزات.

كيف أبدأ بل وبِمَ أبدأ؟ إسعفني يا عزيزي قصي. المهمة صعبة وليتك قريباً مني لأسألك وتُجيب ... لأحاورك بحرارة وتُسهب بطرح التفاصيل. ليتك ! طيّب، أسئلتي:

1 ـ ما أهمية ودلالات الأعوام: 1956 .. 1966 ... 1973 ... 1976 ... 1986 وهل في أحدها ما يُشير إلى عام ولادتك؟ أظن أنه عام 1956 فما رأيك بظّني هذا؟ إنه ظن نظيف خالٍ من أي إثم.

2 ـ على أي أساس ومذهب جمعتَ ناساً من ديانات وقوميات وأقطار مختلفة أعني:

/ أمير عربي ...رحلت شقيقته مع عشيق

/ طالب صيني

/ صحافي يهودي  من الدنمارك ...مراسل صحيفة غطّى حرب 1973 المصرية الإسرائيلية

/ جندي أمريكي قُتل في حرب فيتنام عام 1966

/ أستاذ جامعي اسمه كارلو لعله أرجنتيني.

بصراحة ... الكلام بيني وبينك: وجدتُ المراسل الصحافي اليهودي الدنماركي " موشي " مُقحماً إقحاماً أفلمْ يكنْ من الأفضل إهماله؟ أراه عديم اللون والرائحة والطعم ! في بعض قصصك ذكرتَ أنها كُتبت في العاصمة الدنماركية كوبنهاكن ! ثمَّ .. هل التقيتَ بأحد هؤلاء ممن ذكرتَ وفي أي بلاد تمَّ ذلك؟

 

قصيّ والزمن والضوء واللون

هنا وهنا بالضبط يكمن بيت القصيد وهنا نجد الكاتب في فلسفته الخاصة ـ العامّة حول مبدأ " وَحدة الوجود " وأنَّ الكون وما فيه مكّون من مادة واحدة وإنْ تغيّرت وتفاوتت أشكالها وحالاتها الفيزيائية. قد يكون في صلب فلسفة الدكتور قصي أنَّ الفوتونات الضوئية هي أساس وأصل ومبتدأ مادة الكون وهي وجهة نظر تستحق الكثير من التأمّل. الألوان موجات كهروـ مغناطيسية من نفس طبيعة الضوء ولكنْ ما شأن الزمن بالضوء وهل من علاقة بينهما تربطهما بشكل خاص وطبيعة خاصة؟ على القارئ فك الشفرة بين الزمن والضوء. قرر آينشتاين منذ زمن بعيد أنَّ أكبر سرعة في الكون هي سرعة الضوء (هناك شكوك اليوم حول هذه النظرية). ولكنْ تبقى المعادلة الزمن ـ الضوء قائمة لا أحسب أنَّ الأدب والأدباء قادرون على حلّها لكنهم لا ريبَ قادرون على وضع فرضيات ونسج قصص من بنات الخيال وكل الكشوفات في بداياتها خيال وتهويمات وسياحات فضائية فلكية كأنَّ واضعيها سحرة أو من عالم آخر.

قُلْ (ولا تَقُلْ ..)  لنا أستاذ قصي والرحمة لأبيك الشيخ عسكر: ما رأيك في معادلة الزمن ـ الضوء؟ هل درست نظريتي آينشتاين النسبية الخاصة والنسبية العامة؟ يبدو لي أنك فكّرت وما زلت طويلاً في مسألة البعد الرابع الذي دعاه آينشتاين " الزمكان / زمان ـ مكان " ولكن لا متسع للضوء هنا. ذكرَ قصيّ آينشتاين في الصفحة  79 فقال:

(... لحظتها تذكّرَ أنَّ هناك عالماً في القرن العشرين يُدعى آينشتاين تحدّثَ في نظريته النسبية فأشارَ إلى أنَّ الأجسامَ إذا سارت بأعلى من سرعة الضوء تحدّبت مثل الكون المدوّر ودخلت في سرمدية أبدية). لستُ متأكدّاً من مقدار صحة هذا الكلام لكني متأكد من صحة ودقة قول أينشتاين من أنَّ لا من سرعة للمادة المتحركة تفوق سرعة الضوء. وأنَّ الضوء أثناء قطعه لمسافات بعيدة جداً يفقد مساره المستقيم في قطعه للمسافات القصيرة ويتحدّب تحت تأثير تحدّب الفضاء الكوني. إذاً لا من سرعة أكبر من سرعة الضوء وأنَّ الكون مُحدّبٌ وليس مدوّراً . تمام أحدب نوتردام؟ هل حدبتك مدوّرة؟ التحدّب شئ والدائرة شئٌ آخر كما علّمتنا هندسة إقليدس.

كتطبيق حي لمقولة ونظرية وحدة المادة في الوجود (المتصوفة كذلك يقولون بوحدة الوجود) خلط الدكتور قصي نماذج من البشر من أقطار وقوميات وديانات شتى وبذل جهوداً كبيرة في التنقّل بين هؤلاء القوم وخلط أسماءَهم فخالد مرة خالد العربي ومرة أخرى هو الصيني شوان أو الأرجنتيني كارلو أو اليهودي موشي هؤلاء أقوام شتى ولغات مختلفة لكنهم جميعاً في نهاية المطاف بشرٌ من نفس النسيج والخلايا وذات الأعضاء وتؤدي هذه الأعضاء نفس الوظائف ولون دمهم هو هو مهما اختلفت الجلود في ألوانها. قال قصي على الصفحة 35 ما يلي:

(ـ موشي .. بْلْ .. كارل .. خالد ناموا

حين دخل البروفسور الغرفة الخاصّة بالمريض هبّت بوجهه احتجاجات واختلطت أصواتٌ ولغات، كل واحد من هذا الواحد الشاخص أمامه على السرير، يحاول أنْ يثقبَ الزمن ليعرفَ حقيقة الوقت الذي وُلِدَ فيه أو وقتَ حدثٍ عظيم جعله يفقد الوعي. كان كل واحد منهم متأكّداً من فعلته، أما وجوده الحالي فيفسره بأنه محاولة من الطب تغلّبت على الموت،  لكن هذا الواحد المتعدد في أكثر من زمان ومكان بدأ صبرُهُ ينفد، وعندما أحسَّ البروفسور بإمكان حدوث فوضى لجأ إلى التنويم المغناطيسي وأوحى بعبقريته في ذلك العلم إلى الثلاثة بالنوم لينفردَ بشوان الصيني وهو آخَرُ مِنْ هذا الواحد الجمع الذي لمّا يكتبْ مذكّراته بعدُ:

ـ هل نحن وحدنا يا شوان؟

يتطلّعُ إليه بعينين سكنتا عند مجال مغناطيسي فبدتا أشبه بالمتجمدتين:

ـ أشعرُ كما لو أني نائم صاحٍ.

ـ أنت الثلاثة نائم، وأنت شوان الواحد صاحٍ).

الزمن نعم الزمن ! كيف يثقبُ أحدنا الزمن؟ هل الزمن جدارُ قابل للثقب بمثقب كهربائي مثلاً " درْلْ " ليرى الماضي فالزمن متصل لا ينقطع  وسيأتي يوم يمكننا العلم فيه أنْ نرى مستقبلنا وما سيجري لنا من أحداث فيه وما جرى في سالف الأزمان الغابرة والسحيقة بالقِدم. هنا يحضرني شعر قاله المرحوم عبد الوهاب البياتي حول استمرارية الزمان:

وزورقُ الأبدْ

مضى غداً وعادَ بعدَ غدْ ....

هل يختلط  الزمنان الماضي بالمستقبل الآتي (مضى غداً وعاد بعد غد ) ! كيف يعود الماضي بعد غد والغد مستقبل لم يأتِ بعدُ؟ تدور على هذا المحور فكرة الدكتور قصي الشيخ عسكر. وحدة مادة الوجود والزمن هو هو يتحرك بثبات لا أولَ له ولا له نهاية. ماضٍ بصمت وحكمة وجلال من الأزل إلى الأبد شأنه شأن هذا الكون غير المتناهي الذي نجهل أصله ومبتدأه والحكمة من وجوده. أسأل: من هو الأول الزمن أم الكون، المادة؟ أنا أقول وأكيد قالها الفيزيائيون قبلي: لا يمكن الفصل بينهما فلا مادة ولا كون من غير زمن ولا زمن من غير المادة. فإذا كانت السرعة هي مقياس حركة المادة المتحركة فالمادة هي مقياس حركة الزمن والزمن بدوره هو وعاء المادة في سكونها وحركتها.

أتعبتنا أخانا العزيز أستاذ قصي وحرّكتنا بعد خمول كالجمود كأنك ربيع وشهر نيسان الشاعر توماس إليوت الذي يقسو على براعم الربيع إذْ يخرجها من أكمامها ومكامنها حيث كانت تنعم بالدفء والراحة والأمان. شكرأ أنك حرّكتنا وأنطقتنا وأنقذتنا لا من شهر نيسان ونحن اليوم فيه ولكن أنقذتنا من جفاف اللسان ومن أحد قوانين نيوتن للحركة (يبقى الجسمُ الساكنُ ساكناً إلاّ إذا حركته قوة خارجية /  قانون عزم القصور الذاتي) .... فهل أنت نيوتن الحركة أم إليوت شهر نيسان؟

في قصة " آدم الجديد " وردت أسماء ثلاث نساء هنَّ: بسمة أو نسمة .. فقد ورد هذا الإسم مرة بسمة ومرة نسمة ... وهيلانة صديقة كارل الأرجنتيني ... وديزي صديقة الأمريكي بِلْ. لا صديقات للصيني شوان واليهودي موشي.

قُصيّ والصين

ليس واضحاً تماماً لماذا خصّ الروائي قصي الصين بهذا القْدر من المعلومات السلبية في أغلبها؟ قد يبدو الأمرُ هكذا لمن يقرأ سطوح الصفحات دون الغوص في رموزها وسياقاتها التأريخية وأبعادها السياسية. أنقل مقتطفات كأمثلة على ما قال دكتور قصي عن بلاد الصين:

ـ (أمّي ربّة بيت، أبي عامل مصنع، لم أعرف الخارج قط، صيني معزول عن العالم، ما معنى ما أكونه من التعددية يمكن أنْ يكونَ عن العزلة التي عشتها، أكثر الشعوب نفوساً قوة عظمى، بلد رائع .. صيني، إلاّ أننا معزولون عن العالم، أنا خالد النائم وبِلْ ظهرت أخيراً، أنا نائم لكنني أسمعني، وأرى حلمي من ذاتي الأخرى، لا كتب من الخارج لا جرائد لا مجلات لا إذاعات لا ملابس، إزاء هذا الوضع تمرّدتُ فسقطتُ ... الصفحات 35 ـ 36)

ـ (ومع ذلك لا أودُّ العودة إلى الصين... شوان يستعيد ذكرى التظاهرة الدموية ...الصفحة 41)

ـ (بقيت لديه قضيتان أُضطرَّ بعد تردد تجاهلهما، القضية الأولى تندرجُ ضمن العقبات السياسية، الصين بلدٌ مُغلق مجهول الداخل ... الصفحة 48)

ـ (الأربعاء 2 نوفمبر 1986

المكان: بكّين .. مشفى بكين

هو ثاني يوم أقضيه في الصين .. وهو ثالث يوم لإندلاع مظاهرات معارضة تطالب بالإصلاح .... في هذا اليوم بدأت حكومة الصين تستخدم العنف ...فيما بعد طلب مني الإشراف على حالة جريح دخل في غيبوبة، عرفتُ فيما بعد أنه أحد زعماء الطلبة البارزين وأنَّ إطلاق النار عليه حدث خطأً ... الصفحات 59 ـ 60).

لم يقلْ قصي في الصين وعنها إلاّ ما كان معروفاً عنها كلاّ في حينه وأوانه. لم يتجنَ ولم يتعسفْ ولم يبدِ أي موقف معادٍ لهذا البلد ولا لسواه من بلدان المعمورة.

قصي والألهة الثلاث

 إذا اتحد البشر أو وحّدتهم طبيعتهم المادية رغم اختلافهم في دياناتهم وقومياتهم ولغاتهم (أو لُغاهم) وألوان بشراتهم فما يمنع الألهة الفوق بشرية من أنْ تتوحد؟ لا أحدَ يعرف طبيعة مادة الألهة سوى ما قال كلكامش في ملحمته المعروفة " كُتبَ الموت على البشر .. وكتب الخلود للألهة فقط ". هل صحيح هذا الكلام يا أنكيدو المسكين المنكود الذي مرض وفارق الحياة لسبب مجهول ما زال غامضاً؟ كيف خدعتك وأغرتك العاهرة شمخاء أو سمحاء وأخرجتك من عالم الحيوان ووضعتك مع البشر في سومر فاعتلّت صحتك ثم فارقتَ الحياة؟ لا قومية ولا من لغة للألهة يا قصيّ. هم لا يختصمون ولكنْ لهم أتباع معتوهون يتخاصمون ويتقاتلون ويثيرون الحروب ضدَّ بعضهم البعض الآخر. فليتوحد البشرُ ما دام غيرهم قد توحّد فغدت الألهات الثلاث ربّاً واحداً لا شريك له لا يلدُ ولم يولدْ وليس له كِفءٌ في الدنيا. هل قصد الروائي الخيالي ربّات العرب الشهيرات الثلاث اللآ ت والعُزّى ومَناة الثالثة الأخرى؟ وحّدهنَ الدين الجديد ولم يتوحّدن بالتوافق والتشاور وحسب مبدأ المحاصصة. وحّدتهنَّ قوة خارجية لا الضوء ولا الجاذبية ولا الألوان الطيفية الزاهية. قال الروائي في الصفحة 44 ما يلي:

(أظنُ أنَّ ما أمرُّ به شبيه بعصرٍ تفكّكتْ فيه الألهة قبل اندماج بعضهم, لقد تحدّثتْ الأساطيرُ القديمة عن اتحاد ثلاث آلهات في آلهة واحدة. ماذا تقولُ عن آلهة الحب والجنس والحكمة؟). واضح أنَّ الروائي كان يقصد بهذه الألهة الرابعة عشتار سومر وبابل التي رفض كلكامش الزواج منها بل وعنّفها وشتمها ولمزها في عرضها. لماذا تتزوج الألهة طالما أنها لم تلدْ ولم تولدْ؟ ألتمارسَ الجنس المقدّس في المعابد مثل صاحبتنا السيّدة عشتار أم السيد عمّار؟ خيالك جدَّ خصيب يا قصي.

 

الضوء .. هاجس الدكتور قصي الأقوى

  أفرد الدكتور قصي فصلين كاملين تقريباً لموضوعة الضوء وقدّم تفسيراتٍ وتنظيرات لقدرة الضوء على التأثير على وضع ونفسية الإنسان. الفصلان هما " قصة من عام 2784 " و  " مُدُن الضوء ". ما الجديد في هذين الفصلين وما اجتهادات الكاتب بخصوص الضوء وقدراته على التأثير على البشر؟

أولاً أتساءلُ عن الغرض من اختيار زمن لا وجودَ له بعدُ: 2784؟ أفي الأمر خطأ مطبعي كشأن العديد من الأخطاء التي وردت في هذه الرواية؟ أم أنَّ في رأس وقصد الكاتب أمراً آخر لا يعرفه القارئ؟ أم أنه حاصل جمع الرقمين 27 و 84؟ المعنى في قلب الشاعر علماً أننا نتعامل مع روائي وليس مع شاعر.

ما سرُّ تعلّق قصي بالضوء وهو أستاذ لغة وأدب؟ لماذا يُقحمُ نفسه في أمور وموضوعات بعيدة عن اختصاصه الدقيق واهتماماته الأدبية واللغوية؟ ذلكم شأنه وهو مسؤول عنه ولا ريبَ أنه يعرف كيف يدافع عنه وكيف يُبرر.

الآن ... قصي والضوء ... في الصفحة 113 كتب الدكتور أموراً لا أدري هل استقاها من مصدر علمي مُختص أم هي من بنات أفكاره العلمية الخيالية أم من حاصل جمع الإثنين معاً؟ أقول هذا الكلام لأنني أجهل حقيقة الأمر رغم قربي ومعايشتي لعالم الضوء والفوتونات الضوئية والألكترونات وعالم الذرة على وجه العموم دراسة وبحثاً وتدريساً في العديد من الجامعات داخل وخارج العراق بلدي المُحطّم والمخروق والمحتاج للكثير من الضوء فهو في متاهة وعَتمة وفوضى لا ينفع فيها ضوء ومغناطيس ولا ما هو أكبر وأقدر من مجالات الضوء والمغناطيس. ماذا قال الروائي في الصفحة إيّاها 113؟

(... كان يتعاملُ مع الحُلُم وكأنه واقع سوف يحدث فيما بعد. فليس أمامه إلاَ أنْ يثني الضوء ثانيةً من أجل أنْ يتحقق بدقة من الخبر القديم الجديد الذي اكتشفه اُستاذه يومَ ولادته وأوكل إليه مهمّة البحث فيه فيما بعد كي يُدرك من خلال التجربة الضوئية الجديدة أعماق المستقبل ليقرأ حوادثه وهي تمرُّ أمامه بالتفصيل).

من حق الراوي أنْ يقولَ ما يشاء من فنطازيات خيالية ولكنْ الأفضل له وللقارئ أنْ يتثبّتَ من صحة أو معقولية ما يقول وإلاّ فما يقول هو الضلال بعينه وتشويه وتخريب القيم العلمية. كتّاب الخيال العلمي يلتزمون بحقائق العلم وقوانينه المعروفة لا يحيدون عنها قيد أنملة رغم ما يقدمون للقارئ من تخيلات وسياحات وتهويمات خيالية.

ما قال الروائي بعد في الضوء ومشتقات الضوء؟ (... كان هناك اختلاف جوهري بين وجهة نظر نظر يتبناها باحث حديث وأستاذ خبير لا يؤمن أساساً بنظرية الترشيح والتنصيف بل يؤكّدُ دائماً أنَّ الحلم يكونُ واضحاً إذا تعرّضَ فردٌ ما لكمية ضوء طوال اليوم أكثر مما يحتاجه جسمهُ قبل النوم / الصفحة نفسها 113). ما المقصود بالتنصيف؟ قد نفهم ترشيح الضوء أو تفريق موجاته الطيفية ولكن ما معنى تنصيف الضوء؟ ما مصادر الروائي الخيالي؟

أسىتعيرُ ما قال الروائي في الصفحة 115:

(.. أسئلة كثيرة راودت ذهنه ودفعته إلى أنْ يقرأ رسالة السماء من خلال تغيير شكل الضوء فيوحّد بينه وبين شكل الكون على الأقل كي نعرف ما يدورُ حولنا بعد سنوات. وأول ما فعله في تجاربه ثنى الضوء تدريجياً في حلقة تشبه القوس وتسليطه على النائم المستسلم للحلم، تسليط حزمة ضوء مستقيمة على نائم ثم تحديب تلك الحزمة بجزء من المائة مليون.... ).

ما هي رسالة السماء؟ أهي في توحيد الأديان وأصحابها وتابعيها أم في التدخل في شؤون الضوء ومعجزاته التي تنافس ربَّ الأديان وما يرسله هذا الرب من بشر يسمّون أنفسهم أنبياء ورُسُل؟ ثمَّ ... كيف وبأية أجهزة ووسائل يتم ثني الضوء؟

مُدن الضوء

نجد ونرى في هذا الجزء من الرواية العلمية أو علمية الخيال تكرير غير قليل للضوء وتأثيرات الضوء لكنها جميعاً إمّا غير علمية وغير دقيقة وتحتاج إلى مصدرأو دليل أو إلى تأويل علمي معقول يتقبّله عقل القارئ. أقدّم بعض الأمثلة وأطلب من الأستاذ الدكتور تفسير هذه الظاهرات تفسيراً علمياً من التفسيرات التي يعرفها الناس العاديون والعلماء المختصون وغيرهم ممن يعنيهم الأمر، فالخيال العلمي لا يعني الإحتطاب في الظلماء ولا الخبط العشوائي  ولا قول الكاتب ما يريد أنْ يقول. قال في الجزء الموسوم ب " مُدن الضوء " وفي الصفحة 137 ما يلي: 

(... كانت هناك فكرة واحدة تتبلوّر في ذهن البروفسور " ك " فتنصّبُ على الظلام والنور بصفتهما الحاضنة الأولى للكوابيس الثقيلة. لذلك وجد أنَّ الكوابيس عادت تجثم على صدور مرضاه بعد أنْ أعادَ التجربة ذاتها عليهم في جو معتم لا بصيصَ للنور فيه كما هو الحالُ في البيت الريفي فكانت النتائج مثلما توقّعها تماماً ...

كابوس .. إختناق

عدوانية تجبر النائم على العنف

هستيرية ..)

  ماذا نفهم من هذا الكلام؟

الظلام والنور هما حاضنا الكوابيس الأولى ! بعضُ الناس يخافون الظلام ولا يطيقون البقاء فيه فما بال الضوء (النور) وما علاقته بالكوابيس الثقيلة المزعجة؟ وهل الناس في أحلامهم ليسوا هُمْ في يقظتهم أو في القليل فيهم شئ من عالم يقظتهم؟ كيف أنتقل في عالم النوم والأحلام ممن أكون أنا إلى شخص آخر مغاير لا يمتُّ لي بصلة أو يمتُّ ولكن بصلة ضعيفة واهية كخيوط العنكبوت؟ لماذا ينفصل الإنسان الحالم عن نفسه وعمّىا هو فيه؟ كيف يتحوّل ووفق أية آليات " مكانزمات " يتم هذا التحوّل؟ لا يكفي أنْ نعرض أطروحات ومفاهيم غريبة بإسم الخيال بل علينا ربطها بما هو معروف من حقائق علمية وتجارب لا تقبل الشك فيما تعرض من نتائج.

أخيراً إني أُكبر جهود الأستاذ الدكتور قصي الشيخ عسكر فيما كتب من قصص علمية خيالية خاصة وأنه ينتمي في دراساته إلى عالم آخر لا شأنَ له  بالأخيلة العلمية . أُكبِرُه وجهوده وأعتذر له  عمّا كتبتُ عن روايته الطريفة والمعقّدة التي لم تنلْ ما تستحق من إهتمام وعناية على حدِّ علمي حتى اليوم.

عزيزي الدكتور المتميّز قُصي الشيخ عسكر: إنك معجزة عمّنا الشيخ عسكر .

ملاحظة لا بُدَّ منها: وقعت في هذا الكتاب أخطاء أغلبها مطبعي لديَّ نماذج منها أتمنى أنْ يلتفت الدكتور إليها ويحاول تلافيها في طبعات الرواية القادمة.

 

عدنان الظاهر

..........................

* روايات وقصص من الخيال العلمي. د. قصي الشيخ عسكر. الناشر: شمس للنشر والتوزيع. الطبعة الأولى القاهرة 2010 .

 

بين يدي السرد: قراءة الرسالة .. سيرة النفي الاختياري بحثا عن الحب والحرية والسلام

بواكير الدلالات الفنية للسرد الماثل بين يدي المتلقي تتدافع متسابقة لنيل الصدارة بين:

العنوان الأصليّ " رسالة" بمافيه من دلالات معنوية على رأسها التنكير، بمعناه البلاغيّ، والاكتفاء بالاسم دون لواحق أو توابع من أوصاف، أو حروف.

ودلالات في البناء اللفظي من توسط المدّ بالألف، ومن الانتهاء بالتنوين.

أما لغة الرسالة فهي الروسية، والحق إنها رسائل، يمكن أن تصهرها رسالة واحدة لتكون رسالة السارد – أو الرسائل – بمثابة رؤية البطل للعالم، برغم وصولها متأخرة خمسين عاما وبضعة أشهر، رؤية العالم من خلال عنترة البصريّ الذي يذكرنا بعنترة العبسيّ، مع فارق الزمان والمكان، وليكون الارتحال والاغتراب والمنفى الاختياري، وقد حدث بالنسبة للفارسين – بمثابة رحلة الإنسان المعاصر، بحثا عن الحب الضائع، والحريّة المسلوبة، والكرامة المفقودة، والوطن المسروق، والسلام الذبيح، في وقت خاف فيه الغريب من الحارس العملاق عند باب المرقص، وحيث يثير ظهور الغرباء في المدينة الصغيرة الوادعة انتباه مواطنيها، وحيث يأوي السارد – تحت اللحاف – إلى المذياع ليستمع إلى أغاني الحرب من محطة بغداد، تماما كما كان يحن عنترة إلى مضارب عبس وديارها، فارس هناك بسيفه وفرسه الذي يحمحم، وفارس هنا بقلمه يمتطيه في رحلة البطل المعاصر الباحث عن الحرية والسلام.

ولهذا فإننا نلتقي بأركان الرسالة، وعلى رأسها الاستهلال، أو الافتتاح:

" عزيزي السيد باول نيكلسون .. تحية إلى روحك.." والشخصيات: السارد، ونيكلسون، وليزبث، وأبيها متلقي الرسالة، وموسولوف مرسل الرسالة، وغيرهما من شخصيات، في سرد بضمير المتكلم، حيث تتحقق الحميمية، والمصارحة، ويتدفق الاعتراف في السرد الذاتي.

هذا عن العنوان الأصليّ، امّا العنوان الفرعيّ، وهوعادة بمثابة التفسير والبيان للعنوان الأصلي، فكان "رواية مهجرية" لتلتصق دلالات العنوان الفرعيّ، مدعومة بدلالات العنوان الأصليّ، بالدلالات العامة لمآسي الحروب وويلاتها وكوارثها ومصائبها، سواء أكانت حرب العراق مع إيران وهي إن كانت – شكلا – محلّيّة، فهي في الأساس، وفي البدء، والختام، أيضا عالميّة، أو صناعة عالميّة، شأنها شأن الحرب العالميّة الثانية، موضوع السرد، وما قبلها من حرب أولى وما صاحبهما وتلاهما، وسيتلوهما من حروب في شتى بقاع الأرض، تُصطَنع اصطناعا، وترتب ترتيبا، ومن هنا كانت دلالة العنوان " رواية مهجريّة"لا لبيان أن يعْلم مؤرخو الأدب ونقاده، خطوات انتشار الأدب المهجري الجديد، كما أسميته في موسوعتي للشعر العربي، في طبعتها الأولى، أو (قاموس الشعر والشعراء) في طبعته الثانية، بل لنعْلم أن السارد - وهو من روادالأدب المهجري الجديد، يجيد ثلاث لغات : العربية، والإنجليزية، والدانماركية- في هذا النوع الجديد من سرد السيرة الذاتية، الذي يقدم لنا بطل السرد ضحية من ضحايا تلك الحروب، المقترنة بالدكتاتوريّة، وبطش الطغاة، هاربا من الحرب، في جوِّ قتال عالميّ: قتال في لبنان، حرب إيران العراق، الدم يباع في لبنان، والكلا في الهند، والذئاب ترقص، والبشر يتقاتلون، أسرى، هنود حمر هنود بيض – ملاك ذو مخالب- موسكو تسقط 1990 والذئاب ترقص 1991، لاجئا إلى أحضان " الهجرة"، أو المنفى الاختياريّ، متعرضا لسطوة البوليس السرِّيِّ في روسيا، ومطاردته، إذا ما مات جواز سفره، ويساومه مغربيٌّ ليبيع له جوازا صالحا باسم آخر، أو ليزوِّر جواز سفره، حين اشترى جواز سفر من برلين، بعد أن عاش في روسيا خمس سنوات، فعاملته مثلما عاملته بغداد، التي أراد طغاتها منه أن يعود إلى بغداد جنديّا يقاتل الجنود الإيرانيين، أو يقع أسيرا، أو يكون هاربا أعيد إلى وطنه وقد ألقي القبض عليه في المطار، ولينطلق المونولوج الداخليّ من باطنه. " من قال إنّ موسكو تختلف عن بغداد؟" متذكِّرا ما علَّمه إيَّاه مدرِّس الجغرافيا من وقوع بغداد وموسكو على خط العرض نفسه، متفقتين مناخا، وتوقيتا، حيث كانت في :معالم العزلة، والسجن الكبير، والستار الحديديّ، مع أنها تمثِّل مساحة سدس العالم، وها هو يهرب منها منصرفا عن دراسة الطبّ، وليتمثَّل مقولة الشرقيين التي تتمثَّل تصور أهل الشَّمال أن سواد الشعر، بفتح الشين، هو سواد الشيطان.

ومع ما تقدم احتلّتْ عتبتان اختار لهما صفة (تهويمتان)، بما للتهويمة من معان.

التهويمة الأولى من الأساطير العربية :نابعة من مثل عربي، هو سرد موجز مكثف في الوقت نفسه، يلخص دلالات السرد الذي بين أيدينا، اضطر عربي عانى الضيم من أهله، ففر منهم إلى من أبدله بالضيم عزا، وبالذل إكراما، وهي الدلالات نفسها، التي ينطق بها السرد الذي بين أيدينا.

التهويمة الثانية من ترنيمة سومرية، فيها من الأسطورة والميثولوجيّ، وبناء " السكن" الإنسانيّ، الأسرة، الزوجة الدافئة، والأبناء، والمنزل السعيد، أي الأركان المفقودة في عالم السرد هنا، الخالي من أبناء الوطن، والأهل، وجماليات المكان في البصرة وبغداد، بعد أن ضاع حلمه أن يصبح طبيبا، وحرم من ممارسة مهنة الطب في بلدته البصرة، الميناء الوحيد في العراق (وللميناء دلالته)، والتي ولد فيها (قرية نهر جاسم) سنة 1951، وغادرها أهله في السنة الثالثة للحرب، وهو لا يعرف من أمرهم شيئا، فخسر الزواج، ومن ثم كان الحرمان من الاقتران بالقرينة، منذ غادر العراق سنة 1979، لاجئا في الدانيمارك،، أو موسكو، فقد اشتعلت الحرب في العراق فلم يجرؤ على زيارتها، ولا على استعمال الهاتف المتصل بها، وكيف وقف المارشال " كريشكو" المنتصر في الحرب العالمية الثانية، والذي دوّخ الألمان في الحرب، يقابل السيد النائب الذي انتهى توّا أو قبل سنوات من محاولة اغتيال الزعيم المحبوب في شارع الرشيد المشهور في بغداد، ومعروف ذلك النائب الذي صار رئيسا، والذي كان وراء تلك الأحداث والمآسي المتتابعة، ومنها مصير السارد، الذي يمسح الآن، الصورة القديمة من ذاكرته تماما، ويقْطع صلته بالماضي مقررا:

" لست مجنونا حتى ألقي بنفسي في أتون حرب لا يعْلم إلا الله نهايتها".

كان موقع العتبتين في مكانهما المتبع في كل إبداع، أي في الصدارة، والجديد في السرد هنا، أن تعود العتبتان إلى المتن الحكائيّ، أو يبعثهما السرد من جديد في متنه، فيعود للتهويمة الأولى ليكمل خيبة أمل الأعرابيّ، حيث المفارقة، المتمثلة في أن ينقله مصيره من الاطمئنان إلى الخلاص من ذلّ القبيلة، والظنّ بالنجاة من بطشها، إلى إصابته بالأسى، فبعد أن نصب خيامه وسط مضارب قبيلة أخرى، وجدهم " يؤذونه كما فعل أهله من قبل".

كما يعود السرد في متنه الحكائيّ، مرة أخرى، للتهويمة الثانية في " فلاش باك" إلى الصدارة، حيث أحبّ الشاعر إحدى قريباته، وتقدم لخطبتها، فطلب منه أبوها الارتحال من أجْل تقديم مهْر لها، فارتحل واغترب، أما هُم فزوّجوها من غيره، أما هو فحين عاد أوهموه أنها ماتت، ودلّوه على قبرها، ليبكي ضياع أمله في الحياة الزوجيّة، وهو، وإن تمثّل، بحكاية عنترة بن شداد، وقصته مع والده، ومع حبيبته عبلة، ومع قومها، ومهرها من النوق الحمراء ذوات الأجنحة، فما ذلك كله إلا الصراع الإنسانيّ من أجل الحريّة والكرامة، وهو، نفسه، مانراه مع المهاجرين المغتربين من أنحاء الوطن العربيّ كله، وما نراه من آثار الحروب المصطنعة، التي طبخت طبخا جيدا قبْل وضعها على الموائد، وأعدّتْ سيناريوهاتها قبْل الإخراج والتصوير الجيدين، ليضاف ضحاياها المشردون، إلى ضحايا الهجرة من أجل الدراسة أو العمل أو أكل العيش، سواء أكانت هجرة شرعية أم غير شرعية.

ثم يجذب المتن الحكائيّ العتبتين والتهويمتين مرة ثالثة عن رحلة الأعرابي الثالثة، وعن العاشق الذي ظل يبكي قرْب قبر حبيبته حتى فارق الحياة، ثم مرة رابعة وأخيرة، ظل فيها البدويّ كلما وجد قوما اكتشف فيهم قوة وبطشا تفوق ما وجده لدى سابقيهم، أما العاشق في التهويمة الثانية، في مرحلتها الرابعة، فقد وضع كفيه وذراعيه حول كتف عروسه المحبوبة، التي كانت نهارا بالنسبة له، تعتلي العرش ليعوضه الله بأناس طيبين، موقنا أنها في حضن رجل آخر.

وهكذا أضاف تكرار ذكر العتبات، صفة بطولة " سيزيف" أمام التحديات المتكررة.

ومع توظيف العتبات، وقيامها بالدور المثْري للسرد، كان توظيف الأجناس الأدبية الأخرى من شعر غنائيّ، ومن غناء، حيث كانت الأغنية الروسية التي كانت شهيرة زمن الاتحاد السوفيتي، غناها بحماسة كالآخرين، غير مبال بالثلج والصقيع:

لتبْق الشمس مشرقة دوما

لتبْق السماء صافية إلى الأبدْ

لتبْق أمّي دائما

لأبْق أنا

ومنه: ذلك النص من الشعر الغنائيّ الطويل المنسوب إلى القرن التاسع عشر، وبالتحديد سنة 1864، رصدا مآسي الحرب وفيه:

الحدائق تمّ فرْزها مؤخرا – كانت هناك عاصفة وبستان تعرّض للجليد- ... نير على الرقبة، وقفْل في الفم...

وتوظيف جماليات اللغة، حيث لا يكون البيان تزويقا، أو زخرفة شكلية، بل يكون ضاربا في أعماق الدلالة، فيفوق التصوير آفاقه التخييلية، ومراميه الإبداعية، متجاوزا ذلك إلى توسيع الدلالة، مثلما نرى في تصوير" تناول الفاكهة الباردة في موسم مثلْج، أو المشروب الساخن في عزّ الحرّ "، تصويرا للتنافر والتضاد، ومن ثم الاغتراب والوحشة، وضياع الألْفة، لتتضافر اللغة : شعرا، ونثرا، في السرد، في التراسل مع الأجناس الأدبية وتمازجها وتوظيفها- تتضافر مع آليات السرد، وأركانه في تصوير محنة الإنسان المعاصر مع الاغتراب، ومعاناة القهر والبطش والظلم والقمع والدكتاتورية، وضياع الحب والسلام والحرية والكرامة والإنسانية، فيما يبوح به الروائي الشاعر الناقد أحد رواد المهجر الجديد " قصي الشيخ عسكر " فيما بين أيدي المتلقي من سرد فني راق.

 

د . يوسف نوفل

.................

الرسالة رواية للروائي د.  قصي الشيخ عسكر

 

الاستلاب والغربة والقرين في رواية منفى الجسد

ahmad alkhozaiصدر عن دار ضفاف للنشر والتوزيع، رواية (منفى الجسد) للروائي خضر عواد الخزاعي، لتكون تجربته الثانية في عالم السرد الروائي، والتي تعد امتدادا فكريا لقراءة الكاتب لجزء من تاريخ العراق المعاصر بعد روايته الأولى (ألواح العقد الثامن).

رواية منفى الجسد ..تجربة أدبية رائدة من حيث الثيمة التي تناولتها، والتي سلط فيها الكاتب الضوء على جزئية لتركة ثقيلة انبتت في ثنايا أرواحنا هاجس الخوف والإحباط، من ماضي وسم بالموت والاستبداد، طبع في ذاكرتنا أحداث مريرة متشبثة بذواتنا، لا نستطيع مغادرتها إلى عوالم أكثر فرحا وأملا .

بأسلوب تنساب فيه الكلمات كنهر هادئ، ولغة سردية ملأها الشفافية والوضوح، عبر استخدامه تقنية الاسترجاع والاستذكار، وتدوير الأحداث عبر زمن السرد ..تناول الكاتب حكاية امرأتين عراقيتين عاشتا حالة من الاستلاب القسري،تداخلت أقدارهما ليلتقيا في الغربة المكانية، والتي ظل فيها عامل الزمن مفتوحا،إلى مديات لا متناهية،أتاح لكلتيهما الإبحار في فضاء الذاكرة، ليسردا قصتيهما اللتان اختلفت وتشعبت أحداثهما،إلا إنهما كانتا نتاج لحقبة زمنية واحدة، المحصورة بين الحرب العراقية الإيرانية والحصار الاقتصادي الذي عانى منه الشعب العراقي في تسعينيات القرن الماضي .

في الأسطر الأولى للرواية وفي محاولة من الكاتب للتمهيد ،ليهيأ القارئ للولوج إلى خضم أحداثها، كتب على  لسان بطلته الرئيسية (هدى)،المرأة المثقفة الحاصلة على شهادة أكاديمية في التاريخ، والتي جعلها الكاتب راوية للأحداث، لتروي رحلة الاستلاب لامرأة عاشت محنة الأنوثة في مجتمع ذكوري، هيمنت عليه معالم البداوة والاستبداد ..(ثمة ثمن علينا أن ندفعه، لنحافظ على شكل الانسجام العام،مع هذا العالم الذي نعيش فيه، فعالمنا الضيق هذا استطاع أن يصوغ قوانينه خلال حقب تاريخية غاية في التعقيد، واستطاع خلال هذه الحقب الطويلة أن يحافظ على بعضها ويجعل منها نواميس مقدسة ليس من السهولة تجاوزها او التمرد عليها،وليس أسوء من هذا الاسترقاق البائس للمخلوق الأضعف الأنثى).

بهذه الأسطر القليلة التي اختزل فيها الكاتب على لسان هدى، عظم الإشكالية التي عاشتها بطلته، الهاربة من قصة حب فاشلة مع (عمار) الشاب المحبط المستلب الإرادة،بفعل الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة به، والتي ارتبطت به بعلاقة تجاوزت فيها الكثير من الخطوط الحمراء لمجتمعنا الشرقي المحافظ، فقررت السفر بعيدا عنه إلى الدنمارك لتعيش محنة الصراع بين (الغربة والانتماء) ..هناك حيث ينتظرها (قاسم) زوجها ورفيق غربتها القسرية التي فرضتها على نفسها، قاسم جارهم القديم، الذي تغير كثيرا بعدما صقلته التجربة وأنتجت منه إنسان يعيش حضارة الغرب بنكهة شرقية ممزوجة بالحب والحنان .. إلا أن ارتباطها بعمار وضع جدران من الجليد بينها وبين عالمها الجديد، وان حنينها إليه جزء من حنينها لوطنها، لأزقة حيها القديم.. فأنتج هذا الصراع المحموم مع الذات، حالة من التناقض النفسي والسلوكي لديها، فكانت تعيش بجسدها مع قاسم، وأما روحها فما زالت متعلقة بحبيبها عمار الذي كانت تعده الأنموذج الرجولي، فأضفت عليه صفات ساحرة قد يفتقد الى الكثير منها على ارض الواقع، لكنها ظلت مشدودة إليه، إلى جسده الفتي وفحولته وشعورها بالطمأنينة والأمان حين كانت برفقته ..في إحدى رسائلها إليه.. (اليوم كنت قريب مني، أكثر من أي وقت مضى، كنت في نزهة مع قاسم في متنزه قريب، ذكرني بحدائقنا الفقيرة الجميلة).. وفي ذروة إحساسها بوطأة الغربة، تسوقها الأقدار لتتعرف على (شوان ) الفتاة الكردية، التي تسكن بجوارها، كانت شوان تحمل قصة مأساوية حزينة من نوع آخر، قصة لامرأة فقدت الأهل والأحبة في عمليات الأنفال التي حدثت أبان الحرب العراقية الإيرانية، لتتعرض إلى عملية اغتصاب جماعي من جلاوزة النظام السابق، ثم تباع إلى إحدى النوادي الليلية في مصر، لينتهي بها المطاف في الغربة،زوجة لسمسار أجساد مغربي، فرض عليها حبسا إجباريا في شقتها، ومنعها من الاحتكاك بالآخرين، يسافر بها في المواسم السياحية إلى مصر لممارسة الدعارة.. كانت علاقتها بشوان تمثل نقطة تحول كبيرة في غربتها، فقد وجدت لها رفيقا تستطيع من خلاله التعبير عن الكم الهائل الذي تحمله من الشجن والحنين  لعمار الذي كان يمثل لها الوطن والأهل ..أما شوان فكانت الأرض والوديان وأشجار الصنوبر التي كانت تجلس تحتها مع ابن عمها خورشيد هو كل ما تحمله ذاكرتها لمفهوم الوطن  ..(كلينا في آخر المطاف نبحث عن شيء واحد، الحرية، لكن أنت حريتك لا تتحقق إلا مع عمار ..أما أنا فحريتي هناك).. في أشارة إلى عالمها البكر الذي نشأت فيه.

شكل القرين العمود الفقري في البناء الهرمي للسرد داخل الرواية من خلال علاقتين شكلتا  الحيز الذي تحركت فيه البطلة الرئيسية هدى داخل النص .. العلاقة الأولى كانت ارتباطها بعمار الذي كان قرينا مضطربا مشوشا، جعلها تغادر العراق يائسة هربا منه ومن واقع مرير لا تستطيع مواجهته وهي معه ..لتتحول إلى قرين آخر هي شوان، كحالة من التعويض لقرار اكتشفت خطأه بعد فوات الأوان، فجعلت صداقتها لشوان تحمل إبعادا روحية وارتبطت معها بوحدة المصير..مكنها هذا من تحمل وطأة الغربة،وجعلتها بديلا مؤقتا لحالة انتماء خسرتها بإرادتها  ..(الفرق بيني وبين شوان،إن منفاها كان إجباريا، وأما منفاي فكان اختياريا).

أصبحت شوان قرينا تعويضيا لهشاشة الذات والانا المعذبة المفتقدة لعمار، كانت  تجلس معها  لساعات طويلة  لتخفف من وطأة الغربة داخل روحها المضطربة، تستنطق جملها المقتضبة التي كانت تفصح فيها عن الفجيعة التي عاشتها .. بعدما اختارت شوان  الصمت ليكون مهربا لها من استذكار ماضي حزين ملؤه الموت وحاضر يوشحانه، الرذيلة والاستعباد ..فشكلا عمار وشوان قرينين ملتصقين بها لعبا دورا كبيرا في اتخاذه قراري السفر والزواج من قاسم، ومن ثم العودة  التي قادتها إلى تلك النهاية الدراماتيكية الحزينة ..فبعد الانتحار المفاجئ لشوان والذي أصابها بصدمة كبيرة، وانقطاع رسائل عمار عنها، أدركت أن شوان سعت لنيل حريتها بهذه الطريقة التي اختارتها، وان عليها  أن تستعيد حريتها هي الأخرى، التي سلبتها منها الغربة ..(لكن هذه المرة غلبتني شوان، للمرة الأخيرة نجحت في أن تحرر نفسها)، فقررت العودة إلى العراق لمعرفة مصير حبيبها عمار، لتقتل على يد ضابط امن عراقي على الحدود العراقية الاردنية.

منفى الجسد للروائي خضر عواد الخزاعي ..رواية بطعم عراقي، لامست واقعنا المعاصر بصدق وشفافية عاليين، تمكن فيها الكاتب  من إيصال فكرته بإيقاع درامي متماسك، وسياق للأحداث وفق نظرة أبداعية محكمة، استطاع من خلالها التحكم في البناء الهرمي لها، دون إحداث أي إرباك للقارئ.

 

احمد عواد الخزاعي

 

الـ(هايكو) بين التنميط والتغريب..!!

الفكر وبأي صيغة يظهر للوجود هو إنعكاس للواقع، الذي يعتمل فيه.. وهذه مُسَلَمَةٌ معروفة .. وتتنازع هذه الأطروحة (الفكر والواقع)، مدرستان هما المدرسة المادية والمثالية، وبظهورهما انشطر العالم بين مادية الواقع ومثالية الفكر نحو فلسفة إلتزامية تطرح في موضوعة الفكر، أيهما الأولي؟ هذه صياغات هي الأخرى معروفة تمامًا، ولست هنا في معرض الخوض فيها الآن، كما لست في معرض النقد .. الهايكو الياباني وكما أرى محكوم ببيئته وكذا غيره، وهو إنعكاس لها، ولا أتحدث هنا عن القواعد الأساسية التي تحكم بنية الهايكو كنمط من أنماط (الشعر) المكثف .. البيئة حاضنة له، ومن غيرها تذبل نبتته وتموت، وهذه أيضًا حقيقة شاخصة .. فكل بيئة لها شروطها وظروفها الموضوعية، فأذا ما تكاملت، نمى  الفكر ومنه الشعر وترعرع حتى يكون مقبولا في حاضنته أولاً ومن ثم في خارجه ثانيا.

وعلى وفق هذا الكلام .. هل نضجت الشروط الذاتية عندنا في العراق والظروف الموضوعية لحاضنة الهايكو؟ أقول ، كلا .. لماذا ؟ لأن العراقي والبيئة العراقية لم يصلا بعد الى توصيف الحاضنة المعرفي لهكذا (شعر) .. فلماذا لا ندع البيئة العراقية والعربية تنضج والعمل على تسريع إنضاجها من خلال الأحسن والأجود والأرقى من الهايكو النابع من هذه البيئة الحاضنة وعلى أساس مسارين أولهما: الطبيعة وثانيهما: الطبيعة الأنسانية وإفتراقاتها ومفارقاتها على مسرح هائل يعج بالتقاطعات والصراعات .

الحاضنة لدينا كما قيل تحب الشعر العمودي وتعشقه وتميل إليه وتطرب على إيقاعه وتحلم في التحليق بعيدًا حتى يستقر في قاع النفس الأنسانية الأرتياح وتستقر السكينة، وكذا الشعر الحر بقوافيه وإيقاعاته المأخوذة بعمق المعنى والمغزى، وبأبعاده الأنسانية، وكذا شعر النثر على قاعدة التكثيف والتوصيف والمعاني المجازية المرقعة أحيانًا بالغموض، والنصوص التي قد تترك للتفسير على هوى المتلقي .

وكما أفصح الشاعر الأديب أخي لطفي شفيق سعيد في مقالته في المثقف، عن موضوعةٍ مهمةٍ وهي قراءة الشعر لدينا مفتوحة محببة ولكن من الصعب ان تلقى (قصيدة) الهايكو على ناسنا في بيئتنا وهي حاضنتنا، لأن الحاضنة لم تنضج بعد لتقبل الهايكو.. فـ(شاعر) الهايكو في حاضنتنا يتوجب عليه أن ينغمس في ما تتذوقه هذه الحاضنة من مفردات وغيرها ويبتعد عن حشر القوالب الجاهزة الغريبة بمفرداتها  في بيئةٍ لا تعرف عنها شيئا إلا بالتفسير وربما التنجيم، عدا الجانب الذي يلامس الطبيعة والطبيعة الأنسانية، اللتان تعدان المشترك لكل بيئات وحاضنات العالم .. لا أحد يعترض عليها .. الطبيعة بهذا المعنى مفهومة .. الطبيعة والأنسانية .. كما ينبغي الأبتعاد عن تنميط (شعر) الهايكو بحيث يحاكي أجواء بيئات وحاضنات أخرى .. فضلاً عن أهمية التركيز على الفصحى والأبتعاد عن العامية التي أخذت تزحف تدريجيًا لِتُصَحِر الفصحى بمحاصرتها حتى تموت.!!

 

د. جودت العاني

 

منير بولعيش الشاعر الذي لن يصدق المدينة .. الذات الشاعرة / العالم أية علاقة؟

mohamad alazouziأحيانا تكون الموت (بمعناها المادي لا المعنوي) نافذة وحافز وداع إلى خلخلة مجموعة من الرواكد الجاثمة على صدر السياق الثقافي العام إلى درجة قتل حركيته ومحوريته وفاعليته في إنتاج التغيير وتعهده بالرعاية إلى إن تنضج كل مترابطاته لتكون في مستوى المأمول منها أي بمعنى بناء وتحصين الإنسان بالوعي والقيم والرؤى ذات الأبعاد المستقبلية

 وفي علاقة الإبداع بالموت (موت المبدع الإنسان وليس الإبداع المفتوح) تبقى حاليا تجربة الشابي التجربة الأبرز التي منحها الموت حياة أخرى وأفاق حضور مستمر في السياق الثقافي

تجربة كلما أرفقت بسيرة صاحبها المغادر للحياة في ريعان الشباب إلا وكانت الرغبة في الإطلاع على متنها الإبداعي المشكل من قصائد تم تجميع أغلبها في ديوان أغاني الحياة أراء نقدية عبر عنها من خلال محاضرة ألقاها بقاعة الخلدونية جمعت في كتاب تحت عنوان الخيال الشعري عند العرب رسائل تبادها مع أصدقائه خصوصا محمد الحليوي إضافة إلى يوميات.

‏ من خلال قراءة ديوان الشاعر منير بولعيش بعد الوقوف على العتبات الأولى في عملية تفكيك العناصر - عناصر المتن الشعري لديوان لن أصدقك أيتها المدينة وإعادة تشكيلها لبناء فهم للمتن مرآة عاكسة لشعور ولا شعور الذات المبدعة في تحولاتها السيكولوجية مابين الحالة المرغوبة / المرغوب العبور إليها والحالة النقيض المأمول الخروج من نيرها لإرتياد أفاق ومناحي الحياة و تموضع الذات المبدعة داخل الفضاء الخارجي والصلات المنخرط ضمن سياقاتها تموضعات توجد عليها الذات بأبعاد علائقية بالذات نفسها كبعد سيكولوجي وضمن المجت مع بعد سوسيولوجي أو ضمن النمط الثقافي كمنظمومة من القيم والقناعات كمعطى أنثروبولوجي ثابث أو وافد تبعا لإنخراط الذات في نسج علاقات ومد قنوات مع الثقافات العالمية والنهل من ينابيعها والإغتراف منها فلسفيا

ما سنحاول مقاربته في الورقة هو موقع الذات (الذات الشاعرة) تموقعها / تموقفها من نفسها والآخر والأشياء والعالم ودرجة ذاك التموقف التموضع تبدياته السيكولوجية والسوسيولوجية.

بعد تصفح صفحات الكتاب الصادر عن النشر سليكي إخوان بطنجة في الحجم المتوسط الطبعة الأولى غشت 2009 مكون 64 صفحة موزع على جزئين جزء أول بعنوان طنجة المدينة كارت ضم القصائد / حكمة / نوستالجا / تعاسة / الرجيم / عولمة / غرق / هكذا إذن / الكيخوطي / شهادة إثبات / ريح الشرقي / الرافضة / إقامة جبرية / هيراقليس / ذكرى / نخبك أيها الرجيم وجزء ثاني معنون القصيدة خرجت للشارع ضم القصائد / الشاعر / مفتاح المدينة / خروب المدينة / لم أكن رائيا كما اليوم / عميل مزدوج / قبلة سوداء / طنجافوبيا / حكاية الأميرة التي لا تبدأ ب / القصيدة خرجت إلى الشارع.

‎‎بعد مباشرة القراءة لقصائد الديوان والتوقف عند بعض والعتبات / المداخل وعناوين قصائد الديوان يتبدى حضور بارز وطاغ للمدينة طنجة كفضاء جامع لمجموعة من له علاقة بالذات الشاعرة العلاقة الموسومة بالرفض رفض يشرف على القطيعة حتى وإن لم يتم مباشرة الدخول فيها بما يمكن أن تتمظهر وتتبدى

مهما صفت ‏

طواياك

لن أصدقك

أيتها المدينة!! [1]

‎ ‎فلماذا تقف الذات الشاعرة موقف الرفض من المدينة؟ وما الصورة التي يقدمها بولعيش عن مدينته طنجة كمدينة كوسموبوليتانية تتجاور فيها الثقافات العالمية؟

 سيرا في تفكيك لبنات قصائد الديوان في أفق الإقتراب من عوامل الرفض الكامنة في الذات المؤسسة بالوقوف على حقيقة حارقة وساطعة في الآن نفسه يقول في قصيدة قصيدة حكمة

قبل أن يوافينا نادل

Madame porte

بالكولا

سأهمس لك بهكذا حكمة :

‏(هذا العالم يقتسمه رجلان :

مجرم حرب وغنيها) [2]

بعد إعلان هذة الحكمة / الحقيقة القاسية يعلن أن لا مجرج للخروج من هذا الواقع والمأزق الوجودي غير الشعر كسلاح لمواجهة العبث الذي يسري في شرايين العالم ويمتد إلى المجتمع والذات التي ليس أمامها غير الرفض لتعلنه في وجه العبث والقرف.

لذا لا تتوقعي من الشعراء ...

ومني بالخصوص ...

سوى أنشودة المطر

أنشدها لك كلما

دمرك الشتاء :

مطر ...

مطر ... [3]

حين تفقد المدينة ومن ثمة المكان تلك الحميمية مع الذات والأشياء يبقى البحث عن ملاذ لتلافي خيبة الذات وإندحارها أمرا ذي جدية لكن أين يمكن أن يكمن ذاك الخيط الذي به يتلمس إيجاد ذاك المسلك نحو ذاك الملاذ آفي أعماق الذات أو العالم الخارجي الذي تمثل المدينة وجهه المكشوف اللاإنساني الغارق في النفاق والكذب يبقى الحنين والشوق أو الكلام النوستالجي كما يقول بولعيش مجرد كلام كلام بلامعنى لأن التشبث به كمن يدمن البكاء على الأطلال

يقول ل (المدينة / الحبيبة)

دعك من صور الأصدقاء

على حيطان الغرفة

دعك من محمد شكري ...‏

بول بولز...‏

آلن جسنبرغ...وباقي رفاق الحلم [4]

أمام مأزق الذات الأنطولوجي المغرق في دوامة لا تنتهي لا يبقى أمامها غير الإعلان بالتشبث بالحياة وعيش لحظات السعادة على ندرتها خير من التباكي على زمن ولى ولم يبق له أثر.

و كوني واقعية

كما يحق لإمرأة تخرجت

من برامج

 ‏star system

فستانك القرمزي :

أهم حدث في هذا اليوم

وضحكتك البيضاء :

نقطة إرتكاز هذه الغرفة

لذا دعك من الثرثرة

صدفيني :جيل البيتنكس

اندثر منذ عصوربائدة

وطنجة - على العموم ـ

لا تدمن الدمع على الأطلاك

و لا الحنين أمام ألبوم الذكريات [5]‏

تموقف سرعان ما يتحول إلى محاكمة للماضي والحاضر الذي يمثل إمتداد له الذي لا تجد فيه الذات ما تصبو إليه

دولاكوروا

أيها التعس ‏

آجئت تبحث عن الضوء

في مدينة

كل ما فيها ‏

يهدد بالسواد !! [6]‏

تتصاعد حدة الرفض (رفض الذات الشاعرة) بفتح الرفض على فضاء أوسع يتسع بالإنتصار للإنسان وقضاياه في شموليتها في مواجهة آليات التدجين والتشييء المحدقة بوجوده وأسسه القيمية رفض يمتد جغرافيا من المدينة / طنجة التي لم تقاوم كل الرياح التي هبت عليها من الجهات ولم تستطع المقاومة أو القيام بأي رد فعل رفض يبتدء بالإعلان تقديم الذات لبطاقة هويتها لمخاطب مؤنث والدفاع عن براءة الذات .

أعرف : زنقة الشياطين

ليست ركحا يليق ...‏

لكني لست الرجيم ‏

الذي تشتمين ...‏

لست من دل حواء

على تفاح الحقيقة ...‏

لست من أبى واستكبر

واختار المنفى ...‏

لست ميفستو ...‏

لست من شط به الخيال ‏

وأنشد : (المجد للشيطان... )

لذا لا تستمري في هذا

الأداء المعبر

أنت في الواقع

لست الملاك الذي

يحق له أن يوبخ

الأبالسة

وأنا : لست ذاك الرجيم

من تشتمين

رغم زنقة الشياطين ...

ورغم أن قصائدي

لا تبارك سوى المنشقين

ومن تخطى الأسيجة

بنص جديد !! [7]

يفصح في نص موالي عن الأسباب الكامنة في مباركة قصائده للمنشقين مباركة تتأسس على إحساس فادح باللاحرية في زمن معولم يدفع الذات للإضمحلال والتلاشي .

أكلما حدثتك

عن زمن الأخطاء ...

تتدخل نيويورك

بيني وبينك

وتغير مجرى الحديث !! [8]

وضع لا مفر للذات فيه غير الإنخراط ومعانقة قضايا الإنسان الذي تعصف التحولات الغير عادلة لإختلال العلاقة بين ضفتين ضفة استطاعت النجاة وأخرى تغرق في يم اليأس واللاجدوى وانسداد الآفاق أمام الإنسان لا يبقى أمام الذات إلا الغرق في الحلم بكل رمزيتة كمدخل للإقبال على الحياة في واقع إنساني يعج بأشكال اللا عدالة

في الضفة الأخرى

من الحافة

كنت أغرق ...

كنت المهاجر السري الوحيد

من يدمن عن ظهر بحر :

(تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)

لكني كنت أغرق ...

أنا الوارث الأخير

لسر الرحيل ...

الوحيد

من يحفر على ذراعة

هذا الإسم : إبن بطوطة

لكني كنت أغرق ...

في الضفة الأخرى

أنا المهاجر السري الأخير

وريح الشمال : شدق يضحك

و أنا أصرخ وأ

غ

ر

ق [9]

لكن كيف تبلور الذات الشاعرة رفضها؟ وكيف تجعله فعالا في خلق وعي جمالي وإنساني بضرورة القيام بالتغيير (تغيير الذات والواقع) لإستشراف أفق أرحب وأوسع لاحتضان كل الأحلام والتطلعات

لست هاربا

و من مسرح الجريمة سأدلي

بهذا الكلام :

لست شاهد نفي ...

لست شاهد زور ...

ولست شريكا في هذا اليباب ...

أنا لا جئ في طنجة

(مدينة الحياد)

حيث لا حالمين في مستواي

و لا أعداء في مستواي

لذا لا دخل لي بهذا الدم ...

لا شأن لي بهذا الجنون ...

أنا كحمامة

نوح

ضائع منذ سيول

فوق سواحل الغرق

أرقب برق الخلاص

وأفجر هذا السؤال :

طنجة ...

أمن هنا الطين جاء ...

أمن هناك ابتدأ الطوفان؟! [10]

هنا تعلن الذات براءتها من كل ما يحدث حول حولها الواقع لم تصنعه أوشاركت في صنعه بل صنع خارج إرادتها و تم فرض العيش فيه عليها وتحمل أوزاره رغم إنتفاء مسؤوليتها في ما يقع فيه .

طنجيس : منفى كبير

وهذا البحر جبانة

فلنستريح من الإلياذاة هراقليس

ولنلعب الورق :‏

‏(العالم يغير سلمه الطبقي

وأنت من هذه المغارة

تحلم بتغيير العالم !!)‏

لا تلتفت...‏

لا تلتفت...‏

الفضوليون قدر...‏

وآلهة الأولمب قدر ...‏

فلنتنحى في إتجاه الظل

ولنلعب الورق ‏

هنا رفضك بضاعة كاسدة...‏

ومجدك خرافة...‏

فلنلعب الورق هراقليس

ثمة سائح

يقتفي طيفك

في طاحونة قمح

و يهمل رفضك الجميل... [11] ‏

تصل الذات إلى إعلان الإستسلام بإنهزامية بادية للعيان أهو تسليم بعدم القدرة على بأي رد فعل أم أن مسؤولية تغيير الواقع / العالم مسؤولية الجميع وليس مسؤوليتها وحدها التي لا تملك للمواجهة غير الشعر .

بما أنا وصلنا أخيرا

إلى وادي اليهود

اخلعي نعليك

وتوقفي قليلا

عن هذا الغناء :

إشبيليات

 ‏joaquin sabina

لاتناسب هذا المقام

أدرك ...

الماء غاض

والوادي ليس مقدسا

كي يملك

أسباب البكاء على أوشفيتز ...

ولا تذكر معمدانية

الأنبياء ...

لكن ...

فلنتوقف قليلا

طنجة

واد  يشرب منه الكل

ويخونه الكل

فلنتوقف

الذكرى كم تناسب

هذا المقام!! [12]

 لكن من أين للذات إيجاد مخرج للخروج من واقع الخيانة وإيجاد منفذ يفي بمتسع للحياة والحلم أم أن الذات حتى وإن انخرطت في التجربة بكل مآلاتها لن تحرك من الواقع شيئا و حتى وإن أعلنت الذات عن صيغ شتى للتمرد .

بقلم محمد العزوزي - المغرب

...............................

[1] منير بولعيش ـ لن أصدقك أيتها المدينة ـ شعر ط 1 غشت 2009 ـ م سليكي إخوان طنجة ـ ص 3

[2]نفسه ص 7 و8

[3]نفسه ص 8

[4]نفسه ص 10

[5]نفسه ص 10 و 11

[6]نفسه ص 12

[7]نفسه ص 13 و 14

[8]نفسه ص 15

[9]نفسه ص 16 و 17

[10]نفسه ص 21 و 22

[11] نفسه ص 28 و 29

[12] نفسه ص 30 و 31

 

"سوناتات إينغر" غناء تراجيدي وموسيقى ساحرة

870-TALIBوانا أهم بتلخيص قرائتي لهذه المجموعة الشعرية، "سنوتات إينغر"*، الصادرة حديثاً، وجدتني اتناغم مع ايقاعات وترين، وتر السوناتات السبع والعشرين، التي كتبها الشاعر ماغنوس وليام اولسون، واعني القصائد بلغتها الأصل، السويدية، حيث اعدت قرارتها اكثر من مرة، محاولاً فهم مضامينها وصياغاتها وقوافيها. والثاني ترجمة الشاعر ابراهيم عبد الملك لها الى اللغة العربية.

870-TALIBوالوتران يتناغمان في اكثر من تردد موسيقي يشي بتلاقى الرؤى بين الشاعرين، وقدرة كلا منهما على امتلاك اداوت الشعر واستخدام الصور البلاغية، بطريقة تحاول ترطيب الفكرة المشبعة، اصلاً، بسحب قاتمة غير ماطرة، متحدية قيود اللغة، التي تفرض احيانا شروط بيئتها، وقوانينها الخاصة، حين تنقل الى لغة اخرى. فكثيراً ما يشعر القارئ المتابع باختلاف النبرة، او ايقاع المعنى في القصيدة الأصل ونسختها بلغة ثانية. احيانا تكون القصيدة معبرة، شديدة القوة بلغة ما، لكنها تفقد بريقها عندما تترجم الى لغة مغايرة تماماً. وبالنسبة لنا، مثلا، نحن قراء العربية، في أحايين كثيرة، لا نستسيغ شعراً نقرأه بلغة اجنبية،  اذا لم نحس بوجود موسيقى فيه، او ربما بسبب تباين أشكال ادوات اللغة، مما يجعل المعنى مبهماً، ولذلك لا نتلمس نبضاته.  وهذا ينطبق، ايضاً، على ترجمة الشعر العربي الى لغات اخرى والغربية تحديداً.

لكن المترجم المتمكن من ادواته، يستطيع تقصي مسارات المعنى، بتفكيك القصيدة واعادة صياغتها، فينقلها لنا من لغتها الاصلية الى لغتنا بأسلوب نشم فيه عبق القصيدة، ونتذوق قراءتها. وهذا ما لمسته وانا اقرأ "سوناتات إنغر"، بترجمة الشاعر ابراهيم عبد الملك، ذلك رغم وعورة تضاريس الارض التي كان يحرث بها،  وهو ما سآتي على ذكره في سياق هذه القراءة المتواضعة. 

وددت سوق هذه المقدمة لامهد الطريق نحو الافصاح عن الحالة التي وجدتني فيها حين ولجت عالم هذه السوناتات، وقد فضلت قراءتها بلغتها الاصل، السويدية اولاً، قبل قراءة الترجمة، وهو أمر لا افقه دوافعه، حيث وقفت امام البيت الاول من السوناتا الاولى، مأخوذاً بالسؤال المباغت، كمن احس، فجأة، بوخزة في عينه...

Livslinjen i handen, varifrån?

خط الحياة الذي في الكف، من أين؟ 

هكذا جاءت ترجمة البيت المستهل عفوية وحرفياً، بذات الوزن وذات الايقاع الموسيقي. والغريب ان هذا الشعور هو ذاته الذي انتاب المترجم ابراهيم عبد الملك حين وقعت عيناه على هذا البيت، لأول مرة، والذي عبر عنه في الاضاءة التي كتبها بعد ترجمة السوناتات وشرح بها، خلفيات اهتمامه بترجمتها. وهنا يبرز التساؤل إن كان ذلك مجرد توارد خواطر، او تشابه الذائقة الشعرية، ام هو سحرالجملة الشعرية التي فزز شعوراً خفياً يشبه ذلك الذي ينتاب المرء حين يدخل مكاناً تضوع فيه الشموع، وتتصاعد منه رائحة البخور، الأمر الذي جعل الادرينالين يسير في جسد المترجم، حسب وصفه، ودفعه لخوض مغامرة تشابكت بها مسارات شتى، وتطلبت ترجمتها جهوداً استثنائية في سبر اغوار النصوص، المشحونة بسياقات درامية وفلسفية عميقة، تنامت تحت ظلال محسوسية موضوعها، الذي يفرض، بصورة لا مفر منها البحث عن الادوات اللغوية الملائمة، التي ترتفع الى مستوى هذا الطراز من المعمار الشعري الغنائي، الذي قلما نجح الشعراء الذين خاضو تجربته في الوصول اليه، واعنى به فن السوناتا، المحكوم بقواعد لا يمكن سوى التقيد بها. ومشروع نقلها الى لغة اخرى يفرض مهام مضافة على المترجم في الحفاظ، ليست فقط على بيئتها وتربتها، بل وايضا على موسيقاها وايقاعاتها وتلاوين صورها.

لست متأكدا من ان هذا الشعور عند مدخل هذه السوناتات كان مجرد توارد خواطر، فحسب، فلربما، يعود ذلك الى أننا لم نعتد عند قرائتا للشعر بلغة اجنبية، ان نجد فيه مثل هذه الموسيقي وهذه الدوزنة الروحية.

وربما هو السؤال الذي رن في اذني واستوقفني لأبحث في متاهتي عن جواب له بين ثنايا السوناتات:

 خط الحياة الذي في الكف، من أين؟ 

فقد شممت في هذا السؤال نكهة غير تقليدية.  ليس من ذلك النمط الذي يأتي عادة في السياق، يُطرح دون انتظار اجابة ما، او انه يحمل معه اجابته، وانما جاء لينبئ بالغوصٍ في مياه تتلاطم امواجها ويصعب الخروج من مدها وجزرها، دون ان تشتبك في الدواخل، مشاعر مختلطة من تصاعد ضربات المقاطع الشعرية المغناة، وأوتار الكلمات المشحونة بالأسى، الذي يجري عبر مساماتها المثقلة بقتامة الثيمة التي يعالجها الشاعر ماغنوس وليام اولسون في سوناتاته، وهو يرصد ويعيش في آن واحد مغزل اللحظة، التي تلف في مداراتها الكثيفة علاقة انسانية معقدة غارقة في متاهتها الأبدية، ورابطة متشابكة الخيوط، عصية على الحل، لم يتبق من تداعياتها سوى تساؤلات تحني رؤسها .

من أيّ أنواعِ الزمان الحبُّ؟ حُرُّ؟ أم مقيّدْ؟

الكُلُّ مجموعاً؟ أم اللحظَّيةُ امتدَّ المدى فيها؟

نرمي الى الفخِّ الحواسَ، الى شباكِ الحب نرميها

ونظنُّ هذي البرُهة العجلى تخلَّدْ

مما هو متعارف عليه فأن اللحظة الشعرية تجيئ، في الصياغات، وفق قواعد لعبة التمازج بين الخيال والواقع، فتحلق افكار الشاعر في فضاءات، كثيرا ما تبتعد او تقترب عن ارضية الملموس، المعاش، الذي تنطلق منه. غير أن هذه السوناتات، "سوناتات إينغر"  تجاوز الأمر فيها حدود لعبة الاستعارات البلاغية المؤثرة، الى حالة  اكثر جدية وعمق، حيث الواقع يفوق التحليق في فضاءات التخيل، ويفرض مقدرة الشعر على التعبير عن مكنونات النفس البشرية، بمعايشة حسية ووجدانية وحتى جسدية، تتجاوز، في حالة ما، حدود الاعراف والتقاليد وتدخل في منطقة المحرمات. لكنها في معادلة الحياة، وحضرة الموت المنزوي في خلفية المشهد، تأخذ ابعادا سايكولوجية معقدة، وتصعّد من دراما الحدث بطريقة تشبه التجلي الاوبرالي المتصاعد بإيقاعات صاخبة.

فغنائيات المجموعة السبع والعشرين، عبارة عن ملحمة تُمسرح علاقة متشابكة بين ابن وحيد وأم مصابة بمرض الزهايمر، ولم يتبق لديها من حياة سوى اللحظة الغارقة في متاهتها الابدية، حيث يبتلع حياتها الآني الكئيب ببطء وسكون مملين. والماضي لم يعد، بالنسبة لها، سوى بقايا راهن شديد القسوة والوجع.

وانطلاقا من فكرتها هذه، تحاول السوناتات، ان تحيلنا الى مشاهد محاولات الابن في جذب اهتمام الأم، للتشبث بالحياة، بتأن وصبر جميل في احايين كثيرة، و يأسٍ واحباط حتى، في بعض الاحيان، مجرباً كل الوسائل ومن جميع الاتجاهات، وتعكزا على المشترك ما بينهما في الزمان والمكان، وأواصر الارتباط الروحي و الجسدي، في اطار عمق الحالة ازاء حاضرها.

إينغر حاضرة جسداً، لكنها مسافرة في الطريق بنفق مظلم...شاردة الذهن، محلقة في عوالم مغلقة. والشاعر، الابن، يصف هذا المشهد الدرامي المعبّر من خلال استحضار ما دأبت الأم على ممارسته، قبل ان تضمحل ذاكرتها وتتلاشى تماماً، كعاداتها في التدخين والقراءة، مثلاً. يتطلع اليها وهي تمسك كتاباً، لتقرأ، لكن صفحاته لا تعني لها شيئاً سوى عوالم غامضة. فكل صفحة منه تشكل، في عينيها، عالماً مستقلاً عن الآخر. وهذا ما جسده الشاعر بصياغات لغوية مقفاة تحمل ثنائية المعنى وتعقيداته، نقلها لنا ابراهيم عبد الملك بشكل حافظ، وبدقة، على روحية النص، ولكن بتراتيل مموسقة جعلتها اكثر ألفة وانسجاماً:

إني رأيتُكِ عِبرَ نافذتي خيالا

يُسراكِ تحتضُن الكتابَ، وفي اليمين

سيجارةٌ. جالت مع النسيانِ نظرتُك التي لا تستكين

لا تقلبين الصفحة. الحاليُّ إذ يعني الكمالا

وفي اللحظات التي يراقب بها الابن أمه بعين مستعارة من ذاكرة الطفولة، ثم يقوم باعادة ترتيب هذه الذاكرة لتلائم رؤية شاب في سن البلوغ، تنعكس هذه المشاهدة، في بعض الومضات التي يصف بها انوثة الام ومفاتن جسدها. وفي بعض مسارات تلك اللحظات تكاد هذه المتابعة ان تخلق حالة من فنطازيا الارتباط الروحي الذي يتجاوز حدود الامومة ويلامس حافة المحرمات، حينما تتصاعد العلاقة  تدريجيا  في نسق درامي، خيالي يحاكي اوديب، في الاسطورة المعروفة عن الملك الذي تزوج امه، جاكوستا، دون علمهما. وهذا ما نجده متجلياً حين يخاطب الابن في قصيدة ماغنوس وليام اولسون أمه "جاوكستا – اينغر". او كما في ترجمة ابراهيم " يا انتِ.. جوكاستا" وذلك لضرورة المحافظة على الوزن:

طفلٌ يُقبِّلُ، أو يُداعِبُ، علَّ ذا يُجدي دفاعاً مستحيلا

ضدَّ اشتهاءٍ الهبَ الاطرافَ بالنيرانِ

يا أنتِ – جوكاستا، الذُكُورةُ تحرقُ الجَسدَ النحيلا

هذه المسارات المعقدة، تأتي متحدية واحيانا عصية على الفهم. فالأبن يستعير من ذاكرة الطفولة مشهد مضاجعة ابيه لإمه ويسرح في متاهة هي مزيج من رد فعل طفولي وحب استطلاع فضولي لمشاهدة دراما حياتية، جاءت به مثلها الى الحياة.

أرنو الى الأطرافِ والجسدينِ

طافت أديمَكِ لهفةً شفتاهُ

عريٌ، بياض ٌ سافرٌ. وذهولي

كم كنتما ادنى لحيوانينِ.

 

البابُ أفلِتُهُ بلا صوتٍ. بقيتُ كأنما

ربٌّ تخفّى. خِفت؟ كلا، ربما

فرحٌ طواني؟ متعةً كانت وبالإمكان. ثُمَّ تكلَّما:

- هل ترتَجينَ زيادةً؟ - شكراً، نعمْ! فكسوتُما

 

خيط من التحدي الثنائي  للموت يغزل سونوتات " او غنائيات" اينغر. ففيما يقضي الابن اوقاته يعالج، بصبر جميل، فكرة ان يقشع ولو قليلا من هذا الشرود عبر محفزات الذاكرة ومنح الجسد البارد دفء حنان، نجده يستنجد، يائساً، بالموت، ليعينه على ترتيب معنى الحياة، في مشهد شديد الوجع.

رجوتُكَ، ياموتُ، أقبِل وخُذْها إلى مُنْتَهاها

لتَنجوَ من فكِّ دهرٍ يلوكُ بكلِّ برود

بلا أيِّ معنى، هنا، جسداً جاء بي للوجود

لأحيا هنا، الآنَ، حتّى أرى عجزَها وشقاها.

 

هذه الصورة القاتمة للاستنجاد بالموت من اجل وضع حد للمعاناة، بطريقة اقرب الى السوريالية، لم تكن، برأيي، مستساغة بلغتنا العربية، لو ترجمت نثراً، لكن ابراهيم عبد الملك منح هذه الرباعية ورقمها 23  ديناميكية الحركة ونبض الايقاع المموسق والقافية المتناسقة بين مدٍ وضمةٍ ورفع.

إختيار ترجمة السوناتات نظماً، بوزن وقافية، ينطوي على تحديات جمة يواجهها المترجم، حيث تتطلب منه جهداً استثنائياً لدوزنة جسم القصيدة، في كل بيت منها، وهذا ما معناه التزاما ابداعيا بنقل المعنى، ولكن بصيغة أخرى، فضلا عن البحث عن المفردة الملائمة، وهذه مهمة صعبة، حاول ابراهيم تذليلها من خلال سعي جاد استطاع ان يوازن فيه بين ادوات البناء الشعري والامانة للنص الى درجة كبيرة، واضطره حرصه على بلوغ ذلك الى اللجوء، احيانا، الى التصرف بالأداة لخدمة الوزن، كما هو الحال في السوناتا الثالثة، على سبيل المثال، حيث حذف كلمة "الذين" في البيت الاول من الثلاثية واصبحت جملة " للموتى الذين لم يولدوا للأن" "للموتى الماولدوا للآن". وفي احايين اخرى اضطر المترجم الى استبدال المفردة و تغيير مكان البيت الشعري ليعطي للمعنى سلاسته، بما يتلائم وهذه السوناتات التي اختار مؤلفها ماغنوس وليام اولسون، وفق القواعد التي وضع احکامها الشاعر الايطالي فرانشیسكو باترارك، ابان عصر النهضة، حيث تتألف كل سوناتا من رباعيتين وثلاثيتين، قافية الشطر الاخير من كل منها تنتقل الى الشطر الاول من الرباعية او الثلاثية التي تليها. ولیس وفق البريطاني وليام شكسبير، الذي، حافظ على عدد ابيات السوناتات وهي اربعة عشر بيتا، الا انه غير في قاعدة نظمها فأصبحت ثلاثة رباعيات، تنتهي ببيتين لهما ذات القافية، وتعطيان، الجواب على احجية الحبكة، او العقدة في الرباعيات الثلاث.

وقد قام شعراء ونقاد عرب عديدون بترجمة سوناتات شكسبير، مثل جبرا ابراهيم جبرا، الذي يعتبر الاصل في ترجمتها، وكمال ابو ديب وبدر توفيق، وأخيرا قبل عامين قام الناقد عبد الواحد لؤلؤة بترجمتها، تحت مسمى الغنائيات، بدلا عن سوناتات، اذ يعتبرها مقطوعات شعر غنائي، وهذا ما يطابق فهم كمال ابو ديب، الذي حاول ان يترجمها نظما شعريا، فلؤلؤة يعتبر السوناتات مشابهة للموشحات الاندلسية. الا ان اي من هؤلاء لم ينج من مطباتها.

لم اورد هذا الامر للمقارنة، بطبيعة الحال، ولكني عرجت على هذه الاشارة لاظهار صعوبة ترجمة هذا النوع من الشعر، الذي حاول شعراء عديدون تجريبه، لكنهم واجهوا صعوبة الالتزام بقواعدة الصارمة.

وفيما يتعلق بترجمة "سوناتات إينغر"، وبالرغم من وجود امر آخر مهم، كان قد سهل، ربما، للمترجم ابراهيم عبد الملك فهم بعض الصياغات العصية، وهو قرب مؤلفها منه، الا ان هذا لا يشكل ضمانة لتفسير النص، اذ حتى الشاعر المؤلف، ربما، ليس بمقدوره، دائماً، اعطاء دلالة محددة لجملة وردت في القصيدة، ذلك لانها اُنزلت عليه من وحي الشعر، او شيطانه، كما يحلو للبعض تسميته، خلال صيرورة القصيدة، فتترك للقارئ تأويلها او الاضافة عليها. وهنا تعود بي الذاكرة الى ندوة عقدت في ستوكهولم قبل سنوات للشاعر مظفرالنواب ، سأله فيها احد الحاضرين عن ما قصده الشاعر في جملة "... مگطوعة مثل خيط السمچ روحي" في قصيدته المعروفة "گالولی". فاجابه النواب بأن مما هو معرف عن الشعر تتركز معاني كثيرة في كلمة او جملة، بحيث تصبح لها عدة دلالات. والشاعر لا يفسر ذلك، ولكن من اجل الدلالة، اقول واحدة منها في هذا المقطع هي "ان خيط الصنارة لو انقطع بالسمكة فلا يستطيع الصياد ربطه ثانية"، والدلالة الثانية هي "لو ان هناك اسماكاً كثيرة تسير خلف سمكة كبيرة وانقطعت احداها عن السرب، سيكون هنالك ضياع وتيه"، كما يمكن لكل شخص ان يفسر معنى الجملة الشعرية، حسبما تصل اليه.

وهذا ما ينطبق على السوناتات، وهي مليئة بتعدد الدلالات التي من الصعوبة بمكان اعطاء تفسير واحد، لبعضها، فهي قد نزلت من وحي او شيطان شعري، خلال صيرورتها. وهذا ما يلمح اليه مؤلفها الشاعر ماغنوس وليام اولسون في اشارته عن السوناتات، بأنه لم يكن يتحكم بصيرورتها " فشيطان السوناتات طيف معروف، كما انه اقرب ما يكون الى الكوميديا في تاريخ الشعر". ولكننا لو تجاوزنا ذلك، وفككنا عقدتها، وتوصلنا الى دلالة تتناسب وسياق اللحظة، فكيف لنا ان نجد ما يلائمها، من وزن وقافية وايقاع موسيقي، ونبضات داخلية؟ وهذا ما ابدع به المترجم، الى حد كبير، حتى اكون دقيقا في قرائتي المتواضعة هذه، اذ ليس ثمة شئ مطلق في الترجمة، وابراهيم عبد الملك خاض تجربة مغامرة، ولكنها ساحرة بذات الوقت، رغم ثقل وقتامة فكرتها، حيث يُسمع في نسختها العربية صهيل الزمن متناغماً في فضاءاتها مع ايقاعات غنائها الحزين.

  

طالب عبد الأمير

....................

"سوناتات إينغر" منشورات المتوسط، ميلانو، الطبعة الاولى 2016

 

 

الثامنة والنصف مساء باللغة الانكليزية

adnan almshamshرواية الثامنة والنصف للكاتب العراقي البصري ابن التنومة المغترب قُصي الشيخ عسكر والتي تحكي قصة مجموعة من الاساتذة الاكاديمين ومحنة واحد منهم وكفاح صديقيه الآخرين من اجله ومن اجل الانسان في زمن الخوف والرعب من السلطة  زمن الحكم الصدامي..قامت بترجمتها الى اللغة  الدكتورة  فوزية موسى غانم استاذة اللغة الانكليزية في قسم اللغات بجامعة بغداد، نحيي المترجمة القديرة الدكتورة فوزية غانم على هذا العمل الذي يجعل قراء اللغة الانكليزية يطلعون على معاناة الشعب العراقي زمن سلطة القمع والظلام والحصار الذي عانى منه الشعب وطالت مآسيه كل بيت.لقد قرأت الرواية باللغة العربية وانفعلت مع أحداثها كوني عشت ذلك الزمن القاسي الذي استهدف فيه العراق نظام قاس يحكم الداخل بالحديد والنار اما الخارج فهناك  دول اجنبية ومحاور أحكمت حصارها على الجميع حصار شمل ابسط الأمور، من يتخيل ان هناك أناس تشحذ من الزوار الأجانب إبر الأنسولين .. نعم هناك من لا يشحذ نقودا بل دواء، هكذا تفاعل الداخل والخارج لقتل العراقيين . ان بطولة الرواية يتقاسمها ثلاثة اساتذة يعملون في جامعة الموصل من بغداد والحلة وقضاء بلد حين يحاول احدهم وهو د. عبد الرضا علي ان يكسر المحظور ليحطم جدار الخوف مع صديقه الدكتور سعيد الزبيدي  ويرسم ابتسامة فرح على وجوه أطفال صغار هم أبناء الدكتور المرحوم مزاحم البلداوي!

الجدير ذكره ان احد ابطال الرواية توفي منذ زمن وهو الدكتور مزاحم  اما الآخران فأحدها يعيش في بريطانيا والآخر في سلطنة عمان. تحيتنا للدكتورة المترجمة لانها اوصلت معاناتنا الى قاريء اخر لا يعرف العربية سيتحقق من خلال قراءته للرواية كم كنّا نعيش في رعب وخوف وحصار ظالم ومظالم مازلنا ننوء بحملها حتى الان  ولو لم نكن شعبا أصيلا لكنا انقرضنا تحت وطأة القهر والمعاناة.. اننا مازلنا احياء على الرغم من الماسي وهذا حسبنا .

نكرر تحياتنا للدكتورة المترجمة على نشرها تلك الرواية بلغة اخرى.

 

عدنان المشيمش

 

تشيخوف والكاتب المعاصر فياتشيسلاف بيتسوخ

husan alikhaeyrلا شك ان اعمال تشيخوف تعد ظاهرة فريدة في الأدب الروسي والعالمي، وهذه العبقرية  لن تتكرر في الادب، اعمال تشيخوف عكست الواقع الروسي بجميع جوانبه - الحب، الكراهية، الصبر، الجرأه، الخير، الشر، دناءة الانسان ، الخوف من الحاضر والماضي والخوف من الموت والمجهول، حتى ابطال قصصه مازالو يعيشون معنا ونراهم في كل مكان وزمان، لذلك اثر تشيخوف في الادب العالمي والأدب الروسي لايزال مستمر لانه كتب عن كل ما يخطر ببال القارئ، حتى موضوع (الانسان الصغير)، الذي اول من كتب عنه بوشكين (ناظر المحطة)، ومن ثم غوغول (المعطف)، كان لتشيخوف بصمة فريدة في هذا الموضوع لان قصصه تميزت بالاختصار الذي يعبر عن القضايا الكبيرة ، والشيء المميز أيضاً ان تشيخوف كان يعرف الحياة الروسية بتفاصيلها، فحينما نقرأ قصصة نجد عالم كامل بكل ما فيه من خير وشر، بجميع تناقضاتها وصراعاتها، وبؤسها وبعذابتها، قصص تشيخوف تدعونا الى حياة أفضل وفي ذات الوقت تبعث الرغبة فينا بالاحتجاج ضد كل ما هو سيء، تشيخوف صور لنا بروعة  الجمال الداخلي للإنسان، لذلك تولستوي لم يقل  جزافاً حينما وصف تشيخوف " هو بوشكين في النثر" لذلك تاثير تشيخوف على الادب المعاصر ظهر بشكل جلي على الكتاب الروس المعاصرين ومن هؤلاء - فيتشيسلاف بيتسوخ وغيره من الكتاب المعاصرين، ففي قصص الكتاب المعاصرين ظهر طابع الجدل مع النص الأصلي لتشيخوف، لكن الكاتب المعاصر فيتشيسلاف بيتسوخ اظهر علاقة فريدة مع شخصية تشيخوف وإبداعه، بيتسوخ يعد تشيخوف المثل الأعلى بالنسبة له ويعده خالي من الذنوب في مقالته المعروفة تحت عنوان (المحترم أنطون بافلوفيتش) يقصد هنا تشيخوف، في هذه المقالة الأدبية بيتسوخ تحدث عن تشيخوف بادق التفاصيل اذ عده إنسانا بمعنى الكلمة قبل ان يكون كاتباً وأشار الى اعمال الكاتب هي خير دليل على شخصية الكاتب ويذكر بيتسوخ ان اعمال تشيخوف هي تتحدث عن شخصيته أفضل من اي ناقد، وان زوجة تشيخوف ترى فيه انسان المستقبل وهو بالنسبة لها مصدر الإلهام، وبعد ذلك تحدث عن المدارس التي شيدها تشيخوف وعالج الناس الذين يعانون من الأمراض  و ساند ودعم الكتاب الشباب في بداية مشوارهم الفني، فابيتسوخ يقول ان تشيخوف عاش وكتب حسب مبدأه (يجب ان يكون كل شي في الانسان رائع وجميل)، ومن ثم بيتسوخ ينتقد معاصرين تشيخوف واعتبرهم لم يفهموا تشيخوف وتحدث عن القرّاء المعاصرين الذين اعتبرو ادب تشيخوف متشائم ولكن بيتسوخ اثبت العكس وعد أدبه متفائل وعلل ذلك بان ادب تشيخوف لايزال تاثيره على الادب المعاصر ليس بروسيا فحسب بل حتى على الادب العالمي. ومن ثم انتقل بيتسوخ الى جانب مهم في اعمال تشيخوف وهي القصة القصيرة، فعد بيتسوخ تشيخوف في مجال القصة لا ينازعه احد، اما في مجال الاحترام و الحب فبيتسوخ ادلى في احد اللقاءات الصحفية عن تشيخوف قائلاً (اقبل اليد التي غسلت قميص تشيخوف)، ويرى ايضا في مقاله ان تشيخوف انموذجا للاخلاق وفي نهاية المقاله يستمر بيتسوخ بمدح تشيخوف ويحثنا على قراءة اعمال تشيخوف في لحظة قاسية ومؤلمة لتكون حياتنا أفضل. هكذا كان تشيخوف بالنسبة لبيتسوخ، حتى في أعماله نجد تاثير تشيخوف واضح على بيتسوخ على سبيل المثال قصة (الرجل المعلب)،حسب ترجمة المترجم الكبير ابو بكر يوسف، نجد بيتسوخ يقدم لنا قصة مشابه بعنوان (الرجل المعلب منا)، وبدأ القصة بصورة مباشرة عن بيليكوف بطل قصة (الرجل المعلب) ومن ثم يقارن بين الشخصيتين وفي النهاية نجد ان بطل بيتسوخ يدخل في غلافه مجبوراً ويموت من الخوف لكن بطل تشيخوف بيليكوف يدخل في علبته اذا جاز التعبير برغبته غير مجبر ويموت من جراء الاهانة. اذن بيتسوخ يريد ان يقول لنا ان تشيخوف يعيش معنا في اعماله وفي ابطاله الذين موجودين في في كل مكان وزمان، وفي ذات الوقت بيتسوخ يخبرنا بان تشيخوف عاش ومات ولم يقترف اي ذنب.

 

حسين علي خضير

.....................

*فياتشيسلاف اليكسيفيتش بيتسوخ ولد في موسكو عام ١٩٤٦، كاتب وأديب معروف له اعمال عديدة ترجمت اعماله الى عدة للغات

 

الذي سرق نجمة.. مجموعة قصصية جديدة للدكتورة سناء كامل الشعلان

adnan aldhahirتضم هذه المجموعة 14 قصة متفاوتة من حيث الطول والمضامين ومن حيث الجودة والقدرة على سبر الأغوار وتحريك الخيوط وضبط النأمات. غير أني رأيت السيدة القاصة تتميز مرة أخرى كما عهدناها في روايتها " أعشقني " في قصتين من قصص هذه المجموعة هما " حيث البحرُ لا يُصلّي " وقصة " الضياع في عيني رجل الجبل ".

البحرُ لا يُصلّي

ما علاقة الصلاةُ بالبحر؟ لاحقاً سنرى.

تسرد الدكتورة سناء في هذه القصة مأساة اللاجئين إلى الغرب وما يقاسون من ويلات وهم في قوارب التهريب في عرض البحر ثم ما يتعرض له بعض اللاجئين من النساء من فراغ ومتاهات وتشّرد بعد الوصول إلى الأرض المبتغاة فتتقطع السُبل بهنَّ حيث لا من يساعد ويحمي فتضطر واحدة منهنَّ إلى احتراف البغاء في بعض دور الرذيلة كما حصل لبطلة هذه القصة وهي فتاة أمازيغية كما نفهم من سياقات القصة.

اللجوء إذاً هو أصل ومحور المأساة الإنسانية التي عالجتها سناء هنا بمقدرة ومُكنة ورشاقة. لكنْ للجوء هنا خاصية معينة فما كانت السياسة هي التي فرضت على البطلة (أم آمال) قرار ترك بلدها المغرب وسكنها في أعالي جبال الأمازيغ وركوب مغامرة البحر للوصول إلى البر الإسباني إنما هي التقاليد والأعراف الضاربة الأطناب والمتحكمة في مفاصل الحياة الإجتماعية في بلاد المغرب وسواها من الأقطار العربية الأخرى. دمها مطلوب من قبل ذويها لأنها مارست العشق الجنسي مع رجل أحبته وحملت منه قبل إتمام مراسم ومتطلبات عقد النكاح الشرعي المعروف. لماذا اختارت السيدة سناء بطلة أمازيغية لقصتها هذه؟ لا أحسبها عاشت أو أقامت في مجتمع أمازيغي (بربري) وليس في الأردن أمازيغ على حدّ علمي. في الأردن جالية شركسية كبيرة لكنَّ هؤلاء ليسوا أمازيغ ما كانوا ولن يكونوا. عرفتُ أخيراً أنَّ هناك علاقات متينة بين الكُرْد والأمازيغ. نعم، لماذا الأمازيغ ولا من أحد غيرهم؟ إنها لمسة إنسانية عميقة الأثر تقصدتها الكاتبة إعراباً عن تضامنها مع هذا الشعب العريق الأصيل من سكّان إفريقيا وخاصة شمال هذه القارة. حدث ذات يوم حديث بيني وبين طالب دكتوراه جزائري في جامعة شفيلد البريطانية سألته خلال الحديث: هل أنت أمازيغي؟ أجاب بعد تفكير قصير فيه شئ من الحَذَر: يا ودّي كل الجزائريين بربر أمازيغ. إذاً هو موقف إنساني مؤثّر ولا من غرابة فمعروف عن السيدة سناء كامل الشعلان تعدد وتنوع جوانبها الشخصية والإنسانية فهي أردنية من أصل فلسطيني ومواقفها من فلسطين والقضية الفلسطينية معروفة وكتابها الثاني " تقاسيم الفلسطيني / 2015 " شاهد آخر على ذلك. هي فلسطينية لحماً ودماً وأردنية نشأة وثقافة لكنها امرأة أمميّة تقف بصلابة وجرأة مع قضايا الإنسان وحرية الشعوب فمن أين أتتها القدرة على كل هذا التنوّع ومرونة هذه الحركات الثابتة التغيّر أُفقيّاً وعاموديّاً؟ يبدو لمن يتابع أمر سناء أنها لم تكتفِ بعالميتها وآفاقها الكونية بل أضافت وأعلنت عن رهبنتها بأنْ وهبت نفسها وفكرها وجوهرالإنسان فيها وهبتها جميعاً لقضايا الإنسان المغلوب على أمره ولقضايا المستضعفين في الآرض أينما كانوا عرباً وغير عرب حتى أنها غامرتْ واخترقت الحواجز فزارت جزيرة كوبا البعيدة المعزولة الأمر الذي يهابه ويخشاه الرجال ! لذا ليس من باب الصدفة أنْ صرنا نراها في صورها الأخيرة بملابس سود شبيهة بأردية الراهبات.

أدخل في بعض تفاصيل هذه القصة:

سألتُ ابتداءً ما علاقة البحر بالصلاة أو الصلاة بالبحر؟

أولاً لولا البحر لما استطاعت الفتاة الأمازيغية الوصول إلى إسبانيا قاطعة مضيق جبل طارق على متن واحد من زوارق المطاط الهزيلة التي يؤجّرها المهربون لطالبي العبور إلى بر اللجوء. والبحر هذا البحر نفسه الذي أوصلها للعالم الآخر هو سبب محنتها وابنتها ونكبة الإثنتين معاً .. كيف؟ لأنه عزلها عن الرجل الذي أحبّت وحملت منه " سِفاحاً " إذْ تخلّف عنها على الساحل المغربي في طنجة على أنْ يأخذ القارب الثاني. وصلت هي إلى البر الإسباني لكنَّ الرجل المنتظر لم يصل ! أمات غرقاً في محاولة عبور البرزخ الفاصل بين الظلم والظلام من جهة والحرية وبر الأمان من الجهة الأخرى؟ هل خدعها  وتخلى عنها عن عمد وسابق إصرار وبمؤامرة خسيسة لئيمة فيها من النذالة والخيانة ما لا تطيق الجبال حمله؟ هل كان واقعاَ تحت تهديد ذويه لأنه ما كان زوجاً شرعياً بأوراق ثبوتية من محكمة أو قاضٍ أو رجل دين فكيف يربط مصيره بمصير شابة استسلمت وسلّمت جسدها له قبل الزواج الرسمي؟ حدث مثل هذا مرات ومرّات وحدث في أماكن متفرقة شتّى عرفتها كما عرفها الكثير من الناس غيري، أعني أنْ يعدَ رجلٌ امرأةً بالزواج فتثق به لأنها تحبه وتسلم له جسدها لكنه يخون وينسحب وبكلماتها هي الضحية:

((... يقولون إنَّ العشق البشري فانٍ بفناء اللحظة، ولكنَّ الحقيقة أنه ممتدّ لا يعرف موتاً أو رحيلاً، وهو طاقة لا تفنى ولكنْ تتحول من شكل إلى آخر، وأجمل أشكالها هو ذلك الوجيب الذي كان يخفق في أحشائي منذ أسابيع وهو معجزة حبنا العظمى، هذا الجنين المستلقي في غياهب قرار مكين هو الشهادة الوحيدة على أنَّ عشقنا قد ذاق جسدينا فعطّل عزيزَ خططنا وجاء سريعاً قبل أنْ نرتبَ أمور زواجنا أو نحمل أوراقاً شرعية تجهر بشرعية علاقتنا. جاء قبل أنْ يخطبني أبوه من أهلي كما وعدني، وقبل أنْ تزغرّد أمّي وهي توزع حساء الحريرة والسكاكر في الحمام المغربي ليلة زفافي / الصفحة 23)).  

من هنا بدأت مأساة هذه الفتاة الأمازيغية فمن يحل لغز تخلف الرجل الذي عشقت عن اللحاق بعشيقته الحامل؟ لم تكشف سناء النقاب عن هذا السر ولم ترفع شكّاً ضد هذا الرجل بل شاءت وبحسن نيّة أنْ تتركَ الأمر مفتوحاً ولمن يشاء أن يرى ما يشاء.

الآن مسألة الصلاة التي تكررت مراراً في هذه القصة الطريفة. ربطت الصلاة بالبحر فكيف يصلي البحر وما معنى صلاته وما أهميتها لمجمل هذه القصة؟ أسئلة كثيرة سنتابعها بصبر وتؤدة. كتبت سناء في مستهل هذه القصة:

(( " البحرُ يذهبُ للصلاة " كانت هذه الجملة هي إجابة أمي الوحيدة والمكرورة والأكيدة عن سؤالنا الطفولي عن حال مآل موجات البحر التي تختفي في البعيد فلا نعودُ نراها ونظنها تخوننا فتهرب إلى البعيد لتداعبَ أقدامَ أطفالٍ آخرين يصادقون البحر أكثر من صبية ثلاثة وطفلة صغيرة اعتادوا أنْ يعيشوا مُعلّقين بين السماء والأرض في أعالي جبال الأطلس حيث لا بحر ولا أمواج ولا موانئ، حسبهم بحيرات رقراقة موغلة في الصمت والغموض والسحر الخفيّ، وذلك الغناء الأمازيغي الحزين المترع بنبض اللوعة، المبتلع قصص الحرمان والرحيل والموت والتفجّع جميعها، والمخلص لوجوه الجبل الأليفة حيث لا غرباء أو كلمات وافدة مجهولة المعنى / الصفحة 21)).

هل نسأل سناء أنْ تفسّر لنا  هذه اللوحة الغارقة بالسوريالية وإنْ أرادتها أنْ لا تكون كذلك؟

موجات مياه البحر هذه إذاً هي فروض صلوات المسلمين ركوعاً وسجوداً . سبق شاعرٌ الدكتورة سناء إلى تشبيه وقوف وهمس وركوع وسجود صلاة والدته فجراً " مثلَ مدِّ وجزرِ مياهِ البحر ". فلمن قدسية هذا الجو، أللصلاة نفسها أم لموجات البحر؟ لمن الأولويّة ولمن فضل الأسبقية؟ إنها في نظري للبحر ولأمواج البحر وقد لعب الدور الأكثر خطورة في مجريات أمور وتفاصيل هذه القصة. لكن للسيّدة الأمازيغية الواقعة تحت محنة لا أكبر منها رأياً آخرَ ومواقفَ آُخَر حيث الأولوية والصدارة للصلاة وقد ترددت كثيراً في القصة فها هي تقول ((... أشرعُ أراقبُ معها الموجات تتسابق راكظة للإنكسار في الأفق فتسألني آمال ـ إبنتها ـ بفضول بادٍ: إلى أين تذهب الموجات؟ أبتسم لها ابتسامة عريضة وأقول لها وعينايَ تزوغان نحو الشاطئ الجنوبي ـ أي المغرب ـ: تسافر نحو البحر الذي يُصلّي / الصفحة 32)).

قوة ما فوق العادة من حيث الجسامة الروحية والعقيدية تستوطن روح وعقل وفكر سناء توجهها أو تذكّرها أينما كانت وتحثها على أداء الصلوات الخمس وهي تحضُّ على القيام بها وعلى ادائها خمس مراتٍ في اليوم.

في مناسبة أخرى نسمع الفتاة الأمازيغية المغربية المنكوبة العاثرة الحظ تدخل في حوار مع الذات فتقول ((... ولكنْ هناك حيث الأضواء اللامعة في الشاطئ الشمالي ـ إسبانيا ـ المقابل الحياة توهب مجاناً للعشق والجسد وللسعادة، ولذلك اخترنا أنْ نهرب من هذه الأرض التي تئدُ ابناءها بخطيئة الحياة إلى أرض النور وميعاد الحياة، هناك سنتزوج وهناك سألد طفلي وهناك سنكون إيّانا وهناك سنصلّي الصلوات الخمس جميعها على وقتها فأنّى كان البحر فهناك صلاة / الصفحة 24)).

   تعلّق صوفاني رهباني نسكاني بالصلاة لكنَّ المغربية التي أرغمتها ظروف لجوئها إلى إسبانيا وسوء حظها وغيبة الرجل الذي وعدها بالزواج منها أرغمتها على ممارسة البغاء في منزول للدعارة تُديره في مدينة " مالقا " الأندلسية إمرأة مغربية اسمها رشيدة الوادي .... تحت وطأة هذه الظروف البالغة القسوة قالت هذه المرأة النَكِدة لطفلتها آمال ((أمثالي من النساء لا يصلين يا آمال / الصفحة 32)). بل وحتى ((البحر هنا لا يُصلّي / الصفحة 32)). نعم، لا صلوات مع رذيلة ودعارة وظلم وفجور! لا صلوات على أرض غريبة لا جذرَ لنا فيها تحت ترابها ولا أهلٌ ولا ناسُ [ لا دعاء بعودة غائبٍ يُستجاب، فلا سماء تسمع الغريب في هذه الأرض / الصفحة 28 ]. الصلاة هي تعويذة القاصة وهي الإكسير الشافي والدرع الحامي للمرأة خاصة ولكن من حق سائل أنْ يسأل: هل في الصلاة قوة تمنع وتردع وتوقف مسببات النزوح والهجرة في بلد الأصل؟ هل الصلاة قادرة على إقناع طالبي اللجوء أنْ يكفّوا عن محاولات اللجوء؟ لم تولِ الكاتبة أسباب الرغبة باللجوء ما يكفي من وقت وكلمات وأهمية. لم تتطرق إلى ما يحصل في بلداننا العربية من جور وظلم وعسف من قبل الحكّام وأولي الأمر وغياب الحريات العامة وفقدان الأمن والفاقة والعوز ثم جاء زمن الحروب بين هذه البلدان وفي داخل كل واحد منها فضلاً عن إرهاب الدواعش والجماعات المتطرفة المأجورة التي غزت مناطق شاسعة من سوريا والعراق وليبيا واليمن وسيناء مصر. بلى، إنها عالجت بكفاءة عالية مشكلة واحدة تخص فتاة مغربية أمازيغية حملت ممّن تُحب قبل إتمام مراسم ومتطلبات الزواج المعروفة فخافت، وحقها أنْ تخاف، من مصير مرعب في أنْ يسفك ذووها دمها " غسلاً للعار " فقررت هي ومعها الزوج المفترض أنْ يهربا ملتمسين أرضاً تؤويهم وتحميهم وبلداً يوفر لهما فُرص العمل الشريف أياً كان حتى لو كان كنس شوارع وخدمة في الفنادق والمطاعم وغير ذلك. الخوف من القتل كان وراء هجرة هذه السيدة المنكوبة ((حمقاء أنا ومنكودٌ جسدي وملعونة هي أحكام عالمي المُعلّق هناك في الجبل، أرادوا أنْ يسفكوا دمي لأنني وهبتُ جسدي للحظات لرجل أعشقه، فها أنا ذا أبذله رخيصاً في هذه الأرض لكل باغٍ فما تراهم سيفعلون أولئك الحفنة من الظّلَمة لإبنتهم التي تحترفُ البغاء في مَلْقا / الصفحة 31)).

لم تكن هذه الفتاة التعيسة الحظ وحدها في قلب المأساة إنما كانت معها طفلتها " آمال " التي لم ترَ أباها ولا تعرف من هو وأين هو ... وقد أبدعت دكتورة سناء في رسم صور بعض تفاصيل حياة هذه الطفلة البريئة براءة الملائكة التي لم تذنب ولم تشارك في رسم مصيرها لكنها تتحمل وِزْرَ ما فعل سواها فأين عدالة الأرض وأين عدالة السماء؟ يكفي أنْ نقرأ المكتوب على الصفحتين 30 ـ 31 لنغطي وجوهنا حياءً ونمسح الدموع التي تتساقط عطفاً وتضامناً مع طهر الطفولة المنتهك ومجهولية المصير .

خير ما أختتم به ملاحظاتي هذه ما قالت سناء في الصفحة 29:

((قالوا الكثير وسمعت الكثير والنتيجة كانت الإنتظار الموصول لرجل لا أعرف أهو من خذلني أم أنَّ البحر غرّر به وابتلعه على حين غرّة، ثم طواه في النسيان ليورثني سؤالاً لا يفتر ولا يموت وهو: أين اختفى الرجل الذي أعشقه (الصواب الذي أعشق)؟)).

نقرأ القصة ثم نعيد قراءتها فلا نكاد نجد كلمة واحدة زائدة عن اللزوم أو فائضة عن الحاجة أو مُقحمة إقحاماً متعسفّاً، كل شئ وحدث وفكرة يجري بمقدار وميقات معلوم محسوب مبرمج بدقة جهاز ألكتروني ونبضات قلب وعصب بشريين ولكن من نسيج سيليكوني خاص غير مسبوق.

وتبقى سناء الشعلان تلك الفتاة الجريئة الشجاعة المدافعة عن حرية المرأة في جسدها وفكرها وما تتخذ من قرارات وتظلّ الأمينة الحريصة على تقديس الحب الذي تفضل تسميته بالعشق وإذا ساعدني ظرفي الراهن فربما سأتعرض لهذا الموضوع حين أتناول قصتها الأخرى [ الضياع في عيني رجل الجبل ].

أقترحُ أنْ تُعيد السيدة سناء كتابة هذه القصة وتجعلها رواية خاصة ففيها من الحوادث والقصص ما يكفي لكتابتها كرواية.

 *

د. سناء شعلان

الذي سرق نجمة، مجموعة قصصية. الناشر، أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، المملكة الأردنية الهاشمية. الطبعة الأولى 2016 .

 

عدنان الظاهر

 

رواية (بيجمان) تؤرخ مذبحة سربرنيتسا

goma abdulahرواية (بيجمان - الذي رأى نصف وجهها -) للاديبة بلقيس الملحم . من اصدارات الدار العربية للعلوم ناشرون . 215 صفحة . يرتكز جهدها الروائي في حثيثات وقائع الاحداث، وبين المتخيل في العمل الادبي الفني، المرتبط مباشرة بالاحداث المأساوية، التي روعت ضمير الرأي العام العالمي، لبشاعة آلة القتل والذبح الجماعية في مهرجانات الموت السادية (الهولوكيست) في الابادة الجماعية والتصفية العرقية، في المذابح الدموية، كما حدثت في مذبحة (سربرنيتسا) في (البوسنة والهرسك)، التي قامت بها القوات الصربية ومليشياتها المسلحة، ضد مسلمي البوسنة، وتعمقت الرواية بأسهاب في ذكر تفاصيل الجرائم الدموية المروعة وكشف حقيقتها ، هذا التوغل الروائي يجعل القارئ يشعر بالصدمة النفسية من ألاهوال في اقتراف الجرائم الوحشية ضد الابرياء المسالمين من مسلمي البوسنة في (سراييفو)، بالاعتماد على الوثائق والوقائع من المصادر الاعلامية والصحفية، التي كشفت هول الفظائع الدموية بالحقد الاعمى في سفك الدماء، واحاطت من كل جوانب الوحشية للمجازر الدموية ، التي تعيد الى الاذهان مجازر ومحارق النازية الفاشية، بآلة القتل البشعة من الاعدامات الجماعية، التي حدثت بعد حصار (سراييفو) . هذه المذابح تدعو الى السخط والشعور بالالم الى حد البكاء وعصرنياط القلب بالاسى الشقي المفجع  . ان الممارسات الاجرامية التي ارتكبتها القوات الصربية ومليشياتها المسلحة، بحق مسلمي البوسنة، تعتبر نقطة سوداء في ضمير المجتمع الدولي ومنظماته العالمية، بالوقوف بموقف المتفرج على آلة القتل الوحشية، في ابشع عمليات الابادة الجماعية والتصفية العرقية، في فظاعة شرور الحقد الاعمى المسكون في هوس الذبح وسفك الدماء . ان العمل الروائي وثق كل جوانب المجازر الدموية، وعرضها في اسلوب سردي رصين ورشيق ومرموق في حبكته الفنية، في اسلوب ميلودراما عاصفة ، وربط هذه الوقائع المدمرة بقصة حب عشقية عاصفة من الهيام والهوى والوجد بين (بينجمان - الشاب الايراني . وسابينا الفتاة المسلمة البوسنية) التي ارتبطت بوشائج عشق ملتهبة بصدق عواطف الوجدان . لقد تنوعت اساليب وادوات تقنيات العمل الروائي، في توظيف كل اساليب الرواية الحديثة بمهارة عالية من التوظيف والاستخدام الماهر بفنية تقنيات اساليب التذكر (فلاش باك) واسترجاع هذه التداعيات في استنطاق العقل والوعي الباطني، ليرسم لوحات الرواية ، وكذلك في ادوات اللغة في الوصف والتصوير . كأننا اما شريط سينمائي تسجيلي، يؤرخ ويوثق بشكل رصين دون اسفاف، تراجيدية الاحداث التي جرت فعلاً على الواقع الملموس  ، في فترة زمنية محددة من صراعها الدموي العنيف، وخاصة في مذبحة (سربرنيتسا) بوحشيتها الضارية، التي تستفز عقل الانسان السليم . لاشك ان العمل الروائي، اعتمد على الجهد الكثيف في البحث والتقصي الوثائق والمصادر الصحفية والاعلامية، التي تحدثت بأسهاب عن المجازر، وآلة القتل الهمجية، وعن المقابر الجماعية وسراديب الموت، التي اقترفتها المليشيات الصربية المسلحة، من ارتكاب مذابح دموية، في ابشع اشكل التصفية العرقية . ليكون هذا العمل الروائي المرموق، احد شواهد العصر على المجازر الدموية، في مدى حصار (سراييفو) لمدة اربع سنوات من عمر المذابح الدموية . التي كانت عبارة عن عمليات التدمير والحرق للمدن والقرى البوسنية المسلمة، وكذلك جرائم الاغتصاب السادية، تبقى بحق (الهولوكيست) اوربا الحديثة بعد جرائم النازية الفاشية، وباطلاق العنان الى المليشيات الصربية ان تقترف بشائع الموت والاغتصاب والانتهاك المدمر للانسان ، وكذلك بشاعة اساليب التعذيب الجسدي والنفسي السادية لمدة اربع سنوات ، يكفي ان نذكر على مدى الوحشية الهمجية بما توصل اليه العقل المعتوه، تم اغتصاب بفظاعة اكثر من عشرين الف فتاة بوسنية مسلمة في عام 1993 وحده، ولم يسلم من آلة القتل الاطفال والشيوخ والحوامل، وان ابطال النازية الجديدة، في اقتراف هذه الجرائم الرهيبة هم:

867-joma1 - سلوبودران ميلوفيتش: الذي كان رئيس جمهورية يوغسلافيا والصرب، في فترة المذابح الدموية، باطلاق العنان الى المليشيات الصربية المسلحة ان تمارس جرائم التصفية العرقية

2 - راتكوملاديتش: رئيس اركان القوات الصربية

3 - رادوفان كاراديتش: الجزار الدموي لمذبحة (سربرنيتسا) . .....   وهذه بعض المقتطفات الاعمال الوحشية لهؤلاء وحوش العصر الحديث .

× ضحايا العنف الدموي بحق مسلمي البوسنة كانوا (اجساداً بلا رؤوس، وملابس بلا عظام، وعظاماً بلا جلد، وجلد بلا شعر اشقر) ص58

× كانت المليشيات الصربية تنتهك بجنون معتوه حق الانسان في الحياة، فكانو يبدأون (بالتقسيم الى قسمين، اليمين للنساء، والشمال للرجال، وبعدها لا يبالون لو قتلوا الفي رجل امام النساء، او اغتصبوا اجمل النساء امام الرجال، ثم يذبحونهم بطريقة العشوائية البشعة)ص54

× قطع المليشيات الصربية الطريق المطار (طريق الموت) بمئات القناصة الصرب . يرابطون على جانبي الطريق الموصل الى المطار . طريق الموت) ص69 .

× كانت المليشيات الصربية تصرخ بجنون وحقد الاعمى عنصري معتوه (هذا مصيركم ايها الجرذان، اذا لم تخرجوا من ارضنا، عليكم ان تغادروا هذا المكان ............. واياكم ان تفكروا انتم، وهم العودة ثانية لتدنيس ارضنا) ص88 .

× بشاعة الموت (لاشخاص مكتوفي الايدي ومعصوبين، يطلقون عليهم الرصاص، فتسقط في الخندق، ما يسقط يهيلون التراب عبر جرافات كبيرة) ص95 .

هكذا عاشت (سربرنيتسا) رعب الموت والقتل في ظل الحصار المطوق عليها .

 

حثيثات الرواية:

تصدمنا بالصدمة في بداية الرواية، بهذا الفعل الصادم (هذه المرة انقذتني الصدمة من الموت، حدث هذا رغم ابتلاعي موس حلاقة صدئ وثلاثين حبة مهدئة، إلا اني رجوت ان تكون هذه محاولتي الاخيرة للانتحار، واذا ما عدت للحياة ثانية، فسأكتبها كما هي مرسومة امام عيني: ذاكرة لوجدان الزمن) ص17 . فعاد الى الحياة وسجل هذه المأساة الانسانية في رعبها التراجيدي، بتسجيل قضية (سابينا) الفتاة البوسنية المسلمة، التي احبت بكل عنفوان بعواطفها الوجدانية ، وجوانحها الغارقة في بحر العشق، ولكن رياح الموت والشؤوم عصفت بها، وقادتها الى المصير تحت انقاض المقابر الجماعية المبعثرة هنا وهناك، بعد حصار (سراييفو) التي عبثت بها آلة القتل والذبح في حياة الاهالي المسلمين، والرواية تتعقب قصة حب عشقية، في مداها المأساوي التراجيدي، من الهيام العنيف من طرفين (بينجمان . الشاب الايراني، والفتاة المسلمة البوسنية سابينا) . وكما قالت العرافة الى العاشق (بينجمان) حين كشفت عن مستقبله المظلم الشقي (انت تبحر في بحر الظلمات . ملعونة رغباتك ايها الغريب) الحب الذي جلب الدمار الجسدي والنفسي، باقصى حالات العذاب والشقاء . فقد قلب حياة (بينجمان) على عقب، وجعله يغرق في ثنايا المأساة المروعة ، بعد الحصار والحرب الاهلية وضياع (سابينا) في ظروف غامضة عنوة، بعدما رقدت في اعماق وجدانه وعقله، وكان يرسم الحياة من خلال معشوقته (سابينا)، فقد اختل عقله ووجدانه من خلال ضياع محبوبته اثناء حصار (سراييفو) وهاجت الحياة وماجت بالبلبلة والفوضى والارتباك، حين تفجر العنف الدموي، التي شنتها المليشيات الصربية لتمارس القتل والرعب المجنون، بالاضطراب الشديد الذي حول الحياة الى جحيم يقتنص المواطن بالموت المجاني والعشوائي، وعصفت رياح الشؤوم والخراب، ليجد (بينجمان) نفسة هارباً الى (مقدونيا)، بعدما اضناه البحث عن محبوبته، التي قذفتها الامواج الى مرافئ مجهولة، وتركت العاشق (بينجمان) يتجرع علقم المر، فكان يصرخ كالمجنون في وجه الناس ويمد يده (سابينا يا محسنين . أوه سابينا . انتِ من كنتِ تهزين كياني في كل شيء) ص24، فكان يلوك غصة الالم واللوعة بجراح الفراق، كأنه يسير الى حتفه بالموت البطيء، بهذا الفراق الظالم (سأشيخ سابينا . وانا لم اخذكِ) فكان سليل النوح والبكاء المر، حتى لعن الحياة بدون (سابينا)، وعاشر الانين والعذاب، ولا شيء يزهو امام عينيه سوى (سابينا)، لقد تجرع علقم الفراق، الذي نزف بجرحه دما وقيحاً، وتولت عليه النكبات المؤلمة، في حظه العاثر والاسود، حين صدمته المفاجأة غير المتوقعة، لتزيد جراحه اكثر عمقاً بالدمار النفسي، حين وجد نفسه في سراديب السجن المظلم لمدة خمس سنوات بسبب غلطة لم تكن في الحسبان ولا على البال (غلطة بسيطة ارتكبها صحفي مثلي، عزلوني مع السجناء المعارضين لولاية الفقيه، واجبرونا على ممارسة طقوسهم التاريخية لا الدينية، مثل احجار الشطرنج، كانوا يعاملونا ويحرمونا من الطعام والشراب والسجائر، كي نؤمن بما يعتعقدونه من خرفات واساطير ومواعظ باهتة) ص135، هكذا زج في سراديب السجن والتعذيب النفسي والجسدي، حتى اطلق سراحه من السجن، وتوجه بالسرعة من طهران الى سراييفو، الى بيت (سابينا)، لكنه لم يجد اي اثر لها، واعتبرت من المفقودين تحت سراديب المقابر الجماعية، مما زاد عذابه اكثر من السابق، واصبح كالمجنون يبحث عن محبوبته، فكان مع اختها (امينة) يتجول بالبحث ويتنقل بين القرى ويفتش في المقابر الجماعيةء، ويصاحب على الدوام طواقم الفرق الطبية، ويتابع بصبر نافذ فحوصات الحمض النووي، لعل يجد بعض اشلاء التي تدل على هوية  (سابينا)، لكن دون جدوى، رغم التعب والارهاق المضني، حتى اصبح اشبه بشبح انسان يجزع من حياته ويود ليتوسد اشلاء محبوبته وينام ، يذوب يوماً بعد اخر دون يجد اثراً او ريحاً يسد جوع روحه المظلومة، ورغم التفتيش في اشلاء المقابر الجماعية المتفرقة هنا وهناك، لكن محبوبته (سابينا) ليس لها اثر، ولم يجد سوى عذاب والالم، كأنه كالشاة المذبوحة تصارع جرعاتها الاخيرة .

الرواية كانت بحق كانت جهد كبير، في توثيق المجزرة لتكون شاهد على التاريخ

 

احداث خارج الرواية:

1 - سلوبودان ميلوسفيتش: رئيس جمهورية يوغسلافيا الصربية، قدم الى محكمة العدل الدولية في لاهاي، كالمسؤول الاول عن المذابح، لم يتحمل عذاب الضمير من الاف الضحايا الذين اصبحوا سكنة المقابر الجماعية، وجد في احد صباحات الايام منتحراً .

2 - رادوفان كاراديتش: الزعيم الصربي سفاح مذبحة (سربرنيتسا) حكمت عليه محكمة العدل الدولية في لاهاي اربعين سنة سجن، وحملته مسؤولية المذابح التي ارتكبت ضد مسلمي البوسنة

 

جمعة عبدالله

 

الكلاب وبقر الوحش في الشعر الجاهلي شعراء هذيل انموذجا ً

sadam alasadiان اكثر الحوار الشعري الذي استخدمه الشعراء يعتمد التجريد ويخلقه الشاعر ليؤكد حالة وصفة في نفسه فعندما يحاور الفرس ويؤكد شجاعته وعندما يحاور الذئب ويؤكد كرمه وعندما يحاور المرأة ويؤكد بطولته .

قول حاتم الطائي:

و قائلة اهلكت بالجود مالنا    ونفسك حتى ضر نفسك جودها

فقلت دعيني انما تلك عادتي    لكل كريم عادة يستعيدها

و مثله تأخذ شخصية أمرئ القيس هذا التجريد وتقديم الحوار ابعادا قصصية تتجلى من خلالها قدرته ويبرز تمكنه الشعري فقد جرد امرأة فنهض يسعى اليها برفق ومهل لئلا يشعر بمكانه احد بعدما نام اهلها:

و يوم دخلت الخدر خدر عنيزة    فقالت لك الويلات انك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معا    عقرت بعيري يا أمرأ القيس فانزل

 

فقلت لها سيري وارخي زمامه   ولا تبعديني من جناك المعلل

فقد اصبحت هذه التقليدية في الحوار تقليدا معروفا سار عليه الشعراء والسؤال هل ان صورة الحوار التي استخدمها الشاعر وقفت عند حدود الصفات؟ والجواب لا لان الشاعر يذكر نوازع النفس الانسانية .

جاء في كتاب الدكتور شوقي ضيف (العصر الجاهلي) ص223

تفيض قصائد الجاهلية بحركة واسعة فهي اساسه وقد يدخلون هذه الحركة في المقدمة نفسها ولا يكتفي الشاعر بالوقوف على الاطلال وبكاء الديار بل يصور ظعن حبيبته وقد خرجت تطلب المرعى وتنتقل من موضع لأخر وعين الشاعر تسجل هذه الرحلة تسجيلا بديعا وقد اتاحت هذه الحركة لشعرهم ضربا من الروح القصصية في وصف الحيوان الوحشي ووصف مغامراتهم الاخرى .

فان معانيهم يسودها ضرب من الروح القصصية وهي روح لم تتسع عندهم فقد اضعفتها حركتهم وميلهم الى السرعة والميل الى الايجاز فلم يظهر عندهم ضرب من ضروب الشعر القصصي بل ظل شعرهم غنائيا ذاتيا يتغنى فيه الشاعر بأهوائه وعواطفه غير محاول صنع قصة يجمع لها الاشخاص والمقومات القصصية ويرتبها ترتيبا دقيقا وان شيئا من ذلك لم يخطر بباله اذ كان مشغولا بنفسه ولا يهمه الا ان يتغنى بها وبمشاعره .

القصة عند الهذليين: قد تقف القصة عند هذيل على ركنين اولهما مذهب عام يلجأ اليه الشاعر وهو عامد وثانيهما تخيل الحادثة بوعي وتفصيل وهم يميلون دائما الى عدم الاطالة ويبتعدون عن سرد الموضوعات بسبب ميلهم الى المقطعات القصيرة .

و قد تبتعد قصتهم عن الغنائية وقد تقف على اركانها الاربعة:

1-  الوقائع: تقف القصة على حوادث مرتبطة بواقع الحياة وقد تأتي عن طريق الخيال فالواقعية في قول ساعدة بن جوية:

و تالله ما ان شهلة ام واحد    بأوجد مني ان يهان صغيرها

رأته على يأس وقد شاب رأسها   وحين تصدى للهوان عشيرها

فشب لها مثل السنان مبرءاً     امام لفادي دارها واميرها

و قد تتشابه الافكار والوقائع وتختلف القافية في قصيدة اخرى .

فهو يحكي عن ولد مبرأ خال من المرض اتت به امه من بعد يأس طويل وبعد ان ذاقت الامرين ورزقت به بعد كبرها وهي لا تريد الا زوج ثم كان يعولها:

رأته على فوت الشباب وانها   تراجع بعلا مرة وتئيم

فشب لها مثل السنان مبرءا    اشم طوال الساعدين جسيم

و الزمها من معشر يبغضونها    نوافل تأتيها به وغنوم

فاصبح يوما في ثلاثة فتية    من الشعث كل خلة ونديم

فقد ذهب فتاها مع ثلاثة من الغزاة وكلهم خل ونديم وكلهم لا يدرون من الغيب امرا حتى احاط بظهره عدداً من الرجال كانهم سرب جراد ماذا يفعل الفتى؟ هل يستسلم؟ حمل سيفا ووقف امام الاعداء وتنتهي المعركة فيسقط الفتى مغلوبا على امره ويسرع صاحباه الى امه:

و لم ينتبه حتى احاط بظهره    حساب وسرب كالجراد يسوم

فألهاهم بأثنين منهم كلاهما     به قارب منه النجيع ذميم

و جاء خليلاه اليها كلاهما    يفيض دموعا غربهن سموم

فقامت بسبت يلعج الجلد وقفه    يقيض احشاء الفؤاد اليم

اذا انزفت من عبرت يممتهم    تسائلهم عن حبها وتلوم

فلما استفاقت فجت الناس دونه    وناشت بأطراف الرداء تعوم

تنتهي القصة بواقعة ومتابعة شخصيته وتحليل الحوادث انها ربما تدور على هدف واحد وهو عنت الدهر وقسوته فان الحياة لا تحمل الا الحزن والالم .

لعل الهذليين لم يعرفوا الاستقرار ولما جاء الاسلام زرع عندهم التفاؤل بالحياة وهكذا في قصص اخرى نجد نفس الوقائع متشابهة فقصيدة ابي ذؤيب الهذلي (خويلد بن خالد) تحكي رثائية رائعة ذلك التسلسل القصصي الذي تتوفر فيه عناصر القصة الاربعة – الوقائع – الزمن – المكان – الحدث مع الشخصية .

ان الحدث يقدم على مظهرين اولهما غير مرئي يوحي به الشاعر ويتعلق بشخصيته قريبة اليه فقد يشخص ابو ذؤيب في ثمانية عشر بيتا هذا الحدث ويغطي ملامحه بواسطة السرد (الخلاصة) فالنقد لا يتعامل مع الافتتاحية التراجيدية والمظهر الثاني الفني ما نلمسه في قصة ثور الوحش والصياد / صراع الحيوان والصياد وقد يقوم هذا الصراع على لوحة وصفية تقوم على التوازن ثم تغييره ثم انعدامه ثم اعادة التوازن فالتوازن في حالة سعي الصياد لفريسته والفريسة تبدأ بالخروج وعملية التغيير تحصل بانطباق الليل على الفريسة ثم تظهر حالة انعدام التوازن التي تظهر فيها كلاب الصيد وعملية الاعادة تتعلق بمن يغلب؟ اما التوازن الجيد فهو الحبكة القصصية وقد يتوقف صلب الحدث القصصي عن وحدتين:

أ‌- الوحدة الاساسية ترتبط بوصف الصراع .

ب‌- الوحدة العضوية: احداث لا تغير المجرى العام بل تكون سلسلة مترابطة تصور اوضاع الاشخاص .

و الهذلي يتحدث عن الحيوان كثيرا ويعنى بوصف حركاته وهو يؤثر الدقة وان بعضهم ارتبطوا بالحيوان ارتباطا شديدا كما نرى وصف البقرة الوحشية عند عمرو بن الداخل:

وهادئة توجس كل غيب         لها نفس اذا سامت نشيج

تصيخ الى دوي الارض تهوي   بمسمعها كما نطف الشجيج

وابو ذؤيب الهذلي يصف الحمار الوحشي:

مستقبل الريح تجري فوق منسجه    اذا يراح اقشعر الكشح والصفد

يرمي الغيوب بعينيه ومطرفه   مغض كما كسف المستأخذ الرمد

 

ولو عدت الى قصيدة ابو ذؤيب الهذلي:

امن المنون وريبها تتوجع    والدهر ليس بمعتب من يجزع

قالت اميمة ما لجسمك شاحبا   منذ ابتذلت ومثل حالك ينفع

ويستمر في مقدمته حتى يأتي الى البيت الثالث عشر:

فشرعن في جمرات عذب بارد   حصب البطاح تغيب فيه الاكرع

فشربن ثم سمعن حسا دونه   شرف الحجاب وريب قرع يقرع

بل همها من قانص متلبلب   في كفه جشء اجش واقطع

فنكرنه فنفرن وافترشت به    عوجاء هادية وهاد خرشع

فرمى فانفذ من نحوس حائط   سهما فخر وريشه متصمع

والدهر لا يبقي على حداثنه      شبب افزته الكلاب مروع

شعف الضراء الداجنات فؤاده   فاذا يرى الصبح المصدق يفزع

 

انه يذكر هجوم الكلاب على الوحش ثم يستمر:

يرمي بعينيه الغيوب وطرفه   مغض يصدق طرفه ما يسمع

و يلوذ بالأرض اذا ما شفه      قطر ورائحة بليل زعزع

فغدا يشرق متنه فبدا له   اولى سوابقها قريبا توزع

ينهنه ويذودهن ويحتمي    عيل الثوى بالطرفين مولع

حتى اذا ارتدت واقصد عصبة    منها وقام شريدها يتضرع

فكبا كما يكبو فتيق تارز            بالجنب الا انه هو ابرع

و الدهر لا يبقي على حداثنه      جون السرات له حدائد اربع

حميت عليه الدرع حتى وجهه   من حرها يوم الكريهة اسفع

و كلاهما ق عاش عيشة ماجد    وخب العلا لو ان شيئا ينفع

فعفت ذيول الريح بعد عليهما   والدهر يحصد ريبة ما يزرع

ان في هذه القصة نبأ قد يقف على عناصره الاساسية ويبدو ان السرد كان ثريا لهذا اصبحت القصيدة بعملها الفني مميزة .

ان الحيوان قد يموت في نهاية القصة وهذا هو المنطلق الذي يشعر به الهذليون وهو عنت الدهر وصورة التشاؤم التي يحملونها دائما وعدم الامان من الدهر وريبة .

و كما اعتاد الشعراء عليه كما يقول الجاحظ (ان الشعراء من عادتهم اذا كان الشعر مرثية او موعظة ان تكون الكلاب هي التي تقتل بقر الوحش واذا كان الشعر مديحا ان تكون الكلاب هي المقتولة) .

و هنا في القصة الهذلية قد انتصرت الكلاب ومات بقر الوحش الذي يرمز به الى الناقة المتعبة وهي وحيدة لا يمتلك الشاعر غيرها وهو يندب حظه وقدره بانتقادها .

فلعل الهذليين لم يعرفوا الاستقرار ولما جاء الاسلام زرع عندهم التفاؤل بالحياة وهكذا في قصص اخرى نجد نفس الوقائع المتشابهة فماذا في قصيدة ابي ذؤيب (خويلد بن خالد) تحكي رثائية رائعة تتوفر فيها كل عناصر القصة والحدث يقوم على مظهرين الاول غير مرئي يوحي به الشاعر ويتعلق بشخصية قريبة اليه فقد يشخص ابو ذؤيب ثمانية عشر بيتا فكرة الموت ويغطي ملامحه بواسطة السرد فالنقد لا يتعامل مع الانتاجية التراجيدية (المؤلمة) والمظهر الثاني الفني ما نلمسه في قصة ثور الوحش والصياد / صراع الحيوان والصياد وقد يقوم هذا الصراع على لوحة وصفية تقوم على التوازن ثم تغييره ثم انعدامه ثم اعادة التوازن فالتوازن في حالة سعي الصياد ولفريسته فالفريسة تبدأ بالخروج وعملية التغيير تحصل بانطباق الليل على الفريسة ثم تظهر حالة انعدام التوازن التي تظهر فيها كلاب الصيد وعملية الصيد تتعلق بالاعادة لمن يغلب اما التوازن الرائع فهو الحبكة القصصية وقد يتوقف صلب الحدث القصصي على وحدتين:

 

أ‌- الوحدة الاساسية ترتبط بوصف الصراع

ب‌- الوحدة الثانوية احداث لا تغير لمجرى العام بل تكون متسلسلة مترابطة تصور اوضاع الاشخاص والهذلي يتحدث عن الحيوان كثيرا ويعني بوصف حركاته وهو يؤثر الدقة وان بعضهم ارتبطوا بالحيوان ارتباطا شديدا كما نرى وصف البقرة الوحشية عند عمرو بن الداخل:

و هاوية توجس كل غيب    لها نفس اذا سامت نشيج

تصيخ الى دوي الارض تهوي    بمسمعها كما نطف الشجيج

و ابو ذؤيب الهذلي يصف الحمار الوحشي

مستقبل الريح تجري فوق منسجه    اذا يراح اقشعر الكشح والعضد

يرمي الغيوب بعينيه وبطرفه       فغض كما كف المستأخذ الرمد

و لو عدنا الى قصيدة ابي ذؤيب الهذلي والمرثية المعروفة:

امن المنون وريبها تتوجع    والدهر ليس بمعتب من مفزعي

قالت اميمة ما لجسمك شاحبا   منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع

اودى ببني فاعقبوني حسرة     بعد الرقاد وعبرة لا تقلع

و اذا المنية انشبت اظفارها    الفيت كل تميمة لا تنفع

و يستألف كلامه حتى يصل الى سرد قصة الثور مع الكلاب وصراعها في البيت 13:

فوردن والعيوق مجلس رابئئً     الضرباء فوق النجم لا يتتلع

فتسرعن في حجرات عذب بارد    حصب البطاح تغيب فيه الاكرع

فشربن ثمن سمعن حسا دونه    شرف الحجاب وريب فزع شرع

و هماهما من قانص متلبب       في كفه جشء اجش واقطع

فنكرنه فنفرن وافترشت به    عوجاء هادية وهاد خرشع

هنا تبدأ لحظة التحدي بين الثور والكلاب:

فرى فانفد من غوص عائط     سهما فخر وريشه متصمع

و الدهر لا يبقي على حداثته     شبب انزعته الكلاب مروع

شف الضراء الداجنات فؤاده    فاذا يرى الصبح المصدق يفزع

يرمي بعينيه الغيوب وطرفه   مغض يصدق طرفه ما يسمع

و يلوذ بالأرض اذا ما شفه    قطر ورائحة بليل زعزع

فغدا يشرق متنه فبدا له        اول سوابقها قريبا توزع

نهنهه ويذودهن ويحتمي    عيل الشوى بالطرتين مولع

حتى اذا ارتدت واقصد عصبة     منها وقام شريدها يتضرع

فكبا كما يكبو فتيق تارز         بالجنب الا انه هو ابرع

و الدهر لا يبقي على حداثته        فتشعر حلق الحديد مقنع

حميت عليه الدرع حتى وجهه   من حرها يوم الكريهة يسفع

و كلاهما قد عاش عيشة ماجد   وجنى العلا لو ان شيئا ينفع

فعفت ذيول الريح بعد عليها   والدهر يحصد ريبه ما يزرع

هذه نهاية القصة فهي متميزة لان سردها كان قويا ...

و ان الحيوان قد يموت في نهاية القصة وهذا المنطلق الذي يشعر به الهذليون وهو عنت الدهر والحزن التي يحملونها وعدم الامان عندهم وكما يقول الجاحظ ( الشعراء من عاداتهم اذا كانت مرثية او موعظة تكون الكلاب هي التي تقتل بقر الوحش واذا كان الشعر مديحا تكون في الغالب هي المقتولة ) وفي القصة الهذلية تنتصر الكلاب ويموت ثور الوحش والذي يرمز له بالناقة المتعبة والوحيدة التي تمثل حظ الشاعر وقدره وحياته فعندما تموت مات عنده كل شيء .

و اي تصوير رائع لثور الوحش عند النابغة وهو يصفه حائرا بعد ليلة ما طرق يبحث عن مكان فينهال عليه التراب وعند طلوع الفجر يسمع صياح الكلاب وهي علامة الموت فتهجم على فؤاده وهو يهب لقتلها ...

كان رحل وقد زال النهار بنا     يوم الجليل الى مستأنس وحد

من وحش وجرة موشي اكارعه   طاوي المصير كسيف الصقيل الفرد

اسرت عليه من الجوزاء سارية    تزجي الشمال عليه جامد البرد

فارتاع من صوت كلاب فبات له   طوع الشوامت من خوف ومن صرد

فبثهن عليه واستمر به      صمع الكعوب بريئات من الحرد

شك الفريصة بالمدري فانقذها   طعن المبيطر اذ يشفى من العضد

كانه خارجا من جنب صفحته   سفود شرب فوه عند مفتأد

فظل يعجم عن الروق منقبضا ً  في حالك اللون صدق غير ذي اود

ان الحوار الذي يكتنف القصيدة في الشعر الجاهلي قد يكون بسيطا قد لا يخرج عن نطاق المساجلة الانية والفكرة المغلقة والتأثر الذاتي وربما يكون طويلا تنبعث منه فلسفة الشاعر وتبرز من ملامحه القدرة وقد يحسب البعض ان هذا الحوار حقيقي .. ولدي بعض الاراء التي استخلصتها من الكتب التي اهتمت بهذا الموضوع .

فالدكتور نوري القيسي في كتابه ( في الادب الجاهلي ) يؤكد بان الحوار الشعري الذي استخدمه الشعراء يعتمد على التجريد فالشاعر يختلق الحوار ليصفه في نفسه فعندما يحاور الفرس يؤكد شجاعته وعندما يحاور الذئب يؤكد كرمه وعندما يحاور المرأة يؤكد بطولته .

قول حاتم الطائي:

و قائلة اهلكت بالجود مالنا      ونفسك حتى ضر نفسك جودها

فقلت دعيني انما تلك عادتي     لكل كريم عادة يستعيدها

و مقله تأخذ شخصية أمرئ القيس هذا التجريد وتقديم الحوار ابعادا قصصية تتجلى من خلالها قدرة ويبرز تمكنه الشعري فقد جرد امرأة فنهض يسعى اليها برفق ومهل لئلا يشعر بمكانه احد بعدما نام اهلها:

سموت اليها بعدما نام اهلها   سمو حباب الماء حالا على حال

فقالت سباك الله انك فاضحي   الست ترى السمار والناس احوالي

فقلت يمين الله ابرح قاعدا   ولو قطعوا رأسي لديك واوصالي

حلفت لها بالله حلفة فاجر     لناموا فما ان من حديث ولا صال

و في لاميته يخاطب عنيزة:

و يوم دخلت الخدر خدر عنيزة   فقالت لك الويلات انك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معا   عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

فقلت لها سيري وارخي زمامه   ولا تبعديني من جناك المعلل

فقد اصبحت هذه التقليدية معروفة سار عليها الشعراء ولكن هل ان صورة الحوار التي استخدمها الشاعر وقفت عند حدود الصفات؟ والجواب لا لان الشاعر يذكر نوازع النفس الانسانية .

الدكتور شوقي ضيف (العصر الجاهلي ص233) يطرح رأيا بان القصائد الجاهلية ذات حركة واسعة فهي اساس لها وقد يدخلون هذه الحركة في المقدمة نفسها ولا يكتفي الشاعر بالوقوف على الاطلال وبكاء الديار بل يصور ظعن حبيبته وهي تخرج طالبة المرعى وهي تنتقل من موضع لاخر وان عين الشاعر تسجل هذه الرحلة تسجيلا بديعا وقد اتاحت هذه الحركة لشعرهم ضربا من الروح القصصية في وصف الحيوان ومغامراتهم الاخرى فان معانيهم يسودها ضرب من القصة وظل شعرهم غنائيا ذاتيا يتغنى الشاعر بأهوائه وعواطفه غير محاول ان يضع قصة يجمع لها الاشخاص والزمان والمكان والحدث وان يرتبها ترتيبا دقيقا وربما هذا لا يخطر بباله لأنه مشغول بنفسه ومشاعره .

القصة الهذلية: تقف على ركنين الاول المذهب العام الذي يلجأ اليه الشاعر عامدا والثاني تخيل الحادثة بوعي وتفصيل وهم يميلون لعدم الاطالة ويبتعدون عن تعدد الموضوعات ويميلون للمقطعات القصيرة.

و قد تتوفر عناصر القصة بأركانها فالشاعر يترجم حوادث مرتبطة بواقع الحياة وقد تأتي عن طريق خياله الخصب بواقع يعيشه فهذا ساعدة بن جؤية:

و تالله ما ان شهلة ام واحد   بأوجد مني ان يهان صغيرها

رأته على يأس وقد شاب رأسها   وحين تصدى للهوان عشيرها

فشب له مثل السنان مبرءا       امام لنادي دارها واميرها

و قد تتشابه الافكار والوقائع وتختلف القافية في قصيدة اخرى فهو يحكي لنا قصة وحيد امه بوقائع متسلسلة وشخصيات هي الابن والاصحاب والام وبهذه الافكار الواقعية فيقول:

رأته على فوت الشباب وانها    تراجع بعلا مرة وتئيم

فشب لها مثل السنان مبرءا   اشم طوال الساعدين جسيم

و الزمها من معشر يبغضونها   نوافل تأتيها به وغنوم

فاصبح يوما في ثلاثة فتية    من الشغب كل خلة ونديم

فقد ذهب مع اثنين من صحابته وهناك فاجأهم الغزاة وهم لا يدرون بالقدر حتى احاط بظهره عدد منهم فرماهم ولم يستسلم فرجع الصاحبان لامهما يبكيان

و لم ينتبه حتى احاط بظهره   حساب وسرب كالجراد يوؤم

فورد الينا لا يشمثم نصله    اذا صاب اوساط النظام صميم

فألهاهم باثنين فهما كلاهما    به قارب من النجيع ذميم

و جاء خليلاه اليها كلاهما    يفيض دموعا غربهن سجوم

فقالوا عهدنا القوم قد حصروا به   فلا ريب انى كان ثم لحيم

ماذا فعلت ضربت نفسها بالسبت وعندما تستيقظ تعاتبها بشوق وتنتهي القصة بسرد دقيق ونهايتها تدور على عنت الدهر وقسوته مع هذه الام فالحياة لا تحمل الا الحزن والالم واليأس .

 

بحث من اعداد الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

قراءته عندما كان طالبا في كلية التربية سنة 1979

مستفيدا ً من محاضرة استاذي الدكتور اياد عبد المجيد ابراهيم استاذ الادب الجاهلي لسنة 1979

 

البحث عن كائن لغوي في: هدوء الفضة

rahman khodairabasصدرت عن دار ضفاف للطباعة والنشر، المجموعة الشعرية الخامسة للشاعر العراقي مقداد مسعود (هدوء الفضة). بعد مجاميعه الأربع (حافة كوب أزرق) الذي صدر عام 2012و (ما يختصره الكحل يتوسع فيه الزبيب) عام2013و (جياد من ريش نسور) في نفس العام و(يدي تنسى كثيرأ) في عام 2014 . والمجموعات الخمس صدرت في بحر سنوات ثلاث،مما يثير الدهشة والغرابة من هذا الإنهمار الشعري المكثف، لمثقف استطاع أن ْ يصقل وعيه الفكري ويشذب ذائقته الشعرية .على مرور سنوات من مواكبة الأدب والذوبان فيه . فهو ناقد وكاتب موسوعي . اعني بالموسوعية، الكتابة في مجالات شتى .كما  يوحي بعمق إنشغالاته، وطاقته في إنجاز هذا المشروع الشعري التأملي .وكأني به وهو الذي يُقر إنحيازه الى المعتزلة،  الذين تجاوزوا عصرهم بتعرضهم لأشكاليات حادة وضعتهم في خانة التمرد على المألوف .وهو يفخر بانه يعتبر نفسه معتزليا معاصرا . وإذا كان الإعتزال الحديث يكمن في تتبع الفكر التنويري للمعتزلة، فهذا شرف يتمناه الكثيرون، ولقد ذكر الباحث العراقي رشيد خيون  عن المعتزلة مايفهم  " أنه لو تسنى لهذه الفرقة – ويعني المعتزلة -  الإستمرار، لدام تطور العلوم  والإختراعات " .  والأعتزال بغض النظر عن أصل التسمية، سواء أكان السبب في كون واصل بن عطاء قد إعتزل منهج الحسن البصري .أولأسباب أخرى تطرق اليها الباحثون في الفرق والحركات الأسلامية . ولكن الذي يعنينا هو أن  هذا البصري المعاصر المدعو مقداد بن مسعود، يقترح فهما آخر لمسلمات ورثناها ونحن نهيم  في وسط عتمة فكرية ومرحلة ظلامية، أزاحت العقل  وحاولت إعتقاله وتجهيله  .  لذا فقد إنسحب الشاعر مقداد داخل دهاليز الذات المتشظية، للبحث-عن طريق الشعر- عن جوهر الأشياء ، كي يتلمس ملامحها  بهدوء وحرص . لعله يعيد إليها شيئا من بهائها الذي فقدته .إنه البحث عن العقلانية في تأمل المحسوس، ومحاولت إستخلاص جوهره ومكنونه، او هكذا أظن رغم أنّ بعض الظن إثم !

مجموعته الشعرية (هدوء الفضة) ، تفتح بابا للتساؤل، وهو الذي يقول عنها :

" هل هي محاولتي في إجتراح كائن لغوي يتصدى بعزيمة طفل لكل ما يجري من أسلاك " وإذا كان الشاعر يقصد الأسلاك اللغوية السائدة ، فقد حاول أن يتحداها، مبرزا بعض المفردات والألفاظ التي تشاكس المعيار القاموسي المألوف .  كقوله (زورقت طفولتي محطة لك ، رخّ الماء في العجين، لاتكيف بكيف ولاتؤين بأين، والمتشائب ...الخ) وهذا يضعنا امام إشكالية اللغة، وعلاقتها بالمعاني، من حيث أيهما وعاء للأخر .المعنى أوالإشارة اللغوية  ولكنني أرى أن الشاعر يعني ماوراء اللغة من تشفير وترميز قد لاتتحمله اللغة الفصحى، ولكن اللهجة الدارجة قادرة على إستيعابه .لذلك فقد استخدم مفردات لغوية محكية ومفهومة ولكنها تنتمي الى الدارج من الكلام (الستريج البيزون ستن الكودري والشيفون والفرفوري والصندل وكفشة مريم ومكياج ومحلات الأنتيكا..الخ) . مما له دلالة على إنشغالات الشاعر بالدلالة والإيحاء اللغوي، حتى وإن إستعاره من اللفظ المتداول في الحياة اليومية .ولكنه لجأ احيانا الى إستخدام بعض المفردات الفصيحة وغير المتداولة" فرأيتهم يساقون مهطعين الى قعر الوادي" وكان باستطاعته ان يصفهم بالذل ولكنه استخدم بدلا منها اللفظة الفصيحة والمهجورة!  .

كانت الفضة - كمفردة مجردة-  لولبا لجميع قصائد المجموعة السبع والأربعين .وكأنّ الشاعر قد جعلها لافتة وثيمة وقصدا،أو كأنه يتعمد أنْ يرصّع بها مقاطع االقصيدة   . فتنعش النص،وتشكل عمود بناءه الفني والفكري  . أو تكون جزءً من النص في احيان اخرى  . وكأني بالشاعر قد كرس المجموعة لهذه القيمة العليا التي تمثلها الفضة .

ويعتقد البعض بان الفضة تشكلت من تفاعلات الغبار الذري،  الذي تكونت منه المجموعة الشمسية، وهي معدن ثمين فقد أكتشف في الألف الرابع قبل الميلاد . وهو ذو لون رمادي فاتح، يميل الى البياض . وفي حالة صقل السطح يصبح بملمس زجاجي . وإنها  - اي الفضة - تعكس نسبة كبيرة من الضوء الساقط عليها فتصبح كالمرآة . وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة الإنسان " ويطاف عليهم بآنية من فضة، وأكواب كانت قوارير " كما ورد في الشعر العربي أمثلة كثيرة عن الفضة واللجين . وللشاعر الراحل نزار قباني بيت جميل يتضمن الفضة

"أيتها الأنثى التي في صوتها تمتزج الفضة بالنبيذ بالأمطار

ومن مرايا ركبتيها يطلع النهار ."

ولايخفى على الشاعرمقداد مسعود أنّ للفضة مرادفات غير قليلة (اللجين والورق والصريف) ولكنه أصر على استخدام الفضة فقط . ربما لما تتركه من ايحاءات وإشارات ورموز،وربما لشهرة التسمية . وأمازيغ المغرب يسمونها (النُقرة) ويقيمون لها مهرجانا سنويا، تلبس النسوة فيه كل المصوغات الفضية البراقة وذات الأشكال التقليدية ولاسيما مصوغة(الْخُلالة).

حفلت قصائد مجموعته الشعرية (هدوء الفضة) بهذه المفردة، من بدايتها الى آخر قصيدة . وهذا يوحي للقاريء بحجم إنشغالات شاعرنا الفكرية، فإضافة الى كونه شاعرا فهو أديب وناقد ومفكر . ولاتخلو كتاباته من نفحة تأملية تتجلى في كتاباته التي تميل الى تحليل الظواهر المختلفة في الأدب والحياة، وقد إنسحب هذا الهاجس التأملي على شعره . فحالما يلتقط المعنى، حتى يذوب فيه . وقد كانت قصائده حافلة في هوس تأملي، يقترب الى الحلول في الظاهرة والتفاعل معها وإبراز صفاتها ونكهتها وتأثيراتها وعمق أسرارها . وكأنه يغوص في الفضة مثلا ، ويصبح جزءً منها ويحاول أنْ يحتكم بينها وبين كل الظواهر المحيطة، وكأنها جوهركل شيء.

" إنّ كتابة صابرة إنتظرت ..خطوي، لأقرأ ..فضتها "

ولكنها لاتأتي على نسق متشابه، بل انها تختلف أو تتشابه او تتشابك في المعنى حتى حد التناحر . وكأنها تعكس العالم المحيط بها والمشحون بالمتغيرات  . ولكن التوصيف الأول لهذه الفضة يختلف ويتقافز كأنه المد الذي يحمل زبد البحر . فهي ظل إمرأة ،ووردة تعرت من رائحتها، وليلة ثلجية  .ولكن هذه الفضة التي تتراءى في كل شيء وكأنها متاحة للجميع، تبدو عصية وعسيرة على المنال  .

في قصيدة (غيرة الشيفون) يستغرق في عوالم فضية، بحيث يتحول الليل الى شيء متألق لامع . فيبدا العشق الذي يحوّل زبد الموج الى حجل فضي،حتى تتحول تلك المرأة الى رحيق يتعالى وكأنها نجمة خائفة مما يحيطها من رهبة التعقب

" برحيقك عالية . يانجمة من سلافة الأزهار.

يداك شمسان، نبضك فضة، إنهم يتعقبون قلبك " ص11

وهنا يبدأ حوار شجي بين صوتين – بدلالة كاف المخاطبة- فهي تحمّلُه اقتسام أزقة الطيور، والدوران على أباريق الكروم . ولكن جوابه يرتقي الى الذوبان في المعشوق من خلال استخدامات لغوية لتجعل الصورة مابين التجريد والرومانسية . انها صورة الهيام  في اقصى حالاته :

" في المطر أنا الجوّاب، سأتقوس مظلة وأنا اسرق قدميك من أحذيتها كلها

مطري لايبلل سواك .. في شرشفك أنبض نجمةً صحراوية اللهاث " ص13

وتستمر القصيدة على هذا المنوال، وأعتقد أنها من القصائد التي تحمل مشروع الشاعر مقداد مسعود لجعل الشعرجسرا للتأمل والتسامي .وذلك من خلال الحوار الذي هو أفرب الى الحلم منه الى الواقع .

للبصرة كمدينة عشق لدى الشاعر، فهي فضاؤه، وفضته، يتأملها بعمق ويسكب عليها حزنه . ولكنها تبقى البصرة التي يذوب فيها ويخشى عليها ويتعبد في محرابها

" لاتخافي على مجذوم، يصليك ركعتين في

سراجه ..وبحمدك يسبّح "ص20

ومع أنه يقر بان المدينة أصبحت غريبة ومحاطة بالألوان العدائية، الا ان لديه أملا،  بان البصرة ستستعيد ألقها وستشرق عليها الفضة من جديد . وفي قصيدته (بلم عشاري) تتحد صورة المرأة بالمدينة . فكلتاهما متحد بالآخر،  وتتحول البصرة الى مياه مفضضة بالبريق ، تحتضن البلم العشاري الذي يذوب رقة بين مويجات المدينة وصدى ذكريات دروبها . الشاعر /البلام يندمج في سحر المدينة، وسيرى مالايراه الآخرون عنها .ستعود البصرة كمكتبة تشع العلم الى العالم

"يطبق كفيه على المردي، فتنبجس الفضة : كتبا جارية

البلام بحياء بصري يصوب عينيه الى نقطة

لايراها سواه "

وتبقى البصرة في قصائد الشاعر،ظلا عاليا يطل علينا في مقاطع او في قصائد كاملة، من خلال أحيائها وأزقتها وحواريها وانهارها وسواقيها . ومن المناطق والأحياء، تطل علينا (بريهة) التي تتحول الى حلم فردوسي يتخلله الماء الرقراق والحور العين . وهي جزء من البصرة الكبيرة،  بحدائقها ومعالم أسواقها وكنائسها ومساجدها واسواقها المعروفة ولاسيما سوق الصاغة  من المندائيين،وهجرتهم التعسفية  الى بلدان الشتات . والذي ورد في قصيدة(زهرون) وهو الصائغ الصابئي الذي غادر البصرة مرغما، ويعيش مابين البصرة الذاكرة ومولمو المهجر،وقد افصحت هذه القصيدة عن اوجاع الهجرة لدى مكوناتنا العراقية بفعل العنف والأرهاب وضياع الدولة . لم تقل القصيدة ذلك ولكنها بإشارة موجزة تستطيع أنْ تفصح عما تريده   .

أما قصيدة حدائق الداكير . فرغم عوامل الإحباط المحيط بالبصرة،  فقد حملت شحنات من التفاؤل بحيث تجد أن ثمة امتزاجا جميلا مابين المدينة والحبيبة، فكل منهما يسكن الآخر :

" الزوارق تنتظر وكذلك شط العرب

حديقة الداكير كلها، لك ولك ايضا

الكراسي كلها وهي المناضد، وهذا الأخضر الصامت..

أغمرك بإخضراري المرتبك

تحضنني فضة عينيك .."

يتحول اللون في المجموعة الشعرية الى لغة، لها دلالاتها، فقد أثبت الشاعر مقداد أنه فنان يمزج الألوان وينغمر فيها، مما وسع من قدرات النص على تحمّل الدلالات الرمزية، حتى أنه جعل للعطر لونا وللمساء لونا وكذلك الليل .ولايكتفي بتنفيذ اللون بل يحاول ان يجانس بينه وبين نقيضه . وقصائده تزخر بالأمثلة (ليلة بياضها ثلج/ الأصفر يطوق الأرجواني / في كوبي الأزرق / للقشطة المخضوضرة / نظارتها البصلية / الأصابع زرقاء الغصون) الخ من الأمثلة التي يزخر بها النص . كما ان نصوصه تنضح بالروائح والعطور التي يسعى اليها :

" سأقتفي ظل العطور في سلطان آباد أراك

أبحث عن دكانة ذلك الأعمى  .."

في أغلب قصائد مجموعته الشعرية يتناول الشاعر مقداد مسعود ادوات ومفردات يومية قد لاتثير انتباه الناس العاديين، ولكنه يلبسها معان عميقة مثل قصيدة الخيط التي يبدأ بها من مفردة الخيط، وينتهى بمسألة الخياط وهو الكادح والمنتج، مرورا بحركة الخيط الشاقولية التي تجعل الشاعر يبحر الى الحسابات الهندسية والى حركات الدلاء في البئر . انه استطراد شعري يشحن القصيدة بالرؤى، ويحملها بالمعاني . وكأنه يمسك عصاه الفنية ليضرب بها الأشياء برفق . ويجعلها تتعرى عن قشورها، لتظهر الفضة/ الجوهر .ولاشيء غير الجوهر .

هدوء الفضة قصائد تبحث البديل

قصائد تتكأ على العقل

 

اوتاوة/ كندا

 

أسئلة الرواية الاماراتية.. دراسة لخمس روايات اماراتية (11)

1- أميرة حي الجبل.... لعلي احمد الحميري

2- إمرأة استثنائية ........... لعلي ابو الريش

3- لعله انت...... لباسمة يونس

4- بين حين واخر..... للميس فارس المرزوقي

5- ريحانة..... ميسون صقر القاسمي

 

رواية ريحانة لميسون صقر القاسمي

تعريف بالمؤلفة:

ميسون صقر القاسمي من مواليد عام 1958 في إمارة الشارقة، أنهت دراستها في جامعة القاهرة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية تخصص (سياسة) في عام 1982

عملت في المجمع الثقافي بأبوظبي في مركز الوثائق، ثم في مؤسسة الثقافة والفنون كرئيس لقسم الثقافة، ثم لقسم الفنون ثم أنشأت قسماً للنشر بما فيه من عقود ونظم ومستشارين وطبع خلال فترتها الكثير من الكتب الهامة المترجمة والمؤلفة، وأقامت مهرجان الطفولة الأول والثاني. وعملت بوزارة الاعلام والثقافة مديرا للإدارة الثقافية.

وانتهت مؤخرا من تجميع وتحقيق الأعمال الكاملة لوالدها الشاعر الشيخ صقر بن سلطان القاسمي في أربعة أجزاء والذي عملت عليه منذ فترة طويلة

وللكاتبة مجموعة من دواوين الشعر:

هكذا آسمی ألأشياء

الريهقان

جريان في مادة الجسد

البيت

الآخر في عتمة

مكان آخر

السرد على هيئته

رجل مجنون لايحبني

ارملة قاطع طريق

رغوة القلب الفائضة

 وتسع مساهمات في معارض الفنون التشكيلية، فضلا عن عملها في السينما حيث حققت فلما قصيرا بعنوان خيط وراء خيط، الذي نال جوائز التحكيم في أفلام الإمارات بأبوظبي، وعرض في مركز الفنون بالقاهرة وشارك

في مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة كما شارك في معرض الدائرة بمسقط، عمان.

 

رواية ريحانة

 صدرت عن دار الهلال بالقاهرة عام 2003وهي من 227 صفحة وهي روايتها الوحيدة

ولابد من أشير الى أن النسخة التي أعتمدت عليها في هذه الدراسة لم تكن نسخة دار الهلال وانما نسخة الكترونية، تمددت فيها صفحات الرواية بسبب تقنيات الرفع الى الموقع الالكتروني، ولهذا فان ارقام الصفحات المؤشرة في هذه الدراسة تختلف عن ارقامها في طبعة دار الهلال، مع التاكيد ان المحتوى ظل واحدا

ملخص الرواية:

ريحانة، بطلة الرواية، هي واحدة من عبيد حاكم الشارقة في حينه،وهي ابنة عبد اشترته العائلة، وزوّجته من عبدة اسمها مهيرة فولدت لهما ريحانة .

بسبب عملية الانقلاب التي ادت الى استيلاء ابناء عم حاكم الشارقة على الحكم، بمساندة القوات البريطانية المحتلة، يتم ترتيب تسفير الحاكم وعائلته الى القاهرة، التي اختارها بسبب مفاهيمه القومية وميله الى تأييد الزعيم المصري عبد الناصر، يصطب معه عائلته وريحانة التي كان لديها طفل هو محراك وحامل بطفل تلده في القاهرة، وتسميه نصور، تيمنا باسم جمال عبد الناصر’وكانت ريحانة قد تزوجت من حبيب سائق الحاكم، وهو من عمان، لم توافق السيدة أن يصحب حبيب زوجته وطفله.

تؤدي ريحانة واجباتها في القاهرة لسادتها باخلاص رغم حنينها لزوجها، كما تقوم بخدمة ابنة العائلة (شمسة)

بعد بضع سنوات يتزوج حبيب من فطومة، وهي ابنة صديقة ريحانة، فتشعر بالاحباط والغيرة على نحو حاد، تلجأ للتدخين وادمان الخمرة

في هذه الاثناء تظهر على محراك مظاهر الانحراف في سلوكة ويبدأ بارتداء الملابس النسائية واستعمال مواد الزينة النسائية

حين تسوء حالة ريحانة يبعثون بها الى الشارقة مع احدى نساء العائلة الحاكمة، وفي الشارقة تعود الى زوجها حبيب الذي انتقل الى سلك الجيش الذي بدأ تشكيله، ويحصل على بعض المال الذي يؤهلهم لشراء بيت صغير، بسبب توسع الدولة في اعمال البناء وشق الشوارع، وحيث ان بيت ريحانة يقع على مسار شارع جديد، يتم تعويضهم بمبلغ كبير، تحاول ريحانة ان تحقق احلامها ببناء قصر والبدء بحياة جديدة مشابهة لحياة سيدتها، تأخذ قرضا من البنك وتبني القصر وتشتري الملابس الغالية والعطور المستوردة، يموت حبيب فيتعذر عليها تسديد قروض البنك الذي يستولي على القصر ....تصاب ريحانة بالجنون ثم تختفي دون ان يعرف احد من عائلتها مصيرها

وتتعرض الرواية الى حياة الولدين ...محراك منحرف جنسيا ويعمل في فرقة شعبية مرتديا ملابس نسائية،

نصور او ناصر، يلتحق بمجموعة اسلامية ويذهب للقتال في افغانستان حيث يصاب ويعود الى الشارقة

اما عائلة الحاكم في القاهرة، فالرواية تركز على (شمسة) التي تلتحق بالجامعة وتقع بحب زميل لها هو (هادف) وتتعرف على الحركات اليسارية والليبرالية عن طريق صديق ثالث هو طه .

تعرض شمسة الزواج على هادف ولكنه يرفض .تفرض العائلة على شمسة أن تتزوج من ابن عمها، وفقا للتقاليد والعادات.

وتتعرض الرواية الى واقع العبودية وتجارة الرقيق، وتشير الى ان بعض السادة اعطوا الحرية لعبيدهم بسبب الوضع الاقتصادي الذي كانوا يعانون منه، ولكن اولئك المحررين سرعان ما عادوا الى سادتهم رافضين الحرية، ويعزى هذا الى عدم توفر سبل العيش من جهة والى عدم توفر الامان من جهة ثانية، ومن الجدير بالذكر ان دولة الامارات العربية وقعت على اتفاقيتين مهمتين على صلة بالموضوع هما:

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (١٩74).

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (٢٠٠4).

 

أصوات السرد

يتناوب على السرد عدة شخصيات وتأخذ كل شخصية جانبا من الرواية:

 1- ريحانة

2- الساردة الخارجية

3- شمسة

 وقد عمدت المؤلفة، أن تعمل جاهدة لتكون خارج إطار السرد، لتترك الحرية لشخصياتها بالتحرك في فضاء الرواية على النحو الذي يحقق لهم اكبر دور في عرض رؤيتهم،

وقد نجحت المؤلفة في التمييز بين الاصوات، فجاء صوت ريحانة في حدود مفاهيمها واهتماماتها الشخصية

اما صوت شمسة فقد كان اوسع في مدياته واعمق في اهتمامته، تحدثت عن عملها في كتابة بحث عن المعتزلة، وعن النشاط السياسي للطلبة، وعن واقع اليسار الجديد في صفوفهم وعن الواقع السياسي لمصر بعد صعود السادات للحكم

في الصفحة 254- 255 تقول شمسة:أنا بذرة عائلية في مجتمع يملك بنية الثقافة الحادة، حتى ولو كنت انسانا مفطورا على هذه الفكرة، ولأن العائلة انتقلت من مكانها الطبيعي، الى مكان آخر، حاولت بشكل حاد ومتعسف، أن تحافظ على هذه البذرة، بما يوائم مجتمعها السابق، لا المجتمع الذي هي فيه،

اما الساردة الخارجية، فقد نظرت الى مجمل الاحداث وتحدثت من الخارج، باعتباره العليمة بظروف وملابسات شخصيات الرواية وأحداثها،

والمؤلفة هنا لم تكن مهيمنة على النص الروائي واحداثه .

أن ما تقدم يشير الى أن المؤلفة استطاعت ان تعطي لكل صوت أ شركته في الرواية خصوصيته ضمن تعددية مقصودة، بمعنى ان المؤلفة تفهم ان لكل شخصية تضعها في سياق السرد مواصفات تحدد سلوكها

فالشخصية، في العالم الروائي، ليست لها وجود واقعي بقدر ما هي "مفهوم تخييلي تشير اليه التعابير المستعملة في الرواية للدلالة على الشخص ذي الكينونة المحسوسة الفاعلة التي تعانيها كل يوم .

هكذا تتجسد على الورق فتتخذ شكل لغة وشكل دوال مرتبة منطقياً او انزياحياً نتج عنه انحراف عن القاعدة والمعيار في اتجاه توليد الدلالة في ذهن القاريء بعد فكه شفرة العلامات الدالة .كما ان الشخصية هي مدلولات هذه العلامات في تراصفها وتناسقها هنا، ويمكن ان تكون العلامة حرفاً او كلمة او عبارة او جملة، ثم ان الاقوال والافعال والصفات الخارجية والداخلية والاحوال الدالة عليها العلامات، هي ما يحيل الى مفهوم الشخصية لا الشخص

والنص يمكن تصنيفة (نصا مفتوحا) يترك للمتلقي ان يشارك في احداثة وان يخلق رؤاه وتصوراته لمجريات الاحداث، وكما يقول ايكو عن القارئ الذي هو عبارة عن فرضية ستراتيجية ذهنية تخيلها المؤلف ويزرعها أو يبذرها داخل نصه الأدبي، وهو بمعنى آخر ’’مقولة ذهنية تنشأ بناءً على تحديد الوظيفة المرتقبة في كيفية أو مدى الاستجابة لمقتضيات النص، وبناءً على تصور القدرات المعرفية للتعامل مع جميع ممكناته.

 

التعدد ية اللغوية

كانت المؤلفة ذكية بانتباهها الى تعدد اصوات السرد من جهة واختلاف مكان تواجدهم من جهة ثانية واستعمالها (الاسترجاع) من جهة ثالثة، فجاءت تعددية اللغة مناسبة

1- اللغة العربية الفصحى

2- اللهجة الخليجية

3- اللهجة المصرية

4- اللغة السواحلية

كانت اللغة العربية الفصحى هي الرابط لمجمل السرد ولكن الكاتبة تركت لشخصيات روايتها ان تخرج أحيانا على هذا الرابط لتتحدث باللهجة التي تناسبها

فالساردة، مثلا، تقول في الصفحة 56:هكذا ريحانة تعيش الاحساس الموقت بين الخط والدائرة، الوهم تحقق لأنه لاوجود له، وهي عابرة في هذا المكان، هنا خارج سياق أي شيئ .

اما اللهجة الخليجية، فقد جرى استعمالها في مواضع محتلفة من الرواية، ففي الصفحة 31 تسأل شمسة امها:

- أمية شوسوّين ؟

وفي الصفحة 90 تقول شمسة:أبغي أشياء وايد ...ابغي أكون انت .

وفي الصفحة 186 تغني ريحانة:

يامية ....يامية راعي البحر ما أباه

أبي وليد عمي بغترته ... وارداه

وفي اللهجة المصرية، كان معظم الحديث بين شمسة وزميلاها في الجامعة ففي الصفحة 61 يقول طه مخاطبا شمسة:

- تكوني عبيطة لو افتكرت أن ده كله لهادف

- امال لمين يعني...ترد شمسة

- ده ليك وحياة عينيك

اما في اللهجة السواحلية، فبعض حديث صالحة وما جاء في الصفحة 118 برسالة شخصية لفاطمة بنت السلطان الحاكم محمد ا.لكبير، وهي هنا شخصية عرضية يمكن الاستغناء عن وجودها فهي تعيش في فضاء السرد، ولم يزد وجودها المتخفي وراء رسالتها المكتوبة بالسواحلية وترجمتها الى اللغة العربية، عن بضعة اسطر،بدأتها بمكانتها (حاكمة)وانها رأت الوالي ووكيله علي، والمؤلفة لم تعرفنا بشخصية فاطمة في مجريات السرد اللاحقة، كما ان الاشارة السريعة لها والتي ربما تحمل دلالة مكانة المرأة في مجتمع ما قبل الدولة، جاءت مبتسرة ومحشورة دون اية مبررات موضوعية او حاجة تستدعيها جمالية السرد.

 

ذياب فهد الطائي

..........................

أحمد رحيم كريم الخفاجي، مصدر سابق ص 321

مجلة الاقلام بغداد، ع5، 4، 1999: ص20، مفهوم القارئ وفعل القراءة في النقد الأدبي المعاصر: د. محمد خرماش،، 

من النقد إلى النقدانية

khalidjawad shbaylظل مصطلح النقد دهراً وحتى يومنا هذا يعني بشكل رئيسي نقد الشعر، وإن أضيفت له في غضون القرن الماضي ممارسات في النقد شملت فنّي الرواية والقصة، ناهيك عن دراسات شملت الواناً متعددة في شتى مناحي الآداب والعلوم .. ومع هذا التقدم فإن للشعر فيه حصة الأسد، فلا عجب ولا غرو، فإن الشعر هو ديوان العرب وهو خزين كنوز لغتهم وأفكارهم وعواطفهم ومجمل إبداعهم في عديد الأغراض من وقوف على الأطلال ووصف حياة العرب بدواً وحضرا، والتشبيب ووصف الخمر والفخر والمدح والهجاء على مرّ العصور...الخ.

كان الحدث الأهم في تاريخ الشعر العربي هو انتقاله من الشفاهة الى مرحلة التدوين(1)، أي من الخطابة الى القراءة المتمعنة، فقد كانت المرحلة الأولى منه هي الجمع حيث يخرج الجامعون الى مضارب القبائل يجمعون من شعرائها وحفظتها وكانوا يجوبون الصحراء ليلتقطوا ما يسمعون، ثم بدأت مرحلة الفرز والتدوين  من رواة مشهورين(2).. اعتباراً من بواكير العصر الأموي، أمثال: الشعبي ت 103ه، وقتادة ت118ه، والزهري 124ه، ومحمد بن السائب الكلبي ت 147ه..وغيرهم. ونجد أن أبرز الشعراء في العصري الأموي كان من رواة الشعر الجاهلي كالفرزدق الذي ورث الدراية بالشعر وروايته عن أبيه غالب بن صعصعة ورواية شعر امرئ القيس وأخباره من جده؛ أما جرير فإنه تلقى الشعر وروايته عن جده حذيفة بن بدر الذي كان شاعرأ وعارفاً بأخبار الشعر والشعراء..

ليس من المستغرب أن يزدهر تدوين الشعر في العراق بالتوازي مع ازدهار علوم النحو والفقه والعروض فقد لعبت كل من البصرة والكوفة أدوار تأريخية فللأولى غلبتها في علوم اللغة والثانية في الفقه..ولقد اغتنت أساليب التدوين وخضعت لميزاني الجرح والتعديل! ومع ذلك بدت المنافسة  تصل الى نزاع بين الحاضرتين في العلوم الدينية وشتى العلوم الدنيوية الأخرى وخاصة علوم اللغة ولاسيّما النحو وفي تفسير القرآن وفي علوم الكلام وما إلى ذلك.. وحيث أن دراسة الشعر وفهمه ونقده تعطي ذخيرة ووسيلة هامة في فهم القرآن وتفسيره وكذلك الأحاديث النبوية ..

منذ نشأة النقد كان ميدانه الشعر وظل يعيد نفسه قروناً، مهملاً النثر بشتى فنونه من خطابة ومراسلة ومقامات..وكان منطلق النقد ومرجعيته الأولى هو الشعر الجاهلي، وحيث إن هذا الشعر هو انعكاس للحياة الصحراوية بطبيعتها وناسها وحيوانها ونباتها... أي إن الشعر الجاهلي كان انعكاساً صادقاً لتلك الحياة وقد اعتمد التصوير وكان هذا التصوير أقرب الى التصوير الفوتوغرافي لحياة غير مستقرة مجدبة عمادها الترحال والحروب بين القبائل، تذكيها روح الانتقام والثأر..

وبهذا كان الشعر يفتقر الى عنصري الخيال والأفكار، التي لا تتعدى الحكمة وينأى عن الفلسفة نأياً كبيراً وإن سجلت لها ملامح أولية لدى بعض الشعراء كطرفة بين العبد والهذلي، وكانت صفة الشعر النبرة الخطابية التي تعتمد الجزالة اللفظية والأسلوب البلاغي، والصوت العالي على البحور الطويلة بما يتلاءم مع أغراض الشعر..

لهذا فإن ما ُيسّمى " نقداّ" عند روّاد النقد القدماء هو نقد بلاغي شكلاني أقرب الى المنطق الصوري الأرسطي في أسلوب المعالجة النقدية، من حيث اعتمد البلاغة البيانية التي " تهتم بطرق البيان والبديع و"فن القول"(3) دون الاهتمام بالقول، أو بالمضمون والمحتوى الإنساني – الاجتماعي والفكري.." لكن لا يمكن مطالبة النقاد المتقدمين " بالمرجعيات التي لا يمكن أن يقوم "نقد" من دونها، مثل علم النفس وعلم الاجتماع واللغويات والأساطير..."(4)  لسبب بسيط ان هذه العلوم حديثة في نشأتها  التي لا تتجاوز القرن إلا بقليل وهي مازالت في قيد التطور وتعج بالنظريات والفرضيات المتفاوتة والمتناقضة في كثير من الأحايين!

وحيث أن البلاغة في نشأتها كسائر بقية علوم اللغة هي من أجل فهم النص القرآني وتفسيره من دون مناقشته باعتباره نصّا مقدساً منزّهاً لذا كان الاهتمام منصبّاً الى كيفية القول أي الى الناحية الفنية، وهذه المعالجة ذاتها  كُرّست لفهم الشعر بلاغياً من أجل فهم القرأن فهو المصدر الثاني للغة بعد القرآن.

لقد ظلّ النقد أسير البلاغة، وحتى وإن أُخِذ بالحسبان تمايز النقاد القدماء المنهجي الجزئي، الذي لم يخترق حجاب البلاغة البيانية الى ما ورائها نافذاً الى طيّات اوتضاريس النص الذي هو في غالبه الأعم الشعر إلى منتصف القرن التاسع عشر وحتى قبلها مع دخول المطابع الى مصر مع حملة نابليون على مصر، والبعثات المصرية إلى أوربا في عصر محمد علي باشا الكبير والخديوي إسماعيل وكذالك عن طريق أدباء المهجر.

 وكانت الومضات الكتابية الأولى في مجلة المقتطف 1876 حاملة لواء التجديد التي خصصت باباً للنقد أسمته " باب الانتقاد والتقريظ" وبعدها مجلة "الهلال" 1892، حيث بدأت أنفاس جديدة في النقد تنأى بنفسها رويداً رويدا عن البلاغة البيانية الى الفكر واستنباط  معاني النص وربطه بحياة صاحبة وتأثير الوسط الاجتماعي فيه، ومع ذلك استمر بالتركيز على الشعر مع اهتمام تدريجي بأجناس أخرى من رواية ومسرح.. ثم لتشرع أبواب النقد أمام اتجاهات حديثة غربية في النقد الحديث وأهمها الاتجاه الإنكليزي الذي تزعمه العقاد والمازني والذي اهتم بالنص أولاً ومن خلاله معرفة الشاعر، كما في كتاب العقاد عن ابن الرومي  وحياته من خلال شعره(5)، ومعالجة موضوع وحدة البيت ووحدة القصيدة في نقده لأحمد شوقي،  والاتجاه اللاتيني الفرنسي الذي تزعمه طه حسين ومن ثم محمد مندور وآراؤهم الجادة التي عكسوها في مؤلفاتهم النقدية  وما شجر بين المدرستين من خلاف ومعارك أدبية، وكذلك المجدد لويس عوض ونزعته التجديدية وما خاضه من معارك ضد الاتجاه المحافظ المتمثل بأحد أعلامه وهو محمود شاكر..(6)

وتعمق الصراع الذي بدأ مع بروز الاتجاه الواقعي الذي أعقب الانقلاب الثوري في 23 تموز/يوليو1952 حيث دعا محمود أمين العالم و عبد العظيم انيس وغيرهما الى الادب الثوري الذي يخدم التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجارية في مصر وقد تصدى لهم طاح حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" ناكراً وجود الأدب الثوري، لأن مفهوم الأدب أوسع من الثورة باعتباره أدب الحياة.. لقد أغنت هذه المماحكات النقدية النقد العربي وشكلّلت إضافات هامة، لتمهد الطريق الى الوجودية والبنيوية وما بعد البنيوية والتفكيكية ثم المفاهيم الشاملة للحداثة وما بعد الحداثة!

ولكن هل بوسع النظرية النقدية الحديثة(7)، أن تعاف النقد اللغوي والأخص منه البلاغي البياني؟ أعتقد أن النقد البياني قد انبثق من طبيعة اللغة العربية وتحديداً من القرآن والشعر الجاهلي ورافق مسيرة الشعر في كل عصورها، ويعني هجرانه القطيعة مع تراث نقدي متقدم ومتنوع رافق مسيرة الشعر العربي، وبدونه سوف يفقد النقد العربي دعامة أساسية ويتحول الى تهويمات نقدية أميبية لا شكل لها، وبذلك يترك مردوداً سلبياً على الشعر العربي بكل ألوانه وسيخلق فوضى العبث التي تبدو بعض ملامحها في شعرنا الراهن!

ومن المفارقات الهامة الداعية الى القطيعة مع منهج القدماء في النقد العربي لخضوعة للبلاغة البيانية، هو أننا نجد من الناحية العملية المناهج الحداثوية تعود لتُعلي من قيمة البيان، يبدو هذا واضحاً في الارتكان الى النص من داخه واستكناه ابعاده البيانية والعلاقة بين عناصر النص سواء في البنيوية أو التفكيكية.. ومن يقرأ المطروح من شعر الحداثة سيلتفت الى الغموض والتضبيب ثم يأتي النقد الحداثي ليزيد الغموض غموضاً والتضبيب تضيبا، بسبب التأويل السائب للغة مفرداتٍ وجملا..

ما أريد الخلوص إليه هو أننا بحاجة الى تعريف جديد للنقد الشامل الذي اغتنى بمفاهيم جديدة خلال مسيرته في القرن الأخير لتحرير مصطلح "النقد" (8) من القيود البيانية التي ظلت قروناً مقتصرة على الجانب الشكلي للشعر -من دون إلغائها- الى مجالات نقدية أرحب أتينا على ذكربعضها لتتجاوز حدود الآداب الى مختلف المجالات والانشطة الأسلوبية  بما في ذلك العلوم الإنسانية الأخرى من علم النفس والفلسفة والتاريخ ..الخ، وهذا ما يمكننا من استخدام مصطلح "النقدانية" الذي يقابل المصطلح الإنكليزي Criticism الذي يستوعب كل التطورات التي جرت ومازالت جارية..

 

خالد جواد شبيل

 1نيسان/أبريل 2016

...........................

هوامش:

(1) مقدمة للشعر العربي، ادونيس، ف1، دار الساقي بيروت 2009.

(2) الشعر الجاهلي، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة.وكذلك كتابه الشعر الأموي، عن الدار نفسها.

(3) نظرية النقد، تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب، الفقرات1-11 منشورات وزارة الثقافة دمشق2002.

(4) الهامش (3).

(5) ابن الرومي حياته من خلال شعره، عباس محمود العقاد، دار المعارف.

(6) معارك أدبية، وكتاب في الميزان، محمد مندور عن دار المعرف، كذلك طبعت معارك لويس عوض في كتاب يحمل عنوان" لويس عوض ومعاركه" لنسيم مجلي، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة ط1، 1995.

(7) النظرية النقدية الحديثة، الى هاو، ترجمة: ثاءر ديب، المركز القومي للترجمة، إشراف جابر عصفور.

(8) ارتبط مصطلح النقد بعملة النقد حيث يقتضي التمييز بين حقيقها وزائفها..

 

شعراء الواحدة وشعراء اشتهروا بواحدة!(1) المقدمة

karem merzaمن هم شعراء الواحدة؟ هل هم الشعراء الذين خلّفوا لنا قصيدة يتيمة واحدة شهرتهم،  فاشتهروا بها، وسلّمتهم صكوك الخلود، ولم تكن لهم قصائد أخرى، كتوبة بن الحمير، ومالك بن الريب، وسحيم عبد بني الحسحاس، وابن زريق البغدادي، والمَنخًّل اليشكري، ودوقلة بن العبد المنبجي، أم نضمً إليهم مَن يملكون ديواناً، كعمرو بن هند ، وطرفة بن العبد، وأبي الحسن التهامي، والطغرّائي والحصري القيرواني، وغيرهم، ممن ذاع صيتهم، وسجّلهم التاريخ الأدبي في سجل الخالدين بقصيدة عصماء واحدة  من قصائدهم، لولاها لطواهم النسيان مع من طوى، أو كاد !!

لا ريب أن ابن سلام الجمحي (توفي 232هـ /  847 م)، هو أول من دوّن مصطلح (شعراء الواحدة) في مؤلفه النقدي القديم القيّم، والأول في تاريخ الأدب العربي في هذا المجال، ألا وهو: (طبقات فحول الشعراء)، ولكن على ما يستدل من تدوينه ليس هو أول من أطلق  هذا  المصطلح على الشعراء، وما كان يريد بـ (الواحدة) الحصر، وإنما التغليب لشهرة قصيدة واحدة، وخلودها على ألسنة العرب ، اقرأ معي ما يقول عن الطبقة السادسة في (طبقاته ج 1 / ص 151 - 153)  موجزين:

الطبقة السادسة: أربعة رهط لكل واحد منهم واحدة، أولهم عمرو بن كلثوم بن تغلب، وله قصيدة التى أولها:

ألاهبّى بصحنك فاصبحينا ***  ولا تبقى خمور الأندرينا

والحارث بن حلزة بن يشكر،وله قصيدة التى أولها:

آذنتنا ببينها أسماء *** ربّ ثاوٍ يملّ منه الثواءُ

وله شعر سوى هذا .

وعنترة بن شداد بن عبس، وله قصيدة وهى:

دار عبلة بالجواء تكلمى ... وعمى صباحا دار عبلة واسلمى

وله شعر كثير إلا أن هذه نادرة فألحقوها مع أصحاب الواحدة .

وسويد بن أبى كاهل بن يشكر بن بكر، وله قصيدة أولها

بسطت رابعة الحبل لنا ... فمددنا الحبل منها ما اتسع

وله شعر كثير ولكن برزت هذه على شعره.

نقلتُ إليك  هذا النص المجتزأ  من (الطبقات الجمحية)، لأشير لنقطة مهمة، لم ينتبه إليها النقاد، ممن وقع بصري على كتاباتهم عن شعراء الواحدة، تتضمنه هذه العبارة في معرض كلامه عن عنترة وقصيدته: " وله شعر كثير إلا أن هذه نادرة فألحقوها مع أصحاب الواحدة ."

 

من هم الذين ألحقوها مع أصحاب الواحدة؟!!

إذاً ليس هو أول من أطلق هذا المصطلح، بل كان شائعاً بين جماعة من الأدباء والرواة، ويعود إليه فضل التدوين، تذكرني هذه العبارة الجمحية لقول امرئ القيس:

عوجا على الطلل المُحيل لأننا *** نبكي الديار كما بكى ابن حِذامِ

من هذا ابن حذام الذي سبق امرئ القيس بالبكاء على الديار؟!! لا ندري، ولا المنجم يدري...!! والعقبى جرى الشعر في مجراه، وسار(شعراء الواحدة) من بعد على خطاه ....

والمهم نستطيع أن نجتهد نحن  بمفهومين لهذه الإشكالية، المفهوم  الأول (شعراء الواحدة)، وهم أصحاب القصيدة الوحيدة الباقية لهم  التي اخترقت كلّ العصور بوهج شديد، لم تستطع الأيام أن تخفت إشعاعه  الخارق، لأنه انعكاس عن خوالج نفس متألمة، متغربة عن ناسها المعاصرين، أو غريبة عن مكانها الأمين، أو داهمها الموت الرهيب على غير موعد قريب، أو رمتها زينة الحياة بسهم الممات، وما نالت منها إلا البؤس والحرمان، وبث الشكوى المريرة، وما في الوجدان !!! ومع ذلك كلّه من المحال أنّ هؤلاء الشعراء قد نزل عليهم الإلهام الشعري دفعة واحدة  بزخم الخلود، وانقطع عليهم أو عنهم  بقدرة قادر من قبل ومن بعد، الشعر موهبة وراثية، وثقافة حياتية، وتعليمية متدرجة، تتراكم في النفس الشاعرة بوعيها ولا وعيها، ولا بد لها أن تفيض بشكل من الأشكال إبان الخوالج المتألمة الحزينة، أو لحظات النشوة المتلذذة، ولكن انقرضت، لعدم اهتمام الرواة بها، أو كان الروي ضعيفاً، ضاع من بين الألسن، فأكلته الأيام !!!

وربما  يتنازع عدة شعراء على هذه الواحدة الواحدة، وقد تتداخل أبياتها مع أبياتٍ من قصيدة شاعر آخر حسب ذاكرة الرواة، وقابلية حفظهم، وأمانة نقلهم، ولا يمكننا أن نلوم الرواة على رواياتهم الضعيفة، والمتعددة سيان على مستوى صحة نسب القصائد الواحدة لقائليها الأصليين، أم سلامة أبيات كلً قصيدة  كما جاءت على لسان شاعرها الحقيقي، لأن معظم شعراء الواحدة غير مشهورين في عصرهم، فلا  هم من المتنفذين، ولا  من وجوه المجتمع، ولا  من أصحاب السلاطين وجلساء بلاطاتهم، وهذه هي المراكز الإعلامية التي تشع منها الأخبار، وتنتشر على الآفاق، فتصبح على كلّ لسان، وتصك سمع كل آذان !!، بل قد تراهم من الموسوسين، أو المكدين، أو الصعاليك ... ولكن هذا لا يُبرئ ذمّة كلّ الرواة، فهنالك من ينحل الشعر، ويحرّفه  ويضيف إليه، ويرتزق به  كحماد  الراوية ...!!

والمفهوم الثاني (شعراء اشتهروا بقصيدة واحدة) ، أي ما كانت قصيدتهم الفريدة المخلّدة إلا مائزة عن بقية قصائدهم ومقطوعاتهم  ...!! والناس تعشق كلّ جميل

ومن وجهة نظري، هذا المصطلح، لا يمكننا أن نطلقه على شاعر معاصر على قيد الحياة، كما يرتأي بعض الكتاب، لأن ربما في لحظات الموت ينظم الشاعر  قصيدة على أروع ما يكون، فتشطب على كل ما كان من نظمٍ فتان، قالها الشاعر نفسه الفنان !!  كما  خلجت به نفس  مالك بن الريب آخر أيامه ، فرثى نفسه، وأبكى  وجدانه، وقد نجتهد أن نحسب شاعراً مشهوراً من أصحاب (اشتهروا بواحدة)، ولم يشر إليه أحد من قبل ، وأنا - ولا أدري أحداً سبقني - أعدُّ أبا الشمقمق منهم لقصيدته الشهيرة: (برزت من المنازل والقبابِ).....

خلود الذكرى في هذه الدنيا حظوظ وقسم ، تذكرت قول حافظ إبراهيم:

فإذا رزقت خليقةً محمودةً **** فقد إصطفاك مقسم الأرزاقِ

فالناس هذا حظه مال وذا ***** علمٍ وذاك مكارم الأخلاق

لا تعرف الدنيا كيف تسير؟!! هل أنت تحسب كل من خُلقوا عباقرة  عمالقة في هذه الدنيا على امتداد تاريخها، برزوا، وخلدوا؟!! كلاّ وألف كلّا، هنالك أضعاف ممن سحقهم الدهر، وناسه، لأنهم ولدوا في زمانٍ غير زمانهم، ومكان غير مكانهم، فالأيام الأخرى، تتطلب صفاتٍ أخرى ...إلى أين أريد أن أصل؟!!! أقول ليس بكثرة القصائد، وغزارة الشعر، والإفاضة في الإطالة يخلّد  الشعر والشاعر، ربّما تأكل التخمة الدرّة، وعندما يغربل النقّاد  يفوت عليهم الفتات، والشعر ذوق وفن وإحساس، يقول الناشىء الأكبر عن شعره:

يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمعوا بهِ ***في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ

شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ ***ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ

نكتفي بهذه المقدمة، لندخل بزيارة حضرة الشعراء للواحدة لهم، أو بواحدة ندرت منهم ...!!! ولله أمرهم وأمرنا، وإنّ غداً  لناظره قريبُ.

 

كريم مرزة الأسدي

 

الضياعُ في عينيّ رجل الجبل

adnan aldhahirهذه قصة مثيرة ولها فرادتها،نعم، هذه قصة أخرى مغايرة بالجملة والتفاصيل لما كنا قد قرأنا في قصة " حيثُ البحرُ لا يُصلّي " للقاصة نفسها وفي المجموعة القصصية نفسها *. قلتُ هنا رومانس عاصف وبوح واضح صارخ وتعبيرات عن حرمانات متراكمة مُزمنة عالجتها الدكتورة سناء الشعلان بكل جرأة وأمانة والكثير من التحدي للأعراف وهذا منحى ليس جديداً فلقد قرأنا لها ما هو أكبر مما قالت في هذه القصة ولا سيّما في روايتها المثيرة للجدل " أعشقني " وكنتُ أول من كتب عنها بعد صدورها مباشرة. مداخل وبواطن القاصّة غير عصيّة على الانفتاح أمامَ مَنْ واكب كتابات القاصة وسبر أغوارها درساً وتحليلاً ولفترة تناهز العشرة أعوام والزمن ضوء كشّاف ومسبار خبير وله عيون. أحسب أنَّ هذه القصة هي قصة حبّ خياليّة مفترضة  لبطلة القصّة.

نقرأ في الصفحة الأولى من القصّة ما يلي:

((تضجُّ أصواتُ الغابة ونداءات الطبيعة وغريزة الاشتهاء في قلبي إزاءَ حادث استثنائي اسمه الإقترابُ منكَ، من الممكن أنْ أُلخّص معجزة لقائي بكَ من باب الإستحياء أو الجُبن أو الهروب من سحرك بوصف الإعجاب بكَ وحسب / الصفحة33)). في القصة بوحٌ سامٍ أفلاطونيُّ الطبيعة وغزل بمحبوب من بلد آخر غير بلد القاصّة ولغته الأم لغة أخرى غير لغة العرب  لكنه يفهم ويتكلم لغة العرب. بين ثنايا هذا الهوى الأفلاطوني الجارف نجد هنا وهناك غزلآً مكشوفاً من نوع البورنو قد يستكثره البعض على الدكتورة سناء الشعلان من قبيل:

((... لا قيمة لكل رجولتك ولسيفك الرجولي المثير إنْ لم أكنْ غمده الأبدي، لا قيمة لكلماتك إنْ لم يحسن ثغرك الكرزي المُشهّي تقبيلي، لا قيمة لأنوثتي إنْ لم تسعدك وتفتنك، وتمتصّك حتى آخرَ قطرة من رجولتك التي أراهنُ عليها بعمري وجلال افتناني / الصفحة 35)). هل يحتاج هذا الكلام إلى تفسير ؟ جسدها غِمدٌ أبدي لعضو ذكورة عشيقها ... لسيفه الرجولي ! نعترفُ إنه تعبير جديد مُثير فيه شبق وإشارة وإثارة ولكن، ما عسى السيدة تتوقع من ردود أفعال زملائها الأساتذة وطلبتها في الجامعة الأردنية ؟ ألا تحسب لهم ولردود أفعالهم أي حساب ؟ أم أنه التحدّي ومناطحة الناس والسحاب و " أنا الغريقُ فما خوفي من البللِ " كما قال المتنبي ؟

سُدىً البحث عن الدوافع ثم تفسير هذه الظاهرة في ضوء ما نكتشف من دوافع ومحفّزات. تقوقعت سناء في قصتها هذه حتى نخاع العظم واحتمت بقبّة حلزون أو درع سلحفاة فلم تخرج عن عالم تعلّقها المجنون برجل ليس من قومها ولا من بلدها ولسانه الأصل غير لسانها، وقد كنا تعوّدنا أنْ نقرأها الإنسانة العربية والأممية المقدامة التي تناقش أموراً أخرى جليلة القيمة إنسانية الطابع والأهداف فكيف سجنت نفسها في زنزانة حب غير معروف وغير محسوب النتائج ؟

    في قصتها هذه هي مُحبّة حقيقية وعاشقة حتى آخرَ نَفَس فما الذي منعها من أنْ تكشف أسباب فشل هذا الحب ؟ هل تؤمن بقوة سلطان الأقدار وما وقع لها في هذه القصة ومع هذا الرجل هو ضرب من ضربات القَدَر التي لا رادَّ لها ؟ لا يبدو أنها ندمت أو ستندم على توريط بطلة القصّة في مغامرة حب ليس صعباً معرفة خواتيمه ومآلاته. في أقدار الناس أحكام تظل مجهولة وتبقى عصيّة على التأويل والتفسير ويبقى المرء ذو العلاقة متأرجحاً بين قوتين وقطبين : الإرادة والصدفة.

غريبٌ أم غير غريب هو واقع القاصّة سناء التي ربما تعاني من ضغط وحصار العمر والإحساس بالعنوسة وما وجه الغرابة هذه ؟ يطلبون منّا أنْ لا نربط ما تكتب السيدات بواقعهن وأنْ لا نتفلسف ونثرثر ونسرف في محاولات الربط بين ما يقلن وما يعانين من مشاكل. يطلبون منّا التفريق بين ما تكتب القاصّة وما هي عليه من واقع حال. يطلبون منا تشريح وتحليل المكتوب كما هو بصرف النظر عمّن كتبت وقالت وعبّرت. مطلوب من وجهة نظر بعض الكتاب والمحللين والمُنظرين فك الربط بين الكاتبة وما كتبت. يقولون هذا بإسم حرية التعبير المطلقة وأنَّ من حق الإنسان أنْ يفكّر وأن يقول ويكتب كما يشاء دون ملاحقة ناقد ومحاسب ورقيب. لسنا ضد هذه المذاهب ولكن من حقّنا كمتابعين وقرّاء أنْ نسأل وأنْ نحاسب ونحلل ونستقرئ ونستنتج لأجل وضع الأمور في أنصبتها وسياقاتها الصحيحة وإحقاقاً للحق وانتصافاً للحقيقة. أرفض أنْ أكونَ أعمى أو مراقباً مخصيّاً مشلولاً أو نصف مثقف يداري ويخجل ويجامل ويُغضي حياءً وجبناً. بالنسبة لي إمّا أنْ أكونَ أو أنْ لا أكونُ كما قال هاملت في مسرحية شكسبير:

To be or not to be, that is the question

إني أربط وبإحكام بين كاتب النص وما يقول هذا الكاتب. النص هو كاتبه حتى لو انتحله. لذا فلا تستطيع الدكتورة سناء الشعلان التنصل من هذا النص وتدّعي أنه مجرد أخيلة فنية ومحض خيال أدبي لا علاقة لي به. إنه نص طريف متسربل بالعشق الأفلاطوني والعشق الجسدي الحارق وقد أجادت سناء في التعبير عنهما كليهما وبأساليب خاصة بها فإنها هي البارعة في كل صنف من صنوف العشق والتعلّق والهيام.

نقرأ ما قالت في الصفحة 40 :

((... يا إلهي كم سأكونُ أثرى امرأة في التاريخ البشري عندما تأخذني إلى صدرك عندما يتكسّر ثدياي على صدرك، عندما يتآلف كل نافر وبارز من جسدينا فيستقر كلٌّ منها في تجويف جسد الآخر ! كم سيكونُ فاتناً أنْ أشمَّ رائحة جسدك  ! كم سيكونُ ساحراً أنْ تشمَّ رائحةَ شعر رأسي ! / الصفحة 40)). تنضح هذه العبارات بالدفء والصِدق والتوق الجنسي الحارق. إنه الحرمان الجنسي يُنطقُ الكاتبة ويجأر فيها جسداً ثم روحاً فإنها أولاً وآخراً امرأة من لحم وعظم ودم.

ثمّةَ مسائل أخرى قد تكون جديدة على فن سناء في السرد القصصي منها أنها وظّفت في هذه القصة أشعاراً لبعض الشعراء فيها ما يتجاوب مع ما تعاني من لهيب حب عارم ساحق فلقد كتبت في آخر الصفحة 47 :

وإني لتعروني لذكراكَ هزّةٌ

كما انتفضَ العصفورُ بلّلهُ القطرُ

 

تكادُ يدي تندى إذا ما لَمَستُها

وينبتُ في أطرافها الورقُ الخُضُرُ

 

فيا حبّهُ زدني جوىً كلَّ ليلةٍ

ويا سلوةَ الأيامِ موعدُنا الحَشرُ

 

أتذكّرُ أنَّ هذا الشعر ـ لا يحضرني اسمُ قائله ـ كان من بعض مقررات درس الأدب العربي في مرحلة الدراسة الثانوية في العراق ... شكراً سناء أنك تُعيدين الحياة وجميل الذكريات فينا. 

ثم إنها استعانت بواحدة من قصائد نزار قبّاني لأنَّ فيها الكثير مما تجد في نفسها من لواعج الشوق والصغار أمام مَنْ أحبّت فهي صغيرة وهو كبير وهي مجرد امرأة وهو أمير بل إنها جارية له وربما عبدة وقد قالت مثل هذا الكلام على الصفحة 45 :

((... أحبّني كثيراً لأحبّكَ أكثر ، كنْ سيّداً أكنْ لكَ جارية، كنْ لي سماءً حامية أكنْ لك أرضاً مُخلصة ..)). لفريد الأطرش أغنية يقول فيها : إنْ حبّيتني أحبك أكثر. هذا من بواقي تراث زمن الحريم القديم لا يليق بسيّدة عصرية وأستاذة جامعية فما أسباب هذا النكوص والرجعة لأزمان عفى عليها الزمن وداستها القرون ؟ لماذا تعود سناء لزمن عبودية المرأة للرجل الذي وقعت في غرامه ؟ ألأنها لم تجرّب الحب قبلاً ولماذا بحثت عنه في بلد غير بلدها ومع رجل من غير عنصرها ؟ أهكذا يفعل الحب بالمرأة الأفاعيل والأعاجيب ؟ أتذكر ما قال الفنان المصري محمود شكوكو في بعض أفلامه " الحبّ بهذلة".

ما الذي يجعلها تُذلُّ نفسها وترخّص كرامتها وعزة نفسها فتقول :

((ليتني قطتك المُدللة في هذه اللحظة لألعقَ أناملك المُبتلّة بماء الجوّافة، لأتمسّحَ بقدميكَ وأضع رأسي في حضنك دون رقيب أو عاذل أو حسود / الصفحة 53)).

سناء والرغبة في التعرّي :

ترددت لفظة " العري " و " التعري " مِراراً في هذه القصة وسأستعير نماذجَ منها فهل تجد الكاتبة في هذا ثورة على حشمتها فيما ترتدي وعلى حرصها على إخفاء شعر رأسها وعدم التبرّج فيما تلبس ؟ إنها تعشق الخواتم الثمينة والأساور وربما قلائد الجيد :

((... ولكنْ من قال إنَّ النساء لا يتعرين إكراماً لشبقهنَّ وتهليلاً بلحظة العشق المشتهاة ؟ هنَّ فقط مَنْ يُدركنَ أنَّ العشق لا يُقابل إلاّ بعُريٍ أبديٍّ يحمل الجوع والإحتياج والحبور، كنتُ عارية إلى جنبك وكنتَ عارياً تماماً إلى جانبي، مسّدتَ عليَّ، لمستني، مال جسدك نحوي، شممتكَ على مهل واشتهاء، كنتُ أُدركُ أنني في فسحة من أمري، وأنك تهبني كلَّ ما أشاءُ من فرحة بجسدك العاري مثل جسدي العاري / الصفحة 46)).

لم أُحصِ للأسف عدد المرات التي جاء فيها ذِكْر العُري والتعري فما دلالة ذلك وما حاجة الكاتبة للتعري لرجل ربطتها به علاقة قصيرة عابرة ؟ لا بأس من ذكر نماذج متفرقة لأبيّن عمق تعلّق الكاتبة بعملية التعرّي :

ـ ليلتها عدتُ إلى الفندق وجلستُ طوال الليل في سريري عارية / الصفحة41

ـ ولكنْ مَنْ قال إنَّ النساءَ لا يتعرين إكراماً لشبقهنَّ ... الصفحة 46

ـ تعرَ لي، فلا إمرأة غيري في الكون تنتظر توحشك وعُريك / الصفحة 52

ـ ... أبدأُ، أغتسلُ، وأتعرّى، وأتعطر وأستعد للبوح لك كي لا أموتُ قهراً وغيظاً / الصفحة 54

ـ لا أزالُ أكتب رسالتي إليك فهي عاجلة وإنْ لن تصلك، أطالع عريي مرّةً أخيرة قبل أنْ أرتدي ملابسي / الصفحة 55

هذا ما أحصيتُ وربما فاتني بعضٌ آخرُ من مشاهد العري والتعرّي وإذا كنتُ أجهل الأسباب فلربما غيري قادرٌ على التحليل والتفسير.

لا تُخفي سناء ما فيها وما تعاني وما تشعر به فهي مخلصة لذاتها ولا تخجل من البوح والكشف وقد أبدعت فيما باحت وكشفت ورسمت صوراً مُذهلة ومواقف عزَّ نظيرها فارفعوا قبّعاتكم في حضرتها أيها الرجال. هي حرّة في أنْ تقول ما تود وما تريدُ أنْ تقول وإصرارها على الكشف والبوح يستحق الإعجاب فهي مخلصة لنفسها وأمينة مع القارئ وقوية الشخصية والإرادة تقول للناس يا ناس : هذه أنا إمرأة مثل حوّاء لي ما للنساء وعليَّ ما عليهن. إيها الناس ها أنا عارية أمامكم كما ولدتني أمي لا أُخفي عنكم شيئاً ولا أُداري ولا أخجل من نفسي ومما أعاني من أحوال بشرية لا مُناص من معاناتها ومنها الحب. ويظل تقويم هذه المسألة موضع نقاش وجدل وأخذ ورد.

أخيراً وبعد أنْ فلتت من بين كفيها أزمّة أمورها فطافت محلقة بين سماء غير سمائها وأرض ليست لها اختارت أنْ تستعين على ضعفها بإحدى أغنيات فيروز فذكرتها مُطوّلة لا سدّاً لفراغ إنما لتفريغ شحنة ضاغظة أخرى تضيق عليها أنفاسها / الصفحتان 56 ـ 57 وتختتم القاصة قصتها هذه بالقول :

(يا إلهي كم أنا ضائعة الآن يا سيّد الجبل).

*

د. سناء شعلان

الذي سرق نجمة، مجموعة قصصية

الناشر :أمواج للطباعة والنشر والتوزيع. المملكة الأردنية الهاشمية. عمّان

الطبعة الأولى 2016 .

 

في نصوص من مجموعتها الشعرية: أمشي على حروفٍ ميتةٍ

adnan aboandolisالشاعرة الإيرانية ساناز داود زاده  فر – آلية المرونة الحركية فنياً

قدّْ يبدو لأولة وهلةٍ، من أن تسمية المجموعة الشعرية " أمشي على حروفٍ ميتةٍ " للشاعرة "ساناز " وكأنها متحفزة حركياً – سيراً، قفزاً، رقصاً – هذه  المفردات الثلاثية تنطبقُ على ماهية الحركة – أمشي – وقد تلائم القول المألوف والمتعارف لفظاً " أمشي على رؤوس اصابعي " لكن هنا يظهر الإختلاف – حروف ميتة – رؤوس أصابع،هذه الحركية بدءاً تشكل ديناميكية فائقة في التوصيف، فالمعنى العام للديناميكية،هي التي يتركز بناؤها على حركة الأشياء بتحفز آلي رغم كنهة  جماداتها التي رصدت تحركاتها بتلك الهزات المتعاقبة –المتتالية –المتتابعة " آلياً " بسبب العلة الناتجة عن إزاحة قوة متسلطة عليها، وكما وردت –دينامية النص في إتجاهات نقد الشعر العربي المعاصر " الدينامية التي تحكم النص وماينبغي التذكير به هنا،هو أن النص ينبني على " البساطة البنيوية والتعقيد المنظم، أو السكون والدينامية، أو التوازن واللاتوازن أو الإنفتاح والإنغلاق أو الأستقار والتكوين التشكيلي " *1 \ فنأتي بنموذج قد وظفتهُ في نصوصها بهذه التمظهرات التي ذكرت  وأكثرت فيهاِ ألا وهي مفردة " الرقص"  المحور الدال على الحركية  بكل تفاصيل مايطرأ على الشكل " الجسم " من تغيرات وتبدو ظاهرَ للعيان، كما في الأشياء الاُخرى من تصادم – هزات – وغيرها .

وكما أوضحنا بأن " الديناميكية " حركة – نشاط، قوة – حيوية،  إذن لابد من أن تتسم هذه الأشياء بحوارية تتخذ جانب من المرونة رغم جماديتها، حيثُ يتم الإنسجام فنياً – عزفاً – لحناً –تطريباً –نغماً، اُلفة في التقابل والتماثل، لأن الطاقة كامنة في نفسية الفرد كما في الجماد، فالفرق هو- الروح المتجددة –في الإنسان –أما الجماد فلهُ مركز نشاط آلي كأن يكون –بطارية – كنترول –وغيرها من محركات الآلة، حتى تظهر هذه الحركات فنياً في رقصات التصوف " المولوي " والتي نراها في دورانهِ حول نفسهِ، كأنما يحلق بها نحو الُعُلا –سمو الروح – يدور حول نفسهِ بآلية ديناميكية قد يحسُ بأن – الكون – يدور معهُ، هذا مانتحسسهُ في نصوص الشاعرة المستلة من مجموعتها، فالحروف الميتة التي ربما نفهمها ببساطة هي – حروف مهملة لفظاً – كتابةً أو غير ذلك وقد تكون لـ لغة منقرضة –بائدة . كما نعلم من تتبعنا لنصوص الشاعرة بأنها ليست لها أسماء، بل هناك مفردات طاغية بتوهجها في المتن، يمكن أن نعول عليها بعنونة تلائمها و كـ غطاء مسمى لها فـ النص 1- يمكن أن نسميهِ تصْدّع \ الثاني – خيارات – الثالث – رقصة ، وهكذا جرياً، ومن المعلوم بأن مفرداتها تحملُ نزعة حركية غير مستقرة حتى في الجماد، لهذا تشكل برمتها أي –النصوص – طابعاً ديناميكياً يغطي بنية النصوص بهزة وجدانية وبشكل آلي مرن ومتحفز فنياً، وسنقدم النصوص المستلة تباعاً:

 

النص الاول:

إِذا زُلِزلَ أَيُّ مكانٍ فِي الأَرضِ

سيتَصدَّعُ بذلِكَ، أَيضًا، قَلبي

الَّذي كانَ يظنُّ

أَنَّها كالمهدِ

ستُنِيمُ هزَّاتُها آلامِي.

يَا أَرضُ

هلِّلي غِناءً لأَخطائِك.

في مستهل هذا النص، أقحمتهُ  بحركة في جماد " زلزِلَ" ناتج عن قوة ونشاط طبيعين يحدثُ تحت الأرض، بسبب ضغط  تراكم،هذا جاء نتيجة اضطراب في الأشياء الجامدة، فكيف بها وتمتلكُ مشاعرَ متحفزة وقلبٍ سيال بحيوية، ألا يتأثر، يتصدع من مشاهدَ يومية ومنظورات حياتية ترصدها كل حين . هذا التأثر بالآخر –الجماد –ربما يعود لاقتران التكوين " الأرض - أُنثى –الشاعرة كذلك، حيثُ تتشابه عناصرهما معاً طبيعياً – النار –الماء –الهواء –التراب –فالتأثير بايلوجي ظاهر في الصورة الغاطسة بالتشبيه – زُلزِلَ – هَزّة –تصدّع –وهكذا جرياً وراء تأثيراتٍ متشابه للحدث –كماً ونوعاً –تكويناً وتأثيراً، كونهُ أي " الحدث، يقع تحت التحسس المباشر لأية ظاهرة كونية –صوتاً، دوياً، ارتجاج،  رجرجة ..... فالحركة هنا –توافقية – تماثلية –تآلف حِسي بينهما رغم جمادية الآخر، يلاحظ ظاهرة نضوج النصوص لدى الشاعرة، بما يتلاءم مع رؤاها الحسية  وحسب ادوين هوبك  " انتصار الواقع الحسي ..... الشعر الناضج "  * 2 \ فالأرض والشاعرة، حيثُ نرى التماثل الظاهري في العمق –شعور – خزين – وغيرها من مكملات التكوين،قد أثرت أو تأثرت في تقابلها وتماثلها القسري آخذين بنظر الإعتبار –العقلي، ويلاحظ من أن مفرداتهما موائمة نسبياً نتيجة الحركة التفاعلية في تنشيط الحركة –زلزال –مكان = الأرض

الحركة – تصدع – قلب =  جنس، هكذا تتماثل وتتقابل مفرداتها في أكثر نصوصها وكما ياتي:

 

النص الثاني:

جميعُ الخياراتِ مطروحةٌ علَى الطَّاولةِ؛

أَن ترسُمَ الصَّباحَ علَى كلماتِكَ.

أَن أَركُضَ بجانبِ غيابِكَ.

أَن نصلَ (إِلى الحبِّ) بيدَيْنِ أَو شفتَيْنِ.

أَنتَ لمْ تَزلْ

تَصبُّ الصَّمتَ فِي زجاجةٍ،

وأَنا أَشربُ منْ تخيُّلي لكَ.

هنا جاءت الشاعرة " ساناز " بقصدية في أسطرة هذه الجملة، وكأنها أرادت من إلقاء حجةٍ وما، وقد غدت تترقب شروطها بتنفيذ، فهذا النص يتوالد منهُ  ذهنياً شيءٌ آخر، فذاك يعني من أن المتن وظف لهذا الغرض، فـ جملة " جميع الخيارات مطروحة على الطاولة " إلقاء حجة قصدّية بتتابع نتائجها رويداً وما ينتج عنهُ، لكن بشرط التطبيق العيني من الطرف الآخر . أن ترسم –اركض – تصل –تصب –أشرب –هذه المفاتيح لمستغلق قد يبدو مستحيلاً لكنهُ ممكناً من فتحهِ رغم التضاد بين مفردات باذخة في المراوغة والتعتيم، إلا أنها نسجت حبلاً متيناً لقوة السحب = قوة – جذب ودفع – من التقارب الحميمي بين نسق الجملة –أن ترسم الصباح بين كلماتك وبين التفاؤل –بيوم جديد –حقاً روعة في التوظيف رغم بساطة الجملة بمفرداتها الاعتيادية لكنها شكلت حضوراً فنياً  رائعاً بهذا التسطير البهي –إستهلال الصباح يمثل –الخير –إطلالة قدسية لإشراقة  نور – بديعٌ هذا التجلي بروحٍ ملؤها التفاؤل والحدس والإستصباح الجميل –لقاءٌ مزهر للروح بعد عتمة امتدت بليلٍ مروع . إلا أن –أن أركض بجانب غيابك،لها وقعٌ الإخفاق في نفسية الطرف الآخر بما يتضمن –البعاد –الجفاء –لكنها لها من المحمولات الدلالية العميقة في رسوخ الفكرة وإستجلاء  المعنى –الموقف – مايختمر فيها في الخفاء . فأودع تسطيرها بـصيغة –هو – أن نصل " إلى الحب " بيدين أو شفتين –صراحة في الطرح وجرأة مذهلة في التوظيف –فالنتيجة واضحة من تساوي الكفتين، وهذا الشعر الخالص الذي عبر عنهُ الناقد الفرنسي " بري – جفرفروي* 3 \ " يقول: " الشعر الخالص هو اللحظة العليا التي يتسنى فيها البيت –بطريقة منسجمة مع مضموماتهِ، أنهُ الشعر الذي لم يعد يريد أن يقول شيئاً،وإنما يريد أن يغني فحسب " ........بهذا المقطع زاوجت بين مفردتي – التقابل والتماثل – كي تستمكن من مطاوعة المتن والإمساك بهِ كخيط دلالة للوصول إلى الناتج ..الخيارات مطروحة سلفاً على طاولة الإختبار العيني  .... لذا يتوجب على الآخر الإمعان في تتابع الحدث والحصيلة النهائية،  ومايتمخض من تطبيقها – حلّها – فك رموزها – فهي تدخل من باب الإختبار القلبي، لكنها أي –الخيارات – جاءت بصيغة التضاد –أما ما يشبه التماثل القهري ... ألضدي ..لكن ليس من العسير استمالة التفاعل مع مفردة ما من هذا النص . جانب غيابك \ نصب =الزجاجة \ أن نصل " إلى الحب " = بيدين وشفتين \ أشرب =خيالك \ خيال متسلط = اللذة المقدسة في جانبها النفسي . ولها رؤى في نصها الآخر تقول:

 

النص الثالث:

قدْ أَسقطُ فِي مكانٍ مَا

لمْ تُولَدُ الحروفُ فيهِ بعدُ،

ولا يوجدُ تدقيقٌ بأَيِّ تفكيرٍ.

هناكَ بثيابٍ منَ الزُّهورِ

سأَرقصُ وأَنا أَتذكَّرُكَ،

وسأَنقشٌ رَقصتي فِي حَجرٍ،

وحتَّى بعدَ بليونِ سنةٍ

سيكونُ الحبُّ معنَى هذهِ الرَّقصة .

حسب كما نوهنا عنهُ سابقاً، بان الأشياء لم نسمها،بل تركناها للمناورة، حيث الشاعرة إستدركت ما قلناهُ – فجاء بدءاً نصوصها بلا عنونة، ربما تركتها على هداها " كما يقال " إستنتاج للمتلقي في ما بعد ؟ .. حيثُ المجهول يقود للمعلوم – مكانٍ ما – لم تعين موقعهُ، ربما ورد للتمويه ألقصدي والإخفاء – بعيداً عن ديناميكية بحسها وحركتها قد تكون سائرة على إيقاع خفي كـ تلك الأشياء غير المسماة – أي قبل حدوثها، أما الأشياء " الحروف " التي أرادتها، لم تكتب بعدُ، لم تدون أو تخترع، ففي هذه الحالة لاغبار عليها من تفكير في ماهية الأشياء التي أرادت الإفصاح عنها، بل نسجت من خيالها ثياباً عِطرية من إهزوجة راقصة من الزهور بحركة فنية – حِساً –نغماً \ فكان لها ما أرادت مناورة في حرف " السين " سوف \ أرقص – أنقش – يكون –كلها حركات إيقاعية منغمة في متن النص المتسربل في فيض من شعور مؤجل . هكذا بنت الشاعرة " ساناز " رؤاها في لحنٍ شجي، وبساطة رصينة قد احتفظت بعفوية الأشياء،  فهي تُرقص بفنية محكمة وتقنية بحنكة، فهي تدخل ضمن البساطة المؤثرة بحسب قول " أندريه بريتون " " الا تظن أنهُ يجدر بنا أن نتحرز من المتأنقين المفرطين في البهرجة والتزيين " * 4 \، لكن لبساطتهما شكلاً ومعنى عمقاً برمزيتها المعتادة،لذا جعلت هذه المفردات تتراقص بتحفز مرن ومواءمة متقنة، هذا البهاء اللحني جعلها تنقش رقصتها في حجر وكأنها تستنطقهُ بإيقاع لتلحينها، عازفة وعازمة أن تكون رقصتها والأشياء المختارة " للحب " ذات معنى بحجم فرحها ودلعها سيما وانها في ربيع عمرها الشعري والزمني، فرجرجة الجسد المصمم لهذا الإيقاع يلائم سنوات عمرها الغض، تنقشهُ في ثنايا روح ملتاعة للمستقبل أبداً .

 

عدنان أبو أندلس

...........................

الهوامش

*1- الشعر العربي في نهايات القرن العشرين –محاور جلسات الحلقة الدراسية –مهرجان المربد التاسع – عادل خصباك –دار الشؤون الثقافية العامة –بغداد 1988

2*- مجموعة مقالات نقدية –منشورات وزارة الثقافة والإعلام –بغداد – 1980

3* - كتاب ثورة الشعر الحديث –من بودلير إلى العصر الحاضر –الجزء الأول – د. عبد الغفار مكاوي –النهضة المصرية العامة للكتاب -1972

*4- كتاب أُفق الحداثة وحداثة النمط – دراسة في حداثة مجلة " شعر " بيئة ومشروعاً ونموذجاً –سامي مهدي – بغداد –1988

 

أسئلة الرواية الاماراتية.. دراسة لخمس روايات اماراتية (10)

1- أميرة حي الجبل.... لعلي احمد الحميري

2- إمرأة استثنائية ........... لعلي ابو الريش

3- لعله انت...... لباسمة يونس

4- بين حين واخر..... للميس فارس المرزوقي

5- ريحانة..... ميسون صقر القاسمي

 

بين حين وآخر (حدثتنا ميرة)

لميس فارس المرزوقي

 الملاحظات على الرواية

1- لم تاخذ الرواية نهجا كلاسيكيا في عملية بناء السرد، فهي خالية من الحبكة التقليدية . ولقد وقفت فرجينيا وولف ضد الحبكة (بمعنى الحبكة التقليدية، والمحكمة البناء، والواقعية)، كواحدة من عدد من الأعراف المشوهة وذلك في مقالتها (الأدب الروائي الحديث 1919) والذي اعتقده، ان بنية الرواية تاخذ شكلا مغايرا وتشتغل على حبكة مبنية بطريقة فنية تعتمد على ربط الاحداث (وليس ترتيبها على المفهوم الأرسطوطليس) بنمو بطيء وفقا لعملية القص الذي تطرحه ميرة، ويجد المتلقي نفسه مشدودا الى متابعة السرد بانتظار القصة التالية،  وقد تكون المؤلفة قد استفادت من حكاية الف ليلة وليلة، التي سرقتها ميرة من مكتبة المدرسة لتتمل في قرائتها في المنزل .

2- ان الاسلوب الشفاف والبسيط يجعلنا نشعر ونحن نتابع القراءة إننا أمام لغة جديدة، كتابة جديدة

3- كانت الكاتبة محايدة وهي تستمع الى الساردة تقرأ في دفتر ميرة، بل يمكن القول انها كانت مستمتعة بذاكرة الطفولة وهي تستمع الى ما تفعله ميرة

4- كان النص السردي يقف عند ميرة والساردة (صديقتها) وكانت قصدية المؤلفة تعتمد على الابتعاد عن المباشرة في عرض التحولات التي شهدها مجتمع الامارات، وتركت للمتلقي ان يقف عند الدلالات التي تملأ ثنايا النص السري  

5- لابد من الاشارة الى ان السرد تضمن الاشارة الى أربعة كتب هي:

أ- الف ليلة وليلة

ب- رواية 11 دقيقة لباولو كويلو

ت- رواية جوستين للمركيز دي ساد

ث- رواية المسرات والاوجاع لفؤاد التكرلي

لقد قامت ميرة بسرقة كتاب الف ليلة وليلة، وتقول ميرة (عدت الى المنزل سعيدة بكنزي، قرأت كل قصص الكتاب ....)

وبالنسبة لرواية جوستين، تعلقت ميرة بالرواية بحيث انها كانت تقرأها وهي تتناول الطعام مع اولادها، ثم في الحمام وهي مسترخية في (البانيو)

اما رواية 11 دقيقة فقد اشترتها ميرة لتهديها للساردة (بالطبع بعد أن قرأتها وقررت انها مناسبة لأن تشارك زميلتها في الاطلاع عليها)، وتقول الساردة

:إنني قرأت اغلب روايات كويلو (وانني لم اعجب بها للحس التبشيري الذي تحمله، ناهيك عن انها روايات تشبه الاكلات السريعة) .

في حين ان الساردة اقترحت رواية التكرلي وتعلقت ميرة بشخصية بطل الرواية (توفيق لام) وكان بطل الرواية مثار اعجاب واهتمام المراهقتين، في جانب كبير من الرواية، حديث عن الجنس وعن علاقات مختلفة لتوفيق مع النساء، تطرق فيها التكرلي، الى وصف تلك العلاقات من الزاوية الجنسية .

ما اود الاشارة اليه، هو ان المؤلفة اعطت تفسيرا يشرح كل الجوانب العدوانية والتصرفات المرفوضة في سلوك ميرة وذلك بعرض الكتب التي تعلقت بقرأتها

والتي تشترك في كونها تجنح الى الخيال وتخلق عالما عاشت فيه ميرة، بديلا عن العام الواقعي البسيط والفقير والمحدود، وبهذا كانت ميرة تحت ضغط عالما مركبا ومتناقضا

يقول سعيد بنكراد (فمن خلال هذه العلامات أصبح بإمكان الإنسان أن يتحدث عن " مطلوب غائب عن الحواس "، بوساطة ما يحل محله أو يعوضه، أو ينوب عنه في الحضور والغياب على حد سواء، بل أصبح بإمكانه الحديث عن كائنات وأشياء هي من صلب الخيال و عوالمه، لكنها أصبحت مع الوقت جزءا من ثقافته ومن موجودات عالمه، منها يستمد صورا دالة على القسوة أو الهمجية أو الحنان والوداعة أو دالة على التوغل في أقاصي الفضاء والزمان (الغول وجزر الواق واق). إن العلامة اختصار وتهذيب للوجود المادي وتعميم له)

وتشير العديد من الدراسات النفسية، الخاصة بسلوك المراهقين، الى أن ميل المراهق إلى الإيحاء يجعله معرضاً لتقليد مشاهد العنف أو الانحراف، التي يقرأها خاصة إذا كانت هذه المشاهد صادرة عن شخصيات تثير إعجاب المراهق. وهكذا يصبح، ضعيف الصلة بالواقع ويعيش في عالم وهمي يغريه بالمغامرة والانحراف

وكانت الدلالات التي قدمتها المؤلفة، موفقة في دفع المتلقي، الى الانتباه الى سلوك الابناء في المراحل المختلفة، فضلا عن دفع المتلقي الى طرح الاسئلة (وهي مهمة الرواية)، ومن ثم الاجابة عليها عبر ما تقدمه الرواية من دلالات، وبهذا تعمل الروائية على تفعيل دور المتلقي مع النص السردي الذي تقدمه

6- ﺘﺤﻭﻴل ﺍﻟﺤﺩﺙ ﻭﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺭﻜﺯﻴﺔ ﻭﺍﻷﻤﺎﻜﻥ ﺇﻟﻰ ﺃﻨﻤﺎﻁ ﺍﺴـﺘﻌﺎﺭﻴﺔ ﻭﻤﺠﺎﺯﻴـﺔ    ﺘﺘﺠﺎﻭﺯ ﻭﻅﻴﻔﺔ ﻨﻘل ﺍﻟﺼﻭﺭﺓ ﺃﻭ ﻤﻐﺯﻯ ﺍﻟﺤﻜﺎﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻏﺎﺌﻴﺔ ﻓﻲ ﺫﺍﺘﻬﺎ ﺘﺘﻨﺎﺴﺏ ﻤﻊ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻭﺘﺘﻔـﻕ  ﻤﻊ ﺍﻟﺭﺅﻴﺔ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﻟﻠﺭﺍﻭﻱ

تقول الساردة (العليمة) أجلس أمام المرآة لأتمعن في الوجه الذي احملة منذ سنين، ذات الملامح القديمة، لم تتغير ولم تتحول من الطفولة الى الشباب، أو ربما لأنها لم تكن ملامح طفلة، وقد لاتكون اليوم شيئا يشبه ملامح الشباب لكنها ملامحي التي اعرفها، انها أنا.

(الصفحة 130)

الساردة هي التي تقتحم النص السردي لتتحدث عن نفسها (مزيحة) ميرة من دائرة الحدث، وتجعل من الزمن عنصرا محايدا في عملية السرد التي تقوم بها، فهو دون فاعلية كما هو الزمن الحقيقي أي الزمن التقويمي، ربما لأنها امرأة تعمل جاهدة على ابعاد الزمن لتحتفظ بصورة ثابتة (اختارتها)غير قابلة للتحول بمعنى انها ضد الاثار التي يصنعها الزمن، والساردة هنا تريد من الزمن ان يكون زمنا سينمائيا بمعنى انه زمن الحاضر .

ومن الطريف الاشارة هنا الى إعلان نشرته صحيفة الحياة اللندنية، قال آلبان بيلوار، المدير الإداري، لدارفان كليف أند آربلز في الشرق الأوسط والهند (نسعى لأن تعيش المرأة أوقاتاً من خارج الزمن بما نقدمه لها)، .

 7- لابد من الاشارة الى ان الرواية على قصرها، تمثل اسلوبا جديدا في (القص) الاماراتي بشكل عام ليس بسبب الابتعاد عن الحبكة الكلاسيكية في الرواية، وإنما في لغة السرد، ان النص السردي هو نص لغويا في جوهره ، واللغة هنا تعمل خارج حدودها كوسيط اجتماعي للتفاهم وتبادل الحديث، أنها تعمل كغاية وتشتغل داخل النص على نحو

(مطاوع) يخضع في تشكلاته لقدرات المؤلف ولضرورات الاستعارة والتشبيهات وتخرج الكلمة من مدلولها المجرد الى مدلولها السياقي في الجملة وتكتسب مدلولها النهائي في داخل النص

واللغة المستخدمة في رواية بين حين وأخر، تخدعنا في العديد من استعاراتها وتشبيهاتها، كما في الصفحة 61 حين تتحدث ميرة عن سبحة ابيها :شعرت بأن جسدي مضغوط من كل الجهات، ارتفعت فجأة و أنا على هذه الحال لتغطيني سحابة مظلمة، تبددت بعد لحظات، إنه إصبع والدي الذي رمى بي فوق حبات السبحة، صرت داخل حبة الكهرمان، بدلا من احدى الحشرات، فرحت بذلك فقد تغير عامي اخيرا.

من الواضح ان اللغة هنا لاتمثل وسيطا، من الناحية المجردة، لاستيعاب المعنى ولكنها تتعكز على الدلالات والاستعارة لتقول لنا، أن نزوع ميرة للهرب من واقعها يظل هاجسها الدائم

 

ذياب فهد الطائي

...........................

موقع وزارة الثقافة المغربية سعيد بنكراد /السيمائيات، النشأة والموضوع http://www.minculture.gov.ma/index.php?option=com_content&view=article&id=295:said- bengrad- semiotique- naissance- objet&catid=51:etude- et- essais&Itemid=153

د.فسصل رحيم مصطفى، مراحل النمو النفسي عند المراهقين، مطبعة الوعد بغداد 1988 ص 41

صحيفة الحياة، 03- 03- 2015

المشهد الشعري في: لم أستعر وجها

rahman khodairabasفي مجموعته الشعرية الجديدة (لم أستعروجها) يتألق الشاعر عبد السادة البصري ألما وحزنا ووحشة،  يتألق شعرا. وهو ينزف أحلامه الصغيرة، مكتويا بجمر قصائده التي سفحها حرفا حرفا، ليكوّن تلك التوليفة من القصائد المتباعدة الأزمان والمتقاربة الأشجان . فبعضها يعود الى عقد التسعينات، كما هو مؤرخ  ولكن البعض الآخر غير مذيّل بتأريخ معين، واغلب الظن أنّ أغلب القصائد التي اهمل تأريخ كتابتها حديثة  .أزعم ذلك لأنّ الشاعر لم يتوقف عن معاقرة الشعر يوما،فهي كأسه المترعة بالهم ، وخمرته المشحونة بجنون الرغبات  .  يبقى الشعرمصدر أنسه وهويته التي رفعها عاليا ، وهو يتشظى بين جدران المدن وسقوف البيوت الطارئة وبين شواطيء الغربة، للبحث عن مدينته التي فرت منه، وتركته مهزوما، يبحث عن عش يلملم أحلامه الصغيرة .

(لم أستعر وجها) هي موقف عبد السادة الشاعرالإنسان والمناضل، وبيانه الشعري، وعشقه،ووحشيته،وحزنه العميق، وفرحه الطفولي .

" أنا الذي أنهكتني المسالك

وشردتني الدروب ولاطعم لي غير طعم الألم "

 تأتي جُل قصائد المجموعة محملة برائحة البحر الذي يستغرق الشاعر ويهيمن على

 فضاء قصائده . البحر همُّ وأفق ومصدر رزق . والبحر عمق هائل يمتد الى المجهول، والبحر قدر أزلي وحلم ووهم وأمواج تختزن موتا . أوسكون يحتضن الحياة .ومع ان الفاويين – نسبة الى الفاو- يقعون على هامش البحر، اي بينهم وبينه عدة فراسخ بحرية بامتداد شط العرب نحو مصبه . ولكنهم يعيشون وكأنهم قد ولدوا بين موجات البحر وإنسياب اسماكه وطحالبه ومحاره  . حتى ان شط العرب يترائى لهم وكأنه لسان بحري، يحفل باالبواخر الكبيرة التي تحمل النفط والسمك وشتى أنواع  البضائع المستوردة . كما يحفل  ايضا بقوارب الصيد والحمولة وقوارب التهريب، والعمال الذاهبين الى أعمالهم في لجة الخليج  . لذا فمن الطبيعي أنْ يكون وفياً للبحر   . ففي قصائده تشم رائحة السمك والطحالب،وتسمع أغاني البحّارة ورقصاتهم، وفيها ترفرف صواري السفن الشراعية، وتسمع هدير الموج ودعاء الصيادين وهم يودعون بيوتهم .

"إمتلأ البحر بأجنحة لعصافير ذُبحتْ ذات مساء

فز السمك الناعس نشوان عند الصبح

ليبدأ بوح الأسفار الراعشة الآن قدام الملكوت " ص5

يحمل البحرُ مختلف المعاني في قصائد الشاعر فهو كائن خرافي، يمتد بامتداد صحراء العمر التي بدت قاحلة، ويصنع كل الأهوال، فهو رحيم مرة وشرس مرة أخرى، وهو كريم بالعطايا والهبات ولكنه شحيح حد الموت . لقد طافت قصائد الشاعر محلقة على شواطيء البحر كالنوارس، وامتلأت بطاقات البحر وحملت كل أحزانه . هذا البحر الذي يتحول الى انيس لهؤلاء الذين لاخيار لهم سواه .

" البحر يبكي صحبتهم، يبكي لياليهم، يبكي الأيام " ص20

وقد يتحول في مقطع آخر الى منبع للأسلاف الذين اورثوا الشاعر ولعه بالبحر، من صيادين ونوتية وعمال بحريين . كما يصبح البحر فضاءً لأحلام لم تتحقق . ومن الملفت ان الشاعر حينما يتعامل مع البحر تختفي (أناه) تماما ويحل بدلا منها أل (هُمْ) من الناس الذين يجدون في البحر ملاذا لهم ومصدر عيش . لذا فكانت قصائده تمجد أفعالهم .

" اولئك الذين قايضوا البحر أحلامهم

تاجهم الأماني وعرشهم زورق ورقي يتهادى"ص16 .

 ثمة تكثيف للبحر في متون النصوص، حتى جعله الشاعرُ نافذة للولوج الى متاهات الروح المعذبة التي تهفو الى الرحيل ولكنها تخشاه . الروح المتأرجحة بين قلق اللحظة المتحجرة في الزمن الحاضر، حيث تُقتلع الناس من مدنهم ، ويزجون في متاهات الحروب والموت، وبين قلق الآتي الذي لايشفي .

كما أدرك الشاعر فداحة المخاطر التي يتعرض لها المثقفون وحملة الفكر الحر،  في زمن تكميم الرأي، فحاول ان يجعل من البحر مأوى له على صعيد الرمز، ورمى فيه كل أشرعة المعاني التي استنبطها من تجربته الحياتية، ومن تجارب الكثير من المتعبين والذين فقدوا حياتهم وشبابهم في تلك الحروب . ولكن هذا البحر قد يتحول الى وهم ودهشة، وقد يكون البحر قرينا للشاعر ومماثلا له .

" وتعود تسائل نفسك، عن نفسك

لترى، في بحرك تطفو القشة" ص93

إن هذا التكثيف الدلالي الذي ينبعث بين الفينة والأخرى بين متون النص ‘ يُشعر المتلقي / القاريء بان ثمة هموما جمعية تتصارع في مخيلة الشاعر، وانه يذرفها كالدمع لتنبثق معبرة ليس عن عذاباته وأوجاعه الخاصة فحسب، بل عن عذابات المتعبين والمشردين والباحثين عن المأوى أيضا . هؤلاء الذين طفحت قصائده بالتعبير عنهم، بل أنه يتقمص خيالاتهم متصالحا مع حزنه الذاتي لصالح أوجاعهم .

" وسريت وحدك

كنت لاتخشى من الليل الذي سيضم بين نزيفه حلما يباغت

صحو مخمورين قد ساروا ثقالا في خضم العاصفة " ص49

  تتهاوى علامات الإستفهام في متون مجموعة الشاعر عبد السادة . ربما تبحث عن الأجوبة المستحيلة، وربما يقودنا ألأمر الى قضية مفادها : أنّ الدهشة هي الباعث للسؤال، أوانهما معا - أعني الدهشة والتساؤل - اصل في الفلسفة حسب اعتقاد الفيلسوف اليوناني سقراط . وهذا يقودنا الى استقراء الحمولة اللغوية لمعنى التساؤل وفق توظيف الشاعر والذي لم يتورع أنْ يعنون بعض قصائده بثيمة التساؤل (للبحر تساؤل آخر) مما يجعلنا نتوقف عند فحوى الأسئلة، وثقلها المعنوي وقيمتها التعبيرية . ولنأخذ بعض النماذج من الأسئلة التي تبعثرت بين النصوص "من يمسك الغصن كي يسقي الورد ؟" او " بماذا يفكرون " أو " هل من ملاذ " أو " ترى هل يعودون ذات صباح " أو " هل يزهر العمر " ....الخ من اسئلة تبدو كالمطارق، يلوّح بها الشاعر، وكأنه يحتج أو يتألم أو يستنكر، لذا فالسؤال يمنح النص ثقلا معنويا، لايقصد به مجرد أسئلة ساذجة تحتاج الى أجوبة مماثلة، بل أنها تحتمل الرفض والإدانة والصراخ .

 "أيّ الأوراق ستبقى خالدة؟  داهمني شك أخلج ما في الصدر

رحت أداعب شكي، أطرحه يطرحني واسنتجنا

إنّ العمر وريقات من ألم وبقايا صور !! "

  من خلال الأحلام، يطل الشاعر عبد السادة البصري محاولاً ان يصنع عوالمه المحيطة به . وهو يعلن ذلك دون مواربة .

" أنا الهائم الحالم.. المتأمل دوما

ذلك هو أنا ، القابع في أدراج الحلم الوردي"

واذا كان فرويد يرى أنّ أحلام اليقظة لها علاقة بوظيفة التخيل . فان شاعرنا يفتح ابواب قصائده نحو تخيل عالم جميل يسعى اليه حتى في الوهم . رغم أنه يصف لنا الوهم بقوله:

" الوهم غشاوة أيام لاهثة وراء قطار

لايعرف أين محطته.."

الحلم يتحول احيانا الى رغبة في التغيير، او أمنية بسيطة لم تتحقق، او شكوى من واقع . حتى يصل الأمر ان يتمنى بيتا يأويه . وهو في كل ذلك يترجم الكثير من المنعطفات التي مرت به في حياته . ولكنه لايجعل منها تجربة ذاتية،  وانما  نسق لحياة يعيشها ابناء جيله، كقوله "الحالم دوما ببيت يأويه"

  لكن الحلم يسمو للبحث عن خلاص في فوضى الحياة . لذا فيقوم بخلق عوالم بديلة تتدلى من بين فجوات قصائده ، فالقمر يترنم بينما الموجة تتراقص على ترنيمته، والطفولة تضحك،والعصافير تنام بدعة وأمان . ان احلامه ماهي الا الملاذ الفردوسي الذي جعله بديلا عن شظف اللحظة المعاشة وقسوتها . وحتى الرحيل الذي يحلم به لم يكن حقيقيا فهو لايستطيع ترك عشه/مدينته ولكن استخدم لازمة الرحيل على المستوى الرمزي، وهو رحيل الى المدن الفاضلة، والتي تتم عبر اعادة بناء المدينة وترميمها وعودة الجمال اليها. إنه المواطن الأزلي الذي يعيش على رصيف مدينته ويأبى أنْ يتركها .

    في المشهد الشعري تمتلك اللغة عند عبد السادة قوة تعبيرية وذلك من خلال تنويعاتها وقدرتها على التأثير، حتى انه يستخدم بعض المفردات المتداولة والمحلية بشكل ناجح، مثل (ناقوط الحب، والكاروك، وعبد الشط ..الخ) وهي مفردات تغور في عالم الطفولة الذي افتقدناه  .وقد اصاب في تأثيراتها لروح اللغة باعتبارها حاضنة لأيحاءات المعاني . كما كانت مفرداته تتشكل وفق مقام النص، فتبدو شرسة أحيانا ورقيقة أحيانا أخرى . وهذا يقودنا الى الإعتقاد بان كل قصيدة هي بمثابة وليد جديد ينشأ ويترعرع وفق محيطه . لذا فقد ترافقت المفردة مع الموقف في حزنه وفرحه، في هدوءه وضجيجه . كما أنّ هناك تناصا جميلا ومقبولا مع بعض الصياغات عند الشاعر السياب واستخدام بعض المفردات . ولايخفي عبد السادة هذا الولع الذي جعله يصوغ قصيدة كاملة عن السياب في مناجاة مع روح الشاعر وهو يذكره بعناوين قصائده (وفيقة والشناشيل وإقبال ..الخ)

من ناحية اخرى فقد أثقل الشاعر عبد السادة بعض قصائدة بتكرار نفس المفردة  ولاسيما في مجموعته المعنونة (تضاريس)  والتي كتبها في منتصف التسعينات،  فقد حفلت بتكرار المفردة، بحيث أثقلت القصيدة وجعلتها تمر بركاكة لاتنسجم مع قدرات الشاعر الشعرية فقد كرر بعض الكلمات لعدة مرات مثل (القطارات، البيوت،الأيام،ظلال،غرف) وكل واحد من هذه الكلمات كانت تكرر في بداية الجملة، مما يثقل العبارة الشعرية ويخطف الكثير من ألق جماليتها، بإعتبار أنّ الجملة الشعرية يجب ان تتسامى فنيا .واعتقد بان الشاعر قد هجر هذه الطريقة وأدرك عدم جدواها .   هذا من ناحية ومن ناحية اخرى ان قصائد الشاعر عبد السادة في المجموعة اياها واعني تضاريس يعتمد على القصيدة القصيرة أو الومضة إذا جاز التعبير،  على خلاف قصائده الأخرى التي حفلت بفيض لغوي، وامتلكت قيمة تعبيرية وغنائية عالية كقوله

 "وسريت وحدك.. كنت لاتهفو الى قمرليطوي الليل

 تحت جناحه، ويفيض في الأحلام بعض شعاعه

ويلوك وهمَ حكاية قد أوغرت في النفس، منذ الوهلة الأولى .."

 وعلى العموم فقد كانت مجموعته الشعرية (لم أستعر وجها) تنم عن قدرة شعرية لشاعر استطاع أنْ يثير الدهشة عند القاريء، وان ينتزع الإعجاب من جمهور قرائه ومستمعيه، بما تتمتع قصائده بشفافية اللغة وجمالها، وماتتألق فيه من عمق المضامين الجادة  وما تحفل به من قيم حياتية نبيلة.

 

رحمن خضير عباس

اوتاوة/كندا

اوتاوة/البصرة

رموز الحياة والحبّ لامرأة المبدأ الأزليّة في قصيدة الشّاعر السّوري أكرم عريج

madona askarفي البدء كانت حبيبتي

بسملة الضوء

فاتحة النّدى

في البدء كانت

خبزاً ونبيذ

في البدء

بشارة الحرف ..

في البدء كانا:

قابيل يجهش بالبكاء

وأنا أحبّك بعد موتي ...

 

تجتمع في هذه القصيدة اللّطيفة عناصر الخلق ومسيرة حبّ إلهيّة إنسانيّة، تشكّل سفر تكوين عشقيّ يخطّه الشّاعر في كتاب خاصّ يمنح من خلاله الحبيبة صفة الألوهة فيجعلها في البدء، ( في البدء كانت حبيبتي). ولعلّ التّعبير الأصدق والأدقّ الكامن في قلب الشّاعر هو المبدأ وليس البدء، (في المبدأ كانت حبيبتي). إذ إنّ مبدأ الخلق لا بداية له ولا نهاية، وليس قبله وبعده. فتكون الحبيبة مبدأ الحياة والرّنوّ إليها توق إلى اكتمال قيمة العشق ما بعد النّهايات.

تبرهن الرّموز التّالية (البسملة، الفاتحة، الخبز والنّبيذ، البشارة وقايين) عن توغّل الشّاعر في عالم الماورئيّات المعتبرة مقدّسة. وما ارتقاؤه نحو العلوّ سوى اجتهاد ضمنيّ لجعل الحبيبة مبدأ الحياة بل جوهر عالم الشّاعر. فتشرق القصيدة من علٍ وتظلّ سائرة في ذات الخطّ حتّى النّهاية، ويحلّق الشّاعر في رحاب السّماء، يرنو إلى حبيبته وينقل إلينا بهاء هذه الحالة العشقيّة الفريدة. (في البدء كانت حبيبتي... وأنا أحبّك بعد موتي).

بنى الشّاعر قصيدته بنفس خاشع أمام عظمة المبدأ، أي الحبيبة الإلهة. فجعل من كلّ بيت آية شكّلت علاقة صلاة بينه وبين حبيبته. والمقصود بالصّلاة الحوار الصّامت بين العابد والمعبود. وإذ اعتمد تعبير البسملة، أكّد على أنّ الصّلة بينه وبينها قدسيّة تعلو فوق الزّمان والمكان، وأنّها الاسم الّذي يُتلى قبل البدء بأي فعل.

وإذا كانت البسملة تولي الحبيبة مكانة أولى، فالفاتحة تدعم المعنى. فيتجلّى مقام الحبيبة من خلال العبارتين (بسملة الضّوء// فاتحة النّدى) رتبةً إلهيّة لا يعلوها أيّ مقام. فالضّوء والنّدى خاضعان لها، بل هي مصدرهما. وإذا رمز الضّوء إلى السّبيل المستقيم، والنّدى إلى النّقاء والطّهر، انسكبت في قلب الشّاعر حالة صلاة نورانيّة متجرّدة، وحيا لقاء قدسيّاً سرمديّاً مع الحبيبة الإلهة.

(في البدء كانت... خبزاً ونبيذ). لا بدّ أن للخبز والنّبيذ معنى جسدانيّاً إلّا أنّهما في سياق القصيدة يتخطّيان الجسد ليعبّرا عن القوت الأبديّ لارتباطهما بكلمة (البدء). وللخبز والنّبيذ دلالة دينيّة عند بعض الشّعوب القديمة، ويُزعم أنّ تناولهما كان فيه بعض العبادة كما نرى على سبيل المثال في الدّيانة الميثرانية* الّتي عاصرت المسيحية. وهناك دلائل تُشير إلى أن الميثرانية أخذت الخبز والخمر في عبادتها من المسيحيّة. وفي نفس الوقت كانت الشّعوب الأوروبية تعتبر الخبز والخمر مُكوّنين أساسيّين في حياة البشر. من هنا نفهم أهمّية استخدامهما في القصيدة كرمز للحبيبة الّتي تمثّل القوت الأبديّ للشّاعر. يحيا ويسعد بها. (الخبز رمز للحياة والنّبيذ رمز للفرح).

ترتسم ملامح سفر التّكوين العشقي بالحرف. فوكأنّ الشّاعر ينتقل إلى عمليّة التّدوين، أو التّبشير بحبيبته. والبشارة مرتبطة بالفرح والخبر السّار، والحرف مساوٍ للنّور والمعرفة. ولنا أن نفهم أنّ الشّاعر أولى نفسه رتبة الرّسوليّة ليبلّغ حبّه للعالم، فيدلّه على سبيل السّعادة والمعرفة. (في البدء... بشارة الحرف..).

وإذا كان الكون استهلّ حركته بقايين القاتل والرّافض للحبّ (قابيل يجهش بالبكاء)، فكون الشّاعر حركة حبّ مستديم، ولحظة عشقيّة كونيّة، تمتدّ منذ الأزل مع الحبيبة المبدأ، وتترامى إلى ما لا نهاية حيث لا يقف الموت حاجزاً بينهما، ولا يشكّل عائقاً انفصاليّاً بين الحبيبة الإلهة والشّاعر الرّسول (وأنا أحبّك بعد موتي...)

 

مادونا عسكر/ لبنان

........................

 ( *) ديانة هندو أوربية شرقيّة، مكرّسة لعبادة إله الشّمس الفارسي ميثرا، المعروف باليونانية بميثراس ( Μίθρας ).

 

من أجل هايكو عراقي على جادة الصواب!!

latif shafiqلمرات عديدة ترددت أن أفصح عن رأيي وأخيرا سأقول بعد أن وجدت هذا الانحسار والتراجع والابتعاد عن جذوة ذلك الوهج الذي استهوانا لفترة وما كنا لها موقدين لعدم درايتنا نفخ الروح فيه!

لقد توارد في ذهني بعد أن وجدت بأننا لم نضع أيدينا على مكمن الخطأ في قولنا هذا هايكو وذاك لا وما يتسبب عنه نزوح كثيرين من قرائنا ولسبب واضح وهو بأننا ابتعدنا كثيرا عمن سبقنا في هذا المضمار وبمراجعة ما كتبناه سابقا وما أطلقنا عليه هايكو يتبن لنا مواطن الفارق الجلي لما قاله صناع الهايكو الحقيقيين القدماء والحاليين في أنحاء متعددة عربية كانت أوأجنبية وهنا أطرح سؤالا ضروريا: هل نتوقف أم نستمر؟  وإن أردنا أن نستمر فهل نستمر على نفس النهج من دون أن نأخذ بالاعتبار ما تتطلبه قصيدة الهايكو؟ وباعتقادي إن الاستمرار بهذا الشكل يعني دق آخر مسمار في نعش هايكونا ولا أقول الهايكو العربي لأن بعض الكتاب في بلدان عربية ومنها العراق أيضا   قد بنو لهم صرحا متميزا في هذا المجال ولا بأس من محاولة ما انجزوه من تراجم لشعراء يابانيين وأجانب. وحسب معرفتي أن هناك كثير من الشعراء العرب قد أسهموا في اغناء قصيدة الهايكو وعلى سبيل المثال لا الحصر أورد ما يلي:

1- من العراق الشاعر والناقد عذاب الركابي المقيم في مصر حاليا وهو صاحب تجربة وأول من كتب قصائد هايكو وله دواوين عدة منها ديوان رسائل المطر وديوان ما يقوله الريح ويصف شعر الهايكو بقوله هي لغة كونية آسرة لغة اللغة وخيال الخيال وجمل تضئ بلا حدود.

مقتطفات من ديوان رسائل المطر

يمنحني

العصفور حنجرته

بأغنية حزينة

على شباك عاشق

يستقبل

الليلك الحزين

 

شجرة الزيتون

من عراك الديكة

تتكاثر الثمار

 

ومن ديوانه ما روتها الريح

لو سألت الغيمة الملآى

بأعذاق المطر

أن تفسر غضب النجمة

 

بلون شاحب

تسخر

السنونو الناحلة

يقول عذاب في مكان آخر حول قصيدة الهايكو هو مخلوق لغوي يتنفس رائحة الخبز ويخشع لنصاعة بياض الورق.

تحدثت عنه مجلة الرافد الصادرة عن دائرة الثقافة والأعلام في أمارة الشارقة وعن مجموعته رسائل المطر باعتبارها تجربة رائدة لهايكو عربي علما أن الجهات المسؤولة عن الثقافة والأعلام في العراق لا يعنيها هذا الأمر.

 

2- مختارات من شعر الهايكو الرصين للشاعر المصري أدهم الصفتي

اليد التي صافحناها

تلوح لنا

من بعيد

 

أصابع رطبة على البطن

ظلال على الحائط

ربما شمعة

 

تلمع الأعين

في حضرة

الأرملة

 

الطفل الراكض فوق سقفي

يزداد بدانة

كل يوم

 

مؤذن الفجر

يرتعش صوته

من لسعة البرد

 

كيف تتفتح الزهور

في مدينة

بلا ربيع؟

 

العصافير في الشارع

تنعى جثة ملقاة

منذ يومين

 

الغبار على المكتبة

التي ورثتها

يحمل رائحة أبي

 

الرجل الجائع

يستطيع أن يفهم

مواء القطط

 

القط الذي يموء ليلا

تحت نافذتي

ماذا يريد أن يقول؟

 

قط الشارع العجوز

ما زالت نظرته

ترجفني

1- في السودان نادي الشعر السوداني الذي تديره الدكتورة عائشة موسى السعيد والتي أنجزت ترجمة كتاب الفصول الأربعة من الإنجليزية وهي مختارات من شعر الهايكو وأن الهايكو الياباني أخذ حيزا بنادي الشعر السوداني في ذكرى الكاتب الطيب صالح تحدث فيه أساتذة وشعراء سودانيين عن الحالة الجديدة والتي أطلق عليها (جيل أولياء) وتطرقوا خلاله إلى أنتاج أغنيات من بيت واحد في الطريق تتكون من بيت شعري واحد على شاكلة الشعر الياباني القديم (الهايكو).

2- في سوريا النادي العربي للهايكو عشاق الهايكو يكتبه شباب وشابات يتحدثون عن الزهور والطبيعة والطيور والفراشات ويحلقون بجمال الفصول الأربعة  وهناك طبيب أسنان هو سامر زكريا يدير مجموعة من الهايكويين يقول جربت كتابة الهايكو منذ عام 2003 وتعرفت عليه عبر الترجمات العربية القليلة ثم وسعت قراءتي إلى الإنجليزية,وفي أوائل 2013 أسست مجموعة الهايكو في سوريا هايكو عربي جدي حقيقي من وسط مجموعة من الأصدقاء ولم يتوقعوا أن ينجحوا هذا النجاح في زمن قصير ويبلغ عدد أعضاء هذه الجمعية الآن نحو خمسة آلاف عضو خلال عام ونصف . 

3- في الأردن النادي العربي للهايكو يديره الشاعر والقاص محمود الرجبي وهو يرى أن الهايكو هو قصيدة اللحظة والتقاط المشهد الذي لا ينتبه له العابرون وعندما يقرأ أحدهم نصك تصيبه الدهشة فيقول: (يا إلهي كيف لم انتبه لهذا!) 

4- من المغرب الشاعر أبو الفوارس عبد العزيز يقول: ارتأيت أن أخوض التجربة من منطلق ليس التقليد وليس من باب المغامرة بل من منطلق الدهشة وعلى أن كل ما هو أبداع إنساني راق لا يتطلب لغة اكاديمية محضة بل يتطلب فكرا إنسانيا فطنا يتقن القبض على مشهد الأشياء بعين العقل وعين البصيرة.

5- من ليبيا الشاعر جمعة الفاخوري يقول: الهايكو قصيدة ضوئية مختزلة تنبع من أعماق الشاعر لذلك تأتي محفوفة بالدهشة والفتنة والأثارة.

6- من لبنان الشاعرة لميس حسون ماجستير في الأدب الإنجليزي تقول: تعرفت على شعر الهايكو خلال مادة الشعر تحديدا وبعد قراءة مكثفة لقصائد الهايكو باللغة الإنجليزية والفرنسية ولهايكوات عربية مترجمة أو لشعراء عرب وبعد دراسة مفعمة انتبهت أن هنالك من يكتب نصوص هايكو أقرب منها إلى الومضة الشعرية وإنني اليوم بإمكاني أن أكتب هايكو عربي لا كتقليد للهايكو الياباني.

مقتطفات من شعر الشعراء الذين مر ذكرهم

من الأردن محمود الرجبي

أصعد إلى جبال رم

الزهور الصغيرة تنحني خائفة

قدمي تدوسها فتنزف رائحة

 

ومن لبنان لميس حسون

أغصان الداليا

تظلل ركام منزلنا

يا للوفاء

بتلات ملونة

على شجرة الجوري العقيم

ما أحن العاصفة

 

من ليبيا جمعة الفاخوري

تمرجح أرجوحته الخاوية

تملؤها الدموع

والدة الصغير الفقيد

 

من المغرب أبو الفوارس عبد العزيز

ما من تخوم مضيئة

مروحية سوداء

لحر الغرفة

7- تراجم لشعراء يابان من كتاب الهايكو لمحمد عظيمة والسحر الآسيوي لمني فريد وتاريخ الهايكو الياباني لسعيد بو تراجي

  توميتا – موبا

على كتفي

تنسج العناكب خيوطها

ذات غروب في الخريف

 

تريه آثار البعوض

فوق ذراعها

الحبيب البارد الغفلان

 

كوروياناغي- شووها

لأن المدخنة ترمقني

كل يوم

لم أستطع إتمام الانتحار

 

هاياشيد-كييتي أو

حتى العين التي لا أرى فيها

أنظف جهتها

من بلور النظارات

 

هيتو- سووجو

حب لا أعلن عنه

مرة أخرى

تتراكم الثلوج فوق الجبال

 

المعلم ماتسيو باشو

اليوم الأول من الربيع

أستمر في التفكير

بنهاية الخريف

 

مطر الربيع

متسربا عبر السقف

حبات تقطر عبر عش الدبور

 

هناك تذكار من إيدو

يرحل الربيع

تبكي الطيور

 

في طنين الزير

ليس ثمة إشارة تنبئ

متى يجب أن يموت

 

القبرة

تغرد طول النهار

والنهار ليس كافيا لها

 

الخريف

حتى العصافير

والغيوم تبدو هرمة

 

أيها القبر انحني

لريح الخريف

صوت نشيجي

أعود للسؤال الذي طرحته آنفا (هل نتوقف أم نستمر؟)

لقد توفرت لدي بعض القناعات خلال متابعتي لكتابات من ساهم في هذا الباب والمحاولة من أجل كتابة قصيدة هايكو بأسلوب عربي أو على وجه الدقة عراقي وجدت بأن أكثر ما كتب ولا استثني ما كتبته أيضا قد اثقل كاهل الهايكو الخفيف وحمله بما لا يطيقه من أحمال وقد تكون هناك أسباب عديدة قد ساهمت في هذا الشأن وأول هذه الأسباب هو عدم جدية وتقنية النقد الموضوعي لما كتب من تلك القصائد وإن ما جاء منها لا يتعدى المدح والمجاملة والاشادة بشخص الشاعر ولا علاقة بمضمون وسباكة وأصول القصيدة عدا ما بدر من الشاعر  المتمكن جمال مصطفى وضمن توجيهات ونقد خجول لا تقف حائلا دون التمادي بالأسلوب الخاطئ في كتابة قصيدة الهايكو التي تعارف عليها العرب والأجانب. ومن تلك التعليقات والتي يمكن اعتبارها هادفة ومفيدة لكل من يريد أن يكتب قصيدة هايكو عراقي هو ما جاء بتعليق الشاعر جمال مصطفى حول ما كتبه الشاعر زاحم جهاد مطر بعنوان( تحاسين)حيث أشار إلى مكمن الخطأ ولو أنه لم يكن يحمل الصراحة التامة بقوله:(إذا كانت الصورة الشعرية قوية ستنجح كقصيدة لا كهايكو وإذا كانت الصورة الشعرية غير جيدة سيقال عنه هايكو غير جيد وليس قصيدة رديئة لهذا يكون الحفاظ على سمات الهايكو شرطا وإطارا للنجاح في أكثر الأحيان ولا يكون على حساب الأبداع ) أحسنت أستاذنا الضليع الشاعر جمال مصطفى ومزيدا من هذه التوجيهات وبصراحة مطلقة حيث تبين لنا وبدون استثناء وعند غربلة قصائدنا لا نخرج بالكثير مما تطلبه قصيدة الهايكو بشروطها المعروفة وإن كتابة مائة ما يطلق عليه قصيدة هايكو من دون أن نخرج بواحدة مطابقة للمواصفات هو شيء غير مجدي وعبثي

إن المشكلة تكمن في مدى قبول المتلقي لهذا النوع من القصيد واسمها الذي لا زال الكثير يجهل معناه. كيف يمكننا أن نقنع السامع العراقي إن هذا شعر وهل يمكننا أن نوصل المعنى الخفي وحالة الدهشة التي هي العنصر الأساسي في قصيدة الهايكو ؟ قد يكون هذا النوع  استهوانا وخاصة من الألسنة المترجمة وحركت فينا مشاعر ذات خصوصية معينة والتي هي بالأساس نابعة من  بيئة وثقافة تلك الشعوب وعليه يجب أن نأخذ بحساباتنا عند كتابة هايكو عراقي أن ننظر إلى النخلة والترعة وصوت الربابة والناي وترنيمات هوسات الأفراح والأحزان وإن المشكلة ليست متعلقة بكاتب القصيدة فقط بل تتعداه إلى المتلقي العربي عموما والعراقي خصوصا والذي ألفت أذناه سماع الشعر المقفى والحديث أحيانا والتطريب والألقاء الغنائي الذي يحرض ويحفز مشاعره, وإننا للآن لم نستمع إلى شاعر وهو يلقي قصيدة هايكو في الوسائل المرئية والمسموعة بل الأمر اقتصر على الكتابة الورقية والألكترونية, لنتصور مثلا بأن شخصا ما يقف في حفل جماهيري ويلقي المقطع التالي وهو مقتبس من أحد شعراء اليابان الكبار فيقول:

أقف بعيدا عنها

يبدو أنها ضفدعة

بالقرب من سلحفاة

إنها صورة جميلة وحسية عند قراءتها لكنها سوف لن تنل اعجاب المتلقي الذي لا يدرك كنهها لذلك يتوجب علينا أن نكتب ما يقرأ ويسمع بآن واحد وهي المهمة الصعبة في صياغة هايكو عربي وعراقي ولو أن الأمر يبدو مختلفا لدى صناعه الأصليين اليابانيين فالهايكو هي لغتهم الشعبية ومجال سجالاتهم اليومية كما هو جار لدينا في مناطق الريف خلال مطارداتهم لشعر الأبوذية والزهيري والحسجة.  

هذا سبب وهناك أسباب أخرى مؤثرة لا تقتصر على من كتب الهايكو في صحيفة المثقف بل تشمل الكثير ممن كتب بلغات تختلف عن اللغة اليابانية والصينية أيضا لكونها اللغة الأم في صناعة قصيدة الهايكو

ومن تلك الأسباب ومن وجهة نظري غزارة اللغة اليابانية وما تحتويه من حروف ورموز هائلة مقارنة باللغة العربية التي تقتصر على (28) حرفا واللغة الإنجليزية التي تبلغ حروفها (26) حرفا ولأجل توضيح هذا الأمر يمكننا أن نوجز بعض ما يتعلق باللغة اليابانية:

تتكون كلمة اللغة اليابانية من مقطعين هما (نهون- غو) ونهون تعني الشمس المشرقة وتشير لليابان وغو تعني اللغة

توجد في اليابان لهجات عديدة فلكل منطقة أو مقاطعة لهجة كلهجة أوسكا ولهجة شيروكا ولهجة هيروشيما وأكيناوا الخ , لكن لهجة طوكيو هي الفصحى والتي قررت اليابان اعتبارها اللغة الرسمية.

تقسم اللهجات اليابانية إلى شرقية وغربيه وتظم كل منهما أقاليمها وتختلف الواحدة عن الأخرى. الكتابة اليابانية تكتب من اليسار وإلى اليمين ومن فوق إلى تحت وبطريقتين هما:

الكتا كانا والهيرفانا وتدخل تحت مسمى واحد هو ( الكاتا)

لقد فرضت القوات الأمريكية بعد احتلال اليابان التعلم بطريقة الحروف اللاتينية والمشابهة للحروف الإنجليزية وأطلق عليها ( روماجي ) لكنها قوبلت بالرفض من قبل الشعب وتمسك بلغته اليابانية الأصلية ,هناك مفردات في اللغة اليابانية متشابهة ولكنها تختلف بالمعنى كالهيراجانا  والكاتا جانا  والكاتا تتألف من (46) حرفا أساسيا وبنفس النطق والاختلاف هو بأشكال الحروف وطريقة استخدامها والكانجي هو الأصعب في اللغة اليابانية وهي تنحدر من الحروف الصينية المتطورة ,كان عدد حروف الكانجي يفوق عن أربعين ألف رمز ثم قلصت لتصبح ما يفوق الألفين والذي يحفظ الف وتسعمائة كانجي من اليابانيين يعتبر أمي والكانجي هي رموز وليست حروف وكما أسلفنا فإن الحروف الأساسية هي (46) حرفا ومن هذا ولسبب تشابه الرموز واختلاف معانيها يصعب على المترجم أن يدرك المعنى والصورة التي يكتب فيها اليابانيون قصيدة الهايكو, وهل ستبقى تلك القصيدة محافظة على صورتها بعد أن يتناقلها المترجمون من لغة إلى أخرى؟

بعد أن انتهينا من سبب خصوصية اللغة اليابانية في كتابة قصيدة الهايكو  ننتقل إلى سبب آخر هو ما يشكل عاملا مهما في نفسية الياباني وكيفية تعامله مع الأحداث والصور وهذا العامل هو المعتقد والفلسفة التي يعتنقها الشاعر الياباني ومنذ القدم وهو المذهب البوذي الذي تنبثق منه فلسفة ( الزن )ومن أجل أن نقرب جوانب مهمة من هذا المذهب والذي ساعد الهايكوي الياباني على التعبير بما يلائم انتمائه وما تأثر به من فلسفة الزن والتي هي أحدى الدعائم إلى عالم ( نيرفانا) وإن النيرفانا تعني عند البوذي حالة الفراغ القصوى وافناء الرغبات واسبابها .

نبذة مختصرة عن المذهب البوذي وفلسفة الزن:

أسم بوذا الحقيقي هو (سيد هارتا غوما أوساكيا موتي) وتعني الصاحي وينتمي إلى عشيرة ساكيا وقد ولد في القرن السادس قبل الميلاد في واحدة من قرى جبال الهملايا وأن كثير من شعوب جنوب شرق آسيا تدين بمذهبه وتعاليمه لحد الوقت الخالي.

الحقائق النبيلة الأربعة لمذهب بوذا:

أولا: الوعي ومعرفة الألم والاستعداد له

ثانيا: أصل الألم (الرغبة والجهل ومن أجل القضاء على الألم يجب محاربة الجهل والمتعة الجنسية والخوف من الموت).

ثالثا: فناء الألم بفناء الرغبة والجهل

رابعا: بعد التغلب على الألم خلق نظام للحياة للوصول إلى ( النيرفانا) قواعد انضباط النفس في البوذية خمسة:

عدم القتل- عدم الاستيلاء على خيرات الآخرين -عدم اتباع أهواء النفس -عدم الكذب – عدم السكر.

ماهي فلسفة الزن؟

أولا: عدم التعلق

ثانيا: عدم التعلق بعدم التعلق

ثالثا: عدم الاشتراط بفعل عدم التعلق

مظاهر الزن في الفنون والحضارة اليابانية

أولا: فنون القتال والرماية

ثانيا: مراسيم الشاي

ثالثا: صناعة الفخار والبخور

رابعا: البستنة والحدائق

خامسا: الخط والشعر والفن المسرحي

سادسا: الطبخ

تقاليد الزن في العالم المعاصر:

أولا: وحدة معرفة النفس تؤدي إلى السلام الداخلي

ثانيا: احترام الطبيعة والكائنات الحية

ثالثا: التحرر من المادة والتخلي عن الرغبات

رابعا: الحياة نهر مضطرب تجري مياهه العكرة مزيجا من العواطف والأوهام.

هذه أهم جوانب المذهب البوذي وما تتضمنه فلسفة الزن والتي ساعدت شاعر الهايكو الياباني أن يهيم بها وأن ينطلق بعوالهما عند صياغة قصيدة الهايكو والتي قل ما نجدها في قصائدنا التي نحاول فيها محاكاتهم عند كتابة هايكو عربي أو عراقي.

وأخيرا بودي أن أشير إلى ما نشر في صحيفة المثقف في باب مدارات حوارية التي استضافت الشاعر جمال مصطفى والحوار الذي أجرته معه الشاعرة ياسمينة حسيبي وما يتعلق منه بقصيدة الهايكو والمقتطفات التي يمكن اعتبارها درسا مهما لصياغة قصيدة هايكو رصينة وردا عن سؤال لها قال: ( كان في نيتي تكريس ديوان للهايكو لكنني سرعان ما اصطدمت بمعوقات لا يمكن حلها إلا (بخيانة الهايكو شكلا ومضمونا ) ثم يقول إن الهايكو غير الياباني تمرد على الكثير من الثوابت اليابانية وقصيدة الهايكو متحققة من آلاته اللغوية والشعرية وهذا يتطلب شاعرا من طراز خاص وأن هذا الرأي يؤكد ما ذهبنا اليه في هذه المقالة . وفي جواب آخر يقول الشاعر جمال مصطفى إنني أميل إلى هايكو معقد لا يقل عن القصيدة من رقيه الابداعي وفي قدرته على الإدهاش العميق لا السطحي. فحبذا لو التزم شعراؤنا بهذا المبدأ. وحول سؤال هل الملل وكثرة التفاصيل التي تطغى على الحياة اليومية أم صعوبة اختمار الفكرة وتكثيفها في لحظة برق عفوية؟ فيجيب: كل شاعر عربي قادر استيعاب تقنية الهايكو نظريا ولكن الانخراط في الكتابة يتطلب أكثر من ذلك. وأنني مع هذا الرأي ولكنني اختلف مع كثرة التفاصيل التي تطغى على الحياة اليومية باعتبارها عائقا لكتابة الهايكو بل أجدها حافزا ودافعا مهما لمن يتمكن من اقتناص تلك الحالة ويعكسها بطريقة تثير الدهشة والاعجاب وهذا ما نجده في بعض قصائد الهايكو لشعراء يابانيين مشهورين كانت بعض من قصائدهم تتميز بواقع الحال ومعاناتهم.  ومشكلتنا نحن هي واقعنا وكما قال أحد شعراؤنا (كم طعنة تكفيه العراقي لكي يكتمل نزيفه؟) وإن هذا الواقع طالما كان هو الحافز والمحرك الفعال لأثارة المشاعر والمكنونات التي ساهمت بولادة اعظم وانقى القصائد.

وكما بودي أن اعزز ما ذهبت اليه واشير إلى تعليق الشاعر سالم الياس مدالو على مقاطع مترجمة بعنوان ألف هايكو وهايكو (4) للشاعر جمال مصطفى وتظمينه بعضا من مقاطع هايكو جديد ويظهر أن شاعرنا سالم قد شعر واستدرك بمكمن الخطأ واستبق سؤالنا المتضمن هل نتوقف أم نستمر؟ فتوقف مليا ولفترة مناسبة ليعيد النظر بما كتب ولهذا فقد جاءت تلك المقاطع تبشر بولادة هايكو عراقي رصين خال من الشوائب وخاضعة للضوابط والشروط التي يطلبها الهايكو الجيد.

وإن سبب أحجامي أيضا وتوقفي عن كتابة هايكو جديد يعود إلى ما ذهبت اليه من رأي مطروح للنقاش لغرض الاجابة عن السؤال الوارد فيه وهو (هل نستمر أم نتوقف؟). 

      

لطفي شفيق سعيد

21 آذار 2016

 

 

المسرح المغربي والهجرة (1)

najib talalالتأمل المعقلن: مبدئيا لا نتوفر على أية خلفية سلبية أو حقدية لجهة من الجهات، بل من باب العشق واللذة السيزيفية، لهذا البلاء المسرحي/ الإبداعي، نمارس شرعية الاختلاف والضرب على مواطن الخلل، الذي يصيب هذا الفن الجميل في موطن فعاليته، والكشف ما يمكن كشفه، من خلال معطيات بعض منها متداول في المشهد علانية، وبعضها في الكواليس مختفيا، فلما اللامبالاة، ولما الصمت، ما دمت خارج زمرة التهافت المادي والمناصب الوهمية، وممارسة المناورات التافهة والتحالفات والوهمية واللوبيات الفارغة من أجل إثبات الذات في اللجن والمكاتب، إذ يكفينا شرفا أننا نمارس حقنا التاريخي و الخطابي والإبداعي، بدون داء - الفوبيا - من انكشاف أسرارنا وملفاتنا، وبناء على هذا المدخل، الذي يحتاج لتأمل معقلن، من لدن من يفهمون المضمر من الخطاب، نشير أنه من بين الإشكاليات التي تحتاج وتحتاج لنقاشات عميقة، ودراسات - اجتماع نفسية - ولكن لم نعر لها اهتماما،أو نغض عنها الطرف، باعتبارنا مساهمين فيها، أو يوما ما سنكون ضمن الزمرة - المهاجرة - للخليج . هجرة وهي من صميم ما أل إليه الوضع الثقافي/ المسرحي ببلادنا، ذو ارتباط وثيق بالجفاف المسرحي، وإن كانت في حد ذاتها مضحكات، من خلال ما قيل في سنوات وما يقال وما يمارس؟؟؟    

 إذ مبدئيا لا أحد له الحق والأحقية في مصادرة أو منع أي كائن سفر، ولكن في إطار الإحساس بروح الإبداع وقيمته المضافة التي تضيف شخصية لفاعله وممارسيه، فلامناص من إثارة هذا الموضوع، الذي يبدو بسيطا في طرحه، باعتبار أن كل مواطن في العالم يهاجر هنا أو هناك، إما طلبا للعلم أو طلبا للرزق أو تعيينا وظيفيا أوعمليا أوالمشاركة في تظاهرة ثقافية/ فنية/ سياحية.... وبالتالي فالهجرة سواء أكانت دائمة أو مؤقتة أومرحلية، فهي ظاهرة كونية لا تتعلق ببلد دون غيره، لكن في عمقها تتناسل مئات التساؤلات في إطار هجرة الكثيرمن المثقفين والأدباء والمسرحيين و المغاربة إلى الخليج (الآن) ليس من أجل العمل أو الإعارة أو العمالة، بل من أجل الحضور للقاءات ومهرجانات مسرحية، التي أمست تنمو وتتناسل في منطقة الخليج المنضوية تحت مجلس التعاون الخليجي، لا فرق وحتى إن كانت في إطار مؤسسي معروف ومتعارف عليه، أو في إطار تنويع الخبرات وتلاقح التجارب، فالمسألة تناقش، لأنها أمست من الظواهر الفريدة والمتميزة في السنين الأخيرة، وبالتالي تحتاج كما اشرنا دراستها ومناقشتها بطريقة مختلفة ومغايرة، من عدة زوايا، أبرزها زاوية ما يعرف بالتهافت نحو الخليج، والبحث بشتى الوسائل، ولن نعدم جوابا إن قلنا- مشبوهة - لعدة عوامل تتحرك عيانيا في المشهد الثقافي والإبداعي، المغربي. لآن أي تحرك أو لقاء أمسى مكشوفا، وحتى إن لم يكن كذلك، فوسائل الاتصال والتواصل الفوري والعنكبوتي، تكشف وتخبرما هو خاف عن أنظار عيون السلطة أوعن حملة التقارير، باعتبار أن الانتقال من الحداثة للعولمة، فرض حتى نوعية العلائق والصداقات، وكيفية الإبحار لاستجلاب ما يفيد من أشخاص مفترضين، في نظر عوالم الشبكة العنكبوتية ومشتقاتها .... ولكن بنوع من التمعن والروية والتأمل المعقلن، فما هو افتراضي هو واقعي بالضرورة رغم محاولة طمس هاته الحقيقة، بمعنى أن التواصل التناوبي، يخلق وينتج ما لا يكون في الحسبان، بحيث العديد من الأفكار تتبلور إلى مشاريع وأشخاصها يحركون ذاك المشروع في فضائهم، مما تلتقي فيه أسماء ووجوه، تم اللقاء بها سابقا أولاحقا، وبالتالي فالعالم بشساعته أمسى مدينة، ولن نقول قرية بصيغة المبالغة، نظرا أنه ليس هنالك فرد يمارس[ الإبحار] لا يتوفر على أصدقاء من أعمار مختلفة، في شتى أنحاء البقاع، يتواصلون ويكشفون ملفات دقيقة وممارسات إما إيجابية أو سلبية للعديد من الفعاليات، فمن هذه الزاوية فالعديد من الممارسات المشبوهة، والمسيئة لعوالم الإبداع والفكر، فاعلوها لا يأخذون بعين الاعتبار هذا الجانب التواصلي و التلاقحي والتفاعلي، وأنت على فراشك تتواصل عالميا، تناقش وتتحاور وتزود وتتزود بالأخبار والقضايا كأنك [ جهاز مخابرتي] مستقل، وبناء على هذا فجملة من المسلكيات والملفات التي تمارس تحت الموائد وفي الكواليس والعتمة، تبقى ضمن:

 

المضحكات:

منذ عقود خلت كانت علاقة العالم العربي والإسلامي بالخليج العربي علاقة روحية فقط (أي) تقتصر فى مجملها على زيارة الأماكن المقدسة في الحجاز، لكن بعد التطور والنمو الديمغرافي وظهور ثروة - النفط - انطلقت دول الخليج تشجيع -الهجرة- إليها في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، لتشغيل البنى التحتية لمجتمعاتها. ومحاولات خجولة لاستقطاب العقول المفكرة والمبدعة باعتبارها الفاعل الحقيقي في عملية التنمية الاقتصادية والإسهام الفعال في تراكم الخبرات في حركة المجتمع، كما فعلت العديد من البلدان الغربية من استغلال إمكانيات تلك العقول البشرية المثقفة والمبدعة، لدفع عجلتها العلمية، أو على غرار ما حدث في خمسينيات القرن الماضي،حينما فتحت ألمانيا أبوابها على مصراعيها واستضافت أعدادا من المهاجرين حتى فترة السبعينات لإعادة إعمار وبناء ما دمرته وخربته الحرب العالمية الثانية، وفي هذا الإطار كان الأغلب الأعم من مثقفي القومية العربية، يعتبرون أن التعامل مع الخليج، أو النشر في مجلاتهم ومنشوراتهم، خيانة للفكر القومي، وانتهازية مفضوحة نحو “البتر ودولار” الذي هو أساسا مشروع سياسي تابع للإمبريالية، مما أمسى التهافت نحو/العراق / ليبيا / من لدن العديد من المثقفين المغاربة، حتى أمست الصفقات الثقافية، تعلن عن نفسها من خلال تكرار نفس الأسماء، وانوجادهم في بلاطات الحكام الذين يغتالون المثقف ويحاربونه، ويزينون مثقفي المغرب بالأوسمة، كأن المغرب بطوله وعرضه، لم ينجب أو يلد سواهم في الشعر والمسرح، ولكن الملاحظ، بأن مصر وسوريا (لماما) كانتا بمعزل عن استضافة المغاربة وقبولهم في التظاهرات الثقافية والمهرجانات الفنية والمسرحية، رغم أن الفكر القومي كان متجذرا فيهما، والمثير أن مثقفيهم كانوا يهاجمون كل من تعامل مع الخليج وغيره: قلت له بأني أطالب بالتطبيع أولا مع مصر لأنه لم يسبق لكم أن عرضتم مسرحية أو فيلما مغربيا في مصر، فكفى مزايدات(1) لكن المزايدات تفاقمت بعد انهيار المعسكر الشرقي و أفول الأطروحات الاشتراكية ومن تمت أمست كل جهة تحاول الدخول لحلبة التفوق والامتياز، باستقطاب كل من يدفع بالواجهة الثقافية والفنية، ولم يعد للإبداع المسرحي وغيره من فنون القول أوالعرض، تلك الواجهة النضالية الصرفة والروح المقاوماتية، بعيدة عن كل ما هو مادي / نفعي، إيمانها الدائم متسم بالروح المتسامية والرفيعة بروحانية الروح الإنسانية الخلاقة، إذ انقلبت المفاهيم، بعد انهيار ما كان قائما في العراق وليبيا وتونس قبيل تمظهر - الربيع العربي- الذي اختلطت فيه الأوراق عند البعض، وانكشفت عند بعض، ممن كانوا يعيشون التعتيم والتعمية وهم التقديس والقدسية لبعض الأسماء، مما أمسى العديد من المغاربة يتسابقون ويناورون من أجل مقعد في إحدى التظاهرات في الخليج، بفضل جاذبية ثقافة البيترودولار. وهنا نؤكد من حق دول الخليج أن تمارس قوتها على مستوى الزعامة القطرية بالدلالة الثقافية، من أجل

إنماء قوتها الثقافية والإبداعية، التي تعيش خللا وتخلفا جليا، وواضح عند أهلها الذين أساسا يحاولون البحث عن غطاء وتقية في ظل الشروط التاريخية الراهنة خاصة على المستوى المعرفي والثقافي لأن: المتأمل في الظاهرة البترولية في اقتصاديات أقطار الخليج العربي، يلاحظ أنها أصبحت ظاهرة إفسادية، انصبت على مظاهر الرفاهية الزائفة، محاكاة للواقع الغربي، في كل القياسات.فكانت بهذا التمظهر ألتسطيحي، عاملا سلبيا في تهديم الموروث الحضاري، والثقافي للمجتمع العربي الخليجي، الذي بدأت الآن تهتز أركانه، واخذ يحس بوطأة تحديات العصرنة، وعاصفة العولمة، التي أوشكت أن تأتي على كل ملامح المجتمع الخليجي، الاجتماعية منها، والسلوكية، والعمرانية، حيث اقتصر الأثر على البهرجة الفارغة،والتطاول المهووس في البنيان، وظهور ناطحات السحاب العربية، وانتشار ظاهرة الاستهلاك ألبذخي ألتبذيري(2) وهذا التدارك نستشفه في كثرة التظاهرات المسرحية والثقافية، والتي نجد إخواننا المغاربة، هم الجنس القطري الذي يغزو الخليج، فأضحت نفس الأسماء تكرر نفسها، بحيث أمسى وجودهم إلزامي كميثاق، حتى البعض وظف أبناءه في الخليج، وبعضهم استفاد من النشر والطباعة على حساب حضور زوجته، وبعضهم استفاد ويستفيد من الإعانات المادية، كأنه مقعد أو كسيح ووو ولاسيما أن تلك الوجوه لا تقدم ما يمكن تقديمه للفعل والإبداع المغربي، من قراءات وممارسات نقدية للأعمال المعروضة، بل تكتفي في النفخ على إثبات الوجود، وممارسة المزايدات بشكل سافر: فكر مجموعة من الإخوة في إنشاء إطار للبحث والإبداع في مجال المسرح التجريبي, إحساسا منا أن ما يعرض الآن صار مبتذلا, وقد آن الأوان لتجريب صيغ جديدة ونصوص جديدة واشتغالات جديدة......سيحقق الشيء الكثير, لأن الذين سيشتغلون فيه مؤلفون ومخرجون وأساتذة جامعيون, ونقاد باحثون يسعون إلى أن يعطوا للمسرح المغربي نفسا جديدا وإن أمكن أن يحملوها خارج المغرب, ليقولوا جاء جيل جديد لم يتنكر للجيل القديم(3)

ومثل هاته الخرجات والتصريحات غير المحسوبة، تدفعنا أساسا، لأكبر مدخل للبحث عن منافذ استغلال المواقع والاستفادة المادية بشكل ملتوي، وذلك من خلال ما قيل بأن هنالك جمعية للنقاد المسرحيين المغاربة : وهي أول جمعية تدافع عن اعتراف بدور النقد في بناء حركة مسرحية قوية، وهي أول فرع في العالم العربي وإفريقيا للجمعية الدولية لنقاد المسرح الموجود مقرها في باريس، والتي تشتغل في إطار اليونسكو، وتؤطر أكثر من ألفي ناقد مسرح في العالم(4) فمثل هذا القول العجيب والرائع، لم يرج في الصحف الوطنية إطلاقا، ولكن ما أعرفه شخصيا، أنها جاءت على أنقاض جمعية نقاد المسرح العربية،التي كان منسقها العام - سباعي السيد- الذي صرح:إن الجمعية أنشئت لتضم كافة المشتغلين بالنقد والبحث المسرحيين، على اختلاف توجهاتهم الفنية والفكرية، وإنها منظمة مدنية تسعى إلى تعزيز التعاون بين المشتغلين بالنقد المسرح العربي من جهة، كما تتعاون مع المؤسسات المعنية الإقليمية والدولية في هذا الشأن(5) ولكن بعيد تشكيل اللجنة التنفيذية للجمعية العربية لنقاد المسرح، برزت ملامح الانتهازية والوصولية، من لدن البعض، كما وصلنا ممن انخرطوا فيها، وبالتالي فجمعية النقاد المغاربة، ما يعرفه المتتبعون أنها جددت مكتبها وسلمته لأحد - العراقيين- وهنا حماقة التأسيس، في غياب أي نشاط مكثف يذكر باستثناء إنجاز ندوتين (الأولى) المسرح المغربي وسؤال السينوغرافيا(6) أما (الثانية) تجارب عدد من المسرحيين المغاربة (7) وبناء عليهما

فالسؤال الجوهري، فهل ممارسة النقد الحقيقي والفاعل، يحتاج لممارسة تحليلية موثقة، في كتب أو مجلات مختصة، أم في جلسات موائد ندواتية؟ لكن النبيه، إذا حلل ما في الإحالات، سيكتشف، أن هناك بزنسة على حساب المسرح المغربي، الذي أمسى ضحية الاستهتار، والذي يساهم فيه بعض الشيوخ، بشكل صوفي، وربطا بكل هذا وما دفعنا لقوله، من خلال القول السابق حول الإطار للبحث والإبداع في مجال المسرح التجريبي.أين هو هذا الإطار على مستوى الواقع المادي الملموس؟ إنه في مخيلة صاحبه، أما أخطر المزايدات أن الجامعة تساهم نظريا وتطبيقيا، في تكوين طلبة يمارسون الفعل المسرحي، وهذا على ضوء انطلاق ورشة التأليف المسرحي بتاريخ 20 سبتمبر 2011 وذلك في إطار برنامج التأهيل المسرحي المستمر الذي تنظمه مجموعة مسارح الشارقة. نعيد القول من حق الخليج أن يمارس حضوره وقوته، ولكن بالنسبة لنا أليست مثل هاته الطروحات التي تسترسل بدون مكبح أو وعي وانتباه بأن هنالك أطراف متعددة تواكب ما يقال وما ينشر، وبالتالي فالمسرح الجامعي، لحد الآن لم يعطينا مؤلفا مسرحيا، تشهد له الركبان ولا مخرجا يضرب به المثل، وأبعد من كل هذا لم يعطينا فرقة طلابية متكاملة البنيان والهيئة، تشرف بلادنا في الجامعات والمعاهد والأكاديميات العربية والدولية إبداعيا، وبالتالي فجامعتنا مكشوف ما يمارس داخلها، ورغم ذلك نجد حتى أن الورشات المسرحية تهاجر بحيث: هذه الورشة تأتي استمراراً لتعاون مجموعة مسارح الشارقة مع الأكاديميات المسرحية العربية، حيث تسعى إلى تنويع الخبرات المقدمة للمشاركين في الورشات، وتأتي هذه الورشة نتيجة للتعاون بين «المجموعة» وجامعة فاس في المغرب(8) والمضحك جدا بأن هنالك تعاون أخر مع جامعة - فاس - سنأتي على ذكرها .......

 

نجيب طلال

يتبع

...................

الإحالات

1) الطيب الصديقي أشهر مسرحي مغربي: قطعت علاقتي بشمعون بيريز الرباط : حاورته لطيفة العروسني في صحيفة الشرق الأوسط العدد 8620ا في5 يوليو 2002

2) لكي لا يتحول البتر ودولار..إلى ظاهرة استهلاك إفسادي في أقطار الخليج العربي: بقلم نايف عبوش عن رابطة أدباء الشام بتاريخ 10/ أيلول/2011

3) المسرح وسيلة من وسائل تربية الشعب- حوار مع الباحث المسرحي يونس لوليدي: حاوره حميد اتباتو عن موقع محمد أسليم بتاريخ 2006

4) في الحاجة إلى تنسيق الجهود المغاربية: النقد المسرحي بالمغرب العربي - سعيد الناجي رئيس جمعية نقاد المسرح بالمغرب نشر في الجزائر نيوز يوم 31 - 05 - 2010

5) جمعية نقاد المسرح العربية تعلن عن فتح باب العضوية منشور في جريدة - اليوم -عدد 12931 بتاريخ 9/11/2008 بقلم عباس الحايك - الدمام

6) الندوة بتنسيق وزارة الشؤون الثقافية والجماعة الحضرية بمكناس وتعاون مع ولاية جهة مكناس تافيلالت في 18//06/2011

7) احتضنها مهرجان المسرح المغربي في مدينة مكناس بدعم من الهيئة العربية للمسرح وبمساهمة من جمعية نقاد المسرح بالمغرب. في 30/07/2012

8) تصريح مدير عام «المجموعة» محمد حمدان بن جرش. لجريدة الإمارات اليوم بتاريخ 20/ 09/ 2011

 

 

شمس تبريزي ورباعيات مولانا صراع مرير مع القبح الأرضي

wejdan abdulazizلا شك ان هناك صعوبة كامنة لدى الدارس وهو يحاول الدخول إلى عالم شخصية مهمة ، كشخصية جلال الدين الرومي، ولكني أحاول أن ابدأ من حيث انتهى الآخرون، عساي أن أجد ضالتي وينفرج كمون الصعوبة أمامي .. وقبل كل شيء لابد لي ان اسرد الرواية التالية، لتكون مفتاحا لي لتحليل بعضا من شعر مولانا .. الرواية تقول: بينما مولانا جالسا في احد الأركان المنعزلة في خلوة مع نفسه بقرب غدير ماء، ينظم الشعر، وإذا بشيخ كبير تظهر على محياه علائم جلال واحترام، فرحب به مولانا وأجلسه بجواره، وراح  ينظر إليه بتمعن وروية ، فقال له الشيخ: ماذا تفعل هنا يابني وحيدا؟ فابتسم جلال الدين بحياء ومهابة وقال: ابحث في عالم الشعر والخيال واستلهم الوحي والجمال وأتأمل الموجودات التي أوجدها موجدها، فيختلط علّي الامر في كيف السلوك إلى معراج الحقيقة الكامنة خلف هذه الموجودات .. تنهد الشيخ الكبير واخذ يدله بحنكة وعمق على الطريق الواجب سلوكها لسبر أعماق الحقيقة بعدما التفت إلى أكداس الكتب بقربه فاحرقها واختلفت الروايات بهذا الصدد، ولكن الحقيقة الكامنة هو التعرف على الشيخ شمس تبريز في ظروف معقدة كانت وراء تحول مولانا الى حالة من حالات التصوف والتجلي والزهد، فقط أمطرت شمس تبريز على ارض مهيأة قبلا وعلى استعداد لعطاء الخير، حيث عبر مولانا عن تلك العلاقة بقوله: عندما اشتعلت نيران الحب في صدري احرق لهيبها كل ماكان في قلبي وعملت بجد إلى اكتساب صناعة الشعر، وغاب عنه شمس تبريز وفي حالة تأمل قال: من ذا قال ان شمس الروح قد ماتت؟ من ذا الذي تجرأ على القول بأن شمس الأمل قد تولت؟ ماهذا إلا عدوا للشمس وقف تحت سقف وعصب عينيه؟، ثم صاح (ها هي الشمس تموت)، ومن جملة القول ان صحبة شمس للرومي أنتجت حصيلة شعرية كبيرة كانت تدور حول الحقيقة الالهية في ذهن مولانا على انها الجمال، بحيث تصيّر العشق عنده، هو الجمال والجمال عنده هو الجمال الالهي وكل جمال في هذا الكون المرئي ما هو الا شعاع من او مظهر للجمال الالهي وان العشق هو احد مباديء الاتحاد والفناء، فهناك قوى جاذبة في كل ذرة من ذرات الوجود وبها تنجذب العناصر الى بعضها وتحت أشكال الحياة وصورها ومن هنا تصبح الحياة كلها تجليا للعشق واذا كان العاشق يطلب المعشوق فان المعشوق يطلب العاشق وهذه الجاذبية المتبادلة هي السر في تماسك وبقاء الكون والخليقة، فالعشق يجعل الكون كله مبنيا على درجة من التناسق والانسجام  (وكلّ في فلك يسبحون) وهو حركة صوب الكمال ..

ومن إبداعات مولانا الرومي انه ابتكر الرقص والدوران مع السماع والموسيقى وفي اعتقاده ان الدوران يطلق الخيال ويخفف من ثقل الجسد، ومن منطلقاته الأخرى ان قسّم النفس إلى ثلاث: العاقلة المتحررة من الأهواء والأخرى المسيطر عليها من قبل الغرائز والثالثة تعيش قلق المد والتوتر بين الأولى والثانية وان سلوك الإنسان يتبدل وفقا لأهدافه ورغباته ويرى الرومي ان الإنسان اذا امتلك بصيرة نافذة ومشاعر ايجابية سيصبح ذهنه صافيا  وان لاينساق مع الأجواء كما هي ويتخلص من شوائب النفس ليرقى الى الحالة الملائكية  وكذلك عنده الإنسان ليس شرا مطلقا ولا خيرا مطلقا وليس هناك ثوابت لأي شيء في الحياة وكل أمر يختلف حسب ظروفه ومتطلباته والبيئة التي نشأ فيها وان الحب هو القوة الهائلة الداخلية لتطور الانسان وإحداث التبدل في شخصيته والحب هو الجمال والله هو الجمال .. ويقرر ان الكراهية هي النار، اذن الحب في الارض هو الجنة والكراهية هي النار وبشعار الحب والعشق الإلهي وتفكير الرومي المرن والمتسامح، جذب إليه الناس بما فيهم من الديانات الأخرى مما اثبت للعالم ان هناك مشتركات إنسانية بين جميع البشر من مختلف المشارب والمذاهب والأديان .. وحينما نتمعن في بعض من اشعاره ولاسيما رباعياته نجد هذا واضحا  يقول الرومي:

 

(الزمن يجلب النهاية الخاطفة

لما تبقى من الرجال المندحرين

وذئب الموت سيمزق عما قريب

هذه الخراف المسكينة...)

 

هذه دورة اولى تتصل بدورة تمثلت بقوله:

 

(شاهد، كم بفخر يذهلون

برأس مرفوع

حتى يأتي مصيرهم بضربة مفاجئة

تلقيهم أمواتا....)

 

وهاتان الدورتان جعلته يقول:

 

(خذ هذه اللحظة إلى قلبك

وعندما ستغادرك

ستظل تبحث عنها طويلا

كما لو أنها تختفي

مع مئات المصابيح والعيون.)

 

اذن اللحظة المستغلة هي التي  أدخلت في القلب هالة من الصفاء وإزاحة الشوائب، وحينما تختفي دون استغلال تختفي كما مئات المصابيح المختفية التي سرعان ما تنطفيء ويحل الظلام وهنا يقرر ان: (الراكب السماوي مر) وعندها ارتفع الغبار في الهواء أي اصبحت كدرة في الارض، ولكن عشق السماء سيبلور رؤيتك، لازالة الكدر والظلمة بالاستقامة والتعمق في الحياة، ثم ان مولانا يثبت خلود الروح ويقرنها بخلود صاحبه شمس تبريز بقوله:

 

(من الذي قال أن الروح الخالدة تموت

ومن يجرؤ على القول

إن شمس الأمل تغيب

عدو الشمس هو فقط

من يقف على رأسه

رابطا كلتا عينيه صارخاً

انظروا، الشمس تموت)

 

ثم يبث اسئلته الوجودية حول الروح والبدء، هذه الاسئلة اصبحت كفيلة بان تطلق قدرات الانسان نحو الحصول على جائزة الفوز بامتلاك الحب والعشق الالهين وتصبح الحياة عنده محكومة بالزمن أي بايمانها وكفرها، بشكها ويقينها، لكن الكفيل في هذا كله هي اشراقة الايمان وانفتاح الصدر رغم صعوبة  المنال ، فاسئلته هي:

 

(من الذي أطلق الروح

قل لي، من هو؟

من أعطى في البدء

هذه الحياة لي؟

من يتلبس، حياة الصقر

ووهبني لبرهة عيوني

فسوف يطلقني

لاصطاد جائزتي)

 

ثم يعطينا اشراقة  شعرية اخرى بقوله:

 

(كملح يذوب في المحيط

ابتلعت في بحر الله

الأيمان الماضي، الكفر الماضي

الشك الماضي واليقين الماضي

وفجأة أشرق في صدري نجم لامع

واختفت في ضوء ذلك النجم

كل شموس السماء.)

 

وهو يدور حول الجمال الارضي الذي هو دوال مستمرة في التوالد من اجل الوصول الى السمو والجمال الاعلى ..

 

(الزهور تتفتح كل ليلة في السماء

والسلام في الأبدية في سلامي مع نفسي

مئات الحسرات تظهر من قلبي

وقلبي، مظلم وبارد

يضطرم من تنهداتي)

 

ثم يتلوها باشراقة أخرى كي يكشف الطريق الى اليقين ...

 

(انه راحة روحي

ويحل طائفا حول قلبي

حول قلبي يدور روح الرحمة

ضاحك من سريري الترابي

كالشجرة ارفع رأسي

لينبوع المرح الحي

يغسل حولي الأرض.)

 

بعد ذلك يحذر من الجمال الارضي بسبب فنائه، رغم انه ولادة من رحم الجمال الازلي، وهي فلسفته الخاصة، بل فلسفة الايمان الاسلامي مقرونة بالحركة الدائبة ..

 

(نسيم الصباح

يجرجر مسكه بأذياله

عبير ولد من حبي الجميل قبل أن يبور العالم

لا مزيد من النوم: فلتنهض

القافلة تسرع

والعطر الجميل يموت.)

 

أي الحركة المصاحبة للاستقامة في طريق الوصول، لهي الكفيل في جعل الموت ولادة جديدة ولقاء متجدد مع الحبيب وهو الله ..

 

(إذا رحلت الحياة

فالله يعطيك حياة جديدة

الحياة الأبدية تتجدد

فهذه الحياة من الموت

ينبوع الفساد يوجد في الحب

يجيء، وفي هذا البحر اللامتناهي من الحب يغرق.

لقد كنت سعيداً

ارقد في قلب اللؤلؤ

 

إلى أن ضربت بإعصار الحياة

فركضت في موجها المندفع

نطقت عاليا سر البحر

ورقدت مثل غيمه مستنفدة على الشاطئ بلا حراك)

 

وان العالم الأرضي في داخله قوة محركة تستمد قدرتها الهائلة من القوة الخالدة ...

 

(انه يوقد العالم لهبا

ويضعني فوق مئة من السنة النيران

تلتف حول محرقتي

وعندما ابتلعني المد المشتعل تنهدت

لكنه وضع يده على فمي بسرعة)

 

ويكشف مولانا الصراع المرير مع القبح الأرضي الذي هو المسبب في الكراهية والاقتتال بين الناس وإلا فان الإنسان كيف أصبح نبيا وأصبح محورا للخير في الحياة متى كان هذا؟ أكيد بعد ان تسلح بالعشق الإلهي وتجلى في صفاء ولقاء حميم مع محطات الجمال الإلهي يقول:

 

(مع ذلك جربت كل الطرق لأرضي هواه

كل كلمة من جوابه تشهر سيفا

انظر كيف يقطر الدم من أطراف أصابعه

فلماذا يجد من الجيد أن يغتسل بدمي.)

 

بعد هذه الرحلة يستغرق بحالة صوفية اخرى تروم التحليق في البعيد باتصال اثيري وخيوط غير مرئية من الجمال ...

 

(متذكرا شفتك، اقبل الياقوت الأحمر

لا املك أن ارتشف، شفتاي لا تمس هذا

يدي المبتهلة لا تصل إلى سماك البعيدة

ولذا فانا راكع اعتنق الأرض.)

 

وهناك تصريح مرادف للبحث في أجزاء الحياة الأرضية وهو بحث دؤوب لايأفل بخلق حالة من التفكير المتأمل للقضاء على بلادة التفكير وتحجره وهي عند جلال الدين الرومي الحب هذا النقاء النفسي الذي يرفع الانسان الى مصاف الملائكة ..

رباعيات جلال الدين الرومي

 

وجدان عبدالعزيز

 

متلازمة الحلم في خطوات ثقيلة للقاص عادل المعموري

ahmad alkhozaiصدر عن دار الجواهري للنشر والتوزيع، المجموعة القصصية (خطوات ثقيلة) للقاص عادل المعموري .. والتي ضمت في طياتها  ثمانية عشر قصة قصيرة،تناول فيها القاص طيف واسع من المشاكل الاجتماعية العامة، وفق رؤية ناضجة مكنته من التحكم بنصوصه السردية، وسير الاحداث فيها دون تشظي او تشتيت لذهنية القارئ،فاعتمد اسلوب التركيز على الثيمة الرئيسية للقصة، متحاشيا الدخول في تفاصيل جانبية قد تضعف من البناء السردي لها، مستخدما في الغالب تقنية المنلوج الداخلي، في حوارات مسهبة مع الذات يخوضها أبطال قصصه، كانت ثقافة القاص ووعيه الذاتي حاضرة فيها،مما أضفى لمسه شعرية وفلسفية، وضفها توضيفا جماليا،مؤطرا بوعي ثقافي استثنائي تمتع به أبطالها، على الرغم من اختلاف ثقافتهم ومشاربهم وبيئاتهم التي نشأوا فيها، وهذه الإشكالية يقع فيها الكثير من كتاب السرد على اختلاف مدارسهم الأدبية والفكرية، وذلك لاعتقادهم بأن حضور ارثهم الثقافي كجزء من حركة أبطالهم وحواراتهم، يمكنهم من إيصال الفكرة بصورة أكثر نضجا، في محاولة منهم لاستفزاز وعي القارئ والنهوض به بمستوى الحدث، وهذا الأسلوب على الرغم من رصانته وحجم تأثيره على المتلقي، إلا انه يجرد السرد القصصي من عنصر مهم ورئيسي وهو (الواقعية) التي تعد الركيزة الأساس لأي نتاج قصصي يخضع لقواعد المدرسة الكلاسيكية التي أسسها عمالقة السرد القصصي مثل (تيشيخوف وموباسان واميل زولا).

وكانت متلازمة الحلم المصحوب بخيبة الأمل، حاضرة في معظم قصص المجموعة، فقد اختار القاص لأبطاله أن يكونوا حالمين كوسيلة للتعبير عن طموحاتهم وأمالهم ومخاوفهم من القادم المجهول،لذلك كان لعنصر المفاجئة أو ما يطلق عليه (الضربة) السمة الطاغية على معظم نهايات قصصه .

في قصة (أنشودة الوجع) صور فيها القاص حجم الشجن الممزوج بالرغبة لامرأة تنتظر زوجها لشهور بعد أن غيبته عنها الحرب، لتعيش حالة من (الفنتازيا)، حين تراه وقد عاد إليها، وبعد طول انتظار وقلق وترقب خلف الأبواب الموصدة، تدرك في نهاية المطاف أن لا شيء يقف خلفها، والأمر لا يعدو سوى أحلام يقظة لامرأة يائسة.

وفي قصة (الرقص خلف الأبواب) امرأة محبطة تعيش في مستنقع أزمة نفسية حادة اتجاه زوجها، الذي فرضته عليها صلة القرابة،بكل ما يحمل من فضاضة وقسوة وقذارة جسدية، لتقضي  ساعات النهار، وهي تبحث عن الطريقة الناجعة التي تمكنها من تحاشي فحولته النزقة حين تختم يومها معه، يومها المليء بالخيبة والبؤس، وانتظار فارس أحلامها الذي لن يأتي أبدا .

وأما في قصتي (الورقة الأخيرة وبكاء عاشق خمسيني)، فقد سلط القاص الضوء على جزئية اجتماعية مهمة في حراكنا الإنساني وهي (عقبة الزمن) التي تقف حائلا في طريق رغبات الإنسان وطموحاته وأحلامه،في القصة الأولى، تعلق امرأة كبيرة في السن بشاب صغير، وفي القصة الثانية حب رجل كبير السن لفتاة صغير، ويفضي حلمهما في كلا القصتين إلى اليأس وخيبة الأمل .

خطوات ثقيلة للقاص عادل المعموري تمثل تجربته الثانية في عالم القصة القصيرة، بعد مجموعته الأولى (العزف على وتر الفجيعة) استطاع من خلالها سد بعض الثغرات التي رافقت منجزه الأدبي الأول، وقدم لنا نصوصا سردية ناضجة أحاط بكل جوانبها (لغة وحدثا وبناء قصصي).

 

احمد عواد الخزاعي

 

حسناء ولكن.. الشاعر بدل رفو بين الانفعالات والدوافع

badal raffowقد تكون الحياة التي تنعدم فيها الانفعالات، حياة رتيبة، مظلمة، كئيبة، فالسعادة والأحزان والآمال والرهبة والفزع ولحظة الهزيمة والانكسار، ولحظة الانتصار ونشوة الفرح تضفي على الحياة النشاط والصبر والقوة والاحتمال، ودونها  لا يحس الإنسان بجمال وطعم الحياة، ولا يرى ألوانها بنظرة كما هي، ومنذ زمن بعيد ربطت الانفعالات والدوافع بالبحث والاكتشاف، حيث يبقى الإنسان يبحث عن لذة الفرح والألم، وإن كان في أفضل الحالات يبتعد عن الألم، وهي تعتبر غاية الحياة، بدلاً عن السكون والركود الذي يدمر الانفعالات والدوافع في مكانها، رغم الإنسان يتمنى أن تلازمه صور مسرورة ويعمل بقوة أن تبقى هذه الحالات المفرحة لا تفارق فكره وإحساسه وروحه، وبالمقابل يزيل كل ما يحزنه أو يكدر حياته، وتجلب له الآلام والأحزان والضيق ويتجنبها إن واجهته، الشاعر "بدل رفو" يمر بعمق بين الانفعالات والدوافع التي تؤثر عليه بطريق مباشرة أو غير مباشرة، من خلال الإحساس والشعور، أو رؤيته العميقة كظاهرة اجتماعية، إنسانية، فمن خلالها يحاول الوصول إلى خيوط تحقيق الخير  للأسمى، الذي ينشده الإنسان كحق طبيعي في الحياة، فحالات الانفعال سواء ما يجلب السرور أو ما يسبب الاضطراب الانفعالي، تمر إلى الأهداف السامية، الشاعر بدل رفو في قصيدته "حسناء جثة" التي كتبها في المهجر، نمسا، ليصف رؤيته الانفعالية الأولى، " شعرها، مخيلتها، وجدانها، عوالمها، جوارحها  " يا ترى من الممكن إن نميز الحالات الانفعالية الأولية ومدى تأثيرها الإنساني؟  فهناك وخزه هينة، واثر عميق للألم والشعور بالسرور، يبعث هادئاً وشعور غائر يذهل صاحبه، وكلا الحالتين انفعال له تأثيره الفكري والحسي  بما فيها  الوعي لكل جوانب هذه الانفعالات الإنسانية التي ترنو لغاية معينة .

(حسناء

   شعرها يتناثر على أكتافها

   حسناء

   حمامات سلام تحلق في مخيلتها ووجدانها

   تعتلي سلالم الحياة

   وضباب يلف عوالمها

   حسناء، أحزان ومواجع

   فربما ستكتسي الأمنيات جوارحها)

هذه الصور الاستهلالية في بادئ الأمر، نشعر إنها قصيدة غزلية بما فيها من عوالم وصف لحسناء، يمكن للسرور والحزن الذي في أعماقنا إن يفضل موضوع الحسناء السرور على الآخر الحزن كإحساس ولهفة وانجذاب ذهني، إذ نلتمس ونشعر الملمس الرقيق بين الصور الشعرية كملمس من حرير ناعم، وليس كقطعة خشب خشنة، هذه المشاعر الانفعالية تأتي من خبرات بسيطة، هينة يمر فيها الإنسان، لكن هل الحرير الناعم يحمل في طياته الصورية النقيض، كالحزن والغضب والقلق على الأحداث المأساوية؟ التي يمر خلالها، هارباً من شيا ما، في حين الحسناء " تعتلي السلالم " لتصل إلى أحلامها  الجميلة، التي تعتبرها حق من حقوقها الإنسانية أولاً والنسائية كامرأة حسناء ثانياً، وفي خضم هذه الأحلام والانفعالات الداخلية " تتكسر تحت أقدامها " تلك السلالم التي كانت تظن من خلالها تصل إلى ما تريد، " دون أشرعة " دون " قارب نجاة " نجد الشاعر بدل رفو على النقيض شيئاً فشيئاً يقترب من صور الأثر العميق، الرعب والغضب على الإنسان بجهله وسلوكه وتصرفه الأناني، التسلطي، لغاياته الضيقة بعيداً عن الإنسانية .

(تعتلي وتعتلي السلالم

   لحين إن تتكسر تحت أقدامها

   موائد الشعراء ومهرجانات السلطان

   وتحلق على أجنحة الريح

   من دون أشرعة

   وقارب نجاة)

الحسناء تحمل دوافع الحزن والانفعال الترجي للهروب من الواقع المؤلم العنيف الذي يكسر شفافية واحترام وشخصية وجمال المرأة التي دونها لا نرى الأرض في توازن مستمر، هذه الانفعالات المنكسرة لا يعتبرها الشاعر مشاعر بسيطة هينة، ولكننا نتفق معه ولا تندرج تحت الانفعالات النفسية الحادة " فهي انفعالات ودوافع حادة عنيفة " وهي تحول المشاعر إلى أقصى حدودها الفكرية والحسية والعاطفية، المكدرة كالغضب والانفعال الغاضب الداخلي، تحدث إذا كان ضغط المتغيرات المنكسرة تحت ظلال الهزيمة والضعف والاغتصاب والتسلط الفكري الجاهلي على المرأة بكل صوره الحياتية والاجتماعية خاصة وعلى الإنسانية عامة، كل هذه الانفعالات تثير في النفس دوافع سلبية أو ايجابية، وإن كانت أكثر سلبية على المرأة خاصة ترتدي " ثياب ملائكية " وتحمل " سحر الطبيعة " هذه الصور الشفافة اكتنفها البحر وهي تهرب من عالم القهر والدمار والخراب عالم الجهل والاغتصاب والفساد عالم الأنانية والسلطوية الرجولية، وكان البحر يقول أنا أرحم منكم، ارحم من الإنسان الذي اغتصب حياتها وحريتها  ورقتها وسحرها وجمالها وحقوقها، اخذ البحر كل ما لديها ورماها  " جثة، ذو بطن منفوخة، وعلى شواطئ رملية " كأنه يلمح للإنسانية، هذا مصير جهلكم وأنانيتكم ويقول لكل المتسلطين على رقاب البسطاء انتم في " زمن الرذيلة "  وهي صور من الانفعالات والدوافع البحرية ضد الإنسانية المنكسرة .

(حسناء

   بثياب ملائكية وسحر الطبيعة

   يرسلها البحر جثة

   ذو بطن منفوخة

   على شواطئ رملية دون حياء

   كي يحيا الدكتاور

   في زمن الرذيلة)

الشاعر بدل رفو انتقل من الانفعالات والدوافع إلى إن يصل إلى الغاية التي من خلالها نعلم إن تسلط الجهل الإنساني، السلطوي، الاجتماعي، والرجولي الأناني، عبر كلمة " دكتاتور " التي تحمل الانفعالات والدوافع الذاتية  الضيقة المؤثرة على حياة الناس والمجتمع وخاصة " المرأة " النموذج الشعري الذي اختاره الشاعر بدل رفو " حسناء جثة " وهي مؤشر انفعالي  ودافعي نحو الحرية والحياة التي تصطدم بانفعالات ودوافع البحر، لتكون النهاية مأساوية، فمن يستجيب لهذه المتغيرات الانفعالية المؤثرة على حياة البشر ؟ من يضع لها حلولاً جذرية ، هي في الأصل موجودة على الأرض ؟ من يتحمل فورة الانفعال على الوجه الإنساني ؟ ومن يتحمل بياض الوجه عند الخوف ؟ من يريح انفعال واضطراب القلب أمام الجهل والفساد ؟ من يكون حاكماً عادلاً بين الحياة والرغبات  بين الدوافع والانفعالات ؟ من يفهم الإنسان عند لحظات الغضب والألم وأثناء الاضطرابات والظلم ؟ كل هذه الأسئلة الانفعالية الصادقة، تبث عبر الصور الشعرية " حسناء جثة " تثبت حقيقة واقعية يمر فيها  الإنسانية عبر أمكنة وأزمنة  مختلفة، الشاعر بدل رفو سلط الضوء على هذه الانفعالات والدوافع، وإن كانت نتيجتها مأساوية بحيث حتى البحر يرفض السلطوية والدكتاتورية التي تدمر الأرض والإنسان . فسلاماً لروح الحسناء التي هربت من الواقع المأساوي إلى مأساة أكثر مأساوية على شواطئ رملية  مغتربة .

 

عصمت شاهين الدوسكي

 

فكرة زرقاء في زمن رمادي .. قراءة أولية لقصيدتين من ديوان الشاعر حسن العاصي

solyma alsarayriأولاً- قصيدة مناديل الوداع:

هؤلاء الذين ترافقهم تنهيدة غائرة كلّما توغّلوا في السفر وارتفعت كفّ الموج عاليا حتى أضحت المسافة الفاصلة بين النار والرماد، ضئيلة، هكذا بدأ الكاتب رحيله أو رحلته معبّرا عن وجع ما يسكنه، وجع لا يُلمس باليدين، بل نشعر به يتصاعد في انسيابيّة مريحة رغم قطرات الشوق لوطن من برتقال أصبح مجرّد رحيل...

هل كان الرحيل هنا إلى الحياة أم إلى سراديب أكثر قتامة ممّا نحن فيه؟؟

هل يشير الكاتب إلى الثورات الفاشلة وما انجرّ عنها من خراب موظفا :

الرمل – الرماد – اليَمْ – الملح...

مفردات متشابهة لا هواء فيها، لا حياة

مفردات تكمّمنا فنشعر باختناق غريب يجعلنا نرحل بدورنا..ونسافر بعيدا....

مسافة واضحة من الإرهاق في هذه الرحلة،

هناك حيث المساحة التي تهيئ للكاتب كتف الراحة

هو يستلذ هذا السفر رغم ضبابية الطريق، رغم القهر المتربّع على ناصيةالنهاية الرابضة بدورها على فوهة الطين...هكذا نلمس معاناة الذات الشاعرة، تلك التي تغوص أعمق من مجرّد جراح وقهر وصمت غاااااائر في الخراب...

المراكب المهاجرة إلى مدى لا نعرف مداه، تتحوّل فجأة إلى توابيت، تشبيه فضيع، أليم، غارق في القتامة وصرخة مكتومة نكاد نلمحها تطير فوق تلك الشواطئ الساكنة كنورسة حزينة ضائعة......

لم أكن ادري قبل الآن أن الصدى صفحات يمكن لنا تصفحها وقد انكسر شظايا جارحة حدّ انصهار اللحود، هكذا نمضي مكتملين في الوجع ضائعين في المتاهة، راقصين على إيقاعات جوفاء مثل جماجم الميّتين المقتولين في زوايا مختلفة.

لكن الشمس تشرق كلّ صباح ويتجدّد الأمل رغم اختناق الفضاء وانكماش الوقت، مازال الكاتب يبسط يده قليلا للأبديّة و عيناه تحملان غموض الحرف وشراهة الكلمة وعنفوانها وارتعاشها...فنجده يرسم لوحة قريبة من روح المتلقّي في شفافية شديدة الرهافة وهو الذي جعل من المدينة صوتا يحمله في غفوة حالمة لا فرق لديه بين الفراش الوثير وبين السهول على مشارف مدينة غارقة في تشبيهات سريالية، يرسم لوحاتها بضربات ريشة محترفة ويصوّر لنا رحلة فوق الماء....

للشاعر أروقة جميلة فهو يعرف كيف يقيم لنا معارض تشكيليّة كثيرة الألوان رغم الترابيّة الطاغية بين القتام والبياض، بين الوجع والفرح، بين الصمت والكلام، بين الأمل و اليأس، عشنا معه غربة متشقّقة عطشا لوطن يبحث عنه يريده بقوة و إصرار وانتظار حتى و إن تحولت بيوته إلى مسامير غائرة في جلده الذي يرجو أن يهرب منه ذات اشتهاء فيتحوّل إلى طائر....

الكاتب يكتنفه حزن دفين، نلمسه في تموّجات القصيدة منذ البداية وهو الذي، مازل يسترق النظر إلى وجوه حاضرة غائبة، كانت يوما تملأ حياته فرحا... يحمل بين يديه مدينة من الذكريات تختلط في تجاويف مفقودة ...صرخات مبتورة الأجنحة أبت إلاّ أن ترتفع في نصّ بلا فواصل ولا نقاط فكلّ المحطات متشابهة نلمحها تئن وحيدة في العراء.... والكاتب تعبر جسده العاري من كلّ الخطايا، مدينة بيضاء، ملكة شهيدة في زمن تشقّق عطشاللآمان

 

ثانيا- قصيدة أطياف تراوغ الظمأ

وليست الصدفة التي جاءت بي إلى هنا،،

كان لي حضورا في تقاسيم الماء ذات مرور،

فعرفت أن بين التقاسيم و بين أطياف تراوغ الظمأ، خيط متين...

"الظمأ والماء" ....

رغم التناقض الكبير يظلّ ذلك الخيط يمسك بكلّ الصهاريج غير عابئ بانفجار الماء حين يغادر الكلّ

رغبة أو أملا في الوصول إلى نقطة ما في ذات شاعرة رسمت ثم عزفت بعناية فائقة وذكيّة، تلك التقاسيم...

الموت حاضر بقوّة بين السطور، يتوارى أحيانا، وأحيانا يطفو مثل نورس محلّق فوق الماء..

ألمس ألما خاصا يمدّ جناحيه.

ألم يجعلني اقرأ لوحة قاتمة ..

مكان يرتفع في زواياه السكون والصمت الرهيب...

ربّما تكون / مقبرة ؟؟

في مفردات قليلة ندرك المكان والإشارة القاتمة إلى هناك............

وحدك ...... مراسم الدفن...... يغادر الجميع .....الوصول.......

الوصول إلى أين؟؟؟

سؤال يفرض نفسه بقوّة لنجد اتجاها نحو مسافات تتعرّى...

الطين الأحمر.......

و وطن يموت حزنا فوق الوريد.....

كم بليغة هذه الصورة،، تشعرنا بكثافة معاناة الانسان

وكأنّنا غرباء في أوطاننا أو لعلّنا مازلنا نبحث عن وطن من برتقال....

وطن يأتي بالفراشات في صمت مميت..

أوليس الصمت عدم الحياة؟؟

"حياة الصوت..."

الصوت الذي يحمل دائما زقزقة العصافير

وخرير الماء بتقاسيمه الجميلة وكأنّه لوحة تشكيليّة أتقنتها ريشة فنان عاشق.....

ونحن ندرك أنّ هذا الفنان العاشق، رغم رماديّة الوقت،، رغم الموت الرابض بين الحجارة،

هذا الفنان العاشق، يملك قلبا مسكونا بأوراق اللوز...

اللوز رمز للجمال والحياة

اللوز في الأساطير الإغريقية رمز للخصب "الإنجاب"

لذلك تتوق هذه الشخصيّة المتناقضة للحياة مرورا بكل مراحل الموت والحزن

فندرك بدورنا أن البكاء فسحة للراحة حتى و إن كانت تلك الراحة ذهولا....

كلّنا نعانق حجارة القبور حين يكون الموت سيّد الموقف، فتودّع قلوبنا أعزّاء لنا

نغمس أصابعنا في الخوف رغما عنّا..

نعدّ خصلات الليل حين تصل عربات الرحيل

فنؤمن أن الموت عصفور رابض فوق غصن الحياة....

أستاذي الشاعر العاصي

ودمت فكرة زرقاء في زمن رمادي

 

سليمى السرايري

شاعرة وناقدة من تونس

...................

القصيدتان من ديوان الشاعر حسن العاصي تحت الطبع بعنوان "أطياف تراوغ الظمأ" الذي سيصدر عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام في القاهرة

 

قراءة في قصة "ظل اللغة" للأديبة ليلى صبار

abdulkadir kabanتعتبر الأديبة الفرانكفونية ليلى صبار ذات الأصول الجزائرية واحدة من أهم الكاتبات الجزائريات المسكونة بهاجس اللغة والهوية الوطنية كالأديبة الراحلة آسيا جبار ومايسة باي وأخريات من كتبن بلغة المستعمر، وهذا راجع لظروف وأسباب ترتبط ارتباطا وثيقا بالاغتراب والنشأة الأولى للكاتب.

لا تزال قضية المنفى تحتل جزء كبيرا من كتابات المبدعة ليلى صبار كروايتها الشهيرة "لا أتحدث لغة أبي" (2003)، والتي تعتبر رحلة أبطالها الزمان والمكان في الأساس، أين تجتمع فيها جملة من ذكريات الطفولة وهي تنتمي لجنس السيرة الذاتية.

ليلى صبار من مواليد عام 1941 بمنطقة آفلو (الأغواط)، من أب جزائري وأم فرنسية، كلاهما كانا مدرسين للغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية.

تابعت صبار تعليمها في الجزائر إلى غاية بلوغها ثمانية عشرة سنة، لتجد نفسها مرغمة على الرحيل إلى فرنسا دون سابق إنذار. تواصل هناك – في بلد والدتها – دراستها الجامعية في مجال الأدب، كما تقرر صبار أيضا الاستقرار بشكل نهائي في باريس سنة 1963.

نتوقف هنا أمام قصة كتبتها صبار تحت عنوان "ظل اللغة" ضمن مجموعتها القصصية الموسومة (أختي الغريبة) التي نقلها إلى اللغة العربية أحمد عثمان، وكأنها تحاكي القارئ وتهمس في أذنيه عن حبها وعشقها للغة الضاد، التي لطالما افتقدتها كما يفتقد المغترب وطنه الأم حيث تقول الساردة: "وعن بلدي الذي أنتمي إليه، لا أقرأ شيئا. أراه، ولست متأكدة أنظر إليه. وكنت دوما منتبهة إلى بلاد الكتب." (ص 15).

للأسف الشديد تواصل صبار بوحها للمتلقي بحسرة لا تخلو من العشق للغة والدها التي لم تتمكن من تعلمها منذ الطفولة المبكرة، لأن والدها كان يفضل لغة المستعمر: "ولدت في بيت كانت الفرنسية لغته. لم يكن للغة العربية وجود في البيت والمدرسة." (ص 16).

العتاب موجه تحديدا للأب في هذه القصة، هو ذلك الرجل الشرقي بلا منازع، المعلم الذي يفضل لغة زوجته على لغة بلده الأم، فيحرم بشكل مباشر ابنته من تعلم لغة الجزائريين، وهذا ما نقرأه على لسان الساردة: "أبي يحفظ لغته في الظل. لغة لا تتحدث، لا تغني، لا تؤسطر. يترك للغة الأخرى مساحة كبيرة تصادر ما تبقى من مساحة الأخرى لكي تحتلها وتخصبها." (ص 16).

ترى ليلى صبار أن لغة أبيها لغة مقيدة بأغلال الصمت، وكأنها تعيدنا إلى صور معاناة الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية التي عانت هي الأخرى في صمت، لكنها أبت الخضوع له وتمردت عليه، وهو حال الأديبة في هذه القصة الجميلة التي تكسر قيود صمت اللغة العربية ولو بقلم سال حبره مرغما باللغة الأخرى – الفرنسية - التي علمت المبدعة صبار معنى العدالة والمساواة والأخوة.

جاء السرد في "ظل اللغة" بضمير المتكلم (أنا) معبرا عن حرمان لغوي عاشته الكاتبة ولا تزال تعبر عنه في مجمل أعمالها الأدبية بجرأة كبيرة، وقد أضفى على جو القصة مشاعر حميمة واضحة مع القارئ لينسجم مع فكرة ومشاعر الساردة بشكل طبيعي غير مصطنع.   

 

بقلم عبد القادر كعبان

 

رائعة ابن الرومي بين ثورة الزنج وخراب البصرة

karem merza1 - خراب البصرة إبان ثورة الزنج: إنّ أكبر وأخطر حركة مرت بتاريخ البصرة، وهزت أركانها، ودمرتها دماراً، وخربتها خراباً، هي حركة الزنج، ولا أوسمها ثورة، رغم ما ذهب إليه الذاهبون، وتوسّم فيها المتوسمون، ممن يبحث عن الدّر المكنون في البطون والمتون، لما يتخيلون !!

استمرت حركة التمرد الزنجي خمسة عشر عاما (255 هـ - 270هـ / 869م -883م)، فلما تولى الخلافة (المهتدي) بالأتراك، محمد ابن الواثق أواخر رجب 255هـ، ظهر في فرات البصرة - بعد ثلاثة أشهر من خلافته - رجل يزعم أنه علي بن محمد الزيدي العلوي، وماهو - على أغلب الظن - إلا من عبد القيس، وأمه من بني أسد بن خزيمة، ومن ساكني قرية في الري تدعى ورزنين، فإلتف حوله الزنج الذين يكسحون السباخ، إذ ذكرهم في خطبة العيد، بما كانوا عليه من سوء الحال، وأوعدهم بالتحرر والعبيد والمنازل والأموال، و(المهتدي) لم يبق في الحكم إلا قليلا، وأعني سنة إلا قليلا، فالأتراك  أمروا أن تُعصر خصيتاه، وتُبعج بطنه، وخلّفوا (المعتمد) عليهم، أحمد ابن المتوكل المعروف بابن فتيان سنة 256هـ، ولكن لم يحسن هذا المعتمد اعتماده، فدخل الزنج بمباركة صاحبهم ومشاركته الأبلة والأهواز وعبادان، فقتلوا الآلآف، ونهبوا آلآف الآلآف، وأسروا الغلمان، وأضرموا النيران، وزادت الريح في مضاعفة الخسران، ولا أطيل عليكم في سنة 257هـ، استطاع الزنج بزعامة زعيمهم أن يقتحموا البصرة، بعد أن انتقلوا من السبخة إلى مدينة أبي الخصيب، وآتخاذهم إياها عاصمة لهم، والطبري نقل إلينا الأحداث بشكل دقيق ومفصل، ولم يترك لآخر فيها مطمعا، ومما ذكره: بعد أن أحرقوا ونهبوا واقتدروا على البلد، وعلموا أنه لا مانع لهم منه، فأغبّوا السبت والأحد، ثم غادوا البصرة يوم الأثنين، فلم يجدوا عنها مدافعاً، وجمع الناس، وأعطوا الأمان، ومع الأمان ذهبت الآمال بهم مذهبها، وخصوصاً بعد أن حملت التنانير إليهم، تخيلوا - وبئس ما تخيلوا - وهم على ما فيه من الجوع، وشدة الحصار والجهد على أمر عظيم، فكثر الجمع، وجعل الناس يتوبون وما ذنبوا، ويزدادون وما قلـّوا، ويسترحمون وما رحموا، حتى ارتفعت الشمس، فأ ُمِر الزنج بإحاطتهم، وغلق الأبواب دونهم، وأخذت السيوف تأخذ الرؤوس، فلم تسمع غير التشهد والاستغاثة والضجيج، وما كانت التنانير إلا لحرق المسجد الجامع، وهبّوا إلى سوق الكلاء فحرقوه من الجبل إلى الجسر، والنار في كل ذلك، تأخذ كل شيء سرت به من إنسان وبهيمة وأثاث ومتاع، ثم ألحوا بالغدو والرواح لسبي الناس وسوقهم كالعبيد والإماء.

(المعتمد) على الأتراك لم يجدِ نفعاً، ولا هدّأ ولا سدّأ، فأخذ زمام المبادرة من بعد أخوه (الموفق) بالحزم والسطوة والعزم، أبو أحمد طلحة بن أبي جعفر المتوكل، فاستطاع بعد كرٍّ وفرٍّ، وأخذٍ وردّ أن يظفر بصاحب الزنج الورزنيني سنة 270هـ / 883 م، ويقتله، ويصفي حركته تماماً، ولقب على إثرها بناصر دين الله، وبقى الموفق من بعد هو الخليفة الفعلي، وما المعتمد إلا معتمداً حتى سنة 279هـ، حيث توفي الأول أولاً، ومن بعد ستة أشهر وفي السنة نفسها توفي الثاني ثانيا، حيث استلم (المعتضد)، وهو أحمد بن طلحة (الموفق) زمام الخلافة فعلياً ثم رسميا (279 هـ - 289 هـ / 892 م - 902 م)، وكان المعتضد من عظماء الخلفاء العباسيين تدبيراً وحزماً وعلماً وبأساً، نقل العاصمة من (سر من رأى) إلى بغداد، ولقب السفاح الثاني، بأعتباره المؤسس الثاني للدولة، ولا سفاح عنده سوى الفلاح والنجاح إلى أمد عمره عقد.

 

2 -  العبقري الخالد ابن الرومي يرثي خراب البصرة  بكاءً:

ثورة الزنج (255 - 270 هـ)، في أروع رثاء إنساني، إليك القصة: 

ابن الرومي علي بن العباس بن جريج، الشاعر العبقري الخالد من نكبة البصرة العظمى في التاريخ، والرجل عراقي المولد والنشأة والإقامة والنفس والأحاسيس، وعربي الشعر والشعور، وإنساني النزعة والجذور، لا عيب في روميته، لا سابقاً، ولا لاحقاً، إلا أنّه عبقري بغدادي من أصلٍ رومي...!!!:

والشـِّعر ُكالشـَّعر فيهِ **مع الشبيبة شيبُ

كمْ عائبٍ كلَّ شيءٍ ****وكلُّ ما فيه عيبُ

قدْ تحسن الرومُ شعراً * ما أحسنتهُ العُريبُ

يا منكرِ المجد فيهمْ **أليس منهمْ صهيبُ؟!

عاصر الشاعر النكبة النكباء، وهو في ريعان شبابه (عمره 36 سنة)، مثله مثل الطبري المؤرخ العظيم، فابن الرومي من مواليد بغداد سنة 221هـ / 835 م، وتوفي مسموماً فيها على يد الوزير القاسم بن عبيد الله سنة 283 هـ / 896 م، لم يغادر بغداده طيلة حياته سوى ثلاثة أشهر، لم يتوفق بالوصول الى الخلفاء، ولما وصل إلى كرسي الوزارة دُحرج مسموما، خوفا من سلاطة لسانه، وإنطلاق قلمه، فالرجل كان شاعر الناس، حامل همومهم، وكاشف كروبهم، مكمن أحلامهم، ومبيـّن آلآمهم، لا في عصره، إذ كان تعيساً مغموراً، وموسوساً معذوراً، وعبقرياً مهدورا، بل بما عكسه للأجيال عنهم، فمن حسن حظنا، وحظ تاريخ الأدب العربي، أن يرسم بريشته الفذة ملامح أحداث المأساة البصرية لحظة لحظة، وصورة صورة، صور حية ناطقة، لا يستطيع حتى من شاهدها عياناً، أن يدركها إحساسا، نترك الأستاذ الكبير إبراهيم عبد القادرالمازني أن يبدي رأيه في ابن الرومي و: " قصيدته الرائعة لما اقتحم الزنج البصرة، وأعملوا في أهلها السيف، وفي مساكنها ومساجدها النار، فقال ميميته الفريدة في لغة العرب، واستنفر فيها " الناس " - الناس أي الجمهور لا الخليفة ولا وزراءه ولا الأمراء - وجعل يستنفرُّ نخوتهم فيها بوصف البصرة وعزّها وفرضتها (مينائها) ثم بالأهوال التي حلّت بها من غارة الزنوج والفظائع التي إجترحوها، والحرمات التي استباحوها، ثم بتصوير الخراب الذي حلّ بها، والهوان الذي أصابها، ثم بتصوير الموقف في الآخرة حين يلتقي الضحايا والقاعدون عن نجدتهم "عند حاكم الحكام " ...وهي - والقول ما زال للمازني - قصيدة في الطبقة الأولى من الشعر، لو غيرت ما فيها من الأسماء والمحليات لخيل إليك أنها مما قال " بيرون " في سبيل استقلال اليونان أو " توماس هاردي " في إبان الحرب العظمى" ...وإنه لعجيب أن تخلو القصيدة من كل ذكر أو إشارة، صريحة أو خفية، للحكام، وليس يسع القارىء إلا أن يذكر بها ما كان يستفز به الكتاب والشعراء والجماهير في أممهم في إبان الحرب العظمى الأخيرة " حجارة بعصفورين - والأمثلة تضرب ولا تقاس - شاركنا رأيٌ آخر بابن الرومي وقصيدته العصماء، وتذكـّرنا وذكـّرنا بأحد أعمدة الكتاب العرب الكبار المعاصرين، فإنْ نظمَ الأولُ عقده عن قرب زماني وبعد مكاني، وأثنى الثاني وهو أبعد وأبعد، فأنا أكتب عن بصرتنا لفضل التعلم والتعليم والعرفان، وحق الإستضافة والإقامة والإحسان، وواجب الوطنية والقربى والإنسان، فهي أقرب من القريب، وإن كانت أبعد من البعيد !! المهم أنّ القصيدة وإنْ لا تعتبر من مطولات ابن الرومي كهمزياته في عتاب أبي القاسم الشطرنجي (149 بيتا)، وفي الوزير الذي صرعه مسموما القاسم بن عبيد الله (216 بيتا)، وداليته في مدح صاعد بن مخلد (282 بيتا)، ورائيته في رثاء المغنية بستان جارية أم علي بنت الرأس (165 بيتا)، ولاميته العملاقة في مدح وعتاب علي بن يحيى النديم (337 بيتا)، وميميته في مدح عبيد الله بن عبد الله (303 بيتا)، وميميته الرائعة في رثاء أمه (205 بيتا)، ونونيته الفريدة في مدح اسماعيل بن بلبل (231 بيتا) ...، نقول إنَّ القصيدة البصرية بالرغم من قصرها نسبة للمطولات الرومية، فإنها تعتبر ملحمة في المقاييس الشعرية، تبلغ أبياتها ستة وثمانين بيتا منضدا، ولكن الأكثر من هذا منزلة وأسمى روعة، إن البواعث للقصائد المشبهة بطولها شخصية، سيان لمصلحة تـُرتجى أو لوجدان يـُرتقى، اما الدوافع في رثائه للبصرة ذات نزعة إنسانية شاملة، انتقل فيها من مجال الفرد إلى أفق النوع في زمن لم تكن صورة الوطن مرتسمة في العقل الجمعي إلا بالسكن والألفة المعاشة، وقوله الشهير (ولي وطن آليت آلأأبيعه ...)، لا يعني فيه الا سكنه ! ثم لم يلجأ فيها للعدل والإنصاف سوى حاكم الحكام، وكفى بالله شهيدا، والقصيدة متماسكة، لايمكن تجزأتها، فليرجع إليها من شاء، ولو اننا نقتطع منها أجزاء للذكرى والوفاء، فيبدأها بالتحسر واللوعة والبكاء:

ذادَ عن مقلتي لـــذيذ المنــام*** شغلها عنه بالدموع السجام ِ

أيُّ نوم ٍمن بعد ما حلّ بالبصـ *** ـرةِ من تلكمُ الهنات العظام ِ

إنَّ هذا من الأمـــورِ لأمــــرٌ *** *كادَ أنْ لا يقومُ في الأوهام ِ

لهف نفسي عليك أيّتها البصـ ***ــرة ُلهفا كمثل لهبِ الضّرام ِ

و يتلهف عليها مراراً، ويعيدها تكراراً، ويعضه إبهامه، ويزداد غرامه على مدى أعوامه، لأنها معدن الخيرات، وقبة الإسلام، وفرضة البلدان، ومن بعد لِمَ لا ؟! وجمعها متفان ٍ وعزّها مستضام فيواصل لوصف ما حلّ بها بالصارم الصمصام في مدلهم الظلام، وإليك بعض الصور المأساوية، مع تحفظي على (عبيدهم)!، كما تحفظت من قبل على (العبد) المتنبي، لكلّ زمان ٍ عرفه ودلالته:

بينما أهلهـــــــا بأحسن حـال ٍ**إذْ رماهم عبيدهم باصطلام ِ

دخلوها كأنهم قطــــــع الليـــــ**ــــل إذْ راحَِ مدلهمَّ الظلام ِ

كمْ أغصّوا من شاربٍ بشراب ٍ**كمْ أغصّوا منْ طاعم ٍبطعامِ

كمْ أخ ٍ قدْ رأى أخـــاه صريعاً **تربَ الخدِّ بين صرعى كرام

كمْ أبٍ قدْ رأى عزيزَ بنيـــــهِ ** وهو يصلى بصارم ٍصمصامِ

كمْ فتاةٍ بخـــــــــاتمِ الله ِ بكــرٍ ***فضحوها جـهراَ بغير اكتتامِ

كمْ فتاةٍ مصونــة قد سبوهــــا **بارزاً وجههــــــا بغير لثـــِامِ

ألف ألف ٍ في ساعة ٍ قتلوهـمْ**ثمَّ ساقوا السّّباء كالأغنــامِ ِ

لا تتخيل رجاءً أنني قد جمعت لك كلّ (كمكماته) الخبرية التكثيرية حتى وصلت معه ومعك إلى (ألف ألف)، كلّا وألف كلّا، فابن الرومي يجرّك من يديك، ويدور بك على الضحايا فرداً فرداً، بيتاً بيتاً، زنقةً  زنقة ...!!  حتى يتيقن من أنك قد استوفيت الصورة مندهشاً، منحنياً له برأسك، ولا يكتفي بهذا، ولا يهدُّ يديك ! إلا وقد تأكد أنّ صوره: ومعانيه استنفدت تماما، لا مطمع فيها لأحد، ولا بقية لباق، فهو ضنين بها، حريص عليها، على حد تعبير ابن رشيق في (عمدته)، وابن خلكان من بعده في (وفياته)، نسيت أن أقول لك عندما ينتهي من (كمكمكاته)، يقذفك بسيل من (رُبّاته)، ولا تذهب بك الظنون أنه خففّ الوطأ، ومال إلى التقليل بالتغيير، كلّا ..إنه يريد أن يمهد لذاكرتك الطريق للانتقال من البصرة المتدهورة إلى البصرة المزدهرة لتقارن وتتأمل باستخدام كلّ الأساليب البلاغية، وليبث خوالجه وعوالجه، ويريد منك أن تربت على كتفه، وتأخذ من خاطره، وتقول له: أحسنت وأجدت، وهو جدير بهما أي جدارة، اقرأ معي:

رٌبّ بيع ٍهنـــاك قد أرخصوهُ *** طال ما قد غلا على السّوام ِ

ربّ بيتٍ هنـــــاك قد أخرجوهُ ** كان مآوى الضّعاف والأيتام ِ

ويواصل، رُبّ قصر دخلوه، وكان صعب المرام، وربّ ذي نعمة تركوه محالف الإعدام، وربّ قوم تشتت شملهم بغير نظام، ثم ينوح ويولول متسائلا عن بصرته العامرة بـ (أين)، وهو الأدرى بالجواب الصواب، خذ - وقد أدخلك مرغما إلى المرحلة الرابعة من فكرته دون أن تدري - أين ضوضاء الخلق فيها، وأسواقها ذوات الزحام ؟ وأين فلك فيها وفلك إليها ؟ .. مكنياً بذلك عن الحركة والإزدهار أيام زمان، وقبل أن تتنفس الصعداء، وتعلق الآمال، يدمج الصورتين، ويخلط اللونين، ويرسم صورا متداخلة، ناطقة بالآثام، صارخة بالآلآم، نازفة الدماء لأجسام مقطعة الأوصال، حُشيت جروحها بالرمال، ويستعير الذل والهوان، ليكني بهما عن النعال تشبيهاً (استعارة مكنية)، ويقابلهما بالتبجيل والإعظام، ولكن نشرع ببُدلت:

بدّلت تلكم القصــــــور تلالاً ****من رمادٍومن ترابٍ رُكـامِ

وخلت من حُلولها فهي قفــرٌ **لا ترى العين بين تلك الأكام

غير أيدٍ وأرجل ٍ بائنـــــاتٍ *** نُبذت بينهنّ أفلاق هــــــــام

ووجوه ٍقد رملتها دمــــــــاءٌ * بأبي تلكم الوجـــوه الدوامـي

وُطئت بالهوان والذل ّ قسراً **بعد طول التبجيل والإعظـــام

لماذا هذا التصعيد يا شاعرنا، وقد قلبت صفحة من قبل ؟، ربما - لو كان حيا - سيجيبني ويجيبك:  ما لكما كيف تحكمان، إن كنتما ذوي إلمام ِ؟!، ويشير بأنامله العشر ا

إلى المسجد الجامع قائلا:

فأسألاه ولا جواب لديـــــــه ***أين عبّادهُ الطوالُ القيـــــام ِ؟

أين عمّـاره الأولى عمّــروهُ ***دهرهم في تلاوةٍ وصيـــــام ِ؟

أين فتيانهُ الحســان ُ وجوهاً **أين أشياخهُ أولو الأحــــــلام ِ؟

كم خذلنامن ناسكٍ ذي اجتهادٍ***وفقيهٍ في دينـــــــــــهَ علاّم؟

إذا تجاوزنا الطباق الأيجابي في البيت الأول (فأسألاه ولا جواب)، وهذا المضاف (الطوالُ) المعرف بتعريفين، الألف واللام والإضافة، وهو مغتفر، ويكثر منه ابن الرومي، أقول إذن شاعرتا صعد لغته، وأعاد كرّته، ليشجب موقف المتخاذلين، وصمت المجتهدين، ويحث المتقاعسين عن نصرة المظلومين، ويحيل الأمر لرب العالمين:

واحيائي منهم إذا ما التقينا ***وهم عند حـــــاكم الحكـّـــام ِ

أي عذر لنا ٍوأيّ جـــواب ٍ***حين ندعى على رؤوس الأنام

القصيدة قصيدة،  وابن الرومي ابن الرومي، وبهذه العجالة، لم نزد من قيمتها شيئاً، ولم نرفع شأن صاحبها مقاماً، إنها مجرد نظرة عابرة بلمحة خاطفة، تذكرنا فيها بصرتنا الرائعة في أيامنا الضائعة، والذكرى نافعة، والله من وراء القصد، وكفى بالله شهيدا، وكفى !!

 

كريم مرزة الأسدي

.................

المصادر

(1) الطبري:تاريخ الرسل والملوك -ج 3، 4، 7 -دار المعارف بمصر - القاهرة 1970 م

(2) تاريخ اليعقوبي - ج 2 - دار الشريف الرضي -قم 1414 هـ

(3) الحموي: معجم البلدان - ج ا - دار صادر - بيروت - 1957م

(4)علي.. محمد كرد: خطط البصرة - المجمع العلمي العراقي - بغداد - 1986م

(5) يعقوب سركيس: مباحث عراقية - بغداد- 1957 م

(6) د . مصطفى.:... صلاح عبد الهادي:البصرة في العصر العباسي الأول - موقع الكتروني

(7) الاسدي ..كريم مرزة: تاريخ الحيرة..الكوفة ...الأطوار المبكرة للنجف الأشرف - النجف -

2007 م