المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

عِشْ أنتَ

adnan aldhahir(قصيدة للشاعر اللبناني بشارة الخوري / الأخطل الصغير لحّنها وغنّاها فريد الأطرش في آخر أفلامه: زمان يا حب حيث توفي في السادس والعشرين من شهر كانون الأول عام 1974).

ما مناسبة هذه المقالة أو الخاطرة القصيرة؟

مناسبتها ما أعتقد جازماً أنَّ في مطلع هذه القصيدة خطأٌ منطقياً وشعريّاً بقيتُ على الدوام أفكّر فيه وأتحين الفُرص المناسبة للكتابة عن هذا الخطأ وكشف ما فيه من خطأ وخطل وأتساءلُ كيف جاز هذا العوار على شاعر القصيدة المعروف الأستاذ بشارة الخوري ثم كيف فات مغنّي القصيدة فريد الأطرش فغناه كما هو وكما كتبه الشاعر ثم كيف لم يلفت نظره المحيطون به من أصدقاء وشعراء وغيرهم فلحنه وغناه كما جاء في القصيدة الأصل.

يقول البيت الأول في هذه القصيدة:

عِشْ أنتَ إني مُتُ بعدكْ

وأطلْ إلى ما شئتَ صَدّكْ

أجلْ، الخطأ المنطقي شديد الوضوح يصرخُ أنَّ الخطأ هنا قتّال لا يمكن السكوت عليه إذْ أراد الشاعر أنْ يقولَ إنه يموت قبل محبوبه لأنه لا يحتمل عذاب وآلام فراقه وإنه يروح فداءً لهذا المعشوق وأُضحية له لكي يواصل البقاء حيّاً يُرزق فكيف كانت نتيجة هذا البيت الشعري ومنتوجه المنطقي غير المألوف وغير المتوقع؟ جاءت بالعكس وبالضد من رغبة العاشق الصب المُتيّم: أنْ ينفق المعشوق قبل العاشق أو أنْ يموت العاشق بعد صاحبه فأية رغبة وأمنية مُنكرة يتمناها محبٌّ لمن أحب؟ كيف يا عاشق تريد من معشوقك أنْ يموت قبلك أي أنك تتمنى لنفسك لا لمن عشقتَ طول العمر فأيُّ محب عاشق أنت يا هذا؟

المفروض أنْ يقولَ:

عِشْ أنتَ إني مُتُ قبلكْ

أي أني أروح لك فداءً أفديك بروحي كما كانت أمّهاتنا تقول لنا في الكثير من المناسبات وفي شتّى مراحل أعمارنا.

لم يغادرني هذا الهاجس منذ اليوم الذي تعرّفتُ فيه على هذه القصيدة وخاصة بعد أنْ سمعتها مُغنّاة بلحن وصوت الراحل فريد الأطرش الرائعين. نسيتُ الموضوع جُملةً وتفصيلاً تقريباً حتى جاء يومٌ وجدتني فيه وجهاً لوجه مع قصة " مُتُ قبلك " كيف وأين ومتى؟

وجدتُ في إحدى مطالعاتي في كتاب " البيان والتبيين " للجاحظ (1) ما يلي:

(( وقال إبراهيم بن سيابة: أنا لا أقولُ مِتُّ قبلك لأني إذا قلتُ متُّ قبلك مات هو بعدي ولكن أقولُ متُّ بدلك )).

كيف جانب هذا الرجل الصواب فأخطأ وانحرفَ عن جادةّ السواء؟

لم يُبن هذا الرجل القصد وراء قوله هذا وهل قصد به شخصاً عزيزاً أو حبيباً أو غيرهما من المقرّبين إليه؟ قوله " متُّ بدلك " يعني أني أروح لك فداء أو نفسي لك فداء أو أفتديك بروحي وهذا قول متداول ومعروف في الكثير من مناطق العراق شمالاً ووسطاً وجنوباً وليس فيه جديد يُلفت النظر ويبقى إعتراضي هو هو وكما كان قبل التعرف على قول هذا الرجل إبراهيم بن سيابة سوى أنه أكدَّ صحة ومنطقية السياق المترتب على تسلسل الموت وعواقب هذا الموت والفرق بين أنْ يموت العاشق قبل أو أنْ يموتَ بعد معشوقه ودلالة ذلك الحياتية والنفسية.

هل مرّت هذه الخاطرة في ذهن الشاعر بشارة الخوري حين كتب قصيدته عشْ أنتَ إني مُتُّ بعدك وهل كان قد قرأ أصلاً ما قال إبراهيم بن سيابة؟

ليس معقولاً أنْ لا يعرف شاعر ومثقف كبير مثل بشارة الخوري الفرق بين الموت قبل والموت بعد المحبوب المعبود .... ليس من المعقول ذلك أبداً أبداً. إذاً ما تفسير الخطأ الذي أوقع نفسه فيه فقال عكس ما كان يريد قوله وضد المتوقع والمأمول منه؟

ليس لديَّ ديوان الشاعر بشارة الخوري لكني أستطيع إرفاق الفيديو الخاص بأغنية فريد الأطرش " عشْ أنتَ " لمن يود الإستمتاع بسماعها والوقوف على إعتراضي ووجهة نظري لعلي غير مُصيب ولعلَّ مَنْ يصحح خطأي مشكوراً ويُريحني من هذا العبء الذي رافقني زمنأ خاصة حين يطيب لي سماع القصيدة مُغناة بصوت فريد الأطرش.

لعلّ من الطريف إضافة معلومة جديدة فوجئت بها قبل قليل إذْ وضعت الصُدف الجميلة أمامي تسجيلاً كنت أجهله يغني فيه فريد أغنية عشْ أنت في حفل خاص أُقيم لمناسبة معينة في عام 1972 أي قبل فيلم زمان يا حب بحوالي عامين وقد أهدى فريد هذه الأغنية لعبد الحليم حافظ وكان وقتها مريضاً يرقد في أحد المستشفيات ولمطلع القصيدة دلالة كبيرة الأثر ( عِشْ أنت ) يا حليم حافظ !

بعض أبيات هذه القصيدة:

أنقى من الفجرِ الضحوكِ وقد أعرتَ الفجرَ خدّكْ

وأرقُّ من طبعِ النسيمِ فهل خلعتَ عليهِ بُردكْ

وألذُّ من كأسِ النديمِ وقد أَبحتَ الكأسَ شهدكْ

أتصور الأبيات هكذا أو في بعضها خلل فأعتذر سَلَفاً وأتحجج بأنَّ الخلل في الذاكرة المسكينة التي نعلّق عليها أخطاءنا وعيوبنا فيا أيتها المسكينة الراضية المرضيّة اصبري وتحمّلي فلقد صبرنا قبلك وتحمّلنا ما لم تتحملي لا من قبل ولا من بعدُ !

 

فيديو أغنية وقصيدة عِشْ أنتَ

https://www.youtube.com/watch?v=sLsATBfCqeM

 

1ـ البيان والتبيين / تأليف أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ / الجزء الثاني الصفحة 136، الناشر: مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع والتصدير، 2010 القاهرة الطبعة الأولى.

 

عدنان الظاهر

تموز 2015

 

رواية "أطفال الندى" .. محمد الأسعد وشعرية السرد

bushra albustaniإنها رواية يقول كاتبها تشبه أسطورة، وأسطورة تشبه رواية. رواية تكتب تاريخ الندى وتدون تجلياته الخالدة داخل المسطورات وخارج حركتها، حيث تتحرك الحقائق حرة من كل قيد وزيف، الندى صديق الورد وشقيق أوراق الشجر، ورفيق الموت والحياة، هو النقاء المرتبط بالسماء لانه الخمرة السامية التي خُلق منها الكون الذي لم يوجد للبطش والقتل والفساد، تقول الاسطورة اليونانية . الندى رمز الروحانيات والوحدة الجوهرية للانسان، هو مدخلٌ للخلود لأنه في شفافيته يرنو للصعود، يأخذه أول شعاع شمس إلى السماء، الندى رمز الخصب ورعشة الحياة والديمومة والدليل إليهما، لكنه سيد الموت كذلك، فهو سريع الزوال ورفيق تربة الأموات . ويختصر الشاعر قضية الندى في انثيالاته حين يصفه بـ "سيد الليل والصباح، وسيد البداية والنهاية " إنه " الندى الذي كان يملأ شعر أخي ويجعله ثقيلا يتدلى على جبينه.."ص60، وهو "لا يترك أثراً على الأرض، ولكن في الروح عميقاً حتى جذورها" إنه إذاً ذلك السرُّ الذي لا يكفُّ عن الحضور والتحول، إنه العامل المشترك الذي يجمع كينونة الأحياء بالزمان والمكان والنبات والأشياء، وبشفافية الاطفال وروحانيتهم، الأطفال بذرة الحب والخصب والسلام، أحباب الرحمن الذين كان الشيخ حمزة يقصدهم متيمناً بالنقاء ومستشرفاً غداً مبرءاً من المحنة . ويبدع الأسعد في استقصاء رمز الندى، وكلما ألحَّ عليه ازداد الرمز جمالا، ومع الجمال لبسٌ وفتنة وغموض، فالرمز في الأدب لا يسعى لمهمة توضيحية، بل هو ذو مهمة تضليلية تُغني الدلالة وتكثّف مستوياتها، وتفتح لها آفاقَ عدة لتشكيل المعنى " إن ندى ليلة كاملة يُشوِّشُ التفكيرَ ويحوّلُ الكائنات إلى ماء، والمعارك إلى هجمات أطفالٍ يلعبون تحت فضاء الله، غافلين عن الماضي والحاضر والمستقبل " ص63، أهي الخمرة التي تشوش وتُفقد التركيز وتُربكُ التوازن ذلك الندى، أم هو الحلم الذي ينأى بالحالم عن بؤس واقعه وسوء أحواله، ولعله في الحالين نوعٌ من الخلاص وإن كان واهما، وارتحالٌ وإن كان بعودة . إنه يمنح للندى قوة تحويلية تزيح العقل عن مرتكزاته ليحلَّ الجنون الذي ينأى بصاحب الندى عن المركز وقيوده إلى الهامش وامتيازات حريته. من هنا يمكن القول إن علاقة العنوان بالمتن تختلف تجاذبا وتقاطعا من نص لآخر، كما تختلف طرائق تشكيل التجاذبات داخل النص الواحد، وكلما كان النص مهموما بالشعرية، تلونت فتنة تلك العلاقة وازدادت جماليتها توضيحا وتضليلا وإغراءً وإغواءً واستقصاءً وتمنعا. ولذلك جعله جيرار جينيت أول إشارات الشعرية التي تتجلى في الموازيات النصية ضمن التناصات الخمسة التي وضعها لدراسة شعرية النص. هكذا يجد القارئ عنوان رواية محمد الأسعد " أطفال الندى " (القدس، دار الفيل، ط2، 2013 ) التي خطط فيها لما أراد بثَّه بدقة وذكاء، فقد أُنجِزَ السردُ عبر شراكة بين السارد والأم وبعض النسوة وبعض الرجال، لكن حصة السرد تكاد تتمركز حول شخصيتي السارد والأم، السارد الذي يمكن أن نطلق عليه الشاعر لشعرية سرده وتمكنه من فنون التضمين والترميز والأسلبة والنمذجة، وكونه يعلن أكثر من مرة أنه يسير في أسطورة أو أنه يقيم مسرحا خياليا لحسابه الخاص، وكلاهما الشاعر والمرأة يحرصان على تميز من نوع خاص، الشاعر يمسك بالرمزي، باللغة وما تضمر من فن وممكنات ومكنونات خصب ونبض وثقافة، وما تتوفر عليه من ثراء وحضارة ومن توهج في الشعرية وافتتان في اللعبة التي تخرق القوانين وتتجاوز المعايير، ليس في تشكيلها اللغوي حسب، بل وفي حبكتها التي لا تنسج أجزاء خطابها في البنية السطحية التي اعتمدت على المونتاج في القطع والوصل وتوزيع الصور، وفي سير الأحداث وانبثاق الوقائع، فقد اشتغل المونتاج في الرواية اشتغالا حركيا لا يدع للزمن ولا للكامرا التصويرية فرصة التواصل الذاتي المنساب، لانه لا يتواصل الا بعين السارد المخرج الذي اعتاد التحولات، ففي صفحة واحدة (20 مثلا) قد تزيد عمليات القطع والوصل على خمسة أو ستة تحولات، مما يشكل فنا قائما بذاته، ويحتاج محوراً خاصاً لدراسة طبيعة اشتغاله في البنية العميقة.

تبدأ الرواية في سردها من نقطة صلدة، راسخة وغائرة في الزمن حيث تستلقي قرية "أم الزينات" الفلسطينية الواقعة على قمة شبه مستوية في النهاية الجنوبية لجبل الكرمل، تلك التي حفرت طيات أرضها ذات يوم "دوروثي غرود" عالمةُ الآثار البريطانية بحثا عما يبرر الزحف الهجين لعصابات ذلك الحلم المزور. وتمتد اللعبة الفنية للسرد فتكسّر الزمن ليغادر رتابة جريانه عبر سببية التوقع، ولتمنحه حرية القفز والانفلات والاسترجاع والاستباق والحذف والايجاز، فاللغة وحدها استطاعت أن تلعب بالزمن الذي ظلَّ عصيا على الاستحواذ، صحيحٌ انه يبدو جارياً برتابة وانسيابية وحياد، إلا أنه المهيمن على التحولات سلبا وايجابا، فهو وإن كانت مهمته ابتلاع الأعمار والآمال وتغييب الأحبة، إلا أنه سيد المفاجآت والإبداعات وفرح اللقاء والمنجزات ومبتكر الدهشة كذلك. الزمن جوهر الأنا، ومحرك الاشياء والوجود، والانسان داخل الزمن كتلة فاعلة، خالقة ومطورة لانه هو الذي يضفي على العالم نشاطا وحركية، وحركية الانسان في الزمن هي التي تضنع الحياة وأحداثها، وتشعل في الكون الحرائق التي تطلق ممكناته . لكن الزمن في النهاية لا ينفك يفعل فعلته بألغازه الملبسة " إنه لغز آخر مثل بقية الالغاز التي يلقيها أبو الهول الصخري هذا، أعني الزمن الذي لا نهاية لامتداده، أبو هولنا المتحرك الذي ورَثنا بعد أن أعجز آباءنا، وربما يظلُّ يعجز أحفادنا، كلُّ شيء نوّرثه لهذا الزمن، ونترك له ما نملك شيئا فشيئا "ص 37، يأخذنا إليه ويحولنا إلى تماثيل في غابته الحجرية، لكنها اللغة تمكنت من احتواء جبروت أبي الهول هذا يوم استدرجته اليها، فلم ينضوِ بين تشكلاتها حسب، بل استسلم لضروب فعلها وتلاعبها وتجلياتها، بما في تلك الضروب من فتنة وجماليات، وسيأخذ الزمن الذي يرمز الشاعر لجبروته بأبي الهول حصة في مواصلة الترميز الشعري ومواصلة الاستحواذ .

   تشترك الأم وبعض النساء مع الشاعر في الروي، إذ تعمل على توسيع أفق السرد بفعل الذاكرة أولا وبالمتخيل، بالصور التي تفتح أفق الدهشة على الغريب والعجيب من عوالم الغول والجنيات وهن يقترفن الحب بعنف وجنون، وهن يسعين لتملك المحبوب وانتزاعه من بيته وأسرته ليلا، وهن يحولن البشر باقتدار الى إبرة تُعلق في الشعر. الجنية سيدة السِّحر الذي يهون لديه كل صعب، فهي تجسد القدرة الهائلة على التحول والتقمص والتحويل كذلك . فضلا عن كونها سيدة الحضور والغياب، رسولا من العالم الآخر لا يظهر إلا ليختفي بإرادة تتيح للقوة ممارسة طاقتها، إنها الوهم الذي يمتلك طاقة تدميرية أو هي رمز له، لكن طاقته بالرغم من قدرتها تبقى في حدود الوهم الماثل للزوال، وكأن الرواية تشير لسلسلة الأوهام التي جرت وتجري على أرض فلسطين محاوِلةً تغيير الحقائق الوجودية لشعب وأرض وكينونات، ولتبقى الأحداث دائرة في هذا الفلك الذي لا يضيق إلا ليتسع، ولا ينأى بشعريته إلا ليعاود الرجوع إلى حيث يواصل الحدثُ فعله عبر التضمين الذي يجتهد بالربط العضوي من الداخل، ربطٍ بين قصص الناس ومعاناتهم من مسلسل الغزو والكيد والقتل، وكأنَّ سكان هذه المنطقة من الأرض ما خلقوا إلا لدفع ثمن غطرسة الحضارة الغربية في فكرة التمركز والهيمنة، وفي خرافة نهاية تاريخها هي، لدى اللحظة التي انبثقت في إمكانية استحواذها على العالم، لتغدو القصصُ رواية واحدة تجمع بين البشر والأمكنة والأزمنة، بين المياه والشجر والنبت والورد والينابيع، وقبل كل ذلك تربط بين تجليات الندى الذي سيواصل البثَّ الدلالي ما بين العنوان والمتن، لكنه يظلُّ ربطا سرياً يهيمن عليه غيابٌ دلالي وغموضٌ من نوع خاص، ولبسٌ يثير التساؤل في ذهن طفل ينتزع من اعماق ماضيه لحظاتِ عتمة وخوف وجوع ومعاناة، وجمر يتساقط فوق الرؤوس وبين الخطى رصاصاً يقذفه غرباءُ قادمون من بلاد بعيدة، وشكٍّ يبحث عن حقيقة ما يجري . هل الحقيقة صرحٌ شاخص يدعونا إليه، أم هي فعل يتشكل بقناعات ورؤى بعد تثبيت ركائز تمنح الرؤية وعملية البحث جدواها، ذلك ما يجبر القارئ على التواصل الحميم مع النص ؛ لأن أي انقطاع عنه سيؤدي الى انفراط عقد الرواية الذي لن يكتمل بهاؤه الا بوفاء المتلقي بالرهان، رهان القراءة الفاعلة التي لن يكون للنص الحديث أيُّ وجود حقيقي بدون حضوره وشراكته في تشكيل الدلالة، لكن رهن إشارات النص ومبدعه.

**

تبدأ الرواية بتثبيت حدود الأرض حيث جرى ويجري نزاعٌ دموي هائل، وحيث يُمارَس عدوانٌ قلما شهد العالم له نظيرا، أرض ستدور على ثراها الاحداث وتنطلق منها، لتعود إليها، تبدأ بقرية "أم الزينات" المتشبثة بجبل الكرمل وهو يطلُّ على البحر، هذه الحقيقة العربية الفلسطينية التي يؤكد محمد الاسعد ان تأكيدها يمكن أن يتم من طرق عدة بعكس ما تذهب اليه الموسوعات من ان ثمة طريقين يؤديان إلى "ارتفاعها" ، ويعاود الإثباتَ مرة أخرى " الطرق الى أم الزينات كثيرة، ويجيد القرويون إيجاد الطرق عبر الوعر ونبات الصبر والزعرور " ص5 . فالحقيقة الفلسطينية ليست غائمة الأفق ولا ضبابية لمن يريد البحث بموضوعية وصفاء، بل هي واضحة بيّنة ومتعددة المسالك، وللبرهنة على جذور الانتماء يأخذنا معه إلى تشخيص سمات الهوية وأولها الذاكرة التي تحفظ التفاصيل بتاريخها المشترك، سارد محمد الأسعد لم يترك فجوة للنسيان، فكل تلك " الطرق والأماكن يرتبط بالأحداث، ليس هناك مكانٌ لا يرتبط بالذاكرة بحدثٍ ما "ص5، مما يؤكد ان ايّ علاقة للمفهوم مع الموضوع إن لم تتحقق تاريخيا، فلن يكون لها أية قيمة أو معنى، فكيف لتلك الذاكرة أن تنفصم، وكيف لذلك التحقق التاريخي عبر كل تلك الحقب من السنين أن يُلغى . ان تفكير الهوية لا يمكن ان يوجد منعزلا عن سياقاته التاريخية والاجتماعية والثقافية، كما لا يمكن أن ينفصم بيسر حال دخول محتل أو مستعمر، إذ لا يمكن لذلك المحتل النزيل أن يشكل له هوية مع ظروف كلها طارئة وغريبة مهما كانت درجة التكيف والاستجابة . من هنا سيكون تحديد الهوية شرطاً لإمكان الحياة التاريخية الطبيغية ولحفظ الذات الانسانية (1).، ويؤكد السارد أهمية التسمية، فالتسمية تثبيت وجود، وتحقيق علاقة، أن أعرف اسمك يعني أني أعرفك " كل شيء في وطني يمتلك اسما بدءاً من الحجر ومرورا بالشجرة وصولا الى الفصول والثمار والإنسان، لا شيء يظلُّ بلا تسمية، بل إن مكانا أو شيئا واحدا قد يكتسب اسمين في وقت واحد .."ص8، ومن يمتلك اسماً، فليس له أن يضيع، يشهد على ذلك الندى، الندى شهد أنهم " كانوا صادقين في المحكمة الدولية، وأمام قرارات الأمم المتحدة التي تجاهلتهم، واتخذت من الأوكرانيين والبولنديين والبلغار والأسبان والانكليز شهوداً وقضاة " ص60، فهل يوجد واقع يتحرك خارج إطار منظورات محددة بوعي معين، وإذا كان لهذا الوعي وجودٌ حقيقي، فكيف كان لتلك الكارثة وما بعدها أن تحدث لولا اعتماد غطرسة العدوان وسلطة التجني، سلطة غرب متفوق يمتلك العدة الحديدية، وبُدجّن العلم منفصلا عن القيم، وينطلق من مادية شرسة غادرت الروح واعتنقت الآلة الحديدية والجشع والاحتكارات والأهواء فكان القتل والإبادة والنهب والاستلابات، غربٍ ينظر لشعوب العالم باستعلاء وعنجهية مفسرا تاريخ الحضارة تفسيرا أحاديا بالغ الضيق والظلم والغبن، مُلغيا جهد الإنسان وحضاراته الخمس القديمة ودورها في رفد الحضارة الغربية المعاصرة، ومدعياً انبثقاقة تُبيحُ له الهيمنة على العالم أجمع بحجة ذلك التمركز العقيم الذي انحرف عن كل نظرياته في الحرية والديمقراطية والعدل وحقوق الانسان حالما غادر بقعته " كان ذلك في أحد أيام العام 1038 والجو شتاء والنسمات الباردة تتطاير عند مدخل المغارة الدافئة بالأحياء فيها، وقبل ذلك بأيام، كانت مواطنتها المس فرنسيس نيوتن تأخذ طريقها صاعدة في الجبل الى قرية إجزم لتشاهد حطام ثلاثة أيام من البربرية الانكليزية حين اقتحم جنود وضباط ملكها البريطاني إجزم فنسفوا البيوت وسرقوا المواشي وأطلقوا الرصاص على كل من وجدوه خارج بيته. كانت السرقة والنهب مخططا ملكيا لتقويض مقاومة الفلاحين والانتقام لأعصاب كبار جنرالاتهم التي حطمتها بنادق عثمانية عتيقة بأيدي الفلاحين الفلسطينيين"ص97 . هذه هي بنود حقوق الانسان واحترام كرامته وضمان حريته المقرة من قبل لجان المنظمة الدولية للأمم المتحدة التي سنتها الحضارة الغربية بمركزيتها وديمقراطيتها العتيدة، نسفٌ وقتلٌ ورصاص وسرقة ونهب، وفي النهاية تهجير وملاحقة واغتصاب وطن.

**

سارد أطفال الندى شخصية متماسكة حتى في حزنها، حتى في تعبيرها عن معاناة ما رأت في طفولتها من مشاهد العنف والقتل والحرائق والترحيل ولوعة الفقدان، إنها لا تفضي بلغة العواطف المنسابة، بل تبوح بتشكيلات رصينة تخفي مشاعرها تحت نبض الفن وفي مستوياته العميقة حيث يتعالى الادب على الانفعال السريع والنشوة العابرة ليحرك جذور المتعة بحثا عن الحقيقة الوجودية وهي تتبدّى جرحاً فجرحاً، وغياباً فغيابا، يقول محمد الأسعد، أحس أنها منحوتة مثل تماثيل راسخة تسعى إلى الخلود لا تلقي بالا لزمن يأتي وزمن يمضي؛ هي في لحظة الفن التي تعلو على الزمان والمكان، كما ذلك الجسيم المتردد بين كونه ضوءً مرة وكونه جسيماً مرة أخرى في علوه على الزمان والمكان كما يقول أصحاب فيزياء الكوانتم". ويواصل قائلاً " في مطلع القرن العشرين حين زار الشاعر الألماني "ريلكة" النحات "رودان" في باريس، نصحه بأن يترك "الرؤى" ويفتح عينيه وحواسه ويكتب قصيدته كما لو أنه نحات. ومع أن سالومي، صديقته، حذرته من أن الكلمات ليست صلصالا، إلا أن "ريلكة" اتبع نصيحة "رودان" وتحولت قصائده من قصائد "خزف" كما كانت في البداية إلى قصائد من "رخام"، وقال هو ذاته "كنتُ أرى، لا الطبيعة، بل الرؤى التي توحيها إليّ، والآن أخذتُ أتعلمُ أن "أرى" وأن "أصنع". وقبله كان "هولدرن" يقول "الشعر تجارب وليس مشاعر" ر.الكترونية في 29 /6/2015 ..نعم الشعر تجارب، ولكن كم هو حجم المشاعر في تلك التجارب، وهل يمكن للكلمة أن تضارع الرخام صلادة كما ورد في تحذير سالومي، لكن الأسعد لم ينجز هذه المهمة الصعبة الا بتمرين طويل امتدَّ زمنا كما ورد في مقالته " كيف كتبتُ أطفال الندى" ذلك التدريب الذي استغرق سنوات واستهدف الوصول إلى حالة الكتابة بحيث يتحول فعلها إلى فعل تلقائي ومنزه عن أي غرض، شأنه في ذلك شأن نهر أو شجرة أو نسيم عابر، أو زهرة تتفتح خارج المختبرات"(2). بحيث صار النص ينطلق من الذاتي لينفتح على الإنساني، وليكون عذابُ الفلسطيني هوعذاب الانسان المستضعف بهيمنة الظلم والسلاح في كل مكان، وتكون الام الفلسطينية نموذجا لأم شمولية وبؤرة لتنمية عوامل الايجاب التي تحمي الحياة وترعاها، وليكون تأبين الأخ تأبينا لكل عزيز رحل، ولكل الأخوة الذين غابوا، لقد أجَّلَ السارد تأبين أخيه، أجَّله كثيرا، كان يعرج على موته الذي ظلَّ غامضا خطفا بألم صامت، فهو الذي يقول مخاطباً أخاه " التفجع وحده لا يصيبنا الا على الذين لا نعرفهم . أما الذين نعرفهم، فهم يصيبوننا بالصمت والندى" ص88 فأيُّ لغة تستطيع وصف هذا الندى الذي يتلألأ جراء الغياب، وهذا الصمت الذي يكسو لوعة تستعصي على الحروف وأصواتها، فيلوذ بالداخل حيث الصور والمشاهد والمونولوجات تترى. الصمت عنوان اللوعة، هل اللغة عاجزة عن البوح في الصدمات، أم أن اللوعة تحتل مناطق التعبير فتتعطل عن الاشتغال .! لكنَّ الحزن طال واختمر وتوالد " هؤلاء الجدد المولودون في غيابك بعد موتك لم تعرفهم، ولكنَّ كل ما فيهم يتنفس حسرتك الدائمة كأنك الميت الاول والأخير في الكون، يرونك في حجم الفراغ الكبير الذي يثقب الكلمات والنظرات والحياة ويرافق أيامهم " ص88 إنه يختار كلماته بدقة ويشكلها في جمل تختزن لوعة عذاب صامت "كلَّ ما فيهم يتنفس حسرتك"، كيف يعيش من يتنفس الحسرة في شهيقه والزفير، وكيف يثقب الفراغ الكبير الكلماتِ والنظراتِ والحياة.! إن الفعل "يثقب" بفاعليته التخريبية المركزة يلقي بظلال كثيفة من حزن ثاقب مدمر، لا يعرف الضوضاء ولا الثرثرة ولا ابتذال الشكوى. ولذلك فهو يلوذ بالصمت حين يكبر الوجع وتضيق اللغة . فالصمت ليس سكوتا عاجزا عن الكلام، إنه الكلام المفعم بالمعنى، لكنه لا يتخذ من الصوت وسيلة تعبيرية، بل يلوذ بالسيمياء . ويواصل السارد الشعر وهو يتحدث عن ذلك الرجل، الجندي التركي الذي فقد عقله "وأعرف أنه الندى، الندى هو ما أورثه الجنون، هذا الذي كان منذ البدء ومع مسيرة الزمان مولودا للهواء، هواء البحر والشطآن، لم يكن طوفانا ولكنه الطوفان بذاته الذي أغرق السماء وبلل الأرض والرؤوس، وتغلغل عميقا في مسارب الروح حتى أيقظ فيها حالة بين النوم واليقظة، وحولها الى سفينة تتأرجح وتخفق كما خفقة الريح بين أشجار الزيتون"ص61 .كيف يكون الندى سببا للجنون ..! ما العلاقة الضدية بين الندى والعقل، وكيف يتغلب هذا الندى الشفاف المرهف سريع التلاشي على فاعلية العقل التي تعيد تشكيل الأشياء كل لحظة بطاقات متجددة، أليس الشعر يؤرة أسئلة تترى ..! ما المقصود بالندى في هذه القصيدة الثرة ..؟ وكيف سيكون طوفانا يغرق السماء والأرض و.. و..وكيف يتغلغل في الروح ليوقظ فيها حالة المابين ،، ويحولها لسفينة متأرجحة في الريح ..؟.

سارد محمد الأسعد عميق في تأمله، قوي في حزنه، موضوعي في طرح حركة أعدائه، معرفي في حواره، ولذلك كان النص فريدا في هدوئه المكتنز بثراء الشعرية، حتى الحقيقة التاريخية والحادثة والوقائع ترد في ذلك السياق الذي يخضبها بالشعر، إذ يتداخل الأدبي بالتاريخي بالسياسي بالجغرافي بالاجتماعي، فتصير مشاهد ذبح اصحاب الارض من فلاحي فلسطينن وأطفالهم وعوائلهم فرصة لأستئناس القتلة القادمين من بعيد وضحكهم، وتصير مغادرة البيت، موطن أمن الإنسان الحميم والسير تحت دوي الرصاص ليلا تحت الشجر في العتمة وفي الطرق الوعرة ووسط الضباع وشهوة افتراسهم شاهدا على محنة الانسان العربي المعاصر، ويغدو استبسال الجيش العراقي في قتال الصهاينة ومطاردتهم شهادة تاريخية، هل يمكن للنص الأدبي أن يكون وثيقة تاريخية ..؟ لا، لا يمكنه ذلك، لأن الأدب ليس سجل وثائق واقعية، بل هو استقبال إشارات تعمل المخيلة على تحليلها وإعادة تشكيلها من جديد، تؤازر ذلك نمذجة لغوية، لكنه يمكن أن يؤدي مالا تؤديه الوثيقة التاريخية من مهمات لدى وضع إشارات النص الجديدة في مختبر التحليل النقدي والتعليل.وهو في كل تلك التداخلات المرجعية يبقى حريصا على ممارسة خصوصيته في التخييل والأسلبة والاستلهام والاستيهام، وفي دقة الالتقاط من الواقع وذكاء الاختيارات التي تسمو بانتمائها للفن في علاقة سيميائية مع الأصول، فمحمد الأسعد صيادٌ آسرٌ كما يقول ماكليش، صياد يستخدم الشكل شبكةً لأسر التجربة كلها طريقا للمعنى، وطريقا لجعل العالم يعني شيئا .(3) إنه يفاجئنا بين آونة وأخرى بمشاهد شعرية تتوهج بحدة لتضيء جوانب النص بأكمله، ولعل مشهد استقبال الحمام لعودة الاسرة ليلا بالرفيف والهديل، واحدٌ من المشاهد المتألقة التي تؤكد أن الحياة ليست تجربة بين العالم والإنسان وحده، لكنها أوسع مدى من ذلك حين ينسج خيوطها المخلوقات والموجودات جميعا، وأن الأليف والمتوحش من هذه المخلوقات يدخل في صميم الوعي السرّاني لكينونتنا، هذا الوعي الذي ينهض فجأة وعلى حين غرة ليضيف ثراءً لمكنونات الداخل المفعم بأسرار الوجود وعتمته وغموض حركته. وعي لا يقنعه ايُّ تفسير علمي أو بايولوجي لفرح الحمام واحتفاله وهديله بعودة أهل بيته ؛ لأن أي تفسير محدد غير قادر

على أسر هذا الحدث العجيب بروعته ؛ ولذلك فهو يكتفي -آنياً- بالقناعة بما وراء هذا التفسير من انجذاب وخطفٍ وأسرار.

هكذا يخفي النص الكثيف ذو المستويات أسراره حتى عن مبدعه حين يجوس في دواخل الانسان المعتمة وفي دهاليز الوجود . يتحدث السارد عن مخزونه من العذاب والمعذبين بشعر مخضب بالندى "فأخترعُ هذه المدينة كي ألقاهم بها مجددا، ممرات وغرفاً بسقوف واطئة مسودة من أثر الدخان، ينفذ اليَّ فيها الصغير الذي كنته، فأحسُّ بأنفاسه وأنا أكتب وأشعر به يمزق ورقة أو يكسر محبرة أو يتوقف أمامي ناظرا بأسى على ما أصبحتُ عليه، ويكون عليَّ أن أتحرك وأخرج إلى هذه المدينة واطرق بابا فيفتح لي وجهٌ أتعرف فيه على طفلٍ هو أنا، وأنظر حولي مندهشاً حين ينسحبُ الطفلُ إلى الداخل صائحاً "لا أحد بالباب، إنها الريح فقط" وأقول لنفسي " أحقاً هي الريح ؟"وأهرع وراء الطفل إلى غرفة العائلة، فأجد كل شيء في مكانه كما كان، حتى مكاني الذي يشغله الآن، طفلٌ لا يراني مسبل العينين كما كنت دائما، وكما أحببت أن أكون، أنا الوحيد الذي عرف أن شخصا دخل من الباب، ولكنني أخفيت سره عن الجميع " ص87. ما هذا ..؟ أليست هذه الفقرة قصيدة مفعمة بالغموض والأسرار والأسئلة، أهي الروح تغادر سجنها لتجول بحرية بعيدا عن أغلال الجسد، أهو التجريد، أهو الشاعرُ يتابع قرينه، أم هي المخيلة تنفتح على اداءٍ حرٍّ يتجلى بعيدا عن الرقيب فتتلقى من عالم الغيب أصواتاً وأشخاصا وصوراً وتهيؤات ، والشاعر المبدع وحده القادر على إطلاق حريته الداخلية لتمارس حضورها بإبداع . والأسعد بذكاء الناقد يعترفُ أن هذا الغموض المحيط بالشخصيات لا يسري على القارئ حسب، بل عليه هو مبدعهم كذلك، لسبب لا يستعصي عليه، هو أن لغة الشعر معتمة، وأنهم يتحركون في العتمة، وأنه يدير معهم مغامرة لا يتبين هو نفسه دقائق الأمور فيها ؛ ولذلك يقرّ أنه كان عليه أن يلتقطهم ويرسم "كلا منهم بكلمة أو كلمتين، تاركا جزءا كبيرا من غموضهم يحيط بالقارئ كما هو محيط بي "ص 87 وكأنهم كما وصفهم مختبئون في حبة جوز، وهو يعدُّ تصويرهم بهذا الشكل مغامرة كتابية لا يعرف لها سببا. لكنه يدرك جيدا بحسه النقدي أنها المغامرة التي حولت النص الإبداعي العربي من المستوى التفسيري الذي ظل يراوح فيه، إلى المستوى التأويلي الذي نقله النقلة النوعية الابداعية المعاصرة، لكن بنماذج نادرة.

سارد محمد الأسعد كثيرا ما يبثُّ عبر منولوجات تنثال بعيدا عن أي حبكة تقليدية، لأنها تمتلك حبكتها الخارجة على قوانين السرد، حبكة لا تأبه كثيرا بالبنى السطحية للخطاب، لأن اشتغالها يتحرك في البنى العميقة حيث تتحرك الذاكرة بحرية وانتقاء، فالقصص متاحة سواء كانت في الواقع أو الذاكرة أو المخيلة، لكن امتياز السارد كان في لحظتين مهمتين، لحظة اختيار القصة، ولحظة تشكيل الخطاب، وما بينهما من خطورة التواشج . يقول الاسعد عن كتابته هذه الرواية : " لم تدهشني عفوية هذه الرواية وهي تُبنى يوماً بعد يوم من دون تخطيطٍ مسبق ولا هذه الالتماعات والمفاجآت وهي تواجهني وأنا أكتب، فكأنني كلما أوغلت في كتابة "أطفال الندى" أوغلت في التعرف على أعماق منسية في ذاتي وفي الكون من حولي . ما أدهشني أكثر هو ردّ فعل عدد من القراء اختلفت مستوياتهم ومطامح حياتهم واشواقهم والتقوا عند نقطة جوهرية هي أن في الرواية شيئا حميماً يمس كلَّ واحدٍ منهم ويتحدث اليهم" (4) فكان لا بد من اجتماع هؤلاء المبدعين الذين اختلفت مستوياتهم على اللقاء عند تلك النقطة الجوهرية التي هي بؤرة الوجود الانساني في اللحظات الحميمة المشتركة والعارمة بالتجلي وهي تسمو على كل ما هو سطحي ومكرور، لتأخذ الإنسان إلى الداخل حيث عوالمه الخاصة التي تخاطب وجدانه هو، والتي كلما حرثها ازداد اقترابا من ذاته وازداد تعرفا عليها وكشفا للمزيد من أسرارها، فالشعر الأصيل ليس ذاك الذي يحدثنا عن موضوعات ومضامين، بل هو الذي يحدثنا عن صميم ذات الشاعر، ليتجلى من خلال ذلك الصميم الكيف والماذا . ويواصل الأسعد شرح أسرار تشكيل شعرية الرواية فيشخص سماتها مؤكدا أن هذا النص يحمل سمات اسلوبية ولغوية ورؤيوية لتكون بمثابة لغم يفجر في القارئ ما هو معتم ومكبوت وليحقق شعرية تقع في اطار فهم انساني، شعر يفهمه كل انسان لانه يلامس منظقة في ذاته . ويسمي الاسعد ما يحول اللغة الى هذا المستوى من الشعرية "حجر الروح" موازيا لحجر الفلاسفة في قدرته على التحويل الذي يتم في الفضاء الداخلي للانسان، وليتحول الى نبضات طاقة حية، كامنة ويختصرُ هذه القضية بثلاثة عناصر، الاسلوب الفني الذي يستمد جماليته من الفن البصري، اذ تحتفظ الصورة باكبر قدر من الطاقة الفاعلة في تفجير المخيلة على الايحاء، ومن تراسل الحواس، حين تتبادل الحواس وظائفها فتبصر الاذن وتسمع العين، ثم من التقطيع والمونتاج الذي يخلخل التسلسل الاعتيادي للاحداث . هذا الفن الذي استوحته علوم السينما من فن الشعر، ولا سيما الصيني والياباني، الثاني، هو طريقة استخدام اللغة، بتجريدها من عاداتها المشتركة لتصبح لغة خاصة بشخص ما، شخص يعيش التجربة ولا يتذكرها بحياد، ويوظف طاقاتها مجتمعة حين يكون الفكر والعاطفة مندمجين . السمة الثالثة هي ما يسميه الهولوجرافية وهو انسجام منطق الرؤيا مع منطق الواقع، إذ يحرص الاسعد على الانظلاق من ان الانسان ليس مركز الكون وحده، بل هو جزء من شبكة اوسع تمثل البشر والطبيعة والاشياء.(5)، هكذا يلخص الشاعر اشتغاله في الرواية مع أن فيها دقائق من الفن لا يمكن حصرها بعجالة، ولعل ما قاله الأسعد في أحد حواراته من أن كل نص أدبي يجب أن يتوفر على كل الممكنات الفنية من شعر وقص وروي ومسرح وفنون بصرية تشكيلية، فتقييد الكاتب بتقنيات أي شكل يعمل فيه يعني أنه لا يستخدم كل ما يعرفه عن الكتابة (6)، هذا هو ما ينطبق على هذا النص الثري وذي المستويات المشتبكة، فضلا عن بُعدٍ ثقافي فكري ومعرفي أخلص لجذوره التاريخية، ولمرجعيته الحضارية؛ فدمج الفن وجماله بالقيم وبهائها، بوفاء الابداع وهو ينتزع صفاء الحقيقة من دخلاء جاؤوا يبحثون عنها في أعماق أرضه بعيدا عن فضاءاتها . ولذلك يثبت النص أن "دوروثي غرود لم تعد تتذكر الا تلك اللحظة التي وصلت فيها الى قناعة كاملة بأن يهودها الذين جاءت تبحث عنهم في مغارات الكرمل لم يكن لهم وجود، ولم يمروا بهذه الأرض، وأنها كانت تفتش في المكان الخطأ، تماما كما ستكتشفُ بعد ذلك بأربعين سنة عالمة آثار تدعى " كاثلين كينون " أن الحجر الفلسطيني لا يخفي تحته غير الحجر الفلسطيني، وكلما تزايد عمق الحفريات تزايد ظهور الفلسطيني يرافقه ذلك الصوت الصامت الذي تطلقه التوابيت والنواويسُ الكنعانية وصولا إلى الغلاف الصخري وربما إلى لبِّ الأرض حيث يغلي كل شيء ويكادُ يندلع الجحيم" ص98، لكن بعل الساكن في المرتفعات، وبغضبة المعتدى على تراثه ووجود أهله، والذي شهد ما جرى ويجري من ذبح ناسه والاستهانة بحياة شعبه، لا يكفُّ عن تمريغ خرافتهم بتراب الأرض التي اغتالوها، ينهض ليطأ الاسطورة وحاملتها، يعفِّرها بالتراب المائل للاحمرار، تراب فلسطينه وفلسطين تاريخه، ثم يرميها بعيدا، هي رمز الغزو والتسلط والعلم القائم على الآلة الصماء والاغتصاب، لتعود إلى هناك حيث تُقيم ، مؤكداً أن فكر التمركز وحق الاستحواذ على العالم ليس إلا خرافة، فحضارتهم تاريخية زمنية نمت وتطورت ضمن اشتراطاتها التاريخية وظروفها الاقتصادية والسياسية والمعرفية، ولن تكون صالحة لغير ظروفها وشعوبها وناسها من شعوب العالم، ولذلك انحرفت عن مبادئها النظرية حالما غادرت حدودها، فلم تعد حقوق الانسان تشتغل ولا حريته مصونة، ولذلك عادت "دوروثي غرود" لموطنها هناك، لكن بعد أن وطأتها رياح بعل، لعل تلك الحضارة التي اعتنقت القطيعة والانفصال تتعلم الرجوع إلى التواصل مع الإنسان وفعل القيمة . تلك هي اللحظة المدهشة التي كانت أروع ما يمكن تخيله من نهاية لهذه الملحمة الفذة، إنها النهاية المتوقعة لحضارة مادية لا إنسانية، أن تُمرّغ بتراب من عذبتهم وسعت لاضطهادهم، وبعد طول صبر ومكابدة ينهض المستحيلُ الممكنُ ليعيد للحياة توازنها، وليفكَّ القيد عن معصم المكبلين بجور الاستكبار والهيمنة والابتزاز، متناسين ان القوة المقدسة ليست الا اقتراباً من روح الانسان وداً وحباً وصفاءَ سلام، وأن الصواريخ والقنابل وبارجات قتل الأبرياء وانتهاك حياتهم ليست إلا المدنسَ الذي يقترفون. ولهذا يقول صديقٌ للسارد من "عانين" رأى ما رأى من جرائم الغربي : " بعدنا تنحدر الأرض، فنحن آخر المرتفعات، وآخر الصيافير، وربما آخر النهارات " ص107، في مثل هذا الزمن المتهافت والسنين العجاف، وفي ضوضاء القتل وسفك الدم والحرائق، ينهض مبدعٌ عربي وسط الدمار ليقول كلاما كهذا، إنما يبشر بمعجزة، ويعلن عن سرٍّ مخبوء يمكن له التجلي في أي لحظة من لحظات اشتباك عوامل الايجاب بالطاقة المضمرة في خلايا أمة أرهقتها اللعنة القادمة من اليونان والرومان والانكليز والتشيك والبلغار والبولونيين والروس تقودهم الامبريالية الامريكية في هجمات شرسة ليقتلوا في هذه الامة بذرة الحياة.

**

"اطفال الندى" عمل يُعلي من شأن الأنثى، يتعامل معها بحب وجدّية وتراتيل، يتعامل معها حاميةً ومعلمةً وشخصيةً حضورية تتألق في كل حكاية وحدث . إن السارد الشاعر يتغنى بمفردة "أمي"، يكررها مرتلا ومحتفيا ومشتاقا، معرضا عن مفردة "والدتي" بينما لا يتحدث عن ابيه الا بـ "والدي"، يتحدث عنه ومعه رجلا لرجل، بينما يتحدث عن الأم ومعها ويستمع إليها طفلاً لمعلمة، لم يقل ضمن السياقات "والدتي"، فهو يدرك جيداً أنْ شتان ما بين الولادة والامومة، الولادة عملية بايولوجية تمارسها كل إناث الأحياء، بينما الامومة رعاية وحب ومسؤولية وانتماء، إنها مشاعر شمولية من الحنو والاحتواء والحماية، وهي الأمن الروحي والإلهام وخيمة الندى، والمحور الذي يتوازن به وحوله الوجود. محمد الأسعد يطرز النص بتراتيل "أمي" ..أمي روت، أمي قالت، والقول خطاب، والخطاب سلطة ، سلطة الحب وابتكار المعارف التي لا تجيد توظيفها غير امرأة تعي وظائفها بالفطرة، أمي ذهبت، أمي عادت، أمي هي التي علمتني طريق الندى .. أمي هي التي وضعتني في الندى، أمي هي التي كانت تظرز الحكايا كما تطرز الفساتين الفلسطينية، تكرارٌ فيه ترتيلات حبٍّ روحية أكثر منها حوارية، وهي أم تبدو مثالية في إدارة أسرتها وأولادها وفي تنظيم عملية السرد وتأثيث المحكي، مما جعل التوازن سمة من سمات النص.

تكرار مفردة أمي مع تغيير في التشكيل والسياقات ليس هو الصيغة التكرارية الوحيدة في الرواية، فالسارد يكرر مشاهد عدة بتشكيلات متغايرة باثّاً شحناتها عبر مناطق متباعدة من النص كتكرار موت الجد المفاجئ واستعادة وقائع أسباب إصابة الأخ الكبير وموته، وأحداث أخرى تتكرر بين آونة وأخرى وتعمل على تماسك النص وتنسيق إيقاعاته وشدّ أطراف الخطاب لبعضها . لقد كان التكثيف أهم السمات التي تجلت في شعرية الرواية، وبالرغم من قصرها، فقد وفت وفاءً بيِّناً بمهماتها وهي تبث داخل الشعري ومضاتٍ من حقائقَ سياسيةٍ واجتماعية وواقعية، لا أخلاقية المحتل سلبا ونهبا وحرقا وذبح ابرياء، تشبث بالارض ودفاع عنها وتوصيف لطبيعتها وإدانة لقصور التاريخ وموسوعاته في تدوين ما حدث، توثيق لحرص شعبه على العلم وعلى الكتاب، إدانة لقرارات الامم المتحدة التي لم تعرف العدل في التعامل مع اصحاب الحق، بل اعتمدت الكيل بأكثرَ من مكيالٍ دوما .

أخيرا، هل يمكن عدُّ هذه الرواية التي حكت قصة تهجير فلاحي أم الزينات وعوائلهم سيرة ذاتية ..؟ أتفق مع كاتب الرواية على أن "أطفال الندى" تتجاوز إطارَ السيرة الذاتية الفردية إلى إطارٍ أوسع؛ "فهي ذاكرة قرية من مئات القرى الفلسطينية التي تعرض أهلها للقتل والتشريد، وتم تدميرها ومصادرة أراضيها، وسكن فوق أنقاض بعضها أو على أطراف بعضها الآخر مستعمرون غرباء "(7).فالرواية لا تحكي حياة الاسعد وعائلته، لإنها تتجاوز هوية فرد وحياة أسرة، إلى هوية جماعية أكبر وأشمل، "هوية الموجة المنتشرة بلا حدود ؛ إنها أنا وآخر في وقت واحد، وهي في هذا المكان وذاك في آن واحد معاً، وهي أيضاً في هذا الزمن وذاك من دون حدود. في هذا العمق يتحول ما يسرده فردٌ إلى سردٍ جماعي يشعر معه كل إنسان أنه يتحدث عنه وإليه، وأقصد بكلمة كل إنسان، من مات ومن يحيا ومن سيأتي في المستقبل. وهنا أجد مدلولات هذه السيرة في السيرة الفلسطينية، فهي تفتح الأفق لنظرة إلى وجودنا الفردي بوصفه جزءً من كلية أكبر نتحقق فيها ونصير نحن جزءً من الطبيعة ومن البشر وحينها يتحقق مصيرنا بقدر ما نعي ونفهم أن تفاعلنا مع محيطنا الشامل هو الذي يمنحنا وجودنا الحق" (8).

 

وفي النهاية يعلن الاسعد أنه ما ظلَّ غيرُ الندى، الندى الذي يبلل الأوراق الخضر والجذور، الندى والندى وحده . مما يجعل النص مفتوحا على الحلم والخصب وديمومة التواصل، وأن الامم التي تدرك معنى الحياة لا شك في إدراكها قوانين فعل الندى وما في حركيته من جدل هو سمة الحياة ذاتها، وأن مشروع الإبادة الذي يمارسونه سيسقط تحت ضربات إرادة خلاقة لشعبٍ لن يموت ..

 

ا. د. بشرى البستاني

......................

(1) فلسفة اعادة بناء الحداثة، د. هشام عمر النور، ضمن كتاب الدكتور محمد شنب والحداثة، 348، الملتقى الدولي محمد بن شنب والحداثة، الجزائر، ولاية المدية، 2013 .

(2) كيف كتبتُ اطفال الندى، محمد الأسعد، نت، شبكة قدس الاخبارية، 10/7/2015 .

http://www.qudsn.ps/article/1244

(3) الشعر والتجربة، ارشيبالد ماكليش، ترجمة سلمى الخضراء الجيوسي، مراجعة توفيق صايغ، 15-16، دار اليقظة العربية، بيروت، 1963 .

(4) كيف كتبت أطفال الندى، مصدر سابق

(5) المصدر نفسه.

(6) أوسلو حولتنا إلى هنود جمر، حوار مع محمد الأسعد أجراه مهدي مصطفى، مجلة الأهرام العربي، 30/6 – 7/7 /2001 .

(7) حوار مع محمد الأسعد، موقع جدلية الألكتروني ، 10/7/2015.

http://www.jadaliyya.com/pages/index/11718/%D9%83%D8%AA%D8%A8_%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%89

(8) المصدر نفسه.

 

 

مع نفحات رواية الأديبة خولة غضبان الرومي: آدم عبر الأزمان

maison alromiالأديبة الروائية المبدعة المهندسة خولة الرومي طيبة دافئة تستكين لها النفس، رقيقة كنسمة الصباح، ترى الأمان في عينيها الضاحكتين ووجها الباسم، صريحة، جريئة، كحد السيف، لاتخاف في قول الحق لومة لائم، قارعت الظلم، والطغيان منذ نعومة اظفارها، عاشت الغربة، وعانت من البعد عن اهلها وديارها،، لم تيأس، ولم تستسلم، بل واصلت الكفاح في غربتها الموحشة، اكملت الدراسة الثانوية، والدراسة الجامعية، فحصلت على الماجستير في هندسة الري، وتوجتها بنيلها الدكتوراه في علم الجيولوجيا، لم تنسلخ عن بيئتها، وحب وطنها وشعبها، فواصلت النضال كناشطة اجتماعية ولم تزل.

حطت رحالها ليستقر بها المطاف في لندن، حيث كانت باكورة كتابتها في بداية التسعينات، عطرت الكلمات فاكستها رونقاً ورقـّـة وبهاء، واصلت مشوارها جاهدة لرفع إسم بلدها وشعبها في المحافل البريطانية، من خلال مساهمتها في منظمات المجتمع المدني العراقية، لها مشاركاتها في الهيئة الإدارية لرابطة الأكاديميين العراقيين، وساعدت في أعمال، ونشاطات المنتدى العراقي في بريطانيا .

ومن شذرات مؤلفات الأديبة الروائية خولة غضبان الرومي رواياتها : ـ

 

رقصة الرمال

الصمت حين يلهو

التاريخ والرمال ( سلسلة قصص للأطفال)-

اضافة الى قصص قصير متعددة

 

ورواية آدم عبر الأزمان

فسحة بلاغية يطيب لي من خلالها أن أصطحبكم بين أحداثها المشوقة المنسوجة في سطورها الأنيقة، المتلألئة الكلمات، سحرتني بتسلسلها المشوق وانسيابية سردها المحبب الجميل، وتناغم فصولها، ونقدها البناء الهادف .

آدم عبر الأزمان ... تحكي قصة خلق آدم، ونشوء الأديان منذ الخليقة بإسلوب فلسفي، أدبي رائع، مكسـوّة بمقاطع نثرية، تصحب القارئ فيها الى عالم الشعر الجميل، لتطعمها بمعلومات علمية دقيقة، وتنبؤات للتوقعات العلمية المستقبلية، وبإسلوب سهل ممتنع رائع، لداعب المشاعر الإنسانة المتضاربة، والصراع الأزلي القائم بين الطبيعة والإنسان من أجل البقاء، والصراع الأبدي الدائم مع الخير والشر بإسلوب محترف قدير.

لنقرأ معا بعض من مقاطع روايتها في هذا الكتاب، الذي يستحق القراءة لأكثر من مرة، حيث كتبت لتقـول : ـ

......رسمت السفينةعلى شاطيء تلألأت حصاه تحت ضوء السحر . كان الضوء ينطلق من ستارة الظلام ويلون السماء بالإحمرار الذي يعزف على أوتار سعف النخيل، المتمايلة مع همسات النسيم الدافئ ......

........أسرار الطبيعة وحركة الشمس والقمر، والمد والجزر ... حتى يصبح القمر بدرا ... ساعة ابتعاد البحرين عن بعضهما فتنشق عن الأرض والصخور .. عندها يلجون ويندفعون نحو العبور .

......جماجم الحروب تقتل فينا كل رحمة وتترك جراحنا تنزف لا تموت .. ايتها المسافات بين الفكر والفكر اتركينا بسلام.. لانحتاج الى رنين السيوف كي نفهم اختلافاتنا .. دمار وخراب وهدم .. وقتل من سبقنا ليس هو الحل .. يا رب نجنا .. دعوة المظلوم في كل الأزمان البعيدة ان تصوننا وتحمينا من الكوارث وتدفع عنا المصائب ......

الحرية .. هي ما تطالب به البشرية .. والتنازل عنها هو بمثابة التنازل عن الصفة الإنسانية .. عن الإرادة والوعي والكينونة والأنا والذات، التي منها تنطلق القرارات والمبادرات .

وفي النهاية تقول....

بعد مرورآلآف السنين .. بدأت الحياة بالإضمحلآل ..وأخذت الحضارة تنهار .. نتيجة لذوبان ثلوج القطبين وتلوث البيئة والحروب..وفي النهاية حدثت كارثة كونية اخرى..... ........

تحية وألف وسلام للأديبة الرائعه، خولة غضبان الرومي ومزيدا من التألق والتقدم يا إبنة العم العراقية المبدعة.

 

بقلم ميسون نعيم الرومي

تموز / 2015

ســــــــــــتوكهولم

جمالية التكرار في ديوان "قَليلكِ لا كثيرهُنَّ" ليحيى السماوي

yahia alsamawiتحقق ظاهرة التکرار في النصّ الأدبي الجانبين المهمين: الجانب اللفظي والجانب المعنوي. يخلق التكرار في الجانب اللفظي جواً موسيقياً متناسقاً، كما يودّي في الجانب المعنوي إلى التوكيد في المعنى وإبرازه فى معرض الوضوح والبيان.

إن التكرار عنصر من عناصر البلاغة اهتم به الشعراء العرب المعاصرون اهتماماً بالغاً، ومن بينهم الشاعر العراقي المقيم في استراليا يحيى السماوي الذي نشر ديوانه بعنوان "قليلكِ .. لا كثيرهُنّ" وفيه مايتعلق بزوجته الفاضلة وهموم وطنه الأصلي الذي لم ينفك مصدر آهاته ونفثاته وآلامه وذكرياته...

تهدف هذه المقالة إلى تحليل التكرار والأسلوبية الجماليّة وأنماطه في ديوان يحيى السماوي التي تمثلت في تكرار الألفاظ "تكرار الكلمة المفردة، الكلمات الطبيعة، المقابلات والضمائر"، وتكرار العبارات "تكرار الجملة المستقلة، تكرار عنوان القصائد، تكرار الأساليب المتنوعة، تكرار التركيب الاستفهامي والندائي " مستعيناً بالمنهج الوصفي- التحليلي. ومن النتائج التي توصلنا إليها أنّ الديوان يعكس هموم الشاعر والآلام الصادقة على نفسيته في فراق العراق خلال جمالية التكرار الذي شكّلت لُحمة الديوان. فثمّة تناغم واضح بين أسلوب التكرار ومحتواه.

الكلمات الأساسية: يحيى السماوي، قليلكِ...لا كثيرهُنّ، الشعر العربي المعاصر، أسلوب التكرار.

 

1. المقدمة

إن الموسيقى عنصر أساسي من عناصر الشعر منذ قديم الزمن. كما قال سيد قطب في تعريف الشعر: «الإيقاع المنغم المقسم في الشعر يجعله مصاحباً للتعبير الجسدي بالرقص عن الانفعلات الحسية، كما يجعله أقدر على تلبية التعبير الوجداني بالغناء»(قطب،2003م: 62). «لايوجد شعر بدون موسيقى، يتجلّى فيه جوهره وجوّه الزاخر بالنغم. والموسيقى تؤثّر في أعصاب السامعين ومشاعرهم بقواها الخفيّة التي تشبه قوى السحر ... حتّى إذا فزعت موسيقى الشعر مسامعنا أخذت زمر إحساساتنا ومشاعرنا تتجانس معها وتتشاكل» (ضيف،1999م: 28).

فالموسيقى في الشعر ليست حلية خارجية تضاف إليه، وإنما هي وسيلة من أقوى وسائل الإيحاء، وأقدرها على التعبير عن كل ما هو عميق وخفي في النفس مما لا يستطيع الكلام أن يعبر عنه(عشري زايد،2008م: 154). فإنّ للموسيقى وظيفة خاصة تتجلى لنا فيها المعاني وأحاسيس الشاعر. يقسم النقاد والباحثون الموسيقى على قسمين: الأول: الموسيقى الخارجية التي تتشكّل من الوزن، والقافية، وتجمع الحروف . الثاني: الموسيقى الداخلية وهي التي تتجلى في صور مختلفة كالتكرار والمحسنات اللفظية.

بما أنّ خاصية التکرار من الخصوصيات الجمالية التي أضفت علی القصائد الحداثية إيقاعاً تکاملياً تفاعلياً في تحقيق النغم الموسيقي الذي غاب عن القصائد الحداثية؛ وإن التکرار يکون عنصراً جوهرياً في تماسک القصيدة وتفعيلها إيقاعياً فلابد أن يتغلغل في ثناياها وبواطنها النفسية والدلالية (شرتح 2011م: 157). هذا البحث محاولة هادفة إلى دراسة جمالية التكرار في ديوان" قَليلكِ … لا كثيرهُنَّ" ليحيى السماوي بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي ضمن الإجابة عن السؤالين التاليين:

1. ما هي أهمّ السمات البارزة لأسلوب التكرار في ديوان يحيى السماوي؟

2. ما هي أهمّ المؤثرات الفکرية والإجتماعية وراء أسلوب التكرار الشعري ليحيى السماوي؟

 

2. الدراسات السابقة

لقد كُتبت حول يحيى السماوي كتب ومقالات عديدة قيّمة نخصّ منها بالذكر:

1. كتاب «موحيات الخطاب الشعري دراسة فی شعر يحيی السماوي» لعصام شرتح. وهو يسعى إلى فتح مغاليق تجربة السماوي الشعرية والدخول إلى أعماقها من خلال التتبع الدقيق للنصوص الشعرية.

2. كتاب «آفاق الشعرية دراسة في شعر يحيى السماوي» لعصام شرتح. وهو يسعى إلى تبصير القرّاء بتجربة شعرية متميزة وصوت شاعري عظيم من العراق الشقيق.

3. كتاب «تجليات الحنين في تكريم الشاعر يحيى السماوي» في مجلدين لماجد الغرباوي. يشتمل الكتاب على عدة أبواب: دراسات نقدية، مقالات ورؤى وانطباعات، حوار مفتوح مع الشاعر اشتمل 80 سؤالا منوعاً... .

4. كتاب «تجربة العشق والإغتراب فی ديوان قليلک لاکثيرهنّ» للدكتور محمد جاهين بدوي. يدرس الكاتبُ المحاور الرؤيوية العامة في الديوان منها: تجربة عشق الوطن وتجربة العشق الأنثوي. كما يقول بدوي: هذه المحاولة تكشف عن رؤيته الشعرية وأبعاد تجربته النفسية. بينما نقوم بتحليل التكرار وأسلوبيته الجماليّة وأنماطه في ديوان السماوي.

5. مقال لرسول بلاوي ومرضية آباد بعنوان «استدعاء شخصية الإمام الحسين "ع " في شعر يحيى السماوي» هذ البحث يرصد استدعاء شخصية الإمام الحسين ودلالتها في تجربة الشاعر.

6. مقال ليحيى معروف وبهنام باقري بعنوان «عناصر الموسيقي في ديوان نقوش على جذع نخلة ليحيى السماوي» هذا المقال يدرس الموسيقى الداخلية والخارجية. ومقال آخر لمرضية آباد ورسول بلاوي بعنوان «دلالات الألوان في شعر يحيى السماوي» في مجلة إضاءات نقدية، هذا المقال يتناول الألوان ودلالاتها في شعر السماوي.

7. هناك مقالات عديدة حول جمالية التكرار في شعر العربي المعاصر منها: مقال لجهانكير أميري وفاروق نعمتي بعنوان «أسلوبية التكرار في التعبير عن شعور الاغتراب"شعر سيد قطب نموذجا"» هذا البحث يدرس أسلوبية التكرار الكثيف في شعر سيد قطب.

لا شك أن كل البحوث والدراسات التي تمّت حول الديوان تكون ذات قيمة وفائدة تمهد الطريق للباحثين كما استفدنا منها نحن واعتمدنا عليها في إعداد هذه المقالة، لكن لم تفرد دراسة مستقلة تدرس أهم ظواهر التكرار في ديوانه هذا. فتحاول هذه المقالة أن تكشف جماليات مظهر من مظاهر الموسيقى الداخلية الذي اتسم به شعر يحيى السماوي ألا وهو التكرار بأشكاله المتنوعة ومستوياته المتعددة في ديوان "قليلكِ... لاكثيرهُنّ"، من تكرار الألفاظ، والمتقابلات، والجمل والتراكيب المتنوعة، .... وإبراز دور جماليته في البنية الإيقاعية والدلالية في الديوان.

تأتي أهمية هذه الدراسة من خلال محاولة قراءة النص الشعري عند يحيى السماوي، لتكشف عن دوافع الشاعر وراء اختيار أسلوب التكرار كأسلوب متميز متسلط على ديوانه " قَليلكِ … لا كثيرهُنَّ"

 

3. الإطار النظري

3-1. الأسلوبية(Stylistics)

إنّ مصطلح الأسلوبية لم يظهر إلا في بداية القرن العشرين مع ظهور الدراسات اللغوية الحديثة(خفاجي الآخرون،1992: 11). أصبح مصطلح "الأسلوبية" يطلق على منهج تحليلي للأعمال الأدبية، يقترح استبدال "الذاتية" و"الإنطباعية" في النقد التقليدي بتحليل "موضوعي" أو "علمي" للأسلوب في النصوص الأدبية(المصدر نفسه:12).تبحث الأسلوبية عن الخصائص الفنية الجمالية التي تميز النص عن آخر أو الكاتب عن كاتب آخر من خلال اللغة التي استخدمها وتحاول الإجابة عن هذا السؤال: كيف يكتب الكاتب نصاً من خلال اللغة؟ وهي بوجه عام تدرس النص وتقرؤه من خلال لغته وما تعرضه من خيارات أسلوبية على شتى مستوياتها: نحوياً ولفظياً وصوتياً وشكلياً (المسدي،1984: 36).

يقول بالی: إن الأسلوبية علم دراسة العوامل المؤثرة في اللغة ولهذا توسع في المفهوم فشمل كل ما يتعلق باللغة من تكرار الأصوات والصيغ والكلمات والتراكيب وتداخل مع علم الأصوات والصرف واللفاظة والدلالات والتراكيب (بلوچی،2004: 5). بما أن التكرار من أهم المكونات التي يقوم عليها يحيى السماوي خلال نصّه الشعري، ليكشف به من دلالات نفسية عميقة. نرى أنّه من الأنسب أن نتطرّق في البداية إلى التكرار وجماليته كحقل من الحقول المعرفية في إطار الدراسات الأسلوبية.

 

3-1-1. التکرار

إن التكرار إحدی الأدوات الأسلوبية والآليات التعبيرية التي باستطاعتها كشف أغوار النص، وبواسطتها نتعمق في ما وراء ذاته، واستجلاء مختلف الأحاسيس والمشاعر، الحبيبة في نفس المبدع، إنه إحدى المرايا العاكسة لكثافة الشعور المتراكم زمنيا عند الذات المبدعة، يتجمع في بؤرة واحدة ليؤدي أغراضا عديدة (حني،2012م: 9). وهو بعبارة أخری إلحاح علی جهة هامة في العبارة يُعنى الشاعر بها أکثر من عنايته بسواها، ليسلط الضوء علی نقطة حساسة فيها مرتبطة بدلالات نفسية عميقة (الملائکة، 1997م: 276). إذن التکرار من الوسائل اللغوية التي يمکن أن تؤدي في القصيدة دوراً تعبيرياً واضحاً، فتکرار لفظة ما، أو عبارة ما، يوحي بشکلٍ أولي بسيطرة هذا العنصر المکرر وإلحاحه علی فکر الشاعر أو شعوره أو لا شعوره، ومن ثمَّ فهو لا يفتأ ينبثق في أفق رؤياه من لحظة لأخری، وقد عرفت القصيدة العربية منذ أقدم عصورها هذه الوسيلة الإيحائية (عشري زايد، 2008م: 58).

التكرار يؤدي إلى أن يولد من جديد عند شعراء القصائد الحرّة لما يحتوي عليه من إمكانيات تعبيرية يستطيع أن يغني المعنى إلى درجة الأصالة، وذلك إن استطاع الشاعر أن يسيطر عليه سيطرة كاملة ويستخدمه في موضعه دون أن ينزلق به في اللفظية المبتذلة(الملائكة،1977م: 263-264). كان ذلك كلّه من أجل خصائص إيجابية للشعر الحرّ في النزوع إلى الواقع وإلى الاستقلال والنفور من النموذج، والهرب من التناظر وإيثار المضمون(المصدر نفسه: 56-65). فتمكن أسلوب التكرار من هذا المنطلق، بصورة عامة، من أن يهدف إلى استكشاف المشاعر وإلى إبراز الإيقاع الدرامي(عيد،1985م: 60).

من هنا يمكن القول إن بنية التكرار في القصيدة الحديثة أصبحت تشكل نظاماً خاصاً داخل كيان القصيدة، يقوم هذا النظام على أسس نابعة من صميم التجربة ومستوى عمقها وثرائها، وقدرتها على اختيار الشكل المناسب الذي يوفر لبنية التکرار أكبر فرصة ممكنة لتحقيق التأثير، من خلال فعاليته التي تتجاوز حدود الإمكانات النحوية واللغوية الصرف، لتصبح أداة موسيقية ودلالية في آن معاً (عبيد، 2001م: 188).

 

3-1-2. جمالية التكرار

والحقيقة أن التكرار أسلوب يتحصن بمختلف القدرات التعبيرية التي من شأنه توافرها في أي أسلوب تعبيري آخر، فهو يغني المعنى ويرفعه إلى مرتبة الأصالة. التي تزيد قوته وترسخ في فكر المتلقي يمنحها ثقلا معنويا، وأداء متميزا مشحونا بالعمق والتوالد الفكري (حني،2012م: 9). من المعاني ما يکون للتشوق والاستعذاب في التغزل أو النسيب، وما يكون على سبيل التنويه بالمذكور والإشارة إليه في المدح، وما يكون تفخيماً لاسم الممدوح في القلوب والأسماع، وما يكون على سبيل التقرير والتوبيخ، وما يدور على سبيل التعظيم للمحكي، وما يدور على جهة الوعيد والتهديد إن كان عتاباً موجعاً، وما يكون على وجه التوجع في الرثاء، وما يكون على سبيل الإستغاثة، أو على سبيل الشهرة، أو التوضيع، أو الازدراء، والتهكم والقصص و... هو التكرار(القيرواني،د.ت،ج2: 74-76).

الظاهر أنّ الدلالة الشعورية هي أهمّ دلالة وأصعبها يحملها اللفظ المكرر في الشعر الحديث لأنّ تكراره يهدف إلى استكشاف المشاعر الدفينة وإلى الإبانة عن دلالات داخلية ويعدّ التكرار أحد المنافذ التي تفرغ هذه المشاعر المكبوتة. من ثمّ يجيء التكرار في سياق شعوري كثيف يبلغ أحياناً درجة المأساة(الملائكة،1977م: 287). فإن دور التكرار فيها متعدد، وإن كان الهدف منه فى جميع مواضعه، يؤدى إلى تأكيد المعاني، وإبرازها فى معرض الوضوح والبيان (إبراهيم، 1992م: 322). التکرار يحقق للنصّ جانبين مهمين: الأول: يتمثل في الحالة الشعورية التي يضع – من خلالها الشاعر نفسه – المتلقي في جو مماثل لما هو عليه، والثاني: الفائدة الموسيقية، بحيث يحقق التكرار إيقاعاً موسيقياً جميلاً، ويجعل العبارة قابلة للنمو والتطبيق، وبهذا يحقق التكرار وظيفته، كإحدى الأدوات الجمالية التي تساعد الشاعر على تشكيل موقفه وتصويره؛ لأنّ الصورة الشعرية على أهميتها ليست العامل الوحيد في هذا التشكيل(شرتح،2011م: 163).

 

3-2. السيرة الذاتية ليحيى السماوي

هو يحيی عباس عبود السماوي، وُلِد بمدينة السماوة بالعراق في السادس عشر من مارس 1949 م، يُعتبر من روّاد الشعر العربي الحديث، امتلک ناصية الشعر في وقتٍ مبکر. تخّرج في کلية الآداب جامعة المستنصرية عام 1974 م، ثمّ عمل بالتدريس والصحافة والإعلام، استهدف بالملاحقة والحصار من قبل البعثيين في النظام الصدامي حتی فرّ إلی السعودية سنة 1991م، واستقرّ بها في جدة حتی سنة 1997م يعمل بالتدريس والصحافة، ثم انتقل مهاجراً إلی استراليا ؛ وبها يقيم حتی کتابة هذه السطور (الغرباوي،2010م: 155). أصدر السماوي لحد الآن أکثر من واحد وعشرين ديواناً شعرياً وكتابين نثريين کديوان "قليلك... لاكثيرهنّ".

 

3-2-1. ديوان "قليلك... لاكثيرهن"

قليلُك... لا كثيرهنّ هو الديوان قبل الأخير في سياق الإصدارات الشعرية زمنيّاً ليحيى السماوي في منفاه. والديوان من حيث الشكل والقالب الفني يضمّ إحدى وعشرين قصيدة، منها الإهداء، فهو عبارة عن قصيدة مستقلة، وهذه القصائد تتراوح بين الشكلين: التقليدي الأصيل ذي الشطرين والتفعيليّ، وإن غلب الشكل التفعيليّ من الناحية الكمية، فقد استغرق هذا الشكل ستّ عشرة قصيدة، واستغرق الشكل الأصيل خمس قصائد طوالاً، كما تراوحت رؤية الشاعر في هذا الديوان بين تجربة عشق الحبيبة/الوطن، والحبيبة المرأة، وتجربة معاناة النفي والإغتراب، مصطبغة كل تلك النماذج بغنائية عذبة، ووجدانية رقراقة تفيض بها تضاعيف قصائد عامة (المصدر نفسه: 157). سنحاول خلال هذه المقالة عرض أهمّ أنماط التكرار وتتبع أثارها الجمالية في ديوان"قليلك ..لاكثيرهنّ".

 

4. القسم التحليلي

4-1. تكرار الألفاظ

تمتلک الألفاظ المفردة – من قبل أن توضع في بناء لغوي – طاقات إيحائية خاصّة، يمكن إذا ما فطن إليها الشاعر ونجح في استغلالها أن تقوي من إيحاء الوسائل والأدوات الشعرية الأخرى وتثريه(عشري زايد،2008م: 51). يستخدم السماوي تكرار الألفاظ في الديوان بصورة مختلفة. الرسم التالي يتبين ذلك بصورة واضحة:

 

الرسم الأول: تكرار الألفاظ

4-1-1. الكلمة المكررة

وهو ما تطلق عليه نازك الملائكة اسم التكرار البسيط (الملائكة،1977م: 264). من تكرار الكلمة قوله: في قصيدة"جبل الوقار":(السماوي،2007م: 28-29)

غريبُ... والهوى مثلي غريبٌ         ورُبّ هوىً بمغترب عقابُ

كلانا جائع والزاد جمرٌ                   كلانا ظامىءٌ والماء صابُ

كلانا فيه من حزن سهولٌ               وأوديةٌ... ومن ضجرٍ هضابُ

كأنّ لقلبه عقلاً.. وقلباً                   لعقلٍ فهو سحٌ وانسيابُ

نحس بمدى سيطرة الغربة على نفسه وفكره حتى يكرّر هذه الألفاظ "غريب، الهوى، كلانا، قلب، عقل". لأنّ تكرار هذه الكلمات ينبعث من أعماقه فهو لايسأم تكرارها. التكرار هو الوسيلة الأساسية التي يستطيع السماوي أن يبيّن لنا مدى علاقته النفسية بالعراق وحنينه إليها. يلعب السماوي مع الكلمات بصورة تثير عواطف المتلقي ك(كأنّ لقلبه عقلاً وقلباً لعقل).

يقول السماوي في قصيدة"يحدث في خيالي"

سيدة النساء يا مسرفة الدلالِ/ لاتأخذي بما يقول عاشقٌ/ في لحظة انفعالِ/ سيدة النساء يا مسرفة الظنون/ سيدة النساء... (المصدر نفسه: صص53-61)

يمكن القول أن نعتبر تكرار "سيدة النساء" تعبيراً عن حبيبته أم الشيماء أو وطنه، لأنّ الشاعر يمزج بينهما حيث لايستطيع القراء تمييزهما في الديوان، على أية حال تكرار هذه الألفاظ يدلّ على حبّه الخالص والحالات النفسية الحزينة في منفاه تجاه الحبيبة/ الوطن. كما تتكرر كلمة"خيالي" حتّى نهاية القصيدة ثلاث عشرة مرة.

كما يقول في قصيدة "كأنّي أطالب بالمستحيل":

وأن لايؤول العراق/ وأن لا يعود العراقُ/ سرير الطواغيت.... (المصدر نفسه:72-73)

كلمة "العراق" من أبرز الكلمات التي يستخدمها الشاعر في قصائده مباشرة ورمزية من خلال الألفاظ ك"نخل، فرات و...". هو كرّر لفظة "العراق" ليكشف عن حنين كامن في صدره ويدلّ على سيطرة العراق على مشاعره وشدة حنين الشاعر إلى بلده.

يقول في قصيدة "طرقنا بابكم فأجاب صمت":

أما لبعيد هودجكم قدومُ؟         يتيم بعدكم قلبي... يتيمُ (المصدر نفسه:33).

تكرار كلمة "يتيم"في هذا البيت يدلّ على وحدة الشاعر في منفاه وغربته من وطنه. فاستخدام السماوي تكرار اللفظة المفردة خلال الديوان كثيراً يؤدي إلى الوحدة الموضوعية والعضويّة في القصائد. تتجلى لنا صورة حزينة وصادقة من شعوره في فراق وطنه العراق التي يعبّر عنها خلال هذا الأسلوب. ويجسد نفثاته وآلامه وذكرياته تجاه العراق التي يؤدي إثارة المتلقي في بناء مستقبل البلد.

فهو من خلال التکرار يستطيع تأکيد فکرته المسيطرة علی أفكاره وشعوره، ويؤدي الى تشکيل الموسيقی الداخلية في القصيدة التي تتناسق مع غاياته. كما قال الدكتور عصام شرتح: لقد امتازت قصائد السماوي بجمالية اختيار الكلمة لتكون في موضعها المناسب لها؛ فالتكرار في قصائده ليس عشوائيا أو اعتباطي الرؤية أو التشكيل؛ وإنما هي مهندسة منسجمة؛ منسقة في موضعها الملائم لها؛ وهذه الخصيصة هي التي تجعله الشاعر الجمالي أو لنقل الشاعر الفنان القادر على إصابة الهدف الشعري من وراء اختيار تكرار الكلمة في السياق الذي ترد فيه، هو الذي يجعل نصوصه عالية المستوى؛ قادرة على استقطاب القراء بأسلوبها الجمالي، وحنكتها التصويرية، وملمحها العاطفي المثير(شرتح،2011م: 41).

 

4-1-2. تكرار الضمائر

ومن الأساليب اللغوية في ديوان يحيى السماوي والملفتة للنظر، أنّه كثيرا ما كان يستخدم ضمير المتكلّم في التعبير عن ذاته. يقول في قصيدة "أربعة أرغفة من تنور القلب":

أملؤها بكوثر الأماني/ وبالتسابيح التي/ تفيض من قلبي على لساني/ بنيتُ في خيالي/ مئذنةً.../ وملعباً طفلاً../ وطرزتُ الصحارى بالينابيع التي تجول/ في غابات برتقالِ.../ وعندما غفوتُ تحت شُرفة ابتهالي/ شعرتُ أن خيمتي حديقةٌ/ وأنّني سحابة/ رسمتُ بالإشارةْ/ نسجتُ للكوّة في الجدار/ من هدب المُنى ستارةْ/ وقبل أن أنام في كوخي على وسادةٍ حجارةْ/ دوّنتُ في دفتر عمري هذه العبارةْ ... (السماوي،2007م: 95-96 ). كما يقول في قصيدة "خُسر":

الوطن استراح مني../ وأنا استرحتُ.../ لأنّني/ منذ تمرّدتُ عليه/ متُّ (المصدر نفسه: 98)

اعتمد السماوي في هذه الابيات على تكرار ضمير المتكلم ليعكس إلحاح الشاعر للتأكيد على تفرده وتميزه حتى في فراق وطنه. لأنّه يعبّر بضمير المتكلم عمّا يختلج من المعاني عند الأديب. فيركز السماوي عليه لبيان حقده النفسي تجاه الطغاة ومحتلي وطنه الذي مازال مصدر آلامه ومأساته. تكرار الضمير في الأبيات يمنحها تتابعاً شكلياً.يكمننا أن نستنتج أنّ الشاعر في خياله هو الفاعل والمسيطر فيمكنه أن يفعل ما يريد.

 

4-1-3. تكرار كلمات الطبيعة

من أهمّ خصائص هذا الديوان لجوء الشاعر إلى تكرار كلمات طبيعة العراق حيث يقرأ القراء قصائده كأنّه في طبيعة العراق. على سبيل المثال يملأ الشاعر قصيدة "يحدث في خيالي" من هذه الكلمات:

هل يزعل العصفور من سماحة البيدر؟/ والزهر من الربيع؟/ والنسر من الأعالي؟/ يحدث أن أقيم جسر الودّ/ بين الشاة والذئب/ وبين الضبع والغزالِ/ بيننا نهران من ضحك/ ومن بكاءْ/ وحقل ياسمين/ تشكو سواقيه احتراق الماءْ (السماوي،2007م: 53-62).

يجسد السماوي طبيعة العراق من خلال تكرار الكلمات ك ""العُشب، الجبال، العصفور، سماحة البيدر، الزهر، الربيع، النسر، حديقة، السهول الخضر، بستان البرتقال، ذئاب، النوق العصافيرية، الغزلان، جِمال، ابحار، الموج، رمال، الطيور، الجراد، بساتين الفراتين، الحقول، الشاة، الصقر، الضبع، الطواويس، نهران، حقل ياسمين، سواقيه و...". ويظهر في قوله متغنيا بالطبيعة العراقية عبر هذه الألفاظ التي تدلّ علي حبّه تجاه الوطن. كما تتكرّر في قصيدة "حين تكونين معي" الكلمات " الربيع، الورد، الضفاف، المياه، العشب، الطير، الأشجار، الأمطار، البحار، لؤلؤ و... . نرى في هذه القصيدة أمله إلى المستقبل. وفي قصيدة"غيثان: تكرار الكمات كـ " طائر العشب، غصن اليباب، الذباب، بساتين، الذئاب..." يرجع إلى رومانسية الشاعر. كما يقول الدكتور يحيى معروف "لو تصفحنا المجاميع الشعرية لشاعرنا يحيى السماوي، لوجدنا مجموعة ضخمة من قصائده مليئة بالحبّ والهيام، حيث يمكننا أن نسميه شاعر الحبّ والرومنسية"(معروف،1433: 4).فقد اعتمد السماوي على الإستعارة التشخيصية للكشف عن أحاسيسه بما حوله من الطبيعة، فتفجر هذه التصاوير في أعماقه من الحقد على المحتل الذي ينسّق بين أفكارا وأحاسيسه المضطربة وتناغماً بين الصور الشعرية والموسيقى. لأنّ الشعر لا يكون الا بالنسيج والتأليف بين الفكرة والعاطفة والصورة والموسيقى اللفظية (عجلان،1989م: 142).

تكرار التشخيص يرسم لوحات إستعارية جميلة مختلفة في أشعاره الرومانسية. فيضفي السماوي على هذه الاستعارات المكنية الصفات البشرية. نلاحظ كيف يتمثّل السماوي تجليات همومه في مظاهر الطبيعة؛ وهذا يدلُّ علی التناسب بين مضمون القصائد وصور الطبيعة التي تشير إلى ظلم الطغاة. قال علي عشري زايد: "حيث كان من نزعات الرومانسيين الواضحة الهرب إلى الطبيعة، والامتزاج بها فراراً من فساد المجتمع وما يموج به من ظلم وشرور، وكثيراً ما كانوا يجعلون الطبيعة تشاركهم عواطفهم الخاصة، فيسقطون عليها أحاسيسهم، ويشخصون مظاهرها المختلفة"(عشري زايد،2008م: 76).

 

4-1-4. تكرار المقابلات

ميسم من أبرز المياسم الأسلوبية التي تميز شعر السماوي بصفة عامة، وتعدّ محوراً تشكيلياً مهماً ترتكز عليه آلياته وطرائقه التعبيرية في هذا الديوان بنوع خاصّ، ألا وهو ميسم "المقابلة" بوصفها مسلكاً تعبيرياً وعنصراً تشكيلياً أثيراً يوظّفه الشاعر – في براعة واقتدار فنيين – لينقل إلينا مدى ما يعتمل بوجدانه من إحساس حادٍّ وعميق بالمفارقات في شتى صورها، ومتنوّع مجاليها (الغرباوي، 2010م: 180). على سبيل المثال في قصيدة "ستسافرين غداً":

"ريثما تخضرُ صحرائي/ بوقع خطى إيابك"/ إنّي ليغنيني قليلُك عن كثير الأُخريات (السماوي،2007: 23).

كما في قصيدة "يحدث في خيالي":

وأسرج الخضرة في القفار/ حتى تستحيل جنّة أرضيّة/ضاحكة السلالِ../ يحدث أن أقيم جسر الودّ/ بين الشاة والذئب/ وبين الصقر والعصفور/ بين الضبع والغزالِ/ بين ضفاف الأرض والسماءْ/ جسر من اليقينْ.../ وبيننا نهران من ضحك/ ومن بكاءْ/ وحقل ياسمينْ/ تشكو سواقيه احتراق الماءْ (المصدر نفسه: 59).

يرتبط بين معاني المقابلات ويجعلها متلاحقة متواترة، ويكون تكرار المقابلات من أبرز خصائص هذا الديوان الذي يُثير شعبه على الثورة ضد المحتلين. كما يعبّر عن التوتر النفسي والشعوري الذي يعانيه السماوي ويولّد الإيقاع في أشعاره إلى جانب التوكيد في المعنى.

ويجمع الشاعر بين هذه المتقابلات على أساس الإنزياح. لأنّ "رصد ظواهر الإنحراف في النصّ يمكن أن تعين على قراءته قراءة استبطانية جوانية تبتعد عن القراءة السطحية والهامشية، وبهذا تكون ظاهرة الانحراف ذات أبعاد دلالية وإيحائية تثير الدهشة والمفاجأة، ولذلك يصبح حضوره في النص قادرًا على جعل لغته لغة متوهجة ومثيرة تستطيع أن تمارس سلطةًعلى القارئ من خلال عنصر المفاجأة والغرابة. كما يعكس قدرة كبيرة عند المبدع على استخدام وتفجير طاقاتها وتوسيع دلالاتها وتوليد تراكيب جديدة لم تكن دارجة أو شائعة في الاستعمال"(محمد الزيود،2007م: 4). فقد استطاع تكرار ظاهرة الانزياح تقديم إمكانيات دلالية متنوعة ليحقق مزيداً من الجمالية وإثراء القصيدة من النواحي الايحائية. يدلّ على عمق أفكار السماوي لتغيير أوضاع المجتمع بأشكال متنوعة.

 

4-2. تكرار العبارات

هذا النمط من التكرار موجود بكثرة في القصائد المعاصرة، ويكون بتكرار عبارة بأكملها في جسد القصيدة. وإذا جاء هذا النمط في بداية القصيدة ونهايتها فإنّه يساعد على تقوية الإحساس بوحدتها، لأنّه يعمل على الرجوع إلى النقطة التي بدأ منها. كما تقول دهنون أمل نقلاً عن محمد لطفي اليوسفي «إنّها تمكّن القصيدة من العودة إلى لحظة البدء أي لحظة الولادة»(أمل،2008: 8). قسمنا تكرار الجملة إلى قسمين: اولاً: تكرار الجملة بأكملها: تكرار الجملة المستقلة في القصائد وتكرار العنوان في القصائد، ثانياً: تكرار التراكيب المتنوعة. والرسم التالي يبين ذلك بصورة واضحة:

 

الرسم الثاني: تكرار العبارات

4-2-1. تكرار الجملة بأكملها

4-2-1-1. تكرار الجملة المستقلة

يقول السماوي في قصيدة "تضاريس قلب":

لكي أكون مؤهلاً للحبّ/ في الزمن الجديد/ كيما أكون مؤهلاً للعشق/ والصبّ التقيا (السماوي،2007م: 12-14).

يدلّ التكرار لجملة " أكون مؤهلاً " على أنّه مازال يعشق وطنه وليس لحبّه بديلٌ. كما يقول السماوي في قصيدة "تماهي":

بينك والعراقْ/ تماثل .../ كلاكما يسكن قلبي نسغ احتراقْ.../ وها أنا بينكما*** بينك والفرات/ آصرة.../ كلاكما يسيل من عينيّ/ كلاكما صيّرني أمنية قتيلة/ كلاكما مئذنةٌ حاصرها الغُزاة../ ها أنا بينكما*** بينك والفرات/ قرابةٌ.../ كلاكما ينام في ذاكرة العشب/ كلاكما أثكله الطغاة والغزاة/ ها أنا بينكما*** ... (المصدر نفسه: 15-19).

كرّر السماوي في هذه القصيدة جملة "ها أنا بينكما" ثلاث مرات حيث يختم كل مقطع بتكرار الجملة وهي الترکيب الغالب على نحو لافت في القصيدة. إنّ تكرار هذه العبارات يعبّر عن حجم الآلام التي يعيشها السماوي في منفاه. تولّد جمالية التكرار في هذه الأبيات إيقاعاً وجرساً خاصاً يتلاءم مع مضامين القصائد. ينظر السماوي الى وطنه كمعشوقة ويجمع بينهما في الديوان.

كما قال محمد جاهين بدوي: "تأتي تجربة عشق الوطن في مقدمة طيوف المشهد في "قليلك... لاكثيرهنّ" تلك التجربة التي يتماهى فيها الوطن مع الحبيبة، ويتشكّل عبر رسومها، ويتبدّى في قسماتها، وتغدو الحبيبة كذلك من بعض وجوهها، وفي بعض تجلياتها الروحيّة وطناً للنفس، وسكناً للفؤاد، وإنّهما ليتماهيانِ، ويغدو أحدهما معرضاً تتجلّى على صفحته صورة الآخر في تواشج رؤيويّ حميم حتى يصيرا في مخيلة الشاعر شيئاً واحداً، ما ذاك إلا لحنينه المحرِّق إليه، وشدة إحساسه باغترابه عن ذاك الوطن"(بدوی، 2010: 158).

 

4-2-1-2. تكرار العنوان في القصائد

العنوان رسالة لغوية – بالمفهوم السيميائي - تعرّف بتلك الهوية وتحدّد مضمونها، وتجذب القارئ إليها، وتغريه بقراءتها، وهو الظاهر الذي يدلّ على باطن النصّ ومحتواه(رحيم،2008م: 10). العنوان أكبر ما في القصيدة، إذ له الصّدارة ويبرز متميزاً بشكله وحجمه، فهو لافتة دلالية ذات طاقات مكتنزة، ومدخل أوّلِيّ لا بدّ منه لقراءة النصّ(المصدر نفسه:9-10). تكون عنوان القصائد في شعر يحيى السماوي بمثابة المرآة الصافية التي تعكس أفكار الشاعر ويكون ذا علاقة وطيدة مع نفسية الشاعر بحيث تجسّد لنا مضمون القصيدة قبل قراءتها خلال الإيحاءات السيميائية. يقوم الشاعر بتكرار عناوين القصائد بصورة مكررة. والجدول التالي يتبين ذلك بصورة واضحة:

 

الجدول1: تواتر العنوان في ديوان"قليلك...لاكثيرهن"

عنوان القصائد      عدد تواترعنوان فی القصيدة

ستسافرين غداً؟               2

يا جبل الوقار                 2

في آخر العمر               8

يحدث في خيالي           5

كأنّي أطالب بالمستحيل   3

أين ستهربين من حبّي   3

حين تكونين معي         6

مثلث السلطة             2  

طرقنا بابكم فأجاب صمتٌ 2

ماعدتِ سرّاً               2

ياصاحبي                 2

جنون                     2

 

على سبيل المثال في قصيدة "آخر العمر":

في آخر العمر/ اكتشفتُ أنني غريرُ.../ في آخر العمر اكتشفت/ أنني الزاهد../ والمسرف.../ والصعلوكُ.../ واكتشفتُ أنّ زورقي/ أكبر من أن/ تستيطع حمله البحور.../ في آخر العمر اكتشفتُ/ أنّ كلّ وردةٍ حديقةٌ كاملةٌ/ كلّ كوخٍ وطنٌ/ في آخر اكتشفتُ/ أنّ قلباً دونما حبيبةٍ/ مبخرةٌ ليس بها بخورُ.../ في آخر العمر اكتشفت/ أنّ لي طفولة ضائعة/ جاء بها حبّك/ في آخر العمر اكتشفت/ أنني سادنك الناسك.. والخفير/ أركض في روضكِ/ في آخر العمر اكتشفتُ/ أنني طفلك يا سيدتي الطفلة/ طفلٌ عاشقٌ... (السماوي،2007: 37-42).

يتبين السماوي لنا ما يختلج في نفسيته صريحاً حتى يرسم في خياله لوحات تشكيلية من الوطن والعمر وطفولته. يؤكد فكره مستعيناً بالتكرار حيث يستهل كل مقطع بتكرار عنوان قصيدة "في آخر العمر اكتشفتُ". يمتزج بين العناوين وقصائده؛ لأنّ تكرار العنوان عنصر فعَّال في تكوين أشعار السماوي، فهو يهتم بالعنوان حيث يجعله النقطة "المركزية"، التي تتمحور حوله القصيدة. كما فعل في قصيدة " آخر العمر"، الذي يكرر العنوان فيها ثمان مرات.

فالشيء الذي له دور محوري في الفهم العميق لأشعار السماوي هو العنوان. فثمّة تلاؤم واضح بين عنوان القصائد ومحتواها. كما قال الغرباوي نقلا عن جاسم خلف الياس: عند تتبعنا العناوين في شعر السماوي وجدنا صحة ما ذهبنا إليه، إذ أن ثنائية الوطن والمنفى قد انعكست في اغلب العناوين تعبيراً عن الإحساس بالغربة عن الذات والمكان(الغرباوي،2010م: 45).

 

4-2-2. تكرار التراكيب المتنوعة

كما ذكرنا ظاهرة التکرار من الظواهر الأسلوبية الهامّة في الشعر العربي المعاصر ولها دلالات معنوية تتخطى وجودها اللغوي. لكن التكرار فضلاً عن كونه خصيصة أساسية في بنية النص الشعري]فإن له[ دوراً دلالياً علی مستوى الصيغة والتركيب المتنوعة فهو أحد الأضواء اللاشعورية التي يسلطها الشعر على أعماق الشاعر فيضيئها (راضي جعفر،1999م: 99). نرى هذه التراكيب في ديوان يحيى السماوي بصورة مختلفة ولافتة. نقصد بتكرار التراكيب المتنوعة، تكرار الأبيات في أسلوب النحوي الواحد.

 

4-2-2-1. تكرار أسلوب: الجار والمجرور + فعل المضاع + ....

يستفيد السماوي في قصيدة "إهداء" من هذا الأسلوب:

 

للطفل يحبو فوق أرصفة الكلام                         للطفل + يحبو + فوق أرصفة الكلامْ

للأمّ تحضنهُ.. تزقّ مكارم الأخلاق../ للصبح يغسل بالضياء الدرب من وحل الظلامْ/ للريح ينسج من حرير نسيمه بُرد المسرّة للأنامْ/ للريح قادت للثرى العطشان قافلة الغمامْ../ للحدائق تزدحم الخنادق../ للمستبدّ اختار أن يلقي السياط إلى الضرامْ/ للمارق انتبذ الخطيئة... (السماوي،2007م: 5-9).

تؤدي جمالية تكرار هذا التركيب دورا فنياً إيقاعيّاً في انسجام أبيات القصيدة من بدايتها إلى نهايتها. وتتجلّى لنا براعة الشاعر وعبقريته في بيان الحالة الشعورية المسيطرة على ذاته.

4-2-2-2. تكرار أسلوب" فعل مضارع + أن فعل مضارع + في + اسم

يستخدم السماوي هذا الأسلوب في قصيدة "يحدث في خيالي":

يحدث أن أشيّد في خيالي يحدث + أن أشيد + في خيالي

يحدث أن أجعل من عينيك/ يحدث أن أزرع في خيالي/ يحدث أن أنسج في خيالي/ يحدث أن أجعل من يديك في خيالي سوراً/ يحدث أن أسوق نحو بيتك/ يحدث أن تسافري يومين عني/ يحدث أن تزفّك البحار لي/ يحدث أن أكتب في خيالي/ يحدث أن يُجلسني خيالي/ يحدث أن أطهر الحقول من كلّ الجراد البشريّ في بساتين الفراتين/ يحدث أن أقيم جسر الودِّ/ يحدث أن أموت في خيالي/ يحدث أن أفيق من خيالي (المصدر نفسه: 53-63).

يكرر السماوي هذا التركيب في كلّ المقطع بمعانٍ جديدة ولكن كلّها تدور في النهاية حول محور واحد هو همومه تجاه الوطن. ويضفي على القصيدة انتظاماً خاصّاً لا يسأم القراء في قراءتها ويتلاءم مع نفسية الشاعر.

يستخدم الشاعر في قصيدة "حين تكونين معي" أسلوبين:

4-2-2-3. فعل المضارع + الفاعل + الجار والمجرور

يفرش الربيع لي سريره...                         فعل المضارع + الفاعل + الجار والمجرور

فينثر الورد على وسادتي/ تنسج الضفاف لي شذاه/ يظفر الصباح لي ضُحاه أرجوجة.../ يجلس الطير إلى مائدتي.../ تكشف الفصول عن أسرارها (المصدر نفسه:112-116).

4-2-2-3-1. كما يتكرر أسلوب: فعل المضارع + الجار والمجرور + الفاعل

يهرب من فصولنا الخريف   ...                   فعل المضارع + الجار المجرور + الفاعل

يسيل من ربابتي اللحن/ تفيق من سباتها الأمطار/ تخرج لي لؤلؤها البحار (المصدر نفسه: 112-116)

يكون السماوي في هذه القصيدة متفائلا إلى مستقبل العراق ويرسم هذه التفاؤل خلال تكرار لوحات تشكيلية يسجّل حنينه الزائد إلى العراق ويتذكّر جمال رؤيته في الخيال. كما يعتمد السماوي علی تكرار تركيب الجملة الفعلية التي تبدأ بالفعل المضارع. هذا يعبّر عن شدة حنين الشاعر إلى وطنه الذي جعل الزمن زمناً خيالياً لايخرج عن دائرة الحزن المستمرة. لأنّ الفعل المضارع يدلّ على التجدد والاستمرار.

فتكرار التراكيب طوال القصائد قد ولّد انسجاماً دلالياً وإيقاعياً بين المقاطع وحقق توازناً موسيقياً. ويوحي في طياته أبعاداً إيحائية تؤثر في المتلقي. تسهم في إيقاظ الوعيّ في نفوس الجماهير ضدّ المحتلين. شاهدنا أن يخلق تکرار التراکيب انسجاماً منظماً بين مقاطع القصائد المغزى الذي شكّل النواة الرئيسة للتراكيب ومضمونها هو تجسيد الحالة النفسيّة للشاعر إثر غُربته عن الوطن.

 

4-2-2-4. تركيب الاستفهام

ومن التكرار الاستهلالي تكرار اسم الإستفهام السؤال في بداية الأبيات، إذ يسهم في شحن الخطاب الشعري بقوة إيحائية وفتح المجال الدلالي أمام القارئ وتستدرجه إلى إكمال النص، وتجبره على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الخطاب وبذلك يستكمل النص عند الإجابة عنها(حني،2012م: 15). الاستفهام أسلوب من الأساليب الإنشائية الطلبية التي يستخدمها السماوي في الديوان ليعبّر عن أفكاره. على سبيل المثال في قصيدة "يا صاحبي":

هل للغصونِ من الجذورِ هروبُ ؟/ أطيارُهُ … ونخيلهُ مصلوبُ/" قومي هموُ قتلوا أُميمَ أخي" ولا/ ذنبٌ سوى أنَّ القتيلَ قريبُ/ مالي أبثّكَ يا نديمَ قريحتي/ شجَني وفيكَ من الهُمومِ سُهُوبُ ؟/ هل نحن إلا أمةٌ مغلوبةٌ/ رأتِ المَشورةَ ما يقولُ مُريبُ ؟/ ما نفعُ توحيدِ اللسانِ لأمةٍ/ إنْ لمْ تُوحّدْ أذْرعٌ وقلوبُ؟/ هي أمةٌ أعداؤها منها ... متى/ طارَ الجناحُ وبعضُهُ معطوبُ ؟/ من أين يأتينا الأمانُ و"بعضنا "/ لِعدوّنا والطامعينَ ربيبُ؟ هل نحن إلا أمةٌ مغلوبةٌ/ فإلى مَن/ يشكو العاشقُ المغلوبُ؟/ لا بدّ من غَرَقِ السفينِ إذا انبرى/ لقيادها "المنبوذُ" و"المجذوبُ" (السماوي،2007م: 82-92).

في هذا القصيدة يرتقي حزن الشاعر إلى ذروته؛ لأنّ يعتقد لن ينصره أحدٌ ويتبلور كلّ ما يعانيه من ألم في أسلوب الاستفهام إلى الشاعر احمد الصالح. لأنّ القصيدة تشير إلى الجرائم التي شوهت الوجه الناصع للمقاومة الوطنية المشروعة ويتضمن البيت الشهير:

قومي همو قتلوا أميم أخي         فأذا رميت اصابني سهمي

البيت اشارة إلى جريمة احتلال الكويت من قبل صدام. كما القصيدة تدلّ على جريمة دك المدن العراقية بساكنيها والتي تقوم بها قوات الأحتلال تحت ذريعة البحث عن بعض الأرهابيين. ويشير إلى زعيم عربي مفرط النرجسية وضع خطة ارهابية لأغتيال قائد عربي كان قد جند نفسه لخدمة الأمتين العربية والأسلامية .

كثيرا ما تكون بعض القيادات العربية السبب الجوهري لدمار شعوبها واحتلال أوطانها ولعل النظام العراقي السابق خير مثال(المصدر نفسه: 92). كثرة استخدام الاستفهام تجسد الرؤية الفكرية وهمومه الاجتماعية؛ لأنّه يعتقد "سيفُهُ معضوبُ" ولا ناصر له. ويعبر عن ظلم الحكام العرب وجورهم لهذا الشعب الذين يخضعون للأجنبي المستغل للأرض والشعب.

يستهل السماوي قصيدة "طرقنا بابكم فأجاب صمت" بسؤال كما نرى في النماذج التالية:

أما لبعيد هودجكم قدوم؟/ فيا أحبابنا هل من جديد؟

عاتبني فمي: أيجوز قتلي     على عطش.. وفي عيد أصوم؟

أ تغني الطير عن غصن منقوش     لتغنينا عن الوصل "الرسوم"؟ (المصدر نفسه: 63-68).

إنَّ كثرة التركيب الاستفهامي في الديوان يدلّ على الصراعات النفسية، التي يعاني منها الشاعر في المنفى؛ لأنّ الملمح الأسلوبي في هذا التكرار ان هذا الاستفهام التقريري لا يراد منه جواب جاء لتأكيد المعنى. أضفت هذه الأسئلة الطاقة الايحائية وتثير المتلقي للتأمل في مضمون القصيدة.

 

4-2-2-5. تركيب النداء

النداء أسلوب من الاساليب الإنشائية الطلبية، وفيه يتمّ تنبيه المنادى، وحمله على الإلتفات (المخزومي، 1986م: 289). فقد استخدم السماوي أسلوب النداء في ديوانه لبيان همومه في المنفى. على سبيل المثال يقول فی قصيدة "طرقنا بابكم فأجاب صمت":

ويا أحبابنا ما طول عمر     لنفس لا ترام ولا ترومُ؟

و يا أحبابنا هل كان يذكو     بغير حريقة الرّند السليمُ؟

ويا أحبابنا لو كان يُجدي       عتابٌ لانبرى قلبٌ هضيمُ

فيا أحباب باقي العمر هلاّ     تضاحك ليلنا منكم نجومُ (السماوي،2007م: 65-70)

من خلال هذه الأبيات يتجلى لنا أنّ السماوي اعتمد على تكرار الجملة الندائية التي يوحي واقعيته النفسية في فراق وطنه. لأنّه ينادي أحبته الذين خلفوا في قلبه بصمات حبّهم وذكرياتهم الجميلة. قوله في قصيدة "سؤال":

أغربُ ما قرأتُ في مدافن الأمواتْ/ شاهدةٌ خُطَّ عليها :/ أيّها الأحياء في المدائن السُباتْ/ أما مللتم لُعبة الحياةْ؟(المصدر نفسه: 99).

يريد أن ينبه شعوب العراق لأوضاع مجتمعهم وصحوتهم وإرشادهم إلى دروب الصواب. ينبع أسلوب النداء من عمق تحسر السماوي إلى أرضه بعد مرور السنين. كما قال شرتح: إنّ شعرية السماوي متجذرة في عمق الرؤية/ وحرارة التجربة المتقدة عاطفياً، إذ تستمد وميضها من جراح الغربة، والصبابة والشوق العارم الذي لن ينقضي موجه الحارق طيلة الحياة فهو دائماً في توهج وحنين دائم إلى العراق.(شرتح،2011: 467). فالمنادى في هذا الديوان دلالة نفسية على الآلام التي حلت بالشاعر في المنفى ويعبّر عن حنين الشاعر إلى العراق.

 

5. النتائج

التكرار ظاهرة اسلوبية بارزة في ديوان "قليلك... لا كثيرهنّ" ليحيى السماوي الذي ليس عشوائياً بل منتظما. يظهر التكرار في ديوانه بأشكال متنوعة في الألفاظ، الضمائر، كلمات الطبيعة، المتقابلات والجمل كلّ شكل من هذه الأشكال له أبعاده الإيقاعية التي تدلّ على هموم الشاعر تجاه وطنه العراق. تؤدي جمالية التكرار الى إثراء قصيدته من حيث الإيقاع الموسيقي وإثارة المعاني الإيحائية في أشعاره، الّذي جعل قصيدته متماسكة متصفة بالوحدة العضوية.

كلمة "العراق" من أبرز الكلمات التي يستخدمها الشاعر في قصائده مباشرة، لبيان مدى علاقته النفسية بالعراق وحنينه. ركز يحيى السماوي في ديوانه على ضميري المتكلم ليعكس إلحاح الشاعر للتأكيد على تفرده وتميزه حتى في منفاه. كما خلع يحيى السماوي علي كلمات الطبيعة الصفات البشرية على سبيل التشخيص. فالتشخيص يرسم لوحات إستعارية جميلة في أشعاره الرومانسية ووظّف أسلوب التشخيص في الاستعارة المكنية حتى يتقاسم آلامه وأشجانه مع عالم الطبيعة ليخفف من مأساته. تدلّ الكلمات المكررة كـ (حقل ياسمين، بستان برتقال، الزهرة، زهرة الريحان و...) في هذا الديوان على الأمل وتفاؤل السماوي بمستقبل وطنه العراق. ويجمع الشاعر بين المتقابلات على أساس الإنزياح. كما تتكرر العبارات بأنماطها المتنوعة. يؤدي تكرار العبارة إلى الانسجام المنظم بين المقاطع ويحقق انسجاما موسيقياً. ويوحي في طياته أبعاداً إيحائية تؤثر في المتلقي. تسهم في إيقاظ الوعيّ في نفوس الجماهير ضدّ المحتلين. ويجسد الحالة النفسيّة للشاعر إثر غُربته عن الوطن.

من الناحية الفکرية والاجتماعية فامتزج السماوي بين عشق حبيبته والوطن. عالج في شعره مشکلات کيانية يعانيها في منفاه وينبغي أن أشير، أنَّ التكرار في شعر السماوي، تکون في خدمة الفکرة التي تدور حول محور واحد هو همومه الوطنيّة. وفي کلِّ عندما يتحدَّث السماوي عن الوطن، يحسُّ القراء بأنَّ الشاعر يقوي حس الغربة واغتراب العراق في شعره. هذا يدلّ على أنَّ حبَّه للوطن في الدرجة الأولی، يظهر القضايا الوطنية في مضامين أشعاره، أنَّه ينقل هذا الحسَّ من ذاته إلی نفس المتلقِّي. في أغلب الأحيان يبلور السماوي رؤيته الفكرية والاجتماعية حول فراق عن الوطن والدعوة إلی الثورة والرفض في شعره. يدعو الشعوب العربية من خلال أسلوب التكرار کجزءٍ من المجتمع العربي إلی الوعي تجاه الطُغاة والعتاة والأباطرة . أظهر براعته في استخدام أسلوب التكرار، حيث كان قادرا على حمل مشاعره ونقلها إلى المتلقي. وأسلوبه قوي محكم يخلو من الركاكة.

 

بقلم : طالب الدكتوراه نور الدين بروين / إشراف الدكتور يحيى معروف / جامعة رازي / إيران 

 

...............

6. المصادر والمراجع

1. ابراهيم، عبدالعظيم المطعني(1992): خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، الطبعة الأولى. بيروت: مكتبة وهبة.

2. ابن رشيق القيرواني، أبو علي الحسن(د.ت): العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق وتعليق على الحواشي محمد محيي الدين عبدالحميد، بيروت: دارالجيل.

3. بدوي، محمد جاهين(2010): تجربة العشق والاغتراب فی ديوان قليلک لاکثيرهنّ، دارالينابيع.

4. راضي جعفر، محمد(1994):الإغتراب في الشعر العراقي المعاصر مرحلة الروّاد، دمشق: اتحاد الكتاب العرب.

5. السماوي، يحيى(2007): ديوان قليلك... لاكثيرهنّ، جدّة: عبدالمقصود محمد سعيد خوجه، الطبعة الثانية.

6. ضيف، شوقي(1999): فصول الشعر ونقده، مصر: دار المعارف.

7. عبدالنور، جبور(1984): المعجم الأدبی، بيروت: دارالعلم للملايين.

8. عبيد، محمد صابر (2001). القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية، دمشق، اتحاد کتاب العرب.

9. عجلان، عباس بيومي (1989): عناصر الإبداع الفني في شعر الأعشى. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.

10. عشري زايد، علي (2008). عن بناء القصيدة العربية الحديثة، القاهرة، مکتبة الآداب، الطبعة الخامسة.

11. عيد، رجاء(1985): لغة الشعر، قراءة في الشعر العربي الحديث، الاسكندرية: منشأة المعارف.

12. الغرباوي، ماجد(2010): تجليات الحنين في تكريم الشاعر يحيى السماوي، الجزء الأول. دمشق: دارالينابيع، الطبعة الأولى.

13. ----، --- (2010): تجليات الحنين في تكريم الشاعر يحيى السماوي، الجزء الثاني، دمشق: دارالينابيع، الطبعة الأولى.

14. قطب، سيد (1993). النقد الادبي «اصوله ومناهجه» الطبعة السادسة، بيروت: دار الشرق.

15. المخزومي، مهدي (1964): في النحو العربي نقد وتوجيه، بيروت: منشورات المكتبة العصرية.

16. المسدي، عبدالسلام (1982): الأسلوبية والأسلوب، تونس: الدار العربية للكتاب.

17. الملائكة، نازك(1977): قضايا الشعر المعاصر، الطبعة السادسة، بيروت: دارللملايين.

 

المقالات والرسائل

18. أمال، دهنون (2008):جماليات التكرار في القصيدة المعاصر، الجزائر: جامعة محمد خيضر. جامعة كلية الآداب والعلوم الانسانية والاجتماعية، العدد لثاني والثالث.

19. حني، عبدالطيف(2012): نسيج التكرار بين الجمالية والوظيفة في شعر الشهدا ء الجزائريين ديوان الشهيد الربيع بوشامة نموذجا.مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، دورية أكاديمية محكمة متخصصة تصدر عن كلية الآداب واللغات-جامعة الوادي، العدد الرابع، صص6-20.

20. رحيم، عبدالقادر(2008): العنوان في النص الابداعي"أهميته وأنواعه"، الجزائر: جامعة محمد خيضر. جامعة كلية الآداب والعلوم الانسانية والاجتماعية، العددان الثاني والثالث.

21. علي، عبدالرضا (1989). الإيقاع الداخلي في قصيدة الحرب، بحث مقدم إلی مهرجان المربد العاشر.

22. محمد الزيود، عبدالباسط (2007): من دلالات الانزياح التركيبي وجمالياته في قصيدة "الصقر" لأدنيس. مجلة جامعة دمشق، المجلد23، العدد الأول.صص159-188.

23. معروف، يحيى(1423هـ): دراسة وتحليل للمضامين الشعرية للشاعر العراقي يحيى السماوي، مجلة اللغة العربية وآدابها، السنة الثامنة، العدد الرابع عشر، صص127-153.

السُّخْرِيَة ُوَالسُّخْرُ .. إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ! (1)

1karem merza - المدخل: قال أعشى باهلة (1) يرثي المنتشر بن وهب، وتذكر بعض المراجع أنهما أخوان لأم ، وقيل الشعر لأخت المنتشر الدعجاء بنت وهب بن سلمة الباهلية (2)، وأنا للأعشى أميل ! من البحر البسيط :

إنى أتتني لسانٌ لا أسرّ بها *** منْ علُ لا عجبٌ فيها ولا سَخَرُ

فبت مرتفقاً للنجم أرقبــــــهُ ******حيران ذا حذر لو ينفع الحذر

وجاشت النفس لما جاء جمعهم *** وراكب جاء من تثليث معتمرُ

يأبى على الناسِ لا يلوِي على أحدِ ** حتى التقينا وكانت دوننا مضرُ

نقلت الأبيات الثلاثة الأولى كما يرويها أبو عبيد البكري في (فصل مقاله...) إذ يقدم لها قائلاً: أما قول أعشى باهلة فإن صلته وإصلاح إنشاده (3)، ويذكر الأبيات السابقة .

القصيدة من روائع رثاء الشعر الجاهلي الخالدة، خلود الأعشى لا الدعجاء، ولو كانت للدعجاء لنالت شهرة الخنساء، ولا نريد من القصيدة إلا مطلعها، لأنه تضمن كلمة (سَخَرُ، أو سُخْرُ على رواية ثانية)، وجدُّنا في السُّخْرِ، وسخريتُنا في الجدِّ، ولله سرّ في خلقه، وللإنسان سرّ في خبثه، ونحن بين بين لتسوية الأمرين !!،المهم لابد أن نعرج على البيت استطراداً لماماً، والإطناب عادتي أحياناً للإفادة والاستفاضة، من النواحي التاريخية واللغوية والبلاغية والنحوية والعروضية .

تاريخياً: قال أبو العباس المبرد في (كامله): من أخبار هذا المنتشر المرثي كان " أحد رجليي العرب. قال الأخفش: هو منسوب إلى الرجل، وهم السعاة السابقون في سعيهم، وكان من خبره أنه أسر صلاءة بن العنبر الحارثي، فقال: افتد نفسك. فأبى، فقال: لأقطعنك أنملة أنملة، وعضواً عضواً ما لم تفتد نفسك؛ فجعل يفعل ذلك به حتى قتله، ثم حج من بعد ذلك المنتشر ذا الخلصة - وهو بيت كانت خثعم تحجه، زعم أبو عبيدة أنه بالعبلات، وأنه مسجد جامعها، فدلت عليه بنو نفيل بن عمرو بن كلاب الحارثيين؛ فقبضوا عليه، فقالوا: لنفعلن بك كما فعلت بصلاءة. ففعلوا ذلك به، فلقي راكب أعشى باهلة، فقال له أعشى باهلة: هل من جائبة خبر؟ قال: نعم، أسرت بنو الحارث المنتشر، وكانت بنو الحارث تسمي المنتشر مجدعا، فلما صار في أيديهم قالوا: لنقطعنك كما فعلت بصلاءة، فقال أعشى باهلة يرثي المنتشر ...

لغوياً: قوله: إني أتتني لسان يقال: هو اللسان وهي اللسان. فمن ذكر فجمعه ألسنة، ونظيره حمار وأحمرة، وفراش وأفرشة، وإزار وآزرة؛ ومن أنث قال: لسان وألسن، كما تقول: ذراع وأذرع، وكراع وأكرع ؛ لا تبالي أمضموم الأول كان أو مفتوحاً أو مكسوراً إذا كان مؤنثاً، ألا ترى أنك تقول: شمال وأشمل قال أبو النجم:

يأتي لها من أيمن وأشمل " (4)

كما ترى يرى المبرد في (كامله)، وغيره مثله،أن (اللسان) كلمة تُذكّر وتُؤنّث، وبالتالي هي مؤنث " إني أتتني لسان " لماذا لا، والعرب الأقحاح القدماء لهم الحق فيما ينطقون، وهم حجّة علينا، واللغة لغتهم على الفطرة دون تهجين   ؟!!

بلاغياً: وهنالك رأي بلاغي وليس بلغوي صرف، إذ جاء في القرآن الكريم - الشعراء 84 - " وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ "   والمراد باللسان القول، وأصله جارحة الكلام . قال القتبي: وموضع اللسان موضع القول على الاستعارة، وقد تكني العرب بها عن الكلمة . (5)، وعلى هذا " أتتني لسان "   بمعنى (أتتني كلمة).  

نحوياً: وقوله: من علُ يقول: من فوق . فإذا كان معرفة مفرداً بني على الضم. كقبل وبعد. وإذا جعلته نكرة نونته وصرفته، كما قال جرير:

إني انصببت من السماء عليكم *** حتى اختطفتك يا فرزدق من علِ

والقوافي مجرورة. وإن شئت رددت ما ذهب منه. وهي ألف منقلبة من واو، لأن بناءه فعل من علا يا فتى، قال الراجز:

وهي تنوش الحوض نوشاً من علا *** نوشاً به تقطع أجواز الفلا (6)

وفذلكة الأقوال كما جاء في شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: إن كلمة قبل تخفض بالكسرة إذا أضيفت وذكر المضاف إليه، كما هو معلوم، وتجر كذلك بالكسرة إذا حذف المضاف إليه ونوى لفظه، ومن هذا قول الشاعر:

وَمنْ قَبْلِ نَادى كلُّ مولى قرابة *** فما عَطَفتْ يَوْماً عَليهِ العَوَاطفُ

وتجر كذلك بالكسرة مع التنوين إذا حذف المضاف إليه ولم ينو لفظه ولا معناه ومنه ما في القراءة الشاذة لله الأمر من قبلٍ ومن بعدٍ، وتبنى على الضمة إذا حذف المضاف إليه ونوى معناه دون لفظه، ومن هذا قوله تعالى: " وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا "، (المائدة 77)

وأشار ابن مالك في (ألفيته) إلى هذا في باب الإضافة:

واضمم بناء (غيرا) إن عدمت ما****** له أضيف ناويا ما عدما

(قبل) كغير (بعد) (حسب) (أولُ)**** ودون والجهات أيضاً و(علُ)

وأعربوا نصباً إذا مـــــا نكرا ******** (قبل) وما من بعده قد ذكرا (7)

عروضياً: ابن الشجري في (مختارات شعره..) يشبّع ضمة (علُ)، وكذلك الأمر في بعض المراجع الأخرى، فيكتب البيت المطلع كالتالي:

إنِّي أتتني لسانٌ لا أسرُّ بهــــا *** من علْوُ لا عجبٌ منها ولا سخرُ (8)

وأنا مع مَن نقلت عنه في بداية مقالتي، أي دون الحاجة لإشباع الضمة، لأن إشباعها ليس من الضرائر الشعرية، ولو أن الأشباع أطرى نغماً، وأكثر وزناً، البيت من البحر البسيط كما أسلفت، و" مِنْ علُ لا " وزنها (مفْتعلن)، وهي من جوازات (مستفعلن) في البحر البسيط، و" منْ علْو لا " وزنها (مستفعلن)، ولكن لا يوجد مبرر للإشباع، نعم عند الضرورة يجب أن يلفظ، بل ويكتب الإشباع، ومثله الإختلاس في الشعر، ولو أنني أتساهل في الأمر أحياناً، وأتغاضى عنه كي لا يشكّ القارئ الكريم متوهماً الخطأ أنّى خلط بين اللغة والعروض، ولله الأمر من قبل ومن بعد !!

ماذا بقى لدينا، وما نريده من البيت المطلع، بقى علينا جمانة القصيد من المطلع الفريد، ألا وهي كلمة (سخر) .

2 سَخَرَ ...السُّخْرُ ...السُّخْرِيَةُ ..لغوياً

كلُّ ما مرَّ علينا من (السُّخْرُ وَالسُّخْرِيَة ُ وسَخَرُ)   مأخوذ من مادة (س خ ر) التي تدل على احتقار واستذلال وهزئ وتهكم - ويمكن أن نضيف حسب اجتهادنا - تطويع، بل إجبار وقهر واستعباد !!،، ولا تتخيل مادة (س خ ر) واشتقاقاتها تختص بالإنسان فقط، بل يتجاوز مداها لتصل الحيوان والجماد، فالكون والدنيا معه بكل مكوناتهما يخضعان لمبدأ القوي والضعيف، ويصل الأمر إلى الله عز وجل القوي الجبار الذي يسخر كلّ شيء ويذلله، إذ يقول للشيء كن فيكون   !! إليكم الآن:

(سَخَرَ): فعل ثلاثي لازم ويتعدى بحرف ، المصدر (سُخْرُ، السُّخْرُ)، والاسم (سُخْرِيَة السُّخْرِيَة) .

يقول الرازي في (مختار صحاحه) : " س خ ر: (سخر) منه من باب طرب و(سخرا) بضمتين و(مسخرا) بوزن مذهب . وحكى أبو زيد: (سخر) به وهو أردأ اللغتين . وقال الأخفش: (سخر) منه وبه وضحك منه وبه وهزئ منه وبه كل يقال، والاسم (السخرية) بوزن العشرية و(السخري) بضم السين وكسرها وقرئ بهما قوله تعالى: ليتخذ بعضهم بعضا سخريا . و(سخره) (تسخيرا) كلفه عملا بلا أجرة وكذا (تسخره) . و(التسخير) أيضا التذليل . ورجل (سخرة) كسفرة يسخر منه و(سخرة) كهمزة يسخر من الناس " . (9) .

وقال الجوهري يقال سخرت منه وسخرت به كما يقال: ضحكت منه، وبه، وهزئت منه، وبه .  

وقال الفراء: يقال سخرت منه ولا يقال سخرت به، قال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم " (10) وأنا مع رأي الفراء، لأن سخرت بـه أقسى معنوياً، وأذل إنسانياً من سخرت منه !! (11)

ومما جاء في (اللسان) سخر: سَخِرَ مِنْهُ وَبِهِ سَخْرًا وَسَخَرًا وَمَسْخَرًا وَسُخْرًا، بِالضَّمِّ، وَسُخْرَةً وَسِخْرِيًّا وَسُخْرِيًّا وَسُخْرِيَّةٌ: هَزِئَ بِهِ ; وَيُرْوَى بَيْتُ أَعْشَى بَاهِلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ:

إِنِّي أَتَتْنِي لِسَانٌ، لَا أُسَرُّ بِهَا ** مِنْ عَلْوَ لَا عَجَبٌ مِنْهَا وَلَا سُخْرُ

وَيُرْوَى وَلَا سَخَرُ ... وَقَالَ الرَّاعِي:

تَغَيَّرَ قَوْمِي وَلَا أَسْخَرُ ** وَمَا حُمَّ مِنْ قَدَرٍ يُقْدَرُ

قَالَ الْأَخْفَشُ: سَخِرْتُ مِنْهُ وَسَخِرْتُ بِهِ، وَضَحِكْتُ مِنْهُ وَضَحِكْتُ بِهِ، وَهَزِئْتُ مِنْهُ وَهَزِئْتُ بِهِ، كُلٌّ يُقَالُ: وَالِاسْمُ السُّخْرِيَّةُ وَالسُّخْرِيُّ وَالسِّخْرِيُّ، وَقُرِئَ بِهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ; وَفِي الْحَدِيثِ: أَتَسَخَرُ مِنِّي وَأَنَا الْمَلِكُ أَيْ أَتَسْتَهْزِئُ بِي . وَإِطْلَاقُ ظَاهِرِهِ عَلَى اللَّهِ لَا يَجُوزُ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ بِمَعْنَى: أَتَضَعُنِي فِيمَا لَا أَرَاهُ مِنْ حَقِّي ؟ فَكَأَنَّهَا صُورَةُ السُّخْرِيَّةِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ; قَالَ ابْنُ الرُّمَّانِيِّ: مَعْنَاهُ يَدْعُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى أَنْ يَسْخَرَ ....

وَالسُّخْرَةُ: الضُّحْكَةُ . وَرِجْلٌ سُخَرَةٌ: يَسْخَرُ بِالنَّاسِ . وَفِي التَّهْذِيبِ: يَسْخَرُ مِنَ النَّاسِ وَسُخْرَةٌ، يُسْخَرُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ سِخْرِيٌّ وَسُخْرِيَّةٌ مَنْ ذَكَّرَهُ كَسَرَ السِّينَ، وَمَنْ أَنَّثَهُ ضَمَّهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَالسُّخْرَةُ مَا تَسَخَّرْتَ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ خَادِمٍ بِلَا أَجْرٍ وَلَا ثَمَنٍ . وَيُقَالُ: سَخَرْتُهُ بِمَعْنَى سَخَّرْتُهُ أَيْ قَهَرْتُهُ وَذَلَّلْتُهُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ; أَيْ ذَلَّلَهُمَا، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مَسَخَّرَانِ يَجْرِيَانِ مَجَارِيهِمَا أَيْ سُخِّرَا جَارِيَيْنِ عَلَيْهِمَا . وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: جَارِيَاتٌ مَجَارِيَهِنَّ سَخَّرَهُ تَسْخِيرًا كَلَّفَهُ عَمَلًا بِلَا أُجْرَةٍ . وَكَذَلِكَ تَسَخَّرَهُ . وَسَخَّرَهُ يُسَخِّرُهُ سِخْرِيًّا وَسُخْرِيًّا وَسَخَرَهُ: كَلَفَّهُ مَا لَا يُرِيدُ وَقَهَرَهُ . وَكُلُّ مَقْهُورٍ مُدَبَّرٍ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ مَا يُخَلِّصُهُ مِنَ الْقَهْرِ ؛ فَذَلِكَ مُسَخَّرٌ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ; قَالَ الزَّجَّاجُ: تَسْخِيرُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ تَسْخِيرُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ لِلْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي بُلُوغِ مَنَابِتِهِمْ وَالِاقْتِدَاءُ بِهَا فِي مَسَالِكِهِمْ، وَتَسْخِيرُ مَا فِي الْأَرْضِ تَسْخِيرُ بِحَارِهَا وَأَنْهَارِهَا وَدَوَابِّهَا وَجَمِيعِ مَنَافِعِهَا ; وَهُوَ سُخْرَةٌ لِي سُخْرِيٌّ وَسِخْرِيٌّ، وَقِيلَ: السُّخْرِيُّ، بِالضَّمِّ، مِنَ التَّسْخِيرِ، وَالسِّخْرِيِّ، بِالْكَسْرِ، مِنَ الْهُزْءِ، وَقَدْ يُقَالُ: فِي الْهَزْءِ سُخْرِيٌّ وَسِخْرِيٌّ وَأَمَّا مِنَ السُّخْرَةِ فَوَاحِدُهُ مَضْمُومٌ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي ; فَهُوَ سُخْرِيًّا وَسِخْرِيًّا، وَالضَّمُّ أَجْوَدُ . أَبُو زَيْدٍ: سِخْرِيًّا مَنْ سَخِرَ إِذَا اسْتَهْزَأَ وَالَّذِي فِي الزُّخْرُفِ: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ; عَبِيدًا وَإِمَاءً وَأُجَرَاءَ، وَقَالَ: خَادِمٌ سُخْرَةٌ وَرَجُلٌ سُخْرَةٌ أَيْضًا: يُسْخَرُ مِنْهُ . سُخَرَةٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ يَسْخَرُ مِنَ النَّاسِ . وَتَسَخَّرْتُ دَابَّةً لِفُلَانٍ أَيْ رَكِبْتُهَا بِغَيْرِ أَجْرٍ ; وَأَنْشَدَ

سَوَاخِرٌ فِي سَوَاءِ الْيَمِّ تَحْتَفِزُ

وَيُقَالُ: سَخَرْتُهُ بِمَعْنَى سَخَّرْتُهُ أَيْ قَهَرْتُهُ . وَرَجُلٌ سُخْرَةٌ يُسَخَّرُ فِي الْأَعْمَالِ وَيَتَسْخِرُهُ مَنْ قَهَرَهُ وَسَخَرَتِ السَّفِينَةُ أَطَاعَتْ وَجَرَتْ وَطَابَ لَهَا السَّيْرُ، وَاللَّهُ سَخَّرَهَا تَسْخِيرًا . وَالتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ . وَسُفُنٌ سَوَاخِرُ إِذَا أَطَاعَتْ وَطَابَ لَهَا الرِّيحُ . وَكُلُّ مَا ذَلَّ وَانْقَادَ أَوْ تَهَيَّأَ لَكَ عَلَى مَا تُرِيدُ، فَقَدْ سُخِّرَ لَكَ . (12)

فذلكة الأقوال، وكلمات ذات صلة:

السُخْر: تَهَكُّمُ، هُزْؤُ.

و السُّخْرَةُ من يَسْخَرُ منه الناسُ.

فلانٌ سُخَرَة: يضحك من الناس.

استسخرَ بـ: استسخرَ من يَستسخِر، استسخارًا، فهو مُسْتسخِر، والمفعول مُستسخَرٌ به.

استسخر بمنافسِه: استسخر من منافسه سخِر منه، هزِئ به " وَإِذَا رَأَوْا ءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ "

سُخرة: (اسم)

الجمع: سُخُرات وسُخْرات

سُخَرة، سُخرة

السُّخْرَةُ: ما سَخَّرْتَهُ من دابة، أَو رجل بلا أَجر ولا ثمن .

أعمال السُّخْرَة: أعمال بدون أجر مفروضة على من يقوم بها .

رجال السُّخْرَة: العبيد والأرقّاء .

نظام السُّخْرة التأجيريّ: نظام يتمّ من خلاله تسخير مدين من قبل مقرضه حتى يتمّ دفع الدين .

اِستَسخَرَ اِستسخار تَسَخَّرَ تَسخير سَخَرَ سَواخِرُ سُخْرِيَة سُخْرِيّ سُخرة ساخِر مَسْخَرة مَسْخور مَساخِرُ مُتسخَّر مُسَخَّر مُسْتسخِر مُمسخَر.

سخر:

سخره: كلفه ما لا يريد .

سخره: قهره .

سخره عليه: سلطه عليه .

سخر الحيوان: ذلـله

سخَّرَ

سخَّرَ يُسخِّر، تسخيرًا، فهو مُسخِّر، والمفعول مُسخَّر

سخَّر الشَّخصَ

كلّفه ما لا يريد وقهره

كلّفه عملاً بلا أجر: شخص مسخّر

سخَّر الشَّيءَ: ذلّله وأخضعه ويسّره: سخَّر اللهُ قُوى الطبيعة في خدمة الإنسان، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ " ، " وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ " "

سخَّر الشَّيءَ عليه: سلَّطه عليه " فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ "

س خ ر، فعل: رباعي متعد بحرف . سَخَّرْتُ، أُسَخِّرُ، سَخِّرْ، مصدر تَسْخِيرٌ

. أنَا لاَ أسْخَرُ مِنْ أحَدٍ : لاَ أُمَازِحُ، لاَ أُدَاعِبُ أَحَداً، لاَ أهْزَأُ مِنْ أَحَدٍ

س خ ر ، فعل: خماسي لازم متعد بحرف ، تَسَخَّرَ، يَتَسَخَّرُ، مصدر تَسَخُّرٌ   يَتَسَخَّرُهُ فِي كُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِ:: يُكَلِّفُهُ عَمَلاً بِلاَ مُقَابِلٍ .

. تَسَخَّرَ مِنْهُ : هَزِئَ بِهِ . تَسَخَّرَ بِهِ

وقال الفيروزابادي: سياقة إلى الغرض المختص به قهرا، والمسخر هو المقيض للفعل، والسخري: هو الذي يقهر لنا بإرادته، وسخرت منه:

أي سخرته للهزء منه، ويقال: رجل سخرة لمن يسخر كبرا، وسخرة كصبرة لمن يسخر منه . والسخرية أيضا فعل الساخر .

وقول الله - عز وجل -: فاتخذتموهم سخريا (المؤمنون / 110) بالضم والكسر ، حمل على التسخير وعلى السخرية، ويدل على الوجه الثاني (السخرية) قوله بعده وكنتم منهم تضحكون (المؤمنون / 110) 7، وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: فرق أبو عمرو بينهما (أي بين القراءتين). (13)

ونحن نفرق بين السخرية لغوياً والسخرية اصطلاحاً، وأول الغيث قطرٌ ثم ينهمرُ!!!!!انتظروا...

 

كريم مرزة الأسدي

...................

(1) أعشى باهلة، وهو عامرُ بن الحارث، وكنيته أبو قحافة يرثي المنتشر بن وهب الباهلي، ومنتشر من السعاة السباقين في سعيهم؛ قتله بنو نفيل بن عمرو بن كلاب .

(2) الدعجاء بنت وهب بن سلمة الباهلية، من قيس عيلان. شاعرة بليغة من أهل العصر الجاهلي. اشتهر من شعرها رثاؤها لأخيها المنتشر، وكان يغير على بني الحارث بن كعب، يقتل ويأسر، فرصدوه حتى أخذوه وقطعوه إرباً إربا، بثأر من قتل منهم .

(3) فصل المقال في شرح كتاب الأمثال: أبو عبيد البكري - تحقيق إحسان عباس - ج1 ص 509 - ط 1 - 1971م - دار الرسالة بيروت، جاء مطلع البيتين الأولين في (موسوعة الشعر العربي الفصيح) - (الشعر الفصيح) - - العصر الجاهلي - أعشى باهلة (الديوان):

إنّي أَتَتني لِسانٌ مَا أُسَرُّ بها *** من عُلوَ لا عَجَبق فِيهَا ولا سَخَرُ

جَاءَتْ مُرَجِّمَةً قَدْ كُنْتُ أَحْذَرُها *** لو كانَ يَنْفَعُني الإِشْفَاقُ والحَذَرُ

(4) الكامل في اللغة والأدب: أبو العباس المبرد - 1 /319 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(5) تفسير القرطبي: محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي - ج 13 - ص 106 - دار الفكر.

(6) الكامل في اللغة ...م . س .

(7) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: م 2 ص 71 - 72 .

(8) مختارات شعراء العرب لابن الشجري - القسم الأول - ج 1 ص 8 - الموسوعة الشاملة .

قصيدة أعشى باهلة .

(9) مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي - المكتبة العصرية- الدار النموذجية سنة النشر: 1420هـ / 1999م - باب السين - س خ ر.

(10) الحجرات - 11 .

(11) نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (ص):عدد من المختصين بإشراف الشيخ / صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب الحرم المكي - الصفحة 5497 - الناشر: دار الوسيلة للنشر والتوزيع، جدة الطبعة: الرابعة -

(12) لسان العرب: (أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ابن منظور) ج 7 - ص 145 - 2003 م - دار صادر .

(13) راجع:

- فصل المقال : البكري م. س .

- نضرة النعيم ...م. س . وعنه، وعن المراجع راجع أيضاً:

(أ) الصحاح 2 / 679

مقاييس اللغة لابن فارس 3 / 144 (ب)

(ج) الصحاح 2 / 680، وقد حكى ذلك عن أبي زيد - وذكر أن تعديته بالباء أردأ اللغتين .

. (د) لسان العرب 4 / 352

(هـ) بصائر ذوي التمييز 3 / 203

(و) بصائر ذوي التمييز 3 / 203

 

 

الدين والجنس بين المقدس والمدنس في رواية العفاريت (2)

alkabir aldasisiفي إطار متابعة الرواية العربية المعاصرة، وبعد الجزء الأول الذي حاولنا من خلاله دراسة الدين والجنس، بين المقدس والمدنس في رواية العفاريت للأستاذ إبراهيم الحجري الصادرة سنة 2013، نقدم لقرائنا اليوم – كما وعدناهم - الجزء الثاني من الموضوع

فبعد تقديم الرواية: متنها ومبناها الحكائيين، نواصل اليوم مقاربة رواية يتداخل فيها الدين بالجنس ليشكلا متنا حكائيا ماتعا ومتمردا مع التمييز في كل تيمة بين خطين مختلفين مبنيين على التقابل:

ففي الدين هناك خط الدين النقي الطاهر الذي مثله سيدي مسعود ضراب العود يأخذ من الدين الجوهر، ويجسد الدين الصافي وخط التدين الظاهري الذي يستغل أصحابه الدين من خلال الاتفاق حول شكل معين من اللباس يوحي للجهلة أنهم اصحاب كرامات وفي هذا السياق حرص السارد على أن يميز هؤلاء بلباس موحد (الجلباب الأبيض والعمامة الخضراء) ... في خط الدين/ النقي كان مسعود يتميز بقوى خارقة (معجزات تؤسطر الأحداث) وتظهر البطل بقوى خارقة تجعل الفاس تحفر وحدها: (يحكى أن الناس المجاورين الذين أمدوه بالفأس كانوا يرون أن الفأس تحفر وحدها وهو جالس ينظر إليها) [1] .. والرحى تطحن وحدها فخادم السلطان الأكحل (رأى محتارا الخادمة السمراء تجلس بشكل عادي تراقب الرحى تدور من تلقاء نفسها وترمي الطحين في جوانبها كالشلال الدافق)[2]، وبقدوم مسعود إلى أرض دكالة عرفت المنطقة الخير العميم، فبقدومه (بدأ الناس يهجرون أولياءهم القدمى الذين كانوا يمشون على الماء، ويشربون الماء المغلي، ويزوجون العوانس، ويروضون الأفاعي... وقصدوا زاوية هذا الرجل ]الذي [يقهر الجان، يسلسلهم ويستدعيهم إلى محكمته العادلة ليقتص من الظالمين منهم وياسر المعتدين على البشر في سجنه الصغير ..)[3] .. كل ذلك في تزاوج بين الواقعي التاريخي والأسطوري الخرافي فشخصية سيدي مسعود شخصية حقيقة في التاريخ ذكرت كتب التاريخ أن (جده مولاي عبد الرحمان كان فقيها جليلا وكان قبل استقراره ببلاد بن افرج كان بمدينة حوطة قبل خرابها بالسيل بازاك الهيط ثم بمراكش ثم تزوج بالمرأة مريم بنت أحمد الفرجية الدكالية وترك معها ثلاث أولاد ذكور مولاي عبد الرحمان سيدي ابن احساين ومولاي الحسن ثم مات ودفن أمام مراكش، ولده سيدي احساين ولد سيدي مسعود دفن في بولعوان.) لكن ما يصدر عنه في الرواية يتجاوز حدود العقل والواقع ..

وعلى الرغم من الطابع الديني الذي ميز شخصية مسعود في الرواية وكراماته فإنه في الجنس كان كغيره من البشر، مارس الجنس مع أربع نساء تزوجهن على سنة الله ورسوله، أنجب من كل واحدة ولدا وكان في جنسه شرعيا وليس هو من اختار نساءه، وسعى إليهن (فقد زوجته القبيلة بأربع أبكار من المصونات وسقن إليه طائعات فرحات) و أنسلهن أربعة أولاد في ذات السنة (ازدان فراش الولي بالشرقي، بوزكيكيرة (أبو زكرياء) منانة وفرغوس في سنة واحدة وأقسم ألا يضيف إليهم سيئا)[4] مما يبين أن مسعود كان متعدد الشركاء جنسيا ... وهي نفس الخاصية التي ميزت شخصية بوشعيب لكن بشكل (مدنس) فقد مارس بوشعيب الجنس مع عدة نساء من مختلف الجنسيات، في المغرب وفرنسا دون أن تربطه بواحدة منهن أية علاقة (شرعية) ومن إولئك النسوة وتم التركيز على أربع شريكات لكل واحدة تجربة خاصة:

- بنت شامة التي ما أن مات زوجها حتى تحين الفرصة للتعرف عليها / حليمة بنت فاطمة المتزوجة التي تظاهرت بالجنون وقدت الزاوية بحثا عن رجل فحل، فوجدت في بوشعيب بغيتها/ المرأة المجنونة من الدرجة المتردية المحبوسة في الخلوة والتي تسلل إليها ليلا و حاول اغتصابها فاتهى النزال بوفاتها/ إضافة إلى الفتاة الفرنسية القاصر Anne كانت سببا في طرده من فرنسا .. والأهم في كل ذلك الدابة الشهباء التي ظلت ذكراها تلازمه كلما عاشر امرأة ...

يتضح إذن أن هناك تشابها بين الجنس المدنس،والجنس المقدس: تتشابه التجربتان الجنسيتان للشخصيتين الرئيسيتين في الرواية في كون البطلين عاشا تجربتهما الجنسية مع عدة شركاء وفي كون كل بطل له علاقة خاصة مع واحدة من شريكاته أكثر من الأخريات؛ ويختلفان في نوعية العلاقة التي ربطت بين كل بطل و معشوقته المفضلة: فكانت ربيعة الحسينية سيدة زوجات مسعود، يفضلها على غيرها (جسدها كان يحوله من حال على حال ويحول وجهته من المسار الأرضي إلى المسار السري السماوي ... تحصل بينهما تماسات عنيفة فيهتز المقامان ويسموان معا إلى أهواء برزخية لا ساحل لها ولا حدود ويخيل إليها أنها تجده في رحلتها العلوية قابعا هناك في تسبيحه القدسي مغلفا برهبة علوية وتعود فتجده في خلوته ساهما ... يعودان لبعضهما لتشتد الوحشة إلى المقامات يعود إليها فتذكره بالآخر في جوهره بعد أن تغرقه في نعيم الجسد)[5] كان يقول فيها: (هذه المرأة تاج به أسكر، وبه أحترق وبه أفنى وبه أخيط الفاصل والواصل هي عتبتي التي تدلني على الخيط بين الخطيئة واللا خطيئة بين الروح والجسد بين الفناء في اللذة والفناء في الحب ... جسدها الحافل بالمتاهة قبة ساحرة لا أخرج منها إلا وقد اغتسلت من كل أدران الجسد التي تقودني،خارج المقام على اقتراف الخطيئة)[6] (يلتقي الجسدان في الليل والنهار، في اليقضة والحلم فتزهر بلاد فرج) مقابل ذلك كانت علاقة بوشعيب بعشيقته المفضلة (الدابة الشهباء) تعبير على الجانب الحيواني في العلاقة الجنسية ولم يشبع شبقه من النساء إلا بنت شامة (التي كانت تدعو حمارها الصغير إلى الفراش وتروضه على ذات الاثنين ... مثلما كا يفعل هو في ليالي الحصاد عندما كان يتسلل إلى إسطبل الأتان الشهباء ليمارس شذوذه البهيمي ببساطة وجد كل منهما دابته التي يشتهي)[7]

عندما يتحدث السارد عن مسعود كان يكتفي بالتلميح في وصف طاهر للعلاقات الجنسية . وعندما يعرج على تجربة بوشعيب يتجاوز كل عتبات التصريح إلى الوصف الداعر في وصف مكشوف لبعض المشاهد مستعينا ببعض الحيوانات للتعبير عن الأعضاء التناسلية (السلاحف الحلزونات...) التي تناسب العلاقات الجنسية القائمة في ظروف الخوف والليل والتسلل .. أو بعض الأدوات الحربية (كالسيف، الصاروخ، سكود ..) أثناء حديثه للمبارزات الجنسية القائمة على التحدي واستعراض الفحولة، دون أن يميز في ذلك بين تصوير مشاهد جنسية بين الحيوان (حصان بوشعيب وفرس بنت شامة، و حفلة الجنس بين البغل و الحمارة اللذان وضب لهما الظروف ليتابع نفاصيل استعراض البغل غير المخصي لفحولته..) أو بين الجن والإنس عندما يصف كيف يمارس الجني ميمون الجنس على امرأة أمام زوجها وأمام الفقيه: (عندما يحل الجني في المساء الكالح تهرع إلى فراشها... يضاجعها بما يملك من كبت ويصب فيها جام فحولته، يلتهمها عضوا عضوا، ويسلخ أنوثتها البيضاء، يتلذذ هو بينما هي تحترق بلهب جسده الناري المحموم برغبة لا تضاهى .. وبعد أن يفرغ يكون كل شيء قد انتهى)[8] ليجعل جسد هذه المرأة ميدانا لجنس الذكور من الجن والبشر (وبعد أن يذهب الفقيه ينصب زوجها أشرعته ويطفئ النور ويركب (ويتبورد) طول الليل بحثا عن الولد الذي لن يأتي هكذا يتعاقب على الجسد الرشيق فاتكان لا يعرف لأيهما يرفع ولاءه الأول ناري والثاني طيني وبين النار والطين ضاعت حكامة الجسد فراح يتهجى سيرة أخرى متاهية في الأضرحة والسادات) لتجد نفسها مرة أخر محط تكالب العفاريت الآدمية في زوايا الزاوية، وخاصة عفريت لا يميز بين المرأة المحصنة والداعرة، ولا بين القاصر والبالغة من النساء، ولا بين المتزوجة والمطلقة والأرملة، بل ولا بين المرأة والأثان.. مما جعله محط تحرش من اللواتي تبحثن عن الإرتواء (هناك من الفتيات من كانت تبحث عن العسكري، أو تتحرش به كي تمر بالتجربة، تجربة الامتطاء الصعب، نظرا لسمعته الفضيعة بين معشر النساء ومعشر الأتان)

يستنتج إذن من خلال رواية (العفاريث) لإبراهيم الحجري أنها كتبت بهدف سياسي من أجل إثارة انتباه المسؤولين للتهميش الذي طال الزاوية ودعوتهم للحفاظ على ثراث هام من الذاكرة الجمعية للمغاربة ولمنطقة معينة كانت إلى عهد قريب منارا دينيا ومكانا لكرامات ومعجزات، محجا للتطهر و رمزا للطهارة والنسك والزهد في الحياة، ومقصدا للعلماء والعارفين والمتطوعين ... فأصبحت اليوم، بعد التحول الخطير الذي أصاب زاوية سيدي مسعود موطنا للفساد والرذيلة، تجتمع فيه كل مظاهر الفقر، الجهل، الشعوذة،الاستغلال، وغدت ملجأ للمتشردين والحمقى والمعتوهين والمسكعين، نهبا لعصابات تستغل الدين لتبيع الوهم لمرضى نفسانيين . وللتحسيس بخطورة الوضع اضطر المؤلف للعزف على وتري الدين والجنس وهو العارف بأهمية وخطورة الوترين مقارنا بين الماضي (ماضي الكرامات، التقوى، الوضوح والإخلاص ...) والحاضر (حاضر النفاق، الشعوذة، واستغلال المقهورين ..) وعض السلطات الطرف عما يجري لعرض في نفس يعقوب مما جعل من النص نصا يتقاطعه الأسطوري الخرافي بالواقعي التاريخي، وتطبعه نوستالجيا إلى الماضي واستهجان للحاضر الذي وإن تنوعت مظاهر الدجل فيه تبقى غريزتي إشباع البطن والفرج المحرك الأساس لإنسان هذا العصر خاصة الأمي الفقير منه.. وعندما تشتد الحاجة وتشتعل الرغبة مع قلة ذات اليد تكون الظروف مهيأة لدخول الشعوذة والدجل.......

انتظرونا في الجزء القادم

 

الكبير الداديسي

..................

[1] - ص – 39

[2] - ص – 97

[3] - ص – 69

[4] - ص – 70

[5] - ص – 72

[6] - ص – 73

[7] - ص – 62

[8] - ص – 50

حسين عبد اللطيف: مقبرة نائية .. تابوت أسود

jasim alayffفي الذكرى الأولى لرحيله: يعد الشاعر "حسين عبد اللطيف" وقلة من الشعراء العراقيين، السلسلة التي تُوصل بين مرحلتي الستينات والسبعينات.بعد"على الطرقات ارقب المارة"،و"نار القطرب"، و"أمير من أور"، و"متوالية هايكو" و" بابلو نيروادا- كتاب التساؤلات/ حسين عبد اللطيف- كتاب الإجابات" بالاشتراك مع المترجمة" سحر أحمد"، و"مقدمات السياب"، وقد تزامن صدوره مع وفاته، كما له مخطوطات عدة، بعضها جاهز للطبع، تكشف عن نشاط ثقافي- أدبي متعدد ومتنوع وجاد تميز به وعرف عنه. أثار "حسين عبد اللطيف" اهتمام النقاد العراقيين والعرب، ولسنا هنا نعمل على متابعة" السيرة الأدبية - الثقافية" لحسين عبد اللطيف، فلقد تابعناها في كتابنا "مقاربات في والسرد" - منشورات مجلة "الشرارة- النجف- 2013 ط 1- ص15- 39. سنتناول في ذكراه الأولى مجموعته الشعرية "متوالية هايكو"*. المعروف أن لا تراث يعتد به لهذا النوع من الشعر في الخارطة الشعرية العراقية والعربية حتى، ولكن توسع الترجمات عنه وعولمة الاتصالات الحديثة جعلت تلاقح الثقافات المحلية و العالمية متيسرة بسهولة لا مثيل لها سابقاً. يضع حسين عنواناً موازياً لكتابه وهو" بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميّتة"، عن المجموعة هذه يذكر حسين في المقدمة أن هذه "الومضات" أو ما يطلق عليه ثانية بـ" التوقيعات" تتشابه مع المُعجب بهم لمعجبيهم في الاوتوجرافات الخاصة، وأنها تمت خلال جلستين متعاقبتين، دون أن يحدد مكان وزمان ذلك وكيف ولماذا؟. ويؤكد اقترابها الحميم من قصيدة "الهايكو" اليابانية. المعروف بان أهم الشعراء اليابانيين، والعالمين كذلك، كتبوا هذا النوع من الشعر ومنهم عزرا باوند، ويتيس وايمي لويل وكونراد وفروست وولاس ستيفنز واكتوفيو باز وايلوار وداج همرشولد، أمين عام الأمم المتحدة في فترة ما، وتوماس ترانسترومر، الحائز على نوبل للآداب عام 2011، وغيرهم. يقر(حسين عبد اللطيف) في مقدمة (متوالية هايكو) أن هذا النمط من الشعر، الذي احتوته المجموعة، ينطلق من منظور ثقافي آخر له أعرافه وتقاليده الخاصة به، وطابع توجهه العام والشخصي، ونسقه اللغوي الخاص الذي هو اللغة العربية بكل سياقات نحوها المتحكمة بطرق المعالجة، عند الكتابة، كما يلحقه بمجموعة من الإيضاحات (ص232 -233 ). تأسيسا على ما ذكره حسين في المقدمة نرى إن إلحاق صفة (الهايكو) بهذه المجموعة يخضع لمسألتين أراد حسين توضحيهما،بقصديةٍ، أولهما احترام القراء الذين سيربطون بين هذه المجمـــــوعة وقصــائد (الهايكو)،وثانيهما النجاة من مآخذ، بعض النقاد الذين لابد أنهم سيأخذون عليه أن ما جاء في هذه المجموعة صدى أو تشابه مع قصائد (الهايكو)، وبذا فهو يقطع الطريق على سوء الظن الذي ربما سيحدث، أليس حسين هو مَنْ أورد في المقدمة خصوصية هذا النمط، عربياً، في مجموعته؟!. لذا كنت أتمنى ألا يلحقه بـ"الهايكو" بل يكتفي بما ذكره كونه"ومضات" أو ما أطلق عليه بـ"التوقيعات"، ولحسين في ما فعل اجتهاده وهو حر فيه، ولا يقلل ما تمنيته من قيمة هذه المجموعة مهما اتخذت من أسماء. (في هذا النمط من الكتابة يتعيّن على أي شاعر أن يستحضر كلّ أعماله الشعريّة السابقة ويستخلص الفهم الدقيق لقراءاته قبل الشروع في كتابة ما يحاكيها. كتابة قصيدة (الهايكو) وفقاً لما نتصوره من تطبيق لجميع شروطها (معاييرها) هي عملية مواجهة Confront على أن هناك رسائل في قصيدة (الهايكو) خاصة بالمتلقي هي التي تشكل البنية الحقيقية للقصيدة. الابتعاد عن هذه المعايير تعني فض المواجهة (التحدي) بين ما نكتب - نحن العرب- وبين ما يكتبه اليابانيون، وغيرهم أيضاً)- صحيفة "الصباح الجديد- الأستاذ المترجم نجاح عباس رحيم/ بتصرف". يبتعد الشاعر حسين في متوالياته أو توقيعاته جميعها عن الذهنية التي تمكنت من بعض قصائده في شبابه الشعري.ويُعطي في مجموعته هذه حيزاً واسعا للحسيّة ويبدو مفتوناً ومتماهياً معها عندما يخص صغار ما تنتجه الطبيعة من حيوات مهتماً بها أشد الاهتمام:

"كل ليلة على مدى الخريف

احضر الحفل الموسيقي

الذي تقيمه.. الجعلان"

*

"هلا سمحتِ لي بإطفاء السراج

فراشتي العزيزة

أريد أن اخلد إلى النوم"

*

"آه يالمشط( الواوي)

من مشط

يرجَل به

ريش الدجاج"

*

"بعد الأقحوان

لا خزامى

ولا رند

ولا أرجوان."

*

ثمة الكثير من الاهتمام بالطبيعة الجنوبية، العراقية، و تحتشد بأسماء بعض الأماكن وسماتها و تلك الحيوات الهشة الموسمية في دأبها الدائم على مواصلة الحياة على رغم معوقات الطبيعة ذاتها، ومنها الوقوق: طائر الليل عذب الغناء، واليعسوب: ما يسمى،محلياً، بالبازنينو أو لمبة الليل وطيور الاتو البحرية وصراعها الدائم للحفاظ على صغارها من الصيادين، والقطرب وهي حشرة من مغمدات الأجنحة تضيء ليلاً والفزان طائر اكبر من الحمامة ويسمى ديك الجبل والصعوة طائر اصغر من العصفور لا يكف عن الزقزقة والبلابل التي يدس لها الفلفل الحار في الطعام فتؤدي حسناً ويلتهب بالتغريد. لم يراعِ أو يعمل حسين عبد اللطيف على التسلسل المنطقي في ترتيب موضوعات "متواليته" على وفق موضوعاتها فهو إذ يتحدث عن الأشجار والخريف والشتاء ، وفزاعات الطيور، المصنعة للذود عما هو مزروع بشرياً، والحيوانات الهشة الموسمية ودأبها في موسم الربيع على التفتح وسعيها للحياة ويتواصل معها منذ البداية لغاية الصفحة (39) ثم يتحول عنها إلى ( أناه):

"قطع عليّ طريق خراسان

ولم يدعني

أبلغ الري !"

*

" يوم كل الأرواح

أشعل شمعة

واحتفل

بموتي!"

*

"بسعالي الديكي

أقلد صياح الديك

وانجح"

*

"بميل طفيف

في زاوية النظر

أراني الجبل

قمعاً مقلوباً"

*

"رجوتك أيها اللقلق

أن تبني عشك

في بنايات حروفي

العالية."

*

"أرد يدي

إلى جيبي

فلا احد،لأودعه."

وكان من المنطقي والضروري أن تأتي "المتواليات" أو "التوقيعات" منسقة حسب موضوعاتها وأجوائها لا أن تكون مبعثرة هنا وهناك.

*

في بعض (المتواليات والتوقيعات) يعمد حسين لكسر، ومعاكسة أفق التوقع لدى المتلقي:

"فرس النبي

الفرس الوحيدة

التي بلا سرج

ولا لجام"

هنا يذهب الذهن إلى الكامن في الذاكرة الشخصية و الجمعية، والمقدس بالذات، متجهاً نحو (البراق) فرس النبي "محمد"(ص ) التي أسرى عبرها إلى بيت المقدس، والسموات السبع،حسب المتواتر الديني، لكن في الهوامش نكتشف أن المقصود بـ"فرس النبي" هي المعروفة شعبياً في الجنوب العراقي بـ(اللّبية) وهي حشرة خضراء تشبه الجرادة، طويلة الجسم والساقين عيناها واسعتان ولها أجنحة شفافة وجسد رقيق تتلاعب به الرياح كيفما تشاء.

*

ثمة الكثير من "المتواليات" التي يرى (حسين عبد اللطيف) ويحدق فيها بعيونه، ولعل غيره لا يرى فيها ما يراه:

"بائع الفرارات

يدور في الأزقة والأحياء

وفراراته تدور في الهواء".

*

" الخادم

بعد أن نظفت المنزل

طوت المقشة كالجناح

ووضعتها تحت أبطها لتستريح".

*

"السهام

بلا طابع بريد

و..........تصل".

*

" قال السهروردي القتيل

كيف تقيمون للصلاة من يوم الجمعة؟

قالوا: بالتجارة مع الرب!."

*

"لأن الجريمة

تثقله تقوس ظهر الخنجر

وانحنى".

*

أحياناً نحاول السعي للوصول نحو درجة مقبولة، لابد منها، في تعاملنا مع الحياة وما يحصل فيها خلال أمرّ أوقاتها وأكثرها شدةً و ألماً شخصياً، وهو ما سعى حسين عبد اللطيف نحوه، في بعض متواليالته أو توقيعاته التي يستعيد فيها بحزن ولوعة ومرارة فاجعته في ولده البكر(حازم) الذي توقفَ عن الحياة، وانطفأ عند توهج ربيعه:

"( نعَيج الماء) يطير

ظلك ذا...... ينحسر

لن تجدني بعد الآن أفيء إلى شجرة!."

*

"في هذا العالم ما اشد ما اتالم

فاحمله بقاربك بحنو ولطف

اورشنابي".

*

"في الدنيا، أدمته الأشواك

احمل عزيزي على كتفكِ

بلطفٍ ييتسوjizo".

*

اورشنابي في ملحمة كلكامش الرافدينية نظير ييتسو(jizo ) المرافق للموتى في المعتقدات اليابانية. حسين عبد اللطيف في (متوالياته) أو كما ذكر (توقيعاته)، يخاطب الأشياء بحنو في واقع صلد و قاس، ونتلامس،ونتواجه، فيه مع اللامتوقع، كاشفاً عن ذاته بانكسارِ مهزومٍ، لا يقر بهزيمته أو يستسلم لها، مع أنه عاش تجارب حياتية خذلته كثيراً وتركت على روحه وجسده ندوباً لا تُمحى، لكنه بدأبه وتواصله مع العالم ومواجهته لما عاناه وكابده، وعبر الشعر بالذات، وبالترافق مع تقدمه في السنوات، وتعزّزْ مكانته كشاعر مثابر اتسعت رؤاه وتمكن من أدواته، ولم يتجاهل وصية " لوتشي"، الشاعر الصيني والقائد العسكري الذي حكم عليه بالموت عام 303 ق.م، بعد معركة خسرها، وأشاع للجميع تلك الوصية (ارشيبالد ماكليش) :" إن فنّ الشاعر طريق للمعنى.. طريق تجعل العالم يعني شيئاً".

*

في الساعة الثانية قبل ظهر يوم الخميس الموافق العاشر من تموز-2014 اقتاد طائر الموت "حسين عبد اللطيف"، بعيداً عن واقعنا الراهن، ولحظاته الساخنة - المريرة؟!.بعد طقوس التغسيل وصلاة الموتى، شيعناه مشياً على أكتافنا، ومنها على سطح سيارة، سوداء؟!. في الساعة الرابعة والنصف عصراً، كان "حسين عبد اللطيف" منقولاً نحو مقبرة نائية، "جـثـة" في تابوت خشبي اسود كذلك ؟!.

*وزارة الثقافة- بغداد- 2012 - ط1 - دمشق. الغلاف للفنان والناقد: خالد خضير الصالحي

 

رواية "أَعْشَقُنِي" رسالة إنسانيّة خالدة يتوجب عولمتها

sanaa alshalanليس مفروضاً احتراف الأدب للقراءة بنهم وعلى نفس واحد لرواية " أَعْشَقُنِي" للمبدعة الفلسطينيّة، ذات الجذور الخليليّة والمقيمة في عمان، الدّكتورة سناء الشّعلان. يكفي القارئ تذوّق الجميل وتخطي الاعتياديّ والنّمطيّ والمنهجيّ العالميّ في مستوى الخيال، والتّسلّح والاستعداد لخوض آفاق جديدة، ليسافر إلى رحلة مستقبليّة، حيثُ الرّوائيّة تسحر ذهن القارئ بأحداث تدور في بداية الألفيّة الرّابعة.

يجود خيال الرّوائيّة بلغة تحقّق مطالب الشّعر المرهف، بتقديم مجتمع إنسانيّ قد استقرّ في المجرّة الكونيّة، متنقّلاً بين كواكبها بوسائل متطوّرة، وذلك بعد حروب ضارسة، مستعملاً تراسانات فتّاكة أدّت إلىانقراض الثّروة النّباتيّة، فصارت ذكرى وموضع دراسات، وهناك تطّور تكنولوجيّ يحقّق إشباع حاجات البشر، مثل التّغذية بتناول الأقراص، وهناك تنعدم الموسيقى والشّعر والرّوحانيّات، حيث التّناسل تتمّ ميكانيكيّاًً بتوصية من الوالدين مع تقديم مواصفات الوليد للحكومة التي تقوم ببرمجمة المولود؛فلا زواج ولا زفّة ولا سهرة حناء ولا حمام العريس ولا دخلةولا زغرودة أم العريس.

"هي هي، اشتراناها بطيخة... طِلعتْ حمرا ومليحة" هكذا الطّقس في بلدتي، وأنا البعيد عنهامنذ ثلاثة عقود ونصف، أمّ الفحم الفلسطينيّةالحبّيبة.لا ولا وفق الطّقوس الأوروبية الشّائعة وصرخة نشوة المحتفين" فيفا يي سبوزي" (فليعش العروسان)، ولا ولا وفق الطّقوس الأمازيغيّة البربريّة*، وأصررتُ في حفل زواجي من الكاتبة المغربية زينب سعيد إنجازها بحذافيرها لما فيها من جماليات محرّمة على العقل الأوروبيّ، عشتُ تلك الطّقوس ووصفتها آنذاك كما في الرّابط أدناه .

بيد أن "شمس" الوليدة هناك في بداية الألفية الرّابعة، وبسبب خطأ تكنولوجيّ في استئصال بعض الجينات جاءت إلى تلك الدّنيا بخصال تعيد إليها بعضاً من الصّفات الإنسانيّة المنقرضة، تتمرّد وتحبّ، وهناك الحبّ منقرض، "خالد"(وهو)أيضاً لأسباب ما يتقاسم خصال إنسانيّة مع شمس؛يشاركها التّمرّد، يجمعهما العشق، ويقرّرانأن يُنجبا وريثاً بطريقة إنسانيّة منقرضة، فيتناكحا دون الطّقوس.

تفيض قريحة الدّكتورة سناء الشّعلان في وصف الدّقيق والعميق والسّائح والمارح من المشاعر الهائمة في الذّهن البشريّ بإناثه وذكوره، بلغة متمترسة وعذبة تحلّق بالقارئ عالياً، وتغوص به عميقاً، وترجعه سحيقاً في الدّكتورةإلى حيثيّات النّشوة والكراهية والحقد والحبّ ... الخ من الأحاسيس المهمّة لأنّها مدموغة بالخالق الأعلى.

   تحمل "شمس" من حبيبها" خالد" الذي يسافر إلى كوكب آخر لتجنّب العقاب، وتعاقبُ الحكومة الحامل بـ "ورد"، كما يريد الأبوان تسمية الجنين، فيما تُعتقل "شمس"، وتبدو على مشارف الموت لتلف دماغها، وتقرّر الحكومة استغلال جسدها، ووهبه لدماغ مريض آخر ليعيش به، وهو القائد العسكريّ الكبير في المجرّة"باسل المهري".

تنجح العمليّة، وسرعان ما يكتشف "باسل المهريّ" هويته الجديدة بوصفه اثنى سراء ضئيلة الجسد وحامل أيضاً، يمتعض، يزدري، يحتجّ، ويقرف من أنّه أنثى.والجدير بالذّكر هنا تسجيل مأثرة قدرة الكاتبة على إظهار الجانب الذّكوريّ بأحاسيسه والإطناب في الوصف التّقريريّ النّاجع والنّاجح لعقلية الذّكر، وهي بذلك لا تخصّ عقليّة الذّكر العربيّ، بل تعمّم التّجربة على الذّكر في كلّ مكان زمان ومكان.والرّوائيّة في الآن ذاته تشير إلى التّعاليم السّماويّة الإسلاميّة التي تحصّن المتمسّكين بها من المضاعفات النّاجمة.

بيد أنّه لأسباب بيولوجيّة، ومنها التّبادل الهرمونيّ بين الجنين والحامل ذي العقل الذّكوريّ، يبدأ الأخير بالتّفاعل مع جنينه واستقراء مطالبه والاطّلاع على سيرة صاحبّة الجسد "شمس" وهدفها من تمرّدها في الإنجاب بطريقة إنسانيّة.واضح أنّ التّواصل مع الجنين قد أيقظ لدى العقل الذّكوريّ عناصر إنسانيّة منقرضة، ورويداً يرتضي بحالته، لا بل بعد مراجعة مذكّرات "شمس"، وهناك رسائل عشق هائلة يتعرّف عليها"باسل المهريّ"، فيقرّر أن يجاهد، وأن يتحمّل، وأن يقدّم التّضحيات لإكمال مشروع الولادة على الطّريقة الإنسانيّة الطّبيعيّة ليصرح بتماهي:"أَعْشَقُنِي"، ويكمل المشوار برضا تام.

"أَعْشَقُنِي"رواية ذات مضامين تخصّ البشريّة، وذات رسالة تنبيه لمُسيري الإنسان للعواقب الوخيمة التي تتأتى عن النّهج الحالي، وتدعو الكاتبة، بنت الخليلمرقد الآباء، إلى العودة إلى التّعاليم الأولى.

" العودة" إلى أرض الوطن مسألة فلسطينيّة بامتياز، فما زال اللاجئ الفلسطينيّ أينما كان، محافظاً على مفاتيح بيته المهجر منذ أكثر من ستة عقود، وفوق كلّ شيء، وكمهنته الأزليّة الأولى، الحفاظ على مفاتيح القيم الإنسانيّة كما ورثناها من أبّ الآباء، سيدنا إبراهيم عليه السّلام.

الرّوائيّة سناء الشّعلان أعادتني إلى جذوري الخليليّة، فالمحاميد أخوة الجبارين في بلدتي أمّ الفحم ينحدرون من بيت جبرين في الخليل، و" أَعْشَقُنِي " أعادتني إلى "أنشودة بهاء الدين ".(صدرت عن مكتبة الارتقاء الرّقميّة عام 2013 في الرّياض).

وهي تقديم لحكايتي" الطفل الذي جلب السّلام" المنشورة بالإيطاليّة والفرنسيّة والعربيّة.كنت قد دُعيت لتقديمها في أيّار 1998 في مدينة بيلونو الإيطاليّة، وقُبيل أيّام من الموعد سقط أطفال فلسطينيون شهداءً في القدس، فأستحوذ بهاء الدّين شخصيّة الحكاية على ذهني.ذلك الطّفل الفلسطينيّ الذي يضطر للتّهجير عنوة من أجل جلب السّلام لأولئك المرضى، القادمين من أصقاع الأرض، والمتشبّثين بتلابيب وطنه مطالبين بالسّلام.يسافر بهاء الدّين يلتقي حضارات، ويكتشف هزلها ومكننة المشاعر الإنسانيّة وفقرها للسّلام الحقيقيّ، ويعود بتلخيص وخطاب يدعو فيه لأنسنة الإنسان الحالي.

عوضاً عن خلاصة الحكاية، أقدّمها في مدينة بيلونو الإيطاليّة بأنشودة، أهديها للكاتبة العملاقة الدّكتورة سناء الشّعلان.

هكذا تبدأ :

أنشودة بهاء الدّين:

من فجر الزّمن الحرّ

إلى غداة المدن الوديعة

إلى شروق الشّهوات

شرعت يدي لبيادر الحلم

والكلام الأصيل

يهديكم لمسّ الصّلوات

من بيارق الحبّ الأول

من بلد القدس

لكم يا أهل بيلونو السّلاما

هذي حكايتي

وبهاء الدّين يمقت

سرد المسير

اجترار المسافات

ويضيع في العاصفة

كلما ذهب لنفسه

رجموه بالصّاعقة

كلما عرّج

على ضفاف حلمه

رشقوه بالنّاصية

كلما آخت أشعاره

ترانيم القوافل

قذفوه في البركان

وهاجوا

وما فرّ

وما كرّ

وما لانت له قانية

فيا أهل بيلونو

لكم الرّغد

ولكم مني السّلاما

 

وهكذا تنتهي :

والآن

وقد اتّخذ المخلوق

شكل شاشة الكمبيوتر

وفي الفايل

خزّنا رائحة الياسمين

الصّواريخ النّوويّة

تعبر القّارات

دون إذن

تصيب أهدافها

بكلذ يقين

سأدعو للصّلاة الحّة

والحوار المتين

ماذا تريد يا أبتِ

هل تزوّجت البندقيّة

وامتطيت

شهوة السّياسيين

لم تصبغ شعرك

بكبريت رصاصهم

لتنجب الدّولة

فحافظ على

شهوة الكون فيك

على عظمة الفكرة

وأذهب إلى عاصمة

النّازحين عن

صدر أمّهم

اذهب وفاوض

واسحب ترابك

من تحت

أقدامي

لكن لا تساوم

على فطرة الخالق فيك

لا تساوم

وافضح كلامك الحرّ

يا ابن أمي

لا عليك

سيلتقطة عابرو

الزّمن اللّوطي

على جثتك وأرضي

وسيسجله الهواء

في مفكرة الدّكتورة

فاسحبّ يديك

وانظر في الأفق

صوّب أمامك

وكلامك للتّاريخ افضح

لا تجعله أبداً

في القلب يجرح

واذهب إلى

عواصم الزّجاج

والبيوت الحريريّة

قل نعم

كيفما شئت

وأينما شئت

لكن

لا تراهن

على شبق

الكلام الحرّ فيك

لا تناقش

على لغز الروح

الموهوبة فيك

لا تجادل

على زركشة التّهاليل فيك

لا تساوم

وانتظر

يحق لك الانتظار

فمن السّواعد الحرة

من العرق البريء

سينفجر الانتصار

فاذهب في القبائل

تنشر أغنيتك الأولى

على رماد الورى

ولتغني مثلما

كنا نغني

وندعو النّاس للخرافة

ندعو النّاس لبداية

البدايات

والأهازيج البسيطة

 

شكراً للكاتبة الدّكتورة سناء الشّعلان لهذه الدّعوة الذكية، العودة إلى المفاهيم والأحاسيس الأصيلة التي من خلالها تقوم بطقسها الأبديّ بوصفها " بنت الخليل" للبشرية جمعاء مُحذرة من مغبة طول هجرة الفلسطينيّ عن دياره، إذ إنّه لا يأل جهداً أينما كان في تقديم حلول سلام لشعوب الأرض.

الثقافات الحالية بحاجة إلى مفاهيم والخيال في "أَعْشَقُنِي" برسائله الاجتماعيّة والعلميّة والفنيّة والسّياسيّة حاضر بكلّ قوّة.لذلك أقول لا بدّ من عولمة هذه الرّواية، كما عوْلمَ آباؤنا الأولون-بكلّ نجاح- تعاليم الفجر الحرّ منذ زمن إبراهيم عليه السّلام.

* رابط العرس الأمازيغي:

http://www.doroob.com/archives/?p=28451

 

بقلم د.صلاح محاميد/إيطاليا

 

فاعلية الانتظار ومتعلقاته في (من يطرق باب الضوء ...) للشاعرة رفيف الفارس

alihusan alkabazقراءة في مجموعة من يطرق باب الضوء ...

لكل شاعر عوالمه الذكية المرتكزة على نوعية استيعابه للفهم الجمالي ومعطيات تجربته وقدرتها على توصيل الفعل الابداعي الى متلقيه عبر منطلقات محورية تكون بمثابة الشريان النابض والذي تتفرع منه الاوردة الشعرية ، فكان الانتظار هو المرتكز المحوري لشعرية ( رفيف الفارس ) في مجموعتها ( من يطرق باب الضوء...) وضعت التوقيع الاعمق والاكبر لجميع انتظاراتها المستديمة فتقول

(انا كل ما في شرايني اليِه .. إنتظار ) ص53

 

741-rafifوللانتظار عوالم كبيرة تحتوي المؤثر النفسي وتحمل بين طياته أرضية تأويلية فاعلة في ذهنية التلقي كمرموز فلسفي روحي وهذا المعنى سيعطي للقراءة بعدا آخر هو البحث عن المؤولات بجميع مستوياتها المتداخلة في عملية البناء القصدي وغير القصدي ومثل هذه الاشتغالات غنية باللواعج النفسية والمعاناة وتعكس رؤية الشاعرة عبر قيم الانتظار ومتعلقاتها التي كانت لها السطوة وهي وحدها تحتاج الى متابعة خاصة لاتسمح لها الورقة الانطباعية بدءا من العنونة الاستفهامية الشرطية ، والمنطلق التغريبي بين ربط مكونات الباب ـ الضوء وهذا المتعلق ابتكاري خاص بتجربة المنشأ، والقصد ان الموجهات الدلالية تتسع عند مكامن الانتظار لتشكل مواقف انسانية

(يَنذُرني بُعُدكَ هبةً للغور

لا ينبض بي إلا صدى نبضك

يسابقني دمي الى قرار اوتارك

أتهجدك فجر أمنية وانتظار) ص5

 

سعت الشاعرة رفيف الفارس الى تبني فلسفة الانتظار وربما اختارها العقل الباطني لما تحتويه من ثراء روحي وسيرورة معنى لها طابع الحزن والالم والمعاناة لكن بعيدا عن اي انكسار نفسي بل على العكس صار يشكل حالات تجلي نقرأ بعد قرائتها الكثير من الجمل الساكتة، وهذا هو معنى وجود بنية عميقة دلاليا تعتبر هي قيمة النص الحقيقية بما تثمر من منتج ابداعي،

(قبل آلاف السنين

لا يزال الدفء يلثم المطر

ولا تزال مظلتك

تنام في زاوية الغرفة

تناديك والمطر

وانا والانتظار ...) ص11

 

اشتغالات دقيقة في تشكلها الجوهري والتي تنفتح على اجزاء غنية تشتغل في المنطقة الشعورية الجاذبة ، لترسم ملامح ابداعها عبر التداخل الشعري المؤطر والمشحون بشعرية التوقيع كحالة تعبيرية تصبح كانها أوعية للهموم والاحزان وانفعالات الخاطر المجروح،

(ألوي الدهر و يلويني

امتلأت الروح بانواعِ الهموم,

وهناك

في البعيِد

على قارعة الطفولة

يأتي صوتُك

ملؤه الحنين

يوما سأبصر عينيك

وأنتظر لحظة القراءة)

 

ونقرأ

(أبحث دوما عن حروف لا تكتبها

تتناسل فيّ ألف قصيدة من زمن الانتظار...)

 

وللانتظار متعلقات حياتية وضميرية استطاعت ان تعمق مسارها الحضوري ، فكل ماضي يمتد طوعيا الى الحاضر لانه لايمثل حالة الانكسار ، وانما يماثل الواقع المعاش ويمتد الى مستقبل يعكس الاصرار النفسي الذي يبين مرارة الموقف الانساني،

(دموعنا التي تروي أكفّنا

جفت .. ملأت وجوهنا ا لآخاديد

غرست

في قلوبنا الحفر

جفاف ... متى يأتي المطر

يروي الحقول .. يروي القلوب

يبلل الخود

يمازج الدموع

سأبكيك عمرا وانتظار..) ص10

 

يحضر الانتظار في وعي الاشياء وعلاقة العالم بما يضمره من امكانات لتوحيد رؤية الوجود ككل، وهذا يعني بطبيعته سيتجاوز النسق الواقعي ويعتمد على فاعلية التخييل، التي تترك بصمتها الروحية على قلب القصيدة

(لم اعد أملك إلا روحا

وبقايا اشتياق

وامنيات الرجوع

فلارض انتظار

للمسة السماء .. لذرف السماء .. لينابيع المطر) ص12

 

يرى بعض النقاد ان الانتظار حالة تسرق العمر وانتظارات رفيف الفارس مساعي اكتمالية ترتقي باللاوعي الى وهج السمو والتسامي

(على مر الدهر باقون

وابتسامة تلوي الشفاه

عيوننا في عيون الشمس

كما النخيل) ص19

 

قصائد ترسم ملامحها خارج التشكيل الحرفي للجملة بل تذهب الى ابعاد ذهنية لتشكل المساحة الممكنة بالمعلق في الذاكرة، من يطرق باب الضوء، مجموعة شعرية عرضت امكانية القدرة الاستنهاضية الكامنة في الوجع والقلق، وقدمت يقظة ادراك فاعلة تستوعب قيم الفن والجمال.

 

علي حسين الخباز

المواجهة الحضارية في شعر بشرى البستاني .. قصيدة (أندلسيات لجروح العراق) نموذجا (3-3)

bushra albustaniثالثاً: الأنا الحضارية ومواجهة الآخر: تتحرك الذات الشعرية في القصيدة في صورة تجعلها تعبيرا عن الانا الحضارية ليس بوصفها (انا) المغلوب على امرها، بل نراها (انا) تقف على مسافة من الآخر، بوصف هذا الآخر نداً تستطيع مطاولته، وهذا الموقف الحضاري للذات الشعرية تجعلنا ننظر اليها على انها ذات غير مستسلمة للواقع الذي تتحدث هي عن مأساته، فعلى الرغم من اللحظة المنكسرة التي تمر بها الذات وهي تواجه حربا شرسة غير متكافئة من الناحية المادية، الا ان الروح المعنوية التي تتحلى بها تجعلها ذاتاً صامدة متحدية ومتسلحة بكل ما تمتلك من ارث حضاري ساعية الى ان تتخطى كل المعوقات التي تواجهها .

وكما قلنا في مقدمة بحثنا: ان الشاعرة في مجموعتها (اندلسيات لجروح العراق) تبدو رومانسية للوهلة الاولى، الا انها كانت تحاكي آلامها وجراحها التي تماهت مع جروح العراق، لتصنع الشاعرة من هذا التماهي معادلة شعرية المتكلم فيها الذات والمضمون هو العراق، فذات الشاعرة ليست ذاتا منفصلة عن محور القصيدة ولا هي ذات رومانسية تتحدث عن واقعها الخاص، بل هي ذات متداخلة ومتغلغلة في الـ(انا) الحضارية لشعبها وأمتها وماضيها الذي تعبر عنه من خلال تمظهرات عدة .

وقد اتكأت الشاعرة في التعبير عن (الانا) على الفعل المضارع بصورة مكثفة، وهذا ما يظهر منذ بداية قصيدتها:

 

تسائلني الاسلحة العزلاء عن السرِّ

وأسألها عن نبض الفجر

واجثو عند خزائن بغداد وآشور

امسك قلبي من وجع التفاح

عناقيد النخل على الاعواد

الكابوس يعاودني

اشهق في قاع الجب

وابحث عن سيارة اهلي

اسأل غصنين ينامان

على صدري ..

عن سر الجبل الصامت في قلب الصحراء

ارقى درجات الوجد

مغمضة العينين

وامسك برقَ البلور .... (71)

 

يهيمنالفعل المضارع على هذا المقطع هيمنة الواقع المُدان، إذ تبدأ الذات الشاعرة قصيدتها من خلال منظومة فعلية متجلية في الحاضر المستمر المتتابع عبر سلسلة من الصور الشعرية المكثفة التي تعبر عن قدرة متميزة في رسم المشهد المكثف الذي تريد أن تصل إليه الشاعرة وهي تصور واقعها بوصفها ذاتا غير منفصلة عن واقع العراق/ الحضارة، اذ تعتمد على حركة الفعل المضارع في بناء حدثها الشعري (تسائلني/ أسأله/ اجثو/ امسك/ يعاودني/ امسك/ ابحث/ اسأل/ ينامان/ اشهق)، لاسيما وان الفعل المضارع (يعد مركز الزمن اللغوي فهذا الزمن له مركز مولد محوري معا في حاضر استعمال الكلام وكل مرة يستعمل فيها المتكلم الشكل النحوي للحاضر أو الذي يقارنه بموضوع الحدث كمعاصر لاستعمال الحديث الذي يبنيه وهذا الحاضر يجدد ابتكاره كلما تكلم الإنسان لأنه حرفيا لحظة جديدة غير معيشة بعد وهذا ما يجعل النص يختزن طاقته وتجربته القابلة للتجدد مع كل قراءة، وبنية الزمان في النص وهي المحصورة في الحاضر تعطينا إمكانية مهمة لإدراك العالم المقدم لنا من طرف الشاعر) . (72) فاقتصار المقطع هنا على المضارع التام حصرا دون الاستعانة بالماضي ولا الأمر ولا الفعل الناقص يؤكد (الانهماك التام بلحظة الحدث لافتا لأهمية الوقائع السوداء التي تجري فيه)(73)، كما ترى الشاعرة .

إذ من خلال هذه الأفعال المضارعة تسعى الذات الشاعرة الى رسم مشهد من الواقع المؤلم الذي تمر به هذه الذات، فهي تستحضر قدرات الانا الحضارية التي تمتلكها الأمة الا انها غير مفعلة في رد غزو الآخر، ولهذا نراها تستنطق (الاسلحة العزلاء) عن السر، تلك الأسلحة التي بقيت صامتة لا تنطق ساكنة لا تتحرك، وهي تسأل تلك الاسلحة عن (نبض الفجر) الامل البارق الذي يكشف عن طريق الخلاص من حدة الازمة التي تمر بها الذات، فالامة تمتلك من القدرات ما تستطيع ان تصد به اعداءها عن النيل منها الا ان الواقع المرير المشتبك بسلبياته والذي تعيش خذلانه جعلها بعيدة كل البعد عن تلك القدرات بل هي بعلم او بدون علم منها تمنح تلك القدرات للعدو أسلحة مضافة لأسلحة عدوانه عليها ناسية هذه الحقيقة ومستهينة بها، ولذلك نرى الشاعرة تحاول ان تستعرض بعضا من هذه القدرات:

(خزائن بغداد وآشورَ

عناقيد النخلْ

اسأل غصنين ينامان على صدري

عن سر الجبل الصامت في قلب الصحراءِ

وامسك برقَ البلور) .

 

ان الذات الشاعرة تسعى الى ان تستحضر قدرات العراق المعنوية والمادية، فهو موطن الحضارات الاولى في العالم(خزائن بغداد وآشور) وهو كذلك موطن الخيرات(النخيل / دجلة والفرات / الصحراء وما فيها من كنوز النفط والمعادن)، الا انها تختم مقطعها بافضل ما تمتلك هذه الامة وهذا البلد (وامسك برق البلور)، والبلور في احد معانيه (الرجل الضخم الشجاع) كناية عن صلابة إنسان هذا الوطن المستباح، الا ان السر هو في الخيانة العظمى لهذه الامة وليس فيما تملك تلك الامة التي تركت بلدا عظيما للاعداء وباعته بابخس الاثمان، (اشهق في قاع الجب / وابحث عن سيارة اهلي)، فالشاعرة توظف قصة النبي يوسف (عليه السلام) تلك القصة التي تعبر عن خيانة الإخوة لأخيهم النبي صاحب الرسالة في إشارة خفية لشمولية المؤامرة من جهة وكونها مكشوفة من جهة أخرى، فضلا عن يقين خفي بانتصار الرسول حامل الرسالة ولو بعد حين .

والشاعرة في متن قصيدتها تسعى الى اغناء هذا المشهد الحزين من الخيانة والخنوع والضعف الروحي من خلال مشاهد عدة، فمرة تستعير صورة من الحديث النبوي الشريف الذي وصف فيه الامة في حال ضعفها الذي سيكون فيما بعد بانه (غثاء كغثاء السيل):

دبابات الغزو تدور ...

فوق الدبابة قبر رسول الله يصيح:

غثاء السيل،

الليل .. (74)

ومرة من خلال صورة (الطلقات الخلب) إشارة الى خواء المقاومة الحضارية المطلوبة من الأمة وهي حاوية كل الماديات القادرة على المجابهة:

غبار الطلقات الخلب يوجع قلب الأرض

يتكئ الزيتون على ورد الشيح

ويبكي .. (75)

وتسعى الشاعرة الى رسم صورة أكثر بشاعة من (الطلقات الخلب) فاستباحة شرف النبلاء بفتياتهم دفعهم لاغتيالهن حرصا عليهن من الاغتصاب، فهل كانت الشاعرة تستشرف ما سيجري في سجون العراق من ظلم وانتهاكات:

الآباء

يخفون الطلقات بصدر العذراواتِ

ضفائرهن على الرملِ

يخضبها الدمْ

وجع في اعينهن عراقيٌّ (76)

..................................

دبابات الغزو تدور

فوق الدبابة زنار مقطوع

عطر صحراويٌّ يتدحرج في المنعطفات

تلاحقه العربات (77)

...............................

منكفئ مثل حصان مهجور ..

جرحي ...

تلفحه الشمس العربيةُ

ينخره الدودْ ... (78)

وقد اتخذ ضمير المتكلمة (انا) الشاعرة هنا صورا عدة للتعبير عن ذاته التي هي بالضرورة ذات العراق/ الأمة / الحضارة / الإنسانية المجروحة، ومن هذه الصور صورة (الانا) الحضارية المحاوِرة، صورة (الأنا) الدالة على الحب والسلام، وصورة (انا) الأمل ..الحلم، المستقبل والتفاؤل، وصورة الحضارة القوية بجذورها .. والمنكسرة اليوم:

الانا

الحب       السلام     الحوار   حضارة (الانا) الامل

أما صورة الأنا (المحاورة) فقد اعتمدت الشاعرة في التعبير عنها أفعالا مضارعة دالة على المحاورة: (تسائلني/ اسألها.. يستدرجني/ استدرجه .. تعطيني/ أعطيها)، وفي هذا دلالة على معان عدة لعل اهمها ان الذات المتكلمة داخلة في صراع مع الآخر في مواجهة محتدمة ومتكافئة، فهي تقاوم المحتل مقاومة الند للند، اما المعنى الثاني فمما لا يخفى على احد ان الأفعال السابقة فيها دلالة على المفاعلة التي تدل على المشاركة والمحاورة، وهو إشارة إلى ان الذات لا تواجه الآخر الا من خلال الحوار الحضاري بدلا من الصراع العسكري والثقافي، فحضارة (الأنا) حضارة إنسانية .. حضارة رحمة، وحب، وهداية، واحتساب، واعتراف بالآخر، وليست حضارة حقد وصراع .. هي حضارة الإنسان، التي تدعو الى الحوار على كلمة سواء، وتعتمد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتتنكر للإكراه في الدين، وتبتغي إلحاق الرحمة بالعالمين، لان الناس، كل الناس، هم محل الخطاب السماوي .. والقوة في الإسلام إنما تشرع حتى تُحمى حرية الاختيار وتحقيق إنسانية الإنسان . (79)

ومن الصور الأخرى التي اعتمدتها الشاعرة في إبراز حضارتها صورة (الانا) الدالة على الحب والسلام، اذ حاولت ان ترسم لنا مشهدا رائعا تظهر من خلاله الحب الذي يكتنف حضارتنا بينما الآخر يطوق هذا الحب ويخنقه، بل يصلبه ويعدمه:

قميص حبيبي في أعلى الدبابة

أعدو خلف عبير العَرَق المتصبّب من كتفيهِ

وراء عناقيد الرطب المصلوب على عينيه

حبيبي يركض خلف رواق اخضرَ

خلف شتاء صهوته الحبُّ

وصبوته الطير الواكن في العشِّ

حبيبي يحمل وسط عويل الريح

أوراد الأرض

وحكمة ربان مجروح ... (80)

..........................

فوق الدبابة منديلٌ لحبيبين التقيا

وسط عباب القصفِ

وتحت النيرانْ

ضمّيني قال لها ..

فانهمر البجع الأبيضُ من عينيها

وتوارى الغيمْ

في اعلى الدبابة زهرة فلٍّ

من بستاني

من قطع الزهرةَ

من أعطاها الجنديَّ الأمريكيْ .. ؟

قالت عن بعد وهي تفوحْ

من باب الشمس سأطلع ثانية لاعودْ

نحو ترابٍ ينهض من أرديةِ الحمى

ويلمُّ شظايا الروح ... (81)

ان الشاعرة من خلال تعبيرها عن الحب إنما تسعى لإعطاء الحب معنى الاستقرار والخصب والطمأنينة والتصميم على التواصل مع الحلم والحياة من أجل الديمومة العراقية / الإنسانية التي جاء العدو لمحقها، مما يعزز القدرة على إحباط مشروع الآخر في القهر وكسب الجولة النهائي ؛ ففضلا عن ان الشاعرة حاولت ان تعبر عن ذاتها/ عراقها/ حضارتها بالحب فانها وبالقدر نفسه انما سعت الى ان تضفي على الحب قوة روحية عالية تستطيع بها أن تعيد التوازن والاستقرار والانسجام الى العالم الغارق في انانيته وحقده وكراهيته وهذا ما حاول الآخر نشره وزراعته في أصقاع الأرض، أما حضارة الذات فإنها تسعى الى اعطاء الحب مفهومه الحضاري وبعده الثقافي والإنساني الشامل لعل هذا المفهوم يرسخ عند الناس روح التسامح والسلام ويبعدهم عن روح الحقد والكراهية والحروب، وهل بين (الحب) و(الحرب) غير تلك الراء التي تقف بينهما ؟!

ف(الفرق واضح بين موقف العدوان الذي تمثله الدبابة وفلسفة الحب التي تعتنقها الذات الشاعرة وحبيبها الساعي نحو رواق (أخضر) بكل ما في الخضرة من رموز التوازن والخصب، وشتاء دافئ بالمحبة يعمه السلام والأمن، وأعشاش طيور لا تبعثرها الصواريخ والمتفجرات، إن الحبيب وسواء كان العراق أم الفارس فهو يرسم مشهد الصراع مكثفا في صورة واحدة: هم عويل الريح، ونحن تسابيح الأرض المتواصلة مع السماء بقيمها العليا وسمو مراميها، نحن الحكمة التي تدرك وتصبر ثم تصنع قراراتها، لكنها اليوم مجروحة بنارهم وعدوان حديدهم)(82):

حبيبي يحمل وسط عويل الريح

أوراد الأرض

وحكمة ربان مجروح

والشاعرة في نصيها السابقين توظف لونين دالين على ما تصوره وهما اللون الأبيض واللون الأخضر، وهذان اللونان وردا في أكثر من موضع في قصيدتها، فاللون الأخضر ورد خمس مرات: (التاريخ الأخضر)، (الطل الأخضر)، (أجنحة خضر)، (بريق اخضر)، (رواق اخضر)، أما اللون الأبيض فقد ورد في موضعين: (عباءات بيضاء)، (البجع الأبيض)، ومعروف ما لهذين اللونين من دلالات، فاللون الأبيض دال على النقاء والاطمئنان والسلام والراحة فهو (لون الضياء الدنيوي والنور الالهي وهو لون الأرواح الطيبة)(83)، كما ارتبط هذا اللون منذ الأزمنة القديمة بالنهار ومن ثم بالقوة السحرية التي تبدد الأسود أي الليل(84)، ولاسيما ان معنى الصفاء والنقاوة هو المقصود في اختيار اللون الابيض عند المسلمين لباسا اثناء الحج والعمرة وكفنا للميت، فضلا عن دلالته على الطهارة(85)، كما ان اللون الاخضر دال على الخصب والحياة الجميلة والحب، اذ ارتبط اللون الاخضر بالتجدد والانبات كما دل على البعث والنهضة والتجديد(86)، ورمز الى النمو والخلود والامل والنبل، (ان العودة الى مدلولات اللون الأخضر في المعارف الانسانية تؤكد كونه لونا ذا ابعاد كونية، فهو لون الماء والسماء والنار، وهو رمز الحماية المقترنة بالامومة، انه رمز الاطمئنان الربيعي الذي يخرج العالم من صقيع الشتاء الى دفء الربيع، ولذلك فهو لون مبارك في الاديان كافة ولاسيما في الاسلام والمسيحية، فضلا عن كونه يحمل سرا عجيبا لانه يأتي مزيجا من الازرق والاصفر، فهو صورة للحياة والموت والقدر والمصير، كما يحمل في طياته سرا لما يرمز اليه من معرفة عميقة خفية ترتبط بسر الإنبات والامل والعفة والانسجام)(87)، وتعبير الشاعرة بهذين اللونين(الابيض والاخضر) هو اشارة لما تحمل الذات/ العراق/ الحضارة من هذه المعاني العالية والقيم النبيلة، فضلا عما يخفيه توظيفها لهذين اللونين من اشارة الى المستقبل القريب بانزياح الاحتلال وتبدل الحال نحو غد لا بدَّ أن يكون أفضل حالا، وزمن أكثر حنوا على الإنسان .

في حين ان الشاعرة اعتمدت اللون الاسود للدلالة على كل ما يحيل على اليأس والحزن والالم وانعدام الأمل، وهذا ما يظهر في صورة أخرى من صور تعبيرها عن (الأنا) الحضارية ولكن بصورة منكسرة، فالشاعرة استخدمت اللون الاسود اكثر من استخدامها الالوان الاخرى، واللون الاسود في دلالتهيشير الى فقدان اللون (88)، كما يدل اللون الاسود على ما يستكره ويتشاءم، فالشعراء يعبرون من خلاله على المعاناة والآلام، اذ اقترن هذا اللون بالحزن والحداد ودل منذ زمن طويل على الموت او الشر، ووصف العرب به الاشياء التي كرهوا رؤيتها فالاكباد سود والجبان الخائف وجهه اسود والغربان سود(89)، ولهذا فاللون الاسود ولّد في الشعر نظرة سوداوية سلبية دلت على اليأس والقنوط، ولذلك نجد عند الشاعرة بشرى البستاني كثيرا من الالفاظ التي توشحت بالسواد كمثل (بين الينبوع وبين المشهد قمر اسود)(90) .

(القفص الاسود يعلو في الافق

القفص الاسود يقتنص الشرق)(91)،

(الموجْ / يقتحم القافلة السوداء)(92)،

(والسيركُ تحركه الزوبعة السوداء)(93)

وهذا التوظيف للون الأسود من قبل الشاعرة يعطي لمشهدها الشعري جوا من الالم والمعاناة والعذاب الذي تكابده في واقعها المتأزم .

وهذا ما تجلى في صورة (الانا المنكسرة) عبر تمظهرات عدة لعل ابرزها تلك الصور التي سعت الشاعرة الى تجسيدها من خلال عرض الرموز الحضارية وهي في حالة انكسار: فــــــ

ـ(جنائنُ بابل ظمأى

يرتعش الصمت على شفتيها

وعلى كتفيها يذوي الورد)(94)،

اما قبور بني العباس فقد

(اتعبها زحف العربات على قلب الأرض)(95)،

في حين بات:

(نبوخذنصّرُ والخلفاء

بجلال يبكون بصمت الليل)(96)،

وغدت

(ألواحُ متاحفِ بغدادَ بكف الريح

والثور الآشوري الباسم مرتعبٌ

غادر مرتبكاً

وبكى)(97)،

أما قيثارات سومر فقد كانت في:

(أركان المتحف والمنعطفاتْ

....................

.. تعزف لحن الحزن ..) .(98)

ان الشاعرة تعتمد حشدا من الصور التي تستلهم في تشكيلها مرجعيات تاريخية حضارية تتوزع هذه الصور بين تراث خالد من المظاهر الحضارية التاريخية ... جنائن بابل .. الواح بغداد .. الثور الآشوري .. قيثارات سومر .. قبور بني العباس .. فضلا عن الشخصيات الحضارية التي تجسدت في نبوخذنصّرُ والخلفاء، وهذه الصور التي تعرضها لنا انما تجسد وحدة الحضارة المتماهية في الزمان والمكان، مثلما تجسد التحام المعطيات الحضارية العراقية القديمة بالمعطيات الحضارية الاسلامية في صورة واحدة لا تنفصل بحيث نرى نبوخذنصّرُ الملك العراقي القديم جنبا الى جنب مع خلفاء بني العباس يبكون، دلالة على ان لحظة الانكسار هي لحظة واحدة جمعت في سياقها حضارات متباعدة الازمان لكنها ملتحمة ببعضها ومتواشجة لأن مبدعها واحد هو الإنسان العراقي، في هذه القصيدة (تشتبك اعراس التاريخ ومذابحه اشتباكا حميما وعنيفا، فانت لا تجد بغداد معزولة عن غرناطة، كما ان بابل لا تغرق في ركام الازمنة والامكنة البعيدة، بل تأخذ مكانها في مذابح هذا الزمان الموغل في تحولاته، ... لا تقف البستاني على مبعدة من حركة التاريخ، ولا تتأمله عبر ذاكرة مسترخية مترفة، بل تجعل من ذاتها نقطة التحام حارة لكوارث الحاضر والماضي، ولامجادهما ايضا ... يتم كل ذلك في مزيج دلالي عصي على الفصم) . (99)

ان الشاعرة تعلن في وضوح ان المعطيات الحضارية واحدة وان تباعدت الازمان واختلفت الاماكن، لان الحضارات كلها انما غايتها هي خدمة الانسان والسير به نحو التطور والتقدم، وبالقدر نفسه فان (حالة الانكسار والبكاء والحزن) التي تجلت أمام المظاهر الحضارية التي ساقتها الشاعرة انما تعزز رفض هذه الحضارة الممتدة لآلاف السنين لحالة الاحتلال التي انتهجتها حضارة الآخر الحديدية الدموية لانها بعيدة عن روح الحضارة الحقة التي يجب ان تقود البشرية الى بر الامان مثلما تهيئ اسباب السعادة لهذه البشرية التي شقيت بهذه الحروب ومظاهر الدمار التي توجتها حضارة الآخر عبر احتلالها العراق، وبذلك فان الآخر يكون مسلوب الأمن النفسي والسلام بهذا الفعل غير الإنساني .

ومثلما وجدنا الشاعرة سعت الى استدعاء المرجعيات التاريخية والحضارية لهذه الامة، فانها وبالقدر نفسه وجدت في المرجعيات الادبية ما يكرس رفضها لهذا النهج البربري في العدوان والاحتلال، ولهذا فان الشاعرة حاولت تشكيل ثلاث صور متميزة اخذت كل صورة مقطعا مستقلا، تمثلت هذه الصور في شخصيات ثلاثة: المتنبي وابي تمام والسياب، واذا كانت شخصيتا المتنبي وابي تمام قد وظفتهما الشاعرة في بداية المقطعين في استدعاءين افتتاحيين، فان توظيفها لشخصية السياب قد اخذ انتشاره في المقطع كله،

فصورة المتنبي تبدأ بـ:

دبابات الغزو تدورُ

المتنبي يشعل اشجار الكوفةِ

والاقمارْ

تتساقطُ في قاع الجبْ (100)

....................

....................

فالمتنبي الذي مجد انتصارات سيف الدولة على الروم، يعلن رفضه لكل حالات الغزو والدمار من خلال اشتعال الاشجار الذي هو دلالة على احتراق كل ما هو جميل في هذه الحياة، اما تساقط الاقمار، فان للاقمار دلالة خاصة في الوعي الجمعي العربي، فالقمر رمز للخصب والخير، ولهذا فتساقط الاقمار انما يشير الى حالة الانكسار التي تعاني منها الذات، علما أن الشاعرة استخدمت القمر رمزا في اكثر من مكان في قصيدتها، فمرة تستخدم القمر بلون السواد (قمر اسود)(101) دليلا على تعطيل الخصب وعملية التحول والتطور، لأن القمر لا يستقر على حال، ومرة تستخدم رمز القمر وهو في حالة انكسار (اقمار عشرون انكسرت في شجر الدمع)(102)، ومرة ثالثة تستخدمه متحولا الى وسادة (ياويلي قمر الحلمْ / صار وسادة)(103)، دليلا على مغادرة فاعلية الحركة، واجتماع هذه المعاني كلها في القمر انما يشير الى دلالة الانكسار..الحزن ..الالم .

اما صورة ابي تمام فتبدأ بـ:

دبابات الغزو تدور

ابو تمام ينشر بائيته فوق ضفافِ

الكرخ، الدباباتْ

صدقت في كتب العرافاتِ

انكسرت مُقَلُ العذراوات (104)

فابو تمام الشاعر – الذي هو وجه من وجوه الحضارة العربية – يرفض الصفحة المخزية لحضارة الآخر المتمثلة في لحظة الاحتلال والدمار، ولهذا فانه اذا كان في بائيته الحماسية الموجهة إلى الخليفة العباسي المعتصم الذي انتفض لنصرة المرأة التي استصرخت به حين نطقت (وامعتصماه) قد كذّب تنبؤ العرافين حين قال:

بيض الصفائح لا سود الصحائف في       متونهن جلاءالشك والريب (105)

فان الحالة الآن تغيرت، وان العرافين والعرافات قد صدقوا في تنبؤهم، والعذراوات قد استبيحت اعراضهن وانكسرت مقلهنّ وليس لهن من معتصم .

اما الشاعر السياب وهو كالمتنبي ابن العراق/ الحضارة فقد اعلن رفضه لهذه اللحظة، إذ وظفت الشاعرة رمزه ليغطي مقطعا باكمله على العكس من مقطعي المتنبي وابي تمام السابقين اللذين اخذا جزءاً صغيرا من مقطعيهما، والسبب في ذلك – حسبما نرى – في ان توظيف رمز السياب في مقطع باكمله هو دلالة على حدثية الموقف لحظة الاحتلال اولا، وعلى ان العراق/ المحتل هو بلد الشاعر السياب ثانيا، فضلا عن ذلك كله فان ساعة الاحتلال قد بدأت جنوبا حيث البصرة موطن شاعرنا السياب .

تقول الشاعرة:

دبابات الغزو تدورُ

السياب يشكِّل رأساً ينزف منه الحلمْ

ويخطط حورياتٍ تعدو بين النخلِ

وتشعل في اذيال النهر النار

........................

السياب

يعزف أغنية الأمطار وآبْ

مندهشٌ من رمل يتأمل أحذية الجند الأمريكيةَ

باسم الحرية تهوي الأبراجُ

التمثالُ يغادر شط العربِ

البصرةُ تجرح معصمها

كي لا تغفو في زاوية الخندقِ

والسيابْ

يرفع فوق شناشيل الحزنِ

جراح وفيقةَ

تتبعه الأشجارْ (106)

ففي هذا النص نجد ان الشاعرة تحشد مجموعة من تمظهرات المتن السيابي (النخل .. النهر .. قصائد الأمطار .. أغنية آب التي تعالج إشكالية علاقة طبقية .. البصرة .. الشناشيل .. وفيقة .. تمثال السياب في شط العرب .....)، وهذه التمظهرات بما فيها رمز السياب نراها تعلن حزنها وحالة الانكسار التي تمر بها الذات الشاعرة التي تدرك بسالة مقاومة البصرة للمحتل بالرغم من آلته المدمرة ونيرانه الجوية، ولهذا فالشاعرة استخدمت المفردات التي تعبر عن تلك الحالة، (ينزف، يشعل، جراح، مندهش، يغادر، تجرح، الحزن، تهوي)، ان رفض الشاعرة الحضاري انما ينطلق من المغالطة التي جاءت مع الاحتلال، فالغزو يسعى الى ان يضفي الشرعية على كل شيء يفعله حتى وان كان منافيا للانسانية، فكل شيء مباح باسم الحرية، ولهذا فالسياب بما تبقى لهذا الرمز من مظهر متمثل في التمثال المعدني الموجود على ضفاف شط العرب يغادر رافضا تلك المبادئ التي تقوم على قتل كل شيء باسم الحرية !

(إن نص الأندلسيات يلوذ برموز القوة في التراث العربي والعراقي، فالسياب بالرغم من معاناته ومن مرضه إلا أنه واحد من رواد الثورة والتغيير والتطوير في الشعر العربي الحديث، وأحد أهم المبدعين الذين نهضوا بهذا الشعر نحو مغادرة سكونيته والركود الذي رافقه قرونا باتجاه حركة فنية عارمة رافضا مهادنة التقليد، متطلعا لتحرر ثوري تقدمي حقيقي يحفز الفن نحو الأجمل ؛ ولهذا كان دوره في هذا النص عارما بالرفض واستنكار تزييف الشعارات) . (107)

وعلى الرغم من اللحظة المؤلمة التي تمر بها الذات، وعلى الرغم – ايضا - من الانا المنكسرة التي عبرت من خلالها الشاعرة، إلا أن روح الأمل والتفاؤل والغد المشرق تبقى نابضة حية متوقدة في انساق قصيدة شاعرتنا الدكتورة بشرى البستاني وهذا ما يظهر في صورتها المشرقة عن (انا) الأمل .. المستقبل، وهذه الروح الحرة التي تنظر الى الأفق في توهجه المنتصر تطلع علينا منذ الصفحة الأول في مجموعتها الشعرية (أندلسيات لجروح العراق)، اذ ان الشاعرة تهدي مجموعتها هذه (الى قمر عراقي سيطلع)، وهذا الإهداء يعزز روح الشاعرة في تجاوز أزمتها الحالية وعبورها الى الضفة الأخرى حيث الحلم بالانتصار، لاسيما وان الشاعرة عبرت عن هذه اللحظة بالفعل المضارع المرتبط بحرف السين الدال على الاستقبال، حيث ان هذا الحرف – بحسب رأي النحاة – يفيد الوعد بحصول الفعل(108)، وهذا الاستفتاح بهذا التعبير هو اشارة من الشاعرة في البدء إلى ان الألم والحزن والمعاناة التي تتخلل قصائدها انما يكمن وراءه امل في الخلاص وهذا الأمل هو ليس حلما مستحيلا وإنما هو حلم بحقيقة ستتبدى في الواقع والوقت وحده هو الفاصل بيننا وبينه، وما أسرع ما يمضي الزمن ليلوح الحلم، وهذا ما نلمسه في تعبيرها (الى قمر عراقي سيطلع) اذ ان طلوعه حقيقة واردة والقضية متعلقة بانتظاره، لاسيما وأن الشاعرة مولعة بالانتظار، والقمر - كما سبق - رمز للتبدل الزمني والخصب والخير والنماء وتبدل الحال من حال الى حال، ولذا فان الشاعرة تعتمده رمزا تحمله حمولات مكثفة من التفاؤل وتعقد عليه الأمل في الخلاص، مما جعل القمر لديها وكأنه المنتظر او المخلص، وهو ما تبدى أيضا في ثنايا قصيدة الشاعرة:

حقل الزيتون الغارق في قطرة دمع

يتحداهم في القمر الطالع

خلف الدار (109)

إن المفارقة الحادة الكامنة في غرق حقل الزيتون بقطرة دمع تعبر عن فداحة الظلم الواقع على امن الحياة وسلامها من جهة، وعن حجم الدمعة/ الحزن القادرة على إغراق حقل الزيتون . إن تشكيل مثل هذه الصورة داخل إطار سوريالي – كما ترى الشاعرة - لا يعني الخروج نحو اللا معقول ما دام اللامعقول صار هو القاعدة التي تشكل الواقع المرير، ولا عجب في غرق حقل الزيتون بقطرة دمع حينما تكون الدمعة بحجم وجع العراق وآلام شعبه وجروح إنسانه، لكن المفاجأة تكمن في أن حقل الزيتون وهو غارق بالدم لا يستسلم للوهن ولا العذاب، بل يتحدى، إنه بشجره الكثيف الباذخ والدائم الخضرة يبصر القمر طالعا خلف كوارث الدار، وهذا ما يجعل لتحديه معنى أبعد من المغامرة الخالصة، معنى قائما على الارادة الحرة التي يؤازرها وعي عميق بصراع الحضارات وأهمية الصمود والصبر في حلبة هذا الصراع حتى يتحول بالجهد الانساني المخلص والواعي لحوار حضارات . (110)

إن انتظار المخلص او المنتظر المتمثل بـ (القمر) الذي يحمل في التراث العربي قدسية الالهة قبل الاسلام، لا يقف عند الشاعرة في حالة سلبية ساكنة جامدة، بل تستحيل حالة الانتظار الى حقيقة واضحة لا لبس فيها، اذ ان حالة الانتظار توحي في اكثر الاحيان باليأس او انقطاع الرجاء او التململ، اما في نص البستاني فان انتظار القمر يتحول الى حقيقة يتمخض عنها الانتصار وانزياح المحتل وخروجه:

تهوي الألواح على مائدة ظمأى

يشتعل الوردُ برمل الحزنِ

واردانِ النخلْ

ويغادرني المحتلْ (111)

ان مغادرة المحتل هو إيذان بالانتصار، بل هو الانتصار عينه، ليس الانتصار المادي فحسب والمتمثل في انزياح المحتل عن ارض الحضارة، بل الانتصار المعنوي أيضا والمتمثل في انتصار المبادئ ومنظومة القيم التي تؤمن بها الذات الشاعرة حيث مبدأ الحق والحرية والعدل والاستقلال ومواجهة العدوان والسعي الى التحرير، فضلا عن الإرث التاريخي والحضاري والثقافي الذي تمتلكه الذات وهي في مواجهة مع الآخر، ان هذه القيم وتلك المبادئ هما ما جعل الذات الشاعرة تقف على ارض صلدة قوية من خلال تشكيلات فنية رصينة نهضت بها القصيدة فكانت المعادل الموضوعي لعذاب الداخل، ذلك المعادل الذي تمكن من تحويل بؤس الواقع وقبحه إلى جمال فني عبر النص وهي تواجه أزمتها الحاضرة المتمثلة في الاحتلال الأمريكي للعراق، وعلى الرغم من ان الشاعرة ختمت قصيدتها خاتمة مأساوية بقولها:

مرهقة بغداد

ومجروح معصمها

سرُّ الرمان على وجنتها

يذبل في الأصفاد (112)

أقول على الرغم من هذه الخاتمة المأساوية فان ومضات الانتصار قد انتثرت في سياقات القصيدة في أكثر من مكان – كما سبق، فالإرهاق يزول بقليل من الراحة والجرح يشفى بالدواء والعناية، والدواء هنا عزيمة وإرادة واستعانة بوسائل المقاومة، وسر الرمان معروف في ديمومته، إذ أن ذبوله موسمي ما يلبث أن يُطلع زهرا يتألق بالأحمر حامل سر الحياة وتوهجها ومضمر فاعلية حركتها، ولعل المطلع على أسرار زهرة الرمان وشجرتها يدرك أي رمز للأمن والسلام والدواء والأسطرة هي، أما الأصفاد فلن تدوم لأن التاريخ علمنا أنها ستؤول إلى تكسر وانحلال عبر الزمن أمام تصميم الشعوب وانطلاقتها ؛ وفي هذا دلالة على ان الشاعرة مؤمنة بالانتصار في كل كلمة تقولها وفي كل سطر تكتبه وفي كل تفعيلة تشكلها، وان روح الانتصار تسري في نبضات اسطر قصيدتها التي تستمد فاعليتها من وعي بجذور ماضيها وبؤره التراثية المتألقة ومن فهم لأسباب ما يجري من عدوانات على وطنها وشعبها وأمتها، ومن تجاوب مع الطاقات الكامنة في ضمير إنسان هذا الوطن والامة، ولذلك كان الأمل يطلع من صميم الألم مع كل خفقة من خفقات قلبها، وان روح التفاؤل مبثوثة في ثنايا القصيدة، وما الخاتمة المأساوية الا دلالة على انفتاح حزن بغداد واستمراره في لحظة كتابة الشاعرة لقصيدتها، وان دبابات الغزو ما زالت تدور على معصمها المكبل بالآهات والوجع والمآسي، لاسيما وان لحظة انتهاء الشاعرة من كتابة قصيدتها هي لحظة الاحتلال التي تعيش عذاباتها الذات في الأشهر الأولى من دخول المحتل الغازي .

 

المصادر والمراجع

اولا / القرأن الكريم .

ثانيا / الكتب:

 

 

- الآخر بما هو اختراع تاريخي، جان فارّو، ضمن كتاب صورة الآخر العربي ناظرا ومنظورا اليه، تحرير: الطاهر لبيب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999

- الإسلام وحوار الحضارات، د. احمد القديدي، سلسلة كتاب الامة الصادر عن وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ط: 1، 1995

- إشكالية المكان في النص الأدبي، ياسين النصير . دار الشؤون الثقافية – بغداد 1986

- إضاءة النص، اعتدال عثمان، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط: 1، 1988

- أوراق مشاكسة، مقالات في الفكر والأدب، احمد يوسف داود، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط:1،2001

- أندلسيات لجروح العراق، بشرى البستاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، دار الفارس للنشر والتوزيع، عمان، ط: 1، 2010

- ثريا النص، مدخل لدراسة العنوان القصصي، محمود عبد الوهاب، دار الشؤون الثقافية العامة، آفاق عربية، ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة، العراق - بغداد، 1995 .

- الثقافة العربية وعصر المعلومات،رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، د. نبيل علي، سلسلة عالم المعرفة،الكويت ط:1، 2001 .

- جدلية الغياب والحضور في شعر بشرى البستاني، اخلاص محمود عبدالله، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، ط: 1، 2011

- جماليات الفن العربي، عفيف بهنسي، سلسلة عالم المعرفة (14)، الكويت، 1979 .

- الحب وإشكالية الغياب في الشعر العربي الحديث، أ.د. بشرى البستاني، دار التنوير، الجزائر، 2013 .

- الدلالي في الايقاعي، د. بشرى البستاني، كتاب ضمن سلسلة تصدرها المديرية العامة لتربية نينوى مديرية النشاط المدرسي، شعبة الشؤون الادبية، 2010

- دليل الناقد الادبي، د. ميجان الرويلي، د. سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط: 5، 2007

- دلالات الالوان في الفن العربي الاسلامي، د. عياض عبد الرحمن الدوري، دار الشؤون الثقافية العامة "آفاق عربية"،, 2002

- ديوان ابي تمام، تقديم وشرح د. محي الدين صبحي، دار صادر، بيروت،ط: 1، 1997

- الرائد، معجم لغوي عصري، جبران مسعود، دار العلم للملايين، بيروت، ط: 4، 1981

- الرسم كيف نتذوقه، فردريك مالنز، ت: هادي الطائي، دار الشؤون الثقافية العامة، 1993 بغداد .

- الرموز في الفن / الاديان الحياة، فليب سيرنج، ترجمة: عبدالهادي عباس، دار دمشق، سوريا، 1999، ط:1

- سيكولوجية الابداع في الفن والادب، يوسف ميخائيل اسعد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986

- الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د. عزالدين اسماعيل، دار العودة – دار الثقافة، بيروت، ط:2، 1972

- صوت الشاعر الحديث، د. محمد صابر عبيد، عالم الكتب الحديث، الاردن، ط: 1، 2011

- الصورة في التشكيل الشعري، د. سمير علي الدليمي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط: 1 .

- علاقات الحضور والغياب في شعرية النص الادبي، مقاربات نقدية، د. سمير الخليل، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط: 1، 2008

- العنوان وسميوطيقا الاتصال الادبي، د. محمد فكري الجزار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.

- قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة،، دار العلم للملايين، بيروت، ط: 4

- في نظرية العنوان، مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية، خالد حسين حسين، دار التكوين، دمشق، د.ت .

- العلامة الشعرية، قراءات في تقانات القصيدة الجديدة، د. محمد صابر عبيد، عالم الكتب الحديث، الاردن، ط:1، 2010

- لسان العرب، ابن منظور، دار احياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان، ط: 3، د.ت

- مقدمة وستة شعراء، طلال سالم الحديثي، مطبعة دار البصري، بغداد، 1970

- مغني اللبيب عن كتب الاعاريب، جمال الدين بن هشام الانصاري، ت: مازن المبارك، محمد علي حمد الله، دار الفكر، بيروت، ط: 5، 1979

- المقتضب، محمد بن يزيد المبرد، ت: عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت

- موسوعة النحو والصرف والاعراب، د. اميل بديع يعقوب، دار العلم للملايين، بيروت، 1988

- هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل، شعيب حليفي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، ط: 1، 2005

- النقد التحليلي، محمد محمد عناني، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، د.ت .

ثالثا / البحوث المنشورة في المجلات:

 

- الالوان وكيفية احساس الشاعر الجاهلي بها، د. نوري حمودي القيسي، مجلة الاقلام، ع: 11، 1969

- اللحظة الشعرية واللحظة الميتافيزيقية، غاستون باشلار، ترجمة اودنيس: 95، مجلة مواقف، ع 4، سنة 1982.

- ةشعرية العنونة، اسميك بحرا .. اسمي يدي الرمل انموذجا، أ.د بشرى البستاني، مجلة الاقلام ع: 2، آذار- نيسان، 2002

- الفعل الابداعي في المواجهة، حاتم الصكر، مجلة الاقلام ع: 3-4، آذار – نيسان، 1993

- ظاهرة التكرار في الشعر الحر، د. صالح ابو اصبع، مجلة الثقافة العربية،ع: 3، اذار1978

- السيميوطيقا والعنونة، د. جميل حمداوي، مجلة عالم الفكر، ع: 3، الكويت .

 

 

رابعا / البحوث المنشورة في شبكة الانترنت:

 

- بين الأدب والفن والنفس .. الفن ينبع من الألم والحزن: المرحلة الزرقاء عند بيكاسو الدكتور حسان المالح، مقال منشور على شبكة الانترنت، موقع: حياتنا النفسية: www.hayatnafs.com/ / http

- لوحة الجرنيكا لبيكاسو، مقال منشور على شبكة الانترنت: www.islamonline.net/ / http:

 

 

خامسا / المقابلات الشخصية:

 

- مقابلة مع الشاعرة الأستاذة الدكتورة بشرى البستاني بتاريخ: 28/ 6/ 2012، في مكتبة كلية الآداب / جامعة الموصل .

 

 

 

(1) صوت الشاعر الحديث، عالم الكتب الحديث، الاردن، ط: 1، 2011 د. محمد صابر عبيد: 13-14 .

(2) الفعل الابداعي في المواجهة، حاتم الصكر، مجلة الاقلام ع: 3-4، آذار – نيسان، 1993: 4

(3) اوراق مشاكسة، مقالات في الفكر والادب، احمد يوسف داود، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط:1، 2001: 186

(4) الدلالي في الايقاعي، د. بشرى البستاني، كتاب ضمن سلسلة تصدرها المديرية العامة لتربية نينوى مديرية النشاط المدرسي، شعبة الشؤون الادبية، 2010: 5-6 .

(5) صوت الشاعر الحديث: 49-50 .

(6) دليل الناقد الادبي، د. ميجان الرويلي، د. سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط: 5، 2007: 188-189 .

(7) الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د. عزالدين اسماعيل، دار العودة – دار الثقافة، بيروت، ط:2، 1972:306-307 .

(8) الدلالي في الايقاعي: 8

(9) سيكولوجية الابداع في الفن والادب، يوسف ميخائيل اسعد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986: 39 .

(10) منشورة ضمن مجموعة (اندلسيات لجروح العراق)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، دار الفارس للنشر والتوزيع، عمان، ط: 1، 2010 . ينظر الملحق رقم (1) و (2) للاطلاع على سيرة الشاعرة بشرى البستاني ونص قصيدتها .

(11) مقدمة وستة شعراء، طلال سالم الحديثي، مطبعة دار البصري، بغداد، 1970: 114 .

(12) ثريا النص، مدخل لدراسة العنوان القصصي، محمود عبد الوهاب، دار الشؤون الثقافية العامة، آفاق عربية، ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة، العراق - بغداد، 1995: 74 .

(13) السيميوطيقا والعنونة، د. جميل حمداوي، مجلة عالم الفكر، ع: 3، الكويت: 96، وينظر: شعرية العنونة، اسميك بحرا .. اسمي يدي الرمل انموذجا، أ.د بشرى البستاني، مجلة الاقلام ع: 2، آذار- نيسان، 2002: 26 .

(14) السيميوطيقا والعنونة: 106

(15) علاقات الحضور والغياب في شعرية النص الادبي، مقاربات نقدية، د. سمير الخليل، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط: 1، 2008: 66-67 .

(16) علاقات الحضور والغياب في شعرية النص الادبي: 105-106 .

(17) العنوان وسميوطيقا الاتصال الادبي، د. محمد فكري الجزار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998: 45

(18) هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل، شعيب حليفي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، ط: 1، 2005: 11

(19) في نظرية العنوان، مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية، خالد حسين حسين، دار التكوين، دمشق: 181 .

(20) العلامة الشعرية، قراءات في تقانات القصيدة الجديدة، د. محمد صابر عبيد، عالم الكتب الحديث، الاردن، ط:1، 2010: 43-44 .

(21) النقد التحليلي، محمد محمد عناني، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، د.ت: 120

(22) العلامة الشعرية، قراءات في تقانات القصيدة الجديدة: 45

(23) العنوان وسميوطيقا الاتصال الادبي: 85

(24) شعرية العنونة: 29

(25) في نظرية العنوان: 183

(26) موسوعة النحو والصرف والاعراب، د. اميل بديع يعقوب، دار العلم للملايين، بيروت، 1988: 562

(27) المقتضب، محمد بن يزيد المبرد، ت: عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت: 4/ 143

(28) مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني بتاريخ: 28/ 6/ 2012 .

(29) اندلسيات لجروح العراق: 8

(30) اللحظة الشعرية واللحظة الميتافيزيقية، غاستون باشلار، ترجمة اودنيس: 95، مجلة مواقف، ع 4، سنة 1982.

(31) تنظر الصفحات في مجموعة اندلسيات لجروح العراق: 7، 8، 14، 33، 15

(32) اندلسيات لجروح العراق: 35

(33) المصدر نفسه: 36

(34) اضاءة النص، اعتدال عثمان، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط: 1، 1988: 57

(35) إشكالية المكان في النص الأدبي، ياسين النصير . دار الشؤون الثقافية – بغداد 1986: 16

(36) المصدر نفسه: 5 .

(37) اضاءة النص: 34

(38) الآخر بما هو اختراع تاريخي، جان فارّو، ضمن كتاب صورة الآخر العربي ناظرا ومنظورا اليه، تحرير: الطاهر لبيب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999: 45 .

(39) دليل الناقد الادبي: 21

(40) المصدر نفسه: 21-22

(41) مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني بتاريخ: 28/ 6/ 2012 .

(42) ظاهرة التكرار في الشعر الحر، د. صالح ابو اصبع، مجلة الثقافة العربية،ع: 3، اذار1978:33

(43) قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة،، دار العلم للملايين، بيروت، ط: 4، 1974: 266-267.

(44) ظاهرة التكرار في الشعر الحر: 33 .

(45) قضايا الشعر المعاصر: 253

(46) ينظر: لسان العرب، ابن منظور، دار احياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان، ط: 3، د.ت: مادة: دبب .

(47) لسان العرب: مادة دبب .

(48) ينظر: الرائد، معجم لغوي عصري، جبران مسعود، دار العلم للملايين، بيروت، ط: 4، 1981: 1/ 658 .

(49) لسان العرب: مادة: دبب

(50) اندلسيات لجروح العراق: 28 .

(51) المصدر نفسه: 27 .

(52) المصدر نفسه: 11

(53) المصدر نفسه: 16

(54) المصدر نفسه: 26

(55) ينظر: الحب وإشكالية الغياب في الشعر العربي الحديث، د. بشرى البستاني، دار التنوير، الجزائر، ط1، 2013، 144 – 145 ومصادرها .

(56) أندلسيات لجروح العراق: 26

(57) المصدر نفسه: 11

(58) أندلسيات لجروح العراق: 14

(59) المصدر نفسه: 15

(60) المصدر نفسه: 17

(61) المصدر نفسه: 19

(62) المصدر نفسه: 12

(63) المصدر نفسه: 13

(64) شعرية العنونة:30 .

(65) الاسلام وحوار الحضارات، د. احمد القديدي، سلسلة كتاب الامة الصادر عن وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، قطر، ط: 1، 1995: 31-32 .

(66) اندلسيات لجروح العراق: 8

(67) المصدر نفسه: 27

* لوحة (الجرنيكا Guernica) من اشهر اعمال بيكاسو، وقصة هذه اللوحة هي ان في اليوم السادس والعشرين من شهر إبريل (نيسان) عام 1937 قامت طائرات هتلر الحربية التي كانت في خدمة الجنرال فرانكو وحزب الكتائب أثناء الحرب الأهلية الأسبانية، بقصف المدينة الوادعة (جورنيكا) الصغيرة التي تقع في إقليم الباسك الأسباني والتي خلت من الرجال لأنهم كانوا جميعا في الجبهة، ولم يبق فيها إلا النساء والأطفال والشيوخ وبعض المدافعين عن المدينة. وقد استمر هذا القصف الوحشي لمدة ثلاث ساعات ونصف بحيث سويت المدينة بالأرض، وقد كان الغرض الأساسي من هذا القصف هو اختبار الآثار التدميرية الناتجة عن نوع جديد من القنابل الحارقة شديدة الانفجار على السكان المدنيين، على اثر ذلك قام بيكاسو برسم لوحته (الجرنيكا) وهي لوحة جدارية كبيرة 3،5 / 7،8 متر، وقد جعل بيكاسو من هذه اللوحة العظيمة شاهدًا متوقدًا ينضح بالألم ضد القوة العدوانية البربرية في أي مكان؛ ولذا فإن هذه اللوحة تحمل تحذيرًا للجنس البشري كله ضد الاندفاعات المجنونة التي أطلقت قوى الظلام لتعيث في الأرض فسادًا، وقد عَـدّهـا النقاد أهم وثيقة تدين العدوان على مر التاريخ، وقد ألزم فيها بيكاسو نفسَـهُ باللونين الأبيض والأسود مع درجات متفاوتة من اللون الرمادي، إشارة إلى سوداوية الحرب وبشاعتها، و لكن في مقابل ذلك أصر بيكاسو على أن تكون أي لمسة في اللوحة رمزا على المأساة التي يعانيها أناس باغَـتَهم شبح القتل، كما نلاحظ أنه لا أثر للمعتدين بحيث تم الاكتفاء بتصوير الضحايا والأبرياء والأطفال ضحايا أي عدوان يمارس مهما كانت جنسية المعتدي ومهما كانت دوافعه .

وقد استعمل بيكاسو فيها بعض الرموز التي تدل على الحرب كالسكين والحصان والثور، وربما الثور جاء هنا رمزاً للهمجية والعنف الممارس في الحروب، اما الحصان فيرمز لأسبانيا الجريحة التي تتألم وتصرخ من آثار هجوم النازي، والرأس التي تصيح و الذراع التي تحمل المصباح يشيران إلى الضمير البشري الذي يلقي ضوءا على هذه المأساة و يلومها، وفيها نرى مشهد ذعر وألم وبلبلة يحيط ببعض البشر أثناء حدوث اعتداء عليهم .. منهم من يصرخ ومنهم من يبكي ومنهم من يستغيث أو من يحاول الهرب، ومنهم من ألقي أرضاً صريع هذا الحدث الدموي، فضلا عن إمرأة تصرخ وهي تحمل طفلاً .

وقد أصبحت اليوم لوحة "جرنيكا" رمزاً عالمياً مضاداً للحرب وهمجيتها ومآسيها، ورمزاً احتجاجياً على حقوق الإنسان الضائعة في كل الحروب، ومن الجدير بالذكر ان هذه اللوحة قد تم توظيفها من قبل المناهضين لحرب أمريكا على العراق عام 2003م . ينظر: الابداع في الفن، قاسم حسين صالح، دار الرشيد للنشر، منشورات وزارة الثقافة والاعلام العراقية، بغداد، 1981: 85، وينظر ايضا: لوحة الجرنيكا لبيكاسو، مقال منشور على شبكة الانترنت: www.islamonline.net/ / http:، وينظر: بين الأدب والفن والنفس .. الفن ينبع من الألم والحزن: المرحلة الزرقاء عند بيكاسو الدكتور حسان المالح، مقال منشور على شبكة الانترنت، موقع: حياتنا النفسية:www.hayatnafs.com/ / http:

(68) ادلسيات لجروح العراق: 25-26

(69) اندلسيات لجروح العراق: 34 – 35 .

(70) الثقافة العربية وعصر المعلومات،رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، د. نبيل علي، سلسلة عالم المعرفة،الكويت ط:1، 2001: 411

(71) اندلسيات لجروح العراق: 7-8

(72) ينظر: الصورة في التشكيل الشعري، د. سمير علي الدليمي: 67.

(73) مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني بتاريخ: 28/ 6/ 2012 .

(74) اندلسيات لجروح العراق: 10

(75) المصدر نفسه: 14-15

(76) المصدر نفسه: 17

(77) المصدر نفسه: 22

(78) المصدر نفسه: 25

(79) الاسلام وحوار الحضارات: 33

(80) اندلسيات لجروح العراق: 21-22

(81) المصدر نفسه: 34

(82) مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني بتاريخ: 28/ 6/ 2012 .

(83) دلالات الالوان في الفن العربي الاسلامي، د. عياض عبد الرحمن الدوري: 41

(84) الرسم كيف نتذوقه، فردريك مالنز، ت: هادي الطائي: 185

(85) دلالات الالوان في الفن العربي الاسلامي: 25

(86) ينظر: جماليات الفن العربي، عفيف بهنسي: 167 .

(87) مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني، نقلا عن: جدلية الغياب والحضور في شعر بشرى البستاني، اخلاص محمود عبدالله، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، ط: 1، 2011

(88) ينظر الى: الرموز في الفن / الاديان الحياة، فليب سيرنج، ترجمة: عبدالهادي عباس، دار دمشق، سوريا، 1999، ط: 1: 420

(89) الالوان وكيفية احساس الشاعر الجاهلي بها، د. نوري حمودي القيسي، مجلة الاقلام، ع: 11، 1969: 33 .

(90) اندلسيات لجروح العراق: 9

(91) المصدر نفسه: 23

(92) المصدر نفسه: 24

(93) المصدر نفسه: 29

(94) اندلسيات لجروح العراق: 15-16

(95) المصدر نفسه: 17

(96) المصدر نفسه: 19

(97) المصدر نفسه: 26

(98) المصدر نفسه: 26

(99) من مقدمة د. علي جعفر العلاق لمجموعة الشاعرة بشرى البستاني (اندلسيات لجروح العراق): 1

(100) اندلسيات لجروح العراق: 30

(101) المصدر نفسه: 9

(102) المصدر نفسه: 18

(103) المصدر نفسه: 27

(104) اندلسيات لجروح العراق: 30

(105) ديوان ابي تمام، تقديم وشرح د. محي الدين صبحي، دار صادر، بيروت،ط: 1، 1997: 1/ 94

(106) اندلسيات لجروح العراق: 32، 33، 34

(107) مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني بتاريخ: 28/ 6/ 2012 .

(108) مغني اللبيب عن كتب الاعاريب، جمال الدين بن هشام الانصاري، ت: مازن المبارك، محمد علي حمد الله، دار الفكر، بيروت، ط: 5، 1979: 1/ 148

(109) اندلسيات لجروح العراق: 15

(110) مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني بتاريخ: 28/ 6/ 2012 .

(111) اندلسيات لجروح العراق: 20

(112) المصدر نفسه: 36

الإدهاش والغرائبية في (ارتعاشة آخر ليلة) للقاص عبد الكريم الساعدي

abdulkarim alsaadiيقول كابريال كارسيا ماركيز في إحدى وصاياه عن الكتابة: "ينبغي أن نبدأ بإرادة أن ما نكتبه هو أفضل ما كتب على الإطلاق، فشيء ما من هذه الإرادة سيبقى في النهاية ".

أعتقد أن القاص الساعدي، يحفظ وصية كارسيا ماركيز عن ظهر قلب،فهو في قرارة نفسه يكتب الأفضل على الإطلاق، وفي النهاية يبقى له من هذه الإرادة شيء ما يجعل نصوصه مميزة جدا . وأنا هنا في هذه المقاربة النقدية سأرافق القاص الساعدي في رحلتي مع نصه (ارتعاشة آخر ليلة) كقاريء وهاو لكتابة القصة القصيرة وليس كناقد محكوم بمجموعة من المعايير والمقاييس النقدية التي لا يجب أن أحيد عنها، سأنطلق في دراسة هذا النص من خلال رؤى تكاد تكون شخصية صرفة تغلب عليها وجهة نظري الخاصة، لقد عودنا الأستاذ الساعدي على أن يقفز على المنطق، ويقوم بكسرتركيب اللغة العادية المباشرة، لخلق نوع من الغرائبية والعجائبية و التي غالبا ما تبتدئ من اللغة قبل الحدث . حتما ستجلب الإدهاش والاندهاش إلى حد الانبهار للمتلقي، وهذا التكسير لا يمس القواعد النحوية التي تظل سليمة من حيث المواقع الإعرابية وجغرافية الكلام بصفة عامة، وإنما من حيث النسق اللغوي في كيفية تركيب وإسناد مفرداته بعضها إلى بعض، أو بعبارة أخرى كيفية ترتيب هذا الصيرفي (القاص) لجواهره في عقده الذي سيزين به هامة قرائه، سبق أن ناقشت في نصين للقاص الساعدي ظاهرة بلاغة الغموض، باعتبارها من الخصائص والسمات الأساسية في النصوص السردية الناجحة وسبق أن قلت إنه يستعمل الانزياح بحرفية رائعة جدا تجعل القاريء أكثر انجذابا كالنخلة تنجذب إلى مصدر الرحيق، وأكثر تمسكا بتلابيب النص.

من عنوان النص نهج الكاتب نهج الانزياح الى آخر جملة في قفلته . لست هنا بصدد دراسة النص بتفصيل بقدر ما أريد التركيز على بعض خصائص ومقومات الغرائبية في الكتابة السردية في نصوص الساعدي بصفة عامة . والذي يقرأ للاستاذ الساعدي يلاحظ ان هذه الغرابة في اللغة تختلف عن بعض الكتابات السردية التي تبالغ في توظيف المحسنات البلاغية المصنوعة صنعا،إذ تصبح مقصودة لذاتها فنخرج من باب التعبير بالطبع إلى باب التعبير بالتكلف و الصنعة وهذا ينفر المتلقي، ويجعله يتوقف عن القراءة وهو في منتصف النص، لأن هذه المحسنات البديعية المبالغ في توظيفها تؤدي إلى الترهل والإسهاب المجاني وقد قال كارسيا ماركيز :" هناك فرق بين أن تكتب قصة طويلة وقصة مسهبة ". فبلاغة الغموض في النص السردي مثلها مثل جرعة الدواء إذا تجاوزت القدر المسموح به تحولت إلى عيب من عيوب الكتابة، فتصبح (ماكياجا على مخاط ) أو كما نقول في المثل الشعبي المغربي (لعكر على لخنونة) . أقول بقدر ما يكون الانزياح ضروريا في النصوص ويكون محمودا بقدر ما يكون مذموما إذا تجاوز التوظيف الذي يضفي الرونق والجمال على بنية النص وتجعله مقبولا من طرف المتلقي المقصود بعملية الإبداع برمتها.فالقبول ليس بالأمر الهين كما نتصوره .

نجاح القاص الساعدي في استعماله لبلاغة الغموض وإن كان يبالغ في ذلك يعود إلى الأسباب التالية : إن هذا التوظيف ليس اعتباطيا بإمكانه إثقال كاهل النص وإنما يقوم بتكسير البنية المألوفة للغة، عن طريق إسناد الوحدات اللغوية إلى بعضها البعض فينحى في ذلك منحى جنون اللغة كما يقول نيتشه " اللغة نوع من الجنون العذب،فعند الحديث بها يرقص الإنسان فوق الأشياء، " هذا التكسير لبنية الجملة يخلخل المنطق، من خلال البراعة في النظم .

يحلق الساعدي بقاريء (ارتعاشة آخر ليلة) انطلاقا من العنوان حيث تثير كلمة ارتعاشة الكثير من التساؤلات في ذهن القاريء،فأي ارتعاشة يقصد الكاتب ؟! ثم يستهل النص (يرتجف المدى) ويستمر في عالم الانزياح والتلاعب باللغة،عن طريق هذا الإسناد الذي يخلق نوعا من الغرابة اللغوية التي تثير في ذهن القاريء الكثير من التساؤلات عن مدلولات هذه التعابير اللغوية التي تجعلك تقف طويلا لفهم ما يقصده الكاتب، فتضطر إلى التأمل والتأويل ولكن هذا يحسب للكاتب ما دامت خاصية النص الأساسية هي الانفتاح على تعدد القراءات، وتنتهي القصة لكن الساعدي يأبى أن ينزلك أرضا لأنه مولوع بالتحليق حيث يختم نصه بجملة في قمة الانزياح (يلهث بخطواته إلى روحه) و(شطر آخر يعاني من ثقل الانتظار) هذه نماذج فقط لغرابة اللغة عند الساعدي فقد أحصيت جمل النص من أوله إلى آخره ولم أجد جملة واحدة لا تحتاج إلى تأويل وتأمل وهذه خاصية من خصائص الكتابة عند الاستاذ الساعدي إذ يجعل نصوصه تتميز بنكهة خاصة و بطابع متميز على مستوى التوظيف اللغوي.

فإذا كان القاص يستهدف من خلخلة الجملة على مستوى الإسناد خلق نوع من الإدهاش والفضول لذى القاريء، فإن الميزتان لا يمكن ان تتحققان إلا من خلال جانبين:

- الجانب الأول : هو غرائبية الحدث، بالنسبة للحدث نلاحظ أن القاص الساعدي في أغلب نصوصه ينحت أحداثه زمنيا من مرحلة خاصة جدا، وهي فترة عصيبة يشوبها الخوف والقلق ويخيم عليها الموت والدمار بصفة عامة، فالمرحلة ليست عادية فهي في حد ذاتها تغوص في الغرائبية، يعيش البطل لحظة انشطار ذاتي بين مد الحاضر وجزر الماضي، فالحاضر يجثم بكل تقله على صدره في غياهب سجون الأسر ومستقبل مفعم بالأمل للقاء الإبن والحبيبة، فالإبن لم يستطع حتى تصوره كيف هي صورته؟!، أما الماضي فهذا له أيضا ثقله .ففيه حصلت المأساة، فتخلى مكرها عن الحبيبة والولد .والتحف برودة الزنازن . ربما أحداث في بيئة ومرحلة زمنية كهذه لابد وأن تكون أكثر إدهاشا وغرائبية،فالجندي الذي يحكي عن المعارك والحروب قد يكون أكثر إدهاشا للمستمع وإثارة لفضوله

-الجانب الثاني: غرائبية اللغة، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك سابقا، فغرائبية اللغة إذن هي كسر المألوف عن طريق التلاعب بطرق (نظم) السياق العام للجملة كما يسميه النقاد القدماء (الجرجاني) .نجد أن هذا النظم الغرائبي هو الذي تتولد منه الصور المجازية والاستعارات، هذه الصور الأشبه بالصورة الشعرية التي تعتمد أساسا على بلاغة الغموض، والانزياحات، وأنا هنا أناقش هذه الظاهرة من خلال النصوص التي قرأت للقاص عبد الكريم الساعدي . وسأركز على نص (ارتعاشة آخر ليلة)، فالساعدي، لايعتمد في غرائبية نصوصه على الأحداث فحسب، وإنما على غرائبية التراكيب اللغوية التي يستعملها فتحملنا صراحة الى الرقص فوق الأشياء، أي التحليق فوق الواقع، وربما تركيزه على الغرائبية في اللغة هي التي تجعله يركز على هذا التكسير لنظام اللغة العادية المألوفة، فيرفع المتلقي إلى عالم الإبداع بعدما يكون قد تجول به في تلك المساحة المحدودة الثلاثية الأبعاد والتي ينحت فيها شخصياته وعوالمه بكل أبعادها وخصائصها، فيحقق بذلك الإدهاش أو التأمل أو كليهما معا، ولعل هذا الإدهاش الذي يخلقه الكاتب في نفس المتلقي هو الذي يسمو به إلى عالم المشاركة الفعالة في صناعة الأحداث وإعادة تشكيل بنية النص من جديد فيحول الكاتب متلقيه إلى قاريء بحس نقدي، لا قارئ مستقبل و مستهلك ما يقدم له عن غير وعي وربما هنا يتحقق إعلان وفاة المؤلف كما يقول (رولان بارت) .

يكون النص قد انتقل إلى ملكية القاريء يعجنه، يخبزه، يشكله بطريقته الخاصة، ويتفاعل معه،ويعيد صناعته فذلك شأنه، فيكون الكاتب قد ضرب عصفورين بحجر واحد . من جهة يكون قد حقق متعة القراءة عند القاريء ونجح في صناعة بضاعة يقبل عليها المتلقي بكل جوارحه . ومن جهة اخرى يكون قد قبض عليه وخلق منه القاريء الناقد القادر على إعادة تشكيل مقروءاته وفق نظرته الشخصية، و وفق خلفيته الثقافية، فالقبض على القاريء هو أرقى ما يطمح له كل كاتب وفي أي مجال، سواء في النثر أو الشعر، أو أي جنس أدبي آخر . يقول كارسيا ماركيز في هذا الصدد :" الإمساك بأرنب أسهل من الإمساك بقاريء ". وهذا رأي سديد ويعتبر من أهم وصايا كارسيا ماركيز في الكتابة، فالإمساك بالقاريء أصبح أمر ا بالغ الصعوبة خصوصا في هذا العصر الذي بدأت فيه القراءة تسير نحو الانقراض، نظرا لهذا الكم الكبير من الوسائل الإعلامية والمعرفية التي تغزو المجتمعات البشرية المعاصرة .

أما مستوى غرائبية الأحداث، فالملاحظ أن أي كاتب مبدع كيفما كان مستواه المعرفي والإبداعي لا بد من أن يحيد عن الواقع،وأن ينحى منحى المماثلة أو المجانسة أو المحاكاة وذلك لخلق الغرائبية التي تثير الإدهاش وتخلق الاندهاش في نفس القاريء، فبقلمه المبدع يحول تلك الأحداث التي تقع في كل لحظة وحين، ويعيشها الإنسان عادية كطلوع الشمس وأفول القمر إلى أحداث غريبة عن هؤلاء الذين يعيشونها بالفعل، وهذا بطبيعة الحال هو بيت القصيد في نجاح الكاتب المبدع في القبض على القاريء، أما إذا تناول الوقائع والأحداث كما هي في صيغتها الوا قعية، فلينتظر هذا الكاتب أن القاريء اذا اندهش من طلوع الشمس وأدهشه أفول القمر، فإن أحداث النص ستدهشه كذلك.

لقد كون كارسيا ماركيز تلك الثروة الخصبة من الخيال الجامح الذي سلب العقول، وخرج عن حدود الزمان والمكان، وجعله يتربع على عرش الرواية العالمية هو ذلك الخليط غير المتجانس من الإبداع البشري المتمثل في الأساطير والخرافات والكحايات التي كانت تحكيها له جدته، حيث اختمرت في ذاكرة ذكية مؤهلة أصلا لنحت أحداث وأبطال روايات من العيار الثقيل على المستوى العالمي .

فالقاريء في أمس الحاجة إلى عالم آخر يبعده عن ضغوطات حياته اليومية ومشاكله التي تحاصره من كل جانب،فعندما يقرأ فإنه يبحث عن المتعة، والمتعة لن تتأتى له في كتابات كاتب لا يبصر إلا تحت قدميه، وإنما كاتب يعرف كيف يحلق به تحليق الصقر فوق عوالم مجهولة ليس له بها عهد سابق إذاك تنتشله نشوة المتعة وجمال القراءة من ذلك الواقع المرير الذي يعيشه، فالقاريء اذن يكون على وعي بأن الكاتب البارع والمبدع الحقيقي هو الذي قد يلتقط الحدث البسيط فيحوله إلى قصة إبداعية رائعة وذلك بما يضفي عليها من غرائبية في اللغة عن طريق الانزياحات وبلاغة الغموض، وكسر اللغة العادية المباشرة لخلق الصورة الشعرية الشاعرية، ويخلق من الأحداث البسيطة عوالم خيالية ترقى إلى حكايات وقصص إبداعية لها مدلولاتها على المستوى الاجتماعي والنفسي . إن الغرائبية تعتمد اساسا على صفتين هامتين، وهما الغموض والفضول فالغموض يجب ان يكتنف المعطى النصي ولا نريد هنا بالغموض ما يرادف الإبهام والتعقيد، الذي يضيع على المتلقي الحصول على المعنى الذي يستهدفه الكاتب، وإنما المقصود بالغموض كما سبق أن ناقشنا في البداية الغموض هو الانزياح الذي يخلق الصورة الجميلة الخارجة عن المألوف، أما الفضول فهو ذلك التفاعل الحاصل نتيجة الرغبة في معرفة شيء مجهول لم يسبق له أن رآه أو سمعه وهذا هو مان نسميه بالإدهاش أو الاندهاش، فكلا الصفتين تؤثران في البناء النصي، وذلك حسب ردة فعل المتلقي،وكيفية تقبله لهذا الشيء الغريب، سواء كانت نفسية أو وفق الخبرة التي تمليها عليه خلفيته الثقافية، فكلما تحققت الغرائبية في النصوص الإبداعية كلما تحقق التفاعل بين القاريء والكاتب، وبالتالي يخلق النص القاريء الناقد المشارك في العملية الإبداعية بصفة عامة، فقد يكون هناك تواصل بين الكاتب والقاريء كلما كان الكاتب أذكى في السيطرة على زمام الأمور لأن هذه العلاقة هي التي تحكم على النص بالنجاح أو الفشل، يقول كارسيا ماركيز :"عندما يشعر الكاتب بالملل من الكتابة يشعر القاريء بالملل من القراءة " فحيوية القاريء متوقفة على حيوية الكاتب، والرسالة حتما تبين مستوى المرسل وتؤثر بشكل إيجابي أو سلبي في المرسل إليه، ولو لا هذه الرسائل التي تركها الجنس البشري على مر الأزمنة والعصور لما تمكنا من معرفة الحضارات التي سادت ثم بادت، ولما عرفنا أصلنا وفصلنا ومن نكون .!!!

 

ارتعاشة آخر ليلة

يرتجف المدى في أعماقه، ينحدر إلى مساحات أنفاسه، يتسلّل إلى زوايا حادّة، ضاقت بعتمة الأزمنة وجفاف المكان، عتمة تغازل انطفاء المصابيح، تلقي بعباءتها فوق الضوء الشحيح المندلق من نافذة مرتعشة بالصدأ، روحه التائقة للتحرر من قبو سنين الأسر تمخر العتمة،تسرج لهاثاً مثخناً برائحة الانتظار، قاب نبضة قلب عليل أوأدنى من شهقة عاشق، فيشهد انطفاءة سنوات العزلة، ما هي إلّا ليلة وينضوي في هدأة البوح، بوح مبلّل بندى يشبه الدمع. محطات وجع وألم غادرته، لكنّها نهشت ملامحه، هصرت قلبه هصراً بأنياب الحنين والقلق والخوف،الحلم بمداه اللامتناهي يتشكّل حقيقة عند ظلال الرؤية، لم ينم تلك الليلة، أنّى يأتي له النوم وقد طال الغياب؟ تطاولت عيناه نحو آفاق مطرّزة بالنقاء، تضوّع شرك الجنون دون وعي،حلّق بعيداً في سماء قِطافه، يحفي به خيط من نور تسلّق وهجه،أطلق أنفاس اللهفة بقدر السنين وأيامها وكلّ عذاباتها، عانق كلّ شيء في دربه، الأشجار، المارّة، أرصفة الطرق التي احتضنت خطواته بالأمس، استأنس بصدى مُتخيّل لصوت وليده الذي لم يرَه، صدى يترقرق كماء عذب في نهر ذاكرته، ماهي ملامحه؟هل يشبهني أم يشبه أمّه ؟هوى في لجّة اللقاء، يتدارك دمعة صفعت وجه الأقدار، دمعة تشهق بأحلامه المفقودة على ضفاف وطن تعثّر بغيابه، زوجة هناك أسيرة وحدتها، مسكونة بترقّب مدمّر، تجوب قصور الصمت، تذرع مسافات الألم والحنين، حالمة بفضّ معالم غربتها، يراها مع الصباح المضيء بما تبقى من أحلام، تفتح ذراعيها عن بعد ظمأى للعناق، سرت في جسده رعشة هيام من مسّ جبهة صبرها، نشوان يرفل بدفء أنفاسها، صدى ولده لم يكن كما تخيله، كان صراخاً موجعاً يرتجف بغصّة أيام خلت، أيام صُلبت على جدار الخوف ووحشة الظلام . صدمته الذاكرة بأنين الموتى، جثث ممزّقة تُركت منسيّة عند حافة حرب قذرة قبل وقوعه في منفى الأسر، كان المجهول يحدّق بشراسة في وجوه أتعبتها الأسفار وهول الجحيم، كانت الأرض تلتهب ناراً، والسحب تمطر وابلاً من حمم بركان يفور بشهوة الموت، الأجساد الملتحفة بغطاء البقاء تنتظر موتاً من نوع آخر، حينها صار الوطن أرقاً، وفي صحراء الحرب الشاسعة كان الجنود يلوذون بظلال أنفسهم، وظلال أدعية تنطلق إلى السماء. كم من وجوه بريئة غيّبها عبث جنرالات الموت ونزق الذئاب الماكرة،

" آه لشدّ ما عذبني رعب الحرب وانهكتني سنوات الانتظار"

كتم زفرات لوعته حين أعياه غياب ملامح رفاقه إلى الأبد، احتضن ماتبقى من أرواحهم، صدى أحاديثهم، ذكرياته المتوهجة بزينة الدمع وصهيل الوجع، كانت مرايا تلك الليلة تستغرق كلّ كنوز الترقب والذكرى، كان عليه أن لاينسى امرأة تتأهب في ظلّ انتظار حارق مع ابنهما لترقد تحت قبة ظلّه، ها هما يحدّقان بعينين نهمتين في وجهه اللامع بانعطافات العزلة، عبر نافذة خرائب الوحدة وحيرة الطفولة المقتولة قرباناً لآلهة الحرب. التهم الليل صراخه المخنوق في أعماق صمته. ليلة تمتدّ بقدر سنواته الموحشة، التهمه الحنين، تهرع إليه الأعين والنظرات المرتعشة، ممتشقة وجه الفجر، يسمع صوتها من بعيد، شعرها ينسدل على ذراعيه فيغمز عطرُها أنفاسَه بجنون الرغبة، أنوثتها تطرق باب القلب، تضيء بانشودة الحرمان:

"آه أما لليل من منتهى؟ "

ارتشف نبيذ ما تبقى من وهم الزمن المعتّق بجمر الاغتراب، يتلو صمت المنافي الشقية على تخوم الجوع والحرائق والحرمان:

" أترى يأزف قبل موتي ذلك اليوم السعيد، يوم ألقى بالصلاة والنشيد، فأضمّ قلبي إليها،وعلى الصدرتمثالاً لربّي أقيم، أسقيه درر الحلم وعطر الياسمين ... أترى القاكِ هدى؟!أم يبقى ردّي شارة للغابرين، يحكي انتظاري في جنون للبحر والمبحرين؟"*

حدّق في وجه السماء أكثر من مرّة، ما يزال الليل يرقد عند ساعاته الأولى، لم يكن منه إلاّ أن ينشطر شطرين، شطر مجنون بالعشق واصل المسير، يلهث بخطواته نحو روحه التي هجرها،وشطر آخر يعاني من ثقل الانتظار.

*نادر هدى/ مملكة الجنون (مجموعة شعرية)

 

صالح هشام

الرباط6/يوليو ز 2015

 

أنـــواع المقاطع السردية في القصة القصيرة جـدا .. أضمومة (تفاحة الغواية) للطيب الوزاني أنموذجا

jamil hamdaouiالمقدمـــة: تندرج مقاربتنا لمجموعة (تفاحة الغواية) للطيب الوزاني ضمن لسانيات النص التي تعنى بدراسة نسيج النص انتظاما واتساقا وانسجاما، وتهتم بكيفية بناء النص وتركيبه. بمعنى أن لسانيات النص تبحث عن الآليات اللغوية والدلالية التي تساهم في انبناء النص وتأويله. أضف إلى ذلك أن هذه اللسانيات تتجاوز الجملة إلى دراسة النص والخطاب، بمعرفة البنى التي تساعد على انتقال الملفوظ من الجملة إلى النص أو الخطاب، أو الانتقال من الشفوي إلى المكتوب النصي. ويعني هذا أن لسانيات النص هي التي تدرس النص، وتحلل الخطاب، ولاتهتم بالجملة المنعزلة، بل تهتم بالنص باعتباره مجموعة من الجمل والمقاطع المترابطة ظاهريا وضمنيا. ومن ثم، فقد انطلق هذا التخصص العلمي من لسانيات الملفوظ مع إميل بنفنست (E. Benveniste)[1].

ومن ثم، تهدف هذه اللسانيات إلى وصف النصوص والخطابات نحويا ولسانيا، في ضوء مستوياتها الصوتية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والتداولية، والبلاغية...كما توصف الجمل حسب المدارس اللسانية؛ لأن النص جملة كبرى. وما ينطبق على الجملة الصغرى ينطبق أيضا على الجملة الكبرى.

وعليه، فلسانيات النص هي التي تدرس النص على أساس أنه مجموعة أو فضاء ممتد وواسع من الجمل والفقرات والمقاطع والمتواليات المترابطة شكلا ودلالة ووظيفة، ضمن سياق تداولي وتواصلي معين. ومن ثم، يحمل مقصديات مباشرة وغير مباشرة، ويهدف إلى الإبلاغ أو الإمتاع أو الإفادة أو التأثير أو الإقناع أو الاقتناع أو الحجاج...

وتدرس لسانيات النص ما يجعل النص متسقا ومنسجما ومترابطا، بالتركيز على الروابط التركيبية، والدلالية، والسياقية، سواء أكانت صريحة أم ضمنية. ولاتكتفي لسانيات النص بماهو مكتوب فقط، بل تدرس حتى النصوص الشفوية والملفوظات النصية القولية.أي: تبحث عن آليات بناء النص، ومختلف الوظائف التي يؤديها ضمن سياق تداولي معين[2].

وما يهمنا في هذه الدراسة هو التوقف عند طبيعة المقاطع والمتواليات والفقرات التي وظفها المبدع الطيب الوزاني في بناء قصصه القصيرة جدا، والتعرف إلى بنياتها ودلالاتها ووظائفها.

 

المبحث الأول: مفهـــوم المقطــــع لغـــة واصطلاحا

يعرف المقطع، في( لسان العرب)، لابن منظور على النحو التالي:"مقاطيع الأودية : مآخيرها . ومنقطع كل شيء : حيث ينتهي إليه طرفه . والمنقطع : الشيء نفسه . وشراب لذيذ المقطع أي الآخر والخاتمة . وقطع الماء قطعا : شقه وجازه . وقطع به النهر وأقطعه إياه وأقطعه به : جاوزه، وهو من الفصل بين الأجزاء . وقطعت النهر قطعا وقطوعا : عبرت . ومقاطع الأنهار : حيث يعبر فيه . والمقطع : غاية ما قطع . يقال : مقطع الثوب ومقطع الرمل للذي لا رمل وراءه . والمقطع : الموضع الذي يقطع فيه النهر من المعابر . ومقاطع القرآن : مواضع الوقوف، ومبادئه : مواضع الابتداء .[3]"

يفهم من هذه الدلالات اللغوية أن المقطع له بداية ونهاية، أو له مطلع وخاتمة. كما يدل المقطع على مواضع الوقوف مقابل مواضع الابتداء. أضف إلى ذلك أن النص يتشكل من مجموعة من المقاطع لها بداية ونهاية. ويعني هذا أن المقطع عبارة عن مطية عبور إلى نقطة النهاية، ابتداء من نقطة البداية. وأكثر من هذا هو فصل من الأجزاء التي يتكون منها النص الكلي، أو هو بمثابة شق من شقوق النص وفصوصه الجزئية.

أما في الثقافة الغربية، فيعني المقطع أو المتوالية أو الفقرة (Séquences textuelles/Paragraphes/ Strophes) مجموعة من الجمل تشكل وحدة دلالية أو معنوية ما. وتترابط هذه الجمل بمجموعة من آليات الاتساق والانسجام، مثل: آلية السرد، وآلية الوصف، وآلية الإخبار، وآلية الحجاج، وآلية التفسير... ومن هنا، يمكن الحديث عن أنواع عدة من المقاطع: المقطع السردي، والمقطع الوصفي، والمقطع الإخباري، والمقطع التفسيري، والمقطع الحجاجي، والمقطع الحواري، والمقطع الإحالي، والمقطع الشذري، والمقطع الفلسفي، والمقطع الميتاسردي، والمقطع الشاعري، ...

ومن جهة أخرى، يتضمن كل نص مقطعا مهيمنا على باقي المقاطع الأخرى. وفي الوقت نفسه، يحوي ذلك النص نفسه مقاطع ثانوية مكملة أو تابعة للمقطع المهيمن.

 

المبحث الثانـــي: نشأة لسانيات المقاطـــع

ارتبطت عملية التقطيع النصي بلسانيات النص أو تحليل الخطاب . ومن ثم، فقد كانت أولى محاولة لتقطيع النصوص أو الحكايات إلى مقاطع وفقرات ومتواليات مع كتاب(الحكايات الروسية العجيبة) لفلاديمير بروب (V.Propp) الذي صدر سنة 1928م[4]، حيث قدم بروب أول دراسة لسانية تحليلية لمقاطع الحكاية بغية تحديد الوظائف السردية، وتبيان عواملها وشخوصها النحوية. ويعني هذا أنه وضع مجموعة من المعايير للتنظيم المقطعي. ومن هنا، فالجديد في كتابه هو تقسيم كل حكاية إلى مقاطع ومتواليات سردية. ولم تكن المقارنة بين هذه الحكايات الروسية العجيبة قائمة على المعطيات الخارجية، بل كانت تستند إلى وحداتها البنيوية الداخلية.أي: كان بروب أول من استعمل تقنية التقطيع النصي إلى وحدات وفقرات ومقاطع وظيفية.

ويعد الباحث السويسري جان ميشيل آدم (J.M.Adam) من أهم الباحثين الذين اهتموا بتحليل النصوص والخطابات في ضوء لسانيات النص[5]. وقد اهتم بدراسة المقطع النصي. وقد حدد خمسة أنواع من المقاطع أو المتواليات النصية التي توجد في خطاب معين هي: المقطع السردي، والمقطع الوصفي، والمقطع الحجاجي، والمقطع التفسيري، والمقطع الحواري. ويتكون كل مقطع من ملفوظات تركيبية متسقة ومنسجمة ومتتابعة لها وظيفة دلالية معينة ضمن التنظيم النصي. وتترابط هذه المقاطع والمتواليات بشكل متسلسل ومتدرج ومتسق. بل يمكن الحديث عن مقاطع مهيمنة ومقاطع خاضعة، أو مقاطع مدمجة (بكسر الميم) ومقاطع مدمجة (بفتح الميم).

 

المبحث الثالث: المقاطع النصية في (تفاحة الغواية)

من المعلوم أن القصة القصيرة جدا يمكن أن تظهر في مقطع واحد. ويمكن أيضا أن تكون جملة واحدة أو أقل من جملة واحدة، ويمكن لها أن تتوالى في شكل مقاطع متتابعة ومتتوالية، بشرط أن تحافظ على وحدتها التجنيسية والدلالية والتركيبية والسياقية.

ومن هنا، تتضمن مجموعة (تفاحة الغواية ) للمبدع المغربي الطيب الوزاني مجموعة من المقاطع النصية التي تشكل عوالمه القصصية القصيرة جدا. ويمكن حصر هذه المقاطع في الأنواع التالية:

 

المطلب الأول: المقطـــع الســــردي

ينبني المقطع السردي على مجموعة من الجمل السردية المتوالية والمتعاقبة التي تساهم في تحبيك القصة القصيرة جدا وتمطيطها وتعقيدها، بغية الانتهاء بحل ما على أساس أنه انفراج للأزمة المعطاة. كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (خلل ما !!):

"طرقٌ شديد..

نزل من الطابق العلوي .. فتح الباب .. لا أحد ..

عاد إلى الداخل .. صعد من جديد وهو يتساءل عمن يكون الطارق .. أعياه التفكير..

نزل إلى الأسفل مرة أخرى .. خلع الباب من مفاصله.."

هذه القصيصة عبارة عن مقطع سردي واحد، يتكون من مجموعة من الأحداث السردية المتعاقبة : الطرق- النزول- فتح الباب- اختفاء الطارق-الصعود- التفكير- النزول- خلع الباب.إذاً، هناك مجموعة من الأحداث التي تنبني على عقدة الطرق. ولم تنفرج الأزمة السردية إلا بخلع الباب بشدة، وتركه مفتوحا على مصراعيه.

ومن هنا، فالمقطع يترابط - تركيبيا- بمجموعة من روابط الاتساق الظاهرة، مثل: واو الحال (وهو يتساءل)، والإحالة عبر الضمائر العائدة على الشخصية الرئيسة : نزل - فتح- عاد- صعد - نزل- خلع...، والتكرار اللفظي (نزل- الباب...). كما يتميز هذا المقطع بانسجام داخلي ناتج عن العنوان الذي يحيلنا على التيمة المحورية للنص التي تتمثل في (أرق التفكير )، وتأثيره السلبي في الإنسان. كما يعبر أيضا عن خلل ما ناتج عن سوء التواصل بين الذات والموضوع.

 

المطلب الثاني: المقطــع الوصفـــي

يعتمد المقطع الوصفي على إيراد الأوصاف والنعوت والأحوال لوصف شخص أو مكان أو شيء أو وسيلة ما. ومن أهم القصيصات التي تتضمن المقطع الوصفي قصيصة (الغريب) :

" كانوا كل مساء يجلسون يتدبرون أمر واقعهم المزري ويناقشون سبل الخروج منه. واتفقوا أن يختاروا كبيرا لهم.

صادف أن جاءهم غريب بشوش وديع خدوم مدع العفاف والكفاف. عرض خدماته بصوت خفيض وابتسامة تكاد تكون خجولة. فسحوا له مجلسا بينهم ورحبوا به. وما فتئ يقترب من وسط المجلس متخطيا بلباقته وتواضعه رقبة بعد أخرى حتى دنا من القاضي.. كانوا قد وثقوا به فاقترحوه كبيرا لهم...

لما قام القاضي ليضع عمامة الحاكم على رأسه، لاحظ أن شعره مزيف السواد وتحته نتوء قرن مازال صغيرا..."

يتميز هذا المقطع الوصفي بتوفره على مجموعة من النعوت والأوصاف والأحوال(واقعهم المزري- غريب بشوش وديع خدوم مدع- بصوت خفيض- وابتسامة تكاد تكون خجولة- يقترب من وسط المجلس متخطيا- شعره مزيف السواد وتحته نتوء قرن مازال صغيرا...).

وعليه،تتميز القصيصة بتماسكها اللغوي (حروف العطف- ضمائر الإحالة- والتكرار اللفظي (القاضي)، وانسجامها الدلالي (زيف الغريب وشذوذه وشيطانيته الخطيرة).

 

المطلب الثالث: المقطع الحجاجي

يستند المقطع الحجاجي إلى توظيف الحجج والبراهين والروابط اللغوية ذات الطابع الحجاجي، كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (مسؤول):

"كان بحكم مهامه يساهم في دراسة كل طلبات عروض الصفقات. أصبح خبيرا في مساطرها الإدارية، الظاهرة منها والخفية..

خبرته بدت جلية على مظهر زوجته وعياله.."

يتضمن هذا المقطع الحجاجي مجموعة من الروابط والعمليات الحجاجية، مثل: حجاج السبب (بحكم مهامه مسؤولا- دراسة الصفقات- الخبرة في مساطرها الإدارية الظاهرة والخفية)، وحجاج النتيجة ( رفاهية الأسرة وغناها). وبما أن النص ذو مقطع حجاجي، فمن الطبيعي أن يتميز بالاتساق والانسجام على مستوى التركيب والدلالة والتداول.

 

المطلب الرابع: المقطـــع الإخبـــاري

يتميز المقطع الإخباري، في النص السردي، بتقديم الأخبار والأحداث والوقائع بطريقة مباشرة أو ضمنية، بهدف نقل الواقع المعطى ووصفه كما هو. كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (خناقــــة):

" هدوء غير طبيعي بالبيت وصمت ثقيل يخيم بينهما. فوران بركان الأمس خمد، لكنه مازال يتنفس..

أغنية نجاة الصغيرة تأتي على غير انتظار : ما أحلى الرجوع إليه.. !

تتقدم نحو المذياع، تخنق صوته .."

يقدم لنا هذا المقطع القصصي القصير جدا مجموعة من الأخبار عن طبيعة البيت؛ إذ يخبرنا هذا المقطع بوجود صمت ثقيل، وهدوء طبيعي، وصراع بين الزوجين، وانقشاع ثورة بركان الأمس، والحنين إلى اللقاء الرومانسي المفقود.ومن ثم، يتميز النص باتساقه اللغوي (حروف العطف- وضمائر الإحالة- والملفوظ الحواري الداخلي)، وانسجامه الدلالي والسياقي.

 

المطلب الخامس: المقطــع التفسيري

يتميز المقطع التفسيري بتجاوز الإخبار إلى تفسير الأحداث والوقائع وفق مكوناتها التفسيرية والسياقية. كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (القصيدة):

" كتبت بالأمس قصيدة من نظمي على خشب الطاولة. دفعت ثمن قهوتي وغادرت.

عند عودتي هذا المساء، قصدت المكان نفسه. أخبرني النادل أن رجلين جلسا بالأمس على الطاولة نفسها بعدي، وانتبها للقصيدة التي لا تحمل توقيعا. اختلفا في صاحبها، واحتد النقاش بينهما إلى أن وصل إلى مسامع زبناء المقهى. وكل منهما يرمي الآخر بالجهل، ويدعي أنه سبق له أن قرأها في ديوان شاعره المفضل .

- تبا لمن ابتلانا بهذه البلوى وشوه وجه الطاولة!!..

هكذا تلفظ النادل وهو يناولني قهوتي معتذرا عن كونه لم يفلح في محوها بالكامل." ..

يتضمن المقطع السردي الدامج مقطعا ثانويا يمكن تسميته بالمقطع التفسيري. إذ تحاول مجموعة من الشخوص أن تفسر لغز القصيدة المكتوبة على طاولة المقهى، بالبحث عن صاحبها الأصلي، إلى أن اختلف زبناء المقهى في ذلك، وساروا في اتجاهات مختلفة. ومن ثم، يتميز النص بتماسكه الاتساقي (حروف العطف- أسماء الإشارة - ضمائر الإحالة- الاسم الموصول- التكرار اللفظي)، وانسجامه الدلالي ( العنوان- التيمة الموضوعية - والسياق التداولي).

 

المطلب السادس: المقطـــع الحـــواري

يقصد بالمقطع الحواري وجود حوار بين طرفين متكلمين حول موضوع ما، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة(تنصل):

" كاتبته على الخاص قائلة:

-أستاذي الفاضل، تحية نسائية، عفوا مسائية..

- مرحبا سيدتي، كلتا الكلمتين شاعريتان.. من تكن الأخت الكريمة ؟

- معجبة .. بقلمك.. هههههه

- معذرة، مضطر لقطع الحوار.. حاسوبي مزاجي الطبع ويغضب من ذكر القلم بحضرته.."

يتميز هذا المقطع بتوارد الحوار بين الكاتب ومعجبة بقلمه السيال. وينتهي الحوار بغضب الأستاذ المبدع على هذا التدخل المفاجىء، ورغبته في توقيف هذا الحوار الذي ينم عن رغبات شبقية لاشعورية، أوكبت حرماني على مستوى اللاوعي، أساسه الواقع وضغوطاته المباشرة وغير المباشرة. ومن هنا، فهذا المقطع الحواري متسق ومنسجم بطبيعته التلفظية نصا وكتابة وتواصلا.

 

المطلب السابع: المقطــع الشاعــري

يتميز المقطع الشاعري بتوظيف جمل متناسقة ومتآلفة، تتخذ طابعا شاعريا مؤثرا أقرب إلى التأمل والوجدان العاطفي.ومن أهم النماذج الدالة على ذلك قصيصة (اختراق):

" في سفر بأحشاء خلية مجهرية لي، وجدتك تتناسلين في نسخ متعددة، تارة مسترخية على جدران الكنشجات وتارة تسبحين كعروس البحر في السيتوبلاسم مرددة أغنيات العشق وأنشودة الحياة.. قرأتكِ رسائلَ بوحٍ تعددت واخترقت كياني ... "

يتضح لنا، مما سبق، أن الكاتب قد وظف مقطعا شاعريا يرصد فيه الخلية المجهرية في أبعادها العضوية والإنسانية والتناسلية، كأن الكاتب يخاطب إنسانة متخيلة تدخل وجدانه وكيانه الذاتي. وتمتاز القصيصة بتماسكها التركيبي (الإحالة- والعطف- التشبيه- التكرار)، وتنسيقها الدلالي(العنوان- التيمة المحورية).

 

المطلب الثامن: المقطع الإحــــالي

يقصد بالمقطع الإحالي ذلك المقطع الذي يرتكن إلى التناص، والحوارية، والتضمين، والاقتباس، والاستشهاد، والمستنسخات النصية، والمعرفة الخلفية، كما يتضح ذلك جليا في قصيصة (كذب نيوتون ولو صدق ):

" في جلسة استرخاء على العشب كان ينظر لشجرة تفاح، انتظر طويلا. التفاحة لم تسقط ...

مرت من أمامه حسناء .. التقت عيناهما .. اقتفى أثرها...

خلص إلى وجوب تعديل النظرية : لا وجود للجاذبية إلا في اتجاه أفقي..."

يتضمن هذا المقطع الإحالي مجموعة من الإشارات الإحالية التناصية التي تعبر عن المخزون الثقافي الغني لدى المبدع؛ إذ يستشهد بنظرية نيوتن الفيزيائية في مجال الجاذبية، بتغييرها من الوجهة العمودية إلى الوجهة الأفقية . والمقطع في قمة السخرية والتهكم والمفارقة.

ويعني هذا أن الجاذبية عند علماء الغرب جاذبية علمية عمودية . في حين، تتميز الجاذبية العربية بطابعها الأفقي، وانجذابها إلى مؤخرات النساء.

ونجد المقطع الإحالي كذلك في قصيصة (تفاحة الغواية):

" كتبت "شهرزاد" لـ "طيف المجنون" تقول:

أحس أنكَ تمر كل صباح من تحت شرفتي.. أنكَ تسرقُ النظر من خلف ستائري.. يكفيني هذا.. لا يهمني إن ألقيتَ التحية أو تظاهرت بتجاهلي.. فأنا أعرف كبرياءكَ وعنادكَ.. أعرف أنكَ تتعمد شح الكلام وأنك تتستر خلف الجفاء وأنك تتهيب النساء.. لكنك لا تعرف أني لست واحدة منهن.. وأني وحدي جمَّعتُ بداخلي كل غرائز حواء منذ استِكانةِ الأم إلى الشجرة.. وأني اغتلت يأسي وقبعت أنتظر.. أنتظر منك تحيةَ صباح .. لأهبك تفاحة البداية..."

يتميز هذا المقطع الإحالي بتوظيف تراث ألف ليلية وليلة، والإشارة إلى غواية شهرزاد، وتعنت شهريار . وهنا، يشتغل الكاتب على التراث السردي، وتوظيفه بطريقة حوارية تأصيلية .

 

المطلب التاسع: المقطع الميتاسردي

نعني بالمقطع الميتاسردي الكتابة عن المتخيل السردي، برصد جوانبه الفنية والجمالية والنقدية، و الحديث عن هموم المبدع الذاتية والموضوعية، والإشارة إلى آليات الكتابة القصصية، وفضح اللعبة السردية، كما يبدو ذلك بينا في قصيصة (احتفال):

" أراد أن يهديها قصة قصيرة جدا ليحتفل بعيدها !! خمن وقدر. مزق ورقة وثانية وأخرى .. تاهت منه الكلمات ..

أيقن أن نظرة حنان واحدة منها لا توصف بأكوام الصفحات ..."

يشير هذا المقطع الميتاسردي إلى جنس القصة القصيرة جدا، وحرفة المبدع الذي خصص حبيبته بقصيصات عديدة للتعبير عن إحساسه وشعوره نحوها. لكنه لم يستطع ذلك، بعد أن عجزت الكلمات عن الاستجابة. فمزق قصصه، واستسلم لنظرات عشيقته التي استعبدته ولها ووجدا وصبابة.

ويلاحظ أن الكاتب قد وظف خاصية التنكير على مستوى الشخوص، ثم تجاوز الجمل السردية البسيطة ذات المحمول الواحد إلى الجمل المركبة ذات المحمولين فأكثر، باستعمال المركبات المصدرية (أيقن أن- أراد أن..). كما استعمل جملا متسقة بحروف العطف (وأخرى)، وضمائر الإحالة (ضمائر الغياب)، وصورة التدريج (مزق ورقة وثانية وأخرى - نظرة حنان واحدة منها لا توصف بأكوام الصفحات..)

ويتجلى هذا النوع من المقاطع واضحا أيضا في قصيصة (نص يحتفظ به) التي تتضمن مقطعا ميتاسرديا:

" كنت منذ لحظة في حالة توتر شديد. وليس من عادتي أن أكسر مزهرية أو أصرخ تحت جسر قطار أثناء مروره لأفرغ شحنات الغضب التي تنهشني.

قصدت المطبخ .. التهمت ما وقعت عليه يدي .. ثم بللت وجهي .. دون جدوى.

أحسست بحاجة ملحة للكتابة من أجل الكتابة. أخذت قلما وورقة. أفكاري لا تنتظم .. أعيد قراءة ما أكتب مرات .. بعد حين، بدأت جملي رويدا تستقيم.

أحسست بشحنات الغضب تتلاشى مع كل كلمة أخطها .. ودون إرادتي، تنهدت تنهيدة عميقة أحسست معها بثقل ينزاح من على صدري..

أنجزت على هذا النحو نصا رائعا، أفضل أن أحتفظ بفحواه لنفسي.."

يرصد هذا المقطع النصي عوالم الكتابة بمختلف تجلياتها، وانشداد المبدع إلى هذه العوالم للتعبير عن مشاكله الذاتية والموضوعية، ولاسيما في حالة الغضب والتوتر والهيجان الصارخ.

 

المطلب العاشر: المقطع التلفظــــي

ينبني المقطع التلفظي على وجود ملفوظات حوارية أو كلامية تواصلية، تعبر عن وجود الشخصية في الزمان والمكان. بمعنى أن المقطع التلفظي يعبر عن اندماج الشخصية المتلفظة داحل المقطع النصي، والتعبير عن حضوره الذاتي. ومن القصيصات الدالة على ذلك (تجرد):

" كان ضمن لجنة مناقشة أطروحتها. احتدم النقاش. أعطي الكلمة. انسجم في دور الممتحن...

ذات لحظة، خاطبها قائلا: يا آنسة، تقولين في الفقرة الفلانية إن...

انفجرت القاعة بالضحك .. احمرت وجنتاها.. طأطأ مبتسما قليلا قبل متابعة تدخله..

على مائدة العشاء، نطق الطفل بنبرة عتاب : لماذا جعلت الناس يضحكون من أمي هذا الصباح يا أبي..؟"

تتميز هذه القصيصة بحضور المقطع التلفظي بشكل واضح وجلي، في شكل انتقادات تقويمية من قبل الزوج لزوجته أثناء مناقشته لأطروحتها الجامعية، انطلاقا من رؤية نقدية موضوعية، تتسم بالتجرد وعدم التحيز الذاتي. وتضمنت القصيصة كذلك ملفوظا يعاتب فيه الطفل أباه على ما بدر منه في حق أمه.

إذاً، يعبر هذا التلفظ عن حضور الزوج (يا آنسة، تقولين في الفقرة الفلانية إن...) واندماجه في القصيصة في الزمان والمكان. كما يعبر هذا التلفظ (لماذا جعلت الناس يضحكون من أمي هذا الصباح يا أبي..؟) عن اندماج الطفل في القصيصة في الزمان والمكان كذلك. ومن ثم، يساهم هذا المقطع التلفظي في تحبيك القصيصة واتساقها وانسجامها وتماسكها وتنضيدها وتنسيقها.

 

المطلب الحــادي عشر: المقطع الحلمــي

ترد بعض المقاطع النصية، في قصيصات الطيب الوزاني، في شكل مقاطع حلمية قائمة على استرجاع الماضي، وتذكر الأحداث الفائتة، ومخاطبة الطيف الحلمي، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (التئام شمل):

"يغادر ضجيج مرح الأحفاد .. يتجه نحو النهر. يجلس على حافته متكئا على صفصافته المفضلة. يرنو إلى الماء طويلا فيرى شريط حياته يتدفق على تموجاته . تتدافع تفاصيل الأحداث والذكريات أمام عينيه. فجأة، يتهلل وجهه بشرا. يمد يده باسما، يطلبها للجلوس بجانبه، يأتيه طيفها، تغمره سعادة جارفة، ينتشي، يسترخي، تسقط يده إلى جانبه بلا حراك.

ويبقى النهر ينساب .."

يعبر هذا المقطع عن عالم الأحلام المفقودة، حيث يحضر فيه خيال المحبوبة المعشوقة. بيد أن هذا المقطع ينتهي بحالة الموت والفقدان والضياع وخيبة الأمل، مع استمرار الطبيعة في انسيابها العادي.

ويلاحظ أن المقطع يتماسك - نصيا - بضمائر الإحالة الدالة على الغياب، ثم استعمال حروف العطف(فيرى)، والتكرار اللفظي (النهر). لكن انسجامه وتنسيقه يتحقق بالعنوان (التئام شمل)، ووجود موضوع محوري (فقدان العشيقة)، ووجود سياق تأويلي (كثرة الأحفاد- رومانسية الشخصية- تذكر الماضي-التأشير على الموت (تسقط يده بلا حراك))

 

المطلب الثاني عشر: المقطــع الفانطاستيكي

يتميز المقطع الفانطاستيكي بتوظيف الغريب والعجيب وخاصية التحول المفارق، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (مغالطة):

"عدت للتو من رحلة فضائية زرت خلالها عطارد ونبتون وزحل...

كان كوكب الأرض يبدو لي من هنالك صغيرا جدا مهما اختلفت زوايا النظر...

الغريب..!! أنني لم أكن أراني عليها بتاتا، رغم إحساسي المتضخم بكياني..!!!"

يتميز هذا المقطع الفانطاستيكي بخاصية الغرابة والتحول والاندهاش الخارق للأحداث التي ترد في هذه القصيصة، وتتميز بطابعها الغريب الذي ينم عن رغبة دفينة في تجاوز هذا الواقع المتردي لاكتشاف واقع أرحب وأفضل.

 

المطلب الثالث عشر: المقطـــع التشخيصي

يستند المقطع التشخيصي إلى بلاغة التشخيص والإحياء والأنسنة . وبذلك، تتحول القصيصة إلى عالم من الرموز والكنايات المتوارية والألغاز الذكية اللافتة للانتباه، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (تحفة):

" اقترب منها.. خلع إزارا يحجبها.. دنا أكثر.. قامتها من قامته.. ربت عليها بلطف.. قبلها.. مد يده إليها بزيت مرطب.. داعب أحشاءها.. استمع لنبضها الرتيب.. علت وجهه ابتسامة رضا...

ضبط عقاربها على لوحة الأرقام الرومانية، وترحم على جده الذي أورثه إياها..."

يتميز هذا المقطع القصصي القصير جدا بخاصية التشخيص القائمة على مجموعة من الأفعال الإيروسية الشبقية ( خلع إزارا يحجبها- ربت عليها بلطف- قبلها- داعب أحشاءها...)، كأننا أمام مشهد جنسي ورومانسي رائع. في حين، تتحدث القصيصة عن ساعة عتيقة وأصيلة موروثة عن الجد. وبهذا، يتحول الجامد إلى المشخص الإنساني عبر مجموعة من الاستعارات والأفعال الإنسانية الحية .

ويتحقق تماسك النص وتنضيده بخاصية التنكير(الشخصية غائبة ونكرة)، وخاصية الإحالة (استعمال الضمائر المقامية والسياقية)، والاشتقاق(قامته/ قامتها)، وحروف العطف( وترحم)، وخاصية الإتباع (تتابع الأفعال والجمل). أما عنوان النص (تحفة)، فهو الذي يحقق انسجام النص وترابطه الدلالي والتداولي.

المطلب الرابع عشر: المقطع الصامت

المقطع الصامت هو الذي يحضر في القصة القصيرة جدا للتعبير عن الفراغ أو الصمت أو الرفض . ويسمى كذلك بالحوار الصامت. لكن يلاحظ أن هذا المقطع قد يدمج ضمن مقطع أكبر كما في قصيصة (كابوس طفل)، حيث يحضر المقطع الصامت في آخر القصيصة، ضمن مقطع تلفظي وحواري أكبر ومهيمن:

" دخل غرفتي خائفا وأنا أغط في نوم عميق. ناداني. استيقظت مفزوعا.

- ما بك صغيري؟

- أنا أشتم رائحة غريبة بمنبهي!!

- وأي رائحة ستكون بالمنبه؟

- لا أدري!!.. قد تكون رائحة الزمن.. لقد زكمت أنفي... - ...........!!"

يعبر هذا المقطع عن صراع الذات مع الزمن المتعفن الذي فسدت رائحته، وتدنست عقاربه بفعل الإنسان الخامل والمستلب.أي: ترصد القصيصة كساد الزمن ورتابته وسكونه.لذلك، استعمل الكاتب نقط الحذف والصمت، في آخر القصيصة، تعبيرا عن استغرابه واندهاشه لموقف صغيره الذي تنبه إلى عفونة الزمان وانتكاسه وترهله مبكرا. ومن ثم، تتميز القصيصة باتساقها وانسجامها تركيبيا ودلاليا وتداوليا.

المطلب الخامس عشر: المقطع التأملي

يرتكز المقطع الـتأملي على إيراد مجموعة من الـتأملات الذاتية أو الفلسفية بغية التحملق في الموضوع بعمق وتحليل وسبر.كما يظهر ذلك بينا في قصيصة (قصتي ولوحة):

" كنت مرة أرسم لوحة. لم تستقم خطوطي، ولا ارتحت لتدرج الأصباغ. حاولت مرات دون جدوى. تضايقت. غضبت. مسحت بيدي على القماش في استدارة عصبية. تمازجت الألوان الطرية. تركت مشروع لوحتي العصية وغادرت محبطا إلى حين..

عند عودتي، تطلعت للوحة وأنا لا أنتظر أن أعثر على شيء بها يعجبني. لكن، مفاجأتي كانت كبيرة. أثارت انتباهي تلك الخطوط المنسابة بجمالية في شكل دائري بسبب فعلتي. أصبح للخلفية معنى جديد لم يكن في حسباني، انمحت أو بهتت بعض التفاصيل.

اقتربت من الحامل، تأملت اللوحة مليا، ابتعدت، اقتربت، فرحت، رقصت، صرخت، .. قبلت اللوحة وحملتها بعناية إلى مكان حيث تكون في مأمن من جنون آخر قد يصيبني.."

يتضمن هذا النص القصصي القصير جدا نظرة تأملية إلى لوحة تشكيلية رائعة وأخاذة، انبهر بها صاحبها انبهارا حتى تقمص جنونها. ومن ثم، يلاحظ أن المقطع التأملي جزء من المقطع السردي العام اندماجا وانصهارا وتوحدا.

 

الخاتمــــة

يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن الطيب الوزاني يمتهن حرفة الكتابة بشكل جيد، ويتقن ممارسة القصة القصيرة جدا إتقانا محكما، بتوظيف متخيلات سردية متنوعة ذاتية وموضوعية وميتاسردية وفانطاستيكية وحلمية.أضف إلى ذلك أنه وظف مجموعة من المقاطع النصية، مثل: المقطع السردي، والمقطع الحواري، والمقطع الوصفي، والمقطع الميتاسردي، والمقطع الصامت، والمقطع التلفظي، والمقطع الإحالي، والمقطع الحجاجي، والمقطع الشاعري، والمقطع الفانطاستيكي، والمقطع الإخباري، والمقطع التفسيري، والمقطع التأملي، والمقطع التشخيصي، والمقطع الحلمي...

كما تتميز مقاطعه النصية بمجموعة من الخاصيات، مثل: خاصية التنكير، وخاصية الاقتضاب، وخاصية التكثيف، وخاصية التسريع، وخاصية الاتساق، وخاصية الانسجام، وخاصية التراكب، وخاصية الإتباع، وخاصية التشخيص، وخاصية الترميز...

ويعني هذا أن الطيب الوزاني، في أضمومته (تفاحة الغواية)، كاتب متميز بارع في مجال القصة القصيرة جدا، وحذق في امتلاك أدوات هذا الجنس الأدبي الجديد بنية ودلالة ووظيفة.

 

د. جميل حمداوي

................

[1]-Benveniste, E. : Problèmes de linguistique générale. Paris : Gallimard.1976.

[2]- جميل حمداوي: محاضرات في لسانيات النص، كتاب رقمي، مكتبة المثقف، موقع المثقف الإلكتروني، مؤسسة المثقف العربي، سيدني، أستراليا.

http://almothaqaf.com/library/48.pdf

[3]- ابن منظور: لسان العرب، حرف القاف، مادة قطع، دار صادر بيروت، لبنان، طبعة 2003م.

[4]- فلاديمير بروب: مورفولوجية الخرافة، ترجمة : إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[5] -Adam, J.M : Linguistique et discours littéraire.fernand Nathan. Paris1984 ; Éléments de linguistique textuelle. Bruxelles-Liège : Mardaga.1990 ; Analyse de La linguistique textuelle - Introduction à l'analyse textuelle des discours, Paris : Armand Colin, collection "Cursus", 2005.

 

المواجهة الحضارية في شعر بشرى البستاني .. قصيدة (أندلسيات لجروح العراق) نموذجا (2-3)

bushra albustaniثانياً: الآخر في مواجهة الأنا الحضارية: يشكل الآخر مرتكزا دلاليا في قصيدة الشاعرة بشرى البستاني، اذ ان المواجهة ايا كان نوع المواجهة لابد لها من وجود قطبين احدهما (الآخر) يكون في مواجهة مع (الانا)، فالأنا مرتبطة ارتباطا ثنائيا مع الآخر، فـ(الشرط الرئيس الذي لابد منه لكي يوجد آخر حتى ولو لم يكن الشرط الوحيد هو وجود انا)(38)، فالآخر في ابسط صوره هو مثيل او نقيض (الذات) او (الانا)(39)، ولهذا فان (الآخر) جاءت أهميته في الفلسفات الغربية من جوهريته الأساسية في تكوين الذات وتحديد الهوية، وكذلك من اسهامه في تأسيس وتوجيه المنطلق الذاتي الشخصي والقومي والثقافي، فالآخر بالنسبة الى سارتر – مثلا – عامل فاعل في تكوين الذات، اذ يرى سارتر ان وعي الذات الوجودي يتأسس تحت تحديق الآخر، لكن الآخر ليس آخرا خيرا، بل ينطوي على عداء يدمر إنسانيتنا، لأنه يعلق الكينونة او الوجود بطريقة جبرية وغير مستقلة بين لحظتي (ما كان) و (ما سيأتي)، ولهذا نظر فوكو إلى الآخر على انه جوهري لكينونة الخطاب، فنحن لا نعرف الحاضر دون الماضي، ولا نعرف الذات دون الآخر . (40)

وقد سعت الشاعرة بشرى البستاني الى قراءة هذا الآخر من خلال مواجهته مع الذات (الانا)، اذ حاولت تعرية الآخر ماديا وقراءته حضاريا عبر رؤية الأنا الحضارية التي تشكل ندا لهذا الآخر .

تفتتح الشاعرة قصيدتها بالحديث عن الآخر (دبابات الغزو تدور) هذه الجملة التي تتكرر لتأخذ شكل لازمة قبلية، وكما ترى الشاعرة نفسها فان تكرار هذه اللازمة هنا انما (يعني استمرارية الآخر بفعله الهمجي، ودوره الحاسم في تدوير العدوان وإدامته ليكون السبب في تجريح الذات / العراق، وكون اللازمة قبلية تأشير لسبق الآخر وإصراره على فعل الاعتداء الشرس والمسلح)(41)، وهذه البداية إنما هي تسجيل لبعد اشكالي للعلاقة مع الآخر، مثلما هي تعبير عن موقف جدلي متمخض عنه صراع حضاري بين حضارتين، الاولى معتدية والاخرى مسالمة، وقبل ان ندخل في تحليل هذه القضية في المتن الشعري لا بد لنا من الوقوف عند ابرز آلية اعتمدتها الشاعرة في رسم صورة الآخر الغربي الا وهي (اللازمة الشعرية) .

يتكون متن القصيدة من ثلاثين مقطعا ابتدأ كل مقطع منها بتلك اللازمة التي امتدت الى نهاية القصيدة، بمعنى آخر ان القصيدة حوت على ثلاثين لازمة تكونت من ثلاث كلمات (دبابات/ او ما اشبهها)، (الغزو/ او ما اشبهها)، (تدور)، فقد ثبت كما هو ملاحظ في اللازمة المبتدأ (دبابات، والفعل المضارع (تدور) الذي شكل خبر المبتدأ، بينما تغير المضاف اليه وقبل الوقوف عند دلالات هذه الكلمات واشباهها، لابد من السؤال عن سر الرقم (30) او (3) ؟ .

من المعروف ان التآمر على بلد عربي مثل العراق او احتلاله من قبل دول غربية كامريكا او حلفائها ليس أمرا جديدا وبخاصة بعد ان تحررت الدول العربية من الاستعمار الغربي وأعلنت استقلالها، ولهذا فان الرقم (3)، والرقم (30) في تاريخ المواجهات العسكرية بعد الاستقلال يذكرنا بمواجهتين الأولى سميت بـ(العدوان الثلاثي) الذي حدث على مصر ايام عبد الناصر، أما المواجهة الثانية فيذكرنا بما سمي بـ(العدوان الثلاثيني) الذي حدث على العراق أيام النظام السابق، ذلك العدوان الذي لم يكن موجها ضد شخص معين بقدر ما كان موجها ضد الشعب العراقي وحضارته العريقة وطاقة أبنائه، وهذا التخريج لعدد مقاطع القصيدة يجعلنا ننظر الى ان الشاعرة ارادت ان تعلن في قصيدتها (اندلسيات لجروح العراق) ان غزو العراق في 2003 واحتلاله لم يكن الا تتميما لمسلسل العدوان على الامة العربية وتراثها، الامر الذي يجعلنا ننظر الى ان هذه المواجهات التي سبقت المواجهة الاخيرة ما هي الا مواجهات حضارية بالدرجة الاولى ولم يكن غايتها الا تدمير القيم الحضارية للامة وقطع امتدادها التاريخي العريق، والدليل على ذلك هو ما ستؤول اليه مجريات القصيدة التي نحن بصدد تحليلها .

وكما سبق فان القصيدة تتكون من ثلاثين لازمة تكرارية توزعت على ثلاثين مقطعا تتكون كل لازمة من ثلاث كلمات، وتكرار اللازمة في القصيدة له دلالات مرتبطة بمضمون القصيدة وسياقها النصي، إذ (ان إعادة ألفاظ معينة في بناء القصيدة يوحي بأهمية ما تكتسبه تلك الألفاظ من دلالات، مما يجعل ذلك التكرار مفتاحاً في بعض الأحيان لفهم القصيدة)(42)، فالتكرار بذلك (أحد الأضواء اللاشعورية التي يسلطها الشعر على أعماق الشاعر فيضيئها بحيث نطلع عليها ……… انه جزء من الهندسة العاطفية للعبارة يحاول الشاعر فيه ان ينظم كلماته بحيث يقيم أساسا عاطفيا من نوع ما) . (43)

وتكرار اللازمة التي تلح عليها الشاعرة (تعد ظاهرة موسيقية ومعنوية في آن واحد)(44)، مما يجعلنا ننظر اليها على ان من خلالها تتشكل بؤرة القصيدة وجعل الدلالة صادرة عنها، (فالعبارة المكررة تؤدي الى رفع مستوى الشعور في القصيدة الى درجة غير عادية وباستناد الشاعر الى هذا التكرار يستغني عن عناء الافصاح المباشر وإخبار القارئ بالالفاظ عن مدى كثافة الذرورة العاطفية)(45)، وهذا ما سنسعى الى تجليته والكشف عن دلالاته لنصل من ثم الى مضمون النص الشعري .

فاللازمة الشعرية التي اعتمدتها الشاعرة تتكون من ثلاث مفردات – كما سبق - تكررت هي او مثيلاتها على ثلاثين مقطعا، وهذه المفردات هي: (دبابات/ عربات، الغزو/ القتل/ السلب/ الحقد/ الموت، تدور)، ونرى من الضروري الكشف عن دلالات استخدام هذه المفردات وتكرارها بوصفها لازمة شعرية.

فمفردة (الدَّبَّابَةُ)، وردت في المعاجم العربية على انها آلة تُتَّخذ للحرب وهَدْم الحُصون، وفي حديث عمر، عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: كيف تصنعون بالحُصون ؟ قال: نتَّخِذ دبّاباتٍ يدخُل فيها الرجال، وتطلق في الحرب الحديثة: على سيارة غليظة مصفْحة، تهجم على صفوف العدُوّ، وتُرمى منها القذائفُ(46)، وورد في معجم آخر: الدبابة الة تتخذ في الحصار يدخل المقاتلون في جوفها ويتقدمون من الحصن مجتمعين بها فينقبونه أو يهدمونه، او هي آلةٌ كانت تُتَّخذ قديمًا للحَرْب وهَدْم الحُصُون، يختبئ الجنودُ في جوفها ثمَّ تُدفَعُ بشدَّة تجاه الحِصْن فتنقُبه وتهدِمُه . (47)

إذ نرى ومن خلال ما ورد في المعجم العربي ان من اوصاف الدبابة هي (آلة - او سيارة غليظة - تُتخذ للحرب وحصار الخصم، تُرمى منها القذائف، يختبىء الجنود في جوفها، وظيفتها هدم الحصون المنيعة والتقدم بشدة نحو الخصم مجتمعين بها فينقبونه أو يهدمونه)(48)، فضلا عن المعنى الحرفي لكلمة (الدبابة) الذي يعني المشي الهين والخفي من الدبيب، ورد في لسان العرب: أَدِبُّ دِبَّةً خَفِيَّةً ... وإِنه لخَفِيُّ الدِّبَّة أَي الضَّرْبِ الذي هو عليه من الدَّبِيبِ ودَبَّ القومُ إِلى العَدُوِّ دَبيباً إِذا مَشَوْا على هيِنَتِهِم لم يُسْرِعُوا.(49)

تبعا لما تقدم من معنى (الدبابة) نرى ان الشاعرة استطاعت ان تعطي معنى دقيقا لهجوم الآخر واجتياحه من خلال هذه الآلة الحربية ؛ فاذا اردنا ان ننظر الى الدبابة من خلال رؤية اخرى لقلنا ان الآخر اتخذ آلة عسكرية (غليظة) لمواجهته الحضارية معنا بالعنف والظلم بعيدا عن أي حوار حضاري، مدركا قوة هذه المواجهة، ولذلك سعى الى الاختفاء والاختباء في جوف ترسانته العسكرية محاولا التوغل الى الحصن (العمق الحضاري للامة) عن بعد من خلال الحصار الذي طال على العراق والذي لم يشهد تاريخ البشرية مثيلا لبشاعته تارة، وتارة اخرى من خلال التقدم بشدة نحو الحصن ومحاولة هدمه ورميه بالقذائف، لاسيما وان الشاعرة استخدمت لفظ (دبابات) بصيغة الجمع إمعانا في الشدة والقوة .

ان توظيف الشاعرة لمفردة (الدبابة) جاء معبرا عن صورة الاجتياح البشعة التي شهدتها المواجهة مع الآخر، ليس من خلال تصوير القوة التي يمتلكها الآخر مع مواجهته معنا فحسب، بل من خلال القوة التي يتميز بها الحصن الحضاري الذي نمتلكه نحن، ففضلا عن استخدام دبابات بصيغة الجمع – كما مر – فانه من المعروف ان (الدبابة) لا تستخدم في الحروب الا اذا كانت المعركة متكافئة بين خصمين او اذا كان الخصم منيعا بحيث لا يستطيع المهاجم الانتصار عليه او مواجهته الا من خلال مواجهة مباشرة يكون سلاح الدبابة هو المتقدم ويكون الجنود مختبئين فيه او من ورائه، هذا اذا اردنا المعنى الحديث والمعاصر لمفردة الدبابة، اما المعنى القديم فهو لا يبتعد كثيرا عن المعنى السابق، فالعربة القديمة كانت وظيفتها هدم الحصون المنيعة، وكان الاقدمون لا يستخدمون هذه الآلة الا اذا كان الخصم متحصنا بحصن قوي ومنيع بحيث يصعب مواجهته او هزيمته، فضلا عن ذلك كله فان المعنى الحرفي لكلمة(الدبابة) وهو المشي البطيء قد اكد ان المواجهة تسير ببطئ وان آلة المواجهة الحضارية تسعى للوصول الى هدفها في خفية وحذر لادراك الخصم الذي يتحصن هنا بعمق تاريخي يجعله رمزا لقوة معنوية تمتلك اشتراطات التواصل مع الغد، وهي اشتراطات يدرك العدو أبعادها، فهو في مواجهة غير يسيرة لأنه امام حصن منيع ليس من السهل مواجهته واقتحامه، وبذلك يتحقق المعنى الوظيفي لاستخدام مفردة (الدبابة) في سياق القصيدة وجعله المرتكز الذي تعتمد عليه دلالة القصيدة، لاسيما وان اللازمة الشعرية (دبابات الغزو/ ...... تدور) قد اتكأت على هذه المفردة(الدبابة)، فاذا كانت اللازمة قد تكررت (30) مرة، فان مفردة (الدبابة) جاءت متصدرة لهذه اللازمة (29) مرة مقابل مفردة (العربة) التي هي الأخرى لم تخرج عن الدلالة المقصودة لمعنى (الدبابة) في دلالتها القديمة الا ان المفردة الاولى كانت اكثر ايحاء ودلالة في السياق العام للقصيدة، لا سيما ونحن امام مواجهة حضارية معاصرة .

واذا كانت مفردة(الدبابة) قد اتكأت على حمولات دلالية – كما رأينا – وانها استطاعت ان تعطينا صورة جزئية عن المواجهة التي حدثت، فان الشاعرة سعت الى رسم صورة متكاملة للمواجهة الحضارية، محاولة الدخول في عمق هذا الصراع، وذلك من خلال فضح المشروع الحضاري الاستعماري للآخر عبر شبكة من الصفات التي تكشف عن وجهه الحقيقي، وتظهر في الوقت نفسه هدفاً مقصودا وتوجها واضحا من قبل الآخر على تهميش الانا وقمعها، وهذا ما نجده في الثلاثين لازمة التي تكررت في متن القصيدة، فحضارة الآخر قائمة على (الغزو/ القتل/ السلب/ الحقد/ الموت)، وهو ما تحمله دبابات الآخر من معانٍ تعكس صورة الحضارة المتسلطة المتمركزة حول ذاتها، والساعية الى الهيمنة على العالم عبر فرض انموذجها القائم على إلغاء الآخر وتهميشه في ابشع صورة:

الآخر

السلب       القتل     الغزو       الحقد       الموت

ان هذه الشبكة من النعوت السلبية التي عبرت عنها الشاعرة وهي تسعى لرسم مشهد حضاري بشع، انما تحاول جاهدة أن تكشف عن درجة الاكراهات والضغوط التاريخية والحضارية والنفسية والاجتماعية التي يتحرك من خلالها الآخر الحضاري، فهو لم يأتِ فاتحا – كما ادعى – ولا محررا ولا – ايضا – ناقلا لحضارة، بقدر ما جاء محركا ومسيّرا بارث تاريخي حاقد ونية مسبقة في الجرم والقتل والسلب، ليس السلب المادي فحسب، وإنما السلب الثقافي والحضاري أيضا .

إن الشاعرة آثرت استخدام مفردة الغزو(20) مرة، في اللازمة الشعرية مقابل القتل(1) مرة واحدة، والسلب(3) مرات، والحقد(4) مرات، والموت(2) مرتين، إذ أن من المعروف ان الغزو في حقيقته يحمل الموت والقتل والسلب والحقد والدمار، إلا أنها وإمعانا في فضح الآخر وإبراز حقيقته أصرت على استخدام المفردات الاخرى التي حاولت من خلالها تصوير آلة (القتل/ السلب/ الموت/ الحقد)، التي يتحرك الآخر في ظلال معطياتها المدمرة، وقد سعت الشاعرة الى رسم لوحات تشكيلية لابراز تلك المشاهد التي عكست تصويرها للآخر المضاد لأي فعل حضاري .

فمن هذه المشاهد صورة الحضارة التي لم ترحم حتى الطفل انها حضارة القتل: (كتب الاطفال

/ دفاترهم ../

تتلفت حيرى

الجندي الأمريكي

يطلق نارا فوق جبين صبي

منتفخ الصدر

سقط الطفل ببركة دم)(50)،

بل يصل جرم الآخر إلى أن يجعل من براءة الطفولة وقودا:

(يا ويلي ...

قمر الحلم

صار وسادة ...

/ وعظام الأطفال وقود .)(51)،

وحضارة السلب التي سرقت كل شيء، فهي مغتصبة أموال الشعوب، وكانت كنوز الأرض العربية التي رمزت لها بالصحراء مرمى نهبهم، وهم لا يكتفون بسلب ما هو ظاهر، بل يسعون لانتزاع ما هو مخبوء في الجيوب كذلك، وذلك تعبير دقيق عن انحطاط القيم الغربية التي مثلتها الحضارة المادية بهيمنة أمريكا ومن حالفها:

(دبابات السلب تدور

تفتش كفُّ الامريكي جيوب الصحراء

تجثو فوق عرين الزيت الاسود)(52)

، وقد وصل انحطاطها الى اغتيال إنسانية الإنسان فهي لم تترك شيئا:

(دبابات السلب تدور ...

في حجرات المشفى

يقتنص الأمريكي غطاء الموتى

يعدو في الردهات وعبر النار المرضى

تنهض في مفترق الطرق الليلية

أشباح القتلى ..

نهبت في غبش الفجر مقابرهم ...)(53)،

فغطاء الموتى رمز لاحترام كرامة الجسد حامل سر الروح، وفوق ذلك كله فهي فضلا عن سرقة حياة الانسان وثروات وطنه وإهانة جسده بعد اغتصابه وقتله تمتد لماضيه سارقةً حضارته وعنفوان ماضيه الذي يرعبها:

(الواح متاحف بغدادَ بكف الريح ْ...

والثور الآشوري الباسم مرتعب

غادر مرتبكا وبكى .....

في اركان المتحف والمنعطفات

كانت قيثاراتْ

سومرَ تعزف لحن الحزن ..)(54)،

إن النص هنا (يعتمد تكثيفا بالغ الترميز وهو يشير لانكسار بعدين حضاريين يختصران بؤر التراث المشع ماديا ومعنويا، الثور المجنح بموحيات القوة والعظمة والهيمنة الأسطورية، ثور برأس بشري متوج وأجنحة نسر علامة للشموخ والأنفة معاً، وقيثارات سومر تعزف لحن الحزن باغتصاب أرضها بعد أن عزفت لحن الفن والمعارف طويلا)(55)، إن حضارة السلب لم تنهب فحسب وانما زرعت ثقافة السلب والنهب:

(دبابات السلب تدور

/ بغداد تنام على عطب الورد

/ واسلاب الياقوت

/ مرجان مآذنها في ايدي السلابة) . (56)

ان حضارة تدعي الحرية هذا شأنها سيكون – بلا شك – غايتها نشر الموت والخراب والحزن في كل شيء:

(هدير الدبابات

يزرع في قلب الأرض

دموعا أخرى)(57)،

إن دموعا أخرى تخفي مسكوتا عنه بالغ الخطورة:

(شواطئ دجلة غبراء

انفض السمارْ

عنها ..

السمك الميّتُ يعلو ضفتها

الطحلب كدَّر صفو الماء ...

تبكي دجلة في قلب الليلِ

زفير الثعبان يريق النارَ

على أعمدةِ الكونْ)(58)،

(يتكئ الزيتون على ورد الشيحِ

ويبكي ..)(59)،

(ومعابر بغدادْ ..

تبكي الأنهار

الأسماك

الشرفاتْ

تبكي)(60)،

(ورذاذ الموتْ ...

ينثالُ على قمم الصخرِ

/ وفي الوديانْ ..

شمعٌ يذبل خلف ستائر بغدادْ

نسمات الحزن على أشجار الليمون)(61)،

(وتدلى من ثقب الشمس حصانٌ ميّتْ)(62)

،(تبكي الأرض من الحمى).(63)

إننا ازاء صور فنية انتقتها الشاعرة وألقت فيها روحا شعرية اضفت عليها طابعا من الخيال، اذ انها سعت الى انسنة الجمادات والاشياء واستخدام التشخيص والتجسيم، وهذا الامر من شأنه ان يعلي من قيمة النص الشعري مثلما يعطي للقضية التي تسعى الشاعرة الى اثباتها اهمية وتأكيدا، فالشاعرة بشرى البستاني سعت الى اغناء تجربتها الشعرية عبر اضفاء طابع رؤيوي خاص يعكس تجربتها التي تعيشها، ويعبر عن احساسها الداخلي الذي يمور في تموج طافح بالحيوية الممزوجة بالألم والأمل، بالماضي المثقل بحمولاته الحضارية، والحاضر المنكسر الكئيب، والمستقبل القادم .

ان الشاعرة بشرى البستاني - وهي تسعى لفضح المشروع الاستعماري الأمريكي – حاولت ان تتكئ في قصيدتها (اندلسيات لجروح العراق) - من ضمن ما اتكأت عليه – على مرتكز دلالي ثري أعطى القصيدة قيمتها الشعرية مثلما أعطى لقيمتها المضمونية رصيدا ثرا من الإبداع والحيوية والحركة، إذ انها حاولت ان تبني لغتها الشعرية على مساحة واسعة من الخروقات اللغوية والانحرافات الدلالية مما اعطاها تميزا متفردا في التعبير عن اللحظة التي تعيشها، والتي هي بالضرورة لحظة الانكسار التي تقابل لحظات القوة التي تميزت بها الذات والتي تمثلت في اللحظات الحضارية المتألقة، فقد دفعت تلك اللحظاتُ الشاعرةَ الى رسمها عبر لوحات شعرية مكثفة أعطت لتجربتها التي تعانيها قوة معنوية، واذا كانت شعرية النص لا تتولد من الموضوع او القصيدة التي فيها القول بل تكمن في شكل القول وطريقته، فان الشاعرة بشرى البستاني حاولت ان تُعلي من شأن تجربتها ومضمون قصيدتها من خلال شبكة العلاقات المجازية والرمزية المعقدة والانزياحات التي جعلت من القصيدة تؤدي وظائفها الجمالية في التعبير عن تلك التجربة عبر الانحرافات والخروقات اللغوية التي تمتعت بها القصيدة، والتي تجلت في صورها التجريدية، والصور التي سعت من خلالها الى أنسنة الجمادات وإضفاء الروح عليها .

ولعل اهم سمة لغوية في الشعر العربي المعاصر تلك القدرة على انسنة الاشياء والجمادات ومظاهر الطبيعة والحلول منها من خلال الاقنعة والتقمص والتناسخ، ومنحها الحياة حتى غدت الأشياء كلها ترفل بحوارية انسانية فاعلية، وكأن الشعر يرد رده الحاسم على عمليات ابادة الحياة في المنطقة العربية كلها من المحيط حتى الخليج باضفاء الحياة على كل شيء حد الاعجاز الخارق او الاسطرة، وهكذا يستبدل الشعر رموز الرواد واساطيرهم ومعادلهم الموضوعي واحلامهم اليوتيوبية بلغة جديدة، لغة تكتفي بذاتها ليس لكونها نظاما إشاريا فحسب، وانما بوصفها مجموعة من الانساق المعرفية المترابطة داخليا بقوانينها الجديدة القادرة على الانسنة والتلوين وبعث حياة جديدة في زمن جديد هي حياة الشعر وزمنه . (64)

ان المشاهد الصورية والنعوت التي صورت من خلالها الآخر، انما هي اضافة من قبل الشاعرة الى آلة الخصم(الدبابات)، وما عبرت عنه في متن الفقرات الشعرية، والشاعرة في كل ذلك انما سعت الى فضح المشروع الاستعماري المهين، وحاولت تفكيك الانموذج الواهم الذي يتزعمه الآخر وتعرية وجهه المتسلط، في صورة ابرزت انتفاء المرتكزات الاساسية للحوار الحضاري، فـ(فكرة الصراع الحضاري، او التحدي الحضاري، او ما يسمى صراع البقاء للاقوى، او الصراع الطبقي، هي الاساس الذي تقوم عليه الحضارة الغربية، بمذاهبها المتعددة، وطبقاتها المتنوعة، والصراع يعني – فيما يعني – محاولة الغاء الآخر بشتى الاساليب والوسائل،لذلك فان اية حضارة، او ثقافة، تفتقد النزوع الإنسانيالحر، وتقوم على العرق، او الجنس، او اللون، او الطبقة، هي حضارة تمييز وتعال بطبيعتها، الامر الذي يقودها الى الاعتقاد بان البقاء مرهون بالغاء الآخر، لذلك تصبح الطبيعة العدوانية من اخص خصائصها، وان لم نقل: انها في الاصل تقوم على الفكرة العدوانية، لانها تنظر الى الآخر نظرة دونية، وتحاول ان تصرعه، وتتغلب عليه، وهذا يستدعي استعماره، واسترقاقه، واستنفاد طاقاته، ليبقى صريعا)(65) فالحرب في أساسها قائمة على الإكراه، إكراه الآخر على قبول ارادة العدو بالقوة، وتبعا لما سبق فان الآخر غير مستعد لاي حوار حضاري، حيث ان طرفاً ادواته (الغزو/ القتل/ السلب/ الحقد/ الموت) لا يمكن ان يدخل في حوار متكافئ مع غيره، فحضارة هذا شأنها لا يمكن ان يكون عندها ادنى احترام لقيمة اي انسان يكون خارج منظومتها المركزية .

ان الشاعرة وهي تحاول ان ترسم لنا صورة لبشاعة هذه الحضارة فانها تسعى الى ابراز كل ما يعزز هذا المشهد المأساوي، عبر حركة الفعل الشعري (تدور)، اذ تشكل الشاعرة من الفعل المضارع منظومة من المعاني المتعددة التي تضفي نشاطا حركيا مكثفا لصورة اللازمة الشعرية، فالشاعرة وهي تصور لحظة تاريخية حاضرة، فانها تستحضر ماضيا أليما عبر سلسلة من الانتكاسات التي تعرضت لها الامة في تاريخها الطويل، فالفعل (تدور) يضعنا امام صفحة من احتلال بغداد على يد التتار، وبدوران عجلة التاريخ التي لا تهدأ عادت هذه الحروب مرة أخرى:

(ثانية يوغل هولاكو في قمصان المدن التعبى

ثانية يقطع هولاكو

شريان الحبر الأسود ...

هولاكو يترصدني ...

يقطع رأسي،

يودعه في صندوق مقفل ....

يرميه في البحرِ

يدور البحرُ

اللعبةُ ترتدُّ على نحر البارجة الأمريكية ...) . (66)

إن هولاكو من خلال الأفعال التي نسبت اليه يصير يد الامريكي الشرير، بينما تتكثف إرادة شعب كامل وملايين أمة غفيرة لتصير ذاتا تمثل المجموع هي الذات الشاعرة، ان همجية التتار التي قتلت وعبثت ودمرت وحاولت قطع شريان الحضارة الانسانية في بغداد(شريان الحبر الاسود)، لم تنته بانتهاء احتلال التتار لبغداد، ذلك ان عجلة التاريخ بقيت تدور لقرون كثيرة على الامة، تحمل حقدا متوارثا، فمرة ترفع راية الحروب الصليبية، ومرة الاستعمار/ الاستخراب، ومرة تأتي لتعلن راية التحرير ونشر التقدم والاستقرار، اللعبة نفسها ولكنها باسلوب جديد وبنوايا متعددة، واهداف اكثر دمارا، وبخاصة حينما يرتبط هذا الغزو الجديد بالخيانة العربية:

 

(بغدادُ...

اللوعاتُ ...

العبراتُ ...

الطعناتْ ...

ظهرك ينزفُ ...

مفتاحكِ ثانية في جيب الأمريكيِّ

/ يخضِّبه الدمْ ...) . (67)

اننا ازاء هجوم استعماري مبني على اسس تاريخية وليس وليد اللحظة الحاضرة او وليد مصالح آنية، ولذلك فان استخدام الشاعرة مفردة(الحقد) يعزز هذا المعنى (دبابات الحقد تدور)، فالمقاصد التي حركت المعتدين قديما هي نفسها المقاصد التي حركت الاستعمار الامريكي على احتلال العراق .

ان الفعل المضارع (تدور) مثلما يؤكد تاريخية الصراع الذي تمر به الحضارة العربية، فانه وفي الوقت نفسه يضعنا أمام معنى الاستمرارية الذي يتصف به هذا الفعل، مثلما يضعنا ايضا ازاء معنى المستقبل، بمعنى ان الحدث بدأ ولا يزال وسيستمر ايضا، وان احتلال العراق ليس الا المرحلة الاولى من مسلسل الاستعمار الجديد، وستدور الدوائر على الآخرين، فالعراق ليس الا جزءا من كيان كبير اسمه الوطن العربي، وهذا ما أكدته الأحداث الجارية في المنطقة العربية .

وتحاول الشاعرة ان تقدم لنا مشهدا رائعا وصورة متميزة، تعبر من خلالها عن رؤية فريدة للحظة التاريخية التي يمر بها العراق/ الحضارة، وهو يواجه العدوان الحضاري(حضارة الآخر)، اذ تسعى الشاعرة الى رسم لوحة من خلال استعارتها وتوظيفها للوحة بيكاسو المسماة بـ(جرنيكا)*:

بيكاسو يرسم جرنيكا أخرى ...

يرسم بغداد طريحة أقدام الغوغاءْ

والحريةَ عود

يعزفه القزم الموؤد ..

ألواحُ متاحف بغداد بكف الريح ...

والثور الآشوري الباسم مرتعبٌ

غادر مرتبكا

وبكى .....

في أركان المتحف والمنعطفاتْ

كانت قيثاراتْ

سومرَ تعزف لحن الحزنْ .. (68)

إن الشاعرة بقدر ما تنجح في توظيف لوحة (الجرنيكا) في قصيدتها وهي تصور مشاهد الدمار الذي حل بالعراق وعاصمته بغداد، فهي في الوقت نفسه تبتكر جرنيكا جديدة، تكون صاحبتها الذات الشاعرة نفسها، فبين لوحة بيكاسو ولوحة بشرى البستاني علاقة تقابل وتشابه لعل أبرزها ان بيكاسو الاسباني رسم لوحته تعبيرا عن الدمار الذي حل بوطنه اسبانيا التي هي بلاد الاندلس، أما الجرنيكا الجديدة التي رسمتها الشاعرة العراقية فهي للعراق، وفي ذلك التفاتة متميزة من الشاعرة جعلت الأندلس متآصرة ومشتبكة في آلامها ومعاناتها مع العراق، من خلال عنوان قصيدتها (أندلسيات لجروح العراق)، فضلا عن ذلك فقد استطاعت الشاعرة ان تجعل من آلام اسبانيا والعراق من خلال الجرنيكا متقاربة شكلا ومفترقة في بعض مضمونها، فاذا كانت مدينة جرنيكا الاسبانية قد دُمرت بفعل الهمجية النازية، وذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء، فان جرنيكا بغداد كانت الابشع والاكثر همجية والاعتى من نازية ألمانيا، فالهجمة الجديدة لم تكن ضد الإنسانية فحسب بل كانت هجمة حضارية، لم يسلم منها شيء، فالواح متاحف بغداد بكف الريح / والثور الآشوري الباسم يغادر وهو مرتبك يبكي / اما قيثارات سومر فهي تعزف لحن الحزن، اننا امام حضارة تنهد وتحتضر بفعل همجية العدوان الذي توجه الى عمق هذه الحضارة ليجتث جذورها ويقطع اوردتها ويحولها من ثم الى غوغائية تتحول فيها معاني الحرية الى اوتار مزيفة يعزفها من حارب الحرية وكان عدوا لها، فالمفارقة التي صنعتها الشاعرة في قولها (والحرية عود يعزفه القزم الموؤد)، هي اشارة الى المحتل الذي جاء ينادي بالحرية وهو عنها بعيد كل البعد، فالحرية والديمقراطية لم تعرف في امريكا بقدر ما عرفت في موطن الحضارات الراسخة الجذور عبر العصور وفي طليعة هذه الحضارات الشرقية العراق، فالعود وهو آلة موسيقية عربية تقصدتها الشاعرة لأنها الحرية المتحضرة بالفن، والتي لا يعرف العدو العزف عليها .

ان توظيف الشاعرة للوحة الجرنيكا بمرجعيتها التاريخية واللحظة التي كتبت فيها انما هو تنبؤ من الشاعرة الى ما ستؤول اليه الأمور بعد الحرب في العراق، فبيكاسو الذي رسم لوحته انما رسمها وبلاده اسبانيا كانت غارقة في الحروب الأهلية التي راح ضحيتها الكثير من الابرياء، وربما لفظة (الغوغاء) هي اشارة واضحة للمسار الذي ستؤول اليه احوال البلاد بعد الاحتلال .

وتسعى الشاعرة الى إعطاء تصورها لهذه اللحظة من الزمن وما يحدث من احتلال لبلدها وما سيحدث بعده، اذ تحاول ان تحلل هذه الأحداث من وجهة نظر سياسية عبر التحليل والتأويل والتنبؤ وكأنها تقرأ الآخر قراءة فكرية سياسية:

دبابات الغزو تدور

في مائدة قربي الامريكيةُ كانت

تفتح تحت الشمس ضفائرها

وتشكِّل من خُصَلِ الشعرْ

اروقةً

دولاً

وخرائط اخرى

ومجندةٌ عاشرةٌ

كانت تتأمل في وهج الشمس مغازلها

والأفقْ

ثعبانٌ يتلوى في ظهر معتمْ...

والشمسُ العربيةُ سوداءْ

كانت عبر نوافذ بيتي

تبكي في عز الصيفْ ... (69)

ان نص الشاعرة السابق يظهر وعيا ناضجا في قراءة الواقع الفكري والسياسي في هذه اللحظة الراهنة من تاريخنا وما يليها، إنه الفن المستشرف الحادس الكاشف، اذ يسعى الى ان تصور حضارة الآخر من خلال رمز المرأة الذي يومئ الى حضارة أمريكا (الامريكية كانت تفتح تحت الشمس ضفائرها وتشكل من خُصَلِ الشعر أروقة دولاً وخرائط اخرى)، اذ ان ما تسعى امريكا اليه عبر توجهاتها المتعددة من احتلال عسكري وغزو ثقافي فكري انما تحاول جاهدة للسيطرة على العالم وإخضاعه لمبدأ" الاحادية" التي تتفرد بالهيمنة على العالم كله ولا تقبل حوارا على اساس "الندية"، بل تسعى الى اعادة تشكيل العالم بالصراع على وفق الانموذج الاميركي الذي يعكس ممارسات القطب الاوحد بهويته ومرجعيته، محاولة فرض إستراتيجية تقوم على محو الآخر وإلغائه ومحاربة مقوماته الحضارية وطمس هويته ليستحيل العالم الى دائرة مغلقة يتم من خلالها احتواء عقل الإنسان ومصادرة ارادته وتفكيك بنيته الثقافية وأنظمته الفكرية لصالح حضارة واحدة هي حضارة الاقوى بتجلياتها المتعددة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا واعلاميا ولغويا، وكأن امريكا بحضارتها وطروحاتها تلك قد آمنت بمقولة لـ"اينشتاين" (العالم اما كل واحد واما لا شيء)(70) .

وفي مقابل حضارة الآخر (امريكا) نجد الشاعرة ترسم لنا صورتين الاولى (والافقْ / ثعبان يتلوى في ظهر معتم) اشارة من الشاعرة الى الصهيونية التي يُرمز لها بالثعبان ودورها في الصراع الحضاري، علامة على تحكم الصهيونية مع امريكا بمصائر البشرية، اما الصورة الثانية فهي موقف الامة العربية ازاء كل ما يحصل، اذ ان الشاعرة تنظر الى ذلك الموقف من منظور سلبي بفعل ما قدمه العرب عبر كل التحديات التي واجهتهم من مواقف محزنة يهيمن عليها الوهن والسلبية وتسلط الحكام وغياب الارادة الحرة ولاسيما من خلال مواقفهم من مواجع العراق وحصاره وتكالب الاعداء عليه (والشمسُ العربيةُ سوداءْ / كانت عبر نوافذ بيتي/ تبكي في عز الصيف)، فعلى الرغم من ان الشمس العربية التي اشرقت على الغرب في لحظات تاريخية مجيدة وهي بيضاء ناصعة حاملة معها النور الذي اضاء في يوم ما سماء الغرب المعتم، نرى الشمس العربية اليوم وهي في حالة كئيبة سوداء تبكي، وهذه الحالة من تصوير الذات العربية من قبل الشاعرة تجعلنا ننتقل الى المحور الثاني من بحثنا وهو (الانا الحضارية ومواجهة الآخر) .

 

الدكتور رائد فؤاد الدريني

المواجهة الحضارية في شعر بشرى البستاني .. قصيدة (أندلسيات لجروح العراق) نموذجا (-31)

bushra albustaniتوطئة: يعد فعل الإبداع عنصرا اساسيا وأصيلا في مواجهة التحديات التي تواجه الذات، فالعمل الابداعي قوة سحرية تستطيع من خلاله الذات التخفيف من العزلة التي تنتابها، كما تستطيع من خلاله الذات الوقوف ازاء التحديات المحدقة بها ومواجهتها وصدها بما تمتلك من مقومات التأثير .

ان الشعر منذ ان ادرك الانسان او ادركه قد عمل وبفعالية سحرية وجبارة، على تفعيل مواجهة الانسان للحياة واستئناف حواره الندي معها، ودفع المعادلة المؤلِفة لإشكاليتهما باتجاه التعادل التقريبي دائما، انها موازنة كبرى من الموازنات التي اقترحتها الطبيعة لإرضاء الأطراف جميعا، وتسوية اكثر المشكلات تعقيدا وتداخلا، نحو تعميق اداء الفعل الخلاق للشعر، الذي يمنحه ذلك قدرا من الاطمئنان والسلام، ويقلل لديه حدة التوتر والقلق والإحساس بالعزلة، فمن وظائف الشعر الخطيرة منع الذات الإنسانية من التآكل والتلاشي والانسحاب الى ما دون الخط الفاصل بين المتن والهامش، أملاً في دفعها نحو استغلال المنجز الحضاري واستثماره ممولا من مصادر التمويل الابداعي المهمة التي ترفد التجربة الشـعريـة بكل ما هو اجـدّ واحدث . (1)

واذا كانت الذات الشاعرة قد انتبهت الى هذه الحقيقة منذ الأزمان البعيدة، فان الواقع الراهن يتطلب رؤية أعمق، ونظرة ابعد، فالذات في اللحظة الراهنة تواجه تحديات حضارية بآليات جديدة، ولهذا فان المواجهة القديمة القائمة على المباشرة والتقريرية لم تعد تنفع في هذه المرحلة، اذ يتوجب على فعل الابداع - في وسط التغيرات والتبدلات الاستراتيجية المعاصرة - أن يرتقي الى مستوى المواجهة، فالواقع الذي يعيشه المبدع واقع صدامات حادة تستهدف الأمم حدَّ تصفية مقوماتها وركائز هويتها، ولذلك فالأمر يتطلب منه مواجهة حضارية نوعية تكون بمستوى التحديات التي تواجهها الذات المعاصرة ؛ لأن الآخر (الغازي .. المستعمر) لم تعد تنفع معه المواجهة التقليدية التي غالبا ما تكون خطاباتها مباشرة وتقريرية، فالمبدع الذي يحرص على ان يصل الى المستوى الأمثل لا يصعب عليه قراءة الواقع بكل سياقاته وأنساقه الحضارية والثقافية، فضلا عن الأبعاد المستقبلية التي لابد من التنبؤ بها، او قراءة الواقع من خلالها بدقة، ليس قراءة السياسي، وانما قراءة المفكر المبدع الذي يكون واعيا (بوجوده الحضاري المتكون بضياء ماضيه، وسؤال مستقبله وحقيقة حاضره ايضا، واذا كانت المؤامرة الاستعمارية التي يقودها الغرب قد وصلت اليوم الى حد تقسيم الاوطان، وهدر الاستقلال، وتصفية الحقوق التاريخية المستقرة للعرب على ارضهم، فان فعل الإبداع لايتراجع منحسرا او منكفئا، لان لديه القدرة على تصعيد وتائر هذا الإبداع وتقوية تجلياته ومظاهره ليوازي قوة الهجمة وخطورة المؤامرة، وهذا لا يعني سحب المبدع الى مواجهة سطحية، يتبسط فيها الخطاب حتى تتسطح عناصره، وتتراجع اساليبه، وتتأخر دينامياته الفاعلة، وانما يتم فعل المواجهة الابداعي بالاشتغال على الجوهر الحي للكتابة العربية، وتقوية جسور الفعل بين المبدع ومتلقيه عبر استيعاب تفاصيل الحالة ودقائقها، والتعبير عنها فنيا بأساليب متقدمة، تستثمر فضاء الحرية، وتنتزع حقوق البوح، وجرأة التسمية، وتعثر على أكثر نقاط الأحداث دراماتيكية ومأساوية واستثارة، لتؤسس وعيا حادا بما يجري على هذه الأرض) . (2)

ان المبدع العربي لم يعد بعيدا عن هذا المشكل الحضاري، الذي مثّل مسارا حادا في خارطة الثقافة العربية، والذي توجب فيه على المبدعين (النظر في توجهاتهم الإبداعية، وفي انجاز رؤيات ومشروعات مجددة للحفاظ على بقاء المجتمع والأمة والإنسانية بقاء ناجعا وتقدميا، وهو يتطلب منهم ان يتخلوا عن الاستعجال والغرق في (الذاتوية) المفرطة، وتجديد الصلات بين وعيهم وابداعاتهم من جهة، وبين مستجدات حركة الحضارة الآن من جهة اخرى، على اسس رؤيوية وقيمية مناسبة تتخلق منها المشروعات الثقافية الكبرى المناسبة لتحدي البقاء المطروح علينا كأمة) . (3)

وكما يقول هيدجر أن تاريخ الكلمات هو نفسه تاريخ الوجود، فشعرنا إذن هو تاريخ وجودنا، هذا الوجود العصي الإشكالي المشتبك بالوجع والوجد والعنف والتحدي، فالأدب – والفنون عامة – هو نتاج مخاضات نعيشها ونكتوي بعذاباتها، ذلك ان الحضارة المعاصرة كذبت على الانسان كذبتها التاريخية يوم وعدته بالسعادة وفرح المصالحة مع الذات والآخر، ومع الزمن والعالم لكنها أعطته في الواقع ما لا يصدّق من العذاب والخوف والكوارث، وجعلته يعيش ألوانا من الإحباط والمكابدة فجاءت آدابه وفنونه نتيجة ذلك طافحة بالرفض والمرارة، وراحت نصوصه تستسلم أمام طوفان الهمجية القادم من ادعاءات التحرر والسعادة مرة، وتواصل المجابهة مرات وهي تحلم بحياة أكثر رأفة بالإنسان، فكأن على هذه النصوص التي ترفض الموت ان تتسم بالحيوية والحركة والتفاؤل بطاقة الإنسان المحاصرة، وهي في أكثر الأحيان تنطلق عبر ضمير المتكلم (انا) الذي يضمر في داخله كل عذاب المجموع وينبض بمكابداتهم لانه برحابة الشعر والرؤيا قادر على احتوائهم وعيش المهم والبوح بمعاناتهم في تجربة موحدة، فالمرض والجوع الانساني واحد، وجرح الانسان وذل تشرده واحد، والذعر من الصورايخ والموت واحد بكل ما ينجم عن تلك الكوارث من محن ولوعات، والمعادلة بين القاتل والمقتول مختلة، فكيف لتجربة الشاعر الداخلية ان تتشكل نصا بعيدا عن هذه النكبات ؟! . (4)

وفقا لذلك فان تجربة الشاعر بأشكالها ومراحلها المختلفة قد حظيت بأهمية كبيرة في توجيه النص وشحنه بامكانات معينة ليصبح اكثر كفاءة في خلق وضع جمالي وحضاري ضروري، يؤسس مشهده الخاص ويضخه بطاقة خصب خلاقة، تعينه على اداء وظائفه النوعية في الارتقاء بالروح وجعلها اكثر تحضرا وقابلية لادراك الآخر والتواصل معه، فالشاعر في اساس عمله الشعري انما يطمح لان يرتفع بلغته ذات الطاقة التعبيرية المكثفة الى مرحلة تحريض الآخر على الاستجابة الحضارية لفضاءاتها النصية، بما يؤمّن لها صفة العالمية (5)، وهذه الصفة العالمية (ميزة ابداعية رفيعة تنبع من المحلية، اي من ارتباط الكاتب بالمكان والثقافة التي ينبع منها، والعالمية بهذا المفهوم قيمة جوهرية يرتفع الادب بتحققها وينتشر في العالم اجمع)(6)، مما يحقق شكلا متقدما ومتطورا لتلاقح الحضارات واستراتيجية جديدة في التقائهما على أساس الإنسانية والقيم المشتركة .

ذلك ان الشاعر المعاصر إنما ينظر إلى شعره والى نفسه بوصفه صوتا من أصوات هذا الوجود، تلك الأصوات التي تتجاوب أصداؤها عبر التاريخ، في الماضي والحاضر والمستقبل، والتي تصنع بمجموعها سيمفونية الحياة، وهو من هذه الناحية يمثل حلقة من سلسلة التاريخ، لكن التاريخ الفكري والروحي للانسان لا يمكن تمثله في سلسلة من الحلقات، تسلم الواحدة منها إلى الأخرى، فالواقع ان كل حلقات الماضي تعيش وتؤثر في الحاضر، ثم ان الحاضر يؤثر في المستقبل بل يتأثر به كذلك، ان التاريخ الفكري والروحي للإنسان إنما يتمثل في شكل دوائر تتسع كل دائرة منها عن سابقتها حتى ليمكن تمثل الدوائر السابقة كلها في إطار الدائرة الأخيرة، فالشاعر المعاصر اذن ليس حلقة في سلسلة ممتدة، وانما هو يمثل الدائرة التي تضم في إطارها دوائر التراث الروحي والفكري للإنسان في الماضي . فالحياة ليست الا درامة ممتدة عبر التاريخ، طرفاها الإنسان والزمان، كما أدركوا – من خلال ذلك – انهم ورثة المأثور الإنساني كله، ورثة الحضارات بلا تفريق ولا تمييز، ما دامت هذه الحضارات هي ثمار التجربة الإنسانية الممتدة عبر التاريخ، ومن ثم عبر الشعر عن هذا المفهوم التاريخي للتجربة الإنسانية . (7)

وإذا كانت الكلمات – وفقا لما تقدم – تظل تحمل تاريخ وجودنا الى الغد ليرى الآتون ما حدث للإنسان في ظل حضارة الخطر، فان نظريات النقد الغربي التي حاولت عزل المبدع والإبداع عن معاناة الإنسان وإشكاليات حياته لم تمكث طويلا فقد داهمتها اكثر من نظرية دعت الى ضرورة قراءة النص في منظوره التاريخي والثقافي وضمن سياقات انتاجه، ذلك ان النصوص تولد عبر مخاض تحتدم فيه وقائع الحياة وأحداثها (8)، اذ يتطلب من الناقد عدم دراستها معزولة عن كل المؤثرات والسياقات التي مهدت لكتابة العمل الابداعي، فـ(الاديب عندما يعبر عن أفكاره ومشاعره، فانه لا يعبر عن تلك الأفكار والمشاعر في عزلة عن الواقع الاجتماعي المحيط به) (9)، فالنص الأدبي هو نص مرتبط ارتباطا وثيقا باللحظة وُلد فيها وفي المكان الذي اُنتج فيه .

والقصيدة التي نحن بصددها (أندلسيات لجروح العراق) للشاعرة بشرى البستاني (10)، تمثل أنموذجا للشعر الذي يرتبط باللحظة الراهنة التي تعيشها الذات وهي تواجه عدوانا همجيا على بلدها العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، فإن هذه اللحظة مشتبكة بالتاريح وأحداثه ووقائعه وصراعاته، إذ لا يمكن لأية لحظة حاضرة أن تنهض فارغة من مضامينها الزمنية، فهذا العدوان انتهى باحتلال العراق واستباحة ارضه وحرمته وكل ما يتصل به من ارث حضاري وثقافي ممتد لالاف السنين، ان هذه اللحظة المأساوية شكلت منعطفا خطيرا في مسار الإنسان العربي والعراقي على وجه الخصوص، ومهما ادعى الغازي من اهداف سامية ومبادئ نبيلة جاء لكي يحققها، فان العدوان يبقى في صفحة الاحتلال الغاشم الذي جاء ليُكملَ سلسلة نزع صرح الحرية من ابناء هذا البلد الذي قُدر له ان يبقى بعيدا عن الأمن وعن كل ما يشعره بالإنسانية والحرية وان يبقى أسير العبوديات التي اكتملت دائرتها بالغزو والاحتلال، واذا كانت الشعارات التي رفعها المحتل من ان الدكتاتورية والظلم الذي حلّ بهذا البلد هو ما دفعه لإعلان الحرب على العراق، فان الواقع على الأرض اظهر خلاف ذلك تماما .

واذا كان (استلهام الروح واستبطان الحوادث من خلال موقف او حدث معيش هو ما يصبو اليه الشاعر ويشغله) (11)، فان قصيدة الشاعرة بشرى البستاني جاءت فاضحة للمشروع الامريكي ومعرّية لكل الاهداف التي رفعها هذا المشروع، محاولة معالجة هذه القضايا عبر رؤية شعرية حضارية، ومن خلال استجلاء الإرث الحضاري الذي تمتلكه الذات وهي تواجه هذا العدوان الهمجي، ساعية الى إعلاء القيم والمبادئ الحضارية التي تشكل المرتكز الأعلى التي تتكئ عليه الذات في محنتها المعاصرة وهي تسعى لان تصنع قدرها الحضاري المعاصر .

تتكون القصيدة من ثلاثين مقطعا موزعا على ثلاثين صفحة من القطع الصغير، وبناء القصيدة المقطعي أعطى الشاعرة فرصة لتصوير التجربة التي تعيشها الذات لحظة الاحتلال الأمريكي للعراق أي في عام 2003م، فعملية التقطيع الشعري - المتمثلة في تقطيع الشاعر لقصيدته الى مجموعة من المقاطع والفقرات – إنما يأتي وفقا لدلالات يلجأ اليها الشاعر، بحيث يجعل كل مقطع صورة معبرة عن دلالة معينة توحيها لبنيات النص ووحداته، فالتقطيع وفقا لذلك لا يأتي اعتباطا وإنما يأتي بشكل تفرضه سياقات القصيدة لدلالات متعددة يجمعها موضوع القصيدة ذاتها .

وقد نشرت الشاعرة قصيدتها هذه مع مجموعة من القصائد التي كتبت في سنوات متفاوتة قبل الاحتلال وبعده، إلا أن المجموعة أخذت اسمها من اسم القصيدة التي نحن بصدد تحليلها (أندلسيات لجروح العراق)، جاءت دراستنا لهذه القصيدة على محاور عدة، أولها: محور العتبة النصية (عنوان القصيدة)، اما ثانيها وثالثها فقد كان دراسة للمتن الشعري من خلال جانبين، الأول - وهو ما مثل المحور الثاني-: الآخر في مواجهة الانا الحضارية، اما المحور الثالث فقد كان موضوعه حول: الانا الحضارية ومواجهة الآخر .

 

اولاَ / العتبة النصية (العنوان):

يشكل العنوان عنصرا بارزا من عناصر القصيدة المعاصرة كما يُعد مرتكزا دلاليا ينبئ المتلقيَ بما ستؤول اليه مجريات القصيدة، وبالقدر نفسه فان العنوان عتبة أولى لقراءة اي نص إبداعي، الا انه في العمل الشعري يأخذ بعدا أعمق ودلالة اوسع ونظرة ابعد مما يجعل الناقد ينظر الى العنوان على انه مجال تأويلي بدرجة عالية، يتيح لمن يحلل النص الشعري ان يغوص في دلالات بنية العنوان لكي يتمكن من الكشف عن مجريات القصيدة .

ان العنوان بفاعليته الدلالية ليس عملا معزولا عن نصه، انما هو دلالة منتزعة من صميمه (12) يستطيع (ان يوحي بتفكيك النص من اجل تركيبه عبر استكناه بنياته الدلالية والرمزية، وان يضيء لنا في بداية الأمر ما أشكل من النص وغمض، هو مفتاح تقني يجس به السيميولوجي نبض النص وتجاعيده وترسانته البنيوية وتضاريسه التركيبية على المستويين: الدلالي والرمزي) (13) .

يقول الدكتور جميل حمداوي (ان العنوان بنية رحمية تولد معظم دلالات النص، فإذا كان النص هو المولود، فان العنوان هو المولد الفعلي لتشابكات النص بأبعاده الفكرية والايدلوجية .)(14)ولهذا فقد عُدّ العنوان منطقة تأويلية يمثل موجها يقف بين الدخول الى عالم النص وبين المتلقي، ولا يمكن تصور نص شعري بمعزل عن العنوان، ولهذا رأى امبرتو ايكو ان احدا لن يستطيع الافلات من ايحاءات العنوان التي يولدها(15)، ذلك ان العنوان هو الذي يشرف على النص لا ليضيء ما يعتم منه فحسب، بل ليوجه القراءة كلها، فالعنوان في اعتلائه صهوة النص يسمح بنشر النور اللازم لتتبع الدلالات الحافة للنص (16)، فهو بانتاجيته الدلالية يؤسس سياقا دلاليا يهيئ المستقبِل لتلقي العمل(17)، إنه (شبكة دلالية يفتتح بها النص ويؤسس لنقطة الانطلاق الطبيعية فيه)(18)، ليكتسب النص الشعري بعد ذلك فاعليته بالعنوان، وليمارس ضغوطه على المتلقي، وبه ومن خلاله تتأسس فاعلية المتلقي . (19)

ولأهمية العنوان ودوره في توجيه النص فقد صار لزاما على الشاعر المعاصر ان يدرك هذه الاهمية، وان يعي هذا الدور الاستثنائي في لعبة العنونة وتجلياتها الضاغطة على جسد المتن ويدرك خطورة وضعها على رأس النص، فيتفكر ويتأمل ويجتهد ويجرّب وينصت مليا للإيقاع الخفي المنبعث من أعماق تجربة النص والغمر لفضاء التجربة كلها، حتى يصل الى مرحلة اكتشاف عنوانه بحيث يرتكن إليه نهائيا ويطمئن الى قوته وكفاءته وسلامته اللسانية والتعبيرية والدلالية، ليستحيل العنوان على هذا الأساس اختزالا نصيا مقننا ومبرمجا على وفق آلية معينة يلتئم على أعلى الهرم النصي وينهض بوظائف شكلية وجمالية ودلالية . (20)

اذن نحن ازاء العنوان نكون امام بنية لها اثرها الخطير والدقيق في تحليل القصيدة، لاسيما ونحن نقرأ قصيدة لشاعرة ناقدة تعرف آليات حبك النص واهمية عنونته، كما تعرف تقنيات العنونة واستراتيجياتها، فنجاح الشاعر (اي اكتمال بنائه الفني لقصيدته، اثر من آثار سيطرته على الخلق الشعري السليم، وهو اختفاء الشاعر وراء قصيدته بما فيها من عوامل فنية، هي التي تثيرنا وتبعث فينا الأحاسيس التي ينشدها)(21)، لذا فاننا ازاء نص اتقنت شاعرته بناءه بشكل واضح، والكشف والتحليل لهذا النص لابد له من قراءة دقيقة وتأملات واسعة للتعرف على تداخلاته النصية وستراتيجيات الغياب التي تخللت مجريات القصيدة والكشف عن انساقها الحضارية التي نحن بصدد دراستها والوقوف عليها .

قبل ان نلج في تحليل عنوان القصيدة (اندلسيات لجروح العراق)، علينا ان نعلم ان هذا العنوان هو نفسه عنوان لمجموعة الشاعرة التي تحوي قصائد عدة، وهذه طريقة من طرائق اختيار العنوان التي لا تجري اعتباطا، بل هي تتم عبر اشتراطات يتضمنها عنوان النص المختار ليكون ثُريا للمجموعة، ومن أولى هذه الاشتراطات علاقته بفضاء نصوص المجموعة الكلي، وهذه العلاقة تمتد ما بين التيارات الدلالية الموازية مؤتلفة أو مشاكسة أو مُغرية أو مغوية استفزازية وحتى تضليلية من أجل إثراء عملية القراءة وتعددها، واذا ما علمنا ان القصيدة في أساسها تدور في أطر الحديث عن مأساة العراق لحظة احتلاله من قبل الجيش الامريكي، اي في عام 2003م، فان ذلك لا يعني ان بقية القصائد قد كتبت في السنة نفسها، اذ ان بعض القصائد قد أُرخت قبل هذا التاريخ بسنة او سنتين، واذا ما حاولنا ان نتفحص عناوين قصائد المجموعة فاننا سنجد ان المضمون تقريبا كان يحوم حول جروح الشاعرة، جروح العراق، الوطن العربي وفي البؤرة فلسطين والقدس، وأحزان بلقيس الضارية في اليمن والممتد صداها نحو سواحل الابيض المتوسط، ولاسيما أن جروح العراق لم تبدأ بتاريخ الاحتلال بقدر ما كان الاحتلال هو لحظة الذروة في هذه الجروح التي بلغتها الشاعرة وهي تكتب قصائدها، اذ جاءت عناوين القصائد الاخرى على هذا النحو (بغداد، ما روته دجلة للبحر، صواريخ آخر الليل، مائدة الخمر تدور، احزان بلقيس، غرق لؤلؤة التاج، جروح الارض، النخيل، البيت، الزمن، الريح، الصحراء، رقصة، غناء، صمت، الحديقة، دوار، الليل، وتبقى تفر الظلال)، واذا كانت بعض القصائد تبدو رومانسية للوهلة الاولى الا انها كانت تحاكي آلام الشاعرة وجروحها التي تماهت مع جروح العراق، لتصنع الشاعرة من هذا التماهي معادلة شاعرية يكون المتكلم فيها الذات، والمضمون هو العراق، ولهذا جاءت قصيدة (اندلسيات لجروح العراق) في اعلى هرم القصائد، لتؤكد مقصودية الشاعرة ولتعطي الاولوية لهذه القصيدة لكونها القصيدة التي تتحدث عن لحظة الذروة التي بلغتها ذات الشاعرة وهي تواجه المحنة المعاصرة المتمثلة بالاحتلال لتؤكد بشكل او بآخر لحظة الانكسار التي تمر بها الذات، (ان عملية انتخاب عنوان احدى القصائد عنوانا للمجموعة يعكس تصورا لقيمة هذا العنوان وخصبه ومرونته التشكيلية والتعبيرية، وقدرته على تمثيل العنوانات الاخرى واستيعاب معطياتها السيميائية على نحو ما)(22)، ذلك (أن القصيدة داخل الديوان عبارة عن بنية دلالية مكتملة، لكن هذا الاكتمال لا يمنع أنها مهيأة للدخول في بنية دلالية اكبر تخص الديوان، هنا يمثل عنوان القصيدة علامة على اكتمالها دلاليا، اما عنوان الديوان فعلامة على تلك البنية الاكبر التي تنتظم فيها البنيات الدلالية للقصائد كافة، ومن ثم لابد ان يخترق عنوان الديوان القصائد كافة ليتمكن من رد اختلاف عناوينها إليه بتعبير آخر ان عنوان الديوان يتردد بهذا الشكل او ذاك، داخل جميع القصائد، الأمر الذي يخلق نواة أولية للبنية الدلالية الأكبر)(23)، فالشاعر حين يختار عنوان إحدى القصائد لتكون اسما لديوانه فان في ذلك دلالة على ان هذا العنوان قادر على احتواء تلك المهيمنات(24)، لاسيما اذا علمنا ان قصيدة شاعرتنا هي الأولى من حيث ترتيب المجموعة .

يتكون عنوان القصيدة تركيبيا من حرف وثلاث كلمات (اندلسيات . اللام . جروح . العراق)، واذا ما حاولنا تحليل العنوان على مستوى البنية التركيبية فاننا نلاحظ ان الشاعرة قد ابتدأت عنوان قصيدتها بخبر مبتدؤه محذوف تقديره (هذه) وحذف المبتدأ له دلالات لغوية تتسق مع الإيجاز اللغوي الذي تسعى اللغة اليه دائما، فـ(غالبا ما تنزع اللغة في استعمالاتها الى الاقتصاد، لتضيف قوة تدليلية الى العلامة المائزة بالحضور، وبذلك فحذف "المبتدأ" (هي او هذه) من تركيب العنوان يمنح المسند ... قوة ليس على صعيد الدلالة فحسب، وإنما أيضا على مستوى التلاعب بالبنى النحوية للغة، واستثمار ما يتيحه النظام النحوي من إمكانيات البنية، تضفي خصوصية على البناء الشعري)(25)، يضاف الى ذلك ان هذا الخبر (أندلسيات) قد جاء نكرة، والاسم النكرة يتيح لنا قراءته بأوجه متعددة بقدر ما يجعلنا أمام تخمينات متعددة وتأويلات كثيرة يتيحها انفتاح أفق النكرة على الشمول دون التحديد، وهذا بدوره يساعدنا في النظر الى القصيدة بانفتاح أكثر، أما مفردة جروح فقد جاءت مجرورة بحرف اللام، وهذا الحرف ينفتح على دلالات عدة منها التملك او شبه التملك بمعنى ان مجرورها يملك مجازا لا حقيقة، وتسمى اللام هنا لام الاستحقاق او لام الاختصاص كما يقرر النحويـون (26)، وكأن الشاعرة أرادت ان تقول ان هذه اندلسيات مختصة للعراق وهو في حالته مجروحا فحسب لاسيما وان مفردة جروح (النكرة) قد أضيفت إلى مفردة العراق (المعرفة) فاستحالت مفردتا العراق والجروح مضافا ومضافا إليه في حالة واحدة معا لا ينفصلان وكأنهما في كتلة واحدة، (فإذا أضفت اسما إلى اسم مثله مفرد او مضاف، صار الثاني من تمام الأول وصار جميعا اسما واحدا وانجر الآخر بإضافة الأول إليه) (27)، ومن ثم تكتسب مفردة (جروح) المعرفة من مفردة (العراق) وكأن العراق أصبح لا يعرف الا ومفردة الجروح ملتصقة به .

وهذا الشيء ينقلنا الى معالجة العنوان على المستوى الدلالي، اذ اننا ازاء مشهد منفتح زمانيا على المستوى الحضاري/ التاريخي الممتد لآلاف السنين(العراق)، او مئات السنين(الأندلس)، او مكانيا على المستوى الجغرافي (العراق/ الأندلس)، وتتوسط بينهما مفردة (جروح) المضافة الى العراق:

الاندلس _____ جروح ______ العراق

ومثلما مر سابقا فان القصيدة ابتدأت بنكرة وهذا يتيح لنا مجالا ارحب للتأويل، ولكن ما دلالة هذه المفردة اذ جاءت نكرة اولا، وما دلالتها اذ وردت بصيغة جمع المؤنث السالم ثانيا ؟

ان مفردة الأندلس وما حوت من حمولات حضارية مثقلة تجعلنا ننظر اليها على انها اندلسيات وليست أندلسا واحدة، فهنالك اندلس الطوائف التي استحالت الى دويلات متعددة وممزقة، وهنالك أندلس الانكسارات المؤلمة التي فُجعت الأمة الإسلامية آنذاك بكثرة المآسي التي نزلت عليها لحظة سقوطها، وهنالك اندلس الحضارة والثقافة التي أعادت للأمة العربية الإسلامية أمجاد الحضارات التي نشأت في البقاع العربية، ليس هذا فحسب بل هي الأندلس التي نقلت للغرب المظلم سبل التنور والتطور لتصبح الأندلس صانعة (حضارات)، وهنالك ايضا اندلس الفجيعة والحزن والبكاء والمرثيات التي ما فتئ العرب والمسلمون يرثون ماضيهم بالاندلس، واذا كانت مفردة الاندلس قد جاءت بصيغة الجمع وان العراق جاء بصيغة المفرد، وان العنوان ما هو الا معادلة متوازنة بين الاندلس والعراق، فان المعادلة تكتمل حين نعلم ان الاندلسيات ستتكثف جميعها في مفردة العراق ليستحيل العراق وجها آخر للاندلس بصورها المتعددة آنفة الذكر، اذن سنكون مع مفردة العراق ازاء أندلسيات كثيرة وليست اندلسا واحدة، وكأننا ازاء شاعرة تتنبأ بما ستؤول اليه مجريات الامور بعد الحرب، من قضية الطوائف (الطائفية) والدويلات الاندلسية(الاقاليم)، الى الانكسارات التي ستتعرض لها الدول العربية، ومن مراثي الاندلسيات الى مراثي العراق، واذا كانت الاندلس هي الجسر الثقافي الذي نقل للغرب الثقافة والحضارة العربية والإسلامية، فان العراق لم يكن ذلك الجسر فحسب بل كان صانع الحضارة ومهدها الذي علم العالم ماهية التحضر وعنفوان المعارف والابتكار، اذن نحن ازاء معادلة دقيقة تجريها الشاعرة بين اندلس الامس واندلس اليوم(العراق) . ولا يفوتنا أن نذكر هنا ما للموشحات الأندلسية التي تغنت بحضارة العرب في الأندلس زهوا وافتتانا، بمجالس الأنس والحب والفتنة، وما تخللها من شعر وغناء وموسيقى وفنون شتى تتحول اليوم إلى فقدان ومراثٍ وانكسارات، وكأن النص (يهدهد جروح العراق النازفة بتلك المشاهد الرائقة وهي تتخفى حلما وأطياف جمال وبهجة تعِدُ تلميحاً بعودِ المستحيل الممكن، إنها المفارقة التاريخية التي تحول الفرح لنقيضه وعنفوان الحضارة لجروح وانكسار، وليالي الأمن والأنس لظلام من الذعر والموت، وهو التناقض التاريخي المشتبك بين حاضر وماضٍ يجتمعان ويفترقان في تشكيل نصي واحد يطرح مشاهد الجروح القاتمة بالوجع والمكابدة ومعها ألغام دلالية عارمة بامكانية الخلاص وهو يتبدى من خلال إشارات الديمومة وومضات الأمل الخاطفة) . (28)

وهذا يجعلنا نقف عند بنية الزمان والمكان في عنوان المتن الشعري وكيف تمددت الى متن القصيدة فيما بعد، اذ يتميز نص الشاعرة البستاني فيان الزمان والمكان انما يردان في تماهٍ مزدوج في ثنايا قصيدتها، بمعنى ان الازمنة المتعددة ترد متماهية مع بعضها بعضا وترد ايضا متماهية مع المكان، فالزمن الماضي والحاضر والمستقبل نجده في القصيدة متماهياً بعضه مع بعض، يتكسر الزمن ويلتف على بعضه، بالاسترجاع والتناص مرة، والوقوف عند الحاضر مرات، وهذا ما يظهر لنا في بنية العنوان فالاندلس تتلاقى مع العراق وحضارات العراق بازمانها المتعددة متمثلة بـ(العراق)، هي في تلاقٍ مع الحضارة العربية والاسلامية متمثلة بـ(الاندلس)، وهذا ما يتضح جليا في متن القصيدة أيضا، فنبوخذنصّرُ الملك العراقي القديم جنبا إلى جنب مع خلفاء بني العباس، والمتنبي وابو تمام والسياب في سياق واحد، وهولاكو الذي احتل بغداد قديما وسعى الى تدمير القيم الحضارية ها هو يعود ثانية ليحتل بغداد على ظهر البارجة الامريكية (ثانية يقطع هولاكو شريان الحبر الاسود)(29)، فاللحظة الشعرية لا يحدها زمن معين لانها لحظة امتزجت بالذات الشاعرة التي تحاول أن تواجه الاجتياح العدواني بالهيمنة على الزمن فتلعب به، تقرب بعيده وتدمج ماضيه بحاضره، لتستحيل هذه الذات الى ملتقى لاوجه ازمنة متعددة تجمعها بؤرة الذات التي تحاول استدعاء سياقات هذه الازمنة من خلال لحظة واحدة هي اللحظة الشعرية التي تتوحد عبر قدرتها الازمنة، ذلك ان اللحظة الشعرية عند الشاعر هي (لحظة مركبة، تحرك، تدل، تدعو، تؤاسي – فهي مدهشة وأليفة … هي جوهريا، علاقة تناغمية بين متضادين، فهناك دائما شيء في العقل في لحظة الشاعر المبثوثة بالانفعال وهناك دائما شيء من الانفعال المشبوب في رفضه العقلاني) (30) ان الشاعرة وهي في استدعائها تمظهرات متعددة ومختلفة زمانا ومكانا إنما تعبر عن حالة من المعاناة التي تجتاح الذات لحظة الحدث الكبير الذي تمر فيه، وبالقدر نفسه هي تسعى الى ان تخفف من وطأة الفاجعة ولذا فهي تمد يداً الى اعماق حضارة هذا البلد من خلال الاسترجاع لتستقوي نفسيا وحضاريا بكل ما يمدها بالثقة والامل والتفاؤل خلاصا من بؤس اللحظة الحاضرة التي ترهقها، ولهذا فالرجوع الى الزمن عبر التذكر او الاستقواء او الاعتبار له من القوة ما يجعل الذات تتجاوز أزماتها النفسية، ولهذا فالشاعرة بشرى البستاني سعت الى إعطاء الزمن قوة حضارية مليئة بالثقة والعزة، ما يجعل زمنها يتجمع في بؤرة الذات معلنا توحده عبر تمظهرات الحضارة العراقية باوجهها المتعددة، متجاوزة هذه الذات الزمنَ الرياضي ومستعيضة عنه بزمن آخر نستطيع تسميته بالزمن الحضاري .

اما المكان فيرد متماهيا مع بعضه من الامكنة المتعددة والمتباعدة المسافات، وهذا يظهر منذ العنوان، اذ نرى الشاعرة قد جمعت العراق مع الاندلس، وهو ما نراه في متن القصيدة ايضا، فبغداد بجنب آشور، وسمرقند وغرناطة تجمعهما بغداد، وفلسطين مع الأندلس، وغرناطة في سياق واحد مع البصرة وذي قار وسومر وبابل، والقدس مع الموصل(31)، وصخر القدس يتدحرج فوق مآذن بغداد(32)، ونهران يدوران على جيد البستان يصلان بغداد بعكا(33)، فاهمية البنية المكانية تبدو واضحة في اغلب مقاطع القصيدة مشكلة انساقا بنائية للمتن الشعري ككل، ومشيرة لازدهارات وانتكاسات معا، واذا علمنا ان تجمع هذه الأمكنة المتعددة والمتباعدة ما هو الا رؤية داخلية خاصة للذات الشعرية، فان الذات في حقيقة الأمر تسعى الى ان تتجه من الخارج الى الداخل (فتصبح أعماق الذات، بكل ما تنطوي عليه من رؤى وأشواق وعذابات أيضا، فردوسا داخليا موازيا لجحيم الخارج، جحيم القهر والخوف ورعب الاقتلاع من الجذور)(34)، مع ملاحظة أن اتجاه هذه الذات الشاعرة هو ليس اتجاها سلبيا او اتجاها يوتيوبيا، وانما هو محاولة لتشكيل بُعد مكاني تجمعه لحظة حضارية واحدة، بمعنى ان الشاعرة وهي في قمة معاناتها ازاء لحظة انهيار الواقع المكاني الآني الخارجي، فاننا نراها مشدودة في الداخل لتشكيل بُعد (نفسي) حضاري متماسك وقادر على مجابهة القهر الغازي وليس بُعدا نفسيا مقهورا بما يجري الآن فحسب، وتلك وظيفة الفن القادر على تجاوز المحن بالاسترجاع والحلم معا، إذ يعمل على بناء ما هشمته الأزمة من خلال التحويل والاستبدال .

وهذا البعد الحضاري للبنية المكانية في المتن البستاني انما يقوم على استدعاء جدلي يستحيل المكان من خلاله الى (هوية تاريخية ووطنية، وان يحمل طموحات الأديب الثقافية ؛ بان يجعله أمام امتحان ثـقافي مع العصر، وان يتحول – لدى الأديب – الفعل في المكان فعلاً في البحث عن الشخصية المستقبلية والمتطلعة إلى الواقع)(35) ذلك ان المكان أكثر من سواه يثير إحساسا ما بالمواطنة(36)، لأنه الحيز الذي يضم الفعل الإنساني وما يؤازره من عناء ومكابدات وفرح، وهذا ما نراه في منحى الشاعرة بشرى البستاني وهي تجري عملية استرجاع للمكان الحضاري في امتداداته التاريخية ودمجه مع بعضه بعضا لتستخرج لنا لوحة حضارية تشتبك فيها الأمكنة المختلفة والأزمنة المتعددة في نقطة التقاء الذات، وهذا ما يجعلنا نقول ان البنية الزمكانية منذ العنوان قد انصهرت في الذات لتستحيل هذه الذات الى مصهر كبير تتوحد داخلها (عناصر المكان وأبعاد الزمان مشكلة وحدة الداخل والخارج)(37)، الداخل الذاتوي بكل ما حمل من آلام وعذابات، والخارج بكل ما يحدث من مآسٍ وجراحات .

نستطيع ان نقول – بعد ذلك – تتميما لتحليلنا بنية العنوان ان المتأمل للعنوان يقرأه في شكل اولي على ان الشاعرة تسعى الى تقديم بلسم من نوع خاص لتضميد جروح العراق، الا ان القراءة الدقيقة ترى ان هناك مفارقة في القصيدة جاءت بقصد او من دون قصد، حاولت الشاعرة من خلالها استحضار تجربة الاندلس بحمولاتها الثقيلة وجراحاتها العميقة ووضعها ازاء ما حدث في فاجعة العراق وهو يواجه غزوا حضاريا وعسكريا شرسا، وكأنما ارادت ان تستدعي كل ما اثقل الاندلس من حمولات لتضعها في معادلة حرجة مع العراق وهو يواجه جراحاته، بل وهو يواجه صفحة جديدة من صفحات الاندلس السوداء ... العنصرية .. الاقليمية .. الخلاف على السلطة والطمع في الحكم .. الغرق في الفساد .. زمن الدويلات الاندلسية، فالشاعرة تضعنا منذ عنوانها امام تحذير حضاري خطير ومحاولة في التنبؤ بما ستؤول اليه الامور والتأكيد على ان قابليات السقوط الحضاري والسياسي والعسكري ومقدمات كل ذلك مما عاشته الاندلس قد بدأت بوادره في العراق الذي يشكل العمق الحضاري والتاريخي للامة العربية والاسلامية، لاسيما اذا علمنا ان قراءة دقيقة للتاريخ الأندلسي تجعلنا على بصيرة من قراءة الحاضر وإدانته بما يحقق الوعي الحضاري المرتجى ونحن نواجه التحديات الراهنة والمواجهة الفعلية مع الآخر، وهذا ما أفصح عنه متن القصيدة الذي سنتناوله بالتحليل فيما يأتي .

 

الدكتور رائد فؤاد طالب الرديني

الثقافة الأمازيغيــــة وســـؤال الحداثــــة .. الحداثـــة المسرحيــة أنموذجا

jamil hamdaouiالمقدمـــة: حينما نتأمل مفهوم الحداثة (la modernité)، فإنه يتبادر إلى أذهاننا مجموعة من المفاهيم التصورية، مثل: الغرب، والعلمانية، والحضارة، والعلم، والثقافة، والتقنية...ويعني هذا أن الحداثة هي لحظة تاريخية متنورة عاشتها أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، بالثورة على رجال الدين والإقطاع والجهل والخرافة والشعوذة، باستلهام الحضارتين اليونانية والرومانية؛ والاستهداء بالعقل والمنطق؛ واستثمار الطبيعة؛ والأخذ بالفلسفة التجريبية ؛ والدفاع عن الإنسان وحرياته الخاصة والعامة؛ والدعوة إلى حقوق الإنسان الطبيعية والمكتسبة؛ وخلق المجتمعات المدنية؛ وتطوير الاقتصاد في ضوء الليبرالية الفردية؛ والانفتاح على الشعوب الأخرى ؛ وتأسيس المختبرات العلمية؛ وتشجيع الاكتشافات الجغرافية والملاحة البحرية بحثا عن المواد الأولية ومصادر الثروة.

وعليه، تحيل كلمة الحداثة على الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والدولة الليبرالية، والملكية الفردية، وصعود البورجوازية، واستخدام العقل والعلم في فهم الطبيعة وتفسيرها، واستعمال المنهج العلمي في دراسة الوثائق ، وتمثل الموضوعية في التعامل مع الظواهر المرصودة، وفصل الدين عن الدولة. وقد ترتب على هذه الحداثة أن تطورت أوروبا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وأصبحت نموذجا للتمدن والرقي الحضاري والتطور التقني والصناعي والمعرفة الثقافية، ومهد الفلسفات النظرية والعملية. وأكثر من هذا، فقد سيطرت على العالم بفضل علمها وتقنيتها وقوتها العسكرية والمادية.

إذاً، ترتبط الحداثة، باعتبارها حقبة زمنية، بعصر النهضة الأوروبية أو بعصر الإنسان أو بعصر الأنوار ، وكان الغرض منها هو تحديث أوروبا وعصرنتها ماديا ومعنويا على جميع الأصعدة والمستويات. وقد استمرت هذه الحداثة حتى سنوات الستين من القرن العشرين، لتنتقل أوروبا إلى ما بعد الحداثة التي استهدفت تقويض الميتافيزيقا الغربية، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت - قديما وحديثا- على الفكر الغربي، كاللغة، والهوية، والأصل، والصوت، والعقل...

هذا، وقد تمثلت الثقافة العربية الحداثة الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، بفضل حملة نابليون بونابرت على مصر. فضلا عن الاحتكاك الثقافي بالغرب، وإرسال البعثات إلى الخارج، وهيمنة المستعمر على جل البلدان العربية، وترجمة الفكر الغربي، واستيراد تقنياته ومستجداته الفكرية والعلمية والأدبية والفنية...

ونحن، في هذه الدراسة المخصصة للمسرح الأمازيغي المغربي، سنتعامل مع مصطلح الحداثة بمفهوم التقدم، والتجديد، والتحديث، والتثوير، والتغيير، والانزياح، والتجريب، والتجاوز، وخرق المألوف، والخروج عن المعيار السائد.

إذاً، ما أهم تجليات الحداثة في المسرح الأمازيغي المغربي بنية ودلالة ووظيفة؟ وما أهم أنواع الحداثة ؟ وما مرجعياتها؟ وما أهم قضاياها الموضوعية وأسئلتها الكبرى ؟ تلكم أهم الأسئلة التي سنتوقف عندها في المباحث التالية:

المبحث الأول: الحداثـــة الفلكلوريـــة

نعني بالحداثة الفلكلورية اشتغال المسرحية الأمازيغية الحداثية على الفلكور المحلي أو الجهوي أو الوطني أو الإنساني، في ضوء رؤية احتفالية تأصيلية وتجريبية على حد سواء، بتجاوز المسرح الكلاسيكي السائد، وتمثل تقنيات التجريب والتحديث والتثوير. ومن أهم النماذج الدالة على ذلك مسرحية (ثشومعات/ الشمعة) للمخرج عبد الواحد الزوكي التي وظفت إيقاعا تراجيديا سوداويا ممزوجا بنقرات اليتم والظلمة ، مجسدة بذلك انهيار الإنسان الأمازيغي، وسقوطه جنائزيا في عالم الظلمة والموت. ويعني هذا، أن الإنسان، في مسرحية( الشمعة)، يعاني الوحدة والتهميش والتغريب والعزلة والإقصاء والظلم. وقد استعان عبد الواحد الزوكي بمجموعة من التقنيات الميزانسينية والمدارس الإخراجية للتعبير عن موت الإنسان الأمازيغي، وتصوير اضمحلال كينونته؛ بسبب الظلم الذي يمارس ضده، دون أي حق شرعي أو سند قانوني.

وتتميز هذه المسرحية، على صعيد البنية الدرامية، بتشغيل الفلكلور المحلي والإنساني توظيفا احتفاليا رمزيا، وإغنائه برقصات كوريغرافية عالمية، إلى جانب تضمينه بعلامات سيميائية دالة على السلام والتواصل الإنساني، وحب الآخر مهما كان لونه وشكله وعقيدته، كما تعبر عن ذلك التشكيلات الإيقاعية الموسيقية، والتشكيلات الحركية والإيمائية، والرقصات الطقسية المعبرة.

ومن هنا، فمسرحية (تشومعات/ الشمعة) لعبد الواحد الزوكي، في الحقيقة، تجسيد لليتم الأمازيغي، وبحث عن حقيقة الإنسان في عالم التهميش والإقصاء والاغتراب الذاتي والمكاني.

 

 

المبحث الثاني: الحداثـــــة التجريبيـــة

يقصد بالحداثة التجريبية تمثل مجموعة من التقنيات والآليات المسرحية التي يؤمن بها المسرح التجريبي، مثل: تكسير الوحدات الأرسطية الثلاث: وحدة الحدث، ووحدة الزمان، ووحدة المكان. ومن الشواهد الدالة على ذلك مسرحية ( ثازيري ثاميري/ القمر العاشق) للمخرج فاروق أزنابط التي تجمع بين العقدتين: الرومانسية و التاريخية. ومن ثم، تصور هذه المسرحية - ذات القالب الرومانسي والتاريخي- مشاركة الإنسان الريفي في الحرب الأهلية التي قادها الجنرال فرانكو ضد اليسار ما بين سنتي1936و1940م، وقد ذهب ضحيتها الكثير من أبناء الريف الذين جندوا مقابل لقمة خبز؛ بسبب الجفاف الشديد الذي تعرضت له المنطقة، وانتشار البطالة والفقر وشدة الحاجة. وتتسم هذه المسرحية بصدقها في نقل علاقة غرامية بين مجند ريفي وعشيقته الوفية التي أحبته إلى درجة الجنون والموت، بعد أن تيقنت بموت خطيبها في ساحة الحرب.

ويتجلى البعد التجريبي في هذه المسرحية في الجمع بين حدثين: الحدث الرومانسي وحدث الحرب، والجمع بين مكانين: الريف وإسبانيا، والجمع بين زمنين مفارقين: زمن العشق وزمن الحرب.

هذا، وتتضمن المسرحية مشاهد رومانسية مثيرة للرصد والفرجة؛ حيث تنقل لنا بعض المواقف الغرامية التي تجسد الإنسان الأمازيغي العاشق الذي يتسم عشقه بالعفة والوقار والنبل والشهامة وسمو الأخلاق، مع احترام المرأة الأمازيغية التي كانت مثالا للجمال والوفاء والتضحية والعمل الدؤوب وطاعة الزوج.

المبحث الثالث: الحداثة التجريديـــة

نعني بالحداثة التجريدية تلك الحداثة ذات الطابع الفلسفي المجرد التي تناقش قضايا إنسانية مصيرية عامة، وتعنى بالإنسان في اغترابه الذاتي والمكاني، وتعبر عن مصيره الوجودي، وتآكله الأنطولوجي، وضياعه الهوياتي.

ومن أهم المسرحيات المعبرة عن ذلك مسرحية( ثابذات/ بدأت) للبشير الإدريسي تأليفا وإخراجا. وقد عرضت سنة 2002م بالغرفة الفلاحية بالناظور. وتتناول هذه المسرحية قضايا فلسفية أنطولوجية شائكة، تتعلق بالإنسان المغترب، ووجوده المصيري، وكينونته الذاتية. كما تعكس هذه المسرحية ظاهرة القلق البشري، راصدة معاناة الفرد من الاغتراب الذاتي والمكاني، في شكل تساؤلات كونية فلسفية ميتافيزيقية مؤرقة وحائرة.

ومن أهم المخرجين الأمازيغ الذين انساقوا وراء موضة التجريد المخرج شعيب المسعودي الذي أبدع مجموعة من المسرحيات الرمزية ذات الطابع التجريدي ، مثل: مسرحية( أرباع أوجانا ياوظاد/ ربع السماء قد سقط) لتصوير آثار الزلزال المدمر بالحسيمة، ومسرحية(تمورغي/ الجراد) التي صور فيها واقع الإنسان الأمازيغي، وانهياره أمام متاريس التغريب و التهميش و طغيان سلطة الاستبداد. ويتجلى التجريد أيضا في تأثيث المخرج للركح المسرحي بواسطة جداريات فوضوية عابثة، في شكل لوحات تشكيلية تجريدية مليئة بالنفايات تارة، واستعمال الأشكال والخطوط والألوان السوداء تارة أخرى، للإحالة على صراع الخير والشر. ومن ثم، تبدو السينوغرافيا المسرحية عند شعيب المسعودي مليئة بالرموز والعلامات المجردة الموحية التي تتخطى الواقع المرئي، وتتجاوزه خرقا وانزياحا وتثويرا.

المبحث الرابع: الحداثــــة الرمزيــــة

نعني بالحداثة الرمزية استعمال المسرح الأمازيغي مجموعة من الرموز للتعبير عن تناقضات الواقع الجدلي، بتجاوز اللغة التقريرية المباشرة، والانزياح عن المسرح الكلاسيكي، وتكسير قواعد المسرح المألوف، واستعمال العلامات السيميائية المعبرة لفظيا وبصريا.ومن أهم النماذج الدالة على ذلك مسرحية ( ثايوجيرث/ اليتيمة) للمخرج محمد بن سعيد التي تصور لنا اليتم الوجودي والكينوني والحضاري، عبر مجموعة من الثنائيات المتقابلة والمتضادة بنيويا: الخير والشر، و الحياة والموت، والبياض والسواد. ويستعمل المخرج سينوغرافيا رمزية تجريبية مأساوية، توحي بالعبثية والتمرد والثورة على الواقع الموضوعي، بكل مقوماته السلبية، وأوضاعه المشينة.

ويعني هذا أن مسرحية( تيوجيرت / اليتيمة) تعزف على إيقاع الهوية، والبحث عن الكينونة والإنسية الأمازيغية، واستنكار سياسة التهميش والإقصاء والنبذ، وتجسيد صراع الإنسان الأمازيغي مع السلطة، في ضوء ثنائية الخير والشر.

ونجد هذا التصور الرمزي كذلك في مسرحية( ثاسيرث/ الطاحونة) للمخرج سعيد المرسي الذي قدمت لنا رؤية فلسفية لإنقاذ الإنسان الأمازيغي من التشتت والتمزق والضياع والتهميش. وتقوم هذه الرؤية على التشبث بالطاحونة التي ترمز إلى الهوية والكينونة الأمازيغية، والتمسك بتلابيب الإنسية الأمازيغية لغة وكتابة وحضارة ، وعدم التفريط في المقومات الأصيلة والتجذر الوجودي، وإلا تعرضت هوية الإنسان الأمازيغي للاندثار والانقراض والضياع كباقي الإنسيات المهمشة في العالم.

وقد وظف سعيد المرسي، في عرضه الركحي ، تقنية السينمسرح على غرار المخرجين الألمانيين، مثل: بيسكاتور، وبيتر فايس، وبريخت، بغية استعادة الذاكرة التاريخية، وتصوير أمقران الجد الأمازيغي الأكبر الذي عاد من الماضي نحو الحاضر ، فوجد نفسه غريبا بين أحفاده المتغربين الذين فرطوا في كل المقومات الحضارية الدالة على الوجود الأمازيغي والإنسية الموروثة.

ومن هنا، فقد استعملت المسرحية الرموز والعلامات والإشارات الموحية، بتجاوز الخطاب التقريري المباشر. ومن ثم، فقد حضرت (تاسيرت/ الطاحونة) باعتبارها رمزا للهوية والكينونة الأمازيغية، ودليلا على وجود الإنسان الأمازيغي.

المبحث الخامس: الحداثـــة السرياليـــة

ظهرت الحداثة السريالية في الغرب في 1924م، مع مجموعة من الدراميين والشعراء والفنانين التشكيليين كأندري بروتون، ولوي أراغون، وبول إيلوار، وبابلو بيكاسو، وسالفادور دالي، وأنطونان أرطو، وأندري ماسون، وبيريه، وبيكابيا، وجيوم أبولينير صاحب أولى مسرحية سريالية ( أثداء تيريسياس) التي ألفها سنة 1917م...

ومن أهم مبادئ الحركة السريالية: التغني باللاوعي واللاشعور ، والثورة على العقل والمنطق والواقع الخارجي، والاهتمام بالباطن الروحاني والصوفي والميتافيزيقي، والانسياق وراء الأحلام والهذيان والجنون، والإيمان بالغموض والغرابة وهلوسات الذات والباطن. ومن هنا، فالمسرح السريالي هومسرح الأحلام الفردية، واستكناه اللاشعور الداخلي، واستنطاق المكبوتات اللاواعية المضمرة، والإكثار من الأشكال والحركات بدل استخدام الكلمة واللغة الحوارية.

وتحضر الحداثة السريالية في مجموعة من النصوص المسرحية الأمازيغية الحداثية ، كما في مسرحية( ثيارجا بلا ثيري) للمخرج الطيب المعاش، حيث وردت هذه المسرحية الفلسفية في قالب سوداوي تراجيدي سريالي ، يقوم على استنطاق الأحلام، واستقطار اللاشعور الفردي ، والارتماء في أحضان الهذيان والجنون ، والانسياق وراء الصراخ والضحك والعبث. كما يذكرنا هذا العرض أيضا، في تجلياته الكبرى، وتقاسيمه الفنية وملامحه التشخيصية، بمسرح اللامعقول أو بمسرح العبث الغربي كما لدى صمويل بيكيت، ويونيسكو، وأرابال، وصمويل بيكيت ، وألفرد جاري.

ومن الأدلة المحيلة على الحداثة السريالية ، في هذا العرض المسرحي، اللجوء إلى خطاب الصمت والصراخ، واستعمال الضحك بشكل جنوني هستيري للتعبير عن سيزيفية الإنسان المستلب في واقعنا الرقمي المشيإ، وتصوير مدى انسحاقه أمام متاريس السلطة اللعينة، والإحساس بالغرابة والوحدة، وتأكيد ضياع الحقيقة في واقع الوعي والعقل والمنطق.

المبحث السادس: الحــداثـــة العبثيـــة

نعني بالحداثة العبثية أو العابثة تمثل مسرح اللامعقول، كما عند أداموف، وصمويل بيكيت، ويونيسكو، وإبسن، وأرابال...كما تستند هذه الحداثة إلى الجنون، والصراخ، والبكائية، والتمرد، والثورة على الواقع المنحط.

وتعبر مسرحية المخرج نعمان أوراغ عن التوجه الميتافيزيقي الفلسفي في التعامل مع قضية الإنسان، وخاصة في عرضه المسرحي الذي قدم سنة 1999م، بقاعة سينما الريف بالناظور، تحت عنوان( ناخراقد حوما وانتامسفهيم/ خلقنا لكي لانتفاهم)، وقد أخذها عن الطيب الصديقي.

ويتبين لنا من خلال عنوان المسرحية أن العرض يعبر عن سقوط الإنسان، وانعدام التواصل بينه وبين ذاته، وبينه وبين الواقع؛ بسبب رقمية المعطى الموضوعي، وتشييء الإنسان، وتعرضه للاستلاب حضاريا وكينونيا.

من أهم المسرحيات الأمازيغية الأخرى التي تندرج ضمن المسرح العابث مسرحية (ثيسيث/ المرآة) لسعيد المرسي . وتستعرض هذه المسرحية تجربة القلق والانتظار والعبث واللاجدوى لدى الإنسان الأمازيغي المعاصر، بتوظيف مجموعة من الكراسي على غرار مسرحية ( الكراسي ) ليوجين يونيسكو.

المبحث السابع: الحــداثـــة الكوريغرافية

تستند الحداثة الكوريغرافية المعاصرة إلى توظيف كل ما يتعلق بالحركة الديناميكية، كما في مجال الباليه ، والرقص، والميم، والرياضة البدنية. ونجد مجموعة من المخرجين المحدثين والمعاصرين يتعاملون كثيرا مع الجسد، ويوظفونه بطرائق مختلفة في مجال المسرح من أجل إيصال رسائل مشفرة مباشرة وغير مباشرة، مستفيدين من اللسانيات، والسيميائيات، والبلاغة الجديدة. ومن أهم المخرجين الذين تعاملوا مع شعرية الجسد والبانتوميم ولغة الصمت والقناع نذكر على سبيل التمثيل: أندريه أوبي، وجان برنار، وكروتوفسكي، و جاك ليكوك، ومينوشكين...

ومن أهم المسرحيات الأمازيغية ذات المنحى الكوريغرافي نذكر مسرحية (نتات/ هي) للمخرج السوسي رشيد أبيدار التي تناولت علاقة المرأة بالرجل في هذه الحياة، في مختلف لحظاتها ومواقفها الدرامية الإيجابية والسلبية. ومن ثم، يقدم المخرج مشاهد المسرحية ومواقفها ضمن لوحات صامتة، تعتمد على شعرية الجسد، وبلاغة الحركات الناتجة عن لياقة البدن. بل تتحول بعض هذه الحركات إلى ألعاب سيركية بهلوانية، ورياضية بدنية ممتعة، وصراع حاد بواسطة الكاراتيه أو الكونفو. ومن ثم، تتحول المسرحية إلى حلبة تجسد الصراع الإنساني بين الرجل والمرأة، في مشاهد كوميدية وتراجيدية تثير الراصد المتفرج.

المبحث الثامن: الحداثـــة الميتامسرحية

نعني بالحداثة الميتامسرحية تناول قضايا تتعلق بالمسرح في حد ذاته، كرصد هموم المبدع والفنان المسرحي، وتبيان علاقة الفن بالواقع، وعلاقة الفن بالجمهور. ويعد هذا النمط من المسرح أهم تجل للتجريب والتجديد في المسرح الأمازيغي. وخير من يمثل هذه الحداثة مسرحية (ءيمحباس ءومزكون/ سجناء المسرح) للبشير الإدريسي تأليفا وإخراجا. و قدمت المسرحية سنة 1988م بالقاعة الكبرى بدار الشباب بالناظور. وتصور هذه المسرحية معاناة الفنان المسرحي الأمازيغي، وما يعيشه من إحباط مأساوي في مجتمع منحط، لا يعترف بالفن بصفة عامة، ولا بالمسرح بصفة خاصة. ومن هنا، يوقف المخرج مسرحيته في وسط العرض، دون أن يستكملها، فيترك للجمهور الفرصة لمناقشة القضية، بالبحث في ماهية الفن المسرحي، واستكشاف وظيفته في الحياة.

المبحث التاسع: الحــداثـــة الشاعريـــة

نعني بالحداثة الشعرية تحويل المسرحية إلى عرض شاعري مركب ومتميز، يتقاطع فيه البعد الدرامي مع البعد الشعري، مع توظيف سينوغرافيا شاعرية، وخلق أجواء فنية وجمالية واحتفالية زاخرة بالرموز والاستعارات والإيقاعات الشعرية والموسيقية والنغمية والحركية . ومن الأمثلة الدالة على ذلك مسرحية ( ثيرجا سثنيفست/ أحلام من رماد)   لمحمد بنعيسى التي تبلغ درجة عالية من الرمزية الشاعرية ؛ حيث ترد المسرحية في قالب شعري حواري مفعم بالسوداوية والجنائزية المأساوية، للتعبير عن واقع أمازيغي منبطح، في عالم موبوء ومنحط ومستلب، يفتقد القيم الأصيلة الحقيقية ، وتطغى عليه القيم الكمية التبادلية التي حولته إلى عالم وحشي قاتم.

وتحضر الحداثة الشاعرية كذلك في مسرحية( ثاوات ءيمظران/ باب القبور) للمخرجين محمد بنسعيد وأحمد جويني. والمسرحية انتقاد للمجتمع الأمازيغي ، وتسفيه للوعي المغلوط والسائد لدى الإنسان الأمازيغي، ودعوة صارخة إلى العمل والنهوض والتحرر بدل الارتكان إلى الخمول و الصمت والموت.

 

 

المبحث العاشر: الحداثــــة السينوغرافيــة

نعني بالحداثة السينوغرافية تجديد عرض المسرحية على مستوى الإضاءة، والديكور، والتأثيث، والكتل، والأحجام، والموسيقا، والألوان، والأزياء، والماكياج، والتصوير، والبحث عن سينوغرافيا معاصرة ومتطورة فنيا وجماليا، من غير تلك السينوغرافيا الفلكلورية التقليدية التي كان يوظفها المسرح الأمازيغي، ولاسيما في منطقة الريف.

ومن أهم المسرحيات الأمازيغية التي تمثلت هذه الحداثة السينوغرافية نذكر مسرحية (أرام كثيرجا ايوكران /الترقيع في الأحلام المعلقة) لفرقة تيفاوين للمسرح من الحسيمة . وقد عرضت بدار الثقافة بمكناس بتاريخ 21يونيو 2013م، ضمن الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الوطني للمسرح. وقد حصلت المسرحية على جائزة الأمل .

وهذه المسرحية كتبها عمر خلوق، وأخرجها سعيد آيت باجا، وساعد في إخراجها فريد الركراكي، وشخصها كل من مينة حراز ، ومحمد بن سعيد، وحدوش بوتزوكنت. في حين، تولى رشيد الخطابي مهمة السينوغرافيا، وعبد السلام فزاكة تنفيذها.

وترصد هذه المسرحية تيمة الحلم في مختلف تجلياته الذاتية والموضوعية. فحلم الزوج هو أن يكون كاتبا. في حين، تحلم الزوجة بالإنجاب، وتريد أن تكون أما مثل باقي الأمهات . ومن حقها أن تقوم بدورها الطبيعي الذي من أجله وجدت في هذه الحياة. أما أخ الزوج، فيحلم أن يصبح فنانا وموسيقيا مشهورا.

وعلى الرغم من هذه الأحلام المشروعة، فثمة عوائق ذاتية وموضوعية تحول دون تحقق هذه الأحلام واقعيا. فالزوج لم يجد موضوعا مناسبا للكتابة سوى أن يحول مشكلته مع زوجته إلى موضوع للرصد والتحليل والتفسير. ثم ، فشل الزوجة في تحقيق آمالها وأحلامها ومتمنياتها المستقبلية؛ بسبب تعاسة الزوج، وفقره المدقع، وبؤس حياته، وكثرة المشاكل المادية، وخاصة مع مجيء الضيف الثقيل، أخ الزوج، يحمل حقائبه رغبة في الاستقرار معهما في بيتهما الضيق لمدة طويلة. وهذا الشخص، بدوره، يعاني من الأحلام المعلقة أو المجهضة؛ بسبب عدم وجود الفرص المناسبة لإظهار قدراته وكفاءاته ومواهبة في الموسيقا والغناء والتمثيل.

وتتميز المسرحية بحداثة السينوغرافيا التي استفادت من آليات تقنية معاصرة جميلة وجذابة، إلى جانب خفة حركات الممثيلين التي تذكرنا بخفة شارلي شابلن، أو خفة ممثلي السينما الصامتة في عشرينيات القرن الماضي.

 

 

الخاتمـــــة

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن الحداثة المقصودة في هذه الدراسة هي حداثة التغيير، والتجريب، والتجديد، والتثوير، والانزياح عن المألوف والسائد. ومن هنا، فقد عرف المسرح الأمازيغي المغربي حداثة ثقافية وفنية كبرى ، تندرج ضمنها حداثات فرعية أخرى، مثل: الحداثة الفلكلورية، والحداثة التجريبية، والحداثة التجريدية، والحداثة الرمزية، والحداثة السريالية، والحداثة العابثة، والحداثة الميتامسرحية، والحداثة السينوغرافية، والحداثة الكوريغرافية، والحداثة الشاعرية...

أما على مستوى الأسئلة التي طرحتها هذه الحداثة المسرحية الأمازيغية، فيمكن الحديث عن مجموعة من الأسئلة المؤرقة، مثل: سؤال الهوية والكينونة والتاريخ، وسؤال المحلي، وسؤال الوطني، وسؤال الذات، وسؤال الواقعي والمجتمعي، وسؤال الإنساني والكوني، وسؤال الفن والمسرح، وسؤال الحلم المعلق، وسؤال التهميش والإقصاء، وسؤال القيم، وسؤال الوجود والمصير، وسؤال اللاعقل أواللاوعي، وسؤال التراث والفلكلور، وسؤال التجريب، وسؤال العبث، وسؤال التأثيث المسرحي، وسؤال الجسد، وسؤال الشعر...

أما عن مرجعيات الحداثة المسرحية الأمازيغية، فيمكن الإشارة إلى الاحتفالية بمختلف تجلياتها؛ والبريختية بمقوماتها الفنية والجمالية؛ والمسرح الرومانسي؛ والمسرح التجريبي؛ والمسرح السريالي؛ والمسرح الوجودي؛ والمسرح العابث أو ما يسمى أيضا بمسرح اللامعقول؛ ومسرح البيوميكانيك مع ماييرخولد؛ والمسرح الصامت والحركي.

 

د. جميل حمداوي

أستاذ التعليم العالي- المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالجهة الشرقية، فرع الناظور

جدلية القلق والجنون عند ابي القاسم الشابي

sadam alasadiمنذ ان قال هيرقلطس (هيهات ان يسبح الانسان في النهر مرتين بدأ الفكر يرخي حبل غاربه على سفينة الزمن التي طوت المراحل المستمر في حركتها وشكلت تناقضا ً فيما بينها، موت وحياة، زهر وشوك، شباب وشيخوخة،هموم وغيم، وهكذا سمت الالفاظ تقترب من نظائرها لتعطي دلالات متغايرة فبرزت الجدلية في الحياة والممارسة وكانت في العلوم المتنوعة، ومنها جدل القلب الذي يعنى بولع النفس الانسانية بالصور الجميلة وتجاوزها الى التأمل، وقد خصبت ارض لغتنا العربية بتلك التأملات الرائعة، وكان للشعراء الكبار دور في رصد تلك المعاني، فعندما نقرأ جدلية ابي تمام نقف منبهرين امام تلك الرؤى:

فأني رأيت الشمس زيدت محبة ً الى الناس اذ ليست عليهم بسرمد

وحين يصف جملا يرعى في الفيافي ، يصور سمنه وضعفه معا ً فالسمن نتيجه الرعي، والضعف نتيجة الجهد الذي يبذله لجوب القفار فكأنما رعته بعدما رعى نبتها:

رعته الفيافي بعدما كان حقبة رعاها وماء الروض ينهل ساكبه

واذا كان هذا الشاعر العبقري قد اطلع على الوان الفكر في عصره الذهبي – عصر العمالقة – فلا يفاجئنا ابدا ً بجدليته ولكن كيف استطاع شاعر حديث لم يعبر الثلاثين من عمره ان يأتي بتلك الجدلية وقد تفوق في مداركها مقدمة على ضدين هما القلق والجون، انه الشاعر العربي التونسي الرائد ابو القاسم الشابي الذي لم يخطئ من يحسب بيته الخالد،

اذا الشعب يوما ً اراد الحياة، فلا بد ان يستجيب القدر

وقد يدرس المهتمون بالادب حياته واثاره والاستاذ محمد الحليوي والسيدة ريتا عوض، وفي العراق درس الشابي ضمن رسالة الماجستير عام 1989 من قبل الباحث لطيف محمد حسن، زد على ذلك ديوان الشاعر بتقديم الاستاذ امين الشابي، ولم يلتفت احد منهم الى جدليته الرائعة مثال ذلك:

ولو لا شقاء الحياة الاليم   لما ادرك الناس معنى السعود

ولعل الشاعر يفصح عن تعادلية لابد وان تتكافئ وتتزن فلولا الشقاء لما عرف الناس طعم السعادة وقد سبقه كثيرون قائلين (لابد دون الشهد من ابر النحل)       (ومن طلب العلا سهر الليالي) وقوله:

كم قلت صبرا ً يا فؤاد الا تكف عن النحيب

فإذا تجلدت الحياة تبددت شعل اللهيب

هكذا زرع الشابي جدلية رائدة تستحق الانتباه، كلما تجلدت الحياة فأن شعلة التحدي ستضعف امامها وهنا يلفت انظارنا الى القوة فهي المعادل الموضوعي لها، وان الحياة بدروسها الحزينة مهما قست فلن تتوقف تلك الارادة وهو يعاني من الضعف الجسدي الذي صار قوة روحية تحدت مناقضها (المقشعم)

وكذلك قوله: فما حبب العيش الا الفناء     وزانه غير خوف اللحود

انها نظرة معرية في فلسفة معروفة ترتبط بجدلية البقاء والرحيل وكلاهما متتابعان

ان التشاؤم والحزن العظيم اللذان يكمنان خلف تلك الجدلية كان مبعثهما المرض     (العبقرية) الذي عبر عنه وفهمه الشابي (القلب) قائلا ً:

اه يا قلبي انت مبعث الامي ومستودع احزاني

من الالم شكل نسبة مهيمنه في معجمه الشعري وما انتظم خلف الالم من الفاظ (الدمع، الشقاء، الانين ، الصمت، الحرمان، البلوى، الحسرة) وهذا يدل على ان الشاعر يحمل حزنا ً كبيرا ً يكتنف الالم حياته بأقصى حالات القلق، فشعره جاء طافحا ً بالشك والقلق واليأس والعزلة والغربة والحنين حتى ليكاد من يقرأ احزانه الممضة ان يجن، بل حتى عناوين قصائدة فاحت برائحته الحزن مثال ذلك (الكآبة المجهولة، السآمة، اغنية الاحزان، الاشواك التائهة، شكوى اليتيم، دموع الالم، نشيد الاسى، الزنبقة الذاوية) كلها قلق وسواد وموت وفانء كيف استطاع الشاعر من كل هذه الصدمات ان يصنع شعرا رائعا ً ان يبلور جدلية في الهوس والجنون وهو القائل بعظمة لسانه (لقد ضعت ذرعا ً بالحياة والا اخالني اليوم لا ذاهبا الى القبر او في سبيل الجنون) وقد صدق الشاعر بقوله هذا ، فقد رحل وظل جنون عبقريته يفيض حكما ص خالدة مع الزمن، اليك منها:

الويل في الدنيا التي في شرعها   فأس الطعام كريشه الرسام

هكذا معادلته الثنائية دائم ً ترصد صورتين (الفأس و الريشة) و الموجه البنائي (الراصد) واحد هو الشرع، الحكم، القانون .... الخ)

وهذه صورة واقعية في مدارك حياتنا التي لا تفرق بين التبر والتراب .

وقال ايضا ً: فما لك ترضى بذل القيود (وتحني لمن كبلوك الجباه !!) وفي تلك الحكمة المتحركة، ترى المخاطب والمقيد والمحني معا فرحا ً مستانا ً مرحبا عن كبله، وهذا هو الاستسلام، وجدلية الخوف وفرض القوة على العاجز .

ان الشابي حكيم شخص للواقع خطاياه و وضع النقاط على الحروف وكلنه عاش في زمن لا يفهم مداركه، لذا ضاعت عبقريته امام جيله سدى، وهو ينظر اليهم ويصفهم بالقردة وهم يستحقون:

وبنو الارض كالقرود وما   اضيع عطر الورد بين القرود !!

و رائ الشابي هيكل الحياة منظم فلا يحق للكافر ان يدخل في منبعه القدسي وهنا دلالة دينية تنم عن فكر مضيء متوهج فأبعدا الكفار الخبيث عن الهيكل وبتمعن ورقة يرى اهرامه الثلاثة التي قامت عليها جدليته، اولها (قلبه) الذي كان سبب نجاح شعره وسرعه موته، فقد فجأه المرض صغيرا بالقلب، حتى جعل منه شاعرا ً، ذلك القلب الذي لم يترك صفة الا نسبها اليه، حتى صار قبرة وليس قلبه:

فأن قلبي قبر مظلم قبرت   فيه الاماني فما عادت تناغيني

حتى وصف قلبه بـ (شقي مظلم، مخضل الدموع، أناقه واهية، مغمور الجراح، عش فارغ، كهف مظلم، قبر اسود، عود بلا اوتار) وكاننا امام مشرحة في غرفة العمليات ما فيها الا القلوب واذا ما اجبره الوزن قال (الفؤاد)

ففؤادي وهو مغمور الجراح   بتباريح الحياة الباكية

وهرمه الثاني (الموت) بهذا لا يفاجئنا الشاعر وقد سبقه الشعراء في نظراتهم المتفحصة للموت، والشابي ما ترك مفردة تحس بالموت الا وذكرها (اللحد، الرمس، القبر، الضريح، الجدث، المرقد، المضجع) وصور الموت صورتين، الموت المفزع المارد الجبار الذي يلوي رقاب الانسانية .

والموت كالمارد الجبار منتصب في الارض يخطف من قد خانه الامل .

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي    

 

السّياب بتمامه من ولادته حتى الظلام هناك أجمل!!! (2-2)

karem merzaوفي الجامعة تحرك السياب في السنة الدراسية (1944-1945) لتشكيل جماعة (أخوان عبقر) وهدفها الاهتمام بمواهب الشعراء الشباب، وإقامة الندوات الشعرية والأدبية، والتطرق إلى أهداف الشعر وأثره في الحياة، وكانت الشاعرة نازك الملائكة، والأستاذ كمال الجبوري والدكتور المطلبي من المؤسسين، وساهم عميد الدار الدكتور متي عقراوي و الأساتذة العراقيون والمصريون في دعمها .

وعندما نجح للصف الثالث (السنة الدراسية 1945-1946)، حاول بإصرار الانتقال لفرع اللغة الإنكليزية، ليتخلص من الاعتماد على القواميس عند ترجمة نتاج شعراء الإنكليز الكبار، ثم إنها محاولة كسر الجمود الصامت في كيان التراث الشعري العربي ...نعم إنها محاولة جادة وخارقة من مبتدىء مغوار تحمل بإصرارتغيير الأقدار ..اقدار الشعر العمودي ونهجه، نجح في هذا طائراً إلى أفق جديد، و شاركته في مسعاه الحميد رفيقة دربه، وزميلة درسه، وسامعة شعره، وزفرات لوعته في باحات الكلية، ورحاب قاعاتها الشاعرة الرائعة نازك الملائكة، وإن كل واحد منهما ادعى الريادة الريادة، فكلاهما رائدان، والطريق يتسع .

وفي أواخر سنة 1945 يختارشاعرنا أرضا لا يجيد السير عليها، وبقدمين لم يخلقا لهذه الأراضي الوعرة، إذ يتخذ موقفاً سياسياً بانتمائه للحزب الشيوعي العراقي متأثراً بشخص مثقف من الأهواز اسمه أحمدعلوان وعمه عبد المجيد، كان الأجدر به أن يكون حر الإبداع والرؤيا، لأنه يمتلك جناحين جبارين يحلق بهما في الأجواء العالية، ولكنهما يعيقانه عن المشي على الارض، كما يقول شارل بودلير في أزهار شره، فالسياسة مكانها الأرض، والشعر مجاله السماء، فعند الهبوط ..التصادم واقع لا محالة، والتعثر ضريبة مستحقة الدفع، والرجل وقع..ودفع ..ودفع ..والقصة آتية، خسر الملذات الفانية، وربح الذكربالباقية، بمعنى آخر، السياسة واقع يوعد بالأحلام، والشعر أحلام تتمنى الوقوع، والسياسة علم يبنى عليه، والشعر خيال يتطلع إليه، لذلك هو يرجو، ويتمنى، ولا يرى، ربما إلى مدى، يقول سيابنا الجميل:

وأين القطاف؟

مناجل لا تحصد،

أزاهرلا تعقد،

مزارع سوداء من غير ماء !

أهذا انتظار السنين الطويلة ؟

أهذا صراخ الرجولة ؟

أهذا أنين النساء ؟

أدونيس، يا لاندحار البطولة .

لقد حطم الموت فيك الرجاء

وأقبلت بالنظرة الزائغة

وبالقبضة الفارغة

لم تكن صرخاته الثورية، ومواقفه الوطنية، أقل شأناً، وأضعف رابطة من الرصافي أو الجواهري، إن لم تكن أكثر ألماً وتوجعاً، مهما يكن من أمر، الرجل شارك في مظاهرات، وإضرابات أواخر السنة المذكوره، وسجن بداية سنة 1945 وأطلق سراحه، وفصل من الدراسة، ، وضاعت عليه السنة، ودفع ثمن النضال .ولكن يواصل دراسته للسنة الدراسية (1946- 1947)، ؤيدخل السنة الثالثة، فرع اللغة الإنكليزية، فحقق بعض ما يصبو إليه - وسط اندهاش زملائه وزميلاته، وتساؤلاتهم عن شاعر عربي يهجر عربيته - وذلك بالتعرف على شعر وودزورث وكيتس وشللي، ويعجب بشعر أليوت وأديث سيتويل، ومن ثم يقرأ ترجمة أزهار شر شارل بودلير، فتستهويه، ويضمّن بعض المقاطع الشعرية لهم في شعره المستقبلي، أو يتأثر بها شكلاً ومضموناً بشكل جلي وواضح، أو يستوحي أفكارها وصورها، صائغاً ذلك حسب شاعريته الفذة وعبقريته، والشعر العالمي يؤثر، ويتأثر .

 

ولابد من التعريج على موقفه السياسي في هذه الفترة، ففي تموز 1946 وكان حينها بدر قابعاً في قريته، مفصولاً من كليته، يلجأ إليه أحد قيادي الحزب الشيوعي الملاحقين ( نعيم طويق)، بأمر من قيادة الحزب نفسه، فهيأ له مكاناً بين أحد بساتين النخيل، ويتثقف عليه المادية الديالكتيكية، والشؤون الحربية، وفي إحدى الليالي، صحب صاحبه إلى جلسة طرب في بستان مجاور، ودارت عليهما الخمرة، فسكرا.

وفي بداية السنة الدراسية 1946- 1947، يعود المفصول إلى داره العالية، ويواصل دراسته، وأول عمل قام به يزور رفيقه القيادي المعروف حسين الشبيبي - الذي أعدم من بعد - فيكلفه بقيادة رفاقه في الدار، يفرح لهذا الأمربادئا، ثم يعتذر لصعوبة المهمة السياسية، وضعف القدرة البدنية.

السياب يبدأ مرحلة شعر التفعيلة...ويشهر ذلك ...ولنازك رأي:

في كانون الأول من عام 1947، يصدر السياب مجموعته الشعرية الأولى (أزهار ذابلة) من مطبعة الكرنك بفجالة القاهرة، تتضمن قصيدته (هل كان حباً)، والتي يزعم أنه نظمها عام 1946، وهي متعددة البحور والقوافي، أو بكلمة أدق من بحر (الرمل ومجزوءاته) . بقواف مختلفة، أي التفعيلة (فاعلاتن)، تتكرر بأعداد متباينة من شطر إلى آخر، وهذا التغيير يعتبر طفيفاً، ولكن كبداية تحسب له طفرة رائدة، ترتب عليها ما بعدها، وإليك بعض من (هل كان حباً):

هل تسمين الذي ألقى هياما ؟

أم جنوناً بالأماني ؟ أم غراما ؟

ما يكون الحب نوحاً وابتساما

أم حقوق الأضلع الحرى، إذا حان التلاقي

لعيون الحور، لو أصبحن ظلاً في شرابي

جفت الأقداح في أيدي صحابي

دون أن يحضين حتى بالحباب

هيئي يا كأس، من حافاتك السكرى، مكانا

تتلاقى فيه يوماً شفتانا

في خفوق والتهاب

هذا ما ثبته السياب، وسجل له، وقيد باسمه، وسانده روفائيل بطي، ودعمه قي موقفه، بكتابة مقدمة لأزهاره الذابلة قائلا:عسى أن يمعن في جرأته في هذا المسلك المجدد، لعله يوفق الى أثر في شعر اليوم، فالشكوى صارخة على أن الشعر العربي قد احتفظ بجموده في الطريقة مدة أطول مما كان ينتظر من النهضة الحديثة .

ونازعته نازك الملائكة على تجديده زاعمة الأسبقية لها، وإنها استوحت في 27 -10- 1947 أصوات سنابك الخيل الناقلة لجثث موتى وباء الكوليرا الذي حل بريف مصر، فنظمت قصيدتها (الكوليرا)، من شعر التفعيلة، وعرضتها على أمها، فاستصغرت التجربة، أما أبوها فسخر منها، وأصرت هي عليها ونشرتها، فكانت الرائدة، ويقول النقاد القضية لم تحسم بعد، وإليك مطلعها:

سكن الليل

اصغ إلي وقع صدى الآنات

في عمق الظلمة، تحت الصمت، على الأموات

صرخات تعلق تضطرب

حزن يتدفق يلتهب

يتعثر فيه صدى الآهات

نشرت هذه القصيدة في ديوان نازك (شظايا ورماد)، الذي صدر 1949، ومعظم قصائده تجري على النمط الجديد من الشعر، والحقيقة كانت الشاعرة أكثر ادراكا لجديدها، وأعلنته رسميا، والسياب يذكر - كما يقول الدكتور احسان عباس في مؤلفه عنه -:ومهما يكن، فأن كوني أو نازك أو باكثير، أول من كتب الشعر الحر، أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم، وإنما الأمر المهم هو أن يكتب الشاعر، فيجيد فيما كتبه .

تجربته العاطفية الأخيرة مع الشاعرة ....ويبقى حتى الزواج:

وعلى الجانب العاطفي، في السنة الدراسية الأخيرة له في داره العالية (1947- 1948)، يجرب حظه هذه المرة مع شاعرة عراقية معروفة، كانت علاقتهما أولا ذات طابع سياسي، ثم تمتنت روابط الصداقة، لتتحول إلى وشائج حب عاطفي، يهيم بهما للارتماء في أحضان جيكور ثلاثة أيام بلياليها، وينظم أشعار العشق والغرام فيها بين زوارق الأحلام، وبساتين الهيام، ولكن حاجز الدين أقوى من غرائز اثنين، فتقف الأمور عند حدها لهذا السبب أو لآخر، ربما الشعر يغري، والهيئة تزري، والنساء يغرهن الثناء، والله خير العالمين !، فمن ديوانه ( أساطير)الذي خصص معظم قصائده عنها، إليك من قصيدة (وداع)، ما يستطاع:

ستنسين هذا الجبين الحزين

كما انحلت الغيمة الشاردة

وغابت كحلم وراء التلال

بعيدا..سوى قطرة جامدة

ستنثرها الريح عما قليل

وتشربها التربة الباردة

********

ورب اكتئاب يسيل الغروب

على صمته الشاحب الساهم

وأغنية في سكون الطريق

تلاشت على هدأة العالم

أثارا صدى تهمس الذكريات

إذا ما انتهى همسة الحالم

**********

تلفت عن غير قصد هناك

فأبصرت ..بالانتحار الخيال!

حروفاً من النار..ماذا تقول؟

لقد مر ركب السنين الثقال

وقد باح تقويمهن الحزين

بأن اللقاء المرجى..محال!!

يصاب الرجل بخيبة أمل كبيرة في الحب، عشق سبعاً، وما نال حب واحدة، عدد معي رجاء، وفيقة، هالة، لميعة، ناهدة، لبيبة (لباب)، لمياء، أليس، ولك أخريات من وهم الخيال، ليلى، سلوى، نادرة ....وإليك مايقول معترفا للباريسية، وقيل البلجيكية الأنسة لوك لوران:

وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا

ولكن كل من أحببت قبلك ما أحبوني

ولا عطفوا علي، عشقت سبعاً، كن أحيانا

ترف شعورهن علي، تحملني إلى الصين

سفائن من عطور نهودهن، أغوص في بحر من الأوهام والوجد

امرأة باعته من أجل المال، والأخرى من أجل الجمال، ولو كانت أكبر منه سنا، والثالثة تريد قصراً وسيارة، وما عنده غير كوخ وحجارة، ودفتر أشعاره !..... والأخيرة شاعرة، تختلف عنه بالديانة....ونحن بالانتظار أن تقبل عليه (إقباله) . وفي بداية الانتظار يصر شاعرنا على الانسلاخ من روابط الحب السرابي، لينطلق نحو رفاق السياسة، وأصدقاء العلاقة، ففي قصيدته (سوف أمضي) من (أساطيره)، يقول:

سوف أمضي حول عينيك، لا ترنّي اليا

إن سحراً فيهما يستوقف القلب الكسيرا

أتركيني ها هو الفجر تبدى، ورفاقي في انتظاري

ليس هذا فقط، بل أخذ السياب في قصيدته ( ليالي الخريف)، من نفس ديوانه (الأساطير)، وفي السنة ذاتها 1948، تراوده عقدة الموت، بلا مقدمات تذكر ه به، ولا أمراض تشير إليه، إنها الهواجس، والاضطراب النفسي القلق:

كيف يطغي على المسا والملال!؟

في ضلوعي ظلام القبور السجين

في ضلوعي يصيح الردى بالتراب الذي كان

أمي، غدا سوف يأتي

فلا تقلقي بالنحيب

عالم الموت حيث السكون الرهيب

سوف أمضي كما جئت وا حسرتاه !

واتنهت المرحلة الرومانتيكية المبكرة لشعره، وكان نتاجه فيها تسعاً وتسعين قصيدة، مغناة، لاتتصف بالطول، نظمها ما بين (1941-ومنتصف 1948)، وتضمنتها دواوينه (أزهار ذابلة 1947)، ( أعاصير 1948) حافظ الشاعر في هذا الديوان على الشكل العمودي في قصائده ذات المضمون الإنساني ، (أساطير1950)، أعاد الشاعرطبع قصائد الديوان الأخير في ديوان (أزهار و أساطير) باستثناء ( سراب، عبير، عينان زرقاوان، يا ليالي، خطاب الى يزيد، إلى حسناء القصر)، ثم ضمنت بعض قصائد هذه المجموعات في دواوين طبعت فيما بعد .

 

من تخرجه...حتى خروجه...بداية مرحلة شعرية جديدة:

يتخرج السياب من داره العالية صيف 1948، ويتعين مدرسا للغة الأنكليزية في مدينة الرمادي في خريف السنة نفسها، ينزل في أحسن فنادق المدينة، خلّف علاقته العاطفية وراء ظهره بعد اليأس والملل، ومعرفة حقيقة نفسه، وواقع أمره، ثم إنه ودع الحياة الجامعية، وعهد الاختلاط بالجنس الآخر، لذلك توجه الرجل للمجال السياسي، والعلاقات الاجتماعية، والنواحي التثقيفية، فأخذ يشغل نصف الوقت المخصص للدروس في مدرسته بالأحاديث السياسية، وبث مبادئه العقائدية بكل حماس، وإلقاء قصائده الشعرية .

ومن الجدير ذكره، كان العراق منذ بضعة أشهر قد مرّ بمرحلة سياسية صعبة جداً، فرئيس الوزراء صالح جبر عقد معاهدة بورتسموث مع بريطانيا العظمى، والشعب قد رفضها، لإحساسه بالظلم والجور، فتحركت الجماهير وأحزاب المعارضة - ومنها الحزب الشيوعي الذي ينتمي إليه الشاعر - فألهبت الساحة، وأثارت مشاعر الناس، فثار الطلاب وأضربت بعض الكليات، حتى أنتهت الأحداث بإتفاضة 27 كانون الثاني 1948، فاستقال رئيس الوزراء، وهرب إلى الخارج، وحل محله السيد محمد الصدر، ولما أوشكت الذكرى الأولى لها تعود بدايات 1949، أخذت الحكومة تعد العدة لتسير الأمور بشكل سلس وطبيعي، فجعلت العطلة النصقية للمدارس والجامعات تترافق مع الذكرى، تحاشيا للتجمعات والتكتلات، وحاصرت بعض أعضاء الأحزاب المعارضة وأعتقلتهم، وحددت موعداً لتنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق فهد ورفقيه، سكرتير وعضوي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، فكان من نصيب بدر من هذه الأجراءات، أن يفصل من وظيفته التدريسية، بعد أن قضى فيها أكثر من ثلاثة أشهر، فتبخرت آماله المهنية والاقتصادية، وزاد الأمر سوءا، بأنه أعتقل عند عودته إلى قريته في يوم ممطر حزين، ونقل إلى سجن البصرة، ثم معتقل الكرخ ببغداد، وأطلق سراحه بعد ثلاثة أشهر بكفالة تضامنية من قبل أبيه مقدارها خمسة آلاف دينار عراقي.

في فترة الرمادي نظم أول قصيدة مطولة وسمها (في السوق القديم)، وقسمها أحد عشر مقطعا، أشار في مقاطعها الأخيرة إلى شاعرته المفقودة، ودموعه المسكوبه:

الليل، والسوق القديم

خفتت به الأصوات إلا غمغمات العابرين

وخطى الغريب

وما تبث الريح من نغم حزين

في ذلك الليل البهيم

الليل، والسوق القديم، وغمغمات العابرين

والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب

مثل الضباب على الطريق

من كل حانوت عتيق

بين الوجوه الشاحبات، كأنه نغم يذوب

في ذلك السوق القديم

**********

أنا من تريد، فأين تمضي بين أحداق الذئاب

تتلمس الدرب البعيد؟

فصرخت:سوف أسير، ما دام الحنين إلى السراب

في قلبي الظامي ! دعيني أسلك الدرب البعيد

حتى أراها في انتظاري: ليس أحداق الذئاب

أقسى علي من الشموع

في ليلة العرس التي تترقبين، ولا الظلام

والريح والأشباح، أقسى منك أنت أو الأنام

أنا سوف أمضي ! فأرتخت عني يداها، والظلام

يطغي

ولكني وقفت وملء عيني الدموع !

انتهى أمر الشاعرة ! بعد أن كفل الأب ابنه الشاعر، وأخرجه من السجن، اشتغل السياب عاملاً في مصلحة التمور العامة كذواقة للتمور، وهذا دليل على معرفته لأنواعها، ومن ثم عين كاتبا في شركة نفط البصرة، وشاءت الصدف أن يضرب عمالها عن العمل مطالبين بحقوق افتقدوها، وساهم الشاعر بطلب حزبي بتأجيجها واستمراريتها حتى تحقيق أهدافها، واستمر هذا الحال أواخر سنة 1949، وبداية السنة التي تليها، وتحققت بعض المطالب، وعدّ الأمر انتصارا، ولكن السياب فقد عمله جبراً أو اختياراً، وذهب صاحبنا إلى بغداد بحثاً عن العمل والنشر والشهرة والانفتاح، بعد أن ذاقت به الأمور، وتوقف عن كتابة الشعر، فما وجد في العاصمة إلا البطالة، والتسكع في مقاهيها، ويترددعلى مقهى حسن عجمي على الأخص، يساعده أصدقاؤه المقربون لتسيير عجلات الحياة، أمثال أكرم الوتري ومحي الدين اسماعيل وخالد الشواف إلى أن وجد عملاً في إحدى شركات تعبيد الطرق، وخلال تلك الأيام العصيبة، واللحظات اليائسة، والانتقال من عمل يدوي إلى غيره، يعرّفه الوتري على الشيخ علي الخاقاني صاحب مطبعة البيان النجفية، فيتفق معه لطبع ديوانه (أساطير)، ومما يفهم من إهداء الديوان إلى أخويه الكريمين في صدره (ص2)، إنهما ساعداه في طبعه، ووقع على الشيخ أيضا نشره، وقدم له قبل مقدمة الشاعرالتي جاءت لتسليط الضوء على تجربته الشعرية، ومعرفة ظروف النظم من أحاسيس وانفعالات وصور، ولكن لا تدل هذي المقدمة السيابية على عمق نقدي، وتصور واضح عن تجربته الرائدة .

المهم كما ذكرنا سابقا، معظم الديوان يتضمن شعراً عن حبيبته الموعودة، وشاعرته الجميلة المفقودة، وقصائده كلّها قد نظمت في السنة الأخيرة من داره العالية (1947-1948)، ومن قواف مختلفة لبحور متقاربة، وتفعيلات بتعداد متباين حسب أطوال الأشطر وقصرها، ولكن القصيدة العمودية الوحيدة في الديوان، هي (خطاب الى يزيد)، ربما أدرجت بطلب من الخاقاني، والقصيدة ألقيت في عاشوراء سنة 1948 بقاعة ثانوية العشا ر، ويقارن فيها صورة الشهيد المثالي، بالطاغي المتعالي، ويرسم مأساة الفاجعة، ويستوحي شخصية بطلتها الحوراء، ولا ينسى ان يستلهم رسالة غفران المعري، وكوميديا إلهية دانتي لصور الجحيم والعذاب الأليم، فتراه يخاطب يزيد في رسالته إليه قائلا:

إرم السمــــــــــاء بنظرة استهزاء * واجعل شرابك من دم الاشلاءِ ِ

واسحق بظّلك كلّ عرض ٍ ناصعٍ*** وأبح لنعلك أعظم الضعفـــــاء

وأملأ سراجك إن تفضى زيتـــــه **مما تدرّ نواضب الأثـــــــــــداءِ ِ

واخلع عليه كمــــــــــا تشاء ذبالة ً *هدب الرضيع، وحلمة العذراء ِ

واسدر بغيّك يا يزيد فقـــــد ثوى **عنك الحسين ممزق الأحشــــاء

تلك ابنة الزهراء ولهى راعـــها**حلم ٌ ألمّ بهــــــــــــا مع الظلماء ِ

يكتظ ّ بالأشباح ظمأى حشرجت ***ثمّ اشرأبت في انتظار المـــــاء

أيد ٍ تمد ّ الى السمـاء وأعينٌ ****ترنو الى المــــــاء القريب النائي

عز ّالحسين، وجلّ عن أن يشترى **** ري ّالقليل، بخطة ٍ نكــــراء

يشرع السياب في هذه المرحلة من حياته بنظم مطولاته السياسية والاجتماعية، ولكونه مازال عضواً فعالاً في الحزب الشيوعي، يفجّر (فجر السلام) مشحونة بشعارات حركة السلم العالمي، وأشكال السلام في البلدان الاشتراكية والرأسمالية، دون أن ينسى تشبيهه لها بالأم الرؤوم، والحصن الأمين، القصيدة ولدت بأنفعال عاطفي آني، وصور شعرية فنية عادية، أحلام وردية لدنيا مثالية، متناسية في غمرة الشعارات الرنانة الصراع الأزلي الواقعي بين الإنسان وأخيه الإنسان من أجل المصالح واللذات وحب التسلط، هدفها سياسي بحت، لذلك لم يبال ِأن تنشر دون ذكر اسمه، وسخر منها لاحقاً حين تم الطلاق مع حزب الرفاق، ولكنها تعتبر تحولاً عن نهجه الرومانتيكي، وتكريساً لما بدأه من مطولات، مثلها مثل ( القيامة الصغرى) - التي لم يكتمل نشرها -، و ( مقل الطغاة)، ولكي لا نطيل، نسمعك بالهمسات بعض اللمسات من الشعارات :

لاشهوة المـــــــــوت في أعراق جزّار ِ ***تقوى عليها، ولا سيلٌ من النار ِ

المـــــــــوت أزهى سدا من أن يشـابكها ***وهي التي مـــدّت الموتى بأعمارِ

ِوهي التي لمّت الأحقــــاب واعتصرت **ممّا انطوى في دجاها فيض أنوار ِ    

هذي اليد السمحة البيضــــاء كم مسحت ***جرحـــاً، وكم أزهقت أنفاس جبّار ِ      

وأطلقت في الدجى الأعمى حمــــــامتها ****بيضاء كالمشعل الـــوهاج في غار ِ

سل تاجر الموت كيف اصطك من فزع ٍ *** لمّا رآها، وكــــــــــــم أودت بتجّار ِ

وسمّرت نعش طاغوت بما شرعــــــــت ***كفاه مــــــــــــن خنجر ٍيدمى وأظفار ِ

أراك ترى المصطلحات المألوفة للخير والشر، الموت..الجّزار..النار ..الدجى ..الأنوار..اليد السمحاء ..والحمامة البيضاء ..الجرح ..تاجر الموت، وإلى آخره من طغاة وخناجر وأظفار ، ماهو الجديد سوى التشكيل والنشيد، وهو يواصل المسير ليذكر متناقضات الحياة، والأمل المنشود للإنسان المنكود:

عيون ٌوراء المدى *** تنام وترجـــــــــو الغدا

دفوق السنا باسطاً *** لأحلى رؤاهـــــــا يدا

ستجبلهــــــا ولقعاً **** نقياً كذوب النــــــدى

يكفّر عمّـــا جنت *** * عصورٌ طواها الردى

وفي الحقل بين الظلال ** عذارى حملن السلال

لهن الهوى والغنـــــــاء**وللظالمين الغــــــلال

أكتفي بهذا القدر من القصيدة، ليرجع إليها من يشاء، فهي سياسية بإمتياز، ترى الحق والخير والأمل مع اليسار الاشتراكي، والقتل والاستغلال والدمار واليأس عند اليمين الرأسمالي، تسير بانسياب جميل، وتشكيل جيد، وهي من بدايات مطولاته، المتعددة القوافي والبحور، يستدرجها مرات للقصيرة منها، ليسهل حفظها وإنشادها من قبل الجمهوروالعموم، وصفها السياب انّها " كانت من الشعر الشيوعي النموذجي، فقد شحنتها بأفكار حركة السلم ." كتبها 1950، نشرت أول مرّة في كراس خاص دون ذكر الشاعر، ثم قدمها عطا الشيخلي في كراس خاص، ثم طبعت ضمن مجموعة نشرها باقر الموسوي بعنوان (هديل الحمام)، واصدرتها( دار العودة) - بيروت - من بعد سنة 1974، وقدم لها ناجي علوش بكلمة، وشرحها الدكتور إحسان عباس، إضافة الى مقدمة السياب عن أهداف حركة السلم وغاياتها .

والمطولة الأخرى في هذه المرحلة . والتي نشرت 1952، هي اجتماعية بتداخلات سياسية، وسمها بـ ( حفار القبور)، وكما تعلم أن مهنة حفر القبور مهنة صعبة عملياً ونفسياً، وهي ضرورة شرعية وصحية واجتماعية، ولكن الشاعر -وهو أدرى بذلك - ذهب به الخيال ليجعل منها قصة ألف ليلة وليلة، وكأنما هذا المسكين بيده مفاتيح الموت والحياة، ولا يشتغل عزرائيل إلا لحسابه الخاص، يطلب من الله أن يساعده على إنطلاق الحروب المدمرة كي يرتزق، ومن ثم يمجن ويعبث ويسكر، وهو الذي يدفن أمه وأباه، وأخته وأخاه، وإذا اقتضى الأمر يعاشر المومس ليلاً، ويسترد ما أعطاه لها في الحياة من بعد الموت، ولا يريد بالطبع شاعرنا إلا ( الرمزية) للطغاة و تجار الحروب والموت والدمار، الذين لا يرحمون بعيداً ولا قريباً، ولا شريفاً ولا وضيعاً، يستغلون الإنسان أبشع استغلال، فالمجرمون هم الطغاة، وليس حفار القبور:

وغداً أموت غداًأموت

وهزّ حفار القبور

يمناه في وجه السماء، وصاح رب أما تثور

فتبيد نسل العار، تحرق بالرجوم المهلكات

أحفاد عاد ٍ، باعة الدم والخطايا والدموع

يا رب ما دام الفناء

هو غاية الأحياء، فأمر يهلكوا هذا المساء

سأموت من ظمأٍ وجوع

إن لم يمت هذا المساء إلى غدٍ بعض الأنام

فابعث به قبل الظلام

ولكن هل حقّاً هذا شعوره البويهمي لإشباع غرائزه، يجول في الساحة وحده، كلا.. هناك تكبيت الضمير، ورجوع الإنسان الى إنسانيته، ألم تره يعتذر، ويرجع الأسباب الى المتحضرين المزدهين ؟:

أنا لست أحقر من سواي

وإن قسوت، فلي شفيع

إنّي كوحش في الفلاة

لم أقرأالكتب الضخام

وشافعي ظمأ ٌ وجوع

أوما ترى المتحضرين

المزدهين من الحديد بما يطير وما يذيع

إني نويت ويفعلون

والقاتلون هم الجناة وليس حفار القبور

وهم الذين يلونون لي البغايا بالخمور

وهم المجاعة والحرائق والمذابح والنواح

وهم الذين سيتركون أبي وعمته الضريرة

بين الخرائب ينبشان ركامهن عن العظام

أو يفحصان عن الجذور ويلهثان من الأوام

والصخر كالمقل الضريرة

المهم أتسعت همومه، وفاضت خوالجه، وزادت أشجانه، فكثرت مطولاته، ليريح ويستريح، ويسير على نهج ( ت .س . إيليوت)في ( أرض يبابه)، ويجاري أبا تمام والبحتري والمتنبي ومن بعدهم الجواهري في جزالة ملاحمهم، وقد أصاب ولكن في شعره التفعيلي، وسيستمر هذا التدفق الهائج، وتحثه الرغبة الملحّة اللجوج حتى نهاية سنة 1953، ستطل علينا من بعد، لأن نشرها جاء من بعد، وهي (المومس العمياء)، و ( والأسلحة والأطفال)، و (إنشودة المطر)، ولكل حادث حديث، ثم تتبلور المشاعر، وتتوحد الأحاسيس، فيقول لنفسه مكانك ِتحمدي أو تستريحي ! فيسير الهوينى بأتجاه واحد... بقصائد أقصر، وتشعبات أصغر.

المهم نحن الآن نسير خلال سنة 1952، والسياب فيها وقبلها، أشتغل في الصحف أمثال (الجبهة الشعبية) و (الرأي العام) و (العالم العربي)، إضافة إلى ما كان يصدرها الجواهري، ولكن الصحف في حينها لم يكن صدورها مستمراً، بل يخضع للظروف السياسية المتذبذبة، لذلك اضطر شاعرنا أن يشتغل عاملاً بأجر يومي في بعض المتاجر، ثم توسط له بعض رفاقه عند مدير عام مصلحة الأموال المستوردة لتعيينه دون الحاجة إلى شهادة حسن سلوك، وهكذا كان، واستقرت الأمور، وعادت رفيقته اليهودية (مادلين) تتقرب إليه، وتبرع أمام رفاقه الزواج منها لقضاء وطر - لم يشهر به - عندما هُددت بالطرد من العراق، وزواجها من مسلم يحل ّ مشكلتها، أمّا على المستوى السياسي، ففي تشرين الثاني من السنة المذكورة، وإبان إنتفاضة فلاحي (آل أزيرج)على الإقطاعيين، ومقتل العديد منهم بعد سحق إنتفاضتهم، ينتفض طلاب كلية الصيدلة لمطالب دراسية، ودوافع سياسية، تمتد الاضطرابات، وتشتد ّالقلاقل، ويزداد العنف، فيتدخل الجيش، و يتخذ الحياد، فأوعزت الحكومة للشرطة بحسم الأمور، فهاجم عدد كبير من المنتفضين مركز شرطة باب الشيخ، وذهب عدد من الضحايا، وكان للسياب دورقيادي في هذا الهجوم، لذلك خشى من إلقاء القبض عليه، توجه الى قريته، ومن هناك استطاع بمساعدة أقربائه أن يهرب إلى إيران، ومكث فيها سبعين يوماً، حصل خلالها على جواز سفر إيراني مزور باسم (علي أرتنك)، وركب سفينة شراعية، قاعها مغطى بطبقة طينية لمنع تسرب المياه اليها، وكان ملاحها أهوج، اراد ان يصدمها بأحد الفنارات لولا تدخل الشاعر الهارب وإنقاذ الموقف، ومن ثم - وهو في الكويت- نظم قصيدة، عثرأحد أصدقائه على جزء منها، يقول فيها واصفاً الرحلة:

هو البحر ...لا زال يسخر في كل ّحين

بهذا الشراع الضعيف، ينوء به صدر هذا السفين

ويسخر من كل ّما يرهق المبحرين

هو البحر..لا زال بيني وبين العراق

وبيني وبين السنين

هو البحر...سوراًمن الماء قام

بوجهي بوجه الحنين

لابدّ أن هروبه كان بدايات سنة 1953، لذلك يوسم إحدى قصائده بـ (فرارعام 1953)، يقول مطلعها:

في ليلة ٍ كانت شرايينها

فحماً، وكانت أرضها من لحود

يأكل من أقدامنا طينها

تسعى إلى الماء

إلى شراع ٍمزقته الرعود

فوق سفينٍ ٍ دون أضواء

في الضفة الأخرى يكاد العراق

يؤمى ؟ يا أهلاً بأبنائي

لكننا واحسرتا لا نعود

بعد وصوله الكويت ينزل في بيت متواضع مع سبعة من رفاقه الهاربين، بينهم العامل والفلاح والمعلم والسائق والكاسب، ثلاثة منهم مصابون بمرض السل، ربما هو رابعهم، أو أصيب به من بعد حين مكوثه بينهم، وقيامه بمهام تنظيف البيت، وترتيب الأسرّة، وغسل الصحون، وحصلت خلافات بينه وبين رفاقه لتابين المستوى الثقافي، والحماس الحزبي الأجوف، المهم اشتغل في شركة كهرباء الكويت، وخلال هذه الفترة وضع الشاعر قصيدة، تعد من أروع قصائده وأجملها وأخلدها، يوم جلس يائساً في عزّالظهيرة، وقت الهجيرة على ساحل الخليج، حيث الشمس اللاهبة، والرياح اللاهثة، والكادحون من البحارة حفاة، أشباه عراة، يطوون أشرعة السفائن (القلوع) للإقامة والمكوث، أو ينشرونها للمغادرة والرحيل، الدنيا في حركة ولهيب، والسياب في سكون ٍ رهيب، بينه وبين العراق بحر واسع، ووقت ضائع، بين ذلٍّ واحتقار، وانتهار ٍ وازورار، مترب القدمين، تقتله الخطية:

ما زلت أضرب، مترب القدمين آشعث

في الدروب تحت الشموس الأجنبية

متخافق الأطمار

أبسط بالسؤال يداً ندية

صفراء من ذلّ وحمى

ذل شحاذ ٍغريب ٍبين العيون الأجنبية

بين احتقار ٍ، وانتهار ٍ، وازورار ٍ..أو خطية

والموت أهون من خطية

تعاوده أخيلة الذكريات كشريط ٍ مسجل مرئي لليالي العابرات، لظلام العراق ونهاره، وما يوحى إليه من حنين أمه، وأحاديث عمته، واللعب مع أصحابه، وجيكور الهادئة أبان الغروب، وغابات نخيلها الموحشة، ورفيقة دربه المؤنسة، ما بين يأس الغربة ووحشتها وذلّها..وبين لوعة الشوق، وشدة الحنين لموطن عزّه، وينبوع كرامته، ولو كان على مرمى حجر ٍ عنه، وفوق أرض ٍ قريبة منه، يصرخ صائحاً:

صوتٌ تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق

كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع الى العيون

الريح تصرخ بي عراق

والموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق

البحر أوسع ما يكون، وأنت أبعد ما يكون

والبحر دونك يا عراق

بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق

وكنت دورة أسطوانة

هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه

في لحظتين من الأمان، وإن تكن فقدت مكانه

يكرر كلمة (عراق) سبع مرّات، على عدد أيام الأسبوع، كأنما يستحضر فيها روحه بشكله المطلق - كما هو مألوف في الرياضات الروحية - بلا تعريف، ولا تفخيم، لأنه معرّف بذاته، فخم بكيانه، ولا أحسبك تقف عند قراءة المقطع لمرّة واحدة، ولا تستعيد، لجمال النغمة، وحسن الصنعة، وصدق العاطفة، والعراق هو الملتقى وبدونه لا لقاء، ولا استقرار، وهو الشمس والظلام، وكل ما في الحياة من معنى:

لو جئت في البلد الغريب إلي ّ ما كمل اللقاء

الملتقى بك والعراق على يديّ..هو اللقاء

شوقّ يخضّ دمي إليه، كأنّ كلّ دمي اشتهاء

جوعٌ إليه ..كجوع كلّ دم الغريق إلى الهواء

شوق الجنين، إذا اشرأب ّمن الظلام الى الولادة

إنّي لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون

أيخون إنسانٌ بلاده ؟

إن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون ؟

الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام

حتى الظلام، هناك أجمل، فهو يحتضن العراق

والنهايات تلتقي بالبديات ..بالريح والقلوع، والقصيدة تدور، وتمر ّستة شهور، كأنّها عصور ودهور، ولكنه يعود، والعود أحمد - كما يقال - وهذا مثال !!

 

كريم مرزة الأسدي

السّياب بتمامه من ولادته حتى الظلام هناك أجمل!!! (1-2)

karem merzaالمقدمة: قالوا إن الحياة كما تهب تسلب، وكما تعطي تأخذ، للعبقرية ثمن، وللخلود ضريبة، ولم تعط الحياة عهداً لأحد أن تكون تحت مشيئته أنى أراد، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا بأي سقم تبتلى، كل يجري في فلك بحسبان، والإنسان في ذمة النسيان، إلا من كان ذا حظ عظيم وما السياب ببعيد في وصيته لإقباله عن ذلك (الوصية مستشفى بيروت نيسان 1962):

إقبال يا زوجتي الحبيبة

لا تعذليني ما المنايا بيدي

ولست لو نجوت بالمخلد

كوني لغيلان رضى وطيبة

كوني له أباً وًماً وارحمي نحيبة

وللحياة مواقف لاتعد ولا تحصى، فلكل عينة من كائناتها الحية وحتى ما حولها من الكائنات غير الحية ميقات معلوم يمر عليها باستمرارية التغيير على مدى اجزاء اجزاء اللحظات، وما تدري القدر المحتوم، ويدرك شاعرنا أن كل الأقدار كرم وعطاء، ولله الحمد على كل حال في (سفر أيوب لندن 26 -12-1962) يقول:

سفر أيوب لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبد الألم

لك الحمد أن الرزايا عطاء

وأن المصيبات بعض الكرم

ويستعجل بدر الردى، ويتسابق إليه ليتفادى دفعات الألم، وهجمات السقم يقول في قصيدته (في غابات الظلام 9-7- 1964):

أليس يكفي أيها الإله

إن الفناء غاية الحياة

فتصبغ الحياة بالقتام

سفينة كبيرة تطفو على المياه

هات الردى أريد أن أنام

بين قبور أهلي المبعثرة

وراء ليل المقبرة

رصاصة الرحمة يا إله

هل خلق السياب ليروي لنا مأساة الحياة ؟ وكيف تمر مراحل العيش السقيم ؟ والمرض الأليم إلى الموت الرهيب؟ وليخفف المعاناة عن الآخرين، ويلهمهم الصبر الجميل بشعره الرائع الجميل، هكذا يرى هو على أقل تقدير، إليك ابيات من قصيدته (المعول الحجري) التي نظمها في 14- آب -1964 عقبى زيارة زوجته إقبال وأولاده له في المشفى الأميري في الكويت، وكان قلبه يتقطر ألما لوضعيتهم، وتغمره السعادة لرؤيتهم:

رنين المعول الحجري يزحف نحو أطرافي

سأعجزبعد حين عن كتابة بيت شعر في خيالي جال

لأكتب قبل موتي أو جنوني أو ضمور يدي من الأعياء

حوائج كل نفسي، ذكرياتي، كل أحلامي

وأوهاني

وأسفح نفسي الثكلى على الورق

ليقرأها شقي بعد أعوام وأعوام

ليعلم أ أشقى منه عاش بهذه الدنيا

وآلى رغم وحش الداء والآلام والأرق

ورعم الفقر

أن يحيا

نسبه وعائلته:

قيل عن كلمة (السياب) التي كنيت بها العائلة قد جاءت من مدلولها الذي يطلق على البلح أو البسر الأخضر، وهذا ما أميل إليه، أما الرواية التي تزعم أن سياب بن محمد بن بدران المير قد اكتسب هذه التسمية لأنه سيب وحيداً عقبى طاعون 1831 الجارف، فهي أبعد عن التصديق، لأن الناس لا ينزلون نازلة أخرى بالمنكوبين، والناس كلهم منكوبون، فمن هو السائب يا ترى ؟

تزوج شاكر بن عبد الجبار بن مرزوق السياب <1> ابنة عمه كريمة بنت سياب بن مرزوق السياب، وهي أمية، فولدت له ابنه الأوسط (بدر) في 25-كانون الأول - 1926 على أغلب الظن، والولادة تمت في قرية (جيكور)، ولـ (بدر) أخوان هما (عبد الله) و (مصطفى)، وكان الأب فخوراً بأبنائه والأبناء يلعبون مع بعضهم و برفقة أصحابهم في طفولة هانئة وسعيدة .

 

جيكور الخالدة:

جيكور <2 > كلمة فارسية تعني (بيت العميان)، تقع ضمن منطقة (بكيع)التابعة لقضاء أبي الخصيب<3> في محافظة البصرة، وهي تبعد عنه كيلومترين، والقرية تقع على جدول (أبو فلوس)، قريبا من شط العرب، وأمامها جزيرة تسمى (الطويلة)، طالما قضى فيها شاعرنا الأوقات الممتعة، ولا يخفى عليك أن غابات النخيل الرائعة كانت تغطي كل تلك الربوع الفاتنة التي تتخللهاالجداول، وترتادهاالطيور المتوطنة والمهاجرة، نعيب الغربان، وطيور السنونو، وصداح الكنارى، وصفير البلابل، ووجه البوم، وبيادر الخير، وتصاعد الدخان، ولعب الصبيان، فمن هذه الطبيعة الخلابة استوحى السياب أروع صورة شعرية في (إنشودته المطرية)

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر *** أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم ** وترقص الآضواء كالأقمارفي نهر

يرجه المجذاف وهنا ساعة السحر** كأنما تنبض في غوريهما النجوم

أصبحت جيكور عملاقة كابنها العملاق، وخالدة خلوده، صارت في حالة، لم نألفها مع مساقط رؤوس غيره من العباقرة، إذ يجعل جيكور بقامة بغداد وأكثر، وبويب يطاول النيل وأطول

ألم تراه ماذا يقول في ليلة لندن؟:

غريباً كنت حتى حين أحلم لست في جيكور

ولا بغداد أمشي في صحارى قلبي المسعور

يريد الماء، فيها ماء، أين الماء وهي تريه أفواها

على آفاقها الربداء ظمأى تشرب الديجور

بين معرة أبي العلاء وجيكور السياب:

أبو العلاء حينما غادر مدينته، وبالأحرى قريته حينذاك، معرة النعمان، متوجها إلى بغداد سنة 398هج، وأطل على أشراف بغداد قال بيته الشهير:

وردنا ماء دجلة خير ماء**** وزرنا أشرف الشجر النخيلا

ثم ذكر قريته المعرة وحن إليها قائلاً:

يا ماء دجلة ما أراك تلذ لي **** شوقاً كماء معرة النعمان

ويقول مرة ثانية:

فيا برق ليس الكرخ داري وإنما *** رماني إليها الدهر منذ ليالِ

فهل فيك من ماء المعرة قطرة **** * تغيث بها ظمآن ليس ببال

ولوأن المعري خلد معرته باكتساء كنيتها، ولكن المعري نفسه عندما أراد مغادرة بغداد بعد وفاة أمه 400هـ، تحسر على لوعة الفراق، مفضلاً بغداد وأهلها على الشام وأهله، ولو أنهم قومه وبينهم ربعه:

أودعكم يا أهل بغداد والحشا ***على زفرات ما يبين من اللذع

وداع ضنا لم يستقل وإنما*****تحامل من بعد العثار على طلع

فبئس البديل الشام منكم وأهله***على انهم قومي وبينهم ربعي

ألا زودوني شربة ولو أنني **** قدرت إذاً أفنيت دجلة بالكرع

السياب ما فعل هذا...!! بل زاد.....وزاد في ذكر جيكور<4> وبويب حتى ظنهما الدنيا كلها، فهو غريب حتى على الخليج، والخليج على مرمى حجر منه !!

ونحن إذ نطيل المكوث في فترة بيئة طفولته المبكرة، لأننا ندرك أهميتها القصوى لنتاجه الشعري و الفكري، فقد مدته بإخصب الأفكار، وأروع الصور، وأجمل العبارات، فبادلها العطاء بالوفاء، والجزاء بالثناء، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فمن قصيدته أفياء جيكور يقول:

لولاك يا وطني

لولاك يا جنتي الخضراء ياداري

لم تلق أوتاري

ريحاً، فتنقل آهاتي وأشعاري

لولاك ما كان وجه الله يا قدري

أ فياء جيكور نبع سال في بالي

أبّل منها صدى روحي

جيكور رفيقة مسيرته، ورمز وطنيته، ومنبع طفولته، وعنوان محبته، ومركز حنينه، ومجال عشقه لوفيقته ومن بعد هالته، ففي قصيدة ليلة باريس، يناجي الذكريات والحنين قائلاً:

تأتين أنت إلى العراق

أمد من قلبي طريقه

عشتار فانفجر الربيع لها وبرعمت الغصون

توت ودفلى والنخيل بطلعه عبق الهواء

أعتل بالبرد، ارتجفت، فلفني برد الهواء

وهو الأصيل، وأنت في جيكور تجتذب الرياح

منك العباءة، فاخلعيها

ليس يدثر الضياء

يتماوج البلم النخيل بنا فتنتثر النجوم

من رفة المجذاف كالأسماك تغطس أو تعوم

ويحار بين الضفتين بنا كأنا منه في أبد الزمان

بويب الكبير:

وغير بعيد عن جيكور يقع بستان عمة أمه الجميل على ضفاف شط العرب، ويجب على بدر وأخويه أن يخترقوا نهر بويب الصغير للوصول إليه، بعد أن يسيروا تحت أشجار النخيل والمشمش والخوخ وصوبات العنب، ويتمتعوا بالأجواء الطبيعية المذهلة، وطالما بدر كان يرمي أوراق النباتات في الجدول البويبي كأنما يريدها أن تنتعش أو يعيد إليها حياتها النضرة، اقرأ وتأمل:

بويب

بويب

أجراس برج ضاع في قرارة البحر

الماء في الجرار، والغروب في الشجر

وتنضح الجرار أجراساً من المطر

بلورها يذوب في أنين

بويب يا بويب

فيدلهم في دمي الحنين

إليك يا بويب

يا نهري الحزين كالمطر

ويرتبط شعر الحنين عند السياب باضطراب الرؤية، وازدواجية المفردة، بين ماض يمثل الحياة وأبوابها وحنانها وزهوها ولعبها، ومستقبل قاتم أليم تتسرب منه رائحة الموت والدمار والعذاب، ..وهو حائر في موقفه يترقب الأمل والخير المفقود، ولا ريب ان الماضي ليس عنده عقدة نقص يسكبها ليستريح، بل متعة أنس يتذكرها ليستزيد، وإليك من القصيدة المزيد:

أغابة من الدموع انت أم نهر

والسمك الساهر هل ينام في السحر

وهذه النجوم هل تظل في انتظار

تطعم بالحرير آلافا من الأبر

وأنت يا بويب

أود لو عرفت فيك ألقط المحار

أشيد منه دار

يضيءفيها خضرة المياه و الشجر

ما تنضح النجوم والقمر

وأغتدي فيك مع الجزر إلى البحر

فالموت عالم غريب يفتن الصغار

وبابه الخفي كان فيك يا بويب

أرايت يا صاحبي كيف تمتزج المفردات، وكيف ينتقل من بوابة الحياة إلى بوابة الموت، ومن الضياء إلى القتام، سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال، ثم سيمزج الهم الذاتي بالهم الإنساني، ويجعل من نفسه جسراً يعبر عليه الجميع، يعوزه أن يبدل (مع)بـ (عن) في المقطع الآتي:

ليصبح المسيح... هاك:

أود لو غرقت في دمي إلى القرار

لأحمل العبء مع البشر

وأبعث الحياة، إن موتي انتصار

رحم الله السياب اذ جعل من جيكور مدينته الفاضلة، ومن بويبه النهر الخالد، ومن ابنة الجلبي وشناشيلها حورية الجنان وأشرافاتها، وخيال الشاعر الملهم يتسع إلى الشناشيل:

وشناشيل ابنة الجلبي:

وبجوار بستان العمة المذكورة سالفاً يوجد قصر منيف ببهائه وسعة ساحاته، وغناء حدائقه، وأطلالة شرفاته، وما شرفاته إلا الشناشيل المحاطة بالخشب المزخرف و الزجاج الملون، وكان هنالك قصر فخم آخر - ربما هو الذي عناه السياب في شعره - يقع قرب مدرسته الابتدائية (المحمودية) التي قضى فيها الصفين الخامس والسادس، والتي شيدها محمود جلبي العبد الواحد في قضاء أبي الخصيب سنة 1910، وهو أحد أعيان المدينة، -الجلبي لقب للأعيان الأثرياء - وهذا القصر قصره بشناشيله وناطوره أحمد، والبنت المدللة المحظوظة المخاطبة هي ابنته التي حملت اسماً لمجموعة متميزة من شعر شاعرنا، وسمها (شناشيل ابنة الجلبي)، وهي من إحدى قصائده، ونقتطع الأبيات التالية:

وأذكر من شتاء القرية النضاح فيه النور

من خلل السحاب كأنه النغم

وكنا جدنا الهدار يضحك أو يغني في ظلال الجوسق

القصب

وفلاحيه ينتظرون غيثك يا إله وأخوتي في غابة اللعب

يصيدون الأرانب والفراش وأحمد الناطور

نحدق في ظلال الجوسق السمراء في النهر

ونرفع للسحاب عيوننا سيسيل بالقطر

ارعدت السماء فرن قاع النهر وارتعشت ذرى السعف

واشعلهن ومض البرق أزرق ثم أخضر ثم تنطفىء

شناشيل ابنة الجلبي نور حوله الزهر

عقود ندى من اللبلاب تسطع منه بيضاءا

وآسية الجميلة كحل الأحداق منها الوجد والسهر

يا مطراً يا حلبي

عبر بنات الجلبي

يا مطراً يا شاشا

عبر بنات الباشا

شناشيل الجميلة لا تصيب العين إلا حمرة الشفق

ثلاثون انقضت وكبرت كم حب وكم وجد

توهج في فؤادي

فابصرت ابنة الجلبي مقبلة إلى وعدي

ولم أرها هواء كل أشواقي أباطيل

ونبت دونما ثمر ولا ورد

منزل الأقنان....بين الجحيم والجنان:

كان بدر وأخواه وبعض أصحابهم يحبذون اللعب في بيت مهجور قديم واسع على القرب من منزلهم يسمى (كوت المراجيح) الذي يطلق عليه شاعرنا من بعد (منزل الأقنان) ليوسم به قصيدة له، بل ويتصدر أحد دواوينه، وتخيله مدينة أطلال سادها الخراب سوى أن أبوابها تبث فيها الحياة، و ستتآكل رويدا رويدا حتى يسودها الممات، وما مادتها إلا الفراغ و الريح، يسودها نواح البوم، وتخترقها الأصوات الغامضة، وما ألواح سلمها المتهاوي إلا كالواح سفينة عائمة بلا ملاحين بين لجج الموج ..ويطل عليك بباحة عصافيرها، وديدان مناقيرها، وانياب جوعها القاتل، ..الذي لا تتخلص الإنسانية منه إلا بالمطر المطرالرمز هذا الذي طالما حلم به شاعرنا:

مطر..مطر..مطر

وفي العراق جوع إليك منها

خرائب فانزع الأبواب عنها تغد أطلالا

خوال قد تصك الريح نافذة فتشرعها إلى الصبح

تطل عليك منها عين بوم دائب النوح

وتملآ رحبة الباحة

ذوائب سدرة غبراء تزحمها العصافير

تعد خطى الزمان بسقسقاء والمناقير

كأفواه من الديدان تأكل جثة الصمت

وتملآ عالم الموت

ألا يا منزل الأقنان، سقتك الحيا سحب

تروي قبري الظمآن

 

من موت امه...حتى موت جدته ..والدنيا دول:

عاش السياب أيام جميلة، وحياة ممتعة في طفولته المبكرة بين أفراد قريته الذين لايتجاوزون خمسمائة نسمة، ويعيشون في دور بسيطة مبنية من طابوق اللبن -الطابوق غير المفخور -، وسقوفها تدعمها جذوع النخيل، وهذا النخيل يؤخذ من غابات شاسعة، تتخللها الجداول الثرية بمائها حين المد، وتحت الظلال يسود الوئام واللعب والجمال، وأجمل ما في الجمال حضن أم، ومسحة رأس، وقبلة حنان..خزن السياب في باصرته وبصيرته، وإحساسه ووجدانه، هذه الصور الرائعة، والأفكار المبدعة، والخيال المتسع،، فشكلت لديه آلهة الخصب، وكمنت عنده ربّة الشعر، فأخذ يستمد أنّى شاء من ثرائه الفني، وخصبه الشعري حتى آخر يوم من حياته القصيرة بأيامها، والخالدة بإبداعها ...مرت أيام طفولته كومضة الأحلام، وما أن بكر حتى فاجأه القدر بموت أمه، التي طالما صحبته وأخويه إلى بيت أمها وبستان عمتها، وهي تعاني مخاضها الرابع سنة 1932، وكان عمرها ثلاث وعشرين سنة، سأل عن سبب غيابها، قيل له ستعود بعد غد ! وطال الأمد إلى الأبد، تركه الأب وأخويه، وبعثهم إلى بيت أبيه، و نسى أمهم والسلام! فانكمش بدرعلى نفسه، وحار في أمره، وكبت في عقله الباطن عقدة فقدان الأم، فأخذ يبحث عنها في وجه أي امرأة، ومن بعد أدرك حين هجرته إحدى الحبيبات النافرات أن أباه قد سلب، وأمه قد فقدت، والرحمة قد ضعفت، فقال مخاطباً الحبيبة ! (ذات المنديل الحمر، الآتي ذكرها):

خيالك من أهلي الأقربين *** أبر، وإن كـــان لا يعقل

أبي منه قد جردتني النساء **وامي طواها الردى المعجل

وما لي من الدهر الا رضاك ** فرحماك، فالدهر لا يعدل

لم يذكر أباه من قبل ومن بعد، إلا هذه المرة، إذ أبدى سخطه عليه واكتفى، لا أطيل عليك، احتضنتهم جدتهم لأبيهم (أمينة)، وكانت نعم الجدّة البارة بأحفادها، الماسحة على روؤسهم، الداسة في جيوبهم، المقبلة لوجناتهم، الحقيقة عوضتهم عن حنان أمهم، وحاولت أن تسد فراغها، ونجحت إلى حد بعيد .

يدخل البدر مدرسة قرية (باب سليمان)الابتدائية، التي تبعد عن قريتهم كيلومترين، يقطعها الطفل بخمس وأربعين دقيقة سيراً على الأقدام، قضى فيها أربع سنوات 1932-1936، ثم انتقل إلى مدرسة (المحمودية)، السالفة الذكر، وينهي دراسته للمرحلة الابتدائية منها سنة 1938، وينتقل لدراسة المرحلتين المتوسطة والإعدادية -الفرع العلمي - (الثانوية) في مدينة البصرة، وفي الفترة المبكرة من هذه المرحلة يشرع صاحبنا بنظم الشعر الشعبي (اللهجة العراقية الدارجة) ساخرا، أو واصفا، فيلقي تشجيعاً من مدرسيه بمواصلة النظم بالفصحى، وتتعمق علاقته مع صديق طفولته، وابن قريته الذي أصبح شاعراً من بعد محمد علي إسماعيل، وراويته مؤيد العبد الواحد الشاعر الوجداني، ويتعرف على أصدقاء، سيصبحون من بعد شعراء وأدباء أمثال محمد محمود. . سعدي يوسف..عبد الستار عبد الرزاق الجمعة..خليل إسماعيل ...عبد اللطيف الدليسي ..عبد الباقي لفته..، مصطفى كامل الياسين وصديقه الحميم خالد الشواف الذي انتقل إلى بغداد في سنته النهائية من المرحلة الثانوية، وغيرهم. ومن الجدير ذكره في هذه المرحلة، تخضع العائلة لظروف اقتصادية صعبة، إذ تبدأ ببيع أملاكها بأبخس الأثمان، تحت وطأة المرابين، وجشع كبار الملاكين، وقسوة الوسطاء النفعيين، فبدأ التصادم يدب في مدارك عقله بين الرومانسية المثالية التي يتطلع إليها، والواقع الاستغلالي المقيت الذي يرضخ تحته .

يبدأ شاعرنا في السنة الخامسة عشرة من عمره سنة 1941 بنظم أول قصيدة رومانسية تحت عنوان (على الشاطىء)، ومن هنا تبدأ المرحلة الرومانسية الاولى في شعره، وفيما اظن، انه وضع قصيدة ميمية من بحر الهزج (كل شطر ...مفاعيلن مفاعيلن أو جوازاتها)، وهي الطريقة الأسهل في نظم الشعرلكل مبتدىء، لا ريب أنها تعتبر طفرة شعرية في مثل سنه:

على الشاطىء أحلامي ****وفي حلكة أيامي

غذا نجم الهوى يخبو *** عزاء قلبي الدامي

وفي خمرة أوهامي ***وفي يقظة الآمي

ثم عدد القافية من البحر نفسه- متأثراً بجيل علي محمود طه المهندس، ومحمود حسن إسماعيل - ونسق بين الأشطر والأعجاز ثم رتب الأبيات، نظم بسيط من بحر سهل بصور أحلاماً وردية لفتى يافع في جو رائع:

وذا الفجر بأنواره **** رمى الليل وأطيافه

شدا الطير بأوكاره *** وهزالــورد أعطافه

ولكن هل آتت هند *** خلا من طيفها النهر

فأين الحب والعهد ** سدى قضيت أعوامي

على شطآن أوهامي ***ولا صفو ولا قرب

فردي بعض أحلامي

ومن بعد وضع المقدمة، ليثبت سبقاً في تجديد الشعر، أو يشير إلينا بأنه فكر في الأمر جلياً، على ما يبدو لي، اقرأ وتأمل:

بين رفات أحلامي التي تكسرت أجنحتها، وأحرقتها نارالخيبة، وبين ضباب من الأوهام من الأوهام يكتنفني ووسط سكون رهيب لا يعكره إلا أنات قلبي الجريح، جلست على الشاطىء أترقب عودتك، ولكن هيهات.

ترى هنا (ولكن هيهات) استدراك ناشز، يريد به أن يقحمك بأبيات الهزج، ويلفت نظرك لآمر لا لزوم له، ارجع إلى (على الشاطىء أحلامي...)، ولك أن تقرأ القصيدة في الديوان، وتتمعن في بدايات السياب الشعرية، ومحاولاته على طريق التجديد.، و الحقيقة أنه جهد نفسه كثيراً في صناعة قصائد البدايات ، ففي مطلع قصيدة (الخريف):

قاد الخريف مواكب الأيام *** فالمدح ناي في يد الأنسام

هنالك تنافر - كما ترى - بين الشطر والعجز من حيث المعنى، صعب عليه، فحاول أن يبدل (الأيام)بـ (الأنغام) عند ألقائها، فدخل في أشكال أعقد، فجعله في المجموعة الشعرية التي لم تطبع (رقص الخريف بفائض الأنغام) وما فائض الأنغام إلا تعبير قلق لمعنى مشوش .

وفي هذه المرحلة حاول أن يرسم صوراً لبعض الظواهر الطبيعية، أو مناظرها، فمثلاً برع في صورة لقوس قزح قائلا:

وكأنما قوس السحاب، وقد بدا ****أأوتار قيثار مضت تتنادم

فتقاربت حتى يعاود عزفها **** مرح الأنامل بالملاحن عالم

وهذه الصورة جذبت أنظار القدماء، وأشبعوها رسماً ووصفاً، يقول دعبل الخزاعي في القوس الباهر الشاطر !!

إذا القوس وترها أيد *** رمى فأصاب الكلى والذرا

وأحيا ببلدته بلدة ***عفت بعد أن عفاها الصرى

 

(وترها أيد) يعني ان الله وتر القوس التي في السحاب فرمى من خلالها بالمطر الذي أنبت الأرض زرعاً، فأسمن كلى الأبل بالشحم .

ومن الجدير ذكره - ونحن نتسلسل مع مسيرة السياب تاريخياً - في أذار سنة 1942 تصدر أحكاما بالإعدام غيابياً على رشيد عالي الكيلاني وكوكبته، واخرى بالسجن، ويعدم بعض من قبض عليهم في إيران، وسلمهم الأنكليز إلى الحكومة العراقية، وجد السياب في هذه الحادثة الوطنية الفاجعة منفذاً لتسجيل موقف، واكتساب سمعة، فنظم قصيدته (شهداء الحرية )، التي لم تكن إلا ليقال إنه قال، منها البيتان:

أراق ربيب الأنكليز دماءهم ** ولكن دون النار من هو طالبه

اراق ربيب الانكليز دماءهم*** ولكنّ في برلين ليثاً يراقبه

رشيد ويا نعم الزعيم لأمة **** يعيث بها عبد الإله وصاحبه

المهم سجل أول موقف ضد الحكومة العراقية حينذاك والأنكليز، وساند الثوار متأملاً من ألمانيا وزعيمها خيراً، لا حباً لها، وتعلقاً بزعيمها، بل كرها للأنكليز، و بغضاً للوصي عبد الإله ورئيس الوزراء نوري السعيد .

نتجه الآن إلى موقف من حياته الاجتماعية، والأيام تسير، فعند نقطة التقاء الشعر وطموحه، والفقر وشبوحه، تنزل الدنيا بنازلتها الأخرى على الفتى بموت جدته الحنونة سنة 1942، فيهتز وجدانه، فيلملم أحزانه، ليصب أشجانه:

جدتي من أبث بعدك شكواي ؟***طواني الأسى، وقلّ معيني

أنت يا من فتحت قلبك بالأمــــس لحبي أوصدت قلبك دوني

فقليل عليّ أن أذرف الدمع **** ويقضي علـيّ طول أنيني

ليتني لم أكن رأيتك من قبل *** ولم ألق منك عطف حنون

آه لو لم تعوديني على العطف ***وآه لو لم أكن أو تكوني

أيها القبر كن عليها رحيماً **** مثلما ربت اليتامى بلين

نعم وجد في جدته ما كان يتمناه من أمه، وتشرب الحب والحنان، فبثهما لزوجه وأولاده من بعد، وللناس أجمعين، وتمنى من الزمان، ما ليس يبلغه من نفسه...، فالزمان متقلب، و الدنيا دول، وحكم المنية في البرية جاري .

وإبان أيام جدته الأخيرة، تعرف الشاعر على الراعية البدوية (هويلة)، ولك أن تكبرها إلى (هالة)، لاسيما هي أكبر منه سناً، والحب أعمى لايعرف حدوداً، كان يلتقي بها خارج قريته بنشوة عارمة خادعة:

لأجلك أطوي الربى شارداً******أردد أنغامي الضائعة

وأسكب في الناي قلبي الكئيب **فتغمره النشوة الخادعة

وكان لحوناً دعتنا الربى ******فقرت بأحلامها الرائعة  

ولكن لماذا النشوة خادعة ؟ !، لأن الحب من جانب واحد، هو العاشق الولهان، وهي التي تجري وراء إرضاء غرور أنوثتها، ألم تره يكرر المعنى مرة ثانية، وبصورة شعرية أخرى ؟! أقرأ وتمعن:

وكنت كذاك الطائر الخادع الذي ****يراه رعاة البهم في المرج هاويا

فيعدون بين العشب والزهر نحوه**** وإن قاربوه طار جذلان شاديا

المرأة الجميلة، تظهر زينتها، وتبدي تمنعها، وإذا حبت بصدق سلمت قلبها .....نبقى مع الحب والهيام، والعشق والغرام، وعلى مسرح تلك الأيام، فبعد (هويلة) راعية الأغنام، يشكل صاحبنا مع ( وفيقة) بنت الجيران، ويتعلق بشباكها الأزرق الذي لا يعلو عن الأرض سوى متر، تعلق الهائم بالسراب، والظمآن بالشراب:،

العالم يفتح شباكه:

من ذاك الشباك الأزرق

يتوحد يجعل أشواكه

أزهار في دعة تعبق

شباك وفيقة في القرية

نشوان يطل على الساحة

كجليل تحلم بالمشية

ويسوع

يحرق ألواحه

هناك المساء أخضرار نحيل

من التوت والظل وألساقية

وفي الباب مد الأمير الجميل

ذراعيه يستقبل الآتية:

أميرتي الغالية

لقد طال منذ الشتاء انتظاري

ففيم التأني وفيم الصدود؟

ألم تر الشعراء في كل وادٍ يهيمون، يطلبون ما لا يستطيعون، يذكرني السياب بأبي نؤاس، وتعلقه بباب حبيبته، ومناجاتها:

أين الجواب ؟وأين رد رسائلي؟ **قالت ستنظر ردها من قابل

فمددت كفي ثم قلت تصدقوا *** قالت نعم بحجارةٍ وجنادل

إن كنت مسكيناً فجاوز بابنا *** وارجع فمالك عندنا من نائل

يا ناهر المسكين عند سؤاله *** الله عاتب في انتهار السائل

لآبي نؤاس بابه، وللسياب شباكه، ولوفيقة اختيارها، تزوجت وفاتت، وبقي السياب ينتظر، ونذكرك أن مقاطع القصائدالتي ثبتناها عن هالة ووفيقة نظمها الشاعر في مراحل متقدمة، تأتي من بعد، وفترات متباينة بينها بعد .

السياب في دار المعلمين العالية ....تسيره السياسية...و الرومانسية تسير معه حتى نهاية 1948..:

باع جده ما تبقى من أملاك العائلة، ودخلت سنة 1943، وهو صفر اليدين إلا ما قدر الله، وما سيقدر، فتخرج من الاعدادية- الفرع العلمي -(الثانوية) من البصرة، وتوجه إلى بغداد لتكملة دراسته العالية في دار المعلمين العالية (كلية التربية)، فرع اللغة العربية - ثم ينتقل إلى فرع اللغة الأنكليزية من بعد، لرغبته وقدرته في هذا المجال الحيوي لمستقبله الشعري الرائد والإنساني - وذلك في بداية تشرين الأول من السنة المذكورة، وعندها ذهبت وفيقة إلى حال سبيلها، وأصبحت هالة بأبعد منزل:

من كنت أحذر ان تحجب طيفها *** عن ناظري نزلت بأبعد منزل

حامت حوله قريته عند غربته، في مكان لم يألفه،، وجو لم يتعوّده، فأضحت الأيام أعواماً، والدقائق أياما، فضاقت عليه المدينة بأنوارها، والمدنية بأسوارها، فأراد الاتساع ليقتحمها بضحكة مصطنعة، ومجاملة مفتعلة، ومصافحة ثقيلة، ولكن عند سكون الليل، وصفاء الذهن، يسكب ما يختلج في نفسه من مشاعر الشوق والحنين لقريته، لرياض النخيل، وهدوء الحقول، والغدير الوسنان، والمروج الحسان، فإلى أبيات من قصيدته (تحية القرية):

هدوء الحقول تلقى لديه الـ***نفس ما ترتجيه من غايات

فهو نور يهدي سفائن أفكاري **إلى ما وراء بحر الحياة

فنرى المبدع المصور فيما **حولها من جنائن موثقات

وإلى مطلع قصيدته العمودية الأخرى التي جاشت نفسه بها في هذه الفترة وهي تحت عنوان (أغنية السلوان) إليك منها، حنين الروح لروحائها، والأزهار لفراشاتها، والعيون لسحائبها:

تباعدنا فلا حزنٌ على ما ضاع من قرب

وليس الحب إلا الرحلة استلت قوى القلب

نفضنا قطرات الوصل بين الورد والعشب

إذا ما اهتزت الزهرة ألقت بالنــدى العذب

وتقضي وحشة الأيام بالتحديق في السحب

استمرار ألحال من المحال، بدأت بغداد تلج عالمه، وشرعت تصب رافدها في مجرى دمه، ففي دارها العلمية، أخذ شعره يجذب أنظار الفتيات، ومن ثم قلوبهن، اثنتان منهما كانتا تعاملانه بود ولطف، والقلوب سواقي، والود يظهر حسنه الود !! فتلك (الإقحوانة)، كما أراد لها السياب، مترجماً اسمها الأنكليزي، كانت تمتاز بالعذوبة والرقة، والعينين الوادعتين، والنغمة الحلوة، والغمازتين اللطيفتين، استعارت (الإقحوانة) الساحرة ديوانه المخطوط، وبقى تتداوله الحلوات فيما بينهن، وينام على أسرتهن، فطار طائره، وذهب به الخيال إلى مضاجعهن، وتصور كل واحدة منهن تناديه:

وإذا رأين الفوح والشكوى ****كل تقول من التي يهوى

وما درى، وربما درى وتناسى أن الذين يعشقون العبقرية، ليس بالضرورة يميلون إلى العبقري ويحبذونه، ولكنه حسد ديوانه على محظياته:

ديوان شعر ملؤه غزلُ *** بين العذارى بات ينتقلُ

أنفاسي الحرى تهيم على ** صفحاته والحب والأملُ

وستلتقي أنفاسهن بها *** وترف في جنباته القبلُ

أما صاحبتها الجميلة الرائعة (لبيبة) - كما يرى - والتي أطلق عليها (ذات المنديل الأحمر) - سبق أن مر ذكرها -، فتكبره بسبع سنوات، وما الضير إذا كانت تمنحه الحنان المفقود:

أراها، فأنفض عنها السنين *** كما تنفض الريح برد الندى

فتغدو وعمري أخو عمرها *** ويستوقف المولد المولدا

ومرة كان شاعرنا يمشي في حرم الدار (الكلية)، وشاهدها تتحدث مع آخر، وعندما لمحته، سترت وجهها بعباءتها، أثار هذا المشهد أحاسيسة، وهيج مشاعره فنظم قصيدته (في الغروب)، وشبهها بشمس الغروب التي تعترضها سحابة قائلاً:

وهبت تحيتها لآخر غيره *** فبكى، وقال لعلها لم تبصرِ

وقد أكتفى لو أنصفته بنظرة ** لكنها حرمته طيب المنظرِ

فتحجبت بسحابة من صحبها *وتسترت فصرخت:لا تتستري

تسترت، وشمس الأصيل ايضا أوشكت على الرحيل في لحظات وداع حاسمة، ومؤلمة، فصب لوعته وأشجانه بأجمل بيتين، تخيل الموفق، كما لو كان معك:

برب الهوى يا شمس لا تتعجلي ***لعلي أراها قبل ساع الترحل

ألا ليت عمر اليوم يزداد ساعة ***ليزداد عمر الوصل نظرة معجل

لم يكن السياب وسيما ً، وهذا قدر الحياة، وموقف لها عليه، و الناس جبلت على حب المظهر، ولا تبالي بالجوهر، في الأمور الجمالية، وتنسى أن الإنسان لا يستر ما فيه إلا هذا الجلد، والنساء يغرهن الجمال لا الثناء ! ووصف هيئته بعض الباحثين للضرورة التاريخية، وللسياب موقف سجله على الحياة بأنه بقى خالدا معها، وهذا أمامكم ديوانه الذي حسده، تستطيعون قراءته في كل المكتبات والمواقع:

يا ليتني أصبحت ديواني *****لأفر من صدر إلى ثان

قد بت من حسد أقول له ****ياليت من تهواك تهواني

ألك الكؤوس ولي ثمالتها ***ولك الخلود، وأنني فاني ؟

كل من عليها فان، ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام، والذكر للإنسان عمر ثانٍ وثانِ !

أخذت بغداد تسمع له، وتحتفي به عند المشاركة في مناسبات اجتماعية، وندوات أدبية كالاحتفال بذكرى الرصافي، ومرورأربعين يوماً على وفاة عبد المسيح وزير، وتهنئة الشاعر خضر الطائي عندما يفوز بجائزة، لفت الأنظار بجديده وإلقائه، إذ يذوب في الكلمة، ويتفاعل معها بحركات غريبة، وإسلوب مؤثر، وراح يرتاد مقاهي بغداد الأدبية كالبرازيلية والزهاوي والبلدية لتوثيق علاقته الاجتماعية، والإحتكاك بالمثقفين ممن غدوا فيما بعد رواد حركة الشعر الحر أمثال بلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي ورشيد ياسين وسليمان العيسى، ولاننسى الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد الذي بقى محافظا على القصيدة العمودية، ومرة ينزوي في مقهى إبراهيم عرب أو مقهى مبارك لينفرد مع كتبه ودواوين شعراء العصر العباسي الكبار، وطوراً يطل على مقهى حسن عجمي لملاقاة الجواهري، والتمتع بالحديث معه إعجابا وتقديراً، وكان السياب على معرفة بالأستاذ المحامي ناجي العبيدي صاحب جريدة (الاتحاد) في الصابونجية، الذي نشر له أول قصيدة عام 1945، ويزعم السياب أن النشر قد تم سنة 1941، ويتزود شاعرنا بالتراث الشعري العباسي، ويبدأ مع مهيار الديلمي والبحتري، ويقرأ (الشعر والشعراء) لابن قتيبة الدنيوري، ثم يواصل مسيرته مع المتنبي وببعض قصائد ابن الرومي، ولكنه يزداد تعلقاً بأبي تمام المجدد والمصور والمبدع، وفي وقت مبكر كبادرة لانفتاحه على الأدب الأوربي، يطالع كتاب أحمد الصاوي محمد عن الشاعر الإنكليزي برسي شللي، ثم يرجع للأصل الإنكليزي لشعر الشاعر حتى يعمق معرفته، ثم يتجه لنهم ترجمات علي محمود طه، وأحمد حسن الزيات لقصيدة (بحيرة)لامارتين، وأشعار الفريد دي موسيه، استعار شاعرنا - وهو في زحمة القراءة والكتابة - مقولة المعري (تراني في الثلاثة من سجوني)، جعلها سجناً واحداً، وأغلالاً متعددة في قصيدته (السجين):

(سجين ٌ)، ولكن ّ سجني الكتاب **** وأغلالي الآسرات الســـــطور

فما بين جنبيه ضاع الشبـــــــــاب *** وفوق الصحائف مات السرور

من الساكورا فالهايكو ..الى الهايكو العراقي (6)

khalidjawad shbaylكانت ترجمة عزرا باوند (1885-1972) ابن الثامنة والعشرين عاماً للهايكو، من اللغة اليابانية إلى اللغة الإنكليزية، ثم ممارسته لهذا اللون الجديد من الشعر؛ قد فتح باباً جديداً في مملكة الشعر الأوربي؛ كان باوند شعلة من نشاط إذ اهتم بآداب الشعوب وجاب الى حيث مكامن الكنوز. فقد ارتوى من الساغا الآيسلندية مثلما ارتوى من الهايكو الياباني... والمهم والجدير بأن يُنَوّهَ به هو أن رائد الحداثة كان يستقي روافد ثقافته من منابعها الأصليه ثم ينفخ بها من روحه ليكسيها رداء الحداثة. وحيث أنه كان محاطاً بهالة من شعراء وكتّاب لامعين من عشير جيمس جويس وتي أس أليوت وأرنست همنغواي.. فقد كان لهم الناصح الأمين في جل أعمالهم؛ ألم يتوسط لأليوت لكي تنشر أرضه اليباب؟! إذن كان باوند سببا في انتشار أو نشر الهايكو ليمارسه أعلام الشعر الأوربي على اختلاف مِلَلِهم..(راجع الحلقة الثانية).

أسوق هذا لأنتقل الى مفارقة هامة أردتها مُدخلاً لحلقة اليوم؛ وهو أن شعراءنا المُبرَّزين لم يمارسوا هذا اللون، فتحاشوْه وربما تجاهلُوه، لماذا؟ لا أملك جواباً جاهزاً ولكنني أعتقد أنهم اكتفوا بما حققوا من حضور، فعلامَ الخوض في حقل قد لا يكون آمنا؟! وقد يكون أيضاً ترفعاً عن لون كبروا عليه فلا بأس من أن يترك للشعراء الصاعدين! أترك لغيري أن يدلوَ بدلوه؛ ونعود الى موضوعنا الرئيس.

***

الشاعر القاص حسن البصام يدحض المأثور العراقي: رمانتين بفرد ايد ما تنلزم!، هو أمسك بكف واحدة رمانتي الشعر والقصة بجدارة معاً، فلا بدّ من وقفة مع الأستاذ حسن المولود في الناصرية عام 1960، والناصرية هي منافسة البصرة في الشعر والقصة والفن وأحسب أنهما أختان والبصرة ولا شك هي الأخت الكبرى! حسن إذن ابن الجنوب خَبَره، ومن يخبُر الجنوب سيعرف بالضرورة طينته وما أعطت ثمراً جنياً في حكايات المضايف، ومجالس الغناء في الأعراس والأفراح وطقوس الحزن في عاشوراء وأشياء كثيرة تنطبع في ذاكرة أبنائه وتنعكس في شعرهم وقصصهم وغنائهم ورسومهم وفنونهم الشعبية..

والأستاذ حسن البصام حقوقي فهو خرّيج كلية الحقوق، ولا أبالغ إن قلت أنك تلمس شريعة القانون في نتاجه القصصي، المترع والمتغَلغِل في ثنايا المجتمع وما فيه من ظلم وفي أعماق النفس الإنسانية ما فيها من السُّمو والدناءة والنُبل والضِعة.. ولقد قرأت له قصة "حكم شرعي" فأُعجِبت بها، في جُمَله القصيرة المكتنزة ذات الإيماءات الهادفة والتي ينحو فيها منحىً أخلاقياً عالياً فاضحاً النفاق، وممهداً للنهاية الصادمة كأحسن ما يكون التمهيد وحُسن الحركة داخل النص..وليس موضوعنا هذا..

وأنا أقدِّم الأستاذ حسن البصّام الشاعرَ على القاص، ولا تقليل من شأن قصصه قطّ، وإنما أجد أن حسناً بدأ شاعراً وعُرف شاعراً ونُشر شعرُه في الصحف قبل القصص، وأزيدُ فهو طبع مجموعاته الشعرية قبل مجموعاته القصصية وسجّل حضوراً شعرياً مُلفِتاً قبل أن يشرع بالقصص؛ ودونكم المسلسل الزمني لمنجَزه: أساور الذهب ، شعر 2010 دمشق؛ وشم على جبين نخلة، شعر، 2013 دمشق؛ الختم بالثلج الأحمر،دمشق2014؛ فنجان قهوة مع زليخاي،شعر، 2015 ؛ البحث عن اللون، قصص،بيروت 2014.. ومازل له تحت الطبع قصص وشعر.

وشاعرنا كلِف بشعر الحداثة منذ الصغر حين أدار ظهره للعمودي بسبب المناهج التي تجبر على حفظ القصائد دون الاعتبار الى تنمية الذائقة الجمالية وحسن الإلقاء وافهام التلميذ مكامن الجمال المرتبط بالقيم الإنسانية..أحبَّ رواد القصيدة الحديثة وانشدّ على وجه الخصوص الى أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج، ومن يتتبع شعره سيجد آثاراً لقصائد الحداثة البيروتية فيه. لذا سنجد تأثير هؤلاء وخاصة محمد الماغوط حاضراً في شعره:

حين يكتمل نزف الجند/ يظهر الساسة/ ليستثمروا الرحيق.

رأسك يصلح للمقابر/ يأبى الجلوس عليه/ وطني الجريح.

كلما تمخض/ ولد خيبة/ رحم الوطن.

الحس السياسي والإحساس بخيبة كبرى تسود في هذه المقطعيات الثلاث، فكلما جاء سياسي عوّل علية الشعب ولكن دون طائل، والمتاجرة بدماء الجند دائما ما تجيَّر لصالح الساسة وعندما يذبح مئات الجند في سبايكر والحويجة حينئذٍ كلٌّ ينفض يده! هي مفارقة واقعية وليست تأملية!

ولنتوقف مع ما لدى الشاعر من تلميح رومانسي مثالي:

أنكر الفجر مشيبه/ صابغا خصلات نوره/ بسواد عينيك.

يشمُّ خدّي خدّك/ ناكراً أنفه/ عطر باقي النساء.

إعزفي آخر همس/ كي أحلّق فراشةً/ أيتها القيثارة.

إسقي أوتاري الذابلة/ بماء لحنك/ أيتها الابتسامة.

تساقطي على فمي قُبلةً قبلةً/ كلما مدّت الريحُ يدها الى خصرك/ أيتها النخلة البرحيّة.

أود أن اشير أولا أن هذه المجموعة الهايكوية كانت تحت عنوان " دهشة الهايكو خارج حضن الطبيعة" وإنصافاً للحقيقة أجد أن الشاعر البصام قد بصم بصمات لمعطيات الطبيعة وبشكل هارموني مع الغزل ما أكسب هذا النضد سحراً في الوصف والمعنى، ففي الأول تجد الإيقاع الشعري حاضراً وخدم الصورة، وفي الثاني جسّد معاني الوفاء للجمال، ورغم أن الثالث نأى قليلاً عن الهايكو إلا أن شافعه حسن التصوير، فكثيرا ما يَطرب السامعُ ويحلّق مع الهمس الجميل أياً كان مصدره همس حبيبة أو غناء بلبل أو شدو مطرب أو قيثارة كتلك التي حلّق معها الشاعر، ونصل الى الأخير وهو الكلايمكس فهو أكثر من رائع ولكنني فضلت لو حذفت عمتنا النخلة والاكتفاء بالبرحي وفق القاعدة البلاغية: الجزء يشير الى الكل؛ ليكون التلميح والأختصار من صلب الهايكو.

حيرتُك في توالد الأرقام/ دونتك في قائمة الفقراء/ أيها الغني.

أريد أن أتوقف مع هذا التجسيد الذي سبقه فيه أبو الطيب المتنبي:

ومن يُنفقُ الساعاتِ في عدِّ ماله – مَخافةَ فَقرٍ فالذي فعلَ الفقرُ

نعم كم من فقير تحسبه غنياً من التّعفف، أما الذي يجع المال ليعدّ ماله مزهواً به من دون أن يُنفقه فهو فقير حتى ولو ملك ألوفاً مؤلفة.

وللأستاذ البصام زهدياته التي تسم قصصه كما شعره بالدعوة للأخلاق، ولاننسى أن تولستوي وحتى تشيخوف من كبار الأخلاقيين في الأدب العالمي فلنقرأ:

ملابسك ناصعة البياض/ لن تمد يديك الى جيوبك/ خشية أن تتسخ

وله بالمعنى نفسه:

أيها البياض تجنب السواد/ إن لامسته أو لامسك/ اتسخت.

وهذه أخلاق علي بن ابي طالب إمام المتقين وأبي الفقراء الذي طالما وصف المال بأنه وسَخ الدنيا، ويبقى البياض ناصعاً رمزاً للنقاء والصفاء. هناك مقطعيات لا أجدها تمت للهايكو بصلة، أذكرها فقط للإفادة من مثل:

أكثر ما يحتاجه الغنيُّ/ ذُلَّك/ أيها الفقير.

كن حذِراً/ فإن عدوَّك/ قد جنّد نفسك.

رقيقة مثلك/ وكبيرة مثلُ الحلُم/ أيتها الورود.

أختم جولتي مع الأستاذ الشاعر البصام بآخر ما جاد به خاطره الشعري، بمتتاليات تعبر تعبيراً صادقاً عن عالمه الداخلي حيث تلمس اللوعة والعاطفة الجامحة وتكثيف الصورة بأقل الكلمات المعبرة والمكتنزة بالمعنى حيث لا تجد فيها حرفاً زائدأ:

يسيح على مسامات اللذة/ حين تسخنه/ صولات أحصنة الرغبة.

ترتق عطشي وتفك أزرار ليلي/ تغسل وحشة آخر الرحلة/ غيمتك النزقة.

سأخلع سقفاً يحميني منك/ لتلبس خصلات القلب جوعاً/ واشتعل الجذر ضياء.

أفارق الاستاذ المبدع الشاعر القاص حسن البصام، وقد أمتعنا بما جادت به قريحته الشعرية آملا أن ألتقيه بوقفة متأنية مع قصصه.

***

 

نحن أمام كفّ كبيرة سِعتها رمانتان وزيدَ عليهما بتفاحة وحبّات عنب! الفنان القاص الشاعر سالم الياس مَدالو، وقد ولد في القوش، التابعة للموصل والمبتعدة عنها بأربعين كيلومتراً وإنني لراغب في أن أقول شيئاً في هذه القصبة الغافية على هضبة تحت أقدام جبل يطوقها بساط سندسي من مزارع القمح والكروم؛ ولو قُدِّرأن يكون لمددننا كما في الغرب شعاراتٌ لكان لألقوش سنبلة قمح وعُنقودُ عنب متعانقان! هي حافظة التراث المسيحي الآرامي، ولكن مهلاً! فلأهلها نصيب وافر من الثقافة العربية والإسلامية، فلا غرابة أن تجود المدينة بفيض من المثقفين شعراء وفنانين وسياسيين، والمدينة ذات صبغة يسارية ولأجل هذه الصبغة الحمراء عانت المدينة من جور الحُكّام الطغاة المتعاقبين على الحكم فكان لها كوكبة من شهداء الفكر..وإن كان لي أن أذكر مثقفيها والأمر صعب فسأنوّه بالمفكر المناضل نجيب سطيفانا وسفره الكبير " صراعات الكنيسة وسقوط القسطنطينة" عن دار التكوين 2011 دمشق.

وعودة إلى سالم مدالو المولود في 1945، هو خرّيج علوم بغداد قسم الكيمياء عام 1970، من أسرة ثقافية، اهتم بالرسم منذ الصغر وأحب المسرح وجرّب كتابة المسرحيات، وكتب القصة والقصة القصرة والشعر.

ولي رغبة في الوقوف مع لوحاته، حيث تمعنت بإحدى عشر منها؛ تشكل له أسلوبا يعتمد على تقنية حركة الألوان ودرجة حرارتها بهارمونية عالية ويتحاشى الكونتراست المباشر، تنساب الألوان مع بعضها؛ هادئة خالية من الخطوط بل تتشكل "خطوطها" من تماس الألوان بتقنية ليست سهله مكونة تشكيلات موحية، يكتشفها الرائي بعد طول أنات ثم يمارس ضربات وإن شئت لمسات فنية غير اعتباطية تزيد اللوحة مخملية وخاصة في اللمسات الخاتِمة للوحات، قد تبدو ضربات الفرشاة اعتباطية لأول وهلة ولكنها مدروسة تومىء ولا تفصح والعنوانات التي اختارها للوحاته تمنيت لو أخفيت أو ألحقت بدليل منفصل، ليدرك الرائي الفطن تشكيل الحمامة والوردة والإنسان المغترب المتأمل المتكرر الذي يذكرني بحنظلة ناجي العلي!

أحسَبُ أنني استطردت قليلاً وهو أمرٌ لا غضاضة فيه ولا مناص منه، لأننا سنرى هذا الأسلوب حاضر في هايكو الأستاذ مدالو، بل وسأزيد كَمالة في قصصه القصيرة جداً جداً         لتداخلها مع الهايكو: micro-short story

رميت قطعة خبز يابس/ لسنجاب جريح/ هزّ ذيله قبالتي/ أكلها وابتسم.

وفي الحقية من الصعب متابعة الهايكو الذي كتبه شاعرنا الفنان، لأنه بدأ بوابل عميم منذ 29/6-2013 وبشكل يومي تقريباً حتى أصبح سيلاً جارفاً، وأنا لست مع هذه الكثرة في أي لون إبداعي حتى وإن تمكن صاحبه من أداته، ولنا أن نذكر شاعر الحكمة زهير بن أبي سلمى الذي كان يتمهل بعام لكل قصيدة حتى سُميت قصائده بالحوْليات..إن التأني سيسمح بالمراجعة والتركيز والصقل وسيُشوّق المتلقي ويشده لشاعره وسيتيح للشاعر نفسه وللناقد برصد سيرورة التطور الشعري لدى الشاعر ولا أريد أن أذكر ذلك التعبير الذي يستخدمه البعض والمسمى ب " الإسهال الأدبي"..أول ما كتب شاعرنا ثلاث قصائد هايكو:

يمامة/ يمامة حطّت/ على برج قلبي/ ونارٌ أضرمت.

شقيقة نعمان ابتسمت/ قرب نبع قلبي/ وريح هبّت.

غيمة/ غيمة معطاء ركضت في/ قبة السماء/ ونوارس فرّت.

ونرى وضوح المعنى وحسن المفاجأة والنزوع الرومانسي الذي يجعل الشخص يسترجع بعض الوجوه في حياته، ابتسامات وكلمات رقيقة من مخلوق رقيق! فاليمامة الكائن الوديع الاليف رمز السلام التي لاتملك وسيلة للذود عن نفسها سوى الجّناحين قادرة أن تضرم النار! ولا يختلف المشهد كثيراً عن شقيقة النعمان التي لامست قلبه ريحٌ هبّت رخاءً، ولا يختلف الأمر كثيراً مع الغيمة وفرار النوارس!

المطر/..../ الحمامات/ والكراكي/ في الربيع ستشي بالريح/ وبمياه المطر.

في هذا الهايكو يستحضر الشاعر أجواء ألقوش وخاصة إذا عرفنا أن طيور الكراكي هي طيور جبلية، هذه المقطعيّة وصفية جميلة، وسنلاحظ أن للطبيعة حضور قوي زاخر بطيورها وحيوانها وسمائها، وزهورها... ويعمد الشاعر الفنان الى رسم صور بالكلمات:

أزهارٌ أشجارٌ وسنابل/ لهيب نار/ أيتها الساقية.

نجمٌ حزين/ يعانق/ قمراً فقد هالته.

قرص الشمس الذهبي/ يعانق هالة القمر الفضية/ فوق سجادة من عقيق.

هنا يعمد الشاعر ومن خبرته كرسّام الى تشكيل لونيّ آسر يبعث على تأمل الصورة والمعنى، ففي الأول احتاج الشاعر الى ساقية بلون بارد ليخفف من حرارة الألوان، في الثاني رسم لوحة حزينة وجانس بين حزن النجم وفقدان القمر هالته، ويصل في الثالث الى غاية الجمال وهو يشكّل لحظات الغروب الذهبية وطلوع القمر بهالته الفضية فوق سماء أديمها أحمر كأنه الياقوت!

وللشاعر تقارب في الصور:

حديقة مفتوحة/ غزالة نائمة/ ذئب خلف التل يعوي.

صحراء قاحلة/ غزالة نائمة/ وذئب.

وأود أن أختار أكثر من هذا العالم الذي يسحرنا به الأستاذ مدالو والذي تنثال فيه الصور انثيالا، ولا غرابة فهو فنان يزواج بين الكلمات وصورها:

طلقات طلقات/ وسماءٌ مضطربة / وأقمار قتيلة.

يهتفون/ الثلج الثلج/ الثلج يذيب أحزاننا.

العندليب يغرّد/ فوق التلال/ والتل ظلٌ لقبعات النهار

عتبة قصاب/ قطة/ وعينا كلب بلون الدم.

قلوب وقباب ساطعة/ قمرٌ زاهٍ في قبة السماء/ رائحة الأبنوس.

في صغري أحرقت/ عش الدبابير/ وركضت صائحاً/ النجدة

في هذا النضد استخدم شاعرنا التكرار البلاغي الذي يهدف منه إلى تأكيد الصورة والاستفادة من جرس المفردة، وليس محقاً من أخذ عليه ذالك فالروّاد اليابانيون استخدموه بكثرة. وفي البقية نجد الوضوح والمفارقة في المعنى، وانفرد في الرابع بالاستفادة من وقع القافات وهي من الحروف المقلقلة، وقد خفف من وهج الصورة باللون المعتم للأبنوس، وأما الأخير فكان عاديّاً على خلاف الإبداع في سابقيه.

وأريد أن أنهيَ وقفتي مع الأستاذ المبدع سالم الياس مدالو في هذا النضد الذي حاول فيه أن يؤسس لهايكو عراقي، ولكنني أجده اعتمد السرد الحكائي الذي لا ينسجم مع الهايكو الذي يعتمد على الاختصار الى الحد الاقصى فلنرَ:

قباب ومرايا/ مهمشة وبواشق/ وبومات/ مبتسمات...وحقول ومروج/ عارية إلا/ من أشواكها/ وطيورها/ تبكي ذبول ازهار...وينابيع وانهار/ وسواقي حزينة/ تمنح صخب/ أمواجها/ لأزاهير/ أحلامها وطيورها.

أشكر الشاعرالأستاذ سالم الياس مدالو، فقد أتاح لي متعة وفائدة.

 

السردية التعبيرية

anwar ghaniالسرد لا بقصد السرد، السرد الممانع للسرد، السرد لا بقصد الحكاية والقصّ، السرد بقصد الايحاء والرمز ونقل الاحساس والعاطفة، هذه هي (السردية التعبيرية) .

لقد صار واضحا انّ السردية التعبيرية مقوم أساسي لقصيدة النثر المعاصرة ذات الكتلة النثرية الواحدة (One block)، حيث ينبثق الشعر من رحم النثر ويحصل الشيء العجيب، بسرد واضح قريب مليء بالايحاءات والرموز والاحساس، كتلة نثرية ما إن تصل القارئ حتى تتحول الى كم هائل من الايحاءات والدلالات والرموز والعواطف والاحساسي، مخترقة موطن الشعور والاحساس بالجمال.

 

الشعر التصويري والشعر السردي

مما لا شك فيه ان الشعر والى فترة قريبة كان معتمدا في قوامه على عنصرين مهمين هما المجاز والصورة الشعرية،فبعد تخلي الشعر عن الموسيقى الشكلية والاوزان برزت الصورة الشعرية والمجاز كمميز ومعرف للشعر .

ببروز الشكل المميّز لقصيدة نثر ما بعد الحداثة بالكتلة النثرية الواحدة وخصوصا في القصيدة الامريكية المعتمدة على السرد،اصبحت وظيفة المجاز كمحور ضعيفة، وصارت الصورة الشعرية كمقوم للشعر في وضع اهتزاز وحرج، بل ان مظاهر تخلي الشعر عن الصورة الشعرية صار واضحا.

اذن بالسردية التعبيرية يدخل الشعر مرحلة جديدة وتجديدية حقيقية وذلك بالتخلي عن الصورة الشعرية والتقليل من مركزية المجاز فيه، وبروز السرد التعبيري كمظهر وعنصر ومعرف شعري .

من المهم التأكيد اننا هنا لا نتحدث عن الجمالية التي هي شيء اخر عن الفنية بل نحن نتحدث عن الفنية وعن الشرط الذي يجعل الكلام المعين شعرا . ببروز السرد التعبيري لم تعد الصورة الشعرية هي الشرط في تعريف الشعر، ودخل مقوم اخر ومعرّف اخر هو السرد التعبيري . ومن هنا فبدل التمييز القديم بين الشعر الموزون وشعر النثر، صار الان تمييز اخر هو الشعر التصويري والشعر السردي، يعتمد الشعر التصويري على الصورة الشعرية بينما يعتمد الشعر السردي على السردية التعبيرية .

 

قصيدة النثر بالكتلة الواحدة وقصيدة النثر الحرة

بالسردية التعبيرية، صار وجه القصيدة اكثر نثرية، وصارت الرغبة ملحة بالكتابة بلغة واضحة سهلة بلغة يومية، وبالنثر اليومي، الا ان وسط هذه السهولة والقرب والنثرية والسردية، وبفقرة واحدة متصلة من دون تشطير، تحدث الشعرية ويتحقق الامر العجيب، فما ان ينفتح الصندوق الخشبي الا ورأيت الجواهر فيه، انه الشعر في قلب النثر انه الشعر في داخل النثر، هذا الشكل المتميزة بمقطوعة نثرية واحدة من دون تشطير ولا ابراز للنَفَس والسكونات اللفظية . وبهذا تختلف عن القصيدة الحرة التي تعتمد على التشطير والشكل المعهود .

 

السردية التعبيرية والسردية القصصية

ان ما يقابل الشعر هو النثر وليس السرد كما يعتقد البعض،السرد يقابله التصوير، والشعر حينما يكتب بشكل نثر فانه بالنهاية سيكون شعرا، والمميز بين النثر والشعر ليس الوزن كما هو معلوم، ولا الصورة الشعرية والمجاز العالي كما اثبتته قصيدة النثر السردية بالكتلة النثرية الواحدة، انما المميز بينهما ان الشعر يشتمل على السردية التعبيرية ولا يقصد الحكاية او التوصيل، بينما النثر اما قصصي حكائي يقصد الحكاية او توصيلي بشكل خطاب ورسالة. بمعنى اخر ان الفرق بين الشعر والقص واللذين يشتملان على السرد، ان السرد في القصة حكائي قصصي يقصد الحكاية والوصف ولو خيالا،بينما السرد في الشعر تعبيري هو سرد لا بقصد السرد هو السرد الذي يمانع ويقاوم السرد،انه السرد بقصد الايحاء والرمز ونقل العاطفة والاحساس لا الحكاية والوصف.

 

السرد الشعري والسرد التعبيري

قصيدة القصة قديمة وتمثلها الملاحم وقد توصف ايضا بمصطلح حديث بالقصيدة السردية، وهي من مظاهر الشعر السردي ومثله النظم الذي يحكي قصة، اما السرد الشعري فغالبية هذا الوصف هو للنثر الذي يطعم بتقنيات سعرية من مجاز ونحوه للعذوبة وهو نثر في النهاية وقصة،و استعمل مصطلح السرد الشعري للتعبير عن سردية القصيدة المعاصر، الا ان هذا الاستعمال غير جيد مع النظر لاستعمالها الاول في السرد الحكائي المنظوم، بل السردية في قصيدة النثر هي السردية التعبيرية بقصد الايحاء لا الحكاية .

 

قصيدة نثر الحداثة وقصيدة نثر ما بعد الحداثة

يينما لازمت قصيدة نثر الحداثة العطاء والريادة الفرنسية وخصوصا برتران وبودلير وتأثير الرمزية والتصويرية بقصيدة نثر حرة، فان قصيدة نثر ما بعد الحداثة تجتلت بالابداع الامريكي وخصوصا رسل ادسن وسيميك، بالسرد التعبيري الواضح والقريب بكتلة نثرية واحدة.

 

 

د أنور غني الموسوي

 

أقصوصة المتنبي وكتاب وشويعر بين تشخيص الظاهرة وجماليات السرد

ahmad alshekhawiالإبداع في أبسط تجلياته أرقى من أن نتوجه ــ من خلاله ــ بأصابع الإتهام أو الدونية أو التجريح إلى جهة معينة أو حالة إنسانية بحد ذاتها.كونه يتنفس شرعيته من مسامات الآراء والمواقف المضادة ويتعايش مع الإختلاف ويتساكن ويتهادن معه قدر الإمكان .

ولا يعترف بإملاءات الأنانية المريضة المروجة لإثنية الأكاديمية والعصامية، والرامية إلى احتكار رخيص ونظرة دوغمائية لمن وما خارج حدود الذات، أول ما يتضرر بها المشهد الحداثي والممارسة الإبداعية في محاولات تمردها على القيود والقوالب القشيبة.

لعل هذه واحدة من أبرز الرسائل الأعمق إنسانية ونبلا، والتي ارتأى الأديب والناقد والشاعر المتمرس الدكتور سعدي عبد الكريم، تمريرها عبر أقصوصة خاطفة خفيفة الظل و أعذب في نفسية المتلقي من شربة ماء باردة على عطش طويل، تناغي الذائقة وترضي الفضول المعرفي ولا تزول نكهتها.

وإذن.. نحن إزاء نص ومضي متشح بشتى مواصفات القصّ الحداثي المغري، ومن الصعب جدا الأحاطة بمدلولاته كليا، لذا سنكتفي بإضاءة بعض جوانبه و استكناهها من زاوية قابلية إسقاطاته، أي النص، على راهننا الموبوء وقد اغتدى أشبه بمسرح للغرائب والعجائب والظواهر، كبيئة خصبة وحاضنة للخطاب السوداوي الساخر و المتشبع بهواجس القفز فوق مرحلة التشخيص و استعجال الحلول.

الأقصوصة الموسومة بوحدة زمكانية، فضلا عن الشخصية الواحدة أيضا، تزيغ عن هذا الطرح، وتتسامى على ما سوى احتواء مستويات الخصوصية والجدّة والتّميز، و الإشتغال على طقوس تأسر المتلقي وتزلزل نفسيته بأسئلة اجتماعية وثقافية ووجودية، تتكئ على استدعاء الموروث وتوظيف الرموز الإنسانية/المتنبي.

فشخصية هذا النص القصصي الومضي المنافقة والمرائية نسبة إلى الرياء والتي تدعي التثقف وحسن الصلة بأجناس أدبية كالشعر والنقد، ما هي إلا حالة إنسانية تتناسل على نحو جرثومي، في زمن استحمار العقول وتمييع الذائقة.

هكذا على الأقل يمكن تأويل الأقصوصة، أو كما تشي لنا به مقاربة تؤمن بحرية التعبير وتأخذ بعين الإعتبار تشابك هذه الظاهرة مع العديد من المعضلات الكارثية التي تتأبط "أمة إقرا"، مثالب جمة كارتفاع منسوب الأمية والجهل والقطيعة مع الكتاب وهلم جرا، إلى الأسوء.

وختاما، نجد القاص وقد برع إلى حد كبير في المزج بين تشخيص ظاهرة بات من الضروري إماطة قناع الطابوهات عنها، وصياغة سردية تحترم الذائقة وترتقي بها.

وكأنه يود لفت انتباهنا إلى هيمنة الثقافة الأستهلاكية، فما كتب الطبخ السريع المحبوبة حد الهذيان، و التي تحضى بشعبية كبيرة متنامية يوما عن يوم، إلا أسطع دليل على العقليات الهامدة والراكدة، المولدة للتطفل على عوالم الكتابة والإبداع برعاية إعلام رسمي زائف مخدر وأبواق سطحية تنفخ في الدجالين.

 

أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي/04/07/2015

شعرية الإغتراب في تجربة منى العاصي .. نص قلب هذه الأرملة أنموذجا

ahmad alshekhawiعبر تناثر ومضي يؤثث جسد قصيدة مطولة، تأبى شاعرة تتسم بموسوعية الرؤى وتجذرها، شاعرة بحجم الفلسطينية منى العاصى إلا أن تتحف الذائقة ببوح متوهج دافق بأطياف الحياة المعاصرة بشتى تناقضاتها وتقلباتها ومفارقاتها.

تلون شعريتها هذه المرة بتفاصيل تجربة الترمّل، وفق ما يتيح تناسلات دلالية وجمالية جريئة تضيء دهاليز الإغتراب وتفتح جوارح المتلقي على ظاهرة وجع المكان الخالي من معية الحبيب.

ضمنيا، تحيل عنونة النص على نسبية القوى والطاقات البشرية الممكن حيازتها في أقصى وأبعد الحدود، على نحو أخص في حالات الفقدان.

ففي الأوقات الصعبة وإبان تكالب المحن واختمار المعاناة، تأخذ في التصاعد والتسارع وثيرة الحاجة إلى شريك وعضد وطرف آخر، معه يتم اقتسام مجابهة هكذا تحديات وإكراهات تصطبغ بصولة استثنائية إزاء أحاسيس العجز والخور والهوان.

لكن... في غوصنا وأسفارنا التأويلية لهذه المادة الدسمة بأسرارها، الأمر يختلف تماما، ليأسرنا بما يشبه سردية تراوح بين التشظي والإلتزام بأدبيات النسق في آن، تعكس روح نضال حياتي يغذيه استشعار للمسؤولية وثقل الأمانة ممزوجا بإرادة فولاذية جامحة محرضة على المواجهة فالتحدي فالتجاوز.

هكذا وخضوعا لسلطة مرايا الروح المكتوية بغياب البعل، تغدو اختيارا أرشفة طقوس تجريبية الواحدية مقابل الكل تأمّما لبلوغ أسباب التصالح مع الذات والعالم الجاني انتهاء.

السمك وفير

يا حبيبي

فلا تربّ شهقة الصيد

ليظل الغرق

رهين اسمك

جمالية هذه الوحدة الفنية التصويرية، تكمن في زرع انطباعات وليدة اللاوعي، كون المانوية من اختصاصات البعل/الحبيب وقد غيبه ما يشبه الموت، لكن حضور اسمه مهيمن وطاغ حد التلبّس وتملكه غواية وجاذبية اقتراح القبول بالتوحد معه رمزيا.

يلغي هذا كل احتمالات تكرار ومعاودة تجارب جسدية وعاطفية أخرى، ففراش الحبيب الغائب، أقدس وأطهر من أن يتلطخ باسم جديد.

أنثر المسافات

لعصافير غيابك

وأبحث عن حقولي

فلا ألمح سوى

قميصك

إشتغال على البياض ينم عن نبوغ ودربة رامية إلى تجديد المعجم وتوسيع المفاهيم.

شبه العري، ذروة المشاهد الجميلة المنطوية على عذرية وعفاف احتواء الآخر، النوع الذكوري هنا .

تراكم الألم حدّ فقدان التلذذ بمباهج العناصر الطبيعية/الحقول، والقفز إلى فضاءات مزدانة ببصمات الغياب.

فمنحة التحكم بمفاتيح المكان، ولو على سبيل التمرد على منغصات من قبيل الشعور بالغربة في المهجر. هذه المنحة لا تفوت على الذات الشاعرة فانطازيا الإحتفاء بالغائب ومناجاة أطيافه، في أدق التفاصيل، مثلا، القميص كدال على صورة رمزية تحتل منطقة بين العري والتقنع.

ومع أن غيابك جلي

فلماذا يراك حزني

في كل حي؟

إن ملامسة ما وراء ألوان هذه الوحدة التعبيرية، توحي بنقلة انسيابية من أنسنة الملموس إلى المحسوس، خدمة للغرض الشعري، من خلال استدعاء مفاهيمي بهدف الإفصاح عن ضديده أو نقيضه.

فتراكمية الحزن حدّ حجب الذات، عملية ذهنية مرغبة في الجنوح إلى ممارسة ضرب من التملق والتمويه لجعل الحضور معادلا ضمنيا للغياب.

هل ستنتبه

كم كنت خفيفا

حين أفكر في حجر

فينحت

إزميل غيابك رقصتي

لأعرف

كم كنت كاملة

تستطرد الشاعرة وتتفنن في توجيه خطابات منبثقة من الوعي إلى الغائب، لتقرب أذهاننا من حقيقة ربط الإنتشاء الوجداني بكينونة كمالية برغم زئبقيتها وتفلّتها ممن يطلبها أو ينشدها إلى ما لانهاية، تظل ضرورة إنسانية ملحة لتغطية ما يعتري البعض من مواقفنا تجاه ذواتنا بالخصوص، من مظاهر الضعف البشري .

لأن عري انتظاري

شرف لقبلتنا

أرفع غرقي

لأراك

الرؤية هنا مجازية، تتأتى من خلال الزج بمخيلة المتلقي في عوالم تقتحمها صور لاهثة متداخلة دالة على اتقاد الرغبة في إشباعات عاطفية ومادية، يشكل البوح عدلها وعنصر ترجيحها، حال يبسط الغياب سلطته في ثوب حضور قوي يدغدغ الذاكرة ويحرج الذات.

لا تستل صوتك

من عش يباسه

وتبسطه

لسحابة عابرة،

عتقه

في أنحاء الضلع

كي تمطر عصافير

اقتراح عدم تعريض خريفية الصوت للمائية الخاطفة الزائفة، إنما لما يملي مناخات الغوص في طقس أزلي، يفيد نشأة حواء من ضلع آدم، وفيه من الإشتغال على الموروث العقدي ما يسهم في إضفاء ملمح معرفي قيمي على أجواء القصيدة.

وفيه أيضا ما يحض العلاقة بين النوعين، على تبني الثوابت ويجعلها قائمة على المقدس حماية لها من التلاشي والإنقراض .

أرسم ظلّك على الجدار

وأنتظر

لتدخل من أيّ نافذة.

* * *

كنت وحيدة كضوء بلا نفق

كثقب فصيح

خلّى القلب والتفّ

بنصلك.

* * *

كبذرة غائرة في غيابك

ما حاجتي لكل هذه الأسماء.

* * *

ولا اسم لك

لأنادي عليك

ها أنا ذا أنتحب باسمك العزلة.

* * *

كم قلت إنني لن أرتقه مرةً أخرى

كلما غرزت الإبرة في ندمي

وهي تمرر اسمك ليعبر

ثقب في القلب.

* * *

حين أمر بغيابك

أكسر المنطق وأنام بحضنه

حتى غيابك

لا أريده وحيداً.

* * *

كان عليّ أن أرضى بقبلة واحدة

قبلة واحدة قالت نايا

ليختفي الوجع

كيف أقنعها أن قلبي

ليس في مكانه.

* * *

لا أريد هذا لقلب

عليّ استبداله بجرس

كلما نبض

ذكّرني

بالعشب الذي ينبته غيابك

على طول هذه الروح.

* * *

كل المسافات كانت فارغة

حتى ملأها غيابك.

* * *

بيننا

كل هذه المسافة

المفعمة

باللاطرق

* * *

كحفنة من النقود المعدنية

تسقط في حصّالة الهاتف العمومي

تك

تك

ت

ك

حياتي.

* * *

بحّ قلبي

وهو ينادي عليك

حتى أورق قصباً.

* * *

خبِّئيني أيتها الشرفة

إذا ما انْغَلَقْتْ

كدم ينقر نافذة السَفْكْ

كم أسرفت في هبوبي

يا حقل

حتى بتُّ منفى.

* * *

حين يؤذّن اسمك

حين يغادرني لصلاتك

وحين يعود محملاً أسماءك الحسنى

لا أصدّق سوى دمي.

* * *

يا نصال الفتنة

ينسجن غزلاني الصغيرة أوهاً

يؤرجح أوها

قد غسلت الغابة من حظي

مذ حررتني القبلة من غبار الجسد

واختصمت ضفتاي

حتى ابتدعت شريكاً للجهات

* * *

لكأني

أحرس أنين الماء

بعد ملحك

عييت يا قلب

عييت

سرقني الهبوب

حتى اشتاقت روحي إليّ.

* * *

أحتاج أن أغادر ملامحك

دعني إذاً

أقرأ سورة التيه

أصعد على أصابعي

طيناً للخلاص

فهذا الشتات الممتلئ بي

لا طريق له.

* * *

لا شيء

سوى موعد

يستأنس بلهفة الغبار

قلب هذه

الأرملة.

* * *

اتبع جيوب

قبعاتك أيها الحاوي

ودع الأرانب

تغسل في أمكائها الظنون

واوثق مقتلي أيها المغيب

فكم نجت

من مكائد العشب الحقول.

 

تسترسل شاعرتنا في بلورة خطابها الشعري المترع بلمسات ريشة سحرية تقترح مفاهيم مغايرة للإغتراب وجور المكان الأجنبي.

تباعا تغزو ذائقتنا حد الثمالة، وحدات عضوية متمحورة حول الغياب وحضور اسم الحبيب الغائب بقوة في جل المشاهد الحياتية وصور نضال جبار يستمد متانته ووقوده من تجربة الترمل الرمزي وفق ما يتيح آليات مقارعة تحديات عصر يتطور بشكل خرافي، وإن تلونت وتنوعت مشارب أسلوبية ومعجم تجربة طافحة بوجع المكان، ذلكم الوجع المتجسدة بلسميته في فضح المكنون عبر ممارسة إبداعية رائقة لها خصوصيتها لا تعترف بالخطوط الحمراء ولا تسمح للروح الإنهزامية بالتسلل والهيمنة والإستحواذ .

 

أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي/30/06/2015

من الساكورا فالهايكو الى موجة الهايكو العراقي (5)

khalidjawad shbaylنحن أمام هايكو عراقي بدأت تظهر ملامحه وتنكشف هويته، وإن جاءنا من الغير، فقد أضفت لغتنا وواقعنا المعاش وبيئتنا على هذا النوع الشعري رداءً؛ حتى بدأ يلوح سؤال: ما هو مستقبل الهايكو في العراق وغير العراق من بلاد العرب؟ والجواب يكمن في الهايكو نفسه؛ فهو دفقات على شكل مقطعيات ثلاثية أو رباعية على الأعم أو ثنائية أحيانا تشكل متتاليات حتى وإن كانت مستقلة عن بعضها ما مكًن لها أن تشكل بديلاً للمطولات العصماء وتسمح لممارسها الحركة في المضمون وباساليب شتى تفرضها طبيعة اللغة العربية، من تهكم وتأمل وتأويل وما يجلب من دهشة أو صدمة.. ولا نود الإعادة في خصائص الهايكو، فمن الأجدى أن نواصل ما بدأناه في معاينة الهايكو لدى من مارسه من الشعراء العراقيين.

***

الأستاذ زاحم جهاد مطر حالة تبعث على الدهشة والفرادة من نواحٍ عديدة؛ حين تبحث عنه لا تجد عن شخصه شيئاً يُذكر، فهو لا يبوح عن ذاته رغم عطائه ومنجزه الذي باغتنا كسيل جارف وبمدىً زمنيًّ قصير! فمن هو المقالى "المقاماتي" ثم الشاعر زاحم جهاد مطر وما هو إنعكاس تجربته في ما كتب؟

مولود في عام 1949، وهو بغدادي، كرخيٌ، عسكري حائز على بكالوريوس في العلوم العسكرية..ولا داعي للتعجب فالعسكريون رغم حياتهم المنضبطة الخشنة أحيانا وربما بسبب ذلك أبدع رعيل منهم في الأدب والفن منذ البحار العسكري رمسكي كورساكوف ومحمود سامي البارودي وحافظ إبراهيم وووو والنهر مازال جارياً الى اليوم!

هو خبير في أخطر مجال وهو مجال الألغام وهومؤسس ومدير المنظمة العراقية لإزالة الألغام والمقذوفات غير المفلقة، تاسست في أيلول 2003 وشارك في مؤتمرات بهذا الحقل في عمان وبيروت ونيويورك وواشنطن محاضراً ومشاركاً فعّالاً له مؤلفات هامة مثل "التعبئة العسكرية" في ثلاثة أجزاء. عاش ملاحقاً من قبل النظام السابق، ومهمّشاً من قبل النظام اللاحق! مارس الكتابة منذ عام 2010 حين نشر "كلكامش آخر" حالول أن يُعيد كتابة الأسطورة من خلال "كلكامشيات" و "بكاء الرقيم"؛ لكنه نجح في إحياء المقامة الأدبية وبرع في كتابتها، وطُبع له كتابان " مقامات معاصرة" و "مقامات" .

ثم مارس الهايكو، ولا بد أنه دخله مسلحاً بثقافة وخبرة واسعتين شملت ميادين متفاوتة ومتباعدة، من العلوم العسكرية واطلاع واسع على عالم الأساطير التي تُغني ملكة الخيال وعلى مقامات الهمذاني والحريري حيث اللغة المعجمية وروح الفكاهة وأسلوب الحكاية، والتأثر بالأسلوب القرآني لاسيّما التسجيع، ما أعطى شاعرنا مدداً في المفردات وأساليب التهكم والسخرية من مفارقات الحياة ومفاجآتها ولكنه وظفها لأسلوب مقامي هادف عالج فيه عذاب الإنسان واغترابه، ولن أبالغ إذا ما قلت أنه برع في الحكايات على ألسن الحيوان مستوحياً أسلوب ابن المقفع في "كليلة ودمنة"..

إذن لم يمضِ على الأستاذ مطر وهو يمارس الكتابة الأدبية سوى عشر سنوات وعلى ممارسة فن الهايكو سوى شهر وكان في جميع الأحوال بارزاً موهوباً؛ على أنني أجده أبدع في المقامة التي لا تخلو من شاعرية، ولست باخساً كتاباته الأخرى قطّ..

هكذا مرةً واحدة يطلّ علينا ولأول مرة بنضد من الهايكو اثنتين وخمسين مقطعيّةً. تحت عنوان "كشاكيل الهايكو" فلنأخذ عينات وافية:

طار/ العقال/ قطار الشرق مرً سريعا.

في الهور/ مشحوف/ فوق هلال.

الضيفُ هو صاحب المنزل/ صاحب المنزل هو الضيف/كوخ القصب.

قطعان الجواميس/أرتال النساء/لون واحد.

في المعتقل/ لاوجود للكراسي/ فقط خوازيق.

هذه المقطعيات لصيقة جداً بواقعنا ووسطنا العراقي وسخّرها الشاعر ببراعة لتخدم النص الشعري ودلالته، فالعقال الذي هو رمز الشرف العراقي قد فقد معناه بسرعة مع التغيرات التي عصفت بالعراق، وغدا التكالب على المال والكرسي هو الشغل الشاغل ما أفسد القيم العراقية. في المقطعية الثانية والثالثة والرابعة هي استكناه تشبيهي مستوحى من طبيعة الجنوب العراقي، وقيمه التي مازال ابن الجنوب محافظاً عليها، أما في الأخير فهو سياسي عراقي محض، أعادنا الى قصر النهاية ووسائل التعذيب الوحشية! قد أسيء فهم الرابع بأنه امتهان للمرأة، نعم هو امتهان للمرأة من قبل سطوة التقاليد العشائرية التي أرجعت المرأة الى الوراء وما صفقات النساء الفصليات إلا دليل على ذلك!

يدٌ مقطوعة/ ترسم غصن الزيتون/ بلون أحمر.

النائم على الرصيف/ جرفته/ مجارف الزبالين.

الرؤس/ التي تراها/ ذيول.

الشيطان علّمه السرقة/ نسي وكتب/ هذا من فضل ربي.

حفيد/ يأكل الحلوى/ جَدٌ يتحسر.

ما زلنا في العراق والشاعر زاحم مجاهد مطر ينقلنا نقلات ذكية الى أجواء الحرب التي مازالت شاخصة، فضحية الحرب مقطوع اليد ينشد السلام للجميع وينسى نفسه! والمشرد لاقيمة له، قيمته والأزبال سواء، والرؤوس الفارغة التي أتت بها المقادير الضالّة هي ذيول لمن أكبر منها، والسارقون يتجارون بالدين ويبررون السرقة وينفقون منها على الطقوس الدينية.. والحفيد الذي يأكل الحلوى ويثير شهية جده الذي لا يأكلها لأنه يؤثر بها الحفيد أو لأنها تضر بصحته؛ وهذا على الضدِّ من ذلك القول المأثور: الآباء يأكلون العنب والأبناء يضرسون!!

فلئن كانت هذه المنوعات الكشكولية عراقية تؤسس لهايكو عراقي، فعلينا الانتقال إلى آخر ما كتبه الشاعر، وهو " من وحي ملكة الليل"؛ وقد صوّر أحاسيسَ شاعرية وتداعيات تأملية لا تخلو من لغة رومانسية شفيفة تحكي قصة تلك النبتة المزهرة بزهور تعددت أسماؤها "ساهرة الليل" الشبوي" "ملكة الليل"... والدلالات واضحة واللغة منسابة سأختار عيّنات منها:

مساءٌ معطرٌ ونجوم فضييّةٌ/ يالهفي/ صوت انفجار.

هذه اللية لا عطر يضاهيكِ/ إلا/ عطر سيدتي.

قالت: إذا أردت عدم نسياني/ ازرعني/ قلت: في قلبي.

لاتسأل أحداً / فقط تلمس ناحية العطر/اتجاه منزلي

اللغة هامسة الموحيات حاضرة الصور الحسية تنثال ، وهذه المتتاليات تتميز بوحدة موضوع محورية واحدة على خلاف الكشاكيل، لكن في كلتا الحالتين لا نجد صدمة قوية بل مترفقة بلغة غنية ومنسابة انسيابا يشدُّ القارىء.. لا حظت تكراراً للصور في أكثر من موضع وهو أمر لا شائبة فيه سببه التدفق وكثرته ففي حدود شهر واحد كان غيثا عميما من الهايكو حوالي مائة وثلاثين، إنها طاقة وموهبة كبيرة. دونكم بعض المتشابهات الجميلة:

تعطرين الليل/ وتفرشين الصباح/ سجادة بيضاء.

الليل سعيد بعطرك/ والنهار حزين / لسقوط أنجمك.

وكذلك هذه المقطعيتين المعبرتين عن رغبة داخلية جامحة!:

عطرك/ يجعلني/ أحلُم برغبة لا حدود لها.

عندما تتعطر بعطرك/ تحفزني/ بالارتماء في حضنها.

أفارق الأستاذ زاحم مجاهد مطر متمنيا أن تتاح لي الفرصة في الوقوف معه في ما نَثَر..

***

الأستاذ لطفي شفيق سعيد – وما أجمل الأسم !- هو الآخر ضابط بل هو من الضباط الأحرار وهو مناضل يساري عتيد وصلب حُكم بعد الانقلاب الدموي في 8 شباط عام 1963 حيث عكس تجربته في نقرة السلمان تحت عنوان "1000 يوم في سجن نقرة السلمان"، وهي من أهم الكتابات التي كتبت في أدب السجون في العراق، حيث صوّر حياة السجناء اليومية بدقة بالغة وكذلك رسم أهم الشخصيات التي عايشها ونسي نفسه بتفان ونكران ذات، كما صور الحياة الثقافية في داخل السجن وروح التعاون الجماعي بين السجناء..كل هذا بإسلوب شيق وجميل.

وكتب الاستاذ لطفي ذكرياته عن بغداد وعن حياته في الكلية العسكرية وكان وصفه لفيضان بغداد في الخمسينات وكفاح طلاب الكلية العسكرية من أجل إنقاذ المدينة من النهر الثائر تعد من أروع الذكريات، وخاصة خوضه في المياه حتى بعقوبة فهو من مدينة الخالص..والأستاذ أبو نبيل رسّام مُجيد له لوحاته التي صوّر فيها الحياة البغدادية، وجمع بين مختلف الأساليب من الانطباعية والتجريدية الحديثة، ولا غرابة فالأستاذ على صلة قربى بالعائلة الفنية لآل سليم وأعني بهم جواد ونزار ونزيهة.

مارس شاعرنا الفنان قصيدة النثر، وتعرّف قبل عام على قصيدة الهايكو عند قراءته ماكتبته عن الشاعر جمال مصطفى وقد أعجبه هذا الفن فراح يمارسه بلباقة وحماس الشباب، والعم لطفي قد نيّف على الثمانين ولكنه شاب في روحه ونشاطه واهتمامه وثقافته التي تجمع بين القديم والحديث وكلتاهما مشفوعة بخبرة عملية وفنية وثقافة واسعة..كما سنرى من هاي-كو عراقي:

رأسُ سهم ظلُّه/ فوق بحيرة راكدة-/ بطٌّ يهاجر توّاً.

صفوفٌ متراصة/ سعفات ترتجف!!/عمال مسطر.

إنها أجواء الإرهاب التي تعكر صفو الإنسان حتى في عزلته مع الطبيعة حين تمر نفاثة وترسم خيطاً من دخان وتهزم أسراب البط! عمال المسطر الكادحون يعرضون قوة عملهم بانتظار من يشتري، يرتجفون خوفاً من مفخخة طالما استهدفتهم..رائع يا أستاذ لطفي، الكلمات مقتصدة لكنها مشحونة بحسن الإيماء وجمال التصوير.. وفي السياق نفسه يتحول لليومي العادي:

أكثر ما يعجبه فيها!/ صدرها وأفخاذها/ يتناولها بشهية.

أراد المزاوجة بين الدجاجة المشوية والإيماءة الخادعة عن جسد المرأة الذهبي!

أسرار مهمة/ يخفيها صاحبها:/ يستلمها الدّفان.

وهنا أتذكر حكاية علي آل صويّح عندما أوصى أن تُخرج يدُه من التابوت عارية ويمر موكب المشيعين القلائل على الشيخ حمد آل حمود فصاح عندها حمد: حتى وأنت ميّت تنصحني! وكذلك بشخصية الدّفان السكير في هاملت حين يصيح بالأغنياء: أطعموا ديدانكم!!

رفقاً بالحيوان / مطلوب أيضا:/ رفقاً بالإنسان.

المفارقة عادية جداً ولغة تخلو من الشاعرية، ليتك تحذفة يا أبا فراس على خلاف ما سبقه. ومن ناحية أخرى، سنجد كيف انعكست تجربة سجن نقرة السلمان في هذه المقتطعات:

سجين سياسي/غادر السجن/ ليعود مجدداً للحياة.

في غياهب الجبِّ/ 6 أمتار تحت الأرض/ قبو السلمان.

لامكان لشخص آخر/ 180 زفير وشخير/ قاووش 3 السلمان.

القمر منيرٌ/ في الداخل-/ فانوس في القاووش.

في هذا النضد لغة واضحة وتصوير دقيق لحياة السجن، وأعتبرها تجربة فريدة في شعر السجن تقترب من الهايكو..لكنني لست مع الأرقام بل أريدها بلغة مكتوبة بالأحرف حيث الأرقام لغة الإحصاء وليس لغة الشعر. أختار منوعات من الهايكو للأستاذ لطفي:

التي وهبتني قبلة/ أمام زوجها !!/ ابنتي.

بعيد ميلاده17 (السابع عشر-خ)/ يتقن ثلاثة (ثلاث-خ) لغات-/حفيدي.

ولننتقلِ الآن الى هذه المقتطعات الهادفات اللاتي تنم عن ثقافة الأستاذ لطفي شفيق سعيد والتزامه السياسي والإنساني:

عَشاء في الخيام/ رملٌ وهوام!!/ كم هو رخيص.

جسر الأئمة / جسر بزيبز/ جسر التنهدات.

رواية/ لمن تقرع الأجراس/ تقرع اليوم للإرهاب.

مشابهة لآلهة الجمال/ بندقية بيد وراية بيد-/ من أجل الحرية.

يتناول الشاعر محنة المهجرين في الأول والثاني، ويستحصر مشهد جسر الأئمة حيث إزهقت أرواح المئات من زائري الإمام الكاظم بحادثة معروفة ، وتجمع النازحين من الأنبارعند جسر بزيبز إحدى البوابات المؤدية الى بغداد...وبين رواية لمن تقرع الأجراس لأرنست همنغواي التي عكست أجواء المتطوعين الأممين للدفاع عن الجهورية الإسبانية الفتية وخاصة البطل الأمريكي روبرت جوردَن الذي ظلّ مترددا بين تفجير الجسر لمنع قوات فرانكو من الزحف وبين تعلقه بالشابة المقاتلة التي أحب..ثم أدخل الفنان لطفي شفيق سعيد في المقتطعة الأخيرة اللوحة الشهيرة للفنان الفرنسي أوجين دو لاكروا "الحرية تقود الشعب" والتي تتوسط اللوحة الحسناء الفرنسية الثائرة في الثورة الفرنسية الثانية عام 1830 والتي أسقطت عرش شارل العاشر ولتنصّب لوي فيليب الذي سيسقط هو الآخر بعد ثمانية عشر عاماً والأيام دول!!

-للموضع بقية-

 

خالد جواد شبيل


 

حكايات ألف ليله وليله .. الفانتازيا والخيال العلمي

abduljabar noriألف ليله وليله هو كتاب يتضمن مجموعة من الحكايات والقصص التي وردت في غرب وجنوب آسيا، بالأضافة إلى الحكايات الشعبية التي جُمعتْ وتُرجمتْ إلى العربية خلال العصر الذهبي للخلافة العباسية، يعرف الكتاب باللغة الأنكليزية ب(الليالي العربية)، ثُمّ جُمِعَ العمل على مدى قرون من قبل مؤلفين ومترجمين وباحثين من غرب ووسط وجنوب آسيا وشمال أفريقيا، وتعود الحكايات إلى القرون القديمة والوسطى لكلٍ من الحضارات العربية والفارسية والهندية والمصرية وبلاد الرافدين، مُعظم الحكايات كانت في الأساس قصصاً شعبية في عهد الخلافة العباسية وخاصة قصة ألف ليله وليله التي تعتبر {الأطار} لهذه الحكايات الأسطورية والخيالية، فعلى الأرجح تمّ أستخلاصها من العمل البهلوي – الفارسي وتسميتها بالفارسية (هزار أفسان) أي ألف خرافة والتي أعتمدت جزئياًعلى الأدب الهندي، وأصل الكتاب موضوع من قبل أكثر من شخص لذا يصعب علينا تحقيق من هو الباديء منهم وما هي جنسياتهم، وعلى رأي مؤرخينا العرب والأسلاموين كالمسعودي وأبن النديم سميا الكتاب ب (هزار أفسان) .

والقصة الأطارية والمحورية في مثل هذا البحث التأريخي الشائع هي: {عن الملك الحاكم شهريار وزوجتهُ شهرزاد، والتي أُدرجت في جميع الحكايات، فالقصص أساساً تنطلق من هذه القصة " ألف ليله وليله "، ويتضمنها بعض القصص المشهورة مثل علاء الدين والمصباح السحري، وعلي بابا والأربعون لصاً، ورحلات السندباد البحري السبع، وبساط الريح} .

مختصر القصة المحورية لحكاية ألف ليلة وليلة الملك شهريارالمضطرب نفسياً لآصابتهِ بهوس عقدة الكراهية ضد النساء لحكمه عليهنّ بالخيانة لتعرضه شخصياً للخيانة من قبل زوجته، فحكم عليها بالموت، فتزوج بعدها الكثيرات فيقتلهن في الصباح التالي لليلة الزواج قبل أن تحصل على فرصة الخيانة، فلم يجد أمرأة تجازف أنْ تقترن به وتُعدمْ في الصباح ألا شهرزاد وافقت على المجازفة برقبتها، وراهنت على علاج الملك شهر لكونها أمرأة حادة الذكاء والبديهية والشجاعة وكمال العقل والدراية والصبر والتروي، متوجة بمسحة أخاذة ومثيرة من الحسن والجمال وأظهرها كاتب الحكاية بأنها موسوعة في علوم وأخبار الأمم والشعوب، وافقت شهرزاد بالزواج بالملك شهريار، بدأت تروي له كل ليلة قصة ولا تكملها ألا في الليلة التالية، فاصبح الملك يتشوق لمعرفة نهاية الحكاية، ولمدة ألف ليلة وليله شفي الملك من عقدة الخيانة والكراهية للنساء، وأحب شهرزاد .

 

أسلوب السرد في الحكاية

والذي يهمني من الناحية الأدبية أنْ ألقي الضوء على {أسلوب السرد} في هذه الحكايات التي أخذت طابعاً تأريخياً في الخيال العلمي المؤطربأساطير الأولين والأخرين والمستنبطة من تلك الحقبة الزمنية والجغرافية الغير محددة وسط مناخٍ ملبد بغيوم الجهل والأمية والخوف الشديد من فوبيا المجهول من المستقبل المظلم، لذا أنّ المعنيين " الحكواتيين " أحكموا الصلة بين ثورات البيئة الطبيعية كالبراكين والزلازل والفيضانات وطالع المجرات والنجوم وأوجه القمر، التي تعاقب الأنسان بكوارث الجوع والمرض والموت لذا أصبح المتلقي أسير هذه الحكايات، وخاصة بطل حكاية ألف ليلة وليله " شهريار .

1-الفانتازيا والخيال العلمي: تعد الفانتازيا نوعاً أدبياً يعتمد على السحر والأشياء الخرافية للطبيعة كعنصر أساسي في حبكة الرواية والفكرة الرئيسية، وأحياناً تدور الكثير من هذا النوع في فضاءات وهمية أو كواكب ينتشر فيها السحر، وتختلف الفانتازيا عن الخيال العلمي والرعب وخلوها من فكرة الموت كفكرة أساسية و في الفانتازيا يسيطر على طابعها الأدبي مساحة الزمن أي أنها تحمل طابع العصور الوسطى، ومع ذلك أستحسن الكتاب والفنانون والسينمائيون والموسيقيون الكثير من الأساطير والخرافات القديمة وإلى الكثير من الأعمال الحديثة ذات الشعبية الواسعة اليوم وذلك لأنها بالأساس هدفها الأساسي (عنصر جذب وشد المتلقي وترك القرار النهائي لهُ في تحديد هوية الجلاد والضحية بأثارة جو درامي وعاطفي هياج في نصرة الضحية والتصفيق لهُ، وبهذا الأسلوب السردي الأدبي الفنتازي – الخيالي تمكنت شهرزاد من أسر قلب شهريار الذكوري البراوي وتفريغه دراماتيكياً من الحقد والأنتقام إلى مخلوق وديع محب وعاشق ومسالم . فكان أساس البناء الدرامي لحكايات ألف ليلة وليلة هو " الفنتازيا " في السرد وذلك لسماتها المؤثرة في السيطرة على المتلقي بشكلٍ كلي خلال : ** أدراج العناصر الخيالية داخل أطار متماسك ذاتياً . * *وأنّ أحداث القصة من المستحيل أنْ تتحقق، ألا أنّها تتبع " قوانين " السحربأطارٍ منسّق داخلياً . ** لذا أرتبط تأريخ الفانتازيا بتأريخ الأدب وأصبحت جزءاً لا يتجزء من الآخر مثلما نقرأ اليوم في الأدب والتراث الأنساني الحديث بصمات هذا الخيال العلمي في ملحمة كلكامش، والأوديسا، والشعر الملحمي في الكوميديا الألهية، وحتى في حلم ليلة منتصف الصيف لشكسبير كيف أرعبنا بالأرواح الشريرة وتناسخها، وفي جميع هذه البصمات الأدبية في التراث العالمي تجد المغامرات الخيالية التي ترصد شجاعة الأبطال والبطلات والوحوش القاتلة والعوالم السرية المجهولة من هذا المنظور نجد أنّ{ تأريخ كل من الفانتازيا وتأريخ الأدب جزءا لا يتجزء من الآخر، وأزيد على ذلك أنّ شعبية الفانتازيا تزايدت في القرن 21 فقد حققت الكثير من أفلام الخيال المستمدة من كتب الخيال من أهمها (ثلاثية ملك الخواتم) التي أخرجها " بيتر جونسن " وأستلمتها وسائل الأعلام لسوقها الرائج في تلفاز الأطفال .

2-أدب اجريمة / أحتوى كتاب ألف ليلة وليلة في بعض حكاياته وخلال سرده الأدبي على أسلوب الجريمة في الصراع هدفهُ أيقاظ الأثارة لدى المتلقي فركز في سرده بالتوليف بين الحبكة القصصية والأدب البوليسي وهو نفس الأسلوب المتبع اليوم في أفلام الأكشن البوليسية لهتشكوك لكثرة محبيه ومريديه وأزدحامهم على شباك التذاكر .

3- أدب الرعب / أستخدمت القصة الأرواح الشريرة كأداة في العديد من الأعمال الأدبية الخاصة بمسك المؤلف بحواس ومشاعر المتلقي وترويضه، وأيصاله إلى القيمية الأخلاقية في أنصاف المظلوم الضحية والتي هي ترجمة الغايات النبيلة لشهرزاد للدفاع عن المرأة وبالتالي الأنتصار إلى بني جنسها وأختزال أوهام وهلوسة شهريار "بالتعميم "، وليس جميع النساء خائنات، والحقيقة أنّ مسألة الرعب كان لألف ليلة وليلة سبقاً صحفياً قبل غيرها من الحكايات المشاعة في زمن القصة أو في تأريخ ما تبعها ففيها العديد من قصص الجن والعفاريت والموتى الأحياء، وتناسخ الأرواح، والوحوش، والمسوخ، والشياطين

4- أسلوب التكرار والتجسيد الدرامي في ربط عدة حكايات في سياق القصة، وأعتماد النمط الأخلاقي الذي بشرت به الديانات السماوية لاحقاً فيحيّدْ النهايات السعيدة بنهايات مأساوية تراجيدية مؤلمة وكذلك لكسب صوت المتلقي في أدانة الجلاد بشوقٍ متزايد . (ويكي الرحلات)

5- أسلوب النذير والتكهن / وهو أسلوب خاص بجوهر الكتاب عندما يوحي للمتلقي أنّ الحلم يتحقق، مما يجعل القاريء أنْ يتمتع بالقصة بالتنبؤ بنهاية السرد، لأحتواء السرد على تنظيم للوقائع والأفعال والأيماءات التي تعطي شكلاً مشوّقاً وممتعاً للقصة .

6- أتبع الكتاب في أسلوب السرد في وضع المتلقي في زمن قديم بأستخدام صيغة (يحكى) والتي تعقبها (والله أعلم بغيبهِ وأحكم) للتخلص وببراعة أدبية من تبعات نقل النص وسندهِ ومتنهِ، وتبدو القصة وكأنّها نص أدبي " متخيّل ومصنوع " برسمه نهاية مصطنعة للحكاية بملآ ذهن المتلقي بصيغة (يحكى أنّ ---- ) فيجيّر الكاتب جميع الحكاية إلى المجهول وهو الأنسب للحيلولة دون تحمل المسؤولية على المشاركين في أعداد هذا النص وخاصة " الحكواتي"، حتى أنّ شهرزاد تمارس الحذر والعناية الشديدين للمحافظة على رقبتها فتستعمل {بلغني--- أيها الملك السعيد}

7- وكذلك يعتمد السرد على التجسيد أو التصوير الدرامي بوضع الجلاد والضحية، والظالم والمظلوم معاً أمام المتلقي الذي هو شهريار ليحكم بنفسه وذلك للتخفيف من عقدته السوداوية عن النساء .

 

عبد الجبار نوري / ستوكهولم – السويد

......................

هوامش البحث

**كتاب ألف ليلة وليلة / القاهرة – طبعه 1923 ** موقع حكاواتي – بعض حكايات ألف ليلة وليلة ** النسخة العربية / 23 آب 2005 ** ويكيبيديا – ويكي الرحلات ** ديوان ألف ليلة وليلة / عبد الصاحب العقابي ** كتاب التراث الشعبي- ويقع الكتاب في 577 صفحة ----

في 1-7-2015

 

الأوجه المخططة لهيكل النص الروائي .. دراسة ظاهراتية في رواية "نزيف الحجر" لابراهيم الكوني

wejdan alkashabتؤكد النظرية الظاهراتية في الأدب على فكرة أنَّ من يضع عملاً أدبياً موضع الدراسة عليه ألاّ يعنى بالنص الفعلي فحسب، بل عليه أن يعنى أيضاً، وبدرجة متساوية، بالأفعال التي تتضمنها الاستجابة لذلك النص .

على وفق هذا التصور تجمع نظريات الظاهراتية في القراءة بين الفعل والبنية، في اطار فكرة واحدة هي القصدية، وهذه اللفظة ليست مرادفة للرغبة التي يعبَّر عنها المرء، أو لما أراد أن يقوله المؤلف، بل هي فعل الوعي وبنيته على أساس مبدأ القصدية .

وتفترض القصدية أن يكون الوعي وعي شئ ما، وأفضل طريقة نتصور بها الوعي تكمن في أن نُعدّ الفعل الذي يقصد الفاعل أو يُعيّنه أو يتخيله أو يتصوره موضوعاً، فيدخل الموضوع في الحيز المعروف في شكل تصور أو صورة ذهنية . ويعتمد الموضوع المقصود على الفاعل على أنّه شعور أو احساس، فكل حالة من الوعي أو التصور تفترض وجود فاعل وموضوع يؤلف كل منهما الآخر، فيتمظهران في صيغة الفعل والبنية . ومن الطبيعي أن تشمل القصدية جميع أنواع الموضوع: الخيالية والملموسة والمجردة والمثالية والتي لا وجود لها والغائبة أيضاً، وكل واحد منها يحدد فعلاً قصدياً يختلف بعض الشئ عن غيره عند الفاعل صاحب القصد (1) .

إنّ القصدية بوصفها سيرورة وعي تعتمد على الاستجابة التي يقوم الادراك من خلالها بتسلم موجود حقيقي، ومن ثم تحوياه إلى موضوع ترميزي، فعندما أرى جبلاً فإنني أُدركه بوصفه موضوعاً حقيقياً، لكنني إن رأيتُ ذلك الجبل بهيبته وعلّوه المثير، أكون قد حوّلتُه إلى جبل رمزي بعد أن أصبح وظيفة لوعيي الذاتي، وإذا أضفتُ للترميز إطاراً مفهومياً، فإنني سوف أكون قد أوّلتُ تجربتي الادراكية للجبل (2).

وتتحرك الاستجابة الجمالية بالآلية نفسها، حيث يحصل استلام غير تأملي من الذات إلى الموضوع للوهلة الأُولى، ثم يتبع ذلك لحظة ثانية غريبة تتضمن اتخاذ موقف يؤطر وجود الموضوع ويجعله جمالياً، وهكذا فإنّ السلوك الجمالي يتضمن مسافة بين المراقب والموضوع، وهذه المسافة الجمالية ستصبح سلوكاً ابداعياً، حيث أنّ المراقب – في التأمل الجمالي – ينتج موضوعاً تخييلياً (3).

وفي مجال قراءة النصوص الأدبية ترتبط الاستجابة الجمالية بمفهوم الخبرة الأدبية التي تقوم على مجموعة من مواضعات قراءة النصوص الأدبية التي تتولى مهمة التفاعل الدلالي لكل ما يود النص – من حيث كونه استرتيجية – أن يقوله عبر تعاضد القارئ (4) صاحب الخبرة الأدبية، وما يترتب على هذا المنظور من استبعاد التصور القديم للمعنى الذي يدعي وجود معنى صحيح واحد في أي نص، مقابل تبنّي منظور جديد يرى المعنى متعدداً بحسب تعدد القُرّاء، انطلاقاً من فكرة أنّ المعنى يترشح من داخل التجربة الفردية للقارئ، وهذه الفكرة تتضاد تماماً مع الطروحات البنيوية التي ترى أنّ المعنى موجود في بنية النص، وناتج عن علاقاته الشكلية إلى حدّ أنّه يُشكّل الدلالية .

وإذا رأينا أنّ كل قراءة لنصٍ ما هي ذات خصوصية مميزة وغير قابلة للتنبؤ بها فإنّ ذلك يمكن أن يكون الحقيقة التي تتطلب شرحاً . إنّ دراسة عملية القراءة هي طريقة استقصاء عن الكيفية التي يتكوّن بها المعنى في الأعمال الأدبية، وما هي تقاليد القراءة واجراءاتها التي تمكننا من توليد معانٍ معقولة ويمكن الدفاع عنها، وهي مع ذلك تناقض قراءات أُخرى قابلة للدفاع عنها؟ (5) .

تفترض الخبرة الأدبية احتواء النص على خصائص بنيوية قابلة للوصف، لكنّ هذه الخصائص لا يُنظر إليها بوصفها تقنيات بل بوصفها نظام تأويلات يُمكّن القارئ من اقترح تدخل تأملي لها.

بناءً على هذا الموقف يتأسس الأُنموذج النقدي وتنكشف وظيفته المنطلقة من مفهوم وجود قطبين للعمل الأدبي:

أولاً: القطب الفني الذي يشير إلى النص الذي أبدعه المؤلف .

ثانياً: القطب الجمالي الذي يشير إلى الادراك الذي ينجزه القارئ .

وينتج عن هذه القطبية الثنائية فكرة أنّ العمل الأدبي لا يمكن أن يتطابق مع النص تماماً، أو مع ادراك النص، إنما يحتل في الحقيقة منزلة وسطاً بين القطبين (6) .

يتألف النص الأدبي من خطط ينبغي للقارئ أن يستغلها، ويرى ايزر أنّ الآلية الدقيقة للخيال الأدبي تعتمد على التركيب السلبي الذي يُعدّ أساس عملية التحويل إلى فكرة، وترتبط هذه الآلية بالأمر غير المعروف أو الغائب، وتضفي عليه سمة الحاضر . وينطوي هذا التركيب على خطط تشبه تلك التي اقترحها انكاردن، حيث لا توجد حقائق بالنسبة إلى النص الأدبي، بل توجد مجموعة من الخطط تتحدد وظيفتها في تحفيز القارئ على كشف الحقائق، وتؤدي هذه الخطط إلى ظهور أوجه من الصدق الخفي غير اللفظي، وينبغي لهذه الأوجه أن يركّبها القارئ الذي يعيد بشكل مستمر تنظيم البؤرة ليخلق – فكرياً - حالة اجمالية (7).

وكل حقيقة جديدة تندمج في كيان عضوي، حيث تظهر كل صورة ذهنية فردية على أرضية خلفية بصورة ذهنية سابقة فتعطي موضوعاً معتمداً على الاستمرارية الاجمالية، وتنفتح للمعاني التي لم تكن ظاهرة حيث تشكّلت الصورة الذهنية أول مرة . وهكذا فإنّ محور الزمن يكيف وينظّم المعنى الاجمالي من حيث الأساس فيجعل صورة ذهنية تنحسر إلى الماضي، ليخضعها إلى تغيير لا بُدّ منه، وهذا بدوره يؤدي إلى صورة ذهنية جديدة .

يعتمد النص الأدبي على مصطلحاته في توصيل الحقيقة، حيث تشتغل هذه المصطلحات بوصفها ذخيرة للنص، مما يدفع به باتجاه اعادة تنظيم المعايير الاجتماعية والثقافية، وكذلك التقاليد الأدبية، وهذا ما سيعمل باتجاه تمكين القارئ من اعادة تقويم وظيفتها في الحياة الحقيقية . وتمتلك الذخيرة _ انطلاقاً من هذا الوصف – وظيفة مزدوجة: في وجهها الأول تعيد شكل لبرمجة المألوفة لتشكيل خلفية لإجراءات الاتصال، وفي الوجه الثاني توفر اطاراً عمل عام يتم من خلاله تنظيم الرسالة أو معنى النص (8) .

تتضمن الذخيرة _ غالباً _ عناصر عُدّت تقليدياً بمثابة مضمون، لذا فإنّها بحاجة إلى شكل أو بناء لتنظيم العرض، وتبرز ستراتيجية الثيمة _ الأُفق بطريقة الانتقاء من مناظير متعددة يمنحها إياها النص الروائي، وتتمحور حول مجموعة نقاط أساسية تتعلق بالسارد، وتتعلق بالشخصيات، كما تتعلق بالحبكة وبالقارئ . وحين يكون القارئ معنياً بأي من هذه المناظير فإنّ سلوكه سيكون مشروطاً بأُفق تم انشاؤه من خلال قراءات سابقة ومناظير أُخرى، مما سيخلق توتراً بين الثيمة والأُفق، هذا التوتر هو الذي سيشتغل باتجاه تكوين آلية تنظم الإدرك(9) .

وتظهر وظيفة خطط النص من خلال تنظيم المنظومات المتنوعة على الأرضية الأمامية طبقاً لأُفق المنظورات الأُخرى، وتتناوب في أثناء القراءة منظومات متعددة، ويحلّ بعضها محل البعض الآخر، فتحتل بالتعاقب الأرضية الأمامية والأُفق . وسرعان ما يطور القارئ لنفسه نظرة اجمالية تسمو على كل منظور من هذه المنظورات، ويستطيع القارئ في هذه الحالة المتميزة أن يتأمل جميع وجهات النظر الأُخرى التي يعرضها النص، وهذه هي الوظيفة النهائية للموضوع الجمالي حيث يُظهر وجهة نظر سامية للمواقف التي يقدمها النص،لكونها مستمدة من هذه المواقف، وقد أُبرزت الآن للملاحظة (10) .

إنّ هذا الطرح لقضية المعنى الأدبي متساوق مع طبيعة النصوص الأدبية المملوءة بالتقلبات والالتواءات غير المتوقعة . وبإحباط التوقعات _ حتى في أبسط قصة _ ثمة حتمية لنوع معين من الإعاقة، تمنح النص ديناميته من خلال الحذف أو الفجوات أو الفراغات التي تقود القارئ إلى اتجاهات غير متوقعة، وعندها تكون فرصته سانحة لتفعيل مَلَكاته واقامة ترابطات وملء فجوات تركها النص له . من هنا يمكننا القول أنّ الظاهراتية تعمل على تحفيز القارئ ليُطوّر عرضاً للنص يمكن أن يقدم فيه تفسيراً يتوافق مع المعلومات التي يقدمها هذا النص عند أية نقطة من قراءته، وينهض _ النص _ بوظيفة برمجة هذه المهمة أو بإحباطها. إنّ قيام القارئ بإعادة توافق ادراكه الحسي للنص حينما يتكشف له يكون مصحوباً بأفعاله التي تسدّ فراغات النص (11) .

وتسعى ستراتيجية الثيمة – الأُفق إلى أن تؤدي وظيفة مهمة، في نهاية الأمر، تتمثل في القيام بحل الشفرة الأولية غير المتغيرة ونقلها إلى القارئ الذي سيفك مغالقها بطريقته الخاصة مما يؤدي إلى توليد الشفرة الثانية المتغيرة (12) .

سوف أُركّز في دراستي لرواية {نزيف الحجر} على منظور الحبكة لاعتقادي بأنّه نهض بالدور الأساس في سيرورة سترتيجية الثيمة – الأُفق، فضلاً عن شعرية النسيج الروائي الذي قدمته الحبكة لتضمّ أحداث الرواية وشخصياتها، وحضور السارد وتعليقاته في ترابط متناسق وفّر للرواية واقعها الخيالي المستند إلى ذاته، ودللت من جهة أُخرى على قدرة الروائي {ابراهيم الكوني} على تحريك عناصر النص وتوجيهها إلى ما يدعم رؤيته للإنسان والوجود.

تمتاز رواية { نزيف الحجر } بحبكتها المتألقة، حيث تنتظمها بنية متماسكة من نسيج يجمع أنماط الإنشاءات إلى أُطرها الزمنية المختلفة، كما تمتلك الرواية أيضاً آلية بناء أُخرى {خارجية} نلحظها في شكل سلسلة من الاقتباسات التي اختارها الكوني من مصادر متنوعة: القرآن الكريم، الإنجيل، سوفيكلس، أُوفيد، كتابات النفري الصوفية، مشاهدات هيروديتس ولوتي {في رحلاتهما في الشرق} .

يتصدر الرواية اقتباسان، أحدهما من القرآن الكريم، سورة الأنعام، آية 37 (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاّ أُمم أمثالكم) . والثاني من العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح الرابع (وحدث إذ كانا في الحقل أنّ قابيل قام على هابيل أخيه وقتله، فقال الرب لقابيل: أين هابيل أخوك؟ فقال: لا أعلم . هل أنا حارس لأخي ؟ فقال: ماذا فعلت دم أخيك صارخ إليَّ من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك / متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها، تائها وهاربا تكون في الأرض) .

إنَّ نسيج الرواية يستوحي من هذين الاقتباسين، وإذا تجولنا في عالم هذه الرواية نجد أنَّ شخصياتها الأربع الرئيسة هي: الأب مستوطن الصحراء غير المصرّح باسمه، وابنه أسوف راعي الغنم ووريث القوانين الصحراوية، وقابيل آدم اللقيط سيء الطالع المدمن على اللحوم، وشخصية الحيوان (الودّان – التيس الجبلي)، أقدم حيوان صحراوي يقطن الصحراء الليبية الكبرى، والمتجلي في الرواية بمسوحٍ أُسطورية ودينية (بوذية صوفية)، وهذا التكوين العام للنص الروائي يطوف حول الاقتباسين اللذين تصدرت بهما الرواية .

تتحرّك الشخصيات الأربع ضمن البيئة الصحراوية، وعليهم تنهض أحداث الرواية، وإن كانت هناك قواسم مشتركة بين شخصيتي: الأب والابن بحكم الترابط الأُسري والاقامة الصحراوية، فإنَّ قابيل آدم على عكس ذلك، من نوع آخر، ولا يأبه بأبجديات التواجد الصحراوي التي قد تشرّب بها كل من الأب وابنه، والطبيعة عند قابيل موجودة ليتمتع بها ويستغلها ويبيدها أيضاً، وهو أساساً ليس من سكنة الصحراء، بل قاده ادمانه على اللحوم إلى الدخول في متاهة اللعبة الصحراوية، بطرفيها الإنسان والودّان، الذي يمكن عدّه الرابط الداخلي لحبكة الرواية ومنظورها. تنتظم أحداث الرواية وتترابط على قاعدة واحدة تتمثل بعلاقة الشخصيات الصحراوية بالودّان، وسعيهم إلى اصطياده، ويترشح من هذه العلاقة والفعل مجموعة من الأحداث والمواقف تمثل سيرورة منظومة الثيمات التي يقترحها منظور الحبكة، وهكذا تتناوب الشخصيات على تلك العلاقة والفعل، مع اختلاف كل واحد من هذه الشخصيات من حيث أسبابه وغاياته وطبيعة ارتباطه بالودّان، ومن ثم فإنَّ كل ما يدور في الرواية – سواء تعلق بداخل الحكاية أو خارجها - لا يخرج عن كونه تنويعاً على علاقة الإنسان بذلك الحيوان، تلك العلاقة التي تشكِّل وحدة منظور الحبكة والرواية عموماً .

سنحاول الاشتغال باتجاه تقسيم الحبكة تقسيماً تجزيئياً لنتمكن من متابعة منظورها وتحولاتها داخل تلك الوحدة، وليس غرضنا من هذا النهج وصف الحبكة أو تحليلها بنيوياً، بل على العكس من ذلك فإنَّ زاوية النظر في دراستنا تسير باتجاه مضاد لهذا التصور، لأننا نسعى إلى التقاط أجزاء الحبكة بوصفها موجهات للنص الروائي موضوع البحث، وليس اكتشافها بوصفها بنية ثابتة، وفي النهاية سنشتغل باتجاه تخطيط هيكل النص الروائي من خلال ذلك المنظور، بمعنى آخر، لا نريد أن نرى الحبكة، بل نريد في الحقيقة أن نرى من خلالها، وهذا ما سيكشفه المنهج الذي نتبعه في هذا البحث .

 

- صلاة أسوف أمام الايقونة الحجرية

تشكِّل الايقونة الحجرية علامة بارزة في هذا النص الروائي، بها افتتح الروائي نصه وبها اختتمه، حيث يسرد السارد " الصخرة العظيمة تحد سلسلة الكهوف، وتقف في النهاية كحجر الزاوية لتواجه الشمس القاسية عبر آلاف السنين، وقد زُينت بأبدع رسوم انسان ما قبل التأريخ في الصحراء الكبرى كلها، على طول الصخرة الهائلة ينهض الكاهن العملاق، يخفي وجهه بذلك القناع الغامض، ويلامس بيده اليمنى الودّان الذي يقف بجواره مهيبا، عنيدا يرفع رأسه، مثله مثل الكاهن، نحو الافق البعيد، حيث تشرق الشمس وتسكب اشعتها في وجهها كل يوم " (4).

وعندما شرع أسوف بأداء صلاة العصر تجمعت التيوس قربه، وبدأت تتناطح أمام وجهه، مما اضطره إلى قطع صلاته، والتوجه إلى مكان آخر بعيداً عن مشاكسة التيوس، ولكن ما نوع المكان الآخر؟

هذا ما سيقدمه لنا السارد من خلال سرده " انهى صلاته والقى برأسه الى الوراء متابعا الجدار العملاق المنتصب فوق رأسه كبير الجن يباركه، نظرته الغامضة من خلال القناع تنطق بالرضا والسكينة . والودّان المهيب، المتموج بقرنين ملتويين، ايضا يوافق الالهة ويوحي بأنه قبِل الصلاة وفاز برحمة المعبد "(15) .

مرَّ فعل الصلاة في هذا المقطع من الرواية بحالتين، نتج عنهما إزاحتهما عن مجراها المألوف، فقد تعرضت صلاة أسوف الى إعاقة من طرف التيوس، وهي إعاقة مقصودة وإن كان مصدرها الحيوان، كما يؤكد السارد عندما أعلن منذ البداية أنَّ التيوس لم يرق لها أن تتناطح أمام وجهه إلاّ عندما شرع بالصلاة . ثم أُعيقت الصلاة ثانيةً بعد أن أُجبر اسوف على تغيير مُصلاّه هرباً من مشاكسة التيوس، وأدّاها أمام النصب الوثني، أي باتجاه مضاد لوجهة الصلاة في الواقع العياني، وهذا ما اشتغل باتجاه نزع الصلاة من جوهرها الايماني . وفي الوقت الذي كان فيه أسوف غافلاً عن صلاته برز كبير الجن والودّان - في لوحة النصب الوثني – في حالة استقبال قصوى لها، وقررت نظرة القناع أنَّ الصلاة أُدِّيت على أحسن وجه، ونالت القبول والاستحسان .

ترتبط الجمل السردية في النص الروائي بطرائق متنوعة لتشكِّل وحدات ذات معنى بالغة التعقيد، ولتكشف عن بنية متنوعة، وفي التحليل النهائي ينشأ عالم معين يكوِّن أجزاءً تتحد بهذه الطريقة أو تلك، وبكل التنويعات التي قد تحدث ضمن تلك الأجزاء، وهذا كله بمثابة معامل ارتباط قصدي محض لمركب من الجمل، وإذا ما تكوَّن من هذا المركب نص روائي ، فإنَّ المجموع الكلي لمعاملات ارتباط الجمل القصدية المتعاقبة سوف يُكوِّن العالم المعروض في العمل (16) .

إذاً تكوَّن لدينا من الجمل السابقة ثلاثة أفعال: أولها صلاة أسوف، وثانيها اشتباك التيوس وقطعها صلاته، وأخيراً أداء الصلاة باتجاه النصب الوثني على غير مجراها الصحيح، ويترشح من تنظيم الأفعال بهذه الطريقة منظور الحبكة، الذي سيكون مثار أكثر من استجابة، فالحيوان ضمن هذا الخط هو الممارس لفعل التشويه أو هو المسبب له، فقد أقصى الصلاة الصحيحة، وافترض صلاة أُخرى أفرزها منظور الحبكة أيضاً، تلك الصلاة المتصلة بالوثنية، وكما احتل الحيوان منزلة وسطاً بين صورتي الصلاة الايمانية والوثنية، فإنَّه أصبح مدعاة في الوقت نفسه للاتحاد أو الافتراق، وتفتق من هذا المنظور كذلك الحالة السائدة في حاضر الصحراء وماضيها، فإذا كانت صلاة أسوف وحركة التيوس تمثل مشهد الحياة والوجود الصحراوي الآن في حاضر النص الروائي فإنَّ الايقونة الحجرية تمثل المشهد نفسه، لكن في ماضي النص أو ماضي الصحراء، ولكن بشكل مختلف .

ويمكن رؤية هاتين الصورتين المتقابلتين من منظور الحبكة، فقد صيغت الأفعال بطريقة تحفِّز المتلقي على المضي مع النص بهذا الشكل، وإذا بحثنا عن نقاط انفصال بين المشهدين وجدنا أنَّ الانسجام والوئام هما عماد اللوحة الحجرية التي تمثل ماضي الصحراء، وعلى العكس من ذلك في حاضر الصحراء، فقد تبلور منذ البداية تقاطع بين فعل الإنسان وفعل الحيوان، ذلك التقاطع الذي لم يكن موجوداً في ماضي الصحراء من خلال الايقونة التي تشير بشكل خفي إلى الاتصال والتوحد بين الحيوان والإنسان .

 

- اشتراك الأب والابن في قصة متشابهة مع الودّان

في هذا النص يتمظهر الأب حالاً لمحمول عقائدي يحيل إلى تصورات أُسطورية إلى جانب القيم الإسلامية، وجمعه بين هذين الاتجاهين يمكن أن يُعدّ نوعاً من عملية ضم ما لا ينظم، ونتاج هذا الخليط غير المتجانس هو موقف متأزم أو سلبي من الإنسان، وعندما يطرح الأب تصوراته تلك على مسمع ابنه فإنّه يتولى مهمة تعبئته صحراوياً، حيث يشير النص إلى أنَّ الأب " انتظر حتى هلَّ القمر، وحكى له كيف أنَّ الودان هو روح الجبال، كانت الصحراء الجبلية في قديم الزمان في حرب ابدية مع الصحراء الرملية . وكانت الهة السماء تنزل الى الارض مع الامطار وتفصل بين الرفيقين وتهدئ من جذوة العداوة بينهما. وما إن تغادر الالهة ساحة المعركة وتتوقف الامطار عن الهطول حتى تشتعل الحرب بين العدوين الخالدين . وفي يوم غضبت الالهة في سماواتها العليا وانزلت العقاب على المتحاربين . جمّدت الجبل (مساك)، وأوقفت تقدم الرمل العنيد في حدود ( مساك ملت) . فتحايل الرمل ودخل في روح الغزلان، وتحايلت الجبال من جهتها ودخلت في الودّان . منذ ذلك اليوم أصبح الودّان مسكوناً بروح الجبال.

سأله اسوف في تلك الليلة معلقاً على قصة الارواح:

- ولكن الغزال والودّان لا يتحاربان الان .

اطلق ضحكة واستلقى على الارض، وقال بلغة غامضة وهو يراقب القمر السحري الطالع جوف الظلمات:

لأن الله انزل على الارض بلوى اكبر قاتلت الاثنين معا . جاء الانسان، واصبح للغزلان والودان عدو واحد . الالهة ملت الشكاوى الطفولية، تارة تتصاعد الرمال وترفع امرها الى السماوات مدعية ان الجبال هي التي بدأت الاستفزاز، وتارة تقصدها قمم الجبال وتشكو غزوات الرمال، فغضبت الالهة وعاقبت المتخاصمين بشيطان اسمه الانسان . اوكلته الالهة الامر فجاء وأقام في الوادي الفاصل بينهما . هنا بال الالهة ولم تسمع شكوى منذ ذلك اليوم .

ثم التفت اليه، وقال باللغة الخفية نفسها:

- فكيف اجاور الانسان ؟ ..."(17).

ويجتمع الاب وابنه على حدث واحد هو صيد الودان، بعد خضوعهما الى سلسلة من الأحوال والأحداث تقودهم في النهاية الى ممارسة ذلك الفعل، وبعد أن يدخلا في هذا المعترك ويتعرضان للموقف نفسه يحدث تحول في حياتهما، كل باتجاه، أمّا الودّان فيبقى على سلوكه المحدد في الحالتين . سنستعين الآن بملخص يُلخِّص لنا سيرورة كل من الأب والابن في تجربة صيد الودان، ونتائج اصطدامهما معه:

 

الأب

- الإقدام على صيد الودّان .

- انتحار الودان عندما يتيقن أنّه لن ينجو من بندقية الأب .

- مطاردة الودّان، وتعلُّق الأب على نتوء في الجبل يفضي إلى هاوية .

- انقاذ الودّان للأب .

- النذر بعدم صيد الودّان .

- التعرُّض للجوع، والإقدام من جديد على صيد الودّان، ونقض العهد .

- مطاردة أخيرة تنتهي بموت الأب على شكل انتحار .

الابن

- مخالفة وصية الأب، والإقدام على صيد الودّان .

- مطاردة عنيفة تنتهي بتعلُّق الابن على نتوء الهاوية .

- انقاذ الودّان له .

- اعتقاد الابن أنَّ الأب حلَّ في الودّان .

- العزوف عن أكل اللحم .

الودّان

_ في الحالتين، بعد تعلُّق الأب والابن تباعاً على نتوء الهاوية يقوم الودّان بإنقاذهما .

أول ما يثير الانتباه في هذا الجمع بين حياة الأب وابنه في حدث متشابه هو سيرورة التجربة التي خاضها كل منهما، حيث بدأت بشبه تطابق بينهما، لكن هذه التجربة انحرفت في مجرياتها قليلاً، ثم ما لبثت أن وقفت عند مفترق الطريق لتحقق انفصالها في النهاية، وتتحقق بذلك خصوصية تجربة كل منهما، تلك الخصوصية التي ستشتمل على أبعاد أُخرى، يشتغل النص باتجاه ايصالها إلى نهاية أُخرى مفارقة .

يقع الأب – بوصفه مُسنن قوانين التعامل مع الودّان، وصاحب رؤية خاصة عنه – في البدء تحت عبء مشاهدة موقف أعلنه الودّان عندما أيقن أنَّ بندقية الأب أحاطت به، ولم يجد من طلقتها مهرباً، فبادر إلى القفز نازلاً على رقبته لتنكسر، ويدخل بهذا السلوك في عداد المنتحرين . وكان فعله هذا ردُّ فعل أكثر منه فعلاً مباشراً، نتيجة للمأزق الذي أوقعه الأب فيه، فكان عليه أن يختار الموت انتحاراً لا الموت صيداً، واستقبل الأب الرسالة التي بثَّها الودان وفهمها، ولكن صورة الودان ازدادت غموضاً وضبابية في وعيه، إلى حدِّ أنَّه بدأ ينظر إليه بوصفه لغزاً أو سراً لا مجرد حيوان جبلي .

وفي مطاردة تعلن صخبها وضجيجها من طرف الأب ينتهي أمر هذا الأب إلى نتوء جبلي تركن تحته هاوية سحيقة، وينقلب الغموض دهشة عندما يمدُّ الودّان حبلاً وينقذه، إذاً برز الآن تقابل بين وضعيتي الأب والابن في المطاردة، ونتج عن هذا التقابل تغيير في المواقع، ففي الحالة الأُولى كان الودّان هو المحتل لموقع المأزق، فاختار أن ينتحر، أمّا الآن فالأب هو صاحب هذا الموقع لكنه لا ينتحر أولاً، ويلقى مساعدة من الودّان ثانياً، ولكنه لم يفكر بهذين الفعلين (الانتحار والمساعدة ) .

ويرتكب الأب خطأ آخر، فيقدم من جديد على صيد الودّان، بعد أن نذر أنَّه لن يصيده ثانيةً، اعترفاً منه بموقفه في تلك الحادثة، وحالما ينقض نذره هذا يقع في شراك كآبة حادة، فيصبح مدمناً على تكرار موّالات حزينة يحاول من خلالها إطفاء الحريق المشتعل في أحشائه . وفي النهاية لا يقوى على تحمل صوته الداخلي، فيذهب إلى الودّان متقمصاً صورة الضحية، وينهي حياته أمامه، كما أنهاها الودّان من حين كسر رقبته في تلك الحادثة . ويتعمد السارد حجب سرد الحدث الأخير للأب مع الودّان، بل أنّه يوكل سرد ما حدث إلى الابن، ليتتبع آثارهما، ويستكشف ما حدث، وبذلك تتحول معرفة المتلقي عن الحادثة إلى ما سوف يراه أسوف، على الرغم من أنَّ المتلقي يمتلك حقه في استنتاج وقائع أُخر. أمّا أسوف فإنّه سيربط بين حادثتي موت أبيه وموت الودّان، وهذا ما سيدفع به إلى امتصاص تجربة أبيه مع الودّان، والتي ستعاد صياغتها من جديد حالما يخوض هو الآخر تجربته الخاصة معه .

يحقق السارد منظوراً ثرياً للحبكة حين يزجّ الأب والابن في تجربة متماثلة مع الودّان، فمن جهة سوف نستكشف الخبرة الصحراوية وتنوعاتها بين الأب والابن، ومن جهة ثانية سوف نشاهد عن قرب تحولات القوانين الصحراوية عندما يقوم بها الابن بعد استلامها من الأب، وتمريرها على مجرى حياته، ومن جهة ثالثة سوف نشكِّل صورة للودّان عبر تلوناته داخل ذلك السياق المشترك .

بدايةً يوعز منظور الحبكة إلى أن تتحول تجربة الأب مع الودّان إلى علامة سوف يفكر أسوف من خلالها حالما يصطدم مع الودان، وبتعبير لساني تغدو قصة الأب مع الودان دالاً، فيما ستكون قصة أسوف مع الودان مدلولاً، ومن خلال طريقة ارتباط القصتين وسيرهما يمكن أن نقف على منظور الحبكة الخاص بالودّان أولاً، وأسوف ثانياً، والأب ثالثاً .

يعتمد الابن خاصية التكرار – مثلما فعل أبوه من قبل – فيقدم على صيد الودّان، متجاوزاً بذلك على قانون أساس من قوانين الصحراء الروائية التي حقنه بها الأب، وتتكرر النتيجة أيضاً مع أسوف حيث يصل حافة الهاوية، ويبقى هناك فترة طويلة مما يؤشر وقوعه في منطقة وسطى ما بين الموت والحياة، وتغدو هذه الفكرة جزءاً مركزياً من منظومة أفكاره، وهذه هي أول وجهة يفارق فيها الابن فكرة أبيه القائلة بأنَّ مفارقة الناس واعتزالهم تمنح الأمان والسلام، وهذا ما أوحت به له الأُسطورة التي يؤمن بها . أمَّا أسوف فلم يعُد يفكِّر بهذا بل أصبح تفكيره أكثر إمعاناً في العمق مما ساعده على استبصار ذلك الموقع من الوجود، موقع العدم واللاوجود .

ويحدث هنا تلوين أول لتجربة الابن أسوف مع الودّان، فلم ينتشله من الموت كما حدث سابقاً مع الأب، بل أنقذه من نقطة ما بين الحياة والموت، وتبعاً لذلك أصبح الودّان هو المأزق، وفي الوقت ذاته هو الخلاص .

وفي حين كان الأب يعتقد أنَّ الودّان مسكون بروح الجبل، أصبح الابن الآن يؤمن بأنَّ روح أبيه حلّت في الودّان، وبذلك صيغت الفكرة الأُسطورية التي يحملها الأب، وتمظهرت بمظهر جديد يحيل إلى فكرة فلسفية صوفية تتمثل بالوجود الموحد للكائنات عموماً، وكما اختزنتها اللوحة الصخرية،، وتبعاً لذلك يترتب سلوك أسوف الجديد المتمثل في عزوفه عن أكل اللحم، وهكذا انفلت اسوف من نطاق العزلة الذي كان يطوِّق، تلك العزلة التي تحيل إلى فكرة أنَّ الإنسان شر، والأمان قابل للتحقق بالعيش بعيداً عنه، لكنه من جهة ثانية كان يمارس ما يحذر منه تحديداً عندما يتطاول على الودّان، فيغدو – أسوف – ممثلاً للشر الذي يهرب منه . وبهذه الطريقة عرّى منظور الحبكة التناقض الذي شكَّل غلافاً لحياة الأب وسلوكه ورؤيته، وهو بالتالي ما دفعه إلى الانتحار أمام الودّان رداً منه على الخدعة التي حكمت حياته، والتي كشفها له الودان، فاضحاً بذلك ازدواجية سلوكه ورؤيته، أمّا اسوف فقد عالج ذلك التناقض، ودفع بالعزلة إلى نهايتها المتجلية بالتوحد .

 

- قتل قابيل آدم لأسوف صلباً على الصخرة

منذ ولادته كان قابيل آدم سيء الطالع، تيتَّـم طفلاً، وكفلت رعايته خالته، وفي بحثها عن تعويذةٍ تحميه مما رأت فيه لعنة حلّت بالعائلة، تقبَّلت نصيحة أحد الشيوخ بأن يشرب دم غزال، لكنها وزوجها يموتان بعد وقت قصير من ذلك، فيقوم آدم – رئيس قافلة عابرة – برعاية الطفل اللقيط، ومثل هذه البدايات تُقدِّم تمهيداً لحياته المستقبلية، فمنذ طفولته وصاعداً يغدو ذا شهية لأكل اللحم، ولكي يشبع شهوته يصبح صياداً محترفاً، لكن أياً من الإجراءات التي يتخذها لتحقيق رغباته لم تنجح، ويصل إلحاحه على صيد الحيوانات _ وخاصة الغزلان – إلى بُعد شيطاني .

وبعد مجيء شركات النفط والبحرية الأمريكية ممثلةً بشخص جون باركر، يصبح قابيل قادراً على استغلال التقنيات الحديثة لمساعدته في تحقيق رغبته المتحكمة بأكل اللحوم، وبفضل باركر هذا يستطيع الحصول على بندقية حديثة، الأمر الذي سيسمح له بالتالي بالقضاء على قطعان كاملة من الغزلان، وهو الآن يملك سيارة لاندروفر تسمح له أن يجوب مناطق واسعة لاستكشاف تواجد الغزلان وصيدها، وبهذه الطريقة تبدأ خيوط حياة قابيل وأسوف بالتقارب شيئاً فشيئاً، فأثناء بحث قابيل المحموم عن الحيوانات يأوي إلى الصحراء، وهناك يلتقي بأسوف المنفرد فيها العارف بحيواناتها، وعندما ينوي قابيل صيد الودّان يصبح بأمسِّ الحاجة إلى خبرات أسوف الصحراوية، وبخاصة أنَّه كان قد سمع بأسوف ومعرفيته بالصحراء والودّان، وتزامن هذا اللقاء بينهما مع تجربة أسوف المثيرة مع الودّان، وقراره الذي بدا حاسماً بترك كل من الصيد وأكل اللحوم، هنا تتشكل المفارقة كما تقترح الحبكة، فرغبة قابيل الجامحة في أكل لحم الودّان تتقاطع تماماً مع عهد أسوف لنفسه بعدم صيد الودّان وأكل لحمه، فتقابلهما وفق هذه الكيفية سيشكِّل منظوراً للحبكة، ويمكن من خلاله رؤية أسوف ممثلاً للتوحد مع الطبيعة وموجودها الحيواني، فيما يقف قابيل في الجهة المتضادة ليصبح رمزاً للاختراق والتجاوز عليهما، من هنا كان لا بُدَّ أن يؤول الأمر بينهما إلى صراع، يحتل فيه أسوف موقف الضعيف، لكونه ممتنع عن التواصل الإنساني بسبب عزلته في الصحراء أولاً، والتعاليم – بالعيش وحيداً - التي شحنها به محيطه الأُسري ثانياً . إنَّ عودة قابيل من رحلة صيد فاشلة للودّان أسهمت في خلق جوٍّ مشحون بالصراع بينه وبين اسوف لأنَّه لا يصبر على العيش بدون لحم، ولم يجد أمامه إلاَّ اسوف ليفتح له مخرجاً من هذا المأزق المغلق، لأنَّ اسوف يمتلك معرفيته الصحراوية الشاملة التي يفتقدها قابيل، لكنّ أسوف – كما هو متوقع – لن يكون دليلاً كاشفاً لأماكن تواجد الودّان، وبهذا الرفض أصبح في مرمى قابيل، وهذا ما سيكشفه حوارهما:

- تكلم . أين يسكن الودّان ياعبد العبيد ؟

فأجابه أسوف بتعويذته في اصرار طفولي:

- لن يُشبع ادم إلا التراب .(18)

للمرة الثانية يتعرض أسوف لمحنة التعليق، في المرة الأُولى أدّت مطاردته للودّان في امتداد الصحراء المهيب إلى أن تتقلص حياته في التشبث بنتوء جبلي يفضي إلى الهاوية، وفي الثانية أدّى تستره على الودّان، واخفاء أماكن وجوده عن قابيل إلى صلبه على الايقونة الحجرية، وكلتا الحالتين تؤشر نهاية تعلن حتميتها، وإذا كان سبب تعلُّقه في الأولى مخالفته لوصية الأب، والإقدام على صيد الودّان، فإنَّ سبب تعلُّقه الآن هو محاولته حفظ وصية أبيه، وتحديداً بعد أن تعززت تجربته الفردية . وإذا كانت التيوس – والودّان تيس أيضاً – قد أعاقت صلاته في البداية وحرفتها باتجاه الصخرة العظيمة، فإنَّ دفاعه عن الودّان الآن أحاله إلى الصخرة نفسها، وعلى الرغم من أنَّ سلوكه في شكّل حالة اختلافية إلاَّ أنَّه لا يعدو أن يكون سبباً لعلاقته الشائكة بالودّان، فقد كان الودّان في الحالة الأُولى ضحية وأسوف اتخذ موقعه بوصفه جلاداً، ولكنَّ المعادلة انقلبت ليحصل تبادلاً في المواقع ليصبح الودّان هو الجلاد، وأسوف ضحية .

إنَّ عملية تغيير المواقع هذه تثيرها الحبكة عندما تجتمع في خط واحد، فتفرز منظورها – من خلال سير الأحداث – الذي يتمظهر في طريقة تنظيم عناصر النص الروائي وصياغة ذخيرتها، فتضفي بالتالي سمة غير مألوفة على الأشياء المألوفة، ولا يلبث النص بهذا أن يحدث خلخلة لاستجابات المتلقي وبالتالي يحبطها، فيكون النتاج إحداث ثغرات في مجرى النص تشتغل باتجاه تصعيد عملية التفاعل النصي سعياً إلى توحيد الاستجابات من خلال ملء تلك الثغرات، ومن ثم نقل الموجود - الغائب للنص إلى واقع ملموس . أي نقل التركيب السلبي للنص الذي أحدثه خيال المتلقي، وهكذا فإنَّ النص الأدبي يقوم ببلبلة التواصل المباشر وتحريفه، فتظهر مهمة المتلقي التي تتعمد إزالة تلك البلبلة وإعادة النص إلى سياق مفهومي، ويكمن ناتج هذه العملية في اكتشاف شئ من الفن من خلال تجربة هذا الفن نفسه . (19)

وقبل أن نستغرق في استكشاف منظور الحبكة سنحاول استكمال هذا الجزء من الحبكة التي سيختم بها النص الروائي، فبعد حدث تعليق اسوف على الايقونة الحجرية، باشر قابيل بالبحث عن الحيوانات، لكنَّ محولاته التكرارية باءت بالخيبة، وخصوصاً عندما خلت الصحراء من الغزلان التي تهاربت خوفاً من بندقيته الحديثة، فانسحبت إلى الجبال التي تشكِّل وعورتها وتشعبها عنصراً حامياً لها . هنا أدرك قابيل الاعياء، وآل أمره إلى الفراش يعاني المرض، ويشكو من صراع عنيف جرّاء حرمانه من أكل اللحوم .

وفي ليلة غامضة كان يتقلَّب فيها جوعاً رأى حلماً عجائبياً، كاد قابيل بسببه أن يتقيأ أمعاءه، هام مسعود حوله طوال الليل، ثم ترك مصباح الغاز فوق رأسه، وغادر عائداً إلى بيته، بعد مغادرته مباشرة جاء الودان إلى قابيل، على رأسه يتموقع قرنان هائلان معقوفان إلى الوراء حتى ظهره ثم يعودان إلى رأسه، وفي ضوء الفنار الخافت رأى تلك العينين، هل همستا له بسر الخلق ؟ هل تحدثتا عن تكوِّن الصحراء والكون ؟ هل قالتا شيئاً عن اليوم الآخر ؟ هل سردتا روايةً عن خيانته للغزال ؟ هل وعدتا بالقصاص ؟ تبادل قابيل معهما الخطاب والأدوار، غاب فيهما وغابتا فيه، فلم يعُد يعرف أين هو ولا مَن هو، هو الودّان والودّان قابيل .

دعا الحيوان الخفي إلى رحلة، تاها معاً في الصحراء، عبر به الحمادة وهو يمتطي ظهره، عطش وجاع وحطّم رأسه الصداع، فوجد أنٍّ الودّان العظيم قد طار به عبر أمواج بحر الرملة، ودخل فلاة أُخرى يغمرها السراب، وتتدفق على كثبانها أشعة الشمس . اشتدَّ عطشه وجوعه وصداعه حتى كاد يسقط من على جسم الحيوان العظيم . بلغ به صحراء جبلية سفوحها الوعرة مفتوحة الأفواه بالتجويفات الظلماء والكهوف المعتمة . تنقّل الودّان بين الصخور القاسية في رشاقة مدهشة . هدَّه التعب، ولكنَّ الجوع كان أكثر من كل الأمراض، تململت الدودة الشيطانية في أسنانه فنهش رقبة الودّان، والتهم قطعة لحم، ولكنَّ الحيوان لم يتوقف عن القفز بين أحجار الجبال، غرس أنيابه في رقبته، ونهش قطعة أُخرى، واستمر ينتزع اللحم من جسده دون أن يتوقف الودّان عن العدو، بل إنَّ سرعته بدأت تتضاعف مع كل نهشة حتى كفّت حوافره عن ملامسة الأرض، وظلت طائرة ومعلّقة في الفضاء .

صعد الحيوان قمة جبل عالية، فاكتشف قابيل أنَّه يجلس على ظهر رجل بائس لم يعرفه من قبل، نحيل الجسم، طويل القامة، تقطر من رقبته الدماء، وقبل أن يفيق من هول التحوّل رفع الرجل نحوه وجهاً شقياً وقال له: (لا يُشبع ابن آدم إلاَّ التراب) ورمى به من القمة السماوية، فوجد قابيل نفسه يطير إلى الهاوية " .(20)

يبلغ الودان في هذا الجزء المثير من الرواية أقصى تلويناته، فقد اندمجت الشخصيات فيه إلى حدّ التماهي الذي تغيب فيه الحدود، وعلى الرغم من تشعُّب وتفارق علاقة الشخصيات به (الأب والابن وقابيل) فإنّه استطاع أن يصهرهم جميعاً في بودقة واحدة، ويوحد مصائرهم ويقودها باتجاه النهاية المحتومة، تلك النهاية التي تقذف بصاحبها إلى الهاوية .

وقابيل الذي يمثل الراكض خلف الودّان، الساعي إلى لحمه يسير أيضاً باتجاه الهاوية، لكنه لن يعانقها وحده بل سوف يجر إليها مَن يعترض طريق شراهته، وفي اللحظة التي يبدأ فيها بنهش لحم الودّان – وهو على ظهره – اتباعاً لصوت نفسه ولصوت بطنه في الوقت ذاته، ينقلب الودّان إلى أسوف، وتلك هي الهاوية التي يحاول الودّان أن يقود إليها كلاً من أسوف وقابيل .

تشكِّل لحظة التطاول على الودان تحديداً لخطة الشروع بالحركة باتجاه الهاوية، وإن كان قابيل لا يدري مَن منهما أسوف أو الودّان، فأصبح بذلك يمثِّل صورة الودّان حالما يتحول إلى جلاد، وحينما يغرز أنيابه في لحم الودّان تظهر صورته الثانية، صورة الضحية التي سوف يندرج فيها هو وأسوف، لأنَّ الودّان سيغريهما ليدفع بهما إلى مثواهما الأخير الذي هو قعر الهاوية .

ومثلما تحوَّل الودّان إلى أسوف في رؤيا قابيل، فإنَّ وقوع ذلك على النص الروائي ليس ببعيد، بل هو واقع لا محالة .

" ضحك قابيل بجنون، وقال ملوِّحاً بالسكين اللامعة في الفضاء:

- لم أعد في حاجة الى جمالك . لدي جملي . لدي ضحيتي . انظر الا ترى الودّان المعلق هناك، إنه ودّان . كيف لم أنتبه الى ذلك من قبل ؟ ها ... ها ... يالي من اهبل !

القى القاتل بالرأس فوق لوح من الحجر في واجهة الصخرة، فتحركت شفتا أسوف، وتمتم الرأس المقطوع المفصول عن الرقبة .

- لا يشبع ابن ادم الا التراب !"(21)

في رؤيا قابيل، عندما نهش لحم الودّان تحوَّل الودّان إلى أسوف أمّا الآن فإنَّ غياب الودّان قلب الأمر على وجهه الثاني ليتحوّل أسوف هذه المرة إلى ودّان، ترسم هذه الحركة العكسية خطاً بيانياً لمصير كل مَن دخل في علاقة مع الودّان، وعندما نحاول متابعة حركة قابيل مع الودّان نجد أنَّه لهذا الحيوان أكثر من دور أثناء سيرورة تلك الحركة، فقابيل في البداية كان لاهثاً خلف الودّان، وكان وجود أسوف عائقاً يتموضع في طريقه، وعندما أصبح بحثه بلا جدوى تحوَّل إلى شبه مجنون، وانعطفت سيرورة الحركة باتجاه أسوف، هنا تلبَّس قابيل – كما تؤشر الرؤيا – بقناع الودّان بعد أن تحوَّل إلى جلاد، من جهة ثانية تحوَّل قناع الودّان – بوصفه ضحية – إلى أسوف، ومن قبلها الأب ليصبحوا ضحايا لجلاد واحد هو الودّان بعد أن وزّع عليهم أقنعته بالتساوي، واعتلى قمة الجبل ليتسلى بمشاهدة السيناريو الذي صنعه بمهارة لهذه الأطراف المتنازعة بسببه .

إنَّ الودّان – كما يترشح من منظور الحبكة – هو تجلٍّ للخطيئة التي تحيط عنق الإنسان، تلك الخطيئة التي تُحدِث خللاً في انسجام عناصر الكون وموجوداته، وتشكِّل في النهاية مأزقاً للوجود الإنساني بمختلف تمظهراته، ويبدو وجود الودان من جهة أُخرى فاصلاً أو حاجزاً يشتغل باتجاه عدم انفراج الأزمة، ولا يمكن للإنسان مهما حاول أن يتخلص من هذا المأزق، لأنَّ الهاوية في نهاية المطاف ستكون بانتظاره، كما أنَّ كينونة الإنسان الشرهة المجبولة على الخطيئة تجد دائماً تجسيداً لها من خلال الودّان عندما يُفعِّل تلك الكينونة عند النتوء الجبلي – المنطقة الوسطى بين الحياة والموت - الذي أصبح رمزاً للسقوط في المأزق .

 

- الأيقونة الحجرية بوصفها مأوى مناظير الحبكة

في البداية صلّى أسوف متجهاً نحو الصخرة الحجرية العظيمة، وهو الآن يُقتل مصلوباً على الصخرة ذاتها، محتلاً موقعاً حَدَثياً أمعن السارد من خلاله في إحداث تطابق بينه وبين الودّان، وبذلك يستكمل سلسلة حياته معه، والتي لم تخرج في كل تفاصيلها من المأزق الودّاني، الذي أُقحم فيه، ويميل السارد في النهاية إلى كشف المستور من تلك الصخرة، بعد أن أخفاه طويلاً: تقاطرت خيوط الدم على اللوح الحجري فوق اللوح المدفون إلى نصفه في التراب كتب بـ (التينيناغ) الغامضة التي تشبه رموز تعاويذ السحرة في (كانو) عبارة:

" أنا الكاهن الأكبر متخندش انبيء الأجيال ان الخلاص سيجئ عندما ينزف الودّان المقدس ويسيل الدم من الحجر . تولد المعجزة التي ستغسل اللعنة، تتطهر الأرض ويغمر الصحراء الطوفان " .(22)

بهذه النهاية أمكن لمنظور الحبكة أن يوجِّه المتلقي إلى اهتمام متزايد بتلك الصخرة، ورشَّح استجابته الجمالية، كما مكَّنه من بناء هيكل للنص الروائي الذي سعى – في مجمله – إلى اعطاء صورة حاضرة لما حدث في الماضي على الصخرة في هذه الصحراء، أو المضمّن بصورة رمزية على تلك الصخرة من خلال الانسجام بين الكاهن والودّان .

وبهذه الطريقة رشّح هذا النص الروائي نفسه ليصنَّف ضمن مفهوم الرواية الذي يُعدُّ الرواية " تأملاً في الوجود تتم رؤيته عبر شخصيات خيالية " .(23) وقد حاول الروائي ابراهيم الكوني تحقيق هذا المعنى من خلال تشكيل عالم روائي تمازج فيه الواقعي والتأريخي والأُسطوري .

 

د. وجدان الخشاب

العراق

...................

- الهوامش

• المعنى الادبي من الظاهراتية الى التفكيكية: وليم راي / ت: يوئيل يوسف عزيز / دار المأمون للترجمة والنشر / بغداد / 1987 / ص17 .

• نقد استجابة القارئ، من الشكلانية الى ما بعد البنيوية: جين، ب، تومبكنز / ت: حسن ناظم وعلي حاكم / المجلس الاعلى للثقافة / 1999/ ص 239-240.

• نظرية الاستقبال، مقدمة نقدية: روبرت دي هول / ت: رعد عبد الجليل / دار الحوار للنشر والتوزيع / سورية / 1992 / ص 91- 92 .

• القارئ في الحكاية: امبرتو ايكو / ت: انطوان ابو زيد / المركز الثقافي العربي / بيروت / 1996 / ص 237 .

• مقدمة نقدية في نظرية القراءة: جوناثان كلر / د . نبراس عبد الهادي محمود / مجلة الثقافة الأجنبية / ع2 / 1998 / ص 51 – 52.

• نقد استجابة القارئ / ص 113 .

• المعنى الادبي / ص43 – 44 .

• نظرية الاستقبال / ص 106 .

• نفسه / ص 108 .

• المعنى الادبي / ص 46 .

• القراءة والتأويل: ايان ماكلين / ت: خالدة محمد / مجلة الثقافة الاجنبية / ع1 / 1999 / ص 8 – 9 .

• لن يشبع ابن ادم إلا التراب، قراءة في رواية ( نزيف الحجر) لابراهيم الكوني: روجر الن / ت: غازي مسعود / مجلة الجديد في عالم الكتب والمكتبات / بيروت – عمان / ع 10 / 1996 / ص 14 .

• نزيف الحجر: ابراهيم الكوني / المملكة المغربية / ط2 / 1999 / ص 8 .

• نقد استجابة القارئ / ص 116 .

• نزيف الحجر / ص 28 – 29 .

• نفسه / ص 112 – 113 .

• جمالية التلقي والتواصل الادبي: هانز روبرت ياوس / ت: سعيد علوش / مجلة الفكر العربي المعاصر / ع 38 / 1986 / ص 106 .

• نزيف الحجر / ص 145 – 146 .

• نفسه / 151 – 153 .

• نفسه / 153 .

• فن الرواية: ميلان كونديرا / ت: د . بدر الدين عردوكي / الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع / سورية / 1999 / ص 87 .

 

"شاكر العاشور" وبعض حصاده الشعري

jasim alayff(تلاوة في ما قالته ريما للشمس) -ج1- "دار الينابيع للطباعة والنشر والتوزيع / دمشق"- الغلاف للفنان : سعيد فرحان، هي الجزء الأول من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر شاكر العاشور، وأهداها: إلى:"الراحل الشاعر" عبد الخالق محمود"، وكذلك، علي رشيد- دون مناسبة"(ص5). الأستاذ محمد خضير، خصها بكلمة عنونها بـ(حلم لم يكتمل) ذكر في جزءٍ منها:" إن في (الأعمال الشعرية) للعاشور أصداء متباعدة من حلم لم يكتمل، قصائد نشرها-العاشور- كما عاناها، مخاض يطول وقت ولادته". ويضيف أن: " قصائد العاشور الأولى بمثابة، ومضات تلوح على جانبي الأرض النبيّة التي لفها ظلام دامس، أحلاماً أجهضتها صدمات الزمان العراقي القاسي العنيف، زفرات لفظتها (روحٌ متمردة)، وخفقاتٍ رسمها(جناحٌ كسير). إيقاعٌ حالم، حب أول، يأس شفيف: سماتُ جيل التمرد(جيل القدر) الذي جذب تجاربَ العاشور الشعرية إلى مخاضه "(ص7). بدأ العاشور في النشر، شاباً رومانسياً، منشغلاً بتهجدات وتوجعات فؤاد متلهف للحب، دلالة على ذلك مجموعته "قصائد أولى" وكذلك "أحببت الجارة يا أمي"- التي أبعدها عن (تلاوة في ما قالته ريما للشمس) !!. ومرت بعد ذلك تجربته الشعرية- الحياتية بمرثيات ذاتية أثخنتها مكابدات الهوى وهيام الوجدان وجراحات القلب واخفاقته. شاكر العاشور، بدأ النشر قبل منتصف الستينات، في الصحف البصرية و العراقية، وانتقل، بعد ذلك، للاهتمام كثيراً وجدياً بتجربة الشاعر الكويتي البصير" فهد العسكر" ونشر عنه بعض الدراسات في المجلات الثقافية- الأدبية الكويتية-الخليجية. أصدر"العاشور" مجموعته الشعرية الأولى بداية عام 1965، لكن الناقد الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد، في كلمته التي عدها "على سبيل التقديم"(ص 9-13)، وضمن الإعمال الشعرية الكاملة (ج1/ 965 -1977) للعاشور، اعتبره ينتمي إلى جيل السبعينات العراقي، الذي يذكر عنه-" ا.س عبيد"- جيلاً مغايراً سعى للخروج من أسر تجريبية الجيل الستيني ومقاربة الحداثة الشعرية، التي أخذت تنفتح على الحركات والتيارات الشعرية مطلع السبعينات في العراق". ويضيف: بقي (العاشور) متجانساً و قريباً لحد ما لـبهاء القصيدة العربية وفضائها وعالمها الإيقاعي - الجمالي ونموذجها الذي انبثق بعد مخاضات تاريخية- عسيرة وتجسد بـنتاجات وتنظيرات بعض شعراء "قصيدة التفعيلة" بعد منتصف عقد الأربعينات من القرن الفائت، وفي العراق تحديداً، ( بتصرف). "الأعمال الشعرية الكاملة" للشاعر شاكر العاشور تستحق الانتباه، لما تحتويه على حس شعري، ونزعة شبابية- فردانية، تعزز بقاء الشعر وديمومته وتواصله، في مواجهة التوجهات الثقافية الراهنة، وفي مقدمتها هيمنة الرواية على الذوق العام والسوق الثقافية.لكن الشعر عموماً، يذهب و من خلال التأكيد على وظيفته الجمالية، في مضاعفة رقي الروح ووهجها مترابطاً مع الخصوصية الفردية- الإنسانية. تضمنت" الأعمال الشعرية" للعاشور مجموعاته التي سبق ونشرها، وهي:"قصائد أولى" عام "1965"، ومساهمته في مجموعة مشتركة لشعراء البصرة بعنوان"تسعة أصوات" عام 1971، و"الإنذار الأخير إلى أزهار الحدائق" البصرة - 1972 و"في حضرة المعشوق والعاشق" 1975 - وزارة الإعلام بغداد- وقد حظي باهتمام النقاد والكتاب في حينه لكونه قد تميز بألفته في التعامل مع الأشياء والوقائع والرموز والدلالات بلغة بعيدة عن التهويلات والمبالغة التي ميزت بعض شعر تلك المرحلة، لأسباب ومتجسدات اجتماعية- سياسية، لسنا في وارد التطرق إليها كونها مرتبطة بمرحلة تاريخية ملتبسة. لكننا نرى أن ميزة "في حضرة المعشوق والعاشق"، تتجسد في تجاوزها تلك الهموم الصغيرة والفردية، التي ميزت بداياته، ومنها قصائد:العري، العصفور،، الخروج، حدود السواحل، وفيما عداها فانه لا يعدم تناغماً، واضحاً، مع حالات التردد والانكسار والحيرة واليأس مغلفاً قضية العشق الإنساني، بهموم يومية تقع أسيرة لما هو مندثر في تجاوزات ومهيمنات والق(العشق والعاشق) وبذا فأن، الشاعر شاكر العاشور، يتعامل، مع العشق في تجلياته ليس كما معروف كونه مسألة فردية، بل ينقل هموم قضية أرضية خاصة- محرقة إلى تخوم الصوفية وتجلياتها، و يبقى مقتنعاً بما حصل، منتظراً "دلال الرب"، ومتوسلاً بانكسار يفضي إلى الاحتماء بالذل تارة. تتقاسم قصائد:( النصل، الامتداد، تقاسيم، وتر الليل، مقاطع من الحزن، آويت إلى جبل يعصمني، الصوت، القتلة) حالة من السكون التي تطبق فيها على التجربة الحياتية- الشعرية وتجعلها فاقدة(الجرأة) في جملة وتوجهات القصيدة، الواحدة بالذات، ويساهم التقطيع الذي يمكن لنا وصفه بـ (المونتاج- الشعري)، لبعض القصائد، وغير المبرر، في بعثرة الصور الشعرية وفي الالتفاف على حسية ومعرفية القصيدة، ما يجعل بعضها وحدات مفككة إلى أجزاء متناثرة، لا تخضع لتصور ونسيج شعري واضح، يفترض وجوده لنقل التجربة الشخصية -العامة شعرياً، ولم يكن قسمٌ منها، غير حالات منفردة-مفككة، وتنهكها الجملة التقريرية :

-غابت الشمس وانطفأ الليل.

- سلاسل يحملها كي يستر رداءك.

- فكل خطاياك ليست تبرر لي أن يغاير وجهك وجهي.

- الباقي من أحزاني فتلامسه عن عمد، أو عن غير تعمد فيلوذ بأحضاني.

- خذلتني في الطريق نحو هواك المراكب.

- يُخضبُ في لفح الهجير دمي، شوك الطريق، ولصف الرمل مهراقي.

في بعض القصائد نلمح التكوين الشعري الموحي مع انه ملغم بأفعال، عادية تفتقد التوجهات والحداثة الشعرية وتوهجاتها، مثل: "حطت، أكلت، قعدت، مضت، نهضت، سارت، نامت، قالت، غدت، ارتعبت، تناوشت، تناهبت..الخ".هنا يحق لنا أن نتساءل هل على الشاعر والكاتب أن يقدم سيرة شخصية - تاريخية لما كتبَ؟. أم عند إعادة نشر نتاجه في "مجلد كامل" عليه أن يعيد النظر فيها؟. ويقصي ما لا ينسجم مع تطوره الفكري- الشعري الراهن؟. شاكر العاشور يمنح بعض قصائده بعداً سياسياً محدداً ضمن زمن ملتبسٍ، لكنه من جهة أخرى يحاول، وضمن ما متاح، لحدٍ ما، في تلك المرحلة، تجاوز ذلك الزمن، ويجهد لتمييز ألفته في التعامل مع الأشياء اليومية، والرموز وبعض دلالاتها بلغة، مقتصدة وبعيدة عن التهويل اللفظي والمبالغة، كما سعى لموقف الرفض، في مجمل قصائده، وهو يلتهب حماساً، و شاهداً على إن الدم المراق، تعسفاً، لا ينزع غير الجلد، ولا يخفي الليل سيوف القتلة، خاصة في قصيدة (العري والعصفور) التي نلمح فيها ذلك التخطيط الحميم لـمدينة (سانتياغو)، بعد الانقلاب الدموي في تشيلي، (سانتياغو) المحاصرة بالدم والدموع والحراب، إذ تنسحب المدينة عارية، تاركة النوافذ مغلقة على العشاق والمحبين، والغبار على الموائد، بينما ترتفع المناديل التي تثقبها الرصاصات ملوثة بالدم لتحط على المدينة بعد فرار العصافير مرعوبة. الشاعر " العاشور" وما قدمه في الستينات والسبعينات، بغض النظر عن ابتعاده عن النشر حالياً، في الصحف والمجلات العراقية- العربية، لأسباب نجهلها؟!. لكننا نعتقد، بحكم العلاقة التي ربطتنا منذ عقود، لا يمكن له أن يفارق الشعر كونه حاجة، لا يمكن الاستغناء عنها، تحت أي ظرف ما، وغاية إنسانية- شخصية، كما تذهب إلى ذلك الشاعرة البولونية- فيسوافا شيمبورسكا. وكذلك احتوت "الأعمال الشعرية" بعض القصائد التي لم تضمها تلك المجموعات والتي كتبها "العاشور" في أعوام الثمانينات، ولم ينشرها سابقاً، وقد تم ترتيب القصائد في، (تلاوة في ما قالته ريما للشمس) زمنياً وليس كما نشرت في المرة الأولى ضمن مجاميعه الشعرية. "العاشور" عرف، كذلك، باهتماماته وتنقيباته في التراث العربي، إذ حقق وأصدر ديوان "سويد بن أبي كاهل اليشكري" 1972، وديوان "عمارة بن عقيل" 1973 ، وكتاب" المسائل والأجوبة"لابن قتيبة1974، وديوان "محمّد بن حازم الباهلي"1977، و"تحسين القبيح وتقبيح الحسن"1981، و " المذاكرة في ألقاب الشُعراء"للمجد النشّابي الإربلي" 1989 وديوان" أبي الفتح البستي"- النسخة الكاملة- 2006، وأصدرتها جميعاً في مجلد أنيق " دار الينابيع- دمشق".كما سبق وحظي بأطروحة أكاديمية-ماجستير-( حوله وشعره) في كلية التربية- قسم اللغة العربية- جامعة البصرة.

عــن رسمك للقمر يا "مولاي"

maymon harashلقد حجزت غرفة لاثنين في بيت القمر

نقضي بها نهاية الأسبوع يا حبيبتي،

فنادق العالم لا تعجبني،

الفندق الذي أحب أن أسكنه هو القمر

لكنهم هنالك يا حبيبتي،

لا يقبلون زائرا يأتي بغير امرأة

فهل تجيئين معي

يا قمري . . إلى القمر.

نزار قــباني..

 

اختار المسرحي الكبير مولاي الحسن بنسيدي علي عنواناً جميلاً كما القمر هو " رسم بريشة القمر " لمجموعته القصصية ، ولم أقتنع بالعنوان إلا بعد أن قرأت باهتمام يليق بهذا الكاتب متنَ كتابه، ولن أتحدث عن التيمات التي تناولها هنا ، إنما الذي يتقدم على هذا لأنه الأهم ، بنظري، هو عشق الرجل للجمال في واقع مسيج بالقبح، فكان لا بد من رسم القمر لتكريس الجمال، والقمر هنا فعل جميل لإدانة القبح في كل صوره، وتجلياته..

والفن ليس تصويراً لشيء جميل إنما تصوير جميل لشيء من الأشياء، القبيح خاصة.. هذه هي القاعدة التي سيعتمدها الكاتب مولاي الحسن بنسيدي علي في كتابه هذا، مادته الريشة، وعالمه القمر ، يدعمه إحساس بغضب عارم تجاه مفارقات عجيبة..

هو فنان مغربي معروف أسدى خدمات جُلى للمسرح ، وأعترف لقلوبكم الطيبة بأن الرجل مهووس بهذا الفن، يسكن منه القلب والأهداب.. أقول هذا بعد أن قرأتُ له كثيراً، وبعد أن سمحت ظروفي لحضور أمسية مسرحية شارك فيها طلبةُ الجذع المشرك أدبي بمدينتي الناظور، بتنسيق مع من رتب ذلك اللقاء، وهيأ تلك الفرصة الثمينة.. حينها لم أمنع دهشتي وأنا أشاهده على "الهواء مباشرة" يرتجل مشهداً مسرحياً مع الفرقة ؛ كان جالساً قربي مع الجمهور، لكنه فجأة انتفض كعصفور بلله القطر فصعد إلى المنصة دون مقدمات ، وقدم أداء راقياً ضجت له القاعة بالتصفيق لأنه أقنعنا وأمتعنا.. كان حقيقة يناجي القمر فوق المنصة على طريقته..

لحظة من فضلكم ،

دعوني أعود للسؤال : لماذا القمر في هذه المجموعة؟

يقول مولاي الحسن بنسيدي علي في الكتاب : " حاولتُ في هذه المجموعة القصصية "رسم بريشة القمر" أن أرسم حكايات ..." ،ويبدو لي أن رسم الحكاية هنا ( التي يقصد على الأقل) ليست مثل الكتابة عنها، هناك اختلاف دقيق يتمثل في الفرق بين من يروم الكتابة لذاتها فيكتب دون استحضار المقصد منها وهو كما هو معروف المتعة والمعرفة، وبين من يكتب وهو يحمل- كما الطبيب- في ذاته وقلبه العلة التي يداوي بها الناس واضعاً نصب أعينه شرط الإفادة والإمتاع ، وهذا هو الفرق بين الطبيب والفنان مثلاً ، الأول رجل سليم يداوي مرضى، ولكن الفنان طبيب/ مريض لا بد أن يحس بألم الناس، لا بد أن يكتوي هو الآخر بالعلة ذاتها..

" رسمٌ بريشة القمر " قدم لها الدكتور نور الدين الفيلالي مع كلمة قصيرة للأستاذة سناء بحيوي سمّتها " اللغة والمعنى"..وكلاهما يجمع على أن الحسن بنسيدي علي في هذه المجموعة يعتمد الحوار بشكل لافت ، ويُرجع الفيلالي ذلك إلى طغيان نفَس الرجل المسرحي، فهو لم يعرف كيف يتنكر لجلده ،بينما اعتبرتْ بَحيوي أن هذا الحوار زاد من فرادة الخطاب السردي لهذه المجموعة .. وسأسمح لنفسي أن أضيف رأياً ثالثاً فأقول بأن الرجل يستحضر في " رسمه" تيمة "المرأة " في علاقتها مع الآخر ، وليس بالضرورة هو الرجل... وهو استحضار طاغٍ، واستدعاؤه لهذا الثنائي[ المرأة والآخر] فرض هذا الحوار في مجمل قصص المجموعة..

المرأة في مجموعة " رسم بريشة القمر " سيسبغ عليها كاتبُها مُسمياتٍ كثيرةً فهي : " الأنثى، والأفعى، والجنية، والمرأة، والزوجة، والحبيبة، والبنت،والوصيفة،والجدة،وقرة العين،والمجنونة،والفنانة،والوالدة والمبدعة،والسيدة،والأم... وباستثناء تيمات قليلة عالج فيها أموراً لها صلة بالسياسة تحتل المرأة الصدارة، وتتربع على مجموع القصص بنسبة كبيرة..

وبعد، أو ليست المرأة هنا هي القمر عند مولاي الحسن بنسيدي علي ؟..

ولعل المبدع وعى علاقة المرأة بالقمر، ولأنه شاعر وفنان فهو ينظر للقمر فيقدسه، ويشفع للقمر- بشهادة مجموعة من عشاقه- أنه ولد من الظلمة الأزلية، التي هي الرحم الجسدي الذي حبل بالكون فأنجبه كما جاء في أسطورة التكوين البابلية..وفي مجتمع تكتسحه الظلمة رغم "الكهرباء" ، ومؤسس على تناقضات غريبة كشفها مولاي الحسن في " رسم بريشة القمر " فلا مندوحة من التفكير في القمر ، هو وحده المانح للرؤية في طرق سديمة ، يقطعها لا العشاق، إنما المهمشون ، والمعذبون في الأرض..وبما أن موضوع المرأة طاغٍ على المجموعة فإن استدعاء القمر له ما يبرره هنا، وحَسْبُ مولاي الحسن بنسيدي علي أنه منح للقارئ " رؤية" عبر القمر حين كشف له عن أمراض اجتماعية خطيرة ، بطلاها هما المرأة والآخر..

وفي النهاية لا بد من تسجيل الملاحظات التالية :

- الكاتب مولاي الحسن بنسيدي علي فنان" طالع من بحر أزرق.. أزرق"، كريم وأريحي مثله .

- مجموعة " رسم بريشة القمر" تكرم المرأة من خلال استحضار قضايا متنوعة تكشف عن اختلالات عميقة في علاقتها بالآخر..

- رسمه للقمر في المجموعة مسوغ لمنح الرؤية.. وهذا هو هدف الكاتب الملتزم..

 

ميمـون حـرش

الشعر بين التقليلية والبوليفونية

anwar ghaniفي دراسات متعددة معمقة (1،2،3) بُيّن الفتح الجديد في الشعر المكتوب باللغة الانكليزية على يد الشاعرة الامريكية اميل لويل (1874–1925) الحائزة على جائزة بولتزر عام 1926 (4) باكتشافها النص البوليفوني في مجموعتها (قلعة كان كرانديس (2018) ، مما اعتبر تجديدا عميقا في الشعر المكتوب باللغة الانكليزية باعتماد العمق الصوتي واعتماد نظام الاوركسترا الصوتية والنثر البوليفوني (1،3) وتنازل المنولوج الشعري عن عرشه، مما حدا البعض بتوجيه الاشكالات الى اطروحة ميخائيل باختين بحصر الحوارية والبوليفونية في الرواية ، وفكرته عن احادية الشعر (5،6) حيث يقول اليزا ستنبي وتنتي كلابور ان مصطلحات باختين البوليفونية في الرواية تتعارض مع فكرته عن الشعر بانه عمل مونولوجي وانه يمثل فاشية الشاعر والواعي الواحد (6) وينقلان قول باختين (في لغة الشعر ، حينما يبلغ الشاعر اسلوبه ، فانه يصبح فاشستيا وعقائديا ومحافظا ، ويسحب نفسه من تاثير ما هو خارج الادب من صراع اجتماعي (7) .

رغم ان اللغة التقليلية راسخة في عملية الكلام البشري الساعي نحو التكثيف والاختزال والاقتصاد حتى ان العرب يفتخرون بالمعاني القصيرة في حجمها الكبيرة في مدلولها ، الا انها لم تستقر بشكل مذهب في الشعر الا بعد انجازات ستيفن الشعرية (ستيفن كرين 1871-1900) والهايكو الياباني (8) .

و قد يتصوروجود ملازمة بين التقليلية والصوت الواحد ، كما قد يتصور ذلك ايضا بخصوص التعبيرية والتي تهتم كثيرا في طرح المادة الفنية معبأ بالاحاسيس الفردية والرؤية الخاصة للمؤلف تجاه العالم (9) كردة فعل على الانطباعية والخشية من ضياع النفس والروح الانسانية وسط مادية العالم الخارجي بتاكيدها على الذات والقيم (10) . الا ان هذه التصورات لا واقع لها لان التقليلية والبوليفونية ما هي الا وسائل تعبيرية وادوات نصية ، وفي مستوى اخر غير مستوى التعبيرية .

و من هنا لا يظهر اي تضاد بين البوليفنوية التي تعني تعدد الاصوات والرؤى في النص والتقليلية والتي تعني التكثيف والاختزال ، بل ان التقليلية تضاد الطول في النص والبوليفونية تضاد المنولوج في النص ، نعم يكون من الصعب اداء النص البوليفوني بلغة تقليلية ، الا ان لدينا نص تقليلي لستفين كرين مشتمل على اكثر من صوت ورؤية في قصيدة (في الصحراء):

 

في الصحراء

رأيت مخلوقا

يجلس القرفصاء

ممسكا قلبه بيديه

وهو يأكل به

قلت له (هل هو طيب يا صديقي ؟).

فاجابني (انه مرّ مرّ)

لكنني أحبّه

لأنّه مرّ

ولأنّه قلبي

و يتجلى ايضا تعدد الاصوات في قصيدة تقليلية حاكيت فيها قصيدة كرين هذه عنوانها اقنعة

(أقنعة)

لقد أخبرتني أمّي أن أتسلّق الجبل باكرا

و حينما وصلت منتصف الطريق

وجدت رجلا في كوخ وبين يديه سلال أقنعة بشعة .

قلت له لماذا أنت هنا ؟ ولمن هذه الأقنعة .

قال لقد طردني القبح من مدينتكم

و هذا الأقنعة ابعث بها الى كل جميل

ليرتديها فلا يطرد منها مثلي .

 

و بهذا يتضح وبجلاء ان التقليلية والبوليفنوية هي مظاهر اسلوبية وتقنيات تعبيرية ، بمعنى اخر انها تقع في مستوى اخر مغاير لمستوى التعبيرية وقصد المؤلف وفكرته العميقة ونقله احساسه ونظرته تجاه العالم ، ومغاير لمستوى رؤيته للاشياء ، لذلك فان كل منهما انما هو وسيلة تعبيرية ومظهر تعبيري ، فيمكن للشاعر التعبيري نقل احساسه بالاشياء عن طريق نص تقليلي او عن طريق نص بوليفوني متعدد الاصوات .

هناك امر اكثر جوهرية ، اذ بينما تكون التقليلية دائما في موضع تعبيري وايحائي ورمزي متميز مما يضمن شعريتها ، فان البوليفنوية وبفعل تعدد الشخوص والرؤي ستكون قصا وحكاية لا اكثر ان لم تشتمل على بعد تعبيري ، وسيفشل السرد البوليفنوي في تحقيق الشعرية ان لم ينطوي على بعد تعبيري يلبسه ثوب الرمزية والايحاء . من هنا يظهر وبوضوح ان التعبيرية ليست شيئا ممكنا مع البوليفونية فحسب وانما ضرورة لتحقيق السردية التعبيرية في قصيدة النثر .

 

.................

المصادر

1-      John Gould , Fletcher , Miss Lowell's Discovery: Polyphonic Prose , Poetry , Vol. 6, No. 1 (Apr., 1915), pp. 32-36

Published by:

2-      Amy Lowell 1874–1925 biography , poetry foundation

3-      Georgina Taylor H.D. and the Public Sphere of Modernist Women Writers 1913-1946: Talking Women , oxfordpress

4-      Wikipedia . Amy Lawrence Lowell was an American poet of the imagist school from Brookline, Massachusetts, who posthumously won the Pulitzer Prize for Poetry in 1926.

5-      by Liisa Steinby, Tintti Klapur , Bakhtin and his Others: (Inter)subjectivity, Chronotope, Dialogism , Anthem Press

6-      Michael Eskin and Jerry , Bakhtin on Poetry , poetic todays .

7-      The Problem of Bakhtinian Terminology and Poetry ( The language of poetic genres, when they approach their stylistic limit, often becomes authoritarian, dogmatic and conservative, sealing itself off from the influence of extraliterary social dialects. Therefore such ideas as a special ‘poetic language’, a ‘language of the gods’, a ‘priestly language of poetry’ and so forth could flourish on poetic soil.(Bakhtin 1981, 273)

8-      Wikipedia , Literary minimalism

9-      Art movement , expressionism

10-    Art story , Expressionism

الأداء التمثيلي في مسرحية الختام ضمن المهرجان المسرحي العراقي

sarmad sarmadiعند قراءة الأداء التمثيلي في مسرحية الممثلة شذى سالم والممثل خالد أحمد مصطفى ومجموعة أخرى من الممثلين، والتي عرضت في ختام المهرجان المسرحي العراقي الأول ضد الإرهاب بتاريخ 15-06-2015م، نستذكر بعض الأساسيات في فن التمثيل من على خشبة المسرح، والتي لم تزل ترن في قاعات الدرس والتمرينات على حد سواء، تصدح بها بكل إخلاص حناجر أستاذ لفن المسرح هنا ومخرج مسرحي هناك، وتسترجع ذاكرة المتلقي عادة الخبرات النظرية والعملية، أي ما قد يسد ثغرة فنية في عمل يتم تلقيه، خاصة ان كان يدفع المتلقي ليتفق مع الفيلسوف غوته في تمنيه ان تكون خشبة المسرح اشبه بحبل السيرك، حتى لا يتجرأ احد ان يخطو فوقها دون ان يمتلك القدرة فعلا، وعلى حد قول جوته هذا قد نعي حقيقة كون الموهبة والرغبة لا تقدم شيء دونما القدرة.

قد يكون من الصعب ان يحاول كل من ممثلي هذه المسرحية مغادرة شخصيات قدموها سابقا، شخصية المرأة التي تنتظر زوجها الأسير، وشخصية العراقي الأصيل ذو غطاء الرأس البغدادي التقليدي الثمل دوما لعدم قدرته على مواجهة الواقع المتردي، فلا يوجد مبرر واضح لهذا الأداء المتواضع الذي قدمه الممثل خالد مصطفى والممثلة شذى سالم في مسرحية ختام المهرجان المسرحي ضد الإرهاب، الا تلك الثقة الغير مجدية بتقبل المتلقي العراقي للأنماط المصدرة على مر النتاجات التعبوية الحكومية او المتوافقة مع الخطاب الحكومي، دليل ذلك الضعف البالغ الأثر على المستوى الفني للممثل، والقوة المنشود وقعها في المتلقي للنص الذي كان اشبه بالبيان الرسمي، حيث لم يولي الممثل بالا إلى اهمية واسطة نقل الرسالة واثرها السلبي في مثالنا الحالي على الرسالة ذاتها، ناهيك عن ازاحة ما للمسرح من خصوصية فنية في درجة من الخطورة بمكان بحيث دفعت من ادركها من الأنظمة الدكتاتورية ان يحد منها بشكل او بآخر، فما كان مشهد بداية المسرحية الخجول على المستوى الفني الا توأمة لشكل الاخراج في عروض التسعينيات من القرن العشرين في العراق، وقتما اضطر الفنان المسرحي ان يخفي صرخته، لدرجة ان لم يعد من السهل على المتلقي ان يعرف من يمثله ومن يمثل عليه، أثناء أزمة الهوية المجتمعية المعاصرة.

تعد الحاجة إلى الشعور بالرضا عن الممثل الذي يقدم لنا شخصية يقوم بأداء دورها في مسرحية، هي الأساس في مهنة الممثل الذي يعتاش من خلال مهنته كانسان يملك عملا، قد يتربح يوما وقد يخسر، لكنه عمله الذي يحترفه ولا يوجد لديه مصدر آخر يعول به اسرته، فقد نحترمه لصنعته يوما لكننا قد لا نتقبل ما يقدمه، وهذا حال كل عمل، خاضع للعرض والطلب، الا ان المسرح في العراق يخضع لمعادلة مختلفة تماما، فمن يعتاش على مهنته في التمثيل يصنف ضمن المسرح التجاري، وهذا النوع من المغضوب عليهم إعلاميا ونقديا وأكاديميا، فهم توارثوا تهمة الإسفاف وتخريب الذوق العام وما إلى ذلك من تهم حسب توجه الحكومات التي تسلطت على ثقافة المجتمع العراقي، ذات السياسات التي تسمح لهذا النوع بالانتشار في وقت محدد ولغايات مصلحية محددة، كما انتشر إبان فترة الثمانينيات بشكل مخزي، لدرجة ان ساهم في كتم كل أصوات الحزن الموجهة للتوابيت المحمولة على سيارات التاكسي، قادمة من جبهة الموت لأجل ادامة حكم طاغية لا اكثر !، أي نعم، ان هنالك هامش من الاستقلال في الرأي عند المثقف العراقي عند قراءة هذا النوع من المسرح، لكن هذا الرأي يجل من قيمة الشعر المكتوب باللهجة العامية وبنفس الوقت يحط من قدر ولا يلي بالا للعرض المسرحي الناطق بنفس اللهجة، وكأن جمهور هذا المسرح وكوادره خارج موضوع الجدل الثقافي، وعلى الصعيد الفني لا نجد ما يمكن اعتباره اعتدالا في الرأي نحو هذا جمع الممثلين الذين يعتاشون على مهنتهم، حينما يتم الإعلاء من شأن المسرح المضاد، افتراضا، والذي لا يعتاش ممثليه على فنهم، والذي هو اقل حضورا في ذاكرة المواطن العراقي، لكنه بنفس الوقت يحتل المساحة الأكبر إعلاميا ونقديا وأكاديميا على صعيد الفن والثقافة بشكل عام.

تعد القدرة على انجاز رؤية فنية من خلال اداء الممثل هي المحصلة النهائية التي تصل بالممثل إلى جادة الخبرة، يراها سانفورد ميسنر أربعون عاما، وتحاول ستيلا ادلر ان تركزها في قوة التخيل لدى الممثل، الا ان هذه الآراء و ان جاءت على ألسنه أشهر منظري التمثيل في القرن العشرين، قد تكون ابعد ما يكون عن واقع الممثل المسرحي العراقي، الذي لم يسعى بالشكل المعروف عالميا إلى تطوير قدراته من خلال الالتحاق بكل مدرسة جديدة في فن التمثيل، بل اكتفى اما على صعيد دراسته الأكاديمية، والتي ان لم يكل القارىء يعرف، يكون الجزء العملي من الدراسة فيها حصريا في مرحلة البلوم في المعهد او البكلوريوس في الكلية، او من خلال العمل في مهنة التمثيل ضمن دائرة السينما والمسرح او النقابات والفرق الفنية المنتشرة في العراق، وغالبا ما تكون هذه الخبرة اكاديميا اوعمليا.. تراكمية، أي انه يكرس ما تعلمه، يعيد ما ابدع فيه، ودليل ذلك انتشار نمط شخصية الممثل جاسم شرف في مسرحية بيت الطين في كل النتاجات الكوميدية التي احتوت شخصية الريفي البسيط او الشرطي الأبسط، على ما في التكرار من بعض الرتوش المعاصرة، بالتالي يمكن ان نخلص إلى خطأ شائع حول قدرة الممثل بكونها بالنسبة للممثل العراقي، اتكال على ادوار سابقة، اكتفاء بالقدرة على مواجهة المتلقي، التبجح بالقدرة على الالقاء دون اخطاء نحوية وكانها محاضرة في الشعر العربي، وما على المتلقي الا التصفيق شاكرا هذا الفضل والكرم الفني.

بالطبع، لا يمكن الفصل بين اداء الممثل خالد مصطفى في مسرحية الختام المذكورة قيد القراءة، وما بين طبيعة الأدوار التي قام بتشخيصها سابقا، ونقصد هنا بالذات الأدوار المسرحية في ما يعرف بالمسرح الجاد أي الناطق بالفصحى، ولنكتفي بذكر دلالة بسيطة، صوتية، فصوته لم يتغير أبدا، وكأنه يمثل من خلال التغيير الطبيعي الذي يحدث لجسده بفعل تقدم السن، ولكننا هنا نطمح بالكثير ان قلنا ذلك فعلا، من ممثل لم يهبنا في هذا العرض الفصيح الا القليل جدا، فالعرض الفصيح جاد كما هو معروف في الوسط المسرحي !، وكأن الناطق باللهجة العامية العراقية ليس من المسرح في شيء، وبالتالي تعتبر مسرحية في انتظار جودو التي عرضت في بداية الستينيات من تمثيل الممثل سامي عبد الحميد ليست بالجادة، فقط لكونها عرضت باللهجة العامية!.

في الدقيقة الأولى لأداء الممثل في هذا العرض المسرحي نجد الشخصية التي يؤديها خالد مصطفى تتمحور حول كون الغرض منها هو إعطاء بعض الراحة للشاعرة-الممثلة شذى سالم حيث لم يكن هنالك ما يوقف سيل النص في إلقاءها الشعري الصرف، وهنا الشعر والشاعرة، ونحن نناقش أداء ممثلة لا يأتي بالمعنى الايجابي، بل انها اختارت ان تؤدي كالشاعرة في الوقت الذي يجب ان تكون ممثلة !، والدليل ان الممثل خالد مصطفى تم وضعه في موقف بحث تجلس.. نعم تجلس الشاعرة التي هي الممثلة شذى سالم لكي ترتاح من تعب اكثر من عشرين دقيقة كانت فيها تقف على خشبة المسرح تحاول الفكاك من منطقة وسط الوسط واسفل الوسط من على الخشبة ولم تستطع لأن هذا هو معنى التمثيل بالنسبة لها، ان تكون واقفة وبمواجهة مع الجمهور طيلة هذا الوقت تلقي الصفحات تلو الجمل والكلمات دونما أي سبب يدعو لبعض التعدي على حدود منطقة اسفل الوسط.. الا اذا كان لمنطقة وسط الوسط، وبمواجهة الجمهور وذات نبرات الالقاء الشعري ايضا، طبيعي ان تكون بحاجة إلى راحة، وكأس ماء ربما، لكنها اكتفت بالجلوس في اللحظة لتي ظهر فيها الممثل خالد مصطفى، لتثبت حاجتها للراحة، وبنفس الوقت تترك منصة (الشعر.. أي خشبة المسرح !).. المنطقة المفضلة من على خشبة المسرح، للشاعر، الممثل، الذي ظهر الآن، هذا ناهيك عن ظهور ممثل اخر القى شعره- حواره وهو واقف في عمق المسرح في ذات العرض، وكأن الجميع اتفقوا على ان التمثيل من على خشبة المسرح، هو الوقوف عليها فقط ومواجهة الجمهور وإلقاء الحوار كالشاعر ! ، وهذا صحيح فقط.. في زمن ارسطو واضع كتاب فن الشعر!.

 

الدين والجنس بين المقدس والمدنس في رواية العفاريت (1)

alkabir aldasisiشكل الجنس تيمة أساسية في الكثير من الأعمال الإبداعية منذ القديم، وإن لم نكن هنا بصدد البحث في الإشارات الجنسية في تلك الأعمال الإبداعية عامة والسردية[1] منها على الخصوص[2] . ولكن يكفي القول أنه يكاد يكون من الصعب وجود عمل قصصي لا يتضمن إشارات جنسية، بما في ذلك الملاحم والأساطير القديمة، وحتى قصص الأنبياء والرسل في الكتب السماوية، كما تجلى في قصص يوسف مع زوجة العزيز، وقصة سليمان مع بلقيس، وقصة لوط...

والرواية العربية على حداثتها لم تكن بمنأى عن الخوض في مسألة الجنس، وإذا كانت الروايات الكلاسيكية قد عالجت المسألة من خلال التركيز على التيمات المألوفة المرتبطة الزواج/ الخيانة/ الفحولة / معاناة أحد الطرفين من عجز الشريك أو عدم إشباعه للغريزة الجنسية ... وتأثير ذلك على أحد الشريكين نفسيا اجتماعيا وثقافيا.. باللجوء إلى التلميح أكثر من التصريح كما تجلى في كتابات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهما من كتاب القصة ... فإن ما كتبه محمد شكري في الخبز الحافي[3] قد مهد لرفع الحجاب ومهد الطريق لروايات تناولت المسألة الجنسية بجرأة انتهكت حرمة الموروث الحكائي العربي في مقاربة الجنس وتجاوزت التلميح إلى التصريح.. فجاءت الرواية المعاصرة أكثر جرأة في وصف المشاهد الإباحية، وتسمية الأعضاء الجنسية بمسمياتها يتساوى في ذلك الكتاب من الجنسيْن في مختلف الأقطار حتى تلك التي ينظر إليها على أنها مجتمعات مغلقة ومحافظة كدول الخليج واليمن (وسنعود في مقال آخر للحديث عن الجنس في الرواية العربية بنون النسوة)، بل أكثر من ذلك لم تكتف الرواية العربية المعاصرة بمقاربة الجنس وحده بل تجاوزت المعهود لرمي الأبطال نحو الحدود القصوى للممارسة الجنسية كما فعلت الكويتية فوزية شويش السالم ببطلي روايتها (سلالم النهار) إذ جعلت البطل يجرب مع زوجته الحدود القصوى وكل ما خطر بباله في علاقة امرأة برجل، كما وتجاوز الرواية المعاصرة وصف الجنس في صفوف الداعرات،والشباب .. إلى النبش في جنس الفئات المتدينة التي تُظهر للعموم أن الجنس آخر اهتماماتها ما دامت اختارت الظهور بمظهر المسوح الدينية، فحاولت سبر أغوار التفكير الجنسي لدى المحجابات وشغفهن للجنس (كما في رواية حرمة لليمني علي المقري حيث كل هم البطلة المتدينة الظفر بعلاقة جنسية ولو عن طريق تعرضها لاغتصاب جماعي) .. والهوس الجنسي عند المشرفين على المساجد والزوايا الدينية (كما في بطل رواية زوج حذاء لعائشة) حيث البطل إمام المسجد والخطيب الديني مزواج كل همه الجنس واغتصاب زوجاته ..

إن المطلع على ما يصدر في الرواية العربية المعاصرة يدرك وكأن الرواية – دون غيرها من الأشكال التعبيرية - قد حملت على عاتقها الخوض في غمار المسألة الجنسية في وقت التزمت المؤسسات الرسمية والمجتمعية من إعلام ومدارس وأسر وأحزاب ونقابات وجمعيات... الصمت تاركة الأفراد كل يحل مشاكله الجنسية بمفرده،

لقد تمكنت الرواية المعاصرة من تجاوز النظرة التقليدية للجنس حيث الرجل هو الفاعل الوحيد في العملية، فأتاحت للمرأة التعبير عن رأيها الجنسي سواء من خلال الكاتبات أو من خلال شخصيات فنية مبتكرة، ساهمن في تخفيف حدة مفهوم الجنس في واقعنا، وأصبحت الروائيات يتحدثن عن الجنس قبل الزواج، يبحن بالحاجة إلى الجنس، والرغبة في إشباع غريزتهن الجنسية دون الشعور بالذنب أو الإحساس بالإثم، في تمييز بين البكارة الدينية رأسمال الفتاة الوحيد التي تمنع أي تجربة جنسية قبل الزواج وافتقادها يعني ضياع مستقبلها كما كان مصير سديم الحرملي في رواية (بنات الرياض) للسعودية رجاء عبد الله الصانع. والبكارة التوافقية[4] التي تسمح بتجارب جنسية دون افتضاض مثلما قدمت نبيلة الزبير من خلال بطلتها (رجاء) في رواية (زوج حذاء لعائشة)

ونظرا لتعدد الروايات التي قاربت المسألة الجنسية، وتعدد طرق المقاربة نقدم لقرائنا في هذا المقال رواية من المغرب هي رواية العفاريت لإبراهيم الحجري كنموذج يتقاطع فيها الجنس والدين وهي مجرد عينة لاتجاه له حظور في الرواية المعاصرة يعكس ( رؤية للعالم) العربي من زاوية معينة ...

رواية العفاريت رواية صغيرة الحجم (120 صفحة مع وجود عدد من الصفحات شبه فارغة وصفحات أخرى لم تتضمن سوى عناوين الفصول) لكن رغم صغرها فهي تتضمن روايتين كان مختلفتين كان بإمكان السارد أن يجعل من كل واحدة منهما رواية مستقلة كبيرة الحجم، فاختار التكثيف والمزاوجة بين رواية تتمحور حول المقدس، وأخرى لا تدور إلا حول ما هو مدنس جاعلة من الدين والجنس خيطا رابطا بينهما. الرواية صدرت في طبعتها الأولى سنة 2013 عن دار النايا للدراسات والنشر والتوزيع بسوريا والشركة الجزائرية السورية للنشر والتوزيع ودار محاكاة للدراسات والنشر والتوزيع.

تحكي رواية (العفاريت) حكاية مركبة زمنيا موحدة مكانيا تسير فيها الأحداث زمنيا على خطين متوازيين لا يلتقيان:

الديني المقدس أوخط الزمن الماضي : زمن الشيخ سيدي مسعود بن حسين في العصر السعدي (القرن السادس الميلادي) وفي هذا الخط تحكي الرواية كيف حل مسعود بن حسين في أرض دكالة ( أولاد فرج) قادما إليها من بلاد القصبة (تادلة ) مثقلا بالعلم والكرامات بعدما انفصل عن شيخه ومعلمه سيدي بوعبيد الشرقي الذي حدد له مكان إقامته ( ارحل يامسعود يا ضراب العود أنت الآن قطب والقطبان لا يجتمعان اذهب على التلة الخضراء على الضفة الغربية لوادي ام الربيع وابن لك متاهة تفضي بك إلى الأسرار العلوية )[5] ـ وعندما وصل المكان المعلوم، ترك لفرسه اختار مكان بناء الراوية، ليستقر في منطقة آهلة بالأولياء (أبو شعيب السارية غربا/وعبد الله أمغار في الجنوب الغربي، وأبو يعزى يلنور نحو الجنوب الشرقي، / سيدي إسماعيل/وسيدي موسى وغيرهم) وتمكن من أن يحظى بتقدير من عاصره من الأولياء وتقدير العامة له لما له من كرامات فهامت إليه الوفود من الإنس والجن، وعقد معهم التحالفات والمعاهدات وجاء في معاهدة الجن .جاء في معاهدة مع الجن وقعها كل من ميمون، ميرة، شمهروش وعائشة و تلاها كبير الجن ما يلي:

( إننا معشر الكائنات اللامرئية نقر بمركزيتكم الدينية، ونشهد بفيضكم الرباني، وإخلاصكم للمعشوق، وعليه فإننا نرجو أن تقبلوا بنا أتباعا لطريقتكم ونهجكم الصوفي وترضوا بنا جندا قي صفوفكم ندافع عن زاويتكم أذى من عاداكم، ونطرد من حوليكم الشر، ونحتفي باستقامة نهجكم ونتخذكم حكما للفصل في نزاعاتنا ونستفتيكم في أمورنا صغيرعا وكبيرها ونقضي حاجاتكم بالسرعة التي تقدر عليها...)[6]

هكذا غدا مسعود يحكم بين الناس والجن بالعدل ويرد المظلومين حقوقهم لا يرضخ لا يدعن لسلطة أحد بمن فيهم السلطان الأكحل الذي زار الزاوية، وقرر هدمها والتخلص من مؤسسها بعد الاستقبال الذي خصه به ورأى فيه السلطان استقبالا يحط من قيمته كسلطان... لكن مسعود استطاع دحر جنود السلطان بعد الاستعانة بأحلافه الذين طلب معونتهم في إحدى جذباته :

ىسيدي محمد الفحل، آتيني بالنعرة والنحل

آمولاي بوشعيب آتيني بالعوين في الغيب

أسيدي بنور آتيني باللريح والشاقور

ىسيد عبد الله أومغار أتني بالحجر والمزرار)[7]

فغارت النعرة على الجياد، وغار النحل على الجند ودفعت بهم الريح شرقا نحو وادي أم الربيع، ورمتهم مجانيق خفية بالحجر المصهور ) وبذلك دحر جندَ السلطان

مقابل هذا الخط الذي تميز فيه البطل بالقداسة سارت أحداث الرواية على خط آخر مناقض هو خط آخر مدنس أو خط زمن الحاضر، وهو زمن تدور أحداثه قبيل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وبهذا الخط افتتحث أحداث الرواية إذ انطلقت بوصف لساحة زاوية سيدي مسعود في الحاضر وهي تعج بحركة زوارها من قاصدي الشفاء وطالبي العفو، والمترددون عليها للبيع والشراء (كحبيبي بائع الخبزو ولد مبارك بائع النعناع بريك الإسكافي، ميسي ..) ناهيك عمن يرتادها لأغراض أخرى ككحطار، بركاوي، والحمقى والعاهرات والسكارى والمحتالين ... ومن تلك الحشود يختار المؤلف شخصية بوشعيب الراعي /العسكري كواحد من العفاريت الإنسية ليمحور حوله أحداث هذا الخط المدنس: كان بوشعيب يعيش حياته و( هو هائم طول عمره منصرف إلى ما تمليه عليه هواجس اللحظة متخطيا كل الخطوط الحمر لا يبالي بالحدود ومن تم كان يصنع مأسيه المتلاحقة)[8]، كان الشاب بوشعيب راعي غنم قائد مغربي متواطئ مع المعمر، ليجد نفسه مشاركا في الحرب العالمية الثانية بعدما (رأت فرنسا ومعها الحلفاء أنه من عين الصواب الاستعانة بالموارد البشرية الهائلة التي توفرها المستعمرات بإفريقيا وشمالها )[9] أبلى البلاء الحسن في الحرب وترقى في رتب الجندية الفرنسية، فتغيرت حياته من الراعي الذي ( كان يقضي حاجاته في الخلاء كأي كلب ... ويفرغ ضعفه الجنسي في أية دابة ) إلى شخص (أصبح الآن يأنف من مضاجعة السمراوات المستوردات من إفريقيا وجنوب أمريكا وشرق أوربا كان عندما يفرغ من إحداهن يقول لها حمارة شارفة أحسن منك )[10]، لكن دون أن يعوض ذلك السعادة التي كان يحس بها في مروج دكالة وراء الغنم، وبعد انهزام الجيش النازي، وإثر كثرة فضائحه، وبعد ضبطه متلبسا مع فتاة قاصر ( Anne) حكمتعليه السلطات الفرنسية بثلاث سنوات سجنا نافذة (لم يكد يقضي منها خمسة عشر يوما حتى أطلق سراحه بعفو عسكري مع الالتزام بإفراغ البلد)[11] .. هكذا رجع بوشعيب إلى المغرب وبدد ما جمع من ثروة على النساء، مشاريع فاشلة، ودفع غرامات على الاعتداءات التي كان يرتكبها (فأصبح مواطنا منبوذا، معتوها، مشوه السمعة بلا أفق ولا كرامات، تتحاشاه حتى الدواب والأطفال )[12] لذلك هجر قريته ليستقر قرب الزاوية مدعيا الانتشاب إلى شجرة الولي الصالح سيدي مسعود بن حسين، ( كي يمارس رياضته المفضلة : ركوب صهوات النساء بذريعة صرع الجن ومداواة المومسات..)[13]

بنيت الرواية على المزاوجة بين هذين الخطين، في بناء مركب يتوحد في المكان في قرية أولاد فرج وبالضبط في حرم زاوية سيدي مسعود كبؤرة مكانية تنطلق منها الأحداث لتعود إليها في خطين متوازيين مبنيين على التقابل : مسعود كان يسير على خط التقوى والورع ما أن استقر بأولاد فرج حتى (بات المريدون يتكاثرون يوما عن يوم، ويفدون من كل الجهات ) وصار قطبا ومحجا للمريدين وكبار الصلاح العارفين (كان كل من سيد غانم وسيدي معاشو وسدي موسى وسيدي أحمد سالم وسيدي أحمد الشريف وسيدي أحمد بن دريس وسيدي عبد العزيز بن يفو من الذين يواضبون على القبة الخضراء بحكم علاقتهم المتينة بصاحب المقام)[14] مقابل ذلك جعل السارد نت جيل بوشعيب العسكري من هذا المكان (الذي كان مقدسا) ماخورا مفتوحا ومجالا لاسترزاق محتالين يمتظاهرون بمسوح الدين وكل قد اختار في الاحتيال التخصص الذي يجيده:

فإذا كان مسعود بمكانته الدينية فردا في صيغة الجمع (يجمع بين عدة تخصصات) يتحكم في الإنس والجن، يصلح ذات البين، يداوي، يحكم لا يخشى لومة لائم .. فإن رجال اليوم أفراد وزعوا منافقين ادعوا الانتساب للزاوية وغدوا يستغلون الناس وقد حدد كل واحد لنفسه هدفا فما أن تقصد مريضة الزاوية حتى تجد نفسها ضحية تنهشها عفاريت إنسية : ولنرى كيف تعامل هؤلاء العفاريت مع أول ضحية تقدمها الرواية (الفتاة الرشيقة التي قدمت من الدار البيضاء) :

- الطويهر خوي : يزيل عمامته المتسخة ويضعها على رأسها ذي الشعر المقصوص بتقطيعة الكوب كاري وعيناه تنفلتان إلى صرتها العارية وصدرها المتمرد الذي يدفع الثوب إلى الأمام على شكل قبة تارة وتارة يزيغ ببصره صوب حقيبة مصروفها اليومي )[15]

- البحديوي صاحب القميص الأبيض والعمامة الخضراء يريد أن يستدرجها لتكتري كوخا في داره العتيقة...

- العسكري .. ذو الجلباب الأبيض .. لا يرى فيها البزطام بقدر ما يرى ساقيها المرمريتين وردفيها الذين يملآن سروال الجينز... يرى فيها قبة مغرية وسط البطن.. يرى فيها طريدة تسيل اللعاب يرى فيها مشيتها التي تحمق لأنها تشبه مشية Anne التي كانت سبب شقاوته

- العويويق ( سمي بذلك لأنه كلما بدأ يداوي الضحية أطلق العنان لعيقتة بالصياح الذي يشبه تمام وقوقة الدجاج يطارد هو الآخر الفتاة الرشيقة )

- الحجيجيم الأبله الذي يسيل اللعاب من فمه (لا يطمع في شيء غير بسمة من الفتاة الرشيقة فيحس أن العالم كله تحت رجله)

- البوحاطية (المرأة البدينة العجوز العاقر التي تتلحف إزارا ابيض وتتبع الطرائد الأنثوية والذكورية معا تتصيدهم لزبناء وهميين تمتلك بطائقهم المسبقة، توفر دارها للكراء ولممارسة البغاء وتؤمن المأوى للخارجين على القانون، وتنقل الأخبار الجديدة إلى الدرك فهي عينهم في الحي وهي تتربص بالفتاة الرشيقة هاته؛ عسى أن تكون سلعة تبيعها لأحد زبنائها الميسورين الذين يتنافسون حول السلعة البرانية)[16]

- الرداد الهافات بائع الشمع بالتقسيط .. يطارد هو الآخر الفتاة الرشيقة طمعا في أن يستدرجها لتقتني بضاعته قائلا:(خوذي آ البنت الباروك قبل ما تدخلي للسيد)[17]

يظهر من خلال تتبع أحداث الرواية أنها تلامس بعمق تلابيب الثلاثي المقدس، الطابوهات الممنوع مقاربتها والاقتراب منها والتي ما قاربتها رواية إلا ثارت ثائرة العامة والخاصة ضدها: (السياسة، الدين والجنس):

صحيح أن السياسة أقل حضورا في الرواية (وإن كان الهدف من الرواية سياسي هو لفت انظار المسؤولين إلى الحال التي أضحت عليها زاوية سيدي مسعود بعدما كانت منارا علميا ودينيا) إذ تكاد تختزل السياسة داخل النص الروائي في إشارتين ( حظور السلطان الأكحل للزاوية ومحاولته هدمها وإخضاع صاحبها من جهة والإشارة إلى البوحاطتة باعتبار عين الدرك والسلطة في الزاوية من جهة ثانية) عدا ذلك لا إشارة سياسية في الرواية وكأن الكاتب انتبه إلى أن طابو السياسة بدأت تنكشف عراه، وأن حراس السياسة والمستفيدون منها (وهم قلة ) فهموا آليات اللعب ووعوا أن التضييق على منتقديهم يجعلهم أبطالا فأصموا آذانهم عما يكتب بعدما لم يعد لهم الوقت للقراءة لذلك قل العزف على وتر القضايا السياسية والإيديولوجية، مقابل ذلك اختار الكاتب العزف على وتري الدين والجنس لما لهما من تأثير على الفئات الشعبية، ولقدرتهما على تحريك الرأي العام، ولقدرة هاتين التـيـمتين على تفيف رواج لبعض الأعمال الإبداعية (ما دام كل ممنوع مرغوب) منذ أن فجر (الخبز الحافي) عين الرواية الجنسية والأمثلة كثيرة في كتابات الرجال والنساء....

انتظرونا في الجزء الثاني نقتحم عباب الرواية لنكشف تقاطع تيمتي الدين والجنس/ المقدس والمدنس

 

ذ.الكبير الدايسي

.........................

[1] - ألقيت الخطوط العريضة لهذا الموضوع في النسخة الثانية لملتقى الرواية الذي نظمه مختبر السرديات لكلية الآداب بنمسيك بالبيضاء ونادي القلم المغربي فرع آسفي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمدينة الجديدة 23 ماي 2015

[2] - أنظر كتاب أزمة الجنس في القصة العربية . غالي شكري . ط 3 منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت 1978 محور الجنس والفن والإنسان

[3] أنظر رواية الخبز الحافي .محمد شكري

[4] - أنظر كتاب سوسيولوجيا الجنسانية العربية. عبد الصمد الديالمي . ط 1 دار الطليعة بيروت. 2009. ص 164

[5] - ص – 37

[6] - ص – 41

[7] - ص – 99 – 100

[8] - ص – 21

[9] - ص – 27

[10] - ص – 30

[11] - ص – 32

[12] - ص – 33

[13] - ص – 33

[14] - ص – 43

[15] - ص – 47

[16] - ص – 48 – 49

[17] - ص – 49