قراءات نقدية (أدب، مسرح ، فن)

قراءة وتأويل لقصيدة (من ..؟) للشاعر علي أبو عراق .. السؤال عن هوية الفاعل

ryad abdulwahedالزمن

غراب منتوف الريش

برجله الوحيدة

يقلب محارق لا تخمد

بهذه الصورة السوداوية القاتمة تتعرى الحقيقة وتتجلى أمام أعيننا ونحن كمن يعلك الهواء بأيد فارغة مقلوبة، ويحرث البحر ويركض خلف أشياء واقفة وهذا هو ديدن الشعر الذي يتفحص الواقع برؤى ثاقبة تستجلي المستور قبل الظاهر، وتعالج الظاهر بروح  إنسانية لا تريد إلا الخلاص مما علق بها من أدران الزمان المقيت الذي لم يخلف غير المزابل والمحارق والغربان الناعبة . وأمام هذا الخراب كله لابد أن تشرئب أسئلة، هي في حقيقتها أسئلة الوجود حيال المغيوب  وغير القابلة بالمقسوم، الباحثة عمن يقوم بأية قفزة خارج وجوده المحاط بالخيبة، (والباحث عما يملأ عدمه وهو يضيع أكثر فأكثر ضياعا كاملا في عالم الشيئية اليومية \ إستراتيجية التسمية \ مطاع صفدي \ص83 .

 

النص

من يبكي مدنا رحلت

وأخرى تتأهب للرحيل؟

من ينكثُ عنها

غبار جيوش هاربة

وعطن بساطيل غازية ؟

من يبشرها بسماء

تمطرُ

أسراب حمام

لا يبصق فمها المزرق

بشارات اللعنة

من يعينها

على حزم ما تبقى

من نارها

ورمادها

ويسند كتفها

لتمضي

بقليل من الهلع

إلى ظلماتها المنتظرة

 

من يخنقه النحيب

ويسحب شرشفا باردا

على عينين ككوتي جحيم

ويتلو صلاة الوحشة

على روحها ؟

التي علقت دهورا

على حبل من جثث أطفال

يتأرجح

في مواسم أزهار اللحم الوردي

 

ينبغي الإشارة أولا  إلى إن  اضطلاع هذه القصيدة بهذا التوجه لا يعد سلبا بل هو استثمار لحس شعري يتوسم دورا إنسانيا ذا قيمة فنية تعزى إلى واقعية تبلورت في جمالية شعرية . تنبي القصيدة على محور الاستفهام  المشتعل بداية والخابي نهاية، فالقصيدة تتوزع على مجموعة من الإشارات المهمة تتمثل بالاتي:

1- إشارة الخراب التي يلخصها السطر الأول والثاني في القصيدة

2- إشارة الانكسار التي تلخصها الاسطر3، 4 و5

3- إشارة الأمل التي تلخصها الاسطر6،7 و8

4- إشارة الإدراك الحسي بالفجيعة التي تلخصها الأسطر من 19 –

 27

إن بنية الخطاب – هنا – وعلى الرغم من انبهامها عبر بنية الأسئلة إلا إنها غير ممتنعة عن المكاشفة في ضوء الإشارات آنفا، إذ إنها توحي بنحو واف بحقيقة تتبلور بواسطة الدلالات المنبثقة منها، فالأسئلة هي البؤرة المولدة والمختفية وراء حجاب المغيوب مقصديا، ومن هنا تتأتى المتعة في استكناه وملاحقة مترشحات تلك الأسئلة التي قوضت الذات السائلة واستحوذت على جل اهتمامه، فكأن فحوى الأسئلة ينشد خلاصا لا يتأتى من معطيات ما هو رؤيوي  بل مما يترشح من الواقع، لأن طرح الأسئلة لا فائدة منه إلا بمقدار ما تقوم به من عملية عصف روحي  يتوخى حلحلة الوضع القائم باتجاه تغييره جذريا بواسطة استنهاض الآخر بمجموعة من المعطيات السالبة لإرادته والقائمة بقتل كل ما هو مضيء

 

كما يمكن أن نجسد البنية التصويرية  بالجدول الآتي:

 

الصورة                                                وظيفتها في النص

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مدنا تتأهب للرحيل                                تهويل الخطر القادم

أسراب حمام لا يبصق فمها            ثبات روح المحبة والسلام

المزرق بشارات اللعنة

من يعينها على حزم ما تبقى             التهديد بالزوال

من نارها ورمادها

يتأرجح في مواسم أزهار اللحم        التذبذب والزوال

الوردي

 

لاحظ إن الوظائف تشتغل بنحو تأثير الموجهات الخارجية التي تأخذ أبعادها من البؤرة الأساسية  \ الاستفهام \ الذي تعزى له بواعث التأثير المتمثلة بمجموعة من الاستخلاصات القيمية، إضافة إلى انطوائها على قصد مبيت يرمي إلى اضفاء الوظيفة الوصفية لتوكيد تأثير البنية الخارجية ومحاولة خلخلة الحالة النفسية للأخر  بواسطة تعزيز احتمالات حدوث الخراب الاكبر بدءا من عملية | التأهب للرحيل | حتى عملية التأرجح الدالة على القلق واللاثبات . وتنبؤنا النهاية عن اتساع بنية التوتر الخالية من أي سؤال، فلكل عنصر من عناصر الجملة موقع في ترتيب بناء الجملة، كما إن لترتيب عناصرها دورا في اختلاف المعنى وتعدده من اجل إضافة دلالات جديدة توسع مديات التأويل، والاستنتاج . فعملية التقديم والتأخير التي مارسها الشاعر في القصيدة أبرزت موقفا انفعاليا حيال المتحصل، وما يحدث، وما يمكن أن يحدث في ظل حاضر رقراق ومتسارع لا يتسم بالاستقرار، النقاء والصدق . فالأسلوب الخبري المستعمل ذو مقصدية بوحية مما يعتمل في ذات الشاعر،  مما أوحى بقيمة سردية اتسمت معالمها في المضمون المحكي المؤطر بالخوف من القادم، والمستنتج مما تقدم من الأيام .

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا التحليل، إن قصيدة النثر لا تتبنى كيان وزني معين  كمظهر خارجي  لأنها تعتمد على الإيقاع الداخلي الذي تولده البنى الشعرية المتكثرة في أكثر من مجال . يتجلى في هذه القصيدة الإيقاع الداخلي عبر المنظومة الحروفية المستعملة، إذ يشكل الحرف مستوى صوتيا لا يستهان به في رفع منسوب البنية الإيقاعية، إذ هيمنت بعض أصوات الحروف على القصيدة وكالاتي:

 

حرف الميم: 22مرة

حرف النون: 10 مرة

حرف العين:9 مرة

حرف الغين: 3 مرة

حرف الراء:23 مرة

حرف الشين:  6 مرة

حرف السين: 6 مرة

حرف الكاف: 5 مرة

حرف التاء:15 مرة

حرف الفاء:3 مرة

حرف الحاء:11 مرة

إن حروف \ الراء، العين والميم \ من الحروف المجهورة، بينما الكاف والحاء والفاء من الحروف المهموسة، وعملية المزاوجة بين الجهر والهمس تضفي تنويعا إيقاعيا  بواسطة الجرس الداخلي وتنغيمه الموسيقي وتأثيره على إذن المتلقي واستجابته له في ترطيب وطراوة البعد الاستفهامي المكتنز حيرة إزاء الآتي . هذا على المستوى الصوتي،أما على مستوى بنية الكلمات فقد تكرر الآتي:

 1- من + فعل (5) مرة

2- من + اسم (1) مرة

3-  تكرير بنية التقابل في الكلمة مثل (رحلت، رحيل)

 

إن هذا النوع من التكرير يزيد من سعة التناغم الإيقاعي وإظهار الجانب الانفعالي الذي يوسع من مساحة التوتر ويبرز السمة الشعورية الداخلية من اجل أن تكون على السطح لاستكمال دائرة التأثير . إضافة إلى ما تقدم فأن تنوع الجملة ما بين فعلية واسمية يساعد على تنمية الجانب ألحدثي ويعزز الفضاء الزمني مع ما تقوم به الجملة الاسمية من إبراز الجانب التقريري والإخباري الذي يكتنف لغة السارد . وتلعب مهيمنة الأفعال وتنوعها في هذا النص دورا لا يستهان به وكالاتي:

1- تكرير الفعل المضارع (13) مرة

2- تكرير الفعل الماضي (1) مرة

3- لم يرد ذكر لفعل الأمر

 

إن ما سبق يعطينا استنتاجا بأن مقام النص ينحى منحى استجلائيا لموقف شعوري إزاء مؤثرات خارجية متغيرة ومستمرة بواسطة التركيز على الجانب الحدثي المتحقق، أو القابل للتحقق والذي ترد إليه كل أسباب الخيبة واليأس . كما إن عملية التقديم والتأخير في البنية النحوية قد ابرز موقفا انفعاليا حيال ما يحدث، وما يمكن أن يحدث في ظل مصدات لا تتسم بالثبات والاستقرار والنقاء والصدق . وتتجلى أهمية التعامل مع الضمائر وخاصة ضميري الغائب بالإيحاء إلى  القيمة السردية التي تجلت معالمها في المضمون المحكي .

 

بنية الاستفهام

يستمد الاستفهام بعده القيمي في القصيدة مما يعرش عليه من بعد إنساني نازف، وروح مكدودة، باحثة في أفق الحقيقة من اجل فتح كوة لدفقات شعرية تلبس لبوس الخلاص، وتستحضر وهج الحقيقة بواسطة فحص الوجود الإنساني المتآكل، وتغذية روح السؤال في مواجهة الواقع .  إن ما سبق دفع الشاعر إلى الاستعانة بالمكان المطلق وذاكرته لأنه غير متحول، وغير زائل، على العكس من الإنسان المتحول دائما عن ثوابته لظروف ذاتية وموضوعية . ولعل استعمال البنية الاستفهامية يزيد من اتساع رقعة العامل النفسي الضاغط على الآخر من اجل دفعه للبحث عن أجوبة معقولة لأسئلة ظلت من دون جواب منذ صيرورة البشرية .إذن لقد نجح أسلوب الاستفهام – هنا – في تضخيم روح المواجهة من دون أن يدع مجالا بوجود ثغرة تراخ إنساني بجوارها لأن المشهد يخبئ علة سيكولوجية أكثر منها اتفاقية في مواجهة الدمار والخراب الحاصل في بنية المجتمع وآثاره اللاحقة .

 

........................

القصيدة من المجموعة الشعرية (من ...؟) الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة \2012

 

هيفاء بيطار في "ايقونة بلا وجه": سفر الوفاء العظيم (3)

husan sarmakعامل التوقيت: "ولأن الرواية علم والقصة القصيرة فن"، إذا جاز التعبير، كما قلت آنفاً، فإن على الكاتب أن يهتم بعامل "التوقيت" . في أي موضعٍ يطرح الموضوع الفلاني أو يعيد تناوله أو يهمله؟ الإبكار قد يفسد مسار الرواية مثلما قد يفسده التأخير والتواني . يجب أن يكون التوقيت دقيقا ومدروسا ليغني الوقائع ويكشف أو يلغز مجرياتها . والآن، حسب، تطرح الروائية مراجعة لحال بدر، طبيعة عمله، وأعباء ظروفه المعيشية، وطموحاته المعطلة . لماذا هذا "التأخير"؟

لأن الروائية تدرك أن من الطبيعي أن القاريء يريد معرفة الفاجعة وقت نزولها، وما تسببه في نفس هذه الإنسانة المثكولة التي يتعاطف مع محنتها . ليس من المعقول أن يأتي شقيق نبوغ ويبلغها باعتقال زوجها، فتنطلق الكاتبة في شرح سمات شخصية بدر وطبيعة عمله ومشكلاته وهمومه قبل الإعتقال . هذا بذخ سردي . حيث نترك نيران محنة الإعتقال المشتعلة، ونقفز فوق تمزّقات روح نبوغ لنتحدّث عن حياة المعتقل المظلوم قبل المكيدة . الآن "هدأت" انفعالات نبوغ الضاجّة نسبيا فأصبح بإمكانها أن تخبرنا اشياء مهمة عن زوجها . كان مهندساً طاقته تُستنزف في عمل صباحي في شركة قطاع عام، وعمل مسائي في مكتب هندسي خاص بعد الظهر . كان راتبه يدعو للسخرية حيث كان كلّه يمثل بدل إيجار البيت المتواضع . وباعتقاله لم يبق لنبوغ المدرّسة سوى راتبها الذي يدعو بدوره لسخرية أكبر (ص 35)، ولم يعد أمامها مفر من أن تجمع أغراضها وتنتقل إلى بيت أهلها (ذلّتها الحاجة المادية وأجبرتها أن تبيع الغرفة التي ساكنته [= زوجها] تحت سقفها أربعة أعوام – ص 36) .

وما ضاعف من ضائقتها المادية، هو ان أهلها فقراء اصلا، وبالكاد يعيلون أنفسهم، فاضطرت لبيع غرفة نومهما التي شاركتهما حميمية حياتهما . وفي عقد الحصار الجائر الذي فرضه الأمريكان القتلة على الشعب العراقي كان العراقيون يبيعون حتى شبابيك الغرف . وقد زارني رجل شديد الإكتئاب باع باب غرفة نومه . كان يقول: انكشفت ! لكن بالنسبة للمرأة المتزوجة خصوصا فإن هذه المواد الجامدة تصبح جزءا أساسيا من مكوّنات "مجال ذاتها الحيوي" الذي يعزّز النرجسية ويطمئنها ويزيدها ألقاً . نحن – الذكور – "نستخدم" الملابس والأثاث والبدلات وغيرها، وهنّ "يعالجنها" . نحن ننام في غرفة النوم مثلا، لكنهنّ "يعشن" فيها . ولهذا لم تستطع نبوغ التعامل مع بيع غرفة النوم على اساس "الصفقة" المادية الضرورية للعيش . أبداً . أحسّت أنها "تفقدها" مثلما فقدت زوجها . شيء ما يُخلع من مجال ذاتها .. بل من ذاتها نفسها، إتخلاع جزء حيوي لا خشبي، فالأنثى لا تستخدم الشيء مثلنا، بل "ترعاه" وتنمّيه وتدبّره كما قلت . وفي كل لمسة هناك اشتداد في آصرة نفسية تربط بين "الذاتين"، ذات الأنثى وذات الشيء . ألهذا لا نجد متصوّفات كثيرات من النساء عبر التاريخ مقارنة بالرجال؟ بل لنندفع اكثر: ألهذا لا تحتاج المرأة للفلسفة وتركت التفلسف، مبتسمة، للرجال الأذكياء؟

 

بيع غرفة الذات:

نبوغ تعلم أن بيع غرفة النوم يعني أنها تغدر بذاتها وبـ "غرفتها"، وأن هذا التسليم القسري بالإنخلاع والفقد يدفعها وبقوة نحو المزيد من الإنذلال والشعور العميق بالعجز واللاجدوى . لكن الذات المهزومة لا تستقبل لطمات الخسران من دون رجفة دفاع وإعادة اعتبار . ولهذا:

(وقبل يومين من موعد فكّ غرفة النوم، وقفت أمام خزانة ملابسه بخشوع، أحسّت أن وجهها يتحوّل حتى يصير أيقونة . غزت أنفها رائحته، للحظة تجسّد حضوره قويّا حتى أنها لو التفتت خلفها ستراه، بل آمنت أنها ستراه – ص 36 و37) .

إنها الشهيدة التي تُصلب كل لحظة .. وتقطّع آمالها وتُجهض .. وتُحاصر من كل جانب . إنها أيقونة العذاب والصبر الفائق والتحمّل المذهل . وإذا كان بعض القديسين قد انتزعوا حقّهم "الأيقوني" في الماضي، بمعاناتهم وزهدهم وتضحياتهم، فإن نبوغ، وكل البشر الذين تطحنهم عجلة الطغيان التي لا ترحم، هي قدّيسة الحاضر، حاضرنا المتخم بالفساد والجور والمهادنات الذي يتطلب من الإنسان صبر وأخلاق وجسارة قدّيس، ليخرج ظافرا بنظافة روحه وصلابته المبدئية من مواجهة الطغيان .

 

حكاية ايقونة في عصر العولمة:

وفي ظلّ انحطاط شامل يستشري على كل المستويات، وفي العالم كلّه، مشفوعا بطاقة طوفان العولمة الكاسحة، يكون لزاماً على المبدعين خلق "ايقونات" تكون أنموذجا للإقتداء والتماهي، والتمسّك بالقيم الإنسانية، ومواجهة بطش الجلادين وغدرهم . صارت مفردات القيم والمجتمع والجلاد والسياسة مفردات مكروهة تثير غثيان الحداثويين الغربين ومريديهم من الكتاب العرب . إنهم لا يريدون نماذج وايقونات سردية مثل نبوغ المقهورة المذلة المهانة، ولا رواية مثل أيقونة بلا وجه تنتصر للإنسان برغم هزيمته وخرابه . يريدون من الناس أن يقفوا طوابير لا ليشتروا روايات تتحدّث عن قهرهم ومهانتهم وسحق الجلادين لهم ولأحبابهم وآمالهم، ولكن روايات تشبع عقولنا بتزويرات الثقافة التوراتية (شفرة دافنشي)، وبالسخافات الطفلية الخرافية التي صارت غذاء للراشدين (هاري بوتر)، وبالإنحرافات الجنسية بكافة أنواعها حتى النادرة (عطر) .. وغيرها من سفاهات الكتابة الغربية التي تبرّرها سطوة الفلسفة المادية التي حوّلت الإنسان من ثغرة في نظام الطبيعة إلى حجر لا يختلف عن أي مكون حيواني أو نباتي من مكوّناتها . وراجعوا على سبيل المثال لا الحصر النشرة الإلكترونية الأسبوعية لموقع الـ GoodReads لتروا أي فارق شاسع بل وتناقض مخيف بين انشغالات الروائيين الغربيين بصورة عامة (وهو ما يريدون أن ينشغل به الكاتب العربي)، وما يُفترض أن ينهمّ به كاتب في عالم مليء بالطغيان والجلادين والإستغلال والجوع والجهل وسحق كرامة الإنسان . المطلوب من كتّاب العالم الثالث هو الإهتمام بالجنس لذاته وبانحرافاته وبالفنطازيا والعوالم الماورائية والمخلوقات الفضائية والرجل الحديدي .. أمّا الناس المسحوقين .. أمّا الجياع .. أمّا نبوغ التي يسحق الطغيان أحلامها ويدمّر حياتها وحياة زوجها وييتم طفلها .. فهذه سبّة من سباب مدرسة "الفن للمجتمع" المذموم المدحور في عرف الحداثة . يمكن لألن روب غرييه أن يتحدث عن الأحذية والمرايا والقناني والأسرّة وبلاطات الأرصفة وصفوف أشجار الموز .. وأمّا الإنسان فلا . وقد طبّل اشبال الحداثة العرب له، وهم لم يقرأوا له أي رواية، وقبل أن يُترجم اي عمل من أعماله آنذاك سوى كتابه النقدي "الرواية الجديدة" !! يتحدث الروائي العراقي "مهدي عيسى الصقر" عن موجة ألن روب غرييه" بالقول:

(فلو أخذنا الروائي الفرنسي (ألن روب غرييه) الذي يعده الكثيرون من أعمدة الرواية الحديثة المركزية، فسنجده لا يهتم بالإنسان إلا قليلا في أعماله . القصة يجب أن تقف على قدميها بعيدا عن هذه الأمور حتى لو كانت بالطريقة التقليدية أو أي شكل آخر، إذ يجب أن تشد القاريء، وأن يكون فيها حس إنساني وإقناع بصرف النظر عمّا إذا كانت واقعية أو خيالية أو أسطورية . وبالنسبة لي أعتبر الحس الإنساني أهم من كلّ شيء على عكس جماعة "الرواية الحديثة" الذين لا يعنون فيه. إذ أن العملية قائمة عندهم على اللعب بالكلمات، والبناء كله كلمات . والمؤسف أن بعض الشباب بدأوا يكتبون بهذه الطريقة بعد أن سوّغها لهم بعض النقاد . فمثلا رواية " الغيرة " لألن روب غرييه، يتحدث الكاتب فيها عن أشجار الموز وعددها وعدد صفوفها وحجمها وغيرها من الأمور، بينما يمر على الأفارقة الجالسين مرور الكرام . وينطبق هذا الأمر على القصة أيضا ) (10).

وفي لقاء الروائيين العرب والفرنسيين الذي عقده معهد العالم العربي في باريس في عام 1994 كان المحاضرون الفرنسيون يقدّمون النصائح لشكل الكتابة المطلوب من الكتاب العرب اتباعه، وكان ألن روب غرييه يسخر من بعض الطروحات التي تتحدث عن بذور لجنس الرواية في التراث العربي !! وقد استُفز الروائي الراحل "الطاهر وطّار" بقوّة من هذه الطروحات فقال منفعلا:

(تعليق آخر حول كلام بيير برنار، وقبل أن أعلّق أريد أن أروي حكاية وقعت لي مع أبّولي، كاتب "الحمار الذهبي"، وهو من قريتي، من دروش . عندما قرأته وجدت مقطعاً عنده يتعلق بأن أحد الشخوص لما اكتشف أن شاباً نام مع زوجته راح البطل فنام مع الشاب . فقلت: والله العظيم، لن يحدث هذا إلا من جزائري ! فمع الأسف الأستاذ برنار والأخت تريد أن تنزع منا خصوصيتنا . تريد أن تقول لإيتماتوف: "أقتل جمهوريتك الصغيرة ذات الخمسين ألف نسمة، وكن روسيا، ثم كن فرنسيا" . هذا عيب . لو قيل هذا الكلام في منزلي لقلت له: أخرج من بيتي . نعم . بطريقة أبّولي أقول هذا الكلام . ونحن ضيوف عندكم . تريدون أن ننسى أنني أتعطّل عن الشغل يوم يموت واحد في حيي لأمشي في جنازته، وأن العامل المصري وهو يعمل في الفرن الحديد والعرق يتصبب منه يتوقف عن العمل ليداعب أخاه أو ليبتسم لنكتة . فاكتب ذاتياً . تعلمني الكتابة؟ أرجوكما أن تسحبا هذا الكلام، فأنا مشرقي، مغربي، أفريقي مع ألياس خوري أيضا، ولن أكتب لمجتمع فرنسي أصلا – ص 300) (11).

وكان الروائي إلياس خوري قد ردّ في هذه الجلسة أيضا على دعوات الكتابة بالطريقة الغرائبية وغيرها من التقنيات التي تفضلها دور النشر الأوربية فقال:

  (نحن من العبث أن نفكر بأنه يجب أن نعدّل في طريقتنا في الكتابة (...) كي نُقرأ في الغرب. فمهما فعلنا – لا أعتقد أن كاتبا عربياً على استعداد أن يجعل النساء تطير كما عند ماركيز. إذا كان هذا الغرائبي هو المطلوب من العالم الثالث، فلا تؤاخذوني، من الصعب أن نستجيب لمقاييس لا علاقة لها بتجربتنا) (12) .

وقد يعتقد السادة القرّاء أن هذه مداخلة طويلة يمكن أن توضع في هامش اسفل الصفحة، لكنني أؤكد على أنها تمس صلب هذه الرواية خصوصا والفن الروائي العربي عموما . لقد آلمني أن هذه المعاناة الرهيبة لنبوغ وزوجها كضحيتين للطغيان والفساد والقهر تُستقبل بهذا العدد القليل والإنطباعي من الدراسات . وحين اقول: دراسات، أقصد الدراسات الموسّعة الدقيقة والتفصيلية التي تعبيء القاريء، وتنير له مغاليق النص، وتفضح أمام عينيه المسكوت عنه فيها، وتدفعه إلى أقصى حدود التعاطف مع بطلتها نبوغ .. دراسات لا تضيّعنا باللغة الشعرية المتعالية – metalanguage التي تجعله يقف حائرا أمام النص النقدي الذي سيصبح بحاجة إلى نص نقدي آخر يفسّره . دراسات تجعل نبوغ شهيدة .. أيقونة يعلّقها القاريء في محراب ذاكرته، يشهق ويسجد لآلامها ويسمع أنين روحها بروحه، وينتصر لها، حتى ولو بقلبه، ضد السفلة الأوغاد الذين اضاعوا حلمها الصغير، وأحرقوا عشّ عائلتها ومزّقوا روحها . أمّا سفاح المحارم والسلوكيات الجنسية الشاذة والكتابة عن اليهود وأورشليم (لا القدس) والألعاب الفنطازية وفذلكات لعبة الوثائق والمخطوطات، والتي عرف بعض الروائيين العرب من أين تؤكل كتفها، وكيف يغازلون دور النشر الغربية، وبعض الدور العربية المسمومة، فهي من وجهة نظري خيانة للقاريء العربي وتسفيه لآلامه ومساهمة في تسطيح وعيه . ومن هذا المنطلق ينبغي على النقاد الشرفاء أن يحيوا الروائية "هيفاء بيطار" على انتصارها للإنسان العربي المسحوق، وتسخيرها فنّها الروائي لخلق "أيقونات"، حتى لو كانت بلا وجوه، فنّية تستقر بثبات في وجدان ووعي القاريء العربي، وتحفزه نحو رؤية الحياة، وقيمته الذاتية، من منظور جمالي جديد .

 

أيقونات تصويرية تعلق بالذاكرة:

ومن بين الواجبات الأخرى للروائي الحقيقي والمحب لفنه وللإنسان، هو أن يصنع "ايقونات" تصويرية تجرح روح القاريء، وتنبهه إلى قداسة أشيائه التي ارتبطت بذاته مهما بدت بسيطة . وأن عليه أن يحتج على الخسارات والفقدان ولو بصورة "شعرية"، وقد يكون الشكل الشعري للإحتجاج أعظم وأكثر ديمومة وأثرا من الشكل المادي المباشر . قلْ لي كيف ستنسى هذا المشهد:

(كانت ساعة فكّ غرفة نومها قطعة قطعة، ساعة لا تُنسى، مشحونة بألم لا يُطاق، كانت المطرقة التي يطرق بها النجّار الزوايا تؤلم قلبها كأنها تطرق جدرانه مباشرة . ثلاثة صبيان يحملون قطع الخشب، ويضعونها في سيارة مكشوفة . فرغت الغرفة . بدت كعنبر فسيح . تجمّع الغبار بكثافة تحت الخزانة، لأن المكنسة لم تكن تدخل تحت أرضها الواطئة، وجدت أنها تكنس الغبار بحنان وتضعه في كيس، تربط فوهته وتخبئه في حقيبتها – ص 41) .

كم امرأة مثكولة وقفت مقطّعة النفس والأمل وهي تنظر كيف يفكك النجار اللامبالي غرفة نومها، "غرفتها"؟ مئات .. آلاف .. لكن لا واحدة اختلجت روحها لتستجيب بهذه الكيفية "الإيقونية" الجارحة والعظيمة، فهذا من مسؤولية الفن .. وهي من أعظم واجبات الفنّان: أن يقدّم الصور "الأيقونية" للإستجابة الفائقة والخلاصة للنفس البشرية تجاه إحباطاتها وضربات واقعها الجائر القاصمة . كم امرأة ممتحنة فكرت برد فعل على هذه الطريقة: أن تجعل لتراب المهانة روحا وقداسة . لا واحدة بالتأكيد لأن القهر يسلب أولا من الإنسان روحه الشاعرية، وإحساسه بالجمال، ويحوّله إلى كائن يومي مجترّ ينشغل بتقسيم ثمن غرفة النوم على ما تبقى من أيامه، استعدادا لجولة مذلة وخسارات جديدة . ومن تستجيب مثل نبوغ فهي شاعرة عظيمة، هي التي تُصنع الحياة على يديها وتُحفظ لها كرامتها، وهي خميرة الوجود التي تحافظ على الجوهر الإنساني في مواجهة الطغيان والفساد والإنحطاط . ليس هذا حسب، بل أن "تعريفات" نبوغ الجديدة الصادمة والمتخمة بالشعرية الجارحة للظواهر والمفهومات والحوادث، التي نواجهها يومياً في حياتنا، وفقدنا اصالة وتجدد فهم لاشعورنا لها، بسبب تراكم أتربة الصدأ والتعوّد بفعل زمن القهر اللزج وأتربة العادة . كم مرّة حوصرنا بالصمت المدوّي .. بالحزن العذب .. بالحب  .. بتكثّف الذكريات المهيضة .. عشرات الحوادث والحالات والافعال والمفهومات تمرّ بنا عابرة ننظر إليها بلا مبالاة ومن دون اكتراث، وكأنها لا تعنينا، والمصيبة أنها من صلب وجودنا ورحمه .. ولا يعلق منها شيء بأرواحنا .. أمور في غاية الجمال أو الأسى تمرق، وكأننا مسافرون لا تهمنا سوى حقائب ملابسنا التي ستسرق بعد قليل . إن أخطر ما يفعله القهر والطغيان بالإنسان هو ان ينسى أنه إنسان . أن يصبح أنبوبا يصل بين المطبخ والمرحاض ويمر كضرورة بصالة الجلوس أمام التلفاز . لقد أنسانا القهرُ، الحبَ، وفورة الجسد، ونداءات الصمت الداخلي في الأرواح المعذّبة، وجعل كل دورنا هو أن "نبقى" اسفل السلّم حيث الماء والهواء والغذاء والتناسل الحيواني .. وأن نتّقي البطش بكل وسيلة . الفن وحده هو الذي يذكّرنا بالإنسان اللائذ المفزوع .. بكرامته .. بشفافية روحه .. بعذابه .. وبعلوّه على الحيوان من خلال الامل .. الإنسان حيوان ذو أمل .. الإنسان حيوان رومانسي .. الإنسان حيوان يقبّل .. ويحزن .. ويختفظ بتراب الخسارات المقدّس. الفن يحوّل المفاهيم والوقائع المهملة في حياتنا إلى "ايقونات" تعلق في محراب أرواحنا وتُتأمل ويسستحضر منها بلسم الجراحات:

- الحزن العميق أبكم دوما (ص 39)

- ما الخوف سوى استمرار الوعي (ص 39)

- الحب كمال داخلي وهو وحده يعطي الإحساس العميق بالفرح (ص 40)

- لعل سبب تلك الرعشة تكثّف الذكريات أكثر مما تحتمل (ص 41)

- تذكّرت كيس التراب في حقيبتها، تخيّلت أنها ستزرع فيه وردة، وستنمو هذه الوردة مقاومة الذبول  (ص 42)

- إنّها راكعة من الذلّ والقهر، وكثيرا ما كانت تتخيّل أنها تمارس الحياة راكعة، تمشي راكعة، وتعتني بصغيرها راكعة، وتنام راكعة (ص 45)

- لم يعد يبطّنني، بيني وبينه شرخ يقارب عمره سنتين، عيناي مترعتان بحبّ تغيّر لونه من الوردي إلى الرمادي . حين يصير الحبّ رماديّاً يصير اسمه الإكتئاب (ص 107) .  

  - لحظات الإنخطاف هذه كانت تدوم لأيام، تجعلها إنسانة مفرطة الحيوية لحدّ الهياج .. تسمع صرير انفعالاتها الداخلية (ص 110) .

- أحسّت أنها تفرد مساحة روحها أمامها، وتنقّيها من الوجع، كما تنقّي حبّات الزؤان من البرغل (ص 112 و113) .               

وفي كلّ خطوة همّ وعذاب، كانت نبوغ "تؤرّخ" تلك الوقائع المهلكة، وحيدة، مسنوحشة، زائدة في بيت أهلها هي وطفلها "اليتيم" . كانت تسجّل بعض جوانب معاناتها على أوراق وكان أهمها:

(وجدت أنها تكتب له رسالة، أو ربما تكتب لنفسها، لا فرق: بدر لقد حوّلني السجن إلى روح، ومحا جسدي، لا يهمّ يا بدر فأنا الآن احبّك بعمق أكبر، وحرّية أعظم . لم تستطع أن تكتب سوى هذا السطر . همّت أن تمزّق الورقة، تراجعت في اللحظة الأخيرة، شاعرة أنه سيأتي زمن ما، وربما في غير هذا العالم، تكون فيه هذه الورقة أشبه بالوثيقة التي تشهد على سنوات ستعيشها متعبدة في محراب المثل العليا – ص 35) .

 

-أحلام:

يتناول القسم الثاني: "أحلام" (ص 51- 94)، سيرة تلك العلاقة التي ربطت بين نبوغ وأحلام منذ الصف الأول الإبتدائي حتى لحظتهما الحاضرة . لقد بدأت علاقتهما في الصف الأول الإبتدائي يوم سقطت أحلام الناحلة مغشيا عليها وتتقيّأ، وفزّ جميع الطلاب وانرعبوا، عدا طالبة صغيرة مقدامة هي "نبوغ" أمسكت زمام المبادرة وحشدت زملاءها لتقديم العون لأحلام . ومنذ تلك اللحظة نشأت علاقة إنسانية بين نقيضين يوحّدهما زخم العواطف القوية في أعماقهما . كانت نبوغ هادئة أميل إلى الصمت، تنصت أكثر مما تتكلم بكثير، خجولة، متأملة، تقلل من علاقاتها الإجتماعية بسبب الفقر . مات أبوها وهي طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنوات تاركا أربعة اطفال أصغرهم نبوغ . كانت تقدّس أمها التي تحمّلت آلاما هائلة، وعملت في بيت امرأة عجوز مشلولة نبذها أولادها، وتحملت الكثير من سلوك ابنها البكر المنفلت واللامسؤول . كانت أمّها مثلها الأعلى في الإخلاص والتفاني .. ويبدو أنها اكتسبت روح الأمومة في سلوكها منها، تلك الروح التي طبعت علاقاتها حتى مع زوجها .

أما أحلام فكانت الطفلة المدللة الوحيدة لأسرة ثرية . نكبت أمّها بوفاة أطفالها الأربعة بمرض غامض، وكانت كل حالة وفاة تسبب لها انهيارا عصبيّا . لكن أحلام جعلتها تنسى مصائبها مع الزمن لأنها كانت طفلة متفجّرة بالحياة . وكطفلة وحيدة لعائلة ثرية، ثُكلت مرارا، صارت صاحبة الجلالة نفسيا لدى أبويها . صارت عماد الأسرة، كل رغباتها أوامر . وبالرغم من أن أحلام كانت تتمنى لو تتمكن نبوغ من الإنفتاح مثلها على الناس، إلا أن نبوغ كانت – بالمقابل - تتمنى أن تحدّ أحلام من هيجان رغباتها وعلاقاتها الإجتماعية العشوائية التي تورّطها غالبا في مشاكل وإزعاجات، لكن ولا واحدة كانت تخدش خصوصية صديقتها .

ما يهمنا في سلوك أحلام هو أنها لم تستطع (أن تفهم الحب أبدا رغم عيشها حياة جامعية غنية في كلية الحقوق . ما معنى الحب؟ ما هي ماهيّته؟ كيف يولد ويستمر؟ وكيف يختصر الرجل كل النساء في شخص امرأة؟ وكيف تختصر المرأة كل الرجال في رجل؟ أسئلة تبدو بديهية لكن أحلام تقف عاجزة عن الفهم، ففي داخلها هيجان مستمر من المشاعر التوّاقة للرجل، لمطلق الرجل، هي معجبة دوما بجمهرة من الرجال، لا تستطيع تفضيل أحدهم على الآخر – ص 61) .

وتقدّم الكاتبة خلاصة نفسية لسلوك أحلام وموقفها من الحب واللذة والإرتباطات العاطفية بالرجال، بالقول:

(كان تنوّع أحاسيسها من رجل لآخر يفتن لبّها ويشعرها بسعادة عظيمة كونها في صميم المحظور . إنها تتذوّق الثمار المحرّمة التي هي ألذّ الثمار، ليس هناك نشوة أعظم من تذوّق كل المحبين .. شخصيتها الجامحة لم تكن تعرف الحدّ الوسط أبداً .. إنها تعيش على الحدود القصوى دوماً، فهي حين تحزن تتمنى الموت، وحين تفرح تحسّ بالخلود – ص 65) .

ولا نعلم من المتحدّث الآن . من هذا المحلل النفسي الذي يشخّص التركيبة النفسية لأحلام بهذا العمق الرؤيوي والإلمام الدقيق؟ 

 

مخاطر الإحساس بالقدرة الكلّية:

وقد حذّرتُ، في الكثير من الدراسات، من مخاطر إحساس الروائي بالقدرة الكلية – omnipotence، حيث يحمّل الكاتب، الذي يتحمس لعمله، شخوصه ما لا طاقة لهم عليه أحيانا من الناحية الفكرية والسلوكية . وهي من المخاطر التي ينبغي على الكاتب أن يتنبه لها دائماً . الفعل الإبداعي، وخصوصا في مجال الرواية، حيث يتحقق مجال أوسع لفعل "الخلق" والمشاعر المصاحبة له، قد ينفخ في روح الكاتب إحساساً كبيراً بالقدرة الكلية التي هي طابع تفكيرنا الطفلي السحري، والتي قد تجعله يوسّع ظلال إمكاناته المعرفية والفنّية لتجعل بعض الشخصيات تتحدث بمعرفية وثقافة الكاتب العالية وتساؤلاته الحرجة، كالحديث عن إحساس أحلام بالخلود حين تفرح، ناهيك عن التحليل التفصيلي الذي وصلت ذروته حين دخلت الروائية بنفسها منيبة ذاتها بشهادة عن التحليل النفسي، لتقول:

(.. وربّما لو خضعت [= أحلام] لتحليل نفسي دقيق، لتبيّن أن حبّها لعدّة رجال في آن، هو شكل من اشكال كرمها، فهي تريد أن توزّع عواطفها عليهم جميعا، إذ لم تكن قادرة على الإقتناع ابداً أن رجلا واحدا سيستاثر بكل ذلك الزخم العاطفي الفوّار في أعماقها، والذي يكفي قبيلة من الرجال – ص 66 و67) .

كارثة حين يتحوّل الروائي إلى "محلّل" بصورة مباشرة . هذا ليس من واجبه أبداً . من واجبه أن يتناول هذه الأمور، فهو العارف بصراعات النفس البشرية، لكن عبر سلوك الشخصية في شبكة علاقاتها وتداعياتها ومفارقات أفعالها وتحوّلات افكارها، وليس بالوصفات الطبية التشخيصية . التصوير، وليس شرح الفروض والنظريات، هو مهمة المبدع الأولى والأخيرة . حتى اليوم والنقاد المشتغلون على المنهج النفسي منهمّون بدوافع تعطّل حماسة "هملت" الثأريّة، وشلل إرادته في القصاص من عمّه قاتل أبيه . لم يذكر شكسبير اسم التحليل النفسي ولا عقدة أوديب ولا العقدة النفسية . هذا ليس شغله . شغله معضلات النفس البشرية وصراعاتها كما تصوّرها حكاية عدوان وحقد الإنسان التي لا تنتهي، والتي صور شكسبير عشرات "اللقطات" منها في مسرحياته المختلفة . وفوق ذلك، ومن الناحية العملية، فإن استنتاج الكاتبة الذي طرحته نيابة عن التحليل النفسي، كان خاطئا، حيث لا توجد في عقد التحليل النفسي "عقدة كرم" تقف وراء ارتباك سلوك أحلام، بل عقدة أب . لكن هذا الحديث طويل ولا علاقة له بالمحنة العظيمة لنبوغ، والتي تواطأ لا شعور الكاتبة على إهمالها وقتيا في هذا الفصل . أنا نفسي بردت اندفاعتي في ملاحقة نحيب نبوغ الصامت، والتهدّم المفزع لعالمها/عالمنا، قطعة فقطعة . لكن التحليل النفسي – حين يتدخل بجرأة وبلا مجاملات - قد يكون جارحاً ومُربكا ومفسدا وصادما لكل التأويلات الشخصية السطحية الجمالية أو "النفسية"، التي توصل الكاتب إليها، أحاسيسه بالقدرة الكلية وكلّية العلم . ولعل واحدا من الأسباب الكبرى لعدم انتعاش التحليل النفسي في بلادنا، بالإضافة إلى أن الكثير من المواطنين لا يمتلكون "شخصية" حقيقية يقوم المحلل بتحليلها، هو عامل "المقاومة – resistance"، المقاومة التي تتحرك في أعماقنا ضد التحليل خشية الإنكشاف والإنفضاح . لكن علينا أن نتدخل في هذا الموضع الشائك والمرتبك الذي سنكشف ابعاده خلال لحظات لإزالة أي لبس يتعلق بموقفنا تجاه الكاتبة التي تورّطت – والأدق ورّطتها مكبوتات لاشعورها ومصائده الماكرة – في تصميم هذا الفصل وتوقيته وتشكيل مضمونه وإعلان حضورها فيه .

 

المؤلف هو الحيّ الذي لا يموت:

وقبل أن ندخل ساحة التحليل الشائكة والصادمة، أودّ القول أنني أؤمن بأن المؤلف لا يموت . المؤلف هو الحي الذي لا يموت في النص . وحكاية موته هي أخدوعة بنيوية نبتت في تربة غربية سقتها فلسفة مادية ذات مرجعية كامنة في العالم (الطبيعة أو الإنسان)، العالم الذي يحوي في داخله ما يكفي لتفسيره دون الحاجة إلى اللجوء إلى أي شيء خارج النظام الطبيعي . ولهذا لابد أن تسيطر الواحدية المادية حصرا ولا مجال لأي ثنائيات مثل الله والإنسان، أو الروح والمادة، أوالجسم والنفس، أو والخير والشر (أو المؤلف والنصّ) .. إلخ . وفي هذه الواحدية المادية يتوحد الإنسان بالطبيعة بحيث يُرد كله إلى مبدأ واحد كامن في الكون، ومن ثم فإن عالمنا المادي لا يشير إلى أي شيء خارجه (مثلما لا يشير النص إلى أي شيء خارجه مؤلفا إنسانا أو ظروفا اجتماعية أو تاريخية ) . فهو عالم لا ثغرات فيه ولا مساحات ولا انقطاع ولا غائيات، تمّ إلغاء كل الثنائيات داخله .. وتم تطهيره تماما من المطلقات والقيم، وتم اختزاله إلى مستوى واحد يتساوى فيه الإنسان بالطبيعة هو مستوى القانون الطبيعي / المادي، أو الطبيعة / المادة (المطلق العلماني النهائي) . وفي مثل هذا العالم الواحدي الأملس لا يوجد مجال للوهم القائل بأن الإنسان يحوي من الأسرار ما لا يمكن الوصول إليه وأن ثمة جوانب فيه غير خاضعة لقوانين الحركة المادية .  وفي هذا الإطار تصبح المعرفة مسألة تستند إلى الحواس وحسب، ويصبح العالم الطبيعي هو المصدر الوحيد أو الأساسي للمنظومات المعرفية والأخلاقية، بل ويمكن تطبيق الصيغ الكمّية والإجراءات العقلانية الأداتية على الإنسان، كما يمكن إدارة العالم بأسره حسب هذه الصيغ . ويتحول العالم إلى واقع حسي مادي نسبي خاضع للقوانين العامة للحركة (ومن ثم قابل للقياس والتحكم الهندسي والتنميط) وإلى مادة استعمالية يمكن توظيفها وحوسلتها ) (13) .

المؤلف هو الحي الذي لا يموت، أكرّر، وأنا أقرأ ما كتبته هيفاء بيطار عن سلوك أحلام الأناني في مجال العلاقات الإجتماعية عموما، والعلاقات العاطفية بينها وبين الرجال خصوصا . ها هي [= هيفاء] تضرب مثلا مهما عن سلوك أحلام العصابي هذا والمتمثل بسمة "التعدّي"، أي التعدّي على الملكية العاطفية لشخص آخر . وهناك اشخاص نواجههم في حياتنا اليومية لا يرتاحون في واقعهم النفسي الإنفعالي إلا إذا "تعدّوا" على "الملكية" العاطفية لآخر، والآخر يكون عادة شديد القرب منهم أو ممن تربطهم به علاقة وثيقة ينبغي أن تُحترم اصولها ولا تُخترق حدودها . لكن الفرد المعصوب لا يستكمل فرحة فوزه بموضوع حبّ إلى إذا كان في دائرة علاقة مثلثة الأطراف بحيث يكون هو الطرف الأول، وموضوع الحب الذي سيصير مشتركا ودافعا للتنافس هو الطرف الثاني، في حين يكون الشريك، الصديق المغدور، هو الطرف الثالث . وفي الغالب تكون دوافع هذا السلوك مركّبة، في مقدّمتها تحليليا، والمستتر إجرائيا في ظلمات اللاشعور، هو البحث عن الأب (ما يسمّى يصورة فجّة "عقدة إلكترا"، والموضوع أوسع وأعقد ) .. والسعي المغيّب لمنافسة "قابيلية" أنثوية من أجل – وهذه طبقة عميقة من الدوافع اللاشعورية – "إنقاذ" موضوع الحب الذكوري، وهذا مقابل لم يطرحه معلم فيينا الذي اكتفى بسبب صراعات علاقاته الأوديبية ضد أبيه وتعلّقه بأمه – وفرويد أيضا مؤلف لا يموت – بعقدة الإنقاذ الأمومية .

فما الذي اقترفته أحلام؟

تقول الروائية:

(في ذلك الصيف تعرّفت أحلام إلى خطيب إبنة عمّها، صعقها ذلك الإنجذاب المذهل الذي حصل بيتها وبينه، كان يكفي أن تغادر إبنة عمّها الصالون لتحضر غرضا ما، حنى يتكهربا – هو وهي – بكهرباء لا يمكن تجاهلها فتشتبك عيونهما بنظرات تفضحهما، وتتعرّق راحتاهما، ويزيد اللعاب في جوف فميهما، فيضطران لابتلاعه، ليفضحهما صوت البلع العسير الذي يشهد على اشتهاء كل منهما للآخر، وجين ترجع الخطيبة يحدث اللحم لتلك المشاعر المحرّمة .

كانت تلك الفضائح الشعورية كما تسمّيها تذهلها، تجعلها تشك في كل القيم الأخلاقية والإجتماعية التي زرعوها في نفسها . لماذا تحدث هذه المشاعر إذاً لو لم تكن اصيلة وموجودة حقّاً في العمق؟ أيّ سرّ كبير هو النفس البشرية؟ إن المشاعر العفويّة لا يمكن أن تُقمع، إنها لا تُدجّن، ولا تقنع بقوانين أخلاقية ميّتة . ما معنى تلك الشرارات الكهربائية بينها وبين خطيب ابنة عمها إذاً؟ - ص 67 و68) .

 

كلّ محرّم مرغوب:

وأعتقد ان التعبير الدقيق هو الفضائح "اللاشعورية" وليس "الشعورية" كما ورد في النص المطبوع . فأحلام "ضحية" للاشعور بشكل ما برغم دوافعها المتعدّية . وقد جاءت تساؤلاتها – ومن ورائها الكاتبة طبعا – عن كون كلّ محرّم مرغوب،  تلقائية ومسوّغة، في حين لاحظ نفس التساؤلات والتفسير عن الموضوع نفسه، لكن بلغة العلم من "جيمس فريزر" صاحب "الغصن الذهبي"، وهو يصدمنا بتفسيره لاصالة وتلقائية دوافع السفاح بالمحارم:

(إننا لا نرى جيدا ما الذي يحيج غريزة متأصلة إلى أن تعزز بقانون. إذ ليس هناك من قانون يأمر الإنسان بالطعام والشراب أو ينهاه عن وضع يديه في النار . والناس يأكلون ويشربون ويبعدون أيديهم عن النار بصورة غريزية خوفا من العقوبات الطبيعية. وهذا الذي تحرّمه الطبيعة، وتعاقب عليه ليس بحاجة إلى ان يُعاقب بقانون. ولهذا فنحن نستطيع أن نقبل بلا تردد أن الجرائم الممنوعة بقانون هي حقا جرائم  يرتكبها بسهولة كثير من الناس بحكم الميل الطبيعي. ولولا وجود الميول السيئة لما وجدت الجرائم، ولولا وجود الجرائم لما كانت هناك جدوى في منعها.

وهكذا فأننا بدلا من أن نخلص من التحريم الشرعي لإتيان المحارم إلى وجود كراهية طبيعية يجب علينا بالعكس، أن نخلص إلى الاعتراف بوجود غريزة طبيعية تدفع إلى إتيان المحارم . ولئن كان القانون يحرّم هذه الغريزة ككثير من الغرائز الطبيعية الأخرى، فذلك لأن الناس المتمدنين شعروا بأن إرواء  هذه الغرائز الطبيعية أمر موذٍ من وجهة النظر الاجتماعية) .    

ولكن الآن سوف تتقدّم المبدعة خطوة واسعة نسبيا، مرافقة لخطو أحلام على أرضية الحكاية، حين تجعل الأخيرة تحاول تأويل مشاعرها المتاججة برغم تعدّيها، فتقول:

(يجب أن نسمّي المشاعر، بالطاقات الإبداعية، فالمبدع وحده يحافظ على طزاجة مشاعره ولا يتركها تُسحق تحت صرامة القوانين الإجتماعية، التي تمسخ كل شيء حتى الحب فتؤطره ضمن أطر خانقة، الحبّ حالة إبداعية لا يحدّها عائق، يا للسخرية ! ذهبت لتبارك لابنة عمّها بالخِطبة فعادت مبلبلة بحبّ الخطيب . هو أيضا اضطرب، أحسّت كيف يتبلبل كلما نظر إليها، كيف غدت أذناه بلون الدم . وكم مرّة ابتلع ريقه منفعلاً – ص 68) .

وحين نقول أن الخطوة التي خطتها الروائية واسعة، بل واسعة جدا بصورة صارت تبرز جانبا من حضورها الفكري والإنفعالي مع حضور شخصية أحلام، فليس لأن هذا الإفراط الكمّي – سيلان اللعاب في القم وبلع الريق الفاضح – مبتذل وذو طابع مراهق وحتى طفلي، بل لأن التأويل، أيضا، الذي تطرحه الكاتبة لنظرة أحلام إلى الحب والمشاعر الغرامية هو أبعد ما يكون عن طبيعة سلوك أحلام النزوي "الإستهلاكي" الأناني . لكن بالرغم من ذلك، فإن فيه مشتركات لا يمكن الإمساك بها إلّا بعد أن يكمل اللاشعور نصب مصائده، ويدفع بالمبدع إلى أن يدخل بنفسه ساحة الحدث، مزيحاً حضور أحلام، ولو وقتيا، ليفرّج عن مكبوتاته . وليس من دليل أخطر من الوصف الذي تقدّمه الروائية لتصرّف أحلام عندما عادت من بيت ابنة عمّها إلى بيتها، بعد أن نسجت خيوط شباك مؤامرتها حول خطيب الأخيرة المسكينة المخدوعة:

(في ذلك المساء وحال اختلائها، وجدت نفسها تبحث بإلحاح عن ديوان لـ "إلياس أبو شبكة"، تفتّش عن قصيدة معيّنة، تفتنها، وقفت تحبس أنفاسها تقرأ بهيجان وبأنفاس متسارعة الأبيات الخالدة:

مغناكِ ملتهبٌ وكأسكِ مترعه

فاسقي اباكِ الخمر واضطجعي معه

قومي ادخلي يا بنت لوط على الخنى

وازني فإن أباك مهّد مضجعه

إن ترجعي دمك الشهي لنبعه

كم جدول في الأرض راجع منبعه – ص 68) .

لم تعد أحلام إلى نصّ شعري يحافظ على طزاجة مشاعر الحب الإبداعية، بل عادت – و يا للغرابة الصادمة ظاهريّاً – إلى نصّ شهير عن سفاح المحارم لإلياس أبي شبكة، هو قصيدة "سدوم" من ديوانه "أفاعي الفردوس" . وقد قفزت أحلام البيت الثاني من القصيدة، وأهملته، لتختار الأبيات الثلاثة: الأول والثالث والرابع . البيت الثاني يقول:

لم تبقِ في شفتيكِ لذّات الدما

ما تذكرين به حليب المُرضعه

وهو بيت يذكّر بقرينة قد تمثّل ردعا للسلوك الآثم من خلال التذكير بأن الإمرأة المخاطبة هي إبنة امرأة أرضعتها هي أمّها، وهي زوجة الموضوع الجنسي المقصود الذي هو أبوها . لقصيدة مؤسسة على واحدة من ترّهات العهد القديم التي لعبت بها وصممتها رغبات اللاشعور ومرّرتها أمام أعيننا تحت اشدّ أغطية النصوص الدينية تزمّتا .

 

مفتاح سارة .. رواية من تأليف تاتيانا دو روزناي (*)

faroq ohanالتمهيد: لا يمكن للقارئ، ولا الناقد أن يتعرف على أمر ما من خلال وجهات نظر الآخرين، مهما حاولت وسائل ترويج الكتاب فعله، ما لم يمارس هو بالذات فعل القراءة، ويحكم بنفسه، وأذكر أنني اتفاجأ دائماً عندما اتصفح كتاب اشتريته منذ زمن، ولم يأتيه الدور في القراءة، فأقول لنفسي: أيعقل أنني تأنيت كثيراً لأختار هذا الكتاب، مهما كان جنسه، وفي الحقيقة أن تجربتي في شراء الكتب، وبخاصة الدراسية منها، أنني أقرأ المحتويات، ومراجع المؤلف، ولو استطعت المقدمة قبل الشراء، الغاية ليس في تقييم الكتاب، لأن العنوان لا يعكس المضمون في الغالب، ولكن لكي لا أندم على شرائه، فماذا عن اختيار الرواية، ربما يكون للكاتب سمعة ما، وللقارئ تجربة مع نفس الكاتب، ولكن ماذا عن روائي جديد، وفي باكورة أعماله (1)؛؛؛

بتجربتي في القراءة إنني أترك المقالة أو استمر بها بعد خمسة سطور، أما الرواية فلربما تكون عدة صفحات، أو قراءة ما كتبه مراجع الرواية ومقيميها، لو كان موثوقاً، ممن أعرفهم، أما في حالة كتاب غير مترجم، ومنه هذه الرواية، فإن التزكية قد تأتي من صديق تعرّفت على ذائقته، ولكننا ما دمنا نعيش في بلاد تختلف توجهات تذوقهم، وهذا هو المحير، فلو طالعنا ما كتب على غلافي الكتاب هذا لرأينا أن بعض الكتاب اعتبره نادرة من نوادر العصر، ولا نشك في النوايا الآن، ولكن دعونا ندخل محراب الحدث في الرواية نفسها مرة بعد مرة، لضرورة التقييم، وسنرى معاً خلفيات جعلتنا المؤلفة ننسحب لتكرارها، مرة للتوضيح، ومرة لسرد السياق، ومرة للتقييم والنقد، وللقارئ أن ينظر إلى هذا الأسلوب في الرؤية المتأثر بنمط الرواية ذاتها.

 

سياق الحكاية في الرواية:

إن مدخل رواية مفتاح سارة قد أخذنا منذ البداية إلى بيت عائلة تيزاك، ومن خلاله، أو أن البيت هو شقة الجدة ماما التي يقومون ترميمها بعد نقل ماما لبيت المسنين على أن يسكن البيت كل من جوليا، وزوجها برتراند، وابنتهما زويا؛؛؛ إن الاسترجعات المتعلقة بالأمكنة، وتأثيرها، حتى الجدران، هي ديدن المؤلفة عن طريق جوليا لسان حال المؤلفة، راوية الحدث، وصاحبة المعضلة التي برزت أمامها بمجرد وجود نية لانتقالها إلى البيت بعد ترميمه، فما بال الخزانة نفسها، ومكانها، في مبنى ساينتونغ في أحد أحياء باريس التي وجدت جثة ميشيل المتعفنة فيها؛؛؛

على أن المؤلفة اختارت كما سيأتي ذكره سرد الحكاية بالتوازي بين القادم من الماضي، والذاهب من الحاضر، أي بين وصف حالة الطفلة سارة أخت ميشيل في خضم أحداث التهجير، والمعاناة التي تعترضها، ووسائلها الصغيرة لتجاوز محنتها في أهلها، وأخوها ميشيل بالذات الذي أقفلت عليه الخزانة، واحتفظت بالمفتاح لكي تعود وتطلقه، وكأنها تمارس معه أحد ألعابهم الطفولية الصغيرة، وهي لا تدري بما سيحصل، بل إن الهواجس التي اعترضتها طوال غيابها عن أخيها كانت قاتلة لها، وهي تحاول بشتى الطرق العودة لتخليصه، ولما تفاجأ بموته وتعفن جثته بعد شهر من غيابها عنه، تبدأ مأساة من نوع آخر دمرتها حتى انتحرت بحادث سيارة؛؛؛؛ هذه الأحداث تساوقت بشكل متواز في الرواية مع بحث جوليا البطلة التي بحثت، وتبحث عن جذور حكاية سارة، وبلسان الراوي المباشر الذي يبحث عن شواهد تقود للكشف عن الأحداث لتغوص بالقارئ في التاريخ، بينما يقرأ متصفح الكتاب سيرة سارة من بداياتها على النحو التالي: فإننا نبدأ مع سارة التي تستيقظ على طرقات مريبة للبوليس الذين جاؤا ليأخذوهم من بيوتهم، والناس في فراشها، ويليها صفحات تحضير البيت الذي ستنتقل جوليا وابنتها زويا إليه بعد ترميمه؛؛؛ وعودة للحالة التي تجري مع سارة، وأهالها، وكل من يسكن المكان الذي هو شبه غيتو للعوائل التي سوف تهجر في ليل أظلم؛؛؛؛

وبالتناظر بين السيرتين، أو بالأحرى السيرة الواحدة في الحكايتين المتعاكستين عن نفس شخصية سارة، مرة وهي طفلة، ومرة هناك من يبحث عنها، وفي حالة الطفلة فإنها أهم، وأكثر تشويقاً لحضور الحدث، ووصفه بين ترحيل إلى معسكر، ثم ترحيل بالقطار إلى معسكر ثان، ومعاناة تصفها الكاتبة من وجهة نظر الطفلة سارة،؛؛؛ وبعد تكرار الأمثلة، وتوارد أكثر من دعوة وخاطرة لسارة بضرورة الهرب، ولا تدري ما الهاجس الذي يسكن الهاربين، لما ينفصلون عن عوائلهم، ويهربون، فما هو الواعز، وما هي تلك القدرة على تحمل صبي مسألة الانفصال عن عائلته، والهرب إلى المجهول، رغم أن الكتمان يلف مصير الكل،؛؛؛ كل هذا الوصف، والأمثلة هو نوع من التهئية لهروب سارة، ومع هذا ورغم أن سارة كان لها سبب وجيه، وضروري لكي تهرب، ولتقوم بمغامرتها أكثر عن غيرها، لوجود أخيها ميشيل محبوس في خزانة تركته، ووعدته بالقدوم بسرعة، ورغم أن سارة التي دفعتها أمور كثيرة وشجعتها على الهرب، والمجازفة في العبور، فإن ما كان يؤخرها، ربما خشيتها، إما أن تفقد المفتاح في محاولة الهرب، أو الموت، وفي كلا الحالتين يكمن الفشل في الوصول إلى مكمن أخيها ميشيل؛؛؛ لهذا تستجيب أخيراً لدعوات الطفلة راشيل في الهرب، وترضخ لمجازفة، وتركن لها؛؛؛ (1-88)

وفي محاولة سارة وراشيل الهرب من المعسكر المخيم، يصطادهما الخفير الشاب منذ البداية، لكن هاجساً في سارة يستيقظ، لتدافع عن فعلتها، بل وتستميت بها، لعلمها بأن المحاولة لو فشلت، فلسوف تكون نهاية أخيها، فبمجرد تسليم الخفير لهما إلى قيادة المعسكر لسوف توضعن قيد المراقبة، ولن يكن هناك فرصة أخرى، لهذا تستميت سارة في التوسل بالخفير، وتستحث ذاكرته في تذكرها، وأخيها، وتسرد له الحكاية بعواطف مشحونة، وقد كان للمفتاح العامل المساعد والمؤثر في اقناع الجندي، وفعله خصوصاً، إن الجندي الخفير تعرّف على سارة، وجعلها تهرب وسمح لراشيل هي الأخرى، وبلمسة سخية، وِإبراز للنفس الإنسانية التي لا تختلف في حالات الشدة، يقوم الجندي بأعطاء سارة حزمة نقود، لكي تصرّف أمورها، ربما لأنه يعرف كم يبعد المعسكر عن باريس، وهي بحاجة لنقود لكي تنتقل بالقطار إليها.

وعلى الطرف الآخر نتعرف على الشخصيات التي تتعايش معها جوليا الباحثة عن بدايات قصة سارة؛؛؛ من خلال وصفها لهم مثل وصفها لماما، وزوجها برتراند، وحماها: فقد وصفت حماها إدوارد تيزاك على أنه متأنق، وكثير القراءة، وبخاصة لروسو وهو تحت شجرة البلوط، (1-112-113)، ولكنه ليس ذو أهمية أكثر عن متابعة سرد حكاية، واستمرارها؛؛؛ فنتابع محاولات سارة وراشيل الكثيرة لدخول بيوت ريفية أخرى، ولكنهما في نهاية مطافهما ناما في بيت كلب العائلة الريفية ديفوو، كانت محاولة الهرب بحد ذاتها قد أخرجت سارة وراشيل من بين أسلاك المعسكر الشائكة، واختفين في الأحراش، وتحاشيا مرور دورية عسكرية في الليل، ومحاولتهن طرق أبواب بيوت الفلاحين لطلب لقمة خبز، أو شربة ماء، وتكرار العميلة، وقد انهك كلاهما التعب، والارهاق، والتوتر النفسي، عدا عن تعرضهن لحشرات، ومرورهن في مستنقعات، وما شابه حتى وجدتا أنفسهما في مكمن لبيت كلب حراسة لدار أحد الفلاحين فيناما هناك، غير مباليتان بما يحدث لهن، في ذلك اليأس من النجاة،؛؛؛

وقد كان (1-118) لجوء سيريكا أي سارة ستيرزينسكي إلى بيت الكلب تابع لدار كل من جينفياف، وزوجها جوليوس دوفووو هو المطاف الأخير لحالة الضياع، الأولى لأن عائلة دوفوو قد تولت مقادير سارة من بعد أن وجداها وراشيل في بيت الكلب، وهما أي "جينفياف ودوليوس" اللذين ساعداهما، وحاولا اخفائهن، ولكن مرض راشيل كشف سرهما، فراحت راشيل ضحية وشاية الطبيب الذي جلباه لعلاجها؛؛؛ وهنا تظهر الكاتبة مرة أخرى شريحة أخرى من الفرنسيين وهي شخصية الطبيب الذي وشى بأمر الفتاة؛؛ راشيل المصابة بالديزانتري، ورغم هذا لم يتفاعل الطبيب مع مهنته الإنسانية بل تخلص من المسؤولية بأن وشى الأمر للألمان؛؛؛؛ وفي عملية المداهمة تصف المؤلفة العملية في مكانيين، الأول الطابق الأرضي، وعميلة التفتيش التي تسمعها من سارة من خلال وقع الأقدام، ونرى مع سارة ونتخيل ما يحصل في الطابق العلوي؛؛؛ وسارة مختفية في السرداب بين أكياس البطاطا،،، أما وقد وصل الخطر نحوها عند دخول النازي المخبأ في المرأب، فإن المؤلفة تصف لنا الحالة الشعورية التي تنتاب طفلة تقدر اقتراب الموت منها، ولكنها تصبر لواعز أهم من حياتها، وهي الهرب لتخليص أخيها السجين في الخزانة؛؛؛ وتنجو بأعجوبة، بينما لا يُعرف مصير راشيل بعد أخذها الجندرمة الهتلرية، ورغم محاولات عائلة ديفوو إثناء سارة عن محاولتها العودة إلى باريس، لكن ما وراءها من التزام لم يثنيها عن مغادرة الدار، ولا تعرف مصير لما سوف تقدم عليه، وباصرارها على العودة إلى باريس لتخليص أخيها من الخزانة، يضطر الزوجان ديفوو أن يرافقاها ليشهدا في وصولهما إلى بيت تيزاك مأساة موت ميشيل وتعفن جثته والتزامهما بتبني سارة، وما جرى من عقد اتفاق بين جوليوس، وتيزاك الجد كما سنرى؛؛؛

وللمؤلفة هنا أن تروي لنا مراحل الوصول إلى باريس، ابتداءً من عميلة التفتيش قبل ركوب القطار، ومناورة سارة في الوصول إلى حافلة القطار قبل غيرها من الركاب، وأمور أخرى تبدو مفتعلة وضعتها المؤلفة لتبين غباء، أو عدم اهتمام البوليس فيما يجري حولهم؛؛؛؛ وما حصل من حدث مروّع حينما تكتشف سارة أن سبب رجوعها ليس أكثر من وهم، وأن أملها تبخر مع اكتشاف جثة أخيها ميشيل المتعفنة في الخزانة؛؛؛ وبالعودة لبحث جوليا عن حيثيات عديدة في أمور التهجير، فإنها لا تتوصل إلى نتائج حقيقية، ومرضية حتى الآن؛؛؛؛

وتبقى سارة تحت رعاية عائلة "ديفوو"، بينما تلقت معونة شهرية لعشر سنوات من والد إدوارد الجد تيزاك الذي لم يريد أن يعلن لا لسارة، ولا لزوجته ماما، أو أولاده عن ما فعله، إلا قبل موته، فقد سلم إدوارد مفاتيح خزانة البنك لكي يحافظ على السر، ومضى على وجود الأوراق عقود أربعة من غير أن ينظر إليها إداوارد، حتى اقتنع بالأمر من صار اصرار جوليا واهتمامها العنيدين؛؛؛ ومن هذا المكان أي من وصول سارة إلى بيت أهلها الذي هُجروا منه، في السياق الخاص بقصة سارة الطفلة في الزمن الماضي المسترجع، ومن اعتراف إدوارد تيزاك لكنته جوليا للوصف ذاته، في زمن رواية الأحداث يندمج الخطان، أو بالأحرى يذوب الخط الخاص بسارة، ويبقى خط جوليا الباحثة عن أصول، وحقائق ما آلت إليه أحوال سارة فيما بعد؛؛؛؛ بعبارة أخرى فإن أحداث الرواية تتواتر من خلال رواية جوليا، بينما ينتهي خط سيرة سارة الطفلة؛؛؛

وتعتري جوليا نوبة البحث عن الهواتف، والعناوين لكي تجد شيء يمت لعائلة ديفوو فتجد اسم تهاتفه ليأتيها من وراء الخط صوت حفيدة جوليوس ناتالي فتعقد معها لقاء ويكون (1-185) اللقاء مع ناتالي ديفوو حفيدة جوليوس ديفوو، نافعاً، مؤثراً، بخاصة وأن ناتالي نفسها تدرس وتعمل في نفس حقل عمل واهتمام جوليا، فتأخذ ناتالي جوليا إلى كاسبر ديفوو وأخيه نيكولاس؛؛؛ ليحكيان لها عن سارة حتى قرارالأخيرة في السفر إلى أمريكا، وانقطاع أخبارها بعد رحيلها، وزواجها من رينسفيرد بسنتين؛؛؛ وتعود هواجس جوليا من جديد للتركيز على السفر إلى أمريكا؛؛؛ ليس إلا لتوصل لسارة مشاعر عائلة تيزاك التي لا تعلم سارة عنها أي شيء؛؛؛

ومن بين الوثائق التي يسلمها إدوارد تيزاك لجوليا هي (1-195) رسالة جوليوس لألين يحكي فيها استمتاع سارة في عطلة الصيف مع هنرييت، كانت جوليا تقرأها من بين وثائق سلمها لها تيزاك: كتبت عام 1946 في سبتمبر 8؛؛ وترحل جوليا إلى نيويورك لتلحق بعنوان وهمي لزوج سارة وهو رينسفيرد الأب؛؛؛ ولا تجد في العنوان غير ابنة رينسفيرد التي تتوهم أن جوليا تبحث عن أمها  التي هي الزوجة الثانية، وهي ابنتها منه، وتتأسف جوليا للخلط بالعنوان، فتقوم لتغادر فتبادرها الأم بأنها لم تتوهم، والعنوان الذي جاءت إليه صحيح، وأن سارة كانت زوجة رجلها الأولى المريض الآن، وقد ماتت بحادثة سيارة قبل عشرين عاماً، ولها ولد واحد هو وليم، وهو يعيش في إيطاليا لأنه كره أن يبقى في بلد وبيت ماتت أمه فيهما، وترحل جوليا وزويا لتلاقيان وليم في مقهى وهو كما يبدو مرح، وفي الأربعينيات، ولما يقابلهما تبدو البشاشة عليه، وكأنه يملك الدنيا بوسعها، ولكنه يثور، ويغضب، بل ويترك جوليا، ويهددها في أن لا تكرر لقاءها معه، بعد أن تريه جوليا عليه صورة سارة أمه وهي في الثانية عشرة، وعلامة النجمة الصفراء على قميصها؛؛؛

وتصاب جوليا من جديد بخيبة أمل، بل تصل لحالة الاجهاض لولا نقلها على عجل ِإلى المستشفى،؛؛؛  وتعرف بعد التقائها بـ"رينسفيرد" أن سارة هاجرت إلى أمريكا، لأنها تريد أن تعيش في بلد لا يضطهد اليهود؟؟؟... ولكن وليم يعود بعد فترة للقاء جوليا بعد أن انتقل لأكثر من بلد ليعرف أخبار أمه سارة، ومن كان يحيط بها، ولعله كان قد امتص الكثير من المفاجئة التي اعترته لأول مرة، وبدأ يؤمن بالأمر الواقع، وتنتهي الأحداث عند هذا الحد بعد أن يسلم مفتاح الخزانة الذي احتفظ به والده، وصار من حقه، وهو بدوره يسلمه لجوليا، ولا ندري لما فعل ذلك.

وبقي في الخاتمة حيرة على المؤلفة كيف تختم عملها، وقد ولدت لجوليا ابنة أن ترى أمامها وليم من جديد قد جاء ليحادثها، وترى في عينيه تلك التماعات الأولى، وتوحي لنا المؤلفة أنهما ربما يحبان بعض، أو هما معجبان ببعضهما؛؛؛؛ وفيها الخاتمة السعيدة.

 

كيف التقط القارئ تسلسل أحداث الرواية بما فيها:

  عندما قررت عائلة تيزاك أن تعيد ترميم البيت "الشقة" الذي كانت الجدة ماما تقيم فيها، وتركته لدار العجزة، وأن تسكن بعد الترميم جوليا زوجة ابنهما برتدراند وابنتهما زويا، لكن ومن غير إعلان، أو تمهيد ندخل في قصة طفولة سارة، ربما لأن البطلة صحفية كانت تهتم بهذا الجانب، وتعيره أهمية ما بقدر اهتمام المؤلفة روزناي تايتانا؛؛؛

وكما قلنا فإنه ومنذ الصفحات الأولى تتوازى حكايتان على طول الرواية تتبادلان حكاية الرواية ببعدين زمنيين، الواحدة قبل ستين سنة تتقدم بنا نحو الحاضر، والثانية في وقت كتابة الرواية المفترض 2002، وتبحث عميقاً مبتعدة في التاريخ. وكلاهما يدوران حول البطلة سارة، جاءت الأولى بوصف المؤلفة لوضع سارة الطفلة، والثانية تروي لنا بلسان البطلة الثانية التي تبحث عن قضية سارة وقومها الذي هجروا من بيوتهم في ليل أظلم، وسيقوا إلى معسكرات الأبادة في بولندا إبان حكومة فيشي النازية في فرنسا؛؛؛ فإن هذا التوازي قد حمل الرواية مستوى معقول من الإبداع فيما لو نظرنا إليها من الناحية الفنية، أما عملياً، فإنها تترك شعوراً لدى القارئ، وكأنه عند التحول من مستوى إلى آخر، أنه يفقد التسلسل الزمني، والمتعة معاً، ولربما تنمو هذه الحالة لدى البعض، وتتضاءل لدى الآخرين، ولكنها بكل الأحوال تترك القارئ معلقاً كما تترك المسلسلات الطويلة المشاهد على هواجس ما سيحصل في الحلقة المقبلة، وهنا يشغل ذهن القارئ ما سيحصل في الزمن الثاني، وعموماً، فالتشويق الأكثر، والتعلق الأكبر وجدته بنفسي في عدم ترك الجزء المتعلق بسرية سارة الطفلة، وودت ألا ينقطع، بل إنني كنت أقرأ بلا حماس أجزاء رواية جوليا، طالما بقي فكري معلقاً فيما سيحصل لسارة، وفي هذه الحالة وجدت أنها أحد مثالب هذه الطريقة، رغم فنيتها.

أما في حالة وصف المؤلفة لمشهد وصول سارة (1-159-162): وعائلة ديفوو إلى البيت الذي احتجز فيه ميشيل بخزانة داخل غرفة النوم التي يحتلها الآن إداوار عندما كان في سن الثانية عشرة، فهو وصف يمزج بين رواية قادمة من الماضي قبل ستين سنة، وبين رواية إداورد الأب لجوليا عن الواقعة نفسها، وهناك مفارقة هامة، وهي عملية ابتكار مشاهد مسيرة حياة سارة التي لم تلتقيها جوليا، ولم تتوصل لمعرفة تفاصيلها من سارة نفسها، وهي بالتأكيد عملية ابتكارية من المؤلفة للحالة الفيزيائية، والسايكولوجية لسارة، ومن حولها، لأن وصف إداورد تيزاك لا يتجاوز نقله لما رآه في حدود ما وراء بوابة البيت، فوصف المناظر المتقاطعة بين موقف الناطورة، ومنظر سارة وهي تهرع بصعود الدرج إلى البيت، وفي نفس الوقت وقوف عائلة ديفوو بين البوابة والناطورة، وبين تعلقهم بمصير ارتقاء سارة للدرج، ووصولها لبوابة البيت، بيت أهلها الذين هجروا منه قبل حوالي الشهر، وتعجلها في الطرق على الباب، ومنظرها وهي تدخل البيت لترى إلى الفتى إدوارد المستغرب من دخيل يقتحم عليهم الدار، واستقبال والد إداورد لسارة نفسها، وما جرى من مأسوية بعدها في اكتشاف جثة ميشيل؛؛ وذلك الموقف المروّع في الوصف المتعدد الانفعالات بين سارة المنكوبة، وبدء نشوء عقدة الذنب لديها، وبين تأسي عائلة ديفوو، واستغراب عائلة إدوارد والمفاجئة في وجود جثة طفل في بيتهم، وتعاطفه الجد؛؛؛ ومن ثم هناك محاورة لم تبرزها المؤلفة بين الجد تيزاك، والد إدوارد الصغير في رواية سارة الصغيرة، وجوليوس دوفوو حول كيفية التواصل، وتبني مساعدة سارة من غير علمها؛؛؛؛ هذا الوصف يتداخل مع مقاطع الرواية التي يكون إداورد الكبير قد بدأ بوصفه لكنته جوليا نفس مراحل وصول سارة، واستقباله له، وهو بعمر الثانية عشرة سنة، وموقف والده تيزاك من الحالة المأساوية، وتنويه عن تعهد الجد تيزاك لمساعدة سارة في محاورة مع جوليوس ديفوو، وما تبعها من مراسلات أخفاها الجد حتى وفاته، وسلمها لابنه إدوارد،؛؛؛ وهي التي كشفت استمرار الاتصال بعائلة ديفوو لمساعدة سارة شهريا لمدة عشر سنوات، وكانت الرسائل ترسل إلى عنوان محترف الخياطة الذي يديره الجد تيزاك؛؛؛ بدلاً عن عنوان البيت لكي لا تعرف امرأته "الجدة ماما" وأولاده من جهة، ولكي لا يثير هذا العنوان ذاكرة، ومشاعر سارة عندما تقرأه.

لعل ذلك الوصف يذكرنا بتفاصيل لعبة اتفاق سارة مع أخيها الصغير ميشيل بأن تغلق عليه خزانة الملابس، كما يفعلان في ألعابهما دائماً "الاختفاء والهرب"، ولسوف تعود لتأخذه متى ما استتبدت الأمور؛؛؛ وما تبعها من عواقب لم تكن سارة بعمرها الصغير عشر سنوات، ولا ميشيل في الرابعة من عمره يدركان خطورة الموقف، وعواقبه لو مارساه في الواقع، تحت ظروف القمع، والترحيل القسري؛؛؛ هذه اللعبة، والمفتاح لسوف تعذبان سارة، وجوليا، والقارئ على امتداد رواية الأحداث؛؛؛ (1-72) إن سارة لا تتخوف من أن يسطو البوليس على ليس المفتاح فحسب، وإنما على الشيء الذي ائتمنت عليه، وهذا المفتاح هو الحل، وهنا تفكر فيما لو أخذوا المفتاح منها فإن أمالها سوف تذهب أدراج الريح في استعادة أخيها، وبحبكة بسيطة، وكما تمر الأمور مع كل من في تلك الحال، يمر الأمر دون انتباه البوليس، بل وبكل اهمال، وكأن ما حصل من توتر لا يعدو عن كابوس يزول فجأة؛؛؛

وبتدخل من المؤلفة، تنوه على لسان جوليا عن تعاطف الكثير من الناس، ولكنهم يخشون التقرب، وبعضهم يجازف بفطرته، فقد رأت سارة امرأة تقترب من السور، وتضع بعض المواد الغذائية، وهي من الحالات الفردية النادرة، إذ أن الكثير منهم كان لا مبالياً رغم تعاون بعض الناس البسطاء ومحاولة مساعدتهم؛؛؛ (1-79).

كما تصف المؤلفة من خلال واقعة (1-81): مشهد حلق شعر البنات، ومنهن سارة نفسها تلك المعاناة التي تجري لأسير، أو سجين يجبر على فعل أمور لا تتناسب وحاله، أو مزاجه، ولا رغباته، خاصة، أن الحلاق لم يكن يهمه ما شكل، ونوع الرأس والشعر، ولا كيف سيبدو بعد الحلاقة، ولربما نتج عنها ألم دفين في الذاكرة يحملها الفرد معه طوال العمر؛؛؛ وكأنها تعكس صوراً سينمائية لواقعة، ربما كانت المؤلفة في عكس حتى المشاعر، تنطلق من طريقتها في كتابة رواية أفكار، لا بد أن تحمل الشخصيات، والأحداث الأفكار بكل أبعادها من غير المشاعر الإنسانية الحقيقة، فتلبدو هناك مفتعلة، بل ومصطنعة للقارئ العادي.

 

تقييم الرواية:

بما أن المؤلفة اختارت السير في أحداث روايتها بطريقة متعاكسة، كما أشرنا، روايتان بين الواقع واسترجاع الماضي: وبين سارة الشخصية التي تروى عنها الأحداث في الماضي، وبين جوليا الصحفية التي تكتب تحقيقها الصحفي في الوقت الحاضر؛؛؛ ولعل من أهم الأمور التي تلفت النظر أن المؤلفة ظلت تذكر على أنها "الفتاة" من غير الإشارة إلى اسمها كـ"سارة"، تعرف نفسها إلى عائلة دوفوو، بكنية سيريكا، أو سارة، ولكن المؤلفة ظلت تكنيها بالفتاة حتى التقاء الخطين المتعاكسين، إن سير الرواية في خطين متعاكسين بين سرية سارة القادمة من ذكرياتها، وبين تحقيق جوليا الصحفي الذي يبدأ في الوقت الحاضر، ويوغل في الماضي حتى تلتقي في المنتصف، أي عند صفحتي (159و161)، ميّز الرواية بشكل خاص، ولكن المؤلفة تترك سيرة سارة القادمة من الماضي، حين تصل سارة إلى بيت أهلها الذي تركته معهم، لتفتح الخزانة التي فيها أخيها ميشيل، بعد مرور أكثر من شهر على غيابها، وبين اعتراف إدوارد والد زوج جوليا برتدران، الذي كان في الثانية عشرة من عمره، والخزانة في غرفته، وهويشم رائحة كريهة أعزاها والده لمشكلة في المجاري، ويتغير خط سير الرواية ويصبح ليس أكثر من صحفي يبحث عن مادة ليدونها، ولكنه هنا في شخصية جوليا المهتمة بشكل خاص بسارة لأن فى سياق سيرتها ما يهم جوليا التي جاءت بالصدفة عائلة زوجها لتسكن مكان سكن أهل سارة كما سبق الإشارة إليه.

وقد كان القارئ مستمتع بذلك التوازي، ولربما استهوى قراءة مقاطع تسلسل بحث جوليا عن سارة. أو يقرأ سيرة سارة منذ يوم التهجير من باريس، كما فعلت بنفسي في قراءتي فقط لكي أجرب ما يمكن أن يحصل لقارئ ما مكاني،؛؛؛ أما ما يختص بفرادة التوازي فيبدو وكأن المؤلفة كتبت الرواية على دفعتين، أو أنها كتبت روايتين بأسلوبين وضعتهما في تقاطع، وتوازي في رواية واحدة؛؛؛ وجاءت تقسمها حسب توالي الأحداث، تكبر في التحقيق، وتتصاعد في السيرة؛؛؛ أما بعد الانتهاء من تلاقي الخطين فالأمور بدأت في الرواية تسير بمنحى آخر؛؛؛ وعلى نمط أية رواية أخرى؛؛؛؛ وبهذا المنحى فإن المؤلفة اختارت الكتابة في فقرات تحقيق جوليا أن تستخدم ضمير الأنا المباشر، بينما استعانة بالضمير غير المباشر لشخصية سارة، والشخصيات الأخرى لتجعل هناك مسافة بينها كمؤلفة ، بين الشخصيات، وبخاصة شخصية الطفلة سارة؛؛؛

بينما تتعلق المؤلفة بالذاكرة، وتتخذ من شخصية ماما جدة برتراند زوج جوليا مصدر لها، وهي في نفس الوقت تحاول أن تستجلب عطف أكثر فئات المجتمع بما فيم المثليين، عندما تصف لزوجها طبيعة علاقتهم، وخصوصيات المثل التي يتميزون بها، وهناك تلتقي بأحدهم كانت جدته قد عاصرت تهجير اليهود عن فرنسا؛؛؛؛

وفي سياق آخر استغرب كيف تتحدث طفلة بذلك العمر عن أمور تظل تعيدها، وتلوم الآخرين عنها، ووشعها في إطار الأسئلة، وعلامات الاستفهام أكبر من سنها، بل إن بعض التساؤلات لا يمكن أن تأتي إلا على لسان ليس بكبير عمراً، أي بالغ، وإنما أيضاً يكون حكيم، ومطلع، ولربما متعلم بما فيه الكفاية، ولقد كان لفعل التكرار في وصف الأحداث اليومية من خلال وجهة نظر طفلة صغيرة هي سارة التي تحمل مفتاح الخزانة التي أخفت فيها أخيها قبل ملاحقها مع أبويها: القذارة، والتغوط، والحراس، مردوده الذي لا يتناسب ووصف المشاعر، لأن ذلك قد مر على القراء، ومشاهدي الأفلام بشكل لا يحصى؛؛؛؛ وترى سارة بعين جوليا أحد الأطفال الشجعان ينزع نجمته الصفراء، ويهرب من المعسكر، النجمة الصفراء علامة مميزة لكل اليهود الفرنسيين، تنصحها أمها بأن تكون فخورة بها لأنها تميزها لا كما يرها الفرنسيون، وإنما كما ترى هي نفسها في أصولها اليهودية، ولما تضطرها الظروف في الهرب من مخيم الأطفال مع راشيل تنزعان العلامة المخاطة بملابسهما، وتخفيانها في الأرض، وتبرر راشيل هذه الفعلة لسارة، بأن غاية الهرب والنجاة أهم الآن من علامة تميزهن.

وبالمقابل لا تتوقف المؤلفة عن وصف الشكل الظاهري ولا تتعمق في وصف مشاعر شخصيات أخرى، لا تعير اهتمامها لمعضلة جوليا في بحثها عن سارة لكي تقدم لها اعتذاراً باسم عائلة تيزاك، ولكنها بفعل كهذا تخدم أسلوب رواية الأفكار، وتنطلق من رؤيا المؤلفة، وليس كما تعيش الشخصيات لو وضعت في ظرف افتراضي كهذا، فتتصرف خلال النوايا التي تخمنها جوليا، أو التي تسبر أغوارها، فتقول بأن إدوارد تيزاك قد جاءها محذراً من استدراج ماما لموضوع عائلة سارة وأهلها لسريته ربما، ولعدم رغبته في أن تعرف أمه أسرار أخفاها والده عنها، ولا يريدها وهي في هذه الحالة أن تعرف أسرار مضى عليها ستون سنة،؛؛؛ فتخمن جوليا أن إداوارد يخفي سراً يريد لماما أن لا تعرفه، وهي أمه، وجدة زوجها، وتكتشف زويا أن الماما كانت تعرف كل شيء عندما صرحت لها بالسر قبل ذهابها في غيبوبتها؛؛؛ وكذلك الأمر بالنسبة لزويا ابنتها، وزوجها، وأكثر من تلتقيهم؛؛؛

ولربما يكون مفتاح الخزانة أحد الأبطال العينية في الرواية، شيء له معنى، وله تأثير، ومن خلاله تتوارد الهواجس بين خوف وأمل، بين حياة وموت، وهو شيء صغير فعل فعله حتى بعد موت سارة، وعند مقابلة جوليا وزويا ابنتها لوليم ابن سارة من زوجها الأمريكي. وهو أهم ما في الرواية من عنصر جذب، وتشويق للقارئ حتى الذي لا يتفق وآراء المؤلفة، ولعل وصفها تحسس الفتاة سارة للمفتاح بين أشياء في جيبها، أو الحرص على التأكد بأن المفتاح ما يزال في جيبها، وهواجسها حتى في حالة تقدمها من البوليس الذي يفتش الكل، فتصف المؤلفة معاناة الفرد مهما كان عمره، وهو في حالة توقع للوصول إلى من سيستولي على أهم كنز، أو سرّ سيكشفه، أو يفرط به، وذلك عندما يحمل شيئاً، فيظن أن الآخرين يتوجسون، أو يقيمون الشيء نفسه بنفس ما في عقل الفرد من تقييم، أي أن يشك الآخر بأن هذا المفتاح وراءه سر، أو مخبأ في البيت، أو الصندوق، أو الخزانة شيء هام عليهم أن يأخذوا حامله ليسجنوه، أو يعدمونه حياته، أو أن يذهب بهم إلى مكان المخبأ ليفتح بالمفتاح ذلك القفل، أو الباب، أو الصندوق، لهذا يكون المفتاح لدى سارة الصغيرة أهم من النقود، وأهم من أي شيء آخر لديها، وأهم من عمره ذاته، أو لدى أي شخص حامله، وهي هنا إشارة توجس،

ولا ندري ما سبب تركيز المؤلفة على رقم 2، 42، 62، حتى، و2002؛؛؛ زمن بداية جوليا البحث عن سارة، ولربما هوعين الوقت الذي تم تأليف الرواية، فقد قررت جوليا السفر إلى أمريكا، وقد علمت أن سارة كانت قد تركت باريس إلى نيويورك، عام 1962 أي قبل أربعين سنة من بداية بحث جوليا عنها، وبعد عشرين سنة من أحداث التهجير؛؛؛

 

وقائع ومفارقات

وفي بحثها المتواصل تقابل جوليا (1-84): فرانك ليفي جامع لآرشيف معلومات عن معسكرات الإبادة، يومها كانت جوليا قد عادت من مخيم درانسي خارج باريس في اللوريل.

ورغم أن هذا السر أخفي على سارة طوال حياتها بناءً على توصية من الجد تيزاك، وها هي جوليا البطلة الصحفية تحاول أن توصل لها موقف عائلة زوجها الأخلاقي تجاهها ومن غير علمها، ولما تكتشف أن سارة قد ماتت أو انتحرت بحادث سارة، تلاحق ابنها وليم لتشفي غلها، أو لتريح ضميرها، وتبرئ عائلة زوجها من موقف لم يختاروه.

وللقارئ النابه أن يستغرب علاقة الحمل بسياق الأحداث، حمل جوليا الذي لازمنا حتى الربع الأخيرمن الرواية، وولادة لوسي أخيراً برغم معارضة الأب، ليس إلا لدواعي كشف أن لزوجها  برتراند علاقة بإميليا عشيقته، ولتبرير تحميله ذنب اللامبالاة في متابعة جوليا لحكاية سارة، وضرورة اعتذار عائلته لها، وما إلى ذلك من تسويغات تدفعها المؤلفة في مجريات حياة جوليا؛؛؛ ومع هذا فإن حشر موضوعة الحمل، وتكرار مفارقات العلاقة بين جوليا، وزوجها برتراند، ليس إلا تسويغ غير مناسب لإبعاد برتراند عن مشهد البحث عن حقيقة سارة، وهو أكثر أحقية من جوليا الطارئة على الحدث، لأنها لا تعدو أكثرعن كنة إدوارد، ولم تسكن في البيت الذي وجدت فيه جثة ميشيل، بل إنه ولحرص الجد تيزاك لم يدع ابنه برتدراند يعلم بقصة سارة لا هو ولا أخواته، وبما جرى في السابق، ولربما هو حرص كل جد على أحفاده الصغار بأن لا يعتريهم كل ليلة كوابيس وجود روح هائمة في بيتهم، وربما في غرفة نومهم، هي في عين الوقت معضلة ابتلتها عائلة برتراند تيزاك من غير قصد، أو بمجرد أنهم سكنوا هذه الدار نفسها، وقد كان على المؤلفة أن تستفيد من هذه الحالة بوصف معاناة إدوارد الصغير بعد الكشف عن الجثة، والكوابيس التي كانت تنتابه في أحلامه، أما ما كان يهم المؤلفة هو أن تتخذ جانباً واحداً، وتركز عليه مرة بغل، ومرات بتوصيف سايكوسيسيولوجي، أو لربما سايكوبوليتكس، وهذا يتماشى عن اتهام برتدراند بنوع من الأنانية، وعدم حبه للأطفال، وتمرير كل هذا بالإضافة لوجود علاقته بإيميليا، وكلاهما غائبان عن المشهد إلا في حالات نادرة، ومع هذا تسوّغ الكاتبة لجو الحمل، النية في عملية الاجهاض، تم التغاضي عنها، مثل المسلسلات الطويلة، وما يتبعها من ردود أفعال للحامل، قصد المؤلفة إثارة بعض التشويق للقارئ، ولكنه تسويغ ضعيف، ومكرر، وأخذ من صفحات الكتاب، ووقت القارئ الكثير؛؛؛

وعلى نفس المنوال لا ندري ما تأثير انفعال ابن "هو وليم" لمعرفة ماض أمه وهو يفاجأ بما لا يعلمه، وكأن الأسرار هي ديدن المؤلفة في أي مكان تحط به سارة، ولربما يكون من الواقعي جداً أن يأتي مبدأ الرفض المباشر من شخص كون صورة مثالية ما عن أمه، ويفاجأ بأن لها جذور غير مما يعرفه، أو أن المؤلفة تريد بهذا أن تغل باعتبار أن العنصرية تتجاوز حدودها حتى في العلاقات الأسرية، لتبين للقارئ ياحتمال تخلي الابن عن أصل أمه، وعدم اعترافه بها، ولهذا نرى أن المؤلفة لكي تزيد التشويق كما تراه هي لا كما يراه القارئ أن تجعلنا ننتظر مع جوليا إما الولادة، أو الاجهاض لا لشيء سوى أن تماطل المؤلفة في تمرير بعض امور المتعلقة بتجاوز الزمن حول حكاية سارة، وملاحقة امتداد خيوط علاقاتها، فتكون حالة (1-240): الاجهاض غير المتوقع، ومعالجته، ووصف المؤلفة لمنظر زويا ترى إلى أمها بعد أن تركهما وليم رينسفير غاضباً للمفاجئة التي رأها عن أمه سارة، وصورتها التي تركها أمامه.

وهل يعقل أن يرسل وليم ابن سارة أعز ما احتفظته أمه لثلاثين عاماً، وأودعته لدى والده، يكون هبة، وورث لابنها أن يفرط به فيرسله للعرابة التي زكتها المؤلفة، أن تحتفظ به، وها هي جوليا(1-253): تتسلم غلاف قديم فيه المفتاح البرونزي الذي احتفظت به سارة طوال أعوام حياتها حتى وفاتها، واحتفظ به زوجها، وسنرى في الصفحات الباقية أنه الآن في شبه غيبوبة، سلمه لوليم، مع نثرية عن عذاباتها، ونقطة الضعف التي لازمتها كعقدة ذنب بأنها هي التي كانت سبباً في وفاة أخوها ميشيل في الخزانة، ربما لكي نقرأ معها النثرية التي لا تعني شيء أكثر من مناجاة ركيكة أهمها هو الوصول إلى الخاتمة. ففي نهاية المقطوعة جملة بالعبرية تقول: وهي التي تختم تاتيانا روايتها بها من خلال مناجاة سارة لأخيها ميكايل التي لا بد  لنا أن نقرأها من خلال جوليا، لا من خلال سارة وهي تكتبها في يومياتها، أو الزوج، أو حتى وليم نفسه. وتعني (1-259): العبارة: زاخور ألتنجكاه، بالعبرية أي : تذكر ولا تنسى أبداً.

ولربما يكون وليم الأربعيني مهتم بعلوم التقنيات، ويتعامل مع عالم السايبر، ولكن ما وجهة نظر المؤلفة في اقحام زويا التي تبدو من خلال سياق أحداث الرواية من الشخصيات غير الفاعلة، وما تأثير استمرار علاقتها، أو اتصالها بميشيل على سير الأحداث (1-278): بعد أن كانت زويا تتخاطر وليم بالغوغل،،،، فقط لكي تبين، أو تبرر عودة ميشيل ليلتقي جوليا، ويسرد لها رحلاته في تتبع أصدقاء أمه،(1-288): وحديثع عن تتبعه الأشخاص والأماكن، والأنصاب في أمكنة الحدث.

وهناك أمور هامشية كثيرة لم تجتاجها الرؤية لتدعيم، مثل استمرار اتصال زويا بوليم عن طريق الغوغل، مما سيبرر عودة اتصال وليم بجوليا بعد أشهرو يبدأها هاتفياً، قم يأتي ليلاقيها وقد تعافى بغسل ذنوبه العنصرية على طريقة الكثارسيس الإغريقية، ويقدم لها تقريره عن متابعة كل ما يتعلق بماض أمه، من أماكن، وأشخاص، ومذكرات، بل يسلمها مفتاح خزانة عمه، وكان قد زار قبره في موقع بيت جوليوس.

 

بين التاريخ السياسي، وحكاية في رواية:

في إشارة إلى خطاب شيراك حول اعتذار فرنسا، لم يحدد لليهود والمجتمع الدولي وضع الفرنسيين، وهم تحت حكم الاحتلال، أي حكومة فيشي الفاشية التابعة للنازية، وأن هناك الكثير من الفرنسيين ذهبوا ضحايا هم أيضاً، وبعضهم الآخر قاتل حتى تأسست الجمهورية الأولى بقيادة ديغول، ربما لم تعر المؤلفة انتباهاً لهذا عن غير قصد، أو لكي تضفي على جوانب روايتها جوانب تثير الحساسيات، بالنسبة لمن لم يقرأ التأريخ، ولم يطلع على مجريات الأمور، وقد أضاف جويلاوم الذي التقى جوليا، في بيت صديقيهما كرستوفور وهارفي، الكثير من النوازع المؤثرة عندما بدأ يتذكر أقاربه في المجزرة، وتكلم طويلا عن جدته التي كانت في الخامسة عشر من عمرها، أنهم كانوا قد تركوها لأنهم أخذوا الصغار والأبوين، وتركوا من في أعمار المراهقين (1-44)، ويبدو أن هناك مفارقات جوهرية تجنح عن الصواب، وتبتعد عن الدقة، لا نعلم سببها في ترك ذوي أعمار المراهقة، وقتل الأطفال، والرجال والنساء مهما اختلفت أعمارهم، فالعدو يقتل الكل دون تميز.

وعودة لدوافع المؤلفة في استدراج كل ما هو مثير للعواطف من جهة، والإكبار من جهة ثانية، أن تروي لنا أكثر من مرة كيف أرادت سارة أن تقتلع النجمة عن قميصها، لكن أمها نهتها لتخبرها بأن عليها أن تفتخر بكونها يهودية، رغم أن هذا التميز هو الذي يمنعها من الدخول إلى السينما، والمطاعم، والأمكان العامة الخاصة بالفرنسيين، لكنه لابد أن يكون فخراً لها، وليس عيباً (1-48) وفي (1-139) ولربما جاء ذلك من خلال تحشيد المؤلفة لمبررات تكرار لوم سارة وهي طفلة لما يجري، ومن هو المسبب من غير تكليف جهدها بالشرح عن هوية النازيين، ومنهم الفرنسيين من حكومة فيشي الذي يقاتلهم الفرنسيون الأحرار، ولا ندري ما دور المؤلف الروائي في الاعتماد على التاريخ والتركيز على حادثة هي فعلاً مأساوية لو حصلت لأي شعب آخر، ولكن الروائي ليس كالسياسي يعتم من جهة على أمور ويبرز ما يتوافق مع هدف، فالروائي يبني عالم هام يحيط بالموضوعة التي تدور حولها الأحداث، وشخوصها، من غير تنميط الناس، بل أن يجعل منها كائنات حية لها رودود أفعالها، وليس كشخوص الأفكار التي لا تنطق إلا بما يهدف له المؤلف، ومنهم كل من جوليا، وسارة بالذات؛؛؛ فهل يصح القول على لسان إحدى الشخصيات، وكأنه يقدم بيناً "مونوفيستو" يدين "لا ندري من" فيقول:(1-69) قيل لنا نحن الفرنسيون لأعوام طويلة أن اليهود أعداءكم، وأعداء الوطن، وهذه عبارة تحريضية تبغي المؤلفة منها أن تؤلب جهة على أخرى في هذا العصر، ولا تنسجم مع جنس الرواية حتى ولو كانت سياسية، فالشخصيات المرسومة لها كيان، وتتنفس في الرواية لا كدمى تنطقها المؤلفة ما تريده، ووقتما تشاء، لهذا ورغم أنها حصلت على أكثر مبيعات، وجوائز، لكنه معروف أن الجوائز لم تقدم للمهارة في المهنة، ولا لفرادة الموضوع الذي أشبعته الصحف، ووسائل الإعلام توثيقاً، وتبريراً؛؛ وللحالة في المعسكر، بعد وصف مشاهد المداهمة، (1-72)، وإنما لأمور محسوية أبعادها بشكل دقيق لدى المؤلفة التي تكتب مونيفستو بأسلوب رواية.

وعلى صعيد مواز فإن إرسال الأسرى لمعسكر أوسجويتز في بولندا، لم يكن بأمر الشعب الفرنسي، وبغيره حتى حكومة فيشي نفسها، وإنما ذلك كان تابع لنظرية النازية الآرية في تصنيف البشر بناء على العرقية، والنموذجية، والأصالة في الدم، والوراثة؛؛؛ فقد وضعت النازية سلم درجات لنضافة العرق البشري مبتدءً بالألمان، ومنتهياً بالعرب واليهود، ضمن نظريات مشوهة عن أفكار نيتشه وما إليها، وبخاصة علو العرق الآري على كافة الأعراق منطلقها التصنيف العنصري، وبخاصة للجنس السامي بما فيهم العرب والكلدان وغيرهما؛؛؛

ولربما يكون سبب اصطياد اليهود في أمكانهم بسهولة هم أنفسهم كانوا منغلقين على أنفسهم في غيتوهات "تجمعات" ليست سكنية الغاية فحسب، وإنما هي انغلاق على الذات لتنقية العنصر اليهودي من أي دماء دخيلة، وهي نظرية عنصرية تتقاطع مع نظرية النقاء العرقي، وتتعادل معها في عنصريتها، وإلا لما تقبلوا وضع شارة النجمة الصفراء واعتزوا بها بدلاً عن نبذها، لأنها تميزهم، وتعليهم على البشر، وهم في تجمعاتهم يحافظون على عرقهم، وتراثهم من التلوث والامتزاج مع غيرهم، كما امتزجت كثير من الشعوب ببعضها، وذابت الفوارق، وتعادل البشر، متساوون أمام وطنهم وربهم، وليس بينهم من هو أفضل من الآخر، وهذا مختار من قبل ربه، والآخر تابع، ومن الحشرات على الشعب المختار حسقه، ومحقه بكل الوسائل كما تفعل إسرائيل بالفلسطينين الآن؛؛؛

ولهذا السبب، أي لأن تجمعهم في مواقع مميزة، ومعلومة سهل على النازية اصطاد اليهود في مجمعاتهم الغيتوية، ولمهم في جماعات، وهذه حال كل البلاد التي يغزوها المحتلون، فلا يفرقون بين البشر، ولا يهم المنفذين من هم المرحلون، وما هي أمالهم، وجنسياتهم، وطموحاتهم كبيرة كانت أم صغيرة؛؛؛ فقد وصفت  المؤلفة ساحة مارتيس، وفيلودروم ديفير بقول جوليا: كانت ضاحية جميلة لبنايات راقية وقتها. وكل الأماكن التي هجر منها اليهود حتى الباصات، ومحطات القطارات، والمخيمات، ومن ثم عزل الرجال عن النساء أولاً، وعزل الأطفال عن أمهاتهم، في مخيمات مؤقتة موبوءة. رُحلوا كلهم إلى بولندا لمعسكر الإبادة الجماعية.

ولأن المؤلفة، وهي هنا لسان حال الباحثة جوليا، وتنتحل شخصيتها كأميريكية مُنزلة، تبحث عن الحقائق في فرنسا، فإن البطلة المتكلمة بصوت المؤلفة تعرف ثنايا باريس، ومنحياتها، وتتقن الفرنسية، لكنها تبقى من شعب الرب المفضل لا تجانب الصواب فحسب، وإنما تخطئ وتلوم الفرنسيين الذي عاصروا تلك الفترة، وهم شعب محتل هو الآخر حتى في ظل حكومة فيشي النازية، وقد قرأنا حتى في الرواية نفسها أن منهم من لا يبالي، ومنهم من يهتم ولكنه يخاف، ومنهم لا يدري عن أمور حياته أي شيء، ومنهم من هو معتاز، وتجبره الظروف لسكن بيوت اليهود التي هجروا منها، لعدم دراية بما حدث لهم ماداموا قد رحلوا إلى جهة هم لم يهتموا بها، وليس لهم هدف مسبق، ولا هاجس بغض لليهود كما تصور المؤلفة، على الصعيد الشعبي أما الرسمي فهو من مناخات السياسات الكبرى بين محاور الجبهات وقتها؛؛؛؛ وكما نراها حتى الآن على منابر الأمم المتحدة، وفي كواليسها.

 

الخاتمة:

فمنذ البداية تثير المؤلفة عواطف القراء ممن لهم نفس الخلفية، وتتعمد المؤلفة تكرار العذابات، وما يلاقيه المحتجزون، وبذلك تكرس وجهة النظر صهيونية؛؛؛؛ لمقولة شعب الله المختار، لهذا فإن هذا العمل الأدبي ينتمي لرواية أفكار في شخوصها، وأحداثها، ولهذا تتحرّك كل الأفعال والمقولات، وما يجري على لسان الأبطال، ومجريات مواقفهم، بمستويات فكرية تتجاوز العلاقات الاجتماعية والعاطفية، ولا تعير أهمية للنوازع الإنسانية الحقيقية، وتصرف الشخصيات على الدوافع، وردود الأفعال، وإنما تتحرك الشخصيات كالبيادق كما تريدهم المؤلفة، وكذلك الأحداث والأمكنة الموظفة للرواية الفكرية والمسيسة، لهذا فإن المؤلفة تورد الكثير من التفاصيل في المخيمات التي تصفها بما ينطبق على حالة كل من هم مهجرون في المخيمات: ولقد قرأت كتاب مذابح الأرمن للقس يوسف أرملة كتبه 1928، ولا زلت أحتفظ بنسخة مطبوعة في حمص، يصف تفاصيل مخيمات التهجير بكامل تفاصيلها، ومنها المعاناة اليومية للمعيشة على أنظمة الدور في استقاء الماء، والتغسيل، ودورات المياه،؛؛؛

لعل الكاتبة راجعت العديد من الكتب عنها، أو أنها هي التي حصل لها موقف بهذا الشكل، أو ما يقاربه، وإلا ليس من وصف دقيق حتى بذاكرة ماما التسعينية من هذه الدقة المتناهية، ولا حتى في ذاكرة طفلة هي سارة تستحثها المؤلفة للكلام بأفكارها، دون النظر إلى سنها وقت الأحداث، والتي كانت تحتفظ بمفتاح خزانة أقفلتها به على أخيها داخل الخزانة، ولربما يذكر المفتاح حكايا الفلسطينيات ولكن بشكل مختلف، وكثيرات اللواتي أخذن مفاتيحن مفكرات بأنهن سيعدن بعد أيام، في تصورهن، وكذا نساء الأرمن؛؛؛؛ هؤلاء الذين انتزع عسكرالملي ليس المفاتيح منهن، وإنما بقروا بطونهن لكي يحصلوا على ليرات الذهب التي ابتعتها النسوة كنوع من الوقاية لهن لما تنفرج الأمور،؛؛؛ يمثل المفتاح في هذه الرواية أمل، وكنز سارة الذي عليها أن تتلمسه في كل لحظة، حتى وهي في منامها؛؛؛

وهذه بعض من الشواهد التي تدل على أن المؤلفة قد اعتمدت على أقتباس الكثير من سير العديد من الشعوب المحتلة، ولربما سمعت الكثير من العراقيين، وأسارهم، ولكنها ترجمتها على النحو الذي يخدم روايتها، فماذا لوفتح العراقيون قلوبهم، وبخاصة الذين هربوا عبر الجبال إلى تركية، أو إيران ينامون في المغاور نهاراً، ويسيرون في الليل، ولو انتقتهم دورية فيقتل من يقتل؛؛؛

أما عن السبي فإن المؤلفة اقتصرت على هذا المثال لتكريس العنصرية، وإظهار أن الذي حصل لا مثيل له في التاريخ، فمذابح الهلوكوست، لشعوب كثيرة، بما فيها المذابح الجماعية للأرمن كما أشرنا، ومذابح أوغندا، و رواندا أفريقيا، والبوسنة، وإسرائيل مع الفلسطينيين، ووأهمها إبادة الهنود الحمر التي لم تشر المؤلفة لها، لأن البطلة جوليا الأمريكية كبطلة كل الأفلام سوبرمان يناصبه الغير العداء، حتى الزوج الذي تتماهى في تحميله وأسرته ذنوب لا يدرون عنها أكثر، وتتانسى المؤلفة أمريكا التي تغذي مجتمعاتها بالغل، والغلو في التكابر، منذ أبادو الهنود الحمر، واحتلوا العديد من الدول الأوربية اقتصادياً، وتماهو في اعتبار أي شي يمس قدسية بلد الديمقراطية شيطان لا بد من إبادته؛؛؛؛ بهذا نتف بعض النقاد شعورهم، وتباكو مع كل سطر خطته المؤلفة تاتيانا لما لهم من إنسانية مفتعلة؛؛؛ وهي منهم، ورغم أننا نتعاطف مع القضية التي طرحتها المؤلفة إنسانياً، ولكنها ما كانت الأخيرة، ولم تكن الأولى؛؛؛

وهمسة في أذن العرب، أنهم يتجاهلون تقييم الكثير ممن كتبوا عن نكباتنا، ولم تنتشر، بل لم يعرها أحد اهتماماً مناسباً، بل جرى التعتيم، والاهمال، والتسفيه، ومهما كتب لن يثير انتباه المجتمع الدولي، كأعمال الشهيد غسان كنفاني، وأعمال الفنان ناجي العلي على سبيل المثال لا الحصر؛؛؛؛ ليس إلا لأنه يمثل نكبات العرب المتكررة، والتي لا يتابعها المسوؤلين العرب بغير التنديد، فكلنا نتذكر كفر قاسم، ويافا، وقانا، وتل الزعتر، ولبنان لمرات، وغزوة بالإبادة والحصار؛؛؛ وغيرها، ولكن كم جائزة حصلت روايات، وأعمال أدبية وفنية عن هذه المذابح، وكذا الأمر لما يحصل في العراق وأفغانستان؛؛؛ وعلى القراء، والنقاد العرب أن ينتبهوا، وأن يستخدموا نفس عبارة المؤلفة في خاتمة الرواية: تذكروا، ولا تنسوا، تذكروا، وأصرخوا ليسمع العالم صوتكم في هذه الغابة من الدجل، والحروب، ونفي الشعوب، تذكروا أن القوى الخفية وراء كل عذاباتكم، وكل سيناريو يبدأ وينتهي؛؛؛ بها ومعها ومنها وفيها؟

عن المؤلفة:

كتب الكثير من النقاد بأن جوليا بطلة الرواية الأولى شبيهة بالمؤلفة نفسها، ولكن المؤلفة "تاتيانا التي يبدو من اسمها الأول أنها من أصول سلوفاكية كما نظن" قد أوضحت بأنها من أب فرنسي، وأم إنجليزية، بينما جوليا أمريكية تزوجت من فرنسي، ولا شبه بين زوجها، وزوج جوليا برتدراند أو عائلتهما، وهناك الكثير من الأسئلة طرحها الناشر على الكاتبة تستفز ليس القارئ، وإنما الناقد، هي على سبيل المثال: ما الذي الهمتك كمؤلفة رواية مفتاح سارة، فتقول: الأماكن لها سحرها، وبخاصة البيوت، والشوارع في باريس. وكم كنت تعرفين عن أحداث الرواية قبل البدء، وما المحفزات: لم أعرف الكثير ولكنني تعلمين في المدرسة حوالي سبعين بالمائة، ولكنني لم أزل بحاجة للمزيد. وما تعلمت، وما شعورك: فتقول كلما تقدمت في البحث اكتشف الكثير، وأهمها ما حدث لأربعة آلاف طفل يهودي، هل هناك توازي بينك وبين جوليا: الرجاء شاركينا ببعض الكلمات عن المعالجات أثناء الكتابة: لما بدأت الكتابة اضطررت زيارة أماكن الأحداث مثل: درانسي، وبونلا رولالد. أمكان من ضواحي باريس والتقيت العديد ممن عاصروا الأحداث من فرنسيين، وممن كانواضحايا، أو أطفال هربوا.

 

عرض وتقييم: د. فاروق أوهان

...............

(*) عرض وتقييم الدكتور فاروق أوهان لرواية مفتاح سارة من تأليف تاتيانا دو زوناي. Reviewed and evaluated by: Dr. Farouk Ohan.         

(1) رواية مفتاح سارة من تأليف دو روزناي. من منشورات دار مارتن غريفين:

Sarah’s Key s novel by: Tatiana De Rosnay, published by: ST. Martin’s Griffin, 175 5th Ave, New York, NY 10010 USA

موقع فاروق أوهان الفرعي على موقع الفنون الجميلة:

http://www.alfnonaljamela.com/art/artical.php?art=146

 

ماجد الغرباوي و "مديات حلم"

abdulsattar nooraliتوغّلْ .. توغّلْ

فلذيذُ الطعنات

آلامُها


 

 

يتكرر هذا البوح بالألم، في قصيدة الباحث الأديب ماجد الغرباوي "مديات حلم". هذا التكرارُ خلاصةُ الجرح فيه، جسداً وروحاً. إنّه بيت القصيد، الذي يدور في دوامته النصّ. هو المخاضُ الذي وُلدَ من رحمه ما يحمل مضمونه من أحاسيس، وتفاصيل، وصور:

آهاتٌ تساقطتْ،

فراحتْ تـُلملم جـُرحَها،

ولمّا اقتحمت فناءكم،

كان عليَّ أن اعتذر لكم جميعا

 

هي الآهات إذن، الآهاتُ التي تساقطتْ، وهي تلملم جرحَها. جرحٌ أمطرَ في فنائنا هذا الشدو الشجيِّ، الموغلَ في عمق النفس المبدعة، لتمطرَنا بهذا البوح. إنّه القلب المضمّخ بالألم. الألم الذي يرفع الكلمة اضاءةً لما في داخل النفسِ من كلامٍ، يحمله الكاتبُ ليمرّ علينا بقنديلهِ، معتذراً لما قد يسيلُ من أنامله ما يقتحمُ قلوبنا جُرحاً فنتألم. مع أنّهُ ألم لذيذ نحتسيه. وهو الغرباوي المتوغل عميقاً. فيمَ يا تُرى؟:

 

في مدياتك القصية حلمٌ

شاسعان جناحاك

حلِّقْ ...

فلن تجدَ سوى الريح موطئا

 

هو الحلم. والتوغل ليس في عمق الأسفل، إنما هو في شاسعات الأعالي .. هناك حيث أقاصي الفضاء الرحب. والتحليقُ بجناحين، فارعين شاسعين. بامكانهما الطيران الى أعلى فأعلى .. هناك الحلم السابح في نور الشمس. هو حلم الخلاص من الجرح وآلامه، للتحليق ثانيةً الى أقصى فأقصى .. حيث المدياتُ الفسيحة. واللهفة تشدّه. وقودهُ دمُه المراقُ، الذي يحرقُ جوانحهُ ألماً ورغبةً في الخلاص، وتوقاً إلى معانقة النجوم، وإلى الطيران في الهواء والفضاء الشاسع:

 

تشدُّكَ ازرارُ اللهفة

وقودُ حناياك دمي

 

هذه اللهفة في الخلاص، مشدودةٌ الى التحدي، تحدي الجراح للتخلص منها بقوة وعزيمةٍ وعمق كأنامل الشمسِ وهي تغور عميقاً لتمزّقَ الشرنقة فينطلق الغرورُ مقتحماً المدى للوصول الى الحلم المُنتظَر. لا يعني الغرورُ هنا التكبّرَ، وإنّما الثقة العارمة بالنفس وقدرتها على تحمّل صخرة الألم الثقيلة الخانقة. الانتظارُ ليس بالاستسلام للقدر، وإنّما بالسعي الحثيث، والشجاعة الارادة الصلبة والاصرار على المواجهة، وجعل اليد سلّماً للوصول إلى النيازك لافتدائها. فاليد هنا علامة القوة والعزيمة في التصدي والمقارعة، والأمل في اقتناص الحلم:

 

عميقاً تهادت أناملُ الشمسِ

تمزّق شرنقةَ الغرورِ

 

سُلّـمٌ يدي

تفتدي

سنا النيازك

 

وهذا ما يُذكّرنا بما قاله حافظ ابراهيم :

 

مَنْ رامَ وصلَ الشمسِ حاكَ خيوطَها

سـبباـً إلى آمـالـهِ ..... وتعـلّقـا

 

روحُ التحدي للآلام وجراحها النازفةِ، ومواجهتها بالشجاعة والقوة النفسية والارادة الحديد، تعيدُنا الى الميثولوجيا الأغريقية وقصة الإله برومثيوس، التي وظّفها الكثير من الشعراء في مضامين قصائدهم لخدمة ما يرمون اليه. ومنهم أبو القاسم الشابي في قصيدته "هكذا غنّى برومثيوس"، قصيدة التحدي والمصارعة، ومقارعة الألم باشدِّ القوةِ والعزم والتحمّل، وبالاصرار على مواصلة الحياة ونشيدها، وبالانشداد الى حبِّ الانسان وحلمه في نشر النور والمعرفة والدفء، مثلما ترمز اليه قصة الإله برومثيوس، ومثلما كانت حياة الشابيّ انساناً وشاعراً:

سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ

كالنسرِ فوق القمّةِ الشمّاءِ

 

أرنو إلى الشمسِ المضيئةِ هازئاً

بالسُحْبِ ، والأمطارِ ، والأنـواءِ

 

لا أعرفُ الشكوى الذليلةَ والبكا

وضراعـةَ الأطفالِ ، والضعفـاءِ

 

كانَ برومثيوس سامقاً شامخاً، وهو يقارع آلامه متحمّلاً متحدياً قوياً، حتى خلّصهُ هرقل من عذاباته. وكذا كانَ أبو القاسم الشابيّ (برومثيوس). وهكذا هو الغرباويّ:

 

سامقا تعاقرُ آلهةَ الحبّ

مترعةٌ جداولُ الصباح

بذلك الضباب الرومانسي

 

فهل الحلم بالخلاص رومانسية ضبابية، أم هي القوة والشجاعة التي تعين على الصبر حتى مجيء الخلاص؟ وهل ننسى قصة النبي أيوب (ع) مع الصبر والتحمّل؟

 

إننا أمام برومثيوس صابراً هازئاً بالسحب والأمطارِ والأنواءِ. وعليه فهل يمكنُ لنا أنْ نسمّيَ النصَّ هذا (برومثيوس سامقاً)، وذلك لاحتوائه على اشارات السموق والترفّع عن الشكوى الذليلة. هو في أخدود نار الألم، يعاقر آلهة الحبّ خمور الحبِّ والنور والرومانسية الحالمة.

 

اعتماد أديبنا الغرباويّ على التكرار لنصٍّ داخل النصّ، هو للاشارة التأكيدية على معنىً. هذه الاشارة كما أسلفنا هي بيت القصيد. فما يدور حولها هو دخول في تفاصيلها، حسّاً، ومضموناً، وصوراً. إنّ الألم هو خالق النصِّ، بما أحدثه في النفس، لتتفجّر بما باحتْ لنا. إنه الألم الناشب أظفاره ، لكنّه مع طعناته لذيذ، لأنه يخطّ العمق والسموق واليد التي تطال النيازك، ويُفجّرُ جداول الصباح المنير مترعة بالرومانسية والقوة الذاتية. وهو الذي أبدع هذا النصَّ الزاخر بالحسّ الرومانسي الرهيف، واللغة الجميلة، والصور الشعرية الرقيقة.

 

للثقافة العميقة محيطاً شاسعاً، أثرُها في النفس وفي الفكر وفي البصر. في النفسِ فضاءً مشرقاً مفتوحاً على نوافذ عديدة. في الفكر تحليقاً بأجنحة، لا جناحين فحسب. في البصر منفتحاً على آفاقٍ بألوانٍ مختلفة. وعندما تكون الثقافة مستندة إلى جذع شجرة الموهبة والابداع، مدعومة بالقلم والكلمة، عندها نحضى بما يطيب، وبما ينفع، وبما يدهش. وهذا ما التقطناه في مبدعنا الكبير ماجد الغرباوي، المثقف المغرم بالكلمة مكتوبةً متفجّرةً، هو هذا المثقف المتعدد فنون الكلمة، ليبرزَ بحثاً وقصّاً... ثم شعراً.

 

عبد الستار نورعلي

فجر السبت 13/7/2013

 

رابط القصيدة:

http://almothaqaf.com/index.php/nesos/76400.html

  

مؤامرة الكتابة وكتابة المؤامرة في مجموعة "خاتم في مياه بعيدة" للقاصة بسمة النسور

hamid irgadaاستأثرت مجموعة "خاتم في مياه بعيدة " للقاصة بسمة النسور بتناول العديد من القضايا الشائكة، لعل أبرزها كانت الكتابة، حيث تناولت اشكالاتها المختلفة ضمن قالب  " الق ق ج". باعتبارها جنسا منفلتا، وعنيدا وصعبا، نحيفا حد الضمور . لقد لا حظنا تنوع الاشتغال المفعم بشعرية كبيرة، ارتكز على التناص والمتقابلات الضدية والاستيراد المفاهيمي. ناهيك عن توظيف الكتابة الشذرية، والتكسير الأجناسي . كما رصدت القاصة واقع الأنثى في محاولة لمقاربة النوع الاجتماعي، والتنديد بالعنف ضد النساء من طرف الذكور، مع طرح إشكال صراع الأجيال، والغيرة .إضافة إلى الاشتغال على ثنائية الحب والخيانة،  وسؤال العلاقة الجنسية المضمر .

إن الانفتاح على تقنيات الكتابة وتوظيفها سيتجاوز البناء الكلاسيكي للقصة،  من خلال الارتكاز على الحلم ودلالته، ومعيقاته، وصولا إلى طرح قضايا من قبيل انشطار الشخصية، والخوف من الشيخوخة، والخبل والجنون . وهو ما أبرز نوعا من اغتراب الذات في زمن التواصل السريع .

مجموعة أبرزت اشتغالا مخالفا، ونفحت القصة القصيرة جدا بمادة دسمة، ومفارقات لافتة، فما هي أهم مرتكزاتها الابداعية والجمالية ؟ وبأية خلفية كتبت؟

وللإشارة فالمجموعة من الحجم المتوسط،  صادرة عن دار التنوخي بالرباط،المغرب سنة 2009، لوحة الغلاف من إنجاز الفنان بنيونس عميروش، مع تقديم للقاص أنيس الرافعي، وعدد نصوصها تسعة وخمسون نصا قصصيا قصيرا جدا  .

 

1) الكتابة

تميزت نصوص المجموعة بكتابة اعتمدت البناء المتوازي لحدثين، انطلاقا من زاوية رصد واحدة، باستعمال الفعل المضارع كمرتكز للدلالة على طراوة الحدث الملتقط، ومن خلال مقارنة قد تبدو للقارئ عادية،  لكنها في الواقع تؤسس لبناء نصوص بنواة واحدة مركزها ذات السارد،تدور احداثها في الشارع العام، لكن ارتدادها كان في الأعماق . كتابة عكست مرآة الذات المنزوية في تحديقها المركز، وتفسيراتها وتأملاتها، ومقارناتها الدالة على قلق وجودي حقيقي داخلي،  نتيجة تفاعل الأنا مع المحيط، دون إدراك الآخرين للمتغيرات، والنتائج  أو الأسباب .

 اتسمت العناوين بخاصية استيرادها، من مجال دلالي مختلف، لكن توظيفها  نفح النصوص بمسحة جديدة حافظت على ايقاعها،  ومضامينها،  ودلالتها . نلمس هذا التوظيف من خلال مقارنة العنوان بمضمون النص.  يقول السارد " قالت العاشقة لصديقاتها ..مطر الليلة الفائتة كان من أجلي فقط، أما بهجة الأشجار بتلك الزخات فقد كانت تحصيل حاصل " نص احتكار ص  32 .

هكذا تؤكد القاصة بسمة النسور حضورها الابداعي وقدرتها البلاغية وهي تنقل وقائع منفلتة من حياة امرأة ربما منبوذة، أو مجنونة، لكنها تصدح بحكمة من سبقوا ، تحمل معاناة الإنسانية، وتتذكر بحزن مفارقاتها، يقول السارد " يوما ما سيفتقدون كل هذا ... يوما ما كانوا يمتلكون كل هذا ..يواصل المارة طريقهم غير عابئين بما يدور في رأس تلك المرأة " .

كما أن الاشتغال على التناص القصصي،  وبالخصوص قصص الأطفال،  سيفتح القصة القصيرة جدا على أفاق رحبة ، ودخول عوالم غير مسبوقة، لكون اهتمام  الكتاب في هذا الجنس انصب على الأنسنة، والتكسير الأجناسي للأنواع الأدبية : الرواية،  القصة القصيرة، الأسطورة، المسرحية ،  والقصيدة ،  الملحمة ...وعلى مجالات الفنون التعبيرية كاللوحة ، والصورة ....وهذا ما يجعل هذا الاشتغال محاولة لإعادة بناء مفاهيم جديدة، واستلهام أشكال تعبيرية  أخرى بطرق أكثر جدة .يقول الناقد جاسم خلف إلياس حول التناص " تقنية تشترك فيها الأنواع الأدبية وتختلف تبعا لاختلاف الأنواع ذاتها، ففي القصة القصيرة جدا يستخدمها القاص لأنها تبيح له (حرية في الحركة أو القول لا يتاحان له تماما خارج التناص) فضلا عن البعد العلامي الذي ينحرف بالنص عن مساره الاخباري إلى وظيفة جمالية." (2)

فتضمين حكاية "ذات الرداء الأحمر" وقلب مضامينها ، يبرز الحاجة إلى إعادة النظر في قصص الأطفال، وقراءتها بشكل مغاير من أجل الكبار،  لإبراز ما تخفيه دلالة الاشياء  المتوارية بين المعنى،  والشكل ، واللون،  فالحكاية لا ولاء لها،  ولا وطن .

إنها نصوص تحاول من خلال التناص إبراز جمالية القبح كما هو الأمر في نص " نداء وقلب أدوار الجمال،  والقبح والفضيلة، والخيانة، لأننا نبحث عن نقائص الجمال، ولا نبحث  عن جمالية القبح .  وسنلمس أمرا مماثلا في نص نوم  الذي يتناص مع قصة " الجميلة النائمة " لنجد أن تبريرات السارد ستجد تعليلاتها في تقنية القلب ودحض الثوابت، لادعاءات قابلة للنقاش، وبالتالي بؤس الحكاية التي عمرت بمدلولاتها وأحداثها لأحقاب طويلة .

هكذا تعمل الكاتبة من خلال ساردها على وضع النصوص على محك النقد،  ليتم هدمها ، وإعادة بناء معالمها المغيبة من جديد، وبالتالي درء الصفة اللصيقة تاريخيا بالشخوص التقليدية بالإكراه،  إلى مجالات، ومفاهيم جديدة، بعيدا عن " الساحرة الشرير " التي حسب السارد " لم تكن سوى امرأة مذعورة من هجمة السنين "  . وهي إشارات قوية لخلخلة توابث الحكاية ذاتها من خلال تحويلها إلى نصوص مفتوحة، بمواصفات " الق ق ج " وضمن قالب زئبقي مثير للجدل .تقول الناقد سعاد مسكين " " إن لغة القصة القصيرة جدا لغة مكثفة ومبسترة لا تقبل الزخرفة ولا الثرثرة توحي أكثر مما تحيل، هي لعوب حمالة اوجه، تغري القارئ بتوريتها الدلالية، تقول القليل وتعني الكثير سكوتها حكمة وصمتها عدم الرضى عن المعنى المطروح أرضا .(3)

لقد عملت القاصة على الاشتغال على التكسير الأجناسي والقلب الحكائي من المتناص القصصي الخاص بالأطفال بالارتكاز على توظيف  خاص بالحكاية كما في نص ( التباس ص 60 ) و  والقصص القرآني في نص بطالة 61، والرواية في نص شهية ص 62 ،  والأسطورة ( كيوبيد ص 63  والمسرح العبثي في نص تناص ص 69 ، تناص يبرز من خلال أسماء  كالغولة، إبليس، دراكولا، كيوبيد، غودو وبكيت، وهو ما يبرز نوعا من التشكيل القصصي الهادف إلى فتح النصوص،  على ممكنات جديدة،  وأفاق رحبة .

في حين نلمس تماسا مع شعرية الق ق ج، من خلال التشكيل الفضائي، والبناء الدارمي،  وتوظيف اللغة الشعرية كما في نص " الانتظار ص 18 في محاولة لإبراز مكنون الذات العاشقة الممزقة، وألمها الكبير في مواجهة وطأة الانتظار، والنسيان. وقد لاحظنا تداع العديد من الصور التي عرت عن نفسية البطلة،  وهي تكبح مشاعرها للدخول في حياد مع الزمن . يقول السارد " خبأت العاشقة الألق الساكن في عينيها، والضحكات المتوارية في أعماقها..ألقت بذلك كله في زاوية سحيقة من روحها، وراحت في سبات طويل ..العاشقة أتاحت لجثثها الحراك وسط الجموع ، غير المنتبهين إلى لوعة الانتظار "

إن هذا الاشتغال العميق يبرز تداخلا أجناسيا حد التماهي وتكسير في ذات الوقت لأجناس أخرى،  لكنها تنحى للحفاظ على مقومات  "الق ق ج  "،  وشعريتها البليغة . يقول السارد في نص " ترويدة " :

حين توشك شمسك على البزوغ

تكون شمسي قد غفت في حضن الغياب

كيف نضبط الأزمنة يا صغيرتي ؟

كما تتماس بعض نصوص المجموعة مع الشذرة في اشراقها وتوهجها إلى حدود التأمل الفلسفي أو الحكمة . نصوص ضامرة لكنها مفعمة بسؤال مفاجئ مفتوح على تعجب واستفهام أو دهشة . كما هو الأمر في كل من النصوص التالية : مأزق ص 46، ترويدة ص 47، غياب ص 43، أحلام ص 38، صراع ص 17، أدوار ص 30، وعسل ص 48 .

تبرز العلاقات الانسانية  أكثر تعقيدا،  فوقائعها تنجلي من خلال نصوص ضامرة،  وشائكة مفتوحة على بياض رهيب، وصمت مطبق . نصوص بقدر ما يلازمها التناص ويضحى أس بنائها،  تنهل من الاشتقاق اللغوي للكلمة الواحدة للدلالة على حياتها،  وتشييدها المبني على لعب مختلف، وتناول ملغوم .اعتمادا على تنوع أسلوبي،  وتشيد درامي،  في نصوص اتخذت لها أوجهها عديدة،  ومسارات جديدة،  لضخ دماء في شرايين النص الضامر . فاستعمال ضمير المخاطب بعد استئثار العديد من النصوص بضمير الغائب،  ومسخ هوية الشخوص،  سينفح نص نكران " ص 29  مثلا حلة جديدة مخالفة لما اعتدناه، هذا الأسلوب الموغل في الريبة،  والشك،  والنفي . لا يحدث إلا عن مسار تنويري في الكتابة،  بجنوحها نحو تجديد النص داخل العيار القصصي،  وقالب الكتابة . فضمير المخاطب بقدر ما يخلق أجواء الحياد الذاتي،  يبرز تورط الكاتب من خلال تحريك شخوصه فوق رقعة شطرنج كبيادق مؤهلة بامتياز لحتف وشيك . استمرارا للعبة واحدة يحكمها عامل الترقب،  أو المباغتة .

إنها مؤامرة الكتابة وكتابة المؤامرة الهادفة لتبئير  الحدث، للدفع بالشخوص نحو نهاية ماكرة، فرضها ايقاع النص الذي غابت فيه العاطفة،  وانتصرت فيه الهواجس والحسابات،  على القيم الأخلاقية الفاضلة" فالقصة القصيرة   حسب الناقد جميل حمداوي "تهدف ...إلى إيصال رسائل مشفرة بالانتقادات الكاريكاتورية الساخرة الطافحة بالواقعية الدرامية المتأزمة إلى الانسان العربي ومجتمعه الذي يعج بالمتناقضات والتفاوت الاجتماعي ..فتجعله يتلذذ والخيبة والهزيمة والفقر وتآكل الذات " (4).يقول السارد "

لم تستقل السيارة المتوجهة إلى المطار  . لم أتشبث بك في محاولة أخيرة لاستبقائك . لم أهمس باستسلام سوف أنتظرك . لم تقل وداعا، لم تلوح لي من بعيد . وأنا لم أعد أدراجي وحيدة " ص 29 .

 

2) الحب والخيانة وسؤال الجنس

 إن الايحاء الجنسي ، والاستعارة ، بقدر ما أدخلت النص في مسار التلغيز، منحاه حياة جديدة،  ونفحاه بقوة الانتصار والانتشاء .فالمبدعة بسمة النسور رامت اللعب كذلك على المتقابلات الضدية بحثا عن معنى ساخر،  بقدر ما أبرز  بشاعة اللحظة وجسامتها،  أعلنت عن حمق، وجنون شخوص يتشبثون بحبال واهية،  وهم في مسارهم نحو الحتف . كما تبرز كل من النصوص " إصرار ص 25 / وفتنة ص 26 / وجمال ص 27 /، رغية جامحة لدرء التشوه الخلقي،  وفظاعة الاحساس به . يقول السارد " في نص جمال " كانت أناقة بيته حديث المدينة . سافر إلى أجمل الأماكن، ارتبط بأغنى النساء .توفه بأرقى العبارات ...غير أن الرجل القبيح ظل قبيحا "

فالحب  يبدو كوعاء مثالي لكل المتناقضات،   أمر نلمسه من خلال سلوك الشخوص  الغريب في ميزان العقل كعامل سلبي، لكنه في الواقع ينتج عن مقدرة استثنائية معبرة على الدهاء ، والتخطيط . وهذا التناقض هو ما جعل بطل نص " بعثرة " ص 16 يقسم روحه بدقة لنيل رضا الجميع، كن في الواقع كان يعمل على بعثرة كل موازينه، عندما استثأتر به الحب،  واستبد به إلى حدود قصوى من التلاشي، تبعثر،  تمكنت سيدة واحدة من جمع أشلائه .

 

3) ثنائية الحياة والموت

تعمل الكاتبة على بناء نصوص بمفارقات غريبة بين الدال والمدلول، الحياة والموت . وهما يلفان ذات أحد شخوص قصصها . بحيث تلجأ إلى الأنسنة لإبراز الصورة الرحيمة للموت في مواجهة صورة الحياة . وهذه الأنسنة جعلت الموت تبدو في صورة الأب،  أو الأم ، أو الحبيب  وهو يمسد خصلات شعر البطلة، وقد تملكه شعورا نبيلا  مناقضا للعادة . فانتظار الموت هو إعلان عن ولادة جديدة في حياة أخرى.. 

إن رصد اللحظة بقدر ما تضع احتمالات المكان في مخيلة البطلة استعدادا لانبعاث جديد،  بقدر ما يضمر ألم الموت وتحوله إلى لحظة نوم عادية، ، مفعمة بالحب والتفاني،    والإخلاص للغريزة الأبوية . فثنائية الحياة،  والموت،  تبرز من خلال نصوص المجموعة كأحد المرتكزات الأساسية في بناء لبناتها المنفتحة على الدهشة،  وهي تفتح قوسا ضمنيا مختلفا عما ألفناه في المنظومة الدينية، أو الغريزة الانسانية الرافضة للموت ، والمتشبثة بالحياة .

 

4) الاغتراب،  والغرابة، والانشطار

تبرز عزلة الكائن اغترابه الأشد وطأ على روحه، رغم ما يحققه من إنجازات شخصية وطموحات كبيرة .فالنجاح الذي تحققه بطل نص " اغتراب " ص 58 وحبها لفنها وإعجابها به  يبرز في ذات الان كرها لنفسها، ما يعري عم حقيقتها كإنسانة تعاني في صمت اغترابا،  وعزلة  . لكون الصورة التي تقدمها عن نفسها، هي مجرد قناع من شعر مستعار، ومساحيق تجميل ..لإبراز كينونتها كإنسانة عادية . هذه الصورة  المزيفة تدخلها في دوامة الحزن،  والقلق الأبدي .  يقول السارد " تحدق طويلا في المرآة، فلا تعثر على وجهها، لتكتشف أنها خلفته سهوا مع سائر الإكسسوارات ". لقد ارتبط مفهوم الغرابة في الماضي، بالصور والإشكال المتخيلة ...أما الآن فإن الغرابة هي ذلك الموضوع الذي يمكن أن يوجد – وعلى نحو متكرر- في كل جانب من جوانب حياتنا اليومية ..فالغرابة في التصور المعاصر لها، تنتمي إلى فئة العادي وغير المألوف ..يتحول بفعل آلية  التكرار إلى نقيضه" (5)  فالإحساس بالنبذ بقدر ما ما يبرز انشطار الذات يطرح في الواقع إشكال الاغتراب والانفصام في مدلولهما الواسع . وهو أمر نلمسه في مواقف أخرى ونص آخر " كاغتراب ' ص 42 (نص له نفس  العنوان) بحيث يبرز السارد أن التكنولوجيا بقدر ما ساعدت على تقريب المسافات بين الأفراد ، خلقت عزلتهم الأشد ألما في تاريخ البشرية . هذه العزلة تبرز افتقاد الفرد لروحه ، وذاته،  وهوايته، وأهله. يقول السارد " كان ضجيجهم في تلك الغرفة المكتظة عاليا ..لكن كل ذلك كان يجري من خلال أجهزة الموبايل التي ..تبثها الحاضرون على آذانهم " ص 42 . وهي عزلة ستدفعنا للحديث عن إشكال الحرية ومفهومها في نص " أجنحة " ص 15 ما يكشف جنون بطل النص في نظر أصدقائه،  هو رفضه التمتع بامتيازات داخل السجن، لكن ذكاؤه الخارق، ورغبته في تحرير الذات داخليا  وكليا كسلوك للمقاومة داخل السجن رغم مخلفات العزلة من خلال التفكير في التحليق خارج الأسوار ."يقول الباحث عبد الله العروي " يفند هيغل بشدة مفهوم الحرية الوجدانية ...يقول في مستهل فلسفة القانون : ذلك أصل الصعوبة في هذا المضمار كون المرء يتأمل في ذاته ويبحث عن الحرية وعن قواعد الأخلاق، وهذا حق له تشريف ورباني، إلا أنه ينقلب إلى ظلم إذا أنكر كل شيء سوى ذاته ولم يشعر بالحيرة إلا عندما يبتعد عن قيم الجمهور ويتوهم أنه سيكتشف قيمة خاصة به "(6)

فالحرية اختيار،  ومنظور،  وسلوك،  ورؤية في مواجهة الأزمات الكبيرة  . يقول السارد " رفض محاولات الجميع ابداء التعاطف معه، مؤكدا أنه أكثر حرية من نسر طليق .... لأنه كان مستغرقا في رسم تلك الأجنحة المحلقة فوق جدران الزنزانة " ص 15

إلى جانب الاغتراب نلمس في نص تواطؤ " ص 24 أن الحب ملاذا للجنون، فالعلاقة تبقى مضمرة في الاعجاب والانجذاب والتلذذ بالأكاذيب التي رغم بهتانها تظل ميزة من الميزات التي تزيد من عامل الارتباط . فالبطلة ورغم نصائح صديقاتها ستعمل على الاستمرار في علاقتها بعشيقها الكذاب يقول السارد " غافلتهم جميعا،  ومضت إليه منتشية بتلك الأكاذيب التي واصل تريديها مرة ثانية " ص 24

 

4) صورة الأنثى محاولة لمقاربة النوع الاجتماعي

بقدر ما يتقلص حجم النص القصصي ومساحته، يتحول إلى شذرة مفعمة بالتأمل، لكن تحمل في طياتها حكما أبلغ من الكلام . فالمتأمل لنص " أدوار" ص 30 بقدر ما يضعه النص في خانة مفتوحة هي تعدد الاحتمالات تسحبه الرؤية أبعد من حدود المصرح به ، ضمن حوار قصير جدا . أبرز هوية ملتبسة  لعلاقة شخصين يجمعهما أكثر من رابط . لكن يفرق بينهما بون شاسع ، يحفر أخاديد تعمق المسافة بينهما . لكن أحد الأطراف ( المرأة) تعمل دوما على على رأبها للحاق به .

هكذا تبدو المرأة المنكسرة التابعة لسيدها،  مقيدة بقيود غير مرئية .  لا تتقن سوى لغة الغفران،  والصفح عن خطايا رجل لن يتوقف عن اقترافها . إن هذا الطرح بقدرما يضع مقاربة النوع الاجتماعي محط انتقاد ، يجعلها في ذات الوقت واقعا مقلقا ، مغلفا  بزيف يضمر لعبة كر،  وفر،  تحقق خلود الشخصية الذكورية باستمرار .

كما نلمس هذا الطرح من خلال نص آخر " قيد " ص 45 الذي يقدم المرأة المستباحة كرمز للقهر الاجتماعي منذ فجر التاريخ إلى اليوم، وهو يختزل ذلك في كلمات معدودة يقول السارد " مثقلة، مثخنة، مستباحة، ومخذولة، ورغم كل شيء، كان المطلوب منها أن تقيد العمر  الذي مضى ضد مجهول " يقول الناقد محمد رمصيص " إن كتابة مماثلة  تتوسل الجسد لنقل حرارة الباطن ودفء الأحشاء تكشف عن غنى وثراء إيحاءاته البا نية لتواصل رمزي غاية في العمق . فضلا عن كونها تسعف الجسد على استرداد قيمته المبخسة موازاة وإعلاء مكانة الروح بإعادة التساؤل حول خطية رغبة الجسد المرح ."(7)

إننا إزاء قصص تبرز شاعرية مفعمة بالحزن والأسى وبصوت الأنثى الخافت  المنكسر دوما  من جراء رد فعل ذكرى متمرد،على  الدوام  في الحب ، والحياة  . ففي نص " رنين" ص 28 بقدر ما نلمس دهشة النهاية العاصفة،  نعيش مع البطلة الصامتة لحظات تعنيف نفسي، وكلمات مصوبة نحو الروح  . وهي تهد ما تبقى من قلاع الاخلاص، مكالمة ستحول " امرأة مسبوكة بالشوق، إلى كومة أجراس معلقة في عنق الانتظار "

كما نلمس مدى الغيرة التي تلف ذات الأم وهي ترى شابا يتودد لابنتها . تودد بقدر ما يعيد للذاكرة ألم النسيان والتجاهل من طرف الزوج، يبرز طبيعة العلاقة الزوجية الخالية من كل مسحة حب واهتمام بشخصها . فالغيرة نابعة حسب السارد من ظروف الحياة الخاصة والحميمة التي أصبحت رتابتها أشد وطأ على الروح، ولا تكشف من جبل الجليد العائم سوى جزء بارزا

وهو إحساس نابع من الخوف من الشيخوخة الذي يضحى أحد هواجس المرآة، وهي تعمل جاهدة على أن تظل في سن معينة بعدما عملت في السابق على الخروج من شرنقة الطفولة والشباب مستعجلة زمنها الرتيب ليضحى الخوف من الذبول هاجسا محيرا ومقلقا  كما جاء في نصوص عديدة  "دورة " 39 / وصراع " 57 نصوص ستكشف صراع الأجيال عاطفيا من خلال ثنائية الطفولة والكهولة . وهو صراع يعكس حقيقة تصرف الأم كما في " اختلاس " ص وهي تقرأ الرسائل الوردة التي تدسها ابنتها تحت وسادتها متعقبة زمنا ولى في محاولة  بالقبض على آخر ظل منفلتا منها دون هوادة .

 

خاتمة

ليبقى السؤال مطروحا هل باستطاعة الحب أن يحوي جمعا من المتناقضات،  ضمن علاقة بقدر ما تبرز استحالتها،  تجعل من عامل الكينونة جوهرا منيرا،  لوحده قادر على من تحقيق تناسق أعنيته الخالدة ؟..متناقضات قد تبرز ضمن جوقة سيمفونية بآلاتها المختلفة ،  لكنها تعزف نفس النوطة،  ونفس اللحن  في تناسق تام، بإشارة من عصا المايسترو  الصغيرة  جدا .  ف"النص المجدد الذي يقتضي قراءة كفأة ومبدعة، يغير باستمرار الموضوع الجمالي الذي يناسبه في التاريخ . ففي كل مرة تظهر مقاربة نقدية جديدة . فهي تولد قراءة جديدة ...(.أو بحث يساهم بدوره) في التحول اللانهائي للمواضيع الجمالية المناسبة "(8)  فكتابة المبدعة بسمة النسور امتازت بجرأة عالية،  وقدرة رهيبة على تطويع محكيات قصصها المنفلتة من عقال زمن رهيب، وهي ترسم من خلال ملامح شخوصها،  أحلاما ، وانكسارات ، ومواقف تعري عن بؤس حقيقي، وإفلاس في منظومة القيم .فرصد الملامح بقدر ما أبرز حقيقة المشاعر،  عرى عن خبث،  وجبن كبيرين في غياب مواجهة ، وإفصاح عن مكنون الذات،  ورغباتها المكبوتة .

لقد استطاعت الكاتبة فتح مساحة لتحقيقه من خلال الانفتاح على عوالم الحلم باعتبارها عوالم عجائبية تمكن من الاحساس بالوجود والكينونة وإثبات الذات المحرومة وتمكينها من ملذاتها الهاربة  . فزمن الحلم  من خلال هذه النصوص ينشطر تلقائيا ليصبح أزمنة حلم،  ويقظة، بفتحه لكوة الغرابة الدالة على الممكن ، ضد المستحيل . وإلى الحضور بدل الغياب،   واستمرار في عتمة الانتظار المفعم بالترقب .

 

.....................

هوامش وإحالات

+ حميد ركاطة كاتب وناقد من المغرب

1) بسمة النسور "خاتم في مياه بعيدة " قصص قصيرة جدا دار التنوخي للنشر والتوزيع 2009 المغرب

2) جاسم خلف إلياس شعرية القصة القصيرة جدا ص 166 دراسة  دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع سوريا دمشق 2010

3) د سعاد مسكين القصة القصيرة جدا تصورات ومقاربات  ص 46 درسة دار التنوخي للنشر ط1 / 2011 

4) د جميل حمداوي القصة القصيرة جدا بالمغرب قراءة في المتون  ص 15 منشورات مقاربات  مجلة العلوم الانسانية الطبعة الاولى 2009 أسفي المغرب

5) شاكر عبد الحميد الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب ص 75 عالم المعرفة عدد 384 يناير 2012

6)  عبد الله العروي مفهوم الحرية ص 63 دار التنوير للطباعة والنشر المركز الثقافي العربي 1984

 7) محمد  رمصيص أسئلة القصة القصيرة بالمغرب مقاربات موضوعاتية ص 98، ط 1 طوب بريس سنة 2007 المغرب

8) بيير زيما سوسيولوجية النص بين الانتاج والتلقي ترجمة د عبد الحق بتكمنتي  مراجعة د أحمد الدويري ص 70  مطبعة أنفو برانت فاس

 

قراءة وتأويل للمجموعة الشعرية أصابع المطر للشاعر حبيب السامر .. القدرة على التأسيس الذاتي

ryad abdulwahedالميتاشعرية sciteopatem مصطلح ولج بوابة النقد الحديث ليضفي على القصيدة أبعادا جديدة لخصها الناقد (جون ريتشارد) بأربع تقنيات لتجليات الظواهر الميتا شعرية وهي:

1- استعمال الشاعر مفردات تشي بعملية القول الشعري

2- استعمال الشاعر مفردات تنطوي على مكونات المنجز الشعري

3- توكيد الشاعر على انه يستوطن ملكوت الشعر وان الواقع المعاش نقطة انطلاقه

4- إشارات إلى اثر القصيدة في نفوس متلقيها .

ولعلنا لا نجانب ما هو نظري حين نقوم بفعل تطبيقي يجتزئ تقنيات معينة من النظرية الأم لتطبيقها على منجز شعري ما . ولأن الشعر ينفردُ من بين كل النصوص الأدبية كونه بنية متكورة على كينونتها بسبب من تكويناتها الداخلية التي تستجلي بعدا خارجيا، لهذا تلعب اللغة دورا مركزيا لأن (الأنساق الدلالية ما كان لها أن تكون انساقا سيميولوجية، أو دالة، لولا تدخل اللغة التي تكسبها صفة النسق السيميائي)1 . ولأجل ذلك تعدت اللغة المنطقة التي تكون فيها – مجرد -  وسيلة فهم، أو تمثيل للعالم، لأنها أضحت وسيلة تأثير في الآخرين لارتباطها بالمواقف المحسوسة في عملية التواصل مع الآخر . ينبني على ما سبق ضرورة أن يعكس الشاعر حركته الذهنية على صياغاته اللغوية لتشكيل منظومته اللغوية، وفكرته الخارجية مما يسهم باستقراء  الفكرة الداخلية بواسطة عمليتي الكشف والتأويل. بهذا البعد المترشح مما هو ميتاشعري تواجهنا مجموعة من المتعاليات النصية التي ينبغي تفكيكها وصولا إلى ما يرمي إليه المتن الكبير .

اتخذت \ العنونة \ المركزية \ أصابع المطر \ بعدا يحاكي الثابت والمتحرك، والجوهر والعارض، التضاد الحقلي الدلالي، اتساع البعد الاشاري الذي أعطى للعلامة اللغوية انزياحاتها الواسعة . إذن عملية الاشتغال على \ الأصابع \ هو بعد إيمائي يحاول توصيل معنى إضافيا ليتواشج مع فعل المطر . تعد \ الأصابع \ وما تومئ إليه من معان خفية وظاهرة من المجازات المهمة لأنها بؤرة المكنون الداخلي المعبر عنها حسيا، فهي، أي الأصابع، معمل إنتاجي لإرهاصات نفسية داخلية إيمائية يمكن أن تقرأ كما قرأها القائل:

 

إذا قل مال المرء قل صديقه

                             وأومت إليه بالعيوب الأصابعُ

 

إذن الأصابع والإيماءة توأمان، لأن الإيماءة (تعبير يربط الدال بالمدلول عن طريق الحس القائم على فعل التجاوز)2 . فمجيء \ الأصابع \ مضافة إلى \ المطر \ فعل مقصدي لأنها هي التي تقوم بأفعال تتعدى محدودية فعل المطر إضافة إلى أنها تتحرك على أكثر من مستوى حسي ودلالي، وهكذا تمنح الأصابع المطر حرية اكبر في صوره وأشكاله وتشكلاته وأفعاله  ويكون للأصابع قصب السبق في اعتلاء عتبة العنوان لأن لها القدرة على تقمص ادوار كثيرة لا يرقى إليها فعل المطر . تتسم العنونة – أيضا – بالاقتصاد اللغوي مما يفتح الباب على التأويل والافتراض  ويزيد من القوى الشعرية الذاتية التي يحملها، والفاعلة فيه، وفي المتلقي على حد سواء . وردت العتبة جملة اسمية متكونة من خبر لمبتدأ محذوف تقديره \ هذه \، والأصابع مضاف والمطر مضاف إليه .وإضافة الأصابع للمطر أعطى دلالات حسية  إلى ما هو غير حسي، إذ إن الأصابع تتأثر بما هو خارجي، فتنحو منحى موجه من صاحبها، ولأن صاحبها  - هنا – شيء ذو وجه فيزياوي، فلا بد من أن تتوحد الدلالتان كونهما من مرجعية واحدة وان اختلف المنشأ .. يلعب التبليغ  communication   دورا مهما في هذه المجموعة فهو يقود عملية البوح الواردة في قصيدة \ بوح في لجة الكلام\ إلى قلب سيرورة الدلالة الرمزية للبوح،  لأنه إفشاء يتمفصل في القائم به والشخص الآخر، فهو بنية نفسية لأنه يشي بانفتاح على اللانهائي الذي هو \ الكلام \ كونه الحاضنة الأكبر التي يتحقق بها الخبر + الإنشاء وما يحملان من تصديق وتكذيب. ويفضي التبليغ – أيضا – إلى التكلم الحاصل في البنية الداخلية  للنص وليس دلالة عليه في البنية الخارجية كونه بوحا يفضي إلى توسيع البنية الجمعية بواسطة  ضمير الغائب \نحن \ الذي يعقب مجموعة من الأفعال الحسية: نقترب، نبتعد، نلمح، نتوهم .. الخ . كما ونلاحظ تمحور مجموعة من الحقول الدلالية  حول مكنونات الشاعر الداخلية  ومنها:

حقل الإنسان: الإدراك، التخفي، الأحلام،، المغادرة، البكاء

حقل المعاناة: الشكوى،  الغربة، الفجيعة، المحنة، اللهاث

حقل الزمن: النهار، الليل، السنوات، الصباحان

حقل المكان: المقبرة، الطريق،، الساحل، المدن، النوافذ، الشبابيك

 

هذه الحقول الدلالية تركز على بنية الاسترجاع الخارجي، بمعنى العودة إلى الماضي  الذي يتسع مداه طويلا داخل الذات  مما يزيد من سعة العبارات النصية وانزياحاتها . إن هكذا تأطير متعدد قد حرر الحقول من آسار التحديد التاريخي وان كان الزمن محددا ببنية ماضوية . إذن الشاعر يقف أمام بطل مضاد هو الزمان بكل محمولاته ويحاول أن يتخطاه  برؤى إنسانية عالية

 

ما يرشح الآن

سحابة عقيمة

أفعى تنث الوشاية في سمرة الورق

يوم آفل

يمحوني من ذاكرة العدم

فأشطب تقاويمه

 

إلا انه مع ذلك يمر بأطوار ثلاثة  من خلال تعامله مع زمان لدود

 

الطور الأول: التعامل الآني الخارجي: ما يرشح الآن

الطور الثاني: إدراك خطورة الزمان: أفعى تنث الوشاية

الطور الثالث: تجاهل الزمان: اشطب تقاوميه

 

إن العالم الداخلي للشاعر عالم متشظ يعكس لوعته، ويقدم لنا صورة  عن قتامته .إذن النص ينفرج عن حمولة نفسية يعلوها صوت الذات على ملابسات الواقع، وبهذا تحقق الصورة الكلية تساوقا مع التجربة الشعورية بواسطة بنى إخبارية وصفية تقوم بتمعين  المستوى آنفا من اجل نمو النص وتعاضده . وينحرف الطور الثاني من زمن لحظوي مفتوح على بنية كلية إلى مستوى داخلي مغلق لكنه يزامن الطور الأول في دورته الكلية بينما  يخالف الطور الثالث الفعلين المتقدمين استجابة لنداء الذات وبنحو انعكاسي تؤطرها سيرورة تضامنية منبثقة من الأفعال المضارعة المحكومة بمؤثرات البرانى  وبأختلاجات الداخلي المتمثل بإرادة السارد القوية .

 

المكونات الداخلية

تعد اللغة المكون الداخلي الرئيس للنص وتأخذ منحنين: الصياغة والتعبير . واللغة عند السامر لغة انفجارية، بمعنى ابتعادها عن التعابير القاموسية والتقريرية المباشرة

 

تنقر أصابع المطر

حافات هشة

من شبابيك الغياب،

كم احتاج إليك الليلة

لأدون خسارات مواسمي الأبدية

من غير أجنحة خجلة

 

لاحظ انحراف اللغة عن مدلولها المادي المباشر باتجاه المدلول غير المباشر لأن الواقعة الصورية جاءت مزيجا من الخيال والواقع إضافة إلى ما تحمله من إيقاع  هادئ تعزفه الياءات المتكررة بنحو لافت  والذي يسمح بتدفق عاطفي  وتوازن نفسي على الرغم من الخسارة المتحققة في النهاية .وتتخذ بنية التكرار مكانها في المجموعة عبر مجموعة من السمات التي تفرزها داخل النص ومنها الدلالة الجمالية والأسلوبية والوظيفة البلاغية المزدوجة  والانتقال عبر الأصوات المتكررة إلى مناطق أكثر تأثيرا على المتلقي ومثال على هذا التكرير  ما حصل في قصيدة \منذ لحظتين \ إذ يتكرر الدال اللساني الظرفي الزماني \ منذ \ ست مرات وحرف الجر \ من \ أربع مرات  مما أعطى للقصيدة شحنة درامية متصاعدة . وثمة تداخل في أزمنة الأفعال، فقد يتداخل الماضي والمضارع لتوليد طاقة تدفع حركة التنامي والاستمرار عبر زمن خطي مسترسل داخل التشكيل اللغوي وهو عرض لتجاذب الذاكراتي كحمولة ماضوية والحالي كحضور فاعل يؤكد على الإصرار والمتابعة

 

هناك ...

ينقر نافذتي

مثل مطر مفاجئ .

كنت قد اوقدت شمعتي

تأخذني إلى حيث وردة حمراء،

اليد القابضة بحنو

أضاءت مساحة الروح

اجتازت المحطات .

 

 إن النص – هنا – غير متأثر بالمحيط الخارجي لأنه متصل بالسارد  \ المتكلم، فاليد القابضة هي يده  التي تحرك الداخل حركة لولبية، فينعكس معناها على العالم الخارجي . إن هذه الانتقالة الزمنية من \ ظلمة سابقة \ إلى نور تحدثه الشمعة المضاءة في الزمان والمكان في الوقت نفسه ما هو إلا  عملية عرض جارية –هنا – بنحو تدفقي لأنها  اتخذت طبيعة حركية من خلال الأفعال المضارعة التي تشكل متوالية تتعالق بأواصر منطقية يكمن سببها فيما يتبدى من الفعل \ ينقر \ الذي يعد السبب الأول في النتائج المتحققة لاحقا . فتغييب المكان يشي بمطلقيته بسبب من تكافل الظرفين المكانيين \هناك + حيث \ غير الموسومين مكانيا بيد إن لهما تأثيرا على المستوى المنبثق من داخل الذات الساردة والمتحقق في \ إضاءة الروح + اجتياز المحطات \ .

 

هي

امرأة تلملم حروف النافذة

تعطرها ببقايا حب

اسمها ليست هكذا

شكلها ليس هكذا

طولها

وقفتها

عيناها

وحتى حركة الأصابع

فوق قلبي

هي أيضا

ليست هكذا

 

السرد البراني

يتعمد السارد تغييب الشخصية الرئيسة بيقينية الرفض المتحصل عن قناعة بواسطة الدال اللساني النافي \ ليس \ على الرغم من قربها منه كونه عارفا بأنها التي تقوم بعملية \ اللملمة \  بيد إن مقصدية التغييب تكمن في مآلات عملية الترصد من قبل السارد، إذ إنها تجري في مدار الجواني \  لذلك لم تشتغل الأبعاد الرؤيوية بل اشتغلت أبعاد الرؤيا \ المتصورة  بقصد تحقيق النزوعات الداخلية التي ستتبلور في الكلام اللاحق

 

أمنحيتي

لحظة عشق قصوى

أمسح فيها

سنواتي المعتمة بالأسى،

افتحي لي بوابة قلبك

نافذة لا تشع إلا بأسمىينا

ضعي يديك الصغيرتين

تحت معطفي

يتحد فيهما قلبانا

 

انه يغيب شكلها، صورتها، تقاطيعها، ويتحول إلى مناجاة دواخلها، فلحظة العشق هي الزمن المضيء، وهي الرمز الموحي بالنور الذي يبدد ظلمة العمر، أما القلب فهو الدلالة التي تنبثق عنها كل الآمال حيث تحل المرأة في جسد السارد ليكونا جسدا واحدا لا يعرف الانفصال . إن فعل الطلب المتكرر يشي بتطور الرقعة المكانية التي تحتلها المرأة \ الحلم بداخل السارد والتي انكشفت بنحو مصرح به في آخر القصيدة

 

أنت

امرأة لا تشبه سواها،

امرأة أخرى

انبثقت

بين الأرض والسماء

 

إن السارد يضخ  معلومة جديدة أرجئت إلى النهاية بواسطة تسخير الرمزي الذي أخفى الجسد واظهر السمو الروحي بصفاته المتعددة مما يجعل المرأة رمزا لكل القيم النبيلة والسامية التي تضفي على الآخرين سعادة لا تعرف الذبول .

 

.....................

الهوامش

1- دروس في السيمياء \ حنون مبارك \ ص72

2-التفكير الدلالي عند المعتزلة \ د .علي حاتم الحسن \دار الشؤون الثقافية \ بغداد \2001 \ ص82

3- المصدر السابق \ ص92

 

أرصفة الذات بين الانكسار وسراج العقل في ديوان "شمس الليل" للشاعرة اللبنانية دلال يوسف غصين

hadla alkassarليس سراً لو وضعنا ركن العشق في برده المحموم، وليس سراً أن نعشق دون نزوات، أو نرفرف دون أجنحة، وليس سراً أن نخبئ سرنا في علبة الأصابع، أو نُجرح دون شظايا، وليس سراً أن نَزرع أحلامنا في الوسائد، وخيباتِ شهوة العبور، وليس سراً أن نَلدَ ابتكاراتنا، أو نتوضأ دون غاية، أو تستهدفنا الحياةُ دون متعة...

وليس سرا أن نكونَ حيثُ تربعتْ كاريزما الشاعرة اللبنانية دلال يوسف غصين، في قاعة عصام فارس في جامعة "سيدة اللويزة " التي احتفلت بتوقيع ديوانها الصادر في حزيران 2013 المحمل باثنتان وخمسين (52) قصيدة تحت اسم " شمس الليل" وهو الديوان الأول، الذي احتل  ما يفوق 300 مقعد توج بنخبة من الوجوه العامة والأدبية الشعرية الثقافية والفنية والإعلامية والشعراء ... 

لنكونَ شاهدين على مسلكيات شعر دلال غصين، التي وزعت نصوصها الشعرية ما بين الصوفية والوجدانية، وبين الجدلية والرمزية، ومحاورة القدر، والواقع الذي حُشر بين الحب والموت، وبين انكسار الوجدانية، الاحتفالية بالفكر الإنساني داخل المخيلة، التي دخلت مميزات نصوصها، مما أبرزت تعددات صوت الأنثى من خلال رموزها بمختلف مفاهيم عشق الروح الناتجة من خريطة المرأة والعالم من حولها في ديوان شمس الليل، لتبدو نصوصُها كحكايات شهرزاد ألف ليلة وليلة كما في نصها الأول الذي وضعته أمام المتلقي لتُسهلَ على القارئ وصول رسائل نسمات الأمكنة والمحطات في  " شهرزاد الحكاية" وحورية الأساطير" ولقاء بعثرني" كما في نص بصمة" ومئوية العمر" الذي دمج بنص " اندماج" ووحيدة" كما في " الأمل المخدوع" و" سجينة"  

لذا اجتازت كالمطر خط المكان بتلقائيتها المبثوثة بلغة " شمس الليل، وما يتعلق بالبناء الاجتماعي الثقافي "الفيزيولوجي" بالإضافة للقيم الإنسانية، وما لم يراه العقل الذي طوقته الأخلاق والقيم وإمكانية الحياة المتعلقة بإعادة النظر في علاقة الإنسان بمسألة الوعي الذي حددته طبيعة الوحي عند الكاتبة، من زاوية الاختلاف البيولوجي لدي المرأة، في رسائلها التي تحاكي من خلالها شخصاً استدل على رسائل صمتها وقدرها الذي نثرته في قصيدة :

 لا تتأخر" " رنة في عودك" "وحصاد المشاعر" التي وضعتها في قصيدة " تاج الكبرياء" وغجرية عاشقة" وانتصرت" " ومتى استرد روحي؟!" وأين أجدك " إلى أن وجدت الشاعرة نفسها في قصيدة " شمس الليل" .  

وبهذا المعنى أتت الشاعرية دلال غصين، كي لا تقف عند ما هو ظاهر في وجدان عشقها، المتجاوز الضمني، والتعبيري الموضوعي، لحممها الهادرة على عتمة البوح  في تجربتها الإنسانية المحملة بصنوج الروح...، وتقيدها بماء سجانها النفسي وعشقها الذي يسعي إلى التحرر والإنتصار على العقل والمعرفة، ورهبة الوجود الهارب من تعقيدات الروابط وتراجيديا الحياة .... الحاضرة بأوجاعها وابتسامتها النحيلة .       

لذا نجحت الشاعرة  دلال غصين برسم سيرتَها الذاتية على مرآة ذاتيِها لتبدوَ الصور في ذاكرة ديمومة بوحها فوق صمت عقل الماضي،  والنظر من جديد الى الحياة الحاضرة باللامرئي في جغرافية وجودها، تروي لنا قصص الذات في سطور تحدد معالم الشاعرة المتجسدة خلف قصائدها وأرصفة تأملاتها الحضانة وجدانيات وتشظيات شواطئ موطن وكينونتها الخاصة، وبرسم علامات الماواة بين النجاح والخسارة ... بالتصور الذهني والرموز والاستعارات وما يوجد بين التفكير بالأفق ومناخات أدراج الوحدة

كما في قصيدة " حين ينتشي قلبي" وقدري أن التقيك" و" تعالى يا أملي"و " من أكون " ينبت الحب" و"عزف ثلاثي الأبعاد"  و" بيروت وجه المدائن ......                            

من خلال هذه العناوين رأينا ذات الشاعرة ترغب في فضاءات الاستقرار الآمن بدل أن تنخرط في معاناتها مع الوجود والفناء في الزمان والمكان الذين اظهروا ملامحها وقسمات الكائن المخلص... وأهمية الإنسانية ودور الأنثى في مكاشفات شؤون الحياة والروح العاشقة لتحيي ما أتلفه الزمن بكأس جنون دهشة الدمع والخوف من رئتي  الألم واسمراره دون فائدة، كما أوردت لنا في قصيدة " شريدة العشق" " قصيدتي أنت يا...." وشهريار الأساطير" وحقيبة الذكريات" كن غيمتي" "الضياء" " شكرا لعشقك " شوق قلبي"  وصولا إلى " من أرسلك " و" ترانيم عشق " 

هكذا نجد ذات الشاعرة تحمل فضائها الوطني والأنثوية كالدم في شرايين الكتابة التي امتصها صوت صدرها المحلق في سماء العشق، كنورسةٍ عائدة من الرحيل إلى حيث تهتدي عرائس طفولتها المغتربة في الركن الأنثوي، الذي اختلط بطبقات الجرح والغناء معاً، لينظموا نُصوصَها المنتشية بهم حركة نزوح الذات السابحة في معاني الجسد، وفواجعه المنهكة من فناء روحها السيمائية التي تجادل زمنها الرمادي، ومتطلبات الإنسانية التي تاهت في محيط كينونتها التي شكلت التحدي الأكبر أمام الذات العاشقة للغناء الروحي والإنساني الذي انطلق من أزهار فرادتها المنسوجة بماء الألم والأمل والعشق والفرح على أوراق ديوانها " شمس الليل، الذي سلط الضوء على قناديل سطور قصائدها المتمايلة مع نسيم طموحاتها الذاهبة مع نسمات الأثير، وخلجات النفس الخارجة من ظلمات الصمت الذي طمسته بالشجاعة،.. ليسقط النص:من بين أصابعها كوحدة المطر، حيث هول حبر القلم على الورق اللذان لا يكتمان خربشات الشاعرة، التي  زرعت بذورها من نفحات سر البوح الذي أدركها. روحها المعانقة الحب في الأفق بعيدا عن صخب الجراح، لتصبح كفطرة تحقق لذة الذات الإنسانية في المعنى الشعوري والحسي والروح السامية لتتطهر من انفعالات الخوف والاقتراب من الرحمة، والرأفة، والحب، وعشق الروح وحنين الجسد وما إلى ذلك من مشاعر مواجهة الحياة، التي .. كما في نص :

" قاهرة الحياة " "عرس البركة" " لحظة أبدية" و" ظلي" و"عناق الأرواح " أيها الحزن ارحل" ورحل المارد" إلى أن ذهبت صور تلك الألم إلى قصيدة " الذكرى الخامسة.. لحزني" و" عندما ينتحر الموت" " تقدم" إرث النهار" " الربيع الأسود "

بهذه الخاتمة رأينا دلال غصين، كيف انتصرت على حالات الكآبة وجنون العزلة لتذكرنا بمقولة الفيلسوف الدنماركي اللاهوتي " كيرك جارد،" حين قال إن الرغبة في معرفة الحياة تعطينا معنى الوجود"،‏ من هذا الموقف تسعى الشاعرة المضي في الباطن المتغلغل في أعماق سطور ديوانها "شمس الليل" الذي أيقظ بعض من كلماتها الايروتيكية، البسيطة الدافئة الصادقة التي تكفي لإثارة ذائقة الناقد والمتلقي .. ولتبقى  مخيلة الشاعرة، في ركاض محموم وراء تدفق فكر، ورؤى لا تهدئ ولا تنام عند شاعرتنا اللبنانية دلال يوسف غصين .

 

قراءة في ديوان: همسات من جوف الروح للشاعرة المغربية احسان السباعي (1)

هذا ليس اللقاء الاول مع الشاعرة المغربية المبدعة (احسان السباعي)، التقيت معها سابقا في قراءة لقصيدتيها الرائعتين (المتسولة) و(سهم الهوى)، وهذا هو اللقاء الثالث في قراءة لديوانها (همسات من جوف الروح) .

العنوان اسم على مسمى، من يقرأ قصائد الديوان بأمعان يتحسس هذه الهمسات الخارجة من اعماق الروح، وبعض الهمسات تلذع بحرارتها، ولا يحس بهذه اللذعات الا من يستقبل بروحه هذه الهمسات، اطلقت الشاعرة اسم احدى قصائد الديوان كعنوان له -(همسات من جوف الروح)- فكان أختيارا ناجحا وموفقا، أرى أن أغلب قصائد الديوان هي همسات تخرج من أعماق روح الشاعرة الشفافة، ليس بالضرورة أنها تعبر عن تجارب ذاتية، بل لأنها شاعرة مرهفة الحس، تشعر بهمسات أرواح الاخرين فتعبرعنها بكلماتها الرائعة، فيشعر القارئ وكأن الشاعرة هي من يخوض هذه التجربة، هذا الشعورعند القارئ يفصح عن موهبة الشاعرة  التي لا تتوفرعند جميع الشعراء او الشاعرات، أستطيع ان أصف(احسان السباعي) انها شاعرة المجتمع، شاعرة العائلة، شاعرة المرأة، شاعرة الألم، شاعرة الاحاسيس والمشاعر الصادقة، لم أشعر بشئ يوحي بالفرح عندها، ربما قساوة الظروف الاجتماعية، وهذا المؤشر استوحي منه أن حياتها الشخصية صعبة، وقد تركت بصماتها عليها فجاء شعرها قليل الفرح، وربما الفرح معدوم .

أهدت الشاعرة ديوانها الى كل أحبابها، امها، والدها، اولادها الى (كل روح ساندتني وشجعتني من بعيد او قريب)، لفت نظري مخاطبتها لأمها بعبارة استشف منها، انها ورثت شعور الاحساس بآلام الاخرين عن امها، وفعلا ان الام هي من ترضع وليدها الغذاء والدواء وكثير من الصفات الايجابية التي تحرص كل ام ان تنقلها الى اولادها (الى امي الغالية التي علمتني كيف يسكن الاحساس في جوف الروح وكيف يترجمه القلم)، هذا عرفان بجميل الام الذي لا يعوض، ان صفاتها الايجابية قد اكتسبتها عن امها، وانا شعوري ان الشاعرة  (احسان) تتكلم بصدق  واحاسيسها فعلا تخرج من جوف الروح .

أولى قصائد الديوان أهدتها الى صديقتها (الغالية)، الشاعرة (رحيمة بلقاس) صاحبة ديوان (عناق سحر الحياة)، كلمات الشاعرة توحي بأهمية موقع ومكانة الاهل والاصدقاء والاحبة عند الشاعرة (احسان)، كذلك تظهر كلماتها الصادقة في ديوان (همسات من جوف الروح) تبنيها لقضايا المجتمع المغربي العامة والخاصة  تجسد الشاعرة مظلومية نماذج اجتماعية في جميع قصائدها تقريبا، خاصة مظلومية المرأة وهي مكبلة بقيود اجتماعية تفقدها كرامتها وانسانيتها وتصادرحريتها تحت مسميات كثيرة، احيانا تصادر حقوق المرأة باسم الدين زورا، وباسم التقاليد والعادات والاعراف الجائرة احيانا اخرى، المهم المرأة هي الضحية باي عنوان كان هذه المظلوميات تجسدها الشاعرة في قصائد جميلة، يتخيل القارئ الشاعرة وهو يقرأ قصائدها، كأنها تعيش في أعماق من تنقل معاناتهم .

قصيدتها المهداة الى رفيقة دربها الشاعرة (رحيمة بلقاس) رائعة، تظهرالشاعرة وهي تعبرعن حبها الكبيرلصديقتها الوفية، ومقدار الجميل الذي تشعر به (احسان) حيال صديقتها (رحيمة):

بلا انذار يا سليلة الحرف

ونزف اليراع

أيقظت فيّ

لهفة الشوق المقتفى

في بحر بلا شراع

رسمت في أناملي

لوحات القصيد

رحيق الحلم العتيد

نثرت في جوفي

أريج الكلمات

وعبق المعاني

منحت شعلة لضيائي

المنطفئ .. وامطرتني

كرما وعطفا في أيامي العجاف

الشاعرة (احسان) توحي بكلماتها أن للشاعرة (رحيمة) الفضل في تنمية موهبة الشعر عندها، فهي من شجعتها ودفعت بها الى ميدان الشعر، هذا وفاء وعرفان بالجميل وخلق رفيع من (احسان) عندما تتذكر مواقف صديقتها، وكيف ساندتها في ايام المحن والشدائد، أضافة لموقفها وهي تكتشف موهبتها الشعرية، ودفعت بها لتكون شاعرة متألقة، لا يمكن تجاهل موهبة (احسان) الشعرية، أذ لو لم تمتلك (احسان) هذه الموهبة لما استطاعت ان تكون شاعرة متألقة، لأن التشجيع لوحده لا يكفي، انما في رأيي أن الشاعرة رحيمة، صقلت هذه الموهبة واخرجتها الى ارض الواقع، قول الشاعرة :

منحت شعلة لضيائي

المنطفئ .. وامطرتني

كرما وعطفا في ايامي العجاف

توحي لي هذه الكلمات ان الحياة مع (احسان) قاسية، وأن للشاعرة (رحيمة) دور في التخفيف من هذه القساوة، لذا ليس من السهل ان تنسى او تتجاهل مواقفها، وهذا موقف كل انسان نبيل لا يتنكر لمواقف صاحبه وأن تغيرت الظروف، اعتبر الشاعرة (احسان) انها اهل للمعروف، كما اعتبر الشاعرة (رحيمة) كريمة النفس أصيلة، لأن الوفاء بين الاصدقاء في زماننا الصعب هذا نادر، لكن الاثنتين أهل للوفاء، اتمنى لهما التوفيق .

الشاعرة (احسان) آلمتني عندما  تقول: (ضيائي المنطفئ)، هذا يوحي ان الحياة معها قاسية وشرسة، لكنها صامدة وصابرة ومصممة على البقاء كي تعيش الحياة الاجمل والافضل رغم قساوة الظروف، هذا الصمود والصبر يوحي ان ايمانها بالله تعالى وقدره قوي لا يتزعزع، لذا اقول للشاعرة (احسان) بناء على حقيقة ان الله لا يضيع عبده المؤمن، أنّ ضياءك لن ينطفئ، وهو ضارب في الاطناب، انت متوقدة ومنورة وستبقين  بأذنه تعالى كذلك، ما دام الله معك والاخيار الطيبون .

استشف من كلمات قصيدتها (اهداء الى صديقتي الغالية رحيمة بلقاس) أن صديقتها التي تنعتها (الغالية)، قد رافقتها في أغلب محطات حياتها، وكانت لها خير معين  فهي معها في العمل، وفي الطريق، وعندما تتعرض لمشكلة ما، تقوي من عزيمتها وارادتها، تشجعها على تجاوز عثرات المسير في الحياة، وهي من فجّر طاقتها الشعرية، دعمتها كي تتجاوز ظروف حياتها الصعبة، لم تتخلَ عنها، بل تدفع بها للأستمرار في الحياة التي أراد الله تعالى لنا ان نستمتع بها بالطرق السليمة المشروعة، تصف الشاعرة (احسان) صديقتها المخلصة الوفية أجمل وصف:

مشرعة نوافذ قلبك نورا

في سماء عزمك المجيد

ما رأيت هذا الصفاء

ولا صدق هذا النقاء

هنا تصف صديقتها بكلمات صوفية (النور، الصفاء، النقاء)، هذه من صفات المؤمنين والمؤمنات، صديقتها اذن مؤمنة طاهرة نقية، عندنا مثل في العراق يقول (الطيور على اشكالها تقع) الطيب يختار الطيب مثله، (رحيمة) طيبة، لذا رست سفينة (احسان) الطيبة على شاطئ صديقتها الطيبة، لكما التوفيق، وجزاكما الله تعالى الف خير .

في نهاية القصيدة الرائعة تقول الشاعرة (احسان السباعي) :

كم من العزم نحتاج؟

كي نحفظ المحبة التي تجمعنا

قاس هو الوقت يا صاحبتي

تتخلله برودة الشتاء

يلوث وجه الماء

هل نتراجع؟

هل نمضي؟

هل نعلم يوما؟

أن الارض تزلزل طربا

حين يتعانق الاصدقاء

احسنت (احسان السباعي) فأنت متمسكة بصديقتك (رحيمة) ولن تفرطي بها رغم الظروف التي تدفع احيانا بعض الاصدقاء كي يتخلوا عن بعضهم، ان العزم الذي تتحدثين عنه يأتي نتيجة لقاء القلبين، العزم للاستمرار في الصداقة لا يتحقق من دون لقاء القلبين وصفائهما، لا عزم خارج ساحات القلوب .

كلماتك (تتخلله برودة الشتاء، يلوث وجه الماء) كنايات جميلة عن ملوثات الصداقة ومعوقاتها، تسألين صديقتك لو صادفتنا هذه المعوقات التي تهدم جدار الصداقة، هل نستسلم لها ونضحي بصداقتنا؟

هنا يأتي جوابك الرائع، أجبتي قبل ان تجيب (رحيمة)، واعلنتها أنك متمسكة بصداقتها مهما اختلفت الاحوال والظروف لأن (الارض تزلزل طربا، حين يتعانق الاصداقاء)، تحياتي لك ايتها الشاعرة المتألقة (احسان السباعي) واتمنى ان التقي مع ديوانك الجميل في حلقة ثانية انشاء الله تعالى .

 

علي جابر الفتلاوي

 

فتاة بوشم التنين تلعب بالنار وتثير الزنبور .. الرواية الثلاثية السويدية

faroq ohanالتمهيد: الرواية بتعبير نقاد الأجناس الأدبية، هي عالم يهندسه الروائي، ويبني له أبعاده، بكلمة أخرى فإن الروائي يؤسس لمجتمع افتراضي يجعل القارئ يلجه من غير أية حواجز، بانسيابية، ومن غير تكلف، فهو من جانبه كمؤلف يقف من بعيد ليرى إلى ما أبدعه من عوالم عليها أن تخترق القارئ بثناياها، لتسكنه بهواجسها فيتفاعل معها، ويتعايش مع أحداثها، وأبطالها، ويميل لبعضها، ويستنكر غيرها، لا يحس بدور المؤلف، ولا بتدخلاته سواء من قريب أو بعيد، بل إن الروائي الفذ قد يضخ معلومات عبر شخصياته من غير أن يحس القارئ بأنها آراء المؤلف نفسه، وبهذا يكون القارئ منسجم، ومتوافق، بل ومتعايش مع السياق حتى النهاية، لهذا يحرص الروائيون أن يقفوا بمسافة مناسبة عن شخصياتهم، ولو أن بعضهم يتماهى في أكثر من شخصية ويجسد أحداث مرّت به من غير أن يحس القارئ بتدخل، أو افتعال، وهذا جوهر كل عمل أدبي، وفني بالمقاييس الجمالية منذ أرسطو.

إذن هناك نمط عام، ولكن الأساليب والتفرعات في الجنس الأدبي ممكنة لكي لا تأتي الأشكال بقوالب جاهزة، لهذا يختلف روائي عن آخر، ويبرز أحدهم في جانب مختلف عن نظيره، لكن اختراق أصول جنس أدبي، ومزج أدواته بجنس آخر هو إما عدم فهم الروائي لما يقوم به، أو أنه يؤسس لمدرسة، أو جنس جديد، وهذا لا يحصل إلا نادراً، ومن خلال عبقرية نادرة، ومحاولة غير مسبوقة.

 

استهلال:

في الرواية السويدية الثلاثية لـ"ستنغ لاريسون" ترجمة ريج كيلاند للإنجليزية: الفتاة ذات وشم التنين، الفتاة التي تلعب بالنار، والفتاة التي تنبش كور الزنبور، بما مجموعه ألفي صفحة، كان المؤلف قد دفع المسودات للمطبعة عام 2004، وتوفي بعد عدة أشهر، وقد صدرت الطباعة الإنجليزية بين 2007 – 2010، وقد صارت الأكثر مبيعاً في العالم، فقد طبع من كل واحدة من الروايات الثلاث 21 مليون نسخة، : أما المؤلف ستيغ لاريسون فقد كان رئيساً لتحرير مجلة بعنوان "ضد التحييز إكسبو"، وعمل كمحرر غرافيك لمدة عشرين سنة في وكالة الأخبار السويدية، وعمل خبيراً في مؤسسات تقف مع البشرية، وضد التطرف والنازية.

ولقد علق أحد محرري الصحف حول اشتهار الرواية الثلاثية بالقول: إن السويد منذ اشتهرت بالفرقة الغنائية آبا، ولم تعد السويد إلى مجد شهرتها إلا بهذه الرواية وبعد أكثر من ثلاثة عقود، فماذا في الرواية الثلاثية من أمور أهلتها لهذه الشهرة، بل وإن شركات صناعة السينما قد سارعت لإخراج الروايات الثلاث "سنأتي على الأفلام بعد مشاهدتنا لها":

منذ مطلع الرواية الأولى (الفتاة ذات وشم التنين) وبعد سبعين صفحة من التفاصيل المتشعبة، غايتها ربما تحقيق أرضية ابتدائية للقارئ، قد تعينه على متابعتها، أو يتيه فيها، يبين لنا المؤلف أهمية دور الصحفي المحترف، وأهمية الصحافة لو تبوأت مكانتها الحرفية بجدارة، فهي تفوق في بعض الأحيان قدرات أجهزة الاستخبارات بكل مواهبها في أية قضية، ولربما في مجالات البحث الدقيق، وذي الأبعاد المتعددة، ومن دون حكم مسبق، أو اتخاذ قرار قبل تكملة القرائن، والبحث العصيب.

ولعل المؤلف الذي عمل طول حياته محرراً صحفياً، بدأها كمراسل في العديد من الأمكنة، والأحداث الهامة في القرن الماضي، قد اتخذ من هذه المقارنة بين عمل شرطي المباحث، والصحفي مجالاً يعقد عليها معادله الموضوعي، ويرنو من بعيد، بل يومئ بتلميحات لا محدودة للعجز الذي وصلته قابليات السلطات، للحجز بين الشعوب، وبين تواصلها مع بعض من غير حواجز، وجوازات سفر، وبوابات حدود بين البلدان، فعالم السايبر قد فتح الآفاق للتلاقي والتلاقح بين الناس من مختلف الأعمار، والأجناس، والألوان، والجغرافية، توحدهم الهموم المشتركة، ولا تفرقهم حتى كرابيج الشرطة التي لم تعد تؤلم مثلما كانت تفعله  من قبل وسائل التعذيب؛

المهم أن المؤلف مأزوم بقضية الحرية الشخصية، ومتأزم من شرور الذين يهيمنون على قدرات الشعوب، فيستغلون مناصبهم في رغبات خسيسة، وانتهاكات تطال القاصر، والبالغ، والمعوز، والجاهل، والذي لا عون له، ومن يتم اصطياده، وغسل دماغه، ولا تتوانى السلطات في سبيل قضية دنيئة أن توهم الناس بأن ما تفعله هو للمصلحة القومية المتعلقة بمصير البلد، ولا يهم أن تدمر حياة أفراد ليمعنوا تسرب معلومة ما، أو حماية ثلة شراذم في السلطة من الانكشاف، لهذا تتشكل داخل كيان كل سلطة عصابات فرعية، تعمل كل منها لكي تغتنم الفرص لمنفعة ما، والضحايا هم الأبرياء، وفئران المخابر البشرية.

  

الرواية الأولى "الفتاة ذات وشم التنين"

ميكائيل بلومكفيست صاحب صحيفة دورية "ملينيوم" شهرية، وذي خبرة صحفية كبيرة، يتعرض لمحاكمة والسجن لمدة شهرين، بكونه أعد تقريراً عن مؤسسة وينيرستورم المالية لمالكها "هانس- إيرك وينيرستورم"، من غير مصادر موثقة، في هذه الأثناء، يتلقى اتصال من محام "هنري فاغنر" رئيس إحدى الشركات الكبرى في هيستاد إحدى المدن السويدية خارج العاصمة ستوكهولم، يقدم له عرض مغر، لكي يحقق للجد رغبته الأخيرة في البحث عن مصير حفيدته التي غابت فجأة، وبشكل غامض منذ أكثر من ثلاثة عقود؛

وفي اللقاء الطويل لعشرات الصفحات، بين مايكل، والجد، يسترجع الأخير مجريات اختفاء الحفيدة هنرييت، ويقدم له ملفات عديدة من تحقيقات الشركة، ومباحث الشرطة السرية، والعلنية، دون الوصول إلى سبب، ومكان، ومضمون عملية اختفاء هنرييت، من غير أثر لجثة، أو شاهد، أو أثر خلفه اختفائها.

بعد أن يقبل مايكل العرض المغري لعقد مدته سنة، حتى من غير التوصل إلى نتائج مناسبة، يجتمع مايكل بضابط شرطة متقاعد، كانت قضية هنرييت موكلة إليه لأعوام، فيستعيد الضابط ذكريات مدفونة بين ذاكرته، وبين الأوراق والصور التي ما تزال هناك، وقد علاها ركام من الأتربة، في الوقت نفسه يتصل مايكل بأحد أصدقائه "أرمانسكي" الذي يدير مؤسسة للبحث، والتقصي، أي مؤسسة مباحث سرية أهلية خاصة، من خلال المصادر القديمة، والأخرى الحديثة التي تعتمد على عالم السايبر "النيت"، فيرشح له "ليسبث سالاندر" الفتاة التي تبدو وكأنها دون السادسة عشرة من عمرها، ولكنها في العقد الثالث من عمرها، وعندما تصل، وتعمل معه، يندهش من قدراتها العلمية، والعميلة، وتحملها جهود كبيرة، بل وأهم أمر هو سرعة إنجازها للمهام، إضافة لقابليتها العالية في قرأة أي كتاب، أو تقرير بسرعة فائقة، في غضون ساعات، لا يهمها إن أكلت، أو نامت قبل أن تنجز مهمتها، ولكنها عنيدة، قليلة الكلام، وتخفي أمور شتى لا تدع أحد يعرفها، وهناك خطوط حمراء بينها وبين الآخرين، ومع هذا فإنها تغرم من طرفها بمايكل وبطريقتها الخاصة، في حين أن مايكل لا يداخل بين العمل، والجنس، أو الحب بالمعنى الأوروبي، لأنه أولاً أكبر منها بالعمر على الأقل بعقدين، وثانياً فإن له علاقات جنسية مع نساء يغرمن به، ويقضي معهن ليال لو كان متفرغاً، ومنهن رفيقة مهنته وشريكته في دورية ميليينيوم "إيريكا بريغر" التي لم تتوان أن يكون زوجها أستاذ الجامعة على علم بهذه العلاقة وهو متقبل للأمر بشكل عادي، ورسمي.

سالاندر هذه تعاون مايكل في الكشف عن أمور غامضة تتعلق باختفاء هنرييت، وتتفرغ لتعمل بعقد لأسابيع في نفس البيت الذي أفرده جد هنرييت لمايكل، في هيستاد ولا تهتم لو كشفت عن وشم التنين على جسمها، وبخاصة لما تعرت للمرة الأولى، وذهبت من غرفتها إلى مايكل تسأله أن يقضي الليلة معها، رغم أنها لا تقرب الرجال كثيراً، ولا تدري ما ميولها الجنسين، وإلى أين تقودها.

على صعيد العمل في قضية هنرييت يلاقي مايكل، وسالاندر تهديدات خفية، وهما في البيت، أو لما يعودان، كأن يريان إحدى قطط الجيران التي كانت تتود لهما، فيأويانها فيجداها مقطعة الأوصال على شرفتهم الأرضية أمام الدار، وتسرع سلاندار بنصب أجهزة مراقبة، وتنصت، ولكن يبدو أن الشخص الذي يهدد أذكى من أن يقع في فخهم، فيشكان بعدة نساء من أقارب هنرييت، ومنهن أمها، أو قريباتها، وكثيراً ما يقود المؤلف إلى شخصيات حادة المزاج، وفي عين الوقت يرينا شخصيات مسالمة، ولكنها غامضة كشخصية "مارتن" أخو هنرييت المفقودة، وهو في عين الوقت رئيس مجلس إدارة شركات الجد، ووريثه الأقرب، وممثله في مجلس إدارة مؤسسة ميلينيوم الصحفية بعد أن اشترى الجد أسهم فيها لمساعدة المؤسسة في أزمتها التي تعرضت لها من جراء مقاضات مؤسسة وينيرستورم المالية.

في عين الوقت يكتشف مايكل من هفوة كلام محامي الجد، أنهم عندما استقصوا عنه، لكي يعمل معهم استعانوا بمؤسسة أرمانسكي، وكانت سالاندر هي التي جمعت عنه المعلومات، ودخلت على خصوصياته من خلال موقعه الشخصي على النيت، فيغضب، ويصارح سالاندر بالأمر، لكونه يقدر أمانتها، وإمكاناتها الخارقة في المعرفة، ليس الكومبيوترية فحسب، وإنما في الحسابات الرياضية، وسرعة استيعابها قراءة الكتب العلمية والمعرفية، والتحقيقات بساعات قليلة فإنه يتجاوز الأمر.

وفي سيرة سالاندر الذاتية الكثير من الأمور التي لا يكشف عنها المؤلف باعتبار أن سالاندر نفسها لا تريد ذلك، ربما لكي يستخدمها في الروايتين التاليتين، ومنها موضوع رعايتها من قبل ضامن شخصي، عائلة أو شخصية، ودخولها مركز تأهيلي نفسي يدعى سان استيفن؛

لكن أهم ما يطرأ على حياتها الذي سوف ينتقل للرواية الثانية، هو تعرضها للاضطهاد الجنسي القسري، والممارسة السادية من قبل ضامنها المحامي بجورمان، الذي يستغل ظرفها، ويهددها به، فبعد الممارسة السادية المريضة له معها، بشكل مقرف، ومقزز، تأتيه في المرة الثانية، وتدخل مباشرة إلى غرفة النوم، وتكون سالاندر وقتها قد وضعت كاميرا خاصة في حقيبتها، وجعلتها في مكان مناسب ليصور الحدث الرقيع، والمؤسي؛ وبعدما تخرج، تقرر سالاندر الانتقام هذه المرة على طريقتها، وهي التدرب على مهنة التوشيم، إضافة إلى أنها رياضية مدربة على الملاكمة، ورياضات أخرى، وثالثها التسلح بجهاز ليزر يشل حركة مهاجمها؛

ففي الوقت الذي يطلب بجورمان منها أن تزوره كل نهاية أسبوع تنصاع له، وفي المرة الثانية والأخيرة، لما يدخلان الغرفة تفاجئه بلسعة من جهاز الليزر، فتشل حركته، ويغيب عن الوعي، فتقوم برسم كلمات وشمية على كرشه تقول: أنا سادي قذر، وأمارس الشذوذ الجنسي. ولما يفيق تفاجئه سالاندر التي كانت قد  ربطته بالسرير بالطريقة التي مارسها معها، وتريه فيلم الفيديو، يصور عملية اغتصابه لها، وكذلك الوشم الذي رسمته على كرشه، وتطلب منه شروطها، وهي أن يقدم تقاريره الشهرية عنها بأنها سالمة نفسياً وصحياً، وأن لا يتعرض لها، وإلا فإن الـ"CD" لفيلمه الجنسي الذي اغتصبها فيه سوف يصل ليس للإعلام فحسب، وإنما لكل الجهات بما فيها المحاكم، وتنتهي بذلك حياته العملية والاجتماعية معاً.

ويقضي مايكل، والمؤلف ونحن عشرات الصفحات، بل ربما ما يقرب مائتي صفحة في دراسة مركزة على تدقيق صور أخذت يوم اختفاء هنرييت، وكان يوم تصادم حافلة بسيارة على جسر بلدة "هلستاد" التي هي المكان الذي يقيم فيها الجد، ويدير أعماله، وتقيم العائلة بكاملها، هي نوع من الإمبراطوية هناك، وفي النهاية يركز مايكل على صورة تظهر فيها هنرييت، وكأنها تنظر إلى أمر يفزعها، قبل أن تختفي، ويكون في الصورة نافذة وراءها سيدة يشكك مايكل في كونها أحدى قريباتها اللواتي تعرّف عليهن، وأعجب كل منهما ببعضهما، بل قضيا أيام في السرير معاً، وفي الختام يتمسك بأن يدينها، وعندما يكشف لها الأوراق، تعترف له بأنها ليست السيدة في الصورة بل أختها الصحفية المقيمة في لندن، والتي نادراً ما تزور البلدة، ولأمر ضروري، وخاص جداً ربما يتعلق بالجد، أو بالورث، وفي هذه الأثناء يكون مارتن أخو هنرييت بعيد عن الشبهة، ولكنه في الوقت الذي يكون لطيف مع مايكل، ويرسل له تهديد مبطن، لم يكن في قائمة تصور مايكل حتى بعد أن كان مايكل يجرى تمرين السير عبر ضفة النهر، ويتعرض لمن يحاول قتله ببندقية صيد، ومع هذا يكون مارتن فيمن يحتاط منهم، وذات يوم يحاول مايكل الوصول إلى مارتن، فلم يجده، وتكون سلاندر قد قامت بمهمة للبحث في المكتبة عن مراجع خاصة تعود لوقت بعيد في سجل العائلة، فلم يجد مايكل سوى أن يذهب إلى بيت مارتن لكي يلتقيه هناك ربما، ويدور حول البيت لما يعجز عن الاستجابة من الباب الرئيسي، وفي الخلف يرى باب السرداب "Basement" موارباً، وما أن يقترب منه حتى يسمع صوت مارتن يدعوه إلى الداخل، ويقول له: أنا بانتظارك، فأدخل،،، وما أن يدخل مايكل حتى يكون مارتن قد اصطاده، وكبله بقيود، ووضع له مشنقة تجعل قدميه لا تصلان الأرض، ويقوم بالاعتراف له بما تشكك مايكل به، وبكل موبقاته ابتدءً من اغتصابات أخته هنرييت، ومروراً باغتصاب فتيات ضالات من دول شرق أوروبا من غير أن يدري بهن أحد، وبعد ذلك يقتلنهن، ويدفنهن، أو يقطعنهن ويرمينهن في أماكن متعددة، كأي سادي قاتل، والآن جاء دور مايكل لأنه تمادى في فضوله، وحاول اختراق التابو، ومحرمات لم تستطع الشرطة بكل أجهزتها أن تصل إليها، حتى بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، ويبادر مارتن، مايكل بتفسير توجساته، وأمله في المماطلة ربما لأنه يتوقع أن سالاندر سوف تكتشف غيابه، ولكن أي مارتن قد احتاط للأمر، وهناك من يراقبها في المكتبة، فيفتح الهاتف ليكلم المراقب هناك، فيطمأنه الأخير بأن سالاندر ما تزال تبحث هناك داخل آرشيف المكتبة، أما سالاندر فما أن تنتهي من عملها، فإنها تستعجل لتصل بأخبارها لمايكل، فتخرج من الباب الخلفي، وتتردد في أن تعود لتخبر الخفر هناك لكنها تتهاون، وتذهب للبيت الصيفي الذي تقيم مع مايكل فيه منذ أن استوزرها في البحث، ولكنها لم تجده، وتبحث عنه في شكك لما قد حصل من أمور في الأيام الأخيرة، وما يمكن أن يحصل لو تمادى الذي يهدد مايكل.

وما أن يكون مارتن قد بدأ بانتهاك حرمة جسد مايكل، وقد عراه وهو معلق ليستمني معه قبل قتله، يكون قد نسي الباب المؤدي للسرداب نصف مغلق، وبفطنتها تدخل سالاندر إلى السرداب وهي مسلحة بألة إلكترونية تشل حركة مهاجمها، "التي تستخدمتها للدفاع عن نفسها في الأوقات الحرجة" فتصل لتقف عن قرب من مارتن المشبق، وتفاجئه بركلة، ولما يقاوم ترميه بشحنة ليزر من جهازها، وفي محاولتها انقاذ مايكل يتحرك مارتن، فتستدير لتركله بركلة رياضية محنكة، وبما أن وضع مايكل لا يحتمل، ويمكن للمشنقة أن تقتله، فإنها لم تنتبه لهروب مارتن، وما أن يرتمي مايكل على الأرض حتى تكتشف سالاندر هروب مارتن، فتهرع وراءه بعد تأكدها من سلامة مايكل، وتدور حول المكان فترى أن مارتن قد هرب بسيارته، فتستقل سيارتها، وتلاحقه فتراه مسرعاً أمامها في شارع ضيق فتزيد من سرعتها لكي تلحق به، فيتهور مارتن في السرعة حتى تصدمه شاحنة، وما أن تنزل سالاندر لترى إليه، يكون قد فارق الحياة فتترك المكان، لأن الشرطة سوف تأتي في أية لحظة، وتعود لتتم انقاذ مايكل، وتأخذه معها إلى البيت.

وتتشكل لدى مايكل قناعة بأن هنرييت ما تزال على قيد الحياة، ولكنها مختفية لسبب ما، ويستعين بسلاندر لكي تبحث معه عن إمكانية التحقق من عنوان قربية هنرييت في لندن، وتقوم سالاندر بالاستعانة بزملائها ضمن عالمهم الخاص المدعو "جمهورية القراصنة"، يحمل كلاهما معداتهما بعد انقضاء التعزية بموت مارتن، ويهرعان إلى لندن، ويكون في استقبالهما أحد أعوان سالاندر السابريين المقيم في لندن، فيقودهم إلى العنوان، وتبقى سالاندر في السيارة، ومعهما معدات تنصت، ويدخل مايكل بيت قريبة هنرييت من غير أذن، ويفاجئها بمعلوماته، فتخبره بوجود هنرييت في أستراليا تحت اسم مستعار لزوجها، فيقرر السفر هو وسلاندر، لكن سلاندر تعود إلى السويد لأن خبر وفاة أمها في المصح جاء في اللحظة الأخيرة، وعليها أن تكون هناك؛

ويصل مايكل إلى أسترليا، وتقوده العناوين إلى ضاحية لمزارع تربية المواشي، يوصله إليها أحد المتشككين بمايكل من الشباب "هو أحد أبناء هنرييت نفسها"، وتكون المفاجئة أن يلتقي بهنرييت ذات الخمسة عقود، فتبدأ بشرح سيرتها بعد مساجلات مايكل الحدية، والتي لا تفسح للمقابل من غير الإدلاء بما لديه، وبكل ثقة.

وتروي هنرييت من حيث ابتدأ والدها المدمن من اغتصابها، ومزاولة الجنس معها، ولا يكتفي بذلك الفعل المجرد، بل ويقوم بضرب مارتن أخيها لكي يبدأ ممارسة الجنس مع أخته بعد أن كان يجبره أن يراهما في السرير، وفيما بعد كان الأب يستمني عندما يرى الشقيقين في سرير واحد، وهنرييت تتألم، وتبكي، حتى جاء اليوم الذي تمكنت من والدها السكير الذي يعجز عن دخولها، فيخرج إلى ساحل البحر، فتلحق به وتجذبه إلى الماء، وتغرقه تحت أعين أخيها مارتن الذي لم يحرك ساكناً، وكان يتفرج بكل برود دم.

وأخفيا الأمر "مارتن وهنرييت"، بشرط أن تنصاع هنرييت لرغبات أخيها، ومن بعدها صار يراودها، وهي تأنف ولا تستجيب إلا تحت العنف والتهديد، وكانت في أيامها الأخيرة مستجيرة بدار جدها، وكانت العائلة تعرف شذوذ مارتن، وربما حدسوا علاقته بأخته فأبعدوه إلى مدرسة داخلية، وفي اليوم الذي تصادمت الشاحنة مع سيارة على جسر البلدة رأت هنرييت أخيها قد عاد، وأرادت بشتى الوسائل أن تخبر جدها، لكنها لم تستطع، وفي ذات اليوم كانت قريبتها العائدة من لندن هناك، فساعدتها على الهرب تحت اسم مستعار إلى لندن لتقضي عدة أشهر هناك، وتتزوج صديق قريبتها، وتهاجر إلى أستراليا، ويورثها أولاد وثروة من مزارع وأغنام.

وبما أن مارتن قد مات، فلم يعد هناك شيء يهدد هنرييت للعودة على الأقل لترى جدها، ولربما تسنح لها الفرصة في عمل شيء، وبينما كان هناك عقد بين جدها، ومؤسسة مليينيوم الدورية، بامتلاك أسهم منها فقد كان لهم الحق بأن يكون أحدهم في مجلس إدارة المؤسسة الصحفية ملينيوم، وكان لفترة الجد ثم أعقبه مارتن، ولما عادة هنرييت تولت ناصية الأمور فيها.

أما مايكل فإنه لما انتهت المهمة المبرومة في العقد مع الجد، بعودة هنرييت انتهت أمور كثيرة، ومنها أن على مايكل أن يذهب ليقضي شهري العقوبة في السجن، بعد أن يولي سالاندر مهمة البحث عن موبقات مؤسسة وينيرستورم التي اشتكت عليه، وقاضته بالسجن لمدة شهرين؛

وفي الوقت الذي ينهي مايكل في السجن مؤلفه عن المؤسسة ذاتها لينشره، وبورود الوثائق التي حصلت سالاندر عليها اكتملت جوانب الكتاب، وصار جاهزاً للطبع، وما على مؤسسة وينيرستورم إلا أن تتلقى أعمالها، ولكن سالاندر كانت قد استبقت الأمور من خلال تقصيها، لكي تسحب أموال مؤسسة وينيرستورم، على حسابات لها في جبل طارق، وجنوب أفريقيا، وسويسرا، وما إليها عن طريق عملائها في السابير "جمهورية القراصنة"، وقد استعارت أسمي سيدتين لم يعد لهما وجود، وتنكرت بصفتهما، وسافرت لكي توزع الثروة هنا وهناك، وتصبح مؤسسة وينيرستورم بين يوم وضحاه مفلسة، ومهددة من قبل القضاء انتقاماً لما فعلته بمايكل.

في عودة سالاندر من أوروبا، تشتري لها شقة باسم مستعار، ولا تظهر، أو تدخل العمارة إلا بزي تلك الشخصية، أما عنوانها القديم، فتنقل صديقتها الصينية "ماريام وو" بلا أجر، ولا تريد منها سوى تسليمها البريد، وينتهي الجزء الأول على هذا الوضع؛

ونعود في الجزء الثاني مع استعادات كثيرة من أحداث الرواية الأولى، وبنفس الأسماء، والشخصيات، ولكن باستمرار لأحداث جديدة، نقول أن الرواية الأولى ربما تنتمي إلى نوع السايكودراما، ولكنها لا تستمر في الروايتين التاليتين كما سنرى إليهما فيما يلي:

الراوية الثانية "الفتاة التي تلعب بالنار"

تبدأ بعد نشر مايكل مؤلفه، عن مؤسسة وينيرستورم وبراءته، ولأن هناك استرجاعات كثيرة من خلال أحداث جديدة، ولكن على منوال بوليسي هذه المرة، فبعد عودة سالاندر إلى ستكهولم، واستقرارها، يكون هناك هاجس لدى المؤلف بأن يرينا أن هناك من يتتبعها، وهي تعرف كيف تتملص من الموقف، وتتوارى، وأهمها تعرضها لعملية قنص من قبل مارد إنساني سيكون اسمه فيما بعد في نهاية الرواية "رولاند نيدرمان" وسنعرف منه هو، وما علاقته بسالاندر من جهة، وبما يسمى زلاجينكو الذي شغلنا، ومايكل، وسالاندر نفسها لعشرات بل مئات الصفحات، بين هل هو مؤسسة، أم اسم، أو شيء وهمي؛

في المقابل فإن مؤسسة ملينيوم الصحفية قد إتجهت هذه المرة إلى التحقيق في قضية المتجارة باللحوم البيضاء، وسوق البغاء، وسماسرته من خلال تعاقد مايكل من زوجين هما: داغ سيفينسن صحفي، ومؤلف، والزوجة ميا جوهانسن باحثة تعد أطروحة دكتوراه، يقوم الاثنان بانجاز كتاب عن هذا الحقل لمحاربته، وفضحه أمام المجتمع السويدي، وتعرية الأيدي التي تساعد التجار الوهميون، وفي بحث سالاندر السابيري عن الزوجين المؤلفين، تزورهما في ليلة اغتيالهما، ربما لتحذرهما، أو لغاية لم تظهر حتى في نهاية الجزء الثالث في المحاكمة، وإنما تقرر المباحث ضمها لجرائم نيدرمان اليد اليمنى لزلاجينو، ويتم اكتشاف الحادثة من خلال مايكل الذي كان على موعد معهما ليتسلم مسودات جاهزة منهما عن المادة ذاتها، فيخبر الشرطة، وبالتدقيق، المخبري يجد المحللون أثار بصمات سالاندر عليها، وهذا السلاح نفسه هو سلاح بجورمان محتمي سالاندر الذي قتل به كما يبدو، وهو سلاحه الذي كان يحتفظ به في شقته التي زارتها سالاندر.

في هذا الموقف يضع المؤلف القارئ أمام ألغاز متعددة، وبخاصة أن من طبع سالاندر ليس العناد، والتوراي فحسب، وإنما الاختفاء الذي كانت قد أعدت له خشية التعرض لنكبة، أو مكيدة، أو هذا ما أراد المؤلف رسمه ليحيك قضية تتوافق شواهدها مع الدلائل، والشواهد التي تدعم موقفه كمؤلف، وتهويمات الشرطة في تحقيقاتها البليدة، والبعيدة عن الواقع، بينما يكون مايكل حسب الأصول بطل حفريات الشواهد الحقيقية، ونابشها من جهة، وشاهد قوي على براءة سالاندر من كل التهم، وبخاصة القتل، ومعه أرمانسكي اللذين يذهلان الشرطة برأييهما المعكوس، والإيجابي حول صحة عقل سالاندر، وسلامتها، بل وذكائها الخارقة، على عكس ما بدأت الأوساط الإعلامية الترويج حوله، وتضخيمه، وكالعادة يوصف المتهم الغائب بشتى الأمور الغريبة، فقد وصفت سالاندر، بازدواج الشخصية "الشيزوفرينيا"، والشذوذ الجنسي، وتعرض تاريخها السابق للتشهير والتعريض بها.

لم تقبع سالاندر في شقتها الفارهة التي اشترتها باسم مستعار من أموال مؤسسة وينيرستورم التي هددت مايكل ساكنة، وإنما كانت كخلية نحل تبحث، وتتقصى، ولكنها امتنعت عن الاتصال حتى بمايكل، ولم تدل له بأية معلومات، رغم متابعته لها، وبما أن عنوانها هذا لا أحد يعلم به حتى ماريام وو نفسها، ومايكل فإن سالاندر لا تخشى أي تسرب لمعلومات، ولا حتى اتصال مفاجئ، وقد عمدت لركن سيارتها التي ابتاعتها بنفس الاسم المستعار في كراج عام قرب البناية، وعندما تغادر، أو تأتي إلى بيتها تتخذ سبل مواربة، ومواصلات عامة في بعض الأحيان.

في تقصيه الحقائق، ودفاعه عن سالاندر يتعاون مايكل مع آرمنسكي، ويتبدلان المعلومات، وتدخل حتى بيرغر شريكته الخط في الإعداد لملف هام يختص بمقتل الزميليين داغ سيفينسن، وميا جوهانسن، واتهام سالاندر بقتلهما، إضافة لقتل محاميها بجورمان، ولكن من غير الوصول إلى نتائج، وإنما هي مرحلة تجميع معلومات، غير أن مايكل يبقى قلقاً حول مصير سالاندر التي لا تستجيب لمراسلاته الإلكترونية، ولا تعطيه مجال لأمل في ذلك، خاصة وأنه لما حاول إنقاذها من المارد القاتل الأشقر نيدرمان، كانت قد فقدت حقيبة ظهرها الخاصة التي تحملها معها أينما ذهبت، وفيها خاصياتها، ومنها معدات الدفاع عن نفسها، كان مايكل يريد إيصالها لها، ولكن سالاندر لا تستجيب بعناد، حقيبة سالاندر التي يعرفها مايكل بشكل جيد، يراها مرمية في الشارع بعد المعركة، وهروب كلاهما "سالاندر، ونيدرمان"، فيحمل معه، ويحتفظ بها.

وتمر الصفحات العديدة، والمناورات، والشد والجذب، وظهور شخصيات شرطية، ومباحث كثيرة، منها محقق، ومنها تابع، ومنها له مهام المراقبة، أو الدفاع عن شخصية ما، ولكن ما يجمع عليه المؤلف، أن مساعي مايكل الحثيثة في البحث تؤكد الكثير من المصداقية، والشواهد، بينما التقارير المبحثية لا تتوصل لغير الهوامش، بل والأكاذيب التي تروجها وسائل الإعلام، يسربها لها جهاز خاص في التحقيقات الجنائية، ومركز فرع سري في سابو "جهاز المخابرات السويدية"، سوف يأتي دوره في الرواية الثالثة،،، وتصر الصحافة وأجهزة الإعلام على سيناريو اعتبار سالاندر المطلوبة للعادلة من المجرمات الخطرات التي ارتكبت ثلاث جرائم، وسرد لتأريخها النفسي، والجنسي الملفت للنظر في سلبياته العديدة.

أما سالاندر فإنها سادرة في بحثها المستديم عن مصطلح "زالا" ويوهمنا المؤلف لمرات بكون هذا المصطلح قد يكون اسم شخص، أو شركة، أو عصابة تهريب نساء، أو ما شابه، بينما نرى اهتمام سالاندر الكبير بالوصول إليه، ولا يكشف عن علاقتها، واهتمامها به إلا في خاتمة الرواية الثانية هذه: عندما تقرر سالاندر السفر لمدينة غوتبيرغ التي تتوقع أنه هناك، وأنها لا بد أن تتبع من يأتي لأخذ الرسائل من البريد المركزي، وصندوق "زالا" نفسه الذي وجدت رقمه، وعنوانه في أحد بحوثها السايبرية، ولما تخرج من شقتها، وتتركها، يصف المؤلف أن خروجها من بيتها سيكون للمرة الأخيرة ربما، وليس لنا خيار غير الاقتناع بما يصفه لنا المؤلف، وبما يسيّر فيه شخصياته المحورية بشكل خاص، ومنهم بطلا الثلاثية سالاندر ومايكل.

يلتقي باولو روبيرتو مدرب الملاكمة بمايكل لاستيائه من أخبار وسائل الإعلام التي تتعرض لسمعة سالاندر، بعد عودته من جولة خارج السويد، وفي مداولاتهما يطلب مايكل من باولو روبيرتو إن كان له علاقة بماريام وو، أن يتصل بها لكي يستعين ببعض المعلومات منها خارج نطاق ما تعرضت له ماريام وو من ملاحقات الشرطة السرية، والتحقيق معها بشكل أساء لها شخصياً، تهمتها أنها صديقة سالاندر، وتقيم في بيتها الذي هو عنوانها الوحيد، ويتفق مايكل وروبيرو على خطة للقائها، لأنها لا تتواجد كثيراً، ويقوم روبيرتو بزيارة ماريام ببيتها، ولكنه لا يجدها فينتظرها في سيارته إلى الليل وفيما بعد التاسعة، وعندما يراها قادمة، وفيما هو يهم للنزول من السيارة لاستقبالها، يتعرض لها المارد نيدرمان، ويخطفها، بحمله إياها، وكأنه يحمل لعبة أطفال، أولا لضخامة الجلاد، وثانياً لضألة حجم ماريام، وتكون شاحنة بانتظاره فيحشرها فيها، وتنطلق الشاحنة، وروبيرتو بإثرها، وكالعادة لا يستطيع روبيرتو الاتصال بمايكل على وجه كامل، ولا بالشرطة، مرة لقطع الاتصال، ومرة لضعف البطارية، ومرة لعدم وجود شاحنة لديه في السيارة، ولزيادة التشويق، وعدد الصفحات ندور في ستكهولم كلها قبل أن تخرج الشاحنة إلى الطريق الرئيسي، ثم طريق ريفي يؤدي لمزرعة فيها مستودع ضخم لعائلة الأخوين " ليوند " الشريكين والاشتباه بأمر كونهما سماسرة الجنس الأبيض، وتدور في الداخل مقاومة ماريام للمارد، ومن الخارج يحاول روبيرتو الدخول، وفي النهاية بعد طول تفاصيل يستطيع روبيرتو أن يواجه المارد الذي يهتف باسم روبيرتو، فكما يبدو أن المارد من الملاكمين هو الآخر، ورغم عدم تكافؤ المعركة، ونظراً لا ستخدام كلاهما فنون الملاكمة، واسترجاعاتهما لجولات خاضاها، وفي الختام وبلفتة من ماريام، وحركة من روبيرتو يغشى على نيدرمان، أو تُشل حركته لحين أن يتخلصا منه، ويقود روبيرتو السيارة والدماء، والجروح تغطيه، وماريام فاقدة للوعي، فيصلان إلى أقرب مستشفى، وتعود التحقيقات معهما، وبعد أخذ مايكل المعلومات، وكذلك الشرطة، تصل الشرطة الجنائية إلى الموقع أي إلى المستودع الذي كان أصحابه قد أضرموا النار فيه، ولكنهم يجدون ببحثهم في الحديقة الخلفية فتقودهم الآثار لمدافن ضحايا، ويستمر البحث، ولا ينتهي من قبل ضابط موكل بالعملية هناك، يرسل تقاريره بين فترة وأخرى.

في زيارتها لمسكن بجورمان الصيفي: محاميها الوصي، باحثة عن ملف مفقود يدون مراسلات محاميها مع الجهة المسؤولة عن تقرير سلامتها الصحية الشهرية، وبعد أن تخرج، يكون الأخوين ليوند الجلاوزة ممن يتبعون مؤسسة "زالا" قد جاءا ليستقصيا أمر المكان فيفاجأن بمن يبحثون عنها، ويكون الأمر بالنسبة لسالاندر نفس الأثر من المفاجأة، وتدور معركة تنتصر فيها سالاندر رغم عدم التكافؤ، فتصيب أحدهما بطلق ناري في قدمه، وتفقد الآخر شعوره، وتستقل دراجته النارية لتهرب، وتنجو منهما، وتكون الحادثة سجل جديد لجرائم سالاندر في الصحافة، وللشرطة التي تبحث عنها،

وفي اليوم الذي تجتمع كل القرائن لدى سالاندر عن زالا، تودع المكان، وتلغي كل برامجها على الكومبيوتر، وتحمل أجهزة دفاعها التقليدية، وتسافر لعلها تجد ما تهدف متابعته، وتحقق مرامها الذي انتظرته طويلاً، فقد اكتشفت أن "زالا" هو "زالاجينكو"، وحتى الآن لم يتفضل المؤلف بزيادة معلوتنا عن الشخصية، غير أن السر الكامن تحمله سالاندر في كتمانها، وبوصولها إلى المدينة، تراقب من كثب مدخل صناديق البريد، وبخاصة موقع صندوق البريد الذي عرفت بتحرياتها رقمه، وذهبت لتقارنه، بل لتتأكد من الاسم، ولكن ليس غير ثلاثة حروف هناك لا تدلنا على شيء، إلا فيما يبدو أن سالاندر نفسها تعرف أن لكل حرف اسم، ويأتي أحد السعاة، ويأخذ موجودات البريد، ويهم بالرحيل في سيارته، إلى غووسبيرغا حيث يقيم زالاجينكو، فتتبعه بسيارة كانت استأجرتها، ومن منعطفات المدينة، وشارعها الرئيسي الذي يقود خارج البلد، تسير سيارة الساعي، وتمر بطريق ريفية، وهي تتبعه وقد جعلت مسافة مناسبة بينها وبينه لكي لا يشكك، وعند مزرعة منعزلة يدخل طريق ضيق، فتوقف سالاند سيارتها، لتتأكد قبل أن تجازف بالدخول، وترى إلى السيارة تدخل كراج، وهناك شخص يخرج، فتتعرف على أنه المارد الأشقر، فتعود لتخفي سيارتها في مكان آمن بين الأشجار، وتربض لكي يحل الظلام.

وتراقب سالاندر المكان، وترى  من خلال بعض الفتحات في النوافذ المسدلة ستائرها، ترى حركة المارد الأشقر، وهو يسير ليكلم شخص يبدو أنه على كرسي متحرك، وتنتظر الفرصة لكي تجد لها منفذ للدخول، حالما تدرس الوضعية من الخارج، والداخل، وتقدر فيما لو كان هناك حراس، أو من هم تابعون غير الاثنين، وبعد تردد تقترب لتدور حول المبنى، وتدرس المداخل، والمخارج، ومن إحدى البوابات التي تراها مواربة تدخل لترى نفسها في صالون، وتسمع حوار بين الأشقر والآخر، وتفاجأ بأن يباغتها الاثنان، ويبادرها المقعد باسمها، فنعرف أنه زالاجنيكو المشوه؛؛؛

ويسترجع المؤلف حادثة تشويه زلاجينو بعشرات الصفحات للتأكيد على تاريخ حياة عسكري مخابرات الكي جي بي الروسية أيام الاتحاد السوفيتي، وأنه عميل مزدوج للسويد، وبانهيار الاتحاد السوفيتي، هدد زلانجنيكو الحكومة السويدية بابتزازها لو لم تحميه، وقد كان جهاز المخابرات السويدي سابو قد وفر له الحماية، وحصل له على اسم ثلاثي سويدي، ذلك كان قبل حادثة تشويهه؛

تعود قصة تشويهه لتاريخ زالا الجنسي مع نساء، ادعت إحداهن أنها حامل منه فتزوجها، ولكنه كان يكيل لها الضرب كلما قدم، وواقعها، وتلد المرأة ابنتها الأولى، وهي سالاندر، وتعاني هذه من أزمات تتعلق بعلاقة أبيها بأمه غير السوية، لأنه كان يضربها، حتى أثناء ممارسة الجنس، فتغتاظ على خلاف أختها "التي لا وجود لها طوال الروايات الثلاث" التي لم تكن لتهتم، حتى كان اليوم الذي جاء فيه ليمارس نفس أفعاله مع أم سالاندر، فتكون سالاندر قد هيأت "مولتوف" لاحراقه، فترميها عليه وهو يهم بركوب سيارته عندما يخرج من البيت، ويحترق مع السيارة، ولربما أنقذ بعمليات جراحية متكررة، لكنه بقي معاقاً، ومشوهاً، وبقي في نفسه حقد على ابنته سالاندر لا يمكن أن يطفأ مهما طال الزمن، فهي في ذاكرته مادام حاله هذا قائماً، وتعرف سالاندر والدها، وترى ما آل إليه ربما للمرة الأولى، ولكنها لا تهتم لأنه سبب معاناتها الطويلة، فقد أدخلت من وقتها المصحة النفسية، وبقيت تحت الرعاية التي حددت مصيرها، ودمرت حياتها، وحياة أمها التي بقت في دار العجزة حتى ماتت، أثناء وجود سالاندر في لندن في تقصي مصير هنرييت في نهاية الجزء الأول.

ومن المساجلات التي لا تشارك فيها سالاندر نعرف أموراً متراكمة في خلفية الأحداث التي كانت مخفية في ذاكرة الشخصيات، وبخاصة سالاندر؛

ومنها محاولات السابو طمس الكثير من المعلومات، وتدمير حياة سالاندر بالادعاء بأنها ليس سوية نفسياً، وتغطية عمليات متاجرة زالاجينكو بالجنس الأبيض، وهو الذي استغل الظرف السياسي، في كل مرة ليهدد لو أنه لا يحصل على ما يريد فلسوف يكشف تورط الجهاز السويدي في استقاء معلومات غير مصرح بها، واستخدامه هو نفسه كعميل مزدوج، 

وفي كلام زلاجينو مع ابنته يبوح لها بحيله، وكيفية مراقبته لها من خلال أجهرة المراقبة، منذ دخولها السور، وحتى في الحقل المحيط، ويعترف لها بأن هذا المارد الأشقر الذي يقوم على خدمته والدفاع عنه ليس إلا ابنه، رولاند ندرمان، أخيها غير الشقيق؛

ويقرر الاثنان: الأب والابن أن ينتهيا من سالاندر بناء على شفرة بينهما فيأخذها نيدرمان إلى الخارج، ويرميها بعدة طلقات، ويحفر لها قبر والأب يتفرج، ويقوم بدفنها ورمي التراب عليها، ويعودان إلى الداخل؛؛

في هذه الأثناء يكون مايكل قد حصل على معلومات بأن سالاندر قد توصلت إلى عنوان زلانجينكو، فيتعقبها، وكأنه على علم بكل الأمور، أو كأن بوصلة تقوده بإتجاه سالاندر، وبعد مناورات يكون قد وصل للمزرعة في الذروة؛؛

وبمخيلة المؤلف الدراماتيكية، البوليسية، لأفلام العصر الجديد، تبدأ سالاندر بالحركة تحت التراب، وتحاول بطريقة أولية إيجاد منفذ للتنفس، وبعد مطولة إنشائية، تقريرية لفيلم سينمائي تنفض سالاندر غبار التراب الذي تراكم فوقها، وهي مدفونة تحته، وكأنها إنسان خارق القوى، وعلى الرغم من جروحها في الرأس، من رصاصة، وجروح أخرى، تخرج وتعود لتنتقم، ولما يعرف الاثنان أنها في المحور، تكون هي قد تناولت بلطة، أو فأس ترميه بكل قوتها فتصيب والدها زلاجينكو، وتبقى الفأس في رأسه، وهو يدور حول نفسه، ويحاول نيدرمان إصابتها، فلا يتمكن، وتصعب عليه المحاولة لمخادعة سالاندار ومخادعتها في التواري؛؛؛

في هذه اثناء يكون مايكل قد وصل المكان بقدرة قادر، بعد أن تأخر في طريقة، قرب الطريق الرئيس للمزرعة، وصادف أمور لم تكن على بال، في الوقت الذي ترواد نيدرمان نوازع الهروب من واعزين، الأول مادام والده قد أصيب، وربما يموت فلما لا يهرب، وسوف يستولي على كل ثرواته في الخارج، ويقيم سعيداً بعيداً عن السويد، هذا الواعز كان مبرره، أن له خوف سايكولجي من الظلمة، ومن الأرواح التي يتخيلها،،،، "هكذا فجأة يصبح المارد الذي لا يقهر، يخاف من ذبابة هي روح شريرة مثلاً، فيهرب"، وفي هذه الأثناء يكون مايكل قد وصل إلى مشارف المزرعة، فيوقفه نيدرمان طالباً منه أن يوصله إلى مكان ما، وهو لا يدري من هو مايكل، لكن مايكل يتذكره من حادثة ملاحقته لسالاندر في ستوكهولم، وفي الحال، وبمناورة بوليسية وبالسلاح يهدد مايكل نيدرمان، ويجعله يربط نفسه إلى شاخصة مرور، ويأتي بعدها ليتأكد من قوة الربط، ومتانته، ومن هناك يتوجه إلى حيث المزرعة فيرى إلى الضحيتين: فيأتي ليتأكد من وضع سالاندر، فيجدها في المبطخ بأنفاسها الأخيرة، ويتأكد من وضع زلانجينو ويتصل بالشرطة، ولما تأتي، يشرح لهم مايكل الأمور، ويريهم السلاح الذي لديه، ولغباء الضابط يرتكب خطأين: توقيف مايكل، وعدم ارسال قوة كافية للإمساك بنيدرمان، رغم تحذسرات مايكل لقوة، وخطورة نيدرمان، فيقتل نيدرمان شرطي، ويجرح الثاني، ويهرب، في هذه الأثناء تنقل الضحيتان "زالاجينكو وابنته سالاندر" إلى مستشفى المدينة حيث ستبدأ مرحلة جديدة من حكاية سالاندر ولكن في الجزء الثالث والأخير من الرواية الثلاثة.

 

الرواية الثالثة "الفتاة التي تنبش كور الزنبور"

وتبدأ الرواية الثالثة من حيث انتهى الجزء الثاني، وهو دخول زلاجينو، وابنته سالاندر مستشفى مدينة غوتنبرغ، وتطول الصفحات في وصف حالة الاثنان، والعمليات التي أجريت لهما، ومحاولات انقذاهما، وتعافيهما. وهنا يظهر عنصر جديد وهو انكشاف علاقة زلاجنكو بـ"سابو" المخابرات السويدية "القسم" ففي إحدى زيارات أحد أعضاء القسم للاطمئنان على زلاجينو، يهدد زلاجنكو القسم بفضح الأمور التي بينه وبينهم، وتعريتهم وإفشاء أسرار تضر بالسويد، فيقرر القسم خفية وبعد اجتماعات ومداولات بين رئيس القسم كلينتون، وأعضائه ومنهم غولبيرغ المصاب بمرض السرطان بأن يقوم غولبيرغ نفسه بزيارته، والتفاوض معه، ولكن هذا عندما يزوره، ويلاقي نفس التهديد، يقتله بمسدسه، ويريد في نفس الوقت لكي يطمس كل موارد فضح الأمور السرية لقضية علاقة زلاجنيكو بالقسم السري التابع لسابو بأن يقتل سلاندر ابنته التي يبدو أنها تعلم أمور أكثر مما يجب، ولكنه لا ينجح، لأن محاميتها جيانيني تكون في زيارتها، وعلى جلبة الفوضى في ممرات المستشفى، ترى وهي تراقب من باب غرفة سالاندر إلى غولبيرغ  وهو يقترب منها، فتوصد الباب، وتأخذ سلاندر إلى الحمام، ريثما تأتي الحماية، وفي عجز غولبيرغ  عن تنفيذ بقية المهمة، يطلق النار على نفسه برصاصة ثانية لا تقتله مباشرة، وإنما يموت فيما بعد.

وبتوالي الأحداث، تحاول الشرطة التأثير على سير التحقيق، ومنع أي اتصال لسلاندر بالعالم الخارجي، لكي تكون بعيدة عن الأحداث الخارجية حتى يحدد موعد المحاكمة، وقد منع أي أحد من الاقتراب منها غير المحامية جيانيني أخت مايكل التي رشحها لسلاندر، وحاول بشتى الوسائل أن تكون هي محاميتها، لا غيرها رغم أنها غير مختصة بالجرائم، وإنما بحقوق المرأة، ويبدو أن لمايكل حكمة في ذلك.

في أحد الأيام يحاول الطبيب النفسي بيتر تيليبوران المختص بقضية سالاندر منذ محاولتها الأولى لقتل أبيها بالمولوتوف، أن يقابل الدكتور جاناسون طبيبها المعالج في المستشفى من غير علم الشرطة، بحجة أنه يريد تجاوز البيروقراطية، ويفهم جانسون مأربه، والتفافه على الأمور من طريقة تيليبوران الملتوية، فيشكك جاناسون ويتوجس من مؤامرة على مريضته، فيمتنع عن مساعدته، أو الدخول في مؤامراته التي أحس بأنها دنيئة، وغبية. 

وبما أن مايكل يعرف قدرات سالاندر المعرفية والكومبيوترير، فقد حاول بفطنته أن يوصل لها جهاز يدوي صغير لكومبيوتر محمول، عن طريق الطبيب جاناسون نفسه، ولأن الأخير أيقن بالتجربة أن مايكل يعمل لمصلحة مريضته التي تتمتع بمزايا خاصة، وأنه يشك بنوايا المباحث، وخبث الطبيب تيليبوران، فقد اقتنع بقيامه بالخدمة. ولعلم مايكل بأن حصار سالاندر عن متابعة ما يكتب عنها، وما يمكن هي أن تساعد نفسها فيه، لأنها غير مسموح لها لا بالمهاتفة، ولا بالاتصال بالناس، ولا سماع، أو قرأة أية أخبار، فيتصل بأحد عمال مسح ممرات المستشفى العنبر الخاص بالمحجوزين، والمساجين، ويتفق معه على أجر خاص مقابل أن يقوم العامل إدريس الكردي العراقي بإدخال جهاز هاتف محمول في تجويف مفرغة الهواء لغرفة سالاندر، وأن يقوم بتبديل بطاريته مع أخرى مشحونة كل يوم، أو يومين، وذلك لكي تستطيع سالاندر الاتصال بالنيت عن طريق الجهاز ذاته، أو لنقل أنه شبه راوتر يوفر دائرة اتصال مع النيت للجهاز الذي سيصل لسالاندر*.

المهم أن مايكل يجد طريقه إلى دكتور سالاندر الخاص جاناسون فيقنعه بأن يحمل لها جهاز كومبيوتر الكف، ومن دون أن تدري في إحدى زياراته لها يضع الطبيب الجهاز تحت مخدتها من غير علمها، ربما لكي لا يبدو أمامها حامل رسائل، أو أنه يقوم بأعمال لا تدخل ضمن اختصاصه.

وتتعرض إيريكا بيرغر لمحاولة ابتزار بعدما تنتقل للعمل مع مؤسسة "إس إم بي" الصحفية وتتوهم في البداية بأنه أحد منافسيها، ولكن المبتز يتمادى فيكسر زجاج نافذة بيتها، ولا تعرف بالأمر إلا بعد أن تخدشها زجاجة في قدمها أثناء سيرها في البيت، ومع هذا لم يظهر الجاني رغم التحريات، ويتمادى الجاني بأن يدخل بيتها في الفترة التي تحاول مؤسسة أرمنسكي للحماية تأمين أجهزة مراقبة، وترسل حارسة "ليندر" لتبيت معها لأن زوج بيرغر كان في رحلة عمل إلى باريس، أو هلسكني، وتتكرر رسائل الابتزاز والتهديد، والسخرية منها بشكل يثير جنونها؛

وفي أحد الأيام تتفقد بيرغر أغراض خاصة لها في غرفة نومها، فتجدها مفقودة، ومنها ألبوم صورها، وفيلم فيديو في شباب عن علاقات شخصية مع زوجها، وزملائها، وفي نفس الأثناء يكون الجاني قد أرسل لها صورة مركبة لوجهها مع جسم عاري، وبريد إلكتروني لها من إحدى السكرتيرات تقرأ فيه خطاب غرامي، يبدو كأنها هي "بيرغر" التي كتبته للسكرتيرة تتغزل بها بشكل فاضح، أي من بيرغر نفسها للفتاة، وهكذا صارت بيرغر تعيش كابوساً يلاحقها في أي مكان حتى اصطدمت ببورغسجو مدير عام المؤسسة الصحفية، وانتهت بتقديم استقالتها. 

وفي بحث سالاندر عن قضيتها مع مجموعتها المدعوة جمهورية القراصنة للحصول على معلومات عن المحاكمة، وبعض الأمور التي تخصها، تفاجأ سالاندر بالمراسلات التي تختص بأمر بيرغر، فتكاتبها، وبعد استغراب كبير من بيرغر عن كيفية حصول سالاندر على وسيلة كومبيوتر، تعزوه لذكائه أولاً، ولقابلية مايكل في تمرير بعض الأمور التي لا تريد أن تدخل في تفاصيلها، فتستجيب لمخاطبة سالاندر الإلكترونية، فتفاجئها هذه بأنها تستطيع مساعدتها، ولما تتساءل بيرغر كيف، لا تلقى جواب، ومع هذا تستجيب، وتمدها بالمعلومات اللازمة، وبعد أيام، وقبل أن تؤخذ سالاندر إلى السجن، تتوصل إلى أن الذي يبتز بيرغر ليس إلا فريدركيسون أحد المحررين، وليس مساعدها، وتصعق بيرغر، بل لا تصدق، ولكن المتحرية لاندي من مؤسسة أرمانسكي المكلفة بحماية بيرغر تشك، وتبدأ بالتحري، فتقفي أثر فريدريكسون نفسه، وتركن سيارتها في مكان قريب من بيته، ولما يخرج تتبعه، ولسوء حظه، أنه ذاهب بمهمة ما إلى بيت بيرغر، وهناك تصطاده لاندي وهو يهم بالتنصت، من النافذة المكسورة المغطاة بخشب مؤقت، فتقيده، وتقوده إلى بيته، وتحصل منه على كل ما حاول الاستيلاء عليه من بيت بيرغر وسرقه، وهي حيثيات كاد الوصول لنشرها على النيت، لو لم تصطده لاندي، كما أخذت منه الهاردديسك وأتلفته للاحتياط، وأجبرته على التعهد بألا يتعرض لبيرغر، وإلا سوف يقدم للقضاء، ورغم أنها بوليس شخصي لكن ما قامت به جزء من حماية الأفراد، وطلبت منه تقديم استقالته من العمل، والابتعاد في بلد أخر. وتنتهي قصة الكابوس الذي تعرضت له بيرغر**.

في أحد الأيام تفاجئ الشرطية مونيكا مايكل بأنه مطلوب لاجتماع سري، فإما أن يأتي طواعية، أو عليها أن تقيده، وتقتاده إلى الاجتماع، ولا يكون اللقاء مع شخص عادي، أو رجل مباحث كبير، وإنما يجد مايكل نفسه وجهاً لوجه مع رئيس الوزراء الذي جاء ليعقد اتفاقاً مع مايكل ومؤسسته على تبادل المعلومات للسيطرة على الأحداث، وكشف الجهة التي تقوم بهذه الأعمال، وهي جهة، أو فئة داخل السابو، ولكنها جهة سرية محتمية وراء تسميات، ومتخفية بوسائل يحميها القسم، وليس أفراده، وكأنها هيئة سرية داخل جهاز المباحث السرية، ويتم الاتفاق على ذلك، وينشأ عنها تعيين ملاحظين من الجهتين، لتسيير الأمور ومتابعة الأحداث، وكشف الدسائس قبل أن تنتشر، وعلى صعيد آخر فإن القسم يكون له أعوان من السابو، بعضهم لا يقدرون مدى خطورة ما يقومون به، ولا من هي الجهة المستفيدة، وبتعاون الطرفين "جهة رئيس الوزراء، ووزير العدل، ومؤسسة ميلينيوم بقيادة مايكل" فيقررون إنشاء خطة، ويتشكل لها منفذون، ومنهم من يتابع أصحاب الشبهات من عناصر الشرطة في المباحث ومراقبة تحركاتهم من خلال التصوير، والتسجيلات الصوتية.

ويحاول القسم قبل المحاكمة، التخلص من مايكل، لكي ينشغل المجتمع به، فمع دسهم المخدرات في شقته، ومن ثم اغتياله سوف يلتهي المجتمع بما فيهم الشرطة بقضيته، وحتى لو تم إصدار عدد الميلينيوم فإنه سوف يفقد مصداقيته أمام الناس، ويكون مايكل في عين الوقت قد قتل قبل المحاكمة، لكن أجهزة المراقبة التي وضعها الجهاز السري الذي شكله وزير العدل، ورئيس الوزراء، كانوا قد زرعوا كاميرات في شقة مايكل يسجلون الأحداث كشاهد للدفاع، ولكنهم لا يدرون الخطوة التالية، وهي محاولة الاغتيال، وبما أن بيت كلنيتون "رئيس القسم" مراقب، وكذلك أحد أجنحة رئاسة السابو، فيتم تصوير بعض اللقاءات، وتسجيل تخطيط توزيع الأدوار بين أعضاء المجلس، وأعوانهم.

ومن جهة المجلس نفسه فإن معلومات تصله بأن مايكل قد دعى بيرغر على العشاء في مطعم، فيتأكد كلينتون مرافقه من أن الأخوين " نيكولنتش: ميرو، وتومي" سوف يقومان بالمهمة، ولا يعرفان من هي الجهة التي كلفتهم، لكنهم يعرفان أن الموعد سيكون بعد السادسة في المطعم؛ وفي هذه الأثناء يكون مايكل قد أجرى مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات، فيكشف فيها الكثير من الأمور، وبخاصة محاولة جهة مسؤولة في أجهزة المباحث زرع مخدرات في شقته، ويسلم التسجيل المصور للمحطة، ويتابع تسجيل المحاورة، وبعد الانتهاء يغادر إلى لقائه مع بيرغر في المطعم؛؛

وبعد مناورات، ومرواحات يجريها المؤلف على طريق سير مايكل للوصول إلى المطعم، ولما يصلان، ويلقيان، تلتقط الشرطية "مونيكا" وهي في المجلس مكالمة، تخمن أن القسم سوف يقوم على محاولة اغتيال مايكل في المطعم، وباغتياله سوف تقوم الشرطة في التحقيق، وتفتش منزله لتجد المخدرات فيها، وتثور كثير من التسؤلات حول مايكل، وتضطرب الأمور لتأثر على سير المحاكمة، ولو اضطر الأمر فلسوف يقتلون سالاندر نفسها في اللحظة الأخيرة في السجن، ولكن كيف؛؛؛

أما في المطعم فبعد أن تصل بيرغر، يدخل مايكل، ويبدو على اللقاء أجواء الألفة، والتحاور المعهودة خصوصاً بعد قرار بيرغر العودة لمؤسستها ميلينيوم، ويلحظ مايكل أن هناك من يراقبه من وراء الزجاج، ومن تحت ملابسه يبدو كأن هناك آلة قتل فاكتة؛ ومن طرف آخر تكون "مونيكا" قد انطلقت بمساعديها إلى المطعم، وبين مناورات مرورية في السير، وتفاعلات الحدث في المطعم، تحتدم الأمور، ويكون الشخص قد دخل في الوقت الذي قام مايكل إلى دورة المياه، فيلتقيان في الوسط، وبدلاً أن يبتعد مايكل عن المهاجم، يرمي نفسه باتجاهه لتقليص المسافة بينهما وإعاقته عن اطلاق النار نحوه، وتدور معركة متلاحمة، والرشاش يصلي أطراف المطعم، والزبائن حسب التقليد تحت الطاولات، حتى تصل القوة فتعتقل الشخص الثاني الذي كان ينتظر في السيارة، ولما تدخل الشرطية "مونيكا" يكون مايكل قد كبّل المهاجم، ولكن تعرض إلى كسر اصبعه، فتأخه مونيكا مع بيرغر بسيارتها إلى المستشفى، كل هذا وبيرغر تتساءل حتى وهما في سيارة الشرطية "مونيكا" عما حدث.

في اليوم السابق للمحاكمة تذاع مقابلة مايكل في القناة التلفزيونية، وفي مقدمتها فلم دس المخدرات في شقة مايكل، يكون كلينتون في سريره قد لعن فشل كل المخططات، وتبدأ من هنا حملة الاعتقالات لاثني عشر عضواً من أعضاء القسم، والمتعاونين معهم.

وتبدأ المحاكمة من وصف مكان تواجد مايكل وآرمانسكي في القاعة الخارجية للانتظار، ثم وصف حالة سالاندر، وملابسها وهي تدخل، ووصف القضاة، والمدعي العام الذي يلقي مطولة إدانة فيها أكثر من ستة عشرة جريمة ارتكبتها سالاندر، ويستخدم شهوده، بينما تكتفي جينانيني محامية سالاندر بتعليق قصير، أو سؤال من غير أهمية للشهود، لعلها تدخر طاقتها للشاهد الرئيسي وهو الطبيب النفساني بيتر تيليبوران، طبيب سالاندر منذ كان عمرها اثنتي عشر سنة، وهو القسم الأهم، قبل تقديم شهودها؛

وتطول المحاورة التحقيقية، التي تتضمن استرجاع لتاريخ حياة سالاندر الطبي، والنفسي مع الطبيب بيتر، من يوم تكلف بأن يحكر عليها، بعد محاولتها اغتيال أبيها، وهي في سن الثانية عشرة، وبقيت أكثر من سنة مربوطة على سريرها في المستشفى بحجة أنها خطرة، قد تسبب أذى لحالها، لكن التحقيقات تشير أنها كانت تعاند أخذ الغذاء، وبسؤال القاضي لسالاندر عن سبب امتناعها أخذ الطعام، تشير سالاندر إلى الطبيب تيلبيوران قائلة: لأن هذا الوغد، مشيرة لبيتر كان يمزج المخدر بالطعام، وسألها هل تأكلين الآن بانتظام قالت: نعم، وهكذا وبالتدريج تكشف جيانيني جرائم الطبيب بيتر واحدة تلو الأخرى، ويظل بيتر بعنجهيته يكرر اتهام سالاندر بالازدواج الشخصية، وممارستها الجنس المثنوي، ولها وشم على جسدها، فتدحضها المحامية كلها بالأمثل الدامغة، وبتفاصيل تتعلق بالقانون السويدي، وحقوق الإنسان، حتى يأتي ذكر محاميها بجورمان الذي اغتصبها، فيكرر بيتر أن هذا من تهيؤات سالاندر، فتعرض المحامية الفيلم المقرف، ويستاء القاضي، ويحرج المدعي العام، ويبهت بيتر.

وفي أثناء المحاكمة يدخل ضابط من المباحث يستأذن القاضي في أمر خطير، وهو إلقاء القبض على الطبيب بيتر تيلبيوران بتهم كثيرة، ولما تهدأ الحالة تستمر المحامية في الدفاع، وتجلب شهودها، ومنهم هولغر بالمغرين محامي سلاندر الخاص الذي تبناها، وهو الآخر يبين أن سالاندر إنسانة سوية، وذات قدرات عقلية عالية؛

أما محاورة مايكل والمحامية حول سالاندر فقد كانت مبتسرة لكنها بجانب الدفاع عن سالاندر، وبراءتها بالتأكيد، ومن بعد تهاوي الطييب النفساني بيتر يتم استعراض كافة الدلائل، فيتراجع المدعي العام، لحسابات في ذاته، ويصطف محايداً، وتطالب المحامية  المحاكمة بإخلال سبيل سالاندر، وتبرئتها من كافة التهم، بما فيها محاولة قتل أبيها التي كانت دفاعاً عن النفس، وأن زلاجينو لا يعدو عن كونه مجرم، ومروج للدعارة، والتجارة بالجنس، ويقترح القاضي أن يطلق سراحها بكفالة على أن تعود المحكمة من جديد بعد جمع الأدلة الكافية، فتطلب المحامية أن يبت بالأمر هذا اليوم، لعدم الحاجة لأدلة ما دامت قد كشفت الأكائيب، والجهات التي كانت وراء اتهام سالاندر، وهي نفس الجهة التي كبدتها المكاشكل منذ كان عمرها اثنتي عشر سنة، ولما يسأل القاضي سالاندر عن رأيها، أو إطاعتها لمراجعة المباحث بين فترة، وأخرى تقول سالاندر: إما السجن، أو اطلاق سراحها بلا شروط، لأنها لن تبقى دقيقة في السويد بعد ذلك، ويتوصل القاضي والمحامية إلى حل، أن تعطي سالاندر معلوماتها للمباحث اليوم، وفي مقابلة خاصة من غير شروط، وبعدها يطلق سراحها، وما أن ينتهي كل شيء، وتخرج سالاندر، وكأن شيئاً لم يكن، تكون المحامية قد أوصلتها، ولا تدري إلى أين، ولكن سالاندر في النهاية تعلمها بالعنوان، ولا تريدها أن ترافقها، وبعد أن تقضي الليلة براحة، تسافر سالاندر باسمها الحقيقية، وتصل إلى جبل طارق، ولا تدري لما قادتها قدماها إلى هناك، ومن غرفتها في الفندق تقرر التجول في المحمية***، ومن ضجرها تتعلق سالاندر بسائح، رجل أعمال ألماني لتقضي معه ليالي جنسية ليس إلا لأنها بحاجة للجنس بحد ذاته، ولا تتورع من مفاتحته مباشرة في المصعد، وتخيره بلقائها، فينصاع لها رغم توبيخ ضميره له في كل مرة حتى تمل.

ويعبر بنا المؤلف في سطور متقاربة ليرينا أن سالاندر قد غادرت جبل طارق، وعادت إليها من جديد في غضون أيام وفي هذه المرة،  وبعد تفاصيل بيئية عن المحمية، فإنه ومن مفاجئات المؤلف هذه المرة هي أنه عندما يطلعنا على لقاء سالاندر بماكميلان الذي أوكلته بإدارة أعمال أموالها، عن طريق النيت، وهي الآن تجلس في مقره، أو بيته وترعبه بالمعلومات التي تعرفها عنه، وتقايضه بعد كشف سجله الملّوث، وتقترح أن يكون شريكها بنسبة معينة تدهشه، هي لا تريد غير عملاء ينصاعون لأوامرها كالعبيد، ولا تختلف في معاملتها لماكميلان في إدارة أعمالها عن طريقة والدها زلاجينو؛

ولكن هاجساً قوياً يؤذيها لأنها جلبت أذى لماريام وو، التي غادرت إلى باريس، فينصحها ماكميلان بالذهاب إليها، فتطير لتنزل في مطار شارل ديغول، وبعد أن تجد لها غرفة مناسبة في فندق تسعى للقاء وو، تكون هناك لحظات دراماتيكية لا تنتهي بليلة جنسية، وإنما بوداع عادي.

وفي عودة سالاندر إلى السويد تجد أن محاميتها جادة في مقابلتها فيلتقيان هي وجيانيني، وبعد محاججة، وتأنيب من جيانيني، لأن سالاندر لم تلتزم بالرد على مهاتفاتها، ولا التواجد، وبعد أن تخبر محاميتها بأنها لم تكن في السويد لرحلتين، تخبرها جيانيني بأن عليها أن توقع أوراق للسلطة الخاصة تسمح بتقسيم  ثروة والدها زلاجنيكو، بينها وبين أختها الغائبة، ولا أحد يعرف عنها شيء، فترفض سالاندر أن تستجيب لأنها لا تريد من ثروة والدها شيء****

المهم أن سالاندر لا يهمها ما تأخذه أختها، ولكنها ترفض أخذ أي مال، وتخول المحامية جيانيني بالتصرف بها بمعرفة بناء على مقترح جيانيني بأن توقع على أن تحول حصتها من ثروة والدها إلى جمعيات خيرية، وينتهي الأمر إلى هذا الحد، ولكن سالاندر في مراجعتها لملفات ثروة والدها التي تركتها المحامية لها، يثير انتباهها المعمل، "ولربما يكون هو نفسه الذي اصطادوا فيه ماريام وو"، ولكن ما يجذب سالاندر كون هذه المنشأة كانت مسجلة باسم أمها، ولا تدري ما الذي كان يُنتج المصنع، لهذا تنوي القيام بزيارة للموقع بفضولها*****.

وهناك في المصنع يلتقي الأخوين، بعد مغامرة بحث من سلاندر في المبنى، ابتداءً من طريقة دخولها الأبواب الموصدة، والمحكمة الاقفال، ومروراً باكتشافاتها للأهوال الموجودة فيه، ومنها جثتي امرأتين في بركة ماء، وبهدوء متوجس، تجوس سلاندر المكان، وتختبر الغرفة تلو الأخرى، حتى تدخل غرفة تكتشف أنها مسكونة، وعندما تبادر بالخروج يأتيها صوت نيدرمان شقيقها، فتتهيأ لما ستقابله بكل رباطة جأش، وتدور معركة غير متكافئة، وبمناورات أفلام جميس بوند تنتصر سالاندر، وتسمر قدما نيدرمان، بآلة التسمير الأتوماتيكية، وعندما تتمكن من شل حركته، وهو مسمر إلى الأرض، تكون على حافة قتله، بنفس آلة التسمير، لكن استرجاعاً أخلاقياً، وحسابات بين الربح والخسارة تجعلها تتراجع، وتترك الأمر وراء ظهرها، وعندما تخرج تهاتف أحد من عانت منهم من البوليس لتوقعه في شرك تنصبه له، مع جهاز الشرطة العامة، فهي في محاولتها الأولى تريد تلك الجهة أن تصطاد نيدرمان، وفي عين الوقت تخبر الشرطة بأن هؤلاء قد دخلوا في معركة مع نيدرمان لكي تقبض  الشرطة على الطرفين معاُ.

وتعود سلاندر نظيفة اليدين والبال، وتلتقي في النهاية بمايكل ويكملان علاقتهما التي انقطعت، وبهذا تنتهي الثلاثية إلى هذا الحد.

ماذا يحدث في الروايات الثلاث

وها قد وصلنا ما بعد الانتهاء من الثلاثية، فماذا علينا أن نقول؟

في البداية:

إن القارئ للروايات الثلاث، وبعد الانتهاء منها، وإبعاده للكثير من التكرار والإعادات، والاستذكارات، سواء من خلال الشخصيات، أو الراوي المؤلف، فإنه يبقى وكأنه قد قرأ الرواية الثلاثية في جزء واحد، بذلك الطول، والعرض، وبين ثنايا ألفي صفحة من الحشو والتكرار، وما عليه إلا أن يتابع السياق الرئيسي للأحداث، بعد تشذيب الحواشي، والخلفيات، وتفاصيل أرادها المؤلف لأمر لا يخدم جنس الرواية الأدبي، في إطاريه العام والخاص، فالقارئ لا يهمه لو كان لون جاكيتة مايكل، أو هنري، أو حذائيهما بلون ما، وفي كل مرة، ولا تسترعيه الأهمية لشرح خطوات استيقاظ أحدهما، وفرش أسنانه، وإنما يعتني بتطريزات الكلمات، وتلوينات اللغة، وتشخيص الخلفية النفسية، والمكبوتات من جهة، والاعتناء بردود الأفعال الدافعة لموقف ما، ليس أكثر من كلمات تصف حركة الشفتين للمرة الألف، ولكل الشخصيات بنفس الوصف، أما الحوار الداخلي للشخصيات، فنقرأه ببنط مختلف في السطور ما بين حوار وآخر.

إن سياق الأسلوب المباشر في حشر معلومات سردية لم تتناسق والحدث من جهة، ولا تفكير الشخصية التي تتحرك ، ونتداعى معها، فنرى إلى أن اعتناء المؤلف، وانشغالاته بتعريف القارئ بقدراته المعرفية العلمية، والإلكترونية، وكيفية  تعامل صيادو الفرص، وناهبوا المعاني، والكلمات في عالم السايبر هو من الأمور الطاغية في الروايات الثلاث من جهة، وكيفية التراسل، والتخاطب عبر وسائل نيتية متعددة، وبالتالي استخدام النصوص القصيرة في المهاتفات المكتوبة على أجهزة الهواتف النقالة، هي أمور معلوماتية لا تضيف للرواية خلفية، ولا حتى لماض المؤلف وخلفيته، لأنها تجيء بشكل مقحم على النص في أغلب الأحوال.

أما اهتمام المؤلف الرئيس فينصب على عقد المقارنة بين عمل الصحفي النابه، والممارس، وهدفه الإنساني. وعمل الشرطة الروتيني غير المسؤول، وهذا ما يتكرر في كل لقاء، وحادثة، وشاهد عملي يثبته المؤلف من خلال مماحكة مايكل لمن يتصدى له من الشرطة، حتى تقتنع الإدارات العليا، أن يتعاون معها، وتمده بالمعلومات مثلما يمدها، وعلى القدر المسموح من الجانبين، ولربما يكون أكبر نصر لمايكل، يوم يدعى للقاء سري مع وزير العدل ورئيس الوزراء.

 

الرواية والمهارة:

وفي حرفية العمل الأدبي لجنس الكتب الثلاثة المنسوبة للرواية نرى أن المؤلف يمزج في أسلوبه بين التقرير الصحفي، والمقال المطول، وبين كتابة سيناريو للسينما، وقليل من فن الرواية، التي لا تخلو من التقرير، لا الوصفية.

خاصة وأن كثير من التفاصيل لا تعني القارئ، وبعضها يفيد مخرج لكي يطبقها في تنفيذ البيئة حول الأبطال، أو في اختيار شخصياته، لما من تركيز على صفات الشخصيات، أما السلوك العام لبعضها الأغلب أثناء المواقف المتأزمة، أو المواقف العامة، فمتشابهة، فأغلبهم يعضون على شفاههم، وغالبهم يرفع حاجبه، أو يحك نظاراته، أو ما شابه كأن يبتلع حنجرته،

ونرى أيضاً أن التقريرية في الرواية مملة، لتكرارها ليس في الأجزاء الثلاثة فحسب، بل في كل جزء، وكأن المؤلف يكتب ملحمة قديمة بشكل سيء، أو أنه كتب الرواية، وفصولها على دفعات متباعدة زمنياً، ولم يراجعها عندما ربطها ببعضها، ولربما طول رواية بألفي صفحة هو السبب في عدم تشذيب التكرار، والمراوحة، ربما لتصور المؤلف أن القارئ سوف ينسى صفات معينة لشخصية، أو حادثة ما حصلت قبل فصل، أو أن السبب يكمن في المؤلف الذي ينسى ما كتبه، ويعتقد أن الإعادة قد تفيد في تذكيره، وتذكير القارئ بحادثة بكل تفاصيلها، أو قراءة تقرير لم يمض على سرده غير فصل أو اثنين.

ربما كان من الأجدى للمؤلف ألا يثلث الرواية، بل يقدمها كروايات ثلاث مستقلة بقليل من الانتباه، ولا يعوزها غير استبدال أسماء الشخصيات المحورية، لتكون كل رواية مستقلة لحالها، لأن كل رواية لها أحداث جديدة تتكشف بمعزل عن الماضي الذي يجهد المؤلف نفسه لابتكار خلفية تاريخية لها، من خلال إعادة تاريخ حياة سالاندر من جهة، ووالدها، وشخصيات جديدة أخرى، مما خلق كثير من التكرار أخل بالعمل الروائي، خصوصاً، وإن التكرار لا يأتي برواية شخصية ما، وإنما من الزاوية التي يطل منها المؤلف الراوي في كثير من الأحيان، ربما يعود ذلك لخشية المؤلف من تكرار نمطية الشخصيات في الروايات الثلاثة، وعليه أن يبحث عن أخرى غيرها رغم الأحداث الجديدة، والفريدة، والغامضة؛

باعتقادنا أن تعلق المؤلف  بالشخصيات السابقة سهلت عليه مهمة المغامرة في إيجاد "البديل" أي البحث عن شخصيات محورية بعيدة عن العمل الصحفي، والشرطة، والاجرام، هذا الثلاثي الذي تركبت عليه الروايات الثلاث: ضحية، وجلاد، ومحقق: شرطي + باحث عن الحقيقة "صحفي"؛

كما أن المؤلف يكتب الرواية بنفس من يكتب تقرير صحفي، وفي الوصف كأنه يكتب سيناريو فيلم، وكأنها هوامش سيناريو سينمائي جانبية، وفي الشرح والتعليق لا يقدمها كراوي، وإنما كتعليق خبري، مما يفقد الرواية نكهنتها: أولاً لتيه المؤلف بين أكثرمن أسلوب، ومهما كان فإن لكل جنس أدبي وفني وسائله، وأدواته التعبيرية لكي يتميز عن غيره، ولهذا علينا أن نرى إلى الأفلام الثلاثة، لربما نجد المؤلف قد أعان المخرج في شروحه المطولة عن وصف الأمكنة، والمقامات. ومن جهة ثانية فإن المؤلف يعتني بأمور خارجية، مظهرية، بينما الرواية تغور في أعماق الشخصيات، وتسبر أغوار هواجسها لكي تزيد من تعلق القارئ بالمادة، وتتابعه لها.

من غير شك فإن المؤلف صحفي ذو قلم ربما كان موهوباً ككاتب مقالة، ولكنه في كتابة الرواية يعوزه الخيال، ليس كما رأيناه في تسويغ مواقف معينة، هي بالتالي مطروقة لمئات المرات من قبله، ولكن ذلك الخيال الفني المبهر للرواي العميق، والعملاق مثل همنغواي، وتولستوي، وشتاينبيك، ودوستويفسكي، وتورجينيف، وغوركي، ووليم فولكنر، وآرسكين كالدويل، العديد العديد من الروائيين القدامى، والمعاصرين من أمثال فيليب روث، ومارتن لارسون، وتوماس مارتينز، وتطول القائمة لو أردنا؛

ومرة ثانية، ولعلنا لا نضيف شيئاً لما نكرر بأن الروائي يكتب عن التاريخ، ولكنه ليس بمؤرخ، ويكتب عن العلم، والجغرافية، والحيوان، والنبات، والآكيولوجيا، والأنثروبولوجيا، وهو ليس بكل من تلك التخصصات، ومع هذا فقد استعان المؤرخون الروس في تدوين حروب نابليون في روسيا القيصرية من رواية تولستوي الحرب والسلام رغم أن تولستوي نفسه ليس أكثرمن روائي من الدرجة الممتازة، أما هنا فإننا نرى الكاتب يقدم آراءً قاطعة، ويبتكر معاجم لمصطلحات سوغتها له مهنته الصحفية، وكأن لسان حاله يقول أن السلطة الرابعة تتجاوز حدود الممكن ليس في التحريات، فحسب وإنما في شتى المجالات، ولا يمكن حتى للعالم أن يغامر الخوض في الكشف عن بيانات يمكن للصحفي أن يكشفها، وهذه مغالات قد تنطلي على المؤلف، ومن هم من مهنته، ويصدقونها لكن لكل حرفة خصوصياتها الحرفية، ووسائلها التي لا يمكن لهاو، أو مدعي خوض غمارها.

إن المؤلف وغيره من الروائيين المعاصرين قد ركبوا موجة السير وراء النمط السائد من الرواية التي تثير الهواجس بشتى الوسائل، البوليسية، الجنسية بأدون أنواعها، والباراسايكلوجي، ورغم أنه المؤلف إتجه في الرواية الأولى إلى نوع السايكو دراما، لكنه لم يستقر على النمط نفسه، فتاه بين التحقيق الصحفي، وبين الغموض البوليسي المعتاد، والتكرر في روايات، وأفلام الدرجة الخامسة، ولا ندري ما سر تعلق القراء في شمال أمريكا بالرواية الثلاثية، فلربما هذا بالذات ما يثير فضولهم، خصوصاً، وإنه كمؤلف حاول دغدغة مشاعر فئات مختلفة من القراء، وكأن هواجسه الصحفية، وخبرته في معرفة القراء هي التي دلته لأسهل الطرق في الوصول إلى قرائه من هؤلاء الذين يستسيغون الإثارة لا المهارة، ونظراً لظهور شخصيات جديدة نائمة في كل رواية جديدة مثل سلاجينكو والد سالاندر، كان الأفضل للمؤلف أن يختصر، ويجمع الأحداث في رواية واحدة.

أما من حيث الشكل والتسلسل في تتابع الروايات الثلاث، فلم يختر المؤلف التسلسل التقليدي في تشكيل الفقرات كفصول، ما عدا تقسيمها إلى أجزاء، وعمد إلى اتباع التواريخ، والأيام، في مطلع كل فصل إذا جاز لنا تسميته بالفصل، وكأن المؤلف أراد للرواية أن تكون مفكرة، أو مذكرة يومية له في الغالب، أو لمايكل الصحفي المخضرم.

 

تقارير صحفية في صيغة رواية:

*لماذا اختار المؤلف شخصية مهندس كردي اسمه إدريس، هل لكي يأتي على سيرة حياته عفوياً، ولماذا مادام دوره في الرواية هامشياً، وليس محورياً" فيشير المؤلف بأن إدريس هذا مهندس كردي من الموصل سجنه البعث في العراق، وعذبه بتهمة ملفقة، ولما خرج بعد أشهر كان شبه ميت، ومعاق جسدياً، ولما قرب تعافيه، أحس عمه الذي آواه في مزرعة بعيدة، بأن المباحث البعثية تبحث عنه من جديد فهربه إلى تركيا، ومنها وجد طريقه إلى السويد، ولم يعمل كمهندس ماهر في عمله، وإنما حصل على عمل كماسح أرض، ومنظفها، ربما لكي يبين قسوة الأنظمة الدكتاتورية على شعوبها، ولكن في توظيف محشور، وكثير من هذا السياق يأتي في ثلاثية ستنج، وفي سياق أمور أخرى متعددة الجوانب.

** ما علاقة تهديد بيرغر، وابتزازها بقضية سالاندر، فلو كان التهديد قد جاء من القسم في سابو، أو ممن يتابعون التحقيق لكان مقنعاً أكثر، كما سنرى لاحقاً، وهكذا فهي قصة محشورة كقصة إدريس المهندس الكردي، ولربما تكون قصة بيرغر هي الأخرى لتبين قابليات سالاندر من جديد على الغور في أعماق النيت، ومقدرتها على حل أمور كثيرة مهما كان وضعها، وإينما كانت من جهة، وقدرة المباحث الخاصة العمل على نطاق تخصصي أكثر من المباحث الحكومية من جهة أخرى.

 *** كيف يحمّل المؤلف النص الروائي ليدلي بمعلومات لا هي بسياسية علمية، ولا هي بفلسفة، فهو يتكلم عن المحمية البريطانية، وكأنها أرض ميعاد للإنجليز، في حين أنها أرض إسبانية، وكانت من ضمن الأندلس، ربما لا يعرف من لفظها أنها على اسم طارق بن زياد، ويعتب على إسبانية لمطالبتها بالأرض، وكأنها هي المحتلة، وليس بريطانية، ومن جهله يروي حجة مقابلة، أن إسبانيا نفسها تحتل أراضي مغربية، مائة علامة استفهام على معلومات المؤلف.

**** ما هو المعيار الأخلاقي الذي يرسمه المؤلف في موازنة متى تكون الثروة حرام،  ولربما كانت سالاندر تعتقد بأن المعمل لوالدتها لأنه مرخص باسمها، لكنها تبيح لنفسها السطو على أموال غيرها، وغسيلها، وابتزاز غيرها، فهل يبرر المؤلف بذلك مقاومة الشر بالشر، وبما أن المؤلف في كل مقدمة من جزء من الروايات الثلاث يورد قضايا ضحاياها نساء، ومنها أمها التي هي عاهر بالأصل، فمن هي سالاندر إذن، وبما أنها ضحية، فهل عليها أن تمارس دور الجلاد كغيرها.

***** أهو فضول الكاتب المؤلف، ومغامراته الروائية أن تسحب سالاندر قدميها، أو هي تسحبها لتزور المبنى المفترض أنه كان معمل، لماذا .. فقط لكي يكون فيه منشار دوار، وآلة مسامير تكسب كهربائياً،، لكي تكون مكاناً للخاتمة بين سالاندر ونيدرمان، لا بيد الشرطة، أو أية قوة أمنية، فقط بعضلات، وحنكة سالاندر البطلة الأسطورية على النمط الهوليودي

 

الخاتمة

القيم الأخلاقية في مجتمعات متغيرة:

تختلف الموازين الأخلاقية بين المجتمعات، وبخاصة تلك المحافظة، أو ذات التاريخ الإنساني المبني على القيم الأخلاقية التقليدية، ومنها المجتمعات العربية والمشرقية، وبين موازين المنظار الأوروبي خصوصاً بما يتعلق بالعلاقات الجنسية، لعل بعضها ليس مستساغاً حتى بالنسبة لفئة من شرائح المجتمعات الغربية لكي لا نعمم أحكامنا، لكن السائد، وربما الأكيد أن ما تبيحه حقوق الإنسان حتى للمتزوجين، هو أن يعبر أحدهما عن مشاعره، ولا يكبت غرائزه. وتحت هذه المظلة من التشريعات التي لا يمكن الدخول في تفاصيلها: فإن القانون يبيح بذلك ازدواجية العلاقة من الطرفين، ويكون لكل من الزوجين علاقاته، وعشاقه، لمرة وأكثر، وعلى الطرف الثاني أن يتقبلها مثل علاقة بيرغر وزوجها، أو الانتهاء بالطلاق مثل علاقة مايكل بزوجته المطلقة والتي له ابنة منها. ولكل فرد حق الممارسة الجنسية على أي صعيد كعلاقة سالاندر بكل من مايكل من جهة، ورجل الأعمال الألماني التي التقته بالمصعد صدفة على صعيد، وبينها وبين وماريام وو على صعيد آخر، ورغم أن المؤلف حرص في غالب الأحيان الابتعاد عن الإثارة الرخيصة، إلا في منظري سادية والد هنرييت، وأخيها مارتن في الرواية الأولى، لكن ما يسرده المؤلف، ويشكله كعلاقات عاطفية وجنسية قائمة بين أغلب الشخصيات يعتبر أكثر من عادي.

أما على الصعيد الاجتماعي فإن علاقة نيدرمان بأبيه، وعقلية كلاهما، واستغلال أحدهما للآخر. هي علاقة مصلحية قبل أن تكون علاقة أبوة، فلا يذكر المؤلف أي شيء عن طفولة نيدرمان، ولا عن أمه، وأصلها. ليس أكثر من أنه كان من الملاكمين، وهو يتعامل من أبيه كالعبد، والسيد، وعندما أيقن في النهاية أن الرجل انتهى، فكر في الهرب، بل وفي حيازة أموال والده  المنتهي، والاستيلاء عليها من غير أية عاطفة، ربما يمكن ربط حالته هذه بحالة مارتن أخو هنرييت في الرواية الأولى الذي شاهد أباه يقتل بيد ابنة الأول، وأخت الأخير، ولم يحرك مارتن ساكناً، ولم يرف له جفن، هكذا بكل برود، هل لأن المؤلف يريد أن يكشف هذه الشريحة، أم أنه كمؤلف ملتزم لو جاز التعبير، بعكس طبيعة شريحة من الشعب السويدي، ولربما غالبها في برودة أعصابها، كالطقس الذي يعيشوه، ولربما يعبر عن الأمور السائدة في المحتمعات الغربية التي فقدت الروابط الأسرية، بانحلال العائلة وتشرذم أفرادها، وباتت البنت التي تولد في حضن زوج أمها، وتأخذ كنيته، ولا تعرف أبيها الحقيقي، تعتبر كل الآباء مثل زوج أمها خصوصاً إذا ما تعرضت لتحرش منه.

وعلى الرغم من كل ما نقرأ ونلمسه من تبريرات للعلاقات فإن المؤلف يقف بحزم ضد الاغتصاب مهما كان نوعها، ودرجتها، لهذا يورد في مطلع الأقسام في الروايات الثلاث  ديباجات لما تتعرض له المرأة السويدية من حالات اغتصاب، والتذكير بانتهاكات النساء والاعتداء عليهن جنسياً، تأتي كلها كمقدمات وتقارير بيانية خارج سياق الروايات، وعلى صعيد آخر يورد بعض أمثلة عن نساء عظيمات في التاريخ، ومنها أسطورة الأمزونيات "عاب المعلومة شيء من الدقة التاريخية". لكنها تبدو أقل حجمها من سوء فهم التاريخي لشخصية سميراميس التي عرفها بأنها ملكة آشورية، والثابت تأريخياً أنها ملكة كلدانية حكمت بابل بعد موت زوجها العجوز نينوس الذي قتل زوجها القائد، وما حول سميراميس من أساطير حتى في ولادتها نشأتها، وعشقها للشمالي الأمير أوميد. ما كان للمؤلف أن يورط نفسه بها خصوصاً، إنها لتمت للرواية بصلة إلا من حيث الترويس، ودعم فكرة الدفاع عن المرأة..

 

مقارنة، ومقاربة:

ويبقى في الختام أن نشير إلى المقارنات الضمنية بين شخصيات خيرة، وأخرى شريرة:

فقد وضع المؤلف شخصية هولغر بالمغرين محامي سالاندر الذي حماها ودافع عنها، مقابل عكسه بجورمان المحامي الذي اغتصبها كمعادل له أو بشكل يشير من بعيد إلى عدم خلو المجتمع من الطيبين. وكذلك الحال بين جاناسون الطبيب المشرف على سالاندر في مستشفى غوتنبرغ، وعكسه بيتر تيليبوران الطبيب النفساني الذي استمر تكبيله لسالاندر منذ كانت في الثانية عشر من عمرها. وربما نجد مقاربة وحيدة في الروايات الثلاث، وهي المقاربة الشخصية بين هنرييت فانغر بشخصية لزبيث سالاندر، قد تكون هنرييت تسويغ تقديمي في الرواية الأولى، لما سنراه في الروايتين التالتين، ففي الوقت الذي مهد المؤلف في الرواية الأولى لتشكيل شخصية سالاندر في ذاكرة القارئ كإنسان سوية، وخارقة الذكاء، كان قد أورد لنا مثالاً لما عانته هنرييت، وما يمكن أن يجري لغيرها، ومنهن البطلة لزبيث سالاندر.

 

......................

   (*)Stieg Larsson Author of Trilogical Novel:

1 - The Girl with the Dragon Tatto.

2 - The girl who played with the fire.

3 - The Girl who kiked the the Hornet's nest

Reviewed and evaluated by: Dr. Farouk Ohan.

(*) ستيغ لاريسون: مؤلف الرواية الثلاثية: الفتاة ذات وشم التنين، الفتاة التي تلعب بالنار، الفتاة التي تنبش كور

الزنبور- عرض وتقييم د. فاروق أوهان.

شاهد فيديو الفتاة: http://www.youtube.com/watch?v=g_SL7p8RcqY

موقع بستان المواهب على:  https://sites.google.com/site/faroukohan/

وبالإنجليزية: https://sites.google.com/site/sinjarandapple/

أو موقع فاروق أوهان الفرعي على موقع الفنون الجميلة:

http://www.alfnonaljamela.com/art/artical.php?art=146

والتويتر على: https://twitter.com/#!/Enlil1st

والبريد الإلكتروني عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تلخيص وتحقيق:

يطالعنا مؤلف رواية الفتاة الثلاثية، السويدي ستيج لارسون منذ البداية، بمفهومه حول تفوق الصحفي النابه على الشرطة والبوليس السري الذي يكون آخر من يعلم، تماماً مثلما نراها في الأفلام السينمائية، ولكن المؤلف يوغل في أمور جانبية كثيرة، بعضها تنسجم مع الرواية كجنس، والآخر يتوافق مع مهنة الصحفي التي جاء هو كمؤلف منها ليجرب التأليف الروائي، فيمتزج أسلوبه بين الحكاية المروية بشخوصها، وأحداثها، وبين التماهي في مهارة المهنة التي عاشها، لهذا كثرت التخريجات لمعلومات جانبية، تاريخية، أو علمية، أو حدثية، وكأن المؤلف يريد أن يخبرنا بنبأ صحفي، ناسياً أنه يكتب رواية، وأن المؤلف يتوارى وراء شخصياته، حتى تلك التي تمثله بشكل من الاشكال، ولهذا وجدنا الصحفي المخضرم مايكل، وصاحب مؤسسة مسلسنسوم الصحفية الشهيرة: هو الشخصية المحورية في الروايات الثلاث، إلى جانبه شخصية ليزبث سالاندر الماهرة بسبر أغوار السابير، واستخراج المعلومات، هي لون من ِأنواع الصحفيين القادمين من وراء خطوط النيت، وعوالمها، ولا بد من شخصيات ثانوية ينتهي دورها في الرواية الأولى، أو الثانية، وبعضها يبقى حتى الأخير، ولكن في الظل؛؛؛

ولأننا استعرضنا الروايات الثلاث في دراستنا المنشورة في مواقع عديدة على النيت، مثل موقع القصة العراقية. وموقع وجهات، وغيرها لن نتطرق إلى الأحداث المطولة، والمعاد بعضها لأكثر من مرة، فعلى الرغم من أن عنوان الرواية الأولى هو: الفتاة ذات وشم التنين، وهو المقصود بشخصية سالاندر؛ لم يكن دورها فيها أكثر من شخصية ثانوية تقوم بمساعدة مايكل بلومكفيست في التقصي عن قضية هنرييت "البطلة المحورية: الغائبة \ الحاضرة حتى الربع الأخير من الرواية" التي اختفت قبل ثلاثة عقود، وعجزت كل دوائر الشرطة، ومباحثها أن تصل إلى نتيجة، ويكون مايكل وسالاندر هما اللذين يصلان بالجد الذي يبحث عنها إليها، بعد مناورات، وحالات من السايكودراما التي يصح أن نطلقه على نمط الرواية الأولى في الثلاثية، فإن سالاندر تكون محور أساسي في الروايتين التاليتين: الفتاة التي تلعب بالنار، والفتاة التي تنبش كور الزنبور.

وتدور محاور الروايتين التاليتين: حول مسألة هامة تتعلق بدفاع أجهزة الأمن السري عن الشخصيات السياسية، أو بالأحرى العملاء المزدوجين، وتغطي أفعالهم، ولربما يذهب مقابلهم ضحايا أبرياء، حتى ولو انتهى دور العميل المزدوج نهائياً؛؛ يحدث هذا فيما  لو عرف هذا الأخير كيفية تهديد السلطة بفضح أسرارها،؛؛ وبالمصادفة يكون العميل المزدوج سلاجينو هو والد سالاندر، وهي إحدى ضحاياه مع أمها؛؛؛ مع العديد من النساء الواتي يتاجر بهن في سوق النخاسة.

لهذا تعاد الكثير من الخلفيات عن سلاندر في الروايتين الثانية والثالثة، وبخاصة لما تحاول هي عن طريق السابير أن تكتشف رمز اسمه زال، ولما تعثر على عنوانه تذهب لاغتياله في محاولتها الثانية بعد أن كانت قد رمته بمولتوف حارق لما اعتدى على أمها حينما كانت سالاندر في السابعة عشر من عمرها، وفي مناورات ميلودرامية، وفعاليات لأفلام بوليسية من الدرجة الثالثة، ينتهي الاثنان إلى المستشفى لاصابة كلاهما في نهاية الرواية الثانية، وبالطبع يكون مايكل قد تابع الأحداث في غياب دور الشرطة؛؛؛ وقام ببطولات يعجز عنها رجال البوليس السري، ومنهم أسر أشرس، وأعتى شخصية، وظفها زلاجينو لحمايته، وهو ابنه الثاني.

وتدور أحداث الرواية الثالثة حول اختفاء سالاندر، وترويج الصحافة الصفراء نقلاً عن معلومات البوليس الشحيحة مرة، والمبالغ فيها لمرات، والمعتمة بقصد، والمموهة بعلم مكاتب سرية في أجهزة المخابرات السويدية، ولا يكون غير مايكل، وصديقه آرمنسكي الذي كان قد استخدم سالاندر من قبل ويعرف قدراتها، هما الاثنان ضد كل الأجهزة الإعلامية والبوليسية السويدية، وفي النهاية تبرأ سالاندر، ولكنها لا تركن، ولا تستقر ما لم تحقق انتقامها من أخيها غير الشقيق رولاند الذي حاول قتلها بأمر من والدها، وتكون سالاندر هي الآن السوبرمان الذي يقضي على عملاق يقاتل عشرة فيصرعهم؛؛؛

هناك الكثير من التهويل، والمبالغة في مجريات الأحداث، بل هناك سادية كثيرة، وماشوستية مبالغة مثل العلاقة الجنسية الشاذة بين اب لابنته وابنه في الرواية الأولى، وهو والد هنرييت، وبين سالاندر ومحاميها الضامن بجورمان الذي يبتزها، ربما يستسيغها الغربي ويعتبرها نموذج يفتخر به، ولكنها غريبة عن مجتمعاتنا؛؛؛ رغم أن المؤلف لم يلجأ إلى الإثارة الجنسية  بتفصيلاتها، حتى أثناء وصف محاولة مارتن أخو هنرييت للاستمناء على مايكل وهو يحاول شنقه، وقتله، كما فعل مع فتيات تائهاتمن أوروبا الشرقية قبله، في الرواية الأولى، وكررها بشكل أبسط في الروايتين التاليتين.

ويحار القراء من كثرة الاسترجاعات، والتداعيات حول ماضي سالاندر، وكثير من الشخصيات، التي لا يحتاجها القارئ لا لشيء إلا لكي يعود بناء المؤلف لماض تركه معلقاً بين الروايات الثلاث، بل أجلّه لكي يقدمه لنا عند الحاجة لتلك الإعادات كما يتصور، لكنها إعادات مملة، خصوصاً وإنها لم تضف شيئاً لأن القارئ قد مرّ عليها أكثر من مرّة خلال ما يقارب الألفين صفحة، باعتقادنا بأن السبب هو تعلق المؤلف بالشخصية المحورية لازبث سالاندر، مما يضطره في البداية اخفاء أجزاء من سيرتها، ومن جهة ثانية يقدمها مراراً وبتطويلات مملة، والسبب هو استمرار شخصية سالاندر في الثلاثية، فلو قدم المؤلف كل رواية على حدا، لم يكن ليحتاج للتوضيح، والتوشيح، والإعادة في خلفيات، ومسببات تداعيات سالاندر في سلوكها، لم يكن يحتاج غير تبديل الأسماء لكل من سالاندر، ومايكل، وبعض الشخصيات الثانوية، ولكان أعفى القارئ من التداعيات، والإعادات.

وعودة لشخصية سالاندر، البطلة النسوية الأمثل لدى لارسون المؤلف، ويبدو من تعليقاته الجانبية في مقدمات أجزاء الروايات التي وزعها على يوميات، وكأنها مذكرات يومية لصحفي، تعليقات تتعلق باضطهاد المرأة، واستغلالها في الاغتصابات، وأسواق النخاسة، لكنه في عين الوقت يبرر للبطلة سلاندر بعض الكثير من الأفعال الشريرة، وكما يحدث في السينما الهندية، أو العربية مقابلة الشر بالشر، ومنها احتيالها عن طريق السابير لسحب أموال وينيرستورم الشركة أقامت الدعوة على مايكل، وتصفيتها، بل وتحويلها لحسابات صغيرة وزعتها في دول وسيطة، واصرارها على قتل أبيها في المرة الثانية رغم تبريرات، أو تسويغات المؤلف لحوافزها، وتبرير أفعالها في التنكر بشخصيات نسائية لتزوير حسابات مصرفية، ؛؛؛ وغيرها مما لا يعطي مثالاً إيجابياً لبطلة هي ضحية.

ولقد تصادف أن رأيت كليب للفيلم الخاص بالرواية الأولى ومن عدة لقطات تصور مدى سوء التفسير للإخراج السينمائي المتعجل، والهابط، سواء في اختيار الشخصيات، أو في نوع العنف، وعموماً لن يخسر القارئ العربي لو لم تترجم له الرواية، فليست الضجة حولها، أكثر من إعلام مشوه، ولربما ينفس، ويعبر عن مكنون الحضارة الغربية وما وصلت إليه في العلاقات الاجتماعية، من تفكك الأسر، وسيادة العنف، والجري وراء كل ما هو شاذ.

  

Stieg larreson trilogy novels (the girl): evaluated by: Dr. Farouk Ohan

Here is reviewing and evaluating summery about stieg larreson thrilogy novel, entitled: The girl with dragon tattoo, the girl playing with fire, the girl who kicked the hornet’s nest

Since the three novels too longe, between six to eight hundreds pages, acoouted for 19 hundred pages, there for I don’t go through events, and since this only to those already red the novles themselies, just to put analaysing points and entries inclusive with each, concerning the art of novel writing:

1 – Writing novel has certain elements, had deferent way to go with other literature stlye such as short stories, film scripts, articals as well. In addition to that we have say that novel authors are involved with various issues when writing novel, as if they build ay issuws such history for instants, but he is not a historian, or about crimes but his not an inverster or exuter, and so on, Therefore the novel should has its identity, not mixing with other style as reportage as we did noticed into what we read in the said trilogy itself.

2 – While Stieg want to approve that intellcual journalst reaching evedences before, and more accurets that intelgent police investigater, as showed in most mystirious films long, long time ago, here in thus novel it become the author own target to run it through the three novels.

3 – One thing more, although Stieg created a famous journalist owned milenoum news association, Micheal as charcter to repersent the journalist for the trilogy, the author himself forgot to keep distances between Micheal and himself, adding in each chapter or his dieries “instead of chapters” his point of view, or opinions as journalist profession, therefore the readers mixed and feel that they reads either reportage or novel.

4 - Those three enlaged for huge mumber of pages coused by repeating Salander background, the other mian character, in the second and third novel, instead it was so easy and convenient for reader with less pages, if Stieg changed the mian two charaters Micheal, Salander names, other surrounding charaters as well, avoiding runing hundred pages of repeating event, and evidedents already the readers red them bfore again and again.

5 – Salander was behind it the first novel, showen just as an assistant to  Micheal in his investigation, and net hucker, by get information about mystery of Henreat dimising for three decads. Salander became the mian two charater in the following two novels, while most of the first novel charaters dismissed, as if we are going to read new novel, if there were no repeating, and recalling Salander background, for her suffering of saint stephine hostel, and ubusing of her difinder lawer then,

On the other hand, and supposted that as Salander was one of the victims, of the high Sweden scurtity police chamber with her mother, according that her father was double agent spying to Sweden against USR, he still black maling the Swedish police and covernment threatening them to revail his relation to them, they obeyed to all his command, and cover his illegal trading of white flesh, in other words trding with east Europe prostituts to Sweden,

6 - According to this background Saland should be an ideal charater with clear history, but we read instead that she starting from buring her father saljino with molotove, when she was sixeen more or less, reaching the attempt of killing him, more over she hackered wienerstorm company which sewed Micheal at the evening of the trial, spread the mony with various accounts all over Europe banks from Switzerland, to Jabletar, get fage ids of two falus ladies, and so on, the auther act as the Indian film solving the evil action with other evil one. Just wondering?

7 - While the author in the preface, and each chapter interducing saying as journalist there were certain females ubusing, in the mean time most of the married couple characters have mysterious lover with agreement of her or his partners.

 Alas the author passed away before hearing or reading critics opinions, instead I saw few clips of the first novel got bad expression for chosing the main characters, and the rush of achieving the film,,, certainly audiences will be disappointed in particular those who red the trilogy.

Finally I have to say that most of the people seeing me holding the books exited, but when talking about details the share in common obviously a lot of above poits, others they are adimering salnders talnts, and her idependance to face all what one against her in very braving,

Most adavtage for reader author revailed mascka of Swedish intelgent services, which which indeed runing through worldwide akins, also integret as a female defender in certain way or another regatdless on which version or still he inserted in hie so called trilogy novels….

Farouk Ohan, Ph.D. Socoilogy of literature and drama.

 

 

عرض وتقييم: د. فاروق أوهان

 

الشاعرة العراقية المغتربة د. هناء القاضي نصف هذا العام ..

ahmad fadelشعر: تكللت حروفه بالدمع والجراح .. قراءة لقصيدة "مربعانية قيظ" .. الشعر حينما تدمعه الذكريات

"مربعانية قيظ" من أعمال الشاعرة القاضي وهي الأحدث بين قصائدها جاءت في الشهر الأخير من النصف الأول من هذا العام، تبخترت كلماتها كأنها نجمة ما قبل الفجر، حاولت التشبث بآخر خيوطه استحياءا لأن النور قد يفشي سرها، وهذا ما لايريده الكبرياء وعزة النفوس .

نقرأ فيها:

يصدف أن الربيع هنا

لايأتي في آوانه

والصيف يغفو منتظرا

لحين قدوم ريح شمال

مشوبة بالسموم

لحين تختال الشمس في مدارها

فيعلن الغياب مربعانية القيظ

هذه القصيدة وضعتها الشاعرة بصيغة اخراجية سينمائية رائعة، حيث رحت أتخيل كلماتها وهن يتراقصن فوق الشاشة الكبيرة يتجسدن ربيعا وصيف، وريح مشوبة بالسموم، وشمس وقيظ، لكن "مربعانيتها " لفتت نظري كلغة ليس من السهل استعمالها، فهي تندرج تحت مسمى اللهجة الدارجة مع قابلية استعمالها كلغة عربية تتداولها النصوص في أكثر من بلد عربي، وهي في عرف اللغويين الحر اللاهب كبداية لدخول موسم الصيف وفي نهايته تسمى جمرة القيظ، وخلال ذلك الموسم يزداد تعامد أشعة الشمس وميلانها عن خط الإستواء فتطيل فترة وجودها في السماء لتزداد حرارتها، والتسمية التي أطلقتها الشاعرة زادت من حرارة أبياتها كلما زاد توغلنا في القصيدة:

كيف لهذا الجرح ان يستريح؟

وشجيرات البلوط في خاطري

لاتكف عن الحفيف

وصدى

كركرات الطفولة يشعل

وحشة الحجرة

وغرّة

زينت وجهك النحيف

الصورة الشعرية حضرت وبقوة لتشكل المعنى البانورامي لهذه الأبيات، جرح نازف لايريد أن يندمل، وشجر البلوط يمتد في الذاكرة لاتكف أوراقه عن الصراخ، وصدى ضحكات الطفولة أزاحت وحشة المكان، كلها تجمعت لتضيئ ذلك الوجه النحيف بذكرياتها .

القاضي استنفرت في هذه الصورة الشعرية حالات من الجمال التعبيري وتشبيهات أخذتنا إلى عوالم عاشتها هي جزء من مكوناتها النفسية والإجتماعية والزمكانية، وحول أهمية الصورة الشعرية في القصيدة الحديثة يقول الدكتور الناقد السوري غسان غنيم عنها :

- إن الصورة مفردة قد تحمل أكثر من دلالة بحسب الحقل الذي تتناوله، فهي في حقل علم النفس تدل على إعادة إنتاج عقلية أو استعادة لذكريات مدركة أو تتعلق بالوجدان، أو هي مجموعة مشاهد بصرية يمكن للمرء استعادتها بدرجات متفاوتة وهي استعادة ترتبط بنوع من الأحاسيس، أما الدلالة الأكثر شيوعا فهي تلك التي تتعلق بالحقل الأدبي من زاوية التعبير المجازي لتنقسم إلى عدة أشكال منها  البلاغية المتمثلة بالبيان أو البديع، أو أشكال المجاز اللغوي أو العقلي.

هي رأت الجرح لايستريح من النزف طالما بقيت شجيرات البلوط وكركرات الأطفال تدق أبواب الذاكرة في كل مرة، والرؤية هنا شكل من أشكال الإدراك الحسي، وهي واحدة من طرق التفكير لدينا ومن الصعب جدا أن نتخيل تجربة كهذه دون رؤية حقيقية لها، وعودة لقراءة ما تبقى من القصيدة نتلمس في ثناياها رؤى حاضرة بقوة في الذاكرة حيث تقول :

هل نال منك اليأس

أم كنت تملك الخيار

فرحلت من دون ظلي؟

دون ان تطلق سربا من القطا

يعيدني لغابات سرجنار

حيث كنا نملك النهار

أذكرك

كلما سألت عن معنى الشجن

كلما تغنوا بإسم الوطن

هنا تصبح الرؤية وقوفا حقيقيا أمام من نعاتب، من نبثه الوله، اللوعة، ومع أنه كان يملك الخيار في وداعها فلم يكلف نفسه حتى بإطلاق سربا من طائر القطا ليدلها على غابات سرجنار، أشجار الذكريات التي حفرت عليها ذكرياتهما، تقول له أنها تذكره، لاتريد أن تنساه كلما سأل عن معنى الشجن، كلما تغنّى الناس، الماء، الهواء، الطير والحجر بإسم الوطن، الوطن الذي امتزج بكل تلك الذكريات ولايزال ...

لاتزال هناك قراءات أخرى .

 

أحمد فاضل

 

حول مسرحية تشيخوف الكوميدية – (الدب)

مسرحية تشيخوف الكوميدية – (الدب) هي سادس مسرحية لهذا الاديب المسرحي الروسي الشهير حسب التسلسل الزمني لمسرحياته، وقد كتبها في شباط / فبراير عام 1888 ونشرها في جريدة (نوفويه فريميا) (الزمان الجديد) في 30 آب / اوغسطس عام 1888 ولم تظهر باسمه الصريح، بل تم نشرها بتوقيع أ. ب. وهما الحرف الاول من اسمه (انطون)  والحرف الاول من اسم الاب (بافلوفيتش)، رغم ان تشيخوف في تلك الفترة كان اديبا معروفا، وقد ترك الاسماء المستعارة والتي كثيرا ما استخدمها اثناء مسيرة حياته الادبية منذ ان ابتدأ بالنشر عام 1880، وربما يعني هذا ان تشيخوف اراد عدم الاعلان عن تلك المسرحية الكوميدية ذات الفصل الواحد،والتي عاد مرة اخرى لكتابتها بعد مسرحية (ايفانوف) المتعددة الفصول، وهي المسرحية الخامسة حسب التسلسل الزمني لمسرحياته، ومما يؤيد رأينا هذا، ان تشيخوف نفسه كتب بتاريخ 22 شباط / فبراير عام 1888 الى صديقه بولونسكي (اي في نفس الوقت الذي كتب فيه مسرحيته تلك) ما يأتي – (لقد كتبت فودوفيل فرنسي صغير وتافه بعنوان الدب لاني لا اقدر ان اعمل اي شئ، اذ استهلكت كل طاقتي عندما كتبت قصة السهب، بحيث اني لن استطيع – ولفترة طويلة – ان ابدأ بشئ – ما جدٌي...ما العمل اذا كانت (يدي تحكني) وارغب  بكتابة (ترللا)، وانا لا اقدر – مهما حاولت – ان اكون جديٌا، وتختلط عندي دائما وابدا الجدية مع التفاهة. يبدو ان ذلك هو قدري) ( مداخلة – كلمة فودوفيل التي استخدمها تشيخوف اعلاه تعني مسرحية هزلية ذات فصل واحد وهي كلمة فرنسية الاصل وقد دخلت الى اللغة الروسية بهذا المعنى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر)، وفي ايلول/ سبتمبر من نفس العام وافقت رقابة المسرحيات بصعوبة كبيرة على السماح لهذه المسرحية بالعرض، بل كادوا يمنعونها،اذ كتب الرقيب عنها قائلا – (تثير هذه المسرحية انطباعا سيئا، وموضوعها اكثر من غريب، وتسودها الفظاظة، والاجواء فيها غير طيبة..)، وكذلك كان الموقف تجاهها شبه سلبي من قبل الادارة العامة لشؤون المطبوعات، والتي اشارت الى تفاهتها، ولكنهم سمحوا بنشرها لانها لا تتضمن (الاساءة الى احد).

تم العرض الاول لهذه المسرحية في 28 تشرين الاول / اكتوبر عام 1888 في مسرح كورش بموسكو، وقد كتب تشيخوف عن ذلك العرض قائلا – (كانت القهقهة سائدة ومتواصلة اثناء العرض، وقوطعت بعض المشاهد بالتصفيق، وبعد انتهاء العرض صفق الجمهور لها وطلب ظهور الممثلين مع المؤلف وصفقوا لهم ايضا)، اما شقيق تشيخوف، ميخائيل فقد كتب الى شقيقه بعد فترة من الزمن رسالة اخبره فيها ان هذه المسرحية يجري عرضها في المسارح البيتية لبعض الشخصيات الرسمية الروسية مثل وزير المالية ووزير الخارجية، وان افراد المجتمع الراقي هذا من المعجبين بها وانهم يقهقهون وهم يشاهدونها في تلك العروض،  كذلك تحدث شقيق تشيخوف عن عرض هذه المسرحية في مسرح الدراما في موسكو والمسرح الامبراطوري، وكتبت زوجة تشيخوف الممثلة المسرحية اولغا كنيبر مرة، ان الكاتب الروسي الكبير ليف تولستوي قد شاهد هذه المسرحية عام 1900 في جمعية الفن والادب واعجب جدا بها، وانه كان (يقهقه ويضحك اثناء العرض). ومن الوقائع المهمة حول هذه المسرحية انها ترجمت الى 8 لغات اثناء حياة تشيخوف نفسه، وهذه اللغات هي – البلغارية والهنغارية والالمانية والبولونية والرومانية والصربية والجيكية والسلوفاكية. اما بالنسبة للغتنا العربية فقد تم ترجمتها عن لغتين وسيطيتن وهما الانكليزية والفرنسية، وترجمها عن اللغة الروسية فيما بعد المترجم المصري المعروف الدكتور ابو بكر يوسف (الحائز على ميدالية بوشكين لنشر الادب الروسي في العالم العربي) وصدرت ضمن الجزء الرابع من مؤلفات تشيخوف المختارة والتي نشرتها دار النشر السوفيتية المعروفة (التقدم) في بداية ثمانينات القرن الماضي باربعة اجزاء،و التي تعد افضل ترجمات تشيخوف الى العربية، وقد قرأت قبل فترة خبرا جاء في احدى الاصدارات عن ترجمة لعدة مسرحيات لتشيخوف قام بها المترجم العراقي تحسين عبد الجبار اسماعيل وصدرت عن دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة، ومن ضمنها مسرحية (الدب) هذه، ولكني لم اطلع – مع الاسف – على هذه الترجمة.وهكذا تحولت هذه المسرحية الكوميدية التي اطلق عليها تشيخوف نفسه صفة (ترللا) الى مسرحية تطوف العالم بمختلف لغاته، بل من الطريف ان نشير الى انها تحولت الى فيلم سينمائي انتجته ا لسينما السوفيتية عام 1938 وكررته عام 1984 وعام 1988، وتحولت المسرحية كذلك الى اوبرا كتب موسيقاها كبار المؤلفين الموسيقين وانها لازالت تعرض لحد الان، وآخر عرض لها تم بجهود مشتركة من فناني مدينتي بطرسبورغ وكراسنادار.

مضمون هذه المسرحية بسيط جدا رغم انه غير اعتيادي فعلا، فهناك ارملة لا زالت حزينة على وفاة زوجها وتقف في الصالة تناجي صورته، ويتوسل اليها خادمها ان تتفاعل مع الحياة وان تنسى المصاب الاليم هذا، والذي مرٌت عليه فترة طويلة، ولكنها ترفض باصرار، وتؤكد انها ستبقى محافظة على ذكراه الى الابد، وفي هذه الاثناء يأتي جارها في الضيعة المجاورة ويطالب بايفاء دين لزوجها الان لانه بحاجة ماسة للنقود، وتطلب منه الارملة ان يمر بعد ايام عندما يعود الشخص المسؤول عن شؤونها المالية، ويتطور النقاش بينهما ويتشعب، وبعد كلام حاد بينهما يقرران اجراء مبارزة بالمسدسات  لحسم هذا الاختلاف، ويندهش هذا الجار لشجاعة هذه الارملة وتصميمها على المبارزة رغم انها لا تعرف حتى كيفية اطلاق الرصاص من المسدس، ويبدا بالاعجاب بها، بل يقع في حبها، وتنتهي هذه المسرحية بقبلة بين الاثنين وسط دهشة الخدم والفلاحين الذين اسرعوا وهم يحملون كافة ادواتهم المنزلية لحماية سيدتهم الحزينة من هجوم هذا الجار الفظ والشرس.

 

قراءة وتأويل للمجموعة الشعرية قصاصات جنوبي للشاعر محمد صالح عبد الرضا

ryad abdulwahedجماليات هندسة التكرار: تتواشج بنية التكرار في القصيدة الحديثة تواشجا مهما مع بنية الإيقاع الداخلي. والتكرار repetition يرتبط ارتباطا وثيقا بالأسلوب وتحولاته، فهو، أي التكرار، بنية متناظرة بين الحركة والسكون، إذ إنها تعمق مبنى البنى الشعرية القائمة على مشهدية لحظوية مكتنزة بالمحمولات الدلالية التي تخلقها داخل النص الشعري. والمجموعة آنفا تتبنى هذه الثيمة بنحو مكثف وبمقصدية لها مآلاتها ودلالاتها المهمة . تبدأ قراءتنا بالعتبات النصية بدءا بالغلاف الأول المتشح باللون البني الداكن المتدرج لونيا والذي يقع بين الألوان المحايدة مرة وبين الألوان الحارة مرة أخرى . ويرمز البني إلى التجذر، والعزلة المفروضة برانيا . تتوسط الغلاف لوحة تظهر فيها أشجار عارية الأوراق، وترمز الأشجار العارية إلى الصمود والبقاء فهي موحى الحقيقة العارية . تتجه الأغصان من اليسار إلى اليمين، وهذا يعني إنها تذهب في تجاه معين ذي مقصدية فكرية . يظهر خلف الأشجار العارية بيوت بعيدة يغطيها بنحو واضح اللون الأحمر الذي يرمز إلى الحيوية والاندفاع، ويتخلل اللون الأحمر اللون الأصفر الذي يتسم بالدفء والزهو ويذكرنا بأصالة  بالتفاؤل، وأصالة الأشياء لأنه مرتبط بشروق الشمس .ظهر- في وسط الغلاف – اسم المجموعة بخط حاسوبي كبير نسبيا مما يؤكد الاهتمام بالثيمة الرئيسة أكثر من باقي المحمولات، ثم نرى اسم الشاعر بخط اصغر من اسم المجموعة ثم تجنيس الكتاب بخط اصغر .حين نلج المجموعة نكون بمواجهة إهداء  كتبه الشاعرو يكشف عن النية العميقة لمآل القصاصات كمنتج، ولذات الشاعر، ثم نقع على تقديم للمبدع محمد خضير يضع فيه تصوراته عن المجموعة وعن افقها الأبعد، ويعد مثل هكذا تقديم سمة دخول غالية لعوالم المجموعة . هنالك هوامش متعددة عن القصائد فيما يخص المسميات والأمكنة ومكان نشرها ودليل لها (فهرسة) وسيرة شخصية للشاعر .زينت الغلاف الأخير كلمة للشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي تثني على المجموعة وعلى لغتها التي أضحت صوتا للحلم والواقع الذي يكتنفها.

 

بؤرة المجموعة

تجوب نصوص المجموعة في مساحات متفرقة  من عوالم ذاكراتية وزمكانية  تستحيل – بعض الأحيان -  لتكون معادلا موضوعيا لحياة الشاعر بل لوجوده الذي يطمح أن يراه في أبهى صورة .

 

قراءة وتأويل النصيص

جاء النصيص بصيغة جملة اسمية متكونة من مبتدأ مقدر وخبر مضاف ومضاف إليه (اسم مكان) . تتوزع  العناصر المكونة  للنصيص وفق بعد تكافلي يكشف عن حرص الشاعر لتعميق البنية الزمكانية وفق إرسالية إخبارية تستجلي أهمية المكان وما يتأسس عليه من إرهاصات معنوية ومادية لتشكل  الأشياء وصياغة آفاقها المتنوعة .

 

الحقول الدلالية للمجموعة

توزعت الحقول الدلالية للمجموعة على أربعة محاور هي :

1- محور الارتباط المكاني – المدينة \ الإقليم

2- محور التشتت والمجهولية

3-  محور الأمل واليأس

4- محور  الحرث الذاكراتي

 

محور  الارتباط المكاني

 

1- في أقصى الجنوب

2- قرية مترامية البيوت

3- لا نجدها على الخارطة

4- كتب السياب عن نهرها

5- قصيدة تواصل معاينة الماء

6- تنهمر منها الطفولة

7- وتخر عليها النوارس

8- وتقترب منها قوارب الصيادين \ المجموعة ص13

 

نلاحظ في السطور آنفا تسلسلية مبطنة للحاضنة المكانية  الأكبر، فقد ورد \ الجنوب \  كخيمة في بداية القصيدة، وبقيت القرية \ أبكيع \  مغيبة إلا في العنونة . إن هذا الأجراء يرمي إلى إظهار البنية الاشتمالية التي تحتضن كل الأشياء الصغيرة حتى أنها تذوب فيها من دون أن تفقد خصوصياتها الصغيرة جدا . وعلى الرغم من التصريح الوارد في السطر الثالث من إن القرية غير موجودة على الخارطة إلا أنها – في حقيقة الأمر – موجودة في عقل وضمير الشاعر الذي يضع \ السياب \ واجهة لتبيان موقعها على الخريطة كون السياب ابن المنطقة . إضافة إلى هذا التغييب – الحاضر في ذهن وضمير الشاعر فهي تحتل على صغرها مرتبة أولى في تقييماته الروحية ودليلنا القرينة النصية المتحققة في السطرين 6 و7 والتي ترشح عنها الاختيار الدقيق للفعل \ تخر \ الذي يعني الإقبال على الأرض . فالنوارس تقبل على هذه البقعة لأنها تكتشف إنها آمنة ، فأختيار الفعل جاء موفقا جدا، كما إن توالي الأفعال المضارعة دليل على تجدد المكان وان كان غير موجود على الخارطة لكنه متجذر في النفس .

 

محور  التشتت والمجهولية

يثير التصحر الروحي وجعا في النفس قبل القلب حين تنهال الذكريات دفعة واحدة لتبل الأرض اليباب، فيقف الإنسان متجردا إلا من نفسه التي يغطيها دثار الماضي بكل ما يحمل من إرهاصات وأمنيات قد تأتي وقد لا تأتي .

ويمضي إلى حافة هجرها الأصدقاء

ويمضي على مضض الذكرى

يصادفه برد لا ينصف

وينبري له غيم مسكون بالآهات

إن \ الحافة، الذكرى والبرد \ قرائن محسوسة بيد إنها لم تخرج من كينونتها، بمعنى إنها لم تذهب خارج دلالاتها لكي لا تفقد بريقها حتى تصبح القيمة الكينونية قيمة مؤثرة وفاعلة في المتلقي، قيمة مشبعة ومكتفية لا تحتاج إلى قيمة خارجية لكي يكتمل مدارها الدلالي  . إن السطور آنفا تثير فينا نوازع نفسية وتخلق لحظتها الشعرية بواسطة ما يترشح منها حتى إنها تتساوق مع وجدان وضمير الشاعر،  والمتلقي معا . إن العلاقات اللفظية قد أشاعت نوعا من الحزن الشفيف وأضفت مكابدة روحية مؤطرة بالتشتت وخيبة الأمل  والغربة والخوف من مجهولية الآتي المسكون بالآهات .

 

محور الأمل واليأس

ما الذي يجعل الإنسان يتشبث بخيط أمل غير منظور، ويركض خلف ضوء آفل؟، وما الذي يجعله – أيضا – يلتحف بلحاف اليأس حتى يتوطن ذلك اليأس كيانه كله ولا يرى مخرجا، أو جوابا لكل الأسئلة التي تتوطنه ؟حدان قاتلان قد يجتمعان ويطوقان عنق الأيام في لحظوية مقيتة لا يعرف الإنسان منها مخرجا، أو منفذا سوى أن يديم صلته بنفسه، أو يتكور على مجموعة من الذكريات التي تفتح كوة في جدار اليأس

يا لها من مرارة تصبغ اللحظات

ينفذ منها غبار الذكرى

تتحرى نهاياتها عند تخوم الغياب

لتطل على البصرة

ولا تغتبط بأي شيء.

كم عنيدة هذه الذكرى

لا تمنح تجربة للقراءة

فالصومعة فارغة

والفنار غاب عن حارسه \ المجموعة \ ص 71

 

إن  البدء بأسلوب النداء التعجبي بواسطة الدال اللساني \ يا \ يشي بتوجيه انتباهنا إلى ما سيحدث مغلفا بالدهشة مضافا إليه التقديم السريع لما هو سلبي من اجل زيادة الإمساك بما تشي به المرارة لاحقا من قرائن تترتب على منتجاتها اللاحقة بدليل القرينة النصية المتمثلة بالتأثير على \غبار الذكرى + تخوم الغياب \  مما أعطى \ المرارة \ مبررات الامتداد على مساحة المكان الكلية والمتمثلة بـ \ البصرة \، واستمرارها على البقاء منطوية على ما هي عليه بواسطة توكيد الجملة  الطاردة لكل ما هو جميل \ لا تغتبط بأي شيء \ .

 

محور الحرث الذاكراتي

جدير بالذكر إن للذاكرة، والذكريات بعدا مؤثرا على النفس والوجدان، إذ إن العودة للذاكراتي ما هو إلا عملية استهجان الحاضر  حين تسد الأفاق ويصبح الذاكراتي متنفسا وحيدا لاستنشاق أوكسجين الحقيقة حين تضيق دائرة الوجود لتنكمش إلى مجرد كميمة .

والصباح إذا ابتدأ

والمطر الخفيف إذا نث فوق الندى

في غيوم الظهيرة ... لا أرى أحدا \ المجموعة ص31

 

إن التأطير القرآني واضح في البداية \ والليل إذا عسعس \ وينطبق الأمر على التأطير الزماني الذي تتدرج فيه الحالة عموما وكذلك التقديم والتأخير، كل هذه الاشتغالات تضفي بعدا تأويليا للسطور الثلاثة آنفا ، ويمكن أن تأخذ العلامات الثلاث \ الصباح + المطر + غيوم الظهيرة \  كرموز لشيء كامن وراءها إذ إن منتجها النهائي لا يشير إلى إنها اكتفت بحمولاتها المعروفة بل اتخذت مسارا لولبيا يصل إلى مديات ابعد لأنه لا يمكن أن يحدث الذي حدث من غياب الناس بمجرد هطول مطر خفيف وندى إلا إذا كانت تحمل موحيات تقود إلى أن  تكون رمزا تشفيريا للتشتت والضياع الحاصل فيما هو ذاكراتي في اقل تقدير .

 

آليات  وجماليات هندسة التكرار

إن أهم ما يلاحظ من ملمح مهم في هذه المجموعة ذلك الصوغ المتقن لبنية التكرار والتي سنناقشها من جوانب عديدة أهمها :

1- تكرار الحروف

2- تكرار الكلمات

3- تكرار الجمل

4- شدة حضور الفكرة وأثرها في عملية التكرار

 

تكرار الحروف

يتكرر صوتا (الياء) و (النون) كثيرا ويولد صوت \ النون \ نغمية تنسجم مع الصورة المرتكزة على الإيقاع كما في المثال الآتي

 

ها أنا الآن لا أنسحب من ذاكرتي

ها أنا الآن لحظة الوعد أجيء

ها أنا الآن أهذي بأحزاني

ها أنا الآن أفصح عن هوى جنوني

 

إن حرف النون من الحروف المجهورة ويدل على الظهور والبروز كما انه يعبر عن الألم والخشوع الذي يعتري الذات الساردة لحظويا، فمجيء\ ها \ التنبيه متبوعا بالضمير \ أنا \  ثاويا في حضن الزمن برهان على هيمنة البنية الزمانية وما يترشح منها وتأثيره اللاحق على السارد الرئيس. إن الدال اللساني \ الآن \ يومئ إلى اللحظية لكنه في الوقت نفسه يشير إلى الماضي لأن الحاضر لم يعد موجودا على المستوى الفعلي، لهذا أردف الشاعر كلمة \ الآن \ بعبارة لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إنها فلسفية بواسطة جملة \ لا انسحب من ذاكرتي \ التي تشير بوضوح إلى الماضي .إذن كيف اجتمعت \ الآن – الحاضر \ زمنيا مع فعل الانسحاب من الذاكرة \الماضي زمنيا .إن هذا الدمج الزمني ما هو إلا رؤية فلسفية للزمن ومنتجاته السيالة . ويشيع صوت \ التاء \ همسا يوحي بأن الشاعر في دوامة المونولوجست الذاتي وهذا لم يتأت اعتباطا بل مؤسس على مقصدية انفعالية تولد إحساسا شجيا ناعما كون \ التاء \ من الحروف المهموسة

توهمتك يدا بيضاء تخرج من

دون سوء،

توهمتك تحمل صوت البشارة،

توهمتك مليئا بالضحى والأزهار

توهمتك لا تساورك الريبة

توهمتك لا تستبيح الذاكرة

 

ويتكرر حرف الحاء بنحو متوال ليشي بتقلب صفحات الأشياء دلالة على مايعتمر في النفس من بوح شفيف

على صفحة النهر تنتحر الموجة

على صفحة المراكب

تسافر أغنيات المبحرين

على صفحة وجهي

تنزل دمعتان

 

إن تكرار\ الحاء \ وهو حرف مهموس به حاجة إلى جهد لإخراجه وكأن الشاعر ينحاز لان يستنطق الصفحات بواسطة حرف الحاء المسبوق بحرف الجر \ على \ الذي يشي بالتجاوز الذاتي . فعملية التكيف المنبثقة من الفعل \ تنتحر \ترمي إلى مخالفة دلالة \ الصفحة  \ المقترنة بالنهر- الماء لتنتج لنا \ موجة \ محتجة على  صفحتها بواسطة فعل الانتحار . إن \ الصفحة \ تتخذ – هنا – أشكالا متعددة ومتدرجة من اجل أن تستكين في النهاية على هيأة دمعة لا نعرف سرها فقد بقيت طي الكتمان من اجل أن نقوم نحن – كمتلفين – بالكشف عن سر نزولها على صفحة الوجه .

 

تكرار الكلمات

إن عملية تكرار الكلمة يخفي وراءه معان فرعية ترتبط بما حولها مشكلة

نسقا تنغيميا لا يمكن إهماله

 

هبني اخظأت الطريق إليك

هبني أحاذر من زمن بعيد

هبني أمتحن كلماتي

هبني زرعت الظنون بقلبي

هبني لا املك نفسي أمامك

 

 فتكرار كلمة \ هبني \ المتصلة بياء المتكلم تؤشر لنا حضور \ أنا \ الشاعر كونها البؤرة الرئيسة والجاذبة . إن هذا التمركز الدلالي يتيح للآخر فحص الذات بنحو مكشوف لا لبس فيه مما يفعِل البنية السردية ويزيد من تصعيد الحدث، ومن ثم ارتفاع المحكي ارتفاعا مهما .

من دفتر العشق رجع صداي

من دفتر العشق يبدأ مرسى الحنين

من دفتر العشق تتقرى العيون

القلق

من دفتر العشق اختلاجة القصيدة

 

إن \ العشق \ الذي يحاول الشاعر إعلاء شأنه، قيمته، هو روح، والهام غير ارضي حيثما تتحقق فيه صفات النقاء والنبل والطهارة، لهذا انصهر وجدان الشاعر فيه وأنصهر هو في روحية الشاعر ليشكلا لوحة إنسانية تستحق التأمل .

 

تكرار الجمل

مما لا شك فيه إن تكرير الجملة يشكل إيقاعا أثقل وأغنى مما للكلمة، أو الحرف لأن الوحدات النغمية للجملة أكثر مما هي عليه في الكلمة والحرف كتحصيل حاصل .

هنود حمر يغزون رياح الليل

هنود حمر يقتلون طيور الفجر

هنود حمر في سحب الغياب

تظهر بنية التوازي الإيقاعي بواسطة الفعلين \ يعزون \ والفعل \ يقتلون \ بواسطة ضمير الفاعل \ الواو \ الذي أعطى للجمل آنفا إيقاعا إضافيا داخل التوازن نفسه المتحقق بواسطة الجملتين الاسميتين . وقد يتسارع الإيقاع نتيجة قصر، أو طول الجملة  كم نلاحظ في المثال الآتي :

 

1- تنسدل الستائر

2- وتختبئ القصيدة في صدري الناري،

3- تهدأ في مفاصلي هواجس اللهب

4- وفي دمي الشوك والعصور

 

إن الإيقاع المتحصل من الجملتين 1 و 2 إيقاع سريع وحاد بسبب الإقفال الحاصل في زمن إنتاج الفعلين، في حين إن إيقاع السطر الثالث إيقاع بطيء وهادئ،  أما  السطر الرابع فقد كسر أفق التوقع بواسطة الفجوة الإيقاعية التي ولدت لدينا إحساسا بالتعاطف من خلال ما أحدثته معاني الألفاظ من وحشة سببها تنامي الخيبة المتحققة  في دم السارد والمؤطرة بالشوك والعصور .

 

شدة حضور الفكرة وأثرها في عملية التكرار

يحاول التحليل السيميائي بنحو عام فهم علاقة العلامة اللغوية بالمرجع بواسطة إقصاء الدلالة عن كل مايحيل إليه  البناء الخارجي للنص، بمعنى عدم الالتفات إلى البنيات البرانية للنص مثل ظروف أنتاج النص، وكاتب النص والبقاء في منطقة العلاقات التي تقيمها العناصر المكونة للنص نفسه. إن حركية المعنى في هذه المجموعة تعتمد بنحو أساس على بنية التقابل الناشئة عن خيبة الأمل المتحصلة مما يترشح من الحياة  في مفاصلها جميعا

هكذا الذكريات أذعنت بالقرب مني

حزمت أمرها لتحسن التأويل

وتسأل عن سرها

وما ظل منها سوى ربيع آفل

 

إن اختيار الربيع الآفل لتجسيد الخيبة قد أثرى البعد الدلالي للمعنى لانتمائه إلى حقول دلالية تنصرف  لمعاني الحياة، أما أفول الربيع فيؤجج مشاعر النكوص ويحث على التراجع النفسي  مما يؤدي إلى منفذ مسدود يعرش عليه يأس مكدود . يتسم الإيقاع – هنا – بحركية ثقيلة تنبع من المعنى وضده والمتحقق في صيغة الربيع الآفل . ولأن المعنى منتج لا زمني فأن عمقه وتأثيره ناجم عما يترك من شرخ في الذاكراتي نفسه لا في الذاكرة الشخصية بدليل القرينة النصية المتمثلة في السطر الأول. تتصف  حركة السطور آنفا بالتراخي بواسطة مجيء الفعل \ أذعنت \  الذي يدل على الخضوع والاستسلام، والإذعان يعطي انطباعا بقصر زمن إنتاجه  مما أدى إلى نتيجة قطعية تتمثل \ بحزم الأمر \. لقد أبدع الشاعر بإيراد أزمنة متعددة للفعل ليقلب نسق الذاكرة ويكسر رتابة الزمن الواحد بأحداث دائرة زمنية لا يستقر لها قرار مما أدى إلى عملية الإذعان  .لقد حققت هذه المجموعة الشعرية تمازجا مهما بين ما هو براني وما هو جواني إذ تساوقت البنيات الداخلية مع الخارجية بنحو تكافلي وبعلاقات شكلت بوحا مموسقا وشيجا توالجت فيه الكلمات مع إيقاعاتها الندية .

 

الذي لم يُنصفه النقد في تفعيلته الأخيرة

abdulreda ali"التفعيلة الأخيرة": هي المجموعة الشعريّة السادسة التي تصدر للشاعر القدير سعيد جاسم الزبيديّ (الأستاذ الأكاديمي الحاصل على الدكتوراه في النحو العربي منذُ العام 1984م) بعد أن صدرتْ له المجموعات الشعريّة الآتية:

 

1 – وأرى العمر يضيء، ط1، دار الشروق، عمّان- الأردن، 2000م.

2 – أفقٌ يمتدّ، ط1، دار الفكر، دمشق- سورية، 2006م.

3 – نوافذ، ط1، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمّان- الأردن، 2007م.

4 – على رصيف الغربة، ط1، دار كنوز المعرفة العلميّة، عمّان- الأردن، 2007م.

5 – صوتٌ بلا صدى، ط1، دار كنوز المعرفة العلميّة، عمّان- الأردن، 2010م.

فضلاً عن إصدارهِ لأربعة َ عشرَ كتاباً في النحو، واللغة، والأدب، والنقد، والتفسير.

  ومع أنَّه شاعرٌ متمكّنٌ في الأسلوبينِ (شعر الشطرين وشعر التفعيلة) وليسَ مقلّاً، إلّا أنّ النقد لم ينصفه، ولم يُعطهِ بعضاً ممّا ينبغي أن يحصل عليه من حقٍّ. ويبدو أنَّ سبب ذلك يعودُ إلى موقف نقّاد الشعر من الشعراء الأكاديميين العاملين في حقول التدريس تحديداً، فقد شاع بينهم ما كان يردّده القدامى من أنَّ هذا الشعر هو شعر العلماء الذي لا يُعنى بالإنسانِ وهمومهِ، أو موقفهِ من الوجودِ (وإشكالات الحياة الفلسفيّة: فكراً، وتعبيراً إبداعيّاً، وموقفاً من قضايا الصراع) بقدر عنايته بالقيم الروحيّة التي تركّز على الدين والأخلاق والفضيلة، وهي أمور تقلّ فيها الشعريّة، أو تنأى عنها، ويزدادُ فيها النظم كما يزعمون.

  وإذا كان هذا الحكمُ مبرّراً مع أولئك القدامى من العلماء والفقهاء في العصور التي سبقت عصرنا الراهن، فليس مبرّراً مع من نُعاصرهم من الأكاديميين الشعراء الذين عالجوا مشكلات الأعماق، وما ترغبُ فيه الذات الشاعرة من بوحٍ في ما تتصدّى له، أو تجابههُ من مشكلاتٍ تتعلّق بإنسانيّة الشاعر، وحياته، وفلسفته الفكريّة،وموقفه من الاحتلال الأجنبي وغيرها من الأمور المعيشة، وهذا ما فعله الزبيديّ، ومن سبقه من الأكاديميين الأجلّاء، كـ: الدكتور محمّد مهدي البصير (1895- 1974م)، والأستاذ ابراهيم الوائلي (1914–1988م)، والدكتور مصطفى جمال الدين (1927– 1996م)،والدكتور هادي الحمداني (1931– 2001م)، والدكتور محمّد حسين الأعرجي (1949- 2010م)، وغيرهم من العراقيين العلماء الشعراء (عليهم رحمة الله)، أمّا العرب، فلعلّ في مقدّمتهم الشاعر الكبير أدونيس (الدكتورعليّ أحمد سعيد)، وهو ما سيفعله كذلك من سيجيء بعد الزبيديّ من الأكاديميين الشعراء، فالحال قد تغيّرت، وموضوعة الشروط على الفاعليّة الشعريّة لم تعد قائمة، فضلاً عن أنّ الأحكام النقديّة القطعيّة لم تعد مقبولة.

*****

  140-saedفلسفة النص، أو موضوعات قصائد الزبيدي غير محدّدة، فهي تدور في جميع محاور الذات في حالتي فرحها وَوجعها الدائمين، ولعلَّ موقفاً حيويّاً عابراً يستثيرهُ لكتابة نصّ مثلما يستثيرهُ موقفٌ لوجع ٍ ممضّ كبير ٍ. ومن يستقري قصائد مجموعاته الخمس، ويضيف إليها ما يستقرؤه من نصوص هذه المجموعة، فإنه سيتقبّل هذه النتيجة برضا  تام على وفق ما نظنّ ُ .

  عالجت قصائد الزبيديّ (منذُ ستينيّات القرن الماضي، وحتى يومنا هذا) قضايا الإنسان (المثقّف) الاجتماعيّة، والإنسانيّة، والوجوديّة، وظلّت وفيّة لحاجات أعماقه، مثلما كانت وفيّة ً للوطن الذي أنجب صانعها، ولعلّها كانت أشبه بالمرايا التي عكست حالات الإشراق والفرح، مثلما عكست حالات العَتَمَة والرعب.

  ومع أنّ الأوجاع التي مرّت على العراق في سنواته العشر(العجاف) الماضية كثيرةٌ ومخيفة، إلّا أنّ معظم الشعراء العراقيين لم يكونوا على مستوى الفهم الراهن للشعر منها، باستثناء قلّة قليلة، كان الزبيديّ  واحداً منهم، إن لم نقل: إنه كان في طليعتهم ارتهاناً بها، في الأداء والتوصيل ومجابهة حالات رعبها الدموي التي تلاحقت على مرّ تلك السنوات.

  فحين فجّرَ الدمويّون القتلة (في الخامس من آذار- مارس- من العام 2007م) شارع المتنبّي، ارتفع صوت الزبيدي في اليوم نفسه مجابهاً:

 

أيّـهذا المالئُ الدنيا منحتَ الكلمة ْ

كبرياءا،

وصداها بلغَ الجوزاءَ، واستعدى الفضاءا

وأثرتَ "الخيلَ، والليلَ ... " عجاجاً،ونداءا

واستوى للسيفِ معنىً عندَ أيِّ لم يكنْ يحملُ إلّا قلمه

صرتَ فيهِ الفارسَ، الراحلَ أيّاً شئتَ سبّاقاً

بشوطِ الكلمة ْ⁽¹⁾

 

 ومن يتفحّص مجموعاته الشعريّة الخمس سيقف على معظم تلك الأوجاع.

*****

  ضمّت هذه المجموعة ثمانيَ وخمسينَ قصيدة  توزّعت بين شعر الشطرين وشعر التفعيلة بالتساوي العددي، وهو ما يدلّ على أنَّ الشاعر(في وعيه ولا وعيه) لا يفضّل نمطاً على آخر، ويترك الاختيار للتجربة، بسبب من كون الأسلوبين لا يبارحان أثر الإيقاع على النفس، ولا سحر الموسيقى على المتلقّي.

  لكنَّ استخدامه لنسب البحور الصافية في الأسلوبين اختلف إحصائـيّاً، وهو ما يحتاج إلى وقفةٍ في القراءة الإيقاعيّة.

  في هذه المجموعة محاور عديدة (سواء أكانت أسلوبيّة، أم فنيّة) يمكن لهذه القراءة أن تقف عند بعضها، مثلما يمكن لقراءات أخرى أنْ تقفَ عندَ بعضها الاخر بما يفيد  الكشف عن جماليّات الاشتغال بعيداً عن اللغة المشفّرة التي بدأت تشيع هذه الأيّام بحجّة الغموضِ المنتجِ.ومن هذه المحاور:

 

أوّلاً – الاقتباس الإشاري:

  وهو اقتباس لبعضِ آيات الذكر الحكيم، والحديث النبوي الشريف على نحوٍ إشاري دون إيراد النصّ المقدّس حرفيّاً عند التوظيف، كما في قول الزبيدي في قصيدة " في غرفة":

كم لبثنا؟

بعضَ يوم؟

فهو اقتباس إشاريّ إلى قوله تعالى: " قال قائلٌ منهم كم لبِثـتُم قالوا لبِثنا يوماً أو بعضَ يوم " في الآية الكريمة "19" من سورة الكهف.

 

وكما في قوله في قصيدة " العيد الميمون":

ويقرأ ُ(قل أعوذ ُ) ضحى

وقصيدة " عامان":

ورجوتُهُ في "قل أعوذُ" ولـــي

ثقـة ٌ بحفظِـــــكَ حــينَما تعــدو

 

فهو اقتباس إشاريّ إلى قولهِ تعالى: " قل أعوذُ بربِّ الفلق" في الآية " 1"  من سورة الفلق، وقوله تعالى: " قل أعوذ ُ بربِّ الناس" في الآية الأولى من سورة الناس.

وكما في قوله في قصيدة "حدّثاني":

يا هدى أبلغي الحبيبةَ نُورا

آية ًبورِكتْ بـــــسبع ٍ مثان ِ

 

وقوله في قصيدة " كنتُ منتظراً معيناً":

أعوّذ ُ أيـنما نقّـلتَ رجــلاً

رعاكَ الله ُ بالسبعِ المثاني

فهو اقتباس معنوي إلى سورة الفاتحة، أو إشاري إلى الحديث النبويّ الشريف: " أوتيتُ السبعَ المثاني" . وفي رواية أخرى: " أوتيتُ سبعاً من المثاني" لأنّ سورة الفاتحة تتكوّن من سبع آيات، وقيل المقصود بها " السور الطوال من البقرة إلى التوبة."

أمّا قول الشاعر في قصيدة "دع عنكَ" التي يقولُ فيها:

أو " اشتكى عضوٌ..."

 

فهو اقتباس إشاريّ إلى الحديث الشريف: " مثل المؤمنينَ في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثلِ الجسدِ؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالحمّى والسهر."

 

ثانياً - التضمين:

 وهو كالاقتباس، لكنّه في إحراز الشعر، بأن يضمن الشاعر في قصيدته بيتاً، أو جزءاً من بيت ضمن نسيج قصيدته.

  ومع أنّ التضمين دليل على إعجاب الشاعر المضمِّن (بكسر الميم المشدّدة) بما يضمّنُ من أبيات، فإنه ملمحٌ معرفي يدلّ على عمق ثقافة الشاعر التراثيّة، ونباهته في توظيفِ المتساوقات من المعاني، فضلاً عن كونه شهادة لما كان الشاعر قد استظهره من شعر، وتأثّر به، ممّا يدخل في الكشف عن مرجعيّـاتهِ المكتسبة التي حصّنت فطرته، وطوّرتها، كما في قول الزبيدي في قصيدة " سؤال إلى ابن زريق البغدادي؟":

"أستودعُ اللهَ في بغداد لي قمراً     بالكرخِ من فلكِ الأزرار مطلعُهُ"

 

فقد ضمّن بيت ابن زريق البغدادي كاملاً، مستعيراً قناع ابن زريق، بعد مفارقته لحبيبتِهِ، ووطنه  مدّة دامت عشراً من السنوات، فهيّأ لبيت ابن زريق قائلاً عن نفسه من خلال ذلك القناع:

تقاذفتْـهُ الليالي وهي مجمرةٌ     فلم تطقْها- وإنْ بالصبر- أضلعُهُ

وقد تجلّى فأرخـى من توتّرهِ     ومالَ َيهمسُ بوحاً شــاقَ مقطعُهُ:

" أستودعُ اللهَ في بغداد لي قمراً     بالكرخِ من فلكِ الأزرارِ مطلعُهُ"

 

  وكما في قولهِ في قصيدة "سلاماً":

" وما أنا إلّا من غزيّةَ َ" ليس لي     سوى موقفٍ أنْ لا عليَّ ولا ليا

 

فهو تضمينٌ لجزء من بيت دريد بن الصمّة القائل:

وما أنا إلّا من غزيّةَ َ إن غَوَتْ      غويتُ،وإن ترشدْ غزيّةُ أرشدِ

 

وكما في قوله في قصيدة " قنطرة"، وهي من الشعر التفعيليّ:

مثلَ الذي يوماً تمنّى:

" مَن رسولي للثريّا" !

 

فهو تضمين لجزء من قولِ عمر بن أبي ربيعة حين هجرته " الثريّا":

من رسولي إلى الثريّا، فإنّــــي     ضقتُ ذرعاً بهجرها والكتابِ

غصَبتني مجاجة المسكِ نفـسي     فسلوها ماذا أحلَّ اغتصابـــي؟

أو لقوله:

من رسولي إلى الثريّا، فإنّي     ضافَي الهمِّ واعترتني الغمومُ

 

وكما في قوله في قصيدة" كم هزيمة؟" وهي من الشعر التفعيليّ أيضاً:

فهل عرفتَ هذهِ الهزائمْ؟

وهل حفظتَ عن (أبي الطيّبِ)

أنْ بقدرنا (تأتي هنا العزائمْ)؟

 

فهو تضمين لقولِ أبي الطيّب المتنبّي:

على قَدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ     وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ

 

مع مراعاة المفارقة في إيراد الشاعر لـ" بقدرنا"  التي تعني: (قدر طعامنا)، وليسَ استطاعة الاقتدار.

 

وكما في قوله في قصيدة" النجفُ أمنية":

هب استطاعوا خداعَ الجاهلينَ بهم     ماذا يقولون فيما أجمعَ الــسلَفُ؟!

أنْ حبّ ُ آلِ رسولِ اللهِ تزكــــــــية ٌ     على الصراطِ ومنها تُملأ ُالغرفُ

فرضٌ من الله، نصّ الشافعيّ قضى     بذا ويُجمعُ- إلّا الناصـبَ- الخلفُ

فهو تضمين معنوي لبيتي الشافعي:

يا آلَ بيتِ رسولِ اللهِ حبّكمُ     فرضٌ من اللهِ فـي القرآنِ أنزلهُ

يكفيكمُ من عظيمِ الفخرِ أنّكمُ     من لم يصلِّ عليكمْ لا صلاةَ لهُ

 

وكما في قوله في قصيدة"الرسالة الثالثة" وهي من شعر التفعيلة:

فقد يسوغُ في شفاهِ بعضنا

يستمرىء الحفظا!

وقد يموتُ في فمٍ مرٍّ مريضٍ قد غدا فظّا!

فهو تضمين معنوي لقول أبي الطيّبِ المتنبّي:

ومن يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ     يجدْ مرّاً بهِ الماءَ الزلالا!

 

وهناك تضمينات أخرى في "دع عنكَ غزّة" و" تفعيلة العشق" و" لستُ ادري" وغيرها.

 

ثالثاً – التقـنية:

  المنجزات الفنيّة لهذه المجموعة عديدة، وقد تبدّت في أكثر من تقنية على صعيد التوظيف الفنّي في الأسلوبين معاً، وسنقف عند بعضها، مشيرين إلى أنّها كانت من ضمن ما أفادته القصيدة الحديثة من الفن السردي في جانبه الدرامي تحديداً، إلّا أنّها شكّلت ملمحاً جماليّاً في الأداء الشعري مكّنت المسرح (في أحايين كثيرة) من توظيفها، مع كونها لم تُكتبْ لتقّدم على نحوٍ مسرحيّ دراميّ، وهذا يثبتُ أنّ النصوصَ الشعريّة التقليديّة ستموتُ من البرد إن فقدت دفأ الدراما.وفي ما يأتي أهمّ تلك التقنيات التي حفلت بها هذه المجموعة:

 

1 – الارتجاع والتداعي الحر:

  ونقصد بـ "الارتجاع" العودة (أو الرجوع) إلى نقطةِ سحيقة في التذكّر(فلاش باكَ)، أو هي الحركة الأولى التي يستدعيها السرد، وما يترتّب عليها من  مشهد تتداعى له الصور والحواس والمحاورات جميعاً .

  وقد اقترحنا مصطلح " الارتجاع" لأنه من جذر الكلمة عينها، كي نبتعد عن اللبس الذي أحدثه (ومازال) مصطلح" الاسترجاع" الشائع، لأنه اشتقّ في الأصل من الآية الكريمة الثانية من سورة البقرة:" إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، وقد أشير في شرح نهج البلاغة إلى أنّ الأمام عليّاً (ع) كان " يسترجع" أثناء إلقاء خطبه.

 وتقنية العودة، أو الارتجاع كثيراً ما تتداخل بتقنية التداعي الحر والوصف، لاسيّما عندما يستدعي مشهدٌ آنيّ ٌ مشهداً قديماً، كما في قصيدة " شكراً أيّها الأرقُ" . فالأرق الذي ينتاب بطل هذه القصيدة وهو شيخ يعودُ به إلى لياليَ الطفولة، فنستعيد معه ليالي الشتاء التي كان يُحصي فيها جذوع سقف بيت العائلة الريفيّ، في حين كان البطلُ/ الطفلُ  يحصي في الصيف عددَ النجوم،(لأنّ العراقيين يفترشون أسطح منازلهم من شدّة القيظ ليلاً)، ومن خلل ذلك الارتجاع وتداعي اللوحات نكتشف مفارقات عديدةً، ففي عرف الأمّ وثقافتها، وتقاليد المجتمع أنّ من يقوم بإحصاء النجوم تنتشرُ في يديه الثآليل، في حين تظنّ (جارتهم) العرّافة أنّ فعلته تلك تدلّ على أنه متيّمٌ عاشق مجنون:

أعدتني- وإن أكن لم أنسَ ذا- شتاءا

فألتقي جذوعَ سقفِ بيتِــنا

أرسمُها إحصاءا

وفي ليالي قيظنا ألتحفُ السماءْ

لأقبس النجومْ

أعدّها كي أشغل الهمومْ

وكم نهتني ذاتَ يومٍ أمّي:

قائلةً: ستملأ البثورُ منكَ الكفّا

وليسَ إلّا الكي حتى تُشفى !

 

2 – المناجاة النفسيّة: 

  وهي ما اصطلح عليه بـ" المونولوج الدرامي"، وهو حوار داخلي لا يُسمع،يدور بين الذات الشاعرة وقرينها الكائن في الأعماق، ومن يُجيد الانشغال به، والاشتغال عليه يجعل نصوصه تكشف عن المسكوت عنه دراميّاً، كما في قصيدة الزبيدي "أقصر" التي دارت بين النفسِ والنفس، أو بين الأنا العليا، والأنا السفلى، أو بين الخارج والداخل، كما في الآتي:

أعنـــــــــدَكَ يا تُرى بدلاً     من الأوراقِ والقلمِ؟

وإلّا فاجتنـــــــــــابُ النا     سِ أن تحيا معَ الغنَمِ!

وأن يُطوى بكَ الإنســــا     نُ، تُبدي وجهَ منهزمِ!

وتهجرُ بعدُ(بيتَ الشعـ     ـرِ) تعبيــــراً عن الندَمِ

وأن تنسى صدى الكلما     تِ،إن دارتْ هوىً بفمِ!

كأنّكَ لم تذقْ عَنَـتاً     من الأذنــــــــــابِ والصنمِ

ولم تشـــــرَقْ لهاتُكَ من     عذابِ هواجسِ الحُلُمِ!

كأن...أقصرْ،فهذا العمـ     ـرُقد أدنـــــــاكَ للهرَمِ!

فهل ترجو أخا السبعيـ     ـن من دُنياكَ في لَمَمِ!

 

3 – السرد الوصفيّ:

وهو ما يقدّمه الشاعر من لوحات وصفيّة تباعاً حين يرومُ تقديم الحبكة التي ترتبط  بالأحداث زمنيّاً لتصل إلى ذروةِ التوتّرِ المنشودِ في تقديم موضوع النصّ، أو فلسفته بالاعتماد على تقنية السرد المكثّف لماجريات الأحداث² .

  يتداخل أحياناً بالسرد الوصفي الحوار الخارجي، أو ما سمّي بـ" الديالوج" أو المحاورة، وهو حوار خارجي بين بطل القصيدة، وآخر يفرضه الموقف، أو المشهد الدرامي، ومع كونه أقلّ شأناً من المناجاة النفسيّة، لعدمِ عنايته بالأعماق بقدر عنايته بفكرة النقاش، فإنه من جانب آخر يعتمد على قدرة صانع الشعر في تكوينه، وجعله مقنعاً، كما في قصيدة " إلى العام 2013م " التي قدّمت وصفاً سرديّاً لزيارة العام الجديد لشاعر أثناء وجوده في مكتبته الخاصّة .

  ففي هذه القصيدة حوارٌ خارجيّ جميل أدير بكلّ حنكة بين الاثنين تبدّت فيه هموم بطل القصيدة، وخشيته ممّا قد يجيء  به القادم الجديد:

فلمّا ضاقَ بي ذرعا     وذاقَ الخيبةَ المرّةْ

دنا منّي، وسيــماهُ     تدوفُ بحمرةٍ صُفرَةْ

وأنكرَ في يدي قلماً     وحاولَ جاهداً كسرَهْ

فقلتُ له: أتسلبُــي     سلاحاً مدّنـــي قدْرَةْ

فمنذُ صحبتُهُ هُزِمتْ     مواقفُ صعبةٌ كثرةْ

تبـــسّمَ من مرارتهِ     ولفّقَ كاذباً عــــذرهْ

أتيتُ هنا على عَجَلٍ     لأوقظَ عامداً حسرةْ

 

رابعاً – الإيقاع:

 ضمّت هذه المجموعة (كما ألمعنا) ثمانيَ وخمسينَ قصيدة توزّعت بالتساوي بين الأسلوبين، فكانت حصّة كلّ أسلوب منهما تسعَ عشرةَ قصيدة بالتمامِ والكمال، وهي قسمة لم تكن مصطنعة، أو فيها ما ينبئ عن سبقٍ قصدي في قسمتها العقليّة. ومن يستقري مجموعات الشاعر جميعها يصل إلى قناعةٍ مفادها:أنّ الزبيدي لا يفاضلُ بين الأسلوبين أبداً، إنّما يترك التجربة هي التي تختار شكلها الإيقاعيّ، وهذا ما أثبتته قصيدة " لستُ أدري" الحواريّة التي دارت بين شاعرٍ لعلّه  الزبيدي نفسه، وسائلةٍ لعلّها صحفيّة، أو طالبةَ علمٍ:

أيّ لونٍ ترتدي تفعيلةٌ في البوحِ عندك؟

"شرفة السيّابِ" ينأى عن زواياها القمرْ؟

أم سواها

"السفحُ" حيّاهُ على بُعد السفرْ؟

كيفَ تستوحي الصور؟

فالسائلة تريد منه معرفة الأسلوب الذي يفضّله، لكنّ ذكاءه، ونباهته، وقدرته اللغويّة في الصياغة حالت مجتمعة ً دون إيراد التساؤل على نحوٍ سطحي، وإلّا لتخلّت القصيدة عمّا فيها من إبداع،وسقطت في التقريريّة الفجّة.

  فـ "شرفة السيّاب" كناية عن الشعر الحر، أو شعر التفعيلة الذي كان السيّاب أحد رادته، وهي كناية نبيهة تحيل إلى قصيدة السيّاب المشهورة " أنشودة المطر" التي حمل اسمها أخطر مجموعات السيّاب، وأكثرها إدهاشاً، وفيها ترد الإشارة إلى جملة السيّاب الشعريّة التي ضمّنها الشاعر في نصّه " أو شرفتانِ راح ينأى عنهما القمر" .

أمّا تضمين الشاعر لكلمة " السفح" في نصّه،فهي الأخرى كناية عن شعر الشطرين من خلل تذكير المتلقّي بقصيدة الجواهري " دجلة الخير" التي قال في مستهلّها:

حييتُ سفحكِ عن بُعٍدٍ فحييني     يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ

 

لكنّ الشاعر الزبيدي أجاب دونما تردّد:

لا أبالي كيفَ جاءت تتهادى قافيةْ؟

ركبت شطراً، وإمّا قد أتتني حافيةْ؟

حرّة تختالُ،

كالنسمةِ، كالبسمةِ

كالطلِّ على وجهِ الصباحْ!

أو على خدِّ الخزامى والأقاحْ!

*****

  حين ألمعنا إلى أنّ الأسلوبين لا يبارحان أثر الإيقاع على النفس، ولا سحر الموسيقى على المتلقّي، فإنّنا أردنا توكيد رغبة الزبيدي في شدّ متلقيه إلى العالم السحري الذي يصنعه النصّ الموقّع، لذلك تراه يُكثر من استخدام بعض البحور التي تكون غنائيّـتها أعلى درجة من غيرها التي تكون أقل تطريباً، وفيما يأتي إحصاء لتلك الإيقاعات على وفق استخدامها.

 في قصائد الشطرين توزّعت الإيقاعات كالآتي:

• البسيط:

نظم فيه إحدى عشرة قصيدة هي: عمو بابا،و هي الصديق، وأخي رضا، ومرفأ البوح،ونعمة الله، وسادن الحرف، والنجف أمنية، وأرح قوافيَّ، وأنتما جنّة الدنيا، وتألّق العيد، وعلّمتني.

• الوافر:

نظم فيه خمساً، هي: الأحلام المؤجّلة، والعيد الميمون، وإلى عام 2012م، وكنتُ منتظراً معيناً، وأقصر.

• الكامل:

وقد نظم فيه خمساً أيضاً هي: كنت الحجاب على الحجاب، وأيّها الرجلُ، وزينة الأيّام، وعامان، ويا ريم.

• الطويل:

ونظم فيه ثلاثاً هي: سؤال إلى ابن زريق، وسلاماً، وحديث الودّ.

• الخفيف:

ونظم فيه ثلاثاً أيضاً هي: حدّثاني، والقوافي وسيلة، والصاحب المجرّب.

• المتقارب:

ونظم فيه واحدة هي: أخا الأمس.

• الرمل:

ونظم فيه واحدة أيضاً هي: لمن الشعر.

 

وفي قصائد التفعيلة توزّعت الإيقاعات كالآتي:

• الكامل:

وقد نظم فيه تسعاً هي: كيف، وقنطرة، ومن...إلى، والصورة الوحيدة، ومن إقرأ إلى نهج البلاغة، وأتشكو الاغتراب؟، ودع عنكَ غزّة، وتفعيلة العشق، ورسالة إلى العام الجديد.

• الرجز:

وقد نظم فيه تسعاً أيضاً هي: القميص الممنوع، والتفعيلة الغافية، وهل تعلمان؟، وكم هزيمة؟، والرسالة الأولى، والرسالة الثانية، والرسالة الثالثة، وأيصدأ الزمن؟، وشكراً أيّها الأرق.

• الرمل:

ونظم فيه ستّاً هي: الساعات الثلاث، وساعة أخرى، والزهو الراجع، وفي غرفة، ومرّ عام، ولستُ أدري.

• المتدارك:

ونظم فيه  ثلاثاً هي: دعنا نجمح (من المخبون والمضمر)، و إلى فنّان تشكيلي، والتفعيلة الأخيرة (المخبون والمضمر).

• المتقارب:

ونظم فيه قصيدتين اثنتين هما: الأمنية الأخيرة، وذكرى باقية (وقد تداخلت بالمتدارك، وهذا التداخل من إنجازات القصيدة الحديثة).

 

خامساً – مضامين البوح:

  ألمعنا في بداءة قراءتنا  لهذه المجموعة إلى أنّ مضامين قصائد الزبيدي أو موضوعاته الشعريّة غير محدّدة، فلا يلزم نفسه، أو شاعريّـته بمضامين دون أخرى، لاسيّما في الوجدانيّات، فربّ موقف كريم من صديقٍ يُثيرُ فيه استجابةً شعريّة سريعة مثلما يُثيره خبر مزعج عن قيام إرهابي مجرم بتفجير دمويّ يذهب ضحيّته عشرات العراقيين الأبرياء، كما أنّ مشاهدته للوحة فنيّة أجادت ريشة فنّانها توزيع الضوء فيها على نحوٍ مدهش، تُثيره مثلما تُثيره مشاهد أهله العراقيين المتعبين من على شاشات الفضائيّات التي لا حصر لها. من هنا كان الحزنُ لصيقاً بتجربته، مثلما كان الفرحُ عالقاً بالتفاؤل الذي ظلّ موقفاً نفسيّاً في أحلكِ سنيّ العتَمَة.

   كما ظلّت المرأة في مجموعاته الست عنواناً للجمال والخصب والتجدّد، ومعظّمة الشأن إلى درجة القداسة في قصائده العائليّة التي خصَّ بها رفيقة دربه، وبناته، وحبيباته أيّام الصبا والشباب.

  ومع أنَّ اتساع حجم قصائده العائليّة (إذا ما قيست بغيرها) شكّل ظاهرةً واضحة ً في شعره، ما كان ينبغي عليه أن يفسح لها كلّ هذا المجال من النشر ضمن هذه المجموعة، إلّا أنّه وازنها بقصائده الإخوانيّة التي حيّت أصدقاء مسيرته الطويلة،واحتفت بأصحاب المروءة والفضل من العلماء الغيارى، وغيرهم من الأساتذة، والزملاء.

  ومع كلّ هذا التنوّع، فإنّكَ تحسّ بحزن نصوصه حتى في ساعات فرحه، ففي قصيدة "ذكرى باقية" تلمحه جليّاً، حتّى تظنّ ُ أنّ الشاعر يكتب مرثيّـته بنفسه:

غداً إذا غابَ في الليلِ عنّي القمرْ

وجفَّ الندى والزهرْ

وغار بجوفِ الرمالِ النهرْ

سيحكي الحجرْ

فمن شاهدٍ، أو أثرْ!

ينمّ ُ على خطوةٍ واثقةْ

هنا عالقةْ

تحدّثُ عن عابرٍ للسبيلْ

رمى هاهنا بعده:

عصاه، وأشياءَهُ، ثمَّ بعض الورقْ

وسلهُ إذا شئتَ: كيفَ اتّفقْ؟

 

وعلى هذا النهج تسير قصيدة "هل تعلمان" التي كُتبت كما يبدو لابنتيهِ التوأم .

ومع أنّ فيها ما يفصحُ عن نرجسّية الأب الشاعر كونهِ سخيّاً في بسط اليد، إلّا أنّها تتّشحُ بحزنٍ يستدعي دموع الشاعر(وإن كان في خضم نرجسيّـته) منذ ُ المستهلّ، فتتحوّل القصيدة إلى وصيّة خلال توتّرها، لكنّ هذه الوصيّة لا تتحدّث عن إرث ماديّ يتركه لهما بقدر ما تتحدّث عن طلبات الأب(وهنا المفارقة) بعد رحيله عن عالم الحياةِ، وهي طلبات يتماهى فيها الذاتي بالموضوعي، لتنتهي بتخليد الأب الشاعر من خلل الحديث عمّا عاناه في المنافي من ضير الغربة وعنتها، وهو يوفر لهما ما يحتاجانه ماديّاً، ولنفسه ما يجعلها خالدةً، وهي مؤلّفاته العلميّة، وإبداعه الشعري:

هل تعلمان !

ما الذي يُرضيني؟

وربّما يبكيني:

أنْ تذكراني في دعاءِ استغفارْ

وتحملا عنّي إذا ما غبتُ بعضَ الأخبارْ

" كانَ أبونا صالحاً"

وشاعراً بالظلمِ ممّا قد دارْ

كانَ أبونا يحتفي ويزدهي بنشرهِ كتابا

ليتحفَ الأحبابا

يذكرهم في أوّلِ الكتابِ باباً بابا

هل تعلمان الآنْ

حكايةً تبقى مع الزّمانْ

ففيكما يغدو لها لسان ْ.

 

ومن هذا الحزن أيضاً ما تعلّقَ بالإنسانِ المستنير المناضل الذي نذر نفسه للحصول على الحريّة وإشاعتها في الفكر والقولِ والعمل، فكان جزاؤه الملاحقة والمطاردة والسجون، وهنا يتحوّل الفردي الخاص إلى إنساني عام، وبه يحقّقُ الشعرُ هدفه الأسمى كما نظن، وهذا ما وقفنا عنده في قصيدة  "متى" الذي ضمّتها مجموعته "على رصيف الغربة " حيث يقولُ فيها:

وامتُهنَ الإنسانْ

فلا الزمانُ (الكائنُ)، الـ(يكونُ) أو ما كانْ

ولا المكانُ صالحٌ أقامَ، أم سارَ مع الركبانْ

فحولَ كلِّ خطوةٍ عيون ْ

وعندَ كلِّ فكرةٍ سجون ْ

وراءَ كلِّ لفظةٍ: مقالةٍ، قصيدةٍ ظنون ْ

تؤول المعاني !

وتحجر المباني !

والمرء ما بينهما يعاني ! ³

 

 

  ومع كون الزبيديّ علّامة ً في النحو العربيّ، وشاعراً لا يُشقّ ُ له غبار، فإنّه متواضعٌ جدّاً، وكثيراً ما تغنّى بليالي الفاقة والحرمان التي مرّ بها في طفولته على نحوٍ مفتخر، وهذا ما جعله قميناً بالاحترام والتجلّة، ولعلّ القارئ الكريم حين يقرأ قصيدته الموسومة بـ " مقهى مجيد" التي ضمّـتها مجموعته " نوافذ" سيتأكّد أنّ هذا الشاعر كان في فتوّته يسكنُ مع عائلته في مسكنٍ أشبه بالخصِّ، والخصّ كما هو معروف لا يحملُ رقماً، أو علامة تسجيل تعريفيّة من البلديّة، فليس هناك بلديّة أصلاً، لذلك كان عنوانه مقهى مجيد ليس غير:

تجرّاَ يوماً لنشرِ قصيدة ْ

بأيِّ جريدة ْ !

فكانَ !، وقد طالبوهُ برمزِ البريد ْ

فدارَ بهِ رأسُهُ حولَه،

فما البيتُ إلّا حصيرٌ تحيطُ به أذرعٌ من جريد ْ !

فخطَّ على صفحةٍ خالية ْ،

بسخريةٍ: إنَّ ذا حاليه

وعنواني الآن َ مقهى مجيد ْ ! ⁽⁴⁾

 

 

وإذا كان الزبيديّ وفيّاً لتأريخه، فإنه ظل وفيّاً كذلك لوطنه، راغباً في معانقة ثراه لاسيّما في سنوات الحصار، وما تبعها من منافي رغبةً في عيشٍ يؤمّن له ولعائلته الأمان، ويبعده عن شبح الخوف من المنظّمة السريّة التي كانت تهيمن على التعليم العالي، ومفاصله العلميّة.

  ولعلّ ما ينبغي قوله هنا: إنّ هذه المجموعة لا ترسمُ صورة مثلى لشعر الزبيدي إلّا إذا أجرينا قراءة استقرائيّة لمجموعاته الخمس السابقة معها، إذ ذاك سنقف على مضامين البوح في شعره، سواء أكانت  تلك المضامين فلسفيّة، أم  كانت في الحبِّ والمرأة، فمثال الأولى قصيدته " هذه البصرة" التي يتصدّى فيها للمتزمّتين الراديكاليين الغارقين في جهلهم من خلال توظيف رمزيّة الحسن البصري وحراكه الفلسفي الجدليّ في الإيمان بالفكر المخالف، وإن أدّى ذلك إلى التصادم مع السلطان، أو المحتل:

 

لماذا تركضُ النيرانُ خلف " الحسنِ البصريّ"؟

تُرى:

هل أغضبَ السلطانَ في " فتوى"؟

وهل حدّثَ " أهلَ العلمِ " ما صحّحَ ما يُروى؟

وهل ظنوه ينثرُ فوقهم " حلوى"؟

ويحملُ قبلَ دبّاباتهم قنديلَ شكرٍ من مريديه ِ  !

أجارتنا بها  تيهي  !

ويا أيّـتها العذراءُ مدّي لهمُ "راية ْ"  !

ليأتوكِ ثقالاً هذه المرّة ْ !

لأنّكِ ههنا البصرة ْ !⁽⁵⁾

 

 

 ومثال الثانية "عطش السنين" التي تشدّ ُ قارئها إليها شدّاً، لما فيها من تدفّقٍ عاطفيّ لا يقدر على صناعة ما فيها من إثارة وإدهاش غير الشاعر الحاذق  الذي يملك اقتداراً في تحريك وجدان متلقّيه عاطفيّاً، فيرسّخُ في وجدانه تلك العواطف التي حملها نصّه أطولَ مدّة ممكنة من الزمن، سواء أكان راضياً عنها، أم مخالفاً لها، كما في قوله:

لو جئتِني من قبلِ حين ْ    أطفأتِ بي عطشَ السنين ْ

وأثرتِ من بين الضلو     عِ القلبَ يخفقُ بالحنــــين ْ

وأعدتِـــني والعمرُ قد     شدَّ السُـــــــرى للأربعـــين ْ

فتأمّلـي وجهي وعيـــ     نـــــي واقرئي ما تنظرين ْ

قد أورقَ اليومَ الهـــوى     لمّا رأيتُكِ تبسمــــــــين ْ⁽⁶⁾

 

 

  هكذا كان شعر سعيد جاسم الزبيدي مدهشاً يتعاطى مع أسئلة الإنسانِ الملحّة (في فضائيّ الزمان والمكان)، بلغة حصيفة لا لبسَ فيها ولا غموض، ولا ترهّل وإطناب، فضلاً عن اهتمامٍ يقينيّ بأثرِ الموسيقى على نفسِ المتلقّي إيماناً منه أنّها مكمن السحر الذي يحرّكُ الروحَ، ويشجّعها على الحلم، إلى جانبِ ما في تلك النصوص الشعريّة من مجادلة التزمّت المنغلق، والسائد التقليدي للوصولِ إلى خلاصاتٍ قد تفتحُ بعض العيون المغلقة التي أصيبتْ برمدِ النصوصِ الفجّة التي يكتبُها كلّ ُمن هبّ ودبَّ من المتشاعرين المتناسين أنّ الكون- كما يقول فيثاغورس- مبني بناءً موسيقيّاً.

   

.......................

 إحــــــــالات

 (1) قصيدة "شوط الدم"، مجموعة " صوتٌ بلا صدى"، ص: 22.

(2) يُنظر كتابنا: (الذي أكلت القوافي لسانه وآخرون)، ص: 151.

(3) مجموعة" على رصيف الغربة "،ص: 20.

(4) مجموعة" نوافذ"، ص: 39.

(5) مجموعة" أفق يمتدّ"، ص: 39.

 

   أ.د. عبد الرضــا عليّ

 

جمالية السرد ورهافة اللغة في قصص: امرأة وكائنات أخرى للقاص عبد الهادي والي

ayad khodairطالعنا القاص عبد الهادي والي في مجموعته القصصية (امرأة وكائنات أخرى) التي تحتوي على تسع عشرة قصة 133 صفحة من الحجم المتوسط عن دار الضياء للتوزيع والنشر/ النجف بمجموعة من القصص الاجتماعية والإنسانية التي تحاكي الواقع وتضيف اليه ابعاداً رائعة مفعمة بالحزن والمرارة لاناسٍ بسطاء يعيشون في الحياة، منهم المهمش ومنهم المعذب والآخر جائع، حياة صعبة قاسية رغم كل ذلك هناك بوارق الأمل والتكيف للظروف .. في قصة (ثمره وحيدة) والتي تصدرت المجموعة، استذكار للأيام الصعبة وللطفولة، رسمت صورة ووصفاً للبيوت والشوارع وللوقت القاتل الذي يسرق بقايا العمر (ساعات شحيحة من وقت كالذهب النقي وساعات فائضة كالرماد هكذا كانت تمر بنا الأيام مخضلة بالحنين والدموع والأسى الخالص) ص4

أستطاع القاص ان يوصل الى المتلقي فكرة عن الوضع العام آنذاك المبتلى بالفقر والحرمان، لكن تبقى طيبة القلب والعلاقات الحميمية بين الجيران متجذره داخل النفوس، الكل متساوون في هذا الحي الذي عاشه الراوي في صباه (الزقاق كومة هائلة من الطين مرصوفة على هيئة اسيجة وغرف متداعية تتعكز على ألواح تنخرها الرطوبة وديدان العثة) ص 4 بالرغم من كل المعاناة والأوجاع تبقى الأم الحنون هي الغطاء والخيمة التي تستر العائلة التي تتغذى على الحب والحنين هذا هو حال كل الفقراء وهذه بيوتهم التي يسكنونها، لكن مع هذا (تمر الأيام متتابعة ويتبعثر الحزن كغمائم متمزقة في الفضاء البعيد) ص9 . استطاع القاص ان ينهي قصته بضربة رائعة ( لحظة تنوير) (في طياتٍ لا متناهية من طوفان أيام منحدرة لا تتوقف عن الجريان) ص10

قي قصته للسماء عيون تدمع أحياناً ..يجسد القاص المعاناة عبر وصف جميل ودقيق، الهروب من الطائرات،الناس يسيرون في العراء ويختبؤن في جحور تقيهم المهالك كأنهم قطيع يحاصرهم اليأس والاستسلام، أما الأطفال فحالتهم يرثى لها، فهم متمسكون بذويهم يركضون مع ريح لاهبة، أيام كلها خوف وقلق يلوذون بالصمت مرة وأخرى يصرخون، تخرج منهم زفرات حارة مؤلمة مكتومة في الصدور مع كل ذلك الأمل يلوح لهم من بعيد العشب والماء بانتظارهم ( لنتوقف عن الاندفاع الى الأمام ولنسلك طريقاً جانبياً يقودنا الى تلك التلال المنعزلة، ثمة عشب كثير هناك، وثمة بقع لالتماعات أظنها مياه متخلفة عن أمطار سابقة) ص42

بعض قصص المجموعة (أصوات أشبه بالعويل) (وجوه كالحة) (عبارة مكررة) وغيرها العنوان فضح المضمون، يقولون ان العنوان هو عتبة النص وأحيانا يكون العنوان الرامز يخفي المكنون مما يحث القارئ على ان يشارك الكاتب في تتبع الحدث ويكتشف سرديات الأحداث، وان كان العنوان يفضح سر القصة منذ البداية بعيداً عن الغموض، فقصص عبد الهادي والي اعتبرها قصص وصفية واقعية اجتماعية فيها جمالية، تضيف أليها أبعادا جديدة مثيرة وساحرة وفي نفس الوقت مؤلمة هذا الخليط يجعلها أكثر قوة ورصانة خصوصاً ان لغة السرد لديه متماسكة مما يدل على تمكنه واقتداره لغوياً، بالإضافة الى غنى اللغة، غنية كذلك بالأفكار والمعاني والموضوعات الذاتية النفسية والشعورية والعاطفية من حب وهيام وعشق وأمومة وتعلق بالأخر والتفاؤل بالمستقبل والانكسارات وسلب الحريات والخيبات والفشل والخيانة والنجاحات وغيرها، مما يدل على عدم ارتكان القاص الى وتيرة واحدة في السرد بل كان يعمد الى التنويع ليخلق أثرا جميلاً .. ان الهم الاجتماعي كان من أكثر الثيمات او الأفكار التي تتناولها المجموعة، كان اهتمامه منصباً على معاناة الناس البسطاء والكادحين الذين يعانون الفقر والجوع وهي استذكارية تحمل في طياتها أيام الطفولة، والعلاقات الحميمية التي ترتبط بها العوائل البسيطة وتبقى الحوادث راسخة في مخيلة القاص حتى الكبر في قصته: (عبارة متكررة) حكاية شيقة يرويها القاص مستذكراً يوم تسجيله في المدرسة لأول مرة بصحبة أبيه، وخوفه الشديد آنذاك من ان يتركه والده وحيداً في المدرسة، ترن في ذاكرته عبارة أبيه المؤثرة: (سوف تتعلم يا ولدي وسوف تكبر فلا تخف) ص31 .. يستعيدها الراوي وهو يخاطب بها حفيده حين يقوم بتسجيله في المدرسة لأول مرة !

الحبكة: في المجموعة رائعة والإحداث تم تنسيقها بطريقة سلسة ومحكمة تتلاحق وتتوالى في اتجاه معنى الحد.

النسيج: او البناء كان متماسكا في اغلب قصص المجموعة وان شخصياتها من طبقةٍ فقيرة مدمرة ومستغلة ومهمشة، أننا أمام أديب متمكن، كاشفا عن معان إنسانية جميلة منسوجة في وعي كبير بالحياة وتقلباتها، وألوان المجتمع وانحرافاته، فكان اهتمامه منصباً على كشف وتعرية الواقع وإدانة كل سلوك يخرج عن القيم والمبادئ الإنسانية.

في قصته (طقوس فريضة سرية) أدانه للواقع الفاسد الذي فرضته الأنظمة الشمولية الدكتاتورية التي ابتلت بها الشعوب والتي تساقطت الواحدة تلو الآخر، فلا احد يقوى على الاعتراض او المحاججة، الكل يجب ان ينصاع للأوامر (واستطرد بعد صمت قليل وهو يقلب أوراقا بين يديه: لا ينقصك سوى ذنب تخلفك وعصيانك الدائم عن الانتماء الى الحزب) ص101

لقد برز الوصف في القصص اذ قلما تخلو صفحة من وصف حسي او معنوي او صورة محفوفة بالالق الجميل .. في النهاية نحن أمام قاص مقتدر فجمالية السرد مع الدقة في اللغة استطاعت ان تحكم معاني وبنيان قصصه فضلاً عن الوصف والخيال، مما أضافَ للإبداع رافدا جديدا محتفظا بنكهة القصص الأصيل ناقشا اسمه في تيارات السرد وأشكاله الجديدة.

 

فانتازيا الحكي وتداخل الخطاب في رواية "أعشقني" للروائيّة سناء الشعلان

sanaa alshalan"وحدهم أصحاب القلوب العاشقة من يدركون حقيقة وجود بُعد خامس ينتظم هذا الكون العملاق، أنا لستُ ضدّ أبعاد الطّول والعرض والارتفاع والزّمان، ولستُ معنية بتفكيك نظرية إينشتاين التي يدركها، ويفهمها جيداً حتى أكثر الطلبة تواضعاً في الذّكاء والاجتهاد في أيّ مدرسة من مدارس هذا الكوكب الصّغير، ولكنّني أعلم علم اليقين والمؤمنين والعالمين والعارفين والدّارين وورثة المتصوّفة والعشّاق المنقرضين منذ آلاف السّنين أنّ الحبّ هو البُعد الخامس الأهم في تشكيل معالم وجودنا، وحده الحبّ هو الكفيل بإحياء هذا الموات، وبعث الجمال في هذا الخراب الإلكترونيّ البشع، وحده القادر على خلق عالم جديد يعرف معنى نبض قلب، وفلسفة انعتاق لحظة، أنا كافرة بكلّ الأبعاد خلا هذا البعد الخامس الجميل، أنا نبيّة هذا العصر الإلكترونيّ المقيت، فهل من مؤمنين ؟ لأكون وخالد وجنينا القادم المؤمنين الشّجعان في هذا البُعد الجميل. خالد أنا أحبّكَ، وأحبّ جنينا كما ينبغي لنبيّة عاشقة أن تحبّ..." (1)

بهذا تصدر سناء الشعلان (2) روايتها.كفرت الكاتبة بكلّ الأبعاد الكونيّة والوجوديّة خلاه وحده، فأقامت له مملكة خاصة، تلك مملكتها وحدها، مملكة من صنع خيال محض، أقامت صولجانها في عالمها المفترض، ومع ذلك تنزل بتلك المملكة من علياء إلى أرض فيها سماء، فإذا هي في مملكة النّاس والواقع والبشر، هي حقيقة في خيال، أو خيال في حقيقة، عاشته بطلة الرّواية، وكشفت عنه جليّاً في خطابها، وإن غُلّف بنوع من كشف، وبعض بوح، لم تحاول تجميله، أو القفز عليه، حتى لو حُمّل بلحظات من خصوصيّة عشق محموم.

وإذا كانت رواية سناء الشعلان قد جمعت بين الأشتات عبر عوالمها المتناقضة، والمتداخلة، والغامضة، والمكشوفة، فها هي ذا تحيل قارئها إلى مثيل آخر، برز في تداخل أجناسها المقروءة، فدفعت بمتلقّي أدبها إلى شيء من (أدب السّيرة)، و(أدب الرّسائل)، و(المقال)، و(الخيال العلمي)، تارة تلقي بأوراقها المضمّخة بأريج خصوصيّة لحظاتها النّادرة عبر (أدب الاعتراف)، ومرة تحلّق في سماواتها الملتبسة ألوانها تحاول الاختفاء، تداخل ظاهر، تهادى على صفحات الكتابة عند سناء الشعلان، أومأ في- الآن نفسه- إلى "حرفيّة" صنعة، ومراس تجربة عبر"فعل الكتابة".

ففي البعد الأوّل" (الطّول)(3) تبدأ الكاتبة سرد الأحداث، في نوع من خلط(فانتازي) متداخل بين الواقع واللاواقع، نسجته من بنات أفكارها، مترامياً في أسلوب أجادته باقتدار ودربة وفنّ، إذ تدور أحداث الفصل / البعد حول مشهد في غرفة عمليات واحدة من الكوكب، قد يكون كوكب الأرض، وربما هو كوكب ليس من عالمنا، استرفدت شيئاً من داخله، وشرعت تروي أحداثاً فيه، وتكشف عن واقع مختلّ في داخله، هو واقع تفصّل فيه الأشياء على مقاس أصحابها هم، وحدهم دون سواهم، لايبالون شيئاً بالآخرين، ولا يعنيهم أن يشغلوا أنفسهم بهم؛لأنّهم لايساوون شيئاً في عالمهم، بينما هم يأخذون كلّ شيء، وأيّ شيء يعدّ رخيصاً من أجلهم، في حين يموت هؤلاء، وتنقل أعضاؤهم هبة وجائزة.

ومع ذلك يحيل المشهد إلى الانصهار والتّجسّد بين جسد وجسد، أو جسد في جسد، بوصفه (معادلاً موضوعيّاً) بين نفسين، صار نفساً واجدة لا تقبل التّجزّؤ، كونها رمزاً أو قناعاً، أو رداء يخفي شيئاً في داخله.

هنالك تستحضر الكاتبة صورة بطلة الرّواية، في نوع من(استرجاع) إلى الوراء، تكشف فيه عن صاحبة الجسد:" يا لها من أقدار عابثة حدّ المجون والعهر!هاهي تلك العنيدة القادمة من غياهب الزّنزانات الانفراديّة في معتقلاتنا السّياسيّة في أقاصي كواكب المجرّة تترجلّ عن صهوة كبريائها ورفضها وصمودها بعد طول عناد، وتلفظ أنفاسها الأخيرة على أيدي جلاديها دون أن تتراجع عن أيّ موقف سياسيّ، أوعن رأيّ لها معارض لسياسة حكومة دربّ التبّانة.  يقولون إنّها زعيمة وطنيّة مرموقة في حزب الحياة الممنوع والمعارض، وكاتبة مشهورة، وأشياء أخرى ماعاد ذهني المشوّش بفوضى الألم يتذكّرها في هذه اللّحظة، أنا لا أعرف الكثير عن آرائها ومواقفها، لا شكّ في أنّ حروبي الطّويلة مع المعارضين والمنشقّين عبر المجرّة قد سرقتني حتى من معرفة هذه المرأة التي يقال إنّها مشهورة بلقب النّبيّة" (4)

عندئذٍ تحيل دوالها المقروءة والمرئيّة إلى واقع لم يبرح كوكب الأرض، نراه في خروج عن مألوف لا ترضاه السّلطة، أو التّقاليد الحاكمة التي تحكم قبضتها على المناوئين لها في هذا الكوكب.

وفي بعدها الثاني:الزّمن (5) يُفصح المشهد عن شيء آخر، نراه في (تحوّل)فانتازي لرجل-عبر مزج- إلى أنثى، في استبدال جسد بجسد، واستشراف لزمن قادم جديد، كشفت عن الكاتبة، وأرخت له في بداية الألفيّة الرّابعة، القادمة من أغوار الزّمن البعيد القادم، تلك سنة (3010) ميلاديّة، وإن كنّا لا نعرف لماذا كان هذا التّاريخ دون غيره، وإلم يرمز؟!." هذا الجسد الأنثويّ اللّعين يتذكّره تماماً، وهذه النّدوب المحفورة فيه تعيده إلى تفاصيل موت صاحبته... ما هذا؟ هل هو مرض؟ أنا أكره هذا الجسد، أريد أن أخرج منه، أريد جسدي، لا أريد غير جسدي.أعيدوا لي جسدي، اخرجوني من هذا الجّسد اللّعين، اخرجوني منه، أنا أكرهه، وأكرهها، وأكرهكم، أخرجوني منه....ـه...ـه... (6)

وإذا كنّا هنا قد ألمحنا إلى شيء من توحّد وتآلف، ظهرا في تقارب واستشراف الآخر، إلاّ أنّنا نرى ثمّة نفوراً وقطيعة، لا أقول بين نفس ونفس، وإنّما بين جسد وجسد، وإن لم يتوافق هذا مع مضمون الرّواية.

ومع ذلك يختلف هذا – على نحو ما- في الفصل الثالث، أو البعد الثالث: (الارتفاع)، إذ يكشف عن قرب "مسافة إلى النّفس"، وإن كان ذلك "نحو الألم". (7)

ثمّة أسئلة تطرح نفسها عبر دلالات العناوين، عنوان الرّواية، وعناوين الفصول، ولماذا هي دون سواها، ومع هذا، فتلك تنحاز إلى الجسد، دونها دلالة ورمزاً عليه.

ثمّة أسئلة تطرح نفسها عبر دلالات العناوين، عنوان الرّواية، وعنوان الفصول، ولماذا هي دون سواها، ومع هذا، فتلك تنحاز إلى الجسد، كونها دلالة ورمزاً عليه.

ومهما يكن من أمر، فإنّ (باسل المهري) يفاجئ أنّه في جسد غير جسده، ولك يكن هذا وحسب، وإنّما جسد امرأة، هنالك يأخذ التّعجّب والاستغراب وضعاً في نفسه، إذ يشرع يستهجن هذا التّحوّل الغريب، ويعلن عنه في جلاء.

فإذا كان البعد الرّابع، (العرض) وإن كشف عن مساحة من الحزن كبيرة، بوصف (العرض) لا تتجاوز مساحة الكون فيه عرض أحزان الكاتبة (8)، يدخل الصّراع مرحلة أعلى، في ازدراء لجسد المرأة التي صارت هو، أو هو صار هي، عندئذٍ تتوالى المشاهد والأحداث، في زمن متخيّل وشخوص فيه، وإن أفصح ذلك عن نظرة متدنيّة إلى المرأة، بوصفها جسداً مستبدلاً بآخر كان ذكوريّاً، وإن جاء هذا في إيماءة إلى (النّوع)، وإن رأينا رؤية مغايرة تنحاز إلة "الجندر" (9)

وتتنامى الأحداث في البعد الخامس الذي بنت عليه الكاتبة روايتها، بوصفه الأساس لبنيتها السّرديّة:" الحبّ وحده من تتغيّر به حقائق الأشياء وقوانين الطّبيعة" (10)

وربما هذا ماجعلها-وعبر الحبّ- تخرج عن المألوف والشّائع إلى شيء من "غرائبيّة" أحداثها، وإن لم تبرح عالم العاشقين في كوكبهم الأرضي، حتى لو (همّشت) تلك العوالم في سبيل تأكيد فكرتها، وما في خلدها من (نورانيّة) الهائمين في دنيا البشر." تناولتُ عشائي الذي كان في انتظاري على عجل، أخذتُ حماماً بارداً في جوّ باتَ يحتاج إلى حمام دافىء، لبستُ ملابسي اللّيليّة بعد أن علّقتُ بنطالي وقميصي ومعطفي على المشجب الأبيض القصير، فلا أزالُ ألبس ملابس الرّجال، وأنا بجسم امرأة إكراماً للماضي، ونكاية بالحاضر، وتماشياً مع وقعي النّفسي الدّاخلي، ومحاكاة لعاداتي الطّبيعيّة، فأبدو للرّائي لي على عجل أو من بعيد، في كثير من الأحيان ، صبيّاً لم تغادره ملامح الطّفولة يحاول أن يدسّ نفسه في صفوف البالغين، أو رجلاً نحيلاً متصابياًّ، أو امرأة مسترجلة في أسوأ التّخمينات، وإنْ كنتُ أساساً لا أملك موقفاً معادياً أو متحفّظاً من قضية التخنيث، أو الجنس الثالث، وهم منتشرون بكثرة في المجرّة، و حاصلون على كامل حقوقهم المدنيّة والإنسانيّة والاعتباريّة؛فهم يمثلون تطوّراً جندريّاً معلّلاً ومقبولاً، مادام لا يتعارض مع المصالح الكبرى لحكومة المجرّة، ولا يمسّ خطوطها الحمراء، ولا يصطدم بآليات التّكاثر والازدياد والاقتران الرّسميّة والقانونيّة، وإعادة توزيع الملكيات والمواريث والثّروات" (11).

عندئذٍ يختلط الواقعي بغير الواقعي، وإن أومأ الخطاب إلى سيف السّلطة، وقهر الإنسان.

غير أنّ الكاتبة تأتي بالفصل السّادس لتخصّصه لمناقشة (طاقة البعد الخامس) (12) فتبدأ باليوم 3 شهر النّور من عام 3010م، برسالة من خالد الذي كثرت رسائله على مدار الرّواية:" " يانفحة من روح الإله ، يانبيّة الكلمة، يانبيتي، أتمنّى أن تكوني مستعدة لاستقبالي هذا المساء، لقد جئتكِ خفية، وانزويتُ إلى زاوية في غرفتكِ أتأمل جلستكِ، يبدو لي أنّكِ تلبسين ثوباً شفافاً أسود، ما أجمل الأسود والسّواد؛إنّه لون النّبالة والشّرفاء والصّدق، راقتني الطريقة التي تداعبين بها لوحة المفاتيح، لقد أُفتتنتُ

بأناملكِ، أمّا الذي يشتّتني فابتسامتكِ ونظراتكِ الغارقة.أنتِ أذكى امرأة عرفتها في حياتي؛لأنّك أكثر صفاء وحركة وكلاماً وأنوثة، عشقتك لأنّ شيئا من روحكِ يذكرني بالإله، عشقكِ لأنَك ملأت قلبي في لحظات كان فيه الفراغ يملأ جغرافيتي"أشتهيكِ:خالد" (13)

وتلك رسالة حقيقيّة، وإن أشارت الكاتبة إلى عالمها المفترض، إذ تبدأ بشيء ممّا بين المحبّين، سيقت في وصف مباشر دال.

تقول الكاتبة: لقد جرّبنا إطلاق هذه الطّاقة لمرة واحدة يا وردي لقد جرّبنا إطلاق هذه الطّاقة لمرة واحدة فقط ياوردي، كان ذلك في ليلة صناعتكِ، ليلتها كان الحبّ في أعلى مستوياته في جسدي وجسد خالد، وكانت روحانا معلقتين في عرش السّرمديّة ، ومتواصلتين مع كلّ قوى الكون، كانت لحظة انفجار الطّاقة الكونيّة، لقد كانت طاقة رهيبة وعملاقة حرفت كوكب القمر عن مساره الأبديّ الخالديّ بمقدار متر كامل، وسببتْ خللاً كونيّاً أبديّاً، ولوخرجت الطّاقة المنبعثة عن المقدار المتوقّع لها بمقدار أكبر لتفجّر القمر بنا وبليلتنا الخالدة، وبكلّ مواطنيه من العالم الجديد.

طاقة البعد الخامس مرتبطة بطاقة الحبّ، وبدائرة الجنس الخالدة المقدّسة... هو قوة تختزل النّماء والاستمرار والحياة، وتكفل موثوقيّة المحافظة على العِرق البشري بكلّ صفاته ومميزاته وحوامله ومحدّداتها، وهو فعل تتكاثف فيه أدوات الجسد والروح والنّفس من أجل خلق تعبير عن الحبّ والحياة والاستمرار، والتّعبير عن الفعل الجمعي بذاتيّة خاصة..." (14)

لا شكّ أن الكاتبة تعود مرّة ومرّة لتؤكّد من قيمة العلاقة الحميمة وتُعلي منها، غير أنّها تعود كذلك من جديد، لتكشف عن اضطراب الرّؤية وانغلاقها أمام إنسانها التّائه في دياجير التّشتّت والجهالة إذ تقول: "ولكن بعد انتصار الماديات، وانحصار القوى الرّوحيّة، واتخاذ الإلحاد ديناً، والكفر بالله، ورحيل الأنبياء، واندثار العبادات والرّموز الدينية، واستفحال الأمراض الجنسية المعدية، وتشوّه المخيال الإنسانيّ، وانتشار العنّة، وشيوع تشوّهات الفروج والقضبان بسبب الحروب الذّرية الدامية، واستفحال التلوثات البيئيّة والكيميائيّة والبيولوجيّة، فقد انقرض الجنس، بعد أن تذبذب في سنين من التّجريم والمطاردة والتّحريم من حكومة المجرّة، ثم نُسي تماماً، بل نُسختْ ذكرى انقراضه، وما عاد له ذاكر حتى ولو في ركن تعليمي في متحف أو مركز أبحاث، وغدا القليل فقط من العلماء والمتابعين لقضايا التّاريخ الإنثربولوجيّ والفضوليين والمالكين لبعض نفائس المخطوطات والرّقع الإلكترونية والذّاكرات الممغنطة التي تشير للجنس، وتملك صوراً نادرة عنه هم العارفون به وبحكايته الطّويلة مع الإنسانيّة" (15).

لقد شرعت سناء الشعلان تناقش قضايا مجتمعيّة طارئة، حاقت بإنسان مرحلتها، وملكت حواساً له، فأغلقت مسارب الرّؤية من أمامه وخلفه.

وهكذا يأتي البعد الخامس، رسالة في قصيدة عبر الجسد، جسد المرأة (النّبيّة)، نبيّة هذا البعد، كونها حقيقة في عالم الهداية، وهدى في عالم الضلال، تلك (نبية) من نوع خاص، برزت في هذا الطّرح، ودلّلت عليه، بوصفه نوعاً من (مزج) بين روحين التقتا في زمن ما.

وعلى الرّغم من الوضوح إزاء هذا الطّرح، فإنّ ثمة قدراً من التّوغّل عبر الغيب (الفيزيقا) لم نستطع الوصول إليه، أو استيعابه، أو فكّ أحاجيه وشفراته في البداية.

وهنا، فلا الكاتبة جنحت إلى عوالم السّرد المفترضة والمتخيّلة وحسب، ولا هي ظلّت قابعة في عالمها العاطفي بكلّ زخم رسائله الحالمة وفقط، وإنّما أرادت (مزج) هذا كلّه في تلك الرّؤية المختلطة، وإن تهادى ذلك في تألّق وبراعة، تبرز أدوات المبدع الجاد، أظهرها (صوغ) محكم لمادة الحكاية (الخام) مع " البنية السّرديّة".

وفي هذا تكشف سناء الشعلان عن مرارة تجربة فتقول:" ماذا نسمي وجوهنا حين تغيب عنا؟ لاشيء سوى العدم، لاشيء سوى ضروب من الفراغ واللامعنى، سوى سحر أغنية فاضتْ من كأسٍ، فسال الوقت وفاض العمر، وصرنا صوراً بلا مصير ... لا معنى لي بعد كلّ هذا العبور إلى ضفاف الخريف. روحي شتاء يأتي قبل الخريف. وخريفي صيف يأتي بلا فصول، ووجهي قطعة أرض شوهتها أيادي البشر المأفونين.ما الحبّ يا قلبي؟ ما الشّوق يا صدري؟ ما المسافة والمواسم والأنثى والصحراء وقطر الماء حين يتلوّن الوجه، ويلبس الجسد درع النّهاية؟!"(16)

وإذا كانت الكاتبة تفصّل القول في طيّات سطورها المبتدعة، فقد آلفت بين دوال بعينها، تزامنت على صفحات الكتابة، هي دوال( الموت)، و(الحبّ) و(التّجربة)، بوصفها من أكثر الدّوال تكراراً في سطور الرّواية:(موت الجسد)، (موت تجربة)، (موت حبّ).

ومع هذا نرى عكساً جليّاً لمعاني تلك الدّوال، قصدتها الكاتبة قصداً من وراء هذا العمل، بدت في إحياء جسد، وتجربة، وإحياء حبّ: " أنا الحائر الذّاهب الآتي العائد القادم المذبوح اليقظ، شاخ جسدي ، وأعيت السّنون وجهي.بينما حبّك يلهو بي كقطعة قماش وهو يطلق قهقهاته التي أربكتّ ما تبقى من المسير.أنا الموت المنقوش على لوح الرّوح، أقول لكِ يا طلوع الأفلاك إنّ قبري يتسلّل إلي بين الموتى كي يخبرني بأسرار المحار وإعوجاج مخابئ ساكنه.  أنا الموت الذي انفضح الجرح أمام عينيه، وتقاطرتْ مصائر القادم على وجنتيه" (17)

ولايكاد الفصل السّابع يبتعد بنا عن هذا الطّرح، بوصفه (معادلة نظريّة لطاقة البعد الخامس)، كونه طاقة كونيّة غير متناهية، ترامت في واقعيّة ملحوظة: شعري+ كلماتي+ خالد) (18)، هنالك تبدأ سناء الشعلان-كعادتها- التأريخ باليوم 7 شهر النّور عام 3010م برسالة من خالد (19)، وهي رسالة-كغيرها- تؤرّخ لما بين خالد وشمس، والرّسالة تستدعي رسائل أخرى، سبقت في الفصل السّادس، يوم كذا، ويوم كذا، من شهر النّور.

هنا كان على الكاتبة ألاّ تفصل بين السّرد المتتابع في الفصلين، ثم يطرح هذا اسئلة تكرّرت: ما الغاية من هذا الكمّ من الرّسائل، وقد شغل مساحة كبيرة من الرّواية!!

زمع ذلك نعود فنقول: إنّ الأثرالأكبر من وراء ذلك يكشف عنه معجم ضخم لمفردات الجسد، أظهرته في براعة سناء الشعلان على طول روايتها، وضخّمته بأريج من عاطفة رفيفة، استقتهامن مكنون وجد خالص، عبر قاموس خاص، هو قاموسها وحدها، فجاء على شاكلة بعينها، رأيناها في هذا العمل الأدبي كاشفة دالة.

وهاهي سناء الشعلان، لقد عادت لتوّها تحكي عن عالم القيود في حكومة الاستبداد، والعسف، والقبح، وإن حاولت تغليف ذلك بشيء ممّا يجري في (حكومة المجرّة)، لقد عادت إلى حيث القاع الذي يقف عند سفاسف الأشياء، ويجعل منها مادة له:" أستطيع أن أجمل لك كلّ هذه المشاكل في أنّ الحكومة تحرّم الشَّعْر الطّويل، وتدين تربيته، وتجرّم من يفعل ذلك، من باب فرض نمط شكليّ واحد على كلّ سكان المجرّة لاعتبارات كثيرة يمكن اختزالها في ثقافة القبح والاستبداد وفرض النّمط الواحد ومحو خصائص الفرديّة والاختيار، ووالداي والمدرسة والعمل وكلّ من حولي يريدون أن أخضع للقانون من باب إغلاق منافذ المشاكل والمخالفات وغضب الحكومة، وأنا لا أبالي بإشراع كلّ النّوافذ على الجحيم مقابل الاحتفاظ بشَعْري الجّميل الذي يسعدني، ويكتنفني بحميميّة خاصة تفجّر في داخلي اعتزازاً عملاق بأنّني أنثى .

ولك أن تتخيّلي كم عُنّفتُ، وضُربتُ، وعُوقبتُ، وأُضطهدتُ ، وغُرّمتُ، ثم جُرّمتُ أخيراً عندما بلغت سنّ الحادية والعشرين، وهو سنّ الرّشد في المجرّة، وأخيراً قادني شَعْري الطّويل الجامح كنجمةٍ إلى المحكمة بصفتي متمرّدة صغيرة، وعاصية حمقاء، ومواطنة عنيدة تتمسّك بمخالفة القانون، ومعاندة الدّولة من أجل شَعْر أسود طويل لا قيمة له، سوى ذلك الافتنان الجميل به والنّشوة الحلوة التي تسكن في نفس كلّ من يراه يتطاير بزهو في الهواء، ويتمايل بحركة غنجاء مائعة متهادية مع كلّ حركة أقوم بها" (20)

وبهذا تعود الكاتبة-في جلاء- إلى أدب (السّيرة)، لتحكي حكياً مباشراً عن بطلة الرّواية، إذ تقول: "وأُلقي بي في السّجن عندنا رفضتُ دفع الغرامة، وقُصّ شَعْري وفق القانون، وكاد الأمر ينتهي عند هذا الحدّ لولا كلماتي التي كان لها الدّور الثاني في تغيير اتجاه حياتي، فقد شرعتُ أكتب رواية متمرّدة جميلة اسمها" سِيَر أصحاب الشّعر القصير"، ضمّنتها أجمل الأفكار التي قرأتها عبر مطالعاتي الطّويلة والمكثّفة لتاريخ البشر وسسيولوجيا الأدب وأنطولوجيا المكان وتطوّر الفنون وتاريخ الإبداع الإنسانيّ في الألفيّة الماضية، واستفدتُ من معلوماتي عن قيم الجمال والحريّة في الألفية المنصرمة من أجل لمز كلّ قوى الاستبداد في حكومة المجرّة، ووظّفت كلّ أساطير الحبّ والجمال والخلق والوجود والنّهايات والجحيم والفردوس في شحن هذه الرّواية بكلّ مثير وطريف ومقنع، وتثوير الشّعب ضدّ وجودهم المفرغ من الرّوح والسّعادة والذّاتيّة في عالم إلكترونيّ مبرمج وفق ما تقتضيه خارطة مصالح رجالات حكومة المجرّة" (21)

إنّ أقوى ما تحيل إليه بنية السّرد هنا، هو قدرة الكاتبة على امتلاك ناصية القول، وأدواته، في شيء من تفرّد، وموهبة تضنّ على كثيرين أمثالها، ذلك ما تكشف عنه رواية سناء الشعلان، أيّاً كان القصد من ورائها.

وإذا كانت الكاتبة في هذه الصّفحات تميط اللثام عن نفسها، إذ جنحت إلى (أدب السّيرة) بصورة ظاهرة، أومأت فيها إلى شخصيتها وإن جاء هذا في مراوغة مقصودة، فقد غلب على ذلك شيء من عاطفة جيّاشة، أفصحت عن بعض خبايا علاقة، أظهرها فيضٌ من رسائل شبقة، احتشدت بكثرة في سياقات القصّ، وأبانت في الحين نفسه عن حميميّة لا تحدّها حدود، وإن جاءت في لحظات ترقّب لمشهد كوني لـ امرأة/رجل/أو رجل امرأة، في اكتناز لكمٍ من مشاهد، يكتنهها تداخل، تراءت-جميعها- كاشفة في انتظار وليد قادم، كونه رمزاً لمرموز أكبر، لم تكشف عنه الرّواية مرة واحدة، حتى لو تخيّلنا ذلك.

على أنّ الكاتبة تعود فترتدي مسوح المتصوّفة، وتخلع عليها نفساً من سيرة (حيّ بن يقظان) (22) وأشباه من فكر إنساني رأيناه في غير عصر:" مع أوّل شعاع من أشّعة هذا الصّباح الشّتوي البارد، نطق باسل جهراً صدقاً : لا إله إلاّ الله، هو ربّي وأنا عبده، وإليه المآل.لقد امتلأ صدره بإيمانه وشهادته، فرحب الكون من جديد، وأصبح أشدّ بهاء وأكثر أمناً، وعرف له غاية ومصيراً ومعنى لوجوده وخلقه، الآن أدرك سرّ الضّياع الذي تعيشه الإنسانيّة المعاصرة وارثة كلّ إلحاد هذا الانفجار العلميّ والحضارة المعلوماتيّة بكلّ مافيهما من كفروعناد... أكان عليه أن يقطع كلّ هذا الدّرب الطّويل، ويعيش تجربة المستحيل، ويخلع جسده في مكان ما، ويلبس جسد غيره، ليبحث عن نفسه، فيجدها في جسدها وفي نفسها وفي مذكراتها وفي كلماتها؟ لعلّ القدر رتّب له هذه الرّحلة الغريبة والطّويلة في البحث عن نفسه، بل الله من رتبّ له هذه الرّحلة، وقاده إلى نفسه، نعم كانت إلى جانبه منذ البداية طاقة خيّرة تحبّه وترعاه، وهذه الطّاقة هي الله بلا منازع.

الرّحلة صعبة، ولكن المُزار يحتاج إلى كلّ هذا العناء، مادام هو الطّريق إلى الله، فما أجمل البكاء على أعتابه!وما أحلى الوقوف في ذلّ سؤاله!وهو العاطي الوّهاب.

لقد آمن بالله ربّاً، وبها نبية كلمة ، أخرجته كما خرجت وأخرجت الكثيرين من ظلمات الإلحاد والكفر إلى فراديس من نور الإيمان، وحلاوة قرب الخالق الواحد الأحد الفرد الصّمد" (23)

غير أنّ المتأمّل في الصّفحات-ص162 ومابعدها- يتوقّف أمام المفاجئة الأكبر، إذ تنزل القاصّة من علٍ، فتعود إلى واقعها، وقد هبطت توّاً من كوكبها البعيد- الذي أرهقت فيه قارئها- إلى حيث كوكب الأرض، إذ تكشف-هنالك- عن مغزى القول، وقيمة الرّمز، وانخلاع الجسد، خلال هذا الفيض الرّائق الذي تقنع بكم من الأقنعة، ووسّد بكم من الأردية، كانت سبيلاً إلى ما ورائها من مقاصد.

ويظهر ذلك- بصورة أكبر-على لسان بطلها:"  وأنا كنتُ-لسوء حظّي- آلة الدّمار والفتك التي تعيث قتلاً وتشريداً وإثماً في أولئك المؤمنين الذين تسمّيهم الدولة ثوّاراً. أصدحُ الآن بترنيمة الرّوح والحقيقة " أن لا إله إلاّ الله"، الآن عرفتُ حكمة أن أخلع جسدي الطّاغي الظّالم الخليق بالعذاب والخطيئة، لألبس هذا الجسد الطّاهر العارف بشؤون الحقيقة والنّور والهداية، فلا عجب إذن أن يكون اسمها شمساً، لتنير قلبي بقلبها، وتقود جسدي بجسدها، وتنيرروحي المعتمة بروحها الوضيئة.

لابدّ أنّ السّماء قد قبلتْ بي تائباً يعود إلى فراديس الله وسدرات منتهاه عارياً من كلّ خطاياه ولاسيما جسده، ووهبتني مِنّة المغفرة لتقرّ عيني، وتطيب نفسي، فجعلت من هذا الجنين المخلّص سليل العشق وطاقة البُعد الخامس إمارتي على القبول ورسالتي الحجّة بين يديّ الله، وقد آن لي أن أسعد بهذه الحجة (24).

وتلك هي المحطة الأخيرة التي تتوقّف عندها غايات القصّ، ومضامين القول ومغزاه، وقد أحالت إلى ما كان وراءها، وكيف نسجتها سناء الشعلان نسجاً في هذا العمل المجهد والشّاق.

وتختم سناء الشعلان روايتها بالفصل الثّامن، انطلاق الطّاقة (25) ليكون أكثر الفصول واقعيّة، إذ تبدأ بحديث مطوّل لما بين الله والإنسان، ثم مابين الإنسان والإنسان.

وإذا كانت الكاتبة قد انحازت-في كثير من طروحاتها- إلى السّرد (الفانتازي)، والجنوح بالخطاب (الفيزيقي) المتجذّر في طوايا التّراكيب، وثنائيات المعنى، فإنّها لم تبرح مكانها بعد.

ويبقى من هذا الجزء الأخير (انطلاق الطّاقة) قد ترامى في تراكيب يحدوها شيء من صدق، رأيناه في ألفاظ من حقل (البوح)، أبان عن لحظته (الموسومة) في حقيقة لا تبتعد عن عبق اللحظة، وخرافيّة الحدث، في اقتناص لنشوة التلاقي، وكيف ظهرت هاتكة لأسدال الحقيقة، ومعرية إيّاها في غير وجل.

لقد أظهرت سناء الشعلان في روايتها فيضاً شغلنا على مدار الحدث، وهي- أيّ الرّواية- وإن بدت تغلق الأبواب بداية أمام متلقيها، إلاّ أنّها كشفت عن كلّ هذا جملة واحدة حينما اقتربت من النّهاية.

كذلك تكشّفت الرّواية من شيء آخر في وريقاتها الأخيرة، تجسّد في نوع من علاقة فاعلة بين الصّوفي والعاشق والفيلسوف.

 

..................

الهوامش:

(1) رواية"أعشقني":سناء شعلان، ط1، دار الوراق للنشر والتوزيع، الأردن، عمان، 2012، ص9.

(2) روائيّة أردنيّة.

(3) رواية "أعشقني":ص13.

(4) نفسه:14+15.

(5) نفسه:27.

(6) نفسه:37.

(7) نفسه:41.

(8) نفسه:53.

(9) نفسه:65.

(10) نفسه:61.

(11) نفسه:65-66

(12) نفسه:83

(13) نفسه:83

(14) نفسه:95، 94

(15) نفسه:96، 95

(16) نفسه:101.

(17) نفسه:102.

(18) نفسه:125.

(19) نفسه:125.

(20) نفسه:127.

(21) نفسه:128.

(22) انظر:حي بن يقظان، ابن طفيل، الهيئة المرية العامة للكتاب، مصر، القاهرة، 1999.

(23) رواية"أعشقني":162، 163.

(24) نفسه:171.

(25) نفسه:180

 

قراءة في "بريد بغداد" للناقد العراقي المغترب حاتم الصكر

theyab shahenكانت صدفة جميلة تلك التي جمعتني مرة أخرى مع الناقد الكبير حاتم الصكر في زيارتي الأخيرة إلى دولة الإمارات العربية، وبقدر سعادتي بهذه الصدفة فقد كانت سعيدة أيضا لصديقي الناقد حاتم الصكر حتى أنه وصفها قائلا "صدفة أكثر شجنا وعذوبة من موعد" حين كتبها على الصفحة الأولى من كتابه"بريد بغداد"حينما أهداه إليّ سوية مع كتابه الآخر"قصائد في الذاكرة" .

في مقدمته للكتاب تحت عنوان"ألم عابر للقارات"، يقول حاتم الصكر:- مرت سنوات عجاف وبريد بغداد لا يحمل إلا الموت وأخباره المصبوغة بلون الدم القاني، والسواد الذي تعرضه جدران بيوتها ولافتات الغياب التي تشكل فضاء شوارعها.

وإذا كان بريد بغداد الذي تتناقله وكالات الأنباء وتعرضه صورة وصوتا يمثل جانبا مرعبا يبشر بالموت ويخنق الصدور بدمويته إلا أن هنالك بريدا ينقل ما يجري في بغداد بصورة مغايرة ومختلفة، بريد ينقل الحياة  ونبضها في شوارع بغداد خاصة والعراق عامة حيث يصفه حاتم الصكر قائلا:- ثمة بريد آخر كان يناور ذاكرتي ويقتحم غربتي ويجعلني ألمس نبض بغداد حيا عبر رسائله، كلما مددت يدي مجتازة غبار الصندوق وصمته أحيانا..بريد يحمل كتب الأصدقاء المقيمين في الوطن وأخبارهم ونتاجاتهم، ويؤجج ذلك الحنين الذي يتكاثر كنبت وحشيّ على سهول القلب فيؤلمه ويطعمه للمرض والأزمات.

فضلا عن البريدين السابقين هنالك بريد ثالث ينطوي على ما ضمته روح بغداد في المنافي،  وهذا البريد تنبع أهميته من كونه يجمع بغداد روحا وجسدا وينسف وهما مفتعلا يعمل ضمن مقولة متهافتة وهي مقولة الداخل والخارج، لذا فالناقد وإيمانا منه من حقيقة ألا فرق بين مثقفي العراق وكتابه ممن يعيشون في الداخل والخارج، فقد ضم كتابه بالإضافة إلى ما كتبه عن العراقيين الساكنين في الداخل ما كان قد كتبه عن قصائد أخوتهم الساكنين في الخارج حيث يقول :- وهذا الكتاب يجمع بعض ما وصلني من بريد بغداد شعرا، وما ضمت روحها في بعض المنافي، ويعكس صورتها ممثلة بالقصيدة في فضاءات المدن التي لم تجعل بغداديات العراقيين إلا صورة أخرى تزيل وهم الداخل والخارج وامتياز كل منهما أو تميزه، فالروح التي احتوتها الشعرية العراقية وعبر أجيال الكتابة المتنوعة شعرا وسردا ونقدا لا تقيم فاصلا بين داخل وخارج، ومنفى ووطن.

ولو رجعنا لمحتويات الكتاب نجد أن الناقد الصكر قد قام بإلقاء ضوء نقدي على جزء من الشعرية العراقية من خلال ملف شعري نشرته جريدة الأديب تحت عنوان "شعر ما بعد الستينات"،  ولا شك أنها مغامرة شخصية وموضوعية بالنسبة للناقد الصكر حيث يقول(ص 9):- كيف أفلح في أن أفك ذاتي عن موضوع مراجعتي لقصائد تنعى ما راح وتندب ما بقي؟، بل كيف أبصر المشهد وأنا مفردة موجعة فيه؟ ألم شظاياي وأركب خطابا بدم بارد وحياد مهني لأعاين الفني والموضوعي في لوحة مستعرضة أو شريحة مقتطعة من جسد الشعرية العراقية الكثيفة، ولكن المثخنة بالألم الذي يفيض فيجرف كالسيل ما يعترضه من لغة وتراكيب وايقاعات وهيئات خطية ممكنة؟.

ضم الملف (22) شاعرا وهو عدد لا يمثل سوى جزء بسيط في مشهد الشعرية العراقية يكاد لا يعني شيئا في الواقع الحقيقي الشاسع وهو ما جعل الناقد الصكر يتساءل متهكما(ص 11):- ألا تبدو خطة المحرررين في (الأديب) طموحة للغاية، وهم يتوخون عبر تقديم 22 شاعرا أن يلموا بأجزاء صورة شاسعة يصطف فيها الشعراء كحراس الليل الذين رتبهم فان كوخ في لوحته الشهيرة جلوسا ووقفا لكي لا يحرم أحدا من الظهور؟ ثم هل يمكن لعدد خاص أن يلم بصورة ما بعد الستينات كما عنونت (الأديب) على غلاف العدد.

يوجز الناقد الصكر أن الخارطة الشعرية العراقية تنطوي على طغيان قصيدة النثر في خطابها ثم قصيدة التفعيلة بدرجة أقل فاعلية وكذلك تأتي قصيدة النص بوصفها نوعا ثالثا خلفهما يتميز بكونها نسقا له مركز وليس له نهاية، ولكنه يتحفظ على كون الشعر الستيني حدا فاصلا بين نوعين من الموجات الشعرية العراقية، بالرغم من انطوائه على عقدة كولومبوس أي عقدة الاكتشاف الذاتي وإلغاء الآخر، ولكنه أي الشعر الستيني وحسب الصكر يمثل مناخا عاما ونقطة تحول صار فيها للتجارب الشكلية مدى أوسع واتسمت بالانفتاح على قصيدة النثر كمقترح لتطوير أفق التجديد  الذي جاءت به قصيدة الرواد الحرة في الأربعينات، ورغم تأكيد الصكر على صعوبة مهمته في إنجاز خطابه النقدي حول ملف يحتوي على حساسيات مختلفة في الشعرية العراقية لكنه يخرج بملاحظات في نهاية ورقته يصرح بكونها غير عامة بسبب الانتقائية في عملية الاختيار ومحدودية الأسماء وظروف النشر، حيث يجد حساسية واضحة وعناية بالجماليات النصية ينعكس فيها مزاج ثقافي يميز القصيدة العراقية، ولا حظ الصكر في النصوص المنتقاة ميلا للتكثيف والاقتصاد مما أدى إلى تشظيها، ومن ناحية المضمون وجد الصكر أن الشعراء في هذا الملف مهمومون بوطن (جارح- جريح) محاصر بالمحتلين والدمويين، ماسكا روحه بكفين واهنتين لعله يرى سلامه القادم وحريته وأمنه، وأبناءه الغائبين والمغيبين قبل أن تبيض عيناه وأعين محبيه حزنا ودمعا ومراثي.

وتحت عنوان (قصائد في أفق الحداثة) يتناول الشاعر مجموعة قصائد لتسعة شعراء آخرين، وفي معرض تقديمه للنصوص يقول حاتم الصكر(ص45):- إذن فهذا فجر يوم تصبغ أفقه قصائد العراقيين سحرة الكلمات منذ ذلك الذي رأى كل شيء، وحلم أن تتغنى به بلاده قبل أن تعبث بأور العاديات والرصاص).

في الواقع أجد الناقد الصكر يكتب مقدمة نثرية مؤثرة يختلط بها أسى الناقد بوصفه إنسانا بمحنة الوطن وشجن كتبة النصوص موضوعة النقد حيث نقرأ في الصفحة ذاتها(إذن هي أوجاعي الراقدة تحت صبر قليل نفد حتى انعدم، وأمل أقل تلاشى في فضاء غربتي الغريبة-بتلخيص التوحيدي- وحلم صار وهما كتلك الأوهام التي صيّرتها أحلاماً، في زمن مرَّ كسحاب أو سراب وزنت سنواته بالقصائد وقصائده بالسنوات، فضاعا معاك العمر والقصائد وبينهما مفردات الطفولة والصبا، والبيت والوطن). إن قصائد الشعراء العراقيين في فترة ما بعد الاحتلال أثارت أسى الناقد المكلوم بولده الذي اختطفه البرابرة لمجرد أن جنسيته تقرأ أنه ولد في  محافظة لم ترق لهم، لا شك أننا حتى في أكثر خيالاتنا اضطرابا وفي أشدها خللا سوف لن نحلم أن نجد في العراق من سيقتلنا لأننا ولدنا في مدينة من مدن العراق فيها أكثرية مذهبية معينة، إننا في واقع الحال نبكي مع الشاعر الذي اختطف ولده لأنه ولد في واسط ونبكي على العراق لأنه انحدر إلى هذا المنحدر الوعر والمخيف عندما نقرأ قوله حين يخاطب الشعراء العراقيين:- ألا يكفي لوجعي- أيها العراقيون الشعراء والشاعرات- هذا الخريف الثالث الذي سيمر على غياب ابني في صندوق سيارة أحد(الوحوش بدشاديش قصيرة) ممن تتحدث عنهم قصيدة هنادي خليل لأنه مدون الولادة في مدينة لها ذاكرة تاريخ لا يعرفون له اسما.)

ومن الشعراء الذين قرأهم الناقد في هذه الدراسة  أحمد عبد السادة وحسام السراي وزاهر موسى وغيرهم.

وفي دراسة أخرى تحت عنوان (احتراقات المنفى وخسارات الماضي) يتناول الأستاذ الصكر مجموعة أخرى من الشعراء العراقيين منهم محمد الأمين وناجي رحيم وشعلان شريف وموفق السواد وغيرهم ممن عاشوا في المنفى حيث يجد الناقد أن ما يجمع نصوصهم  الخسارات والأحزان المتجذرة.

كذلك ألقى الناقد بعض الضوء على الشعر الكردي من خلال أنطولوجيا الشعر الكردي المعاصر التي صدرت مؤخرا تحت عنوان أرواح في العراء، وقام بإصدارها الشاعر الكردي عبدالله البرزنجي وضمت عدة أجيال من الشعراء الكورد من أشهرهم عبدالله كوران ونوري صالح وكامران موكري، وكذلك جيل الستينيين من مثل الشاعر شيركوبيكس ولطيف هلمت وغيرهم.

وقد قرأ الشاعر عدة دواوين لشعراء عراقيين منهم الشاعر علي جعفر العلاق والشاعرة سهام جبار والشاعر عبد الرزاق الربيعي وعباس السلامي وجواد الحطاب وطالب عبد العزيز وباسم فرات وعبد الهادي سعدون وذياب شاهين وغيرهم من الشعراء.

 

قراءة وتأويل للمجموعة الشعرية: بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق لقالق ميتة للشاعر حسين عبد اللطيف

ryad abdulwahedالانطلاق من لحظة الحلم

بين ما (أراه) .. وما (أقوله)

بين ما (أقوله) .. وما (أصمت عنه)

بين ما (اصمت عنه) .. وما (أحلم به)

بين ما (أحلم به) .. وما (أنساه)

   يكون الشعر

اوكتافيو باث

 

بهذه المتوالية الشعرية يشتغل حسين عبد اللطيف في مجموعته آنفا . بيد أن هذا لا يمنعنا من أن نجتاز هذه التسلسلية لنقف عند سؤال مهم يتمحور في الآتي :

ما الذي يربط بين شاعر عراقي ومنبت شعري يبعد عنه آلاف الكيلومترات غير مراد التجريب، والولوج إلى منطقة غير مأهولة لم تطأها قدما الشاعر من قبل .إنها تجربة حساسة، بل مغامرة لشاعر نحت تاريخه الشعري بأزميل الحقيقة والنقاء والدأب . فالشاعر حسين عبد اللطيف ومنذ مجموعته الشعرية الأولى \ على الطرقات أرقب المارة \ 1977 يبحث دائما فيما يتبدى وراء الأشياء، ولا نبالغ إذا ما قلنا انه يجلس على محورها الرئيس، لهذا غدت ذاته دائرة مركزها الإنسان، ومحيطها نزوعات ذلك الإنسان، وإرهاصاته، وأبعادها كل ما يختلج في الروح من معطيات من دون أية خسارة على المستوى الفني . وأنا أقلب مجموعته آنفا، اكتشف ثانية يقيني لمهاراته السرية المتجسدة – هذه المرة – في صياغات صغيرة في مبناها وكبيرة في معناها ودلالاتها مما يشكل نصوصا إبداعية مؤطرة بالفطنة والحنكة واليقظة الواعية والمدارك الثاقبة . إن بلاغته في عفويته المقدسة، وإدراكه الراسخ لقيمة الإنسان ومنابته وامتداداته الروحية .انه مجموعة من القيم الإنسانية التي تسير على قدمين مرهقتين، وتنظر بعينين غير مضببتين في رؤيتها ورؤاها، انه روح هائمة في سماوات السنابل والحدائق والفراشات والسواقي والثمار والحب والفناء والصدق والخيبة. وحيث تجتمع هذه كلها تتشكل القصيدة طاوية صحراء الجدب وصخب الضغائن التي تنحر الشعر قبل القلب،لكن ولهه الإنساني أقوى من سكين الوقت، وأمضى من ضغينة الثقوب السوداء المنتشرة على أجساد البعض . ثمة بساطة متفلسفة بيد انها منسجمة ومندمجة مع الفيض الإنساني لهذا الشاعر – الإنسان، إنها مرسومة في كل خلية من خلاياه بنحو تكافلي . من هذا المنهل الثر يستقي حسين عبد اللطيف ثراءه الشعري، حداثته التي تستجلي الأزلي فيما هو آني، وتعبر بحلم يقظ من الآني إلى المستقبلي وهذا هو سر تميزه وتمايزه . إذن هذه التجربة تجربة انبثاق نحو الأزلي في الطارئ، ودفع الطارئ باتجاه حرث الجوهري من اجل صوغ شعري يتنفس من رئة الوجود الصادق . انه يتعامل مع الكون بروح سامقة لكنها مندهشة، باحثة عما لا يؤرقها في مكان قصي لتزهر فيه ثانية من دون عناء ومكابدة .

 

المتعاليات النصية

يسعى النقد المعاصرلأستجلاء مكامن بنية الرواق النصي وهيكليته قبل الولوج إلى باحة النص بسبب أهمية فحص ذلك الرواق وتمشيطه قبل فتح باب النص الرئيس مما يجعل المتلقي مزودا بحيثيات مسبقة وطرق نيسمية معلَمة تساعده في فك لغز التشفير القابع في أقفال النص . مما لا شك فيه إن تصميم وشكل الكتاب أول ما يشد المتلقي، اعني تصميمه الهندسي . أتخذ ت المجموعة شكلا مغايرا لما هو معهود إذ إنها جاءت على هيأة مستطيل مبسوط ولعل الأمر شكلي أكثر مما هو مضموني .أما \ النصيص \ ونقصد به العنونة الرئيسة فتعطي للنص هويته وتساعدنا في ضبط انسجامه بنحو عام، وفهم مستوياته الغامضة، إذ إن ما يكتنزه النصيص من إثارة وتشويق يزيد من سعة التأويل . فالثنائية المعتمدة في نصيص هذه المجموعة هي الحياة والموت، والشروق والمغيب بواسطة حديه الرئيسين : البرق + اللقالق .تتوسط لوحة تشكيلية الغلاف الأول، وهي للفنان والناقد التشكيلي خالد خضير . واللوحة عبارة عن تعبير تجريدي كاليغرافي ذي بعد رمزي لا تنفك رموزه بيسر .فاللوحة كما نظن نص بصري آخر ذو تراتب لوني وتخطيطي، وتنم عن يقينية بصرية تتجلى في اكتشاف مفرداتها . وتبدو اللوحة للمتأمل فيها مليا إنها عبارة عن جناح مفتوح يخيم على بدن طولي يظهر باطنه من الأسفل . فهي تضمين رمزي لسقوط حر بفعل مؤثر خارجي . استعمل الفنان الألوان الداكنة ليجسد فكرة القلق والخوف، فاللوحة تصور لنا من خلال خطوطها المتشابكة والداكنة باللون الأسود اللحظة المجهولة، والأفق المحاط بالخوف والوجل بسبب مجهوليته لأن اللون الأسود يشير إلى العماء الأكبر الذي يصيبنا بالذهول . وركزت اللوحة أيضا على اللون البرتقالي لأن اللون الأسود لا يقبل تشكيليا الألوان الباهتة . أما اللون الأصفر فيثير فينا إحساسا بالموت والفناء . أحيطت اللوحة باللون الرمادي وهو لون يوحي بالغموض والسلب . أتسمت اللوحة بالخطوط الأفقية التي تزيد من سعة الارتباط بالأرض كما تثير فينا التوتر والترقب وتزيد من الطبيعة الحركية والاندفاع والإحساس بالسقوط . جاء اسم الشاعر تحت اللوحة مباشرة وتحته بنية تجنيس العمل \ متوالية هايكو \ والمتوالية تعني مجموعة من الإغراض أو الأحداث المرتبة بنمط خطي إذ يكون ترتيب أعضاء المتوالية محددا ومميزا بنحو تام، بمعنى ارتباط بعدها بما قبلها وفق قاعدة ثابتة . إذن التجنيس يميل إلى العلم في حده الأول فهل هنالك من صلة بين العلم والشعر لكي يضع الشاعر مثل هذه العلامة اللغوية العلمية؟ يمكننا القول إن هنالك صلة واضحة بين الشعر والرياضيات فيما يخص في اقل تقدير الشعر الموزون ذلك إن (بحور الشعر وتفعيلاته قائمة على الدقة والتوازن وكأنها معادلة متساوية الطرفين لأن أي تغيير في حركة التفعيلات سيغير الوزن مما يؤدي إلى اختلال الموسيقى الداخلية للبيت وتخرجه من بحره المعتمد \ الشعر والرياضيات والفيزياء \ سال يوسف الجابر \ منتديات مدن الالكترونية \ . إذن ثمة رباط بين الشعر والعلم بنحو أو بأخر وكان اختيار الكلمة مستند على بعد منطقي . الغلاف الأخير يتضمن صورة وسيرة ذاتية للشاعر مع توصيف للهايكو . العتبة الأخيرة هي الإضاءة الطويلة التي حددت مسارات واختيار مثل هذا النوع من الأعمال ورؤية الشاعر له .

تتكون المجموعة الشعرية من (224) ومضة غير مرقمة وغير معنونة حتى لا تخرج عن دائرة الهدف الرئيس للمتوالية . تشتغل النصوص من اجل تعميق الأثر المقصدي إذ تخرج من عباءة كينونتها المتمثلة بالغموض الذي يلفها إلى الأفق الأوسع الذي يعطيها أوكسجينا لتفك اشتباكها السحري الذي يتراكم صعودا لمسك المقتربات التي تزيد من سعة العنف، ويكشف سر المحجوب \ اللامرئي

 

الطعنة .. قبلة المدية

والجرح:

احمر شفاها

 

يحول الامتصاص اللغوي بنحو سريع ما هو تعبوي لما هو عاطفي، إذ نرى إن بين الطعنة والقبلة مسافة إنتاج قصيرة جدا من الناحية الزمنية، إذ يحصل انتقال خاطف من قبح الطعنة إلى ثراء القبلة، انه تداخل البرانى والجواني لتوسيع المديات الثنائية المتنافرة بنزوع تقابلي متقن .

الطعنة .......... قبلة

الجرح ......... أحمر شفاها

هكذا تترمم الأفعال فيما بينها بنحو تعالقي غير منفر لكي يبقى الشعر في خانته الأصلية . ولا يقف مبدأ توسيع الإحالة على ما هو ملموس بل يتعداه إلى رؤى أخرى تحاول خرق المتداول بنحو غرائبي، وغير متوقع، بمعنى إننا ندرك هذه الحقيقة لكن تكويرها على ما هي عليه شعريا هو الامتياز

الدينار

على الرغم من انه ورق

لكنه

لا ينمو على الأشجار

هكذا يخرج الدينار من عالمه ليستقر على عوالم ليست من تصنيفه بيد إنها من صنفه لأن القضية الرئيسة –هنا – هي الإنسان وما يسد رمقه .إذن هذه الورقة \ الدينار أضحت سر الحياة، بها تنبني سعادة الإنسان، وبها تنبي - أيضا- تعاسته، لهذا انحرفت عن مسارها شعريا لتشتغل على بنية التوليد والتوالد . وعلى الرغم من وقائعية كل المفردات إلا إنها تكتنز كفاءة دالة، تبادلية تكمن في اقتراح حقل دلالي آخر يهتم بالغايات . انه ورق طبقي إذا صح التعبير حتى في تصنيفه . هذا الانسلاخ لم يأت مما هو براني بل هو في كينونة الشيء، في تجلياته، في ضديته على حقله وجنسه وتصنيفه . ولا نعدم المنطق إذا ما قلنا إن هذه الإحالة ترينا كيف تتمدد الأشياء خارج كيانها المألوف | ورق لا ينمو على الأشجار | لا ينمو برانيا بل جوانيا \ ينمو في الجيوب \ . إنها مضاعفة خارج المألوف، وصوغ يؤطر أفق المهارة النصية، انه عملية استجلاء اللامرئي، وكشف عن مضماره الأبعد عبر إلغاء الحصر المكاني، والامتداد فيما هو تفصيلي لأزاحة الأشياء من مكانها كي تتيح حركة في المغايرة المحسوبة حسابا دقيقا . وتتمدد النصوص على فرشة الفيوضات، والمديات لأستدعاء الفراق والوحشة ومناشدة الروح التي تهوم فوق النهايات المؤلمة، وترفرف لتستدعي كل ما هو جميل، لأنها – في الأصل – صرخة في وجه الفناء، واستدعاء وجوبي لصفة البقاء النوعي، إنها عملية إحاطة الفناء بثاني أوكسيد البقاء .

في الباحة المضاءة

على الأزهار التي فوق التابوت

تحوم فراشة

إن \ الجسد \ لا يتوارى بل يتحرك ليتيح اطمئنانا لكل ما هو جميل وان كان مقيدا بالمكان المغلق .انه خروج نحو فضاء الحرية من تحت ركام الموت، وانه – كذلك – شبق كينوني للفراشة، وصرخة ضد النواح على مساحة الحياة الأبهى والأجمل . انه الفائض الروحي خارج مدى القهر البراني . تنطلق هذه النصوص من أوجاع اللحظة محلقة في زمن اجدب، عقيم،إنها صورة الانسحاق والاغتراب مما يقع بين اليدين وأمام العينين من دون وجود القدرة على التغيير بل الرضوخ إلى المتحصلات النهائية المشؤومة والسوداوية

جواد العربة المكدود

الآن يشعر حقا

إن عليقته تبن

هكذا يشيع النص وجعه، انه ليس جواد العربة المكدود، انه الإنسان النبيل المربوط بعربة الزمن، هو الإنسان المخبوء وسط فجيعته، معاناته المنفجرة، قهره العاري، انسحاقه حد الموت . انه الاختلاف ضد زمن ملعون، الاختلاف الساخر بمرارة لا تعرف التلفيق لكنها – مع هذا كله لا تموت في الكلمات، انها تحيا بالآخر، بالإنسان – الإنسان، المشبع بروح القناعة والرضا الروحي . وتنبثق لغة التضاد من اتساق مطرد بين المفردة وحمولتها

ثيابي التي ارتقها بيدي

لا تقل أبهة

عن ثيابك الجديدة

أيها الإمبراطور !

تبقى الذات منغرسة في قيمها الثابتة، تغسل بنقائها الديكورات الخارجية،فالأبهة لا تحسب بالمظهرية بل بالنظر إلى الجواني الذي يؤثث أنا المتكلم بضمير لا يعرف الحيادية بل يفترش منابع الأبهة الروحية .انه نص يعين فخامته الروحية من دون أن يمحو وجوده في عالم مظهري، لهذا يظل كيانه البرانى، اطمئنانه على ما تبقى ليرمم طقوسية خارج المألوف، طقوسية تنظر بفائض الرؤية لا بفائض المظهري لتركن إلى المطلق أكثر مما تركن إلى الطارئ الزائل، انه يتخلص من خديعة العقل بطقوس العفة لينطلق في أفق أرحب وأجل

أنتهيت إلى ماء السبيل

وحدي، أشرب باردا ولذيذا

فكعت .... نفسي

إنها حالة الخروج من الفردانية، من ظمأ الفم إلى ظمأ الأفواه، من تأنيب النفس الأمارة بالاشتهاء، إلى النفس الباحثة عن الملاذ، عن كبح جماح الغرائز لترتقي إلى مصاف الدرجات العليا . إن \ الماء \ - هنا – على الرغم من واقعيته لكن النفس تكسر قيده بما هو مشروع، النفس تكسر أغلالها، قيودها، وتحرر الجسد من شهوته الآنية عبر تضاد متنوع

قطيع الزيبرا

يرعى طليقا في البراري

لكن بثياب السجن

هكذا تتمازج الحرية بالقيد ليكون الجسد هو العذاب القسري، العذاب المفروض، انه القيد الوجودي الذي يشد على البدن ليستلبه .لاحظ البراعة في النقل الكاميراتي واللقطة السينمية اللماحة التي تستجلي لغة تتسق فيها المفردة مع حمولتها التي تنسج علاقة عضوية بين البراني والجواني بضربة فنية تعود إلى مناخ اللوحة المرسومة أمامنا والتي استطاعت أن تؤثث رؤية جديدة لصورة طالما نراها لكننا لا نفكر فيها بالطريقة نفسها . ويتخذ القصد المبيت مساحة مهمة من هذه المجموعة، إذ تنبي اللبنات وفق سياق ممنهج يعمل على وضع أية لبنة في موقعها الذي ينبغي أن تشغله في بنية المتوالية :

كأن لي عليه دالة

أو بيني وبينه وشيجة

الكشتبان

يتحمل عني، وخز الإبر

إن عبارة \ الكشتبان\ ذات وظيفة وصفية، ترمي في مقاصدها المبيتة إلى ما يقي الإنسان من المؤثرات الخارجية بما يعزز من وجوده واستمرار سلامته، وان \ الوشيجة تبدو ظاهريا حقيقية إلا إنها مجرد رابط نفسي لأن إسباغ ما هو حسي على ماهو جماد لا يمت إلى الحقيقة بصلة لكنه لا يستحيل شعريا، إذ يتجلى - هنا – فائض الرؤية بنحو خلاق بما عزز من ديمومة علاقة غير متناسبة لكنها غير مستحلية في نظر (العين المثقفة) التي تستنبط ما بعدية الأشياء .لاحظ التبادل القوي بين الضمير \ الوارد مع حرف الجر عليه \ والفعل وحرف الجر \ يتحمل عني \، هذه التبادلية أنتجت ما يتمخض من عملية \ الوخز \ الحاصلة للسارد . حتى يبدو الأمر وكأنه حقيقة واقعة إزاء حضور وفعل معنويين .

لقد أثبت حسين عبد اللطيف قدرته الفائقة على اصطياد ما لا يمكن صيده مما يقع في مدى الرؤية وخارجها، وحرصه على إن يبقى للشعر مرمى أنساني مما يحقق لنصوصه ديمومة متجددة

 

خِفّة البطء .. قراءة في "من يؤنس السّيّدة؟" لمحمود الرّيماوي .. على ضوء "البطء" لميلان كونديرا

basma alshawaliبعد مجموعات قصصيّة عشر وكتابيْ نصوص أصدر الكاتب العربيّ محمود الرّيماوي سنة 2009 رواية: "من يؤنس السيّدة؟"عن دار فضاءات للنّشر والتّوزيع. كُتبت الرّواية بأسلوب متأنّ هادئ ورصين، كتبت ببطء ساير طبيعة الأحداث وبنية الشّخصيات البدنيّة والنفسية والذّهنيّة، فكان البطء، إضافة إلى عديد المواضيع الهامّة الأخرى كالتعايش السّلميّ بين الأديان على سبيل التّمثيل لا حصر، كان المفهوم الأبرز والذي أرخى بظلاله على مساحات شاسعة من الرّواية وراوح السّردَ بين خفّة الحلم والذّاكرة إزاء ثقل الواقع اليوميّ المعيش ورتابة الحياة في كنف الوحدة والعزلة النّفسيّة والاجتماعية التي يعاني منها بصفة خاصة المسنّون وقد تفرّق عنهم الأهل والأولاد وانغلق عليهم اللّيل بوحشته وهواجسه. هذا وقد طرح الكاتب التّشيكيّ ميلان كونديرا رواية عنونها بـ "البطء" (صدرت طبعتها الأولى سنة 1997)، تقصّى فيها هذا المفهوم من وجهة نظر فلسفيّة ونقديّة في موازاة مع مفهوم السّرعة الذي ميّز العصر الحديث لا سيّما القرن العشرين، عبر الغوص العميق في سرد قصّتي حبّ مختلفتين من حيث زمن وقوعهما، حيث حدثت الأولى في القرن الثّامن عشر وكانت الثانية في القرن العشرين فيما اشتمل عليهما المكان نفسه.

1-" من يؤنس السيّدة ؟" بين عتبتين.

1-1: العنوان، خفّة الظّنون:

ورد عنوان الرّواية جملة استفهاميّة أشرعت فيها أداة الاستفهام "من" سؤال الماهية على إحالاته المختلفة: ماهية المؤنس باعتباره الطّرف الرّئيسيّ المفقود في علاقة "الأنس" موضوع العنوان من جهة، وماهية هذا الأنس من حيث أنّه علاقة إنسانيّة تفاعليّة يتحقّق فيها لكلّ من طرفيْ العلاقة المُؤنِس والمؤنَس البعد النّفعيّ النّفسي و/ أو المادّي المرجوّ.

"من" سؤالٌ المعنيّ به عاقل بالضرورة، وجوابه مفتوح متعدّد الإحالات. فهو لا يحيل قارئ العنوان على مطلوب بعينه من حيث العدد، أو الجنس، أو السّنّ أو المواصفات المشروطة فيمن يستأنس في نفسه الكفاءة ليتقدّم لهذه المهمّة المغرية والمحفوفة بالغموض في آن: أن يؤنس السيّدة.

سؤال يثير لدى المتلقّي غريزة التّلصّص على الأسرار الحميمة لسّيّدة تبحث عمّن يؤنسها فتروح به الأسئلة وتجيء مرقّصة إيّاه على حبل الاحتمالات..  تحلّق به خفيفا في سماء الخيال، تؤرجحه على بساط الغواية ومن حولها ترفرف الأسئلة الضّمنيّة الأخرى: لماذا؟، كيف؟، متى؟، أين..؟ ربّما أرملة هذه السيّدة تدثّرها الأحزان، أثريّة هي..؟ أو مطلّقة تثني صدرها على خيباتها المرّة.. أترى لم تنجب ولدا أم أنّ أبناءها تفرّقوا عنها في دروب الحياة وأهملوها للوحدة تسوس عظامها وتداد في نفسها المرهفة..؟ أم هي امرأة تتجرّع مرارة الوحدة الزّعاف والمنزل مكتظّ حولها بزوج وعيال..؟ أو قد تكون بائعة هوى تستخفي بوجاهة اجتماعيّة زائفة..

تأخذ خفّة الظّنون بفضول القارئ من يده ليدخل الرواية من باب أحكامه المسبقة، من نافذة الموروث الثقافيّ والاجتماعيّ، من مكر الأمثلة الشّعبيّة التي حيكت عن المرأة الوحيدة تطلب أنيسا، من عمق المخيال العربيّ النّائم في دفاتر التّراث الصّفراء ما فتئت حتى اليوم تردّد في ثقة لا مراء فيها آدم الذي خُلق من تراب قد جُعلت نهْمته في التّراب عملا وكدّا، بينما جُعلت نهمة حوّاء في آدم لأنّها خُلقت من ضلعه، خُلقت من لحم حيّ، و"اللّحم الحيّ آيل إلى فساد" على رأي الثّعلبيّ في عرائس المجالس لتبرير ما يمارسه المجتمع الذّكوريّ الفجّ على المرأة من أشكال الحصار والمصادرة المفروضة عليها  بكلّ أشكال الحجب والإقصاء الممكنة.

 

1-2: لوحة الغلاف، بطء الجسد:

138-shahlaحيّ عتيق من مدينة عربيّة عتيقة تذكّرنا بأحياء القدس العتيقة، لمَ لا والكاتب فلسطينيّ الأصل أردنيّ الوطن ما فتئ يستحضر فلسطين بقراها وأحيائها وأزقّتها العطرة في كتاباته قصصا ورواية. ترتفع في الصّورة جدران الحجارة صمّاء داكنة شاتية. وجه الأرضيّة المجدور تكسوه الثّلوج. سيّدتان تتبع إحداهما الأخرى. ولا تبدو أنّ صلة ما تجمعهما. تلتفع كلّ منهما بالسّواد نفسه: معطف حتى أسفل الرّكبتين، حذاء يرتفع إلى ما فوق الكاحل، غطاء الرأس الصّوفي، وحقيبة يد سوداء تتأرجح على ذراع كلّ منهما.. كأنّهما الصّورة وانعكاسها على مرآة الزمن الحزين هاتان المرأتان.. تخبّان الخبو البطيء نفسه، تنكّسان الرّأس المثقل كما لو كانتا تحملان أوزار العمر على كتفيهما. ولكن.. ليستا شابّتين هاتان، إنّهما عجوزان.. شيء من الارتباك يحدث هنا والآن في الذّهن بين الظّنون التي يستفزّها العنوان واليقينيّة التي تتحلّى بهما لوحة الغلاف.. هل الصّورة استفزاز آخر للقارئ بإحالة فضوله على إمكانيّة أن تكون السّيّدة موضوع العنوان عجوزا مثلا..؟ وأيّ أنيس حينها تحتاجه العجوز؟ هل سندخل مع السّارد مأوى للعجّز..؟ مراكز العناية الصّحيّة بالمسّنين..؟ من يا ترى عساه في هذه الحالة يؤنس السيّدة؟.

 

2-"من يؤنس السيّدة؟ في بيت السّرد.

2-1: حكمة البطء:

      يقتحم القارئ "بيت" الرّواية مدجّجا بتصّوراته المسبقة ممنيّا نفسه بليال حُمْر، ومغامرات عاطفيّة وبورنوغرافيّة ربّما تجزي ظنونه كفايتها من المشاهد المثيرة. يقع على السّطر الأوّل فإذا به أمام " لغم" لغويّ يربك درب التّوقّع كصدع كبير يقطع الطّريق على المارّة: "السّيّدة السّبعينيّة (في أواسط سبعينيّاتها) بالكاد رأت سلحفاة في سنيّ عمرها الّطويلة، إذ يصعب على ذاكرتها أحيانا التّفريق بين ما سمعته وما رأته بأمّ العين حيّا ينبض وما شاهدته في الصّور والأفلام". يحدث هنا ومنذ البدء ما يسميّه ميلان كونديرا:" خلق انقلاب روائيّ وتوتّر وتشويق" .

السّيّدة فعلا عجوز .. !؟ صدقت لوحة الغلاف، وخابت أكثر ظنون العنوان.. ربّما السّارد يراوغنا بين خفّة رقصات الخيال وثقل حركات الصّور الأولى التي شكّلت افتتاحيّة المتن السّردي.. يورّق القارئ الأسطر، تلو الأسطر.. الأحداث تسير بطيئة ثقيلة حذرة خطو عجوز تقدّم بها العمر. زاحفة، متوجّسة كسلحفاة معمّرة، يغلب عليها الصّمت والهدوء، كمنزل امرأة مسنّة تعيش وحيدة.. لا أرامل شبقات إذن ولا مطلقات برّح بهنّ الحرمان، ولا سيّدات عابثات يجزين خيالنا بمغامراتهنّ العاطفيّة الساخنة: فالسيّدة التي تبحث عن أنيس هي " أمّ يوسف ، امرأة سبعينيّة يدبّ في ذاكرتها النّسيان، ويرهق بدنها الضّعيف ضغط الدّم وقرحة معديّة.. لكنّ الأمر يظلّ مثيرا على كلّ حال، ويظلّ أمامنا سيّدة تبحث عمّن يؤنسها. وهنا تغيّر مخيّلتنا استراتيجيّة توقّعاتها فيما يتّصل بالأنيس المحتمل، فأيّ شخص تراه يكون: أحد الأبناء أو الأحفاد؟، ممرّضة؟، مختصّة في مرافقة المسنين؟، معينة منزليّة..؟

لنتعرّف على هذه السيّدة أوّلا:

حدّثت عنها جارتها وصديقتها المقرّبة منها أمّ عوني قالت:" أحبّ حسيبة (وهذا اسمها) لأنّها لا تلوك سمعة النّاس ولأنّها حنونة، هادئة وقويّة، لا لأنّها أرملة. ليست لديها مسكنة الأرامل، التّرمّل لم يكسر شوكتها بل جعلها أكثر رقّة ولطافة. لو وقع زلزال لا سمح الله لما أخرجها من هدوئها، لما هزّ ثباتها" .

حسبية، وتُكنّى بأمّ يوسف امرأة "ثابتة ورزينة"، لا "تهتزّ" بسهولة ولا "تضطرب" لأدنى موقف، وهي صفات الثّقل الإيجابيّ إزاء خفّة العقل والاستعجال في اتخاذ المواقف وردود الفعل وإصدار الأحكام المتسرّعة .  لها أولاد ثلاثة متزوّجون غير أنّها لا تحبّ الإقامة عند أيّ منهم. فهي "على درجة كبيرة من الاعتداد بنفسها"، وتعتبر أنّ "من خرج من داره قلّ مقداره". تقدّم لها أحدهم خاطبا، كان " في عمرها"، وقد "سعى للزّواج بها ما إن ترمّلت بحجّة أنّ امرأته مريضة وما هي مريضة لكنّ الشّقا هدّها". حسيبة تتكتّم على الأمر، و" لا تبوح باسمه لنفسها" . يتصدّى هنا السّارد وهو الـ "عالم بكل شيء، عالمٍ بنفسية الشخصية الروائية، ومدركٍ لقدرات ذاكرتها، ولمقالبِ الشيخوخة "  ليطلعنا على خبايا نفسها، وثرثرة سريرتها على رصيف الذّكريات البعيدة، ذكريات حبّها لأبي يوسف، وذكريات التّهجير العدوانيّ لآلة القمع الإسرائيليّة سنة 1948، والتي رحّلت قسرا عائلتها لتقيم مع غيرهم من اللاّجئين الفلسطينيين في مخيّم الحسين في عمان، فنعرف كلّ ما يتعلّق بهذا "الزّوج المتشبّب" على رأي أمّ يوسف. فهو عاطل "منذ عشرين سنة لا يعمل ولا يملك ما نفق على بطنه وعلى سجائره.." وإنّما "سعى إليها طمعا في بيتها والقليل ممّا تملك: تقاعد المائة وعشرة دنانير من وزارة الكهرباء" و"العطالة أمّ كلّ الرّذائل" على رأي كونديرا ، ولذا كان ردّ حسيبة حاسما: "الوحدة خير من جليس السّوء" عملا بنصيحة ابنة الجارة. 

عن أيّ أنيس تبحث إذن؟ رفضت الزّواج، رفضت الانتقال للسّكن مع أحد أبنائها الثلاثة المتزوّجين، تحبّ أحفادها الصّغار غير أنّها تضجر من خفّة صخبهم ومرحهم الذي يغدو سريعا ثقيلا غير محتمل. كما لا تحبّ من جاراتها عادة "المرواح والمجيان( الذّهاب والإياب) خاصّة قليلات العقل اللاّتي يطلبن حفنة ملح والدّكانة جنب دارهم.. " . لا تحتاج إلى ممرضّة كما لا تحبّذ فكرة المعينة المنزليّة، ولا تحبّذ تربية حيوان أليف: " قطّة لا تشبع من طعام أو حليب، وتظلّ تحفّ بأقدامها لا تفارقها"، أو كلب يقضّ مضجعها بالنباح ليلا (...) ويدعو كلاب وكلبات الحيّ والجوار لقضاء أمسيات معها تحت شباك غرفتها". ماذا؟ هل ستظلّ بقيّة العمر" امرأة وحيدة تؤنسها الصّراصير.."؟ كلاّ، إنها تبحث عمّن يؤنسها فعلا، ولكن بالشّروط التالية: أن لا يربك "نظامها المعهود والهشّ"، لا يثير ضجّة ولا فوضى بمنزلها، لا يثرثر كثيرا، لا يفسد عليها رتابة أيّامها التي رتبتها وفق ذوق عجوز حذقة نشيطة"على درجة كبيرة من الاعتداد بنفسها"، يحادثها من غير إسراف ولا تقتير وفي الوقت الذي يناسبها. أنيس يؤمّن لها فنّ المحادثة بلا صخب ولا هذر. هذا الفنّ الذي " لا يترك أيّة إيماءة دون تفسير وتحقيق لمعناها.." والمحادثة " ليست عمليّة نملأ بها الوقت بل هي التي تنظّم الوقت وتحكمه وتفرض قوانينها الواجب احترامها"  وهو كذلك فنّ الصّمت من وجهة نظر أخرى، ذلك الذي تثرثر في حضرته الذّاكرة بلا خجل ولا مواربة في وقت لم تعد تملك فه حسيبة غير مخزون الذّاكرة تقتات منه في وحدتها التي تقرض عمرها كمثل السّرطان الذي كان يقرض أحشاءها في صمت خبيث. فمن تراه يقدر على تحقيق هذا الفنّ لسيّدة عجوز سبعينيّة لم تنس رغم تباعد السّنين أنّها لاجئة فلسطينيّة.

من يؤنس السيّدة سيكون بكلّ بساطة لا تخلو من "غرابة الأطوار" على رأي احد أجوارها، سلحفاة. لمَ لا؟ والسّلحفاة "سيّدة الصّمت العميق". مسكينة و"حزينة "بل و"قلّيلة" أي طيّبة وبسيطة وغير متطلّبة. وسريعا ما سنكتشف مع حسيبة أمّ يوسف أنّها "شاطرة، ذكيّة، هادئة، نغشة، لا تؤذي ولا تضرّ، تكتفي بقليل من الخبز والخضار والماء.."  أي أنها تتوفّر على صفات الثّقل الإيجابيّ على غرار ما تتمتّع به أمّ يوسف من رزانة وحصافة وثبات وعدم تسرّع.. صحيح أن ليس للسّلحفاة أيّة "فائدة ترتجى، و(لكن)" لم يقل أحد إنّها تلحق أذى بالبشر"،هكذا تبرّر حسيبة قرارها لكلّ من يتّهمها بالخرف أو ضعف العقل و"غرابة الأطوار" من سكّان حيّها، وسلميّة طبع السّلحفاة لوحده سبب كاف لأن تتّخذها إلفا وأنيسا يساكنها منزلها ويشاطرها حياتها ويملأ بثقل صمته وبطء حركته حياتها السّاكنة سكون الوحشة، ومعها، مع هذه السلحفاة المسالمة بالذّات " لن تكون وحيدة بعد اليوم".

سيندهش كلّ من علم بالأمر ومن قد يعلم في قادم المصادفات، فالسّلحفاة أو "القرقعة" باللّهجة المحليّة لسكّان مدينة الزرّقاء الأردنيّة "مخلوق غريب الهيئة ناشف متحجّر كأنّها مخلوقة مسخوطة، لا يستطيع الواحد أن ينظر إلى عينيها  مطمئنّا.." . بالكاد رآها أحدهم على شاشة التلفاز أو "في  حديقة حيوان في أمريكا. كبيرة مثل دبّ، تمشي بطيئا كأنّها تحمل جبلا على ظهرها" على قول أمّ عوني التي لم تستطع أن تحبّها رغم تعلّق جارتها العجوز بها، فهي  تعتبرها طالع نحس على صديقتها أم يوسف، و"وجهها ليس خيرا "عليها. فما الذي يجعل حسيبة تفضّل تربية سلحفاة دون غيرها من الحيوانات وهي التي تُعرف بأنّها امرأة "متّزنة وعنيدة دون أن تعدم غرابة الأطوار"، و"لا تسمح للرّجل بأن يتعالى عليها"؟، كما أنها تعدّ بين الجارات" من الحصيفات الرّاجحات ، ممّن يُستشرن من نساء الحيّ ومن بعض الرّجال أيضا في أمور مستعصية ودقيقة، وممّن لا يعتصمن بالصّمت إذا رأت حالا مائلا، أو عِوجا في سلوك أحد..؟

اِجتازت السّلحفاة اختبار الاصطفاء الذي قامت به حسيبة على قائمة الاحتمالات المعقولة فيما يخصّ من يؤنسها بنجاح. و الاصطفاء بتعريف كونديرا هو"اختيار شخص ما دون أيّة جدارة وذلك لأمر مميّز فيه وغير عاديّ" . ما الشيّء غير العاديّ والمميّز في هذا الكائن إذن؟

إنّه البطء. هذا الجذر المشترك بين المرأة العجوز والسّلحفاة الصّغيرة. جذر نبتت منه علاقة أنس فريدة بين كائنين وحيدين مهملين لوحشة الوحدة والفراغ ومخاطر الحياة اليوميّة والمخاوف التي تطفر عند حلول اللّيل وسكون الحركة. وستنمو تلك النبّتة على مدى رواية تحتلّ سبعا وسبعين صفحة بعد المائة( 177) لتصبح شجرة من المحبّة الخفيّة الوارفة رغم ما يشوبها من الرّيبة والتّوجّس والحذر المتبادل بين كائنين يلتقيان للمرّة الأولى، وبمحض الصّدفة وحدها تحت سقف واحد. ورغم التّوتّر الذي ساد علاقة حسيبة بالسّلحفاة والذي يصل حدّ الشّعور بالخوف منها واتّهامها بسوء الطّالع وأنّها ربّما "جنيّة" أو ساحرة فإنّها لن تسيء إليها بأيّ شكل من أشكال التعنيف، ولن لن تسأم الحديث معها حتى في بياتها الشّتويّ.

لنغادر رواية محمود الرّيماوي "من يؤنس السيّدة؟" ونتجوّل قليلا في رواية أخرى صدرت بعدها بثلاث سنين تقريبا وتناولت قصّة الإنسان الوحيد المستوحش المغترب بين أهله وفي وطنه يصطفي السّلحفاة دون غيرها من الحيوانات والبشر لتؤنسه، هي رواية "ساق البامبو"  للكاتب الكويتيّ سعود السّنعوسي والفائزة بجائزة البوكر العربي لسنة 2013. نرصد في هذه الرّواية تشابها كبيرا في علاقة كلّ من الشخصيّتين خولة الشابةّ الصغيرة  وحسيبة العجوز في الرّوايتين المذكورتين بالسّلحفاة التي رافقت فترة العزلة الاجتماعية والنفسيّة لكلّ منهما ومواقفهما منها، ثمّ بعدئذ علاقة "عيسى" البطل الرئيسيّ في "ساق البامبو" بالسّلحفاة كذلك  ممّا بدا لنا تأثّرا واضحا للكاتب الكويتيّ بما ورد في "من يؤنس السيّدة؟.

يحدّث عيسى عن أخته يقول : "خولة فتاة وحيدة بالرّغم من أنّها محاطة بجدّتي وعمّاتي". ممّا يضطرّ الفتاة إلى أن تربّي سلحفاة صغيرة، تسميّها عزيزة وتتّخذها صديقة حميمة تفضي إليها بهمومها وأسرارها الصّغيرة، فنقرأ ما يلي:

"- إذا ما احتجت إلى التّحدّث لشخص بكلّ ما أخجل من البوح به..

سكتت قليلا. اِبتسمت. غمزت بعينها قبل أن تستطرد:

-عزيزة خير من ينصت." .

على غرار حسيبة إذن تتأنسن السّلحفاة، تصبح خير "شخص" عاقل حصيف وحكيم يؤنس الوحيدين، ويكتم أسرارهم. بل إنّ "عيسى نفسه سيتّخذ من السّلحفاة رفيقا له في وحدته بين أهله، أنيسا في غربته في وطن والده، الكويت : "حملتها بين يديّ ممهّدا لصداقة جديدة، غريبة حاجتي للحيوان في ذلك الوقت" . غير أنّه سيحمّلها وزر ما قاساه من غربته بين أهله في الكويت، سيركلها حتى يخدش صدفتها:"شرخ أعلى الصّدفة لم ألحظه من قبل. تذكرّت ركلتي لها قبل أيّام في فورة الغضب" . كما سيسأم من صحبتها ويتنكّر لصبرها على رعونة قدمه إذ تركلها، وثباتها إزاء انفعالاته، وحكمة صمتها أمام قسوة الغربة التي تبرّح به: "شقّتي الفسيحة ضاقت بي. الحديث إلى السّلحفاة الخرساء بات مملاّ. اِرتديت معطفا يقيني البرد وانطلقت إلى الخارج لا ألوي على شيء." . وجد عيسى في الشارع مهربا من ضيقه وقسوة وحدته، بينما لن تهجر حسيبة سلحفاتها أبدا، ولن تملّ من الحديث إليها حتى وهي في سباتها الشتّوي، فليس لها خيار آخر لكن لها من ثبات كبار السنّ وحكمتهم وقدرتهم العجيبة على الصّبر والتحّمل والمسامحة ما ليس للشباب من سرعة تغيّر مزاج والاندفاع وخفّة الحياة على أجنحة أعمارهم المرفرفة.

للبطء إذن حكمته الخاصّة ومتعته الفريدة. ولنقف هنا قليلا عند هذا المقطع الذي أورده كونديرا في روايته "البطء" متحدّثا عن السيّدة "ت" في علاقتها بفارسها الشابّ ( المتعجّل في علاقته بها) وذلك في قراءة فلسفيّة لقصّة "قيقان دانون": "إنّ امتلاء الجسد يخلق الانسجام والبطء في الحركات والأحداث. يفوح منها عطر الاسترخاء اللّذيذ، إنّها (السيّدة "ت") تمتلك حكمة البطء وتدير تقنية التّريّث لجعل كلّ شيء يسير الهوينى.." . المتعجّل في حياة حسيبة هو كلّ ما يحيط بها من شخوص وأحداث، وحدها السّلحفاة تمتلك حكمة البطء وتقنية التّريّث والثبات بما يعادل حكمة عجوز أثخنتها التّجارب بالجراح والأفراح.

 

2-2: البطء، متعة الصّمت وخفّة الحلم:

بطء حركة العجوز النّاجم تقدّمها في السّنّ وما يتبع ذلك من ضعف في القوى البدنيّة وفروغ البنية الجسديّة من صلابتها الأولى، واستقامتها المعهودة، وخفّة حركتها التي رافقتها طيلة مراحل العمر السّابقة . إزاء بطء حركة السّلحفاة التي "تحمل على ظهرها صدفتها الثّقيلة"، هو العامل الأوّل والفارق في اصطفاء المرأة العجوز لهذا الحيوان، بعد أن لم تعد تقدر على مسايرة سرعة حركة الأيام والأحداث والأشخاص من حولها ممّا عمّق من شعورها بالوحدة والانزواء: وقد فكّرت أمّ يوسف "في أنّ وتيرة السّلحفاة لحسن الحظّ مناسبة، فلو كانت أسرع قليلا لربّما أرهقها أن تواكبها وللفتت هرولتها انتباه النّاس ..(..) حدث بذلك أوّل اتصال أوّل تناغم بينهما.."  . وسيستمرّ هذا التناغم ويتضاعف يوما بعد يوم حتى تحبّ العجوز السّلحفاة كحفيدة لها وتستأنس السّلحفاة للعجوز كأمّها:" أخذت (أمّ يوسف) تمشي أمامها (أمام السلحفاة) وتلتفت نحوها بنظرات حانية مستدرجة، وتستدير ببطء كما سبق أن فعلت مع أطفالها ثمّ مع أحفادها الصّغار.. وبذلك استعادتها كمن يستعيد ابنا مريضا ضلّت به السّبل.." وهل كان لحسيبة العجوز أن تلاعب قطّا خفيف الحركة أو جروا سريع الرّكض..؟ حتما لا. بل ستحلم حسيبة بأنّها خفيفة كريشة حالمة تحلّق في القضاء والسلحفاة معها تطير:" رأت أمّ يوسف بعدئذ أنّ كلّ شيء يصعد ويطير .. (..) ومعها تطير أمّ يوسف يحملها الهواء وتطوف فوق الحيّ، دون أن تلمح قبر أبي يوسف على تخوم الحي، رغم أنّها لم تكن هي ولا السّلحفة بطيئة في طيرانها.." و"بصورة ما استيقظت لديها مشاعر أمومة تجاه الغريبة وتاقت لأن تلتقطها وتحتضنها وخشيت أن يكون ذاك حراما. وفي مرّة ثانية شعرت أمّ يوسف أنّها صغيرة وخفيفة ودماؤها تغلي في عروقها كالصّغار" . بين بطء الواقع وخفّة الحلم تتألقّ أمّ يوسف، تخفّ وحدتها، تشعر بالأنس وتنبعث "السّعادة في أعطافها". السّلحفاة كذلك لن تكون وحيدة، سـ ' تلعب وتتغندر هانئة". ستحبّ هذه المرأة كأمّها، وستعبّر عن شعورها هذا بنفسها على مدى الصّفحات على مدى الصّفحات التي بين 90 و94، ثمّ كامل صفحة 167:"أنا وحيدة لا أحتكّ بأحد ولا أحد يحتكّ بي. المرأة وحيدة مثلي لا تحتكّ بي ولا تحتكّ بأحد. لذلك أنا أضرب جدار بيتي لأتسلّى، لتعرف المرأة أنّي امتلأت بالعتمة وأرغب برؤية الضّوء، أنّي جعت أريد طعاما، عطشت أريد ماء.. ضجرت أريد أن تصرخ بي، أن ترقص لي، أدور حولها وتلعب معي."، أيّ بتعبير كونديرا مستندا إلى أحد مبادئ الرّياضيات الوجوديّة:"أيّة إمكانيّة جديدة في الوجود حتى الأقلّ احتمالا، تغيّر الوجود كلّه" .

 

 2-3:  البطء: فنّ التذكّر:

يقول كونديرا:"من يتأمّل نوافذ الله لا يسأم أبدا أن يكون سعيدا. في الوقت الذي أصبح فيه الاسترخاء في عالمنا هذا بطالة وهذا أمر آخر تماما: إذ يبقى المرء الذي لا يجد ما يفعله في حالة إحباط وملل وبحث دائم عن الحركة التي يفتقدها" . في رواية "من يؤنس السيّدة؟" تقضي  حسيبة وقتها بين الاسترخاء اللّذيذ وبين السّأم وهما حالتان من تجسيد البطء المعادل للثقل والسّأم حدّ البؤس أحيانا. فهي تعاني من فراغ الوقت، إذ"لم يكن يشغلها شاغل عمليّ في تلك الأثناء(وفي كلّ وقت تقريبا)". تخرج لتقضي شأنا عرضيا أو لتتفرّج على الحيّ، وتقول لجارتها "إنّها تخرج لترى وجه ربّها والرّبّ في قلبها، لكنّها تخرج من ضيق الوقت والضّغط" . وعندما تختلي بنفسها في بيتها تتأمّل"نوافذ الله" عبر منظار الذّاكرة. والبطء هو فنّ التذكّر بامتياز، إذ"هناك علاقة خفيّة بين البطء والذّاكرة. وبين السّرعة والنّسيان( ..) وهي تجربة تتّخذ في الرّياضيات الوجوديّة " شكلّ معادلتين بسيطتين: تتناسب درجة البطء طردا مع قوّة الذّاكرة وتتناسب درجة النّسيان طردا مع قوّة النّسيان" . تحلّق حسيبة خفيفة على جناح الذّاكرة البعيدة. إنّها "تتذكّر كلّ شيء. لا تنسى،" غنّها امرأة لاجئة، بالنسبة إليها: "لاجئة مثل كلمة مريضة طال مرضه، أو مثل كلمة معاقة." وحين يغزو النّسيان ذاكرتها ويستبدّ بها التّوهان ويغلب عليها السّهوم المرضيّ تبدأ حسيبة في السّقوط نحو النّهاية. يأخذ البطء لون الفناء وطعم الرّحيل المرّ: " أخذت حسيبة تنسى. حالتها تثير القلق والعطف وهي تحتفظ بذاكرة قويّة، فكيف مع النّسيان والسّرحان.. بتّ أخاف عليها"  تقول أمّ عوني. وكانت محقّة في خوفها عليها. فالنّسيان كان أبرز علامات التدهور الصّحي والنّفسيّ لأمّ يوسف، وحدها السّلحفاة ظلّت تشغل بالها وتملأ ذاكرتها المنخورة حتى آخر نفس في حياتها.

 

2-4: البطء، راحلة تخفّ نحو الفناء:

حلّ الشتاء. و" في كلّ شتاء يوجعك فرح غائب"على رأي درويش. دخلت السّلحفاة بيت السّبات الشّتويّ. ودلفت حسيبة إلى مرحلة المرض الذي لا رجعة منه. تقول السّلحفاة عن نفسها في هذه الفترة:"البيات جعلني ضعيفة غير قادرة على الحركة، لا أقوى حتى على الأكل والشّرب ولا على هزّ رأسي." وتقول وحسيبة:" مرضنا معا أنا وهي. لا تنفعني ولا أنفعها". رزح البطء على البدن والقلب والرّوح كمثل صخرة تحطّ على الصّدر. صار ثقلا لا قبل لأحد بتحمّله.

مرضت حسيبة بسبب المطر، أخذتها خيوطها المنسدلة ناعمة مترقرة بخفّة الفرح الطّفوليّ فخرجت تستقبله بملابس خفيفة وقطره البارد يتسلّل إلى بدنها الضّعيف. كانت مأخوذة بخفّة النشّوة متجاسرة على ثقل الرّكب ووهن الصحّة لتبدأ بعدها رحلة اللاّعودة. لم يغفر لها العمر هذا العبث الصبّيانيّ، هذا الانعتاق من أسر الجسد الضعيف والعمر الرّزين، ثمّ "عاودت حسيبة المشي لكن بوتيرة أقلّ من ذي قبل، مسافة أقصر تستغرق وقتا أقلّ وبهمّة أضعف... تنظر وقلّما ترى..".

تحوّل البطء من مساحة شاسعة لخفّة الحلم والمزاح والأنس اللّطيف الذي جمع وحديتين: عجوزا وسلحفاة صغيرة إلى راحلة سريعة تخبّ بالمرأة نحو الفناء وبالحيوان "اليتيم" إلى المجهول. فقدت السّلحفاة للمرّة الثانية أمّها، نُقلت إلى حيث لا تعلم، إلى مصير مجهول وأناس مجهولين لا يبدر منهم عطف العجوز ولا اهتمامها بها. تقول متحدّثة عن البيطري الذي نُقلت إليه: "يدان ثقيلتان تغطّان عليّ.. يدان غريبتان وثقيلتان تضغطان وأنا لا أتأثّر. أنا نعسانة وأرغب في النّوم وقليل من الأحلام" . ونُقلت حسيبة إلى المستشفى إثر تفشّى السّرطان في جسمها، ومنه إلى بيت ابنها ماجد. صارت "شديدة النّحول مثل شبح، تغيّرت سحنتها وذاب جسمها تحت ثوبها" .

نامت السّلحفاة نومها الشّتويّ لتخرج منه إلى حياة جديدة تمشي فيها بطيئة حذرة كعادتها، وخرجت روح حسيبة من جسدها البطيء خفيفة مرفرفة في سماء الرّحيل الأبديّ تاركة الحياة لامرأة أخرى، هي أمّ عوني، تدبّ بدورها نحو الشّيخوخة لكن دون قسوة الوحدة على الأقلّ إلى حدّ السّاعة التي غادرت فيها حسيبة الدّنيا.. وهذا يقودنا في عود على بدء إلى تذكّر لوحة الغلاف. فهل تكون العجوز الثّانية هي أمّ عوني؟ وهل تصبح يوما قصّة حسيبة قصّة عن أمّ عوني..؟

 

.....................

  الهوامش:

1-  ميلان كونديرا، رواية "البطء" ، الطّبعة الأولى 1997، ترجمة منيرة مصطفى، "ورد للطّباعة والنشّر والتّوزيع"- ص32.

2  - محمود الرّيماوي: من يؤنس السّيّدة؟- طبعة 2011 ، دار فضاءات للنّشر والتّوزيع- المركز الرّئيس،عمان - ص123.

3  - محمّد معتصم. "البطء في من يؤنس السّيّدة؟" للكاتب محمود الرّيماوي . موقع دروب.

4  - .ميلان كونديرا، فنّ الرّواية . ترجمة بدر الديّن عرودكي. دار أفريقيا الشّرق. المغرب ص 130.

5 - "من يؤنس السّيّدة؟"، ص 38. 

6- من يؤنس السّيّدة؟ ،ص 48. 

7- "البطء"، ص29. 

8- "من يؤنس السّيّدة؟"،ص 109. 

9-"من يؤنس السّيّدة؟"،ص103.

10-"البطء"،ص32. 

11  - سعود السّنعوسي’ "ساق البامبو" ,الدّار العربيّة للعلوم ناشرون. الطبعة الأولى 2012. ص 259.

12  - "ساق البامبو"’ ص262.

13  - "ساق البامبو"’ ص 203.

 14 - "ساق البامبو"، ص305.

15 -"البطء"،ص32. 

16 -"من يؤنس السّيّدة؟"،ص6/7. 

17  - "من يؤنس السيّدة؟" ’ ص 24.

18 - "البطء"،ص36. 

19 - "البطء"، ص9 

20  -"من يؤنس السّيّدة؟"،ص117.

21  - "البطء" ’ص34.

22 -"من يؤنس السّيّدة؟"،ص95. 

23  - "من يؤنس السّيّدة؟" ’ ص 167.

24 -"من يؤنس السّيّدة؟"، ص174.

 

اطلالة موجزة على نص: مطر احمر للاديب الكبير عبد الفتاح المطلبي

hamid laftaالفتاح المطلبي في هذا النص يؤثث وبمهارة مميزة الحيز المكاني الذي تدور بين جنباته الاحداث، صحراء مجدبة تحجب عنها الشمس دوامة غير منقطعة من غبار، حيواناتها عضايا مدرعة الجلود، رجال رؤوس بلا شعور تلتف حول رؤوسهم عمائم بيضاء،يتدرعون بعباءات ذات قشور براقة، نباتات ابرية او جلدية خشنة، جدب تام الا من قطرات ندى الصباح، هنا اما تكون آكلا ام مأكولا هذا هو قانون الصحراء وهذه هي حياة من يحيى في هذه الصحراء العربية المقفرة وهنا دلالة موفقة جدا لواقعنا العربي ..

الفتاح المطلبي يؤشر في نصه ها الى واقعنا العربي المعاش الان وفي ما سلف .. فنحن بين عضايا ياكل كبارها صغارها، تعيش الوهم متصورة ظلها مخلوقا اخر تتاهب لمقاتلته ايضا، هذا في حالة اشرقت الشمس يوما واخترقت حاجز الغبار هذه الخيمة الواسعة من الزيف والتضليل المهيمن على حياتنا في ارض العرب ارض الجدب والعضايا ..

او رجال منتفخي الاوداج كالعضايا لايجيدون سوى اطلاق رصاصات الغضب لاجبار السماء والغيوم لاستنزال المطر !!!!!!

رياح الغرب لاتاتي الا محملة بالدم الاحمر الذي اصطبغت به العمائم، مطرا انتج بركا من دماء والم وهنا يشير القاص القدير لما يسمى بالربيع العربي القادم من البنتاغون الامريكي والصهيونية العالمية والمدعوم باموال عضايا العرب المنبطحة دوما وذوي العباءاة القشرية البراقة !!

 يخلع الرجال عمائمهم المدماة ويلتحقوا بجموع تنتظر كما العضايا عسى ان تهب عليهم رياح الشرق المحملة بالماء رمز الخصب والحياة ..

(السحالي والعضاءات لا زالت تنتظر سقوط الندى على الحصى لتلحسه في الصباح اليأس يدفع المتجمهرين إلى الشرق والريح الغربية لا زالت تدفع نحوهم بغيمٍ مطرُه أحمرَ يسيل من هطوله نهرٌ من فالمطر الأحمر ابتلعته الرمال كما ابتلعت دماءَ غزيرةً على طول التاريخ).

قدرة المطلبي الكبيرة على استنطاق الواقع وتلمس ظاهره وجوهره، لاعطائنا نصا رائعا مثقلا بثمار فكر واعي منتج ومبدع، كما هو في نصوصه الشعرية والسردية ..

تحية حب وتقدير للمبدع الكبير الاديب الاستاذ الفتاح المطلبي ..

 

آخر المطاف .. و أوّلي .. المجموعة القصصية الأولى للاديب حمودي الكناني

sabahmohsin jasimحاملُ صَقيعِهِ .. يكْوي الجراحَ بما اكتنز!

احسب أنّ القصّ القصير جدا ما عاد بالملاذ اليسير للأديب المهتم  فهو فن صعب اضطر الكثير من مريديه ان يهجروه لصعوبته . قد يجد الشاعرُ – القاصُّ، ضالته فيه بُغية الأقتراب من تخوم المجهول الشعري الذي يروم استكشافه في الأقل الممكن ليتبين جوابا لجزء من السؤال الكوني ! لذلك نجد الصفوة من المتعاملين مع هذا الفن هم من الشعراء المحدثين.

واقعا القاص حامل رسالة – قد يدافع بدعوى الجمال  ومن انه لا يتقصدها – على ان  مجرد امتلاك الكاتب لمسارب من وعي سرعان ما يقع أسير هوى البراري فينحاز لعطاء فاعل مقتدر، من ذلك ما أسرّه أرنست همنغواي عام 1925 في احدى قصصه القصيرة جدا والمكونة من ست كلمات فحسب : “ For sale, baby shoes. Never worn.” ( للبيع، حذاء طفل لم يرتديه قط ) بمدخل الى متاهة يتعذر التخلص منها. من ثم يدخل لعبة السؤال، يكد، يشقى، يتألم ويقلق لغاية معرفية مفادها : الأقتراب من الأجابة عن سؤال كوني شد ما أقلقه !

عموما لا يخرج القاص عن أسار معادله الموضوعي والديالكتيكي الذي يعني أكثر مما يؤشر للحاضر فحسب. من هنا انتشر هذا الفن عبر المثاقفة والتأثير والتأثّر. وقبل ذلك ما ورد من قص متداخل بفنونه في ملحمة كلكامش الذي تفنن فيها القاص المتخفي عبر عنصر التشويق بذلك السحر من الدهشة والخوف ومتعة التفكير والحدس بما هو جاذب للمشاركة والتأمّل في كون أو أكوان لم يفقهها ابن آدم بعد.

في تجوابه وترحاله الطريق الذي يعي تماما نهايته بل ويخشاها، تؤرقه حالة كيف يستعجل قول ما لَحِظَهُ !. يختصر ويكثّف بطريقة فنية رائعة ليقول ثيمة ما اكتشفه بوعي . تلك الوديعة التي تنبض بها دواخله بما تشعّهُ من جمال واشارة وتنبيه ودعوى للمشاركة، منبها ليجنّب أخاه مخاطر الطريق الرحب المفتوح والسحري. واذ يتحول خطابه احيانا شكلا ومضمونا إلى ما يحاول اقناع المتلقي بنبوءته الأفتراضية انما يؤكد لواقع لا بد منه، يسم̊هُ التغييرُ وتطال مشارفه هوامُ  لغة كما " السوبرانو" المفترضة لتوحد البشر وتقربهم من نعم الحياة.

الشاعر- القاص يتولاه هوس كي  يقول  ما وراء الكلمات...  ذكيٌّ يستفز في القاريء كوامن ايروتيكاه، يقتاده بمحاجّة حتى وان ضمخها ساخرا بتنبيه ما يريد الأشارة اليه ( قصته – مئزر). ناقدٌ اجتماعي بقصد التغيير، الأنتاج لا المرور العابر، حتى الفراغ له معنى  فيثوّره ( قصة – مبلسون-).

على ان القاص يجوب المقابر في أحايين سائلا متسائلا علّ جوابا يرده عبر الأثير فينبّه اليه، قصته ( .... ) التي لم يكتبها بعد !

واقع الشاعر المعيش سرعان ما يفقع في ثنايا سردياته المكثّفة، ففي (مرايا) ينزّ قتل البعض للأشجار وخراب البيئة. وفي (رجم) ينعطف بغير ذي زيف فيدوّي بغضب لأناس ابرياء يعيشون في بيئة طافحة بالعنف فيبادر لبقر طبول حرب كاشفا عن همومنا الجماعية.

(في الحلبة) تهكّم من الحروب ، فهو – زوربا - موظفا لعلعة الرصاص، بموسيقى يرقص على ايقاعها كلب !

في (جواب شرط) يشترط  مجبولية الأنسان على الفرح والغناء  فيما يتحدى من يريد به هلاكاً ومواتاً حتى إن أتى من مجهول..  في أكثر من فارزة  يتقمص الكاتب دور مخرج سينمائي ليعرض لوحة سينمية تنم عن واقع ما زرعه الأحتلال . بل يتجاوز ليعمم ما مفاده إن تكشّفت قبور الشهداء ستبين ملامحهم  يبتسمون ! هنا غاية فنية أخرى على غير ما نتوقع. الحال نفسه في ( موت معلّب) جواب واضح لكل ما يدار من اساليب وعمليات فتك وتفجير للأنسان – وكأن لم يكفِ الجناة ما فعلوه من مذابح وهتك واقصاء.

( في يوم ) تصويرٌ وادانة لواقع الجوع وفي (سوط) تتحقق رؤاه الفلسفية، ثيمة الضياع والسؤال عن عبثية كل هذه الأشياء .( على شاكلتهم) يبدي تمرده بشكل واخز، وفي ( نزاهة) لا نزاهة. وفي (باب حلال) لا حلال عبر وخارج الباب.  وعبر (خرير) يحاكي القاص نفسه خاتما " هي قصتي لكنها ليست قصيرة جدا"، حدودها كما وصفها في قصته التي وسَمها عنوانا لمجموعته (آخر المطاف .. وأوّلي).

قصصه بمجموعها رغم ايقاعها المتواتر هي انجاز على مستوى الرؤية والتقنية، لغة سرد ذاتي مطعمة بالشعر بما تجمع من طاقة فنية بعيدا عن الترهل . ثمة ترميزا يكتنف غالبية القصص حتى تشي وتهمس الى مناطق ابعد من معلومة، فالقاص يكتب ليقول وليسمعنا كي نتفاعل مع مضامين ما دوّنه فنكتب. هي أشبه بدعوى لرياضة ركضة البريد، يبدأ انطلاقتها القاص اولا.

اما رغيفه المتمكن فيفلسفه على نار بتنور أسجر حديثا (خبز بلدي) يوم يلمّ الجميع بجمالية غائية ليخبزوا رغيفهم المحلي مثيرا طمع الجيران مستثيرا لعابهم، لكنه يعيب عليهم  الأستجداء، مع ذلك يمنحهم رغيفا كي يحفز فيهم صناعة قوتهم لا أن يواصلوا التسوّل !

كذلك حال القاص- الشاعر و الشاعر- القاص، ما ان ينتهي من استجلاب ضوئه حتى يشرع ثانية يجوب عالم الجمال ...  يحط ّ في َسوّرة القلق، يغوص عميقا كصياد لؤلؤ .. صارخا باندهاش في اعماق التهلكة : الكثير هناك ...!

مائة وعشرون  قصة بمثلها اضاءة واعية  قادحةspark-light writings  وليس مجرد قص وامض للخيال  flash fiction، فكيف لا تغطي جزء مهما من طريقنا الطويل بعبورنا الناجز !

هي ذي حزمة ضوء فعّال يعتز بها القص العراقيّ القصير جدا، وعلى مدار القص العربي لا يمكن التفريط بها قيد قرط .

 

صباح محسن جاسم / أديب من العراق

28 كانون ثاني 2012

 

.............

مقدمة للمجموعة القصصية الاولى للقاص حمودي الكناني

 

الشاعرة العراقية المغتربة د. هناء القاضي .. نصف هذا العام شعر تكللت حروفه بالدمع والجراح

ahmad fadelقراءة للأقصوصة الشعرية "كارت أخضر .. اللي مضيع وطن .. وين يلكاه؟"

الجزء الأول

لم نسمع الشجر يصرخ تحت فئوس الحطابين، بل سمعنا الحطابين يئّنون وهم يقطعون الشجر (وديع سعادة شاعر من لبنان مقيم في استراليا)

هنالك من يعتقد أن الخوض في سيرة أي من الشعراء يضمن إدراك أعمق لشعرهم، أنا لست واحدا منهم، فالشعر والشاعر عندي محض معادلة لإنتاج فكرة ما قد تنتمي لماضيه أو حاضره وقد لاتنتمي، هذا القول ذكرني بقول الشاعر الألماني مورغنسترن " لايمكن أن يكون هنالك ما لا يجب أن يكون "، لكن هناك حالات استثنائية يمكن تتبعها في حياة الشاعر من خلال النزعات والحوادث التي مر ويمر بها يوميا تعطينا في النهاية وفرة من الطاقة الإبداعية تتجاوز بتراكيبها حدود حياته أحيانا .

قبل أكثر من ثلاث سنوات كنت قد كتبت عن الشاعرة العراقية المغتربة هناء القاضي مارا على ديوانها " سيدي البعيد " الذي احتضن أيقونة قصائدها، وعندما مرت هذه السنوات الثلاث لم تنقطع الشاعرة عن الكتابة رغم أن عملها كطبيبة لايدع لها مجالا كي تجلس لتكتب، لكن اصرارها وحبها للشعر جعلها تهرب إليه كلما سنحت سانحة الوقت فراحت تنقش فيه أبياتا من الدموع تارة وتارة أخرى أزاهير جميلة .

في النصف الأول من هذه السنة حاولت أن أقترب من قصائدها لأتعرف جديدها فوقفت طويلا أمام قطعة شعرية امتزج فيها النثر الشعري مع الأقصوصة القصيرة للتعبير عن حالة نفسية متهافتة أنهكها الملل، تقول في " كارت أخضر .. اللي مضيع وطن ... وين يلكاه ؟ " وهذا هو عنوانها :

ظل على مدى ثماني سنوات يراجع دائرة الهجرة على أمل أن يسافر

هو وبناته لدولة أوربية .

يهرب إليها من جحيم غربته بعد ما غادر الوطن، غير أن الحظ لم

يكن حليفه أبدا .

تمضي شاعرتنا في هذه التقنية الشعرية - القصية القصيرة :

كان يستيقظ أحيانا قبل الفجر .. ويذهب عند دائرة الهجرة التي صار

يعرف ويعرفه كل الطاقم فيها، ينتظر وينتظر .. يتشاجر

أحيانا ويتوسل أحيانا .. لكن دون جدوى .

كان راضيا حتى لو سافر للموزمبيق .. أن همه الوحيد هو البحث عن وطن بديل .

لم تحاول القاضي في هذه القطعة الشعرقصية أن تطرق باب الرمز كعادتها في بعض قصائدها لأن القصة لاتحتاج لها، لكنها سمحت لبعض الإشارات أن تطفو على سطحها يمكن لنا أن نكتشفها بسهولة كما في مقاطعها التالية :

فاته الوقت .. وكبرن بناته وهن لم يرتدن المدارس بعد، فقرر ذات يوم

أن يطرد فكرة الرحيل للأبد .

شارك صديق وفي .. وفتح مطعم صغير يأتيه بارزق الجميل ..

أدخل بناته المدارس ومضين في الدراسة

في يوم شتائي جاءته مكالمة هاتفية من دائرة الهجرة تطلب منه

القدوم .

اللافت في هذا السرد القصي - النثري ذي المقاطع القصيرة والموجزة أنه يشي بالكثير من أسلوب الشاعرة الذي يدعم جميع الأنماط الشعرية مع الإبتعاد الواضح عن الجمل التقريرية وهو ما سارت عليه د . القاضي منذ قصائدها الأولى، فلا نجد في هذه القطعة تناقضا أو تضاد بين الحكاية كأقصوصة قصيرة جدا وبين الشعر، هذه الثنائية دائما ما كان يشير إليها االناقد الإنكليزي المعروف موريس بورا كحالة طبيعية، الشاعرة هنا تجنبت فيها السقوط في الذاتية المنغلقة والغنائية المطلقة كما يعبر أحد النقاد عن مثل هكذا حالات ما أكسبها بعدا موضوعيا أتاح لها التعبير عن حدث قد يكون عاشته أو سمعت به لتقف امام أدواتها الشعرية التي سبق وإن استخدمتها في عديد قصائدها الوجدانية والعاطفية محققة عبر عملية الخلق الفني الذي امتازت به شكلا شعريا يلائم تجربتها ويزيد عليها .

نعود إلى " كارت أخضر " نقرأ في نهايتها :

أخذ زوجته وبناته والحنق يملأ قلبه

جلسوا أمام الموظفة .. قالت له

مبروك .. حصلت على تذكرة الهجرة أنت وعائلتك

حدق في وجهها وانفجر ضاحكا

تصورت الموظفة أنه سعيد بالخبر

لكنه أردف قائلا ..

انتظرت طيلة الثمان سنوات، والآن وبعد أن رتبت حياتي تطلبون

مني أن أبدأ من جديد !!

احتضن زوجته وبناته .. مشى باتجاه الباب لمغادرة الحجرة

قال

شكرا .. أنا أرفض السفر

تفاجأت .. سألته .. لماذا ؟؟

قال

تعبت .. تكفيني غربة واحدة

لاتعليق بعد كل الذي قرأناه من ألم ..

 

أحمد فاضل

26 / حزيران 2013

 

كربائيلو ... بدأُ الشاعر وختامهُ

بمناسبة صدورمجموعته (كربائيلو) احتفى اتحاد ادباء وكتاب محافظة كربلاء المقدسة في الأول من حزيران 2013 بالشاعر رضا الخفاجي ، وكربائيلو واحدة من بين قصائد المجموعة الشعرية التي ارتآى الشاعران تكون اسما لها ، وكربائيلو كما يقول الشاعر: "اسم مدينة كربلاء في العصرالبابلي ومعناها بيت الرب أوحرم الأله كما جاء في أغلب المصادرا لتأريخية، ومن هذا تتضح قداسة هذه المدينة العريقة منذ آلاف السنين. كذلك كان الآشوريون اليها في كل عام".

ومايلفت النظر في قراءتنا لكربائيلو الشاعر رضا الخفاجي هذا العشق الكبير المتسامي لهذه المدينة المباركة التي ملكت احاسيسه فحازت المساحة الأكبر من شعره فهي نشيجه النازف ووجعه الدائم وملاذه الأول والأخير, فهي كما يراها قلب الحكمة ولوعة الحلم ، هي مبتدى القداسة بأختيار الباري وهي ختامها وما بين البدء والختام تترآى وتتعالى طقوس قداسـتها وتتجلى رموزطهارتها فدماء محبيهاالتي سمقت الى عليين استحالت قناديل تنيروجه السماء.

وحين انحسر الماء وتفطر وجه الأرض استحالت كربائيلو الهة خصب مقدسة بدلالة ظفائرها وصبابتها وفتوتها الباهرة، فجادت مواسماً خضر فأثلجت قلب الفرات وهي تردد بتلذذ شجن نشيدها المقدس .

وإذ يتحدث الشاعر عن تراب كربلاء المقدسة وطهارته اذ يقول:

أيتها الفتية الباهرة

وديانك منحت الوجود جدوى المكابرة

كأس هواك حقق النشوة الأبدية للأرواح المانحة

فهو هنا انما يشير بالدلالة الرمزية الى دماء آل البيت التي سالت على ثرى كربلاء فمنحته الكبرياء والمكابرة . هذه الفتية الباهرة كما يراها الشاعر شغفت قلوب محبيها لقد أنســـــن الشاعر المدينة فجعل لها هوى وجعل للهوى كأساً لينهل محبوها من عشقها الســـــــرمدي الذي تتحقق فيه نشوتهم الأبدية، وهو يعد روحه واحدة من بين تلك الأرواح المتجذرة والهائمة في حب هذه المدينة السامقة فيحيل الزمن منافساً له حين يقول:

/ فتدافعت مع زمني بالمناكب /

فهو هنا قد جسد الزمن فخلع عليه الصفات البشرية ليتزاحم ويتدافع معه بالمناكب ..

وهنا يعترف الشاعر بسطوة الزمن وجبروته وقهره للأنسان قبل أن يحقق مطامحه وآماله، فهو مدرك هذا ولذا فقد دخل في صراع معه من اجل أن يحقق أمله قبل أن يسبقه الزمن .

إنً صراعه مع الزمن هنا انما هو سباق من اجل الفوز بنسمات هذه الفتية المقدســـــة التي أحال أنفاسها الشاعرملاذاً يلوذُبه ليتغلب على وحشة الطريق وندرة الزاد فمنها يبتدئ صراطه المستقيم وبها يختتم.

وحين تتسامى مشاعر الشاعر المحب يستعمل اسلوب الأستفهام لتأكيد ذلك ويقدم له بمخاطبتها بقوله:

أي كربائيلو .. يابيت الرب

من هذا الذي أيقظ الحب في وديانك وعمًدَ النخيل

بصهيل الفرات

ومن منح الدفئ للنوارس

حتى غدت الشعاب وأجماتها مرتعاً لعنفوان الوعول

وهنا لابد من القول ان الشاعرلايجهل، وإنما يستفهم لاجل التعجب والتعظيم فهو

يعرف من أحدث هذا و كثيراً غيره مما ذكر ومما لم يذكر، وهو وانما اراد التأكيد وكشف المُحدث العجيب الذي جاء على وفق الصورة التي رسمها له . لقد أحالت دماء الحسين وأصحابه تراب كربلاء تراباً مباركاً ، فاخضرت مفاوزها وشعابها حتى استحالت رمالها كنزاً سرمدياً لاينفد وتمائم تُدفع بها غوائل الأزمان .

وحين يؤرخ الشاعر جهاد المدينة ونضالها، يستذكر شخصية الثائر (ابراهيم الزعفراني) أحد أبطال حادثة نجيب باشا سنة ( 1258 هـ ) وهو يقود انتفاضة شعبية ضد الأتراك، فيقدم روحه قرباناً دفاعاً عن قدسية كربلاء والشاعرحين يعلن تأثره بهذه الشخصية يرى إن الموت انما يتلقف الضعيف من المخلوقات، أما ماهوقوي منها فيبقى خالداً عصياً على الموت، وهذا هو شأن الزعفراني الذي حاز الخلود حين تعمًدَ يتراتيل الأستشهاد .

لقد أعلن الشاعرعن تضافر الطبيعة مع الزعفراني في دفاعه عن كربلاء ضد الغزاة الأتراك، فوظف

العنصر النباتي منها في ذلك إذ يقول:

عندما حاصروا السور

قاتلتهم أشجار المدينة بثمارها

والشاعر هنا أنسن اأشجار المدينة ليجعلها تقاتل مع الزعفراني بثمارها التي استحالت حصى يهشم رؤوس الغزاة دفاعاً عن تربتها التي تجذرت فيها .

وحين يتحدث الشاعرعن المواسم الكربلائية المقدسة يرسم صورة المدينة وما يجري فيها من طقوس ومعتقدات ،فهي في وقت مواسم الزيارات المباركات تتزين بالحناء وتُضاء بالشموع ويحيلها الشاعرأماً رؤوماً تغسل بمائها المطهر عند المداخل أدران الزائرين، فتتطهر نفوسهم

وأجسادهم وهي تستقبل قرابينهم وهداياهم تبركاً وتأكيداً للولاء المقدس، ففي أيام المواسم تختلف حسابات الزمن وتستحيل أرواح الهائمين بعشقها فراشات مزهوة من كل بقاع الأرض يجذبها وهج قبابها الذهبية .

ولتأكيد انتمائه الكربلائي يعلن الشاعر توحده مع المدينة فيعلن عن تجذره في ارحامها عاشقاً متشبهاً بالباسلين من عشاقها ورموزها، وهو في مطافه الأخير يرى انها مثلما كانت البدء بمشيئة البارئ ستكون الختام بأذنه، فهوالذائد وهوالحامي،فهي بيته وإن للبيت رب يحميه .

 

تأملات في تراجيديا الواقع في "خرير الوهم" للقاص العراقي عبد الرضا صالح

najia  janna"خرير الوهم" مجموعة قصصية للقاص العراقي عبد الرضا صالح، صدرت سنة 2013 عن دار الطباعة و النشر و التوزيع - تموز- بدمشق، تضم عشر قصص قصيرة، تحمل عناوين ذات دلالات رمزية قوية كلها تعبر عن مفارقات متباينة صادمة منها: عناقيد الوشم، خرير الوهم، حبات قمح، وعثاء الرمال، وصدود الورد وغيرها، بحيث سيتناول الكاتب فيها مواضيع متنوعة تعالج حالات نفسية واجتماعية ناتجة عن الأوضاع المأزومة بسبب الحرب والاحتلال.

يتميز أسلوب النصوص بالإسهاب في السرد الحكائي الذي يعتمد على المحسنات البديعية التي تحمل تأملات رومانسية واستذكارات وحنين للزمن الجميل، وبهذا اتسم بشاعريته التي يغلب عليها السرد الدرامي، ولكن الكاتب وظف تقنيات مختلفة بحيث سينتقل في خطابه السردي بين عدة ضمائر كما أنه استعمل مستويات متعددة في سرده للأحداث كالهلوسة والحلم والمونولوج الداخلي والفلاش باك إضافة إلى الحوار الخارجي والذي من خلاله سيمرر مواضيع شائكة ورسائل مشفرة قابلة لتأويلات عديدة تحملها شخصيات درامية تعاني المرارة و الانفصام والكبت في وطن أصبح على كف عفريت .

أما اللغة المستعملة فهي كلاسيكية فصيحة تتوزع في انسجام تام وتماسك شديد رغم إفراط الكاتب في التفاصيل الدقيقة والاستطرادات الغامضة في أغلب الأحيان، إلا أني أرى ذلك من سمات الكتابات العراقية التي لها خصوصياتها ونبرتها الخاصة بها نظرا للظروف البيئية والتاريخية والسياسية .

 

وسنلاحظ ذلك أثناء استعراضنا للقصص، فجلها تتسم بتكثيف الصور والمشاهد الطبيعية، وتضخيم التعابير، وبمدخل مسهب في الوصف ثم يليه بعد ذلك أحداث ووقائع القصة ليكتشف القارئ بعدها طقوسا اجتماعية وميتولوجية تتحد مع خيال الكاتب بحيث نجده يراقب الشخصيات ويسيرها في جل الوضعيات والحلقات، حتى انه نجح في تشخيص حالاتها النفسية ففي قصة " عناقيد الوشم" ص 5و 6 نجد الكاتب يسرد حكاية خيالية ولكن من خلالها يفند العادات والخرافات الشعبية المتفشية في المجتمع وأثرها السيئ على العقلية والحالة النفسية و الجنسية للشخوص، نلمس أيضا حنينا إلى دفء الماضي المفتقد المتجسد في فقدان الجد والأم، ثم الكبت الجنسي المتجسم في الشجرة رمز الخصوبة و الفحولة، " يرى الشجرة الفارعة تنتصب أمامه كهيكل قائم . يراها وقد نفضت أوراقها جميعا، وظلت أغصانا منتصبة تحتسب الانتظار، يقترب منها، يتأملها، ثم يلتفت من حوله وجلا، ويتلمسها بأنامله، يتحسس قشرتها الناعمة وعطرها الرائق، فيحتضنها ويتشبت بها بقوة، يحس بدفئها، ويسمع النسغ الصاعد فيها، وتقلصات عروقها، وأنينها المنبعث من أطرافها الفارعة، تعتريه قشعريرة صاخبة، ونوبة داكنة، وتحت سطوة الخدر المنتشر كالحمى في جسده، يغيب تحت تأثيرها عن عالمه المحسوس .. " ثم ينتقل في نهاية القصة إلى ضمير المتكلم لتحكي الشخصية الرئيسية معاناتها على لسانها وهذا سيظهر لنا وعيه وإدراكه لحالته النفسية بعد أن كان في حالة هلوسة .

أما في قصة " الحاوية" التي تتكون من جزأين فيتداخل الماضي بالحاضر والمتخيل بالحلم والواقع، وبهذا يصور اليأس و العجز والنظرة المستقبلية الضبابية التي يحملها الشخص في مجتمع أصبح العيش فيه مستحيلا في ص 15 يقول " وقبل لحظة العبور .. يقف الحاجز بين الجنة والجحيم، جسر طال سجوده، وطأته أقدام العابرين، .. توقفت مركبتي .. أوقفتها أكف مريضة عنوة، أكف تقطر دما، خلفها الوجوه المتلفعة بالتخلف، المقنعة بالعقائد، تحدق من خلف الحجب الظلامية بحقد وكراهية لكل ما يمت للحياة بصلة، ومن لحظتها كبلوا يدي واقتادوني ." يسرد عذابات ومعاناة المواطنين في ظل ظروف الحرب التي أدت بهم إلى القهر والسجن والموت ظلما . يتداخل المكان والزمان في هذه القصة فيعطينا إحساس بالعدم والضياع في ص 23 " تلك أيام قضيتها في عالم الغيب، بعد أن عثر عمال أمانة العاصمة على عدد من الجثث في قمامة المدينة، كنت واحدة منها، كانت بالنسبة لي لحظات مرت سريعا منذ سماعي صوت الإطلاقة الأولى وحتى فتح مجرة الموتى" خلافا لجل القصاصين العراقيين الذين يتخفون وراء رموز وكنايات خوفا من الرقابة الصارمة، فعبد الرضا صالح يفصح بوضوح عن كل السلوكات والظواهر الشاذة التي يعيشها المواطن العراقي.

وفي قصة " خرير الوهم" فعبر المونولوج الداخلي يجعل من الرجوع إلى ذكريات الماضي الجميل والسعيد منفذا للترفيه عن النفس من مآسي الحاضر وظلماته، كما يناقش موضوعا فلسفيا هل الإنسان مسير أم مخير؟؟ حتى يقنع نفسه ويجد جوابا لحيرته يقول في ص 27 " أنا دائما آمن بالوسطية، بين هذا وذاك ولكني الآن أقر بالجبر لما لمسته من تأثيرها المفاجئ على الكائنات .. إننا ندعوها (صدفة) تلك الومضة الثاقبة المنبعثة من المجهول، المنطلقة نحوك دون استئذان .. " " الصدفة هذه قد تبعث فيك الروح أو تسلب منك الأمل، وقد تمنحك الحب أو الكره، تؤجج الحرب أو تمنح السلم .. " هنا يعبر بصدق عن الوضع الاجتماعي القاتم الذي جعل المواطنين يجنحون إلى الخيال والإيمان بالقضاء والقدر دون إدراك كنه الأمور، وهذا جزء من الحالات النفسية المتسمة بالخنوع والاستسلام التي سببتها الحرب .

أما قصة " حبات قمح" فأعتبرها قصة واقعية بامتياز، تلامس اليومي والمعاش وتعري الوضع الإجتماعي وتصور الفوارق الطبقية، وكما قلت دائما يطالعنا بمقدمة حتى يصور المفارقة الصارخة بين الأمس واليوم في ص 33 يقول " لم تكن بعيدة تلك الأيام التي عشناها في القرية، ونحن نرفل بالحب والسعادة والعافية .. نزرع ونسقي، ونحصد السنابل، نشيد البيادر، ثم ندوسها ونذرها للريح فتسقط حبات القمح تضئ كحبات الذهب .. يالها من أيام جميلة .. قضيناها هناك في ديارنا ومرابعنا التي عشنا وترعرعنا فيها"، إنها المفارقات التي يبينها الكاتب بين أيام السلم والاستقلال وأيام الحرب والاحتلال، حيث سلبت أسباب الراحة والسعادة من المواطنين ونهبت خيرات بلادهم وأجبروا على التهجير القسري بحثا عن العمل في المدينة، في ص 34 " فهذه المركبات طول الشارع أو في جميع الأوقات، تنقل الحبوب من المزارع إلى المخازن الحكومية ليطعمونه لغزلانهم المدللة وأسماكهم المترفة، ماذا يحدث لو تكرموا علينا بحفنة كل شهر، ننعم بها يوما واحدا، ونغسل أحشاءنا من دقيق نوى التمر المخلوط بالجص " بأسلوب درامي قاتم يصور الحالة المزرية التي آلت إليها البلاد وهم يستصدرون خيراتها ويتركون الشعب للعوز والفاقة .

ليصل الكاتب إلى ذروة الوصف في قصة" رفيقي ليل" ص 39 بحيث سيحكي بأسلوب شاعري حزين حالة الضياع و التشتت والقهر والفساد الذي وصل إليها المواطن العراقي، حتى أنه لم يعد يجد حلا إلا في الانتحار، الخلاص الجبري من الوضع القاتم، في ص 39 " بالأمس تواعدنا على الفرار من المدينة البائسة .. " في ص 40 " تكاثرت فيها حانات السكر والدعارة، تجول الضباع في شوارعها،ينال منها لعاب الجنس المتعفن،وقهقهات عاهرات تسمع من بعيد ألما .. وجدران يحاك خلفها آلاف المكائد تجتهد في سلخ الجلود وتتفنن في قطع الرؤوس، فما بال مدينتي حمقى،تغزوها رياح فاسدة، بتوارثها المخنثون، ويفر منها الفحول .. أما آن لهم أن يفيقوا؟"

هذا الوصف لكل الجزئيات و التصوير الدقيق للوضع يجعل القارئ يتعرف على الحالة التي أصبح عليها الواقع في العراق ويجعلني أقر بأن الكاتب عبد الرضا صالح ينتمي إلى الكتاب الواقعيين .

وفي قصة السادسة "وعثاء الرمال" يتطرق إلى موضوع شائك ومرسخ في المجتمع وله جذور تاريخية، رغم ما ينتج عنه من مآسي وتشرد للأسر البدوية ألا وهو الأخذ بالثأر، هذه القصة ستجعل القارئ يتعرف على الحياة البدوية وعاداتها وتقاليدها الأصيلة .

وفي القصص " صدود الورد" و"توق البيادر " و"رجل سقط ظله" سيصف آثار الحرب على المواطن العراقي بحيث لا استقرار عاطفي، ولا صحة في الأبدان ولا أمن ولا أمان، يغلب طابع الهلوسة على شخوصه، ونجده دائما يرجع إلى الماضي كحالة من الهروب من الواقع، لتظل القصة القصيرة لدى عبد الرضا وثيقة اجتماعية وسجلا لحوادث واقعية .

 

قراءة : الأستاذة نجية جنــــة

 

المسكوت عنه وغواية الجسد في أضمومة "رقص المرايا" للقاصة المغربية نعيمة القضيوي الإدريسي

noraldeen belkoudryالكتابة الطابو في"رقص المرايا ":

إن الطابوهات في العالم العربي لا حدود لها وهي تنحصر ضمن الثالوث المعروف جنس- دين – سياسة، ومجموعة "رقص المرايا" تتطرق إلى الجنس كموضوعة أساسية في حياة الفرد داخل مجتمعه، واقتحام القاصة لهذا "المحظور" بكل جرأة وشجاعة جاء عن وعي، وأبرز دليل على ذلك هو اشتغالها على سلوكات متعددة ومن عدة زوايا، والغرض يبقى هو فتح الأبواب وطرح القضايا للحوار عوض سترها .و القاصة هنا تحرك المياه الراكدة وتسلط الضوء على أكثر من مسكوت عنه، فهي ترفع صوتها عاليا وتدق ناقوس الخطر، محذرة من من تفشي مجموعة من الظواهركزنى المحارم، الخيانة الزوجية، الشدود الجنسي ..

نعيمة القضيوي الإدريسي تطرقت لهذه المحظورات في إطار مشروع أدبي يندرج ضمن جنس القصة القصيرة جدا، واشتغالها على هذا الجنس الذي يقوم على عنصري الإيجاز والتكثيف ساعدها على إرسال رسائل سريعة وصادمة، ليتحقق الإدهاش واللذة، ومن جهة أخرى فالتطرق إلى هذه القضايا أزال الهالة عن هذه الظواهر لكي يعتبرها القارئ ظواهر عادية يمكن مناقشتها والتطرق إليها علنا.

يمكن القول إن الكتابة في الجنس والكتابة عن غواية الجسد عملية إبداعية تحقق ثقافة جنسية للمتلقي، وإن حضرت الفضائحية وسميت الأشياء بمسمياتها فالهدف في النهاية هو نقل واقع موجود ليس بغرض الفضح وإنما للتأكيد على أن المجتمع إذا فقد قيمه التي تعبر عن هويته الأخلاقية والاجتماعية يكون قد خسر رأس ماله الإنساني .

إن الجنس جزء من الحياة يمارسه الفرد في كل مجتمع، لكن كل هذا ضمن ضوابط مرتبطة بالدين والقانون ونصوص "رقص المرايا "تكشف عن أوجه أخرى يحقق بها البعض لذته ذكورا وإناثا، إذا ابتعدت هذه الممارسة عن الضوابط السابق ذكرها تكون النتيجة مآسي إنسانية صادمة يختل بسببها توازن الفرد أولا والمجتمع ثانيا.

تحضر الإباحية في كل المجتمعات، لكن الكشف عنها وملامستها إبداعيا يطرح عدة مشاكل، ولعل أبرزها تفاوت ردود الفعل حول العمل الإبداعي الذي يتطرق لمواضيع الجنس والجسد وما يدور في فلكهما، والسؤال الذي يبقى معلقا هو متى نتجاوز هذا المأزق ونهتم بجوهر العمل الإبداعي عوض الانشغال بالأوهام؟

 

- العتبات النصية والتجاور الدلالي:

- اللوحة وعنوان المجموعة:

يتشكل غلاف المجموعة من لوحة تشكيلية عبارة عن مرآة لها أكثر من واجهة، صدرها يتضمن راقصات يكشف جسدهن عن فتنة المرأة، فالأيدي مرفوعة إلى أعلى في تناغم وانسجام، طغت الألوان الفاتحة والمثيرة كالأصفر والبنفسجي، إنها ألوان فسيفسائية مثل نصوص الأضمومة .

أما المرآتين الجانبيتين فيشغلهما جسد راقصة واحدة تبدو كظل منعكس على جدار، إنها تعبر عن انكسار أحلام الأنثى، فالرقص لا يكون دائما تعبيرا عن الفرح وإنما قد تعتمده الأنثى كمتنفس للخروج من القهر والإحباط الذي تعيشه بسبب معاملة ذكورية لا إنسانية.

تبقى غواية الجسد هي المشترك الذي يجمع بين كل الراقصات، ف "رقص المرايا" عنوان ينسجم مع مضمون اللوحة، والغرض هو ترسيخ هذه الدلالة في ذهن المتلقي ليتشامخ الرقص كقصدية رئيسية، فأي رقص ترمي إلية القاصة نعيمة القضيوي الإدريسي؟

إن القاصة بتوظيفها لمفردة "الرقص" وترسيخها لمدلولها من خلال اللوحة، تفرض على الرجل غواية قد لا يخرج منها سالما، فعندما ترقص الأنثى يغيب العقل ويختل التوازن مما يفضي إلى ظهور سلوكات مرضية كالخيانة والتلصص على النساء وهن في حميميتهن وغيرها من المظاهر التي نكتشفها في المجموعة، يبقى المثير هو الإيحاءات الضمنية التي تستشف من النصوص والتي تؤشر على أن الذي يرسب أمام إغراءات الجسد هو الذي لا يميز بين الرجولة والذكورة، فالذكور في كل مكان ولكن هل كلهم رجال؟

من زاوية أخرى يمكن اعتبار هذا الرقص حالة من حالات احتفاء الأنثى بنشوة حققتها أو نصر جاء بعد طول معاناة ومكابدة، كما قد يكون هذا الرقص تمردا على سلوك ذكوري اغتصب حرمة الجسد عنوة .

إن كل نص من نصوص المجموعة بمثابة مرآة تحكي تجربة إنسانية قد يكون الرقص فيها انتشاء، أو رقصا هستيريا يعبر عن صدمة هزت الوجدان هزة عاصفة.

من خلال هذا الربط بين العنوان وسياقه النصي العام نستنتج أن رقص المرايا كعنوان للمجموعة حقق عدة مقاصد دلالية ولعل أبرزها أنه:

أ‌- أنتج معنى ينسجم ودلالات نصوص المجموعة .

ب‌- بأر موضوعة المجموعة في غواية الجسد.

ت‌- فتح الباب أمام أسئلة نصية باعتبار أهميتها تفسيرا وتأويلا.

 

- التيمة الواحدة والتعدد الدلالي:

إن نصوص المجموعة نصوص واقعية استقت القاصة مضامينها من الواقع، فالنصوص الواردة في الأضمومة تكشف صورا متناقضة ومتنافرة لعلاقات إنسانية قمة في النفاق الإجتماعي .

أنتجت القاصة نصوصها وهي تعتمد بيئتها كمرجع، فكل قصة هي انعكاس لحالة كائنة، لكنها متوارية خلف الأبواب الموصدة، كل هذا تحقق في قالب أدبي وفني دون تعسف، حيث اعتمدت القاصة خيالها وقدرتها على تطويع الحرف فحبكت مادتها الحكائية بعناد مرة وباستسلام مرات كثيرة.

بما أن القاصة أنثى فهي تعرف عوالم بنات جنسها وتحس بآلامهم، لهذا جاءت نصوصها مغرقة في الواقعية، فاعتمدت ضمير الغائب المحيل على شخصياتها والتي لكل واحدة منها تجربة قاسية محورها الجنس والجسد.

إن كل قصة هي جزء ومقطع من واقع شمولي، لتصنف الأضمومة ضمن ما يسمى بالمجموعة التيمة، لأن نصوصها تتمحور حول موضوع واحد هو غواية الجسد بكل تعقيداته وتجلياته والتي تكشف نصوص "رقص المرايا " عن تناقضاته الصارخة.

يمكننا حصر أهم الموضوعات التي تناولتها القاصة في نصوصها على الشكل التالي:

- الانكسار العاطفي:مسلسل تركي معرب .ص19

- الشدود الجنسي:زواج شرعي.ص22

- الخيانة:إدانة.ص25

- العنوسة:مزلاج.ص48

- النفاق الاجتماعي:ذات الخمار.ص47

- السخرية:قوسقزح.ص26

وغيرها من الموضوعات التي تطرقت إليها القاصة كقضية تعددالزوجات واستغلال الأطفال جنسيا وعقوق الوالدين...

 

- المفارقة والعناصر الجمالية في نصوص "رقص المرايا":

إن قارئ مجموعة "رقص المرايا" تثيره المفارقات الذكية التي اعتمدتها القاصة، مفارقات تكسر توقع القارئ ليدخل في لعبة شد الحبل مع نعيمة القضيوي الإدريسي، يحاول رد هزيمته إلى انتصار بتوقع نهايات النصوص، قد يفلح مرة وقد يفشل مرات أخرى، وهذا خلق تفاعلا مع نصوص المجموعة لترقى الكتابة إلى مستوى راق من حيث تلقي هذا المنجز القصصي .

لا يتحقق القص في الغالب لدى القاصة إلا بحضور الحكاية، هذه الأخيرة تنمو في رحم زمكاني قصير، فكل قصة رصاصة رحمة تحرر المكبوتات الساكنة النفوس المريضة، نستحضر هنا قصة "تخضيب"ص28:

شعيرات الشيب بشعر زوجها تقلقها، تطلب منه دوما أن يخضبها، يردد مستهزئا الشيب وقار .

حين ترقى في عمله، راقت له سكرتيرته الجديدة الشابة، تأملها، فرقع أصابعه وراح يسألها:

هل أجد عندك ما يداري وقاري؟

ضحكت بدلال وقالت له: أتعامل بالعملة....1

يقول أنريكي أنديرسون أمبيرت:" لقصر القصة فعالية الإحاطة بالحركات القصيرة للحياة" 2، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا بالإيجاز والتكثيف اللذان ميزا أغلب نصوص الأضمومة، ونستدل على هذا الجانب بنص "حالة تلبس" ص56 :

ضبطته متلبسا في حضن الخادمة، وقفت مذهولة، وصرخت ما هذا يا رجل؟

رد عليها ببرود تام:

"أو ما ملكت أيمانكم"3

إن التركيز والسرعة يعتبران من الركائز الأساسية لتقييم مدى جمالية القصة القصيرة جدا، وهذان العنصران حضرا في أغلب نصوص المجموعة وارتبطا بمعجم محدود ومكثف غني بالإيحاءات والدلالات العميقة .

نخلص انطلاقا من الجوانب التي تناوناها في هذه الورقة إلى أن القاصة نعيمة القضيوي الإدريسي لها رؤية خاصة وهي تبني عوالمها السردية، هذه الرؤية قائمة على إدهاش القارئ لدرجة الصدمة، ومن ناحية أخرى تقوم تجربتها على الجرأة في طرح قضاياها ومفتاح ذلك وعيها العميق بدور المبدع في خلخلة الثوابت السلبية وبناء تصورات جديدة تغير نظرة الفرد للسلوكات المرضية الصادرة عن بعض الناس . كل هذا تحقق بفضل توفر الشروط الجمالية والأسلوبية في أغلب نصوصها لتبصم نعيمة القضيوي الإدريسي عن ظهور صوت قصصي سيزهر مجاميع قصصية أبهى إذا حافظت القاصة على شروط إنتاج نصوصها وتجنبت السقوط في فخ الاستسهال الذي سقط فيه الكثيرون من كتاب القصة القصيرة جدا.

 

...................

الهوامش:

1- نعيمة القضيوي الإدريسي، رقص المرايا، سليكي الأخوين-طنجة- الطبعة الأولى 2012، ص28 .

2- مصطفى يعلي، مجرة، القصة القصيرة جدا، العدد 13، خريف 2008، البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع ص 11.

3- نفسه الصفحة 56.

 

 

أرض الحكايا" للقاصّة الأردنيّة سناء شعلان نغمة متجدّدة على تراقيم الواقع والأسطورة

130-sanaإذا كانت الحركة بداية الإيقاع المولّد للنغمة أو إذا  كانت ارتعاشة ضوء هي التي تؤدي لمولد اللون فالخيال والكلمة هما أصل  الحكاية. هي ذي بداية الكتابة حكاية نصوغها بألف شكل وشكل، على إيقاعات مغايرة، تظل بذرتها الأولى مستعصية على التفكّك حتّى ورياح التجديد تسعى لتفتيت بنيتها .. إنّها البدايات التي ظّلت تحافظ على عنصرها منذ تشكلت مجالس القول وديوانية الذاكرة الحافلة بسير الأولين واللاحقين، وكأنما ورثت حواء في صندوق أسرارها عشق الحكي بلازمة الإثراء والتصرّف تسيل على لسانها متجددة قلبا وقالبا شكلا ومضمونا تستدر خيوطها الحريرية بألوان الضوء الخفية من المعقول واللامعقول من  جنان الحقيقة ومتاهاتها ومن خصب الخيال وجنونه وطالما أنّ حواء في كلّ الأزمنة ليست بصورة مطابق لأصل في القدم كما يدعي بعضهم  لا تخضع لاستنساخ تتفرّد الحكاية عند هذه وتلك بطابع الروح والذات والذائقة والوعي والثقافة .. تتوشح من سرّ راويتها وتتضمخ بروح مبدعتها ولنا في " أرض الحكايا" جولة قصيرة تؤكد هذا السر: سرّ شهرزاد والحكاية.

تسم الكاتبة الأردنية الدكتورة سناء شعلان مجموعتها القصصية هذه بـ" أرض الحكايا" لتضع جغرافية القول منذ أوّل مصافحة . فلماذا لم تقل على سبيل المثال " بحر الحكايا" أو " سماء الحكايا" ؟ ألأم تقصد بتحديد مكان القول للإحالة على أصله   ارتباطه بآدم الذي نزل الأرض ليتلقه فيها لغته البشرية ويتعلم صياغة الحكاية لحفظ تاريخه؟ 

تجعل إذن سناء شعلان من الأرض منبتا للحكاية وأصلا ومنطلقا، أمّا أساسها الصّلب فهو الواقع واقع الإنسان يتأرجح في كلّ الأزمنة بين الحضيض والأعلى، بين الخير والشرّ، بين الحب والكره، بين الشكّ واليقين، بين الجذب والخصب، بين الطلاح والصلاح.. واقع الإنسان بين جفاف الملموس وطراوة الحلم والمأمول.. بين زئبقية الحدث  عبر الزمن وانتصابه في اللحظة والمكان وضعين تكفّلت الأسطورة بقولبته في مختبر المتخيّل وإعادة هيكلته محيطة بحدود المعقول والامعقول وبحدود المكان والزمان...

المجموعة تشبه في تركيبتها باقة أزهار بريّة يكمن جمالها في اختلاف ألوانها، وأشكالها فمن مناخ الأسطورة  والخرافة تعرّج الكاتبة على أرض الواقع حيث الأحلام البسيطة والأماني التي تكشف عن الذّات البشرية الضعيفة في ميولاتها البسيطة المعقّدة يقول مقدّم الكتاب الدكتور ابراهيم خليل :

" قصص سناء شعلان على الرغم من ميلها الواضح للحداثة والتجريب لا تستغني عن عنصر الحكاية "

تحتفي قصص أرض الحكايات بالذّات البشريّة بين  مفارقات وثنائيات ترسم بفضلها نواتات حكاية الإنسان في واقع تتباين أغراضه وأسراره وهي ذات تصر على الحياة وخلق المستحيل وبناء مدن للحلم وللجمال والمحبّة رغم مفاجآت الغيب.

ترسم سناء شعلان خيوط حكاياها بلغة شفيفة على خلفية مشاهد وصفية راقية (انظر فقرة البداية لقصة : أكذوبة الجزر) ص 33  

تتعطّر حكايا سناء شعلان بنثار الأساطير، والعلاقة بين الأسطورة والأدب علاقة متينة  

يقول الأستاذ عامر عبد زيد قي دراسة له بعنوان الأسطورة والأدب ـ دراسة الفكر الأسطوري

عن صحيفة الحوار المتمدّن عدد2076 ـ 2007/10/22

" (...)لاشك أنها علاقة بين مستوى من الفكر وأداة تعبير، ولاشك أنّ العلاقة قوية بين الاثنين، لأنّ الأسطورة هي أدب (...) تعبير أدبي عن أنشطة الإنسان القديم الذي لم يكن قد طور بعد أسلوبا للكتابة التاريخية يعينه على تسجيل إحداث يومه فكانت الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه خلاصة فكره، والوسيلة التي عبر بها عن هذا الفكر وعن الأنشطة الإنسانية المختلفة التي مارسها بما فيها النشاط السياسي والديني والاقتصادي . إنّ الحديث عن هذه العلاقة يعني الحديث عن ثلاثة مستويات، الأول يتعلّق بالأسطورة،والثاني يتعلّق بالأدب الأسطوري،والثالث يتعلّق بالمضمون الفكري للأسطورة".

 130-sana

بوّبات " أرض الحكاياّ

   تقسّم المؤلفة باقة زهورها البريّة إلى  فصلين  يشتمل كلّ منهما على مجموعة من القصص التي تتقارب في جوهرها وإلى جملة أخرى من القصص وهي:

أـ فصل سداسية الحرمان

ويشمل:

- المتوحش

- المارد

- الخصيّ

- إكليل العرس

- فتى الزهور

- الثورة

ب ـ فصل أكاذيب البحر

ويشمل:

- أكذوبة الجزر

- أكذوبة اللؤلؤ

- أكذوبة النوارس

- أكذوبة الأمواج

- أكذوبة المدّ والمرجان

- أكذوبة الأصداف

- فيما ترد بقية القصص وهي : الباب المفتوح ـ الجدار الزجاجي ـ ملك القلوب ـ الطيران على ارتفاع 1000 دقة قلب ـ صديقي العزيز ـ اللوحة اليتيمة ـ رجل محظوظ جدا ـ دقلة النور ـ الصورة ـ الذي سقط من السماءـ أرض الحكايا ـ مدينة الأحلام ـ البلورة . الشيطان يبكي.

تستوقف القارئ في بعض المحطات قواسم مشتركة مثل عنصر الآخر القادم الذي يغيّر مسار الأحداث مثل قصة المتوحّش، قصة الإنسان في المرحلة الصّفر مرحلة حي بن يقظان، مرحلة الإنسان في رحم الطبيعة الخالصة هذا الذي ينبلج من قراره إحساس عارم بالحاجة لوضعٍ مطمئِن على الأرض بين عوامل الطّبيعة القاسية، كأنّه يسعى لقوته سعي الطير وأن يدرأ عنه خطر الوحوش، وأن يحفظ جسده من قسوة الطبيعة متسلحا بأبجديات بيئته وأهمها الرّائحة  توسّلها أداة معرفته الأولى، فقد أكّدت هذه  الحاسّة نجاعتها  لدى الكائن الحي بشراً كان أم حيوانا، غير أنّها تقهقرت أمام تطور الإنسان  وتحضّره ودخول وسائل المعرفة التي انتصر فيها سلطان البصر والباصرة  واللمس.  كانت هذه الوسيلة الطبيعية إذن هي طريق "المتوحش" إلى لقاء  مخلوق مغاير هو كما تذكر الرّاوية "عدوّه" .... أليس من طبيعة المرء البدائية والفطرية أن يخشى ما يجهل؟  وأن يعاديه ما لم يكشف أسراره وما لم يحط بحدود قوّة هذا الآخر؟ هذا المجهول  وضعفه... تعرّف إذن "المتوحّش" على هذا الكائن الذي يشبهه ولا يشبهه، وقالت الطبيعة قولها الفصل وانجذبت الخلايا لبعضها بعض، وأحبّه أو أحبّها فباتت "كيلا" حبيبته وهنئ بها ردحاً من الزّمن،وهنا تدخل على مسرح الأحداث ثنائية القوي والضعيف  لتبدأ مأساة بطل القصّة بقدوم أغراب أقوياء انتزعوا منه حبيبته ورفيقته... في هذه القصة تطفو فكرة الآخر القادم الذي يغيّر مسار الأحداث لتكون القاسم المشترك مع ما يليها ونعني هنا قصة المارد، يترك هذا المارد قمقمه على يد امرأة يقع في حبها ويجعل منها  حال خروجه من القمقم ملكة الدنيا ويسعد بقربها حينا من الدّهر حتى يقدم رجل غريب تحبه المرأة وبإيعاز منه تعيد المارد إلى القمقم. كذلك الأمر في قصة الخصيّ كانت الحياة بالنسبة لهذا الغلام المخصيّ في قصر سيّده تسير عادية حتى دخلت القصر جارية خزريّة اشتراها السلطان وقلبها متعلّق بحبيب لها ... أحبّها المخصي وقرّر أن يخلّصها من أسر السلطان،ويساعدها لتعود  إلى حبيبها،فمكّنها من الفرار  ليشهد مأساته بأن قتله السلطان وعلّق رأسه على بوّابة القصر.

في قصة الثورة كان قدوم " هي" على زمرة من الأصدقاء خطرا يتهدّد لحمتهم،  فقد أحبتهم أرواحاً،ولكنّهم أحبّوها جسداً، تفرقوا ثم اجتمعوا على أن يثوروا ضدّ "هيّ وفي حركة مسرحية دقيقة جعلت الكاتبة من "هي" تندمج في ثورتهم بعد أن التقتهم ثانية  فانضمّت إليهم تعاطفا معهم  حتّى ينتهي بهم الأمر إلى حيث يكون الثائرون، وقرروا بعث جمعية مناهضة لـ "هي".

في فصل  أكاذيب البحر يستبطن القارئ البحث الدائم عن الحقيقة الصّرف لتخليص حريرها من شوك الوهم ... وآفة الاطمئنان للذّات البشرية حيال الأوهام وتختم هذه الأكاذيب بما يشبه الحكم في نص أكذوبة الأصداف.

  عبر عوالم مختلفة تكشف الكاتبة عن خفايا النفس البشرية في مواقف كل من فتى الزّهور الذي يأبى إلاّ أن يهب نفسه ما لم يجده لدى الآخرين، ثمّ  الحلاّق شوشو في قصة إكليل العروس الذي يشبه بائع العسل الذي لا نصيب له مما يبيع، تبدع أنامله زينة العروس ثم يودعها ليستقبل وجها آخر بحركة آليّة. وعبر ذاكرة فتى الجدار الزجاجيّ تستعيد الذّاكرة فراق الأم وانسداد أفق المحبة بفقدان الخيط المشدود إلى رحم الاطمئنان والحياة والمحبّة. 

أمّا قصة الصورة  فرحلة البحث عن طبيب أسنان للتعالج قاد صاحبها إلى السقوط في حبّ صورة  هي في الأصل زوجة طبيب الأسنان، فانتهى الحظ العاثر بالمريض في السّجن بتهمة قتل صاحبة الصورة.. .تتكرّر تيمة الحظّ هذه في قصة رجل محظوظ جدا..  وفي منعرج الحكايا تأخذنا الرّاوية إلى عالم طارق العسّاف الذي مات دون أن ينعم بفوز لوحته اليتيمة. ثم على ارتفاع 1000 دقة قلب ترسم مشهد حبيبين يحلّقان نحو الحياة والموت لأجل الحب على جرف قائم بشموخه أمام ضعف جسديهما .

قصة الشيطان يبكي دليل عمّا بلغه الإنسان من أشواط في المكر والشرّ فاق بها الشيطان نفسه فأصبح هذا الأخير يثير الشّفقة.

لا تسل عن المكان ولا عن الزمان؛ فأزمنة الحكي متداخلة ولا سلطان إلا لزّمن الروح،وهواجس النفس وجنوحها وطموحها. والمكان منبسط وضفاف بين يابسة الواقع ولجج الخيال تسافر بينهما الشّخوص خلف وهم ما. وهي شخوص تطلع من رحم الخرافة تارة ومن بيئة الرّاهن القريب تارة أخرى شخوص منها ما نجده في حكايا الأطفال ومنها ما نجده في محاورات الحكماء والدّراويش والمتصوّفة  يجمعهم  " الغرائبي والواقعي" كما أشار الدكتور إبراهيم خليل في مقدمة الكتاب :

" (...) كما أنّها تعتمد الأساطير والأبطال والأسطوريين، متخذة من البطل الأسطوري علاقة وآلة ورمزا  يوحي أكثر مما يقول، ويعبّر أكثر مما يصف".

 

         بقلم الأديبة الناقدة التونسية: مسعودة بن بكر/تونس

 

 

السخرية الهادفة في (ضحكة الخاتون) لرغد السهيل

tahseen abas"ربما كان التعريف نفسه للعنوان يطرح أكثر من أي عنصر آخر للنص الموازي، بعض القضايا، ويتطلب مجهودا في التحليل، ذلك أن الجهاز العنواني، كما نعرفه منذ النهضة (..) هو في الغالب مجموعة شبه مركبة، أكثر من كونها عنصرا حقيقيا، وذات تركيبية لا تمس بالضبط طولها". جيرار جنيت

كثيراً ما يصاحبنا الفضول عندما نشتري كتاباً أن يخالجنا التوغل بعنوانهِ لما لديه من تأثير مباشر في استدعاء القارئ إلى كاتب النص أو المجموعة الأدبية على مختلف أجناسها فهناك من الأدباء من يبتكر عنواناً يكون جامعاً لفحوى ما يهدف إليه المنجز الأدبي من جمال في التعبير أو فن في التوصيل ومنهم من يضع عنواناً يختاره من عناوين نصوصه المتواجدة في مجموعتهِ ليكون بيت القصيد المطلوب إيصالهِ إلى ساحة التلقي أو أنَّه الدال على الكائنات الحبرية التي ستتواجد ضمن المنجز أو الرمز الذي تتضح منه ثيمة الطرح، فالعنوان هو كاريزما المعنى ظاهراً وباطناً يتمُّ من خلالهِ تفكيك النصوص وتحليلها ومن ثمَّ إعادتها إلى ما بُنيتْ لأجله.

ففي "ضحكة الخاتون" لرغد السهيل تتضح لنا هندسة تصميم المجموعة على الفكرة الأولى وهي العنوان الجامع لمضامين القصص فلم تحتوِ المجموعة على قصةٍ بهذا العنوان وقد تعمدتْ الكاتبة أن تجعل في نهاية أو مضمون كل قصةٍ ضحكة للخاتون ترومُ من خلالها السخرية الهادفة التي يتحقق بها القصدُ المنشود من الكتابة السردية في كشف المثالب النفسية التي تعاني منها الشعوب الشرقية في غايتين الأولى: إرضاء الذات المُبدعة وإبراء ما في ذمة الضمير، والثانية: محاولة تصحيح الواقع المؤلم والسعي لمُعافاتهِ من العوارض النفسية التي انتشرت فيه.

لذلك نجد الخاتون التي معناها في اللغة التركية هي سيدة من الطبقة الثرية او الطبقة الحاكمة - أخت الباشا - أم الباشا - زوجة الباشا... تتجول في كل قصص المجموعة لتقرعَ طبولَ العاطفة والعقل والروح فقد كانت (السهيل) هي خاتون المجموعة في جمال تعبيرها وفذلكة توصيلها ودقة أسلوبها في إلقاء الدهشة في قلب المتلقي وإحياء المتعة في تقصي أحداث السرد لتنهي كلُّ قصها ب " شرّ البلية ما يُضحك" فقد أشارتْ قبل نص الإهداء الى معنى بيت المتنبي:

وكم ذا بمصرَ من المضحكاتِ ــــــــ ولكنَّه ضحكٌ كالبُكا وقد تكون الخاتون في المجموعة هي شخص المثقف الذي يُطلُ من نافذتهِ على العالم كما يوحي غلاف المجموعة بوقفة لامرأة ثرية ظهرت على رقبتها ويديها حليٌّ من الذهب أو الجواهر ويمكن تأويل شكل الجواهر إلى مرجعيات المثقف ومعرفياتِهِ لأنه غالباً، لا يمتلكُ غير ثقافاتهِ. فأنا أميلُ هنا للرأي الثاني لأنَّ أغلبية الطبقة الارستقراطية لا تكترث لما يُعانيه عامة الناس ويندر غير ذلك.

ففي قصة " ظلال الغبار" ص9 كشفت (السهيل) عن انتشار الظن السيئ وتسيدهِ في تحليل الأحداث التي يمر فيها الفرد أو المجتمع كافة.

فبعد أن رأت الخاتون وهي الشخصية المستترة بلسان الراوي، الطفلينِ الذينِ أدهشاها بفطنتهما وذكائهما حيث أرغماها على حبِّهما؛ جاءت للتتفاجىء برأي أخيها خالد بعد مغادرتهما المنزل وانتهاء عاصفة الغبار.

(علينا يا حياة تغيير مفاتيح البيت. قد يكونان من أفراد العصابات وجاءا إلينا ليتفحصا البيت، طريقة دخولهما غريبة. أشكُّ أنّ لديهما مفتاحاً..)

 فقد وضعها أخوها بين فكي الحدث. أ تّكذب نفسها وما لمست من حقيقة براءتهما أم تعذر طريقة تفكير أخيها لأنه من الرجال فهم كثيراً ما يحلِّلون الحوادث بظاهرها.؟!

(أعرف منطق الرجال. هم دائماً هكذا، منطق جامد لا يتعامل مع الأشياء إلا بظاهرها، ربَّما هم محقون، فبعض المفكرين يقول: إن الأشياء هي كما تبدو بظاهرها).

لكن في نهاية القصة تحلُّ (السهيل) عقدة السرد حين عجزت الخاتون في إيجاد الطفلة فإذا بجارتها تعطيها معطفها الذي فقدته في رحلة بحثها وتقول لها أن طفلة أتت بهِ وقالت: (بأن تنتبهي فلا تضيعيه ثانية.. لان الجو باردٌ هذه الأيام..)

أرادتْ (السهيل) في لحظة التنوير التي انتهت بضحكة الخاتون ان تكسر ميثولوجيا الأمثال التي تتبنى (سوء الظن من حسن الفطن).

129-ragadأما في قصة " الوجه الثالث للعملة " ص29 تتوغل القاصة في واقع التعليم ومستواه المزري وكيف دخلت فيه اللامبالاة لإخفاق الدولة في إجلاس الرجل المناسب على الكرسي المناسب وذلك لانشغالها بالشبهات والتأويل الذي هو الوجه الثالث للعملة وتركها المطلوب إثباتهِ يتلعثم بفم الحقيقة حيث كانت الشخصيات تتحرك في القصة بتقانة جميلة فشخصية (طاهر) هي ظاهرة المثقف الذي تستغله طلاب الدراسات العليا على حساب عوزه وافتقارهِ المادي ليكتب لهم رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه بأجورٍ تقيه شدة الفقر. وقد مثلت المُدرسة (حسناء) ظاهرة الشخصيات التي تحكم على الأشياء بظاهرها وهذه الشخصية ترتبط بشخصية (خالد) في القصة الأولى.

(تمر المدرسة " حسناء" على حانوت طاهر في المدرسة دون ان تنظر إليه: أنت يا هذا.. ألا تسمع؟ ما بالك أصم أبكم لا تفقه حرفاً؟ أعطني عصيراً بسرعة.)

وقد استخدمت القاصة (الأنفاق الثلاثة) للتعبير عن جهات وأماكن الأقاليم في تقسيم العراق أو أنها أرادت الإشارة إلى المشاريع المفترض تنفيذها. فتضحك هنا الخاتون في داخل الأحداث في كشف الحال الاجتماعي والسياسي والتعليمي في البلد عندما تحدث معركة ينتقل الصراع فيها من الأساتذة إلى الطلاب عن وضعية المنحوتات في الحلال والحرام وتزداد هذه الضحكة اتساعاً في نهاية القصة على لسان أبي يوسف جار (طاهر):

(ماذا تفعل يا طاهر، أ لم تسمعِ الأخبار؟ بعد كلِّ ذلك الجهد والصرف الكبير من الميزانية على مشروع الأنفاق الثلاثة

تم إلغاؤها.. لأنهم يرون أن حفر الأرض يراكم التراب على شكل تماثيل وهذا حرامٌ لا يجوز !) فكسرت (السهيل) هنا الميثولوجيا الدينية المصطنعة من أراء تتعكز على الشبهات لا تفرق بين النية والعمل، بين التمثال كفن والصنم حينَ يُعبد دون أن ينزل فيه سلطان.

ولشفرة (أبو حالوب) ص39 قصة تحتضن عشرات الضحكات التي يرسمها الواقع السياسي المؤلم في العراق فتنقلها (السهيل) لنا بقلمها المتضمن للسخرية المبكية في حقيقة (أبو حالوب) الذي وظَّف نفسه لخدمة العراقيين الأدباء والفنانين فكان لهم خير دار للنشر وخير مركز لتداول إهداءات الكتب حين ينشغلُ البرلمان في إقرار مخصصات جديدة للنواب وحين يتقاسمون قطع الأراضي بينهم و(أبو حالوب) يقع عليه سقف غرفتهِ فهذا الشخص البسيط الذي أصبح ملاذاً للاجئين وداراً للنشر ودليلاً للسائلين تجرحهُ شفرة الحلاقة لان ذهنه شرد لتلبية موعدٍ قطعَهُ مع احد العراقيين.

" ردَّ عليَّ بهدوء: نعم ؛ جرحتُ نفسي. كنت أحلقُ ذقني متعجلاً كي لا أتأخر عن موعد دوامي في المقهى، ولم انتبه إلى شفرة الحلاقة أنها لم تكن مثبتة جيداً...

 يعلنُ البرلمان العراقي إلغاء " جلسة اليوم " لعدم اكتمال النصاب، وتبقى القوانين دون تشريع تنتظر شفرة حلاقة (ابو حالوب). "

وفي خضم المفارقات المضحكة التي افترشتها قصة " فأرة " ص 51 نجد ان هناك أشارات اتخذتها (الخاتون) لكي يشاركها القارئ في تأويلها واصطياد مقاصدها المفتوحة حيث توزعت عدستها السردية بين حركة النمل بعكس إرادة الجاذبية وتوافق تراصفه.

" كان السيد سهيل صامتاً سارحاً يبحلقُ بالسقف كأنَّهُ يقرأ سطورَ النمل عليه، وهي تسير بالاتجاه المعاكس لقانون الجاذبية "

وبين المثقف الممتهن للصحافة الذي أستساغ ضجيج مولدة الكهرباء، وكيف أصبح يتسلى بفأرٍ كان يُشرِبُهُ من خمرهِ فتندمج رقصات الفأرة مع قرقعة المولدة الكهربائية وذات ليلة شتوية ضربهُ بفرد حذائه وراح يبكي عليه لأنه كان رفيقه الوحيد وسط أزيز الأحداث.

" لكنَّهُ في أحد الأيام الماطرة الباردة في بغداد، وما أن ظهرت الفأرة قريباً من إناء الخمر حتى خلع فردة حذائه ورماها نحو الفأرة مباشرة، فسقطت المسكينة صريعة الرقص أو الخمر، "

فمسيرة النمل بانتظام وعدم الاكتراث لقانون الجاذبية هو توبيخ للإنسان الذي يحكم الأرض وهو على فوضى من أمره، نعم أنها سخرية توجه لمن انجذب إلى مصالحه الخاصة فاستثنى المبادئ الإنسانية من اجل الوصول لمرضاة الحاكم الظالم أو المُقصِّر. فلم تستخدم (السهيل) مسيرة النمل لمجرد أنها تحتاج في سردها إلى مركز للإرجاع الفوري (الفلاش باك) لأنه كان بإمكانها استخدام أشياء أخرى مثل عوامل الطقس أو صور معلقة على الجدران.

 وأما في مسألة المحرر الصحفي فقد تكون إشارة النص تدور بين الراعي والرعية، السائل والمسؤول، الحاكم والمحكوم حين يتسلى الأول برقصة الألم عند الأرامل والعوانس أو حين يتسلى بعوز المواطن إلى البُنى التحتية في البلد ظناً منه انها ستبقي على حظوظ تواجدهِ ثم يبكي في النهاية على ما فعل! فكثرما يكون القاتل هو أول الحاضرين في تشييع جنازة المقتول.

هكذا تتسلسل المجموعة لكي تتناول كلَّ جوانب الأحداث الساخرة التي أصبحت تعيش في الواقع العراقي، فالخاتون سمر محمد تمنت أن تكون في آخر المطاف هي سمر صالح بعد ما أجهضت كلَّ تنبؤاتها في (هاتف بغداد) ص 73.

نعم، فالسهيل نقلت لنا الواقع المذبوح بسكين الفوبيا عند أصحاب الشهادات العليا والكفاءات التي تُولد من الانفلات الأمني؛ فهم قُتلوا لمجرد أنهم عراقيون.

" يكفي أن تكون عراقياً لتُقتل" فالخاتون هنا تركت الواقع يسخر تلقائياً من المناخ السياسي الذي اغترفت ريحه العاتية عشرات العلماء من مختلف الاختصاصات ولا أدري قد يكونون بالمئات.

تختتمُ الخاتون مجموعتها البكر بقصة " نجوم على الجدار" وهي واضعة يدها على علة الخراب في المجتمع الشرقي، ألا وهي النزعة الذكورية وكيفية تفكيرها لديمومة سلطتها، فقد تخللت قصتها مفارقات مضحكة فأبت ريم بعد خوض طويل لآخر أمل في الحب ان تبيع لوحتها التي تحمل عنوان (نجوم على الجدار) كي لا تقع ضحية مرةً أخرى فاللوحة تحملُ ارشيفاً وافياً لذكرياتها الأخيرة مع (أحمد) الذي كان يرفض ان يضع الحبيب قراراً مسبقاً يرسمُ طريقاً لعلاقتهِ بعد أن وشمَ ذاكرتها بالقبلات:

" صدِّقيني، عليكِ أن تبدئي العلاقة ومن ثمَّ تحددي مصيرها لا ترسميه مسبقاً " وبعد فترة من الزمن عاد ليقرر مصيرَ علاقتهما.

"سوف تجدين يوماً الشريك والرفيق مهما طال بك العمر، حتى لو صرتِ في الخمسين أو الستين"

نعم لماذا لم تُمنحْ ريم القرار؟ لماذا يكون أحمد هو من يشرع قانون العلاقة وهو من ينقض ذلك؟ تساؤلات كثيرة تثيرها (السهيل) عن فيتو المجتمع الذكوري، فقد جعلت الضمير الإنساني هو الحَكم على الجرائم التي انْتُهكت بمدية المشاعر الكاذبة، يُصاحب ذلك كشفها الضمني من داخل السرد عن ازدواجية الرجل الشرقي عندما يتخذ من المرأة قارباً للفراغ.

 

غرائبية ضياع الذات وضبابية الواقع في رواية (أعشقني)

sanaa alshalanهل من البديهي أن تعشق المرأة نفسها؟؟ .. وهل مبادئ الحب ترتضي أن يهمل الطرف الآخر (الرجل)؟

أي حبٍ كانت تريد الكاتبة؟ إجابة هذه الاسئلة تحيلنا إلى مضمون الرواية..

يمكننا أن نستعير تشبيهاً ننطلق من خلاله إلى تحليل الرواية وسبر مكبوتاتها ورموزها إذ من ممكن القول إن رواية (سناء شعلان) تشبه تفاحة (سبرانو)(*) حيث تحتوي على نواةٍ صغيرة تشع بدلالات متعددة فهي تروي حكاية مناضلة سياسية أسمها (شمس) تقاسي الآلام والتعذيب في سبحون السياسة الحاكمة وبطش أساليبها.

أما محتواها الخارجي فمكتنز عاطفة واحساساً يضم قصة حب غريبة دارت بين (شمس) وحبيبها خالد من سكان القمر!!. واللافت في هذا البناء الروائي ذلك التأرجح بين المضامين المسكوت عنها فهي تتناول قصة نضال امرأة واكبت حركة الربيع العربي وقصة عشق حميمي غريزي إلى بعد الحدود.

فكان المضمونان أحدهما يساعد الآخر في البوح عن كوامنه وأسراره فجاء متضافراً متناوباً بروية دون انفصال في مضامينة يكبر شيئاً فشيئاً وكأنه كرة جليدية.

ومن أجل يكون الحديث عن البناء الفني لهذه الرواية متجانساً تحاول هذه القراءة النقدية أن توجز بنقاط القيمة الموضوعية للرواية...

تعشق شمس بطلة الرواية رجلاً من كوكب آخر.

تستخدم الكاتبة عوالم غريبة بمكانها وزمانها (درب التبانة- القمر- سنة ضوئية.. وغيرها).

تتعرض البطلة للتعذيب في سجون الدولة على يد الضباط ثم يصاب القائد المشرف على قضيتها بإصابات شديدة جراء عمل إرهابي يضطر الاطباء أن ينقلوا عقل القائد إلى جسم السجينة وتبدأ محنته البايلوجية والنفسية مع هذا التغيير.

بعد موت البطلة يعثر على رسائلها مع حبيبها.

ستحاول هذه القراءة هنا أن تستوضح أساليب التي عالجت فيها الكاتبة هذه المضامين التي ضمتها النقاط الموجزة عن الرواية.

نبدأ من عتبة النص (العنوان) أعشقني.. بداية يعبر العنوان عن رؤى ابداعية لصاحبة النص فجاءت العتبة مكثفة دلالياً وازت حمولة المتن الروائي التخيلية فيتبادر للقارئ السؤال لماذا تعشق المرأة نفسها؟!!

الأمر الآخر بعد العنوان ويمكن أن نعده جزءاً من العتبة هي تلك المفاتيح الأهدائية في بداية الرواية (إلى بنية البعد الخامس، تحول كاميل فلا مر يوم، وعبارة من كلام شمس البطلة ، وعبارة أخرى من كلام حبيبها خالد).

فكل هذه العبارات كانت بمثابة بؤرة إشارية تغوي القارئ للدخول إلى هذا العالم القريب وتعطيه يد العون بلمحات من رؤى المؤلف.

ثم ننتقل إلى عنوانات فصول الرواية حيث جاءت على ثمانية فصول استخدم فيها الطابع الرياضي العلمي فحددت الفصول الخمسة بالابعاد المعروفة الطول والعرض والارتفاع والزمن ثم تضيف بعداً أخر أسمته (الحب) وبعدها الفصول الأخرى التي جاءت على شكل معادلات رياضية.

فكل عنوان من هذه الفصول يحمل معه عبارة تشير أو تحيل بالبنية الفنية للمتن وكأنها كبسولة سردية توعد بتشظيها إلى دلالات خاصة داخل المتن.

فعلى سبيل المثال في الفصل الأول: البعد الأول الطول، في امتداد جسدها تسكن كل أمالي، وتغفر بدعة طوق نجاتي.

فالطول كان لجثة السياسية المقتولة التي مثل امتدادها أمال ذلك القائد العسكري الذي يود النجاة بنفسه فهو يأمل الحصول على جسدها وانسجتها وكذا الفصل الثاني وبقية الفصول الأخرى.

إذن الرواية من عتبتها واشاراتها الاهدائية وعنوانات فصولها توحي بغرابة الأحداث والشخصيات والرؤى فتجمع بين الواقعية السحرية بالرواية التكنلوجية ويقودنا هذا التوظيف إلى سببين الأول: رؤية الكاتبة للعالم ولم يكن رؤيتها وحدها بل أنها عبرت عن فئة من المجتمع (النساء) اللواتي يشعرن بالاحباط التام والأسى على ضياع الذات وضبابية الوجود أمام الآخر... فهذا الالتفات على الذات الذي مثلته الكاتبة يعد انحيازاً للتجربة الذاتية في محاولة لتذويب السرد وانفتاحه على الاشياء المسكوت عنها اجتماعياً.

فلم يكن ربط الكاتبة لرؤية العالم نفسياً ذاتياً فقط بل جاء ملتصقاً بالطبقات الاجتماعية أو بالأحرى- أحدها- وبنيات هذه الجماعة الذهنية لذلك كانت التجربة مفسرة للتأثير الاجتماعي تفسيراً مدققاً .. (1)

فنرى البطلة تجد حباً جنونياً مثالياً مع رجل غير واقعي من كوكب آخر ينسيها عش الزوجية تلتقي به في طريق التبانة وتقول:

(ها هو الشبق بجتاحني أيها الشوكة التي وخزتني بحكمة الشهوة ها هي الرغبة التي لم أعرف معناها تخترقني وتسري في عروقي مع كل قطرة دم وهي تزرع الورد في مفاصلي))(2).

فهي هنا تستصرخ الذات المفزوعة من الأهمال والتهميش واللامبالاة والقسر من السلطة الذكورية.

وكانت ترفض هذا العالم المزيف وتجد في ذلك العالم القرائي وجودها وافرقتها فتحاول أن تغير الرؤية السلبية لعالمها فتشرع البعد الخامس (الحب) ليكون متسيداً على هذا العالم الذي دمره البشر بانانيتهم وغرورهم، فالحب هو الكفيل باحياء هذا الموات الذي طال كل مظاهر الحياة ولذتها وجمالها خاصة الخراب الالكتروني البشع.

فتقول: (ستحول هذا العالم إلى مملكة مجنونة بصخب عزائنا، عزاؤنا رقصة على مسرح الكون وهي استعارة لذات إلهية تنازلت لتشركنا في ممارسة حقيقتنا كما يحلو لنا...).

وهكذا تنفتح رسائل هذين العاشقين على السرد لتحاكي مضموناً انثوياً يحاور المناطق المهجورة عند الانثى وعياً وادراكاً واحساساً.

وعلى الرغم من شاعرية سرد هذه الرسائل غير إنها جاءت بلغة مرمزة ذات إيحاء مثير وفي أحيان كثيرة مصرح بها عنوة وقصداً .

المميز في لغة الكاتبة أن الآخر (الرجل) أو أي قيمة أخرى معبرة تكون حاضرة بقوة . وعلى الرغم من هذا الحضور أي أن لغة الرواية الأنثوية منفتحة على ذات المرأة ومعبرة عن همومها أصدق تعبير تمثلها وهي تعيش حرارة وبرودة وقائع الحياة الاجتماعية .

وربما يعود هذا الانفتاح في اللغة لفكرة توسيع رقعة الرواية والسماح لها بوصف أي جزء من أجزاء الحياة يهمها أمره وليس في مساعدة القارئ لتحقيق اللذة (3).

والسبب الآخر: أن عالم المرأة أو العالم بصورة عامة صار شديد التعقيد ولم يعد بإمكان الكاتب أن يعبر عن احباطات الإنسان وعذاباته وضغوط الواقع زيادة على القيود التي تفرضها بعض السياسات والاتجاهات الحاكمة في البلاد العربية جعلت من الكاتبة تتجه نحو العوالم الغرائبية لأنها أكثر انفتاحاً وتعبيراً .

فكانت التفاتة جميلة من الكاتبة أن تعالج هكذا موضوع سياسي اجتماعي.

فقد لمست القراءة وجود متخيلة مبدعة تقف وراء هذه المعالجة المرمزة حيث نظمت صور الواقع المحسوسة وتضعها في تركيبات جديدة .

فعندما يفقد (باسل المهري) العسكري في الدولة جسده مضحياً به من أجل استبداد وظلم حكومته يحتاج لجسد آخر ينسجم معه نسيجياً فيكون جسد تلك المناضلة المقتولة مأوى النجاة له أية دلالة رائعة هذه وهي تجعل القتيلة أقوى من القاتل وتصورها في مشهد تعبر عن قوتها في ابتسامتها الثابتة إلى اخر لحظة من حياتها .؟!!

وأي سخرية تلك التي تضع الرجل في جسد امرأة ليكون كائناً خنثياً . لقد أبدعت الكاتبة في تصوير سخريتها تجاه الحكومات بهذا الشكل التقني الجديد والغرائبي . وتبين لنا مسار السرد في الفصل الاول ومنتصف الفصل الثاني الاضطرابات والمعاناة النفسية التي يعانيها ذلك العسكري .

ثم يجسد انعكاساته النفسية وهو يعاني التغيير البايولوجي في جسده (فقدان العضو الذكوري- بداية الحمل) .

ومن ثم فإن هذا التجسيد الغرائبي المحكم بفنية عالية كان سبيلاً لبلوغ المضمون الفكري للرواية لتحقيق غاية اجتماعية تقويمية . دار كل ذلك في حبكة ممتدة على الرغم من تغيير المناظر المستوحاة من المضمون الاول والثاني للرواية بسبب تأثير الشخصيات بعضها على بعض (4) .

وعلى الرغم من العوالم والأحداث الغريبة التي صورتها الكاتبة إلا إن القراءة لمست توازناً دقيقاً بين الجوانب المتخيلة والواقعية لأنها انتزعت الحدث من أرضيته المعيشة لذلك لم نجد أكاذيب لا يصدقها العقل (5) .

ختاماً حاولت القراءة أن تستنبط تلك الفنية المتعذبة بإبداع أنثوي معبر، حيث إن تلك الرغبة المقموعة (الجسدية والفكرية) هي رغبة تنبع من نفس الراغبة التي لا سبيل لها سوى حلم التفوق الذي يسعفها به رواسب الميثولوجيا القائمة في نفسها .

وبذلك مثلت هذه الرواية احتفاءً خاصاً بالذات الانثوية المتكونة بصورة الحب والجسد والسلام والأمومة جعلها تقول:

اعشقني...

 

.......................

الهوامش :

(*) (هذه التفاحة كون صغير بذاتها وبذرتها وهذه البذرة هي الشمس الصغير لذلك العالم الصغير التي تدفئ وتغذي الروح النباتية في هذه الكتلة) أوردها غاستون باشلار في جماليات المكان، تر: غالب هلسا، وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد، 1980، ص180.

([1]) البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، لوسيان غولدمان واخرون، ت: محمد سبيلا، مؤسسة الابحاث العربية ط1، 1984، ص48 .

(2) رواية أعشقني لـ د. سناء كامل شعلان، دار الوراق، ط1، 2012، ص210، 211.

(3) فن الرواية، كولن ولسن ت: محمد درويش، دار المأمون، 1986، ص65

(4) بناء الرواية- أدوين موير ت: إبراهيم الصيرفي الدار المصرية للتأليف، ص57.

(5) المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي- فاضل ثامر، دار المعنى للثقافة والنشر، ط1، 2004، ص86.

 

غابة تتذكر أحزانها لعامر بو عزة

heyam fershishصدر عن دار إنانا للنشرفي 2011 ديوان "غابة تتذكر أحزانها" للإعلامي والشاعر عامر بوعزة. وقد جاء في حجم متوسط، في 124 صفحة، ويتركب من 22 قصيدة. وقد نشرت مجلة الآداب بعض نصوص هذا الديوان، وظهرت نصوص أخرى في مجلات عربية مختلفة. وعامر بوعزة هو خريج كلية الآداب بمنوبة،وحاصل على رسالة ماجستير في كلية الآداب بسوسة تناول فيها سيرة محمد شكري. والمعروف عنه تفرغه للعمل الإذاعي في إذاعة المنستير منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي.

 استهل الشاعر الديوان بقصيدة "غابة تتذكر أحزانها"، وختمها ب "المعطف البدوي الذي كنت"، وتشير أغلب عناوين القصائد إلى ومضات ورائية، على غرار "مشهد خلفي لما حدث "، "طفولة الصفصاف"  "العودة إلى الريح"، وكانت العودة للذاكرة متنفسا للحلم، وانتظارا لأمل ما، حيث نقرأ عناوين لقصائد "عن الحلم الذي يبقى"، " انتظار "، "العائدة". "

وحين ندخل الديوان من عتبة العنوان، الذي ينفذ بنا إلى القصيد الأول "غابة تتذكر أحزانها"، فنحن نستشف بأنها  غابة ترمز للحياة المتواصلة، بالأشجار الفارعة الأغصان، ذات الظلال، وبأصوات الطيور. وكلما غزاها الحزن، تجتذب إليها طيور الفينق، ترفع أجنحتها نحو الشمس، وفي مشهد يخيم عليه الحزن، تحترق لتنبعث من جديد عبر الخروج من الرماد، وتتجدد في صورتها البهية وقد وشت أجنحتها. وما طائر الفينق في أصله اليوناني إلا كلمة تعني نوعا من النخيل، وأطلقت على الطائر الخرافي الذي يبني أعشاشه على شجر النخيل. .

والغابة في قصيد "إلزا" مطفأة العينين " / بلا ذاكرة : والشاعر يبعث فيها الحياة كلما استرجع صور الحياة من الذاكرة، وكلما أيقظ الكامن ليرنو نحو شمس المعرفة:

العتمة تبتل

أنفاسي تركض عارية في أمطار الليل

هذي الوحشة لا إيقاع لها

والغابة مطفأة العينين

بلا ذاكرة

تمادي معي

الأمطار ذاكرتي الممتدة العارية الغائرة

وأنت تاريخي ينبض في رماد العمر

كفاكهة لها طعم البدايات ورائحة التكوين

ص95

 

ويرتبط التذكر باسترجاع المعرفة. استرجاع التفاصيل الحسية.  والاسترجاع قد يقترن بمعنى، أو بصورة داخل مشهد وفضاءات عينية. أو بحيز يتخذ عدة أبعاد كما فسر ذلك علم النفس. وذاكرة الشاعر تسترجع امتدادها وعمقها وتاريخها في مرايا الأمطار، التي تحيل على الخصوبة وعلى البلل، والحياة النابضة، والذات المتطهرة، المغتسلة من رمادها لتنبعث من جديد. كما تسترجع الذاكرة صورها عبر المرأة التي تعود به إلى أصل الأشياء وتكوينها الجنيني، ومعرفته الحسية بها.  والتذكر هو الأشمل من الصور الجزئية المتناثرة. بل تدعو كل صورة صورة أخرى ملتحمة بها  ليخرج الشاعر من حالات العتمة والوحشة وهو يسترجع الأحداث والمواقف والحالات  التي أيقظت شعلة من العواطف والأحاسيس.

وقد يخصص الشاعر غابته ويسميها على غرار غابة الصنوبر التي ترمز للإلهام الشعري أيضا، فقد كتب عنها  لامرتين حين شاهدها في بيروت. و نفس الشيء بالنسبة إلى الشاعر الإغريقي ننو في القرن الرابع ميلادي. وقد حل الصنوبر محل الذات الشاعرة عبر الإزاحة في قصيد : "علياء الصنوبر".

  ما الذي سيقوله الصنوبر؟

الآن وحده تحضن قامته الريح

والكل من حوله عابرون

وحده سيظل هنا خفقة من حنين

توجهها الريح كل مساء

لمن يذكرون

ومن يذكرون

ومن يذكرون

 عابرون

ص 17 -18

 

فهي الذات القادرة على توليد الشعر الذي يخرج من رحم الذكرى ليعيد الشاعر بعث الروح في الكلمات، ويسترجع المعاني الغائبة (وحده سيظل خفقة من حنين). ليعبرعن حالات من الفقد: الصور تطل من الماضي وتسير في طرق الحاضر وتكتسح الأمكنة وتتلبس بالزمن. يتأملها الشاعر في حالة من الاستغراق والانطواء وهو يلوذ بتلك الغابة ويستظل بحلمها. يقف الشاعر على عتبات الذاكرة، وهو يسترجع الصور وما خلفته من صدى، ليرى الغائب الحاضر والحاضر بالغياب. فللماضي مرايا يطل من خلالها على أكثر من حدث وأكثر من صورة منطبعة في الذه الكل عابرون، ولكن الذاكرة تسترجع صورها..

وتحملنا غابة الشاعر إلى مناخات الطفولة والحلم في قصيد "غابة الصفصاف"، حيث يتجسد الحلم ظلا يهتدي إليه الشاعر حين تتلبس ذاته بالحدس، الذي تجلى عبر الصوت الذي يوقظه من حلم ما نحو حالة شعرية فنية، يطوي عبرها ستائر العتمة ويلامس ذاته دون أن يهتدي إلى صورة ذلك الحلم، انه المعنى العاري من كل قناع يتلبس به:

 كأنه ظل طفولتنا المشتهاة

وصوت النواقيس في غابة الحلم

توقظ كل الرعاة

سمعنا على السفح وقع حذائه

لكننا لم نره

.......................

ص75

 

 ورغم ولادة الطفل الكامن في الشاعر من الذاكرة، واليافع الذي كان يكتشف الحياة من جديد عبر استرجاع واستدعاء صور الماضي، فالماضي طافح بالأحزان، وبتكسرات اللحظات التاريخية العربية، وفي تذكر الأحداث العربية  المربكة الحزينة.  تتشكل الصور الشعرية من جديد وتصبح أكثر همسا وإيحاء ونفاذا. ف "الحزن خصب " على حد تعبير نزار قباني. وفي الحزن بحث عن الأمل نتيجة تكرار الصور التي تبعث على الأسى ولم تتغير وهي شديدة الارتباط بالجروح العربية. وعبر الحزن يسترجع الشاعر صورة عشتار الأم، ولادة المسيح المبشر بالسلام، ولادة الشعر الذي اقترن بالنشيد منذ الحضارات القديمة، يبشر بالتجدد ومغالبة العتمة بالفجر والحزن بالأمل: :

سلام لعشتار

للأمهات الحزينات

للفجر في صوت راعية الجنوب

لإيقاع أنشودة علمتنا المدارس

للذاهبين إلى الحقل

للعائدين من الحرب ............. 61

 

ومن يقرأ ديوان عامر بوعزة "غابة تتذكر أحزانها" يرى ذات الشاعر تتشكل عبر بانوراما من الصور داخل لوحة أو مشاهد جزئية داخل مشهد عام. وتتنوع ذاكرة الشاعر وهو يتنقل بنا من الصور البصرية إلى السمعية وإلى اللمسية  والذوقية. وتختزل صور قصائده عناصر الكون ومشاهده في التحامها وتحولها من العتمة إلى النور. .

 

مع غابرييل غارسيا ماركيز .. روايته: مائة عام من العُزلة (1)

adnan aldhahirهذه خطوة فيها شئ من المجازفة بالنسبة لي، ذاك أني لأول مرّة أتعرّضُ فيها لإحدى روايات ماركيز الأكثر شُهرة / مائة عام من العُزلة، بل وإنها المرة الأولى التي أعرض فيها قراءتي لرواية كاتب من أمريكا اللاتينية هو غابرييل غارسيا ماركيز الكولومبي. نعم، إنها مُجازفة لأنَّ هذه الرواية بالغة التعقيد متشابكة في أحداثها كثيرة هي الأسماء التي وردت فيها وكثيرة كذلك أسماء المدن والأماكن والبيوت والطرقات. ثم  التنقلات السريعة من واقعة لأخرى ومن حدث لأخر غيره فضلاً عن تشابك ما هو واقعي بما هو فوق الخيال من خوارق وخرافات لا يمكن أنْ تحدث في عالمنا المرئي والمحسوس. فضلاً عن الشذوذ وتجاوز الأعراف والمألوف من عادات وطقوس. ف " خوسيه أركاديو بوينديا " يتزوج أخته ريبيكا بالتبنّي. حين قيل له إنها أختك أجاب: لا يهمني ذلك. وحين قيل له: هذا مخالف للطبيعة والقانون يحضره أجاب: أشخُّ مرتين على الطبيعة / الصفحات 117 و118 . وأوريليانو خوسيه يغازل ويتبادل القُبل مع عمّته أمارانتا / الصفحات 175 ـ 177 . ثم نرى في نهاية الرواية أنَّ " أوريليانو " يغتصب خالته أمارانتا أورسولا وهي في عصمة زوج بلجيكي ثم يتزوجها بعد ذلك / الصفحات 476 ـ 478 . لكنْ كانت مدينة أو قرية " ماكوندو " قلب ومركز أغلب أحداث الرواية. وغطّت الحرب الأهلية بين اللبراليين والمحافظين في بلد لا نعرف اسمه أجزاء كثيرة من صفحات هذه الرواية [أثار الكولونيل أوريليانو بوينديا اثنتين وثلاثين إنتفاضة مُسلّحة خسرها جميعاً . وكان لديه سبعة عشر ابناً ذَكَراً من سبع عشرة امرأة مختلفة / ص 129]. بعد هذه التوطئة القصيرة والعجلى أعودُ لأشخّصَ أبرز خصائص وعلامات هذه الرواية:

1 ـ الخرافات والخوارق والمعجزات

2 ـ رمز الغجري الساحر ميلكياديس

3 ـ طغيان العُهر والبغاء في مدينة ماكوندو

4 ـ ماركيز والعرب.

 

الخرافات والخوارق والمعجزات

تكادُ هذه الرواية أنْ تكون بغالبية أحداثها قصص خوارق وعالم من جن وجنيّات وسياحات في اللامعقول وقوى غيبية مجهولة تُحرّك البشر والصخر وتقرأ المجهول. السؤال: لماذا عمد هذا الروائي الكبير إلى مثل هذه الأساليب وهل كانت ضرورية سواء له ككاتب النص أو للنص المروي؟ ما كانت مقاصده قبل وبعد كل شئ؟ بقدر تعلق الأمر بي وعلى قدر فهمي للرواية فإني أستطيع القول بثقة إنَّ هذه الخوارق والمعجزات والخرافات كانت بمجموعها حاجات ووسائل وأساليب ضرورية للكاتب بالدرجة الأولى والأخيرة. وسائل تُلبّي حاجات نفسية وثقافية تضغط عليه بإلحاح فيتخذ من الخرافات واللامعقول والميتافيزيقا أقنعة تارةً وقنوات تصريف تاراتٍ أُخَر. وبصراحة مُبسّطة أقول: ما وجدتها ضرورية لبناء متطلبات النص ولا تأثيرَ لها على شروط ومتطلبات السرد والربط ما بين الحوادث ولم تُضفْ قوة إقناع إضافية يُحس القارئ بها فيزداد إلتصاقاً وشوقاً لمتابعة السرد. يستطيع القارئ الكريم حذف أيٍّ من هذه الخزعبلات ليتأكد أنها لم تكن ضرورية أبداً بل وفي أفضل حالاتها ما كانت إلاّ فضول كلام وهذيان وثرثرة. إذاً هي ضرورية للكاتب وليس للنص. الكاتب بحاجة ماسّة لها لا الكتاب. هل يتوجب علينا الجري وراءه مستجدين تفسيراته؟ كلاّ، لا نحن بالمجبرين على الإستجداء منه ولا هو بالمُجبر على الإستجابة والعطاء وتقديم الأجوبة التي نتوقع منه. لنسمع ما قال السيد ماركيز في مقدمة روايته الأخرى الأفضل في نظري والأروع أعني رواية " الحبٌّ في زمن الكوليرا ": [.. أما ماركيز فإنه يقول في أكثر من مناسبة " الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبحَ فناً] و[الغرائبي يأخذني ولا يبقى من الواقع إلاّ أرض القصة]. وقال في مكان آخر عن مائة عام من العزلة [إنها تنتمي إلى أدب الهروب من الواقع. كنتُ أودُّ التعبير عن الإرادة الواعية لا أنْ تعدم الواقع. ولكنْ علينا أنْ نُدركَ أنها لم تصالح الواقع / الصفحة 6].

في كلامه هذا تناقض كبير وإلاّ فكيف تكون الإرادة الواعية غير متصالحة مع الواقع؟ الإرادة الواعية هي التعبير الحي والأقوى عن الواقع وما الواقع إلاّ إرادة. ثم إنه يعترفُ أنَّ رواية مائة عام من العزلة تنتمي إلى أدب الهروب من الواقع ! لمن يتجه الكاتب إذا ما هرب من الواقع؟ أمامه عندئذٍ سبيل واحد منفتح على مصراعيه: الخرافات والخوارق والخزعبلات والإيمان بالسحر وقارئات الورق والكفوف والإيمان بسحر بعض الغجر من أمثال ميلكياديس الذي جعله الكاتب يرافقنا لعقود بعد موته فهو الغائب بالموت والحاضر برغبة الكاتب تطميناً لحاجات نفسية وعقلية يُحسُ هو بها لكنا لا نُحسُّ بها ولا نراها.

أسوق أمثلة ونماذج لهذه الخزعبلات التي لم أقتنعْ قطُّ بها ولا بجدواها ولا بأهميتها للأحداث التي فصّلها الراوي رغم قراءتي المتأنيّة لهذه الرواية الطويلة /  501 صفحة:

[.. ولم تعدْ أورسولا إلى تذكّر زخم تلك النظرة حتى يوم دخل فيه أوريليانو الصغير المطبخ، وهو في السن الثالثة من عمره، في اللحظة التي كانت ترفع قدراً تغلي عن الموقد وتضعها على المائدة فقال

الصغيرُ المُتردد وهو عند الباب: سوف تسقط . كانت القدر ثابتة تماماً في وسط المنضدة لكنها بدأت تتحرك فور إعلان الطفل ذلك، حركة لا رجوعَ عنها بإتجاه الحافة وكانها مدفوعة بآلية داخلية وتهشّمت على الأرض / الصفحتان 23 و24]. كما سبق وأنْ قال الروائي ماركيز عن هذا الطفل ما يلي:

[.. أما أوريليانو، أول كائن بشري وُلِدَ في ماكوندو فكان سيبلغ السادسة من عمره في آذار. وكان صامتاً ومنطوياً على نفسه. وقد بكى وهو في بطن أمّه وخرج إلى النور بعينين مفتوحتين. وبينما هم يقطعون له الحبل السُرّي كان يحرّك رأسه من جهة إلى أخرى ليتعرفَ على أشياء الغُرفة ويتفحّص وجوه الناس بفضول ودون دهشة / ص 23]

وكتب عن نفس الطفل هذا ما يلي:

[.. ولكنَّ عينيه، بالمقابل، صارتا مُجدّداً الجمرتين اللتين أخافتا مَن رأوهُ عند ولادته واللتين كانتا تحرّكان الكراسي بمجرد النظر إليها / الصفحة 294]. ثم كتب عنه وقد كَبُر وغدا الكولونيل أوريليانو بوينديا

[وفي صباح أحد الأيام وجد أورسولا ـ والدته ـ تبكي تحت شجرة الكستناء على ركبتي زوجها الميّت / الصفحة 295]. ثم كتب عن أب يحاول البرهنة على أنَّ قدرات الله غير محدودة [.. حمل إليه الصبي الذي ساعده في القُدّاس فنجاناً من الشوكولاتة الكثيفة يتصاعد منه البخار فجرعه دون يأخذ نَفَساً. وبعد ذلك مسح شفتيه بمنديل أخرجه من كُمّه ومدَّ ذراعيه وأغمض عينيه وعندئذٍ طفا الأبُ نيكانور مرتفعاً اثني عَشَرَ سنتيمتراً فوق سطح الأرض. كانت وسيلة مُقنعة / الصفحات 104 و105]. أيُعقل مثل الكلام؟ أصحيحٌ أنْ يرتفع شخص فوق الأرض بعد تناول فنجان من مشروب الشوكولاتة؟ أهذا دليل على وجود قوة خارقة لا نعرف ما هي تفعل المستحيل كأنْ تقهر قانون الجاذبية الأرضية فترفع بشراً فوق سطح الأرض ويبقى كذلك مُعلّقاً في الهواء؟ هل هذا دليل على وجود الرب؟ هنا بالطبع سخرية واضحة من دعاوى رجل الدين المسيحي الأب نيكانور وبرهانه على وجود الرب. قد نفهم مثل هذا الكلام على أنه نكتة ساخرة مُصممة ضد الدين وضد فكرة وجود إله خالق.

نقرأ في الصفحة 43 أنَّ الغجر جاءوا إلى قرية ماكوندو ببساط طائر كأداة تسلية [وقد نبش الناسُ الأرضَ، بالطبع، ليُخرجوا آخرَ نقودهم الذهبية ويستمتعوا بجولة طيران سريعة فوق بيوت القرية / ص 43].

ما تفسير هذه الخوارق والظاهرات غير المسبوقة وما أهميتها بالنسبة لسياقات نصوص الرواية؟ كيف يبكي طفلٌ وهو لم يزل في بطن أُمّه وهل في الإمكان سماع مثل هذا البكاء؟ نعم، نتابع حركات الجنين في شهريه الأخيرين في بطن أمه ولكن لا من أحد ادّعى سماع صوت جنين وهو في رحم والدته. المواليد الجُدد يبكون لحظة استنشاقهم الهواء الحر لأول مرة وهذا البكاء ضروري لإنفتاح الرئتين وتدشين عملية التنفس شهيقاً وزفيراً. تكلم الروائي الألماني كونتر هاس في رواية طبل الصفيح عن إنسان تأخر نموه بسبب حادثة سقوط تعرّض لها هذا الإنسان زمن طفولته. وربما لهذا السبب أو لغيره كان في مقدوره أنْ يُحطّم زجاج النوافذ والأبواب إذا ضرب على طبلة معلّقة في رقبته تتدلّى على صدره ورافق هذا الضرب إطلاق صرخات حادّة عالية. واضح مصدر هذه الحكاية .. ففي التوراة مثيل لها يقول إنَّ .. إذا ضرب على طبله وتعالى صُراخه تنهارُ حصون مدينة أريحا .. ! خرافات وأمانٍ لا أكثر. في رواية مائة عام من العزلة غير القليل من أشباه هذه الخزعبلات.

أورسولا هي أم الطفل الخارق أوريليانو.

مثال آخر له طبيعة أخرى مُغايرة وله ما يشابهه في مسرحيات شكسبير وخاصة هاملت ومكبث. أقصد ظهور أشباح القتلى غيلةً. ففي هذه الرواية يقتل رأسُ عائلة آل بوينديا ومؤسس قرية ماكوندو المدعو خوسيه أركاديو بوينديا .. يقتل شخصاً وجّه له إهانة إتهمه فيها بالعجز الجنسي بطعنه في رقبته برمح. ما الذي حصل بعد مقتل برودينثيو أغيلار؟

[.. وفي ليلة لم تجدْ فيها أورسولا إلى النوم سبيلاً، خرجت إلى الفناء لتشربَ ماءً فرأتْ برودينثيو أغيلار إلى جانب الجرّة. كان شاحباً وبملامح شديدة الحُزن يحاول أنْ يسدَّ بسدادة من أوراق الحلفاء الثقب الذي في حنجرته ..] .. [وبعد ليلتين من ذلك رأت أورسولا، مرةً أخرى، برودينثيو أغيلار في الحمّام يغسل بأوراق الحلفاء الدم المتخثّر على عنقه. وفي ليلة أخرى رأته يتمشّى تحت المطر. تضايق خوسيه أركاديو بوينديا من رؤى زوجته وخرج إلى الفناء مُسلّحاً بالرمح. وهناك كان الميّت بملامحه الحزينة فصاح به خوسيه أركاديو بوينديا: إذهبْ إلى الجحيم. فكل مرة تعودُ فيها سأعودُ لقتلك من جديد. لم ينصرفْ برودينثيو أغيلار ولم يجرؤ خوسيه أركاديو على قذفه بالرمح. ومنذ ذلك الحين لم يعدْ يستطيع النوم / ص 33]. رأينا مثل هذه الرؤى في مسرحيات شكسبير فدم الأبرياء المسفوك ظُلماً لا ينفكُّ يؤرّق سافكيه القَتَلة ويؤنب الضمائر ويستصرخ شرف الإنسانية أنْ تهبَّ لأخذ الثأر. أردتُ القول إنَّ هذا الأسلوب قديم ومطروق ولا من جديد فيه.

لكنْ هل هو ضروري للرواية وتتابع أحداثها؟ ذلكمْ هو السؤال الذي قد نختلف كثيراً حوله.

 

الغجري الساحر ميلكياديس

قلتُ سابقاً إنَّ الروائي ماركيز كان شديد الحرص على إبقاء هذا الغجري في الرواية بالعرض وبالطول نجده إينما وليّنا متلبساً الأحداث مُخترقاً أنسجة القصص والسرد فما السرُّ في ذلك وما مغزى وأهمية هذا الشبح الذي فارق الحياة منذ أوائل صفحات الرواية؟ [.. وفي ما بعد ذلك، أكدَّ له غجرٌ آخرون أنَّ ميلكياديس قد مات فعلاً تحت وطأة الحُمّى في كثبان شواطئ سنغافورة، وأنَّ جثمانه قد أُلقي في أعمق مكان من بحر جاوا / الصفحة 26]. نمضي مع صفحات الرواية لنقرأ في الصفحات 90 ـ 91 ـ 92 أنَّ هذا الرجل ما زال حيّاً لكنه أخيراُ يموت في النهر غَرَقاً ! قُبيلَ موته غرقاً كان يردد عبارات من قبيل [لقد بلغتُ الخلود] و[إننا من ماء] , [لقد متُّ بالحُمّى على كثبان شواطئ سنغافورة].  صحيح أنَّ مؤسس قرية ماكوندو السيد خوزيه أركاديو بوينديا قد تأثّر بشخصية وخوارق الغجري الساحر ميلكياديس وصحيح أنه تعلّم منه سر تركيز أشعة الشمس بواسطة عدسة كما تعلّم منه صنعة الخيمياء / الكيمياء / لأجل مضاعفة الذهب أي زيادة تركيزه .. وقبل ذلك محاولة إستخلاصه من الأرض وما تحتها بالمغناطيس .. كل هذا صحيح لكن الساحر الميت منذ عقود ظلَّ سيّداً لبعض المواقف حتى بعد وفاة مؤسس القرية . جاء ذكره عدّة مرات في الصفحة 498 أي قُبيل ختام الرواية فماذا قيل عنه وما أهمية ذِكْره لعدد من المرات؟ أنقل ما كتب الروائي عنه، والكلام عن أوريليانو إبن أخت وزوج أمارنتا أورسولا:

[.. لأنه صار يعرف عندئذٍ أنَّ قَدَره مكتوب في رِقاق ميلكيادس. وجدها سليمةً بين النباتات الخرافية والبرك المُدخّنة والحشرات المُضيئة التي أزالت من الغرفة كلَّ أثرٍ لمرور البشر على الأرض ولم يجدْ الهدوء ليُخرجها إلى النور، وإنما هناك بالذات، وهو واقف ودون أدنى صعوبةٍ، كما لو أنها مكتوبة بالقشتالية، تحت بريق الظهيرة الُمبهِر، بدأ يحلُّ رموزها بصوتٍ عالٍ. كانت تروي تاريخ الأسرة وقد كتبها ملكياديس بأدق التفاصيل وأتفهها، قبل مائة عام من وقوعها؟ لقد كتبها بالسنسكريتية وهي لغته الأم .. أما وسيلة الحماية الأخيرة وكان أوريليانو قد بدأ بتبنيها عندما أسلمَ نفسه لتشوش حب أمرانتا أورسولا فتكمن في أنَّ ميلكيادس لم يوردْ الوقائع مُرتّبة وفق زمن البشر المتعارف عليه وإنما ركّزَ قرناً كاملاً من الأحداث اليومية بحيث تتواجدُ جميعها متعايشة في لحظة واحدة.. / الصفحة 498]. هنا إذاً الجواب الشافي والدقيق عن تساؤلاتي حول الغجري الساحر ميلكيادس. إنه كتب تاريخ أسرة مؤسس قرية ماكوندو والجد الأعلى لعائلة بوينديا السيد " خوسيه أركاديو بوينديا " على مدى قرن كامل من الزمن ولكنْ جعل تفاصيل هذا التاريخ تتعايش في لحظة واحدة. وقد سبق وأنْ كشف أوريليانو بعض رموز الغجري ميلكيادس المكتوبة على بعض الرقاق والتي تقول ( أول السلالة مربوط إلى شجرة وآخرهم يأكله النمل ) وهذا بالفعل ما قد حصل، فقد قضّى الجد المؤسس العديد من آواخر سني عمره مربوطاً إلى شجرة كستناء ضخمة  هناك كان يجلس ويأكل وينام تحت رعاية زوجه أورسولا. أما آخر السلالة، وهو نتاج زواج غريب، فقد جفَّ وافترسه من ثم النمل.

ثم نقرأ في آخر سطور هذه الرواية الطويلة ما يلي [.. في اللحظة التي ينتهي فيها أوريليانو بوينديا من حلِّ رموز الرِقاق، وأنَّ كل ما هو مكتوب فيها لا يمكن أنْ يتكرر منذ الأزل إلى الأبد، لأنَّ السلالات المحكومة بمائة عام من العُزلة ليست لها فُرصة أخرى على  الأرض].

هل هي نبوءة ساحر غجري أو أنها واقعة ملموسة أم أنها حقيقة علمية؟

لقد جاء في الرواية ولعدة مرات ذِكر نبوءات أو تفسيرات نوستراداموس، فهل ما كتب الساحر الغجري في رقاقه عن تاريخ ومصير عائلة بوينديا كان أحد نبؤات نوستراداموس؟

 

العُهر والبغاء في مدينة ماكوندو

كثُر البغاء والبغايا واتسعت الدعارة وبيوتها مع تطور قرية ماكوندو التدريجي من مجرد قرية صغيرة بائسة إلى مدينة شهدت أولى معالم الحكومة والرأسمالية. ظهر فيها شاب إيطالي يعلم فتيات المدينة أصول الرقص ويبيع إسطوانات الموسيقى ثم يغدو خطيباً لإحدى بنات المؤسس. ثم يأتي القطار ومعه يأتي البريد الأسبوعي منتظماً .. ثم يأتي الكهرباء حتى يبلغ التطور الرأسمالي في هذه المدينة مستويات قريبة من الذروة بتأسيس شركة أصحابها أمريكان لزراعة وتسويق الموز. تأسست مع نشوء هذه الشركة طبقة عمالية بلغ تعدادها أكثر من ثلاثة آلاف عامل.

أصبح النقيصُ يواجه نقيضه: العمال الفقراء أمام الرأسمال. كانت الحكومة المركزية بالطبع مع الرأسمال تحميه وتدافع عنه بكافة الوسائل القانونية وغير القانونية على رأسها قوة الشرطة والسلاح والجيش. مع شركة الموز بدأت إضرابات العمال وبدأ القتل الجماعي للمضربين [أنَّ الجيش حاصر ثلاثة آلاف عامل وقتلهم بالرشاشات وحُملت الجثث في قطار من مائتي عَرَبة لتُرمى في البحر / الصفحة 491 .. مثلاً]. ثم حلَّ الخراب وأُغلقت الشركة وهرب أصحابها كلٌّ إلى بلده.

هل لهذا التطور الرأسمالي التدريجي علاقة بسعة إنتشار البغاء في مدينة ماكوندو؟ الجواب كلاّ، كان البغاء موجوداً خاصة بوجود الغجر الموسمي، وكان هناك ما دامت كانت هناك بغايا .

ـ من أوائل مومسات قرية موكاندو شابّة اسمها بيلار تيرنيرا [كانت ضمن الهجرة التي تُوّجت بتأسيس ماكوندو، إقتادتها أسرتها لإبعادها عن الرجل الذي اغتصبها وهي في الرابعة عشرة وظلَّ يُحبّها حتى بلوغها الثانية والعشرين لكنه لم يُحسم أمره قط في إعلان علاقتهما أمام الملأ / ص 39]. سقطت تحت أعباء حرمانها ونكبتها بمن أحبّت تحت رحمة قوة إغراء الشاب خوسيه أركاديو إبن أورسولا البِكر فعاشرها وعاشرته حتى فاجأته ذات يو م بالقول [أنت الآن رجل بالفعل . ولأنه لم يفهم ما الذي تعنيه فقد أوضحت الأمرَ حَرفاً فحرفاً: سيكونُ لك ابن / ص 44]. بدل أنْ يتزوجَ منها [عقد خوسيه أركاديو خرقة حمراء حول رأسه ورحل مع الغجر / ص 47]. في غيبته ورحيله مع الغجر ولدت بيلار تيرنيرا وَلَداً وكان بالطبع ابنَ سِفاح ! أسموه كذلك خوسيه أركاديو.

سنقرأ في الصفحة 79 أنَّ هذه المرأة أنجبت إبنين آخرين من أبوين مجهولين ! وسنعرف أنَّ أورليانو قضّى ليلة وهو تحت حالة سكر شديدة مع هذه المرأة / ص 86، ثم تخبره فيما بعدُ أنها قد حملت منه وإنه سيعترف بما حملت ويمنحه اسمه / ص 97 .

منذ هذه اللحظة بدأ نطاق الدعارة بالإتساع وكما يلي:

ـ حانوت كاتارينو

ما كان هذا الحانوت إلاّ نِزلاً أو منزولاً مخصصاً لممارسة الدعارة يُديره رجلٌ اسمه كاتارينو . نقرأ وصفاً أنموذجياً لما كان يدور هناك من سمسرة:

[.. ذهبَ أوريليانو ـ إبن أورسولا الثاني ـ إلى حانوت كاتارينو .. وأمام باب في أقصى المكان يدخل ويخرجُ منه بعض الرجال كانت تجلس وتُهوّي بصمت إمرأة الكرسي الهزّاز البدينة. وكان كاتارينو الذي يضع وردةً من اللبّأد على أُذنه يبيعُ القادمين طاساتٍ من عصير قصب السُكّر المُخمّر ويتحينُ الفُرص ليدنو من الرجال ويضعُ يده حيثُ لا ينبغي له أنْ يضعها. في حوالي منتصف الليل صار الحرُّ لا يُطاق. وقد استمع أوريليانو إلى الأخبار حتى نهايتها دون أنْ يجد بينها خبراً يهمُّ أسرته. وكان يتأهبُ للعودة إلى البيت عندما أومأتْ له المرأةُ البدينة بيدها وقالت: أُدخلْ أنتَ أيضاً. لا يُكلّفكَ ذلك إلاّ عشرين سنتافو. ألقى أوريليانو قطعة النقود في الحصّالة التي تضعها البدينة بين ساقيها ودخل الحجرة دون أنْ يدري السبب. كانت المراهقة الخُلاسية بنهديها الشبيهين بضرع كلبة عاريةً على الفراش وكان قد مرَّ على الغرفة قبل أوريليانو في تلك الليلة ثلاثةٌ وستون رجلاً .. / ص 68].

يتكرر ذِكرُ حانوت كاتارينو مِراراً في هذه الرواية لأنَّ مرتاديه كِثارٌ ومن مختلف فئات مجتمع مدينة ماكوندو كباراً ومراهقين عزّاباً ومتزوجين عسكريين ومدنيين. لقد ارتاده أوريليانو مرةً ثانية مع صديقيه / ص 85 . كما ارتاده الكولونيل أركاديو / ص 139 . العجيب أنَّ هذا حاول اغتصابَ أمّهِ بيلار تيرنيرا وما كان يعرف أنها أمُّه. حاول ذلك مراراً فوافقت لكنها خدعته إذْ اتفقت مع فتاة عذراء اسمها صوفيا قديسة الرحمة لقاء أجر سخيٍّ أنْ تلتقيه في الظلام في المكان والزمان المحددين ففوجئ بها وقد عرف أنها امرأة أخرى وطابت له وصارا يمارسان الحب يومياً وبشكل دائم .. و[في الفترة التي عُيّنَ فيها أركاديو قائداً مدنياً وعسكرياً للقرية أنجبا إبنة / ص 141].

هكذا كان مجتمع مدينة ماكوندو وكما وصفه الأب نيكانور رينا [.. ذُعرَ من الجدب الروحي لأهالي ماكوندو الذين يزدهرون في الرذيلة مُثبّتين إلى قانون السجيّة دون أنْ يُعمّدوا أبناءَهم أو يقدّسوا أيام الأعياد. فكّرَ أنه ليست هناك بقعة أرض بحاجة إلى بذرة الرب أكثر منها. وقرر البقاءَ أسبوعاً آخرَ ليُنصّرَ المختونين والوثنيين ويُشرّع حالات مساكنة المحظيات / ص 103].

 

بيترا كوتيس

تمثّلُ هذه المرأة نموذجاً آخرَ لحال مدينة ماكوندو ولوضع النساء بشكل عام فيها حيث المجون المنفلت والقصف واللهو والعبث والجنس المتعدد الأساليب والألوان وسيادة الخرافات واجتماع النقائض حيث الإلحاد والدين فضلاً عمّا دار من حروب أهلية استمرت لبضعة أعوام ثم تمرد عسكري كان قادة الإثنين رجالاً شباباً من عائلة بوينيدا. ما الغريب في قصة هذه السيّدة؟ كانت أرملة شابة وفي ظرف خاص كانت تضاجع أخوين في وقت واحد ظانّةً أنه واحدٌ نظراً للشبه الكبير بين هذين الأخوين. أُصيب كلاهما بمرض جنسي / زُهري لعله السفلس أو السيلان عالجاه وشفيا منه. هذا الأمر يدل بقوة أنَّ هذه ( السيّدة ) كانت تمارس الجنس مع غير الأخوين. أي أنها كانت هي الأخرى بغيّا. لكنَّ مصيرها في نهاية المطاف انتهى أنْ تكون عشيقة دائمة لأحد هذين الأخوين المدعو أوريليانو الثاني .. أحد أبناء وسليل عائلة بوينيدا. الغريب، ولا غرابة في القص الخيالي والعجائبي لما كان يدور في مدينة خُرافية قامت مِن وفوق لاشئ، أنَّ هذه السيّدة الأرملة ظلّت عشيقة للسيد أوريليانو الثاني حتى بعد زواجه بل وكان هذا يُقضّي أياماً وشهوراً معها في بيتها وبعلم زوجه السيّدة فرناندا [.. وكانت قناعته تزداد بأنَّ نجمه الطيّب لا علاقةَ له بسلوكه وإنما بتأثير خليلته بيترا كوتيس، وأنَّ لحُبّها فضيلة قلب نظام الطبيعة . وكان مُقتنعاً بأنَّ هذا هو سبب ثروته إلى حدّ أنه لم يُبعدْ بيترا كوتيس قطّ عن بهائمه وحتى عندما تزوّجَ وأنجب أبناءً واصلَ العيش معها بموافقة زوجته فرناندا / ص 233].

أشكال أخرى للدعارة في مدينة ماكوندو

ـ صبيّات الجوع والدعارة مقابل الطعام

" تُسمسرُ " قوّادة في بيتها على مجموعة من الصبايا صغيرات السن مُدقعات يمارسن البغاء مقابل القليل من الطعام تبيعه القوّادة لهن بما يتقاضين من نقود الزبائن لا أكثر. تبين هذه الصورة مدى الفقر والعَوَز والفاقة التي كانت سائدة في مدينة ماكوندو قبل خرابها وهجرة من هاجر منها وانمحاء أثر عائلة بوينيدا. نقرأ ما كتب ماركيز:

[في الأمسية التي ألقى فيها أوريليانو محاضرته عن الصراصير إنتهى النقاش في بيت البنات اللواتي يُضاجعنَ بدافع الجوع، وهو ماخور وهمي في ضواحي ماكوندو صاحبته قوّادة باسمة، مُعذّبة بهوس فتح أبواب وإغلاقها .. وما أنْ يتلقين مبلغ البيزو وخمسين سنتافو حتى ينفقنه على رغيف خبز وقطعة جبن تبيعه لهنَّ صاحبة المحل / الصفحات 467 ـ 468].

ما سبب قول الروائي عن هؤلاء الصبايا إنهنَّ محض اختلاق وإنَّ محل الدعارة هذا لا وجودَ له إلاّ في المخيّلة وإنَّ  ذلك الطعام ليس حقيقياً / نفس الصفحتين مارتي الذِكْر؟ إنها خرافة مدينة اسمها ماكوندو قامت من العدم وستؤول بعد مائة عام إلى عدم ( أول السلالة مربوط إلى شجرة وآخرهم يأكله النمل / ص 498 ). كل شئ فيها غير طبيعي وناسها منحرفون يخالفون نواميس وقوانين الطبيعة السوية.

 

ـ السيّدات الفرنسيات

ورد ذِكْرُ السيدات الفرنسيات أكثرَ من مرّة في رواية ماركيز بنعوت شتى ليس بينها ما يُشيرُ إلى مزاولتهنَّ البِغاء [.. والشئ الوحيد الذي تبقّى من تلك المبادرة الفاشلة هو نفحة التجديد التي جلبتها السيّدات الفرنسيات، فقد بدّلنَ بفنونهنَّ الطبيعية أساليب الحب التقليدية وأودى حُسنُ معشرهنَّ بحانوت كاتارينو العتيق .. / ص 239]. حانوت كاتارينو هو منزول الدعارة الذي سبق ذكره مراراً.  هل نفهم من عبارة " وأودى حُسنُ معشرهنَّ بحانوت كاتارينو " أنهنَّ كذلك مومسات يمارسن البِغاء في دار خاص بهنَّ بطرق وأساليب فرنسية جديدة على عالم مدينة ماكوندو حتى أقفر حانوت كاتارينو وأقفل أبوابه بعد أنْ عرف زبائنه القدامى مزايا وحسنات منزول الفرنسيات؟ [بدّلنَ بفنونهنَّ الطبيعية أساليبَ الحب التقليدية / ص 239]. ورد ذِكرهنَّ في الصفحة 273 وفي الصفحة 274 . خلا مرة واحدة فقط أسماهنَّ فيها مومسات [المومسات الفرنسيات / الصفحة 393]

 

ـ نساء وقوّادات بابليات !

ما كان في رأس السيد غابرييل غارسيا ماركيز إذْ ينعت مومسات وقوّادات بأنهنَّ بابليات؟ إنه لم يزر العراق والعراق في الزمن القديم هو بابل وبابل أكثر من بابل فالأولى كانت بابل المشرّع الأكبر حمورابي ثم بابل نبوخذّنصّر الكلداني ثم بابل اليوم وهي محافظة مركزها مدينة الحلة. هذا عرض شديد الإيجاز لتاريخ بابل يدفعني للتساؤل عن مغزى وهدف كاتب الرواية من نعته للبغايا والقوّادات بإنهنَّ بابليات؟! قد يقول قائلٌ إنه حرصي وغيرتي على بابل، بابل العراق وبابل حمورابي ونبوخذّنصّر ثم عراق اليوم البابلي وعاصمته مدينتي ومدينة أهلي وأجدادي: الحلّة. لا أنفي هذا أبداً وكيف أنفيه . لا أنصرف للجزئيات وبعض تفاصيل الحياة وما حصل في العراق لأكثر من نصف قرن من تطاحنات عقائدية ـ سياسية ثم مذهبية وحروب وغزو وحصار طويل ممُضٍّ قاتل ثم احتلال أدّت في بعض منعطفاتها إلى تشويشات وتشويهات وادعاءات يصعب دحضها حول سلوك بعض العراقيات [البابليات] خاصة في الكويت ومشايخ الخليج. نرى اليوم نظير ذلك مما تتعرضَّ له حرائر سوريا في بلدان اللجوء تركيا والأردن ولبنان. هل هذا ما قصده السيد ماركيز؟ لا، أبداً . إنه جدَّ بعيد عن العراق والخليج .. إنه رجل من كولومبيا في أمريكا اللاتينية ثم إنه ليس سلمان رشدي ! إذاً أية بابل كان قد عنى؟ عشتار آلهة الجنس والخصب والتناسل؟ بغايا معابد بابل يمارسن الجنس المقدّس؟ سمير أميس الملكة التي قيل عنها إنها كانت تعشق حصانها وكانت تمارس الجنس معه؟ الراجح أنَّ الرجلَ قد قصد بغايا المعابد اللواتي كنَّ يمارسن الجنس للتكاثر مجاناً لوجه الإله مردوخ.  أظنَّ أنَّ السيد ماركيز قد شطح وارتكب خطأً لا لزومَ له أبداً. البغاء أقدم مهنة في تاريخ البشرية ومع البغاء تأتي السمسرة والقوادات والقوادون وكان ولم يزل معروفاً ومنتشراً في كافة بقاع العالم فما الذي حدا به إلى حصر هذا الأمر ببابل ولم يذكر أثينا مثلاً أو روما؟ المهم .. لقد ذكر الرجلُ بابلَ في عددٍ من المناسبات، قال في الصفحة 278  [.. وفي يوم أربعاء مجيد جاؤوا بقطار مُحمّل بمومسات غير معقولات، إناث بابليات بارعات بأساليب عريقة في القدم ومزوّدات بكل أنواع المراهم والأجهزة لإستثارة العاجزين وتنشيط الخجولين وإشباع نهم النهمين وتحفيز المتواضعين وتقويم غير السويين وإصلاح المتوحدين].

كما قال في الصفحة 462 ما يلي [.. وإنَّ شركة الموز رحلت وإنَّ ماكوندو تنعم أخيراً بالسلام منذ سنوات طويلة. وقاده ذلك التجوال إلى حي التسامح المتردي حيث كانت تُحرقُ في أزمنة أخرى رزم من الأوراق النقدية لتنشيط رقصات الكومبيامبا، وتحوّلَ آنئذٍ إلى متاهة شوارع أشدّ كآبةً وبؤساً من الشوارع الأخرى، مع بعض القناديل الحمراء التي لا تزالُ مُضاءةً فيه، وقاعات رقص مُقفرة مُزيّنة ببقايا أكاليل زهرٍ حيث أراملُ لا أحدَ الحزيناتُ والبديناتُ والجدّات الفرنسيات والقوّادات البابليات، يواصلنَ الإنتظار إلى جوار الفونوغرافات]. كانت شركة الموز رمزاً لنشوء وتطور الرأسمالية في مدينة ماكوندو حيث حصل التضاد والتصادم الأعظم بينها وبين العمال ووقع إثرَ ذلك ما وقع من مقتل ثلاثة آلاف عامل من عمال هذه الشركة.

أما القناديل الحمراء فإنه رمزٌ معروف في مدن الغرب وأمريكا توضع أمام بيوت الدعارة لإرشاد وقيادة الزبائن إليها. كما توضع في البيوت الخاصة أمام حجرات السيّدات ليلاً في ساعات ممارسة الحب ـ الجنس مع عشّاقهن والرجال مع صديقاتهم .

إستفزني ذكرُ بابلَ وأنا بابلي ! يا ماركيز / حذارِ .. إبتعد عن بابل . تجنّب نيران بابل وغضب عشتار ومردوخ.

 

ماركيز والعرب

أخيراً، هل كان السيد ماركيز ضد العرب في روايته هذه؟  يصعب البت في هذا الأمر. ذكرَ العرب في مواضع شتّى تبدو لأول وهلة  محايدة لا لونَ ولا طعمَ لها لكني .. نعم لكني .. أظنُّ، وبعض الظن إثمٌ، أنَّ فيها رائحة مشبوهة لكنها خجولة حَذِرة لأسباب  معروفة. ذكر العربَ بأوصاف لا تُشرّفُ أحداً من العرب وخلطهم بالترك إذْ أطلق على شارعهم اسم شارع التُرك ! لا أتدخلُّ فيما قال لكني أكتب حرفياً ما قال عنهم وأترك الحكم للقرّاء الكرام.

[.. كانت ماكوندو آخذة بالتبدّل فالناس الذين جاؤوا مع أورسولا اكتشفوا جودة أرضها وموقعها الممتاز بالنسبة لمنطقة المستنقعات، وسرعانَ ما تحوّلتْ الضيعة التي كانت صغيرة ومتواضعة في أزمنة أخرى إلى قرية تعجُّ بالنشاط. فيها متاجر وورش حِرفية وطريق تجاري دائم جاء عَبْرَه أولُّ العربِ الذين ينتعلون البابوجات ويُعلّقون الأقراطَ في آذانهم ليقايضوا عقوداً من الزجاج ببغاوات / الصفحتان 51 ـ 52].

هل كان العربُ الأوائل يضعون أقراطاً في آذانهم؟ ذلك ما لا أعرفه وما لم أسمعْ به. غير أنَّ أمراً أفرحني ذاك أنَّ هؤلاء العرب الأوائل ما كانوا يمشون حُفاة الأقدام بل كانوا [ينتعلون البابوجات]. هذا أول ذِكْرٍ للعرب في هذه الرواية.

في الصفحة التالية 53 جاء ذكرُ العرب كما يلي:

[.. فرضَ خوسيه أركاديو بوينديا خلال وقت قصير حالة من النظام والعمل لم يسمحْ فيها إلاّ بتصريحٍ وحيد: إطلاق سراح الطيور التي كانت مُنذُ تأسيس ماكوندو تبعثُ المرح في الجو بألحانها، واستبدالها بساعات موسيقية في كل البيوت وهي ساعات جميلة من الخشب المشغول بمهارة، كان العربُ يبادلونها بالببغاوات .. / ص 53]. العربُ إذاً تجّار يُقدّرون أهمية وقيمة الطيور ولا سيّما طيور الببغاء الزاهية في ألوانها والعجيبة في قدرتها على نطق بعض الكلمات البسيطة.

ما قال ماركيز أيضاً عن العرب؟  قال في الصفحة 73 عنهم ما يلي:

[كان دون أبولينار موسكوتي الحاكم قد وصلَ إلى ماكوندو دون ضجّة ونزلَ في فندق يعقوب الذي أقامه أحدُ أول العرب الذين جاؤوا يقايضون بضائعهم التافهة بالببغاوات]. كما ورد ذِكْرُ العرب في الصفحة 400   كما يلي [.. وكان شارع الأتراك قد عاد مُجدداً إلى ما كان عليه، شارع الأزمنة التي كان فيها العربُ ذوو الأخفاف والأقراط في آذانهم يجوبون العالم مُستبدلين بضائعهم الرخيصة بالببغاوات]. غير أنَّ الروائي ماركيز مدح العربَ مرتين، نقرأ ما قال عنهم في الأولى [.. لكنَّ عربَ الجيل الثالث كانوا جالسين في المكان نفسه والوضع نفسه الذي جلس فيه آباؤهم وأجدادُهم صامتين، رابطي الجأش، عصيين على الزمن والكارثة، مُفعمين بالحياة أو الموت مثلما كانوا بعد وباء الأرق وحروب الكولونيل أوريليانو بوينديا الإثنتين والثلاثين. وكانت تُثير الذهولَ متانة معنوياتهم أمام أنقاض مناضد اللعب وعربات المأكولات المقلية وأكشاك الرماية على الهدف / ص 401]. وقال في المرة الثانية عنهم [.. ربما كانت بيترا كوتيس هي الوطنية الوحيدة التي لها قلب عربي. فقد رأتْ وقائعَ الدمار الأخيرة في حظائرها وإسطبلاّتها التي جرفتها العاصفة ولكنها تمكّنت من إبقاء البيت مُنتصباً / ص 401]. هل رأى ماركيز عرباً في جمهورية كولومبيا يضعون في آذانهم أقراطاً وينتعلون بابوجات ويقايضون بضاعة رخيصة بطيور الببغاء؟ جميل منه أنْ يعترف لهم بالصمود أمام الكوارث وبفضيلة متانة المعنويات. لا أعرف شيئاً عن تاريخ العرب في كولومبيا لذا ليس في الوسع مناقشة ماركيز أو محاججته أو دحض ادعاءاته حول ما قال في العرب. لماذا يُسمّي الشارع الخاص بهم شارع التُرك؟ بالمناسبة .. في مدينة ميونيخ الألمانية شارع حيوي معروف يحمل اسم شارع التُرك 

Türkenstrasse

كما أنَّ في فنلندا مدينة كبيرة شهيرة اسمها توركو !

خلاصة إستعراضية سريعة:

يستطيعُ أيُّ قارئٍ لرواية مائة عام من العزلة أنْ يقولَ عنها إنها استعراض مُفصّل لتاريخ عائلة خوسيه أركاديو بوينديا، رأس عائلة بوينديا ومؤسس قرية ماكوندو التي تطورت فغدت مدينة ثم درست بفعل عوامل كثيرة فصّلها الراوي بدقّة. نظرة عجلى على شخوص هذه العائلة تترك لدينا الإنطباع القوي أنَّ جميعَ أفراد هذه العائلة بكافة أجيالها المتعاقبة ( مع إستثناءات قليلة ) هم ليسوا أسوياء حسب القواعد المعروفة للجنس البشري. فهم بين مجنون أو شاذ جانح أو منحرف عقلاً وسلوكاً. أستعرضهم واحداً واحداً:

الرأس والمؤسس خوسيه أركاديو بوينديا /  كان بفطرته ضد أي شكل من أشكال الحكومة وكان شعوره وقراره أنه هو سيّد وحاكم ومؤسس مدينة ماكوندو. لم يُخفِ ذلك أبداً فقد قال للحاكم الذي أرسلته الحكومة المركزية بصريح العبارة [أنتَ وأنا سنبقى عدوين / ص 76].

ـ إنصرف إلى المقامرة بصراع الديّكة

ـ قتل شخصاً وجّه له إهانة بطعنة رمح قاتلة

ـ مضى عام على زواجه دون أنْ يستطيع ممارسة حقوقه الزوجية مع زوجه أورسولا إلاّ في اليوم الذي قتل فيه غريمه إذْ ( دخلَ خوسيه أركاديو بوينديا إلى غرفة النوم حين كانت امرأته تقوم بارتداء بنطال العفّة فأمرها وهو يهزُّ الرمحَ في مواجهتها " إخلعي هذا " ولم يخامر الشكُّ أورسولا في تصميم زوجها / ص 32 ). [.. وانطلقت الشائعة بأنَّ أورسولا ما زالت عذراء بعد سنة من زواجها لأنَّ زوجها عِنّين / ص 31].

ـ شغل نفسه في محاولات لصنع أو إستخلاص أو تركيز الذهب / إذا لم تخشَ اللهَ فاخشَ المعادن .. هذا ما قال لإبنه أوريليانو .

ـ إنتهى أمره إلى مصير غريب إذْ دأب على قضاء وقته جالساً أو نائماً تحت شجرة كستناء بل ومن ثمَّ ربطوه بحبل إلى جذع هذه الشجرة.

ولده البِكر خوسيه أركاديو /

ـ عاشر امرأة تُدعى بيلار تيرنيرا ثم تركها ليلتحق بالغجر [كان يوم خميس وفي ليلة السبت عقد خوسيه اركاديو خرقة حمراء حول رأسه ورحل مع الغجر / ص 47]. أنجبت منه في غيابه طفلاً كفله جده وجدته وأسموه خوسيه أركاديو لكنهم بسّطوا الإسم فصاروا ينادونه أركاديو. هذا إذاً إبنُ سفاح.

ـ تزوج من ريبيكا، أخته بالتبني. وهذه لم تترك عاداتها القديمة زمن طفولتها إذْ بقيت تمصُّ اصبعها وتأكل الطين والتراب وتحتفظ في كيس عظام أبيها الراحل.

الإبن الثاني الأصغر هو أوريليانو /  تزوّج الطفلة ريميديوس، إبنة الحاكم الصغرى. خطبها حين كانت ما زالت ( تبول في فراشها ) .. وتزوّجها لدى ظهور أولى علامات بلوغها. كان فارق العمر بينهما كبيراً. ماتت ريميديوس وهي حامل مسمومة عن طريق الخطأ فالسم كان أصلاً مُعدّاً لغيرها، لريبيكا فسلمت هذه وماتت تلك.

ـ إنضمّ إلى صفوف الثوّار اللبراليين ضد الحكومة وحزب المحافظين وصار يُسمّى الكولونيل اوريليانو بوينديا . [أثار اثنتين وثلاثين انتفاضة مُسلّحة خسرها جميعها . وكان لديه سبعة عشرَ ابناً ذكراً من سبع عشرة امرأة مُختلفة أُبيدوا واحداً بعد الآخر في ليلة واحدة قبل أنْ يُكمل أكبرهم خمساً وثلاثين سنة / ص 129].

ـ [رفضَ المعاش التقاعدي مدى الحياة بعد أنْ انتهت الحربُ وعاش حتى الشيخوخة من الأسماك الذهبية الصغيرة التي يصنعها في مشغله في ماكوندو / ص 129].

أمارانتا .. الإبنة الوحيدة لأورسولا وخوسيه أركاديو بوينديا /  أمارانتا أكثر أفراد هذه العائلة شذوذاً .

ـ أحبّت خطيب أختها الإيطالي وكان قرارها الأكيد أنْ تحول دون زواجهما [.. لكنها عاهدتْ نفسها بأنَّ ريبيكا لن تتزوج إلاّ بالمرور على جثّتها / ص 89] 

ـ  حاولت قتل أختها المُتبناة، ريبيكا، بالسم لكنَّ السم أخطأ طريقه فصار من  نصيب ريميديوس الجميلة زوج شقيقها أوريليانو خوسيه.

ـ أحرقت كفها ثم لفّته بكمّادات سود لازمت كفّها طوال حياتها.

ـ  رفضت عروض الزواج وبقيت عزباء حتى آخر العمر.

ـ شرعت لفترة بمغازلة ابن أخيها وبادلته القُبل بل وكانا يتحممان عاريين معاً. يبدو أنَّ ابن أخيها كان عازماً إما على ممارسة الجنس معها أو الزواج منها. سأل مرةً [هل يُمكن للمرء أنْ يتزوجَ من عمّته؟ فأجابه أحد الجنود: ليس ممكناً فحسب، بل إننا نخوضُ هذه الحرب ضد الخوارنة كي يستطيع أحدنا الزواج من أُمّه نفسها / ص 184].

[كانت تقولُ له وهي مُحاصرة بكلاب صيده: أنت وحش. ليس صحيحاً أنه يُمكن عملَ هذا مع عمّة مسكينة إلاّ بالحصول على موافقة خاصة من البابا . فيعدها أوريليانو خوسيه بأنْ يذهبَ إلى روما ويعدها بأنْ يجتازَ أوربا زاحفاً على ركبتيه وأنْ يُقبّلَ خُفَّ الحِبر الأعظم لمجرّد أنْ تُنزل هي جسورها المُعلّقة / 184 ـ 185].

رأي أخير

لا يشكُّ أحدٌ في قدرات الروائي غابرييل غارسيا ماركيز الكتابية وعلى رأس هذه القُدرات، لا الخيال الجموح المُنفلت حتى إلى ما وراء المعقول والمعروف، إنما الغوض عميقاً في التفاصيل بصبر لا مثيلَ له. ثم، إلى جانب ذلك وربما قبله .. قدراته العجيبة في التمهيد للأحداث. إنه لا يضع الواقعة أو الحدث أمام القارئ مباشرة بل يُمهد لها تمهيداً منطقياً مُقنعاً قويّاً مُعززاً بالحجج المنطقية التي تجعل قارئه مُستسلماً لما يقول ومؤمناً بما يقول. قلّة من الروائيين والكتاب مّنْ له هذه القدرات التي لا تتوفر إلاّ في كبار الموهوبين. إنه يعرف كيف ومتى يتسلل إلى قلب وعقل القارئ ليسحبه معه إلى حيثُ يُريد. في هذه الرواية الكثير من الخرافات وقد سبق وأنْ عرضتُ نماذجَ منها. بل ويبدو لي أنَّ الرواية أصلاً هي نوعٌ من أنواع القص الخُرافي حيث يمتزج السحر بالخوارق. كما يبدو أنَّ ماركيز قرأ كتاب ألف ليلة وليلة إذْ ذكرَ البساط السحري الطائر ومصباح علاء الدين دون أنْ يذكر علاء الدين [.. وقصّة الصيّاد الذي طلب من جاره أنْ يُعيره قطعة رصاص لشبكته وكافأه بعد ذلك بسمكة وجد ماسة في بطنها، وقصّة المصباح الذي يُلبّي الرغبات والسجاجيد التي تطير / ص 226]. أسلوب هذه الرواية شيّقٌ متين البنيان لا ثغرات فيه ولغة الرواية لغة واضحة لا تعقيد أو عُسرة فيها ومستقيمة بدون تعرّجات وفذلكات. ومن مزايا السيد ماركيز تمكّنه من تصوير الحب والجنس والبورنو بشكل لا أحسبُ أنَّ أحداً من كتاب الرواية يستطيع أنْ يتفوق عليه. بالطبع إنه يكتب بما لديه من تجارب في هذه الميادين. كما أنه بارع في شؤون الحرب وقضايا الصراع الطبقي الذي حصره في النزاع الدموي بين حزب ليبرالي وآخر محافظ.

عندي قناعة أنَّ رواية ماركيز الأخرى " الحب في زمن الكوليرا " (2) أفضل من رواية مائة عام من العُزلة. لستُ بصدد عقد مقارنة تحليلية مُفصّلة بين الروايتين فذلك أمر آخر قد يقومُ به غيري.

 

عدنان الظاهر

نيسان 2013

....

(1)             

غابرييل غارسيا ماركيز / مائة عام من العزلة، ترجمة صالح علماني. دار المدى للثقافة والنشر. بيروت الطبعة الخامسة 2012.

(2)

غابرييل غارسيا ماركيز / الحب في زمن الكوليرا، ترجمة صالح علماني. دار المدى للثقافة والنشر. بيروت الطبعة الثالثة  2004 .

 

قراءة نقدية في قصة (وانشقّ القمر) للأديب الباحث ماجد الغرباوي / هيام مصطفى قبلان

سأبدأ من عتبة العنوان:hyam qabalan

 (وانشقّ القمر):

يعتبر العنوان بوابة يدخل منها القارىء الى جسد النص القصصي وعلى الناقد تناول عتبة العنوان قبل الغوص والابحار في بحر الكلمات لكن عليه الحذر كي لا يسقط في فخ القاص ومضمراته من اطلاع وبحث، وقد يتيه أحيانا اذا لم " يضبط ايقاع العنوان فتنفلت من بين يديه فيكون ظالما للقاص وللعمل القصصي لأنه سيضطر الى تقويل النص أشياء لا يريد قولها " (1) ولا يفهم من كلامي أنّ العنوان يجب أن يكون مباشرا يعرّف بالنص ويكشف جوانبه من أول وهلة، لكن أهميته لتوضيح العلاقة التي تجمع العنوان بالنص بوظائف مشتركة بينهما، منها وظيفة العنوان السيكولوجية، حين نعتبره محفّزا يستنهض القارىء ويثير تساؤله وانتباهه وأحيانا يستميله اليه، ومن وجهة أخرى هناك الوظيفة السوسيولوجية حين تحدث المفارقة ويصدم العنوان القارىء حين لا يتوافق مع معتقداته وأيديولوجياته

" جيرار جينيت "يعتبر العنوان علامة تميّز الكتّاب وتبيّن مجال اختصاصه، وما دام العنوان كذلك فيمكن ربطه بمجال الاشهار والتسويق فالكاتب يختار عناوين براقة أو مؤثرة تسترعي اهتمام القارىء وتشدّ انتباهه وتحرك فيه المضمرات الكامنة في اللاوعي " (2) . والعنوان قد يثير في المتلقي رغبة  التأويل والبحث الجاد عن الخيط الذي يربطه بالنص وتختلف طبعا القراءات وتوجهات القراء ..!

انشق القمر: وانشقاق القمر من المعجزات التي أيّد الله بها نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم، معجزة انشقاق القمر الى شقّين، حين رأى بعض الصحابة جبل حراء بينهما، وقوع هذه المعجزة كان قبل الهجرة النبوية عندما طلب كفّار مكة آية تدلّ على صدق دعوته ففي الحديث " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما "وهو متفق عليه وعن " ابن مسعود " رضي الله عنه قال: "انشق القمر على عهد رسول الله فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله اشهدوا " متفق عليه وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " لقد رأيت جبل حراء من بين فلقيّ قمر" .

انشق القمر كعنوان للقصة: دال على منجز القصة ورمز لمعجزة انشقاق القمر وهي احدى علامات الساعة التي حدثت ففي الحديث الصحيح: " خمس قد مضين، الدخان، والقمر، والروم والبطشة واللزام " * اللزام: أي القحط، وقبل التصاق القتلى بعضهم ببعض يوم بدر، * والبطشة: القتل الذي وقع يوم بدر ...وقد ورد ذكر هذه الحادثة في القرآن الكريم مقرونا باقتراب الساعة قال تعالى: " اقتربت الساعة وانشق القمر": ( القمر1) ولما كان من عادة قريش التعنّت والتكذيب فقد أعرضوا عن هذا ووصفوا ما رأوه بأنّه سحر ساحر، وقد حكى القرآن لسان حالهم فقال تعالى: " وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر(القمر: 1-2) وقد نقل عن أبي اسحاق الزجاجي في معاني القرآن أنّه قال: " أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفين الملّة انشقاق القمر، ولا انكار للعقل فيه لأنّ القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء، كما يكوّره يوم البعث ويفنيه ".وكان احتجاجا للبعض: أنه لو وقع ذلك الانشقاق لجاء متواترا ولأشرك أهل الأرض في معرفته، ولما اختصّ به أهل مكة " والجواب أنه وقع ليلا وأكثر الناس نيام، والأبواب مغلقة وقد يقع أن يخسف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل، ولا يشاهدها الاّ الآحاد من الناس، فكذلك الانشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا وتعنّتوا، فلم يروا غيرهم ومن المحتمل أن يكون القمر ليلتئذ كان في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون غيرهم كما يظهر الكسوف لقوم دون قوم .نقل عن الخطابي قوله: " انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعد لها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع فليس مما يطمع في الوصول اليه بحيلة، فذلك صار لبرهان به أظهر ".

أما الدراسات الحديثة التي اعتنت بدراسة سطح القمر أنه يوجد به آثار لانشقاق وانقسام كان له الأثر في اسلام البعض لما علم أن القرآن تكلّم عن ذلك قبل قرون، فسبحان الذي أظهر الدلائل والآيات الدالة على ألوهيته وعظيم خلقه، قال تعالى:" سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيدا "، (فصلت: 53)، ودلائل هذه الحادثة: تدلّل على قدرة الباري عزّ وجل المطلقة في تغيير النظام الكوني وعلى صدق دعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلّم لنبوّته وأيضا تدل على اضطراب النظام الكوني في المستقبل، فانشقاق القمر هو نموذج مصغّر للحوادث العظيمة التي تستبق وقوع يوم القيامة في هذا العالم حيث اندثار الكواكب والنجوم والأرض، أي قيام عالم جديد آخر ومختلف تماما .

* النص الذي أمامنا للأديب الباحث ماجد الغرباوي، رحلة السواقي والأنهار والطبيعة الساحرة ورحلة النفس والغوص داخلها، ان أستاذنا الغرباوي وصف مراحل هذه الرحلة بعاصفتها الهوجاء، ومباغتة الموت واحتراق نصف جسده الأيسر و" التشبث بالنصف الثاني، الخروج من المكان، من واقع الى العالم الآخر،وما فوق الطبيعة من تخيّل وربما الوهم يلعب دورا هاما في نفس السارد  (كيف يعيش بنصف جسد لوقدّر له أن يعيش ونصفه الأيمن سليم) ونصفه الأيسر الذي يرمز الى القلب والنبض والحياة من جديد وهو الذي أقبل عليه الموت بعاصفة هوجاء.

** التقاء عالمين (العالم الثاني) والعالم الآخر الحياة ما بعد الموت، " الشمس أذّنت بالمغيب " وصف مدهش لانتقال الروح الى العالم الآخر" لا يسمع سوى اصطكاك أسنانه العارية وأنين الموتى القادم من أعماق الأرض، لا يرى سوى أحشائه المتدلية".حيرة وتساؤل " ماذا يحصل حين نموت هل نتحول رمادا؟"، هذا الانسان دائم البحث المتطلّع الى المجهول بين شك ويقين، هل حقا تموت أعضاء الجسد، وبعد موت الجسد ماذا عن القلب والرئة والأحشاء،، تساؤلات تدعو للبحث والتأمّل، يتخيّل فاجعة الانسان وما يحصل بعد موته " هل هناك حياة بعد الموت؟" الدخول الى عالم الغيب، المجهول الآتي الذي لا نفكر فيه .هكذا هي المسافة بينه وبين نصفه الثاني، كيف يتقرب بنصف جسد خائر القوى (هي المسافة بين الضوء والظل)  المسافة بين الحياة والموت، هو اللغز اذن (الحياة بعد الموت) وكبرياء الانسان وغروره .

مز القلب في النص بجهته الى اليسار له علاقة بالانشقاق (الشق واضح على شكل أفقي من اليسار لليمين، هذا اذا تمعّنا بصور الانشقاق التي أحدثتها التكنولوجية الحديثة للتأكيد من العلاقة بين انشقاق القمر واقتراب الساعة وهي علامات تعتبر ليوم الميعاد) كفار مكة قالوا للرسول: " ان كنت صادقا فشقّ لنا القمر فرقتين، ووعدوه بالايمان ان فعل، وكانت ليلة بدر فسأل الرسول ربّه أن يهبه ما طلبوا، فانشق القمر نصفين على (جبل الصفا) ونصف على (جبل قيقعان) المقابل له، حتى رأوا حرّاء بينهما وقالوا: " سحرنا محمد ثم قالوا: " ان كان سحرنا فانّه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فقال أبو جهل: " اصبروا حتى تأتينا أهل البوادي فان أخبروا بالانشقاق فهو صحيح والا فقد سحر محمد أعيننا، فجاءوا فأخبروا بانشقاق القمر فقال أبو جهل  والمشركون: "هذا سحر مستمر، أي دائم فأنزل الله: " اقتربت الساعة وانشق القمر وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا وتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر، ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النذر فتول عنهم " .

* الحديث عن جدلية الموت فلسفة قائمة بذاتها، الصراع بين الجسد والروح في لحظات الاحتضار الأخيرة وانفصال الروح عن الجسد، والسؤال الذي قد يخشى منه سائل: الجسد يفنى وماذا عن الروح، وقد آمن الهنود أن الروح تحل في شخص آخر ومن الممكن أن تكون انسانا أو حيوانا، وبهذا تتجدّد وتتناسل بينما هناك قبائل تحرق الجسد بعد الموت كي لا يبقى منها أيّ أثر وينثر رماده في أرجاء الأرض وفي البحار، وهذا ما يدّعونه بحياة أخرى متجددة وما يسمى بتناسخ الأرواح، أما قلق الكاتب في القصة فهو قلق ينمّ عن كون الشخصية الساردة في النص تتفاعل مع نموذج الشخصية الايجابية والتي بدورها تتأقلم مع مجريات الأحداث وترفض أن تقذف خارج دائرة الصراع وتحت أي مبرر، هذه الشخصية تراهن على تطوير الذات واقتناص فرص التحول الايجابية التي تخصب شخصية تمنحها وعيا دقيقا بخصوصية اللحظة التاريخية التي يجتازها وايجابية هذه الشخصية في النص تنهض أساسا على قوة ارادة ورغبة في المواكبة الحداثية .

بالنسبة للجسد ولو قدّر له أن يعيش هل يستطيع بنصف جسد؟ وماذا عن الحلم في النص؟ وكيف ننظر الى الجسد حين تنفصل عنه الروح؟

نحن للأسف ما زلنا" نحتفظ بذاكرتنا الجمعية للجسد بايحاءات سالبة لأنه مراوغ فهو في الغالب يدخل في علاقات ضدية مع الروح المقدسة، وهذا يرجع لطبيعته التي تسمى بالزوال والتلاشي فضلا عن انشداده الى اللذة الزائلة والمتع اللحظوية علما أن هذا التقسيم الثنائي للروح والجسد الطاهر والمدنس أنتج منظومة قيمية بقدر ما بخست من شأن الجسد أعلت من الروح وهذا قد يرجعه البعض لزمن البدايات الأولى للخلق منذ طرد آدم من جنة عدن بسبب ضعف مقاومته للغواية، هو مسار تاريخي طويل ترتبت عنه مفاضلة انتقصت من حظوة الجسد وهو ما لا ينسجم والثقافة الاسلامية التي تعد المؤمن بفردوس من اللذات في الدار الآخرة كجزاء على ايمانه " (193) ..هذا هو القلق في القصة اذ أنّ تراكم ثقافي جعل رؤية الجسد مشوشة ولماذا؟ هل لأن السعادة الحسية مخيفة فلا تتحقق بالحياة الواقعية فنبحث عن عالم آخر نرى فيه ضالتنا التي فقدناها فنلجأ الى الحلم والتأمّل والرغبة ونفصل أنفسنا عن عالمنا الواقعي .

ما المسافة بين الانسان وبين نصفه الثاني الا المسافة بين الموت والحياة، بين سكون الجسد عن حركته وبين الروح الثائرة المتوثبة التي تبحث لها عن جسد آخر تحلّ فيه، انها قضية فلسفية في ولادة الانسان وبعثه من جديد ومشاهدة نفسه في لحظاته الأخيرة لينظر الى نفسه يسألها هل هي التي ما تزال تحيا؟

في قصة الأديب ماجد الغرباوي نلحظ أسلوبه الذي يلجأ من خلاله الى القصص الغرائبية والتي تعتمد في مجملها على التاريخ والتناص الديني بآيات وسور من القرآن الكريم، والبحث عن حقيقة الكون واختراق العالم الكوني الى ما وراء الطبيعة، وهذا الانشقاق للقمر بقدر ما يبدو أنه ظاهرة طبيعية بقدر ما كاتبنا أثبت علاقة هذا الانشقاق بمعجزة ربانية أشير اليها في الآيات القرآنية وفي التاريخ الاسلامي وحين يأتي بقوله: " ضاقت به الأرض بما رحبت " (التوبة)،فأديبنا الذي شعر بضيق الأرض وهي علامة دالة على التهيّء للحدث قبل وقوعه،وهنا في النص يصوّر الذي يحدث وكأنه مشهد حقيقي يراه أمامه وربما لا يراه غيره، وقد استعان بتوظيفه للمفردات التي لها علاقة بالظاهر الطبيعية التي لا سلطة للانسان عليها: "دمدم الرعد/ سنا البرق / أضرمت غضبها / تلبّدت السماء/ زمجرت وأبرقت / أحرقت ... ... " وقد يدخل هذا الأسلوب في الوصف للجدث حالة من الفزع في نفس القارىء فيربكه هو أيضا .

في النص توجّه للصراع الداخلي للانسان والذي من المحتمل أن يأتيه بالصدمة حين لا يتوافق مع ايمانه أو الأيدولوجية التي يحملها فمن منطلق فلسفي فقد ترك لنا الكاتب النهاية مفتوحة للتأمّل في حيثيات ومراحل تطور القصة الملازمة للحدث حيث الايقاع السريع المتقن، والخروج عن رتابة اللغة من ناحية سردية قد تتوافق مع عمل تاريخي وبحثي جميل قد يحقق هدفا لكن الكاتب في هذه القضية بالذات وعنوانه وانشق القمر يمنح للمتلقي العبور من مكان الى آخر والوصول الى اللاشيء أو اللامحدود ..!

 

أحييك الكاتب والباحث المبدع ماجد الغرباوي وأتمنى أن أكون قد قرأتك جيدا.

 

هيام مصطفى قبلان /

الكرمل -  فلسطين

 

...................

ملاحظة: يمكنك العودة الى الاشارات في القراءة:

1 - مضمرات القصة القصيرة، للناقد محمد يوب سلسلة دفاتر الاختلاف ص 20 /22 .

2 - أسئلة القصة القصيرة بالمغرب، مقاربات موضوعاتية،للناقد محمد رمصيص ص193 .

- آيات معتمدة من القرآن الكريم.

..........................

 

وانشق القمر!! / ماجد الغرباوي

خرج على غير عادته .. تتبع حركة السواقي والأنهار .. بهرته الطبيعة بسحرها

.. استدرجته .. حتى غاص في أعماق الحقول المجاوره، وتغلغل في أحراشها العالية.

كان الجو صحوا، والشمس ترسل أشعتها ندية.. تنعكس على صفحة أحلامه، فيحلّق مع ميامي، وتأخذه نشوة الحديث معها.

فجأة تلبّدت السماء، وأضرمت غضبها، فهطل المطر، بعد أن زمجرت وأبرقت، لتعلن عن بداية عاصفة هوجاء.

بحث عن ملاذ .. ضاقت به الأرض بما رحبت. همّ بالفرار .. خذلته إرادته. هرول ليحتمي بظل شجرة عارية .. دمدم الرعد، وراح سنا البرق يملأ الحقول والبساتين. وهو يتلفت مرعوبا، ينظر الى دواب الأرض كيف تلجأ الى جحورها. نزلت صاعقة مدوية فأحرقت كل ما حوله .. بهت مذعورا، يا إلهي ....

لم تمهله السماء طويلا، فصعقت ثانية، إلا أنها أحرقت نصف جسده الأيسر.. فظل مشدوها، فاغرا فاه، متشبثا بنصفه الثاني، لا يدري ماذا يفعل. راح يلملم جراحه، ويشد من أزره بارتباك .. ملتحّفا بخوفه وترقبه.

ماذا يفعل..؟ .. تساءل وهو في الرمق الآخير من الحياة.

عجز عن الكلام، غير أن علامة استفهام ارتسمت على صفحة حيرته، واندهاشه.

كيف يعيش بنصف جسد لو قدر له أن يعيش؟

علامة استفهام أخرى، طفت .. لكن هذه المرة على مساحة واسعة من الأفق .. كاد ان يحدد نهايتها، فارتد بصره خاسئا.

عاد يتلفّت .. لم ير الا أعمدة دخان، بعد أن أتت النار على كل شي، سوى نصفه الأيمن.

انتصب بما تبقى من جسده .. نظر الى نصفه الآخر .. وانهمرت دموعه شلالا من الأسى،.. لم يجد شيئا من معالمه، الا عينا، وشبح أطراف، وصدرا عاريا، وبضع كلمات.

نظر الى السماء .. راحت الغيوم تجر أذيالها، بعد ان أنهت مهمتها، والشمس أذنت بالمغيب، الا خصلات ذهبية، أضفت لمسة سحرية على ذكريات ميامي الجميلة. لكنها سرعان ما توارت، خلف أمله التعيس، ليبقى فريسة سهلة للظلام الزاحف بلا روية ولا رحمة.

عاد تحت هول الصدمة، ينظر لنصفه الأيسر، يتأمله، يدقق فيه. كان أول ما لفت نظره تلك الكلمات .. حاول أن يقرأها، فاستفزه صوت جسده بعد أن هبط الليل بثقله.. كان مرعوبا، لا يسمع سوى اصطكاك أسنانه العارية، وأنين الموتى القادم من أعماق الأرض .. ولا يرى سوى احشائه المتدلية، فلاح له سؤال حيّره، هل نصفه الأيسر أحترق، أم اختطفه ضوء الصاعقه فصيّره رمادا؟

كانت حيرة فهمه للسؤال أصعب عليه من الاجابة .. ما الفرق في ذلك؟ .. جسده الان ملقى، بعد أن انتزعت النار كل معالمه. لكن يبدو هناك لغز يتوقف على فهمه لهذا السؤال اللعين. سؤال محيّر فعلا، أين يعثر على شفرته؟

وسرعان ما جرفه سيل الأسئلة .. أين احشاؤه .. قلبه .. رئته؟ هل ما زالت هناك، حيث يرقد نصف جثته المتفحم؟.

ثم راح يتأمل فاجعة الإنسان بعد موته، ماذا يتبقى منه؟ كيف خمد جانبه الأيسر بلا حراك، وماذا لو كان مات كله، من سيكون الشاهد على مأساته؟ .. مغرور هو الإنسان، هل كل ما تبقى من جانبي الأيسر بضع كلمات؟ آه يا لحسرتي .. ربما هي كل ما تبقى مني .. من يدري، يلفنا الغيب من كل جانب، ولا نبالي. تحاصرنا الدنيا من كل زاوية، ولا نفكر بما هو آت.

آه يا إلهي .. اراد ان يصرخ، يستغيث، يتشبث بصدى صوته، لكن حيرة الدهشة والسؤال عقدت لسانه الثاوي.

جانبه الأيسر، كان نابضا بالحياة، كان قلبه يعزف موسيقى الصباح .. يدندن كل يوم أغنية جديدة. كانت ميامي لا تأنس الا به .. بايقاعه .. بنبضه. هل ستعود ميامي الى أحلامه أم اختطفها سنا البرق الأهوج؟؟ .. سؤال آخر فاجأه بينما بدأ الليل يجهز عليه، ولم تبق سوى نقاط بعيده من الضوء، لا تبعث على التفاؤل اطلاقا.

هل يرحل ..؟ .. كيف يترك نصفه الأيسر؟

سمع صوتا خافتا ينبعث من النصف المحطّم .. حاول ان يصغي له جيدا، لكن دون جدوى. عليه الاقتراب ولو قليلا.

كيف يقترب بنصف جسد خائر القوى؟. كيف يقطع المسافه بينه وبين نصفه الثاني؟

انها بضع خطوات.

لا .. لا .. لا .. ليست بضع خطوات، هي المسافة بين الحياة والموت .. اللغز الذي حير الإنسان منذ الأزل.

ليس من حيلة .. ألقى نفسه على الأرض .. زحف تحت جنح الظلام، سمع أصواتا غريبة .. ارتعدت فرائصه .. استلقى بجانب نصفه الآخر يرتجف، نظر اليه مليا، استغرب وجود تلك الكلمات .. حاول ان يصغي ثانية .. ركّز بكل جوارحه .. لم يسمع سوى صداها المحيّر .. تارة تتقاطع وآخرى تنتظم، أو ترسم عمودا من النور.

في غمرة تأمله، وحيرته، عاد يتساءل: كيف يعيش بنصف جسد لو قدر له أنْ يعيش؟ وكيف يواصل حياته؟ وماذا عن احلامه مع ميامي؟

أفاق على أنين ميت قريب، أو كائن لم يفهم كنهه. تخيله يزحف اليه، اجتاحته قشعريره .. حاول أنْ يتجلد .. أنْ يتمالك نفسه، لكنه فشل.

استسلم للرقاد، او كاد .. أرعبته الاصوات ثانية.

التف بحيرته، ليس معه سوى نصف جسد متفحم .. انه جسده، وعينه اليسرى، وأربع كلمات، تتخذ أشكالا مختلفة.

ماذا يفعل؟؟

كان من الصعب ان يمسك بما تبقى من جسده، كان خائر القوى .. أصوات مخيفه. آه يا الهي .. تخيّل ان ذلك الأنين يصدر عن جثث أخرى. من يدري .. ربما هو لرجل عظيم، او امرأة صالحة..

لماذا يشكك الانسان بالموت، أليس هو الحقيقة الوحيدة الماثلة أمامنا .. لماذا لا يردعه الموت؟

الإنسان؟ يا له من مخلوق عجيب .. كم هو بائس .. مغرور ..؟!!!

هل يخشى الإنسان ما بعد الموت؟ ربما .. لكنه عنيد، مكابر، لا ينصاع، الا حينما تسحقه الطبيعة بجبروتها.

يا للهول، أليس من حقنا ان نهرب منه؟ ماذا تبقى من نصفي الأيسر، سوى بضع كلمات. ما قدرها. نصفي الأيسر ذلك الكائن الجميل، الذي أرهق حياتي ..

لم يمكث طويلا حتى رأى طيرا أسود، عرفه من حفيف جناحيه .. حالت حلكة الظلام دون معرفة فصيلته، أخذ يحوم حولها، وينظر اليَّ بعين حمراء متوقدة، كجمرة في يوم شتائي قارص. أقترب من الجثة الهامدة، كتمثال أهمله تمادي القرون الطويلة، ثم أرتفع، فدنا... فكان قاب قوسين او أدنى .. تمتم بأصوات غير مفهومة، ارتبكت جثتي، ثم تجهّمت وأشتد غضبها حين خطف الطير إحدى الكلمات وحلق عاليا.

رأيت عيني اليسرى، كيف أجهشت بالبكاء .. توسلت بقواي كلها، لأقترب أكثر، وأصون ما تبقى منها. كنت أرتجف .. أصرخ .. استغيث، لا أجد لصدى دموعي سوى جثة هامدة، ولما اقتربت منها، سمعت صوتا هامسا:

أنتبه ..

هذا ..

سر نجاتك!!

 

للاطلاع

وانشق القمر!!! / ماجد الغرباوي

 

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

 

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2130الخميس  24 / 05 / 2012)

 

معلومات إضافية