المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

الألياذه والرغبات الأنثوية

abduljabar noriالمقدمه: الألياذة باليونانية هي ملحمة شعرية تحكي قصة حرب طرواده، وتعتبر مع الأوديسا أهم ملحمة شعرية أغريقية للشاعر الأعمى "هوميروس" (يعتقد) أنّهُ هو الذي كتب الملحمة، وتأريخ الملحمة يعود إلى القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد، وهي عبارة عن نص شعري يقال أنّها كُتبتْ مع ملحمة الأوديسا وجُمعتْ أشعارها عام 700 ق.م بعد مائة عام من وفاتهِ، وتروي قصة حصار مدينة طرواده، وكانت قصائد هوميروس من الأدب الشعبي، وكانت تروى شفاهة، وتضُمْ هاتين الملحمتين الطويلتين اللتين نسج على منوالهما ملاحمهم الشعراء (فيرجيل) باللاتينية، ودانتي بالأيطالية، وجون ملتون بالأنجليزية، تُعدْ الألياذه من أعظم ملاحم الأدب الغربي الكلاسيكي، الذي أرسى بها هوميروس أسس الشعر الملحمي شكلاً ومضموناً، وتمثل الرؤيا الملحمية الشعرية لحرب طرواده، وهي حرب نشبت بين اليونانيين والطرواديين مدة عشر سنوات .

العرض: هوميروس شاعر ملحمي أغريقي (أسطوري) ومن نسج (خيالي) كما يؤيد ذلك الباحثون المعاصرون الذين نسجوا الرحلات الخيالية إلى العالم الآخر أصبحت فكرة أنسانية مشتركة تحدثت بها الأساطير كالكوميديا الألهية (الملهاة) للشاعر الأيطالي دانتي 1265 م- 1321 م هو الآخر نسج أفكارهُ بشعرٍ ملحمي، تحتوي على نظرة (خيالية) في الأستعانة بالعناصر المجازية حول الآخرة حسب الديانة المسيحية، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري وهو شاعر وفيلسوف عاش في العصر العباسي 973 -1057 م وهي رحلة خيالية مدهشة إلى الدار الآخرة، والأسراء والمعراج حدثت قبل ولادة المعري وهي الأخرى رحلة سماوية للقاء الخالق والوصول إلى سدرة المنتهى مع عرض مفصّل للجحيم والنعيم، وجميع هذه النتاجات الفكرية تعتبر من روائع الأدب العالمي، ومن أهم الذخائر الثرّة التي توجت خزانة الفكر الأنساني وأبدعت بالخيال في البحث عن الأنسان المصلح والأرتقاء البشري إلى الكمال، وبقي أسلوب هوميروس فريداً بين شعراء زمانه بموهبة فائقة في النظمْ الكتابي أي التتابع الأدبي الرصين، ومتدفق رغم تغيير الأفكار والمواضيع مما يفرق بين هوميروس وبين شعراء الملحمة الغنائية مثل فيرجيل ودانتي وجون ميلتون، وإلى جانبي السرد والرسم كان للتحليل والتنبؤ موقع بارز في ملحمة هوميروس، وذلك بعد تصوره بأنّ الحرب تشمل العالم الأغريقي .

 

الألياذه والرغبات الأنثوية

واحدة من جماليات الألياذة هي ربط الحرب بالرغبات الأنثوية، اذ تذكر في أكثر من مناسبة دور الأنثى ظاهراً ومستتراً وعلاقتها مع الحرب والمقاتلين وتغيير مسار الحرب أو أعطاءه الزخم في الدفع إلى الأ مام وتكريس حوافز ومقومات الحرب في الثبات والصمود والصبروالمطاولة ونيل النصر، وهذه الدقة في السرد تعد مكملة لحوادث الحرب الأساسية أذ تعبر عن مدى تأثير العاطفة الأنثوية على سير الحرب، ولما للمراة من أسلحة كواتم (خُلبْ) بصوت ناعم وعاطفي مؤثر، أستخدمه الكثير من الرواة والقاصون، وكان لهوميروس قصب السبق في هذا النهج منذ سنة 850 ق. م ومن خلال قصة الألياذه { التي تقول ذات يوم دُعيتْ الآلهات الثلاثة – آلهات الحب والخير والعطاء والخصوبة – هيرا، وأثينا، وأفروديت إلى عرس (ثيتس) ولم تكن (أيريس) آلهة النزاع مدعوّة، مما أدى إلى أستيقاض نزعة الشر في هاجسها، فقررت الأنتقام من الآلهات الثلاثة لتثير بينهم النزاع، فألقت بين المدعويين (تفاحة ذهب) مكتوبٌ عليها " أنّها للأجمل "!! وقام النزاع فعلا بين الآلهة الثلاثة : أيهنّ أحقُ بهذه التفاحه ؟ وحسما النزاع بالتحكيم عند أجمل الرجال فكان من حظ (باريس) ملك طرواده، وأُحضر أمامه الآلهات الثلاثة، وسعت كل واحدة منهنّ أنْ تستعطفه وتستميله إلى جانبها لتكون التفاحة من نصيبها : ** فوعدتهُ " هيرا " بالعظمة الملكية، ** وعدتهُ " أثينا " بالنصر في الحروب، بينما وعدتهُ " أفروديت " ألهة الحب والجمال : بأجمل نساء العالم ليتزوجها فحكم لها التفاحه، وعندها ساعدتهُ للوصول إلى حبيبتهِ القديمة " هيلين " – وهي زوجة مينيلاوس ملك مملكة أرجوس في اليونان وأستطاع أنْ يفرُّ ويهرب بها خلسة – وهنا نقف على المفصلية السردية في ألياذة هوميروس – وذلك أنّ ملك طرواده " باريس " وقع بالمحذور وأرتكب خطيئاتٍ لا تغتفر حين 1-جلب لنفسه عداء الملكتين هيرا وأثينا آلهات الخصب والنماء والخير . 2- ثار ثائرة كل خُطاب هيلين السابقبن وأصطفوا بجانب أعداء باريس. 3- حصل على خطيئة عدم أحترام مبدأ الأختيار، وبدأ الصراع وتنقسم الآلهة ويتبادلون الشتائم ولتتطور إلى حرب ضروس محفوف بخسائر وهزائم بين الطرفين {اليونانيين والطرواديين} ولعشر سنوات، وفعلا تمكن الشاعر هوميروس ان يظهر تألقة في السرد القصصي الملحمي حين وضح بشكل جلي تأثيرات الأسلحة " الأنثوية " العاطفية والرقيقة في سير هذه الحرب المخيفة .

الخاتمه: عندما نستعرض ألألياذة الملحمية لهوميروس نتذوّق ونتحسس الأبداع، والأرتقاء الروحي في عالم التسامي وخصوصا عندما أدخل صيرورة التأثيرات الأنثوية في تقنية السرد، فأنّهُ أضاف مسحة جمالية واسعة وأضاءات مشرقة على حلقات الأحداث المتسارعه ليترك الشاعر الأغريقى الأعمى بصماته في سفر التراث العالمي منذ 850 ق . م. ولم تبقى نتاجاته الفريدة أسير (زمكنتها) بل أختزلت الجغرافيه وطوت أوراق التأريخ لتصل لمؤرخين معاصرين أيدوا بأقلامهم (ديناميكية الرغبات الأنثوية في تحريك أحداث الحروب) بل هي نفسها التي أشعلت الحرب الأغريقة هي ذاتها التي حرّكت حروب التاريخ الغربي والشرق أوسطي، وليس بالضرورة انْ تكون الحكايات على طراز الأسطوره الأغريقية بيد أنّها من الحكايات السردية لحروبٍ كان فيها الرغبات الأنثوية دوراً مؤثراً في مسار تلك الحقبة التأريخية للحروب مثل :ا

** بلقيس ملكة سبأ عندما أستلمت رسالة سليمان- ملك المملكة العبرية في أورشيليم- التحذيرية والمليئة بالحكمة والعقلانية في وحدة أندماجية، ذهبت أليه بنفسها حاملة معها هدايا ثمينه، وأقرّتْ بحكمه وحكمته وتزوجته وتوحدت الممالك اليهودية الأولى والثانية كما هو مذكورٌ في " العهد القديم " وحسب سفر الملوك الأوائل تمكنت " بلقيس أطفاء نيران الحرب وحقن الدماء .

** جان دارك القسيسه الفرنسية : ولادة 1412 م- 1431 م، وهي في السادسة عشرة من عمرها لازمت الكنيسة والتديّنْ وعُمدتْ بالعقيدة اللاهوتية الخيالية الغيبية مع ملوك فرنسا المرشحين أصلاً من قبل الكنيسة الأنجيلية، فهذه العزيمة والعقيدة الدينية وتأييد الكنيسة وبلاط الملك الفرنسي أصبح تحت تصرفها وتمكنت من أقتحام قلاع الجيش الأنكليزي والأنتصار عليهم وأسترجاع أقليم " روان " والعديد من الحصون الفرنسية وتكبيدهم شر الهزائم والخسائر في الأرواح والمعدات، والمحصّلة من مشاركة هذه الأنثى الصغيرة في تغيير مجرى الحرب هو قلب المعادلة لصالح الفرنسيين في أشهر معدودة ---- وأترك النتيجة النهائية حين أتهمت بالزندقة والهرطقة من قبل قاده متدينون في الكنيسة الفرنسية وأعدمت في 1431 م .

 

عبد الجبار نوري / السويد

.....................

الهومش

* ألياذة هوميروس / لميخائيل صوايا،

* بوابة اليونان القديم،

* غريغوري ناجي / أفضل الأقيان – مفهومات البطل في الشعر الأغريقي 1979 – ص-269 – 300 .

* كتاب العهد القديم القدس، القديسه جان دارك / الموسوعه البريطانية والموسوعة الكاثوليكية .

 

المذهب الرمزي وتوظيفه في الدراما السورية الفانتازية

aous hasanاحتلت الدراما السورية في الآونة الأخيرة مكانة مؤثرة وفعالة، في تأسيس ثقافة بصرية، عن طريق محاكاة الأحاسيس والمشاعر لدى المشاهد، وتحديدا هنا يهمنا الدراما الفانتازية التاريخية التي ابتدأت مسيرتها في بداية التسعينات وكان للمخرج السوري القدير نجدت اسماعيل أنزور، والكاتب السوري هاني السعدي، دور تاسيسي وجذري في هذا الإنقلاب الدرامي على الساحة العربية، بعدما أمسى التلفزيون شكلا من أشكال الترفيه والتسلية، فكانت أعمال البركان-الجوارح –الكواسر-غضب الصحراء –الموت القادم إلى الشرق –رمح النار- الفوارس -البواسل –المسلوب، من الأعمال الدرامية التلفزيونية التي احتلت مكانة متميزة وخاصة في ذهن المشاهد العربي.

الدراما كفن إنساني نشأت عن طريق الميل الغريزي للمحاكاة عند الإنسان، والدراما هي جزء من الفن المسرحي المتكامل، فقد ارتبطت ارتباطا وثيقا بنشأة الإنسان على هذه الأرض، وقد جسدت صراعه مع الطبيعة والقوى الخفية، والدراما هي نوع من النصوص الأدبية التي تؤدي تمثيلا في المسرح أو السينما أو التلفزيون، (أخذت الكلمة من اللغة الإغريقية القديمة، وتعني العمل، وتأتي بمعنى التناقض أيضا، حيث أنها كلمة مشتقة من عدة اسماء لكتاب وفلاسفة مشهورين، وهذا النوع من التمثيل عبارة عن مزيج من الأشياء، والتناقضات، كالضحك، والجد، والحزن، وغالبا ما تهتم الدراما بالتفاعل، الإنساني، وكثيرا ما يصاحبها الغناء والموسيقى ويدخل فيها فن الأوبرا) *، والدراما قد تكون مضحكة وهو ما يطلق عليها الملهاة، أو محزنة ويطلق عليها المأساة، وهناك ما يجمع بين الإثنين ويسمى التراجيوكوميدي، حيث يتم تناول الشخصيات الإسطورية ببعض السخرية ويطلق عليه أحيانا بالكوميديا السوداء.

****

ساهمت الدراما الفانتازية في استغلال الثورة البصرية التي وظفت توظيفا فعالا في المسرح الرمزي من خلال الإضاءة والديكور والموسيقى، والأزياء، ومن خلال الفراغات في السيناريو أو لغة الصمت، التي تثير في المشاهد مجموعة من التساؤلات المبهمة والجوهرية، وتحاكي عوالمه الداخلية وأحلامه الخفية، و تساعد على اثراء مخيلته واستفزازها، في كثير من الجوانب، وساهمت الموسيقى والإضاءة والتركيز على الجانب الحركي للمثل، ولغة الجسد في تحديد وتكوين الإنسجام البصري الكامل، هذا اضافة إلى الألوان، والرقصات التعبيرية، واستحضار الحكايا الإسطورية في كثير من جوانب السرد الدرامي.

أما الرمزية كمفهوم شائع ومتداول في الأوساط الثقافية:- فهي عبارة عن حركة ثورية في الأدب والفن ظهرت في فرنسا في آواخر القرن التاسع عشر كرد فعل على المدرستين الواقعية والرومانسية، وكان هدفها التعبير عن سر الوجود باستخدام الرمز، معبرة عن الوعي الباطن للإنسان، وعن أحلامه الداخلية؛لذا فقد رفضت الرمزية محاكاة الواقع، بشكله المباشر والظاهري، واتجهت إلى الجوهر غير الملموس، معتبرة أن الحقيقة لاتدرك بالعقل وانما عن طريق الخيال، وإن الفنان يكون رؤيته الرمزية عبر مجموعة من الإدراكات الحسية.

إن توظيف الرمزية في الدراما السورية الفانتازية، معتمدة بذلك على عناصر المسرح الرمزي، وعناصر فن السينوغرافيا كوحدة متكاملة للعرض المسرحي؛ ساهمت في نشوء ثورة حقيقية في تاريخ الدراما العربية، ورغم أن الفانتازيا التاريخية في السينما والدراما، ليست جديدة في العالم، فقد وظفت سابقا في السينما العالمية( الصينية واليابانية)، إلا أن نشأتها في الدراما السورية في بداية التسعينات، أحدثت انقلابا هاما وجذريا في وعي المتلقي العربي، فقد تناولت التاريخ ضمن سياقات جديدة خارج الزمن والجغرافيا، واستحضرت الأساطير والحكايات الشعبية التي تشبه كثيرا، حكايات ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، بلغة فصحى بليغة، وبصور واستعارات مدهشة وصادمة في نفس الوقت.

كانت أغلب هذه الأعمال تتمحور حول الصراع بين قوى الخير والشر، حول طغاة وجبابرة حكموا صحراء العرب، في بعد مكاني متخيل خارج الزمان، حول عصبة الغرباء وشذاذ الآفاق الذين استحلوا مدينة النور الموعودة، حول الفارس العربي الصعلوك الذي يخرج من صحراء العرب، بعد أن أيقظه حلم الخلاص؛ ليلم شمل القبائل العربية، وينتصر على الروم المستعمرين، حول الثأر والحقد والخيانة والحسد، وأخيرا حول ولوج إلى الإنسان إلى جوهر ذاته وتخلصه من عبودية النفس التي كبلته ردحا طويلا من الزمن.

يحسب للمخرج السوري نجدت اسماعيل أنزور والكاتب السوري هاني السعدي هذا الذكاء في توظيف الفنون الإنسانية في الدراما، فهي لم تشمل المسرح أيضا، بل استخدمت فن القص وشعرية الحداثة، والكثير من التقنيات المستخدمة في السينما، إضافة إلى جمالية الصورة وحركتها، والمشهد الصامت الملتقط، المشهد المليء بالغموض والأسرار الذي يكتنف أي لوحة تشكيلية بارعة الجمال والتكوين.

في زمن يسود فيه الإنحدار الفكري والإبداعي على جميع المستويات والأصعدة، في زمن ساد فيه الفن الإستهلاكي والتجاري، نحتاج إلى فعل جمعي خلاق يؤسس لثقافة صورية حقيقية من خلال الدراما والسينما، نحتاج إلى مرآة صافية ونقية للوعي، إلى تلك الصورة التي ستبقى راسخة في مخيلتنا على مر الأجيال والأزمان القادمة.

 

أوس حسن

.......................

هوامش

*مفهوم الدراما نبذة تعريفية (ويكبيديا الموسوعة الحرة)

تأثرت الدراما السورية أيضا كثيرا، بالآداب العالمية، وخصوصا الروائية منها، فعالجت قضايا اجتماعية وسياسية وثقافية، واستحضرت كثيرا من القصص العالمية لكتاب عالميين كبار، واعادت انتاجها في إطار شرقي خاص. نذكر على سبيل المثال سلسلة مرايا لكاتبها ومؤلفها المبدع ياسر العظمة (بدأت بالثمنينات وما زالت مستمرة إلى وقتنا الحاضر)، وسلسلة بقعة الضوء التي بدأت البث سنة 2001 وما زالت مستمرة إلى حد الآن.

الموت القادم إلى الشرق من الأعمال التاريخية الفانتازية في الدراما السورية، وهو من الأنساق المبتكرة التي اتخذت من قوة الرمز أداة مؤثرة للتعبير عن القضية الفلسطينية، وشعبها المضطهد، لكن المتابع الحقيقي لهذا العمل والذي يملك مخيلة تحليلية عميقة، سيلاحظ هناك مجموعة من العناصر الدالة المرتبطة مع بعضها البعض بقوة إيحاء غامض، يدفعنا نحو هاوية من الأسئلة الحادة. هذا الإيحاء كان رؤية مستقبلية من الكاتب.رؤية استباقية تنبأت بما سيحصل اليوم في الشرق من ويلات ومآسي وانقسامات، ودخول شراذم الغرباء من جميع أنحاء العالم؛ليعيثوا ظلما فسادا في الشرق المستباح.

تفاصيل نص موغل في تقنية السهل الممتنع

ahmad alshekhawiشعرية طيبة النواب لا تكتسي طابع الغموض، بل على العكس من ذلك تماما فهي تتسم بالبساطة العميقة المرغبة في طرق أبواب التأويل كأداة ممكنة من فهم الآخر كقرين متغلغل في لا وعي شاعرة من هذا الطراز، تؤطر شخصيتها بصيرة يتقاذفها الحلم من جهة كمتنفس أخير وجغرافية للنزوح والوطن من جهة ثانية كحبيب أول وقبلة لإفراغ روحي في أعنف تجلياته لا يتخطى حدود العتاب.

" في وطني

زحمة سير تفقدك عقلك

لكنها

تجعلك تسير وحيدا بجانب دجلة

فتجد ما لا تجده

وتكسب نفسك

روحك

وقلبك

تشعر وكأنك في غفلة عن أرضك.

 

وفي وطني

مشردين

يكسبون أملهم

بابتسامة منك

فابتسم من فضلك.

 

فيه نحتاج لمل

يصل السماء

لنعيش بقوة حتى نصل الأهداف

ونحتاج الدعاء

لأناس إذا حرمنا القدر منهم

سنعيش بصعوبة

حتى أن نودع الحياة

كلها، وليس الأوطان.

 

في وطني

نكتب، نقرأ، نحلم،

نتفوق

ولا أحد يبالي بالنجاح

فالانتقاد أسلوبنا للمعيشة

حياتنا أن نكسر بعضنا

لكننا نقويها

بأن نحلم ذات الحلم

أن نعيش

بحرية وسلام.."

نصا شذريا يعكس أنين الذات الشاعرة تحت نير التمزق في الإحساس تجاه ما يعتري الوطن من تناقضات وصعوبات في التأقلم مع زخم من المتغيرات في خلوها النسبي من قيمتين أساسيتين يصعب العيش بدونهما، الحرية والسلام، وإزاء كهذه إسقاطات على الوطن الذي من المفترض أنه ماهية ينهل منها ما يمنح التوازن الوجداني،ويحول دون الهروب السلبي،على اعتبار ارتماء"طيبة" بين أحضان الطبيعة/دجلة،ضربا من ضروب العزلة الإبداعية،تصيدا لما يكمل نقائص الوطن وأوجه ضعفه.

تفتتح كل قطعة من النص، بلازمة" في وطني" للتأكيد على تمحور القلق حياله كأرض تحاصر الوعي المجهد بما ألمّ بها من محفزات على الركض خلف سراب المفقود( فتجد ما لا تجده /وتكسب نفسك )

وأيضا غياب الابتسامة أو ندرتها ارتقى بها ــ رمزيا ــ إلى ما عدله الأمل المكتسب وفيه إحالة على مسألة الرغيف كهم يكتسح قائمة الأولويات،ليس في وطن موجوع ما تنفك تعاتبه الشاعرة، بل في الأوطان العربية قاطبة، فينضاف إلى الجوع الفكري والروحي جوع الكد وتحصيل متطلبات الحياة ( يكسبون أملهم/ بابتسامة منك / فابتسم من فضلك)

كما أن الأمل الزائف الذي لا يحلق تصاعديا إلى السماء، لا ينفع بقد ما يعتم على ضعف يحجب ثمار الأهداف المسطرة وخير وأجل من يرتجى طبعا هو الله جل جلاله إذ في دعاءه موجبات النظر إلى خلقه بعين الرحمة وبالتالي كشف غمة الأمة .. فزوال الأوطان بسفك دماء الأحبة ظلما وعدوانا وباستشراء الأمل الكاذب المراوغ ( فيه نحتاج / لأمل يصل السماء / لنعيش بقوة حتى نصل الأهداف /ونحتاج الدعاء )

وتختم الشاعرة طيبة النواب نصها المتشظي، بالتلميح إلى حقيقة مرة تعيق عجلة التطور صوب الأحسن في مجتمعاتنا، إنها إشكالية النقد اللاذع المغيبة عنه الحنكة والشفافية والحياد في مواجهة المعطيات، ما يشوه معيارية النجاح كدعامة لا يقوم الوطن ولا يقوّم المعوج منه إلا بها .

الانتقاد كسلاح لتحطيم زجاج القلوب العنيدة الذاهب بتشاؤمها القفز فوق الواقع غلى الحلم ذاته، في وشاية بفكر ووعي جمعي(بأن نحلم ذات الحلم) الحلم بالحرية وبالسلام، وسلم هذا الطموح الإنساني المشروع متمثل في القراءة والكتابة (نكتب، نقرأ، نحلم / نتفوق / ولا أحد يبالي بالنجاح /إلخ...)

بقي ان ألفت عناية المتلقي الكريم إلى نقطة أخيرة ضمن هذه الورقة النقدية، تكمن في استعمال " طيبة " للأفعال ( تفقدك / تجعلك/ تكسبك/ ابتسم / نكتب / نقرأ / نحلم/...) وكأن الغرض منه إضفاء عنصر التشويق على العرض برمّته، وهي تقص علينا معاناته كأنها لاجئة أو نازحة نأت بها ويلات الحرب الملعونة المشتعلة في مناطق ما يسمى بالربيع العربي .

زكما سبق وأشرت، قد لا يجد القارئ صعوبة تذكر في استيعاب هذا النص بيد انه مفخخ بسهله الممتنع الدال على رؤية متوهجة وانسجام تام مع الذات بتحويل قلقها إلى جوانب إيجابية.

وإذن نحن إزاء شاعرة توظف تقنية كشف أسرار خبايا نفس مثقلة بالقطوف برغم تهجم الظرفية وقد وضعت بين أيدينا ومضة جسد شعري بسهله الممتنع استطاع فك شفرات المعادلة الإنسانية كحالة شخصية عاشتها " طيبة " لتنقلها عبر نص عبر نص محترم، ‘لى عالمية مؤثرة جدا.

 

احمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي/14//11/2015

 

إشكالية التعصب للنسب في الشعر العربي (1)

karem merzaأعداء الأمّة إلى أين؟!!

يقول دعبل الخزاعي، وللقول حديثٌ وحديث، من يقف ضد الأمة وتراثها ولغتها وآدابها و أفذاذها، يقف مع أعدائها صفاً بصف، وأجرم، والقضية ليست بشخصية جزماً، من يتخيل أنّه يملك السيف والمال والجنس، وسيغلب القلم والفكر والفن، لهو في ضلالٍ مبين !! والحكم للتاريخ والأمة والذوق العربي:

نعوني ولمّا ينعني غيرُ شـــامتٍ*** وغيرُ عدو ٍ قـــد أصيبتْ مقاتلـهْ

يقولون إن ذاقَ الردى ماتَ شعرُهُ**وهيهات عمرُالشعرطالتْ طوائلهْ

سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناس أمرهٌ****ويكثرُ مـــن أهل الروايةِ حاملهْ

يموتُ رديءالشعر ِ من قبل أهلهِ*** وجيدهُ يبقــى وإنْ مـــات قائـلـهْ

 

المقدمة:

إشكالية التعصب للنسب لاحقت الإنسان من قديم الزمان على مستوى الأمم والشعوب والقبائل والأفراد، وكلٌّ ينادي بالإنسان، والإنسان نفسه حيران، يتعصب ويضحي بالمجان، والحقيقة أنّ المغالاة في التعصب للنسب، ورمي الآخرين بالنقص والعيب والدونية، قد ولـّد من المشاكل الكبرى، والجرائم العظمى ما لا تحصى، وإنْ بدت في بادئها من الأمورالصغرى، وقديماً أبدع طرفة بن العبد (ت 569 م) - توفي قبل ولادة النبي الكريم (ص) بسنة واحدة - حين قال:

قد يبعثُ الأمرَ العظيمَ صغيرُهُ **** حتى تظلَّ لهُ الدماءُ تصبّبُ

والظّلمُ فرّقّ بيــــــنَ حيِّ وائل ٍ **** بكرٌ تساقيها المنايا تغلبُ

وقضية حرب البسوس بين بكر وتغلب شهيرة في التاريخ العربي وأدبه، وكذلك دعوة ملك الحيرة عمرو بن هند غير الموفقه لأم الشاعر التغلبي الشهير عمرو بن كلثوم لخدمة أمه، ومعلقته الشهيرة:

أَلاَ هُـبِّـي بِصَحْـنِـكِ فَاصْبَحِيْـنَا *** وَلاَ تُـبْـقِي خُـمُـوْرَ الأَنْدَرِيْـنَا

أَلاَ لاَ يَـجْـهَـلَـنَّ أَحَـدٌ عَـلَـيْـنَــا*** فَنَجْهَـلَ فَـوْقَ جَهْـلِ الجَاهِلِيْنَا

بِـاَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـرُو بْــنَ هِـنْـدٍ*** نَكُـوْنُ لِقَيْلِـكُمْ فِيْـهَـا قَطِـيْـنَـا

بِـأَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْرَو بْــنَ هِـنْـدٍ ** تُطِـيْعُ بِـنَا الـوُشَاةَ وَتَـزْدَرِيْـنَـا

تَـهَــدَّدُنَــا وَتُـوْعِــدُنَــا رُوَيْــداً *** مَـتَـى كُـنَّـا لأُمِّـــكَ مَقْتَـوِيْـنَـا

فَــإِنَّ قَنَاتَـنَـا يَــا عَـمْـرُو أَعْـيَـتْ ***عَلى الأَعْـدَاءِ قَبَـلَكَ أَنْ تَلِيْـنَا

وَرِثْنَـا مَجْـدَ عَلْقَمَـةَ بِـنْ سَيْـفٍ *** أَبَاحَ لَنَا حُـصُـوْنَ المَجْـدِ دِيْـنَا

وَرَثْــتُ مُهَلْـهِـلاً وَالـخَـيْـرَ مِـنْهُ *** زُهَـيْـراً نِـعْمَ ذُخْـ رُ الذَّاخِـرِيْـنَا

وَعَـتَّـابــاً وَكُـلْـثُـوْمــاً جَـمِـيْـعــاً ***بِـهِـمْ نِـلْـنَا تُـــرَاثَ الأَكْرَمِـيْـنَـا

وَنَـحْـنُ الحَـاكِـمُـوْنَ إِذَا أُطِـعْـنَـا*** وَنَـحْـنُ الـعَازِمُوْنَ إِذَا عُصِـيْـنَا

وَنَحْـنُ التَّارِكُـوْنَ لِـمَـا سَخِطْـنَـا**** وَنَـحْـنُ الآخِـذُوْنَ لِـمَا رَضِـيْـنَا

كَــأَنَّ غُضُوْنَـهُـنَّ مُـتُـوْنُ غُـــدْرٍ **** تُصَفِّـقُـهَا الـرِّيَـاحُ إِذَا جَـرَيْـنَا

كَـأَنَّــا وَالـسُّـيُــوْفُ مُـسَـلَّــلاَتٌ **** وَلَـدْنَـا الـنَّـاسَ طُـرّاً أَجْمَعِـيْـنَـا

وَقَـدْ عَلِـمَ القَبَـائِـلُ مِــنْ مَـعَـدٍّ **** إِذَا قُــبَــبٌ بِـأَبـطَـحِـهَـا بُـنِـيْـنَــا

بِـأَنَّــا المُـطْـعِـمُـوْنَ إِذَا قَــدَرْنَــا *****وَأَنَّـا المُـهْـلِـكُـوْنَ إِذَا ابْتُـلِـيْـنَا

وَأَنَّـــا المَـانِـعُـوْنَ لِـمَــا أَرَدْنَـــا***** وَأَنَّا النَّـازِلُـوْنَ بِـحَـيْـثُ شِـيْـنَا

إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً ***** أَبَـيْـنَـا أَنْ نُــقِــرَّ الــــذُّلَّ فِـيْـنَـا

مَلأْنَـا الـبَـرَّ حَـتَّـى ضَــاقَ عَـنَّـا **** وَظَـهـرَ البَـحْـرِ نَمْـلَـؤُهُ سَفِـيْـنَــا

إِذَا بَـلَـغَ الـفِـطَـامَ لَـنَــا صَـبِــيٌّ ***** تَـخِـرُّ لَــهُ الجَـبَـابِـرُ سَاجِـديْـنَـا(1)

وقال أفنون التغلبي مذكـّراً بهذه الدعوة:

لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا *** ليخدم أمى أمه بموفق ِ

ويقال إن أخ الشاعر القاتل واسمه مرة بن كلثوم هو أيضاً قد قتل المنذر بن النعمان بن المنذر من قبل، وفي ذلك يقول الأخطل التغلبي مفتخراً !:

أبنى كليب إن عمى اللذا *** قتلا الملوك وفككا الأغلالا

يعني بعميه عمراً ومرة ابني كلثوم، ولشغف تغلب بقصيدة ابن كلثومهم، وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء متهكماً:

ألهى بنى تغلب عن كل مكرمة *** قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

يفاخرون بها مذ كان أولهم **** يا للـــرجال لفخر غير مسؤوم (2)

كان النسب الشغل الشاغل للعرب منذ تصنيفهم الأمة إلى عرب عاربة وعرب مستعربة، فقيلهم وقالهم مشتعل بين الطرفين حتى أنّ الله أنزل نبيهم من هؤلاء المستعربين لا العاربين، ومن ثمّ تولى المستعربون - كما نعتهم المجحفون - الخلافة الإسلامية طيلة العصرين الأموي والعباسي ! وأشار إلى ذلك جرير عندما هجا الأخطل التغلبي، إذ فخر الأول بإسلامه ومضريته قائلاً:

إنّ الذي حرمَ المكارمَ تغلباً *** جعلَ الخلافة والنبوّة فينا

لا أعلم لماذا جرير لم يقدم النبوّة على الخلافة؟! وهي أعظم مقاماً، وأسبق زمناً، والشعر يمشي وزنا ً، فالبيت من البحر (الكامل)، المهم لم يكتفوا بهذا التفاخر والتنابز ورمي الآخرين حتى ذهبوا إلى المقابر يعددون موتاهم، فأنزل الله عليهم " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر "، وجرّهم الأمر إلى رمي بعضهم بعضاً إلى أمم أخرى، بل تطاولوا على عباقرتهم وأفذاذهم، فقذفوهم للأجانب والأباعد، وهؤلاء يستحوذون ويصرخون هل من مزيد لهذا المجد التليد؟!! صرخ المتنبي العظيم متهكماً داعياً للصحوة والتعقل:

أغاية َ الدّين أنْ تحفوا شواربكمْ ***يا أمّة َ ضحكتْ من جهلها الأممُ؟!

ذهبت صرخته أدراج الرياح كما ذهبت صرخات السابقين واللاحقين، والإشكالية قائمة حتى يومنا هذا المستكين !

نعم ما بين التعصب القبلي، والتكسب المصلحي، والتجاذب السياسي، والتصارع الدنيوي، يبزغ فجر الأثافي الثلاث لتركيب الشعر العربي في عصره الأموي،أولهم أخطلهم، وثانيهم فرزدقهم، وثالثهم جريرهم - سنتكلم عنهم حسب ضرورة البحث - ...هؤلاء جاهليون في نزعاتهم، إسلاميون في أيامهم، يُحرَّكون ويتحركون، ملأوا الدنيا بنقائضهم، و هجائهم، وفخرهم، ومدحهم ... حالهم ليس على حال، وموقفهم ليس على موقف، يوم لهم ويوم عليهم، وبقى صخبهم من يومهم الأول حتى يومنا الأخير، شغلوا حيزاً واسعاً في تاريخ الأدب العربي، تناسى هذا التاريخ الطغاة والملوك أو كاد، وما نسى هؤلاء الشعراء، ولا كاد !! .

ولكن لم يُقرن شاعران في تاريخ الأدب العربي، كما قُرن جرير بالفرزدق، فما ذُكر أحدهما إلا و رفرف الآخر بظلاله على الذاكرين المتذكرين، ليقول: أنا هنا،، كلاهما من بني تميم، ولكن الفرزدق من نسبٍ رفيع، وجرير من نسبٍ وضيع، كما صُنّفا، وليس منّا !!، أمّا لماذا سنلحق جرير بالفرزدق، لأن الأخير أكبر سنّا، وأطول عمراً في هذه الحياة، فالفرزدق هو همام (وقيل: غمّام) بن غالب بن صعصعة، ولد بالبصرة، وتوفي فيها بعد عمر مديد (20 هـ - 114 هـ / 641 م - 732م) - وستأتيك ترجمة جرير- كنية فرزدقنا أبو فراس، ولقبه الفرزدق، ولقب به، لغلظة في وجهه، كان أبوه من أشراف البصرة ووجهائها، وكرمائها، سليل أجداد من ذوي المآثر الحميدة بين العرب، فهو ينتمي إلى مجاشع بن دارم من تميم (3)، فقد جمع بين زهوي النسب العريق، والشعر الرقيق، لذلك نراه يفخر على غريمه جرير قائلاً:

مِنّا الّذِي اخْتِيرَ الرّجالَ سَماحَةً *** وَخَيراً إذا هَبّ الرّياحُ الزّعَازِعُ

وَمِنّا الّذي أعْطَى الرّسُولُ عَطِيّةً *** *أُسارَى تَمِيمٍ، وَالعُيُونُ دَوَامِعُ

وَمِنّا خَطِيبٌ لا يُعابُ، وَحامِلٌ **** أغَرُّ إذا التَفّتْ عَلَيهِ المَــــجَامِعُ

وَمِنّا الّذي أحْيَا الوَئِيدَ وَغالِبٌ ***** وَعَمْروٌ وَمِنّــا حاجِبٌ وَالأقارِعُ

وَمِنّا الّذي قادَ الجِيادَ عَلى الوَجَا**** لنَجْرَانَ حَتى صَبّحَتها النّــزَائِعُ

أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِمْ ***** إذا جَمَعَتْنا يـــــــا جَرِيرُ المَجَامِعُ

ليس هذا فقط، بل لمّا يروم هجاء جرير، يذكّره بنسبه التميمي الوضيع، ويلحق نفسه بنسبهم الرفيع، وكان الأمر مألوفاً محقّاً في ذلك العصر، رغم أن الإسلام نادى بالسواسية، وعدم التفرقة، ولكن الخلفاء قربوا الأقرباء، والعرب الأصحاء، والتنابز بين القبائل والشعراء، اقرأ كيف يقذف الفرزدق جريراً بعد فخره في الأبيات السابقة:

يا ابن المراغة كيف تطلب دارما *** وأبوك بين حمارة وحمــــــار

وإذا كلاب بني المراغة ربّضت *** خطرت ورائي دارمي وجماري

دارم قوم الفرزدق، باذخة المجد والشرف والعزّة، وما جرير إلا بدوي من أعراب بني كليب التميميين الفقراء الرعاة، ويتمادى في قسوته،إذ يتعرض في البيت التالي إلى قريبات جرير اللواتي رعين ماشيته :

كم خالة لك يا جرير وعمة *** فدعاء قد حلبت عليّ عشاري

ولكن هل كان الرجل الفرزدق الشاعر على شاكلة أبائه وأجداده؟ كلا - يا قارئي الكريم - فقد اتهم بالفسق والفجور، مزواجا مطلاقاً، بعيداً عن أخلاق باديته وأهله - سوى الخشونة والفظاظة -، متقلباً في مواقفه صباح مساء، نشبت بينه وبين جرير - شاركهما الأخطل التغلبي - معارك شعرية، اتسمت بالهجاء والسخرية حتى قذف محصنات الطرف الآخر، وبالمقابل الفخر بالنفس والقبيلة،سميت بالنقائض، وكانت معروفة بشكل أخف منذ العصر الجاهلي، وخمدت جذواتها في صدر الإسلام، لمحاربة الإسلام النزعة القبلية الجاهلية، وأججت بشكل أعنف وأشد في العصر الأموي، بدوافع تحريضية من قبل الخلفاء، والأسباب سياسية وقبلية، وتلاقفها الشعراء لإبراز مواهبهم، ورفعة شأنهم، وقوة نفوذهم السياسي والاجتماعي، وتحصيل أرزاقهم، وتنمية أموالهم، وكان الفرزدق ينحت شعره بالصخر فخراً، إذ يوظف فخامة اللفظ، وصلابة النظم، وعراقة الأصل، وسعة الخيال، وتوليد المعاني المبتكرة، وترك لجرير أن يغرف من بحر ما يشاء من شعر مطبوع، لين الإسلوب، رقيق العبارة، متعدد الأغراض، ومال كثيرً للغزل والنسيب والتشبيب، فطغى شعره سيرورة، أمّا الأخطل، فإضافة لمشاركتهما المدح والهجاء والنقائض، أجاد في وصف الخمر والدن، والندمان .

لقد مدح الفرزدق خلفاء بني أمية أمثال عبد الملك بن مروان، وولديه الوليد وسليمان، وعلى أعلب الظن لتقية تحميه، وارتزاق يكفيه، ولدفع شبهة لصقت فيه، إذ كان أبوه من أصحاب الإمام علي (ع) المقربين، ثم أنّ القصيدة الميمية في مدح الإمام السجاد،كان يجب أن يدفع ثمنها، والرجل رجل دنيا، لولا ميميته العليا، مهما يكن، قد غالى في مدحهم، اقرأ كيف يخاطب سليمانهم :

أنت الذي نعت الكتاب لنا**في ناطق التوراة والزبرِ

كم كان من قسٍّ يخبرنا **** بخلافة المهدي أو حَبْرِ

إنا لنرجو أن تعيد لنا *** سنن الخلائف من بني فهر

عثمان إذ ظلموه وانتهكوا ***دمه صبيحة ليلة النحر

لم يمدحهم لكرم، أو شجاعة، أو سماحة ...، بل جعلهم أحقّ الخلق بالخلافة، وهم سيوف الله، والقمر الذي يهتدى به ...

أمّا جرير فهو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي ...ابن كليب اليربوعي التميمي (كنيته أبو حرزة، ولد بتهامة سنة (33 هـ / 653 م) من أب فقير، وضيع، خامل، بخيل (4)، ولم ينكر الشاعر هذا الأمر، بل كان يتماهى بنفسه عصامياً، وتوفي   سنة (114هـ / 732 م) بعد فترة وجيزة، لا تتجاوز ثلاثة أشهرمن وفاة غريمه الفرزدق، وقد رثاه الجرير ، ثم ودع دنياه بعد خمسين عاما من المهاجاة، والتنابز، والمباهاة، ومن الرثاء قوله:

لعمرِي لقد أشجي تميما وهـداها ** على نكبات الدهرِ موت الفرزدق

عشـية راحـوا للفـراق بنعشـه **** إلى جدث في هوّة الأرض معمق

ثوى حامل الأثقال عن كلّ مغـرم ****ودامغ شيطان الغشوم السمـلق

عمـاد تمـيم كلها ولسانــها ***** وناطقها البـــــــــذاخ في كل منـطق

فمن لذوِي الأَرحامِ بعد ابن غالب ****لجار وعان في السّلاسل مـوثق

وكـم من دم غال تحـمّل ثقـله *** ****وكان حمولا في وفاء ومصدق

تفـتّح أبـواب المـلوك لوجـهِه *******بغيـــــــرِ حجاب دونـه أو تمـلّق

فتى عاش يبني المجد تسعين حجّه*** وكان إلى الخيرات والمجد يرتقي

قصيدة موجعة، مؤلمة، مؤكدة أنَّ لا إنسان إلا بالإنسان، فما كانا أن يكونا مخلدين إلاّ بالاثنين، ولا بمحظوظين إلاّ باللسانين،وما كانت المهاجاة،وما كان التنابز بالألفاظ إلا لإبراز الذات، وجذب انتباه عقول ومسامع الذوات، وقد نجحا في مرماهما، ويقيني لو كان العكس، لحدث العكس.

الراعي النميري بين مطرقة جرير وسندان الفرزدق، وبنو نمير يدفعون الثمن الباهض !!:            

ومن سخرية أقدار الحياة، حين تورّط الشاعر الراعي النميري في إصدار حكمه بتفضيل الفرزدق هجاءً على جرير، بتحريض وإلحاح من عرّادة النميري - نديم الفرزدق - في جلسة شرب بالبصرة، فما أن أخذ منه الشراب مأخذا، حتى قال بيته الشهير (الكامل):

يا صاحبي دنا الأصيل فسيرا *** غلب الفرزدق في الهجاء جريرا

فجنّ جنون هذا الجرير الكبير، ولما سمع البيت، وبعد قيل وقال مع الراعي، ذهب إلى منزله، وندع عبد القادر البغدادي يكمل روايته، كما وردت في (خزانته) "، وقال للحسين راويته: زد في دهن سراجك الليلة، وأعدد لوحاً ودواة. ثم أقبل على هجاء بني نمير، فلم يزل يملي حتى ورد عليه قوله: (الوافر)

فغض الطرف إنك من نمير *** فلا كعباً بلغت ولا كلابا

فقال حسبك أطفئ سراجك ونم فرغت منه ثم إن جريرا أتم هذه بعد وكان يسميها الدامغة أو الدماغة وكان يسمى هذه القافية المنصورة..." (5)

وهذا البيت المشؤوم على بني نمير، من قصيدة طويلة عدد أبياتها مائة وتسعة، كما يذكر البغدادي نفسه، مطلعها:

أقلي اللوم عاذل والعتابا *** وقولي إن أصبت لقد اصابا

ومنها:

إذا غضبت عليكَ بنو تميمٍ *** حسبتَ الناسَ كلّهمُ غضابا

وأراد هذا العبيد الراعي أن يردّه بقوله:

أتاني أن جحش بني كليب *** تعرض حول دجلة ثم هابا

فأولى أن يظل البحر يطفو *** بحيث ينازع الماء السحابا

ولمّا عجز عن أن يجاريه،عكف عن الأمر، فمن يسمع لجرير، لا يلتفت للراعي، ولو أنَّ الأخير كان يُعتبر شاعر مضر، فمن قصد البحر استقلَّ السواقيا، وحاول الفرزدق نفسه، وهو من سادة تميم، وأشرافها، أن يعارض ابن عمه جرير التميمي ثأراً لناصره المتعثر، بقصيدة مطلعها:

أنا ابن العاصمين بني تميم *** إذا ما أعظم الحدثان نابا

وتجاوز الناس الفرزدق، والراعي، وتمسكوا ببني نمير، فقال الراعي لابنه: " يا غلام بئس ما كسبنا قومنا. ثم قام من ساعته وقال لأصحابه: ركابكم فليس لكم هاهنا مقام، فضحكم جرير. فقال له بعض القوم: ذلك بشؤمك وشؤم ابنك.....وسبوه وسبوا ابنه. وهم يتشاءمون به إلى الآنقال ..." (6)، ولا أطيل عليكم، قد غيّر معظم بني نمير أنسابهم، ولحقوا بنسب أعلى جدّا، وهاجروا بصرتهم الفيحاء، لا تتعجب - عزيزي القارئ - كان للشعر دور كبير في وجدان الأمة، يزلزل القاعدة والقمة ...!!

 

 

كريم مرزة الأسدي

......................

ط 2 - ت: سمير جابر- ج 11 ص 54 وما بعدها - - (1) (الأغاني): أبو الفرج الأصفهاني دار الفكر.

(2) راجع ( الشعر والشعراء): ابن قتيبة الدينوري - 1 /42 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(3) (تاريخ الأدب العربي): حنا فافخوري - ص 283 - م . س .

(4)م . ن .ص 294 م . س .

(5)، (6) (خزانة الأدب): عبد القادر البغدادي - 1 / 25 - 26 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

 

ناطق خلوصي يفضح (اعترافات زوجة رجل مهم)

nahar hasaballahما أن تقرأ رواية (اعترافات زوجة رجل مهم)* التي نسج خيوط أحداثها القاص والروائي العراقي ناطق خلوصي، حتى تبدو مرغماً على تغيير الكثير من قناعاتك بالواقع السياسي الراهن..

اعترافات زوجة رجل مهم .. ما هي إلا ورقة احتجاج على الوضع السياسي الذي شهده العراق ما بعد حرب 2003، اعترافات كُتبت بمرارة لتكشف حقيقة سياسيي الصدفة، والخديعة، من خلال شخصية البطلة (شهد) التي أرادها المؤلف ان تكون شاهداً، لا بل ان تكون وسيلة لفضح الحكاية كلها، لتجعل القارئ على مدار الرواية بمواجه مباشرة مع غياب الجانب الانساني ومدى الانحطاط الاخلاقي فضلاً عن غياب الحس الوطني الذي يتمتع به أبطال الرواية الذين هم ذاتهم ابطال الواقع السياسي العراقي..

كُتبت حروف هذه التجربة الروائية بجرأة غريبة لتضعنا أمام ما هو مسكوت عنه.. ولتكشف لنا عن قدرة امرأة تعتمد على جسدها الانثوي وسيلة للسيطرة والتلاعب بالقائمين على المنظومة السياسية كلها، فضلاً عن قدرة تلون زوجها (الحاج فاخر) السياسي الذي صنع نفسه وكون وجوده من أقذر وأقبح السلوكيات التي قد نجدها شاخصة متوجهة في بعض صناع القرار السياسي، فهو يجيد التضحية بالقيم والشرف والمبادئ كلها مقابل التسلق الى قمة السلطة..

وفي متابعة خطوط الأحداث يرتسم أمامنا خطا متصاعدا يؤشر مستويات تطور الأحداث مع تطور الشخوص والوقائع لنقف عند المكائد التي يتفنن رسم معالمها المتحالفون السياسيون..

اعتمد المؤلف في كتابة تلك الاعترافات على خطين سرديين في آن واحد، تقنية السرد الحكائي الاستذكاري (الفلاش باك) في تصوير اعترافات الماضي الى جانب تقنية سرد الاحداث الواقعية، وهو ما يضفي لمسة فنية رائعة تبقي القارئ في فضاء ترقب متغيرات الاحداث وهو أمر يحسب للمؤلف ولمنجزه الابداعي.

كشف الاحداث داخل المتن الروائي كان متسلسلاً على نحو فني بعيد عن الرتابة والتقليدية، مما يدعو القارئ لربط أحداث الرواية التي تسرد على لسان الراوي مع اعترافات الزمن الماضي التي تكتبها (شهد) خفية، والتي عمد المؤلف على تمييزها بخط عريض (Bold) مغاير للخط الذي يتحدث به الراوي ، من خلال مزاوجة الماضي بالحاضر لتتكون صورة ابداعية متكاملة.

اعترافات زوجة الرجل المهم لم تنته مع نهاية حروف الرواية لأن الرجل المهم مازال يتمتع ويستأثر بالسلطة والنفوذ والجاه.. ولكن ما أرغم المؤلف على نهاية الرواية هو شوق البطلة وحنينها الى انسانيها الضائعة رغما عنها..

 

نهار حسب الله

رواية (اعترافات الملازم زكي) للكاتب القدير راضي المترفي

goma abdulahيمكن اطلاق على الرواية او الحلقات (اعترافات الملازم زكي - 71 حلقة نشرت في موقع مركز النور للثقافة والاعلام) بانها رواية شمولية جامعة، وهي تسلط الضوء الكاشف على الحقبة السوداء من تاريخ العراق السياسي، حقبة الدكتاتورية البعثية وقائدها الاوحد (قائد الضرورة)، التي احرقت واهلكت الانسان والحجر والشجر، وكانت أسوأ فترة خراب هبت على الشعب العراقي، بفداحتها وخسائرها الكبيرة، التي جعلت مصير الانسان العراقي في مهب الريح والمجهول، في خيبة الامل والخوف من المجهول، بين الارهاب الحزبي، والسواتر الترابية وتحت الخنادق على جبهات القتال، في الحرب المجنونة والرعناء، التي اعلنها القائد الاوحد الارعن، المصاب بمرض حب العظمة، اشعلها ضد ايران، وطالت ثماني سنوات عجاف من الموت المجاني، وتجرع الشعب العراقي المرارة والمهانة والخراب والذل، اضافة الى الاساليب القمعية بالبطش الوحشي في مصادرة حقوق الانسان، لكي يكون المواطن العراقي، خادم ذليل ومهان الى القائد المجنون وحزب البعث، لقد سلطت الرواية على كل جوانب الحقبة السوداء من العهد الدكتاتوري البغيض، ورعونة القائد الاوحد الطائش بحب الكرسي والابهة المزيفة، حتى لو كانت على انهار من الدماء والجماجم، ليكون الشعب حطب ووقود لرعونته وطيشه المجنون، وان يكون الشعب تحت رحمة شرور نيران الارهاب الامني والفساد الكلي في مناحي الحياة، وتشويه القيم والعادات المجتمع العراقي، كما توغلت في كشف مباضع الانتهازية والوصولية والازدواجية الشخصية المتناقضة بين الظاهر والباطن عند المواطن العراقي، في اجواء الرعب البعثي، ومصادرة الحريات الانسانية والحياتية، في مناخ الخراب الشمولي، لكننا لا يمكن ان نغفل بعض القيم الانسانية الخيرة بالمثل العليا، الموزعة هنا وهناك في ثنايا الرواية، التي حافظت على قيمتها لم تتلوث في حريق وثقافة البعث المدمرة . ان الرواية كانت بحق المرآة التي عكست بصدق حثيثيات الواقع وتفاصيله الدقيقة آنذاك، وصادقة في ترجمتها للواقع، بالكم الهائل من الاعمال والافعال والتصرفات والسلوكيات، في عذاب الانسان العراقي وقهره، ليكون تحت شفقة محرقة وماكنة الالة الحزبية والامنية، سواء داخل او خارج خنادق جبهات الحرب، سواء كانت في الحرب العراقية الايرانية، او في غزو الكويت واحتلاله، بحجة عودة الفرع الى اصله الام، ثم طرده من الكويت، بشرهزيمة يجرجر اذيال الذل والمهانة، بالانكسار الكبير لجيش العراقي، وتحوله الى فحم محترق، ثم اشعال انتفاضة الشعب ضد النظام الدكتاتوري . انها عمل ادبي ابداعي كبير، بهذا الجهد المرموق، لتدوين تلك الحقبة السوداء، وعكس حقيقتها المشؤومة من تاريخ العراق السياسي، وقد استخدم المؤثرات التقنية الفنية، في تطعيم الرواية بالموروثات الشعبية، وفي لغة السرد المطعمة باللهجة العراقية الشعبية، وكذلك في توظيف تلك الاغاني التي سادت على الاعلام في تلك المرحلة الدكتاتورية، وخاصة اغاني الحرب التي تمجد عظمة الدكتاتور السفاح المجنون بالتعظيم المقدس، وتمجد العنف الوحشي، بتحول الانسان العراقي الى وحشي مارق ومصاص دماء وجزار يذبح دون رحمة وشفقة . انها صورت وترجمت وقائع الحرب بعين الراصد، المراسل الحربي المرموق، الذي يرصد كل شاردة وواردة، سواء داخل السواتر التربية لجبهات الحرب، او الرعب والارهاب المسيطر على الحياة العامة والخاصة، انها رواية او (الحلقات 71) واقعية من المعايشة الصميمية لكل حزئيات اشياء الواقع، ونقلها بالامانة، من التكتيكات الفنية للعمل الروائي الحديث، بالواقعية السياسية بشكل مباشر، وعبر الاسلوب السردي العميق بالتشويق، والرشيق في النقل والتصوير والتسجيل، انها تصلح لعمل سينمائي كبير ورائع، سيكون له شأن كبير، وكما انحازت الرواية الى الاسلوب الانتقاد الساخر واللاذع، لاعلام النظام المستند على النظرية النازية (اكذب . اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس) المحرف والمزيف، الذي يبحث عن قشة او شعرة، ليجعلها هالة ضخمة بعظمة الملاحم النصر ومآثره العظيمة، لحراس البوابة الشرقية (البوابة اللعينة) وهم في زحمة النفاق المسعور، من اجل خداع الرأي العراقي والخارجي، بان جند صدام الاشاوس يسجلون الانتصارات تلو الانتصارت، ولكن في عقولهم المريضة والمعتوهة . هذا الكم الهائل الكاشف والمسلط على الزيف المنحرف في تشويه الحقائق والوقائع الفعلية . استطاع الكاتب ان يضبط هذه الايقاعات، بالترتيب والتنسيق في الصياغة والتعبير، بقدرة مدهشة . لكن القارئ والمتابع لهذه (الحلقات 71) يتحير في تصنيفها من الادب الروائي، هل هي رواية مذكرات . مشاهدات . اعترافات . رواية تصنف في قسم الرواية السياسية، ام رواية تاريخية - وثائقية تؤرخ تلك المرحلة المنصرمة . ويمكن ان نطلق عليها رواية شمولية جامعة كل هذه الاصناف، ونستشف بها الحقيقة والواقع المعاشي الملموس آنذاك، في المعيشة الصميمية عن قرب، لاشخاص عاشوا في محرقتها، منهم من احترق، ومنهم من خرج سليماً وسط هذا الخراب الكبير، ويمكن لاي مواطن عراقي عايش تلك محرقة الدكتاتورية، ان يدعي بانها ترسم جزء من حياته في تلك المرحلة المشؤومة والسوداء، في زمن لا يرحم، بان يكون حطباً لنزوات قائد مجنون بحب العظمة، ومرعبة في كل تفاصيلها . بان يجعل الانسان العراقي يعيش الغربة والاغتراب وفقدان الامل، سواء داخل العراق او خارجه، ومهما حاول البعض الهروب من الذل والمهانة المفروضة عليه عنوة، فأنه يصتدم بجدار حديدي مطوق ومحاصر في كل مكان، حتى في احلامه وفي غرفة النوم . هكذا كانت العقلية الدكتاتورية في ممارسة قمع الانسان في احلامه وامانيه، وتجعله محبط بالقنوط واليأس والخيبة، وبان تجعله يعترف بالقدر الدكتاتوري المسلط عليه، ولكننا لا ننكر ولا نجحف بعض محاولات التمرد والرفض لهذا الواقع المرير، رغم الماكنة الارهابية والامنية . انها رواية تحمل في طياتها الجروح العميقة النازفة بالدم والقيح، في وسط النار الحارقة، ولا نستبعد ان يكون الكاتب الروائي، عاش ذلك الجنون الفنطازي بالسريالية المرعبة، وخرج بدمه ولحمه حياً، ليسجل هذه الشهادات او الاعترافات، ليكون شاهد عيان بالمعايشة الحقيقية، لتلك المرحلة المرة كالحنظل . ان كل حلقة من حلقاتها (71) تحمل نكهة ومرارة خاصة، لذلك نجد بعض الحلقات تعصر القلب عصراً حد الاختناق بالالم، وبعضها يولد حمم نار الغضب والسخط والحقد على الدكتاتورية واساليبها الوحشية والهمجية، في سلوكية انسلاخ الانسان العراقي من انسانيته، ليكون جزء من الصناعة الدكتاتورية وثقافتها الارهابية، والتي تمجد وتعظم الفرد (قائد الضرورة)، فان حلقات (اعترافات الملازم زكي صفوك شمران) تتحدث عن انسان بسيط ينتمي الى عائلة فقيرة، والده خدم في سلك الشرطة في مركز شرطة (الشطرة) وينقل الى بيجي في صلاح الدين ليكون حارس في محطة قطارها، حتى نال التقاعد برتبة (عريف) وهناك كانت ولادة (الملازم زكي) ووصم بلقب (التكريتي) عنوة وزوراً، ويكمل تعليمه الاعدادي، ويريد ان يحقق رغبة وامنية امه، بان يكون ضابطاً، لكنه فشل في القبول بحجة (ش . ش . ش - معناها بالعراقي شيعي وشروكي وشيوعي)، ويرفض في الكلية العسكرية . في كلية الشرطة . في كلية القوة الجوية، ويساق الى التجنيد، وهناك لعب طير السعد او الحظ، بسبب لقبه (التكريتي) بان يختاره العقيد ابو شوارب (8) ضمن صنف (ملازم احتياط) ويرسل الى جبهات الحرب للدفاع عن البوابة الشرقية (التي هلكت البلاد والعباد) وفي سلسلة من الافعال على جبهات الحرب، في التزييف والنفاق، في البحث عن قشة او شعرة واهية، واعتبارها نصراً كبيراً، ينال صاحبها اوسمة وانواط الشجاعة والرتب العالية، وبهذه الطريقة القرقوزية، تدرج في الرتب العالية وامتلاك انواط الشجاعة حتى وصل الى عميد ركن (ما صايرة حتى في افلام الكارتون) في فنطازية الدكتاتورية واعلامها الغث والاهوج المبني على تمجيد القائد والحرب والحزب والثورة، حتى الهزائم تتحول الى انتصارات كبيرة بأسم القائد الاوحد، وبتلفيق التهم الجبن والخيانة والتخاذل، بأبسط اشكالها، بان هدف القادة الميدانيون البقاء والصمود حتى الموت، وتشطب كل الاعذار بالانسحاب، يعني الاعدامات في الجبهات الخلفية وفي الساحات امام انظار الجنود، ان الاساليب المخادعة حالفت حظ (الملازم زكي) لانه تكريتي ومن اقارب وعشيرة السيد الرئيس . لكنه اكتسب بعض الصداقات النزيهة والشريفة، بعيداً عن عيون جواسيس البعث الحزبيين، وخاصة صداقة، الجندي (جاسم حسوني) والجندي (حسان) وبعدها الجندي (حوشي مطير) رغم علاقاتهم غير الودية لحزب البعث، وعليهم علامات استفهام، بالشكوك بعدم ولاءهم للحزب والثورة . يتزوج (الملازم زكي)، وتتحدث الرواية عن اطالة امد الحرب دون انفراج، وتحولت الى حطب ورماد وانهار من الدماء، لاشك استمرار حريق الحرب، تضع النظام في مأزق كبير، وانه وقع في الفخ المدبر والمقصود من دول الخليج وخاصة (السعودية والكويت) اللذان تعهدا، بان يتحملوا صرفيات ونفقات الحرب، وان الشعب يساق الى طاحونة الموت، هكذا دفعوا النظام الدكتاتوري وانصاع الى رغباتهم . مما جعلوا مصير الشعب العراقي في مهب الريح، ان يعيش بين حمم النيران وتحت الخنادق، يداهمهم الموت باية لحظة، وتحول مسار الحرب بطرد القطعات العسكرية العراقية من كل الاراضي الايرانية التي احتلت في بداية الحرب، ان طرد الجيش العراقي الى الحدود الدولية، كانت تكلفة باهظة الثمن بشكل مرعب، فقط في جبهة (المحمرة) تكبد الجيش العراقي خسائر فادحة، قرابة الاربعين الف عسكري، ويصاب (الملازم زكي) الذي صار (مقدم زكي) بجروح خطيرة، وانقذ من الموت المحتم، ونقل الى الى المستشفى وانقذت حياته، واعتبر صموده في خندقه بطولة وانتصار، لذلك تقلد انواط الشجاعة وحصل على رتبة العميد، حتى اعلان وقف النار وموافقة الجانبين (العراقي والايراني) على قرار مجلس الامن رقم 598 (المطرب سعدي الحلي يقول عن القرار . البداية تبشر بالخير) وبعدها يدخل العميد زكي صفوك شمران، كلية الاركان ليصبح عميد ركن . ولم يهنى الشعب العراقي بانهاء الحرب العراقية الايرانية، حتى ادخل الشعب العراقي مرة اخرى في حرب مدمرة وهالكة، بغزو الكويت واحتلالها، وينقلنا الكاتب بالعين الكامرة المصورة، عمليات النهب والسرقة، دون شفاعة ورحمة، بسرقة الغالي والنفيس من الكويت، هكذا تحولوا رفاق البعث الصناديد، الى عصابات سرقة ولصوصية تحت رعاية ودعم النظام البعثي . لقد دخل العراق في حرب خاسرة ومدمرة (ما اخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة، وانتم اخذتم الكويت بليلة سوده، وراح تطلعون منها بليلة اكثر سواداً) وراحت ماكنة الاعلام البعثي تبرر الغزو والاحتلال على لسان القائد المجنون (لقد صمم اخوانكم في العراق على الجهاد من غير تردد او تراجع ومن غير مهابة تجاه قوى الاجنبي، ليحوزوا على الحسنيين بأذن الله . النصر ورضا الله العزيز الحكيم . رضا الامة . واننا لمنتصرون بعون الله، وسندمر الغزاة وسيندحر باندحارهم الظلم والفساد، حيثما كان وستطلع على امة العرب والمسلمين شمس لا تغيب، وسيكون الله راضياً عنه . بعد ان نطهر النفس والارض من رجس الاجنبي) وتفشل كل الوساطات العربية والدولية، وتدق ساعة القيامة باشعال براكين حمم النيران على القطعات العسكرية العراقية وحتى داخل عموم العراق، وينكسر الجيش العراقي بالهزيمة المنكرة والقاسية، وهو يجر اذيال الهزيمة والعار والاندحار، ونتيجة هذا الخراب المدمر، في قوات الجيش والحرس الجمهوري، بطردهم وقطع الطرق عنهم، بالتطويق المحكم، وتحرير الكويت، وحصيلة الخسائر العراقية الكبرى . أسر 86 ألف من القوات العراقية، اضافة الى عشرات الالاف القتلى والجرحى . تدمير او الاستيلاء على 3847 دبابة . تدمير او الاستيلاء على 1450 ناقلة جند مدرعة . تدمير او الاستيلاء على 2917 قطعة مدفعية من مختلف الانواع، هذه فداحة نزوات النظام الدكتاتوري الطائشة والمجنونة. وكانت نهايتها يتوسط (حوش مطير) جموع العسكرين الذي خرجوا سالمين من طاحونة الموت والرعب ويهتف باعلى صوته (أنا اليوم من هذا المكان، من ساحة سعد تحديداً، اعلن بأسمكم جميعاً، واذا بعدكم تخافون يكفي ان اعلنها بأسمي فقط، انا حوش ابن مطير، على صدام والبعث وكل الذيول، ثورة حتى النصر، وسأطلق اطلاقاتها الاولى لتكون شرارة حارقة لا تبقي ولا نذر، وتدفع بالجميع للانتفاض والثورة على بركة الله) ثم نزل داخل الدبابة ووجه مدفعها الى جدارية الرئيس واطلق عليها، فتم تدميرها، فتعالت الهتافات وارتفعت الاصوات منادية بسقوط صدام حسين، معلنة انتفاضة شعبية عارمة ضد نظام البعث وصدام .

 

جمعة عبدالله

صورة الطبيعة بين شاعرين جاهليين

sadam alasadiالمقدمة: كل عاصفة تلتقي مع الفارس وعندما تنتهي يبقى الفارس مشدودا بظهر فرسه الا القصيدة الجاهلية ... طليقة العنان ... لا يستطيع اي واحد منا ان يحدد بالدقة المطلقة بدايتها ونهايتها ... فهي معلقة في عنق الزمن ولا نكاد نصل الى لمعتها وبريقها من خلال رحلة سريعة وانا اخترت الجوامد الناطقة التي سرها سر معقد عن الجاهلي – الريح والبرق والمطر .. واخترت لها شاعرين يستحقان باعتزاز ان نسميهما وصافي الطبيعة في الشعر الجاهلي .. هما امرئ القيس وعبيد بن الابرص وقد اتجاوز على الشعر الجاهلي واقترب من بحره الكبير فلعله يهب لي نسمة من ريحه ولمعة من برقه وقطرة من مطره فهل ترك لنا الباحثون شيئا لنكتبه؟ فانه شعر زاخر بالروائع في فترة نضجت بها القصيدة ووصلت قمتها ... فالمحال ان اصل لما اراد الشاعران ... فلعلي اضع اصبعا واحدة على كهربائية هذا الشعر واصطاد قدحة فاني مددت كفا لانهل بها من بحر الشعر غرفة واحدة لسد الظمأ وطلبت يدا تعلن بارقة الامل امام حصاني الجامح لذا اخترت عاصفتي ورميت سنارتي في هذا البحر فلن افكر بما اصطاد بقدر ما سيقدره لي القدر وكما تعتاد المقدمات على التبويب استقرت عاصفتي على بابين:

الباب الاول:

أ: لماذا الريح والبرق والمطر ب: تسميات الصور الثلاث ج: الغرض الشعري الذي وردت به الصور د: العلاقة الجدلية بين الصور هـ: وسيلة الشاعر لاستخدامها

الباب الثاني:

أ: علاقة الصور الثلاث بالحيوان ب: صورة امرئ القيس ج: صورة عبيد بن الابرص د: الفرق بين الصورتين الخاتمة ... المصادر ...

في نهاية مقدمتي اسأل الباري عز وجل ان يفتح امامنا السعادة والتوفيق ويهدينا لطريق العلم والمعرفة في خدمة وطني الحبيب الغالي العراق .

وقد تشرفت بأستاذي الدكتور اياد عبد المجيد ابراهيم عام 1993 كنت طالبا ً في الماجستير في كلية التربية .

 

الباب الاول:

أ: لماذا الريح والبرق والمطر؟

لا يختلف اثنان على الارض بان الطبيعة نصف حياة الشاعر اذا ما اعطينا المرأة ربعا وحياته الذاتية باقيها ..

و كلنا نعلم بان الشعر الجاهلي نبرات شعرية رائعة صادقة مثيرة للانتباه ولا تكاد قصيدة ان تخلو من البرقة اللامعة من خلال وصف او تشبيه او حكمة ..

فكيف نتساءل عن الصور الثلاث وهي ركائز المكان (البادية) وسبب الرعي الذي تقوم به وعليه حياة الجاهلي ..

و الماء روح البدو وعصب حياتهم وهو (سر الحياة والمطر اهم مصدر للماء في الجزيرة العربية)[1]

فعندما يظهر الجفاف وتمحل الارض فيسألون عن الغائب المنقذ وتبقى عيونهم مشدودة للسماء مبحرة في مناظر السحب مراقبة حركة الريح لذا وقف الشعراء بخفقة قلب ونفس منتظرتين ..

فصور البرق والرعد وجلجلة السحاب وما تجود به السيول فمتى ما نزل المطر انبعثت روائح الارض الطيبة فكم اخافهم الجفاف عندما يقترن بريح السموم وحيث تهطل الامطار فلا تدوم الا لايام معدودات وفي مواسم متقاربة وقد صور الكاتب العربي الموسوعي الجاحظ [2]

(اذا تتابعت عليهم الازمات وركد عليهم البلاء واشتد الجدب واحتاجوا الى الاستمطار اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ثم عقدوا بين اذنابها وبين عراقيبها السلع ثم صعدوا الى جبل وعر واشعلوا النيران وضجوا بالدعاء والتضرع وكانوا يرون ذلك من اسباب السقيا)

فهم يطلبون الغيث اينما وقع كقول الاخنس بن شهاب التغلبي:

و نحن اناس لا حجاز بأرضنا   مع الغيث مما نلقى ومن هو غالب[3]

و قد يحكي لنا التاريخ ان نصف مشاكل العرب وقعت بسبب المنافسة والشجار على المراعي والابار والعيون.

و صوت الريح قد الفه العرب قديما وعدوه مبشرا بسقوط المطر حاملا نسيم الاحبة ورائحتهم فما الذي يحدو ميسون الكلبية ان تفضل خيمة تخفق فيها الارواح والرياح وتمر من كل جانب احب اليها من القصر العالي ..

لبيت تخفق الارواح فيه     احب الي من قصر منيف

و اصوات الرياح بكل فج     احب الي من نقر الدفوف

و ربما تصبح الرياح والامطار عوامل سيئة في اندثار الديار وقد نرى بعضهم يصف دياره ولم تغيرها الريح والمطر كقول بن حذام:

لأل هند بجنبي نفف دار   لم يمح جدتها ريح وامطار

و قد يستهل المهلهل بن ربيعة بها الاطلال رغم وقفته القصيرة فيصف دموعه والامه حزينا على كليب:

هل عرفت الغداة من اطلال   رهن ريح وديمة مهطال

و يرى مالك بن الريب في الريح عاملا يغطي جسد الرجال عند موتهم:

بانكما خلفتماني بقفرة   تهب علي الريح فيها السواقيا[4]

و قد يخشى بعضهم ويخاف من الريح والمطر وهو يتحسر على شبابه ويعلن تشاؤمه من الحياة كقول ربيع الفزاري:

والذئب اخشاه ان مررت به   وحدي واخشى الرياح والمطرا

ومنهم من يراها عاملا للخصب والفرح بعدما تسف الرياح والتراب من الديار وينهل المطر فتعشب الارض وتربع بها البقر كقول النابغة الذبياني:

تعاورها السواري والغوادي   وما تذري الرياح من الرمال

تأبد لا ترى الا صوارا         بمرقوم عليه العهد خال [5]

وهكذا تفاعلوا مع تلك الاسماء فكثرت اسماء الريح والبرق والمطر فان الماء عندهم ذو قداسة لا توصف رغم افساده للديار والزروع فعندما يدعو الشاعر بالسقيا لدار الحبيبة استدرك وقال (غير مفسدها) فماذا يحصل لارضهم عندما يشح المطر .. فتحصل هجرتهم من مناطقهم لاجل الماء (ولا يجدون سبيلا للحصول عليه الا من خلال ارضاء القوة المهيمنة على المطر بطقوس الاستسقاء)[6]، فان قسوة الطبيعة في جزيرة العرب هو تحدي امام الانسان فيصبح رد فعلهم هو التشبث بالحياة والمحاولة بصنع رد فعل للبقاء واوله الارتحال والبعد عن الديار لذلك (تعين على العرب معرفة اوقات نزول المطر فيسألون متى يسقط واين كما يسألون عن الغد كيف سيحل)[7]

ولذا اصبح عند بعضهم اعتقاد يقر بان النجوم تمطر الناس بأمر من الله تعالى وقد حدا بعضهم ان تنبأ بالمطر من خلال مهب الريح ومقدار الرطوبة فسموها رياح الجنوب او اللواقح او العقيمة عندما تكون باردة وقد سموا الرياح طباعا اختصت بها مثل الصبا عندما تكون مبعثا للخير والدبور في الشر (والبرق كان علامة يستبشرون به المطر فاذا كان شاميا حسبوه (خلبا) وقد يشم الشاعر البرق ويصنع لوحات للمطر ليبدد الوقت الذي يفصل بينه وبين حبيبته)[8]

فكثرت حاجاتهم وعلا صوتهم بمخاطبة الطبيعة قاسية او معطية وتكررت في قدحات قصائدهم المفردات ...

ب – تسميات الصور الثلاث:

تفسر النظرة الدينية عند العرب كثيرا من تسميات الازمنة والامكنة والسنين المتبعة وطقوس النذور والاستسقاء)[9]

فجاءت الاسماء متنوعة وكثيرة وبما توسعت به اللغة العربية من اشتقاقات للأسماء حتى للشخص الواحد قد يطلقوا تسميتين وللحيوانات والاشجار وصور الريح والبرق والمطر ... ترى ما هي الاسماء التي ورد بها كلمة الريح عند العرب بالإثبات الشعري ...

1-   ريح جنوب: كقول امرئ القيس:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها     لما نسجتها من جنوب وشمال

و قول تميم بن ابي مقبل:

يهززن بالمشي اوصالا منعمة   هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا

و قول علقمة بن الفحل:

تخشخشت ابدان الحديد عليهم   كما خشخشت يبس الحصاد جنوب

2-   ريح جوافل: قول امية بن ابي الصلت:

اذعن بها جوافل معصفات   كما تذري الململمة الطحونا

3-   ريح حصباء: قول ابي قيس بن الاسلت:

كأن اطراف ولياتها   في شمأل حصاء زعزاع

4-   ريح حرجف: وهي الرياح الباردة الشديدة قول المتخل الهذلي:

اذا ما الحرجف النكباء ترمي   بيوت الحي بالورق السقاط

5-   ريح خريق: قول زهير بن ابي سلمى:

مكلل بأصول النجم تنسجه     ريح خريق لضاحي مائة حبك

و قول المهلهل بن ربيعة:

ليس لمن لم يعد في بغيه   عداية تخريق ريح خريق

6-   ريح خزامى: قول امرئ القيس:

كأن المدام وصوت الغمام   وريح الخزامى ونشر القطر

و قول النمر بن تولب:

كأن ريح خزامها وحنوتها   بالليل ريح يلنجوج واهضام

و قول القطامي:

تهدي لنا كل ما كانت علاوتنا     ريح الخزامى جرى فيها الندى الخضل[10]

7-   ذاريات – اذيال: وهي اواخر الريتح كقول امية بن ابي الصلت:

و سافرت الرياح بهن عصرا     باذيال يرحن ويغتدينا

8-   ذيول الريح: قول ابي ذؤيب الهذلي:[11]

فعفت ذيول الريح بعد عليهما   والدهر يحصد ريبه ما يزرع

9-   رامسات: هي الرياح التي تدفن الاثر كقول النابغة:

كأن مجر الرامسات ذيولها   عليه حصير نمقته الصوانع

10-                     زعزع: في قول ابي ذؤيب الهذلي:

و يلوذ بالارطى اذا ما شفه   قطر ورائحه بليل زعزع

11- ريح سموم: كقول ابي زبيد الطائي:[12]

كالبلايا رؤوسها في الولايا     ما نحات السموم سفع الخدود

12- ريح شمال: قول تماضر بنت مسعود وهي تحن الى حياة الصحراء:

و صوت شمال زعزعت بعد هدأة   الاء واسباطا وارخى من الجعل

و قول أمرئ القيس:

و هبت له ريح بمختلف الصوا   صبا وشمال في منازل قفال

13- ريح شتاء: في قول محمد بن كعب الغنوي:

و لم يدع فتيانا كراما لميسر اذا اشتد من ريح الشتاء هبوب

14- ريح شفان: وهي الريح الباردة قول النابغة:

باتت له ليلة شهباء تسفعه   بحاجب ذات شفان وامطار

15- ريح صبا: قول أمرئ القيس:

يجول بأفاق البلاد مغربا   وتسحقه ريح الصبا كل مسحق

و قول حاتم الطائي:

كجمر الغضا هبت له بعد هجعة   من الليل ارواح الصبا فتنسما

و قول بشر بن ابي خازم:

لعبت بها ريح الصبا فتنكرت   الا بقية نؤيها المتهدم

16- ريح صيف قول المثقب العبدي في محبوبته فاطم:

فلا تعدي مواعد كاذبات   تمر بها رياح الصيف دوني

17- ريح عجاجة: كقول بشر بن ابي خازم:

فهزمن جمعهم وافلت حاجب   تحت العجاجة في الغبار الاقشم

18- ريح معصفات: قول امية بن ابي الصلت:

اذعن بها جوافل معصفات   كما تذري الململمة الطحونا

19- ريح ناجة: وهي الريح الشديدة ي قول طرفة بن العبد:

اربت بها ناجة تزدهي الحصى   واسحم وكاف العشي هطول

20- ريح هيف هزوج: هي الرياح الحارة التي لها صوت كقول تميم بن ابي مقبل

21- هيف هزوج الضحى بهو مناكبها   يكسونها بالعشيات العثانينا

اما اسماء البرق فهي تسمية واحدة لم ترد بأنواع وقد كانت العرب تشيم البرق فاذا كان وليفا استبشروا وانتظروا المطر واذا كان شاميا حسبوه (خلفا)[13]

و من اسماء البرق وعلاماته:

1-   قول عنترة العبسي:

كيف التقدم والرماح كأنها   برق تلألأ في السحاب الازكم[14]

2-   قول المهلهل بن ربيعة:

ذاك وقد عن لهم عارض   كجنح ليل في سماء بروق

3-   قول القطامي:

المحة من سنا برق رأى بصري   ام وجه عالية اختالت بها الكلل

4-   قول عمرو بن احمر:

ثم استمرت كبرق الليل وانحسرت   عنها الشقائق من تيهان والظفر

5-   قول أمرئ القيس:

اصاح ترى برقا اريك وميضه   كلمع اليدين في حبي مكلل

 

اما المطر: عناية العرب النجوم التي تصنع انواؤها المطر قديمة وان طقوس الاستسقاء قد تلاشت بعد بزوغ فجر الاسلام ..

و للمطر اسماء عديدة قد وردت في قصائد الشعراء كل اسم منها يعبر عن دلالة .. سأستعرض اشهرها حسب الترتيب الابجدي ..

1-   البكر: (المطر في اول الربيع) قول عنترة العبسي:

جادت عليه كل بكر حرة   فتركن كل قرارة كالدرهم .

2-   جعل: وهو السحاب الذي اراق ماءه، قول المسيب بن علس:

و الدهم كالعيدان ازرها   وسط الاشاء ململم جعل

3-   الحبي: السحاب المتجمع بغزارة قول أمرئ القيس:

اعني على برق اراه وميض   يضيء حبيا في شماريخ بيض

4-   ديمة: (الغيمة المحملة) النمر بن تولب:

اذا يجف ثراها بلها ديم   من كوكب بزل بالماء سجام

و قول أمرئ القيس في البيتين:

ديمة هطلا فيها وطف   طبق الارض تحري وتدر

فدمعهما سكب وسح وديمة   ورش وتوكان وتنهملان

5-   ذهاب: اسم المطر القليل، قول متمم بن نديرة:

سقى الله ارضا حلها قبر مالك   ذهاب الغوادي المدجنات فامرعا

6-   ذو برد: قول امرئ القيس:

و للسوط فيها مجال كما     تنزل ذو برد منهمر

7-   رشاش: (المطر الخفيف) قول قيس بن الخطيم:

اتت عصبة للاوس تخطر بالقنا   كمشي الاسود في رشاش الاهاضب

8-   رباب: (الغيمة الغزيرة) قول لبيد:

فافرع في الرباب يقود بلقا   مجوفة تذب عن السخال

و قول امرئ القيس:

يضيء ربابه في المزن حبشا   قياما بالحراب وبالاءلال

و قول عبيد بن الابرص:

سقى الرباب مجلجل   الاكناف لماع برقه

9-   الزحاف: هو السحاب السكوب قول الغنوي:

سقى كل ذكر جارنا من مؤمل   على الناي زحاف السحاب مسكوب

10- سح: قول عنترة:

سحا وتسكابا فكل عشية   يجري عليها الماء لم يتصرم

11- صهباء: تعني السحابة الحمراء قول الشنفرى الازدي:

فلها هباب في الزمام كأنها   صهباء خف مع الجنوب جحامها

12- طل: قول النمر بن تولب:

وحمر تراها بالفناء كأنها   ذرا كثب قد مسها الطل تهطل

و قول عمرو بن احمر:

تطايح الطل عن اردافها صعدا   كما تطايح من مأموسه الشرر

13- عهد: قول ابي زبيد الطائي:

اصلتي تسمو العيون اليه   مستنيرا كالبدر عام العهود

14- عارض ويمان: قول علقمة بن عبده:

سقاك يمان ذو حبي وعارض   تخف به جنح العشي جنوب

15- غمامة: كقول قيس بن الخطيم:

تبدت لنا كالشمس تحت غمامة   بدا حاجب منها وضنت بحاجب

و قول عمرو بن احمر:

يعلوا معدا ويستسقي الغمام به   بدر قضاء لفيه الشمس والقمر

16- غوادي: قول متمم بن نويره:

اذا مت فاعتاري القبور فسلمي   على الرمس اسقيت السحاب الغواديا

17- غيث: (اسم المطر) قول عمرو بن احمر:

حتى تناهى بها غيث ولج بها   بهو تلاقت به الارام والبقر

و قول زهير بن ابي سلمى:

رعى بغيث لادراك مناصفة   من الشتاء فلما شاؤه نقعا

و قول امرئ القيس:

و غيث كالوان الفنا قد هبطته   تعاون فيه كل اوطف جنان

18- غيبة: (دفقة من المطر) قول امرئ القيس:

و بات على ارطأة صف كأنها   اذا الثقتها غيبة بيت معرس

19- القطر: (اسم المطر) عند امرئ القيس:

كأن المدام وصوب الغمام   وريح الخزامى ونشر القطر

20- اقعر: هو السحاب الابيض قول المنخل الهذلي:

تمد له حوالب مشعلات       يجللهن اقعر ذو انعكاط

21- المطر، قول امرئ القيس:

 

و قول ربيع الفزاري:

و الذئب اخشاه ان مررت به   وحدي واخشى الرياح والمطرا

و قول اعشى باهلة:

تنعى امرءا لا تغيب الحي جفنته   اذا الكواكب حوى نوءها المطر

22- الوابل: (اسم المطر) كقول النابغة الذبياني:

و بات ضيفا لارطاة والجأه   مع الظلام اليها وابل سار

و قول امرئ القيس:

و ولى كشؤبوب العشي بوابل   ويخرجن من جعد تراه منصبا

و قول لبيد العامري:

و اردف مزنة الملحين وبلا   سريعا صوبه صوب العزالي

23- وسمي (اسم المطر) قول متمم بن نويره:

و اثر سيل الواديين بديمة   ترشح وسميا من البنت خروعا

و قول امرئ القيس:

و غيث من الوسمي حو تلاعه   تبطنته بشيظم صلتان

24- الهطال: وهو المطر الدائم، قول امرئ القيس:

ديار لسلمى عافيات بذي خال     الح عليها كل اسحم هطال

 

ج- الغرض الذي وردت به الصور:

بعد ان استعرضت انواع الاسماء التي وردت بها صوري الثلاث بشكل موجز لابد ان اعرج على الغرض الذي وردت فيه تلك الاسماء:

أ‌-       محاكاة الحبيبة والدعاء لها بالسقيا:

ان البرق يبعث في الرجاء اصواتا متواصلة كأنها فحل يهدر وحول الشاعر ابل مجتمعة، فيضيء السحاب الكثيف مبشرا بالسقيا التي تنتظرها الحبيبية لتخضر الارض ويزهو الزرع وتبزغ بعد لك الشمس، كقول لبيد العمري:

كأن ثقال المزن بين تضارع     وشامة برك من جذام لبيج

فذلك سقيا ام عمرو فانني     لما بذلت من سيبها لبهيج

و قول الرقش:

الدار قفر والرسوم كما     رقش في ظهر الاديم قلم

ديار اسماء التي تبلت       قلبي فعيني ماؤها يسجم

و النساء عندهم اربع منهن معمع لها شيئها اجمع ونهم تبع تضر ولا تنفع ومنهن صدع تفرق ومنهن غيث لعنع اذا وقع ببلد امرع [15]، فهم يشبهون النساء بالمطر المخصب عند نزوله على اي بلد ..

ب‌-نزول الغيث يثير الشجاعة: حتى قيل انهم اذا اخصبوا هاجت اضغانهم وطلبوا الثأر من اعدائهم وتمنوا ان يتصل الغيث حتى يغيروا على الملوك فيسلبون عروشها وكانت بداية لقتالهم في الخصب لا في الجدب كقول الحارث الايادي:

قوم اذا نبت الربيع لهم     نبتت عداوتهم مع البقل

ج- الصيد في شعر الفتيان: يتكون مشهد الصيد عادة من وصف لمكان اصابة الغيث[16]، فأمرع وراها بالزرع الذي يجتذب الوحش والقسم الاخر من مشهد الحصان، قول امرئ القيس:

و قد اغتدي والطير في وكناتها     لغيث من الوسمي رائده خال

تحاماه اطراف الرماح تخاميا     وجاد عليه كل اسحم هطال

و قول زهير:

و غيث من الوسمي حو تلاعه     اصابت روابيه النجا وهواطله

هبطت بمسود النواشر سابح     ممر اسيل الخد نهد مراكله

و قول لبيد العامري:

و غيث بدكدك يزين وهاده     نبات كوشي العبقري المخلب

اربت عليه كل وطفاء جونة     هتوف متى ينزل لها الوبل تسكب

و قول تميم بن ابي مقبل:

و غيث مريع لم يجدع نباته     ولته اهاليل السماكين معشب

د- وصف الديار: يصف المنازل وطلولها الدوارس فقد تعاورتها الرياح وغمرت معالمها حتى اصبح كالوشم[17]، قول عبد الله الغامدي:

لمن الديار بتولع ويبوس     فبياض ريطة غير ذات انيس

امست بمستن الرياح مفيلة     كالوشم رصع في اليد المكنوس

 

و قول النابغة:

ارسما جديدا من سعاد تجنب   عفت روضة الاجداد منها فيثقب

عفا اية ريح الجنوب مع الصبا     واسحم دان مزنه متصوب

هـ - ربط الصور بالكرام توقد النار في الليل وهب الريح عليها، قول لبيد:

و يكللون اذا الرياح تناوحت     خلجا تمد شوارعا ايتامها[18]

و – تجديد الديار والاطلال باثار الرياح والامطار: وذلك حين تقود السواري ليلا ونهارا حتى تفرغ ما في اسقيتها في اوعية الاطلال، قول لبيد العامري:

رزقت مرابع النجوم وصابها       ودق الرواعد جودها فرهامها

من كل سارية وغاد مدجن   وعشية متجاوب ارزامها

و جلا السيول عن الطلول كأنها     زبر تجد متونها اق65غلامها

ز- التفكير النفسي: يرى في صورها النعيم والعذاب والايجاب والسلب فليس في رتابتها ما يثير وجدان المرء فيجعل الرياح تنقب عن المعالم التي يبحث عنها الشاعر وقد جعلها البدائل عن بعضها فقد تناول امرئ القيس معاول الرياح لتصلح ريح الجنوب ما افسدته ريح الشمال حين سرت على جسد الطلل [19]:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها     لما نسجتها من جنوب وشمأل

و يلقي لبيد نفسه على الرياح والامطار لكي تحمل معانيه وتجربته .

ح- التفريق بين الصور .. والميل بالمطر والسيول دون الرياح: لان الرياح تزيل الاثر وتعرقل السير للرحلة .. وان هي ازالت غم ودثار الطلل البالي انما في الحقيقة تزيل غم ودثار نفسية الشاعر فهي عوامل تجدد الامل في الحياة .

ط – الرحلة وعدم الاستقرار في المكان: لان الجفاف عندهم يقترن بريح السموم والمطر ينزل في مواسم وليس دائما فزادت حركتهم ورحلتهم بتواصل ولهذا قالوا في المثل (من اجدب جنابه انتجع)[20]، فهم يفتخرون بكثرة التطواف والتجوال لذلك يقول الاخنس التغلبي:

و نحن اناس لا حجاز بارضنا     مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب

فهم لا يخافون احدا يتبعون الغيث اينما وقع [21] وربما كان اختيارهم الصحراء وتفضيلها انهم رأوا في المدن والابنية معرة ونقصا فالتحويط والابنية حصر عن التصرف في الارض [22] .

ي- الرثاء: في هذا الغرض تدل دلالة المزن والشتائم والخوف والعمر .. فالمهلهل يستهل الاطلال التي لم يطل الوقوف عندها ولا ذكر رحلة اهلها بالتفصيل وهو يسرع لوصف دموعه والامه التي تسيطر على صدره حزنا على كليب عندما يستذكره راثيا:

هل عرفت الغداة من اطلال   وهن ريح وديمة مهطال

و يقول:

كيف يبكي الطلول من هو رهن     بطعان الانام جيلا فجيلا

ك – الخوف من الصور الثلاث: عندما يسئم الشاعر الحياة ويمل البقاء ... ولا يقوى على حمل السلاح ولا يتحكم في زمام البعير ويخشى الذئاب وترتعد فرائصه من الريح والمطر .. فهذا ربيع بن ضبيع الفزاري يقول:

اصبحت لا احمل السلاح ولا     املك رأس البعير ان نفرا

و الذئب اخشاه ان مررت به     وحدي واخشى الرياح والمطرا

ل – التفاؤل والامل بالخصب والحياة: عندما تسف الرياح وينهمل المطر تعشب الارض وتمرع وتتحول الى مرابع لاسراب البقر فهذا النابغة يصف ذلك:

تعاورها السواري والغوادي       وما تذري الرياح من الرمال

اثبت نبته جعد ثـــــــراه       به عوذ المطاحل والمتالي

م – التشبيه بصور الريح والبرق والمطر: فقد شبهوا التراب الذي ذرته الرياح فوق الاطلال بالطحين المتناثر ومنه من يرى في الاثار البالية التي عفتها الامطار وغيرتها الرياح وكأنها سيف مغلل حده مثل قول طفيل الغنوي:

ترى جل ما ابقى السواري كأنه     بعيد السواقي اثر سيف مفلل

و قول الشاعر بشر بن ابي خازم:

قليلا والشباب سحاب ريح   اذا ولى فليس له ارتجاع

و قول عمرو بن قميئة:

و ما عيش الفتى في الناس الا    كما اشعلت في ريح شهابا

و قول عدي بن زيد:

ثم اضحوا كأنهم ورق     جف فالوت به الصبا والدبور

و قول لبيد العامري:

و انا واخوان لنا قد تتابعوا   لكالمعتدي والرائح المتهجر

و قد شبه امرئ القيس حركة البرق بمصابيح الرهبان ووصف السحاب وهو سيح الماء ووصف غزارته فيصبح سيلا متدفقا يكتسح البيوت ثم يصف جبلا غشاه المطر [23]

ن – صورة الموت مأخوذة من الطبيعة [24]: بعض صور الحياة والموت مأخوذة مباشرة من الطبيعة مثل صورة بطش الحيوان بالموت وتصور الدهر راميا يرمي ويصيد الانسان وتشبيه حياة الانسان العابرة بتألق الشهاب وكذلك الانسان رهينة للدهر .. وتصوير الموت بالماء .

س – تشبيه الدماء التي تسيل في القتال كالمطر عند دريد بن الصمة:

فما توهمت اني خضت معركة   الا تركت الدما تنهل كالمطر

د – العلاقة الجدلية بين الصور:

قد اوجد الشاعر صلة واضحة بين علاقات تلك الصور الثلاث فتكاد تكمل نقص بعضها فهي ترتبط ببعضها فتعمل على تكوين علاقة واحدة ولكن يبقى الخيار منها والغاية مختلفين .. فالريح لها دلالة الخير عندما تحمل رائحة الاحبة من الديار وهي عامل شر عندما تمسح اثرهم والبرق يعطي في برقته بشرى السقوط الغيث الذي يسقي عطش الارض فهو دلالة وعلامة خير ولكنه يتحول الى عامل خوف عندما يثير الناس والاحبة بصوته الشديد وربما يكشف البقرة وصفارها في عين الكلاب والصياد في رحلة الصيد فتكشف مكانها عن طريق الظلام الدامس فهو شر لا مهرب منه .

و المطر ايضا فهو عامل خصب وخير وعطاء ولكن لا ينفع عندما يزيل الاثر والذكرى ويساعد في تهديم الاطلال ..

لقد اوجد الشاعر صلة واضحة بين الفعل عفا ومشتقاته واندفاع المطر باشكاله (الملث – العيث رعدة في موضع والهطال في اخر حتى اصبحت الصورتان متلازمتان في حديثه فيأتي الفعل اولا ثم يعقبه حديث المطر بأشكاله المرسومة وهيأته المندفعة .

لقد وجد الشعراء في هذه الصور الثلاث ملازمة واحدة صاخبة اسهمت فيها المظاهر الطبيعية اتفاقا فنيا مقبولا وعملا شعريا متلازما اتحدت فيه اندفاعات المطر وهي تقع فوق الربع .

هل كانت الامطار وحدها كافية لتصفية الاثر ؟ لا ولهذا كانت الريح تعاونها في النحت وتقف معها في ازالة المعالم لذا استملوا الافعال (لعبت – ارب – تعاور) وكثيرا ما يحاول الشعراء ان يجعلوا للريح اصواتا كأصوات الحنين لتسهم في ايجاد الصورة المجسدة وايضاح الابعاد[25] الموحية في جعل الصورة متحركة من جهة وملونة صارخة من جهة اخرى ولاجل ان اثبت العلاقة الجدلية بين هذه الصور اخترت صورة لامريء القيس في ديوانه:

ديمة هطلاء فيها وطف   طبق الارض تجري وتدور

تخرج الودق اذا ما اشحذت     وتواريه اذا ما تشتكر

ساعة ثم انتامها وابل     ساقط الاكناف واه منهمر

راح تمريه الصبا ثم انتحى     فيه شؤبوب جنوب منفجر

لقد اجتمعت الصور ثلاثتها فكان الشاعر فرحا بها تلك الفرحة التي تزينت بها الاشجار وتوالت الامطار فما رد الفعل من الشاعر الا ان ينطلق بفرسه يمتع البصر والفؤاد بالطبيعة الرائعة، وهل يفضل الشاعر واحدة منها .. نعم ان المطر خير عطاء لابد منه ولكن هل يأتي دون الريح والبرق ؟

 

هــ - ما وسيلة الشاعر لاستخدام الصور ومناقضتها:

1-   ان الشاعر حين يستوحي الانواء لا يجعل منه مجرد مراة تعكس الظاهرة بما فيها من نشاط وحركة واضطراب فهو ليس مجرد شاعر وصاف وانما هو شاعر يعبر عن حياة كاملة لصنف خاص من الناس لهم لونهم المعين .. لذلك يبقى يتغنى بالمطر وان وصف السحاب هو احتفال بالحياة القادمة .

2-   في البرق خفقان لقلب الشاعر وفي الغيث سقي لعطشه وصوت الرعد صوت لاهدار ابله لهذا شبه ذلك احد الهذليين:

يجشن رعدا كهدر الفحل تتبعه   ادم تعطف حول الفحل ضحصماح

3-   لم يجعل الشاعر حديث المطر موضوعا منفردا بما قبله وانما يتصل بالصورتين الباقيتين ويبقى يتابع مشهد لوحته يقظا لا مرثيا الالفاظ لاجلها بل هو احساس بالطبيعة العليا والسفلى فما يأتي من السماء تلتقي به مكملات الارض فيتكلم عن الطير والظباء وربما الضفادع وهو يجمع شمل الطبيعة المتفرقة، مثل قول ابي ذؤيب الهذلي:

امنك برق ابيت الليل ارقبه   كأنه في عراض الشام مصباح

رأيت واهلي بوادي الرجيع   في ارض قيلة برقا مليحا[26]

4-   هذه التناقضات في اوقات سقوط المطر وهبوب الريح (ريح السموم – ريح الصبا) قد لا تدوم الا لايام معدودات ولا تهطل الامطار الا في مواسم معدودة .. هذه الوسائل تزيد الجاهلي حركة ورحلة من مكانه .

5-   رد الفعل الذي يملكه في صراعه مع الطبيعة بما يمتلك من وسائل عندما يبرق البرق ويبعث اصواتا من الرعد ترهب نفسه بقوة اعظم من قوتها فيخرج متحديا هذه الظواهر بالناقة التعبة والفرس الجامح والكلاب الهاجمة .. لانها متيسرات في حياته لتحدي الطبيعة .

 

الباب الثاني:

أ‌-       علاقة الصور الثلاث بالحيوان:

اذا وجد المطر وحركته الريح واثبته البرق فهل تخلو الارض من المستفيد الاول منه .. الانسان والحيوان، فقد ارى ان الانسان له كل شيء في الحياة فاترك علاقته مع الصور لأنها علاقة معقدة وطويلة واختار الحيوان .

1-   التلاحم بين الشاعر والناقة والمطر والناقة لقد اخرجها الشاعر وهي ترعى نشوانة مع ولدها بعد استقرار المطر وبزوغ الشمس وخصب الارض واخرجها بصورة اخرى تبتعد عن ولدها في شتات الرعي ووضع في نفس الوقت من يترصد حركاتها ثم يصور عقدتها في ظلمة حالكة بدخول الليل عليها وتساقط الامطار فقضت ليلها المظلم وسط هطول الامطار وهي تستظل باغصان الشجر اتقاء البرد والمطر، قول الاعشى:

يعلو طريقة متنها متواتر   في ليلة كفر النجوم غمامها

تجتاف اصلا قالصا قنيذا     بعجوب اتقاء يميل هيامها

و يحاول ان يدلل من خلال تلك العلاقة باجتماع ضياع ولدها وظلمة الليل وشدة المطر وتكالب الاعداء .

2-   الظليم والنعامة: فالظليم هو ذكر النعامة وقد يصف الشاعر صورة مع ما يرتبط مهما من علاقة ففي قصته عنهما يصف الطبيعة الخصبة وخروج النعامة للرعي ويوشك النهار على الرحيل ويدخل المساء فتغرم على العودة، كما في وصف علقمة الفحل:

حتى تذكر بيضات وهيجه       يوم رذاذ عليه الريح مغيوم

3-   يصور امرئ القيس حصانه مباريا للريح اطراف الجهات:

يجول بافاق البلاد مغربا وتسحقه ريح الصبا كل مسحق

و قول المرار بن منقذ:

و اذا نحن حمصنا بدنه     وعصرناه فعقب وخصر

يؤلف الشد على الشد كما     حفش الوابل غيث مبكر

 

4-   وهناك تشبيهات جديرة بالذكر تركز على علاقة الصور بالحيوان منها:

أ‌-       تشبيه السحاب بالابل واختيار البارك منها في قول ابي ذؤيب:

كأن ثقال المزن بين تضارع     وسامة برك من جذام السبيج

سقى ام عمرو كل اخر ليلة     حناتم سود ماؤهن شجيج

ب‌-تشبيه الرعد بالفحل .. قول ابي ذؤيب:

يجيش رعدا كهدر الفحل تتبعه     ادم تعطف حول الفحل فخصاح

ج- وصف السرب مع الغيمة كقول لبيد:

فافرع في الرباب يقود بلقا     مجوفة تذب عن السخال

د- علاقة الرباب بالحبش (الحمير) في قول امرئ القيس:

يضيء ربابه في المزن حبشا     قياما بالحراب وبالاءلال

هـ - وصف وثبات وحوافر الناقة بالسحاب عند امرئ القيس:

لها وثبات كصوب السحاب     فؤاد خطاء رواد مطر

و – اعطاء صفة الانوثة الى الغيمة قول عنترة:

جارت عليه كل بكر حرة     فتركن كل قرارة كالدرهم

ز – اعطاء بعض صور وجه المرأة الى السحابة قول قيس بن الحظيم:

تبدت لنا كالشمس تحت غمامة     بدا حاجب منها وضنت بحاجب

ح – تشبيه مشي الاسد برشاش المطر عند قيس بن الحظيم:

اتت عصبة للاوس تخطر بالقنا   كمشي الاسود في رشاش الاهاضب

ط – سرعة مشي الناقة بالريح عند ابي قيس بن الاسلت:

كأن اطراف ولياتها     في شمأل حصاء زعزاع

ي – وصف ذيل الحيوان واستعارة من الريح في قول ابي ذؤيب الهذلي:

فعنت ذيول الريح بعد عليهما   والدهر يحصد ريبه ما يزرع

ك – استعارة زحف الحيوان الى السحاب كقول محمد بن كعب الغنوي:

سقى كل ذكر جاءنا من مؤمل     على النأي زحاف السحاب مسكوب

ل – تشبيه حركة البقرة بالبرق الليلي البارز بين ظلمه كقول عمرو بن احمر:

ثم استمرت كبرق الليل وانحسرت   عنها الشقائق من تيهان والظفر

م – اعطاء الريح مناكب كأنها بقرة عند تميم بن ابي مقبل:

هيف هزوج الضحا سهو مناكبها   يكسونها بالعشيات العثانينا

ن – اعطاء الرامسات من الريح ذيلا عند النابغة:

كأن مجر الرامسات ذيولها   عليه حصير نمقته الصوانع

و مثله يفعل عبد الله بن سلمة:

و كأنما جر الروامس ذيلها    في صحنها المعفو ذيل عروس

مما تقدم قد رأينا الشاعر الجاهلي يربط علاقات الصور الثلاث الريح، البرق، المطر بحركة الجزء المكمل لها الحيوان فالعلاقة ليست جدلية بين الصور لوحدها وحسب بل بينها ايضا وبين الحيوان ..

 

صورة امرئ القيس ..

من خلال رحلتي مع ديوان امرئ القيس المتكون من 34 قصيدة والمتكون من 637 بيت من الشعر فقد وجدت فقط تسعة وعشرين بيتا في وصف الريح والبرق والمطر وقد تخلو بعض القصائد من تلك الصور وربما ضاعت تلك الابيات التي تحملها ..

و اذا شئنا الدقة والتحليل والتعليل فان الطبيعة المصدر الاول الثابت امام الشاعر اذا ما تغيرت المصادر الاخرى كالمرأة والناقة والدار ووجد البديل عنها .

يلجأ الشاعر الى الطبيعة وهو يحمل الخوف والحزن والفرح ويزاوج بينها بعد التأمل وبث الاحزان والاشجان فيصبح مفتونا بها ويستعمل لغتها ويصفها حية لما عليها من حيوان ونبات وكل جزء منها يعطيه قيمة كبيرة فالحيوان يكنيه، كالأسد (ابا الحارث) والثعلب (ابا الحصين) والفرس (ابا مضاء) والنعامة (ام وئام) والصور يعطيها تسمياتها ودرجات قوتها وشدة لحظاتها كما رأينا تسميات الريح العديدة ومثلها المطر .

و السؤال الذي نسأله هل افرد الشاعر الجاهلي في وصف الطبيعة قصائد خاصة ؟ والجواب لا بالتأكيد لانه عرض تلك الصور في ثنايا قصائده فقد يرعد الرعد ويبرق البرق وتهمي السماء وتغضب الريح فيصف هذه اللوحات المباشرة التي الهمته ايحاءا رائعا جادت معه قريحته فوصف حتى عدد البرقات فكأنه متهيء لحسابها فيقول رباب – وابل وقطر مع اللحظة المناسبة في ولادة قصيدته فلماذا ما كانت الكلمة واحدة ولماذا الريح السموم – الشمال – الصبا – الصيف ... ؟

ان هذه الصور اوحت لامرؤ القيس بالشعور بالعنف والقسوة فلعله يفجر السحابة المثقلة ويطش بها جفاف الارض (فيأتي المطر غامرا في بلاد عريضة وارض اريضته)[27]

و امرئ القيس وصاف الطبيعة الاول في الشعر الجاهلي ! كيف تعامل مع هذه الصور وكيف نظر اليها – فهناك عشرات الآراء قيلت تختلف في كل رأي منها في تفاعله الذاتي مع الصور واستطيع ان اذكر في هذا البحث دقة تفاعله معها:

1-   الغيث: جعله كريما قويا نبيلا يناصر الضعفاء ويهدد الاقوياء ويبطش بالفاتكين فقد لف الجبل واغرق الوحش ..

راح تمريه الصبا ثم انتحى   فيه شؤبوب جنوب منفجر

2-   صورة لهو وعلامة ترف عند الشاعر في مشاريع صيده وفروسيته فهو يبحث عن متحد قوي يناصره على غلبته من قتله ابيه، فقد سيطرت الطبيعة عليه تماما ولو لا غزله الفاحش ولهوه ووصفه لسميناه شاعر الطبيعة .

3-   لم يستعمل الطبيعة وسيلة للمديح مثل زهير بن ابي سلمى وقد يؤكد حسين عطوان (ان الشعر الجاهلي يزخر بقطع يصف فيها الشعراء مناظر الصيد ومن ابدعها واروعها صور امرئ القيس)[28]

4-   لم يصف الطبيعة بشكل تجريدي كما اشار الدكتور شوقي ضيف (اجاد بوصف الطبيعة المتحركة بما فيها من خيل وحش والطبيعة الصامتة بما فيها من امطار وسيول)[29]

اذن برزت عند الشاعر طبيعتان الجامدة والمتحركة ولم يقصد الشاعر بوصف الطبيعة بقدر ما ارادها وسيلة يشرح من خلالها قضيته من خلال التلاعب باشكال تلك الصور فيعمل على تضخيم السحاب بالكثافة وتشبيه برقة السماء بخطفة الاعداء الذين برقوا على قومه فخطفوا الابصار بسرعتهم ووصف حبائل الامطار التي فاض بها المكان .

و قد تحمل كل واحدة منها دلالة وترتبط بعلاقة جدلية مع بعضها فمثلما تقف نسمة الريح مغيرة للمناخ ومسببة حركة الارض ونزول الغيث فقد تنعكس ضدها قيم المدح والفخر والكرم لانها ثابتة لا تتغير في السراء والضراء ..

ان هذه الصور تضغط على الشاعر بدون انفراد وهي انماط تصويرية تعطي ايحاءات فلسفية مدركها ان الانسان البدائي نتاج مباشر للظواهر تلك جسما وروحا بل ان الطبيعة مصدر الوعي وينبوعه وللايضاح بدقة نقول ان الطبيعة مهما صغرت لا قوة لتغييرها بيد الانسان فهل وقف المناخ العربي مع الصحراء المجدبة نقيضا والقحط يهلك الحرث والنسل وتساقط الامطار بشكل كثيف يهلكها ايضا ... ولهذا انفردت الصفات لكل منها فصفة التراكم للسحاب والغزارة للمطر والقوة للريح .[30]

5-   شبه امريء القيس حركة البرق بمصابيح الرهبان ..

اصاح ترى برقا اريك وميضه     كلمع اليدين في حبي مكلل

يضيء سناه او مصابيح راهب     امال السبيط بالذبال المفتل

6-   شبه امرئ القيس نزول المطر بنزول التاجر اليماني وشبه ضروب النبات الناشئة من المطر بصنوف الثياب التي نشرها التاجر ..[31]

و القى بصحراء الغبيط بعاعة     نزول اليماني ذي العياب المحمل

7-   شبه امرئ القيس من المطر رجلا كبيرا سيد اناس قد تلفف بكساء مخطط ..

كأن ثبيرا في عرانين وبله     كبير اناس في بجاد مزمل

8-   كان من الشعراء الذين عنوا عناية فائقة بالصور الثلاث وصورها تصويرا بارعا، ومن هذه الابداعات:

1-   ارقت لبرق بليل اهل   يضيء سناه باعلى الجبل

2-   اصاح ترى برقا كأن ومضه   كلمع اليدين في حبي مكلل

3-   كأن ابانا في افانين ودقه   كبير اناس في بجاد مزمل

4-   راح تمريه الصبا ثم انتحى   فيه شؤبوب جنوب منفجر

9-   ابرز ما في وصف امرئ القيس الحصان والصور الثلاث، فقد اعطى للحصان العربي صفات ثبتت مع القصيدة طوال حياتها وللمطاردة والصيد جزءا من هذا الوصف، والوصف الثاني وصف الامطار وان وصف للامطار ليس عن البعد لانه يخرج الى الصيد [32]، ويريد بهذه العلاقة ان يربط بين المطر والحصان:

- وغيث من الوسمي حو تلاعه   تبطنته بشيظم صلتان

- وقد اغتدي والطير في وكناتها   لغيث من الوسمي رائده خال

- تحاماه اطراف الرياح تحاميا     وجاد عليه كل اسحم هطال

- وغيث كالوان الفنا قد هبطته   تعاور فيه كل اسحم حنان

و هو يرى بتفسير تلك العلاقة بين الفرس والصيد والمطر صلة واحدة)[33]

10- الالوان التي ركز فيها امرئ القيس وصف الصور وعلاقتها فقد كان السحاب اسحما مثل:

ديار لسلمى عافيات بذي خال   الح عليها كل اسحم هطال

و غيث كالوان الفنا قد هبطته     تعاون فيه كل اوطف حنان

11- صورة التناقض واحدة عند امرئ القيس مهب الريح والنار الشديدة:

و هبت له ريح بمختلف الصوا   حبا وشمأل في منازل قفال

12- اخذ المطر جسرا للاختفاء والوصول الى الهدف:

و بيت عذارى يوم رجف ولجته   يطفن بجباء المرافق مكسال

13- يجعل الريح متكلمة ويعطيها الصورة الادمية:

اذا ما جرى شأوين وابتل عطفه     تقول هزيز الريح مرت بأشاب

14- وصف حركة الحصان بحركة دفقة المطر:

و ولى كشؤبوب العشي بوابل   ويخرجن من جعد تراه منصبا

15- من يقدر ان يصف حركات السحاب والمطر غيره مما يشف عن نفس مثقلة بالأعباء بحث عن سعادة لا تجدها[34]

16- المطر عند امرئ القيس يكون رفيقا وليس مدمرا .. ويتفاءل معه بفرحته وهو ينطلق على فرسه:

فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى     بنا بطن ضعف ذي ركام عقنقل

اذا التفتت نحوي تضوع ريحها   نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

17- اي شاعر يجمع انواع المطر في بيت واحد غيره ؟

فمدمعها سكب وسح وديمة   ورش وتوكاف وتنهملان

فالديمة المطر الدائم والتوكاف القليل من المطر .

18- من يجمع بين البروق والمزن غيره ؟

تشيم بروق المزن اين مصابه   ولا شيء يشفي منك يا ابنة غزرا

19- يضيف الماء الى السحاب:

بماء سحاب زل عن متن صخرة   الى بطن اخرى طيب ماؤها خصر

20- ان المطر تلاقح مع الارض والمرأة هي الارض والرجل هو المطر[35] وهذا ما اراه في شعر امرئ القيس .

 

صورة عبيد بن الابرص ...

يسمونه استاذ امرئ القيس وتلميذه ولا اكاد اجد فرقا بينهما في محاكاة الطبيعة فقد عنى بها كلاهما واضافا لها موسيقى عذبة وحيوية رائعة فهما بحق يستحقان لقبي وصافي الطبيعة وشاعري الريح والبرق والمطر .

و مما يزيد هذه السطور تأكيدا قول الدكتور اياد عبد المجيد عندما اخترت مع امرئ القيس الشاعر علقمة الفحل فامرني ان اتركه واختار عبيد بن الابرص وكان اختياره صادقا .

و مما يؤيد هذا اكثر قول الدكتور سيد حنفي حسين: (لا يستطيع من ينظر في ديوان عبيد بن الابرص نظرة فاحصة محققة ان يعتقد ان كل ما جاء بهذا الديوان هو لعبيد)[36] .

فهناك علاقة فنية واضحة بين الشاعرين وليس هذا من العجب فكلاهما ولدا البيئة العربية والصحراء الواسعة والمجتمع الواخد .

فلو وصلنا من شعر عبيد شيء اكثر مما سجله الرواة لكان من المحتمل ان نكشف عن الاثر الذي تركه عبيد ونشعر ايضا بان الصور التي عبر بها عبيد من احاسيسه كانت مصدر الهام لأمرئ القيس مثل صورة وصف البرق التي يقول فيها عبيد:

صاح ترى برقا بت ارقبه     ذات العشاء في غمائم غر

و امرئ القيس يقول:

اصاح ترى برقا كأن وميضه   كلمع اليدين في حبي مكلل

و قد نجد عند الشاعرين مغامرات اخذت هذه الصور بتركيبها العميق ولكن امرئ القيس يوهب الصور ابداعا ودقة في التصوير فقد يصف عبيد السحب البيضاء الممطرة كأنها مصباح النبيط[37]، وامرئ القيس وصفها مصابيح الرهبان:

يضيء سناه او مصابيح راهب     اهان السليط في الذبال المفتل

و قد صدق ابن سلام عندما وصف عبيد بن الابرص: (من اقدم الفحول وقديم الذكر عظيم الشهرة يصف الهوادج بالوانها المزركشة وثيابها الفضفاضة المختلفة الانواع)[38] .

و لو اخذنا لاميته الرائعة التي يزجر بها نفسه عن البكاء في ديار حبيبته التي درست اثارها ولم يبق منها سوى نؤى بال ويعدد ما بدلها من رياح وسحب ومطر .. فهو كسير النفس ذاهب العقل [39]:

قد جرت الرياح بها ذيلها     عاما وجون مسبل هطال

حتى عفاها صيت رعده       راني النواصي مسبل وابل

فالجون سحاب متراكب والصيت هو الرعد والوابل المطر الشديد وقد نلحظ ان عبيد يهتم بالتقاليد التي نجدها عند امرئ القيس فهو يحصي في مقدمته الديار وما حدث بها من تغيير ويعطي للرياح صوتا حين تنحرف يقرأها في اسراب النعام فهو يشارك امرئ القيس في رسم المقدمة الطللية وبأجزائها ثم يعقب على بداية الرحلة:

امن منزل عاف ومن رسم اطلال   بكت وهل يبكي الشوق اقبالي

ديارهم اذ هم جميع فاصبحت     يسايس الا الوحش في البلد الخالي

و قد يقف عبيد مع وصف الثور ايضا ويسميه الشبب ولكنه يصفه اضعف من الريح في قوله:

او شبب يحفر الرخامي     تلفه شمأل وهبوب

و رغم ان صور الريح والبرق والمطر قليلة في البائية التي اشتهر بها فهو يذكر تلك الصور في قصائد اخرى بعمق ودلالة .

 

مقارنة بين الصورتين:

1-   صور امرئ القيس اقدر من غيرها على اختزان الشحنات العاطفية وبثها في روح المتلقي لانه يوظف لها الاحساس والخيال والعاطفة فتكتمل صورتها اكثر من عبيد .

2-   صورة امرئ القيس كانت تأتي مع ومضة المعنى لهذا كانت متينة في صرح القصيدة لهذا يقول يوسف خليف: (ان صوره طبيعية بسيطة غير معقدة) [40] اما صورة عبيد فاقل منها شأنا .

3-   عند الشاعرين اطلق الجدب جناحه في الطلل فطار بمراحل الطبيعة وصورها وهذا الانطفاء عندهما انهدام حضاري [41] .

4-   سيطرة الطبيعة على الشاعرين وان اخترنا ابا لها فهو امرئ القيس ومن بعده عبيد .

5-   كلاهما يعزفان من خلال الريح والبرق والمطر على اغاني الروح وترانيم الاسى .

6-   مغامرات امرئ القيس اكثر مما لعبيد فنراه قد ربط المشاهد مع حركته الكثيرة ولابد من خبرة المعايشة من ابداع .

7-   كلاهما يصوران وتبقى الدقة والتشخيص والابداع لأمرئ القيس اكثر من صاحبه .

8-   ان امرئ القيس شب في ديار بني اسد بالقرب من تيماء وان عبيد بن الابرص كان يعاصره [42] وقد اشتهر كل منهما بوصف المطر واحسانهما فيه .

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

.......................

[1]- الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام، ص39 .

[2]- الحيوان، ج4، ص466 .

[3]- المفضليات،ص206 .

[4]- المفضليات، ص206 .

[5]- العهد: اسم من اسماء المطر .

[6]- الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام، ص41 .

[7]- شعر الهذليين في العصرين، ص363 .

[8]- نفس المصدر، ص364 .

[9]- الزمن عند الشعراء، ص16 .

[10]- الجمهرة، ص845 .

[11]- شعر الهذليين في العصرين، ص .

[12]- الجمهرة، ص741 .

[13]- مر ذكره في شعر الهذليين، ص363.

[14]- الجمهرة، ص462 وما بعده .

[15]- الزمن عند الشعراء، ص218 .

[16]- الحياة والموت في الشعر الجاهلي، ص218 .

[17]- خصوبة القصيدة الجاهلية، ص85 .

[18]- ديوان لبيد، ص178، والمعلقات السبع للزوزني، ص248 .

[19]- خصوبة القصيدة الجاهلية، ص209 .

[20]- مقدمة القصيدة العربية، ص47 .

[21]- مقدمة القصيدة العربية، ص48 .

[22]- نفس المصدر .

[23]- ديوان امرئ القيس، ص24-25 .

[24]- الحياة والموت في الشعر الجاهلي، ص354 .

[25]- في الادب الجاهلي، ص150 .

[26]- شعر الهذليين، ص343 .

[27]- الاصول الفنية في الشعر الجاهلي، ص245 .

[28]- مقدمة القصيدة الجاهلية، ص179 .

[29]- العصر الجاهلي، ص256 .

[30]- الفروسية في الشعر الجاهلي، ص42 .

[31]- شرح المعلقات السبع، الزوزني، ص46-48 .

[32]- في الادب الجاهلي، ص257 .

[33]- نفس المصدر، ص258 .

[34]- الاصول الفنية في الشعر الجاهلي، ص224 .

[35]- رأي رائع طرحه الدكتور اياد عبد المجيد في المحاضرة 23/11/1993م .

[36]- الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية، ص53 .

[37]- النبيط: اولئك القوم الذين عرفهم الجاهليون يسكنون فلسطين وغالبا ما كانوا من المسيحيين .

[38]- طبقات فحول الشعراء، ص23 .

[39]- مقدمة القصيدة العربية، ص86 .

[40]- مقالات في الشعر الجاهلي، ص132 .

[41]- نفس المصدر .

[42]- العصر الجاهلي، ص248 .

غياب المفاهيم الجمالية عن النقد الأدبي

nabe  odaكيف يمكن تقييم حالتنا النقدية في العقدين الأخيرين؟

كانت رؤيتي ومازالت ان النقد يشبه الإبداع ويحركه ليس فقط ردُّ الفعل السلبي أو الإيجابي من قراءة النص، إنما الرؤية الثقافية الشاملة والمتكاملة التي تتفجّر تلقائيا وتتناول العلاقة الشرطية بين الإبداع بكل صياغته وجماليته والواقع الإنساني، وما عدا ذلك كل ما يكتب يقع في باب الإنشاء البسيط.

لم أجد في النقد الأدبي إلا أجوبة جزئية عن تساؤلاتي.. للأسف تحوّل معظم النقد إلى اتجاه انتقائي لا يعكس واقع ثقافتنا. تأويلات بعض النقاد لا علاقة لها بالمضمون الإنساني للنصوص الأدبية، يذهبون بعيدا خارج الثقافة لإيجاد تبريرات وتركيبات نقدية لا أراها ذات قيمة أو أهمية تذكر.. إلا نوعاً من تطبيق نظريات لم تنشأ أصلا في ثقافتنا، يحاول فيها الناقد تطبيقها على ثقافتنا التي تختلف في مبناها وتطورها عن النظريات المستوردة، والتي لم تنشأ الظروف الفكرية لتصبح ضمن مشاغلنا الثقافيةَ!!

لأكون أكثر وضوحا أقول إني مازلت أرى بمنهج مارون عبود النقدي، الأقرب والأكثر اندماجا مع أجواء ثقافتنا ومدلولاتها.

من ناحية أخرى يمكن القول، وبشكلٍ نسبيٍّ كبيرٍ، إن نقدنا لا يتعامل مع حركتنا الثقافية بتعدّد وجوهها الإبداعية، إنما بانتقائية لا تعبّر إلا بشكل جزئي عن ثقافتنا.

هل الناقد على اطّلاع على مجمل ما ينتج في ثقافتنا؟

أنا بقناعة كاملة ان هناك انقطاع جزئي كبير بين إبداعاتنا ونقدنا الأدبي.

في دراسة أكاديمية جديدة صدرت بطباعة "سوبر أنيقة" وجدت ان الناقد مازال عالقا بنسبة كبيرة من متابعته لأدبنا بسنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي، الذي يشكل معظم ما يتناوله ويبني عليه نظرياته النقدية (التي ينقلها عن الثقافة الغربية)، دون أي جهد ليطّلع على التحولات الكبيرة سلبا أو إيجابا في إبداعنا الأدبي الحديث. كنت أودُّ ألا أقول أني أكاد أكون واثقا انه لا يقرأ، الا القليل مما ينشر وبانتقائية لا تبريرَ لها لمن يدّعي انه يُقيم حركة ثقافية، يؤسفني ان أقول انه يجري تجاهلُ أسماء لها دورها ومكانتها، ولا أريد الإفصاح أكثر حتى لا أثير الظن بأن موضوعي شخصيٌّ، رغم انه من حقي ان أتساءل أيضا عن ذلك. طبعا ليس هذا ما يهمني بالمكان الأول، إنما يهمني أكثر ان يكون الناقد منصفا ومطّلعا بدون حواجز أقامها حوله متجاهلا مجمل إبداعنا وربما أهم وأبرز ما به، أقول هذا بلا تردُّد وقد يعتبرها البعض وقاحة... إن من يصمت هو أشبه بالسمكة الميتة التي تنجرف مع التيار!!

طبعا احترم الكتابات الثقافية حول الإصدارات الجديدة (ولا أراها نقدا) وأراها أقرب للتقارير الصحفية. لذلك أنبه إني أميز بين الدراسات النقدية وبين العرض الثقافي للإصدارات الجديدة..  

القضايا الثقافية لمجتمعنا الصغير، المجتمع العربي داخل إسرائيل، ولمجتمعنا الأكثر اتساعا، المجتمعات العربية... تلفت انتباهي واهتمامي من زوايا مختلفة، بصفتها مقياسا لتقدم المجتمع المدني أولاً، كقاعدة لا يمكن تجاهل دورها في الرقي الحضاري، الذي يشمل تطوير التعليم، القضاء على الأمية، تطوير اللغة لملاءمتها لعصر الحضارات والعلوم والتقنيات.. وبالطبع الإبداع الأدبي هو الجانب الروحي من حضارة المجتمعات البشرية... غيابه وركوده والفوضى التي تسود حقوله المختلفة، تشكل معياراً آخر لمستوى تقدمنا الاجتماعي والثقافي، أو تراجعنا.

العقل السوي المدرك يفهم ان المجتمعات البشرية تستهلك الثقافة بصفتها قيمة روحية تثري عالمها بجماليات مختلفة، تثري الإنسان على المستوى الشخصي، فكراً ومعرفة، توسع مداركه لحقائق الحياة، لأساليب بناء العلاقات الاجتماعية والتواصل الإنساني داخل المجتمع الواحد، بدل حالة التشرذم والعداء التي تسود للأسف الشديد مجتمعاتنا على قاعدة فكرية ودينية واثنيه، إلى جانب أنها تعمق وعيه الفلسفي والجمالي والأخلاقي حول مجمل القضايا المطروحة.

الثقافة بكل أشكالها الروحية (أي الإبداع الأدبي) والمادية (أي الإنتاج الصناعي والتقنيات والعلوم) كانت دائماً معياراً صحيحاً لتطور المجتمعات البشرية، ومازال المؤرخون يعتمدون الثقافات القديمة، كأداة لفهم طبيعة تلك المجتمعات ومدى رقيها وتطورها.

أشعر ببعض الامتعاض من بعض الكتابات التي تتعامل مع ثقافتنا من خارج الفكر الثقافي، تنحو نحو الكتابة دون اعتماد العقل والمنطق والقدرة على الربط بين النص والواقع وقدرة النص على ان يشكل قوة جذب وإضافة للقارئ.

هناك هوة غير قابلة للتجسير بين التشجيع، دون ان نثير الوهم بالإكتمال، وبين ادعاء النقد الذي يرتكب فيه الناقد خيانة لثقافته ولجمهور القراء. بكلمات أخرى يفقد شرعيته الثقافية.

حين نُغيّب العقل نُغيّب الفطنة، ونستبدلها بكليشيهات جاهزة، ملّها المتلقي (القارئ) وبالطبع في هذه الحالة يصبح الادعاء ان واقعنا الثقافي يشهد نهضة ثقافية وانتشارا واسعا للثقافة، نوع من السخرية السوداء.

مثلا قرأت قبل فترة رواية للكاتب والناقد الدكتور أفنان القاسم بعنوان "أبو بكر الآشي" (قرأت له أعمالا أخرى أيضا وهو يواصل نشر رواياته على صفحات "الحوار المتمدن") لكن تلك الرواية بشكل مميز سحرتني بأجوائها وتفاصيلها وتساءلت كيف لم تصل إلى القارئ العربي، هل هناك تعتيم على أسماء ما؟ أفنان القاسم كاتب فلسطيني مخضرم وله عشرات المؤلفات. لكني لم أجد ان القارئ أو نقاد الأدب العربي متنبّهون لأعماله الكثيرة والمميزة. هل المشكلة في أفنان نفسه أم بواقعنا الثقافي المغلق؟

"أبو بكر الآشي" (منشورة على شبكة الانترنت) من أجمل الروايات العربية وغير العربية التي قرأتها!!

عندما أقرأ نقدا يتناول مسائل هامشية تماما، مثلا كم مرة ذكر الكاتب كلمة حيفا في روايته، كم مرة ذكر كلمة سيارة، كم مرة ذكر كلمة تفاح، لا اعرف ما علاقة النقد الأدبي بذلك، ماذا يضيف لموضوع النقد (النص) أو للقارئ؟ ما هي الأهمية الإبداعية بتعداد الأمكنة التي تناولها الكاتب في نصه (رغم ان المضمون نفسه هو التعبير عن المكان). أو انه ذكر مكان ما ويندفع الناقد في تأويل ذكر المكان رغم ان المكان لم يلعب أي دور في النص القصصي، والمضحك انه يجعل من ذلك ثيمة خاصة للكاتب، رغم ان المكان لا أثر مميز له، على الأغلب... في المضمون القصصي موضوع نقده. لنفترض ان حدث ما جرى في الناصرة، لكنه يمكن ان يكون في حيفا أو سخنين أو ايلات دون ان يؤثر (أحيانا) على موضوع النص. السؤال ماذا أضاف المكان للنص، من يهم هذا الأمر؟ ما هو دوره في تقييم النص؟ هل تكرار الكاتب مثلا لذكر الساعة (الزمن) يغير من المضمون الانساني او الفني للنص؟

هناك نقّادٌ يحاولون تطبيق نظريات نقدية غربية على إنتاجنا الأدبي. لاحظت ذلك وامتنعت عن الكتابة عنهم وكنت متأكدا ان الناقد يكتب دون ان يثير النص لديه أي حاسة جمالية. هل حقا هم واعون إلى الفجوة بين مفاهيمنا الثقافية وتلك النظريات..؟

قرأت دراسة في الأيام الأخيرة تناولت موضوع "العنوان". ما الذي أعطته هذه الدراسة للكتاب وللقراء؟ العنوان هو نتاج النص وليس النص هو نتاج العنوان. ولا أرى ان العنوان يستحق مثل هذا الجهد رغم أهميته، أضعت يومين أو أكثر في قراءة كتاب نقدي لا اشك بقدرة مؤلفه، ولولا اسم الناقد ومكانته لما أتممتُ القراءة، من يخدم هذا النقد؟ صحيح ان ما لفت انتباهي أيضا إني كنت غائبا عن دراسته رغم يقيني اني أحد البارزين (والأبرز إطلاقا وأقولها بدون تردد وبدون تفاخر) في اختيار العناوين لقصصي. ولا أريد ان أقول ان نصوصي القصصية الجديدة أحدثت فيها نقلة كبيرة في الفكرة واللغة والتكنيك والنهاية عن الأسلوب الكلاسيكي (التقليدي) الذي يميز أكثرية قصصنا. بصراحة لا أرى ان العنوان يستحق الوقوف وإعداد دراسة تعتمد نظرية غربية لثقافة مختلفة بمضامينها واهتماماتها.

تأويل العناوين كان مناقضا للمفاهيم الثقافية الإبداعية التي بدأت تتشكل في وعيي وفلسفتي الثقافية عبر تجربتي الطويلة الممتدة منذ العام 1962 بلا توقف.. وهو ان إسناد العمل الأدبي لموضوع سياسي (وطني أو غير وطني)، هو إسناد يشوه العمل الأدبي. الأدب في تناوله للواقع هو تعامل إنساني وجمالي وليس سياسي أو أيديولوجي، كلنا تورطنا بمفاهيم "الواقعية الاشتراكية" في مرحلة هامة من نشاطنا الإبداعي، أعاق ذلك انطلاقتنا الفكرية والجمالية، مازالت آثار الفكر الدوغماتي الأدبي تسود الكثير من كتابات البعض وتفكيرهم.. أنا شخصيا تحررت من دوغماتية جعل الأدب خطابا سياسيا أو أيديولوجيا، عبرت إلى مفاهيم "أدب إنساني" و"أدب لا إنساني" وكل المدارس الأخرى يجب تصنيفها ضمن هذين الاتجاهين.. مثلا في قصة لي اسمها "الحاجز".. أول قصة إطلاقا كتبت عن انتفاضة الحجارة الفلسطينية... أرى اليوم جانبها الإنساني والفني بدون أي علاقة بالموضوع السياسي والصراع القومي.. هذا لا ينفي قوتها التعبيرية عن واقع إنساني قائم لكني لا أرى أهمية جعل العنوان تعبيرا أيديولوجيا، وكأن المحرك للإبداع الأدبي هو محرك سياسي أو وطني فقط.. هذا غير صحيح، المحرك دائما إنساني جمالي فني ومن هنا قوة العمل وقيمته، وإلا أصبح النص خطابا سياسيا فجّاً، وما أكثر القصص الفجّة التي كتبت عن الانتفاضة والاحتلال والقمع.. بتجاهل لأهمية فنية العمل وإنسانيته.

عندما يبدأ ناقد ما بتفسيره السياسي للإبداع يشوه القيمة الفنية، الجمالية، الأدبية والإنسانية للإبداع. لذلك العنوان رغم انه رمز لواقع سياسي والقصة تتناول واقعا سياسيا، إلا ان نجاح العمل الأدبي (القصة في حالتنا) هو مدى استيعاب الكاتب للجانب الإنساني، الجمالي والفني في بناء نصه وليس الخطاب السياسي الذي لا يختلف عن المقال، هنا يجب الفصل الكامل بين النص الإبداعي والمقال السياسي..

من هنا النقد الذي يجعل من دراسة العناوين هدفه الجوهري وتأويله سياسيا.. لا أراه إلا خطابا يفرغ الأعمال الأدبية من مضمونها الأهم.. جماليتها وفنيتها الصياغية!!

أنا لا أحيا في الثقافة الأوروبية، أتأثر بها بلا شك، ولا أرى أن نظرياتهم وتطبيقاتهم النقدية يمكن نقلها كما هي لتطبيقها على أدبنا.

مجتمعنا مازال يحبو وراء الحداثة التي انتقلوا في الغرب إلى مرحلتها الجديدة: "ما بعد الحداثة" ونحن مازلنا نطرح اصطلاح الحداثة بنصه وليس بمضمونه واصلا لم تنشا الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لتطور مفاهيم الحداثة في مجتمعاتنا القبلية، التي مازالت الماضوية هي أبرز وجوهها والقوة الدافعة لها إلى التخلف.

الحداثة ليست في الظاهرة الأدبية فقط، إنما هي ظاهرة حضارية تشمل مجمل الحياة الاجتماعية والعلمية والاقتصادية، وكم يضحكني استعمال مثقفين لهذا الاصطلاح بمفهومه الضيق جدا وكأنه مفهوم نشأ للأدب فقط.. متناسين أن الأدب هو انعكاس جمالي لمجمل الواقع الاجتماعي.

يبقى السؤال: أين نقدنا من ذلك؟؟  

 

نبيل عودة

حفريات في جماليات نص يستغرق حمولة الموروث الديني

51ahmad alshekhawi تفاحة على الشجرة للشاعر الليبي عاشور الطويبي

هو كذلك هذا الطراز النادر جدا من الشعراء حدّ تأمم أبراج الحكاية المعسولة إذ تدبّ في لبّها هموم العامة و تكتسح نسغها انشغالات أغلبية ساحقة تستبد بها هواجس صناعة قرارات لا تخطئ بعض الحظ في خطوها إلى مصير لا يراد لها بقدر ما تختاره هي بدافع ما تكتنز من قناعات ومبادئ راسخة و متجذّرة وعصية على أية ابتذال أو مساومة.

وتساميا على كلمة ضيقة تعافها النفوس أو تنافق وتجامل داخل حدود حيز نخبوي يهبّ ضدا لما قد تشتهي تطلعات الجماهير.

هو كذلك الشاعر الليبي المتمرس عاشور الطويبي الذي يأنف في مجمل منجزه ويأبى إلا أن يجذب ذهنية التلقي ويستقطبها إلى فراديس ما هو عذري محض ما بين البياض وحيثيات البوح.

وكأنما يتعمّد بشكل أو بآخر توريطنا في ما هو قائم الصلة والماهية بعوالم ما تسكت عنه الذات الشاعرة، منمّقة لنا ومُبهرجة طياتها وفحوى ما تحجب ظلال ما لم تقله مكتفية بما يشير ويدل عليه فقط.

في موسوعته النموذجية التي بين أيدينا، ألفي الرجل لا يتكلّف توجيهنا إلى البعض من شيفرات ولوج نطاق جمالي يأسر الذائقة ويصدم بمغامرة مقاربة مستويات طيفية لتجربة شعرية تعيش نخوة ونشوة قران فني، بينها، في انكفائها على احتمالات خبء الحقول الدلالية لشجرة شاعرنا المحرمة ــ مجازيا ــ وبين الحضور الصاعق والمكثف للرمز الديني.

 

1

فتى في الثالثة عشر من عمره:

حين يشتدّ به الأمرُ يحرّكُ شفتيه.

 

فتى لم يبلغ الحلم بعد:

جرّ بطرف لسانه أمّةً إلى آخر الأرض والسماء.

 

فتى في الثالثة عشر من عمره:

يروي ما رأى وما سمع.

 

فتى في الثالثة عشر من عمره:

خياله أجود من الريح المرسلة.

 

2

فتىً إصبعه نارٌ، ولسانه كتابٌ.

فتىً لا يعرف من أمور النساء شيئاً

وقال: النار أولى بهن.

 

3

فتىً قال:

نهيتم بكسر جراركم.

نهيتم ألاّ تخلطوا ماءً بتمرٍ أو زبيب.

 

4

عرفتُ أنها النخلة، لكني استحييت.*

إيّاك من شجر يسقط ورقه.

إيّاك من لسانٍ مربوط.

إيّاك من قلبٍ لا يرى.

إيّاك من وقتٍ لا يتقلّب.

 

في سياق معاناة حشوها عولمة الخطاب و عالمية التشكيل والرؤيا، يُجري صاحبنا على ألسنه زخما هاما من التراث الديني في شخص حبر الأمة وعالمها الأول ابن عباس، بغرض تحقيق إسقاطات تستهدف راهن الفوضى والعبثية المتلاعب بجيل يتحين فرص النجاة وملامح الخلاص وبالكاد يتهجّى أسباب انتشال ما لم تلطّخه بعد دماء الهزيمة.

تقنية كلامية تتفشى بمنأى عن المعيارية التحريضية المدمرة، كما تزين رحاب طقوس العودة إلى الذات قصد التصالح معها على نحو لا يخلو من استثارة الهمم وضخّ الحماسة في عروق راح يتيبّس كبرياؤها وتنقشع جذوة انتصافها للهوية والجذر الإنساني إجمالا.

أنّى لا تنتشي الذاكرة، بل وتركن إلى غيبوبة رافعة، في حضرة فتى مختلف تماما، في سن له مبكّرة جدا، باشرت بوادر نبوغه وحكمته الفياضة بالانبلاج.أنّى لا يحدث فوق وأرقى وأسمى مما هو من قبيل ذلك؟

فتى يقود الخيال إلى حيت تستنبت الأنامل واللسان شجرة العظمة المحرمة على النساء تحديدا، ليس إقصاء، بقدر ما المسألة أشبه بجناية محيلة على زلّة أمنا حواء كأصل وبذرة لامتهان الظاهرة برمتها.

تذيل المشهد نبرة متهكمة محذرة من أربع، شجر يرضى العري ولسان لا ينشد الحرية ويترنم بقيمتها وقلب أعمى وأخيرا وقت مقيم يسوم الكرامة حمئة وزقوم الثبات والموت على ذل وهوان الحال.

 

هذه فرجةٌ،

لا تصلح لخيطِ ضريرٍ!

بابها من طين

ترابها رطبٌ بماء الغُسل.

 

6

مازالت الشهقات معلّقة على سعف النخل.

 

7

ما دلّه عليه إلا أثر حوت في البحر.

ما الذي سيدلُّ عليّ؟!!

أمّي لم تضع في صرتها حجراً ولا ثريداً.

 

8

قال الفتى: لا أدري إن كنتُ قد مددتُ ردائي

ولا أدري إن غرف بيديه مرّة أو مرّتين!

أنا أدرى به وبما غرف قال الخليفة.

 

9

شيخٌ يصلي في كلّ وقتٍ وأنا على يساره أو يمينه.

 

10

الصلاة أمامَكَ*. ثم نزل فبال.

11

كنتُ أترك الماءَ في الخلاء.

 

12

لا يدري أحدكم أين باتت يده*.

 

13

لا تسلّم على من إزار عليه.

14

سيصعد الصراخُ كِسرة الجريد ويرتخي العذابُ في تراب القبر.

 

15

ما حاجتك إلى حائطٍ أو جدار؟!

 

رأيته بين رجلين تخطّ رجلاه الأرض*.

 

16

الإزاراتُ مرفوعةٌ فلا ترفعنّ رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً.

 

17

كنتُ أخرجُ معه إذا خرج، وأبقى معه إذا بقى.

أنام على يمينه أو على شماله.

وأفرح حين يضع يده على رأسي.

 

18

ويسجدون إذا سجد.

 

19

أهل كتاب وأهل وثن.

ادخل من بابهم.

اخرج من بابهم.

أهل كتاب وأهل وثن

يغنّون أغنية واحدة.

 

20

العطاء يبدأ من خمس.

الوقت يبدأ من خمس.

 

21

لك أن تأتي راكباً على بقرتك أو ناقتك

أو أن تطأك بأخفافها،

حولك أناسٌ جفّ ضرعهم وخرست منهم الألسنة.

لا تأت مولاك ببقرةٍ لها خوار.

 

22

كنتُ أمسح عنّي الرحضاء وأقابل عين الشمس*.

آكلة الخضراء أنا!

 

23

لا خيار لك يا عبدُ

ولاؤك لمن ملكك وولاؤك لمن اعتقك*.

 

24

هذا عنبرٌ قد دسره البحر*

عنبرٌ بلّله الماء يرقد الآن على الشطّ!

 

25

مبارك أنت يا وادي

شققت طريقك ليسيل ماؤك.

على ضفتيك وقفت سكينة ترنو لنخل في آخر البستان.

ضحكت حين تذكرت أنها تتأوه من متعة وتصهل.

 

26

لا سقاية اليوم.

يجعلون أيديهم في الماء*.

مِلْ كي نقضي حاجتنا.

 

27

كم بيدك من حصى الوادي يا فتى؟!

ارمها واحدة واحدة

امسح من على قلبك العتمة.

28

أيّ بأسٍ على ميتٍ من غطاء رأسه.

قيل يبعتُ يُهِلُّ*.

 

29

طأطأ الثوب بيده

ثم قال لفتاه: صبّ الماء على رأسي ولا تراع!

 

30

عليك أن تغطيّ حالك على كلّ حال.

يتوالى تفاح شاعرنا في التدلي والبروز متقلبا بين غواية وأخرى أشهى وأطيب قطفا وطعما واستحواذا على العاطفة والفكر كليهما. ولما يشوك الإيقاع طوارئ التقطع والتبرقع، وتنجر لحمة النص إلى لعبة استئساد التشظي والصيغة الشذرية، يقتضب إقحام الحالة الإنسانية في ارتباطاتها بالرمز الديني، بغية لملمة المشهد واحتواء البياض وترك الكلمة لما قد تنبض به ما ورائيات اللون.

منظومة حكم تسربلها شاعرية من يستنطق خبايا النفس مخجلا كنه السؤال. منظومة حكم تتوافد فتمتزج وتتداخل مشكلة خلطة فسيفسائية أحوى و أستر لحال الفرجة وفرجة الحال.

 

31

كنتُ أحلم بأعوادٍ أجلس عليها أعلّم الناس.

 

32

بكت النخلة، فضمّها إليه حتى سكنت.

 

33

قال الفتى: الكتاب كلّه على ياء*.

 

34

قال الفتى: كاتبكم قد نعس*.

 

35

في شيخوختي لم تعد عيناي تعرفان الوقت.

أُرسلُ رجلاً يخبرني

مجيء الفجر وغروب الشمس*.

هي حصاتي أدفع بها إلى البحر

يأخذ من أنينها ما يأخذ

وأنام على وسادة فارغة من الحكايا.

 

36

لقد أذكرني ما اسقطتُّ من آيات*.

 

37

ماذا نفعل إذن؟!

أهل كتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم*.

 

38

كانوا يحرّقون أقواماً لأنهم لم يتبعوهم*.

لو كنتُ أنا لقتلتهم بشيء ليس فيه من النار شيء.

 

39

قال لي صاحبي: وضعت سيفي في بطنه ثم تحاملت عليه حتى قرع العظم وأتيتُ سلّماً لهم*.

هكذا قتل رجلاً لم يعرفه.

 

40

كان يوم خميس حين أوصى بثلاث.

ذكرت اثنتين ونسيت الثالثة*.

كان يوم خميس حين أوصى ثلاث!

 

41

ابن صيّاد، قالوا هو وليس هو.

ابن صيّاد أنا، وصافٍ قميصه.

ليت أمّه لم توقظه، كان بيّن قال الرسول*!

يأتيني صادق وكاذب.

لم أبلغ الحلم، وهم يقسمون أني هو

كنتُ سأختار معك أيّ شجرة تصلح لنعلّق عليها نفسينا.

غير أنّك مضيت إلى أبعد من حمّى عابرة أو قيظ قيلولة ساخنة.

 

42

لا رجوع بعد سجود.

 

43

الصلاة رداء الخائف.

 

44

حيٌّ أنت إن جاءتك الريح من مشرق الأرض

وميت أنت إن جاءتك الريح من مغرب.

 

45

الخائف ذلك النهار أكثر من الواقفين خارج البيت!

كانت صغيرة كرّمانة حين غطست الشمس في المدى الكئيب.

كانت أقدامهم الخشنة تحفر في الأرض حُفراً رآها الذين مرّوا وبطونهم خاوية.

كان صليل السيوف يسمع من بعيد وهي ما زالت في أغمادها.

كانت الأرض تدور على ألف قلب وكان البحر خيط دخان في البيداء المقفرة.

 

46

الآن حلّوا أوكية القرب لقد حان العهد.

 

47

لقد اختلط ريقه بريقي *

وسقط السواك المبتلّ حين سقطت اليد*

 

48

حدّثني من فيه إلى فيّ*

 

49

كنتُ أعلم أنّ وراء كلّ حائط رجل يوحى إليه.

"هكذا لا ينقطع اللحن ولا تتعب الراقصات." قال وعيناه نصف مغمضتين.

 

50

الحجارة لم تنقطع عن الصلاة.

هل ترى ذلك الوادي؟

كان شريداً، آواه ذلك الجبل!

51

هل ترى ذلك الكثيب؟

كان حبّة رمل حين وُضع الكرسيّ على الماء!

هل ترى ذلك الفتى؟

كان رديف حبيبته ذات ليلة كالحة!

هل ترى ذلك النسيم؟

كان بحّة مجروحة في فم الأغنية!

هل ترى ذلك الطائر؟

كان وشماً بارزاً في نهد الأرض!

هل ترى يدي هذه؟

كانت تفاحةً في تلك الشجرة!

 

أذهب أبعد مما تقدّم وأزعم أن هيكلة القصيدة اعتمادا على المشتقّ من صحيح مسلم، منحها قيمة مضافة وجنّبها دهاليز التيه والتخبط في دهاليز استسهال الشعر المنثور وبالتالي التدحرج إلى قفص ما يشوّه الذائقة ويفسدها.

وتأتي الوحدة الأخيرة كعصارة ــ تقريبا ــ لما أغرت به تابوهات النص، المتلقي كطرف تشاركي تفاعلي تمتد به العملية الإبداعية حدّ تبني أسلوب جمالي مغاير لا يفتقر البتة إلى المغزى المعرفي الأجدر بخلخلة السائد وقلب موازينه والتأثير إيجابا في عقلية ومناحي حياة كل من تحاصره اللحظة الرمادية بإكراهاتها ومفارقاتها وتناقضاتها.

 

أحمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي

المنتج الرحلي وثنائية الفني والمعرفي .. رحلة: الرياحين الوردية للمكي الناصري أنموذجا

1mohamad shadadalharak- أدب الرحلة ومسألة التجنيس: لقد أثير نقاش طويل وسجال علمي كبير بين النقاد حول مسألة تجنيس نص الرحلة، وحول مدى امتلاكه للخاصية الأدبية التي تخول له الانضمام إلى حظيرة الأجناس الأدبية. كما ظهرت مواقف نقدية تدعو إلى ضرورة إنصاف هذا النوع من الكتابة والتأليف ليحتل موقعا معترفا به ضمن الفنون الأدبية. وإذا كانت الدراسات الأولى1 التي اهتمت بأدب الرحلة قد اكتفت باستعراض الحمولة العلمية والأدبية والإتنوغرافية في النص الرحلي، دونما تركيز على مسألة التجنيس، ودونما تحديد الخصائص والمميزات التي تميز نصوص الرحلة عن غيرها من الفنون.فإن الدراسات المعاصرة2 المتسلحة بالمناهج النقدية الحديثة ؛السردية والسيميائية تحاول الإتيان بما لم تستطعه الدراسات السابقة. وتعمل على تبني الرحلة كخطاب مستقل عن بقية الخطابات الأدبية الأخرى. وهكذا صرنا نقرأ في العديد من الأبحاث والدراسات عن أدبية الرحلة باعتبارها جنسا أدبيا، له كيانه الفني، وله عالمه النصي الذي يفرض الاعتراف به. وزيادة في تمتيع الرحلة بالاستقلالية التامة، يحاول بعض الباحثين مراجعة عبارة "أدب الرحلة" باعتبارها عبارة تكرس فهما مسيئا لهوية هذا الجنس الأدبي. لأن في ربط الرحلة بالمعيارية الأدبية السائدة إساءة لهذا الفن. وكأنه لا يستطيع أن يمتلك هوية أدبية إلا بهذه المعيارية، بدليل أن هذا الإسناد لا نجده مع باقي الأجناس الأدبية، فلا نقول أدب الشعر أو أدب القصة. ولهذا وجب الإقتناع التام بكون الرحلة جنسا أدبيا قائم الذات استنادا إلى تراكم كمي وكيفي ميزه عن غيره من النصوص3.

لقد استطاع أدب الرحلة فرض وجوده الأدبي، وتمكن من اكتساب هويته الخاصة التي منحته موقعا معترفا به ضمن الأجناس الأدبية، إلى درجة أصبح معها انتماء الرحلة إلى حقل الأدب مسلّمة ثابتة لا تحتاج إلى دليل. فبالرغم من ارتباط هذا النوع الأدبي بالأدب الجغرافي وبالكتابة التوثيقية التسجيلية، فقد أثبت أنه خلق أدبي يزحف إلى كل المجالات، ويسير في كل الاتجاهات، وينفتح على كل الخطابات، ويذيب الحدود مع الفنون الأخرى ويزخر بكم هائل من الظواهر الخطابية المختلفة.فهو غني بالمضامين الإتنوغرافية المتنوعة التي تعتبر المادة القاعدية الأساس في الدراسات الأنتربولوجية والسوسيولوجية، ويجمع بين ثنايا نصوصه مختلف المعارف وركاما هاما وزاخرا من المواد التاريخية والعلمية والثقافية والدينية والأدبية، وكل ما يفيد في استجلاء العديد من الحقائق المنسية، وكل ما يساعد على إضاءة الكثير من المساحات المعتمة والبؤر المظلمة في التاريخ السياسي والثقافي لكثير من المجتمعات البشرية. وتلتقي هذه المواد المختلفة وتتداخل هذه الخطابات المتنوعة، وتنصهر وتتلاحم لتشكل التركيب العضوي لنص الرحلة. وإلى جانب هذا كله، تتمتع نصوص الرحلة بنصيب أدبي وفني وافر، وبقدرات سردية عالية، بحيث تميل مضامينها إلى المحتوى السردي الفني،كما تناظر مقوماتها وآلياتها السردية الأدوات الفنية التي يستعين بها الخطاب السردي في بناء كيانه الجمالي.ولهذا لم يكن الرحالة ناقلا بسيطا للواقع أو ساردا ساذجا للأخبار، وإنما كان متلقيا متذوقا لكل تلقياته ومنتجا للمواقف والرؤى والأحكام والانطباعات . تبرز شخصيته الأدبية بقوة من خلال التوظيف الموفق للأسلوب القصصي،ومن خلال الاستخدام الدقيق لكل الأدوات التي يستعين بها الأدباء في صياغة نصوصهم السردية، من سرد ووصف واعتناء بالفضاء وبالشخوص، ومن تنظيم ذكي للمادة الحكائية، وتوضيب دقيق لشريط الأحداث بشكل يضمن للنص السردي التشويق والجاذبية، ويوفر للقارئ اللذة و المتعة الذهنية.

 

2- الرياحين الوردية في الرحلة المراكشية4: المتن وصاحبه

كان محمد المكي بن موسى الناصري5- بحكم أسفاره الكثيرة ورحلاته المتنوعة عبر ربوع المغرب- من بين العلماء والأدباء القلائل الذين اعتنوا بتسجيل أحداث رحلاتهم ووقائع أسفارهم الداخلية. وتعد مساهمته في هذا المجال أحد الأعمال العلمية والأدبية الطريفة في سجل الرحلات المغربية، خاصة وأنها من صنف الرحلات الداخلية القليلة في تراث المغاربة6.فهي تعطينا صورة مفصلة عن الواقع المغربي بمختلف مكوناته الطبيعية والبشرية والثقافية. وتقدم لنا مادة أتنوغرافيا مفيدة في الكشف عن العديد من الحقائق المتعلقة بمكونات المجتمع المغربي وبأحوال الناس وطباعهم وانشغالاتهم في القرن الثاني عشر الهجري. وهذا النص الرحلي يمكن إدراجه ضمن الرحلات الزيارية التي يعرفها الأستاذ محمد الفاسي، بقوله : "هي التي يقصد صاحبها من سفره زيارة أضرحة الأنبياء والأولياء ومشاهدهم، وذكر فضائلهم وكراماتهم. والرحلات المؤلفة في هذا الموضوع من أهم المصادر عن تاريخ الحياة الدينية والحركة الصوفية"7

أما مؤلفها فهو الأديب والعالم والمؤرخ محمد بن موسى بن محمد الناصري،الملقب (بالمكي) ، من أعلام القرن الثاني عشر الهجري/18م، توفي بعد 1184هـ. أحد الرموز العلمية المنتمية للبيت الناصري العريق، وصاحب تجربة تأليفية وإبداعية غنية ومتنوعة. تمحورت جهوده حول المجال الدرعي بشكل عام، وحول التراث الناصري على وجه الخصوص. إذ انبرى دون غيره من أبناء الزاوية إلى خدمة تراثها العلمي والأدبي جمعا وتدوينا وتوثيقا وتأريخا وترجمة وشرحا وتصنيفا.

وكانت أول تجربة للرحلة بالنسبة للمكي الناصري، في سنة (1147)8، حيث قصد مدينة مراكش لزيارة ضريح الشيخ محمد بن سعيد المرغيثي (ت : 1089) وضريح الشيح أبي بكر يوسف السجتاني (ت : 1063). وباستثناء هذا النشاط، فإننا لا نملك تفاصيل هذه الرحلة ولا معرفة بغاياتها الحقيقية. ولعل المكي الناصري، في هذه السنة، لم يكن قد خطط بعد لمشروعه العلمي، ولم تكن معالم شخصيته العلمية قد برزت أو تشكلت ملامحها الأولى.

إلا أن سنة (1149) كانت هي المحك الحقيقي الذي صقل مواهب هذه الشخصية، وحدد ملامحها وطموحاتها، ففي هذه السنة خطط الناصري لرحلته الثانية إلى مراكش، وحدد أهدافها ومقاصدها، وسجل تفاصيلها وأحداثها، ووصف الوقائع والمشاهد والمناظر، وذكر الرجال والمساجد والمجالس والمعالم و الآثار، فكانت بحق رحلة متميزة، تمخض عنها عمله الرحلي (الرياحين الوردية في الرحلة المراكشية).

ولاشك في أن الاقتراب من عالم هذه الرحلة سيمكننا من التفاعل مع خصائص الخطاب الرحلي ومع آليات الكتابة التاريخية والأدبية عند هذا الأديب المغربي الذي بدأت الدراسات الجامعية تلتفت إلى أعماله التأليفية والإبداعية الدالة على عمق تكوينه المعرفي وعلى تنوع مشاركته الثقافية وعلى أصالة مشروعه العلمي .

وإن مقاربة هذه الرحلة الغنية بالإحالات المتنوعة تقتضي الوقوف عند أنواع الخطاب التي يتشكل بها نسيجها المعرفي والأدبي، والتي تمنحها سلطة الوثيقة الحاملة لحقائق مثيرة عن خبايا الواقع المغربي وعن بعض الظواهر الاجتماعية والثقافية التي شهدها القرن الثاني عشر. والجدير بالذكر أن هذه الرحلة تبدو مستعصية على التصنيف. فهي ظاهريا رحلة صوفية زيارية، لكنها في واقع الأمر نص منفتح على قضايا معرفية ودينية وأدبية جغرافية واجتماعية. وهذا ما يستدعي استراتيجية خاصة في المقاربة النقدية لهذا المتن الرحلي المتعدد الواجهات والمضامين. "فالرياحين الوردية" تمتنع أن تكون دليلا سياحيا جامدا، كما ترفض أن تكون استطلاعا تسجيليا أو تقريرا بانوراميا محايدا، بدليل أن حضور صاحبها يتخلل كل المرويات ويتابع كل التسجيلات والملاحظات. فقد ظل الناصري طيلة عملتي الارتحال والتدوين حاضر الذهن، دقيق الملاحظة، شديد الحساسية، يلتفت إلى أدق التفاصيل، ويتدخل في كل المشاهدات والوقائع. كما أن ذائقته الأدبية الناقدة كانت حاضرة بقوة من خلال عمل الوصف والتوثيق وفعل الرواية واستعراض النصوص النثرية والشعرية.

ولهذا وجب الانتقال إلى مستوى مساءلة هذا المتن الرحلي وتفكيك خطاباته المتعددة والمتداخلة ودراسة مادته الدسمة والمتشعبة من أجل الوصول إلى ملامسة الحدود الفاصلة بين محتواه الأتنوغرافي والسوسيولوجي وبين حمولته الأدبية لضبط جمالية التأليف وفنية الصياغة والسرد، باعتبار النص الرحلي عملا إبداعيا متكاملا، يتقاطع فيه الخيال بالواقع، وتتفاعل فيه الحساسية الفنية مع فضول البحث الاستقرائي الميداني.

 

3- تقاطع الخطابات في "الرياحين الوردية"

تقدم لنا "الرياحين الوردية في الرحلة المراكشية" أنموذجا إبداعيا يمتلك كل المؤهلات الفنية التي تجعله ينضم إلى جنس أدب الرحلة. كما تقدم لنا صورة عن شخصية ثقافية مغربية مهووسة بالسفر ومسكونة بحب الجمال وعاشقة للعلم والمعرفة والفن. كما أن هذه الرحلة تكشف عن تجربة أدبية متميزة في مجال إنتاج الرحلات الداخلية. وهي من التجارب الإبداعية القليلة في تراثنا الرحلي. إنها تجربة واعية رسمت صورة شاملة للمجتمع المغربي في إحدى فترات التاريخ/القرن 12 الهجري-18م، ووضعت الأصبع على الكثير من الاختلالات الاجتماعية والثقافية والسلوكية، وكشفت النقاب وألقت الضوء على العديد من الوقائع والأحداث والحقائق التي ظلت حينا من الدهر مجهولة متوارية. كما أماطت الحجاب عن زاد علمي وركام معرفي وأدبي زاخر مكث زمنا طويلا في منطقة الظل نسيا منسيا مهملا. وقد ساهم الأديب الرحالة محمد المكي بن موسى الناصري (ت بعد1184) بهذا الإنجاز في ملء بعض الفراغات المعرفية، وفي تقديم خدمة جليلة للدرس العلمي وإضافة نوعية للخزانة المغربية.

إن نص الرحلة- باعتباره خطابا أدبيا- لديه القابلية للاستجابة لكل القراءات النقدية الساعية إلى دراسة بنية العمل الفني، والهادفة إلى تحليل مكوناته الجمالية، دونما إغفال لمقاصده ورسائله أو إقصاء لحمولته الفكرية والعلمية والأدبية. ويفرض متن هذه الرحلة على قارئه النظر إليها من زاويتين متكاملين لا تلغي إحداهما الأخرى. وذلك وفاء لخصوصية هذا المتن أولا، وإخلاصا لفلسفة صاحبه الذي يحمل- من خلال هذا الإنجاز- رسالة ثقافية وحضارية في عصره، تجاوزت منطق الفن من أجل الفن . وهو الأمر الذي يوجه كل دارس يسعى إلى الخوض في دراسة المتن الرحلي، أو يهدف إلى بيان غنى هذا الجنس الأدبي وثرائه من حيث محتواه الإتنوغرافي والأدبي، وكذا من حيث كونه عالما إبداعيا ينقل القارئ من مستوى الوعي بالواقع المادي إلى مستوى تذوق الفن السردي والانصهار مع أجوائه وطقوسه ومكوناته الجمالية. وفي كل ذلك كانت "الرياحين الوردية" تستجيب وتتفاعل مع كل قراءة، وتقدم للباحث إمكانيات لمقاربتها وتحليلها سعيا وراء اكتشاف المعرفة الكامنة في أغوارها، وبحثا عن عناصر الفن والجمال المشكلة لخطابها.

تتميز تجربة الناصري في الإنتاج الرحلي بالخصائص التالية:

- إن الرياحين الوردية من النصوص القليلة في تراثنا الأدبي التي اعتنت بالرحلة الداخلية، فهي عمل علمي/أدبي يستحق العناية والاهتمام، بعدما تنكرت العديد من كتب الرحلة لتراث المغرب ولتاريخه ولثقافة أهله، وهي النصوص التي حظيت - من قبل الدارسين- بأكثر من اهتمام وإشادة.

- الرياحين الوردية وثيقة إتنوغرافية توفر للبحث الأنتربولوجي والسوسيولوجي مادة غنية ومتنوعة، تساعد الباحث في استجلاء الكثير من القضايا الاجتماعية والثقافية والدينية، وتقدم تشريحا دقيقا للبنية الذهنية السائدة في المجتمع المغربي خلال القرن الثاني عشر الهجري/18م.

- الرياحين الوردية نص إبداعي يحوي كل عناصر الكتابة السردية، بأسلوب مشوق وبأدوات فنية متنوعة، تتقاطع فيه الخطابات وتنصهر في لحمة واندماج لبناء الكيان الفني لهذا العمل الأدبي. وبذلك استطاعت هذه الرحلة أن تكسب معركة الانتساب إلى مملكة الأجناس الأدبية باستحقاق لا يحتاج إلى إثبات. ولهذا تحتاج الرحلة إلى دراسة جوانبها الشكلية والأسلوبية، التي عادة ما تتميز بها النصوص السردية، على اعتبار أن النص الرحلي منتج سردي كذلك، يتمحور حول بنية أساسية هي بنية السفر. وهي المدار الذي دارت حوله العملية السردية من بداية النص إلى نهايته. وخلال عملية السرد تنتصب صورة البطل وهو يلبس أكثر من ثوب، ويضع أكثر من قناع. كما يبرز صوت قوي ومهيمن ،هو صوت السارد الذي يتبادل الأدوار مع البطل، ويستعير منه شخصيته وملامح هويته، ويتحرك لسانه ونظره مع حركة البطل في المكان الرحلي، لينجز وظائف عديدة تقرب نص الرحلة من المتلقي وتدفعه إلى تلقي هذا العمل والتواصل معه كخطاب أدبي.

- الرياحين الوردية خزانة لفنون الأدب الرفيع ومستودع للأخبار والأشعار والطرائف والاستطرادات. تتضمن زادا أدبيا وفيرا ونصوصا شعرية نادرة. وهذا المحتوى الأدبي يجعلها شبه كتاب في المختارات الأدبية، تحقق الإفادة لقارئها كما تحقق له الإمتاع. وقد جاءت مادتها الأدبية متفاعلة ومتحاورة مع مادتها الإخبارية والجغرافية والدينية. ففي متن هذه الرحلة يتحمّل الرصيد العلمي الوثائقي مادة الأدب بمختلف فنونه، ويتحاور الجمال مع المعرفة في تفاعل وتكامل، ويتعايشان معا في تناغم وانسجام تامين.

- تعكس الرياحين الوردية ميول مؤلفها واهتماماته، وتدل على برنامجه العلمي، وترسم صورة ناصعة لشخصيته الثقافية ولمختلف الروافد التي ساهمت في تكوينه. فهذا العمل التأليفي هو جزء من مشروع علمي كبير اضطلع به الأديب الناصري لخدمة تراث المغاربة، وللتعريف برجالات العلم والأدب والتصوف الذين استوطنوا البوادي والحواضر، ولازموا الزوايا والمساجد والخلوات. ولهذا أعتبر هذه الرحلة إضافة نوعية في المشروع التوثيقي والتأريخي للمكي الناصري، ألقت الضوء على الكثير من المواقع العلمية والأسماء الثقافية التي أهملتها كتب التاريخ والتراجم.

- تضم الرياحين الوردية العديد من الرسائل التنبيهية والنقدية الهامة والتي تعكس حساسية صاحبها، وتدل على وعيه بواقعه القائم والممكن، وتؤشر لمدى تفاعله الإيجابي مع الظواهر الثقافية والاجتماعية والدينية. حيث نجد الناصري يمارس النقد السياسي والاجتماعي والديني، ويوجه خطابات لاذعة للمنحرفين من الصوفية، ويستنكر ما اعترى الجسم الصوفي من بدع وضلالات شوّهت صورته السنية الأصيلة التي تربى عليها في زاويته. كما نجده يستنكر مستوى التردي الثقافي والانحطاط الفكري في واقعه، ويرسم صورة بائسة للبنية الذهنية السائدة في بعض المجتمعات التي يسود فيها الجمود الثقافي ويهيمن التحجر على عقول الناس، ويسيطر الانحراف العقدي والسلوكي وكل مظاهر التخلف.  

 

د.محمد شداد الحراق

.........................ز

هوامش

1- مثل: شوقي ضيف:الرحلات، وعثمان موافي:لون من أدب الرحلات.وحسين محمد فهيم:أدب الرحلات.وجورج غريب:أدب الرحلة وتاريخه وأعلامه.وفؤاد قنديل:أدب الرحلة في التراث العربي.

2- أنظر دراسة ،عبد الرحيم المودن:أدبية الرحلة،دار الثقافة،1996.

3- عبد الرحيم المودن:رحلة أدبية أم أدبية الرحلة.

4- تحتفظ الخزانة المغربية بنسختين خطيتين من هذه الرحلة ، هما :

1 / ـ نسخة المكتبة الوطنية : 1864 / د، أول مجموع، وهي النسخة التي كتبها المؤلف نفسه، وتحمل خطه، ولاشك أنها كتبت عقب إنجازه لرحلته عمليا. والظاهر أن مجموع 1864/د، هو عبارة عن كناشة خاصة لمحمد المكي، تتضمن كتابيه: البرق الماطر والرياحين الوردية وطائفة من أشعاره ومقيداته. تبتدئ الرحلة من الصفحة : (5)، وتنتهي بـ ص : (147) وهي من الحجم المتوسط.

2 / ـ نسخة المكتبة الوطنية: 88 / ج، أول مجموع، وتاريخ نسخها هو 17 ربيع الثاني (1345)، واسم ناسخها هو محمد بن عبد الله المراكشي وتبتدئ من ص (1) وتنتهي بـ ص (83)، من الحجم الكبير.

وقد كان تحقيق هذه الر حلة محور أطروحة جامعية بعنوان : الرياحين الوردية في الرحلة المراكشية: محمد المكي بن موسى الناصري دراسة وتحقيق: بشرى وجيت،كلية الآداب: الرباط 2013

5 - تنظر ترجمته في :أبو القاسم العميري ،فهرسة العميري مخ خ الحسنية 560،ص:99. محمد بن عبد الله الخليفتي الدرة الجليلة في محاسن الخليفة.. تحقيق :أحمد عمالك ،رسالة جامعية مرقونة كلية الآداب ،الرباط ص:174. ابن إبراهيم، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ترجمة رقم:750،ج6/65-97.محمد شداد الحراق: محمد المكي بن ناصر الدرعي: تراثه العلمي والأدبي..تصنيف ودراسة:رسالة جامعية مرقونة ،كلية الآداب ،تطوان.1998.الأسرة العلمية الناصرية في خدمة تراث البادية، الفصل الأول دار الوطن للطباعة والنشر الرباط 2015

6 ـ لا تحتفظ الخزانة المغربية إلا بثماني رحلات داخلية.

7 ـ مقدمة تحقيق رحلة "الإكسيرفي فكاك الأسير"، لابن عثمان المكناسي،تحقيق محمد الفاسي،منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي الرباط 1965 ، ص : (د).

8 - انظر :الناصري،محمد المكي، الروض الزاهر في التعريف بابن حسين وأتباعه الأكابر،مخ خ الحسنية 11861/ز ، ص : 196.  

 

ذاكرة المكان في نص "مرت بجانبي"

ahmad alshekhawiمن رخويات الكلام ألا تنافس الفكرة في عدا ما يقدمها مغلفة بالمعنى القريب جدا من الأذهان، لا أقول العصي، بل المتمنع وزئبقي المنال لكنه في الوقت ذاته،يمتلك قابلية الاشتعال ليثمل الجوارح والذائقة ويغذي وينير العقل، لدى أدنى احتكاك تأويلي يروم استنباط الشعرية الكامنة وقد هذبها اختمار التجربة وعتّقها الوعي العميق بالمعاناة.

حين يمتزج الدم بالفعل الإبداعي ويزبد وجع المكان حدّ التمكين للذات من شتى ألوان التحول في توا شجه مع الطقوس الخاضعة لهيمنة ذاكرة المكان.

هي فذلكة تنزلق بالمتلقي إلى مقاربة صوت نسوي مغربي واعد،ألفت صاحبته أن تتحفنا بسهلها الممتنع وتأسرنا بما يفضح صمتها داخل غرف البوح المتضوع بسحر بلاغة العاطفة الصادقة والحس الإنساني الجياش وبمنظومة ما به تنبض ما ورائيات البياض عموما.

هي كذلك شاعرتنا الرقيقة بثينة هيلالي كريران، وهي تذهب في قليل كلامها المستحوذ على حيز الحماسة الرصينة وغير المندفعة، بالمقدار الصانع من الذات الإبداعية فوق ما يدهش ويميط أقنعة المشهد على هامة إرباكية ذات ميزة وخصوصية تغشى أطوار التلقي وتغدو ظلالا له وذاكرة حية مقيمة في عبور المكان.

 

تحمل الحياة بداخلها..

سيدة لا استطيع القول

أنها جميلة أو العكس

لم أنظر إلى وجهها

و أتملى قامتها

لكن رونق ما تحمل

يتطلع إلي بعينين مغمضتين

عينان لم تعلمهما الحياة

أن لهما أدوارا أخرى

غير النظر والرؤيا..

هذه لوحة مغيبة، هنا لحظة اقتناص تفاصيلها المحيلة على حقول دلالية عدة، التوقيع على لذاذة ما تقترح من صور ومظاهر للألم المكبوت في عناقه الكوني للحلم كبوابة للمضي قدما دونما التفات واهم إلى ما يعطل عجلة إنشاد الأفضل.

عوالم يشي بسيط القول أنها غامضة وتعج بالأسرار، علما أن البصمة فيها لأنثى متمردة على المكان مقتنعة بلازمة تعشقه على حاله الجائر وفق ما يتيح سدّ فراغات مراوغة قد ينفذ من خللها كل زيف.

الظاهرة هنا سيدة مجهولة مهللة بما تحجبه قشور الرؤية وتكتنز به الأغوار الروحية من آي تثري الدستور المفترض التزود منه لمضاهاة تشعب أدوار الحياة في عدم الاكتفاء بما تمليه السذاجة والسطحية وتخطيهما إلى ما يكفل هتك ستار الرؤيا كذلك.

 

مرت بجانبي

في لا مبالاة الغرباء

لكنها تركت في

نفسي أثرا.

غريب بطعم البحر

في مساءات الأيام الماطرة

يجتاحك برائحته النفاذة

وصدق الحركة في أمواجه

بين مد وجزر

يعرف كل واحد منهما

حدوده وموعده

يأتي ويرحل في نعومة

حتى في أشد أوقات الغضب والهياج..

 

وكأن المطلوب بالتمام والكمال دوما، هو ذلكم العبور الذي لا يشبه إلا نفسه،و لا يقيم في غير جغرافية عبور ثان ينعى سابقه وينبعث من الرماد الأول، كشرط أساس مخوّل للذاكرة استئناف انتعاشها ومغالبة سائر نوبات الموت والتلاشي والاضمحلال.

ترك أثر تنسجه عضّات الشعر،بغرائبية وهلامية وتغضّب البحر على شاكلة مغرقة في سرد النقائص النفسية ومسرفة في استدعاء أسباب النسبية.

ذهبت وبقي طيفها..

رافقني ما بقي من النهار

لكني اعتذرت منه

ساعة النوم

فأنا لا أحب الغرباء

في نومي وأحلامي..

ذهب الطيف

و بقي أثره

متشبثا بجدار الذاكرة

في كل لحظة

يتسلقه إلى مكان أعمق..

وإذن... هو المغزى المستمد من قهر الفناء وسلطته وجبروته، والنهاية الحتمية التي لا مناص من ارتشاف مرارتها.

ثيمة العبور يسجله الرفض العلني والمطلق لتنصيب الطيف على المكان مهما اكتسح أعمارنا بنايات أبلغ إيلاما.

كون الأثر الفردوسي على وجه التحديد، يقوي ويزيد من صلابة جدار الذاكرة الشاهدة على تمرّغ الجسد في مستنقعات وجع يتعدد معلنا فشله أمام خلود الروح وإن تجردت من كل ما تملك وتدلّت على جهات العري.

 

أحمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي

الحبوبي بكأسه والجواهري بعريانته للوصول لابن زيدون وولّادته (3)

karem merzaانتصاراً للمرأة العربية: الحلقات الثلاث التي قدمناها هذه ومن قبل - للوصول إلى ابن زيدون وولاّدته، أي من امرئ القيس وفاطمته حتى الجواهري وعريانته كلّها كرمال لعيون الأميرة الولّادة بنت المستكفي ( ت 484 هـ - 1091م) حبيبة الوزير ابن زيدون التي كتبت في طراز جعلته في إحدى عاتقيها:

أنا والله أصلح للمعالـــــي **** وأمشي مشيتي وأتيه تيهاً

أمكن عاشقي من صحن خدي *** وأمنح قبلتي من يشتهيه

هكذا نحن نتذوق الجمال والرقة والإنسانية، ونمثل تراث أمتنا الخالد، ولغتنا الجميلة، لا من تآمر عليها مع الأعداء بلغة السيف والقتل والنهب والاغتصاب، وإننا لبرمصاد !!  

أمّا بعد: سنأخذ متنبي هذا العصر - كما يقال - الجواهري وغزله الفاضح، وتهتكه الواضح، ومجونه المازح،ولم أرَ شاعراً بلغ قمة الصراحة قي تهتكه مثل هذا الرجل الفاضح !!

الحقيقة الجواهري عاصر العالم والثائر والشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي خمس عشرة سنة من ولادة الجواهري نفسه (26 تموز 1899م) حتى وفاة السيد الحبوبي في (22 تشرين الثاني 1914م)، وفي هذه السنوات كانت النجف تعجّ وتمجُّ بالانتفاضات والثورات والتحرر الفكري، فالجدال محتدم ما بين المشروطة والمستبدة، والأنكليز على أبواب البصرة، ودخل (مودهم) بغداد، والطليان هجموا على ليبيا، وثار الثوار الليبيون، وعلماء النجف أفتوا بمناصرتهم والوقوف إلى جانب ثورتهم، والروس هجموا على إيران، وأفتى ملا كاظم الخراساني بمحاربتهم، وتهيأ للسفر شخصياً، فمات بشكل غامض ليلة السفر (1911م)، وأتُهِم الروس بتسميمه، فشرع شاعرنا يتشرب نسغ التمرد، والخروج على السالف السائد، ولاسيما سيدنا الحبوبي الذي أخذ شعره - وشعرعشرته المبشرة، وهو من ضمنهم، والشيخ عبد الحسين الجواهري والد جواهرينا منهم - يطفح بالغزل العذري الرقيق، والتشبيب الصارخ العميق، وحتى بالكأس الفارغة كالعقيق، اقرأ كيف يتغزل الحبوبي:

ياغزال الكرخ واوجدي عليك

كاد ســــــري فيـك أن يُنتَهكا

هذه الصهبآء والكـأسُ لديك

وغرامي في هــــواك إحتَنكا

فآسقني كأساً وخُذْ كأساً اليك

فلذيذ ُ العـيش أن نشــــــتركا

إترع الأقــــــداح راحـاً قرقفاً

فلمُاك العذبُ أحلـــى مرشفــا

وُحميا الكــــاس لمّــا صفقَتْ

أخذتْ تجــلى عروســاً بيـدَيه

خلتها فـــي ثغره قَــــد عُتـقتْ

زمناً واعتُصرتْ مـــن وجنتيه

السيد الحبوبي مع كل هذا الغزل، ووصفه للخمر أدق وصف، وأحسن من شاربيه، ولما سئل ؟ أجاب والله ما ذقتها !! جزماً لم يذقها، ولكنها إيحاءات شاعر شاعر، وفوق كل ذلك كان الحبوبي مقداماً جريئاً، وزعيماً دينياً، ومناضلاً عنيداً ضد الاحتلالين (العثماني والإنكليزي) حتى مات شهيداً على محراب صلاته في (معركة الشعيبه).

كان الحبوبي مثلاً أعلى للجواهري، وكذلك تأثر بغزل السيد جعفر الحلي وصهبائه، (توفي 1897 م قبل ولادة الجواهري بعامين) وغزله الرهيب، وصهبائه والعجيب، كل ذلك تأثر به الجواهري، ولكن خلي في بالك قول الحبوبي: (كاد ســــــري فيك أن يُنتَهكا) !! هو ماذا بقى يرحم والديك ؟!! وصف الخمر أكثر ممن شربها من السكارى الماجنين، وحاشا السيد الجليل، هذا هو الشعر، وإلهام الشعراء، ويلومون كاتب هذه السطور كيف يكتب عن الولّادة وعشيقها ابن زيدون !!، انتظروا رجاءً للأفظع من الشيخ الجواهري إبان منتصف عشرينات القرن الفائت، عندما كانت المرأة تلبس ثلاث عباءات !!، وأكرر القول يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره، لأن الخيال يمتزج بالواقع، ولا يوجد خيط رفيع للاتهام والبرهان، فبأي آلاء ربّكما تكذبان !!

ثلاث سنوات قضاها الجواهري في البلاط نظم فيها عشر قصائد مديح أو أكثر في حق صاحب الجلالة الفيصل الأول، وبقت ذكريات هذه السنوات عالقة في ذهنه حتى كلفته 180 صفحة من (ذكرياتي)، الجزء الأول، بل زادها مدحاً للملك حسين أواخر أيام حياته كضريبة حب وولاء للبيت الهاشمي.

جواهرينا طري القلب،رقيق الطبع، كئيب الوجه، حلو العشرة، سريع الغضب، حاد المزاج، علاقته مع النساء معقدة، عندما تطلّ عليه الكاعب الحسناء، يخرّ صريعاً من شدّة الإحساس، وتوهج الغريزة الجنسية العمياء، فيتوسم اللقاء،ليمتع نفسه باللذات كما يشاء، وعلى الدنيا العفاء، وإذا عزّ اللقاء، يتوسل بالرجاء !!:

جَرِّبِيني مِنْ قبل أنْ تَزْدَرِيني ***واذا ما ذَمَّمْتِيني فاهْجُريني

ويقيناً ستندمينَ عَلَى أنَّـ ***** ـــكِ مِنْ قبل كنتِ لمْ تعرفيِني

لاتَقِيسى عَلَى ملامحِ وجهِـــى****وتقاطيعِهِ جمـــيعَ شؤونِي

أنا لى في الحياةِ طبعٌ رقيقٌ**** يتنافَى ولونَ وجهِــيَ الحزينِ

أنا ضدُّ الجمهورِ في العيشِ والتَّفْـ ** ـكيرِ طُرّا وضدُّهُ في الدِّينِ

مَتِّعِيني قبلَ المماتِ فما يُــــدْ *****ـــريكُما بعدَهُ، وما يُدرينــي

اسمحي لي بقبلة تملكيني ****** ودعي لي الخيار في التعيين

قربيني من اللذاذة المسها ****** اريني بداعة التكويــــــــــــن

انزليني الي الحضيض اذا ما شئت ***** او فوق ربوة فضعيني

كل ما في الوجود من عقبات******* عن وصولي اليك لا يثنيني

إحمليني كالطفل بين ذراعيـ *******ــك احتضاناً ومثلــــه دلليني

وإذا ما سُئلت عني فقولــــــي******* ليــس بدعاً إغاثة المسكين

لست اُمّاً لكن بأمثال (هذا) ******* شـــاءت الأمهات أنْ تبتليـــني

(الطميني) إذا مجنت فعمداً *******أتحري المجـــــون كي تلطميني

العشق لا يأتي بالعافية والتوسل، والرجاء، والكلمات الحنونة، هو لقاء نفسي متكامل، يتبلور في لحظة ما عقبى نظرة، ابتسامة، كلمة، لمسة ...، وربما يأتي بالقسوة والرجولة، العنف،والملاحفة الجريئة حتى تستلهم المرأة معايير أخرى،تلتفت إليها وتستكين لها، وتستسلم تماماً لما خلقت إليه، فيدرك الرجل ما مقدار عظمتها، ودورها، وقدسيتها، فينهال عليها حناناً، ورعاية، وفداء، ولكن قصيدة الجواهري عبثية ثعلبية ماكرة، جاءت في عصر لا يمكن له أن يسلك معها إلا بلطم منها وتوسل إليها، وحضن أم يحميه !!! ومن قبله العفريت أبو نؤاس طلب من جارية إغاثة المسكين !!

شاعرنا لم تكن لديه وظيفة صاحب قرار، أو كلمة مسموعة في تسيير شؤون الدولة، وإنما مجرد حاجب يستلم الكتب الواردة، ويبعث بالصادرة، أو يجمع الأخبار من الصحف التي تغمر البلاط، ليقدمها لعلية القوم، وصاحب الجلالة، وكان سعيداً بهذا المنصب، وغاية ما وصل إليه هو مبعوث من البلاط إلى رجال الدين في النجف، وكانت أسرته الجواهرية لها منزلة دينية حوزوية رفيعة .

هذه القصيدة الـ (جربيني)، التي نظمها عام 1929م، وكان المجتمع العراقي حاله حال، ولا سيما الجواهري كان معمماً، و من عائلة دينية كبيره،ووالده وأعمامه من أقطابها، بل من أقطاب النجف الأشرف، أ ثارت القصيدة ضجة كبيرة، وأثار الملك مَن أثار، فبعث عليه وعاتبه عتاباً شديداً، فاستقال الجواهري من منصبه،وغادر البلاط قاسماً بالطارق والنجم الثاقب، ان يعود، ويضحي بألف ألف وظيفة في سبيل أن يعود، وقد عاد بعد ذلك عَوْداً بما لا يقل إن لم يزد على جربيني، فكانت النزغةعام 1930 م (راجع ذكرياتي ج 1 216)، وفي (نزغته)، لا تجد جربيني، وإغاثة المسكيني، والطميني، وبمثل هذا حضن الأمهات تبتليني، بل هجوماً وتهتكاً،وإصراراً وتحدياً، لا يطيل المساومة حتى يصل اللذة والانغماسة،، وعلى اسم الشيطان يأتي على نصيب غنيمته وانتهازه وافتراسه:

لم أُطل سومها وكنت متى****** يعجبني الشيء لا أطيل مكاسه

ثم كانت دعابة.. فمجون ********* فارتخاء.. فلذة.. فانغماسه

وعلي اسم الشيطان دست عضوضاً * ناتيْ الجنبتين، حلو المداسه

لبداً.. تنهل اللبانة مــــــنه *****لا بحزن ضرس.. ولا ذي دهاسه

وكان العبير في ضرم اللـــــذة ********يذكــــــــي بنفحةٍ أنفاسه

كأن الثقل المؤرجح بين الصدر****** والصدر.. يستطيب مراسه

وكأن (البديع) في روعة الأسلوب****** يملي(طباقه) و(جناسـه)

لك في هذه الحياة نصيـــــــــــبٌ ****** أغنمية انتهازه وافتراسه

تارة صاحبي يصفق كأســــــــي ****** وأنا تـــــــارة أصفق كاسه

لا (الحسين الخليع) يبلغ شأونا *****ولا (مسلم) ولا ذو (النواسه)

قال لي صاحبي الظريف وفي ** الكف ارتعاش وفي اللسان انحباسه

أين غادرت (عِمّةً) واحتفاظاً ***** قلت: إني طرحتها في الكُناسه

لا تعليق !! وإذا تريد أنت تعلّق علّق، أنا لا أمسكك، وما لي شغل !!

ثم ماذا ؟!! هذه الدنيا، وهذه سنة الله في خلقه، والتكامل ضرورة حياتية لاستمرارية البقاء، والملهم في لحظات ما قد يخترق الحواجز ليصل إلى الحقيقة، ولو أن الناس تراه ضرباً من الجنون، وهو قال ذلك تصريحاً لا تلميحاً:

ما أشد احتياجة الشاعر الحسّاس يوما لساعة من جنونِ

ماذا تريد من بعد هذا التهتك والغزل المفضوح، والمجون والجنون !! بقت لدينا (عريانته) التي نظمها في سنة 1932 م وتتضمن تصويراً حسياً رهيباً لجسد المرأة ومفاتنها من الصدر حتى الكعاب، كأنما يريد أن يطغي على ابن مدينته الشاعر العربي الشهيرأحمد الصافي النجفي القائل:

يا ليتني برغوثةٌ *** أدخل في ثيابها

ألثمها من رأسها *** لمنتهى كعابها

لكن هذه العموميات لا تشبع غريزة شيخنا الجواهري، انتظراً رجاءً، جاءت على ذهني فكرة !! معقول هؤلاء الشعراء عاصرونا، أو منهم من عاش وعاصر آباءنا وأجدادنا الصلبيين المعاصرين، كم كانوا يعشقون الإنسان ويقدرونه، ويسمون به للسماء حتى وضعوا هذه الخرائد والروائع في حقّه، كم تأملوا في خلق الله، وحسن صنعته، وتمام خلقه هذا هو الإنسان نفسه الذي نقتله اليوم برصاصة طائشة، أو نقطع رأسه بسيف رخيص، أو نغتصب عرضة فعلاً في لحظة هوسٍ وجنون، وننتهب كد عمره، وعرق جبينه في يوم لعين مجرم !!

دعنا - رحمك الله - لنبقى مع الجواهري العظيم، وهذه القصيدة العاهرة التي أخذت كل تلابيب عقله، ولحظات عبقريته، ومشاعر إنسانيته، وأحاسيس غريزته، ليرسم جسد امرأة وأنوثتها في لحظات ملهمة، ويجعل منها تحفة جمال سرمد، وصورة خيال مخلّد، كما خلد من قبل العبقري الخالد ابن الرومي وحيدة المغنية، فإليك - ما تيسر - إياها، والله ما أحلاها :

أنتِ تدرين أنني ذو لُبانَهْ الهوى يستثيرُ فيَّ المَجانَهْ

وقوافيَّ مثلَ حُسنك لمــــا تَتَعرَّينَ حـــــــرّةٌ عُريانة

وإذا الحبُّ ثار فيَّ فلا تَمْنَــــعُ أيُّ احتشـــامة ثوَرَانه

فلماذا تُحاولين بأنْ أعلــنَ ما يُنـــكِرُ الـورى إعــلانه

ولماذا تُهيِّجِين من الشاعِر أغفـــى إحساسُهُ، بركانه

لا تقولي تجهُّمٌ وانقباضٌ بُغَّضا منــــه وجهَــه ولسانه

فهما ثورةٌ على الدهر منّي كجَواد لا يرتضي مَيــــدانه

أنا في مجلسٍ يضمُّكِ نشوانُ ســـــروراً كأنني في حانه

رجفة لا تمسُّ ما بين رفْغَيْكِ وتُبقي الصدرَالجميلَ مكانه

والذراعَينَ كلُّ ريانةٍ فعمــــاءَ تَلْــــقى في فَعمةٍ رَيّــــــانه

والثُدِيَّيْنِ كلُّ رُمانة فرعــــــاءَ تَهـــــــــزا بأُختِها الرُمّانه

عاريا ظهرُك الرشيقُ تحبُ العيـــــــنُ منه اتساقَهُ واتزانه

ما به من نحافةٍ يُستَشَفُّ العظمُ منهــــــا ولا به من سَمانه

وتراه يجيء بين ظُهور الخُرَّدِ الغـــــــيدِ سابقاً أقرانــــــــه

عندما تبسمين فينا فتفترُّ الشـــــــفاهُ اللطــافُ عن أقحُوانه

إذ يحار الراؤون في حُسنك الفتّـــــــانِ بـل في ثيابك الفَتّانه

رُب جسمٍ تُطرى الملاحةُ فيــــــــــه ثم تَعدوه مُطرياً فُستانه

ليت شعري ما السرُّفي إن بدت للعَين جَهراً أعضاؤُكِ الحُسّانه

واختفى عضْوُك الذي مازَه الله عـــــــــلى كل ما لديك وزانه

الذي نال حُظوةً حُرِم الانســـــــــــــــانُ منها خُصَّت الإنسانه

وتمنّى على الطبيعة شَكلا هو مـــــــــــن خير ما يكونُ فكانه

جسمُك الغضُ مَنطقٌ يدحَض الحجّة لو لـــــم تُسَتِّري بُرهانه

ملءَ عيني رأيت منكِ مع الأخـــــــــرى غرامَ البَناتِ يا فتّانه

رشفةٌ قد حُرمْتُها منك باتت عند غـــــيري رخيصةً مُستَهانه

معها " بعتِ " خفةً ومُجونا ومعي " بِعتِ " عفّـــةً ورزَانه

لو كإتيان هذه لك آتي رجـــــــــــــــــــــــــــلاً لم تحبِّذي إتيانه

أتُريدين أن أقولَ لمن لـــــــــــــــــــــم يدر ما بينكُنَّ من إدمانه

فتيات الهوى استبحن مـــــــــــــــــن اللذات ما لم يُبِحنَه فتيانه

أعروسان في مكان وعِرِّيســــــــــــــــانِ كلٌ منهم يُخَلَّى وشانه

اللهم أنت جميل تحب الجمال، وهذا خلقك، وهذه سنتك، فمن لا يتلمس الجمال ويقدّسه، لا يفقه الإنسان ومعجزة إبداعه، ولا يتفهم معنى الإنسانية ويقدسها، وبالتالي لا يقدّس الله، وكافر بنعمته، اللهم أشهد !!!!

 

كريم مرزة الأسدي

 

تشكيل المشهد الاسطوري في الشعر العراقي الحديث

sadam alasadiاجد من نافلة القول ان اعرف الاسطورة (سرد قصصي مشوه للأحداث التاريخية، تعمد اليه المخيلة الشعبية فتبتدع الحكايات الدينية والقومية والفلسفية لتثير انتباه الجمهور، والاسطورة تعتمد عادة تقاليد العامة واحداثهم وحكاياتهم فتتخذ منها عنصرا اوليا ينمو مع الزمن بإضافات جديدة، حسب الرواة والبلدان، فتصبح غنية بالأخيلة والاحداث و العقد)، وقد تكون الاسطورة من صنع كاتب او شاعر معين ادرك العوامل المثيرة له واطلع على قواعد شعبية فتوسل بأسلوبه الخاص ليضع اسطورة ناجحة تصبح على مرور الزمن من الفولكلور المحلي او التراث الشعبي، ترددها الناس وتتخذها انموذجا للاختصار والاشارة، ولها وظيفة، (تمثيلية وتعليمية، اذ لا يتعدى استعمال الاسطورة كونه اسلوبا لتعمية المراد واخفائه بدلا من ان يكون وسيلة لشحن المعنى بالإمكانات والاسرار)، وقد يتساءل الكثيرون هل الاسطورة وليدة العصر الحديث، وربما لا تعني الاسطورة القديمة اليوم شيئا في نظر الرجل العادي ولا يحس باستجابة لها (و لكن الاسطورة عادت اليوم تحيا من جديد، حتى اصبح الانسان الحديث يرى ان معرفته متبلورة من هذه الاساطير القديمة)، والمعروف لدى الدارسين ان (الاسطورة تعود في نشأتها الى وعي الانسان البدائي العالمة، وقد كانت تكتنفه الاسرار المغلقة والمفاجآت العجيبة فاعتراه شعور الحيرة والدهشة وبلغ حد العجز، فلجأ الى خياله يستعينه في تفسير العوامل والاسباب التي تكمن وراء ظواهر الطبيعة)، ولعل التشكيل الاسطوري للطبيعة كان في مقدمة ذلك الادراك الذي شعر به الانسان وهو يتناول الطبيعة بوصفها زاخرة بالحياة والجدة والباعثة على دهشة طفولية، فلم تكن الطبيعة شيئا ساكنا بل حياة عاملة تفرح وتأسى، لذا استخدمت الطبيعة رموزا وقد استحوذت على اساطير القدماء مركزة على محورين الانفعالي والسحري المتعلقين بدلالات عاطفية تقف على حياة وقداسة وتبتعد عن التجريد ناظرين اليها دالة على القداسة بنظرة دينية صرفة، لذا (احتضنت الرموز الاسطورية عالم الانسان القديم واشبعت رغبته في تصور نشأة الكون وتفسير ظواهر الطبيعة على نحو سحري)، وقد اندمجت الطبيعة بالتشكيل الاسطوري بالألوهية، وقد كان الانسان القديم يفهمها على نحو انساني من حيث انها تفعل وتنفعل وقد تستجيب لرغباته او لا تستجيب، وهكذا تعلق الامر بأسطورة الطبيعة في الثقافة القديمة حيث تحولت الى خصائص جوهرية منها الاعتقاد في ان الحياة منبثة في الكون باسره ولا فرق في ذلك بين حيوان او نبات او حجار .

و منذ ان ادرك الانسان ان الطبيعة لم تعد تفهم لغته او تستجيب لشعائره وطقوسه، اخذ الطابع الاسطوري يضمر شيئا فشيئا، واتجه الانسان الى تفهم الطبيعة من خلال فلسفة تأملية واخرى تجريبية، واتخذ الفن والادب وسيلتين للتعبير عن تلك الاسطورة التي تعد مصدر الهام (فكم بين ايدينا من الاعمال الفنية والشعرية ما هو صياغة جديدة لاسطورة من الاساطير القديمة)، وما دام تراثنا العربي غنيا بالعطاء (لم يقتصر على الجانب الحقيقي او الواقعي، بل حاول ان يبتكر تراثا اسطوريا يوازن بين التراث الحقيقي في دلالاته) .

و هنا يحضرنا قول السياب شاهدا على صحة ما ذكرنا حيث اشار في مقابلة معه وقال (لعلي اول شاعر عربي معاصر بدأ باستعمال الاساطير ليتخذ منها رموزا، كان الدافع السياسي اول ما دفعني الى ذلك، فحين اردت مقاومة الحكم الملكي السعيدي بالشعر، اتخذت من الاساطير التي ما كان زبانية نوري السعيد ليفهمونها – ستارا لاغراضي تلك، كما اني استعملتها للغرض ذاته في عهد قاسم، ففي قصيدتي المسماة (سربروس في بابل) هجوت قاسما ونظامه ابشع هجاء في قصيدتي (مدينة السندباد) وقد علق الدكتور عيسى بلاطة على وظيفة الاسطورة وسمى هذا المفهوم ساذجا والذي نراه ان السياب قد نجح في استعمالها ونشرها بين معاصريه، واجاد في كتابتها بقصائد ناجحة قدمت رؤيا صادقة للحياة المعاصرة تتميز بالعفوية والصميمية والاخلاص، وقد اكد الدكتور عيسى بلاطة ذلك قائلا: (وجد السياب في الاساطير النماذج الازلية التي تجسد امال الانسان ومخاوفه فلاءم بينها وبين حال الانسان الحديث) ، وكان السياب يدرك بان الاساطير قديمة قدم الانسان ولكنه وجد فيها شيئا جديدا يثير عند الشاعر الالفة والدفء ليتخطى بهما العالم الحديث الذي لا يعطيه سوى علاقات متدهورة، والشاعر صاحب الموهبة التي بواسطتها (يخلق اساطيره الخاصة بما فيه من موهبة والهام او قوة تخيلية غير ان هذه القوة لن تعد تأتيه من شيطان او من ربة شعر او من السماء وانما تصدر من قرارة نفسه فذلك هو مركز الاسطورة وذلك هو اللاشعور) .

و ما دام الشعراء اصحاب تجارب ومواقف متنوعة فبواسطة الاسطورة ينقلون تجاربهم، قاصدين اهدافهم المعينة وفهم من يولع بالأسطورة حتى تمتلئ مجموعته الشعرية بالإشارات الكثيرة عنها مثال ذلك ديوان الشاعر عادل البياتي (ظل الفارس النحاسي) و(لو انبأني العراف) للشاعرة لميعة عباس عمارة، وقد عدت قضية الرمز والاسطورة (احدى الانجازات المهمة في القصيدة العراقية الحديثة) وقد ترتبط الاسطورة بالوعي الثقافي للشاعر الذي يركز فيه على قراءة التراث العربي فيستغل بعض الرموز الاسطورية ليلبسها حلة جديدة ويضيف اليها من قدرته وابداعه فيخرجها بألفاظ جديدة ومعاني معبرة يهبان القارئ متعة وفكرا خالصا، وقد اكد الشاعر يوسف الصائغ في رسالته (الشعر الحر في العراق) (ان اندفاع السياب الى الاسطورة جاء لمزاجه الشخصي المنفعل وميله الى الاجواء الغربية الشاذة)، ولعل الصائغ قد وضع حكمه هذا في وقت قريب من رحيل السياب، والا ماذا سيقول على الجيل الذي جاء بعد السياب، واصبحت الاسطورة عنده هما يوميا وتقليدا ثقافيا، كما سماها الدكتور محسن اطميش (الحمى الاسطورية)، ويراها الدكتور عبد الرضا علي (وسيلة لسد الفراغ)، ونرى هذا الرأي غير منصف للسياب فالأسطورة نغمة صدح بها الشعر العربي منذ السياب الى يومنا هذا وهي تحمل اسبابها التي دعت الشعراء الى هذا التوجه الاسطوري، ومن بين تلك الاسباب التظاهر بالثقافة والتدليل على سعة المعرفة، وتعد الاسطورة ايضا (فضيلة تميز الشاعر عن اقرانه)، زد على ذلك ما تأثر به الشعراء من ثقافة غريبة وافدة مع درايتهم بان (ادباء العالم من حوله قد تجاوزوا منطقة الاسطورة القديمة وما ينبثق عنها من رموز واخذوا ينادون بضرورة توجه الاديب الى عالمه الخاص ليخلق منه اسطورته) وكذلك لمواكبة التجديد ورد فعل للواقع المعاصر وخلق جسر بين الامس واليوم وهي (خيال خلاق تدل على امتلاك الشاعر للعنصر الغنائي وقدرته على صنع الاسطورة)، وان العنصر المهم في خلق الاساطير هو السعي للبحث عن السعادة ورفض التناقض الاجتماعي وهذا ما وجدناه في حديث السياب المار ذكره، وربما يؤدي التناقض لمعكوس مقبول مثلما اكتشف (دونييه) في اسطورته ان الموت في الحب وقد اشار ميخائيل امطانيوس قائلا: (في تجربة الانعزال الحضاري يلتقي الواقع بالأسطورة، والمعقول بالامعقول وتنفتح صحراء الرفض المتعالي في اقصى لحظات اليأس والتمزق لتجسيم صيرورة الايقاع المتوحد من خلال غنائية شفافة تنعطف على مناخات العقل البدائي واشياء العالم العفوية الصامتة والمتحركة)، لذا الح الشاعر العراقي على الرمز كتعبير فني وليس اخفاءاً وسترا لبعض المعاني، كما اراد السياب، وقد خلق الشاعر رموزه الخاصة بدلالات متنوعة وكثيرة ترتبط بالتاريخ والواقع مزواجا بينهما مستفيدا من بث الوعي من خلالهما وهو يسعى جاهدا لرسم مشهده الاسطوري بتشكيلات وانماط متنوعة ضمن منهج اسطوري (يجعل للشعر طابعا مميزا في باب المعارف الانسانية يميزه عن الفلسفة وعن العلوم التجريبية ويجعله شعرا) .

و قد يكون الرمز الاسطوري واحدا من اساليب او وسائل نباء الصورة الشعرية، بل اهم وسيلة فيها مع الرمز والتشبيه والوصف وتبادل المدركات الحسية، وبعد هذا التمهيد الموجز لابد وان نعرج على دراسة التشكيلات الاسطورية التي نود ان نقسمها الى قسمين

1- القسم الاول: تشكيلات اسطورية تحمل رموزها، مشيرة الى الذكور اولا، والاناث ثانيا ودلالة كل منهما ثم رموز الطبيعة والقبائل وكيف تفاعل معها الشعراء .

2- القسم الثاني: تشكيلات اسطورية تحمل عنصرا بنائيا لا يشير الى الاسطورة مباشرة .

 

القسم الاول:

أ‌- (رموز الذكور) الغربية .

1- تموز: دموز، ادونيس، من الرموز التي افاد منها الشعراء، وهو اله الخصب والنماء، ورمز الانبعاث من جديد، وقد ارتداه السياب قناعا قائلا:

و حين تنفست عند انحسار الليل عشتار

تنفض جرح تموز المدمى تغسل التربا

و جاءت قصائده تحمل عناوين تؤكد هذا الرمز منها، (تموز جيكور) وفيها تقمص السياب شخصية الاله البابلي تموز، ليحيل الاسطورة الى قضية معاصرة، كما اكد الباحث الثامري (و بذلك فان تموز جيكور يكون هو سياب جيكور وموت تموز وبعثه هو موت السياب وبعثه وظلت مفردة اسطورة، اساطير تتردد في شعر السياب دون مسميات فالقصيدة الاولى الخاصة بالأسطورة كتبها في 24/3/1948 سماها (اساطير) قال فيها السياب:

 

اساطير من حشرجات الزمان

نسيج اليد العالية

و يأتي تموز رمزا للخصب في قول الشاعر محمد جميل شلش:

تموز يا اله الخصب يا ينبوع فني

لك يا تموز يا شهر الشهور

و في غنائية الشاعر عبد المنعم الجادر لشط العرب والخليج العربي، يتخذ من تموز حاضرا يبشر بالمستقبل ...

يا عذارانا على صدر الخليج العربي

ان تموز لات

حلما اخضر ريان الروافد

2- الرمز الاسطوري سيزيف: ينسب اليه المحال والقوة وقد يختصر اسمه الشعراء (سيف) وكان الشاعر رشدي العامل من اكثر الشعراء تأكيدا على هذا الرمز، فعندما يسقط سيزيف يكون كل شيء قد رحل معه الى الابد

الموت خدرناه يا سيزيف فاعبر دون قبره

الموت قطرناه يا سيزيف في شفتيك خمرا

سيزيف قمطناك مولودا

و ارضعناك طفلا

و عندما يرفع سيزيف الصخرة وحيدا قال رشدي بالقصيدة نفسها :

شفتاك يا سيزيف بركان فكن للصخر ربا

كفاك يا سيزيف اشرعة تلوح في البحار

فاعبر الينا ليلنا المسحوق يحلم بالنهار

ان الشاعر يستنجد ويستغيث بسيزيف، لذا يريد منه ان يمنحه طفولته وابوته:

سيزيف ما انبلك

ما اظلم الدني وما اعدلك

سيزيف هبني ابا يضمني في المساء

سيزيف هبني وجه امي ميتا في العراء

سيزيف يا سيزيف هنا صمتك الابدي

و اكد الشاعر محمد جميل شلش على سيزيف قائلا:

ما اروع الانسان يرفع للعلاء

في صراعه الرهيب صخرة سيزيف

و قال ايضا:

ايها الشعب الذي يرفع للقمة

سيزيف الدماء الرافعة

ايها الصامد كالبحر بوجه العاصفة

و رمز الشاعر الى حزب البعث واصفا قوته كقوة سيزيف، والحزب قد غير الواقع العربي الى واقع جديد، انظر قوله:

يزرع الفجر على افاقنا

يبدع سيزيف جديدا

يقذف الشعب الى نهر المجرة

قدرا يسخر بالاقدار

بالموت يغني يالصخرة

كورت شمسا وتاريخا وفكرة

فهي في اعماق سيزيف بلادي

منجم يعمر صدره

و دم يذكي دم الاجيال ثورة

و رأى الشاعر راضي السيفي صورة سيزيف في السياب المتحدي وهو يحمل صخرته القصيدة بثقلها وقوتها ويصبح مجددا في عصره:

فهو سيزيف مزقت كتفيه وامانيه صخرة الاندحار

3- الرمز الاسطوري عوليس: لقد اخرج السياب هذا الرمز من دلالته القديمة الدالة على الجواب والمغترب واكسبها دلالة جديدة (المنقذ) وهنا يكمن اثر التشكيل الجديد للمشهد الاسطوري، فيلتقي الشاعر ببطله ويحاول ان يثير فيه همته ويحرضه على المغامرة

قال السياب:

هلم فماء شيني بانتظارك يحبس الانفاس

هلم فان وحشا فيه يحلم فيك دون الناس

و يخشى ان تفجر عينه الحمراء بالظلم

و ان كنوزه العذراء تسأل عن شراعك

خافق النسيم

و اشار الشاعر محفوظ داود سليمان في قصيدة (اسطورة) الى عوليس قائلا:

اين عوليس والزوارق غضبى ونداء المعاد للشطآن

4- الرمز الاسطوري بروميثيوس: وهو اله النار عند اليونان جبل من التراب، منحه انانا روحا اختطفها من الصاعقة فأثار السماء، فامر زفس ان يسمر على جبل القفقاس فيقتات عقاب من كبده، وكلما اكل منها تجددت، وقد حرره هرقل، قال الشاعر محمد جميل شلش مشيرا الى مشعل بروميثيوس:

صخرة سيزيف ومصباح ديوجين

و مشعل بروميثيوس صانع اللهب

و للشاعر عبد الامير الحصري في قصيدته (هجر القرار) دعوات تصاعدت للرمز الاسطوري قال:

دعوات تصاعدت لبروميثيوس حزنى من قبل مليون عام

لا صلاة الكهان تشبع بالطاعة للريح شهوة الانتقام

5- الرمز الاسطوري ديوجين: فيلسوف اليونان (327 ق م) احتقر الغنى والتقاليد والناس، قضى حياته في برميل، خرج يوما في منتصف النهار يحمل قنديلا وقال (انني ابحث عن رجل) وقد اشار الشاعر محمد جميل شلش اليه قائلا:

الى اخواني الشعراء

يا يدا ترفع مصباح ديوجين شعار

6- الرمز الاسطوري اوديسيوس: قال فيه السياب غاضبا من زوجه:

و لولا زوجتي ومزاجها الفوار لم تنهد اعصابي

و لم ترتد مثل الخيط رجلي دونما قوة

و لم يرتج ظهري فهو يسحبني الى هوه

و لا فارقت احبابي

و لا خلفت اوديسيوس يضرب في دجى الغاب

و تقذفه البحار الى سواها دونما مرسى

و قال الشاعر عباس الحساني ممثلا السياب بشخصيته اوديسيوس الغائب:

اليك يا جيكور اوديسيوس عاد

في رحلة طويلة الاماد

مخضب القدمين من شوك الهرم

و يحمل القربان يعركه الالم

7- الرمز الاسطوري هرقل: ليس من المعقول ان يكون هناك تفسير واحد لأسطورة هرقل التي حظيت باهتمام الكتاب والشعراء والفلاسفة منذ اقدم العصور الى يومنا هذا واتخذت كل مرة مفهوما جديدا يتلاءم مع قيم اهل هذا العصر او ذاك، وقد اشار الباحث د. احمد عثمان (ان اسطورة هيراقلس قد احتلت في نصوص ادب القرن العشرين الاوربي المكانة التي احتلتها اسطورة اوديب في نصوص القرن التاسع عشر) وقد وجدنا بان هيراكلس يعني (مجد هيرا) وقد طرد من مكان مقدس لدى هيرا واستبعد من طقس يقام لهذه الالهة، وهناك من يرى العكس (ان هيراقلس هو الذي اقام معبد هيرا في مدينة اسبارطة وكان هذا البطل يدعى ان زيوس) وهناك من يرى ان هيراقلس صورة مذكرة للربة هيرا وهو زوجها، وكان هيراقلس الها للحرب يتطلع الى عونه كل من يتوجه الى الحماس والشجاعة، وقد جاء في قصائد الشعراء العراقيين رمزا للقوة والتحدي .

8- الرمز الاسطوري نوروز: جاء في قصيدة الشاعرة لميعة عباس عمارة، مشيرة الى عيد الاكراد في مدية اربيل احدى محافظات العراق:

نوروز الراعي

و خراف بيض تسرح في الوديان

و باقيا ثلج فوق (سري رش) وحاجي عمران

و قالت الشاعرة لميعة عباس عمارة في ديوانها عراقية:

نوروز رش خضرة الحقول

على جبين الثلج والماء

فاورق الضياء

قال الشاعر راضي مهدي السعيد في رمز نوروز

احملي اجنحتي فوق مطاوي النورسي اشهد نوروز يصلي

 

القسم الاول

ب/ رموز الذكور العربية

1- الرمز الاسطوري العربي شهريار: وهو بطل حكايات الف ليلة وليلة وفارس شهرزاد التي قصت عليه الف حكاية الى ان ولدت له ابنا ولم يقتلها كما اعتاد على قتل النساء قبل شهرزاد .

و قد جاء صوت السياب مدويا مدافعا عن شهريار الملك المتعب المرهق وهو يريد نفسه قائلا:

عند الغروب

هو الخريف ونحن نسمر حول النار

و كمستفيق في العراء

من حكمة

هو شهريار وتلمس الكف الخواء

اما الشاعر شاذل طاقة فينحاز كثيرا للملك شهريار يصفه متعبا وقد اسقط الشخصية على نفسه:

متعب متعب شهريارك فابتعدي

ودعيه ينام

ولتكن هذه ليلة الصمت ان مباح الكلام

ويرفض الشاعر طاقة تلك السعادة المزعومة التي امتلكها شهريار وهو يلبس نفسه هذا القناع قائلا:

كذبوا كذبوا

ليس في الليل من شهريار سعيد .

بل يرفض الملك وشهرزاد معه قائلا:

ما انا شهرزاد ولا طيفها

لا ولا طفلة من حفيداتها

ايها المتعب المشتثار

لست ذيالك الشهريار

و للشاعر رزوق فرج رزوق حكاية مع عاشقة الشمس (البصرة) يتطرق فيها الى شهريار قائلا:

و انت يا عاشقة الشمس

يا قصة لم ترويها شهرزاد

لشهريار وليالي السهاد

عبر الليالي الالف بالامس

2- الرمز الاسطوري العربي السندباد البحري: رمز يعبر عنه الشعراء في قصائدهم واصفين رحلته القاسية تلك الرحلة التي تحمل رؤيا حضارية مثقلة انساني هو الابحار من اجل حضارة مصابة بالعقم، وان هم الانسان القديم كشف المجهول، وقد استخدم السياب شخصية السندباد رمزا وكناية عن الثوري الذي يجوب الافاق وهو شخصية بغدادية انطلق برحلاته من البصرة الى جزر نائية وكان البحر مسرح احداث ومخاطرات السندباد الباحث عن التطلع والرافض للصمت، وربما يعتقد بعضهم ان السندباد شخصية عالمية لا تخص العراق وقد ارتبطت تلك الشخصية خاصة بالبصرة قديما حتى سميت جزيرة في البصرة باسمه (جزيرة السندباد) وكان السياب واحدا من الشعراء الذين اسقطوا على انفسهم السندباد قناعا وقد اكد تلك الشخصية مرارا، اذ قال في احدى قصائده:

يا سندباد اما تعود

كاد الشباب يزول تنطفيء الزنابق

في الخدود

فمن هو الذي زال شبابه، اليس السياب نفسه؟ وللشاعر سعدي يوسف حكاية مع السندباد اذ ازاح الثلج عن تلك الصخرة التي اقتحم بابها فرأى الافعى انها اشارة الى كلكامش وبحثه عن الخلود، انها حكاية ينسجها الشاعر سعدي واصفا نفسه مغتربا كالسندباد يبحث عن الطموح قائلا:

حين ازاح السندباد الثلج عن بوابة الحجرة

و اضطربت كفاه وهو يغني موقظا اقفالها العشرة

و اقتحم الباب وصلى لمحت عيناه

افعى بلا عينين تلتف على زهرة

و لشدة اعجاب الشاعر مؤيد عبد الواحد بالسندباد سمى ديوانه (مرفأ السندباد) الذي تضمن قصائد ذاتية، وللشاعر ابراهيم الوائلي قصيدة عن السندباد ومخاطراته وهو يستقل الريح ويستاف حب الرمل ويتيه مشردا ولكنه يبقى رمزا للتحدي وسحق المصاعب فقد وصف الوائلي السندباد:

و السندباد وهل عرفت مصيره في غمرة الاسفار والهبوات

جواب افاق بعيد مطامح دامى الشراع مخضب المرساة

و لكم تحطم بالصخور سفينة فمضى يشق مجاهل الفلوات

و للشاعر راضي السيفي تساؤلات عن السندباد وهو يطلب من البصرة ان تجيبه على سؤاله، ما الذي حصل للسندباد وكان يلقي بقناعه على السياب:

حدثيني عن سندبادك كم جاب بلادا وكم طوى من بحار

و قد جاء السندباد رمزا في قصيدة (العودة من البحر) للشاعر كاظم نعمة التميمي:

بوجه البحر ان سفينة التعب

تهددها بحار الحلم مثقلة مراسيها

و فوق شراعها وعمود صاريها

يشيخ السندباد يجف من سغب

و جمع الشاعر محمد جميل شلش بين شهرزاد والسندباد رمزين عربيين قال:

المح في بغداد

زنودكم تحطم الاصفاد

المحها توقظ في عالمنا المعذب الفؤاد

احلام شهرزاد، احلام سندباد

و نرى الشاعر تركي الحميري يائسا من عودة السندباد ومن المحال ان يعود يوما اذ قال:

ربما يصبح كل الناس من غير عيون

و جنون ورماد

لم يعد في الارض هذي سندباد

اما الشاعر محفوظ داود سليمان قد وصف نفسه بالسندباد الذي يحمل لاميرته المنتظرة ما تريد قائلا:

يا اميرة

اه لو كومة فخار صغيرة

فانا فارسك الظمآن والعتمة زادي

احمل المرجان واللؤلؤ مثل السندباد

و يصرح الشاعر شاذل طاقة بان شهرزاد قد احرقت نفسها حين لم يعد سندبادها قائلا:

ام ترى احرقت نفسها شهرزاد

حين لم يعد سندباد

بل هو الفجر من بعد ليل طويل

كاحزان امي وصبابات عشقنا

جاء يحمله في سفينته السندباد

و يرى الشاعر شفيق الكمالي في قصيدته (اغنية الى بغداد) ان السندباد ما زال ممزق الشراع اذ قال:

السندباد لم يزل يجوب في البحار

ممزق الشراع

يسائل الطيور عنك والرياح

و البياتي يخاطب سندباده طالبا عدم ايقاظ جروحه:

و انا يا سندبادي

متعب قلبي عزوف

اه لا توقظ جراحاتي

و دعني حول امواتي اطوف

3- الرمز الاسطوري العربي سطيح: الكاهن الذي كان منسطحا على الارض لا يقدر على القيام والقعود وكان من كهنة العرب المعمرين وهو رمز للقعيد معدم الحركة، اشار الشاعر شاذل طاقة الى ذلك الوليد الغريب الذي اخذ نطفته من رجل مسلول من رحم انثى الغول، قال:

سطيح يا سطيح

يا نطفة من رجل مسلول

في رحم انثى الغول

جئناك نشكو همنا الوبيلا

فاقرأ سطور الريح

و اكشف لنا المصير والمجهولا

4- الرمز الاسطوري العربي حصيب الرومي: الذي حلم بالنار القادمة من اخر العالم لتحرق دجلة وكان علامة دالة على الشر، وقد اشار الى ذلك الرمز الشاعر حميد سعيد في قصيدته (مقاطع التاريخ الهجري) وقد قدم في مقطعه الشعري عن خبر نقله ابن الجوزي في احد فصول كتابه (السفين والمزمار) باب الخصبين:

و اما حلم حصيب الرومي

تأتي نار من اطراف العالم

تحرق دجلة

حينئذ تتفتت اجزاء الدولة

و يلي ذلك عام حداد

يلعق جنس اصفر فيه ثديي بغداد

5- الرمز الاسطوري العربي عازر: وهو من رموز السياب العربي الذي يعاني من الام الانبعاث المشوه بعد ان يعطي عليه تغيير الواقع المتهرئ قال:

عيناه في الظلام تسربان كالسفين

باي حقل تحلمان، ايما نهر

بصورة الاب الكسيح بقراره الضريح

اميت فيهتف المسيح

من بعد ان يزحزح الحجر

هلم يا عزر

 

القسم الثاني: رموز الاناث الغربية:

تقف المرأة بين عوالم هذه الرموز الهة معبودة او خادمة معبد مقدس تمنح كل ما تملك من مال وجسد بغية ارضاء الاله الاكبر، بعدما كانت تقترن في ادب ايام العرب بالناقة والجمل والفرس وجميعها ترمز الى الفناء الابدي للبشرية، فالمرأة الاولى عاشت تحت حماية الرجل مثقلة بمتاعب الجنين لا تتبرم بخضوعها، لان الرجل القديم كان شبيها بالحيوان لا يضطهد المرأة ولا يعذبها الا متى فكر في اختطافها وحيازتها لنفسه، وتغير هذا بحكم تحضر الحياة وتغير الاعراف والتقاليد، واذ كان الحب والجمال متلازمين عند العرب وهما مصدران لفضائل كثيرة توحي بها المرأة (و لم يكن هذا شأنه عند اليونان مثلا، اذ الحب كعاطفة لم يكن يظهر عندهم ولا تتغنى به شعرائهم، فشعر هوميروس خال منه، صحيح ان هيلين كانت السبب المباشر لحرب طروادة ولكن هذه الحروب ما ثارت حبا بهيلين نفسها، فاليونان لم يحاربوا من اجل اكرامها بل حاربوا حبا للغلبة ورغبة في الانتصار)، لذا فاليونانيون لا يعرفون الحب كعاطفة وكذلك الرومان لم نجد في اشعارهم ما نسميه (بفن الحب) ومع ذلك فان رموزهم الاسطوريه عن المرأة كانت اكثر من رموز العرب لذا تواردت الاجيال من الموروث الغربي تلك الرموز دالة على شهرتها وتواردها في مساحة كبيرة في الادب .

و من الرموز التي توارثت في الشعر العراقي:

1- عشتروت: وهي البعلة معبودة الفينيقيين الالهة الام ربة الحب والخصب والحرب التي امتدت عبادتها من اوغاريت الى المدن الفينيقية الاخرى والى فلسطين وقد جاء هذا الرمز ديوانا للشاعر رشدي العامل بعنوان (اغاني عشتروت عام 1951م) قال فيه:

عشتروت

اغنيتي في خفوت

تطوي الدجى والقفار

هناك في لا قرار

تسير حيث السكون

و قد لحقه الشاعر البياتي متأثرا بما قاله رشدي في رمزه هذا، فقال:

عشتروت

ربيعنا لن يموت

ما دام عبر البحار

امرأة تنتظر

يا حبها المحتضر

و اعتمد الشاعر عبد القادر رشيد الناصري على رمز عشتروت التي عرفت بانها ملكة السماء، وفي منظور الشاعر ان عشتروت ليست الهة خصب وانما هي طريق الخلاص من الظلام الذي يعاني منه الشاعر في قوله:

خذيني واجعلي مني صليبا لأحيا فوق صدرك ان بليت

خلقت من التراب وانت نور فاسألك السنا يا عشتروت

2- عشتار: الهبة الحرب والحب لدى سكان ما بين النهرين، ابنة انو وهي رديفة عشتروت وافروديت عند اليونان والرومان، ما زالت هياكلها في اورك واشور وهي نجمة الصباح والمساء، قال الشاعر البياتي في قصيدته (العودة من بابل):

بابل تحت قدم الزمان

تنتظر البعث، فيا عشتار قومي املأي الجرار

و بللي شفاه هذا الاسد الجريح

لكنما عشتار

ظلت على الجدار مقطوعة اليدين

يعلو وجهها التراب

و الصمت والاعشاب

ايتها الحبيبة، عودي الى الاسطورة

فكما نلاحظ ان الشاعر يرفض بقاء عشتار مصلوبة في هذا الهيكل الذي لا يساوي قيمتها الحقيقية فيطلب منها ان ترجع الى اسطورتها الحقيقية اما الشاعرة لميعة عباس عمارة حين تخاطب فارسها نوروز تخبره عن عشتار الاميرة التي احبت جميع الرعاة في قلعة اربيل:

كل رعاتك تهواهم عشتار

يا قلعة اربيل ومعبد عشتار

اليوم يقوم من الاعماق ربيعا تموز

3- الاسطورة انانا: وهي ملكة الحب والضياء والبركة، جاءت في قصيدة الشاعر عادل البياتي رمزا للخير لكنها بخلت ان تعطيه خبزا:

انانا ملكة السماء

الهة الحب والحياة والضياء

اكلت خبزها

و طرت في سماء اور باكيا

و سرت في صحبة ابراهيم

من قلب فلسطين مهاجرا

و عدت لا خبز (نانا) في ربوع وطني

4- ميدوزا: وهي الاسطورة اليونانية التي قيل عنها، انها تحيل من تقع عليه عيناها صخرا، وقد اعجب بها الشعراء العراقيون رمزا اسطوريا، فالشاعر زهير غازي زاهد قال:

الا يا روضة الاحلام فيك الحسن حيانا

و هز الحلم شادية فغنى فيك نشوانا

فما للنظر الواشي تنزى فيك غضبانا

اشعت عين ميدوزا على افاق دنيانا

و للشاعر عبد الامير الموسوي في ديوانه (المرفأ الازرق) وصف لعيون ميدوزا قال

يا عين ميدوزا اتورق بسمة مثل الصباح فتلتوي بلقاك

5- فينوس: الهة الجمال والحب عند الرومان، تقابلها افروديت عند اليونان، وعشتروت عند الفينيقيين قال فيها الشاعر محفوظ داود سليمان:

اين فينوس والعذارى عرايا خالعات غلائل الاردان

و من الرموز العربية الخاصة بأعلام الاناث:

1- زرقاء اليمامة: وهي فتاة الحي المعروفة بشدة بصرها في المسافات البعيدة، قال فيها الشاعر عبد الامير الحصري:

و كل ارهاف سمع في نقائهما طاف اعين فتاة الحي اذناك

2- شهرزاد: وهي بطلة شهريار في الف ليلة وليلة العربية التي امتلكت القدرة على الحديث وسعة الاطلاع وسرد القصص الطوال حفاظا على نفسها من القتل الذي لابد منه من قبل الملك، وقد انتصرت عليه اخرا وانقذت نفسها ووليدها من الموت، قال فيها الشاعر رشدي العامل:

شهرزاد، اغنية تستعاد

ترجيع انغامها، يرف في كل واد

شهرزاد هات اغاني الفؤاد

و رجعي سحرها الحان تلك البلاد

شهرزاد الليل سحر الفؤاد

3- سلفا وهي المدينة التي ترمز للمسيح المزور .

4- سونيا: وهي اسطورة منقولة من اغاني السندباد البحري، جاء ذكرها في قصيدة عبد الوهاب البياتي (سونيا والاسطورة):

و يظل في ليل المصح الاخرون

بلا دموع يذبلون

على فراش من رماد

تظل سونيا في اغاني السندباد

اسطورة تروى واغنية تعاد .

3- رموز الطبيعة: لقد كان فهم الانسان القديم للطبيعة فهما ذاتيا وقد تصورها على نحو انساني، بعد ان تصور نشأة الكون وفسر ظواهر الطبيعة على نحو سحري، ومن هنا استحوذت الطبيعة على اساطير القدماء مركزة على محورين كما مر ذكرهما، الانفعالي والسحري، ومن اهم تلك الرموز:

1- ارم ذات العماد: ارم مدينة اسطورية وهي رمز لعالم تخيله الشاعر كي يثير به المتلقي ليلتمس ضفاف تلك الجنة الاسطورية التي يقال انها بنيت من الذهب والؤلؤ ثم اختفت، فاذا كانت ارم المدينة قد ارتبطت مادية فان ارم الشاعر هي جنة الخيال التي تفوق ارم الاسطورية، وعند السياب تكاد ان تكون ارم، رمزا اسطوريا كاملا قد وظفه السياب في حديثه عن شداد بن عاد الذي بنى جنة لينافس بها جنة الله وهي ارم، وحين اهلك الله قوم عاد اختفت ارم وظلت تطوف وهي مستورة في الارض لا يراها الانسان الا مرة في الاربعين عاما وسعيد من انفتح له بابها، قال السياب:

و ليس يرجع الزمان ما مضى

سوى اراها فيكم

فانتم الاريج بعد ذبول زهرتي

فان رأى ارم

و احدكم، فليطرق الباب ولا نم

ارم، في خاطري من ذاكرة الم ..

و قد جاء بعده الشاعر عبد القادر رشيد الناصري وبنى رمزا لجنة الخيال القدير وعالما مسحورا لا تضاهيه جنائن عاد،(و قد تعامل الشاعر مع الرمز تعاملا حيا منسجما مع تجربته ونقل الرمز من مواصفاته المعروفة الى حالة خلق جديد)

قال الشاعر:

يا ابنة الوهم والرؤى والشعور هذه جنة الخيال القدير

اين من سحرها جنائن عاد وفراديس بابل والسدير

ارم لا تقاس وهي اساطير بلذات عالمي المسحور

و كلنا يعلم بان ارم ذات العماد جاء ذكرها في القران الكريم في سورة الفجر وقد صورها الله تعالى ذات عماد لم يخلق مثلها في البلاد واكد البيضاوي في تفسيره ان ارم ذات العماد تمثل مدينة لها صفات الجنة

2- جنة ادم: عبر حكايات الف ليلة وليلة ما قال الشاعر حسب الشيخ جعفر:

حدثنا عن جده السندباد

عن ادم، عن نخلة لم تزل مثمرة

ان بلادا هي صحو البلاء

3- جبل الياقوت: جاء في قول الشاعر يوسف الصائغ:

ثم اغتسلت

غسلوا الياقوت على جبل

و التمع الموت سوارا

4- العنقاء: قال الشاعر عبد الامير الحصيري:

و لو تشربت العنقاء عتمته لم تفن مشهدها الابصار انفاقا

5- وادي عبقر: جاءت اشارة الشاعر راضي السيفي اليه قائلا:

غارقا في بحار عبقر ما شاء يروي بالسحر عطش القفار

و في قصيدة الشاعر راضي مهدي السعيد (الوية الريح) جاء ذكر عبقر:

العالم في كلمات الشعر نهر من فرح اخضر

فليولد طفلك يا عبقر

و لتتبارك كل الاسماء المكتوبة

في سفر الارض الابدية

ما دام الانسان الجوهر

رابعا: الاساطير الذهنية: ثمة رموز اسطورية لا تعد من الانواع المارة وهي تتأرجح بين التذكير والتأنيث وتغلب عليها الصورة الذهنية مثال ذلك:

1- الاعور الدجال: استلهم الشاعر شاذل طاقة الموروث للدلالة على الواقع المرير وقد رمز للصهاينة الذين سماهم تترا، مجوسا، يهودا، مغولا، قال:

و قالوا

و كان المسيح المزور

سمينا واعور

2- الغانية العارية: جاء في الاساطير ان هناك غانية تغتسل تحت شلال فتشفى من المرض، قال الشاعر عادل البياتي:

تئن من اضلاعها

من وجع المفاصل

مهورة مسحوقة العظام

داست على اشلائها

سنابك اللئام

3- ظل الفارس البرونزي: الذي ذكره القدماء وكان موجودا في احدى مدن الشرق النحاسية وهو فارس مدجج يعكس نور الشمس فيبيد جيوشا، اذا اصابه حجر او ضربه سيف او رمح يخرج صدى رعب يملأ الافاق، وقد ذكروا ان لهذه المدينة سورا اذا اعتلاه مخلوق رمى بنفسه ولن يعود، قال الشاعر عادل البياتي:

كان بلا قيد

و قيدت يداه

كان بلا هم وقال اه

4- سربروس بابل: اشارة الى الكلب في الاساطير اليونانية الذي قام بحراسة مملكة الموت، وقد خلق السياب مناخا اسطوريا معاصرا جابه به الوضع السيء الذي كان يمر به الوطن في مطلع الخمسينيات:

ليعو سربروس في الدروب

في بابل الحزينة المهدمة

و يملأ الفضاء زمزمه

5- زهور الريح: تلك الاسطورة التي تتحدث عن زهور بيضاء مجنحة تحمل الاطفال في السحر الى عوالم ابدية رقيقة تعيش في الريح، قال فيها الشاعر تركي الحميري:

فاشهقي يا زهور الريح

يا فجرا من التجريح

جناحك فوق هذي الارض لي

للناس جناحك قبل ان امتاح هذي الكؤوس

القسم الثاني: تشكيلات بنائية لا اسم للأسطورة فيها:

كلنا يعلم احيانا بأن قصيدة الشاعر تتكئ على شخصية ما وربما لا يصرح بها شاعر اخر ويرمز اليها رمزا من خلال وحدة بناء تفي بالغرض الاسطوري المطلوب، ومن امثلة ذلك:

1- بجماليون وجالاتيا: تتحدث اسطورة بجماليون عن ملك قبرص الذي كان نحاتا بارعا وذات يوم عزم على رسم وصنع صورة لفتاة غاية في الجمال واطلق عليها اسم (جالاتيا) فلما راعه جمال ما صنعت يداه توسل الى الهة الحب (افروديت) ان تنفث نفثة الحياة في الرخام البارد تمثاله وقد احست افروديت بالارتياح بقدر احساسها بالانتصار ازاء هذا التغير في الرأي من جانب الانسان الفاني الذي كان حتى تلك اللحظة برهانا ضد نفوذها وذات يوم تحركت نفس بجماليون لتقبيل شفتي التمثال، وفي تلك اللحظة الصادقة تحركت الهة الحب فنفثت الحياة في الجسم واصبحت جالاتيا كائنا حيا ذا جمال ساحر ومع مرور الوقت صار بجماليون زوجها

و قد وقف الشاعر عبد القادر رشيد الناصري موقف المبدع ليشكل لوحة بنائية لا يذكر فيها اسم الاسطورة ولكن يقترب من مضمونها قائلا:

ثم تقربت الى هيكله بابتهالات نبي ملهم

و متى قبلت منه موضعا رقصت من فرحة اللثم دماي

يا لقلبي كيف يهوى صنما منحته نعمة الخلق يداي

و دلالة الشاعر تقف مقارنة بين جالاتيا التي بوأت حبيبها الذرى في جمالها حين نفخ فيها الروح فقد منحته نفسها زوجا له عندما دبت بها الحياة ردا على جميله، بينما حبيبة الشاعر الناصري تعقه حينما قدم قلبه وارجعته الى الثرى، انظر قوله:

يا فؤادي لا تقل كن حذرا من جمال يتحدى القدرا

فلقد بأك الحب الذرى مثلما انزلك الحب الثرى

ما الذي تأمله من حجر ابدعت كفاك منه بشرا

ان الشاعر لم يستخدم اسما بل رسم تجربة كانت في الاسطورة قصدها في ذاته ونسجها في روحه فشكلت في تجربته خلفية شعرية عبر عنها باداء رائع يكسب المتلقي الخبرة والمعرفة بجذور الاسطورة، وقد اكد الدكتور عز الدين اسماعيل قائلا (يستطيع المتلقي ان ينفعل بالعبارة حتى وان لم يلم بالأسطورة)

و هكذا اثرت الرموز الاسطورة بناءا شعريا منسجما مع نفسية الشاعر بتفاعل صادق وتجربة دقيقة ونهضت الصورة مؤثرة في الايحاء والاشارة وهذا تشكيل فني جديد للرموز الاسطورية في الشعر العراقي وقد خرج عن قابلية وصف الاسماء والمخاطبة (الوصف الحسي المباشر .

2- الرمز الاسطوري علاء الدين والفانوس السحري: لقد اشار الشاعر تركي الحميري في قصيدته (فوانيس علائية) الى وحدة بناء دون ان يذكر اسم علاء وقد سهل على المتلقي بذكر الفانوس انظر قوله:

احلم في فانوس

يحيلني سيد هذا العصر والاوان

و اصنع الجنان

و اعبر الحياة طائرا تحمله الشموس

الفارس المجنح

يعبر ارض السبخة الموات

اتيا من عالم مورجح

تخصب الرغبة في اهاته ظلا اخضرا

و يفرح السبات

حصانه القمر

سياطه الحقول والشجر

يطير في بساطه الريح

و هكذا يستمر بناء قصيدته بسرد قدرات مصباح علاء الدين، فتأتي صور النبي سليمان وحوله الاحزان من الجن والبشر وكذلك بلقيس العرجاء التي خاضت اللجة وينتقل الى مقطع اخر يتحدث عن هارون الرشيد وخادمه مسرور وجواريه، ولم تنفصل وحدة بنائه بل يستمر ويذكر ايوب (عليه السلام) ومرضه وكل هذه الانتقالات تحصل عن طريق الفانوس:

لمحته يسأل في مملكتي صبيا

ما اسمك يا مورد المحيا

عبوس، كيف كنت يا اينع من عروس

مبارك، تبارك الفانوس

اذ يجعل الحرية مرأته ويصقل النفوس

يحطم الصولجان

يجعل من هرون في عبوسه انسان

3- الصيحة القاتلة: تقول الاسطورة ان الصيحة كانت تترامى الى المدينة من وراء الجبل، فاذا ادركت شخصا منتبه نودي باسمه، فلبى النداء ومضى فلا يرجع ابدا، قال الشاعر عادل البياتي:

مشى الى المخدع يستريح

و صائح الموت به يصيح

يلوح تحت ناظريه غادر

و نسب الخيانة الصريح

مساوم في ارضه جبان

يهمه الثمن الربيح

القاك اشلاء بكل درب

و جيفة من نتنها تفوح

و يبدو الرمز الاسطوري واضحا بدلالة بنائه التي رسمها الشاعر فقد وصف طاغية ظالما يحمل الخيانة والغدر حتى حانت ساعة رحيله فصار جثة، ان الشاعر عادل البياتي يلتقط من تلك الصيحة مدخلا ليوظف به قصيدته بوصف اسطوري يتمعن فيه المتلقي ويجد بناءا وصياغة جديدة لا تخرج من مضمونها عن روح الاسطورة الحقيقية ولكن بشكل جديد وتشكيل دال على ذهن وقدرة وابداع ..

4- جنية البحر والصخرة: قال البياتي في قصيدة (حجر):

جنية البحر على الصخرة تبكي مات سندباد

و ها انا اراه

بورق الجرائد الصفراء مدفونا ولا اراه

مركبه يباع في المزاد

و سيفه يكسره الحداد

من يشتري عبدا طروبا، قالت الاصفاد

و قال لي الجلاد

رباه طالت غربتي رباه

و غرقت عبر الليالي – ارم العماد –

5- اسم الاسطورة والمبالغة في الرؤيا لها:

قال طه ياسين حافظ في قصيدة (طريقة جديدة لمسك الضوء)

تحملهم تحملنا المراكب القديمة المصبوغة

الجديدة، البحر

امواجه المناورات الرشوة الطقوس

التجسس الشجاعة الخيانة الشرف

تنكسر الاسطورة الخزف

و يرى الشاعر زهير غازي زاهد اسطورته في السنوات السبع، ضائعة في (وادي عبقر)

لا تبوحي هواك جرح نشيدي ومجاليك شهقة في وجودي

و امانيك غمغمات ترامت لهاث على لهات الرعود

و مطاويك كلما يسفح العمر حذاء في هاويات الخمود

لا تبوحي فالنفس خفقة اوهام حيارى متشنجات الورود

يا رؤى عبقر تشقق واديك قلوعا مستنفر الرفعات

رفرفت نجمة على صوته المغمور تدنو مرتاعة السمات

تشرب المنى تصفق للازمات تهفو لوهم فجر ات

قالت الشاعر لميعة عباس عمارة في قصيدتها ويوجين مطلع القصيدة (احمل فانوسي ظهرا وافتش عنها) وهنا تبدأ لترجع بنا الى الاسطورة ولكنها لم تتطرق لاسمه بل ترو قصته قائلة:

انا لم ابصر شيئا

لا تسأليني

و احمل فانوسك

كي توهم نفسك

انك تبحث عنها

قال محفوظ داود سليمان في قصيدة عنوانها (اسطورة) :

الارض هذي سدوم الخطاة والكفران

خيولها ماضيات تشد بالأرسان

تقود هذي السرايا لعالم النيران

هياكل قد تهاوت معفرات المباني

ماذا يبقى غد في شواهد الصلبان

اسطورة نسجتها انامل الفنان 1962م وفي قصيدة الرماد

ها انت في عريك اسطورة كم ارتوى منها رماد السنين

و انت ما انت سوى هيكل تنخره الديدان في كل حين

و للبياتي قصيدة عنوانها (سونيا والاسطورة) في ديوانه المجد للأطفال والزيتون

تظل سونيا في اغاني السندباد

اسطورة تروى واغنية تعاد

في وحشة الردهات في صحراء ليل الهالكين

يا هودج الحب الحزين

و يشير البياتي في قصيدته الحجر الى ارم ذات العماد وعصا سليمان قائلا:

رباه طالت غربتي رباه

و غرقت عبر الليالي ارم ذات العماد

عصا سليمان على بلاطه الزمان

و هو عليها نائم متكيء يقظان

ينخرها السوس، فيهوى ميتا رحيم

قال الجواهري:

جزائر اسطورة حلوة شمس ترد على يوشع

الاسطورة تشير دائما الى وقائع يزعم انها حدثت منذ زمن بعيد، لكن النمط الذي تصفه يكون بلا زمن

جوهر الاسطورة لا يكمن في اسلوبها او موسيقاها او في بنيتها ولكن في القصة التي تحكيها

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

كلية التربية / البصرة

.................................

مصادر البحث

1- البرج، ياسين طه حافظ، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1977م .

2- مرايا الزمن المنكسر، راضي مهدي السعيد، مطبعة الاديب، بغداد 1972م .

3- العطشى في السفينة، تركي الحميري، مطبعة الاهالي، بغداد، 1986م، ص31

4- ظمأ البحر، زهير تركي زاهد، مطبعة الفنون، النجف الاشرف، 1970م، ص

5- عراقية، لميعة عباس عمارة، دار العودة، بيروت، 1971م، ص24 .

6- اغاني بلا دموع، رشدي العامل، مطبعة دار السلام، بغداد، 1957، ص46 .

7- النار والكلمات، عبد الوهاب البياتي، دار العودة، بيروت، 1970 .

8- شجرة القمر، نازك الملائكة، دار العودة، بيروت، 1967 .

9- لو انبأني العراف، لميعة عباس عمارة، الدار العراقية للنشر، بيروت، ط2، 1985م .

10- صلاة بدائية، محفوظ داود سليمان، دار الحرية للطباعة، 1976 .

11- اشرعة الجحيم، عبد الامير الحصيري، مطبعة الندى الحديثة، 1974م، سندباد والحلم ص43، فتاة الحي ص63 .

12- الذي يأتي ولا يأتي، عبد الوهاب البياتي، دار الادب، بيروت، 1966م، ارم العماد ص61 .

13- ظل الفارس النحاسي، عادل البياتي، مطبعة عماد، بغداد، 1971م .

14- المجد للاطفال والزيتون، البياتي، دار الكاتب العربي، القاهرة، ط3، 1967م .

 

 

مفاهيم تربوية تنطلق من رؤى القاص المصري أمير شفيق حسانين

qasim madiتدين القمع والتسيب وإذلال الإنسان في معظم قصصه المنشورة

الإشتغال على مستويات السرد في القصة القصيرة التي يشتغل عليها الكاتب المصري الشاب "أمير شفيق حسانين" وهو تربوي ويُحب وطنه "مصر" التي ولدُ فيها، وتعلم من الذين سبقوه في المجال الأدبي الكثير، منطلقاً من شعار رفعه لذاته التي لا تكل ولاتمل في الغوص الأدبي والبصري، مستفيداً من تفشي ظاهرة الأمية، والجهل وغياب المساواة والعدالة الاجتماعية، وهو يعي ما يطرحه في موضوعاته المتعددة، والتي تجذب القارى المتابع لهكذا فنون، محاولاً بذلك ترسيخ قيمه التربوية التي انتهجها وتربى عليها، وهو كالمرشد أو المربي الذي يعلمنا، ويعلم الأجيال الجديدة سوءاً كانت هذه الأجيال تعيش في مصر، أو خارج مصر، في عدم إضاعة الوقت،والإستمرار في الإستفادة من التعليم كي ننهض بإوطاننا العربية، التي تعيش في حالة غفوة وتراجع إلى الوراء بتركها العلوم والإبحاث، وعدم الإستفادة من ما يحدث من تطورات في هذا العالم المترامي الأطراف، وإنشغالها بإمور ثانوية وعلى الذين يقودون دفة الدولة، أن يساهموا في تطوير المجال التربوي وخاصة للأجيال الناشئة ومتابعة مستواهم التعليمي،وعلى المعلم الناجح أن يعطي كل وقته ولا يضّيع أي دقيقة من وقته لإيصال معلوماته لهذه الأجيال، وهو يدين الكثير من الأساتذة الذين لا يبالون في الوقت وخاصة في المدارس الحكومية، وهو من خلال "الحكي" يسدد النصح للكثير من زملائه، وأن لا يتهاونوا ويتساهلوا مع الطلبة بحجج واهية .وهو يغازلنا بعدة أسئلة كي ينشط ذاكرة القارئ، ويعطينا دروسا لنماذج موجودة في الواقع المصري .

" لم يكتب له القدر أن يتلقى قدراً قيماً من التعليم، أو أن يحصد باعاً كريماً من سنوات الدراسة، فلذا لم يكتمل حلم الصبي بأن يلتحق بالجامعة، ليصبح كما تمنى موظفاُ كبيراً " من قصة الحروم

وهو يعلن وفي هذا الوقت بالذات الذي أصبحت معظم الأشياء مستعرة من خلال ما يمرُ به وطنه وكذلك عالمه العربي الذي إنشغل بالحروب والموت والدم، ولكي يضع ومن خلال قصصه التي تشكل هاجسه الإبداعي بما تحمله من هموم وهواجس تشغل كل تفكيره التربوي، منطلقاً ممن سبقوه والذين تعرف عليهم عبر مشواره الإبداعي، يقول الدكتور " أحمد مكي " وتحتل القصة المرتبة الأولى في أدب الأطفال، ولقد أثبتت معظم الدراسات، أن القصة هي الأكثر إنتشارا بين الأطفال، وأن لها القدرة على جذب انتباههم، فهم يقوموا بقراءتها أو يستمعون إليها بشغف، ويتابعون أحداثها بمتعة وتركيز وانفعال، وينخرطون مع أبطالها، ويتعاطفون معهم ويبقى أثرها في نفوسهم لفترة طويلة،

مستغلاُ " حسانيين " تقنيات التركيب القصصي، وعما وقع إستنباطه من تأسيس نظري حول آليات القص والحكي، وما يجمعه باب السرديات، فجاءت معظم القصص التي حصلنا عليها من خلاله أو من خلال ما هو منشور في الصحف والمجلات العربية،ومن هذه القصص " معلم النوم، المحروم، من دفتر أحوال صفوان، عيد الفطر وفرحة التزاور، المعلم يصفع تلميذاً على قفاه " وغيرها

يقول في قصة " حمار الأستاذ " وزيادة على ذلك اعتبرها التلميذ الكسول حجة يومية مناسبة للهروب من المدرسة، بينما لا يدري الطالب المسكين أنه دخل مغارة مظلمة، مكتوب على بابها " مأوى المتسربون من التعليم "

وعلى اليونسكو ووزارة التربية المصرية الإستفادة من هذه الطاقة الإبداعية، وتحويل قصصه إلى رسوم متحركة أو أفلام تغازل النشئ الجديد وتحريك مخيلتهم من أجل التواصل مع التعليم الذي هو شريان الحياة، لأنه اشتغل على قصص واقعية من داخل المجتمع المصري تتكامل فيها عناصر الإبداع، مستخدماً " حسانين " لغة بسيطة باعتبار اللغة هي بحد ذاتها فن من التعبير الجماعي، لأنها تتوفر على مجموعة من المقومات الجمالية، مؤكدا لى قول " أدوار سابير " إلى قضية الأدب داخل إطار الفن الشامل " إن اللغة هي أداة التعبير في الأدب " وهو يتعامل مع القراء بالوضوح والبساطة كي يوصل ما يكتبه إلى أكبر عدد من القراء، وهو بالتالي ومن خلال معوله القصصي يقوم بتفكيك بنية الخراب الحاصل ويهدم كل ما هو سلبي في مؤسساتنا ليعيد بناءها بوصف الكتابة كما هو معروف لدى الجميع فعلا من أفعال التغيير .

لقد حاول القاص حسانين توظيف الخطاب القصصي لصالح قضايا تربوية لغرض إصلاح الواقع السائد وتشذيبه من الشوائب التي ألقت بظلالها بفعل الظروف والتحولات السلبية التي يمر بها ولعل أسلوبه السردي الواقعي وطريقته في بناء الحكاية ساهم في إيصال رؤيته الاصلاحية ووجهة نظره في ترميم الواقع، وتبقى اللغة لديه بسيطة ومعبرة ومقتضبة محتفظة ببريقها الدلالي وحلتها المعبرة عن روح الامل كي تتحسسها الاجيال الصاعدة .

" وقد صار فيهم العربجي والأرزقي، والعتال والفران والسائق، ومن لا مهنة له، ومن هو غليظ القلب، وفظ اللسان، لأنهم حُرموا من حلاوة العلم " قصة حمار الأستاذ، بقي أن نذكر أن الكاتب " حسانين " بصدد طباعة كتاب " سواليف تعليمية " يناقش فيه مشاكل التعليم المصري، من خلال القصص والمقالات المتنوعة .وهو بالتالي يسهم في نشر الوعي التربوي عن طريق الأدب القصصي، الذي يعرفه الجميع " الحكي " لما له دور في أيامنا هذه .

 

قاسم ماضي – ديترويت

 

حلم ميسلون هادي الوردي من العنوان الى مكابدة الشخصية والمكان

bushra albustaniقدرَ للرواية أن تنوء بإشكاليات الإنسان منذ نشوئها، بأحزانه ومسراته، ببوحه ورؤاه ووقائعه وأفكاره، وكان للتعبير عن الحروب فيها الدور المهم، فكثير من الحروب شُكلت وقائعها في روايات خاصة ثم وضعت أوزارها هناك، فكانت (الحرب والسلام) و(الدكتور جيفاكو) و(ذهب مع الريح) و(لمن تُقرع الأجراس) وغيرها كثير، أمثلة واضحة على ذلك، كما كان للصراعات الطبقية والبؤس العمالي والاجتماعي حضور في الرواية وكانت رواية (الأم) و(عناقيد الغضب) من أمثلة تلك الروايات، وفي الأدب العربي، قامت الرواية العربية هي الأخرى بدور بارز في معالجة مكابدات الإنسان وعذاباته في واقع يعاني من شتى أنواع التناقض والاشتباكات والاستلاب، فكانت روايات الرواد العرب، وروايات نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وجبرا ابراهيم جبرا وعبد الخالق الركابي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وواسيني الأعرج ولطفية الدليمي وعالية ممدوح وابتسام عبد الله، أمثلة قليلة من فيض تلك الروايات التي عالجت قضايا الأمة والمجتمع، ورواية (حلم وردي فاتح اللون) للروائية العراقية ميسلون هادي (1) واحدة من هذه الروايات التي لا تعكس شريحة من حياة عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي فقط، بل تبني عالما فنيا هو تكثيف حيوي لتفاصيل تلك الحياة، عالما يشتغل بفاعلية جمالية تدحض قبح الحرب ودمويتها . ذلك ان جوهر موضوعها الذي تحركت بفاعليته ليس هو الحرب ولا السعي نحو حياة آمنة حسب، لان الحرب والأمن لا يشكلان إلا محورا من محاور الحياة الواسعة، وحركة واحدة من حركاتها، إنما موضوع الرواية الذي اشتغل على طول مشاهدها هو روح المقاومة التي تدحض الحرب، وهو هيمنة حب الحياة الذي يعمل على تكريس الأمن والسلام وإدامة مشروع الإنسان النبيل، وهو الموضوع الأكثر شمولية والأقدر على إعادة بناء مجتمع عملت الرواية على الكشف عن عناصر الألفة والمحبة في طياته، والجمع بين أطيافه التي قُدر لها أن تكون مصدر غنى وثراء حضاري وليس دافع اقتتال وصراع دموي، فالنساء العراقيات من كل الطوائف يذهبن إلى الكاظم للزيارة وأداء النذور، والمسلمون والمسيحيون يشاركون الصابئة أعيادهم وأعراسهم وتقاليدهم الدينية، والمرأة العراقية المسيحية تتزوج مسلما في الموصل، المدينة الأكثر تشدداً في العراق، وتبني معه عائلة متماسكة، وتنجب سارة الشابة الواثقة بنفسها والمغتربة للعمل خارج وطنها، وياسر الشاب الذي تتسع رؤاه للتراث والمعاصرة، للدين والموسيقى والفنون، لأنه لم يجد في الدين السمح المنفتح على الحياة ما يتناقض مع كل أنواع الفعاليات المعاصرة الهادفة إلى بناء إنسان قوي نبيل قادر على دحض أعداء الحياة، وفاعل في إثراء عوامل الجمال والحلم فيها، ولذلك اعتمدت الرواية البنية المدورة إذ تبدأ السرد من نقطة النهاية وتعود النهاية إلى البدء مؤمنة بحضارة عراقية قادرة في دورتها التاريخية على التجدد والتواصل والمعاودة، وتلك هي سمة الحضارات الحية، تلك الحضارات الطافحة بإرادة الحياة والاستمرار.

(2)

لا احد من المخلوقات قادر على أن يحلم غير الإنسان، فقراءة عنوان الرواية إذن يحيل على الإنسان فورا، لكنه إنسان معين في زمن ومكان معينين تحددهما الرواية بوضوح، إنسان يُخيل لمتأمل ظروفه وحياته المربكة بأغرب الوقائع اللا إنسانية ألا مكان للحلم في حياته، وكيف يحلم من عاش أكثر من ثلث قرن بحروب وتجويع واقتتال وموت ومحن، ولا سيما أن استهلال الرواية ومشاهدها المتتالية لا ترتبط مع عنوانها بوشائج واضحة مما عمل على خلق تشويق خفي أو ربما تشويش يدفع بالمتلقي الى البحث عن الروابط التي يمكن ان تصل متن الرواية بذلك العنوان الذي بدا مثيرا ونحن نعبر منتصفها، فأين سيكمن الحلم الوردي والمَشاهدُ تزداد رعبا ودما ومداهمات كلما توغلنا بالقراءة، ومن هو الإنسان السعيد الذي ما زال حتى الآن قادرا على أن يحلم حلما ورديا بلا منغصات ..!

إننا من خلال صور الخراب المتشكلة عبر المروي وهيمنة القوى العمياء المدمرة، كنا مع الراوية نبحث عن ومضة أمل تعيد الانسجام الإنساني المفقود للأطراف المسالمة، ولعل من المفارقة أن نجد بعض ذلك لدى شخصية “ختام ” السيدة التي بدت تصرفاتها غريبة وأحيانا أخرى مخيفة، لكنها كانت تبثُّ أمانا من خلال قدرتها على الاحتفاظ بثبات وتماسك يبدوان غريبين في مثل تلك الظروف التي تسودها محنة دائمة ومفاجئات كارثية، فقد استطاعت أن تحافظ على توازنها في أقسى ظروف الرعب والقصف والمداهمات، فضلا عن كونها تحاور بهدوء وقت الخوف، وبشجاعة وعنفوان وقت مداهمة المحتل، وبتقديم المعونة الحقة بالفعل وليس بالكلام وقت الحاجة، إن “ختام” أضفت بشخصيتها المركبة على الرواية عمقا وانفتاحا على التأويل من جهة وشفافية مرهفة كثفتها الظروف القاسية التي أدت بها إلى تلك الغرابة من جهة أخرى .

إن المتلقي إذن ما زال يبحث عن التيارات الدلالية الهابطة من العنوان إلى المتن، وعن تلك الصاعدة من المتن إلى العنوان بحثا عما يؤكد أحقية التسمية التي حظيت بها الرواية حتى نُفاجأ وباب غرفة نوم الشاب يُفتح على بيانو أبنوسي اللون مغطى من الأعلى بشرشف وردي فاتح اللون بعد مرور ما يقرب من ثلثي أحداث الرواية في الصفحة التسعين، ان تغطية البيانو بشرشف سرير وردي مطرز إنما هو رمز لواقع تنقلب فيه موازين الأشياء عما وضعت له، كما هي مقلوبة في الواقع العراقي، فالشرشف المطرز الحافات بوشي جميل مكانه سرير النوم، لكنه هنا يغطي البيانو مغيبا إياه عن فعله الفني في البوح بالنغم حزنا وفرحا، ذلك البوج الذي يعد بيانا ووضوحا، وما عليه من غبار دليل زمني على تعطيله عن أداء وظيفته التي هي التعبير بالصوت إفصاحا عن مشاعر داخلية وتعبيرا عن هوية، وتحويلا للمخفي سعيا نحو الظهور بشكل جمالي، كما أن تغطية البيانو بغطاء سرير النوم تعطيل للسرير وأحلامه العرسية، وإيقاف للتواصل الإنساني وديمومة الحياة، مما يوحي بتعطيل أسباب الحياة وهيمنة عوامل الانفصال، لكن الحدث لا يتوقف لدى نقطة السلب هذه بل هو يمضي نحو تفكيك اللحظة المأزومة ليسير بها نحو نوع من الانفراج المؤمل، ” مضت الأم إلى النافذة لتفتحها وتزيح عنها ستارتها ليتحرك هواء الغرفة لأول مرة من زمن طويل . تحرك الشرشف الوردي الذي كان يغطي البيانو، فخطا ياسر خطوة اخرى نحوه وأزاح الشرشف كاملاً عن البيانو،ثم رفع الغطاء عن أصابع البيانو فبدا كما لو كان نائما وفتح الآن عينيه، نظراته إليه تلألأت ببريق اشتياق واضح لروعة حب اول، التصق به وهو يبتسم ثم حرك أصابعه في الهواء ليذوب عنها التوتر والجليد، مررها بعد ذلك بمشي رشيق على أصابع آلته الموسيقية كمن يحييها، فأصدرت نغمة جميلة لمعزوفة مألوفة السماع . أصبح قلبي يخفق كالشمعة الذائبة لهذا المشهد الحالم داخل غرفة كانت صامتة ومهجورة قبل قليل، وكدت أطير من خفة الوجود الذي شعرت به يفارق واقعا مرا، وانتابني الشك في ان ما يحدث أمامي هو حلم يقظة ارتاح به من عناء اليومين الماضيين، ولكن ياسر كان قد جلس إلى البيانو وأصبحت أصابعه تتحرك خفيفة لتترك خلفها أثارا متلاحقة لا تكاد العين أن تلحق بها. كان يقتطف من ذلك العزف وجها أخر غير الذي دخل به إلى المنزل، كان عاشقا بامتياز وتلك هي معشوقته التي طال غيابها عنه وهو الآن يملكها ويحبها كما يشاء ولم يكن بينه وبينها غير الفراق الطويل والآن يعانقها فتنطق بين يديه بالغزل، غناؤها ما هو إلا نغمة جرس تنطلق من هذا المكان الخفي من الكون لتتناغم مع غناء العصافير وصياح الديكة وتفتح الورود، ان هذه النغمة لتنسجم الآن مع كل نغمات الكائنات الحية للماء والهواء والشجر .. ص 91-92 ” فنحن أمام حركة الأم نحو فتح النافذة، نجدنا أمام إشارة فعل، وفعلا تفتح النافذة ويتحرك الهواء داخل الغرفة المأزومة / الوطن، لتتبدل الأجواء التي كانت مقفلة على الأزمة، وفي حركة الهواء يكمن تغيير، وتصاحب حركة الهواء خطوة مؤازرة من ياسر الذي يزيح بقصد الشرشف إزاحة كاملة عن البيانو، بداية عودة الأشياء إلى طبيعتها والأمور إلى توازنها، فالبيانو سينطلق بعد قليل بموسيقاه الغزلة، انه سيقول حبا بعد طول صمت لوجود اقتتال وعذاب ودم، وأصابع العراقي العازف تتحرك في الهواء ليذوب عنها ما كان يكبلها ويمنعها من ممارسة فاعليتها المعهودة، الشاب العراقي بأصابع عراقية، هو الذي يبادر بتمرير أصابعه على آلته الموسيقية فقد جلس في موضعه الطبيعي منها محكما السيطرة عليها ليجيد العزف وليمارس فعل تنشيط الحياة وبث الجمال فيها بعد ان فارقتها عوامل الفرح وبهاء البهجة، فالعراقي عاشق بامتياز والدليل على ذلك حضوره المفعم في التاريخ حضورا عارما، ومثابرته في الإسهام ببناء الحضارة الإنسانية هدفه في ذلك حب الإنسان والعمل على إسعاده وبناء حياته، وليعود بعد طول فراق إلى حياة طبيعية متناغمة مع نفحات الوجود ومندغمة بأنغامه المنسجمة مابين الأغاريد ويقظة الأحياء وانبثاق ورودها محققة وحدة عناصر الحياة في الكون، ولعل من ذكاء الروائية ربط علامة العنوان بهذه الأيقونة الكثيفة الدلالة (البيانو)، فالعنوان ليس هو ثريا النص حسب، كونه   الكلام الذي يضعه كاتب العمل للإشارة إلى عمله، بل هناك أغراض أخرى يريدها له، وهي أغراض لا حصر لها تتعلق بنوع العمل، وبمقاصد الكاتب واضعة المتلقي بعين الاعتبار، كونه يلعب دورا مركزيا وبالغ التعقيد في عملية إنتاج الدلالة، ويعد جاك دريدا العنوان ذا صيغة اسمية حتى لو لم يكن اسما من الناحية النحوية، فالعنوان اسم يشير إلى النص، والنص مسمى لكن العنوان لا يوضع لغرض التعيين حسب لان العناوين أسماء لها وظائف تأويلية وتمويهية وإغرائية، وقد تهدف إلى الإشكالية وإثارة اللبس كذلك .(2) وعنوان الرواية الذي استمد حيويته وتأجيله معا من داخل غرفة اختصرت بيتا كاملا، لكنه بيت مؤجل، إنما هو إشارة لحياة العراقيين المؤجلة بانتظار الخلاص، حقائب سفر مكدسة وأدوات طبخ مركونة، وحياة معطلة، وتحف ولوحات علاها الغبار إشارة للقلق والإرهاق وغياب معالم الجمال، بسبب سفر أهل البيت وابتعادهم – فالسفر مقرون بالرهق في القران الكريم- ودمى وألعاب تحيل على طفولة غُيّبت طفولتها وغُبنت حياتها بحيث رُكنت ألعابها منزوية في غرفة مقفلة : " تلك اللحظة التي انفتح فيها باب الغرفة بصعوبة كما هو حال أبواب البيت الأخرى ليكون أول شئ تقع عيناي عليه هو بيانو أبنوسي اللون موشى بحافات مرقشة بتطريز الاتمين الجميل، ثمة سرير مفرد مغطى هو الآخر بشرشف لم يعد ينام فيه احد سوى حقائب السفر وتحت السرير يوجد عدد اخر من الحقائب الممتلئة تحيط بها كارتونات مملوءة بالتحف وأدوات الطبخ والدمى وصناديق العاب وكتب ومجلات وكل ما يمكن ان يفيض به البيت من أغراض بلت أو غدر بها الزمان . فجأة قالت الأم : كم كان جميلا، ! قلت : نعم ..ص 90 “، فالباب فُتح لكن بجهد، والثقافة معطلة كذلك، إذ لا وقت للقراءة في ليل العراق الذي غاب عنه الضوء وجفاه الأمان .

(3)

تنهض اهمية الشخصية في العمل الروائي من كونها العنصر المحرك لمجمل العناصر الأخرى، فهي الفاعل المتحرك وباث الحيوية في الزمان والمكان، وهي الكاشفة من خلال الحوارات عن الرؤى والأفكار، وهي بفعلها الذي تقوم به تدفع الوقائع إلى أمام، فالفضاء والأحداث الواقعة فيه تستمد فاعليتها من قدرة الشخصيات على الاشتغال في تعميق الرؤى المطروحة وإثرائها، وبالرغم من اختلاف المواقف منها حسب المناهج والفلسفات القائمة عليها من كونها الفاعل الحقيقي للحدث في فضاء معين، الى كونها كائنا ورقيا تشكله اللغة حسب رولان بارت، فان ذلك لا يقلل من شانها كون اللغة هي بانية عوالم الأدب التي يشكلها الخيال مهما اقترب الأدب من مرجعياته الأولى حتى عُدت الشخصية مركز التوازن الذي تنتظم حوله العناصر الأخرى من أمكنة وأزمنة ووقائع، وتتنوع أسماء الشخصيات في الرواية مابين تراثية وغربية، وهي في كل الاحوال تنتمي لعالمها المحيط بها تاركة اعتباطية التسمية الاولى لتستمد دلالاتها من اكتسابها لسماتها وهي تتطور عبر الزمن فعمار وياسر وريم تمتزج تراثية أسمائهم بما يوحيه الواقع واسم “ختام” يوحي بنهاية واقع مشوه لابد أن ينتهي، و”اني” يؤكد اسمها الأجنبي دلالة التعايش والانسجام مع أسماء أبنائها العربية، والشخصية الراوية النامية التي ظلت تتحرك وتحرك الأحداث بفاعلية حملت اسم ” فادية ” وهو اسم طافح بالدلالة، كونها تمثل كل العراقيات الصامدات المضحيات وسط الكوارث . وحين يكون الروي بضمير المتكلم وتكون الراوية واحدة من الشخصيات الفاعلة فإن المروي سيتسم بالحميمية، وراوية حلم وردي تروي أحداثها بضمير المتكلم (أنا) ولكن هذا الضمير كان ينبض بمشاعر المجموع، بخوفهم وتوجسهم وحزنهم مما يدور حولهم فضلا عن قدرة هذا الضمير على دمج العناصر السردية من خلال منظور الراوية الواحد المقاوم والصامد معاً ؛ مما عمل على تحويل الراوية الى شخصية مركزية تبثُّ الأحداث بجمالية يلخصها الدكتور عبد الملك مرتاض   بكون ضمير المتكلم :

1- جعل الحكاية المروية مندمجة بروح المؤلف بحيث تكون قادرة على إذابة الحاجز الزمني الذي يفصل بين زمن السرد وزمن السارد بحكم كون المؤلف يغيب في الشخصية التي تسرد عمله.

2- يجذب ضمير المتكلم المتلقي ويشدّه إلى العمل السردي ويجعله يتعلق به متوهما ان المؤلف فعلا هو الشخصية التي تروي الحدث وهو إحدى الشخصيات التي تنهض بها الرواية مما يجعله عامل تشويق في عملية الروي . أما في حالة السرد بضمير الغائب فان الأمر مختلف لان المؤلف يتمكن من الظهور كونه العارف والمتحكم والموجه.

3- إن ضمير المتكلم يحيل على الذات، بينما يحيل ضمير الغائب على الموضوع، فأنا ذو مرجعية جوانية داخلية على حين يكون ال(هو) ذا مرجعية برانية خارجية، ولا يخفى الفارق القائم بين ضمير يسرد ذاته، وضمير آخر يحكي عن سواه .

4- ان ضمير الغائب لا يملك سلطان التحكم في مجاهيل النفس وأعماق الروح، في حين يستطيع ضمير المتكلم وهو ضمير المناجاة من التوغل في أعماق النفس البشرية ليغريها بصدق ويكشف عن نواياها بحق ويقدمها للقارئ كما هي، لا كما يجب أن تكون (3).

5- يقترب السرد بضمير المتكلم من المونولوج الداخلي الذي يعمل على تحرير الإنسان الراوي من معاناته وما يكابد بحيث يحرره مما يثقله بالبوح والاسترجاع وتفريغ الاحتجاج والتعبير عن الرفض والرضى والمواقف من الأحداث والأشياء.

6- ان اللعبة الروائية بيد المؤلف البارع هي التي تتقن استبعاد المؤلف عن التلقين وتجيد إسدال الحجاب بينه وبين الروي بضمير المتكلم، فإذا انفرطت اللعبة او ضعفت الياتها فان مواجهة المتلقي مع المؤلف ستكون مباشرة حينما يعجز الاخير عن دقة المراقبة، مما يهدد كثافة العمل الإبداعي .

تستهل الراوية رويها لحظة الانفلات من اسر المجموع ومواجهة الذات بأبعادها الداخلية عودة إلى المركز الذي هو دواخل الإنسان، وهذا المركز لا يحقق ذاته ويعمق ثراءه إلا من خلال حركة الذات في الخارج ومنجزها الخصب في هذه الحركة، فلحظة المواجهة إذاً هي لحظة من اجل إحكام التوازن بين عالمي الداخل والخارج، والميزان هو منظومة القيم التي تنهض بوعي الذات وتقيم أركان بنيتها : ” في رأسي أتكوَّنُ من جديد كل مساء نفسا أخرى جديدة بعد أن أحاسب الأولى على ذنوبها وأخطائها ثم اطويها في خلوة الليل فوق ألاف النفوس التي تنام معي كل يوم …. .. ص 5 ” وتواصل الراوية بوحها متنقلة مابين الداخل حيث الحديث مع القلب الى الخارج حيث تتناوب بين مظاهر الإيجاب والسلب، لكنها تحاول دوما الانتقال من السلبي الى الايجابي ترصينا لإمكانية التحول من مشاعر الضعف إلى تصميم القوة في رموز صغيرة ولكنها دالة منها ما هو طبيعي او صناعي لكنها في كل الأحوال تؤدي وظيفتها المقصودة " وتحت السماء يمر الغيم خفيفا ثم يذوب فيترك خلفه شمسا دافقة ترقص لها أغصان الياس المزروع على شكل قوس كان يابسا منذ عامين والآن استعاد لونه الأخضر اللماع، وعاد إلى الحياة بعد أن كاد يموت من العطش .." ص5 . وبحساسية مرهفة تلتقط الراوية قصة جرس الباب وما كان يقع عليه من مهمات الإنذار غالبا وقلما التبشير، فهو الشاهد على الفرح والحزن وعلى الحقيقة والخطأ، هذا الجرس " يتحدث اليوم بالحق بعد أن كان صامتا طوال سنوات عديدة لا يقرعه احد، وان قرع فالكل يفزع ويهرع خائفا إلى النوافذ .. " ص 6، وحقيقة الذعر من رنين الأجراس كارثة عاناها العراقيون جميعا، ومات بسبب أمراضها الخطرة والمفاجئة كثيرون، لأن رنين الجرس كثيرا ما كان يعني إنذاراً بفقدان عزيز أو حبيب في جبهة القتال، وجرحه أو فقدانه، هذا الجرس قرعه الكثيرون، والآن   "عافوه وخرجوا جميعا فرارا من النار والدمار إلى الشتات وبلدان الجوار …" ص6 . وتواصل الراوية الوقوف عند معاناة شعبها وأوجاع وطنها المجروح بسكاكين العدو وعنف الجار وفرجة الشقيق، ترصد أحزانه ودمه المسفوح ظلما، وليالي مدنه المظلمة العارية من أقراط الضوء وقلائد الكهرباء، كما تسترجع عذاب الحصار وجوع العراقيين وحرمانهم، وتقف عند خراب الحرب وتهديم الكيانات الجمالية في حياة أهلها .. البيوت التي هجرها العراقيون إلى الشتات، الشوارع التي تكسرت بوطء الدبابات والمدرعات والمفخخات والعبوات، المحلات والأسواق المقفلة، الأرصفة المهدمة والحدائق الظمأى، والمرأة التي انطفأت أنوثتها بهجرة الرجل الذي كانت تنتظر، والذي فضل الرحيل على رؤية وطنه يتهدم حجرا فوق حجر، لكن “ختام” رفضت الهجرة معه واختارت وطنها بكل ما فيه من عذابات، وظلت تعيش باليأس والأمل، بالحزن والفرح الموعود بالخلاص، إذ يتحول اهتمامها من الخاص إلى العام، من الحبيب الراحل الى الوطن المشتعل، إن الكناري في قفص ختام هو حلمها الجميل في كل ما كانت تتمنى، وهو الوطن المغدور، والجمال الذي يحتوي في ألوانه الخصب في الأخضر، والضوء في الأصفر، والأرض في اللون الترابي، إنه الطائر الذي يختصر الحياة، وهي إذ تطلقه إلى الأعلى فلأنها تختار الوطن خلاصا، تختار التعالي على التشرد والشتات والانفصال، وقذفها للقفص خارج البيت محاولة للتخلص من وهم الماضي وشباكه، والالتفات الى معالجة واقع يحتاج الى حوارية يومية .

وفي بنية روائية محكمة تدير الراوية حركة الشخصيات في عالم روائي استمد إشاراته من واقع العراق الذي جثم عليه بؤس مطبق وانفتحت أبوابه بفعل فاعل لكل أنواع العدوان والمكيدة والتخريب: " كانت مصابيح بيوت الشارع مطفأة جميعا، لان موعد تشغيل مولدة المحلة لم يحن بعد وكانت ختام تخرج الى حديقة بيتها وهي تحمل الفانوس بيد وقفص الكناري الفارغ باليد الأخرى وتسير على مهل باتجاه الباب الخارجي للبيت متلمسة طريقها بصعوبة في الظلام، وينساب جسدها على مهل كمن يمشي حافيا على فراش من زجاج .. " ص 18 هذه المرأة غريبة من وجهة نظر الساردة، لكنَّ تحديد سمات الشخصية الطبيعية ما زال بغاية الصعوبة في العلوم النفسية، كون الشخصية ذاتها ما تزال عصية على الفهم بسبب تعدد سماتها والاختلافات القائمة بينها حد التناقض، وبالرغم من ذلك فقد ظل الافتراض بان شخصية كل فرد تتواجد على ثلاثة مستويات، أولها ما يظهر للناس من صفات الفرد، تلك الصفات التي يحكمون عن طريقها على شخصية صاحبها، والمستوى الثاني هو ما يعرفه الفرد عن نفسه وما قد لا يظهر للآخرين او يتلاءم مع نظرتهم اليه او حكمهم عليه، والمستوى الثالث هو ما لا يظهر من سمات الشخصية لا للغير ولا حتى للفرد نفسه، وهذا المستوى يظل كامنا بانتظار ما يمكن ان يظهره من عوامل التفاعل بين الفرد ومحيطه، وقد يظل خافيا ما لم يتعرض الإنسان للإرهاق والشدائد، والحقيقة أن الأمر المنطقي في النظر إلى الشخصية الطبيعية هو ضرورة الجمع بين هذه المستويات في كيان واحد وان ننظر إلى شخصية الفرد الحقيقية على أساس الجمع بين الإمكانية والواقع، وما لم نستطع التوصل إلى إدراك إمكانيات شخصية الفرد كاملة فان حكمنا على طبيعة تلك الشخصية سيظل ناقصا ومعرضا للخطأ (4)، من هنا تغير رأي الراوية بشخصية ختام بعد أن اكتشفت نبلها وعمق أحاسيسها الإنسانية والوطنية وقوة عزيمتها .

إن كل الوقائع المفجعة التي أدارتها الراوية لم تثنِ الشخصيات عن إرادتها التي تمجد الحياة بالرغم من الخوف المحيط بكل شئ والنابع من كل شئ والمتربص بالإنسان في عقر داره، الخوف خطيئة العصر الكبرى، لأنه وحده القادر على كسر الإنسان وهزِّ إرادته وتغييب بهجته والعمل على المساس بكبرياء إنسانيته وتعطيل قواه، فالخوف يولد القلق، وهما معا نوعان من الانفعالات التي تستدعي استجابات فسيولوجية ونفسية تعمل على إرباك ٍ في نبض القلب وانقباضات في عضلات المعدة ومجمل الجهاز الهضمي مع إحساس بالتوتر والضغط الشديد والاضطراب الذهني مما يجعل الإنسان في حالة دائمة من توقع خطر وحدوث مكروه، وكثيرا ما يعمل ذلك على تعطيل طاقته ويصرفه عن الانهماك بعمله وممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي وانسيابي :

” كل الهواجس حاصرتني كما الجدران فأقعدتني في مكاني، ولم استطع مغادرته من شدة الخوف بل اكتفيت بالتلفت حولي بذعر.." ص25 .

” ولم أكد أصل إلى غرفة الضيوف حتى دوّى انفجار قريب تكسرت له بعض زجاجات البيت وراحت المروحيات تحلق في الجو بعد قليل، وجاءت سيارات الشرطة بصفاراتها تعوي وتصرخ" ص27.

" فإذا بنا نرى رجلا غريبا وبيده سكينة مطواة شهرها بوجوهنا فور أن أصبح قريبا منا فامتلأ قلبي رعبا وكاد يُغمى علي من شدة الذعر " هكذا عاش الانسان العراقي سبع سنوات وما يزال، وعمار فتى الحدائق الطفل الممرغ اليدين بدم جثة برئ قُتل، والجثث المرمية على الأرصفة لا يجرؤ أحد على التقرب منها، لكن بالرغم من كارثية الصور التي تتشكل داخل الرواية فنا ينبض بالمقاومة إلا أن الرموز العراقية تنهض شاهدة على الحقيقة وناطقة بها ..

"قال القائد الأمريكي لختام بغضب: ولكن ماذا تفعلين هنا ؟

- قالت بحزم وغضب أشد : هذا بيتي، أنت الذي ماذا تفعل هنا ..؟" ص51

نعم هذا بيتها الذي تقف فيه وسط الشجر والزهر والآس المتجذر من أجيال وسنين وهو الطارئ الذي كذب وعده تكمل "أريد ان أصبغ البيت، بيتي

– بيتي وأنا حرة فيه ..51 “

فختام تدرك أهمية البيت في حياة الإنسان، فهو كوننا الأول، إنه واحد من العوامل التي تدمج افكار الإنسانية وذكرياتها وأحلامها، وهو الفضاء الذي يمثل ألفة المكان من الداخل وينحي عوامل المفاجأة ويخلق استمرارية تمنح الإنسان أمانه وتحميه من التفتت الذي أشار اليه باشلار، فالبيت جسد وروح حيث يصبح للوجود قيمته، والحياة تبدا بداية جيدة، مسيجة ومحمية داخل البيت (5)

ان قدرة الراوية على بث الإحساس بالتماسك وحب الحياة والتشبث بعوامل البقاء والاستمرار بدءا من رؤيتها لأصغر وردة أو غصن آسٍ في حديقة البيت إلى موقفها من البيت رمز أمن وكينونة، هو الذي أشاع الأمل في الرواية وعمل على تشكيل كون ينهض فيه الإنسان العراقي مقاوما ومصراً على الحياة، مما يؤكد انحياز هذا النوع من الأدب الى قضية الانسان واهتمامه ببناء شخصيته والعمل على كشف اعدائه والمخططات التي تسعى الى استبعاد الذات الانسانية التي دأب خطاب ما بعد الحداثة على تهميشها وإزاحتها عن مكانتها السامية التي تليق بها، ونفيها المتعمد من قبل مناهج واتجاهات كرستها البنيوية وقبلها الماركسية والفرويدية وبعدها توجهات ما بعد البنيوية بكل ما آلت إليه من عمل على نفي المعنى الإنساني وتغييب فاعليته البناءة وتكريس المادة والاحتكارات واستعباد الجسد وتسخيره لخدمة أهداف لا إنسانية مما أشاع الحروب والاقتتال ورفع قيمة التسلح والشيء على كرامة روح الانسان .

ان الراوية في سرد ميسلون هادي تقدم شخصيات متماسكة تستحق ان تطرح لتزويد الإنسان العراقي المغدور بالقوة التي يحتاجها وبالجلد والقدرة على التجاوز، لأنها شخصيات تمتلك القدرة على المواجهة والتفكير المتأني في الشدائد، وتجيد صنع قرار وسط المجزرة، وهي بالرغم من آلة الدمار المسلطة عليها والهادفة إلى تفتيتها، إلا أنها تواصل الحياة بصبر لأنها شخصيات تتسم بالمرونة إلى جانب الصلابة، صلابة داخلية ومرونة في معالجة مصاعب الحياة من حولها والتغلب عليها، وهي بالرغم من الدمار المحيط بها إلا أنها تمتلك السمة الايجابية في حب الحياة والقدرة على الحلم وسط الظلام، فضلا عن كونها قادرة على تأجيل أحلامها إذا ما اصطدم حلمها بمفاجئات الواقع من خلال وعيها بالظروف المحيطة بها، وهي إذ تؤجل فإنها تمتلك اليقين بحتمية التحقق، وتلك هي الفكرة الكامنة وراء تشكل هذا النص رواية .

إنَّ الشخصية الراوية تلجأ إلى الحلم ليس هربا من الواقع بل تصميما على صنع حياة أفضل، إنها تزرع مع الورد الأمل وتنتمي بالزراعة إلى الأرض متشبثة بها، فالزراعة رمز الاستقرار وانتظار موسم الفرح المضمر بالحصاد " ثم سرحتُ بالأماكن والزوايا التي سيزرع فيها عمار الشتلات الجديدة التي اشتريتها من المشتل، ضحك عمار وأنا أضعها أمامه وقال محتدا أكثر منه مندهشا : من أين تأتين بكل هذه السنادين وكل المشاتل مقفلة ..؟ قلت له : هناك مشتل واحد لا يزال بجازف بالبقاء مفتوحا ويقع قرب نفق الشرطة، قال بطريقته في الضحك التي تعبر عن الانزعاج، الم يغلق أبوابه بعد، وكل الحواجز مقامة حوله وبالقرب منه، بل ان سيارة مفخخة انفجرت بالقرب منه قبل اسبوع واغراض محل ابو الموبايلات غدت شذر مذر .." ص 20 .

إن كل ما يحدث للأشخاص على أرضهم في هذا النص يشكل قيمة درامية بذاته، قيمة لا تنكشف فيها الدوافع والأسباب المعقدة التي أدت إليها صراحة، بقدر ما توحي من خلال طرائق تصويرها وحواراتها بالمرجعيات المركبة الغائبة التي أنتجتها ولذلك يكمن الماضي القريب والبعيد ثاويا في أعماق الوقائع، إن شخصيات الرواية لم ترد في العمل للتعبير عن ذواتها الخاصة، وإنما تشكلت لتعبر عن جموع كبيرة من الناس، وهذا ما جعلها حميمة من جهة ومتنوعة من جهة أخرى، وهي فضلا عن كونها تبدو أول الأمر في حركة اعتيادية إلا أنها ما تلبث أن تصطدم بواقع العنف الذي يفاجئها في الشارع والبيت وعلى الأرصفة، فدبابات المحتل وآلته العسكرية من جهة، والقتلة المجهولون والمتفجرات والمداهمات وملاحقة الأبرياء لمجرد الاختلاف معهم في الرأي أو الثقافة أو التوجهات أو الدين، وكل تلك الأمور تسحق بنية المجتمع وتفكك روابطه .

(4)

لا شك أن تأثير الإنسان بالمكان واثر المكان في الإنسان أمر قائم بجدل عبر التاريخ، وقد ركزت الدراسات النقدية الحديثة على أهمية المكان في النص الأدبي وقسمته على أصناف عديدة منها الأليف والمعادي والموضوعي والمفترض، كما قسموه أحيانا على ثنائيات تشتغل بحركية داخل النص كالساكن والمتحرك والمغلق والمفتوح وغيرها، وعملية التوازن بين الأمكنة فيما بينها وبين الأمكنة والشخصيات تقنية مهمة تعمل الراوية على الاهتمام بها كل حين، فهناك فروق شاسعة بين ماكان عليه المكان في أرض الحدث : بغداد ومدن العراق الأخرى من جمال وانسجام وما آل إليه من خراب، وبين ما كانت عليه حياة الشخصيات من شعور بالأمن، وما صار عليه الأمر اليوم من فزع ورعب ومداهمات داخل البيت نفسه .

إن المكان في الرواية وفي أي نص أدبي هو مكان خاص له مقاصده ورؤاه التي تمثل مقاصد المؤلف ورؤاه السياسية والثقافية، فللمكان بعده السياسي والاجتماعي والثقافي، بل هو يملك دورا وجوديا في حياة الانسان منذ بداية الخلق، حيث كانت مغادرة المكان أول إشكالية في حياة المخلوق قلبتها رأسا على عقب، ذلك أن العلاقة بين الانسان والمكان علاقة درامية، من هنا كان الاعتداء على المكان يعمل بجدل دائم مع الاعتداء على الإنسان، فكل تخريب للأرض يعمل بعمق على تخريب الذات الإنسانية وتجريحها، إن إحراق المكان بالصواريخ وأنواع المتفجرات إنما هو اعتداء على الشخصيات وغدرٌ بها ونكاية بأمنها وقمع لحرياتها واقتحام بالخوف للبيوت التي هي مستقر حياة الإنسان وملاذه من مخاطر الخارج وما يكتنفه من مجهول "الآن لم تعد البيوت وحدها محصنة بالأسوار ولكن الشوارع والساحات والجسور شأنها شان السجون والمعتقلات محاطة بالجدران والحصون والسيطرات، وبين كل جدار وجدار يوجد جدار .." ص 30   .

تقول الراوية لعمار فتى الحدائق الذي يرعى حديقة بيتها وهو يريد العودة لأهله في الديوانية بسبب واقع بغداد السئ والقتل المجاني : "لا تذهب، ابق هنا في هذا الحي، وهذا الشارع قد خلا من سكانه او كاد كما ترى، وأنت الوحيد الذي يأتي إليّ بين صباح وأخر فأشعر بأني على قيد الحياة .." ص 20، فأي عذاب وأيّ وحشة تشعر بهما الراوية حينما تعدلهما بالموت، إن العلاقة بين الإنسان والمكان قائمة على تبادل المشاعر والالتحام والتشرب حيث تنمو الدلالة النصية متشعبة متفرعة من خلال تكثيف الفعل الدرامي وتعقيد مساره، ذلك الفعل الذي يجمع الشخصية والمكان مع العناصر الأخرى، وهما في عملية الدمج تلك يقوم كل منهما بالتأثير في الآخر والحفر فيه، لاسيما وأن الإنسان / الشخصية قادر على منح الأمكنة والأشياء قيمتها وأبعادها الذهنية والماورائية، وقادر على تغيير ملامحها وتشكيلها على وفق أنماط مختلفة وقادرة أيضا على ابتداع بعض أنواعها، فما أن يطأ الكائن الإنساني مكانا ما حتى تبدأ فعاليات التغيير ليكتسب المكان هوية جديدة (6) وكذلك يفعل المكان بالإنسان والأحداث في الرواية حينما يعمل على دمج العناصر ببعضها مشكلا عنصر بناء فاعل لعناصر السرد الأخرى اذ لم يعد المكان فضاء حاويا محايدا، ويتسم الإنسان بالإحساس العميق بالمكان ويتبين هذا النزوع المكاني جليا حينما يبتعد الإنسان عن مكانه الأصلي، فهذا النزوع يتواصل بوشائج متينة، حيث يحفر المكان في أغوار الذات مسارب عميقة تبدو فيها سطوة المكان واضحة على الإنسان من خلال الألفة والترابط بين الطرفين، لكن المكان من جهة أخرى وبعيدا عن تلك السطوة يغدو صديق ساكنيه إذ تصل الألفة بيتهما حد المشاركة في الفرح والحزن (7 ) وصورة المكان والأحداث التي تعرضها الراوية إنما تروى من خلال رؤية خاصة، وهذه الرؤية يعرفها سعيد علوش بأنها ” موقف يتخذه المؤلف من موضوع أو شئ ما ” (8) وللبحث عن هذه الرؤية علينا أن نتذكر أن المحتوى الظاهر ليس هو الأكثر أهمية وان من الممكن الكشف عن دلالات ثاوية تحت البنى السطحية للنص هي الأكثر عمقا والأدق تواشجا مع كوامن الرواة ومن ورائهم المؤلف فمن الطبيعي لمتأمل هذا النص ان يلتقط وراء ملفوظ الوقائع تصورات الراوية ورؤيتها عن إدانة المحتل الأمريكي وبشاعة سياسته الخارجية العدوانية وعنجهيته اللا إنسانية، كما تواجهنا الحوادث الأليمة بأهمية الأمن وجماليات الوطن الغائبة، وضرورة السعادة الأسرية المفتقدة بسبب ما أحدثه الاحتلال من فوضى وشتات ونفي، كل ذلك يصور لنا قبح العنف وأهمية السلام والمحبة وغير ذلك مما هو متخفٍّ وراء ما هو صريح واضح .

وتواصل الراوية لمساتها المكانية المرهفة لأحزان العراقيين بدءا من جرس باب الدار الذي اختفى باختفاء الأقارب والأصدقاء وانقطاع بعضهم عن بعض وغياب الزيارات وحفلات الأفراح والأعراس التي غابت مع غياب المكان الآمن، فهذا المكان اليوم " مكان جيد للموت لا للحياة، تارة أبو عمر الذي قتل وهو يقف في باب البيت، وتارة ابو حيدر الذي باغته الرصاص وهو يقفل محله قبل ان يذهب إلى البيت .." ص33   وثالثة الصيدلي الشاب الذي حوله مسدس اعمى في يد عمياء إلى جثة مرمية على الرصيف .." ص42 هكذا صارت الأماكن الأليفة الجميلة، مواطن السكن والرزق والعبور أمكنة للموت المجاني والغدر والعدوان.

إن رواية "حلم وردي" نصٌّ يكشف واقع الجريمة التي تجتاح العالم وتتمركز في العراق، وتوقع بأهله وشعبه القتل والتنكيل معبرة عن ذلك بلغة جريئة، ووقائع صادمة مع أن تفاصيلها تحدث يوميا وعبر دقائق الزمن العراقي في الليل والنهار، وارتباطها الحميم بالواقع هو الذي منحها حيويتها وصدق انتمائها، مراهنة في سردها على إشراك المتلقي في تشكيل عالمها الروائي الذي لا يحاكي الواقع بل يوازيه مشكلا معه جدلية فنية خطابية بين نصين هما نص الواقع ونص الرواية وما يحمله النص الأخير من إيهام واقعي هو ما يمنحه نفاذيته الدلالية ونجاحه الحجاجي الداخلي، فضلا عن قدرته على إقامة علاقة استعارية مع الواقع تمنح النص مسافة جمالية بين المقروء ومرجعياته الواقعية المغذية له، فالنماذج الأدبية تصبح عبارة عن وسائط علامية لهذا الواقع، أي انها صور رمزية له وليست انعكاسا شكليا، لأنها أشكال دالة وليست مضامين مدلولة، فالعلاقة الجوهرية بين الحياة الاجتماعية والإبداع الأدبي لا تتمثل في مضمون هذين القطاعين ولكن في البنى الذهنية، أي المقولات الفكرية التي تنظم الوعي التجريبي للفئة الاجتماعية المعينة والكون التخييلي الذي يبدعه الكاتب ( 9 ) .

ان الراوية تحلم بالوصول إلى سلام روحي، تركن إليه بعد معاناة طويلة من حصار واغتراب وسفر من اجل لقمة العيش، وبعد فقدانات شتى ولوعة أمهات ذهبن إلى قبورهن بحسرة أولادهن الشباب الذين لم يعودوا من الحرب إلا على الأكتاف، أو لم يعودوا أصلا، وهي في سعيها لذلك السلام تفاجئنا بحركتين تخللتا فعل الخراب، إطلاق الكناري من قفصه، والكشف عن جهاز البيانو . ان لكل خطاب تتحقق فيه الفعالية الكلامية مرجعيةً خاصة في إحالة معينة على ما يتحدث عنه، وهو موضوع الحقيقة ما وراء الكلامية، ولذلك يصر اللغويون على التمييز بين المعنى والمرجعية، لأن استعمال العلامة اللغوية في حد ذاتها يحقق معناها الخاص فقط، أما معرفة مجددات الاستعمال الظرفية والمنطقية فإنها تحقق القيمة المرجعية لذلك الاستعمال، ولذلك يقتضي الفهم الحقيقي أو الإدراكي امتلاك الإجراء المساعد على تحديد المرجع أولا (10)، وحين يكون المرجع واضح المعالم فانه سيكون قادرا على إضاءة النص، ومؤازرا للقارئ في تحديد الإشارات الدالة وما توحي به من وظائف .

إن المكان وما يحدث فيه وما يقع عليه من حرائق وتمزيق وما يوضع عليه من حواجز وعوائق هو أرضية الدراما الحادة التي تعيشها الراوية / الشخصية الرئيسة في الرواية والتي تروي الوقائع من وجهة نظرها … أستاذة جامعية عاشت ظروف وطنها بوعي وسافرت وعملت في بلد عربي، ثم عادت لوطنها في ظروفه الحالكة، ولذلك كانت تتعامل مع الواقع وكوارث المكان بذكاء وحذر يتآزران مع روح مرهفة وعقل يتأمل ويميز، وسمات هذه الشخصية ككل الشخصيات الاخرى في الرواية لا تتضح فقط من خلال الوصف والحوار والوقائع، بل هي تكتمل حضورا من خلال علاقاتها مع الاخرين، ومن خلال أدوارها الفاعلة في الحدث المرتبط بفضاء زمكاني معين، ولذلك فان بناء الرواية بالرغم من احتوائه على قلق وخوف ودم واضطراب وحرائق وفوضى ومفخخات إلا أن التخطيط لذلك البناء او منجزه على المستوى النصي بدا متماسكا لا إرباك فيه، كما أضفت انسيابية أحداثه على النص نوعا من الإشراق الأسلوبي الذي يقود القارئ لنهاية تنفتح فيها الرؤيا ويظللها حلم بالأمل والتواصل والانتظار . إذ يتحول ما هو قبيح واقعيا الى جميل إبداعيا حين يعمد الفن إلى تفريغ القبح الواقعي الذي جرح الروح ليكون محتملا بالتعبير عنه فنيا . إن القوى المحركة للمعنى في نص (حلم وردي فاتح اللون) لا تكمن في إشكاليات حياة وجودية حيث الحب والمرض والموت وقضايا العيش المعقدة، بل تكمن في علاقة صدام حادة بين شعب كامل وقوى محتدمة متداخلة منها الظاهر وكثير منها المتخفي والمغيب، ولذلك كان المصير مجهولا لان العدو يمكن ان يطلع في كل مكان، العدو ليس قادما من الخارج فقط او معسكرا على الحدود، لانه ليس المحتل وحده، بل هو أطراف عديدة أخرى، ولذلك نجد هذه الرواية صورة صدق لحياة العراقيين بعد الاحتلال، لكنها صورة فنية قامت اللغة فيها بمهمة بناء عالم فني يزخر بالإشكاليات ويلوّح بإمكانية العودة للسلام والتماسك مرة أخرى من خلال عودة عائلة الشاب ياسر الى بيتها تنتظر خروجه من السجن، وتشير إلى حتمية عودة الحب والأمل بانتظار الحبيبة لحبيبها السجين، فالسجن بالرغم من كونه مكانا معاديا ومغلقا، إلا أن له أمدا ينتهي، وحداً لا يتعداه، وزمنا لا بد أن ينقضي . وكان البيت بكل أبعاده التي تمنح سمات الهوية الإنسانية رمزا للوطن الذي سيعاوده سلام البيت وشعور الإنسان فيه بالطمأنينة والانتماء.

 

أ.د. بشرى البستاني

...................

الهوامش:

1- حلم وردي فاتح اللون، ميسلون هادي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، بيروت، 2009 .

2- معالجة نظرية لموضوع العنوان في الادب، العنوان في شعر عبد القادر الجنابي نموذجا، عبد الخالق الفلسطيني، مقالة مستلة من اطروحة مقدمة لجامعة حيفا 2005، منشورة على موقع الانترنت، www.jsad.net .، 5 /9 /2010

3- في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد،عبد الملك مرتاض، 184 -185،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1998 .

4- النفس، انفعالاتها وأمراضها وعلاجها، د. علي كمال، 1 /83، دار واسط للطباعة والنشر، ط 4، بغداد، 1983 .

5- جماليات المكان، جاستون باشلار، ترجمة غالب هلسا، دار الجاحظ، بغداد،1980.

6- شعرية المكان في الرواية الجديدة،الخطاب الروائي لأدوار الخراط نموذجا،خالد حسين حسين،104، كتاب الرياض، مؤسسة اليمامة، 2000 .

7- المصدر نفسه، 106 .

8- معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعيد علوش،222، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط 1، 1985 .

9- مستويات اللغة في السرد العربي المعاصر، محمد سالم محمد الأمين الطلبة، 54-55، مؤسسة الانتشار العربي، ط 1،بيروت، 2008 .

10- المرجعية الاجتماعية في تكوين الخطاب الأدبي، محمد خرماش، 90، مجلة حوليات الجامعة التونسية، 38 / 1995

 

الحداثة الشعرية العربية (1)

alkabir aldasisiلعل سؤال الحداثة من أكثر الأسئلة تداولا في حياتنا العربية منذ ما ما يزيد على القرن من الزمن، ذلك أن الإنسان العربي ظل يتساءل عن الحداثة، ينقب عنها يحن إليها، يرفضها تارة ويقلبها أخرى، يراها ضرورة صالحة حينا، وتطفلا باطلا حينا آخر، يحتضنها مرة لأنه يحتاجها لحماية نفسه، ويغلق دونها الأبواب وينظر إليها كأنها جسد غريب مرة أخرى، لأنه يراها تحطم ماضيه وذاكرته بل ووجوده المقدس[1]. وقبل النبش في الحداثة الشعرية العربية لا بد من الوقوف عند الكلمة / المفهوم والمصطلح

الحداثة من الناحية الايتيمولوجية من فعل "حدُث" حداثة (فصيغة فعُل في العربية يصاغ منها مصدران فعولة كسهُل سهولة وصعُب صعوبة وفعالة كفصُح فصاحة وحدُث حداثة). وهي لغويا عكس قدُم وإذا ذكر مع قدم ضم إتباعا نحو: "أخذني ما قدُم وما حدُث" ، والحداثة من الأمر أوله وابتدائه ويقال كذلك الحدوثة والحدثان، وهي ليست من فعل حدث حدوثا بمعنى وقع وقوعا[2]. ورغم وجود لفظة الحداثة ضمن معاجم وقواميس اللغة العربية مرادفة لمعنى الحديث، فإنها ظلت بعيدة عن الممارسات النقدية العربية القديمة. واستعيض عنها بـ"المحدث" و"المولد" وغيرهما من المصطلحات التي نجدها عند النقاد القدامى، ولم تستعمل الحداثة كمصطلح إجرائي وظلت اللفظة (الحداثة) مرتبطة بأصلها وجذورها اللغوي والمعجمي "حدث" كما ظلت غريبة وغير متداولة حتى ظهرت مصطلحات تقترب منها دلالة بل تجاوزتها، واكتسبت مشروعيتها في الكتابات النقدية والإبداعية على السواء كـ"التجديد" و"التحديث" و"الحديث" والمعاصرة... الخ، وبقي لفظ الحداثة محتشما ينتظر، ليعلن نفسه كمصطلح إجرائي في الكتابات النقدية العربية، ظهور الشعر الحر ومنذ ذلك الحين، وهو مصطلح ثابت في وجه التيارات المضادة.

أما اصطلاحا فقد تعددت تعاريف الحداثة فقيل هي "ذلك الوعي الجديد بمتغيرات الحياة والمستجدات الحضارية، والانسلاخ من أغلال الماضي والانعتاق من هيمنة الأسلاف، ليست مقصورة على فئة أو طائفة أو جنس بعينه بل هي استجابة حضارية للقفز على الثوابت..."[3]. وبذلك فهي محاولة الخروج عن الأنماط التقليدية والأشكال العتيقة، إنها محاولة إبداع أشكال ومضامين جديدة وغريبة، "وكل جديد غريب"، كما يقول "بودلير"، إنها انزياح على السنن المعروف والنهج المألوف، فينعكس ذلك في لغة وصور غير مألوفة، فهي حسب أدونيس "رؤيا جديدة وهي جوهريا رؤيا تساؤل واحتياج: تساؤل حول الممكن واحتجاج على السائد"[4]، إنها بذلك مرحلة التنافر والتصادم بين البنية السائدة وما تتطلبه حركة المجتمع من تغيير يستجيب للحظة التاريخية المعاشة، إن مفهوم الحداثة إذن يضع التراث، كشيء معطى أومبريكي، في إشكالية معقدة مع البنية الحديثة التي تحاول تأسيس وجودها لا على التراث، إنها انتزاع لأشكال التعبير من أسر المطلق، وبعبارة أوضح إنها تحرير التعبير كما ترى "خالدة سعيد" في كتابها "حركية الإبداع".

ويبدو من المقبول اعتبار الحداثة هي ذلك الانسلاخ والتجاوز للماضي والمضامين التقليدية، لكن هذا التجاوز والانسلاخ لا يعني تجاوزه إطلاقا "وإنما يعني تجاوزا لأشكاله ومواقفه ومفهوماته وقيمه، التي نشأت كتعبير تاريخي عن الحالات والأوضاع الثقافية والإنسانية الماضية، والتي يتوجب اليوم أن يزول فعلها لزوال الظروف التي كانت سببا في نشؤئها"[5].

من خلال قول أدونيس هذا يتضح لنا أن الحداثة تقف من الأشكال القديمة موقف الرفض النسبي مؤمنة أن لكل عصر ظروفه الخاصة به ومميزاته المكونة له والتي تختلف طبعا عن ظروف ومميزات الأزمنة السابقة، فضرورة التجديد، إذن أمر حتمي.مع الإيمان بأن ما هو قديم كان جديدا في عصره ، وما نعتبره نحن اليوم جديدا سيصبح يوما ما قديما .

 

 

 

 

 

إن هاجس الحداثة والتجديد والخروج عن التقاليد البالية، فكرة تسكن إنسان كل فترة تاريخية، ورواد كل مرحلة أدبية، وذلك من أجل تشكيل فن أدبي يساير العصر المُعاش، بكل تركيباته وظروفه المميزة له عن العصور السابقة، وبتعبير آخر أن الإنسان يسعى دائما وراء الخلق والإبداع مادام الإبداع يمثل بداية جديدة، و"كل عمل إبداعي بالمعنى العميق والحديث، هو محاولة بداية"[6]. والإبداع يفترض بدئيا رفض التقليد[7]. وهو عبارة عن تعارض بين واقع قائم وواقع غير متحقق، أو حركة تؤثر بين راهن ومحتمل حسب تعبير خالدة سعيد، إلا أن الثورة على السائد تختلف وضوحا وضبابية من مبدع إلى آخر ومن عصر إلى آخر. وقد احتفظت لنا كتب تاريخ الأدب العربي بأسماء شخصيات أدانت التقليد وتمردت على السائدة، وبالتالي حاولت التحديث والتجديد والنفور من الأنماط القديمة شكلا أو مضمونا أو هما معا.

وإذا كانت الحداثة ثورة ومحاولة تجاوز للثابت، حق لنا القول إنها متجذرة في كل الشعوب و"إنها ملازمة" للقدم في كل مجتمع وفي كل مرحلة".[8] وليس غريبا أن تختلف أبعادها وأشكالها من مجتمع إلى آخر أو من زمن إلى آخر، فالحداثة الشعرية هي دائما حداثة شعر معين، في شعب معين، في أوضاع تاريخية معينة، ومن هذا المنطلق يحق لنا أن نتتبع، في اختصار خطوات الحداثة عبر محطات تاريخنا الشعري.

يذهب ادونيس، في الثابت والمتحول: "صدمة الحداثة"، إلى أن الحداثة كانت منذ العصر الجاهلي، فهو يؤرخ لها منذ الصعاليك، باعتبارهم حاولوا الخروج عن القيم الاجتماعية السائدة في المجتمع الجاهلي ويبني قيم أخرى كان الذوق القبلي الجمعي يعتبرها غريبة وغير مألوفة ، ومع ظهور الإسلام نبغ شعراء متأثرون بالثورة الإسلامية والحركة الدينية الجديدة فجاءت موضوعاتهم منسجمة مع القيم الجديدة، "ثائرة" على قيم كانت محمودة، وداعية إلى قيم كانت مذمومة ، بل إن الإسلام شكل في حد ذاته حداثة بثورته على الأعراف والتقاليد المجتمعية الجاهيلية ، وبعد انتشار الإسلام شكل شعر الخوارج "حداثة" برفضه للقيم الاجتماعية المعاشة آنئذ .إلا أن الحداثة إلى هذا الحين، لم تكن تركز إلا على جانب القيم الاجتماعية في وقت ظل الشكل القديم هو المهيمن، بينما في العصر العباسي نجد التجديد أكثر وضوحا، وقد أسهب النقاد القدامى الحديث عن الحداثة في الشعر، وعن الصراع بين "القديم" والمولد" أو "المحدث"، وتم التركيز بشكل أساسي على الشكل، ويكفي أن نذكر هنا أسماء مثلت "الحداثة الشعرية" بخروجها عن الأشكال الموروثة، مثل أبي نواس وبشار وأبي تمام وغيرهم، وكان المعاصرون لهم يدركون أن شعرهم كان بالفعل، شيئا غير مألوف : فقد ثار كل من أبي نواس وبشار بن برد على القيم العربية فوجدنا بشارا يتمرد على قيم العرب السائدة في المجتمع من حيث الأكل ونمط العيش وهو القائل ساخر من عيشة العرب:

سَأخْبِرُ فَاخِرَ الأَعْرَابِ عَنِّي * وعنه حين بارز للفخار

أَحِينَ لبِسْتَ بَعْدَ الْعُرْي خَزًّا * ونَادَمْتَ الكِرَامَ عَلَى الْعُقَارِ

تُفَاخِرُ يَابْنَ رَاعِيَة ٍ وَرَاعٍ * بَنِي الأحْرَارِ حَسْبُكَ مِنْ خَسَارِ

وكنت إذا ظمئت إلى قراح * شركت الكلب في ذاك الإطار

وَتَقْضَمُ هَامَة َ الْجُعَلِ الْمُصَلَّى * ولا تعنى بدراج الديار

وتدلج للقنافذ تدريها * وُيُنْسِيكَ الْمَكَارِمَ صَيْدُ فَارِ

بل سخر من صلاة المسلمين وطقوس عبادتهم وتجاوز ذلك إلى تفضيل إبليس عن آدم في مجتمع إسلامي كما في قوله :

إبليس أفضل من أبيكم آدم ***** فتنبهوا يا معشر الأشرار

النار عنصره وأدم طينته ***** والطين لا يسمو سمو النار

ولتجديد ابي نواس مظاهر كثيرة

دع المساجد للعباد تسكنها وطف بنا على الحمار يسقينا

ما قال ربك ويل للذين سكروا ولكن قال ويل للمصلينا

ومخالف لما عرف بعمود الشعر".

ولا ينبغي أن ننسى حركة الموشحات الأندلسية، وما سجله أصحابها من خروج على سنن الشعر القديم:أوزانه وقوافيه[9].

وتجدر الإشارة إلى أن الحداثة مع هؤلاء جميعا كانت أحادية الجانب، لأنها ركزت على القيم الاجتماعية (الصعاليك، الإسلام، الخوارج...) أو على الشكل (شعراء بني العباس – الموشحات – الزجل...).

أما في العصر الحديث فقد ظهرت الحداثة بشكل أكثر جدية بشكلها التام.إذ أثارت إشكالية الحداثة ضجة كبرى بين النقاد وأصبحت موضوعهم الراهن، بل ومجال حديثهم في كل الصحف والمجلات والكتب، التجديد والخروج عن الأنماط التقليدية، ما دامت الإنسانية في تطور مستمر، وتسير من الحسن إلى الأحسن، وتحاول توظيف السابق لينفع ويعطي روح الاستمرارية للأحق، فالإنسان إذن دائما ساع إلى التغير والتطوير، لأن نفسه لا تخول له اجترار نفس الأنماط والعيش على التقليد. إذ أن متطلبات الحياة تلزم عليه البحث والتنقيب عن المناسب، ومن تم فهو دائما طموح إلى الحداثة والتحديث في كل مجالات الحياة، ومن البديهي أن يختلف فهم الحداثة من منطقة إلى أخرى تبعا لاختلاف الظروف والملابسات، التي أنشأتها، بل واختلاف القراءة والفهم.

عندما نطلق مصطلح "الحداثة" نربطه بالعصر الحديث أكثر من غيره من العصور، فالحداثة لم تكن مقصورة على مجال دون غيره من العصور، فالحداثة لم تكن مقصورة على مجال دون غيره فقد امتدت آثارها إلى كل شيء في المجتمع الإنساني. فمنذ العصر الحديث –وما شهده من صراعات وتصدعات وتحولات واختراعات وحروب- والإنسان لم ينفك يتحدث عن التغيير والتجديد اللذان رافقا هذه التغيرات. إلا أن الحداثة العربية لم تتفاعل مع الاجتماعي التاريخي المعرفي، مما استحال معه استيعاب بعدها المعرفي النقدي عكس الحداثة الغربية[10].

ونحن لا يتهمنا الحداثة الغربية وملابساتها في شيء إذ أن موضوعنا يتمحور حول الحداثة الشعرية العربية. وأن أي مقارنة بسيطة بين الحداثتين، تبدي للقارئ للوهلة الأولى تضارب واختلاف المواقف والآراء حول طيلة أو انفصال الحداثة العربية عن الغربية باختلاف النقاد والقراء، بل يمكن أن نجد هذا التضارب حتى لدى الناقد الواحد، فمحمد بنيس يؤكد –كما سبق- أن الحداثة العربية لا تتفاعل مع محيطها، وأنها نبتت في غير التربة العربية، وهي بذلك تظل جسدا غريبا عنا. وأن النقاد لا يزالون يتحفظون أثناء التعامل مع إشكالية ومصطلح الحداثة، وأنهم لازالوا لم يقتحموا موضوعها بجرأة كبيرة، في وقت بدأ فيه الغرب يخطط لمرحلة ما "بعد الحداثة"، و"فيما نحن ما نزال معلقين بأوهام التدرج في مراتبها"[11].

ويكاد ادونيس يشاطره الرأي، في أن الحداثة الشعرية العربية متأثرة بالحداثة الغربية، إلا أنه يرى أن هذا التقليد مقصور على الأشياء الشكلية والعرضية دون المسائل الجوهرية؛ "إننا اليوم نمارس الحداثة الغربية على مستوى تحسين الحياة اليومية ووسائلها لكننا نرفضها على مستوى تحسين الفكر والعقل ووسائل هذا التحسين، أي أننا نأخذ المنجزات ونرفض المبادئ العقلية التي أدت إلى ابتكارها، إنه التلفيق الذي ينخر الانساف العربي من الداخل"[12].

يظهر من خلال ما سبق أن الحداثة العربية متأثرة بالحداثة الغربية بل أكثر من ذلك، فغن المعادين لحركة الحداثة وللأشكال الشعرية الجديدة يذهبون إلى أنها لم تكن غير صورة طبق الأصل للأشكال الأوروبية، ولا علاقة لها بالعشر العربي وأنها جسد غريب –بتعبير بنيس- يعيش بيننا إلا أن المتحمسين لهذه الحركة والذين أخذوا على عاتقهم مهمة الدفاع عنها، يذهبون إلى أنها من أصل عربي ولا علاقة لها بالغرب، ومبررهم على ذلك هو أن لكل مجتمع خصائصه وظروفه وملابساته المختلفة عن أي مجتمع آخر، فعبد المعطي حجازي[13] مثلا يذهب إلى أن الشعر العربي لم يكن بدعا من الشعر الغربي، ويبرهن على ذلك بأن الممارسات الشعرية الأوربية قد مرت من نفس المراحل، التي يقطعها الشعر العربي من التزام بالقافية والوزن تارة، وعدم الالتزام بهما والرجوع إليهما تارة أخرى، كما نجد أدونيس يؤكد أن العرب عرفوا الحداثة إذا كانت تعني "التغاير والخروج من النمطية والرغبة الدائمة في خلق مغاير "منذ القرن الثامن أي قبل بودلير ومالارميه ورامبو بحوالي عشرة قرون، وهي إذن ليست مستوردة ولا دخيلة، وإنما هي ظاهرة أصلية وعميقة في الشعر العربي[14]، ونكاد نصادف نفس النظرة تتكرر عند نازك الملائكة، إذ ترى أن "حركة الحداثة" كانت "اندفاعة اجتماعية"[15]، وأن حركة التجديد لها جذور عميقة في تراثنا، وبذلك فإن محاولات وأدها قد فشلت كلها، وهذا ما يؤكد أن الحركة عربية بحثه ومنبعثة من أعماق أعماقنا العربية الخالصة، وبالتالي فإن محاولة نزعها بمقالة أو مقالات أمر عسير، مادامت اندفاع محتوما حتمت وجودها عوامل اجتماعية عديدة تذكر منها نازك الملائكة أربعة وهي: النزوع إلى الواقع، النفور من النموذج، الهروب من التناظر، والحنين إلى الاستقلال[16].

ومما تجب الإشارة إليه، أن هذا الخلاف والتضارب في الآراء حول أصالة الحداثة الشعرية العربية، لم يبق قائما بين النقاد فحسب، بل إنه أصبح يسكن حتى عقل الناقد الواحد. ونحن نتحدث عن النقاش الذي أثارته أصالة الحداثة، يتوجب علينا أن نشير إلى شيء نراه مهما جدا، يتعلق بترجمة المصطلح، وهي إشكالية تطبع ميادين ثقافتنا العربية، لان ترجمة المصطلح لا تقف عند البحث عن المقابل اللغوي في اللغة العربية، بل تتعلق المسألة بالفرق الشاسع الذي يظل قائما بين إنتاج المصطلح في محيط دلالي معين، وعملية انتقاله إلى محيط دلالي آخر، وهكذا "يبدو في العربية وكأنه (مصطلح الحداثة) ابتداع لغوي أكثر مما هو ملصق بحمولة معرفية، ذات إشعاعات تتصل بالحداثة وكفعل للشمول"[17].

وبتعبير آخر إن الترجمة الحرفية لمصطلح غربي إلى العربية، لا تعني انتقال النوع المعرفي أو الدلالي الذي يؤديه المصطلح في المجال الذي ظهر فيه لأول وهلة، إذ بترجمته يفرغ من الحمولة المعرفية والخلفيات الفكرية التي يحملها في محيطه الأصل.

لا يمكن الحديث عن الحداثة الشعرية العربية في العصر الحديث، ما لم نتحدث عما سبقها ومهد لظهورها وما كنت هي نتيجة له، فالحداثة العربية لم تنزل من السماء، وإنما جاءت حصيلة تغيرات وتحولات عرفها التاريخ والإنسان العربيين، فكان لابد من تجديد وتحديث لمسايرة هذا التطور، كما أن الحداثة الشعرية العربية لم تنشأ دفعة واحدة بل كان عليها أن تمر عبر مراحل قبل أن تتبلور كمصطلح أو كإشكالية، بل وكقضية فرضت ذاتها على كل مبدع ومنظر أدبي.

إن ما سبق الحداثة من حركات فكرية وأدبية شهدتها العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان الممهد للحداثة .. وأبرز هذه الحركات الاتجاه "الكلاسيكي الجديد" ومن النعوت التي ارتبطت بالكلاسيكية في العشر الحديث كونها جديدة، وبالتالي قد يرى فيها البعض شيئا من الحداثة .. ويحق لنا أن نفسر هذه القضية تفسيرين متكاملين:

أولهما: له صلة وثقى بالمرحلة التي ظهرت فيها الكلاسيكية الجديدة في مقابل الكلاسيكية القديمة، وثانيهما: يتعلق بالمفارقة التي تميزت بها كلاسيكية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، على مستوى الموضوع والمضامين بتناولها لقضايا معاصرة لها مع حفاظها على الأشكال القديمة، أو حفاظها على الموضوعات القديمة نفسها بغير التعبير عن قضايا جديدة.

من خلال هذين التفسيرين يتضح لنا مدى استمرارية الارتباط بالتراث. ولما كان الشعر القديم هو المثل الأعلى والنموذج الأمثل لشعراء هذه المرحلة، فإنه يمكننا أن نقتبس مختزلين ما ذهب إليه عمر الدسوقي[18]، أثناء تقسيمه للشعراء المقلدين.

1- طائفة لم تكن لهم شخصية بتاتا (تقليد الأعمى) سلكت نفس الطريق الذي سار عليه شعراء الانحطاط.

2- طائفة حاولت ونجحت أحيانا، ولكنها لم تستطع مقامة سيطرة النموذج القديم.

3- طائفة حاولت الخروج من أسر الانحطاط (لكنهم ظلوا يرفلون في حقل التقليد).

4- طائفة حاكت النماذج القديمة الرفيعة فارتفعوا بالشعر إلى درجة عالية (البارودي – شوقي – حافظ...).

فالكلاسيكية إذن لم تخرج عن كونها قلدت السابقين وأعادت كلامهم ولم يكن لها أن تفعل أكثر من ذلك، ولا يحق لنا أن نطالبها بأكثر مما أتت به. يقول البارودي[19]:

تكلمت كالماضين قبلي بما جرت

به عادة الإنسان أن يتكلمها

فلا تعتد مني بالإساءة غافل

فلا بد لابن الايك أن يترنما

لكن كيف يحق لنا أن نقول إن ما عرفته النهضة –ولم تكن غير مقلدة- كان سببا في ظهور حركة الحداثة؟ إن حركة البعث جاءت استجابة لضرورة حتمية عرفتها المرحلة: أي جاءت إجابة عن أسئلة طرحت نفسها بشدة، مثل: لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟ كيف نخرج من أزمتنا؟ كيف نتعامل مع التراث؟... وغيرها من الأسئلة التي كثيرا ما لاكتها ألسن السلفيين والكلاسيكيين الجدد وكل رواد عصر النهضة.

وكان الجواب المقنع في نظرهم هو وجوب العودة إلى السلف[20] لحل كل مشاكل هذا العصر، ما دام الماضي كان فيه زمام الأمور بيد العرب، فكثر شعر المعارضات، وإثارة الموضوعات القديمة. وحتى من أثار موضوعا جديدا ألبسه ثوبا قديما، وفي كلتا الحالتين يظل نموذج الشعر القديم حاضرا شكلا أو مضمونا أو هما معا. بل يذهب بنيس إلى أننا "لا نجد ذكرا بتحديث والتجديد في مقدمة دواوين البارودي وشوقي وحافظ[21]. كلام بنيس هذا يشير بوضوح إلى غياب الحضور الفعلي للحداثة والتحديث في الشعر النهضوي، ما دام شعراؤه لم يتجاوزا حدود الأنماط القديمة. إلا أنه يرجع بداية التجديد إلى المدرسة "الرومانسية" مع مطران وجبران إذ أنهما "أوضح في النعت والتجديد، فجبران يلخص مشروعه التحديثي في "الجديد". أما مطران فيقول: "قال بعض المتعنتين الجامدين أن هذا شعر عصري وهموا بالابتسام. فيا هؤلاء نعم هذا شعر عصري وفخره أنه عصري وله على سابق الشعر مزية زمانه".

هنا إذن مع الرومانسية أصبحنا نتحدث عن مصطلحات تلامس الحداثة مثل التجديد والمعاصرة. بل إنه (بنيس) يجعل الرومانسية البداية الأولى للحداثة "تبدأ اللحظة الأولى من الإحساس بهذا التصدع مع الرومانسية، جبران، مطران مدرسة الديوان"[22].

يمكن القول، إذن أن الرومانسية تشكل بحق حلقة وصل بين المشروع النهضوي المؤمن بالعودة الأبدية للموروث الشعري، ومشروع الحداثة التي حاول الانفصال عن التراث والتخلص من براثن التقليد، بإعطاء بديل شعري أنتجته ظروف اجتماعية وتاريخية وثقافية معينة. ومن ثم ظلت الرومانسية تملأ تلك الهوة التي تفصل بين التقليد (البعث) والتجديد (الحداثة)، إذ ظلت محاولاتها خجولة ومحتشمة، لان المجتمع لازال لم يتهيء بعد للتحول والتغير الكلي.

يبقى السؤال المهم طرحه في هذا الإطار هو: ما هي الدوافع إلى التجديد؟ أو ماذا وقع في هذه المرحلة تحتم معه الخروج عن الأنماط القديمة؟ أو بصيغة أخرى لماذا الحداثة؟

إن هذه المرحلة شهدت تحولات عدة على جميع الأصعدة، اجتماعيا، سياسيا، ثقافيا، اقتصاديا، تجلت أساسا في دخول الاستعمار وما شكله من تغير جذري داخل الأوساط العربية، وما نتج عن ذلك من انقسامات سياسية واجتماعية، جعلت العربي يعيش في مأزق ومخاض مستمرين لم يكن لهما مثيل في تاريخه الحضاري، وحتمت عليه القيام برد فعل تمثل في حركات التحرر وما رافقها من محاولات إصلاحية، وفكر تحرري مس كل القطاعات. ينضاف إلى هذا عامل قومي أساسي بل وحاسم، يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية كقضية عربية قومية، وقيام اسرائيل كعنصر دخيل بين البلدان العربية، يحاول إضعاف الشوكة العربية والإنسان العربي، الذي كان ينفجر في شكل حركات تحرر تارة، وفي شكل انقلابات حينا آخر في أكثر من منطقة عربية، وهو بذلك يعبر عن رفضه للعنصر الدخيل وللوضع المعاش، وعن الإحساس بالتصدع الذي فرض نفسه على إنسان تلك المرحلة، إذ من "المستحيل الدخول في العالم الآخر الكامن وراء العالم الذي نثور عليه، دون الهبوط في هاوية الفوضى والتصدع والنفي"[23]. ويتوجب علينا، ونحن نتحدث عما قبل الحداثة، أن نشير إلى الحرب العالمية الثانية وما كان لها من دور أساسي في تشكيل حركة شعرية جديدة ولدت متأثرة بجحيمها. وكانت تعبيرا عن مدى إدراك الجيل الجديد لرفض الموقف الرومانسي من الواقع الاجتماعي المتخلف. يؤكد "كمال خير بك" أن الحداثة الشعرية العربية وليدة فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ذلك أنه "عقب الحرب العالمية الثانية، ظهرت حركة ثورية شعرية جديدة شرعت بالإنابة عن نفسها عبر قصائد ومجاميع مختلفة... فبدت هذه الحركة وكأنها شكلت مواصلة والتحاما مع المحاولات المجددة السابقة"[24].

ورغم ما يبدو في الفترة من زخم وغزارة الإنتاج الفكري والأدبي، وتنوع واختلاف القضايا المتداولة، فإنه يمكن اختزال ذلك في إشكالية النهضة أو الخروج من التأخر التاريخي. وتتمحور هذه الإشكالية حول ثلاثة محاور أساسية:

1- نقد الذات.

2- التأكد على ضرورة العودة إلى "السلف" وتكييفه مع الواقع الجديد.

3- الموقف من الخطر الخارجي.

وهي نفس المحاور التي ظلت تثار منذ سقوط بغداد وهي –كما نلاحظ- لا تدعو إلى التغيير، فأصحاب هذه المرحلة شهدوا لحظة احتضار الحضارة العربية، ولم يكن أمام أعينهم مثل يحتذى –خاصة وان الغرب لم يتغلغل بعد بشكل قوي داخل الأوساط العربية- إلا الماضي والسلف. فما كان على رواد عصر النهضة سوى سلك هذا السبيل. ولم يكن التجديد ممكنا، نظرا لما يعيش عليه العالم العربي من أوضاع مزرية وقاهرة أفقدت العربي ثقته في الحاضر، وبالأحرى في المستقبل، ولم يظهر التجديد بصورة واضحة إلا بعد الحرب العالمية الثانية وذلك لأن العربي أصبح أمام جثة ميتة مع تواجد الآخر بكل قواه، فكان طبيعي أن يحذو العربي حذو الغرب الأمثل، أو يبتكر نهجا جديدا، فانعكس ذلك على الأدب. لهذا لم تظهر الحداثة مع النهضة، فمع الرجوع والنكوص إلى الوراء كثرت المعارضات في الشعر وسد باب الاجتهاد في الفقه، وعم التقليد للأشكال والمضامين القديمة، وأمام كل هذا كانت الحداثة آخر ما يمكن التفكير فيه أبان عصر النهضة. وستبدأ الإرهاصات الأولى للتجديد مع الرومانسية، الديوان، أبولو والرابطة القلمية...

يبدو التساؤل عن الحداثة الشعرية العربية تساؤلا عن مضامين وأشكال ومناهج وسمات هذه الحداثة. وهو سؤال واسع يصعب إيجاد جواب جامع مانع يشفي غليل السائل، ويطمئن روحه، ويثلج صدره "لا أزعم أن الجواب عن هذا السؤال أمر سهل فالحداثة في المجتمع العربي إشكالية معقدة... بل يبدو لي أن الحداثة هي إشكاليته الرئيسية"[25].

وسؤال الحداثة سؤال عام يحوي كل الأسئلة التي تطرح حول التجديد والتحديث والمعاصرة، بل هو "رحم الأسئلة" حسب تعبير بنيس، إذ فيه تتلاحم وتتداخل سمات الحداثة وتاريخها. ونحن حين نطرح مشكلية الحداثة تتسابق إلينا التعريفات والأجوبة المختلفة باختلاف أصحابها، ويصبح سؤال الحداثة سؤالا حضاريا فنظل مع كل إحساس بالتصدع، نسأل بسؤال الحداثة ونجيب بجوابها، وسرعان ما نجد أنفسنا وحدنا في الساحة دون سؤال أو جواب وتضيع السمات وتفتقد الذات المتسائلة موضوع السؤال[26].

ومن هنا تصبح الحداثة مختبرا للأسئلة والأجوبة، بل أصبحت (إشكالية الحداثة الشعرية العربية) تسيج كل ظاهرة إبداعية أو تنظيرية تموضع نفسها ضمن التجديد، بل حتى أصبح مصطلح الحداثة الشعرية العربية، مصطلحا فضفاضا بلا ضفاف نظرا لكثرة استهلاكه وتمطيطه إلى حدود سريالية يصعب على العقل تحديد تخومها المعقولة.

هكذا أصبحت الحداثة الشعرية العربية "مظلة" يستظل بها، وشعارا يرفعه، كل من رغب في الإبداع على الطريقة الغير القديمة. ويصبح باسم الحداثة زائغا عن الحداثة نفسها، التي كادت أن تصبح "علاقة" نعلق عليها كل النتاجات الشعرية الخارجة عن النمط القديم، حتى وإن كانت على مستوى جد رديء من الناحية الفنية. وأصبح كل مبدع يمارس عاداته وطقوسه، ويطبق معتقداته، ويحل رموز طلاسمه في محراب الحداثة، مما ينتج عنه غربة الشاعر العربي عن واقعه، أو بعبارة أخرى ينفصل الشعري عن الواقعي باسم الحداثة. وبالتالي تفرغ الممارسة من وظيفتها الخطيرة في محيطها، فيحصل بذلك أن يتخلف ما هو شعري عن ترجمة ما هو واقعي. مما جعل الحداثة الشعرية العربية مجالا اختلط فيه الجيد بالرديء، والحسن بالقبيح، والعين الناذر بالرذل الساقط، فأثار ذلك ثائرة كثير من النقاد الذين رفضوا هذا الشعر الفتي، بل إن المبدعين أنفسهم أضحوا يتبرؤون من هذا "التدجيل" يقول محمود درويش: "إن ما نقرؤه منذ سنين بتدفقه الكمي المنهور ليس شعرا إلى حد يجعل واحدا مثلي متورطا في الشعر منذ ربع قرن مضطرا لإعلان ضيقه بالشعر وأكثر من ذلك يمقته يزدريه فلا يفهمه. أن العقاب الذي نتعرض له يوميا من جراء اللعب الطائش بالشعر يدفعنا أحيانا إلى قبول التهمة الموجهة للشعر العربي الحديث. لكن هل يكفي أن يتبرأ كل شاعر بطريقته الخاصة لينجو من الاتهام العام؟...

... إذ كيف يتسنى لهذا اللعب العدمي أن يوصل إلى إعادة النظر والتشكيك بحركة الشعر العربي الحديث ويعبر بها عن وجدان الناس إلى درجة تحولت فيها إلى سخرية؟ إن تجريدية هذا الشعر قد اتسعت بشكل فضفاض حتى سادت ظاهرة ما ليس شعرا على الشعر واستولت الطفيليات على الجوهر، لتعطي الظاهرة الشعرية الحديثة سمات اللعب والركاكة والغموض وقتل الأحلام والتشابه الذي يشوش رؤية القارئ بين ما هو شعر وما ليس شعرا"[27].

إن هذا الاستشهاد، وإن كان طويلا، فإنه يعكس ما نحن بصدده، وما لحق الحداثة من تمطيط لتشمل ما ليس شعرا.

ورغم كل الاختلافات والتناقضات والأسئلة، فإنه لا يختلف اثنان حول فحوى الحداثة، وحول الدور الذي لعبته في تطوير القصيدة العربية، وانتشالها من براثن التقليد والجمود. وان الحداثة الشعرية العربية ثورة حقيقية وخروج واضح عن هيمنة النصوص القديمة، وتحطيم لقدسيتها. إنها "رؤيا جديدة وهي جوهريا رؤيا تساؤل واحتجاج، تساؤل حول الممكن واحتجاج على السائد" وهنا نرى أن أدونيس يقرر بأن الحداثة تمثل "تساؤلا حادا يفجر أفاق اللغة الشعرية ويفتح دروبا وآفاقا تجريبية جديدة في فضاء الممارسة الإبداعية"[28].

وتبقى الحداثة الشعرية العربية محاولة تجاوز للماضي الشعري، إلا أنه لم يكن تجاوزا مطلقا بقدر ما كان محاولة تخط لأشكاله ومواقفه ومفهوماته وقيمه التي كانت نتيجة الأوضاع الثقافية والإنسانية الماضية، والتي لم تعد صالحة في هذا الوقت وبالتالي يتوجب اليوم زوالها لاختلاف الظروف والأوضاع العامة الراهنة عن السابقة. وهكذا تشترط الحداثة الشعرية العربية أن يظل المبدع دائما في حركة واستمرارية تدفعه لتجاوز الآخرين بل لتجاوز ذاته.

إن الحداثة الشعرية العربية إذن تشكل موقفا من التراث، إلا أنه ليس موقفا عدائيا ولا موقف مهادنة، غذ أن المهم هو أن "الموقف" من التراث لا يمكن أن يكون موقف قبول أو رفض إذ ليس لدى الإنسان من خيار في قبول تراثه أو رفضه. إن ما يجب تغييره هو فهمنا لهذا التراث، والمنظور الذي من خلاله نتطلع إليه ونمارس حكمنا عليه كما يرى ادونيس[29].

إنها تمثل موقفا من التراث مادام الشعر القديم كان يمثل نظرة أفقية، وأن العلاقة التي تجمع الإنسان بعالمه في الشعر القديم، لم تخرج عن كونها جوهرية. أما مع حركة الحداثة فقد أصبح الشعر مغامرة إنسانية، هدفها الأسمى البحث عن حقيقة خاصة، وتكسير الآفاق المغلقة لمثل هذا العالم (التراث) سعيا وراء الانفتاح على عالم أوسع. إن حركة الحداثة قد بدأت منذ نازك الملائكة تقرع أبواب هذا العالم الكبير الغني، ذلك أنه ابتداء يكون فعل خلاص وتحرر. إنه يحاول جهد المستطاع الابتعاد عن مستنقعات التقليدية التي هي معادلة للبؤس والجهل واللا عدالة[30]. لعل هذا ما جعل يوسف الخال يركز على "محدودية التراث العربي"، وبالتالي يدعو إلى وحدة التراث الإنساني، الشيء الذي يتوجب معه ضرورة خلق وإبداع نمط شعري جديد يتماشى مع روح العصر. لأنه ونحن نسير على الأنماط القديمة، سنكون مضطرين إلى "معاناة قضايا مجتمع قديم في عالم حديث ومعاناة قضايا مجتمع حديث في عالم قديم"[31].

والحداثة الشعرية العربية كثيرا ما تشحن بتضمينات وتحمل دلالات متعددة، مما يجعلها مقولة متلابسة. ومن تم تبقى مقولة تصورية، وأن النواة الدلالية المحددة لها تكمن أساسا في مبدأ النسبية[32] باعتبارها تمثل لب ماهية الحداثة. على هذا الأساس فإن شعر الحداثة يخلق حقلا متميزا لخلخلة اللغة والمضامين والأشكال المعهودة.

 

ذ. الكبير الداديسي

...........................

[1]"حداثة السؤال بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة"، ص 131، محمد بنيس، دار التنوير، بيروت، نشر المركز الثقافي العربي، البيضاء، طـ1، 1985.

[2]المنجد في اللغة والأدب، ص 121، دار المشرق، بيروت، 1986.

[3]مجلة عالم الفكر، المجلد التاسع عشر، العدد الثالث، أكتوبر ، نوفمبر، ديسمبر 1988، الكويت، ص 6.

[4]أدونيس، "فاتحة لنهايات القرن"، ص 34، ادونيس، دار العودة، بيروت، طـ 1، 1980.

[5]زمن الشعر، ص 60، ادونيس، الطبعة الثانية، دار العودة، بيروت.

[6]خالدة سعيد، حركية الإبداع، دراسات في الأدب العربي الحديث، طـ 1، 1979، دار العودة، بيروت، ص 13.

[7]خالدة سعيد، المرجع نفسه، ص 12.

[8]أدونيس، "فاتحة لنهايات القرن"، ص 327.

[9]الدكتور عبد الهادي محبوبة، "مقدمة"، الطبعة الأولى لكتاب نازك الملائكة، "قضايا الشعر المعاصر"، ص 344، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة السابعة، 1983.

[10]محمد بنيس، حداثة السؤال، ص 140.

[11]نفس المرجع، ص 131.

[12]أدونيس، "الثابت والمتحول، صدمة الحداثة"، ص 268، دار العودة، بيروت، طـ 1.

[13]أحمد عبد المعطي حجازي، "القصيدة الجديدة وأوهام الحداثة"، مجلة إبداع، عدد 9، سنة 03 سبتمبر 1985.

[14]أدونيس، "فاتحة لنهايات القرن"، ص 326.

[15]نازك الملائكة، "قضايا الشعر المعاصر"، طـ 7، دار العلم للملايين، بيروت، 1983، ص 55.

[16]نازك الملائكة، المرجع السابق، ص 54 إلى 62.

[17]أدونيس، "فاتحة لنهايات القرن"، ص 336.

[18]عمر الدسوقي، الأدب الحديث، ج 1، ص 155 وما بعدها.

[19]ديوان البارودي، ج 1، ص 5، الأميرية القاهرة، 1943.

[20]لا بد من الإشارة إلى ضرورة التفريق بين (السلف) عند الكلاسيكية والسلف عند السلفية الدينية، فالكلاسيكيون لم يعتبروا عصر الرسول والخلفاء هو العصر الذهبي بل تجاوزوا ذلك إلى العصر الجاهلي وامتدوا بالعصر الذهبي إلى العصر العباسي.

[21]محمد بنيس، "الحداثة السؤال"، ص 137.

[22]نفس المرجع، ص 143.

[23]أدونيس، "زمن الشعر"، ص 54.

[24]كمال خير بك، "حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر"، ترجمة لجنة من أصدقاء المؤلف، الطبعة الثانية، 1986، ص 35.

[25]أدونيس، "فاتحة لنهايات القرن"، ص 320.

[26]أدونيس، "حداثة السؤال"، ص 143.

[27]محمود درويش، "انقذونا من هذا الشعر"، الكرمل، عدد 6، ربيع 1982، ص 6.

[28]عبد السلام المسدي، "النقد والحداثة"، طـ 1، 1983، ص 9.

[29]ورد في "حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر"، كمال خير بك.

[30]المرجع نفسه، ص 75.

[31]يوسف الخال، "الحداثة في الشعر"، دار الطليعة، بيروت، ديسمبر، 1978، ص 6.

[32]راجع عبد السلام المسدي، "النقد والحداثة"، ص 9.

ابن زيدون وولّادته .. عروة بن أذينة والشريف الرضي والسيد جعفر الحلي استطراداً (2)

karem merzaنريد لأمتنا أن تتلمس معاني الجمال والحب والذوق والإنسانية من أرق الناس وأعذبهم، لا الكراهية والبغضاء والعداء من أجلافهم وجهلائهم!!

غزل فقيه المدينة عروة بن اذينة (ت 130 هـ) الذي قل نظيره في شعرنا العربي:

إن التي زعمت فؤادك ملـّـها ***خُلقت هواك كما خُلقت هوى لها

فبك الذي زعمتْ بها وكلاكما ******أبدى لصاحبه الصبابة كلّـها

ويبيتُ بين جوانحي حبٌ لها ********لو كان تحتُ فراشها لاقلـّـها

لمّـا عرضتُ -مسلماً- لي حاجةٌ ***اخشى صعوبتها .. وارجو ذُلـّها

منعت تحيتها فقلت لصاحبي: ******** ماكان اكثرها لنا.. وأقلّـها

فدنا، وقال: لعلها معذورةٌ ***** في بعض رقبتها.. فقلت: لعلّـــها

السيد جعفر الحلي نسيبه والصهباء، وكوكبة من الشعراء .. ما لكم كيف تحكمون !!

قبل أن أنتقل بك إلى السيدين الحلي (و قامة رشأه المهفهف التي تميل لموضع التقبيل)، ِ الحبوبي وكأسه، ووا وجدي عليه)، والجواهري (وعريانته، وجربينه بضنك مكانه)، ومن قبل قدّمت لك امرؤ القيس وفاطمته، وكعب وبردته، والمتنبي بين خولته وأعرابياته)، كمقدمات للعاشقين الأندلسيين الخالدين ابن زيدون وولّادته) حتى أكشف النقاب عن وجه النفاق والارتزاق، والتزلف على أبواب المعالي، والتدين الكاذب المرائي، والشهادات العلمية البربرية الجاهلة الحاقدة اللاهثة للوصول إلى كرسي مكسر، ولقمة رخيصة ككروشهم العفنة من قبل ومن بعد !! من قال التغزل بالجنس الآخر حرام، وخفة، واستهتار، وعدم تعفف؟ سامحكم الله، وهذه سنته في خلقه، وتحسس لجمال صنعته، وإكمال رسالته، أعوذ بالله من أجلاف الناس، ومتصنعي التعفف الذين أوصلوا الأمة إلى استرخاص الذات الإنسانية حتى قطع الرؤوس والاغتصاب، لأيم الله لأرميكم بحجارة من سجيل، وأجعلكم كعصف مأكول !!

إذن عليك ان تتقبل بامتنان هذا المقلب الجعفري، إذ يدور بك أنّى يشاء، ويجعلك منبهراّ لتحليلاته وصحونه الطائرة، كيف لا؟! وقلبه يطير مخترقاً الأجواء، وجسمه ينفذ من شقوق الأبواب، وما أحسبه نظم الأبيات الثلاثة، إلا لكي يوصلك إلى البيت الثاني، وهو بيت القصيد:

إني شكرت نحول جسمي بالمها ** إذ صرت لم أمنع بكل حجاب

إن أغلقت باباً فقلبي طائرٌ *** والجسم ينفذ مــــن شقوق الباب

فأنا بعكس ذوي الهوى! اذ دأبهم ** ذم النحول،وشكره من دابي

وأنا أميل إلى أن نحوله كنحول المتنبي في صغره:

كفى بجسمي نحولاً أنني رجلُ ***** لولا مخاطبتي إياك لم ترنى

وليس كما ذهب الساخر المضحك بشار بن برد, إذ يزعم بأنه نحيل ويزعم الدكتور طه حسين بأنه كاذب في قوله:

إن في بردي جسماً ناحلاً **** لو توكأتَ عليه لانهدمْ

ثم لا اخالك لا تنتشي بصهباء السيد الذائب عسجدها بلجينها، وحمرة الخدود التي انعكست على الراح، أو تشربت به، وبهذا العشق الممزوج بالخوف،والعيون الحائرة بين حبيبها ورقبائها.

ثم ماذا؟!

الشبيبة تناديه، وثوبها قد سلب، فكيف السلوان؟!

هل ثوب اللهو المسلوب، أتراه كناية عن العمر المهدور أم عذراً يتستر به لكرع كاسات السرور؟ّ!

لا تبالي هلمّ معه لنشرب الصهباء، ونستغفر الله ونحمده بالصلاة على محمد وآله الكرام .. مادام الكأس خيال، والكلام من السحر الحلال .. وأخيراً ينتصر شاعرنا لإرادة الحياة، فما الليث إلا بشبله، وما الأسد إلا بضرغامه.. والدنيا تواصل مسيرتها.. اقرأ معي:

أهل ترى لؤلؤاً في الكأس أم حببا * وغلمة تجتليها أم قطيع ظبا

وذاك جام به الصهباء ذائبةٌ **** أم فضة قذ أذابوا وسطها ذهبا

ياما آحيلاه ملعاباً يطوف بها *** يجد فينا رسيس الشوق إن لعبا

سيان لون حمياهُ ووجنتهُ **** ** فصبّـهُ ليـــس يدري كلما شربا

أراحهُ حمرة من خده اكتسبت **** أم خــدهُ حمرةٌ من راحهِ اكتسبا

وافى إليّ وسرّ النجم منهتك **** والليـــل يضرب من ظلمائه حجبا

خوفٌ وعشقٌ على عينيه قد حكماً*** فمقلةٌ ليّ والأخرى إلى الرقبا

ياهل يعود لنا دهر بكاظمــــــةٍ ***** سرعان ما مرّ حاليه وما ذهبا

حيث الشبيبةُ ثوبٌ قد لهوت به **** كيف السلو وثوب اللهو قد سلبا

هلم يامترع الكاسات نشربها ***** صهباء لـــم تبق لي هماّ ولا وصبا

إضافة الماء تنمي عن أصالتها**** ** فبالحباب عرفنـــــا أصلها عنبا

وروّ فيها حشى لو بعض غلتها ***** بالدجلتين لمــــــا طابا ولا عذبا

لا جرم أن الشاعر برقته العذبة وغزله الرائع لم يتعد حدود مجتمعه المسلم المحافظ الورع إذ كان يتفهم الوازع الإنساني، والوجدان العاطفي لشاعر حساس يحترم عرفه ويفهم تعاليم دينه.. والحقيقة أن الغزل باب من أبواب الشعر، وكانت العرب في الجاهلية لا تفتح مدائحها إلا به.. من قفا نبكِ.. واحبها وتحبني.. حتى أطلال خولة.. ودار عبلة، بحومانة الدراج فالمتلثم.

ثم قف! ألم نذكر كيف وقف كعب بن زهير الذي هجا رسول الله (ص) ذات يوم, مما تسبب بهدر دمه امامه ليعتذر منه بطلب من قبيلته بعد ان ضاقت به السبل ليتغنى بسعاده في إطلالته على سيد المرسلين، وذكرنا الأبيات !

ثم ألم يتغزل فقيه المدينة عروة بن اذينة ت 130 هـ / 748 م)، وهو شيخ الإمام مالك بن أنس، صاحب مدرسة الحديث في الفقه الإسلامي، بهذا الغزل الغض الذي قل نظيره في شعرنا العربي، اقرأ رجاء بعض ما قاله هذا العروة الجميل:

إن التي زعمت فؤادك ملـّـها ***خُلقت هواك كما خُلقت هوى لها

فبك الذي زعمتْ بها وكلاكما ******أبدى لصاحبه الصبابة كلّـها

ويبيتُ بين جوانحي حبٌ لها ********لو كان تحتُ فراشها لاقلـّـها

لمّـا عرضتُ -مسلماً- لي حاجةٌ ***اخشى صعوبتها .. وارجو ذُلـّها

منعت تحيتها فقلت لصاحبي: ******** مـا كان اكثرها لنا.. وأقلّـها

فدنا، وقال: لعلها معذورةٌ ***** في بعض رقبتها.. فقلت: لعلّـــها

ولعلك لا تنسى - يا صاحبي- قصيدة الشريف الرضي الغزلية التي تعد من عيون الشعر العربي:

يا ظَبيَةَ البانِ تَرعى في خَمائِلِهِ.... لِيَهنَكِ اليَومَ أَنَّ القَلبَ مَرعاكِ

الماءُ عِندَكِ مَبذولٌ لِشارِبِهِ**وَلَيسَ يُرويكِ إِلّا مَدمَعي الباكي

هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ رائِحَةٌ****بَعدَ الرُقادِ عَرَفناها بِرَيّاكِ

ثُمَّ اِنثَنَينا إِذا ما هَزَّنا طَرَبٌ****** عَلى الرِحالِ تَعَلَّلنا بِذِكراكِ

سهم أصاب وراميه بذي سلم** مَن بالعِرَاقِ، لَقد أبعَدْتِ مَرْمَاكِ

وَعدٌ لعَينَيكِ عِندِي ما وَفَيتِ بِهِ** يا قُرْبَ مَا كَذَبَتْ عَينيَّ عَينَاكِ

حكَتْ لِحَاظُكِ ما في الرّيمِ من مُلَحٍ * يوم اللقاء فكان الفضل للحاكي

كَأنّ طَرْفَكِ يَوْمَ الجِزْعِ يُخبرُنا *بما طوى عنك من أسماء قتلاك

أنتِ النّعيمُ لقَلبي وَالعَذابُ لَهُ*****فَمَا أمَرّكِ في قَلْبي وَأحْلاكِ

عندي رسائل شوق لست أذكرها **لولا الرقيب لقد بلغتها فاك

سقى منى وليالي الخيف ما شربت** مِنَ الغَمَامِ وَحَيّاهَا وَحَيّاكِ

إذ يَلتَقي كُلُّ ذي دَينٍ وَماطِلَهُ *** منا ويجتمع المشكو والشاكي

لمّا غَدا السّرْبُ يَعطُو بَينَ أرْحُلِنَا***مَا كانَ فيهِ غَرِيمُ القَلبِ إلاّكِ

هامت بك العين لم تتبع سواك هوى *مَنْ عَلّمَ العَينَ أنّ القَلبَ يَهوَاكِ

حتّى دَنَا السّرْبُ، ما أحيَيتِ من كمَدٍ* قتلى هواك ولا فاديت أسراك

يا حبذا نفحة مرت بفيك لنا ******* ونطفة غمست فيها ثناياك

وَحَبّذا وَقفَة ٌ، وَالرّكْبُ مُغتَفِلٌ***** عَلى ثَرًى وَخَدَتْ فيهِ مَطَاياكِ

لوْ كانَتِ اللِّمَة ُ السّوْداءُ من عُدَدي*** يوم الغميم لما أفلتِّ أشراكي

توفي الشريف الرضي ببغداد عام 406 ه - 1015م، وهو محمد بن الحسين بن موسى، أبو الحسن، الرضي العلوي الحسيني الموسوي.

فلا الشريف تعرفه كم هو شريف ورضي!..وتعرف مقصورته في رثاء الإمام الحسين (ع)، وهي اشهر من ان تنسى:

كربلا لا زلتِ كربا وبلا ***ما لقى عندك آل المصطفى

كم على تربك لما صرعوا ** من دمٍ سال ودمع قد جرى

والسيد جعفر الحلي، أبو يحيى السيد جعفر بن السيد حمد آل كمال الدين الشهير بالحلي (1277هـ -1861م / 1315 هـ - 1897 م)، صاحب الله أيّ دمٍ في كربلا سفكا ...):

الله ايّ دم ٍ في كربــلا ســفكا ******* لم يجرِ في الارض حتى أوقف الفلكا

ما تنقم الناس منهم غيــــر انهمُ ** ينهون أن تعبد الاوثــــــــان والشركا  

وغيرها من القصائد الرائعة في حق آل البيت، هو نفسه الذي سار على خطى سالفيه، مما سيجعلك - فيما يغلب ظني - على ان تتقبل بتلهف واشتياق مقاطع من قصيدته التي صدح بها سادة المقام العراقي المعاصرون كناظم الغزالي و محمد القبنجي.. ومن بعدهما المطرب المعروف سعدون جابر، وشاعرنا في هذه القصيدة ظمآن يروم ان يرتوي من المنهل العذب، ويتمتع بما يزهو به رشأه من الأعين الدعج، وما أضفى إليه من استعاراته المتتالية حتى الخد الأسيل، واما بعد، فلا أراك إلا أن تسير بين توسل الدم المطلول والولهان المقتول للرضاب المعسول والطرف المكحول، ولم ينسَ السيد شكوى عليل لعليل، والتعلق بالأنجيل على عادة العرب معدنه الاصيل، في وصفهم والعاشقين في تلهفهم ولهفهم يقدمها لك الشاعر بعقد لئالئ وجمان وبأعذب الألحان، اقرأ وترنم ياقارئي الجميل

يا قامة الرشأ المهفهف ميلي***بظماي منك لموضع التقبيل ِ

فلقد زهوت بأدعجٍ ومـــــزججٍ *** ومفلجٍ ومضــرجٍ وأسيلِ

رشأ أطل دمي وفي وجناتـــه ****وبشأنه أثر الدم المطلول

يا قاتلي باللحظ أول مـــــرة *** أجهز بثانيـــــةٍ على المقتول

مثل فديتك بي ولو بك مثّـلوا**شمس الضحى لم أرشِ بالتمثيلِ

فالظلم منك عليّ غـــــير مذممٍ ** والصبر مني وردها المطلول

ولماك رّي العاشقين فهل جرى***ضرب بريقك أم ضريب شمولِ

يهنيك ياغنج اللحــــاظ تلفتي****** ياخير آمــــالي وأكرم سولي

لام العذار بعارضيــــك أعلني ******* ما خلت تلك اللام للتعليل

وبنون حاجبك الخفيفة مبتل ******قلبي بهم فـــــي الغرام ثقيلِ

أتلو صحايف وجنتيك وأنت في **** سكر الصبا لم تدر بالأنجيلِ

أفهل نظمت لئالئاً من أدمعـــي *** سمطين حول رضابك المعسولِ

ورأيت سحر تغزلي بـــــك فاتناً ***** فجعلته فــي طرفك المكحول

أشكو إلى عينيك من سقمي بها *** شكوى عليلٍ فـــي الهوى لعليلِ

فعليك من ليل الصدود شبــــاهة ******لكنها فـــــي فرعك المسدولِ

وعلى قوامك من نحولي مسحة***** لكنها فــــــي خصرك المهزولِ

ويلاه من بلوى الموشح أنـّـــه ******* لخفيف طبــع مبتــــــلٍ بثقيلِ

لا ينكر الخالون فرط صبابتي***** فالداء لـــــم يؤلم سوى المعلولِ

لي حاجة عند البخيل بنيلهِ *** *** ما أصعب الحـــــاجات عند بخيلِ

وأحبه وهو الملول ومن رأى**** * غيري يهيم جــــوى بحب ملولِ

أكذا الحبيب أبثه الشكوى التي*** *** يـــرثي العدو لها ولا يرثي لي

هل تريد المزيد،أم اكتفيت إلى الرثاء الغزلي..؟! هنيئاً لك هذا الاكتفاء !..

و عادةً يبدأ شاعرنا قصائده في التهنئة والمديح بنسيب رهيف وغزل رقيق، تذوب عنده النفوس، وتتراقص أمامه الأرواح، فتهفو إليه القلوب، وتطرب له الأذان، إنها غاية الروعة لسعة الخيال الفني، اذ تمتزج عطور القرون السالفة لأيام ألف ليلة وليلة بمسك الأعوام الخالفة لبلدان الجن والملائكة.. يقدمها إلى أنظارنا الشاعر الكبير، ونقدم إليك قامة لرشأ مهفهف آخر، إذ تسحب أبرادها في روضات الجنان وتحت أنغام موجات اللحن الفتان، ونترك إليك الريح الشمالية والمعانقة العذرية والنجوم التي انكدرت، والنمال التي حُسدت، والصدور الموصولة إلى الكعوب، والمشي على القلوب:

بالغلس انسلّت إلى حبيبها *** تخطو وعيناها إلـــى رقيبها

ساحبة الأبراد في مرابعٍ ***** أرجاؤها تضوعت بطيبـــها

مرت بها ريح الشمال فاغتدتْ*تحمل طيب المسك في جيوبها

فرشت أحشاي لها لكنّني *****خشيت ان تضجر مــن لهيبها

عانقتها كأن كفيَّ التقتْ **** **من قضبِ الجرعا على رطيبها

حشاشتان ألتقتا كلٌّ ترى **** * أنْ ليس في الآخر كالــذي بها

إذ النجوم انكدرت في نحرها **** والبدر قــد كوّر في جيوبها

وفوق طرسِ الصدر منها أسطرٌ *** ما نظرالقاري إلى مكتوبها

مثل النمال سرّبت في دميةٍ *** تسري لها والحسن في تسريبها

أحسد هاتيك النمال أنّهــــا **** * إلــى الرضاب منتهى دبيبها

تسبل فوق ردفها ذوائبــــاً **** يذوب قلــــــب الصبِّ من تقليبها

سودٌ على أكفالهـــا كأنّهــــــا **** أساودٌ تســـــعى إلـــى كثيبهـا

تحبها الناس ولكن إن مشــــتْ **** كأنها تمشي علـــــــى قلوبها

فكم شكتْ عشّاقها لها جــــوىً ***** شكايــــة المرضى إلى طبيبها

كم كسّرت أجفانها في غنجٍ ****** فانكسرت لــــي عبرةٌ أبكي بـها

تنظر في دعج وأرنو بالتـــــي **** أخضلّت الأردان فـــــي غروبها

وهبتها قلبي لا في عــــــوضٍٍ **** إن رضيــــــت فيه فمن نصيبها

لك أن تهبَ قلبك .. ولها أن ترضى أو تأبى .. الإنسان هو الإنسان .. رحم الله السالفين وأنعم على الخالفين، ونحن لسنا خير خلف، هذا الشاعر السيد الجليل الفقيه الحسيني الحسني !! مات بما نسميها بالفترة المظلمة، أواخر القرن التاسع عشر، وهو من أكبر شعراء العراق إبان تلك الأيام، ونحن في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، تأمل بعمق إلى رقة الشعور، وطيب الوجدان، وإنسانية الإنسان، والغزل المباح، حتى الصباح، فما بالنا الآن نعيش الحرمان بين ذئاب وجرذان، وتحت مرمى القنابل والمفخخات والنيران؟!!، سؤال نظنّ أنّه سيبقى دون جواب حتى أن يفيق الزمان !!

 

كريم مرزة الأسدي

 

كيف نتخلص من الشر؟ هذا ما طر حه الفلم المعنون "الجزائري" من إنتاج هوليود الأمريكية

qasim madiبدعوة من الزميل الأمريكي من أصل عربي الإعلامي "سمير حداد" صاحب برنامج "شموع عربية" باللغتين الأنكليزية والعربية، في ولاية ميشيغن، لمشاهدة الفلم الأمريكي الذي يعرض في دور العرض السينمائي الآن أو القاعات " الأمريكية ومنها ديتروت، ناشفل، أطلنطا، هيوستن، بوسطن، كانساس ستي، وغيرها من الولايات الأمريكية، وحتى لا يغيب عنا ما تفعله السينما الهوليودية في الكثير من القضايا العربية التي لها مساس بقضايانا المهمة والتي ندافع عنها لحد هذه اللحظة،يقول الكاتب المصري " بدر محمد بدر " مئات الأفلام التي تنتجها الولايات المتحدة الامريكية، وأستوديوهات هوليوود، منذ بداية صناعة السينما عام 1896، وحتى عام، تقدم صورة شديدة السلبية عن العرب والمسلمين بشكل متعمد، وتلك خلاصة ما كشفت عنه دراسة تحليلية بعنوان " الصورة الشريرة للعرب في السينما الأمريكية " للباحث الأمريكي من أصول لبنانية " جاك شاهين " ولو نظرنا نظرة فاحصة للدور الإنساني الذي تقدمه السينما بوصفها أداة من أدوات التعبير،وهي طيعة بيد من يستخدمها، فجاء الفلم الأمريكي " الجزائري " الذي هو من إخراج " جيوفاني زلكو " وتمثيل نخبة من الممثلين الجزائرين والامريكين ومنهم " علي بن يوسف " الشيخ سليمان " هاري لينكس " لينا كاندس كوك " سارة تارة هولت " باترك جاش بنيس "سعيد فرج " شيرن فيرغون "   محمد زهير حداد "جوفني زلكوه " وفكرة الفلم فكرة بسيطة تدور حول الإرهاب في القرن الواحد العشرين و الذي يحدث في الشرق الأوسط، وتنامت مفرداته مع الأسف في هذه المنطقة، نتيجة عوامل متعددة، ولهذا ظهرت جماعات مسلحة تؤمن بالعنف،مما ولد صراعات عديدة في منطقتنا العربية، و نتيجة تزمت بعض المتطرفين من الأسلاميين، والذين يحاولون ضرب الولايات المتحدة الأمريكية في عقر دارها، يظهر لنا الفلم " الجزائري " ومن خلال خلية نائمة، لها جذور في الجزائر، حتى وصلت إلى مدينة نيوريوك، ولاس فيغاس، لوس أنجلس،بعدما ضربت نيويورك في أحداث 11 سبتمر، عصابة إبن لادن، كما توضح خطوط اللعبة التي جاءت في مقدمة الفلم، وهو يستعرض لنا شخصيات من رؤساء عرب أمثال " حسني مبارك " وغيرهم، وشخصية " علي " المحور الأساسي القادم من الجزائر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعدما تمرن على العديد من التمارين العسكرية، والدفاع عن النفس، والاقتتال، من خلال رمز الارهاب "سعد فرج " الذي يدير الخلية الارهابية في " الجزائر " وكذلك في امريكا" عبر لقطات إسترجاعية " افلاش باك " لكن البطل "علي " تتغير شخصيته عند دخوله الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداُ " نيويورك " ليصطدم بواقع آخر من العلاقات الإنسانية، بينه وبين المرأة الأفريقية " كوك " التي يحبها، وكذلك بينه وبين الطالبة اليهودية التي تجمعهما الدراسة الجامعية، وكذلك مع الجندي الأمريكي الذي قاتل في العراق، حتى تتغيير نظرته إلى المجتمع الأمريكي، لكن الخلية الارهابية تطارده بأن يقوم بتفجير ما أوكل إليه من هذه المهمة، فيرتكن إليهم، ويتم تأكيد الموعد، ويلتحق مع الخلية النائمة، حتى أنه يرتدي الحزام الناسف، وهم يقودون السيارة مع الشاحنة لتفجير " لآس فيغاس " بسبب صعوبة المهمة في " نيويورك " وفي هذه اللحظات الأخيرة يتغير موقفه ليفجر نفسه مع الخلية النائمة، ليبين لنا المخرج أن " عليا " ينتحر ويقتل الجميع ليدافع عن الولايات المتحدة الأمريكية، ويرفض تفجير البنايات في " لاس فيغاس " ويذهبون جميعهم إلى غير رجعة، ولو وجدنا في هذا المغزى الذي أراده كاتب السسيناريو والمخرج، التهديد، الحزن، أو الندم، كل ذلك في شخصية المسلم الجزائري، أول لنقل في شخصية العربي المسلم " علي " بطل الفيلم، كيف نتخلص من الشر؟، والفلم أراد ومن خلال الحوار لماذا إكتنفتنا غمامة من الظلام، أعمانا الشر، وهل فقدنا القدرة على الحب، كل هذه الاسئلة طرحت في الكثير من المشاهد وخاصة مع صديقه الأمريكي " الجندي السابق " أو المرأة الأمريكية، أو الطالبة اليهودية، محاولاُ بذلك إطلاق العنان الى من التلاقح الفكري الانساني بين الديانات الإسلامية، والمسيحية، وحتى اليهودية، وأراد ايصال رسالة بالرغم من ضياع الكثير من حقوقنا لم ينتبه إليها كاتب السيناريو والمخرج أو تناساها، وعليه أن ينصف العرب لما يفعله الغرب متمثلا بحكوماته، وأهتم بإيصال رسالته التي تقول يجب القضاء على الإرهاب الإسلامي، من خلال هذا الفيلم، ومتجاهلا ً رسالتنا التي هي العدالة والمساواة والمحبة والسلام بين أبناء البشر هذه المبادئ التي تؤمن بها غالبية شرائح المجتمع العربي والاسلامي وتبقى شريحة المتطرفين الارهابيين لا تشكل سوى أقل من 1 بالمئة وهي معزولة ومستنكرة شعبيا ً ورسميا ً في مجتمعاتها، ومن هنا نقول أن الإبداع السينمائي هو الأعظم تأثيرا من حيث خصوصية خطابه المرئي وأنساقه البصرية التي تحمل مضامينها الفكرية ودلالاتها المختلفة ذات الصلة بواقعنا الملتهب، والأقدر على حلحلة التحجر في العالم وإطلاق الطاقات الإنسانية عبر تغيير المسلمات التقليدية التي غالبا ً ما يتبناها المشاهد عبر تسويق صور نمطية جامدة لدى الرأي العام، وتكمن وظيفة الفن عموما والسينما بشكل خاص في تفكيك تلك المتبنيات الفكرية الجامدة التي تروج لها آلة الاعلام الضخمة ومن خلال معالجة بصرية مقتضبة ومكثفة لشخصية (علي) يمكن للمرء في الغرب ان يعيد إنتاج أسئلة جديدة في ضوء تحولات شخصيته، كما أن أهمية الفيلم تكمن في كونه يستطيع تجسيد الواقع أو إعادة إنتاجه كما هو، وبالتالي تخلق نبض الحياة على الشاشة، ثم أن هناك مشاهد زائدة بإعتقادي كان ممكن حذفها، تميزت عناصر الفيلم بحالة من الإبهار البصري المتمثل في إختيار الامكنة، وطريقة توظيف الاضاءة، وإيقاع الصورة ضمن سياق مونتاج مترابط، فضلا ً عن أداء الممثلين الجيد . وتبقى هذه التجربة التي تعد الأولى لمخرج العمل مهمة لأنها تحاول أن تناقش موضوعة التطرف والارهاب من وجهات نظر متعددة وبثقافات مختلفة .

 

قاسم ماضي – ديترويت

شعرية الجنوسة في (قصيدة العراق) لبشرى البستاني

wafaa zaynalabdinتصف الناقدة والمنظرة النسوية الفرنسية هيلين سيكسوس العملية الإبداعية لدى الكاتبة قائلة: ” ان المرأة تمنح نفسها قدسية عندما تنجب ذلك التدفق الامنيوسي (amniotic) – الرحمي من الكلمات والتي تعيد وتكرر إيقاع وتقلصات فعل المخاض ” (2). أي [ فعل الإبداع ] وبذلك يكون تقمص الجنسانية (Sexuality) بالنصانية (Textuality) إذ يصبح النص الأنثوي مفعما بالطاقة الخصبة والرؤى الأنثوية الحاسمة. على هذا الأساس الجسدي بنت الناقدات النسويات رؤاهن للعملية الإبداعية (Creativity) لدى الكاتبة تمييزا لها عن تقاليد الإلهام عند الرجال. وهنا تبرز مفهمة مصطلح الجنوسة أو (الجندر Gender) الذي يحاول الابتعاد عن مفهوم ” الشاعر الرومانسي الذكر” بابتعادها عن الفلسفة الكونية المتعالية (Universal Transcendental) نحو ما هو خاص وخصوصي، وفي السياق نفسه فإن اعتماد النقد الدارج على مسميات ميزها النقد الذكوري في الكتابة الأنثوية (الأنوثة، الطبيعة، وموضوعات الحياة المنزلية) هذه الموضوعات التي أزاحتها تماما من خانة ” العبقرية ” وبالتالي وسّعت الهوة بين ” الشاعرة “والانغمار الحقيقي في نهر الحياة وبين الشاعرة وعبقرية الإبداع ” حتى أصبحا متوازيين لا يلتقيان.

وتتتّبع الناقدة النسوية كرستي باترسبي مفهوم العبقرية من الرومان حتى الوقت الحاضر وتكشف آليات ذلك الربط بين العبقرية والذكورة وتؤكد أن ربط المرأة بالطبيعة والعاطفة ساهم في وضعها ضمن المفهوم اللاكاني / الفرويدي (Lacanian / Freudian) لعقدة النقص (3). أما النقد البايولوجي (Biocriticism) وهو التعبير الأكثر تطرفا عن الاختلافات من حيث الجنوسة من منطلق أن التشريح الجسدي هو تشريح نصاني (Textual Anatomy) وهو يفنّد ما تناقلته الأجيال من أن المرأة هي المضاد الأدنى أو السلبي للرجل، وبذلك فإن كتاباتها إن لم تكن مقلدة أو مردّدة لما قاله الرجل، فليس هي المضاد الأدنى وليس كتاباتها المنتوج السلبي.

ولقد اعتقد أطباء العصر الفكتوري أن الوظائف البايولوجية في جسد المرأة تستنزف 20% من طاقتها الإبداعية ونشاطها العقلي. كما اعتقد علماء الإنسان الفكتوريين أن الفصوص الأمامية لدماغ الرجل أثقل وزنا وأكثر تطورا عن مثيلاتها لدى الأنثى، وهكذا جرى الاعتقاد بأن النساء اقل ذكاء واضعف ذهنيا من الرجال(4). بينما أكد المختبر التشريحي مؤخرا أن الأمر معكوس تماما حينما اكتشف أن دماغ الرجل صندوقي يعالج كل قضية على حدة، بينما دماغ المرأة شبكي يعالج القضايا بشمولية .

أما النقد النسوي التحليلي (Feminist Psychoanalysis) فهو يبحث في الاختلاف الناجم عن استقلالية نفسية الكاتبة وفي العلاقة بين الجنوسة والعملية الإبداعية، كما يدمج ذلك النقد المعايير اللغوية والبايولوجية الكامنة في الجنوسة النابعة من اختلاف الجسد، فالناقد ثيودور ريك يؤسس على نظرية فرويد في النقص، ولا يخفى ما في مثل هذه الآراء من التمحل والجور على الموضوعية لاسيما ونحن نبحث عن العلاقة الغائبة والعجيبة بين الإبداع وتلك العمليات البايولوجية.  

إن العملية الإبداعية لا ترتبط، منطقيا، بهذه الصفة البايولوجية أو تلك، لذلك جرى التركيز على ما تردد عن عقدة النقص الفرويدية المزعومة عند المرأة، وهي عقدة الإخصاء (Castration Complex) أو ما يسمى بالمرحلة الأوديبية – الفرويدية Oedipal – Freudal Phase التي حاولت تفسير علاقة المرأة باللغة والخيال والعملية الإبداعية ؛ أما لاكان فقد وسّع عقدة الإخصاء إلى مجاز أعم واشمل للإضرار بالمرأة لغةً وأدباً وإبداعاً، فقد ادّعى لاكان أن اكتساب اللغة ونظامها الرمزي عند الطفل يحدث في المرحلة الأوديبية حيث يقبل الطفل هويته الجنوسية (Gender Identity) من حيث كونه ذكرا أو أنثى، وتلك المرحلة تتطلب قبول العضو الذكري كامتياز وغيابه كنقص ؛ وأمام ذلك الادعاء حاولت الناقدات مثل ساندرا كلبرت وسوزان كوبار إيجاد بديل عن نظرية قلق التأثير (Anxiety of Influence: A Theory of Poetry) لهارولد بلوم والتي تستثني النساء من العملية الإبداعية في كتابهما الضخم ” المجنونة في العليّة “(The Madwoman in the Attic) (6).

وتقول نظرية قلق التأثير: إن العملية الإبداعية تتضمن وجها من أوجه الصراع بين الأبناء (الكتاب الشباب) وآبائهم (الكتاب السابقين أو المعجبين بهم) ؛ حيث يُملي الآباء ما يشتهون على أبنائهم، فيشعر الكاتب نفسه سجينا مستعبدا داخل قفص ذلك التأثير من الملهم الآخر، ولكي يخلق أسلوبه الخاص عليه الخروج منه وقتله ومحوه تماما ؛ ولان هذه النظرية تتجاهل النساء تماما ولا تورد لهن ذكرا، فقد ابتكرت كلبرت وكوبار نظرية قلق الإبداع أو قلق التأليف (Anxiety of Authorship) وهو إحساس ينتاب النساء عند الكتابة وذلك بالبحث عن نساء كاتبات ملهمات ولكنهن لا يلجأن إلى قتلهن (مجازيا) من اجل الابتعاد عن التقليد أو المحاكاة وإنما إلى الابتعاد عنهن والسمو فوق ذلك الإعجاب والتعلق من اجل خلق جديد وإبداع مستقل.

وتورد الكاتبات تبريرات ذلك بالقول: إن الإحساس بالوحدة لدى الكاتبة أو الفنانة، والأحاسيس الأخرى مثل الغربة تجاه الشخصيات الأبوية المبدعة من الرجال في الإرث الثقافي والأدبي مع إحساسها بالحاجة إلى البحث عن الأسلاف من النساء والشعور بالحاجة إلى جمهور من النساء والخوف من العداء المتوقع من النقد الذكوري، وارتعابها من السلطة الأبوية للأدب، وقلقها من أحداث البذاءة في الذوق العام الرجولي التوجه التي غالبا ما تلصق بالإبداع الأنثوي، كل ذلك الإحساس ” بالنقص ” غذّى كفاح المرأة لتعريف ذاتها الفنية وإقرار اختلاف جهودها نحو خلق ذات مختلفة عن نظرائها من الرجال (7). وهكذا حاول النقد التحليلي النسوي مواجهة الفرويدية / اللاكانية التي نظرت إلى إبداع المرأة على انه نقص نفسي تعويضي يثبت دونية المرأة وان خيال المرأة لا يتعدى كونه شبقية تعويضية (Compensatory Eroticism) عن ذلك النقص مقارنة بالأنانية الواثقة والطموحة والشبقية كذلك عند الكاتب / الرجل.

أما الناقدة النسوية – النفسية التحليلية نانسي جودورو فقد فنّدت ادعاءات فرويد وذلك بالعودة إلى مرحلة نفسية أخرى تسمى بمرحلة ما قبل الأدويبية (Pre-Odipal Phase) لتفسير الاختلاف النفسي – الجنسي لدى الأنثى، ففي هذه المرحلة تكون الأم هي ” الآخر ” الوحيد للطفل ذكرا كان أم أنثى، عندها يميز الذكر نفسه على انه النظير السلبي كونه يختلف جنسيا عن أمه، على عكس الأنثى التي تدرك هويتها ايجابيا بالتماثل مع هوية أمها من حيث الجنوسة (8).

وبالعودة إلى الناقدة الفرنسية هيلين سيكسوس والتي أنكرت لفظة، ” نسوية (Feminist) ”، باعتبارها تكرس الفرق بين ما هو ذكري أو أنثوي (Feminine / Masculine) فإنها تحاول تعويضَها مركّزةً على مصطلح الكتابة الأنثوية (Ecriture Feminine) وهي البحث في أثار الجسد الأنثوي والاختلاف الأنثوي في اللغة والنص، كما أنها تهاجم الثقافة الأبوية القائمة على الرمزية اللاكانية ومركزية اللوغو لدريدا (Derrida’s Logocentrism) ؛ ففي مقالتها الشهيرة ” Sorties” (1975) والتي تعني من بين أشياء أخرى بالفرنسية: ” مفترق طرق، أو الإفلات، أو النجاة، أو بمعناها العسكري هجمة المُحاصَرين ”، إذ تبدأ المقالة بالثنائيات التالية: أين هي: الفعل / اللافعل الشمس / القمر الثقافة / الحضارة الليل / النهار أم / أب رأس / قلب مفهومة / حساسة لوغوس (لغة) / إحساس (عاطفة) شكل، محدب، خطوة، تطور، بذرة، تقدم، مادة، مقعر، أرض، ماذا يدعم الخطوة، وعاء. رجـل امرأة (9).

إن نظرية قائمة على نموذج ثقافة المرأة تتيح معرفة الطرق التي تستخدمها الكاتبة لخلق مفاهيم حول جسدها ووظائفها الجنسانية / النصانية والحياتية ترتبط بشكل دقيق ببيئتها الثقافية، بمعنى أن النفس الأنثوية يمكن دراستها كنتاج أو تركيب متواشج من قوى ثقافية أو بيئية: مثل الأبعاد الاجتماعية، مدلولات اللغة واستخدامها، تشكيل السلوك اللغوي، والمثل الثقافية المحيطة بها. فالنظرية الثقافية تعترف بوجود اختلافات بين النساء ككاتبات من حيث: الطبقة، العرق، الجنسية والتاريخ وهذه محددات أدبية مهمة بأهمية الجنوسة.

مع ذلك فإن ثقافة المرأة تشكل خبرة جمعية (Collective) ضمن الثقافة ككل تستوعب الكاتبات كافة في زمان ومكان واحد بآصرة تجعل مقاربة ثقافة المرأة على مفترق طرق عن نظريات عقد النقص والتعويض والتبعية وبعيدا عن المقاربة الماركسية للسلطة الثقافية (10). بهذا المنظور يقدم البحث تحليلا نصيا لقصيدة ” قصيدة العراق ” للشاعرة بشرى البستاني.

ليس بعيدا عن الجنوسة والإحساس بها، تؤكد معظم الشاعرات الانكليزيات مثل مي سوينسون وهيلدا دوولتل ومارج بيرسي وآن سيكستون، على سبيل المثال لا الحصر. أن قصائدهن ما هي إلا تعبير عن عالمهن الداخلي أو ذواتهن التي يجب أن تتعرى ليتم فضح المسكوت عنه وان القصيدة هي الأنثى بعينها، فالقصيدة بالنسبة لهن تتلخص بأنها الجسد الأنثوي المنتهك النازف يقطر دماً تماما كما تنزف النفس الأنثوية حبرا، وتقول دوولتل ” لدي حبرا وليس قلما ” وبالطريقة نفسها تقول الشاعرة آن سيكستون: إن قصائدها ” ترشح كما في الإجهاض ”.

أما الفنانة فريدة كاهلو والتي تقدم نفسها وكـأنها مشدودة بحبال– وهي أوردتها وشرايينها – ولكنها أيضا فنها في الرسم. إن إبداعها يسهم في دعم جروحها وتثخينها (11)، إذن فالإبداع عند المرأة المبدعة عملية خلق مجهدة ومؤلمة وجارحة. ففي قصيدة ” أغنية الصباح ” تصف الشاعرة سلفيا بلاث عملية كتابة القصيدة بالولادة وان الطفل الوليد هو القصيدة (12). وعليه فالقصيدة عند الشاعرة هي الجرح وهي الدم وهي الألم. إذن فالجنسانية الأنثوية (Female Sexuality) تماثل وتطابق النصانية (Textuality) التي تنتجها المبدعات.

إن المركزية النسوية (Gynocentrism) – وهو مصطلح أوجدته الناقدة النسوية إيلين شولتر لمواجهة مركزية اللوغو (Logocentrism) الذي أعطى الذكر مركزية الكون إنما هو محاولة لخلق شعرية نسوية (Feminist Poetics) مستقلة لبناء ” إطار أنثوي لمقاربة أدب المرأة وإيجاد معايير قائمة على دراسة التجربة النسوية بعيدا عن الاعتماد على تقاليد ونظريات ونماذج ذكورية “.

إن المركزية النسوية ” مرتبطة بالبحث النسوي في تاريخ النساء، علم الإنسان – النسوي، علم النفس النسوي، وعلم الاجتماع النسوي ” (13).

ان شعرية الجنوسة الخاصة بشاعرتنا بشرى البستاني ليست قائمة على السيرة الذاتية (Autobiography) أو الاعترافية (Confessionalism)، ولا على التعليمية (Didacticism) بمضامينها الأيديولوجية، بالرغم من تناولها مختلف القضايا السياسية بوصفها ثيمة لقصيدة ” قصيدة العراق ”. إنها تقدم ثنائيات العلاقة بين الشاعرة والإرث العربي، الشاعرة قضية الوطن والأمة، وذات الشاعرة والإنسان / والحياة والمستقبل، الشاعرة والقارئ، وبين القارئ والقصيدة، كما إنها تقدم نفسها ضمن بيئتها الثقافية والتاريخية زماناً وفضاءً وارثاً.

وتتميز شعرية الجنوسة في ” قصيدة العراق ” بالنسق السردي المتناوب مع الوجداني – الغنائي المبنيين على كثافة المخزون من الإشارات الكامنة في وجدان العربي التي تستفزها الشاعرة باقتحام المحظور من الأحاسيس والوقائع الحسية التي تشكل قوام النص. إن صميمية استذكار الماضي المنتزعة من صميم الوعي بالحاضر السلبي الخامل لا يلبث أن يسفر عن بروز شفافية تتجاوز الإطار الذاتي المحدود لتلتحم بالقضية العربية التي هي قضية الملايين من البشر على أرض شاسعة وفي مرحلة معينة من هذا الزمن.

إنها قضية الإنسان بكل عذاباتها وتشرذمها. وعليه ينصب اهتمام هذه المقاربة على إيجاد نقاط التقاء بين الشاعرة وشعرية الهوية الأنثوية وارتباطها بثيمة الوطنية (Nationalism) وبين شعريتها المأجنسة (Gendered Poetics) والتي تمتد إلى أفق خارج حدود الذاتية وتقدم صوتا بعيدا عن التطرف وعن ادعاء تبني الحقيقة المجردة متخذة موفقا يتسم بالعمق السياسي العام للشاعرة كشخصية وطنية ؛ تخاطب شاعرتنا الجمهور بشكل مباشر حول قضايا تمتد من الذاتية العامة لتخرج منها نحو قضايا ذات أهمية موقفية من دون وضع نفسها خبيرا بها. تنطلق الشاعرة من جروحها، اضطهادها، رهابها، وخوفها وربما شللها وهي سلبيات أنثوية تفعل فعل ارتكاز في النقد التحليلي النسوي وعليه تكون القصيدة هي جرح الشاعرة وهي جسدها المتألم المفروش على الورق ومرسوم بشكل قصيدة ؛ إذن فالمرأة هي القصيدة والقصيدة هي المرأة.

نبدأ بالعنوان ” قصيدة العراق ” وهي ” المفتاح التأويلي للنص ” كما يقول امبرتو ايكو (14) ؛ إذن فشعرية ” قصيدة العراق ” تكون ” امرأة العراق ”، ” جرح العراق”، ” جسد العراق ”، ” قصيدة امرأة ”، وهي ما تبكي انتهاكه ونزفه شاعرتنا الكبيرة بشرى البستاني عندما يتماهى الوطن / العراق مع الشاعرة. إذن فالشاعرة تصبح هي العراق بعينه، الوطن النازف المنتهك، ومدلولات ذلك اجتماعيا ودينيا في نظر العربي والمسلم. تبدأ ” قصيدة العراق ” بصوت جوي سماوي وهو صوت الطيور الجمعي القادم من فوق موجعا بالظمأ من خلال مفردة ” تلوب ” بصيغة المضارع المستمر: تلوب الطيور الجبال، الجبال وهذا الصوت أنثوي الهوية من خلال حالة الجمع ” الطيور ”، نفهم انه لا بد من وجود مستمع، بيد ان التركيز على الجبال وهي دلالة أنثوية أخرى تجعل المقطع الأول من القصيدة طافحا بالأنوثة المجروحة الباكية الضاجة بالوجع .غير أن الفعل الأنثوي بما فيه من دلال وغنج يشي بفعالية الأنوثة واستمرارها الحياتي:

الجبال تورّقني وتلف بأغصانها جرح روحي،

الجبال صبايا، تجزّ ضفائرها الطائراتُ

فأجمع عنها شظايا القنابلِ

امسح وجنتها.

إن الدالات ” أغصانها ”، ” صبايا ”، ” ضفائرها ”، ” وجنتها ” هي الجسد الأنثوي أو هي أجزاء من الجسد الأنثوي تهمس للقارئ بان الموضوع أنثوي ؛ ولعل مفردة ” صبايا ” أكثر من غيرها إثارة لخيال المتلقي الذكر بما تحمله من تاريخ سري وعلني، وعلى أية حال فهي إرهاصات ومكابدات الذات الشاعرة؛ وهذه المراوغة الشعرية بتحويل الذكري المفرد إلى جمع أنثوي: الطيور، الجبال, تستمر في المقاطع الآتية:

فتسيل الغيوم على مهلها

فوق ورود الصباح

والجبال حيارى الجبال التي شردتني

الجبال التي هجرتني وأهجرها،

وأحن إليها،

فتبكي جروحي وأنسى الذي كان ما بيننا من ملام …

وهنا تبرز هوية المتكلم الذكر وهو يصف وقع الاتحاد الجسدي بين الذكورة والأنوثة: الوطن والجبال الأنثى، ليأتي رد الفعل في مجازات تنم عن الحب بكل معانيه الرفيعة الخالدة بصوت الأنثى: والجبال تلوب العراق، العراق، العراق متاحف نخل، مرايا، وعاج وأروقة من لجين، وأزمنة من دم، وأكف تدق رتاج العصور فتنهض إنسا وجان وتعدو الفيالق وتعدو البيارق تعدو الخيول وهذا الصوت الأنثوي الآن وهو يتغزل بالعراق يقدم بانوراما مجازية لتاريخ العراق وروعته الجمالية وثرائه الذي لا ينضب.

وتستمر الصور بالتراكم الواحدة فوق الأخرى بأنساق تصويرية متسلسلة رائعة ابتدأت في المقطع السابق من واقع حال العراق المادي والطافح بالكنوز الثرية، إلى تاريخه الحضاري المتألق، ثم إلى صور تجريدية تضيف المزيد من الثراء الفكري لهذا الوطن العظيم كما تراه الشاعرة وكما يعرفه جمهور القراء، قائلة:

والعراقُ الرؤى، والأمانُ،

العراق الأماني

العراق حديقة روحي

والعراق هنا عندما يتحول إلى حديقة يتخذ هوية أنثوية ليستمر مسلسل التأنيث في القصيدة، وهنا تتخذ الحديقة صورة الأم الحانية / الأرض، ذلك الكيان الجغرافي:

العراق حديقة روحي

تضمُّ إليها غيوما وبرقا،

وأزمنةً من لظىً

وجداولَ شهدٍ تشقُّ أكفَّ التراب.

إن هذه الجملة الاسمية “( العراق حديقة روحي )” التي تحمل دلالة الثبوت والاستقرار والوثوقية وكثيرا من الحميمية والحب لا تفصح عن خصب العراق حسب بل هي تفصح عن خصب أنوثتها كذلك إذ يتحول الوطن في داخلها إلى حديقة والحديقة من الرياض: كل أرض استدارت وأحدق بها حاجز، والحديقة كل أرض ذات شجر مثمر ونخيل وقيل هي البستان وكل بستان كان عليه حائط فهو حديقة (15)، والحائط من الحرز والمنعة ويحقق الأمان والحماية، وفي الحديقة معنى الاستدارة. إنها في هذا النص تعني استدارة الحياة وتكاملها وخصبها وتوفر عوامل الإيجاب فيها … إنها اعتراف بعيد الفوز بحب يسمو ويتسع ويثرى ويتلون بغنى وشمول، والحديقة من الحدق والحدق: السواد المستدير وسط العين ظاهرا، وفي الباطن هي خرزتها وجوهر الإبصار فيها

هكذا يكتسب الاعتراف بالحب أبعاده الجوهرية ليشكل ركائز الحياة الأساسية: الخصب، الإبصار، الرؤية، وبمباهج الحيوية وحركية الجذب: شجر ملتف وثمر وألوان وغيوم حبلى بكل ما هو جميل ومعطاء، اعتراف لا يصدر إلا عن الأنثى.. فقد تعودنا من الشعر الذكوري أن نخاطب الأوطان خطاب القوة والعنف والسلاح، لكن ما تبوح به المرأة يبدو خطابا وطنيا دلاليا صميميا جديدا، خطابا يحركه حب جمالي من نوع جديد: والعراق حديقة روحي، حيث يتوفر لهذا الحب كل عوامل الديمومة والاستمرار والتواصل ماديا ومعنويا: من الثراء إلى المسرة والانشراح حيث يتحقق الانسجام النفسي من خلال حلول الوطن – الحديقة – في روح الشاعرة التي تتسم بالانفتاح والشمولية واللاحدود. ثم يستمر التأكيد على أنوثة العراق من اجل تحطيم ذلك الحد الفاصل بين الذكورة والأنوثة كما يراها التحليل التقويضي / التفكيكي.

وتلجأ الشاعرة إلى أسلوب الاختزال، إذ تكون أكثر الأشياء حميمية وشفافية ومحدودية في الخبر المكاني (عباءة أمي + ثوب العذارى) وطنا مسكونا بشعرية الأنوثة، حيث تؤكد الشاعرة بلسان الجبال / الأنثى قائلة:

والعراق عباءة أمي،

وثوب العذارى اللواتي يمتن على السفحِ،

من ظمأ واغترابْ

وبهذا المقطع تلخص الشاعرة كل تاريخ الاضطهاد الذي عانته المرأة ومازالت في المجتمع الأبوي، لتحيل العراق / الملاذ من كل ذلك، بل إنها تُسِقط مشاكل الأنثى على العراق. ثم تأتي مساحة من الورق البيضاء لتدل على المسكوت عنه عند هذه النقطة، وبذلك تقول الكثير من خلال ذلك الصمت البليغ، وهي من تقاليد الكتابة الأنثوية ؛ فالمسكوت عنه هنا يبدأ بمفردتين تختصران مكابدات المرأة ” ظمأ واغتراب ” وأية مرأة :

” العذارى / اللواتي يمتن على السفح ”

والسفح هنا جزء من الكل وهو الجبال، والسفح منحدر الجبل مما يلي القمة إلى الأسفل وإشارته هنا حيزا للصبايا إنما يعني التهميش الموقعي ماديا ومعنويا مما يؤدي بهن إلى الظمأ والاغتراب فالموت، وموت الأنوثة هنا متحقق إذن بعوامل خارجية قمعية هي (الظمأ …) ينتج عنها عوامل داخلية تتمثل بـ (الاغتراب) وموت الصبايا يتشظى ليشمل كل أنواع التغييب والإزاحة والإعاقة بما يبعد الأنوثة عن القمة موطن الذكور وحدهم، وفعل الموت بصيغة المضارع المستمر دليل على استمرار عوامل إزاحة الأنوثة عن موقع صنع القرار وفاعلية الاختيار وهذا تأكيد على ملاذ المرأة المتمثل بالوطن.

والجبال هي عنوان التوازن في الأرض ولذلك فإن فقدان فاعليتها في هذه المنطقة من العالم قد أشاع الإرباك والاضطراب وجعلها عرضة لاقتحام الآخر، لذلك ففي فاعلية الجبال تماسك وأمان ونعيم وفي غيابها سياط وجحيم ولوعة.

يمكن اعتبار ما تقدم مقدمة لكل ما تحتويه مقاطع القصيدة التالية حيث يمكن تقسيم المتن الذي يبدأ بانتهاء المقطع أعلاه إلى سبعة أقسام قائمة على استخدام ” يـا ” النداء للعودة كل حين إلى التأكيد على العراق بمجازات تصويرية ممتدة، فثمة حميّة خاصة بصوت الأنثى تتقمصها وهي تهتف مستصرخة مستنهضة وهي تخلق ذاك التوازي بين هذه المقاطع السبعة التي تبدأ كل منها بياء النداء، والنداء هنا ليس هتافا إنه نزف داخلي يتسم بالهدوء، إنه ذراعة ونجوى وابتهالات والمقاطع هنا تشكل عنصرا هارمونيا في موسيقى القصيدة لأنها تعد وقفات وانتقالات في آن واحد، من تفعيلة لأخرى ومن بحر عروضي لآخر، وما يتبع ذلك من انعطافات دلالية، إذ تقول:

” يا قمر الجبال ” ” يا قمر المنفى ” ” فيا شجرا لا يهادن ” ” يا قمر البستان ” ” يا قمر الجبال ” ” يا قمر المنفى ” ” يا قمر الصحراء ”

في المقطع التالي من القصيدة تؤكد الشاعرة ثانية على البلسم الذي يقدمه العراق لجروح الأنثى، لجروح العذارى، وهي تقدم له دعوة للحياة ببهاء قائلة:

يا قمر الجبالْ

عرجْ على السفوحْ

فوجهكَ الأبهى

يطلع في الجروح

إن مفردة ” القمر ” في تاريخ الشعر الإنساني هي رمز الإلهام وهو بالنسبة للشاعرة هنا ” قمر الجبال ” هو الوطن الملهم المداوي للجروح والمساعد على خصوبة العملية الإبداعية التي هي ولادة بدليل ذكر ” البذور ” و الطّلع، والقمر في الشعر العربي رمز للرجل الفارس، الرجل الكامل الرجولة نبلا وكرما وشجاعة وفروسية، وفي إضافة (قمر) إلى (الجبال) بعد حرف النداء تصميم على التحام الأنوثة برمز حبها (الوطن).

ويكتمل المشهد الشعري الخصب الذي تغرسه بالتكرار في ذهن المتلقي، فمعجم الشاعرة حافل بما يشير إلى الولادة والتبشير بالآتي المحمل بالعلامات الايجابية، كما في المقطع اللاحق: يا قمر المنفى عرّج على الحقول فوجهك الأبهى يولد في البذور.. إن التحولات التي تجري على القمر هي تحولات تتم من خلال تحولات المضاف إليه من جبل إلى منفى إلى بستان إلى صحراء وكلها استبدالات تحفظ للقمر بهاءه وضرورة حضوره.. تقول بشرى البستاني: (إن المرأة الواعية لا تقارع الرجل في حركة الحياة، فالرجل ليس عدوها وانما عدوها الأول والأخير هو التخلف، والرجل الواعي يؤازرها ويعاضدها في هذه المعركة الشرسة )(16).

وتنهي هذا المقطع بنقطتين وهي تحيل المسكوت عنه إلى ولادة تجري في الحقول ؛ وتؤكد ان العراق – حتى لو كان بعيدا جغرافيا – فهو يبقى قمرا للمغتربين للمنفيين بعيدا عنه، يبقى الملهم الخصب، وتصبح مخاطبته أكثر قربا عندما تستخدم الجزء للدلالة على الكل وهو ” شجر ” العراق مؤكدة على تميّزه الطبيعي بانه هو من يستفز الرياح كما أراد بفعاليته وليس العكس، فتحقق بذلك بلاغة المفارقة مستوى آخر من بلاغة الخطاب الشعري بمؤازرة بنيتين أسلوبيتين: النداء والاستفهام فضلا عن تداخل السردي في الشعري، فتقول معاتبة:

فيا شجراً لا يهادنُ،

يا شجراً يستفز الرياحَ

لماذا فتحت النوافذَ،

والشمسُ داكنة والعيون قميئةْ

لماذا توضأت بالدمِ،

بالأمنياتِ،

ودهرك أعجزُ من باقلٍ

والعدو يهدهد صبيانهُ

والرياح تسير بما يشتهي القتلةْ..

أنت علمتني أن أموت كما ينبغي

وألبي الحياة إذا انبلجت قنبلةْ

فلماذا ذهبت وخليتني

ولماذا عبرت إلى جهة أنا أجهلها

وفي هذا المقطع تورد الشاعرة الكثير من الأحداث الوطنية التي مرت بالعراق الثائر بالرغم من اللوم الذي توجهه إلى ملوم مسكوت عنه وهم الحكام عندما انحرفوا إلى جهة غير الجهة المتوقعة منهم وعندما اختاروا مكانا للحرب غير المكان الذي يجب أن تكون فيه، وفي الوقت غير المناسب حيث صمت صغار الحكام ” الصبيان ” والتحذير واللوم الذي انهال عليهم من العدو ومن وقوف الدهر ضدهم بالسكوت، وهنا تذكرهم بما مضى من المفاهيم الوطنية التي تربت عليها ومنها الوحدة العربية التي تحولت إلى تشرذم وتشتت لم يسبق لهما مثيل:

في الطريق إلى مكةٍ عيرتني القوافلُ

أنْ سأموتُ بلا كفن أو سدورْ..

وفي المغرب العربيِّ

وجدت ثيابي معلقة فوق صاريةٍ،

وثيابي على جبل الشيخِ في الشامِ

منشورةٌ فوق حبلٍ يخطُّ حدود هوية أهليَ

بين البنفسجِ والنارِ

بين المُدى والقتيلْ.

وبتقديم هذه الصور الشعرية المتوالية والتي تشي بثقافة قومية مختمرة في وجدان الشاعرة كونها مستمدة من الإرث العربي ومن وعي وطني وحس تاريخي عميقين، فهي تعبر عن العار الذي جلبه الواقع العربي المتخاذل، فالثياب هنا تعطي دلالة أنثوية سلبية وهي تمثل الشرف العربي المنتهك وهذا العار منشور من أقصى الوطن إلى أقصاه من ” المغرب العربي ” حتى ” الشام ” وتسترسل الشاعرة في استعراض آلام الوطن وآلامها وهنا تقول وهي تحس أن صوت المتكلم له بعدَ هذه الإطالة في الكلام إذ تتماهى في أذهاننا أصوات: الجبال / الشاعرة، الجبال / الذات الشاعرة، الجبال / الوطن، وهذه الإطالة إنما هي تعبير عن التوتر الذي يشوب الجملة الشعرية والمتكلمة على حد سواء، قائلة:

بين البنفسج والنارِ،

بين المدى والقتيلْ..

هناك وجدتك تبتاع خبزا لورد العراقِ

وتنحتُ صخرا لأحلامهِ

إن البنفسج تقليديا ونفسيا رمز للهدوء والتفكير، فبين هذه الحالة وحالة الانفعال المتمثلة بالنار، وبين عقد النيّة المتمثلة بـ ” المدى ” و ” القتيل ” وهي أكثر انفعالا وتوترا من المعادلة الاولى، فإن الذات المتكلمة تؤكد مراقبتها للمشهد ووعيها التام وقدرتها على تحليل الموقف إذ تعبر عن استغرابها من تصرف مَنْ بيدهم القرار، إذ إن ورود كلمة

” العراق ” حين دخل حالة الحصار التام والشامل وتحول من موقع القائد الثائر إلى باحث عن لقمة العيش كما أرادت له قوى الشر العالمي والمتعاونون معها من العرب، إنما تؤشر انعطافة في السرد للفعل الذي قام به أولئك عندما رسموا عظمة الحلم العربي، لكنها لا تنسى وضع اللوم على الآخرين فالوسطية التي يتخذها الوطن الكبير بين السلم ” البنفسج ” و الحرب ” النار ”، بين ” المدى والقتيل ” تفضي إلى انكسارات ومكابدات وصمت وألم مسكوت عنه:

نسي النيل ما كان،

آفة هذا الزمان التذكرُ

آفتهُ الموتُ فوق حجارة أمس تبلّدَ .

وهنا يظهر تماهي صوت الشاعرة بصوت الوطن الذي ما انفك يعبر عن حيويته عندما تبث الشاعرة الحياة فيه لتعطيه صوتها تتكلم من خلاله:

تلك الجبالُ،

الجبالُ طيورٌ تكابدْ.

إن الجبال هي عنوان التوازن في الأرض، وبهذه العودة إلى بداية القصيدة: ” تلوب الطيورُ / الجبال، الجبال ” حيث التأكيد على نوع آخر من التماهي الآن بين الوطن المتكلم بصوت الشاعرة وبالجبال، والجبال بالطيور لينهض المسكوت عنه من خلال الحذف المقصود لتترك القارئ يملأ فراغ هذه المكابدة: انها مكابدة الشاعرة / الوطن / الجبال / الطيور.

ويستمر تراكم الصور المنتزعة من الطبيعة في تشكيل فني لهوية النص وانفتاحه على مستويين: الأرضي (حقول) والسماوي (قمر): مناف حصونٌ، حقولٌ من الزعتر المر نعناعها كرم الأرض شحّتها، قمر الأرض، لوعتها والجبال الجحيمُ، الجبال النعيمُ، الجبال سياطٌ تغالبْ.. تهادنني، لا أهادن والجبال المنارات: خضراء، حمراء، سود.. وهذه تبتعث ألوان العلم العراقي في مخيلتنا: خضراء الروابي، حمراء المواضي، وسود المواقع وذلك ما يملأه الفراغ المكسوت عنه هنا ؛ وتستمر الشاعرة في رسم اللوحة التشكيلية :

والجبالُ القبابُ، الوعول، المرايا..

مراكبُ تسرحُ في الغيم،

تبحث عن لوعةٍ، ولظىً يسعان هواها..

إن القرآن الكريم يشبه المراكب بالجبال والتناص هنا يقلب التشبيه بما يلائم السياق (وله الجواري المنشأت في البحر كالأعلام) (سورة الرحمن، الآية24).

ان هذا الامتداد يذكرنا بامتداد نفس الشاعر الأمريكي وولت ويتمان في قصيدته ” أغنية ذاتي ” أو “Song of Myself” عندما تتوسع لتشمل الأرض والزرع والفصول والولايات والشعوب والحاضر والمستقبل وكل شيء أمريكي يتحول إلى عالمي – كوني (Universal) وهو جزء من الحلم الأمريكي الذي ما يلبث أن يتهاوى أمام فساد المفسدين ؛ هكذا رأت الشاعرة وطنها المعتدى عليه، رأته يتسع ويمتد ويثرى ويتلون حتى أن كل جزء في العراق وكل حبة رمل وعشب وشجيرة يتحول إلى عالمي – كوني في الخارج، يتحول إلى أثيري – روحي – وجدي – وعبيري في الداخل.

وإذا كانوا قد اقتطفوا جباله عن بقية أجزائه فإن شعرها قادر على توحيده مرة أخرى، إذ يبدو العراق في نص القصيدة موحدا بجراحه، وبالرغم من دمه النازف فانه يعدو نحو الغد ؛ إن امتداد نفس المتكلمة يقع ضمن هذه الدائرة نفسها، ولكن مع اختلاف الجنوسة، فهنا يكون بتوسع الذات الأنثوية وامتلائها بكل ما يرمز إليه الوطن / الأنوثة ؛ إنها حالة صوفية راقية من التوحد بذات الوطن / الرجل.ولكن ما تلبث أن تعود إلى أرض الواقع المرير:

تؤرجحني..

أتهاوى إلى القاعِ

أصعد عبر الجذوعِ

أرى ذمما تشترى

وشعوبا تُباعُ

وأبصر تاريخ حبي على السنديانِ

ممالكَ أهلي وتيجانهم ونضار خطاهم وأزمانهم

وتتخذ موقعا راصدا ومغذيا ورافدا ” عبر الجذوع ” إذ ترقب الخونة وترسم ما ترى من احباطات مُذكّرة بتيجان الأفعال والأزمان العربية المجيدة ؛ وتأتي إشارة تاريخية في رؤى الشاعرة محذرة من عودة أبرهة الذي يتربص بالأمة / الأنثى الدوائر مقتربا من سفوح الجبال والتي عرّفتها منذ بداية القصيدة على أنها مكان ” العذارى ” حيث ” يمتن ”، وحيث تصير العذراء – مكة واحدة من قتيلات الاستلاب وضحايا العصر:

فتلوب الكهوف وتشعل أنيابَ فيلٍ تمرد..

أبرهة لا ينامُ،

يفتش عن باب مكةَ بين السفوحْ

والجبال ملاعب أهلي..

أحسُّ دبيب سواهم على قمةٍ،

هي وردةُ روحي

على ربوة هي جرحُ الضفاف التي طهرتني.

ان (الياء) وهي ضمير المتكلم الأنثى – الأمة تعاود فعاليتها في الحضور والتأثير معلنة هيمنتها برغم ضراوة حالة السلب. ثم تسترسل الذات الشاعرة / الحدث عن الجبال في استعراض بانوراما تاريخ العرب والعراق بتحول تناصي سلبي يطغى على حاضر الوطن الكبير من ” تاريخ آشور ” و ” كلكامش ” و ” الحدأة ” ؛ والحداة والمفردة الحادي وهو الذي يقود القوافل ويقرا لهم شعراً؛ وفي حاضر الأمة:

الحداة يصيحون بالمدلجينَ

الذين يجزّون شعر الغزالِ

الغزالُ مسجى على قاع رمل الخليج

ولا يجدي تحذير الحداة للمجرمين الذين يقودون الشعوب إلى التهلكة والدمار، إنهم يتآمرون على ” الغزال ” وهو هنا ” العراق ” بدلالة موقعه الجغرافي ” الخليج ” ؛ إلا أن الوطن يأبى إلا أن ينهض من موته الذي يصبح ولادة جديدة بتشجيع من المرأة:

يا قمر البستانْ

عرج على الشرفةْ

فوجهك الفتّانْ

يموت في سعفة

يا قمر الجبالْ

عرج على السفوحْ

فوجهك الفتّان يولد في الجروح....

إن الإشارة البارزة المتكررة مرتين في المقطع نفسه هي ” القمر ” مصدر الإلهام، ورمز الرجولة النبيلة وليس ذكورة القمع وبربط ذلك بـ ” حديقة روحي ” المتكررة سابقا، إذ يُحيل هذا المقطع إلى تجربة صوفية جديدة ؛ وهنا دعوة مستمرة لاستنهاض الوطن فالظاهرة الشعرية هي التوازي الواضح بين ” الشرفة ” و ” السعفة ” و ” السفوح ” و ” الجروح ” مع تكرار ” فوجهك الفتّان ” مرتين بالتوازي مع ” يا قمر ” تتيح للوطن الولوج من الشرفة، من السعفة نحو ” السفوح ” في سعي لشفاء الجروح، ” جروح العذارى ” ” اللواتي يمتن ” هناك من ” ظمأ وجوع ” ؛ أما الوجه الذي تتصوره الشاعرة فهو صورة ” تجسيمية ” نابعة من ” تصور وبلاغة وحشو ” حيث ” تجسّد قداستها في التصوير ” (17) ؛ إذن فقضية الوطن هي قضية الأنثى / العذارى.

وهكذا عندما تصل القصيدة إلى قمة الشعور بالحزن ينهض الفن والشعر ليعوض عن عذاب الواقع ليلتفت إلى رمز الحياة والحب والتواصل والخصوبة وتقوم ياء النداء بفعل مهم، وهو بصوت الأنثى الذي يدعو إلى الاندماج، فالموت في سعفة نخيل العراق بالنسبة للعرب والعراق على وجه الخصوص هو رمز للأمومة فهي تشبه الأم بتكاثرها البايولوجي بالفسائل، لذا فهي رمز لاستمرار الحياة فضلا عن كونها ملجأ أمينا للعراقي الذي يلوذ بها من وطأة حر الشمس، فالنخلة شجرة الصمود ورمز الخلود، لذلك فالموت في سعفها إنما هو ولادة، وهذا ما يتأكد في الصورة التالية من ولادة وجه العراق في الجروح.

في المقطع التالي تخلق الشاعرة تناصا بنيويا بالإشارة إلى التلميح التاريخي (Historical Allusion) إلى هجوم التتر – هولاكو وتواطؤ العلقمي معهم ذلك الذي سلمهم مفاتيح بغداد لتتبعه بمقطع آخر من الحاضر العربي المليء بالخيانة والخونة في تركيب تصويري(Imagist )بمونتاج سينمائي – أو تشكيلي كولاج، صورة فوق صورة ((Superposition بتداخل نصي وتعالق حواري على رأي باختين (Dialoguic) ويسري المقطعان كالآتي:

وشريفهم في الليل يضرب كفه:

ماذا سنفعل دونما تترٍ

همو وعدوا سيأتون العشية

والعلقمي إذا تأخر،

من سنعطيه مفاتيح القضية

يختضّ تاريخ الرماح على ظهور علوجهم

ترتج أحذية التتار على سفوح جباههم

يا ويل ماضيهم من الآتي..

وآتيهم من الأصنام والأزلامِ

والزمن المضرج بالأسى،

ومجازر التفاحِ،

هذا البحرُ غربانٌ، وأوحالٌ، ودمْ.

في هذه الصور الممنتجة المركبة الواحدة فوق الأخرى لغرض المقارنة حيث تبتكر الشاعرة تناصا سلبيا لإضافة الرهبة المشحونة بالاشمئزاز من (شرفاء القادة) الحاليين لتبرّز المسكوت عنه بشعرية مفعمة بهواجس الأنثى من الخونة الذين هم كثر من بين من يمتلكون مفاتيح قضايا الأمة ليعطوها كما فعل العلقمي لأعداء الأمة عن سابق إصرار وترصد، إنها العمالة المسكوت عنها المتواطئة مع الأعداء لاغتيال الأمة بالمجازر المعلنة وغير المعلنة حتى صار كل بحر تضمه خارطة العرب مملوءاً بالغربان وهم عدة وعتاد وطائرات وقادة العدو ممرغون بالخزي والأوحال ودماء الشعب العربي.

وتسترسل الشاعرة في استعراض صورٍ لخيانة الحكام باستضافة العدو في مياهنا وخلجاننا وفوق أراضينا، لكن فجر العرب يأبى إلا أن يبحث عن متنفس موحيا بأنه لم يختنق بها:

ومراكبٌ تهوي،

وأخرى تحتدمْ..

والبحرُ أهدى الفجر قبعةً وراحْ ..

لم يستبح ورد الطفولةِ،

بانبلاج الأفق كان البحر يؤمنٌ

بالخطيئة، بالرياحْ

باللعنة الكبرى، وبالوطن المباح.

إن الزمن إذن بحاجة إلى الانحراف عن السكونية والخنوع وما عليه إلا أن يؤمن بالخطيئة إن كانت القوة خطيئة كما صورها الآخرون. إن دعوة البحر هنا هي دعوة إلى المستقبل المنفتح على الحياة، دعوة إلى الإيمان بكل ما يقلق المستبد: الثورة – الخطيئة الرياح، اللعنة الكبرى – الوطن لتنهض به نحو طرق الخلاص.

وتقف القصيدة طويلا مع البحر: البحر العربي، الأحمر، المتوسط وهي ما تحيط خارطة العرب وكلها تلوذ بالأمل المتمثل بـ ” ورد الطفولة ” وبالتغيير الذي ترمز له الرياح، وتستعرض الشاعرة جوانب من الخطايا , الحقيقة المسكوت عنها بسيميائيات وتناصات متوالية، قائلة:

أبواب حيفا مذ خرجنا..

ظلتْ مفتحة لأسراب النميمةْ..

سفرُ الجريمة أينعت أغصانهُ،

وعناكب الديجور، تحجب في الربى ورد الصباحْ..

ماذا ستعطيك الحياة..

النار أشعلت السنابل في الحقولِ

ونارهم غرّاء، لا تؤذي القتيلَ،

حضارةٌ زهراءُ من دمنا أكفهمو تسيلُ،

فلا تمت في القيظِ،

لا ماء ولا خبزٌ ولا قمرٌ ظليل

ثم تعود لتذكر الوطن بكل عوامل الحياة المتوفرة فيه، وعوامل الولادة الكثيرة: السنديانة، العرش، الطفولة، الرمان وزهرهُ، ماءٌ ويمامٌ وأجنحة إذ تطرح القصيدة تواصلا ناتجا عن الدعوة إلى تلاحم السنديانة (الأنوثة) بالمخاطب والتحذير من اللعب على المبادئ والتواصل الإنساني (تاج الطفولة):

أعطتك هذي السنديانةُ ذاتَها،

وهبتك عرشاً يستريحُ، ولا يرُيحُ،

فلا تبع تاج الطفولة،

فالجبال هي الجبالُ،

هي الجبالْ..

وشجيرةُ الرمان ألقت زهرها فوق الرمال..

ماءٌ يسيل من الغصونِ،

إلى يمام الروحِ،

أجنحةٌ تحطُ على ذرى القلبِ،

الجبالُ منافذٌ للبحرِ،

ذاك البحر كان أذايَ،

كان مظلةً سوداءَ،

كان البحر مرسالي إلى قيظ الجزيرة.

وهنا تبرز شعرية استخدام الفعل الماضي والمضارع. وفي المقطع الأخير حيث يختفي الفعل الماضي لتطغى صيغة الفعل المضارع ؛ وتعود إلى التوازي والتكرار لإضفاء الغنائية العالية عندما تخاطب الوطن بياء النداء مستنهضة:

– يا قمر المنفى،

عرّج على البيوتْ..

فوجهك الأبهى

ياقوتة تموتْ

يا قمر الصحراءْ

عرج على الواحاتْ..

فوجهك الوضاء

يذبل في الفلاة..

أهذا زمان الرجوع..؟

إذن.. أنت تكتبه ونهادن سرا يمزقنا،

لا نبوح به..

نكتوي، لا نبوح به،

ونسير إلى حيث تهوى المسير،

إلى حيث ريح الصبا غضة والمناديل آمنة،

والمنايا نذور …

وهنا تنادي الشاعرة بالحاح الوطن الذي يتماهى مع الحبيب المغترب للعودة من المنفى ؛ فهي ترى فيه لون الحياة الياقوتي وتحذره أن يُجبر على الموت رغم ذلك، تدعوه للعودة من صحراء الحياة إلى الواحات وتحذره من البقاء في يد القتلة في الفلاة، ثم تتساءل إن كان هذا هو زمان الرجوع، ذلك الرجوع إلى الأمجاد إلى حيث عوامل الحياة، فهي تتساءل تساؤلا بلاغيا حيث قناعتها بان كل عوامل الرجوع متوفرة في وجود زمام المبادرة بين يديه ” أنت تكتبه ” إذن فهو إعادة كتابة، والكتابة يقين ووثوق وتاريخ وعبور نحو المستقبل، وهنا تذكر من جديد السر الذي ” يمزقنا ”، كل ما هو مسكوت عنه من خيانة عرب اللسان والجنسية، ثم تؤكد المسير إلى حيث تهوى هي والحبيب / الوطن، إلى حيث الريح التي ينتظرها العربي كي تنقذه من سكونية الواقع، تلك الأمجاد تستعيد نضارتها غضة بلا انقطاع عن الجذور، حيث المناديل الملوحة للوداع تصبح أمنة، أما المنايا التي كانت مجانية فتتحول إلى نذور وشهادة لتمتلك نبل القيم.

إن المرأة في القصيدة تتحرك وتعبر وتفصح وتبوح بحرية ووعي بعيدا عن استلاب النظريات وعقد المنظرين، إنها صاحبة قرار لا تقف في الظل ولا تتبع الآخر، بل تصنع رأيا وتؤشر سلبيات، وتدرك معنى أن تكون، وكينونتها تفصح عن نفسها بالقدرة على الانجاز والاختيار حتى في ميدان التضحية، فجملة ” لا أهادن ” قد تعني في النهاية طريق المواجهة والتعبير عن الذات المستقلة المتحررة الناهضة لتصفية جسدية وموتا بالمعنى الذي يريدون … إن أي خطاب لا يخلو من عقد الاضطهاد إلا إذا اتسعت الرؤيا، ولا تتسع الرؤيا إلا إذا تجاوزت الهموم حيزها الذاتي إلى الهم الإنساني الجماعي وحينها يكبر الجرح الأنثوي ليصير جرح أمة ووطن، إن التنبؤات التي طرحتها بشرى البستاني في هذه القصيدة التي كتبت عام 1991 وفي غيرها من قصائد ديوان مكابدات الشجر والتي تحققت فعلا عام 2003 تستحق دراسة خاصة في محاولة للكشف عن الوشائج الكامنة بين النبوءة والشعر.. مرة أخرى.

إن ” قصيدة العراق ” لوحة فنية اقرب إلى الكولاج منها إلى التصوير الوصفي، حيث تكون الإشارات الفضائية إلى عوالم نفسية موغلة في الغموض أكثر من كونها وثيقة جغرافية للوطن العنوان الذي تحمله القصيدة ؛ أضف إلى ذلك غياب أي إشارة واضحة إلى موقع الذات الشاعرة في الفضاء الجغرافي للقصيدة، بالفعل فإن الرؤية غير الموجهة في القصيدة تحيل إلى الكثير من التأويلات مما يؤدي إلى تمثيل عراء يستحيل تصوره واقعيا، يربط الحي بالجامد، المرن بالساكن، البرود بالانفعال، اليابسة بالمياه ومن ثم انصهار هذه الثنائيات جميعا مع بعضها لتشكل نصا ذا مستويات.

وبتوالي القصيدة سطرا بعد سطر لا تصبح الرؤيا الجغرافية لجبال الوطن أكثر وضوحا بل أنها توغل في الغور في سبر المشاهد والأصوات التي تنقلها لنا الذات الشاعرة ؛ لذلك ففي مثل هذه القصائد الكولاجية / الممنتجة تصبح الرؤيا البانورامية إشكالية وخاصة في غياب وجهة النظر والحسمية في المعنى أو الثيمة.

إن التأمل في مثل هذا الفن يشبه المكوث في مكان واحد والتجوال إلى عوالم أخرى في الوقت نفسه. ذلك أن الأشكال والصور والأشياء مألوفة بحد ذاتها إلا أن انضمامها إلى بعضها هو الغريب حيث يسيل بعضها فوق بعض كأمواج النهر، بذلك تكون عملية اكتمال دائرة الرؤية عملا مزعوما تعتقد خطأً انك توصلت إليه. فبشكل مراوغ تكّثفُ الشاعرة الصور في تركيبات نحوية كثيفة ومضنية كي تشبك الرؤية بين الشكل والأرض، الخط والانسياب، ففي المقطع الأول من القصيدة، مثلا، يبدو كل عنصر يقف بذاته حيث ينساب في الجملة اللاحقة أو شبه الجملة التي تليه.

ان كل شيء في القصيدة يكتسب حركية بالسحر الجمالي الذي يضفيه تكرار الفعل المضارع السردي ابتدءاً من ”

تلوب الطيور

الجبال، الجبالُ

الجبال تؤرّقني

وتلفُّ بأغصانها جرحَ روحي

الجبالُ صبايا

تجزُّ ضفائرَها الطائراتُ

فأجمع عنها شظايا القنابلِ

أمسح وجنتها ”.

وحتى المقطع الأخير:

” ونسير إلى حيث تهوى المسيرْ،

إلى حيث ريحُ الصبا غضةٌ

والمناديل أمنةٌ

والمنايا نذور ….

إن الجبال نفسها تكتسب حركية خاصة بتحريكها كل الأشياء من حولها فهي ” تؤرّق ”، ” تلف بأغصانها ” و ” تجز ضفائرها الطائرات ”، وهي ” تسيل كالغيوم “… الخ.

إذن فهي تسيل خلسة ” تعدو ” وما زالت الجبال تتحرك تنفعل تنتقل وتجسد حركية المسكون في مكان واحد والتجوال إلى أماكن أخرى في الوقت نفسه.

ان ” قصيدة العراق ” تتوجه نحو الحركية والانفعال أكثر من الوصف الثابت. إن ” العراق ” وهو عنوان القصيدة يشبه الجبال بكل الأفعال والصفات التي أعطيت للجبال، وهكذا تتفادى القصيدة الاستجابات العاطفية من خلال فضاء الجبال غير المستقر ومن خلال الصور الممنتجة التي تتيح الانفصال عن العاطفة الكامنة في ما وراء السطور، فلغة القصيدة هي لغة اقرب إلى لغة العلم حيث تكون التجربة والسياق الجغرافي منفصلين ويصبح الفضاء مجرد مكان للأشياء والأحداث. إن أول ما تبدأ به القصيدة ” تلوب الطيور! / الجبال، الجبال ” إنما هي محاولة للذات الشاعرة للانفصال عن عاطفتها بإسقاط فعل ” تلوب ” على الطيور وليس على الشاعرة وهكذا يتم إخفاء جنس المتكلمة ” المرأة ” وزمنها ثم الاختباء وراء العلاقات مع عالم الأشياء، ثم إعطاء صبغة الكونية على النص.

إن فعل التسمية، تسمية الأشياء وإحالة الأفعال غير المألوفة إليها إنما هي محاولة من الشاعرة الأنثى لخلق تسمية جديدة لهوية الأشياء ؛ وبخلاف ما عهدنا عليه في الرؤيا الذكورية للمرأة على انه الآخر أو الملهم، تقوم الشاعرة بشرى البستاني بالتخلص من الصفات المعلقة تقليديا بالأنثى من اجل السيطرة عليها مثل العاطفة، الشخصنة، المحلي أو البيتي والخاص، إضافة إلى محو الجسد صوفيا ومن ثم تفاعله مع بقية العالم.

إنها تحول التمركز حول الأنثى – وهو الدارج في تقاليد الكتابة الذكورية في التمركز حول الذكر – إلى ما هو بعيد تماما عن البشر، وهو الجبال أو العراق أوجبل الشيخ أو مكة، ككيان معنوي، كتجريد ترتسمه بدلالات تشكيلية حسية تخلقها في مخيلة المتلقي من خلال التوتر الذي يثيره تصويرها ؛ إنها تمنح ذلك الآخر الحرية في التعبير عن نفسه في لغة الجسد ككيان ؛ فالعراق يمتد جسديا في الجبال والطيور والأوراق وصبايا العراق وغيومه وورود صباه ومتاحفه ونخله وعاجه وأروقته، وتاريخه وأزمنته وفيالقه وخيوله ورؤاه وأمانه وجداوله وأقماره ووجهه وشجره وخارطته: من مكة والمغرب العربي والشام وحتى جبل الشيخ، والألوان: البنفسج والأحمر والأخضر والأسود … الخ.

إن مسالة التحرر قضية ليست شخصية حسب وإنما هي قضية الآخر غير البشري في قصيدتها. إن من المهم أن نعرف أن ما تقصده الشاعرة ليست المقابلة أو الثنائية بين الفن والحياة، الثقافة والطبيعة، وإنما بين طرق الوجود في هذا العالم ضمن فضاء المسكوت عنه.

إن مجموعة الثيمات الوطنية والسياسية والنسوية والإنسانية وغيرها مما تقدمه لنا قصائد بشرى البستاني تؤكد أن القصيدة بالنسبة لها لم تكن لغرض جمالي أو فني بحت، لذلك فإن لقصائدها رنيناً يفوق رنينها الجمالي بالانغماس في القضايا العامة والتأكيد على أنّ العلاقة الوشيجة بين النص والسياق الثقافي نابع ربما ليس فقط من اهتمامها به حسب، وإنما لكونه وسيلة لكبح الخاص ؛ وعلى الرغم من أن الشعر الوجداني (Lyric) نوع أدبي يقدم متكلما واحدا أو شخصية واحدة تكون مصدرا أوحدا للرسالة التي تود القصيدة بثها، إلا أن ” قصيدة العراق ” تمزج السرد بالوجداني لتقدم روعة إبداعية لبانوراما كيانات متواشجة: المرأة / الشعر، المرأة / الوطن، الشعر / العراق، الجسد الأنثوي / القصيدة.

الشاعرة بشرى البستاني تمد جسرا واثقا للقارئ تساجله وتناوشه، تحجب المسكوت عنه مرة وتظهره أخرى في كلمات حبلى وأوصاف بعيدة عن التمويه والتغييب لتجسيد الحالة التصويرية التي تمنتج الماضي المجيد والحاضر القاتم والمستقبل الواعد الأكيد بالرغم من إدراك الشاعرة لكل عوامل السلب المحيطة بوطنها، لكنها واعية بعوامل الايجاب قبل ذلك . وهي إذ تمعن في استثارة القارئ واستفزازه فإنها تجهد في خلق ذلك النسق التعبيري الكامن خلف الثقافة العريضة المنخرطة في جنوسة الشاعرة ودلالاتها الشعرية. إنها شعرية الجنوسة، شعرية جغرافية العراق، شعرية تاريخ العراق وشعرية الثقة بالنفس الأنثوية.

 

أ. د. وفاء زين العابدين

........................

الهوامش

1- Quoted in Patricia Meyer Spacks, The Female imagination (NY: Aron Books, 1975), P. 355.

2- Quoted in Verena Andermatt Helen Cixous and the Uncovery of feminine language”, Women and literature 7 )Winter), 42.

3- Christine Battersby, Gender and Genius: Towards A Feminist Aesthetics (Indiana: Up, 1991), P. 57.

4- Elaine Showalter, “Feminist Criticism in Wilderness, in Writing and Sexual Difference, ed. Elizabeth Up, Abe(Chicagol   1985), P. 17.

6- Sandra Gilbert and Susanne Gubar, The Madwoman in the Attic: The Women Writer and the Nineteenth-Century Literary Imagination (Connecticut: New Haven, 1979), PP. 6-18.

7- وتناقش كلبرت وكوبار المجاز الأبوي في تفسير العملية الإبداعية عند الكاتبات إذ إن ” كاتب النص هو أب وهو الجد والمنجب الجمالي له قلم بقوة توليدية قاذفة ”

8- Nancy Chodorrow, Gender. Gilbert and Gubar, P. 50 Relation and Difference in Psychoanalytic Perspective in Future of Difference .

9. Helen Cixous, “Sorties” in Modern Criticism and Theory, ed. David Lodge (NY: Longman, 1988), PP. 287-293.

10. Showalter, P. 27

11- انظر قصيدة ” الجرح ” لمي سوينسون ” ومازلت أشعر بك ” لمارج بيرسي و “هيلينا تروي ” لدوولتل

See Susan Gubar, “The Blank Page’ and the Issues of female Creativity”, in Writing and Sexual Difference, P. 87.

12. Quated in Gubar, “The Blank Page…”, P. 88.

13. See Showalter, “Towards feminist poetics”, The New Feminist Criticism: Essays on Women’s Literature and Theory, ed. Showalter (NY Pantheon Books, 1985), PP. 125-143.:

14. نقلا عن محمد الهادي المطوي,” شعرية عنوان الساق على الساق فيما هو الفارياق ” مجلة عالم الفكر,ص 458.

15. لسان العرب مادة حدّقَ.

16. في مقابلة مع الشاعرة في كلية الآداب – جامعة الموصل 12 تشرين الأول 2004. 17 . فريد الزاهي، الجسد والصورة والمقدس في الإسلام (المغرب: أفريقيا الشرق، 1999)،

ص 138.

رواية (منعطف الصابونجية) وهموم البيت البغدادي

goma abdulahتعتبر رواية (منعطف الصابونجية - 130 صفحة) هي الرواية الاولى للكاتبة العراقية (نيران العبيدي) وهي تقتحم عالم الرواية بابداع يستحق الاعجاب والثناء، في طرقها مواضيع حيوية وحساسة، وبلغة السرد الرشيق، وتكتيكات وتقنيات الفنية بناصية التمكن القدير، بعضها جديد غير مطروق، وهي تنقلنا بكل شفافية ولهفة وتشويق في طيات الابداع الروائي، الى ذلك الزمان بالتحديد في بدايات القرن العشرين، الذي يعاصر الاحتلالين العثماني والانكليزي من تاريخ العراق بشكل عام، والتعرج باسهاب الى تاريخ بغداد، والبيت البغدادي وشناشيله، والموروثات والتقاليد والاعراف السائدة، التي تسيطر على خناق الحالة الاجتماعية وعلاقات الناس والتعامل مع المرأة، من كل جوانبها، وباسهاب مشوق يتعامل مع الحقائق الواقعية، ونتلمس الجهد الخلاق في توليد العمل الروائي المرموق، واعادة صياغة ادواتها وفق للموجودات التي تأخذ في تلاليب الواقع وحياة الناس وطرق معيشتهم، ولابد ان نشير الى ثلاثة دعائم ايجابية في العمل الروائي، وتعتبر اضافة قيمة الى الابداع من خلال التوظيف الخلاق والمبدع، وهذه الركائز هي :

1 - اعتمدت الكاتبة على عدة مصادر تاريخية مدعومة بالوثائق الموثوقة من تاريخ العراق عامة، وتاريخ بغداد خاصة، وكذلك اعتمدت على الموروث الشعبي والاجتماعي، من تلك المرحلة المذكورة، والدخول في البيت البغدادي وشناشيلها، والحارة البغدادية ودروبها وطرقها ومحلاتها، واعطاء الاولية في التوغل العميق والاسهاب في ثناياها، مما يجعلنا ان نقول، بانها رواية بغدادية خالصة، ببغداد الشعبية، وعلاقات الناس، ودرابينها، ودروب الصابونجية، التي تكثر فيها بيوت الدعارة والبغاء، وشهرتها بين الاهالي .

2 - توظيف بشكل مبدع خزين المعرفة والمعلومات المطلعة بشكل وثيق بمشاكل المرأة العراقية، من خلال مهنة الكاتبة (محامية وقاضية في شؤون المرأة). اتاح لها الاطلاع بعمق ومعرفة ودراية على نطاق واسع بواقع المرأة ومعاناة التي تعاني منها، من ظلم وعسف المجتمع والموروثات الشعبية التي تحاصر وتضيق الدائرة على المرأة بالتهميش والتشديد والانتهاك، وخنق بالكامل حرية تصرف المرأة حتى في استشارتها بالزوج المقبل، ان حياة المرأة رهينة واسيرة ومظلومة من التقاليد الجائرة، التي تجعل حياتها في ضيق وقهر وهم وشجون، مما يدفعها الى اقتراف الخطوات المتسرعة والمنفعلة، كالهروب من العائلة، رغم المخاطر التي تدفع حياتها ثمن للمجازفة الخطيرة .

3 - قد يكون اسلوب جديد في تكوين العمل الروائي العراقي، حين تكون افتتاحية فصول الرواية، بالموروث الشعبي الغنائي، بالاغاني المغناة ذات شهرة واسعة، التي احتلت مكانة خاصة في العقول والعاطفة الوجدانية عند الناس، مما جعل هذه الاغاني نابضة بالتجدد والحيوية، وتظل محتفظة بحيويتها مع مرور الزمن، ان هذا الاستثمار المبدع، يدخل الشوق واللهفة والتمتع بهذه بدايات الفصول مما يجعل القارئ منشداً بقوة الى تتبع احداث الرواية، ويقارنها بمغزى من وضع هذا الاغاني في بداية الفصول، لا شك ان الحنين والتشوق الى هذه الاغاني التي احتفظت في بروحها الاصيلة، مما جعلها تعيش في الحياة، لانها تدخل في صميم الروح العراقية، وتكون رفيقة هموم العراقي، من هذه الناحية المهمة، استغلتها الكاتبة لتنعش الرواية بالرياح العراقية والبغدادية .

 

احداث الرواية وشخوصها:

الرواية تتحدث عن عائلة بغدادية ذات حسب ونسب ومعروفة في وسط الناس، هي عائلة (الحاج مصطاف) المكونة من الاب والام (حسيبة خاتون) والولدان (يونس وعادل) وبناتهما هن (بدرية وصبيحة ومديحة) وكذلك الخدم الذين جاءوا هدية من آل السعدون الى بيت (مصطاف) وهما (مرجان وكتيتي) وجاءوا من افريقيا عبر طريقة بيع الرق، وهما في عمر عشرة اعوام، ليدخلا في دروب معاناة العبودية وشقاءها، بان تجعلهما ادوات عمل شاق ومضني بانسداد الافق عليهما، وتركز الرواية الشطر الاعظم لحياة (بدرية) لتكون بطلة الرواية بامتياز في حثيثات المتفاعلة في نسق الرواية، وتحوز الاهتمام الخاص بها وبجزئيات حياتها، تبدأ الرواية حين تطئ قدم (بدرية خاتون) بطريق الخطأ غير المقصود، هي وشقيقتها وخادمتها الافريقية (كتيتي) . في دروب الصابونجية، ولم يخطر في بالها اطلاقاً، بان هذا الخطأ سيكون في النهاية قدرها المحتوم، وسيكون محطتها النهائية في حياتها، وتكون تحت اشراف القوادة (ريمة حكاك)، لتعيش في احدى بيوت الدعارة، كبائعة الهوى، وهي تندب حظها العاثر والسيء بالعنوسة التي اصابتها في الصميم، اذ بلغت الثلاثين من العمر، ولم تفلح بالاقتران بالزواج، بسبب عائلتها ذات حسب ونسب، وعليها ان تختار من طبقتها الاجتماعية، وحسب مزاجها ومقاسها، حتى تعطي الضوء الاخضر بالموافقة والرضا، حتى رفضوا عرض ابن عمها (مرهون) بالزواج بها (بدرية: كتيتي يعني إلا بغدادي، منين اجيبه للرجال البغدادي، ويقولون لماذا العنوسة ؟؟)ص9 . وترتبط بعلاقة عشق مع (كرجي) عازف الكمان، وتتوثق اواصر الحب بينهما، لكن تقف عقبة في طريقها، يمنعهما من المواصلة ثم الزواج والاقتران حياتهما بحياة واحدة، هما الفقر والديانة، لان (كرجي) فقير ومن الديانة اليهودية، وهذا يجعل حياتهما في سأم وقهر ومحنة وعذاب، رغم ان (كرجي) يشعر بعمق اواصر الحب والغرام بشكل صادق لا مواربة عليه، ويعتبر هذا العشق (هذه الكمنجة كما اصرت بدرية بتسميتها، اربعة اوتار، وبدرية الوتر الخامس) ص28 . تهرب (بدرية) من بيت اهلها بسبب مقتل شقيقها (عادل) بشكل غامض، يحتمل جملة من الاحتمالات بين القتل والانتحار، لذا يصبح البيت بمثابة الجحيم الذي لايطاق ولا يحتمل، بان يصبح سجن قاهر يسد عليها الافق، ولايحسم إلا بالهروب، ويودعها (كرجي) في احدى البيوت، لحين يحسم امره من المعوقات، ولكن الرحال يحط ب (بدرية) في احدى بيوت الدعارة الذي تشرف عليه القوادة (ريمة حكاك) التي تعجب بجمالها ورشاقتها، وتعتبرها صيدة ثمينة رابحة، وترضي زبائنها بهذه اللقيطة الغالية الثمن، وتدس المنوم في شرابها، بحجة زفافها الى حبيبها (كرجي)، لكنها حين تستيقظ صباحاً، تجد نفسها في احضان رجل اخر، لايمت ملامحه باية صلة الى (كرجي)، ومن هذا المقلب يبدأ العد التنازلي، في الانزلاق الى ممارسة الدعارة والبغي، لتكون الزبونة المحبوبة والمرغوبة (آلاف الايادي والاصابع تلعب داخل احشائي، واستفيق وانا منتشية متجددة في قمة السعادة)ص97 . وهي تلوم اهلها لهذه المنعطف الذي وصلت اليه (مو مني كل الصوج أنا،من اهلي اي ولله . ظلت الروح تلوب يساعدها الله . اهلي بحكم فرعون حكموا عليه، مدكولي يا مدلول اشطاح بيديه)ص117 . وتمارس دور الانتقام بتهور من عنوستها، ومن عائلتها التي حرمتها من حق الزواج (كي اتمادى في كسر شرفكم، بعد ان كسرتوا قسمتي، اسكر وارقص وألهو وادق الاصبعين، واعتني برجال، وهم لا يبخلون عليَّ بشي) ص99 . واخيراً تواجه مصيرها المحتوم على ايدي ابن عمها (مرهون) بطعنة سكين قاتلة في صدرها، بدعوى غسلاً للعار والحفاظ على شرف العائلة .

 

ايجابيات عراقية:

تتحدث عنها الرواية وهي مستلة من الواقع العراقي والبغدادي، ذات معنى ومغزى، والتي تكشف روحية العراقي بشكل كبير، وتكون لها وقع وصدى ايجابي لا يمكن الاستهانة بها او الغض الطرف عنها مهما كانت الاسباب والحجج .

1 - حتى الشرف والعرض مصان ومحفوظ ومحترم، لا يقبل الانتهاك والجور والعسف والتجاهل، حتى من شريحة اجتماعية عرفت بالعنف والقسوة والرذيلة، هذه الاعراف والتقاليد التي يحترمها الناس، فحين دلفت (بدرية مع شقيتها وخادمتها الافريقية كتيتي) بالخطأ الى دروب الصابونجية (بيوت الدعارة) اجتاح الخوف والقلق نفوسهن، وطلبن مساعدة احد شباب المنطقة، بعد ان شرحنا له الاسباب بدخولهن المنطقة بالخطأ، وانهن ليس من بنات المنطقة وشريفات ومن عوائل شريفة، فما كان من الرجل، إلا نادى باعلى صوته (داوود داوود .

(- نعم استادي

(- اجلب العربانة وهذه عانه لك اوصل فيها العائلة الى منطقة الفضل، واياك ان تنبس ببنت شفه، استر على عرض العالم) ص13.

2 - الانتماء العراقي بدون منازع ولا شك فيه الى ارضه وعراقيته، ورفضه اية احتلال مهما كان شكله واصله ودوافعه ونوعيته (عراقي يريد الانتماء، الاتراك ليسوا عراقيين، وكذلك الانكليز، وجلجل عليَ الرمان . . نومي فزعلي . . هذا الحلو ما اريده . . ودوني لاهلي) ص46 . الاغنية التي اشتهرت في تلك المرحلة من تاريخ العراق (وكان يرددها العراقيون ابان الحرب العالمية الاولى، وهي سياسية رمزية، والرمان رمز للعثمانيين اصحاب العلم الاحمر، ونومي هم الانكليز، وهذا الحلو ما اريده ودوني لأهلي) . هذه الخصلة النقية التي تربى وتعلم ونضج عليها العراقي برفض الاحتلال بكل انواعه .

3 - رغم عسف الاضطهاد الاجتماعي بحق المرأة، ورغم انها مسلوبة الارادة وخانعة لاحول ولا قوة لها، لكنها تقف بشيماء وشموخ وقت الشدة والمحنة، وتقدم الغالي والنفيس في مساعدة زوجها وعائلتها، هكذا قدمت (حسيبة خاتون) الحجول التي تملكها، وقدمتها الى زوجها (الحاج مصطاف) حتى يؤدي واجب خدمة الضيوف ومساعدة الناس المحتاجين، فما كان إلا ان تتلقى الشكر والامتنان (قلت لا تبالي يا بنت الناس، اذا عدلها الخالق سوف اشتري لكِ الف خلخال وحجل ذهب، وربما اصبكِ ذهباً من فوق رأسك لقدميكِ) ص36 .

4 - مرهون : الشقي والطائش الذي اخمد السكين القاتلة في صدر (بدرية) غسلاً للعار والحفاظ على شرف العائلة، يسجن ثلاثة اعوام، وفي السجن يلتقي مع السجناء الشيوعيين، ويدخل محو الامية ويتعلم القراءة والكتابة والمفردات من القاموس السياسي . ويشكل انتقال نوعي وجذري في عقليته، بان يصبح نصير ومدافع عن حقوق المرأة، ويدخل في النشاط السياسي والحزبي ويقود المظاهرات الشعبية، وهنا يدرك فداحة الجريمة التي ارتكبها بحق (بدرية)، ويشعر بعسر الالم والحزن لفعله الشنيع، هذا التحول النوعي، تقول عنه (مديحة) شقيقة بدرية المقتولة (لاول مرة أشعر بشيء يمتلكني واتعاطف مع مرهون، فارق العمر لا يعنيني، وادرك ثمة اشياء كثيرة تجمعنا، سقف واحد، ثقافة مشتركة، وحب بدرية) 130 . وفي صباح اليوم التالي اشرقت شمس بغداد من الغروب .

 

بعض الاشارات الاورتيكية:

1 - لا تنسي بعد كل مرة تغتسلي جيداً وتدخلي الابريق الى حيائك داخل احشائك، بعدها ضعي شب وليمون كي ترجع المنطقة، مضغوطة وصغيرة ومنمنمة، الرجال لا يحبون الفتحة مهورة) ص98 .

2 - (ذهبت مع ريمة والبنات الى حمام السوق، وهناك شاهدت الوشم الازرق على منطقة عانتها، مكتوب عليها (تفضلوا يا شباب) قلت: خالة وهل كنتِ واحدة مثلنا؟ قالت: بعد ان تكبري ماذا يكون مصيركِ؟ سوى قوادة مثلي) ص103 .

3 - (اما شامتي فكانت نقطة سوداء في صفحة بيضاء تحت شفتي، احياناً تقبلها باجي ريمة وتقول تسبين العباد بها، ولا تروي شبقها إلا بعد ان تمط شفتيها وتطبعها على شفتي وتمرر يدها في كل موضع، ثم تنام بجانبي، لا تستفيق إلا بعد الظهر اليوم التالي) ص101 .

4 - (حتى النساء اللواتي احببتهن لم تكن لهن رعشة ونشوة، تلك اللحظة التي مارست فيها العادة السرية، وانا انظر الى امي عبر شقوق تلك الستارة) ص113 .

رواية استوفت وانجزت شروط مقومات الرواية، بابداع خلاق وخلاب يستحق التثمين، وقد اهتمت بعناية قائقة من الحبكة الفنية والافكار التي صاغتها، لتكون رواية بغدادية في معالمها واجواءها

 

جمعة عبدالله

 

 

عندما شاء الله أنْ يرى وجهه

yousif jazrawiلا شكَّ أنَّ التأمُّلات في مجموعة "إسمي هو ذاك المزوّد بالزهور" للصديق الشاعر شوقي مسلماني هي وليدة قراءة دقيقة لحضارة أرض الكنانة الروحيّة والآلهة عند الفراعنة، لأنَّها تشرح لنا سرّ الله وقصّته في تاريخ العالم القديم، بل هي ثمرة خبرة صوفيّة لشاعرٍ كتبَ زبدة مشاعره الروحيّة.

نحن البشر كثيراً ما نميل إلى إغلاق الله، أو على الأقل إلى قولبته، وهو أكثر من ذلك، لأنَّه ليس صنماً ولا مبدأ، ولا شخصاً، ولا يمكن احتواؤه مهما حاولنا، فهو أكثر وأكثر بكثير.

في كتابه "إسمي هو ذاك المزوّد بالزهور" والذي يقول فيه: " إنّكَ لن تجعلَ إمرأةً أو رجلاً خائفاً \ هذا اعتداء على الله \ ومن يقول بهذا الكلام فإنّ اللهَ \ سيجعله فقيراً إلى الخبز"، مجهود رائع وتأمُّلات عميقة، ويقيني أنّه حاول أن يتلمّس ملامح وجوانب هذا الإله العظيم، وأنْ يساعدنا لكي نلقى وجه الله في كلّ آن، وأنْ نلقاه في كلّ وجه، فهو ليس للأبحاث أو للمناسبات والإحتفالات، وليس في وجوه خاصّة دون غيرها، إنَّه الوجه الدائم للجميع وفي الكلّ.

الله يهتمّ بجميع البشر، يشرق شمسه على الأشرار والأبرار. يهتمّ بالخطأة، يهتمّ بصغار القوم، يهتمّ بأولئك الذين يرذلهم الناس. الله إله محبة، كلّه حنان ورحمة، يقف بجانب المظلوم، بجانب الذي قست عليه الأيام وصلبته ظروف الحياة وحطمته خطئية البشر. الله يهتمّ بخاطئ واحد يتوب أكثر ممّا يهتمّ بتسعة وتسعين بارًّا. الله يكشف عن ذاته للبسطاء أكثر منه لأصحاب العلم والمعرفة. الله يُريد سعادة البؤساء على اختلاف فئاتهم ومشاربهم. إنَّه إله علائقي، نستطيع القول عنه أنَّه يرفض أنْ ينحصر دوره في مُمارسة شريعة، أدواره مُتعددة، واسماؤه لا تحصى، أعظمها المحبّة. الله حين يتوجّه إلى الناس يلجأ إلى الإقناع بمحبة لا إلى الكره لأن برّه هو تبرير الإنسان. الله هو ربّ الكون وسيّد التاريخ وأب البشر، يتمجّد في عمل الإنسان مهما كان هذا العمل ناقصاً، ينطلق منه ويكمّله، أولم نقرأ ما جاء على لسان الحلاّج المتصوف الكبير: "إنَّ الله عندما شاء أنْ يرى وجهه لم تكن لديه مرآة، لذا خلق الإنسان، فيه رأى وجهه". يشبه هذا ما جاء في سفر التكوين: "وقال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا.. فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ورأى الله جميع ما صنعه، فإذا هو حسَن جدًا" (تك 1: 26- 31). الله لم ولن يكون له باب يغلقه في وجه إنسان، أمّا قلبه دوماً مفتوح في وجه الجميع، سيّما أولئك الذين يصيحون، وقلّما يُسمع لهم صوت، أو يُفتح في وجههم قلبٌ أو باب.

هذا بعض ممّا نتعلّمه من هذا الكتاب، يبقى علينا أن نعود إلى ذواتنا، لنكتشف وجه الله الرحيم، الذي يعمل ولا يزال حتّى يطبع في الواقع والحقيقة صورته ومثاله على كلّ إنسان، فيصبح كلّ واحد صورة الله غير المنظور في هذا العالم المنظور. وهنا لا بُدَّ أن أعترف صادقاً: إنّني طالما جلستُ أستمع لشاعرٍ ذي قامة عالية يلقي قصائده فينال الإعجاب والتصفيق، ولكن في هذه المرّة سرقني الوقت وأنا جالس أطالع بشغفٍ ونهم تأمُّلات الشاعر والمتصوّف شوقي مسلماني، وهو يبوح بخبرته الصوفية للقرّاء ومنها: " أرجو خلالَ المحاكمة \ ألاّ يقف أحدٌ ليُعارضَني \ أرجو ألاّ يُقال أنّي عملتُ أعمالاً \ هي ضدّ الحقِّ والحقيقي \ أرجو ألاّ يُقال شيء ضدّي \ في حضرةِ الربِّ العظيم".

لقد شوقتي يا صديقي شوقي في قراءة التأمُّلات عدة مرّات، فألف شكر لك. وأنتم أيها القرّاء الكرام ما عليكم إلّا أن تطالعوها لتعرفوا لماذا أقدم مؤلّف الكتاب على مدّ الجسور الإنسانيّة بين البشر، تسعفه تعاليم الله خالق الجميع. حفظَ الله الأستاذ الشاعر شوقي مسلماني، صديقًا ورفيق درب في ميادين الكلمة البنّاءة وفلاّحاً في حقل المحبة الجميل.

 

الأب يوسف جزراوي

 

شعرية التّناص مع المقدس .. سراويل يوسف أنموذجا

ahmad alshekhawiإننا إزاء شاعر بارع جدا في توظيف قاموس العشق، وتطويع المصطلح النشاز حدّ منحه السياق النّصي الأقدر على درء تهم أو شبهات الخلاعة وخدش الحياء والتخفّي بأقنعة الفسق والزّندقة.

الشاعر العراقي الواعد عبد الرحمان الماجدي أشمل وأعمق من كونه مجرد صوت تستغرقه إيروتيكية ما في محاولات تتلاعب بالعاطفة وتدغدغ إغفاءة الزير القابع في طيات كل منا كـــذكران يعني لهم الشيء الكثير الاعتراف بالقوة الجنسية و إبراز الفحولة وإن في غير محلّها، وكذلك فعل التغزل بالجنس الناعم .

هو ظاهرة مختلفة وتجربة استثنائية استطاعت خلق المنعطف في تاريخ المقاربة الجنسانية كما رسمها وخط مداراتها رواد من قبيل امرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة و نزار قباني وغيرهم.

إذ أن ذروة المغامرة الجنونية والتحدي يكمن في حجم انصهار الذات ومنسوب التحكم بخيوط بنية رؤيوية عاكسة لتقنيات تطعيم البوح بزخم من اللمسات السحرية المنتقاة بعناية من كنوز المقدس على نحو مهضوم مستساغ أقرب إلى المحاكاة منه إلى المعارضة والتفنيد.

الغرض ذاته نعايشه في حالة شاعرنا، ولعل أبرز تجلياته ما ستفصح عنه إضاءتنا لـ " سراويل يوسف" باعتباره نصا يعج بمؤشرات الطرح الذي فدلكنا له.

بدءا بالعنونة وما تشفّ عنه من حقول دلالية لاستحضار مفردة أو ثيمة السراويل بدلا من القمصان مثلا لصلة ووثوقية هذه الأخيرة بقصة نبي الله يوسف كما وردت في النص القرآني.

وكأن قصدية شاعرنا تتخطى الإيروتيكية المألوفة إلى مستويات تحفيز الفحولة ونشر ثقافة جنسية لا تكتفي بإشباع الحاجة الجسدية فقط وإنما ترتقي إلى خلفيات الإحتفاء بالروح و تحقيق الاتزان النفسي .

 

1

فاحَ عطرُ الشهوةِ،

ونعسَتِ الحشمةُ

في بيتِ السيّد،

حينَ لبّى "يوسفُ" رسولَ الهُيامِ،

تدلّى جمعٌ من الملائكةِ، مُتزاحمينَ، على حبالِ الفضولِ،

يتتبعون "راعيلَ" الرغوبَ تغلّقُ الأبوابَ وتزيحُ ستائرَ العفّةِ،

تتهيّأ تائقةً،

تطوّقُ، صوبَ المخدعِ، من هامتْ بهِ وهامَ بها:

 

كذلك هي الأنثى، خلقت لتغري، لتستفز "يوسفية" العنصر الذكوري فينا، ما بين كبت أو تحرير غرائز الإنجذاب إليها هي ومطاوعتها، بحيث لا وجود أبدا للمنطقة الوسطى بين الفروسية في المضاجعة والجماع، والبرود أو الضعف أو العجز الجنسي .

شخصيات هذه اللوحة الشعرية المتبرجة، نجدها مذعنة لسلطة الشهوة تماما، بما يثير فضول الملائكة حتى ويوجب ازدحامهم حول مخدع الرذيلة .

فالقلب في نشوزه الشهواني لا يفرّق بين سيد وعبد، أو يعير أدنى اهتمام لنعرة طبقية.

هاهي "راعيل زوليخا" حرم عزيز مصر وعلى غفلة منه، ترتب شتى صنوف الغواية والطقوس الشبقية للإيقاع بنبي تكلؤه العصمة الربانية .

وأخيرا لن تفلح في تلطيخه بنتانة فجور الجسد المحرض على الخيانة، حتى وقد همّت الرّغوب بعد تغليق الأبواب، وهمّ النبي بدوره بها.

 

2

“يا يوسف: ما من بشرٍ أجمل منك،

جسدي لهثانٌ،

وبُليتُ بزوجٍ عِنّين،

فقمْ إسقِ أرضي.

وشم عطرَ روحي

لقد "هِئْتُ لكْ"

 

وحدة حوارية ثرية بأساليب إغوائية تستهدف أو تحاول أن تستهدف الثغرة الآدمية، كضرب من خلق الأعذار أو تحصيل تبرئة و الظفر بترخيص يشرعن إلى حد ما يبيح ممارسة المحرم والمحضور.

علما أن الغاية الضمنية في كهذه سلوكيات، تتجسد في ارتقاء سلم فوبيا الشهوة وجموح استشعار الرغبة في إطفاء اللذة، صوب انتشاء روحي يشفع اقترافه ضعفنا البشري ختاما.

 

3

على قَفاها استلقتْ عاريةً،

فمدّ الشهودُ، المتدّلين، رقابهم أطولَ مما يجب.

حَلّ الهِميانَ، مفتوناً، وجلسَ، يتجردُ بين رِجليها،

ساعدهُ ملاكٌ عجولٌ، فتدلّتِ السراويلُ على إليتيه.

ارتعشَ فرجُها، الموشكُ أن يُفتضَّ ختمُه،

وضاقَ أُخدودُ ظهرهِ بمياهِ الغُلمة.

 

هنا يسجّل مشهد الغواية أقصى معدلاته، ويتم تسخير منظومة مفردات موغلة في بذر الإفتتان المطلوب وتحقيق الإثارة العاطفية والجنسية، قصد الإنغماس في عوالم الرعشة الإيروتيكية.

 

4

نهرَ اللهُ الملائكةَ المتسرّبينَ من الخدمة

كي يدركوا النبيَ الجميلَ عُرياناً يتفخّذُ حبيبتَه.

عرضوا صورةَ أبيهِ، غاضباً، على جدارِ المخدعِ يعضّ كفّه الأسيفة،

سَحبوا سراويلَه من على ثيابها وغطّوا رِدفيه،

فغزا الخَجلُ وجهَهُ الناضرَ وانهدت هِمّتُه.

 

بيد أن المفاجئة التي لم تكن ــــ أقله ــــ في حسبان راعيل، نوبة ندامة أو توبيخ ضمير أو توبة مزدانة بالخجل يستعجلها نبي الله يوسف المصون بعناية إلاهية تعصمه من كيد الأنثى عموما وتلبية هواجس الشهوة .

يُمسرح شاعرنا طقوس لملمة مشهد العري واجتراح الرذيلة، بإسقاطات تتسم بالشمولية عبر إقحام الذات الإلاهية والملائكة .إسقاطات تروم التناص مع المقدس وتتماهى معه لتجيب عن استفسارات وجودية جمة.

 

وصلَ السيّدُ،

وقفلُ الشمعِ لما يزلْ على محبسِ العسلِ.

اقتيدَ يوسفُ يُردِّدُ: هي روادتني عن نفسي، ولَمْ أَخُنِ السيّدَ بالغَيْب.

غمزهُ جبرائيلُ: ولَا حينَ هَمَمْتَ بِهَا فَحَلَلْت سَرَاوِيلَك يا يوسف؟

فآثرتْ راعيلُ معشوقَها المطأطئَ، الصامتَ يوشكُ أنْ يقرَّ،

لابسةً، وحدَها، ثوبَ الضَّلال.

 

كون الأنثى مصدر إغراء وجاذبية جنسانية في كل الأحوال، لا ينفي التهمة عن الذكر أو يميط عنه رداء الشراكة أو تقمّص دور الطرف غير البريء في هتك حدود الممكن أو المباح أو المحضور، وإن تحت ذريعة الضعف البشري في معظم المناسبات.

ولعل ما يحيل عليه السطر الشعري الأخير الذي سدل به شاعرنا سرديته، يزكي إلى حد بعيد ما ذهبنا إليه في طرحنا هذا.

هي تجربة مغايرة تماما، منحت الإضافة المنشودة، وبرع صاحبها في المزاوجة بين المقدس والنص الأيروتيكي، وفق ما ينم عن عفاف روحي فياض، ورؤى عميقة جدا تستحدث أرضية خصبة لترسيخ ثقافة جنسية جديدة .

 

أحمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي

 

قراءة اخيرة في جدلية ابي تمام

sadam alasadiقال ابو تمام:

سأجهد حتى ابلغ الشعر شأوه وان كان لي طوعا ولست بجاهد

ما معنى الجدلية: الجدل ذو مكانة في المعرفة والاطلاع، وهو نوعان:

جدل الفكر والرياضيات (انساق – ترتيب - معقولية)، جدل القلب (الحب – الولع بالصور – التجاوز الى المعاني الكلية – التأمل المحض) .

الجدلية: من خصائص الفكر الانساني فلا بد ان تظهر في طبيعة لغة اصيلة كالعربية وقد انتبه اللغويون وهو جذر الاضداد في الالفاظ العربية واشاروا اليها وسعوا لجمعها وتفسير جدواها .

ذكر السيوطي (قطرب – الانباري – ابن الدهان) القوافي الاضداد .

ما اسباب انتباه ابي تمام الى التضاد والتقابل؟

اسفاره الكثيرة واتصالاته بشتى المعارف واطلاعه على الوان العيش المتباينة، اطلع على تأمل اللغويين لذا نجد في شعره ثقافة لغوية واسعة يأتي التضاد من التحرر من اصلين مختلفين (اخفى – كتم – اخفى – اظهر) وقد يأتي لغاية بلاغية – السليم تفاؤلا بالسلامة (المفازة من الفوز – الصريم لليل والنهار – الاحمق – للعاقل الصارخ – المغيث – المساء) .

جدل ابي تمام:

في الشعر وطبيعة توليده للأفكار، انه اكثر الشعراء اطلاعا على اشعار العرب القدماء وكتابة الحماسة شاهد .

هل ورد الجدل في الشعر الجاهلي؟

 

عند لبيد:

اليس ورائي ان تراخت منيتي لزوم العصا تمنى عليها الاصابع

فالشيء الاتي يكون الانسان في غفلة عنه لا ينتبه له فكأنه خلقه .

الاشارة الالهية في القران:

السفينة التي ركب فيها الخضر وموسى، ولفظة امد في قوله: (وامددناهم بمال وبنين)، ولفظ أمر المستعمل في غيره: (نمدهم في طغيانهم يعمهون)

هل يحتمل الكلام اكثر من معنى؟

نعم، قال النبي (صل الله عليه واله): (اذا لم تستح فاصنع ما شئت)

أ‌- اذا لم تفعل فعلا تستحي منه فافعل ما شئت .

ب‌- اذا لم يكن لك حياء يردعك عن فعل ما تستحي منه فافعل ما شئت .

و قول المتنبي يؤدي الى معنيين مدحا وذما:

فان نلت ما اقللت فيك فربما شربت بماء يعجز الطير رده

و قوله:

فما لك تعني بالاسنة والقنا وجدك طعان بغير سنان

اشبه بالذم منه بالمدح – لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك بل غير سعادة وهذا الافضل فيه لان السعادة تنال الخامل والجاهد ومن لا يستحقها .

الجدلية: اوضح المظاهر للمقابلات الفكرية التي هي من خصائص الفكر الجدلي .

مدرسة ابي تمام رد فعل لمدرسة سبقتها هي مدرسة ابي نواس – التي اعتمدت على سهولة الالفاظ ويسرها وقرب المعاني وحداثتها وبساطة البيان وعلى وصف الحضارة وتجنب موضوعات الجاهلية (الوقوف على الطلل – وصف الناقة والخيل) واستهزاءا بهذه الموضوعات قول ابي نواس:

قل لمن يبكي على ربع درسي واقفا ما ضر لو كان جلس

عاج الشقي على دار يسائلها وجئت اسأل عن خمارة البلد

كم بين من يشتري خمرا يلذ بها وبين باك على نؤي ومنتضد

ابو تمام يعتد اللفظ الغريب والعبارة النادرة وذكر مواطن الاحبة في البادية والصحراء، فاللفظ في مدرسة ابي نواس كان رقيقا يراد به ما وضع له وهكذا تبدو معاني الشعر واضحة لا لبس فيها ولا غموض .

عند ابي تمام اصبحت الالفاظ والكلمات لا تؤدي دلالتها ومعانيها بالضبط، انها لا تستعمل لمعانيها الموضوعة لها بالتدقيق بل لتناسبها ومراعاة نظائرها، ان الفاظ ابي تمام تبدو فيها العنجهية البدوية وازاء المعنى الغامض الذي يتطلب امعان النظر لتظفر بالمراد – التعبير القائم على الاستعارة والمجاز والجناس والكناية ومختلف المحسنات:

السيف اصدق انباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

اختلف المطلع عنده عما الفناه في تعبير الشعراء السيف رمز القوة والحرب والكتب رمز التنجيم والحد الثاني معناه الفصل بين شيئين

بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب

يؤكد البيت الاول بتشكيل مزخرف متألق خطابي جاء بألفاظه الطباق بين البيض والسود وتجنيس القلب في الصحائف

و العلم في شهب الارماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب

يؤكد الفكرة نفسها، يخدع العلم في الحرب لا ما استدللتم عليه بالنجوم ولكنه يختار للدلالة على النجوم لفظ الشهب التي هي اخص منها ويستعير اللفظ نفسه لاسنة الرماح زخرفا وتزويقا ومجانسة .

قول ابي تمام على التلميح والاشارة الى ايام العرب وحوادث التاريخ والقصص المأثورة وضرب الامثال:

ان كان بين صروف الدهر من رحم موصولة او ذمام غير منقضب

فبين ايامك اللائي نصرت بها وبين ايام بدر اقرب النسب

الملاحظ ايضا انه يعتمد التضاد او تغاير الحدود:

السيف يقابل الكتب، الجد نقيض اللعب، البياض ضده السواد، الشك يبده الجلاء، اسنة الرمام تقابل (سناء النجوم)، التضاد بين المتزوج والاعزب

لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك علي بان باهل ولم تغرب على غرب

اشارة الى الربوع والمواطن البالية فربع قومه اصبح عامرا حين طاف به ذو الرمة ورغم ذلك كان اقل دمارا من دمار عمورية

ما ربع ميث معمورا يطيف به غيلان ابهى ربا من ربعها الخرب

و قوله في المقارنة بين الحسن في العواقب

وحسن منقلب تبدو عواقبه جاءت بشاشته من سوء منقلب

كيف جدد ابو تمام في الشعر العربي؟

تناول بيئة الشعر وتركيبه او عموده، تناول الاغراض الفنية القديمة فدقق بالطلول وبكاها وشبب ومدح ورعى واستعمل الكثير من الالفاظ الغريبة وبعض الكلمات القليلة الشيوع .

ان الاتجاه الديالكتيكي الذي اتجه اليه ابو تمام استطاع ان يولد كثيرا من المعاني (كم ترك الاول للاخر) قال ابو العلاء في رسالة الغفران: (ابو تمام صاحب طريقة مبتدعة ومعان كاللؤلؤ متتبعة يستخرجها من غامض بحار) .

لقد التزم ابو تمام النهج هذا في جميع شعره:

و طول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدد

فاني رأيت الشمس زيدت محبة الى الناس ان ليست عليهم بسرمد

و يصف الربيع ويجلب انتباهه ختام الشتاء ومقدمة الصيف فهو يعرفه بالتضاد (ان الشتاء لما احتوى من امطار هيأ ثمرات الصيف فالشتاء محمود رغم عداد في برده، اما الربيع فهو صحو في مطر ومطر في صحو) .

مطر يذيب الصحو فيه وبعده صحو يكاد من الغضارة يمطر

يرى ابو تمام ان الحركة هي الاصل في حسن الطبيعة وجمال الارض على خلاف الاشياء المصنوعة الثابتة، كان ابو تمام – ابا للجدل المريث المستند الى التغيير والى الحركة وكان مذهبه مبكرا شمل الفلسفة وان الشعر العربي لم يخل من المقابلات المتضادة ولكن الفرق كبير بين ابرازها حين تشف عن حركة طبيعية دون ان يتجاوز التعبير هذه الحركة وبين اعتماد التضاد وتصالب الافكار وتقاطعها في اغلب الاحيان، فالشاعر الجاهلي الحصين بن حمام يقول:

تأخرت استبقي الحياة فلم اجد لنفسي حياة مثل ان اتقدما

رسم حركة نفسية بعبارات رقيقة متقنة وبقي كلاسيكيا لانه كان وثيقا بعاطفته لم يصورها بعنف ولا باستعارات متعمدة كما يصنع ابو تمام.

 

شواهد من جدلية ابي تمام:

1- في مدح المعتصم:

شرست بل لنت بل قانيت ذلك بذا فانت لا شك فيك السهل والجبل

في البيت مراحل تكلف في اثبات ونفي النفي .

2- في الوصف للطلول:

من سجايا الطلول الا تجيبا فصواب من مقلتي ان تصوبا

فاللفظ عنده يحتمل احيانا اكثر من معناه المخصص له .

3- وصف الجمل:

رعته الفيافي بعدما كان حقبة رعاها وماء الروض ينهل ساكبه

الجمل نشأ وسمن من رعية الفيافي ثم نحل وضعف من جوبه تلك القفار فكأنما رعته بعدما رعي بنتها .

4- وصف الشيب:

تستشير الهموم ما اكتن منها صورا وهي تستشير الهموما

يصف شعلة الشيب في المفارق، الهموم تستشيرها وهي في المقابل تستشير الهموم .

ان شعره قائم على صراع الحدود في ذلك العصر العباسي القائم على التمايز بين الطبقات والفئات مع وجود الطبقات العرقية التي تتنافس ظاهرا وباطنا مع الحكم كالفرس والترك .

لابد وان يظهر في العصر المعقد تلوح صوره نضارة متشابكة مع فن صناع وادرك ابو تمام رسالة الشعر في ذلك المجتمع المعقد وفهم غايته السامية فالشعر ليس مجرد كفن كملت عناصره واتقنت اداته وبلغ الاول في الابداع والصناعة انما هو وسيلة للقفز على المعاني وحث على تحقيق القيم الرفيعة .

و لولا خلال سنها الشعر ما درى بغاة العلا من اين تؤتى المكارم

فالرئيس لا ترقيه الرئاسة لانه مهيأ للمعالي في الامور فلم ترتفع شخصيته بهذا النص الجديد كما يرتفع قليل الواهب

اعط الرياسة من يديك فلم تزل من قبل ان تدعي الرئيس رئيسا

لقد سما بممدوحه على ان يكون من هؤلاء اذ كانت مزاياه النفسية اصلية لا جدلية بالإشارة والنصب .

من اكتشف جدلية ابي تمام؟

1- ابو الفرج الاصفهاني: (شاعر مطبوع لطيف الفطنة دقيق المعاني غواص على ما يستصعب منها ويعسر متناوله على غيره) .

2- الصولي: (رأس في الشعر مبتدىء المذهب – سلكه كل محسن بعده) .

3- ابو العلاء: (انما ينكر عليه المستعار وقد جاءت الرماية في اشعار كثير من المتقدمين الا انها لا تجتمع كاجتماعها في ما نظمه حبيب) .

(الفن البراق)

ان شعره قائم على الصناعة والتركيب والزخرفة اللفظية والمعنوية كأنه هندسة فنية متشابكة العناصر غنية الاوصاف (الفن البراق) .

تأثر البحتري والمتنبي بفنه وتقبلاه بادئ بدء، لقد فاقه البحتري في موسيقى اللفظ وغنائيته ذات الجرس الحلو، وفاقه المتنبي في قوة بيانه وروعته وايجازه في اعجازه، وكل من جاء بعدهم تأثر بابي تمام .

 

نماذج من بديعياته:

1- يطابق بين اسماء الاشارة:

مها الوحش الا ان هاتا اوانس قفا الخط الا ان تلك ذوابل

2- المطابقة في الالوان والكناية عن القتل بالدم والكناية عن الجنة بلون اخضر:

تردى ثياب الموت حمرا فما اتى لها الليل الا وهي من سندس خضر

3- المقابلة على الترتيب قوله تعالى: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا).

و يقول المتنبي بخمسة اشياء:

ازورهم وسواد الليل يشفع لي وانثني وبياض الصبح يغري بي

و قول عنترة يقابل بين ستة اشياء:

على رأس عبد تاج عز يزينه وفي رجل حر قيد ذل يشينه

 

(شهقة طين) عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف التجارب الكونية

mohsin altokiقراءة نقدية لقصة: (شهقة طين) للقاص عبد الكريم الساعدي - العراق

 

شهقة طين / عبد الكريم الساعدي

في لحظة لها رائحة الدهشة، ينساق الليل إلى حلكته، بينما العيون المحاصرة تعتصرها رعشة الحنين، رعشة ترتجف بالألم والوجع والعجب، ترقب تباشير الفجر بلهفة بعدما نفد كلّ شيء، الماء والعتاد والأمل، حتى الهواء غاب ولم يعد منعشاً كما من قبل، ضاقت الحناجر بأنفاس لهيب العزلة، تلاشت الصرخات في فضاء من أسى من فرط النسيان، كان المدى مقفلاً برائحة البارود، تلفّه غيمة من دخان كثيف، والجهات تحتفي بحصارهم، أوصدت أبوابها بلهفة عيون الذئاب المتعطّشة لدمائهم. - هي ليلة لاغيرها، ما عسانا أن نفعل؟ قال الجندي ذو اللحية الكثّة. - ننتظر الفجر، ما هي إلّا سويعات فنعانق حور العين. - لا وقت للمزاح والموت يحدّق بنا من كل مكان. - ومن قال لك إنّي أمزح، ألم نأتِ من أجل ذلك؟ كانت الجراح تنزف آهات في ظلّ حيرة من الأمر، لِمَ لم يسمع أحد النداء؟ وهذا الصراخ والألم الذي يشقّ عنان السماء، أيذهب جفاءً؟ تساؤلات كثيرة كانت تتحطم عند أعتاب الكثبان الرملية المحيطة بهم . اتّكأ كلّ منهم على جراح الآخر، العيون تصوّب أبصارها بخشوع نحو السماء. كانت السماء صافية والنجوم كثيفة، باسمة بضياء القرب، باكية من هول المشهد، لكنّ الليل تزيّن بوحشة اتخذت شكل الأسر، ينذر بقيامة الروح عند بوابة الغياب. حدقّ أحدهم بوجه طفلته بلهفة شديدة، هزّه الشوق إليها، دسّ صورتها بين بزته العسكرية وبين قلبه، انطلق بما تبّقى من رصاصات نحو تلك الذئاب الكريهة، لكنّه سقط عند منعطف الشوق. المكان يبدو مقبرة مضرّجة بالوحشة، بينها وبينهم لسعة أدمع، تترقب خطواتهم عن بعد، وللزمن نكهة الفراق والذكريات، ذكريات حاضرة بكلّ تفاصيلها في مكان يلفّه صمت كثيف، تتماوج بين مدّها وجزر اللحظة، كانت معادلة صعبة أن تقارن بين الذكرى وبين الآتي، وقبل أن يلفّ العمرفراش السنين عند حافة ليله، تنفس أحدهم المكان، فكان عطر زوجته ، بينما الآخر أطلق أحلامه، ينصت بلهفة لكركرات طفل مازال يحبو، الجندي الذي أسند جسده المتهالك إلى دكة من تراب، يحدّق في وجوه الآخرين، وجوه مرهقة أضناها العطش والدهشة، لم يرَغير مقل مسهّدة بالقلق والضجر، يستتر وراءها وجه أبيه المثخن بالحزن وهو يترقب عودته، كان بصره شاخصاً نحوه، يخشى أن يمضي كما أخويه من قبل، " كيف سيكون حاله إنْ لم أعد إليه؟" كان الوجع وحلاً، يتمرغ فيه ما تبقى من رائحة أرواح ظامئة للعناق، والليل يشير إلى أحلام وأمنيات بعثرها الخذلان، بينما الجميع راح يبحث عن موت مشرّف في تمام السحر أو عند مطلع الفجر: - لنا مهمة واحدة لا غير، أن نموت جميعنا، حذارِ أن يقع أحدنا في الأسر. وفي آخر الليل وحين احتدم السكون، كانت القلوب ناظرة إلى حقول القمح وشجيرات الحناء عن بعد، والعيون تغازل السماء بنور الرجاء، تنهش بقايا ظلال مختنقة برفيف أشياء مفقودة إلّا واحداً منهم، غطّ في نوم عميق، يعلوه شخير يغشى صدى الموت، ضحك الجميع لمشهده وهم في لجة الردى: - كيف استطاع أن يتسلّق المخاوف؟ - دعوه ربما يحلم بوجه أمه ولمّا لاح لواء الصباح كان الموت سحابة من دموع تهطل بخجل، يلوذ كلّ واحد منهم بموته، يحتمي بظلّ رصاصة أو قذيفة مدفع، حفروا بأناملهم ثقباً في الأرض، رسموا ظمأ الأحلام في فضاءات غابت عنها خيوط الشمس، حتى تعاقبت الفصول وعصف الخذلان، ليشيّعوا جراحهم عند دكة الغياب. وبعد أن أصبح الأنين وطناً ، ومضى حين من الموت، وجدوهم شهقة طينٍ حرّي، تهمي بسرّها الدفين عند منابر القصب والبردي. ي

 

القراءة النقدية

نص جميل، يحرك الشجون والوجدان بلغته الشفيفة، للقاص العراقي عبد الكريم الساعدي، لغة مميّزة عاينتها في كلّ أعماله التي أتابعها على المواقع المختلفة قبل. لغة راقية موشّاة ببلاغة راقية غير مفتعلة، بل منسوجة من ظلال التجربة التي يعرضها النص، لغة أقرب إلى روح الشعر بإزاحاتها التي تثري السرد وترفع مستوى النص من حكاية لبعض المقاتلين المحصورين إلى قطعة سردية راقية تمور بالمشاعر الجياشة، وتظهر معدن الإنسان في وقت المحنة.

التقط الكاتب الجميل لحظة كاشفة بقسوتها تمر بها جماعة من البشر، لم يحدد هويتهم إلا بإشارة لانتمائهم إلى فصيل إسلامي، بدلالة اللحية الكثة، وحور العين، تخوض الجماعة قتالاً شرساً ضد عدو وصفه بالذئاب الكريهة. واللحظة التي انتخبها الكاتب ليسلط الضوء على الجماعة المقاتلة هي انحصارهم حيث لا مهرب (والجهات تحتفي بحصارهم) .. وقد سترهم الليل عن العدو. ونفذ الماء والعتاد والأمل، ولا أمل حتى في نجدة تسعفهم (تلاشت الصرخات في فضاء من أسى من فرط النسيان). هيّأ الكاتب مسرح الأحداث لتناسب الدراما الإنسانية التي على وشك أن تدور. يمثل ظلام الليل ستاراً مؤقتاً يخفيهم عن عيون العدو، لكن ما أن ينبلج الصبح حتى يحين المصير المحتوم. فلا فرصة لهم في النجاة. يمرّ الليل على الرهط في استدعاء الصور والذكريات التي تؤكد ضعفهم الإنساني. لكن هذا الضعف لا يمدّهم إلّا بمزيد من القوة والعزيمة. يلتجئون في تآزر حميم إلى صور أهليهم وذويهم يستمدون منها شحذ همتهم في انتظار ما هو آت (يتّكئ كلّ منهم على جراح الآخر). ورغم المحنة فهم لا يرومون إلّا موتاً مشرفاً، تبرّره الخلفية الثقافية التي نشأوا عليها. فهم لم يبدأوا حربهم الّا طلباً للشهادة،

(ولمّا لاح لواء الصباح كان الموت سحابة من دموع تهطل بخجل). انتهت حياة الثلة عند منابر القصب والبردي - لعله مكان في الأغوار - بصمت وإباء وشموخ، عادوا إلى أمّهم الأرض. وشهقة الطين الحري هو عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف التجارب الكونية. فالإنسان الذي هو مضغة من طين الأرض يمور في جوهرة بقدرات هي قبس من الروح العلوية المتسامية. نص جميل شفيف بلغة أكثر من رائعة، وهي اللغة التي ذكرت في أكثر من مناسبة، إنّها تنطوي على ما هو أكثر من مجموع كلماتها، لغة تحلّق بك كقارئ في أفق أعلى يتجاوز حدود النص.

 

الناقد / محسن الطوخي – مصر

نونيات وحياة بشامة النهشلي .. ابن زيدون .. الحلي .. شوقي

1karem merza - بشامة النهشلي: إنّا محيّوك يا سلمى فحيينا *** وإن سقيتِ كرام الناس فاسقينا

2 - ابن زيدون: أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيْـلاً مِـنْ تَدانِيْنـا ***وَنَابَ عَـنْ طِيْـبِ لُقْيَانَـا تَجَافِيْنَـا

3 - صفي الدين الحلي:سلي الرماحَ العوالـي عـن معالينا ** واستشهدي البيضَ هل خاب الرجا فينا

4 - أحمد شوقي: يا نائح الطلحِ أشـباهٌ عـواديـنا ** نشْجى لـواديك أم نأسى لـواديـنا

هذه أربع قصائد من البحر البسيط بقافية واحدة،فالنغم واحد مع ترجمة مختصرة لأصحابها:

1 -   بشامة بن حزن النهشلي - مخضرم - جاهلي - إسلامي - توفي: 45 هـ / 665 م:

يقول الآمدي في (مؤتلفه ومختلفه): "بشامة بن حزن النهشلي نهشل بن دارم وهو القائل:

إنا بنو نهشل لا ندعى لأبٍ**** عنه ولا هـــــو بالآباء يشرينا

إن تبتدر غاية يوماً لمكرمة *** تلق الســوابق منا والمصلينا

إنا لنرخص يوم للروع أنفسنا ** ولو نسام بها في الأمن أغلينا

إنا لمن معشر أفنى أوائلهم **** قيل الكــماة ألا أين المحامونا

لو كان في الألف منا واحد فدعوا * من فارس خالهم إياه يعنونا

وهي الأبيات المشهورة وفيها زيادة في الأصل . " (1)

وفي (فهرس شعراء الموسوعة) ، جاءت ترجمته كالآتي:

نهشل بن حري "

? - 45 هـ / ? - 665 م

نهشل بن حري بن ضمرة الدارمي

شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية وعاش في الإسلام وكان من خير بيوت بني دارم أسلم ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، وصحب عليا كرم الله وجهه في حروبه وكان معه في صفين فقتل فيها أخ له اسمه مالك فرثاه بمراث كثيرة وبقي إلى أيام معاوية.

قال الجمحي: نهشل بن حري شاعر شريف مشهور، وأبوه حري، شاعر مذكور، وجده ضمرة بن ضمرة شريف فارس شاعر بعيد الذكر كبير الأمر، وأبو ضمرة، ضمرة بن جابر، سيد ضخم الشرف بعيد الذكر، وأبو جابر، له ذكر وشهرة وشرف وأبوه قطن، له شرف وفعال وذكر في العرب ." (2)

يقول ابن جني في (مبهجه في تفسير أسماء شعراء ديوان الحماسة)

" البشام شجر له عود يستاك به قال جرير:

أتنسى أن تودعنا سليمي ... بعرق بشامة سقي البشام

والحزن الموضع الغليظ والحزم أغلظ منه والنهشل الذئب " (3)

ويذكر البغدادي في ( خزانة أدبه):

   الشاهد الخامس والعشرون بعد الستمائة "

البسيط:

وإن دعوت إلى جلى ومكرمةٍ *** يوماً سراة كرام الناس فادعينا

على أن الجلى قد تجرد من اللام والإضافة لكونها بمعنى الخطة العظيمة ....

وجلى في قول بشامة النهشلي:

وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... ...........البيت

فإنهما مصدران كالرجعى، وفعلى المصدرية لا يلزم تعريفها

والشعرلبشامة بن حزنٍ النهشلي، رواه المبرد في الكامل وأبو تمام في الحماسة، وهو نهشل بن حري بن ضمرة الدارمي. شاعر مخضرم. أدرك الجاهلية، وعاش في الإسلام. وكان من خير بيوت بني دارم. أسلم ولم يرى النبي صلى الله عليه وسلم وصحب علياً ." (4)

القصيدة:

إنا محيوك يا سلمى فحيينا **** وإن سقيتِ كرام الناس فاسقينا

وإن دعوت إلى جلى ومكرمةٍ ** يوماً سراة كرام الناس فادعينا

إنا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ ********عنه ولا هو بالأبناء يشرينا

إن تبتدر غايةٌ يوماً لمكرمةٍ ******* تلق السوابق منا والمصلينا

وليس يهلك منا سيدٌ أبـــــداً ******* إلا افتلينـــــا غلاماً سيداً فينا

نكفيه إن نحن متنا أن يسب بنا ******** وهو إذا ذكر الآباء يكفينا

إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا****** ولو نسام بها في الأمن أغلينا

بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنــــــا ****** نأسو بأموالنا آثـــــار أيدينا

إنّا لمن معشرٍ أفنى أوائلهــــمْ **** قــــــول الكماة ألا أين المحامونا

لو كان في الألف منا واحدٌ فدعوا ***** من فارسٌ خالهم إياه يعنونا

إذا الكماة تنحوا أن يصيبهــــــمُ ****** حد الظبـــات وصلناها بأيدينا

ولا تراهم وإن جلت مصيبتهم ****** مـــع البكاة على من مات يبكونا

ونركب الكره أحياناً فيفرجـــــــه****** عنــا الحـــــفاظ وأسيافٌ تواتينا

 

2 - ابــن زيــدون (1003 م - 394هـ / 1071 م - 463 هـ) :

هو أبو الوليد أحمد بن زيدون المخزومي الأندلسي ، ولد في رصافة قرطبة سنة (1003 م / 394هـ) ، ونشأ في بيئة علم وأدب، توفي أبوه، وهو في الحادية عشرة من عمره، فكفله جده وساعده على تحصيل علوم عصره فدرس الفقه والتفسير والحديث والمنطق، كما تعمق باللغة والأدب وتاريخ العرب، فنبغ في الشعر والنثر. علا شأنه، وانطلق لسانه. ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه: يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته. وكان معه في صورة وزير.

ولما مات أبو عباد ، وخلفه ابنه المعتضد ، كان في عهديهما على   أحسن حال ، ولكن أرسله المعتمد إبان محاولة إخماد ثورة قرطبة في مهمة إلى اشبيلية ، وكان مريضاً ، فتوفي فيها سنة ( 1071 م/ 463 هـ)

أقام ابن زيدون علاقة وثيقة بشاعرة العصر وسيدة الظرف والأناقة ولادة بنت المستكفي أحد ملوك بني أمية، وكانت قد جعلت منزلها منتدى لرجال السياسة والأدب، وإلى مجلسها كان يتردد ابن زيدون، فقوي بينهما الحب، وملأت أخبارهما وأشعارهما كتب الأدب، وتعددت مراسلاتهما الشعرية ، ولم يكن بد في هذا الحب السعيد من الغيرة والحسد والمزاحمة، فبرز بين الحساد الوزير ابن عبدوس الملقب بالفار، وكان يقصر عن ابن زيدون أدباً وظرفاً وأناقة، ويفوقه دهاء ومقدرة على الدس.

لابن زيدون ديوان شعر حافل بالقصائد المتنوعة، طبع غير مرة في القاهرة وبيروت وأهم ما يضمه قصائدة الغزلية المستوحاة من حبه لولادة، وهو غزل يمتاز بصدق العاطفة وعفوية التعبير وجمال التصوير، ومن بين تلك القصائد (النونية) المشهورة التي نسج اللاحقون على منوالها (5):

أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيْـلاً مِـنْ تَدانِيْنـا

وَنَابَ عَـنْ طِيْـبِ لُقْيَانَـا تَجَافِيْنَـا

 

ألا وقد حانَ صُبـح البَيْـنِ صَبَّحنـا

حِيـنٌ فقـام بنـا للحِيـن ناعِينـا

 

مَـن مُبلـغ المُبْلِسينـا بانتزاحِهـم

حُزنًا مـع الدهـر لا يَبلـى ويُبلينـا

 

أن الزمان الـذي مـا زال يُضحكنـا

أنسًـا بقربهـم قـد عـاد يُبكيـنـا

 

غِيظَ العِدى من تساقينا الهوى فدعوا

بـأن نَغُـصَّ فقـال الدهـر آمينـا

 

فانحلَّ مـا كـان معقـودًا بأنفسنـا

وانبتَّ مـا كـان موصـولاً بأيدينـا

 

لم نعتقـد بعدكـم إلا الوفـاءَ لكـم

رأيًـا ولـم نتقلـد غـيـرَه ديـنـا

 

ما حقنا أن تُقـروا عيـنَ ذي حسـد

بنـا، ولا أن تسـروا كاشحًـا فينـا

 

كنا نرى اليـأس تُسلينـا عوارضُـه

وقـد يئسنـا فمـا لليـأس يُغرينـا

 

بِنتـم وبنـا فمـا ابتلـت جوانحُنـا

شوقًـا إليكـم ولا جفـت مآقيـنـا

 

نكـاد حيـن تُناجيكـم ضمائـرُنـا

يَقضي علينا الأسـى لـولا تأسِّينـا

 

حالـت لفقدكـم أيامـنـا فَـغَـدَتْ

سُودًا وكانـت بكـم بيضًـا ليالينـا

 

إذ جانب العيش طَلْـقٌ مـن تألُّفنـا

وموردُ اللهو صـافٍ مـن تصافينـا

 

وإذ هَصَرْنا غُصون الوصـل دانيـة

قطوفُهـا فجنينـا منـه مـا شِينـا

 

ليسقِ عهدكم عهـد السـرور فمـا

كنـتـم لأرواحـنـا إلا رياحيـنـا

 

لا تحسبـوا نَأْيكـم عنـا يُغيِّـرنـا

أن طالمـا غيَّـر النـأي المحبينـا

 

والله مـا طلبـت أهواؤنـا بــدلاً

منكم ولا انصرفـت عنكـم أمانينـا

 

يا ساريَ البرقِ غادِ القصرَ فاسق به

من كان صِرفَ الهوى والود يَسقينـا

 

واسـأل هنـاك هـل عنَّـي تذكرنـا

إلفًـا، تـذكـره أمـسـى يُعنِّيـنـا

 

ويـا نسيـمَ الصِّبـا بلـغ تحيتنـا

من لو على البعد حيًّا كـان يُحيينـا

 

فهل أرى الدهـر يَقصينـا مُساعَفـةً

منـه ولـم يكـن غِبًّـا تقاضيـنـا

 

ربيـب ملـك كــأن الله أنـشـأه

مسكًا وقـدَّر إنشـاء الـورى طينـا

 

أو صاغـه ورِقًـا محضًـا وتَوَّجَـه

مِن ناصع التبـر إبداعًـا وتحسينـا

 

إذا تَـــأَوَّد آدتـــه رفـاهـيَـة

تُومُ العُقُـود وأَدْمَتـه البُـرى لِينـا

 

كانت له الشمسُ ظِئْـرًا فـي أَكِلَّتِـه

بـل مـا تَجَلَّـى لهـا إلا أحاييـنـا

 

كأنما أثبتـت فـي صحـن وجنتـه

زُهْـرُ الكواكـب تعويـذًا وتزييـنـا

 

ما ضَرَّ أن لم نكـن أكفـاءَه شرفًـا

وفـي المـودة كـافٍ مـن تَكَافينـا

 

يا روضةً طالمـا أجْنَـتْ لَوَاحِظَنـا

وردًا أجلاه الصبـا غَضًّـا ونَسْرينـا

 

ويـا حـيـاةً تَمَلَّيْـنـا بزهرتـهـا

مُنًـى ضُرُوبًـا ولــذَّاتٍ أفانِيـنـا

 

ويا نعيمًـا خَطَرْنـا مـن غَضَارتـه

في وَشْي نُعمى سَحَبْنا ذَيْلَـه حِيـن

 

لسنـا نُسَمِّيـك إجـلالاً وتَكْـرِمَـة

وقـدرك المعتلـى عـن ذاك يُغنينـا

 

إذا انفردتِ وما شُورِكْتِ فـي صفـةٍ

فحسبنا الوصـف إيضاحًـا وتَبيينـا

 

يـا جنـةَ الخلـد أُبدلنـا بسَلْسِلهـا

والكوثر العـذب زَقُّومًـا وغِسلينـا

 

كأننـا لـم نَبِـت والوصـل ثالثنـا

والسعد قد غَضَّ من أجفان واشينـا

 

سِرَّانِ في خاطـرِ الظَّلْمـاء يَكتُمُنـا

حتى يكـاد لسـان الصبـح يُفشينـا

 

لا غَرْو فِي أن ذكرنا الحزن حِينَ نَهَتْ

عنه النُّهَى وتَركْنـا الصبـر ناسِينـا

 

إذا قرأنا الأسى يـومَ النَّـوى سُـوَرًا

مكتوبـة وأخذنـا الصبـر تَلْقِيـنـا

 

أمَّـا هـواكِ فلـم نعـدل بمنهـلـه

شِرْبًـا وإن كـان يروينـا فيُظمينـا

 

لم نَجْفُ أفـق جمـال أنـت كوكبـه

سالين عنـه ولـم نهجـره قالينـا

 

ولا اختيـارًا تجنبنـاه عـن كَثَـبٍ

لكـن عدتنـا علـى كـره عواديـن

 

نأسـى عليـك إذا حُثَّـت مُشَعْشَعـةً

فينـا الشَّمُـول وغنَّـانـا مُغَنِّيـنـا

 

لا أَكْؤُسُ الراحِ تُبدى مـن شمائلنـا

سِيمَا ارتيـاحٍ ولا الأوتـارُ تُلهينـا

 

دُومِي على العهد، ما دُمْنا، مُحَافِظـةً

فالحُرُّ مَـنْ دان إنصافًـا كمـا دِينَـا

 

فما اسْتَعَضْنا خليـلاً مِنـك يَحْبسنـا

ولا استفدنـا حبيبًـا عنـك يُثْنينـا

 

ولو صَبَا نَحْوَنا مـن عُلْـوِ مَطْلَعِـه

بدرُ الدُّجَى لم يكن حاشـاكِ يُصْبِينـا

 

أَوْلِي وفـاءً وإن لـم تَبْذُلِـي صِلَـةً

فالطيـفُ يُقْنِعُنـا والذِّكْـرُ يَكْفِيـنـا

 

وفي الجوابِ متاعٌ لـو شفعـتِ بـه

بِيْضَ الأيادي التي ما زلْـتِ تُولِينـا

 

عليكِ مِنـي سـلامُ اللهِ مـا بَقِيَـتْ

صَبَابـةٌ منـكِ نُخْفِيهـا فَتُخفيـنـا

 

3 - الشاعر: صفي الدين الحلي (675 - 750 هـ / 1276 - 1349 م ):

عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم السنبسي الطائي، الشاعر الشهير . ولد ونشأ في الحلة ، و توفي ببغداد ما بين السنوات المذكورة .

ويذكر (موقع أدب - شعراء على مر العصور): " واشتغل بالتجارة فكان يرحل إلى الشام ومصر وماردين وغيرها في تجارته ويعود إلى العراق.

انقطع مدة إلى أصحاب ماردين فَتَقَّرب من ملوك الدولة الأرتقية ومدحهم وأجزلوا له عطاياهم. ورحل إلى القاهرة، فمدح السلطان الملك الناصر وتوفي ببغداد.

له (ديوان شعر)، و(العاطل الحالي): رسالة في الزجل والموالي، و(الأغلاطي)، معجم للأغلاط اللغوية و(درر النحور)، وهي قصائده المعروفة بالأرتقيات، و(صفوة الشعراء وخلاصة البلغاء)، و(الخدمة الجليلة)، رسالة في وصف الصيد بالبندق . " (6)

يفاخر الشاعر الحلي أمام حبيبته بأمجاد قومه وبطولاتهم، ويطلب منها إذا ماأرادت أن تعرف المزيد من الأخبار فلتسأل الرماح العوالي فهي سوف تخبرها عن طول قامة الشاعر وقبيلته في ساحات الوغى . ولكن ويذكر المغيري في (منتخبه لنسب قبائل العرب ) " ومن طيء صفيّ الدين الحلّي الطائي الشاعر المشهور، كان في زمن تغلّب التترفية على العراق، وهو القائل حين نهضت طيء في قتال التتر فهزموهم وانصرفت طيء شعرا" ( 7) ويذكر بعض أبيات القصيدة ،من بحر البسيط، وعدد أبياتها( 33 ):

 

سلـــــي الرماحَ العــوالـي عــن معالينا

واستشهدي البيضَ هل خاب الرجا فينا

 

وسائلـــي العُربَ والأتـــــراك مافعلـتْ

فـــي أرض قبـــر عبيــــد الله أيــــدينا

 

لمـــا سعينــــــا، فمــــا رقَّـت عزائمُنا

عمّــــا نـــــروم، ولا خـابت مســاعينا

 

يايـــوم وقعـــةِ زوْراءِالعــــراق وقـــد

دِنّـــا الأعـــادي كمـــا كانـــوا يدينـونا

 

بضمَّـــــرٍ مــــا ربطنـاهـــا مسوّمـــــةً

إلاّ لنغـــــزو بهـــا مــن بات يغــزونـا

 

وفتيــــــةٍ إنْ نقـــل أصغَــوا مسامعهم

لقـــــولنــــا، أو دعــوناهــــم أجابــونا

 

قومٌ إذا استخصِموا كانـــوا فراعنـــة

يوماً، وإن حُكّمــــوا كانـــــوا موازينا

 

تدرّعوا العقل جلباباً، فــــإن حَمـــيتْ

نار الوغى خِلتهـــــــم فيهـــا مجانينا

 

إذا ادّعَـــــوا جاءت الدنيـــا مصدّقـة

وإن دعَـــــوا قالت الأيــــــام: آميـنا

 

إنّ الزرازيــر لمّـــــــا قــــام قائمهــا

توهّمـت أنهـــا صارت شـــــواهــيـنا

 

ظنّت تأنّي البزاة الشهب عــن جزع

وما درت أنــه قــــد كـــــان تهوينــا

 

بيـــادق ظفـــرت أيدي الرّخــاخ بها

ولــو تركنــاهـــم صـــــادوا فـرازينا

 

ذلّوا بأسيافنا طـــول الزمـــان، فمـذ

تحكّــموا أظهـــروا أحقـــــادهم فينـا

 

لم يغنهــم مالنا عـــن نهــب أنفسـنا

كأنّهـــم فـــي أمــان مــــن تقاضـينا

 

أخلوا المساجد مــن أشياخنا وبغـوا

حتـــــى حملنـــا، فأخليــنا الدواوينا

 

ثـمّ انثنينـــا، وقــد ظلــت صــوارمنا

تميــس عجبـــاً، ويهتـــزّ القــنا لينا

 

وللدمـــاء علـــــى أثوابنـــــا عَلــــق

بنشره عــــن عبيــــر المســك يغنينا

 

فيا لها دعــوةً فـــي الأرض سائــرة

قد أصبحت فــي فـــم الأزمــان تلقينا

 

إنّا لَقـــــومٌ أبــــت أخلاقـــنا شرفــــاً

أن نبتدي بالأذى مَـــن ليــس يؤذينا

 

بيــــضٌ صنائعنــــا، ســـود وقائعــنا

خضــــر مرابعـــنا، حمـــر مواضيــنا

 

لايظهر العجـز منّــا دون نيــل منـــىً

ولــو رأيـــنا المنــايا فــــي أمانيــــنا

 

ما أعوزتنـــا فراميــنٌ نصــول بـهـــا

إلاّ جعلـــــنا مواضينــــــــا فرامــيــنا

 

إذا جرينا إلــى ســـق العلـــى طلقــاً

إن لـــم نكــن سبّقــاً كــنا مصلّيــــنا

 

تدافـع القَــــــدَرَ المحتـــوم همّتــــنا

عنّا ونخصم صــرف الدهــر لوشينا

 

نغشى الخطــوب بأيدينا، فندفعــها

وإن دهتنـــــا دفعنــــــاها بأيــــدينا

 

مــلك إذا فوّقــت نبــل العـــــدوّ لنا

رمــت عزائمــه مَــنْ بــات يرمينا

 

عزائمٌ كالنجــوم الشهــــب ثاقبــة

مازال يحــرق منهـــنّ الشياطيــنا

 

أعطى فلا جوده قــد كان من غلط

منه ولا أجــره قــد كـــان ممنــونا

 

كم من عــدو لنا أمســى بسطــوته

يبــدي الخضوع لنا ختلاً وتسكـينا

 

كالصـــــلّ لينـــاً عنــــد ملمســــه

حتى يصـادف في الأعضاء تمكينا

 

يطوي لنا الغدر في نصح يشير به

ويمزج السمّ فـــي شهــد ويسقيــنا

 

وقد نغصّ ونغضـي عــن قبائحــه

ولم يكـن عجـــزاً عنـــه تغاضيــنا

 

لكــــن تركنــاه إذ بتنا علــــى ثقـة

أنّ الأميـــــر يكافيــه فيكفـــينـــــا

 

4 - أحمد شوقي (1285 - 1351 هـ / 1868 - 1932 م)

جاء في الموقع الرسمي للمكتبة الشاملة نقلاً عن ( الإعلام ) للزركلي: " أحمد شوقي بن علي بن أحمد شوقي: أشهر شعراء العصر الأخير. يلقب بأمير الشعراءمولده ووفاته بالقاهرة. كتب عن نفسه: (سمعت أبي يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب) نشأ في ظل البيت المالك بمصر، وتعلم في بعض المدارس الحكومية، وقضى سنتين في قسم الترجمة بمدرسة الحقوق، وأرسله الخديوي توفيق سنة 1887 م إلى فرنسة، فتابع دراسة الحقوق في مونبليه، واطلع على الأدب الفرنسي، وعاد سنة 1891 فعين رئيسا للقلم الإفرنجي في ديوان الخديوي عباس حلمي. وندب سنة 1896 لتمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين بجنيف.

ولما نشبت الحرب العامة الأولى، ونحي عباس حلمي عن (خديوية) مصر، أوعز إلى صاحب الترجمة باختيار مقام غير مصر، فسافر إلى إسبانية سنة 1915 وعاد بعد الحرب (في أواخر سنة 1919) فجعل من أعضاء مجلس الشيوخ إلى أن توفي. عالج أكثر فنون الشعر: مديحا، وغزلا، ورثاء، ووصفا، ثم ارتفع محلقا فتناول الأحداث السياسية والاجتماعية، في مصر والشرق والعالم الإسلامي، فجرى شعره على كل لسان. وكانت حياته كلها (للشعر) يستوحيه من المشاهدات ومن الحوادث. اتسعت ثروته، وعاش مترفا، في نعمة واسعة..." (8)

ويعتبر رائدالشعر المسرحي أقام في برشلونه و قد زاد النفي من وطنيته مناسبة.

قصيدة ( يا نائح الطلح ) من بحر البسيط، وعدد أبياتها 83 بيتاً ، قالها و هو في أسبانيا 1916 معارضا بها قصيدة إبن زيدون في ولادته الآنفة الذكر ، استلهم فيها التاريخي العربي في الأندلس مع فيض جارف من التأوّه والحسرات والتوجع والأحزان ، حتى أنه شرع بالقصيدة طالعاً علينا بالنوح ، بل كرر حرف الحاء في بيتيه الأولين ليتعمق في لوعة أحزانه ، والحق الغرض من مقالتي هذه الربط بين النغم الجميل من حيث الوزن والقافية ، لأجمل أربع قصائد في تاريخنا أدبنا العربي ، وإليك أندلسية أمير الشعراء:

يا نائح (الطلح) أشباه عوادينـا**نشجى لواديك أم نأسـى لوادينـا ؟

ماذا تقـص علينـا غيـر أن يـدا* قصت جناحك جالت فـى حواشينـا

رمى بنا البين أيكا غيـر سامرنـا** أخا الغريب: وظـلا غيـر نادينـا

كل رمته النوى ريش الفـراق لنـا* سهمــاً، وسل عليـك البيـن سكينـا

إذا دعا الشوق لم نبـرح بمنصـدع*** من الجناحيـن عـي لا يلبيـنـا

فإن يك الجنس يابن الطلـح فرقنـا* إن المصائـب يجمعـن المصابينـا

لم تـأل مـاءك تحنانـا ولا ظلماً*** ولا أدكـارا ، ولا شجـــوا أفانيـنـا

تجر مـن فنـن ساقـا إلـى فنــــــــن**وتسحـب الـذى ترتـاد المؤاسينـا

أساة جسمك شتـى حيـن تطلبهـم* فمن لروحـك بالنطـس المداوينـا

آهــــــــــا لنـا نازحـى إيـك بأندلس** وإن حللنـا رفيفــاً من روابيـنـا

رسم وقفنا على رسـم الوفـاء لهن*جيش بالدمـع،والإجلال يثنينـا

لفتيــــــه لا تنـــــــال الأرض أدمعـهـــم* ولا مفـــــــارقـهـم إلا مصـلـيـنـا

لو لـم يسـودا بديـن فيـه منبهـة* للناس كانـت لهـم أخلاقهـم دينـا

لم نسر من حـرم إلا إلـى حـرم* كالخمر من(بابل) سارت(لدارينـا)

لما نبا الخلد نابـت عنـه نسختـه* تماثل الورد(خيريـا) و(نسرينـا)

نسقى ثراهم ثنـاء ، كلمـا نثــرت**** دموعنـا نظمـت منهـا مراثيـنـا

كـادت عيـون قوافينـا تحـركه*** وكدن يوقظن فى الترب السلاطينـا

لكن مصر وإن أغضت على مقة* عين من الخلـد بالكافـور تسقينـا

على جوانبهـا رفـت تمانمـنـا** وحـول حــافاتهـا قامـت رواقينـا

ملاعـب مرحـت فيهـا مآربـنـا*****وأربـع أنست فيهـا أمانيـنـا

ومطلـع لسعــود مــــن أواخـرنـا***ومغـــرب لجـدود مـــــــن أواليـنـا

بنا فلم نخـل مــــن روح يراوحنـا* مـن بـر مصـر وريحـان يغادينـا

كأم موسى علـى أسـم الله تكفلنـا* وباسمـه ذهبـت فــى اليـم تلقينـا

ومصر كالكرم ذى الإحسان فاكهـة**للحاضريـن وأكــــــــــواب لباديـنـا

يا سارى البرق يرمى عن جوانحنـا* بعد الهـدوء ويهمـى عـن مآقينـا

لما ترقرق فى دمع عـن جوانحنـا* هاج البكا فخضبنـا الأرض باكينـا

الليـل يشهـد لـم تهتـك دياجيـه** علـى نيـام ولـم تهتـف بسالينـا

والنجـم لـم يرنـا إلا علـى قــدم** قيام ليـــــــل الهـوى للعهـد راعينـا

كزفرة فـى سمـاء الليـل حائــــــــــرة*** ممـا نـردد فيه حيـن يضوينـا

بالله إن جبت ظلماء العبـاب على* نجانب النــور محـدوا (بجرينـا)

تـرد عنـك يـداه كـل عـاديـــــــة** إنســـــاً يعثـن فسـاداً أو شياطيـنـا

حتى حوتـك سمـاء النيـل عالية*على الغيــوث وإن كانـت ميامينـا

وأحرزتك شفوف الـلازورد على**وشــى الزبرجد من أفـواف وادينـا

وحازك الريـف أرجـاء مؤرجـه*** ربـت خمائـــــــــــل واهتـزت بساتينـا

فقف إلى النيل وأهتف فـى خمائلـه* وأنزل كما نـزل الطـل الرياحينـا

وأس مابات يـذوى مـن منازلنـا** بالحادثات ويضـوى مـن مغانينـا

ويا معطرة الوادى سـرت سحـراً** فطاب كـل طـروح مــــــــن مرامينـا

ذكيـة لذيـل لـو خلنـا غلالتهـا** قميص يوسف لـم نحسـب مغالينـا

اجشمت شوك السرى حتى أتيت لنا* بالـورد كتـبـاً وبالربـا عناويـنـا

فلو جزيناك بالأرواح غاليـة عـن**طيب مسراك لم تنهـض جوازينـا

هـل مـن ذويـك مسكـى نحملـه*** غرائب الشوق وشيـا مــن أمالينـا

إلـى الـذى وجدنـا ود غيـرهـم****دنيا وودهمو الصافـى هـــو الدينـا

يا من نغار عليهـم من ضمائرنـا** ومن مصون هواهـم فى تناجينـا

ناب الحنين إليكـم فـى خواطرنـا*****عـن الـدلال عليكـم فـى أمانينـا

جئنا الى الصبـر ندعـوه كعادتنـا* فـى النائبـات فلـم يأخـذ بأيدينـا

وما غلبنـا علـى دمـع ولا جلـد***حتى أتتنا نواكـم مـن صياصينـا

ونابغـى كـان الحـشـر آخــــــــــــــره**** تميتنـا فيـه ذكـراكـم وتحييـنـا

نطوى دجاه بجـرح مـن فراقكمـو**يكاد فى غلـس الأسحـار يطوينـا

إذا رسى النجم لم ترفـأ محاجرنـا***حتى يـزول ، ولـم تهـدأ تراقينـا

بتنا نقاسى الدواهـى مـن كواكبـه* حتى قعدنا بها: حسـرى تقاسينـا

يبـدو النهـار فيخفـيـه تجلـدنـا*****للشامتتـيـن ويـــــــأسـوه تـــــأسيـنـا

سقيا لعهـد كأكنـاف الربـى رفـة*****أنا ذهبنـا وأعطـاف الصبـا لينـا

إذا الزمـان بنـا غينـاء زاهـيـة*******تـرف أوقاتنـا فيـهــــــــــــا رياحيـنـا

الوصل صافيـة ، والعيـش ناغيـة*** والسعد حاشيـة ، والدهـر ماشينـا

والشمس تختال فى العقيان تحسبهـا* (بلقيس) ترفل فى وشى اليمانينـا

والنيل يقبـل كالدنيـا إذا احتفلـت****لـو كــــــــــــــــان فيهـا وفـاء للمصافينـا

والسعد لو دام ، والنعمى لو اطردت** والسيل لو عف ، والمقدار لو دينـا

ألقى على الأرض حتى ردها ذهبـا***** ماء لمسنا بـه الإكسيـر أو طينـا

أعداه من يمنه ( التابوت) وارتسمت*****على جوانبـه الأنـوار من سينـا

له مبالغ ما فى الخلـق مـن كـرم***عهـد الكـرام وميثـاق الوفييـنـا

لم يجر للدهـر اعـذار ولا عـرس***إلا بأيامـنـا أو فــــــــــــى ليالـيـنـا

ولا حوى السعد اطغى فـى أعنتـه****منـا جيـادا ولا أرخـي مياديـنـا

نحن اليواقيت خاض النار جوهرنـا***ولـم يهـن بيـد التشتيـت غالينـا

ولا يحـول لنـا صبـغ ولا خلـق******اذا تـلــــــــــون كالحـربـاء شانيـنـا

لم تنزل الشمس ميزانا ولا صعـدت*فى ملكها الضخ عرشا مثل وادينـا

ألـم تؤلـه علـى حافـاتـه ورأت****عليـــــــــــــــــه أبناءهـا الغـر الميامينـا ؟

إن غازلت شاطئيه فى الضحي لبسا*خمائـل السنـدس الموشيـة الغينـا

وبات كل مجاج الـواد مـن شجـر******لوافـظ القـز بالخيطـان ترميـنـا

وهذه الأرض من سهل ومـن جبـل**** قبل(القياصـر) دناهـا (فراعينـا)

ولم يضع حجرا بانٍ على حجـر***** فى الأرض إلا علي آثـار بانينـا

كأن أهرام مصـر حائـط نهضـت** بـه يـد الدهـر لا بنيـان فانينـا

إيوانه الفخم مـن عليـا مقاصـره* يفني الملـوك ولا يبقـي الأوانينـا

كأنهـا ورمـالا حولهـا التطمـت*****سفيـنـة غـرقـت إلا أساطيـنـا

كأنهـا تحـت لألأ الضحـى ذهبـا**كنوز (فرعون) غطيـن الموازينـا

أرض الأبـوة والمـيـلاد طيبـهـا** مر الصبا من ذيول مـن تصابينـا

كانـت محجلـة ، فيهـا مواقفـنـا**** غـرا مسلسلـة المجـرى قواقينـا

فـآب مـن كـره الأيـام لاعبنــــــا*****وثاب مـن سنـة الأحـلام لاهينـا

ولم نـدع لليالـي صافيـا ، دعـت***(بأن نعص فقـال الدهـر:آمينـا)

لو استطعنا لخضنا الجـو صاعقـة* والبر نار وغي ،والبحـر غسلينـا

سعيا إلى مصر نقضى حق ذاكرنـا** فيهـا إذا نسـي الوافـي وباكيـنـا

كنز(بحلـوان) عـنـد الله نطلـبـه*****خير الودائـع مـن خيـر المؤدينـا

لو غاب كل عزيـز عنـه غيبتنـا****لم يأتـه الشـوق إلا مـن نواحينـا

إذا حملنـا لمصـر أولـه شجـنـا*****لم ندر أي هـوى الأميـن شاجينـا

 

كريم مرزة الأسدي  

.......................

(1): المؤتلف و المختلف في أسماء الشعراء: الآمدي - 1 / 28 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(2) فهرس شعراء الموسوعة الشعرية: تم جمعه من الموسوعة الشعرية (1/2242) - الموسوعة الشاملة .

(3) المبهج في تفسير أسماء شعراء ديوان الحماسة - ابن جني - ص 35 - ( دار الهجرة) .

(4) خزانة الأدب: عبد القادر البغدادي 3 / 199 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(5) الأعلام للزركلي - مصدر الكتاب: موقع يعسوب - 1 / 158 - الموسوعة الشاملة .

راجع: وفيات الاعيان 1: 43 وقلائد العقيان 70 وآداب اللغة 3: 54 والذخيرة، المجلد الاول من القسم الاول 289 وفيه مجموعة حسنة من شعره ونثره

ودائرة المعارف الاسلامية 1: 186 وجذوة المقتبس 121 وتاريخ الخميس 2: 360 والنجوم الزاهرة 5: 215 وانظر إعتاب الكتاب 207.

(6) دواوين الشعر العربي على مر العصور: موقع أدب - 1 / 84 - الموسوعة الشاملة .

(7) المنتخب في ذكر نسب قبائل العرب: المغيري - 1 / 40 - الوراق الموسوعة الشاملة .

(8) الموقع الرسمي للمكتبة الشاملة: أحمد شوقي - نقلاً عن (الإعلام) للزركلي  

http://shamela.ws/index.php/author/1270

الكرنفال الإيروتيكي في ديوان "أرافق المجانين الى عقولهم" للشاعرة اللبنانية فيوليت ابو الجلد

781-diolodالانشغالات المتنوعة للمرأة: يوحي عنوان الديوان "أرافق المجانين الى عقولهم" الصادر عن دار فضاءات عام 2015 في عمان، بدلالة احتفالية شبيهة بكرنفال مهيأ بعناية، حيث تجري عملية ضبط المعنى وكشفه خلال الفسحة التي تتيحها مرافقة المجانين. ثمة غائية غير معلنة في هذه المرافقة، واستعادة واعية للرؤية في خطاب شعري ينشغل بفساتين النسوة المرفرفة التي تكشف زيف عشاقهن، أو بضحكة الشاعرة المتهكمة وهي تشمُ "غلائلهن الملقاة على اكتاف الرجولة"ص.51، بنسوة مقهورات، حيث العلاقات العابرة لعشاق يبحثون عن النشوة المؤقتة التي لا تترك لها ذكرى فثمة "حقائب جاهزة دائما لحب على وشك المغادرة". ص.58. امرأة " تكتب سيرة الوشاة والصاغة والعطارين" ص.97، وفي سياق هذه المغامرة الشعرية نلمح امرأة- الشاعرة، وهي تكثف في روحها ومشاعرها النسوة، معاناتهن، احلامهن وشهواتهن، فنسمع صوتها معبرا عن جماعية المحنة والالم، انها تشبههن،ص. 39، ص.40، طارحة على نفسها سؤالا غير محايد ينفتح على مسؤولية لا مهرب منها:" ماذا افعل بكل النساء اللواتي يتراقصن الآن في جسدي؟ ص.63، ليكون الجواب او ما يشبهه على شكل اعتراف صريح يتسم بشيء من الابتهاج والفخر، وهي تجلس في زاوية" أستمتع برؤية النساء اللواتي خرجن مني الى نزواتهن" ص.98؛ بحيث تجعل من ذاتها الشاعرية حصنا تتحصن فيه شبيهاتها.

781-diolodمن هنا فان المرأة وانشغالاتها المتنوعة تشكل نسيج القصائد وثيماتها. ورغم ان هذه الموضوعات شاخصة في طيات القصائد، الا ان ذلك لا يعني سهولة الولوج في داخل عناصرها. فقصائد الديوان التي يشكل جوهرها؛ الحب، الايرويتكية الحسيّة، مواجهة الآخر سواء الفردي او الجمعي، وما يتفرع عنها من التفاتات سياسية وتلميحات نفسية وذهنية، تنفتح على فضاءات جمالية وفكرية متشابكة، تحيل القاريء الى قراءات تجعل من القبض على المعنى الاصيل للقصيدة مغامرة فيها نوع من مخاطرة التأويل. انها قصائد ذات نكهة شعرية خاصة، وصور تمتاز بشفافية، يحس معها القاريء بدفء العاطفة، وانسانية التعاطف مع الآخر- الشبيه، الذي يعاني من انكسارات وضغوط اجتماعية وذاتية كبيرة، ثم الحث عبر ذلك على التفكر في الكون والوجود. انها باختصار عن المرأة كانسان وكأنثى وهي تبحث عن معنى شعري لحياتها في سياقات مختلفة، حيث يكون جسد المرأة فضاء يرنو اليه الجميع، المرأة التي تشبه السّر، و تفصح عنها الاخبار وعن فضائحها وافعالها، مثلما تنكشف عنا لاأخلاقيتنا، إذ " نحن العابرون في العتمة الى قمصان نومها الابدي، سنسرق من خزائنها أسرارنا" ص.139، ومركز استقطاب تحتشد حوله التصورات الايروتيكية الحسية فيما يشبه كرنفالية تتشاكل و تتفرع على ثيمات عدة.

 

إيروتيكة حسيّة:

ما نعنيه بالكرنفال هنا، وباستعارة تعريف الناقدة جوليا كريستا، هو " تشابكا بين الجسد والحلم والبنية اللغوية وبين الرغبة"1. كلّ هذا التشابك يتحلق حول ايروتيكة تتخايل في القصائد، لكنها ايروتيكة حسيّة تضع نفسها على مسافة من الشبقية الفِجّة أو الجنوح الى إنشغال مبالغ في خارطة الجسد وتكويناته وما يخلفه هذا الانشغال من تصورات إيروسية قصدها الاغواء. فليس هدفها بورنوغرافيا المشاهدة الضحلة، بل الإثارة الشاعرية للحواس، حيث يصير الجسد نقطة انطلاق للخيال وليس هدفا له. فهي قصائد طبقا لتعبير جناح وينترس كلما " صارت صريحة كلما لا تقول شيئا" 2. انها لا تتشعب في تفاصيل الفعل الايروتيكي، بل تقف عند حوافه، ملامحه الشائعة، توحي به دون ان تدل عليه، توميء اليه بلا اغراء فاحش، بل برهبة حسية. ورغم انها تترك عند المتلقي تصورات وامنيات وربما حسرات، لكنها تمانع من تحققها على مستوى الواقع، لانها تلتزم وتكتفي بفضاء النص وسياق الجملة الشعرية في التحاور مع المتلقي - الآخر:

" إصغِ الى فحيح أنفاسها،

الى تململ كعب حذائها،

الى خصرها الواصل من دونها،

الى تحوّل وشوشات أساورها الى قهقهات

وهي تلوّح لرحيلها."ص.108

فهي بذلك تغري، دون ان تمنح نفسها، تثير لكنها تظل بعيدة عن الوصول، وتتغنج وهي تتأهب للاختفاء وتلوح بالرحيل. وحتى حين تذهب الشاعرة الى ابعد من ذلك قليلا، لتدعونا احيانا للدخول في بعض تفاصيل إيروتكية ملموسة، فانها تواصل التمويه على مشهدية الفعل:

كنت بلا سرير، كنت بلا وسادة، كنا بلا غطاء

في عراء الحب ننام

حتى الندى

حتى المدى ص. 62

تتحول الاشياء والمكان هنا الى دلائل تكشف عن المعنى الصافي لعلاقة مشبوبة لا يؤطرها سوى المدى والندى، علاقة مفتوحة على افق بعيد. المكان يضفي على هذه العلاقة دلالات جديدة حين " يتحول الى عنصر ايجابي فاعل يضفي (...) مجموعة من الدلالات والايحاءات الجديدة"3. في هذا السياق يتعانق الحب والايروتيكية، العاطفة واللذة بود وحميمية ليضيئا المكان ويتحولان الى دفق وانشودة:

في الحجرة المضاءة بلغز او بجسدينا

يسيل الشبق الممزوج باغنية الحب،

لم تكن لذة مجردة ولا عشقا منفصلا

صرنا دفقا متوازيا .. صرنا انشودة "ص.148

على ضوء ذلك يطلّ سؤال فضولي؛ أيّ حب مراوغ هذا ؟ فالقصائد لا تفصح عن عواطف غزل مباشرة او غرام متبادل، أو لواعج عواطف متفجرة او بكاء يعقب غياب مباغت. ان اكثر ما يتوفر لنا هو اشارات ودلالات ترمز الى فعل جمالي وتكتفي عنده؛ إذ تحتكم الشاعرة الى رؤية فنية " تنتخب في حساسية وتختار في وعي لاغراضها في التشكيل والبناء"4، تشوبها بعض الاستثناءات.

يمكن القول أن إيروتيكة النص تشبه عملية عبور سرية غير مكتملة الى خفايا الفعل، يضبطها نوع من الوعي الذاتي، تستثير في المتلقي الفضول، دون ان تتيح له الحصول على بهجة فعل الحب. اننا نلحظ بعض تفاصيل الصورة خلال باب موارب يرافقها عذاب وتجربة اصيلة وعميقة ؛ اجساد مغرية، لها رائحة فريسة، يعتريها خوف من شيء خفي، تنزف، فيها الشهوة كجرح طازج" ص.78. صور تطرح اسئلة وتستفز المشاعر دون ان تقدم توضيحات اكثر عن مصدر الخوف وطبيعته او لماذا هي محكومة بالموت:

"لا وعينيك لن نخرج سالمين، لن ننجو

يسيل الغرام من مذاقنا،

لنا الرئة المثيرة لفريسة خائفة،

جريحان..شهيّان،

أولمتنا لفم الجحيم، لألسنة النار،

لريق الموت يبتلّ بنا." ص.78

ربما لان الجسد، كما تقول الشاعرة، هو "اوبرا شرقية"؛ مكمن للعويل والألم والاحساس العال، انه تقلبات دائمة للأحاسيس الملتهبة. ص.120، يوازيه عالم الشاعرة الصعب الذي يشبه "كلمة سر" ص.128. وكلاهما منبع قلق وخوف وعذاب.

 

الايروتيكية الشعرية و التجلي الروحي:

يقترب الشعر من الممارسة الروحية حين تصبح حياة قرينها الانسان-الرجل " تاريخ هزائم" ص.86، وحين "تلحّ الخطايا" ص.89 على الشاعرة وهي تجد نفسها مرمية " من السماء السابعة، الى هذا السياق الدرامي المتصاعد" ص.104، الذي اسمه الوجود في عبثية لا افق لها

" حفاة سنبحر خلف العطش،

لا حناجر تسعفنا، لا قوارب

لا ماء" ص.105

الشعر يصير في حالة العبث المرعبة هذه تعويضا روحيا يعيد التوازن للذات، حيث يقترب، كما يقول الفيلسوف والناقد الادبي جورج ستاينر في مقالته "الصمت والشاعر، " عمل الشاعر عبر الكلمة من التجلي الروحي" 5 الشعر يصبح المنقذ الروحي من الفراغ والعبث و"من كل ما يئن في العتمة ويتحطم في الضوء" ص.136

إزاء كل ذلك الاضطراب النفسي والخوف نعثر احيانا على مساعي حثيثة للوصول الى صفاء يوطد وشائج توازن بين الحب و الايروتيكية الحسيّة عبر صوفية عرفانية وتجليات شعورية تقاربنا من نجوى الخلوات الفردية عند الصوفيين في ارتقائهم الذاتي العاشق نحو ما وراء الوجود:

" اصعد الى خلوته خالية البال،

أنا الرؤيا،

ساقني الحب الى عليائه في رقادي

وفي رقاده صحوت." ص.7

او " أترنح في كأس مَن أحب،

قطعة ثلج

أخدع شفتيه،

افقدني في صوابه" ص. 81

هذا الذوبان في الحبيب والضياع في وضوحه، " الوجع الصوفي" ص.7 الذي لا "يخطيء القلب"، يشفّ عن لذة وشهوة، تشبه حالة التماهي مع المياه والانهار وحرقة التبغ ص. 83. الا انه لا يكفي، فتلجأ في احيان اخرى في " محاولة يائسة لترميم الكون من بعدك" ص.17،الى البحث عن شيء اكبر؛ عن الله، فهو الوحيد الذي يصدقها وهي تعيش رهبة الوجود و تشعر ببرده، ص.38

العلاقة بالآخر :

الاحساس الايروتيكي هو فعل ذاتي دون ان يقصي الآخر من نطاقه. أنه علاقة، و تتضح هذه العلاقة في بعض النصوص احيانا كمواجهة، وفي أخرى كتجاذب وشد. فالشاعرة وادراكا منها ما لموقع الجسد من معنى في وجودها تعلن باصرار واحتجاج على انتمائها الى جسدها والدفاع عنه " هذا جسدي وليسقط العالم" ص.85، بل تذهب تزامنا مع هذه المواجهة الى ابعد من ذلك، فتعلن دون تردد عن شراستها نحو الآخر وتطلب تبليغه بذلك، إذ لا تكتفي بالمواجهة والاحتجاج، بل تريد ممارسة ذلك فعلا، مشددة على انها لا تمثل فحسب خرابه، بل ايضا عزائه، فهو امامها وحيد و اعزل:

" بلّغوه أني غدرت لمزيد من الخراب بيننا،

انه جريمتي، انني كلّ المعزّين به،

أنني الدمعة الأبدية على فقده،

وانني جنازته.

بلّغوه انه الهالك النضر." ص.94

 

الإيروتيكية الشعرية والفعل السياسي

بيد ان الانشغال برؤى ايروتكية شعرية لا يقصي الاحساس بما يجري من احداث، بل تصبح قضية الجسد جزءا مهما من اشكالات وجودية واجتماعية اكبر وينفتح عليها:" أقتبسُ مني رجالا سيذهبون الى الحرب، ساقاتل فيهم"، ص.67. او " اذا رقصت لي، ساعرف كيف تحارب الموسيقى الموت"، ص. 69، و" ايها الجسد الحزين، ماذا تفيد سمرتك في الحب او في الحرب! ص.103. ولهذا لا يغيب المعنى السياسي عن القصائد تماما، بل ينداح ويتوسع خطاب الشعر عن الجسد عبر اشارات موحية الى تناول ثيمات يومية يكشف زيف الواقع وتناقضاته، دون ان يقع في مطبات الخطاب السياسي الجاف، حيث تفضح بتهكمية تلك التناقضات بين صخب الاغاني الوطنية والابهة الباطلة :

الاغاني الوطنية تتسرب من ثقوب في الجدران

ونحن نلهث،

نستغفر الكؤوس، نستغفر احضاننا،

نستغفر أقدامنا.

أبهة باطلة ايها الحبل المشدود على شرفة مطوية

يا اعمارنا " ص.138

او "ترتق" أفكار الخيانات، لانها، المرأة، تملك القدرة على "المغفرة":

" بابرة وخيط أحمر

أرتق كل ليلة أفكار المتآمرين على بلادك

في يدي الحقائق والاسرار والمغفرة" ص97

البنية الشعرية ولغتها:

تمتاز قصائد الديوان بغنى في القاموس الشعري وتعدد الصور وتدفق الافكار. الانسجام باد في النصوص في وحدة ثيمتها الداخلية، رغم ان كل نص يتمتع باستقلالية خاصة به. فكل نص يمثل نفسه وموضوعه، ولهذا قد يساعد منح عناوين للقصائد على الاشارة الى هذا الاختلاف ويعمق من ثرائه. واذا كانت قصائد فيوليت ابو الجلد تبتعد عن المغامرة اللغوية الشكلية، وتحافظ على توازن لغوي يكشف عن حذر اصيل في التعامل مع المفردة، الا ان بعض الصياغات الشعرية اخفقت في وعي اهمية "الضرورة الفنية"، التي تتلخص بضرورة عدم الاكتفاء بالانسياق الكلي خلف الاندياح الشعري وانفتاح المخيلة على الفكرة والصورة الشعرية، مما تسببت في بعض الترهل اللغوي وبالتالي الاخلال بالبنية الشعرية ص.20، ص.138، ص.148. فالضرورة الفنية هي الضبط الواعي لرصانة العمل الادبي والفني، أو كما يشير الناقد احمد عزالدين " ان قيمة التشكيل الجمالي.. لا تتبدى اذن، في مدى مهارته، او حرفيته، وانما في مدى قدرته على اكتشاف الضرورة الفنية، التي يعبر بها عن الموقف الاساسي فيها، وفي قدرته على بناء تشكيلة الفني من وحداتها" 6 فالاعتناء الى اقصى حد في بناء النسق اللغوي واختياره يمثل احد الضرورات الفنية الاساسية في بناء القصيدة، و له دور كبيرفي الحفاظ على توازنها الفني. ومن هنا يمكن الاشارة الى اهمية الاقتصاد في العبارة الشعرية، الذي يضيف جمالية فنية اكبرعلى بنية القصيدة ويمنع من ارتباك الصورة الشعرية. فالشعر، والكتابة الابداعية عموما، نوع من طقوسية صارمة فيها قصدية يعيش فيها المرء حالات من التجلي الروحي.

 

إشارة أخيرة:

يمكن القول ان الشاعرة فيوليت ابو الجلد قدمت لنا عملا شعريا يخفق بايروتيكية حسيّة بعيدا عن التجسيد الفعلي لها، مبقية لنا ملامحها، ظلالها، حوافها، اشياءها، نبضاتها، وكل ما يدل عليها بلمسة رقيقة شاعرية انسانية بحيث نرى توافقا وتوازنا بين الايروتيكة الشعرية والعاطفة الذاتية، تحصنها مشاعر الحب الانساني.

 

قحطان جاسم

....................

هامش:

كل ارقام الصفحات المشار اليها في سياق المقال تعود الى فيوليت أبو الجلد، أرافق المجانين الى عقولهم، عمان، دار فضاءات، 2015

 

المصادر:

1) سعيد الغانمي، الصحوة الحوارية - المبدأ الحواري والصوت الآخر،بغداد، الاقلام، 1993،ع.3-4،ص. 130

(2Jonah Winters, Themes of 'The Erotic' in Sufi Mysticism, 1996. see in C:\Users\lm86-jn-401\Desktop\Themes of 'The Erotic' in Sufi Mysticism.htm

3) د.ابراهيم جنداري، هامشية المكان في رواية غانم الدباغ " ضجة في الزقاق"، بغداد، الاديب،،1993، ع.1، ص.32

عبدالجبار عباس، ريادة غائب طعمة فرمان، بغداد، الاديب، 1993,ع.1، ص.28 ( 4

(5 George Steiner, Language and Silence- essays 1958-1966, London: penguin Books, reprinted 1979, p.57-76

6) احمد عزالدين،حسب الشيخ جعفر، سيادة الموقف الدرامي داخل القصيدة العربية، بغداد، الاقلام،1977،ع.2، ص.41-42

 

الوكر رواية عبد الرحمن مجيد الربيعي .. واقعية مألوفة ومخيلة فسيحة

jamal alatabiأعاد الكاتب الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي طبع روايته (الوكر) الصادرة في لبنان عام 1980، بعيداً عن (التشطيبات والتشذيبات)، كما يذكر في مقدمته التي تصدرت الرواية .

هل أزاحت الطبعة الجديدة الهمّ الذي لازم كاتبها طيلة ربع قرن من الزمن؟ لم يهدأ له بال، يترقب فرصة الإفلات من سلطة الرقيب، ومن يروي ظمأ الربيعي لتغيير النص وإعادة النظر فيه ؟سوى تونس التي إستوطن فيها، فمنحته الحرية بإصدار الرواية وفق ما أراد لها الروائي منذ الشروع بكتابتها .

إن تقديم النص من قبل الكاتب يوفر للقارىء فرصة سهلة لقراءته، فالربيعي أراد في (الوكر) أن يقدم شريحة من المثقفين الذين شردوا داخل أوطانهم وإبتعدوا عن مدنهم ليتخفوا في مدن أخرى، من أجل الاستعداد للقيام بإنقلاب على النظام (ص5) . غير ان الرواية لاتختزل نفسها بهذا الإطار فقط، بل كانت إنعكاسا للواقع الاجتماعي والسياسي مع توجه نقدي.فالزمن والحب والغيرة والعمل والصداقات، كلها عناصر يبرزها الربيعي على انها مكونات لعقل قادر على النفاذ منه لينعم بحرية ولو وقتية أثناء فعل الخلق، وهناك خيط رئيس عنده، هو الحب، يحييه دائما، وإن جاء بتعذيب الذات، تجتذبه رائحة المدن الجنوبية، وبغداد، على نحو لانهاية له في عالمه الرحيب ,سلمى وعماد، صادق ووصال، محمود وتغريد، علاقات حب إنسانية صافية، نقية، حتى وإن اشتد صهيل الحروب وسعير الانقلابات العسكرية ، أوحين يتناثر الوطن في أبهاء الريح .لكنه ليس الخيط الوحيد، إذ يماثله في الأهمية، الفعل الانساني بوجهه الاخر : العمل، الصحافة، الادب، النضال السري، إرتياد الحانات والمقاهي .

(الوكر)، في الرواية يحمل دلالتين رئيستين، هما : المكان، والقصة التي نشرها عماد في مجلة عربية مرموقة وتحمل ذات العنوان كعنصر فني، اراد لها الكاتب أن تكون وسيلة تلميح هي الاخرى، أيهما الابرز والمؤثر في أحداث الرواية ؟ تساؤل أول، تمضي بنا هذه القراءة للاجابة عنه . والرواية نفسها تستطيع أن تتأمل ذاتها وأن تحاور مسار تشكلها واسئلتها الداخلية والخارجية .

تتوزع الرواية على ستة فصول سمّاها الروائي (أقسام)، تبدأ بفصلها الاول (إنتحار)، سلمى الطالبة الجامعية تعيش تحت وطأة أعباء ثقلية، محاصرة الام التي تريد لها الزواج وفق تعاويذ الشيخ جابر، مدينتها الجنوبية التي تفرض عليها نمطاً خاصا في السلوك، تروح مخيلتها بعيداَ في الحلم العريض، تفكر بالإنتحار لشعورها الحاد بالإختناق، إلا ان سلمى تمتلك قدراً من التحدي، إذ ترتبط بعلاقة حب مع زميلها (عماد) الذي اقتحم حياتها بود جميل وهي سعيدة به.

شخصيات أخرى في الرواية تلتقي بنوع من الالفة مشغولة بحياتها الخاصة، منصرفة عن مصير الاهل بسبب عملها الحزبي السري، همام القادم من مندلي، صادق الساكن في الاعظمية، محمود متخفياً يكتفي بزيارات خاطفة لأهله في شارع الكفاح ببغداد، المجموعة ترتبط بعلاقات ودية رغم التهديد المشترك .

تتم عملية السرد في (الوكر) بمختلف الضمائر، وبوثبات حرة من الاعماق الى السطح، أو من باطنه الى الحدث الجاري بإطراد، وتظهر في الرواية قيم إجتماعية ووعي حاد بأسباب الثقافة، وإن كانت هذه تشكل ضربا من النشاط الذهني، فإن أحد لايمارى في جمالية هذا النشاط، بل بقدر هذا الجمال يعظم المضمون، ويقوي المغزى، ويكون من هنا التجاوب المباشر مع المتلقي دونما حاجة الى الحبكة التي قد تنهض على مجرد فكرة سطحية .

يلتقي محمود أحد الاصدقاء صدفة، ويدعوه للعمل في جريدة (الانباء) كسكرتير للتحرير، ينصرف اليه بنجاح، ثم يقنع صديقه عماد كمحرر للصفحات الثقافية، وكتابة عمود إسبوعي بإسم (المقداد) يحقق فيه نجاحه الصحفي والثقافي، ثم يكتب قصته (الوكر) التي تنشر لاول مرة في مجلة ادبية عربية رصينة ومشهورة، فيتحول هذا الى حدث مهم في سيرة عماد الثقافية، يشجعه على كتابة قصة أخرى عن علاقة حب نادرة الوفاء بين صادق و وصال، وفي عقله أفكار يتحدث فيها عن رؤاه في كتابة القصة الجديدة (يتجاوز فيها المألوف اليومي، ورتابة الإيقاع، محملة بالرموز موغلة في السريالية، مغلقة تحمل المعنى دون أن يفطن اليه رقيب جاهل ص189) .

الربيعي في هذا النص، أراد التركيز على خصوصيته في الكتابة ، التي تتطلب الكثير من المقومات، منها إبتكار الصورة الفنية تلقائيا وليس إستعاريا، من رؤى وقيم وأبعاد ودلالات وعناصر جمالية ومميزات لغوية وإسلوبية، لاتفرض عليه أو تتسلل إليه عبر التقليد، إنما من خلال تفاعله مع الظروف العينية التي عاشها . فالرواية تدور أحداثها في العراق وفي حقبة ستينية معروفة، إلا انها لاتفصح عن إسم التنظيم السري، ولاتكشف عن نظام محدد، هو أي سلطة إستبدادية قمعية، قائمة على التنكيل والخوف والقسوة ومصادرة الحريات، أينما تكون على وجه الأرض، تلغي وجود الإنسان، إلا ان الربيعي يعتمد الإمكانات والخصائص المحلية ، والإنسيابية، وتلقائية التشكيل الفني ذي العلاقة بخصوصية الحكاية، فصادق يختار الهرب بعد ان صدر حكم غيابي بسجنه لمدة ثلاث سنوات إثر حادث مفتعل، ويختار الوكر ملجأَ له مع مجموعة من رفاقه، همام يقتل إثر مهاجمة (الوكر) من قبل السلطات الامنية، وعماد يعقد قرانه بـ (سلمى) في المحكمة الشرعية، بعد رفض تقدمه لخطوبتها، ويعلن قراره (المتوقع) لا (المفاجىء) كما ورد في النص، بتخليه نهائيا عن إنتمائه الحزبي، لأنه الكاتب، المثقف الذي يريد الإنطلاق نحو الرأي الحر، المستقل، المنسجم مع وعيه الجديد بالحرية (أنا عماد الصالح لست ملكا لحزب واحد، بل أنا ضمير وطني، هذا ماأريده ووسيلتي ص205).

الموقف الجديد لعماد، جاء بقناعة نهائية، و كان المحفّز لاطلاق تساؤلاته النائمة للخلاص من التأطير الايديولوجي، وجمودالعقائد والافكار، التي كانت سببا في شل قدراته وتحديد مساره نحو الافق الجديد، الذي تحدث عنه صديقه محمود بوضوح مضيئا شخصية عماد : الفنان الممتلىء، القادر على الإبداع .

إن أزمة (المنتمي) ليست جديدة في أدب الربيعي، كذلك اللغة الروائية بكل ما فيها من طاقة وكثافة وشفافية، وأدوات حديثة، إذ جاءت الاحداث والشخوص والجو العام للعمل الفني بصورة بعيدة عن إفتعال الصنعة والتدبر المسبق، وهو ماعبر عنه الربيعي في المقدمة (عايشت معهم تفاصيل حياتهم، في السكن والعمل والتنقل والحب والاحلام المشرعة على فضاءات الحب ص5)، فتمكن الروائي الروائي أن يغيّر من أدواته التعبيرية، ووزّع (الازمة) على عدد كبير من الشخصيات، ولم يركز على شخصية واحدة هي البطل الفرد، الذي ينطوي تكوينه التراجيدي على قضية فكرية هي إنعكاس حاد للقضايا الإجتماعية والسياسية العامة، فالشخصيات عند الربيعي، جميعها فاعلة، وإن بدت ممزقة، يبتكر واقعيته المألوفة الممتزجة بالمخيلة الفسيحة، ببناء متماسك، وتلك أهم سمات الكتابة في أدب الربيعي .

لقد فشلت البرجوازية الوطنية العربية في مشروعها السياسي القائم على المغامرة وقوة العسكر، وتراجعت قوى اليسار والتحررعن أحلامها، هذا التردي ولّد خلطا كبيرا في الاوراق، وضع الكتّاب في حيرة وتشوش وتناثر، وتمكن الربيعي من إيصال الرسالة عبر الرواية بإعتبارها اكثر الأجناس الأدبية تاثيراً وإنتشاراً .

وعودٌ لسؤالنا الذي تقدم عن دلالات (الوكر)، تظل الاجابة عن مغزاه تحمل أكثر من معنى، إذ أكتسب الوكر بعده الرمزي ليدل على المكان، البيت المنزوي البعيد عن مراقبة أجهزة السلطة، إلا ان هذا المكان لم يأخذ حيزه الأوسع في أحداث الرواية التي حفلت بمكونات وعناصر ولغة وأحلام وترميز وشخصيات ، فلم يفصح المكان عن ثقله في السرد، سوى تلك النهاية التي إنتهى بها، بعد أن داهمته الاجهزة الامنية، وأعتقلت من فيه وأطلقت النار على صادق المحكوم غيابيا وأردته قتيلا .أمّا (الوكر) القصة، فانها نقطة التحول في حياة عماد الثقافية، إذ تحقق له المقبولية، ومن ثم الانتشار فيما بعد، والانصراف للعمل الابداعي، هنا (الوكر) زمن عماد الجديد معبر عنه بالحرية، نهاية الوكر المكان، بداية جديدة في دواخلنا، إن عملا بهذا المستوى، لايكتب نهايته الكاتب، بل تظل هادرة في أعماقنا تبحث عن مسارات جديدة نحو الحرية والعدل، ومواجهة الدكتاتورية والاستبداد .

وأخيرا هل يمكن يمكننا القول ان الربيعي استطاع أن يزيح ماعلق بذاكرته وهو يقدم رواية (صافية) بلا حذف أوخوف، متجاوزا الحواجز الكثيرة ؟ لاشك ان الاجابة على هذه التساؤلات مجتمعة تعتمد القراءة النقدية المتأملة والمنصفة لتجربة الربيعي، وهو القادر على التعبير بصدق عن الحياة، وواقع الانسان المعاصر بجرأة وإخلاص، الى جانب التأكيد على إستقلاليته، وقيمه الجمالية، وإسلوبه الفردي المتميزفي كتابة رواية تحمل سمات الحداثة .

 

جمال العتابي

قراءة اخيرة في باطنية المتنبي

sadam alasadiمدخل: التأمل في الباطنيات يعني التأمل في ماهية الشعر [1].

مذهب الباطنية يقوم على انه لابد لكل ظاهرة من باطن وهو المقصود في الحقيقة وهو بمنزلة اللب والظاهر بمنزلة القشر وقد عمموا ذلك جميع الكلام وانواع الاجسام ولم يعتبروا المطابقة بين الظاهر والباطن بل ان تأويلاتهم لا تناسب الظاهر من حيث الحقيقة والمجاز .

وعلى حد قول عادل ضرغام في كتابه في تحليل النص الشعري (تظل المفارقة النقدية للأعمال الادبية في كل العصور ذات تأثير وحضور واضحين) [2] .

هذا الجانب الباطني واضح الملامح في شعر المتنبي غير انه يأخذ اشكالا مختلفة منها الغلو في الفخر وتجاوز الحد في المدح ومنها الهجاء بالإطراء ومنها الرمز والاشارة ومنها الالغاز، ومن اشاراته البعيدة:

و لو لم يدعُ الا مستحق             لرتبته اسامهم المسام [3]

و قوله في الاشارات الواضحة:

و جنبني قرب السلاطين مقتها     وما يقتضيني من جماجمها النسر [4]

فالبغض للسلاطين بها عن قربهم وهو قاتل لهم لان النسر كان ينتظر اكل لحومهم فهو يطالبه بجماجمهم .

و عندما خرج المتنبي من الكوفة شقيا بائسا تتأجج في نفسه نار التمرد:

و الا تمت تحت السيوف مكرما   تمت وتقاسي الذل غير مكرم [5]

و ظل يستشعر الغربة وظلت جذوره دفينة حتى الاعماق في التربة:

و ما انا منهم بالعيش فيهم       ولكن معدن الذهب الرغام [6]

و قوله:

بم التعلل لا اهل ولا وطن     ولا نديم ولا كأس ولا سكن [7]

و كان ندا في مواقفه من السلطان:

و فؤادي من الملوك وان كان     لساني يرى من الشعراء [8]

و ليس تعظم المتنبي غرورا في نفسه وجنونا انما هو تعظيم للإنسان ولقدراته ولكن للسلطان يصفه انسانا وينكر عليه سلطانا:

و ان الذي سمى عليا لمنصف         وان الذي سماه سيفا لظالمه [9]

و قد عبر بالالتواء مع السلطان:

اذا ترحلت عن قوم وقد قدروا     ان لا تفارقهم فالراحلون هم [10]

و من باطنيته الزائفة:

و اشجع مني كل يوم سلامتي     وما ثبتت الا وفي نفسها امر [11]

و قد بلغ المتنبي غاية السخرية من كافور:

تفضح الشمس كلما ذرت الشمس     بشمس منيرة سوداء [12]

و موقف المتنبي من سيف الدولة هو نفس موقفه من اصحاب السلطان وقد يخاطب سيف الدولة فاضحا باطنيته صوته:

و قد يتزيا بالهوى غير اهله     ويستصحب الانسان من لا يلائمه [13]

و لعل اطرف بيت قاله المتنبي واقساه وقعا على قلب الممدوح ما قاله التنوخي:

اغار من الزجاجة وهي تجري   على شفة الامير ابي الحسين [14]

و يبدأ المتنبي مادحا بالمدح المبطن لكافور:

عدوك مذموم بكل لسان     ولو كان من اعدائك القمران

و لله سر في علاك وانما     كلام العدى ضرب من الهذيان [15]

و قد وصف الغزالي الباطنية انما لقبوا بها لدعواهم ان ان ظواهر القران والاخبار بواطن تجري في الظواهر جري اللب من القشر .

ضيف الم براسي غير محتشم     والسيف احسن فعلا منه باللمم

لقد تصبرت حتى لات مصطبر     فالان اقحم حتى لات مقتحم [16]

و قوله:

شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة     ويستحل دم الحجاج في الحرم [17]

فالشيخ ليس السيوف انما احد الشيوخ ورمز للإمام لما يراه الباطنية، وقد يشير الى معتقد الباطنية في الامامة وقد قالها في بيت انكره النقال:

احاد ام سداس في احاد   لليلتنا المنوطة بالتنادي [18]

فالليلة لا يعني الزمن ليلة وانما يعني عند الباطنية السر والكتمان ورمزه الى السر هو الائمة الستة الذين يقيموه بعد وفاته اماما بعد امام كما يعتقد الباطنية .

(لعل متصوفة الاسلام قد كتبوا ادبا ً فلسفيا ً يمتزج فيه الاسلوب الادبي البليغ بالحكمة البليغة سواء كان ذلك في الشعر او النثر [19]

و بقي ان نذكر ان المتنبي كان يقصد الى امتثال الفاظ المتصوفة في قوله:

يا ايها الملك المصفى جوهرا   من ذات ذي الملكوت اسمى من سما [20]

فيريد بالجواهر الاصل والنفس، وذات الملكوت هو الله ويرمز الى الامام المعصوم كما يريد الباطنية .

نور تظاهر فيك لاهوتية     فتكاد تعلم علم ما لن يعلما [21]

قال الواحدي: يقول قد ظهر فيك نور التي تكاد تعلم به الغيب الذي لا يعلمه احد الا الله عز وجل .

و ما نراه عند المتنبي جليا هو صوفيته وباطنيته:

انا مبصر واظن اني نائم     من كان يحلم بالإله فاحلما

كبر العيان علي حتى انه     صار اليقين من العيان توهما [22]

و المتنبي لا يعني بالعيان كما جاء في البيت وما يعانيه من الممدوح ولا يعني البيان الصوفي وانما يريد انه كان يعاين من وراء حجب الحاضر عالم المستقبل ما الذي رأه غير الوهم .

و بقي المتنبي يحلم بباطنية عذبة وكان طموحه هكذا:

يقولون لي ما انت في كل بلدة   وما تبتغي ما ابتغي جل ان يسمى [23]

و هكذا كانت المقابلات لديه:

ازورهم وسواد الليل يشفع لي   وانثى وبياض الصبح يغري بي [24]

لقد فجر المتنبي الينابيع من اعماق الفكر بقوة باطنية دقيقة، وعلى حد قول الدكتور زهير غازي زاهد (كان ابو الطيب ابسط جناحيه على الماضي والمستقبل ضاما ً الحاضر) [25] .

قال ابو علي الفارسي: قيل للمتنبي: لكل نبي معجزة فما معجزتك ؟ قال:

و من نكد الدنيا على الحر ان يرى     عدوا له ما من صداقته بد [26]

 

المبحث الثاني

قال الدكتور عبد الغني الملاح في كتابه المتنبي يسترد اباه (فقد المتنبي اباه في محنته فعثر عليه بعد الف عام) [27]، ومما لا شك فيه ان المتنبي وصاحبه كانا وهما في حوارهما هذا يتمازحان وقد اختار المتنبي بيته اراد به الاشارة .

ان كل التفسيرات لمثل هذا الكلام في الماضي وحتى الحاضر في شعر المتنبي لم تلمس الجانب الانفعالي فيها وبذلك لم تدرك مدى معالم ثورة نفس المتنبي فيها [28] .

يقول الخطيب التبريزي: (ان المتنبي اراد به السلطان وفي الحق ا هذا البيت تتمثل فيه ظاهرتان مثمرتان في شعر المتنبي تتواليان في اغلب قصائده .. تتلازمان حينا وتفترقان حينا اخر وتبتعدان تارة وتتواريان ظاهرة التصدي للسلطان).

و كثير من الشعراء الذين اثروا الرمز والايحاء اختفت اشاراتهم وراء عباراتهم غير ان المتنبي يتميز عن هؤلاء جميعا بانه وهو امام عرين السلطان كان يقف موقف الجامح يحتاط بتلك الرموز التي ترق احيانا حتى تصبح كرقية العقرب .

و من ارق الاشارات البعيدة عند المتنبي:

و لو لم يرع الا مستحق     لرتبته اسامهم المسام [29]

قال الواحدي: سامت الماشية اذا رعت وهي سائحة واسامها صاحبها ويريد بالسام هنا الراعية ومعناه لو كانت الامارة بالاستحقاق لوجب ان يكون اولئك الملوك رعيته ورعيتهم ملوكا يسوسونهم لانهم احق منهم بالملك .

و لقد نسب للمتنبي وهو يتحدى السلطان الجنون والهوس وهو هوس العظمة وحينا اخرى الحمق والى الاسراف في الغرور ورأى بعضهم ان الذي دعاه الى تحدي السلطان طموحه وبعد مرتقى همته وبراعته في الصناعة للشعر وفي الحق ان الذين كتبوا عن المتنبي قدماء او محدثين كانوا كما عبر .

نسب المتنبي نستفيد منه في تمحيص والرواية التاريخية واثر النسب في فخرياته باستخدام المنهج النفسي الذي اعتمد د. الملاح بوصفه الفخر وسيلة للكشف .

ان ابن المهدي في الدراسة الادبية لا تنفعنا ولكن فائدتها نقيم عليها نتيجة عقيدته التي لها علاقة بالعبارة والقصيدة .

ان مدائح المتنبي تأثرت بشكل او اخر بروح الاستعلاء ووراء تلك المدائح المشبعة بالاستعلاء شعور طافح بالاضطهاد السياسي والفكري ويبدو من هذا الاستقراء ان المتنبي كان لديه نظر خاص ونهج سياسي وفكري يبيح المكيافيلية (وصف التقيه) جزءا من الايمان والنهج فالسيرة الذاتية العامة للشاعر تدل على طموح سياسي كبير لا يوفيه الى العمل السري والكتمان الذي تؤمن به طائفة وفي ذلك وصايا مشهورة لعل اشهرها (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) .

هل هناك دليل يدل على علويته

1-   كوفيته 2- التحاقه بسيف الدولة الرجل الشيعي   3-خلاصة فخريات المتنبي .

ان هذا الرجل العلوي ينتمي الى الاسماعيلية التي من ابرز شروطها انها تقابل الناس تطابقا طبقيا ونجد هذا في رسائل اخوان الصفا، وهناك عامة وخاصة وربما اشخاص الاسماعيلية في عبارة (الناس) في المشتركات التي يتفق عليها البشر وهناك تسمية (ال يس – المؤمنون) وهي خاصة والذين وصلوا الى الذروة من يؤمنون بالغيب دون رؤيته .

فالإسماعيلية فرقة وطائفة شيعية تأويلية ترى الباطل في اصل فكرها مغلبة به الى الظاهر تؤمن بالتقية حتى تريد ان تصل الى هدفها فتمالي العدو وتداهمه ثم تجهز عليه .

ان سلوك المتنبي يتوافق مع السلوك الاسماعيلي منهجيا والاسماعيلية تؤمن باستخدام القوة وقت حاجتها .

 

 

 

معاناة المتنبي من ابيه:

وعلى رأي الاديب امين الريحاني في كتابه مدار الكلمة (ذهب بعض مفكري الاسماعيلية وقالوا ان للقرآن خمسة معاني المعنى اللفظي المباشر والمعنى البشري الظاهر والمعنى الباطني والمعنى الحقيقي ما يرمى اليه المعنى الغرري وما   يقتضيه [30]، يبقى التقدير الى مسوغ استخدام القوة عند المتنبي تبعا للظرف، فالبحوث التي درست المتنبي وسيرته على انه قرمطي (فرقة عسكرية عند الاسماعيلية وبالإسماعيلية رجال منظرون وهم اهل الفكر يشرعون يأخذون من الائمة وهناك مجموعة من اناس سريين وضعوا هذا التشريع (اخوان الصفا) ومثلما ظل المتنبي سرا كان ابوه سرا من بين الاسرار لمقتضيات الحال ففرض عليه والمسوغ لتلك السرية تشهد لمهمتهم الفكرية والسياسية وهذا المسوغ فرض المتنبي ان يتكتم بوضعه داعية من الرعاة الكبار الذين (وكلت مهمة خاصة لهم، ولعلنا لا نذهب بعيدا اذا قلنا ان مهمة اوكلت للمعري فقد كان راعي الرعاة الفاطمي له علاقة ارخ بها التاريخ الاموي فيما هو واضح وما يقرأ ما بين السطور، ولعل نقل ياقوت الحموي ما بين المعري والفاطمي وهناك لقاء خاص بينه وبين الراعي الاسماعيلي (ناصر خسرو) صاحب كتاب (سفر نامة) وفي هذا الكتاب يذكر الراعي الاسماعيلي ولقاءه بالمعري ومما يضيء اسماعيلية المعري علاقته النفسية والفنية بالمتنبي فقد شرح المعري ديوان ابي الطيب وسماه (معجز احمد) وهو اول ديوان يوصف بانه (معجز) .

و مما يؤكد الصلة الروحية بين المعري والمتنبي علما بانهما لم يلتقيا في حياتهما اذ ان المعري ولد بعد وفاة المتنبي، علما ان ناصر خسرو قد اثنى في هذا اللقاء على المعري وصفه وصفا عارفا به اذ قال عنه: (يملك سلطة دنيوية ودينية) وانه كان ولم تشاهده يوزع المال على الفقراء ويعطي الحقوق ويمنح المحتاجين ولا حاجة للتدليل على اسماعيلية ناصر خسرو .

ان الثورة التي كان يخطط لها ويسعى المتنبي لتحقيق اهدافها كانت بين مصر والشام ثم العراق وفي الخليج البحرين .

و هي المناطق التي حقق فيها الاسماعيلية وجودا فكريا وسياسيا ملحوظا، ويبدو ان انشغاله في مصر والشام وهو جزء من هذه الثورة التي وضعت الدولة الفاطمية جهدها فيه فأسست دولتها المشهورة (الفاطمية) وكل الاسرار التي كان يخفيها المتنبي وكل الحقيقة والعلنية التي مارسها كانت تتوافق مع النهج الاسماعيلي الذي يخص دعاته بطرائق شتى بما فيها المجاهرة بضد ما يعلمه الناس تسهيلا للمهمة السياسية المعقدة .

ان المهدي المنتظر هو عقيدة اسلامية موجودة عند كل المذاهب وعند الكتابيين عامة بيد ان الفرق بين طائفتي المسلمين الشيعة تعتقد بغيبته حقيقة غيبة صغرى ثم كبرى حتى يحين وقت قيادته العلنية اما الطوائف الاخرى تعتقد ان محمد المهدي المنتظر حقيقة نظرية يخلق فيها صاحب هذا الاسم بعد ذلك فهو مغيب في الارحام وليس مغيبا في الحياة البشرية بوصفها فكرة وعقيدة        

في قصته البشرية، وان الشيوعية على رأس الفلسفات البشرية الموضوعة تعتقد بمهدي منتظر من نوع اخر موفرة وسائل الاتباع (يعمل حسب طاقته ويأخذ قدر حاجته) وهذا مبدأ شيوعي .

ان الغيبة الصغرى انتهت عام(329هــ) وتبقى الحركة الشعبية بدون زعامة حتى (354هـ) وقد انطلق مع الشيعة في تلك الفترة فكرة المهدي الخالد في غيبة كبرى وخاضت قيادتها انتخابا لممثل زمني لها او نقيب لذلك طالب المتنبي بحقه مرة ثانية فسجن للتهمة الملفقة ضده فما لبثت الحركة في قتل المتنبي وطالما نوه الى ذلك في ابيات تثبت احقية الخلافة والامامة:

سَيعْلَمُ الجَمعُ ممّنْ ضَمّ مَجلِسُنا     بأنّني خَيرُ مَنْ تَسْعَى بهِ قَدَمُ [31]

سأطْلُبُ حَقّي بالقَنَا ومَشايخٍ       كأنّهُمُ من طولِ ما التَثَموا مُرْدُ [32]

لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي       وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي [33]

 

ان المتنبي ليس كما يراه طه حسين ابنا غير شرعي لاحد .. وليس ابن رجل تافه ولا ابن رجل فار من العدالة .. فهو ابن:

انا ابن من بعضه يفوق ابا     الباحث والنجل بعض من نجله [34]

لذا ظن الباحثون ومنهم الملاح ان المتنبي اسهم لحد كبير في هذا التأمر على نسبه حتى تفلت الكلمة او البيت لتثقبا هذا الشاعر ومن هذه الثقوب تطلع الصروح ليكشف بعض ما وراءه) .

 

...............

المصادر

1-   ابواب القصيدة، قراءات باتجاه الشعر، سعد البازي، المركز الثقافي العربي، بيروت لبنان، 2004 .

2-   ابو الطيب المتنبي، ظواهر التمرد في شعره الدكتور زهير غازي زاهد، كلية الآداب جامعة البصرة دار الكتب، 1979

3-   المتنبي يسترد اباه، الدكتور عبد الغني الملاح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط3، 1989 .

4-   تأملات فلسفية، الدكتور ناجي التكريتي، دار الشؤون الثقافية، بغداد، سنة 2008

5-   ديوان ابو الطيب المتنبي، شرح البرقوقي، المجلد الاول والثاني، دار الارقم، دمشق، 1995 .

6-   مدار الكلمة، دراسات نقدية، امين البرت الريحاني، دار الكتاب اللبناني، بيروت لبنان، 1980 .

7-   في تحليل النص الشعري، عادل ضرغام، الدار العربية للعلوم، سنة، منشورات الاختلاف 2009، الجزائر

 

 

[1]- سعد البازي، ابواب القصيدة، ص17

[2]- تحليل النصر الشعري، عادل ضرغام، ص5

[3]- ديوان المتنبي، ج2، ص421

[4]- المصدر نفسه، ج1، ص477

[5]- المصدر نفسه، ص392

[6]- ديوان المتنبي، ج2، ص420 .

[7]- المصدر نفسه، ج2 ص539

[8]- ج 2، ص137

[9]- ج2، ص328

[10]- ص348

[11]- ديوان المتنبي، ج1، ص471

[12]- ج1، ص135

[13]- ديوان المتنبي، ج1،ص317

[14]- ج2،513

[15]- ديوان المتنبي، ج2،ص546

[16]- ج2،ص379

[17]- ج2،ص398

[18]- ج1، ص348

[19]- تأملات فلسفية، د ناجي التكريتي، ص19

[20]- ديوان المتنبي، ج2،389

[21]- ديوان المتنبي، ج2، 389

[22]- ديوان المتنبي، ج2،ص390

[23]- ج2، 448

[24]- ج1،ص223

[25]- ابو الطيب المتنبي، د. زهير غازي زاهد، ص18

[26]- ديوان المتنبي، ج1، ص361

[27]- المتنبي يسترد اباه، د عبد الغني الملاح، ص6

[28]- المصدر نفسه، ص30

[29]- ج2، ص221

[30]- مدار الكلمة، امين الريحاني، ص 86

[31]- ج 2،ص345

[32]ج1، ص360

[33]- ج1،ص330

[34]-

قراءة في مجموعة رائد خليل مع حفظ ألقابه المتألقة

samar mahfod1بفارق من دهشة العبور بين إجفاله الخط الناقد ورهافة الحد المسنون للحرف يمرر رائد خليل مسوغات مشاعره وأفكاره في فضاء حيوات لفظية وبمزيد من الأسئلة المعلقة التي تنطوي عليها أحداثه حيث المد والجذر يتناوبان في عزلتهما على ايقاع الحب والموت والولادة والانتظار في صمت من تملكه الذهول لدخوله عالما يتشكل من أثر انعكاس لحظة لم يكن لها ان تدوم سوى رفه جفن ولعل مجموعته (أنا مع حفظ الألقاب) محاولة في سياق البحث عن الحقيقة العميقة المستقرة في يقين ذاته / كعبور الشهقة.. / تمتد أنفاس الشرود.. / واحظى بباقة لهاث.. / يبحث في اللاشيء عن زمن أخضر وحنين ماطر يحمل الكتابة أسرار اللحظة ويغترف بنقصان العالم الأبدي / / على حافة المحطة .. / برعمت مسامات حقيبتي.. / كان الصفير معدا للوحشة.. / لم يكن له أن ينتسب إلى أي جهة وإنما ينتمي إلى أبدية الترقب / اردد الضوء / بلا نوايا / ومسميات.. / الحب في هذا العصر الملتبس تجربة فريدة ورائد يبحث عن توق يؤرخ سيرته الشخصية أحيانا يبدو وكأنه يخشى الكشف وغالبا يحتضن الصورة ويتأبط وعيا يقينيا ببراءة الحب / "ابق حيث أنت".. / خطواتي تعوم ببراءة / في أسفل الحقيبة.. / ظلي المنتشي يمسك / بساق الحنين..؟ / "ابق حيث أنت".. / في _أنا مع حفظ الألقاب_يخط رائد شكل ما من سيرة مواربة مستخدما عبارات مألوفة لكنه يغزلها من وقائع قابلة للجدل فتتحول إلى مصطلح متعدد الدلالات يحمله هوامش مرتبطة بالسياق العام ويعمل على تجريد الوقائع من أبعادها لا من تفاصيلها بذات الوقت / المرايا تنكسر.. / ولا تترك سوى ذكرى نحيفة.. / كيف استورد نبضاً متوالداً / لنشيد ماعاد يحفظني..؟ / يسبح على نحو حر للخلاص من قلقه وإذا كان إلحاح التأملات لدى رائد خليل وخلافا للسير الذاتية في (أنا مع حفظ الألقاب) التي يوحي به العنوان لم يعطي الشاعر متسعا للحدث في اضطراب المكان لديه / أصابعي ..تحتكم للوتر.. / في جفلة المقامات..! / قد يعيدنا الموقف إلى العلاقة بين المبدع والمتلقي التي لا بد من إعدادها بكثير من الرهافة الأنيقة / لست معكِ..لكنني ضدي.. / اللمسة الجمالية واضحة المعالم والتداخل قائم ومؤكد ينقلنا من أفق إلى أفق أقرب صدقا مع النفس .. / شجرتك عالية.. / وأنا.. / لا أجيد.. / سوى / التقاط أنفاسي..! / لست أعرف إن كان رائد يتعامل مع النص بوصفه غواية خارجة عن التصنيفات ومنطقة خاصة به للتجلي والكشف والإغراق / قبل إزاحة الستار / أبحث عن مكان لظلي.. / ريثما يرتب الضوء أسراره.. / ويكتمل الحضور..! /

780-samarليس ضد العزلة لكنه الانحياز الى بنيات العلاقات اللغوية والنزوع الاليف نحو ذاته الشعرية / مهلكِ.. / مهلكِ.. / دقيقة / صوت.. / فأنا أسير / على عكازين / من صمت..! /

نصوصه في أنوثة اللفظ تؤسس سيرة المعنى للدهشة أولا وللاختبار الواعي بخراب يتجهز ثانيا / من أعوام.. / أقرؤكِ / (ملخص مانشر..) / ولم أنتهِ.. / إن النظر إلى صورة شعرية محددة أو مجموع صور في نصوص رائد خليل النثرية سوف يأخذك إلى شيء مختلف تماما وهنا مركز الحساسية لدية فنحن لايمكن أن نكون يقينا ثابتا / تجرجركِ الريحُ / شمال الرغبة / جنوب الرحيل / ومازلتِ تدخرين الوقت / في حاكورة الانتظار..! / فنحن لانجد أنفسنا أمام نص مألوف ومتوقع وليس على ملامح النص المجازي فقط بل اعتمد في بعض مفاصله التداعي الحر للرؤى حيث تتدفق الصور بسلاسة الوعي الإبداعي في محاولة لتفسير واستيعاب المفردة بغير ما اقسار او انحياز او تضاد ومغالاة في تحميل النص أكثر مما يحتمل ودون اللجوء إلى تأويلات تخيلية / عندما أثمر موسم الهرب / قطفت ثلثي رجولتي /

يتجلى النص النثري عند رائد بكثير من البناء الضمني المتصالح مع مكنوناته لان هدف المفردة وشرفها ومعنى وجودها وغاية ذلك الوجود أنها سلاح ونور ووسيلة إنقاذ وهو أيضا انحيازها للحق وللفرد الإنسان نواة المجتمع خليته الحية / أنتِ وطني الذي / التصق بي منذ طفولتي.. / وأنا ..لن ابحث عن بديل..! / يغمرك جنون الارتباك لكن لا يجاوبك الصدى الشعر عنده نظرة شاملة الى الحياة والكون "الجمال هو التجلي الحسي للفكر" حسب مفهوم هيغل والإبداع عموما هو ترجمة لناموس الأشياء بجعل المعنى عاشقا لكشف أستار الغفلة ليبدو التجلي في أعلى حالاته لأنه يعيد تشكيل فهم وجوده المطمئن وإعادة ترتيب عناصره في لحظة التحول التي لا تتوقف ولا تستقر بل تقدم بداهتها / الشعر..يريد.. / إسقاط الانتظار.. / أرجوكِ.. / لا تتأخري..ِ / في الديوان موضوع القراءة مجموعة احتمالات جاءت ضمن صور قابلة لتحقيق استجابة بين اللحظة التحريضية التي تولد الجملة الشعرية مع مايقابلها من رؤى مختزنة في عمق الشاعر / حين تسترجل الساعة.. / يصير الوقت بلا يقين..! / في تعرية الدلالة اللفظية وكل ما يمس قامة اللحظة الإبداعية وإلحاحها للخروج من القالب إلى حرية الأبعاد كشفا لمضامين أعمق / ناموا..قبل أن يجرجرني / طيش التبدد.. / فأنا ما عدت أطيق / مواكب الظلام..! /

باحثا في الوعي المكثف يفاجئك بابتكار الضوء الخفي يستعيد عافية النص في بناء نثري طليق لاختراق السائد رافضاً أن يبق في الظل / لكتاب المطر / غلاف جويًّ.. / يضمه.. / ويمطرني.. / تصدمك المفردات البسيطة المتناسقة التي تؤسس مرتكزات دلالية ثابتة بغية الوصول إلى معناً تخيلاً يعتمد اسلوبا واضحاً ومبرمجاً بطريقة جميلة يقيم مزاوجة بين الجواني والبرانى رغم محاولات المواربة التي نجح فيها أحيانا واخفق أحيانا يبقى أن رائد خليل أجاد استخدام صورا بسيطة وعميقة الجاذبية شبيهة بزفرة عميقة ومع ذلك يبدو من الصعب بلوغ تلك المنطقة التي يجتازها المرء بغزارة زبد ما أن تمسك بسرابه حتى تبدو وحيدا من جديد وحيد وممتلئ بالدهشة حيث لا يمكن سوى للحب أن يورق وللإبداع ان يتجلى بلغة متمكنة وقادرة على إيصال المحمول

يوميات امرأة شرقية للشاعرة نور طلال نصرة .. أيروسية البوح في فضح المكنون

ahmad alshekhawiلمفهوم الإيروسية أدبياته الضاربة بجذورها في عمق الأسطورة اليونانية حسب درجات انحدارها مما له صلة بالكتب المقدسة القديمة. لذا سيكون من الإجحاف والغبن أن نحصر نظرتنا إلى هذا المفهوم أو نحشرها في خندق الشهوانية الصرفة المسترخصة للجسد والمحوّلة إياه إلى بضاعة وسلعة منشّطة لأسواق البورنو والدعارة وما يفيد الإثارة الجنسية ويروّج لامتهان الأنثى عموما.

إذ المفهوم في شموليته محيل على خطاب نابض بالتعبير عن أحاسيس إنسانية نبيلة ومشاعر خاضعة لترجمة حقيقية منطلقة من الذات تعرّي المكنون أوتشفّ عنه ليصل إلى الآخر في صورة معينة مع حياد تام حائل دون التدّخل في خصوصيات التأويل من طرف المتلقي لأسرار كهذا خطاب يستدعي دون حرج منظومة مفردات يحصل اشتقاقها من ثيمة الحب.

وهو صلب ما تنتهجه موجة شبابية في الآونة الأخيرة ذات حساسية جديدة تجاه التابوهات والظواهر الأشد التصاقا بالأقنعة الدينية والأخلاقيات.

وهو بالضبط ما نستشف البضع من ملامحه لدى شاعرة سورية خفيفة الظل آثرت أن تخضّب تجربتها بتقنية العزف على الوتر الإيروسي لتقربنا من أجواء احتفائها بمن تهوى وترسم لنا عبر سردية مغرية حجم ومدى هيمنة التمثل الهلامي والرمزية الذكورية لشخصية فارس أحلامها وسلطة إقامته السرمدية في وعيها وذاكرتها هي.

 

اهتمامي بكَ يجعلني أنثى أخرى

أنثى من نوعٍ آخرَ

شرقيةً.. لا عصرية

لم تكن لتبالي يوماً

بحديثِ أمها أو جدتها

عن الحبلِ السريّ

بين القلبِ والمعدةِ

ولم تلجأ حينها

إلى وصفات الحبِّ الإيروسية

 

مثلما سيتكشف لا حقا ،الطقس العام للقصيدة بتنوع إيقاعاته وتلون وحداته، آخذ باتجاه ضرب من الإفصاح عما تحجبه كواليس مشهد رنين الجرس في ارتباط العملية ككل باعتقاد يبرهن على تقمص المعشوق لدور الهاجس الوجداني المستحوذ على الذات الشاعرة منذ البدء وعلى امتداد زمن البوح.

الملاحظ أن المطلع ينم عما يعزي فعل الحالة العاطفية لشاعرتنا إلى اهتمامها الخرافي بمجهول أقله من قبلنا ،فهي تتدفق وتنساب كلاميا دونما بخل علينا وتنخرط في مشاطرتنا ماهية وجوهر ما تحسّ به تجاه فتاها ذو المواصفات المثالية .

إبداعيا تمارس علينا ذلك وتبرع في استقطابنا إلى التعايش مع حالتها كوننا نتمثل تجاربنا سارية في ملكوتها ومتفاعلة معه.

                

أعِدُّ الطعامَ بشهيةٍ أكثر

أدخلُ المطبخَ لأولِ مرةٍ

هناكَ سكاكينٌ كثيرةٌ..

لم أعتد عليها بعد

ألمسُ نصلَها بخفة..

أتساءلُ بطيب نيةٍ

هل لجرحها ذاتُ الألمِ.. ألمك

إن شردَ ذهني بعيداً

أم تراني سأبتلعُ نصلَ السكين

على الحدين سواء

 

هذه العاشقة الشرقية المخلصة للتقاليد كما تمليها الهوية والإنتماء،تشرع ذائقتنا على جماليات بنكهة خاصة من توقيع مخيال داخل حدود مخيال فضفاض وشاسع جدا ولانهائي، بيسر نتصيد ونهتدي إلى خيوط معاني ذلك حين نُمنح انطباع توهّم الألم على أنه سعادة لحظة صدورها عمّن نكنّ لهم المودة والتتيم والوله.

 

أتذوقُ نكهةَ الطعامِ

ولا أُكثرُ من البهار.. لعلك لا تحبهُ

وأفكّرُ ببعض الفلفلِ الحار..

حاراً سيكونُ لقاؤنا

لا أريدُ لهذه التوابلَ

أن تأخذَ حيزاً من مذاق شفتيك ..

يضمر الشطر الشعري الثاني من هذا الوحدة ما يشي بافتعال حوار مجسّد لهيأة حضور رمزي للحبيب يفرضه فرط تعلقها به، حتى أنها وفي غضون غيابه تنتقي لنفسها من المواد الاستهلاكية ما يلتقيان بشأن الميول الفني ويتناغمان عنده ويتفقان على اصطفائه يحدوه التمهيد للقاء الحار ،فيما تستطيبه وتحصد لذاذته الشفة وقد تم إقحامها هنا بغرض تأدية وظيفة إيروسية على نحو ما يحاكي مناخ توجّهات النص في كليته.

أفكّرُ بصنف خفيفٍ على المعدة..

سهل الهضم

أجول مطابخَ العالم

مطابخنا الشرقية.. لم تعنيني يوماً

بات وقعها ثقيلاً.. ككلِّ شيءٍ لدينا

كأفكارِنا.. كعاداتِنا.. كحروبِنا..

قد ألجأ " للباييلا " الاسبانية

لأشبعَ غروركَ الشرقيّ..

لأقولَ لكَ إنّ هذا الطبقَ

يحملُ نكهةَ أجدادنا في الأندلس

 

تطغى على جسد النص فبركة صور محو ملامح و رشق زجاج تلكم النظرة الاستهلاكية المنبنية على الفهم التقليدي المتجاوز للحبل السري بين المعدة والقلب والمبالغ فيه إذا ما قيس بخطورة تحكمه في أسلوب تفكير وسلوكيات نماذج بشرية نمطية و ماضوية/الجدة والأم في محاولة استنساخ حياتي وطقوسي يرفضه بالقطع جيل الشاعرة من حيث هو استنساخ مارق عن روح حضارة الأجداد ومهجّن لنكهة الأمجاد.

 

أرتّبُ أتجوّلُ في أركان المنزل زواياه.. وأفكاري.. بنفس الأناقةِ

كي لا تكتشفَ حدّ الخمولِ الذي يصيبني

ظهري المسند إلى الحائطِ الباردِ

يرتعشُ من فرط الذكرياتِ المصدّعة

كشقوقِ كهفٍ مهجورٍ في الجرد العالي

             ***

ليس من عادتي أن أرتّبَ خزانتي

أتركها لفوضاها.. إنها تشبهني

خزانتي ممتلئة

فساتينٌ وأحذية وعطور..

علاقتي سيئة بالروائح..

وأكاد لا أميّزُ بين "الشانيل كوكو" و"الباريس هلتون"

أمتلكُ حاسةَ شمٍّ ضعيفةٍ

ولكنني كأفعى أزحفُ على بطني

عندما يتطلبُ الأمرُ أن أتلمّس

مكانك في الظلمة..

                 ***

فستاني الأحمرُ حزينٌ

منذ الفالنتاين الماضي

يُحزنني أمرهُ..

كأنثى يروقُها شغف الأحمرِ

يأكلُ العتُّ من بهجته..

ينادي عليَّ كي أنتشلهُ من هذا الضيقِ

وأنا كسولةٌ..

كان من المفترض أن يزيّن قامةَ جسدي

و أن لا يبقى كظلكَ المواربِ خلفَ البابِ

حين تصلّبت أمامي.. ولم تجرأ على لمس دموعي..

لمحتك يومها في أرجائي

بقامات الروح تتفيَ..

وعدتُ حافية.. من حفلتك تلك

كسندريلا بائسة

أميري يعرفُ مكاني...

                   ***

سيتداعى الآن إلى مخيلتي

أن أمسككَ بيدك.. وأقودك إلى حديقة المنزل

كي أتركَكَ مع ورود الحنين

الجوري الأصفر الذي أحبّه..

والنرجس الذي يروقك..

والحبق الذي يذكرك برائحة أمك...

ما هذا الصوت الذي أيقظ مخيلتي؟

إنه الجرسُ يرّن.. لعلهُ أنت

 

بذات الطاقة الإيجابية في تمحورها على ثيمة الحب، تستأنف شاعرتنا إفراغ حمولتها الوجدانية لتصدمنا في الختام بنهاية مفتوحة محتفية بقلق وشك الذات الإبداعية في امتزاجهما بملامسة عوالم أيروسية تخترق هالة المحضور وتفضح المكنون .

 

أحمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي