المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

الإبداع في قراءة النص

abas alaliأي نص بأي لغة ووفق أي منهج ولأي غاية لا بد أن يقرأ على حقيقة ذات بعدية متنوعة ومتعددة تشارك في استحضارها عوامل مهمة ذاتية في الموضوع الإبداعي وموضوعية لا يمكن الفرار منها،وهي أن النص بعد نشره سيكون عالما مستقلا يحمل شخصيته كاملة،تعبر عن فكرة أو مجموعة أفكار لها مستقبل خاص وتتزعم هدف أو تزعم به أو تسير نحوه بعيدا عن شخصية الكاتب وإن كانت تعبر في أحد أوجه ثلاث عن جزء منه لكنه خارج هذا العنوان يبقى كيانا يحمل هوية ما لا يمكن إلصاقها بالكاتب كليا ولا يمكن أيضا سلخها من تأثيرات المنشئ وامتداداته الما بعد النصية .

النص عبارة عن سلسلة من التفاعلات بين الذاتي والموضوعي والحالي والبيئي والأجتماعي والتاريخي فهو ليس وليد فراغ ونبت من ظاهرة العدم، النص وليد فكرة متواصلة ونتاج خليط متضارب ومتسق ومتنوع من عوامل وإشكاليات ليعبر عن شيئين مهمين، واقع يشهد له وهدف ينشده وأيضا من خلال منهج وأسلوبية مميزة لا تتكرر ولا تتماثل بين أكثر من شخص، لذا كان سهلا على الناقد النصي أن يتبين من خلال البنائية والشكلية الذوقية خلفيات وشخصيات وحرفية الكاتب، تماما كما يفعل الناقد الفني حين يتعامل مع لوحة تشكيلية فهو يقرأ حتى حركة الألوان المميزة لينسبها لمنهج معبر عن روحية أبدعت في صنع لحطة الحركة تلك .

إذن النص اللغوي لبس بعيدا أبدا عن هذه المحددات بل إن الفرادة في طريقة البناء وهيكلية هذا البناء والجمالية التي توصم الشكل وحتى تقديم وتأخير وتصميم الفكرة إنما تعبر عن بصمة ذاتية لكل فرد خاصة وأن فكرة الأسلوب النص لا يمكن أن تتكرر أكثر من مرة ولمجرد التكرار لا يحسب للثاني وما بعده على أنها أنجاز وتسمى تقليد، وحتى هذا التقليد يفصح عن شخصية ظليه أخرى تعيش تحت هاجس المبدع الأول .

بعد هذه المقدمة يبدو السؤال الآن أكثر تعقيدا هل ما نقرأ في النص يعبر عن روحية تعود في الأساس بتشكيلاتها للكاتب التي يجب أن نقرأها كما أراد أم هي روحية القارئ الذي تلقى شخصيا نص مشحون بجملة من المؤثرات التي تريد أن تؤثر فيه وتدفعه نحو وجهة نظر أو فكرة محددة ليتبنى منطقها، أم أن المسألة أكثر وأكبر من حقيقة النص وعلاقته بالكاتب والقارئ وأن النص هو هوية مرحلة وتعبير عن روحية زمن يدور في فلك الفكرة ذاتها أو كما يبدو كذلك،الرأي الغالب أن النص خارج الذاتيات هو أعلان عن موقف ما يحمل رسالة ويريد أن يصل لنقطة حاملا معه القارئ ليقول كلمة أو يتخذ موقف، إنه عالم الأثر والمؤثر، هذا للقارئ العادي الذي لا يعيش إلا الفكرة في النص القارئ الذي يبحث عن كونية محددة عندما يختار.

الناقد بأعتباره قارئ ممتاز لا يقف عند عالم كونية الفكرة وتجردها من محيطها وتأريخها، بل يعبر بها إلى أدق تفاصيل الزمن الفكري والبيئي والنفسي أنه يبحث عن منظومة العلاقات كافة التي جعلت هذا النص يولد في هذه اللحظة وهو يقرأ بين الحروف مسافات وأماكن وأحداث، وهذه القراءة النوعية ليست قراءة عادية حتى يمكن تعميمها على أنها الكيفية المثالية، إنها الأستثناء الذي يفحص النص سريريا ليستخرج كل المعادلات وليؤسس ويكشف مفاهيم أحيانا تبدو حتى غريبة للناص صاحب النص ومبدعه، إذا نحن نتكلم عن ثلاث حقائق، نص تأريخي قبل أن يكون بمتناول القاري، ونص وجودي بيد القارئ العادي ونص متشعب له عالمية خاصة وتفصح عن كونية فيها الكثير من التفاصيل التي لم تدرك ولن تدرك بدون هذه القراءة، هنا يمكننا أن نصف القراءة على أساس الزاوية التي ينطلق كل قارئ منها للنص .

طريقة القراءة ونتائجها مرتبطة أصوليا بما يريد القارئ ذاته أن يقرأ فلا تخلو المسألة من أمتداد ذاتي له ولا تنتهي عند بناء النص المادي ولا تتوقف عند القصديات والغائيات أنها عملية إبداعية أيضا، القارئ المبدع هو القارئ الذي يصنع نصا أخر مضاف للنص الأصلي بما يمتلك من قدرة على التحويل والتأطير من خلال فرض منهج متميز للقراءة وليس إقحام بلا منطق لشروط القراءة المبدعة التي تتخلل النص وتستنطقه دون أن تخرج النص من حدوده البنائية .

عزف منفرد .. قراءة لمجموعة (للمرايا نبش آخر) للقاصة وجدان الخشاب

wejdan alkashabكل الاشياء قيلت وليس هناك ما يقال أمام ركامات هائلة من الجمل الوصفية المتراصة التي تحوم حول مضمون ، تمضي في زحمة طيف متتابع ومتناغم يتناسب مع حجم وجود الالم، غصات، أنّـات، عتاب، ندم، وألم، وفي هذا الزمان المطلق اللامتناهي لنصوص مفتوحة بسحرها الخاص المعتمد على اعتمال العبارة المرصوفة بالشحنات غير المفرغة، لذا جاء هذا التراكم الكمي الهائل من فتات وشظايا المرايا بحيث يتعذر على أحد-إن وجد افتراضاً-

أن يرى صورة واضحة المعالم لذات فيها الخشاب تبحث عن ذاتها بشكل جلي وواضح خارج النصوص الكامنة داخل محارات تقادم الزمن على تجارب احساسها ، عزف منفرد في الألم بدءاً من من طفولة مغمسة في هواجس حزن مزمن مضن مغلف بالعنفوان والكبرياء...

في النبش الآخر للمرايا نحن أمام نصوص شعرية تضج باتجاه تصاعد ثيمة الحدث فيها بمضامين فيها تهويمات تستلب الاتجاهات، تحورها وتحيدها حتى تتجه نحو مسارات العصب الحي النافر الذي تؤرقه قصدية الانتقاء، هذا المغلف بالمتراكم من الصراعات الحادة المحتدمة حد النخاع " الشوارع عطشى/ الاجساد عطاش " و"العشب يعرى ويعطش ويتضامن معي مختنقا " كأني به يقول لنا " من انا عندما يبدأ الجوع الحار فجأة بالغليان؟ جائع ... جائع ... جائع " . وفي مجموعتها القصصية تحيلنا وجدان الى عوالم مسكونة بالواقع حينا والغربة أحايين كثيرة لأنّـها مستلة عن فعل وليس بردود الافعال، وتكشف فيها أقنعة النص بلذته محولة ايقاع لغة المضمون الى مضمون مضاف مركز لما تحتمله من تأويلات ودلالات ايحائية جاءت لتؤطر شخوص المجموعة بتوليفة جمعها لا يعني تضادها، بل هي جملة مضامين استرجاعية لا مجال للحدس في إحداها.

وجدان الخشاب ارغمت على ارتكاب التعرف على الاشياء المعروفة حد تقمص الاشياء والنفاذ فيها، ولم تكن حيادية بين المعرفة والقصد، ولكنها فككت فيها ما هو اشكالي وفق منظور زاوي متقاطع مع المحور الأساس الذي يعمل باتجاهين عمودي وأُفقي للأنا والاخر فيها " آن لك ان تغافل الاكفان وان تقتل الصمت الغائم في موجة بكاء " .

وعلى مستوى السرد يشتركان معا بكون الذات هي الراوي الذي يكون طارئا يحاول أن يفسد ما يجري من خلال اعادة ترتيب الشخوص والاحداث حتى تصدق حضورها من خلال (المؤلف الضمني) الذي ينتمي اليه النص، فهو المؤلف الواقعي للعمل الادبي. ومجموعة وجدان حوت أغلب مدارس الشعر من الرمزية / الواقعية / السريالية / التعبيرية .. وهي مزيج من نضج براكين الغضب والاحتباس، الطيبة والغيرة، اللعنة واستمراء الثأر، وهذا الطيف الواسع الأُفق يكاد يخلو من أبطال وشخوص .. فالبطل غائب مهزوم يُـحاكم ، ويُتهم ، وتفقأ عينيه، مطارد معتذر عن حضور لغياب في القيم والأخلاق أحيانا.. ومهزوم منفي في أحايين كثيرة، كما تعقل فيها الاحالات التبادلية والرمز الإيحائي: العصب/ الانسان/ الرجل / الاغفاء/ نوع من الهروب الواعي/ اللاواعي، بوصفه بدائل عن يقظة الحلم، مليء بالكوابيس والهلع الذي يكبر ليستحيل حقيقة.

في قصة (الكاهنة تؤثر) ستراتيجيات مختزلة ومقتصدة، وهذا ما خدم المضمون، هي تريد اجتراح لغة أُخرى غير الكلام المألوف للاتصال بموضوعه، وثمة تأكيد على قيمة استباق موضوعات تخدم تشخيص النهايات، ولا يمكن انتزاع تعريف من الخشاب خارج أسوار لغة الشعر التي تُشكّل إطاراً كثيفاً يحفّ قراءة أية قصة، وفي أعمالها نلاحظ التوحد في المطلق النهائي لأواصر الملحمة.. نلمح في النصوص صرخات تأتي من أعماق الروح " لقاء يدندن للنهار " "تغفو خضرة عينيه"، كما نلاحظ الأنسنة " مـدَّ الجسد عينيه الخضراوين " أحلاماً ونبؤات تستيقظ من مكامن غائرة " . أمّا (نبشا لارقامهم) فمليئة بالصورة:

الرقم -1-

- أنسنة : " الاشجار تفر من رذاذ المطر " " ترتدي عباءة من ذعر "

-الثورة الداخلية لصراع مرير: "امرأة تمزق الجراح التي لا تندمل" .

-مخاطبة المجهول : الرحيل هاجسنا "

-انسنة الرحيل : الرحيل أرض بوار لها انياب واظفار

الرقم -2-

-تكرار مفردة ( العصب): / تمد عصبها الى مدارها البدئي/ من يرصد عصبها النازف...

-تكرار مفردة الاغفاء : / ليغفو بين صخور الشاطئ / يغفو بروتيوس وتغفو معه النبؤة.. اللحظات القادمات .

يلاحظ في هذه النماذج صورة وصفية عالية التركيز .

 

الرقم -3 -

-أنسنة: / القمر غادر مبتلا لينكسر في زاوية ما /

-حالات ذاتية صرفة: / من يمنح جسدي نسخة اخرى تواجه وجعي /

-الاغفاء: / ينحني ليغفو بين بقايا جثتي /

وفي (له دائما) تتكرر مفردة الركام، مثلها مثل الانسنة/ النظرة والذاكرة تبصقان الاشياء، ويحضر الاغفاء أيضاً / النظرة تغفو.. أحياناً يتثاءب فيدفع الاحلام الى اغفاء.

طارق الشبلي

 

د. سلمان كاصد وصنعة السرد

jasim alayffنلاحظ أن المتون السردية عامة، وفي الراوية الجديدة، بالذات، تجذب مختلف الاهتمامات لموقعها السحري- الفني والمترابط بإمكانيات كتابها وقدراتهم على استجلاء الظواهر الشخصية و التاريخية واليومية الاجتماعية.فالرواية جنس سردي بات منفتحاً على الحياة وتغيراتها وديناميكيتها، ولها القدرة على الاستعانة بكثير من المكونات الفنية والأدبية والثقافية المتعددة و التي تقع في منطقة موازية لها، ودمجها في متنها، وهذا ما جعلها في كل الآداب القومية - المحلية و العالمية جالبة للاهتمام، فالرواية بالذات وكما تؤكد،الأمريكية، سوزان سونتاج: "تكافح الجفاف الذي يشعر به ويواجهه البشر في حياتهم، بغض النظر عن زمانه ومكانه وأنواعه". في مجال دراسة الرواية العربية الحديثة،تحديداً، صدر للدكتور "سلمان كاصد" كتابه الجديد، والمعنون" صنعة السرد" / دار الروسم- اتحاد أدباء وكتاب البصرة - ط1 / 2014. وقد وقع " صنعة السرد" على(163) صفحة- قطع متوسط . ويذكر انه سبق و أصدر الناقد د. "سلمان كاصد" عدداً من الكتب النقدية منها:" الموضوع والسرد" مقاربة بنيوية تكوينية في الأدب القصصي للقاص والروائي" مهدي عيسى الصقر"،و"عالم النص" قدم فيه دراسة بنيوية انحصرت في الأساليب السردية لعالم الروائي والقاص" فؤاد التكرلي"، و"قصيدة النثر" دراسات في الشعر العربي الحديث، و" الجذر والهوية" رؤى و دراسات في الرواية العربية، و"الكتابة على الطين" مجموعة دراسات نقدية في النثر والشعر، إضافة لما صدر له من مجاميع قصصية و روايات منذ مساهمته الأولى في (12 قصة بصرية) بحلقتها الثانية1971 -1972، كما عمل في "الملحق الثقافي" لجريدة الاتحاد الإماراتية وقدم عبره عدداً لا يمكن إحصاؤها من الدراسات و المتابعات للفعاليات الثقافية عن السينما والمسرح والتشكيل والعمارة والموسيقى والتراث والحداثة وقراءات نقدية وحوارات متعددة مع شخصيات عربية معروفة، خاصة في الشأن الثقافي- الفني. تألف" صنعة السرد" إضافة للمقدمة من الفصول التالية: الرمز..اختزال الحكاية/دراسة في رواية" نساء البساتين" للحبيب السالمي،حكايات زمن الموت عن رواية " دروز بلغراد" لربيع جابر، نظام..الباحث عن الهوية / حول رواية جبر الدويهي" شريد المنازل"، المثقف وفقدان الروح/ دراسة لرواية "دمية النار" تأليف بشير المفتي، سبعة طرق للموت/ عن رواية عز الدين شكري فشير - عناق عند جسر بروكلين، البطل يكتب روايته/ دراسة تخص رواية "العاطل" لناصر عراق، تنوع سردي لعلاقات مرتبكة/ عن روايتي أحمد عبد الملك " القنبلة" و" الأقنعة"، ماذا أراد الروائي أن يقول؟ تناول فيها رواية عبدة خال" ترمي بشرر"، رواية تبحث عن اسم دراسة تناولت رواية إبراهيم الكوني" مَنْ أنت أيها الملاك؟"، ثنائيات الاغتراب دراسة حول رواية" حليب التين" لسامية عيسى، مجنون زينب الاكتمال في الآخر عن رواية لـ " جمعة اللامي" حملت اسم" مجنون زينب"، رحلة في العقل الجمعي حول رواية "أم الدويس.." لعلي أبو الريش، وهذه الدراسات المتعددة في كتاب" د. كاصد"، وبحدود إطلاعنا المتواضع، نرى أنها تميزت في تغطية النتاج الروائي العربي الراهن، شرقاً و غرباً، وهو ما يحسب لـه في "صنعة السرد". نرى أن المشهد الروائي العربي، حالياً، يتشكل من جديد في إطار الجهد الثقافي الذي اخذ يتجمع في عوامل ومجموعة من التمظهرات والمؤتمرات الثقافية العربية التي أخذت، نتيجة تعدد الرؤى وانتشار تبادل المعلومات والتواصل (العنكبوتي)، وسمة عالم العولمة الذي يميز عصرنا،،دون الأخذ بأهدافها الخفية أو المعلنة،وانطلاقاً من قبلنا بحسن النوايا، نرى أنها ترعى تجمعات اجناسية عربية تحديداً، لكنها، مختلفة ثقافياً. والسؤال هو: كيف ذلك؟. هذا يجري من خلال إطلاق منافسات إبداعية تختص بنوع وجنس أدبي- ثقافي بعينه، ومثاله في الجوائز الثقافية التي تعنى بالشعر والرواية والمسرح وأدب الرحلات والنقد، بشكل عام ومنفرد، ولابد للنقد العربي أن يتتبع هذه التجمعات الاجناسية التي بدأت تقدم له بانوراما متسعة وكون كتاب "د. كاصد" معني بالرواية العربية فسيكون الحديث عنها تخصيصاً، نلاحظ إن رواية المشرق العربي تحاذي،بل، تنافس رواية المغرب العربي ولهذا، كان لابد لـ"صنعة السرد" من التمتع بقراءات واعية ودقيقة مع التزام الحيادية لواقع الرواية العربية وأشكالها وثيماتها والعناصر التي تلتقي عندها، ومن المدهش،حد الغرابة، أنّ ثمة عناصر كثيرة ومتشابهات متطابقة، بدأت تتفتح في الرواية العربية،بالرغم من اختلاف الظروف الاجتماعية، والأجواء والعناصر اللغوية- إلى حد ما- والتشكلات الثقافية التي تحكم المنتج الروائي كلاً على حدة. في هذا الإطار يتتبع د." كاصد"، الرواية العربية عبر ومن خلال نماذج عرفها المتلقي، واطلع عليها، كلها أو بعضها،كونها تمثل خلاصة ما قدمه الروائيون العرب، خاصة أصحاب الخبرة و ضمنهم الأقلام الجديدة، ومن خلالها يمكن للنقد رصد هذه الملامح وتلك التحولات، ومن الغرابة أن هذه التحولات الفنية الروائية جاءت من خلال أولاً الكتابة اللاقصدية، وثانياً التداول والمشابهة القصدية، ويمكننا أن نؤكد إن العنصر الأول أكثر تحكماً في هذا المنتج بعيداً عن" الميتافكشن" الذي يعد النقاد أكثر تمثلاً لنزعة أو وظيفة الخروج على حدود السرد، والتخلي عن تقاليد الواقعية بإنشاء تعارض بين المُتخيّل والسرد، وخلق تضاد بين الوهم والواقع عن طريق بناء وهم قصصي- روائي، ثم الكشف عن هذا الوهم، أو ما يحاول بعضهم طرحه تحت مسمى" السرد المفتون بذاته"، وهو خلق حالة من التداخل والتشابك الروائي بين رواية وأخرى،داخل الرواية الكبرى ومسرودها، وهو ما ذهبت إليه النظرية "البنائية" من خلال "التضمين"، منذ أراء " تودوروف" وحتى "الشكلانيين" الجدد وحركة وتوجهات ما بعد الحداثة التي لم تأتِ- من خلال المصطلح- بما هو جديد فيه. هاتان المحاولتان، ما هو تلقائي، عفوي، بارع، يحاول أن يشكل ذاته بذاته، مقابل، ما هو قصدي، تقليدي، عبر تتبع النص الأقدم في مشابهة لا تقدم جديداً بل هو سقوط في المماثلة والتكيف الذاتي، باتجاه العمل بذاته، هنا كان لـ(د. سلمان كاصد) أن يبحث لا عن هذه المشابهة أو اللامشابهة، بل ذهب نحو العناصر المشتركة التي يرى أنها تربط هذه الأعمال الروائية مع بعضها، ونقصد بالمشابهة المتغايرة، بصورته الأدق، أي البحث عن جواب لسؤال مهم هو: ما الذي يجمع هذه الأعمال الروائية العربية مع بعضها، بالرغم من أنها نتاج بيئات وملامح، وقيم اجتماعية- تاريخية قد تكون متنافرة هنا وقارة هناك لحد ما، كما هي نتاج رؤى ومفاهيم وثقافات متعددة ومختلفة، بعيداً عن كونها " رواية عربية"؟.ولابد من طرح السؤال التالي: هل بدأت الرواية في العالم العربي تتجمع كجنس أدبي واحد غير متعدد، أي ما ينطبق على الروائي المصري من مفاهيم تحاكم المضمونية فيه، هي ذاتها المفاهيم والقوانين التي تحاكم المضمونية في الروية العراقية و الخليجية، السعودية والقطرية والإماراتية مثلاً، و المغاربية و اللبنانية والسورية، حسب الدراسات التي قدمها " د. سلمان" في كتابه ؟. نرى إن الجواب على هذا الأمر يكمن في القوانين التي بدأت تتشكل وتتشابه في العالم الروائي، كون الرواية العربية، بالذات، أخذت تتشكل وتتشابه لا في الأشكال الفنية فيها فقط، بل بالبنى الموضوعاتية فيها أساساً، ذلك ما نجده في " صنعة السرد" من خلال دراسات تناولت المنجز الروائي العربي بالنقد والتحليل في تونس ولبنان والمغرب ومصر وقطر والسعودية والأمارات وليبيا وفلسطين والعراق. "صنعة السرد" يقدم كشفاً نقدياً دؤباً لواقع الرواية العربية الراهنة ويذهب فيه د." كاصد" ، من خلال دراسات تطبيقية ومهاد نظرية متماسكة، إلى أن الرواية العربية، لم تجترح لنفسها شكلا جديداً بما قدمت من اطر تقليدية لأشكال مختلفة فيها، إذ بقيت موضوعاتها تدور في أشكال متشابهة، إلا ما عده في كتابه انجازاً جديداً، لكنه يقر بأنه قليل، حيث يرى إن البحث عن الهياكل المعمارية الروائية الجديدة العربية، يعد أمراً شاقاً، لكنه يستدرك في المقدمة بأن هذا لا يعني إن الأعمال الروائية التي لم يتناولها، لا تمتلك صدمتها،وميزتها، فربما العكس تماماً، فثمة روايات عربية صادمة النهايات، مفزعة الإيحاء والتصور والدلالة، غير إن كل ذلك يجري ضمن إطار الموضوعة لا الشكل الروائي المنجز.

 

صباح الأنباري: من صراع الطبقات إلى صراع الأضداد

saleh alrazukبعد مسرح الخيال العلمي والمسرحيات الصامتة دخل صباح الأنباري لمضمار المونودراما.

وإذا كانت لدي تحفظات جادة على اسم النوع، هذا لا يمنع أنه أصبح اسما معروفا له هويته ورواده مثل القصة الجديدة التي كتبها يوسف الصائغ أو الرواية الجديدة بالصيغة التي قدمتها لنا مارغريت دوراس.

فهذه الأشكال الأدبية هي مجرد تنويعات وإعادة ترتيب لعلاقة الزمان بالمكان بالشخصيات أو أشكال النوع.

ولكن بعيدا عن هذه المماحكات السخيفة تنقسم مونودرامات الأنباري لثلاثة أنواع:

التاريخية والتي أؤكد أنها لا تتعامل مع الماضي ولا الحاضر كمجموعة من الأحداث المتعاقبة التي تحمل شيئا من العظات والدروس (لو استعرنا من ابن خلدون عنوان مقدمته المشهورة) ولكن التي تعيد النظر بالمواقف والحالات النفسية وبصيغة الماضي. وكلنا يعلم مبررات ذلك في مجتمع عشوائي يعاني من غياب الوظيفة التربوية للفن واستبدالها بالبروباغاندا والرقابة.

وأعتقد أن استعمال التاريخ في هذه الحالة يخدم هدفين: الاختصار لأننا نشترك بهذه المعارف. فالمونودراما تحتاج مثل القصة القصيرة للتكثيف والإيجاز. ولإسقاط الأفكار بطريقة رموزية تضعنا خارج طائلة المحاسبة. ويمكن أن تجد دليلا على فوبيا السلطة في كتابات الأنباري عن محي الدين زنكنة، رفيقه في القلق والمعاناة وأستاذه في أصول التأليف والإخراج.

النوع الثاني هو المونودراما الاجتماعية. وتبدو لي وكأنها تشبه قصة من قصص الحداثة التي ظهرت للوجود لدينا ابتداء من عام 1960. أو ما أسميه بالعادة حزام الستينات (وهو مصطلح مراحل مشتق أصلا من تسميات تخص المكان). فبطل المسرحية يخبرنا عما يدور في رأسه (كما هو الحال في المونولوجات أو تيار الشعور) ويتبرع أيضا بإنارة ما لا نعرفه من تفاصيل وأحداث مجالها يتعدى خشبة المسرح.

ويمكن أن تجد حالات مماثلة عند كتاب لهم سوابق في القصة الطليعية أمثال كافكا (في مسرحيته اليتيمة: في مستعمرة العقوبات) ووليد إخلاصي في مجموعته ( سبعة أصوات خشنة) والتي لا يسميها مونودراما ولكن مجموعة مسرحيات من مشهد واحد.

وبهذا الخصوص يطيب لي أن أنوه أيضا بإضافات خالد الصاوي التي تقترب شيئا فشيئا من حدود النوع. فهو في كل كتاباته يخترع صيغة للمهادنة. وبتعبير آخر إنه يدخل في دائرة المتحولات الفنية (manipulated)، بحيث أن العلاقة بين البداية والنهاية هي الفجوة. وفي هذا الفراغ الغامض تتحول الكلمة إلى إشارة. وكأننا نعود بالفن القهقرى. من لغة التجريدات إلى لغة الصور. من المرموز إلى المادة التي تقف خلفه وتقدم له المعنى والحكمة والضرورة. وفي تاريخ المسرح الحديث تجربة فريدة من نوعها في هذا الخصوص هي (أدوار نسائية ) لداريو فو. والتي يتواطأ فيها على تجسيم النص على الخشبة الكاتب والممثل. ضمن إطار من كوميديا الموقف (كما ورد في المقدمة – ص 8)(1). فهي كوميديا تدخل تحت سياسة: شر الأمور ما يضحك. إنها مواقف تراجيدية تؤلم المشاهد وتدعوه للسخرية من ردود أفعال غروتسكية ( ص 8) يؤديها الممثل المضطرب بسبب العزلة والانكشاف. وربما ليس بالصدفة أن يعزف فو على نغمتين:

- السخرية من مشاهد حياة رتيبة ومتكررة لا يمكن ملاحظتها بالنشاط البصري ولكن بالتكهن والشك ( لأنها مجرد حياة متخيلة وتدور في الذهن والفراغ النفسي).

- والحوار بين ذكورة وأنوثة. ففكرة النص لـ "فو" أما الأداء فهو لزوجته رامية. وغالبا تستطيع أن تفترض أن الديالوج الضمني يضيف للنص حبكة غير مادية. ويمكنني هنا أن أتخيل رامية تمثل وفو يكتب. بنفس الطريقة التي أعاد بها فرويد تفسير مسرحية أوديب. لقد حولها من حبكة لأسطورة.

***

وهناك سوابق أخرى في التحويل. مثلا تحويل مسرحيات شكسبير إلى أفلام.

أو تحويل قصص غوغول لمونودراما. من ينسى تجربة الراحل فواز الساجر في الثمانينات في مسرحيته (يوميات مجنون) والتي أداها على المسرح الفنان أسعد فضة. وهنا أجد أن التواطؤ بين الكلام والحركة هو العرض المسرحي.

فقد اعتمد المخرج على استبدال النص بالأفكار المجردة. بينما أضاف الممثل لها الكلام والإشارة.

ويجب أن لا يغيب عن الذهن في هذه المناسبة اقتران كتابة هذا الشكل من المونودراما مع القصة التي لا تلتزم بالحبكة المعروفة وتقفز مباشرة بعد التمهيد الموجز إلى نقطة التنوير (أو الخاتمة المفتوحة على الاحتمالات من الداخل).

وأجد أن هذه هي فحوى النص المسرحي القصير عند صباح الأنباري. فهو يتألف من شريط مضغوط وأحداث قليلة مع تفاصيل عن النشاط النفسي والحياة الذهنية لبطل المسرحية.

ومن نافلة القول أن تخصيص المسرحية بفصل واحد وشخصية منفردة يأتي في إطار سياسة التهيئة التي وصلت للمنطقة في مطلع الستينات. وذلك ضمن استراتيجية التحول بالأفكار، من أسلوب الارتباط لأسلوب الاكتفاء. أو من الانتماء واليقظة إلى اللاإنتماء والانطواء على الذات والهموم الشخصية. ويكفي أن تقارن حجم القصة قبل الستينات بحجمها بعده. فقد كانت تتراوح بحدود ٥٠٠٠-٦٠٠٠ كلمة وأصبحت بين ١٠٠٠-٢٠٠٠ كلمة. وربما ترافق ذلك مع الاستعاضة عن التوسع الأفقي بالتوسع العمودي.

وبعبارة أوضح من استراتيجية تعدد الخيارات والانفتاح على طبيعة الذات الوطنية إلى استراتيجية الاكتفاء بالذات.

أما النوع الثالث والأخير فهو ما يسميه بالمونودراما التعاقبية. وتتألف المسرحية هنا من عدة أجزاء، كل جزء مشهد له علاقة بما قبله. بمعنى أن الشخصية تختلف. ولكن الأحداث تبقى كما هي.

عموما يعتقد الفنان فاروق صبري أن هناك ثلاثة خطوط متمايزة في التعاقب كما يلي:

1- ممثلان إثنان وحكاية واحدة.

2- ممثل واحد وحكايات مختلفة.

3- ممثلان كل منهما يتخصص بحكاية(2).

وفي كل ما سبق لا يوجد أكثر من مشهدين. أو حبكة يتخللها منعطف من النوع الذي تسميه البويطيقا (الحركة المرتدةreversal).

ولأنه حسب معرفتي لم يسبق لأحد أن كتب في هذا النوع ( بالأحرى تحت النوع) قبل الأنباري لا يمكنني توضيح فكرتي إلا بالمقارنة مع رواية (السفينة) لجبرا أو حتى مع رواية (الصخب والعنف) لفوكنر.

فهذا الأسلوب لا يبتعد كثيرا عن رواية الأصوات. باعتبار أن كل شخصية تدلي بدلوها لاستكمال صورة ما جرى فعلا.

لذلك إن الاختلاف يكون في المكان وليس في الشخصيات والأحداث. فالمونودراما تفترض دائما تحديد مساحة حركة الشخصيات لكنها لا تفرض قيدا على الفترة أو الحقبة.

وأنت دائما تجد الشخصيات في رواية الأصوات تضيء الحدث من خارجه إلى أن تكتمل الصورة.

وهو ما يفعله صباح الأنباري بالضبط. ولنضرب على ذلك مثالا بمونودراما (القاص والقناص) (3) والتي تتألف من لوحتين. في الأولى يتكلم القاص عن وجهة نظره عما يجري حوله، لا سيما الاضطرابات الدامية في مدينة لا يسميها، ويمكن أن تكون أية ميتروبول عالم ثالثي..

وفي الثانية يتكلم القناص، العكس النوعي للشخصية السابقة.

ومن نافلة القول أن نقول إن عنصر الدراما هنا مزدوج، أو أنه مركب. ويتحرك على محورين: عمودي يغطي الحالة النفسية لكل شخص على حدة، وأفقي يكشف عن التناقض في المصالح بين الشخصيات.

بتعبير آخر لكل شخصية صوت يلقي ضوءا على ما يجري من تطورات.

إنما لا يزال هناك فرق جوهري مع رواية الأصوات.

فالروايات، المذكورة سابقا، لا تستنزف الشخصية الواحدة. بمعنى أنها لا تجبرها على الإفضاء بكل ما لديها وتترك شيئا للتكهنات ولخيال القارئ.

ويجري تداول للأحداث وللشخصيات مع فراغات غامضة لا نعرف عنها شيئا. بينما لا تترك لنا مسرحيات الأنباري شيئا نفكر به. لأن الشخصيات تتعاون على إنارة الأحداث دون توسيع دائرتها.

وربما ليس الأنباري وحده في هذا المجال. فنجيب محفوظ في (المرايا) و(ميرامار) فعل ذلك. ولم يترك لقرائه أي لغز لينشغلوا به.

كانت شخصياته تكاملية وكل شخصية تتابع مع بنيتها النفسية أو نشاط الموضوع دون أي اهتمام بالذات، مع أنه هو المسؤول عن مجال العواطف والمشاعر وليس الحقائق فقط.

وهذا يتركنا أمام شخصيات مكشوفة ونمطية أو أمام حامل لمحمول.

بعبارة أخرى أمام شخصيات موظفة لتوضيح نفس الفكرة وليس لمضاعفتها.

ولا أعلم هل تحسب هذه الخصلة كصفة أو ميزة للأنباري ومحفوظ، وهل سيحاول الأنباري في المستقبل القريب الالتفاف حول هذه الظاهرة كما فعل نجيب محفوظ في أهم رواياته المتأخرة وهي نوفيلا ( العائش في الحقيقة) والتي تحول فيها أسلوب الأصوات لنوع من الإيقاع، بحيث كل صوت يعبر عن مشاهداته ويعرب عن انطباعاته في نفس الوقت، بمعنى أنه يرى ويشعر. وينشط على جهتين: المجال العام والفضاء النفسي الخاص.

إنه تحول من الأسلوب التعبيري للانطباعي. من المحاكاة لإعادة البناء. فكلنا يعلم أن الانطباعات لا تغني الأحداث ولكن تغني وجهات النظر. وهكذا يتحول النص من تراكم وقائع إلى توسيع شخصيات.

ولو تابعنا مع هذه الفكرة أرى أن التعاقبيات عند الأنباري ليست تعاقبيات بالضبط بل هي مسرحية تتألف من فصول، وكل فصل يفسر الذي سبقه. وبمزيد من التحديد يعاكسه، وكأنه يقدم لنا الأطروحة ثم نقيض الأطروحة وضمن برنامج يكشف عن جدلية الواقع أو جدل الأنماط.

ويكفي أن تنظر لبطل كل لوحة لتفهم ماذا أقصد: فالقاص يقابله عكسه النوعي وهو القناص. والقتيل في مسرحيته ( القتيل والقاتلة)** يقابله عكسه وهو القاتل. وحتى في (أسئلة الجلاد والضحية)*** نشاهد عدة صفوف من التقابلات، العاقل أمام غير العاقل، والسجين بحضرة السجان، وأخيرا الإنسان الضعيف المستسلم لأقداره بمواجهة الرعب الناجم عن آلة التعذيب، وبنفس الجو القوطي الأسود المشحون بالخوف والسادية الذي تجده في مسرحية كافكا (في مستعمرة العقوبات).

إن الفرق بين ما يكتبه وما يفترضه هو مثل الفرق بين رواية الأحداث ورواية الشخصيات. أو مثل الفرق بين القصص الواقعية وقصص التحليل النفسي.

غير أن مبدأ التعاقب ليس جامدا. وقد يتفرع عنه مونودراما تناوبية. بحيث يتألف العرض من عدة مشاهد يتناوب عليها ممثل وحكايته أو وجهة نظره.

ولايوجد في ذهني مثال جاهز من المسرح. ولكن أذكر رواية (الجنرال) لـ "ألان سيليتو". وهي إحدى رواياته المتأخرة التي كتبها بعد فترة تجفيف الينابيع أو نضوب المصادر. حينما تراجعت المشاكل الاجتماعية للطبقة العاملة إلى خلفية الشمهد وحلت محلها إشكاليات التحول والاستقرار. ومنها العجز والشيخوخة. ورهاب الموت. وعقد التثبيت والنكوص. مع مسائل وجودية هامة كالسعادة والدفء النفسي ودور الأسطورة في ترميم الواقع.

في هذه الرواية نجد حركتين على التناوب. تضيء إحداهما لتنطفئ الأخرى. الأولى تتابع الحياة النفسية لجنرال يقود كتيبة على الجبهة. والثانية تختص بمتاعب وهموم عازف بيانو في فرقة متنقلة.

إن مثل هذه البنية التي تنظر للفضاء الإنساني من زاوية صراع الغرائز الأساسية أو ديالكتيك الحب والموت، تبدو إعادة كتابة وتفسير للطقوس التموزية. وإلى حد ما إعادة قراءة لدورة الفصول في الطبيعة بعد اختزالها لفكرة الدراما: المبكي والمضحك أو الملهاة والمأساة.

وعلى ما أعتقد يعتمد الأنباري على إمكانيات الممثل. ويركز على الصوت والأداء. بمعنى أنه يبتعد ما أمكن عن الإكسسوارات والماكياجات كالأقنعة والأصبغة ويضع كامل ثقته في العنصر البشري أو الحامل لفكرة الدراما.

و إنه (كما قال بوريس سوتشكوف) بهذا الأسلوب هو ينظر للإنسان من فوق مشاكل عصره. ويفسر الأشخاص من ضمن الطابع التاريخي لفكرة المأساة دون الاهتمام بالدواعي ( ص 83). بمعنى أنه يفكك الحادثة ويحولها إلى ظاهرة.

وكما قال سوتشكوف أيضا في معرض حديثه عن تريسترام شاندي: إنه يؤكد على تصوره للعالم الذاتي لتصوير الفضاء الداخلي لشخصياته (ص 85). ففكرة المسرح عند الأنباري غالبا هي ترميز وإسقاط. أو أنها سوء تفاهم مع الظواهر الموضوعية. فهي تنظر للحياة من حيث هي فكرة مجردة أو إمكانيات.

وبصيغة أوضح يمكن القول: إن التناوب عنده يفيد تعميق المقارنة والتقابل بين لأساسيات حياتنا المعقدة والمتشابكة. مثلا إذا كان الحب غريزة تساعدنا على التطوير والبناء. يمكن أن يتحول في حالة التأجيل القسري لنوع من التخريب والموت البطيء والتدريجي. وهذا يكفل للمونودراما تداول المفهوم الواحد يأشكاله المتعاكسة. وهكذا لا يكون الإلغاء بالضد النوعي ولكن بالسياق والتفسير ووجهات النظر. وهو ما يسميه نجم والي باسم ديمقراطية النوع. ويقدم الأمثلة من عالم نجيب محفوظ الذي لا يروج لفكرته وإنما يكتفي بعرضها (سواء في القصة أو المسرح). وذلك من خلال أسلوبين لا يحيد عنهما: تعدد الأصوات. والخلود للصمت.

ومن خلال الكلام هو يعبر عن الضمير الحي لشعور الأمة. ولك بالصمت يحتج على القمع وفرض الرأي(6).

على أية حال إن الأسماء والتصنيفات لا علاقة لها بمعايير الجودة، وهذه المونودرامات الجديدة التي يقدمها الأنباري تغني تجربته المتميزة في الدراما والتي لا أشك لحظة أن أفضل شيء فيها هو جرأتها على خطوط العزل. فهو يقدم لنا فرضيات متعاكسة ومتحولة تبدل نظرتنا الجدانوفية السابقة عن صراع الطبقات إلى نظرة جدلية أوسع وهي صراع الأضداد.

 

..................

1- أدوار نسائية. داريو فو وفرانكا رامية. الترجمة عن الإنكليزية لرانية قاسم. دمشق. 2002.

2- مشروع المونودراما التعاقبية. فاروق صبري. موقع الفرجة الإلكتروني.

3- منشورة في جريدة العالم. أعداد 1068 و1069 . عام 2014.

4- قيد النشر. المصدر مراسلات شخصية.

5- منشورة في جريدة العالم أعداد 1074 و1075 و1076. أعداد عام 2014.

6- عن نجيب محفوظ مرة أخرى. جريدة المستقبل. الأحد 21 أيلول 2014 - العدد 5157 - صفحة 12.

كانون الثاني 2015

 

 

 

تجنيس السرد العجائبي

mustafa alghorafiمشكلة التجنيس: يطرح تجنيس النصوص إشكالا حقيقيا يرتفع إلى مستوى "المعضلة"، وقد عبر غير واحد من الدارسين عن هذه المشكلة التي تواجه المشتغلين بالأدب عامة وبنظريته خاصة، من هؤلاء جيرار جونيت الذي عرض لهذا الإشكال في كتابه "مدخل لجامع النص"، حيث انتهى من تقليب النظر في هذه المسألة إلى أنه بالرغم من الاجتهادات العديدة المطروحة داخل نظرية الأجناس، فإنه لا يوجد من بين هذه "الاجتهادات" موقف، في ترتيب الأنواع، "أكثر طبيعية" أو "مثالية" من غيره، ذلك صريح قوله:

"نرى أنه لا يوجد بشأن ترتيب الأنواع الأدبية موقف يكون في جوهره أكثر "طبيعية" أو أكثر "مثالية" من غيره، ولن يتوافر هذا الموقف إلا إذا أهملنا المعايير الأدبية نفسها كما كان يفعل القدماء ضمنيا بشأن الموقف الصيغي. لا يوجد مستوى "جنسي" يمكن اعتماده كأعلى "نظريا" من غيره، أو يمكن الوصول إليه بطريقة "استنباطية" أعلى من غيرها، فجميع الأنواع أو الأجناس الصغرى والأجناس الكبرى لا تعدو أن تكون طبقات تجريبية، وضعت بناء على معاينة المعطى التاريخي، وفي أقصى الحالات عن طريق التقدير الاستقرائي انطلاقا من المعطى نفسه؛ أي عن طريق حركة استنباطية قائمة هي نفسها على حركة أولية استقرائية وتحليلية أيضا. ولقد رأينا بوضوح هذه الحركة في الجداول (الحقيقية أو القابلة للوجود) التي وضعها أرسطو وفراي، حيث ساعد وجود خانة فارغة (السرد الهزلي، السرد العقلاني، المنفتح) على اكتشاف جنس كان بالإمكان ألا يدرك مثل المحاكاة الساخرة"[1].

من الواضح تماما أن نظرية الأنواع تصطدم في مباشرتها التجنيس بمعضلات عدة. وقد أثرت هذه "المعضلات" على كفاية الأنظمة المعتمدة في تجنيس نصوص الأدب، حيث تظهر المعضلة الحقيقية عندما يتصدى الدارس لتجميع أنواع ظهرت في حقب تاريخية مختلفة، إذ من الثابت المعلوم أن الأنواع تتغير من حقبة لأخرى تبعا لتغير الأنساق الاجتماعية والتاريخية التي تحف إنتاجها وتلقيها. وهو ما تفطن إليه توماشوفسكي وقرره بالقول: "لا يمكن إقامة أي تصنيف منطقي وصارم للأنواع. فالتمييز بينها هو دائما تمييز تاريخي، بمعنى أنه مبرر فقط خلال مدة زمنية معينة، فضلا على أن ذاك التمييز يصاغ في الوقت نفسه من ملامح متعددة، وملامح نوع يمكن أن تكون طبيعتها مختلفة كل الاختلاف عن طبيعة ملامح نوع آخر، في نفس الوقت تبقى تلك الملامح متساوقة فيما بينها نظرا لأن توزيعها لا يخضع إلا للقوانين الداخلية للتركيب الجمالي"[2]. لهذه الاعتبارات مجتمعة قرر ماري شافر أنه "من بين كل المجالات التي تخوض فيها النظرية الأدبية يعتبر مجال الأجناس، دون شك، واحدا من أشدها التباسا"[3].

ويمكن لهذا الالتباس الذي يطيف بمتصور الجنس الأدبي أن يرتد إلى عوامل ثلاثة أساس: يتصل الأول بالعلاقة الجدلية بين الجنس والنص؛ فإذا كان تجنيس النصوص إنما يتحقق بفحص الآثار الأدبية المفردة لاكتشاف قاعدة تشتغل عبر عدة نصوص[4]، فإن الأثر الفردي لا يتشكل إلا من خلال الشروط التي يحددها الجنس. وهو ما يجعل العلاقة بين النص والجنس علاقة جدلية تتجه فيها الحركة من الأثر إلى الجنس، ومن الجنس إلى الأثر، لأن تحديد الجنس رهين بالنص، وتشكل النص متوقف على الجنس.

وقد اعتبر الجنس الأدبي، تأسيسا على هذا الفهم، "أوامر دستورية تلزم الكاتب وهي بدورها تلتزم به في وقت واحد"[5]. إن العلاقة بين النص والجنس علاقة تلازمية لدرجة يمكن معها القول "إن كل وصف لنص هو وصف لجنس"[6].

ويتمثل العامل الثاني في نسبية المعايير، إذ ليس ثمة من اتفاق بين النقاد على المعايير التي ينبغي اعتمادها في تجنيس النصوص، كل ما اتفقوا عليه أن عملية التجنيس تقتضي وجود معيار يتشكل النص وفق قواعده، واستنادا إلى هذه القواعد تجري عملية تصنيف النصوص إلى أجناس وأنواع. أما العامل الثالث فيكمن في اختلاف وجهات النظر بين الدارسين حول متصور "الجنس الأدبي" نفسه، وهو ما تؤكده مقررات تودوروف عن التعقيدات التي تطيف بهذا المتصور مما يفضي إلى تباين الأنظار النقدية بصدده تبعا لتباين المرجعيات واختلاف زوايا النظر: "إن الأجناس توجد في مستويات متباينة من الكلية، وإن مضمون هذا المفهوم إنما يتحدد بوجهة النظر التي يقع عليها الاختيار"[7].

وقد ترتب عن التباس متصور الجنس الأدبي أن تعددت التحديدات التي تعاقبت على هذا المصطلح منذ أرسطو إلى يوم الناس هذا، نظرا لاختلاف المعايير المعتمدة في تجنيس النصوص وتصنيفها، ففي الوقت الذي نجد فيه البعض يعتمد "السمات المهيمنة" معيارا في التجنيس، نجد بعضا آخر يميل إلى اعتماد "الصيغ المضمونية".

     وإلى جانب هذه العوامل الثلاثة يمكن أن ينضاف عامل رابع، يتصل بما هو مقرر عند بعض الدارسين من أن النص الأدبي الحقيقي ليس يخضع لمقتضيات النوع خضوعا تاما، ولكنه يخوض على الدوام، صراعا لا يهدأ ضد متطلبات النوع وقواعده، في محاولة منه لتحقيق طموحه إلى "الخصوصية" و"الفرادة"، اللتين تختصانه بسمات فارقة تميزه من غيره من النصوص الأخرى التي يشترك معها في الارتقاء لنفس النوع. إن النص العظيم، من منظور هذا التصور، هو الذي ينجح في شق عصا الطاعة على متطلبات النوع ومقتضياته.

غير أنه مهما بدت مشكلة التجنيس شاقة ومعقدة فإنه بمكنتنا الانتهاء، مع ذلك، من خلال فحص التحديدات المختلفة التي تعاقبت على متصور "الجنس الأدبي" إلى معنى يجعل الجنس مرتبطا بوضع التقاليد التي تشكل أفق الانتظار عند المتلقي فترسم له طريقة استقبال النص. كما يرتبط بالتقاليد المتصلة بنوع الموضوعات والأساليب التي يمكن أن تتحقق داخل النص نفسه؛ بما يعني أن الجنس الأدبي مرتبط أساسا بترسيخ "تقاليد" معينة[8].

إن الإشكالية الأنواعية مرتدة في أصلها إلى هذه العلاقة الملتبسة التي تجمع بين النوع الأدبي والأثر الفردي، فما من شك في أن صاحب الأثر إنما ينتجه في تحاور وتفاعل مع آثار أخرى سابقة، إما أنه يحاكيها فينهج نهجها وينسج على منوالها أو يتمرد عليها فينتهك أسسها ومقوماتها. وعندما يستقبل القارئ هذا الأثر فإنما يستقبله وفق "أفق انتظار" معين أساسه جملة من القواعد مستخلصة من قراءات سابقة، تشكل – في مجملها- "تقاليد النوع". لهذه الاعتبارات كان من الصعب الدفاع عن الأطروحة التي ترى أن الأثر فردي وناتج إلهام شخصي من دون أن يدخل في علاقة مع آثار الماضي، ثم إن النص ليس مجرد نتاج تركيبة سابقة الوجود مكونة من الخصائص الأدبية المفترضة، ولكنه، إلى جانب ذلك، تحويل لهذه التركيبة[9].

إن خصوصية الأثر لا تحول دون تجنيسه، حيث إنماء الأثر إلى نوع بعينه ممكن – تبعا لمقترح تودوروف- عبر حركة ذهاب وإياب: من الأثر إلى النوع ومن النوع إلى الأثر. وهو ما يجعل كل وصف لنص وصفا لجنس[10].

إن دراسة الأنواع عمل متأرجح بين الممارسة التطبيقية التي تنطلق من النصوص، والعمل التصوري التجريدي الذي ينطلق من التنظير. ومن هنا رأى بعض الدارسين في النوع مرتبة وسطى بين النص والنمط، حيث "النمط هو النموذج والمثال الذي يختزن مجموعة من السمات الأسلوبية، والنوع هو المتصرف بطريقة أو بأخرى في تلك السمات. أما النص فهو المنجز أو المظهر الملموس للنمط والنوع"[11].

يرتد أصل المشكلة الأنواعية إلى علاقة النوع بالأثر: هل هي علاقة تدجين واحتواء أم صراع وتمرد؟

تكون العلاقة بين الأثر والنوع تدجينا واحتواء عندما ينزع الأثر إلى "الثبات"، وتكون تمردا وصراعا إذا نزع الأثر إلى "التحول". في حال الثبات يخضع المؤلف للنوع فينشئ أثره وفق مقتضيات النوع وتقاليده. ويكون استقباله – تبعا لذلك- وفق "السنن" التي ترسخت في ذهن القارئ من قراءات سابقة تخلق لديه "أفق انتظار" يتوافق وتقاليد النوع.

أما التحول فيظهر عندما ينزع الأثر إلى التحرر من قبضة النوع فيجاوز عامدا حدوده ويخرق قواعده وتقاليده. وتتميز خصيصة "التحول" هاته بأنها لا تتوافر في جميع النصوص، ولكنها وقف على نصوص بعينها تمثل في تاريخ الأدب نصوصا- معالم تنتهك المعايير وتتمرد على السنن الأدبية السائدة في عصرها بما يقود، في المحصلة، إلى توسيع النوع حيث "كل رائعة حقيقية تخرق قانون جنس مقرر زارعة بذلك البلبلة في أذهان النقاد الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى توسيع الجنس"[12].        

إذا كان ثبات النوع يقود إلى الإقرار بوجوده، فإن تحوله يساعد على تبين رحلة تشكل النوع وتطوره. وقد ذهب بعض الدارسين إلى أن هذه العلاقة المتقلبة بين النوع والأثر، تقتضي الانطلاق من مجموعة من النصوص المفردة للوصول إلى نمط النوع، الذي يشكل صيغة جامعة عليا يحددها كارل فيتور بأنها "تجريد [...] أو الرسم التصوري كما يكون، إن جاز القول، البنية الأساسية التي لا توجد إلا في شكل خصوصيات صافية؛ أي أجناسية الجنس"[13].

إن أجناسية الجنس، باصطلاح فيتور، لا ترتبط بأثر واحد يمكن اتخاذه أنموذجا لذلك النوع، ولكنها متعلقة باستقراء جملة من الآثار الفردية، لأنه "لايمكن لأي نسخة مفردة أن تكون نمط الجنس [...] إننا نحصل على نمط جنس أدبي معين بفضل دراسة جامعة لكل الآثار الفردية التي تنتمي إلى هذا الجنس"[14].

 

أنماط الخطاب:

إن الاهتمام بتجنيس الخطابات المختلفة ليس وليد الدراسات النقدية الحديثة كما يتبادر إلى الذهن لأول مرة. ولكنه يضرب بجذور عميقة في مختلف النظريات النقدية التي أنتجتها الإنسانية، حيث نجد الاهتمام بالتمييز بين أنماط الخطاب في أقدم نظرية نقدية معروفة لدينا، وهي النظرية الأرسطية. فقد حاول أرسطو في كتابه "فن الشعر" ـ كما هو معروف ـ أن يستخلص أنماط الخطاب الخاصة بالقول الشعري استنادا إلى مفهوم "المحاكاة" الذي يحيل إلى الطريقة التي يعكس بها الأدب الواقع، معتمدا العلاقة بينهما معيارا للتفريق بين أنواع الخطاب الثلاثة (الملحمة والمأساة والملهاة) ومن ثم الأنماط (الواقعي والتخييلي والتخيلي). لأن كل نوع يستدعي نمطا خاصا به.

في الفصل الثاني من "فن الشعر" يميز أرسطو بين الأعمال التخييلية استنادا إلى مستوى الشخصيات من حيث التسامي. فيرى أن الأبطال في الأعمال التخييلية قد يكونون "أفضل منا أو أسوأ أو مساوون لنا"([15]).

ففي المأساة يكون البطل أكبر من الواقع وأرفع من محيطه الطبيعي. ويكون نمط الخطاب هنا من طراز المحاكاة العليا. في حين يكون البطل في الملاحم مطابقا للواقع ومساو لنا. وتقتضي متطلبات النوع في هذه الحال أن يستجيب الشاعر لانتظارات متلقيه ولا يخرج عن قوانين الاحتمالات كما يتوقعها "الجمهور". وفي هذه الحال نكون أمام قصص واقعية من طراز المحاكاة الدنيا. أما الملهاة فتحاكي شخصيات دنيا في الواقع وهنا يكون الخطاب من النمط الساخر.

وقد تواترت هذه القسمة الثلاثية في معظم الدراسات التي عنيت بمسألة تمييز الخطابات من حيث الأنواع والصيغ والأنماط. يلتقي في ذلك نقاد الأدب والفلاسفة والأنثربولوجيون. ويبدو أن هذا التقسيم الثلاثي تميز بكفاية إجرائية عالية مكنته من أن يستوعب جميع الأنماط الخطابية التي أنتجتها الإنسانية للتعبير عن تجربتها في مختلف العصور والبيئات بدءا بالأنماط البسيطة الحاكية للتجارب الواقعية (اليومية) وانتهاء بالأنماط الأكثر تعقيدا الممثلة لتجارب فوق واقعية (أسطورية).

يستطيع الدارس أن يعثر على كثير من الدراسات الغربية التي تناولت قضية الأنماط الخطابية. وإن كانت جل هذه الدراسات تنطلق في دراسة الأنماط من زاوية نظر محددة تتمثل في تحديد "مفهوم الواقعية في الأدب". من هذه الدراسات مقال إيان واط "الواقعية والشكل الروائي" الذي خصصه لدراسة "الأدب الواقعي" كما تمثله أعمال زولا وبلزاك وفلوبير، في مقابل الأعمال السابقة عليهم (روايات القرون الوسطى تحديدا) التي تمثل النقيض (الأدب اللاواقعي). ولما كانت أطروحة إيان واط حول واقعية أو لاواقعية الرواية الفرنسية لا تدخل ضمن مقاصد هذه الدراسة المتوجهة أساسا إلى دراسة وفحص أنواع الخطاب وأنماطه في الثقافة العربية، فإننا سنقتصر في مقال واط على المفاهيم والتصورات التي لها علاقة بالغاية التي رسمناها لهذه الدراسة. يتعلق الأمر بالجزء الذي يقدم فيه واط العناصر التي تتحكم في واقعية الأدب حيث أجملها فيما يأتي:

1 ـ الشخصية: يعتمد واط الشخصية معيارا أساسا في تحديد نمط النص السردي من حيث "الواقع والتخييل". فالتفريق بين النص الواقعي والتخييلي يستند إلى "تفريد الشخصية"([16]) أي طريقة تمثيل شخصية ما([17])؛ فالمؤلف في الكتابة الواقعية يراعي قواعد "المنطق"([18]) في اختيار شخصية تنتمي إلى الواقع المألوف ومنحها اسما يأخذ بعين الاعتبار الطريقة التي يسمى بها الأفراد في الحياة العادية([19])، وتكون لها نفس الوظيفة في الحياة الاجتماعية([20]). أما أسماء الشخصيات في أشكال الأدب السابقة على الواقعية فلم تكن فيما ـ يقرر واط ـ تتعامل مع الشخصيات بصفتها كيانات مفردة كليا لأنها بدلا من أن تموضعها في سياق الحياة المعاصرة، فإنها كانت تفضل الأسماء التارخية أو الأسماء النمطية([21]) مقصية بذلك كل استحضار للحياة الواقعية أو المعاصرة([22]) "وعلى النقيض مما هو مألوف في الحياة اليومية لم تكن شخصيات التخييل تملك اسما عائليا وشخصيا في الوقت ذاته"([23]).

2 ـ الزمن: يعتبر واط الزمن:"القوة الموجهة لتاريخ الإنسان الفردي والجماعي"([24]).

ومن هنا اعتمده محددا في التفريق بين "الواقعي" و"التخييلي" تفريقا يصل حد القطيعة" بين النمطين ([25]). ففي الوقت الذي تستخدم فيه التقاليد الأدبية التخييلية قصصا لازمانية بصفتها مرآة لحقائق أخلاقية ثابتة، فإن زمن الرواية الواقعية يتميز بحبكته التي تتناول تجربة ماضية بصفتها سببا للحدث الحاضر([26]). كما أن الرواية الواقعية تتميز عن الأعمال التخييلية السابقة على الواقعية بإلحاحها على "السيرورة الزمنية"([27]). كما تتميز باهتمامها بتطور الشخصيات داخل مجرى الزمن([28]). إن الزمن مقوم أساس عند واط للتفريق بين نمطين من السرد: سرد واقعي مؤطر ضمن سيرورة زمنية وسرد تخييلي يتميز بأنه لا زمني.

3 ـ المكان: يتحدد المكان في ـ تصور واط ـ بوصفه الملازم الضروري للزمان([29]). ومن هنا اعتمده معيارا لتمييز السرد الواقعي من التخييلي. حيث الأول محكي يقع داخل محيط فيزيقي واقعي. في حين يتميز المكان في السرد التخييلي بسمات فوق واقعية (المدن السحرية...).

4 ـ الأسلوب: تتحدد الرواية الواقعية عند واط باعتبارها :"نقلا للحياة الواقعية. إنها "واقع مكتوب" كما قال فلوبير. ومن ثم كانت وظيفة اللغة في السرد ـ النقل الواقعي مرجعية([30]) تترفع عن توظيف اللغة توظيفا زخرفيا لتنقل الأحداث كما وقعت فعلا طامحة بذلك لأن تكون عرضا أصيلا لتجربة الأفراد الحقيقية([31]). وفي مقابل ذلك لا تنشغل التقاليد الأسلوبية السابقة على الواقعية (التخييلية) بالتطابق بين الكلمات والأشياء بقدر ما كانت تهتم بالجماليات الظاهرية التي يمكن لاستعمال البلاغة أن يضفيها على الوصف وعلى الحدث([32]).

هذه هي المقومات الأربعة التي يقترحها واط للتمييز بين الأنماط السردية، وإن كنا نلحظ أنه اقتصر على نمطين هما الواقعي والتخييلي. ولم يلتفت إلى أنماط سردية أخرى من قبيل السرد العجيب مثلا. ويرجع ذلك إلى انشغاله بتحديد مفهوم الواقعية في روايات أوروبا القرن التاسع عشر تحديدا.

تعرض رولان بارث لقضية الأنماط الخطابية في مقاله:"أثر الواقع" الذي خصصه لدراسة "الوصف الخارجي" عند فلوبير من خلال روايته الشهيرة:"مدام بوقاري". حيث خلص إلى أن الغاية الجمالية للوصف عند فلوبير ممتزجة بمقتضيات "واقعية" بسبب تقيدها بصحة المرجع. مما يجعل القيود الجمالية محكومة بقيود مرجعية([33]).

ويظهر الاهتمام بمسألة الأنماط عند ما يميز بارت بين "الواقعي" في علاقته "بالتاريخي" و "التخييلي" و "المشابه للواقع". حيث "الواقعي" يرتبط ـ فيما يقرر بارت ـ "بالتاريخي" لأنه "منذ العصور القديمة كان "الواقع" إلى جانب التاريخ"([34]) وهو ما يتعارض مع "المشابه للواقع" (نظام المحكي). "فالتاريخي" حقيقة موضوعية (صحة المرجع) أما "المشابه للواقع" فخاضع "لرأي الجمهور". ومن هنا لم يكن "المشابه للواقع" فهو المرجع الأساس في المحكى التاريخي الذي يفترض أنه يروي "ما حدث فعلا"([35]) وبذلك يتحول التاريخ إلى "محكي واقعي" يعيش إلى جانب المحكيات "المشابهة للواقع" التي تدخل عند بارت في "الأدب الواقعي" الذي يباين "الواقع" بسبب التعديل الذي يلحق الجزئيات" الناظمة للعمل السردي. فيتحول من "دليل تقرير" إلى "دليل إيحاء"([36]) فاقدا بذلك كثيرا من مصداقيته الواقعية دون أن يفقد القدرة على "الإيهام" بنقل الواقع ومطابقته. لأن "المحكي الأكثر واقعية... يتطور تبعا لطرق لا واقعية" وهو ما يسميه بارت "الوهم المرجعي"([37]).

يرتبط الواقعي ـ عند بارت ـ بالخطاب التاريخي الذي يحكي "ما حدث فعلا" وفي مقابله يضع "التخييلي" المتصل "بالأدب الواقعي" ويسميه "المشابه للواقع".

ويمكن اعتبار تودوروف من النقاد الذين فحصوا قضية تنميط الخطابات من منظور مختلف. وذلك في سياق محاولته "تجنيس العجائبي" والكشف عن قاعدة اشتغاله في كتابه "مدخل إلى الأدب العجائبي"[38].

يتحقق العمل الأدبي عند تودوروف ـ بين قطب الواقع وقطب الخيال، يمثل القطب الأول "القاعدة" أو "المعيار" ويمثل القطب الثاني "الخرق" أو "الإنزياح" ويتحدد "نمط" الخطاب حسب درجة القرب أو البعد من أحد القطبين. فإذا أمكن تفسير العمل استنادا إلى قوانين "الواقع" ومعايير "المألوف" يتم تأطيره ضمن "الخطاب الواقعي". وفي حالة ما إذا احتاج إلى قوانين جديدة غير قوانين الواقع لتفسيره فإنه يؤطر ضمن "الخطاب المتخيل".

من الواضح أن تودووف يهتم أساسا بالأنماط اللاواقعية، حيث العجائبي، عنده، مرتبط بلحظة "التردد" التي يشعر فيها القارئ وهو يواجه نصا ما أنه يواجه حدثا "فوق طبيعي" وغير خاضع لقوانين الطبيعة. وبعد لحظة التردد يتم تنميط الخطاب وفق "موقف القارئ". فإذا رأى أن قوانين الواقع تساعد على تفسير العمل الأدبي، فإنه يندرج ضمن "الغريب" وإذا رأى أنه يحتاج لتفسيره إلى نظام آخر غير النظام المألوف فإنه يندرج ضمن "العجيب". أما "العجائبي" فلا يحيا سوى في "لحظة التردد"؛ أي حيرة القارئ إزاء النظام الذي يحكم النص: المألوف (الواقعي) أم اللامألوف (المتخيل). ولذلك كانت عملية التجنيس (التفريق) بين أنماط الخطاب مرتبطة بالقارئ والشخصية عند خروجهما من "لحظة التردد"([39]).

يبدو تودوروف مهتما بتصنيف الأنماط غير الواقعية "فالغريب" ما قارب الواقع و "العجيب" ما ابتعد عنه. ولم يلتفت إلى الأنماط التي تطابق الواقع الذي تمثله المحكيات التاريخية لأنها أنماط لا تثير "التردد" أو "الحيرة" في تصنيفها مادامت تنقل الواقع "كما حدث فعلا".

 

السرد العجائبي ومعايير التجنيس:

يعتبر الزمن مكونا أساسا في كل عمل سردي. لأنه لا يمكن حكي "حدث" ما إلا بعد وقوعه، ولا يمكن لأي "حدث" بما أنه "فعل" أن يتجرد من الزمن أو يفلت من قبضته. فكل حدث واقع بالضرورة في "زمن" متنزل فيه ومؤطر ضمنه. ولذلك اعتبر الزمن معيارا ضابطا في التفريق بين الخطابات المؤطرة ضمن "فن السرد"، لأنه عنصر مساعد في مجال تمييز الخطابات من حيث الأنواع والصيغ والأنماط. فإذا كان السارد يهتم بتحقيق التواريخ (زمن الأحداث) وتدقيق أسماء الأعلام فإننا نكون أمام سرد "واقعي". أما إذا قدم السرد غفلا من المؤشرات الزمنية المحددة للحقبة التاريخية التي تتنزل فيها الحكاية، فإننا نكون أمام سرد تخييلي (غير واقعي). ومن ثم تتغير إستراتيجية تلقي النص السردي تبعا لتحولاته الأنواعية (نادرة – سيرة - حكاية - موعظة ...) وتجلياته النمطية (واقعي ـ تخييلي - تخيلي).

لكن معيار الزمن لا يكفي وحده لإضفاء سمة "الواقعية" على السرد، إذ نصادف في موروثنا النثري كثيرا من الأنواع السردية التي تعتمد في صوغها على المادة التاريخية أوتحاكيها على الأقل، حيث ترفق ببيانات محددة لأمكنة جغرافية حقيقية مع تعيين تواريخ محددة للوقائع والأحداث. وهي في حقيقة الأمر وقائع مختلقة من "وضع" القصاص والمحدثين الذين عرف عنهم الإغراب والإغراق في الخيال حتى تنفق بضاعتهم لدى العامة. ولذلك نرى أن التمييز بين أنماط الخطاب (الواقعي ـ التخييلي ـ التخيلي) ينبغي أن يرتهن إلى الأصول والمبادئ الآتية:

1 ـ طبيعة المادة السردية: يمكن اعتماد طبيعة المادة السردية من حيث الوقوع والاحتمال معيارا لتمييز السرد "الواقعي الخالص" (التاريخي) من "السرد التخييلي" و"التخيلي"، حيث الأحداث والوقائع تنتمي في النمط الأول إلى مجال التاريخ: "ما وقع فعلا" أي أن الحوادث قد جرت والمصائر تحددت. ويمكن الرجوع إلى المدونات والمظان التاريخية المعروفة للتثبت من الوقائع وتدقيق البيانات المتصلة بالشخصية والمكان والزمان.

إذا كان الواقعي يتميز بـ"الوقوع" لمطابقته حوادث وقعت فعلا، فإن التخييلي يتأطر في دائرة الاحتمال (الممكن الوقوع). لأن البعد التخييلي المناظر لهذا النمط من الخطاب يفرض على القارئ إرجاء قبول وقوعها ولو توافرت عدة مؤشرات (زمانية ومكانية) توكد وقوعها فعلا. لأن تلقيها يتم باعتبارها " تخييلا " (ممكن الوقوع) أو " تخيلا " (محتمل الوقوع ولكنه لم يقع بعد.)

2 ـ طبيعة المرجع: تفرض قواعد "الواقعي" أن تكون السرود ـ الوقائع المقدمة "متطابقة" مع الحقيقة التاريخية. ومن هنا كان "المرجع" في هذا النمط من السرد ماديا وملموسا يتيح التحقق من صحة الرواية إجمالا. والتفاصيل التي لا يمكن التأكد منها تكون مجهولة بالنسبة للتاريخ نفسه. أما المرجع في السرد التخييلي والتخيلي فيكون ملتبسا. لأن النص السردي قد يكون مزاوجة بين الواقع والخيال كما هي الحال في السرد التخييلي. وقد يكون خيالا صرفا كما هي الحال في السرد التخيلي.

من الواضح أنه لا يمكن التأكد من صحة الأحداث والوقائع في هذا النمط السردي حتى وإن وجدت مؤشرات تربط الوقائع المقدمة بالتاريخ. إذ تلقيها يتم باعتبارها داخلة في دائرة "الممكن" أو "المحتمل" الذي "لا يطابق" الواقع وإن كان يمتح مادته الحكائية من الخيال.

3 ـ ميثاق النوع: يعتبر الميثاق النوعي معيارا لتمييز أنماط الخطاب المختلفة. لأن مرجعية الخطاب وطبيعته من حيث الوقوع والاحتمال تحدد تبعا للواعد النوع الذي يكتب وفقه النص الأدبي، باعتباره المبدأ المنظم لقواعد التواصل بين منجز الخطاب ومتلقيه. وتمييز الأنماط في هذا المستوى يتم استنادا إلى "قانون الكتابة"؛ فالنمط الواقعي التاريخي يقوم على أساس "المطابقة" (مطابقة الواقع) فيما يقوم النمط التخييلي على أساس "المشابهة". والقارئ يتلقى كل نمط تبعا "للميثاق النوعي". ويمكننا التمثيل لذلك بالسيرة الشعبية التي تنبني على وقائع وشخصيات تاريخية معروفة (عنترة ـ سيف بن دي يزن ـ الظاهر بيبرس). وبالرغم من أن عمل راوي السيرة الشعبية، لاعتماده مادة تاريخية متداولة في تقديم السيرة الشعبية يشبه عمل المؤرخ التقليدي، فإن قارئها أو سامعها لا يتلقى وقائع السيرة الشعبية باعتبارها "تاريخا"، ولكنه يتلقاها باعتبارها "تخييلا". ولذلك فهو لا يتساءل عن صحة المرجع بقدر ما يعجب من براعة الخيال.

4 ـ الشخصية: تعتبر الشخصية مكونا أساسا في الأنواع السردية بصفة عامة، فهي أساس كل عمل سردي. فالشخصيات هي المنجزة للفعل، المضطلعة بالدور المفضي إلى الحدث. ونظرا للأهمية القصوى التي تكتسيها الشخصية في "السرد"، فقد حظيت بعناية النقاد والدارسين وخاصة المهتمين بالسرديات منهم الذين اتخذوا من "الشخصية" موضوعا للفحص. فنظروا لها من زوايا مختلفة، ودققوا أشكالها ووظائفها في أنواع سردية متباينة (القصة ـ الخرافة ـ الأسطورة...). وقد تنوعت النظرة إلى الشخصية ووظيفتها تبعا لتغير المرجعيات وزوايا النظر المعتمدة في كل دراسة على حدة. ولعل دراسة فيلب هامون: "سميولوجية الشخصيات الروائية" أن تكون أبرز الدراسات التي انشغلت بتحديد الأنماط السردية وفقا لأنماط الشخصية.

لقد قسم هامون الشخصية إلى مستويات ثلاثة: مدلول الشخصية ـ دال الشخصية ـ دليل الشخصية. وفي المستوى الأول قدم ثلاث صور للشخصية (مرجعية ـ إشارية ـ استذكارية). وسنقتصر من بين هذه الصور الثلاث للشخصية من تقسيم هامون على الصورة الأولى (الشخصية المرجعية) لأنها الوحيدة التي تتصل بموضوعنا وتخدم غرضنا، وإن كان هامون يشير إلى أنه لا توجد حدود فاصلة بين الصور الثلاث لكونها متداخلة. ويمكن للشخصية الواحدة أن تندرج ضمن الأنماط الثلاثة في نفس الوقت.

يمكننا من خلال استدعاء تصورات هامون والاستفادة من إشاراته تمييز مستويات ثلاثة في الشخصية هي (المرجعية ـ التخييلية ـ العجائبية)[40].

1 ـ الشخصية المرجعية (الواقعية): وهي الشخصيات المستندة إلى مرجع خارج ـ نصي (هو الواقع التاريخي المعروف) أو مرجع نصي كتابيا كان (المظان والمدونات التاريخية) أو شفاهيا (الأحداث والوقائع التي يتحصل عليها المؤلف عن طريق المشافهة). ويتميز هذا النمط من الشخصيات "بالاسم العلم" الذي ينهض بوظيفة "تفريد" الشخصية، بحيث يحيل الاسم العلم على شخصية واقعية واحدة ولا يمكن أن تكون متعددة. وهي الأسماء التي نصادفها باستمرار في كتب الأدب والشعر والتاريخ، من قبيل محمد الرسول (ص) والخلفاء مثل عمر بن الخطاب وهارون الرشيد، والشعراء (عنترة ـ أبو نواس...) والزهاد (رابعة العدوية - صالح بن عبد الجليل – الأوزاعي) أو ملوك العجم ( أردشير- أبرويز ). يتصل الأمر بأسماء مؤشرة على أعلام وشخصيات يتم استدعاؤها من التاريخ العربي والإسلامي والإنساني.

2 ـ شخصيات تخييلية: وهي شخصيات "مشابهة للواقع" . ومن هنا تلتقي مع الشخصية المرجعية لكنها تختلف عنها في أنها لا تحمل ملامح خاصة بها، تميزها عن غيرها وتعمل بالتالي على "تفريدها". فهي وإن كانت تحمل ملامح واقعية تقربها من الشخصية المرجعية. لكن هذه الملامح لا تتصل بـ"المفرد" بقدر ما تتصل بـ"المتشابه" و"المتعدد" الذي يختلقه المؤلف أو الراوي لمقاصد سردية محض. مثل الفارس، والخليفة، واللص، والمحتال ... وغيرها من الشخصيات التي نستطيع أن نصادفها في الواقع من دون أن تحمل ملامح متميزة. إنها "نسخ متعددة" تمثل "أنماطا إنسانية". ولذلك لا تختص في الغالب "باسم علم". وإن وجدت فإننا لا نعثر عليها في كتب التاريخ. إنها من "إبداع" المؤلف و" اختلاقه" فيتعامل معها، لذلك، بالكثير من "الحرية" التي لا يتيحها له التعامل مع "الشخصيات الواقعية". ومن ثم لا يتقيد "بالبيانات التاريخية" كما هو الأمر بالنسبة للشخصية الواقعية، فلا يتحرج، في هذه الحالة،   من المبالغة والتزيد والاختلاق لأنه غير معني "بمطابقة الواقع" فما يهمه هو "براعة الخيال".

3 ـ الشخصية العجائبية: ويتميز هذا النمط من الشخصية عن النمطين السابقين بكونه مفارقا للواقع والمألوف مفارقة تامة. وتنبع هذه "المفارقة" المولدة لسمة "العجائبية" من طبيعة التكوين الذاتي للشخصية وطريقة تشكيلها المخالفة تماما لواقع التجربة الإنسانية. ولذلك فهي لا تمتح مرجعيتها من "الواقعي" ولكن من "الثقافي". إنها تقطع مع الواقع لتؤسس واقعا متخيلا محضا. ومن الشخصيات "العجائبية" التي تفنن السارد العربي في وصف عالمها "العجيب" الجن والسحرة والأولياء والممسوخات.

وقد ينطلق المؤلف من شخصية لها "مرجعية" نصية فيقوم باستدعائها من بطون المصنفات الدينية والأدبية والتاريخية، أو كتب الرحلات لإنتاج "سرد عجيب" وهو ما يفضي إلى تداخل الشخصيات المرجعية مع الشخصيات العجائيبة على نحو ما نجد في السير الشعبية التي تجمع بين شخصيات تاريخية واقعية وأخرى أسطورية خارقة.

ترتهن نمطية الخطاب ـ شأنها في ذلك شأن أنواعيته ـ إلى الطرائق الخاصة التي تعتمد في حكيه وسرده. فمثلما تتعدد أنواع القول تبعا لتعدد استراتيجيات الإرسال وتنوع شرائط الاستقبال. فيتلبس الخطاب الواحد أنواعا عديدة وفق الطريقة التي تعتمد في حكيه والاستراتيجية التي تجتبى لتصريفه وتحقيق مقاصده. فيكون "نادرة" في الخطاب المنصرف للتفكه، و"موعظة" في الخطاب المنصرف للتدبر. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن النمطية، فالسرود تتوزع إلى أنماط حسب التجليات الخطابية التي تعتمد لتصريفها والمقاصد التي يصدر عنها منجزوها فيما يتصل بالصحة والصدق. فالمادة السردية الواحدة (الحدث) تتوزع إلى أنماط حسب طريقة حكيها ومقاصد نقلها. فقد تقدم في خطاب يعتمد قدرا كبيرا من التدقيق في طبيعة المروي ومدى مطابقته للواقع استنادا إلى الطرائق المعتمدة في التثبت من صحة المرويات وفي هذه الحال نكون أمام واحد من أنماط السرد هو السرد الواقعي المستند إلى وقائع تاريخية حقيقية.

وقد تقدم نفس المادة السردية في خطاب لا يلتزم بالوقائع الحقيقية ولا بمطابقته للواقع مما يجعلنا أمام سرد تخييلي لا يتقيد منجزه بمعيار "الما صدق" في الحكاية. ولذلك يقدم سردا تمتزج فيه وقائع حقيقية وأخرى خيالية.

وقد يقدم خطاب آخر نفس المادة السردية بطريقة تحافظ على بعض تفاصيلها لكنها تضيف إليها كثيرا من الوقائع المختلقة التي تجعل منها خطابا منتميا إلى فضاء متخيل لا يخضع لقوانين الطبيعة ولا يراعي منطق الواقع فنكون في هذه الحال أمام نمط سردي مختلف هو السرد العجائبي.

 

الدكتور مصطفى الغرافي

باحث من المغرب

..................

[1] - جيرار جونيت: مدخل لجامع النص، ترجمة: عبد الرحمان أيوب، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط 1، 1985، ص: 76.

[2] - توماشو فسكي: "نظرية الأغراض" ضمن "نظرية المنهج الشكلي"، نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، 1982، ص: 217.

[3] جان ماري شافر: من النص إلى الجنس ضمن "نظرية الأجناس الأدبية"، تعريب عبد العزيز شبيل، مراجعة حمادي صمود، كتاب النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط 1، 1994، ص: 130.

[4] - تزيفتان تودوروف، مدخل الى الأدب العجائبي، تر. الصديق بوعلام، دار الكلام- الرباط . ط1- 1993ص: 27.

[5] - رينيه ويليك وأوستن وارين: نظرية الأدب، ترجمة: محيي الدين صبحي، مراجعة حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987، ص: 236.

[6] - تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي، ص: 31.

[7] - نفسه، ص: 29.

[8] ـ تقاليد النوع عند تودوروف عبارة عن "قاعدة تشتغل عبر عدة نصوص" ـ مدخل إلى الأدب العجائبي، ص: 27. وعند رينيه وليك "تقاليد استطيقية في الأساليب والمواضيع"- مفاهيم نقدية، تر. محمد عصفور، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع. 110 ـ 1987، ص: 311. وعند فانسون "صيغ فنية عامة لها مميزاتها وقوانينها الخاصة وهي تحتوي على فصول أو مجموعات ينتظم خلالها الإنتاج الفكري على ما فيها من اختلاف وتعقد" ـ نظرية الأنواع الأدبية. تر. حسن عون، منشأة المعارف ـ الإسكندرية، (د.ت)، ص: 31.

[9] - نفسه ص: 30.

[10] - نفسه، ص: 31.

[11] - رشيد يحياوي: مقدمة في نظرية الأنواع الأدبية، ، إفريقيا الشرق، ط 2، 1994 ص: 8.

[12] - القولة لعالم الجمال الإيطالي كروتشه وردت في "أدب العصور الوسطى ونظرية الأجناس" ضمن نظرية الأجناس الأدبية، ترجمة: عبد العزيز شبيل، ص: 54. . وقد سخر كروتشه من هذا الإجراء الذي يعتبره قصورا في نظرية الأنواع التي يعتبر من أبرز مناهضيها. يقول في كتابه "المجمل في فلسفة الفن"(ص: 82): "ما من أحد يجهل أن التاريخ الأدبي مملوء بالحالات التي يخرج فيها فنان عبقري على نوع من الأنواع الفنية المقررة، فيثير انتقاد النقاد، ثم لا يستطيع هذا الانتقاد أن يطفئ إعجاب الناس بهذا الأثر العبقري، ولا أن يحد من ذيوعه، فما يسع الحريصين على نظرية الأنواع إلا أن يعمدوا إلى شئ من التساهل، فيوسعوا نطاق النوع أو يقبلوا إلى جانبه نوعا جديدا، كما يقبل ولد غير شرعي، ويظل هذا النطاق قائما إلى أن يأتي أثر عبقري جديد، فيحطم القيود ويقلب القواعد".

[13] - كارل فيتور: تاريخ الأجناس الأدبية ضمن نظرية ألجناس الأدبية، ص: 33.

[14] - نفسه، ص: 32.

[15] ـ أرسطو ، فن الشعر تر. عبد الرحمن بدوي، ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقق نصوصه، عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة – بيروت 1973.ص: 8.

[16] ـ إبان واط، الواقعية والشكل الروائي، ضمن كتاب الآداب والواقع، ترجمة عبد الجليل الأزدي، محمد معتصم، تنميل للطباعة والنشر، ط 1- 1992، ص: 19.

[17] ـ نفسه، ص: 19.

[18]ـ نفسه، ص: 19.

[19]ـ نفسه، ص: 19.

[20]ـ نفسه، ص: 19.

[21]ـ نفسه، ص: 19.

[22]ـ نفسه، ص: 20.

[23]ـ نفسه، ص: 20.

[24]ـ نفسه، ص: 20.

[25]ـ نفسه، ص: 20.

[26]ـ نفسه، ص: 23.                                                                      

[27] ـ نفسه، ص: 23.

[28] ـ نفسه، ص: 23.

[29] ـ نفسه، ص: 27.

[30] ـ نفسه، ص: 31.

[31] ـ نفسه، ص: 28.

[32] ـ نفسه، ص: 29.

[33] ـ رولان بارت ، أثر الواقع ضمن كتاب الآداب والواقع، ترجمة عبد الجليل الأزدي، محمد معتصم، تنميل للطباعة والنشر، ط 1- 1992، ، ص: 41.

[34]ـ نفسه، ، ص: 42.

[35]ـ نفسه، ص: 42.

[36]ـ نفسه، ص: 44.

[37]ـ نفسه، ص: 43.

[38] - تزيفطان تودوروف، مدخل الى الأدب العجائبي، تر. الصديق بوعلام، دار الكلام- الرباط . ط1- 1993

[39]ـ يعتبر تودوروف العجيب والغريب جنسيين خطابيين.

[40]- فيليب هامون ، سميولوجية الشخصيات الروائية تر. سعيد بنكراد ، دار الكلام – الرباط – 1990 ص : 24

ملامح الرسالية الادبية ..علاء الاديب وكريم عبد الله نموذجا

تمهيد: كان ولا يزال وسيقبى الاديب العراقي بحرا يفيض بالرسالية والمعاني الانسانية، حتى انه يمكننا القول ان تلك الرسالية امر ملازم لشخصية الاديب العراقي، وكأن طينته المعجونة بتلك الرسالية. وهذا طبيعي للعراقي، فالعراق قد اعطى الانسانية الكثير والكثير وخط على لوحة الزمن ابرع الصور واكثرها رقيا ، وله بصماته المؤثرة ليس على الوجود العربي والاسلامي فقط بل على الانسانية واهل الارض جمعاء.

من المحزن ان يتعرض هكذا بلد نبيل ومعطاء الى فصل ظالم ومظلم طويل يمتد قرابة نصف قرن من التدمير المستمر الممنهج والوحشي، وكأن العالم ليس له شعل الا تحطيم هذا الصرح الشامخ . ان العالم المعاصر يتحمل المسؤولية كاملة عما طال ويطال العراق والعراقيين من اذى،و لم يتحمل مسؤوليته الواجبة عليه تجاه العراق .

هذا الالم العميق الذي بلغ المدى في الجرح العراقي لم يترك مساحة للابتسامة على شفاه العراقيين ولم يترك لهم باحة من البهجة، ليس هنا سوى فصل رهيب من الموت والدمار،

العراق اليوم يغرق في الموت والدمار والانسانية لا تجيد الا زيادة المه و اللعب على جراحه لأجل مصالح وقتية .

 

الرسالية الادبية

ما عادت في ظل هذا التغير الكبير الحاصل في وعي الانسانية والاتجاه نحو التشبث بالانتماء والاعتداد بالهوية في قبال رياح العولمة الثقافية، ما عادت فكرة الفن الرومانسي والبوح الذاتي امرا يجلب الحماس، بل ما نراه من اتجاه نحو تمثل الواقع والامة هو الذي يسلب مراكز الاولوية في الثقافة والادب المعاصر . هكذا تغير في فهم الفن والجمال لا يعني انه ينطلق من فهم تعبوي للعمل الابداعي، بل يمثل وعيا عميقا بحقيقة الابداع عموما والكتابة خصوصا، فأخذت الرسالية والقضية والموقف تحتل مكانة متميزة في الكتابات المعاصرة . من هنا امكننا القول وكما اشرنا كثيرا الى دخول التجلي الرسالي في نظام الابداع، و اعتبارها ركنا من اركانه .

الرسالية الابداعية اما ان تكون جمالية تتمثل بالابتكار والتطوير او جماهيرية تتمثل بتمثل الامة والانسانية، ومقدار التمثل والوعي به وتجليه يحقق درجة متقدمة في جانب من جوانب الابداع . تمثل تطلعات الامة والمها هو الرسالية الوطنية .

 

الرسالية الوطنية

رغم ان النقد الثقافي لا يقدم حلا حقيقا لفهم الابداع، الا انه يشير وبصدق الى تأثر الكتابة بالوعي الانتمائي والفكر المجتمعي العام، ولا يعني ذلك جواز فهم النص على انه انعكاس لثقافة المجتمع او موطنا لانساق ثقافية، وانما يعني ان تمثل ما ينتمي اليه الكاتب من ثقافة وامة يضرب عميقا في وعيه وكتابته، وربما يكون احيانا الجوهر المشع الذي تشكل بفعله النص او ادب الكاتب كله . ان الحساسية العالية والرؤية الواضحة والتطلع نحو الافضل المترسخ في نفسية الاديب تدفعه وبقوة الى ان يكون صوتا صادقا في التعبير عن الامة، في ظل الحرية الفكرية طبعا، ويصبح حقيقة لا لبس فيها لأجل تبين ملامح المجتمع الذي يعيش فيه . ان الشعر كان ولا يزال صوت اعتراض وطلب للخلاص، انه تمجيد للحرية السامية والوجود الافضل، ما عاد الفن عموما والادب خصوصا مكان ترفيه وتعبير وجداني بسيط، انما هو في كل جهاته رؤية وموقف ونداء، انه نداء صادق وخالد ، وحينما يمتزج هذا الصوت بحلم الامة ويتمثل تطلعاتها فانه يكون رسالة شفيفة الى العالم والاجيال .

 

الملامح الفنية للرسالية الوطنية في الادب

من المهم التاكيد ان الرسالية تتطلب بوحا، بمعنى اخر تتطلب توصيلا، ولا يعني ذلك ان يكون التعبير بتراكيب لغوية مباشرة بحجة البوح والتوصيل، وانما يمكن ذلك بالتعبير الفني العالي، وهذا سر اللغة القوية التي تبوح بالكثير مع الفنية الادبية العالية، البوح التوصيلي كما يمكن بالتعبيرية العالية ، يمكن ايضا بالرمز والايحاء بل ان من تجليات اللغة البوح الايحائي، كما ان الخيال ميدان خصب للبوح الرسالي .

ان الرسالية الوطنية الادبية يمكن ان تتنوع بتنوع الاجناس الادبية واصناف اللغات الفنية، وبتنوع الموروث الاجتماعي والابعاد الحضارية والثقافية للمجتمع، لذلك يمكننا القول اننا في مجال (الرسالية الوطنية الادبية) لدينا عدد هائل بل غير محدود من الاشكال اللغوية، يمكن تصورها اجمالا بشكل انظمة مركبة تصنف حسب جنس الكتابة من شعر وقصة ونحوهما او حسب صنف اللغة من مباشرة ورمزية وغير ذلك او حسب المكونات الاجتماعية الفكرية والثقافية والمادية .

 

الرسالية الوطنية الادبية باللغة التعبيرية

نجد من بين الدر العراقي المنثور في ذلك الفضاء الفسيح فارسا تعبيريا يسطر ملحمة التغني بصفات هذا البلد الرفيع فيقول صاحب الكلمات العميقة واللغة التعبيرية علاء الاديب (عراقي انا اسمر \ومنذ ولادة التأريخ لم أقهر \ولم أكسر \دمائي بحر اطياب \وانفاسي شذا عنبر \وقلبي فيه متسع \لكلّ الناس بل أكثر)

العراق هو، انه الاسمر، هنا تتوهج التعبيرية في تقديم الانتماء وتاخير المتكلم (عراقي انا) ثم يردفه بصفة متجذرة في هذا الشعب انه اسمر، انه اسمر حد النخاع الذي وجد التاريخ وهو اب التاريخ وامه، ابدا لم ولن يقهر، انه وريث جلجامش وحمورابي، انه الذي لا يكسر، انه مصنوع من الطيب دمه وطينته، انه ابن دجلة الفرات العظيمين ، بل وجوده كله طيب، كجنائن بابل المعلقة ، لن تجد فيه شيئا من الرائحة غير العنبر ، انه مدينة رحبة محبة يسع الجميع، هنا تتجلى صورة الكرم الرفيع والعطف الرفيع والطيبة الرفيعة التي يتصف بها العراقيون ، وفي بيت له ايضا (قف للعراق تحيّة وسلاما ......كاد العراق بأن يكون إماما ) فيبلغ اقصى درجات التغني والتمجيد انه انتماء بلا حدود انه الذوبان الاسر حد التلاشي، انه زهو وفخر له ما يبرره ويدعو له .

 

الرسالية الوطنية الادبية باللغة التجريدية

نجد فارسا وطنيا اخر الا انه بلغة اخرى، انها اللغة التجريدية يبوح بلغته العالية، انه كريم عبد الله، سيد الكتابة التجريدية المعاصرة بلا منازع، يقول (كلّما تعزفُ السماء برذاذِ الخذلان ../ أدخلُ في زجاجةِ الصقيع ../ مقروحٌ يساورني حلماً يتلصصُ .....\الأرضُ العانس تتلمسُ أجساداً تتسلّقُ واجهة الموت ../ عيونٌ زجاجيةٌ مِنْ خلفِ الصقيعِ ترنو ../ وقناصٌ أرعنٌ يتدفأُ بسيلِ رشقاتٍ على وجهِ التاريخ) انه يتمثل العراقي الذي مسه البرد، من نازح ومهجر وفاقد ومحزون ومتألم، انها ملحمة العراق الجريح المبكي، الم طويل، ومن هناك تعزف السماء اغنية هي فرحة راس السنة لغير العراقيين الا انها الم مر وصقيع حارق لهم، انه الصقيع السجن الذي لا فرار منه، اين يذهب العراقي الذي خذله كل شيء حتى البرد، لقد فقد العراقيون كل شيء يتوسدون الارض، فصاروا لوحة عظيمة للموت الكئيب، هنا نحن بعيوننا الجميلة البريئة الطفولية نتطلع للخلاص وهناك في الجانب الاخر لا شيء سوى الذئاب والاعداء والمفترسين، يقتنصون الخبز والخيرات لا شيء هناك في الجانب الاخر سوى المتفرج الوقح انه العالم القبيح .

 

قراءة فنية لمجموعة الطوفان في نوحه الاخير للشاعر ماجد مطرود

nema alsodaniبين الدال والمدلول مرجعية الواقع السريالي بين اللغة والنص البصري الشاعر ماجد مطرود أنموذجا

 

التوتر العاطفي بين البوح وغربة الروح ..

شاعر كتب المكان بطقوس الألم، بشاعرية مبلولة بالقلق والانفعالات ووجدانية روح مستلبة..

زوايا متعددة وكثيرة حملت خفايا هذه الصور الشعرية كأنّها حكايات مرت سريعا خطفت الحلم وراحت تنهال علينا باوجاع واقعية تمس شغاف القلب والوجدان. من الأهمية بمكان ان نقرء ونسمع أو نكتب ونحن ازاء مجموعة شعرية ليست سهلة حاورت الواقع بتفاصيله واوجاعه من خلال تناصاتها الشعرية المحكومة بالعلامات والرموز التاريخية التي لها حضورا فاعلا في ذاكرتنا الجمعية عبر ماهو مرئي وسمعي،اضافة لما يحمله واقعنا من تناقضات حادة ما بين اليأس والامل والنور والظلام .

مجموعة شعرية انتصرفيها الفضاء الجمالي وتمثّل باوسع ابوابه وبرزت فيها الشعرية بادق تفاصيلها اضافة الى الاختزال المحكوم بالتكثيف والتجريد مما منح انزياحا لغويا كبيرا وهبنا مساحة واسعة للتفكير والتأويل والسؤال .

أنّ نصوص هذه المجموعة الشعرية الصعبة للشاعر المنفي ماجد مطرود فيها من التوهج والاتقاد المثير الذي نتلمسه من خلال الاسئلة الصادمة في خطابه الشعري على مستوى المضمون الفكري والشكل الذي يبثه عبر عتباتٍ يمكن لنا ان نسميها (عتبات النص) التي تدخل في اطار الصراع (الدراماتيكي) المؤثر والذي نتحسسه في كل جملة شعرية او صورة رسمها بدقة متناهية وكأنه ينسج من خيوط ذهبية ملونة لذا نجد عند مدخل كل نص (عتبة) يكون فيها الزمن شاقولي لا حاضر فيه ولا ماض، كما ينبهنا هو في مقدمة المجموعة بان الاحداث متداخلة بريقها كلام الله وانطفاؤها هذا القلم ..

 

يونس والحوت وأسماك شتى وضفادع ثكلى واثار سنين

صالح لا صلح والناقة قد عقرت ورقاب قد نحرت وشخير وانين

 

 

حينما قال العرب قديما ان (الشعر شراب لذيذ لايعرف من اين يتكون وماهي عناصره)

من هنا اصبح لي توجسا خاصا بكيفية الدخول وطرق الباب والسماح لي بالتجول في معبد ومحراب الشاعر ماجد مطرود الذي انطبقت مقولة العرب انفة الذكر على مجمل نصوصه وكيفية التوقف عن حد عتباته لأرى لما في هذه النصوص من جمال وسحر وابداع،نصوص شعرية تضعنا أمام حالات من الدراسة في التحليل والتاويل والتخيل بعيدا عن المباشرة التي تسطح الاحساس وتلغي الرغبة في التناول !

ان حاصل العلاقات الداخلية للنص تعتمد في مجملها على اصول الايقاع الداخلي الذي يحققه من خلال الدلالات المشحونة بمعانٍ جديدة والمرتبطة اصلا بصياغته اللغوية التي هي عبارة عن سلسلة مترابطة من الحركات الصوتية للحرف والمقترنة ايضا بالجملة التي يقودها الفعل الحركي بطريقة سريالية والذي يقود في النهاية الى مرجعية واقعية شديدة الغرابة هي في الاصل سريالية منعكسة تماما من روحه وحياته والملاحظ ايضا ان الصورة الجديدة التي يخلقها لنا تاتي عبر همسات الانفعال وعبر صراخ الحروف وخلق مداليلا تتوهج بجدلية التصادم والتضاد لتتوضح لنا صور حسية تتموج بالعشق والحنين

يقول في نص ملحمة البمبرة نزيف بين تيمبكتو وبغداد:

المستقيم الوحيد تخلى عن سيئاته

فأتعبه التقطيع والترقيع

كقصيدةٍ ما جاذبتها القوافي

وما اغراها وترٌ او بديع

رأى متى ما نضجت،

تنضج في أكفّنا الأرطاب

وتخرخر الأنهار أصحابا يجيئون بالثمار

لا يشيخون، لا يولدون

أنّهم بداية البداية

 

انه التغريب والاغتراب والاستلاب في بقعة قصية جدا من العالم وبعيدة كل البعد عن ثقافته ومرجعيته لكن هناك قضية مشتركة احس بها وتوهج بها شعرا هي قضية الحرية والتحرر فيربط هذا الاحساس بخيط رفيع عليك ان تكون دقيقا لكي تستطيع ان تتعقبه انه يربط الضمير والمكان بما يتماهي بين نضال مدينتين هما بغداد وتيمبكتو فالبمبرة هي لغة الزنوج في دولة مالي بينما تيمبكتو هي المدينة العربية التي يناضل شعبها من اجل التحرر من الاستعمار المالي والبمبري اذن نحن امام قضية كبرى قد تمسّ ضمير كل انسان:

 

في المشهد ميزانٌ، بقارب أعرج

لا يدعو إلّأ لقيامة الأموات

الوجوه،كل الوجوه عواء في مقبرة

 

ليس افتراضا أضيع بين قلبي ومصباحي

ليس افتراضا للصحراء وجهان ضائعان

ليس افتراضا أرى رأسي بأنحناءاته الاخيرة

وليس افتراضا اقول ماذا فعلت بانفتاحي؟

 

هكذا هي النصوص اذن حين يتالق الحرف والفكر معا ويتوهج الالم حاملا نفسا انسانيا خلاقا

يبدو ان النصوص التي ابدع فيها الشاعر الى القمة كانت هي النتاج الحقيقي والانعكاس الواضح لتجربتة الذاتية من الناحية المكانية والاجتماعية والسياسية وان كان النص في النهاية مستقلا بذاته ككائن حي ومنفصلا تماما ويحمل في جوانياته الكثير من التساؤلات والتاويلات والتفسيرات :

 

الطير كان لي،

الريح،

لي مملكة إلهية

غير أني ما كنت إلهاً

لي مرّة قال:

قمْ

قلتُ أين؟

قال:

علمْ نبيّك الحيْران مهنته

وبما أني كنت بالامسِ ذاتهِ

قلت لا

واتكأتُ على فعل خماسيّ الحركات

انكسرتُ لكنني لم أمُتْ

 

تشخيص الفكرة عبر ايقونة الترميز والتشفير والتجريد

سريالية الواقع

الشاعر ماجد مطرود من خلال تجربته الشعرية هذه يبحث عن الاختلاف والتفرد من ناحية الفكرة ومن ناحية التركيبة اللغوية من اجل ان يشكل لنا لوحة فنية باهرة ربما في بعض الاحيان يصعب على القاريء العادي ان يفك رموزه اذا اعتمد في التفسير الطريقة الكلاسيكية اوالجاهزة لان ماجد مطرود لا يعطي فكرته جاهزة ولا يشكلها بطريقة متداولة اومطروقة انه يستفز القاري ويحيله الى مفكر او صانع جديد للنص انه يكتب بطريقة مختلفة من حيث التشخيص لايقونة اوفكرة ما تدخل ضمن التجريد والترميز وتحتاج قاريء لماح يعرف كيف يفكك ويسلط الضوء على نوافذ محددة في القراءة من اجل الوصول بها الى نهاية جميلة.

ببساطة شديدة ان ناره تحت الرماد فعليك ان تنفخ الرماد لكي تتلمس ناره لانه مشتعل في كل نصوصه بالشعر والجمال وهناك فرق كبير بين الاشتعال والاحتراق!

الشاعر ماجد مطرود شاعر مثير في شعريته ولغته في تشكيلاتها التجريدية تضيف طعما خاصا من الجمال والصور البصرية الجديدة! بالرغم من الحزن الشديد والسوداوية الا انها تمثل لنا قدرة جميلة وذائقة فنية نتحسسها ونتذوقها فالشاعر المبدع هو الخالق الحقيقي للغة مرصوصة في بنائها ومعبرة عن تجليات روحية في جسد النص وفي الذات الشاعرة:

ولاني زعيم الكواكب كلها

ولان عجلات المد والجزر خاصتي

رأيته محارة نسيت اسنانها في البحر

ولاني مشعّ ابدي

نظفت طاولتي من دنس الساعات

هياته

راقصته بنبل وحلم سعيد

حاصرته بهيبة الموسيقى

بشرف العروق

توّجته بكرم الورد

بصولجان البياض

وقلت للشمس

أخيتي

هيا رتّبيه

رائحة اكثر مجدا

همسا

لفوضويته الدارجة

 

ثم يقول :

الغروب فم الله

فلنصلي جميعا

صليت حتى انهار المسجد الاقصى

وكان الليل في يميني

وكنت ريحا

ولست براقا ...

 

النصوص في مجموعة الطوفان في نوحه الاخير بمجملها حققت جمالها باعتمادها على عناصر متعددة مكوِّنة لبنيتها التي اعتمدت الخط (الدراماتيكي) من حيث وتيرة الايقاع السردي والدلالة والعلاقة بين الدال والمدلول وكذلك المرجعية الواقعية المتماهية مع المرجعية الاصلية للشاعر وهي الواقع السريالي فيؤثر في المتلقي تأثيرا كبيرا .ان العلاقات الداخلية لروح النص وصراعات الشاعر الداخلية النفسية والاجتماعية كشاعر وانسان ومناضل ورحّال باحث عن حياة آمنة، بالاضافة الى مجموع الدلالات التي يتعامل بها ويشكلها كما أسلفنا وأشرنا اليها سابقا اعتمادها على الفعل وحركته والتناغمات الصوتية لتشكيل الحروف وغيرها وبالتالي تلقي بظلالها المؤثرة على القاريء .

وفي نص سوف لن تراني إلا حينما تقراني، نقرأ:

ما زلت وحدي

رغم انشطاراتي وأبعادي

باصقا شهوتي

فاتحا فما يشبه طعنة الغدر

صارخا انكيدو

أيها الجرحُ المؤجل

ايها الدمُ المسافرُ بلا اشرعةٍ

هل تتذكّرُ الغيم قبل الرحيل؟

أنه المطر النقي

صار فراتا يشربني

ولا أشربه!

 

للفرح مناسكه.. للحزن طقوسه

النص البصري

للحزن والسوداوية طقوس خاصة في هذه المجموعة الشعرية التي تحمل في طياتها تحولات درامية وجمالية متفردة في الصورة الشعرية انها نصوص شعرية حاورت الحياة واسقطت الواقع في تناصات تاريخية محملة بالرموز ومشحونة بالاشارات المغرقة بشعريتها وومضاتها التي تعتمد على عملية فتح النوافذ عبر نقاط ضوئية من الجمال في عملية التواصل المؤثرة على القاريء :

 

بسلة الورد ..

يطارد الذباب معتقدا ..

انه يغازل فراشاته الحالمة ..

 

ولان الشعر ولادة وصناعة ومعرفة فهو يستثمر الواقع الى اقصاه عبر تناصات حياتية تمس الذاكرة لان النص في الاصل لغة وصورة في الوعي واللاوعي تثير الصورة عبر تلميح شعري بنقطة مضيئة قادرة على تحفيز الذاكرة بتاريخها الشخصي :

 

توضأتْ بطفولةٍ تصلي منفايّ

وفي خرقة المدع، تبكي السندباد

ومن ألف قلب تنوح

بغداد ..

هل تتذكر الريح احلامها ؟

 

الشعر بكل الاحوال هو عملية صياغة فنية كما هو فن التصوير وعدسة ماجد مطرورد ليست الكاميرا انما اللغة بقلقها وانفعالاتها وجدانياتها تشكل صورا حسية نابعة من الروح نحو مسارات الوحدة الفنية لتكوين الصورة الداخلية للشاعر والذي من خلالها يثير مجموعة من المشاكسات للذات المستلبة والمتعبة التي انهكتها الحياة في تناوب الخسارات التي تسير بمراث ثقيل عبر نصوص متالقة انيقة ينعى بها الحلم المقتول في شجن صادق يلامس اللوعة ويذهب بنا بعيدا نحو الهم الكوني الذي يعبّر عن نبض الحياة والناس والارض والوجود لذلك نراه في الكثير من نصوص هذه المجموعة يعبر بنا حدود المدارات ويختزل المسافات بصور شعرية غاية في الصدق بين كلمة وصورة وحركة مؤثرا ومتاثرا، انه شاعر ينتمي للحلم ويرواد الاخرين في منطقة الحماسة المنطفئة والرجاء الخائب والامل المفقود الذي امتدّ الى اعماق العراق باعتباره منتسبا لهذه الارض بدءا من سومر وبابل مرورا بعشتار وكل الملاحم والاساطير كل هذا يشكل مملكة خاصة للشاعر ماجد مطرود فيها اسرار اللغة بسردها والشعر بموسيقاه وفيها اسرار لعبته الكتابية والاتقان البارع الذي يترجم احاسيسه ويدخلنا معه في عمق نصه وخيالاته المحلقة في اوسع الفضاءات ..

 

بلا خيارٍ تسلّقت جوادا يشبه العنقاء

ثمّ غيّبتُ روحي بشرفٍ

وقلتُ أنا الغائبُ الذي ابتكر الأنتظار

فأمّا الغيبتان

وأمّا الترتيل بنغمة الواقف على قبر أبيه

في الحالتين سأرى مدينة خارقة التذمر

وبلا ضجّة كهدوء الشجعان

ساميك المقامات بوجهين وأصلي

أصلي على مدى فراتين ونيّف

أصلي باتجاه قبلتين مشتعلتين

في فم إلهٍ كبير مدَّ بوزه

بأتجاه اللازم من الكلام ..

ان صناعة الشفرة والرموز في النص الشعري ليست عملية سهلة انما هي شاقة وحساسة جدا

قد تحبس الجملة في الانغلاق المبهم والتهويمات أوقد تكون حمالة لمعان متوالدة تضيف للنص

روعة في التركيب وخلقا للجمال ماجد مطرود بارع في هذا التشكيل كما يبدو لي ان هذا التشكيل هو الاقرب لحياته الشخصية لذلك نراه منسجما جدا مع نصه وكأنهما واحدة واحدة يشتركان في صناعة الشعر من اجل خلق نصٍ بصريٍّ وسمعيّ في آنٍ واحد .

فبصمته في الشعر واضحة كما هي جراحاته وعذاباته التي تتجلى ما بين سطوره التي تتنقل بنا

بين امكنة متعددة وبعيدة وكأنه راكبا بوصلة لا تخطيء من بغداد اقصى الشرق ثم الى افريقيا اقصى الغرب حتى حدود اوربا حاملا موروثه التاريخي موظفا الاسطورة والملحمة على مدار خطوط الطول والعرض راسما لنا الدمار القبيح باعلى درجاته سواءا كان في الصحراء اوفي الواحات في الكثبان المتحركة او خلف الاسوار ..

بعضّة لا توميء للحاضر

صرخت بوجهي

عِظني كي اقفز فوق البداية

وبحافريك الخرافيين

لا تضربْ عكّازي

عِظني ..

فنابك ظلّ يقطر ماءَ النار

حتى عضَّني في العظم والضاد

نزيفٌ / دمٌ / إلهٌ قديم

على مرّ العصور يصلي

قبلته بغداد

وقامته إله النار

يصعّر خديه بالحرب

والاوتاد

تنبثق روائح خاصة من هذه النصوص، روائح ليس لك الا ان تتعاطف معها وتتأثر بها

لان مساراتها متعددة وعميقة كأنها تمتد الى الاف السنين في ذاكرة طرية وامينة في نقل الوقائع والاحداث أستطيع ان اجزم هنا ان التجربة الشعرية لماجد مطرود تتأرجح بين ثنائيات متعددة

بين الافتراق والعناق أو بين اقتراب وابتعاد تجربة تعبر عن ثراء لغوي وخزين هائل

من المترادفات والمتناقضات كما تعبرعن الجمال بمعايير حسية خالصة وتعبر ايضا عن نقاء المفردة ومعناها المصنوع برشيته الخاصة منطلقا من خصائص وادراكات ومشاعرذاتية تتصارع لخلق شخصية شعرية كونية لها لغتها وتداعيات معانيها وافكارها ومفاهيمها تلك المفاهيم التي تحمل الجمال قيمة عليا لها ..

 

أن الادراك الذي يتمتع به الشاعر يجعله يهتم بالوعي ويشاكسه كما ان ثقافته الواسعة

تمنحه الخيال الجميل ليطير معه على اجنحة تحلق في فضاءات وعوالم تغيب عنها العين العادية

كما انه يمتلك ملكة البصر الداخلية والصوت الداخلي الذي يحمل في طياته خصائص يمتاز بها هو كالبحث عن مضمون غير مطروق او البحث عن تشكيلات جديدة او عن ومضات يسعى لارسالها

عبر الاثير لقاريء جيد متمكن،، وهذه حرفية عالية تحسب له :

 

حينما لمست جراحي باعوامها تركب الطوفان

رايتها تبيض من كل زوجين رصاصة

فوق كل رصاصة مدرسة

بدخانها تقلب اللغات والاطفال

باجراسها الحمراء تغسل الطبشور

ومعلم الكلام ..

 

 

أخيرا أقول ان عملية تكثيف فكرة بعث الاحساس من جديد، بعبارة اخرى ان عملية تجديد الاحساس

من خلال استفزازه المستمر واستنفاره المستمر مهم جدا للصورة الشعرية ومعبرا عنها

من اجل الامساك بالمتلقي الى النهاية وبشكل واقعي ومريح من خلال مشاركته بفلسفة الحياة الخاصة

به بما فيها من طقوس فرح وحزن، موت ولادة،حب وكراهية، لقاء وفراق .. الى اخره من ثنائيات وتضادات الحياة وفلسفتها تماما كما ما جاء هنا في هذه المجموعة الشعرية حيث تتلمس الماء والصحراء والنبتة والرمال والذبابة والعقرب والحياة والموت كل هذه المتضادات والثنائيات جاءت بمزاجية الشاعر وبروحه التي تتلامس وتتعايش مع هذه المفردات بكل زوايا الحياة المظلمة والمضيئة ..

بالاضافة الى هذا هناك تجد تقنية في المعمار وهندسة دقيقة في النص يتمتع بها كاتب هذه المجموعة ومؤشرها اتحاد العناصر الفنية كلها بقيمة جمالية تستحق الثناء خصوصا على مستوى التشبيهات والمجازات والاستعارات والشفرات والرموز التي نجح فيها الى حد كبيرالشاعر ماجد مطرود واستطاع ان يخلق لغة (تفقس) المعاني بعبارة اخرى ان اللغة التي تعامل بها لغة جديدة يمكن ان نسميها (لغة التفقيس) الخالقة لعوالم متعددة من المداليل التي ترفعنا عاليا في لحظة وفي لحظة اخرى تهبط بنا الى عالم سفلي وفي الحالتين هناك وظيفة استثنائية لخلق قيمة جمالية تفرض نفسها دائما:

 

في الساعة الخامسة والعشرين

في قرار،

لم تبلغه الدقائق

إنما الدموع

نزعتُ الروح عن جلدها

وأستعرتُ معطف الايام

بينما الاسلاك التي حوطت فجأة وجه المدينة ..

طالت وقفتها حتى نفد الزيت من يدي

وأنطفأ المصباح .

 

 

نعمة يوسف السوداني

بغداد .. هولندا

2015 .... January

 

بوح الوجع رواية الحب الذي لا ينتهي

657-munaصدر للرّوائي الجزائري "محمد الأمين بن ربيع" رواية جديدة بعنوان "بوح الوجع"، أتذكر جيّدا كيف كان لقائي بحروف هذه الرواية، كان لقاءا مليئا بالفضول لمعرفة ما تحمله هذه الحروف من أسرار !

قرأت ماجادت به قريحة الروائي من قصص جميلة تحمل ألم الحب، الفراق، الصراع للبقاء على دين الحب في عمق كل شخصية سكنت معمار الرواية، فكانت فصول الرواية تبقينا في هيئة التأهب المستمر لمعرفة ما سيكون مستقبلا عبر رسائل متنوعة؛ منها الرسائل الإذاعية ومنها الرسائل الهاتفية القصيرة المركزة التي لا تقبل التحليل البسيط أبدا، فقد اندمجت بنص الرواية بشكل يعكس تماما مدى قرب الرسائل من بنية النص الحكائية.

 

1- الفكرة / الفهم:

657-munaعالجت بوح الوجع موضوعا لا يمكن القول عنه أنه لم يُعالج من قبل، ولكنه يختلف تماما من حيث التجربة؛ فهي رواية تنقل أوجاع المحبين، أوجاع أناس كانوا ولا يزالون لحد الساعة يؤمنون بمقولة أرسطو: إن الحب الذي ينتهي ليس حبا حقيقيا. تستنطق الحدث الإنساني من أفواه الحقيقة، من معاناة عاشت بين جدران عازلة في موطن حزين اسمه القلب. فكان الموضوع الذي رسمت صورته هو الحب، فكانت معالجته معالجة عن قرب إذ نجد الروائي يقترب شيئا فشيئا أثناء بناء الشخصيات ليتمكن من السكن في عمق كل منها على حده بطريقة هادئة متماشية مع طبيعة اللغة الهادئة المعالم الملغمة الخبايا، هدوء يسبق العاصفة التي تنقلنا إلى مضمار أبعد: إنه التوجس من كلمات أصبحنا نحن من يسكنها؛ فالحروف التي بنت النص الروائي بطريقة بسيطة سطحيا ما تلبث حتى تسكن القارئ دون استئذان.هنا أصبح القارئ دون علمه أحد الشخصيات المحورية المحركة لقلب الحدث السردي، هو العاشق المتألم، هو المظلوم هو الظالم، هو الوحيد المتألم في العالم يكفكف الدمع الذي كان حصاد تجربة مؤلمة مع من يُحب.

أخبرنا "أفلاطون" إن حباً ينتهي ليس حبا لأن الحب شوق إلى الخلود، أجل يحدث أن تلامس تجربة أقرب الناس لنا شغاف القلب فنكون بذلك المتحدث الرسمي عن أكثر شيء جعلهم يدخلون الإنسانية من أوسع أبوابها، إلا أن عملية النقل لهي من أكبر التحديات التي لا يمكن لأي مبدع خوضها مهما كان رصيده واسعا على مستوى الخبرات الفنية، فالعاطفة من أكثر المواضيع التي لا يمكن التكهن بمدى صدقها ودرجة الانفعالية التي تصاحبها وحتى النتائج التي قد يصل إليها الإنسان جرّاء خوضه لتجربة الحياة كما أسميها؛ فهي توترات لأفق الإنسان هو ذاته لا يفقه مكمن تحركها، إنها كما يخبرنا عنها سقراط شوق النفس الإنسانية الملّح إلى الجمال الإلهي، نبع الحب الحقيقي الذي لا ينضب والذي لا غاية له إلا الحب.

 

2- الكتابة/ الحقيقة / الواقع:

تفصل بين الكتابة الفنية (الروائية) والحقيقة أي الواقع منطقة لا يمكن لأي قارئ استيعابها إلا إذا أدرك حقيقة فنية مفادها: إن الروائي قلم يريد رصد الحقيقة ويريد تحقيق معادلة المشاركة الفعّالة القريبة طبعا من النفس البشرية. لاجرم إذن لو قلنا إن وظيفة الكاتب تتعدى الوظيفة الفنية لتنتقل إلى الوظيفة الإنسانية، فكل إنسان في الحياة يتخير لنفسه نمطا مناوئا لغيره ليثبت مدى إنسانيته.

هكذا جرت الحال مع الروائي في مولوده السردي بوح الوجع، فكان قلمه ينتقل بين توترات وعواصف العواطف المختلفة لأناس حقيقيين جرى بناء الشخصيات الفنية على أساسهم ليكونوا بذلك المحركين الفاعلين في تمفصلات الحكي، فأضحت كل مقطوعة سردية تعبيرا عن حالة إنسانية لها خصوصيتها وكينونتها المستقرة في فلك الكتابة.

هل يمكن أن نؤكد مقولة الحقيقة الواقعية في ظل وجود الحقيقة الفنية؟

إن انتقال مشاعر القارئ نحو عيشه التجربة أثناء القراءة لهو أكبر دليل أن النص لم يعد حقيقة واقعية، بل نصا فنيا يحسبه كل قارئ نصه الذي تكتبه الحياة لا المبدع،هنا يكبر حيز الفنية والتلقي المتعلق بالإنسانية معا، ليجعل من الشخصيات المكتوبة على الورق نابضة بالحياة في قلب كل قارئ. من العجائبيات القرائية عند الإنسان الانتقال من قصة تُسيرها أحداث سردية إلى أحداث محايثة للحياة الزمنية القرائية. إذ تبلغ رغبة القارئ في عيش القصة برمتها ذات زمن فتكون العلاقة بين القارئ والنص الإبداعي وفق معادلة مفادها: وجود نص يحمل حمولة إنسانية اضافة إلى قارئ يُنتج لنا في آخر المطاف نصا حقيقيا آخر يعيش في قلب كل قارئ، هكذا كانت تسير تفاصيل الرواية داخل حياة القارئ.

 

3- تيمة الحب/ تيمة البقاء:

من دخل سر الحب لامس الحقيقة وعاين من خلالها الذات الإنسانية الأصيلة والنبيلة المرتبطة بما هو أبعد من الجسد والحواس، كما أنه أيقن إن الإنسان كتلة حب متحركة غاية وجودها الوحيدة هي الحب من أجل الحب، لأن الحب كما يراه أفلاطون وسيلة للخلاص.

هكذا كان الحب يسكن جدران الحكي داخل بوح الوجع، ذلك النص العميق الذي حاول بنجاح نقل جل التوترات العاطفية عن قرب.إذ القارئ للرواية يجد أمامه -من خلال الرواية طبعا- تخطيطا قلبيا فنيا يؤرخ لقصص جميلة ومؤلمة في ذات الوقت غايتها في الحياة أن تجعل الحب دينا ومنهجا ، حياة واقعية وشخوص من ورق وحروف من حبر تحمل التجربة من العمق إلى السطح لتسكن روح القارئ بكل قوة.

يحدث أن يكلمنا صديق قريب عن تجربته في الحب، ولكننا نعجز في أكثر المرات أمام نقل بوحه وشدة ألمه خاصة إذا تعلق الأمر بنقل التجربة للآخر/ صعب المراس والتقبل والمختلف من حيث الذوق والفهم، فالتحدي هنا يكمن في نقل معاناة الروح البشرية لروح بشرية أخرى تريد الحياة، ذات الحياة التي قتلت أحدهم ذات زمن.

الأمر جلل على قلم يريد البوح بوجع غير صريح، غير معروف المكامن، هنا يصبح نقل الألم مشاركته وعيشه قبل كتابته فلعنة الكتابة أكبر بكثير أمام البوح؛ لأن معالجة تيمة الحب داخل النص الروائي لم تعد معالجة عادية ضمن أحاديث بسيطة إنما أضحت ذات أبعاد فنية تريد أن تعيد للقصة التي أدهشت حساسية الكاتب الحياة من جديد لتستقر طبعا داخل وعي القارئ.

 

4- النص/ التقبل/ الرفض:

معظم النصوص التي تتناول مواضيع حساسة كالحب والجنس والسياسة والدين تكون نصوصا مهددة بحكم الذوق، الذوق القرائي الذي يتكون لدى القارئ جراء مجموعة من المحصلات القرائية       في مختلف المجالات: السياسية والدينية والثقافية وحتى النقدية، إلا أن النظرة الأولى التي تلامس النص هي النظرة النفسية، فالقارئ يحب ما اقترب من روحه وأشبع لذة تطمح لها مخيلته الواسعة، وينفر من النص الذي يجافي اللذة التي يطمح إليها. لذا كان النص الأكثر قربا من القارئ هو ذلك النص الذي يعتمد على تقديم الموضوع الروائي بلغة فنية تجعل النص الإبداعي يتخطى حدود التجربة النقلية لأحداث موجعة ذات زمن دهشة.

عبرت بوح الوجع عن تجربة الحب بطريقة مزجية للأجناس الأدبية، إذ يجد القارئ نفسه داخل عالم الرسالة التي تحمله بخياله إلى تأثيث الفكرة بحقائق ذاتية أكبر مما يحملها السرد في حد ذاته.

تتواصل الرسالة في الظهور على مستوى مساحات السرد للكشف عن مجريات الحدث الرئيسي لتوقع القارئ في فخ جميل هو بناء نهاية لمجريات الأحداث، فلا ينفك يقرِّر أثناء القراءة مصير الشخصيات، وتراكمات الأحداث، واستعجالية السرد أثناء تباطئه وتوقفه لوصف يثير القارئ على ركوب جناح السرعة القرائية لمعرفة ما إذا كان المصير المحبوك أثناء الزمن القرائي هو ذاته المصير المحبوك زمن كتابة النص في حد ذاته.وهناك من يجد ذات النتيجة و هناك من يجد تدميرا لأفق توقعاته فتكون نتيجة مخالفة تماما للبناءات القرائية التي نسجتها مخيلته، فالوتر الحساس الذي تحمله الرواية داخلها يتلاعب بمدى حساسية القارئ تجاه مواقف مشابهة أكثر من اللعب على ميزان التأثر بالتجربة في حد ذاتها.

 

إعداد الأستاذة: منى صريفق

 

عربة النهار .. صداقة العدو والساعة الشعثاء

jasim alayff"عربة النهار"مجموعة شعرية لـ"هاشم تايه" "منشورات اتحاد أدباء وكتاب البصرة" الفنان متعدد الاهتمامات، انفردت بالبناء الشعري المتماسك واعتماد الجملة الشعرية المقترنة بدقة الإيحاءات والصور التي مبعثها المخيلة والذاكرة المتقدة وحسن الصياغة واستخدام الصورة الشعرية بمهارة لغوية حديثة. ميزة (هاشم تايه) تنحصر في تنقله، بدراية وتمكن، بين حقول فنية متعددة، وما رسمه بالخطوط والألوان فَضلَ،ثانية،أن يشهره بالكلمات."هاشم تايه"تشغله ظاهرة تبادل المصالح الجارية أبداً بين الفنون، وتحولت بعض تجاربه في العيش ضمن فضاء يجمع التشكيل ونقده، والشعر والقصة القصيرة كذلك.(تايه) لم ينشر شعره إلا في الوقت الذي تريد روحه أن تنصرف لشجونها الخاصة. فقبل أعوام (فوضى الحرية) الحالية، لم ينشر(تايه) شعراً، وخضع لطبيعته الصامتة التي خلقها تاريخه الخاص والذي وجدَ في الرسم أولاً ونقده ثانياً ما يلبي حاجته إلى التعبير عنه بوسائله الخاصة، لكن الشعر كان قريباً منه، غير أن صمته كان ينوب عن ذلك. (تايه) في جريدة"المنارة"البصرية،نصف الأسبوعية، وكانت توزع في العراق وبعض دول الخليج العربي، اكتشف إمكانية الكتابة الصحفية، فكان له عمود، بعنوان "بصوت هادئ"، ومع مضي السنوات، انطلق يكتب في أنواع متعددة من الكتابة الصحفية. لم يبتعد في معظمها عن الرسم حتى إنه اخترع لنفسه لوناً من الكتابة يرتكز على الصورة الفوتوغرافية، مع لغة نثرية مرهفة، وأطلق عليهما تسمية (فوتو كتابة)، إذ كان يلتقط بكاميرته صوراً لأشيائنا وحياتنا القلقة - المنسية. في تلك الصور كان يؤشر ما يثير ويدهش بالكلمات، مستنطقاً ما يراه فيها وخلفها، وذهب بصوره وكلماته إلى موقع (كتابات )الالكتروني. وكان ينظر إلى كل نص كتبه فلا يرى فيه إلا ذلك الشيء الذي سطع لحظة ثم تنحى، ذلك الشيء الذي اخترق ضوؤه الخاطف كيانه، ورآه ملتماً على نفسه، غريباً بين الكلمات، التي لا تعرف عنه شيئاً، ذلك اللب المتكتم السجين بين الأصوات. الصوت المجروح بسبب غربته عن عالمه الراهن. المتأمّل للمشهد الشعري، الحالي، يجده محتشداً بأصوات شعراء قصيدة النثر الذين أضحوا يشغلون مساحة واسعة من فضاءات الصفحات الأدبية. و يعمد بعضهم إلى طبع مجاميعهم وإشهارها على نفقاتهم الخاصة متحملين مكابدات أُخَر،غير مكابدات الحياة المعيشية، وبهذا تكون قصيدة النثر"سيدة المشهد"، العراقي وربما العربي. ثمة سمات عامة مشتركة لما ينشر لغالبية قصائد النثر، منذ الثمانينات تحديداً، منها فقدان وحدة الثيمة في القصيدة، ترافقها أقصى حالات التجريد، الذي يدفع إلى التباسات كثيرة، من بينها انعدام الجهاز المفهومي لبعضها، واعتماد المفارقات، في الصور كمهيمنات في اغلب القصائد، التي، بتواضع، اطلعنا عليها وكتبنا عنها، مع اعتماد الغموض، وانغلاق النصوص على نفسها وسكوتها عما يجري حولها، فتتمّ التضحية بـ(المعنى) تحت سطوة النزوع إلى الإغراب،لابد أن نتذكر هنا بودلير وما كتبه:"مَن منّا لم يحلم بمعجزة (نثر) شعري، موسيقي بلا وزن ولا قافية، لين ومتنافر، كي يتآلف مع الحركات الغنائية للروح، ومع تموجات الحلم وارتجافات الوعي". يعتمد"هاشم تايه"الشاعر، البنية السردية، في (عربة النهار)، بصفتها امتداداً لا متناهياً، ونرى في قصائده لغة واضحة المعنى لا تفتعل الغموض بذاته من خلال إدراكه لقيمة المفردة الشعرية ووضوح معناها ومقاربتها لواقعية الحدث، كواقع معطى أدركه واعتمده"تايه"الشاعر ولم يكن خارج (المعنى)،وبنيته السردية، دون افتعال الغموض من خلال تحديقه بالخاص، وقدرته على الانتقال به إلى العام، ما يمنح المتلقي أفقاً رحباً لإدراك المعنى الكامن خلف الكلمات والتجربة المعبر عنها، سرديا، والذي يحول اللغة نحو أفق أكثر تحسساً ومسؤولية من قبل منتج المعنى - المتلقي-، ثمة مسوغات عدة للحديث عن (هاشم تايه) منها انه مارس النقد التشكيلي وقدم قراءات لبعض تجارب أقرانه الفنانين،وحسب الناقد والتشكيلي"خالد خضير الصالحي" فيما كتبه عن هاشم تايه ": لو لم يوزع اهتماماته على أنواع متعددة من الاهتمامات الفنية لتحول إلى ناقد تشكيلي عراقي بارع. في مجموعة"عربة النهار" ثمة اعتماد الألوان اللغوية المتعددة ويعود ذلك إلى هيمنة اللغة التشكيلية التي عرف بها وأدمنها. الملاحظ في(عربة النهار) لغتها الثرية وصورها الدالة،ولكن"تايه"لم يعتمد تأرخة قصائده، لمعرفة حقب التطور الشعري لـه، و ذلك ضروري للدارس ومن موجهات القراءة الأساسية لما يمتاز به الزمن العراقي الراهن، وفي الشعر خاصة، من حقب متداخلة، إضافة لعدم فهرست المجموعة. يعتمد"هاشم تايه"، الشاعر،حصراً، في"عربة النهار"،البنية السردية، التي حسب"تودروف ورولان بارت"لا حصر لها، بصفتها امتداداً لا متناهيا. لا يمكن لمتتبع (عربة النهار)إلا أن يقف عند الصياغات الشعرية الدقيقة المنتقاة برهافة ودراية وتميز، والولوج إلى خفايا الأشياء واستبطانها، كما نلاحظ في قصائده لغة واضحة المعنى لا تفتعل الغموض بذاته من خلال إدراكه لقيمة المفردة الشعرية ووضوحها:

"على جباهنا

قبلة زرقاء من نار الأيام ولكي لا نخسر ظلالنا نغدر بالألم، ونخون الموت.. نبني ملاجئ للملابس العاجزة ومحطات للندم، ونعلق حراساً على قفل الأيام وعلى الدوام لنا سلام النيران،

ومحبة الحروب،

وذرائع الزوجات بالتقوى".

المتلقي، هنا، سينتج"المعنى"، عبر العلاقات المؤشر عليها في المقطع السالف، من خلال"نار الأيام"والتناقض بين"سلام النيران"وفعل الخارج- السلطة أو القوى القامعة - مهما كانت- وإكراهاتها،، والتي تدفع لـ"محبة الحروب"والتآلف معها(كرهاً) الذي تلغيه بوضوح ذرائع الزوجات"بالتقوى"و رعب الزمن و الواقع، المقفل بحراس الأيام. يلجأ هاشم تايه في بعض قصائد (عربة النهار) إلى ما يمكن عده بـ(الانزياح اللغوي) أو (سرد اللحظة الآنية) فيستبدل (جحوظ القلب) بدلاً عن (جحوظ العين) بسب قلق و دراما المصير الإنساني وفجيعته:

"كلّ يوم في الساعة الشعثاء، الساعة المنهوبة

تدق دقّةَ الخسران أترقّبُه.. (جاحظَ القلب) وحينما يصفقُ وراءَه الباب

أطيرُ إلى مُحَيّاه

أقبّلهُ وأصيح:

خيراً

فعلتَ يا إلهي

إنّه

لم يعد بوجه مدمّى".

هذه لحظة انتظار مفزعة لغائب- قريب- وإنتاج لمشاعر إنسانية تعاني وطأة الغياب المتجسدة في اللحظة الراهنة، والتي تكشف أن ذلك الغياب ، كمتحصلات ونتائج راهن قاتم ومتكرر. الغائب والقلق عليه بقي متجسداً حتى لحظة حضوره، وهو يصفق الباب وراءَه،مع التوسل والتمني (انه) حضر بلا وجه مدمّى، ربما مؤقتاً.(عربة نهار) هاشم تايه تدافع، عن الحرية وآفاقها وتمتلئ بالكثير من مفصلات الحياة اليومية: أرامل الحروب، وأطفال الشوارع،وعربات النقل، والذئاب التي تحسب على البشرية، والمصائر اليومية المفتوحة على غيابات مجهولة وعند إنعام النظر فيها نجد عموميتها كواقع مُعطى متحقق و أدركه الشاعر ولم يكن خارجه في اللحظة ذاتها:

"الآلام الرعناء-الآلام ذوات الحدبات- آلامُ التراب الثقيل- الآلام الضاجة وراء التلول- الآلام الخفية التي ينسخها الليل كي تكفهر حنادسُه- الآلام التي اشتريت بها مرغماً(صداقة العدو) - الآلام المسالمة التي تسألني الصفح.. كلما أخذتْ دمعة من عيوني". هاشم تايه الشاعر قالت له روحه المعذبة التائهة: أنا من قادكَ إلى الشعر، وأكد له الشعر: أنا من رآكَ، وامسك بكَ. وقعت عربة نهار (هاشم تايه) على(107) صفحات من القطع المتوسط، بغلاف حمل احدى لوحاته، وصممه الفنان صدام الجميلي، وسأل والدته (عطية طعمة)الغفران، وأنهاها بقصيدة(حاملو الطريق) التي أهداها إلى (روح شقيقه..حاتم تايه)، المشنوق حتى الموت، بتهمة إطلاعه على (صحيفة-تقدمية) سرية في الثمانينات:

"في اطمارنا صهيل حصان جواد سليم

ذي العنق الأتلع...عالياً..

عالياً..

يرفع أصابعه

ظلنا

وينثرُ معنى التراب..

نحن سدنة الآهات

وبناة الثمر

لا نموت إلا كالقناديل..

نحن الرهط الأبيض ذا الراية السائلة،

بلوِنها الأحمر المهيب

نحنُ، الخمسة والعشرين مليوناً،

بألواننا السبعة أو العشرة،

نقطن مع الأنهار

والنخل والزّقورات

والأرض التي لا تكفُّ

عن التغريد".

يقول (أركون):"أصعب ما في كتابة الشعر هو القصيدة القصيرة..لان عليكَ أن تقول فيها كل شيء بالقليل جداً..جداً.. من الكلمات التي يحصل فيها غيرك على الثمرات.".بعض قصائد (عربة النهار) قصيرة جداً، لكنها دالة على الزمان الغريب والمكان المحاط برعب الانتظار والقسوة واليأس والالآم والإحباط والقهر الراهن،بالترافق مع عذابات الماضي،ودهشة ما آل إليه الحاضر غير المتوقع والذي لم يحسب له حساب. ثمة في(عربة النهار) قصائد قصيرة منها:السرير يتصبب عرقاً(18) ومياه (ص20) وحلبة(ص21) و زفرات(ص28) ولو تصير طيراً(30)،وردة بعد وردة(ص32) ومثل شمعة(ص33) وتعليم(ص34) والطيور(ص37) و ديدن(ص67) ومصباح:

"يمشي المذبوح

في طرقاتنا

ليل نهار

حاملاً

مصباحه المقطوع".(ص43)

ومع قصرها نلاحظ أن (هاشم تايه) الشاعر، هنا، متمكن من البنية التركيبية - المعرفية بالترافق مع القدرة التوصيلية:

(ربة بيت)

"أنا ربّةُ بيت

في ساعة الصديق..". (ص19).

 

الحب بين اغتراب الروح وبراءة الجسد

manal albustaniقراءة في قصيدة الشاعر عبد الله السمطي

سرير الحطاب / عبد الله السمطي

ا-

أنا حطابك يا سيدتي

نهار كل لحظة

أجمع فروع الأشجار الصغيرة

الملقاة على الرمل جوار الهواء البعيد

أنقيها من الشوك وزعانف الورق اليابس

وأحزمها بحبل صغير

والقي بها جانب جدران بيتك الشاهق

2-

أنا حطابك يا سيدتي

نهار كل غيمة

أتمدد في خمسين حبة من المطر

هي عدد الأسابيع التي عشقتك فيها

وعدد القرون التي لم أعشقك فيها

أجلس جانب شجرة

أنزع الأشواك الصغيرة من قدميّ الحافيتين

أجلس الشمس جانبي لتورق أكثر

وألعن السحابة الممطرة

3-

أنا حطابك يا سيدتي

أقص على الماعز حكايتي المكتومة

أحكي لها ساعة الرعي عن عينيك الجميلتين

وعن شفتيك اللتين لم اقبلهما إلاّ في جحيم خيالي

وعن جسدك الشقي الذي يعربد في شهوة فادحة

وعن أطراف ساقيك اللتين تنظران إليّ من عقب الباب

أقص على الماعز

أبكي وأغني

وفي آذانها هزة غريبة

وفي عيونها

دمعة تنتظر!!

4-

أنا حطابك يا سيدتي

أهذب الحصى

وأبلله بالماء ربما ينبت بشكل اسمك

أحمل أكياسا من الرمل

قرب ينبوع

لعلها تغازل غيمة تشبه شعرك

أدعو السماوات الصغيرة التي تقطفني أن تمنحني برقا صغيرا

أربيه على حنايا صوتك الجبلي

أقلم أية غابة تصادفني

وأي سفح يشربني

وأي طائر غريب

أعطيه قلبي

جناحا ثالثا

ربما يحطّ جوا ربيتك

5-

أنا حطابك يا سيدتي

سوف أفرح كثيرا

حين تنادينني

واصرخ في الصحراء البعيدة التي هناك حتى لا أزعج حواسك

أتخيل السرير الخشبي العتيق الذي صنعته بدموعي

أصغي له في أحزانه

حين يضمك آخر عليه ويقبلك كفراشة دائخة

جمعت لك الحطب يا سيدتي

أوقدته في باحة البيت

كل شيء جاهز

اعرف أنه هو من اختطفك

وهو على سفر قريب الآن

أعرف أنه ترك حارسا أمينا

وحطابا مخلصا

يريد آن يخلص لمخيلته

وأنني أتخيل

أن نطفئ الجمر

بدمعة أو دمعتين

ونختفي معا هناك

في اللا مكان

وبصدرينا الشاهقين

ندفئ الشتاء

 

إنّ قصيدة عبد الله السمطي "سرير الحطاب"، هي قصيدة نثرية غادرت التفعيلة والأوزان والقيود لكنها تحدت ووقفت أمام إشكاليات الغياب والاغتراب وعبّرت عن خسارة فادحة في عصر خيم عليه اغتراب نفسي زماني ومكاني، يبكي فيه الشاعر ويبحث عن هذا الجزء المفقود منه لكنه ظلّ خالدا ومضيئا في الذاكرة الشعرية، حبيبة غائبة واغتصاب جرح روح الشاعر وأسكنه في منفى لا تدركه ولاتصل إليه إلاّ اللغة الشعرية التي تحضر في اللاوعي وتمسك بجذور هذا الألم النازف.

إنّ الـ أنا الموغلة هنا في ألم الوحشة والاغتراب هي أنا الشاعر المركزية التي تمتد إلى أنا الإنسانية،/ أنا حطابك يا سيدتي/ تأخذنا إلى اللغة العفوية،إلى اللغة الخضراء،لغة الهواء النقي،لغة الذات الشعرية التي تكدح وتلملم أغصان روح يبست بالانفصال عن الأصل وقد وظف الشاعر الفعل /أجمع/ للتعبير عن صورة جمالية نفتقدها اليوم في بيئتنا الروحية والجغرافية كما يعبر عن فاعلية الفكر الإبداعي،عبورا من الحياة الاعتيادية إلى التجربة الشعرية،فالفعل "أجمع" يشكل التجربة الشعرية في ذروة بدايتها،حالة اشتباكات نفسية والتفافات ونغزات أشواك ونزف وقد ربطها الشاعر ربطا مكنونا بفاعلية الحب،فالمرأة شكّلت عنده غابات خضر، وحصنا منيعا يلوذ به الشاعر، فالحب عنده ارتبط بضياء النهار وبمرحلة من مراحل التحرر الروحي الذي يتنافى مع عتمة الزمن الجارح،زمن الاغتراب والتشظي النفسي ولهذا وظف الشاعر السطور الشعرية / أنقيها من الشوك وزعانف الورق اليابس / وأحزمها بحبل صغير/ وألقي بها جانب جدران بيتك الشاهق/للتعبير عن المزايا السرية للعلاقة الوجدانية التي تربطه بالحبيبة الغائبة التي تشكل بالنسبة له ليس فقط رمزا للرغبة الحسية ولكن رمزا للنقاء والقوة والتكثيف والتركيز الإبداعي،إنّ هذه الحزمة ذات قيمة ضوئية مميّزة لأنها تحفز الشاعر على الحياة المنسوجة التي تذهب بأبعادها إلى العلاقات الاجتماعية والكونية فهي القصيدة واللغة التشكيلية السحرية التي يصارع بها الشاعر لغة الشيطان والشر والعداوة،وهي أيضا البشرى والطلسم والتعويذة التي تقيه الاختراعات المؤذية والحمى الخبيثة للمادة،إنّ إتحاد الفروع الصغيرة يعبر عن مؤازرات الحب التي تنسج الحياة وهي كينونة الشاعر الماثلة في المرأة والشعر بهذا التأمل الكثيف والوجود المنتقى.

إنّ شعرية الفعل أنقيها/ والفعل /أحزمها / النابعة من روح الشاعر تكمن في هذا الاستحضار للتآزر الإنساني والمصالحة بين الذات الشعرية والعالم لأنها أتسمت بطابع سري وشكلت توثيقا جمعيا بين الشاعر والإنسان كما شكلت انفعالات متراكمة للجمال والحقيقة التي تمتد نحو الأبعد فحضور الحبيبة يشكل زمنا فنيا ضوئيا يعبّر عنه الشاعر ب/ نهار كل لحظة/ يتنافى مع زمن الغياب الذي يشكل في رؤيته قرونا معتمة من الألم فالحبيبة هي الضياء الذي يلغي فيه العتمة الداخلية ويستحضر لغة لا تخدش الروح، لغة الحق،لغة الظهيرة، لغة لا يصل إليها ظل،لغة الإلهام والعدالة التي تتنافى مع لغة الظلم والجور والبغي وفساد الأخلاق التي عبّر عنها الشاعر بمفردات قوية استحضرت عالما جارحا وضارا ومليئا بالعقبات /الشوك/وزعانف الورق اليابس/فالمرأة شكلت عنده لغة حريرية إنها نظيرة الشعر الذي يتحدى العقبات النفسية ولغة الدفاع القوية، فالشعر هندسة مبنية على البحث عن الأخلاق والجمال .إن الحب كله يسكن في هذه الحزمة وكل الخيرات السماوية والالتحام بالوطن الأم مصرا لتي جاءت رمزا شعريا عبر عنه الشاعر المغترب بـ/ جدران بيتك الشاهق/الذي هو هذا الالتحام ألصميمي للمرآة الحبيبة بالوطن الأم فالشاعر يعطل سلطة الـ أنا المادية داعيا إلى التوليف الجمعي وانضمام الفرد إلى الكل.شكلت مصر الوطن الأم للشاعر لغة الاشراقات التي ترتقي به عن السفليات الدنيوية،لغة الأجداد ولغة الحضارة والتواصل مستهجنا عصرعصر الانفصال بكل صوره،الانفصال العائلي وانفصال المسؤول عن رعيته، وانفصال ألـ أنا عن الآخر فالوطن الأم والحبيبة هما خيط التواصل الوجودي الذي يبدد الشعور بالاغتراب ويلغي الحواجز.

ارتبطت المرأة عنده بالخصوبة ورحم الأم الجوهري،فالغيوم عبّرت في القصيدة عن الحرمان والحاجة إلى الاندماج والتماسك النفسي الذي يثيره الحضن الأنثوي بقدر ما وظفها الشاعر للتعبير عن حالة الاغتراب الإبداعي التي هي حالة اللا تمييز، حالة ضبابية قاتمة تعصف بالروح فتولد القصيدة مع هذا الرعد والبرق النفسي المشحون بالخوف . إن المرأة والشعر يخلقان فيه أمطار الفرح الروحي الخصب والخيال الثري وينتقلان به إلى حالة من الصفاء لأن الحب والإبداع هما ولادة جديدة وشمس جديدة تشرق خارج حلقة الزمن المغلقة، وهما انتقال وعبور من حالة روحية مكتظة ومتراكمة إلى حالة خارقة ومدهشة. فحالة الحب والكتابة تتنافى مع حالة انطفاء الفاعلية الفكرية ورمادية الاغتراب .

وهو إذ يقول /أتمدد في خمسين حبة من المطر/هي عدد الأسابيع التي عشقتك فيها/وعددا لقرون التي لم أعشقك فيها/ فالمرأة تشكل عنده الزمن الضوئي الذي تكتنز فيه أسرار الحب والحياة والبركات والغذاء الجوهري وهي القمح والعرس المعرفي وفضاء القصيدة الأنثوي ومنابع الخصوبة واللذة،وفي مفردة "المطر"نمسك بهذا التناص والتفاعل الشعري الخصب بين نص السمطي وقصيدة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب"   أنشودة المطر"،فالحب والإبداع ارتبطا بالهيمنة السماوية التي تستقبلها الروح الإنسانية كما تستقبل الأرض المطر، وبضياء الفكر وتجليات العدالة والسلام فكل حبة من المطر جاءت رمزا للحب والكلمات التي تشكل بالنسبة للشاعر حالة إنعاش وإحياء وتراكمات من النعم الإلهية والتناغم الإنساني ذي الإيقاع اللذيذ الذي تتمركز فيه أقوى درجات الحب وأشدّها تعلقا بالمحبوب وهي العشق.

إنّ الحب والشعر عند السمطي   يرتبطان بطقوس الوضوء والعبادة والتطهير الروحي والجسدي ووخز قوي فهو إذ يقول/ أنزع الأشواك الصغيرة من قدمي الحافيتين/ فانه يعبر عن الالتحام الغريزي بالحب والأرض وقد رمز الشاعر رمزا إبداعيا مكنونا إلى القوى العرجاء للسياسة التي تحكم العالم والى غياب التوازن والحق، إن الشاعر يعتبر غياب العدالة نغزات ألم وأذى وضررا وشظايا ظلم جعلت روح والشاعرو الإنسان مجروحة تنزف نزفا معنويا عميق الغور.

شكّلت المرأة في شعره شمسا مشرقة وشكلّ الشعر شجرة وارفة الظلال فهو إذ يقول/ أجلس الشمس جانبي لتورق أكثر/ فانه بهذه اللغة التشكيلية يجعل من المرأة الشمس التي هي إحدى التجليات الإلهية التي تسكب على روحه دفئا وطراوة بهذا التوحد، إنها توهج الإلهام والفضاء ما فوق الكوني إذ تولد القصيدة التي هي أصل كل ما يبقى، فالمرأة هنا هي المحرك والباعث للإلهام وإذ تمتزج المرأة بالشعر فا نّهما يشكلان الانتقال من رتابة الزمن الإيقاعي المأساوي إلى مسارات الزمن المضيئة التي تنكشف عبر فضائها الحقائق الإنسانية الموجعة والمعتّم عليها فالفعل /لتورق / المصحوب بلام التعليل يشكل عنده تجليات العدالة الكونية التي هي القوة الفاعلة التي تقتلع   جذور القلق والظلم والخوف الكامن فينا والذي لازم الإنسان منذ القدم، فالمرأة والشعر هما الخضرة الكثيفة وواحات الأمان والأغصان الكونية التي تحنو عليه وتحميه من سطوة الظلم وعواصف الزمن المتهورة ذات الطابع التخريبي المدمر.

إن شعر عبد الله السمطي   يتراسل مع اغترا بات الإنسان في كل العصور لأنّه يحمل سمات الشعر الغنائي الوجداني الذي يأخذنا إلى الحقول الخضر والمراعي والقوت الأساسي ويبكي الفردوس الضائع الذي ذاق فيه آدم حلاوة الغذاء الأول، فالشاعر يبكي حالة الاغتراب بهذا السرد الشعري الحزين المتراكم والمكتوم والساكن في خبايا روحه إذ يقول/أقص على الماعز حكايتي المكتومة/أحكي لها ساعة الرعي عن عينيك الجميلتين/وعن شفتيك اللتين لم اقبلهما إلاّ في جحيم خيالي/وعن جسدك الشقي الذي يعربد في شهوة فادحة / وعن أطراف ساقيك اللتين تنظران إليّ من عقب الباب / أقص على الماعز/ ابكي واغني/ وفي أذانها هزة غريبة/ وفي عيونها/ دمعة تنتظر/ في هذه السطور الشعرية يعبر الشاعر عن فداحة الحزن والعتمة وعن التجاذب والتماسك الإنساني الذي غاب في عصرنا وكمون فعل الحب والصداقة الغائبة التي تتآلف وتتراكم في اللاوعي لتتحول إلى وجع كوني ومحفز أخلاقي يشتعل في روح الشاعر الذي حصر الفعل / أقبلهما / حصرا قويا بأداة النفي / لم وإلاّ / للتعبير عن علاقة روحية وصوفية تربطه بالمرأة توهجت في الخيال، وقد عبر بساقي المرأة عن احتدام التجربة الإبداعية والتحامها باللذة الحسية والتمنع الأنثوي الذي هو عامل منبه ومحرض وحاث على اقتناص الفكرة لأنها تخلق فيه هذا التلون النفسي إذ تضفي على الحياة إيقاع التجدد وتولد عنده الهذيان الإبداعي بحضور فعلين متناقضين "أبكي واغني"،إن هذا الهذيان يشكل الغذاء الأول الذي لم يخلق بعد وهذا القوت الجوهري الذي هو الحب والشطحة الصوفية والرعشة، فغياب المرأة هو هذا الصمت الموجع وحضورها هو النعمة بالمعنى الحسي والروحي لأنها اللغة التي تتيح للشاعر متنفسا للبوح الكامن بما يحتدم في روحه وهو يتأمل تشابك الظلم الحاضر والمتواصل على الإنسان موظفا الفعل " يعربد" توظيفا إبداعيا للتعبير عن سياسة العالم التي تتسم بسوء الخلق وعدم الشعور بالمسؤولية وإيذاء الإنسان   وكأنّها في حالة سكر وغياب عن الوعي،وكأنّها أيضا أفعى لا تنفك تنفث سمومها على الإنسان وتخنقه . جاء فعل البكاء تعبيرا عن تراكمات نفسية وألم يخنق روح الشاعر وجاء فعل الغناء تعبيرا عن قوة فعل الكلام الممتزج بالفرح والحزن والتضرع الذي يربطه الشاعر بالإبداع . إنّ صوت الشاعر هنا هو صوت Orphie الأسطوري الذي يبكي غياب الحبيبة ويريد اختراق اللا مرئي، فشعرية الصوت كما يقول Jean Michel Maulpoix تقوم على العلاقة الغامضة بين الصوت والإحساس،فغياب الصوت هو غياب الموسيقى،وان لم يكن إلاّ الإحساس، فقد غاب الخطاب .فالصوت هو اسم للتوحد الصوفي بين الكلام والروح: بين الصوت والفكرة،بين الفكرة والصوت، وبين الفكرة والغياب تتذبذب دقات ساعة الشعر.إنّ صوت المرأة في رؤية الصمتي هو الصوت الغنائي الذي يمتص الشعور بالوحدة والقلق وهو الصوت الملتحم بالأرض والماء الذي يذيب في الفضاء الداخلي ترسبات الزمن وخشونته والتعثرات الروحية للإنسان المعاصر التي رمز إليها الشاعر بمفردة /الحصى/ فالحصى جاء رمزا للماضي المعجون بروح الأجداد القدامى .إن الفعلين / أهذب/ و/ أبلل/ لهما التأثير النفسي القوي لأنهما يعبران عن الجانب اليابس من روح الشاعر المحمومة والمتوجعة بغياب القيم وحضور السلطة التي داست الإنسان، فالمرأة والشعر هما صوت العدالة ذات الإيقاع الموسيقي المتناغم المتدحرج على الأرض من السماء. إن الشعر رغم دروبه الوعرة فانه يقي الشاعر من السقوط في وحل المادة المليء بالديدان .وهو إذ يقول/أحمل أكياسا من الرمل/ قرب ينبوع/ لعلها تغازل غيمة تشبه شعرك/ فان شعر المرأة ارتبط بخصوبة الإبداع ومسامات الحب والذكريات وعطر الأرض الأم وأمطارها فهو لب العمل الإبداعي الذي يلتحم بنواة روح الشاعر ويحرث فيه الفضيلة والقيم النقية التي يحثنا فيها الشاعر على مقاومة التبدد النفسي والتصدي لقوى الشر بالحب والإرادة . وهو إذ يقول /أدعو السماوات الصغيرة التي تقطفني أن تمنحني برقا صغيرا/ أربيه على حنايا صوتك الجبلي/ أقلم اية غابة تصادفني/ وإي سفح يشربني / فانّ صوت المرأة بهذه الصور الشعرية يلتحم بالرسالات السماوية وشعلة الإلهام وينابيع المياه المتدفقة، والحماية، انه صوت الشعر الذي يسبح في الأثير العلوي بموجات لها صدى الأسى الإنساني وتراكمات الزمن ومنحنيات التآكل الروحي هو لغة الندى والطراوة ولغة البحث عن الأمان والسكينة والتجدد وهو صوت الأم الحنون الذي يزيح تراكمات الاغتراب الثقيلة التي عبّر عنها الشاعر بـ /أحمل أكياس الرمل/، ثم تتجلى الشطحات الخيالية للشاعر المفتون باختراق العالم الأخر والتحرر من حلقة الزمن وحبل الجسد إلى حد الغور والاختفاء والتلاشي في جوهر الحرية والأخلاق والضياء، عندما يقول / وأي طائر غريب أعطيه قلبي/ جناحا ثالثا/ ربما يحط جوار بيتك / فانه يستهجن الجسد الإنساني المحنط ويدعونا إلى النهوض التحرري من هذه الحقبة المظلمة والى التخريب الإصلاحي لكل القوانين التي هتكت بالإنسان.إن قلب الشاعر هو هذا الطائر الأسطوري الذي يحلق في الفضاء العالي ويعكس صورة الإنسان   المكبل بقيود المادة والجسد والألم واللعنة والبؤس والسلطة التي اقتاتت على حريته وغيّبت العدالة.إن الاغتراب كما يقول كارل ماركس هو أن يفقد الإنسان حريته واستقلاله ويصبح ملكا لغيره تتصرف به السلطات الحاكمة فيه تصرفها مع السلع التجارية، لكن الشاعر عبر عنه بغياب الضياء حين تغيب العدالة التي هي قلب الضياء وفعل الضياء وفعل الفرح والسلام وفعل الحرية فالشعر هنا هو القوة الخارقة للمادة والعتمة والألم.إن عالمنا الأرضي يزخر بالخداع والمكر والغش والدجل والظلم وكل ذلك خطف وسلب وقضى على الضياء الروحي ولهذا غنى الشاعر القصيدة التي يؤثثها عطر الضياء الإلهي والعدالة.

جاء الفعل /أصرخ/ في القصيدة تعبيرا عن حالة استشهاد وعن مخاض نفسي عسير             فالاغتراب استحضر صرخة التحرر من عبودية الذل والبحث عن ماهية الإنسان الذي تاه في النسيان إلى صرخة الحرية الإبداعية التي رمز بها إلى المستقبل بهذا الامتداد اللا متناهي للصحراء فالاغتراب هو سعة الألم بما لانهاية وحالة من حالات الجدب الروحي والتيه لكن الشاعر حوله بالخيال الإبداعي إلى تحرر من الخوف والقمع إلى نداء الحبيبة فصوتها الملتحم بالشمس هو صوت القصيدة الذي هو في حوزتها،فالقصيدة أرض ميعاد وعتق ورؤية جديدة للواقع المكبل بالقهر والاضطهاد. إنّ السمطي يمجد الحرية التي وصفهاEmmanel Kant   بأنها النبل الإنساني . إن الحرية في رؤية الشاعر تتنافى مع ذل العبودية التي تخنق الروح والعقل لأنه يرى فيها هذا التواري خارج الزمن في لذة تنتج لغة جديدة وإنسانا جديدا.

جاء البيت في القصيدة صورة للبيت الإنساني الذي ترقص فيه الشمس والنوافذ الروحية المضيئة والصوت الأنثوي الملتحم بالشباب والأعياد والغناء والحب الذي يتنافى مع عتمة البيت الغربي البارد والمنعزل الذي حجبت عنه المادة ضياء الحب وقد ربط الشاعر البيت ربطا حميما بالاتساع الروحي الذي توحي به / باحة البيت /لكن هذا الضياء جاء مجروحا جرحا مأساويا بتغلب القوي على الضعيف واغتصاب الحب واختطاف الحلم وهيمنة القوة المستترة التي هي ركيزة كل الأذى الذي لحق بالانسان والذي عبر عنه الشاعر بـ إنّ المؤكدة والضمير هو المؤكد / أعرف انه هو من اختطفك / كما عبر عن ماهية السرير الروحية، فالسرير هو ملاذ الإنسان وموطن أسراره وأحلامه وحزنه وفرحه كما هو رمز للحب والعاطفة بكل ما فيه من حرارة وقدسية وعواصف نفسية وفكرية وأرق، فالسرير هنا هو حضن الحبيبة وهو حضن الأم وحضن الشعر الذي يتوقد فيه حلم الإنسان وماضيه وذكرياته وحاضره وهو التوحد مع الجوهر الإلهي وجمرة الإلهام وثمرة الإبداع، إنّ الشاعر يستنكر قوة السلب والنهب التي أصبحت سمة من السمات الغالبة على عصرنا ويستحضر القوة الفاعلة للحب والشعر فهما سر الحياة ومبعث الحيرة والقلق والخوف لكن اللغة الشعرية حولتها بالخيال إلى زمن ينتصر فيه الشاعر على الظلم والانتهاك والاغتيال والتخريب والواقع المادي الثقيل بقوة الإرادة والتصميم فهو إذ يقول / وأنني أتخيل /أن نطفئ الجمرة / بدمعة أو دمعتين/ ونختفي معا هناك / في اللا مكان/وبصدرينا الشاهقين / ندفئ الشتاء! / إن الصدر جاء رمزا لذروة الالتحام الوجداني بين الرجل والمرأة وهو الحب الإنساني الذي يعتبره الشاعر السور الحصين الذي يحميه من أي اجتياح وهو قلب الشاعر الشجاع الذي يرمز للحماية من نزق الشر ويثير فينا الحماس المتوقد للصراع ضد الأذى والاضطهاد والحروب القائمة على التدمير والسرقة وليس على تشييد القيم الإنسانية التي ترتكز على الحق والعدالة.إنّ قلب الشاعر والحبيبة هما الموقد الذي رمز إليه الشاعر بالفعل /أوقدته / والفعل / ندفئ / تعبيرا عن العدالة التي تغمر الإنسان بالحماية والسلام والدفء في غمرة العواصف والمحن والمصائب وتطفئ جمرة الظلم الملتهبة في قلب الشاعر والعالم .

إنّ التكرار الخماسي لـ / أنا حطابك يا سيدتي/ يرتقي بنا نحو منابع الجمال التأثيرية والسحرية التي تعبر عن جهد ومشقة يجسدان رغبة الشاعر الكامنة فينا إلى لغة خضراء تستحضر ماهية الحب والإبداع والوطن الجمعي، تلك الرغبة التي تحتدم في نفس الشاعر بكاء وصراخا امتزج بروح المعرفة الخفية وبأسرار الشر المخربة والمدمرة . يبكي الشاعر كل ما يهدد أمن الإنسان وتماسكه النفسي   بألم مكنون فاضت به اللغة الشعرية التي تألقت فيها الـ أنا الإنسانية الأصيلة ومحت الـ أنا المادية الأنانية،إنّ الشاعر يدعونا إلى إشراقات يندمج فيها الماضي والحاضر والمستقبل بلغة الأجداد ولهذا شكلت المرأة في شعره شعلة الحب والإبداع الذي يحقق التوازن الروحي والمادي فهي الإلهام الذي إليه يفر الشاعر هربا من عالمنا المشوش الذي تزاحمت فيه الكوارث، وهي صوفية الشاعر الأحادية والضياء الذي ينبثق من العتمة الموغلة، ويبدد القلق الوجودي والاغتراب المصحوب بالخوف، وهي الحبل السري الذي يعيده إلى الأمان، وهي الشمس اللا مرئية التي تشرق في الجانب المعتم من الفضاء الداخلي للشاعر والعمل الفني الذي يقاوم به الشاعر منحنيات الزمن وصحراويته ونار الشر الغربية التي تسعى إلى تعتيم الـ أنا العربية والإنسانية وتهيج الاغتراب ولهذا جاء ت مفردة / اللا مكان / وظرف المكان / هناك / للتعبير عن رغبة الشاعر في السكنى في المكان الأول هو كل مكان وهو لا مكان هربا من هذا الفيض الزاخر بالحزن والظلام، هناك حيث يتألق السلام.  

إنّ قصيدة عبدا لله السمطي "سرير الحطاب" ذات طابع فلسفي ميتافيزيقي يتجلى فيها البحث عن الله، وعن المعرفة والحقيقة والحرية ، فـ / جدران بيتك الشاهق / في القصيدة اكتظت بالصور والرموز والدلالات التي تقودنا إلى الكهوف والمغارات والينابيع المتدفقة وكذلك مفردات البيت والرمل والسفح والغيوم، التي شكلت صورا مكنونة في لغة الشاعر وصبت في الغور العميق من روحه للتعبير عن الرغبة في التحرر من القيود والأغلال والعودة إلى رحم الأم ، إلى حالة الجنين في المشيمة فهناك يجد الشاعر الحق والمثال والمكان الذي يحميه من الغزو الهمجي، إنها نقطة المركز والفضاء المفتوح على العناية الإلهية والإلهام فهناك يملأ الشاعر الحفرة الداخلية الغائرة في داخله ويبدد عتمة الاغتراب والاكتئاب.

 

د. منال البستاني

حفريات في واقع الفتاة السعودية من خلال رواية بنات الرياض

alkabir aldasisiلا يتجادل اثنان حول كون النساء اقتحمن عالم الرواية العربية المعاصرة وتفوقن في الكثير من الأعمال على الرجال، وأن المستقبل يبشر بروائيات سيبصمن لا محالة تاريخ الرواية العربية بصمات سيكون لها أثرها، خاصة عندما يتمكن بعضهن من إثارة اهتمام المثقفين في عملهن الأول وهن لم ينهين عقدهن الثاني كما هو الشأن مع الروائية السعودية الشابة رجاء عبد الله الصانع في رواية (بنات الرياض) الصادرة في طبعتها الأولى سنة 2005 لتتوالى طبعاتها بعد النجاح الذي حققته الرواية ..

تحكي الرواية التي اقتبست الكاتبة عنوانها من أغنية الفنان عبد المجيد عبد الله «يا بنات الرياض» عبر رسائل (email) قصص أربع فتيات ينتمين للطبقات المخملية في المجتمع السعودي، ورغم توفر الإمكانيات المادية، حاولت الكاتبة كشف الأقنعة عن واقع تنخره التناقضات، يقف حجرة عثرة أما طموحات الشباب، فيعجز فيه الشاب أو الشابة عن اختيار شريك(ة) حياته(ا) ويقبل الشاب ترك حبيبته ليتزوج فتاة لا يحبها، تلبية لسلطة تقاليد مجتمع محافظ مغلق... سنحاول في هذا المجهود البسيط ومن خلال تجارب البطلات الحفر عن بعض مظاهر هذا التناقض في مجتمع وصفته الساردة ب (المجتمع المريض) كما رصدتها روائية شابة في 50 رسالة تحكي تجارب أربع فتيات هن :

- قمرة القصمنجي التي أحبت راشد، تزوجته وسافرت معه إلى أمريكا لتعيش معاناة لم تكن تتوقعها إذ تجاهل زوجها، خاصة بعد اكتشافها أنه كان على علاقة بفتاة فلبينية (كاري)، وازدادت علاقتهما توترا عندما اتصلت قمرة بكاري واحتقرتها واتهمتها بالسعي إلى تفريق زوجين... الشيء الذي أثار غضب راشدا وسارع بإقفال الأبواب أمام علاقتهما، إلا باب أرسلها عبره إلى أهلها بالسعودية وهي حامل ليعيش القارئ معها معاناة المرأة المطلقة في مجتمع رجولي محافظ لا يرحم، وانتهى بها إلى العيش على حلم الظفر بأي رجل كيفما كان. تقول: (أنا ما عندي مانع يجيني أيا كان، يجي نظيف يجي وسخ يجي محرول بس المهم يجي، أنا مستعدة أرضى بأي رجال)

- سديم الحرملي، رغم موت أمها تعيش في وسط اجتماعي راقي، تعرفت إلى وليد وأحبته وأخلصت إليه فتقدم إلى خطبتها وتغمرها الفرحة وهما يعقدان قرانهما، اعتبرت نفسها زوجته وسلمته نفسها، وكان ذلك كافيا ليهجرها ويغادرها ويتركها تعاني مأساتها في مجتمع تعتبر البكارة رأسمال الفتاة الوحيد، محتارة بين إخبار والدها وكتم سرها إلى الأبد، حاولت عيش حياتها بمواصلة دراستها والسفر إلى أوربا وفي لندن ستتعرف على فراس، الذي أحبها وأحبته بجنون، لكنه في الأخير اختار فتاة أخرى بدلا منها، ومع ذلك ظل عقله مشدودا إليها رغم زواجه لتعكس تجربتهما شذوذا في العلاقات بين الشباب في المجتمع السعودي، وفي الأخير رضيت بطارق ابن خالتها زوجا لها وهي لا تحس تجاهه بأي شيء ...

- مشيل العبد الرحمان الفتاة المتفتحة مقارنة بزميلاتها، والتي كانت علاقتها بفيصل مضرب أمثالهن، ترفضها أسرة فيصل لأنها تجري فيها دماء غير سعودية، ما دامت أمها أمريكية الأصل، فتطير للسفر إلى الولايات الأمريكية وهناك تعلق بها ابن خالتها (ماتي) لكن أسرتها رفضته لأصوله المسيحية، وأمام رفض السعوديين تزوج أبنائها من فتاة (لا أصول عريقة لها)، سافر بها أبوها إلى دبي، امتهنت الصحافة، لكن والدها رفض ظهورها على شاشة القناة الفضائية التي اشتغلت بها، ظل عقلها وقلبها مملوكين لفيصل، وبعد حضورها حفل زواجه بشيخة قبلت الزواج بالمخرج حمدان الإماراتي وهي مقتنعة إن ( الأزواج يخفون تحت ابتساماته قلوبا دامية ونفوسا مغبوانا حظها في اختبار شريك الحياة)    

- لميس جداوي، تبقى النموذج الإيجابي الوحيد الذي قدمته الرواية، إذا تابعت الرواية حياة لميس وشقيقتها تماضر إلى أن تفوقت بدراستها ورصد حفل تخرجها وزواجها بنزار الزواج الذي نظمته قمرة بعد تأسيسها لشركة تنظيم وتمويل الحفلات مع زميلاتها

حاولت الرواية من خلال تلك التجارب التي نشرت على 50 رسالة إبراز أن الشباب في المجتمع السعودي يعاني من قيود تكبل حريته، وتجعله ورقة في مهب الريح لا سلطة له على حياته، و قدرة له على تنفيذ اختياراته، ففي مجتمع (كان حلم الاختلاط بالشباب حلما كبيرا إلى كثير من الطالبات والطلاب) وأمام انغلاق المجتمع،وغياب وصعوبة انفراد الشبان والشابات بمن يرتاحون إليه من الجنس الآخر شكل منزل أم نوير المتنفس الوحيد والفضاء الذي كان تلتقي فيه بطلات الرواية بمن أحببن. فوجدن في أم نوير التي همشها المجتمع بسبب شذوذ ابنها ما لم يجدن في عائلاتهن فقد كانت أم نوير (كاتمة أسرارهن، تشاركهن في التفكير وتجود عليهن بالحلول إذا ما تعرضت إحداهن لمشكلة، وكانت ىتتسلى كثيرا بوجودهن، وصار منزلها المكان الأنسب دوما لممارسة الحرية التي عجزن عن ممارستها في منزل أي منهن) لقد شكل منزل أم نوير (المكان الآمن للعشاق) في بلد يحرم الحب والعشق، ولا يسمح للمخطوبين باللقاء بل وحتى بالمكالمة الهاتفية، وأي لقاء بين شاب وشابة مهدد لأن يكون مصيره مشكلة عائلية، وتعهد بعدم اللقاء مرة أخرى بعد تحقيق وحبس مثلما حدث للميس إثر لقائها عليا أخ صديقتها ف(خلال أحد لقاءات لميس بعلي في أحد المقاهي في شارع الثلاثين، انقضت عليهما جوقة من رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محاطين بأفراد من الشرطة، واقتادوهما بسرعة إلى سيارتين منفصلتين .. توجهتا بهما إلى أقرب مركز للهيئة) ليعيشا تجربة لا يحبذ أي سعودي أو سعودية عيشها ...

يبدو من خلال الرواية أن الفتاة السعودية تشعر بنفسها في سجن كبير، يحرم عليها ما هو مباح للفتيات في كل بقاع المعمور: فهي محرومة من الاختلاط بزملائها من الطلاب، ومحرومة من مكالمة من تحب، ومن لقاء خطيبها بل ومن لقاء زوجها الذي عقد عليها إلا بعد حفلة الزفاف؛ تقول الساردة عن إحدى بطلات الرواية إن (عادات أسرتها لا تسمح بالمكالمات إلا بعد العقد. كان الزواج عندهم كالبطيخ على السكين) .. وقد تجد الفتاة نفسها محرومة من أشياء لا تعرف سبب تحريمها، فبعد أن وجدت التلميذات متنفسا في عيد الحب لتبادل بعض الهدايا تم منع (جميع مظاهر الاحتفال بعيد الحب في السعودية، وتمت معاقبة أصحاب محلات الزهور الذين يقومون بتوفير الورود الحمراء لزبنائهم، .. وكأنها بضائع مهربة) وتتساءل الساردة عن سبب منع عيد الحب دون غيره من الأعياد (يمنع الاحتفال بعيد الحب في بلادنا ولا يمنع الاحتفال بعيد الأم أو الأب مع أن الحكم الشرعي واحد . مضطهد أنت أيها الحب في هذا البلد )

على الرغم من تحفظ الكاتبة في معالجة الكثير من القضايا، فإن ما صدر عنها يعكس بصدق رفض الفتاة السعودية لكثرة القيود التي تكبلها، فعندما خطرت ببال الساردة فكرة تحويل يومياتها لعمل سينمائي أو مسلسل تلفزيوني وجدت نفسها - وهي في مجتمع يمنع المرأة من التمثيل - أمام أسئلة مثل :(من ستقبل التمثيل في مسلسلي؟ وهل سنستعين بممثلات من الدول الخليجية المجاورة فنضحي بالحوار السعودي اللهجة؟ أم سنجعل شبانا سعوديون يتنكرون للقيام بأدوار الفتيات فنضحي بالمشاهدين)   وحتى عندما اختارت ميشيل المتحررة نسبيا العمل في القطاع الإعلامي رفض والدها ظهورها على الشاشة ...

لقد حاولت الرواية في بعض الإشارات تأكيد فكرة انغلاق المجتمع السعودي على نفسه، وشعور الفتاة السعودية بضغط الواقع، الذي لا يسمح لها بلقاء خطيبها، ولا حب من هو خارج مجتمعها، فلا يحق للفتاة السعودية التعلق بأحد يعتقد معتقدات خارجة عن اعتقاد أهل البلد.. هكذا ابتعدت لميس عن علي بمجرد علمها أنه شيعي، رغم إعجابها به تقول الساردة في ذلك ( لقد كان علي شابا لطيفا، وبصراحة لو لم يكن شيعيا لكانت أحبته) ، وكما هو ممنوع على السعودية إذن حب الرجل الشيعي، ممنوع عليها أيضا حب الرجل مسيحي فقد استلطفت ميشيل ابن خالتها ماتي بأمريكا وارتاحت له لكن أسرتها وقفت بالمرصاد في وجه أية علاقة بينهما لسبب وحيد وهو كونه مسيحيا...

بل أكثر من ذلك سعت الرواية إلى تكريس فكرة كون الفتاة السعودية ممنوعة من الزواج بمن تحب وفي تجارب بطلات الرواية إحالات كثيرة تؤكد أن الزواج في السعودية لا يتحكم في الشباب، وإنما يسير وفق دواليب الأعراف والتقاليد، يعود الحسم فيه للعائلة، فقد ربطت علاقة قوية كلا من فيصل وميشيل لكنه تخلى عنها فقط (لأن أمه تريد أن تزوجه فتاة من وسطهم)   وقد (أقسم لها أن الموضوع ليس بيده، وأن الظروف كانت أقوى منه ومنها، وأنه يتألم لهذه النتيجة التي وصلا إليها أكثر منها، لكن ما باليد حيلة، ليس أمامهما إلا الصبر ) وليخفف عنها بعض ما ألم بها، (حاول إقناعها بأنها ستظل حبيبته مدى الحياة وأنه لن تتمكن امرأة أخرى من احتلال مكانها في قلبه، وأنه يرثي لحال خطيبته منذ الآن لأنها ارتبطت برجل قد تذوق طعم الكمال في امرأة أخرى ويظل الطعم باقيا على لسانه)

أي معاناة لشاب أكثر من أن يحكم عليه بفراق عشيقته، والارتباط بأخرى لا يعرف عنها ولا تمثل له شيئا؟؟

وهي نفس المعاناة التي عاشتها مختلف شخصيات الرواية : فقد تخلى وليد عن سديم التي أحبها لأنها مارست معه الحب بعد عقد قرانهما وقبل حفل إعلان الزواج... وتزوج راشد بقمرة وهو يحب فتاة أخرى وطلقها دون أن ترى لطلاقها أسبابا، وكذلك فعل فراس عند زواجه بشيخة وهو يحب سديم ... لمثل هذه السلوكات الغريبة وغير المفهومة التي تتحكم في اختيار الشباب السعودي لشريك حياته وصفت السارد هذا الواقع بعد صفات تعبر من خلالها عن استهجانها لما يعرفه المجتمع السعودي من تناقضات فوصفته ب(المجتمع المريض )   وبأنه (مجتمع يسوس أفراده كالبهائم)   و (مجتمع معجون بالتناقضات) إنه (المجتمع السعودي المتزمت ) الذي يتدخل فيه (الجميع في شؤون بعضهم) و ليس للفتاة إلا (أن تتقبل تناقضاته وتخضع لها أو أن تغادره للعيش في مجتمع أكثر تحررا يضمن لأفراده حياة أكثر استقلالية ) . مجتمعٌ الشباب فيه (مجرد أحجار شطرنج يحركها أهاليهم ويفوز في اللعبة اللي أهله أقوى) دون مراعاة مشاعر الشباب، الذي يجدون أنفسهم أزواجا ( يخفون تحت ابتساماتهم قلوبا دامية ونفوسا مغبونا حظها في اختيار شريك الحياة) . لتحمل الرواية الشباب في ذلك بعض المسؤولية وتحكم عليه بأنه شباب (ضعيف وسلبي وخاضع لإرادة المجتمع التي تشل إرادة أفراده )

وإذا كانت الرواية تقدم صورة عن واقع الشباب في السعودية، فإنها تؤكد دونية المرأة في مجتمع رجولي بامتياز، لا فرق في ذلك بين المرأة المتعلمة أو الجاهلة،   بل إن المتعلمة محكومة عليها بالعنوسة لأن السعوديين لا يُـقبلون على الفتاة المتعلمة وإن ( الإقبال على الفتاة الصغيرة الساذجة عند البحث عن عروس مناسبة ما زال مرتفعا مقارنة بالإقبال على الفتاة التي تصل درجة عالية من العلم والمعرفة والاطلاع العام على الحياة ) وتبرر ذلك بارتفاع نسبة العنوسة في صفوف النساء الطبيبات، مما جعل من المرأة تقبل بأن تخدم الرجل و(الويل لها إن نسيت تجهيز ثيابه كل مساء وكيها قبل أن يستيقظ من نومه كل صباح، ولا يحق لها أن تطالبه بمساعدة في ترتيب المنزل، أو إعداد الطعام أو غسل الصحون...)

تبدو معظم نساء الرواية قابلات للوضع وإن كانت الساردة تحمل المسؤولية في ذلك إلى التفكير الذكوري الذي جعل الرجل السعودي يفضل في زوجته (أن تكون متواضعة التعليم، مهيضة الجناح، عديمة الجدوى حتى يكون له مكانة المعلم في نفسها والذي يشكل تلميذته حسب ما يريد ... هكذا أصبحت الفتاة الساذجة مطلوبة وقيدت (الفاهمة) على لائحة العوانس )

أما هذه القيود لا تحس المرأة السعودية بنسائم الحرية إلا إذا غادرت هذا (السجن الكبير) فبسفر عائلة ميشال إلى دبي تقول الساردة إن ( والدتها ستنال قسطا أكبر من الحرية والتقدير اللذين حرمت منهما أثناء معيشتها داخل السعودية ) ومن مظاهر تنفس الحرية خارج البلد ما كررته الرواية في اعتبار معظم السعوديين رجالا ونساء يقبلون هذه الوضعية على مضض وأنه ما أن تتاح لهم الفرصة حتى يتخلصون مما يكبلهم بما في ذلك الحجاب التي ترى فيه السعودية فرضا فعند مغادرة السعودية و( قبل هبوط الطائرة في مطار هيثرو توجهت سديم نحم حمام الطائرة وقامت بنزع عباءتها وغطاء شعرها لتكشف عن جسم متناسق يلفه الجينز والتي شيرت الضيقان)   وما أن تقترب بهم طائرات العودة من وطنه حتى ترى(النساء والرجال صفوفا أمام أبواب الحمامات لارتداء الزي الرسمي فترتدي النسوة عباءاتهن وأغطية شعرهن ونقابهن، بينما يتخلى الرجال عن أطقم الكاروهات والبناطيل التي يشدون أحزمتها تحت كروشهم الرجراجة بما تحتويه من ألبان وشحوم ولحوم ليعودوا إلى الأثواب البيض التي تستر جرائمهم الغذائية والشمغ الحمر التي تغطي صلعاتهم اللامعة) ...

وإذا كانت هذه بعض مظاهر وضعية المرأة في المجتمع السعودي، فإن هذه الوضعية تغدو كارثية إذا كانت المرأة مطلقة، والرواية تؤكد أنه من السهل طلاق المرأة في السعودية، فقد تطلق المرأة بسب وبدونه، إذ ( يطلق الواحد زوجته لأنها ما تجاوبت معه بالشكل الذي يثيره في الفراش) كما قد ( يطلق الثاني زوجته لأنها ما أخفت عنه تجاوبها معه وما تصنعت البراءة والاشمئزاز) وعند طلاقها تشعر بانتهاء مدة صلاحيتها، وأنها لم تعد نافعة في شيء كل همها الحصول على رجل كيفما كان شكله ونوعه.. تقول قمرة بعد طلاقها: (أنا ما عندي مانع يجيني أيا كان، يجي نظيف، يجي وسخ، يجي محرول، بس المهم أنه يجي أنا مستعدة أرضى بأي رجال)، لهذا يفهم القارئ لماذا كانت أم قمرة تقول لابنتها ( كلش ولا الطلاق... حنا بناتنا ما يتطلقن)

هذه النظرة الدونية للمرأة تثبط عزيمة المرأة السعودية، وتغرس فيها روح الاستسلام والخمول، وتدفعها نحو الكسل والخمول مما يؤثر على بنيتها الجسدية؛ فبعدما كان جسد قمرة ( يضرب به المثل في النحول .. أصبح مكتنزا بالشحوم من كثرة الخمول وقلة الحركة .. تعاني الملل وهي حبيسة المنزل)

 

استطاعت الكاتبة بهده الرواية أن تجد لها مكانا ضمن كتاب الرواية المعاصرين لما تميزت به من قدرة على طرق موضوع شبابي غفل وللبساطة والعَفويَّة التي طرقته بهما، فجاءت الرواية بلغة بسيطة تمزج بين الفصيح والدارج المُتداوَل بلكناته المُختلفة مع تسريب كلمات عامية أو من لغات أخرى وتقديمها بشكل مثير جَذّاب لا يجد القارئ أية صعوبة في إدراك معناها حتى وإن لم يكن سعوديا. فكانت اللغة وسيلة لتصوير واقع المرأة...

وبالقدر الذي صورت المرأة السعودية مهيضة الجناح، مفعولا بها، لا حول ولا قوة لها ، استطاعت الرواية إظهار الرجل السعودي مهما تعلم أو جال في أمصار الدنيا محكوما بوثاق الأعراف والتقاليد، وأن ما حفر في ذاكرته وهو صغير يستحيل مسحه بالعلم والاحتكاك بثقافة الآخر، وكأننا برجاء الصانع تريد القول أن كل ما يعانيه مجتمع الخليج –رغم إمكاناته المادية- يعود بالأساس إلى العقلية الذكورية المصرة على احتقار المرأة، والساعية بكل الوسائل إلى التقليل من شأنها وعدم الاعتراف بها كإنسان قادر على المشاركة في صنع مستقبل يليق بإمكانيات الخليج.. فلا مستقبل لمجتمع بسير برجل واحدة.. والمرأة والرجل رِجلا الحاضر اللتيـن يسير بهما نحو المستقبل.

لقد حاولت رجاء رغم صغر سنها – بعدما طفح الكيل – إعلان موقفها واستعدادها للبوح وفضح المستور فاختارت للموقع الذي تنشر فيه ما تعتبر فضائح المجتمع السعودي عنوان (سيرة وانفضحت ) وطلبت من قرائها الاستعداد لسماع (أكبر الفضائح وأصخب السهرات الشبابية) فكبرت توقعات القارئ، لكن حتى إن بدا لكثير من القراء غير السعوديين أن ما روته الساردة في رسائلها ليس فضائح ولا هم يحزنون، وإنما هو مجرد أخبار عادية لبعض الشباب، أحبار لأحداث يقع ما هو أصعب وأخطر منها في مختلف بلدان العالم ولا تسمى فضائح، فأن يتخلى خطيب عن خطيبة، أو يختار شاب شريكة حياته تلبية لرغبة عائلته أمور عادية.. لكن عندما يتعلق الأمر بالسعودية – وحدها دون دول العالم- نعرف لماذا تعتبر مثل تلك المشاكل بين الشباب فضائح كبيرة، ولماذا تطلب الأمر من الساردة كل ذلك الاستعداد للبوح تقول في ذلك ("نكشتُ شعري، ولطّختُ شفتي بالأحمر الصارخ، وإلى جانبي صحن من رقائق البطاطس المَرشوشة بالليمون والشّطة. كلّ شيء جاهز للفضيحة الأولى) وكأنها تستعد لتسريب أمر خطير من أمور الدولة السرية . وحتى تعطي لكلامها مصداقية أكبر في مجتمع يتظاهر بالتدين كانت في حاجة إلى العزف على بعض الأوتار الحساسة عسى يكون تأثيرها أقوى وأعمق فاستهلت رسالتها الأولى بقوله تعالى في سورة الرعد (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، واختار يوم الجمعة يوما لإذاعة رسائلها بين قرائها، عسى أن يكون للقرآن و كلام الجمعة أثر في مجتمع بنى حول نفسه سورا "دينيا" منيعا، لكنها وهي العالمة بانغلاق المجتمع وصعوبة قبوله التغيير، واستحالة البوح بكل ما في النفس على أرض الواقع، اختارت العالم الافتراضي مجالا للحكي وفضاء لتحرك الشخصيات ومخاطبة القراء بأمور تخص الطبقات المخملية وعقلية شبابها من الذكور الذين لا يقدرون المسؤولية الملقاة على عاتقتهم، وأي مسؤولية قد تناط بشاب عاجز عن اختيار شريكة حياته؟ وكيف يمكن تحميله مسؤولية تسيير مؤسسة أو إدارة مقاولة وهو العاجز عن تحمل مسؤولية اختياراته الذاتية ؟ والأمرّ هو إذا كانت هذه وضعية الفتاة والشاب في الأسرة الراقية الغنية التي حاجياتها موفورة، فما هي وضعيتهما في الطبقات الهشة والفقيرة المعدمة ؟؟

لقد تمكنت رجاء الصانع من وضع الأصبع على الجرح، وإن كانت معالجتها لواقع المرأة السعودية سطحية، فهي لم تقارب الظاهرة من الناحية الحقوقية والسياسية.. وإنما نفضت الغبار عن جانب بسيط يتعلق بالعلاقة بين الشباب داخل الأسر السعودية المخملية تحكم الأسرة في اختيار العروسة أو العريس ..

   وقد نجحت إلى حد ما في ذلك باختيار عنوان جذاب يثير فضول القارئ ويدعوه اكتشاف أغوار عالم مغلق على نفسه، بلغة يمتزج فيها العامي بالفصيح.. وبطرقة سجالية تحاور فيها قراء مفترضين : فتفتتح كل رسالة أسبوعية برد على بعض قرائها الرافضين لمشروعها وتتوعدهم بالمزيد من الفضائح، بعد أن تكون اختارت لتلك الرسالة عنوانا وتمهيدا مقتبسا من القرآن، الأقوال المأثورة، أو الشعر العربي أو العالمي، فنوعت في تلك الافتتاحيات لدرجة قد تصبح لوحدها موضوع بحث ويحق للقارئ مسائلة الكاتبة لماذا أصرت على تلك الافتتاحيات : سبع من القرآن، وأربعة أحاديث من مصادر مختلفة(صحيح البخاري، سنن ابن ماجة، وصحيح مسلم) أربع مقاطع شعرية لنزار قباني وثلاثة لجبران خليل جبران كما نوعت في أصحاب تلك الأقوال بين الفلاسفة القدماء(سقراط وأرسطو)والمحدثين (طاغور برناردشو) والمبدعين عربا وغربيين في الرواية( توفيق الحكيم،أوسكار وايلد، بلزاك، فيكتور هوغو) الشعر (ت.س إليوت إبراهيم ناجي، بدر عبد المحسن ) سينمائيين ( محمود المليجي) وسياسيين (روزفلت ) دون أن تنسى حتى بعض الأدعية المأثورة وأدعية ومغنيات عربيات معاصرات (ذكرى، جوليا بوطرس) إضافة إلى النقاد والمفكرين من مختلف الجنسيات .. وكأن الكاتبة بذلك تسعى إلى إشهاد الجميع على وضعية المرأة السعودية، أو إرضاء أذواق كل قرائها..

بهذه الأقوال تستفز القارئ قبل أن ترد على بعض القراء لتعود لتفاصيل حكايات الفتيات الأربع حتى انتهت الرواية دون ما كان يتوقعه القارئ ودون ما كانت تتوعد به الساردة، إذ اختارت مصيرا متوقعا للمرأة السعودية، فبقيت قمرة دون زواج وهو مصير عادي لامرأة مطلقة لها ابن في السعودية ، واضطرت سديم إلى الزواج بابن خالتها، فيما ارتبطت ميشيل بشاب إماراتي، وتزوجت لميس من نزار:   وهي أمور عادية جدا لم يخيب مصير أي منهن أفق انتظار القارئ؛ تكرس وضعية المطلقة (قمرة) ومن فرطت في شرفها (سديم) ومصير الفتاة المتحررة( مشيل) فيما قطعت بلميس إلى بر الزواج "المثالي" بعد ارتدائها للحجاب وسفرها مع زوجها لمتابعة دراستهما في الخارج.    

      

     وإذا كانت الكاتبة قد لامست وضعية الفتاة السعودية، إلا أنها اقتصرت على بعض الجوانب العاطفية الصرفة دون الوقوف على القضايا السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية الكبرى للمجتمع السعودي، وإن كانت في بعض الفلتات قد أشارت لبعض القضايا الاجتماعية الكبرى مثل :

- معاناة الأقلية الشيعية في السعودية وتكفيرها ومنع التعامل معها والشك في أكلها فلم تتوان قمرة وسديم في تحذير لميس ( من طعام الشيعة، فهم يُنَجّسون طعامَهم خفية إنْ عرفوا بأنّ سنيّاً سيأكل منه، ولا يتوَرّعون عن دَسّ السمّ فيه لينالوا ثوابَ قتل سنّي) ، ولم يقتصر هذا التمييز على البطلات بل تجاوزهن للمؤسسات الرسمية ذلك أن الشرطة لما أمسكت لميس وزميلها عليا في أحدى المقاهي تم إطلاق سراحها بعد حضور والدها، فيما تم حبس علي وإخبار والد لميس أن ( عقابَ علي سوف يكون أقسى بكثير من عقابها هي لكَوْنه من الرّافضة) ، عقابه أقسى ليس لجرم ارتكبه، وإنما لكونه من الرافضة.. لكن الرواية اكتفت بهذه الإشارة السريعة دون أن تقف طويلا حول مشكلة الأقليات الشيعية في السعودية..

- احتقار غير السعودي ن وكل من تجري في دمه دماء عير سعودية تقول ميشيل :( الجميع يعتبرونني فتاة سيئة لمجرد أن والدتي أمريكية ) وتتساءل ( لم أجبر على التمثيل أمام الآخرين حتى لا يضطهدونني ؟ كيف أستطيع العيش في مجتمع جائر كهذا؟؟ ومن مظاهر هذا التمييز رفض الأسر السعودية ارتباط ابنها بغير السعودي، وبكل من يعتقد أو يدين اعتقادا مخالفا للسعوديين حتى ولو كان من العائلة، فعلى الرغم من انفتاح أسرة ميشيل، ورغم كون أمها أمريكية فإن أسرتها رفضت رفضا قاطعا ارتباطها بابن خالتها فقط لأنه مسيحي

- رفض المجتمع للمثلية: حتى وإن لم تعط الكاتبة أهمية لهذه القضية فقد أشارت إليها من خلال قصة نوري الذي حور المجتمع اسمه إلى نوير أصبح يطلق على أمه" أم نوير" .. وما أن سمع أبوه بنعومة ابنه من الجيران حتى (اشتاط له غضبا فدخل على ابنه وانهال عليه بالضرب بيديه ورجليه حتى أصيب الولد بكسور في القفص الصدري والأنف وإحدى الذراعين..) بل كان علمه بالحالة كافيا ليترك (الأب المنزل بعد هذه الحادثة ليعيش مع زوجته الثانية بشكل دائم مبتعدا عن هذا المنزل وهذا الولد الخـ...) .

- وإن كانت الساردة قد أشارت إلى مثل بعض هذه القضايا فإنها اكتفت بالتلميح دون أن تعلن عن موقفها من هكذا قضايا.. وحتى إن حرصت على الظهور بمظهر المدافع عن المرأة السعودية فلم يصدر عنها أي موقف أو حكم في مسألة تعدد الزوجات إذ اعتبرتها الرواية مسألة عادية في المجتمع السعودي ولم توجه لها أي انتقاد؛ فأشارت إلى تخلي أب نوير على أم نوير و ابنها وذهابه ليعيش حياته مع زوجته الأخرى وجعلت الأمر ترى في الأمر قضاء وقدرا فبعد (هذه الحادثة أوكلت أم نوير أمرها لله وقررت أن هذا ابتلاء من ربها ولا بد من الصبر عليه ..) وكان الأم والابن لا حقوق لهما على الأب    

على الرغم من بساطة الفكرة، وسطحية المعالجة فقد استأثرت رواية بنات الرياض باهتمام القراء والنقاد منذ صدور طبعتها الأولى، وقد يجد ذلك تفسيره في ظهور الكاتبة في بلد لم ينجب روائيات لهن وزنهن على الساحة العربية، و تقديم المرأة السعودية في صورة القانعة الراضية بواقعها، واهتمام هذه الشابة الشديد بموضوع اجتماعي مسكوت عنه، إضافة إلى تركيزها على الشباب والعلاقات العاطفية في بلد يحرم أي لقاء بين شاب وشابة، وشعور الفتاة السعودية بضغط كبير أمام أبناء بلدها مما جعلها ( ترتاح للاختلاط بالرجال غير السعوديين أكثر من الرجال السعوديين)   فكانت الرواية صوتا داخليا عالما بما يروج في كواليس أسر مجتمع مغلق تشكل فيه االإنترنيت متنفسا يتلاقى فيه الشباب ولو افتراضيا فعبر هذه الشبكة الافتراضية (حصلت لميس من خلال الشات على عدد هائل من أرقام هواتف الشبان .. صرح لها المئات بإعجابهم بشخصيتها)  فشكلت هذه الشبكة وسيلة (للضحك والتسلية و"الاستهبال" على الشبان في مجتمع لا يسمح بذلك في أي مكان آخر). وكأنها تنتقم لما يمنعه الواقع لم (لميس لم تتعرف إلى أي من الفتيات، كان كل من على لوائحها للأصدقاء من الجنس الآخر)

فشهد بذلك (شاهد من أهلها ) ولو كان هذا الصوت خارجيا، أو لكاتبة غير سعودية، لاعتبر صوتا كيديا... ولذلك تقول الساردة (استهجن الجميع جرأتي في الكتابة ويلومونني على ما أثيره من مواضيع "التابو" التي لم نعتد مناقشتها في مجتمعنا بهذه الصراحة وخاصة من قبل فتاة صغيرة مثلي )

 

 

أَزِفَتْ لَحظَة ُالصّراحَةِ

nazar haidarتابعتُ بالامس فيلماً وثائقياً قصيراً هو واحدٌ من أخطر أفلام الرّعب التي أشاهدُها في حياتي.

والفيلم عبارة عن استعراض لفكرة (الذّبح) المزعومة في الاسلام يظهر فيه العشرات من فقهاء التكفير من على منابر الجمعة وكراسي التدريس في المدارس والمساجد في عدد من الدول العربية، طبعاً ليس فيهم خطيب شيعي واحد! يبذلون جهداً كبيراً من اجل إقناع المتلقي بانّ الرسول الاكرم (ص) هو نبيُّ الذبّح والقتل والتدمير وسبي النساء والغارات وما الى ذلك.

ويشهدُ الله عليّ انني قضيت اسوأ واخطر (١٢) دقيقة في حياتي وانا اتابع الفيلم، لهول الكلام الذي يدلي به المتحدّثون، لدرجة انك تشعر فيها وكانّك في مسلخ بشري تنتظر دورك لتُذبح وتُسلخ باسم الله والله اكبر! ولقد كُدْتُ ان اكفرَ بدين الله تعالى لولا انّني من اتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فحمدت الله على هذه النعمة العظيمة، ولا فخراً.

انّ الخُطب التي ترد في الفيلم والاحاديث المكذوبة هي ليست من الاسلام في شيء بلا أدنى شكّ، انما هي (قراءة) لدين الله أول من سعى لها الأمويون لتبرير جرائمهم الشنيعة والبشعة التي ارتكبوها باسم الدين في مسعى منهم لشرعنتها، ومن أعظمها جريمة القضاء على (الشورى) في الاسلام وتحويل السلطة الى ملك عضوض، والثانية قتلهم سِبْط رسول الله الامام الحسين بن علي سيد الشهداء عليه السلام في عاشوراء في كربلاء عام ٦١ للهجرة.

انّها قراءة مكذوبة على الله تعالى وعلى رسوله حشّوا فيها كتب الحديث والسِيَر ثم قفلوا عليها عندما اعتبروها صحيحة فقدستها الأجيال واحداً بعد آخر.

ان هذه القراءة هي المسؤولة عن كل الجرائم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية والأمنية والأخلاقية التي مر بها المسلمون، وهي، القراءة، المسؤولة اليوم عن الحروب العنصرية والطائفية التي تشهدها البلاد العربية والإسلامية، وهي المسؤولة عن كل قطرة دم تراق باسم دين الله في كل بقعة من بقاع العالم، وآخرها الدم الذي أريق في العاصمة الفرنسية باريس.

ان العالم اليوم على كفّ عفريت بسبب هذه القراءة لدين الله تعالى والتي توارثتها الأجيال، لتُنتج كل هذا العنف والارهاب والقتل والتدمير وحز الرقاب.

لذلك، فالمجاملة لم تعد اليوم تنفع في شيء، والكلام الإنشائي عن الوحدة المزعومة بين المسلمين تزيد الطين بلة، وخلط الاوراق يساهم في اراقة المزيد من الدماء كما يساهم في تعاظم الخطر (الديني) على العالم برمته.

ارى انّ لحظة المكاشفة والصراحة والوضوح قد أزِفت، فاليعرف العالم بان لدين الله تعالى قراءتين لمدرستين متناقضتين في كلّ شيء، حتى في التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، الاولى هي مدرسة أهل البيت عليهم السلام، والثانية هي مدرسة الخلفاء التي اجتهد فيها الأمويون لإنتاج هذا الفكر التكفيري الإقصائي الذي يعتمد نظرية الجبر والتفويض سيئة الصيت والتي تحثّ الانسان على الاستسلام والخضوع لخليفة الله تعالى مهما كان ظالماً فاجراً فاسقاً كمعاوية او يزيد.

ان أوربا ما كان لها ان تحقّق النهضة، وعلى مختلف الاصعدة، خاصة على الصعيد الفكري، لولا انها قرّرت ان تفكر بصوتٍ عالٍ في كل شيء خاصة في اللّامفكّر فيه، عندما قررت ان تحطّم كل انواع القيود المفروضة على حرية التفكير خاصة من قبل الكنيسة وباسم دين الله، فكانت النتيجة ان حقّقت التغيير والإصلاح في كل مرافق الحياة.

فلماذا ننعت التفكير العلمي والمنطقي الحر بالطائفية؟ لماذا نغلّف الحقيقة بأغطية النفاق والدجل؟ لماذا نصدّ حرية التفكير بالشعارات (الدينية) البراقة؟ لماذا نحاصر المفكّر الحر بالأسئلة الإرهابية والتهم الإرهابية؟.

اقتراحي واضح جداً، وهو:

ان على فقهاء مدرسة أهل البيت (ع) ومراجعها ومفكّريها ومثقّفيها، خاصة المؤسسات والحوزات العلمية العريقة، المشهورة بالعلم والحوار بالمنطق والحجّة الدامغة والدليل القاطع، ان يضعوا خططاً علمية مدروسة لإطلاق مشروع التعريف بمدرسة أهل البيت (ع) في العالم، ومشروع حوار الحضارات والأديان، من خلال الحضور الميداني الفاعل في كل جامعة في العالم وفي كلّ معهد وكنيسة ومؤسسة بحثية ومركز علمي ومكتبة عامة، ليطلع العام على حقيقة الاسلام الذي تقدمه مدرسة أهل البيت (ع) للبشرية، ليعرفوا بان الاسلام هو دين السلام والمحبة والأمن والتعايش والحرية، وهو دين التعددية والتنوع والحوار، وان رسول الله (ص) هو نبيّ الانسانية وهو الرّحمة المُهداة الذي بعثه رَبّ العالمين رحمة للعالمين، وان أهل البيت (ع) هم القوّامون الحقيقيون على هذا الدين الذين بذلوا الغالي والنفيس من اجل تطهيره من الفكر المنحرف فكانوا ضحايا الارهاب الذي أسسته مدرسة الخلفاء وشيّد أركانه الأمويون.

أيها العلماء، أيها الفقهاء، أيها الأساتذة، انتشروا في العالم وبلّغوا دين الله تعالى، بعد ان طُعمتم في الحوزات الدينية العلمية من علوم مدرسة أهل البيت (ع) والله تعالى يقول {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا}.

ان على شبابنا في بلاد الغرب، ان يتحمّلوا مسؤولية التعريف بإسلام مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ليدافعوا عن دين الله وعن رسول الله (ص) وعن انفسهم، أفليسٓ من حق الرسول الكريم (ص) علينا ان ندافع عنه بعد كل الذي بذله من اجل هدايتنا الى الله تعالى؟ ونحن نرى دينه وقد اختطفه الارهابيون وعاثوا فيه فساداً فكرياً وثقافياً واخلاقياً؟.

سنجدُ انفسنا متّهمون تلاحقنا نظرات الازدراء اذا لم نقدّم لهم اسلام مدرسة أهل البيت (ع) ليس بالأساليب الصدامية مع المدرسة الاخرى، وإنما بالحكمة والموعظة الحسنة المبتنية على العلم والعقل والمنطق والحوار الجاد والدليل التاريخي المقنع.

تعالوا نبذل كلّ ما نملك من جهد من اجل تعريف العالم بعلوم مدرسة أهل البيت (ع) الم يقل الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام {لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَحاسِنَ علومِنا لاتّبَعونا}؟ فلماذا لا نعلّم الناس علوم أهل البيت (ع)؟ لماذا لا يعرف الناس شيئا عن نهج البلاغة والصّحيفة السجادية ورسالة الحقوق؟.

لماذا هذا الخوف والجبن والتردّد والانطوائية والانعزالية في نشر علوم مدرسة أهل البيت (ع)؟ اوليس من حق الحسين (ع) سيد الشهداء ان يعرف العالم لماذا قُتل الحسين (ع) في كربلاء؟ ام اننا شاطرون بالبكاء واللطم ولبس السواد والمشي فقط؟.

الم تصرخ العقيلة زينب بنت علي عليهما السلام بوجه الطاغية يزيد متحديةً (فوالله لا تَمحو ذكرنا)؟ فلماذا لا نُعرّف العالم بذكر أهل البيت (ع)؟ اي مدرستهم ورسالتهم وعلومهم ومعارفهم؟.

٩ كانون الثاني ٢٠١٥

رواية "نازك خانم" بين شعرية السرد وتطرّف الشخصية

amir hushamعُرف عن الروائية السورية الصحفية لينا هويان الحسن ولعها وأهتمامها برواية النموذج النسائي البدوي والذي قد تتوافر فيه بعض صفات ومقومات السرد الناجح. وعليه أصدرت الحسن خمس روايات سابقة كان محورها شخصيات نسائية بدوية تمتح من واقع، عرفته بيئةً وتقاليد، الروائية نفسها حيث ولدت بين أحضانه. وفي مسيرة البحث الذي لا يكلّ منه القلم تهتدي الحسن الى شخصية تقول عنها أن لابد هنالك بين الدمشقيين من يتذكّرها، فهي الجميلة نازك خانم تلك التي جلست عارية أمام بيكاسو الفنان، وكانت ضمن العارضات العشر الأوائل اللواتي ألبسهن أيف سان لوران الفرنسي بدلة السموكينغ لأول مرة في التاريخ. وعلى ذلك تحددّت معالم رواية لينا الحسن الجديدة والتي أخذت من أسم شخصيتها الرئيسة عنوانا لها، كما أخذ غلاف الرواية صورة فوتغرافية لسيدة حسناء بلباسها الأحمر الغامق مع كلبها المدلَّل، مما يشي بعدم مألوفية الشخصية للقاريء العربي، وهو بالتحديد ما قصدت أليه الروائية.

ماذا تريد نازك خانم؟

ولابد للقاريء في رواية "نازك خانم" من أن يسأل عن السر وراء الأهتمام سردا ذاتيا من خلال ضمير الغائب بلسان الراوي العليم بشخصية نسائية غير مستقرة عاطفيا، رغم كونها تحمل من صفات الجمال ما يجعلها قريبة الى الأسطورة؟. فهي أي نازك المضيئة اللامعة والأسم على المسمى، شهاب نزل من السماء ووصلها بسلام، لم يحترق كبقية الشهب لهذا من حقه البقاء وإشعال نار الغيرة والفتنة والحب. فعلى ذلك تكون هذه السيدة التي تركت مدينتها الأولى دمشق وهي صبية لتدرس القانون في السوربون ولا تكمل دراستها وتعمل عارضة أزياء وتدخل أوساط الفن والثقافة في فرنسا، مستعدة لأثارة مشاعر الغيرة وفتنة الوله والعلاقة مع الرجل ولكن على أرض الوطن الأول والمدينة الأولى دمشق. وهكذا تصل دمشق وهي بعمر ال ٣٩ عاما ( يذكرني الرقم برائعة هيتشكوك السينمائية ال ٣٩ عتبة) لتدخل في علاقة حب جارف تنتهي بزواج غير متكافئ أو غير متجانس فكريا ينتهي مأساويا بقتل نازك خانم على يد زوجها كمال بيك بعد أن صار لها الخيار بين الورد الأحمر وطلقة المسدس. ولا يفوت الروائية من أن تقدّم لفصول روايتها بأقوال لحكماء أو شعراء أو فلاسفة تضعها بين قوسين، لتشير تلميحا الى ما سيقرأه المتابع لسيرة نازك خانم. ومن ذلك ( لحياة راعٍ بمثل هذا الجمال، لابد من ذئاب) لريلكه وقول بابلو نيرودا ( ما أطول الدرب، يا حبيبتي، لبلوغ قبلة)، أو قول نيتشه ( هذا ما يخلص من كل الألم ولَك الأختيار: الموت العاجل، أو الحب البطيء). وهنا لابد أذن من اضطراب شخصية وعدم أستقرار في سلوكية الخانم وما يحكم منهجها في الحياة، لدرجة تجعل من القاريء المتابع مندهشا غير مصدق أحيانا لما يرسمه قلم الساردة عن نازك خانم، تلك التي صرفت من حياتها عشرين عاما في فرنسا ودخلت في علاقات غرامية ومارست هواياتها في فن وأدب، وصالت وجالت في ميادين أهل الثقافة الفرنسيين، وعقدت معهم الحوارات مستغلة الجمال دون الذكاء، وعملت في التصوير الفوتغرافي والتمثيل لتستقر عارضة أزياء مثيرة. وهي لعبة السرد ذاتها في البحث عن الأستثناء في الشخصية وتأطير ذلك بالخيالي الروائي لشد القاريء تحقيقا لهدف.

تطرف الشخصية بين الخدعة والوهم

على أن قاريء رواية " نازك خانم" لابد له من أن يستدّل على اللامعقولية في بعض أحداثها، مما يترك الأنطباع بأن الشخصية المتطرّفة قد بلغت درجة من ممارسة الوهم حتى يصبح ذلك من المألوف غير المستغرب. وعلى ذلك تجد هذه الخانم وهي في فرنسا تقع بين أحضان الأيراني الثري مجيب شان بعد أستدراجه وهو العاشق لغيرها وسيلة بوسيس التي تنتهي حياتها بطلقة من ثري مغربي عاجلت رأسها خطأً. وثراء مجيب من نفطه أو نفط بلاده حيث تذهب الأموال هدرا على متعه بين نساء وقصر وحدائق غنّاء، حتى أنه اذا خسر في مغامرة معينة، يعود لأوهامه فيقنع النفس ويخدعها بأنه قروي ليس من الأثرياء. ولكن ماذا عن أوهام وتطرّف الشخصية الرئيسة في الرواية " نازك خانم " نفسها؟. ذلك التطرّف الذي قد يعود سببه الى عقدة زوجة الأب التي عانت منها نازك في بداية حياتها في دمشق، حيث دخلت في علاقة عاطفية وهي بسن ال١٧ عاما مع محام قادم من باريس، فوصفتها زوجة أبيها بالوقحة الفاجرة٠

ومن معالم تطرّف الشخصية:

٠ شاركت نازك خانم الثري شان الفراش في فرنسا لمدة عشر سنوات تشرب عصير البرتقال وتقرأ مجلتها المفضلة ماري كلير.

٠ عشقت أحد كتّاب اليسار الفرنسيين وتركته لأنه جلب لها وردة حمراء حيث رأت ذلك أمرا سخيفا يتداوله العشّاق فيما بينهم٠

٠ أيمانها بالنزوات حيث تقول نازك " لابد من النزوات، فلنكن شيطانيين قليلا". وتقول " الأستقامة تحد الحياة، بل وأكثر من ذلك، ستضع بوجهنا الحواجز".

٠ زواجها من الثري السوري كمال صاحب الفكر الديني الذي طلب منها أن تلبس الحجاب والذي لم يغفر لها ماضيها الملون والذي تعرفه كل دمشق.

٠ ولع نازك بالحروب حيث تذكر الساردة على لسانها أنها مغرمة بالحروب، ولولا الحروب لما تغيّرت خريطة العالم.

وهنا يتبادر الى الذهن ما قاله الروائي الفائز بجائزة نوبل في الآداب في عام ٢٠١٠ ماريو فارغاس بوسا من "أن الأدب يسمح بآن نعيش حيوات أخرى، وأن نخرج من فضاء متقلص، وأن نعبّر عن أنفسنا بأقدار تحطّم الروتين، تلك الأقدار التي تجعلنا نعيش مشاعر متوهجة تحولنا لكائنات مغامرة". وإذا كانت البدايات من الصفر في أي عمل أدبي مستحيلة ولابد للروائي من أن يتأثر بإبداعات الآخرين قاصدا واعيا أو عبر عملية اللاوعي، فأني رصدتُ روايات عربية أولى سابقة ركزّت جهدها على الشخصية النسائية التي يعشقها الآخرون. وهكذا كانت الرواية الأولى عربيا، رواية " زينب" لمحمد حسين هيكل وهو الذي تأثر بفيلسوف فرنسا وكاتبها جان جاك روسو حيث كان لزينب عشاقها وتجربتها وهي صبية في الحب لتموت وهي شابة محافظة على قصة حبها ومخلّدة أياها. وهذه هي رواية فتحي غانم " بنت من شبرا" وهي تعرض لحياة فتاة أيطالية أسمها ماريا تعيش في حي شبرا في مصر لترتبط بعلاقة حب مع رجل عربي حتى يتطور الأمر فيصبح صراع الأفكار والديانات واضحا. والحكاية بعد ذلك في " بنت من شبرا" أنما تُروى على لسان محامٍ طلبت منه ماريا الكاثوليكية أن يدافع في ساحات القضاء عن حفيدها عضو الجماعة الأسلامية المتطرفة!. وهنا لا ننسى أن كمال زوج نازك خانم في رواية لينا الحسن أنما هو من أثرياء سوريا الذين ينتمون لتنظيم حزبي ديني متشدّد ( نص في الرواية: وما هذا الأخوان حزب حقاً؟) وذلك في فترة السبعينيات في دمشق والتي يحكمها حزب كان يحارب تنظيمات الأحزاب الدينية حينها، ويضع في أهدافه تحقيق الوحدة والحريّة والأشتراكية، تلك التي تتندر عليها نازك خانم على لسان عمتها فتقول : في الشام أصبحت الأشتراكية بوفرة الانفلونزا.

وهنا تصبح اللعبة الروائية في رواية " نازك خانم" قائمة على تناقضات شخصياتها. فتطرّف نازك نفسها وحبها المظهري الشكلي للماديات في الحياة: العطر، الفستان، اللوحة الفنية، الكاميرا والصورة، مسابقات ملكة الجمال وتسريحات الشعر، والولع بجلود الثعالب، أنما يقابله من جهة أخرى تطرف كمال الثري الذي أقترنت به وهو الذي رغم الثراء إلاّ ان شخصيته قد حوّرت بشكل يتناقض تفصيلا وشخصية نازك التي تتعمد أغاضة كمال (لماذا؟) بحديثها عن العصر الجاهلي وفكرة تعدد الأزواج!. على أن كمال الرجل الناقم "لم يكن قادرًا على تغيير شيء في قناعاتها"، ولكنه أتهمها مرة قائلا: "أنتِ مثل أوربي يزور الشرق ليسخر من عادات مجتمع متخلف وسلوكه".

الرواية بين اللغة ووحدة الزمن

وأما لغة الرواية فهي التي أهتمت في جانب كبير منها بالوظيفة الأخبارية والثقافية معبرة من خلال شاعريتها وأستعاراتها عن تشتّت الروح عند الشخصية الرئيسة نازك خانم، التي تسهب الرواية في وصفها لترسم هالة خاصة حولها تقرّبها من شخصيات الأساطير. وإذا كانت الوحدة الزمنية في الرواية تستعاد بين فصل وآخر بشكل تداخلي غير مشوش فأن الحرص على رسم صورة قلمية زاهية لنازك خانم يجعل القاريء يعيش معها وكأنه يراها تتجسد قادمة من ماضٍ جميل. وهكذا يتم التذكير بمناسبة أو دونها بكوكو شانيل وبيكاسو وبريجيت باردو وصوفيا لورين وراكيل وولش ومارلين مونرو وجين فوندا وفريق البيتلز والموناليزا وأدونيس وفينوس والأسكندر المقدوني وكليوباترا. أضافة الى التذكير بعام ١٩٦٨ في باريس وأضرابات الطلبة وتظاهراتهم. كل ذلك دون أن تنسى الروائية دفع قارئها للتزود بمجموعة من الأحكام والتي تقولها نازك الحكيمة ومنها: النساء لا يقمن وزنا كبيرا لنساء شغلن ماضي الرجل، بينما الرجل تفترسه خبايا الماضي في تاريخ أي أمرأة، والحب يأتي ولا يوجد، والطرقات الطويلة تبث الخوف وتبيح نفسها للأشرار.

ولابد من أن أذكر أنني شعرت في نهاية رواية "نازك خانم" من أن هناك ما سيتبعها سردا قد يركز بشكل واضح على الحوار، وقد يدخل في ميدان صراع الأفكار بين الحداثة والمعاصرة من جانب والماضي والتاريخ والتراث من جانب آخر.

 

أروع قصائد الرثاء العربي (4): تماضر الخنساء أجملهم .. الشعراء الجاهليون يندبون

karem merzaتماضر الخنساء ودريد بن الصمة رثاءً، ومن هو ابن حذام؟، ويزيد بن خذاق، متمم بن مالك، عبد الله بن عمر بن العزيز، ربيع الأسدي، مسكين الدارمي، وأخو الخنساء صخر بن عمرو.. وغيرهم استطراداً

 

وصل إلينا الشعر العربي تام النضوج مكلالاً بتاج امرئ القيس أميرهم، وحامل لوائهم ...، ومحكما حكيماً رصيناً بلاميتهم على لسان الصعلوك اللامملوك الشنفرى ناصر الإنسان والمرأة والحرية، وأول صلة شاعرية بين العرب البائدة والعرب الباقية بعاربتها ومستعربيها، هي ندب وبكاء ورثاء وإليك ما نقله عبد القادر البغدادي في خزانته: " قال ابن الأثير في " المرصّع ": ابن حذيم شاعر في قديم الدهر، يقال إنّه كان طبيباً حاذقاً، يضرب به المثل في الطبّ فيقال: " أطبّ بالكيّ من ابن حذيم "، وسمّاه أوسٌ حذيماً - يعني أنّه حذف لفظ ابن - فقال: عليمٌ بما أعيا النطاسيّ حذيماً ويقال ابن حذام أيضاً، وإنّه أوّل من بكى من الشعراء في الديار، وهو الذي سمّاه امرؤ القيس في قوله: (الكامل):

عوجا على الطّلل المحيل لعلّنا *** نبكي الدّيار كما بكى ابن حذام

وابن خذام بالخاء المعجمة أشهر، وقيل هما اثنان. وقال في الخاء المعجمة: ابن خذام هو المذكور في حرف الحاء على اختلاف الروايتين، فمنهم من جعله إيّاه ومنهم من جعلهمااثنين. ويقال: إن هذا البيت الذي في قصيدة امرئ القيس له، وهو: (الطويل)

كأنّي غداة البين حين تحمّلوا *** لدى سمرات الحيّ ناقف حنظل" (15)

وقد اختلف في ضبط اسمه فالذي رواه الآمدي ابن خذام بمعجمتين، وقال ابن رشيق في " العمدة ": الذي أعرف أن ابن خذام بذال معجمة وحاء غير معجمة كما روى الجاحظ وغيره، ومثله للعسكريّ في " كتاب التصحيف " قال: ومنهم امرؤ القيس بن حمام ابن عبيدة بن هبل بن أخي زهير بن جناب بن هبل. ويزعم بعضهم أنّه الذي عنى امرؤ القيس بقوله: نبكي الديار كما بكى ابن خذام وكان يغزو مع مهلهل، وإياه أراد مهلهلٌ بقوله

لما توغّل في الكراع هجينهم *** هلهلت أثأر جابراً أو صنبلا

فالهجين هو امرؤ القيس بن حمام. وجابر وصنبل: رجلان من بني تغلب (16)

ويقال أول من ندب نفسه - كما أسلفنا، وما استشهدنا - هو يزيد بن خذاق الشني، يذكره الثعالبي في (لباب أدبه) قائلاً: روى له أبو عبيدة قوله:

هل للفتى من بنات الدهر من واق *** أم هل له من حمام الموت من راق

ومنها قوله الذي سار مثلا:

هون عليك ولا تولع بإشفاق *** فإنما مالنا للوارث الباقي (17)

وهذا ابن داود الأصبهاني في (زهرته)، دعنا نقتطف من ندبها ما يندب العين ندباً:

ذكروا أن متمم بن نويرة كان لا يمر بقبر، ولا يذكر الموت بحضرته إلا قال: يا مالك ثم فاضت عبرته ففي ذلك يقول:

وقالوا أتبكي كل قبر رأيته *** لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك

فقلت لهم إن الأسى يبعث البكا ****ذروني فهذا كله قبر مالك

والحقيقة أنّ أخوة القرابة من أقرب القرابات وأمتنها وولم يتوجع الإنسان العربي منذ الجاهلية إلا بـ (آخ)، ويمدّ همزتها مداً، وتأمل عبيد بن الأبرص كيف عبّر عن حاجته إلى أخيه بقوله: إني امرؤ في الناس ليس له أخٌ *** إما يسر به وإما يغضب

وهاك الآخر قصي بن كلاب، وهو يصورمدى تعلقه بأخيه، وامتناعه به

رزاحٌ ناضري وبه أسامي *** فلست أخاف ضيماً ما حييتُ

دريد بن الصمة:

نعود لرثاء الأخ، وإليك من رائعة دريد بن الصمة، إذ يرثي أخاه عبد الله الذي قتله غطفان:

أرَثَّ جَدِيدُ الْحَبْلِ مِنْ أُمِّ مَعْبَدِ ****** بِعَاقِبَــــةٍ وَأَخْلَفَتْ كُلَّ مَوْعِدِ

وَبَانَتْ وَلَمْ أُحْمِدْ إِلَيْكَ جِوَارَهَا*** وَلَمْ تَرْجُ فِينَا رِدَّةَ الْيَوْمِ أَوْ غَدِ

أَعَاذِلَ إِنَّ الرُّزْءَ فِي مِثْلِ خَالِدٍ *** وَلاَ رُزْءَ فِيمَا أَهْلَكَ الْمَرْءُ عَنْ يَدِ

وَقُلْتُ لِعَرَّاضٍ وَأَصْحَابِ عَارِض* وَرَهْطِ بَنِي السَّوْدَاءِ وَالْقَوْمُ شُهَّدي

عَلانِيَةً ظُنُّوا بألفَـــيْ مُدَجَّجٍ *******سَرَاتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ

أمَرْتُهُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى ****فلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ

فلمَّا عَصَوْني كنْتُ منهُمْ وقد أرَى ******غِوَايَتَهُمْ وأنَّـني غيرُ مُهتَدِ

ومَا أنَا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غوَتْ ****** غوَيْتُ وإنْ تَرشُدْ غزَّيَةُ أَرْشُدِ

وإنْ تُعقِبِ الأيامُ والدهرُ تعلمُوا ********بَني قاربٍ أنَّا غِضَابٌ بِمَعْبَدِ

تَنادَوْا فَقالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فارِسًــا ********فقُلتُ أَعَبْدُ اللهِ ذِلِكمُ الرَّدِي

وإِنْ يَكُ عَبْــــدُ اللهِ خَلَّى مَكَانَـهُ ******* فَمَا كَانَ وَقَّافًا ولا طائشَ اليَدِ

ولا برِمًا إذَا الرياحُ تَنَاوَحَـتْ *******بِرَطْبِ العِضَاهِ وَالضَّرِيعِ المُعَضَّدِ

كَمِيشُ الإِزَارِ خارِجٌ نِصْفُ سَاقِهِ *******صَبُورٌ علَى العَزَّاءِ طَلاَّعُ أنْجُدِ

رَئيسُ حُرُوبٍ لا يَزَالُ رَبيئَةً ******* مُشِيحًا عَلَى مُحْقَوْقِفِ الصُّلْبِ مُلْبَدِ

صَبُورٌ على رُزْءِ المَصَائِبِ حافِظٌ ****** مِنَ اليَوْمِ أَدْبَارَ الأحَادِيثِ فِي غَدِ

صَبَا ما صَبَا حتَّى عَلا الشَّيْبُ رَأْسَهُ ******* فلمَّا علاهُ قـــالَ للباطِلِ ابْعُدِ

وهَوَّنَ وَجْدِي أنَّنِي لَمْ أقُـــــــلْ لَهُ ******* كَذَبْتَ ولَمْ أَبْخَلْ بِمَا مَلَكَتْ يَدِي

وكُنْـــــــتُ كأَنِّي واثِقٌ بِمُصَــــدَّرٍ *********يُمشِّي بأَكْنَافِ الحَبِيبِ فَمَحْتِدِ

غَدَاةَ دَعَاني والرِّمَاحُ يَنُشْنَهُ*********كوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ

وكُنْتُ كَذَاتِ البَوِّ رِيعَتْ فَأَقْبَلَتْ ***********إلى جِذَمٍ مِن مَسْكِ سَقْبٍ مُجَلَّدِ

فطَاعَنْتُ عنهُ الخَيْلَ حتَّى تَبَدَّدَتْ ******** وحتَّى عَلاني حالِكُ اللَّوْنِ أَسْوَدُ

طِعَانَ امْرِئٍ آسَى أخَاهُ بنَفْسِـــهِ *********** وأَعْلَمُ أنَّ المَرْءَ غَيْـــرُ مُخلَّدِ

وهَوَّنَ وَجْدِي أنَّمَا هُـــوَ فَارِطٌ ********** أمَامِي وأنِّي وارِدُ اليـــومِ أو غَدِ

وغَارَةٍ بينَ اليــــومِ واللَّيْلِ فَلْتَةٍ ********** تَدَارَكْتُهَا رَكْضًا بِسِــــيدٍ عَمَرَّدِ

سَلِيمِ الشَّظَا عَبِلِ الشَّوَى َشنِجِ النَّسَا ****** طَوِيلِ القَرَا نَهْدٍ أَسِـــــــيلِ المُقَلَّدِ

ويُخرِجُ مِنهُ صَـــرَّةُ القومِ مَصْدَقًا *******وطـــــولُ السُّرَى دُرِّيَّ عَضْبٍ مُهَنَّدِ

منها قوله يصف مصرع أخيه: و

أخ أرضعتني أمه من لبانها ******** بثدي صفـــاء بيننا لم يجدد

فجئت إِليه، والرماح تنوشه ***كوقع الصياصي في النسيج الممددِ

وكنت كذات البَوِّ ريعت فأقبلت *********إِلى قطع مِنْ جلْدِ بَوٍّ مُجَلَّدِ

فطاعنْتُ عنه الخيل حتى تنهنهتْ ***وحتى علاني حالك اللون أَسْوَدِ

قتال امرئ آســــى أخـــاه بنفسه ******** ويعلم أن المرء غير مُخَلَّدِ

تنادوا فقالوا: أَرْدَتْ الخيل فارسًا ********فقلت: أعبد اللهِ ذلكُمُ الرَّدِى؟

فإِن يــكُ عبد الله خلَّى مكـــــــانه ******* فما كان وقافًا ولا طائِشَ اليدِ

 

والأصفهاني صاحب (الأغاني)، يعرّفنا بهذا الدريد نسباً وصفة، وأخوة في جزئه العاشر قائلاً:

هو دريد بن الصمة. واسم الصمة، في ما ذكر أبو عمرو، معاوية الأصغر بن الحارث بن معاوية الأكبر بن بكر بن علقة وقيل علقمة، بن خزاعة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن.

وكان فارساً شجاعاً شاعراً فحلاً، وجعله محمد بن سلام أول شعراء الفرسان. وقد كان أطول الفرسان الشعراء غزواً، وأبعدهم أثراً، وأكثرهم ظفراً، وأيمنهم نقيبةً عند العرب، قتل يوم حنين. اوكان لدريد أخوةٌ وهم عبد الله الذي قتله غطفان، وعبد يغوث قتله بنو مرة، وقيس قتله بنو أبي بكر بن كلاب، وخالدٌ قتله بنو الحارث بن كعب، أمهم جميعاً ريحانة بنت معد يكرب الزبيدي أخت عمرو بن معد يكرب كان الصمة سباها ثم تزوجها فأولدها بنيه.

الخنساء:

نعود للخنساء، والعود أحمد، وقد قالت في أخيها:

وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ***** من الأجر لي فيه وإن عظم الأجر

وأجزع أن تنأى به بيـــــن أهله *******فكيـــــف ببين صار معتاده الحشر

وقالت أيضا:

يا صخر بنت فهاجني تذكاري ***** شأنيك عاش بذلة وصغار

كنا نعد لك المدائح كلها *******فاليوم صرت تناح في الأشعار

وقالت أيضا:

ألا يا صخر إن أبكيت عيني *** فقد أضحكتني دهرا طويلا

بكيتك في نساء معولات *****وكنت أحق من أبدى العويلا

دفعت بك الجليل وأنت حي ** فمن ذا يدفع الخطب الجليلا

إذا قبح البكاء على قتيل **** رأيت بكاءك الحسن الجميلا

ولما مات عاصم بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه أخوه عبد الله فرثاه فقال:

فإن تك أحزان وفائض عبرة **** أثرن دما من داخل الجوف منقعا

تجرعتما في عاصم واحتسبتها ***** لأعظم منها ما احتسى وتجرعا

فليت المنايا كن صادفن غيره ********فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا

وقال ربيع الأسدي يرثي أخاه:

كأني وصيفي شقيقي لم نقل **** لموقد نار آخر الليل أوقد

فلو أنها إحدى يدي رزئتها ** ولكن يدي بانت على إثرها يدي

وقال آخر في أخ له قتل:

زعموا قتلت وعندهم عذر **** كذبوا وقبرك ما له عذر

والله لو بك لم أدع أحدا ******* إلا قتلت لفاتني الوتر (18)

سأطيل المقام، وما كنت راغباً بالإطناب، ولكن لكل مقام مقال والحديث عن الأخ شجون لا تطال، وهذا مسكين الدارمي (ربيعة بن عامر بن أنيف - بالتصغير- بن شريح الدارمي التميمي)، يقول:

أخاكَ أَخاكَ إِنَّ من لا أَخــــاً لَه *** كســـــاعٍ الى الهيجا بغير سلاحِ

          وإِن ابن عم المرء فاعلم جناحُه *** وَهَل ينهضُ البازي بغير جناح

ومن حقّ السيدة الخنساء، بل من دواعي تلبية دوافعها الغريزية وحاجاتها العاطفية أن تندب أخويها، وتبكيهم وترثيهم، والمرأة - عموماً - تجيد الندب والرثاء، لعواطفها الجياشة، ودموعها السبّاقة، ولوعتها الشجية، وآهاتها النفسية، لا يهمني إن تعددت الأراء والندب واحد ! وكما ذكرنا عن ندب الجليلة جليلة بنت مرّة زوجها وحظها، في الحلقة السابقة، فلا مناص من التطرق إلى ندب تماضر الخنساء لأخويها، والشيء بالشيء يُذكرُ ! يقول داود الأنطاكي في (تزيين أسواقه في أخبار عشاقه) عن صخر بن عمرو:وكان من أشجع العرب وأكرمهم وأجملهم، وكانت تحبه سلمى بنت عوف بن ربيعة بن حارث الرياحي، وصخر هذا هو أخو الخنساء المشهورة فيه بالشعر.

وكان عاهد سلمى على أن لا تتزوج بعده وهو كذلك عاهدها، وكان يقول إذا نظر إليها لا أكره الموت إلا أنه يفرق بيني وبين هذه. فلما كان اليوم المشهور بيوم الكلاب وهو الذي تحارب فيه بنو عوف وبنو الحرث، التقى صخر مع ربيعة بن ثور العوفي الأسدي بعدما غلبت بنو الحرث على بني أسد ونهبتهم فطعن ربيعة صخراً، وكان رمح صخر قصيراً فأصاب ربيعة في بطنه حلقاً من الدرع فمرض صخر سنة بالطعنة، فكانت أمه تلاطفه وقصرت سلمى في خدمته، فسمع يوماً امرأة تقول لأمه كيف حال صخر ؟ فقالت نحن بخير ما دمنا نرى وجهه، وسألت امرأته أخرى فقالت لا حي فيرجى ولا ميت فينعى، فغم لذلك وأنشد:

فأي امرىء ساوى بأم حليلة *** فلا عاش إلا في عنا وهوان

وحكى في النزهة أنه جلس يوماً ليستريح وقد رفع سجف البيت فرأى سلمى واقفة تحدث رجلاً من بني عمها وقد وضع يده على عجيزتها فسمعه يقول لها أيباع هذا الكفل فقالت عن قريب.

فقال صخر لأمه علي بسيفي لأنظر هل صدىء أم لا فأتته به فجرده وهم بقتل سلمى، فلما دخلت رفع السيف فلم يستطع حمله فبكى وأنشد:

أهم بأمر الحزم لو أستطيعه *** وقد حيل بين العير والنزوان

وهذا مثل يضرب للعجز والبيت والذي قبله من قصيدة لصخر وأولها:

أرى أم صخر لا تمل عيادتي *** وملت سليمى مضجعي ومكاني

وما كنت أخشى أن أكون جنازة **** عليك ومن يغتر بالحدثان

آهم بأمر الحزم لو أستطيعه ***** وقد حيل بين العير والنزوان

وبعد موته، تزوجت سلمى بعده. (19)،

هذه هي الدنيا حوت يأكل حوتاً، والعيت بالعين، والسن بالسن، والبادي أظلم، والتاريخ أطلم، لا تستطيع رؤيتنا أن تخترق الحواجز وغبار السنين المعتمة، لاسيماأنّ أحادث العصر الجاهلي لم تدوّن، وصلتنا على ألسنة الرواة، والرواة كما يقال (حبْ واحجي، واكرهْ واحجي !!)، وإن دوّنتْ لم تغربلْ، وإن غربلتْ (كلّ واحد يحيد النار لكرصته). نعود لخنسائنا التماضر، والعود أحمد وأجمل !!

:(575 م - 24 هـ / 645م ) التعريف بالخنساء

يذكر صاحب الأغاني عن نسب الخنساء هي: بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، واسمها تماضر، والخنساء لقب غلب عليها وفيها يقول دريد بن الصمة، وكان خطبها فردته وكان رآها تهنأ بعيراً - كامل -

حَيُّوا تُماضِرَ واربَعُوا صحبي *** وقِفُوا فإنَّ وقوفَكُمْ حسبِي

أخُناسُ قد هامَ الفؤادُ بكمْ **********وأصابه تَبْل من الحُبِّ

فأرسلت إليه ما كنت لأدع بني عمي وهم مثل عوالي الرماح وأتزوج شيخاً، فقال - وافر-

وقاكِ الله يا ابنةَ آل عمروٍ **مِن الفتيانِ أشباهي ونَفْسِي

وقالت إنّني شيْخٌ كبيرٌ ****** وما نَبّأْتُها أنِّي ابنُ أمس

فلا تلِدِي ولا يَنكحْكِ مثلي **** إذا ما ليلة طرَقَـتْ بِنَحْسِ

فقالت الخنساء تُجيبه - وافر -

مَعَاذ اللهِ يَنْكِحُني حَبَرْكَى *** يقال أبوه من جُشَمَ بنِ بكْرِ

ولو أصبحْتُ في جُشَمٍ هَدِيّاً **إذاً أصبحْتُ في دَنَس وفَقْرِ(20)

لعلك ترى بوضوح، كيف كان حال المرأة في ما يسمى بالعصر الجاهلي، وحريتها في إبداء رأيها بجرأة متناهية في قضية الزواج، وهي قضية حساسة جداً، دون تحرّج أو إحساس بالضعف، بل ترد الصاع صاعين في حججها الغريزية، والنفسية ! ولك أن تعلم قد سميت تماضر لشدة بياض لونها وكانت بارعة الجمال وغلب عليها لقب الخنساء (وهو مؤنث أخنس) وهي صفة تأخر الانف عن الوجه أو انخفاض قصبته ولم يفت سادات العرب وفرسانهم أن يتقدموا لخطبتها غير السالف الذكر الـ (الحبركي)، ولو كنت تعلم من هذا الحبركي عندها ؟! هذا

سيد بني جشم، وفارسها المظفر الدريد بن الصمة المذكور، وما كان يخاف شيئاً، فقد شارك في نحو مائة معركة، ما اخفق في واحدة منها، كما يقول صاحب (أغانيه) (21)، ورفضت مثله سيد بني بدر !!

نعم كانت المرأة الخنساء قوية الشخصية، حرّة التفكير، بارعة الجمال، شاعرة المراثي، نجدية المعاني، شامخة بكبرياء لحسنها الفتان، واثقة الخطى والنفس بطمأنينة عزّتها في بيت كريم، وأب سيد قومه فتى الفتيان، إلى أن تقدم لخطبتها (رواحة بن عبد العزى السلمي) وتزوجها وأنجبت منه أبو شجرة، عبد الله . طبعاً شاعرتنا أسلمت، وأصبحت صحابية جليلة، فهي شاعرة مخضرمة، ويذكر كرنكوف في (دائرة المعارف الإسلامية)، وتقدم اليها مرداس بن ابي عامر السلمي، الملقب بالفيض لسخائة.. ذلك بعد مقتل صخراثناء حدادها على أخيها وابيها، ومات المرداس في احدى مغامراته تاركاً للخنساء أربعة بنين (22) ورثته بقصيدة، لا توازي ما ندبت بها أخويها. أطلّ علينا الصباح، ونتوقف عن الكلام المباح إلى فرصة تُتاح !! والسلام في الختام للقرّاء الكرام

 

كريم مرزة الأسدي

..........................

أعتذر عن ذكر المراجع والمصادر حتى طبع الكتاب !!

المسرح العربي حالة غياب .. قراءة في رسالة "عايدابي" لليوم العربي للمسرح 2015

hayelali almotheabiفي رسالته في اليوم العربي للمسرح 2015 قال البروفيسور يوسف عايدابي : " لا نريد مسرحاً للنخبة أو لفئة قليلة في بلداننا التي ترزح تحت نير الحروب والجوع والفقر والمرض. في مثل بلادي الكليلة العليلة الممزقة، المقطوع شطرها – الغابة جنوباً، والمنفصل شقها – الصحراء شمالاً، لا نريد للمسرح إلا أن يكون أداة اجتماعية ووسيلة للمقاومة والكفاح ضد التفرقةِ والاحتراب. على المسرح أن يكون في مناطق النزاع والشقاق، وفي أماكن العلم والتنمية، فرصةً للتسامح والتعايش والحوار؛ بل ولتقريب شقة الخلاف والاختلاف .

مسرح اليوم في بلداننا هو ذلك الحبل السري، فلا ينبغي أن يكون إلاّ عضوياً بسيطاً مباشراً، متحللاً من الزوائد، منطلقاً من الناسِ ومن وحيهم. أن يكون المسرح وصلاً في كلِ مكان، فما جدوى مسرحٍ في المدينةِ لمن يسخّره لإلهاءٍ في غير مصلحة الناس، بينما ربوع البلادِ في غمٍ وهمٍ وظلمةِ ليلٍ؟

نريد المسرحَ بدراً في ليل الأوطانِ، ونوراً في دروبها، وصوتاً هادراً في ميادينها، ونفيراً في بواديها؛ بل وبوسع المسرحِ أن يكون وسيلة ماضية مستدامة لتنمية الإنسان الجديد والمجتمع العربيّ الجديد .

فما علينا كمسرحيين إلاّ أن نعيد النظرَ في فكرة المسرح ودوره وووظيفته المبتغاة، وأن نتأكد أننا لا نحاكي ونتبع الغرب سيراً في الركب المتعولم .. إن ظروفنا الراهنة إجمالاً مضطربة متقلبة، وأناسنا يتطلعون حقيقة إلى ثقافةٍ بديلةٍ مختلفةٍ تهديهم السبيلَ إلى وجودٍ مغايرٍ، وحياةٍ أكثر سلماً وعدالةً. وعلى المسرح أن يكونَ في طليعةِ أدوات المستقبل، وإلاّ فهو لزوم ما لا يلزم، زبدٌ يذهب جفاءً، فيا أهل المسرح، استيقظوا ." انتهى .

ثمة دواعٍ كثيرة لغياب المسرح في الوطن العربي منها ما اشترك فيه الجميع مسرحيون ومؤسسات وجمهور، ومنها افتقار الواقع إلى تداعيات وموجبات ضرورية لوجوده، على الأقل في نظر من يدعون وجود بدائل أخرى أغنت عنه، وسلم بها المسرحيون أنفسهم.. بدائل كانت أسرع وأسهل خصوصاً في موجة المد التكنولوجي الذي اجتاح العالم، وهيمنة الإمبريالية الثقافية التي صبت العالم في قالب الدول الكبرى، وما تسعى أيضاً إليه العولمة، وكذلك هناك دور للمؤسسات التي تساعد هؤلاء بعدم وعي القائمين عليها لطبيعة الصراع الدائر، وهو ما سعى سعياً حثيثاً إلى تحطيم مركزية المسرح، ومثلما نعرف فإن الإمبريالية الثقافية والعولمة سلاح فتاك تستخدمه الدول الكبرى في العالم لمسح هوية المسرح الذي ما زالت تمارسه بعض الأنظمة الاشتراكية الموجودة في العالم. ونعرف تماما أن الاتحاد السوفياتي - الشيوعية هم أهم من أعطى المسرح وأوفاه حقه، على فترة من الفترات فقط، فحمل المسرح لديهم ملامح وهويّة الثورة والرفض والتمرد، ليس لأنه كذلك في طبيعة جوهره، ولكن لأنه كان ضمن عدة وسائل وأدوات فنية أخرى اقتضى ظهور الشيوعية والاشتراكية استخدامها لترويج أفكارها، في مرحلة كثرت فيها الثورات، وهنا بالضبط كان ذلك الغياب ينام، ففي حين تناهض الإمبريالية والعولمة أدوات الشيوعية ووسائلها نجد للأنظمة الشيوعية ووسائلها وعلى رأسها المسرح عدواً آخراً وهو الكثير من الدول العربية المسلمة، ليس من اجل المسرح وأفكاره، وإنما لأفكار الشيوعية والاشتراكية التي ألصقت به، والتي من ضمنها إلغاء الدين من حساباتها إذ كانت دعوة عالمية أكبر من الدعوات القومية الأممية وهذا مارمت إليه ضمنياً رسالة يوسف عايدابي ..

ولهذا دعت وسعت بعض الدول المسلمة إلى إيجاد مسرح بديل، ولكن ليس كضرورة ثقافية وحضارية، وإنما كترف زائد، وخوفاً من أن تتهم بالتخلف، فكان لحرية المسرح سقف محدود وواطئ، وأيضا يكون المسرح فيها بطريقة تناسب عادات وتقاليد العرب والمسلمين حتى لو بدا المسرح حينها بلا روح، وبلا حرية، وبلا فكر أيضا، في أحيان كثيرة، وهذا أدى إلى غياب المسرح وتغريبه أكثر عدا ما شوهت ملامحه العولمة والإمبريالية الثقافية، فحولته إلى كائن مسخ لا ينتمي لا إلى أنظمة ولا إلى فن وليس له جمهور حتى ..

وثمة تجارب عربية، رغم ذلك، كتجربة الإمارات العربية المتحدة متمثلة في الهيئة العربية للمسرح بإمارة الشارقة، كانت وما زالت، تسعى إلى منح المسرح هوية حضارية، موائمة للتغييرات الطارئة على العالم ومعاصرة، بعيداً عن جعله ينتمي لأي شيء سوى الفن والخلق والإبداع، ففعلت معه مثلما يفعل الرسام حين يختار نماذجه من الطبيعة فيضيف لها شيئاً ويحذف آخر ، ينتخب شيئاً، ثم ينفخ فيها من لهب روحه فإذا بها مخلوق جديد له صلةٌ بماضيه لكنها تُنسب من جديد إلى الرسام، تحمل هويته ..

إنها صرخة ليوناردو دافنشي " افتحوا عيونكم أيها البشر"، وبلا شك فإن منح المسرح هوية الاشتراكية والشيوعية ظلم لهذا الفن، وتغريب له، لأنه اكبر منها، وبالمثل فإن منحه هوية إسلامية أو أي هوية دينية أخرى ظلم أيضا، وكل ذلك يزيد المسرح غياباً وتغييباً، ولأجل ذلك يجب الإيمان بأن المسرح فن بل وأبو الفنون جميعا، أكبر من الانتماءات الضيقة التي يَسِمُونهُ بها، وإن سلمنا بذلك في لحظة وهن، أي سلمنا بانتماء المسرح فإن ذلك يستوجب البحث عن مسرحة المسرح لتبديد غربته وانتمائه في لحظات القوة، لأن المسرح هو نحن، وخشبته دنيانا، التي نحيا فيها، ونحن أحرار، مثلما خلقنا الله، وعليه يكون المسرح حراً كذلك بالضرورة ..

وحتى لاننسى شيئاً من أسباب التردي والغياب الذي وقع فيها المسرح فثمة الكثير والكثير أقول – إلا من رحم ربك – ممن يمارسه في الوطن العربي كالذي غلب على أمره، من اجل التكسب وليس لأن للمسرح رسالة عظيمة يجب أن نؤمن بها ونؤديها، وحيناً يرونه وسيلة للسفر، غافلين عن أن المسرح حين نفهمه سفر بذاته وتمرد وتحليق وسياحة، لا نحتاج معه إلى فيزة أو طائرة أو حتى مضيفة تخبرك أنه يلزمك ربط الحزام لا لشيء إلا لأنك بأمان حين تقلع وحين تهبط ولا خوف عليك ولا هم يحزنون...!!!

إن المسرح العربي يحتاج إلى جهود جبارة من أجل مسرحته، وعموماً فما يزال العرب متهمون بالمسرح كتهمة الذئب بدم يوسف، لكن ورغم كل ذاك تبقى لنا أسوةٌ حسنة في الهيئة العربية للمسرح فشكراً على كل ما تفعله وتناضل من أجله..!!

 

هايل المذابي

قراءة استكشافية في مجموعة "البلبل خارج أقفاصه" للشاعر ناهض الخياط

ahmad alhiliكادحٌ في مَشاغلِ الجَمال

تعودنا من صديقنا الشاعر ناهض الخياط أن يفرش أمامنا بين آونة وأخرى مائدةً عامرة بأطايب الشعر بما يحويه من معاني مبتكرة وقيم جمالية رصينة وسط هذه المفازة والجدب الثقافي الذي يحيط بنا من كل جانب .

يطل علينا الشاعر بإطلالته البهية عبر مجموعته الجديدة " البلبل خرج أقفاصه" الصادر عن المركز الثقافي العراقي الذي يديره بجدارة صديقنا الشاعر ولاء الصوّاف، محاولاً أن يمسك بخيوط لحظته الراهنة، بكل امتداداتها الوجدانية والاستذكارية والإحتفائية ...

كرنفالات من الوجد والشغف

يتمترس الشاعر هنا بكل شغفه وهيامه بالمرأة، بوصفها كائناً قادراً على اجتراح المعجزات ، وتطل علينا امرأةٌ استثنائية بعينها يتوجّه إليها الشاعر بغالبية قصائد هذا الديوان الممتع، بوسعنا أن نلحظ حجم الزخم الوجداني الذي يتملك قلب الشاعر تجاه هذه المرأة الأسطورية، التي من المؤكد أنها أدركت واستوعبت المغزى العميق لمعنى أن تكون امرأةٌ ما ملهمة لقريحة وقلب شاعر ...

من المؤكد والواضح أن هذه المرأة ليست مما يجترحه خيال شاعر يقترب من الدخول في طور الكهولة، إنها امرأة من لحم ودم، ولكنها لا تقيم إلى قريباً منه أو إلى جواره ليستشعر دفأها، وإنما هي تعيش في مدينة نائية من مدن الله التي تسبح بالضياء والألوان والكرنفالات ... والميزة الأكثر مواءمة أنها شاعرة أيضاً، وهي صفة استثناية مضافة ... من الوضح لنا ومن خلال مجريات القصائد، أن هذه المرأة متواصلة ومتواشجة مع الشاعر وجدانياً، وهذا هو الحل الأمثل والأنسب لطرفي المعادلة ، ودليلنا في ذلك أنها هي من تولت كتابة كلمة الديوان الاحتفائية ، ومما جاء فيها ؛

" يمتلك الشاعر المبدع ناهض الخياط أسلوباً شعرياً متميزاً في معظم قصائده، إذا لم نقل في جميعها، حيث أنه يستخدم أسلوب السهل الممتنع، لكن بطريقة حديثة وجديدة من خلال لغة رقراقة كالماء الزلال، يزاوج فيها ما هو واقعي ملموس بما هو ميتافيزيقي غيبي مجهول، أو بما هو رومانسي خلاب وجميل، يشمل كل مفردات الطبيعة التي تحيط بالإنسان بعيدا عن التلوث السياسي والاجتماعي.

إنّ الشاعر ناهض الخياط يستحضر كل العالم وتناقضاته في القصيدة التي يكتبها...وبلا صناعة أو تكلف، بل العكس، بكل بساطة بلاغية مفعمة بالجمال الساحر، وخالية من التعقيد، ومن المفردات اللغوية الخشنة،والحادة الوقع على نفس المتلقي، وفي الوقت نفسه إنه يمتلك عيناً سحرية، وروحاً شفافة قلّ نظيرها في التقاط الصور الشعرية البارعة، وبتلقائية الكاهن العارف بكل فنون وأدوات الشعر الحقيقية التي لم يزل يبحث عنها أغلب الشعراء لحد الآن.

هذا هو الشاعر (ناهض الخياط) قريب من الشعر العالمي وبعيد عن الأضواء ".

ومن أجل أن نلمَّ بمديات هذا الشوق والمشاعر الجيّاشة، يحسن بنا أن نستحضر خارطة استكشافية من المقاطع التي تتمحور معانيها حول هذا الهارموني ....

* أيتها الجميلة / هناك من يدعوني إليه / بين حين وحين / بلا بطاقة / أو كلام

ولا رسول يبلغني تحيتهْ / ولكنني أسمعه ! قصيدة " كيف يكتب الياسمين"

* ما جدوى الأيام / حين تغلق الحدائقُ أبوابها / وتُقفَل أسواقُ العطور

فلا تبقي النسائمُ لروحي / صلة معك / وأنتِ في أقصى البعيد ! قصيدة " الأيام من دونكِ" .

* فأين ذاك المساء / وذاك الصباح الذي / ترى فيه كل يوم حبيبتك / تلك التي

وشمتْ قلبك / بإبرة كبريائها . قصيدة " ليل بين شمعتين"

* فأنهض للنافذة / لأرى النجمة التي أحبها / ملهمتي / ودليل قصائدي تحت السماء/ هذه الزهرة ُ/ جمال التواضع / وكبرياء الجمال / مرشدة الحب .

قصيدة "إنها ملهمتي"

* فضعي قصيدتي / في مشدّ صدرك الجميل . قصيدة" عشيقة الفصول"

* وأرى

وجوه أحبتي

وأولها الشاعرة التي

سميتَها، أنتَ، بالجميلة . قصيدة " بأي لون أرسمكِ"

* هذه الليلة كسابقاتها / ذاهبة ٌلحتفها / فمن يأخذني من صمتها وظلامها / لليل بعيد

بين يدي شاعرة ٍ/ تسمعني نبضَ قلبها / ورؤيتَها / عند مائدةٍ من ضياء. قصيدة " هذه الليلة كسابقاتها " .

* شاعرتي الجميلة ُ / تشير لي ! قصيدة " الأصدقاء قادمون"

* جميلتي / تنقر بأصابعها الآن مفاتيح الحروف / لترسل عبر الفضاء الشاسع بين آفاقه ِ/ ما تراه يعيد لي فتوّة قصائدي

لأصرخ بوجوههم / وأبتعد عنهم مشيحاً بوجهي

إلى الوردة ِ

وإلى الشمس في أفقها . قصيدة " أبجدية الحب الجميل " .

* إليها أكتبُ، وينطلقُ الزاجلُ، لأنها في في كل أحوالها ملائةٌ تُنشِدُ

                             قصيدة "

* لن يحول بُعدك البعيد ما بيننا / فأنا أراك في الوردة / وأسمعك في النسمة / وألمسك في ورقتي . قصيدة "سأظل هكذا "

* أيتها الغزالة الشرود / لقد اخترقتِ كمائني كلَّها، وبقيتُ واجماً مستسلماً عندها رافعَ اليدين . قصيدة " تنتظرك الشمس في أفقها " .

* وأنتِ كما أعرفكِ / بلونِكِ وعطركِ وصوتِكِ / طائرٌ من ضياء ْ . قصيدة يسألني الشعراءُ عنكِ .

* أنتِ معي / تحتَ جفوني / وفي منامي / وعلى شفتي وفي يقظتي ! قصيدة" أنتِ معي .

 

ماسات القلادة الشعرية

وبطبيعة الحال فإن شاعرنا لا ينسى أن يرصّع أشعاره ببعض الماسات الذهنية النادرة التي قلما نعثر على مثيل لها في مجاميع الآخرين، التي يمت بعضها إلى الحكمة الراقية وهي تنقدح في وجدانه، وبعضها الآخر ينتمي إلى ما يمليه تراكم الخبرة في ميدان الكتابة أو التجربة الحياتية وما تختزنه العلائق الإنسانية، وهي صور غاية في الجمال والبراعة، وبوسعنا أن نقتبس بعضاً منها هنا ؛

* فيا صديقي !

أيها الكادح في مشاغل الجمال !

لقد أحالك الحب على المعاش

وعمرك غادره النهر

وأقلعَ عنه السحاب

حتى الندى

وما ينثّ عليه الضباب !

ولكن جميلتك

لم تزل تخاطبك

فيخضر غصنٌ

وتصدح تغريدة البلبل ِ ! قصيدة " كادح في مشاغل الجمال"

* أشباح ليل

تحاول أن ترقّع الظلام الذي

تمزقه بشمعتك

وبياض ورقتك

بنورٍ لا تعرف من أين يجيئ ! قصيدة "في ورقتي نور"

* أيتها الحرية !

يا ابنة الجمال

ووريثته الخالدة !

لا غنى ليَ عنك           قصيدة "الحرية"

* أنا الآن أمشي

بين شجرٍ أخضر

أطاوله بخضرة روحي ! قصيدة " الضياء الذي بين عينيّ"

 

* وعيناكَ ترنوان إلى السماء

لعلك ترى قمرَك

الذي يُطِلُّ عليك من فلك أزراره       قصيدة " لم يزل قلبُكَ خفق جناح"

* قليلٌ من الشعر

يكفي لليلٍ طويل                           قصيدة " قليلٌ من الشعر"

 

* لو اُلهِموا ببيت شعر  

لسمعوا

كيف تتكلم الوردة بصمتها

وحفيفها مع النسمة والرياح

ورأوها كيف تميس ملوّحة َ

للشاعر حين يمر قربها                           قصيدة "الوردة تكلمني"

 

* لذا أحببتُ القمرَ

ليسَ كما يُحبّه الشعراءُ الأقدمون

بل لتثملَ به روحي !                                 قصيدة " قصيدة غامضة"

 

*وجوهُنا

تلك التي ترى فيها

البروقُ الرياحُ جنونَها

فتصمتُ !                               قصيدة " مع الزمن الكسيح"

 

* وما نُخبّئه من الجمرات

تحتَ رماد أعمارِنا

لنوقد بها مصابيحَنا وننطلق !

في نهاية هذا الشوط الممتع من الإبحار عند الشواطئ الساحرة والخلابة التي صنعها لنا خيال شاعرنا المرهف، يتحتم ويتوجب علينا أن نحييه ونكبر فيه هذه الروح الوثابة التي لم يزدها تقادم العمر إلا تألقاً ولمعاناً، شأنها في ذلك شأن اللقى الثمينة النادرة، أو أية خمرةٍ معتّقة .

 

عزرا باوند .. مراجعة (2): مقدمات نقدية1

adil salehكان الشاعر فيما مضى من الأزمان يستلقي في حقل اخضر مسندا رأسه الى شجرة ويعزف لاهيا على صفارة رخيصة، واسلاف قيصر يغزون الأرض، واسلاف كراسوس الذهبي يختلسون الأموال، وقواعد اللباس والسلوك تعبر عن رأيها، وهم يدعونه وشأنه. ويحتمل انه كان راضيا تماما بهذه الحالة، اذ لدي بعض من شك في انه قد يأتي بين الحين والآخر عابر سبيل تملكه الفضول كي يعرف لماذا يستلقي احدهم تحت شجرة ويعزف على صفارته الرخيصة لاهيا ليتحدث معه، وان من بين عابري السبيل هؤلاء يظهر بين الفينة والفينة شخص ذو سحر وجاذبية او سيدة شابة لم تقرأ (الانسان والإنسان المتفوق) [احدى مسرحيات برنارد شو-المترجم]؛ وحين نعود بنظرنا الى الوراء لنرى الأمور على حالتها البسيطة هذه فإننا نسميها عصر الذهب.

يؤكد لنا ميتاستاسيو [شاعر غنائي واوبرالي ايطالي 1698- 1782 – المترجم]، وهو العارف افضل من غيره، بأن هذا العصر يدوم - حتى لو كان الشاعر الحديث يتوقع منه ان ينادي مروجا لأشعاره عبر حاكية انبوبية مخاطبا محرري المجلات الرخيصة- أس. أس. مكلور، او شخص ما من هذا النوع-حتى لو تقابلت حشود من المؤلفين بوضع كئيب وشربوا نخب "فاتورة حقوق النشر"؛ وعلى الرغم من وجود هذه الأمور، فان عصر الذهب يصلح للوصف. على نحو لا يمكن إدراكه، ان شئت، إلا انه يصلح. انك تقابل امايكلاس الأشعث في احد مطاعم سوهو وتترنمان معا عن اشياء ميتة ومنسية—انها طريقة في الكلام عند الشعراء ان يترنموا عن أشياء ميتة نصف منسية، ولا يبدو ان ثمة ضيرا في ذلك، فلطالما فعل الشعراء ذلك—وخير للمرء ان يكون كاتبا في دائرة بريد من ان يعتني بمواش كثيرة نتنة وقذرة —وفي ساعة اخرى من النهار، يستبدل المرء صالة الاستقبال بالمطعم وربما يكون الشاي سائغا اكثر من شراب الميد وحليب الفرس وقليل من الكعك اكثر من العسل. وبهذه الطريقة يبقى المرء حيا بعد استقالة السيد بلفور، وظلم دائرة الضرائب الأميركية، وذلك البركان الجهنمي، الصحافة الدورية. ثم في خضم ذلك، ولعدم وجود شخص آخر يكون على ما يبدو قادرا ومتوفرا في الحال، يستوقف المرء ويطلب منه توضيح موقفه.

ابدأ هكذا بنبرة تخاصمية، لأنني افضّل كثيرا ان استلقي فوق اطلال ارضية غرفة استقبال كاتولوس وأتأمل السماء الزرقاء تحتها والتلال الممتدة نحو (سالو) و(ريفا) مع آلهتهم المنسية تتنقل دون عائق بينهم، على مناقشة اية اجراءات ونظريات فنية مهما كانت. انني افضل لعب التنس على ذلك. لن اناقش.

 

عقيدة

الإيقاع - انني مؤمن بـ"ايقاع مطلق"، بمعنى ايقاع شعري يستجيب استجابة دقيقة الى الانفعال او ظل الانفعال المراد التعبير عنه. ان ايقاع المرء ينبغي ان يكون تفسيريا، وسيكون بالتالي وفي آخر المطاف ايقاعه هو، غير مزيف ولا يمكن تزييفه.

الرموز: - اؤمن بأن الرمز المناسب والمثالي هو الشيء الطبيعي، اي اذا كان لا بد على المرء ان يستعمل "رموزا" فعليه ان يستعملها بطريقة لا تجعل الوظيفة الرمزية مقحمة إقحاما كيلا يضيع معنى ما في المقطع الشعري، او ميزته الشعرية على اولئك الذين لا يفهمون الرمز كرمز بحد ذاته، اولئك الذين عندهم الصقر صقر على سبيل المثال.

التقنية: - اؤمن بالتقنية بوصفها اختبارا لصدق المرء؛ بالقانون حين يكون ممكن التحقق؛ بأن اطأ على كل تقليد يعيق او يحجب حكم القانون، او التعامل مع الدافع/النزوة تعاملا دقيقا.

الشكل: - اعتقد ان ثمة محتوى "سائلا" ومحتوى "صلبا" ، وان بعض القصائد قد تمتلك شكلا مثلما تمتلك الشجرة شكلا، بعضها كأنها ماء مسكوب في زهرية. وان اكثر الأشكال المتساوقة لها استخدامات معينة. وان عددا هائلا من المواضيع لا يمكن ان تعالج بدقة وبالتالي على نحو صحيح ملائم في اشكال متساوقة.

"مؤمنا بأن الشيء الوحيد ذا القيمة هو ذلك الذي يوظف فيه الفن الكامل،"2 فإنني اعتقد بأن على الفنان ان يتقن كل اشكال البحور الشعرية ونظمها المعروفة، وإنني قد بدأت بذلك بشيء من الإصرار، باحثا على وجه الخصوص في تلك المراحل الزمنية التي ولدت خلالها هذه النظم او بلغت نضجها. لقد شكى البعض، ولهم بعض الحق في ذلك، من انني ارمي اكداس دفاتر ملاحظاتي على الجمهور. انني اعتقد ان الشعر لن يحقق هكذا درجة من التطور، أو ان شئت، الحداثة، الا بعد نضال طويل، وانه سيكون ذا اهمية حيوية بالنسبة لأولئك الذين اعتادوا في النثر على هنري جيمز واناتول فرانس، وفي الموسيقى على ديبوسي. لكنني دائم الاعتقاد على نحو ثابت بأن الأمر استغرق دانتي قرنين من الزمان وقرنا من عمر توسكاني كي يطور ادواته التوصيلية في رائعته، وان الأمر تطلب علماء لاتينيات عصر النهضة وشعراء جماعة البلياد الفرنسية مع اللغة المزخرفة لعصره هو كي يهيئ لشكسبير ادواته. ان كتابة الشعر العظيم امر بالغ الأهمية، اما من الذي يكتبه فلا يشكل ذلك ادنى فرق. فما يقوم به رجل واحد من عروض تجريبية قد يوفر الوقت للعديدين – من هنا كان اعجابي بآرنو دانيال – اذا ما انتجت تجارب احدهم قافية واحدة جديدة، او استغنت كليا عن ذرة من الهراء الذي يحظى بالقبول في الوقت الحاضر، فانه يكون منصفا مع زملائه ليس غير حين يسجل النتيجة التي يحرزها.

لا أحد يكتب شعرا غزيرا كله "ذو قيمة." اي، من حيث الكم، لا احد ينتج الكثير الذي يعد نهائيا، وعندما لا يكون المرء فاعلا الشيء الأمثل هذا، قول الشيء مرة واحدة والى الأبد على اكمل وجه... فان الأجدر به ان يجري انواعا من التجارب التي قد تكون ذات نفع له في اعماله المقبلة، ولمن يأتون بعده.

"الحياة قصيرة جدا، الصنعة طويلة جدا لتعلمها." ان من الحماقة ان يبدأ المرء عمله على اساس غير متين، وانه من المشين ان لا يظهر عمل امريء تطورا مطردا او براعة متزايدة من بدايته الى نهايته.

اما بالنسبة للأعمال "المعدّة"، فان المرء يجد ان اساتذة الرسم القدامى ينصحون تلامذتهم بأن يبتدئوا بنسخ الروائع ثم يتوجهوا الى تأليفهم الخاص.

اما عن "ان كل انسان شاعر نفسه"، فانه كلما ازدادت معرفة المرء بالشعر كلما كان ذلك افضل. انني اؤمن بكل من يكتب الشعر وهو يريد ذلك، وأكثرهم يريدون. انني اؤمن بكل من يعرف من الموسيقى ما يكفي لعزف "الرب يبارك وطننا" على آلة الهارمونيوم، لكنني لا اؤمن بكل من يقيم حفلات موسيقية ويقوم بطبع خطيئته.

ان اتقان أي فن هو عمل عمر كامل. لا ينبغي ان اميز بين "الهاوي" و"المحترف". او بالأحرى ينبغي ان اميز في الأعم الأغلب لصالح الهاوي، ولكن علي ان اميز بين الهاوي والخبير. من المؤكد ان الفوضى الحالية ستستمر حتى يتم تلقين الهواة الدرس، حتى يكون هناك فهم عام لحقيقة ان الشعر فن وليس لهوا؛ معرفة كهذه بالتقنية، بتقنية السطح وتقنية المضمون، تجعل الهواة يتوقفون عن محاولة التفوق على المبدعين الكبار.

لو قيل شيء معين مرة واحدة والى الأبد في اطلنطس او اركاديا، سواء في العام 450 قبل المسيح او في العام 1290 بعده، فليس لنا نحن المحدثين ان ننبري لتكراره، او ان ننبري لطمس ذكرى الأموات بقول الشيء نفسه بمهارة اقل وبقناعة اقل.

ان تمسكي بالكتاب الكلاسيكيين وشبه الكلاسيكيين هو سعي حثيث من اجل اكتشاف ما تم انجازه، مرة واحدة والى الأبد، بشكل افضل مما يمكن ان ينجز ثانية يوما ما، وان اكتشف ما بقي علينا انجازه، وهو كثير، وذلك لأننا ان كنا لا نزال نمتلك ذات المشاعر التي اطلقت ألف سفينة ]اشارة الى مناجاة فاوست لهيلين طروادة في مسرحية (الدكتور فاوست) لكريستوفر مارلو- المترجم[، فمن المؤكد تماما اننا نتعامل مع هذه الأحاسيس على نحو مختلف، ومن خلال فوارق تفصيلية دقيقة ودرجات فكرية مختلفة. لكل عصر مواهبه التي يزخر بها ولكن ليس إلا بضع عصور تحولها الى مواهب دائمة البقاء. لا يكتب أي شعر جيد بأسلوب مضى عليه عشرون عاما، وذلك لأن الكتابة بهذا الاسلوب يظهر حصريا بأن الكاتب يفكر من الكتب والتقاليد والصيغ الجاهزة وليس من الحياة، ومع ذلك فان من يشعر بوجود قطيعة بين الحياة وبين فنه قد يحاول طبيعيا ان يعيد الى الحياة اسلوبا منسيا اذا ما وجد في ذلك الأسلوب خميرة ما، او ان ظن انه يرى فيه عنصرا ما لا يجده في الفن المعاصر يمكن ان يعيد به توحيد ذلك الفن مع مادة ديمومته، الحياة.

لقد رأيت في فن دانيال وكافالكانتي تلك الدقة التي افتقدها عند الفيكتوريين، اي ذلك التناول المحدد، سواء للطبيعة الخارجية او للانفعال. فشهادتهم شهادة عيان، وأعراضهم مباشرة.

اما بالنسبة للقرن التاسع عشر، فإنني اعتقد، مع كل احترامي لمنجزه، بأننا سنعاود النظر اليه بوصفه عصرا متسما بشيء من الضبابية والفوضى، عصرا عاطفيا ومتكلفا الى حد ما. اقول ذلك دونما اي شعور بالاعتداد والغرور.

اما عن وجود "حركة" او كوني جزءا منها، فان مفهوم الشعر بوصفه "فنا خالصا" بالمعنى الذي استعمل المصطلح فيه قد دبت فيه الحياة مجددا مع سوينبيرن. فمنذ الثورة البيوريتانية (التطهرية) وحتى سوينبيرن فقد كان الشعر مجرد وسيلة - أجل، بالتأكيد، ودونما تحفظ تجاه شكوك ومشاعر آرثر سيمونز حول هذه الكلمة – عربة بعجلتين او اربع عجلات لبث الأفكار الشعرية او غير الشعرية. وربما قام "الفيكتوريون الكبار"، ولو ان ذلك مشكوك فيه، وكذلك بالتأكيد "التسعينيات"، بمواصلة تطوير الفن، ولو انهم يقصرون ما يقومون به من تحسينات على الأصوات وعلى تشذيب الطريقة بشكل اساس.

لقد قام السيد ييتس مرة واحدة والى الأبد بتجريد الشعر الانكليزي من بلاغته اللعينة. فقد قام بتنقيته من كل ما هو غير شعري، والكثير مما هو شعري. لقد اصبح شاعرا كبيرا خلال حياته وفي منتصف الرحلة. لقد جعل من لغتنا الشعرية شيئا طيـّعا، كلاما دونما تحريف وتشويه.

يبدي كل من روبرت بريجيز وموريس هيوليت وفريدريك ماننغ3 اهتماما جادا بإصلاح الوزن الشعري كل على طريقته، وذلك بإخضاع اللغة وقابليتها على التكيف مع انماط معينة منه للاختبار. ويجري فورد هويفر نوعا من التجارب الحداثية، ويواصل عميد كلية اورييل ترجمته للـ (كوميديا الالهية).

اما بالنسبة لشعر القرن العشرين، والشعر الذي اتوقع رؤيته مكتوبا في العقد القادم او نحو ذلك، فانه على ما اعتقد سيتحرك باتجاه مناهض للهراء، سيكون اشد صلابة وحكمة، سيكون كما يصفه السيد هيوليت "اقرب الى العظم." ]تلميحا للقول المأثور "كلما كان اللحم اقرب للعظم كلما كان اطيب."-المترجم[. انه سيكون بصلابة الصوّان على قدر ما يستطيع، وستكمن قوته في صدقه، في قوته التأويلية (بالطبع تكمن القوة الشعرية هنا دائما)؛ اقصد انه لن يحاول ان يبدو قسريا بفعل الجعجعة البلاغية والفوضى التزويقية. سيكون هناك نعوت منمقة اقل تعترض سبيل الصدمة او الضربة التي يحدثها. بالنسبة لي في الأقل، فإنني اريده هكذا، غير منمق، ومباشرا ومتحررا من مزالق العاطفة.

ما الذي يمكن ان نضيفه الآن في العام 1917؟

 

ترجمة: د. عادل صالح الزبيدي

.........................

1- مجلة الشعر والمسرحية Poetry and Drama (التي كان عنوانها حينئذ   نقد الشعرPoetry Review) بتحرير هارولد مونرو، فبراير 1912.

2- دانتي، حول فصاحة العامية.

3- ديسمبر، 1911.

 

الروابط الخفية بين "شفرة دافنشي" و" تاجر البندقية" و" كتاب إيلاي"

hayelali almotheabiبعد صدور رواية "شفرة دافنشي" للكاتب اليهودي الأصل الأمريكي الجنسية "دان براون" وبعد أن تصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في العالم كان لابد من أن تثير أفعال ردود كثيرة نظراً لما حوته من تفاصيل وخفايا تمجد الشعب اليهودي وتندد بالإنجليز والحقيقة أن هذا الحقد قديم بين اليهود والإنجليز والذين يمثلون كذلك المسيحية .

رسم دان براون في روايته "شيفرة دافنشي" الشخصية الانجليزية وصور الانجليز، عموما، بأنهم أهل خديعة، بارعون في الغش لشعوب العالم، ثم يستغرب صمت هذه الشعوب، عدا ذلك نلمس أيضا قضية جوهرية هامة في الرواية وهي أن المسيحية التي تعتنقها شعوب كثيرة في العالم هي صناعة انجليزية عقائدية مزيفة، بشر بها الانجليز لضمان بقاء الشعوب تحت عباءتهم، وضمان استمرار تسلطهم عليها، ويأتي هذا التزييف في سياق البحث عن الـ"غريل" " الكأس المقدسة" ، ورحلة فك الرموز والشفرات في الرواية، رغم ذلك فإن دان براون بما كتبه وصوره وصبه من جام حقده على النصارى والانجليز لم يكن يدعو إلى اعتناق اليهودية أو يبشر بها، فهدمه للكنيسة ولوجود المسيحية هو رد منه على الانجليز وتعبيراً عن حقد اليهود على النصارى المتأصل وتحريضاً للمغرر بهم عليها، وبهذا يجسد النزعة الطاووسية.. نزعة العلو والتكبر المعروفة عنهم أو " الجوييم" منطق العنصرية السافرة، وهو ما يعبر به في العبرية عن القطيع البشري المسخر من أجل شعب الله المختار..

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري عن الــ(جـوييم) Gentilesوأطلق عليها الأغيـــار Goyyim ، أن «الأغيار» هي المقابل العربي للكلمة العبرية «جوييم»، وهذه هي صيغة الجمع للكلمة العبرية «جوي» التي تعني «شعب» أو «قوم» (وقد انتقلت إلى العربية بمعنى «غوغاء» و«دهماء»). وقد كانت الكلمة تنطبق في بادئ الأمر على اليهود وغير اليهود ولكنها بعد ذلك استُخدمت للإشــارة إلى الأمم غـير اليهــودية دون ســواها، ومن هنا كان المُصطلَح العربي «الأغيار». وقد اكتسبت الكلمة إيحاءات بالذم والقدح، وأصبح معناها «الغريب» أو «الآخر»..

وبالمثل نجد النزعة الحلولية المتطرفة، التي تتبدى في التمييز الحادّ والقاطع بين اليهود كشعب مختار أو كشعب مقدَّس يحل فيه الإله من جهة والشعوب الأخرى التي تقع خارج دائرة القداسة من جهة أخرى. فقد جاء في سفر أشعياء (61/5 ـ 6): "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم. أما أنتم فتُدعَون كهنة الرب تُسمَّون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتأمَّرون"..

ولعل رواية شفرة دافنشي لدان بروان، كما يبدو، رداً على شكسبير في مسرحيته تاجر البندقية، وعلى أوروبا عموماً، وشخصية اليهودي في العصور الوسطي كانت تمثل للأوربيين ازعاجا شديدا بسبب صفاته المقيتة وشخصية اليهودي في القصص والحكايات والخرافات الشعبية شيئا يجلب العار وقد حيكت حول شخصية اليهودي مختلف الاساطير التي اجمعت على ابراز صفات البخل والغدر وتعطشه لسفك الدماء والحاق الاذى بالآخرين والتخريب والدمار . وظهر ذلك بوضوح في اسطورة اليهودي الشبح الذي يتصيد مع كلابه الفلاحين والبسطاء بين فترة وأخرى في غابات اوروبا فقد جعله الفرنسيون يقطن في غابة فونتين بلو و في الغابة السوداء بجرمانيا وفي غابة وندسور الانجليزية وهو شبح يظهر بين الحين والآخر ليسبب الموت للحيوانات والوباء والأمراض على للناس الذين اطلقوا عليه اسماء متعددة مثل (يوتاديوس) أو ما يعني قاتل الإله باللاتينية ..

ومسرحية تاجر البندقية لشكسبير تحولت إلى فيلم سينمائي أهان فيه "أل باتشينو" اليهود بأدائه المحترف لشخصية " شايلوك " اليهودي المرابي المحتال ، وهو مادفع اليهود إلى استصدار قانون معاداة السامية، والفيلم من انتاج سنة 2004وهو ترجمة بصرية للمسرحية الشكسبيرية (تاجر البندقية) ويحكي - كما المسرحية - قصة أحد نبلاء مدينة البندقية يجد نفسه في ضائقة مالية فيذهب للاستدانة من التاجر (شايلوك) الذي يشترط على النبيل أن يأخذ رطلاً من جسده في حال تأخر في سداد دينه. ومن هنا تنشأ عقدة المسرحية وتتطور حتى تصل إلى بلاط المحكمة. والمسرحية بهذه المواجهة ترسم تفاصيل دقيقة في النفس البشرية كما تقدم تقريراً موجزاً عن طبيعة العلاقة التي كانت تربط المسيحيين باليهود في البندقية وهي علاقة تغلفها مشاعر الحقد والمقت الشديد. ..

وكان من أكثر الردود على شفرة دافنشي الذي تحول إلى فيلم سينمائي أيضاً فيلم (The Book of Eli ) لـ دينزل واشنطن الذي لعب دور البطولة وهو رد على رواية The DaVinci Code مثلما كانت هذه الأخيرة رداً على شكسبير الإنجليزي ومسرحيته " تاجر البندقية " وأوروبا عموما كما أسلفت .

دينزل واشنطن في فيلمه The Book of Eli يحاول الرد على دان براون فيمثل دور القديس والكاهن الذي يحفظ الإنجيل بعد أن يحيق الدمار والخراب والأوبئة بالعالم في حين كان هناك من يبحث عن الإنجيل في أشياء العابرين من المدينة ويستعين بقطاع الطرق، من أجل ذلك، ومن بين الكتب التي يأتيه بها قطاع الطرق رواية شفرة دافنشي فيأمر على الفور بإحراقها.. فيكون الفيلم بهذا المشهد قد حقق شيئاً من أهداف إنتاجه، وعلى أساس أن ثمة مساعي إلى تقسيم بريطانيا وفقا لمنهجية دينية ورفض بديل التعددية فيها والذي رفضه أدباء كبار في بريطانيا من الحائزين على جائزة نوبل وسواهم، تأتي شخصية (غاري أولد مان) لتجسد هذا السعي المحموم في فيلم " كتاب إيلاي " فبعد حرب عالمية نووية تدمر العالم يسود الدمار والخراب والجهل والقتل وقطاع الطرق ويتم احراق كل الكتب المقدسة عقب هذه الحرب إلا ان إيلاي (دنزل واشنطن) وجد نسخة تحت الركام وقام بالحفاظ عليها طبقا لرؤية هو راها بان يحافظ عليه وان يتوجه للغرب ويصادفه في الطريق قطاع الطرق والقتلة ولكنه يدافع عن نفسه بشراسة وقوة إلى ان يصل لمدينة هالكة يترأسها رئيس عصابة (غاري أولدمان) الذي يجند مجموعة من قطاع الطرق للبحث عن كتاب عليه اشارة الصليب، أي الكتاب المقدس، لأنه يعرف تأثيره على الناس، فسيقوم بتحريفه ليخدم مصالحه، وهذه هي نقطة القوة في الفيلم.. وهكذا حتى يصل دينزل واشنطن بكتاب الإنجيل ولكنه بطريقة برايل ولايفهمون منه شيئا وحين يصل دينزل واشنطن إلى المنطقة التي لم يصلها الوباء يأمرهم بإحضار الأوراق والأقلام ويملي عليهم الإنجيل الذي يحفظه وظل يقرأه طيلة 30 عام بشكل يومي وهكذا يصور بطلان دعاوي اليهود ويؤكد بقاء الإنجيل .......

ويبدو أن السعي المحموم للسيطرة على المجتمع من خلال الكتب الدينية موضة وتقليعة هي أهم مايمتاز بها الوقت الراهن في العالم عموما وهذا دليل إفلاس لدى السياسيين والزعامات ..

كل ذلك وأكثر مما نجده اليوم في الواقع تكشفه هذه الثلاثية الفنية..

 
 

هايل المذابي

 

مظفر لامي ابداع متعدد

wejdan abdulazizبادر البيت الثقافي في الشطرة بالاحتفاء بالقاص والفنان التشكيلي والمترجم مظفر لامي، فكان الاحتفاء رائعا .. وكنت ضمن المحتفين بورقة اسميتها:

مظفر لامي ابداع متعدد

بعد انجازه القصصي الذي تكلل بمجموعته القصصية البكر (مدن اخرى) والتي ضمت "11" قصة قصيرة، حيث تزاحمت فيها الرؤى والطروحات التي لاتعطي نفسها دفعة واحدة، وتداخلت فيها اساليب السرد وتعالت هذيانات كثيرة، كان الكلام المسكوت عنه هو الطاغي فيها مما جعلنا نحث الخطى في البحث عن المداليل، ونعثر احيانا، ولكننا نحس بمتعة اثناء القراءة، فالقاص كان في قلق شديد اثناء رسم لوحته القصصية بين السرد الذاتي والسرد الموضوعي وبين تداخل الاساليب لديه، اقول بعد هذا الانجاز يطل علينا بانجاز اخر ضمه دفة كتاب اسماه (ستار التخيل)، وهنا اقول حينما تجد نفسك قريبا من كاتب ما، قد تكشف شيئا ولو قليلا من رؤيته العامة للحياة ورؤيته للادب بصورة خاصة .. من هذا عرفت الكاتب مظفر لامي يتحلى بعصامية، قد تتلبسه بوعي منه، فكان بحثه الاكثر جدية عن مخابئ الجمال ومكامنه، وكونه يمتلك ناصية لغة اخرى، اعطته مرونة في الرفض القبول ومحاكمة تجارب الاخرين .. واليوم كانت محاولته جادة في التركيز على جانب مهم خارج سياقات المشغل الابداعي، وهو الحوار، تلك النافذة التي تفتحها على المبدع وهو خارج دائرة الابداع، فسيكون الحوار شبه محاكمة واستجواب، قد نستل منه بعضا من اسراره الكتابية، لهذا فالكاتب المترجم مظفر لامي في ترجمته هذه فـ (الترجمة فن وإبداع. هذا ما توصل اليه الكثير من النقاد والدارسين لهذا اللون الأدبي، وهي لا تكتفي بنقل كلمات؛ فالترجمة الحرفية لا تعطي النص المترجم حقه أو لونه الفني ومدى رفعته وتأثيره في لغته الأصلية، واللغة العربية واحدة من أصعب اللغات المعروفة وقد تكون متأخرة بعض الشيء عن ما وصلت اليه اللغات الأخرى من تطور في المفردات والأساليب، واللغة العربية ربما تكون من اللغات القلائل التي تقدم الفعل على الاسم، وهذا ما يصعب من عملية الترجمة اليها كما إن صرامة قواعد النحو والصرف قد تكون عائقا في بناء النص المترجم.)، ولكن مظفر لامي استعمل ذخيرته من اللغة العربية في استرداد المعاني من لغة اخرى، ولست من المعنين بمحاكمة الترجمة وكونها خيانة للنص الاصلي، الا اني اجد ان الكاتب لامي قد قدم لنا (مجموعة من انطباعات يكون قاسمها المشترك مزيجا مدهشا من البحث والحفر في السلوك الانساني من جانب والانشغال بتقنية الخطاب وادواته ومساره من جانب اخر)، كما يقول الكترجم في مقدمة الكتاب، وكتبرير لترجمته يقول: (اما الذي وجدته في هذه الحوارات، وكان مشجعا على ترجمتها، فكان كشفها عن ابعاد مترامية الاطراف ومختلفة تعاطى معها هولاء الكتاب وكانت وراء نتاجهم المؤثر، وربما اولها ان مشروعهم الثقافي المثابر لم يشكله الاعتباط او ضغوطات التنافس على اشغال مساحة في كم المنشور من الكتب، بل الاخلاص لهذه العلاقة الجوهرية التي تربط وسيلة وشغف التعبير عن الذات بسعة وغموض العالم . تجاربهم وتاريخهم الطويل يؤكدان ان التجربة الخلاقة لاتولد من اذعان لعرف ثقافي، او ان يكون كاتب ما جزءا من مزاج شائع قديم او راهن)، وهنا اثبت حقيقة في كتابه هذا ان هولاء الكتاب يمتلكون تجربة متميزة على صعيد الانجاز الابداعي بعيدا عن المؤثرات القصرية بحيث باتت تقنياتهم ومستويات تناولهم لها الحضور العالي والقادر على اجتذاب المتلقي .. وفعلا وجدنا في كتابه المترجم اختيارات تستحق القراءة ونحن بحاجة لها .. يقول بورخس ردا على سؤال وجه له (هل تعتقد ان الاشياء التي تستحق الكتابة عنها ليس لها نهاية)، فقال: (نعم اعتقد ذلك، الحدود الوحيدة هي الموهبة او الطاقة، في رأسي خمس عشرة رواية قابلة للانجاز، انت تعرف انني لم اكتف بالكتابة بل اؤلف الموسيقى ايضا ولو كانت لي معرفة بالرسم لرسمت، لدي رغبة طاغية بكل اشكال التعبير)، اذن يبقى الكاتب صاحب الموهبة والتجربة مبدعا ويضيق به الجنس الادبي فينزع الى اخر عله يجد ضالته في البحث عن حقيقة الحياة والجمال والكون وكنه الوجود ...

عتبة لقراءة المجموعة الشعرية "خواطر على هامش الشمس" للمصطفى العمري

"خواطر على هامش الشمس" هكذا عنون المصطفى العمري مجموعته الشعرية الأولى الصادرة عن دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر.إنها مجموعة يعلن من خلالها وبسبق إصرار انتماءه إلى الكتابة بعدما ظلت العلاقة سرية لسنوات ...

هذه الخواطر تأبى لنفسها التحرر من كل قيد: قيود اللسان، قيود الكلام وقيود الجنس. نقرأ في فاتحة الكتاب نصا يعلن باللسان العربي والفرنسي عن ميثاق شخصي بالكتابة، إنه بمعنى ما بيان لإعلان هذه العلاقة مع الكتابة: "معنى الكتابة" بالعربية و الفرنسية. هكذا يعنون الشاعر بيانه باللسانين.كأن لسانا واحدا لا يكفي. كأن المعنى أكبر من أن يطاله " مجرد لسان"..هاهنا نزوع نحو تحرير الكلام الشعري / النبوي، الذي يأتي من الأعماق البعيدة للمعنى فلا يدرك كنهه إلا النبيه.

الكتابة كما تقدم في نصوص المصطفى العمري، عزف منفرد تنتقل فيه الكلمات من مقام لآخر، تتنوع الإيقاعات وتتناسل الصور لكأنها محاولات للنفوذ إلى ذاك الذي يتعذر البلوغ إليه: إلى عمق المعنى ... هي محاولات " على هامش الشمس" لكنها تطمح إلى أكثر من النظر إلى الشمس تطمح إلى مقام عبر عنه أبن عربي قائلا:

إذا الشمس كان لها شعاع :::::: فذاك النور من قبلي أتاها.

 

عبد الله باعلي، قاص مغربي.

نحو علم نقد تجريبي

ربما يمكننا القول - في وقتنا هذا وبفضل الارث النقدي الكبير الذي انتج خلال العقود الاخير - بوجوب ظهور النقد الادبي العربي بمظاهر تطبيقية ثابتة، بمعنى ان تكون الابحاث النقدية ذات شكل علمي ثابت وغير خاضع للفردية، يقول (وندل هارز 1990) (النقد ليس موضة، ولقد ابدل بنظريات ادبية في معظم الجامعات، الادب الذي يكتب صار يركز على نماذج ثابتة . (1) ولا يحتاج هكذا امر مهم الا لخطوة الى الامام في اجراء مراجعة وفحص وتصنيف وتدقيق لما انتج من نقد ، يقول (احمد علي محمد 2007) (إن الممارسات النقدية التحليلية أو التطبيقية لا تزال في كثير من الأحيان أسيرة المناهج الغربية من نفسانية وبنيوية وتفكيكية، إذ أمضينا وقتاً طويلاً ونحن عاكفون على مدارسة النصوص الأدبية ولا سيما القديمة منها بإحدى طريقتين : إما الاعتماد على مفرزات النقد الغربي، وإما تقديم قراءات ذوقية متحللة من أي تحديد منهجي، والواقع أن تلك الممارسات لا ينقصها سوى المراجعة العقلية الفاحصة، وقد آن الأوان لإجراء مثل تلك المراجعة، بمعنى لا بد من تقويم تلك الممارسات لبيان محصولها الفني والفكري (2). هكذا مراجعة تجعل من نقد النقد ضرورة ملحة لأجل تطوير النظرية الادبية وليس امرا تكميليا كما قد يعتقد .

لا بد لعمل ادبي رصين ان يستند الى فكر وفلسفة عميقة وواقعية بغض النظر عن البحث في مقومات وعناصر الشيء الجميل الخارجي، او ماهية الاستجابة الجمالية الحاصلة في نفوسنا تجاه الشيء الجميل، فان هناك امورا تبلغ حدا من الوضوح يمكن من اعتبارها مستندا عقلائيا معتبرا.

الامر الاول: ان لدى النوع البشري بجميع انتماءاتهم وتصنيفاتهم تمييزا وجدانيا اجماليا للجميل عن غيره، على الاقل بالاتفاق على جمالية الاشياء عالية الجمالية، وفي الواقع هذا الامر يوجه تساؤلات محرجة لفكرة نسبية الجمال.

الامر الثاني: رجوع الاستجابة الجمالية الى انظمة ومكونات شعورية وفسلجية موحدة لدى البشر رغم الاختلاف والتنوع الكبير في الاشياء الجميلة، ويمكن فهم العملية فسلجيا بتكون عملية التذوق من عناصر حسية وعناصر ذهنية تتفاعل في مستوى تحليلي اعلى في مركز للتذوق في الدماغ ، ومن هنا يمكن فهم عملية التذوق الحسي للاطعمة على انها جزء من نظام او جهاز تذوق عام يشمل عملية تذوق للحسيات والذهنيات .يقول (ماجد محمد حسن 2004 ) (أن التجربة الأساسية في مجال الجمال هي التجربة الحسية، لذلك يرى البعض أن الإدراك الجمالي هو في جوهره حدس، وليس تصوراً، وتقوم طبيعة الحساسية على بعد الاستقبال، بمعنى أن الإدراك الجمالي يحدث نتيجة للأثر الواقع على الحواس من قبل الموضوعات المعطاة (3)

الامر الثالث : بروز عناصر مدركة في العمل الجميل تحظى بقبول عام على انها عناصر جمالية كالاثارة والادهاش والابهار والتمكن من تمييز عناصر للفنية تمكن من تحقيق التعريف، ولا ريب ان نظرية التعريف مقومة للبحث الجمالي والنقدي بحيث ان عدم وضوح التعريف والاختلاف فيه يعد ازمة فيهما .

ان الشرعية التي حظيت بها الاعمال الفنية الغير مألوفة، ما كانت تحصل لولا تجاوز الفهم العام المألوف للجميل، وانما كان الاعتماد في تلك الشرعية على الاحساس الذوقي لجمالية تلك الاعمال، والتي دفعت بالنقد والنظرية الجمالية الى تفسير تلك المظاهر الجميلة غير المألوفة، وفي ضوء هذا الفهم، يكون واجب النقد ليس فقط بيان مظاهر الجمال في الاشياء الجميلة المتفق عليها ـ، وانما اعطاء تفسير لمظاهر الجمال في الاشياء الجميلة غير المألوفة، بمعنى اخر ان النقد هو جسر العبور للوعي والتفكير العام بما يخص فكرة الجمال . يقول ماجد محمد (فما تدركه الحساسية، باعتباره حقيقياً تدركه على هذا النحو حتى حين يراه العقل ليس حقيقياً، وعلى هذا فأن مبادئ وحقائق الحساسية تؤلف مضمون الجمال، وهدف الجمال هو بلوغ كمال الإدراك الحسي(4) ان هكذا فهم لعملية تحسس الجمال وعملية تفسيره ستساعد كثيرا جدا في تطوير الذائقة العامة والقدرة على تحسس الجمالي، وايضا ستساعد وبقوة على تطور فكرة الجميل في الوعي الانساني .

ان فكرة الاعتماد على معرفة تجريبية في ادراك الجميل تنطلق من فكرة ان الاحساس بالجميل اعمق واوسع واكثر تطورا من الادراك العقلي وتحليله، بمعنى اخر انها تستند الى فكرة ان ادراك الجمال ليس من وظيفة التفكير ولا التحليل وانما هي من مجال اخر منفصل . يقول هربرت ماركيوز " أن النهج الجمالي يقيم نظام الحساسية باعتباره مناقضاً لنظام العقل. وإنه في إدخاله هذا المفهوم الى فلسفة الحضارة، فإنه يتجه الى تحرير الحواس والتي بدلاً من أن تدمر الحضارة، فإنها تقدم لها قاعدة أشد إحكاماً وتزيد الى حد بعيد من ممكناتها. " (5)

ان فكرة النقد التجريبي تنطلق من معاملة النصوص كظواهر انسانية وليست مجرد اعمال فكر واستجابة لمتطلبات، وانما هي عمل انساني عالي المستوى متحرر من الزمان والمكان وان كان في مادته وموضوعه ومحتواه تأثيرات لهما . من هنا يكون واجبا لأجل تحقيق نظرية ادبية اصيلة الانطلاق من النص وليس الانطلاق اليه يقول (احمد علي محمد (إننا في النقد العربي بحاجة إلى التجريب النقدي، ولا أعني بالتجريب تجريب الأدوات المنهجية المأخوذة عن الغربيين أو غير الغربيين، بل أعني أن تكون هنالك ممارسات تجريبية تنطلق من النص الأدبي متفهمة سماته الفريدة وعلاماته الفارقة)(6)

من كل ما تقدم وبالخصوص ما اشرنا اليه من وضوح وتميز الادراك الجمالي وعناصر الجمال الخارجية والاستجابة الجمالية الداخلية، يكون بالإمكان بلوغ درجة مقبولة من المنهجية المستوعبة للأبداع، المعتمدة على حقائق مستخلصة بشكل علمي تجريبي من الاعمال الفنية، لأجل تحقيق نظرية ادب عربية اصيلة يقول احمد علي محمد (لقد تردد عند النقاد أن تراجع النقد التطبيقي العربي الحديث كان بسبب افتقار الممارسات النقدية الحالية إلى نظرية أدبية أو نقدية، والسؤال من أين تنشأ مثل هذه النظرية ؟ صحيح أن الفكر يوجد النظرية، ويوجد المنهج، غير أن الممارسات التجريبية هي التي تؤسس الفكر وتكتشف النظريات، ولا أدري كيف نريد بلوغ النظرية من دون تجريب، ومن دون ممارسة نقدية تستهدف اكتشاف الظواهر الفنية ومعالجتها بأسلوب نابع من صميمها ومن طبيعتها؟ (7)

 

.................

المصادر

1-

Chapter 6 of Wendell Harris's Literary Meaning: Reclaiming the Study of Literature (1996), and p.187 of Bernard Bergonzi's Exploding English: Criticism, Theory, Culture (1990).

from :

http://www.textetc.com/criticism.html

قراءة تحليلية لدلالة المنتج النصي في "رسائل إلى آدم" عند آسيا علي موسي

mohamad talatإن قراءة هذه النصوص"رسائل إلى آدم"، الصادرة عن دار ميم، للمبدعة الجزائرية "آسيا علي موسى"، ذات حساسية خاصة في تناول أبعادها التحليلية لما أنتجته دلالة منتجها النصي، وعليه فهي تحتاج إلى أكثر من منهج نقدي ومعرفي للتوغل فيها وفك شفراتها الإنسانية. وهذا لإيماني الخاص في وجودية النص الأدبي باعتباره ظاهرة إنسانية فريدة متميزة. وفي عمق متن هذا النص الإبداعي يتمركز النقد مستخدما شتى المعارف العرفية والوجدانية. وليس بالضرورة أن تتفق أو تختلف رؤية المبدع أو الناقد إنما من الضرورة أن يحتويهما فلك واحد أو مجرة واحدة أي يكون لهما سقف واحد ألا وهو رحابة الإنسانية فكل منهما يحاول أن يبدع –إبداع- سواء أكان النص إبداعيا أو نقديا. ثمة نصوص إبداعية قليلة وقلما عثر عليها من تلك النوعية التي تدور في رحابة الإنسانية محاولة تفكيكها وإعادة تشكيلها، وإيقاظ ضمائر خلائقها مثل هذا النص الذي بين أيدينا للمبدعة "آسيا" في نصها الممسوس بوجع الإنسان في رسائلها إلى آدم.

تنطلق "رسائل إلى آدم" من تأزم المرحلة المعاصرة من تيه الواقع الإنساني والمجتمعي المعنكب على كهوف النفس البشرية الخاوية التي بدورها تبحث عن الخلاص في مناجاتها المستمرة على استحياء؛ لتعلن عن عوزها الدائم للاحتماء، فتبث شفارات معقدة يصعب على من يمر بها حلها. ليس هذا لتعقيد النص بل هو نتاج لتعقيد الحس بهذه النفس المقبوعة في كهفها المطلسم بقبضة أديم أزلية لا انفكاك منها، فضلا على سعي هذه النفس إلى الاستسلام اللإرادي، وإن ظهر تمرد فهو بصيغة الدعوة للاحتضان كي تتشكل من جديد. باختصار هذه دعوة "آسيا" إلى عالم رغم قسوته وتيه بأن يفيق للروح المغتربة المقبوعة حزنا على أديمها الغر.

هذا الخلق أو التشكل الذي تعلنه النصوص في مفتتحها واصفة إياه بـ"آدمي الذي لم يستكمل خلقه بعد.."ص9، وعلى الرغم من عدم اكتمال الخلق، فهي تؤكد أنها بدونه باقية "فلقد بدأت أتعود على غيابك."ص9، بهذه الافتتاحية المسطورة بالرسالة الأولى تعلن عن أمرين متناقضين في العتاب الأقرب إلى اللوم ذات حنين للحبيب الذي لم يخلقه العشق إنسانا سويا بعد، لذلك فهي اعتادت غيابه. غيابا مبررا، فكم من حضور مزيف لمشاعر مزيفة يصر الإنسان على ابتداعها بهتانا بأنه حي، وهو نصَّاب يصطاد القلوب بإفكه عن العشق، فتضيع الإنسانية وتبهت معانيها. وفي هذا الضياع تحاول النصوص بحثا عن أمل ما في عودة الإنسان المشتهى (لنفسه) الذي لم يأت بعد.

على حدود هذا الأمل المتبلور في السعي للتوحد، تبدأ سطور الحكي عن واقعية النفس التعسة الملتصقة بعالم الفناء الأرضي بين "الجراء والجرذان" لدرجة التوحد والتقمص، فتقول:" نعم كنت جرذا أنا أيضا أنبش كيس قمامتي بجلدى... الجرذة التى كنتها بدت غاضبة وهي تقلب أشيائي وترمقني... كانت ترغب في قضم بقاياي المتعفنة" ص12-13، ما هذا التقمص الذي يشي بنوع من الاعتراف بعدم الاكتراث بأي بهجة في غياب المنتظر الذي تحولت معه الإنثى إلى مجرد مزبلة روح. ويوغل النص إلى أقصى درجات التعمق السحيق في الروح مؤكدا على التوحد بين الإنسان في شقه الأنثوى إلى طلل " كان رأسي بيتا تتناحره كائنات مني.." ص13، لكن الطلل هنا جاء بمفردة تثير الحميمية والدفء في استخدام كلمة"بيت" وعلى الرغم من صيغة البيت التي تنم عن العمار والامتلاك والجمال إلا أنه بيت تتناحر على ملكيته أجزاء الجسد والروح، مما يضع سؤالا حول من سينتزع ملكية البيت؟ فلا إجابة واضحة لافتراضية هذا الاستفهام. ثمة سرمدية في هذا التقمص والتوحد غير المرئي، فتذكره بذلك:" تذكر؟ أجل تذكر، فنحن خارج كل سياق كما كنت تقول لى ذات عمر جيولوجي لم يترك حفرياته دليلا للعابرين"ص13، إذن أمام هذا المجهول الغيبي الذي لم يترك أثرا يهدي النفوس من بعده، لم نسع إلا الانقياد خلف المجهول الذي يقودنا إلى مغارة على بابا والأربعين حرامي لنكتشف هوية الأنثى محترفة التحول والتقمص إلى" قطة ببؤبؤين ملتهبين"ص15، لتعلن في جذوة تحولها إلى رغبتها في التحول إلى جملة من "راقصات غضات بأقنعة آلهة بالي"ص15، وهذا كله لضمان وصول شوقها في الصعود والولوج من عتبات الرقص إلى روح الشوق المعتقة، لتعلن ما رأته في هذا الوصل الذي رأته"عاريا من كل أثواب الزمن والمسافات، منتصبا بقامة آلاف الأميال، ووزن قرون الانتظار"ص16، بهذا الوصل الحسي الذي يترجمه معنى الشوق كما تراه" أشواقنا يا آدم.... زخات ماء الروح على جذوة الجسد"ص16، لكنها تصدم على الواقع الجسدى الأنثوى الذي ذبل منذ انحناءة الضلع الأعوج المنسوب إلى صدر آدم، فتقول" لقد كان هناك جزء من جسدك، وهاهو يتوق إلى التوحد بك مرة أخرى بعد زمن القحط والذبول" ص16.

على الرغم من هذا الذبول يبقى أمل التوحد والتفرد فيه أملا يراود الحس الأنثوي في عالمه الإنساني ككل إلى الصورة المثلى في الحسن وحب الذات الناتج عن حب الآخر، فتقول:"عندما أحبك آدمي أتحول إلى نرجس، وأشعر أنني المرأة الوحيدة في العالم وأنني الأجمل" ص24. ويستمر السعي إلى تأصيل فكرة التحول إلى الأنقى لعل الناس تستفيق من غفلتها، فتقول:" .. من يدري؟ قد يحملني ساعة فجر، وينتشلني بقبضة ليحيلني رمادا ينثره على رؤوس العالم النائم على خرابه.."ص 25، تعويذة التحول للرماد أي العودة إلى أصل الأديمية التي تنقصه المادة الثانية لخلقه ألا وهي الماء. فهي هنا تعود لجذرها الأصلي تراب الذي إن انهال على العيون غطى الأبصار وهي هنا تحيلنا إلى الأسطورة المحمدية حين ألقى ترابا على رؤوس القوم المتربصين له شرا خارج بيته.. هذا التوحد يحيل أسطورة الرماد إلى أسطورة أخرى لتكتمل رمزية التوحد، فتقول:" من يدري؟ قد يزرعنى زهرة برية في تراب مدينتك..آدم! قد... أندس في قلب فاكهة تعشقها هناك وتبلعني قضمة قضمة."ص25. هذه الرغبة المكتملة في التوحد حد التلاشي في الآخر لهي مرتبة عليا من نبل الإنسان في شقه الأنثوي، ولعل المقابلة في الصورتين بين التحول للرماد والتحول للزهرة تعكس مدى الرغبة العامة الجامعة لصحوة الناس وعودة ضمائرهم للرحابة النقاء، والصورة الثانية تعكس مدى التلاشي الجميل والتفاني من أجل الخاص. الفردية التي تضم في لحظة ما الثنائية ليصبحا واحدا ليس هذا فحسب، بل تصير مطعما يصير بدوره مَعْلَما في بدن الجسد ومكملا له كعنصر غذائي إضافي ليصل إلى إحساس يعرج من البدن وإطعامه للروح ونشوته في التلذذ " قضمة قضمة"، إنه حالة من التوحد الفريد والمتفرد المتسامح الذي لا يهبه إلا من امتلك قلبا سليما وروحا زكية.

لكن هذه الهبة والعطاء، لماذا؟ تقول:" ريثما ينبثق الكون على استكمال خلقك" ص26، إذن نعود على بدء ما قالته الراوية في المشهد الافتتاحي""آدمي الذي لم يستكمل خلقه بعد.."ص9. فثمة وعي كامل بالحالة الشعورية من الساردة، وهذا الوعي يكمن في قلب الأنثى الساردة بل يكمن على المستوى الخارجي في قلب المرأة الواعي والأكثر نضجا على المستوى الداخلي بكل ما يرتبط بتفاصيل الجمال وأيقونات الكمال في الكون، فهي تعلم ثمة نقص في شقها الذكوري وهي تحاول كل المحاولات كي تستعيده جميلا كاملا كما كان في الأصل. اثنان في واحد. ومع ذلك العطاء تعلم في قرارة نفسها أنها سوف تفقده" كثيرا ما أتعمد تصور فقدك قبل استكمال خلقك" ص29، هذا لغريب، فطالما وقر في قاع الأنثى المبصرة المستكثرة على نفسها السعادة مسحة الحزن، وطالما كانت الدموع رفيق فرح عند الأنثى، فلماذا؟ فتقول مستفسرة متعجبة:" مازوخية بطبعى؟ لا أعلم!". الاستفهام هنا يجلي واقع الحزن القابع في صميم شغاف الأنثى الحقيقية ويتركه مفتوحا بلا إجابة.

تصعد نصوص "رسائل إلى أدم" إلى دلالة أخرى في توظيف الإرث الثقيل على كاهل الأنثى عبر الثقافات الإسلامية العربية، فتحاول آسيا بنصها الإبداعي هذا من خلال الساردة التي لم تكن عليمة بموقع آدم، ولم تكن ساردة محيطة بكل الأشياء حولها، لأن كل ما يشغل الساردة في النصوص هو البحث عن (لماذا وكيف).

أما عن (لماذا) كما أشارنا سابقا، تم صياغتها في تأويل التوحد ورغبته في الاكتمال مع الوعي بالواقع وبمحدودية الذات. أما عن كيف فهي تبحث عن الكيفية وتحاول ومازلت تحاول دمج روحين لتنبثق روح ثالثة من طهر الماء والتراب في عالم آخر مواز لعالم الواقع، لكنه طهر فردي ورغبة أحادية لترابية الأنثى الملتاعة للماء الدافق من عليين وكأنها "مريم" في الثقافة الإسلامية، لكنها تتحدى الأعراف وقوانين العشيرة وتهوى يوسف في صورة آدم. صورة النقاء الأول في أول اضطجاع تحت ظلال ضلع التكوين؛ لتتمرد على استسلامية "مريم" لتتشكل من جديد في تمرد امرأة العزيز التى تستوحي آسيا أسطورتها متسائلة " لماذا أقد قميصك/ اسمك/ وجودك.. من دبر؟" ص32.

إذن نحن أمام نصوص تقف بنا على دهشة البدايات الدافئة ومرارة النهايات التى تفتح طاقة يترسب منها ظل نور يتحدى خاتمته ليكون شعاعا يأخذ بيد النهاية؛ لتسجل في الرسالة الأخيرة أو في الكوكب الأخير الثاني عشر نهاية تلك الأنثى التى تصفها بمصلوبة آدم، لتجب عن كافة الأسئلة المطروحة والمتخيلة عن ماهية (لماذا) لتبعثر استفهامية (كيف) التي راوغتنا بها منذ البداية لتضعنا في مأزق الرد الموجع لماهية لـ(لماذا)، فهي في رسالتها الأخيرة تفصح الساردة عن لماذا، فتقول:" أحببتك بما يكفي لأكتب. كتبتك بما يكفي لأذكر. ذكرتك بما يكفي لأصبر. صبرت بما يكفي لأغفر. غفرت بما يكفي لأنتظر، انتظرتك بما يكفي لأحلم. حلمتك بما يكفي لأعيد خلقك كلما انتهيت مني لأحبك مليون مرة من جديد. لكنني.. عرفتك بما لا يكفي لأجيب على أسئلتي المتراكمة فوق تفاصيلك احتمالات لأجوبة تتشظى.. تنتحر على عتبة عمر من الرجاء. وآمنت بخلقك بما لا يكفي لتؤمن بي.. لتشهد أن لا امرأة تتقن الأنانية.. تحترف الخلق، القتل والبعث مثلي.. محكومة بعشق أزلي ومغفرة أزلية.." ص61. أمام هذه المشهد الدرامي الكاشف لنقطة الضوء المتبعثرة في أرجاء الكيان الأنثوي تختم الساردة رسائلها مكتفية بالكيفية والإيمان بها في الحكم النهائي بالعشق الأزلي والمغفرة الأزلية.

وهي بهذه النهاية تفتح لنا آفاقا ما تم تجهيله في منتصف درب النصوص حين تساءلت لماذا يلومنا الله على عشق مقدر من لديه؟ وهي بهذه اللوحة الاستفهامية تفتتح بها دربا جديدا في عوالم إنسانية ليست متخيلة فحسب إنما عوالم ما يجب أن تكون للإنسان الباحث عن ما يتوافق مع إنسانيته في غايات النبل والبدايات المسجلة والمفروضة علينا، وعلى هذه البدايات ورغبات التخلق والتشكيل والاستسلام والتمرد جاءت هذه النصوص التي تفتح آفاقا جديدة لأبواب التأويل ومدى قدرة المبدع على توظيف الإيمان بالأعراف والإلحاد به في إلقاء حجر السؤال" هل من الخطيئة أن تعشق إبداعات الخالق؟"ص32.

وعلى عتب عشق إبداعات الخالق، بات الكل مشغول بطينته وعجنها وتشكيلها لما يتوافق مع مكتسبات اللحظة الراهنة. وانطلاقا من هذه أتت أهمية هذا النصوص بأهمية المرحلة الزمانية والمكانية والروحية التي تعيشها وتعيش فيها كضمير أنثوي طال تنقيبه عن حريته المتمثلة في العودة (استجداء) آدم. العودة هنا لا تمثل بالضرورة الإحساس الأنثوي للذكورة بمفهومها الضيق، بل تمثل الرغبة في التوحد باستجداء أديم الأرض ليعود لطبيعته قبل التشكيل ليشكل روحا جديا بلا ألم بلا خطيئة بلا انفصال بلا طرد تأكيدا لطمس أسطورة الكذب في:" الليل مارق كاذب" ص75، لتؤكد مرة أخرى يقينية إيمانها في التناص القرآني "فبأي آلاء ربكما تكذبان" لتختم بها نصها"مدد" ص73، لتقف على عتبة الحكمة وتأويلها، فتقول:" الحكمة خط أحمر كما الدم.. صفعة لكل وجه فقد ملامحه في طريق البحث عن مرآة تهبه تفاصيل أجمل"ص74.

تعرج النصوص إلى منطقة أخرى أكثر نضارة وغرابة. فهي تحاكي لغة الحضور السرمدي الذى كان متحققا في زمن ما، ومكان ما من قبل. ثم تم الفصل ليحدث التيه وليطول البحث رغبة في عودة الوصل مرة أخرى. فهي تشير إلى دلالة ذلك في قولها" سأحكيك- طبعا- ما الذي حدث في اليوم الموالي في رسالة قادمة قديمة" ص 22. وبعبارة سردية أخرى تقول:" سأحكيك عنه في رسالة قادمة قديمة"ص40، وهي نفس التيمة التى تختم به أغلب الرسائل. لتدلف النصوص عتبة أخرى من الغرابة والحكي حول المرأة "الأربعينية" التي يجتمع عندها النصوص لتبدأ ولتنتهي"ما دام للماء ذاكرة، لا شيء منته حقا.."ص82، ليتحقق هذا النص المعنون" السراب الذي يزدريك" الحاكي والراصد لتلك"الأربعينية"، وهي وإن صدق حدسنا، فهى تمثل الساردة التي ابتليت بداء الحكمة رديف النبوة الموجعة بلا وحي سماوي سوى مناجاة نغم سرمدي يسري في الكون. يبوح عن وجع الإنسانية وعذاباتها. وهذا النص تحديدا يعتبر مدخلا هاما لفهم النصوص ككل للوقوف على إشكاليات الرسائل وفلسلفة عددها المحدد سلفا بـ"الأثنى عشر"، لتأتي بالنصف الآخر من العمل الإبداعي بجملة من نصوص معنونة خارج نطاق الفلك العددي للرسائل، بما يوحي برصد التفاصيل والحيوات والأحداث الواقعة على هامش هذه الفلك وبين كواكبه الاثنى عشر. وكان من الأنفع إن فُتح العمل الإبداعي بهذه التفاصيل والأحداث كتمهيد للعروج نحو دائرة الفلك.

تتعدد مستويات الخطاب بين الذات وبين الأشياء وبين الآخرين، لكنها جميعها جاءت محصورة في الخطاب التخيلي للكائنات قد لا تكون موجودة بالفعل حيث تتوحد الأسطورة بالواقع بداية من قصص التوحد بين الكائنات والأمكنه والأزمنة. إذ تعكس كل هذه القصص وتعدد مستويات خطابها وحوارها أيضا لتنحصر بين أنثى وأنثى. إن غواية آدم هنا ما هو إلا حديث مع النفس بحثا عن الذات في صورة توحدها الأزلي في "الإنسان" بغض النظر عن النوع

اجترت المبدعة نوعا فنيا من التضمين السردي أو الاقتباسات السردية، وما أسميه أنا بـ" العيب السردي" إذ ضفرت بعض الأقوال الإبداعية لبعض المبدعين والأعمال الإبداعية المشهورة، وهي وإن وافقها النجاح في جودة الاختيار والتضمين الذي لم يخدم فكرتها السردية الأم بالشكل المرجو. فهذا يعد من وجهة نظرى مفسدة للنص الأساسي ومضيعة للخيال القاريء الذي تشتت بحلمه ومخيلته وذكرياته وألمه وتوحد مع لوحة الإبداع السردي في عمل آسيا بهذا العيب السردي. وهذا يصيب بالفتور لأن هذه الإحالة تفصل القاريء عن عالم آسيا الخاص بها إلى عالم مبدع أخر.. فضلا على أن بعض هذه الجمل السردية للآخرين لم تفد النص الأصلي بل يمكن تجاوزها وحذفها، وإن حدث ذلك فلم يخل بالنص الأصلي فمثلا تقول آسيا:" يتطوع بين كفي النهار، أرقبه جذلى، يرقبني شماته."العقاب الجاهز الذي يفتش عن جريمة". كلانا يرقب الآخر ليسومه سوء العذاب، الإقصاء، التناسى." ص73، والعبارة الثقيلة بين علامتين التنصيص هي لـ"ميلان كونديرا". وإن كانت جملته عميقة لكن لم تفد شيئا للنص آسيا. حيث لو تم حذف الجملة لم يتغير أمر ولم يخل معني النص المقصود عند آسيا.

بقى معراج آخر بدا متعثرا حين ننظر إلى النصوص ككل، ففى الشق الثاني من النصوص تلحظ عنوانا جاء على استحياء شبه منفصل شكلا تحت مسمى"أزيح رداء الشمس"ص50،وهو يضم تحته باقة عناوين أخرى للنصوص تندرج تحت العنوان السابق، حيث بدا الأمر دخيلا، وأعتقد أن هذه ساقطة للمبدعة التي لم تعتن بأبنائها وترتيبهم فحُسن الأبناء لا ينجلي إلا باهتمام الأمهات لهم، وبغض النظر عن هذا الإغفال والإعراض من الأم آسيا بأبنائها فلا يسعني إلا أن أكون شفيقا بهم جميعم، وأعيد النظر والاعتبار لهم، فثمة عثرة أخرى هنا، وهي عثرة كل مبدع لا يعتني بترتيب دولابه الفني. أي أنها( أي آسيا) لم تدقق النظر جيدا في ترتيب نصوصها فيما له الأولية في الصدارة وفي المؤخرة. حيث قسمت كتابها إلى جزءين، الأول" أخيط للشمس عينا في القفا" ويحتوى على اثنتى عشرة رسالة موجهة لآدم مع عنونة كل رسالة باسم ووصف قد يعكس دلالة ما يولد معنى ما. والثاني:" أزيح رداء الشمس" ويحتوى على ستة نصوص. يبدو أن عنوان كل جزء قد يؤدي للثاني فمن حيث البداية وجب أولا خياطة عين للشمس في قفاها مما يؤدي إلى ضرورة انزياح رداء الشمس التى لا ترى. لكن واقع المنتوج النصي لهذه الصنيعة جاء مغايرا لتأويل عنونة الجزءين، فقد كان من المستحسن أن تأتي بالجزء الثاني في صدارة الكتاب وفقا للمحتوي النفسي وأثره العميق الذي يمهد تدريجيا لمحتوى الرسائل الاثنتي عشرة، فثمة حالة ذكريات وأنين وبحث وطلب مغفرة ومراسم للدفن ومتاهات الأنا والأنت وثالثهما وطن ثم يفضى الأمر برمته إلى سراب. ثمة إشكالية كبرى هنا في نصوص الجزء الثاني حيث هى الأخرى لم يتم الاعتناء بها، ومعاملتها معاملة وحدة واحدة كتلة عضوية مكملة لباقي الهيكل، بل تم التعامل في وضع هذه النصوص بشكل عشوائي أخل بنظم البناء النصي للهيكل ككل، فكان أحرى بالمبدعة أن تعتني بلعبة المكعبات لاستكمال وتجميل بنائها ككل بحيث تبدأ بالنص الأخير" السراب الذي يزدريك" ثم "أول مراسيم الدفن، سؤال" ثم "متاهة الـ" أنت" وطن"،ثم " مدد" ثم" وشاح" وأخيرا" غفرانك" أي كان يجب قلب الكتلة وعجن طينتها للاختيار موقع العين في مكانها الصحيح وهكذا الأنف.. الخ

 

لذلك، ووفقا لطبيعة العجينة الطينية في نص آسيا، فإن حالة انزياح الرداء هذه عن الشمس هي حالة ضرورة بأن تأتي في المقدمة وصدارة النصوص لتمهد كما أشارنا لطبيعة الرسائل، كرسول موضحا مفدى رسالته الأكبر.

وليس من شك في أن نصوص آسيا "رسائل إلى آدم" تمثل إضافة حقيقية إلى إنتاجها الإبداعي (القليل) وإلى الإنتاج الإبداعي عموما وبخاصة في ذلك الجنس الإبداعي المسمي بـ"نصوص" ذلك المنتج الإبداعي المميز الذي يضم كافة الاتجاهات الإبداعية في فنون الكتابة المختلفة.

ما أتت به آسيا - من وجهة نظرنا- يعد منتجا إبداعيا مفارقا على الرغم ما شابه من بعض المأْخَذ، لكنه ينم على أنها صاحبة تركيبية إبداعية خاصة وإن لها وسائلها المميزة في إنتاج المعنى وتوليد دلالته الإسطورية في دفقة شعورية فريدة كاشفة بها عن عثرات الروح البشرية في تكوينها الأنثوي. وهذا جعل من نصوص"رسائل إلى آدم" مساحة مغرية للتأمل والقراءة والتحليل.

 

مبادئ الاستجابة الجمالية

كلما اتجه النظر نحو فكرة اعمق واشمل تخص الفنون كلما استشعر القصور واللاموضوعية في الاقتصار على مادة فنية واحدة . وفي ضوء السعي نحو فكرة جمالية عامة فانه يكون باديا قصور الاقتصار على احدا لفنون، كاللغوية مثلا . وربما يكون من الجائز التساؤل عن انظمة جمالية موحدة للفنون اذا ما كانت الاجابة إيجابية فيما يخص سؤالا يمهد الارضية نحو هكذا فكرة . السؤال هو فرع فكرة ان العامل المشترك بين الفنون هو الاثارة ، اذ يمكن بحث باقي العناصر على انها عناصر اختلاف الا الاثارة فانه لا يمكن الاختلاف في انها عامل مشترك في الفنون باعتبارها اعمال ابداعية . في ضوء ذلك يكون السؤال (هل ان الاثارة التي تحصل لنا ازاء الاعمال الفنية ترجع الى نقاط موحدة في المجال الشعوري والفكري للإنسان ام انها مختلفة ؟) طبعا الوجدان والعلم بل والممارسة الخبروية تؤكد محدودية نقاط الشعور والاثارة فينا، اذن يصح افتراض رد الاختلاف الخارجي الى مشترك داخلي، وبذلك يكون لدينا واسط حقيقي يكون كاشفا عن عناصر الجمال الخارجية ونقاط الاستجابة الداخلية، اذن يصح افتراض وجود ثلاث مجموعات من العناصر المكونة لعملية التذوق الجمالي عناصر العمل الفني ، عناصر الاستجابة الجمالية وعناصر الوسط الجمالي، ويمكن فهم العملية على ان المجموعة الاولى من المركبات الجميلة وان الثانية هي مركبات الاستجابة والثالثة اي عناصر الوسط محفزات من جهة الطرف الخارجي ومستقبلات من جهة الطرف الداخلي . التباين الكبير في المركبات الجميلة ينتهي الى عدد محود ومشترك من المحفزات والتي لها مستقبلات محدودة وعنها مركبات استجابة محدودة ايضا .

من الواضح ان هذا الفهم يشتمل على واقعية ظاهرة مصدقة بالوجدان والعلم، ويكون البحث في كل من المجالات الثلاث مثمرا دوما واختصاصي ايضا، والبحث والاكتشاف في كل من تلك الجوانب يؤدي الى ثمرة مختلفة . فتطوير المعرفة بالعناصر الجميلة يمكن من قدرة اكبر على اعادة انتاج الجميل ، والتطوير في مجال الاستجابة يمكن من قدرة اكبر على التدخل في تطوير الاستجابة وتشخيص ما هو غير طبيعي ، والتطوير في مجال عناصر الوسط يمكن من انتاج محفزات ومستقبلات اكبر.

بعد وضوح امكانية فكرة المشترك الجمالي، ورجوع التنوع الظاهري للأشياء الجميلة الى مشتركات في مجال استجابتنا لها والعناصر الوسطية بين كل ذلك . ان اهم واوضح ظاهرة تشخص القصور في استفادة احكام عامة من البحث المقتصر على مادة فنية واحدة كاللغة او الرسم مثلا، ان ما يبدو للعيان ان هناك نوع من العمل الفني احادي البعد، ساكن في البعد الاخر كاللغة الزمانية اللامكانية، والرسم المكاني اللازماني، طبعا الكلام هنا من حيث المادة بذاتها، لكن لدينا فنون زمكانية كالتمثيل، فلا ريب جمعها للزماني والمكاني، ويكون غير محكوم بما يمكن ان يستخلص من الزماني او المكاني المنفرد . السؤال الاهم هنا (هل عملية الاستجابة الجمالية عملية زمانية ام زمكانية؟ )، طبعا من الظاهر انها زمكانية، سواء من حيث التحليل للظاهري او من حيث استراجاع المدرك وتخيله، اذن فمقولة ان اللغة تعكس نظام التفكير تكون في المحك وتعاني حرجا في الاثبات، ويكون الاصح ان الفنون الزمكانية أي المكاني المتطور في الزمن، كالتمثيل، هو الصورة الخارجة الاصدق المقاربة لعملية التفكير والاستجابة الجمالية ، بحيث يمكن تمثيل عملية الادراك بانها صورة متتالية كالشريط السينمائي .

هذا الفهم يمكن ان يكون مدخلا نحو فكرة جمال عرفية وجدانية، مدعومة بمظاهر فسلجية علمية، تكون اقرب للواقع واصدق في تمثيل الاستجابة الجمالية .و لا يبقى العنصر الجمالي متذبذبا بين الشكلي او المعنوي او ما هو داخل العمل الفني او ما خارجه، وانما تكون لدينا جهات بحث وميادين تصدق كل فكرة واقعية في مجالها وان كانت تخالف غيرها، فيرتفع التناقض فيما كان يعتقد انه متناقض، لتعدد ابعاد التجربة الجمالية وتجلي ميكانزما للاستجابة الجمالية . هذا المنهج العرفي الجمالي يبين انه لا تناقض بين القول بالجمالية الداخلية وبين القول بالجمالية الخارجية، بل يؤكد ان تلك النظريات تشامل على مواطن للصحة ويمهد نحو نظام علمي عام وشامل موحد لفكرة الجميل والجمال .

قصيدة الهايكو

الهايكو أو الهانيكو باليابانية :俳句 هو أسلوب ياباني في كتابة الشعر، من خصائصه تكثيف اللغة وحشد المعاني، وأحكام الصياغة . دائما ما أختلط على الناس مصطلحات     الهايكا والهكو وتعني حرفيا مستهل القصيدة بداية تسلسلها فأن كان المستهل أطل حينها يسمى بال-هايكا – والفرق إن الهوكو يؤسس لنغمة باقي القصيدة كما انه ممكن للشاعر أن يكتب هوكو فقط دون أكمل قصيدة .

الهايكو الياباني مدين بدرجة كبيرة لجهودMasaoka Shiki الذي أسس لاستقلاليته ولمنحه رسميا عام 1890 مصطلح الهايكو .

أما موضوعاتها فأن أشهر قصائد الهايكو تحكي عن تفاصيل وحالات يومية ولكن من زاوية جديدة تجعل الحالة المألوفة جديدة تماما على المتلقي . تتكون قصيدة الهايكو من جزأين ويكون بينهما حيز خيالي يترك للمتلقي فرصة الولوج الى القصيدة . كما ويبدو استقلال المقطعين إلى حد بعيد عن بعضهما البعض من ناحية الشكل وأن يكونا متصلين من ناحية المعنى بحيث يغذي كل واحد فهم الآخر . ولعمل هكذا قطع علينا ان ننهي احد المقطعين بنقطتي تنصيص(:) أو بشرطة .

ولعل من الشروط الواجب توفرها في قصيدة الهايكو وجوب احتوائها على (kigo) وهو كلمة فصلية توضح في اي الفصول كتب الشاعر الهايكو . على سبيل المثال (الأزهار) أو (الكرز) تذكر للدلالة على الربيع (الجليد) للدلالة على الشتاء أو (البعوض) للدلالة على الصيف . مع مراعاة أن لا تكون الكلمة الفصلية مباشرة . كما إن أهم الشروط التي يجب التزام الهايكست بها هو تجنب التشخيص أو أنسنة الأشياء . فالإنسان ليس مركز الأشياء بل هو خيط في شبكة كلية، حاله حال بقية الموجودات من تراب ونبات .

 

مختارات عالمية معاصرة من شعر الهايكو الياباني باللغة العربية

في كتاب “هايكو ـ مختارات عالمية معاصرة” يذكر المترجم جمال مصطفى أن الهايكو لم يعد يابانيا فقط بل تأثر به الكثير من الكتاب وأخذوا يتأملونه ويكتبونه في درجة متماهية مع مفهومه وبطلاقة شبيهة لما عرفه اليابانيون، فنجد نصوصا لشعراء من أميركا وأوروبا وأستراليا وبعض دول آسيا الأخرى مثل سنغافورة. ويشير إلى أن الهايكو انتشر في بعض البلدان الصغيرة مثل كرواتيا وأخذت تجاربه تبدع الهايكو بشكل مميز وبروح أضافت له الكثير من الدهشة، لكن الهايكو في اللغة العربية ولدى تجاربه الشعرية ظل غائبا مع قدرة اللغة العربية وحساسيتها الجمالية وما يمكن أن تضيفه لذلك المفهوم الشعري، وإن وجدت بعض التجارب المتفرقة إلا أنها لم تتجه مثل بقية التجارب التي أخذت الهايكو على محمل الجدية من بلدان أخرى إلى كتابة الهايكو في نفس هذا التصور الجمالي الحسي بأبعاده وتراكيبه، بل بقيت أسيرة ومقيدة بمفاهيم الشعرية العربية التي تسيطر عليها تصورات أخرى للشعر يتمسك بها الشعراء سواء كان ذلك برغبة منهم أو بما يتسرب إليهم من ذهنية محددة ومستقرة عند حدود الدرس الشعري، فبعض الشعراء شرع في كتابة الهايكو لكن سرعان ما تغير المسار الشكلي والفني أو حتى في المضمون والموضوع إلى شعر اللحظة أو الخاطرة أو ما يسمى بالومضة، وهذا لا يعني أيضا أن الهايكو الحديث أو ما عرف باسم الها يكو المديني لم يتطور بل أصبح هو الآخر يذهب بعيدا عن الطبيعة إلى قضايا الإنسان المعاصر، ولكن في حدود أثر الطبيعة تلك وما تفرزه قنوات التطور الحضاري والمعرفي. نقرأ معا الشاعر اريكا لامارش وهو يقول: “مدينة صغيرة/ دراجتي تعرف الطريق”. وآخر اسمه كرستين ديمينج يقول: “أول السنة.. آثار الأقدام هنا وهناك.. على ثلج السنة الماضية”.

لقد استطاع الهايكو بكتابه الجدد أن يضيفوا عوالم المدينة الجديدة غير متناسين ما تهبه الطبيعة لهم من وقود لكتابتهم، فنقرا لدى شاعر استرالي هذا الهايكو: “مدينة صغيرة لاسياج من حول المقبرة”.. إنه يصور مدى صغر تلك المدينة بحيث لايمكن أن تتسع لسياج إضافي حتى لو كان للمقبرة، والاسترالي الآخر الذي يصف بلدة نائية ويقول: “بلدة نائية.. محطة القطار.. بلاسكك” هل لأنها بلدة نائية؟ هكذا يأتي الهايكو ليثير كوامن خبيئة في النفس البشرية ليشير من بعيد ويلمح ويلامس بجدارة ماقد يغيب عنا مع أنه قريب وفي المتناول.. وكل هذا ببساطة مدهشة نلمحها مثلا في هذا الهايكو للدنماركي لونه مونكسغورد: “نحن وحيدون كورقة الخريف تسقط إلى الأرض”، أو لنفس الكاتب مقطع آخر: “يد الحلم تصل إلى الطير في الحلم اللذيذ”. ليس بوسعنا سوى التوقف برهة أمام ما يخلقه الهايكو من دهشة وقدرة على المقاربة ورؤية العالم بمنظار عميق وطويل المدى، وكذلك سنقرأ لدى ميشل بارو الروسي: “ليلة عيد الميلاد حول الشجرة الاصطناعية أتظاهر بالفرح”.

*أما في كتاب النهر - زوجة التاجر

 

(لي بو / ترجمة: عزرا باوند)

 

سحبتَ قدمكَ عندما اجتزتَ ناصية البوّابة.

الطحلب الآن صار موغلاً، بل طحالب كثيرة

توغّلت... يصعب عليَّ إزالتها!

أوراق الشجر سقطت مبكراً هذا الخريف،

سقطت في الريح.

شرانق الفراشات اصفرَّت

مع بداية شهر آب.

والعشب طفر من الحديقة الغربية؛

وأصبح يؤذيني، يوجعني...

يبدو أنني تقدّمت في السنّ.

إن كنت قادماً من خلال أضيق مضيق لنهر كيانج،

أرجوك أن تخبرني مُسبقاً،

لأخرج لمقابلتك

من أعلى قمّة لأعلى تلّ.

 

لتبسيط هذا النص إليكم شرحاً مقتضباً لبعض الأحداث:

نرى الطفل والطفلة، الولد والبنت (أنت وأنا) كرجل وامرأة في عالم البالغين. وفي الثقافة الصينية القديمة، كما في بعض الثقافات الحالية، نجد تقليد الزواج المبكر، وبالضرورة تحوّل الطفلة إلى امرأة تكنُّ لزوجها أقصى درجات الاحترام والخجل. في المقطع التالي تكمن الحياة الزوجية والانتقال إلى المتعة والسكن حتى تصل ذروتها فلا تتمنّى الزوجة أي شيء أعمق من الحب الذي تعيشه الآن. بعد ذلك صورة الفقد والاعتزال تبدو ظاهرة وواضحة عندما يتحوّل الزوج إلى «تاجر النهر» ويسافر مع المياه ليعمل في العالم البعيد في الجزر البعيدة، وتنقل الزوجة ألمها ووجعها بصورة لافتة وعبارات محدّدة تعكس الصورة والصوت من أعماق الطبيعة المحيطة وأعماق ألم الفراق. السطور الثلاثة الأولى من المقطع الأخير تعكس غياب التاجر مع النهر، وبعد ذلك يبدو أن الفراق كان مؤلماً للزوج تماماً كالزوجة. البوّابة الواردة بعد ذلك هي البوّابة نفسها التي ذُكرت في بداية القصيدة، والمرأة عادت بالذكرى إلى ذلك المكان لرؤيته، لكنها على مضض أُرغمت على رؤيته مودِّعاً مرّة أخرى، بالنسبة إليها لم يقتصر الأمر على مشاهدة ذلك الطحلب القديم ينمو، وإنما تركها للكثير من الطحالب تنمو على ضفَّتَي النهر منذ رحيله، ما جعل إزالتها الآن بعد توغّلها أمراً في غاية الصعوبة. بعد ذلك مزيد من مشاهد الفراق والوجع تتداخل بصورة دراميّة محزنه .

 

الهايكو وقصيدة النثر

يقول الدكتور رامز طويلة (شاعر هايكو ومؤسس مشروع الهايكو العربي) حين سأل عن التقاطع بين الهايكو وقصيدة النثر :

أنه ورغم وجود تقاطعات كثيرة بين الهايكو وقصيدة النثر التي تتميز بسردية أكبر وتتناول الأفكار الممكنة ولا ترتبط بزمنية معينه، مما يتيح استخدام كل مكونات اللغة عكس "الهايكو" الذي نجد من خلاله اهتمام اكبر باللحظة الانية . إلا إن العمق التأملي بالهايكو أكبر بكثير وهذا منبع الدهشة . كما لا يمكن اعتبار الهايكو انفصالا او انتقالا من مرحلة أدبية سابقة، رغم ان الأعمال الأدبية العربية تحمل الكثير من لمحات الهايكو، فالومضة الشعرية و الشذرة والخاطرة لا تخلو من هذه اللمحات ولكن ليست هايكو من الناحية البنيوية والقواعد الكلاسيكية الأساسية .

وكخلاصه بسيطة لما تقدم أعلاه فأن " قصائد الهايكو لا تقترح الكثير بأن تقول القليل فقط، بل أيضا توضح إن الشعر فعلٌ الحياة "

 

بقلم : سميرة سلمان عبد الرسول

..........................

** “هايكو ـ مختارات عالمية معاصرة” ترجمة جمال مصطفى ...

** النهر وزوجة التاجر للكاتب الصيني " لي يو " ترجمة عزرا باوند......

** مختارات من الشعر الأمريكي، ترجمة وتحقيق شريف الشهراني (2011) بيروت : دار الغاوون ....

لقاء مع الدكتور رامز طويلة

 

 

لا علمية المنهج التفكيكي في النقد الادبي

من الظاهر لكل متتبع لما تطرحه فكرة القراءة التفكيكية، انه لا يجدها الا عبارة عن تكلفات وافتعالات، التي لو سئل عنها كاتب النص الاصلي فضلا عن غيره لما استطاع ان يتيقن وجود ما قيل في نصه من قبل الناقد التفكيكي . ان انطلاق التفكيكية من فكرة الشك وعدم التصريح وتاجيل البوح وان النص يخون مؤلفه وغيرها من الابتعادات عن الفطرة والسلوك السوي للانسان القصدي،ما هو الا سير في الظلام دون هدى . هذا الانحطاط في القراءة والتلقي اسبابه مفهومة ، فهو نابع من الانحطاط العام في الاخلاقيات العالمية وسيادة النفاق والكذب والخيانة ، اذ لا ريب انا نعيش في عالم منافق وخائن يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول، لكن هذا لا يعني ان كل خطاب يكون قد بني على النفاق والخيانة.

ان ادعاء وجود دلالات وبوح   مغاير لقصد الكاتب، وعلى الضد من قصده نتجت بلاوعي رغما عنه وغير ذلك من الادعاءات وراء ما يمكن تلقيه على خلاف الظاهر الذي يفهمه المتلقي على اختلاف مستوياته، وغير مرتبط بقصد الكاتب هو ادعاء لا يصدقه الواقع بل ويكذبه . ومن الغريب ان هناك من يريد ان يقنعانا ان الانسان مهما كان صادقا فانه بلاوعي يكذب وينافق ويقول غير ما نرى ونفهم وان نصه يفضحه وانه ليس امامنا سوى الشك . طبعا لو سحب هذا الكلام على النصوص الدينية فسيحل الخراب في فهمنا لها ويحل الشك المريع في اليقين بالغيبيات، هذا الشك والانكار الذي هو من اهم ملامح التفكيكية . ومع ان هذا الفهم الذي تتبناه هذه الحركة ليس له واقعية فانه ايضا يعتمد على نزعة عدائية مستشرية عالميا تجعل من كل تلك الادعاءات مقبولة بسبب الواقع العالمي المنافق، ان هكذا قراءة تجر العالم والانسان الى مستويات اكثر كذبا ووهما وتؤسس وتشرعن لعدم الوفاء ولعدم الاخلاق.

كل ما تقدم مع اهميته المعرفية والانسانية الا ان ما يخص النقد الادبي فان التفكيكية تمثل درجة من درجات اللاعلمية، وتقدم النقد كعملية ابداعية جمالية، وهذا الفهم وان كان مغريا في ظاهره الا انه خلاف مقاصد النقد، ومن يصر على ذلك فليسمي هذا العمل بشيء اخر غير النقد . ان الوظيفية والحقائقية من الغايات المتأصلة في النقد، بل ان اسمه ومفهومه قائمان على ذلك ومشتقان من تلك المفاهيم . هذا من جهة ومن جهة اخرى فان التفكيكية لا تقرتب من جماليات النص الابداعي، فانها كما هي اختها البنوية لا تتجاوز حدود البوح بالصورة، ولا تتفهم عمق الانظمة والوجودات الفنية والجمالية المتجاوزة لذلك المجال، وطبعا سبب ذلك مفهوم لان اصل تلك الحركات لغوي متاصل فيها المطالبة بالتوصيلية والبوح، بحيث لا يفهم العمل الانساني الا باعتباره عملا توصيليا، وخير دليل على ذلك ان التفكيك لم تتجاوز ابدا حدود الكتابة كموضوع لها .

يقول مجدي ممدوح 2011 ) شبكة الادب واللغة ) لقد تجاوز النقد التفكيكي الدراسة النقدية التقليدية وطرح ما يسمى بالنص النقدي الذي أصبح له كينونته المستقلة عن النص الإبداعي، في بعض الأحيان ربما يلجأ الناقد التفكيكي إلى تأسيس نص شعري - الى ان قال - فالممارسة التفكيكية قد ذهبت بعيداً في تجاوز النصوص الإبداعية حتى أصبح من العسير على المبدع أن يتعرف على نصه الإبداعي داخل النص النقدي، وكأن النص النقدي يتكلم عن نص آخر لا علاقة له بنصه. ) هذا الكلام واقعي جدا وهو يشير الى ان التفكيك ليس قراءة وانما ابداع نص جديد، كما انه يشير وبصراحة في نهاية كلامه الى الوهم والادعاء والابتعاد في مثل هكذا ممارسة .

من الغريب فعلا، اعتبار ان العمل الفني مجرد عملية بوح، وقد قلنا ان ذلك ايضا من المصائب التي خلفها اقحام اللسانيات في النقد الادبي، ومطالبتها المستمرة بالبوح والحكاية والتوصيل، لكن كلنا يعلم ان الامر ليس كذلك، العمل الفني منظومة عظيمة من الانظمة والكيانات والجهات والابعاد، والكل فيها يسعى نحو اكبر قدر من الظهور . ان غاية اكبر قدر من الظهور والحضور، هو نزعة فطرية وصفة متاصلة في كل شيء، كل شيء في الوجود يتجه وبقوة نحو التجلي والظهور والحضور والتاثير، وعندما يكون لدينا نظام مكون من اطراف متعددة، تشكل كيانات محتلفة فان جميع تلك الاطراف وجميع تلك الكيانات تميل وبشدة نحو التجلي والظهور . وهذا هو الاساس الفكري للجمالية التجلياتية، التي تؤمن ان سر عظمة الابداع انه فضاء لتجلي ذوات اطرافه التي يكون بها، ان العمل الفني اللغوي مثلا هو فرصة وساحة لتجلي ذات الكاتب ولتجلي ذات القارئ ولتجلي عالميهما وموروثيهما، وتجلي الزمان والحاضر والماضي والمكان، وتجلي اللغة الكلمات والحروف، وشكل اللغة وعمقها، كلها تتجه نحو الحضور الصادق والتاثير الصادق . ان هذا الذي نراها هو الموافق فعلا لما يحصل من حضور قوي للعلم، والعلم ما هو الا اداة التاثير، ان القراءة التجلياتية تؤمن ان هناك عوالم وفضاءات وبناءات خلف الظاهر، الا انها ليست على خلافه لان ذلك خلاف الفطرة والسلوك الانساني السوي وخلاف اصالة الصدق والوفاء، بل انها تكون به وتتحقق به وهو نور يرشد اليها .ان في القراءة التجلياتية يكون النص نور على نفسه، انها بناء على بناء متواصل ومتوسع اشعاعي، يكون محور الجميع الصدق والوفاء والتعاون لاجل وجود اكمل وظهور افضل، . ولو راجعنا وجداننا نجد ذلك هو الراسخ وهو ما نراه ونحسه به في تعاملنا مع الاشياء وما تعنيه بخلاف دوامة الشك والوهم والادعاء والخيانة والهدم التي تتباها التفكيكية .

 

د. انور غني الموسوي

 

دراسة نقدية: بين فعل التثوير والتغيير ومسرح شباب الربيع وما بعده في اليمن

hayelali almotheabiمهاد: لعل من الصعب القول أن ثمة مسرح للشباب في اليمن في ظل إنعدام المسرح في اليمن عموماً، حيث أن ما هو موجود لا يحكم أو يقاس عليه فهو قليل، ورغم ذلك فإن ثمة ظواهر مسرحية شبابية تقتضي تسليط الضوء عليها والحديث عنها رغم قلتها فهذا القليل هو ما يحدث الفارق دائماً في تاريخ الفن والشعوب، ومن ذلك ما سأتناوله في هذه الدراسة النقدية والبحثية عن مسرح الشباب الثوري في اليمن أثناء وبعد ثورة الربيع 2011م والذي لم نجد أي نص مسرحي شبابي مطبوع يتناول موضوع الثورة والتغيير سوى ما تبنت طباعته الأمانة العامة لجوائز رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب ولعل أهم تلك الأعمال المسرحية الشبابية المرتبطة إرتباطاً وثيقاً بموضوع هذه الدراسة البحثية مسرحية " ملامح شظايا " الفائزة بجائزة دبي الثقافية للعام 2011م للكاتب عبدالخالق سيف محمد الجبري.

- في التجربة المسرحية للجبري (ملامح شظايا) والتي ينشد فيها استنهاض العزائم الشبابية والعلمية في الوطن العربي من أجل تأسيس واقع جديد، جوهره وغايته: نشر الحرية، وتوسيع قاعدة الديمقراطية، وهدم معابد وأنظمة الديكتاتورية، وسيادة القانون، وقيام دولة العدالة الاجتماعية، والإنسلاخ من تبعية وسلطوية القوى الغربية. والتأكيد على دور الفرد في بناء المجتمع، ودور المجتمع في بناء الدولة، واحترام أدمية وحقوق المواطن، وإرساء مفهوم المواطنة. في هذه التجربة (ملامح شظايا) اعتقد أن أهم ما يكسبها أهمية خاصة في خريطة الحركة المسرحية اليمنية إضافة إلى ما تقدم - ليس لكونه فقط أول تجربة كتابية درامية يمنية) تتصدى لموضوع الثورات العربية المعاصرة، وليس فقط لعمق مضامينه الفكرية التي تنحاز للطبقة المتعلمة من الشبيبة، وللبسطاء من الناس، وللكادحين من أبناء الطبقة الوسطى وللمقهورين والمظلومين والمحبطين من الشعب العربي، وليس فقط لأنه يقدم للمتلقي خطاباً سياسياً عقلانياً، يدعو إلى استقلالية الفعل والإرادة العربية، وليس فقط لكونه من النصوص المسرحية الشبابية اليمنية القليلة المهمومة بالقضايا العربية... ولكن فوق هذا وذاك لكونه يبعث أملاً جديداً في تجديد مسارات الكتابة المسرحية الدرامية في اليمن، على نحو يعزز من قيمة النصوص المسرحية التعبيرية ذات الرؤى والمضامين السياسية، والتي تحمل في خطابها قيماً ثورية، كثيراً ما تفتقدها الساحة المسرحية اليمنية.

 

المسرح سلوك أم فعل؟

إذا كانت الفنون جميعا تقتضي الحرية لتؤدي وضيفتها الطبيعية في المجتمعات وتحدث تغييرها الإيجابي في البشر وتطهرهم من لواعج نفوسهم وما يعتريهم من مخاوف فإنه بالضرورة لابد لهذه الفنون من حرية وفضاء واسع وسقف لا يحده حدود ولأن المسرح كان دائما وسيظل أباً لكل الفنون سواءً بما يشمله من أطوار فنية حتى يصل في صورة العرض النهائية للناس، فتلتقي فيه جميع الفنون، أو لما يمثله وجوده من سبق وظهور وأقدمية للفنون جميعاً ما يجعل سقف حريته بالضرورة عاليا وغير محدود..

والمسرح في أقصى غاياته – شأن مسرحية "ملامح شظايا" - محاولة لإثبات الذات وتحقيق الوجود، لأن الفن فعل وليس سلوك، لكن هذا التحقق وهذا الإثبات عن طريق الفعل لايتم إلا في ظل فضاء رحب من الحرية، ويشترطها قبل وجود الفن ذاته، يقول "جان بول سارتر" صاحب الخطوط الفلسفية الثلاثية " الحرية، المسئولية، الالتزام، في حديثه عن الحرية وما تقتضيه، أن الإنسان يستطيع إثبات وجوده عن طريق الفعل، فالفعل هو محاولة لتغيير الحالة الراهنة لتحقيق حالة أخرى مغايرة ففيه إلغاء لشيء وإثبات لشيء آخر، وليس أي سلوك يسلكه الإنسان فعلاً، فقد نرى الكرسي يقع أو إنساناً ينزلق، فهذا سلوك وليس فعلاً، لأن الفعل قدرة على تغيير أوضاع تؤثر في عالم الموجودات وقد يضيق الفعل وقد يتسع، قد يكون تحية عابرة، وقد يكون معركة تقتل فيها مدينة بأسرها، وسارتر لا يقيم قيمة الفعل بما يترتب عليه من نتائج بل المهم عنده كما هو عند سابقه "كانط" أن يصدر الفعل عن حريتنا وعن إرادتنا، فالفعل الإنساني يفترض الحرية وهو تعبير عنها، وينتهي سارتر إلى القول بأن الحرية ليست مجرد صفة للوجود الإنساني بل إنها قوام هذا الوجود، وقد يحاول الإنسان أن يهرب من حريته ومسئوليته، يحاول أن ينكر ذاته، ويرفض أنه موجود لذاته، على حد تعبير سارتر، ويسعى لإيهام نفسه بأنه موضوع وشيء كباقي الأشياء، وحتى في هذه الحالة، أي عدم وعيه بحريته وتخليه عن إرادته فإنما يكون حراً، ذلك لأنه اختار عدم الاختيار، إنه الكائن المحكوم عليه بالحرية وهو لا يستطيع أن يهرب من حريته لذلك يتسع مفهوم الحرية عند سارتر ليشمل الشعور والعاطفة بالإضافة إلى الفكر والوعي، وليس هناك شروط لتحديد أي الأفعال خير من غيره إلا مقدار صدورها عن حرية فاعلها، وليس هناك أسوأ من حالة النكوص عن المسئولية وتخلي الذات عن حريتها حين تقبل كل ما هو معطى لها جاهزاً.

إذن المسرح ونظراً لما يتناوله ولما يقوم به فعلاً وليس سلوكاً وهذا بالضرورة ما يلزمه أن يحدث التغيير في المتلقي وفي الواقع، وهو ذاته ما يجب أن تكون عليه جميع الفنون لا المسرح فحسب، فجميع الفنون في جوهرها وفي اقصى غاياتها ليست إلا أفعالا للتغيير ولإثبات الذات وتحقيق الوجود..

يبقى السؤال ما هي غاية الفعل، هل هي التطهير أم التثوير والتغيير ؟

هنا يمكننا الإجابة من خلال مسرحية عبدالخالق الجبري " ملامح شظايا " وبالتوضيح أولا لمفهوم التطهير ومفهوم التغيير والتثوير..

المسرح كونه فعل تطهير أم فعل تثوير وتغيير..!!

لعل أهم من اتضحت معالم رؤيتهم وفهمهم للمسرح هما أرسطو قديماً صاحب نظرية "الكاترزيس " وبرشت صاحب نظرية المسرح الملحمي حديثاً واذا اردنا فهم طبيعة النظريتين فعلينا أن نتحدث عن كلاهما بشيء من التفصيل والمقارنة إذ لن تتضح الرؤية إلا بلغة الأضداد ولنعرف من ثمّ أين تلتقيان وأين تفترقان وأيضاً طبيعة جوهرهما..

 

المسرح الدرامي لدى أرسطو:

إن الإنسان في جوهره يميل نحو الشر وطبيعته لا أخلاقية ويأتي هذا حتمياً نتيجة لما يمتاز به الإنسان من غرائز تحرضه لإشباعها وممارسة اللا أخلاقيات..

يقول أحد الحكماء: (الواقع أن الطبيعة البشرية غير طيبة)، وأكد هذا الأديب والمفكر (برونتيير) بقوله : (إن الطبيعة البشرية طبيعة لا أخلاقية).‏

وعندما نكون متفقين على هذا فإن جوهر المسرح يصبح على حد تعبير أرسطو تطهير النفس البشرية من لواعجها ولا أخلاقياتها.. !!

كيف..!؟

لقد سمى ذلك الفيلسوف اليوناني أرسطو " كاتارزيس " أي التطهير لكنه لم يسهب في الحديث عنه أو في تفاصيله ولكنه عبر عنه في كتاب الشعر بالتطهر الفني الذي يحصل عندما يقرأ الإنسان أو يشاهد أو يصغي إلى ما يخافه ويخشاه ليتطهر منه على الواقع، والمسرح يجعل المتلقي بالضرورة يتطهر من مخاوفه الحقيقية على الواقع بطريقة مقبولة فنياً، وجميعها صور ومشاهد غير مقبولة البتة واقعياً، لكن المسرح يعالجها فنياً ويُطهر المتلقي منها فنياً .. (أرسطو – فن الشعر)

إن علاقة المسرح بالمتلقي هي علاقة المشاركة الإدراكية والحركية والوجدانية وبإنعدام هذه المشاركة لايتحقق التطهر لدى المتلقي من لا أخلاقياته ومخاوفه وما تحثه دائماً غرائزه على فعله..

ويؤكد الأطباء النفسـيون (إن الغرائز العدوانية والغرائز الجنسية تطالب بحقها، لأنها لا تستطيع أن تمنح نفسها الحياة في الحقيقة الواقعة، لذا فهي قد تحصل في مجال الفن على ترضية بريئة ومثالية، وبهذا يصبح الفن بمثابة الاشتقاق أو صمام الأمان بالنسبة للإنسان.)

وبالتأكيد إذا كانت طبيعتنا البشرية طبيعة لا أخلاقية أساساً، وكل ما يقدم لنا عبارة عن نصائح سيئة ولا سبيل لمقاومة هذه اللا أخلاقيات، فماذا نفعل؟

وهل يمكن أن يكون لهذه اللا أخلاقيات سبباً خارجاً عن إرادتنا أو إنها قد تكون كشفا إلهياً كان قد فرض علينا ؟، أو أنه مجموعة تمثيلات جماعية كان قد تشرّب بها مجتمعنا الإنساني !!، وكيف تستطيع هذه اللا أخلاقيات أن تصدر لنا كل هذه الأوامر فنطيعها !!، وكيف توقظ هذه الأوامر في نفوسنا هذا الصدى وكيف تمارس علينا كل هذه الجاذبية وهذه الضغوط..!!؟

نعم، إن الإنسان في كثير من الأحيان يكون حيواناً أو وحشاً قاسيا، لكنه رغم كل هذا وذاك، فهو مخلوق غير فاسد كلياً فيه بذرة خير، والشر لديه نسبي لا مطلق مثلما الخير أيضاً لديه، ولا يخلو من بعض الخصائل الحميدة مثلما لايخلو من الشر.‏

وبالمثل إذا كانت غرائزه تدفعه وتستميله للشرور، كالتسلط واشباع شهواته وغيرها، فإن الفنون تمكنه من فعل الخير، والتطهر من كل الشرور، وبفضل الفن، يكون قادراً كذلك على إخراج الثمار الطيبة والعظيمة من نفسه.‏

كل ذلك العطاء الخير ينتجه الحب وتعكسه الأعمال الفنية المسرحية، ولذلك يجب أن يكون العمل الفني عظيما بما يحتويه من قيم إنسانية وكونية تضمن له الخلود وأيضا تكون واضحة ومضيئة وتحمل كل التناقضات في النفس البشرية بما في ذلك لا أخلاقيات شهواته ونزواته.‏

إن المسرح في جوهره دعوة صادقة للإفلات من قبضة الخوف والتطهر مما نخشاه على أرض الواقع، دون أن نمسه أو نمارسه حقيقةً، ولكن فنياً فقط، وبالتالي فإن فاكهة الخطيئة التي نستطيع أن نأكلها مسرحياً ستمنعنا النتائج التي تتبع أكلنا لها مسرحياً من أن نأكلها على الواقع وهذه هي الكاتارزيس التي كانت مهمة المسرح دائماً تحقيقها فنحن مسرحياً نتجرأ على الخطأ، ونتجرأ على الإنغماس في الخطأ، ونمارس وتجاز لنا كل اللا أخلاقيات لنتطهر منها واقعياً وهذه هي غاية المسرح وجوهر رسالته.

ولعل أهم سمات وخصائص المسرح الدرامي لدى أرسطو كما بينها برشت في جدول له هي:

أن المنظر يجسد الفعل، ويشرك الجمهور في هذا الفعل، ويستهلك نشاطه، والشكل الدرامي يزود الجمهور بتجارب، ويجعله قابلا للعواطف، والمتفرج يجد نفسه في وسط الفعل، كما ان المسرح الدرامي يؤثر بالايحاء، ويحافظ على المشاعر، ويفترض في الإنسان أنه معروف، والإنسان ثابت، والاستطلاع يتعلق بالحل، وكل منظر متوقف على الآخر، والأحداث تجري على هيئة خط مستقيم، والطبيعة لا تقوم بطفرات، والعالم كما هو، وما يجب على الإنسان أن يفعله، وغرائزه، والفكر يحدد الوجود (من الجدول الشهير الذي وضعه برتولد برشت لمسرحية " مهاجوني" وهي الأوبرا التي مثلت للمرة الأولى في سنة 1920).

 

المسرح الملحمي لدى بريخت:

المسرح الملحمي يدعو إلى الفعل، ويزود بالمعارف، مستعيناً بالحجج، محللا العواطف إلى معان عقلية.

وهو يدرس الإنسان في أحواله، ويجد أنه رهين بهذه الأحوال، فيتغير إذا ما تغيرت، وبعبارة أخرى يفترض أن الإنسان ليس طبعا ثابتاً، بل هو كائن قابل للتغيير إذا ما تغيرت ظروفه الاجتماعية أو البيئية. وواضح ما في هذا من تأثر بمبدأ ماركس المشهور، وهو أن المطلوب ليس فهم الإنسان بل تغييره. وعلى هذا سنجد في المسرحيات الملحمية أن أحوال البطل وتصرفاته تتغير بتغير ظروفه الاجتماعية وأحواله المعاشية وملابسات البيئة، بينما نجده في المسرحيات الدرامية ثابت الطباع، وعن هذه الطباع الراسخة يصدر كل ما يبدر منه من أفعال وتصرفات. ولا تفسير لهذه إلا بذلك الطبع الثابت. وهذه نقطة بالغة الأهمية في مسرح برشت.

وعن هذه الخاصية تُستنبط الخاصية الثالثة، وهي أن لأحداث ترسم خطاً مستقيما في المسرحية الدرامية، لأن طبائع الشخصيات ثابتة، بينما هذه الأحداث في المسرحية الملحمية ترسم خطوطاً منحنية تتعرج وتدور وتتكسر وفقا للظروف الاجتماعية التي يحيا فيها الأشخاص.

وكذلك تستنبط الخاصية الرابعة، وهي أن المناظر، لانعدام الاتصال الثابت، يقوم كل واحد منها برأس، وليس مجرد حلقة في سلسلة كما هي الحال في المسرح الدرامي. إذ أن كل منظر يعبر عن حالة برأسها وجدت فيها الشخصية وفقا لإحداثيات اجتماعية ترتبط بها. إن الطبيعة في المسرح الدرامي لا تقوم بطفرات، لأن ثم منطقا باطنا نابعا من طباع الشخصية، أما في المسرح الملحمي فلا طبع ثابت، وبالتالي لا منطق باطن، بل ثم انتقالات مفاجئة، أعني طفرات.

ولما كان الوضع الاجتماعي (الاقتصادي خصوصا) هو الحاسم في إحداث التغيرات، فإن هذا الوضع الاجتماعي هو الذي يحدد الوجود، ويحدد الفكر، وعلى العكس في المسرح الدرامي نجد الفكر هو الذي يحدد الوجود، لأن الفكر –في نظره- هو الذي يغير الواقع الاجتماعي. وفي هذه الخاصية نرى التعارض المشهور بين دور الفكر عند هيجل (ويتمثل هنا في المسرح الدرامي)، ودور الفكر عند ماركس (وهو الذي يمثله هنا المسرح الملحمي أو مسرح برشت).

 

أين التقى الجمعان..!

مثلما وضحنا سابقاً في جزئية "المسرح سلوك أم فعل " أن المسرح في شكليه الدرامي أو الملحمي فعل وليس سلوك وهذا الفعل يقتضي الحرية أولا ليُحدث التغيير في عالم الموجودات نستخلص أيضا من الجزئيات الأخرى في هذه الدراسة البحثية أن التطهر الذي يحدثه المسرح لدى أرسطو هو الوجه الآخر للعملة والتي هي لدى برشت فعل التغيير والتثوير..

 

كيف؟

لو تذكرنا نهاية الثائر العملاق أرنستو تشي جيفارا بعد الخيانة التي تعرض لها وتم تسليمه إلى أيدي القوات الأمريكية وتحديدا عندما أراد قاتله إطلاق الرصاص عليه ولكنه كان خائفا وعاجزا عن أن يضغط على زناد بندقيته رغم أن جيفارا كان مكبلاً بالأغلال وما كان منه إلا أن يقول " اقتلني لاتخف أنا مجرد رجل " وهذه كانت خلاصة التجربة ومجمل رسالة جيفارا الثورية منذ البداية وحتى النفس الأخير فهو أراد أن يتحرر قاتله مما يستعمره من خوف وهذا ذاته يعني التطهر الذي تحدث عنه أرسطو وسماه " الكاترزيس " وكذلك يصبح الوجه الآخر لديه في هذه المقولة هو الإنتقال بقاتله من حالة الخوف إلى حالة أخرى هي الشجاعة وهذا تغيير وتثوير الإنسان على ذاته وهو ما يؤكد مسرح برشت مع الاعتبار في الذهن أن يظل الإنسان في حالة التطهر والتغيير محافظا على إنسانيته رغم التغيير الذي يحدثه في نفسه ولأجل هذا وذاك نجد أن الجوهر في كلا المسرحين واحد وهو الارتقاء بالإنسان مما يخشاه وتخليصه مما يستعمره سواءً كان بشراً أو شجرا أو حجراً أو مرضاً.

وبالعودة إلى " ملامح شظايا " نجد أنها كانت في أوضح غاياتها تنادي وتهدف إلى التطهير في شخصية الأسير آربيوس مثلا وشخصية الرجل الأعمى وتارة أخرى تفعل فعل التثوير عن طريق شخصية المجنونة مثلا للإنتصار لحقوق المرأة وشخصية شاب المسرح أيضا وكذلك في فكرة الخروج على النص والتمرد على الكاتلوجات في النهاية الكبيرة وفي نهاية كل مشهد تناولته المسرحية.

ولأجل ذلك يمكننا القول أن المسرح بشكليه الدرامي والملحمي التقيا في هذه المسرحية ولايصح التفريق بينهما دائما وإن كان ولابد من ذلك فيمكننا اعتبار الملحمي امتدادا للدرامي.

 

ملامح شظايا

.. ما من عملٍ عظيم إلا وكان الحدث فيه وسيلة لغايات عظيمة وعالية وقيم دهورية تحافظ عليه من الزمن فلا يبلى ولا يغيره كر الأيام أو فرها..

"ملامح شظايا " مسرحية المبدع عبدالخالق محمد سيف الثانية، وعندما نتجاوز أمر فوزها بجائزة دبي الثقافية ونستطلعها ونشرف عليها من فوق سنجد أنها تضمنت قيمة عالية وفلسفية، وهو ما سيؤدي بالتالي إلى بقائها عدا كونها تشكل علامة فارقة في تاريخ مسرح الشباب الثوري اليمني والعربي ..

ثمة قصة رمزية تقول : اجتمع عدد من العلماء وأحضروا مجموعة من القرود ووضعوها في قفصٍ به سلم وأعلى السلم عناقيد موز..

أول شيء متوقع أن تفعله القرود هو صعود السلم من أجل الموز، وهنا يتدخل العلماء ويصبوا الماء البارد على القرود في القفص، فتفهم القرود من ذلك أن عليها منع أي قرد من الحصول على الموز وإلا فسيصب عليها ما تكرهه...!!

حينها وقد فهم الخمسة القرود داخل القفص ذلك قام العلماء بإخراج أحد القرود واستبداله بقرد جديد ويكون أول شيء يفعله القرد الجديد هو صعود السلم لكنه يتفاجأ بضرب بقية القرود له وإنزاله، لم يفهم من كل ذلك سوى أن ذلك محظور عليه..!!

ويستمر العلماء بعد ذلك في استبدال القرود القديمة بقرود جديدة ويتكرر نفس الأمر مع كل قرد جديد وهكذا حتى يكون كل من في القفص من القرود قد فهم أن عليه عدم صعود السلم وبدون أن يُرش عليهم الماء البارد..!!!

ماذا يحدث هنا..!!؟

قصة مسرحية " ملامح شظايا "

تحكي مسرحية " ملامح شظايا" الرمزية قصة مخرج ومؤلف مسرحي يقبع في سلة للنفايات ويسميه المؤلف " رجل السلة " يسعى طيلة المسرحية إلى محاولة إرضاء سيده المبهم الملامح والغامض عن طريق ما يقدمه من نصوص تؤديها شخصيات كثيرة متعددة ومتنوعة تنتظر دورها تحت أغطية من القماش لتؤكد تفاصيل المسرحية استلهام الكاتب لمقولة شكسبير الشهيرة " الحياة مسرح كبير " فالمسرح الذي تؤدي فيه الشخصيات أدوارها هو الحياة ورجل السلة هو الشخصية التي تسعى دائما لإرضاء السيد الكبير ملائمة لأهوائه ومصالحه وطلبا في رضاه، لكن مالم يحسب له رجل السلة حسابا هو أن تخونه الشخصيات بخروجها عن النص الذي كتبه لها وأخرجه، بطريقة ثورية تنتصر فيها لنفسها ولكرامتها ولإنسانيتها وحقوقها وما ترغب في أن تكونه هي وليس رجل السلة ثم يكتشف رجل السلة أن كاتب الخاتمة لكل النصوص هو ضميره بطريقة خيانة ثم تنتهي المسرحية بإحراق رجل السلة وسيده أخيرا..

 

التحرر من القطيع

مسرحية " ملامح شظايا " تصوير بليغ لفكرة التحرر من القطيع والخروج على النص بل والثورة عليه وهي ذاتها منهجية إبراهيم عليه السلام في رحلة البحث عن الله فقد تجرد من القطيع الذي يسكن قومه ووالده وقام بتحطيم الأصنام لمحاولة تحريك العقل لديهم، فكان إبراهيم عليه السلام أول الثائرين في التاريخ وبغض النظر عن موضوع ثورته ويكفي أنه أول من قال لا وخرج عن النص وعما يردده قومه..

إنه صوت سبارتاكوس " من قال لا في وجه من قالوا نعم " وصوت ماكسيم غوركي وهو يحرض الجماهير المطرودة من المسرح بقوله: " خلقنا لنعترض ".

نورد الحوار الأخير من المسرحية الذي يشرح فكرة الخروج على النص قبل الحديث عن الكاتلوج..

(رجل السلة: لا يجب أن نتفق.. لا يجب أن نتحد.. لابد أن نستعذب حالة العجز واليأس وأن تظل الصراعات المذهبية والمناطقية بيننا.. أعلم هذا الدرس أيها السيد الكبير ولكني لا أدري من الذي يخونني ويغير هذه المبادئ القذرة التي تعشقها.

(لا يبدو أنه شعر بالكلمة الاخيرة)..

يصمت كمن يصغي إلى ذلك السيد الكبير ويهتف باستنكار.

ماذا تقول؟

أنا كاذب ومراوغ.. أنا تقول عني هذا بعد كل ما فعلته من أجلك.

(يرتفع صوت غريب نسمعه لأول مرة صوت مليء بالغضب والاستعلاء)

الصوت الغريب: ارجع إلى أوراقك التي كتبتها أيها الكاذب اقرأ خاتمة كل مشهد قدمته وعرضته عليك.

(يقلب رجل السلة الأوراق)

رجل السلة: ها هي خاتمة المشهد الأول التي لم أكتبها أنا وإنما هو ذلك الخفي الذي يخونني (يصل إلى خاتمة المشهد الأول ويبدو كمن اكتشف شيئا لم يكن يتوقعه).

فبدأ يقلب الأوراق والمشاهد في هستيريا ويزداد ذهوله كلما قرأ خاتمة كل مشهد وارتفع صوته المتقطع بصعوبة بالغة فتسمع كلمته المجروحة وهو يقول..

رجل السلة: لا أصدق هذا أيها السيد الكبير أن خط الخائن الذي زور هذه الخاتمة في كل مشهد لا يختلف عن خطي أنا.

صوت السيد الكبير: بل أنت الخائن المخادع.. وهذا هو خطك الذي أشعل كل نهاية سعيت لإخمادها.

رجل السلة (بذهول): أنا من كتبت كل هذه النهايات التي تحاربها أنت وتكرهها؟!

صوت السيد الكبير: نعم.. أنت

رجل السلة: إذاً أنا من كنت أخون نفسي..! (يصمت ثم يكمل) بل هو الذي كان يخونني.. نعم إنه ذلك الطاهر المزروع في أعماقي (يصمت ثم يكمل بمقت وكراهية) رغم أنف السيد الكبير.

(نسمع أصواتاً مزعجة تملأ أرجاء المكان وكأنها تعبر عن غضب السيد الكبير)..

صوت السيد الكبير: وسوف تدفع ثمن خيانتك لي وعلى عدم قتلك الطهر في أعماقك أيها القذر.

(نسمع صوت الأقدام وهي تتحرك وأن السيد الكبير يعلن عن رحيله وأنه يختبر ولاء رجل السلة).

رجل السلة (وكأنه صحى من كابوس مزعج وبنبرة تحدٍ وتمرد على ذلك الماضي المطرز بالمذلة ارتفع صوته): لم أعد أدري ما الذي تريده مني..؟ ألا يكفيك ما قاسيته وعانيته وأنا أكتب وأخرج ما تريده أنت رغماً عني (تزداد انفاسه سرعة فيحاول أن يتمالك نفسه وكأنه مصمم على إخراج تلك الحمم المخبأة في بركان صدره ويصرخ بتحدي): يا.. أنت.. يا أيها المتربص بي كالموت... هيا كشر عن أنيابك المخفيات تحت رقة قبلات واغرسها في نياط عقلي... دعني أنزف حتى الحياة.. فأنا أحتاج إلى حبرٍ جديد... لأني لم أعد أحتمل... (يكررها بثورة وهو يجري في كل أرجاء المكان نازعاً كل الأغطية عن جميع الشخصيات واحداً تلو الآخر) هيا أيتها الشخوص انطقي... فأنا لم عد أحتمل !

(تنهض كل شخصية مغطاة وهي تطلق آخر عبارة أدتها في مشهدها).

الأسير أربيوس: (وهو يرتفع على القائدين): ستهزمون.

شاب المسرح (وهو يتحرك في مكانه): دون يأس استمر بالأمل.

الفتاة المجنونة: أريد أن أحيا بعقل.. حتى لا أكتشف عندما أموت أنني لم أعش.

الرجل الأعمى: المبصر اليائس والعاجز هو الأعمى الحقيقي فليتكم تتحدون.

(تداخلت أصواتهم في تناغم عجيب وهم يكررون عباراتهم الختامية بينما رجل السلة يتجه بخطوات متخاذلة إلى السلة وهو يصرخ.

رجل السلة: لم أعد أحتمل .. لم أعد أحتمل.

يختفي داخل السلة فترتفع ألسنة النيران داخلها ونسمع صرخات رجل السلة وهو يكرر عبارته التي امتزجت بذلك التداخل في الحوارات بين كل الشخصيات لترسم لوحة قوية وغريبة في ذات الوقت وتبدأ كل شخصية تلو الأخرى بالصمت حتى لم يتبق إلا صوت رجل السلة الذي احتل المكان بعبارته الأخيرة التي تنتهي فيغرق المكان في صمت مهيب .. صمت يحمل معنى واحداً وهو أن المشهد انتهى.)

 

الكاتلوج

لم تكن العظمة في شخصية أديسون تكمن في اختراعه للمصباح كما قد يخال البعض بل وهو الأهم في تجاربه التي وصل بها إلى ذلك الاختراع إذ بلغت تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعون تجربة وكانت التجربة العشرة ألف هي المصباح، والمثير في ذلك وما هو مدعاةٌ للتأمل وجديرٌ بالاهتمام في الأمر أن أديسون لم يكرر خطأً ارتكبه في تجربة سابقة في تجربة تليها، والأمر هو أن المرء لا ينتبه إلى خطأ إلا بعد أن يفعله فالطفل، وهو ما يسمى بالملاحظة بالتجربة في المنطق، لا يسمع كلام النهي والتحذير إلا بعد التجربة فلو قلت له مثلا ألا يلمس الفرن الساخن لأنه سيحرق فانه لا يستجيب لك إلا بعد أن يحترق فعلاً أي بعد أن يخوض التجربة وليس لأن الممنوع مرغوب كما قد يُظن، ولذلك يدعو معشر العقلاء والعظماء الناس إلى الاستفادة من تجارب الغير قبل شروعهم في أعمالهم مشاريعهم كما يدعو إلى الاستفادة من التاريخ ودروسه لأخذ العبرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام " لايُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين "، وما كان عمل الرسل في أقوامهم إلا أن يرسموا لهم منهج حياتهم وطرق التفكير السليمة وكان ديدنهم – أي الرسل- أن يكونوا قدوة للناس كما هو ديدن العلوم الحديثة التي تسعى أو تستهدف الإنسان بشكل رئيسي عن طريق تنميته وتنمية طرق تفكيره وإرشاده إلى الطريق القويم والأمثل للتفكير ومعالجة منهج حياته وتقويم أخطائه.

ومثل ذلك في عالم التكنولوجيا هو الكتلوج المرفق بالأجهزة الالكترونية وما سواها، إذ أن المرء الذي يقتني جهازاً ولنقل حديثاً يستعصي عليه استخدامه ويتعذر عليه ذلك بدون الكتلوج فإما أن يخوض التجربة ويحاول استخدام الجهاز فتصل به المحاولة إلى تعطيل الجهاز حتى ولو كان خبيراً في الأجهزة لأنه لا توجد تعميمات مسبقة ومرجعيات يستند عليها في استخدام الجهاز وما تلك التعميمات سوى الكتلوج في أضعف الحالات وغيره الخبرات السابقة والتجارب وللسبب نفسه تقرر على أديسون إجراء ذلك العدد الكبير من التجارب للوصول إلى المصباح الكهربائي، أي أن العظمة ليست في النجاح في التجربة ولكنها في عدم اقتراف الأخطاء التي اقترفتها في التجارب السابقة وقد قيل " حياة الناجحين مسلسل من الفشل ".

والتعميمات والمرجعيات السابقة أو " الكتلوج " هي ما يجعلنا نفعل الشيء ونشعر به ونخافه ونحذره ونحبه ونألفه وكل ما يمكن أن يخطر لنا من متناقضات فكرية أو شعورية أو سلوكية أو اجتماعية، وإلا فما الذي يجعلنا نمسك مقبض الباب ونؤمن بأنه سينفتح ؟ وكذلك الأمر مع كل الأشياء التي نصادفها في حياتنا، كل ذلك بسبب "الكتلوج " والتعميمات السابقة التي نستند عليها فيما نحس ونشعر ونرى ونسمع ونهاب ونخضع، حتى في الدين والعبادة والتقديس والتعظيم والولاء والطاعة والعصيان كل ذلك مرجعه " الكتلوج " وقد عبد الناس الأصنام قديماً بسبب" الكتلوج" الذي أعطاه لهم آباؤهم ومن سبقوهم وكانت تلك حجتهم في معتقدهم، والمجتمع يعطي المرء كتلوجاً في طفولته ومراحل تنشئته الأولى يمكن أن نطلق عليه " كتلوجاً اجتماعياً" فلا يتجاوزه وهو يتضمن كل شيء عن المجتمع وسيرته من عادات وأعراف وتقاليد ومعتقدات و...و....و....الخ.

والأمر بالمثل في عالم الاقتصاد والمعيشة والحياة ومتطلباتها فالإنسان يأخذ كتلوجاً ولنقل ثقافياً من خلال الكتب والمجلات والفضائيات والصحف وغيرها من الوسائل التي من الممكن اكتساب شيء منها ويتخذ من ذلك أي من الكتلوج الثقافي وسيلة ومنهج حياة ولا يختلف الأمر كذلك في اللغة وما نتحدث به ونتلفظه فكل ذلك جاء في الكتلوج الثقافي وكذلك الاجتماعي ويعرف هذا جيداً من نال حظاً من السفر والتنقل بين المجتمعات والمدن ومن جرب الغربة بغض مهما يكن سببها علمياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو دينياً.

ولكل دولة كتلوجاً تشريعياً ودستورياً تنتظم من خلاله حياة المواطنين وطرائق معيشتهم ولولا ذلك الكتلوج لاختلطت الأدوار وعمت الفوضى، وهذا الكتلوج هو الذي يحفظ للأفراد حقوقهم ويصون لهم حرماتهم ويأتمنون به على ممتلكاتهم ونفوسهم، ويختلف كتلوج الدول عن بعضها البعض عن طريق النظام المستخدم في الكتلوج كالديمقراطية والديكتاتورية و....و...و...إلخ من مذاهب وأنظمة، والمثير أن الدول القوية والعظمى تسعى إلى تعميم كاتلوجها على بقية دول العالم والذي أطلق عليه الــ" عولمة" وهو ديدن الأقوى كما يتصور ذلك في المشهد الأول من مسرحية ملامح شظايا بين الشخصيات الثلاث الأسير آربيوس وكليريوس وديثيوس.

وقد يخال البعض أن الحياة قد تكون بسيطة بدون ذلك الكتلوج على تعدد أنواعه والسبب هو أن التفكير عملية معقدة تقتضي التركيز ولعل أعمق حاجات المرء هي أن يخلق ويبدع ويُصير ولذلك قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم" فتبارك الله أحسن الخالقين" صدق الله العظيم وقوله "أحسن " أي أن الإنسان أيضاً خالق وهو من أفعل التفضيل، لكن الملاحظ أن حب الراحة الذهنية والفكرية وحب التقليد وتبني أفكار الغير الجاهزة شائع عند غالبية البشر لذلك فهم يفضلون الاجترار وراء الكتلوجات المشرعة واتباعها في تسيير حياتهم وتنظيمها وحتى في طرائق تفكيرهم وهذا ما يؤكده وليد دماج في "ظلال الجفر " وقد قال الفيلسوف ديكارت" أنا أنساق من تلقاء نفسي إلى تيار أفكاري القديمة وأخشى اليقظة التي يتبعها التفكير المركز .." ولذلك كان المفكرين قلة قليلة في العالم لأنهم هم أصحاب الكتلوجات، وإلا فلو ان أديسون وسواه من مخترعين كانوا يملكون كتلوجات قبل أن يخترعوا اختراعاتهم لما فكروا ولما أبدعوا ولما أصبحوا من المنمازين في تاريخ العالم وبين الشعوب لأنهم هم أصحاب الكتلوجات وليس ذلك مقتصراً على العلوم التطبيقية بل إنه ليشمل كل المجالات وحتى الإنسانية. ولعل هذه القيمة التي تدعو إليها ملامح شظايا وتتمحور حولها، بيد أن ثمة مشكلة وهي أن التحرر يحتاج إلى نفوذ عقلية غير محدودة ومعرفة تامة بالحياة وتشبع كامل ذهنيا وفكريا من أجل تسويغ كاتلوجات غير ما انتهجته القطعان لها وإيمان مطلق بالحقوق وبما نريده لا ما يريده رجل السلة أو كاتلوج السيد الكبير..

 

 

رمزية الاسماء وسلطتها في مسرحية "ملامح شظايا "

المسرحية تتكون من خمسة مشاهد وكل مشهد يتناول موضوعا لتلتقي من ثم في الأخير كما تلتقي قطرات الغيوم في حضن الأوقيانوس العظيم، وتختلف الشخصيات في كل مشهد والأسماء فيها رمزية ولها سلطة تكشف خبايا النص وما وراءه وهذه الرمزية التي يستخدمها الكاتب تجعل للنص رصيدا جماليا وفنيا كبيرا يثري رصيد المضمون والبناء الشكلي والمعنوي.. واسماء الشخصيات في المسرحية كالتالي:

رجل السلة: ويحيل إلى النفايات التي تحكم المجتمع العربي وكيف تصبح النفايات تشريعات ونصوص تفرض على الناس لانتهاجها منذ نعومة أظافرهم وحتى الممات وهو ما يسمى بالتنويم الاجتماعي.

الأسير آربيوس: ويرمز إلى العرب وهو اختصار لكلمة عربي.

كليريوس: ويرمز إلى الوضوح.

ديثيوس: ويرمز إلى الموت والجهل والتخلف والمرض والفتن وكل ما يؤدي إلى الموت

شاب المسرح: يرمز إلى شباب الربيع والثورة أما المسرح فيشير إلى مسرح الحياة في الوطن العربي استلهاما من مقولة شكسبير " الحياة مسرح كبير "

الرجل الدمية: يحيل إلى امتدادات لامتناهية من الشخصيات على الواقع التي تسعى دائما للتحقير من أي بادرة شبابية للتغيير والمشاركة السياسية حتى لو كانت في صفوف المعارضة فهي تخدم السيد الكبير والقذارة رغم محسوبيتها على المعارضة.

رجل المشنقة: رمز إلى جلاد السيد الكبير وحد من يخالف النص أو يخرج عن تشريعاته التي يكتبها رجل السلة.

السيد الكبير: شخصية غامضة تحيل إلى رجل الدين ورجل السياسة والحاكم المستبد.

المجنونة: رمز إلى المرأة التي لاينظر إليها كإنسان له عقل وإنما جسد فقط وهو يحيل إلى أن العقل غير مطلوب في المرأة في المجتمعات الذكورية.

الرجل الأعمى: هذه الشخصية تجسد قول الشاعر أبو فراس الحمداني (لعمرك ما الأبصار تنفع أهلها / إذا لم يكن للمبصرين بصائرُ)

الشخصيات المغطاة: التغطية تعني الكفر في معناها الإصطلاحي وتعني أيضا اولئك الذين يؤمنون بحقوق الشباب والمرأة في المجتمع ولكن لو إنكشف الغطاء عنهم فأنشوطة رجل المشنقة تنتظرهم.

الاسم في مسرحية " ملامح شظايا " ثورة فيما يرمز ويحيل إليه، إنها ثورة تذكرنا بالجزئية ما قبل الأخيرة في رواية " الجبل الخامس " لباولو كويلو حين يتجمع من تبقى من المدينة ويقفون من أجل أن يعيدوا بناء المدينة التي خربها الأعداء الغزاة ثم يأمرهم البطل بأن يختار كل واحد منهم اسما له غير اسمه الذي سماه به والداه، اسم يتوائم مع ما يريد أن يحققه ويطمح إلى أن يكونه وهنا تتقاطع المسرحية التي نتناولها هنا مع هذه الرواية في ما تحيل إليه الأسماء فيها.

ولعل الأسماء واختيارها من أصعب ما يواجه الكاتب المسرحي، ومثله الناقد الذي قد يضطر أحياناً إلى إغفال مسألة تناول الأسماء أو التعرض لها بالشرح والتحليل والتفسير في النص وعلة اختيارها لعدة أسباب، من ذلك عدم وجود مغزى للكاتب في اختيارها، أي أن هذا الاختيار كان عشوائياً، ومنها حقيقة الأسماء وواقعيتها، بيد أن ثمة أعمال أدبية مسرحية كثيرة كانت صناعة واختيار الأسماء فيها لها حساباتها الخاصة والدقيقة كما نجد ذلك في مسرحية "ملامح شظايا " للجبري، ولها أهدافها وجذورها التي تضرب في عمق القضايا النفسية والفلسفية والاجتماعية للذات الإنسانية، ولعل أكبر تجسيد لهذا ومما نأخذه كمسوغات وبراهين لما نرمي إليه حكايات "ألف ليلة وليلة " التي رغم كونها مجهولة الهوية بيد أنّ عظمة هويتها تقترن بالدقة في صنع وحبك التفاصيل الجوهرية للعلاقات الإنسانية،   والاحتراف والدقة والبراعة في رسم الشخصيات، والمعرفة العميقة بخبايا النفس البشرية وما تحمله من تناقضات، ولعل مما يدهشنا فيها وهو ما نحن بصدده قضية اختيار " الأسماء " والمهارة في صناعتها لتتوائم مع مقتضى الحال، إذ كانت وفق معايير وقواعد نفسية دقيقة، تُجسّد السلطة التي يمتلكها الاسم وتتحكم في حياة الإنسان وطبيعتها، أيضاً تصف كيف يشارك الاسم في رسم ملامح الشخصية الإنسانية وتشكيل ملامحها في إطار سياق عام ومنظومة تحكي براعة الصانع وخبرة البنّاء في رصف الحجر، وتصف مشاركة الاسم في تشكيل التركيبة السيكولوجية والفسيولوجية، من ذلك وكمثال شخصية "علي الزئبق"، هذه الشخصية تتسم طيلة الحكايا التي تدور في فلكها وضمنها بصفة الزئبق الذي يستحيل إمساكه مثلما يستحيل إمساك علي الزئبق أو القبض عليه، كذلك شخصية " النحّاس " والذي يقترن بالنحس طيلة الحكاية وفي أي عمل كان يقوم به، وبالمثل نجد شخصية "باسم الحداد" والتي تدور حكايتها في فلك "الحِداد" وهو حداد الموت "ثلاثة أيام "، أما الأسم الأول "باسم " فعبر عن القصد من الحداد ويستهل به كقولنا "بسم الله " ولكن بدون التضييق على ألف الوصل، وهذا المعنى للاسم يُجسد المعنى الإجمالي من الحكاية وفلك موضوعها، فباسم الذي كان عاملاً على باب الله،ليس له أُسرة يُعيلها، كان يخرج من مسكنه صباحاً لكسب ما يحتاجه في سبيل إحياء ليلته، إلى أن يزوره أمير البلاد ووزيره متنكرين بعد أن يُغريهما مشهد مسكنه إذ كان مبعث خروجهما بهذه الأزياء وهذا التنكر البحث عن المتعة واللهو والأنس والمؤانسة، فيأتي مشهد مسكنه بنوافذه المشرعة التي ينبعث منها الضوء، وصوته الذي يُدندن بهِ، فيُشاركاه أمسيته، ويأخذ هو في وصف طريقة عيشته لهما، والتي يستسيغها الأمير ويروقه الالتفات إليها، لغرابتها وسذاجتها والطرفة التي تضج بها، يتبسم الأمير من ثمّ وقد راقه الأمر وانتابته رغبة عارمة في كسب شيءٍ من المتعة مع باسم المسكين الذي لم يعلم ما دار بخلد الأمير وما خبئه له القدر..!!

في صباح اليوم التالي يذهب باسم ليعمل كعادته، لكنه يفاجأ بالفرمان الحدادي الذي أعلنه الأمير في الجهة التي يكسب رزقهُ منها، ولأن باسم رجلٌ صلب فقد بدّل مهنته بكفاح، وبنفس الطريقة يكسب رزقهُ ويقول " سأُحيي ليلتي "، ثم يعود إلى مسكنهِ ليُحيي ليلته، ويزوره الأمير ووزيره متنكرين كما الليلة الفائتة، ويشاركاه أمسيته، ويسترسلا في الحديث معه، ويستدرجانهِ من حيث لا يدري ولا يحسب له حساباً، فيفصح لهما عما فعله في ذلك اليوم وعن المهنة التي كسب منها رزقهُ، وبنفس المنوال يخرج في صباح اليوم التالي إلى مهنته الجديدة بيد أنه يُفاجأ بفرمانٍ حدادي جديد في هذه المهنة الجديدة، ويضطر بكفاح إلى البحث عن مهنة جديدة في سبيل كسب ما يحتاجه لإحياء ليلته... وهكذا تستمر الحكاية حتى يصل الأمر بباسم جراء الفرمانات الحدادية المتتابعة إلى الانضمام إلى صفوف عاملي البلاط وحرسه، والتي تجعل الأمير يضحك من أعماقهِ كما تجعله يعجب بشدة بكفاح باسم وصلابة عزيمته وعدم يأسه فيكافأهُ بسخاء ويُجزلهُ العطاء...وتنتهي الحكاية...

وعليه ومن ذلك نكتشف أن السلطة التي كانت تتحكم في مسار الحكاية هذه والحكايات جميعاً وما دار في فلكها والطبيعة الجوهرية للشخصيات أيضاً كلها كانت مرهونة بالاسم وسُلطته، ولعل أهم النظريات التي تتناول هذه التقنية بدقة نظريات نشأة اللغة للعالم العربي أبو الفتح عثمان بن جني التي أوردها في كتابه الخصائص وأفرد لها بابين الأول " تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني " والآخر " إمساس الألفاظ أشباه المعاني "، كذلك نجد هذا النوع من التقنيات ضمن ما ميزه ريفاتير من أنماط الاشتقاق المزدوج الخاص بالأسماء والعناوين وتقنيتها كما في كتاب " قراءة في قصيدة النثر "لسوزان برناد ويعددها:

1- اشتقاق صريح، ولكنه يُرد ضمنياً إلى اشتقاق آخر، يُثير مراجع صورية، ومعانٍ ضمنية توحيها الكلمة، لا وجود لها في النص، بتعبير أدق" عنوان النص يشير إلى غير ما يحتويه النص".

2- يمكن وضع اشتقاقين معاً في النص ولكنهما متنافران دلالياً إلى حدٍ ما ومثال ذلك نص "سطوع القمر" لكلوديل الذي عالج موضوعاً هو القمر مع أخبار خاصة بالشمس.

3- اشتقاقان حاضران في النص- في الوقت ذاته- يتناقضان على الصعيد الأسلوبي.

وهذه الرمزية في الاسماء المختارة في مسرحية ملامح شظايا ترتبط جوهريا وموضوعيا بالثورة والتغيير والتمرد والرفض، وقد استحضر الجبري في مسرحيته بذكاء شديد مجموع الثورات الشعبية الشبابية من أرض الواقع، ويدفع بها بصياغة دراماتيكية جمالية مُحمّلة بكثير من المفاهيم والقيم الفكرية والاجتماعية إلى المسرح، من غير انفعال بمجريات الأحداث اليومية، أو غرق في طروحات ومقولات الأقطاب الحزبية، أو انحياز إلى هذا التيار أو ذاك، أو استسلام لنشوة الإنقلاب على الأوضاع العربية الفاسدة، التي ألغت دور الفرد في المجتمع قاصدة سلبه مواطنيته، وتعميق الفجوة بينه وبين النُخب والطبقات الحاكمة.

 

واقع المجتمع العربي

تصور مسرحية " ملامح شظايا " واقع المجتمع العربي ذلك الواقع المغرِّب الذي يحيل الشعب، وخاصة طبقاته وفئاته المحرومة، إلى كائنات عاجزة لا تقوى على مواجهة تحديات العصر، وكذلك إن المجتمع العربي مصاب بحالة الاغتراب.، فلا يسيطر على موارده ومصيره ويتداعى من الداخل حتى يكاد يفقد محوره وصميمه، فلا يملك إرادة وهدفاً وخطة، وتسيطر عليه مؤسساته بدل أن يسيطر عليها، فتستعمله وتسخر جميع موارده لخدمة مصالحها الخاصة أكثر مما تخدم هي مصالحه وتثبت مناعته وتقدمه..

وأن الشعب كما يتميز عن الطبقات التي تحكمه، عاجز تجاه الدولة والعائلة والدين ومؤسسات العمل وغيرها، وعاجز ضمنها، فهو يعيش في كابوس وليس في حلم.

إنه محاصر ودائرة الحصار تضيق باستمرار، فيضطر إلى الانشغال بمجرد الاستمرار.

والفرد كذلك يعاني أيضاً باعتبار الشعب فسيفسائية من الأفراد من حصار الدولة والدين والمؤسسات والتقاليد والقوانين والدساتير، والاغتراب، وسيادة الروح الفردية والانحرافات الاجتماعية، والنزعة الاستهلاكية، والتمسك بالتقاليد حتى وإن تحولت إلى مجرد طقوس (أفيون) خالية من أي مضمون..

وتسيطر الدولة على الشعب ولا يسيطر هو عليها، فلا تحميه منها قوانين ودساتير ومناقب، ويتصرف الحاكم وكأن البلاد امتداد لذاته. كما أن المؤسسات الدينية أغرقت المؤمنين في التقاليد التي ترسخت في عصور التخلف، فبقدر ما يضعون من أنفسهم بها بقدر ما تصبح قوية غنية، فيما يصبحون هم عاجزين فقراء حتى في طلب نظرتهم إلى حياتهم (هذا بالإضافة إلى نقل الثقافة من عالم النسبي إلى عالم المطلق وتسويغ الواقع وإحلال الماضي مكان المستقبل.

وانطلاقاً من أيديولوجية عائلية هرمية على أساس الجنس والعمر (الأب معيل والنساء والأبناء عيال)، تعمم دور الأب إلى العمل (يتصرف رب العمل مثل رب الأسرة) والتربية والسياسية والعبادة (الأستاذ والحاكم ورجل الدين آباء، والتلامذة والمواطنون والمؤمنون أبناء).

وسلبت مؤسسات العمل العامل والموظف سيطرته على إنتاجه وحرمته من الإبداع والاكتفاء الذاتي في عمله، فأصبح يفتقر بقدر ما ينتج ويعمل لمصلحة غيره على حسابه، قديماً قال ابن تيمية أن "الله خلق الخلق لعبادته" وأصبح واضحاً أن مؤسسات الدولة والعائلة والدين والتربية والعمل تتصرف وكأنها خلق الإنسان لعبادتها.

وتتصل بحالة الاغتراب العامة هذه، مشكلات التفكك الاجتماعي وخلخلة القيم، والتبعية، والطبقية، وسلطوية الأنظمة، وغياب الديمقراطية.

ولم يرزح الجبري في ملامح شظايا إلى تأثر هش بمجريات الأحداث منفعلا بنصف وعي معها، بل ترك لنفسه وقلمه فرصة ديناميكية للتفاعل مع الأحداث، تارة من الداخل بوصفه ابن المرحلة، ويشكل مع غيره امتداداً ثقافياً قومياً للثوار العرب من المتطلعين إلى هدم النظم السياسية الاستبدادية وبناء مجتمعات عربية ديمقراطية عبر شراكات ثقافوية شعبية، لا تعترف بالحدود الجغرافية والتصنيفات الطبقية والفواصل العرقية والطوائفية... ليكون هذا النص أول عمل يمني مسرحي تعاطى درامياً مع موضوع الثورات العربية.

وتارة أخرى يأتي تفاعله مع الأحداث ديناميكياً أيضاً، ولكن من الخارج أي عن بعد، وذلك بمقدار ما تمنحه المسافة السياسية الكائنة بينه وبين الأحداث من حرية لقراءتها قراءة تأويلية من موقع المبدع الفاحص للأمور.وبالتالي نقدها، ونقد افرازاتها ومعطياتها وتوجهاتها نقداً موضوعياً هادفاً.. وهذا بالضبط ما سعى إلى تحقيقه قدر عزيمة أهل العزم من الشبيبة المسرحيين المثقفين الغيورين على أوضاع العالم العربي والإنسان العربي.

 

ثورة المرأة وذكورية المجتمع العربي

يقول الجبري في مشهد المجنونة على لسانها:

(المجنونة: عندما يصير العقل سلعة راكدة يرتفع سعر الجنون.. يزداد صوتها حدة وعنفاً):

فكلكم يسعى لأن يعزف على كل ذرة في جسدي إلا العقل.. كلكم يسعى لأن يعقد قرانه عليّ حاملين لي في شنطة الهدايا كفناً جميلاً..

(تصمت ويتهدج صوتها فتكمل):

وأنا لا أبحث عن المستحيل......

أريد منكم أن تنتقموا لي من كل العقول التي تسعى لتجميل وجهي وبهرجة مفاتني فقط ولا تعير عقلي أي اهتمام ولا تزينه بما يجمل حياتي (تصل إلى ذروة انفعالها وهي تفتح ذراعيها وتنظر إلى الأعلى وترتجف كل ذرة فيها وهي تصرخ):

أيها السادة.. أريد أن أطير بعقلي في فضاء صلب أضع قلبي على رخامه وأحلق بعيداً في طُهر..

أريد أن أحيا بعقل، حتى لا أكتشف عندما أموت أنني لم أعش..) (ملامح شظايا ص 22).

إن البديل الوحيد لفلسفة رفض جميع القيم دينية وخلقية هو الثورة. وإن قول نيتشه الصلف " أنا أريد " إنما كان استجابة اليائس لكون لامعقول.

إن الثورة الحديثة كلها، على حد قول البير كامو:" ولدَت من مرأى اللاعقلانية، في مواجهة ظروف غير عادلة وعسيرة على الإدراك ".

ولما كان الكاتب المسرحي الحديث يواجه اللامعقولية الميتافيزيقية نفسها، فقد راح يتلقى تحدي " نيتشه " متخذاً موقف الرفض الذي يجعله في صراع مع قوانين الضرورة الحديثة. فهو يرفض الدين والمجتمع والأسرة – مؤيداً حقوق الفرد ضد مزاعم الحكومة، والأخلاق، والعرف، والقواعد، يتخذ موقف المتمرد، متبرماً بالقيود عاقداً العزم على تحطيم كل الحواجز ".

وفي مشهد المجنونة في المسرحية يحتفي الحوار الدائر بينها وبين الشخصيات المغطاة بمساوئ الرجل والموقف السلبي للحكومات تجاه المرأة في المجتمعات الذكورية، وعليه فإن معاناة المرأة في المجتمعات الذكورية المتسلطة تجعلها جديرة بأن تكون راعياً لمبادئ الديمقراطية ومرسيا لقيم المساواة وعدم التمييز وإنصاف الحقوق، لكن ومع الأسف كان الهروب إلى عصر ديكتاتوري جديد متسلط على المرأة وحقوقها في السابق وسيكون كذلك بتغييرات الربيع المستجدة...

وهذا ببساطة لأنه لن يرعى حقوقك ويعرف بمدى معاناتك إن حقا لديك معاناة وليست مجرد ألعاب نارية ومفرقعات سياسية من أجل نيل ما تحلم بهِ من سلطة وكان الربيع والدماء التي سالت وتلك الشعارات والهتافات مجرد جسر للعبور إلى الحلم الذي عجز العاجزون عن تحقيقه لعقود من الزمن، لن يعرف بكل همومك سوى من يعيشها مثلك، أما المغردون خارج السرب وخلف واحة العيون، المراهنون على فشلهم، فكان جديرٌ بالربيع وأهلهِ أن يبدأ بإسقاطهم قبل أن يفكر في أن يسقط أنظمة الحكم، وعليه فإن المرأة كانت أجدر من يتولى هذا المنصب، لن أضرب للتدليل على هذا بأمثلة من التاريخ حتى يقول المتقولون ويردوا بما جاء في الأثر " ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهم يجهلون تماما معنى الولاية المقصودة في هذا الأثر كما يجهلون لماذا لن يفلحوا من فعلوا ذلك، ولن أقول أن الله بعث سليمان عليه السلام إلى أهل سبأ بتلك المعجزات التي لم تنبغِ لنبيٍ قبله أو بعده، لأبرهن بذلك على عظمة الحكم الذي وصلت إليه تلك المملكة في عهد تلك الملكة ودلل عليه القرآن وكان من أهم ما يجدر بنا كيمنيين الالتفات إليه ومعرفته حتى يرشدنا إلى معنى الديمقراطية والشوروية التي نستوردها الآن من الآخر في حين أننا مارسناها في عصر تلك الملكة قبل العالم كله، ومنذ ثلاثة آلاف سنة، أي أن العالم ينبغي بالضرورة في حال وعينا هذا أن يعتبرنا نحن مرجعيته في هذه الديمقراطية والمدنية وأنظمة الحكم، وعليه فإن تقلد المرأة في نهاية موسم قطاف هذا الربيع هو من باب التجربة أولا ومن باب الإنصاف ثانيا وهروبا من تسلط الكهنة والسياسيين ألا يعبروا على دماء الشهداء وأوجاع الوطن إلى مئاربهم التي لايعلمها إلا الله...

ولعل عصر الديكتاتورية الذكورية ضد المرأة سيبدأ عصراً جديداً في ظل مخرجات الربيع التي وصل إليها، ولا أقصد بالديكتاتورية الجديدة أن نظام الحكم السابق كان كذلك ولكن فيما يخص التعامل مع المرأة فقط أي أن المجتمعات العربية الذكورية هي الديكتاتور والآن نصبت ديكتاتورا بنظام ديكتاتوري جديد حتى أن بعضهم قد وصلت به الجرأة إلى القول بأن الخطاب القرآني خطاب ذكوري وقد حررت رسائل دكتوراة وماجستير في هذا، وكأنهم بلا شعور يرددون ما جاء في الفكر والمعتقد اليهودي الذي يقول أن لفظة "إنسان " لا تطلق إلا على الرجل فقط أما المرأة فلا..

قال محمود درويش في آخر قصيدة له " لاعب النرد": أدرب قلبي على الحب / ليتسع الورد والشوك/ وأنا من أنا الآن إلا عندما تلتقي الاثنتان " أنا وأنا الأنثوية "... ودرويش هنا يؤكد نظرية عالم النفس كارل يونج " التعلل والانتقال" أي أن الإنسان ثنائي الجنسية، فداخل كل رجل يوجد حس أنثوي يسمى " الأنيموس" وداخل كل أنثى حس ذكوري يسمى " الأنيما" وهما ما يحقق التوازن لدى الإنسان باشباعهما، وهو أيضا الميل الغريزي للرجل تجاه المرأة، والميل الغريزي للمرأة نحو الرجل، لتحقيق هذا التوازن، أي أن التعدد في الكيان البشري من خلال هذا يؤكد فكرة التعددية "الناموس الذي خلق على أساسه هذا الكون" أي أن الصراع بين الرجل والمرأة هو صراع عقيم لايولد إلا المزيد من الانقسامات والنكوص والتردي في المجتمعات، ومسألة أن تحكم المرأة وأن تكون لها السيادة أمر مهم جدا أن يتحقق ليس من أجل المساواة ودروس التاريخ مثل قصة الحضارة الكبيرة التي تحققت في عصر ملكة سبأ والمعجزات التي سوغها الله لسليمان عليه السلام ولم تؤت لنبي قبله او بعده حينما بعثه بها إلى أهل المملكة كتأكيد على عظمتهم فكل قوم بعث الله نبيا اليهم كانت معجزاته من جنس ما هو موجود لديهم فالطب لعيسى والسحر لموسى والبيان لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، أي أن الاشياء ليست لها قيمة إلا لدى مستهلكيها، ولهذا كانت مملكة عظيمة تؤكدها عظمة المعجزات التي وهبها سليمان عليه السلام، وغير كل هذا الذي يؤكد استحقاق المرأة لتولي زمام ومقاليد الحكم هو معاناتها التي تجعلها أكثر رقيا ومعرفة ما يحتاجه المجتمع بكل فئاته وهذا ينطبق على كل المجتمعات وما الحضارة السبئية سوى تأكيد على قدرة المرأة وهناك أمثلة كثيرة ليس هناك مجال لذكرها..

وهذا دحض لقول القائلين أن الخطاب القرآني يخص الرجل وحده طالما وقد أُثبتَ أن الإنسان ثنائي الجنسية، حتى من القرآن نفسه..

وثمة سؤال ضمني في النص الخاص بموضوع المرأة في مشهد المجنونة في " ملامح شظايا " مؤداه : إذا كان الأمر هكذا فلماذا خاطب القرآن الحس الذكوري لدى المرأة وأغفل الحس الأنثوي...؟!

الجواب: لأن مخاطبة الحس الأنثوي تختص بالجهة الغريزية، والقرآن لم ولا يخاطب الغرائز، ومخاطبة الحس الذكوري لدى المرأة هو نوع من المساواة في الخطاب بين الرجل والمرأة ونوع من العدالة الإجتماعية مع عدم اغفال أنوثة المرأة وماتتطلبه في حياتها....أي لها نصف حظ الرجل من ذلك الخطاب كما للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا أقصد أن مخاطبة الحس الذكوري في المرأة له علاقة بفهمها ولكن لأن مخاطبة الحس الأنثوي يعني مخاطبة الغريزة والقرآن لايخاطب الغريزة، وأيضاً وهو الأهم يحملها النصف فقط من مستوجبات الخطاب..

بمعنى أن هذا الخطاب للحس الذكوري في المرأة راعى حياة المرأة الاجتماعية وواجباتها وجعل الخطاب للانثى فيها من اختصاص الرجل لتقوم الحياة وتستمر...وراعى اشياء كثيرة.  

المرأة عظيمة، ووجود نساء سيئات في هذا العالم يقابله رجال أسوأ ومجتمعات فظة ومتخلفة لاتبدع إلا في صناعة الإنحراف والجريمة، ويقابله أيضا وجود تلك الفئة الجيدة التي تجبرك بأحاسيسها الراقية وإنسانيتها أن تغفر ليس فقط للنساء السيئات بل للعالم بأسرهِ وتجبرك أيضا كما عن غير قصد أن تحب كل نساء العالم، وبرأيي لو كان الشيطان يعرف له صاحبة كما أنعم الله على آدم بحواء لما كان رفض أن يسجد لآدم...لالشيء إلا لأنه كان سيجد في هذه الدنيا مايستحق التشبث لأجله....!!

 

الصراع بين الخلق والتقليد في المسرحية

إن أعمق حاجات الإنسان هي أن يخلق ويبدع ويُصيّر، قال تعالى " فتبارك الله أحسن الخالقين "..

وواضح أن أزمة الذهن العربي، كما يصور عبدالخالق في " ملامح شظايا " عدا تقديس الأسلاف (atavism) وعبادة الماضي، واعتقاده بمقولة (لا جديد تحت الشمس) هي أنه فقد قدرته على الخلق، لا أعني فقط قدرته على خلق عالمه، وتصميم الدنيا التي يحيا فيها بل، وهو الأهم، قدرته على تصميم نفسه، على إعادة الصياغة، على أن يكون لديه جديد كل ليلة، الذهن الذي يحفظ أو ينقل أو يقلد يصاب بالشلل إن فقد ماهيته أن يخلق ويبدع ويصير، ولا غرو من أن كل ذهن فقد قدرته على تصميم نفسه سيقوم غيره بتصميمه..

لم يكن دقيقاً ما قاله بورخيس عن الكتب، من أن الناس في حقيقة الأمر يظلّون يتوارثون كتاباً واحداً بعناوين مختلفة وأن نصاً واحداً كتب مرّة واحدة وبات يتكرر من دون توقف..

ولكأني بزهير شاعر " الحكمة " يهمس في أُذن بورخيس حين قال منذ عصور:

ما أرانا نقول إلاّ معاراً                       أو معاداً من قولنا مكرورا

و"ملامح شظايا " تتقاطع مع قول الجاحظ: " ما على الناس من شيء أضرّ من قولهم ما ترك الأول للآخر شيئاً.. ".

منذ عصور سحيقة والعرب تحديداً ما برحوا يرسفون في أغلال التقليد والإتباع درجة أنهم فقدوا قدرتهم على الخلق والإبداع..

وشخصية الأعمى في " ملامح شظايا " تؤكد أن من تأخذهم هيبة البحث عن حقيقة معينة لا يستطيعون كشفها إذ أنهم حكموا على أنفسهم –سلفاً –بالعجز والفشل، والذين تمتلكهم هيبة السابقين يستحيل عليهم فهم أي شيء جديد، إذ أنهم لا يؤمنون بأي اكتشاف ذاتي يتوصلون إليه والأجيال التي تعبد جيلاً سابقا، وتعتقد أنه وصل إلى قمة العقل والمعرفة، تبقى هذه الأجيال – في أوحال الجهل لأنها تفقد الثقة بقدرتها على فهم أي شيء لم يفهمه ذلك الجيل السابق.

و التقليد قد يوجد – دون وجود علاقة عاطفية بين المقلدِّ والمقلدَّ بل بمجرد أن المقلدِّ ضعيف النفسية وغير مستعد للبحث بنفسه حول القضية أو الخلق والابتكار والابتداع فيتبع غيره في ذلك وهذا ماكان يحرض عليه " رجل السلة " طيلة المسرحية.

ولا نستغرب أن نجد على مستوى العقيدة أيضاً أن تكون حجة عبدة الأصنام والأوثان قديماً والآن وتعليلهم لعبادتهم بقولهم " هذا ما وجدنا عليه من سبقونا " أو " آباؤنا " وهذا ما أطلق عليه علماء الاجتماع بـ" البرهان الاجتماعي".

إن الفكرة الجوهرية لملامح شظايا ومحورها الذي تدور في فلكه هو " التقليد " والرفض والثورة والتمرد عليه.

ولعل البديل الوحيد لفلسفة رفض جميع القيم دينية وخلقية هو الثورة. وإن قول نيتشه الصلف " أنا أريد " إنما كان استجابة اليائس لكون لامعقول.

يقول الجبري في " ملامح شظايا " على لسان شخصية المجنونة:

" المجنونة: عندما يصير العقل سلعة راكدة يرتفع سعر الجنون..".

إن الثورة الحديثة كلها، على حد قول البير كامو:" ولدَت من مرأى اللاعقلانية، في مواجهة ظروف غير عادلة وعسيرة على الإدراك ".

ولما كان الكاتب المسرحي الحديث يواجه اللامعقولية الميتافيزيقية نفسها، فقد راح يتلقى تحدي " نيتشه " متخذاً موقف الرفض الذي يجعله في صراع مع قوانين الضرورة الحديثة. فهو يرفض الدين والمجتمع والأسرة – مؤيداً حقوق الفرد ضد مزاعم الحكومة، والأخلاق، والعرف، والقواعد، يتخذ موقف المتمرد، متبرماً بالقيود عاقداً العزم على تحطيم كل الحواجز " (المسرح الثوري ص 11).

- وثقافة التقليد عموماً وكمفهوم معاصر " Traditionalisation " هي ثقافة الجماعة والإجماع، ثقافة الأمة، ثقافة تعتبر نفسها (ومن ثمة الأمة التي هي تعبير عنها) نموذجاً ومثالاً، وتعتبر كل جديد بدعة وضلالاً وخروجاً عن إجماع الأمة .

إنها ثقافة الصهر والانصهار المؤطرة لموقع الفرد ولدوره ولوعيه، لأحلامه ومتخيله حيث لا مجال لحرية أو لاستقلال الفرد.

ونحن في هذا العصر نشهد انتعاش ثقافة التقليد، ووعي التقليد بذاته، بل تسخيره للكثير من المعطيات التقنية والتنظيمية والثقافية للحداثة في صراعه ضد مظاهر التحديث.

افترض أن الثقافة التقليدية المنتعشة والمغتناة، بمكاسب الحداثة تطور وظيفتها في الصهر والضبط والمراقبة والعقاب وذلك من خلال العديد من الآليات منها الأمثلة (Idealization) والنمذجة للذات، ومقابلها شيطنة الآخر، منها الإجماع والتأكيد على وحدة الأمة التي هي كلية إنصهارية لا تجتمع على ضلال.فالضلال فردي والصواب جماعي، ومنها التخوين على المستوى السياسي والتكفير على المستوى العقدي، والاتهام بالعمالة الحضارية على المستوى الثقافي والفكري. ومنها رفض التجديد والإبداع واعتباره بدعة وابتداعاً، أي خروج عن الجادة وعن المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك ضال. وأيضاً تحديد سقف واطئ لحرية الضمير أو الوعي أو حرية الاعتقاد، إذ لا يحق لأيٍ كان المساءلة أو النقد.

هذه البنية العقدية هي نواة الثقافة العربية، بل إن هذه البنية تتحكم في كل البنيات الثقافية المشتقة وتوجهها، كمثال على ذلك نذكر بأن البنيات السياسية العصرية ذاتها، التي من المفترض أنها تنطلق من بنية فكرية مغايرة تقوم على مبدأ تعدد القيم والمرجعيات والرؤى، تعيد إلى درجة كبيرة إنتاج هذه البنية العقدية التقليدية حيث تفرض الأنظمة السياسية العصرية نوعاً من الإجماع الداخلي، ولا تسمح حتى بوجود تيارات رأي داخل صفوفها، بل إن البنية التنظيمية لهذه الأحزاب تكاد تكون بنية قدسية تراثية، وكثيراً ما تطغى اللغة الدينية متمثلة في مصطلحات الحلال والحرام في الخطاب السياسي الرسمي أو الحزبي.

تبقى مسألة أخرى وهي حالة الصراع بين الخلق والتقليد والاتباع تنبهنا له قصيدة وثمة من يؤكد من الأصوليين أن كلمة (إبداع) وكلمة (خلق) ليستا من صفة الإنسان بل من صفات الله فهو وحده (خالق) و(مبدع) وليس بإمكان الإنسان أن يصنع شيئاً من لا شيء. وقال أيضاً:إن مصطلح (الإبداع) لم يرد في الفكر الإسلامي الكلاسيكي فهو نتاج الحياة المعاصرة ومستورد من الغرب !!.

هنا أيضاً يستلب الإنسان من إمكاناته وقدراته ويهمّش، أي يغترب عن ذاته، بيد أن المعركة بين الجديد والقديم أو بين التقليد والخلق كانت دائماً قوة فاعلة في التاريخ، قد تحتدم في عصر أكثر من غيره ولكنها لا تتوقف كلياً.

وفي المجتمع العربي هناك قوى تبدع وتجدد وتغير، كما أن هناك قوى تتبع وتقلد وتحافظ مكررة الأمس، هذا ما نجده في مختلف المجالات الثقافية، كما نجده في السياسة وغيرها..

ومن الواضح أن القوى التي تبدع غير ما عرفه الماضي ليست غريبة عن التراث العربي، وكانت في مختلف العصور في صراع مع القوى التقليدية المضادة..

لذلك نعتبر أن قوى التجديد كانت هي ونتاجها دائماً جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العربية.. وبهذا المعنى الإبداع أصيل كما الإتباع، والعرب في مختلف أزمنتهم انقسموا بين مؤيدين للاتجاه التقليدي ومؤيدين للاتجاه التجديدي في إطار الصراع العام نتيجة للتناقضات الداخلية والخارجية.

بذلك نجد أن الثقافة العربية ليست جوهرياً (ثقافة تقليدية) بل هي ثقافة صراع بين القديم والجديد، ففي كل عصر من العصور العربية هناك نظام سائد يمثل مصالح وقيم طبقات وجماعات محرومة، بمعنى أن الثقافة العربية تتمحور حول الصراع بين قوى متناقضة وليس حول الماضي أو حول المستقبل أو حول طرف من أطراف الصراع..

قد يغلب منحى على آخر في زمن ما (وقد يكون منحى الإتباع أو الإبداع) ولكن الصراع هو المحور دائماً..

وكما أن هناك من يقيسون الحاضر والمستقبل على الماضي، هناك من يأخذون بهاجس الحداثة الذي يقوم على إدانة التقليد أو المحاكاة، ورفض النسج على منوال الأقدمين والتوكيد على التفرد والسبق، وعلى الابتكار.

والثقافة العامة هي معتقدات هؤلاء وأولئك متصارعة، لذلك لا يجوز الكلام عن ذهنية عربية واحدة بل هناك ذهنيات عربية متناقضة وفي حالة مواجهه مما يدل على خطأ الاستنتاج بأن عبارات كالإبداع وإعادة النظر والحداثة لا تعني للمجتمع العربي إلا خروجاً على الأصل ولذلك أيضاً نعتبر الثقافة العربية ثقافة متحولة باستمرار والثابت فيها هو الصراع نفسه، وليس التقليد أو الإبداع والخلق بحد ذاته...

 

الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة)

thamer ameenفي روايته (حياة ثقيلة) الصادرة عن دار الأدهم بالقاهرة، يعود الروائي العراقي (سلام ابراهيم) ليكشف لنا صفحة جديدة من سفرتجربته الحياتية والنضالية التي تعرفنا على جانب كبير منها في أعماله السابقة، وذلك بعد ان جلس على حافة الستين مستذكراً طفولتة، البيت، الشارع، الارصفة، طيف الحبيبة، ومعذبا ً بصور الأحبة والأصدقاء الذين أخذتهم الحروب والزنازين والتي تحولت الى كوابيس وجحيم يلاحقه في كل مكان لما بينهم من مشتركات يقف في مقدمتها حلم بناء مجتمع وعالم تسودهما العدالة والمساواة .

ترصد الرواية حياة ثلاث شخصيات جعل منها الروائي فصولا رئيسية لنصه، اضافة الى شخصية اخرى غير منظورة هي شخصية الراوي التي تجدها طاغية بحضورها ومشاركة في العديد من المحطات والمنعطفات في حياة شخصيات الرواية التي عانت كل واحدة منها سلسلة انكسارات وهزائم وأزمات اجتماعية وسياسية، وجمع بينها الاصرار على مواجهة ثقل الحياة بالكفاح الشريف لتحقيق أحلامها بعيدا عن الانزواء المذل، فهي أرواح مفعمة بروح الأممية التي تربّت عليها من الكتب الماركسية وحكايات المناضلين الكبار .

فـ "أحمد" ـ الشخصية الأولى في الرواية ـ شاب يعيش حلم بناء عالم جديد من خلال تبنيه الماركسية والتزامه بتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي لكن عنفوانه يصطدم بعدد من الانكسارات الاجتماعية ممثلة بزواج اختيه الفاشلين وفشله في المهن الحرة وقتل شقيقه الأصغر في جبهة الحرب إضافة الى موت امه كمدا، كل هذه الضغوط تعمل على اضعاف اندفاعه و تضعه امام خيارين هما الانتحار او الهرب الى مكان اخر، فيختار الهجرة الى بغداد ويرافق هذا التحول في المكان انسلاخه من التزامه الحزبي وأفكاره والانغماس في الديانة والسلوك الطائفي الذي ينتهي به هذا التحول الى جسد مضرج بدمه نتيجة وابل الرصاص الذي تلقاه من بنادق التطرف الذي ساد مدن العراق بعد التغيير عام 2003 .

كذلك حال "سعد" ـ الشخصية الثانية في الرواية ـ فهو الآخر شيوعياً منظما يضطر الى الاختفاء بعد هجمة السلطة على تنظيمات حزبه نهاية السبعينيات، تاركا زوجته وبنتيه نهباً للمجهول، ثم ملتحقا بالفصائل الفلسطينية ومحاربا في صفوف الفدائيين، وفي خضم هذا العنفوان والتنقل بين صفوف الحركات اليسارية واخرها حركة الانصار في كردستان العراق ترده أخبار اقتران زوجته برجل اخر وهو ضابط أمن كبير في الوقت الذي يقف فيه محاربا ومندفعا صوب تحقيق حلمه الذي نذر له حياته وضحى بأعز مايملك، يقع هذا الخبر كالصاعقة عليه حيث يوجز مأساته بقوله (حرمونا من العائلة والبيت والشارع والمدينة، رجعوا ناكوا زوجاتنا .. الرواية 135) ويشكل هذا الحدث منعطفا في حياته، حيث يعيش بعده منكسرا، منهارا، لايقوى على استيعاب ماحدث لعائلته فيقرر هامسا لصديقه الراوي (لو بقي يوم بعمري، لازم أشوف بناتي وأشوف الرجل اللي احتل مكاني بالفراش .. ص 142) وينتهي نهاية غامضة تعددت فيها التكهنات بين رفاقه الذين لم يجدوا عند نقطة انتهاء نوبة حراسته اي أثر له سوى (سلاحه وحلم الثورة وحقيبة النقود ص 146) في اشارة الى خسارة المناضل لحلمه دون نزاهته عندما ترك مالية التنظيم كاملة .

أما "حسين" ـ الشخصية الثالثة في الرواية ـ فهو الآخر شاب حالم وعصامي تلقي الحياة بأثقالها على عنفوانه، حيث يتكفل ـ بعد وفاة والده ـ بمعيشة أخا واختين صغار واخت ثالثة مطلقّة وذلك من خلال عمله سائق حفارة، وتتضخم هذه العائلة لاحقا بزوجته الى جانب ثلاث بنات وولد والجميع بلا مأوى، وهو يفخر امام كل هذه الاثقال والسنوات المريرة بحروبها وحصاراتها انه (مازلت حيا .. حبيبي الموت جزء منا ص 152) ويتعرض للسجن بسبب نشاطه السياسي وسجن اخر بتهمة تهريب الآثار بينما الحقيقه هي تهريب لوحات لرسامين عراقيين جياع لبيعها في سوريا والاردن . تحدى ظروف الجوع والحصارات والسجون والرعب المتواصل من التفكير اليومي باغتياله مثلما اغتالوا اصدقائه النشطاء السياسيين، واستطاع ان يصل باخوته وابناءه الى ضفة آمنه، ولكن مافت عضده ورماه فريسة للألم هو اختفاء (فيروز) ابنته المهندسة المثقفة في ظروف غامضة لم ينجح في العثور عليها بالرغم من بحثه الطويل مما يقع لقمة سائغة لأنياب الخمرة التي يجد فيها ملاذا للافلات من قبضة الهموم والهواجس المدمرة وينتهي بالموت بعد ان تنهش الامراض جسده النحيف . وحتى شخصية الراوي هي الاخرى لم تسلم من الانكسار واليأس، ففي خضم مشاركتها المقاتلين حلمهم ونضالهم كان يسخر ويرى (حلم المقاتلين الذي كان يجهرون به لكن بمرور الأيام يتبين لهم مجرد اضغاث أحلام ص 136) ويبقى يعيش المرارة واليأس حتى بعد سقوط النظام الذي كان مصدر عذاباته وعذابات الشخصيات الأخرى، فبعد سنوات حيث يشهد معالم الخراب الذي طال مدينته وانفلات الأمن فيها يهمس لذكرى صديقه (سعد) ـ الشخصية الثانية ـ (وطننا التعيس ياسعد، تعيس حقا وأنا أهنئك لأنك لم تر ْبؤس هذه الأيام ص 126) .

بهذه النهايات المأساوية تلاقي شخصيات الرواية مصائرها والتي مثلت أزمة جيل في فترة من تاريخنا المعاصر كان يبحث عن الحرية في دروب مظلمة، وقد تبدو هذه النهايات مختلفة عن بعضها لكنها كانت مفضية الى مأساة واحدة تتجسد في انسانيتها المنتهكة واحلامها المسحوقة، حيوات كانت يوما تعيش الأمل في عالم تسوده الحرية والمساواة الا ان خيبتها كانت واحدة.

ان شخوص الرواية حقيقيون ومعروفون بحضورهم وتاريخهم، كما ان أغلب الاسماء التي وردت في الرواية هي الاخرى مستمدة من شخصيات حقيقية، لكن مهارة الروائي (سلام ابراهيم) الذي كان بارعا في خلط الواقع بالمتخيل تمكنت من تمويه الخط الفاصل بينهما الى الحد الذي جعل الامر يلتبس حتى على العارفين بالشخصيات وتاريخها .

بقي ان نشير الى ان صدور الرواية جاء في توقيت غاية في الأهمية، وان لم يكن مقصودا او مخططاً له، ففي الوقت الذي اهتزت فيه صورة العراق والعراقيين امام المجتمعات بسبب المشهد العراقي الذي ساده صور القتل وانتشار العصابات والمليشيات ومافيات الفساد جاءت الرواية لتقول ليست هذه صورة العراق انما صورته الحقيقية هي التضحيات التي قدمها ابناءه الشرفاء من حملة قيم الانسانية والتحرر التي كانت عليها شخصيات الرواية .

لقد قدم لنا سلام ابراهيم في (حياة ثقيلة) سيرة انسانية وسياسية مؤثرة، أكدت قدرته على العطاء المميز في مجال السرد ووفاءه النبيل لمن شاركهم الاحلام في عالم ينعم بالسلم والجمال .

 

تأملات حول مسرح تولستوي

تولستوي مسرحيا – موضوع ممتع وحيوي جدا في تاريخ الادب الروسي ومسيرته، على الرغم من انه ليس بالموضوع الجديد بالنسبة للقارئ العربي بشكل عام اذ تناوله الكثير من الباحثين، ولكني اعود اليه الان لاني تحدثت هاتفيا قبل ايام مع الاستاذ عبد الله حبه (أحد أبرز المثقفين العراقيين المقيمين بشكل دائمي في موسكو منذ اكثر من نصف قرن والذي سبق لي ان كتبت عنه مقالة بعنوان عبد الله حبه والادب الروسي) حول ذلك المسرح والذي سألني - هل ان الدكتورة المرحومة حياة شرارة قد ترجمت مسرحيات تولستوي الى العربية حسب علمي ؟ فقلت له كلا، انها لم تترجم مسرح تولستوي وانما قامت بترجمة مسرح بوشكين، فاخبرني انه اتفق مع احدى دور النشر في الخليج - اثناء زيارته الاخيرة ومشاركته بمعرض الكتاب في الشارقة - وانه سينشر هناك ثلاث مسرحيات مترجمة من قبله لتولستوي قريبا، ففرحت جدا بهذا الخبر وحييته على هذا العمل العلمي الجميل وقدمت له التهاني على هذا الانجاز الحقيقي فعلا لتعزيز الحركة الثقافية والمسرحية في عالمنا العربي، وسألني كذلك – وهل هذه المسرحيات مترجمة الى العربية بشكل عام ؟ فاجبته نعم، كل مسرحيات تولستوي مترجمة عن الفرنسية ومنشورة في سوريا عام 1989 من قبل وزارة الثقافة هناك و بترجمة صيٌاح الجهيم (وريث المترجم الكبير الدكتور سامي الدروبي ان صحٌ التعبير) مع مقدمة تعريفية جميلة بقلم المترجم حول مسرح تولستوي، وان هناك بعض الترجمات الاخرى عن الروسية التي قام بها بعض الزملاء المصريين وتم نشرها في الكويت في حينها ضمن سلسلة المسرح العالمي المشهورة، ولكني أكدٌت له ان هذا لا يمنع ابدا من اعادة ترجمتها للقارئ العربي مرة اخرى، لان كل ترجمة جديدة لتلك المسرحيات الى اللغة العربية هي اجتهاد شخصي اضافي جديد ورؤية ذاتية بحتة للمترجم تجاه تلك الاعمال الابداعية الخالدة خصوصا من قبل شخص متخصص في الفن المسرحي العراقي والروسي وبهذا المستوى الرفيع من الثقافة والخبرة مثله، ولهذا فان تعدد الترجمات هو عمل فكري جيد جدا يساهم باغناء ثقافتنا و تعميق معرفتنا ويوسٌع مداركنا ويوقظ فينا الاهتمام مرة اخرى تجاه هذه الاعمال الابداعية ويدفعنا لمقارنة هذه الترجمات لنص اجنبي واحد واختيار الافضل، و قلت له انني ساكون اول المؤيدين و المصفقين لتلك الترجمة الجديدة التي قام بها عن اللغة الروسية لمسرحيات تولستوي عند صدورها، واريد ان اقول له ايضا هنا، ان المترجمين العرب مثلا قد ترجموا عنوان مسرحيتين شهيرتين من مسرحيات تولستوي باشكال مختلفة جدا، الاولى وهي – (ثمار التنوير / ثمار التربية / ثمار التعليم / ثمار الحضارة / ثمار المعرفة)، والثانية وهي – (قوة الظلام / سلطة العتمة / سلطة الظلمة / سلطة الظلمات / سلطة الظلام / قوة الظلمات)، ويكفي هذا المثل للتأكيد على صحة ما ذهبنا اليه هنا، ولكنهم اتفقوا – والحمد لله - فقط على عنوان مسرحيته الاخيرة وهي – الجثة الحيٌة، والتي

سبق لنا ان تحدثنا عنها (انظر مقالتنا بعنوان حول مسرحيات تولستوي، ومقالتنا الاخرى بعنوان ملاحظات حول مسرحية تشيخوف الخال فانيا) والتي تناولنا فيهما الخصائص الرئيسية لتلك المسرحية وبعض ظروف كتابتها وكيف انها جاءت جوابا من قبل تولستوي على خصائص مسرح تشيخوف بالذات، والذي لا يوجد فيه احداث دراماتيكية من وجهة نظر تولستوي، وعدم اتفاقه (اي تولستوي) مع طبيعة ذلك المسرح وبنيته، واود هنا ايضا ان اشير حتما الى مقالة الاستاذ ابراهيم العريض (وان أشيد بها طبعا)، وهي منشورة في جريدة الحياة اللندنية (وفي مجلة الوسط ايضا) وعنوانها – (الجثة الحية لتولستوي – صورة مبكرة لانسان التردد الجديد) بتاريخ 18/ 11/ 2009، اذ انها دراسة علمية وموضوعية جدا حول هذه المسرحية وسماتها (وكما تعودنا دائما في مقالات هذا الباحث الموسوعي الفذ والكبير)، والذي وجد فيها فكرة جديدة فعلا وهي شخصية الانسان المتردد في حسم الامور والنتائج الوخيمة لهذا التردد التي تؤدي اليها، و قد ربط الباحث هذه الفكرة الجديدة بالادب العالمي وبالذات مع كافكا في اواسط القرن العشرين، وعلى الرغم من ان هذه الفكرة تتطلب بلا شك من الباحث المذكور قبل كل شئ ان يدافع عنها امام الآخرين ويثبت صحتها طبعا، الا انها تبقى فكرة اصيلة و مبتكرة فعلا، علما اني لم اجد لها اشارة باي شكل من الاشكال في النقد الادبي الروسي حول هذه المسرحية، ومن المؤكد طبعا ان تكون هناك مصادر عربية اخرى تناولت هذا الموضوع بالذات ولا علم لي بها، ولكني اود ان اشير هنا الى ان مسرح تولستوي لا زال يثير الباحثين الروس انفسهم ولحد الان (ونحن في نهاية عام 2014)، فقد تعرفت قبل ايام ليس الا على مضمون اطروحة روسية للحصول على شهادة دكتوراه علوم (دكتور ناووك بالروسية) في مجال الدراسات الادبية، وهي اعلى شهادة اكاديمية تمنحها الجامعات الروسية كما هو معروف، تقدم بها باحث عام 2004 الى جامعة (روستوف على نهر الدون) حول ادب تولستوي المسرحي، وينطلق هذا الباحث من ان تولستوي حاول ان يعيد بنية الادب المسرحي ويحدد طريق تطورها اللاحق، مؤكدا (اي تولستوي) ان هذه البنية يجب ان ترتكز على الدراما الروحية للانسان والتشابك الدراماتيكي لحياته اليومية ويجب ان تكون شكلا من أشكال (المحكمة) ان صح هذا التعبير، والتي تنطلق من متطلبات (علم الاخلاق) بالذات، وبالتالي فان بنية المسرحية عند تولستوي ترتبط ارتباطا وثيقا بالادب المسرحي الكلاسيكي العالمي وقواعده وتقاليده ومسيرته، ولهذا فان دراسة تجربة تولستوي المسرحية وتحليلها من جديد تعني بشكل عام دراسة الارتباطات والتناغم بين الادب الروسي من جهة والادب العالمي من جهة اخرى وتأثير الادب العالمي عليه وانعكاس ذلك في مسرح تولستوي بالذات،وهي ظاهرة جديرة بالتأمل والتفكير وتؤدي الى استنتاجات جديدة فعلا في الوعي الثقافي للقراء والمتابعين لقضايا الادب بشكل عام وحتى في وعيهم الاجتماعي. هذا وقد اثار انتباهي في خلاصة تلك الاطروحة ايضا عدد المصادر المثبتة في نهايتها والتي اعتمدها الباحث، اذ بلغ عدد المصادر تلك 431 مصدرا، منها 394 مصدرا باللغة الروسية والبقية باللغات الانكليزية والالمانية وغيرها من اللغات، ومعظم هذه المصادر المذكورة اعلاه صادرة في النصف الثاني من القرن العشرين في روسيا واوربا الغربية، وهذا دليل آخر على حيوية هذا الموضوع بلا شك . وخلاصة هذه التأملات حول مسرح تولستوي تكمن في اننا بحاجة الى اعادة ترجمة مسرحيات تولستوي الى اللغة العربية من جديد كي ندرسها على وفق متطلبات عصرنا .

تجليات الواقعية الانتقادية في رواية (زينة) لنوال السعداوي (2)

alkabir aldasisiبعد مقالنا الأول الذي خصصناه للواقعية الانتقادية التي وسمت رواية زينة نولال السعداوي، نحاول في هذا الجزء الثاني إبراز بعض تجليات هذه الواقعية التي اقتصرت فيها الروائية على انتقاد الواقع وكشف عورته دون أدنى محاولة تدفع بالأبطال نحو تغيير واقعهم، فكان انتقادها شديدا لم يسلم منه أحد بمن فيهم الله وإبليس ..

تميزت رواية زينة بعدة خصائص سردية تكاد تفردها عن غيرها من الروايات فقد كتبت الرواية بتدفق سرد طبعه التكرار دون أن تعمد الكاتبة إلى تقسيم المحكي إلى فصول ومشاهد فلم تتضمن الرواية أية عناوين أو أرقام .. ليجد القارئ نفسه ينتقل من حدث إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، ومن شخصية إلى أخرى ومن الحاضر إلى الماضي .. دون مؤشرات تساعده على ذلك الانتقال، وكأننا بالساردة، من خلال تداخل الأحداث، تتعمد ذلك في إحالة على مجتمع انعدمت فيه القيم واستشرى فيه الفساد، وتداخلت فيه أدوار المؤسسات الإعلامية، بالسياسية، بالدينية، بالأكاديمية، فلم تجد الساردة أمامها سوى تقديم مادة حَكيِها مادة هلامية لا يفصل بين مكوناتها حدود، عصية على التصنيف والتبويب يسهل فيها على الأبطال الانتقال من اليسار إلى اليمين، أهم ما يربط بين الشخوص هو النفاق والخيانة والتلوين والظهور بخلاف ما في الباطن .. صور تكرر نفسها في واقع ممسوخ، لذلك تجاوزت المؤلفة طرق التكرار المألوفة ؛ كتكرار الجمل والمعاني إلى تكرار نفس الأحداث والأوصاف والقضايا بل وتكرار مقاطع وفقرات بنفس الكلمات حتى ليشعر القارئ وهو يتقدم في القراءة، وكأنه يعود لقراءة مقاطع وصفحات سابقة أو أن هناك أخطاء في الطبع نتج عنها طبع تلك المقاطع أكثر من مرة، والأكيد أن لذلك مبرره عند المؤلفة، فقد تكون تتغيى محاكاة النصوص الدينية التي ما انفكت تسخر منها، وتوجه انتقادات لاذعة للنصوص المقدسة الثلاثة (القرآن، الإنجيل والتوراة) التي تقلل من شأن المرأة في نظرها.. كما قد يكون في الكاتبة باعتمادها على التكرار توجيه سهام نقدها لثقافة تقوم على اجترار قيم وأحكام جاهزة متوارثة "منبوذة" خاصة في التعامل مع المرأة فتكررت في الرواية مرارا أحكام تعتبر المرأة ناقصة عقل ودين، المرأة مدنسة، النظافة من الإيمان والنجاسة من النسوان (النسوة أسوأ المخلوقات، النسوة حليفات الشيطان )[1]...

الرواية نقد لاذع للواقع العربي، وللفكر الذكوري في هذا المجتمع، حتى ليمكن أن نطق عليها (رواية رأي)، ذلك أن الكاتبة تكاد تمرر مواقفها عبر مختلف شخصيات الرواية، فلم تكن مجيدة سوى صوت نوال السعداوي في الرواية وكذلك كانت زينة، وتقمصت بدور نفس الدور فغدت تنطق بأفكار في السياسة والدين طالما كررتها نوال في حياتها، فنجد الساردة تتخلى عن دورها في سرد أحداث الحكاية إلى الانفعال والاحتجاج بل تجنح أحيانا إلى مقارعة القارئ المفترض وتحاول إقناعه بصواب رأيها، تتصيد أي موقف أو كلام من الشخصيات لتمرر رسائلها، ومهاجمة الرجل الذي ترى فيه نموذجا لكل أنواع الشر يغتصب الأطفال لا يحركه إلا الجنس ولا يتورع في اغتصاب كل ما يحمل نسمة أنثوية أو جنسية حتى الدمى، لا تفرق في ذلك بين الطفل الصغير والرجل الكبير هكذا قدمت رجل الدين والأمير أحمد الدامهيري وهو ابن ثماني سنوات يغتصب دمية بدور وكأنه مدمن جنس (أخذها معه تحت السرير خلع عنها الثوب الرقيق من الدانتيلا تمزق الكيلوط الوردي الشفاف بين يديه وهو يشده أسفل ساقيها بحثت عيناه وأصابعه عن الشق بين الفخذين دون جدوى .. كان الطريق أمامه لا يقوى على اختراقه ...)[2] . مما يجعل أي قارئ يتساءل هل يوجد فعلا نموذج لهذا المستوى من البشر، وهل تتملك الرغبة الجنسية الجامحة طفلا ابن ثماني سنوات إلى هكذا سلوك ... وإذا كانت الرواية قد قدمت الطفل بهذه الصورة،فلا غرابة إن جعلت الرجل الكاتب المتزوج يغتصب طفلا أعرج من أبناء الشوارع، ويتكلم بعكس ما يبطن، يسرق مجهود النساء المادي والمعنوي، ورمزا للخيانة، (عقله فارغ ليس فيه إلا الحيض والنفاس والرضاع)[3] بل أن الكاتبة تدفع شخوص الرواية الذكور إلى تكرار نفس الأحكام فتجعل الطبيب النفسي يقول لصديقتها صافي (إنتي يا صافي أستاذة عظيمة عندها عقل) ويضع كل الرجال في كفة واحدة فيقول لها: (كل الرجالة ورق، كلهم مرضى، كذابين منافقين مزدوجين)[4] وحتى الشخصية التي نزلت عليه كل سياط نقدها (زكريا الخرتيتي) جعلته يعترف في آخر الرواية بعد ابتعاد بدور عنه فيقول (نحن الرجال لا نتراجع عن الخطأ حتى تجبرنا المرأة على ذلك .. نحن لا نعرف قيمة المرأة حتى نفقدها هناك شيء معطوب في الرجال .. إنه تاريخ مكتوب قبل أن نولد، كتبته الآلهة والرسل والملوك والفراعنة نحفظه عن ظهر قلب مند الولادة حتى الموت ..) [5] وهو كلام نوال السعداوي، ولا يمكن أن يصدر عن رجل تقدمه على أنه أناني سلطوي لا يرى في المرأة إلا مصدر متعة يجري وراء الفتيات يغتصب الأطفال لا يهتم لزوجته أبدا ..

يتضح إذن أن رواية زينة تكاد تقتصر على انتقاد الواقع فترصده نوال السعداوي من خلال نظارتها السوداء، فلا ترى فيه ذرة خير، انعدمت فيه القيم، وتساوت فيه كل المتناقضات، المرأة فيه محتقرة مضطهدة، والرجال أشرار قساة لا يرحمون، والعلاقة بينها مبنية على الصراع وغاية كل طرف تدمير الطرف الآخر، وإن كانا يعيشان تحت سقف واحد، وكل ما يحمله أو يلمسه بطل قادر على أن يتحول إلى أداة جريمة، فأصابع الرجال قضبان حديدية تغتصب النساء، والسكين في يد بدور تقطع به الخبز تتصور يخترق صدر زوجها زكريا ..

وبقدر هجومها على الرجال تقسو الرواية بعنف أيضا على النساء المستسلمات المتخاذلات الفاشلات في انتزاع حقوقهن من الرجل زوجاً كان أم أباً، أخاً أم قريبا . بل إن الرواية لم تختر من الأبطال إلا الذين يعانون انفصاما وازدواجية في الشخصية، فجعلت معظمهم (بدور وزوجها وأبوها وابنتها مجيدة وصديقتها صافي وابن عمها) يترددون على طبيب نفسي و يتناوبون على نفس الأريكة يبوح كل منهم بما يـجثم على صدره: (فوق الأريكة ذاتها كان زوجها زكريا الخرتيتي ممدودا يشكو للطبيب آثامه وأحزانه، وابنتها مجيدة تمددت أيضا فوق الأريكة، تفتح قلبها للطبيب النفسي، .. وصافي صديقة بدور والأمير أحمد الدامهيري تمدد فوق الأريكة ..)[6] والأغرب أن الطبيب، الذي يقصدونه، مريض في حاجة لمن يعالجه (يستخدم الأريكة لعلاج نفسه من الحرمان الجنسي ينكح من النساء ما يشاء أحل الله له النكاح بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الطب النفسي)[7] وأكثر من ذلك ترى فيه ازدواجية منذ طفولته تقول فيه الساردة (أدرك الطبيب النفسي أنه مريض، يحتاج إلى طبيب يعالجه، الانفصام بين عقله ووجدانه، عقله غير مؤمن، لكنّ وجدانه مؤمن، لا أمل له في الشفاء، محكوم عليه بالازدواجية منذ الطفولة) .

ما قدمته نوال في روايتها عالم فوضوي، عالم سرَى فيه الفساد، واندحرت في المبادئ والقوانين، وغدا الشاذ مصدر القياس بعدما مسخ المجتمع طبقة واحدة تشابهت فيها مختلف طبقات المجتمع وشرائحه فالأغنياء كما الفقراء، والسياسيون والصحفيون ورجال الدين والأساتذة الجامعيون وغيرهم شخصيات شاذة تعاني انحرافات خطيرة في السلوك دون أن تراعي نوال السعداوي في ذلك خصوصية المسجد، الكنيسة، البيت، الجامعة فتساوى في نظرها الماركسي برجل الدين، تقول في أحد المقاطع على لسان صافي (كانوا شبه بعض في كل حاجة،في الشغل السري، في النشاط السياسي، في النشاط الجنسي، شبه بعض في كل حاجة، حتى الخيانة والكذب والمراوغة وعشق السرية والتخفي، وإخفاء الفساد والتشدق بكلمات كبيرة أوي، تحت اسم ربنا الله، أو ربنا كارل ماركس ...)[8]   ... وكأن هدفها كشف عورة المجتمع المصري على امتداد تاريخه الحديث ابتداء من الملكية، مرورا بثورة الضباط الأحرار وشعاراتها الاشتراكية، فمرحلة الانفتاح وانتهاء إلى مرحلة تحالفت فيها مصالح الخطاب الديني المتطرف مع خطاب رجال السياسية والعسكر ضد تطلعات الفئات الفقيرة...    

تبدو اللغة في رواية (زينة ) مكتوبة بطريقة مسترسلة متناثرة وكأن الكاتبة لم توليها عناية المراجعة الأخيرة قبل الطبع، صحيح أن الرواية خالية من الأخطاء المطبعية الفجة، ولكن طريقة كتابتها في حاجة إلى إعادة تنظيم الأفكار، وحذف المقاطع المكررة، كما أن الرواية تحمل بين طياتها أحكاما قاسية على المجتمع المصري برجاله، أطفاله ونسائه، وقد يجد القارئ صعوبة في تسويغ كيف تمكنت زينة المولودة سفاحا والتي عاشت على حواف المجتمع ورغم قساوة حياتها .. وأن تنشأ بتلك الشخصية القوية والجمال الأخاذ، فلم تتوان نوال السعداوي لحظة في أن تـُـلبس زينة من أوصاف الجمال والثقة في النفس وقوة الشخصية ... حتى كادت في بعض اللحظات أن تجعل منها ملاكا يمشي على الأرض، ففي زينة التقت كل تناقضات الجمال (العينان سوداوان زرقاوان مشتعلتان بالضوء، متوهجتان مثل قطعة من الشمس، نظرتها خارقة للحُجب والأقنعة، نظرة تعرّي السطح وتنفذ إلى القاع، نظرة تنظر وترى، ترى ما لا تراه العيون) [9] واستطاعت بعزيمتها أن تفرض نفسها على الجميع، فجعلت منها الرواية شمسا تنمحي أمامها كل الكواكب والنجوم، وإذا غنت اهتزت القلوب وما تحت الجوانج ودار حولها المعجبون (كما تدور الأرض حول الشمس) وكأن الكاتبة تريد تمرير فكرة أعداء الأسرة (أندري جيد، سارتر ,نيتشه) الذين لا يرون في الأسرة إلا تكبيلا للفرد، وقيودا تمنعه من تحقيق رغباته، وتحد من حريته... فما دام أبناء الشوارع قادرين على كسب كل هذه الثقة والكاريزم في الشخصية فلا داعي إذن حسب نوال السعداوي للأسرة التي لا تنبني ـ حسب الرواية ـ إلا على الخيانة، والفساد والكراهية: الزوجة غير متفاهمة مع الزوج تعرف أنه يخونها مع الخادمات والسكريتيرات (في الليل يتسلل من فراشها إلى الخادمة في المطبخ،أو السكريتيرة في المكتب، لا يشتهي إلا الفتيات الصغيرات من الطبقة الدنيا)[10]. و( إن قال لها أنه خارج لحضور اجتماع أو مؤتمر تدرك أنه ذاهب لليلة حمراء مع إحدى النساء أو البنات)[11]. وإن سئل يحاول أن يبرر أفعاله .. وخيانته لزوجته بقوله (زوجتي لم تمنحني إلا التعاسة، أنا زوج تعيس لم يذق طعم اللذة في سرير الزوجين)[12] .. والبنت تقف شاهدة على أبيها يمارس الجنس على معاق قاصر من أبناء الشوارع. والمرأة المثقفة (صافي) جربت الزواج بكل أصناف الرجال الماركسي، رجل الدين، والكاتب المثقف..) ولم يكونا سوى صورة واحدة للنفاق والخيانة... لتحكم الكاتبة على الأسرة بغياب التفاهم بين الزوجين ومن تم الفشل في تربية الأبناء (العائلة الواحدة تضم التيارات المتضاربة يخرج من ضلع الأب المؤمن ابن ملحد، ومن رحم الأم المسلمة ابنة ماركسية، ينضم الزوج إلى حزب اليمين، وتدخل زوجته حزب اليسار، يصبح الأخ مع الحكومة، وأخته في المعارضة،... تتجمع العائلة في المآتم والأفراح يتبادلون العناق والقبلات، ثم يخرجون إلى ساحة الصراع يوجهون بعضهم إلى بعض الضربات من تحت الحزام ومن فوقه)[13]

عكس كل ذلك تطلع زينة طاهرة عفيفة ذات موهبة عالية في الموسيقى غناء وعزفا، أخلاقا وسلوكا، رمزا للعفوية والطبيعة، ونموذجا للحب الصافي والحرية لم يتمكن أكثر الرجال ممارسة للاغتصاب من النيل منها وهي بعد صبية غرة تقدم نفسها بقولها: أنا .. لست ابنة الآلهة أو الشياطين، أنا زينة وأمي زينات أمي أعز عني من السماء .. أنا ابنة الخطأ والخطيئة، أنا ابنة الشرف والفضيلة ..) [14] .

هكذا تجعل الرواية من عالم الشوارع وعالم حواف المجتمع، مدينة فاضلة يسودها العدل والإخلاص والتضامن عالم (يحظى فيه اسم الأم بالشرف الكامل .. لا تفرق فرقة مريم بين دين ودين) [15]خلاف المجتمع بقوانينه الوضعية والشرعية والذي يفسد السليقة والفطرة، الأطفال على براءتهم (يتلقون الضربات والصفعات والركلات بكعب الحذاء، يملأون آذانهم الصغيرة بأبشع أنواع السباب من أول يا أولاد الزنى، إلى يا أولاد القحبة والشرموطة) فمن الطبيعي أن تنتقد الكاتبة عالما (يرقد فيه الأطفال على الأرض في غرفة واحدة مع كبار القتلة، وتجار المخدرات والقوادين والحشاشين، يعتدي الذكور الكبار على الأطفال، يتم الاغتصاب في الليل داخل الصمت تذوب صرخات الطفلة أو الطفل في الشخير الذكوري)[16]

وفي كل ذلك طرح ونظرة رومانسية ترفض واقعا مريرا تجسدت فيه كل مظاهر الفساد والشذوذ .. وتنشد عالما مثاليا للمرأة فيه وضع اعتباري .. لكن رغم رومانسية الفكرة فإن الكاتبة تناولتها بانتقاد شديد للواقع، ولم تهرب إلى الطبيعة لتبكيها أحزانها بل سلطت معول انتقادها على كل من تعتبره مسؤولا عن هذا الوضع .. وكأننا بنوال تعود في أواخر عمرها لمعالجة قضايا أطفال الشوارع التي سبق أن تبنتها وقدمت بشأنها مشروعا للسلطات المصرية تطالبها بحق أبناء الشوارع في اسم يليق بهم ويصون كرامتهم، والدعوة إلى اقتران اسم الولد أو البنت باسم أمها وهو ما سعت الرواية إلى تكريسه من خلال ربط زينة بزينات حتى وإن لم تكن أمها الحقيقية وجعل زينة ترى في ذلك مصدر قوتها ولم تتوان لحظة في الافتخار بأمها التي ربتها، في مقابل ذلك تخشى وتخجل مجيدة من ذكر اسم أمها رغم مكانتها في المجتمع .. فألفينا الكاتبة تدفع زينة إلى كتابة اسم أمها (فوق السبورة أمام أعيننا دون حياء، تفتخر بأمها زينات، كنا نحن نخجل من ذكر أسماء أمهاتنا بصوت مسموع، ولا يمكن أن نكتبه فوق الكراسة فما بال السبورة، لم تكن أمي خادمة بيوت مثل كانت أمها، كانت أمي الأستاذة الكبيرة ..)[17] وبذلك تنجح نوال في الرواية فيما لم تنجح فيه بالواقع، بنجاح زينة التي تعتبر النسب إلى الأم مصدر افتخار واعتزاز..

الرواية إذن رواية انتقاديةبامتياز فأينما وليت وجهك تجد انتقادا لاذعا فالرواية تنتقد الرجل كما تنتقد المرأة الخانعة، تنتقد المجتمع، تنتقد الأعراف والتقاليد، تنتقد القوانين الوضعية والشرائع السماوية، تنتقد الحاكمين والمحكومين، تنتقد الفقراء والأغنياء،، تهاجم اليساريين واليمينيين، ولم يسلم من نقدها اللاذع أهل الصحافة والأدب والثقافة والفكر فهي تكرر في الرواية أكثر من مرة أن النقاد ليسوا سوى ماسحي أحذية، وأن مهنتهم مهنة طفيلية تقتات على دم الآخرين (مهنة النقد الأدبي متطفلة على الأدب الحقيقي والفن، مثل الديدان الشريطية، نحن نقاد الأدب لسنا إلا مبدعين فاشلين نغوص في فشلنا بنقد أعمال الآخرين .. نحاول الوصول إلى الأضواء عن طريق تلميع إبداع الآخرين نحن مثل ماسحي الأحذية) [18] في الرواية إذن لم يسلم أحد عدا (زينة) من نقد نوال السعداوي ويطال نقدها الشيطان والله أيضا فتضعهما في كفة واحدة، الله والشيطان اللذين يحتقران المرأة، يتسللان لعقول الرجال لترسيخ النظرة الدونية للمرأة فالمسؤول عن نظرة زكريا للمرأة في نظر الكاتبة هما الله والشيطان تقول (الله وإبليس كانا قد تسلل إليه مع لبن الأم، أصبحا راسخين في أعماقه كالإسمنت المسلح، هما معا، لا يوجد كونٌ دون إله وشيطان، ولا يشغلهما شيء إلا النساء، مثل الذكور)[19]، وأحيانا كثيرة تضع أبطالها في وضعيات يصعب عليهم التمييز بين صوت الله وصوت إبليس تقول على لسان بدور وهي تخاطب نفسها (هذا صوت الشيطان يا بدور ليس صوت الله، وإن كان صوت الله فما الفرق بيه وبين صوت إبليس .. إن منعك الله من لذة الحياة الحية، فهو ليس الله، إنه إبليس يا بدور ..)[20] .. فكانت الرواية بذلك ثورية على كل ما في المجتمع لكن ثورتها كانت فوضوية انتقادية لم تقدم حلولا وكأنها رفض من أجل الرفض فقط، ولكن الكثير من هذه التناقضات والمفارقات التي لا يقبلها عقل سواء ما تعلق منها بالفوارق الطبقية الاجتماعية خاصة إذا ما قارن القارئ بين مجيدة وزينة، أو بالفوارق السردية إذ لم تترك الكاتبة الحرية للشخصيات ليتطوروا مع الأحداث وإنما كانت مواقفها هي الطاغية على كل خطوة يخطوها أبطال الرواية

 

ذ. الكبير الداديسي

......................

[1] - ص - 223

[2] - ص – 219

[3] - ص – 140

[4] - ص – 157

[5] - ص - 296

[6] - ص - 179

[7] - ص - 122

[8] - ص - 155

[9] - ص - 212

[10] - ص - 100

[11] - ص - 172

[12] - ص - 188

[13] - ص - 142

[14] - ص – 210 – 211

[15] - ص – 225

[16] - ص - 225

[17] - ص - 112

[18] - ص - 39

[19] - ص – 297

[20] - ص – 184 - 185

وليم شكسبير الفلاح السياسي

ikhbal almominمن منا في حياته لم يكن قد قرأ او شاهد او سمع بأعمال الفلاح الانكليزي وليم شكسبير والذي اعد من اعظم ادباء عصره. الفلاح الفقير الذي نزح مع ابوه الى بلدة ستراتفورد آبون آفون وتم تعميده فى 26 ابريل 1564 ومات بنفس البلدة التى عمد فيها سنة 1616

لكن الفلاح الانكليزي هذا لم يكن فقره في البداية عائقا له في دراسة مبادىء اللغات اللاتينية واليونانية والفرنسية الامر الذي اجادها كتابة ونطقا وهى التى مكنته فيما بعد من التعمق فى قراءة كتب التاريخ والادب الكلاسيكى الا ان هذا الفقر كان حائلا له دون اكمال دراسته للاخر فتركها ودخل سوق العمل فعمل وتزوج بفتاه من نفس قريته هى (ان هاثاواى) وانجبت له طفلتين هما هامنت وجوديث. وبما ان اديبنا كان متفائلا كما هي طبيعة الفلاحيين في الحرث والزرع والترقب والمتابعة

نشر اول اعماله الشعرية عام 1593 وحقق نجاحا كبيرا واستطاع ان يسدد جميع ديونه وان يتمتع بمستوى معيشى مقبول

واستمر بالحرث والزرع الادبي واصبح الشاعر القومي لبلاده ولقب بــشاعر الوطنية وشاعر افون الملحمي

و تنوعت كتاباته فيما بعد ما بين الكوميدية والتاريخية والتراجيدية التى أظهرت عبقريته وقدرته الادبية الفائقة على تحليل النفس البشرية

ولازالت اعماله تترجم حتى يومنا هذا الى جميع لغات العالم ومازالت تلقى نفس القبول والنجاح سواء كأعمال مقرؤة او ممسرحة او معروضة على الشاشتين الكبيرة والصغيرة او من خلال اليتوب الساحر .

ما يهمنا الان معرفة السياسي شكسبير والوقوف على افكارة وطروحاته السياسية ومن خلال اعماله حصرا لنرى كيف كان شكسبير سياسيا ؟ او كيف نظر الى السياسي والساسة والحكام والقادة انذاك ؟ متناولين طروحاته المسرحية تحليلا وشرحا وكيف فضح

السياسية فكرا وعملا كونها اقدم مهنة في التاريخ من حيث الفساد والعهر والاستخفاف بمصائر الفقراء .

لم يكن اي منتج فكري لشكسبير خالي من الوصف والاتهام والادانة لصفاقة وسفاهة وسطحية هؤلاء الساسه الذين جروا الويلات على شعوبهم بتصرفاتهم الفردية والساذجة حد اللعنة وهذا ما نلمسة اليوم في اغلب ساسة وحكام المعمورة فأغلب فقر الشعوب

ودمار الامم وتلوث النفوس والبيئة معا هي من نتاج سياسات خاطئة لهؤلاء الصفوة او القدوة المزيفة والمثل السئ ان صح التعبير فدعونا نرى ماذا انتجت عبقرية شكسبير في هذا المجال من خلال الوقوف على اعماله التي لاتزال حية ناطقة لكل من يبحث

عن حقيقة فسادهم وعدم مسؤوليتهم تجاه شعوبهم ولنبدا بملكهم ليير الشكسبيري .

الملك ليير الذي بدأ فعله بالامنطق لمجريات الامور السياسية وادارة الاحداث والبلاد وبما ان لكل فعل رد فعل مساوي له بالمقدار ومعاكس له بالاتجاه جاء فعله الخاطئ والامنطقي بنفس ردود الافعال الخاطئة والا معقولة ولا ندري هل هذا جاء عن طريق الصدفة

او مخطط له من قبل شكسبير ..فالمسرحية ببساطة تتحدث عن ملك يجمع بناته الثلاث غونريل وريغن وكورديليا مع أزواجهن دوق البني ودوق كورنوول ليعلن لهم انه قرر تقسيم مملكته عليهم والتنازل عن الحكم، ومن هنا تبدأ الأحداث تتوالى بأفعال وردود

أفعال غير منطقية ولا معقولة من شخوصها، وبالأخص من تصرفات الملك ليير نفسه السياسي المخضرم، الذي يفترض انه يمتلك من الخبرة والدراية ما يجعله يميّز بين الغث والسمين وان لا يعتمد على محض كلمات ممسرحة تنطقها السن لا تعي

ما تقول في مواقف تتطلب ذلك . اشخاص هو من المفترض ان يعرفهم حق معرفة لانه من اشرف على تربيتهم ونشأتهم وتقويمهم لكن للاسف يقع ضحية نفاق وتزلف وكلام معسول بعيد كل البعد عن الحقيقة،و الطامة الكبرى ان هذا النفاق الذي حواليه ومن اقرب

الناس له ينسيه الواقع الجلي لكل ناظر فمنذ البداية نعرف انه يجل ابنته الصغرى كورديليا اكثر من أختيها ولكن نجد انه ينسى أو يتناسى عن كل ذلك كما يحدث لاغلب الحكام والساسة عندما يضعون على المحك ..

النفاق والكلام الممسرح هو الفيصل للملك ليير ومقياس الوفاء عنده في ان يرهن البلاد بيد المنافقين والخونة عندما يطلب من بناته قبل تقسيم المملكة بينهن ان يصدقنه القول بالتعبيرعن حبهن له ومن المؤكد في هذه الحالة يلعب الرياء لعبته ما دام انه سيكون الوسيلة الوحيدة لتحقيق

طموحهن أما من كان ديدنه الصدق فلن يحصد من الملك إلا السخط والطرد وخلو الوفّاض وكذلك حال كل من لا يناصره . بهذا التصّرف غير المنطقي والأخرق والانفعالي للملك ليير الذي لا يستند على اي مقياس ثابت لقياس الامور ووزنها بميزان الحق والمنطق وانما ميزانه الشخصي الخاضع للمد والجز بشاطئ عاطفته مستندا على مقياس متغير خالي من الادلة والاثباتات التي تدعم الحدث يتسرع الملك بوضع مقياسه الهزيل هذا في التقييم وهو مقياس المشاعر التي يلتف حولها من كل الاتجهات حب السلطة والمال والتحكم بمصائر الاخرين والشهوة والشهرة وتحقيق الذات على حساب الاخرين يضع مصيره ومصير بلاده بيد أولئك المنافقين بعد أن يسخط على ابنته كورديليا التى اعتبرتها ضمنا هي الشعب الصادق .

فيا لها من قسمة ضيزي للملك ليير لانه يبيع ويشتري ويتبرع ويتنازل ويتحكم بأموال الشعب ومن المفترض ان يكون الحارس الامين عليها وعلى شعبه من كل دخيل وجائر ومنافق بصفته حاكم البلاد المطلق الا انه يهب كل شئ بما فيهم مصيره ومصيرالشعب المسكين فيقول لهم اي للورثه من المنافقين وهم كل من البنت الكبرى والوسطى وزوجيهما :

إني لأهبكما معا سلطتي وسؤددي، وكل ما يصحب الجلال من توابع الأبهة، أما نحن، فأننا إذ نحتفظ بمائة فارس، تكون عليكما العناية بهم، سنجعل سكنانا عند واحد منكما دوريا كل شهر، لسوف نتمسّك بلقب الملك ومراسيمه كلها، غير أن الحكم والدخل وتصريف الأمور ستكون، يا ولدي الحبيبين، في ايديكما . ومصداقا لذلك، تقاسما هذا التاج بينكما . يقصد بولده دوق البني ودوق كورنوول .

وهنا نؤكد ان من اكثر الامور مهزلة كون الملك لا يملك دارا ولا سكنا له الا انه يهب املاك الشعب وثروته لمن غير اهلا لها .

فبهذا التصرف الركيك والسخف الملوكي يقع الشعب رهينة بيد المنافقين والمتقلبة قلبهم وتوجهاتهم وجريهم وراء المال والجاه والذي على حس هذه الطبول تخف ارجلهم طمعا واهوائا .

و هذا ما عشناه ونعيشه في ضل السخف واللامسؤولية من قبل البرلمانات المتتالية وحكوماتها في بلدان تأن شعوبها من الظلم والجور والتهميش على مدى عقود ونحن على يقين ستكون النهايات مأساويه ويمكن اكثر ماساوية من النهايات الشكسبيرية .

و الغريب في منطق حكامنا انهم لا يتصرفون بعقلانية وحكمة الا وهم في اوج جنونهم كما هو الملك ليير.

شكسبير السياسي اظهر الملك لييرعلى انه انسان لديه الشهوة لكي يكون محط اعجاب الآخرين ورافض للحقيقة لانها لا تتناسب واهوائه لذلك حرم ابنته الصغرى من ميراثها عندما اخبرته بأنها ستحبه وتحب زوجها بنفس المقدار بينما كافئ ابنتيه اللتين خدعتاه بالكلمات المعسولة لذلك وقع هو وشعبه ضحية الطمع الذي كان يعشش في صدر كل من يحلم بالسلطة دون وجة حق .

ولم يكتفِ شكسبير برسم هذه الصورة البشعة الجشعة لحكام المستقبل بل جعل منهم خونة وعبيد لشهواتهم فكل واحدة من بنات الملك كانت تخون زوجها مع قائد الجيش ادموند وربما كان هذا تلميحاً من شكسبير على ان الخونة لا حدود لخيانتهم ولا استثناءات لها . الا انه اظهر الجانب الانساني في الفتاة الصغيرة المتمثلة بالشعب والتي اثبتت انها مخلصة في حبها لابيها وزوجها معاً والدليل على ذلك موتها في سبيل حرية ابيها .

و لننتقل لنموج اخر وشخصية اخرى للسياسي شكسبير في مسرحية مكبث

اهلا بالملك القادم ماكبث ! يا لهذه العبارة من سحر يكاد بها ان تنقلب كل الموازين وتنفتح كل ابواب الجحيم على مكبث ... وكانت بالفعل نبوءة مدهشة بالنسبة له لأنه كان على يقين ومن المحال ان يكون ملكا طالما أن أبناء الملك أحياء، فلا أمل للوصول الى العرش، الا ان مفعول السحر والساحر ماضي كمضي السيوف وله وسوسة شيطانية ذهبية ناعمة.تقلب كل الحقائق وتزين كل الموبقات .

وكان لهذه التحية المفاجئة والحدث الغريب والنبوة الساحرة بأنه ملك البلاد المرتقب أثره على نفس ماكبث فأصبح حالما هائما سابحا بأحلامه وتخيلاته الوهمية دون وجهة حق

و خاصة عندما خلع الملك على ماكبث لقب واسم دوقية كاودور وهذا ما تطابق مع ما قالته الساحرات، الأمر الذى بات مندهشا حائرا مذهولا لا يقاوم سحر النصر واحلام العرش الملوكي ..

ومنذ تلك اللحظة، بدأت الآمال الضخمة تداعب مخيلته وامكانية تحقيقها ليصبح ذات يوم ملكا لاسكتلندا . متجاهلا تحذيرات بانكو الطيب . الامر الذي وجه كل تفكيره فى كيفية الفوز بعرش اسكتلندا ..

اما الليدى ماكبث حالها حال اي سيدة اولى في المجتمع دون استثناء سيدة شريرة تطمح فى مكانة عالية لنفسها ولزوجها، وتتمنى لو انهما يصلان الى هذه المرتبة العظيمة بالسرعة الممكنة وبأية وسيلة كانت ولم تتورع فى أن تقول له ان قتل الملك

أمر ضرورى جدا لتحقيق النبوءة ويا لها من نبوءة تسحق كل من يقع امامها وبدون قيد او شرط نبوءة مدمرة كنبوءة ساستنا الان يحللون ما يروق لهم ويحرمون كل ما لا يروق لهم .و تلعب الصدف متعاونة مع الباطل لتمهد لهم الطرق كما مهدت ا

لانتخابات بتهيئة الكراسي للبرلمانيين

و ذلك بقيام الملك بزيارته الذهبية لماكبث فى قلعته وبصحبة ولديه مالكولم ودونالبين، ومجموعة من اللوردات والمستشارين لتهنئة ماكبث بانتصاره فى الحرب .

كانت قلعة ماكبث مبنية فى مكان لطيف كما هو لطف المنطقة الخضراء على ساكنيها والهواء هناك منعش وصحى حيث أقامت طيور السنونو أعشاشها على الجدران والمعروف عن هذه الطيور أنها لا تقيم أعشاشها الا فى الأماكن المعروفة بجوها الطيب

و الهادئ كما هو امن المنطقة الخضراء لكن سكانها ينقصهم الامان فيما بعضهم البعض كما هي قلعة ماكبث وعندما دخل الملك سعد جدا بالمكان وسعد اكثر بالاهتمام والاحترام والتبجيل الذى لاقته به السيدة المضيفة ليدى ماكبث التى كانت تجيد فن تغطية أهدافها الشريرة وراء ابتسامتها التي تبدو كالزهرة البرية التى تخفى تحت اوراقها حية رقطاء !وهي نفس الابتسامة ونفس الترحيب الذي نشاهده ونسمعه من ساستنها سكنة المنطقة الخضراء فالامر سيان زيف وانعدام الامان اي ان المنطقة مؤمنة وليست امنه لا لسكانها ولا لمن يزورها .

و يخلد الملك ليير للنوم وبصحبته اثنان من خدمه وكما جرت العادة عند الملوك بعد ان اسعده الاستقبال الغير عادي من ماكبث والليدي ماكبث، حتى أنه قام بتوزيع بعض المنح والهدايا على الضباط الكبار قبل أن يخلد للنوم ومن ضمن هذه الهدايا أرسل ماسة غالية الى الليدى ماكبث تحية لها لما أبدته من كرم الضيافة والترحيب . علما ان هذا الديدن لا يزال معمول به عند كل الملوك والرؤساء الى يومنا هذا لكي يشتروا المقربين منهم بالسلطة والحشاشية التي حواليهم فلذا يصبغون عليهم بالهديا وعلى مبدأ اطعم الفم تستحي العين.

و كما هو معروف عن الساسة وما يخططون له في حياتهم السياسية نرى خططهم تجري في الليل كي تحاك جرائمهم وتحبك خططهم الجهنمية للانقلابات والاغتيالات ليلا وتحت ستار الظلام وهذا ما فعله ماكبث والليدي ماكبث من تخطيط لقتل الملك كما هو التخطيط الذي لا زال جاري لاغتيال وحدة العراق رغم كل الاعتبارات .

نعم الاعتبارات التي تقف ضد جريمة اغتيال الملك ليير ففى المقام الأول هو ليس شخصا عاديا بل هو من المقربين لماكبث كما أن الملك يحل فى ضيافته ومن واجب المضيف أن يمنع أية محاولة لقتل ضيفه لا أن يحمل هو سكين الجريمة بل ونرى أن الملك دنكان ملك رحيم واضح فى خصومته مع أعدائه ومحب لأعوانه من النبلاء وكريما ودمث الخلق وبالنسبة لمكبث بصفة خاصة هذا بالاضافة الى أن الملك كان يخصه دون الرجال جميعا لرجاحة فكره الا انه لوث كل هذا التكريم، بدماء جريمة بشعة جريمة اغتيال الملك التى افقدت هاملت وزوجته النوم والامان وبعدها لن يذق لا ماكبث ولا زوجته طعم النوم ! ..

و لايجاد مجرم للجريمة وكما هو معروف عن كواليس الساسة كانت الأدلة قد سجلت ضد الخدم من القوة والحبكة بما فيه الكفاية لادانتهما . رغم أن كل الاتهامات الخفية كانت تشير الى أن ماكبث هو الذى فعلها لأن لديه من الدوافع القوية أكثر مما لدى الخدم المساكين للقيام بذلك وخاصة بعد ان هرب ابنا دنكان مالكولم الأكبر الى انجلترا ودونالبين الأصغر الى ايرلندا ..

وبهروب ابنى الملك، اللذين كانا من المفروض أن يخلفاه فى الملك أصبح العرش خاليا وتوج ماكبث ملكا وهكذا تحققت نبوءة الساحرات تماما .

وهكذا يتسلط المجرم ماكبث على رقاب الشعب كما يتسلط اليوم اغلب الساسة المجرمين على رقاب شعوبهم ويكافئ المجرمون من الساسة على جرائمهم في وقت اختلت به كل المقاييس وضربت كل الاعتبارات ... ولنرى الان ما فعله هاملت سياسيا .

السياسي هاملت رفع شعار اكون او لا اكون فهو الملك وابن الملك اي انه سياسي ابا عن جد

و كما هي سلوة الملوك بالقتل والتوريث يقتل كلوديوس اخاه وبدم بارد ويتزوج من زوجته والدة هاملت بوقت قياسي بعد الحادث بالرغم من ان الدنمارك كانت حينها في حالة عداوة مع النرويج ويُحتمل حدوث غزو من قِبل "فورتِنبراس" أمير النرويج.

و تبدأ الأحداث بظهور شبح ملك الدنمارك المقتول والد هاملت الذي يطالب ابنه بالإنتقام له ويقتص من قاتله فيوافق هاملت ويخطط لذلك بأن يدّعي الجنون حتى يُبعد الشكوك من حوله بالرغم من شكه بمصداقية الشبح وتتسارع الاحداث وتتشابك حوله الاحداث و

تتعقد تصرفات هاملت السياسي الباحث عن الحقيقة ليكتشف من خلالها زيف الاصدقاء ويتهم اقرب الناس له بالخيانة وتزداد شكوكه وتتضخم ضنونه وينشد الحل الامثل والوحيد في الفن .

و ذلك من خلال فرقة مسرحية تصل القصر ويعهد هاملت الى الممثلين بأن يمثلون مسرحية بها مشهد مُطابق لحادثة مقتل والده بالسم ومن خلال المشهد يدرس ملامح عمه الملك كلوديوس وردة فعله.

و عندما يجتمع سكان القصر لمشاهدة المسرحية ويأتي المشهد الذي يُقتل فيه الملك بالسم بنفس الطريقة التي ذكرها شبح الملك لهاملت يفزع الملك كلوديوس ويخرج بسرعة من صالة العرض وعندها يتأكد هاملت من أن عمه مُذنب في مقتل والده الملك.

السياسي هاملت هنا نراه سياسي يدرك معنى الفن ويفهم في الاخراح المسرحي ويدرك ان للفن رسائله السامية ولها دور مؤثر على المتلقي ناهيك عن معرفته بدراسة سلوكيات المجرمين وكأنه متفقه بعلم نفس الجريمة وهذه خطوة رائدة للعبقري

وليم شكسبير في فهم علم نفس الشخصية

و يتورط هاملت بقتل بولونيوس ويُخفي جثة أمام الملك كلوديوس فيخشى الملك على حياته فيرسل هاملت لإنجلترا مع أمر بقتله.

و هنا ندرك ان السياسي هاملت ممثل بارع ومفكر من طراز خاص يخطط وينفذ اما عمه فهو مجرم ومستمر في اجرامه لكي يبقى محافظا على كرسي الحكم رغم كل الاعتبارات التى لا يحسب لها حساب سوى مصلحته الشخصية لذا يزج هاملت

في مبارزة مميته مع صديقه لكي يتخلص منه بعد فشله في التخلص منه بالسفر والابعاد والقتل بعد ان تخلص هاملت من الجاسوسين المأموران بقتله .

يُخطط الملك كلوديوس بأن يجعل هاملت يُبارز لايرتس في منافسة ودية ليضع السم في سيف لايرتس ليقتل هاملت وفي حال فشل في خدش هاملت سيعرض عليه شراباً قد دسَّ فيه السم.

ولا غرابة ولا استغراب في مخططات الساسه التي لا تحسب اي حسابات للاخرين عندما ينون التخلص من مناوئيهم وتشويه كل الحقائق وتدون التاريخ حسب اهوائهم وميولهم بشراء الذمم دون قيد او مراعات لاي من يكون لذا في مسرحية هاملت اصر شكسبير أن يكون هوراشيو هو راوي القصة لانه صديق هاملت الذي يعرفه حق المعرفة والشاهد والمراقب لكل الملابسات والمآزق المعقدة التي مر بها هاملت في مواجهة عمه الفاسد كلوديوس، لكي يكون الشاهد الأمين والصوت الاعلامي المسؤول كي لا تتشوه صورة النبل والعدل التي تميز بها هاملت السياسي النظيف في خوض معركته التي تتلخص بالقضاء على هاملت معنويا وماديا بشتى الطرق ولو باختراق الصداقة والحب والأمومة!

فهوراشيو هو المثقف الواعي الذي يقف مع الشعب وهو من عانى من كل شيء فأصبح بذلك لا يعاني شيئا يتلقى من الأقدار الخير والشر بامتنان واحد وطوبى لهؤلاء الذين يتوازن عندهم العقل والعاطفة فلا يصبحون مزمارا في يد الحظ يعزف عليه ما يشاء اعطني هذا الرجل الذي يرفض أن يكون عبدا لأهوائه وسوف أضعه في قلب قلبي هكذا وصفه هاملت وهكذا اراده ان يكون شكسبير بمثابة السياسي والاعلامي الواعي لامور شعبه ومصلحة بلده

من خلال هوراشيو اراد شكسبير ان يكون للسياسي دور مميز ثقافي توعوي ويقع على عاتق الاعلام المسؤول والموضوعي تجسيده وربطه بهاملت السياسي النظيف

لذا نراه بين الحراس يحلل لهم دواعي الحراسة ويستمر هوراشيو طوال المسرحية مراقبا ومحللا وسندا ناصحا لهاملت فهو المستودع الأمين لأسراره الفاهم لأدق مشاعره وآلامه وهذا مالا نراه اليوم في وظيفة الاعلام لاننا وسط تهريج لا نعرف له ساس ولا راس، وحين يتخلى برهة وبالذات في المشهد الأخيرعن عقلانيته ويحاول أن يقتل نفسه لأنه لن يتحمل الحياة بعد رحيل صديقه يمنعه هاملت وهو يؤكد عليه ان يبقى على قيد الحياة لان بقاءه هو التضحية الحقيقية التي يقدمها لصديقه اي ان الاعلام لابد ان يبقى بهذه الصحوة والا كل شئ سينهار .

هاملت: أه يا إلهي، هوراشيو، تعلم كم سيجرح اسمي من بعدي، لو ظلت الأشياء هكذا غير معروفة .. تحمل التنفس بصعوبة، في هذا العالم القاسي، لتحكي قصتي.

وينصاع هوراشيو لهاملت ويتحمل مسؤولية رواية قصته بدوافعها الحقيقية وبمنظور شكسبير السياسي، الذي أراد في بناء شخصية هاملت أن يطرحه ممثلا للحق ضد الباطل الذي تشخصن في الملك الفاسد القاتل كلوديوس ولنا أن نتخيل كيف يمكن أن تتشوه الأحداث لو أنها سردت من خلال كلوديوس وحاشيته.

و بهذا نكون قد تعرفنا على ان شكسبير كان رجل سياسة وصانع السياسين وناقد لهم ولافعالهم وهو الفنان والاعلامي المسؤول وصاحب الرسائل المسؤولة تجاه المجتمع فالاعلام والفن المسؤول هو من يبين ظلمهم وغدرهم وركاكة تفكيرهم لذا لابد ان يبقى الاعلام الصادق المسؤول دائما مرافقا ومراقبا لهم والشاهد الحي على اعمالهم والناصح الامين للمخلصين منهم .

 

د أقبال المؤمن