قراءات نقدية (أدب، مسرح ، فن)

قمر سادس لليل القصيدة .. قـراءة في ديـوان "أوتـار النزيـف" للشاعـر"عبـد العزيـز أبو شيـار"

على سبيل التقديم: "هي تغريدة روح حبيس ضاق بصلصال الهوان فأشعل الحرائق في رمـاد اليأس ثم أفـرد جناحيـه فوق واحات الحلم. شاعر وطائر..يرفع فوق كل حلم ظله .....

روح جريح منكسـر ...لكنـه...

قوي، متمرد وثائـر ... روح نسـر تسكن روحه .

أو روح أسـد جريح، وليس أقوى من أسـد جريح.

والشاعـر/النسر يسمو فوق جرحـه ويعلي فوقه ، صوتـه ، ليزرع في السراب نخيلا من الكلمات ويفجر في اليباب أعينـا للسياحين العطاش لعيـون الشعر."

 

(2) فرادة العنـوان

أول آيـة لتميز الديوان الشعري للأستاذ أبو شيار تطالعك في عنوانـه "أوتـار النزيـف".

فقد وفق الشاعر في تركيبـه مـن رمزيـن قوييـن ومعبريـن عـن واقع حال ما يعتمل طي ضلوعـه من يأس وأمل وما يعتمل في الواقع من مآس وتطلعـات وأحلام .

الأوتـار تحيل على النغـم / والنزيـف يحيل على الألم

الأوتـار موسيقى / والنزيف جراح

الأوتـار شـدو وغنـاء / والنزيف بـوح وبكاء

الوتـر لسان العـود والقيثـار والهجهوج والكمان والمندوليـن..

الوتـر لسان الحال حين تضطرم نـار العشـق في الصدر ويطفح الوجـد بصاحبـه. ومن بيـن كل الآلات الموسيقيـة فليس أروع ولا أقـدر ولا أجـدر بالتعبير عن الأحـزان والأشجـان من الآلات الوتريـة، ومـن بين الآلات الوتريـة فليس أروع ولا أجدر ولا أقدر من العـود على حمـل رسالـة الروح لأهـل الأحـزان والأشجـان.

الشعـراء الملهمـون نادرا ما يفارق العـود حضنهم قبل كتابـة قصائدهم وبعدها، و عبد العزيـز أبو شيـار واحد من هؤلاء الملهميـن الذيـن يعزفـون وجراح أرواحهـم تنزف بالآمال والآلام فيطربـون الناس ويرقصـون الأرواح على إيقاع أحلامهم وصفاء سرائرهم . الروح الحبيس في قفص الواقع المخيب للآمال كيف يستطيع البـوح والإفصـاح عما يضنيـه ويعانيـه لولا الوتـر. ولولا العـود.؟

فتقاسيم العـود كلمات الروح أما القصائـد فهي النزيـف. إذ ليس الجسم وحده الذي ينـزف.

الروح أيضا ينـزف

الروح ينـزف حيـن ينكـوي بنـار العشـق المستحيـل

وينـزف حين يستحيـل تحقيق الأماني الغاليات..........

وينـزف مـن غدر الأيـام وصد الحبيب

وينـزف من هجـر الخلان وجحود الأوطـان

نزيـفا أحمر قـان كنزيـف الدم.

وذاك النزيـف هـو ما جعـل الشعوب تبدع الأوتـار وهـو ما جعلهـا تصنع من جسم العـود جسدا آخر للشاعـر، حيـن يئـن أو يحن أو يشكو ما بـه ويعري جراحـه للريـاح.

وديـوان "أوتـار النزيـف" عـود أوتـاره القصائـد والشـاعر عـازف ينـزف بالكلمـات.

الكلمـات دم الشـاعر، كلمـا لا مسـت أنـاملـه الأوتـار صـدح الجرح بالنشـيد.

يقـول الشاعر مـن قصيدة النـزف العـازف.

" أنـزف ونزيـفي بعـزف.

رأيـت فتاة ... تستهلك الجسـد المنهـوك بالمساحيـق

كي تحظى بالإعجـاب والتصفيـق

عبر طقوس العـرض والطلـب

وأخـرى ترصع الخصر ..

غصـن زيتـون وزعتـر

تكحـل بالبارود

تتخضب بأحمـر الدمـاء

تفتـل ضفيرتها مقلاعـا..

تزفـه للحجـر ...

أنـزف ونزيـفي يعـزف ..."

كل القصائـد في الديـوان تحمل موسيقـاهـا الخاصـة وعزفهـا الخاص.

القصائـد ألحـان تهفـو للكلمـات وتعانقهـا كمـا لـو أن الشاعـر عزفهـا قبل أن يكتبهـا أو ينزفهـا.

حقـا لقـد عزفهـا داخلـه .. لقد عزفهـا في سـره، ثم تدفق من خفق القلب نزيـف الكلمـات .. صار الدم حبـرا بين يديـه وصـار الألم العصي شعرا ينبض بالحياة وبالتمـرد وباللوعـة وبالقلق وبالعشق وبالجنـون وبالأمـل في أن تأتي أيـام أخـرى أحلى وأبهى مـن هذه الأيـام التي تكتـم على الأنفـاس وتخمـد في القلب جـذوة الحياة.

أوتـار النزيـف ديـوان أراده الشـاعـر بوحـا صريحـا وعاصـفا باللهـب المستعـر في أحشائـه وبين جوانحـه.

ديـوان من حروف مشتعلة تقاسيـمَ وترانيـمَ على خمسـة أوتـار كما هي أوتـار العـود.ولأنـه شاعـر وموسيقي أو لأنـه وسيط بامتياز بين ألـم الروح وأحـرف اللغـة فهو يحـول موسيقـاه الداخليـة إلى كلمـات مغنـاة على تقاسيم العـود.

لقـد جعل الشاعـر لكل ألم وتـرا.

خمسـة أوتـار للعـود وخمسـة أوتـار للألم ولليأس وللكبريـاء وللجرح وللحلم وللأمل.

وللعـود وتـر سادس، وتر سادس لا يستغني عنـه الشاعر ولا الموسيقي الذي يقـود يد الشاعـر إلى الكتابـة مثلمـا يقـودهـا إلى العـزف على الجراح.

• الوتـر الأول للشعـر.

• الوتـر الثاني للحبيبـة الملهمـة.

• الوتـر الثالث للذات الشاعـرة .

• الوتـر الرابع للمـوطن والوطـن.

• الوتـر الخامس للأمـة النائمـة.

أما السادس فلا يستقيـم تقسيم ولا ترانيم ولا أمل ولا أمل ولا غنـاء ولا شـدو أو بكـاء إلا بـه.

الوتـر السادس هـو الوتـر الأقصى .. وتـر القدس والوطـن المشتهى .. وتـر المنفى .. وتـر سادس لنزيـف الجرح الفلسطيني وحـده.

أو قمر سادس لليل القصيدة .

 

 

(3) أوتار النزيف

1. وتـر الشعـر:

الشعـر عنـد أبـو شيـار موقف

الشعـر رسالـة وبوصلـة.

الشعـر قـدر الشاعـر الملهم.

وهو حيـن ينـزل واديـه ، تحيـط به جنيـات عبقـر لتزفـه عريسـا للقصيـدة، فجنيـات الشعـر يحطن به لا ليلهمنه فـن القـول وإنمـا ليرهفـن السمع إليـه يتقدم سلالـة الشعراء الحقيقييـن معلنـا:

"أنـا الشعـر والشعـر أنـا

الشعـر يسكنني"

شعـر يعبـر نقاط التفتيش، شعـر يرفع الرؤوس كبريـاء وشمـوخا، شعـر يحترف الحـزن أو يمسحـه عـن العيـون .. شعـر يعبـر شمسا لظلام السجـون، هذا هو الشعـر عند أبي شيـار وهـذه وظيفتـه .. الشعر ليس ترفـا وليس بضاعـة أو تسالي يتاجر بها الشطـار والتجـار في سـوق الكلمـات، الشعـر لا يسلي و لا يلهي ولا يباع ولا يشترى .. الشعـر رسالـة الشاعـر الإنسـان لشبيهـه مـن الناس في الألم والمعاناة.الشعـر موقف من الحيـاة.

 

2. وتـر الملهمـة:

حبيبـة و ظامئة العينيـن

تضع رأسهـا على صـدر الشاعـر، وخيالهـا يسكـن جسـده.

قـد تكـون فكـرة أو صـورة أو أمـا أو لغـة أو عاصمـة أو وطنا أو ثورة.

قـد تكـون امرأة .. مـن بين أسمائهـا / الحريـة.

ظامئـة العينيـن هي الملهمـة التي تسكن جسد الشاعـر، تلهمـه قولـه وتلهب مشاعره وتلتهم قلبه .. أو تلتهمـه كلـه، فيتماهى معها.

"أنت أنـا" يقـول.

ظامئـه العينيـن تتخلق في الصورة أو الفكرة التي يريد لها الشاعر أن تكون صورتها أو فكرتـه هو عنها.

ظـامئـة العينيـن قـد تكون القصيدة فقط.

وقـد تكون سورة الغضب حين يصرخ الشاعر غاضبـا مـن هوان الأعـزة في ديارهم.

ظامئـة العينيـن تلهـم الشاعر قصـائده الجديدة .. لوقتـه الجديد إذ "يـورق العالـم في رأسـه" ويجهـر بالنشيـد.

والشاعـر لا يبخل على ملهمته بالصفات التي تحب .. فهي الزهرة بين الغصـون وهي الشعاع في الدجى وهي القيثارة وهي النـور وهي الحلـم.

الشاعـر الذي يكتب القصيـدة . ليست تلهمـه غير القصيدة.

وقصيدة الشاعر ظامئـة العينين وبها عطش لا يروى .

وهي ظامئـة القلب أيضا لكي تحب وتحب.

شاعر ويعشق القصيدة كيف لا تلهمه القصيدة؟ . و لقصيدته صفات المرأة لأن النساء أجمل القصائد على الاطلاق.

 

3. وتـر الذات الشاعـرة:

عبد العزيز أبو شيـار شاعـر "رسـولي"

يتقلب منبسطـا ومنقبضـا بين أهوال الشعـر وأحـوال القلب.

فتارة يسبقـه حلم الأطفال .. فيصير غجريـا يركب رياح الكـون كالسياحين في الأرجـاء وطليقـا كالطيـر يعيش أعمـارا بعدد القصائـد .. فهـو فراش وهو نبع سرمدي يروي العطـاش. وتـارة أخـرى يصرخ في الأنـام محذرا مـن الأمـل الزائف كالسراب، يرفض ما سيكـون، يرفض انهيار أحلامـه وأيامـه، يرفض رحلتـه الأولى، يقتل الغجري فيه، يعتبر أسفاره ضربـا من الجنـون. لكنـه في تناقضـه يبقى شاعر الأمـل البنـاء. شـاعر الإرادة والفعل، وليس تناقضـه سوى عنـوانا لتعارض الحلم والرغبـة مع الواقع المـر العنيـد.

تعارض الحلم والرغبـة في العـزة والعيش الكريم مع واقع يئد الرغبات والأحلام ..

كيف لا يناقض الشاعـر نفسـه وأمـام عينيـه تنكسـر الأحلام؟

وهل في تعبيـره عن انكسـار الأحلام لطف أم ضعف أم غضب أم عنف؟

أليس مـن واجب الشـاعر أن يكـون أحيانـا لطيفا لطيفا كطيف لكي يحس أكثر من الآخريـن فيستشرف الأحزان والأفراح الآتيـة؟ وأليس مـن حـق الشاعر أن يكـون غاضبـا .. غاضبا و قويـا لكي يسبـق واقعـه ويتقدم أهلـه إلى الواجهـة.

هذا هو الشاعـر عبد العزيـز أبو شيـار.

لطيف في غير ضعـف.

وغاضـب في غيـر عنـف.

لأن لطفـه ليس لطف الهـوان ولأن غضبـه ليس غضب العدوان ، وإنمـا لطفـه مـن رقـة إحساسـه وغضبـه مـن قـوة إرادتـه.

"شاعـر رسولي" يرفع أقدار أهلـه كصخرة سيزيف على كتفيـه ويرتفع بأقدار أمتـه مـن حـال الهـوان إلى حـال العـز ويشير بأصابع الاتهـام إلى أقـدار أوطـان تـوزع صكـوك الغفـران بالمجان على من يعلنالإذعان ..

يصرخ الشاعـر بالأمل مـرة أولى وثانيـة ويشعـل الحروف ليضيء الطريق للسالكيـن: ها هنا السؤال:

فإذا صرخ الكل مثلـه

فكيـف يكـون الحال؟

 

4. وتـر المـوطـن والوطـن:

الموطن والوطن عند الشاعر صنوان ، فذاك وطن الهوى والقلب و الأنفاس وهذا موطن التاريخ والحضارة والذاكرة ..والشاعر طائرهما المغرد معا ، يحلق فوق الموطن مطلا على رباه وقراه ويحلق فوق الوطن حاملا البشارة لربوعه أو باكيا ما حل به وحالما بإيقاظه من سبات ، يطوف الشاعر الطائر بالموطن والوطن يجمع البسمات من وجوه الكادحين ويزرع الياسمين في جسد الإنسان ، يا وطني يقول الشاعر:

"يا وطني فقـراء نحن

ونملك كل سلاح الفقراء.

الكرامـة والوقت وأحلام الآتي."

الشاعـر يؤمـن بالآتي مـن دم ومـن عرق الفقـراء .. ويؤمـن بمستقبل الوطـن، حتى وإن كان يحزنـه ويؤسيـه أن تكون كل الأحلام قد صارت من الماضي وأن تكون الكرامة مجرد ذكريات خاليات، وهو والوطنسيان، يعانيان من قيود ومن قفار وزهور ذابلات.

ما أشد حسرته .. وما أعظم يأسه وخيبته في وطن تغير من حال إلى حال.

ولا عجب أن يختـم الشاعـر ديـوانـه كما لـو أنه يغلق صفحـة الوطـن بقصيدتـه الرائعـة عـن ورطاس.

فورطاس الموطـن هو ورطـاس الوطـن.

أيتشابهـان أم يتماهيـان في ما ضيهمـا وحاضرهمـا، وكيف؟

ورطـاس بلا مستقبل والوطـن بلا ذاكـرة.

أليس ورطـاس ذاكرة لمجـد الوطـن؟.. فلم فككـت أوصالـه وفتـت أحجاره؟؟ فقط لكي ترتفع في كل الأرجاء مدن بلا ملح ولا روح وبلا طيروبلا ورد وبلا مجـد، أليس ذلك ما حـل بالوطـن؟

ألـم تفكك أوصـال ماضيه وتفتت أحجار ذاكرتـه؟..

يتحسر الشاعـر على المآل الذي لم يكـن منتظـرا وعلى الأحلام المؤودة في أسرتهـا لأن أصحـابهـا لم تكـن لهم الإرادة ليقوموا مـن أسـرة النـوم واكتفـوا بالأحلام.

الأحلام وحـدها لا تكفي لحمايـة الموطـن والوطـن.

 

5. وتـر الأمــة:

والأمـة هي بيت القصيـد في الديـوان، بل هي "صدر" كل بيت و"عجزه" خاصـة بعد أن صار صـدر الأمـة "ظهرا" يمتطيـه الأعـداء والأغـراب والتافهـون والزمـارون والطبالـون والراقصـون على الحبـال.

وصار عجز كل بيت في قصائدهـا وخطبهـا العصماء عن مجدها التليد العنوان الأبرز لعجزها وذلها وصغارها في عصر لا يقبل بغير الصدر أو القبر، وينبذ العجز والضعف والجهل والوهن.

الشاعر في حقيقة الأمـر لسـان حـال الأمـة، يعتصـر الألم قلبـه على واقع هوانهـا على أبنائها وتنزف روحـه تحسرا على مآلها بين أمم الأرض التي تقدمت أو قامت من كبوتها لتلحق الركب وتصطف إلى جانبصنـواتها في المقدمـة مـن مضمار السباق نحو الرقي والعيش الكريم ..

يصف الشاعر ضعف الأمة وتكالب أعدائها على نهش جثتها و لحس قصعتهـا

فهذه الصهيونـة مكشرة على الأنياب ، وهذا الغرب بنى لأهلـه معابد لآلهة الحب وأشهـر على بلـدان العرب ( العراق) راية وأسلحـة الحرب.

هولاكو جديد تدك سنابك خيل حديـده جنان المدنية وتقتلع أشجـارهـا وأزهـارها مخلفـة وراءها غبـار الخراب والدمار. لا يهمهـا مسـن أو طفـل أو امرأة أو زنبقـة، بل عينها على الثروات التي تحرك عجلـة اقتصادهـا وتضمـن الرفـاه لأبنائهـا.

وهذه الأمـة .. أمـة الشاعـر غارقـة في الوهـن بفعـل قرع الكؤوس وشرب الأنخاب وضرب الطبـول، ترقص على إيقـاع الخـوف والجـوع، أقطـارهـا رقع وهي بين الخلق مهزلـة تضحك مـن نومهـا ومـن حمقهـا الأمم.

و ليكـن: .. فالشاعـر لا يقبل بالهزيمـة.

أنه يعرف الداء ويعرف الدواء.

ومثلمـا يديـن الأعداء والخصـوم ويصف ما عليـه الأمـة مـن ركون للغرب و إذعان لظلمـه وطغيانـه فإنـه يصدر في المقابـل بيـان نهضـة الأمـة وتقدمهـا .. فهي ليست كما يوهمهـا أعداؤهـا، وليست كما يعتقـدأبناؤهـا: أمـة ميتـة .. بل إنهـا لا تزال تحضن جذوة الحياة .. وتلك الجذوة هي ما يسعى الشاعر لتأجيجـه فينفخ فيها شيئا مـن روحـه ومـن عـزة نفسـه لتهـب واقفـة في وجـه العدوان و الطغيـان وتستعيـد ماضيهـاومجدهـا.

فيقـول باسم هذه الأمـة التي لـن تمـوت .. وليس الهـوان والذل في عمرهـا إلا مرحلـة لـن تـلبث أن تتجاوزهـا إن هي أخذت بأسباب النهـوض.

يقـول الشاعـر:

لكننـا رغـم هـذا الليـل نعلنهـا * ولير الأعمى وليسمع من به صمم

إن طال ليل الأسى واشتدت ظلمته * وأرق الأمـة المكلومـة الظلــم

فالصبح يأتي هنا والشمس طالعـة * عما قريب وليـل الظلـم منصرم

هذي دمـاء طيـور بالحق تنتفض * ترمي العـدا شرارا كأنـه الحمم

في قصيدة "دمع الحروف" التي اقتطفنا منهـا المقطع السابق نجـد الرؤيـا الفكريـة والسياسيـة واضحـة ونجـد العبارة اللغويـة قويـة كما نجـد البنـاء الشعري متماسكـا، وبهذا الوضـوح والقـوة والتماسك نفسـه يقدم الشاعر البيان المقترح لنهضـة الأمـة قائلا:

"من كـان يفخر أن جرج قدوتـه وأن قبلتـه عجـل أو صنــم

فنحـن قدوتنا بالوحي شاهــدة قوامها السنـة الغـراء والقلـم

بالعلم نرسم للأكـوان خارطـة حدودها العز والتمكين والقيم

بنهضـة ألبس العرفـان فتيتهـا ثوب الشجاعة لا جبن ولا هرم

درب المعارف فرض في عقيدتنا والله ناصرنا منه العون يستلـم"

التشبت إذا بالهويـة، التشبت بالوحي والسنـة والعلم والأخلاق والقيم والشجاعـة في مواجهـة الصعـاب وعدم الجبن أمـام معضلات العصـر تلك هي الطريق السالكـة إلى النهضـة والتقدم في نظـر الشاعـر المهمـوم بأمـر أمتـه والملتزم يقضاياها .

وعلى غرار هذا النهج ينحو في بقيـة القصائـد التي تنزف أسى وحسرة وتعزف على أوتار الأمل في غـد أفضـل.

 

6. وتـر الأفصـى:

التقسيم على أوتـار النزيـف لا يستقيم إن لم يلمس الشاعر العازف وتـر الأقصى.

فالأقصى يقيم في كل القصائد ، وترنيمتـه تصاحب كل التقاسيـم.

الأقصى في وادي الشعـر، شعـر.

وفي العيـون الظامئـة، حبيبـة ملهمـة.

وفي الذات الشاعرة الأقصى هو الإرادة .

وفي الوطـن هو ورطاس وواد كيس وقريـة نمريس

ومن الأمة الأقصى هو القلب والروح

الأقصى وتر فريد

الأقصى قلب الشاعـر وروحـه

الأقصى مقلاع وحجر

الأقصى أطفـال

الأقصى زيتـون وزعتـر .

يقـول الشاعر محدثا عـن نفسـه في أقصى عزلتهـا.

"فإذا اشتد بـه الوجـد

أدخلتـه الانتفاضـة محرابها

فيستحيل كتلـة لاهبـة"

الأقصى وليـد ينـام:

"على الصدر الحنـون"

"الأقصى دمـوع الثكالـى...

وأنيـن الأسارى في غياهب السجـون"

ولعل الأقصى في النهايـة هو الملهمـة الحقيقيـة للشاعـر ولعنـوان الديـوان، وهو الكلمات المغناة على تقاسيـم الأوتار، لعل الأقصى هـو الجرح النازف مـن صدر الشاعـر الثائـر ... جرح الأقصى قديـم ... وموجع ومؤلم قـدم المأساة وقـدم ألمهـا وأوجاعهـا.

يقـول الشاعـر:

ستون عاما من النكبات موجعـة ... والأرض نرويها بدمـاء ثـوار

لا تحسبوا أنـا ننسى جرائمكـم ... في الصدر تنفجر غضبا كإعصار

 

(4) الذاكـرة الشعريـة للديـوان

وبعد: فقـد رأينا آيـة التميز الأولى لديـوان الشاعـر أبو شيـار في العنـوان.

ثم رأينا آيـة التميز الثانيـة في الأوتار / القصائـد التي نزفت بجراحـه.

وبقيت آيـة ثالثـة مـن آيات تفرد وتميـز هذا الديـوان وتلك هي ذاكرتـه الشعريـة الشيقـة الرقراقـة والتي تمتح مـن معيـن الشعـر السلسبيل الذي ارتوت منـه سلالـة الشعراء الحقيقييـن.

والديـوان يشي بأن صاحبـه ليس شاعرا نرجسيـا أو شاعرا منكفئـا على نفسـه يمجد ذاتـه ويلعق جراحـه الخاصـة ويجتر همومـه الشخصيـة، بل هو شاعر ملتزم بقضايا وطنـه وأمتـه بقدر مـا هـو شـاعر منفتح على كل التجارب وجواب لكل الآفاق، إنـه شاعـر يتفاعل مع هموم الأمـة كما يتفاعل مع ذاكرتها الشعريـة، فيحاور أصوات وطبقـات وأنمـاط شعريـة منهـا القديـم والحديث ومنها المقيـد والمنثور، ولكنـه في النهايـة لا يكتب إلا تجربتـه الخاصـة والمتفردة.

والحقيقـة أن الذاكرة الشعريـة للديـوان عريضـة وفسيحـة يجوبها الملهمـون المنفيـون عـن الأنـام وعـن الأوطـان في القصائـد وفي القصائـد وحدهـا.

الديـوان يعبره الشعر الحقيقي لشعراء الحقيقـة ، وتجوبه الخطى العابرة للزمـن ويجوبـه ضياء الحروف الخالدة.

فهاهنا لمحـة مـن حكمـة جـبران أو غضبة الشابي أو أنـة مطـران وها هناك آهـة مـن أنفاس المعتمـد أو زفـرة مـن كبريـاء المتنبي ومن تلك الكلمـة ها هناك يمر خيـط الضوء الشارد لمعنى جديد ورهيف كيأس درويش أو يمشي حادي الشعر وراء قوافي البدو التائهين في صحراء المعلقات .

المنفيـون في غربـة القصائـد لم تخنهـم قصائـد الديـوان وإنمـا أحسنـت وفادتهـم ولم تتنكـر لهم ذاكـرتـه بل حفظت أسماءهم وشمس كلمـاتهم كمـا حفظت لهم قمـرا من الود الذي يحفظـه كل شاعر أصيل لأهلـهوأحبابـه وشركائـه في الحلم والأمل.

فذاكرة الشعر مشتركـة كالحقيقـة. وهي أيضا سخيـة وفيـة معطاء، فقصائـد هنـا تعارض القصائـد وقصائـد هناك تعانق الأغاني وكلمـات تنثني في دلال أمام اللحن الشجي وأخرى تنحني للبهجـة في صوت المغني، مما يجعل من قراءة الديـوان متعـة حقيقيـة باعتباره ديوانا مضاعفـا ومتعدد الأصـوات، ديـوان حـوار وتفاعل مع الذاكـرة الشعريـة للأمـة. وقصائده المركبـة مـن أصوات متنوعـة ومتناغمـة ترغمـك على الانحنـاء تقديرا لشاعـر يستطيع أن يودع في شعره الأسرار المتفردة لحقـب شعريـة متباعدة وكأنهـا محايثـة لبعضهـا، وذلك أمـر لا يستطيعـه إلا شاعر أسلست القصيدة قيـادهـا لقلمـه، مثلمـا أسلست الأوتـار قيـادهـالأناملـه./.

 

مظفر النواب: (6) ملاعبة المثكل الخلّاقة

husan sarmakلمظفر النواب سمة أسلوبية أخرى في شعره هي (التكثير). وإذا توغلنا عميقا للإمساك بجذر دافع التكثير في الفن خاصة وفي الحياة الإنسانية عامة (حتى الكثرة في الإنجاب) فسنجد أنه ميل دفاعي لتوفير الشعور بالمنعة ضد الفناء وبعدم قابلية الذات على الإنجراح أمام الموت (ألهذا يكون عدد مواليد الشعوب المقهورة كبيرا رغم ضائقتها الاقتصادية؟)، يعبر عن ذلك التساؤل المستنكر والتعجبي في (حجام البريس): (ويگولولك احنه نموت!) . والشاعر صار شاعرا أصلا بفعل عوامل عديدة من أهمها محاولة السيطرة على قلق الموت - death anxiety وتطويعه . شيئان لا يستطيع الإنسان التحديق فيهما مباشرة: الشمس والموت كما يقول أحد الفلاسفة . والشعر محاولة في التحديق المباشر في عيني الموت الجاحظتين المخيفتين - عدنا إلى موضوعة العين - . والإنسان يعرف " من حيث لا يعرف " ومنذ الأزل أنه لكي يواجه محنة الفناء الماحق المستعصية عليه أن يخلق امتداداته الخلودية التي تشعره بالمنعة من خلال مجموعة منافذ:

- المنفذ الأخروي اللاهوتي ويتضمن الرموز الدينية وتصور العيش بعد الموت في حياة أخرى .

- البايولوجي من خلال الإنجاب ووجود الأبناء والأحفاد .

- التحصيني البدني (الإجرائي) من خلال الصحة التي كان يضمنها السحر سابقا وعلم الطب حاضرا .

- والخَلْقي - الإبداعي من خلال الفن والأدب .

وفي المجال الأخير، مجال الخلق والإبداع، يقول معلم فيينا في كتابه (أفكار لأزمنة الحرب والموت): (إن الحياة تُفقر وتفقد أهميتها حينما لا يتعرض للخطر أغلى ما في لعبة العيش نفسها من قيمة وهو الحياة نفسها . إنها تصبح مسطحة . إن روابطنا الوجدانية وشدة حزننا غير المحتملة تجعلنا لا نميل إلى جلب الخطر لأنفسنا ولأولئك الذين ينتمون إلينا . إننا لا نجرؤ على أن نفكر في القيام بأشياء كثيرة للغاية تكون خطرة ولكنها مما لا غنى عنه . ويشلنا التفكير في من سيحل محل الابن لدى الأم والزوج لدى الزوجة والأب لدى الأبناء إذا ما وقعت الكارثة . ويجر استبعادنا الموت من حساباتنا في أعقابه عددا من الاستنكارات والاستثناءات . ونتيجة حتمية لهذا كله يتعين علينا أن نبحث في عالم الرواية (والشعر)، في عالم الأدب بشكل عام، وعالم المسرح عن تعويض لإفقار الحياة وتسطحها، فهناك لا نزال نجد أناسا يعرفون كيف يموتون، بل هم في الحقيقة قادرون على قتل آخر . وهناك فقط يمكننا أن نستمتع بالظرف الذي يجعل في إمكاننا أن نروض أنفسنا على الموت – أي أننا، خلف كل تقلبات الحياة نحتفظ بوجودنا دون أن يمحقه شيء . ذلك أنه من المحزن للغاية أن يكون الأمر في الحياة كما في لعبة الشطرنج، حيث يمكن أن تؤدي حركة خاطئة واحدة إلى خسارتنا المباراة، ولكن مع اختلاف هو أننا لا يمكننا أن ندخل مباراة ثانية في الحياة، فلا مباراة إعادة ولا تعادل، أما في مجال الأسطورة والرواية (والشعر) فإننا نكتشف ذلك التعدد في الحياة الذي نتوق إليه . إننا نموت في شخص بطل معين، ومع ذلك فإننا نعيش بعده، ونحن مستعدون لأن نموت مرة أخرى مع البطل التاريخي بالقدر نفسه من الأمان) . وهذا ما يوفره النواب لنفسه ولأنفسنا من بعده عبر مناوراته الشعرية الخلودية . لقد قُتل حچام بإطلاقة (لقيطة): (وزخّت بصدره

لگيطه من التفگ

- ويلاه

- يا ويلاه يابن أمي عداك الموت ........) ولو دققنا في مفردة (لگيطة)، هذا الوصف الذي ألصقه الشاعر بالرصاصة القاتلة فإننا سنعود إلى الفعل (لگطها) الذي وصف به الشاعر الكيفية المباغتة التي لقف بها حچام بندقيته لمواجهة الشرطة والحوشية الذين حاصروه فجأة: (فزّت گبله البرنو لگطها ابساع: يلوحدچ شريفه وبيّت الضيم بزمرها)

إن النزوع الحركي (الدينامي) في شعر النواب جعل لغة النواب حركية (دينامية) أيضا . وفي هذه القصيدة تحديدا التي تنتهي بفعل " نموت " مثلما بدأت بفعل وبدخول مباشر وفوري: أواكح، ويخلو من المقدمات التمهيدية يهيمن (الفعل) بصورة شديدة عدديا وصوريا . وكلها أفعال حركة وصراع وإقدام وتوتر واحتدام . حتى الصفة والكثير من الأسماء انتقاها الشاعر لتعزّز السمة الحركية الصراعية في القصيدة . ولهذا السبب ولأن المطلوب استجابة في غاية السرعة من قبل حچام ليواجه الموت، فإن الفعل (لگطها) يجب أن تتلوه أفعال أشد منه دلالة في تصوير الانطلاقة العزوم ليضمن تصاعد التوتر الدرامي وبخلافه فإن المنحنى الاستثاري يهبط ويضمحل . لكن هناك عاملا لا يقل أهمية ويتمثل في تطابق الرسم الشكلي الحروفي لهيكل الكلمة مع صورة الفعل المقصود . ورد في القرآن الكريم (باسم الله مجراها - مجريها ومرساها – مرسيها) مرسومة بالياء بدلا من الألف حيث يتطابق رسم الفعل مع انسيابية الحركة الكاملة في الفعل الأول والانسيابية الموقعية المعطلة، إذا جاز القول، في الفعل الثاني . تتصعد في الذهن وأمام التصور البصري " أفقية " الفعل . ومثل ذلك يمكننا قوله عن الفعل "لگطها" الذي يتسق مع الزخم الاندفاعي المباغت من ناحية ومع "عمودية " الحركة من ناحية أخرى، في حين أن مفردة " لگيطة " المعبرة عن الرصاصة التي " زخت " موتها على صدر حچام تنطبق في إيحاءات صورتها الشكلية المتخيلة وجرس حروفها – حركة الكسرة تحت حرفي اللام والگاف التي يضعف وقعها وهي تنسرب مع حركة الياء مع " أفقية " فعل " غيمة " تزخ الموت في صدر الشهيد . أشعر وكأن مظفرا استخدم هذا الفعل " زخ " دون غيره من الأفعال الكثيرة: " مزّگت صدره " أو " شگگت صدره " الأكثر حدة في التعبير عن التمزيق والتحطيم والتقتيل والتقطيع الذي يميت حچام ويهشم أوصاله هو " رؤياه " الفلسفية " الإنبعاثية المقاومة للموت والعصية على الفناء والتي حكمت وشكّلت رؤيته الفنية . والرؤية تتبع الرؤيا . لذلك اختار الشاعر فعلا " مائيا " هو زخ منقولا عن فعل المطر بعد أن قام بتأنيثه و" تصغيره " من خلال إلحاقه بالفاعل المؤنث " لگيطة " . وقد منح الصورة الكلية دلالات " باطنية " عن طريق كون الفاعلة قد زخّت موتها في صدره .. وكأن المفعول به هو الذي يحتوي فعل الفاعل ويحنو عليه، الفاعل الذي هو بندقية لقيطة من بين البنادق المهاجمة، وبهذا الوصف مسخها الشاعر أخلاقيا بصورة تامة فهي نتاج سفاح غير معروفة الأب ومغيبة الأصل في حين وصف بندقيته التي " التقطها " قبل قليل بأنها وحدها الشريفة: (يالوحدچ شريفة) وبذلك تكون مؤصلة يعتد بأصلها الكريم . كما أن الشاعر مدفوعا برؤياه الإنبعاثية قد " تآمر " على ضربة الفناء النهائية وغطّاها باحتدامات النزوع الحياتي المقاوم للبطل التي جاءت متصاعدة واعدة ومتوعدة: (- لا يرتاع گلبچ

... آنه عد عيناچ

يا اخت الحزب والثوار

والطيبين

ساعة والتفگ والليل والحوبات، متغاوين

- يا حچام ..

إخذ حوبتنه يا حمرين – لاحظ تقابل أو استيلاد حوبتنه من الحوبات -

ساعة والمراجل إلها ساعة ..) صعّد الشاعر توقعاتنا مع احتدام الوعد والتوعد والوعيد من جانب حچام وشقيقته اسعيده حتى صرنا متوفزين معنويا ومستعدين لانطلاقة الهجوم التي أجهضها فعل عرضي . وضع مظفر الإنكسار في صيغة عرضية هادئة لا تعبر أبدا عن أن هذا الفعل هو فعل موت، فقد جاء هذا الفعل بعد أن اقتربنا من ذروة التحفز الهجومي " ساعة والمراجل إلها ساعة " ومرتبطا به بواو العطف وكأن الفعل " وزخت " والصورة " وزخّت بصدره " هي حلقة الانطلاق المرتبطة بسلسلة الاستعداد اللاهث للبطل . وحين يظهر أن الحركة الإجهاضية " لگيطة من التفگ " التي تعقبها صيحة التفجّع التي تطلقها اسعيده المثكولة يكون شعورنا بها بأقل قدر من الانفعال حيث يضيّعها السياق الكلي أو الصورة الكلية التي ينثني زخمها المتأجج قليلا، لكنه لا يركد ولا ينطفي فتتحول " ويلاه " التفجع: " يا ويلاه يابن أمي عداك الموت " إلى مديح صارخ: " يا واگف وكح طرگ الجلد والطين " ثم إلى تساؤلات مديح مستنكرة: " شگولن للتفگ لو ناشدن عنك؟ .. شگلهن؟.. شاعتذر؟ .." تليها وقفة وعد وعزيمة يطلبها البطل وتكون ضمانتها أن تقسم شقيقته بزمر البنادق: " – سعده .. وغمض عينه اعله صبر سنين .. احلفيلي بزمرهن .. عگبي - جدام العدو – تشيلين راسچ بيه وتحلفين " ولاحظ المقابلة بين: "احلفيلي بزمرهن" و".. بيه وتحلفين" .. يعقب وقفة القسم المقدس على الثبات استنكار الشقيقة لاحتمالية موت شقيقها البطل الذي ستبقى عيناه مفتّحتين - وليستا مفتوحتين لتوظيف سعة وغرضية الفارق بين مفعّل ومفعول – حتى بعد موته، إلى أن تختتم المواجهة الكاملة بنهوض حچام الشهيد وانبعاثه، وبذلك تكون الصورة الكلّية – gestalt على الشكل التسلسلي الآتي: (- لا يرتاع گلبچ .. آنه عد عيناچ .. يا اخت الحزب والثوار والطيبين .. ساعة والتفگ والليل والحوبات، متغاوين ... – يا حچام اخذ حوبتنه يا حمرين ... ساعه والمراجل إلها ساعه .. وزخّت بصدره .. لگيطة من التفگ .. - ويلاه .. – يا ويلاه يابن امّي .. عداك الموت ... يا واگف وكح طرگ الجلد والطين .. شگولن للتفگ لو ناشدن عنك؟ شگلهن؟ .. شاعتذر؟ .. – سعده .. وغمض عينه اعله صبر سنين .. احلفيلي بزمرهن .. عگبي – جدام العدو – تشيلين راسچ بيّه وتحلفين .. – انت تموت؟؟ .. يا ابن امي تظل عيونك مفتحات حته لو خذاك الموت .. خزرها وگام گومة حزب للكلفات .. يخسه اللي يگلك عن شعبنه يموت .. ساعة وتضحك الرايات ..) وعند مراجعة تفصيلات هذا المشهد المحتدم بتمعن تأملي عميق وتحليلي سنجد أن الشاعر قد "حشك " – دسّ ضربة الموت التي جاءت أشبه بوخزة وسط تلاحق الحركات المعبرة عن صلابة إرادة الحياة (هذا لا ينفي اعتمال قلق الموت والسيطرة عليه من خلال آلية التكوين الضدي – reaction formation)، كما أنه لم يُبق لتلك الوخزة دورا يذكر بعد أن أعاد بطله - ميّته إلى ساحة العمل الإرادي، يخزر مؤنبا ويقف بشموخ حزب وثباته . ووفق هذا التصميم استخدم الشاعر الفعل (نبگ) الذي تتخلف عنه حتى الأفعال انبثق، انطلق، وغيرها في الفصحى في تجسيد سرعة الحركة وطبيعتها المفاجئة كتعبير عن شدة الحركة الحية الدفاعية . لكن السمة المهمة التي يتصف بها الإبداع النوابي في هذا المجال – مجال مواجهة الموت، هو أنه الشاعر العراقي العامّي الوحيد الذي احتفظ بنبرته التفاؤلية في تعامله مع الحياة وهو يواجه الموت ليس كشعور بأنه المآل النهائي المرسوم بتعسف حسب، بل في مواجهته اليومية في السجون والمعتقلات وفي تجربة النضال المسلح والتي جسدها شعرا في قصائد تسلّحت بها قطاعات واسعة من الشعب العراقي – جماهير ومناضلين وقادة، والغريب أناس سياسيين من غير الشيوعيين، والأكثر إثارة للغرابة والعجب أن بعضهم من تنظيمات سياسية مناهضة للتيار الشيوعي بل معادية له، وأشار الناقد " فوزي كريم " إلى أنه حتى المسؤولين الأمنيين يقرأون قصائد النواب في معرض: " تفكيكه " لحداثة ثياب الامبراطور في إشارة إلى أن الحداثة أفقدت الأدب دوره المربك للسلطات القامعة، لكني أجد ذلك مصدر قوة للمنجز النوابي الذي جاء كما قلت حداثويا وشعبيا - . إن تجربة " ما بعد الموت " التي مرّ بها الشاعر في أثناء إقامته في " عدن " كمنفي سياسي، وهي من التجارب النادرة جدا في الطب عالميا والتي تصنّف عادة ضمن الظواهر الخارقة " الباراسيكولوجية " أو " الخارقية " حسب المصطلح الموفق الذي اجترحه الراحل الدكتور " علي الوردي " - وهي تجربة مستحيلة ضمن معطيات الادراك البشري المحدودة التي لا تستطيع تفسيرها في الوقت الراهن - يمكن النظر إليها كتجربة حلمية امتدت في احشائها بقايا التجربة النهارية المدمّرة التي عاشها بعد موت صديقه في بيته، بيت مظفر، وتحميل الشاعر نفسه مسؤولية هذا الموت، والشعور بالذنب الرهيب الذي تأسس على ذلك والذي تجسد في حالة الإكتئاب الحادة والحزن الشديد المتواصل - هي في الجوهر المشترك لكل الاحتمالات (عملية شعرية نفسية دفاعية) ضد الموت انفقدت حيثياتها التفسيرية الفيزيولوجية . لم يحزن النواب مثل هذا الحزن من قبل أبدا . كانت لحظة انبثق فيها كل حزنه المقموع .. منذ طفولته . منذ شبابه المقاوم .. منذ انكسارات مشروعه السياسي .. والأهم منذ فجر تاريخ شعبه .. في هذه الحالة يبدو أن موت هذا الإنسان العزيز مثّل خلعا في أناه الشخصي بعد أن استدخل الشاعر - introjection الشخص الذي رحل ضمن تركيب ذاته اللاشعوري، وهي الحالة نفسها التي هزت أركان وجود جلجامش عندما توفي خله وصاحبه " أنكيدو " وهو الذي لم يفكر في الموت يوما ما ويمارس القتل في الحروب ببساطة، أي أنه يرى الموت والجثث يوميا، فما الذي أرعبه في موت أنكيدو؟ . عند موت محبوب استدخلناه في ذواتنا، في هذه الحالة فقط تهتز قواعد اللاشعور الذي " يشعر" دائما أنه عصي على الفناء فنحس بأن كياننا هش وبأننا قابلين للإنجراح بمخالب المثكل . قال معلم فيينا في كتابه السابق نفسه " أفكار لأزمنة الحرب والموت ": " أن الإنسان منذ القدم اتخذ موقفا متميزا للغاية إزاء الموت . فهو من ناحية كان يأخذ الموت مأخذ الجد ويدركه باعتباره ختام للحياة وكان يستخدمه لهذه الغاية ومن ناحية أخرى فإنه كان ينكر الموت ويرده إلى العدم . وقد نشأ هذا التناقض عن أن الظرف الذي جعله يتخذ موقفا تجاه موت إنسان آخر، أي موت إنسان غريب، يختلف اختلافا جذريا عن موقفه إزاء موته هو نفسه . لم يكن لديه اعتراض على موت الإنسان الآخر: فقد كان يعني فناء مخلوق مكروه، ولم يكن لديه أي تردد في إحداث هذا الموت . فقد كان - في الحقيقة - كائنا بالغ العنف، أشد قسوة وأكثر إيذاء من الحيوانات الأخرى . كان يجب أن يقتل، وقد كان يقتل بطبيعة الحال ولا حاجة بنا لأن ننسب إليه تلك الغريزة التي يقال أنها تكبح جماح الحيوانات الأخرى عن قتل وافتراس الحيوانات من نوعها . لقد كان موت الإنسان القديم بالنسبة إليه أمر لا يمكن تخيله وغير حقيقي تماما كما هو بالنسبة لأي منا اليوم " . نحن هنا في قلب موضوعة إنكار الموت – DENIAL التي هي آلية دفاعية نفسية معروفة . " ولكن - والحديث لمعلم فيينا - كانت هناك بالنسبة إليه - أي إلى الإنسان - حالة يتصارع فيها الموقفان المتعارضان تجاه الموت، وكانت هذه الحالة بالغة الخطورة وتسفر عن نتائج بعيدة الأثر، وكانت تحدث حينما يرى الإنسان البدائي شخصا يمت إليه بصلة - زوجته، إبنه، صديقه - وهم الذين كان يحبهم بالتأكيد كما نحب نحن ذوينا . ذلك أن الحب لا يمكن أن يكون أصغر كثيرا من الشهوة إلى القتل . عندئذ فإنه - في لحظات ألمه - كان يتعين عليه أن يتعلم أن المرء نفسه يمكن أن يموت، وهو اعتراف كان كيانه كله يتمرد عليه، ذلك أن كل واحد من أولئك الأحباء إليه كان - بكل صدق - جزءا من (أناه) المحبوب . ولكن حتى رغم هذا فإن حوادث الموت هذه - من ناحية أخرى - كانت لها مصداقية بالنسبة إليه، حيث أن شيئا ما من الغريب المعادي كان يقيم داخل كل من هؤلاء الأشخاص الأحياء . ومن المؤكد أنه كانت لقانون التناقض الوجداني - AMBIVALENCE" للشعور الذي يحكم إلى يومنا هذا علاقاتنا العاطفية مع أولئك الذين نكن لهم أشد الحب - مشروعية أوسع نطاقا بكثير في الحقب القديمة . هكذا فإن أولئك الموتى الأحباء كانوا أيضا أعداء وغرباء يثيرون في الإنسان القديم قدرا من الإحساس العدواني " . هنا يأتي الالتفاف الخلودي الإبداعي لمظفر النواب الذي سنستوعبه بصورة أكبر بعد مداخلة معلم فيينا هذه التي اقتطعناها . لكن من النادر أن تجد نصا للنواب تنكسر فيه إرادته أمام هجمة الموت بصورة نهائية، قد يتراجع أمام هذه الهجمة الماحقة لكنه لا يندحر على طريقة همنغواي (أن الإنسان قد يتحطم، لكنه لا يُهزم) - وستكون لنا وقفة تفصيلية في هذا المجال - لكننا نراجعها هنا ضمن إطار السمات العامة للثورة النوابية .

تتبع الأثر وملامح المكان في: "ذاكـرة الزمـن" للقاص رمـزي حسن

jasim alayffبعد مجموعته القصصية الأولى "فراشة على غصن ميت" 2007. صدر للقاص رمزي حسن" ذاكرة الزمن"*. قسمت المجموعة على قسمين: الأول (قصص) والثاني (نصوص). عن تقسيمه هذا، ذكر القاص رمزي في حوار معه: "أردت أن أجمع بين اشتغالين مختلفين في بنيتهما، لكنهما يشتركان في السرد"، الذي يعده: هماً إنسانيا كبيراً لا يستطيع الابتعاد عنه. القاص"رمزي حسن" عمل على الاستفادة من طرفين هما، الذاكرة والزمن وقد اشتغل عليهما وزاوج بينهما في مجموعته. الذاكرة هي ذاكرته الشخصية، وكذلك الزمن فهو زمنه وحده، ذلك الزمن الذي عاشه وشهد أحداثه، وحاول، هنا، أن ينفض عنه غبار النسيان لإنقاذه من الضياع. وأكد في الحوار :" إذا كنت انشغلت بالكتابة عن الزمن، في هذه المجموعة، فلأن الزمان كان يشكل لي، ولا يزال، لغزاً عظيماً، وأظنه كذلك بالنسبة إلى الآخرين.إن وجودنا، تعاستنا وأفراحنا، وكل ما اختزناه من صور ومواقف ينبغي تحويلها إلى أثر، لأن الكتابة هي، في نهاية الأمر، وثيقة اتهام وشهادة تبرئة". ويضيف:"لست ممن يؤمنون بالحدود بين الأجناس الأدبية، لقناعتي بأن التنافذ بين الأجناس هو انعكاس لوحدة الوجود، فلا شيء اليوم سوى الكتابة كما قال (لوكليزيو و بارت). الكتابة هي العنوان العام لكل النصوص النثرية، لذا لجأت إلى إطلاق اسم (قصص ونصوص) على مجموعتي القصصية هذه كونها تنطوي، في تقديري، على شكل جديد، وتفترض رؤية مغايرة في الكتابة القصصية، قياساً إلى قصصي السابقة التي امتازت بالجملة الطويلة والحدث الخطي والبناء الكلاسيكي". ضم القسم الأول من "ذاكرة الزمن" (21 ) قصة، ولا يمكن تجنيسها جميعاً ضمن القصص القصيرة، فمن خلال فحصها نجد أن بعضها من ناحية الحجم والتوجه السردي، تتميز بالتكثيف والاختزال إضافة لمحدودية زمنها الفني بالاقتران مع محدودية ثيماتها، وهذا ما يجعل بعض قصص المجموعة تقع في دائرة (القصة القصيرة جداً) كونها تبتعد عن البناء المحدد بحثياً لجنس (القصة القصيرة). متجاوزاً، رمزي حسن، فيها البنى المشكلة للقصة القصيرة، وفي الأهم تجليات السرد. فالسرد له أساليب عدّة، تكون لدى السارد بما يشبه الأدوات بين يديه، والسارد يعمد في اختياراته الأداة والمنحى الذي يناسب ما يطمح لإظهار توجهاته وما يشعر به ويسعى لتقديمه، مستثمراً ما يراه مناسباً من تقنيات سردية فنية. فـالسرد هو من الأساليب المتّبعة في القصص والروايات وكذلك المسرحيات و اليوميات والمذكرات وهو ينسجم مع طبع الكثير من الكتّاب وأفكارهم وذلك لمرونته وكشف مقدرة الكاتب وتوجهاته الفكرية وقدراته الفنية، و يعد أداة للتعبير، ويقوم الكاتب بواسطته بترجمة الأفعال وردودها والسلوكيات والأماكن، بأسلوبه الخاص، وعلى وفق إمكانياته الشخصية وتوجهاته الفنية والفكرية و الاجتماعية، وبذلك يكون الكاتب قد قام بتحويل المحكي وترتيب الأحداث في نصه مع الانسجام أو عدمه، بين توجهاته وأفكاره، عبر اللغة التي تطرح تلك المعاني. وفي السرد الفني تنعدم الحاجة لتقديم المواعظ والحِكم ، وذلك لأن السرد يظهر كل ما هو ممكن، وإن حصل ما هو عكس ذلك فهو زيادة وحشو يضعفانه ويؤثران سلباً في بنية المسرود و ينشأ من هنا الضعف في تركيبته. وللسرد صيغ متنوعة فيمكن أن يروى شفهياً أو كتابة أو حواراً أو أن يكون عن طريق الصور والإيماءات، وقد يقع أيضاً بصيغ فنية مبتكرة يلجأ إليها القاص عندما تقتضي إليه الحاجة فنياً، وحسب (رولان بارت) فـ:السرود لا حصر أو عدَ لها. بشأن (السرد وتقنياته)، يمكن العودة إلى عدد لا يُحصى من المصادر العربية والأجنبية المترجمة، وشبكة الانترنت العالمية. القسم الأول من مجموعة "ذاكرة الزمن" يهيمن عليه (الرواي) الوحيد الذي يطرح كل ما يراه ويشعر به ذاتياً.ففي قصة (شيء ما) والتي تتميز بالاقتصاد في السرد وكثافة الحوار، بين الابن والأم واعتراف الابن ارتكابه كثير من (الخطايا)،من وجهة نظر الأم، التي تترك ابنها دون مساعدة أو معالجة، جراء ما حل به نتيجة تلك الأفعال:

"- ما بك يا ولد ؟.هتفت أمي وقد سحبت إصبعها.

- كيف استطاع هذا الشيء أن يندس في أحشائك!؟. هل اقترفت خطيئة ما؟.

- خطايا يا أمي !؟

.....................

.....................

حاولت أمي مرة أخرى، وطفقت تسحب مجدداً،سحبت قدراً كبيراً من تلك القذارة، خيوط من دم اسود، كانت تندلق معها أحشائي". ثم تتوقف الأم مقررة:" يجدر بك أن تفعل ذلك وحدك..قالت ذلك وانسّلت عبر الباب كالشبح"(ص 10-11 ). وهو موقف وعقاب تمارسه الأم تجاه ولدها ويقع خارج التوجهات الطبيعية لحنان الأم التي لا يمكن أن تفرط بحياة ابنها في الواقع المعيش، وأراد منه الراوي/القاص/ أن يضع، أحياناً، أسمى التوجهات والعلاقات الإنسانية في منطقة نائية حتى عن حدود المألوف و الطبيعة البشرية. أما قصة"الكلمة التي طال انتظارها" والتي تعالج برودة الحياة الزوجية بعد زمن طويل في حياة معتادة رتيبة وانعدام العاطفة والتفاهم المشترك بين الزوج والزوجة، تنتهي بانتحار الزوج، لكن الزوجة تكتشف ما لم تعرفه أو يعبر عنه الزوج عندما: " وجدته منكفئاً على مكتبه،فيما تجمد خيط من الدم في زاوية فمه،والتصق بورقة فيها بضع كلمات" و تقرأ ما كتبه الزوج في الورقة والتي يعبر فيها عن حبه لها مؤكداً، بعد فوات الأوان:"لأنني ضيعتكِ، كلانا خسرنا. لأنني لم أجد امرأة تحبني، مثلما أحببتني أنتِ،لأنكِ لم تجدي رجلاً يحبك، مثلما أحببتك!"(ص 13 ). وهذا إشارة واضحة لانعدام التفاهم والانسجام في الحياة اليومية، التي تضغط عليها قوى قاهرة وظروف حياتية مُعطاة ولا أمل في تجاوزها، و تفقد الفرد قدرة التعبير عن مشاعره الإنسانية تجاه اقرب الناس إليه. كما يحتوي هذا القسم على قصص أخرى نلاحظ فيها شفافية السرد والكثافة ورشاقة العبارة. ومنها " نزاع وفوبيا، و ووجه الحياة البهي، وليلة تنفيذ الإعدام،والموت العبثي،و الحنجرة الذهبية،وهروب والشيخ والصخرة وعين الطائر..الخ، ومنها : "حكاية معطف" (ص22 ) وهي قصة مملؤة بالمرارة عن سنوات الحروب المتواصلة التي خضع لها الإنسان العراقي، إذ يبقى (المعطف) معلقاً دائماً في محل "لغسل الملابس" ومالك المحل يضعه، بإصرار، في واجهة محله يومياً بانتظار عودة صاحبه لاستلامه، ونعلم، من خلال السرد، أن صاحب المحل هو (والد) صاحب المعطف الذي يغالب غياب (الابن) و يعي أن صاحب (المعطف) لا أمل بعودته نهائياً، إذ قضي عليه خلال الحروب المتواصلة، لكنه يتشبث بتعليق معطفه:" نظيفاً لامعاً دائماً في واجهة محله المخصص لغسل الملابس وكويها" (ص24 )، منتظراً صاحبه، فلعله يعود لاستلامه، وممارسة الأب تعليق (المعطف) يومياً في واجهة محله بمثابة احتجاج معلن على مصير(الابن). وفي قصة "اعتقال"، التي يهديها إلى الزميل "خالد السلطان" نتلمس في عنوانها وبدايتها مُباشِرةٍ واضحةٍ ومحددةٍ بالأسماء والأماكن القاسية المعروفة زمن النظام السابق، ومنها "جهاز المخابرات العراقي" وتعاون "المخابرات اليوغسلافية" معه، فعبر التفاهم المشترك بينهما، يُلقى القبض على الطالب "نشأت" الذي كان يدرس في جمهورية (يوغسلافيا) : "حين قامت عناصر امن السفارة العراقية وبمساعدة جهاز المخابرات اليوغسلافي باعتقاله، ثم قاموا بتخديره ووضعوه داخل تابوت أنيق، ملفوف بـالعلم العراقي، ونقل عبر الخطوط الجوية العراقية، إلى بغداد" (ص32 ). يخضع"نشأت" لعذابات قاسية وبشعة، ثم يقبع سنوات في مبنى (حاكمية المخابرات)، وتبقى أمه تفتقد بلوعة وكمد وعذاب رسائله والتي انقطعت فجأة، بعد أن كانت متواصلة إليها اسبوعياً،فيعمد إخوته وهم يرون قلق الأم والقنوط الذي هيمن عليها، على إرسال رسائل منتحلة باسمه إليها،لكنها لم تقتنع أو تعبأ بها. القاص "رمزي حسن"،في هذه القصة، إضافة لابتعادها عن الملامح الفنية التي تميز قصصه، و التقريرية الواضحة التي شابتها، قد ارتكب هفوة غريبة، عندما ذكر: "كان نشأت،وهذا هو اسمه، مسؤولاً لمنظمة اتحاد الطلبة في (يوغسلافيا)، وطالباً في قسم الهندسة المعمارية في الجامعة التي تقع في العاصمة اليوغسلافية (براغ)"!!. ويكرر مدينة (براغ)، بصفتها عاصمةً لـ(يوغسلافيا)، في الصفحات (32 و33 و34 و35)، بينما (براغ) كانت عاصمة جمهورية (جيكسلوفاكيا)، والعاصمة اليوغسلافية التي كان يدرس في جامعتها" نشأت"،حسب القصة، هي (بلغراد) حينها!!. ضم القسم الثاني من "ذاكرة الزمن" والذي أطلق عليه القاص (نصوص) في عنوان المجموعة أولاً وكذلك في الصفحة (67 )، تسعة نصوص نستطيع أن ندرجها بما يسمى حالياً بـ (الكتابة المفتوحة). وتتشكل هذه المواد من نصوص صغيرة لا يتجاوز بعضها نصف الصفحة، و تهتم بالمكان وملامحه وسماته وكذلك تقتفي اثر الزمن الذي عمد القاص "رمزي حسن" لاستغلاله في نصوصه بشكل مكثف. كما يتجلى في "ذاكرة الزمن"، عالم الذات، بكل ما فيها من نكوص واستلاب كامن في الروح الإنسانية. ومن هنا، كانت معظم قصص ونصوص "ذاكرة الزمن" فنتازية وأقرب منها إلى الأحلام، ويشوبها بعض الغموض الذي لا يمكن تفسيره، و التقنيات السردية التي اعتمدها القاص رمزي حسن في بعض قصص " ذاكرة الزمن"، تتسم بالاقتصاد في السرد، وعدم رتابة اللغة كونها سريعة الإيقاع، وانعدام التمدد في الزمن الفني، ولا ثمة فائض في الشخصيات، وهي من المحددات الفنية والأساسية لجنس(القصة القصيرة جداً) وكذلك (النصوص المفتوحة).لاحظنا أنه لم يتم الاهتمام اللائق فنياً بإخراج الكتاب، عبر عشوائية تنسيقه وتبوبه وعنونة متونه، و تم حشر أكثر من (قصة أو نص) في صفحة واحدة، كما في الصفحات (8 و27و67 و72و 73)، دون إيلاء فضاء القراءة والتلقي الاهتمام المناسب فنياً، في كتاب تألف من(88) صفحة، ومن القطع المتوسط !!.

 

* إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة - دمشق-2013 - الغلاف: للفنان صالح جادري

الحس الانساني في كتابات صبيحة شبر

neeran alobaydi الكاتبة الكبيرة واستاذة اللغة العربية منذ 1970والتي سبق وان صدر لها مجموعة قصصية بعنوان التمثال 1960 وامرأة سيئة السمعة 1976 مجموعة قصصية ايضا صدرت في دولة الكويت ، ولائحة الاتهام تطول اضافة الى رواية مشتركة مع الكاتب سلام نوري بعنوان الزمن الحافي سنة 2007 ومجموعة قصصية رابعة بعنوان التابوت ومختارات من القصص القصيرة تعاطيات في مدار الروح . كاتبة غزيرة الانتاج لها مسيرة طويلة في فن السرد والقص العراقي، تكتب بصمت بعيداً عن الاضواء لكنها مناضلة لا تحب المهادنة، مخلصة لافكارها وفنها وادبها، مدافعة عن حقوق المرأة دون هوادة، فهي لا تكف عن التذكير بما تتعرض له المرأة العربية بصورة عامة والمرأة العراقية بصورة خاصة من اضطهاد وتهميش في قصصها ، وادبها، الكاتبة صبيحة شبر تسلط الضوء على صور اجتماعية منتقاة بدقة تعرضها علينا  ، بعيدا عن الانفعال دون ان تخلط افكارها بشكل مباشر مع الحدث فهي تبقى على مسافة ما بين ما بين السرد وبين الانا بكل حياد لتترك شخوصها تتحرك بحرية تامة، مستعملة لغة الراوي العليم او العارف بكل شيء الذي يذكر شخوصها بما فاته من احداث نسيها او تناساها من اجل مواجهة الذات قنتقل بنا الكاتبة الى رواية الراوي المتكلم بلغة الضمير دون ان نشعر ليتحول السرد اشبة باعترافات تغور في النفس البشرية لتخبرنا عن الحدث المراد السرد علية، حقيقة هذا الاسلوب يدل على تمرس و خبرة طويلة في فن الكتابة سيما وهي خريجة آداب فرع لغة عربية وعملت كأستاذة لهذه المادة لسنوات طويلة

صبيحة شبر كاتبة ومناضلة لها موقف من الحياة تجسده بأسلوب كثيف في السرد والقص العراقي فتصبح علامة مميزة وقامة عراقية كبيرة تنفرد بايقاع جميل يقترب احياناً من أسلوب الموقف الساخر للكاتب الروسي غوغول ففي قصة الثرثارة تنتقد الكاتبة تكميم افواه النساء اذ تقول البطلة بأسلوب يقترب من الكوميديا السوداء مستعملة فيه الموروث الشعبي العراقي بأن يخاط فم الثرثار بأبرة " تتسارع الايدي، يضعون اصابعهم في فمي، يخرج احدهم ابرة كبيرة من جيبه وضعت في خيط طويل، اسمع نداءات من خلف، اخيطوا فمها عليها اللعنة "  تستمر الكاتبة في عرض معاناة المرأة فتطرح لنا في قصة " العار " موضوع مهم الا وهو رجم المرأة لتحطم كل التابلوهات القديمة التي يرتكز عليها المجتمع المغرق في النفاق الديني والاجتماعي الذي يدين المرأة ويبرىء الرجل بأسلوب بعيد عن الشعارات الرنانة فتطرح قصة امرأة تقع في حب محرم ويحكم عليها الرجم فتقول البطلة بأسلوب يجعلنا نتعاطف مع هذه المرأة رغم الاثم الذي ارتكبته " قطعة صغيرة من حجر ترتطم برأسي، تسيل قطرات من دم تعجز ان تقهر روحي رغم الالام الجسدية المتفاقمة ….. الى ان تقول " مرة واحدة استضفتني في منزلك، يالتلك السعاة وذلك البهاء

لكن الكاتبة بالوقت الذي تنظر الى الامور نظرة انسانية محايدة ترفض الا نجرار وراء الاهواء بدون ضوابط وقيم فتكتب قصة " للحرية حدود " اما في قصة " قزمة" تتطرق صبيحة شبر الى موضوع انساني آخر فهي تنتقد الامراض الاجتماعية التي تنظر بدونية للعاهات الجسدية وتعطي روح شفافة للشخصية وتلقي الضوء على بشر يعيشون بيننا مهملين غير مكترثين نحن بأهمية وجودهم بسبب اعاقتهم الجسمية فتنطلق الى ابعاد وأفاق رحبة لمهمة الكاتب فتعلمنا دروس وكأننا طلبة في الصف، الذي تدرس فيه ابهى معاني الانسانية

واخيراً صبيحة شبر لا تتطرق للسياسة بشكل مباشر لكنها تقترب من هذه المواضيع الحساسة بأسلوب فني يجعلنا نتقبل ما تطرحه فتعلمنا النضال بالقلم كيف يكون، وتجعل فوهة القلم اكبر من البندقية لكن الرصاصة لا تنطلق في قصة " انتحار " وانما تجعلنا نفاجيء ان الصبي معلق بحبل في الغرفة وقد دفع الكرسي بقدمية لا لشيء سوى انه لم يحتمل معاناة والدته وقساوة الحياة التي تعيشها مع والده وبذلك تأبى الكاتبة الا ان تقول كلمتها على كل ما تعانيه المرأة والاسرة العراقية

 

نيران العبيدي كندا

 

 

دراسة نقدية في مؤلف حديث .. (جنائن بابل) نصوص سردية للأديب ذياب شاهين

theyab shahenصدر عن المركز الثقافي للطباعة والنشر في بابل مؤلف (جنائن بابل) عام 2013م .. وكانت هذه السياحة الأولى لهذه الجنائن الخلاّقة .. (جنائن بابل) نصوص إبداعية سردية، ولسعة هذه النصوص السردية في إبداعها وتفردها فقد ارتأيت أن تكون هذه الدراسة النقدية لها بزيارة كل جنينة والعيش فيها والاطلاع على مفاتنها اللغوية وصورها الخلابة التي تفجّرت من منابع عذبة رقراقة تحسُّ بعذوبة مذاقها وخلابة صورها.

أنطلق من العنوان بعد أن قرأت هذا السفر السردي مرّة بشوق واستمتاع ومرة لكي أعثر على مفاتيح الجنائن الخلابة لاستمتع بعذوبة لغتها وجمالية صورها المبدعة، وعفوية السرد المفعم بالصدق والمحبة الحقّة للأهل والناس والمكان، والتي من خلالها تكتشف أصالة المؤلف ونقائه وطيبته حقاً.

سنحاول في دراستنا النقدية هذه للعنوان وللنص الإبداعي الأول أن لا نخضعهما للتأويل بقدر ما نسعى إلى تفجير طاقات هذا العمل الإبداعي المتفرد في عنوانه ونصوصه وفي بنائه الحكائي.

لقد عدَّ المؤلف الإستراتيجية التي تحكم عملية بناء الحبكات مسارات تصويرية لتوليد الأشكال والدلالات بعيداً عن الخلفية الأبستمولوجية لهذه الإستراتيجية وعلاقتها بالتجربة الإنسانية، ويمكننا أن نقول إنَّ هذه النصوص السردية تكشف عن جوانب شمولية في بعض الوضع الإنساني الذي عاش المؤلف حيثياته وكان يطمح إلى تشييد عوالم ممكنة (جنائن) تشتغل كترميز للذات والعالم.

ويمكن القول بأن المؤلف الشاهين في نصوصه السردية هذه أسس نمطاً مخصوصاً من المعرفة والفهم، ليفتح أمام الذات أفقاً أو آفاقاً جديدة، وكأني به أراد من نصوصه السردية أن تؤثر قصدياً على أفق جديد للواقع، وبهذا الفهم السردي أفلح في إنتاج عملية تصويرية ودلالية للحبكة السردية بعرض معاناته ومعاناة أهل بلده من خلال خطابه السردي ليفتح أمام الذات عالماً ممكناً.

وأرى أن المبدع ذياب شاهين لجأ إلى هذا العمل السردي حين وجد أنه لا يستطيع أن يعبّر عن كل ما يريده شعراً، لأن هناك مسائل لا يمكن تناولها إلاّ بالتحليل المبني على العقل، وبالمقابل لذلك وجد أن إحساساته إنما هي صعود مباشر للأشياء، لذلك عبّر عنها بهذه الشفافية المحببة إلى النفس: "كان الدخول إلى البرج ممكناً من أي مكان أو هذا ما تصوره، وإذا كان الدخول حقيقياً فالخروج سيكون مستحيلاً، فالبرج لم يكن سوى متاهة تقود إلى متاهات أخرى..."، ص5.

وبما أن لوظيفة العنوان دور حاسم في تأمين حماية كينونة النص، فالمتلقي سيكون أمام العنوان قبل كل شيء بعد أن يجده سابحاً على سطح غلاف النصوص السردية، ومن خلال العنوان يستدل المتلقي إلى هوية العمل الأولى وكأنها مفروضة عليه فرضاً تتطلبه طبيعة القراءة التي تفرضه فرضاً.. وقد ذُكر بأن العنوان يرتبط بالمتن النصي في أعلى درجات تطوره.

لقد اشتغل المؤلف على العنوان فجعله مفتوحاً دلالياً وإيقاعياً باستخدام آليات التوجيه ليجعله بإبداعية يعمل بدوال أخرى بمعيته بحيث يمكن أن تأخذ منه من ناحية، ويمكن أن تمنحه كل ما يمكن أن تمنحه من ناحية أخرى "وجدت نفسي حافياً في الحلم أخوض في طريق وعر، وهالني أن أجد المكان يرتفع بي إلى الأعلى وينخفض إلى الأسفل على فترات زمنية متساوية كما يفعل موج البحر، حيث كنت أسمع أصواتاً تبدأ واطئة وتبلغ أشدّها في القمة...".

نلحظ في هذا الجزء من الفقرة السابقة استخدام المؤلف الكلمات المضادة لإيصال أفكاره، ليمنح عباراته حيوية بلاغية محببة بهذه الدوال.

(يرتفع = ينخفض)

(الأعلى = الأسفل)

وفي الفقرة نفسها نجد: (الذهب = الفضة)

(وجهها = خلفيتها)

(الضم والفتح والكسر = السكون)

(يصدر صوتاً = يصمت)

لقد تسلسلت المدركات في ذهن المبدع ذياب شاهين إذ يستدعي الأول منها الثاني، والثاني يستدعي الثالث.. وهكذا كما يستدعي الضد حضور ضدّه في الإدراك، وهذا يمثل حالة التحضير الذهني للمتلقي من خلال ذكر الشيء مع الحركة الواقعية التي أراد المبدع الشاهين أن يخلقها في ذهن المتلقي. ومن هذه الحركة الإبداعية البعيدة عن التكلف، ينسج على منوال إبداعه حبكته القصصية المتميزة.

لقد أتاح لنا دال (جنائن) بعده الاستثنائي النوعي، ثم يبدأ بحرثه في أرض المفهوم استناداً إلى معطيات الكثافة الدلالية والأسطورية لجنائن بابل في سياق زمني آني ومستقبلي.

وكأني بذياب شاهين قد سعى إلى اجتذاب شبكة دلالات تتعلّق بهذا المعطى العضواني الكثيف.. ومن خلال العمل الحكائي حاول استثمار كل ما هو ممكن في العمل الحكائي لحكايته الواقعية من أجل إنجاز معطيات استخدمها بشاعرية تتخصب بها وتتفاعل معها ضمن نطاق الميثاق (السير الذاتي)، وقد جعل الفعل السردي يشتغل حكائياً ضمن إطار المكان الذي شرّع بسرد ما يتعلق بحكايته فيه وهو سرد سيري، إذ استطاع أن ينسج رؤيته للمكان عبر أنسنته وإسناده إلى أفعال متلاحقة: "لكنه تساءل هل يمكن لمؤلف ما قد أضاع مخطوطته أن يتنبأ بكتابتها مؤلف آخر بعد أكثر من ألف عام، ضحك في سرّه قائلاً: "لو حدث ذلك [لهو] العجب ذاته"، ص9.

نلحظ أن المؤلف جاء على ذكر (المخطوطة) التي ضاعت قبل ألف عام لكي يؤكد أهميتها وندرتها ونفاستها لهذا القدم وما زالت لم تخضع للتحقق وللوقوف على ماضيها.

يمكن أن نسمي عمله (سير مكاني) إذ انتخب مشاهد لتصوره الطفولي للمكان ومحيطه بحيث بقي حياً في الذاكرة، ومتشبثاً بحياة لا يمكن إلغاؤها أو إنكارها، ومن خلال ذلك نلمس أن المؤلف الشاهين كان غاية في الرهافة والجمال والإحساس بالانتماء إلى المكان والزمان والطبيعة.. بحيث خلق لعمله إيقاعاً استثنائياً ينفتح على الفضاء انفتاحاً رحباً.. لذلك أخذت فاعلية تأثير الإيقاع وعمقه وصيرورته تتجلى تجلياً جدلياً يكشف عن صراعٍ عالٍ في سرديته، مما تلمس تمكّن المؤلف في خصوصيته من خلال انبثاق حساسية صور المكان التي أجاد في إتقان الحكاية عنها وتصويرها بدقة من خلال تداعيها في الذاكرة اليقظة بشكل جلي، ولذلك نجح المؤلف المبدع في زمكانيته بأنه ضخ فيها أركانها وأنساقها وعناصرها أكبر طاقة ممكنة لاستقبال ثراء ما اكتنز في الذاكرة من صور حيّة حتى يجعل نصوصه السردية بصرية تلتقط فيها عدسة كاميرا العين الصور المستعادة من باطن الذاكرة، "... أعرف أن الآلام هي بعض النعم التي يغدق بها الخالق على مخلوقاته... كان يفكر بالإنسان القديم وكيف كان يخجل من مواجهة الله وقدرته... كان يعتقد أن الإنسان الحديث حين تخلّى عن الأجسام السابقة فإنما غادرها إلى أصنام معاصرة، فالأصنام لا تختفي بل سرعان ما تلبس لبوساً أخرى...".

ويمكن من خلال هذا المقطع أن نستشف شيئاً من أفكاره التي تبناها في حياته وانعكست بشكل شفاف على بعض تصرفاته وسلوكيته، "كان يعتقد بقوة أن المكتبة هي الجنة وتكاد تضارعها قدسية..". وهذه العبارة تكشف بشكل جلي حقيقة إيمانه، بعد أن كان مهموماً ومشغولاً في إيصال أفكاره هذه من خلال سردها عن أجزاء من حياته لتشكيل البطل على نحو سياق تصويري يخضع لعدسة كاميرا مراقبة، تصوره بكل صدق وعفوية على دراية منه. وقد عمد إلى هذه الطريقة للسرد الواقعي لأنه وجد نفسه بحاجة نفسية وروحية ضاغطة لا يمكن أن يتفاداها، ويتضح ذلك من خلال قبوله في جامعة البصرة وفي ذهابه للعيش في بيت أحد أقاربه قبل قبوله في أحد الأقسام الداخلية..

راحت ذاكرة المبدع ذياب شاهين تتوغل في المشاهد التي يرسمها من أجل إنجاز نصوص سردية شاملة وواضحة في أقصى مدى ممكن في الذاكرة، لتكتسب حضوراً سردياً باهراً وقوي الدلالة في السياق السردي لإنارة زوايا حياته وكشف المسكوت عنه فيها.. بعد أن ضمنها واستخدم فيها أفعالاً مكتنزة بالمعنى الحركي الذي ينطوي على قدر من الإحساس المربك بالمباغتة المحببة الساحرة.

ونرى أن المؤلف المبدع أراد أن يخلق بشكل إبداعي جميل من مفرداته المترابطة في اتساعها ترابطاً دلالياً في الحقل الدلالي ليجعل المتلقي يدخل بتوقعاته في صناعة المعنى، لأن الحدث الإنساني ينتج معنى ويستمر الحدث الآخر ينتج معنى آخر.. وهكذا على مدى أجيال متعاقبة وليس كونها سلسلة من اللحظات المتفاوتة في أهميتها ودلالتها.

قال المؤلف: "قلب الصفحة التي فيها الشكل، وبدأ يتصفح من جديد، ثم وجد الرسم ذاته في صفحة أخرى من المخطوط، ولكن بحجم صغير وقد كتب تحته التالي: (هنا في هذه الخزانة ستخزن أجزاء مخطوطة سردية سيكتشفها قارئ غير معروف ويطبعها في الجزء الثاني من العام 1433 للهجرة وينسبها له)".

لقد تمكن وبنجاح عالٍ وجهد متميز أن ينتج أطراً وقوالب للفهم اعتمدتها الذات لإعادة صياغة الحدث بالشكل الأمثل من خلال خلق علاقة جدلية بين الهوية والسردية ومن خلال علاقة النسق بما يمثله، ولذلك كان موفقاً من خلال سرد النصوص أن يبتكر الذات للمبادرات والأفعال التي خلق منها أحداثاً شيقة إن هي إلاّ ذكريات قصص عاشها المؤلف، كانت جديرة بأن تروى وتسرد مع تعاقب الزمن وترتقي إلى مستوى نماذج عليا أصيلة مؤسسة لهوية المؤلف وملهمة لها.

ولا أحسبني أبالغ في القول بأن المبدع ذياب شاهين من خلال هذه النصوص السردية يكون قد أسس نمطاً مخصوصاً من المعرفة الأدبية والفهم الثقافي ليفتح أمام الذات آفاقاً جديدة ويجعل نصوصه السردية هذه تؤشر على أفق جديد للواقع وفهمه.

أقف بنقدي عند هذا الحد اليسير، وكلّي أمل أن أواصل تأملاتي النقدية لهذا العمل المتفرد (جنائن بابل) وأشدُّ بحرارة على يد المبدع حقاً ذياب شاهين والى مزيد من الإبداع المتفرد وفي أمان الله وحفظه.

 

المرايا المتعاكسة في روايات أمير تاج السر

saleh alrazukيرسم أمير تاج السر في رواياته شخصيات بسيطة، في متناول اليد، أو أنها مقتبسة من المدونات التاريخية، سواء الصحيح والموثوق منها أو المدسوس.

ولكن بقليل من البصيرة النافذة تستطيع أن تلاحظ كيف أنها تنطوي على عقدة بالذنب، وهو ذنب بطيء، ويتحول تدريجيا لنوع من الإثم التجريمي.

وأجد أن مثال المخبر السري عبدالله فرفر (في صائد اليرقات) وسعد مبروك (في توترات القبطي) أوضح هذه النماذج.

فالعقدة في الروايتين تشبه الخيانة الذاتية. وتعبر عن أصل الشك الضروري، بالمعنى الذي أفلح كولن ويسلون في تفسيره.

هل نحن نمتلك حرية خذلان الذات، أم أن هذه جريمة يحاسب عليها الحق العام؟.

وإذا كانت الإجابة في (صائد اليرقات): أن الإنسان حر ما دام يمتلك زمام نفسه، فإن (توترات القبطي) تغلق الدائرة، وتدين شخصية بطل الرواية منذ أول صفحة. فهو لم يبادر للاعتراض على القرار بتحويله، وبالتالي إنه يتحمل كامل المسؤولية، وكامل الأهلية، ليكون مجرما.

ولكن في كلتا الحالتين كان هناك صراع درامي وتراجيدي بين طرفي اللعبة الأزلية المعروفة، وهما: الطبع والتطبع.

وأكاد أرى أن أمير تاج السر في جميع الحالات لم يجد مفرا من الانحياز للطرف الأول.

الطبع.

فعبدالله فرفر، مع أنه يحاول التهرب من أقداره، ويسعى جاهدا للانقلاب على رذائل مهنته، وهي اختلاق وتلفيق الأكاذيب والتهم لضحياه، وهم، أولا وأخيرا، ضحايا الماكينة التي يعمل لصالحها. إنها ماكينة محاكم التفتيش في القرون الوسطى، وماكينة الرقابة والتفتيش على الضمائر في العصر الحديث، لا يرى منفذا للنجاة.

و هو قبل الخاتمة بعدة سطور يقر ويعترف: أن العودة للخدمة وتدبيج التقارير دواء سحري له (ص 146).

و كذلك هو شأن سعد مبروك.

إنه بتحويله من القبطي ميخائيل للمسلم سعد، لم يجد الخلاص، وعاش لردح من الزمن بلسانين.

الأول ناطق وبه يعبر عن واقعه المتحول وعن إرادة الموضوع أو الطرف الجائر.

و الثاني صامت وبه عبر عن حنينه للماضي ولطقوس المعمودية التي رأى في ظلها النور. وبالتالي لما نقول عنه إنه إرادة نوعية أو ذات.

وعن ذلك يقول ميخائيل، الذي استيقظ من سباته، في الفقرة قبل الأخيرة من الخاتمة: إن قلبه خفق بشدة لدى رؤية بيته القديم، الذي ولد وعاش فيه، مع أنه مجرد أطلال دارسة (ص 274).

وكما أرى إن بطل (صائد اليرقات) هو إعادة إنتاج فنية (أو تفكيك وبناء) لبطل (توترات القبطي).

فالتحول الديني في الحالة الثانية يحمل كل الموبقات السياسية التي لازمت أزمة التحويل عن الكنيسة الكاثوليكية، وما لحق ذلك من صراع بين الناسوت واللاهوت.

وإن مثال (ليون الإفريقي) رائعة أمين معلوف ليست بعيدة عن هذه الحالة.

فالتحول من مسلم إلى مسيحي لم يكن خيارا ميتافيزيائيا. إنه حادث لم ينجم عن تقرير مصير بملء الحرية ولدوافع جوهر إيماني أو ضمير مستيقظ. ولكن حصل ذلك في ظروف قهرية، وهي ظروف الأسر.

وهل يوجد فرق بين هزيمة الجيش على أرض المعركة، ووقوع شخص ضائع بين براثن تجار الرقيق؟.

وقل نفس الشيء عن عبدالله فرفر.

لقد رغب بالتحول من كتابة التقارير لمصلحة الأمن العام إلى كتابة الروايات، والتي يرضي بها نوازع خياله، ويرمم بها النقص المفجع في شخصيته، باعتبار أنه يحمل عكازة، الإشارة التي لا تخطئها العين لعاهة مستديمة، تلاحقه مثل مشاعره النفسية الجريحة.

و قد كانت رتبته المتدنية وظروف حياته المشينة وراء هذا القرار.

لقد حصل ذلك استجابة لنداء الغريزة أو الضرورة. وبالتالي ليس مجرد حلقة من حلقات النضوج النفسي أو تطور الملكات.

و إنه في هذا الفراغ الناجم عن تأجيل التنفيذ، مرت الشخصية في مرحلة عطالة أداء. وربما هذا من حسن حظ الرواية.

فالعطالة نوع من التأجيل الدرامي، وعلى مبدأ (أن تأتي ولا تأتي)، المبدأ الملحمي للإنسان الضحية، الساكن والصامت، العاجز عن التعالي فوق شروط أقداره، وكما صاغها بيكيت في أشهر أعماله (بانتظار غودو).

إن أبطال أمير تاج السر عبارة عن مستنسخات درامية من أبطال بيكيت. وإن لم يكن هناك تلامس في التفاصيل، فالتوازي موجود حتما في بذرة الفكرة نفسها. الانتظار المؤجل والذي أضاف له أمير تاج السر البداهة البشرية لإنسان العالم الثالث. وذلك بتعجيل مصائره، وعلى نحو متهور، انتحاري، مأزوم، يطابق ما بين فعل البداية ومغزى النهاية.

لقد كان هؤلاء الأبطال يدورون في الحلقة المفرغة، وهم في بحثهم الدؤوب عن معنى وجودهم الشخصي للذات الأساسية، لا يضعون بنانهم إلا على نقطة التنوير، وهي دائما علامة مضيئة في أول النفق وليس في آخره. ولذلك إن رحلتهم مجرد تعجيل للماضي، أو إغلاق لدائرة الفاجع بمأساته المدماة.

وهذا بالضبط ما حصل لكليهما.

المخبر السري يرمي أوراق مسودة روايته في ألسنة النار، ويرى أنها مجرد بيض فاسد (ص 144)، ويعود لأوجاع وأوشاب الوظيفة.. كتابة التقارير.

و المتحول دينيا، يعود القهقرى لمدينة معموديته. وهناك يقرر أن يكون هو الإله المعبود. بصورة شهيد مسيحي، يتمزق بأسنان الحراس الأشداء (ص 286)، ليقدم جسده خبزا لرعاياه.

وعلى ما أرى إن ثمن رحلة العودة كان بالعملة الصعبة.

لم يدفع الإثنان ثمن بطاقة العودة من عمرهما. فالمشكلة الزمنية ليست محسوسة في الروايتين. كأن الشخصيات لا تشيخ. كانت المشكلة نفسية وتتطور من وراء خطوط العزل بين الماضي والحاضر، ومن خلف المعنى العام للمخيلة، وعلى حساب المعنى الخاص للجوهر. فللخيال معنى. وله ناسخ ومنسوخ.. إنه صنيعة ظروف الصراع الشخصي بين الإنسان وشيطانه.

ولكن للجوهر حكمة لا يمكن استبدالها.

وهنا يمكن المقارنة مع المثال النموذجي لهاملت.

لقد مرت هذه الشخصية النبيلة بنوع من فك الارتباط الإجباري مع الميثاق، وهو ميثاق بطريركي يميل لطرف الأب باعتبار أنه عين الحكمة.

وهل هناك حكمة أعلى من التماهي مع الذات بواسطة التشابه والاستمرارية أو منطق العود الأبدي.

وقد ترك ذلك ندبة لن تندمل، وثمنها الشعور بذنب أنت لم تقترفه. وهو ذنب قابل للتحويل ولا يمكن ردعه.

وأعتقد أنه كانت لهاملت بصيرة نافذة حين نظر بالمرآة الرمزية للظروف وشخصنها. ووضع الحلف المقدس لأمه وعمه (البديل عن الأب) في قفص الإتهام.

إنه بتعميم الشرط الوجودي لميراث والده الميت، وهو شرط قران الأم والعم، نستطيع أن نرى منطق الضرورة، والحفاظ على مهابة العرش وسياسة أو استراتيجية ملء الفراغ. وبعبارة وجيزة: نستطيع أن نرى شخصية مطلق الظرف الوجودي. وهذا هو أيضا المنطق الذي على استقامته قام دستويفسكي بتفصيل شخصية راسكولينكوف.

العاشق المتيم والنخبوي المثقف يتحول لسفاح. ولنتذكر هنا أن هاملت ارتكب جريمة بالغلط.

وقتل متنصتا يقف خلف الستارة.

لقد استهدف هاملت برأس سيفه الأداة الظرفية. وكذلك فعل راسكولينكوف. لقد استهدف بالبلطة المشحوذة فكرة الاستغلال الربوي ومنطق الفرق بين الإنتاج ورأس المال. وكان يحدوه شعور أنه يعيد بذلك الحق لنصابه. ولكن غالبا ما لا تنطلي المبررات على الضمير المريض والانجراحي.

وهنا نشأت الهلاوس وأحلام الهيلة (في الجريمة والعقاب) والمونولوج الدرامي (في هاملت).

ففكرة الضمير فكرة رومنسية، بينما القصاص العادل فكرة مادية تخضع لقانون الأب، ولها بواعث يؤثر بها فضل القيمة، أو قواعد ونحو اللغة.

وحتى لا نبتعد كثيرا عن موضوعنا إن العذاب الذي عانى منه بطلا (صائد اليرقات) و(توترات القبطي) هو نفسه الذي رسمته أحداث وتكنيك الرواية.

 

كانون الثاني - 2014

الفساد .. الشر الأكبر في العراق

mahdi alsafiتعد المؤسسة العسكرية في العراق من اكثر المؤسسات عرضة للفساد الاداري والمالي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، فقد كانت مؤسسة طائفية بامتياز، اقتصر توزيع المراتب العليا والمتوسطة فيها على المكون العراقي العربي السني، بل حتى المكون الكردي السني كان له نصيب في هذه الحصص الطائفية منذ العهد الملكي، ويعد الجيش العراقي الذي تم تأسيسه بعد عام2003، الجيش الوحيد الذي وزع بالتكافئ النسبي بين مكونات المجتمع المختلفة (السنة والشيعة العرب، والاكراد، الخ)، ويشعر منتسبيه بحالة تفائل كبيرة تبعا لنوعية التدريب والسلاح النوعي الداخل للخدمة، ويفتخرون بروح التفوق والتطور والتقدم العسكري في المنطقة،

لكن هناك بالطبع ازمات داخلية تقف عائقا امام استكمال عملية اعداد وتجهيز الجيش، بمختلف انواع الاسلحة ولمختلف الصنوف، منها ازمات سياسية طائفية، ومنها ماهو متعلق بالمؤامرات الخارجية،

التي تريد دمج العراق في معركة الفتن الطائفية المشتعلة في اغلب دول المنطقة لاسيما سوريا،

وهذه الحالة الغريبة لبعض سياسي الازمات يمكن تسميتها بخيانة ماتحت الطاولة، فهم امامنا وفوق طاولة العملية السياسية شركاء بالوطن والحكومة، ولكنهم في العتمة الظاهرة لنا على الاقل خونة مع سبق الاصرار والترصد.

قلناها سابقا ونعيد تكرار ماقلناه للتذكير، لايمكن بناء دولة انهكتها الحروب والمآسي والدكتاتورية، والحصار الاقتصادي والديون والارهاب بالفساد، لن تستقيم اساسات البلاد بالمحسوبيات والاعتبارات الفئوية والشخصية الطائفية والعرقية، ولن تتحول عجلات الظلم التي تدوس على الفقراء والبسطاء بحجة الظروف والامكانات، الى عجلة بناء واعمار، مع ان اسعار النفط سجلت ارقاما قياسية منذ استخراجها من باطن الارض،

الكارثة ان الفساد ممنهج وله قوانين تحميه من الملاحقة، فلا يحق للقضاء (السلطة الثالثة في النظام الديمقراطي) ان يحاسب السياسي الفاسد، لان كتلته التشريعية في البرلمان تحميه من الملاحقة، تارة بحجة الحصانة، واخرى تحت ابواب التوافق،

ولاتوجد هيئات رسمية مستقلة تمتلك القدرة والقوة الكافية تمكنها جديا من القيام بحملات متابعة ومحاسبة المقصرين والفاسدين الذين يمارسون عمليةأهدار الاموال العامة، التي تصرف في عملية اعادة تخريب البنية التحتية (التي تصبح ترابا بعد مدة قصيرة)،

وهكذا عجلة البطالة والفقر مستمرة دون حل، فالدولة التي تستعين بشخص شهادته مزورة، او ترفع من شخص لايقرأ ولايكتب وتمنحه رتبة عسكرية كبيرة (تسبب الما للضباط المهنيين الاخرين، بحجة دمج المليشيات)، وتبذر الاموال الطائلة تحت ذريعة منافع اجتماعية للرئاسات الثلاث، وتتغاضى عن انتشار ظاهرة الشركات الفاشلة التابعة لبعض المسؤولين، والتي يديرها اخوانهم واقرباءهم وهم من اغلب المتنفذين في الدولة

(قيل ان السيد النجيفي يمتلك ثروة طائلة لانعرف ولم نسمع عن مصدرها، وكذلك قيل ان السيد بهاء الاعرجي لديه ثروة وومتلكات كثيرة في لندن، ايضا لم نسمع ردا منه حول تلك الامور، علما ان العراق كان تحت الحصار الاقتصادي قبل السقوط، ولايوجد لدينا اغنياء يملكون مليارات الدولارات، فقد صادر صدام اموال تجار بغداد، ولان النظام كان لايؤمن بتطوير القطاع الخاص، اذن يمكن للقضاء والشعب ان يسأل من اين لك هذا)،

المستحوذة على الاحالات والمناقصات والعقود الحكومية، وسلسلة متواصلة لاتنتهي من التخريب المتعمد للاقتصاد الوطني،

كل هذه الانتكاسات والانهيارات المنعكسة على حالة الفوضى المنتشرة في الشارع حاليا، كان الجميع شركاء في صناعتها وتضخيمها واشاعتها،

قد يقول قال ان الوقت ليس مناسبا للحديث عن نقاط الضعف، نقول ان الله سبحانة وتعالى علمنا ان نستغل الازمات والاخطار والكوارث للتنبيه والاشارة الى حجم المخاطر، التي قد نواجهها في حال الاستمرار والاصرار على اهمال معالجتها،

ولنختصر الحديث المتشعب ونخصصه عن المؤسسة العسكرية، التي قدمت عشرات الالاف من الشهداء، بعضهم بل اغلبهم سقطوا ضحايا قلة الخبرة والكفاءة لقياداتها الميدانية، ولانعدام روحية العمل والدعم والاهتمام المشترك المفترض ان يساهم به جميع الفرقاء السياسيين،

فبناء الجيش او المؤسسة العسكرية والامنية ليست مسألة هينة او بسيطة، فهي تعد من اعقد المؤسسات الحكومية لاي دولة في العالم، وكلنا عرف وسمع ان غالبية المتطوعين هم ممن جاء تحت وطأة الفقر والعوز وكرهه للبطالة، وقلة منهم من يستهويه العمل الوطني في تلك المؤسسات الخطرة والصعبة، فكل موظف وعامل في اي حقل من الحقول او المجالات المدنية والحكومية هو بالضرورة لايختلف عن الشرطي او الجندي، كل يخدم وطنه من موقعه الذي يحبذه ويجد نفسه فيه، ولكن ان تصبح المؤسسة العسكرية ساحة لتوزيع الرتب والمناصب الكيفية، ويسمح للفساد ان يخترق اسوارها ويعبث بهيبتها تصرف خاطئ وغير مقبول اطلاقا،

هذا امر يدفع ثمنه الشعب بأكمله، ونتائجه واضحة وملموسة، استمرار وتيرة الارهاب في العاصمة بغداد والمناطق الغربية، التي هرب اغلب منتسبي اجهزتها الامنية الداخلية قبل المواجهات مع الارهاب(بعض الشرطة والمراتب سلموا الارهاب مواقعهم والاسلحة)، .

يكاد يصبح الفساد افة مستشرية في بعض المؤسسات الامنية، بدأت كما قلنا بدمج المليشيات في الجيش بعد عام2003، مما جعل الاعداء والمتربصين شرا بالعراق، يقولون "ان الجيش عبارة عن مليشيات"، هي كلمة حق يراد بها باطل، ولكن لديهم مقدمات وادلة ملموسة عن تلك الاتهامات، الشيعة والاكراد اي المعارضة عموما ارتكبت خطأ كبيرا، عندما شرعت قانونا غبيا، يدمج ماسموه هم انفسهم بالمليشيات بالمؤسسات الامنية والجيش(واعتقد انها مشورة الخبيث المندوب السامي الاجنبي المحتل)، وهذا الامر لايمكن معالجته اطلاقا، ولكن يمكن اصلاحه باصدار قرار من القائد العام للقوات المسلحة بأحالة مليشيات الدمج على التقاعد بما فيهم البيشمركة، اضافة الى ان المؤسسة العسكرية تعاني من تراكم منتسبي الاجهزة الامنية والعسكرية السابقة، وهي تربت على عقيدة الاعتداء والتجاوز واهانة المواطنين، ونحن بحاجة للتخلص من هذا النهج السيء المتبع في التعامل مع المواطنين(وقد سجلت حالات اعتداءات كثيرة على الاعلاميين والصحفيين من قبل الاجهزة الامنية وحمايات المسؤولين، فضلا عن الاعتداءات اليومية على المواطنين)، ثم دعونا نسأل القائد العام للقوات المسلحة،

ماذا عن هوائي كشف المتفجرات الفاشل،

اين وصلت التحقيقات،

ومن المسؤول عن هذه الصفقة الفاسدة،

كيف تتم معالجة ملفات الفساد الخاصة بتهريب السجناء لاسيما سجن ابوغريب،

ولنا الحق في السؤال عن حجم وقدرات واعداد الجيش العراقي حاليا، الذي احتاج في معركة محدودة في محافظة الانبار لافواج من الشرطة من المحافظات الجنوبية، التي اصبحت جنائز العلم العراقي عندها سنة لاتغيب عن اعينهم، وبعد يوم او ايام قليلة من التحاق تلك الافواج خسرت عدد من منتسبيها،   اغلبهم وقعوا في كمائن الارهابيين،

اين الجيش، اين الفيالق والفرق والافواج العسكرية،

لماذا لانملك قوات كافية تقوم بتطويق المناطق الساخنة

(الموصل وديالى وكركوك اضافة للانبار)،

ماذا لو سقطت الشام جميعها بيد الارهاب، وتحول مسار الجماعات الارهابية الى العراق،

هذه اسئلة طبيعية في مثل تلك الظروف الخطرة، قد نجد لها اجوابة او اعذارا عند الحكومة والقيادة العامة للقوات المسلحة، لكننا عندما نشير الى تلك المشاكل او نقاط الضعف والخلل، نريد ان نساهم فعليا في تدارك هذه الاخفاقات والتركيز على ايجاد حلول شاملة وسريعة لها، بغية استكمال عملية بناء مؤسسة عسكرية وامنية رصينة قادرة على صد الهجمات والاعتداءات الخارجية المحتملة، قد تكون اكبر بكثير من تلك التي نواجهها اليوم، لتكون صمام امان الوحد الوطنية والاستقرار في العراق.

مرة اخرى نشير الى ان الفساد هو الذي جعل البعض ممن اعتمد عليهم الشعب في قيادة البلاد، من مجاملة الاخرين وغض الطرف عن تجاوزاتهم واعتداءاتهم على ارواح وممتلكات المواطنين(كقضية الهارب طارق الهاشمي، وحماية العيساوي، والنائب الهارب الدايني، والجنابي، وعدنان الدليمي، والمعتقل العلواني، والوزير ايهم السامرائي، والسوداني، وغيرهم)، كذلك حالة الحرمان والاهمال التي تشعر به الطبقات المسحوقة والمعدمة هي من يجعل للارهاب موطئ قدم في بلادنا،

مع استمرار رفع شعار الديمقراطية دون تطبيق على ارض الواقع، وعدم جدية الحكومة او اي كتلة برلمانية او حزبية في مواجهة الفساد ومحاربته،

فهو الخطر الدائم المحيط ببلادنا، يعطي ضوءا اخضر لرؤوس الفتنة لتقسيمه الى اقاليم عرقية وطائفية، ثم دويلات متداخلة متحاربة، وعندها لاينفع لا التوافق، ولا المحاصصة، من يملك جنسيتين يعود لبلده الثاني، ومن لايملك فكل منهم له دولة في المنطقة تحميه، ويبقى الشعب مشروع دائم لتقديم القرابين، اخيرا نقول كل مشاكل العراق يمكن ان تحل بمعالجة ملفات الفساد تشريعيا وقضائيا وتنفيذيا، حتى يمكن ان يلمس المواطن حقيقة التغيير الديمقراطي الحديث في بلاده، ويشعر انه جزء لايتجزء من كيان الدولة الراعية لمصالحه والساهرة على خدمته .....

 

مهدي الصافي

دينو بوتزاتي: دروس في كتابة الأدب السياسي

husan sarmakقلنا في مناسبات سابقات – وهو أمر مفروغ منه – أن الأدب السياسي يعد لونا مهما من ألوان الفن . وقد تصاعدت أهميته في عصرنا الراهن الذي جاء خلاف ما كنا نتوقعه في أن يكون عصر انفتاح و انعتاق و انطلاق للحرية الإنسانية الى أوسع مدياتها، وتحقيق لإمكانات الإنسان الخلاقة بلا قيود أو قهر أو استلاب، فإذا بنا نرتد – وبشراسة – الى أحط مستويات عصور الوحشية والتي تترفع عنها حتى ممارسات حياة الغاب . ومن الطبيعي، وأمام تنامي سياسات القهر والإذلال واستباحة مقدرات الشعوب، أن يتصاعد فعل المبدع وتفاعله مع قضايا سحق الإنسان، وخصوصا في ظل الأنظمة الشمولية ليقدم ألوانا باهرة من الأدب السياسي التي تجسد معاناة الإنسان المقهور في كل مكان . وقلنا - أيضا - في مقالتنا عن الدرس الذي قدمه (ميلان كونديرا) في كتابة الأدب السياسي من خلال أنموذج قصصي من مجموعته القصصية (غراميات مرحة)، وهي قصة (لن يضحك أحد)، والتي حاولنا من خلال عرض سماتها الأساسية أن نبيّن لكتاب القصة والرواية من العراقيين تحديدا، والشباب منهم خصوصا، الكيفية التي يمكن أن يُكتب بها النص الأدبي السياسي الذي يتناول القهر والقمع والإستلاب ومحنة الإنسان في طل الأنظمة الشمولية . حيث يعتقد الكثيرون منهم أن شحن النص بوقائع حقيقية، بل ومسميات وماكن فعلية، يمنحه قدرا هائلا من المصداقية، ناسين أن هذه الخاصية ستجعل النص القصصي يقترب من فن المقالة أولا، ويسلبه سمة الشمولية الإنسانية الكونية ثانيا . لنسأل : هل كانت هناك مدينة حقيقية إسمها (أوقيانيا) شهدت عذابات (ونستون سمث) بطل رواية (1984) التي أبدعها (جورج أورويل)؟ ولو أخذنا كتاب (حوار المنفيين) لبرتولد بريخت، وهو قطعة رائعة من روائع الأدب السياسي فسنجد ان كل المواقف التي تعرّض فيها بريخت لهتلر وموسوليني بصورة مباشرة، لم تكن، أبدا – بحرارة الحوارات الفاجعة التي صورت معاناة بطليه المنفيين في المرض وطلب اللجوء والحنين الى وطنهم ومشاعر الإذلال التي تكتسح وجودهم .

في مجموعته القصصية (الجنرال المجهول) (1) يقدم لنا القاص الإيطالي المبدع (دينو بوتزاتي) ثلاثة نماذج قصصية من الأدب السياسي، صاغها بعقلية الكاتب (المحترف) الذي خبر الصنعة، وتمكّن تماما من أدواته الفنية الى الحد الذي أهّله لأن يسطّر نصوصا يتفاعل معها كل إنسان وفي أي مكان من عالمنا الوحشي هذا . في قصة (الفراشة) يمارس بوتزاتي اللعبة التي طالما برع بها بصورة فائقة وهي لعبة الإيهام المؤسسة على الفنطازيا والتي يقدّم من خلالها حبكة تتصاعد لتصل الذروة في لحظة التنوير . الفاضل (ألدو سميت) – وكيل وزارة النظام العام في حكومة الباستوجي الفاشية يكتب تقريرا لزميله المسؤول عن استجوابه بصدد (الفرسان الضالين)، وعندما يخرج من مكتبه متوجها الى بيته تتعطل سيارته في الظلمة، ويعترضه شابان من الفرسان الضالين، ويقرران قتله فيتمنى الخلاص بأن يصبح خفاشا، ويتحقق له ذلك، ويتوجه طائرا الى مكتبه، ويحاول الدخول من الشباك فلا يستطيع، ويتمنى أن يكون فراشة، ويتحقق له ذلك، وحين يدخل، يتعلق بالستارة، ويلاحظ أن زميله قد احتل مكانه كوكيل وزارة . ولأنه يعتقد أنه امتلك قوة عجيبة، فان باستطاعته أن يصبح هو الوكيل، ويصبح الوكيل فراشة . لكنه تعب كثيرا، فيؤجل الأمر حتى الصباح، وينام متعلقا بالستارة كفراشة . (ما إن أغلق عينيه حتى قام الفاضل حاملا كرسيه ثم وضعه تحت النافذة . صعد وضرب الفراشة بالمسطرة فجعلها تسقط ميتة) والأمر لا يحتاج الى تعليق .

الأنموذج الثاني هي قصة (وإذا؟) التي تتحدث عن ديكتاتور يراجع انتصاراته وسحقه لمعارضيه و كونه الشخصية الأكثر قوة في البلاد .. (لقد بلغ الهدف الأقصى لحياته ولم يعد يستطيع، والحق يُقال . أن يرغب شيئا أكثر من ذلك ..) . ثم يبدأ القاص باستعراض قدرات الديكتاتور المذهلة، فهو الموسيقي الكبير الذي سمع للحظات خلت في المسرح الإمبراطوري للأوبرا الحان رائعته الموسيقية، فسجل انتصارا بذلك، ومازال يرن في رأسه شلال عارم من التصفيق ... وهو طبيب التشريح الكبير، الذي اكتشف بيديه السحريتين اللمعة الصغيرة المرتجفة في الأعماق الغائرة لمخ المريض . بطريقة جعلت المتوفى يفتح عينيه ثانية، ويبتسم .. وهو رجل المال الكبير ... والعالم الكبير .. وهو القائد العام الذي حاصرته جيوش تفوقه قوة وعددا، غير أنه، بمكره و نشاطه، حول جيشه من جيش مُتعب ويائس الى حشد فولاذي جعل جيوش الأعداء تولّي الأدبار مذعورة ...

و هو الصناعي الكبير، والمكتشف الكبير، والشاعر الكبير، وباختصار الرجل المنتصر . وقد حقق كل ذلك بزهده وتضحيته بكل المسرات والضحك والملذات الجسدية، والعزوف عن فاتنات المجتنع الراقي ..

ولكن لنر ما يحصل الأن في هذا الصباح المشمس .. لقد كان ديكتاتورنا يجوب شوارع المدينة على قدميه مع مستشاره واثنين من مساعديه .. ووقع بصره، مصادفة على فتاة شابة .. جد جميلة .. ترتدي تنورة سوداء تلف قامتها و تزمها زما .. ردفاها ناميان بانحراف حر وبشكل شهواني.. جاذبيتها جارحة .. وقد رأى - لجزء من الثانية فقط - الانحناءة المتغطرسة لربلة ساقيها .. لقد اشتعل قلقا واهتماما، و(لاحظ، في هذه اللحظة بالذات، أن شيئا ما ينقصه . إنه شيء جوهري، وهام جدا . أسرع .. ولاحظ مذعورا، أن السعادة السابقة، والإحساس بالسكينة، والنصر قد انقطعوا عن الوجود . كما لاحظ أن جسمه قد غدا ثقيلا من الحزن، وكان ثمة حشداً من الملل ينتظره .. ماذا جرى؟ ألم يكن هو المسيطر، والفنان الكبير والعبقري؟ لماذا لم يعد ينجح في أن يكون سعيدا) ..

يقول بوتزاتي أن الحب كان خلف كل هذاالعطش للشهرة وللقوة ..لقد فعل كل شيء من اجل هذه الفتاة.. لكنه لم يفهم قط - ولن يفهم قط - وأن التفكير وحده بهذا كان يبدو له مدعاة لجنون فاضح . لقد تأخر الوقت جدا الأن .

في قصة (الجنرال المجهول) يصمّم بوتزاتي مقاربة جديدة بارعة . إته يستخدم (لغة مألوفة لوصف غير المألوف فتتسم قصصه بالبراعة في التناظر و الألمعية في وضع الملامح المعروفة في مواقع جديدة (...) . والأخيولة عنده متطورة منطقيا، ولذالك فإن قبول المقدمة المنطقية الأولى يتيح للقارئ أن يدخل تماما فيما يليها . واسلوبه السردي ينقل قصصا موثوقا بها، حتى عندما تخيب التوقعات العادية للمسرود . وهي قصص ذات تأثير جمالي واخز منبجس من العزف السري على هاجس الحرية في سياقات عنف الورطة وسحر الهاوية وارتباك مواجهة الألغاز واشتباك الحياة مع الموت ولذعة انكشاف الحقيقة)(2)

في قصة (الجنرال المجهول) هذه لا يكتفي بوتزاتي بالسخرية المريرة من سلطة القمع المتنفجة : (عثرنا على جترال كان فوق حقل معركة ... كان يرقد مثل أي مسكين تعيس .. أو كما يرقد أي منشرد لا وطن له . أو كما يرقد جمل نفق من العطش، ولا يغير من هذا أنه كان جنرالا فالفوارق لا توجد إلا حين نعيش ونتكلم ونتبختر في مشيتنا) .. ولا الكيفية التي نتساوى فيها – حكاما و محكومين – أمام سطوة النهاية حيث نتساوى جميعا في الموقف المطابق للموت حسب، ولكنه يقدم من خلال المقارنة بين روح شباب مجموعة الحفريات و حاضرهم الممتلىء بالعمل والنشاط، وماضي الجنرال المنتفخ الذي حملت (الرياح أوسمته الآن وتركته عاريا مثل كلب)، موقفا فلسفيا من موضوعة الموت والحياة يصل الذروة في ختام القصة الأخيولة حين يقول :

(دفع أحد العمال الرمل بقدميه لكي يردم الحفرة فيغطي هذا البائس على الأقل، ثم بعد أن جمع ادواته، قفز مع الأخرين الى سيارة الجيب التي انطلقت سريعا وأشعل لفافة).

 

......................

هوامش:

1. الجنرال المجهول – مختارات قصصية – دينو بوتزاتي – ترجمة د . منذر عياش – مركز الإنماء الحضاري – دمشق – 2002 .

2. من الغلاف الأخير لكتاب (الجنرال المجهول) .

 

هولير حبيبتـي .. ملحمة هولير الروائية المعاصرة التي تحولت إلى مرآة لمدينة هولير

472-holyoمدخل: رواية (هولير حبيبتي)، للروائي السوري عبد الباقي يوسف، جاءت في 300 صفحة، ومن منشورات مكتبة التفسير للنشر والإعلان في أربيل، إقليم كردستان 2013.

وسط مقدمات لقيام "حرب أهلية" باتت تلوح في الأفق بسوريا، حيث كثرت مؤخراً عمليات خطف الأطفال والرجال والنساء طلباً للفدية، وبدأت أصوات الرصاص تتعالى في الطرقات، وقصف البيوت الآمنة بالصواريخ، اغتيالات في الطرقات، أمام أبواب البيوت، انفجار سيارات ملغومة، انفجار عبوات وقنابل في الطرقات، وانعدام وسائل الحياة حيث لا وقود، ولا هاتف، ولا كهرباء، لا غاز. ارتفاع المواد التموينية، وانعدام حاجات أساسية للمعيشة في ظل فلتان أمني تعجز فيه الدولة أن تحمي حتى أقطابها الذين تطالهم عمليات الاغتيال.

 

رحلة اللجوء

اتخذ بطل وكاتب رواية (هولير حبيبتي)، قراره بمغادرة البلاد، ضمن إجراءات "أمنية" استثنائية من قبله، وتأكيداته المتكررة لزوجته بضرورة التأكد أن أحداً لم يشك بأمرهم. وإنها بالنسبة لهم مسألة حياة، أو موت، ولا داع لأحد أن يعلم بأمر خروجهم من البلاد.

يسرد الكاتب رحلة لجوءه تلك وعائلته المكونة من زوجة (آفان)، وثلاث أطفال (بيرهات، لاوين، سيروان) بطريقة تفصيلية تدل على مدى صعوبة اتخاذه لقرار تركه لموطن ذكرياته، ومدى تعلقه بكل شيء هناك، وكل تفصيلة من رحلة اللجوء تلك، مكتشفاً بأن مصيبته تهون أمام مصيبة "جنكدار" رفيق دربه في هذه الرحلة، وتعرض عائلته المقيمة في "دمشق" للقصف بالصواريخ، مما تسبب بمقتل زوجته، واثنين من أفراد عائلته، فوجد نفسه يواسي الرجل، ويأخذ بخاطره، عارضاً عليه المساعدة.

تجاوز الكاتب في روايته (هولير حبيبتي) السيرة الذاتية لمدينة (هولير)، أقدم المدن التاريخية التي ما تزال مأهولة بالسكان، بأن صاغ أحدائها بلغة شعرية سلسة، والقريبة إلى القلب أكثر منها للعقل، وسلط الضوء على كل كبيرة وصغيرة من عوالم مدينة (هولير)، محاولة منه لاستكشاف ذاك السحر في مدينة "الحب والحمام".

يعود الكاتب لسرد لحظات دخوله لإقليم كوردستان، ومدى الحفاوة والاستقبال التي تلقاء من قبل شعب كوردستان لهم، وبأن عليهم أن يحسبوا أنفسهم كمواطني كوردستان، وأن لا يخطر ببالهم لحظة واحدة بأنهم لاجئين. وبعد منحهم "إقامة" نظامية من مخيم "دوميز" للاجئين في مدينة (دهوك) قيل لهم بأنهم يملكون الحرية في الاختيار بين البقاء في المخيم، أو اختيار أية مدينة من مدن إقليم كوردستان الثلاث (دهوك، وهولير، والسليمانية)، وكانت صدمته الأولى، حينما استلم وثيقة الأمم المتحدة "الفورمة" وبأنهم باتوا لاجئين في سجلات المنظمة الدولية للاجئين، الأمر الذي أزعجه بادئ ذي بدء، لكنه بات أمراً محتوماً.

 

اكتشاف مدينة هولير

هولير، منذ أن وطأت قدماه أرض كوردستان، لا يدري لماذا اجتاحه إحساس بأنه إن لم يَر هولير، كأنه ما وطأ كوردستان، لا يدري لماذا انتابه شعور بجاذبية سحريةٍ نحوها، وعلى الفور حين سألته زوجته، أين سنقيم؟ أجابها: في هولير.. خرج الكلام من فمه عفويا. وأدرك في لحظات أن هولير ليست كجميع المدن التي سافر إليها، وأقام فيها.

إنها مدينة الحلم الأزلية التي لا تقبل أن يدخلها المرء كما يدخل غيرها، أن يقيم فيها كما يقيم في غيرها، ثم يتركها كأن شيئاً لم يكن.

إنها ترفض ألاّ تتميز عن سائر أخواتها المدن في أرجاء الأرض، وهي التي استحوذت على قلوب ملوك وأباطرة وجبابرة وسلاطين وقادة الدنيا منذ فجر تاريخها، هي التي ضعف الجبابرة أمام قدميها، وهن الملوك أمام سحرها، استسلم الأباطرة لبديع قوامها ، خار السلاطين في حضرة هيبتها.

كل ركن في هولير يطفح بلمسة سحر مباركة

كل شيء يتعمد – طوعاً أو كرهاً – في معمودية هولير:

هديل الحمام على أسطح هولير

زقزقة العصافير على أعالي الأشجار في صباحات هولير الباكرة

قباب المساجد في أزقة أحياء هولير

إيقاع سكون الليل في بيوت هولير

متعة المشي الهوينا على فضة أرصفة هولير

حفيف الشجر في شوارع هولير

تذوق قشدة غفوة القيلولة في ظهيرات هولير.

ليس في هولير موضع غير قابل لخفقة عشق

472-holyoليس في هولير لمسة غير قابلة لهمسة قلب

كل ما في هولير يطفح في نظره بألق فتنة الجمال.

حينئذ يشدو فؤاده كما لم يشد من قبل:

ما أبهى خصلات الشمس في ثنايا جدائل شعرك ياهولير

ما أروع معالم غروب الشمس على ضفاف ضواحيك ياهولير

ما أجمل ظهيرات القيلولة في أركانك ياهولير

ما ألذ احتساء قهوة في فيء عصرك ياهولير

ما أطيب عطر العشاء في أماسيكِ ياهولير

ما أعظم شأنك ياهوليرتي

ما أسماك ياهولير وأنت هولير.

يسرد الكاتب في جزئية تاريخ ميلاد الكورد، فيقول "إذا أعدتك إلى ستين ألف سنة ماضية، سترى معي كما لو أنه حدث في رأس السنة الكوردية الماضية أن الناس قطنوا هنا في كهف شاندر". ويقول:"كان ذلك سنة سبعة آلاف قبل ميلاد المسيح، الناس بشكل عام كانوا يتوافدون إلى كل مدن هذه المنطقة الخصبة التي كانوا يسمونها أرض الكورد."

ويبرهن الكاتب من خلال المعلومات التي تقدمه له حبيبته (هولير) عظمة حضارة وتاريخ هذه المدينة، وأنها كانت من عصر حضارة مابين النهرين كانت أرض كوردستان.

 

تنشأ حالة من الحب بين بطل الرواية ومدينة (هولير)، والتي باتت تأتيه في منامه على شكل فتاة كوردية رائعة في الجمال، يستعرض من خلال الحديث الذي يدور بينه وبين فتاة أحلامه (هولير)، ملامح وخبايا هذه المدينة الكوردية، الآخذة جذورها في التاريخ، والتي راحت تقدم نفسها، قائلة:

أنا هولير

سيدة أمجاد الكورد

قلعتي الشامخة شاهدة على أمجادي

من أجل ضفائري تنازع جبابرة العالم

أعدّوا من أجلي ما استطاعوا من قوة، ومن رباط الخيل

أقاموا في ربوعي حيناً من الدهر

ثم ما لبثوا أن مروا بي مرور الكرام.

وفي إحدى الحوارات بينه وبين حبيبته (هولير)، يسأل: كم لغة تعرفين سيدتي؟

فقالت: قل كم لغة لا تعرفين.. لا أظن أن هناك لغات لم يعلمني إياها الملوك، ولم تعلمني إياها الغزوات التي تعرضتُ إليها، كنتُ أتحدث كل تلك اللغات بطلاقة، لكن لا أخفيك أن أحب اللغات إلى قلبي هي اللغة الكوردية، كما أن أحب الأسماء إلى نفسي هه ولير.

يزداد حب الكاتب لهولير يوماً بعد يوم، ويقرر اكتشافها أكثر فأكثر، ويقدم تفصيلات دقيقة عن عادات أهل (هولير) الطيبين، الذين تعلموا من أجدادهم الكورد في قوة محبتهم للإنسان كقيمة، كمعنى، كسمو، لذلك يشعر الكوردي أي كوردي بفخر لأنه كوردي، يمشي في الطرقات مرفوع الرأس، يمشي بشموخ، يدب خطواته بثقة لأنه يقف على جذره الكوردي.

لقد أيقن أن الكورد عندما يشرع في أي إعتداء على أخيه الكوردي، يكون قد خرج عن إنتمائه إلى أمة الكورد.

يروي الكاتب من خلال قصة الحب مع (هولير) بعضاً من مشاهداته لمعالم مدينة (هولير) وأثارها، التي ما هي إلا جزءٌ من سيرتها، فهي الشاهدة على كل تلك الوقائع التي جرت على مر التاريخ (آثار جوار تاقان، تل قالنج آغا، تل كلك مشك، تل قصر، حصن بانمان، قلعة بوك، كهف شاندر، مصيف بيخال، مصيف جنديان، مصيف حاج عمران، مصيف كلي علي بك)، وتلك الحضارات التي تناوبت على الظفر بهولير، وكانت لهم:

نزهة الساسانيين،

حديقة البارثيين،

مخبأ كنوز الفرثيين،

سياحة السلوقيين،

كنيسة الآشوريين،

جوهرة أبناء فارس النفيسة،

ضفة العثمانيين،

زهرة إمبراطورية أور الثالثة،

ساحرة الملك السومري الجميل شوكـــي،

ملهمة آشور باني بال.

 

في رواية (هولير حبيبتي) يستعين الكاتب بخبراته السابقة، ويقرر أن يكون محبوب هولير الأول، ومن خلالها يكتشف عوالم هذه المدينة الكوردية العريقة بشعبها قبل حجرها، ويقرر الغوص أكثر فأكثر نحو خصوصياتها، تاركاً للخيال الروائي جزءاً لا بأس به، مع الإبقاء على تماسك وترابط السرد الروائي، ومتجنباً كثيراً الدخول في المباشرية واللغة التوثيقية التأريخية.

الثورة السورية، وما خلفته من ويلات الحرب المستمرة فيها منذ ثلاث سنوات مضت، وحالة نزوح ولجوء الملايين من أبنائها داخل وخارج سوريا، هرباً من تداعيات تلك الحرب "المجنونة" التي تركت آلاف الأطفال دون آباء وأمهات، وحرمت الكثير من الآباء والأمهات من أبنائهم، وشردتهم، وجعلت منهم لاجئين في دول الجوار السوري (تركيا والأردن ولبنان، وكوردستان)، في حين كانوا منذ وقت ليس ببعيد هم من يستقبلون غيرهم من اللاجئين العرب من فلسطين والعراق ولبنان، الأمر الذي ترك عندهم حسرة لما آلت إليه الأوضاع في بلادهم.

بعد كل هذا الحب بين بطل الرواية (الكاتب)، وتحول مدينة (هولير) إلى "حبيبة" و "معشوقة" له، وللقراء من بعده، إلا أنها (هولير) عاقبته على تجرئه على الدخول إلى عالمها الخاص، وخدش حياء المدينة "العذراء" بأن حرمته من حقه في الحصول على "الإقامة" فيها، ربما تكون مشروع جزء ثاني من قصة الحب مع (هولير) المدينة التاريخية الكوردية، وعاصمة الكورد الوحيدة، وهي تناديه ليعود:

أنا هولير..

حاضنة كهف شانده ر..

لؤلؤة كوردستان المجيدة..

قلعتي الشامخة شاهدة على أمجادي..

انا هولير

فضة أحلام الملوك،

محط أنظار الجبابرة،

مكمن أطماع الغزاة،

مدينة الآلهة الأربعة،

مقام حاملة الإرث البابلي عشتار المقدسة.

ضفة العثمانيين، زهرة إمبراطورية أور الثالثة،

جوهرة أبناء فارس النفيسة، وسادة الميديين في ليالي الوحشة

محطة غزوات الرومان، محظية هولاكو، عروس إمبراطورية الصفويين، حلة تيمورلنكَ النفيسة، أسيرة الطليان الجميلة.

أنا هولير..

قصبة حفدة الكورد الذهبية

لي عند ربي مكرمات.

 

.........................

الكاتب في سطور:

- عبد الباقي يوسف، روائي كوردي من مواليد مدينة الحسكة (غربي كوردستان) سوريا لعام 1964.

- صدرت له مؤلفات روائية وقصصية وأدبية عديدة، حققت الكثير من الجوائز الأدبية العربية والدولية، ومنها: فازت روايته "خلف الجدار" بجائزة دبي للرواية العربية عام 2002، وحققت روايته "الآخرون أيضا" جائزة منظمة كتاب بلا حدود الدولية عام 2012.

وهو عضو في العديد من المنظمات والنقابات الأدبية العربية والدولية، منها:

- عضو اتحاد الكتاب العرب، عضو جمعية القصة والرواية السورية.

- عضو رابطة أدباء الشام.

- عضو رابطة العالم الإسلامي.

الفنان المغربي عزيز المانوكي رحلة بحث عميق ومسار متعدد

36-azizmanoki1انطلقت مسيرة عزيز المانوكي الفنية منذ سنوات الستينيات، بداية طبعتها سمة تقليد أعمال بعض الفنانين العالميين مثل سيزان، فان جوغ ومونيه .. ونظرا لسن الفنان الذي كان آنذاك لا يتجاوز عشر سنوات، فقد كانت هذه المرحلة بالنسبة إليه، قاعدة لحياته الفنية المستقبلية حيث ضبط خلالها أساليب الرسم الانطباعي وأتقن تقنياته الدقيقة. شغف الفن دفع الفنان عزيز المانوكي أيضا إلى تتبع جديد الساحة الفنية المغربية وهكذا صار يواكب باستمرار أعمال الفنانين المغاربة الذين برزوا في تلك المرحلة، من ضمنهم محمد المليحي،محمد شبعة، فريد بلكاهية، حسن الكلاوي، الشرقاوي، الغرباوي ولطيفة التيجاني ..، حتى كانت سنة 1975 حيث عمد الفنان الى تعميق معارفه الفنية فالتحق بمدرسة الفنون الجميلة ب "اكس اون بروفانس" ثم مدرسة "الفنون والهندسة" بمرسيليا. دراسة الفنون بشكل أكاديمي مابين سنة 1975 و1978 شكلت إضافة مهمة في الرصيد المعرفي الفني للفنان عزيز المانوكي، فخلالها انتقل من فنان عصامي إلى فنان أكاديمي، ولم تخل هذه المرحلة من انتاجات إبداعية وضف فيها معارفه المكتسبة لكنها أعمال ظلت مخلصة لقواعد التجسيدي.

36-azizmanokiوبعد عودة الفنان عزيز المانوكي إلى المغرب التحق بالشركة الوطنية للخطوط الملكية المغربية كمسؤول عن برمجة الرحلات الجوية،وتنظيم المواقيت لها وللشركات الأجنبية بمطار مراكش المنارة، ورغم التزاماته المهنية ظل متشبثا بعمله الفني الذي كان يخصص له جزءا من اوقات فراغه الى ان تقاعد سنة 2011، ليتفرغ كليا للعمل الفني والمساهمة في الرقي بالذوق الجمعي إلى ارفع المستويات فكان هذا التفرغ مليئا بالعطاء والحيوية والإبداع .

36-azizmanoki2رغبة الفنان عزيز المانوكي في ابتكار أساليب جديدة في اشتغاله الفني أبعده عن التجسيدي قليلا، فسرعان ما شعر بان رسالته وطاقته الإبداعية اكبر من أن تحصر في تجارب مقلدة، فدفعه وعيه بأفق الإبداع الشاسع وإمكانياته المتعددة إلى الانتقال إلى مرحلة أخرى، ستبرز خلالها ملامحه الفنية الخاصة،وبصمته الفريدة، وهنا اهتدى الفنان إلى أسلوب جديد يزيغ عن قواعد التجسيدي إلى أسلوب يتناول المواضيع من خلال الرسم بالسكين، وغالبا ما يتناول الفنان عزيز المانوكي مواضيع ذات علاقة بالتراث المغربي، حيث أنجز سلسلة من اللوحات بنفس الأسلوب ترصد تراث التبوريدة في جميع تلويناتها، انطلاقا من تتبع أشكال الفرس العربي والامازيغي وحركاته الشامخة، وادائه على ساحة التبوريدة،لوحات شارك بها الفنان في العديد من المعارض والملتقيات الوطنية ولاسيما تلك التي تحتفل بالفرس كالمعرض الدولي للفرس بمدينة الجديدة .

بحث الفنان عزيز المانوكي في التراث المغربي قاده الى وضع أجندة فنية تتضمن برامج متعددة يأمل أن تحمله إلى المزاوجة بين الأصالة العريقة والحداثة الفنية،سواء على مستوى المواضيع او على مستوى التقنية، فالفنان عزيز المانوكي فنان يشتغل بحواسه ومشاعره ويحاول أن يبرز من خلال أعماله الفنية نظرته إلى الأشياء كما يشعر بها، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن تناوله للفرس كموضوعة في سلسلة من اللوحات ابتدأت تجسيدية ترصد شموخ هذا الحيوان الذي واكب الإنسان على مر العصور وإبراز نظراته المتأملة التي تكاد تنطق كلاما، وانتهت إلى شبه تجريدية، وهي اللوحة التي لا تظهر نفسها إلا عندما يترك المتلقي بينه وبينها مسافة قصيرة، وعند الاقتراب منها تبدو لوحة تجريدية تمازج بين مختلف الألوان مما يعطيها إمكانية قراءات أخرى متعددة، أسلوب يعمل الفنان على تطويره من خلال أعمال أخرى في ورشته يهيئها لمعرض شخصي في القادم من الأيام، أعمال تحمل مواضيع أخرى مختلفة، لاشك أنها ستعطي نفسا جديدا لبحث الفنان عزيز المانوكي المستمر لمواكبة تطور الفن المعاصر .

التطهر والتطهير في ديوان "أساور البنفسج" للشاعرة سميرة عبيد

hayelali almotheabiإذا إتفقنا أن الحياة المادية والتكنولوجيا الحديثة قد طمست على معالم الجمال في النفس البشرية ودأبت على تشويه القيم الجميلة في قلوب الناس وحثتهم على ترك الإنتباه إلى ماخلق الله من جمال في هذه الدنيا وسلبت المرء دهشته بعوالم الطبيعة وسحرها، فإن المادية والتكنولوجيا هي مرض العصر بامتياز ، ولاسبيل إلى التطهر من كل ذلك القبح والتشوه إلا بتذكر كل إنسان لميلاد مرضه المادي الأول عن طريق جولة سريعة بين الورود ومفاتن الطبيعة وهذا مايبدو جلياً لنا من أول وهلة تقع أعيننا فيها على ديوان " أساور البنفسج " للشاعرة سميرة عبيد وتشعر بذلك بمجرد أن تفتح المجموعة التي سطرت بالاهداء الذي يقول :

(إهداء ..

لوجه أبي الذي لون أحلامي بالبنفسج ...

ذان ... لعطر وضوئه ساعة

لميسلون التي شربت ضحكته...

لخبز أمي الذي لايشبه أحد ...

لرائحة الياسمين في حدائقها)

.

• التطهرCatharsis:

يرى أفلاطون كونه أول من استخدم هذا المصطلح أن المأساة تطهر المتفرجين من عواطفهم وانفعالاتهم المكبوتة عن طريق استثارتها في نفوسهم. وحين تناوله أرسطو قال أن المأساة تطهر المتفرجين من "الانفعالات والعواطف المتطرفة" .

وفي القرن الماضي دخل مصطلح "التطهر" أو "التطهير" في علم النفس التحليلي من مجالين المجال الثاني وهو ما يعنينا ، في العلاج النفسي عند المدرسة التحليلية منذ ابتكر عالم النفس "جوزيف بروير" أسلوباً للعلاج أطلق عليه اسم "الأسلوب التطهيري" حيث يطلب من المريض النفسي أن يحاول أن يتذكر أول مرة لاحظ فيها أعراض المرض فإذا تذكرها شفي المريض كما زعم "بروير" وفي قصيدة (يوم ميلادي ص 124) تتعافى الشاعرة ويتعافي اللاوعي الجمعي بقولها :

أيها النور لا تنطفئ فخلفك سيول من الآوجاع تحتضر

وشجرة أمي المزروعة بالياسمين صدق أبي حين قال

إنها لا تنكسر ..... لا تنقصر .... لا تندثر

لو مر عليها الخريف ستعود من جديد يا بنفسج)

واقتبس فرويد هذا الأسلوب في بداية تكوين نظريته المتكاملة في التكوين النفسي للإنسان وفي علاج مرضاه وكـان لا يزال يؤمن بأن الحالات العصابية (أو الأمراض العصبية) ترجع إلى أحداث بعينها في حياة المرضى ولكنه عاد فعدل من فكرته وأرجع كثيراً من حالات "العصاب" إلى ما وصفه بأنه "صراع" بين الدوافع الغريزية والقيم التي رسختها الثقافة أو المجتمع. وعمل "فرويد" بعد ذلك على تطوير أسلوب "التداعي الحر" حيث كان أسلوب التطهير أحد جوانبه فحسب.

إن النظر العميق يهدي إلى أن مسألة التطهر تقتضي وجود مأساة أولاً وشيء يخافه الإنسان ويخشاه، ولعلنا نفطن جيداً أن المادة هي قبح الحياة بما تفعله في قلوب البشر من بغضاء وكذلك ما تولده من كراهية بينهم ولأجل ذلك أصبحت المادية الحديثة تشكل مأساة بل هي المأساة الحقيقية للإنسان في العصر الحديث خصوصاً بعد أن تخلى الإنسان عن قيمه النبيلة وقتل كل ما يمت إلى الجمال بداخله فأصبح في أمس الحاجة إلى من يوقظ بداخله ميلاد افتتانه بالجمال وكذلك ميلاد مرضه بالمادة كما زعم "بروير" .

وكما أفترض مصطلح التطهر أو التطهير لدى أرسطو ومن قبله أفلاطون وجود مأساة فإن مجموعة " أساور البنفسج " التي سعت الشاعرة من خلال ما جاء فيه من نصوص عن الورود والجمال تقوم بفعل التطهير للإنسان من مأساة المادية والبغضاء لأن الشعر يقوم بفعل التداعي الحر لدى المتلقي وهو ذاته ما انتهجه فرويد في علاجه لمرضاه .

وكما رأى "كارل يونج" أن الفنان لا يعدو كونه أداة يستخدمها اللاوعي الجمعي، الذي يتحكم في مختلف سلوكيات الإنسان وممارساته، ومن ضمنها الممارسة الفنية.

والامتياز الوحيد الذي يتفاضل به الفنان عن غيره من آحاد الناس هو قدرته على الإنصات لهذا اللاشعور والتعبير عنه، تقول سميرة في قصيدة (صهيل الريح – ص 118) :

لك هذا الجبل / ولي بنفسجياتي، / لك هذا المطر/ ولي أمنياتي،/ إما أن نبتل معا فننتشي / وإما أن نختفي من هذا الوجود / بين أفنان ليلة ماطرة،)

وبذلك يصبح الفنان والشاعر لسان حال مجتمعه وعصره الذي يصغي فتبوح له الأرض بأنين روحها ، وذلك اللاوعي الجمعي هو الذي يتحدث في ديوان " أساور البنفسج " فيكون بذلك المجتمع في أمس الحاجة إلى تذكر ماقتلته المادة في نفوس الناس من جمال وافتتان ودهشة بالطبيعة .

ذلك القبح للمادة في النفس البشرية ينطبق عليه قول الشاعر :

" هو هذه الكف التي تغتالنا / ونقبل الكف التي تغتالُ "

إنها المازوشية التي تجعل الإنسان يتلذذ بتعذيبه لذاته، فهو يشاهد الخوف ويستلذ بمشاهدته ولاسبيل إلى تطهيره من كل ذلك القبح سوى بإعادته إلى مواسم البراءة والجمال في الحياة كما يتحدث اللاوعي الجمعي في ديوان "أساور البنفسج " على لسان الشاعرة وفي (قصيدة: الشارقةُ زهرةُ الدنيا- ص 24) تقول الشاعرة:

ياشارقة الحلم البنفسجي / يامن ترجين في القلب مراكب الحب المسافرة

منذ خلق عطر بنفسجي ب حي "ميسلون ").

وتماماً مثلما تحن الشاعرة في أساور البنفسج إلى ميلاد العطر الأول والوردة الأولى في حياتها يحن المجتمع الذي مازالت بكارة الحياة تحرضه على المادية والتكنولوجيا إلى التطهر بالورد والشعر والغناء من درن المأساة .

 

نجد كذلك من الأمثلة والشواهد أكثر من اربع قصائد للورود والبنفسج ك" أساور البنفسج " و" لوعة البنفسج " و"سحر البنفسج " وغيرها .

 

المسرح تمثالٌ، لعرض الملابس ..

ماجدوى ذلك في وطنٍ يعشق التعري ..!!

أن تتهم بالتخلف أهون من أن تتهم بالمسرح وأنت لاتملكه ..

 

الفارسُ يبدّل سلاحه ويحارب الظّلم بإنسانيته

sanaa alshalan"قراءة في كتاب "ثورة كردستان ومتغيّرات العصر" لملا بختيار (شورشي كوردستان وكورانكاريه كانى سه رده م)

لستُ منظّرة سياسيّة بأيّ حال من الأحوال، ولا يضيرني ذلك، فلي وجهة نظري الخاصّة في شأن السّياسة، ولكنّني أخجلُ بارتباكٍ عندما أعترف بمصداقيّة جريئة بأنّني من جيل عربيّ غُيّب بقصد وسبق إصرارٍ وترصّد عن القضيّة الكرديّة، وضُلّل بكثير من الأكاذيب التّاريخيّة الخطيرة التي سرقتني وجيلي –غالباً – من أن ندرك حجم المعاناة الكرديّة في إزاء ممارسات قمعيّة وحشيّة حرمت هذه الأمّة من يسير حقوقها الطّبيعيّة التي من الإنصاف أن يحصل الإنسان عليها ضمن حقوق مواطنته دون أن يبذل حياته –في كثير من الأحوال- ثمناً لها.ولولا الأقدار الكريمة التي قادتني نحو حقيقة نضال الشّعب الكرديّ، لبقيتُ مثل سائر أبناء جيلي من العرب ومن غيرهم لا أعرف شيئاً عن حقيقة عدالة القضيّة الكرديّة، وأتواطأ مع الظّلم بالصّمت الظّالم، تماماً كما يجهل الكثيرون جلّ الحقائق حول الكثير من القضايا العادلة في هذا العالم، وعلى رأسها عدالة القضية الفلسطينية.

أمّا قلبي وإدراكي فأزعم أنّهما الأكثر حساسيّة تجاه الحقائق والجمال والقلوب الكبيرة والتّجارب العظيمة والبشر الأبطال النّادرين المجبولين بالبذل والعطاء المصنوعين من ماء الثّورة والإباء والتّعاظم على الظّلم والاستبداد والاستلاب، ومن هذا المنطلق أجد نفسي راغبة في تقديم قراءتي الخاصة لكتاب "ثورة كردستان ومتغيّرات العصر/شورشي كوردستان وكورانكاريه كاني سه رده م " للسّيد ملا بختيار، وهي قراءة أحرص بالدّرجة الأولى على أن أطلع القارئ العربيّ عليها ؛فهو في حاجة حقيقيّة إلى أن يعرف الكثير من الحقائق عن عدالة القضّية الكرديّة، وأن يسمعني ويسمع من مناضلي الأمّة الكرديّة بقلبه وعقله وروحه بعيداً عن الأكاذيب العنصريّة الشّوفينيّة المقيتة التي نفثت في فكره ووجدانه، وفي ظلّ ذلك أفخر بأن يطّلع القارئ الكرديّ على قراءتي الخاصة هذه التي أعدّها إطلالة على الكتاب من زاوية خاصة، وهي زاوية الإنسانيّة والعمل الجّاد في سبيل الظّفر الإنسانيّ العادل بالحق بعيداً عن التّضحية بالبشر دون طائل.

الكُرد ليسوا في حاجة إلى أنّ أعرّفهم بملا بختيار؛فهم يعرفونه أكثر مني، ويحفظون مسيرة كفاحه، وكثيراً ما سمعتهم ينعتونه بـ" السّبع" عندما يودّون تلخيص مسيرته ونضاله وخصائصه النّفسيّة، ولكن القارئ العربيّ الذي يثق في قلم سناء الشعلان وحياديته فأقول له إنّه إنسان يتشرّف المرء بتجربته وبنضاله، ولا يستطيع إلاّ أن يحترمه، ويثق في عدالة قلمه عندما يتتبّع نضاله الطّويل الذي قدّم شبابه كاملاً ثمناً له ليغدو رمزاً من رموز الثّورة الكرديّة التي تحتاج إلى أسفار عملاقة لتسجيل تضحيتها والتوقّف عند ملامح نضالها وأعلامها وعمالقة مبدعيها ومفكريها وعلمائها.

ويظلّ الوقوف عند هذا الكتاب هو لحظة انتصار للإنسانيّة في إزاء عالم ظالم، وقضية عادلة ملحّة، وتجربة ثرّة غنية تفرض على صاحبها أن يفيض على الحركة النّضاليّة الكرديّة والإنسانيّة بخلاصة حكمته، ورائق ما توصّل إليه من حقائق بعد مسيرة قاسية من البحث عن الحقّ في دروب وعرة شائكة تخلو من خصم رحيم شريف.

أُتيح لي أن أطلع على الطبعة الرّابعة المنقّحة من الكتاب الذي يقع في 392 صفحة من القطع المتوسط، ويتكّون من تسعة فصول وثمانية ملاحق مثيرة للتفرّس فيها، والتّوقّف مليّاً عندها، وهذه الفصول مقسّمة على مباحث ومحاور عدّة، وهي: كوردو الشّجاع، والشّروط الموضوعيّة والذّاتيّة، والطّرائق المختلفة في حرب الأنصار، وثورة كردستان وخصائص العصر، وتشويه الثّورة، وتوطئة في الإصلاح، والنتائج والمستقبل، والثّورة بين نهجين، والإعداد لثورة كردستان. فضلاً عن احتواء الكتاب على تقديم ووقفة عند تجربة المؤلف والمترجم في خضّم التجربة النضالية تحت عنوان "المؤلّف و ذُكريات نضاليّة" إلى جانب مقالتين لـ"رجائي فايد" و"علواني مغيب"يتناولان فيهما الكتاب من جانب فكري وتنظيري.

ويبدأ الكتاب بسؤال محيّر يقوم برمّته على جدليته، وهو: ما هو الطرّيق الأمثل للنّضال الكرديّ في خضم الظّروف المعاصرة؟أهو ثورة الجبال المسلّحة أم انتفاضة المدن؟ والكتاب يراوغنا بقدر ما نراوغه، ويقدّم لنا الإجابات كلّها قبل أن نطرح الأسئلة، فعندما تغرينا الفكرة التي يطرحها بالجدال والتّشكيك يحاصرنا بالأرقام عبر ملاحق ثمانية أثبتها في آخر الكتاب تحت عناوين:الحركات المسلحة المنتصرة بعد سنوات الحرب العالمية الثّانية, الحركات المسلحة المستمرة, الحركات المسلحة المنتكسة, الدّول التي قامت فيها حركات مسلحة في قارة آسيا بعد الحرب العالمية الثّانية, الدّول التي قامت فيها حركات مسلحة في قارة أفريقيا بعد الحرب العالمية الثّانية, الدّول التي قامت فيها حركات مسلحة في أمريكا الوسطى بعد الحرب العالمية الثّانية, الدّول التي قامت فيها الحركات المسلحة في أمريكا الجنوبية بعد الحرب العالمية الثّانية, ملخص إحصائي بالحركات المسلحة في القارات والمناطق الحيوية في العالم بعد الحرب العالمية الثّانية.فنجد أنفسنا مسلّمين بالفرضية التي تنتصر لانتفاضة المدن والخارجة على ثورة الجبال بعد سنين من انخراطه فيها بعد أن قدّم لنا الدّليل والبرهان المبين عبر المقارنات والإحصاءات الرّقميّة الدّقيقة الكاشفة لاتجاه الثّورات المسلّحة والانتفاضات في العالم في التّاريخ الحديث.

هذا الكتاب يقدّم عرضاً مستفيضاً للثّورات المسلّحة في العصر الحديث بتعالق واضح مع التّحليل والمقارنة والمفاضلة والتفصيل والشّرح والتّوضيح لرسم ملامح الفضاءات المستقبليّة للانتفاضات والثّورات وحروب التّحرير من أجل رسم شكل مفترض للثّورة الكرديّة في خضم معطيات راهنة لا يمكن إهمالها أو تجاهلها، وفي حال حدث ذلك فستكون النّتيجة كارثيّة تنحرف بالثّورة والأمة نحو الفشل والخسارة واليأس.

وهو في هذا الشّأن يسخر بحكمة العارف المجرّب من أيّ أصوات تتجاهل ملامح الواقع، وتنادي بثورة مسلّحة طويلة الأمد، ويعدّها نوعاً من الانتحار في ضوء تغيير الشّروط الموضوعيّة التي تعني استحالة انتصار الثّورة على نظام يفوقها اقتداراً مالياً وعسكريّاً، فهو لا يرى الثّورة مناطحة رؤوس، بل هي وفق تعبيره" تأجيج نيران الغضب المقدّس للجماهير المضطهدة من أجل صهر الرأس الحديديّ لسلطة العدو".

اللافت للنّظر في هذا الكتاب قدرته على الكتابة بجرأة ضد السّائد، وهو يختار طريقاً مغايراً نحو النّضال، ويحوّل دربه في هذا الهدف، وهو نضال انتفاضة المدن.والتّصريح بهذا الأمر هو بمثابة اختيار فضاء آخر مواتٍ للطّيران بخلاف ما يختاره السّرب.وهو اتجاه ليس بالأمر الهيّن، وقد استلزم الكثير من البراهين والحجج والمقارنات والإحصاءات لإقناع القارئ بهذا الاتجاه.الكاتب باختصار يبدّل سلاحه أنّى شاء ما دام هدفه هو متابعة النّضال والكفاح والمطالبة بحقّه، ولكن لا يفرض علينا رؤيته وخلاصة تجربته بل يترك لنا حرية الاختيار.

والكتاب يستعرض الثورات المعاصرة استعراضاً مستفيضاً، ويوازن بين ظروفها ومعطياتها وخصائصها، ويحاول تشخيص أسباب انتصار بعضها، وهزيمة الكثير منها، ثم يقودنا إلى دراسة معطيات الثورة الكردية عبر استعراض ملامحها وخصائصها وظروفها وتحدّياتها، ويقف مليّاً عند الثورة المسلّحة الكورديّة بما لها وعليها، ثم يقف بنا عند ملامح معطيات المشهد الكردي المعاصر، ويلحّ على أنّه ليس من الحكمة والإنصاف والذّكاء الدّخول في نضال جبال مسلّح يفني الكثير من الأبرياء في إزاء تبديد فرص أخرى من النّضال مثل انتفاضة المدن، وهي فرص غدت أكثر ملائمة لروح العصر والمعطيات والإمكانات والآمال.

لقد كتب المؤلفّ كتابه هذا –كما يذكر- بعد أن عاين تجربة نفسيّة مريرة إثر النّكسة العسكريّة التي واجهت الثّورة الكرديّة في العقد الأخير من القرن العشرين(1988-1989)، ثم تدارس الموقف والمعطيات طويلاً، واستغرق مليّاً في دراسة الثّورة الكرديّة في ضوء الثورات المسلّحة التي خاضها العالم في تاريخه المعاصر بعد الحربين العالميتين، وبذلك تمخّض هذا الاعتكاف الفكريّ والتّدارسيّ عن جملة من القناعات والأفكار التي رسم بها درباً جديدة إلى تحصيل الحق الكرديّ عبر نوع جديد مقترح من النّضال.

وهو بهذا الرّأي لا يقلّل من قيمة النّضال الكرديّ المسلّح الذي قاتل تحت رايته لمدة 14 عاماً، وحقّق الكثير من الانتصارات المشرّفة والصّمود المجيد، ولكنّه لم يحقّق غايته كاملة، وقد وجد نفسه الآن أمام تحدّيات كبيرة ومهام مختلفة ومتطلّبات ملحّة تستوجب منه تغيير شكله وآلته ووسائله.

من يقرأ الكتاب يصل إلى أنّه يحترم الثّورة المسلّحة في الجبال، ولكن في ضوء التواجد في المدينة الآن فهو ينادي بالقتال بسلاح مختلف تماماً يتناسب مع المدينة ومعطياتها، ويلعب معنا لعبة المفاضلة العقليّة الجدليّة التي تختار بعد الدّراسة والمفاضلة والإقصاء والتنحيّة الأفضل والأصلح والأقوى.

من الملامح الجميلة في هذا الكتاب توقّفه عند نضال الشّعوب وثوراتها بكلّ محبّة وتقدير، فدراسته لهذه الثّورات ليست فقط من جانب الاستفادة من هذه التّجارب لاستثمارها الممكن لخدمة القضية الكردية، بل الكتاب متحمّس لكلّ نضال في سبيل إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، وتحقيق قيم العدل والإخاء والمساواة والمحبّة.وفي هذا الشأن أسجّل لهذا الكتاب موقفه الحياديّ العادل المنصف والجريء والصّادق من القضيّة الفلسطينيّة التي أشاد بانتفاضتها المستمرّة التي استطاعت عبر استنهاض الهمّم الشّعبيّة أن تغيّر مجرى الأحداث، وتركّع العدو الصّهيوني، وتجبره على القبول بحكومة فلسطينيّة.

والكتاب عندما يقودنا إلى الثّورات كلّها التي طرحها إنّما يقدّم لنا دروساً إنسانيّة حيّة عن النّجاح والفشل والألم والفرح والخوف والأمل، وهو يأخذنا في مغامرة بشريّة نحو حق الإنسان في الثّورة على الظّلم، وهو حقّ بشري مقدّس وثابت. وفي هذه الرّحلة الممتدّة في مشوار البشريّة الثّوريّ في العصر الحديث يراوح الكتاب بين التّفصيل والإيجاز ليدفعنا لاستيلاد العبر والدّروس من هذا المشوار بغية استثمارها في تركيب المشهد المتغيّر عالميّاً وكردياً؛فيتحدث بتفصيل مدروس مقصود عن فشل التّجربة السّتالينيّة التي ركضت بالاتحاد السّوفيتيّ نحو الخلف حيث التّخلّف والجمود العقائديّ والدكتاتوريّة والقهر، فأثّر ذلك سلبيّاً على ثورات الشّعوب في المنطقة، وعرّج على الثّورة الصّينيّة بظروفها الذّاتيّة والموضوعيّة وصولاً إلى انحرافها عن مسارها ووقوعها في شرك الدكتاتوريّة، كذلك توقّف طويلاً تارة وقصيراً تارات عند كثير من الثّورات المسلّحة والانتفاضات التي آل بعضها إلى الانتصار، وانحدر معظمها إلى الفشل، وما زال كثيرٌ منها يراوح مكانه.

والكتاب يتحدّث صراحة عن أهميّة إنجاز كتب عن المعارك والحروب والنّضال الكرديّ، ويحتجّ صراحةً وعلانيّةً على غياب هذا المنجز عن المشهد الكرديّ، في حين هناك تطرّق إلى الكتابة في سائر الموضوعات، مثل: مخطوطات الملالي والشّيوخ القدامى في زوايا المساجد وأركان الجوامع وتكايا المتصوّفة.

الشّعور الأكيد الذي يهيمن عليّ بعد قراءة هذا الكتاب هو توقي الشّديد إلى أن يُستكمل المؤلف هذا المشروع في جزء جديد/كتاب ثانٍ يرسم ملامح المستقبل البديل المقترح للثّورات والنّضال الإنسانيّ مع رصد الخطّة المفترضة بتجلياتها كلّها لأجل استكمال هذا الكيان في ضوء المعطيات العالميّة والشّرق أوسطيّة المتسارعة والمربكة والمباغتة.

أيّاً كانت قناعتنا المتكوّنة بعد معاينة هذا الكتاب، وأيّاً كان انحيازنا إلى ثورة الجبال أم إلى انتفاضة المدن فإنّنا لا بدّ أن نضّم أصواتنا إلى صوت الكاتب الذي يختم كتابه بجملة قدريّة تحكم كلّ المآلات والصّراعات في كوكب الأرض، وهي:" لا بدّ أن تتحرّر الشّعوب مهما طال زمن الظّلم والاستبداد، والعبرة في البحث عن الطريقة المثلى لذلك".

الأسلوب في رواية "الريح الشتوية" لمبارك ربيع

alhasan alkyriيبدو أن أول ما يمكن ملاحظته بصدد البنية الأسلوبية لهذه الرواية هو بساطة لغتها، وسلامة تراكيبها وفصاحتها، مع توجيه طرق التعبير نحو خطاب جديد أكثر واقعية ومباشرة. وعلى العموم، فإن هذا النص يتميز بجملة من الخصائص الأسلوبية يمكن رصد بعضها كالآتي:

— استخدام الألفاظ المألوفة مع الابتعاد عن الغريب والمهجور من اللفظ.

— اعتماد المبدع على الجمل البسيطة في التعبير: رغم توظيفه بعض الجمل الطويلة التي تظل، تركيبيا، بسيطة وبعيدة عن التعقيد التأليفي.

— استخدام بعض النماذج التعبيرية من الزجل الشعبي.

— استخدام بعض العبارات العامية.

— اقتحام بعض الألفاظ الأجنبية الفرنسية في التعبير.

— اعتماد الأسلوب الأدبي الروائي الذي يتداخل فيه السرد بالوصف.

وفي هذا الإطار يلاحظ تركيز المبدع على الوصف وتصوير المشاهد، وينصب هذا الوصف على الفضاءات والشخوص .

نتيجة لذلك، يتضح أن هذه الخصائص جعلت هذه الرواية، من الناحية الأسلوبية، تتمازج فيها لغة التخاطب اليومي باللغة الأجنبية، بالإضافة إلى لغة ثابتة تتأرجح بين المستويين السابقين.

أما إذا نظرنا إلى هذا النص، باعتباره نصا روائيا، فإننا يمكن أن نسجل بأنه يشتمل على جملة من المعايير والمميزات التي ترسخت من خلال تجارب روائية غربية وعربية: ومنها:

- عرض تجارب مجموعة من الشخوص في أزمنة وأمكنة مختلفة، مع تتبع ما يلحقهم من تغيرات وتطورات . مثلا [ شخصية كبور – شخصية العربي الحمدوني...]

- تحديد الأزمنة والأمكنة التي تتحرك فيها هذه الشخوص، وتنجز فيها الأحداث.

- الاعتماد على عنصر السرد، وإسناد هذه المهمة إلى سارد يلم بتفاصيل الحكاية، من أجل تقديم تجارب الشخوص، ووصف حالاتها وتحولاتها.

- عرض الأحداث من مستوى منظور سردي محدد هو "الرؤية من خلف" الشيء، الذي يبرز تحكم المبدع في جميع عناصر روايته.

- تنويع طرائق العرض ما بين السرد والوصف، والحوار بنوعيه الخارجي والداخلي.

- توظيف اللغة النثرية الفنية جنبا إلى جنب مع مستويات لغوية أخرى (عامية + أجنبية + وسطى...).

- توظيف وسائل فنية روائية مهمة تدل على الاسترجاع + الاستباق + الحذف والاختزال + التعطيل والكسر + التعليق والتوضيح، و غيرها.

- توظيف الرمز مثلا في الحُلم.

عنصر الإيحاء ممثلا في بعض التعابير مثل:

— "شجرة التين التي غرسها (كبور) في باحة الدار، والتي بدأت ثمارها الأولى تعد بعطاء سخي».

— « الشمس والريح الشتوية الصادقة المجهولة المصدر...».

هذه التعابير وغيرها، الرمزية و الإيحائية، جسدت الموضوع الروائي بشكل رفيع، بحيث تكشف عن حقيقة تاريخية، بشكل فني، هي المجابهة بين "سكان الكاريان" والاستعمار الفرنسي. ومن ثمة يظهر جليا بأن إشكال هذا النص يكمن في: كيف تتسرب المادة التاريخية إلى شرايين الرواية، ويتهيكل العمل الفني رواية وليس تاريخا؟ وكيف يكون السرد الروائي المستلهم للتاريخ، لوقائع حدثت في الزمن العام أحداث فنية تخضع لمعمارية النص الروائي ولوحداته الكتابية؟...».[عن كتاب "في الأدب المغربي المعاصر" لأحمد المديني ص 44].

وخلاصة القول هي أن رواية "الريح الشتوية" للكاتب المغربي مبارك ربيع تستجيب لهذه المعايير الفنية من حيث أحداثها، ولغتها وتقنيات العرض فيها، ومن حيث التنظيم البنائي .. ومع ذلك تبقى رهينة الكتابة الروائية التقليدية على الرغم من ظهورها في مرحلة شهدت فيها التجربة الفنية للمبدع بعض التوسع والتطور. وبناء على ذلك، يتضح بأن هذا النص يطرح من حيث محتواه، إشكالية نقدية هي علاقة الروائي بالتاريخ.

 

كاتب و باحث في الترجمة والتواصل/ المغرب.

السخرية الهادفة في (ضحكة الخاتون) لرغد السهيل

tahseen abas"ربما كان التعريف نفسه للعنوان يطرح أكثر من أي عنصر آخر للنص الموازي، بعض القضايا، ويتطلب مجهودا في التحليل، ذلك أن الجهاز العنواني، كما نعرفه منذ النهضة (....) هو في الغالب مجموعة شبه مركبة، أكثر من كونها عنصرا حقيقيا، وذات تركيبية لا تمس بالضبط طولها". جيرار جنيت

كثيراً ما يصاحبنا الفضول عندما نشتري كتاباً أن يخالجنا التوغل بعنوانهِ لما لديه من تأثير مباشر في استدعاء القارئ إلى كاتب النص أو المجموعة الأدبية على مختلف أجناسها فهناك من الأدباء من يبتكر عنواناً يكون جامعاً لفحوى ما يهدف إليه المنجز الأدبي من جمال في التعبير أو فن في التوصيل ومنهم من يضع عنواناً يختاره من عناوين نصوصه المتواجدة في مجموعتهِ ليكون بيت القصيد المطلوب إيصالهِ إلى ساحة التلقي أو أنَّه الدال على الكائنات الحبرية التي ستتواجد ضمن المنجز أو الرمز الذي تتضح منه ثيمة الطرح، فالعنوان هو كاريزما المعنى ظاهراً وباطناً يتمُّ من خلالهِ تفكيك النصوص وتحليلها ومن ثمَّ إعادتها إلى ما بُنيتْ لأجله.

ففي "ضحكة الخاتون" لرغد السهيل تتضح لنا هندسة تصميم المجموعة على الفكرة الأولى وهي العنوان الجامع لمضامين القصص فلم تحتوِ المجموعة على قصةٍ بهذا العنوان وقد تعمدتْ الكاتبة أن تجعل في نهاية أو مضمون كل قصةٍ ضحكة للخاتون ترومُ من خلالها السخرية الهادفة التي يتحقق بها القصدُ المنشود من الكتابة السردية في كشف المثالب النفسية التي تعاني منها الشعوب الشرقية في غايتين الأولى: إرضاء الذات المُبدعة وإبراء ما في ذمة الضمير، والثانية: محاولة تصحيح الواقع المؤلم والسعي لمُعافاتهِ من العوارض النفسية التي انتشرت فيه .

لذلك نجد الخاتون التي معناها في اللغة التركية هي سيدة من الطبقة الثرية او الطبقة الحاكمة - أخت الباشا - أم الباشا - زوجة الباشا ... تتجول في كل قصص المجموعة لتقرعَ طبولَ العاطفة والعقل والروح فقد كانت (السهيل) هي خاتون المجموعة في جمال تعبيرها وفذلكة توصيلها ودقة أسلوبها في إلقاء الدهشة في قلب المتلقي وإحياء المتعة في تقصي أحداث السرد لتنهي كلُّ قصها ب " شرّ البلية ما يُضحك" فقد أشارتْ قبل نص الإهداء الى معنى بيت المتنبي:

وكم ذا بمصرَ من المضحكاتِ ــــــــ ولكنَّه ضحكٌ كالبُكا وقد تكون الخاتون في المجموعة هي شخص المثقف الذي يُطلُ من نافذتهِ على العالم كما يوحي غلاف المجموعة بوقفة لامرأة ثرية ظهرت على رقبتها ويديها حليٌّ من الذهب أو الجواهر ويمكن تأويل شكل الجواهر إلى مرجعيات المثقف ومعرفياتِهِ لأنه غالباً، لا يمتلكُ غير ثقافاتهِ . فأنا أميلُ هنا للرأي الثاني لأنَّ أغلبية الطبقة الارستقراطية لا تكترث لما يُعانيه عامة الناس ويندر غير ذلك .  

ففي قصة "ظلال الغبار" ص9 كشفت (السهيل) عن انتشار الظن السيئ وتسيدهِ في تحليل الأحداث التي يمر فيها الفرد أو المجتمع كافة.

فبعد أن رأت الخاتون وهي الشخصية المستترة بلسان الراوي، الطفلينِ الذينِ أدهشاها بفطنتهما وذكائهما حيث أرغماها على حبِّهما ؛ جاءت للتتفاجىء برأي أخيها خالد بعد مغادرتهما المنزل وانتهاء عاصفة الغبار.

(علينا يا حياة تغيير مفاتيح البيت . قد يكونان من أفراد العصابات وجاءا إلينا ليتفحصا البيت، طريقة دخولهما غريبة . أشكُّ أنّ لديهما مفتاحاً ..)

فقد وضعها أخوها بين فكي الحدث . أ تّكذب نفسها وما لمست من حقيقة براءتهما أم تعذر طريقة تفكير أخيها لأنه من الرجال فهم كثيراً ما يحلِّلون الحوادث بظاهرها .؟!

(أعرف منطق الرجال . هم دائماً هكذا، منطق جامد لا يتعامل مع الأشياء إلا بظاهرها، ربَّما هم محقون، فبعض المفكرين يقول: إن الأشياء هي كما تبدو بظاهرها) .

لكن في نهاية القصة تحلُّ (السهيل) عقدة السرد حين عجزت الخاتون في إيجاد الطفلة فإذا بجارتها تعطيها معطفها الذي فقدته في رحلة بحثها وتقول لها أن طفلة أتت بهِ وقالت: (بأن تنتبهي فلا تضيعيه ثانية .. لان الجو باردٌ هذه الأيام ..)

أرادتْ (السهيل) في لحظة التنوير التي انتهت بضحكة الخاتون ان تكسر ميثولوجيا الأمثال التي تتبنى (سوء الظن من حسن الفطن) .

أما في قصة " الوجه الثالث للعملة " ص29 تتوغل القاصة في واقع التعليم ومستواه المزري وكيف دخلت فيه اللامبالاة لإخفاق الدولة في إجلاس الرجل المناسب على الكرسي المناسب وذلك لانشغالها بالشبهات والتأويل الذي هو الوجه الثالث للعملة وتركها المطلوب إثباتهِ يتلعثم بفم الحقيقة حيث كانت الشخصيات تتحرك في القصة بتقانة جميلة فشخصية (طاهر) هي ظاهرة المثقف الذي تستغله طلاب الدراسات العليا على حساب عوزه وافتقارهِ المادي ليكتب لهم رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه بأجورٍ تقيه شدة الفقر . وقد مثلت المُدرسة (حسناء) ظاهرة الشخصيات التي تحكم على الأشياء بظاهرها وهذه الشخصية ترتبط بشخصية (خالد) في القصة الأولى .

(تمر المدرسة " حسناء" على حانوت طاهر في المدرسة دون ان تنظر إليه: أنت يا هذا .. ألا تسمع؟ ما بالك أصم أبكم لا تفقه حرفاً؟ أعطني عصيراً بسرعة .)

وقد استخدمت القاصة (الأنفاق الثلاثة) للتعبير عن جهات وأماكن الأقاليم في تقسيم العراق أو أنها أرادت الإشارة إلى المشاريع المفترض تنفيذها . فتضحك هنا الخاتون في داخل الأحداث في كشف الحال الاجتماعي والسياسي والتعليمي في البلد عندما تحدث معركة ينتقل الصراع فيها من الأساتذة إلى الطلاب عن وضعية المنحوتات في الحلال والحرام وتزداد هذه الضحكة اتساعاً في نهاية القصة على لسان أبي يوسف جار (طاهر):

(ماذا تفعل يا طاهر، أ لم تسمعِ الأخبار؟ بعد كلِّ ذلك الجهد والصرف الكبير من الميزانية على مشروع الأنفاق الثلاثة

تم إلغاؤها .. لأنهم يرون أن حفر الأرض يراكم التراب على شكل تماثيل وهذا حرامٌ لا يجوز !) فكسرت (السهيل) هنا الميثولوجيا الدينية المصطنعة من أراء تتعكز على الشبهات لا تفرق بين النية والعمل، بين التمثال كفن والصنم حينَ يُعبد دون أن ينزل فيه سلطان.

ولشفرة (أبو حالوب) ص39 قصة تحتضن عشرات الضحكات التي يرسمها الواقع السياسي المؤلم في العراق فتنقلها (السهيل) لنا بقلمها المتضمن للسخرية المبكية في حقيقة (أبو حالوب) الذي وظَّف نفسه لخدمة العراقيين الأدباء والفنانين فكان لهم خير دار للنشر وخير مركز لتداول إهداءات الكتب حين ينشغلُ البرلمان في إقرار مخصصات جديدة للنواب وحين يتقاسمون قطع الأراضي بينهم و(أبو حالوب) يقع عليه سقف غرفتهِ فهذا الشخص البسيط الذي أصبح ملاذاً للاجئين وداراً للنشر ودليلاً للسائلين تجرحهُ شفرة الحلاقة لان ذهنه شرد لتلبية موعدٍ قطعَهُ مع احد العراقيين .

" ردَّ عليَّ بهدوء: نعم ؛ جرحتُ نفسي . كنت أحلقُ ذقني متعجلاً كي لا أتأخر عن موعد دوامي في المقهى، ولم انتبه إلى شفرة الحلاقة أنها لم تكن مثبتة جيداً ...

يعلنُ البرلمان العراقي إلغاء " جلسة اليوم " لعدم اكتمال النصاب، وتبقى القوانين دون تشريع تنتظر شفرة حلاقة (ابو حالوب). "

وفي خضم المفارقات المضحكة التي افترشتها قصة " فأرة " ص 51 نجد ان هناك أشارات اتخذتها (الخاتون) لكي يشاركها القارئ في تأويلها واصطياد مقاصدها المفتوحة حيث توزعت عدستها السردية بين حركة النمل بعكس إرادة الجاذبية وتوافق تراصفه .

" كان السيد سهيل صامتاً سارحاً يبحلقُ بالسقف كأنَّهُ يقرأ سطورَ النمل عليه، وهي تسير بالاتجاه المعاكس لقانون الجاذبية "

وبين المثقف الممتهن للصحافة الذي أستساغ ضجيج مولدة الكهرباء، وكيف أصبح يتسلى بفأرٍ كان يُشرِبُهُ من خمرهِ فتندمج رقصات الفأرة مع قرقعة المولدة الكهربائية وذات ليلة شتوية ضربهُ بفرد حذائه وراح يبكي عليه لأنه كان رفيقه الوحيد وسط أزيز الأحداث .

" لكنَّهُ في أحد الأيام الماطرة الباردة في بغداد، وما أن ظهرت الفأرة قريباً من إناء الخمر حتى خلع فردة حذائه ورماها نحو الفأرة مباشرة، فسقطت المسكينة صريعة الرقص أو الخمر، "

فمسيرة النمل بانتظام وعدم الاكتراث لقانون الجاذبية هو توبيخ للإنسان الذي يحكم الأرض وهو على فوضى من أمره، نعم أنها سخرية توجه لمن انجذب إلى مصالحه الخاصة فاستثنى المبادئ الإنسانية من اجل الوصول لمرضاة الحاكم الظالم أو المُقصِّر. فلم تستخدم (السهيل) مسيرة النمل لمجرد أنها تحتاج في سردها إلى مركز للإرجاع الفوري (الفلاش باك) لأنه كان بإمكانها استخدام أشياء أخرى مثل عوامل الطقس أو صور معلقة على الجدران .

وأما في مسألة المحرر الصحفي فقد تكون إشارة النص تدور بين الراعي والرعية، السائل والمسؤول، الحاكم والمحكوم حين يتسلى الأول برقصة الألم عند الأرامل والعوانس أو حين يتسلى بعوز المواطن إلى البُنى التحتية في البلد ظناً منه انها ستبقي على حظوظ تواجدهِ ثم يبكي في النهاية على ما فعل! فكثرما يكون القاتل هو أول الحاضرين في تشييع جنازة المقتول.

هكذا تتسلسل المجموعة لكي تتناول كلَّ جوانب الأحداث الساخرة التي أصبحت تعيش في الواقع العراقي، فالخاتون سمر محمد تمنت أن تكون في آخر المطاف هي سمر صالح بعد ما أجهضت كلَّ تنبؤاتها في (هاتف بغداد) ص 73 .

نعم، فالسهيل نقلت لنا الواقع المذبوح بسكين الفوبيا عند أصحاب الشهادات العليا والكفاءات التي تُولد من الانفلات الأمني؛ فهم قُتلوا لمجرد أنهم عراقيون .

" يكفي أن تكون عراقياً لتُقتل" فالخاتون هنا تركت الواقع يسخر تلقائياً من المناخ السياسي الذي اغترفت ريحه العاتية عشرات العلماء من مختلف الاختصاصات ولا أدري قد يكونون بالمئات .

تختتمُ الخاتون مجموعتها البكر بقصة " نجوم على الجدار" وهي واضعة يدها على علة الخراب في المجتمع الشرقي، ألا وهي النزعة الذكورية وكيفية تفكيرها لديمومة سلطتها، فقد تخللت قصتها مفارقات مضحكة فأبت ريم بعد خوض طويل لآخر أمل في الحب ان تبيع لوحتها التي تحمل عنوان (نجوم على الجدار) كي لا تقع ضحية مرةً أخرى فاللوحة تحملُ ارشيفاً وافياً لذكرياتها الأخيرة مع (أحمد) الذي كان يرفض ان يضع الحبيب قراراً مسبقاً يرسمُ طريقاً لعلاقتهِ بعد أن وشمَ ذاكرتها بالقبلات:

" صدِّقيني، عليكِ أن تبدئي العلاقة ومن ثمَّ تحددي مصيرها لا ترسميه مسبقاً " وبعد فترة من الزمن عاد ليقرر مصيرَ علاقتهما .

" سوف تجدين يوماً الشريك والرفيق مهما طال بك العمر، حتى لو صرتِ في الخمسين أو الستين ! "

نعم لماذا لم تُمنحْ ريم القرار؟ لماذا يكون أحمد هو من يشرع قانون العلاقة وهو من ينقض ذلك؟ تساؤلات كثيرة تثيرها (السهيل) عن فيتو المجتمع الذكوري، فقد جعلت الضمير الإنساني هو الحَكم على الجرائم التي انْتُهكت بمدية المشاعر الكاذبة، يُصاحب ذلك كشفها الضمني من داخل السرد عن ازدواجية الرجل الشرقي عندما يتخذ من المرأة قارباً للفراغ .

 

الكاتب الهندي دالجيت ناجرا وروايته: رامايانا .. قراءة جديدة لأوديسة الهند الملحمية

ahmad fadelملحمة شعرية خالدة تناولتها جميع اللهجات الهندية وأراد الشاعر  شيموس هيني نقلها إلى الإنكليزية بطريقته الشعرية الفريدة لكنه رحل دون تحقيق ذلك .

دالجيت ناجرا الكاتب الهندي المولود في بريطانيا عام 1966 لأبوين بنغاليين والمرشح هذا العام لجائزة ت .س. إليوت للرواية، إلتقته صحيفة الديلي تلغراف اللندنية للحديث معه حول روايته الجديدة " رامايانا " التي قوبلت بترحاب كبير في الأوساط الثقافية الإنكليزية والهندية بسبب توظيفه لأكبر ملحمة هندية هي " رامايانا " التي أعاد كتابتها من وجهة نظر أخرى مع الإحتفاظ بخصائصها وأحداثها الأصلية.

رامايانا يعود إهتمام النقاد الإنكليز بها كون أسلافهم الذين وطأت أقدامهم أرض الهند قبل أكثر من قرن من الزمان تعرفوا عليها كواحدة من أقدم الملاحم في القارة الهندية يعتقد أن كاتبها يدعى فالميكي وهو اول شاعر هندي يتناول كتابتها كملحمة طويلة يرجح أنها تعود إلى آلاف السنين كتبت باللغة السنسكريتية وانتشرت في العديد من البلدان الآسيوية بما في ذلك النيبال والتبت وتايلاند وبورما ولاوس وكمبوديا وماليزيا وأندونيسيا، كما أنها كتبت من قبل الشعوب الهندوسية، جاوة، البوذية، الإسلام، السيخ، وقد عقد الإنكليز المقارنات بينها وبين الأوديسة لهوميروس، تبين أنها لاتختلف عنها إلا بمكانها وزمانها، كما أنهم عاشوا أخبار شاعرهم الأيرلندي الكبيرشيموس هيني قبل رحيله عن هذه الدنيا والذي رشح رامايانا لكتابتها شعرا، لكن القدر لم يمهله تحقيق ذلك .

الرواية صدرت مؤخرا بالتزامن مع احتفالات الهند بها هذا الشهر ضمن برنامج الأضواء أو ديوالي الذي تعيد فيها ذكرى هذه الملحمة الخالدة وسط المصابيح الملونة الزاهية والألعاب النارية، ومعظم تلاميذ المدارس في الهند يعرفون فصول هذه الملحمة التي باتت تدرس إلى جانب الدروس الدينية لأنها تشتمل على المواعظ والحكم على لسان راما الذي يركب الصعاب ويخوض غمار الحرب من أجل إنقاذ زوجته سيتا وتخليصها من براثن خاطفها الملك رافانا .

شكلت هذه الرواية جزءا قويا من تربية ناجرا الحياتية حيث قال عنها :

- كانت عائلتي تقص عليّ أحداثها في الساعات الأولى التي تسبق منامي، لقد كانت أحداثها تعكس لي الأعمال الجيدة مقابل السيئة حتى أصبحت معروفا لدى أسرتي بطاعتي الكبيرة لهم دون كسل نتيجة لتأثري بهذه الملحمة وحكمتها البالغة .

تعرف ناجرا على رامايانا في العشرينات من عمره عن طريق دراستها بلغة البنجاب، ثم اكتشف أن الكاتب الهندي البارع  آر . كي . ناريان قد تناولها نثرا وأن هناك المئات قبله قد تناولوها في عشرات اللغات التي تنطق بها الهند كالسنسكريتية إلى الجاوية، ناجرا وهو يتناولها الآن كرواية فهو يريد استهداف المتعلمين من الطبقة المتوسطة للقراء الإنكليز كما يقول الذين يعرفون الكلاسيكية الأوربية، لكنهم ربما لايعرفون الشرقية منها .

ومع أن هناك أوجه تشابه - يقول ناجرا - بين رامايانا الهندية وإلياذة هوميروس فالقارئ كثيرا ما يميل إلى أن تكون الملحمة بيديه عبارة عن قصة ممتعة أردت القبض على بعض الترفيه فيها، في آواخر الثمانينات في الهند قام التلفزيون بتكييف 78 جزءا منها وعرضها بشكل يومي ما جعل المحلات تغلق أبوابها والطرق أصبحت شبه خالية نتيجة لمتابعتها حتى أن الناس هناك كانت تؤدي الصلوات بشكل عفوي وهي تشاهدها متضرعة الآلهة أن يحفظ راما وهو يخوض غمار المعارك، وأنا أعيش سني مراهقتي في لندن شاهدت التلفزيون يعرض قسما منها ووجدت كيف أعجب الإنكليز بها وبما حوته من أزياء شعبية فازددت فخرا بهذه القصة الرائعة .

ناجرا في حديثه معي قال أنه استخدم اللغة الإنكليزية في كتابته للرواية لجعل القصة عالمية مع أنها كتبت بلغات عدة محلية وشعوري أن القارئ الغربي سوف يتعرف على الهند المتعددة الثقافات والتي تناولت الملحمة باعتبارها لاتنتمي لفئة هندية واحدة بل لعموم الهند، فعلى سبيل المثال رافانا الخاطف لسيتا زوجة راما الذي اعتبره جنوب الهند شيطان، لكنه بطل يحمل سحنة داكنة في الأراضي التي يتكلم أهلها الآرية ومعتبرين راما قاس نوعا ما، في نهاية الملحمة عاد راما بسيتا زوجته منتصرا مع أن بعض المقاطعات الهندية اعتبرت سيتا خاطئة لأن مفاهيمها كالفخر والشرف تنتمي بتقاليدها إلى الثقافة الهندية الشمالية التي تغيرت الآن كثيرا، ومع حرصي على تضمين وجهات نظر مختلفة لها وحتى السياسية منها يمكن قراءتها بالطريقة التي سوف تعجب القارئ كما يقول .

هذا الإعجاب بها جعل من شيموس هيني الشاعر الأيرلندي الكبير يفكر بترجمتها شعرا إلى الإنكليزية كما ترجم من قبل " بيوولف " التي تعتبر من أهم الأعمال في الأدب الأنكلو سكسوني، و " دانتي "، لكنه لم يحقق ذلك بسبب وفاته في الثلاثين من أغسطس / آب 2013 وهي خسارة فادحة أن لاتكون هذه الملحمة من شعر هيني كما يعتقد ناجرا الذي التقى به عدة أيام قبل رحيله أطلعه خلالها على موضوع روايته وكان إيجابيا معه وهو يستمع للطريقة التي عالج بها الرواية ومتأثرا بأحداثها جميعا.

ناجرا لم يستغرب ذلك من هيني وهو الشاعر الإنساني الذي أطلع على الكثير من نتاج الأمم واصفا له رامايانا كونها الجسر الذي مشى عليه منذ طفولته يأمل أن تكون ملتقى جميع ثقافات العالم .

 

كتابة / سمير رحيم

ترجمة / أحمد فاضل

عن / صحيفة الديلي تلغراف

24 أكتوبر / تشرين الأول 2013

 

رواية "ثقوب زرقاء".. حكاية خرابات تفترسنا

470-hasimيواصل الخير شوار مراكمة منجزه السردي، برواية "ثقوب زرقاء" التي نسج بها وحبك نصا أظهر فيه قدرته على حبك الحكاية وهندسة معماريتها.. ففي روايته الأخيرة دخل بنا عوالم برزخية بين الواقعي والمتخيّل، رواية حملت وصل وفصل مع عوالم روايته السابقة، وصل بالحبكة التي عرف بها القراء شوار كأحد المتميزين في تجربتهم السردية بالنزوع نحو الأسطوري وتوليد الحكي المتضمن للمفارق والمطابق، وفي المفارقة المطابقة وذلك من أسرار الحبكة.

في معمارية ومعجمية النص تكمن الرؤية والخيارات، رؤية تتأسس عليها خيارات جمالية لذات مفردة هي ذات الكاتب، والفردي متشابك مع الجمعي، تشابكا يجل كل فرد، فرد بصيغة الجمع ـ بتعبير أدونيس ـ فالمبدع يتصل منفصلا وينفصل متصلا، وفي ذلك قلقه المنتج لنصه.

وبناء على ذلك تفتح لنا الرواية بما تحمله مجالا لتمثل سياقا وقراءة ذات تكابد رحلة لملمة أبعاضها.

470-hasimفي “ثقوب زرقاء” يتجه شوار اتجاها مستثمرا لتجربته الصحفية، منطلقا كما ذكر من روبرتاج استفز الروائي فيه لصياغة ما لم يسعه الروبرتاج .. وشوار ليس بدعا في هذا السياق، فالكثير من الكتاب انطلقوا من خبر صحفي أو واقعة متداولة لصياغة أعمالهم، ونذكر منهم في هذا السياق الروائي إرنست همنجواي في رواياته المنطلقة من مغامراته في الحرب والصيد والروائي الكولمبي غارسيا ماركيز والروائي نجيب محفوظ في رواية “اللص والكلاب” مثلا.

حدث صغير عابر يمكن أن يكون منطلقا لتمثل تعقيدات وضع مركب، والمبدع يباشر بنية الوعي جماليا بتجريد العابر من العابر ليرصد (الميتا) فيه... من حدث محرك ينطلق السارد متوغلا في تلك الغابة التي تحدث عنها إيكو، غابة السرد بأدغالها التي تثير الرهبة وتثير الرغبة في مغامرة البحث عن فهم وعن تحديد وعن إدراك.

ينطلق من حادثة سرعان ما تتحول إلى متاهة صراعات نفسية ترتد فتستحضر بقدر ما يختلط التذكر والتمثل... وبتمكن حبك شوار رواية منسوجة بما يحيل للأسطوري والنفسي والبوليسي، وبحبكة تنتمي لخيار شوار كروائي مسكون باستحضار الغرائبي لتفكيك شيفرات واقع مركب تحول إلى ما يتجاوز كل الغرائبيات.

رواية شوار ترينا الوجود في المفقود والاستحضار في الغياب... الثقوب الزرقاء التي تبدو في الجثة، هي ثقوب ذاكرة تتشتت لتكتب بالشتات مدونة الضياع في مدينة تتكوم متورمة، تورما يتسرب فظاعة وتفسخا... رواية تخترق المشخص لتنسج بالمتخيّل حكاية الهامش التي غالبا ما تستهلك في أخبار الحوادث. وبتكثيف بليغ تمكن شوار من توليد نص نابض بما يثير ويبعث على قراءة توليد لدلالات تتناسل مع سرد يستحضر أحوال وتحولات أمكنة عرفت رعبا وفظاعة، واصطدم المارة فيها برؤوس مقطوعة... رأس الجثة الذي أثار محاورة عنها تعيدنا لقصيدة “راس بنادم” التراثية الشهيرة.

في التداخل بين الواقعي والمتخيّل جدل الرواية كاشتغال جمالي يؤسس بشبكته الدلالية ومعماريته الانزياح الذي يصغ رؤية تتشابك وفي الحين ذاته تتمايّز مع رؤى تتضمنّها خطابات أخرى فالأدب كما يقول تودروف: “لا ينشأ في الفراغ، بل في حضن مجموع من الخطابات الحية التي يشاركها في خصائص عديدة”.

يحيل معجم الرواية وتيماتها إلى الرحم الذي حمل وأنجب الحكاية، إلى واقع ينحت منه الروائي نصه وينسج الشبكة الدلالية بحمولتها.. نقرأ في الرواية عن المجنون والمتشرد وعن البناية المهجورة، وعن الرأس المفصول عن الجسد، عن العنف الذي ينتجه عنفا أكبر، نقرأ عن الذاكرة المضطربة والمتشققة في محنة الشقوق والثقوب... وفي عنوان الرواية كعتبة للنص ما يختزل بتكثيف بليغ حمولة الرواية... الثقوب ثغرات التشتت والضياع، تشتت الذاكرة واختلاط المدركات بين الحقيقي والمزيف، بين الواقع والوهم .. والثقوب زرقاء، زرقة البقع التي ظهرت على وجه الجثة والموت بتلك الحالة في تخريج يحاول التأويل قد تعني حصاد التفسخ الذي أدرك مجتمعا والتهم مدينة كبيرة يتوارى في هوامشها وأقبيتها متشردون ينشدون المأوى المادي والمعنوي، ينشدون السكن والسكينة.

الرأس التي تطارد الصحفي في أحلامه وتؤرقه هي رأس المحنة، محنة البحث عن تحقيق الحقيقة المنفلتة في خضم التضارب وذلك شأن التفاصيل التي تتأسس على حدث صغير ثم تتشعب فتحجب بتدفقها الحقيقي وتكثير الذي يشبه، ففي التفاصيل يسكن الشيطان كما يقول المثل.

تفاصيل متداخلة، تداخلا يفارق ليطابق ويشتت ليلّم ويضم، تتداخل الشخصيات والأزمنة والمدركات وتتقاطع عند حضور الضياع في مدينة تزداد افتراسا وتوحشا ببشر يفقدون بشريتهم بالافتراس الذي هدهم وزرع فيهم جينات الشراسة كما يحدث في حكايات أفلام مصاصي الدماء.

ورواية “ثقوب زرقاء” تمثل قراءة التحولات التي عرفناها بتجريد إبداعي تغذى من المشخص والمجسد لكنه انفلت فتحرر من التقريرية والمباشرة واخترق العابر ليعبر بالدوال نحو التموضع الذي يتسلل إلى دهاليز المكان والكيان... الرواية حكاية مكان أيضا.رواية عن المكان الذي تهندس بالخراب فافترسنا وشتت أبعاضنا فتأجج فينا البحث عن تحقق التبس بالمستحيل في متاهات زلزلت فاختلط الحقيقي بالمتوهم.

هي رواية محققة لأدبيتها كنص يصغ بالانزياح ما يشحن باختراق العابر والتوهج بالحبث عن المتواري، وتلك خاصية الأدب كما عبّر تودروف: “لو ساءلت نفسي اليوم لماذا أحب الأدب، فالجواب الذي يتبادر عفويا إلى ذهني هو: لأنه يعينني على أن أحيا”.

*ناقد جزائري

 

 

ظلال الشاعرة في ديوان (حورية المنافي) لسناء الحافي

sanaa alhafiمقدمة: ينبلج الحرف الأنثوي من رماد قديم قدم إشعال النار في الحطب المأخوذ من شجرة جذورها منحوتة من أقدام امرأة قديمة، وأغصانها ضفائر أميرة أسطورة، وثمارها من مختلف الأحجام والألوان تزهر، على غير عادة كل الثمار، مرات في السنة. تنبلج كلمات الأنثى من تلك الرحم التي خرج منها عباقرة الفكر وجهابذة البلاغة وأساطين الفصاحة؛ تلك الرحم التي ظلت في أوج خصوبتها ولم يحدث أن أصيبت في زمن من الأزمنة بالعقم أو التخلف عن العطاء. إنها الرحم الولود التي تمنح الحياة لكل الكائنات؛ إذ يكفي أن تنفخ في صلبها زفيرا صامتا، فتعطيك كلمات مجلجلة يرتعد لسماعها الرعد ويخفت لجلال نورها وميض البرق.

ثم ينبلج النص الأنثوي، في الشعر كما في النثر، من جناحي فراشة صغيرة جميلة تحلق في الفضاء الرحب، وهي تفرّ من أيْدٍ صغيرة ناعمة لأطفال صغار يركضون خلفها، يلاحقونها لأجل الظفر بجناحيها الصغيرين. وينبلج الخطاب الأنثوي من كتابة قديمة ممحوة نقش النساخ القدامى حروفها على صدر الزمن المُرِّ الذي آمن، ذات كتابة، بسفر التحولات وقصيدة التحولات وزمن التحولات.

 

1)- الحاجة إلى الصوتين معا:

من هنا كانت الحاجة الماسّة إلى (كتابة نسائية) وصوت نسائي ووجود نسائي، إلى جانب كتابة رجالية وصوت رجالي ووجود رجالي. ذلك بأن في وجود الصوتين والكتابتين، تنمحي هذه الفروقات الجنسية التي اعتدنا الوقوف عندها كلما تحدثنا عن المرأة أو قضية من قضاياها. فالمرأة صِنْوُ الرجل، كلاهما يحتاج إلى الآخر، والمجتمع ككل في حاجة ماسة إلى سماع الصوتين: صوت الرجل وصوت المرأة، كما أنه في حاجة أمَسّ إلى قراءة الكتابتين معا؛ كتابة المرأة وكتابة الرجل.

لقد مرَّتْ عقود طويلة من الزمن لا يسمع فيها المجتمع سوى صوت واحد هو صوت الرجل الذي يتحدث عن نفسه، ويتحدث أيضا، إذا وجد إلى ذلك سببا، عن المرأة. غير أن هذا الحديث الذكوري عن المرأة لن يكون إلا من زاويته هو وقناعته وثقافته الذكورية المتوارثة. لم يحدُثْ مرة إذن أنْ سُمِحَ للمرأة بأن تتحدث عن نفسها بنفسها، وتُبْلِغَ الآخر موقفها من الحياة والناس، ويرتفع صوتُها، كما ترتفع أصوات كثير من المخلوقات في الكون، ليحكي للآخرين عما تريده هذه المرأة وهي النصف الثاني في المجتمع. كما لم يحدُثْ مرةً أن أخذت المرأة الكلمة لتتحدث وتكتب عن الآخر/ الرجل الذي كان بالأمس يتحدث ويكتب عنها.

من هنا إذن صارت الحاجة ماسة إلى سماع هذا الصوت والاستماع إليه، والجلوس ساعات طوال لقراءة مكنونات هذا الكائن الملائكي؛ تلك المكنونات المتوارية خلف صمت دام عقوداً وأجيالا وقروناً. الأمر إذن لا يتعلق ببذخ في الكتابة أو تعويض عن نقص؛ وإنما هي الحاجة الماسة إلى هذا الشكل من الكتابة؛ الكتابة النسائية التي وجب أن تحمل هذا النعت وتفتخر به أيَّما افتخار، مادام لا يشكل أي قدْحٍ في وجود صاحباته أو ثقافتهن، ولا يصنفهن أو يصنف أدبهن ضمن خانة بعينها. فالأدب أدب سواء كتبته المرأة أم جاء بقلم الرجل، غير أن خصوصيات هذه الكتابة ونبشها في كثير من قضايا الماضي و(طابوهات) المجتمع، هو الذي يُحَتِّمُ أن تُنْعَتَ هذه الكتابة بـ (النسائية)؛ حِفْظاً لحقها في نهضة المجتمع وتقدمه وانتقاله من صورة إلى صورة جديدة.

إن ما كتبته المرأة وما عرَّتْه من ممارسات هو الذي كان، إلى جانب أمور أخرى، سببا في جانب من (الحِراك) الاجتماعي الذي شهده العقد الأول من الألفية الثالثة بالمغرب، ومن هنا لا اختيار لأحد في أن لا تحوز هذه الكتابة حقَّها، وتُنْعَتَ بـ (النسائية)؛ لربطها بضميرها المُتَيَقِّظ على الدوام. إنها قيمة مضافة في الأدب الذي تنتمي إليه، ولولا هذه الكتابة ما كان للمجتمع المغربي أن يكون على الصورة التي يظهر عليها اليوم ويحاول كثير من الأشقاء استنساخ نموذجه، أو على الأقل الاستفادة مما قام عليه من أسباب وعلل.

لقد ظلت المرأة إلى زمن قريب موضوعا يكتب عنه الرجال؛ يقلبونه على أوجه كثيرة، ومنهم من كان يتباهى برسوخ قلمه وعلو كعبه ورباطة جأشه في مخاطبة النساء وسبر أغوار الأنثى. لم يكن لهذه الأخيرة الحق في أن تتحدث باسم أحاسيسها ومشاعرها، أو تعبر عن مكنونات هذه الذات التي ظلت تشكو التهميش والضياع والاستغلال حتى من أقرب الناس إليها رحِما ومودة. كل ما كان عليها أن تقوم بها هو الظهور بالمظهر الذي يرتضيه لها صانع ألعابها؛ ذلك الرجل الواقف خلف الستارة، الممسك بالخيوط المشدودة إلى دميتها الخشبية المتآكلة الأطراف، يميلها ذات اليمين وذات الشمال، وفي كل مرة هو الذي يتحدث باسمها ويبكي وينتحب بدلا عنها، ويضحك ويفرح بالنيابة عنها. كل شيء كان يقوم به الآخرون مكان هذا الكائن الجميل الجاثم غَيْظُهُ تحت الرماد.

وفي زمن التحولات، انبعثت الأنثى من قلب مكلوم يلملم جراحه، يصنع من دمائها مدادا يختزنه داخل محبرة سحرية عجيبة، يحرص على الاحتفاظ بها، ويبحث عن وريقات من أي طينة كانت؛ ليكتب عليها تاريخ عذاباته ومآسيه وانهزاماته التي دخلت بها الأنثى زمن التحولات؛ تلك التحولات التي ستحيل الغضب حِلْماً والانهزام انتصارا، والعذاب فرحة متواصلة الأعراس. لم يكن للأنثى أن تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار لولا سفر التحولات الذي قرأته وآمنت بما يحتويه من معتقدات ووصفات سحرية تحيل كل شيء إلى ضده. ولم يكن للأنثى أن تنال الذي نالته لولا إيمانها بأن الذي ينقل الكائن من صورة إلى أخرى إنما هو إيمان هذا الكائن بذاته الغارقة في الوجود الممتد من حياة حواء وآدم إلى آخر صورة يلتقطها زوجان سعيدان بعيد زواجهما الأول.

وحين آلت الأمور إلى الأنثى، وصارت تكتب عن نفسها بنفسها؛ لم تعد تترك المبادرة للآخرين الذين كانوا بالأمس يكتبون باسمها ويقولون كل شيء، حتى موتَها على صفحات أشعارهم، بالنيابة عنها. لقد صار من حقها الحديث عن جسدها كما ترغب وتحس هي، لا كما يرغب ويحس الرجل. وفي الوقت ذاته عملت المرأة على أنْ تَتَحَدَّثَ عن الرجل، الذي كان بالأمس يحتكر الكلمة لنفسه دون أن يَبْسُطَ لها في مجلسه، وتُصَوِّرَهُ كما كانت دوما تتمنى أن تراه؛ حتّى وهي قَبيعة قصائده الشعرية العمودية منها والسطرية ونصوصه السردية الطويلة منها والقصيرة.

غير أن هذا الحديث عن الرجل بلسان الأنثى لم يكن ليأخذ طابع الاستطالة واحتكار الكلمة؛ كما كان الشأن لدى الرجل المبدع الذي كان وقتَها يَخْضَعُ لناموس المجتمع وسلطة الأعراف والتقاليد، بلِ اتَّخَذَ سبيل النظر إلى الرجل على أساس أنه تلك الذات الجميلة التي تحتاج إليها الأنثى وتُكَمِّلُ وجودَها الفاعلَ بوجود الرجل في صورته المتناهية الكمال. ذلك بأن المرأة لا ترغب في الانتهاء إلى رجل سلبي لا خير فيه، وهو عكس ما كان الرجل يرمي إليه في كتاباته، إذ عمل دوما على إبراز الأنثى في صورة الكائن الضعيف الذي لا حول له ولا قوة إلا بوجود الرجل/ السَّيِّدِ.

هكذا تحدثت شهرزاد الجديدة عن شهريار في صورتيه الأسطورية القديمة والواقعية الحديثة. فهي لا تخشى على نفسها من جبروت شهريار الذي يتهدد الأنثى بالموت، وهي بالمثل لا تخشى على معين كلماتها من النضوب، إذ استطاعت، بسبب ما كابدته طوال سنوات الصمت الرهيب، أن تراكم بين جملة من التجارب التي خولت لها الاستواء على النهر الخالد في تاريخه الفرعوني العظيم عظمة الأهرام؛ الشيء الذي منحها سلطة امتلاك أصل الكلمات وينبوع الكتابة من شلالها الأول في أعلى الجبل إلى ينبوعها الصغير في أقصى السفح. إنها الكتابة بصيغة المؤنث تنبلج في ليل يأذن صُبْحُهُ بالتَّحوّلات العجيبة التي تحيل كلَّ شيءٍ إلى النقيض؛ بما في ذلك الأسماء والأشياء، والأمكنة والأزمنة، وأساليب العيش والتفكير.

لقد جاءت الأنثى لتؤسس لكتابة جديدة من شأنها أن تَخْرُجَ إلى السطح بعلاقات إنسانية جديدة وقواعد أخرى للفعل التواصلي قائمة على أساس معرفة الآخر والاقتراب منه إلى حدِّ الذوبان في شخصه؛ ذلك الذوبان التي تنمحي فيه كل الحدود بين الأجناس والأفعال وأشكال الوجود. وهذا ما جعل كتابة الأنثى تتخذ بُعْداً لا عهد لأحد به من قبل.

ومن هنا أيضا يَبْطُلُ كلُّ رأي يسلب هذه الكتابة خصوصياتها سواء على مستوى الأشكال أو المضامين أو القضايا أو ذلك الروح الخفي الذي يسري في أوصال الكلمات ويشُدُّ بعْضَها إلى بعض. إنها الكتابة بصيغة المؤنث في أبهى تجلياتها؛ تلك التجليات النابعة من بقايا رماد تركته المرأة نائما في حضنها، إبّان الهزيمة؛ وها هي اليوم تُخْرِجُهُ وتَنْفُخُ فيه شيئا من قَبَسِها المتوهج؛ فينتقل الرماد من لونه الداكن الدال على الموت والبرودة القاتلة إلى لون برتقالي يتوهج بالحُمْرَةِ الدافئة الحُبْلى بروح الحياة والمَسْكونة بالتغيير والتحولات. ولا أحد بعد هذا يمكنه أن يوقف هذا السَّيْلَ الجارف من الإحساسات والمشاعر والرؤى التي تؤسس لكتابة المرأة ورؤيتها الجديدة للحياة والناس من حولها. لقد جاءت كتابة الأنثى لتضع حدّاً لكل أشكال الزّيف التي كانت تمارسها الكتابة السابقة؛ تلك التي تحدَّثَتْ بلسان المرأة.

وعلى هذا الأساس خرجت الكتابة بصيغة المؤنث مواكِبَةً معايِشَةً للذي يَحْدُثُ؛ أي أنها كتابة تتفاعل مع نفسها أولا، ومع الذات ثانيا، ثم تتفاعل بعد ذلك مع الآخر في شخص المتلقي الذي شكَّلَ، قبل زمن الكتابة، أُفْقَ انتظارها. ولم يكن للرجل أن يطرح جملة من قضايا المرأة التي لن يُحْسِنَ الحديث عنها سوى المرأة التي بمقدورها معايشتها عن قرب؛ والقرب هنا يُفَسَّرُ بالجانب النفسي كما يُفَسَّرُ بالجانب المادي الكامن في العلاقات التي تربط المرأة بذلك الموضوع أو بتَجَلٍّ من تجلياته. ومن هنا، كان لابد للمرأة أن تكتب عن نفسها بنفسها، وأن تتحدث عن قضاياها بلغتها التي ستكون فاعلة في بلوغ فكر المتلقي المهتم بمصير الأنثى ومكانتها في المجتمع.

وتبقى قضية اكتشاف الذات وحديث المرأة عن جسدها بلغتها الخاصة من أهم القضايا التي بنتْ عليها الأنثى الساردة أغلب الموضوعات التي خاضت فيها. وقد توسلت في ذلك بجملة من الأدوات والإجراءات والرؤى التي مكنتها، إلى حَدٍّ بعيد، من بناء طرح حسن متآلف متجانس، لا يمكن أن يغادر القارئ إلا وقد أقنعَهُ بمشروعية الكتابة في هذه القضية أو تلك. وقد سبقت الإشارة إلى أن المرأة التي كتبت عن معايشة ومواكبة، انطلقت من رؤية قبلية هي تلك التي عانت منها في سنوات الصمت والقهر التي ظلت خلالها حبيسة صوتها المبحوح وأنفاسها المكتومة التي لا يمكن أن تتعدى حدود الشفاه اليابسة يبوس الأرض التي لم تلثمها قطرات السماء من زمن بعيد.

 

2)- عرض الديوان:

يقع ديوان (حورية المنافي) في أربع وعشرين ومائة صفحة، من القطع الصغير، ويحوي بين دفتيه اثنين وثلاثين نصا شعريا، ما بين نصوص تغرف من معين النمط التقليدي، ونصوص أخرى كُتِبَتْ كتابة الشعر التفعيلي. والديوان من طبع دار الوطن بالرباط، وصدر في طبعته الأولى عام 2012. وَتَصَدَّرَ الدّيوانَ إِهْداءٌ قَصِيرٌ، وَبَعْضُ الشهادات التي لا يمكن أن تَرْقى إلى مُسْتوى الدراسات التي تُنْجَزُ في حق الديوان أو صاحبته؛ فهي تقريظات، تنحو منحى عرض الديوان، ودعوةِ القارئ إلى اكتشاف نصوصه. أما صورة غلاف الديوان، فجاءت من تصميم الدار التي طبعته؛ بمعنى أنه لا سبيل إلى الحديث عن عتبة من عتبات القراءة في هذا الصدد. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الصفحة الرابعة من الديوان، التي كَتَبَ نَصَّها مدير دار الوطن.

 

3)- مُعَيِّناتُ القراءة:

قيل: إن الباكورة الأولى في كتابة الرجل والمرأة غالبا ما تَنْكَشِفُ عن بَوْحٍ ذاتي، وارتباط وثيق باليومي أو المعيش في حياة المبدع أو المبدعة. وبالرغم من أن هذه المقولة لا تخلو من صدق أو كذب؛ كالأسلوب الخبري الذي يَصِحُّ في حَقِّهِ الوجْهانِ، إلا أنَّها في ظِلِّ كتابَةِ الأنثى، تبقى مُجَرَّدَ رؤيَةٍ عادية جدا؛ إذ من خصوصيات كتابة الأنثى؛ في الشعر كما في السرد أنها:

- كتابة شديدة الارتباط بالذات.

- كتابة معايشة مواكِبَةٌ.

وهذا مما يَفْرِقُ كتابةَ المرأة عن كتابة الرَّجُلِ؛ تِلْكَ التي يَصْدُرُ فيها المُذَكَّرُ عن تَخْييل وتجريب لمجموعة من الرؤى التي غالبا ما تنْأى عن الذات، وتَنْفَلِتُ مِنْ قَبْضَةِ الواقع. ليس معنى هذا أن كتابة المرأة لا تصْدُرُ هي الأخرى عن تخييل وتجريب، إلا أن صورة المعايشة والمواكبة هي السمة الغالبة. وعلى هذا الأساس، تكون كتابة سناء الحافي في (حورية المنافي) كتابةً متعلقة بأمور عِدَّةٍ وبِتَجارُبَ مختلفةٍ متباينةٍ؛ وقد تكونُ حتّى مُتَباعِدَةٍ على مستوى الافتراضِ والإنجازِ. ذلك بأنَّ الأمر، كما سَبَقَتِ الإشارةُ إلى ذلك، يتعلَّقُ بالباكورة/ الديوانِ الأول الذي أرادتِ الشاعرةُ أنْ تقولَ فيه كُلَّ شيْءٍ، وهي تَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقينِ بأن كُلَّ دواوين الأرض لَنْ تَسَعَها لِكِتابَةِ وَقَوْلِ كُلِّ شَيْءٍ.

هكذا إذن تعَدَّدَتْ موضوعات الكتابة وقضاياها لدى الشاعرة سناء الحافي، حيث يَجِدُ قارئُ الديوانِ نَفْسَهُ مُتَنَقِّلاً بين تيماتٍ عِدَّة؛ كتيمة الذات، وتيمة الآخر/ الرَّجُلِ، وتيمةِ الصَّمْتِ والوطن والغربية والمنفى والحرية والانعتاق والغبن غير ذلك من الموضوعات التي دَأَبَتِ الأنثى على طرحها. غير أنَّ هذا التَّعَدَّدَ ى يعني التَّشَظّي بِقَدْرِ ما يعني الوَحْدَةَ التي تَلُفُّ هذه التيماتِ؛ هذه الوحدةُ الكامِنَةُ في ذاتِ الشاعرة؛ إذ أن كُلَّ شيءِ ينْطَلِقُ مِنْ ذاتِ سناء ويعودُ إليها. ومِمّا يسترعي انْتِباهَ قارئِ نصوصِ (حوريةِ المنافي)، إحساسٌ ما بأَنَّ مِنْ وراءِ كُلِّ نَصٍّ تَقْبَعُ حكايَةٌ ما، بَطَلَتُها الشاعرةُ، أو الأنثى التي تعيش بين ضُلوعِها.

وَتَتَنَوَّعُ مُعَيِّناتُ القراءة في (حورية المنافي) بين أقْطابٍ ثلاثةٍ، هي: ذاتُ الشاعرةِ، وذاتُ الآخر/ الرَّجُلِ، والفضاء (المكان والزمان) الذي يَلُفَّهُما. وهذا يعني أننا إزاء مُعَيِّنٍ واقعي هو ذاتُ الشاعرة، ومُعَيِّنٍ افْتِراضِيٍّ هو ذاتُ الآخر/ الرَّجُلِ، وبيْنَهُما أوْ حَوْلَهُما الفضاءُ الذي يُؤَثِّرُ وَيَتَأَثَّرُ بعلاقتِهِما. وانطلاقا من حديث هذا الثالوث المُتَّصِلِ بالْمُعَيِّناتِ، يَأْتي نَظَرُنا في ظِلالِ الشّاعِرَةِ..

 

4)- مِنَ مُعَيِّناتِ القراءة إلى ظِلالِ الشاعرة:

يُولَدُ النَّصُّ؛ كُلُّ نَصٍّ فني/ أدبي في منطقة وُسْطى بين نوعين من الظِّلالِ: النَّوْعُ الأول؛ ظلالٌ من الماضي، هي بمثابة نَسَبِ النَّصِّ وجُذورِهِ، وتتشَكَّلُ عادةً من مجموع النصوص التي يتحاوَرُ معها النص؛ يتواصل معها وهي بدورها تتواصل معه من خلال ما تُمِدُّهُ به من معارف وإشعاعات. والنَّوْعُ الثاني؛ ظِلالٌ من المستقبل، هي بمثابة امتداد النَّصِّ، وتتشكل من مجموع القراءات التي تناولت النص بالدرس؛ شريطة أن تكون تلك القراءات عالِمَةً؛ أي تلك التي بمقدورها الدَّفْعُ إلى إنتاج نصوص جديدة، وتحويل النَّصِّ المفرد/ نَصِّ المؤلف، إلى نَصٍّ مُتَعَدِّدٍ؛ هو نَصُّ القِراءاتِ التي تتوالى على النص.

وإذا كان كثير من الدارسين يحيطون بشيء أو أشياء من النوع الأول من الظلال، تلك التي تشكل كما قلنا نَسَبَ النَّصِّ تحت اصطلاحاتٍ مختلفةٍ من مِثْلِ التَّناصِّ والحوارية والسرقات كما اشتهرت بذلك في النقد العربي القديم، فإن كثيرين من هؤلاء الدارسين لا يكادون يعرفون شيئا عن النوع الثاني من هذه الظلال؛ تلك التي تُشَكِّلُ امتداداتِ النص.

ويكفي أن نقول بأن الأمَّةَ التي يُعَطَّلُ فيها عمل الناقد والنقد، أو يُمارَسُ فيها هذا الجنسُ الأدبي بطريقة فاسدةٍ عنوانُها الأمْثَلُ النِّفاقُ والمُحاباةُ والمجاملةُ والتقريظُ والإخوانياتُ وغيرها من النعوت التي يمكن أن نَعْثُرَ عليها؛ يكفي أن نقول بأنَّ مِثْلَ هذه الأُمَّةِ لا علاقةَ لها بالنوع الثاني من تلك الظلالِ، وهي التي سيكون فيها النص الإبداعي عقيما لا يمكن أن يَلِدَ مَنْ يَخْلُفُهُ ويواصِلُ مسيرَتَهُ. والدّاعي إلى هذا العُقْمِ غيابُ النقد أو عدم موازاته لما يَصْدُرُ من نصوص إبداعية.

والمُتَمَعِّنُ في نصوص الديوان، يَجِدُ أنَّ نوعين من الظِّلالِ تَكْتَنِفُها: ظِلالٌ من الماضي، وأخرى من الآتي. غير أنَّ الغالِبَ على كتابَةِ الشاعرة في هذا الديوان، ظِلالُ الْماضي المُرْتَبِطُ بِذاتِ الشاعرة؛ وهي أربعة:

- ظِلالُ الطفولة بِكُلٍّ ما تنطوي عليه من أحلام جميلة.

- ظلالُ الفضاء الذي يَلُفُّ الشاعرة؛ سواء ما تعلق منه بالمكان أم بالزمان.

- ظلالُ الآخَرِ/ الرَّجُلِ في صورتِهِ القاتِمَةِ المُعَبِّرَةِ عَنِ القَهْرِ والاسْتِبْدادِ

- ظِلالُ الثَّقافَةِ التي أَطَّرَتْ نصوصَ الديوانِ شَكْلاً وموضوعاتٍ.

ويبقى الظِلُّ الوحيدُ الذي يُحْسَبُ على الآتي؛ الظِلُّالمُرْتَبِطُ بذاتِ الشاعرةِ، وَيَنْشَطِرُ إلى قسمين:

- قِسْمٌ أوَّلٌ مرتبطٌ بالماضي؛ وهو كُلُّ ما كَتَبَتْهُ سناء الحافي مصبوغا بصباغة الحزن والأسى والألم..

- قِسْمٌ مرتبطٌ بالآتي؛ وهو كُلُّ ما كَتَبَتْهُ الشاعرةُ بألوان زاهيةٍ دافئةٍ، هي ألوان الفرحة والتفاؤل بالغد..

وقد سَبَقَتِ الإشارةُ إلى أنَّ ذاتَ سناء الحافي هي المحوَرُ الذي تدورُ حولهُ جميعُ قضايا الديوان، بما في ذلك موضوعَةُ الحبِّ التي تُسافِرُ من خلالِها الشاعرةُ مِنْ وَإِلى ذاتِ الآخَرِ/ الرَّجُلِ، حيث يَقْبَعُ نِصْفُها الثاني.

وهنا فائدةٌ لابد من الإشارةِ إليها تَكْمُنُ أساساً في أن نصوص أسماء الحافي تنطوي على موقف سلبيٍّ، يَتَجَسَّدُ في أمرين اثنين هما:

- موقفٌ سلبي من الآخر/ الرَّجُلِ الذي لم يَسْتَطِعْ بَعْدُ الارْتِقاءَ إلى مستوى الآخرِ (الرجُلِ) الافتراضي/ الحُلُمِ الذي تَرْسُمُ الشاعرةُ، بريشة كلماتِها، مَعالِمَ صُورتِهِ. لكنَّهُ، بالرغم من ذلك، يبقى دوما في عِدادِ الغابرِ الظاهر الذي لا وُجودَ لَهُ سوى في مُخَيِّلَةِ سناء الحافي.

- موقفٌ سلبِيٌّ ثانٍ، وهذه المَرَّة من الذات الشاعرة التي هي سناء الحافي. والمقصودُ هنا عَدَمُ رِضا الشاعرةِ على ذاتها التي ظَلَّتْ، منذ طفولتها الأولى، تَنْتَقِلُ مِنْ فَشَلٍ إلى آخر، ومِنِ انْكِسارٍ إلى انْكِسارٍ جديدٍ؛ وكأنَّها لَمْ تَسْتَفِدْ أبداً مِمّا كابَدَتْهُ وَمَرَّتْ به من تجارب.

ويبقى الموقفُ الإيجابِيُّ الوحيدُ في نصوص الديوان: موضوعةُ الوَطَنِ الذي يُمَثِّلُ لدى الشاعرة كُلَّ ما له ارتباطٌ وَثيقٌ بالذّاكِرَةِ والطُّهْرِ والنَّقاءِ والصِّدْقِ والوفاءِ، بالرغم من أن هذا الوَطَنَ هو الآخرُ لم يَكُنْ إلى جانب الشاعرة؛ حين عَبَّرَتْ، ذاتَ حاجَةٍ، عَنْ حاجَتِها إليْهِ؛ وكأني بها عنا تُرَدِّدُ مقوله بَلَدِيِّها: (بلادي وَإِنْ جارَتْ عَلَيَّ عزيزةٌ). تقول الشاعرة (الديوان، ص.35):

يُؤَرِّقُني الشَّوْقُ إِلَيْكَ

يا وَطَني...

وَكُلُّ الْمَراكِبِ تَمْضي،

وَأَنا هُنا...

قاتِمَةُ الْخَدِّ وَالنَّهْد،

جالِسَةٌ عَلى ضِفافِ عَيْنَيْكَ

في صَمْتٍ...

أَنْثُرُ كَالْعَوانِسِ حَظّي،

فَتُوجِعُني لُغَتي

وَتَسْكُنُ الْحَيْرَةُ أَوْرِدَتي،

لِأَثورَ...

إلى أن تقول (الديوان، ص. 36-37):

كَما تَرى يا وَطَني...

لا أَقْوى عَلى الْإِبْحارِ،

فَقَدْ ذَبُلَتْ بِالْخَوْفِ أَشْرِعَتي

وَصَنَعْتُ شِراعاً مِنْ كَفَني

لِأَبْدَأَ رِحْلَتي إِلَيْك...

وَأُسارِعُ بَيْنَ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ

حَقَّ الشَّوْقِ وَاللَّحْدِ

فَتُسابِقُ الطُّيورُ الْمُرْهَقَةُ ظِلّي

....

الْآنَ قَوارِبي تَشْرَعُ في الْغَرَقِ

الْآنَ يا وَطَني

أَوْفَيْتُكَ الْوَعْدَ...

وَهذي السَّماءُ الْمُحْتَشِمَةُ

لَيْتَها تُصَدِّقُ وَعْدي!!!

كما وَجَبَتِ الإشارةُ إلى أمرٍ آخر لا يَقِلُّ أهمِّيَّةً عمّا سبق، وهو هذه القوة واليد من حَديدٍ التي كُتِبَتْ بها نصوص هذا الديوان. فما يَخالُهُ القارئ الساذَجُ قصائدَ حُبٍّ وعِشْقٍ، هي في حقيقةِ الأمر اعْتِرافاتٌ وَبَوْحٌ، يُرْجى منْ ورائِهِ التَّطَهُّرُ مِنْ أخطاءِ الماضي، وَعِشْقِ الماضي، وما كان من انْفِلاتاتِ الذاتِ. فالأمرُ لا يتعلَّقُ بِارْتِماءٍ أعمى في أحْضانِ الآخَرِ، بِقَدْرِ ما يَتَّصِلُ بِمُحاكَمَةِ الذّاتِ والآخَرِ عن علاقات غَيْرِ مُتكافِئَةٍ، لابُدَّ مِنْ إعادَةِ النَّظَرِ فيها داخِلَ سياقٍ زمني جديد آتٍ، تَتَساوى فيه ذاتُ الأنثى بنِصْفِها الثاني الذي سَيَبْرَحُ عَجْرَفَتَهُ، ولَنْ يَبْقى غَيْرَ عابِئٍ بما يَحْدُثُ مِنْ حوله؛ تقول سناء الحافي (الديوان، ص. 33):

آهٍ مِنَ الْحُبِّ آهٍ مِنْ عَمائِلِهِ

لَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ قَلْبي فَأَوْهاني

أَذَعْتُ حُبّا حَرِصْتُ الدَّهْرَ أَكْتُمُهُ

وَالْيَوْمَ أُفْشيهِ يا حُبّاً تَوَلّاني

لا سامَحَ الْحُبَّ، أَفْضى بي لِمَهْزَلَةٍ

فيا تُرى ما الَّذي بِالْحُبِّ أَعْماني

دَمْعي يَسِحُّ عَلى الْخَدَّيْنِ مُنْهَمِراً

فَالْعَيْنُ بَحْري وَساحُ الْخَدِّ شُطْآني

ضَريبَةُ الْمُبْتَلى بِالْعِشْقِ يَدْفَعُها

دَمْعاً وَقَدْ جَفَّ مِنْ عَيْنَيَّ هَتّاني

إلى أن تُوَلّي وجهَها نحو الآخر، فتقول (الديوان، ص. 34):

وَأَنْتَ عَيْناكَ تُخْفي ما يُكابِدُها

لا تُبْدِيانِ سِوى زورٍ وَبُهْتانِ

فَفيهِما يا مَنايا ما أُسَرُّ بِهِ

فَكَيْفَ أَصْبَحْتَ عِنْدِيَ الظّالِمَ الْجاني

حَسْبي عَلى زَمَنٍ يَمْضي بِلا سُبُلٍ

يَبْتاعُني بِعُرى عَيْني وَأَجْفاني

يا لَيْتَني ما رَضيتُ بِالْهَوى حَكَماً

فَإِنَّ حُكْمَ الْهَوى بِالْحُبِّ أَرْداني

لكِنَّهُ قَدَرٌ، اللّهُ قَدَّرَهُ

فَلا تَأَفُّفَ مِمّا اللّهُ أَعْطاني

فالشاعرةُ لا تَكْتُبُ قصائدَ حُبٍّ، بِقَدْرِ ما تسْتَعيدُ رَسْمَ لوحاتٍ مثيرَةٍ لعلاقَتِها بالآخَرِ وعلاقَةِ الآخَرِ بِها، وهي العلاقةُ التي تَقِفُ منها الشاعرةُ موقفاً سلبيّاً، تَتوقُ إلى هَدْمِهِ وإقْبارِهِ بِالْمَرَّةِ؛ لِإِعْلاءِ صَرْحِ علاقةٍ جديدةٍ وفق شروطٍ جديدةٍ، تكونُ فيها قصيدةُ الحُبِّ لَوْحَةً مُشْتَرَكَةً بين الطَّرَفَيْنِ، وَيَخْتارُ ألوانَها الآخَرُ/ الرَّجُلُ ونِصْفُهُ الثاني الذي لا يُمْكِنُ أن يكونَ سوى الشاعرة أو مَنْ تَحْيا بين ضُلوعِها؛ وهي الأنثى في طَبْعَتِهاالعربية الآتِيَةِ؛ تقول الشاعرة في قصيدة (أنتَ لم تَعْلَمْ بَعْدُ) (الديوان، ص. 26-27):

أَنْتَ لَمْ تَعْلَمْ بَعْدُ!!!

أَنَّ جُروحي مُبْتَلَّةٌ بِالْغَدْرِ

وَالْأَعْوامُ تَمْضي...

وَأَنا كَالْعَوانِسِ

أُفَتِّشُ عَنْ ضِلْعِيَ الْأَيْسَر

حَتّى أَحْتَمي بِبَقايا وَطَنٍ

لا شَطَّ فيه وَلا مَرْفَأْ

........

أَنْتَ لَمْ تَعْلَمْ بَعْدَ

أَنَّ الْعالَمَ يَتَهَيَّأُ لِلطّوفانِ

فَتَهَيَّأْ لي

وَامْسَحْ عَلى جَبينِكَ طُهْرَ الزَّمانِ

فَوَجْهُكَ الْمُلَثَّمُ بِالنَّوايا

ما عادَ يُفْزِعُ الطِّفْلَةَ

وَلا عادَ يَأْسَرُها الْمَكان

وَأَنَّ الطُّيورَ الْواقِفَةَ عَلى أَبْوابِ البرد

تُهاجِمُ غَفْوَتي

حَتّى تَحُطَّ بِحُزْنٍ عَلى ساعِدي

وَفي آخِرِ اللَّيْلِ

تُدْرِكُ سِرّي...

 

4-1)- ظلال من الماضي:

أما ظلال الشاعرة التي سبق الحديث عنها، فَنُطِلُّ عليها من خلال الظِلِّ الأول المرتبط بالطفولة التي لا تَنْفَكُّ الشاعرةُ تعودُ إليها، لِتَغْرِفَ رصيداً من قوَّةٍ هي في أمسِّ الحاجة إل. وقد سبقت الإشارة إلى أنَّ حديث الطفولة هو من ظلال الماضي التي تكادُ تُغَلِّفُ جميعَ نصوص الديوان؛ تقول الشاعرة:

أَغِثْني

يا زَمَنَ الصِّبا...

عُدْ بي لِلصَّمْتِ الْمَوْصولِ

بِطَيْشِ الصِّغارِ...

بِلا صُوَّرٍ...

بِلا رُؤى...

حَتّى يُصَلّي الْوَجَعُ في جَلالِ الْقَدْرِ الْمُغادِرِ

وَتُشَيِّعَني عَلى أَكُفِّ الْغَباءْ،

بَعْدَما شُدَّ قَلْبي قَسْراً إِلَيّ...

وَشاعَ اللَّحْنُ في الرّوحِ

حَتّى غابَ عَنْكَ الْمَساءْ...

لِتَرْثَيَني...

كَالْفَجْرِ الطَّرِيّ

وَتَسْلُبَ مِنْ جِسْمي الْمُذاب

ظُنونَكَ في النِّساءْ!!

فَتَسْقُطَ مِنْكَ أَقْنِعَةُ الْأَلْحان

بَيْنَ الْمَعابِرِ....

ومن هذا القبيل أيضا قولهامن قصيدة (ما عُدْتُ طِفْلَةً) (الديوان، ص.63 ):

ما عُدْتُ طِفْلَةً!!

لِتُشَيِّئَ أَحْلامي الْوَرْدِيَّةَ بَيَدَيْك

لُعْبَةً،

حَتّى تُسْكِتَ تَمَرُّدي

وَتَتْرُكَني عَلى التَّلِّ الْحَزينْ

أُمارِسُ طُقوسَ الْعِبادَةِ الْمَشْروعة

خِفْيَةً،

لا تَقُلْ...!!

بَرَزَتْ مَلامِحُكِ يا أُنْثى...

فَمَلامِحي الْمَدْفونَةُ بِأَرْضِكَ

تُغازِلُ صَمْتَكَ الْمَخْفِي

عَلَناً... وَحَسْرَةً

ثم يأتي ظل الفضاء (المكان والزمان) الذي يَلُفُّ كيانَ الشاعرة وما ينطوي عليه هذا الكيان من آمالٍ وآلام وحكايات هي من صُلْبِ الزمان والمكان اللذين عانت منهما الشاعرة طرفا. ويبقى حديث المكان هو الغالب على نصوص سناء الحافي، حيث يَحْضُرُ الوطَنُ بكل تَجَلياتِهِ وتقطيعاته، مُتَعَلِّقاً بتيمَتَيْنِ رئيسَتَيْنِ، هما: تيمةُ الغربة، وتيمة المنفى؛ تقول الشاعرة من قصيدة (أنتَ لم تَعْلَمْ بَعْدُ) (الديوان، ص. 29):

أَنْتَ لَمْ تَعْلَمْ بَعْدُ أَنَّ قَلْبِيَ الْمَهْجور

أَلْبَسَتْهُ الغُرْبَةُ رِداءَ الرَّحيلْ

وَكوفِيَّةً بِخُيوطِ الدَّمْعِ الْمُشْتَعِلْ

حَتّى تَشْتَمَّ حريقاً في وَرَقي

لِتَأْتي إِلَيَّ

بَعْدَما خانَتْني لَباقَتي!!!

وَتَدْعوني إلى عَشاء البرد

لِتوقِدَ حُزْني

وَتُدْفِئَ شَتاتَ الطَّيْرِ الْمُتَبَقّي

عَلى عَتَباتِ وَطَني...

وتقول في قصيدة (رعْشَةُ المَنْفى) (الديوان، ص. 90):

بِاسْمِ اغْتِرابي

أَوْقِدْ لي بِدِفْءِ الرّوحِ

نُوراً...

يُبَدِّدُ عَتَمَةَ الْقُلوب

يُشْعِلُ شَبابي الذّابِلَ بِالْغُموضِ

حَتّى لا أَرى الْحَياةَ أُضْحوكَةَ صَيْفٍ

تَرْنو أَحْلامي فيها

كَالطِّفْلَةِ

في خَجَلٍ مَغْلوبٍ

بِاسْمِ الاغْتِراب

أَوْقِدْ لي بِشَوْقِ الرّيحِ

مِشْعَلاً...

يُضيئُ لي الْحاضِرَ وَالْآتي

فَأَموتُ وَأَحْيا

مِنْ رَعْشَةِ الْمَنْفى

حينَ يَنْبُتُ الرّيشُ في الْجَسَدِ الْمُبْتَلِّ بِالذُّنوبِ...

ولا يمكن الحديث عن هاتين التيمتين في نصوص سناء الحافي، دون الوقوف عن موضوعَتَيْنِ أُخْرَتَيْنِ، هما: الرحيلُ والحُلُم؛ تقول الشاعرة (الديوان، ص. 84-85):

أَدْخُلُ في أنايَ،ِ لأَبْدَأَ رِحْلَتي إِلَيْك...

في جَوْفِ اللَّيْلِ الَّذي يَسْكُنُني...

بَعْدَ أَنْ نَحْتَسي كَأْسَ النِّسْيانِ

إلى أن تقول (الديوان، ص. 85):

أنا لا أُهاجِرُ مَرَّتَيْن...

وَسَأُواصِلُ ما يُشْبِهُ الْمَوْتَ... كَيْ أَراكَ!

مَرَّةً في خِضَمِّ السَّحابِ...

وَمَرَّةً أُخْرى وَقْتَ الضَّباب...

وتقول أيضا في قصيدة (مراسيم أنثى) (الديوان، ص. 76):

قَلْبي عَوْسَجٌ...

يَحْلُمُ بِالشَّمْسِ بَعْدَ الْمَغيب...

فَامْتَدّي يا أَسْبابَ الرَّحيل...

مِنَ الْحُبِّ إِلى الْحَرْبِ

فَقَدْ كَبُرْنا عَلى مَراسيمِ الْوداعِ بِالْخُطى الْمُحْتَرِقَةِ...

وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الْبُكاء

... لِتَنْضُجَ سَذاجَتي بَيْنَ تَجاعيدِ كَفّي...

أما ظلال الآخَرِ/ الرجل، وهي النوع الثالث من ظلال الشاعرة، فكثيرة في نصوص سناء الحافي، ويكاد يكون الرجل في بعده الماضي والآتي الأساسَ الذي بَنَتْ عليه الشاعرةُ قصائِدَها؛ تقول من قصيدة (الملك النائم) (الديوان، ص. 26-27):

إِذا حاكى نَسيمُ هَواكَ دَرْبي

فَوَيْلٌ لِلَّذي مِنّي تَبَقّى

سِوى خَوْفي يُسائِلُني خَجولاً

وَذاكِرَتي بِبَحْرِكَ نَعْشُ غَرْقى

فَعُدْ مِنْ نَوْمِكَ الْعاجي قَلْبي

فَكَمْ تَحْلو حِكاياتي وَأَشْقى

......

أَيا رَجُلاً وَهَبَني الْحُبَّ نوراً

إِلَيْكَ غَدّي فَإِنْ وَلّى سَيَشْقى

وتقول في قصيدة (حورية المنافي) التي دُعِيَ الديوان باسْمِها (الديوان، ص. 43):

مِنْ أَتَيْتِ...

لِتُجادِلي الرُّجولَةَ بِداخِلي

بِاسْمِ التَّأْنيثِ فيكِ،

وَتُتْقِني فَنَّ الْعِشْقِ الْخَجول

حَتّى ضُلوعي تُثْريكِ..

وتقول من قصيدة (غوايَةُ امرأةٍ) (الديوان، ص. 60-61):

في الْبَدْءِ كانَ وَجْهُكَ

طُفولِيّاً

يَهْذي على أَرْصِفَةِ السُّؤالِ

بِلا حَقائِبَ

بِلا لِحافٍ،

يَتَمايَلُ كَالنَّخْلِ العَجوزِ بَيْنَ الظِّلالِ

حتّى أَشْتَهي فيهِ مَلامِحي

وَأَلْتَحِفُ بِهِ السِّنينَ الْعِجافِ

في الْبَدْءِ كانَ عِشْقُكَ

يُسْكِرُني...

فَأَرْتادُ أَقْبِيَةَ الْأَحْلامِ

أَلْبَسُ الْحَريرَ

أُزَيِّنُ خاطِري بِالْحَياءِ

وَأَنْتَ واقِفٌ عَلى كَفّي

تَكَسِّرُ التَّمَنّي

الَّذي ضاعَتْ عَناوينُهُ وماتْ...

حَتّى ذَبُلَتْ بَيْنَ شَفَتَيْكَ الْقُبَل

وَما عُدْتَ تَسْتَبْعِدُ فِيَّ

غَدْرَ النِّساء

وننتهي بعد هذا إلى النوع الرابع من الظلال، وهي ظلال الثقافة الشعرية؛ هذه الثقافة الشعرية التي لا تقطع مع النمط القديم في بناء القصيدة ورحها ومعجمها الشعري. ذلك بأن سناء الحافي شاعرة تغرف من النمطين معا القديم والحديث، وينحصر الشِّعْرُ في مُعْتَقَدِها في ما يُشْعِرُ بالألم أو الحزن؛ أي ما يَشْعُرُ به الإنسانُ؛ ولو كان خارِجَ الأوزان العروضية.

 

4-2) ظِلالٌ مِنَ الْآتي:

وهي النوع الثاني من الظلال التي وصفناها بالقلة والنُّدْرَةِ في كتابة سناء الحافي ونصوصها الشعرية التي يَطْفَحُ بها ديوان (حورية المنافي)؛ ويتعلق الأمر هنا بظلال الذات الشاعرة، التي سبق أنْ قُلْنا إنها تنْشَطِرُ إلى قسمين: قسم يَحِنُّ إلى الماضي، وقِسْمٌ يتوقُ إلى المستقبل ويَشْرَئِبُّ نَحْوَهُ؛ تقول سناء الحافي (الديوان، ص. 32):

مِنْ أَلْفِ أُغْنِيَّةٍ ناشَدْتُ ذِكْرَكُمُ

إِنْ عُدْتُ يَوْماً سَيَبْقى رَسْمُ عُنْواني

تَاللّه ما نِلْتُ بِالإيقاعِ أُغَنّي

وَلا بِأَنْغامِ أَوْتاري وَأَلْحاني

كَيْفَ الْعَزاءُ إِذا لَمْ يَصُنْ قَدَري

يا وَيْحَ نَفْسي إِذا كانَ الْهَوى فاني

دَعْ عَنْكَ نَفْسَكَ يا قَلْباً يُشَيِّعُني

صَوْتاً فَتاريخي مَنْقوشٌ بِوِجْداني

وَما عابَني الْفَقْرُ إِنَّ الْفَقْرَ عَذَّبَني

لكِنْ لِعِلْمِكَ صيتي الْيَوْمَ أَغْناني

وَما اغْتَرَرْتُ بِما تُبْديهِ مِنْ تَرَفٍ

نَفْسي الْعَزيزَةُ تُبْدي الْيَوْمَ بُرْهاني

وتقول أيضا من قصيدة (حلم الشباب) (الديوان، ص. 40):

يا شَبابي لَمْ يَعُدْ لي فيكَ ذِكْرى

فَلْتَعِشْ في حافَةِ الْحُلْمِ الْبَخيلِ

قَدْ أَثارَتْ ريحُ شَوْقي كُلَّ ثَأْرٍ

آنَ أَنْ أَصْحو بِلا ظِلٍّ عَليلِ..

ومن ذلك أيضا قولُها من قصيدة (ٌقِدّيسَةُ الطّينِ) (الديوان، ص. 66-67):

هَلْ لي بِعِشْقٍ أَرى فيهِ بِداياتي

يا مَنْ قَطَعْتَ وَريدَ الْوَصْلِ في ذاتي

يا كَمْ رَجَوْتُكَ بِالْعَهْدِ الَّذي نَطَقَتْ

فيهِ ثُغورُ الْجَوى غَيْثاً لِمَأْساتي

في غَفْلَةٍ مِنْ جُنونِ الطّينِ بَعْثَرَني

حَتّى سُقِيَتْ كُؤوسَ الوُدِّ دَمْعاتي

كَيْفَ الدَّواءُ وَأَصْلُ الدّاءِ مِنْ دَنَفي

يا مَنْ يَفيضُ أَسَىً قَدْ زِدْتَ عَبْراتي....

والنصوصُ من هذا الطِّرازِ كثيرةٌ في الديوانُ، كُلُّها تَتَغَني بِصَنيعِ الذاتِ، وَوُجودِها بين الماضي والآتي...

 

على سبيل الختم:

هكذا تبدو سناء الحافي من خلال ظلالها الماضية والآتية، شاعرةً دائمة الرحيل، وقد اسْتَحْسَنَتْ، بالرغم منها، حياة الغُرْبَةِ والمنفى، تلك الحياة التي خلقت منها ذاتا شاعرة، تكتُبُ بَوْحَها ومعاناتها مع المكان والآخر والذات وكُلِّ ما مِنْ شأنه أن يَرْبِطَها بوجود الأنثى في خارِطَةِ وطنِها الكبير؛ خارِطَةٍ تَرْسُمُ معالِمَها عَقْلِيَّةُ الرَّجُلِ الشرقي المُتَحَجِّرَةِ. إنها الباكورةُ الأولى لسناء الحافي التي، كما سبقت الإشارةُ إلى ذلك، أرادَتْ أن تقولَ فيها كُلَّ شيْءٍ؛ غَيْرَ أَنَّها ستكونُ، حتْماً، في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى دواوينَ أُخرى؛ لِمواصَلَةِ الْبَوْحِ والقَوْلِ الشعري الجميل الذي ينسابُ انْسِيابَ الْحَكْيِ على شِفاهِ شَهْرزادَ وهي تُعَلِّقُ نهاياتِ حكاياتِها بِغَدٍ لا تَعْرِفُ كيف ستكونُ ألوانُهُ وكيف سَتَمْتَطي مراكِبَهُ....

 

الأستاذ الدكتور مصطفى سلوي

وجدة؛ في: 22 يوليوز 2013

 

ثنائية الحياة والموت في قصيدة (مناديل من حرير الكلمات)

saleh alrazukلو قلبت صفحات مطولة يحيى السماوي (مناديل من حرير الكلمات)(1) لا شك سوف تلاحظ أنه لم يذكر العراق ولا السماوة صراحة، واكتفى بالإشارة لروما في موقعين. وكل مرة بسياق مختلف.

فهل هذا يعني أن لروما دلالة خاصة بعينها في عالمه الذي يتمازعه الموضوعان الأثيران لديه: الرثاء والنسيب.

لقد تناولت هذه الظاهرة عدة مرات، وذكرت أنها رؤية مركزية، أو أنها ذات هم محوري في شعرية السماوي.  فهي تدل على اهتماماته بموضوعة الحب والموت. وقد لاحظ الأستاذ ليسلي فيدلير أن النزاع التقليدي بين الحب والموت هو الذي تحكم بمنشأ الرواية الأمريكية. بالإنابة عن الصراع التقليدي بين نوازع الخير والشر.

و خلاصة رأيه أن هذا الجدل هو خير تعبير عن إعفاء الشخصية الدونجوانية من صورها الأسطورية المبالغ بقدرتها على الإغواء، مع إضفاء شيء من النظرة العلمانية لإلهة الحب المسيحي.

إنه ، بلغة أخرى, جدل بيزنطي بين روح البطولة الهوميرية و سلوك الانتقام المشين الذي ارتكز علىة أخلاقيات عصر النهضة، فهو الذي أشر للحد الفاصل بين العاطفة و كأنها دين أو ظاهرة إيمانية و بين العقل (2).

فالرواية، والأدب عموما، تصعيد عاطفي لشقاء الغرائز. وعليه هي أسلوب مباشر لمقاومة أسباب الألم والفراق. وبالاستطراد لمواجهة الأثر العنفي المدمر لفكرة الموت أو المجهول بحد ذاته. وتلك المعاناة هي الدينامو الذي يشحن كل عاطفة وعقل يحيى السماوي، منذ أول كلمة في (عيناك دنيا) وحتى اللحظة الراهنة .

وإذا كانت بداياته تنوب عن القلق الوجودي من جراء الغموض في الاتجاه والاختيار، وهذه ناحية لها علاقة بنشاطه السياسي كرمز من رموز المعارضة للنظام، فإن نهاياته ترتبط بجدلية الانتماء والتشرد من ناحية، ومن ناحية ثانية بمعنى انتظار الأجل المحتوم أو فراق الأعزة سواء الوطن الأصلي والوطن الحاضن البديل. أو حتى من يتماهى معهم من أصدقاء وأقارب كالأم والبنت والزوجة، إلخ...

ولا شك أن ارتهان السماوي لصورة روما يأتي في هذا الإطار، فهي مدينة طرفية، وفي نفس الوقت لها علاقة بالمركز.

ومثل هذه الجدلية لا تتحقق إلا في المدن التي تترك علامة لها في تاريخ الحضارة الذي يبلغ عمره مئات الألوف من السنوات.

إن نيويورك بما هي عليه من عمر قصير قد ألهمت أدونيس رائعته (قبر من أجل نيويورك)(3).

وهي قصيدة طويلة أيضا. ولكنها ملحمية. وتتكلم عن أزمتنا كشعوب مظلومة ومدحورة أمام جبروت النهضة، والتي تبدأ عادة بشكل مشروع تنموي، وينتهي بها المطاف لتصبح مشروعا استعماريا واستغلاليا.

إن نيويورك في قصيدة أدونيس نبوءة بموتها في الضمير العام وتحولها من أداة تنوير لأداة قمع. وبالتالي كان يرثي المدينة الفاضلة التي طالما انتظرناها.

وهذا هو شأن يحيى السماوي فيما يتعلق بروما.

لقد كان ينظر إليها بسياق متحول، سياق النهضة والتنوير. ولم يبق عليه إلا أن ينصب أمامها تمثال الحرية الذي تهتدي به الشعوب والذي يقف اليوم على أعتاب مدينة نيويورك ذاتها.

أليس هو القائل:

أنت لست روما فلماذا طرقي كلها تؤدي إليك؟ (ص 32).

وهذا يتقاطع مع المثل المعروف: كل الدروب تقود إلى روما.

ولنفهم معنى المثل، بمردوده المباشر، يمكن أن أذكره بصيغته الشعبية المعروفة: كل الدروب تقود إلى الطاحون.

وأعتقد أنه يجوز لنا إبدال روما بالطاحون.

فكلاهما معمل لا يتوقف عن النشاط والإنتاج. روما هي خلاصة الذهن المتوقد وحضارة التوسع التي لا تترك الفرصة لأحد كي يفلت من إسارها. والطاحون ضرورة حياتية وتهب مع الريح الرخاء ومع العاصفة أيضا.

وكانت هذه هي الفكرة التي أحب السماوي أن يوصلها.

إن معشوقته مصدر لطاقة الليبيدو. وحسب مبدأ إشباع اللذة والتطهر من أعراض الكف (= العصاب المفروض قسرا بقوة أداة قصدية) لا تستطيع أن تستكمل سعادتك إلا من خلالها.

وأستطيع أن أجد هنا فرصة لمداخلة إضافية.

ألا تتحلى معشوقته بصفات الذم والقدح بقدر ما تتحلى بصفات الثناء والتقريظ.

لقد احتلت قلبه (ص 42) وكأنها نوع متحول من الاستعمار الناعم أو ما يسمى بالاستعمار الجديد، ثم أصبح أسيرها (يقول أنا أسيرك ص 42). غير أن هذا لم يصرفه عن ملاحظة ميزاتها. فهو لا يرى في صدرها غير (زهور الياسمين – 48) وفي أناملها لا يتلمس غير (الزنبق المتفتح والناضج – ص 41).

ثم ألا تنطوي معشوقته على معاني الاستحواذ القهري والصد والجفاء والكبت، بقدر ما تنطوي على معاني البذل والكرم والعطاء.

فهي (حبل من الشوق – ص 61)، و(غبار الشوق لذي يعمي دقات القلب – ص 89). وهي كذل ك (صداح – ص 91) و(بستان – ص 44) و(سيول توشيها فساتين الخضرة – ص 45).

وإن مثل هذه الإحالات هي إسقاطات غير مباشرة للمعاني الوطنية والتي يمكن أن تتظاهر بعدة صيغ وتراكيب.

و يوجز يحيى السماوي كل ذلك في عبارة تبدو لي إنها بيت القصيد، فيقول :

ألملم الغبار العالق بقدميك

لأصنع منه وطنا

يسع خيمتي (ص 52).

وهذه إشارة مباشرة لأطروحة القصيدة.. الجدل المحتدم بين أسباب الكد والاغتراب وأسباب السكن والانتماء.

إن قصيدة (مناديل من حرير الكلمات) قصيدة مركبة. والمحبوبة ومن ثمة روما، هما استعارة مكنية، لمدينة أخرى خالدة، تعاني من العسف والعنت والجور، باعتبار أنها حضارة دكتاتوريات عسكرية.

وفي ذلك دليل يؤكد أن المعنى الحضاري والأحفوري لروما، وللمدينة المضممرة والمستترة ، والحاضرة دائما من وراء ستار، وهي حتما بغداد، لا يحدو ضمير الشاعر يحيى السماوي لينشد أرق وأعذب القصائد في محبوباته الكثيرات والمتنوعات. ولكنه دائما يعبر عن التجربة الواقعية والمعيشة.

فهو لم يتبع خط تطور المدينة، الماثلة في ذهنه وتصوراته، منذ نشوء الأكروبوليس وحتى سقوطه واستبداله بمشروع لديه استراتيجية مختلفة، ولكنه بدأ من لحظة المعاناة ومن العقدة التي نسميها بلاغيا باسم (أزمة)، وأحيانا بلغة ملطفة ودبلوماسية (منعطف).

إنه لم يهتم بالصورة البدائية لتلال روما ثم بغداد. ولكنه دخل مباشرة مع الوافدين لعاصمة مكتملة، بمعنى أنها مكتملة المعارف والصفات.

وقل نفس الشيء عما فعله برهان الخطيب في روايته اللطيفة (ذلك الصيف في إسكندرية). لقد فتح إحدى عينيه على الواقع السياسي المعاصر بنسخته المعربة، وأغمض عينه الثانية، ولم ينظر لماضيها الهليني وتشعباته كمركز تقترض منه الحضارات المعرفة والحكمة، مع أنه ينطوي على توجه هدام وعنفي (بعبارة أسد الأشقر)(4).

ولم يتوسع أحد بالمفهوم السابق، إبداعيا، غير أحمد يوسف داود، ولا سيما في مسرحيته (مالكو). ثم نذير العظمة في كل دراساته وقصائده عن الطائر الخرافي الفينيق، والذي رأى أنه مصدر من المصادر الكثيرة للمطية المجنحة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وأقصد (البراق).

وهذا يفتح عيوننا على مضاعفات معنى روما عند السماوي. فهو يقول في المرة الثانية والأخيرة من قصيدته عن هذه المدينة:

أنت لست نيرون..

وأنا لست روما. (ص 39).

وغني عن القول أنه كان يناشد حبيته.

ولا داعي لاستقراء ما تبقى من هذه العبارة. إن ربط المدينة مع اسم أحد أشهر الطغاة في التاريخ المكتوب سوف يتحول في الذهن تلقائيا لمفردات من بيئة الشاعر ومن خبراته الشخصية والوطنية. وأنا أشير إلى (بغداد). وتدعم هذا التفسير بقية القصائد في المجموعة، وعلى رأسها (هموم عراقية).

فبغداد هي نفسها المعادل الحقيقي لثنائية الحياة والموت، أو بلغته الشعرية: ثنائية التباعد والتداني.

ولنا في عناوينه خير برهان على ذلك. ومنها:

تعالي لأبحث فيك عني.

قريبا منك بعيدا عني.

سأفر مني لأضيع فيك.

وبقية القائمة تطول.

 

..........................

هوامش :

1- مناديل من حرير الكلمات. دار التكوين. دمشق 2012.

2- Love And Death In The American Novel by Leslie Fiedler. Penguin.1982

3- الأثار الكاملة لأدونيس. المجلد الثاني. دار العودة. ص 645 .

4- الخطوط الكبرى في تاريخ سورية و نشوء العالم العربي. ج1 ، قسم 1. منشورات مجلة فكر. بيروت. 1981.

كانون الأول   2013

 

قراءة في المجموعة الشعرية "الحسين مدينتي" للشاعر علي سلمان الموسوي

tawfiq shakhusanتوجهت ْ .. قلوبُنا عند بابها

مدينة ُ الفرقان .. صلى المؤمنون

     عاشقون

قادمون من فجرها ...

تركع ُ الجباه ُ .. لله، وكأن باب َ القبلة ِ يفتح ُ ذراعيه

الآذان هنا .. شفاء ُ الصدور

التراب ُ هنا .. صعيد ٌ طهور

الماء ُ هنا .. عذب ٌّ صبور ..

تأتيك قلوب ُ العاشقين .. تدمع ُ عشقها

والخطوات ُ، أقدام ٌ تعدها

خُطاها شعور ُ الورى

في رحلة المدينة يطرق بابها بصمت، يدخل الى رحاب الحسين، تسكنه الدموع ويرسم من الشمس ورود، ومن جموع الرايات وأعمدة الدخان يكتب نشيد السماء، يزرع بين الأحزان البكاء .. من وادي كربلاء تذوب الروح في راحات اليد، وتدخل الأوجاع صحن سورها مع قلوب من هيام الرحاب .. حمائم ٌ تبحث ُ عن ظل ٍ تجده حولها، عبقا ً يكتسي قدس المكان، تشكي وجعة الأصفاد ولفحة السياط، يهبط نسيم من ندى يُبلّل الحصى ويجعل التراب نهرا يتوضأ القلوب ..

عن دار أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع في سوريا صدر للشاعر علي سلمان الموسوي المجموعة الشعرية السادسة بعنوان " الحسين مدينتي " وتتضمن خمسون قصيدة شعرية ..

تبدأ بوقفة اعتذار عندما تهرب الكلمات من لسانه وتختبئ خلف أنامله وعيونه تهطل ُ سحرا ًمن غيث عيني الحسين، وتخجل من بريق الحروف تنزف الدم الأبيض على جبين السطور، يجد نفسهُ جائعة ً تلهث ُ العطش َ ولم تسكن حتى تشرب ُ من حب الحسين الأبدي، ولن يطلب شيئا ً من ركام الدنيا وخريرها إلا أن يكون عبدا ً يمسّد ُ أحلام الأقدام التي تعدو نحو الحسين زاحفة ً ..

الى .. سيدي وحبيبي الحسين

   أنت قلبي الكبير

ومن جرح ٍ بليغ في عينيك

أرى كل الأنبياء .. تودّعك

الى .. دمائك، الى .. ترابك

الى ... كواكبك الحمراء

مدينتي أنت ... ودموع أمي

مدينتي أنت ... وصرخات أبي

 

وهج رحمة آلهية في قلب مليء بالنقاء والصدق .. قلب ٌ يشع ُ نورا ً، يموت مع كل موت ويصحو بعد كل صوت، قلوب ٌ عاطشة تعطي الحياة همسات الدعاء ..ويجعل الترابُ نهرا ً يتوضأ القلوب، يهبط نسيم من ندى يعطر المساء، وقمرا ً مضيئا ً يتفجر ُ بركانا ً في القلوب، يتفقد أرواحها كنخلة ٍ خضراء في وجه البراري، يبحر مع سفينته القلب الى عاشوراء مرتدي ثوب الحزن والأسى ..

 

قلبك َ الحزين غسل َ أجسادَنا

وجسد ٌ طاهر ٌ لطهرنا

وأنت ترتدي غيومك َ الفاتنة

تتساقط كالمطر .. 

عند انين نهرنا

يزرعون ضُحى النار

وخلف الحواشي يضحكون للماء

الذي عبر

 

تسكننا الدموع من ظمأ القلوب لأن القلب ينبض باسم الحسين لهول المصاب العظيم .. تذرف العين دما ً ودموع كلما مر ّ طيف ألطـّف لبكائهم وعطشهم فيغرق القلب من دهر الحزن والأسى ويهتف وينادي يا حسين ..

 

لماذا نذرف ُ الدموع؟؟

هل أمرتنا السماء

أن نحبك ..

أن نتألم ..؟

الآلام ُ ... الدموع

تحرقها الأجساد

حين ترفض الخنوع

 

ثارت الرمال تحت حوافر الخيل بغضب الشمس وحمى الرياح .. الجرح العميق أبكى العذاب .. أغبّرت الأرض وبكى المعراج ..  وإثقال الأرض خف َ وزنها وانتفضَ قلبُها مع صلوات تشهق الجراح ..بدأ الكسوف والخسوف معا ً وجف ظلام البحر وأغرق عشبها بماء ٍ بخيل ..

 

اقبّل ُ حوافر َ التراب ِ، أن ّ أشُاطر َ أقدامَكم

أكون قديسا ً ... لكونها

تقدست قبلي ...

اغتسلت بسُحب ِ الدماء

كحبات ِ مطر ٍ في المحراب

يشربون الأسى ... وآلام العباد

ونزف َ الكرار ُ عطر َ الرضاب

والفقار ُ شق َ معقل الليل

 

عيون الشمس غابت بين عواميد الرمال وقمر ٌ محاصر ٌ في سمائه ِ .. توشح َ السواد في منايا الراحلات ونرى البكاء شموعا ً لن تغيب .. والجنة َ في عينيك تدمعُ الغدير وتحرق ليالي الزمن مع قلوب قطّعت معول الظلام ..

 

قراءة في مجموعة "تهجّيات" للشاعر أحمد الحلي .. عالَمٌ في جملة شعر

abas mohamadridhaقال مالك بن الريب، فليتَ الغضا ماشى الركابَ لياليا، وقال المجنون، ليتنا أجربانِ نرعى وحدنا، وقال الشريف، فمُذْ خفِيتْ عني الطلولُ تلفّتَ القلبُ، وقال ....

وقال نزار، يا شعرَها على يدي شلّالُ ضوءٍ أسودِ .

رأيتُ هؤلاء كلُّهم من غير أن يكون لهم ذِكرٌ في شعرِك من لفظٍ أو تركيب أو موسيقى أو صورة أو مضمون، لكنك استطعتَ الإحاطة بهم جميعاً .

هذا الشعر، عملتُ مثله، وقبله، لكنه، لكنني، كالريح والتراب، كالفأل والغراب .

من أي بابٍ ندخل إلى عالم " تهجّيات" الذي استحوذ على كل حِيَل الشعر ليستحوذ على إعجابنا  .

ألف حيّة لدغتني، حين تهتُ في صحارى " خيول" .

تغرف من معالم الطبيعة، الذال، ذوْبٌ من الرحيق، أم شفتاكِ !

أُمسِكُ حصاةً، أقرأ عليها حروف اسمينا المؤتلقين، أرميها للنهر تنبثقُ فوق الماء حزماتُ زنابقْ !

ومصطلحات العلم، خارجَ مداركِ، يتلاشى زهوي، كمصباحٍ مُطفأ !

قال القرطاجني، "العِلميات لا تناسب الشعر"، لكننا نجدها في "تهجيات" كلها شعرية، كفيلةٌ بإحالةِ منطقة القطبِ إلى خط استواءٍ، زفرةٌ واحدةٌ من زفرات اشتياقي إليكِ !

تلملم جراحَ الكون، وتُعيد ترتيب الأشياء، وتخلق عوالم جديدة، إذْ تخرج من العلم إلى الطراوة ومن الرومانسية إلى الطرافة لا التهويم .

شعرٌ لا يستوعبه منهج، شعر يوصف فقط، لأنه كشف عن أسرار حداثة الرؤيا في تحديث التركيب اللغوي وتنويعه لأغراض لا تقف عند حد، "لارتياد الفضاء، يلزم الآخرين الكثير، أما نحن فتكفينا قُبله!"

تكسرُ التوقع، وتصدم باللامتوقع، لكليهما ذاتُ الضرورة، النباتات في عملية التركيب الضوئي، والعشّاق في حالات العناق !

تبثّ الروحَ في الجماد، وتنفخ فيه من روحك، تونسن الجمادات، وتعقّل الكائنات الحية غير العاقلة، تستنطق وتحاور وتصطرع وتخلق ألف حميمية مع من تريد وما تريد، ولستَ في الحالين مجاملاً أو مدارياً ولا متحاملاً أو ظالماً لحق، بماذا تراها تفكّر، تلك الخيول التي دهستها عرباتُ الغواية، أتراها، وهي تلوك عُشبة اليأس، تستذكرُ الذي فات، الشِعابَ التي كانت تضيق عن اختلاجات تأججها، الزهوَ الذي أغتيلْ، والصهيلْ، الذي كان يزرع في الأعالي جمرة البروق .

والرمزُ هنا يتأرجح بين الغموض الشفيف والوضوح الممتلئ، وهذا التأرجح يمنح الرمز إمكانية أن يحمل أوجهَ بل وجوه، تمكّن صاحبُها من التملّص من مساءلة الرقيب في وقتٍ ازدحمت على بوّابته العيون التي كانت لا تسعها الأرضُ زهواً وخيلاء .

شعرٌ بيانه منه وفيه، لا تشبيه إلا ما ندر، بل يتيم، استعار الكونَ لخياله الخصب، والديوانُ كله يمكن أن يكون كناية عن وصفٍ وموصوف ونسبة، ولكنّ الصفة والموصوف والنسبة، يمكن أن يكون أيُّ شئٍ يقترحه القارئ، فهو يستوعب كلَّ هموم الدنيا، إنها إشاراتُ قلبٍ ينبض .

أصعب شئ، أن يُحيل المرءُ النثرَ شعراً، وأن يدسَّ طاقات العقل والفكر في غضارة الشعر، أن يُشَغّل نثرٌ معملَ شعرِكَ، ويضعه في (الخدمة)، معنى ذلك أن يبثَّ الروحَ في الجماد ، معنى ذلك أن كل من يقرأ هذا الشعرَ يوفّق في التأويل، لأن المعنى سمين وجَنى الجنتين دانٍ .

كل قارئ له أن يُصبِح شاعراً، ماذا تريد من الشعر غير هذه الأشياء وأشياء أخرى لم تلمسها أناملُ أدواتي النقدية .

ديوانٌ كلّه كناية واحدة، عن ذات رجلٍ مسكونٍ بالتوق إلى التقاء الحلم بالحقيقة وإلا فعلى كلٍّ منهما على حدة السلام .

شعريته، في أنه حاول تعريفَ عينيها، فنجح، عيناكِ الواحةُ المراوغة، وأنا التائه في عمق الصحراء/ قصيدة طلّسم الحروف ، حيث يتبيّن لنا، أولاً، إنه جعلهما واحة . ثانياً إذْ وصفهما بما لا يمكن أن توصفا به أبداً، وأبعد من ذلك أنه عرّف الواحة، أي أن عينيها ليستا كل واحة، بل هذه الواحة بعينها، وهو جعلها الواحة المراوغة دائماً، فكأن وجود الواحة ومراوغتها أمر مفروغ منه ...

ونقرأ في مواضع أخرى، موضعُ حسدي، كلُّ شئٍ يرتسمُ عليه ظلُّكِ !

بأقصى بُعدٍ عنكِ، سأبقى حواليكِ أدور !

إزاء فوضى هذا العالم، حبُّكِ، الشئُ الوحيدُ الذي يعيد ترتيب الأشياء !

ولك أن تلحظ أن " حبّكِ" مصدر عطاء للجملة الأولى والثانية ولكليهما معاً

وإذا كان للشاعر القدرة على تعريف النكرات بـ أل التعريف، للأسباب مضى ذكرُها، فإن له قدرة أكبر على تعريف الشخصيات، أي بيان معالمها وتقريب صورتا، فهو يعرّف الشخصيات في العلم الصرف والأدب الصرف والفلسفة والاجتماع والوراثة والفيزياء والحكمة والتصوّف والسياسة واللغة و...، واضعاً أمامنا تعريفاً شعرياً جديداً لا يتحامل على مواصفاتها الحقيقية، ولكنه من أبعد نقطة وأخفاها في بحرها يبدأ، تحت " كوبرنيك نقرأ، أيّة حجارة سماويةٍ مسحورةٍ، هذه التي ألقيتَ، في مستنقع أذهانهم الآسن، بحيث يستحيل الكلام إلى همسٍ في أذن قلبِ المتلقي .

طرافة الصياغة التركيبية مجالٌ آخر في ديوان تهجّيات"، لصياغة المعنى الشعري، نقرأ، فاضَ حنيني، فانساح يرمم صدوعَ الأرضِ، زاد أنيني، فكفَّ الحمامُ عن النواح، وراحَ يُصغي لي .

بكاء الحمام يثيرُ الشجون، يُهيجُ ذا الشوقِ مهما قُدَّ قلبُه من صخرٍ، هذا هو المعنى الاعتيادي المستقيم، وتتداعى في ذهنكَ أشعار القدريين في هذا المجال، كما ويتداعى شعرُ أبي فراس، فقد أشار أبو فراس ضمناً إلى وجوب سكوت الحمام عن النوح، أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ، أيا جارتا لو تشعرين بحالي .

لكنَّ شاعرنا عمل الكثير من أجل الوصول إلى لوحة جديدة .

لم يتّكئ الشاعر على موروث قديم أو إسلامي ولا حتى حديث، من شعرٍ أو نثر، فهو لا يميل إلى استعمال التناص امتصاصاً أو حواراً أو تذويباً أو اقتناصاً أو اقتباساً أو تضميناً أو غير ذلك، إلا من أجل طرافة تحقق صدمة أو هزّة تبعث على الارتياح والتعجّب والابتسام والاستمرار في القراءة .

فليس له مرجعية، بل حضورية معاصرة، الكون كلّه مرجعيته، لم يتّخذ المرجعية أوتاداً لشعره ولم يخشَ أن يميد به أو بالمتلقّي، فعلى أيّ أساسٍ إذن قام شعرُ الشاعر أو ارتكز ؟

على نسيجه الداخل، الذي يُمسك بعضُه بعضاً، صانعةً قوة ارتكازية أكثر مما تفعله الأعمدةُ الرافعة .

شعره تركيبة لغوية متحققة من اقتران الشكل بالمضمون في سياقٍ خاص، اقتراناً امتزاجياً يمتنع عن الفصل، بحيث لا نتصوّر أحدهما إلا بوجود الآخر، فالشكل هو المضمون، والمضمون ما يقوله الشكل، وهو لا يتّكئ على عكّازات لغوية تقليدية، بل على الضد من ذلك، استخدم اللغة استخداماً إيحائياً فنّياً تصويرياً توليدياً، بعيداً عن أساليب البيان التقليدية المعروفة .

 

.....................

ملاحظة، صدرت مجموعة " تهجيّات مؤخراً بطبعتها الثانية عن دار شمس بمصر

 

نصوص الشاعر "رياض محمد" بين ثنائية المعادلة الحياتية: البياض والعتمة .. الجمال والقبح!!

ما بين الوطن والمنفي ومابين  الغياب والحضور، يطل علينا دائما الشاعر (رياض محمد) بقصائده التي تمثل صوتا شعريا مقطرا ومذهلا مبتكرا فى المشهد الشعرى المعاصر،  رياض محمد نشر عدة قصائد   ومن خلال مانشره،  يحاول دائما -عبر شعريته المميزة – أن يعيد ترتيب الحياة من خلال تفاصيلها التى نكاد لانلحظها أو نلحظها ولكن لانتوقف عندها بغرض الوصول لمعيار معادل للحياة المتداعية التى تتخللنا بقسوة مرعبة،   

يرسم الشاعر في قصائده الجديدة لوحات صورية فائقة الدّقة، وهذه الدّقة تكاد تكون اللون الجمالي الذي يغلِّف حروف كل قصيدة، وأحسب أن الشاعر يرتكز على هذه الصّورية بهدف تحقيق المشهد الجمالي الداخلي لدى نفسه أولاً ثم لدى القارىء ـ المُتابع لعملية البناء الصوري المشهدي الذي يُشيّد على مساحة اللغة والوعي في آنٍ معاً. هكذا أرادها الشاعر، لغة مفتوحة، مبنية على تفاصيل الشكل، جازمة بأصول معناها، متوالية الحركات إن في التعبير وإن في التفسير الضّمني للقصيدة.  يعيش الشاعر (رياض محمد)  كل محتويات 

النص، لا بل كل قرائن المحتويات التي تسعف ذاته الشاعرة التواقة إلى إرسال شفافية ورشاقة لغوية وقوة النبض وروح الشعرية العالية في موشور ومنظور  يقطر شعرية المعنى، ويبث النفحة الشذرية في مركب  لغوي - تراجيدي صوفي- في معظم نصوصه، إذ تزخر لغته بهذا الوعي الحاد بالعقل الشعري المركب في توليد الدلالات  وتحولات الذات الشاعرة في محاورها وترسيخ علاقتها بالعالم والأشياء .

  أن مقدرة الشاعر رياض محمد في التلوين والتنويع  تكمن في قدرته الفائقة في التحول من علاقة إلى أخرى، وترسيخ بنيان  الصور  الشعرية  داخل النص الشعري الواحد , , لذا نرى إلى تشكيل  جديد للصورة  واأنعطاف حاد في المعنى والمدلول داخل النص وخارجة يعني ألاطار العام  للقصيدة  "فالشاعر رياض محمد في كل منجز أو نص جديد  يؤكد لنا هويته الشعرية في اقتران ذاكرة الفعل وذاكرة الحلم والخروج من ذاكرة المكان والتواريخ للسفر على متن الشعر وتشعباته وكاشفًا التوازن بين الأسطوري والرمزي, وتتمحور القيمة الشعرية في نصوص الشاعر بين ثنائية المعادلة الحياتية الوجودية  مثل البياض والعتمة والجمال والقبح وهنا في قصيدة (خطوات) يرسم لنا الشاعر  كيف يكون "الحب حين تهرب منه الحاء او "  حين تختفي الباء من البهجة!!)  ويفقد المعنى وهي صورة جميلة فيى كشف السائد من العنف والحقد والكراهية بل  حتى الغيمة التي خاصمتها السماء هي دلالة  واشارة ذكية لحالة الجدب والتصحر في العواطف والمشاعر الانسانية في خضم موجه القتل والحروب والدمار . وينشد قائلا في هذا النص:    

 

خطواتنا التي تركناها

خلفنا ....

تنهض مرتبكة ....

تركض ....

تسابق ظلنا .....

علها تتمسك بارجلنا

من جديد !! ... 

 

ومن ثم يستكمل الصورة الشعرية الجميلة ويقول:

اوراقنا التي بللها

الماء ....

تركت حروفها

تغرق الى القاع ....

فمن يعيد الباء

للبهجة ....

ومن يستعيد الحاء

للحب !! .....

 الحوار المتمدن-العدد: 4269 - 2013 / 11 / 8 - 

 

اعتمد ( رياض محمد) في تشكيل الصورة على مخزونه الفني من خلال خبرته الكبيرة في  العمل المسرحي والسينمائي  وهذا هو المؤدي إلى رسم  السيناريو السينمائي للقصيدة و للصورة الشعرية، فنجد الشاعر  يتحرك باللغة وينهض بها في اتجاه حركي درامي،يشعر به القارئ من خلال أصوات الشخصيات ومن خلال حركاتهم الصامتة التي تتخلل المقاطع الصوتية,  هناك شئ أخر ليست الصدمة وحدها هو شعور المتلقي لمنجز الشاعر بل يشعر

أيضا بإعجاب واندهاش لهذا النظم المبتدع الذي يتحدث عن مواطن حساسة من تجربة الإنسان وقصيدة "قتيل " عنوانأ لقصيدة الشاعر هي استفزاز للمتلقى أو القارئ واستقطاب له من اجل القراءة وهذا الاستقطاب يتم بموازاة دلالات ارادها الشاعر ان تكون بعيدة عن العنوان بشكل رمزي , يمتلك الشاعر (رياض محمد) طاقة شعرية هذه الطاقة الشعرية التي تدفع بالشاعر ان يرتب صوره الشعرية بطريقة الفلاش باك والعودة الى زمن يؤطره بالندم لانه اضاعه بين السياسة والكدح وتلك الصور المخزونة بالقلب دون الذاكرة و(القتيل) الذي انصهر روحه هناك تواق في رسم سنوات العمر الباقية وكما ان الشاعرمن النوع الذي يعتمد في تركيب الصور (السينوشعرية) يكون أطارها الاستلاب والقهر بكل مفاصله وابدع في صياغتها في تلك القصيدة المكثفة يقول الشاعر:

وحيد انا

طائر كسر جناحه

والقلب

ماذا خبأت ايها القلب ؟؟؟

صورا لطفولة بائسة

وشباب ضاع في

الكدح والسياسة

وحبيبة

لم تترك خلفها

غير وجع مميت

وغبار سنواتنا

القمر المكسور

اضاء وجهها

وهي تضحك في عريها

الممتد على طول الارض !! 

 

الحوار المتمدن-العدد: 4280 - 2013 / 11 / 19 -   

من حيث الإبداع الشعري، ينتسب الشاعر رياض محمد إلى تيار الحساسية الشعرية الجديدة التي تنشد كتابة شعرية مغايرة للسائد من قصائد اعتادت على سماعه اذن وحواس الملتقي من جيث النبرة وشكل الخطاب وتحديد الرسالة ومن البدء (من عنوان القصيدة) يقحم المتلقي في التفاعل مع دلالات النص الشعري كي لا يقع القارئ في الالتباس انها القصيدة يوجهها الواضح الملامح وهو مفهوم جديد للشعر، وتحكمها رؤيا مركبة للوجود الإنساني، وتنهل من لغة شعرية تعشق التجريب، ولا تؤمن بالجاهز والنموذج. ولهذا ارى ان ذكاء الشاعر في التقاط الصورة التي تقترب من الهمْ الانساني والذي هو وجع الشاعر نفسه وعلى هذا المعيار تقف قصيدة " دمشق " على ضفة التجربة الذاتية للشاعر ولكنه يجعل من معاناته معادلة الى تجربة شعب عانى ولا يزال يدفع ثمن حريته (للسجان) الذي تلهب سياطه اجساد ابناءها الاحرار مثلما الهبت جسده الناحل وفي هذه القصيدة الراكزة انشد:

  

لم تكن البلاد

غير سجن

ابوابه الاجساد العارية

التي تلهبها سياط الجلاد

وشمس تموز

لا تأبه للرؤوس الحليقة

الظهور تصرخ

والموت الذي يأتي

من كل زاوية

المدن خراب

تهبط الملائكة في الليل

لتقتل في النهار

والقاتل ..... قتيل

ودمشق التي سورها الله

بالخمرة والزيتون والياسمين

 

الشعر والقصيدة هي التي تظل رفيقة الشاعر أينما حلّ وارتحل، وسيظل يحملها في كيانه ووجدانه، ويتحمل دونها الصعاب كيفما كان الحال، لأنها روح الشاعر وملاذه وأنيسه الحميم في كل لحظة، فلا مناص من الشعر مادام يسكننا ومادام للكلمة أقوى سلطة..!!  

وفي قصيدة (بلاد) جسد  الشاعر (رياض محمد) البلاد  بصورة يستحضر الشاعر  فيها صورة الوطن البهي وهوالوطن الحلم الحرُ وليس الوطن الغارق في الوحل والدم والتي اوجز الشاعر في توصيف خرابها (ولم تبق منا...ومن بلادنا ...غير الرماد !!! وهذه الصورة الجميلة " يرسل الشاعر (رياض محمد) هنا رسالة او (مسجات) وهي ان الحروب ودمارها وبساطيل الغزاة وزحف الموت والخراب على مدينته او وطنه بعد كانت في ذاكرته مسورة بالمحبة والخصرة  وهذه صورة شعرية جميلة واستعارة في هروب النوارس ووجعها نتيجة الى  أغترابها وأخترت من هذه القصيدة المقطع الشعري حين يقول: 

وبغداد مثل دجلتها

تفتح ذراعيها

لسكارى اخر الليل

وهم يغادرون حاناتهم !! ..

لم يكن الله

قد غادر البلاد بعد

ولم يكن يعرف

دروب المنافي !! ... 

كانت الناس تحلم

بحياة سعيدة

ورزق وفير !!  ...

والكلاب السائبة التي

اكلت لحم الغزال

تجوب البلاد

بحثا عن فراشة

سرقت رحيق زهرة

في قصر الجلاد !! ....

الافق اسود مثل ارواحهم

والعراق يئن تحت بساطيلهم

والحرب التي على الابواب

الحوار المتمدن-العدد: 4302 - 2013 / 12 / 11 - 21:13

 

رياض محمد الفنان المسرحي شارك في اعمال مسرحية لفرقة (المسرح الفني الحديث) في سبعينات القرن الماضي والشاعرالذي ظهرت بواكير موهبة الشعر عنده في وقت مبكر من دراسته والمُحِبّ للكلمة الطيبة، العاشق للشعر والمسرح، المتيَّم بالموسيقى والإيقاع والنغم، يرافقك ذالك في أيقاع القصيدة، يحاصرك برقّة، ثم يحملك برفق على أجنحة شفافة من البهجة إلى أقصى سماوات الفن والإبداعي وتتنسم من حدائق معرفته الغنّاء، ويغريك بالدهشة . شاعر مولع في الموسيقى الداخلية والخارجية للآلفاظ والعبارات ما يجعل قارئ شعره ينفعل به ويطرب. ولكي ينجح الشاعر رياض محمد في رسم الصورة الشعرية الرائقة يستخدم للوصول الى مبتغاه تقنيات التجريد والتجسيد والتشخيص والمجاز بما فيه من تشبيه واستعارة وكناية وتلميح وغيرها,  لذا نراه يقدم الشاعر رياض محمد في أغلب نصوصة التفاصيل الشائكة للصور مثلآ في قصيدة (غريب) يقول الشاعر: 

لا ترفع صوتك

ايها المذبوح

كي لا تفزع الاشجار

العارية فينا !!..

البياض يطوقنا .....

مثل سجن بلا قضبان !!..

و يسترسل في قصيدته ويقول:  

البحر رمادي

مثل فروة الذئب

روحه تتلوى مثل افعى

الصحراء !!...

والنوارس ضباب

تخرج من احشاء الماء

 الحوار المتمدن-العدد: 4300 - 2013 / 12 / 9 - 14:51

يمكن أعتبار هذا النص الشعري (غريب) قصيدتان يرتكزان على مرتكزين مكملين لبعضهما في المقطع الاول نقطة الارتكاز هي حالة الاستلاب للحرية بكل اشكالها (لاترفع صوتك) وفي المقطع الثاني جنح الشاعر نحو استلاب من نوع أخر الا هو الحلم المسروق وهنا اشارة الى حلم بوطن جميل موسوم بالصفاء والبهاء يحتضن ابناءه الذين تفرقوا في اصقاع الدنيا...؟؟؟  ة

عند النظر في نصوص الشاعر رياض محمد نلتقي بقدراته الابداعية, إنه شاعر مفعم بالآحساس المرهف متمكن من أدواته ببراعة مشهودة. في قصائده تشكيل لفضاء مسرحي حر بكل ما حمل وتوحي الكلمة من معنى!! نصوصه لوحات تشكيلية فنية بصرية منقولة الى البصيرية الرؤيوية الداخلية وبالذائقة المتلقية التي تقتنص الصورة لتقع في الدهشة المشبوبة بنار التجربة المرسومة بحذاقة وحِرفية عالية لتلقي بنا في حالة من الدهشة  والجمال يقول في قصيدته (روح):  

اعزفيني لحنا

ساذوب بين أصابعك

جسدك الكمان

يعزف في روحي .....

نهداك يرقصان

....مثل غجري اسكره اللحن!!

ومن خلال متابعتي وقراءتي للمنجز الشعري ل (رياض محمد) اجده شاعر ملهم شفاف أنيق الحرف وفي ذات الوقت ذكي في تصوير المفردة وكذالك أستلهام التاريج وشخصياته وأساطيره وهذا يبرز في قصيدة (روح) حين يقول:   

تعالي الي

كما انت

حورية من بنات سومر

او ملكة من بابل

او الهة من قرطاج

يعيش الشاعر (رياض محمد)  كل محتويات النص، لا بل كل قرائن المحتويات التي تسعف ذاته الشاعرة التواقة إلى إرسال شفافية ورشاقة لغوية وقوة النبض وروح الشعرية العالية في موشور ومنظور  يقطر شعرية في المعنى، الكتابة الشعرية عند الشاعر- إطلاقًا- ليست نزهة, بل هي استمطار الألم العظيم، والقصيدة هي نداء الباطن الكثيف المكثف بكل حلقات التخيل الذي يرشح عنه الفعل الشعري المتقد, يصدمك الشاعر بقوة أداء قاموسه اللساني الكثيف, في كثافة ظلاله المعرفية في ترتيب بيته الشعري الذاكراتي، وفي النبرة الحادة للسياق الحاد عبر مشهدية شعرية مليئة بكائنات تتحرك بوعيها الاستثنائي على مساحة النصوص.      

 

الكاتب - علي المسعود

كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

 ........................

 

من نصوص الشاعر (رياض محمد)

 

دمشق

لم تكن البلاد

غير سجن

ابوابه الاجساد العارية

التي تلهبها سياط الجلاد

وشمس تموز

لا تأبه للرؤوس الحليقة

الظهور تصرخ

والموت الذي يأتي

من كل زاوية

المدن خراب

تهبط الملائكة في الليل

لتقتل في النهار

والقاتل ..... قتيل

ودمشق التي سورها الله

بالخمرة والزيتون والياسمين !! ...

زنازين باردة

والسجان يغني في وحشته

مثقل رأسك

غادره الجسد

كأن الله

كلما اصطفى امة

انزلها الى الحضيض ....!!!!

الزنزانة ....

ضيقة مثل قبر

والزمن الذي اوقفه

المصباح الشاحب في الروح

اسمع وقع خطى

احذية نساء

تضرب في القلب

ودمشق التي اكلت

ابناءها

القاتل

والقتيل

الموت بلاد

وانا متخم بالخوف !!

 

الانوثة الدمشقية

تعبر كوة زنزانتي

الموحشة !! 

هل للكون سماوات ؟؟

وزنزانتي لاسماء لها

لا نجوم

ولابحر

ولا صحراء !! .... 

والخراب

يضرب بمعاوله الثقيلة !! .....

من سيصلح من ؟؟

ومن سيبني دارا للحب ؟؟

كان السجان يغني

كل صباح

كل مساء ......

للوحشة !! .... 

نغرق في الموت اليومي !! .....!

نغرق في جب اعمق

من روح !! ......

والبلاد سقفها سجن

لاتحده حرب !! .... 

 

رياض محمد

شاعر عراقي

مقيم في السويد

 

الشاعر اياد البلداوي سجله الوحيد "مُعذبتي" بوصفه سجلاً وأضحاً لغربته القاسية

qasim madiيقول "تيد هيوز" علينا أن نكتب الشعر كل يوم ، سيكون ممتعاً لنا جميعاً، لذا علينا كتابته دائما ً. أدخلتني هذه المقولة في جو خاص مما أنا فيه، من حيث ترابطها الذهني الذي نقلني مباشرة مع الشاعر الذي يتشارك صفحتي في "الفيس بوك" (أياد البلداوي) عندما كنت مشغولاً بقراءة كتاب عنوانه " التجربة الشعرية دراسات ونماذج " وهومجموعة دراسات وقصائد لعدد من الكتاب، ومن ترجمة " فضيلة يزل، وهذا الشاعر أعرفه فهو فنان عراقي مشهور، وله باع كبير في الثقافة والفن، ليس هذا فحسب أنه من زملائي في دراسة المسرح في معهد الفنون الجميلة، والشيء المثير كلما دخلت صفحتي في " الفيس بوك " أجد قصائده أمامي وهي معلقة في صفحتي العامة التي اشاركها معه مع مجموعة مبدعة من الذين يكتبون في كل اشكال الثقافة، أذن قلت بيني وبين نفسي أن الشاعر " البلداوي " يشبه هذا الشاعر في كتابة قصائده لأنه لم ينقطع ولو ليومٍ واحد عن نشر قصائده التي هي متداخلة مع أرواحنا، وفيها كل ما مر بنا من مآسي، بالرغم من أن هذه القصائد تبدو في ظاهرها عن المرأة، وعن الحب المفقود في هذه السنين التي خلفت وراءه الكثير من الهموم والمعاناة، وهو يصارعها في كلماته التي تنزل من قلبه وروحه المعبأة بها من جراء الإنكسارات الجمعية وليس الفردية التي أصبحت حملاً يطوقنا بها هذا الزمان،

أبكيكِ عمرا سرقتِه

زمنا قطعَتِ أوصاله

لحنا شجيِا مزقتي أوتاره

أبكيك حبيبة منحتها بقاياي

غادري ص10

هذه المفردات البسيطة التي يناجي بها حبيبته التي أقسم أن لا يفارقها حتى ولو كان بعيداً عنها،محملة بالدلالات العميقة بالمعاني، وهذه الإيحاءات الملغزة والمشفرة التي تبعثها روحه المعذبة عفوية الخاطر دون أن يسعى إليها أو يقحمنا فيها قسراً لأنها نابعة من القلب وفيها الخزين الهائل من العذابات والذكريات وأصداء سنينه التي تركها في بغداد وتجوالاته التي ترسخت في ذاكرته، وها هي تتساقط مثل الأوراق الذابلة في المنفى القسري ، فقد عانى بما فيه الكفاية،منطلقاً من الشعر لأن الشعر بإعتقاده هو المرهم الشافي لجميع خلجاته المعذبة، والدليل هو عنوان ديوانه " معذبتي "

لكنًي سأحتفظٌ ُ بكِ

ليس مثلي من يسرق ُ حبُه

أنتِ قدري

سأبحث ُ عنكِ ومعي دموعي

ارتعاشات ُ روحي لن تغادرك ِ

ويبدو ان " البلداوي " الذي قرأ الكثير في حياته الفنية متأثرا بالرقة الحسية وهذا ناتج من التجربة الذي ادخلته في عالم المسرح الذي كان له التأثير الكبير بربط بوابته بين الحس الواعي والعالم،ولغة الشعر التي أستخدمها في هذا الديوان واصراره الأكيد على تكثيف المعنى بصيغته الفطرية،ولو أمعنا النظر في قصائد الديوان الذي بين يديً الان، وهو من القطع المتوسط،والصادر عن القلم الحر للابداع والنشر، للمسنا جنوحه في تحقيق مطلب التوافق والتجلي الروحاني الذي أصاب شاعرنا منذُ ُ خروجه من بغداد، وكأنه يستذكر ملحمة " هوميروس " الشهيرة التي أدخلته في وحدة ملحمية أو وجدانية من عالم هذا الشعر وهو في ذاته يدافع عن كل كلمة يقولها،

أستمحيك العذر بغداد

سنلتقي

لأبد أن نلتقي

سأمرغ وجهي بين ثناياك

سأخضع ُ لك خضوع المتذل

 

 قاسم ماضي - ديترويت

 

العرض المسرحي جمال الليل .. قراءة نقدية

(ان الكلمة في الحياة هي دوما وسيلة يحاول بها الانسان اجراء هذا التغيير اوذاك في وعي المتلقي) .. بوريس زاخوفا

(لا غرض لإيقاع الكلام إلاّ أن يمثل إيقاع الفكر) .. بريجسون

في مسيرة نقدية اراها متواضعة تأصلت لدينا منهجية معينة بتدقيق الفرز والتمحيص اساسها الظواهر والقضايا في عملية وصفية تحليلية تستمد مادتها من ارشيف تجريبي ذو دلال ومقاصد لا يخرج عن دائرة الفكر المنبعثة من صيغ تعبيرية وفنية حتى ارتسمت مواطن الجمال امام اعيننا فاشرنا لها باصابعنا وعن ابجديات فنية فنشرناها للملأ واحساس ارهفنا قلوبنا له فطبعناه في ذاكرة من يؤمن بحرفنا .. والحال هذه اعطانا القدرة على التاشير بالقلم الاحمر لكل انحراف عن جادة الجمال من خلال الرصد والمقاربة والمقارنة هذا ظاهرا اما باطنا فرفضنا للتفكير الفج السمج جعلنا نقع عليه بسهولة ويسر اينما حل.

في مسرحية (جِمالُ الليل) تاليف عمار نعمة جابر واخراج خالد علوان التي عرضت في محافظة ميسان وعلى خشبة مسرح النشاط المدرسي تمثيل الاعلامية ولاول مرة طيبة احمد بالاشتراك مع .. مكي حداد,صلاح مهدي,جبار مشجل,علي دواي ومجموعة من الشباب المتميز .. الاضاءة ابراهيم فريح .. الموسيقى والمؤثرات محمد الرسام وبادارة الاستاذ علي الربيعي .. في هذا العمل اراد الكاتب ان يرسل صورا موحية دافقة تتشضى من اعماق النفس الانسانية محاورا بها اغوار انفعالات المتفرج بان صنف لنا الناس في لحظة الطف لحظة الممايزة فجعلهم طوائف متعددة .. طائفة يتناوشها نزوعان نزوع دنيوي متعملق ونزوع اخروي متدني وفي لحظة الفرقان جذبتها القوة الاكبر قوة حب الشهوات فسقطت حتى اذنيها خاسرة خائبة في وحل التخاذل فغدت جيفة لا تسر الناظرين .. وطائفة كانت ترغب بالدنيا ولكن بدرجة اقل من طلب الاخرة فبلغت جرف الامان والفوز ولكن بعد صراع شديد بلغت فيه القلوب الحناجر ومعاناة شديدة اقضت مضاجع اصحابها فكانت النهاية سعيدة .. وطائفة لا يعرف التنازع طريقا اليها موطنة نفسها على امر واحد اما مع الحسين او ضده وهي التي كانت متواجدة منذ اول وهلة في المعسكرين معسكر الحسين ومعسكر بني امية .. اما من سلطت عليه الاضواء بشكل مكثف في المسرحية من الطوائف السالفة الذكر فهما الطائفتين الاولى والثانية لنشهد اخيرا خطابا متعدد المعاني والرؤى والغايات ساحته الخشبة ابطاله المخرج والكاتب من جهة والمخرج والمتفرج من جهة اخرى.

كان الكاتب مفضوحا ما بين وجهه كمراقب ذو كاميرا عدستها الحياة وقناع المسرح المتكاثف الوجود قبالة المتفرج حتى بدت المسافة الفاصلة بين الاثنين من الشفافية بدرجة لا تذكر حيث تاكدت المشارب الايديولوجية والعقائدية لديه من خلال ماركسيته الاجبارية وفرضه لحقيقة هو يؤمن بها دون ان يعطي للمتفرج من خلال مفصليات الحكاية التي سردت امامه فرصة لتدوين افكاره او مساحة لطرح رايه اذ لم يكن هناك حجاج فكري وادراكي واقتناع ذاتي من القوة بمكان ما يستطيع به الكاتب ان يكون محايدا لا ان يسقط تحت تاثير هذا ما الفنا عليه ابائنا وان تواجد ثمة حجاج ما فانه لايرقى لان يكون صدمة وصعقة لمن لا يعرف معنى الحسين او حتى من يعرفه لكنه يعيش في غفلة عنه وفي رايي المتواضع ان قيمة المسرح هي بالتغيير والتاثير وزحزحة الافكار الفاسدة والاخذ بيد المتلقي لمرافيء النجاة فكريا وسلوكيا مع تثبيت اركان ما متوافق عليه مع الغاية والصيرورة الايديولوجية وكل ذلك خاضع لعمق الحوار مع المشاهد في اخذ ورد.

الحسين عليه السلام حقيقة تتجسد كل يوم في ابجديات حياتنا فجميع من حل في محطة القطار التي مثلت بيئة العمل كان يعاني التيه عن حقيقتة كمنقذ للبشرية فالمحطة هي تيه الامة .. الامة العاق التي تخذل ابطالها وترددها في حسم امرها اما مع او ضد او لا هذا ولا ذاك وهذه المتاهة والسكك العديدة وغرائبية المحطة وقاطع التذاكر والمسافرون كل تلك العناوين هي في حقيقتها متاهة الكاتب والمخرج والممثلين والجمهور بما كونهم بشر فكل منهم له نصه الذي يكتبه بانفعالاته وشجونه وقهره فالكاتب لديه النص الثابت والمخرج له نصه الذي يريد ان يطل به على جمهوره والممثلون لهم نصهم الحركي والادائي والجمهور كذلك يريد ان يقول قولته فصنع له نصا وربما نجد اختلافا كبيرا بين كل هذه النصوص من ناحية الاسقاطات الواقعية والحقيقية لياتي دورنا المكمل لهذه الانفعالات كناقد محاورين كل هذه النصوض ليكون لنا نصا يمكن ان نجلو به الكثير من التعمية والغموض لدى هذه النصوص.

اراد الكاتب ان يضغط مرحلة مهمة من التاريخ في اطار واحد اكده عنوان العمل جمال الليل مما اعطى انطباعا بمعالجة جزئية مختزلة .. قصة العمل تتلخص زمنيا في ليلة عاشوراء الحسين وتداعيات خطابه لاصحابه بان يتخذوا هذا الليل جملا للابتعاد عن ارض المعركة والحفاظ على انفسهم ان كانوا يفضلون الحياة على الموت هذا زمن المسرحية وهو زمن متوقف ظاهريا وان كان له مصاديق زمانية حركية ممتدة لم يُفَعِلها الكاتب.. اما بيئة المسرحية فهي محطة قطار تستقبل الفارين من كربلاء وتودعهم وكذلك تستقبل المتوجهين صوبها وصوب الحسين لنصرته بادارة قاطع التذاكر وهي بيئة واقعية نعيشها جميعا كل يوم وكما قيل سابقا ان زمن الحرب يعلمنا دائما في أي معسكر نكون.

كانت هناك رغبة ملحة للكاتب ان يتواجد في نصه بعض التماسك والترابط العضوي بين الحدث والشخصية والغاية والصيرورة الفنية من خلال تلاحق وتصاعد العمل وهو تقليد مسرحي معروف بان ينطلق العمل من قمة بطيئة الحركة ترتقع تدريجيا حتى تصل الى قمة انفعالية تتمثل بحتمية غير مفروضة الا ان تراخي بعض الحوارات وتماهي الشخصيات وتكرارها اثر في هذا النسق بعض الشيء حتى كاد ان يسقط في شكلنة الايقاع التقليدي فلو انه استعمل تشبيهات واستعارات حديثة جديدة معاصرة لانعش المخيلة وتجرأ لاشعال المسائلة للذات وبالتالي كسر طابع الرتابة الذي كان للمخرج دورا في تنحيته من خلال اداء الممثلين وادارتهم من قبله .

اراد الكاتب ان يعزز موضوعة العدد والنصرة في تاصيل فكرة ما تتمثل بانه لو كان مع الحسين قوة اكبر لكان الموضوع مختلفا وهذا ما لا نقبله على اعتبار ان الحسين ليس بهذا الضعف كي يبحث عمن ينصره وبهذه الطريقة المتوسلة من خلال التركيز على عبارة (الا من ناصر ينصرنا) أي النصر العسكري واكمال العدد.. لا فالموضوع ليس بهذه السذاجة رغم ان الرجل الاول كان قد ذكر في دفاعه عن رؤاه متمردا على المؤلف في تكثيفه فكرة النصرة العسكرية (هو سيموت في كل الأحوال .. سيموت بنا أو بدوننا).. وحتى لو تاكد للرجل الاول ان الحسين سينتصر فسيكون فعله كما هو الانهزام والتردد وهذا القول يجب ان لا يكون من نصيبه أي من نصيب الرجل الاول كان الاجدر ان يكون من نصيب الثابتين على النهج الصحيح ومع علمهم بمصير سيدهم فهم متوجهون لمشاركته الموت كما في الرجل الثالث.. فالقوى الاستعمارية الاستكبارية جعلت نفسها في تموضع مضاد لكل حسيني قرُب او بعُد زمانيا ومكانيا فتمثلت بيزيد وقواته فلو تسنى للحسين ان يجمع شتات اصحابه جميعهم ويقف مقابلا لجيش يزيد بنفس العدة والعدد فهذا مالا يقبله الاستكبار العالمي وبالتالي تجييش الجيوش العالمية برمتها للقضاء على هذه الثورة واخمادها مما يقودنا لامر لا يصح تجاهله فرضيا ممثلا بالحتمية الالهية وقول الحسين (شاء الله ان يراني قتيلا شاء الله ان يراهن سبايا) اذن مقتل الحسين واهله واصحابه والهزيمة العسكرية الكبيرة في صفوف جيشه الذي ناهز السبعين رجلا ليس مرده قلة العدد وان المتخاذلين لو كانوا معه لكان هناك كلام اخر فهذا قول غر لا يعي قضية الحسين فكما قلنا انفا ان الحتمية الالهية والحتمية الاستكبارية لدى اعداء الدين والحسين عاملان حسما القضية لكن تفرعها الاخلاقي والانساني يحمل كل هذه الطوائف المتخاذلة عن نصرته ذنبا كبُر او صغُر وبالتالي يجب ان لا نعطي صورة مشوشة بخصوص الحسين وفي موضع معرفي كبير كالمسرح.

بما ان العمل حداثوي بروح تاريخية يتكيء على موروث ميثولوجي كان يجب ان لا يُحصر الحسين بموضع الضعيف وباحتياجه للنصرة بل وجب ان يتطرق النص لقضايا معاصرة تلامس سلوكنا الانساني وتخاطب شخصياتنا التي يختمر في عقلها وقلبها هذا الارث الميثولوجي وتفعيل الخطاب الاني بطرح نصرة الحسين من خلال سلوك الانسان بما هو انسان دون التصنع بموالاة مشوهة غايتها الشكلانية دون الجوهر فخروج الحسين هو لتعميق انسانية الانسان وهل الحسين وثورته الا الحرية  وهل الحسين وثورته الا الانسانية فاقتطاع الكاتب لجزئية بسيطة من تاريخ ثورته على مر الدهور بنصرة عسكرية اكدها عنوان العمل الذي لم ياتي شاملا بل هو مدعاة للقبول والتراخي والتماهي مع الانكفاء تحت جنح (جمال الليل) وهو الخطاب الحسيني بابراء ذمة من يريد التراجع بعيدا عن المعركة وارضها كي لا يسجل عدوا للحسين وثورته وذلك في ليلة العاشر من محرم مما حدا بالكثير ان يستثمروا هذا الخطاب لامتهان التخاذل حيث وجدنا لهم عناوين كثيرة في هذا الزمن مكتفية بالمشي والطبخ واللطم وترديد قصائد باسم الكربلائي ومتابعة محاظرات الريزخونية نتيجة لـ (جمال الليل) في زمن بات يستهجن الظاهر دون الباطن لان العالم اصبح اكثر وعيا وتالقا ونحن نسير القهقريا في ظل ترجمات عقيمة لحقيقة الثورة والرفض.

حام الكاتب حول قضية الحسين الا انه لم يصل لمحطة الكشف عن هوية الحسين الحقيقة وهذا ما يقع به اكثر من كتب عن الحسين لعوامل عدة خلل في السرد وضعف في خلق الشخصيات مع تجاهل الحبكة الرابطة القوية وان كشفها في باديء الامر متمثلة بالقطار القادم وهذا ما لا يقبله السياق العام والمعتاد لكتابة المسرحية .

صراع الشخصيات لم يبلور لانتقالات متجددة في نسغ ومسار الحدث حيث بدت ثمة سلبية واضحة لتلك الشخصيات ولم تجد لها ما يواجهها بعنف لترتخي اوصال العمل امام هذا الانفراد السلبي وان كان هناك بعض الايجابية في شخصيات مناوئة الا انها لم ترقى الى ان تُكمل حلقات الصراع.

من شروط تقنية الحوارات في النص المسرحي وكما اراها ان لا يكون حوارا بقوة ما لتجد حوارا اخرا بدرجة اقل وضعفا اكبر بل يجب ان يتجاوزه لياخذ التصاعد الفلسفي مداهوفق مبدا اظهار الابهى.

كان على الكاتب ان يستغل الفرصة في هذا العمل الفرصة الفريدة للانطلاق بعملية صياغة جديدة للتاريخ ساحتها الحسين ليتنقل ما بين الحتمية ورفضها لكنه لم يقبض على اللحظة المعاصرة وخاصة من خلال الحوار الذي بدا ركيكا في بعض الاحيان ومختزلا في احيان وميتا في احيان اخرى اسعفته قدرة المخرج والممثلين لتخفيف بعض لزوجته المعفو عنها .

التحرر المامول من نمطية العلبة العراقية الشيعية الحسينية لم يتوفق بها الكاتب في ارتحالات فضائية عالمية تاخذ باليد لولوج عوالم متسعة من الرفض لكل القيم الفاسدة المتمثلة بالقهر والظلم والانحراف والجهل .. والاندماج والانصهار بقيم كونية مبداها الحب والتسامح والعدل وتعبيد طريق اللاعودة للعبودية مما يدعونا للقول ان الكاتب تخلى عن الشعبية العفوية التلقائية التي يجب ان تتوافر في الاعمال المسماة (الحسينية) لكن بشكل عام استطاع المخرج ان يوقف زحف الكاتب في فرض سيطرته على العمل بان اكد نظرية ارسطو في الاندماج الكلي مع واقعية السرد واسقاطاته باعتبار ان الحسين لا يمثل زمنا بعينه فكل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا ولا يخلو زمن من حسين ويزيد وهذا ما لمسناه في نهاية العمل من خلال قيام طفلين صغيرين بالبحث عن طريق الحسين وبهما اشارة كبيرة وجهها المخرج يمكن لنا ان نقول عنها انها اشارة كونية لا تختص بزمن او مكان او دين او مذهب او قومية.

تخطى المخرج الاستاذ خالد علوان انجازاته السابقة وانجازات من سبقوه حينما استطاع تطويع النص وفكرته وادوات المسرح واستنهاض كل صغيرة وكبيرة فيه كي يحلحل الجمود والرتابة الكلاسيكية التي غلفت اكثر الاعمال المسرحية المنضوية تحت يافطة (المسرح الحسيني) ليخلق صورا واعية يكتنفها الجمال شكلا ومضمونا حيث لمسنا نوعا من التحرر والانطلاق المسرحيين من براثن وسجن المباشرة نحو فضاءات التجديد والحداثة المبنية على اشتغالات الماضي ليس بما هو ماض صرف بل بما هو فاعل متفجر تدور في مدار ارهاصاته المعرفية المضامين الخالدة للحدث والفعل الانسانيين اللذين من اجل تاصيلهما لدى المجتمع خُلق الحدث المسرحي العام .

ثمة جذوة انتشلناها من خبايا ابداع هذا المخرج تمثلت بهذا التمرد القائم على تمرد اخر وذلك من خلال اشتغالات السينوغرافيا وادواتها المتعددة وهي بالتاكيد وان كانت لها عناوين حرفية واسماء لامعة امتهنت هذا الصنف من ادوات المسرح متمثلة بمحمد الرسام (موسيقى ومؤثرات)وابراهيم فريح (اضاءة) و (ديكور) لكن الواضح والملاحظ ان تاثير المخرج كان جليا على تقنية تلك الادوات حيث استطاع خلق موسيقى وايقاع هارموني داخلي لم يكن اثرا مفتتنا ومتقولبا على نمطية الاخرين بل شيء قائم بذاته لتهتز كل مكنونات الروح للمتلقي لتشرق في نفسه جماليات لا تعد ولا تحصى وان تصادمت مع جماليات خارجية وهنا تتضح فكرة الجمال بمواجهة جمال اخر فهذه الضدية التي يتخوف منها الكثير من المخرجين في تولدها لدى المشاهد .. خشية غير مبررة.. انما تكون لدى خالد جماليات متجانبة ليست مكملة لبعضها متعاكسة الظلال على اقل تقدير لكنها تُرجمت على وجه الاستقلالية والتفرد عُرف بها تفكيره الفذ وهنا تكمن ابجدية التاثير المتلازم مع الابداع وبالتالي استطاع المخرج ان يبعث برسائل دغدغة حسية كان يتعطش لها جمهور النخبة القت على عاتقه مسؤولية كبيرة بان يتحلى بالتفاعل الوجداني مع انفجارات العقل والتفكر وان يعي كل الرسائل التي انطق بها خالد علوان ميت النص وتخشب الفضاء الخارجي لتكتمل جمالية الصورة التي افقدها اصحاب التشابيه نظارتها وفعلها الحسي والانساني المعرفي.

ما اثارني حقيقة هو تفكيك النص لدى المخرج حيث استطاع وبحرفية فائقة اسقاط زمن السرد على زمن العرض والعكس صحيح من خلال طبيعة الشخصيات وازيائهم وادائهم حيث تخلصنا معه من شكلنة الازياء التاريخية التي اضرت بعين المشاهد كثيرا لانها كانت ستجعل ثمة فاصل روحي وزمني ومكاني بين المشاهد وما يعرض وكذلك الاداء والاسترخاء المعفو عن التشنج وبالتالي تحقيق اكبر درجة من الاقناع من خلال الشخصيات التي تتفجر حقيقة وكل يقول هذا انا حينما يواجه بسؤال القاه الكاتب بصوت المخرج على الجمهور, من انت واين انت فيما ترى وتشاهد لذا لم يسقط الكاتب او المخرج في الرمزية المؤطرة بالتعمية والغموض وهذا ما يجب مراعاته على كل من يلج باب المسرح ان يمسرح الحقيقة وينتزعها ولو من خرم باب لتصبح واجهة كبيرة تشمل الكون باسره في دفع المتفرج بصياغة الحدث المسرحي من خلال تفاعله الفكري وتشبيه نفسه باحد الشخصيات او حتى لو كان تمنيا وان لم تتطابق التوجهات للمشاهد والبطل وهذا ما نسميه مسرحيا .. بالانغماس العقلي في طيات العمل مما يقود الى ان جعل المشاهد بطلا للعمل المسرحي مدعاة لرفع العقبات امام المخرج لوضع ما يراه مناسبا من الوان تجعل ثمة تموسق روحي بين الظاهر والباطن بين المرئي والمخفي.

الايقاع الصوري وتتابع الصور وكيفية اشغال الحيز المنقطع ما بين صورة واخرى اجاد المخرج في ادارته من خلال فكرة المجاميع التي لم تترك ما يؤثر على هذا الايقاع المتمثل بالصورة وحيويتها فكان المخرج كالمياه الجارفة وهي تاخذ في طريقها سكون المصدر أي النص الى حركة الفعل أي الممثل ومفصليات العرض ليضفي عليه ايقاعا داخليا جديدا والابتعاد عن الايقاع التقليدي وهذه الادلجة النظرية تبدو منفصلة ظاهريا عن العرض لا يستشعرها الا من تعمق في خبايا العمل السمعيبصري من المشاهدين ليشهدوا ارتحال النص عبر التاريخ ميثولوجيا وسيسيولوجيا لا تنقطع مقاراباته النفسية.

بما ان زمن العرض قد صادف ايام تعد بالعرف الميثولوجي والسيسيولوجي العراقي اياما حسينية مما اختمر ذهنيا لدى المتفرج ان العمل حسيني الطابع والهوى .. كذلك قفز الكاتب مباشرة فوق سطح الاحداث بالتذكير بان السكك والمتخاذلين الذين ساروا عليها لها علاقة بالحسين وهذه المباشرة كان لها بعض الحرق للفكرة والاطروحة ليستسلما عنوة تحت سياط الكاتب دون ان يستمرا في حفر خندق لهما في مخيلة المشاهد.

الاقتصاد والتقشف بالديكور كان واضحا لا لاعتبارات مادية فمديرية النشاط المدرسي مؤسسة حكومية تتوفر لها ميزانيات مادية كبيرة لكن الفعل الجمالي الذي اعتبره هوية للمخرج خالد علوان منذ ان عرفته صاحب مدرسة مسرحية منفردة في محافظة ميسان جعله يتفنن وبرقي كبير في رمزنة المكان وشكلنة الرؤى والاحداث من خلال ديكور بسيط جعله يعلو فوق صباغ العروس صاحبة الشعر المجعد والجسد المتسخ واللون الاحمر يلتمع غباءا في وجه مختل التقاسيم وهذا ما اشرته لدى بعض المسرحيين الذين وان تكثفت لدينا نظرية الرفض لاعمالهم بسبب هشاشتها الا  انهم اهتموا بالبهرجة الغير محمودة الا ان مخرجنا الجميل خالد علوان استطاع ان يجمع كل الوان الطيف الشمسي في لوحة جميلة متناسقة الالوان وهي تعكس درامية النص وتبرر طبيعة الاحداث وطبيعة الشخصيات .

كان المخرج ناضجا اورفيوسيا بامتياز وصاحب صناعة تشكيلية معتدة هاجسها الجمال بخيال متوثب ساحر امتع العيون والعقول والقلوب .

اداء الممثلين قتل رتابة بعض طبقات النص وحوارته المثقلة بالتقريرية والخطابية.

مارس المخرج عملية تنظيمية فائقة الابداع للمجاميع التمثيلية من خلال التوزيع المدروس للعناصر وانفعالاتها الانطباعية للحدث الذي يجري امامها مع اداء جميل تحلى به ممثلو هذه المجاميع من خلال المواكبة دون التوقف او التراجع في الحوارات الذاتية او المقابلة للشخصيات الاخرى رغم وجود بعض الهفوات اللغوية لبعض الممثلين وخاصة الشباب منهم الا ان الشيء المهم الذي ادهشني رغم تقدم العمر ببعضهم الا انهم كانو من الخفة والدقة والجمال بمكان ان استحوذوا على كامل اصغائنا ولفت انظارنا وخاصة بعملية لطم الارض وتعفير الجبين بانغماس تراجيدي يعكس المواساة وهذا شيء من العرف والموروث الذي لا يمكن تجاهله ومن هؤلاء الممثلين الذين لا نجهل تاريخهم الفني المميز الاستاذ كريم صدام والاستاذ علي دواي ابو اكرم.

الغاية والهدف والرؤية الاخراجية لمخرج الروائع خالد علوان تكمن بان الحسين وقضيته والموقف منهما امران مصيريان يولدان بلا وسائل في فكر وضمائر وقلوب كل باحث عن الحقيقة والحياة وسط كل جبال الموت المتراكمة التي تجاوزت بعلوها كل الهضبات المنظورة لتبصق بوجه العدم ويبقى لها فيضها الخالد معينا لكل ثورات العقل والروح الانسانية على مر الاجيال فوجدنا الممثلين الرائعين زين العابدين واخيه علي ولدا المخرج خالد علوان وهما يحملان علم الثورة الحسينية يبحثان عن طريق الحسين ليشير لهما احد المترددين باتجاه طريق الحسين .. فطريق الحسين يلتقط الناس التقاطا كالطير وهو يلتقط الحب من بين ركام الحصى طريق الحسين يعرف اهله واصحابه وهو قائم مع الناس من المهد الى اللحد وهذه اكبر رسالة يرسلها المخرج بان الفوز والنصر وتحقيق الاهداف ينطلق ويعود للناشئة الذي بهم تعمر البلدان والقلوب وهذا ان دل على شيء فانما يدل على ان المخرج مزارع فذ ينثر بذوره في كل الاراضي العالمية خصبها وجدبها راغبا باستحالة الكون الى ارض للسواد تسر الناظرين وهنا تتاكد قيمة المخرج الذي ارسل في نهاية المطاف رسالة مفادها ان الشر الى تناقص وزوال وان العالم يسير نحو دور اكبر للانسان في تحسين هذا العالم.

اذا اردنا ان نحدد شخصيات العمل وارجاعها الى ذواتها تاريخيا مع قول الحسين ليلة العاشر (ان هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا)سنجد ان الرجل الاول وبطل العمل والذي استطاع ان يؤدي دوره الفنان القدير جبار مشجل اداءا جميلا راقيا ينبع من ثقافة وحرفية لا تتواجد الا عند من وطن ادواته على شيء اسمه الابداع وهذه الشخصية لها وجود تاريخي الا وهو عبدالله بن الحر الجحفي الذي عرف عنه الدعة وحب الدنيا لانه ابن ترف ومال لذا وطن نفسه على الهرب من الحسين ومسالة بقاءه على خشبة المسرح وحيدا وهو يرشد الاطفال على طريق الحسين ومتابعته لاخبار المعركة من خلا الشخصيات القادمة للمحطة كل ذلك ينطبق على هذه الشخصية التاريخية والتي كان لها دور بعد استشهاد الحسين في النصرة والشهادة من اجل الحق المتمثل بابي عبدالله الحسين فكان المخرج ذكيا جدا بان ابقى الرجل الاول على خشبة المسرح كي يؤكد حقيقة ندم وعودة الشخصية التاريخية الى حضرة القبول الحسيني وبذل نفسه رخيصة من اجل هذا المنهج أي ان تعبيرا ما قاله خالد علوان للجمهور بان بقاء هذا الرجل على الخشبة له ما يبرره مستقبلا ..اما قاطع التذاكر الذي ادى شخصيته الفنان مكي حداد العارف بادواته الاحترافية المتموسق كليا مع العمل وتداعياته وصاحب الظل المميز في كل اعماله .. فهو التاريخ البليد الذي كان يعرف من هو الحسين وما هي طبيعة ثورته الا انه متردد في انصافه ليبقى يراقب ويعطي النصائح العامة بوجوب نصرته لاعتبارات عدة اهمها الهاجس الانساني والاخلاقي الملازم للتاريخ المعتدل الا ان حلقة ما غير مكتملة لهذا التاريخ وهي مكوثه الغير مبرر مع وجود كل هذه القطارات المتوجهة للحسين والعائدة منه لكنه حزم امره اخيرا في عملية ذكية للكاتب بان جعله ينتفض على كل المعوقات فيتجه للحسين سالكا طريقه منصفا الحسين لاعنا كل من تخاذل عن نصرة الحق وبهذا الخصوص اجدني ملزما بالقول ان سوى هاتين الشخصيتين الرجل الاول وقاطع التذاكر والطفلين لم تتواجد قوة يمكن لها ان تتشظى حيث بدت بقية الشخصيات وكانها حشو لاسباب كثيرة اما لتكرارها في العمل نفسه ولطبيعة حواراتها المتماثلة وطريقة خروجها وعدم استقلاليتها عن باقي الشخصيات كما انها لم تنفعل بانفعالات درامية فيما بينها مع خلوها من مساحات لترجمة سبب هروبها من ارض المعركة بسرد الواقع السلبي لها او ذكر سبب مقنع لتوجهها لنصرة الحسين .. ودور المراة كان له ان ينفعل باكثر مما شاهدنا ففيها تكمن تصورات وخبايا كان يمكن لها ان تعلو بالعمل في فضاءات ارحب وابلغ دراميا وفكريا لكن الكاتب حجمها في شخصيتين وان اختلفتا مآلا الا انهما لم تنهضا بالعمل صولفيجيا لكن والحق يقال ان الممثلة طيبة احمد رغم علمي بانها ترتقي الخشبة لاول مرة الا انها كانت متمكنة من ادواتها اللغوية ولها حضور مسرحي واضح وان اشرنا نقطة بخصوص القائها السريع وصوتها الحاد الذي اقترب من جواب الجواب مع ملاحظة ما يجب بهذا الاتجاه ان يكون الالقاء في عمل تاريخي من هذا النوع ذو مستوى للصوت قرار او وسط القرار.. والرجل الثالث الذي ادى شخصيته الاستاذ صلاح مهدي ظلم بها الاستاذ بسبب عدم فاعليتها وليست لها تلك المساحة الكافية من الفعل الحسي والدرامي لكن الممثل تمكن وبخبرته الرائدة ان يضفي ثمة توهج رفع من رصيد الشخصية الابداعي ... لتمتد حقيقة النجاح فتطال الكبيرين كريم صدام وزميله الاخر علي دواي فكانا قوة هائلة استطاعت ان تدعم العمل بشكل دفع به الى الامام وبزخم كبير .. واكتملت صورة الابداع ببقية الممثلين الشباب.

الانارة والموسيقى مثلت حالة من التوافق السحري بين كل مفاصل العمل واعطت جمالية فائقة شدت المشاهدين لمتابعة الحدث بشيء من الترقب والذهول.

اخيرا لا يسعني الا ان اقبل تراب اقدام هذه الثلة المشرفة المشرقة المتجددة الناصعة البياض من فناني ميسان الذين ابدعوا باقصى ما يكون الابداع وهذا ليس غريبا عنهم.. ابداع هزنا فكريا وجماليا فارتحلنا معه في فضاءات واخيلة شتى وبالتاكيد سيكون القادم اكبر واعمق وانضج وهكذا يلعب الميسانيون على اديم الوجود في اثبات الوجود وبطريقة الاساتذة.

كما لاننسى بالذكر كاتب العمل عمار نعمة جابر والذي تمكن من نفض الغبار عن جدوى واهمية العمل الحسيني برؤى وافكار حداثوية نشد على يديه وانامله الجميلة وسيضاف كل هذا النجاح الى ارشيفه المتميز.

 

كاظم اللامي

 

مظفر النوّاب (5): الصانع الأمهر

husan sarmakقلت كثيرا أن المبدع الجبار هو من يمسك بإحكام بالإجابة الشافية على سؤالين حاسمين: الأول هو الرؤية (بالتاء المربوطة)، أما الثاني فهو الرؤيا (بالألف الممدودة). الرؤية تتعلق بسؤال مركزي هو: كيف أكتب؟ أي (التقنية)، أما الرؤيا فتتعلق بالسؤال المركزي الآخر وهو: لماذا أكتب؟ (الفلسفة أو الموقف الوجودي من الابداع أو ببساطة الجدوى من كتابة الشعر)، ووسط الأزبال التي كتمت أنفاس الحبيب يقف مظفر فوق أطروحات الرؤية والرؤيا على حد سواء، يجمعهما في تعبير بسيط ومركب وشديد الأذى:

(أگولن گاعي وأعرفها

 أگولن گاعي،

 يتنفس بريتي ترابها .. ..

 وحبها .. وبصلها .. والشمس .. والطين ..

 باعوني عليها

 وخضّرت عيني بدمعها

 وماني بايعها)

وسنلاحظ ظاهرة أخرى تتمثل في أن النواب صانع ماهر بوعي متقد . إنه يصنع القصيدة ؛ بمعنى أنها تستنزفه وتتطلب منه تركيزا هائلا وانتباهة شديدة لكل كلمة .. بل لكل حرف . وهذا يذكرنا بما قاله شاعر ألمانيا العظيم " هاينه ": "يتحدثون عن الإلهام وأنا أعمل كالحداد" . هناك أسرار في الصنعة النوابية إذا فككت رموزها ستتأكد أن مظفر ينطبق عليه قول "إليوت": (الكتابة هي تحويل الدم إلى حبر) . قبل النواب لم يكن هناك حساب لحرف ولم يكن هناك فهم للدلالات الموسيقية والنفسية للحرف وليس للكلمة حسب . النواب لم يعد الاعتبار للمفردة فقط بل للحرف أيضا . الكثير من الشعراء ينسون دلالات المفردات الحاكمة التي شيدوا عليها بنية القصيدة . والأشد هو عدم انهمامهم بالحرف ؛ خصوصا رسم شكله وجرسه الموسيقي .على مستوى الكلمة يوظف الشاعر المفردة المركزية وهي هنا مفردة " الگاع" ليس ككلمة هي الأكثر تكرارا في القصيدة حسب بل إن المناخ اللغوي في القصيدة يسيطر عليه الحرفان الرئيسيان منها ؛ العين والكاف الفارسية "گـ" حيث تطغى بصورة كاسحة المفردات التي تضم هذين الحرفين وهي بالعشرات . إنك تشعر كأن النسيج اللغوي للقصيدة قد تم غزله من خيطي الحرفين الأساسيين اللذين تتعشق معهما على أرضية القصيدة ألوان حروفية أخرى ثانوية . إن هذه المهارة - السر- الدرس النوابي تحفظ للقصيدة وحدتها العضوية الصوتية إذا ساغ التعبير وهو الأمر الذي لم يكن موضع أي درجة من اهتمام الشعراء السابقين الذين كانت اللغة تسوق إرادتهم الشعرية الفجة لا العكس . مظفر يتلاعب بأطروحة "هيدجر" في أن العقل سجين اللغة والتي تطرّف في تشكيلها البنيويون- ميشيل فوكو تحديدا - بدرجة أشد فجعلوا العقل سجين الكلمة / المفردة وليس اللغة الواسعة . أثبت مظفر أن اللغة مطيّة اللاشعور الخلّاق يتلاعب بها كيف يشاء وخصوصا في مجال الوحدة العضوية الصوتية واللغوية . في مجال الأخيرة تحدث الشاعر في البيتين السابقين عن الحيف الذي لحق بمحبوبته / أرضه من فضلات طينهم " السيان"، ولهذا يعلن الولاء المميت المضاد - ولاء ما بعد الحب، من خلال النقمة نفسها التي أذلت المحبوب ؛ الطين الملوث، الذي يحتضنه الشاعر الآن نقيا ليس بيديه أو في أحضانه ؛ ولكن في رئتيه مع شمسها وحبها والأغرب مع "بصلها" وكلها حوّلها مظفر إلى عناصر هوائية شمّية تكمن في رئتيه كتعبير عن الارتباط المصيري كحياة أو موت لأن انقطاع الهواء لأي سبب مثلا يعني موت الأثنين ؛ الشاعر وأرضه .. أي أن الشاعر لم ينس "ثيمة" الطين . ولو راجعنا القصيدة بدقة وتمعن ثاقب متأن لوجدنا سرّا اسلوبيا آخر يرتبط بالوحدة الموضوعية اللغوية وهو ما يمكن أن نسمّيه بـ"التسليم" الذي يشبه تسليم العصا بين عدّائي لعبة جري البريد الرياضية التي تنتقل من بيت إلى آخر ليجعل أبيات القصيدة وكأنها حبات مسبحة مختلفة الألوان تبزغ بين كل مجموعة وأخرى "حبة" لغوية تذكّر بالوحدة اللغوية والدلالية والصوتية وتسخّر كل المفردات السابقة لخدمة الهدف المضموني أو الرمزي الذي صممه الشاعر . كان الشاعر التقليدي - قبل مظفر- يكتب البيت و"يتركه" وكأنه جزيرة نائية منفصلة لا تمت بصلة بجزيرة البيت السابق . كانت عملية تنضيد ميكانيكية لبيت فوق بيت .. هذا حال القصيدة قبل النواب، بعده ظهرت معضلة الحفاظ على الوحدة الموضوعية للقصيدة التي أسسها هو . وهي معضلة لأنها مهمة صعبة وشائكة . ابتكر النواب طرقا كثيرة خلاقة للحفاظ على وحدة القصيدة . منها أنه ينتقل من بيت إلى آخر محتفظا بالمفردة المركزية التي تتحرك في أدوارها من مفردة قافية إلى مفردة استهلالية لبيت، أو مفردة حاكمة ضمن سياق البيت الشعري . تنتقل مفردة "الطين" بين ثلاثة أبيات تشد لحمتها اللفظة المجردة ولكن التعزيز الوثيق هو الالتحام المضموني المتغير الذي يفرضه السياق - context والذي لا يخرج من دائرة المعاني الرمزية الجمعية التي تختمر في أعماق الشاعر . وحتى وقفات التغزل الإيجابية (يا حلوة، يا طيبة) أو السلبية المحببة (يا وكحة) هي "حبّات" تتسلل بخفة بين سلسلة الأبيات الملتهبة لـ"توحّدها" بانسجام متقن . وبعد أن أشبعت القصيدة بمفردات حرف العين بصورة مقصودة والمشتقة من لفظة "الگاع" المركزية وحرف العين بتكراره يصبح "عينا" عضوية فعلية نفسيا إذا جاز الوصف . ولهذا نغرق باللعب الطافح المنضبط لمفردات حرف العين التي أوصلتنا إلى معادلة مبهرة عن اخضرار عين المحب وسط دموع الحبيب المغدور " وخضّرت عيني بدمعها " . لكن ليس المهم ثيمة المركز التي كانت تضيع وسط استطالات الوصف الجاف المكرّر اللغوي المفرغ من روحه، المهم هي "الحبة" المركزية .. القائدة .. المتسيدة .. التي يوظفها مظفر لإحكام الصلة الراهنية المستترة التي لا نحس بها إلا عندما ننتبه إلى البيت التالي الذي تسري في عروقه دماء "عين" البيت السابق .. "خضرت عيني بدمعها " إلى:

(وحگ الشطر الأحمر

 والليالي الغبرة

 يگويعة

 أموتن وانتي حدر العين

 تتونسين) القصيدة كلها تدور حول العين .. عين الخيبة .. عين الوجود ؛ الفردي والعام، المحاط بالتهديدات الموغلة في الأذى .. العين التي سيخفي فيها مظفر وتحت طياتها خيبته العظيمة المؤذية، قاسما بـ "الشطر الأحمر" و "حوبته" المدمرة وهو قسم لو تعلمون عظيم . وفي ثلاثة أبيات تتكرر مفردات حرف العين تسع مرات، وكلها حرقة حلقية بعيدة قريبة من أقصى انطلاقة الزفير الرئوي الفاجع .. في اشتعالها المجازي الحارق . وفي الاحتضان البارع للأرض "الگويعة" تحت العين يعيدك النواب - الذي لا ينسى ولا تفلت من أنامله الماهرة حبات المسبحة السردية – يعيدك الشاعر إلى العين التي نبتت وأينعت في حضن دموع الأرض المعشوقة (لاحظ لاحقا وصف: بيها يخضر من عيونه البربين) . فما دامت عينه قد عاشت من دمع عين الأرض الأم فإن الموضع الطبيعي للحفاظ على هذه الحبيبة الصغيرة " الگويعة" هي العين . وقد جعل الاستعداد النفسي الشاعر يصغّر الگاع إلى "گويعة " لتعزيز مصداقية المهمة من خلال التناسب " الحجمي " والشكلي . وفي سياق البيت يعيدك الشاعر إلى المقابلة بين الإمساك القدري بالأرض التي: "باعوني عليها" وبين الإصرار الحازم على عدم التخلي أو " البراءة " منها: "ماني بايعها" . وكثيرا ما تزدحم قصيدة النواب بهذه " الجناسات " اللفظية التي تعزز وحدتها الموسيقية: باعوني .. .. بايعها أشمّس .. .. شمس السحگتها .. .. وانسحگت جرحها .. .. الجرح غرنوگ .. .. . نوگ أهلّي .. هلّيت يتغاوة .. مغاوة ومثلها فعل "الطباقات " التي تشعل بتضادها اللفظي والمعنوي لهيب الصورة الشعرية: أموتن .. تتونسين الشوف .. العمى الضيّق .. الوسيع نعيش .. نموت العدل .. الميت الصوت .. بسكوت ودائما تشعر أن في سرد مظفر الشعري روحا " أنثوية " مباركة هي الأصل في كل ما تأسس في تاريخ البشرية من حضارات وعطاءات مهيبة، ومن بين أبهى تلك العطاءات هو الشعر الذي هو منجز أمومي نشأت جذوره في روح الأم وهي راكعة تغني وتهدهد قرب مهد رضيعها المدلل . يتجلى هذا كثيرا في لعبة "التصغير" الأمومية أصلا، اللعبة التي أدخلها النواب إلى الشعر العامي العراقي فصارت لازمة في القصيدة العامية العراقية التي تلت منجزه، ولم يستخدمها الشعراء العاميون بعده حسب بل أفرطوا في استخدامها ناسين درس النواب الأساسي المتمثل في الموقع المناسب لحبة المسبحة . قبل النواب كان الطابع الطاغي المفرط في أداء القصيدة العامية هو طابع "التضخيم" و" التكبير " الرجولي الذي هو تمظهر رمزي لاشعوري للانتفاخ القضيبي الذكوري المتنفج، في حين أن الرحم الأمومي يصغّر كي يستوعب ويحتضن . النواب هو أول من أعاد للقصيدة روحها الأنثوية - الأمومية - روح الخصب والنماء والرحم الفردوسي الكريم . ولو لاحقنا روحية خطابه في كل قصائده - وفي هذه القصيدة تحديدا - سنجد أن هذه الروحية هي روحية أنثوية حانية .. والنداء ذو مسحة أنثوية رغم أن الشاعر قد موّه بمهارة هوية الراوي ولم يفصح عن طبيعته:

(أفه يا رجال طين عراگنه الطيبين

 تنسون المراجل؟

 والمراجل بيكم اتسمت مراجل

 كلفه يا معودين)

هنا وحسب طبيعة الخطاب في هذا البيت والأبيات التي تليه: (أگل للروح .. ) .. (يا معودين أهلنه .. ) .. (ولك ردّوا .. حنيني)، نتحسس أسى أنثويا تنطلق فيه صيحات النخوة من موقع أمومي ينتخي وبستثير همم الأهل – الأبناء من خلال نداء "باطني" يتفجع على الروح والحليب والمراضع .. ويذكّر بالذات المتعبة والتي تتطلب العون السافر . لا ينطلق نداء النخوة من رجل لرجل بهذه الصورة التي يكون فيها المنادي محتضنا ومستبطنا لعذابات روحه، هذا يخالف الطبائع القيمية للشعب العراقي . لا ينتخي الذكر الفرد بذكر فرد وفق هذا المنطق .. تأتي الدعوة الذكورية حادّة مباشرة و" خارجية " - على طريقة صيحة: " ها خوتي هاه " هذه الصيحة التي تستخدمها "اسعيده" قبيل النهاية التي يحكم سياقها الخطاب الانثوي ، إن النخوة الذكورية لا تصور نفسها للطرف الآخر المجافي في صورة عتاب مع النفس يقترب من النعي ويضعها في هيئة الهدف الأنثوي الذي يتطلب الانقاذ، ولا تنعت الطرف المنتخى به بنقص المراجل وانخذال الإرادة .. هذا التحشيم المحصّن الذي تكون فيه للمهجور موقفا دالاً على الآخر الذي يطلب العون منه لا يصدر إلا من أم تستثير همة الأبناء المجافين للعودة إلى حضن الأم الأصل – الأرض . وهذا ما حصل فعلا – وإن بصورة شعرية مواربة – لأننا لن نجد دعوة صارخة لمصلحة ذاتية مكشوفة .. هذه عادات الأمومة المستغيثة التي تنطلق نداءاتها نحو الأبناء ومن أجل الأبناء .. من أجل (حچام): (يمعودين أهلنه الگاع ضيجه من عگبكم ما تسع حچام)

ورغم أن الاستهلال كان ذكوريا فيه قوة وجسارة:" أواكح " وعلى الرغم من ظهور الضمير المتكلم المذكر في البيت الثاني من خلال الصفات الذكورية: "مدفون" و "مكتوب" .. والتي تشير إلى أن الراوي رجل .. لكن تبقى سمة الخطاب الأساسية أنثوية .. ولو أمعنت النظر في البناء اللغويّ لهذا البيت المركب الذي تتأسس من جديد على الطين "يا رجال طين عراگنه الطيبين " ستلتقط تكرار مفردة العين - ووفق الأساس الرؤيؤي "الرؤية" - التقنية – نفسه ستجد ظاهرة أسلوبية مضافة وهي أن الشاعر يوقّع موسيقاه اللفظية في الأشطر الداخلية نفسها من خلال المعاودة إلى موسيقية الحرف . خذ هنا حرف الجيم " أفه يا رجال تنسون المراجل؟ والمراجل بيكم تسمّت مراجل"، مثلما وللتذكير - يحصل رد الفعل الإيقاعي المماثل في "أفه يا گاعنه السحگتها وانسحگت عليها جيوش يا بو جيوش " حيث تقابل حرف السين والشين " أو التوالي المُلذ لحرف السين القريب من الهمس حين يقول:

(وأشمس روحي بالسنبل ..

 يجي بروجة شمس ..

 يسگي السفن والناس ..

 يسگيها).

 

قلق الامواج في قصص محمد الكريم

464 kharimلعل المدخل الأكثر فعالية والمتلازمة التي كثيراً ما نتلمسها في قصص محمد الكريم هي الصورة، فهي تلامس الواقع الإنساني وتتخطى الاختلافات اللغوية والحواجز الجغرافية، فهي تعجل ديناميكية الحدث وتكتنز لحظات معبرة وتجليات شفافة وفتوحات أخاذة في أطروحة سبر الوعي الإنساني وملامسته بفعالية وطراوة . ففي السطر الثالث من قصة (أبي يركض وراء قطيع الأحلام) تتهادى صورة تلخص الحدث كله وتكون معادلاً موضوعياً لقصته كلها ... (أبي يهرب من لوحته المعلقة على جدار صالة الجلوس في عتمة الليل . يركض وراء القطيع) هنا تتجسد بانوراما جميلة: الزمن ليلا ، الظلام يعم المكان ، صورة توحي بالخوف والغموض ... ثمة لوحة معلقة على الجدار ... ورجل يركض وراء القطيع ويترك القاص لمخيلة القارئ ملء التفاصيل : ما هو كنه القطيع في لوحة معلقة على الجدار؟ .. وفي لحظة تتبدل المواقف حيث تتناقض الألوان

(ربما أنا في كابوس ابيض يزورني الصباح بغتة)

464 kharimوفي قصة (الراقص في المقبرة) يظل البطل حائرا ، يترقب ، يغالب الألم وحالة انعدام الوعي .. متعلقا بالماضي الذي شتت وعيه وأثقل كاهله و شوش ذاكرته فصار يتماهى مع الموتى في غضبهم وحنقهم من واقعهم الساكن وغدا المستقبل بالنسبة إليه قبرا حاضرا ينتظر موته .. ليس هو وحده بل تطلعاته الثقافية ومشاريعه المستقبلية . إن قصة (الراقص في المقبرة) معادل موضوعي لحالة الإحباط والضياع التي يعيشها الشباب العرب.

ويجسد القاص حالة الحبس الاختياري الذي يعيش بصورة بصرية معبرة ، بل بلوحة فنية ، ملصقات مخيفة ، هياكل عظمية ، جماجم ، حيوانات وطيور تلك الصورة التي تمهد لحادث أكثر رعبا:

و هنا يؤشر القاص حالة الموت الجماعي التي تهيمن على مجتمعنا بوفاة صديقه  بشكل غير متوقع وتحذير مجهول بقرب وفاته بصورة (إعلان في جريدة) .

وفي قصة (نباح كلب) يلف القاص ويدور حول نفس الثيمة ، ثيمة الضياع واللامعنى وكأن القاص يعيش نفس أجواء الكتاب الوجوديين في بداية القرن العشرين:

(ابتلعتني المدينة أتسكع في دروبها الضيقة الملتوية كثعبان ، انبح .. لعابي ما عاد يشفي جراحي العميقة ،كل لعقة اصرخ بعدها آه فيزداد سيل دمي أكثر .. أكثر)

ويعبر القاص عن حالة الغربة و الانعزال والصوت المنفرد الذي يسمعه أحد في قصة (أنا حمار) حيث يسير العالم في اتجاه الذي يريد بينما يبقى البطل كئيبا مستلبا ، يتقمص شخصية حمار تترقرق الدمعة في عينيه كمدا على رزقه .. انه حمار من نوع خاص يفترق عن الحمير الآخرين .. ذلك أنه يشعر بالآخرين ويشاركهم همومهم.

وفي قصة (بدون إزعاج) يتربع مسرح القصة ثلاثة أبطال الذبابة والبعوضة والقاص الذي يكون ضحية لسخريتها ، هناك يقدم لنا القاص مشهدا دراميا عن نفس النغمة التي يرددها القاص بآلات موسيقية مختلفة: نغمة العجز والعقم وعدم القدرة على المواجهة الجدية، فهو عاجز أمام بعوضة وذبابة فما باله أمام مطبات الحياة الأخرى؟

وأزعم أن قصة (حرز) المكتوبة بحرفية عالية وباقتصاد بالكلمات يلفت النظر ، حيث أن أي حرف في هذه القصة هو متغير يمكن الاستغناء عنه في معادلة أدبية معقدة ذات مستويات متعددة واقعية ورمزية ، تراجيدية و كوميدية تؤرخ بمرارة لحقيقة الموت الأسود الاحتلال الذي غمر عقول العراقيين وقلوبهم .

العرض القصصي يؤرخ البراءة بأجمل صورة ويعكس العفوية الأخاذة في أداء الكاتب و لا سيما نهاية القصة الجميلة المعبرة.

وقصة (كسوف حلقي) ربما حاول القاص أن يعبر عن حالة الضياع وانعدام الوزن وتلاشي الإحساس بالزمن كقناع عن مرارة الواقع وعدميته وهو موضوع جدير بالتناول في فن كالقصة القصيرة لكنه لم يفلح في إحكام بناء هذه القصة وعدم نضج شخوصها وتعثره في نهايتها .

ومع ذلك فإن الكاتب في اغلب قصصه يستثمر العناصر الثلاثة في القصة القصيرة : العرض والنمو والعنصر الدرامي استثمارا ناجحا يدل على أن الكاتب يمتلك موهبة خلاقة سيفصح عنها في قصصه القادمة.

فمن ميزات القصة القصيرة إخراج الحدث المتصوّر الذي يخرج إلى الوجود في إطار التشابه مع الواقع والتخلي عن حيل الفن الشعبي الذي يعتمد على ارتجالات بالغة الغرابة ، ويستمر في أداء وظيفتها كفن خالص قصد فيه إشباع القارئ المتجدد الناقد، وهذا الطرح ينسجم تماما مع أداء محمد الكريم في اغلب قصص المجموعة.

 

 

بيتُنا العتيق قصائد للشاعر "كامل محمود بزي" على صفحات جريدة "صدى الوطن" في ميشيغن

qasim madiعرفته من خلال أروقة الثقافة، وهو بهيئته، وبهدوءه، وضحكته الرائعة الممطوطة،وربما لا تعجبه أوصافي هذه من خلال تلك المقدمة التي أنا بصددها ودخول عالمه الشعري وهنا أقصد "قصيدة النثر" التي يكتبها الشاعر " بزي " وأتذكر هنا قولا ً للشاعر المرحوم " بهاء الدين البطاح " ذلك العراقي الهارب من مطرقة النظام البائد، والذي مات هنا في ميشغين ودفن في مقابرها، يقول في كتابه " الإستقراء " الصادر عن مؤسسة البلاغ -بيروت - لبنان، الشعر تحقيق الذات، ذات تمثًل كلً الذوات، ذات لا تشبه الذوات، ولكنها منها وليس غريبة عنها، غريبة عنها وليس غريبة كنهها، وحتى نظل نتفس الشعر في هذه الأيام وفي ظل الثلوج البيضاء والعزلة التي تمنحنا هدوءا ً وتأملا ً للمشاركة مع أبناء جاليتنا وخاصة الذين لهم صدى وأسع في مهجرنا المثقل بالهموم والمعاناة مما يقع في أيدينا من صحفٍ أو كتبٍ صادرة هنا أوهناك، والشاعر كامل محمود بزي هو الحاضر بين أنشطتنا الثقافية وغالباُ ما يدير الجلسات الثقافية عبر منابر تقيمُها الجالية اللبنانية في مدينتنا العربية والتي تُسهم في تنشيط وتطوير الحراك الثقافي المفقود بسبب الأوضاع الأقتصادية التي تعرقل الكثير من المشاهد الإنسانية التي يحتاجها العقل الإنساني حسب أعتقادي وأزاحة الهموم وخاصة نحن المعنيين في هذا الحراك الذي لا يحقق رغيف الخبز في هذه الأيام،

لنبحر في زورقٍ

من أماسي الشاعر

وإلى خيل المتنبي

وليله ....وبيدائه

نجد تشكيل المعاني والأستجابات والبوح الداخلي الذي يضمره " كامل بزي " هي التي كونت هذا الاتساع، راجعاً إلى خلود الشعر في قصيدته " المساطب الحاكية " مستشهداً بالشاعر " المتنبي " تاركاً لنا خيوله وبيدائه التي حملها عبر صراعه مع القصيدة أو الخيال الثانوي لقدرته الابداعية، أي أن هذا الأتساع الذي يكوّن الخيال الثانوي أو الأنا المثالية، وهذا هو السر في بقاء الشعر خالداً، ولو رجعنا في نفس السياق الشعري للقصيدة، نكتشف وكما يقال الأنا المثالية هي التي تساعد على صياغة المعاني والإستجابات للقصيدة، وكما هو معروف لدى الدارسين ليس الشاعر هو من يمنح المعنى في قصيدة ما للقراء، بل القرّاء أنفسهم هم من يصوغون المعنى اعتماداً على السياق والحساسية الجمالية والثقافة الاجتماعية لدى القراء، 1

ولحظة انبلاج الفجر

وتواري نجمة الصبح

نغلقُ كُتبَنا .. نحضنُها

وننام ُ مع الكلمات

وهنا في قصيدة " حلم الكلمات " هو درس وعظي للقارئ الذي ينهل من الثقافة عبر أدواته التي أراد لها الشاعر لتعليم أسس فلسفة القراءة وفلسفة ما تعلمه وهو يعيد صياغة تجاربه بإعتبار الشاعر يشكل أهمية كبرى للمتلقي الذي يسعى أو يدخل روح الانسان، يقول كيتس : ان الشعر يجب ان يكون عظيماً ومتواضعاً حتى يدخل الاخر أو الانسان، ولا يباغتها أو يحيرها بنفسه،بل بموضوعه، ونجد قصيدته مختلفة كل الإختلاف من حيث المضمون والوضوح لأن الشعراء أرواح، فهذه خلجاته وهو يسمو لها عبر العديد من صوره التي حولها الى ذبذبات ومنعرجات إلتصق بها في كينونته الداخلية .

على مسطبة ِ المودًة

نحتسي شاي المساء

لنغمات القصائد المنتقاة

تذهب بنا إلى عوالم الإرتقاء

بقي أن نذكر أن جريدة " صدى الوطن " هي جريدة تصدر في ديربورن منطقة العرب في ميشيغن والذي يشرف عليها الناشر اللبناني " أسامة سبلاني " ويدير الصفحة الثقافية الشاعر العراقي " كمال العبدلي "

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

تمظهرات قلق الموت المبكر في شعر عيسى حسن الياسري

husan sarmakمن السمات الغالبة على الموقف الشعري النفسي للشاعر عيسى حسن الياسري هو القلق من الموت – death anxiety، وهو قلق مبكر أيضا يجعل الفرد أحيانا يرثي ذاته حيّاً، لأنه يحيا تحت مطارق قناعة أكيدة بالفناء الوشيك. وفي أغلب القصائد تجد هذا القلق يشتعل عند حصول مخاطر التهديد بالإنفصال عن الرحم الأمومي الحاني حتى لو كان الخطاب موجها إلى المعشوقة في الظاهر:

(في هذا الليل الموحل

كيف أكون بعيدا عنك

ولا يملكني الموت

فأملك وجهك

ثم أفصّل من كفني

علما للمدن المهزومة

وثيابا لعراة الأرض – ص 22)

والوحل الأسود المعبر عن الخراب وأشباح الموت يغطي كل شيء. يرتفع ويرتفع ويتراكم حتى يكتم أنفاس الوطن بأكمله . وهذا القلق من الموت والفناء يجهض كل المسرّات في حياة شاعرنا وفي مقدمتها لحظات اللقاء بالمرأة الحبيبة . تلك اللحظات التي نتوقع عادة أن تنعش روح الشاعر المحبطة:

(الليلة تأتين إلي

وكشيء مألوف

يأتي حزني

يزحم طاولتي

حتى لا تحتلي زاوية أكبر من بيتي

ذي السقف لحائل – قصيدة " قد يحدث شيء ما " – ص27) .

(وقيل لي تموت

مهاجرا .. أو نائما

وقيل لي تموت

مغنيا .. أو كنت تبكي عند

عتبة البيوت – قصيدة " الطقوس " – ص 87) .

وتحفل المجموعات الشعرية الثلاث اللاحقة (سماء جنوبية، المرأة مملكتي وشتاء المراعي) بنصوص تعبر عن هذا الهاجس المرير .

 

أ - قلق الموت .. إستعادة الخطيئة الأولى

وإذا أردنا أن نحكم على قدرة الشاعر في تناول موضوع ما، يستلهمه شعريا، ويستعيده مرارا، وهذا أمر مألوف في الشعر، فإن من مقومات حكمنا الأساسية كي يكون حكمنا نقديا محكما، هو أن ننظر للمقتربات التي يدخل منها الشاعر إلى ساحة موضوعه الأثير أولا وإلى أين يريد الوصول، أي الغايات يريد تحقيقها، وأي صراعات سيمرّر تحت أغطيتها ثانيا . ففي موضوعة المرأة التي أشبعها الياسري معالجات واستعادة تصويرية وفكرية، في عدد كبير من القصائد، بل في مجموعات تكاد تكون مستقلة لهذا الشأن تقريبا، من حقنا، وحين يتكرر هذا التوظيف أن نتوقع استهلاكها أحيانا . لكن هذا لا يحصل لدى المبدع المقتدر بفعل اقتداره كتحصيل حاصل من ناحية ولأن العوامل الفاعلة المستترة في لاشعوره تمدّه بمورد لا ينقطع من تمظهرات التمويه الحلمي الإبداعي من ناحية أخرى . ووفق الناحية الثانية فمن الصعب أن ينتقل رغبة محاصرة من ظلمات اللاشعور إلى ساحة الشعور المكشوفة بصورة صارخة ومعلنة . لابدّ أن تمرّر وراء أستار رغبة أخرى شعورية أو أن تمتزج بدافع لاشعوري ضاغط فينتج " تركيب " جديد على الطريقة الهيغلية إذا أمكننا قول ذلك . وهذا ما قام به الشاعر المبدع في قصيدة " لا تنتظري شيئا "، وهو – أي العنوان – كاشف هنا تمهيديا وليس بمعنى الثريا الكفيلة بإضاءة كل زوايا قلعة النص المعتمة عادة من وجهة النظر التحليلية النفسية . ومثلما أشرنا سابقا فإن الشاعر واقع وبصورة مؤلمة تحت ضغط قلق الموت، هذا هو الموجه الأساس لدوافعه الإبداعية، وهذا يحصل مع أي مبدع له رؤياه في العملية الإبداعية، بمعنى أنه يتساءل دائما : لماذا أبدع ؟ . قلق الموت هذا " يعلق " الآن بـ " الآخر " / المرأة، وينصرف معه بصورة هاجس مباشر :

(ذات نهار

سنموت معا

أنت

وأنا

 ومماشي غابات طفولتنا

وهدوء الدار – ص 33)

وحينما قلت أن عظمة فعل الشعر في النفس البشرية فنيا يعتمد على " الجزئيات " لا " الكليات " المقرّرة، فإن الجزئيات المنسية في حياتنا هي التي تلهب شعلة الخسران الوشيك في نفوسنا، وكأنما كلما صغر الشيء المفقود وكان هشا وغضا، كلما احترقت نفوسنا بمرارة الفقدان المضاعفة (ألهذا يكون فقدان الطفل أكثر جسامة في حرق أرواحنا من رحيل الشيخ الهرم؟! وسحق الزهرة الصغيرة أكثر أذى لنفوسنا من تهاوي الشجرة العظيمة ؟!) . وينذر الشاعر امرأته فوق ذلك بما سيأتي بعد الموت الذي سيحيرنا لأننا سنتساءل : ماذا بعد الموت (ذات نهار سنموت معا..)؟ وهل هناك فاجعة أعظم من الموت ستطيح بوجود الشاعر وامرأته ؟ . نعم هناك ما هو أبشع، وهو المنفى، حيث المطر الشتوي والوحدة وليل المدن الخانق والنوم على الأرض الباردة . ولا يحتاج الشاعر للتوصيف الاصطلاحي المحدد " المنفى " هنا، لأن الدلائل واضحة، تمهد لها علامات الموت المجازية : كف العاشق الباردة، وانطفاء توهج ضفائر شعر المعشوقة . تلك العلامات التي يمدّها الآن ويوسعها سرديا من خلال مقابلة بين توصية حازمة لجده قال له فيها :

(إذا بكت امرأتك

قبلها

وتوجه صوب الحقل

- فمتى تصغي لرغائبها .. تُقتل – ص 34و35)

فرغائب امرأته - حسب وصية الجد – حين يستمع إليها، فإنها ستخصيه إلى الأبد، تميته . ورغم التحذير فقد خرق وصايا الجد، وقبّل جبين زوجته، وهو شكل من أشكال لعبة اللاشعور المتأصلة في إنعدام حصانة المقدس أصلا، وأن المقدس يُحظر لأن حدوده قابلة للخرق . وهنا نقف أمام إخراج جديد لأسطورة الخطيئة الأولى وهي الثيمة التي يعالجها الشاعر كثيرا، حيث يحل الجد محل الإله الأب فيغفر لحفيده إثمه ويكمل طقس غفرانه بأن يمنحه محراثا خشبيا ومساحة أرض (تكفي قلبين، محبين) ويوصيه أن يبني بيته قرب ضفاف الأنهار . فبدلا من لعنة الله على آدم وإنزاله من إتكالية الفردوس الطفلية المشتقة من الرحم، إلى شقاء الأرض، تحل رحمة الجد الذي يدله على طريق " التكفير " : الشقاء على الأرض وفي الأرض وبالأرض وبلا لعنات ومغفرة . لكن المفارقة تتمثل في أن أنموذج الآلهة المراقب والموجّه والمعاقب هو أنموذج أرضي . وهذه لمسة تحرّشية بالقواعد المرجعية الموروثة حين يصبح الإنسان أكثر تسامحا من الآلهة . لكن ما هو امتياز الآلهة وعلامتها الفارقة ؟ إنه القتل تحت غطاء الموت !! والذي يعبر عن فقدان القدرة على التسامح، وهي القدرة الهائلة والوحيدة التي تحفظ للإلهة هيبتها، وهي أن تميتنا ولا نستطيع الإعتراض، أو نعرف لذلك سببا . فالجد الممثل الرمزي للسلطة الأبوية الإلهية يموت الآن، وقبره (شاهدته سنابل يابسة) . رحل ممثل الآلهة المتصالح، وبقت المرأة المغوية .. سر الخطيئة، أفعى الإغواء محترفة استدراج العشاق الصامدين ظاهرا، فمتى ما أخذت رأسه بيديها تتراخى إرادته ويحني جسده لرغائبها ويستسلم، ويعيدان دائرة الإثم وخرق المحظور من جديد . والمرأة / حواء الآثمة الآن منظّرة ومخططة بغائية تسفيه المقررات المرجعية التي يتحرش بها الشاعر تخاطب رجلها:

(لا تبكي

لن ينفعنا هذا في شيء

سلام الكوخ

وبركات الجد

وحبّ الفقراء

هواء – ص 37)

ما فائدة الندم، ولا داعي له، هي إبنة الحياة واللحظة المنتشية التي تريد تكرار ما حذّر منه الجدّ، هي نتاج الحركة الدائبة لجدل الطبيعة، والجد ومن بعده الحفيد، يريد تعطيل هذه الحركة الضرورة المخصبة المعطاء .. تلك الحركة التي تصر عليها الأنثى لأنها هي الحياة فتخاطب رجلها المنخذل:

(أجمل ما نصنعه الآن

أن نأوي لعريشة أحلام

كنا نقطنها ذات زمان – ص 37)

لكن الشاعر يعلم أن استجابته لطلب امرأته في توفير عريشة الأحلام السابقة صارت في حكم المستحيل، لأن شبح الخراب قد تأسس ونشر أعشاش خفافيشه إلى الأبد . وهذا يعيدنا إلى موضوعة " النبوءة الخرابية " من جديد . 

 

ب - قلق الموت .. الاستعداد المبكر للرحيل

يرتبط بالإحساس الموجع بقلق الموت وتهديده الشعور الضاغط بمقدماته، بالـ " الفاعلية " الدائبة له، بسيطرة الإستعداد الدائم للتعامل معه، ما يمكن أن نسمّيه بـ " التهيؤ " المستمر للرحيل كموظف خافر يطلب منه التحفز الدائم للتعامل مع أي طاريء في مساحة وجوده . ويتشعرن التهيؤ في العديد من القصائد، غير المصنوعة، بمعنى أنها تأتي عفوية ومتواشجة مع النسيج العام للوحة الإنهمام الكلي المسيطر . والياسري في قصيدة " غروب " يرسم في الحقيقة لوحة تشكيلية، وهذا يحيلنا إلى أهمية الثقافة الموسوعية للشاعر الحديث، فالشعر الحديث لم يعد فطرة بل ثقافة وصنعة، والفطرة قد تناسب الشاعر الكلاسيكي لكنها لا تناسب الشاعر الحديث الذي يجب أن يلم بأصول الشعر وموسيقاه والفن التشكيلي وألوانه والسرد وأصوله ... إلخ . كل هذه المهارات تتجمع ويتكثف تفاعلها المغرّب ليقدم مقطعا هو خليط عجيب وسحري من خلطة لا تجزأ من عطايا التشكيل والسرد والعين السينمائية بمشهديتها الحركية، والصورة الشعرية التي تلفظ أنفاسها تقريبا عند حافة المشهدية الأخيرة، خلطة مركبة بدراية من أجل غاية نهائية تتمثل في ضربة الصحوة القاضية على حقيقة أن الشاعر لا يدري بأنه وحيد .. وأن أحبته غادروه إلى الأبد .. وأهمهم الجنوب الذي كان يحمله فوق أكتافه، والأخطر هو أن الحبيبة قد اختفى حضورها نهائيا، ولم يعد لها وجود مؤثر وباتت تتلاشى مع تنامي حركة القصيدة التي أمسكت بها قبضة " بنية التلاشي "، من عنوان النص الذي يعكس التلاشي الطبيعي بشكل صارخ: "غروب"، الذي يمزج باضمحلاله تلاشي المكونات الرئيسة في حياته :

(تهبط الشمس للقاع

يهبط الحقل

لون المنازل يهبط

يا امرأة لازمتني كظلي

يطول غيابك

طال غياب القرى

وتباعد النهر عن ضفتيه كثيرا

فمن سيؤخر إبحار هذا الغروب

ويسرق منه الشراع .... ؟ - شتاء - ص 15)

ويتحول الشاعر في اللوحة الثانية ليتحدث عن ذاته بضمير الغائب (وهو الضمير الحاضر شعريا) فيكشف طعنات وجوده الغائرة النازفة، والقيود المميتة التي تلجم أي انطلاقة عزوم لطائر إرادته، وهو يسعى للإفلات من قبضة الواقع الخانقة لمواجهة عاصفة الموت :

(طائرا .. ربطته الصخور بأوتادها الحجرية

كان يحاول أن يبلغ النهر قبل

حلول المساء الأخير

يحاول .. أن يوصد الباب في

وجه عاصفة الموت

أن يلتقيك ِ بمركبة من مطر – ص 15و16)

وفي كل حالة إحباط تلطم آمالنا في رشدنا وتشعرنا بالعجز، نتراجع إلى استذكار فضاءات الطفولة الذهبية، وآمالها الوردية الصاخبة . وها هو الشاعر يستذكر طفولته التي لم يكن فيها شيء عصي على أحلامه . فهو يحمل الأقواس القزحية في راحتيه، ليلون شعر حبيبته، ولطاقته الهائلة كان حتى نهر "أبو بشوت" يركض في إثره . كان عونا للمتعبين جميعا، أما الآن فهو:

(سيّد المتعبين

أريحيه فوق ذراعيك

سيغلق نافذة القلب ... ثم يغادر

تحت رذاذ الظلام – ص 16و17)

لكن اللوحة الفذة النهائية لتي هي خلاصة كل الخيبات المستعصية المعبر عنها بالأجناس الفنية المناسبة (يتساءل أحد النقاد الإنكليز : كيف نرسم صرخة إنسان مثكول بعد منتصف الليل ؟! نحتاج هنا إلى فن مضاف)، والتي تمتزج بها، وبفنية عالية، ملتحمة، كل النوازع النفسية التي ستتشكل بعد عبور مرحلة " قبل الشعور " في هيئة نتاجات تأخذ تصميمها النهائي " فكرية، سياسية، شعرية، مسرحية،... إلخ حسب ملائمة هذا الجنس أو ذاك لضغوط غريزة معينة (خصوصا الآثمة) ارتسمت على لوح الروح الطفلة البيضاء، وارتبطت بها بصورة شرطية " نفسية " شديدة التعدد رغم حاكميتها الجائرة، الموروثات الجمعية التي ستوفر منسربا " شرعيا " ذا عدة شعب تمتزج بهدوء، بل بصورة هامسة، مثل ما كانت عيون الماء الخيطية تنحدر من قمم جبال شمال العراق، لتمتزج وتتحول إلى شلالات هادرة، وقد صعدت لاهثا أقتفي أثر الشلال الهائل في " سولاف " فوجدته ضئيلا بعين صغيرة وهو يسخر مني ! . ومهمة الشاعر المجيد أن يذكرك بخساراتك الباهظة .. الموجعة وجروحها التي لا تبرأ . يذكرك بها بالكلمة واللون والصورة والاستعارة، والأهم بمزيج " كيمياوي " منها كلها، يلتحم ويتفاعل ولا يبقى منه سوى العامل المساعد الذي يدخل معركة التفاعل ويخرج منها سالما ولكن ليس غانما، وهذا العامل المساعد يتجلى في أعلى حضوراته الفاعلة في شخصية الشاعر، فهو الذي يخدع مسؤول المختبر الشعري بأنه يدخل المعادلة ويخرج منها كاملا في حين أنه يتمزق، وفي كل منازلة شعرية يضيع جزءا من روحه المتهالكة أصلا . هذه الروح تتفصل الآن، وبهدوء مرير، في كولاج يخلطه الياسري بطريقة لا يفيها حقها الشرح اللغوي، والترصين النقدي، والتشخيص اللوني وغيرهم، ولا تكتمل الصورة إلا إذا التحمت هذه القدرات الفنية كلها (ألم نقل أن الفطرة الكلاسيكية ضد الصنعة الشعرية الحديثة؟) لتقدم صورة كلية لا تستطيع فصل أي جزء منها عن أجزائه الأخرى (حاول أن تفصل أضلاع المربع القصيرة بدعوى عدم أهميتها كأجزاء صغيرة !)، وهذا ما يلحم أجزاءه الكولاجية التي تضيع في أحشاء كلّ يغيّبه ويضيّع خصائصه الفردية . ولم يأتي (من) يستطيع تأخير إبحار الغروب ويسلب منه الشراع، وصار الرحيل مؤكدا، رحيل الشاعر الذي لم يرتب حقائبه للرحيل، فهو ينسى أن إقامته مؤقتة، وقد خسر عكازي وجوده المتينين، فالجنوب لم يعد بيته الأبوي، والمرأة العون الدافيء في شتاءات الوحشة :

(الغروب وشيك

الطيور تسارع صوب مهاجعها

والزوارق تتوسد أحضان شاطئها .. والرياح

تتباطأ في ركضها

وحده لم يرتب حقائبه

كان ينسى أن إقامته هاهنا مؤقتة

وبأن عليه التخلي عن البيت للقاطنين اللذين

يجيئون من بعده

تفاجأ – إذ أعتم الأفق –

أن أحبته غادروه

وأن الجنوب الذي كان يحمله فوق أكتافه

لم يعد بيته الأبوي

ولا أنتِ خمرته الدافئة – ص 17و18)

وما الذي سيتشكل كنتيجة نهائية لكل هذه الخسارات وحالات الغياب المتطاولة ؟ إنه " غروب " وجود الشاعر ذاته، فناؤه الذي لا مفر منه . ومثلما تهبط الشمس .. ويهبط ظلام الزوال، سيهبط هو أيضا . وفي المقطع الخامس والأخير يعود الشاعر إلى فعل الهبوط لأنه يحكم بنية قصيدته الكلية، ليس لأنه كرّره ست مرّات حسب، فقد يكرّر الشاعر فعلا ما مرّات عديدة وهو يقصد نقيض معناه، أو أنه يذكر ما يعاكسه ولكن الإيحاء الدلالي يكون مطابقا للأول . وهنا تتجلى جوانب من مهارة الشاعر الذي يقابل الآن بين الهبوط والطفو :

(تهبط الشمس للقاع

يهبط الليل

لا شيء يطفو سوى خوفه

قصاصات فوضاه

إهماله

إنه يهبط الآن نحو القرار

حطب صوتهُ

والزمان غبار – ص 18)

لكن طفو (ولاحظ أن من معاني الفعل طفا قاموسيا هو الموت بخلاف ما نعتقده من صعود وخلاص من الغرق أو انسيابية الزورق مثلا) مخاوف الإنسان على سطح وجوده هو نفسيا هبوط من نمط آخر، هبوط في قدرته على المواجهة، وبذلك تكون الصورة الكلية النهائية هبوط شامل يصيب الفرد ومحيطه والموجودات، ولهذا تحول الشاعر من (تهبط الشمس للقاع، يهبط الحقل، لون المنازل يهبط) في المقطع الأول والتي عبر به عن حالة الغروب الجزئية، إلى (تهبط الشمس للقاع، يهبط الليل) في المقطع الختامي ليرمز بظلمة الليل إلى " الغروب " الكوني الكلي .

 

ج - قلق الموت .. الموت حيّا    

والشاعر ليس قلقا من الموت حسب، بل يصل مستوى يعلن فيه أنه ميت لا محالة، وأن المثكل قادم إليه لا محالة . إنه يرتعد .. بل يتوسل إليه أن لا يستعجله، ويعترف له أنه هدر الكثير من وقته .. يرجوه أن يمنحه فرصة لقراءة كتب لم يكملها بعد، لبكاء أحبته الراحلين .. وهي طلبات لا وقت لدى الموت لسماعها، فهو في عجلة من أمره دائما . وحين يدرك أن كل هذه الإلتفافات الشعرية لن تجدي، يرجوه أن يختار له – على الاقل – دربا أقل جحيما :

(تذكّر

يا آخر ضيف يطرق بابي

إني محتشد بالحزن البشري

وهدير طواحين الماضي

فاختر لي دربا

أقل جحيما

أرجوك

اجعله أقل جحيما – شتاء – إترك لي بعض الوقت – ص 90)

الشاعر يعتقد أن الموت أمر فيه سيناريو شعري مثل الذي رسمه أبو العلاء المعري في " رسالة الغفران " أو الأخ دانتي في " الكوميديا الإلهية " حيث جهنم طبقات، وغرف، وطرق فيها مراعاة في القسوة ووجبات شجرة الزقوم .

والغريب أن الشاعر يؤسس لمفهوم جديد لمعنى الحيوية العمرية ولمفهوم الشباب، فهو يرى أن العشرينات هي ليست ذروة فاعلية الفرد وحيويته، يل أنها دورة الحياة الوحيدة وأن الإقامة بعد رحيل الأعوام العشرينية هو الموت بعينه . ولذا فهو – وبعد رحيل أعوامه العشرينية – الميت الحي الذي لم تبدأ شيخوخته بعد الستين مثلا كما يحصل علميا، ولكن بعد طي صفحة العقد الثاني !! . وسنوات عقده هذا– خلاصة عمره – لم تنقضي كما تغيب سنوات عمار الآخرين كحساب زمني وتقاويمي، ولكنها فرّت مفزوعة منه وكأنها حركة غادرة انتزعت روحه بصورة غير مباشرة :

(كحلم أدركه صبح

صاخب

كقبّرة مذعورة

فرّت أعوامي العشرينية

...........................

كان عليها أن تحمل

أمتعتها

ومدّخرات منازلها

أن تحملني - مجموعة صمت الأكواخ – قصيدة العشرينات)

وبرسوخ هذا الشعور فإن الشاعر الذي يرى أن لا خلاص، وأنه ولد ليخسر، وولد ليموت، سوف يتدرب على الياس .. سوف يدخل مرحلة اكتئاب، مرحلة ينظر فيها إلى الحياة من ثقب باب الموت . وهذا الحزن الشديد هو من سمات نص الياسري الصارخة التي لا نجد مبررات ضاغطة للغوص فيها، قد تكون محاولتنا فيها – وعذرا – استهانة بعقل القاريء . ولكن يمكن أن نشير إلى بعض أوجه تدمير الذات التي تترتب عليها ويتمثل جانب كبير منها في استعجال الموت، فهو يوافق على تعويذات ابنته جمان كلّها، تلك التعويذات التي ملأت بها جيوبه، كي تكون حياته أكثر تفاؤلا وتصالحا وإشراقا في نظرتهات إلى الغد . وإذ سمعت جمان أباها يبكي كل غروب صارت تبتهل للشمس أن لا تغرب، وإذ علمت منه أنه يبكي حطام طفولته الضائعة، أصبحت تطلب من أسراب البط العائدة أن تعيد لأبيها أيام طفولة القصب والبردي . وكان الأب يوافق على كلّ دعواتها، حتى التي تُشم منها رائحة مؤامرات " إلكترا " المباشرة التي قد " تخرّب بيته " حين تصلّي جمان للرب كي يمنح أباها صداقة أكثر من امرأة كي تمنع عنه الشيخوخة . أمنية واحد يرفضها الأب الشاعر، ويعبر رفضه عن اشد أشكال السوداوية، فهو رفض مكافيء للنزعة الإنتحارية غير المباشرة:

(في الليل تضع

تحت وسادة نومي تعاويذا

تدعو لي بمزيد من السنوات

هنا أقبلها وأقول:

جمان، لا تتمني لي هذا)

 

التعويض والإحيائية في ديوان "أساور البنفسج" للشاعرة سميرة عبيد

hayelali almotheabiلعل مما يثير الإعجاب في ديوان "أساور البنفسج" لـــ سميرة عبيد هو قدرة الشاعرة على مخاطبة الطبيعة واستخدام "البنفسج" كمعادل موضوعي للإنسان وللحياة وللوطن وللحبيب وتكتشف ذلك من أول وهلة تسمع عن الديوان فالعنوان الذي هو أول عتبات الولوج إلى النص يخبرك بأن البنفسج ذلك الورد الجميل له أساور ثم وهو موضوع القراءة " التعويض " Compensation " والذي يلخص الحالة النفسية للشاعرة ويعني التعويض إحلال شيء من الطبيعة أو أحد ممالك الوجود الثلاث محل بني جنس الإنسان أو جزء منهم، ومخاطبة الطبيعة أو تذكير أحدها يندمج فيه ثلاثة مفاهيم ودلالات أولها استخدام هذا الموجود كمعادل موضوعي ثم التعويض به وأخيراً بعث الروح فيه وهو ما تميز به شعراء المهجر من الرومانتيكيين وسمي فيما بعد ب" الإحيائية " وعندما نتحدث عن أحد هذه الثلاث من المفاهيم في ديوان سميرة فنحن نتحدث بالضرورة وتتداعى لنا الثلاث مندمجة ومترابطة ..

يبدأ ذكر البنفسج في ديوان " أساور البنفسج " بالإهداء لوالد  الشاعرة الذي لون أحلامها بالبنفسج، ثم نجده في قصيدة الشارقة زهرة الدنيا":

" يا شارقة الحلم الغائم في قلوب ساكنيها / هاتي يديكِ واحتويني / فقد أصبحت في راحة يديكِ بنفسجة مسافرة " (ص21).

وأيضا في ذات القصيدة " يا شارقة الحلم البنفسجي / يامن ترجين في القلب مراكب الحب المسافرة / منذ خلق عطر بنفسجي بحي " ميسلون " (ص 24)

وفي قصيدة "نبوءة أندلسية (ص27) تذكر الشاعرة:

ياصغيرتي / سينمو جنين الدهشة في رحم الأمنيات / سيقتل شبق الظنون ويبدد عيون السراب / سيهديكِ الزمن زهر البنفسج  ...(ص 29)."

ثم قصيدة سحر البنفسج ص 47) تخاطب الشاعرة البنفسجة وتناديها أن تأخذها إليها فتبعث فيها الروح وتخاطبها وتناجيها مناجاة الحيارى، ثم نجد قصيدة " لوعة البنفسج (ص 65) لكنها هنا تتماهى في زهرة البنفسج وتصبح معادلة موضوعية للذات " الشاعر / البنفسجة "، كما نجد في قصيدة " سفن البنفسج " و" أساور البنفسج " معادلا موضوعيا للجمال المخيف ...!!؟

من علماء الجمال عمانوئيل كانط صنف طبقات الجمال ومراحله جانحاً بالنفسي مجنح الرياضي "الحلو، الحسن، الجميل، الجليل" الأول يلذ والثاني يبهج والثالث يسر والأخير مخيف ...

كيف يصبح الجميل مخيفاً؟

يقول جوته: "ربما إستطعنا أن نتحمل الجمال الذي يرعبنا بسموه وأبعاده .."

عندما نتأمل الجميل نفرح له ونتمنى إمتلاكه لكنه عندما يكون كثيفا متعددا متنوعا فإنه يشعرنا بالفوات والعجز عن اللحاق به فنأسى لأن الزمن الذي هو عنوان الفناء سيمحو الفرصة التي نعاود بها الجمال الجليل ونشعر أن بيننا وبينه هوّة الموت فنرتعد فرقاً ...

 

التعويض في "أساور البنفسج"

التعويض تفرضه العادات والتقاليد والبيئة والثقافة والظروف المحيطة عموماً بلا استثناء، ولذلك فإن هذا الشذوذ هو بمعنى الاختلاف والخروج عن القاعدة المتمثلة في العشيرة أو القبيلة أو المجتمع وكذلك في الفكر والفن، ولكن ما حيلة الشاعرة والأيبة في المجتمعات الذكورية؟؟!!

إن التعويض هو تميز عن الآخرين والتعويض هنا قد يكون في سياق العلاقات الاجتماعية، مثال ذلك الشنفرى وهو الشاعر الصعلوك صاحب لامية العرب والذي استعاض بحياة البراري والصحراء والعيش مع الحيوانات التي وجد الأمن وأحس بالأُنس معها ففضلها على قومهِ وعشيرتهِ لقاء ظلمهم وساديتهم، وشأنه في ذلك شأن بقية الشعراء الصعاليك الذين كان يتزعمهم عروة بن الورد، يقول الشنفرى:

" ولي دونكم أهلون سيدٌ عملّسٌ / وأرقط زهلولٌ وعرفاء جيألُ

هم الأهل لا مستودع السر ذائعٌ لديهم / ولا الجاني بما جرّ يُخذلُ)

• وهاهو أيضاً يضرب لنا أروع وأنبل المشاعر الإنسانية وهو يوصي أم عامر أنثى الضبع حين قال :

" لا تقبروني إن قبري مُحرمٌ عليكم / ولكن أبشري أم عامرِ

إذا أحتملوا رأسي وفي الرأس أكثري / وغودر عند الملتقى أم سائري "

ومن النماذج أيضاً الأحمر السعدي أو الأحيمر السعدي أحد قُطّاع الطُرق في العصر الأموي وكان لصاً فاتكاً، يقول:

" عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى / وصوّت إنسانٌ فكدتُ أطيرُ"

- نجد أيضا وفي مواضع أخرى في ديوان " أساور البنفسج " بعث الروح في البنفسج وتذكيره وإحلاله محل الحبيب كبديل أيضا يفرضه الحصار في المجتمع الذكوري والمعنى يتضح من خلال السياق وأيضاً تبعاً لمقتضى الحال فها هو المتنبي يؤنث القوة ويعوض بها عن المرأة، ومثله ابن الرومي الذي يؤنث الطبيعة، والنواسي الذي يؤنث الخمرة، وجبران خليل جبران الذي يستعيض بالعوالم الافتراضية والشخصيات الأنثوية مثل سلمى وغيرها، مما نجده في ثنايا مؤلفاته، كانت كلها تعويضية افتراضية لا وجود لها إلا في عالمه المثالي والافتراضي الذي صنعهُ بمخيلتهِ وثقافتهِ وإنسانيته الراقية، وتعبيراً عن حزنهِ وغربتهِ النفسية والمكانية أو"المكانفسية " التي كانت ترافقهُ أينما ذهب، كذلك قد يكون هذا التعويض تعبيراً عن أعمق مطلب وحاجة لدى الإنسان " إثبات الذات وتحقيق الوجود " والتي تعتبر الشجرة التي تتفرع منها كل الأسباب الأخرى لكنها في الأخير تنتمي إليها .

- كذلك نجد في بنفسج سميرة عبيد هذا التعويض تجسيداً لبحث مفقود عن غايات سامية في عالمٍ أهم سماته " النقص " والاحيائيين في الرومانتيكية يعبرون بوضوح شديد عن هذا ..

 كذلك نجده في مواضع أخرى يشبه عقدة  "بجماليون" وهو النحات الذي صنع تمثالاً ثم عشقهُ، فهي لاتستطيع التوبة عن البنفسج في سياقات حياتها العامة والخاصة والأدبية أيضا، ونجده أيضا هروباً من سادية الآخرين وظلمهم ..

إننا نجد في ثنايا ديوان " أساور البنفسج"  تعويض راقٍ صنعته سميرة بخيالهِا الطفل، وسمو طموحاتهِا ورقي مشاعرهِا ورهافة أحاسيسهِا وتعاظم هم الإنسان بداخلهِا، هذا جميعه بالإضافة إلى المكونات الثقافية والظروف المحيطة والتراكمات المعرفية التي ترسبت في وعيها، ذلك الماضي البعيد الممتد فيها وهذا الحاضر الذي تسرب إليها وأيضاً المستقبل الذي يتراءى لها، كل ذلك يجعلها تتعارض بالطبيعة مع ضيق العالم السفلي، المادي، عالم الضلال، ما سوغ لها التعبير بكافة وسائل الإبداع والفن عن أشياء وتجارب يستحيل أن تكون عاشتها حقيقةً، شأنها شأن أهل الفن والإبداع الذين هم بدون هذه العوالم التعويضية الافتراضية والحقيقية لايساوون في ميزان الفن شيء له ذكر ..

 

سميرة عبيد ...(رسام وموسيقي)

الرسام / يأخذ نماذجه من الطبيعة، يضيف إليها  شيئاً، يحذف آخر،  ينتخب شيئاً، ينفخ فيها لهباً من روحه، فإذا بها مخلوقٌ جديد له صلةٌ بماضيه لكنها تُنسب من جديد إلى الرسام تحمل هويته ..

الموسيقي / يهمس صمت الوجود في قلبه، يتمتم في حاله، تفيق تذكاراتٌ  في أذنه، يُصغي .. فإذا الأرض تبوح له بأنين روحها .. ووجعٌ بين لذة المخدع ولمس الشوك يسري في دمه، فترتعش شفتاه وتهتز أصابعه، ويأخذ في رصف الأرقام رمزاً لتلك الحالة، كل رقمٍ يضع شفتيه على ساق أخيه .. ويجري لهبٌ رقيقٌ بينهما كالدم في شعر الجدائل وتفيض المعزوفة ..

 

خاتمة ..

ما تزال هناك نغمة تُعندل من قلب وسر هذه الحضارة الإنسانية، لمجهولٍ معلوم، قدرٌ لنا أن نُغني له في دروب الحضور والغياب، والرفض والتهمة، وأن لا نكون كما نحن بل ينبغي أن نكون .. نعم أن ينبغي أن نكون...

 

عواطف قلقة وامرأة تهيم شعرا .. فرح دوسكي ومجموعتها الشعرية القصيرة جدا: قصائد أنثى

ahmad fadelهذه المجموعة الشعرية القصيرة جدا "قصائد أنثى" للشاعرة العراقية فرح دوسكي  و" جدلية الغيمة " التي سبقتها، تصلحان أن تكونا أصغر ديوان شعر لو صدر حتى الآن، وقد يكون اضافة نوعية لما دأب عليه الشعراء وهم يخوضون معترك هذا الشكل من الشعر بعد أن سهروا عقودا طويلة في خط ملاحمهم الشعرية الطويلة التي تقلصت بفعل الزمن الآخذ بالتسارع  لحضارة لا نعلم ماذا تخبئ لنا بعد .

الشاعرة دوسكي قد لاتختلف عن أي امرأة أخرى شرقية تقول الشعر، إلا انها تمسك بتلابيبه بقوة كما مسكت أختها الملكة شبعاد قبل أكثر من 5000 سنة بقيثارة أور الذهبية لتعزف وهي على قيد الحياة معزوفة رحيلها الأبدي، وهي مع تنوعها الشعري ومضامينه المختلفة فقد أتحفتنا من قبل بالقصيدة الطويلة سواء أكانت تلك التي وظفت التاريخ البعيد لبلاد سومر وأكد لتصنع لنا واحدة من أجمل نصوصها الملحمية " بكاء الرقيم " الذي شاركها فيها الشاعر العراقي المتميز زاحم جهاد مطر، أو قصائدها الوطنية والإنسانية والعاطفية، هنا في قصائدها القصيرة جدا التي نضعها الآن تحت مجهر نقدنا لها كواحدة من تجارب الشاعرة على وجه الخصوص نتلمس فيها مكامن الجمال، التقنية والاشتغال، البوح القادم من أعماق الروح: 

حين نبض قلبي

خلتك لي

سامحني تماديت بالنداء

هكذا تبدأ الشاعرة مجموعتها الشعرية القصيرة جدا أو ما يطلق عليها " الومضة " بقصيدة  " أجل " التي يعّرفها قاموس المعاني أنها حرف جواب مثل " نعم "، لكنها تتقدم عليه جزلا بالمعنى الأقرب، وهي أي الشاعرة حينما استخدمت تلك البلاغة فقد أعطت زخما لقصيدتها القصيرة جدا بأن جعلتها لا تخرج عن النسق اللفظي للغتنا العربية العامرة بالتأويلات الجميلة، وهي في المقاطع الثلاثة للقصيدة تؤكد ب " أجل " أن الذي ناداهاهو قلبها، هواها الذي صور لها كل ذلك الحب وقد تمادت بنداءه، غير أنه لم يكن لها ولن يكون  فهي واثقة أنه لايصلح لها بكل الأحوال، وبكل عنفوان المرأة الوائقة من نفسها تقول له : سامحني تماديت بالنداء .

قصيدة " أجل " قد تصلح أيضا أن تكون قصة قصيرة، لكن مهارة الشاعرة دوسكي في خلق نص شعري بديلا عن السرد القصي استخدمت فيه التكثيف اللغوي والإيجاز بدلالاته وإيحاءاته فجاء  أكبر من كلماته القليلة، ومع أنها في قصيدتها " دائما لي ما تبقى من الوقت " قد زادت مقطعا رابعا على سابقتها فإنها احتفظت بذات النسيج الشكلي لها تقول فيها:

يوم صار العشق بلا خطيئة

أغلق نوافذ الترقب

وأسكت ألف ليلة

لما .. !! انتظاري

أما في " " حين شاخ العمر " تقول:

ابتسمت ثانية

عثرت على نصفي المفقود

في زمن سن قانون البكاء

الشاعرة ومع اشتغالاتها في صنع قصيدة قصيرة جدا تتمتع بكل مزاياها فقد استخدمت فيها إيقاعا خاصا إرتبط ارتباطا وثيقا بواقعها النفسي حيث تلمسنا فيه التكرار من صوت وكلمة وجملة قصيرة جدا حيث حافظت على تقنيته المعهودة كالبنّاء الماهر الذي لاينسى أن يحمل معه أدوات عمله جميعا في أي عملية بناء يتعهدها، فالجناس والطباق والتوازي الصوتي والمقابلة كانت أدواتها التي ساعدت في صنع هذه المجموعة، أما صورتها الشعرية التي تدخل هنا ضمن تقنيات الشاعرة واشتغالاتها فلم تخرج عن ما هو مألوف فيها من تفكيك لعناصرها ومكوناتها من تشبيه واستعارة ومجاز كناية وانزياح لتصب في نهايتها تعبيريا وجماليا ، الناقد المغربي الداديسي له رؤية خاصة فيما يخص النص الشعري حيث أجمله أنه رسالة موجهة ينبغي تناول العناصر المشكلة له : عرض الوسائل المتوسل بها لإبلاغ الرسالة، الضمائر، الأساليب (الخبرة والإنشاء)، طبيعة الجمل، فبعد الإنتهاء من دراسة هذه المكونات يتم تجميع النتائج المتوصل إليها من أجل الوصول إلى تصنيف النص إلى خطاب معين، على هذا التوصيف يمكن أن نجمل رسالة الشاعرة فرح دوسكي في جميع قصائد مجموعتها الشعرية القصيرة على أنها قلق عاطفي حيث يتبين حجم التقاطع بينها وبين من تبثه أشجانها فهي قادرة بما تمتلكه من أحاسيس على إنتاج ذلك الشعور، هذا ما وجدناه في قصيدة " في حضرة الاقتراب":

تغويني عيناك

صوتك يمضي في جسدي

تزف الوقت ملاكا

يستعر المنفى بالرجم

ترمي شهوة في مشجب السخرية

تمضي ..

أو في " ما أقسى أوهامك ":

ومواقيت الاصطياد

فما صنعته من العابك النارية

محض هراء

أنا الالف إلى الياء

قابلة للحراك سقوفي

وكذا في " حين شاخت شجرة آدم " و" دون جسد " و" ويح قلبي " و" وشوش لي باللقاء صباحا " حيث نقرأ فيها:

فخرجت من أصابع الليل

أزرع الأسئلة

و " يوما مضنيا آخر " و" انتفضت " و" أحبك جدا " التي اختتمت بها مجموعتها الشعرية القصيرة جدا حيث أزدلت الستار عليها ببيتها الأخير :

أحترق فتطفئني قصائدي

 

أحمد فاضل

 

تاريخ ومفهوم فن الحفر والطباعة (الكرافيك) (2)

khadom shamhodان القيم الجمالية والابداعية والفكرية التي تتسع في ميادين الحفريات لا نجدلها مثيلا في الحقول الفنية الاخرى . فالتقنيات الواسعة والادوات المتعددة الاشكال والطرق المتباينة وماكنة الكبس او الطباعة والحوامض الحارقة . وعوامل الصدفة التي تظهر اثناء العمل والتنفيذ كلها قيم جمالية وتعبيرية ينفرد بها فن الحفر والطباعة على غيرة . وتحمل نسخ الحفر من القيم الشكيلية والتعبيرية ماتحمله اللوحة الزيتية او المنحوتات . واصبح النحت اليوم يخضع لعملية الاستنساخ والتكرار مثله كمثل الحفر والطباعة .. وطرق الحفر كثيرة جدا منها: اساليب الحفر النافر والغائر والمستوي . وتنفذ على الحجر او الخشب او المعادن او البلاستك او الورق السميك وغيرها من طرق الفن الحديث .. ومنها الطريقة التنقيطية وطريقة قلم الرصاص وصبغة الماء – القلفونة – والحفر الضوئي والتصوير الضوئي وطريقة الحفر الحجري والزنكغراف والهيليوغرافير والشاشة الحريرية والطباعة بواسطة الحاسوب .. وغيرها

 

الحفر على الخشب:

بعض النقاد والمؤرخين يعتبر الحفر على الخشب من اقدم الفنون التي ظهرت في العالم وانها تطورت مع تطور الانسان وانها من اقدم الطرق التي ابتدعها الانسان القديم . فاذا كان الانسان القديم قد حفر على الحجر فمن الطبيعي انه قد حفر ايضا على الخشب لسهولة الحفر عليه وتوفر مادته .. وكان المنقاش Buril الذي يستخدم اليوم من قبل الحفارين كان معروفا عند صانعي الحلي في بابل والذي انتقل الى صانعي الحلي في اوربا عن طريق العرب في الاندلس . واصبحت اداة الحفر الاولى عند الحفارين الاوربيين منذ القرن الخامس عشر – تيبوغرافيك . وهو عبارة عن قضيب فولاذي برأس حاد على شكل مربع او مثلث ينتج حركة واضحة ونظيفة .. ومنذ سنة 1493 قام الفنان الالماني- دورر - باصدار كتب مصورة عن مهنة الحفر وطرقها وتقنياتها منها كتاب – طرق الهندسة – واليوم هذه الاعمال هي قطع فنية تعلق في المتاحف .. وكان دورر قد قام برحلة طاف فيها معظم الدول الاوربية لبيع مجاميع من اعماله الحفرية . كما اهدى بعضها الى رجال الدين والملوك . وتبادل بها مع اعمال بعض الفنانين الايطاليين مثل رافائيل .. وقد قام بعض الحفارين باستنساخ اعمال دورر وعلى اثر ذلك اصدرت مدينة نورنبرغ عام 1511 قرارا هددت بالعقاب لمن يسنتسخ اعمال دورر. كما كتب دورر في احد المنشورات (الويل لمن يسلب جهد وابداع الآخرين)

 واليوم اعيد الاعتبار الى هذه الطريقة البدائية اي الحفر على الخشب . وهي طريقة الحفر النافر ويعني ان الرسم يكون نافرا او بارزا بعدما يزيل الرسام جميع جوانب الرسم ويبقي الخطوط .

وكانت بدايات هذه الطريقة خالية من التظليل حيث تتصف بالقساوة والفقر الفني . ثم تطورت فاصبحت الخطوط يرافقها ظل ونور مبسط واصبحت اكثر حيوية خاصة في اعمال الهولنديين في القرن السادس عشر..

وفي انكلترا في القرن الثامن عشر اكتشف الفنانون الانكليز طريقة الحفر على الخشب القاسي الصلب حيث يتم الحفر علية بشكل عمودي اي عكس اتجاه الياف الخشب .. بعدما كانت الطريقة

القديمة تتم بالحفر الموازي للالياف . مما ساعد على الحصول على كل التفاصيل يضاف اليها الدقة اللازمة في الرسم ... وكان من ابرز رسامي هذه الطريقة هو - توماس بويك- الذي اصدر كتابا اسمه (الحيوانات ذو القوائم الاربع) عام 1790 ويشرح فيه طريقة الحفر على الخشب الجديدة . كما برز بهذه الطريقة الفنان الفرنسي - دوريه Gustaue Dore - الذي مهد الطريق الى ادخال الفوتوميكانيك على هذه الطريقة ...

 

الحفر على المعادن:

ان تكرار العمل الفني الواحد جعل من الصور او الرسم فنا جماهيريا. فلم يعد الرسم محصورا

على اقلية او فئة او طبقة معينة من المجتمع . كما كان يحدث سابقا في القرون الوسطى حيث احتكرت الكنيسة الفن والفنانين لصالحها في تزيين الكنائس والمعابد بالصور النحتية و الزيتية والجدارية .. كما كان من خيرة الرسامين والمصورين يشتغلون في بلاطات الملوك والامراء ..

ان الصورة اصبحت وسيلة اتصال بصري وفكري . ان فن الحفر والطباعة بطرقه الحديثة رفعت تأثير هذا الفن على المجتمع الى مستوى عالي جدا . لقد اصبحت الصورة قادرة على ان تستجيب بشكل اوسع لحاجات المجتمع بعدما اكتشفت طريقة الحفر على المعدن . ويذكر ان اول عمل محفور على المعادن ظهر بطريقة الحفر الحامضي عام 1513 م -

ظهرت هذه الطريقة في القرن الخامس عشر مع صانعي الحلي في وادي الراين في المانيا وفلورنسا في ايطاليا , وقد جائت من العرب عن طريق الاندلس كما ذكرنا ذلك سابقا . وكانوا

يستخدمون اداة المنقاش في الحفر , وبعد ذلك استخدمت الابرة الحادة .. ويذكر انه لم يتحقق طبع اعمال فنية على الورق حتى القرن الرابع عشر . علما ان صناعة الورق اول ما ظهرت في الصين ثم ظهرت في بغداد عام 793 بعد ذلك وصلت الى الاندلس عام 1150 – بعدها عبرت الى اوربا .. علما اننا ذكرنا سابقا في المقامة رقم (1) بان الفنانين السومرين والبابليين قد مارسوا صناعة الحفر على المعادن . منها نذكر قدح مصنوع من الفضة محفور عليه طائر النسر بواسطة اداة الحفر بوريل buril المنقاش – الآن القدح في متحف اللوفر في باريس ويعود تاريخه الى حوالي 2500 ق م –

فمنذ القرن الرابع عشر بدأ ظهور الصور الدينية والكتب المصورة .. ومنذ القرن الخامس عشر قام الحفارون برسم وطباعة الصور الشعبية التي ترمز الى الحياة اليومية و الاسطورية . وكذلك الصور الوثائقية والخرائط الجغرافية والتقاويم واوراق اللعب .. بعد ذلك الاوراق المالية والطوابع البريدية وطباعة رسوم الاقمشة . و في باريس بين اعوام 1656 و1760 طبعت ملايين الصور الدينية وتم توزيعها على المجتمع .. وهكذا بدأت الحياة تتسارع و تتسابق في الاختراعات والتطور العلمي والفني والطباعة .

ان اوائل الحفارين الاوربيين كانوا يسمون – بمعلم اوراق اللعب – وكانت اولى هذه الاوراق تسمى تارو ماتينيا Tarots de Mantegna نسبة الى مخترعها الرسام الايطالي ماتينيا .

ثم وظفت صور الحفر والطباعة للدعاية واستخدمت كاداة وسلاحا فعالا . وقد كلف الملك الفرنسي لويس الرابع عشر الحفارين برسم وطباعة اعمال تخلد منجزاته . وكانت توزع على السفراء وعامة الناس .

وقد قام رمبرانت بنقله نوعية في عالم الحفر عندما اظاف الى الحفر النور والظل حيث خلق عالما من القيم اللونية المتجانسة فقد لجأ الى تدعيم الاسود بواسطة الابرة الحادة وبهذا فيكون رمبرانت مجددا في فن الحفر . كما ان روبنز سار على طريقة رمبرانت في مبدأ الظل والنور ..

واشتهر من الفنانين الانكليز في الحفر وليم هوغارث حيث كانت رسومه الكاريكاتيرية تطبع وتنشر . وكان ساخرا وناقدا للاوضاع الاجتماعية . وتعرض هو ايضا لسرقة اعماله واستنساخها . مما حدى بالبرلمان البريطاني الى اصدار قانون يسمى قانون هوغارث يمنع ويعاقب كل من يستنسخ اعماله . كما قام الفنان الفرنسي دوميه بدور فعال في الحفر والطباعة على الحجر . واشتهر ايضا الفنان الاسباني غويا بحفرياته على الزنك ومجموعته المشهورة – النزوات – وكان فن الحفر والطباعة سلاحا مخيفا . فكان تأثير الصور وانتشارها اكثر فعالية من الخطب السياسية . لهذا فقد تعرضت بعض الصحف الى الاغلاق . كما ادت ببعض الرسامين الى السجن مثل الفنان - دوميه- وتعرض غويا الى المسائلة من قبل الكنيسة .. وفي عام 1599 تعرضت مشاغل الحفر والطباعة الى المنع اكثر من مرة لانها كانت تنافس رسوم المنمنمات التي كانت حكرا على رجال الدين الذين كانوا بمنأى عن القضاء .. وكانت مشاغل الحفر والطباعة الاكبر والاكثر اهمية هي مشاغل الكنيسة والتي كانت تقوم بانواع الحفر حتى الالواح الخشبية المعدة لطباعة الاقمشة .. ومن اشهرها مشغل دير لافيرته Laferte في فرنسا .. 

 

معلومات إضافية