المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

تبقى في رؤية الشاعرة جودة بلغيث:

wejdan abdulaziz(الحقيقةُ أبعدُ من الأفق)، لكنها (أقربُ من الحلُم...)

وانا في قارب وسط العتمة، كان الرعب آخذا بخناقي، اتحسس حروف الورقة التي تحمل كلمات، تتدفق منها انفعالات لذات قلقة رغم انها ذات حلم اخضر وهاديء، وهناك اسئلة تتكور في البحث عن الذات والشاعرة جودة بلغيث، حيث تقول:

(يرتمي النّورس في حضن المدى

الشّوق يسأله :

إلى أين .....؟؟؟؟

متى السّكن؟؟؟....متى السّكينة؟؟

 

هذي أنا

و المرايا وسع السّماء

تبتلع صوتي...

على عتباتها تتشظّى صورتي

أناءااااات

أضيع بينها و بين المرايا

فأين أنا منّي؟؟ و أين منّي أنا؟؟)

 

وهنا حاولت الشاعرة، باثارة تلك الاسئلة ان تصوغ افكارها من خلال ما يثير مشاعرها الذاتية، وكما نعلم ليس شرطا أن يعيش الشاعر التجربة بصورة فعلية وإنما ينفعل معها وجدانيا بحيث يمتزج معها بشعوره وإحساسه، فيعبر عنها بصدق . وقد يلجأ الشعراء للخيال معبرين عن أساهم وألمهم وضيقهم بهذا الواقع ولذلك راحوا يتغنون بماضي الإنسانية الفطرية السعيدة، وبمظاهر الطبيعة الجميلة، وهربوا إلى مشاعرهم الدفينة ودخيلة نفوسهم، ونسجوا في خيالهم عالما آخرا يتصف بالعدل والخير والجمال والمثل العليا . وبالرغم من استغراقهم في ذاتيتهم واهتمامهم بالخيال إلا أنهم لم يهملوا البعد الإنساني فتعاطفوا مع المظلومين وثاروا ضد الظالمين متجاوبين مع آمال الناس وقضاياهم ومثلهم في زمانهم، وحركوا مجتمعاتهم في سبيل مستقبل أفضل يدعون إليه ؛ ولذلك جاء شعرهم يفيض بإحساسهم الحاد بأنفسهم وذواتهم وبما تنبض به مجتمعاتهم؛ ولذلك تحس عندهم بخفايا نفوسهم ومكنونات عصورهم .

وكان الإحساس بالألم وأثره العميق هو مظهر من مظاهر الذاتية الفردية التي يتألف منها الوجدان بمشاعره المتناقضة، ويأخذ مظهرين : التفاؤل والتشاؤم وذلك بحسب الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر لحظة الإبداع فهو متفاءل عند شعوره بالقوة والقدرة على مواجهة الأزمات وتحدي الصعاب، وعندما يكون محبطا يائسا ضعيفا قانطا يصبغ التشاؤم عمله الأدبي ؛ ولذلك كان شعرهم يفيض باللذة والفرح والسرور تارة ويفيض تارة أخرى بالحزن والألم والهم الدافق العميق .وهنا الشاعرة افترضت بياض نوياها بقرينة النورس، فهي التي تسأل، وهي التي تحاول الاجابة، فهل تصل الى الحقيقة .. بينما (الهُوّةُ مسافة عُمْر) في رؤية الشاعرة، فهل تستطيع اللحاق بسنين العمر، لتجترح مسافة اخرى، بلا ادنى شك هي مسافة جمالية، فـ(مرتبة الجمال ترتفع عند أفلاطون لتصل حدا يعبر فيه الحب الحقيقي هو حب الجمال وان الجمال هو الله وبلوغ إدراك ذلك يصل بالمحب إلى نسيان ذاته , فيندمج مع البحث الهادف إلى إدراك أسرار الكون وتأمل أجزائه والتي تؤدي إلى إدراك جمال الحقيقة الإلهية , فأي شيء جميل فهو مستمد جماله من الله ذاته .)، لكن (نرى أرسطو في موقفه الجمالي مثاليا واقعيا مخالفا أستاذه أفلاطون في أن الفن إذا كان محاكاة فانه أعظم من الحقيقة لأنه يتمم ما تعجز عنه الطبيعة في إتمامه , فالمحاكاة عنده ليست سلبية بل عليها أن تطور وتبنى فالفنان يقوِّم الطبيعة ويطورها نحو الأفضل وبرأيه فهذه هي اجل مهمات الفن .

كما خالف أستاذه أفلاطون في نظرته للفن على انه نتاج للعواطف الإنسانية في حين نظر إليه أفلاطون - كما أشرنا - أنه إلهام إلهي .

فالعملية الإبداعية عند أرسطو عملية إنسانية مرنة يقودها الفنان ذاته ليكشف عن مكامن الجمال في عامل الحس والواقع)، وتستمر الشاعرة جودة ترسم مسارات بحثها، عما هو روحي تميل له الروح لذاته الجميلة، كي تحدث معانقة بين ذات الجمال وذاتها كونها شاعرة تبحث عن الملاذات وتجترح سلالم للهروب من خلالها الى مسافات تسمو وتلاحق الجمال اينما ارتفع .. كما في قولها :

 

(لصدى الرّيح تعزفني الأماني

نشيدا على وتر الشّوق

رجْعُ صدى الأنين يُعرّيني

جرحا علّمَ

وشما أمازيغيا على منبع الحنين

و الآهةُ جبل صقيع

 

أحجّ إلى كعبة روحك

و أطوف أطوف

من زمزم عينيك أرتوي

دهشةَ اليقين أترجّى

بين الصّفاء و المروى سبعا و سبعا أسعى

سارّة الصّبر أنا ...

حين وليدها بكى ظمأ)

فالاهة عند الشاعرة جبل صقيع، بدالة دهشة اليقين، لهذا تحزم امرها للحج الى كعبة روحه .. من هو؟؟ فتستعير آلية الحج عساها ان ترتوي من زمزم عينيه، افتراضا هو الطهر والجمال والامان والايمان، بعلامة امازيعية، أي باستحضار الواقع المتخيل، وهذا شكل عمقا رؤيويا لدي الشاعرة جودة بلغيث، فـ(ليس ثمة عمل ابداعي بلا رعشة جمالية، انها عنصر اساس من جماليات الفنون، حتى الاكتشافات العلمية تشكل فيها هذه الرعشة انعطافا خطيرا في لحظة الاكتشاف، لكن الذي ندعو اليه هنا ان يتحلى الانفعال في النص الشعري عن أوليته وسذاجته وقابليته المنفلتة على البوح، ويتحول بفعل قوة العقل ـ التي يجب ان تسيطر على تيار الانفعال وعلى وفق ضوابطها وقوانينها ـ الى اثر ابداعي ذي بنية معرفية خاصة ممغنطة بالانفعال ومسحورة بطاقة غناء فذة في عمقها وكثافتها)، كما يقول الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد في كتابه تمظهرات القصيدة الجديدة ص9، لتبقى في رؤية الشاعرة (الحقيقةُ أبعدُ من الأفق)، لكنها (أقربُ من الحلُم...)

 

وجدان عبدالعزيز

الكتل التعبيرية المتوهجة عند كريم عبد الله

anwar ghaniالتوهج النصي المتقوم بالادهاش والتكثيف من اهم مميزات كتابات كريم عبد الله، والظاهر لكل من يطالع اي نص من نصوص كريم عبد الله يجده لا يقبل ابدا ان يكتب نصا الا بكلمات متوهجة تتلألأ. انك حينما تقرأ نصا لكريم عبد الله تشعر وكأنك ترى سماء صافية ونجوم مشعة تبهر وتدهش .

هنا سنحاول تتبع الخصائص الابداعية في كتابات كريم عبد الله والتي تعطيها هذا الوهج الجمالي الفتان، والميزة الاهم لكتابات كريم عبد الله الجمع بين الفنية العالية بمثل هذا التوهج النادر وبين العذوبة والقرب وفي الواقع اننا ندعو دائما الى ادب قريب وممتع وفي نفس الوقت احترافي وعالي الفنية، يجمع بين الابداع والقرب وبين الفنية العالية والامتاع، وهذا ما لا يجيده الا قليليون من كتاب الادب اليوم، لكن وبصراحة الشعر السردي والسردية التعبيرية قد مهدت الارضية لهكذا ادب نادر وفذ، وشعراء مجموعة الشعر السردي قد حققوا تلك الغايات، وهذا امر مهم وتأريخي .

هنا سنحاول تتبع تلك الميزات والخصائص الجمالية والتعبيرية في قصيدة (كلّما أناديكِ تتعطّرُ حنجرتي) وهي نموذج لكتابات كريم عبد الله في هذا الشكل الكتابي .

كريم عبد الله؛ كلّما أناديكِ تتعطّرُ حنجرتي

هذا النص قصيدة تعبيرية باسلوب الشعر السردي، يجمع بين البوح الرقيق والقرب والامتاع وبين التوهج العالي للمفردات والتراكيب والفنية العالية محققا كما وكيفا ابداعيا حسب قانون الابداع في جوانب معادلته من الاصالة والتجديد والرسالية .

بخلاف الفنون البصرية فان الكتلة التعبيرية – وهي الوحدة المادية التي يشتغل عليها المبدع لانتاج فنه – والتي تتوحد في الفنون البصرية، فانها في الفنون السعمية كالنص هي في الاصل متعددة، فالوحدة الكتابية في الاصل تعتمد البناء الطولي الزماني وليس العرضي المكاني البصري، فلدينا المفردة ثم الاسناد بين مفردتين او اكثر ثم الجملة ثم النص، فهذه اربع وحدات كتابية كل منها يمكن ان تكون كتلة تعبيرية ابداعية . ولقد اجاد كريم عبد الله في ابداعه الادبي على المستويات الاربعة، فعلى مستوى المفردة هو معروف باستخدام خاص للمفرادت والتطعيمات وعلى مستوى النص هو معروف بالنص المفتوح والمجانية وعلى مستوى الجملة ايضا معروفة كتابته بالكثافة والومضة والضربة الشعورية، واما على مستوى الاسناد وهو العمل على جزء الجملة فهذا مما يتقنه كريم عبد الله فعلا وهو ما خصصنا هذا المقال له لان الحديث عن المستويات الاربعة يطول فعلا، كما ان كلامنا هنا اي على مستوى الاسناد وجزء الجملة سيكون نموذجا لتبين جماليات التعبير عند كريم عبدالله في المستويات الاخرى .

و بخصوص الفردية والاسلوب الخاص الذي تتميز به كتابات كريم عبد الله، فان اي متتبع ومتأمل في تلك لكتابات سيجد واضحا الضربة التأثيرية التي يعتمدها كريم عبد الله في اجزاء الجمل معطيا اياها توهجها الخاص المستقل عن الجملة، بمعنى اخر ان كريم عبد الله ليس فقط يعمد الى التأثير الجملي وتوهج الجملة الشعرية، بل انه يعمد الى تركيب الجملة وتكوينها من اجزاء متوهجة لها تأثيرها الجمالي الخاص .

ان فهمنا للكتلة التعبيرية كمؤثر جمالي ضمن ادوات النقد التعبيري يختلف عن الفهم الاسلوبي له الذي يتمحور حول الشكل والنص والعلاقات النصية لذلك كان الانحراف والانزياح والذي هو فهم متطور للمجاز مركزيا في الاسلوبية. اما النقد التعبيري الذي نتبناه فانه ينظر الى التوهج اكثر من النظر الى الانحراف، ويرى الفردية والتفرد في تلك القدرة على تعظيم الطاقات التوهجية للوحدات التعبيرية، وما الانزياح الى جزء من ذلك التوهج، ذلك التوهج الذي يمتد في عمق النص باعتباره كلاما ونظاما لغويا وفي الانظمة الماوراء نصية باعتبارها انظمة جمالية وتأثيرية وشعورية وانسانية، بمعنى اخر ان النقد التعبيري يهتم بالانظمة الجمالية للوحدات التعبيرية اللغوية اكثر من لغويتها ونصيتها . وهذا الفهم يعطي مساحة وفهم اوسع للظواهر الجمالية والادبية . لذلك يمكننا وصف النقد التعبيري بانه تجاوز للفهم الاسلوبي وانه يمثل مرحلة (ما بعد الاسلوبية) للحقائق التي بيناها .

في قصيدة (كلما أناديك تتعطر حنجرتي) واضافة الى نراه من ان هذا العنوان وحده نص تقليلي متكامل، وبجانب الابهار والضربة الشعورية والجمالية في هذه الجملية الشرطية والرابطة الانسانية العميقة التي يصورها، فاننا نلاحظ ان التوهج في عبارة ( تتعطر حنجرتي) غير مقتصرا على الانزياح، وانما هناك عمق تعبيري حقيقي، وأثر جمالي يعطي للكلمات معان اخرى وهذا ما نسميه (الرمزية النصية) حيث تصبح للكلمات رمزية ومعان تختلف عن معناها ودلالاتها خارجه، كما ان هذا التوصيف للشعور الانساني الذي يصف بها الشاعر نفسه، اي تعطر حنجرته يعد من حالات بلوغ الحدود الشعورية القوى، اي ان المعبرقد بلغ اقصى درجات ومستويات التجربة الانسانية في هذا الشأن وهذا حقيقة يذكرنا بالشعر العذري عند العرب، حيث انهم يبلغون مثل تلك المستويات القوية جدا في تعبيراتهم وتعلقهم ووضعهم الانساني مع من يحبون، ولقد وصفناه في كتابات لنا (بالبوح الاقصى) وهذا بلا ريب عامل من عوامل الصدمة وكاشف عن معادل جمالي عميق يتحرك في مجال ما وراء النص في وعي القارئ والانسانية . ومن المهم التأكيد ان التأثير التعبيري والجمالي والشعوري عموما بل والانساني لا يوجد في النص حقيقة بل يوجد في عوامل الوعي الانساني والمجالات الجمالية واللغوية الماوراء نصية، ووظيفة الشاعر ليس اختيارات نصية فقط، بل اختيارات ماوراء نصية، بل الشاعرية تكمن في امساك الشاعر بتلك المعارف الماوراء نصية ثم يترجمها الى عوامل نصية تعبيرية .

ان كريم عبد الله في نصه هذا لا يرى الكلمات فقط بل يرى الشعور الانساني حتى انك تشعر انه عوالم شعورية وتأثيرية عميق في الوعي قبل ان يرى التعابير مكتوبة وهذا ما بديع الادب فعلا، اذ يقول في قصيدته هذه :

(هذا الأثيرُ يحملُ عطرَ تصاويركِ وحدها تتفتّحُ في ليلِ عيوني)

العذوبة والهزة لا تكمن في التصوير البديع والبوح الرقيق، وانما في الوقفات الانسانية في اجزاء هذه الجملة،حيث نجد عمقا صوتيا شعوريا في اسم الاشارة وبدله في عبارة ( هذا الاثير ) وفي الحقيقة لا يعطينا كريم عبد الله وفي بداية قصيدته الا ان نلفظ هذه العبارة بهذه الكيفية (هذااااااااا.. أل …أثيييييييي…ر) وبقدر النًفًس وعمقه تضرب هذه العبارة في عمق الانسانية والشعور الانساني، وتخبرنا وبوضوح ان الادب ليس نصا فقط بل هو عالم كبير واسع، ثم يتقدم الشاعر في بناءاته الكتابية حتى يصل الى كتلة تعبيرية اخرى ايضا تضرب في العمق تتمثل بعبارة (عطر تصاويرك) ومن الواضح اتقان كريم عبد الله لتجريد الاشياء من خصائصها المعروفة وتحويلها الى كيانات اخرى فالبصري المادي الجمادي يلبس صفة العطر وهذا المجاز والانحراف بل والمجانية احيانا وان كان فنا عاليا وبديعا لكن في العبارة وكما اشرنا ما هو اكثر عمقا وابهارا الا وهو رؤية الشعور الانساني وتجسيده وتجلي الأثر الجمالية، أي رؤية الكيانات والانظمة الماوراء نصية العميقة في الوعي المنتجة لكم كبير من المعاني الجمالية والتأثيرية اللانصية وتجليها بقوة في الكتابةو لقد نجح الشاعر في ذلك.

تتكرر هذا الظاهرة الابداعية في باقي مقاطع النص حتى يقدم لنا الشاعر لوحة فريدة تقول كل شيء وتبوح بكل شيء وتدخل في مصافي البوح الانساني الجميل بما بذل الشاعر فيه من وقفات تعبيرية وما قصده من تأثير جمالي وشعوري وتوهج للمعاني في الوعي الانساني الكبير والعميق . ففي مقطع اخر:

(تمطرُ أحلاماً غزيرةً تسبحُ في ينابيعها الجديدةِ أصواتُ صبواتي) وايضا يتكرر البوح التعبيري الاقصى وبلوغ المستويات العليا من البوح والتعبير بعبارة (تمطر احلاما) وهو المناسب لهذا النص الوجداني الجياش .

و هكذا نجد ذلك الاداء وتلك القوة التعبيرية والطاقات الواضحة في اجزاء الجمل كعبارات (ألمَّ بريقَ عينيكِ) و(النجوم تستجدي أنْ تغسلَ عتمتها) ولا نحتاج الى كلام للاشارة الى بلوغ اعلى مستويات الانبهار الذي حل بالشاعر تجاه المثال الذي يحاكيه متمثلا في (عتمة النجوم)، وعبارة (أكاليلُ الأزهار تصطفُّ كلَّ صباحٍ على شرفتكِ) وعبارة (أسرابٌ مِنَ الطيور تحطّ ّ ُ على مائدتكِ لعلَّ فُتاتَ صوتك يجعلها تغرّدُ) وعبارة (فقبلَ أنْ أناديكِ تتعطّرُ حنجرتي) لقد اراد كريم عبد الله ان يكتب هذه التجربة الانسانية الرفيعة قصيدة خالدة حيث يقول (فأكتبكِ قصيدة خالدة) وقد نجح فعلا .

 

د أنور غني الموسوي ؛

ابن زيدون: يَجْرَحُ الدَّهْرُ وَيَأسُو (7)

karem merzaابن زيدون (مشطور الرمل):

ما على ظني بأس *** يجرح الدهر ويأسو

ربما أشـرف بالمر*** ء على الآمــال ياسُ

ولقد ينجيك إغفا *** لٌ ويرديــــك احتراسُ

ولكم أجدى قعودٌ **** ولكم أكـــدى التماسُ

وكذا الحكم إذا ما **** عزَّ نـــاسٌ ذلَّ نــاسُ

ابن زيدون صائغ ولا أمهر، فنان ولا أبرع، بليغ ولا أجود، لغوي ولا أثرى، يجيد ما يختار من ألفاظ، ويحسن الفخر بنفسه زاهياً كأقرانه من عمالقة الشعر والفن، فالشاعر أزهى بني الإنسان - على حد تعبير غوته، شاعر الألمان العظيم - وإنّما لكل مقال مقام، وإن كان مقامه رفيعاً، يشار إليه بالبنان، لكن من هنا يثير كوامن الحقد والحسد في وجدان الخلان والأقران !!

نعم ومع حذره وحذقه، أُوقِع به حساده وخصومه في غياهب السجون، بعد أن أوقَع هو بنفسه في الدواهي والمهاوي حين راح بالمشتري، وترك بدر الدجى !! ولِمَ لا يُوقع به؟ وما العجيب؟!! لديه منصب رفيع، وفن بديع، وعشيق لمّيع، ومال وديع، والرجل خليع صريع !!

مهما يكن من أمر، خاب ظن من تربص به الشر وأوصله للسجن المر !! عندما قالوا: الرجل مات شعره وقضي أمره، يذكرني هذا الموقف بدعبل الخزاعي وأبياته:

نعوني ولمّا ينعني غير شـــــامتٍ *** وغير عدوٍ قـــــدْ أصيبت مقاتله

يقولون إن ذاق الردى ماتَ شعرُهُ ** وهيهاتَ عمرالشعرِ طالت طوائله

سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناسُ أمــــرَهُ ***** ويكثرُ من أهلِ الروايةِ حامله

يموت ردي الشعرِ من قبل أهــــلهِ ***** وجيدهُ يبـقى وإن مـــات قائله

لا أدري كيف يحكم القائلون؟!! والشعر والشاعر - أمثال دعبل وابن زيدون - خالدان، فبأي آلاء ربّكما تكذبان، قضى سجنه، وعمق شعره، وسار على نهج شرقه، فأحكمه بحكمته، فالسجن صيّره حكيما، وعلّمته التجارب بما لم يكن بها عليما، لذلك يمكننا القول، إنّه مزج الأصالة والموروث بالتّحضر الأندلسي المبعوث، ولهذا ذهب الدكتور شوقي ضيف بقوله " كان ابن زيدون يحسن ضرب الخواطر والمعاني القديمة أو الموروثة في عُملة أندلسية جديدة، فيها الفن وبهجة الشعر وما يفصح عن أصالته وشخصيته".

نرجع لشعره في سجنه، إذ يتحفنا بهذه الرائعة السينية الزيدونية، والتي تعدّ من روائع الشعر العربي، وقد نظمها خلال فترة سجنه المأساوية، و ارسلها الى صديقه الوزير الاديب ابي حفص بن برد ليشفع له عند امير قرطبة ابن جهورحاكم قرطبة انذاك، وهي من (مجزوء الرمل)، ويذكرها العماد الأصبهاني في (خريدة قصره وجريدة عصره) (ج 2 ص 486 - 487 ):

ما على ظني بأس *** يجرح الدهر ويأسو

ربما أشـرف بالمر*** ء على الآمــال ياسُ

ولقد ينجيك إغفا *** لٌ ويرديــــك احتراسُ

ولكم أجدى قعود **** ولكم أكـــدى التماسُ

وكذا الحكم إذا ما **** عزَّ نـــاسٌ ذلَّ نـاسُ

وبنو الأيام أخيا **** فٌ سراةٌ وخســـــاسُ

تلبس الدنيا ولكنْ ***** متعةٌ ذاك اللبـــاسُ

يا أبا حفص وما سا*** واك في الفهم إياسُ

من سنا رأيك لي في**غسق الخطب اقتباسُ

وودادي لك نصٌ **** لـــم يخالفه القيــاسُ

أنا حيرانٌ وللأمـــ ** ــر وضــــوح والتباسُ

ما ترى في معشرٍحا * لوا عن العهد وخاسوا

ورأوني ســــــارياً *** يتقى مــــــنه المساسُ

أذؤبٌ هامتْ بلحـــمي*** فانتهــــابٌ وانتهـاسُ

كلّهم يسأل عن حـــا **** لي وللذئب اعتساسُ

إن قسا الدهرُ فللما **** ءِ من الصخر انبجـاسُ

ولئن أمسيتُ محبـــو***** ساً فللغيث احتبــاسُ

ويفت المسك في التـر ***** بِ فيوطاً ويـــداسُ

يلبد الوردُ الســـبنتى****** وله بعــــد افـتراسُ

فتأمل كيـف يغشــــى **** مقلة المجــد النعاسُ

لا يكن عهـدك ورداً ***** إن عهـــدي لـــك آسُ

وأدر ذكـــــريَ كاساً ***** مـــا امتطت كفك كاسُ

واغتنم صفو الليالي******* إنّمـا العيش اختلاسُ

وعسى أن يسمح الدّهــ*** ر فقـــد طال الشماسُ

انتهى نص الخريدة الأصبهانية، ونعقب موجزين:

تجارب الأيام، وتقلب الدهر، وقضاء الله وقدره، يذلُّ من يشاء، ويعزّ من يشاء، وهو العزيز الحكيم، والدنيا عمرها دنيا الأضداد، فوفِّق في طباقاته بين جرحٍ ودواء، ويأس وآمال، وعزّ ناسٍ وذلّ ناس، ووضوح والتباس، وورد وآس، وسراة وخساس، ونص وقياس، ثم يزيد الطباق للمقابلة، فيزيد بصفتين على التوالي في التضاد،ينجيك إغفال ـ يرديك احتراس، وأجدى قعود ـ أكدى التماس .

من لطف الشعر، وخصائصه الفنية الخفية، أنّى وجدت الطباق والمقابلة، ترقبت الجناس بكامله وناقصه، وهما من المحسنات اللفظية الشائعة في ذلك العصر البديعي، فلك من التجانس التام ما بين (ياسو و ياسُ)، فلفظهما مخفف، ومعناهما مختلف، فالأولى بمعنى يداوي، والثانية تعني القنوط، والناقص يتجلى بين المحاذير والمقادير، وأجدى وأكدى، فكل لفظتين متقاربتان نطقا، إلا بحرف أو حرفين . والجرس الموسيقي الداخلي لهما واحد !!

ولا أراك تحتاج إلى دليلٍ على لطف موسيقى الأجراس، وبث آهات الأنفاس، فما لظنّه من باس !! تارة يلوم نفسه بالاحتراس من الشرور، ولماذا الاحتراس؟!! ربما في الغفلة نجاة من شر الوسواس الخناس، وطوراً يشكو إلى صاحبه أبي حفص من حسّاده الأعداء، ممن يرتدي قناع الأصدقاء، ومرة ثالثة يشبّه مودته بالآس ثابت الرائحة، ويرجومن صديقه أن لا يكون كالورد سرعان ما يفقد عطره والإحساس، نفس مضطربة لا تدري كيف تحرر من الاحتباس، في حيرة والتباس، ثم لِمَ الضيق من الحبس والضيق؟!! أليس المطر يزخر بالخير بعد احتباس، والمسك لا يعجّ بالعطر إلا حين في الترب يداس، والأسد تلبد ولكن من بعد ذاك افتراس؟!!!!

ندع ابن زيدون مع قصيدة شكواه الرائعة يدور بها كما يشاء، باستعاراته التصريحية والمكنية وكناياته وصوره الحسية والتخيلية واقتباساته ...

ومن روائع ابن زيدون قصيدته التهديدية التي كتبها إلى خصمه اللدود، ومنافسه لفردوسه المفقود، وولّادته بدر الدجى المعبود، الآ وهو الوزير ابن عبدوس، والحق أردت أن أفسح المجال للعماد الأصبهاني أن يزوّدنا بما خزنه في (خريدة قصره وجريدة عصره)، ولكن وجدت البرقوقي في مجلة (بيانه) / العدد   59، ص 13) ينقل قبلها أبيات أخرى مع خصم آخر، أقل وطأةٍ من العبدوس، قلت والله تأتي بمحلها، فإليك والترتيب لي !!!

 

أ - ابن زيدون وأبو عبد الله البطليوسي:

كان مجلس ولاّدة بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر. يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهافت أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة مسامرتها. وهي مع ذلك محافظة على علو النصاب، وكرم الأنساب، وطهارة الأثواب. ولقد طمع بعضهم في الاستئثار بها دون ابن زيدون. فنازعه على حبها، وزاحمه في ودها، رجل من رجالات عصره. وهو أبو عبد الله البطليوسي. فكتب إليه ابن زيدون يزجره بهذا الرجز:

أيا عبد الإله اسمــــعْ***** وخذ بمقالتي أو دع

وأنقص بعدها أو زد **** وطر في أثرها أو قع

ألم تعلم بأن الدهـ *** ــر يعطي بعـــــد ما يمنع

فإن قصارك الدهـْ * ليز حيث سواك في المضجع

 

ب - ثم بين ابن زيدون وابن عبدوس المذكور في ما قدمناه:

ومنهم الوزير أبو عامر بن عبدوس الملقب بالفار، وكان ممن أكابر رجالات قرطبة، فاغتاظ ابن زيدون وبعث له بهذه الأبيات:

أثرت هزبر الشرى إذ ربضْ ** ونبهته إذ هدا فاغتمضْ

وما زلت تبسط مسترسلاً **** إليه يد البغي لمّـا انقبضْ

حذار حذار فإن الكريــم ****إذا سيم خسفاً أبى فامتعضْ

وإن سكون الشجاع النهو **** س ليس بمانعه أن يعضْ

عبثت بشعري ولم تتئبْ*** تعارض جوهره بالعـــــــرضْ

أضاقت أساليب هذا القري** ض أم قد عفا رسمه فانقرضْ

لعمري لفوقت سهم النصال**** وأرسلته لو أصبت الغرضْ

ولما فرّ من محبسه وإساره، وإقامته متوارياً كالقمر في سراره، وهو في قرطبة، خاطب ولادته   حبيبة الأمس، إذ خصّته وحده من دون خلق الله، وما كانت الولادة في عصرها إلا الولادة وحدها لا غير، واستنهض صديقه الأديب أبا بكر للشفاعة، واستنزل أبا الحزم بن جهور:

شحطنا وما بالدار نأي ولا شحطُ ** وشطّ بمن أهوى المزار وما شطوا

أأحبابنا ألوتْ بحـــــادث عهدنا ***** حوادث لا عهد عليها ولا شرطُ

لعمركم إن الزمـــان الذي قضى ***** بتشتيت جمع الشمل منا لمشتطُ

وأمّا الكرى مذ لم أزركمْ فهاجــــرٌ ****** زيارته عبّ ٌ وإلمامـــه فرطُ

وما شرق مقتول الجوانح بالصدى **** إلى نطفـةٍ زرقاء أضمرها وقطُ

بأبرح من شوقي إليكم ودون ما****** أدير المنى عنــه القتادة والخرطُ

وفي الربرب الأنسي أحوى كناسه ** نواحي ضميري لا الكثيب ولا السقطُ

غريب فنون السحر يرتاح درعـه **** متى ضاق ذرعاً بالذي حازه المرطُ

كأن فؤادي يوم أهوى مودعاً ******** هوى خافقاً منه بحيث هـوى القرطُ

إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره ****** فمن زفرتي شــكل ومن عبوتي نقطُ

ألا هل أتى الفتيان أن فتاهـمْ ******** فريسة مـــن يعدو ونهزة من يسطو

وأن الجواد الفائت الشأو صـافن********* تخـــــوّنه شــكل وأزرى به ربطُ

وأن الحسام العضب ثاو بجفنـه ********* ولا ذم مــــن غربيه قدٌّ ولا قـــطُ

عليك أبــا بكرٍ بكرت بهمـةٍ ********** لها الخطر العــــــالي وإن نالها حطُ

أبي بعدمـــا هيل التراب على أبي ******* ورهطي فذاً حين لم يبق لي رهط

لك النعمــة الخضراء تندي ظلالها *********** علي ولا جحد لدي ولا غمطُ

ولولاك لم يثقب زنــاد قريحتي *********** فتلتهب الظلماء من نارها سقطُ

ولا ألّفت أيدي الربيع أزاهــراً*********** فمن خاطري نثر ومن روضه لقطُ

هرمــت وما للشيب وخط بمفرقي**********ولكن لشيب الهم في كبدي وخطُ

وطاول سوء الحال نفسي فأذكرت ********من الروضة الغناء طاولها القحطُ

مئون مـــن الأيام خمس قطعتها ************أسيراً وإن لم يبد سرّ ولا قسطُ

أتت بي كما ميط الإناء من الأذى********** وأذهب ما بالثوب من دنس مسطُ

أتدنو قطوف الجنتين لمعــــــشر************ وغايتي السدر القليل أو الخمطُ

وما كان ظني أن تغرنيَ المنى************* وللغر في العشواء من ظنه خبطُ

وقبل أن نغلق باب هذا المشوار، نمر على غزله المعتاد لحبيبة الفؤاد، ومدحه

للمعتضد وهو المراد، ونكتفي بهذه الأبيات:

أما في نسيم الريح عرفٌ يعرفُ** لنا هل لذات الوقف بالجزع موقفُ

ضمان علينا أن تزار ودونها ****** رقاق الظبى والسمهري المثقفُ

وقوم عدى يبدون عن صفحاتهم ***** وأزهرها من ظلمة الحقد أكلفُ

يودون لو يثني البعاد زمامنا ... وهيهات ريح الشوق من ذاك أعصف

كفانا من الشوق التحية خلسةً ******** فيومئ طرفُ أو بنـانُ مطرفُ

وإني ليستهويني البرق صبوة ******* الى ثغر برق إن بـدا كاد يخطف

وما ولعي بالراح إلا توهمـــــاً ********** لظلمٍ لها كالــراح إذ يترشفُ

وتذكرني العقد المرن جمانهٌ ******* مرنات ورقٍ في ذرى الأيــك تهتف

فما قبل من أهوى طوى البدر هودجٌ **** ولا ضم ريم القفر خدر مسجفُ

ولا قبل عباد طوى البحر مجلس *********ولا حمل الطود المعظم رفرفُ

هو الملك الجعد الذي في ظلاله ******** تكفُّ صروف الحادثات وتصرفُ

على السيف من تلك الشهامة ميسم * وفي الروض من تلك الطلاقة زخرفُ

يظن الأعادي أن حزمك نائــــــــم****** لقد تعد الفســــــل الظنون فتخلفُ

رأيناك في أعلى المصلى كأنما **********تطلع من محراب داوود يوسفُ

ولما حضرنا الأذن والدهر خادم *********تشير فيمضي والقضاء مصرفُ

وصلنا فقبلنا الندى منك في يد ********* بها يتلف المــال الجسيم ويخلفُ

لك الخير أنّى لي بشكرك نهضة*********وكيف أؤدي شكر ما أنــت مسلفُ

ولولاك لم يسهل من الدهر جانب******** ولا ذل منقـــــاد ولا لان معطـــفُ

ماذا؟!!! كانّه أبو تمام بين يدي المعتصم، أو البحتري أمام المتوكل، أو المتنبي في مجلس سيف الدولة، وهاك !!!

وقال ابن زيدون في المعتمد بعد المعتضد من قصيدة طويلة جميلة:

وإذا غصون المكرمات تهدلت ***** كان الهديل ثناؤك المترنمُ

الفجر ثغر عن حفاظك باسم ****** والمجد برد من وفائك معلمُ

نعم المدح مدح، تذكرت بيتي المتنبي، واعتراض سيف الدولة، وتحليل الشاعر الحائك لهما، ولبيتي امرئ القيس، وإقرار السيف البزاز، الذي لا يرى في القماش إلا جماله، والحائك يعرف كلّ خفاياه وأسراره، فمنح سيف الدولة خمسين دينار صلاة، وتعادل خمسمائة دينار كجائزة للمتنبي على هذين البيتين الرائعين، ولك أن تحكم بين الاثنين:

وقفت وما في الموت شك لواقفٍ **** كأنك في جفن الرّدى وهو نائمُ

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمــــةً ***** ووجهك وضّـــــاحٌ وثغرك باسمُ

السلام عليكم، والشعر إليكم، والسماح منكم !!!  

 

كريم مرزة الأسدي

 

تحولات الذات في قصائد بارقة ابوالشون

wejdan abdulazizكنت اصارع يومي، باجتراح اقتراحات ضمها صباحي حتى اطلقها في ايوان عصافيري، فتبلل الفكر وتسرب القلق ولاحت غيوم تنذر بمطر جديد، قد تنشرح له ذاتي .. (وقلبي الفاتر /يسمع نبأ خفيا عن القصي البعيد /انا ادري : انه حي، وانه يتنفس /ويجرؤ ان يكون غير حزين)، ثم اتسمع صوتا نائي اخر يهمس بهدوء: (مالي، اجيء اليك وانا لااعرف كنهك / اصغي اليك وانت تكلمني بلغة غير ابجديتي / مابالك تبعثرني ولااجدني إلا عالقة في ضباب سطوتك)، وهكذا يندمج كل شيء من اشياء المحيط، غير انها تفترق بعض اشيائه، لتناغم ذات تحاول ان تتميز نوعا ما، الا وهي ذات الشاعرة بارقة ابوالشون، وانا استغرق في احدى قصائد ديوانها الجديد (تأخرت كثيرا أيها المطر)، لتكون عتبة العنونة تبث بهدوء متناغم مع ذاتها القلقة، يقول الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد: (تنتمي الذات الشاعرة الى شخصية الشاعر وتسعى في الوقت نفسه الى الانفصال عنه في لعبة شعرية اشكالية، يسهم فيها الوعي الشعري والرؤية الشعرية والشكل الشعري على صعيد فضاء الداخل الشعري، كما ان الخارج الشعري بتنويعاته المختلفة هو الاخر يسعى ما امكنه ذلك الى التدخل في توجيه اللعبة ومباركتها)، لنجد الشاعرة في صراع السعي، للبوح عن امكانية الوصول الى حقيقة الحياة، فالحياة تستمد وجودها من المطر، مردد:

 

(انا الملأى

من فيض يقيني

الساكنة قرب الفجر)

 

وها اني احاول ان اقرأ النص، اقرأه ليس بمعزل عن انساقه مجتمعة (وإذا كان النص هو غاية الغايات عند النقد الأدبي - خصوصا في مراحله الشكلانية الأخيرة كالبنيوية والتفكيك - فإن النقد الثقافي ينظر إلى النص كمادة خام، بحيث لا يُنظر إليه بمعزل عن الظواهر الأخرى ولا يُقرأ لذاته أو لجمالياته فقط، بل يعامل النص بوصفه حامل نسق، وهذا النسق هو الذي يبتغي النقد الثقافي كشفه متوسلاً بالنص في سبيل هذا الكشف. فالنص مجرد وسيلة لاكتشاف حيل الثقافة في تمرير أنساقها. وهذه نقلة نوعية في مهمة العملية النقدية، حيث الأنساق هي المراد الوقوف عليها وليس النصوص. وبمعنى آخر فإن النقد الثقافي يستخدم أدواته للغوص في لاوعي النص، من أجل الكشف عن المسكوت عنه من الإشكالات الأيديولوجية وأنساق التمثيل وكل ما يمكن تجريده من النص.)، وهنا اجد الشاعرة ابوالشون تضعني وجها لوجه امام نسق ذاتها المنقادة له بتحولات، والتي تحاول فك قيودها في آن معا كما في قولها:

 

(مالي اراك زادي وزوادة حقائبي

وتراني طينا يراكمه سنين تعبك

ما بالها تغزل خطى الزمن ديوان شعر

وتخيط لك الحكايا بالف ليلة

وانت تلف سيفك المباح على خاصرة

صبحها وهما

وتاخذ انت كل فجر قربانا

وتعتلي المنبر

مهاجرا لمدن الشرائع والحكايا)

 

إذن (فالشعر ـ ببساطةـ هو حوار الأنا مع العالم .. هو شكوك الذات وتطلعاتها إزاء الواقع محمولة ـ هذه الشكوك والتطلعات ـ عبر نسيج لغوي نسميه النص، فالنص وليد يصبح أكثر صدقا بدم ولادته ومشيمته قبل ان يعالج بمطهرات النقد والتنظير)، وتوزيع الحانه وفق رؤى القراءات المتعددة، وبالتالي قد نعلل توترات الشاعرة وقلقها المستمر في ايجاد دالة على عالم الحضور الذي تبحث عنه بجدية، لهذا اعتبر هيجل ان الشعر يمثل قمة الفنون لسمو شكله ولابتعاده عن المحسوس ولغناه وتنوع مدلولاته، أي بمقدار مايزداد النشاط الروحي المتحرر تدريجيا من ربقة الخارجي الثقيل المادي، لهذا فـ(ان الضمير الانوي يهيمن على مساحة واسعة جدا من الاشتغال الشعري لدى الشاعر العربي منذ اقدم العصور الشعرية، وتقل هذه الهيمنة كلما تقدمنا باتجاه الحاضر الشعري بسبب عوامل حضارية وانسانية وثقافية وفنية غاية في التداخل والاحتشاد والتكثيف والتعقيد، لعلّ في مقدمتها اكتشاف انواع شعرية جديدة، كان حظ الغناء فيها محدودا قياسا الى غنائية القصيدة العربية التقليدية التي غالبا ما تكون عالية . تضعف هذه الهيمنة كثيرا على يد قصيدة النثر وتأخذ شكلا آخر يتنازل عن النبرة الصوتية العالية للحساسية الغنائية، ويذوب قسم من طاقتها الغنائية في وسائل اشتغال شعري جديد، ويتحول القسم الآخر الى تمظهرات ضميرية أخرى تعلي من شأن الطاقة الدرامية والسردية فيها) .. هذا الصراع بين الذاتي وبين الخروج منه، يقابله صراع بين الحضور والغياب، بين الحاجة الماسة للاخر، وبين التحرر من عبوديته، هو صراع حضاري ظهرت اوجهه في الشعر العربي، بعدما وجد الشاعر نفسه، يتغنى بحقائق كونية، خارجا عن غنائية ذاتية قديمة، ويحدث هذا اثناء لحظات الكتابة المطعمة بوعي قصدي، وهي اشتغالات شعرية جديدة افرزتها المعلوماتية المعولمة والتي تحتاج بلا ادنى شك الى طاقات سردية تعبر حدود الشعرية، ليكون حضورها مبررا .. تقول الشاعرة:

(مالي اراك تبتدع الوان الطيف لقافلتي

اعترف امام ريحك بهذيان اجنحتك

وتقامر بجسدي رهينة ظلالك

وصلواتي دعاء سلم اليك)

 فمن قولها:

(ما بالها تغزل خطى الزمن ديوان شعر/ وتخيط لك الحكايا بالف ليلة)، الى قولها: (مالي اراك تبتدع الوان الطيف لقافلتي/ اعترف امام ريحك بهذيان اجنحتك/ وتقامر بجسدي رهينة ظلالك/ وصلواتي دعاء سلم اليك)، نجد انساق الصراع الذاتي المتمثل بمحاولة التمرد والخروج من الاخر، الى الاخر .. وهو مسار تحرك الشاعر العربي الحديث، في المشروع الشعري الساكن في اللاممكن .. لتبقى اشتغالات الشاعرة بارقة ابوالشون في منطقة البحث عن الذات الحضارية التي تتزلف كثيرا للتمسك بالاخر بدالة الغيرية تارة واثبات الهوية تارة اخرى ..

 

وجدان عبدالعزيز

 

آمال عوّاد رضوان تفتحُ آفاقَ جَمالٍ جديدةً عبْرَ تجربتِها الشّعريّةِ!

wejdan abdulazizكلّ مرّةٍ أتوسّلُ ذلكَ الجَمالَ المُختفي في أعماقي، كنسيمٍ يُلامسُني حينَ انبلاجِ فجرٍ جديدٍ وقراءةِ الشّعر، أتوسّلُهُ بوُدّ، حتّى عاهدتُ الحبيبةَ في لقاءٍ مفتوحٍ على سفوحِ نهْرِنا الجميل، وبمنتهى الشّجاعةِ، أن أمنحَ العالمَ ما هو أكثَ بقاءً مِن الحُبّ، ذلك الصّدق المَسكون بوطنٍ يَجمعُنا.. هذا ما هامسَتني به أعماقي، وأنا أعيشُ لحظاتِ الشاعرة آمال عوّاد رضوان، في مساحاتِها الشّعريّةِ المُعشوشبةِ، في ديوانها "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ"، فـتقول ص 10: (آمَال؛ لَيْستْ سِوَى طِفْلَةٍ خَضْرَاءَ انْبَثَقَتْ مِنْ رَمَادِ وَطَنٍ مَسْفُوكٍ فِي عُشٍّ فِينِيقِيٍّ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدْ! أَتَتْ بِهَا الْأَقْدَارُ، عَلَى مُنْحَنَى لَحْظَةٍ تَتَّقِدُ بِأَحْلاَمٍ مُسْتَحِيلَةٍ، فِي لُجَّةِ عَتْمٍ يَزْدَهِرُ بِالْمَآسِي، وَمَا فَتِئَتْ تَتَبَـتَّلُ وَتَعْزِفُ بِنَايِ حُزْنِهَا الْمَبْحُوحِ إِشْرَاقَاتِهَا الْغَائِمَةَ، وَمَا انْفَكَّتْ تَتَهَادَى عَلَى حَوَافِّ قَطْرَةٍ مُقَدَّسَةٍ مُفْعَمَةٍ بِنَبْضِ شُعَاعٍ، أَسْمَوْهُ "الْحَيَاة"!). يُشكّلُ (الشّعرُ والوجودُ عندها) بؤرةً رؤيويّةً تأويليّةً تعدّديّةً، تُدركُ الكينونةَ، بوصْفِها انفتاحًا للموجود، "على أنّ الإنسانَ لا يَستطيعُ معرفةَ ما لا يُمكنُ حسابُهُ، أي أنْ يَصونَهُ في حقيقتِهِ، إلّا انطلاقًا مِن مُساءلةٍ خلّاقةٍ وقويّةٍ، تُستمَدُّ مِن فضيلةِ تأمّلٍ أصيل.." )! من هنا بدأتْ رحلتي، حيثُ تبدأ رحلةُ الشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان، بقلقٍ مُستمرٍّ، متصاعدٍ، مُتفاعلٍ معَ أشياء الكوْنِ والحياة، وبمُساءلةٍ خلّاقةٍ وقويّةٍ، تُستمَدُّ مِن فضيلةِ تأمُّلٍ أصيلٍ.. ولا ألو جهدًا أنْ أبحثَ في مَظانّ أشعارِها، المُفعمةِ بالبحثِ الدّؤوبِ عن جَماليّةِ الحياةِ وكُنهِ الكوْن.. (الشعرُ صياغةٌ وضربٌ مِنَ التّصويرِ، "على حدِّ تعبيرِ الجاحظ، وانفعالٌ وجدانيٌّ يستجيبُ لنداءاتِ الطبيعةِ، مُعتمِدًا الإيقاعَ، اللّغةَ، الصّورةَ، مَحطّاتٍ تُساهمُ في إبداعِهِ وتَشَكُّلِهِ، وهي تحتضنُ مَضمونًا إنسانيًّا، إضافةً الى تقاناتٍ فنّيّةٍ مُضافةٍ، كالحوارِ المونولوجيّ، والتّذكيرِ، والتّذكُّر، والاستذكارِ، والتنقيطِ، والقناعِ، والرّمزِ، توظّفُها الشاعرةُ آمال لتقديمِ رؤيةٍ أو فكرةٍ مِن جانبٍ، وإضفاءِ جَماليّةٍ على نصِّها مِن جهةٍ أخرى، باسترجاعِ الأشياءِ الضائعةِ، عبْرَ حُلمِيّةٍ تعتمدُ اللّغةَ المُكثّفةَ المُتميّزةَ بانزياحاتِها عن المألوفِ، عبْرَ مَناخاتِها المُتجاوزةِ لمَوضوعاتِها والمُتقاطعةِ، وعبرَ عناصرِ الذّاكرةِ والواقعِ بكلّ موْجوداتِهِ..)! تقولُ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان ص 15 بقصيدة "أقمْ محرقةَ أقمارِكَ بأدغالِ مائي": غَبَشُ شَهْقَةٍ سَحَّها أَرِيجُ اللَّيْلِ عَلَى شَلاَّلِ غِيَابِكَ/ فَاضَتْ شَجَنًا خَرِيفِيًّا عَلَى مَرْمَى وَطَنِي/ هَا الْمَوْتُ كَمْ تَاهَ فِي نَقْشِ مَجْهُولٍ/ كَمْ هَدْهَدَتْهُ هَمَسَاتُ فُصُولِكَ/ وَبِسِكِّينِ وَهْمِهِ الْمَاضِي/ كَمْ قَصْقَصَ حِبَالَ ضَبَابِكَ! / يَااااااااااااه/ كَمْ رَاوَغَهُ هَمْسُ تَأَوُّهِكَ:/ أَقِمْ مِحْرَقَةَ أَقْمَارِكَ بِأَدْغَالِ مَائِي/ بِرُفَاتِ طَيْفِي الْمَسْلُوبِ/ وَتَبَدَّدْ بِفَرَاشِي الأَزَلِيِّ!/. (وهنا تَحضرُ روحُ الشّاعرةِ آمال بجَمالها الفاضح، لتعيشَ غيابَ الآخرِ، تاهَ في نقشٍ مَجهولٍ، ولهذا كانتْ دعوتُها الانفعاليّةُ بقوْلِها: (أَقِمْ مِحْرَقَةَ أَقْمَارِكَ بِأَدْغَالِ مَائِي)، وهنا تكمنُ رؤيتُها الجَماليّةُ، باتّخاذِها الماءَ قيامةَ حياة.. يقول هيجل: (إنّ للفنِّ هدفيْن: الأوّلُ أساسٌ، ويَتمثّلُ في تلطيفِ الهمجيّةِ بوجهٍ عامٍّ وتهذيبِ الأخلاق، والثاني نهائيٌّ، وهو كشفُ الحقيقةِ، وتمثيلُ ما يَجيشُ في النّفسِ البّشريّة)! إذن؛ الهدفُ يَكمنُ في الكشفِ عن كلِّ ما هو جَماليٌّ وجوهريٌّ في النفس، وتحفيزِها في مُؤثّراتٍ جَماليّةٍ مِن خلالِ اللّغة. يقول عنها أدونيس: (اللّغةُ أكثرُ مِن وسيلةٍ للنّقلِ أو للتّفاهمِ، إنّها وسيلةُ استبطانٍ واكتشافٍ، ومِن غاياتِها الأولى أن تُثيرَ وتُحرّكَ، وتَهزَّ الأعماقَ، وتفتحَ أبوابَ الاستبطان. إنّها تُهامسُنا لكي نصيرَ أكثرَ ممّا تهامسْنا لكي نتلقّن. إنّها تيّارُ تحوُّلاتٍ، يَغمرُنا بإيحائِهِ وإيقاعِهِ وبُعدِهِ. هذه اللّغةُ فعلٌ، نواةُ حركةٍ، خزّانُ طاقاتٍ، والكلمةُ فيها أكثرُ مِن حروفِها وموسيقاها، لها وراء حروفِها ومقاطعِها دمٌ خاصٌّ، ودورةٌ حياتيّةٌ خاصّة، فهي كيانٌ يَكمُنُ جوهرُهُ في دمِهِ لا في جلدِهِ، وطبيعيٌّ أن تكونَ اللّغةُ هنا إيحاءٌ لا إيضاحًا). تقولُ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان ص28 في قصيدة "وحدكِ تُجيدينَ قراءةَ حَرائقي": (أَنَا يَا ابْنَةَ الْمَاءِ/ مَنِ اغْرَوْرَقَتْ دَهَالِيزُ دَهْشَتِي بِغصَّةِ زَبَدِي/ اسْتَغَثْتُ:/ أَلاَ هُبِّي نَوَافِيرُ رَمْلِي/ اِسْتَحِمِّي بِبُحَيْرَةِ ضَوْءِ حَبِيبَتِي!/ كَظَبْيَةٍ دَافِئَةٍ/ رَابَطْتِ عَلَى حُدُودِ انْشِطَارِي/ وَعُيُونُ أَصْدَافِكِ تُطَارِدُ رِيحِي!/ أَيَا كَآبَةَ فَرَحِي/ لِمَ أَلْقَيْتِ بِيَاقُوتِ صَخَبِكِ عَلَى حَوَاشِي كَبِدِي/ وَوَلَّيْتِ تَرْقُصِينَ/ تُدَغْدِغِينَ بِقَوْسِكِ الْمَاسِيِّ/ شِرْيَانَ غُرُوبٍ يَنْزِفُنِي؟) بهذهِ اللّغةِ الشّعريّةِ المُراوغةِ في فننٍ وارفٍ مِنَ الجّماليّة، تتبلورُ رؤيةُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان، ولذلك، فإنّ (شوبنهور يَسمو بالقيمةِ الجَماليّة، ويَضعُها في أعلى مكانٍ ومستوى، يُمكنُ أن يَرقى إليهِ الإنسان). فيُقرّرُ شوبنهور في كتابه "العالم إرادة وتمثّلًا": إنّ العالمَ حيثُ يَظهرُ ويتحوّلُ في إدراكِنا إلى تصوُّرٍ، ولكنّهُ في حقيقتِه وجوهرِهِ إرادةٌ، وانّ هذه الإرادةَ الّتي هي جوهرُ موجوداتِ هذا العالم وحقيقتُهِ، ما هي إلّا قوّةً عمياءَ غيرَ عاقلة، والغايةُ مِن الفنّ عندَ شوبنهور، هي الوصولُ إلى نوعٍ مِن الغناءِ التّامّ، أو الغبطةِ الشّاملةِ، الّتي تتحقّقُ إرادةُ الفنّانِ عن طريقِها، ومِن خلالِ إبداعِهِ الفنّيّ! وكانتْ تُداخلُني عدّةَ أسئلة، مِن خلال استمراري في قراءةِ مساحاتِ آمال الشّعريّة، عبرَ تجاربِها الكثيرةِ الّتي تبلورَتْ عن إنتاجٍ عيانيٍّ مِن الشّعر، مُردّدةً: (وَكُنْتِهِ رَغْوَةَ لُؤْلُؤٍ/ كُنْهَ صَدَفَةِ رَبِيعٍ تَغْشَى شِفَاهَ تَوَسُّلٍ مَزَّقَتْنِي/ تَنْدَهُ مِلْءَ الشَّهْوَةِ)! فشهوةُ آمال هي البحثُ عن الجَمال ومَلاذاتِ الحُبّ، ثمّ رؤيا الاقتراب مِن الآخر، كوْنه قطبًا كونيًّا مُعادِلًا لحقيقةِ الحياةِ، وسفينتُها المُبحرةُ في هذا هي اللغة، وبهذا التعبير عن الحُبّ، من خلال اللّغةِ الّتي يَقولُ عنها أدونيس: (اللّغةُ أكثرُ مِن وسيلةٍ للنّقلِ أو للتفاهم، إنّها وسيلةُ استبطانٍ واكتشافٍ، ومِن غاياتِها الأولى أن تُثيرَ وتُحرّكَ، وتهزَّ الأعماقَ، وتفتحَ أبوابَ الاستبطان. إنّها تُهامسُنا لكي نصيرَ أكثرَ ممّا تُهامسُنا لكي نتلقّن. إنّها تيّارُ تحوّلاتٍ يَغمرُنا بإيحائِهِ وإيقاعِهِ وبُعدِهِ. هذه اللّغةُ فعلٌ، نواةُ حركةٍ، خزّانُ طاقاتٍ، والكلمةُ فيها أكثرُ من حروفِها وموسيقاها، لها وراء حروفِها ومَقاطعِها دمٌ خاصٌّ، ودورةٌ حياتيّةٌ خاصّة، فهي كيانٌ يَكمنُ جوهرُهُ في دمِهِ لا في جلدِهِ، وطبيعيٌّ أن تكونَ اللّغةُ هنا إيحاءً لا إيضاحًا). إذن؛ إيحاءاتُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان مِن خلالِ لغتِها الشفّافة، والمُنسابةِ إلى رُبى الروح، ترقصُ أبدًا في مِحرابها، لتتلوّنَ بالمُغايرة، وحسبَ قابليّةِ الشاعرةِ والموقفِ الّذي يَكتنفها. ومِن هذه المَسارات، (اتّجهت القصيدةُ العربيّةُ الجديدةُ في سِياقاتِ تطوّرِها وتحديثِها المُتنوّعة، إلى الاشتغال على المعنى الشعريّ، بوصْفِهِ تجربةً تتجاوزُ حدودَ الدّلالةِ الكبرى، لتدخلَ في فضاءِ السيمياء، فكانَ المكانُ موضوعًا رئيسًا وأوّليًا مِن موضوعاتِ هذهِ التّجربة. وبما أنّ الجسدَ الشاغلُ الأساسُ للمكان، والمُنتجُ الأوّلُ للمعنى، فقد احتفتْ بهِ القصيدةُ الجديدة، وقاربتْهُ بمناخٍ مُختلفٍ ورؤى مُتعدّدةٍ، غيرَ أنّ ذلك لم يكنْ بالعمق والأصالةِ المطلوبَيْنِ عندَ الكثيرين، لكنّهُ عند البعض الآخر الواعي لحساسيّاتِ مُفرداتِهِ وخلفيّاتِها، كان عميقًا وأصيلًا ومُنفتِحًا على فضاء الموضوع.) ص138 تمظهرات. تقول الشاعرة آمال عوّاد رضوان ص32 في قصيدة "طعمُكِ مُفعَمٌ بعِطرِ الآلهةِ": :مُهْرَةَ رُوحِي الْحَافِيَة/ أَلاَ هُزِّي عَتْمَةَ وَجْهِي الذَّاوِيَة/ سَرِّحِيهَا نَوْرانِيَّةَ عَدَالَةٍ فِي مَسَامَاتِ جِهَاتِ مَوازينِكِ/ عَلَّنِي أَنْغَمِسُ بِكِ خُبْزَ بَرَاءَة/ لاَ تُقْصِينِي أَيَا طُوفَانِيَ الْمُشْتَهَى/ نَوَافِيرُ فَرَارِكِ فَجَّرَتْ ضَوْئِيَ اللَّيْلَكِيّ/ طَاغِيَةُ الْحُمْرَةِ بَاتَتْ شَهْقَاتُ خَيَالِي الْكَافِرِ/ كَجَذْوَةٍ مُجَمَرَّةٍ غَدَتْ خَفَقَاتِي!/ ثَنَايَا انْكِسَارَاتِي/ مَا فَتِئَتْ تُؤْنِسُنِي بِصَوْتِكِ الْمُتَهَجِّدِ/ حُضُورُكِ .. مَا انْفَكَّ يُبْهِرُنِي صُدَاحُهُ/ يَجْلِبُ لِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ الْمَطَرَ/ يَجْعَلُنِي أَذْرِفُ كُلَّ عَنَادِلَ لِبْلاَبِي/ مَنْ يُنْجِدُنِي مِنْ سَطْوَةِ صَوْتِكِ/ حِينَ تفْتَحُ لِي غِرْنَاطَةُ السَّمَاء؟/ أَو حِينَ أَنْهَمِرُ غُيُومًا عَلَى كُلِّ مَوْجَةٍ/ تَنْدَاحُ مِنْ شَفَتَيْكِ "حَيَاتِي"؟ هذه الانطواءاتُ الشّعريّةُ العازفةُ على إيقاع اللّغة، تُظهرُ بوضوحٍ مَدى تعلُّقِ الشاعرة بالبحثِ الجادِّ والمُقلق، عمّا يُعادل رؤاها من أمكنةٍ افتراضيّة، سواء جسديّةً أو من أمكنةِ الطبيعة، لتكونَ مَحلَّ تَزاوُرِ آمال ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشّمال، وأوراقُها مَبسوطةٌ أمامَها، تَستقبلُ احتراقاتِ الذّات.. أي؛ (أنّ الشاعرَ يُسَخّرُ كلّ ما يملكُ مِن طاقاتٍ فنّيّةٍ، في سبيلِ خلقِ الصورةِ، ونقلِها إلينا بكاملِ صِفاتِها وخصائصِها، وبما يَتلاءمُ وواقع تجربتِهِ في القصيدة، فهو "يُصوّرُ الأشياءَ كما يراها، يلتقط ظلالَها الهاربة، وأشكالَها المُتغيّرة، لكي يَجعلَنا نحسُّ بها، كما يُحسُّ هو بها"، بثباتِها، وحركتِها، وفعاليّاتِها المُتنوّعةِ والمُتعدّدةِ، وهي تخضعُ لطبيعةِ التجربة، وكيفيّةِ حضورِها الشعريّ في القصيدة.)! وهنا لا بدّ مِنَ الالتفاتِ إلى مسألةِ الإدراك، (فوظيفةُ الإدراكِ والفهمِ هي التّمييزُ بينَ محتوياتِ الوعي وتصنيفِها، وبينَ اللّذات الّتي تُصاحبُ عمليّاتِ التّمييزِ والتّصنيفِ، هذه هي الّتي يتكوّنُ منها جَمالُ العالم المَحسوس)! فقولُها: (نَوَافِيرُ فَرَارِكِ فَجَّرَتْ ضَوْئِيَ اللَّيْلَكِيّ)، عالمٌ لا مَحسوسٌ، يُقابلُهُ قولُها: (يَجْلِبُ لِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ الْمَطَرَ/ يَجْعَلُنِي أَذْرِفُ كُلَّ عَنَادِلَ لِبْلاَبِي)، عالمٌ محسوسٌ بحضورِ مادّيتِهِ المَلموسةِ عبْرَ الجسدِ، وكلا القوليْنِ تَعاملتْ معهما بطريقةٍ مُغايرة، أفضتْ إلى انقلابِ الصّورة.. أي عمدَتْ إلى تحريكِ الصورة. (وغالبًا ما يتّكئُ الشاعرُ على "الفعل"، في تحريكِ مُفرداتِ الصورةِ وتَشعيرِها، بوصفِهِ الأدلّةَ الأولى الفعّالةَ في تحريك مُفرداتِ الصورةِ الشعريّة، إذ يُشكّلُ "الوجه الظاهر لحركةِ الصورة، ومِن ثمّ افتقار الصورة إلى الفعل، يَسلبُها دون شكٍّ تلكَ الطاقة على الحركة، ويُكسبُها نوعًا مِن السكون"، لتستقرَّ في القصيدة، على أنّها صورةٌ ثابتةٌ تنعدمُ فيها قابلةُ الحركةِ والتفاعل) ص98 الأداة الشعريّة. فالأفعال: هُزّي، سَرِّحيها، وغيرها من أفعال الحركة، جعلتْ مِن الصورة ذاتَ شِعريّةٍ مُنفعِلةٍ نحوَ التأسيس، بتبلوُرِ رؤيةِ وموقفِ تجاه الحياة.. وأبقى هنا أردّدُ ما قالَهُ المُبدعُ الكبيرُ أدونيس: (التغيرُ لا الثباتُ، الاحتمالُ لا الحتميّةـ ذلك ما يسودُ عصرَنا، والشاعرُ الّذي يُعبّرُ تعبيرًا حقيقيًّا عن هذا العصر، هو شاعرُ الانقطاع عمّا هو سائدٌ ومقبولٌ ومُعمّم، هو شاعرُ المفاجأةِ والرفض، الشاعرُ الذي يَهدمُ كلّ حدّ، بل الذي يُلغي معنى الحدّ، بحيث لا يبقى أمامه غير حركةِ الإبداع، وتفجُّرِها في جميع الاتّجاهات. هكذا تتّجهُ القصيدةَ العربيّة، لكي تصبحَ ما أسمّيه "القصيدة الكلّيّة"ـ القصيدة التي تُبطلُ أن تكونَ لحظةً انفعاليّة، لكي تصبحَ لحظةً كونيّة، تتداخلُ فيها مختلفُ الأنواع التعبيريّة). من هنا، أجدُ هذا الزخم الانفعاليّ العقليّ الذي تمتاز به الشاعرة آمال عوّاد رضوان، أعطاها القدرةَ الواضحةَ والواثقةَ في صنع مُغايراتٍ شعريّةٍ، بثّت إشاراتٍ إلى تكوين رؤيةٍ وموقفٍ، امتدّا عبرَ تجربتِها الشّعريّةِ الكبيرة ..

 

وجدان عبدالعزيز

.......................

مصادر البحث

كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة)، أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديثة. إربدـ الأردن الطبعة الأولى 2013 م ص138. كتاب (عضوية الأداة الشعرية) أ.د.محمد صابر عبيد، سلسلة كتاب جريدة الصباح الثقافي، رقم 14، 2008م، ص98.

متى تصبح الصورة الشعرية معيارا لغويا وبلاغيا؟

adnan albaldawiتتهيأ عند الشاعر الموهوب منذ ولادة النص استعدادات متنوعة لاستيعاب ما تقتضيه الصورة الشعرية من مستلزمات الجمال والصياغة والتجسيد، سواء أكان جمال الطبيعة أم جمال الأجناس . وبعد تجاوز مرحلة النضوج وعندما يصبح الأمر طبيعيا دون تكلف أو تصنع، لم يبق إلا توظيف تلك المستلزمات، لكي تؤدي مهامها تجاه أي مظهر من مظاهر ذلك الجمال، ولاشك في أن وراء تنفيذ عملية التوظيف هذه دوافع كثيرة تسهم في خلقها عدة عوامل أهمها المظاهر الطبيعية والأحداث الاجتماعية . ولايعني ذلك ان الموهبة وحدها هي الكفيلة بالتهيئة والإعداد والتنفيذ،مالم تكن هناك عوامل أخرى تعمل لتثوير القدرات، وإيقاظ القابليات الكامنة في تلك المواهب، ولعل أهمها ما في حقيبة الشاعر من رصيد لغوي ومن تجارب مستقاة من الحياة..

صحيح ان مناظر الطبيعة وما فيها من أحداث، سواء كانت في الصحراء او في الجنائن تعد من مستلزمات رسم الصورة الشعرية، ويستطيع كل شاعر متمكن ان يحقق شيئا من هذا، ولكن رغم ذلك تبقى في العمل الأدبي صورتان : الأولى متميزة تتحقق عندما تولد في الجو الطبيعي لذلك المنظر او ذلك الحدث .. أي انها ترسم بالكلمات المناسبة بعد الإحساس المباشر بالمنظر المرئي او التفاعل مع الحدث تفاعلا حقيقيا، والثانية مقبولة ولكنها غير متميزة، وتتحقق عندما يتخيل الشاعر منظرا او يرى حالة ما رؤية قلبية فيكتفي بألفاظ معينة قد تفتقر الى صفة من صفات الإثارة والتشويق المجسد، ومهما تعددت الأجواء واختلفت المناظر، فان المفردات اللغوية تبقى عماد النص، وعليها يتوقف معيار الصورة وتقييم ثقافة الشاعر،هذا مع مراعاة كون العبرة ليست في زيادة عدد المفردات فحسب، وإنما الشأن كما يقول الجاحظ (في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير..) .

إن توجيهات ونصائح النقاد السلف بهذا الخصوص لاينفر منها أي عصر من العصور الأدبية،لعدم إلزامهم الشاعر بمفردات معينة في رسم صورة ما، لذا فما على الشاعر الموهوب إلا أن يراعي أجواء عصره وما تحتاجه الصورة المعاصرة من ألفاظ ومعان كفيلة في تحقيق جمالية اكثر، فنحن حين نقرأ الأبيات الآتية على سبيل المثال لاالحصر، نحس بالمتعة وكأن الصورة قد ولدت الآن خصبة ذات أجواء شاعرية على الرغم من ابتعاد زمانها كقول أبي صخر الهذلي:

أما والذي أبكى واضحك والذي

أمات واحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني احسد الوحش أن أرى

أليفين منها لايروعهما الزجر

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها

فلما انقضى مابيننا سكن الدهر

واني لتعروني لذكرك هزة

كما انتفض العصفور بلله القطر

وقول حمدونة الأندلسية:

وقانا لفحة الرمضاء وادٍ

سقاه مضاعف الغيث العميم

نزلنا دوحه فحنا علينا

حنوّ المرضعات على الفطيم

يصدّ الشمس أنى واجهتنا

فيحجبها ويأذن للنسيم

إن سعة أفق الشاعر وقدرته التصويرية قد مكنته دون تكلف أن يخلق صورة ما، ليس في مجموعة أبيات، بل حتى في البيت الواحد كقول الشاعر:

لمست بكفي كفه اطلب الغنى

وما كنت ادري الجود من كفه يعدي

وحين ننتقل الى صور من العصر الحديث نحس بالمتعة نفسها ولكن في جمالية أخرى وصياغة لفظية ملائمة لأجواء العصر وأحواله الاجتماعية والثقافية ومايتبع ذلك من نظرة الشاعر الخاصة الى الحياة، كقول إيليا أبي ماضي مثلا في تصوير لحظة الغروب:

السحب تركض في الفضاء الرحب ركض الخائفين

والشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين

والبحر ساج صامت فيه خشوع الزاهدين

لكنما عيناك باهتتان في الأفق البعيد

سلمى ..! بماذا تفكرين ..؟

سلمى ..! بماذا تحلمين..؟

وقول بدر شاكر السياب من قصيدته ( أنشودة المطر ):

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

او شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

ان التفات الشاعر الى أساليب البلاغة وفنونها، ومستلزمات تطبيقها، يفتح أمامه طريقا واسعة وميسرة، ليستكمل عناصر الجودة والإبداع في النص، لاسيما التفاتته الى فن التشبيه، الفن الذي وجد فيه أهل البيان والفصاحة خير ملاذ لتحقيق مايهز النفوس ويحلق بالخيال صوب التجسيد الممتع، حتى استحق عندهم اشرف مرتبة من مراتب البيان.

ورغم إشارات النقاد الى أهمية التشبيه في رسم الصورة، فان نسبة توظيفه في نصوص كل عصر من العصور الأدبية، تختلف مدا وجزرا وقوة وضعفا تبعا لمدى قابلية الشاعر ومقدار تواصله مع تراث أمته، وتواصله أيضا مع ما يستجد من تطور، ولما كانت النتيجة الفنية متوقفة بنسبة اكبر على مايبذل الشاعر من جهود تثقيفية، فان هذا الوجه البلاغي الجميل يعد خير معيار لمعرفة نسبة رصيد الشاعر الثقافي، ومدى تجاوب ذلك الرصيد مع موهبته وذوقه الفطري،على ان لايكون الاستخدام اللفظي والمعنوي مستعارا، لرسم صورة مماثلة بدافع التقليد او الإعجاب مثلا، لان الفنان الحق والشاعر الحق كما يقول بودلير(هو الذي لايصور على حسب مايرى وما يشعر، فعليه ان يكون وفيا حقا لطبيعته هو ..) .  

 

عدنان عبد النبي البلداوي

 

رواية (الكافرة) ادانة للفكر الديني المتشدد

goma abdulahصدرت حديثاً من منشورات المتوسط - ايطاليا. عام 2015 رواية (الكافرة . 229 صفحة ) للروائي (علي بدر) وهي تعتبر الرواية الثانية عشرة للكاتب. ويعتبر الروائي العراقي، من الجيل المعاصر للرواية العراقية الحديثة، المتميزة في حداثتها واسلوبها الراقي، الذي ينزع عنها الثوب التقليدي والكلاسيكي، لتدخل في تيار المعاصرة المتطورة، وقد برز الكاتب (علي بدر) في اسلوبه الروائي المتميز بالاقتحام المغامرة في الحبكة الفنية، بجملة من المفاجأة التي تشد القارئ اليها شداً، في اسلوبه الممتع والمشوق بالفنية القديرة، ليسوق جملة افكار هي حصيلة مستلة من مخلفات الواقع، لتكون المرآة العاكسة بما ينتجه العمل الروائي بان يكون صدى للواقع والحقائق التي الموجود فيه فعلاً، ويخلطها بعجينة الخيال الفني المبتكر باحتراف في مهارة الصنعة الادبية، ويطرحها ضمن الافكار المتصارعة والمتفاعلة مع بعضها البعض، ومن خلال رسمه لحقيقة الواقع، الذي يحمل عوامل العسف والاضطهاد والعنف، الذي يولد مكونات الخوف والرعب بمصاحبة بالموت والقتل وحتى الاغتصاب والسبي والانتهاك، حتى تكون على مشرحة العمل الادبي الفني المطروح، ليكون مادة للانتقاد والسخرية منه، ومن العقليات المتخلفة والمتشددة التي تمسك في زمامه، هي التي تحركه وتقومه، وهي التي تدير دفة الارهاب والرعب، لتكون معاول خراب وهدم للواقع المعاشي والحياتي، في انتهاج سلوك التخريب والمعاناة، في مظاهر العنف اليومية، التي تقلب الواقع نحو أسوأ حالات التدهور، لتجعله يترنح تحت وطئة الاثقال المرهقة، من الظلم والقمع والارهاب، لقد غزت الثقافة الظلامية الدينية لجماعات الاسلامية المتشددة والمتطرفة، التي تمارس طقوس الموت والقتل، والتي خربت الواقع الحياتي، اكثر من اي وقت مضى، لتجعله يتقوقع في دوامة الكوابيس المرعبة بالاهوال والمحن، بأن تكون الحياة عبارة عن مسلسل من الرعب، او سجن مظلم بين الضحية والسجان، ان هذه العقلية الدينية، تمارس كل الفظائع الوحشية بأسم الدين وبحجة تطبيق الشريعة الاسلامية، وهما براء منهم، هذه العلقليات المتعصبة والمتحجرة بالثقافات عصور الظلام غير مؤهلة لرفع راية الدين او التحدث بأسمه ، بأنها اول من ينتهك الدين وشريعته، بوحشية   القتل والارهاب والذبح والدماء، وحتى الاغتصاب الجنسي والسبي، بأن يكونوا الوجه المظلم والوحشي لدين والانسانية جمعاء، وليس لهم عقيدة ودين رغم زيفهم المنافق، انهم بهذه العفونة الوحشية، كأنهم ليس من فصيلة البشر، بل من فصيلة الذئاب الوحشية السائبة، التي تبحث عن ضحية لايقاع بها، لاشباع غرائزهم الجنسية، بممارسة السادية الهمجية في المجتمع ليكون ضحاياهم المواطنين الابرياء، وخاصة مع المرأة بأن تكون مسلوبة الارادة والانسانية، او انها ليس مخلوق له سند شرعي في الوجود . ورواية (الكافرة) خير مثال على ذلك، في معاملة المرأة بشكل همجي في السلوك البطش والتنكيل، وتروي الرواية حياة (فاطمة) منذ الصغر حتى هروبها الى دول الهجرة .، انها صورة واقعية تعكس واقع المرأة في بلدان التخلف والتطرف والتعصب، مثل عراقنا اليوم، الذي يرزح تحت ركام الخراب والاضطهاد . تتحدث الرواية عن مدينة نائية فقيرة، سيطر عليها، مسلحون اسلاميون متشددون، ليبسطوا شريعة الخراب والموت، ودفع الحياة الى السجن وحياة القبور، من الممارسات البالغة القسوة، دون رحمة، او دون ادنى مستوى من التسامح، بل يطلق العنان للارهاب السادي المجنون، فقد هدموا ابسط مقومات الحياة، فقد اجبروا المسلحون ذوي الوجوه العابسة، ويرتدون ملابس غريبة، ويضعون على رؤوسهم العمائم السوداء ولحاهم الطويلة، على خناق المواطنين في الاذلال والاهانة، كأنة واجب ديني مقدس، في انتهاج طقوس الرعب والموت . فقد اجبروا عائلة (فاطمة) على الخدمة المنزلية من الصباح حتى المساء، كأنهم عبيد وخدم تحت رحمة المسلحين المتشددين، لذلك انضم والد (فاطمة) الى جماعة المسلحين، وانقلبت حياته الى سلوك النهج الارهابي المروع، بتعامل نهج القمع والاهانة، وهي صفة عامة لهؤلاء المهووسين بالتطرف الديني حتى الى اقرب الناس اليهم، وعندما قتل في عملية انتحارية، تزوجها اخر من المسلحين، ليمارس طقوس العذاب اليومي في البيت، لذا فأن (فاطمة) تقول عن امها، بان الحزن والدموع، صارت اسلوب حياتها وثوبها اليومي، كأن الفرح والابتسام، كفر وجريمة بالنسبة لهذه الجماعات الدينية المتشددة، تزوجت (فاطمة) من شاب عاطل انضم الى المسلحين، وكان يبحث عن احلام وهمية، كأنه وجد ضالته في هذه العصابات الدينية المتطرفة، بان يقدم لهم شتى الخدمات، وفي احد الايام جاء الى البيت متوتر الاعصاب، فحاولت (فاطمة) ان تعرف اسباب هذا التوتر، فاخبرها بأنه سينفذ غداً عملية انتحارية، فصرعها الخبر وشعرت بالحزن والاسى وانهالت الدموع باكية لهذا المصاب القادم، وسط ذهول واستغراب زوجها في وجهه الباسم وملامح الفرح تغزو وجهه، وقال لها

(- اسكتي . غداً ستنتظرني، سبعون حورية عذراء على باب الجنة

- ماذا ؟

- سبعون حورية عذراء . ستكون بانتظاري غداً

قالها بصوت الواثق) ص126 . عند ذلك توقف الحزن والدموع والاشفاق عليه   وتحولت الى سورة الغضب، وشعرت بالقرف والتقزز والتقيؤ، وكادت ان تصرخ بوجهه غاضبة .

(- سبعون حورية عذراء يا ابن القحبة . تريد ان تضاجع سبعين عذراء ؟ وانت معي لا تستطيع ان تفعلها مرتين يا ابن القحبة . هل سيعطونك فياغرا مقدسة ؟ ماذا ستلتهم لتضاجع سبعين عذراء ؟ لهذا اليوم انت مبتسم ؟ من خدعك يا حمار ؟)

وبعدها عرفت بأنه فجر نفسه بالحزام الناسف في سوق المدينة، واغلب المقتولين هم من الباعة المتجولين، وحين ارسل بطلبها رئيس العصابة الدينية المسلحة، وقال لها : بأن زوجها ذهب الى الجنة بعملية انتحارية، وعليها ان تسأل الله وتتذرع اليه بأن تلحق بزوجها في الجنة بعملية انتحارية، لكنها اختارت طريق الى جنتها، وليس الى جنة هؤلاء الوحوش الادمية، فقد دبرت حالها مع احد المهربين ان يوصلها الى اوربا، مقابل مبلغ من المال حدده المهرب، وبالفعل اوصلها الى اوربا - بروكسل، بعدما اغتصبها في الطريق، وحين حط بها المقام في بروكسل، ارادت ان تشفي غليلها بالانتقام من زوجها المخدوع، بان تضاجع سبعين شاباً اوربياً، وعندما حصلت على الاقامة الشرعية، انخرطت في سوق العمل، لان المنحة الشهرية شحيحة ولا تسعفها، وحاولت ان تنزع كوابيس الماضي المرعبة، فحولت اسمها من (فاطمة) الى (صوفي) لتنزع عن ذكريات الخراب والموت من (بلاد الحروب التي لا تنتهي . من الارض الملعونة من خضم القتل الغامضة . من عالم الشعوذة . من خنق الزوجات وقتل الصبايا، وسائر الوقائع التي تدور في اطار الرعب) ص7 . وجدت (فاطمة / صوفي) صعوبة بالغة في التأقلم مع الوضع الجديد، وان تتكيف له، لانها وجدت المعاملة القاسية بالاحتقار والاهانة والاذلال والسخرية من الشباب المهاجر، لانهم شعروا انها تنافسهم في سوق العمل، من خلال بيع المواد المستعملة والخردة، فطردوها شر طردة بالاحتقار من السوق، اضافة انهم تحرشوا بها جنسياً، فشعرت بالمهانة والاحتقار من حياتها، وشعرت ان الابواب تنسد بوجهها، لذلك قررت الانتحار وانهاء حياتها، وبالفعل عزمت على ذلك، لكن لحسن حظها بان تركت باب شقتها مفتوحاً، مما اسرعت جارتها العجوز،، التي رأتها تسبح في بركة من الدماء، فاسرعت في انقاذها وارسالها الى المستشفى . بعد ذلك تعرفت على الشاب (ادريان) وارتبطت معه في علاقة حب، في بداية تعارفهما ظنت بأن (ادريان) من البلدان الاسكندنافية (السويد) في شقرته وزرقة عينيه، لكنها تعرفت على حقيقة اصل هويته، بأنه (لبناني) تربى منذ الصغر في السويد، وانه يحمل عذبات وكوابيس الماضي، فقد اشترك والده في المجازر التي حدثت اثناء الحرب الاهلية اللبنانية، وانه قتل بدم بارد عائلة باكملها، لم تنجو منها، سوى طفلة صغيرة يعبث القدر بعد اعوام لتصبح زوجة ابنه (ادريان) وان يرزق منها بطفلة (سولي)، تظل كوابيس الرعب تلاحق والده من اشباح الضحايا القتلى، واصيب بالجنون، ثم انتحر ليتخلص من كوابيس الرعب، في يوم عيد ميلاد ابنه (ادريان) تشعر (فاطمة / صوفي) بعد هذا الاكتشاف لصديقها، بان من الخير ان تقطع صلة الحب ليعود الى زوجته وطفلته، وهي الى احضان الضياع في حياة الهجرة

 

جمعة عبدالله

نضال القاضي في مخاضات شعرية وسط عواء مستمر

wejdan abdulazizالشعر عالم من الانطواءات تتوزع عليه المعاني الظاهرة والاخرى التي تتخفى، وتحتاج هذه الأخيرة إلى ذهنية من المتلقي تمتاز بالتوقد وسرعة البديهة، كي يتمكن من الوصول إلى تخوم المعنى.. (وفي تحديد دلالة العلامة او الرمز ضمن فاعلية علم الدلالة نجد انفسنا بازاء مستويين، الاول هو المستوى"الانطلوجي"او الوجودي ويكشف عن علاقة العلامة ـ الرمز ـ بوجودها وعلاقتها بالموجودات الاخرى التي تماثلها او تختلف عنها، اما المستوى الثاني، فهو المستوى"البراغماتي"او الذرائعي ويعنى بعلاقة العلامة بالواقع او فاعلية العلامة ووظائفيتها في الحياة. والعلامة طبقا للمستوى الثاني ركن اساس من اركان التواصل البشري بينها وبين ما حولها من الموجودات والظواهر والغيبيات، وما تمتلكه هنا العلامة اللسانية او اللغة بوجه عام من فاعلية في اطار حصر المعاني وضبط المفاهيم ورسم حدودها)ص127 المفكرة النقدية، من هذا المنطلق نحاول الدخول الى عوالم الشاعرة نضال القاضي في ديوانها (بينالي عواء وبسكويت)، الذي امتاز بمحاولات التغريب والانطواءات داخل اللغة، التي يقول عنها أدونيس: (اللّغةُ أكثرُ مِن وسيلةٍ للنّقلِ أو للتّفاهمِ، إنّها وسيلةُ استبطانٍ واكتشافٍ، ومِن غاياتِها الأولى أن تُثيرَ وتُحرّكَ، وتَهزَّ الأعماقَ، وتفتحَ أبوابَ الاستبطان. إنّها تُهامسُنا لكي نصيرَ أكثرَ ممّا تهامسْنا لكي نتلقّن. إنّها تيّارُ تحوُّلاتٍ، يَغمرُنا بإيحائِهِ وإيقاعِهِ وبُعدِهِ. هذه اللّغةُ فعلٌ، نواةُ حركةٍ، خزّانُ طاقاتٍ، والكلمةُ فيها أكثرُ مِن حروفِها وموسيقاها، لها وراء حروفِها ومقاطعِها دمٌ خاصٌّ، ودورةٌ حياتيّةٌ خاصّة، فهي كيانٌ يَكمُنُ جوهرُهُ في دمِهِ لا في جلدِهِ، وطبيعيٌّ أن تكونَ اللّغةُ هنا إيحاءٌ لا إيضاحًا).مما يدلنا على تنبيه فكتور شكلوفسكي القائل: (ان الهدف من الفن هو منح الاحساس بالاشياء كما تدرك، وليس كما تُعرف وتتمثل تقنية الفن في ان يجعل الموضوعات "غير مألوفة" وان يجعل الاشكال صعبة، وان يزيد صعوبة الادراك وطوله، لان عملية الادراك غاية جمالية في ذاتها ولابد من اطالتها والفن طريقة لتجريب فنية موضوع ما، اما الموضوع فليس بمهم)، ثم انه اشار (بوضوح الى ان "الموضوع" هو خارج دائرة الفن، وهو لايدخلها الا عبر تغريبه، وجعله "شكلا" لانظير له في الواقع، وبدا واضحا ان عملية الادراك الفني هي عملية غير عقلية تماما، ولابد من الاحساس بمتعتها وجعلها تنطوي على غاية جمالية، وان ذلك يتم بطرائق وتقنيات لابد من تعريتها والتعبير بها، فالتغريب يغير من استجابتنا للعالم، ولكن عن طريق تعريض مدركاتنا التي تعودنا عليها الى اجراءات الشكل، كما يرى رامان سلدن)، (وان بناء المعيار الذي تنتقل به المدركات والافعال المألوفة الى الوصف "المغرب"، او غير المألوف هو غير محدود، وقائم على افق مفتوح لتراكم الخرق، ولانهائيته، واندغامه بالاسلوب الذي غالبا ما يؤثر على طبيعة الادراك ومنظوره، عبر وسائله الخاصة الخاضعة لامكانات التجريب المفتوحة)ص124 المفكرة النقدية، وكما اعتقد ان الشاعرة القاضي كانت منطلقاتها التغريب في اللغة، واعتمادها على البناء المقطعي، وفراغات الفضاء الخالي من الكلمات ... تقول:

(الشباك معنون خطأ الى الجدار

السبابة .. كيس الزبالة .. قضما المجرة

وانا الكوة ..

جميعها يتعاطى عنقي ..

محشرجا مثل غابة

مقايضا على بياض :

الصباحات .. بذرق الطيور على المراكب

الاصابع .. بالتربة التي تغطس الجهات

وتجاهر الفخامات بغسق اليف

الوطن .. بحدبة ذلك الزقاق)

 

وهنا المعنى كامن في حالات قلب موضع الكلمة في سياقاتها اللغوية واسنادها بالفراغ، مما جعلني انا المتلقي اقايض البياض وانسق بين مواضع الكلمات واعيد ترتيبها القاموسي ..ثم ان الشاعرة عمدت الى تخطيط شعري لجعل عائلة البيكونا تعويضا انسانيا في رؤيتها وهي تستعير اشياء المكان ومحتويات المحيط وصراع البقاء .. تقول :

(يا ..

بيكونا!

عائلتي !

حارسة ظلي ..

الذي تقرعه الساعات

كلما زحف الى اوراقه

وتعالى في الرنين ..

:

:

تطحنه العجلات ..

الدائرة التي دارت على الباغي

الاعمى، هذا ، عباد الشمس

وشائعة تستعير قامتي ..

كلما نمتُ)

 

وتبقى في صراع وهذيان لاشعوري، رغم هذا نلاحظ محاولات القاضي استعمال القصدية، الا انها بقيت تتعثر بغرابة حد التعمية وقد تُحبط محاولاتها، لتداعي المعاني وتزاحم الكلمات المفتوحة النهايات من ناحية التجانس والافتراق، لكنها في الحتمية التي تقرر استرداد المعنى، انها كونت نسق رافض يعبر عن المرفوضات المحيطية، تقول :

(مجد ينظف صورته على الحائط

وكلما طالت لحيته

اغلق النافذة في مكان بعيد)

 

فكل شعر وكل شاعر يبحث عن منافذ يطل من خلالها على جماليات الاكتشاف، رغم انه يحمل ذات متألمة وكائنة في سماوات الاستحالة (فالشعر في جوهره تيه، بقدر ما هو مشروع لا مكتمل لا يتحدد بهدف غائي، تتوقف عنده حركة الشعرية، ومن ثم فهو ضد الحقيقة التي تظهر كموجود يمارس إكراهاته على الكائن الجوهراني الشعري، إن اللاحقيقة في الشعر هي الوجود الأصلاني المنفتح، أو التجلي الأكثر تميزا في تعدديته. فهو دليل الحيوية الناطقة التي تعري إمكانات العالم التخييلية، التي تحدس بالظن، بقدرات الكائن الشعري التنبؤية. والشعر في إحدى إمكاناته واختياراته الكبرى مساءلة حيوية للوجود. فكيف تتحدد هذه المساءلة؟ أو بالأحرى كيف يثير الشعر أسئلة الوجود التي يعيد من خلالها كشف التوتر الحيوي للوجود الناطق؟)، وبهذا كانت معالجات الشاعرة القاضي متوترة بين المنطق كونها كاتبة رواية وقصة وبين اللامنطق وهو عالم الشعر، مما جعلها تلجأ لعالم التغريب والهروب من المقالة المباشرة تقول :

 

(كان النهار ..

يخز بساق خشبية الزقاق

ويسير ..

في طريق القوافل ينزل خطوته

عن الكتف ..

وتركض خرافها البيض ..

يركض ..

هو المتآمر كلما طيور ضد عشبة

ورأسه يعوي في غرفة مجهرية

لأن طيورا لم تنقر كما جاء في العشبة

باب غرفته المجهرية

أنت السبب يا أمي

متّ مع ذئب ..

كي تنجبي لاينامون

يا أمي ..

ومنذ غرفتي لطائر الخشب

وأنا حكاية اصبعي العاشرة

ي أمي ..)

 

والنهار كنافذة واقعية مضيئة في هذه المقطوعة ، تأتي عليها العتمة تزاحم الكلمات وغرابة ائتلافها وتستمر الغرابة ترافق الشاعرة في صعود الاقبية الى الساحات .. (وتعوي /الساحات لم تنزل الى الاقبية/الاقبية هي التي صعدت)، وتشتد هذيانات اللغة التي تسير عكس ما تواضعت عليه الكلمات من سياقات قاموسية اعتاد عليها المتلقي ، حيث تعد المفارقات اللغوية احدى الاشارات الباثة في هذا الديوان، وهي دعامة لما ذهبت اليه في التغريب والغرابة ..(هي ذي ../مدن تخرج الى البحر/ووتغرق في اليابسة..)، وتعطي الشاعرة لقصيدتها لحظات (وعلى مقعد في مقهى سيرة ذاتية للقصيدة)، وقد تتصاعد محنة الشاعرة وحيرتها، خالقة صراعا لا تستوعبه الكلمات ومساحات الشعر .. (في كتابة /سواداتها سالت/ حيث خيول تمزق ../مجرى قديما لقامتي)، وهكذا تحاصر نفسها في بودقة الكلمات لتعبر عن هذه الفوضى التي تحاول احتواء قلقها دون جدوى .. وتبقي الفراغ مرادفا لكلماتها، كونه كلام مسكوت عنه ممكن استرداد معانيه، وكونه جزءا من العالم الشعري الحديث، و(كي يصبح النص الشعري الحديث بلغته الكيانية الحديثة جزءا من قلق المتلقي وطموحه ووعيه وشخصيته ، وهو يطمح إلى الدخول بها والتواصل معها والتفاعل مع خصوصياتها ، لتنتقل اللغة الشعرية من وظيفتها التوصيلية إلى وظيفة انبعاثي تتدخل في أدق خصوصياتها الشخصية وموقفها من الجمال والفكر والأشياء ، وتعيد صياغتها وإنتاجها من جديد)، وها هي الشاعرة نضال القاضي في مخاضات شعرية، صعودا للعثور على ملاذات آمنة من قلق وسط عواء مستمر، جعلها تكثر من الفراغات والغرابة ويظل ديوانها مثار جدل في الوسط الثقافي ...

 

وجدان عبد العزيز

....................

مصادر البحث:

1ـ كتاب (المفكرة النقدية) الدكتورة بشرى موسى صالح /دار الشؤون الثقافية العامة الطبعة الاولى بغداد 2008م ص 123 و127

2 ـ كتاب (عضوية الأداة الشعرية) أ.د.محمد صابر عبيد سلسلة كتاب جريدة الصباح الثقافي رقم 14 2008م ص62

3 ـ ديوان (بينالي ، عواء وبسكويت) للشاعرة نضال القاضي/ من اصدارات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013 الطبعة الاولى بغداد 2013م

ديوان "غرق جماعي" والتجربة كما ترسمها لغة البياض

ahmad alshekhawiلعل أبرز ما قد يفضي بنا إليه رصد النشاط ـــ أفقيا وعموديا ـــ لمنحنى شعرية مجاميع ما قبل لحظة ميلاد أجدد إصدارات الشاعر العراقي حمدان طاهر المالكي،وأعني تحيدا مجموعة غرق جماعي،عن دار أدب فن للثقافة والنشر، السنة الفارطة،ذلكم المختزل الدال على إدمان مغامرات ارتقاء السلم الروحي ومصافحة الغيب بخطى إبداعية واثقة لا ترضى بديلا عن ثيمة الحلم إذ يغذي عبور الذات إلى آفاق توليد الجديد بل وإعادة صياغته وإنتاجه أيضا.

حتى في مضمار الانقلاب المفاهيمي أو ما يشبه انتكاسة التسمية والتوصيف الموسومة به الأضمومة الأخيرة،باعتبار الغرق ــ ضمنيا ــ واش بفعل هبوط يتيح مسافات غوص رمزي أعمق ما يكون باتجاه الذات الهاوية وعلائقها بجاذبية الألم كمرجعية طافحة بها شتى صور راهن التشنج.

"أقصى ما يمكنني حملتُه

ظهري ليس سفينة نوح.."

عبر كذا مدخل يود شاعرنا صرف اهتمامنا إلى عوالم تحتية وأنأى ما تكون في روح النص الومضة وقد أنتجته رحم الحروب.العملية برمتها ناجمة عن تجربة حية نابضة لم تكتمل ملامحها حتى في خضم الاعتراف بمسلمة كوننا بالنهاية أسرى الضعف البشري والإفقار إلى احتواء مزيد من تراكمات أخطاء التاريخ السياسي الحافل بمنظومة ما نصطدم بترجمته المزلزلة كل حين.

وعبثا نقولب المشهد اعتمادا على كلمة ــ ربما ـــ تستنفذ منا طاقة كاملة ،بيد أن المعنى المجسم لهول شهوة الفتك والجنائزية وسحق إنسانيتنا،يقبع محصنا بزئبقيته المراوغة والمحيرة التي تشرع فضولنا على جنون المشاكسة والإنشاء بزجاج مرارة حتى لا أقول سمّ الكرّة تلو الأخرى..

"ما دامت هذه الأيام أحجارا

سأكون بئرا.."

هو تحجر أيامنا على نحو كارثي يملي انفلاتات جوانية تقترح مكامن تصيّد المعنى المغاير لأنوية ما خارج حدود الآخر كنسخة مهجنة مناقضة للغة نواميس الانتصار للإنسان والطبيعة عموما.

ومن ثم هيمنة مخيلة تقمص أدوار المكون الطبيعي، كبرهان دامغ على ثقافة الرفض والتمرد على السائد والمفبرك غالبا في فرو تسريب تعاليم التعايش مع ألوية الذل والهزائم الوجدانية وطمس الهوية وسائر ما تذيله طقوس جلد الذات انتهاء.

"أتخيل أني شجرة

وأن الظلال معجزتي

العصافير أجراسي

أوقظ بها الصباح

أستدل بها على الينابيع

ولي فيها مآرب أخرى."

هكذا نصير بصدد مفارقة تمتح من ثيمة الحلم، فقط حين تتسارع وثيرة استدعاء النصوص ذات الخطاب المفتوح على اتجاهات عكسية تماما لما قد تهمس به تفاصيل الموضوع الذي قد تختنق به الرؤيا وتتلاشى بواسطته ملامح التشكيل.

يعد الموت ولادة ثانية ،فقط ، في قناع الذود ببسالة عن مبدأ أو قناعة راسخة تستوجب صيانة الحياة الاستثناء في تبنيه لنضال حقيقي يغنم خلوده من الصفحات الأكثر إشراقا في التاريخ.

"أحافظ على حياتي كثيرا

وكثيرا أنساها

أحافظ عليها من الرصاص اليومي

أحافظ عليها من المركبات المسرعة

وأحافظ عليها من الحروب

الحروب التي دوما تتسع

ولا تترك فرصة للتفكير

في حياة أخرى

أحافظ على حياتي

لكني دائما آنساها

مثل حقيبة جندي هارب.."

تتحجر اللحظة وتستفحل إسمنتيتها لتحرض على افتعال فلسفة مغايرة للحياة،تحتم مأسسة مفاهيمها على أرضية للرؤى المتجذرة والتواقة في آن ، إلى التحليق الممكّن من اختراق حجب اللامعقول.

كلون من الاحتفاء العفوي والبسيط بحس الأمومة الهامس بها الوطن المطعون إذ ينزّ بدم صهيل الطفولة.

"أغرس دموعي في خطواتك

ضلالا

لوجوه الصغار."

كضرب من حمى استشعار عبء عنجهية الاغتراب يعزف سيمفونية الهموم الطاعنة بالحنين إلى الوطن على ما هو عليه،الغائر في كواليس الرؤية، المستعصي بنأيه حتى في أقصى حالات اتصاله بذات حالمة تغلي فويق مرجل كل هذه الهذيانات.

"أفكر في الوطن المعلق

على صدرك

نجمة بعيدة

أفكر في نهرين يعتليان صدرك

وينزلان نحو مرابع الطفولة

أفكر في الينابيع

التي تجري من تحت عينيك

وهي تغرق أيامنا

بنعاس لذيذ

أفكر في قمح وجهك

المخضرّ هناك

في السهول

أفكر في عشّ شفاهك

حين يحلّق الحمام

فينهض الشجر

أفكر في دمعك الشاهق

وهو يجرفنا

نحو قمر قتيل

أفكر فيك أيتها البهية

ذاكرا كل أسمائك.

أناديك بها ملء اليقين

وأدخل صدرك آمنا مطمئنا

مثل جنين صغير.."

نقلة إلى الغرق ، إلى الموت الآخر والمؤجل المعتكف على حيثيات صور المعارك القديمة كمرايا داخلية تترجم الراهن مثلما يحدث مزركشا بريشة سلطة الجمالي الرافل في عبير الخيال.

"حين سقطت هناك

في معركة قديمة

لم أكن أتصور بأني

سأصبح غيمة

لم أكن أعرف أن بركة الدم

التي تنمو هي أنا

كنت أهبط خفية

حتى لا يراني أحد

أزور بيتنا القديم

أرى الصغار الذين كبروا

وأسمعهم يتحدثون

بحياد بارد

لم أعرف بأني لستُ

مهما لهذه الدرجة

رأيت زوجتي ترفع صورتي

من الغرفة مثلما ترفع شيئا تالفا

الغريب في الأمر

أن الأمور كانت طبيعية

وحدي كنت أمر

على وجوههم

مثل ذبابة

تحوم حول بركة دم

مازالت طرية."

نزعم ختاما أننا إزاء تجربة مختلفة تماما ، لها خصوصيتها وفرادتها، بحيث تكتسي أهميتها من غزارة الإشغال بدرجة أولى على المفردة الصافية البسيطة المعبّرة والمناغية لمقاربات تستفزها تداخلات واكتظاظ معنى التعدد الزاخرة به نصوص البياض.

إذ لسنا ندعي هاهنا، خلاف ما ينسب إلى ذهنية التأويل العادل والمنصف،ضرورة التغلغل في ما ورائيات أقنعة الديوان، والقفز فوق ما يقدّمه جاهزا وبديهيا، إلى كنوز شعرية ما بنبرة فضّه وتعريته نابت عن شاعرنا شعرية المسكوت عنه، شعرية لغة البياض للنصوص الوامضة لما تجود بها أرحام الحروب.

تلكم لغة قد لا تفهمها غير الورود المنذورة لنوم ملائكي له ما بعده ويأبى لجيل الغد فتح الأعين على النصر الزائف.

دع الوردة تنامُ

على خد الطفل

لا توقظها بقبلة

لا تسقها بالماء

أو تلمسها

أتركها هكذا

وتصوّرها صورة على جدار.

 

أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي

قراءة في مجموعة: الذي سرق نجمة لسناء الشّعلان .. انتصار الفكرة واقتناص الشّكل ومغامرة السّرد

830-sanaaنحتفلُ اليوم بولادة منجز إبداعي للأديبة الأردنية د.سناء الشّعلان، وهو مولودها الإبداعي الرّابع عشر في إرثها القصصيّ، وهي مجموعة قصصيّة تتكوّن من أربع عشرة قصّة قصيرة، والاستثنائي في هذه المجموعة أنّ معظم قصصها -قبل أن تنشر في هذا السّفْر- قد نالت الكثير من الجوائز العالميّة والعربيّة، منها:جائزة زحمة كتاب للثقافة والنّشر الدّوليّة، وجائزة أفضل صحفي في جريدة رأي الأمّة، وجائزة صلاح هلال الأدبيّة، وجائزة مهرجان القلم الحرّ للإبداع العربيّ، وجائزة القصّة الومضة العالميّة، وجائزة منظمّة كتّاب بلا حدود، وجائزة أحمد بوزفور للقصّة القصيرة، وجائزة معبر المضيق.

وهذه المجموعة هي تمثيل حقيقيّ وناضج لتجربة الشّعلان في الكتابة القصصيّة؛إذ أنّها تنحاز إلى اللّغة المتفرّدة التي تنتصر للمعمار اللّغوي الرّاقي الذي لا يقبل أن يتنازل عن جماله واستدعاءاته في سبيل مخاطبة المتلقّي ضمن شرائحه كاملة، بل هي تأخذ المتلقي في رحلة لغويّة خاصّة في سهوب من الجمال والانتقاء، لتصل به إلى مبتغى مغامرة الشّكل من أجل حمل الفكرة والرّسالة التي لا يمكن إلاّ أن تكتمل أو توصّف دون التّعاطي مع الثيمات الكبرى في هذه المجموعة التي تتلخّص في الحريّة والخير والجمال في أشكاله المتنوّعة التي تتضافر جميعاً لأجل الثّورة على التّعنصر والقبح والظلم والاستبداد والقسوة.

هذه المجموعة تملك لساناً لا يعرف الخوف أو الازدجار أو التّراجع، ويصمّم على أن يتصدّى للظلّم والظّالمين، ليكون خصمهم الذي لا يعرف مهادنة، هي صوت الثّورة والرّفض والإصرار على الحياة والعدالة والكرامة، هي إعلاء لقيم الجمال في كلّ مكان وزمان، هي تلك الكلمات التي لا نقولها جهراً إلاّ نادراً، في حين نهمس بها سرّاً لأنفسنا في كلّ لحظة.

وتمثّلاً لهذه الكلمات والأفكار والقيم فقد عزفت المجموعة على أكثر من وتر شكليّ، فزاوجت بين الشّكل التّقليديّ والحداثيّ، واستعارت أشكالاً قصصيّة تراثيّة متوالدة، واستسلمت أكثر من مرّة للتّجريب في تكوين معمار الشّكل، وقفزت بين فضاءات مختلفة، واستدعت أنماطاً سرديّة متداخلة لتجهر بما تريد أن تقوله بكلّ صدق وصراحة.

ومن يطّلع على منجز الشّعلان القصصيّ، ويعرف شخصيتها عن قرب، يدرك أنّ هذه المجموعة هي من روحها وطباعها ومراسها الصّعب، كما هي من فكرها، فهي انتصار لفكرة الشّجاعة والإفصاح والاعتراف، وتجريم الفاسدين دون خوف أو مواربة، هي الوجه الإبداعيّ لسناء الشّعلان الإنسانة حيث الإيمان بالنّفس، والإصرار على التّحدي، والانتصار للذّات والكرامة والحقوق على الرّغم من التّحديات والانكسارات والمؤامرات، ولذلك تعلّمنا هذه المجموعة أن نقول "لا" بملء أفواهنا للظّلم والاستلاب والاستبداد والمفسدين واللّصوص وصانعي القبح ومحاربي قيم الجمال والحق والعدالة.

وهذه الفكرة التي تسيطر على هذه المجموعة هي من تقودنا في دروب سردها، وبغير الاهتداء بقبسها لا يمكن أن نجيد أن نفكّ رموز هذه المجموعة، لنقترب من دلالاتها ومبتغاها؛وعندما نقرأ تعويذة هذه الكلمة نجد أنفسنا قد أصبحنا قادرين على الانعتاق في فضاءات هذه المجموعة لنطوف في عوالم مختلفة تعيش جميعها حالة التّجريم للاستلاب؛فنصرخ محتجين ضدّ الحاكم الجائر الذي أعدم الإسكافيّ المسكين بجريرة كذبة صغيرة كذبها على خطيبته، فزعم أنّه سرق لها نجمة ليهديها لها في حفل زفافهما، فما كان من الحاكم الظّالم إلاّ أن استغلّ هذه الكذبة كي يحمّل هذا الرّجل البريء الضّعيف أوزار جرائمه وجرائم حاشيته كي يحوّل نقمة الجماهير المستلبة والمسلوبة إلى وجهة غير حقيقيّة، وينجو وشاكلته من المجرمين المفسدين من تحمّل جرائر أعمالهم الشّريرة.

وسناء الشّعلان إن كانت تحفّزنا على الثّورة على الاستبداد والذّل، إلاّ أنّها تلتزم بخطّها السّاخر الذي ينيم السّخرية في سرير المفارقة حيث تحاصرنا بأحداث قائمة على المفارقة، فننفجر ضاحكين من غرابة ما نرقبه في السّرد من أحداث، ثم لا نلبث أن نجد أنفسنا في مواجهة وجة أسود كئيب اسمه الحزن والواقع المرير، فيختفي الضّحك، ويولد المرار من رحم واقع يجلد الإنسان، ويدوس على كرامته، ويكسر أحلامه، ويصادر حقوقه، فيدفعنا من جديد إلى أن نصرخ "لا" مراراً وتكراراً، وننضمّ إلى شخوص قصصها الذين يعيشون حيوات متناقضة، ويكابدون الألم، ويتنصرون لأحلامهم.

ومن هذا المنطلق نصرخ في قصّة "منامات السّهاد" مع الشّعب ضدّ السّلطة المتعنّتة الظّالمة التي تضلّل الشّعوب، ونتمرّد مع بطلة قصّة "حيث البحر لا يصليّ"، ونرفض الانصياع لعادات مجتمعيّة تقمع حرّياتنا وذواتنا، وننتصر للحبّ الذي يُقابل صدفة هناك في الجبال حيث التّمرّد والرّجال الأشواس ونشوة العشق، فنعيش تفاصيل الهوى والبوح في قصّة" الضّياع في عيني رجل الجيل"، ونتمرّد على سطوة المخدّرات في قصّة "الاستغوار في الجحيم"، وننتصر لجمال السّرد وسحر الكلمات وحريّة اختيار الشّريك في قصّة"جريمة كتابة"، ونعاين مثالب النّفاق الاجتماعيّ في قصّة "سحر وداد"، وندخل عوالم الصّوفيّة وطقوس الجسد في قصّة "راقصة الطّاغيّة"، ونصفّق لبطل قصّة " أبو دوح"، ونطبع قبلة محبّة على جبين بطلة قصّة "غالية سيّدة الحكايا"؛لأنّهما رمزين من رموز برّ الوالدين إذ ينخرطان في أجمل قصص الرّحمة والمحبّة والعرفان التي تنسجها روابط الأمومة والبنّوة، كما نعيش في قصّة "العيون التي ترى" تفاصيل الأخوّة الصّادقة التي تنتصر على عقبات الإعاقة والقيود الاجتماعيّة التي تسجن الإنسانيّة خلف أسوار عالية من الخجل والخوف والنكوص، وفي قصّتي " حدث في مكان ما" و"يوميّات إنسان مهزوم" نعاين أزمة النّفس الإنسانيّة في إزاء تجليّات الضّعف والهزيمة، وهي ترسم لنا خارطة الفشل والإفلاس الإنسانيّ كي نستطيع أن نبتعد عن جغرايتها، ونعدم الدّروب إليها، وننساق نحو شاهق السّعادة والأمل، وننبذ مخاوفنا جانباً لنعيش تجربة النّضال ضدّ كلّ ما يأسرنا، ويسرقنا منّا، ويقدّمنا أسرى لغيرنا.

سناء الشّعلان تكتب بفكرها الواعي لأزمة الإنسان قبل أن تنساق لمشاعرها، وتنطلق من طبيعتها عندما تفكّر بالمتلقّي، فتكون في أصدق لحظاتها منه، هي تريده أن يعيش تجربة الحياة حيث الانتصار للجمال والحريّة، وهي كافرة بامتياز بكلّ قهر وظلم وتجنّي، ومستسلمة لعشقها للجمال والفرح، وتبغي الحريّة للإنسان بغضّ النّظر عن عرقه أو دينه أوجنسه أو معتقداته، ولذلك نجد قصصها في هذه المجموعة تنأى عن تحديد زمان أو مكان للأحداث، بل أنّ الشخصيّات في الغالب تلعب أدوارها القصصيّة دون تعين أسمائها أو تحديد أوطانها والتّعريف بهويتها؛لأنّ الشّعلان تريد أن تعمّم التّجربة والدّرس والفكرة في هذه المجموعة القصصيّة، ولا تريد أن أن تقصرها وتحبسها على أماكن أو أزمان أو شخوص بعينها.هي باختصار تكتب لمشروعها الإنسانيّ الكبير الخارج عن حدود الإقليميّة أو الذّاتيّة، وإن كانت تنطلق منها لحمل رسالتها الإنسانيّة الكبرى، وهي التّمرّد والنّضال لأجل حياة إنسانيّة شريفة عادلة.

830-sanaaوهي تصمّم على تعميم التّجربة الإنسانيّة وتعويمها، وعدم تخصيصها، وهي من تقول في هذه إحدى قصص هذه المجموعة القصصيّة :" تتشابهُ تفاصيل النّاس المهزومين في هذا الكوكب، حتى لا تغدو هناك أيّ أهمية للأسماء أو الأزمان أو الأماكن؛فالحدث والمصير هما البطلان"(1).حتى عندما تتكلّم عن ذاتها تتنكّر لها، وتنكر أنّ اسمها "سناء"، وتسميّ نفسها" سونا"، كي تدخلنا إلى العوالم الإنسانيّة الرّحبة عبر تجربتها الخاصّة التي تقدّمها على استحياء في قصّة"تقاسيم" التي أزعم أنّها سيرة ذاتيّة لها، وليست مجرّد سرد خياليّ، وإن قدّمتها بشكل سرديّ خرافيّ يجمع بين الحقائق والتّخيلات التي تجمع بين التّهويم والتّهويل والإلغاز والتّعميّة، ومن هذه القصّة بالتّحديد نستطيع أن ننطلق في سبر أغوار الفكرة، ورصد جماليّات السّرد، والانسياح في حيوات مفترضة في إزاء حيوات مقهورة مسحوقة مضطهدة.

وهذه القصّة بالتّحديد تمثّل مركزيّة لعبة الشّكل في هذه المجموعة؛فإن كانت هذه القصّة هي جسم سرديّ واحد ينتظم في حكاية الطّفلة "سونا" التي اكتشفت موهبتها في الكتابة، وشرعت تفهم الكون والحياة من منطلق هذه الموهبة، إلاّ أنّ هذه القصّة تُقدّم بطريقة السّرد المتوالد الذي يخرج من رحم القصّة الأم ليقودنا في قصص صغيرة متوالدة، ثم يعود بنا إلى القصّة الأساس لنرى بطلة القصّة، وهي سناء الشعلان دون شكّ تجسّد حياتها وفكرها ومسيرة قلمها في قولها:"الحياة هزيمة كبرى، وهذه الحكاية الأولى في عُرفها، وكي تنتصر على الهزائم لا تنقطع تكتب الحكايا، من الهزيمة صنعت أطواق النّجاة، ومن الموت صنعت بشراً لا يموتون، وفي الفقد زرعت أطرافاً لا تُبتر، وأعضاء لا تعطب، ووهبتها للمحرومين والمنكوبين بعد أن نبتت أحلاماً وفرصاً جديدة، ومن سنابل الجوع صنعت بطوناً لا تعرف الخواء، ومن عناقيد الحرمان جدّلت جدائل الألفة والسّكينة والحبور.هي لا تملك غير الحكاية، تهبها مجاناً لكلّ سائل أو حزين أو باحث عن طريق، تزرعها تحت مخدّتها، وتنام بعد أن تتعوّذ بها من الشّر كلّه الذي لا يمكن أن يمسّ امرأة تتمترس خلف فضيلة الحكاية!"(2)

وهذه المقولة هي ذاتها التي تنفث الحياة في هذه المجموعة القصصيّة، وتستدعي الخرافيّ والأسطوريّ والشّعبيّ والاستشرافيّ، وتجوب عوالم مفترضة، وتعيش تجارب واقعيّة وفنتازيّة، ثم تقف بنا أمام أنفسنا، لتقول لنا بحزم: انتصروا لأنفسكم ولوجودكم ولكرامتم.

كما أنّ هذه القصّة تمثّل كذلك شبكة البناء اللّغويّ في هذه المجموعة؛إذ هي ترسم معمار اللّغة، وتتخيّر أجمل الألفاظ، وتعدّ اللّغة بطلاً لا أداة، وبذلك تتعلّم "سونا" اللّغة العربيّة وفق أصولها، وتجعل التّعامل معها هي قضيتها الكبرى، وتدخل معها في تجربة سيريّة مدهشة لتعلّمها ومجاورتها وتطويعها، لتعيش معها وبها تجربة حبّ غريبة تمثّلها في قولها :"الطّفلة الصّغيرة تحبّ الكلمة بتجلياتها جميعها، تحبّها مكتوبة بشكل حرفيّ، أو مغنّاة بشكل صوتيّ، أو مرسومة على لوحة، هي تجيد الرّسم كثيراً، وعندما تعيها الكلمات، ترسمها تفاصيل على ملامح وجوه من ترسمهم.تتجادل والدتها وزوجة خالها كثيراً في مضمار التّخمينات لمستقبلها، الأم تراها رسّامة شهيرة، وزوجة الخال تراها روائيّة مجيدة، وهي تبحث عن مبراة لقلمها، ولا تأبه بهذا الجدال المكرور".(3)

وهذه البناء اللّغويّ الذي يكون قضيّة ومحور حدث في هذه القصّة، يتمدّد ليصبح هويّة وسمة في قصص هذه المجموعة، لتكون اللّغة بطلاً لا حاملاً أو ناقلاً، وتغدو هدفاً وانتصاراً، لا أداة وطريقة؛فالدّرب الطّويل الشّاق المُعنّى في هذه المجموعة لا يسرق الشّعلان من افنتاتنها باللّغة، بل يكرّس هذا الافتنان في تشكيلات لغويّة تقدّم تمرّداً على السّائد، وتعمّق بصمة اللّغة عندها.

ومن أهم ملامح هذه اللّغة في هذه المجموعة أنّها تستدعي الأنساق التّراثيّة لاسيما النّقليّة منها، مثل أنساق العنعنة والإسناد والتّوثيق لأجل أن تعمّق في المتلقّي أثر الاستيهام في اللّعبّة السّرديّة، فنجد الشّعلان ترفع نصوصها إلى أسانيد وهميّة تعمّق لعبتي السّخرية والمفارقة:"ورد في أسفار المجرّبين والصّالحين المهزومين:"النّوم باب من أبواب البركة المستجلبة، وهو مندوب مُستحبّ عند الخاصّة والعامّة، والاستيقاظ باب من أبواب المنقصة-والمعاذ بالله- وهو مكروه، وفي بعض الأسانيد هو حرام لا خلاف في حرمته.والمستبدّون أعلم"(4)، كما تبدأ بعض القصص بجمل مصنوعة توحي بأنّها أمثال أو عبر أو حكم شائعة، ولكنّها في حقيقة الحال جمل من صنيعة الكاتبة للسّخرية والتندّر، وهي تعدّ عتبة حقيقيّة للدّخول إلى النّص" أفلح من نام، وتعس من استيقظ"، فضلاً عن افتتاح بعض القصص بفواتح سرديّة تشبه ما هو شائع في قصص الحكايات الشّعبيّة وألف ليلة وليلة، مثل:" سهد السّلطان ثم نام، فرأى في المنام ياسادة ياكرام فيما يرى النّائم..."(5)

وهناك تطعيم بالمتون الشّعريّة الحديثة، وهي تستثمر لاستدعاء ظلالها النّفسيّة والجماليّة والتأثيريّة لاسيما فيما يخصّ قصص الحبّ، وهذا نراه بائناً في قصّة "الضّياع في عيني رجل الجبل"، حيث تحضر مقطوعتان شعريتان، لتجسدان الحالة الشّعوريّة لبطلة القصة التي تخاطب حبيبها قائلة:"

سمعتني أشدو لكَ قائلة:

لا تنتقد خجلي الشّديد؛فإنّني بسيطة جداً، وأنت خبير

يا سيّد الكلمات، هبني فرصة حتى يذاكر درسَهُ العصفورُ

خذني بكلّ بساطتي وطفولتي، أنا لم أزل أخطو وأنت تطير

من أين تأتي بالفصاحة كلّها؟وأنا يتوه على فمي التّعبير!

أنا في الهوى لا حول لي ولا قوة؛إنّ المحبّ بطبعه مكسور

يا هادئ الأعصاب إنّكَ ثابت، وأنا على ذاتي أدور

الأرض تحتي دائماً محروقة، والأرض تحتكَ مخمل وحرير

فرق كبير بيننا يا سيّدي؛ فأنا محافظة، وأنت جسور،

وأنا مقيّدة وأنت تطير، وأنا مجهولة جداً، وأنت شهير

لا تنتقد خجلي الشّديد" (6)

وتُختم القصّة ذاتها بالقفلة الشّعريّة الغنائيّة المنفولة على لسان المطربة فيروز:

" أهواكَ...أهواكَ بلا أمل

وعيونكَ تبسم لي

وورودكَ تغريني بشهيَات القُبل

أهواكَ ولي قلب بغرامكَ يلتهب

تدنيه فيقترب

تقصيه فيغترب

في الظّلمة يكتئب

ويهدهده التّعب

فيذوب وينسكب كالدّمع من المقل

أهواكَ، أهواكَ بلا أمل

في السّهرة أنتظر، ويطول بي السّهر

فيساءلني القمر، يا حلوة ما الخبر؟

فأجيبه والقلب قد تيّمه الحبّ:يا بدر أنا السّبب؛أحببتُ بلا أمل!!!"(7)

وهناك تجريب واضح في استدعاء مستويات مختلفة من اللّغة، فتبرز لغة السّحرة وتمتماها وتهويماتها في قصّة" سحر وداد"، في حين نجد لغة الصّوفيّة وشحطاتهم واضحة في قصّة "راقصة الطّاغية" التي تنقل الحبّ من مستواه الاعتياديّ إلى مستوى صوفيّ افتتاني يحلّ الحبّ في نفس العاشق مكان أولوياته وإدراكاته وشعورياته جميعها :"برزت الرّاقصة كحصان بريّ مكبّل في حلبة كبيرة قبالة عرش الطّاغية الخالي منه حيث يترامى حوله الحضور والأخلاء والضّيوف ورجال دولته الجبليون الأشدّاء، الموسيقى بدأت تتنزّى في أذنيها، وحمّاها بدأت تدبّ في أوصالها، وبدأ يغشاها ما يغشاها من جلال وهي تترنّح في رذاذ اللّحن بخدر موصول برعشة سرعان ما تستولي على جسدها، وتغلق عليها حواسها، وتنقلها إلى عالم نورانيّ دافئ يداعب كلّ ذرة من جسدها، ويدفعها إلى انخراط كامل في حركات لا تعرف خبوّاً أو فتوراً" (8)

وبعد؛

هذه هي سناء الشّعلان، وهذه هي مجموعة" الذي سرق نجمة" التي أعدّها رشفة سرديّة جريئة ومختلفة في سبيل تكوين تصوّر ناضج وعمليّ عن سلوك دروب الإنسانيّة المنجزة الرّاقية المتعاظمة على الضّعف، الرّافضة للهزيمة والاستلاب، التي تعرف تماماً حقوقها، وتصمّم على التّمسك بها، وترفض أيّ مزاودات أو إكراهات أو ضغوط.

من يرد أن يرقى إلى نفسه، ويعتزّ بوجوده عليه أن يقرأ مجموعة "الذي سرق نجمة" ليبحث عن نفسه المفقودة فيها، فيخلّصها من عذاباتها، ويرهن لها بعض الفرح والأمل المنشود، ويغدو يداعب حكايات الشّعلان التي تتلخّص حكايتها في:" الحكاية تريد أن تهرب من التّسكع، وأن تركن إلى الخلود، جرّبت أن تسكن السّماء؛فغدت إيماناً ودعاء وفضيلة، فأصابها الملل من ذلك عندما اشتهت الخطيئة، رحلت إلى الجسد والشّهوة، فأنهكتها لعبتا الجوع والإشباع اللّتان لا ترتويان، صادقت القلوب فأحرقها الوجد، طاردت العقل فأعياها المنطق، صادقت القوة والمال والجاه فخذلتها السّعادة، تنسّكت في الجبال فهزمتها شهوة حلمها الكبير في الخلود، ثارت على نفسها، وانضمّت إلى صفوف الثّوار في كلّ مكان، وحالفت الرّفض أينما حلّ في أنفس الشّرفاء، فأصبحت حكاية البشر الباحثين عن العدل، سطّرت فيها قصص من نذروا أنفسهم للنّور والحقيقة، نسيت حلمها البائد بالخلود، وبات حلمها أن تصبح حكاية كلّ من سُرقت حكايته، وكذلك كان"(9).

 

بقلم النّاقد الأديب: د. زياد أبو لبن

رئيس رابطة الكتاب الأردنيين

............................

الإحالات:

1- الذي سرق نجمة:سناء شعلان، ط1، دار أمواج للنشر والطّباعة والتوزيع، الأردن، عمان، 2016، ص133.

2- نفسه:ص109.

3- نفسه:ص107.

4- نفسه:ص15.

5- نفسه:ص15.

6- نفسه:ص53.

7- نفسه:ص57.

8- نفسه:ص84.

9- نفسه:ص129.

 

القراءة المشتبهة لنص مشتبه.. قراءة في نصّ عدنان الصّائغ "نصّ"

نص...

نسيت نفسي على طاولة مكتبي

ومضيت

وحين فتحت خطوتي في الطريق

اكتشفت أني لا شيء غير ظل لنص

أراه يمشي أمامي بمشقة

ويصافح الناس كأنه أنا..

 

القراءة :

"والقول وإن اشتبه، والإشارة وإن غمضت، فالمراد بيّن..."

(التوحيدي/ المقابسات)

******************

هو نص مشتبه، لأنه اشتبه علينا، واشتباهه مزيّة ورفعة شعريّة.. ولذلك يفتح لنا (أو علينا) مسالك مشتبهة في القراءة، وهذا امتداد للمزيّة، لأنّ الشاعر لا يكتب نصا " مُحكما" بل يتعمّد الشُّبهة ويطلب في المعنى ما لا وحدة أو واحديّة له، فيكون التناسب بين تعدد دروب المعنى والتباسها وانمحاء معالمها وضبابيّتها كتابة، وتعدد دروب القراءة تأويلا وإنتاجا للمعنى...

ويزداد الأمر طرافة وتركّبا حين يكون القول موضوعا للقول، والكتابة مدارا للكتابة، فينكفئ القول على ذاته واصفا وموصوفا، كاتبا ومكتوبا، فيبدو النص "كيانا لغويّا" و"كيانا بشريّا" ملتبسين، متشابهين، يقول أحدهما الآخر على وجه ما..

ونص "نص" هو العلامة في تعاضل أمرها وتعاظل أبعادها الخطابيّة والتباسها، وفيه يقدم الشاعر رؤية "مشتبهة" في العلاقة بين الذات والنص، وبين الذات والعالم، وبين النص والعالم. .في كل ذلك في التباس واشتباه يشمل هويّات هذه العناصر أو المفاهيم، لأنّ الصائغ يفكّر فيها مفرغا إياها من حدودها أو تعريفاتها "القديمة"، ويفهمها فهما مخصوصا مركّبا، ينعكس على القراءة والتأويل، ويدعو ضمنا إلى طرْق سبل في القراءة غير "السّبل المسطورة"..

وهكذا تنبني شعرية الصائغ، سرديّة "حاكية" العالم بأدوات ملتبسة، متنزّلة ضمن تصوّر سيميائيّ دلاليّ "ضبابيّ" غير جازم، كاره للوضوح، في كون بلا معالم، بلغة بلا معالم نشدانا لمعنى بلا معالم...

ولذلك تفضي القراءة حتما إلى الممكن، المتعدد من المعاني، المؤتلف والمختلف..ولا غرو فهو "نص مفتوح" كثير، قائم على " النسيان" و"الظلّيّة" و"الكأنّيّة" و"المشقّة" في استواء النص قولا وتأويلا..

وحسبنا أن" نختار" الطريق إليه، لنستبدّ به، والقراءة والنقد استبداد" لأنهما ، ككل سلطة يأبيان التعدد والاشتباه، ويريدان الوحدة والوضوح و"الإحكام"..

ويكفي أن نرى نوعا من التردّد بين رؤية "داخليّة" يرمز إليها (المكتب) وتقوم على انفصال بين الذات والعالم (الناس)ومشقة في التواصل ، مادامت الذات لم تستو "نصّا" حقيقيا مكتمل الهيّة والوجود..ورؤية "خارجية" أو "خروجيّة" قائمة على عزوف عن قمقم الذات والذاتيّة والغنائيّة، ومضيّ في طريق الاتصال بالعالم والناس، حيث الهويّة الحق، وحيث يتحقق "النص" ويكتسب مقومات حقيقته وكماله..

ومع ذلك فإنّ كمال "النص" في اشتباهه والتباسه وفوضاه وجنوحه واستعصائه.. فلا يعلم تأويله إلا إلهه.. ولن نؤتى من العلم به إلا قليلا...وربّما نجرّه جرّا إلى إرادتنا التّأويليّة، فنعتسف ونشطّ، فنقرؤه على "منوال" ونردّه إلى مثيل، وهو فرد فريد...

و"من لم يجد مندوحة يتكلّف.." فلنجرّبْ القراءة الثانية...

" فلكلِّ مشتبه إله

ولكلِّ تأويلٍ .. مثيله "

(ياسر الأقرع)

 

1...1 .. موقع النص: البيان

هو أول ما يطالعك من نصوص "تأبط منفى".. وهذا الموقع ينزّله منزلة "النص" البيانيّ (أو البيان الشعريّ) الذي تُصوَّر فيه الكتابة غربةً في " المنفى الأدبيّ" الذي يختاره المبدع بحثا عن هويّة إبداعية شعريّة، ومن ورائها هويّة حضاريّة ووجوديّة.. وصورة المنفى طريفة في هذا السياق، باقتران معنيي النفي (ضد الإثبات) والإبعاد أو الطّرد (من وطن ما..) تجريدا للمنفيّ (الذي لا وجود له لأنه في حالة négation /negation) من هوية قبليّة وانتماء ما، فيمضي بحثا عن "إثبات" جديد وهويّة جديدة.. وفي البنية المكانية لعبارة "المنفى" كل الامتلاء الدّلاليّ الذي يجعلها علامة مفتوحة، وعنوانا جامعا، منتشرا في كل النصوص.. ولنا أن نعتبر أن "المنفى الشعريّ" هو أول "المنافي" وأشدّها، لأنه الإطار الحاضن لغيره من المنافي.. ولعلّ أوّل وجه من وجوه الانتشار لهذا المعنى الكبير هو نص " نص" الذي بين أيدينا...

 

1...2... العنوان: " نصّ" : النص واللاّنصّ.. الهويّة النصّيّة

تتفاعل في العنوان بنيته التركيبية من حيث أنه، بمعنى من المعاني الجائزة، خبر لمبتدأ محذوف، لنا أن نعتبره ضمير المتكلم " أنا" المحدد/المعرّف أو الباحث عن هوية ما في هذه الصفة "نص".. فتصبح الأنا مشروع كتابة، لا النص نصّا للكتابة باعتبارها فعلا منفصلا عن الذات الكاتبة أو المتكلمة.. وهذا هو الوجه الأساس للخروج عن "الباراديغم" القديم القائم على الانفصال بين الكاتب والكتابة، انفصال الذات عن الموضوع. وعن هذه النقلة المفهوميّة النوعية ينشأ النص وينمو، ليكون صورة للبحث عن "النص" أي عن الذات في كمالها وحقيقتها وأصلها وتمام هويّتها.

وعندئذ تحصل الطفرة الحق من منزلة "أنا نص" (مشر وع) أو " أنا ظل لنص" أو " كأنه أنا" إلى منزلة " أنا النص" أو " النص هو أنا" (الإنجاز/الحقيقة)..وفي بنية التنكير ما يفيد انتفاء الوجود أو "جهل الهويّة" والحاجة إلى الكشف والبحث، حتى تخرج الذات إلى حيّز العلم والجلاء والحقيقة والوجود..

وفي المستوى المعجمي تتفاعل جملة من السمات الدلالية وتتكثف في "الكلمة" (أول نص/أول كلمة..) باعتبارها كيانا وقولا ونسجا وفعلا وخلقا أوّلا وقداسة وألوهة وإنشاء متواصلا وتواصلا وأثرا وجمالا وبحثا عن أصل وعودا على بدء وشوقا إلى نبع.. ولعل في هذا الزّخم الدلالي ما يفتح لنا أفقا للقراءة والتأويل، للإمساك ببعض أسرار "نص" نطمع في الإسهام في جعله "النص"...

وفي رأينا المتواضع ينهل المتكلم، وهو يصوغ قوله الشعري هذا، من أكثر من معين، جماليّ وتراثي وفلسفيّ ولغويّ، ليعيد "تعريف" الكتابة، ولتوسيع مداها، والنظر إليها في ما يتجاوز بعدها الأبجدي/الحرفي، المحاكي لبعد صوتيّ، تيها في كونها السيميائي الشاسع اللامحدود، والمفتوح أبدا..

وهذا يبرز في المستوى المعجميّ /الاختياريّ (نص) وفي المستوى التوزيعيّ/التركيبيّ، ومن وراء ذلك يتجلّى البعد الدلاليّ، لنكون بإزاء "نص" صائغيّ مفتوح، لا تطمئن فيه إلى "معنى" حتى يطالعك "معنى" أي لا يقودك "اللفظ" إلا إلى لفظ، لا تراه موفيا بالغرض، فتتركه إلى لفظ آخر..

 

1...3.. البنية : الحدثان والحؤول والتشكلّ

من السمات المميّزة لشعر الصّائغ عموما ولهذا النص خصوصا، وسْم الشعريّة بالسرديّة.. وهذا التّسريد ينزّل التجربة في الزمان والمكان، ويكثّف الأعمال، ويمنحنا من الأدوات ما يمكّن من إنتاج المعنى..

فالحركة تتحدّد باعتبارها سيرورة وحركة خروج من نقطة (انطلاق) إلى نقطة (وصول)..وهي حركة "حدثيّة" أو حركة "حدثان" عجيب، يتجلّى في حؤول انقلابيّ في اتجاه التشكّل.. وتُفهم هذه الانقلابيّة في " تبادل الأدوار" أو "الحكاية المقلوبة" في الأعمال المسندة للفواعل في الخطاطة العامليّة..وهذا الانقلاب يشمل الفواعل(actants/agents) نفسها من حيث هويتها والعلاقة بينها. فيصبح "النص" ذاتا والمتكلم(الكاتب أو الشاعر) موضوعا، ويكون المسعى أو " المشروع السردي" مشروعا اتصاليّا استعاديّا في اتجاهين متماسكين: اتجاه العلاقة بالكتابة، واتجاه العلاقة بالعالم وبالكون..

ومن خلال ما يمكن أن ينشأ من علاقات بين العنصرين (النص، الإنسان) يمكن أن نتبيّن إمكانات التشكل بينهما في سياق هذه السيرورة الاتصالية أو اللاتصالية، فيتنزلان منازل من السلب والإيجاب ، بحسب تطور العلاقة أو اقترابها من " مآلها" أو بعدها عنها، أو استحالة بلوغها..

ويمكن أن نذهب إلى أنّ العلاقة، كما يبنينها الشاعر، ليست علاقة بين الإنسان واللغة أو بين الشاعر والنص/القصيدة، وإن كان هذا بعدا مهمّا في القراءة، بل هي علاقة بين "نصّيْن" : أحدهما يكتب الآخر وينكتب به.. وهذه العلاقة العلاميّة/ السيميائيّة هي المولّد الجوهري للحركة الدلاليّة في هذا " النص"..فالتفاعل سلبا وإيجابا، ونفيا وإثباتا، يتبلور منذ نشأة النص وانتشاره في المكان...والمهمّ أنّ هذا النص يُكتب خارج الثنائيّة والضدّيّة أو "الإثنينيّة"، وهذا ما ينعكس على اللغة معجما وتركيبا، فتجهد أن تقول بعض ما في الذّهن..

 

2...1: إرادة النسيان...فعل النسيان والذاكرة النّصّيّة

" نسيت نفسي على طاولة مكتبي.."

ومنذ هذه النشأة تطفو على سطح القول إشكالات دلالية تأويلية محيّرة، وإن منحت إمكانات هامة في إنتاج المعنى.. وهذه الإشكالات راجعة إلى ما يبدو لنا كمونا للمعنى في اشتغال دقيق على محور التوزيع، فتنعقد بين الوحدات المعجمية علاقات ائتلاف جديدة، بسيطة في ظاهرها، إلا أنها عميقة ضاربة في الشعر والفكر والنفس والمجتمع.. فتهتز ثوابت الدلالة المعجميّة، وتكتسب "المفردات" طاقات جديدة مأتاها قدرة الشاعر على تطويعها التعبيري وتوجيهها إلى حيث تشاء رؤيته، فإذا "النسيان" مفهوم جديد مركّب تركيبا عجيبا، يكفي أن تدركه حين تتساءل: كيف ينسى المرء نفسه على طاولة مكتبه؟ أو ما معنى أن ينسى نفسه على طاولة مكتبه؟

هل نحن بإزاء "فلسفة للنسيان" ذات علاقة بالذاكرة ودورها الدافع أو العائق للفعل الإنساني في حالي قوتها واحتفاظها بالماضي أو ضعفها وفراغها من ذاك الماضي؟؟

هكذا نضجّ بالتأويل منذ "الكلمة الأولى" لنص ثقيل المعنى ، شاقّ المسالك، لطيف السّبك، دقيق التأسيس بلا افتعال ولا إسقاط، وإنما هي العبارة تُساق، فتبدو "بسيطة" عابرة، حاملة للمعنى "الأوّل"، ولكنّها غير ذلك تماما.. ولعلّ "فعل" النسيان يرتقي إلى درجة المفهوم المركزيّ في شعريّة جديدة متمردة، خارجة عن ثوابت الذاكرة المعجمية والدلاليّة والشعرية والثقافيّة، فنكون أمام نسيان "مراد" أو "مقصود" و إن شئت: قل نسيانا رمزيّا تنقطع فيه وبه السبيل الواصلة بين الدوالّ والمدلولات، في مألوف التصورات...

وعن "الاختلال" التدلاليّ المراد تقول الكلمات غير ما كان يريد لها "النّظام" أن تقول، فيترك المتكلم "مكتبه" أي الفضاء الرمزيّ لأناه المنفصلة عن العالم، وهو فضاء منغلق، يعرّفه "النظام" باعتباره "مكان الكتابة" الرّسميّ، وفيه ينصرف الشاعر إلى تأملاته الهادئة العميقة باحثا عن سرّ كيانه ووجوده في "كلمات النظام" يقلَبها مثلما "علّموه" أن يكتب، أي وفق قواعد الكتابة..

هكذا يبدو لنا النسيان فعلا مؤسسا، انقلابيّا "عابثا" بثوابت اللغة والكتابة والإبداع...

ومازال في المقاربة البنيوية الدلاليّة ما يمنحنا الجرأة على القول : إنّ نصّا ينفتح بنسيان النفس وينغلق بمصافحة الناس، هو نصّ " مناضل" يترك نص الأنا سجينة "محبس النفس"، ليبحث عنها في كمالها، في طريق تقوده إلى "الناس"..

 

2...2..: الخروج.. وظلّ النّصّ

مكانيّا تتحدّد الحركة بين الداخل والخارج : من المكتب إلى الطريق، أي من الانغلاق إلى الانفتاح، ومن الثبات إلى الحركة، ومن ترك نص إلى البحث عن نصّ..من نص الورق والأبجدية والنظام والتراث والعادة والقواعد والذات في اللغة تتبلور نصّا "لغويّا" رمزيّا دالاّ دلالة نظاميّة، إلى نص هو الذات نفسها باعتبارها علامة كبرى مركّبة باحثة عن "معنى" تمتلئ به وهويّة تعترف وتُعرف بها.. ومن " ظلمة " المكتب إلى "نور" الطريق..ولذلك كان

فعل الخروج:

ومضيت...

بلا ذاكرة ولا نص ولا قيد، كان ويكون الخروج، ككلّ خروج عظيم، خلاّق، نبويّ الدوافع والأبعاد والمقاصد..

وحين فتحت خطوتي في الطريق

اكتشفت أني لا شيء غير ظل لنص...

وهكذا ينفتح سياق وسيط، أوسط، فاصل بين طورين: ما قبل الخروج وما بعده، وما قبل "النص" إلى تشكل الذات ظلاّ لنصّ..

وهكذا تتبعثر أوراقنا اللغوية والدلاليّة، ونحن نزعم أنّنا نمسك بحقيقة هذا "القول" الشعريّ المقدود وفق منطق تقويضيّ كاسر للمنطق العقلي الذي تنتظم بحسبه الأشياء والكلمات والدلالات..

إلاّ أنّ اجتماع هذه المفردات (خطوة، طريق، اكتشاف، ظلّ، نص..) يطمئن على المسار القرائيّ المتّكئ على "ذاكرة" صوفيّة " خروجيّة" أو "طريقيّة" تبدو فيها الذات مراهنة على الغربة و"المنفى" للوصول إلى الحقيقة.. ولذلك كانت الحركة في المكان (المركب الظرفيّ الشرطيّ) شرطا ضروريّا كافيا لاكتشاف ما لم يكن يرى في "المكتب" أو لا يُرى على وجهه الجليّ لأنّ حقيقة النص، حقيقة الذّات، "نُسيت" في المكتب، ولم يخرج إلى العالم منها إلاّ

" ظلّها" ..وهذا يرتدّ بنا إلى القراءة الأولى ، اللاتّصاليّة...

وفي المركب الحصريّ (..أنّي لا شيء غير ظل لنص) كلّ الجدل، امتلاء وفراغا، سلبا وإيجابا، نقصا وكمالا، هوية ولا هويّة، نصّا ولا نصّ.. وفي هذا القصر يختصّ الموصوف بصفة، وتنتفي غيرها، فليس هو إلا هي، وإن لم تكن فهو اللاشيء، ممّا يمكن أن يكون من مكوّنات الهويّة..ويظلّ التركيب الحصريّ مرشّحا للمعنى بين النقصان والازدياد أو الكمال والتجرّد..

فاللاشيء مثبت في مبدإ القول انتفاء لكلّ مقوّم، و"ظلّ النصّ" مثبت باعتباره معطى تعريفيّا جوهريّا، يشعر بالغبن أو الرضا، بالنقص أو الاكتمال..ويتردّد السؤال: ما معنى أن تكون ظلا لنص؟ وما علاقة ذلك بالنسيان في القول السابق؟

فظل الشيء ليس الشيء، ولا حقيقته، فهو اللاشيء، صورة وخيال وطيف للشيء..هذا المتعالي الذي لا يتجلّى ولا يكون "هنا والآن" إلا ظلاّ.. هو الأنا التائقة إلى كونها النص الكامل، الحقّ..وادعُ ما شئت من ثقافتك لتوجّه القراءة إلى قراءة مثيلة تبنيها على هذا الصوفيّ أو ذاك، أو استجلبْ هذا النص أو ذاك، واقرأ به نص الصائغ، فإنك في كل الأحوال ظالمه، لأنّه "نص" و"ظل لنص" غير مكتمل، بل غير مكتوب، ينتظر أن يكون "النص"...

 

2..3.. بين الاتصال والانفصال.. إنكار الذات.. إنكار النص..انتظار النص

منتهى المسعى والتجربة منطقة ضبابيّة مبهمة بين الوهم (كأنه أنا) والحقيقة ، وبين التشكّل واللاتشكّل، وبين الكون والعدم..ليتماهى النص والذات باعتباره قائلها وصانعها..ولذلك يشتق الشاعر من كيانه بعدا يَرى وبعدا يُرى (أراه يمشي أمامي) فيدرك شيئا منه قد تشكّل أو استعاده، ليكون القاصر أو الرضيع يخطو أو يتعافى (المشقّة) ليتّصل بالناس، ويكون فيهم وبهم، النص ال

 

أراه يمشي أمامي بمشقة

ويصافح الناس كأنه أنا..

 

الحبيب بالحاج سالم

 

 

الشاعرة حسناء محمد وحوار دائم مع الذات ومع المحيط ومع الأخر

wejdan abdulazizضمن جماليات القراءة التي كثيرا ما اتمتع بها كل صباح استقر في ذهني .. ان الرومانسية تبقى، تتصارع وتتلاقى ومشاهدة الطبيعة وافاق جمالها وهى شعور ينتاب الانسان الحالم الباحث عن السعادة فعندما نتابع النجوم وهى تلمع وتتألق بالسماء الصافية ويمر فى اذهننا حينها شريط من الذكريات السعيدة وخاصة ابتسامة الحبيب ... لهذا اقول عندما استطعت ان ترى كل مايحيط بك جميلا ونظرت لايجابيات الامور وتجنبت السلبيات المحيطه بك حتما انت رومانسى ، فكن جميلا ترى الوجود اجمل فالرومانسيه انصهار فى الطبيعه وامتزاج مع الحياه ببساطه وعفويه ، ورغم ما يشوب الانسان الشاعر من حزن، يبقى يبحث عن الحب والجمال .. فالشعر دوما يبقى مسار لا نهائي، وعلة ذلك تعامله مع التجربة الداخلية للشاعر، تلك التجربة المكتظة بالاحاسيس والافكار المتطورة والقابلة لعوالم التغيير والنمو، باتجاه الاحتمال والمغامرة .. اذن اللغة الشعرية تنمو وتتغذى على مشاعر واحاسيس الشعراء .. فهي وعاء الاستعياب والاحلام وغذ السير نحو تلك الاماني المحلقة عاليا .. وانا اقرأ للشاعرة حسناء محمد بعضا من قصائدها حضرت لي هذه الافكار .. حيث تقول:

 

(لا زلت في دروب البعد

ألهث كالطريدة ..

ولا زلت أقفـز كموجات مد

لشطـآن بعيدة ..

وأكتب صكوك الود

بأقلام فارغة القصيدة ..

 

" لا زلت للأرض ؛ مطر"

 

سلامك قبلة للخـد

تحملها الرياح ..

تهب كالشوك بالورد

وتغرس كالرماح ..

 

" ولازلت تعبق بالخطر "

 

تناجيك أبواق

جيش لهفة يحترق ..

وناي وأشواق

يعزفها ثغر الأفق ..)

 

هذا البحث والاستمرار فيه، خلق لدى الشاعرة حسناء نوع من انواع القلق والتوتر، فهي كالطريدة لازالت في مسافات البعد ولازالت تمتد في مساحات الحياة زارعة الامل والخصب وتردد: " لا زلت للأرض؛ مطر" أي انها خصب الحياة، كأنسان وامل جميل كما هو المطر، كأنثى، ثم تقول:

 

(عشقت فيك ..الشتاء

و البرد في ليلي الطويل ..

وأن أضيع في عيون

كالسماء

دون زاد أو دليل ..

 

وبـرق

من الغزل

كغمزات النجوم ..

حين ..

تغطيها الغيوم ..

وترحل !

 

وصوت الرعـد

في صدري

و رجفات الخجل ..

حين تعشش

على ثغري

أسراب القبل ..

 

عشقت

المطر ..

بعد خريف

أشواقي ..

يروي

أجنة الشجر ..

في أعماق ..

أعماقي ..

 

بـل ..

عشقت فيك

" الأمل " ...)

 

اذن ربطت الشاعرة فصول السنة بفصول الحياة، وجعلت من المطر والامل صنوين لهذه الحياة .. المطر عنوان للخصب والاستمرار في النمو، والامل انفتاح افق الحياة والتواصل معها ومن هنا فـ(ان النص الشعري الحديث حوار دائم ودينامي مع الاشياء ، حوار ثر مبني على ديالكتيك خاص ، مشحون بقيم اصيلة تتسم بالتشابك والعمق والتعقيد)، وهكذا تستمر الشاعرة حسناء محمد في حوار دائم مع الذات ومع المحيط ومع الاخر المتمثل لها كحبيب .. وتبقى ومضاتها الشعرية تحاكي الحياة وجمال الكون ..

 

وجدان عبدالعزيز

 

 

الجواهري بـ"ذكرياتي" كما أراه لا كما رأيته!! (1)

1karem merza - مقاطع من قصيدتي قي رثائه (82 بيتاً من الكامل):

عُمْرٌ يَمُرُّ كَوَمْضَـــةِ الْأحـْـــــلَام ِ *** نَبْضُ الْحَيَاةِ خَدِيْعَة ُ الْأيَّـــام ِ

هَلْ نَرْتَجِي مِنْ بَعْدِ عَيْش ٍخَاطِفٍ ***أنْ نَسْتَطِيلَ عَلَى مَدَى الْأعْوَام ِ

أبَدَاً نَسِيْرُ عَلَى مَخَــاطِر ِ شَفْرَة ٍ *** حَمْرَاءَ تَقْطِرُ مِنْ دَمِ الْآنـَــــام ِ

هَزِأَتْ بِنـَــــا مِنْ عَهْدِ آدَمَ أنْفُسٌ *** وَلـّتْ وَبَطْنُ الْأرْض ِلِلْأجْسَـام ِ

أيَنَ الْأُلَى كـَــانَوا بِمَدْرَجَةِ الْعُلَى ****كلٌّ يســيرُ بمــوكبِ الإعدام ِ

وإذا حذرتَ فلا يجيبكَ عـــــاجزٌ **     سهمُ المنيّةِ نـــــافذُ الأحكام ِ

يتزاحمونَ إلى المماتِ تهافتـــــًا **     فكأنّ مســــعاهمْ بكفِّ حِمام ِ

أنـّى تشا قبضتْ على أرواحهمْ *** واستودعتهمْ فـي حشا الأوهام ِ

***********************************

عشرونَ ألفــاً صُفـّفتْ أبيــاتها **** فاضتْ قرائحُـــها مــــن الآلآمِ ِ

من دوحة الشرفِ المعلـّى إرثهُ **** سـوحُ النضـــالِ ومرتعُ الأعلام ِ

من (دجلةِ الخيِر) التي بضفافها**** (جرحُ الشهيدِ) وصـرخة الأيتام ِ

من (أم عوفٍ) إْذْ تطارحُ ضيفها**** سَمَراً وردّتْ روحَـــــهُ بـــكلامِ ِ

منْ (أبكر الإصباح) يشدو زاهياً ****شـــــدوَ الرعاةِ وصبيةَ الأحـلام ِ

منْ (ريشةٍ،عظمُ الضحيةِ) عودُها** رسمتْ خطوطَ المجدِ نفسُ عصام ِ

منْ (جلـّقٍ) واخضوضرتْ جنباتهُ **** قدْ فاحَ طيبــاً عبقهُ للشـّـــــــام ِ

منْ يوم (عدنان ٍ) لآخر يومــهِ   **   ولهُ (دمشق ُ) تزفُّ بالأنـــــــغام ِ

وسعَ الدُنى أفقاً وأجّج لهبهــــا ****شـــعراً وحط َّ رحالــــهُ بـ (وسام ِ)

جادتْ بهِ الدنــــيا بآخر عهدِهـــا **** كالسيل ِيكســــحُ علـّـةِ الأرقــام ِ

 

2 - مدخل: الجواهري بـ"ذكرياتي" يجرّني إلى ابن الرومي وبودلير!!

حالنا حال، لا يخطر على بال، من وبال إلى وبال، ونأبى النقد الراقي الفعّال، لا نقبل به، ولا نتطلع إليه، وكلّنا عليه، نعم نحن من الأمم المترابطة اجتماعياً حتى ذوبان العقل الفردي الحر في العقل الجمعي المحبوس في تراث الماضي المكبل بقيودٍ دون حدود، وبكل إجابياته وسلبياته، لا نرى - ولا نريد أن نرى!! - الخيط الرفيع الفاصل بين سلوك وتصرفات الفذ الفرد كأمرٍ شخصي زائل وبادٍ، وبين فكره وفنه وعلمه كحق عام خالد وباقٍ، وهذا ما عانى منه الجواهري العظيم قليلاً من قبل بعض الأشخاص والتيارات السياسية والدينية، ولمسته وتأملت فيه طويلاً، ولكن هنالك مِن عباقرة العرب والغرب مَن قاسى منه مراراً ومريرا، فهذا ابن الرومي، رماه الدهر جانباً في حياته رغم عبقريته الفذة، فلم يبالِ به، ولا بفقره وأرزائه أي من الخلفاء العباسيين الذين عاصرهم، وعددهم ثمانية، لسلوكه الشخصي الموسوس الشاذ، صرخ، واحتج، وتوسّل:

مالي أسل من القراب وأغمدُ *** لِمَ لا أجرد والسيوف تجردُ

لِمَ لا أجرب في الضرائب مرةً **** يا للرجـــالِ وإنني لمهندُ؟

بلْ قد حكى التجريبُ أنّي صارمٌ **** ذكــرٌ فلم ألقى ولا أتقلدُ؟

لِمَ لا أحلّى حليةً أنـا أهلها *** فيزان بـــي بطلٌ ويكفي مشهدُ؟

لم يعر أحدٌ له أذناً، فمضى على دربه الطويل الشائك وحيداً، وقد وصل إلى مبتغاه الخالد، ولو بعد ألف عام من الهمس الخافت في بطون كتب ابن رشيق والعميدي وابن خلكان...، وقد أنصفه المعاصرون كالعقاد والمازني والأميني والأمين وشلق وجست ونمر وعكاش ...،وقد أدرك هو نفسه في عصره أنه بصير بين عميان، وشمس بين خفافيش ...!!:

عابوا قريضي وما عابوا بمنقصةٍ *** ولن ترى الشمسَ أبصارُ الخفافيشِ

والحقيقة كان معاصروه يرونه شخصاً غريباً، ولم يروا شعاع شعره وفكره إلى الدنيا كلّها بزمانها ومكانها" فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" .

وبعد ابن الرومي بألف عام، جاء للحياة شارل بودلير الفرنسي الشهير، رائد الحداثة العالمي، و قصيدة نثرها الأول، بالرغم من تأثره بالبالادات النثرية (مواويل قصصية) لمعاصره الوزيوس بيرتيران، سبق الرجل عصره الفرنسي والغربي، لم يفهمه أحد من ناسه المعاصرين، خلّفوه وراء ظهورهم فريداً، ولك أن تقول تقدّمهم وسار وحيداً، وهدهد القول إليهم بـ (أزهار شرّه):                  

الشاعر أشبه الأحياء بأمير الجواء

 

وهو في أوج السماء

ولكنه في الأرض غيره في السماء

غريبٌ طريدٌ...موضع ازدراء وعرضة استهزاء

إنـّه متعثر الخطوات لأن جناحيه الجبارين

يعوقانه عن المشي !!

لم تتأخر شهرة بودلير كثيراً بعد وفاته، انتظر عشرين عاماً فقط وتوهّج نجمه، وعمّ نور شعره على العالمين، وأصبح الحد الفاصل بين عصرين للشعر العالمي ما سبقه وما لحقه .

ليس المراد من هذا المدخل للوصول إلى أنّ جواهرينا العملاق كان مغموراً في قرنه العشرين - ولو أنّ ابن الرومي وبودلير حدد سلوكهما الشخصي كثيراّ على شهرتهما في حياتهما، لجهل معاصريهما - بل كان الجواهري الرمزالأول للأدب العربي في عصره 9، ولكنه عانى في حياته الكثير من الفاقة والسجن والمحاربات الكيدية، والاتهامات المجانية، والتدخل في شؤونه الشخصية، وحياته العادية، نترك المدخل الخانق الضيق الأفق العديم لندخل إلى رحاب الجواهري الشاعر العظيم .    

 

3- المدخل إلى رحاب الجواهري:

     بعد تدقيقنا الدقيق، وتحقيقنا الحقيق، بما لا لبس فيه إلا التصديق ! إنّ شاعر العرب الأكبر محمد مهدي بن الشيخ عبد الحسين بن الشيخ عبد علي بن الشيخ محمد حسن المرجع الديني الكبير في عصره (1)، والشهير بـموسوعته الفقهية (جواهرالكلام)، وإليه ومنها يعود نسب العائلة الجواهرية الكريمة، أقول ولد شاعرنا العبقري في السادس والعشرين من تموز عام 1899م / 1317 هـ (2)، في محلة العمارة بالنجف الأشرف، وأوصلت المعلومة إليه عن طريق صهره الأستاذ صباح المندلاوي في أواخر عمره المديد، وعلى ما قال لي أنه أقرّها، لذلك انتشرت من بعد، وكلّ من ذهب إلى غير تاريخنا لميلاده المدون - على أغلب الظن - لم يحالفه الصواب، وذهب مذهب جواهرينا في إصراره على التصغير، والكبير كبير !، ثم ماذا؟!! وأنا أتجول في صحن السيدة زينب بريف دمشق الشام غروب يوم الأحد 27 تموز 1997م، فجعت بسماع نبأ وفاته، وكانت فجر ذلك اليوم، بل صدمت،لا من حيث ما ستقوله لي: إن الموت حق ٌّ، وحكم المنية في البرية جارٍ ِ، وقد بلغ من الكبر عتيا، لا تحرجني عزيزي،أنا أتفهم هذه الأمور، ولست بغافل عنها وعنك، وإنّما لأن الرجل" مالىء الدنيا، وشاغل الناس " قرنا من الزمان، بضجّه (الضمير للقرن) وضجيجه، وعجّه وعجيجه، وبؤسه ونعيمه، وقضه وقضيضه، أيّ أنه عاش في هذه الحياة ما يقارب ضعف ما قضاه المتنبي ابن كوفته فيها (303هـ - 354 هـ / 915 م - 965 م)، وأكثر من ذلك عمراً شعريا، ونتاجاً أدبيا، ولو أن المقارنه تعوزها الدقة العلمية، والنظرة النقدية - كما تعرفون وأعرف - لكن استعارتي لمقولة ابن رشيق القيرواني في (عمدته) عن المتنبي في حق الجواهري ليس عبثا، وليس أيضا من السهولة بمكان، أنْ يحلّ محله - أي محل الجواهري - إنسان، أوشاعر فنان في آخر هذا الزمان !،، إلا ما شاء الله ... نعود إلى الصحن، والعود أحمد، أخذت برهة أتأمل أحوال الدنيا وأحداث العصر، ومصير الإنسان، الغافل الولهان، إذ يتربص به الموت، ويلاحقه القدر، وهو سرحان، لحظات فلسفية عابرة، وما الفلسفة كلـّها إلا " تأملا للموت " على حد تعبير آفلاطون، وراود ذهني حينها بيت الجواهري الرائع، وحكمته البالغة في الرصاقي بعد أن استحال إلى تراب (3) :

لغز الحياة وحيرة الألبابِ *** أنْ يستحيل الفكر محض ترابِ

وربطت البيت بقصيدة المعري الشهيرة الخالدة في رثاء أبي حمزة الفقيه (غير مجدٍ..)،خصوصاً البيت التالي، وأنا أسير على أرض مقابر قد دثرت، ثم كسيت:

خفـّفِ الوطء ما أظنُّ أديمَ الأرض ِ إلا من هذه الأجسادِ

خففتُ الوطء، وردّدت مع نفسي: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثم رفعت رأسي إلى السماء، كمن لا يريد أن يتجرع هذا المصير المؤلم - في حساباتنا - للإنسان، وعادت بي الذاكرة إلى سنة 1971 م، ووقفت مع مكابرة الجواهري، وهو يرثي عبد الناصر:

أكبرت يومكَ أنْ يكونِ رثاءا *** الخالدون عرفتهم أحياءا  

الله أكبر و أكبر على كل حال، والجواهري نفسه لاريب من هؤلاء الخالدين، وله خصوصية مميزة في وجدان العراقيين، ونفوس المثقفين منهم، فهو محل فخرهم، وعنوان أصالتهم،وعنفوان فروسيتهم:

أنا العراق ُلساني قلبهُ ودمي *** فراتهُ وكياني منهُ أشطارُ

وبلا شعورأخرجت ورقة كانت بجيبي، أحتفظ بها للحظات الفكرالخاطفة الهاربه، وسللت القلم الحسام، وهمهمت وحدوت وحسمت الأمر بـ (الكامل)، وبأبيات ارتجالية ثلاثة:

عُمْرٌ يَمُرُّ كَوَمْضَـــةِ الْأحـْـــــلَام ِ *** نَبْضُ الْحَيَاةِ خَدِيْعَة ُ الْأيَّـــــام ِ

هَلْ نَرْتَجِي مِنْ بَعْدِ عَيْش ٍخَاطِفٍ ***أنْ نَسْتَطِيلَ عَلَى مَدَى الْأعْوَام ِ

أبَدَاً نَسِيْرُ عَلَى مَخَــاطِر ِ شَفْرَة ٍ *** حَمْرَاءَ تَقْطِرُ مِنْ دَمِ الْآنـَـــــام ِ

تم ذهبت إلى شقتي في ضواحي مدينة دمشق الزاهرة، وعملت القهوه، وبتُّ ليلتي، ودخّنتُ عدة سكائر، وواصلت مشوار قصيدتي مستلهما شعر الجواهري، وذكرياتي والأيام، وما في اللاوعي من (أفلام)!، وأكملتها بعد يومين أو ثلاثة، بعد تجوالي في شوارع الشام الفسيحة،وساحاتها الفارهة، وحدائقها الغناء منفردا، فتمّ لي منها اثنان وثمانون بيتا، ودُعيت للحفل التأبيني الذي أقامه المثقفون العراقيون بدمشق في الثاني من شهر آب (1997م)، وكانت القصيدة العمودية الفريدة المشاركة، وشارك فيه كل من الباحث هادي العلوي، والدكتور عبد الحسين شعبان، والكاتب عامر بدر حسون، والشاعر زاهر الجيزاني، وختم الحفل نجل الفقيد الدكتور فلاح الجواهري نيابة عن العائلة الكريمة، وكان عريف الحفل الشاعر جمعة الحلفي،   ونشرتها عدة صحف عربية وعراقية بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته، منها(تشرين) السورية، و(الوطن) العراقية الصادرة من دمشق وغيرهما، ثم نشرت في العديد من المواقع الكبرى والرصينة.

نكتفي بهذا القدر الوافي من المدخل للجواهري الشافي .

 

4 - الجواهري ... على أعتاب ذكرياتي ....

عجيبٌ أمركَ الرجراجُ   *** لا جنفــــــاً ولا صددا

تضيقُ بعيشــــــةٍ رغدٍ *** وتهوى العيشةَ الرغدا

وتخشى الــزهدَ تعشقهُ *** وتعشـــقُ كلَّ من زهدا

ولا تقوى مصـــــامدةً *** وتعبـــــدُ كلَّ من صمدا

 

لا أستطيع استيعاب الجواهري بأجمعه، ولا الإلمام بكليته، هذا محال...!!،آلا وهو الجواهري و الجواهري - أنت سيد العارفين - قضى قرناً من الزمان في هذه الحياة، القرن العشرين كلـه - أو كاد - من ألفه إلى يائه، ووضع نيفاً وعشرين ألف بيتٍ من الشعر، وأنا القائل: (عشرون ألفاً صُفّفتْ أبياتها)، ثم ماذا؟ لا يوجدعندي - الآن في غربتي - مجموعة ديوان الجواهري سوى (ذكرياته)، الجزء الأول، وذكرياتي عنه، ومما قرأت منذ طفولتي المبكرة حتى شيخوختي المتأخرة !!، وأزعم معظم ما كتب عنه وأكثر !! وأيضاً مما حفظت من أشعاره، وهذه الشبكة العنكبوتية جنبي   بغثـّها وغثيثها!، المهم أنني أسير على سواحل محيط الجواهري العملاق، عملاق بمتانة إسلوبه،وقوة بيانه، وحباكة ديباجته، وسمو بلاغته، ووضوح عبارته، وحيوية نبضه، وشدة انفعاله لحظة سكب خوالجه وعوالجه، وبروز ظاهرة (الأنا) الفنية العالية المحببة سيان بتحدياتها الصارخة، أو عند سكب آلامها النائحة في شعره، وشعره غزير الإنتاج حتى أنّه بلغ قمة عالية بين شعراء الأمة على امتداد تاريخ أدبها، فإذا تجاوزنا الشعر الجاهلي الذي دون بعضه القليل بعد قرنين من ظهوره - ولا أقول ولادته ونشأته -، فما - مما وصلنا - في عصري صدر الإسلام والأموي ما يستحق عنده الوقوف للمقارنة نتاجاً بنتاجه، إلا أنّ الفرزدق (ت 114هـ) له حوالي (7235 بيتا)، وجرير (أيضا 114هـ)، وله (5640 بيتا)، فخلفا لنا مجلدات ديوانيهما الرائعين، نعم ! في العصر العباسي ترك لنا أبو نؤاس شعرأ غزيرا (ما يقارب اثني عشر ألف بيت)، بالرغم من قصر الفترة التي عاشها في هذه الحياة، على أغلب ظني بين (142- 200 هـ)، ولا أميل لأي رواية أخرى، وابن الرومي (221 - 283 هـ)، وصلنا شعره سليماً معافياً أقرب إلى التمام، فسبق الأولين والآخرين في كثرة النظم، فبلغ قمة القمم (30515بيتاً)، وهو غزير ممتع أي إمتاع، فالرجل قضى حياته شاعراً شاعراً لحظة لحظة، فما حياته إلا الشعر، وأسرّكم - من السرّ والسرور !! - والكلام بيننا، والحديث شجون، بقى شعره بتمامه، لأن الرجل كشخصية على قد حاله، لم يهتم ولم يبالِ به ولا بشعره أحد، فوصل إلينا أقرب للتمام، والحمد والشكر لرب العالمين على لطفه الخفي !!   و للمقارنة السريعة من بعدُ، ومن بعدِ جاء المتنبي (ت 354هـ)، له (5578 بيتاً)، فالشريف الرضي (ت 406 هـ)، له (13832بيتا)، ومهيار الديلمي (428 هـ)، له (22525 بيتاً)، وأبو العلاء المعري (449 هـ)، وأبيات شعره ما يقارب (13515 بيتاً)، ثم في العصر الحديث، ونأخذ تاريخ الوفاة بالميلادي، للظروف المرحلية، لأحمد شوقي (ت 1932م) حوالي (11336 بيتاً)، وخليل مطران (ت 1949م)، وله (23187 بيتاً، لم ندرج الشعر التالف أو المتلوف، ولا شعرالملحمات الدينية، أو الأرجوزات التعليمية، فالجواهري - مما يتضح على الأغلب - يأتي ضمن الأسماء الخمسة الأوائل في غزارة الإنتاج من بين كل شعراء العرب منذ عصرهم الجاهلي إلى يومهم هذا .

 

5 - "ذكرياتي" بين يدي ...!!

مسكت الجزء الأول من كتاب (ذكرياتي) لجواهرنا الجواهري، وقلبت ورقتي العنوان فإذا به صدر ذكرياته بمقولة لحكيم صيني تقول:" وُلدوا فتعذّبوا فماتوا "، لابدَ أن هذه الفكرة راودته فترة طويلة، بل تخمرت في ذهنه، وزُرعت في دمه حتى آمن بها قناعة لا تتزعزع، فجعلها الكلمة الأولى لكتابه الموعود، ولكن... جزما، أبعاد المقولة، واتجاهاتها الفكرية، وفلسفتها الحياتية، متابينة في عقلي الرجلين، فالتطابق محال، ومدلولها واسع على أية حال، وله أن يحلل أبعادها كما يشاء، و (ابن الرومي) (ت 283هـ / 896م)، قد سبق الرجلين بما ذهبا إليه:

لِما تؤذن الدنيا به من صروفها ****يكون بكاء الطفل ِساعـة ّ يولدُ

وإلا فما يبكيـــــــه منها وإنـّها **** لأفسحُ مما كــــــان فيهِ وأرغدُ

إذا أبصر الدنيا أستهلَّ كأنّـــهُ******بما سوف يلقى من أذاها يهدّدُ

وللنفسِ أحوالٌ تظلّ كأنـّــــها ***** تشاهدُ فيها كلَّ غيبٍ سيشــــهدُ

     المهم وُلدوا نعم وُلدوا، وإنما الولادة هل هي قدر محتوم، مقيدة في سجل معلوم، أم عقبى ملاقحة عابرة لمصادفة غابرة؟، فالرجلان تركا لغز وجود نائب الفاعل في المبني للمجهول لتعليل العقول، والعقول حقول !، وعلى العموم، الحياة لم تعطِ عهدا للحكيم الصيني ولاللشاعرالعربي، ولا لغيرهما، كيف ستكون، ولا تبالي بأحدٍ كي تقول له: ممنون !! سُعد أم تعذب، والمسألة فيها نظر، فالحياة لذة وألم، صحة وسقم، رخاء وعدم .وصاحبنا هو الأدرى بذلك، ففي قصيدته (سجين قبرص)، يطل علينا بقوله:

هي الحياة ُ بإحلاءٍ وإمرار ِ*** تمضي شعاعاً كزند القادح ِ الواري

أمّا في حكمته الصينية، فواضح لي ولك، ما أراد من المفرادات الثلاث إلا (فتعذبوا)، لماذا؟ لأنه - بغريزته الفنية - رام ما لا يُستطاع إليه سبيلاً، جمع النقيضين اللذة والثورة، الحنان والرفق بالخاصة، والحقد والألم من أجل العامة، وطلب من زمنه - كمتنبيه - " ما ليس يبلغه من نفسه الزمن"، فوقع في صراع الأضداد، وطغى على شعره التشاؤم، والكآبة، وعدم الرضا، والتبرم:

عجيبٌ أمركَ الرجراجُ   *** لا جنفــــــاً ولا صددا

تضيقُ بعيشــــــةٍ رغدٍ *** وتهوى العيشةَ الرغدا

وتخشى الــزهدَ تعشقهُ *** وتعشـــقُ كلَّ من زهدا

ولا تقوى مصـــــامدةً ***وتعبـــــدُ كلَّ من صمدا        

ومنذ ثورة النجف على الأنكليز (1917م)،وحصارها الشهير - وثورة العشرين من بعدها -، وكان حينها شاباً يافعاً، ارتسمت في ذهنه صورة لا تـُمحى، تخيلها شاخصة بعين الآخر، وعكسها إلينا من فوران دمه الذي لم يبرّده غليله، ولو بعد عشر سنوات منها، اقرأ معي ما يقوله في قصيدته (الدم يتكلم):

لو سألنا تلك الدمــــــاءَ لقالت ** وهي تغلي حماسة ً واندفاعــا

ملأ اللهُ دوركم من خيـــــــالي *** شبحاً مرعباً يهزُّ النخــــــاعا

وغدوتم لهول ما يعتريـــــــكم *** تنكرون الأبصار والأسمـاعا

تحسبون الورى عقاربَ خضراً ** وترون الدروب ملآى ضباعا

والليالي كلحاءَ لا نجمَ فيـــــها *** وتمرُّ الأيـــــام سوداً سراعا

     هل هذه الرؤية المتشائمة،هي رؤية الإنسان الجلاد المرتعب الخائف للإنسان الثائرالمنتفض المستشهد - والعكس صحيح في معادلة صراع الحياة - أم نظرة الجواهري السوداوية المستديمة المتأملة والمتألمة للحياة كلّها على طول الخط ؟ القضية تطول، وما انا بدارس، ولا باحث في حياة الجواهري، وشاعريته وشعره، وإنما نظرات عابرة على أعتاب (ذكرياته)، وأعني عدّة أوراق، سبقت فصوله المفصلة، مهما يكن من أمر، ما تنتظر منه أن يرى الدنيا بعد مصرع أخيه جعفر في معركة الجسر (27 كانون الثاني 1948م)، غير ما ذكره عنها موريا بكلمة (جسر ٍ) من النكد في (تنويمته للجياع)، التي نظمها بعد ثلاث سنوات (آذار 1951م) من الحدث الجلل ؟:

نامي فما الدنيا سوى *** "جسر ٍ" على نكدٍ مقام ِ    

و أترك إليك محيط الجواهري لتغوص فيه مراراً وتكراراً، لقد خلفنا الموت خلفنا ناسين أو متناسين، والموت حقٌّ لا ينسانا، قدم إليهما، فاستقبلاه مرغمين طائعين، أو كما يقول جواهرينا :

وأنَّ الحياةّ حصيدُ الممات *** وأنَّ الشروقَ أخو المغربِ !

وقفا الرجلان عنده حيث وقف العقل المحسوس المحدود من قبل، وكان يعنيان شأن الحياة الدنيا، وما عساهما أن يفعلا غير ما فعلا، الجواهري - ولا أدري بالآخر - بطبيعة الحال يكثرمن ذكر الله في شعره، وتـُعدُّ قصيدته عن الإمام الحسين (ع) من أروع الشعر العربي، والرجل ليس بحاجة إلى شهاداتنا، ولا يحفل بها، فلماذا الإطالة؟!! الآن صرخ في أذني ببيتين من الشعر، هازّاً بيديه مستهزئاً !:

دعِ الدهر يذهبْ على رسلهِ***وسرْ أنتَ وحدكَ في مذهبِ

ولا تحتفـــلْ بكتاباتـــــــــهِ *** أردْ أنتَ مـا تشتهى يُكتبِ !

ثم أردفني هامساً مع نفسه ببيت قاله في ثمانياته (نيسان 1986م)، ومضى إلى رحمة ربّه:

اللهمَّ عفوكَ إننّي برمٌ *** ولقد يُدسُّ الظلمُ في البرم ِ

إذن رجاء اقلبْ ورقة الحكمة، واقرأ الإهداء الذي كتبه الشاعر بخط ّ يده اعتزازاً وتقديراً واهتماماً وحبّاً: " أُهديه إلى من هم أعز علي من صفو الحياة إلى كلِّ مَن ودعّني من أهل بيتي وإلى كلِّ مَن اقام " .

وضعت لك خطـّاً تحت الجملة التي أروم التأمل فيها (بين هم والحياة)، فالشاعر رغم التشكي والتبرم والتشاؤم، بل حتى الكآبة المرسومة على تقاطيع وجهه، هو رقيق الطبع جداً، كشاعر مرهف الحسِّ، يفيض قلبه بالحنان والحب ِّ، والعاطفة الصادقة:

جربيني منْ قبل ِأنْ تزدريني *** وإذا ما ذممتني فاهجـريني

ويقيناً ستندمين علــــــى أنّكِ *** منْ قبلُ كنتِ لــمْ تعـرفيني

لا تقيسي على ملامحِ وجهي *** وتقـــاطيعهِ جميعَ شــؤوني

أنا لي في الحياةِ طبـعٌ رقيقٌ*** يتنافى ولونَ وجهي الحزينِ

ومن الطبيعي أنْ يكون أهله الأقربون أقرب إليهِ من حيث معاملتهم بالرّقة واللطف والحب، فهم الأغلون، ففكرة (الإهداء) مختزنة في وعيه لأهله، ووردت في مقدمة ديوانه المطبوع عام (1961م)، حين كتب قائلاً: " إلى قطع متناثرة من نفسي هنا وهناك ...أهدي ديواناً، هو خير ما أهديته في حياتي كلـّها، وقد لا أقدر أن أهدي إليهم شيئاً بعده "، و (صيغة الإهداء) - أيضاً - ليست بجديدة على ذهنه، وكان قد ضمنها في قصيدته (بريد الغربة)، التي نظمها (1965م)، وأرسلها إلى أهله في العراق:

ويا أحبابـــي الأغليـــن***منْ قطعوا ومَن وصلوا

ومن هم نخبةُ اللــذات***عندي حيـــــــن تنتخلُ

هُمُ إذْ كلُّ من صــافيت *** مدخــولٌ ومُنتـــــــحَلُ

سلامٌ كلـّــــــــــهُ قبـــلُ ***كأنَّ صميمــــــها شغلُ

وشوقٌ من غريبِ الدارِ***أعيــتْ دونـهُ السّـــــبلُ

ولهذه الإشكالية المعقدة بين الخاص والعام، وأعني بين خصوصياته العائلية الأصيلة والمتينة بروابط حبها الجارف من جهته على الأكثر، وعلاقاته الإجتماعية المتميزة و المتماسكة لمنزلته الأدبية الرفيعة، وبين المهمات الصعبة الملقاة على عاتقه عرفاً وطبعاَ لإثارة العقل الجمعي الواعي ... كم يجب تقدير وتثمين مواقفه الجريئة، وتضحياته الكبيرة إبان شرخ شبابه، ونضج كهولته، ولكن في شيخوخته - من سنة 1972م - أُثيرَ موضوع صمته واغترابه، لأغراض عديدة، ودوافع متعددة، اغتاض منها فردَ عليها - والشاعر ليس بكاتم غيض - متحاملاً على من تحامل، ومعللاً بتخريجات عامة على من تساءل، والعجيب أن ردوده تحمل في طيّاتها الانتقادات الواضحة والمباشرة، للمواقف المتخاذلة دون ذكر الأسماء، وينتقد ! وتعجبني من ردوده (1977م) هذه الأبيات الرائعة :

قالوا سكتَّ وأنت أفظعَ ملهـبٍ *** وعي الجمــوع ِ لزندها، قدّاح ِ

فعلامَ أبدل وكـــرَ نسر ٍجامـح ٍ*** حردٍ بعشِّ البلبــلِ الصـــــدّاح ِ

فأجبتهم:أنا ذاك حيثُ تشابكتْ ***هامُ الفوارس تحتَ غابِ جناحيِ

لكنْ وجدتُ سلاحهمْ في عطلةٍ ****فرميتُ في قعرِ الجحيم ِ سلاحي        

وقد يعذر من يعذل، ومن التفتَ وحلـّل بواطن (أعز علي من صفو الحياة)، يدرك أنه - إبان الحروب العبثية والمجانية - كان يخشى على المتعلقين به، والمخصوصين لديه من أفراد أسرته، داخل العراق وخارجه، بل حتى على نفسه، من سطوة نظام لا يعرف للرحمة معنىً، وشيخنا لم يرَ من حقـّه أن يتجاوز الخطوط الحمراء لأرواح ومصائر غيره، وبلا ثمن، ثم ما جدوى التهليل لهذا أو ذاك من المتحاربين أوالمتصارعين، قال الأبيات التالية - وفيها إشارة إلى أبنائه - من قصيدة ساخطة على الأوضاع، داعية للوحدة الوطنية ولمِّ الشمل على سبيل مقارعة الظلم والإرهاب، وجهها إلى صديقه السيد جلال الطالباني في (10/12/ 1980 م)، أي بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية بثلاثة أشهر، إثر رسالة من الأخير إليه، يحرضه فيها على التغني بالنضال:

يا صاحبي - ويموت المؤمنون غداً - ***وخالدٌ صدقُ قــــــولٍ ناصفٍ زَمِنِ ِ

حتـّى كأنّي - وأشبـــالي - بعيدهـــــمُ *** عُفـْرُ الأضاحي من المنحورةٍ البُدُن ِ

وكنتُ منهم كمصلوبٍ على وثـــــــن   ** ضحى على ربّــــــــهِ يوماً ولم يدن ِ

فلـــنْ أغني بأعـــــراس ٍ مهلهلــــــةٍ *** ولنْ أنوحَ علــــــــى موتى بلا ثمن ِ

والبيت الأخير واضح ومبين، فلا تضحية بلا ثمن ثمين، يعود مردوده للشعب والملايين، هذا رأيه، وربما لك رأي، لا أطيل عليك، والإطالة إفادة،إذا كان الوقت لديك يتسع، فالحديث عن الجواهري ممتع، رويدك - يا صاحبي - ما بقى لديَّ في هذه الحلقة إلا قصيدته (برئت من الزحوف)، نظمها الشيخ المشرف على التسعين في حزيران براغ سنة (1985م)، إذ صكَّ سمعه أخبار منتقديه، بل شاتميه، لموقفه الصامت من الحرب الرعناء، وتعالت حواليه الأصوات المنتمية من هذا وذاك، وهاجت عليه الأقلام المسيسة من هنا وهناك، وهرعت إليه سائلة عن سرِّ سكوته على هؤلاء وأؤلئك، فأجابها بإنسياب قافية شجية:

وســــائلةٍ أأنتَ تـُـسبُّ جهراً ** ألسـتَ محجَّ شبان ٍوشيــبِ؟

ألستَ خليفة َالأدبِ المصفـّى ** ألسـتَ منارةَ البلدِ السّليب!؟

أيسرحُ شاتموكَ بــلا حسيبٍ **وتسمعُ من هناكَ بلا نسيبِ!

أقولُ لهـــــا ألا أكفيكِ عبئـاً   ** ألا أ يكِ بالعجبِ العجيــبِ!؟

لقدْ هجتِ اللواعجَ كامنــاتٍ ***وقدْ نغـّرتِ بالجرحِ الرغيبِ

برئتُ من الزحوفِ وإنْ تلاقت **تسدُّ عليَّ منعطفَ الـدروبِ

زحوفُ "الرافدين"فقدْ تهزّتْ **بهنَّ مزاحـفُ البلــدِ الغريبِ

برئتُ من الزحوفِ بدونِ حول*سوى قـُبُلِ الحبيبِ على الحبيبِ

لتسلمهُ إلى وبش ٍخسيس ٍ****ومرتكبٍ ومشـــــبوهٍ مــريبِ

إلى صُحفٍ تسفُّ بلا ضميرٍ** سوى ما دُسَّ منها في الجيوبِ

برئتُ من الزحوفِ مجعجعاتٍ ***تخلـّفُ سكتة ّالموتِ الرهيبِ

مباحٌ عندهنَّ دمـي لذئـــبٍ *** ولا أسدٌ يبيـــحُ دمـــــــاً لذيبِ

وأُنبَذ ُ بالعــراءِ بلا نصير ٍ***** نبيل ٍأو أديـــبٍ أو أريـــــــبِ

بيت القصيد المفيد ما قبل الآخير، وخلاصة القول " ولا أسدٌ يبيحُ دماً لذيب ِ"، هل اقتنعت يا قارئي الكريم، أم أنّك تهزُّ رأسك حائراً بين الرفض والقبول، لك ولي ما نقول، وله: أعزُّ عليَّ من صفو الحياة !! وإلى الملتقى، فالموضوع ما انتهى سبيلا....وكفى بالله وكيلا!

 

كريم مرزة الأسدي

..............................

(1) الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر بن الشيخ عبد الرحيم النجفي، ولد في النجف الأشرف بحدود 1192هـ / 1778م (تختلف الروايات في سنة ولادته)، وتوفي فيها سنة 1266 هـ / 1850م، ودفن في مقبرتهم الشهيرة قرب الصحن الحيدري الشريف، تزعم الحوزة، وكان المرجع الأعلى للطائفة الامامية في جميع أنحاء العالم، اشتهر بموسوعته الفقهية الاستدلالية (جواهر الكلام)، أنجب من الذكور ثمانية، كلهم خلفوا إلا الشيخ حسين، إذ توفي شابا قبل الزواج،والعائلة الجواهرية ترجع بكنيتها، ومجدها وشهرتها إليه.

(2) هنالك روايات تجعل ولادته في 17 ربيع الأول سنة 1317 ه ـ لذلك عزفت عن ذكر الشهر واليوم لعدم تيقني تماما من صحتهما.

(3) توفي الرصافي 1945م، وقال الجواهري بيته في ذكرى الرصافي 1959م .

(4) العقيد عدنان المالكي شهيد الجيش السوري، وجهت دعوة مشاركة للجواهري في الحفل التأبيني الأول المقام سنة 1956م، إذ شارك بقصيدته الهمزية، وبعدها بعام شارك برائيته، ومنها البيت (أنا العراق ..).

(5) في سنة 1995 م قـُلد الجواهري وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة ـ تكريما للشعر ورجالاته في الوطن العربي، وأقيم للمحتفى به احتفالا كبيرا، وقلدته وزيرة الثقافة السورية الدكتورة نجاح العطار الوسام، والحق نال عدة أوسمة وجوائز منها جائزة اللوتس، وجائزة سلطان العويس ....    

مع سلام إبراهيم

adnan aldhahirالروائي الأستاذ سلام إبراهيم، أبو كفاح، هو خير مَنْ أفتتحُ به عام 2016 رغم شعوري الأكيد أني عاجز عن إيفائه حقه والوفاء له روائيّاً متميّزاً ورجلاً شجاعاً وفيّاً مُخلصاً لكل أمر ذي قيمة في الحياة. إنه قريب جداً من معارفه وأهله فضلاً عن أصدقائه مَن فارق الحياة منهم كلٌّ حسب الطريق الذي اختار قتيلاً شهيداً تحت تعذيب جلاّدي البعث وكلاب زمهرير صدام حسين أو قتيلاً في جهات الحروب أو شهيداً مقاتلاً في جبال كردستان العراق ومنهم مّنْ قضى حسب شرعة وقوانين الحياة مثل أحكام العمر والمرض وما إلى ذلك. إنه بينهم لا يغيب عنهم وهم عنه لا يغيبون ولا يفارقون مخيّلته صاحياً ونائماً.

سبق وأنْ كتبتُ ثلاث أو أربع مرّات عن بعض رواياته السابقة وحين قررتُ اليومَ الكتابة عن روايته الأخيرة "إعدام رسّام" (1) رأيت من الضروري الرجوع إلى تلك الروايات وإلى ما كتبتُ عنها. وأنا في أوضاعي الراهنة المقبول منها والغادر القاهر أجد صعوبة في العثور على تلك الروايات لأغني كتابتي الأخيرة هذه وما عساي سأقول فيها. أرجأتُ مراراً التفتيش وأرجأت محاولاتي مراراً فمتى أفلح في مسعاي وأعثر على ضالتي المنشودة ؟

تدور تفاصيل رواية " إعدام رسّام " حول محنته وما أصابه إثرَ إعدام أخيه كفاح الذي يصغره بثلاثة أعوام وكان أخوه يمارس الرسم رغم كونه طالباً في الجامعة التكنولوجية في بغداد ومن هنا جاء عنوان الرواية وأحسبُ من باب الحِدس ومعرفتي بالسيد سلام أنَّ سلاماً فكّر طويلاً قبل اقتناعه بهذا العنوان ففي السجع شئ من التكلّف المتعمد. وحين يقترب سلام من عالم المرأة وجسدها يفقد نفسه كلاًّ أحياناً وجزءاً أحياناً أخرى لكنه في كافة الحالات يُبدع ويسيح ويهيم ويحلم ويتخيّل حدّ الدنو من بعض المحذورات أو المحظورات. أقول هذا الكلام لأنه أفرد فصلاً خاصاً في روايته هذه أسماه " في متاهة الأعماق السحيقة " / الفصل الثاني وهو أطول فصول الرواية. خصصه للكلام عن زوج أخيه القتيل فانطلق على سجيته والطبع الذي جُبلَ به فخلط مأساة أخيه وقصته التي لا يعرفها أحد من أهله مع هذه الفتاة التي كشفت له ولأول مرة أنها قرينة أخيه كفاح.

نعم، خصص سلام فصلاً طويلاً كاملاً لهذه الفتاة لكنه واظب على ذكر أهله وناسه والده النجارعبد إبراهيم سوادي ووالدته المرحومة " عليّة عبّود " وزوجه الوفية المكافحة بطلة جبال كردستان وضحية أسلحة صدام الكيميائية السيّدة ناهدة جابر جاسم أم كفاح ... فضلاً عن ذكره لأسماء بعض شقيقاته وإحدى عمّاته التي غامرت بإيوائه في دارها وكتب في ذلك رواية مستقله أسماها " الأرسي " وقد كتبت عنها في حينه.

يبقى الطابع العام الطاغي في هذه الرواية هو عالم الشرود والسياحات السوريالية في طقوس وأحياء ودور وبنايات كثيرة الغرابة يرى سلام فيها كائنات مشوّهة أو ممزقة الثياب والأجساد ويختنق في دهاليز وسلالم حلزونية ويصطدم بأحجار وآجرّ بيوت وجدران رطبة كريهة الرائحة فما تفسير ذلك ؟ الهروب من هذه الحياة حيث الحروب والجوع والإختباء القسري والملاحقات والإغتيالات والإعدامات في جبهات الحروب أو الشنق أو الموت تحت التعذيب ؟ الغثيان والجزع ثم التخمة من الحياة وما فيها؟ الجزع من عالم الفيزيك الثقيل الوطأة واللجوء إلى عالم الميتافيزيك الخفيف؟ ما كان سلام عضواً في الحزب الشيوعي العراقي لكنه كان دوماً قريباً منه ومن أعضائه ثم اصطف معه أكثر حسب " القاعدة الزوجية " ذاك أنَّ السيدة أم كفاح شيوعية ملتزمة حتى كسر العظم. وجدتُ الكثير من أوجه الشبه في مثل هذه الكتابات الشرودية السياحية السوريالية سواء في هذه الرواية " إعدام رسّام " أو في غيرها من الروايات السابقة خاصة في رواية " رؤيا اليقين " وقد كتبت عنها. نرى في عالمه السوريالي الغامض المشوّش هذا رجال دين بعضهم يقرأ القرآن مُرّتلاً فيطربه ويسكره الترتيل أو يرى أحدهم مُصليّاً فيخشع سلام ويقع تحت تأثير هذه الأجواء الدينية ويرى طيوراً خُضراً وأضرحةً للأئمة وأولياء نعرفهم يذكر سلام أسماء بعضهم ويلوذ بهم بعبارات متداولة بين المتدروشين مثل (مدد مدد ..... حيّ حيّ ... يا علي ... حي حي يا أبا الحسن يا داحي باب خيبر يا مُيسّر الحاجات و ..... ). وكما ذكر اسم مدينة النجف ذكر أسماء مدن عراقية فيها أضرحة أئمة آخرين مثل كربلاء والكاظمية. لم ذكر مدينة مشهد حيث مرقد وضريح الإمام الثامن علي بن موسى الكاظم إبن محمد جعفر الصادق ومكة والمدينة. إنه تأثير الوالدات وأنا شخصياً أعرف ذلك وأتفهّمه ويا ما سحتُ وطوّفتُ مع والدتي في طفولتي كلما وحيثما ساحت وطوّفت. أذكر أرقام صفحات الرواية التي جاء فيها مثل هذا السرد وألفت النظر إلى أوجه التشابه في محتويات هذه الصفحات وأعني ما ورد فيها من تهويمات وسياحات سوريالية يتسربل سلام فيها بعالمي الدروشة والتصوف والبخور وروائح المِسك والكافور والبخور والعنبر : الصفحات 9 ـ 12 والصفحات 153 ـ 159 وفي الكتاب صفحات متناثرة أخرى شبيهة بما ورد في هذه الصفحات.

 

القتيل كفاح وواقعة الطف في كربلاء عام 61 للهجرة:

تكلم سلام عن فاجعة مقتل أخيه كفاح كأنه يصف ويتكلم عن حادثة مقتل الحسين بن علي في طفوف كربلاء. أبدع في وصف هذه الحوادث وكأن في رأسه بعض الصور المتداولة اليوم يظهر الحسين فيها حاضناً بعض أخوته وأبنائه القتلى مثل أخيه العباس وولده عليّ الأكبر أو حاملاً عالياً جسد طفله الرضيع عبد الله مذبوحاً بسهم. تساوى الحدثان المأساويان لديه إنساناً وشقيقاً وكاتباً وجذراً شيعيّاً مُنحازاً كباقي الشيعة للحسين وآله. ذكر الشمر بن ذي الجوشن الذي حزَّ رأس الحسين بعد مقتله كما قرأنا في بعض روايات التاريخ. الشَمِرُ حاز رأس الحسين هو صدام قاتل أخيه كفاح ووالدته وشقيقاته هنَّ زينب أخت الحسين. إنها الجذور وإنها التربية البيتية والمجتمع الذي يحيط بنا ونتكوّن ونتشكل فيه. هنا نجد الخلفية التأريخية لحادثة إعدام كفاح ولولاها لمرَّ الحدث أمامنا سريعاً تاركاً أثراً باهتاً فضحايا صدام وحروبه وغزواته ونزواته قد تتجاوز المليون ضحية من شباب العراق أو أكثر عسكريين ومدنيين. أُحيل القرّاء الكرام (أقصد الجنسين بالطبع) للصفحات 36 ـ 39 .

ملاحظة : في الكتاب بعض الهنات اللغوية الطفيفة على رأسها مشكلة سلام مع الهمزة فويلٌ للهُمَزةِ اللُمَزة ! عزيزنا سلام ، القاعدة بسيطة فخذ بها واتّبعها : في حالة الرفع توضع الهمزة على الحرف واو مثل رؤوف و امرؤ القيس و مراؤون و بؤس و سؤدد وغيرها . أما في حالة النصب فتوضع الهمزة على ألف أو تتُرك سائبة حُرّة كأي شلايتية دايحة مثل: جاءَنا و هزأَ بنا و طردتُ أعداءَنا ومثل هذا لا يُعد ولا يُحصى. أما في حالة الجر فتوضع الهمزة على كرسي لأنها ملكة تحب الراحة والأبّهة والجاه والسلطان مثل: في أحيائهم مرضٌ و في أكثر أهوائهم خبال و لدى مجيئهم هرب العدو و ملوك آبائهم شجعان وهكذا فاتبع يا سلام هذه القاعدة علماً أنَّ هناك حالات فيها بعض الإشكاليات وخلافات فالأخوة المصريون وبعض عرب شمال إفريقيا يكتبون " شئون " وأهل العراق يكتبونها " شؤون " وهذا هو الصحيح.

 

عدنان الظاهر

...........................

* إعدام رسّام . رواية لسلام ابراهيم . الناشر دار الأدهم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر. الطبعة الأولى 2016 .

 

      

الفرادة الشعرية وتجليّ الذات في ديوان "أغنية شخصية" للشاعر العراقي سلام دواي

826-khahtanالكتابة الشعرية ليست التبحر في اللغة أو محض اشتغال قاموسي عليها، رغم اهميتها الحاسمة، ولا هي، ونقصد هنا قصيدة النثر بالتحديد، مجرد " انفتاح على مستويات عدة من الصيغ والأشكال وانفتاح خطابها التعبيري على كافة الانساق السردية والشعرية، جعلها فضاء مفتوحا للتعبير الذي قد لا يتطلب في بداهته جهدا لغويا او ايقاعيا او تصويريا"(1)، كما يعتقد البعض، بل هي الى جانب كلّ ذلك، توظيف للتجربة الانسانية والمشاعر الذاتية في عملية خلق عميقة يتجلى في سياقها حوار حميم بين الذات الشاعرة وما يحيطها من وجود حياتي وتجربة انسانية في تصارع او شدّ دائميين ايضا. ليس كلُّ قصيدةٍ شعرا ولا كلّ شعرٍ قصيدة. الشعر هو التحديق في العالم بعين مبصرة وعواطف حساسة، حيث ترتعش ذات الشاعر امام الوجود والانسان والطبيعة. لكن لا يكفي ان ينشغل الشاعر في شعره، كما يشير أدونيس في احدى رسائله، في " قضايا عامة. مشاكل وأفكار عريضة واسعة" بل يضيف مؤكدا " ما يعوزه هو الدخول في هذه المواضيع، هو ثقبها و (التسلل) اليها و(الغوص) في اسرارها لكي تتضح من الداخل" (2). مهمة الشاعر تتجلى إذن في الغوص وفكّ اسرار الاشياء والموضوعات. بالمقابل فانه يمكن كتابة نصوص تحمل مشاعراً إنسانيةً وتعبر عن عواطف مثيرة، إلاّ انها لن تكون الشعر، فالشعر هو ذلك الفضاء الذي يكتنز المعنى الروحي والوجودي للانسان، " لأن الشاعر لا يعانق إلاّ الجوهري في عصره"(3). في هذا السياق تأتي قراءتي النقدية لديوان الشاعر سلام دواي " أغنية شخصية" الصادر عن دار الروسم في بغداد عام 2014، في محاولة لرصد العناصر التي تشكل لحمة خطابه الشعري من؛ صورة، تكثيف لغوي، ايقاعات داخلية، تشبيه واستعارة وترميز، اي ما يمثل اسلوبيته الشعرية، ثم تقصي الدلالات التي تحيل عليها تلك العناصر في استبطان المعاني المتضمنة في الافكار والثيمات المتنوعة التي تتعامل معها الذات الشاعرة في تجربتها الوجودية.

 

جسد الديوان وكيانه الشعري:

826-khahtanيتضمن الديوان 82 قصيدة، تتسم بتقنية شعرية مرسومة بدراية مسبقة، قد تشذ في هذه او تلك القصيدة، وتحمل بنيتها العامة علامتها الخاصة بها، وتمنحها فرادتها الشعرية التي تكشف بنفس الوقت عن وحدة داخلية تشدّ القصائد ببعضها كيكان شعري متجانس. تقوم هذه التقنية على محاور متعددة اهمها؛ السخرية والتهكم، المفارقة، البناء الدائري للنص، الحكاية، تزاوج الماضي والحاضر، وغرائبية الصورة الشعرية. يمكن للقاريء ان يكتشف في بعض قصائده، بعض الظلال الشعرية لشعراء اخرين، كمحمد الماغوط وصلاح فائق، وخاصة فيما يتعلق بالتهكم والمفارقة وغرائبية الصورة، (ص.25-26،58-59،73،77،78،82،88،109،،123، 138...وغيرها)،   الا ان قصائده تحتفظ مع ذلك بما اسميه " التهكم المستتر"، أيّ التهكم الذي لا يهدف للازدراء والصدمة المباشرة، كما نلاحظه عند الماغوط، بل "التهكم اللفظي الذي يستخدم عبارات ذات معانٍ مضمرةٍ ليعني بها أمرا آخرا"(4)، إنه التهكم الذي يلمس الاشياء والقضايا التي يتناولها بحميمية على شكل مفاجأة، فاتحا بذلك باب الاسئلة والدهشة والفضول، كما ان غرائبيته لا تتوغل بعيدا في تفاصيلها، مثلما عند الشاعر فائق، بل تكتفي بالبقاء على تخومها والدخول الحذر في عالمها.

نصوص ديوانه تشتغل على موضوعات شتى؛ الغياب، الحرب، الهجرة، العلاقة بالمرأة، الماضي، القصيدة، الحنين، وحول الشاعر نفسه وقضايا يومية اخرى تشغل الانسان عموما. وفي كل هذا لم يغب الوطن عن القصائد وما تركه من آثار ملموسة فيها بعض من القسوة والحزن على حياته وشعره. مع ذلك فقد جاءت صافية رقيقة، خالية من التبرم، الادعاء، او الخطابة المباشرة. انها تبحث عن دوافع الانسان في اشراقاته وخيباته وما يواجهه من تناقضات وتعقيدات وكبوات في سياق هذه التحولات. انها باختصار مونولوجات ذاتية، مكثفة، فيها لمسات فجائعية، ومسحة كآبة، لا تخلو من لمسة أمل، تعززها فكرة واثقة " طائر أنا اطفو على وهم، لأغرق في الأعالي" (ص.20)، او كما يكتب في قصيدة اخرى:

" حياتنا نزهة قصيرة فازرع لأبنائك حديقة

يريدك الله أن تتمتع

يريدك ان تبتسم" (ص.121)

وهي كوّة أمل يسعى من خلالها لرؤية العالم عبر رسم معالم متخيلة لأمنيات كانت بعض تفاصيلها ذات يوم جزءا من حياته، فهو لا يختفي في الفراغ، او ينزوي في الظلمة ويكتفي بالنحيب على ما اضاعه من الماضي، بل يخلق حلمه، خلاصه الممكن متشبثا :

" اجعلني أيّها الشاعر قصيدتك

أيها الشادي أغنيتك

أيتها العرافة تعويذتك

أيتها الصبية ضحكتك

ويا أيتها الريح

حفيفك في أعالي الاشجار

أيها النسر جناحك

وياأيها البلد اجعلني

أيقونة أور" ( ص.38-39)

  

التهكم والسخرية وحسّ المفارقة:

تهكمية قصائد سلام دواي، كما أشرت، لا تهدف الى الحط من الآخر والازدراء به بقدر ما تهتم بحثّه على التنقيب في الحدث والموضوع والعلاقة الانسانية. انها تكشف عن همومه بالذات وتوجه لهذا خطابها الشعري نحو جوهر تجربته الخاصة. فهو عندما يكتب عن الحرب ويتهكم بها لا يقدم تفاصيل عن صور للقتلى وخيانات الجنود او وصف لجنرالاتها، بل يتحدث عن نفسه، وتجربته الخاصة به، التي هي أيضا تجربة العديد من البشر، التي تكشف عن الضعف الانساني في اجمل تجلياته وتناقضاته؛ مثلا عن تلك المفارقة بين ان يكون المرء في الحرب التي تتطلب العنف والقتل والدمار واللاخوف من الموت، وبين ان يرفض قتل جربوع لأنه رأى في عيني انثاه " البريق الذي يتكسر " (ص.58)، ولا يتوقف عند هذا، بل يصف حاله ويقدم لنا صورة شعرية تنم عن احساس جيّاش بالكائن، ايّا كان، خاتما نصه بالسخرية من الحرب والدولة التي اشعلتها :

" قمت لادفنه وأضع على قبره راية الدولة

لولا انهم أتهموني بالسخرية

يومها كانت الدولة

راية وطبل

وكان الرصاص يقتل الناس والجرابيع." ( ص.59)

ويكتب في نص آخر متكهما عن الوطن أيضا، كاشفا عن تلك الاشكالية التي تصيب الانسان الذي يهجر بلده لاسباب متنوعة :  

"الوطن حجارة تشجك وتقبلها

(... )

سجنك الذي تهرب منه

الى آخر العالم

لتجلس هناك وتفكر فيه

الوطن دودة" ( ص. 78) .

نلمس في هذه القصيدة ثمة غضب وحرقة ومرارة عن الوطن الذي تحول الى ما يشبه المرض- الدودة، السجن الذي ما يزال يقف امامه كشبح رغم انه في آخر العالم.

وتتوالى هذه المرارة المتهكمة حين يكتب عن الحب المفقود :

" الآن تسأليني

هل أحبك؟

لماذا تعيديني الى البداية

فأسير من الخندق متهالكا

كشاحنة قديمة

كتب على مؤخرتها

مركبة طويلة - الحب عذاب" ( ص. 94)

"التهكم يتطلب انتباه محدد، والقدرة على الحفاظ على الافكار المتضادة، حتى عندما تتصادم مع بعضها. "(5) كما يقول الناقد الاميركي هارولد بلوم. ان تجريد القراءة من التهكم والسخرية يعني تجريدها من الدهشة والمفاجأة، وهو ما استخدمه الشاعر بوعي واتقان في قصائده. وكثيرا ما يلازم التهكمُ المفارقةَ في قصائد الديوان كي تساعد غالبا في شحن عاطفة القاريء، جاذبة أيّاه بتؤدة اليها كما لو انها تدعوه ليساهم، كما في احدى القصائد، في طرح السؤال الوجودي؛ من أنا:

" كنتِ قلقة ليلة أمس

وأنا كذلك

لكني حين نظرت إلى المرآة

لم أكن كذلك" (ص.69)

تقوم المفارقة هنا بدور المفاجأة والكشف في مسعى لتعميق الفكرة الشعرية والغور في اعماقها، وتتجلى هذه المفارقة بصورة اوضح حين يكتب " لاننا دائما نربط القصيدة حول القلم، كم الشعر جميلا خارج الورق" (ص.75)، او حين يعبر بشيء من الغضب المستتر في قصيدة " ذرق نسر"،حين يتحول الشعر الى ملاذ اخير ممكن وكتعويض عن الوطن الذي صار بعيدا :

" أدخن بسخاء

مثل شجرة تحترق

وأعود لقصيدة حزينة

محتجة وغاضبة " (ص.141)

 

البناء الدائري والحكاية في النص:

اعتناء دوّاي ببناء قصيدته يمكن ملاحظته في العديد من القصائد، سواء عبر تكرار العبارة او الفكرة، كما في قصائد " كلب وغيمة" (ص.11) وقصيدة جسر(12-14) او في "بانتظار الباص"( 84-85)، او من خلال احكام دائرية بنية النص. حيث يفتتح نسيج القصيدة بعبارة ويختتمها اما بنفس العبارة أو ما يقاربها او بنقيضها. وهذا واضح في قصائدعديدة من الديوان، فمثلا في قصيدة " أغنية شخصية" (ص.25-27)، حيث يفتتحها ب " أنا شاعر حزين من بلاد عجيبة" نجده يقفل خاتمتها أيضا ب" أنا شاعر حزين من بلاد عجيبة". بينما في قصائد اخرى يلعب تكرار عبارة او مفردة بعينها دورا في كشف المعنى في الصور الشعرية التي تتوالى عبر التكرار لتصل الى ذروتها المطلوبة كما في قصيدة " جسر" (ص. 12-14)، مثلا . ففي هذه القصيدة يسرد لنا شعريا احداثا من التاريخ متخيلا جسرا من الخشب وقد مرّ عليه غزاة ومهاجرون، اللصوص والقتلة، الثوار، ثم ينهي القصيدة للعودة الى جسر يعرفه من ماضيه دون ان يوحي بذلك مباشرة " إهدئي ياصغيرتي انه الجسر القديم". وفي مكان آخر يتكرر ذلك، حيث تتوافق البداية والخاتمة في بنية القصيدة لتحقق المفاجأة التي تشدّ ذهن القاريء الى معانيها المبثوثة في سياق النص بينهما:

كم هو واسع وجميل

أن تعيش حياتك على ورقة

أن تجلس على مصطبة

بانتظار الباص

(...... )

يأتي الباص فلا تصعد

لأنك في الورقة

لا تنتظر الباص" ( ص.84)

 

الماضي والحاضر ومحنة الغياب:

يشكل الماضي عنصرا مهما في قصائد الديوان، فاذا كانت حياة الشاعر الراهنة، كما توحي به القصائد، هي سلسلة من نكبات حيث يكتب" هربتُ من حديقة الحزن الى حقله الكبير" (ص. 37)، فان الماضي شاخص وحاضر في نسق قصيدته وفضائها. الماضي يلازم الحاضرويغذيه بشراهة وقسرية وبوجع احيانا. انه ماض عن ابيه، عن حبيبته، عن بغداد التي تحولت الى " بقعة حبر اسود، على قميصي الأزرق، وهو يرفف على حبل أسود" (ص.140). ما يؤلمه من تذكر بغداد ليس غيابها بل" ما لا ادركه بحضورك" (ص.15). فهو وجع عن غياب الحضور واستحالته ـ غياب لا تفسير له او منطق ولا يمكن ادراكه، لانه يلح ويطل عليه دون سابق انذار، لانه دائم الوجود " ستكون دائما هناك، في المرفأ القديم، ساحتاجك ولكن كأثر قديم" ..هذه الاستحالة، الغياب، الذي يكرر زياراته مرة على شكل جسر قديم، او مرة على شكل ذكرى " اهلنا الذين يشبهون الحرب " ( ص. 18)، او عن ابيه العامل الذي يتزوج في بغداد ويكون عائلة ويقرأ الكتب، هذا الأب الذي فقد هو الآخر تلك الاشياء الحميمة والمصادفات التي تسمهُ، حيث " سرق الاقارب نصف المصادفات وكامل المكتبة" (ص.24).هكذا نرى ان الماضي يلاحق الشاعر عبر الاشياء الصغيرة، وهو يذكره بحياته التي ما تزال هناك في الضفة البعيدة: حيث الشارع، المقهى، الناس، انها حمّى ماثلة منغرزة في الجسد والروح كوشم النار، حتى الضحايا كفوا عن زيارته:

"كلّ يوم تأتي الضحايا

لتقاسمني سريري

كلّ يوم يموت فيك نبي

ليعيش منافق

كلّ يوم تنمين كجرح

وتتقيحين كدملة

وتلاحقين أبنائك

كرة من نار"( ص.34)

انه ماضي مشبع بالاسى والحروب والخسارات، يترك اثاره البعيدة على الحاضر عبر الاحساس بالفقدان والغياب، يتسرب في القصائد على شكل حكي، وهي سمة اخرى من سمات القصائد؛ الحكي في جمل مكثفة يفيدها ويغني صورها التكرار، حيث يأخذ الشاعر بيد العبارات كطفلة تتعلم المشي للتو، كحارس أمين، ويقودها نحو نهاية القصيدة حيثما تكون المفاجأة والفاجعة غالبا في ذروتها.

 

لغة القصائد:

سلام دواي يكتب وعينه مفتوحة على اتساعها في تفاصيل الاشياء الصغيرة..تلك الاشياء التي لا يراها سوى الانسان الذي يمتلك حسا خاصا بها، ويتعامل معها باعتبارها مخلوقات متجددة تعيش حياتها الخاصة. وهكذا فقد لامست لغته حتى الاشياء الصغيرة والعابرة، وهي لغة تمنح نفسها ببساطة متناهية الى درجة توهم القاريء العادي فيما اذا كان ما يكتبه شعرا، لانه يكتفي، واقصد هذا القاريء، بما هو مكشوف على سطح اللغة والتعبير ويفشل في الدخول في تلك الاعماق. لكن القراءة التي تذهب الى ابعد من ذلك، التي ترى في البساطة جمالا آخر يتسم بالتواضع والغنى،ستكتشف ثراء المعاني وعمقها. وهي ايضا لا تخلو من تركيبات لغوية شعرية تحيل الى غرائبية حميمة تحيل الى حياتنا الراهنة الملتبسة اكثر مما تبعدنا عنه..

لغته تتسم بجمع المفارقات في وحدة جدلية، ثمة توائم للاحداث .. الحي يسأل الميت، والحي لا يعود الى البيت " لكي لا يشعر بانه ميت" ص. 9. وانفتاح الصورة الشعرية على تجليات التجارب الانسانية والذاتية اليومية في قصائد " تعلم كيف تقفز "ص.105-106، و"نمر وحمار وقرد" ص. 128-129 وغيرها.. كما ان هناك رومانسية تتشي بواقعية " الشاعر: ص.86-87، و"وردة" ص. 45-46، وتتحول هذه الرومانسية الى فاجعة في قصيدة " ما يجب ان تفعله امرأة حزينة" (ص.116-119)، التي تفيض بعذابات وألمٍ سامٍ ممزوجة بسخرية مريرة عن حياة لم يعد من الممكن اصلاح خرابها:

" سرتُ حزينا في نورث تيريز

وألقيت خطبة حماسية أمام البرلمان

وحين خرج الوقورون من تحت القبة

بحثتُ كثيرا عن مطالبي

ولم أعثر على شيء

كنتُ قد خربتُ بيدي حياتي" (ص.116)

صاغ سلام دواي في ديوانه الراهن عبر هذه اللغة السلسة المتداولة نسيج خطابه الشعري، الخاص به، متبوءا مكانه في عالم قصيدة النثر باقتدار وحذر ووعي بشكل القصيدة ومبناها والمعنى الكامن فيها. ولهذا تمتلك قصائده فرادتها الشعرية، بأسلوبها الآخاذ وطريقة تناول ثيماتها وبنية القصيدة، التي تتجلى فيها الذات بوضوح معبرا عن تجربته ورؤيته ومعاناته وتصوراته.

 

بدلا عن الخاتمة:

الشاعر الحقيقي هو الذي يشارك قارئه باحاسسيه، الى درجة انه يشعر بان آلام الشاعر وافراحه وسعاداته تعود له. من هنا يمكن القول ان الشاعر سلام دواي في ديوانه الراهن " أغنية شخصية"، تمكن من الوصول الى قارئه دون عقبات ما..فقصائده، رغم انها " أغنية شخصية" تعدت اطارها الشخصي لكي تتحول الى أغنية حزينة مفعمة باوجاع مواطنيه، ماضيهم وحاضرهم، حيث تتجلى الذات فيها وهي تصارع حاضرها، تتناهبها ذكريات حميمة، لكنها موجوعة، منصتة الى أصوات قديمة بعيدة ما يزال صداها يتردد في الافق، الذي صار اكثر بعدا وعتمة . انه يمتلك بحق فرادته الشعرية في لغة تتسربل فيها اللواعج الانسانية بانسياب، صادق، متنوع وشديد الحساسية والصدق.

 

قحطان جاسم

....................

هامش

الارقام الموجودة بين قوسين المشار اليها في المقالة تحيل على سلام دواي، أغنية شخصية، بغداد، الروسم، 2014

 

المصادر:

1) عبدالله السمطي، انبثاق قصيدة النثر النسوية، نزوى، سلطنة عمان، مسقط ن 2008، ع.55، ص.47

2) من كتاب خالدة السعيد، حركة الابداع: دراسات في الشعر العربي الحديث، بيروت، 1982، الطبعة الثانية، ص. 78

3) يوسف سامي يوسف، ما الشعر العظيم؟، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1981، ص. 18

   (4 Defintion of verbal irony se http://literarydevices.net/verbal-irony/

5) Harold Bloom, How to read and Why, London , Forth Estate, 2000, p.27

         

الدين الحاجز بين رؤيتين.. قراءة في "أنا المتوكل طه" للكاتب محمد نضال دروزه

madona askarأنا المتوكّل طه الممعن في الغفلة والاتّكاليّة

أنا المتوكّل طه

وأنا الفرد والقائد في القطيع

في كلّ قبيلة بدويّة

وفي كلّ الطّوائف العربيّة

أنا الممعن في الغفلة

والبطولات البهلوانيّة

أنا شيخ الأحلام الغيبيّة

أحلام ملايين الجهلة

المغفّلين العجزة

المرميّين خلف شوارع التّاريخ

الاتّكاليّين

أرباب النّفاق

يجترّون كلاماً غبيّاً

ليس فيه يقين

وتعاليم عادات

وتقاليد من ماتوا

منذ مئات السّنين

أن لا تسيروا إلّا في الظّلام

حسب تعاليم شيخ الظّلام

طوبى لشيخ الظّلام

المجد لشيخ الظّلام

والكلّ أيضاً

يهذي بالكلام

أنا شيخ وفرد في القطيع

عقلي مسحور

بأقواس قزح

وأوهام سراب صحراويّة

ملهيّ عن همّ الدّنيا

مشغول بحماية أطواق العيب

وقيود الحرام

أعاقب من يتجاوزها

بما يناسب ذنبه من عقوبات

التّعذير والقتل والإرهاب

وأوّلها شلّ العقل

وإلغاء فعاليّته

في التّنمية والتّطوّر والبناء

وعقوبته الأخرى

وأد المودة والرّحمة

وقتلها في قلوب

تتمنّى الحرّيّة

والسّعادة في الحياة

ولسان حالي ينادي

في البرّيّة بين القبور:

مذهبي الغفلة

والخيبة نعمتي الفضلى

في الحياة الدنيا

وأملي في نعيم حياة أخرى

إن صحّت أحلامي الغيبيّة.

 

يعبّر هذه النّصّ بما يحمل من قضايا فلسفيّة واجتماعيّة واقعيّة، عن مجموعة كبيرة من الأشخاص المنهمكين في السّعي قدماً نحو التّقدّم الفكريّ من خلال تعزيز قدرات العقل بعيداً عن التّخدير الّذي تبثّه العقليّة الدّينيّة المتحجّرة والممعنة في استبعاد عنصر الوعي وسلب الإرادة الإنسانيّة في توظيف قدرتها على التّغيير باستخدام قدرات العقل على التّحليل والاعتراض والمناقشة المنطقيّة.

قد لا يحمل النّص في مضمونه عنصر الدّهشة الّذي يهزّ القارئ من دواخله العميقة. وقد لا تكون معانيه الشّديدة الوضوح تستدعي تأمّلاً من القارئ كيما يلج فكر الكاتب ويبلغ مقاصده. إلّا أنّه يمتاز بمخاطبة العقل. فنحن أمام نصّ عقلانيّ بامتياز يحاور العقل الإنسانيّ، ويحرّك ركوده الفكريّ، ويشجّعه على التّحرّر من موروث تقليديّ أثقل كاهله، بل شلّ عقله ودفعه للامتثال والاستسلام والاقتناع الأعمى بحيثيّاته.

ومع أنّ الكاتب ينتقد الفكر الدّيني بشكل عام أو يوحي بذلك، إلّا أنّه يتّجه بشكل خاص إلى دين معيّن، ما يبعد الموضوعيّة عن الانتقاد. فالفكر الدّينيّ أيّاً كانت اتّجاهاته، إذا ما حافظ على انطوائه القبليّ، سيرزح تحت نير العبوديّة، ويدخل الإنسان في غيبوبة عقليّة.

- الأنا المخدَّرة:

باستخدام ضمير المتكلّم (أنا) يضع الكاتب نفسه موضع المتكلّم باسم الضّمير الإنسانيّ المخنوق في عمق أعماق الذات المستسلمة والمرتهنة للفكر الدّيني المنغلق. ما يجعل القارئ يشعر أنّ الخطاب موجَّه إليه شخصيّاً من جهة، ومن جهة أخرى، يوقظ في داخله جوهره الحرّ، حتّى يستعيد وعيه اليقينيّ، ويتحرّر من قيود فرضها الفكر الدّينيّ بأساليبه الاستحكاميّة الهادفة إلى السّيطرة على العقل واستعباد الذّات.

(أنا المتوكّل طه الممعن في الغفلة والاتّكاليّة). يجرّد الكاتب طه، الشّخص الّذي يرمز إلى المتديّن المنغلق، من التّنبّه والإدراك، كما من التّفرّد، والرّيادة، والشّجاعة في خوض غمار المعرفة والبحث والاختبار الشّخصيّ. (أنا الفرد والقائد في القطيع). تحلّل هذه الجملة بتعابيرها الدّلاليّة شخصيّة المتديّن المنساق وراء الأفكار والأيديولوجيّات الدّينيّة، والسّائر مع القطيع دون تلمّس ما يهين كرامته الإنسانيّة، وينتهك حقّه المقدّس في التّعبير والاعتراض. فقائد القطيع لا يختلف كثيراً عن الفرد إلّا في حالة القيادة، بحسب الكاتب. مع العلم أنّ من يقودون الجماعات ويدّجنونها يمتلكون قدرات خاصّة بل ساحرة، تمكّنهم من السّيطرة والاستحكام. وهم المستفيدون الأولون من اعتلاء عرش القيادة. إلّا أنّ الكاتب يساوي بين الفرد والقطيع، ولعلّه يعدّ القائد جزّءاً من المنظومة الدّينيّة الغارقة في بلادتها واتّكاليّتها. ولا ريب أنّه يعني بالاتّكاليّة، الاستسلام للعقائد، والغيبيّات، والإيمان بما قدّمه الأسلاف، دونما التّنقيب في صحّته.

يجترّون كلاماً غبيّاً

ليس فيه يقين

وتعاليم عادات

وتقاليد من ماتوا

منذ مئات السّنين

 

- العقل المغيّب:

إذا كان الدّين رسالة سماويّة فحريّ أن يرفع الإنسان إلى كمال إنسانيّته. والمقصود بالكمال الإنسانيّ ارتقاء العقل وانفتاحه، وتنشيط قدرات النّفس وإطلاق العنان لحرّيتها في اختبار مسيرتها دونما كبتها وأسرها في ظلاميّة التّشريعات المحفّزة لإلغاء الوعي العقلي. هذا ما نقرأه في السّطور التّالية للكاتب محمد نضال دروزه:

أنا شيخ الأحلام الغيبيّة

أحلام ملايين الجهلة

المغفّلين العجزة

المرميّين خلف شوارع التّاريخ

الاتّكاليّين

أرباب النّفاق

يقول المفكّر جبران عبد الرّازق في كتابه "جمهوريّة النّبيّ": " لم يكن التّاريخ إلّا فنّ الكذب." ويرتكز الكاتب على فحوى هذه المقولة من حيث استناد المتديّن على تاريخه الّذي يعتزّ به دونما التبيّن من صحّته، ودونما معارضته. بل يعتزّ ببطولات قد تكون مصطنعة، أو مبالغ فيها. فالتّاريخ يكتبه المنتصر، وله أن يصوغ الأحداث والمجريات بما يتوافق ومصلحته الشّخصيّة. وبالتّالي فالتّاريخ لا يحمل كلّ الحقيقة، ولا يجوز الاعتماد عليه كمرجع يؤسّس للعقيدة الدّينيّة. بمعنى آخر، لا يجوز تطبيق تشريعات دينيّة وفرضها بقسوة على المجتمعات على اعتبار أنّها تمثّل الحقيقة. كما لا ينبغي اعتبار هذه التّشريعات قانوناً أزلياً أبديّاً يمكن تطبيقه في أيّ مجتمع أو عصر. ما يجعلنا نفهم أنّ الكاتب ينفي القدسيّة عن الكتب المقدّسة والتّشريعات الدّينيّة، ويبطل فعاليّة تاريخها، بل يعتبرها سبيلاً إلى الظّلمة، وحافزاً للجريمة والإرهاب.

(طوبى لشيخ الظّلام.. المجد لشيخ الظّلام..)، (أعاقب من يتجاوزها.. بما يناسب ذنبه من عقوبات.. التّعذير والقتل والإرهاب.. وأوّلها شلّ العقل.. وإلغاء فعاليّته.. في التّنمية والتّطوّر والبناء..)

كما أنّ تغييب العقل يمنع على الإنسان اندفاعه العلميّ وعودته إلى الأطر التّاريخيّة الصّحيحة، والتّنبّه إلى دراسات وآراء شتّى تظهر بعضاً من الحقيقة، وترشد الإنسان إلى سبيل مستقيم، يقوده إلى الحرّيّة. ما لا يهتمّ به المتديّن لشدّة تركيزه على الظّاهر الإيمانيّ، والسّلوك الدّينيّ، وخوفه من الثّواب والعقاب. وكأنّ الحياة الآخرى تحاصره وتمنعه من اختبار قدراته العقليّة والذّهنيّة.

بانتفاء قدرة العقل على التّمييز بين ما هو صالح وما هو طالح، وبتجريد الأنا من إرادتها الحرّة في البحث عن الحقيقة، تتعطّل القدرات الإنسانيّة، وتتحدّد أهدافها، وتخرج من أصولها الدّينيّة لتنتمي إلى مذهب الغفلة والخيبة والموت. وكأنّي بالكاتب يقول إنّ المتديّن مات عن إنسانيّته واستسلم للغيبيّات الّتي لا يفهمها العقل، ولا يرتكز عليها العلم.

لسان حالي ينادي

في البرّيّة بين القبور:

مذهبي الغفلة

والخيبة نعمتي الفضلى

في الحياة الدنيا

وأملي في نعيم حياة أخرى

إن صحّت أحلامي الغيبيّة.

فالحياة الأخرى بالنّسبة له مجرّد حلم ينتفي بانتفاء الفكر الدّينيّ، ويتلاشى باستيقاظ العقل، وانعتاقه من الحصار التّشريعيّ والتّاريخ المقدّس. ولا ريب أنّ الكاتب سعى في هذا النّص بكلّ قوّته، لتمجيد العقل وبالتّالي العلم كعنصر أساسيّ في الحياة الإنسانيّة، وكقوّة أولى تنقل الإنسان من الظّلمة إلى الوعي والإدراك.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

الشاعرة مريم العطار بين "الوأد" واثبات الذات

wejdan abdulazizلا تخلو مساحات الشعر من متعة ذات لذة لاسعة، لكنها ايضا لاتخلو من كد ذهن وتعب فكري من اجل قطع ولصق بعض الصور الصادمة، عسى ولعلّ الوصول الى معنى مسترد من هذا الشعر او ذلك الشاعر .. وحينما توغلت في قراءاتي لديوان (وأد) للشاعرة مريم العطار، اصطدمت بتلك الذات المتألمة الواهنة باستسلام احيانا، واحيانا ذات ثائرة ملتهبة، و(كان الشعر ـ حسب أ.ي هاوسمان ـ فعالية ذاتية خاصة، فان تعبير الشاعر عن ذاتيته انما يدخل في صميم عمله الشعري، ويؤلف أنموذجا شخصيا فريدا في الكشف عن رؤيا الشاعر الشخصية الفريدة، وهي تتضمن شكله واسلوبه الخاصين. وربما كان من ابرز سمات حداثة الرؤيا الشعرية "ما يمكن تسميته بالذاتية الى حد لحساس الشاعر الحداثي بذاتيته احساسا حادا يكاد يفصله عن الاخر"، على النحو الذي يسمح له بالتوغل في جوهر رؤياه الذاتية والتوصل باكثر مناطق التجربة ثراءا وعمقا وخصبا وشساعة. الا ان حرارة هذه الفعالية وخصوصيتها لاتقفل الكلام الشعري على وضع استغلاقي يطيح بركن القراءة، ويعزل التجربة عزلا نهائيا باقصاء الاخر، اذ مهما تذوتت حول عمود الذات الشعرية وبالغت في لعبتها الانوية لابد من ان تقترح مفاتيح مقنعة لاغواء الاخر/القاريء، واغرائه للاسهام الفعلي في اللعبة. ولابد ايضا من ادراك حقيقة ان "كتابة الشعر من اجل الذات ليست انانية"، بقدر ما هي السبيل الفني الامثل لانجاز قصيدة جديدة تقوم على انفعالية التجربة في شكلها الذاتي الخاص، كما تقوم على تسخير كل امكانات التشكيل المتاحة للارتفاع بحداثة رؤياها المحرضة وتطوير شكلها واسلوبها على دخول منطقة الاخر ونقل حساسية اللعبة اليها)ص51 تمظهرات القصيدة، حيث يبدأ الصراع في ديوان (وأد) بين النزول عن حقوق ذاتية مشرعنة وبين الصعود بهذه الحقوق الى حد الثورة والتمرد، والشاعرة العطار بهذا النشاط الشعري، تلعب لعبتها في ترسيخ وعي ورؤية شعرية، تحاول من خلالها اثبات مبدأ مهاجمة نفي ذاتها الانسانية من قبل الاخر، بيد انها تحاول جاهدة اثباتها امام مواجهة ابداعية جمالية، اذ (تشتغل الذات الابداعية عبر انجاز نوعها الفني بتقديم شهادتها الحضارية المعبرة عن موقف اصيل من العصر، وعن فلسفة مكثفة مركزة نوعية تعيد انتاج جوهر الذات والوانها انتاجا ابداعيا.)ص58 تمظهرات، لتبدأ العطار باستفهام (من أنا؟) في قصيدتها الافتتاحية للديوان وتكون الاجوبة هنا هادئة، تحاول صياغة وجود ذاتي بديهي ويبقى هذا القلق المبرر يرافق رحلة قصائد الديوان باثبات "أنا" في قولها :

(أنا من سلالة الخيول

الارض ما زالت ترفض تصديق وقع خطاي

يدي ما زالت تنتظر ان افلت الطائرة الورقية

من اسرها

وعيناي مازالت تتمنى التحليق

وما زالت فكرة تصديق اشتعال

عود الكبريت في هذه العتمة

مبللة في ذهني)

وهكذا تتصاعد اسئلتها واستفهاماتها المنفعلة، مقابل الاجوبة الهادئة، لتتواصل قصائد الديوان تبحث الذات وعن الاخر الغائب .. لان حضوره لايرضي فضولها، فالغياب هو صياغتها الجديدة بدليل قولها:

(قضيت عمري اخشى تجهم وغرابة الوجوه

قضيت عمري وحيدة في الزحام .. ابحث عنك

منذ الصغر انتظرك ...

رأيتني اقبض عليك مرة في كف يدي

البصارة لمحتك ورتت على كتفي :

سيكون في تاريخه هلاكك

* * *

هن حلقن في فضاء شعرك، ربما

ولن يصلن الى روحك بعد

يا احتضاري البطيء

قدني الى توابيت الليل

* * *      

أنا انثى ملأت مسامعها صلوات فقهاء

واستغفار ذنوب لم ارتكبها بعد

أنا انثى ملأت جيوب جسدها خذلانا ورصاصا

*   *   *  

اعرف ان قصيدتي

هي خطوة واحدة

تأخذني الى الفردوس

وربما الى الجحيم

في زمن واحد ساختار القطبين

لعليّ اهجر الرتابة

لعلي أتذوق شهد عينيك)

(من هنا، كان الشعر اعمق انهماكات الانسان واكثرها اصالة، لانه اكثرها براءة وفطرية والتصاقا بدخائل النفس، ومن هنا كان الشعر وسيلة حوار اولى بين الانا والاخر، فهو لانغراسه في اعماق الانسان، فعّال وملزم، انه حميا تسري في الانسان وتسري من ثم عبر سلوكه ومواقفه وافكاره ومشاعره في الحياة والواقع)ص92 مقدمة للشعر العربي، وتعطي العطار في قصيدة (شارب بلاستيكي) ملامح ثورة من اجل انوثتها المستلبة، لتقول:

(احلم بشارب بلاستيكي

أعلق عباءتي فوق حبال القيم

تعانق عباءتي ثوبك الناصع البياض

تحمل شجرة التين وتقطر نبيذا شهيا

يتابع الأحداث بوم عجوز)

وتكرر كلمة "أنا" بتركيز على انها ذات قائمة لها ما للذوات الاخرى، حيث تكثف وجود "أنا" عبر كل قصائد الديوان .. فـ" التكرار" هي ظاهرة موسيقية ومعنوية تقتضي الاتيان بلفظ متعلق بمعنى، ثم اعادة اللفظ مع معنى اخر في نفس الكلام. ان ظاهرة التكرار ظاهرة لغوية عرفتها العربية في اقدم نصوصها التي وصلت الينا، نعني بذلك الشعر الجاهلي، ثم استعملها القرآن الكريم، ووردت في الحديث النبوي الشريف وكلام العرب وشعره ونثره ... وفي العربية نجد تكرارا للحروف والجمل الاسمية والفعلية، ونجد كذلك ألوانا تكرارية إيقاعية يقصد بها إلى أحداث نوع من الموسيقى اللفظية المؤثرة. وبالحقيقة، ان التكرار ظاهرة حيوية عامة، إنها موجودة في الحياة في صور متعددة، وبما ان اللغة صورة المجتمع، فأنها تحتوي على صور مما موجود فيه، فظاهرة كالترادف قد نجد لها شبها في تشابه شخصين من البشر تشابها تاما يصعب معه التميز بينهما، وظاهرة التضاد نجد لها شبها فيما بين الأسود والأبيض من تضاد ... ، ونحن في أفعالنا وأقوالنا نكرر كثيرا وبالتالي فان العطار كررت الانا لمحاولة ترسيخها في ذهن المتلقي وتكرر تساؤلاتها الضمنية او الظاهرة، كما في قولها :

(أسمع صوتا

يشبه الفرح

هم يحتفلون بعيدا عن هذه الغرفة

ويتطاير شرر حفلتهم النارية

       فوق جسدي

لمَ لاتمنحني الفرح يارب

أنا في سرّي اعرف قيمته

الحزن القديم سخيّ معي

يفتح ازرار قميصه

كل ليلة ليتمدد في سريري

هو في كمين دائم

متعبة أنا هذه الليلة

سأوقف الجدران

وكل من يشهد هذا الاحتراق

سأوقفهم

لأقص لهم من قصص الظلم)

نحن نجد ثيمة اخرى فيما تقصده المرأة وهي تتحدث عن جسدها أو تُعَرّيهِ أو تكشف عَوْراتِهِ. فالأمرُ يتعلَّقُ بأشياءَ أخرى لا ، كون المرأة تَكْتُبُ أدبا جنسيّاً أو إيروتيكيا ؛ ولا أساس لكل هذا من الصحة.. لأنَّ العُرْيَ كمدادٍ وكلماتٍ لهذه الكتابة لا يُفْهَمُ على أنه هدفٌ في حَدِّ ذاته، بقدر ما إنَّ الأمر يتعلق بوسيلة من وسائل الإبلاغ والشرح والتفسير، كانت المرأة الكاتبة في أمسِّ الحاجة إليها بُغْيَةَ الوصول إلى قلب القارئ وعقله. فالمرأة مُتَّهَمَةٌ أو ظَلَّتْ مُتَّهمةً طوال سنوات الصمت التي فرضها منطق الرجل وزمن سلطته الخليعة؛ الشيء الذي أنْهَضَها للدفاع عن نفسها وإثبات براءة هذا الجسد الملعون ، كما كان يُشاعُ، من كل التُّهَمِ التي أُلْصِقَتْ به. من هنا راحت الأنثى تستعيد جسدها في أوضاع مختلفة؛ وتنفض حالة الظلم .. (الظلم اختناق/بين الصواب والخطأ/الظلم بكاء مراهقة / وأنين حزنها الصبي / أن تكبر وتكبر)(ولا احد يسمع صوت اختناقه فجر كل يوم ..)، ثم تقول :

 

(آه يا جسدي / خوذة السلحفاة

ما اجديت نفعا

كوكب مشع

وراء قفص الصدر

لاينتمي الا لك ..)

(الجسد في الشعر"ارض اخرى تحط فيها القصيدة" وتحقق انتماءا اشكاليا لجوهر الفكرة فيها على النحو الذي يصير فيه الجسد المكان الوحيد وسط المجهول المشرع على الاحتمالات، حيث تشتغل عليه القصيدة وتتفاعل شبكة دوالها مع اشاراته وعلاماته) ص115تمظهرات، وبهذا تحاول الشاعرة العزف على نغمة الجسد، الا انها تهرب عنه .. (أنا مدينة لتربة حديقتنا أكثر من مساحة صدرك ../ كلما توهمت أنّنا التقينا / اهرب مسرعة الى البيت / لأقتلك على الورق)، وهروبها مبرر، كونها ضمن تابو لايسمح لها الا بالحلم السري، وحينما تنفعل تلجأ الى مساحات الشعر .. لتكون في مأمن من حالات الواقع المرّ .. وكما اسلفت لديها صور شعرية صادمة ومميزة، وما يخص دراستي هنا هي الظاهرة الشعرية (فإننا نلاحظ أن الشعر يقوم على كل منها وبقدر ما تكون جدلية الحضور والغياب قوية بقدر ما يكون النص الشعري قوياً ومعبراً. وإذا أردنا أن نُنَزّل المصطلحين مدار الشعر فإننا نلاحظ أن الحضور يمثّل التشكيل والغياب يمثل الدّلالة. وعلى مدار هذه الثنائية يدور الكلام الشعري باعتباره احتراماً للقاعدة وخرقاً لها في نفس الوقت. فالتشكيل الشعري هو خرق لقاعدة اللغة، والقاعدة هي ذلك النمط المرجعي الذي يحترمه كل متداول للغة معينة حتى يضمن لكلامه سهولة التواصل وممارسة تأثير معين. وبقدر ما يكون التشكيل حاضراً بقوة فإن القاعدة تمثل غياباً." وعندما تصاغ هذه القضية اللغوية في إطار جمالي نقدي فإنه يترتب عليها التمييز بين نوعيين من العلاقات التي يمكن ملاحظتها في العمل الأدبي ، علاقات تقوم بها العناصر الحاضرة وأخرى تقوم بينها وبين العناصر الغائبة". وقد نبّه سوسير Saussure في أكثر من مرة إلى هذه القضية واعتبر أن الدّال يمثل حضوراً (حضور مادي) وأن المدلول يمثل غياباً (غياب مادي ولكنه حضور معنوي). وإلى هذه الفكرة أيضاً يذهب ميشال فوكو في كتابه الشهير "أركبولوجيا المعرفة"، عندما يقول: " أريد أن أبيّن أن الخطابات كَمَا نَفْهَمُهَا في حياتنا الفكرية المعاصرة كما يمكن أن نقرأها في شكل نصوص ليس من السهولة بمكان اعتبارها مجرد تقاطع بين الأشياء والكلمات" وهنا ينحو بالقضية منحى فلسفياً، ويحيل إلى إتمامه للمشروع الفلسفي الذي ابتدأه في كتابه "الكلمات والأشياء". وفي هذا المنطق يحاول ميشال فوكو تأسيس فلسفة للعلوم الإنسانية.وإلى هذه الفكرة تقريباً يذهب تدوروف مع تغيّرٍ في الحساسية الثقافية فعندما يقول: "هناك عناصر غائبة من النص، لكنها إلى حدٍّ كبير حاضرة في الذاكرة الجماعية لقرّاء فترة معينة، وهذا ما يمثل بطبيعة الحال علاقات الحضور وفي مقابل ذلك نجد بعض المقاطع من كتاب –بما فيه الكفاية من الطول- تكون على مسافة معتبرة من البعد عن بعضها البعض وتكون علاقتها غير مخالفة لعلاقة الغياب)، وبعد تبلور معنى الحضور والغياب، ابحث مساقط هذا المفهوم على المعنى المسترد من ديوان الشاعرة مريم العطار ..

 

وجدان عبد العزيز

.................................

مصادر البحث

1 ـ كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الاردن الطبعة الاولى 2013 م ص51 و58 و115

2 ـ كتاب (مقدمة للشعر العربي) ادونيس /دار الساقي طبعة منقحة 2009م بيروت ـ لبنان ص92

3 ـ ديوان (وأد) للشاعرة مريم العطار/الدار العربية للعلوم ناشرون الطبعة الاولى 2013م

 

"من علو هاوية" للشاعر عبد اللطيف الوراري وجوانية مفهوم الإنتماء في شعرية ترديد الآخر

ahmad alshekhawiملء السنابل تنحني بتواضع     والفارغات رؤوسهن شوامخ

بزخم ما يحيل عليه هذا البيت المأثور من أسمى معاني الوجود الإنساني والكينونة كمعادل لما يمكنه تجسيم الجود الأسطوري للنحلة وترجمته إلى واقع وتجربة حية في اتسام الصلة بالآخر، أراني استقبلت النسخة الرقمية لخامس مجاميع أستاذي وصديقي الناقد الشاعر والشاعر الناقد عبد اللطيف الوراري . أنعم وأكرم بهديته التي اهتزت لها روحي الظمأى لبرود ينابيع الكلم ونضج الرؤى والتيمن بسير العظماء.

هكذا وعلى امتداد جغرافيا غرائبية لمنجز رصعت تمفصلاته الأربع بتسع وعشرين قصيدة تقصر أو تطول أو تزدان بالقناع الومضي والشذري حسب تسارعات صبيب البوح الصارخ بإيقاعاته الداخلية،وكذلك الالتزام بقوالب تفريغ الحمولة الوجدانية الضاغطة.

لم يخب ظني في هامة مدهشة حدّ إرباك ذهنية التلقي وتنقيح المزاج وتلطيفه . هامة الضلوع الواعي في سياقات توليد المعنى الزئبقي والجديد للوجع اللحظي في خضم أسئلة وجودية راكمتها الذاكرة في انجذابها إلى جذور التموقع بين رمزية البرزخ وعلائقه بتناسل دوال مفاهيم الانتماء المنطلقة من الذات الشاعرة،ومن جهة ثانية جدلية حلمية الراهن و طقوس الاحتفاء بالحالة الإنسانية باعتبارها الصدى المباشر لشعرية ترديد الآخر كقرين.

شَرِقتْ بِرُوحي غَيْمتان،

لهذه الأسباب ، أُ بْعث بينكم.

لا .. لا لِأَني مِتُّ مِنْ زمن بعيد،

بل لِأنّي

لَمْ أَنمْ

إن الفصل الأول من الديوان يؤرخ لدمغة مستقبلية تصحح أو تعالج بالمعنى التنظيري العميق، إستطيقية الوصل بين الذاكرة وإيديولوجية النسيان جراء مخاضات ثقافة التكريس لبعد فلسفي تستغرقه عدمية نبض الماهية بشاعر يكتب خلوده غير منقوص.

تلكم حفريات الفضول الرامي إلى إحداث بوابة ذاتية مشرعة دوما على عوالم توديع نظام مكرّس لسطوة التعتيم وهيمنته و تفخيخه بطابوهات عري نهارات المعاناة،وأيضا تجليات كوميديا استقبال مناخات لا مرئية ترسمها لازمة اللامكان واللاإسم واللالون مفجرة بذلك طاقة كامنة وفاضحة للمكنون.

على غرار ذلك تزدهر تقنية استدعاء الاستعارة الكلية خدمة لغرض تشكيلات جمالية تتماهى مع الصوت الداخلي المتمرد على الحبكة أو النسق،والواعد بمعنى التعدد والتجدد والمتغلغل في نفَس المغاير الطوباوي والاستثنائي في فرو يستجلب للذائقة انتشاء حد الثمالة وغيبوبة التلقي.

تلكم شاكلة إقحام أنوية الافتخار بحظ الذات الشاعرة أو حصتها من هواء نظرة العالم إلى الغد، على نحو يقتضي تقديم الجدة والإضافة على مستوى الخطاب المعرفي والفني .

وثمة رؤية تراوح بين ضبابية المشهد و بصيرة إيقاف زمن السردية الشعرية في فانتازيا نفض الغبار عن سيرة ثالوث انسجام الذات والآخر والكون،إيقافه بين ضفتي نهار راحل وليل ترجى سرمديته وإقامته تؤثثه توظيفات محكمة للمكون الطبيعي المشدود من حيث هيمنة رمزيته وإيحاءاته إلى ذاكرة النسيان، و الأساليب الحضارية جدا لجذور مواطنة الاحتفاء بالهوية والانتماء.

هكذا تنساب القصائد موقعة اصطداما مخمليا يدغدغ الذائقة و يعمل على إشباع الفضول المعرفي تثريه ذاكرة الرموز كما سيتضح لاحقا. قصائد تتدفق رافلة في حلزونية التفافها وإكمال الدورة حنينا إلى الجذر، الفكرة الأم ، عنونة الديوان، من علو هاوية ، الهامسة بمفارقة تستفز المتلقي مذ أول عتبة لخوض مغامرة تأويل ممكن من قطوف ما ورائيات ألوان لوحة شعرية سيرذاتية آسرة ونادرة.

هذا وينفتح فصل المجموعة الثاني على استعمالات لا شعورية للرمز الإنساني ،مترنما بذكراه التي قد يناوشها غياب الحضور كما في نص" على خطى عبد الكريم الطبال" ضمن أيقونة بعده المفاهيمي المحيل على سيمياء التأصيل لثقافة النضال الإبداعي وممارسة الأدب الجاد والملتزم.

ناهيك عن أجواء قصائد التماس مع قاموس النهل من معجم اليومي والسائد والهامشي مثلما في نص" ساعات كازابلانكا" الثري حد التخمة بالتيمة النارية وولوجها الضمني في خلق تقاطعات سمعية بصرية رسالية تتناغم ومفردات النزوع الإنساني.

فيما تفصح قصائد الفصل الثالث عن حمولة نفسية أعمق انصهارا في فوقية المعاناة، ساطعة بأغنية تعنيف استسهال القصيدة المتهمة والمتسربلة بتجدد رحم المجهول،وما ينمّ عن نظير ذلك في تمثلاته المتمحورة على أنسنة الكائن الورقي والارتقاء بالممارسة الشعرية فوق تفاصيل وحيثيات الحياة إجمالا.

وختاما، يسدل شاعرنا المتمكن من أدواته والواثق من حرفية تعاطيه كتابة جوانية بغرض ترتيبات ذاتية تغذيها هواجس توليد مفاهيم طيفية ومحايثة تتيح تصورات حداثية للانتماء،وطافحة بشعرية ترديد الآخر.

بعد أن هرّبوني رَضيعاً،

وارتطمتْ بقاربي أنباءُ الغيب

ووصلْتُ بأُعجوبةٍ إلى امرأتي العزيزة،

جاؤوا يثأرون لي من لُغوِيٍّ مُبين.

*

لا أتذكّره في مشيته إلاّ بالكاد،

وأكادُ أجزُم أنه طاف ليرى أباه.

ذلك الطفل الذي كانَني

خان ظني به وهو يتعثّر بالحنين.

*

حكى لي جدي ألا تنحني.

إذا حل الشتاء رأيته،

منذ الفجر

يبذر الحبكة في توالي البرق.

*

أسمع الحفيف مذ وضعت رأسي على الأرض.

ليث الريح تثق بي

فإِني مثلك أيتها الأغصان

لي كتاب أسرار.'

*

أيها البحر،

هل تسمع مثلي

كيف تتأوّه الأمواج

في لعبة المدّ والجزر؟

*

الله، الله..

أي موسيقى هاته أسمعها

عندما أُلقي بالقصبة في الماء

تحت طائلة الأشواق.'

*

في القرية،

كان يغافلنا النوم

ونحن نتضور جوعا

قبالة القمر.

*

لم كفرت بالزؤان،

والبض من الأعشاش لمن تركتَها

تلمع في الليل

يا طائر الأشواق؟

*

قلت مثل هذا مرارا،وشرحته في أوقات الريح الطويلة؛

لكن غصنا يطير في نوم سنجاب

لا يسعفه شاعر يمشي بالكاد

من مباذل الحياة.

*

أحدّق طوال الليل في وجهك،وأتوقع البرق.

تلك السحب التي مرّت بي الصباح

تتراقص من عينيك،

وأسمعها تسيل بي قاب نهدين فأدنى.

*

لو تسمعني التي بالباب،

لو تسمح لي أن أقول لها ما معناه

إني اشتقت إليك

لولا هذه الأمطار التي أقعدتني عنك.

*

أعتذر لقلبي الذي مرِض،

منذ ما يزيد

عن الشعر

و نحو امرأتين.'

*

أستميحُكِ عذرا إوزّاتي التي في الجوار،

إن لم آخذك معي إلى المساء،

فقد شغلتني عنك

ذكرى جديدة.

*

إلا أوراقك لم آنس بها

في ليالي الخريف.

أيّ حبر أُشْرِبَتْهُ فيك لتحترق،

يا شجرةَ الخرُّوب؟

*

أقلّبُ وجهي في السماء، وأسرّ لكم نجم شارد باسم القصة.

يا لحمقي،

من حاك الذريعة بين الأرجل لترتكب الفظاعات التي اصطبغ

بها الفجر،

ثم صدّقناها طوال النهار؟

*

وحدانا وزرافات،

اقتطعنا المجاديف من لحمنا ومخرنا الليل.

ستشرق الوديعة

بعد أن ينبت الشيب.

*

...

*

لا أزال حتى الساعة

أغنّي

...

...

وعيناي

مغرورقتان

بالوعود.

*

رجاء،

أن تغفر لي عنادي.

رجاء،

أيها

اليأس.

قلت يسدل الستار عن أجدد روائع إصداراته بمطولة " شذرات من سيرة غير ذاتية " كفصل رابع وأخير مستنسخ لما قبله، ومتقوقع على حقول دلالية ومتتالية مجازات آهلة بالنرجسية المقبولة التي تكتب المألوف عبر توصيفات خارقة و مؤرشفة لما يوحي به ضديد المعلومة الأم ،و مختمرة النسغ بما مفاده أن النفاد أعمق ما يكون إلى الروح المكلومة والغوص في الدرك السحيق من جراحاتها ،ما هو في حقيقة الأمر إلا أحد صنوف السمو بهذه الروح إلى مراتب الكمال وخلود البصمة والمنجز.

من علو هاوية...

 

أحمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي

 

حول دورالملهمة في حركة الإبداع الشعري

adnan albaldawiلاشك في ان وراء كل إبداع أدبي حوافز خلاقة تولد وتعيش داخل الكيان الذاتي للشاعر، ويتوقف عمرها الزمني على مدى حيوية وحياة المسبب المرتبط بها، ولأن العوامل المحفزة للإبداع كثيرة، ما بين اجتماعية ونفسية واقتصادية وروحية وغيرها، فقد اخترنا لموضوعنا عاملا فاعلا في ولادة وخلق الإبداع، وهو الملهـِم والملهـِمة، والطرف الملهِـِم هو الذي يتجسد فيه ما كان يبحث عنه الشاعر من قيم ومثل وجمال ومواهب ومواصفات متميزة تثير كوامن الإبداع، فإذا ما استمكنت تلك القدرات من قلب الشاعر وخياله، تراه قد حلّ في أجواء شاعرية ذات حركة غير طبيعية، إنها حركة ذات حيوية تهدف الى تقديم الأفضل والأجمل من الصور والمفردات، لترقى بها الى مستوى ذلك الملهِـِـم المتميز، لأن الملهـِمة بطبيعة فاعليتها في إيقاظ الحواس واستنهاض الكوامن، تنقل الشاعر الى عالم مفعم بالحركة والحيوية، وربما الى جو لم يعهده من قبل، ومع بروز دور المرأة، فقد تعددت حالات الإلهام في حياة الشعراء، مخلفة وراءها بصمات واضحة في السيرة والنتاج، وقد أكد ذلك التعدد ضعف بعض التصورات غير الدقيقة التي تقول ان وراء إبداع الشاعر كله امرأة واحدة تلقي في روعه افكارا وصورا غاية في الجمال والإثارة، ونحن وإن كنا لاننفي ذلك نفيا قاطعا، لكننا لانؤيد حصوله مع جميع الشعراء وفي جميع القصائد، بحكم تنوع المسببات واختلاف مصادرها، ومن ثم تدخل الطروف والأحداث .

وحتى الذي يتأثر بملهـِمة واحدة، فلا يعني يعني ان ذلك ينعكس على جميع قصائده وما لديه من نتاج هنا وهناك، إذ كثيرا ما نجده متأثرا بجانب معين، كأن يكون جسديا او خلقيا او شخصيا او ثقافيا، يحتل وصفه مجموعة من النصوص الشعرية في الديوان.

إن الشاعر قد يتأثر باكثر من ملهـِمة فيأخذ من كل واحدة قبسا معينا مما يلفت نظره او يثير اعجابه، وربما يجد بعض مايريد في ملهـِمة ما ولكن جذوة الإنفعال قد تتضاءل او تخفت بعد اختفاء او رحيل تلك الملهمة، وهناك من الشعراء من تهيمن عليه الملهمة (س) مثلا ولكنه لايراها ولايجلس اليها ولايكلمها، كأن تكون امرأة رمزية هو الذي يخلع عليها من الجمال وحسن الخيال ما يتمنى ان يجده في امرأة حقيقية.

وعلى الرغم من اختلاف الاتجاهات وتعدد الأذواق، فإن الأمر لايقتصر على تأثير ملهـِمة ما في حياة شاعر دون غيره، فهناك حالات أخرى ولكنها تختلف في طبيعتها وأجوائها ومصادرها، كأن تهيمن ملهمة واحدة على مجموعة من الشعراء وذلك لما تتمتع به من طاقات وجوانب جمالية متعددة، وقد أكدت المصادر حصول هذه الحالة في مختلف العصور الأدبية.

ومع ذلك فإن سيطرة او تأثير الملهمة في المجموعة مهما بلغ لايعني تشابه نتاجات أعضاء المجموعة تشابها كليا، فقد يكون لكل عضو في المجموعة تصوراته الخاصة وتأثره الخاص بجانب او أكثر من جوانب الشخصية الملهـِمة.

ان ادبنا العربي المفعم بالنصوص الإبداعية قد حظي بأمثلة كثيرة لذلك النموذج، وتعد كليوبترا على سبيل المثال من المتصدرات لكوكبة الملهمات.. حيث قال كل المعجبين بها أنشودته فيها أمثال بلوتارك وباسكال وهوراس وغيرهم من أدباء وشعراء الغرب، كما ألهمت جوانب منها بعض شعرائنا أمثال احمد شوقي الذي كتب مسرحية خاصة بها سماها (مصرع كليوبترا) وكان ذلك سنة 1927م، وقد سبقه شكسبير الى هذا العمل المسرحي في مسرحيته (انطونيو وكليوبترا)ومسرحية الشاعر الفرنسي جودل التي بعنوان (كليوبترا الاسيرة)وهي اول مسرحية فرنسية عن هذه الملكة وكان ذلك سنة 1552 م .

وعلى ذكر كليوبترا وهي الملكة الملهمة من ملكات مصر القديمة، يحدثنا التاريخ عن امرأة اخرى ولكنها جارية من جواري العصر العباسي اسمها عنان، وكانت الى ظرفها وفصاحتها وسرعة بديهتها جميلة فتانة، حتى قالوا ( انها لم يكن فيها شئ يُعاب،فطلبوا لها عيبا حتى لاتصيبها العين، فأحدثوا بظفر خنصر رجلها شيئا..)

اما العصر الحديث فلم يبخل على الأدب بملهمته التي كانت مصدر الإبداع لكثير من الشعراء والأدباء والباحثين، ونذكر على سبيل المثال نص اعتراف العقاد بحبه لـ (مي) قائلا: أحببت في حياتي مرتين، أحببت ( سارة) وهذا ليس اسمها الحقيقي وإنما هو اسمها المستعار، اطلقته عليها في قصتي المعروفة بهذا الاسم، وأحببت (ماري زيادة ) الأديبة المعروفة باسم (مي) : الأولى كانت مثالا للأنوثة الدافقة الناعمة الرقيقة، لايشغل رأسها إلا الاهتمام بجمالها وأنوثتها ولكنها كانت الى ذلك مثقفة، وكانت الثانية وهي (مي) مثقفة قوية الحجة، تناقش وتهتم بتحرير المرأة وإعطاء حقوقها، وكانت جليسة علم وفن وأدب، وزميلة في حياة الفكر..)

ان مساهمة الملهمة في تحقيق عملية الإبداع لم يكن حديث عهد، فهو دور متوغل في القدم،لاسيما من خلال النصوص التي وصلت الينا منذ العصر الجاهلي، تلك النصوص التي أفصحت ان وراء أصحابها ملهمات ساهمن الى حد كبير في استخراج او إنماء الخزين اللغوي الذي مكن الشاعر من خلق صور مبدعة أصبحت خالدة بحكم قوتها وجاذبيتها، فدخول عبلة مثلا في حياة عنترة قد احدث تغييرا مثيرا في مسار حياته، والتحاف قلب جميل بروح بثينة قد حول أجواءه الى أغان شعرية عفيفة استمدت مفرداتها من سيرة تلك الملهمة ذات الصفات الجمالية والخلقية المتميزة التي جعلته يؤمن بأصالتها ونقائها، ودخول (عزّة) في حياة (كثير) كقوة سحرية الى جانب قوة عقيدته الدينية قد ساهم في إذكاء جذوة التفوق والابداع،والامثلة كثيرة ..

اما دخول أكثر من ملهمة في حياة الشاعر فهو أمر طبيعي يخضع لظروف معينة وميول نفسية مختلفة اغلبها تتجه الى حب الجسد أكثر من الروح ولهذا تفتقر مضامينها الى عنصر الصدق والعفة كما ورد في حياة الشاعر امرئ القيس والشاعر عمر بن ابي ربيعة وغيرهما من شعراء العرب.

اما الذين انشغلوا عن ملهـِمات الدنيا بالحب الإلهي كـ (ملهـِم) وجدوا فيه مبتغاهم وارتاحت اليه نفوسهم،فهم قلة وذلك لما في هذا النوع من الإلهام من مواصفات خاصة، ومنهم على سبيل المثال الشاعر ابن الفارض ورابعة العدوية.

وعندما تتوغل العقيدة او المبدأ في العمق النفسي والفكري وينشغل القلب بها دون غيرها تصبح ملهـِما ذا أثر كبير في حركة الإبداع، وقد برزت في هذه الأجواء أسماء معروفة أمثال الشاعر الطرماح بن حكيم وعمران بن حطان وقطري بن الفجاءة ودعبل الخزاعي والكميت بن زيد الاسدي القائل:

طربت وما شوقا الى البيض اطرب

ولا لعبا مني وذو الـــــــشيب يلعب

ولم تلهني دار ولا رـــــــسم منزل

ولم يتطـــــــــــّربني بنان مخضب

ولــــكن الى اهل الفضائل والنهى

وخير بني حـــــواء والخير يطلب

الى النفر البيض الذيــــــن بحبهم

الــــى الله فيمـــــا نابنـــي أتقرب

بنــــــــي هاشم رهط النبي فانني

بهم ولهم ارضى مرارا واغضب

إن الشخصية العربية قد جبلت على النبل والكرم والنخوة والشهامة وحب الخير إقتداء بالسلف الصالح، ومن الشعراء على سبيل المثال الذين ألهمتهم الشخصية العربية المثالية فأوحت اليهم بالكثير من الإبداع الشاعر ابو الطيب المتنبي الذي أحب كما يحب الناس ولكنه حب كما يبدو لكثير من الدارسين ممتزج بتطلعات عربية مصيرية كان يراها الشاعر أهم من الحب وأسمى فلم يسمح للمرأة ان تكون وحدها هي الملهمة بل زجّها مع الخيل والليل والسيف والقرطاس والقلم والولاية والسيادة وعزة العرب، وقد تحمّس الى ذلك اكثر عندما وجد أغلب المبادئ والمثل التي يؤمن بها ويحبها متجسدة في شخص سيف الدولة الحمداني الامير الذي صار ملهـِم الشاعر.

ولأن المقال لايسع الى ذكر المزيد نخلص الى مايأتي:

1- لقد شاع في الحياة الادبية ان المرأة هي المؤثرة وأن لها دورا فاعلا في خلق تلك القوة وانها الملهم الوحيد الذي وقف ويقف وراء ولادة النصوص المبدعة،ولكن الدارس المتتبع يجد غير ذلك ..انه يجد بعد تحصيل حاصله واستنتاجات تأملاته ان الحب الإلهي والوطن والبطل والعقيدة والعبقري والوالد والوالدة ،وغيرها من المتساميات هي ملهمات اخرى تسهم في ولادة الإبداع الى جانب المرأة .

2- ان بعض الشعراء يستلهم قيما معينة ويعشقها، فيظهر اثر ذلك في ثنايا نتاجه،كحب الحرية والعدالة والإنسانية فيتخذ مثلا احد الرموز الإنسانية ملهـِما له دون ان يحجبه عن تحقيق ذلك دين ذلك الرمز او قوميته .

3- ان ارتماء الشاعر في أحضان الإلهام واحتواء أحاسيسه،يستنهض فيه أقصى همة البحث عن كل جميل، يصوغ منه أرق وأسمى تعابير الإعجاب، ولاشك في انه يحتاج الى تحقيق ذلك رصيدا لغويا وخلفية ثقافية تعين موهبته على إعلان ولادة النص الإبداعي الذي نحس بمتعة بالغة ومؤثرة كلما عدنا الى قراءته، وهذا هو سر خلود النصوص المبدعة.

4- من خلال الوقوف عند عملية الإلهام لدى شعراء الغرب، ومن خلال تأمل نتائج العملية نفسها لدى الشعراء العرب، يتضح للدارس ان الشاعر العربي يتفوق في هذا المجال على الشاعر الغربي، في ان الشاعر العربي ملهَم ومُلِهم في الوقت نفسه، فهو ملهم(بفتح الهاء) بما جادت عليه حضارته وما جبل عليه من أصالة ونقاء، وهو ملهم (بكسر الهاء) للاجيال بما جاد شعره من إبداع مداف بمثُل العرب السامية .

5- إذا اراد الشاعر أن لايضيّع ملهمته المتواصل معها و التي جادت عليه بالروائع،لابد ان يفكر في مستلزمات الحفاظ عليها من جميع النواحي،وتتجسد هذه المحافظة أولا في سلوكه معها الذي يجب ان لايخرج عن الحب الروحي العفيف مهما تكالبت الغريزة صوب الجمال الجسدي الذي أصبح جمالا تقليديا كثيرا ما يفسد جذوة الحب بعد وساوس الاختراق اللامشروع.. وثانيا عليه إشعار الملهمة بأن الله تعالى قد أودع فيها قدرات تستدعي ان تحافظ هي الأخرى عليها من مسببات الابتذال او أي عامل مخرب آخر،وبهذين السلوكين من الملهـَم والملهمة يكون قد حظي المجتمع بإحدى لبنات بناء الأسرة المثالية، ولاشك في ان تكرار او زيادة مثل هكذا لون متميز في مجتمع ما يعني الارتقاء الى مصاف الأمم الراقية المثقفة ثقافة حقيقية قد ولدت في رحمها وليست ثقافة مستوردة مقصودة التصدير...!

 

عدنان عبد النبي البلداوي

الشاعرة فاطمة منصور شاعرة حزن حد البكاء الا انها تديم قلبها بالفرح

wejdan abdulazizكان المساء نديا، كانت حرارته العراقية التموزية تستفز شواطيء النهر، حينما تداعبه تلك الريح الساخنة التي هدأت وحلول الاصيل، وانا اتنصت لذلك الصوت، نعم نفسه والنظرة نفسها وتلك الخصائل الجميلة التي تمزج بين الحزن والفرح، وتخلق مزيج الحزن والفرح بابتسامات افتراضية .. لا ليس غريبا ان اعلن عن صوت بات يلازمني كل يوم ببوح شعري جديد، انه صوت الشاعرة فاطمة منصور، تلك الشاعرة الجادة في تبلور رؤية جمالية للعلاقات العاطفية الرومانسية، فلا استطيع ان اكون شحيحا بالثناء، لهذا اقول اذا استطعت ان ترى كل مايحيط بك جميلا ونظرت لايجابيات الامور وتجنبت السلبيات المحيطه بك، حتما انت رومانسى، فكن جميلا ترى الوجود اجمل فالرومانسيه انصهار فى الطبيعه وامتزاج مع الحياه ببساطه وعفويه، ورغم حزن شاعرتنا في مقطوعتها القصيرة هذه، الا انها تخلق فرحا من نوع خاص، بامتداد سؤالها (اين؟ لااعلم !)، وتضيف قائلة:

(اْلاحقك كي

اْكفكف دمعي

بكفك

اْلثم باطنها

واْنظر اليك

اْربّت على كتفك

واْحنّ اليك

يا هذا الحزن

الموجود في عينيك)

 

وبهذا صنعت حضورا، في حزن تليد على الغياب، هذا التوتر جعلها تنتسب للحبيب، رغم غيابه، فالوجود موجود في عينين تبحثان عن الحقيقة، هذا الصراع الحياتي الذي تصنعه كلمات الشاعرة فاطمة منصور، لهو مدعات للتأمل في مساحات الشعر التي تتعامل مع حزن الانسان وبكاءه، ليبقى الامل معقودا على الحضور .. أي (ان الشاعر يسخر كل مايملك من طاقات فنية في سبيل خلق الصورة ونقلها الينا بكامل صفاتها وخصائصها، وبما يتلاءم وواقع تجربته في القصيدة، فهو "يصور الاشياء كما يراها، يلتقط ظلالها الهاربة واشكالها المتغيرة لكي يجعلنا نحس بها كما يحس هو بها" بثباتها وحركتها وفعالياتها المتنوعة والمتعددة، وهي تخضع لطبيعة التجربة وكيفية حضورها الشعري في القصيدة.)، وهنا لابد من الالتفات الى مسألة الادراك (فوظيفة الادراك والفهم هي التمييز بين محتويات الوعي وتصنيفها واللذات التي تصاحب عمليات التمييز والتصنيف هذه هي التي يتكون منها جمال العالم المحسوس)، والخروج من دائرة القبح المتمثل بالحزن الى دائرة الجمال المتمثل بالفرح مضافا له الامل .. بدليل دعوة الشاعرة الى المطر بقولها :

 

(فيا غيوم اْمطري

واْسقي اْرضا

وانبتي زرعا

علك تحييه

في داخلي)

 

والمطر هو العامل المهم في النمو والانبات، فـ(عجيب ذلك الإنسان انه مخلوق لاتقف رغباته عند حد وهو لاينفك يسعى إلى التسامي ويهفو إلى الأفضل والأحسن، فهو لايقنع بإدراك الأشياء ومعرفة الموجودات والأحداث المحيطة به، بل يستشعر في الإدراك ذاته، لذة ويتذوق المعرفة خالصة عن كل ما يتعلق بها من أهداف عملية . وهو لايكتفي بتذوق إحساساته وانطباعاته عن الأشياء، بل يضفي عليها من خياله ما يكسبها كمالا وجمالا تستجيب له نفسه بالرضا والسرور)، فشاعرتنا فاطمة منصور تشعر بالحزن الى حد البكاء، لكنها لاتفتأ تبحث عن الفرح لتديم قلبها بالحب واللقاء ..

قراءتي في رواية "الصدع" للكاتب والروائي عاصف الخالدي

noor talalnisratخط القدر متعرّج ولكل منا قدره، منّا من يحاول جاهداً أن يرسمه أو حتى أن يقوم بتعديل أحد خطوطه المائلة. ومنّا من يغمض عينيه ويمضي غير مكترث بشيء أو بما ينتظره على الجانب الآخر من الحياة. هي لعبة الحياة إذن والانسان جزء منها، فكيف بهذا الانسان أن يكون حاله وهو نزيل مؤقت في مساحة زمانية ومكانية مفترضة من هذا العالم، إنه حتماً وحسب شخوص هذه الرواية كائن هش وضعيف، وحسب رؤية الكاتب الذي رسم خطوط هذه الشخصيّات بكثير من الحزن والعمق وتغلغل في أعماقها وكأنه يهدي لكل من يقرأها مرآة ويتركه وحيداً ليرى نفسه جيداً من جديد.

825-noor"الصدع"، هو عنوان الرواية، هكذا سمّاها الكاتب في إشارة منه إلى المدينة التي تدور فيها أحداث هذه الرواية والتي على حد وصفه أنها صدع بين الانسان والحياة، مدينة عطشى للماء وللحياة، مدينة لا يُعلن سكّانها عن موتهم، كما أنهم يدفعون تكاليف هذا الموت أكثر ممّا يدفعون في حياتهم. هكذا يعرض الكاتب خط سير الحياة في مدينة لا تكترث بالأحياء فوق أرضها لأنها متخمة بالأموات سراً. والملفت أنّ شخصيات الرواية هي ثنائيات متلازمة، ليلى ونادر، مريم ورائد، عبد الرحمن والجثة، حيدر ومهماته الأمنية.

عبدالرحمن، الرجل الورقيّ المتفسّخ أكثر من كتبه كما يصفه الكاتب، تختبره الحياة بأقسى صورها وتكون باهظة الثمن بحجم جريمة لم يرتكبها لكنه أصبح رهينة لها ظناً منه أن مشاركته في هذا الأمر سيكون بمثابة بطاقة عبور لحياة أخرى كما تقول له ليلى الحلاّج عندما قدّمت له عرضها وقالت له:" إن كنت ستخوض الحياة حقاً فهي بين أصابعك الآن". ليلى بدورها أرادت لزوجها أن يخرج إلى الحياة فعاد إليها بجثة من الحياة التي دفعته إليها، ها هي تقول لعبد الرحمن عليك أن تخوض هذه الحياة لكنها لا تمنحه سوى جثة لتكون ممراً لمقبرة حتمية له. يروي الكاتب كيف يتم هذا الأمر، يصف جانباً مظلماً وصادماً لأشنع فعل قد يقوم به الكاتب البشري.

ليلى ونادر، زوجان متنافران ومتناقضان، يجمعهما حب قديم هائم وقليل الحيلة، لم يتمكن من سد الصدع في روحيهما ولم يثمر من شيء سوى مزيد من الغربة داخل المكان الواحد وكثير من عزلة الجسد. نادر الضعيف الذي كلّما أحبّ ليلى كلّما احترق بنار سلطتها وتجَبُرها، حتى أحلامه حوّلتها إلى رماد كغبار هذه المدينة، يعيش عزلة حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة من سواد وظلامية، في غرفة مظلمة كالخفّاش، لا يحب ضوء النهار، يبتعد عن الناس وعن زوجته التي طالما أحبّها، يُشهر كرهه لها وهي تفعل ذات الأمر، تُشهر الكره لكن في حقيقة الأمر هي تكره طريقة تعاطيه مع الأمور وعزلته مع الكتب والورق، عزلته عن الحياة بأسرها.

مريم المصابة بمتلازمة كورساكوف، وهو مرض يصيب الذاكرة، يُعطل الذاكرة بشكل جزئي ولفترة معينة. تقرر أن تبحث عن زوجها في عالمها الجديد بعيداً عن تهديد ذاكرتها. مريم القوية والمتجددة دوماً تبعاً لما يجري حولها، تجد لنفسها مخرجاً سواء من قساوة الحياة أو من محنها. كانت تحاول أن تتغلب على المرض بأن تدفع نفسها للأمام، بينما زوجها رائد الذي لا ينتمي لأحد سواها كان يحاول تجميد الزمن ليعيش اللحظة ذاتها مع مريم ولا يغادرها. رائد ذو القلب الضعيف والحب الكبير الذي يحمله لمريم ليس قادراً على تحديد فيما إذا كان الحب في القلب أم في الذاكرة لكنه يعي جيداً أنه سيخسر كل شيء إن تخلّت عنه ذاكرة زوجته، ضعفه أمامها وأمام هذا المرض جعله غير قادر على تحديد من يفقد الآخر، حيث يحوله هذا المرض لمتشرّد ويلفظه خارج عالم زوجته فيلجأ إلى حيلة ما وهي أن يقوم بجمع كل الصور والأشياء التي تجمعه مع زوجته لتكون أمام ناظريها عندما تنتابها نوبة المرض وتخرج ذاكرتها عن مسارها، ظناً منه أن هذا الأمر سيجدي نفعاً، كان يحاول أن يعود بذاكرتها للخلف خشية أن تنساه، كلاهما يريد الحفاظ على الآخر لكن بطريقته.

الحدث الأبرز في الرواية هو سطوة الغربان على المدينة بشكل كبير لدرجة بات يصعب السيطرة عليها، وباتت هذه الغربان تهدد الحياة أو ما بقي من أشكال الحياة في هذه المدينة. تسطي الغربان على الأماكن السياحية وبذلك تُسيء للوجه السياحي للمدينة وتتلف المستودعات التجارية أيضاً وتنبُش القبور. يعتبر الغراب من أذكى الكائنات الحية، وفي الميثولوجيا الغراب هو أوّل من علّم الانسان الدفن عندما حفر حفرة أمام قابيل ليعلمه كيف يدفن أخاه القتيل، الغراب هو من كشف سر عبد الرحمن أو بالأحرى الجريمة التي ألبسته إياها ليلى. فيكون بذلك رأس الخيط الذي يلتقطه حيدر ليكشف عن اختفاء "دنيا".

حيدر المالح الذي يشغله اختفاء امرأة كان قد التقاها صدفة وانتشلها من الشارع، فيشكّل غيابها صفعة وإهانة له في عمله كمحقق، فبات أمر إيجادها بمثابة تحدٍ له، لكن قصّة الغربان التي تملأ المدينة تشغله قليلاً حيث يتم تكليفه بالقضاء عليها، حيدر الديناصور كما يصفه الكاتب يقف عاجزاً أمام ذكاء الغربان وهو الذي اعتاد على صيد البشر في المهمات الرسمية التي يتم تكليفه بها حيث كُلّف سابقاً بإلقاء القبض على كل من يجده متلبساً بالموت في السر، ذلك أن الحكومة كانت ترفع أجور الدفن على الناس بشكل لا يطاق، إنه يشبه هذه المدينة بموتها وقسوتها فهو لا يستطيع أن يرى سوى الطرائد والفرائس.

الرواية قصيرة، مختصرة تدور أحداثها في 150 صفحة، مشاهد الرواية عميقة ومكثّفة، لا يُطيل الكاتب في السرد والحشو بل يستغل انشغال القارئ بالشخصيات ومجريات الأحداث ليغوص به عميقاً في أسئلة تسبر أعماقنا جميعاً، فيسأل: لماذا لا يموت في هذه المدينة؟ أين يذهبون بعد أن تنتهي أعمارهم المفترضة؟

ما أن تبدأ في تكوين مشهدك الشخصي ورؤيتك لشخصيات الرواية حتى يقطع عليك خلوتك ويقول انتظر أنت على أبواب مفاجأة أخرى ثم ينتقل بك لمشهد آخر وكأنه يغلق باباً ويتركك مندهشاً تتلصص من الخلف وما من خيار أمامك سوى إكمال الرواية فتكون النهاية صادمة ومؤلمة بقدر غدر الحياة، يتكرر مشهد الموت مرة أخرى ليكون قدراً حتمياً لإنسان ضعيف أراد أن يرى الحياة بوجهها الآخر فلم يلق سوى غدرها.

يُنهي الكاتب الرواية بقوله: " المدينة بسلطة حضارتها الموهومة لم تكن سوى مجرّد نتوء صغير زائد عن حاجة الزمن، نتوء يخدُش وجه الحياة ووجه الحب، المدينة ليست سوى صدع يفصل بين الانسان والحياة".

 

نور طلال نصرة

البحرالخفيف: يَا خَفِيْفَاً كَمْ رِقَّةٍ مِنْ خَفِيْفِ

karem merzaمنقحاً ومزيداً: البحرالخفيف

تفعيلاته: فَاعِلَاتِنْ مُسْتَفْعَ لِنْ

ضابطه الإيقاعي: يا خفيفاّ خفّت به الحركاتُ ** فَاعِلَاتِنْ مُسْتَفْعَ لِنْ فَاعِلَاتِنْ

تنبيه مهم: الفرق بين مُسْتَفْعَلِنْ و مُسْتَفْعَ لِنْ:

ا - مُسْتَفْعَلِنْ: /ه /ه //ه... مُسْ/ه سبب + تَفْ/ه سبب + عَلِنْ //ه وتد مجموع، بمعنى: سببان خفيفان وأخيرهما وتد مجموع.

ب - مُسْتَفْعَ لِنْ:/ه /ه/ /ه ... مُسْ /ه سبب + تَفْعَ /ه/ وتد مفروق + لِنْ /ه سبب،   بمعنى: سببان خفيفان يتوسطهما وتد مفروق .

سبب تسميته بالخفيف: قالوا ما قالوا في أسباب خفته الخفيفة، سماه (الخليل) (الخفيف)،لأنـّه أخف السباعيات، وقيل لأنَّ حركة الوتد المفروق الأخيرة اتصلت بحركات الأسباب التي تلته فخفت، وذكروا لخفته ذوقاً وتقطيعا، إذ تتوالى فيه ثلاثة أسباب، والأسباب أخف من الأوتاد (1)، وبالتالي تراه جميلاً في ذوقه، طرياً عند سمعه، سهلاً لدى تقطيعه، خفيفاًعلى الروح في جملته، أشتهر منذ العصر الجاهلي بمعلقة الحارث بن حلزة اليشكري:

آذنتنا ببينها أسماءُ *** ربَّ ثاو ٍيُملُّ منهُ الثواءُ

وذاعت شهرته من بعد حتى أنّه طغى على معظم البحور لدى بعض الشعراء، وتفنن في تنوع أعاريضه وأضربه من تفنن حتى استنفدت كل علله وزحافاته الممكنة، تفعيلاته الأساسية كما وردت في دائرته (المشتبه)، مركبة من تفعيلة الرمل (فاعلاتن) مكررة مرتين، و بينهما تفعيلة واحدة للرجز- ذات الوتد المفروق - (مستفعَ لن) في الشطر الواحد:

فاعلاتن مستفعَ لن فاعلاتن *** فاعلاتن مستفعَ لن فاعلاتن (التام - ست تفعيلات)

ويأتي هذا الوزن:

ا - مجزوءا (فاعلاتن مستفعَ لن) مكررة مرتين (أربع تفعيلات).

ب - مشطورا (فاعلاتن مستفعَ لن فاعلاتن) (ثلاث تفعيلات).

ج - منهوكاً نادراً (فاعلاتن مستفعَ لن) (تفعيلتان) .

أما الزحافات والعلل التي تعتريه، فنبدأ بالـزحافات:

(فاعلاتن)، إذ يصيبها: الخبن فتصبح (فعلاتن) وهو حسن، والكف فتصير (فاعلاتُ) وهو صالح، والشكل يحذف ألفها والنون فتصبح (فعلاتُ) وهو قبيح.

ثم زحافات (مستفعَ لن)، ويعتريها: الخبن فتصبح (مفاعلن) وهو حسن، والكف فتصير(مستفعَ لُ) وهو صالح، والشكل تبقى (متفعَ لُ) بعد حذف سينها والنون، فتتحول إلى (مفاعلُ) وهو قبيح، ولا يجوز فيها الطي، وإن أجازه ابن رشيق (2) في عمدته ، لأن فاء (مستفع َلن) تقع وسط الوتد المفروق، والأوتاد لا تصيبها الزحافات إلا الخرم خاصة (3) .

ويجوز على (فاعلاتن) في الضرب (التشعيث)، و(التشعيث) يعني حذف عينها، فتبقى (فالاتن)، وتتحول عروضيا إلى (مفعولن) .

و(التشعيث) علـّة تجري مجرى الزحاف، لأنها لا تلزم كلّ أبيات القصيدة بها، وتجري على تفعيلتيه (فاعلاتن) و (مستفعَ لن) المعاقبة، وذكرناها في الحلقة السابقة، أي أن (النون) فيهما تعاقب (الساكن) من الجزء بعدها، أيهما ما حذذف ثبت صاحبه (4) .

أمّا العلل سنذكرها تباعاً مع عرض أعاريضه وأضربه كالتالي:

1 - العروضة الأولى صحيحة وضربها صحيح مثلها:

وهو أجمل إيقاعات الخفيف، وأكثرها شيوعاً، وقد يدخل ضربه التشعيث من غير لزوم، مثال الحشو الصحيح، والعروضة الصحيحة، والضرب الصحيح ، إليك قول الأعشى (ميمون بن قيس)، ويتضمن مواضع قديمة قدمه في سواد بغداد أو واليمامة، وعالية نجد :

حلَّ أهلي ما بين دُرنا فبادوا **** لي وحلـّتْ علوية ٌ بالسّخال ِ

(حلْ لأهْـ لي)(ما بيْنَ درْ)(نا فبا دو) **** (لي وحلْ لتْ)(علْ ويْيَ تن) (بلْ سخا لي)

فَاعِلَاتِنْ) (مُسْتَفْعَ لِنْ) (فَاعِلَاتِنْ)) (فَاعِلَاتِنْ)   (مُسْتَفْعَ لِنْ) (فَاعِلَاتِنْ)***

((/ه //ه /ه)   (/ه /ه/ /ه) (/ه //ه /ه) *** (/ه //ه /ه) (/ه /ه/ /ه) (/ه //ه /ه

(- ب - -) (- - ب -) (- ب - -) *** (- ب - -) (- - ب -) (- ب - -) (نظام المقاطع)

(2 3 2)**(2 3 2)(2 2 +1 2)(2 3 2)(العروض الرقمي) (2 2 +1 2) (2 3 2)

ملاحظة: 3 وتد مجموع، 2+1 وتد مفروق، 2 سبب  

 

وإذا أردت الحشو مزحوفا، فهذا قول ابن زيدون:

سرّنا عيشنا الرّقيقُ الحواشي *** لو يدومُ السّرورُ للمستديم ِ

سرْرناعيْ شَ نرْرقيْ قلْ حواشيِ *** لويدومسْ سَ رورللْ   مسْ تدي مي (6)

فاعلاتن   مَ تفـْعَ لنْ فاعلاتن *** فاعلاتن     مَ تفـْعَ لن   فاعلاتن

كما ترى (مستفعَ لن) في الشطرين مخبونة، أي حذفت سينها الساكنة، وكتبتها مجزّأة ليتبين الوتد المفروق.

وذكرنا قد يأتي الضرب (مشعثاً)،ومثاله:

ليس من ماتَ فاستراحَ بميتٍ ****إنّـّما الميتُ ميّتُ الأحياءِ

ليْ سمنْ ما تَفسْ ترا حبمي ْ تن*** إنْ نمل ميْ تميْ يتلْ أحْيائي (7)

فاعلاتن   متفـْعلن   فعلاتن *** فاعلاتن   متفـْعلن   مفعولن

كما ترى (مستفعلن) في الشطرين أصابها الخبن، واصبحت (متفـْعلن)، والعروضة خبنت أيضاً فصارت (فعلاتن)، والضرب قد شُعّث، فولدت (مفعولن) ذات الأسباب الثلاثة، وقبلها سبب، فهذه أربعة ، بمعنى أربعة مقاطع طويلة (- - - -)، فالنهاية ثقيلة " ولذلك فهو إيقاع الغزل والرثاء وتقل فيه الحماسة والفخر" . (8)    

والضرب الثاني لهذه العروضة الصحيحة محذوف (فاعلن)، أي سقط السبب الأخير من التفعيلة (فاعلاتن)، فبقت (فاعلا)، وحولت إلى (فاعلن)، وهو نادر، عدّه المعري مهجوراً .

وأنقل إليك هذين البيتين من شعر ابن المعتز مثالاً، وأقطّع لك الأول منهما:

قلْ لغصن البان الذي يتثنـّى *** تحتَ بدر الدّجى وفوق النـّقا

رمتُ كتمانَ ما بقلبي فنمـّتْ*** زفراتٌ تـُفشي حديثَ الهوى

قلْ لغصْ نلْ با نلْ لذي يتثنْ نى*** تحْ تبد ردْ دجى وفو قنْ نقا

فاعلاتن       مستفعلن   فعلاتن ***فاعلاتن  متفـْعلن   فاعلن

صحيحة     صحيحة   مخبونة ** صحيحة   مخبونة   محذوف

ونادرا ما يخبن (المحذوف) في هذا (الضرب)، فتتحول (فاعلن) إلى (فعِلن)، كما في بيتي عمر بن عبد العزيز، ونقطـّع أولهما:

إنـّما النـّــاسُ ظاعنٌ ومقيمٌ *** فالذي بـــانَ للمقيم عظهْ

ومن الناس مَنْ يعيشُ شقياً *** جيفة ً الليل ِغافلَ اليقظهْ (9)

إنْ نمنْ نا سظاعنن ومقيْ من ***فلْ لذي با نللْ مقيْ معظهْ

فاعلاتن متفـْعلن     فعلاتن   ***فاعلاتن   متفـْعلن   فعِلن

صحيحة مخبونة   مخبونة *** صحيحة   مخبونة   محذوف مخبون

2 - العروضة الثانية محذوفة (فاعلن) ولها ضرب واحد مثلها محذوف، مثاله:

إنْ قدرنا يوماً على عامر ٍ *** نمتثلْ منهُ أو ندعهُ لكمْ (10)

إنْ قدرْنا يومن على عامرن *** نمْ تثلْ منْ هوأوْ ندعْ هولكمْ

فاعلاتن مستفعلن   فاعلن   ***   فاعلاتن     مستفعلن   فاعلن

صحيحة   صحيحة محذوفة *** صحيحة   مستفعلن محذوف

و(فاعلن) تأتي مخبونة معظم الأحيان، فتغدو (فعِلن) .

وإليك مطلع قصيدة لجميل بتينة:

رسمُ دار ٍ وقفتُ في ظللهْ   *** كدتُ أقضي الغداة من جللهْ

رسْ مدا رن وقفـْتفي ظللهْ**** كدْ تأقْ ضلْ   غدا تمنْ جللهْ

فاعلاتن     متفـْعلن فعِلن *** فاعلاتن       متفـْعلن فعِلن

ولصفي الدين الحلي قصيدة جميلة راقصة،خفيفة النغم، رقيقة الحرس، على شاكلة قصيدة (الجميل) السابقة، خذ رجاءً:

زارني والصّبـاحُ قد سفرا   ***وظليمُ الظلام ِ قدْ نفرا

جاء يهدي وصالهُ سحرا *** شادنٌ للقلوبِ قد سحرا

فتيقـّــــــــــــنتُ أنـّهُ قمرٌ ***وكذا الليلُ يحملُ القمرا

تعال معي لنشطر هذا الخفيف (الحلي)، والخفيف لا يأتي مشطورا إلا متأخراً، و نقطع (فعِلن) بالقطع، ونحيلها إلى (فعلْ) (11)، فيتولد لدينا شطر (فاعلاتن مستفعَ لن فعلْ، وإذا خبنت (مستفعلن)، ونرقم التقطيع (2 3 2 1 2 3 1 1 ه))، ونصيغه بتفعيلات جديدة، سيكون (فاعلن فاعلن مفاعلن)، وكل ما نعنيه، حذف ألف الإطلاق في الضرب أو التنوين في، وتسكين الراء، أرى الوزن الجديد أجمل جرساً، وألطف نغماً، وأخف إيقاعاً، راقصاً بصفقه ! مع وقفة مركزة على نون فاعلن الثانية، ورفع الصوت عند مفاعلن كأنها إجابة على ما تقدم ، والسبب لأن ثلاثة أوتاد تشكلت بصورة متتالية عقبى الزحافات والعلل أخف من وتدين وفاصلة صغرى تتوالى، ولكن هذا خروج عن علم العروض، والأبيات للصفي !

المهم هذه التشكيلة عندي أسلس من أعاريض وأضرب البحر (المتدارك) (فاعلن فاعلن فعلاتن)، أو (فاعلن فاعلن فاعلن) وغيرها، فهو الحد الفاصل بين (المتدارك) ومقصراته و (الخفيف) وخفائفه !، أعيد كتابة البيت الأول للصفي بالصيغة الجديدة مع الاعتذار لك وله !:

زارني والصّباحُ قدْ سفرْ***وظليمُ الظلام ِ قدْ نفرْ

3 - العروضة الثالثة مجزوءة صحيحة (مستفعَ لن) ولها ضربان:

الضرب الأول مثلها صحيح (مستفعَ لن)، وأجزاؤه:

فاعلاتن مستفعَ لن **** فاعلاتن مستفعَ لن

ليتَ شعري ماذا ترى**** أمُّ عمرٍو في أمرنا (12)

ليْ تشعْ ري ماذا ترى** أمْ معمْ رن في أمرنا

وقد تأتي (مستفعَ لن) مخبونة فتصبح (متفـْعلن)، ولكن الخبن يعرض ولا يلزم كما في المثال الآتي:

نامَ صحبي ولمْ أنمْ **** منْ خيال ٍ بنا ألمْ (13)

والضرب الثاني لهذه العروضة المقصور المخبون (فعولن): إذ تجري على (مستفعَ لن) علة (القصر)، فتحذف النون، وتسكن الللام، فتصبح (مستفعَ لْ)، ويصيب الأخيرة زحاف (الخبن)، فتغدو (متفعَ لْ)، فتتحول عروضيا إلى (فعولن)، فتكون أجزاؤه:

فاعلاتن مستفعَ لن**** فاعلاتن فعولن

مثال لتمثيله، بيت ارتجالي لكاتب هذه السطور:

يا بعيداً بُعْدَ الدّنى**** فتَّ قلبي زماني

يا بعي دن بعْ دَدْ دنى *** فتْ تقلْ بي   زما ني

فاعلاتن     مستفعَ لن   ****   فاعلاتن     فعولن

والحقيقة أنّ أبا العتاهية أول من أدخل هذا الضرب، وجعل عروضته مثله، وتماهى جذلا: أنا سبقت العروض، وكان قد قال:

يا كثيرَ العنادِ **** أنتَ حبُّ الفؤادِ (14)

فاعلاتن فعولن **** فاعلاتن فعولن

لم يذكر صاحب (المفصل) الذي الذي استشهدنا بشاهده، أنّ بيت أبي العتاهية يمكن تقطيعه على الشكل:

فاعلن فاعلن فعْ ***** فاعلن فاعلن فعْ

وبالتالي يحسب على مقصور (المتدارك)، لا على مجزوء (الخفيف) أمّا البيت الذي ارتجلته أنا سابقاً ، لا يمكن حسابه على (المتدارك)، والسبب لأن صدر البيت يتضمن تفعيلة (مستفعَ لن)، وهذه التفعيلة لا ترد مطلقا في أجزاء البحر (المتدارك).

ومن الطبيعي أن يخرج الشعراء بابداعاتهم عن أضرب وأعاريض البحر (الخفيف) وغيره من البحور، ولكن وفق الخط العام للأوزان الخليلية، فمثلا جاءوا بأضرب وأعاريض التام، أو للضرب وحده، أو للعروضة وحدها، على شكل (فاعلاتان)، (فاعلان)، (فعلان)، (فعْلن)، (فعِلن)،وللمجزوء أضربه وأعاريضه المستجدة -غير ما ذكرناه سابقاً - مثل (مستفعَ لاتن)، و (مستفعَ لان)، ناهيك بما ولـّد الشعراء المبدعون من مشطور ومنهوك للخفيف بالتشكيلات المستجدة لـ (فاعلاتن) و (مستفعَ لن)المذكورة آنفاً (15).

 

تقطيعات أخرى للبحر نفسه:

1 - بيت لإيليا أبي ماضي من قصيدة الطين:

• يـَاْ أَخـِيْ لاْ تـُمـِلْ بـِوَجـْهـِكَ عـَنـِّيْ *** مـَاْ أَنـَاْ فـَحـْمـَةٌ وَ لاْ أَنـْتَ فـَرْقـَدْ

 

يَا أ خي لاْ - تُمِلْ بِوَجْ - هـِكَعَنْ ني -***مَاْ   أنَاْ فـَحْ - مَتنْ ولا - أن ت فـَر قـَدْ

فاعلاتن   -   متفْعلن -         فعلاتن ***   فاعِلاتن - متفْعلن   - فاعلاتن

(ٮ ـــ ـــ) (ٮ ـــ ٮ ــ) (ٮ ٮ ـــ ـــ) (ـــ ٮ ـــ ـــ) (ٮ ــ ٮ ــ) (ــ ٮ ـــ ـــ)(النظام المقطعي)

2 - ومن قصيدة (كن جميلاً) لإيليا أبي ماضي):

و الـَّذِيْ نـَفـْسـُهُ بـِغـَيـْرِ جـَمـَاْلٍ ****لاْ يـَرَىْ فـِي الـوُجـُودِ شـَيـْئـاً جـَمِـْيـلا

وَلْ لَ ذي نف / س هو ب غي / ر ج ما لن** لا ي را فل / و جو د شي / أن جَ مي لا

فاعلاتن           متفْعلن           فعلاتن ***** فاعلاتن       متفْعلن           فاعلاتن

((ٮ ـــ ــــ)(ٮ ـــ ٮ ـــ) (ٮ ٮ ــ ــ) **     (ٮ ـــ ـــ) (ٮ ـــ ٮ ـــ) (ـــ ٮ ـــ ـــ

(2 3 2)       (1 2 3)         (1 3 2)   *** (2 3 2)       (1 2 3)     ( 2 3 2)

تنبيه: لما يكون الوتد متولد عقبى زحاف أكتبه (1 2)، ولما يكون الوتد المجموع أصلي أكتبه (3)، وكذلك بالنسبة للفاصلة الصغرى المتولدة عقبى زحاف كتبتها (1 3) ولم أكتبها (4) !!  

3 - ومن قصيدة أبي العلاء المعري (غير مجدٍ) في رثاء صديقه أبي حمزة الفقيه، إليك هذا البيت :

سر إن اسطعت في الهواء رويداً **** لا اختيالاً على رُفات العبادِ

سِرْ إِ نِسْ طَعْ / تَ فِلْ هَـ وَا / ءِ رِ وَي دَنْ** لخْ تِ يَا لَنْ / عَ لا رُ فَا / تِلْ عِ بَا دِي

فاعلاتُن         مُتَفْعِلنْ           فَعِلاتُنْ *** فاعلاتُن       مُتَفْعِلن         فاعلاتُن

(ٮ ــ ــ) (ٮ ــ ٮ ــ)     (ٮ ٮ ــ ــ)   *** (ــ ٮ ــ ــ)   (ٮ ــ ٮ ــ) (ٮ ــ ــ)

(2 3 2)       (1 2 3)         (1 3 2)   *** (2 3 2)   (1 2 3) ( 2 3 2)

سلامٌ خفيف على الخفيف، والدم الخفيف، والظل الخفيف، وأخيراً إليكم مني هذا البيت ارتجالاً من الخفيف ...!!!!!

يَا خَفِيْفَاً: كَمْ رِقَّةٍ مِنْ خَفِيْفِ *** قَدْ تَسَامَتْ عَنْ فِعْلِ ذَاكَ الْعَفِيْفِ !!

 

.............................

(1)ابن جني: ص 131 الهامش (47) , الخطيب التبريزي: ص 109 مصدر سابق

(2) د سيد البحراوي: إيقاع الشعر ص 49 مصدر سابق.

(3) ابن جني: ص 135 المصدر السابق

(4) المصدر نفسه.

(5) ابن جني: ص 131 - 132 المصدر نفسه

(6) عدنان حقي: المفصل ص 92 مصدر سابق، الشاهد منه، ولكن هنالك خطأ، إذ لم تكتب الراء الساكنة من للراء المشددة في (الرّقيق)، ولا السين الساكنة للسين المشددة في (السّرور)، وكلاهما من الحروف الشمسية .

(7)السيد أحمد الهاشمي: ميزان الذهب ص 81 الشاهد منه، ولكن كتابته العروضية فيها خطأ، إذ همزة الوصل في (فأستراح) يجب أن لا تكتب عروضيا، وكتبت في المصدر،ثم أنّ (ميـّت) في العجز يجب أن تشدد ليستقيم الوزن، ولم تشدد في المصدر .

(8) د علي يونس: ص 114 مصدر سابق .

(9) راجع د . عمر خلوف: التجديد الوزني في البحر الخفيف - موقع القصيدة العربية

(10) ابن جني: ص 133 مصدر سابق

(11) أصل التفعيلة (فاعلاتن)، نخبنها فتصبح (فعلاتن)، ونبتر الأخيرة، فتتحول إلى (فعلْ)، بمعنى نجري الخبن والقطع (على الوتد) والحذف على التفعيلة الأصلية .

(12) الهاشمي: ميزان الذهب ص 82 الشاهد غير مقطع، ابن جني: ص 133 مقطع.

(13)عدنان حقي : ص 93 الشاهد

(14) المصدر نفسه: ص 94 راجع .

(15) راجع موقع (منتديات القصيدة العربية)، مقال للدكتور عمر خلوف تحت عنوان (التجديد الوزني في البحر الخفيف)، يورد شواهد على كل الأضرب والأعاريض الجديدة .

 

 

الشاعرة ايلينا المدني بين الحب والجمال والاناقة الروحية

wejdan abdulazizكان الصباح هادئا، يفتض هدوئه تلك الزقزقات الجميلة التي تلحن بهجة الحياة، فتنهزم الالام وتبتهج الروح بحب البقاع والخضرة وانا اجلس ها هنا قرب كلمات شاعرة الحب والجمال ايلينا المدني لاعزف اغنية عشق العصافير والاشجار والانهار، ترقص كل حواسي لتنتظم كلماتها الجميلة .. من جاء بي الى هنا؟؟ لا ادري يشدني الحنين لخصر الكلمات، وهي ترقص على انغام خلجات ايلينا في الحب والرومانسية الراقية ... ليكون (الشعر والوجود، يشكلان بؤرة رؤيوية تأويلية تعددية تدرك الكينونة بوصفها انفتاحا للموجود .. "على ان الانسان لايستطيع معرفة ما لا يمكن حسابه، أي ان يصونه في حقيقته، الا انطلاقا من مساءلة خلاقة وقوية تستمد من فضيلة تأمل اصيل .." )، هكذا اعيش حالات التأمل كلما حاولت قراءة نصوص ايلينا المدني المبحرة بالرومانسية وفلسفة الطبيعة والحب ....

ماهو الحب...............؟

فيكون ...

هو الحياة التى نعيشها !

هو الهواء الذى نتنفسه !

هو الفرح بلا سبب !

هو الحزن بلا سبب !

هو البكاء بلا سبب !

هو الشعور بالذات !

هو الشعور بالقلب.........

هو الشعور بدمنا يتحرك بداخل عروقنا

هو الشعور بالخيال هو الشعور بالوجدان

هو الشعور بجمال كل ما حولنا

الحب مقياس........

للتضحية ....الصدق....الكمال....الايمان. .....الشوق....الاحلام

ماهو الحب...............؟

ليكون ...

هو الحياةالتى نعيشها !

هو الهواء الذى نتنفسه !

هو الفرح بلا سبب !

هو الحزن بلا سبب !

هو البكاء بلا سبب !

هو الشعور بالذات !

هو الشعور بالقلب.........

هو الشعور بدمنا يتحرك بداخل عروقنا

هو الشعور بالخيال هو الشعور بالوجدان

هو الشعور بجمال كل ما حولنا

الحب مقياس........

للتضحية ....الصدق....الكمال....الايمان. .....الشوق....الاحلام

وما هى الرومانسية............؟:

لتكون ...

ليست مجرد افعال واقوال للحبيب !

ليست مجرد اغراءات للحبيب !

ليست مجرد مقياس للحب !

ليست تمثيل امام الحبيب !

الرومانسية هى انبل المشاعر الوجدانية والانسانية للبشر

الرومانسية خليط من الحب والانسانية والرحمة

الرومانسية خليط من المشاعر الصادقة

والمشاعر الاتية من اعماق الوجدان الانسانى

الرومانسيه لا تولد الحب ولكن تبقيه مشتعلا بين الطرفين

الحب مشاعر نبيلة فى الحياة تاتى من القلب

الرومانسية افعال وتصرفات تاتى من الوجدان

تعلم الرومانسية يا من تعترف بوجود الحب بحياتك

لتكون الرومانسية.. هي امتزاج كل الجمال في قلب واحد..بوجدان عميق جدا، هي امتزاج كل الجمال في قلب واحد..بوجدان عميق جدا..

هكذا احلل شعر ايلينا المدني لاجده يتكور في الحب والجمال والاناقة الروحية، وبصوفية صادقة ذائبة في الحبيب .. تقول :

 

(ريح تداعب ردائي على شرفة الوعد

ترفع أخفضه لأعلاه بزنار من الوجد

تحرر مسام الشوق

تستصرخ الوله المتدثر بالخجل

مستعيرة دفء لمساتك

ترسم على أضلعي شفاه عشق

وعطش يلتحف السكون تثيره

زوبعة حنين بانكسار طوق الصمت

تقلعني من ذاتي ............

أغرز أظافري بشهيقي ليستغيث الزفير

أشدني إليّ ...........

أخلع حاجتي اليك

أختبئ بالأغنيات

يتمزق نسيج الليل مما أعاني

وفحيح الثواني تستبيح انتظاري

أحتسي نزف ارتعاشي على قارب

يتشهد الغرق)

انظروا معي هذه اللوحة الجمالية التي تعددت الوانها وامتزجت ليولد لون واحد يمزق نسيج الليل ويحتسي لحظات النشوة فتضيء الروح ويرتوي الجسد، لتخلع الشاعرة هنا حاجاتها وتودعها في كنف الحب، فهو خير ملاذ وخير حاضنة لاتعرف رياء الحياة بل لاتعرف سوى التبرعم وديمومة الحياة ..

 

ـ قصيدة (تباشير لقاء) الشاعرة ايلينا المدني

 

وجدان عبدالعزيز

 

معاني الألم المتدفق عبر شرايين شعرية السيرة الذاتية في مرآة الحرف للشاعر أديب كمال الدين

ahmad alshekhawiتجدر الإشارة إلى أنه كان ينبغي أن أعيش هذه الوقفة ذات النكهة الخاصة جدا، وأنتشي من خلالها بطقوس أجدد منجز ورقي للحروفي الأول صديقي الوفي أديب كمال الدين، وذلك عقب بضع أيام وليس أكثر،من لحظة تسلمي نسخة مجموعة "في مرآة الحرف " القيمة والصادرة ــ مؤخرا ــ عن ضفاف/ بيروت .

حرص على موافاتي بها أخي المبدع الرائع،وقبلها بأسابيع قليلة، أضمومة" رقصة الحرف الأخيرة " و" الحرف والغراب" تباعا، وهما بدورها،لا ريب، تشيان بلذاذة السرد وتحجبان جملة من عناصر الإدهاش والاكتناز بمفاجآت لا يمكن إلا أن ينجذب إلى رحابها المتلقي الشغوف بكل جديد مستساغ ومؤثر فكرا وعاطفة لكن ... على نحو يجعلنا نؤجل تناولهما تحليلا ودراسة وتقييما .

كانت تجدر بي مباشرة ذلك في حينه، بيد أني ارتأيت ضرورة ترك الانطباعات الأولى المتولدة جراء الاصطدام المخملي بتلكم التحفة الكلامية النادرة،تركها تختمر أكثر وآثرت خيار تعريضها لمرجل اللاوعي إذ يفرض المزيد من الانتظار، في محاولة مني للحفر والغوص أعمق ما يكون في عوالم منجز لم يحد عن سكة السهل الممتنع قط، شأن أولى خطوات أحرف هذا الشاعر الجوهرة بحق،الشيء الذي يمنحه فرادة ومناغاة خاصة للذائقة ورسوخا في الوعي والذاكرة.

نحن بصدد مجموعة تحوي بين دفتيها عشرات القصائد تتوزع وتتنوع مشدودة إلى نواة سيرة ذاتية متشبعة بآليات التحول باعتباره صبغة العصر وطابعها الطاغي ..

تلكم هي تقنية تحويل الألم إلى أنشودة تحتفي بالإنسان وترتقي ببشريته أقصى ما يكون متجاوزة ثقافة اختلاف الألسن والحدود والأعراق، إلى الكونية وأنسنة حتى ما يمكث منضو تحت لواء كينونة الخدمة الرافدة في مصلحة ومآرب الإنسان بحد ذاته، بما في ذلك المكون الطبيعي، فضلا عن الحرف وأهميته القصوى في تشكيل الترجمة الحقيقية والصادقة للمعاناة مع التوظيف المحكم للمعجم الثري بالمفردة الخفيفة على اللسان والمكتظة بألوان المعنى المجاور لعجلة التطور وإفرازاته،والمكرس لدوال الانزياحات المقبولة والتكثيف المطلوب.

يصدح شاعرنا في أحد نصوصه الدالة بشكل أقوى على ما سبق أن فذلكنا له:

"ربعُ حرف

نصفُ نقطة

ثلاثة ُ أرباع صرخة؛

تلكَ قصيدةٌ حروفيّة

انتحرَ شاعرُها البارحة

بعد أنْ تناول جُرْعَةً زائدةً مِن الألم."

وفي مناسبة أخرى محيلة على استذءاب الإنسان ووظيفة الفم في تخليق وتفعيل فلسفة النار والدم والموت وتشويه المرايا واغتيال الحلم المشروع، يقول:

12.

الموتُ لا يشبهُ الذئبَ ولا الأفعى،

الموتُ يشبهُ نفسهُ فقط.

ذلك هو بيتُ القصيد.

16.

في زمننا المُعَولَم

توقّف الشاعرُ عن الحلم،

فتوقّفت القصيدة

عند إشارة المرور الحمراء طويلاً

حتّى قيلَ إنّها أخذتْ تتسوّلُ من العابرين.

28.

بعد خراب البصرة

وخراب بغداد

وخراب روما

وخراب سدني،

جلستُ بهدوءٍ أرتّبُ حياتي.

وعن سرمدية السؤال الصوفي والوجودي المخضب بخلطة الهذيان والشظايا والدخان، في خضمّ ترتيبات أنوية تنشد محاكاة الآخر وتكملته دون تذويب هوية الذات أو طمس أو خدش حتى لملامح الخصوصية والاستثناء، يهمس شاعرنا بما تطرب له جوارحنا وتهتزّ:

"لم أستطعْ، بالطبع،

أنْ أجيبَ على هذا السؤال الذي يتّسع

كل يوم

ويكبرُ في كلّ ساعة.

كانَ السؤالُ طويلاً طويلاَ،

مليئَا بالهذيانِ والدخانِ والشظايا

ونقاطِ التفتيشِ والارتباكِ والممنوع.

وكان الآخَرُ يطلُبُ منّي

أن أقدّمَ الدليلَ تلو الدّليل

على صحّةِ ما أقول

أنا الذي لم يكنْ لديَّ، أصلاً،ما أقول.' "

ثم يقول وهو يقربنا من مسرح الرفض المهذب،منفقا طاقة بوح كاملة في اتهام جسد المرأة وثقله الخرافي في زرع مغريات من راحتيها يجني الراهن بعض ما يتخبط ذات اليمين وذات الشمال،فيه، دون أن ينزع عن المرأة، بالطبع، رداء الطفولة والبراءة وصناعة الأمل والمَخرج من مأزق استنطاقات المكبوت إلى بشائر كوة مستقبلية قد تبدد ضباب الحيرة الآنية وتنسف دياجي الروح .

.1

لا تقتربْ من النار

فأنوراها خادعة كجسدِ المرأة.

ولا تذهبْ إلى مدنِ الجسورِ واللذّةِ والبواخر

فالجسورُ مُحدَّبة

واللذّةُ لغمٌ يطفو فوقَ الماء

والقبطانُ لا يكفُّ عن شُربِ الكحول

وشتمِ العابرين ليلَ نهار.

لا تلبسْ،

ولو على سبيلِ المزاح،

جناحَ الطائر

فالفجرُ قتيلٌ على عتبةِ الدار.

ولا تشاهدْ فلمَ الدموعِ والحرمانِ والمرايا السود

فقد شاهدتَه ألفَ مَرّةٍ ومَرّة

ولم تفهمْ منه

أو مِن دموعه الثقالِ شيئاً.

.2

يا مَن أنفقَ العمرَ مُتأمّلاً

في الآفاق

وفي نَفْسه الضائعة،

لا تكلّم البحرَ بعدَ اليوم

فهو لا يحبُّ الحديثَ مع الغرباء،

رغمَ أنّه غريب هو الآخر.

ولا تثقْ بالأسطورة

فهي أكذوبة التاريخ،

ولا بالرواية

فهي مَهووسة بمَن لا أسماء لهم

وهم يتساقطون مِن حائطِ الذاكرة

أو مِن شبّاكِ الفندق.

لا تثقْ باللوحة

فهي خربشة ألم

ولا بالتمثال

فهو عابد جَسَد.

وأخيراً

لا تمتدح القصيدة

فهي ستنتهي بعدَ سطرٍ مِن الآن،

دونَ مغزى أو معنى،

وهي تكرّرُ: لا ولا ولا.'

وعلاوة على القصائد المفقّرة النّشطة ضمن حدود تبئير المعلومة الأم وإشباعها بخطابات حلزونية الالتفاف والتمحور على مركزية الموضوعة،حدث ترصيع جسد المجموعة بالنص الكتلة في تأرجحه بين شخصنة الهمّ وعالمية الرسالة ضمن قوالب رائقة جدا تضع المتلقي إزاء مرايا حروف ترسم سيرة ذاتية موغلة في مغامرات اختلاق أسباب الصلح الذاتي ومضمّدات جراحات تتخطى الذات الشاعرة لتغور في سيرة تدفق هذه الأحرف بدورها، مجددة للمعنى ومتقلبة في لا محدودية أبعاد مستويات تقاطعات رؤى التصوف وانفعالات المعيشي.

على سبيل المثال لا الحصر" إيلان في الجنة" و" تناص مع النون" و" حرف الطاغية" و" اتصال هاتفي" و" لون لاحرف له" و" تشبّث" التي من أجوئها ترنم شاعرنا قائلا:

" إنها ليستْ حياتي،

لكنْ حدثَ أنْ مُتُّ،

متُّ منذ زمنٍ طويل،

فلما أفقتُ وجدتُ روحي

قد تشبّثتْ بهذه الحياة الغريبة

كما يتشبّث المَشنوق

بحبلِ المشنقة.'

 

أحمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي

ملحمة كلكامش: مقاربات سياحة تأريخية في مفهوم "الخلود"

abduljabar noriشعار المقالة: العراقي الحقيقي ليس بأصله وفصله، بل هو كلُ من أحب العراق شعباً وأرضاً وتأريخاً

ملحمة كلكامش: ملحمة سومرية مكتوبة بخطٍ مسماري، على 12 لوحاً طينياً، أكتشفت لأول مرّة عام 1853، وموجودة اليوم في المتحف البريطاني، مكتوبة باللغة الأكادية، مُذيّلة بتوقيع شخص أسمهُ "شين نيقي"، ويعتقد على أنّهُ كاتب الملحمة، والتي تعتبر أقدم قصّة سياحية كتبها الأنسان قبل أربعة آلاف سنة، وأن ملحمة كلكامش أو الصراع مع الموت للحصول على الخلود هي أجمل نص شعري تمّ أكتشافهُ في وادي الرافدين، ولأول مرّة في تأريخ العالم نجد تجربة عميقة بهذا المستوى البطولي باسلوبٍ شعري وترجمها إلى الأنكليزية جورج سميث سنة 1872 وبعدهُ ترُجمتْ إلى عدة لغات (الفرنسية والألمانية والأيطالية والأسبانية والعربية والتركية والفارسية .

وفي دراسة للدكتور علي القاسمي في كتابه الموسوم ب(عودة جلجامش) يرى أنّ ملحمة جلجامش تصدت لثلاث قضايا: {الحياة- الحب – الموت} ولنبدأ من النهاية، لآنّ النهاية ليست أقل شأناً من البداية / أنتهى .

أنّ موت أنكيدو جعل صديقهُ جلجامش يتيه في بيداء الحزن والوحدة والأحباط الممزوجة باليأس والأمل، فعايش جلجامش صراعاته وأرهاصاته الداخلية في تفكيره الحزين في البحث عن أجابة شافية للسؤال المحير الكثير الجدل: لماذا مات صديقه الحبيب " انكيدو"؟ وما هو الموت؟ فتفكيرهُ الحزين هذا دفعه إلى البحث عن الأجابة المقنعة في الكيفية التي يمكن للأنسان أنْ يتخلص بها من الموت ليبقى مخلداً كالآلهة، فهو يثرثر مع هواجسه بصمتٍ رهيب: لو كان الأنسان قد توصّل إلى ذلك لما مات صديقهُ " أنكيدو"، ولما أرتعب خوفاً من الموت المرتقب، ولهذا كله ينطلق جلجامش في رحلة الأهوال والمخاطر للحصول على نبتة الحياة السحرية في أغوار البحار والمحيطات، يقطع جلجامش فعلاً أصقاع الأهوال والبراري ويغوص في أعماق البحار ويحصل – بعد هذا العناء الخارق – على نبتة الحياة السحرية وهي نبتة الخلود التي تكمن سرها في قرارة "اتونابشتم" تلك الشخصية الأسطورية الخالدة " وعندما يجد جلجامش ضالته أتونابشتم في معرفة سرخلوده، يبدأ الأخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمرٍ من الآلهة وقد نجى اتونابشتم وزوجته فقط من الطوفان، وقررت الآلهة منحهم الخلود، ودلهُ أتونابشتم على سر الخلود في العشبة الموجودة في قعر البحار، فغاص جلجامش البحار ووجد العشبة السحرية، ولكنهُ يفقدها وهو في طريقه إلى الوطن فقد أبتلعتها الأفعى عندما كان نائما ً، وعندما أفاق لم ير سوى أفعى تنساب إلى جحرها بنشاط متجدد مخلفة وراءها جلدها القديم، وهنا يعتصر الأسى قلبهُ الحزين والدموع تنهمر من عينيه، بعد عذابات هذه السياحة التأريخية المضنية والمحفوفة بالمخاطر والوحدة وقتال عنيف ورهيب مع الوحوش والطبيعة الوعرة ووحوشها الفتاكة، وأخيراً توصل إلى قناعة عقلانية وهي: {لا خلود لأحدٍ من البشر، قرر أطفاء تلك الحرائق المتأججة في أعماقه بصمود وصبر الرجال أن يغتنم الحياة الآفلة، ويتمتع بالصبح ما دام فيه، وهنا تكمن العقدة المفصلية الفلسفية بأن الأسطورة عالجت وتناولت الهموم والأفكار التي تؤرق الأنسان، والتي هي الخلاصة من القدر المحتوم ( الموت والفناء) والتي أصبحت الفلسفة السوسيولوجية الأجتماعية وعقدة الكثير في أيجاد مخرج منطقي عقلاني لجواب السؤال لماذا الموت ؟ فكانت أسطورة ملحمة جلجامش (الكود) الذي فكّ الغاز رموز النهاية المأساوية للبشر، وفتحت فضاءات رحبة في الأجابة المقنعة، أذ لابد من ترك المقاعد للأجيال التالية حسب قانون الحياة لرفد المجتمع بدماء شابة جديدة .

وبرهن جلجامش أنّ الخلود ليس بالضرورة أنْ يحتكرها " أتونابشتم " بل ترك الأنسان " الذكر الحسن" بأن يقدم الحب والسلام والبناء والأعمارللمجتمع، لذلك قرر جلجامش الرجوع إلى الوركاء وبناء مدينة {أوروك}، ونشر الحرية والمساواة وحكم بالعدل، بحيث جعل الأنسان السومري والأكدي محترماً بل أعلى حتى من الألهة والقديسين، وهذا ما يقوله لنا " جلجامش " في الملحمة التي كُتِبتْ في حدود 2700 ق. م وبقيت حيّة إلى هذا اليوم {أليس هذا هو الخلود} ----

مقاربات ومضامين فكرية:

1- أن الأسلوب الأدبي الفذ الذي حمل القضايا والهموم الأنسانية والمتمثلة في التحرر والخلاص من الهيمنة الخارجية، وأنّ أرادة الأنسان تبرز وتسطع في الملحمة وكأنها شمس تطرد وتحارب الظلام، وترسخ فكرة الأصرار والتصميم على هدم أسوار الخوف والأنطلاق إلى فضاءات رحبة، فالملحمة تعتبر رائدة في مد جسور الديمقراطية ومباديء الحرية والتمدن إلى العصرنة والحداثوية الحالية .

2- وأنّ أرادة "جلجامش" الأنسان تتفوّق على حواجز الآلهة الوثنية، وتتخطاها وحققت أنتصارات عليها وبشكل متواصل متجاوزة ومتحدية أياها حتى وصل إلى (الخلود) بالعمل الصالح والسيرة الحسنة وخدمة المجتمع بمفهوم عقلاني فيها البطل " أنسان " لا آلهة، ولعلها الرائدة في ترسيخ الأعتقاد بنفس المفهوم الدنيوي لنيل (الخلود) بالدار الآخرة التي هي الجنة الموعودة للصالحين .

3- وللبحث في مقاربات السياحة التأريخية عند الفرد العراقي (كلكامش) السومري القديم، والحالي العراقي الضائع نجد: أنّ كلاً منهما يبحث عن ضالته (الخلود في الفردوس المفقود) الأول تكمن عذاباته في " أفعى " الأسطورة، والثاني العراقي الجديد قد فقد القدرة على التمييز خلال أرهاصاته وصراعاته السايكولوجية والسوسيولوجية ومعاناته من سياطات الدكتاتورية والعوز والجلد الذاتي قد أقترب من كلكامش في البحث عن الفردوس المفقود أو الوطن البديل في أصقاع المنافي، مع وضوح الرؤيا عند الأول وضبابيته عند الثاني المنهزم والمشتت فكرا ومعنويةً وهو يجوب المدن لندن باريس بحر أيجه في مغامرات أنتحارية مسبقه في زوارق مطاطية وصهاريج مقفلة لعله يجد الوطن البديل في غابات الثلوج الموحشة في حلمه الكابوسي المزيّف في البحث عن الفردوس المفقود وبالتالي لم يجد لا فردوس ولا خلود، وكانت (مقاربة) في بداية الرحلة التأريخية بين الأثنين و(مفارقة ) سعيدة عند الأول ومأ ساوية عند الثاني .

4- أن ملحمة جلجامش تعاملت مع حواس من عالمنا الدنيوي مثل الأنسان والطبيعة والحب والمغامرة والصداقة والحرب وتمكنت من مزجها ببراعة متناهية لتكون خلفية لموضوع الملحمة الرئيسي الذي هو (حقيقة الموت المطلقة) وأن الكفاح الشديد والمضني لبطل الملحمة من أجل تغيير مصيره المحتوم عن طريق البحث عن سر الخلود، الذي أنتهى بالفشل بيد أنه لم يستسلم ووجد الخلود في رحلة الرجوع بنى مدينة أورك وأرسى فيها الحرية والمساواة والعدالة وبذلك خلد نفسه بمقتضي مفهوم الحداثة والعصرنة المؤطرة بالتمدن والحضارة في فهم قيمة الأنسان كأثمن رأسمال، ففي الحداثة والعصرنة التي نحياها كثيرون من القادة والعلماء خُلدوا على مر العصورلأنّهم أحدثوا تغييراً جوهرياً أيجابياُ في خدمة المجتمع البشري والتي أعتبرت نقلة نوعية في حياة الكائن البشري إلى الأفضل مثل : أديسون مخترع الكهرباء، وأنشتاين صاحب النظرية النسبية، ونلسن مانديلا صاحب الثورة البيضاء، والقس لوثر صاحب الثورة الدينية التصحيحية، وليم مورتون 1819 طبيب أسنان يعتبر أول من أكتشف البنج عام 1846في العمليات الجراحية ---- و ووو.

5- وفرضت الملحمة (أستمراريتها)- كملحمة سومرية عراقية نفتخر بها – على مر العصور، ولا تزال حيّة ومتداولة بين شعوب المنطقة بقصة الطوفات التي وردت في الكتب المقدسة التوراة القديم والأنجيل والقرآن بحكاية " نوح"، بل يعتبر البعض أنهُ مشابهاً أن لم يكن مطابقاً لشخصية " نوح " في الأديان اليهودية والمسيحية والأسلام .

6- طالما كان مفهوم الخلود في الملحمة هي فلسفة وجود الأنسان، فهو للبناء والأنتاج وخدمة البشرية لا للأكل والشرب (كما قال الأمام علي : "أنا لست كالبهيمة همها علفها " وبهذه (الأنسنة) خُلِدَ جلجامش، ولاحظ الباحثون أنّ تأثيراتها وجدت في ملحمة هوميروس (الألياذة والأوديسا) وهناك من قارب بين (أكيليس) بطل الألياذة ورفيقهُ (باتروكليس) بالبطل جلجامش ورفيقهُ (أنكيدو).

ملاحظه / المقالة بحثية أدبية

 

عبد الجبار نوري/ السويد

.......................

(بعض الهوامش والمصادر)

** ملحمة كلكامش في الثقافة الغربية القديمة والمعاصرة /ادمون كوريا /باحث سوري . ** د/ علي القاسمي – عودة جلجامس

** أسطورة الخلق السومرية . ** الطوفان والكتب المقدسة . ** ملاحم وأساطير / أنيس فريحه – دار النهار – بيروت 1979

في / 10-1-2016

 

الشاعر منذر عبدالحر في حضرة الامام موسى بن جعفر الكاظم

wejdan abdulazizلا شك يتمادى الشعر بخروجه من ساحات العاطفة والانفعال الاني والعابر احيانا الى ساحات التأمل والتصوف بالحب اليقيني الذي لايساور المحب فيه أي شك، في ان الحبيب هو الاجدر بهكذا حب .. واظن ان شاعرنا منذر عبدالحر، قد سقط صريعا بحالة استشراقية سمت به الى مصاف متصوفة الحب، بقصيدة حاولت ان تركب نغمة دعاء التوسل بشخصية استحقت الاندهاش الى حد الذوبان في حبها وتوسم القرب منها، فعلينا الوقوف وقوفا جليا من قضية الاسلام والانسان في آمال وطموحات الائمة الاطهار عليهم السلام، ليس بمعزل عن كونهم يتمثلون ويهضمون فكرة الاسلام فقط، بل حتى صاغوها عقيدة مبدئية غايتها انقاذ البشر بتنوير طريقه في الحياة، ثم انهم قاموا بتحويل الاسلام من فكرة نظرية الى حيز العمل وكيفية استثمار قضية الفناء والموت، لصنع سعادة الدنيا باتصالها الاتصال السرمدي بسعادة الاخرة، فصراع الفناء مع البقاء وضع له الامام موسى بن جعفر علة وجودية ارتبطت بالادراك والفهم الاستيعابي لكلا الشقين الفناء والبقاء ... وجعل الفناء كخادم مطيع للبقاء بعلة وجوديهما وعلة فائدة العلاقة المضمرة بينهما .. وهذا تطلب من الامام ان يبدأ من الداخل، أي داخل اعماقه ليخرج بفهم كامل لغوامض الكون وعلاقات اشيائه، عكس الاخر الذي بدأ بالخارج لمحاولة فهم غوامض الكون كما قال فيها الكسيس كاريل في كتابه (الانسان ذلك المجهول) ومن هذا كان الامام قد ادرك ان الانسان لابد ان يتخلص من علل وجودية، ليتجلى الى مستويات الطموح الاسلامي لهذا الانسان ذي البعدين: الاول السافل البغيض المتعفن والنتن والذي عبر عنه القرآن الكريم بالصلصال والحمأ المسنون، فمن بُعد الصلصال والطين الى بُعد السمو حيث يكون ذاته وفطرته، وهي السمو بالمعاني الانسانية، لتكون هي الله او روح الله كمعاني كنائية قبل ان تكون معاني خالصة أي يوجب السعي للسمو من الطين الى الروح أي هذين القطبين قطب التراب والطين وقطب الله وروح الله، وهو سعي ليس بالسهل القريب، هكذا كان جهاد الامام كأنسان انطلق من صناعة ذاتية نقيه استلم اسسها من رسالة الاسلام ليتغلب على قطب التراب والطين أي ما سفل من الانسان ليحلق بعيدا الى روح الله، وهذا التحليق صنع منه انسانا معجزة في خلق حياة مثالية قادرة لتكون سندا للحياة الاكثر استقرارا وثبوتا، وهي الحياة الاخرة، فكان الامام الكاظم انسانا حرا، صنع الحرية للاخرين، واثبت لكل معانديه ومعارضيه، ان الاسلام يحمل اسس السعادة في الحياة الدنيا ناهيك عن كسب الحياة الاخرى، التي من الغيب بالنسبة للاذهان القاصرة عن الادراك، ولكن في مدركات الامام الكاظم، هي الاقرب بيقين صدقه الصافي .. من هذه المدركات استجمع الشاعر منذر عبدالحر وعيه وكتب قصيدته بحرف من الصدق، وحاول جادا الارتفاع من مستنقع الشك المريب، الى سمو الاستقراء في مسيرة الامام، قد يكون نجح في حالات، وهبط عنده الوعي في حالات اخرى، كون ايمان الامام الكاظم لاتحويه كلمات، انما يحويه التصوف بحب الله والمحاولة الجادة للوصول الى القرب اليقيني، يقول الشاعر منذر عبدالحر:

(يا كاظم الغيظ ، يا بحرا ً من الورع ِ

جئناك َ زحفا ً على درب ٍ من الوجع ِ

جئناك َ يا سيّد التقوى لتمنحنا

فيضا ً من الأمن ينجينا من الهلع ِ

مُذْ غيّبوك َ بقاع الظلم غيّبهم ْ

إثم ُ الظلام ِ وساروا في دجى الجزع ِ

يا ابن الهواشم ِ يا بستان َ معرفة ٍ

يا خير َ من صبروا في أصعب البقع ِ

بابُ المراد ِ..وباب ُ الداخلين إلى

نور الشفيع بقلب ٍ خاشع ٍ ورع ِ

جئنا جموعا ً على عهد ٍ تسجّله ُ

عبر َ العقود ِ دماءُ الطهر والولع ِ

بحبّ آل رسول الله أجمعهم

فالحبُّ موقفنا في كلّ مصطرع ِ

لا نقبل ُ الذّلَّ يا صوت َ الحسين غدا

صوت َ العصور ِ كمسموع ٍ ومستمع ِ)

فالشاعر هنا لم يقصد بزيارته الى الامام الا بقرينة (بستان معرفة) وخيرة من صبروا على البلوى، ليهنأ الجميع بالحب والجمال والحرية، وهذه القرائن كفيلة باعلاء صوت الحسين، حيث كان استشهاده في الطف المشروع الإسلامي الذي تكاملت حلقاته بعد الاستشهاد وأستثمره الآخرون في أمثلتهم التاريخية الخالدة ولهذا تأسست حلقات استثمار شهادته في ترسيخ قيم الحق والإباء والشجاعة ونصرة المظلوم، والشاعر من محبي اهل البيت لابد من حمل رسالتهم المقرونة بالحب والجمال، وصنع حياة ينعم فيها الجميع دون تفريق في الجنس والعرق والقومية، لهذا بقي الشاعر يردد :

 

(وجئت ُ زحفا ً خطاي النبض ُ أشرعة ً

إلى الضريح ِ وزاد الحبّ ُ من طمعي

بأن أرى نورك الوضّاء شاهدة

على الزمان وأن احضى بمتّسع ِ

من الطواف ِ أعيش ُ العمر َ أكمله ُ

أسعى إليك ولا أرقى إلى شبع ِ

جوع ٌ للقياك جئت ُ اليوم َ أرصده ُ

وأستغيث ُ بقلبي ناسجا ًسجعي

قصيدة ً كلّ ما فيها يفوح شذى ً

مدادُها الصدق ُ موشوما على طبع ِ)

شعاره الحب، فهل يشبع الانسان من الحب؟؟ القرينة العقلية تنفي هذا الشبع بدليل قول الرسول الكريم : (لايؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه)، وهنا نفى الايمان واثبته بقرينة الحب، فلنصرخ، صرخة واحدة بوجه الظلاميين الذين لايعوون معنى الاسلام ولايدركون مغازي الحياة الجميلة التي يصنعها لهم، فالاولى بنا ونحن نجاهد التكفير، ان نرفع راية اهل البيت عالية ليتجدد الاسلام، وتنعم الانسانية جمعاء بهذا الحب الصادق ...

 

ـ في ذكرى استشهاد الامام موسى بن جعفر عليه السلام

يا كاظم الغيظ

 

وجدان عبدالعزيز

الفكاهة السوداء وفضح الزيف البشري

823-mohamadفي كتاب "فوق بلاد السواد- قصص وحكايات ساخرة" للكاتب العراقي أزهر جرجيس

 تعتبر المجتمعات المغلقة الفكاهة والضحك تهديدا لوجودها وقيمها المحافظة، ولهذا فانها ترى في السخرية والتهكم والطرافة ادوات اجتماعية تتعارض مع اخلاقية التزمت والانضباط، التي على الفرد الالتزام بها للحفاظ على هيمنة القائمين على المجتمع. من هنا نرى ان الفكاهة هي خرق لهذا التابو والمنع والتزمت الاجتماعي. ولهذا تجد الشعوب عبر النوادر والسخرية كوة لتحرير الذات والوعي من الخوف والانغلاق.

في هذا السياق يمكن قراءة كتاب " فوق بلاد السواد" للكاتب أزهر جرجيس، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر الذي صدر عام 2015 في بيروت

الكتاب هو مجموعة من القصص والحكايات الساخرة ويتضمن34 قصة وحكاية . انها قصص تتحدث عن الحرب، الزيف الاجتماعي، الكبت الجنسي، تربية الطفل، اللجوء، الارهابي وتحولاته، الزيف الديني، وغيرها من الموضوعات.

823-mohamadتمتاز الحكايات والقصص بالاختصار والتكثيف ولها هدف سياسي واجتماعي. انها تغرف مباشرة من خزين الواقع المليء بتناقضات الحياة والاحداث والشخوص والصور الغنية، دون ان تغيب عنها اللمسة الجمالية الفنية، التي تميز هذا النوع من الادب، وتكشف عن فرادة قص تذكرنا بشمران الياسري في اعمدته الصحفية في طريق الشعب ورباعيته الروائية في سبعينات القرن الماضي، التي كانت سببا في خروجه من العراق بعد تهديده من قبل صدام مباشرة لما تركته حكاياته من تأثير على وعي الناس وبصيرتهم بما يجري آنذاك. الا ان ما يميز أزهر عن الياسري، انه حافظ الى حد كبير في سرد قصصه على اللغة الفصحى، وحتى حين يستخدم اللهجة الشعبية المحلية، فانه يحاول ان يقترب من تلك التجربة التي خاضها الشاعر الشعبي الراحل علي الشباني في شعره، بحيث يقرّب بين العامية واللغة الفصحى او ما اطلق عليه الشباني "اللغة المحكية" التي تقع بين الاثنين، وهي لغة المتعلمين او لغة الطبقة الوسطى في المجتمع..

يمتلك ازهر جرجيس طاقة ابداعية كبيرة في التهكم بحيث تأتي حكاياته سلسلة متتابعة مرحة ذات غائية مركبة فنيا وفكريا، تلتقط الكثير مما يجري بين الناس، مازجا بين ما عايشه في النرويج، بلاد اللجوء التي رحل اليها الكاتب وبين شخصيات الماضي، ماضيه، التي تعود اليه بين الحين والاخر لتشكل عوالم حكاياته؛ فحكاية مكي الاقرع الذي باع بستانه واشترى بدله سيارة وحولها في النهاية الى سيارة لنقل جثث الحرب ص.9-13،تكشف بتهكم اكاذيب النظام الذي كان يتشدق بانتصاراته فيها وهي حكاية تملك تعميما ويمكن سردها عن بلدان وانظمة مشابهة في سلوكها.

 

اما شخصية غريب المؤمن فانها تتحدث عن الطفولة والقمع واشكال التربية السيئة ص.14- 18، ثم زيف التربية الدينية والقائمين عليها التي تحول الدين الى مصدر للتجارة والربح. ثم نتابع في حكاية اخرى صبيح الذي فر من الحرب و وصل الى السويد، و تلك المشاعر المتضاربة التي تتناوبه بين الحنين الى الوطن و الانعتاق عبر تفتح حاجته الجنسية التي تعبر عن جوع وقمع اجتماعي ماضٍ شاخصٍ في وعيه في مسعى للتحرر منه . وتكشف هذه الحكاية المحنة التي يعانيها اللاجيء بين الكبت الجنسي وسوء فهمه للحرية التي يواجهها في بلدان اللجوء، فلا هو يعرف رقصة بلاده ولا هو يعرف الرقصة التي ستتيح له الحصول على مريانا العاملة في معكسر اللجوء ص. 31 . فحين طلبت ماريانا منه ان يرقص لها اية رقصه يعرفها، فانه فشل في ذلك، حتى تذكر "رقصة نوفا" التي لم تكن رقصة، بل عذابا مستديما ..في هذه القصة نلمس الفكاهة السوداء التي تضيء السلوك الانساني ومحنته عبر التهكم والكوميديا اللاذعة، وهي كوميديا تتضح على اشدها من بين قصص و حكايات آخرى في " بلد الزهور " ص. 129-131 ايضا. . حيث المقارنة الساخرة بين العراق والنرويج التي تشيها بعض من الفاجعة، حيث تصر الشخصية الرئيسية في الحكاية على التشابه الكبير بين العراق والنرويج، الى درجة ان كاترين الصديقة النرويجية، لم تفهم تلك المقارنة، فتغادره وهو يقول لنفسه" يا لها من مسكينة ! لم تصدق كلامي عن العراق ..لقد فاتها الكثير !". ص.131، وفي اطار هذه الكوميديا السوداء نقرأ عن محنة نبيل ونسمة، الذين ترعرعا في حياة غير انسانية وعاشا حياة التشرد بلا عوائل او بيوت، حتى التقيا ببعضهما وتزوجا بمساعدة انسان طيب عطف عليهما، ورغم ان الاستقرار الذي تحقق لهما بالعثور على غرفة يعيشان فيها ومصدر عيش، إذ يبيعان في النهار السجائر وورق الكلينكس واعواد البخور، اضافة الى عمل نبيل في احد بارات بغداد لغسل الصحون، فان فجاعة حياتهما لم تتوقف عند هذ الحد، إذ جسد الكاتب ذلك بالحلم الذي حلمه نبيل وهو يهرب الى اليونان بمساعدة نادل البار وسقوط الطائرة في البحر بعد اقلاعها من تركيا، ليجد نفسه في سريره وقد انقلبت عليه نسمه بكل حجمها. فنسمة كانت تمثل مصيره- بؤسه الذي لا يمكن الهروب منه رغم فضاعته. ص.19-29

ولا يفوت الكاتب ان يعرج على واحدة من قضايا عصرنا المهمة، واعني الارهاب، حيث يقدم لنا شعيب الافغاني اللاجيء في فنلندا، الذي غادر افغانستان بعد ان ادرك خطل انضمامه الى " الجهاد" مع ارهابيين كانوا يستخدمون الدين لمصالحهم، فاكتشف عن طريق مصلح ديني، الشيخ المشرفي، ان الجنّة والدين شيء آخر يختلف عمّا يتحدث عنه "الجهاديون". معلنا انه ترك بلاده " كارها لجنّة تنالُ بذبح الابرياء"ص.141  

كتاب "فوق بلاد السواد" يمنحنا فسحة من المرح وسط كل هذا الخراب والظلام والموت الذي يحيق بحياتنا. وفي الوقت الذي يكشف لنا الزيف البشري وعيوبنا المتأصلة فينا، بفعل اسباب عديدة، فانه يقول لنا؛ ما يزال ثمة كوة للامل والفرح في الحياة. أزهر جرجيس يقدم في كتابه هذا تجربة سردية مهمة، تأخذ من السخرية والتهكم منطلقا لكشف المستور في حياتنا اليومية، فيقدم بذلك اداة ادبية، طالما تجاهلها وللاسف، الى حد كبير، الادباء العرب، لنقد السلوكيات الانسانية التي تعيش على الكذب والرياء وخديعة الذات. ورغم ان كتابه هذا هو انتاجه الاول، ويتضمن بعض القصور الطفيف هنا وهناك، فانه يكشف عن مهارة كبيرة في ضبط ايقاعات السرد وادواته والتحكم ببنية مسار الاحداث، واتوقع له ان يكون مستقبلا واحدا من كتاب السرد الساخر المهمين في الثقافة العربية.  

 

قحطان جاسم

 

الشوق الوجيع والشعر الوسيع.. قراءة في نص للشاعرة فاطمة نزال

موجع هذا الشوق

وبيتك على قيد خطوة

طرقت دقات قلبي بابك

وعادت إلى خيبتها أصابعي...

هذا نص قليل اللفظ، كثير المعنى واسعه، ضارب في الشعر، وضارب في عمق الذات.. كُتب بعقل، فجاء أثرا ووسما لمنطق تتماهى فيه أبنية اللغة وأبنية النفس تحس وتدرك وترى، فتقول ذاتها، لتأتي اللغة وقد أُعيد قدّها معجما ودلالة وتركيبا وتخييلا...وحين نقرأ هذا النص "الطويل" نرى كم هو الشعر "سهل" وكم هي شروطه "عسيرة"... وكلما أوجع الشوق، أوسع الشعر وجاد ولان...

 

موجع هذا الشوق:

البنية الخبرية الوصفية مثبتة لحال تبدو موسومة بوقوع الواصفة (هكذا يبدو لنا يسيرا أن نقول، ولكن المسألة أعقد مما نتصور...) تحت أثر فعل قاهر وإن لم يعيّن الخطاب المفعول، وأثبت الفاعلية في البنية اللفظية (موجع) فجاءت الحال متعالية عن الحدثية أو الحاليّة المتحيّزة أو الطارئة المحدودة في الزمان..هو الوجع المتعالي عن عابر الأوجاع، الغائر في الأعماق، الدائم فعلا وأثرا..ولذلك تصدرت الصفة /الخبرُ الخبرَ، وكانت، أي الصفة، مدار القول وجوهر الرسالة، فبرزت الذات (ذات ما..) كيانا موجوعا وجعا مطلقا، بارزا معلوما، مجهولا، خاصا وعامّا، موسوما بالفرادة..وفي اختيار التقديم والتأخير لبنية العبارة وظيفة تعبيرية مفتوحة على شتى المواقف، من الضيق والشكوى والضراعة والضعف والأسى وغير ذلك مما يعتمل في النفس مادام للفعل أثره المتطاول..

• وحتى ينفتح القول على ما ترشحه له بنيته التركيبية الإعرابية والدلالية من معان، نراه بؤرة لأصوات متعاملة متفاعلة متصادية، أوّلها صوت المتكلمة ذاتا ناطقة بما تخبر به، ولا نعلم أتخبر عن نفسها أم عن غيرها، وليس في بنية القول من المشيرات الذاتية ما يصل بين القول والقائلة سوى وظيفة التلفظ إنجازا للقول.. ولا يجوز الوصل بين التجربة الموصوفة والذات الواصفة إلا من حيث أن الحال الموصوفة داخليّة ، أي ممّا يعتمل في الباطن ولا يصفه إلا من يعلمه ويحياه..ولئن جاز الحديث عن الذاتية في القول، اعتبرنا الشوق شوق المتكلمة والوجع وجعها، ولنا في الإشارة ما يدعم هذا الفهم، فليس الشوق مما يتحيز ويُرى عيانا فيشار إليه، وإنما هو حال خاصة ..جدا.. إلا إذا سُمع خبرا، فحُكي قولا واصفا.

• وفي بنية اسم الفاعل (موجع) ما يكشف عن دلالة زمانية مركبة جامعة بين الفعلية (أوجع يوجع) والاسمية ( بنية اسم الفاعل) الناقلة للفعل من حيّز الانقضاء إلى حيز الديمومة والامتداد..وهذا ما يميز موضوع الوصف عما سواه مما يلتبس به..

• ولئن كان "هذا الشوق" جديرا بالوصف فلأنه غير معهود، وغيره من الأشواق لا وجع يقترن بها، أو كان وجعها على غير "هذا" الوجه وهذه الدرجة من الشدة.. ولذلك أخبرت المتكلمة عما رأته جديرا بالإخبار عنه، وما كانت لتفعل لولا هذه الخصوصيّة..خصوصية الوجع..

• لنا أن نعتبر الصفة (موجع) مستعملة استعمالا استعاريا استجلابا لمجال حسيّ

(الوجع ألم عضويّ في الأصل الدلالي) لغاية تعبيرية تصويرية متصلة بمجال غير حسي، أي وجداني باطنيّ قلبيّ..والشوق يقوم مقام العضو يوجع كالرأس والبطن.. وهو أيضا موجع كالضرب المبرّح..فيتوجّع المشتاق ويتلوى ويشكو ويتضور ويتقلّب ألما..وليس من سبيل للتصوير غير الحسّيّة، تقريبا لما يبعُد ويستعصي ويغمض، ولا يجلو على وجهه البيّن..

• فعل الوجع وأثره مردودان إلى فاعلية متضمنة في المسند إليه، الحاضر خطابيا في المركب الإشاري (هذا الشوق) المعرف بالشوق تعريفا مزدوجا. بيد أن اسم الإشارة تلتبس إشاريته وإشارته ، فيكون في تعالق تركيبي بالمشار إليه القريب الجديد المختلف عما عداه من الأشواق..وكأن الذات الواصفة تنكره وتميزه وتكشف عتيّه وأذاه وسطوته وأساه وشدته و...فهو الشوق ولا أي شوق من تلك الأشواق التي قد هزت الكيان بلا وجع، أو ما بلغت به المبلغ الذي تدركه الذات وتحياه..فتصفه وقد ضاقت النفس وألمت وتاقت وأنّت ووقعت متوجّعة شاكية معلولة..وفي الإشارية ترهين للقول وتنزيل له في المكان والزمان، وإن كان "هذا" الذي يشار إليه بهذا لا نراه ولا نعلمه ولا ندركه كما تدركه المتكلمة وتشير إليه وتريدنا أن ندرك بعض ما أدركت.

 

وبيتك على قيد خطوة

التركيب الثاني مفتوح على وجوه من التّعالق مع الأول: فلك أن تراه متمّما إن اعتبرته مركبا بواو الحال لا تركيبا "مستقلاّ"، ولك أن تراه مستأنفا به الخطاب، ناشرا الوصف، خارجا به من الداخل إلى الخارج، مفسّرا "هذا الشوق" مبرزا للمفارقة، إذ الشوق في عرف الحب موصول بالانفصال والتباين وامتداد المسافات ونأي الديار، وهذا الشوق موصول بالتصاقب والتداني.. وعن هذا التوتّر تنبثق شعرية القول، وتتفاعل الوحدات المعجمية وقد توزّعت على غير المحور التوزيعي المتوقع والمألوف، فكسرت الشاعرة منطق التّآلف المعجمي الدّلاليّ، ونشأ من المعاني ما لا سبيل إليه إلا بردّ الأقوال بعضها على بعض، فإذا هي متعاظلة متواشجة متّصلة منتظمة، لا معنى لها إلا في اتصالها وتمفصلها وائتلافها المستحدث المفاجئ الطريف المتولّد من توليف خطابيّ، هو من مقومات الشعر والشعريّة..

• ويعنينا من هذا التوتر المعجميّ أن نرى فعلا شعريّا دلاليّا نعدّه مركزيّا، ألا وهو إعادة إنتاج المفاهيم العشقيّة عند الشاعرة. فهي ترى أنّ أوجع الأشواق أكملها ، في علاقة تبدو عجيبة واقعة خارج أطر التواصل العشقي التقليدي، فهي تلمس شوقا لا تفسره المسافة، فلا تشكو فراقا ولا غيابا، بل تثبت تدانيا وحضورا، ولا تتوق إلى وصل لأن المخاطب المحبوب ماثل في "بيت" قريب مجاور، لعلّه القلب...وما التقطت الشاعرة هذه الصورة التي توحي بالقرب بل بمنتهى القرب إلى حد انتفاء المسافة إلا لإبراز المفارقة وحدة التوتر بين أشد الشوق ومنتهى القرب، وبين التواصل الدائم والحاجة إلى وصل لا يمكن، أو تتوق إليه النفس ولا تبلغه..َ

• ومن خلال هذه العلاقة الحجاجية التي تنشئها الواو (كيفما كان فهمنا إياها) بين الوحدتين تتكاثف العناصر الإحالية، أي ذات القيمة المرجعية، من مكان ومسافة وهويّات.. فيظهر مخاطب يعرّف أو يوصف بالتحييز المكاني المزدوج (بيتك/ على قيد خطوة..) وتبدو هذه الذات الثانية متعلقا للشوق.. ومنه وإليه المشتكى..القريب مسكنه، البعيد مزاره ومناله..وفي التقدير الإيحائي للمسافة الفاصلة (قيد خطوة) ما يعمّق الشوق إلى وصل مستعص بل مستحيل.. ولنا في التلازم المطّرد بين تقلص المسافة إلى حد الانتفاء واحتدام الشوق وارتفاع درجة الوجع، ما يمكن عدّه وجها من وجوه شعرية هذا النص العالية..

• هكذا تؤلّف الشاعرة بين وحدات القول الشعريّ تأليفا نظميّا صارما منتجا غزيرا إيحاؤه، طريفا مداه، من حيث أنه يفتح أفقا قرائيّا عريضا عاليا متعدّد الاتجاهات.. فهي منطلقة من حال عشقية موسومة بالصّمت والانقطاع والانفصال والألم من جهة، وبانتفاء موانع الاتصال والتواصل من جهة مقابلة..فتبدو الذات قاصرة حائرة صامتة راغبة متهيّبة وجْلى متردّدة خائفة.. وربما ملأى بهذه الحال العشقية العجيبة الرهيبة التي يكون فيها المعشوق قريبا بعيدا، يسكننا وكأنه منّا، بل هو منّا، وينأى مستحيلا أو مقدّسا متعاليا لا نملك إلا أن نشتاق إليه ولا نبلغه أبدا..

• الوحدتان الأولى والثانية لنا أن نعدّهما وحدة واحدة في اتصال مكوّنيْها من جهة الترابط المنطقي الدلالي، وفي انسجام بنيتيهما التركيبية (الاسمية/الخبرية/الوصفية)

وتصل بينهما الواو عاقدة اقترانا، هو مولّد المعنى المركزي والمنتشر في مختلف مكونات القول..ولك أن تقرأ العلاقة في هذا البعد بتقليب القول على وجوه من الاتصال السببي الضمني:

*موجع هذا الشوق لأن بيتك على قيد خطوة

*لو لم يكن بيتك على قيد خطوة لما كان الشوق على هذه الصورة أو بهذه الدرجة من الوجع

*لو كنت أبعد لكان الشوق أقل وجعا أو لكان بصفة أخرى غير هذه.

*لو انتفى القرب ربما انتفى الشوق أو خف وجعه...

• الطريف في بناء هذا النص هو تناميه وفق منطق تفسيري تتلازم به الأقوال وتنفتح بينها مسالك للمعنى فتتكامل وتتفاعل، فلا تعني منفردة منفصلة بل متصلا بعضها ببعض..

ومثلما تتصل الوحدتان الأولى بالواو، تتصل الوحدتان الثالثة والرابعة بواو أخرى، إلا أنها مختلفة بمعناها ووظيفتها، ومماثلة للأولى في إيقاعها ووسمها النص بالتوازي والانتظام..

• يتطور الخطاب من الخبرية الاسمية إلى الخبرية الفعلية :

   طرقت دقات قلبي بابك..

وعادت إلى خيبتها أصابعي...

وهو تطور سببي في وجه من وجوهه، أي أنه تصوير لخروج من حال أو بدفع من هذه الحال، من أجل تجاوزها باعتبارها " أزمة" شوق ورغبة في التخفف من الوجع، بتحقيق الوصل الشافي المنشود.. ولذلك يكون الخروج ويكون الفعل.. وهو هنا فعل اتصالي:

...طرقت دقات قلبي بابك

تعمد فيه الشاعرة إلى عمل معجمي توزيعي في منتهى الدقة، فتتولد العبارة عن العبارة توليدا تضمنيا (البيت والباب)وتنشأ علاقة استبدال بين الفعل والأثر من خلال "التشابه" بين صوت الطرق وصوت الخفقان..وفي هذا التمثيل الضمني نشاط تخيّلي تخييليّ خلاّق لشتى الإيحاءات والصور الواصلة بين مجالي الداخل(القلب) والخارج أو ما يبدو خارجا (باب بيتك أو باب قلبك..) ولا يمكن أن يكون التواصل بهذه الصورة إلا صدرا لصدر وقلبا لقلب، ليكون النبض الرسالة والشفرة والدلالة المنطوق بها على وجه قلبيّ خاصّ وسرّيّ، خارج منظومات التواصل الأخرى..

• بيد أنّ هذه الوحدة الثالثة لا اكتمال لمعناها إلا في اتصالها بالرابعة، مثلما اتصلت الأولى بالثانية :

وعادت إلى خيبتها أصابعي..

فتكتمل أولا الدورة الحدثيّة بالفشل في المسعى الاتصالي بموضوع الرغبة، وتتجلى العلاقة التعاقبية السببيّة بين القولين ممّا يمكن تفصيل القول فيه والذهاب مذاهب شتى في تأويل المعنى وبيان المقاصد.. إلا أنّ اللاّفت هنا هو هذه الصلة الجديدة التي تعقدها الشاعرة بين الحس والوجدان، من خلال هذا "اللّعب" المعجمي الدلاليّ الاستبدالي والتماثليّ بين حركة القلب (الخفقان) وحركة اليد أو الأصابع (الطرق)..فيد المتكلمة هي قلبها ..وإن شئت فقل إنّ قلبها في يدها ونبضها في أناملها، في وحدة وانصهار بين مكونات كيانها الواحد العاشق المشتاق الموجوع..

وفي الاستعاضة عن الاتصال الحسيّ بالاتصال القلبيّ بؤرة دلاليّة مهمّة يمكن أن نمتاح منها معاني غزارا، بعضها نفسيّ (القصور عن الاتصال الحق؟؟) وبعضها روحي (المقام العشقي القلبي الرفيع..)

• وتبدو هذه الحركة ارتدادية آيلة إلى مآل "قديم" مألوف بالعودة إلى "الخيبة" التي كانت دافعا وكانت مصيرا..ولئن بدت خيبة متواترة التحقق، فهي خيبة الاندفاع المتجدد نشدانا لاتصال لا تُقعد الخيبة في تحقيقه عن تجديد المسعي إليه..

ولِم لا نعدّ هذه الخيبة العشقة شرطا للامتلاء شوقا ووجعا ؟؟ فتكون البهجة في الخيبة والنشوة في الوجع، ويكون معنى الوجود في "هذا الشوق" لا في غيره من مألوف الأشواق..

 

الحبيب سالم

 

منفى العصافير ورواية كوثاريا

wejdan abdulazizالحقيقة التي لامناص منها ان الكاتب نعيم ال مسافر، قد خاض عدة تجارب كتابية، حقق من خلالها نجاحات لفتت له الانظار، وجعلتنا نتطلع له ككاتب يحاول ايجاد مكانة له في الساحة الثقافية، فهو شاعر وقاص، واخيرا خاض تجربة الرواية، هذا العالم السحري المغري والعميق الاغوار، والذي يتطلب شجاعة وحنكة في طرح افكاره واسقاطها على شخصياته.

فالشخصيات الروائية اما أن تكون واقعية من ازمان مختلفة ولها وجود عياني، او شخصيات افتراضية، خلقها الكاتب نفسه وحاول ترويضها من اجل أن تكون حاملة لخلجاته الانسانية وخارطة افكاره، ولا يعني هذا نوع من انواع القسر، أو جعل الشخصيات اسيرة لكاتب الرواية لكن، هذا الامر يتطلب تجربة عميقة للكاتب ومراس في مراقبة هذه الشخصيات وتحريكها وفق خطة معينة بغية الوصول الى عمل ادبي يحمل سمات الواقع وتجلياته وتأثيرها على مجمل حركة الشخوص، بما يجعلها قريبة من معقولية الطرح المغمس بالخيال.

ان أي نص ادبي يحاول ان يحمل سؤال، تتوالد من خلاله اسئلة اخرى، قد يكون كاتب النص غير معني بالجواب الاول وينشغل بالاجوبة التالية، مما يعطي للمتلقي فضولية البحث عن جواب السؤال الاول وهذا يمثل امتداد الحالة التشويقية للعمل الادبي السردي خاصة ..

 

وامامنا رواية (كوثاريا) للكاتب ال مسافر، والتي تدور فكرتها (موضوعها)، حول الانتقام والخيانة والبحث عن الذات، وجملة هذه الأمور تقوم على الصراع، حيث ان الكاتب قد تناص مع القص القرآني بأسئلة متوالدة عن سيرته كراوي والمملوءة بالألم والمعاناة والقلق الحاد والغربة والصراع الباطني مع الذات ومع الاشياء المحيطة ومع الأفكار والرؤى، فـ(ان ما تقدمه الممارسة الفنية من دلائل على التعالق والانفتاح لايمكن الا ان يحطم ذلك الانطباع السائد عن نقاء النوع الفني وان يخلخل نموذجيته المحددة وهويته الخاصة، يصح ان ينتج تلاقح الفنون انماطا من التهجين الاستيقي وانماطا من التناص)1.

كاتب رواية (كوثاريا) اعتمد استعمال ضمير المتكلم في روايته .. يقول الكاتب البرتومورافيا: (ان ضمير المتكلم هو وسيلة تؤدي الى توسيع وتعميق الرواية الى درجة غير محدودة، ففي الوقت الذي يكون فيه من الصعب جدا او مما يبعث السأم ان نجعل الشخص الثالث يقول اكثر مما يسمح مدى افعاله لا بل نجعله يقول ذلك بدون التدخل العفوي من قبل المؤلف، فانه من السهل والمشروع جدا ان يستسلم الشخص المتكلم للافكار والبراهين الناتجة عنها وما الى ذلك)2، فبقي الكاتب ال مسافر يلج الى داخل اذهان اشخاصه او نلاحظ سيادة وجهة نظره المبررة على مجمل احداث الرواية، ومحاولة التعايش مع شخصياته خطوة بخطوة، حيث اختار اسمائهم بعناية، بحيث كانت تعني الكثير كما كانت الكنى والالقاب مختارة اختيار يتلائم مع تدرج احداث الرواية، بحيث درس مخاوفهم السرية وآمالهم ودوافعهم الشريرة والنبيلة.

رسم مسارات باتجاه الحفاظ على حجم معين للرواية، وحاول ان يوائم بين البيئة والشخص والفعل والفكرة والحوار، لتكون هذه العناصر في ايقاع منسجم مع المعنى العام الذي يبتغيه، ورسم ايضا ابعاد شخصياته بطريقة الراوي العليم او المشارك وكان شاهدا على نموها الذاتي، وكأني بالكاتب قد اطلع على علم النفس ودرس شخصياته وتوجهاتهم ونوازع شخصية سمير - خاصة، هذه الشخصية العجيبة الغريبة في مجمل سلوكياتها من حب وكره وانتقام وما شابه ذلك ..

كان الحوار في رواية (كوثاريا) حوارا مدروسا يعطي عمقا لها رغم مباشرته احيانا، حيث كان حوارا بعيدا عن العبث بل يدخل في صميم العمل، (في كتابه "الحديقة البرية" يقول انغوس ولسون: "ان الدافع لكتابة رواية ينبع من رؤية متحدة وخاطفة للحياة").

بدأ الكاتب ال مسافر روايته باضاءة كانت الاطار العام للرواية وكما عند الادباء الكبار، يقول فيها: (قرب النهر في قريتنا النائمة بوداعة في مخيلتي كنت اذهب بوجبة الغداء لأبي الذي يعمل مزارعا في أرض مديدة الخضرة . اطلب إليه في كل مرة أن يحدثني عن قصة النبي إبراهيم من بين كل قصص الأنبياء التي يحفظها ويرويها لنا في الطفولة .

كانت هذه القصة تأسرني . استغرب حتى لحظتي أن يعلق إبراهيم الفأس في عنق مردوخ بدلا ً من تحطيمه كما الأصنام الأخرى .

السبب المعروف هو اتهامه بالتحطيم، حتى ُيحرج الكهنة وتتضح الحقيقة للناس المخدوعين بعبادة الأصنام . ما كان هذا السبب المُعلن يرضي فضولي، ولطالما تساءلت عن وجود سبب ٍ آخر جعله يترك هذا الصنم دون أن يحطمه .

ظل هذا السؤال يلاحقني بعد أ انتقلنا إلى مدينة كوثاريا اثر مقتل والدي على الساقية . فلم تسعفني الأجوبة والويل لمن لا تسعفه الأجوبة .)، هذه الاضاءة الزمكانية اصبحت مسرحا لاحداث الرواية، واعطت زخما كبيرا لموضوعها، فبين قصة ابراهيم وبين كوثاريا اثبت الكاتب لحمة الرواية، أي بين قصة الاصنام وبغداد الدائرية اوجد دالة بين الصنمية وتوالدها الدائري في المجتمع العراقي .

يقول الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد: (تخضع افعال النص في انساقها اللغوية ابتداءا الى المنطق الاسلوبي الذي يقوم بتوجيهها توجيها نسقيا بوصفها ظاهرة لغوية في المقام الاول هذه الظاهرة اللغوية التي يصفها ـ بلومفيلد ـ في هذا السياق بانها "سلسلة من المنبهات تتلوها استجابات تتحول هي الاخرى الى استجابات اخرى" في حركة دائرية تواصلية دائبة تنهض بها افعال النص وتقود كوننة النص وتفضئته بوصفه "قيمة نفسية وحدسية شاملة ومستقلة بذاتها")3، فدائرة الرواية تُفتح بسمير وتغلق بالراوي وهكذا ..

في مقطع اخر (أتفحص المكان بفضول شديد، مستغربا ً حصولهم على أثاث ثمين كالذي أرى وجدران بيضاء مطلية بعناية شديدة، نقوش وألوان متناسقة كلوحة فنان بارع وإضاءة جميلة تدل على ذوق رفيع .

ما لفت انتباهي أكثر من كل ما أراه، المكتبة الكبيرة التي تأخذ الركن المقابل وتغص بأنواع الكتب الثمينة المصفوفة بعناية على الرفوف . وهذا ليس أكثر نشازا من فوهات الموت المعدنية الباردة التي تملأ المكان . كل واحد منهم يمسك بواحدة ومجموعة منها قرب المكتبة . إحداها كانت تتكئ بقربي على المكتب، تحسست معدنها البارد عدة مرات أثناء استماعي لما يعرضه سمير علي وربما كانت تسمعني:

ـ يا لك من باردة، هادئة، صامتة، مخادعة، يمكنك تسخين برودتك وقذفي بحمم مميتة، انتزاع ملاءة الهدوء لإغراق كل من في الغرفة بحمم الضجيج والنار والدم خلال ثانية واحدة، تخرجين من صمتك بضغطة سبابة . ليعودوا بعد ذلك لشرب الشاي وإشعال سجائر جديدة وربما الضحك وكأن شيئا لم يكن .

ضغطة السبابة على الزناد عندهم كضغطة ظفر الإبهام التي كنا نمارسها على أي من خيول السجن البيضاء خلال سني السجن السوداء . لا مشكلة لديهم كلها ضغطات أصابع من نفس اليد والأشياء التي يضغطون عليها متساوية القيمة بالنسبة لهم . فمن تعود على تناول عقار السعادة، عقار مصادرة العقل، يمكنه أن يقوم بأبشع جريمة وعندما يُسأل عن ذلك...) هذه اللوحة اختلطت فيها الوان العذابات حتى تحولت سعادات القائد الضرورة الى عذابات لهم، بل تحولت كوثاريا الى سجن اصلاحي انتج من الاصنام المتحكمة في اقدار الناس ما فاق نتاج اصابع "آزر" وبالتالي فان الوضع المزري، قد زاد من ازدواجية الاصنام البشرية الصغيرة التي خلقها القائد الضرورة، وظهرت صورة اذهلت جميع الناس البسطاء منهم بالخصوص، وبانت صورة مدهشة وغريبة، من خلال ما نقله الراوي لازدواجية نبيل، تلك الشخصية المجرمة والموغلة بالاجرام، وهو يصلي بالاخرين وبخشوع ..

بقي الراوي ينقل لنا صورا اخرى عن سمير ونبيل وباقي شخصياته التي اختارها بعناية ووضع لها اسمائها الدالة والتي تحمل دلالات مغايرة لمعانيها اللغوية المتعارف عليها، ومن خلال الروي تتجرد شخصية سمير من أي معنى انساني وجمالي رغم غرابتها في حب فوزية، (فهو يحاول تقليد القائد الضرورة بكل شيء، مذ كان يشاهده على التلفاز ذو القناة الواحدة في بيت فوزية. كان يدخل في الشاشة يسير معه خلفه أمامه يفعل كل ما يفعله. يتحول إلى ظل له، يزور معه القطعات والقطعان .

الخراف أضاحي له ولضروراته الصغار المسعورين، الشياه جوار ٍ في مرعى الحرمان . يحصد السنابل لأنها مثقلة بالحبوب ومهمته المقدسة تقتضي أن يرفع الحمل عن كاهلها . يقتلع الزهور لأنها متلبسة دوما بجريمة الجمال، فما الفائدة المرجوة من رائحتها وهو يمتلك رائحة التفاح المتعفن. يجفف الأهوار بحجة أنها مليئة بالبعوض، ينفي ملايين العصافير لأنها تعكر مزاجه كل صباح بزقزقتها ؛ فهو يحب أن يستمع لأصوات طبول الموت وأصوات الفوهات المعدنية العملاقة . تخرجه فوزية من شاشة التلفاز بعد أن ينام فيستعيد في حضنها الدافئ كل ما شاهده مع الضرورة على شكل كوابيس .

ألا يمكن التخلص من هذا الضرورة ؟! مضى وبقيت ظلاله في الأرض، وأنى لنا الخلاص)، وظل الراوي يتحين الفرص للخلاص، لكنه بقي يتحول من محنة الى اخرى، وهو يعيش توالد الاصنام امامه، وتوالد الشخصيات المزدوجة، والتي تعاني من امراض مختلفة تتحول الى ارواح مجرمة، لاتعرف أي رحمة وتفهم أي منطق الا منطق القتل والاجرام، وبنصوص بلاغية موحية، كقوله: (ألحت علي أسئلة كثيرة عند تمرير خرزات المسبحة بعد الصلاة خلف نبيل . ركزت النظر عليها وهي تنساب بين أصابعي، أنسبت معها متنقلا بين خرزة وأخرى، سنة وأخرى، سجن وآخر . لكنها ملساء لا يمكن التشبث بها، كآمالي بالخلاص من ورطة التعامل من جديد مع هذه المخلوقات الممسوخة .

اختفت المسبحة التي كنت انساب مع خرزاتها فوقعت ُ في يدي الأخرى . شاهدت نفسي أجلس في راحتها بلا حول ولا قوة فأمرتها بالنهوض:

ـ قومي لمسايرته كما فعلت ِ سابقا ً بانتظار لحظة الخلاص .

لابد من وجود فرصة، في أحلك الظروف توجد فرصة، عندما تغلق جميع الأبواب وتقطع السبل يكون هنالك ضوء في نهاية اليأس . بصيص إن تمسكت به وآمنت أني أراه ستحصل المعجزة وأتخلص من قدر لعين اسمه سمير .).

كان الكاتب يشتغل حرا في لعبته على الحكاية وكان يغامر كثيرا ويحاول ان يتخفى لولا ان الاحداث التي يرويها كنا قد عشنا تفاصيلها نحن ام اخواننا واصدقائنا، لهذا نراها مباشرة، فكانت عبارة عن مذكرات بحبكة درامية وفعل قصصي رفعها الى مقامات سردية مهمة .. وبالتالي الى شكل روائي حمل بصمات الحداثة.

يقول الفريد هتشكوك: (الدراما تشبه الحياة الواقعية التي ازيلت منها الاجزاء المعتمة)، ويقول الدكتور عبدالله ابراهيم بدراسته المعنونة "مرايا سحلية" لرواية امين تاج السر: (يقتضي الحديث عن السيرة الروائية الى اهمية التجربة الذاتية عبر صوغ فني مخصوص يناسب متطلبات السرد والتخيل، ذلك ان المادة التي نفترض ان تكون حقيقية واصلية، لايمكن ان تحتفظ بذلك، فما ان تصبح موضوعا سرديا الا ويعاد انتاجها طبقا لشروط تختلف عن شروط تكونها قبل ان تندرج في سياق التشكيل الفني، وعليه لايمكن الحديث عن مطابقة بين الوقائع التاريخية المتصلة بسيرة الشخصية الحقيقية والوقائع الفنية المتصلة بسيرة الشخصية الرئيسية في النص)، من هذا نرى الكاتب ال مسافر يحاول المزاوجة، بين الواقعة التاريخية ودلالاتها الواضحة، محاولا الانسحاب منها الى مكونات لحظات سرديته في كوثاريا الرواية، ناقلا لنا الصراعات الداخلية له كمشارك ولشخصياته الاخرى في مقطع "العوق العظيم"، (ما إن يقوم كل منا بتحطيم أصنامه الداخلية حتى تقتضي عدالة كاتب السيناريو أن يُبعث إبراهيم جديد . كنت اسأل نفسي لماذا يعذبني بعوقي المزدوج هذا ؟ عرفت اليوم انه زودني بقوة كبيرة مكنتني من قهر هذا النمرود . لولا عوقي لما هزمت سمير اليوم، وفوت عليه فرصة النيل مني)، ثم يقول الراوي: (كنت اكره القتل فأول قتيل رأيته أبي . لكني في الحرب صرت أرى عددا كبيرا من القتلى ولا يهتز لي طرف . الكثيرين منهم ُيقتلون بيدي ؛ فقدري جعل صنفي في الجيش رامي مدرعة، لم يجعله سائق أو مخابر . بل رامي يموت الكثيرون بضغطة زر من إصبعه .

عندما أتفرس في وجوه الجنود الإيرانيين القتلى، أرى ملامحهم تكلمني، تعاتبني، لماذا تقتلنا؟ هل قتلنا أباك؟ سئمت عارهم فقتلته) .

 

يستمر الكاتب في مسلسل الصراعات رابطا بين الاحداث ربطا متماسكا مستثمرا المدينة المدورة كوثاريا ويقصد بها بغداد وعكسها على حيرته من الاحداث، وهو يصنع وثيقة ادانة لمرحلة الدكتاتورية بين دائرة الحياة ودائرة الموت .. ثم بعد ذلك الارهاب الاشد فتكا، وخروج الارهابيين عن دائرة الدين الحنيف الى دائرة الاجتهاد الجاهل والفتاوي التي ما انزل الله بها من سلطان ففي نص الرواية ما يلي: (ـ لم أرسل في طلبك من اجل مشروع تطهير الكلاب الذي أملاه علي الضرورة .

في احد أحلامي أمرني بتطهير الكلاب فلا يجوز أن تظل هكذا مخلوقات وفية نجسة . لم يبقَ إلا نجاستها وتصبح أفضل من الكثيرين . لابد من وضع حد لذلك، الضرورة متلبس بي وأستطيع أن فعل ما أشاء، سلطاتي مطلقة . يغطس الكلب بالماء الجاري سبع مرات ويصبح طاهرا ً . غسلها وتطهيرها أهون من غسل قلب فوزية وحمود . القطط الجبانة المتملقة طاهرة، تلك التي تسرق أهلها وتهرب بما سرقته وهذه المخلوقات الوفية نجسة؟ أي عدالة هذه؟ وأي قانون ظالم هذا ؟ ويقولون أن زمن الظلم قد ولى ولا رجعة له !

أمر الجميع اعتبار هذا العام، عام تطهير الكلاب وإطلاق حملة لذلك . وكانت فتاوى نبيل جاهزة ورهن الإشارة لاعتبار الكلاب طاهرة شرعا، مع تحدي بالمناظرة لكل من يعترض عليها أو يدعي بطلانها . لديه أدلة وبراهين قاطعة تؤيد فتواه وقام بتكليف حازم وسلام للقيام بالحملة)، وهذه شكلت اكبر صرخة ساخرة من الفتاوي التي يفتي بها مجرمي الارهاب، لكن الكاتب دل على بقاء روح المقاومة داخل الانسان في زمن الكفر الواضح المعالم وفي زمن الايمان المنافق، هذا الصراع جعل الكاتب يرنو الى بذور الخير داخل الانسان وكيف الشر يزحف بقوة الى فراغات كامنة ممكن استيقاظها لتكون اضاءات خير لفطرته الاصلية، وهي فطرة خلقه الاولى .. وهنا كشف عن محاولات خارج الدين الاسلامي لهدمه من الداخل ومحاولة انهاء اخر دين سماوي في الارض بجراثيم فكرية يمجها الفكر الانساني البسيط، فكيف لفكر الانسان الان وهو يعيش النور، نور الحياة بكامل تفاصيلها، ان يقتنع بهكذا فتاوي مجرمة وغير اخلاقية ولاتمت للضمير الانساني باي صلة.

هناك جملة افكار ورؤى حملتها الرواية وتستحق مساحات كبيرة من القراءة والتحليل، فهي التي ادانت الدكتاتورية وما تلاها من ارهاب وسلوكيات سياسية مزدوجة، كلها تمت بمعالجات لغوية وصلت في بعضها الى حد الجمالية في سردها، واظهرت ثقافة الكاتب، وما اختزنته ذاكرته من قصص وحكايات ولاسيما القصص القرآنية، وما استفاده من علوم كثيرة، وما استفاده من مراحل تاريخية جاءت في الرواية ضمنا كالحرب العراقية الايرانية بين 1980 الى 1988 واجتياح الكويت الغير مبرر 1990 والعدوان الاميركي 1991 والحصار الجائر من عام 1991 الى 2003 وما تلاه من ارهاب وطائفية ومحاصصة، فهي تعتبر بحق وثيقة ادانة لكل هذه المراحل .. وعاش الكاتب فيها حالة اغتراب معقدة لم تقتصر على البعد الاقتصادي او الاجتماعي او النفسي انما تعدتها الى تفاعل هذه الاغترابات في اطار غياب العدالة، مما جعله يبحث عن الملاذ، بل والخلاص والعيش في منطقة الجمال الادبي.

حاول الكاتب ال مسافر الخروج على الواقع وعلى السرد في ان معا، حيث بنى لنا وهما روائيا، كان خليطا بفعل الظروف القاسية التي تحركت في اطارها رواية (كوثاريا).. ويبقى التساؤل المر هل يستطيع الكاتب تحطيم اول مردوخ يلتقيه في كوثاريا المدينة .. والجواب على هذا، هو اعادة قراءة الرواية من جديد ومرات تلو اخرى ...

 

وجدان عبد العزيز

...........................

مصادر البحث:

1 ـ كتاب (كتاب المربد) خلدون الشمعة واخرون /دار الشؤون الثقافية العامة /بغداد / الطبعة الاولى سنة 1987م ص88

2ـ كتاب (فن كتابة الرواية) ديان دوات فيان ـ ت: د.عبدالستار جواد دار الشؤون الثقافية بغداد ط1 1988م ص16 ـ 21

3 ـ كتاب (تأويل متاهة الحكي في تمظهرات الشكل السردي) الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد، عالم الكتب الحديث، الاردن ـ عمان الطبعة الاولى 2011م ص5

4 ـ رواية (كوثاريا) للكاتب نعيم ال مسافر

الفائزة بالمركز الثالث لمسابقة محمد الحمراني2012.

قصيدة "الديك" للراحل نزار قباني والمسافة بين ذاكرة الخطاب الشعري وآفاق النبوءة

ahmad alshekhawiعاش ظاهرة صوتية ازدانت بها منابر الإلقاء كما نصا أكثر شعبية ومقروئية،وتجربة نموذجية راوحت في بصمة المنجز ما بين رسائل الحب والحزن والغنائية والقصائد العارية والسياسية المحظورة، ليرسم ملامح خلود أعمق تجدرا في وعي وذاكرة الإنسان.

نقديا تعدّ هذه أول مرة أزور فيها بيت أحد عمالقة المشهد الشعري العربي المعاصر وأبرز رواده دون منازع.أحد الفحول الذي خاض في مفهوم القصيدة العربية الفصيحة الصرفة بأبعادها الثلاثة العروضي والتفعيلي والنثري، مجرّبا خمرة انتشاء النفس في تلكم المحطات الثلاث، لو أنه لم يزل على قيد الحياة ،لما توانى وهلة واحدة عن مواكبة الركب،ولما عارض أو جادل أو عكس قيد أنملة وجهة بوصلة تأبى التوجه إلى غير ما يشير إليه مستقبل التطور البشري الصارخ.

ولأدهشنا بروائع متسربلة و زاهية ورافلة في حلل الهايكو مثلا.

في حضرة شاعرة المرأة بامتياز، الراحل نزار قباني المتربع على عروش قلوب الملايين من عشاق الكلمة المعسولة الهامسة النافرة في ألوان الأنوثة الطاغية، من المحيط إلى الخليج، والذي مهما غلونا أو توغلنا في تقديم تعريفات له هو غني عنها بالطبع،لن نوفيه حقه كرمز ازدهرت بنتاجاته الكريستالية الدسمة ،الصناعة الشعرية العربية.

في هذه الورقة ستقتصر مقاربتنا على قصيدة الديك المكتوبة لحافظ أسد أنذاك،والدرر المتوارية والغائرة جدا من معان ودلالات ثمينة قابعة في ثنايا ما بين السطور المنقوشة بدم الأفئدة قبل غضب الحناجر وشدوها،المنقوشة في الذاكرة الإنسانية،وما حاكاها من كنوز معرفية وجمالية ،نحاول اقتناص البعض منها بغية تبسيطها ومن ثمّ إتحاف المتلقي بها وتقريبه من عوالم رجل خطير جدا جعل الشعر فوق الحياة وطلّق المنصب متفرّغا لشعر الإدمان والجنون.

في حارتنا ديك سادي سفاح..

ينتف ريش دجاج الحارة كل صباح..

 

ينقرهن يطاردهن يضاجعهن ويهجرهن..

ولا يتذكر أسماء الصيصان..

 

في حارتنا ديك يصرخ عند الفجر..

كشمشون جبار..

يطلق لحيته الحمراء ويقمعنا ليلاً ونهار..

 

يخطب فينا..

ينشد فينا..

يزني فينا..

فهو الواحد وهو الخالد وهو المقتدر الجبار..

 

في حارتنا ثمة ديك عدواني ..

فاشستي..

نازي الأفكار..

سرق السلطة بالدبابة...

ألقى القبض على الحرية والأحرار..

 

ألغى وطناً ..

ألغى شعباً..

ألغى لغة ..

ألغى أحداث التاريخ..

وألغى ميلاد الأطفال

وألغى أسماء الأزهار..

 

في حارتنا ديك

يلبس في العيد لباس الجنرالات..

يأكل جنساً..

يشرب جنساً ..

يسكر جنساً ..

يركب سفناً من أجداث ..

يهزم جيشاً من حلمات..

 

في حارتنا ديك من أصل عربي فتح الكون بآلاف الزوجات

في حارتنا ثمة ديك أمي يرئس إحدى الميليشيات..

 

لم يتعلم إلا الغزو

وإلا الفتك

وإلا زرع حشيش الكيف وتزوير العملات..

كان يبيع ثياب أبيه ويرهن خاتمه الزوجي

ويسرق حتى أسنان الأموات..

 

في حارتنا ديك كل مواهبه

أن يطلق نار مسدسه الحربي على رأس الكلمات..

 

في حارتنا ديك عصبي مجنون

يخطب يوماً كالحجاج

ويمشي زهواً كالمأمون..

يصرخ من مئذنة الجامع

يا سبحاني يا سبحاني

فأنا الدولة والقانون..

 

كيف سيأتي الغيث إلينا..؟

كيف سينمو القمح ..؟

وكيف يفيض علينا الخير وتغمرنا البركة

هذا وطن لا يحكمه الله ولكن تحكمه الديكة..

 

في بلدتنا يذهب ديك..

يأتي ديك ..

والطغيان هو الطغيان..

يسقط حكم لينينيٌ..

يهجم حكم أمريكيٌ ..

والمسحوق هو الإنسان..

 

حين يمر الديك بسوق القرية مزهواً

منفوش الريش وعلى كتفيه تضيء نياشين التحرير

يصرخ كل دجاج القرية في إعجاب:

يا سيدنا الديك ...يا مولانا الديك ...

يا جنرال الجنس وفحل الميدان

أنت حبيب ملايين النسوان ..

هل تحتاج إلى جارية ..؟

هل تحتاج إلى خادمة ..؟

هل تحتاج إلى تدليك..؟

 

حين الحاكم سمع القصة

أصدر أمراً للسياف بذبح الديك..

 

قال بصوت غاضب:

كيف تجرأ ديك من أولاد الحارة أن ينتزع السلطة مني

كيف تجرأ هذا الديك

وأنا الواحد دون شريك...

خلفية النص يهيمن عليها صوت الهم المحلي، لتنطلق بعد متلبّسة اتجاهات شتى وبحمولة سياسية تتعاظم وتغلظ عبرها خطابات الإدانة القوية والكوميديا السوداوية اللاذعة و الساخرة من الساسة الدمى، وقد وظفت لهذا الغرض لازمة/في حارتنا ديك... و أيضا تيمة المانوية والشهوانية في حقولها الدلالية الموحية والرامزة إلى إمبراطورية اللقطاء/ الصيان، كإفراز مشين وعار لديكتاتورية و دوغمائية سدنة الحل والعقد من زعماء وجنرالات وحاشية عموما، من حديد قبضتها على الشعب الرازح تحت نير مجمل مظاهر التردي و الانحطاط ، فيما مفاهيمها تجاه الحكامة والسلطة مختزلة في الإقتداء بزيز البشرية الأول واقتفاء خطاه الملوثة بملابسات الاغتصاب وتأليه جسد الأنثى وتفريخ لقطاء وصولات وجولات في كواليس وحتى عراء العربدة والمجون.

إننا إزاء سرديات قصيدة ماكرة ومراوغة متماهية مع تقنية السهل الممتنع حد الانصهار فيه، ومترعة بالتشبيهات تتصدر قائمتها العنونة وما يتناسل عنها من إيماءات جمالية تجذب الذائقة إلى مستويات فنية بحيث يسهل التلقي وتذوب المسافة بين الموضوع والذات ليتشكل التجاوب التكامل والامتداد المطلوب.

بيد أن ما المقاربة هاهنا معنية بتلكم الدينامية مشتعلة بحمى ديمومة وسرمدية صلاحية الكلمة الراقية العصية على النسيان أو السهو أو بقية صنوف ما يلغي نبض ماهيتها بما يمنحها الاستثناء ويجعلها ذاكرة مستنبتة في المستقبل ضاربة فيه و مشرعة على آفاق النبوءة.

يكفي أن نتأمل راهننا وما آلت إليه مصائر عدد من أوطاننا لنلامس مغزى ما صمتت ـ ربما ـ عنه قصيدة الديك كصيحة إنسانية طفحت بأهداف الثورة المقموعة، ودقّت ناقوس الخطر منذ زمن ليس ببعيد.

 

أحمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي