المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

قراءة في رواية: قمر على المستنقع للأديب المصري علاء الديب

abdulqadir kabanيتتبع الأديب المصري علاء الديب خطوات شخوصه بدقة متناهية كمحقق يلبس جلباب الأدب كالعالمي غابرييل غارسيا ماركيز، وهذا ما نكتشفه في الجزء الثاني من ثلاثيته الروائية الشهيرة (أطفال بلا دموع، قمر على المستنقع وعيون البنفسج) لنجد أنفسنا كقراء نقف أمام كاتب يمسك بأدواته على أحسن ما يكون.

في بداية "قمر على المستنقع" يتعمد الديب أن يضع مقدمة تعلن عن أن القصة مستوحاة من الأوراق الشخصية للدكتورة "سناء فرج" طليقة الدكتور "منير فكار" أستاذ اللغة العربية، وهي تتمة لما سرده لنا في "أطفال بلا دموع".

ليس في شخصية البطلة "سناء" ما يثير الفضول سوى الرتابة والملل رغم أنها استطاعت الحصول على طلاقها والابتعاد عن "فكار"، لكن ظل الماضي يلاحقها كظلها الذي يستحيل الخلاص منه، وهذا ما جعلها متصالحة مع نفسها: "صوتي هو ذاكرتي، نبرة بين الحكمة والسخرية، الحمد لله، لا أحمل حقدا ولا مرارة، حدث كل ما حدث وما زلت أنا سناء فرج على قدمي وحيدة عارية على شاطئ جديد." (ص 114).

ربما هي رواية ألم لا أمل لما تعكسه جملة صفحاتها التي تعيدنا إلى جنس السيرة الذاتية في الكثير من المحطات التي تحركها أدوات السرد الروائي، حيث نجد أن "سناء" على علاقة حب مع "هاني قبطان" رغم اقترابها من الخمسين وهو الذي يريدها زوجة ثانية: "يريد فارسي الجميل أن أتزوجه على زوجته، أم هانية وتيسير، يريدني زوجة ثانية، محظية بيضاء، مخدعا إضافيا، وفراشا (استبن)، عادي، لا شيء جديد، إلى أن وصلنا." (ص 111).

تعود تيمة الحب لتهيمن على الحالة النفسية للبطلة لتذكرنا في بعض المقتطفات برائعة ماركيز "ذكريات عن عاهراتي الحزينات"، ولكن بلون تجريبي خاص بالمبدع المصري علاء الديب الذي يضع النبض السردي بين يدي "سناء" حيث نقرأ مثلا: "الآن أنا أحسن كثيرا منذ أن دخل هاني إلى حياتي، حبتي المهدئة، يعطيني كل شيء، ما عدا حقيقة نفسه، ربما هو هكذا بلا حقيقة، فارغ مثلي، قشرة لامعة، ونقود كثيرة، وجهه أملس رطب، نشاطه الجنسي يثيرني، لا يشبع، يريدني في أوقات غريبة، وإذا استحال يتحول إلى طفل حرون غاضب، تعلمت أن أتعامل مع هذه اللحظات، أن أفتح طاقة يخرج منها بخار صدره فيتبعني طفلا مطيعا هادئا، في تلك اللحظات- فقط – كان يداعب روحي ما يشبه الحب له، وعندما يغادرني ذاهبا إلى زوجته كنت أكره نفسي أكثر من كراهيتي له..." (ص 116).

تعود البطلة للحديث عن طليقها في العديد من المرات، وكأنه شبح لا يزال يلاحقها بالرغم من تعلقها بحبيبها "هاني" الذي يراها سوى آداة لكسر حياته الروتينية مع زوجته الأولى، أما هي فتراه وجها لصفحة واحدة: "عرفت أن المشكلة في هاني نفسه أنه ليس ذلك الرجل الذي يعطي امرأة مبررا لوجودها فلا تعود تأسف وتخاف، أو تفتقد شيئا، يطلب الحرية ولا يستطيع أن يصنعها أو يهبها، كنت - عادة - أقول لنفسي.. إنه رجل من صفحة واحدة، عادي، تنزلق معه اللحظات والأيام، ولم يكن في حياتي - الآن- ما يمنعني أن أمضي معه، وكان من حقه، ومن حقي أن نعرف كيف نستمتع معا." (ص 131).

يدفعنا الفضول للتوغل في حياة البطلة التي تفتح قلبها للقارئ وكأنه طبيب نفساني، لنتوقف عند علاقتها بشخصية "الدادة نجية" التي تعتبرها الصندوق الأسود لأسرارها العائلية، والتي تعتبرها أيضا الأم الفعلية لأولادها: "أخلاق الجواري المنسوجة مع الطمع والخبث كانت أبعد ما تكون عن أخلاق نجية لقد خلقت هذه المرأة لكي تعطي.. لي، وللأولاد، للمكان الذي تتحرك فيه، هي لا تعرف - أيضا – صمت الخدم، الذي عرفته عن قرب، وكرهته، الصمت الذي يخفي مؤامرة، وحسدا، وطمعا، فيما تملك أنت أو تنفق، ذلك الصمت الذي يشعرك دائما بأنك مهدد ومراقب، وأن هناك مفاجأة خبيثة في انتظارك، هذا الصمت كان عند نجية رضا وحنانا، مع نجية لم أعد أخشى المفاجآت، أسلمت لها أولادي، أغلب مفاتيحي، وحاولت معها أن أصلح ما أفسده الدهر في حياتها.. وفي حياتي." (ص 137-138). 

ينفتح نص هذه الرواية على فضاء إنساني يحاول عبثا رد الاعتبار لذات "سناء فرج" الضائعة بعدما أصبحت ضحية للطلاق، وهذا ما نراه جليا في علاقتها التي يكسوها القلق مع الآخرين: "بعد سنوات خمس أو أكثر من السكن وحيدة في عمارة جديدة من عمارات مدينة نصر، يصبح المكان مألوفا وخطرا في نفس الوقت، يقترب السكان بعضهم من بعض، ويتطلعون داخل الشقق، يتلصصون على الداخل والخارج، وحتى على أصوات غرف النوم، امرأة وحيدة بدون رجل رسمي، مع أولادها - فقط - تصبح طعاما شهيا للعيون، وميدانا للاختبارات المتنوعة، والمطامع المفاجئة، خاصة عندما تكون جافة مع نساء العمارة، وعازفة عن سهرات القزقزة والتليفزيون، والنميمة." (ص 135). 

ترتبط الحالة النفسية للبطلة بالماضي الأليم وذلك من خلال تكنيك  الاسترجاع الداخلي، حيث تتحدث عن أختها الصغرى "نورا" التي كانت ونيسا لوحشتها خلال اصابتها بالمرض: "...كانت نورا ترعاني في أوقات فراغها، تصحبني مرة إلى الطبيب، أو تستدعيه لي، وتمضي معي ساعات قبل أن تنام تحدثني عما اشترته أو سوف تشتريه..." (ص 147).

تتولى بطلة "قمر على المستنقع" وظيفة السرد مستخدمة ضمير المؤنث المفرد المتكلم الذي سعى لخلق جو حميمي بينها وبين القارئ، وهي تروي حكايتها الحزينة بشكل أو بآخر ونذكر هنا على سبيل المثال ما يلي: "وجدت نفسي وحيدة فقيرة بعد أن عدت من إنجلترا، فقيرة فعلا ليس لي سوى مرتب الجامعة الذي يضيع نصفه تقريبا في المواصلات بين مصر الجديدة والجامعة، مع الفقر الذي عرفت كيف أتعامل معه كان هناك الخواء، أسمع الريح تصفر في داخلي..." (ص 178-179). 

يعكس المبدع علاء الديب في هذه الرواية مشاعر المرأة الضائعة التي يظل الماضي يلاحقها باستمرار، وهي بدورها تهرب منه بحثا عن الأمان في حاضرها ومستقبلها الذي يشوبه الغموض لتعلقها بعلاقة حب عابرة تعكسها العتبة النصية الأولى - عنوان هذه الرواية - الذي لا يخلو من عنصر الاستفزاز الذي دفعنا للغوص أكثر في عمق النص، لنجده يستنطق خبايا حالة "سناء فرج" لتقوم بعملية البوح للمتلقي عن وجعها الداخلي، وهنا نختم بما تقوله الساردة كخير دليل كالآتي: "...سحبت جسدي المهزوم وروحي المطعونة، سرت وحدي في صحراء وحدتي، وحدي أمام البحر الأسود الساكن - وجها لوجه - في السماء نصف قمر مخنوق يسقط ببطء في المستنقع الذي يمتد أمامي بلا نهاية..." (ص 185).

 

بقلم:عبد القادر كعبان

 

في ايام رحيله

adnan almshamshوقفة مع مجموعة الشاعر المرحوم قاسم عبد الهادي السواد"-الذي غادرنا قبل ايام-  طيور المساء تسافر في الصيف"

يحتل شعر المرحوم قاسم عبد الهادي السواد موقعا مهما في الساحة الشعرية البصرية المعاصرة بخاصة  مجموعته الاخيرة (طيور المساء تسافر في الصيف) الذي هو عنوان أولى قصائد المجموعة،فمن خلال العنوان ندرك ان الشاعر يحاول ان يستلهم هموم وطنه ومدينته عبر شعره، فهناك الطيور التي تدل على الحركة  والمساء الذي يدل على الغموض وانحسار الشمس هذا من ناحية من ناحية اخرى نجد الصيف يحقق معنى الوضوح والقسوة لاسيما في جو مثل جو العراق ولعلنا نستلهم من سفر الطيور هجرتها لان السفر يحمل معاني العودة في حين لا تدل الهجرة الى الرجوع  نهائيا فهذه التفاتة ذكية من الشاعر حين ذكر السفر بدل الهجرة ليكون كلامه  اقل قسوة، اما اذا تصفحنا شعر الشاعر فنجد ان تشبيهاته جد موفقة في تركيبة صوره الشعرية. اول قصيدة في المجموعة يبدؤها بتشبيه:

جسدي كالسيف يسافر في عينيك

يشبه الشاعر جسده بالسيف وعيني حبيبته بالبحر وقد اختار البحر لانه مضطرب يدل على القلق والخطر،وفي تشبيه اخر يقول:

لن تستبيح

دمي

ولن تجمع كالباقين خيولي

الخيول ايضا مثل الطيور لها مفهوم حركي أضف الى ذلك معنى الاصالة والشاعر يخاطب الاخر الذي هو نفسه فيشبهه عبر الكاف بالباقين فمن هؤلاء الباقون الذين يطمعون الخيول، بلا شك الشاعر يقصد بمن يجمع الخيول كل عقبة او مجموعة  تحاول تحجيم الاصالة وإيقاف الحركة، والجملة المعترضة بالتشبيه تحق تكامل الصورة:

وامض كما لو ان فارسا

يمضي على صهوة في الضلوع

ويبدو ان الشاعر لايؤمن بجمود الصورة فيحاول ان يحول كل شيء عبر التشبيه الى حركة ظاهرة او خفية:

لان الصوت صدى

مرة في الزوايا.. ومرة في الجدارفيدخل ثوري وينحني

كالظل فوق الظلوع

الصوت متحرك والجدار ثابت والظل متحرك اما الظلوع فهي ثابتة وهذا الصوت المتوحد بالصحة لان الصدى هو مرحلة لاحقة اما الصوت فمحلة سابقة يعني ان الماضي يخترق إلينا المطبات وكل الأشياء فيتغلغل في أعماقنا مثل الماضي الكاف نفسها نجدها تدخل في جملة معترضة كي تنقل إلينا الماضي:

وامي كعادتها تصلي

لاحتراق الحروف

وينتقل الشاعر من التشبيه بالكاف الى التشبيه بمثل، وهذا مانجده في قوله:

ولا تعبر من الجدار

لان اغتيال الظلال

مثل اغتيال القمر

  فقوله اعلاه يمثل الوحدة من خلال الحركة بين النور والظلام  من خلال الحركة فالظلال تتبع في حركتها النور حيث لانور فلا ظل والظل دلالة على شيء بين النور والظل، وفي تشبيه اخر يقول:

وان المرايا مثل عشق النفوس

وجواري القصر الممتد

الى بوابة المدينة يباركن عرسا

عند خيمة في أقاصي الجنوب

في اللوحة اعلاه صورة لحركة خفية تمثلها المرايا ان المرآة ثابتة لكن الذي ينطبع عليها متغير لن يبقى فيها سوى لحظات او دقائق معدودة ليختفي بعدئذ غير ان سكون المراة ليس جامدا انه  مثل العشق تماما العشق أقوى من الحب درجة ومعاناة فهو ثابت مثل المراة لكنه متحرك يجيش في نفس العاشق كل ذلك يدعونا ان نتابع حركة الصورة اللاحقة المتمثلة بجوار ينتظرن عرسا وحقيقة هذا العرس هو خيمة في أقصى جنوب العراق!

فعلى ماذا  تدل الخيمة؟ أليس على الرحيل والهجرة وعدم الاستقرار  والعرس يدل على الثبات لذلك جاءت خاتمة القصيدة كالآتي:

لان انتظار المواجع مثل احتضار النفوس

حيث توحدت عبر التشبيه المرايا والنفوس الحائرة والرحيل الخفي الظاهر العنيف والهاديء مما يدل على قوة تشبيهات الشاعر قاسم السواد ولعلنا في وقفة اخرى نطالع تشبيهاته البليغة او التي تخلو من حروف التشبيه.

 

عدنان المشيمش

 

المجموعة الشعرية (ثوب من الماء لجسد من الجمر) للشاعر الكبير يحيى السماوي التعاطي في تجليات العشق والوطن

goma abdulahهذه المجموعة الشعرية الجديدة . صدرت عن منشورات دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع . ويضم الديوان نحو ثلاثين قصيدة، مرفقة بكلمة على الغلاف الخارجي للشاعر والناقد الادبي أ . د محمد جاهين بدوي . استاذ النقد الادبي في كلية اللغة العربية - جامعة الازهر . وتضمنت لوحة الغلاف والتخطيطات الداخلية . بريشة الفنان التشكيلي القدير ستار كاووش . ويعتبر هذا الوليد الشعري الجديدة بحق وانصاف، ايقونة شعرية زاهية ترفل في الابداع الشعري وبتقنية فنية مرموقة، تتوغل الى الاعماق في تجليات العشق ومدياته الواسعة، وتنبش في هموم الوطن المريرة الطافحة على المكشوف، وكذلك تبرز المفاتن الجمالية الايقاعية في بنية القصيدة في نغمها الموسيقي الداخلي، بادوات بلاغة اللغة التي كونت العبارة الشعرية في هالة من الايحاءات البليغة المعبرة، وفي اسلوبية ينفرد بها الشاعر الكبير، في ابراز المؤثرات الداخلية والخارجية للقصيدة، لكي تتشكل في حلة من الابهار في رسم لوحاتها الشعرية، في الرؤئ والخيال والجمال الشعري، وخاصة وان الشاعر (السماوي) صرح ثقافي كبير برز بشموخ رائع في الوسط الشعري والثقافي العربي عموماً . وتشعربالدهشة من صياغة وتركيب وبناء القصيدة، حيث تتلمس الجهد الكبير في ربط العشق بحالة الوطن في التناغم والتجانس في مكوناته المتعددة، لكي تبرز الجمالية الشعرية في ضفة الواقعية السحرية، في مواصفاتها ومقوماتها العريضة والمتمكنة من نفسها، وفي اقحامها لهموم الواقع (الوطن) في صميمية منسجمة مع وجدان الذات الخاص والعام، ليعطيها صفة الارتباط الفعلي والعميق المرتبط، في كل تجلياته . لذلك نجدها تمشي على حبل من نار، لتبحث عن ماء يطفيء نيرانها اللاهبة . هذه الصيرورة الرائعة من البناء والتكوين لتكون جاهزة في اقتحامها صروح العشق والهيام، حتى تقطف التفاحة الناضجة بكل بجمالها الرومانسي وحتى الايروتيكي . كأنها خارجة من توها من التنور، جاهزة بطعمها اللذيذ والطازج والساخن، لكن بدون خطيئة آدم، او براءة يوسف، هذه كينونة تجليات العشق تناولتها بشكل متميز، اظهر من خلال مهارته الكبيرة الابداع الشعري . في رحاب الجمال الخافق بالتشويق والاثارة . والنصف الاخر من المجموعة الشعرية (ثوب من الماء لجسد من الجمر) . خصص ليصب حمم براكينه الغاضبة بالسخط والاستهجان، على خفافيش الليل الذين احتلوا مغارة (علي بابا) لصوص المال الحرام، الذين نهبوا البلاد والعباد . انه يحرك المياة الراكدة بالتمرد والرفض، والمطالبة بحق الماعون للفقير . وكما نرى الشاعر الكبير عاشق الجمال الرومانسي العذب، نجده وبكل صلابة الانسان الكبير عاشق الوطن . مدافعاً بلا هوادة عن الوطن الجريح . من اللئام سراق قوت وخبز الفقير، الذين عرضوا الوطن للبيع الرخيص، انه سوط بتار لا يرحم لصوص العراق . وكما نشعر في الديوان الشعري، روح الانتماء الحقيقي للاصل والارض والجذر، الى الفرات والفراتين والسماوة وبغداد وكل الارضي العراقية، ترابها يرقد في اعماق قلبه .. ان المجموعة الشعرية، تسافر بنا في رحلة مليئة المجازفة والمغامرات، كأنه يطوف بنا في مخاض عسير، في العشق وفي هموم الوطن المسروق، بهذا تكون القصيدة منطلقة كالسهم وحرة وجريئة، دون مهادنة، كأنها تضع حروفها بلسم لجراحنا المكبوتة في الواقع الممسوخ . لنقطف بعض الشذرات من بستان السماوي الكبير .

في مناجاة مع البحر ليزيح كل همومه على عتبة الاعتراف من حريق العشق، الذي اتجه صوب ناحية العسف والظلام وجعل العاشق السومري طريداً في ارض الله الواسعة، يلوك مرارة الخيبة واليأس، رغم انه عبد للوفاء لصلاة العشق، واذا اقترف الخطيئة والذنب في جريرة الوفاء، فانه يطلب طوق النجاة من نفسه، بأن النفس امارة بالسوء

فانا عدوي يا صديقي البحر

بعت غدي بأمسي ..

واشتريت حديقة النائي البعيد

بجنة البستان والحقل القريب !

وابيع باللاشيء

اشيائي الطريفة والتليدة

والبتوليَّ الضفاف

أنا عدوي ياصديقي البحر فأنقذني

أخاف عليَّ مني (من قصيدة أخاف عليَّ مني)

ويتمادى اكثر في الاعتراف ليزح ركام الهموم، ويتخذ القرار الحاسم، بعدما اوصدت ابواب الحب في وجهه واصبح شريد القفار، لذلك ليقدم البرهان على وفاءه للحب حياته، لكي يتعدل ميزان العشق

لو كان في صلبي خلاصي

ما خشيت

من الصلب (من قصيدة أخاف عليَّ مني)

الابحار في عباب بحر الحب ليس نزهة مسلية، بل انها طريق محفوف بالمخاطر والمجازفات، قد لا تحمد عقباه، حين يلوك الطعم المر ووجع الاحزان، او قد يسير في طريق معبد بالاشواك، هذه المناطحة الحياتية، لانه يحلم بالوردة والبقاء في دفئ الحب برياحنه، لا بأشواكه التي تدمي القلب، ويكون مرتع للدموع

أأنا الشوكة في خاصرة الورد؟

أم الوردة

في حزمة شوك؟

فلماذا

كلما أسألني عني

يجيبُ القلبُ

عنكِ؟ (من قصيدة شرك من غير أثيم)

ما اصعب مرحلة العشق حين تحرقه نار الشك والظنون، وتنقلب الرياح الربيعية الى الرياح الخريفية، حتى يدلهم الخسوف . ويكون مصير الحب كالطير المذبوح، في حجر المتاهات والضياع، ويكون الجحود اولى سيوفه، مما يجعل القلب وهواجسه تتجرع كأس المرارة والعلقم . بعد الالفة الاليف، فكيف يكون اقتراب والالتقاء وسيوف الظنون تقطعه ارباً اربا

تقرب يابعيدُ .... فلا تليدي

يسامر مقلتي .. . ولا طريقي

فدعك من الظنون وكن رؤوفاً

بنفسك من لظى غضب عصوف

خبرتكَ في الهوى قلباً حنيفاً

وما أنا قبل حبك بالحنيف (من قصيدة تقرب يا بعيد)

القسمة الجائرة المتعثرة بالجور والظلم والعسف، حين يكون مقياس الجاه والمقام، الدولار والسحت الحرام، حتى يستمروا في غيلهم حتى يكونوا عبدة الدولار والمال الحرام، ويحكمون بكل عنفون المسخ والصولجان، لتكون الجنة والنعيم، ملكهم الخاص، ليوزعوا فتاتها على الحاشية وخدم وابناء العشيرة، اما الفقير فحصته الدخان ومرارة الحياة . انهم يتدخلون في شؤون الخالق، بان يحلوا مكانه، بتوزيع الجنة والنار بين خلق الله

دالَ الزمان بنا

فصار النهر تابوتاً

واضحى الحقلُ مسغبة

بيادرهُ الهوان

إلا ولاة الامر في دار الخلافة

والدهاقنة السمان

لهم الرغيف

وللرعية من تنانير الفراتين

الدخان (من قصيدة قسمة ضيزى)

الجنون انتزع الحياة وغلفها بقذارته وسخفه المعتوه، لتكون الحياة عبارة عن خلافة المجانين، يحكمونها دروايش الكهوف المظلمة، على وقع الفتاوى المعتوهة بقمامتهم الضحلة والكريهة بروائحها العفنة، واول ضحاياهم بسوط الجلاد المجنون . الحب والجمال وقائمة الفتاوى التي تحصر الحياة في سجن مظلم، على زعيق ونباح وعواء دراويش الزمن المنكوب . وهم يحاولون عبثاً ايقاف الحياة، ومنع الطيور من التغريد والغناء . وايقاف صلاة الحب والعشق بنزع القلوب عن البشر، لذا يصبح العشق جريمة وتهمة لا تغتفر، ولكن هل بمستطاعتهم، ايقاف الناسك والعاشق والعفيف والطاهر ان يتعطر برياحين الحب والعشق، فأن سوط الجلاد جاهز بالمرصاد بعقوبة الاثم المحرمة

أيتها العفيفة الطاهرة الاثام

والقديسة

الناسكة المجون

تدرين أن العشق

في عصر فتاوى الذبح

أضحى تهمة

وأنني الخارج في فقه الدراويش

عن القانون (من قصيدة حديقة الجنون)

رغم الاجواء الملبدة بالغيوم، ولكن الجمال الرومانسي نهر لا ينضب ولا يجف، قد تزدهر ينابيعه من كوز مياه الايروتيكية، المنسابة بكل حلاة وبساطة، من اجل قطف التفاحة والارتواى من كوز العسل، وشم عبير سنابل الحب الخضراء، بغريزة الاشتهاء والاشتياق، الذي يجعل العاشق السومري يمارس طقوس الصلاة، بقلب مشع بانواره المضيئة بالفيضان

فاعذري نهري اذا فاض

ولم تعقل سدودي ساعد الرعد

سيول الثمل

واعاصير اشتياق السومري

المدنف المختبل (من قصيدة على باب فردوسها)

تخيم على الواقع المقلوب، الشعارات السياسية المزيفة البراقة في عهرها ونفاقها عن جنة الفردوس الموعود . هذا الغث السخيف، يصطاد الابرياء الذين ينقادون عنوة الى محرقة الموت والحروب الخاسرة، في تخديرهم بهذه البضاعة الفاسدة، التي تلقى رواج كبير في سوق النخاسة، عن الوطن المنتطر السعيد في حروب الرحى، التي يدعو اليها السلطان، بأسم الله والدين والجنة الموعودة، ولكن حين ينقشع غبار المعارك، تنكشف المصيبة والطامة الكبرى، بضياع كل شيء

 تعبت من وهم نصري

في حروبي

والرحى

أتعبها طحن شعارات ولاة الامر

عن فردوسنا الموعود

والفتح القريب

" طلع الفجر علينا "

من ثنيات الفراتين "بمحتل"

غريب (من قصيدة كل ذنبي انني دون ذنوب)

 

اللصوص:

تدخل مفردة اللصوص بكل قبحها وتجليات صورها اكثرة من مرة في الديون الشعري، وهي تشير بوضوح الى سراق المال العام، لصوص ماعون وخبز الفقير، سماسرة متاجرين بالوطن والمواطن، هؤلاء هم سبب كوارث العراق، الذين دفعوه، بكل غطرسة وعنجهية وجشع وانانية وبضمير ميت الى الجحيم والخراب، من اجل انايتهم الجشعة في بناء امبراطوريات مالية من السحت الحرام، ليعيشوا في بحبوحة الجنة والترف والنعيم، والمواطن المغلوب على امره، حصته السكن في قاع الجحيم . يثبت الشاعر بكل جدارة واقتدار وطنيته وانتماءه بنزاهة الى العراق، مدافعاً عن الوطن المنكوب، وصحن الفقير، ويكشف العلة والداء، ويفضح السراق، ويقف لهم بالمرصاد، وكعاشق الديار السومرية، يرفض الخنوع والاستسلام لسراق الوطن، بل يكشف عوراتهم وينزع عنهم الاقنعة المزيفة والمتاجرة بالدين، من اجل نهب الذهب والياقوت وبنا بيوت الرخام، ويذكرهم بماضيهم القريب، كانوا يلوكون الفقر المدقع، انهم حفاة الامس نصبهم القدر بالصدفة اللعينة

الصائمون عن الفضيلة والهدى

والمفطرون بأدمع الايتام

السارقون من الصحون طعامها

والمطعمون وليس غير سخام

أضحى حفاة الامس منذ سباتنا

أرباب ياقوت وبيت رخام (من قصيدة ما العمر إلا ما تعاش مسرة)

سراق الدهر الاسود واللعين، حولوا الحياة الى توابيت وحطب ودخان وقحط، فجف النهر ويبست الحياة والحقل، وعقم النخل، من اجل ان يدوم العرش والسلطان الى ولاة الامر والقطط السمان، واختصروا الوطن بالاسرة والارض بدار

والقحط الذي صير شطآن الفراتين

قفار

والسلاطين الذين اختصروا :

القرية بالعمدة

والامة بالاسرة

والارض بدار

فأقاموا حولهم

الف جدار (من قصيدة حكاية الالف عناق وعناق)

امراء المال والسحت الحرام والحروب، لم يكتفوا بما حملوا من غنائم الفرهود بشهية الذئاب الجائعة والمتوحشة، وانما عرضوا الوطن للايجار الرخيص، هؤلاء اصحاب الدكاكين والحوانيت الحزبية، التي تحولت الى وكالات تجارة وسمسرة، سرقوا احلام الصغار وقوت الملايين

أمراء النهب والحرب ....

لصوص الوطن المعروض للايجار ..

أصحاب الحوانيت

التي تعرض للبيع الفراديس

وتقتات على جوع الثكالى

سارقي قوت الملايين

وأحلام الصغار

ما الذي أبقاك حتى الان لي؟ (من قصيدة حكاية الالف عناق وعناق)

النفط الذي صار نقمة وبلاء على الشعب، يتجرع مرارته باشواك الماعون والتبن والقحط والطاعون، ويترك حلة النعيم والترف لسراق واللصوص السياسيين، حيث لهم التين والزيتون ومطيبات البساتين

أقسم

بالتين الذي يأكله الساسة والزيتون

بالتبن الذي نأكله

وبالبساتين

التي ليس لنا منها سوى

الاشواك في الماعون

بالقحط

والنفط الذي اشبعنا جوعاً

واسواق الحوانيت التي تبيعنا

الطاعون (من قصيدة يقين)

وشرور الفاجعة العراقية بتمادي اللصوص، بجعل انفسهم اوصياء الله على الارض، فاصبحت الحياة اكثر ظلمة ووحشية من الظلام، وصار المواطن يئن بكاهله واثقاله اثقل من صخرة سيزيف

صباحنا

اكثر ظلمة من الظلام

وليلنا

اثقل من صخرة من "صخرة سيزيف"

ومن تسلط اللئام (من قصيدة اريد أن أنام)

 

 الفرات و(الفراتين)

 توكد حضورهما بكل شموخ ومهابة، في توجدهما الكثيف في مفردات المجموعة الشعرية، وهو يبرهن على اصالة الانتماء الى الارض وجذر الوطن، ان الانتماء الى العراق، يجري في عروق الشاعر الكبير، ويدفعه الى الالتزام بالدفاع عن ناس الوطن، بالدفاع العنيد عن حقوقهم ومطالبهم وطموحاتهم وتطلعاتهم، هذه الهوية العراقية الاصيلة، تثبت مقامها في روح الشوق والاشتياق الى الفرات والفراتين، ويذود عنهما من عسف الزمن الاسود، الذي دفع المارقين ان يمزقوا حرمة الوطن الجريح، مما يدفع العاشق السومري ان يرفع ايديه الى الاستغاثة من هذا الزقوم والعذاب المفرط حتى الى عمق الاعماق

أغِثنا يا فرات ...... فسل موجاً

يذيق المارقين لظى الحتوف (من قصيدة تقرب يا بعيد)

هول الخراب الذي اصاب الوطن الجريح، يدعو الى العزيمة في المواجهة والمقاومة، وليس الركوع، لان عجلة الخراب لم تتوقف، لذا فأن يقسم بالطين الفراتي، وبالرحمة والنقمة، بأن الغد الاتي سيكون من نصيب احفاد (ابو ذر الغفاري)

أقسم بالطين الفراتي

وبالرحمة والنقمة

والصلاة والمجون

وبالفضائيين

من مجرة الخضراء يهبطون

أن الغد الاتي

لاحفاد أبي ذر الغفاري (من قصيدة يقين)

لذا تختتم هذه الرحلة السندبادية للمجموعة الشعرية، التي مرت بألف موجة عاتية، بالامل الذي يغسل الاحزان، ويورق الحياة بالنور المنتظر، في هذه (عسى) التي وزعها على مناطق القلب

 

1- بغداد:

عسى أرى

بغداد - في حلمي - لا يحكمها الدجال

والعميل والغُلام

 

2 - دجلة:

عسى أرى

دجلة تنسج الندى ملاءة

ويرتدي الفرات بردة

من السلام

 

3 - (الفراتين):

لعلني أصحو على فجر

تضيء شمسه

ليل الفراتين الذي أستمر

الف عام (من قصيدة اريد ان انام)

 

جمعة عبدالله

 

أسئلة الرواية الاماراتية.. دراسة لخمس روايات اماراتية (5)

1- أميرة حي الجبل.... لعلي احمد الحميري

2- إمرأة استثنائية .... لعلي ابو الريش

3- لعله انت ...... لباسمة يونس

4- بين حين واخر ... للميس فارس المرزوقي

5- ريحانة ..... ميسون صقر القاسمي

 

5/12 امرأة إستثنائية لعلي أبو الريش

 سؤال السرد

تمثل الرواية عموما شكلا سرديا يعتمد النثر، يخضع لمخيلة المؤلف، ويصل المنولوج الداخلي احيانا الى لغة قصيدة النثر من حيث العمق في الفكرة والقوة في اللغة، يقول هوثرن: إن المونولوج الداخلي يتضمن بشكل أساس استخدام اللغة، وإذا ما تحدث فرد إلى ذاته فإن ذلك في المقابل يفترض على نحو مسبق وعياً معيناً لما يدور في ذهن ذلك الشخص

إن موت بطل الرواية جوعان والذي لم تسبقه مقدمات تشي بذلك، يمكن ان نعتبره كسرا لإطار الرواية تعمده المؤلف، ربما، لأنه وجد انه تجاوز الاربعمئة صفحة، وانه لابد من التوقف، ولكن هذا التوقف لم يكن مبررا بما فيه الكفاية لإقناع المتلقي

في قصة اللص والكلاب لنجيب محفوط، ينتهي سعيد مهران بالموت ولكن نجيب محفوظ مهد لذلك بإدراك سعيد مهران أن حياته ليست أكثر من عبث، وإن استمرارها لا مبرر له، بسبب تكرار الأخطاء والظنون والتوهمات العابثة التي جعلت الحياة في منظورها بدون جدوى ولا معنى،

اما جوعان الذي لم يعرف عنه انه اشتكى من مرض او اصابه الوهن وهو يبحر بقارب سلطان بن مجرن، فضلا عن انه وجد عملا يعشقه (الصحافة) وحياة مستقرة مع خليفة وسلطان وأمرأة تعشقه (سعاد) فان قيام المؤلف (باغتياله)، عملية القصد منه توقف السرد

اما اعلان سعاد: سأغادر ولن أعود...

 فقد كان مبررا لأنها صدمت بموت جوعان، كما انها ملزمة برعاية امها لأنها وحيدة، بعد موت أخيها عادل بحادث سير.

لقد كان جوعان، نموذجا للإنسان الراغب ان يعيش حياته بحرية تتماشى ومزاجه في الانفلات من جهة وتأكيد ذاته من جهة ثانية، من هنا كان السرد، المعتمد أساسا، على المنولوج الداخلي، ملائما وكان اختيار الروائي على ابو الريش موفقا، كما تدخل الروائي ليقوم بعملية السرد بعد موت البطل، أمرا لابد منه لرسم الخاتمة للرواية

وتناولت عملية السرد اربع نساء الأم، عفراء، السيدة في الجوار المقابل وسعاد، وقد ابعهدن عن التأثير في الرواية عدا سعاد، التي رغم حضورها شخصية تابعة تداريها بتصرفها الذي يتسم بحرية اكبر.

اما عفراء، فقد ظلت اقرب الى الحلم أو الخيال منها الى الواقع، ويلجأ اليها جوعان، كلما اشتد عليه ضغط الحياة او ضغط مشاعره .

شعر بانفجار يهز الكون، فيرتج الجبل، وتهتز الارض من تحت قدميه ... هل انسى عفراء واستنسخ كائنا آخر غير جوعان يذهب مع الفراغ باحثا عن حريته وهويته. (الصفحة 96)

 وسؤال السرد هنا يتمحور حول موقف جوعان من الحياة الاجتماعية ومن كينونته الوجودية

(الضائع يشعر عندما يستعيد مكانه، يشعر بأنه ولد من جديد، وانه تحكم بالموت وبالحياة ..الضياع أشبه بالموت، لأن الاثنين يقودان الى المجهول ...لا احد يعرف ما يجري للإنسان بعد الموت، تكهنات وتخرصات، لكنها ليست يقينا، اين ذهب ابي، أهو الان تحت القبر ام أنه تحلل وصار جزءا من هذا التراب.

ياخذ نفسا عميقا ثم يجهش بالبكاء .... قائلا سامحك الله ياأبي لم تخلف لي غير هذه الاسئلة).(الصفحة 96)

ربما يواجه جوعان هنا أخطر أسئلة الوجود بحس فطري، فهو هنا يملك وعيا بالموت وبالعبث وكأنه يحمل شكا وجوديا، وسؤال السرد ظل معلقا، يمكن أن يأوله المتلقي وفق قناعاته الفكرية والعقائدية

 

 

سؤال الهوية

الهوية تعني الانتماء، وفي السرد الروائي يقول كونديرا" أن "الرواية لا تفحص الواقع، بل الوجود، والوجود ليس ما حصل، الوجود هو عالم الإمكانات الإنسانية، كل ما يمكن أن يصيره، كل ما هو قادر عليه، يرسم الروائيون خريطة الوجود باكتشاف هذه الإمكانية أو تلك لكن لحظة أن توجد يعني (أن تكون في العالم)"

وكانت رواية (امرأة استثنائية) تعبر عن هوية الانتماء في بدايات التحول التاريخي في دولة الامارات العربية المتحدة، حيث لم تتبلور بعد مظاهر الرفاهية الشاملة التي يعيشها شعب الامارات اليوم (الدخل الفردي 46، 47 الف دولار سنويا، وهو الرابع على مستوى العالم سنغافورة –النرويج- الولايات المتحدة الامريكية – الامارات العربية)

مدينة الرمس كانت ما تزال تعيش على الصيد، وعملية الصيد يسيطر عليها سلطان بن مجرن .

(تحت جنح الليل، غطت قرية الرمس في ظلام دامس، وهي تمارس عادة الصمت الرهيب والانضواء الى الجبل حارسها الأمين).(صفحة 25)

وفي ابو ظبي يدخل جوعان عالما آخر ولكنه يظل، في انتمائه وسلوكه، يحمل هوية قرية الرمس

لبث جوعان منكفئا يسرق النظرات بين الفينة والفينة من هنا وهناك، لمح امرأة على مقعد قريب تجاور رجلا، الاثنان في مقتبل العمر..... تخيل عفراء ...فكر لو أن الظرف التاريخي سنح له أن يصطحب عفراء الى هذا المكان ...........(الصفحة 143)

ليس من السهل على جوعان ان ينتمي بمفرده الى ابو ظبي، يمكن ان تكون عفراء الوسيلة- الحلم، ولكنه يظل منتميا الى قيم وعادات و ثقافة مدينة الرمس، الجذر في هويته هو الماضي، حينما كان مفعما باحلام وافكار ورؤى يرعاها على الشاطئ الصخري، بعيدا عن ضجة المدينة وابواق السيارات التي يصف خليفة سائقيها : اناس مرضى، لاجدوى من القوانين و لا الضوابط، فعندما تنحل الاخلاق فلا فائدة من العقاب .(الصفحة 141)

كانت المدينة الجديدة تتوسع بسرعة وكانت الحركة الشاملة وعمليات الحفر والبناء تستلزم شغيلة من كل العالم، ولم تتشكل بعد المنظومة المتكاملة لضبط الشارع ووضع قواعد سلوكية صارمة .

هذه البداية، يرصدها الروائي عبر شخوصه، فيطرح كل منهم رؤيته، فسلطان يستنكر سلوك الضجيج والفوضى، فيصف الناس بانهم يتصرفون وكأنهم في عرس او في مظاهرة

اما خليفة فانه يرى انهم بلا ضوابط أخلاقية، وجوعان، يرى أن البعض يقودون سيارات فارهة، فيها من اسباب الرحة ما يجعلهم مطمئني النفوس، لكنهم على العكس من ذلك، فانهم يمرون في الطريق كالرصاصات الطائشة (صفحة 210)

في مدينة الرمس، يسير طوال الليل على الشاطئ، فلا يسمع غير صوت البحر، يوشوش الرمل ويحكي للجوانب الصخرية، ولا يقابل أحدا، تقول امه .. ان الجن وحدهم يتجولون ليلا ويحذرون البشر بصفير خافت، تلك الرمس من ينتمي اليها ويحمل هويتها، وتظل الهاجس الذي يعود اليه كلما حاول ان (يتأقلم) مع معطيات الحياة الجديدة في أبو ظبي

يريد الروائي بهذه الدلالة ان يكشف عن عمق تأثير الماضي في حياة الفرد الذي مثلّه (جوعان)

جوعان وسعاد يمثل لهما الماضي الهوية الحقيقية، جوعان يظل يتذكر عفراء، ويحكم سلوكه، قيم أهل القرية بوشائجها الاجتماعية .

قالت سعاد ...ماذا تشم ؟

قال- أشم رائحة النخل، انها رائحة تذكرني بالقرية

قالت سعاد وهي تحدجه بنظرات غائرة ...يبدو انك لا تستطيع نسيان القرية، على الرغم من أنك قلت لي في السابق انك هربت من ضياعها . (الصفحة 200)

 وسعاد، ما إن فقدت جوعان، حتى عادت الى بيروت بذريعة العناية بامها دون أن تفكر بحياتها هناك، بعد ان تفقد عملها في المجلة بأبي ظبي، العودة هنا هي الشعور بالأمان والراحة، بعد أن تعرضت مرة اخرى للفشل في تجربتها الجديدة , وربما اقتنعت بانها فقدت جناحيها كلية : جوعان الذي اعتقدت أنه الملهم، يمضي بلا رجعة، متقهقرا، وسأمضي الى حيث جئت.(الصفحة 429)

ان هوية السرد كما تتناولها الرواية، هي هوية كينونة وجودية وليست هوية مرحلة تاريخية، وهي لن تتغير ولكن ربما تستكمل، ليخرج جوعان من مدينة الرمس الى فضاء الامارات، مجتمعا تعرض لتغييرات موضوعية، ودولة جمعت المناطق المبعثرة بوحدة حضارية حققت تشكيلا موحدا وسع من مفهوم الهوية السابق

 

ملاحظات عامة

1- ترواح السرد بين المنولوج الداخلي لبطل الرواية وقيام بعض شخصياته بالحديث عن انفسهم مباشرة أو حينما يتدخل المؤلف، ليقوم بالسرد

 (الصفحة320)، بمعنى ان الرواية تضمنت اصواتا م في متعددة في عملية السرد

2- ان الرواية تفاجئك بانها انتهت .. وتدفعك الى الاحساس أن هناك شيئا مبتورا و ناقصا و كأن المؤلف الذي استغنى عن بطله (جوعان) يزمع ان يقدم جزءا ثانيا لتبديد روح التشاؤم والمأساوية .

3- قام المؤلف بغلق الحدث على شخصياته، دون ان يعرض للمجتمع الذي يعيشون فيه، عدا القسم الاول من حياة جوعان في الرمس، ولم يهتم بتقديم رؤية شاملة لجوعان وهو يدخل مدينة أبو ظبي قادما من مدينة صغيرة، بمعنى أنه لم يهتم بفضاء المدينة الجديدة،

في حين أن الرواية الحديثة تجعل الفضاء أحد أهم مكونات الآلة السردية، بل إنها غالت في الاهتمام بالمدينة حتى غدت المدينة هي الشخصية الحقة، وامتزج فضاؤها بفضاء العمل الروائي، مدينة دبلن في رواية عوليس لجيمس جويس، وتلمسان في الدار الكبيرة لمحمد ديب، وعنابة وقسنطينة في رواية نجمة لكاتب ياسين، وقد وصل الأمر إلى حدود تطابق وامتزاج معمارية المدينة مع معمارية النص الروائي، وكأن الرواية تعيد إنتاج المدينة كما فعل الطاهر وطار في رواية الزلزال حيث أعاد تشييد مدينة قسنطينة لا من منطلق المشابهة الجمالية للواقع ولكن من منطلق حلول هندسة النص في هندسة المدينة.

إن المكان، ليس عملية تأثيث في فضاء الرواية، بل انه الذي يمنح للمتخيّل واقعيته في عملية السرد،، بل إن النص الروائي يعين هذا الفضاء ويحدده ويصوره ويمنحه معنى بطرائق متعددة وعلى أكثر من مستوى.

ويمكن الاستدلال بعناية نجيب محفوظ بالمكان، من أن أسماء بعض رواياته كانت أشخاص مكانية كـ: (قصر الشوق) و(السكرية) و(خان الخليلي) و(زقاق المدق).

وكانت رواية (امرأة استثناية) قد نجحت في تقديم صورة المكان في مدينة الرمس :يصمت جوعان، وينظر الى المسافة بين الجبل والبحر، حيث تتوسطهما القرية الساكنة، اللاهثة الى الافق بصوت مخنوق، كامراة عاشقة، عين على البحر و اخرى على الجبل .....منذ فجر التاريخ والقرية لم تغير من الوان بيوتها .(الصفحة 51).

ولكن الروائي علي أبو الريش كان مصرا على عدم توظيف مدينة ابو ظبي كمكان آخر في الرواية، في حين يوكد الباحث ياسين النصير: المكان دون سواه يثير إحساسا بالمواطنة، وإحساسا آخر بالزمن وبالمحلية، حتى لتحسبه الكيان الذي لا يحدث شيء بدونه، فقد حمله بعض الروائيين تاريخ بلادهم، ومطامح شخوصهم، فكان واقعا ورمزا، تاريخا قديما وآخر معاصرا، شرائح وقطاعات مدنا وقرى حقيقية، وأخرى مبنية في الخيال.

4- أغلق الكاتب كل الابواب، الى الحياة المتدفقة في ابو ظبي، ولم(يسمح) لجوعان أن يذهب الى السينما او المسرح او اي نشاط اجتماعي، ولم يحضر اية ندوة في المنتديات سيما وهو يعمل في مجلة، إن المؤلف، وهو الخبير بالعمل الصحفي، قفز بجوعان من طالب ضائع لايملك اية تجربة في الكتابة ولم يدخل اية دورة صحفية، أو يكشف لنا ولعه بالقراءة مثلا، الى كونه كاتبا صحفيا يبدع في واحد من اهم فروع فن التحرير الصحفي وهو التحقيق، صحيح ان الصحافة بحاجة الى الموهبة ولكن الصحافة وفن التحرير، صناعة ايضا، وكان من الاجدى ان يطور السرد جوعان، بحيث يبدو الابداع الصحفي نتيجة منطقية لجهود ومتابعات في القراءة والكتابة .

 5- كان الحوار في رواية (امرأة استثنائية) لا يمثل الا نسبة ضئيلة من الاربعمئة وتسع وعشرين صفحة، ويمكن ان نصنفه الى ما يلي :

الأول : الحوار الخارجي، وهو الحوار بين جوعان وامه ثم صديقه في قرية الرمس، وفي ابو ظبي بين جوعان وكل من ...سلمان، خليفة، كومار، قيس عبد الباقي وذياب،

وهو حوار عادي وقصير الجمل ولايكشف عن الشخصيات من حيث ملامحها الفكرية والثقافية .

 الثاني: الحوار بين جوعان و سعاد، وهو حوار مفعم بالدلالات ويكشف عن شخصيات المتحاورين وأحيانا يأخذ مسارا مناورا غير مباشر يعتمد على سرعة البديهة والاستيعاب السريع لقصدية الحوار بينهما.

الثالث: الحوار الداخلي أو ما يسمى بالمنولوج الداخلي، وقد شغل هذا النمط من الحوار مساحة كبيرة من فضاء الرواية، كشف فيه لنا المؤلف عما يشعر به جوعان على وجه الخصوص، وكان الحوار هنا متنوعا ودافقا .

وهذا يعني أن المؤلف على معرفة بنظرية الشخصية على نحو مباشر أو غير مباشر ويمكن أن نشير، الى أنه كان متأثرا على نحو واسع بالمفاهيم العامة لعلم النفس الذي درسه في القاهرة، كما سبق ان بينا ذلك، ويؤكد على هذا المفهوم روبرت همفري.  فقد اعتبر همفري ان مجال الحياة الذي يهتم به تيار الوعي هو التجربة العقلية والتي تعتمد على:

1- الماهية، التي تعتمد على التجارب العقلية من ذكريات واحاسيس

2- الكيفية، التي تشتمل على انواع الرموزوعمليات التداعي

وقد قام همفري بدراسة مفصلة لعدد من ابرز نتاجات فرجيناوولف وجيمس جويس ووليم فوكنر

 

ذياب فهد الطائي

....................

مدخل لدراسة الرواية، جيرمي هوثورن، ت. غازي درويش عطية، مراجعة د. سلمان داود الواسطي، دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد ـ 1996م/ ص 47.‏

جوزيف كونديرا: فن الرواية، ترجمة أمل منصور، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1999، ص:48، مجلة انسانيات، http://insaniyat.revues.org/3194

ياسين النصير، مرجع سابق ص 51

روبرت همغري.،، تيار الوعي في الرواية الحديثة ط2، ترجمة، محمود الربيعي- دار المعارف، مصر 1975، ص 26.‏

 

الاسترسال في لذة شعرية الأنا السحيقة

ahmad alshekhawiإلى أيّ مدى يمكن إحاطة قصيدة النثر بمفهوم أكثر حيادية وشمولية؟ يرقى بها كصنف زئبقيّ وعابر للأجناس ومدان أيضا، وجب انتشاله من شرك النعوت الحاقدة والسّجالات العقيمة المثبّطة والمنتقصة من أهمية وضرورة الحراك العقلي والعاطفي ضمن دوّامة عالمية لا تعترف البتّة بخلاف الدينامكية الحضارية والتجاوز والدمغة المستقبلية والتوغل أعمق ما يكون في جيوب الغيب.

بحيث يحصل الاستغناء التام عن الأنانيات المقيّدة بكلاسيكية الرؤية وعمى الماضوية المعيقة للتطور والتجدّد.

وبحيث يستأسد ما قد يسهم في اتّفاق القناعات مع كل ما من شأنه الدفع بقوة وحكمة باتجاه تفعيل ثقافة مجابهة لعشوائية سريان التوصيفات الرامية إلى الخدش أو النيل من سمعة هذا النوع التعبيري وليد اللحظة والحاجة والمحصّن بتزايد شعبيته على مرّ الأيام، على نحو يقتضي منا تبنّيه أكثر من أي وقت مضى،  بحزم وبوازع إنساني، والتمكين له من آفاق الترعرع في همّ لغة الضاد المشترك،  وبذل الجهود المضنية سعيا إلى درء الاتهامات والمزاعم الباطلة، عنه، باعتباره من زاوية شلتها أنأى ما تكون عن المصداقية والإنصاف، ووجهة نظر سطحية مقرّة بكونه مجرد موضة أو تقليد أو دخيل ينخر الخصوصية والهوية التعبيرية العربية الرصينة.

بحيث لا يقع اللوم على النّظم الخليلية إلا في حالة هيمنة النظم العاري والجاف بدعوى الإخلاص للوزن والقافية، وأعني الحالة التي لا تشفع لها رخصة الأرشفة المقبولة للمعارف العلمية أو الفلسفية أو الموروثات الشفهية أو بعض المحطات الملحمية والتاريخية الهامة بغرض الصيانة والحفظ وتسهيل ذلك على الذاكرة بغية تخزينه.

كما أنه لا عدول على الغريمة الأبدية،  قصيدة النثر، إلاّ استثناء وإزاء النصوص الفجة والركيكة الواقعة ضحية للاستسهال و اجتراح الخواطر العابرة والخالية بالمرة من الشعرية في التقاط المعنى من الشارع والهامش في نبضهما المستمر وفق شاكلة تدغدغ الذائقة وتنمّيها.

ولعلّ عصارة التجربة الرائقة للشاعرة القطرية سعاد الكواري، تستجيب لهذا المنطلق المفذلك له سالفا، مثلما تهمس به البؤر الضمنية للمختارات التالية:

"البابُ مرسومٌ بإتقانٍ

فأخرجُ من فناءِ الدارِ

أتركُ مهجـتي في الداخلِ

الأسماكُ ستنفحُ في صخورٍ مالحة

الخنجرُ المسمومُ مربوطٌ بكفِّ الصاعقة

وأنـــــــــــا أدسُّ السمَّ للجسدِ

المريضِ لكي أنـــــام

***

قد ينتهي هذا الصراع

عينانِ غامضتانِ تأخذني بعيداً

البحرُ يقويني

فأخلعُ غربتي

أهزُّ بابَ العدمِ

أرمي في سكونِ الكونِ ذاتي

ثمَّ أصرخُ عندمـــا

تعوي شعابٌ خائفة

ويضجُّ وسط الموجِ

تمثالٌ غريق

.................

المرأةُ الفاتحةُ بيتها للريحِ

تُعدُّ الآن وليمةً كبرى

عند باب مقبرة أثرية

توزعُ أقراصَ الخبز على المارة

فتخرجُ أشباحُها كخيول تسابقُ غيمةً

المرأةُ الزئبقيةُ تعرفُ كيف تروضُ الزهورَ البرّيةَ

وتحنطُ الطيورَ بعينين متعبتين

أراها تربضُ عند النافذة ولا تراني

اسمعُها ولا تسمعني

***

لتكن الريحُ أولَ المسافرين ،  لن أسابقها

لتكن الليلةُ آخرَ ليلةٍ تذوبُ على جسدي

أو تتلاشى بهدوءٍ

سأمسحُ على وجهي بكفٍّ باردةٍ

وسأتابعُ حركاتِها البطيئةَ

امرأةٌ من الزئبقِ ملتصقةٌ بمرآتي

أراها ولا تراني ،  أسمعها ولا تسمعني

***

وراءَ الباب عائلةٌ من القطط

بحنانٍ فتحتُ البابَ ،  فهربتِ القططُ

هذا قميصي ،  فردةُ حذائي ،  مشطي ،  ساعتي الرمليةُ

علبةُ اكسسواراتي ،  أقلامي الجائعةُ .. ماذا أيضا ..؟؟

كيف انتقلت أشيائي إلى هنا ..؟؟

أسألُ الفراغَ الممتدَّ بيننا

وأهمسُ لها لكنها لا تسمعني

أحزمُ ظِلالَ الغيومِ وأعلقها على الجدرانِ

أحاولُ أن اكشفَ لغزاً كنت أتبعهُ على الدوامٍ

أحاولُ أن اكشفَ لغزَها فاكتشفتُ ظلِّي

وظلالا أخرى لا أعرفها

***

اليومَ رأيتُها

كانت تقذفُ الكواكبَ بسهمٍ معدني

وتتمتمُ بكلماتٍ لم أفهمها

لكنني لم أر أمامها ذلك الطابورَ

الذي كان يمتدَّدُ من أولِ الشارعِ إلى آخرهِ

رأيتها وحيدةً تكنسُ عظامَ القططِ

رأيتها تنتحبُ من بعيدٍ

ولم أر وجهي المعلقَ بيننا

رأيتُ فقط عظامَ قططٍ مهشمةً

وآثارَ أقدامٍ مبتعدةٍ

................

امهلني دقيقةً أو نصفَ دقيقةٍ

لألملمَ أطرافي وأشيعَ جسدي

نصف دقيقةٍ فقط كي أستمعَ لخريرِ الماءِ

وهو يندفعُ من بين يدي

أستمعُ لثرثرةِ الريحِ ولضجيج العاصفةِ

***

ما إن أغلقُ الأبوابَ

الأبوابَ الصارمةَ ،  المهزوزةَ ،  المغلقةَ ،  المفتوحةَ

حتى أخرجَ مني وأثرثرَ حتى الثمالةِ

يا أصدقائي التعساءَ هاهي المدينةُ تنامُ

وعيونُ المتطفلين فانزلوا قليلا لنتسامرَ معا

لننصتَ إلى موسيقى الغجرِ ولعزفِ الماءِ

يا أصدقائي التعساءَ تعالوا لنشعلَ ناراً خفيفةً ونتسامرَ

عِمْتَ مساءً أيُّها الجرحُ

عِمْتَ مساءً

طاحونتكَ لا زالتْ تدورُ

قلوبنا معلقةٌ بخيطٍ رفيعٍ ورأسنا عارٍ

عِمْتَ مساءً أيها الألمُ

أقدامكَ مغروسةٌ بقوةٍ في قلوبِنا

فلا تُغرِ أشبالَ الوجعِ

وقطعانَ الضوءِ نحو هاويتِكَ العمياءِ

..................

يا سيد العطاء

أنا الغيوم التي تتكاثف في سمائه

أنا الحطب الذي يشتعل دون لمس

أنا دم البحيرات وعواء الليل

من النافذة أدخل إليك

من الشقوق

من الأبواب المواربة

كالغبار أتشرد بين زواياك

يا سيد العطاء والحب

آوِني لا طريق أمامي غيره

لا مدينة

لا محطة

لا قطار

لا حقيبة تحملني إلى المنفى

ولا منفى يستقبلني فآوِني

أنا النار التي تشتعل دون لمس

أنا النار وأنت الريح

أنا الريح وأنت النار

***

تأتيني من الشرق ومن الغرب

من الجنوب ومن الشمال

من الجهات الأربع

مثلما يأتي الربيع والصيف والخريف والشتاء

مثلما يتعاقب الليل والنهار

مثلما تغادر الطيور وتعود

مثلما تنام الحيوانات في بياتها الشتوي

وتقوم مع بداية الصيف

تذهب وتعود

من سفينة إلى قطار إلى شجرة

فأكبر ،  أتعلق بأقواس النجاة

وأدنو من أسوارك البعيدة

***

حين سلمتُ العواصف جسدي

أدخلتني في دوامتها اللذيذة

هي الريح تهبط على مهلها

مهووسة بصراخي وشهيقي

الريح التي تتسول بين الممرات

باحثة عن كائنات سعيدة

كائنات لم تعرف معنى للألم

كائنات مبهورة بضجيج العصافير

كلما أشرقت شمس

هي الريح التي ترصد تحركاتنا

كلما اشتدت أو هدأت أو ذابت

***

مشيتُ

كانت الطرقات الإسفنجية تجذبني للداخل

وكنت مستسلمة لها

أهدهد ذاك الوحش الذي يصرخ

أهدهده كي يرحل أو يبتعد

وحين وصلت

وصلت وحيدة وعارية.

***

هي الطعنات التي وسمتني بها الوحشة

هي العزلة..

هي الطرقات التي تذوب بين كفي وتتداخل

 

هي الطرقات الموزعة بين فراغين وفضاء

فعدت لا أميز بين ظلي وبين عباءة الأثر

حين اقتربت من متاهته لبستُ جسده المتعب

لبستُ رأسه المشطور وغطست

كأنني عروسة بحر لا تزال تجهل فنون الغطس

لكنني غطست ففتح البحر ذراعيه واحتضنني

***

أنظر إليك

علك تمنحني نظراتك الأخيرة

أنا المرأة المتوجة بقناديل السماء

أضيء كلما مسني نيزك

أو عبرتني نوافذك المفتوحة على الغابات

أشتعل أيضا كلما سقطت على فراشك الرطب

وتدثرت برائحتك

***

………………….

"يكفي أن ينتصب تمثال دكتاتوري في وسط ميدان مكتظ بالبشر

لنرى الحمامات تتساقط الواحدة تلو الأخرى

والحكمة ترتدي قبعة الطاعة

وحين ترتدي الحكمة قبعة الطاعة

لا يبقى من مبرر للتفاؤل بمستقبل وطن عربي مضرّج بدمائه ومهزوز في كرامته

وبعد ذلك وقبله هو منكوب بمجانين حقيقيّين...'

مثلما هو جليّ ، تكتسي شعرية صاحبتنا الفرادة من معجم الاتكاء المفرط على ميكانيزم الأنوية السحيقة جدا و استكناهها داخل عوالم معاناة، تجيد الذات عبرها الإصغاء إلى الصوت الداخلي للتجربة الدالة على ميتافيزيقيا اللفظ والمعنى و عزلة الفعل الإبداعي المشحون بالتفاصيل الحياتية والمتماهي مع تقنيات تقزيم  الوظيفة الوجدانية الجزافية والإسراف في درجات إقحام المتون القلبية الطافحة بها شعريات ما قبل الحداثة والمغرقة في الغزليات والمقدمات الطللية.

 

أحمد الشيخاوي

 

الشاعرة هدى بن صالح (تونس) عاشت صراع الشخصية بقواها الثلاث

wejdan abdulazizاللغة الشعرية عادة تستخدم التنوع والثراء ويكون رهان الشاعر في تطويعها لحساب الاستخدام الفريد للتعبير عن خلجاته ومجساته الشعرية، وهو يتحسس محيطه الكوني المثير لتساؤلاته، وبالتالي ولادة اسلوبه المتميز في الكتابة .. فـ(ان الاثر الفني عند فرويد مثل الحلم يحمل معنين احدهما ظاهر وثانيهما كامن .. وهذا الاخير لايمكن كشفه الا باستخدام طريقة "التحليل النفسي" القائمة على التداعي الحر .. فان الحلم تعبير رمزي عن رغبة لم تشبع في عالم الواقع ، ومثله النشاط الفني ومنه الادبي .. هو "تعبير عن رغبة، وهذه الرغبة لم تجد تلبية لها في عالم الاشياء المحسوسة فانصرفت عنه الى عالم الوهم والخيال .. الفن ، اذن هو استبدال الغرض الواقعي الذي عجز عنه الفنان بغرض خيالي" .. ان تفسير فرويد لطبيعة الصراع المؤدي الى العبقرية والابداع لايمكن فهمه واضحا الا في اطار نظريته العامة في تفسير السلوك .. لهذا يرى فرويد ان النشاط النفسي لشخصية الانسان موزع بين قوى ثلاث، هي: الأنا: وتمثل العقل أو الذات الواعية التي تدرك العالم الخارجي وتتحكم في حركة الانسان .. والهي: التي تمثل الحاجات الغريزية والرغبات المكبوتة وهي جنسية المحتوى اساسا في نظره وذات طبيعة اندفاعية عمياء غير متعقلة .. والأنا العليا: التي تمثل معايير الاخلاق والتقاليد والقيم الاجتماعية ... والصراع دائم بين هذه القوى لان "الأنا" تحاول التوفيق بين دفع "الهي" لاشباع الغرائز والرغبات وهي في الاساس جنسية شبقية محرمة ـ تمثل عقدة أوديبـ وبين ضغط "الأنا العليا" التي تمثل الضمير والرقابة الاجتماعية .. ومحصلة هذا الصراع تتجلى في سلوك الشخص في أي موقف)، وهناك آليات لضبط ومحاولة السيطرة، وهي آليات لاشعورية منها ، القمع والكبت والتسامي والاخيرة تهمنا جدا في دراستنا الادبية، لان التسامي مؤداه الى الابداع الفني والادبي .. وهو الذي يدفع بالشاعر او الشاعرة الى المغايرة في اللغة لخلق حالة الادهاش والانتباه لدى المتلقي، ليجعله شريكا له في استرداد المعنى وبناء الذائقة في فهم هذه القصيدة او ذلك الديوان .. ومن خلال هذه المقدمة استطيع ان ادخل الى عالم الشاعرة هدى بن صالح، وهي تعيش هذا الصراع النفسي ومن خلاله تتسامى في شعر يبحث عن الجمال .. تقول:

 

(شهقة الشغف المجنونة

في مواسم الولـــع

عطر الدّندنــة المنسكبة من رحيق الرّوح

أنـا امتـداد لـ أقاصي الدّهشة

وشوشة الهمس المخضّب بـ النّدى

نغمة الخفق الفالتة من موسيقى الفراديس

ضجّة الحواس الموسومة بغدق الدفء

..

على نبضي تصهل خيول المطر

تتفتّح شفاه القمـــر

و تبرق عيـن الغواية

على كفّي تقام أهازيج الفراش

تحفل مهرجانات الشّغب

وتنضج عناقيـد النّزف

..

أنـا رفيقة الضّوء

الـ متّصلة الدّهشة

شهقته

الـ مغدقـــــة الوميـــض

أغزله وشاح فتنــة

أنظمه قلائــد ألق

أفتح له وريد الغيم

لـ يرتشف

أنفاس الياسمين وسلافة اللّجيــن

..

أنــا أنثى العشق السّرمديّ

وأنــــت

من علّق أمانيــه على مشاجب الرّجاء

وصلّى كثيرا على أعتاب

هذه المملكة الأنثويّة)

 

فهي رسمت لوحة غير مرئية من الانفعالات المختلجة في دواخلها لتصرح للاخر بانها انثى، تعيش (ضجّة الحواس الموسومة بغدق الدفء)، (وأنــــت من علّق أمانيــه على مشاجب الرّجاء/وصلّى كثيرا على أعتاب هذه المملكة الأنثويّة)، وهذه ايحاءات تحاول الشاعرة من خلالها ارضاء فضولها الانثوي المحروم، بعلة التابوات التي تمنع عنها ذلك الفعل .. وهذا حسب التحليلات النفسية في الابداع هو تعويض عن ذلك الكبت الذي ترجمته الشاعرة واخرجته من الفعل الى الحلم المتسامي والمتخفي بين الكلمات .. ثم تقول :

 

(يلـــوح لـي

الاه دهشـة

يباغتني بفتنة مربكة

يـوشوشنـــي

فتورق أزهار الرّغبة

يلفّني بـ دفئ خرافيّ

يشعل ثلج الشّرايين

و

ي

س

ح

ب

ن

ي

نمارس طقوس التّوهان

ونتلو آيات الحنين

عند منتصف الشّفق

يتسلّل منّي

يحتضن غوايته

ويمضــــــي

..

تومـــض القصيدة

وأنطفئ أنـــا)

 

فكل رحلتها هنا، هو حلم جميل مارست فيه الغواية، فـ(عند منتصف الشفق/يتسلل مني ويمضي/تومض القصيدة وانطفئ أنا)، فالتعبير عن لحظاتها تلك، هي القصيدة، وهنا كان فعل "الأنا" رأس التعقل في قضية الانفعال، فهي لم تخرق التقاليد والاعراف، انما ترجمت حالة الرغبة بالحلم والتسامي عن الواقع الذي يرفض هذا، ويعمد الى التعويض بالتسامي وممارسة الحب خارج سياقات العقوبة الاجتماعية .. ثم تعمد الى التوحد والتصوف بالاخر والذوبان فيه افتراضا أي تساميا حسب عرف علم النفس وصراع قوى الشخصية الثلاث .. لتقول :

 

(يحتلّني

يراقص ضلع الحنين

لغمرة جنون

لزمن همس

خبّأه الفراش في المسام

يتلّبّسني

ارتعاشة أوصال

ترتّل نشيد الشّغف

يرسمني قبلة

على شفاه القمر

رحيق أنفاس

يجرفني

الى ضفّة الغرق

يفرشني

جسدا من رمل

لمواسم الموج الشّبق

..

 

" وحده الحلـــم

يتّسع لشهقة الأوردة

وخفقات العشــــق

ودفق النّبض المقدّس ")

 

ومن خلال دراستي لاشعار هدى بن صالح (تونس)، تبدى لي ان

الحقيقة التى نكشف عنها بعاطفتنا لا تصبح حجة عند غيرنا، إلا إذا حصل لهم من الكشف مثل ما حصل لنا. وعند "كوزان " أن العاطفة مصدر الانفعالات، وهى لهذا تقابل العقل. والعاطفى،  هو المنسوب إلى العاطفة، ولاسيما عاطفة الحب. ويجوز أن نقول "التربية العاطفية" و" السياسة العاطفية"، وهى ضد السياسة الواقعية. والعاطفى من البشر: هو الذى يتغذى بالعواطف، أو يتبع عواطفه فى علاقاته الإنسانية، أو يفضل إظهار عواطفه على سترها. ويكون المقصود بالعواطف هنا "العواطف العذبة" وهى المصحوبة بالذكريات العذبة والأحلام الجميلة . وقد اهتم "صوفية الإسلام، بموضوع العاطفة لأن التصوف علم القلوب، وما يفيض به القلب من شعور وإحساس هو الأساس فى سلوكهم.

ولذا كان هناك شبَه قِوىّ بين أدب الصوفية المسلمين وأدب الرومانتيكيين من الأوروبيين؛ لأن كلا الفريقين كان يمجد العاطفة، ويتخذ منها هاديا فى السلوك. بل كانوا يرون جميعا أن العاطفة أصدق من العقل، وأن الفكرة العميقة نابعة من عاطفة عميقة. وكل ذلك يخفف عن الإنسان وطأة الحياة المادية، ولاسيما تلك المادية التى ألقت بظلال ثقيلة على كل مناحى الحياة فى عصرنا هذا. وإن العاطفة واحدة بين الرجل والمرأة، فليس للرجل عاطفة تختلف عن المرأة، أو العكس، فهى قاسم مشترك بين الطرفين، مثلما يحدث ذلك فى الكتابة والإبداع الأدبى وغير ذلك. واجد ان الشاعرة هدى بن صالح، هذا هو خطها الجمالي في اشباع الذات من خلال قصائدها التي اعتمدت اللغة المغايرة لما هو متواضع عليه ..

 

وجدان عبدالعزيز

 

أسئلة الرواية الاماراتية.. دراسة لخمس روايات اماراتية (4)

1- أميرة حي الجبل... لعلي احمد الحميري

2- إمرأة استثنائية .. لعلي ابو الريش

3- لعله انت .. لباسمة يونس

4- بين حين واخر .. للميس فارس المرزوقي

5- ريحانة .. ميسون صقر القاسمي

 

4/12 امرأة إستثنائية .. لعلي أبو الريش

واسلوب السرد لدى علي أبو الريش، شفافا، يقترب من عتبة قصيدة النثر التي يكتبها .. في الصفحة الاولى يبدأ الروائي استهلاله السردي فيقول :عند شقة الجبال الشاهقة، ولسان الماء المنحدر من أتون التواريخ الغابرة، تلج مدينة الرمس أسطورة الحنين، ويباب السماء، المتفجرة بالسحابات الفضية ..

وجوعان بن ناصر، بطل الرواية، يقف مرة متمردا، أقرب الى حمدان القرمطي (الصفحة 9) وهذاالقرب لابد من الوقوف عنده لأنه دلالة وضعها المؤلف بقصدية اعطاء وصف بابعاد نفسية وربما سياسية، فهل اراد المؤلف ان يعرض التشابه الدلالي بنهاية حمدان القرمطي وفشله في ان يؤسس نظاما يتسم بالبقاء، ونهاية جوعان بن ناصر وقد صرعه المرض في أحد مستشفيات أبوظبي دون أن يحقق أي من احلامه في هزيمة سلطان المجرن أو حبه لعفراء أو علاقته بالمرأة (خلف الستارة) في الجوار المقابل أو في علاقته مع سعاد!!!!

والرمزية في توظيف التاريخ في الرواية، تتضمن شحن خيال المتلقي ودفعه الى التفكير بشخصية البطل

الرواية، أوأي جنس أدبي، دلالة قبل أن يكون بنية سردية او وصفا لمظاهر اجتماعية، وهذه السمة بقيت ملازمةلها منذ انطلاقتها الاولى

جوعان يكره سلطان بن مجرن، ليس فقط لأنه قوي ومن أصحاب النفوذ، بل لأنه حشرة طفيلية نمت على اكتاف الاخرين (صفحة 16) كان هذا شعور حمدان القرمطي، من هنا داخل جوعان شعور يقيني أن الاستيلاءعلى قارب سلطان بن مجرن سيحرمه مصدر قوته، فملكية وسائل الانتاج هي المصدر الحقيقي للسلطة، وهذه علامة دلالالية، فقارب الصيد الذي يملكه سلطان المجرن هو مصدر رزق للصيادين من مدينة الرمس، وهو ايضا السبب في ان يعاملهم المالك بالكثير من التعسف والاذلال .ولكن لابد من الاشارة الى ان حمدان القرمطي كان يحمل مفاهيما في السياسة والمجتمع وكان يحمل ايضا تنظيرا لشكل الحكم الذي كان يسعى لإقامته، حيث انشأ نوعا من الحكم الثوري المحلي يتسم بالحرية و المساواة بين أبناء ذلك المجتمع الذي أقامه، ساد فيه التعاون المنتج بين الفلاحين أنفسهم وبينهم وبين الصناع والحرفيين وأسماه (نظام الالفه)، في حين أن جوعان لم يك يحمل الا همومه الشخصية، وطوال عملية السرد لم يساهم في اية نشاطات فكرية او حتى فعاليات اجتماعية .

جوعان يبحر بالقارب، يندفع، يأخذ شهيقا عميقا ويضغط براحتيه على مقبض المجدافين .. يرفع صدره شاهقا على سطح الماء .. تمر من حوله سفينة ضخمة، فتطيح بسكون الماء، وينهض الموج العارم يضرب بخشب القارب بعنف، فيدوي هدير .. يصرخ جوعان مزمجرا :لعنة الله عليكم ياأوغاد، تسرقون كل شيء حتى لحظات الفرح تستكثرونها على غيركم، هذا السائل اللزج الذي يقطن في أحشاء سفينتكم هو ليس لكم (صفحة 19)

هذا المقطع مشحون بالدلالات يتناسب ومزاج جوعان المتمرد، فالقارب هنا، هو مكان لانفراد جوعان بنفسه، وحيث يتماهى مع الفضاء الكبير في عرض البحر .

ان بنيةالنص السردي في رواية علي ابو الريش (امرأ ة استثنائية ) ليس لها محددات للبنية الخطابية، فهي متعددة و مليئة بالدلالات التي تقود كل منها الى تأويل، ربما، مختلف، جوعان يقف وحده يحارب العالم الخارجي، دون ان يعي موقعه الاجتماعي، أو يتسلح بفكر ووعي يسمحان له بدخول هذه الحرب.

وجوعان الذي بدأ حريصا على سلب إبن مجرن سلطته بالإستيلاء على القارب، ليمارس هو سلطته وليشعر بالقوة ويستمتع برهبة الاخرين منه، يعود ليعلن :

- لا أريد أن أكون سلطان بن مجرن آخر (صفحة 139 )

جوعان شخصية مترددة، تعاني من اضطراب في التفكير ومن قلق وجودي، كما عرضها علي ابو الريش، ويمكننا القول ان رواية(امرأة استثنائية ) من نتاج وعي المؤلف وخياله المعرفي، فهو ابن رأس الخيمة وقد عاش التحولات الاجتماعية وهو على دراية بحركة الشخصيات في مكان الرواية، وبأنماط العلاقات وانزياحاتها، وجاءت شخصية جوعان المترددة عن معرفة واعية بتأثير مرحلة انتقالية، من المجتمع العشائري حيث تسود الإرادة الشخصية، الى مجتمع الدولة المدنية حيث يسود حكم القانون، وأرجع سيكموند فرويد، الشخصية ذات الطبيعة المترددة الى طغيان شعورها بالقلق وعدم التوازن النفسي، فكل شخصية قلقة تقع تحت تاثير نفس قلقة .

يقول جوعان بعد عجزه عن التحدث مع المرأة (في الجوار المقابل) والتي حزم أمره وتابعها حتى محطة وقوف السيارات (الصفحة 155):

لآ أحد يستطيع أن يمنحني الحرية اذا لم افكر فيها وادافع عنها، وعجزي عن التحدث مع المرأة، أفصح عن قدرات كامنة كان لابد من تهيئتها وتشجيعها قبل الشروع في تنفيذ الخطة، أشعر اني اضعف من تلك المرأة، ومن وداعتها .

جوعان يقرر اولا انه يملك قدرات كامنة، ثم لايلبث أن يتراجع ليعلن أنه أضعف من المرأة، وفي ذات الصفحة يواصل منولوجه الداخلي :

ألست أنا الان مخادعا، الست كاذبا متناقضا، أحب عفراء وأركض وراء امرأة غريبة لا أعرفها .

ان قدرة الروائي علي ابو الريش ومهارته في بناء معماره الروائي ومعرفته في دراسة الشخصية المركبة لبطله، تجعله يبتعد عن المباشرة أو التقريرية، وعلى المتلقي ان يبحث عن الدلالة في السلوك أو مناجاة البطل لنفسه، ليلتقط الدلالة متفاعلا مع النص، وهكذا يقدم دراسة نفسية ضمن بنية السرد الروائي ومتخيلاته، واعتقد أن دراسة ابو الريش لعلم النفس ساعدته على هذا

الشخصية الرئيسة الثانية (سعاد)، المحررة في المجلة والتي ارتاحت لشخصية جوعان، منذ أول لقاء بينهما وعملت على خلق علاقة متميزة معه، لم تتوانى عن دعوته الى الخروج سوية، وقد قبل دعوتها على مضض (الصفحة 256)، واستجاب لرغبتها، وها هو الان يجلس الى جوارها، وأحينا تلتطم ركبته بركبتها، وهي لا تحاول أن تزيح جسدها بعيدا، وبينما هي تشرد في ذهول الخيال البعيد، جوعان يأخذ الامر عاديا !!!!!!!

سعاد اكبر منه واكثر تجربة فهي ترد على جوعان: لأنني طرت كثيرا واتعبت جناحي، ولما شعرت بعدم قدرتهما على مواصلة الطيران قصصتهما .

يضحك جوعان: أهذه نكتة .. أم خيال امراة جامحة؟

ترد سعاد :بل هي حقيقة .. المرأة .. عندما تقف على حافة الخطر تشعر بانها بلا

جناحين، وانا كذلك الان .(صفحة 259 )

نخمن (الصفحة 335) بان سعاد من لبنان او الاقل، يعيش اهلها في بيروت، وذلك حينما تخبر جوعان بأنها مضطرة للسفر الى بيروت لوفاة أخيها عادل بحادث سيارة

من هنا نفهم السلوك المغاير لسعاد، السلوك الجريء واحيانا المباشر، فالبيئة المغايرة تنتج سلوكا مغايرا، ينسجم وطبيعة العلاقات الاجتماعية

حينما تتسلم سعاد رسالة جوعان، التي سلمها لها خليفة، والتي كتبها جوعان قبل وفاته، تقول :لا يقهر المرء إلا الحب، أجل إنه المرض الحقيقي الذي يستبيح الشخصية ويستولي على مكوناتها، فتستحيل الى طاقة هامدة، أسيرة الوهم .(الصفحة 428)

وفي النهاية تتساءل سعاد :وجوعان، من هو جوعان ؟ماذافعل جوعان وماذا أنجز، لقد قا ل لي أنه جاء لقهر القهر، ليقضي على رجل يدعى سلطان بن مجرن , ولكنه لم يفعل من ذلك شيئا .. جوعان انهزم .. جوعان ذهب .. الى من حيث أتى، لكنه ذهب جثة هامدة

وبعد صمت، تنطق سعاد .. سأغادر ولن أعود .. الحب حيلة مخادعة هزيلة .(الصفحة428)

هل قالت سعاد كل ذلك فعلا، أم أن الروائي علي ابو الريش، هو من توصل الى هذا الاستنتاج ليختم به روايته، وما هي مقاصد المؤلف،

ام انها طبيعة النص المفتوح للرواية، الذي شىكل بنية الرواية وليدفع الروائي بالمتلقي للمشاركة في الحدث .

بمعنى آخر ماهو سؤال السرد في رواية (امرأة استثنائية) في ظل سلوك البطل، حيث يظل جوعان المحور - الذي تدور ألأحداث السرديَّة حوله - أو من خلاله، يَظلُّ أيضًا بابًا مفتوحًا لتعاطي مختلف التفسيرات والتحليلات لشخصيَّته، واستثارة جُملة من الاستفسارات حوله؛ على مستوى المقاربة بين حقيقته وصورته التخيُّلية كما جاءَت في الرواية.

 

ذياب فهد الطائي

............................

كريم ناصر، مجلة أحداق، العددالاول تموز 2003 ص154

 

بواكير الرواية العربية ونظرية المركزية المصرية

alkabir aldasisiظل الاعتقاد سائدا بين المثقفين وطلاب الأدب كون رواية زينب لمحمد حسين هيكل الصادرة سنة 1914 تعد باكورة الرواية العربية، وأن المرأة العربية لم تقتحم الكتابة الروائية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين  برواية (أروى بنت الخطوب) للأديبة   وداد سكاكيني المنشورة  عام التي ستكتب بعد سنتين روايتها الثانية «الحب المحرم» (1952).. ولازال  هذا الاعتقاد إلى اليوم مكرسا عند الكثير من الطلبة والباحثين كمسلمات لا تقبل النقاش...

لكن أمام تطور  النقاش حول الرواية العربية، إثر وفرة الإنتاج وتعدد المسابقات والجوائز الوطنية الجهوية والقومية المخصصة لكتاب الرواية، أصبح النبش في تاريخ الرواية العربية يفرض نفسه،  بعدما غدا يحلو للبعض اعتبارها الجنس الأبي الأنسب للظرفية الراهنة، فأطلقوا عليها  ديوان العرب المعاصر، وهو يرونها تزيح الشعر  وتمتطي صهوة الثقافة العربية المعاصرة،  لكن ما لا يعرفه بعض شبابنا هو أن هذا الجنس الطاغي اليوم على ساحة الثقافة العربية، ليس سوى شكلا أدبيا حديث الولادة في ثقافتنا، وأنه لا زال غض العود، فلم تكد تمض إلا سنوات قليلة على ظهوره في عدد من البلدان العربية، بل وعلى الرغم من كل ما تراكم من ونصوصا روائية، فأن عدد الروايات لا زال على رؤوس الأصابع في دول عربية كثيرة، وأن ما يبدو من زخم في التأليف والإصدار اليوم مرتبطة في الغالب بالألفية الثالثة  أكثر من أي فترة أخرى، فقد شهدت السنوات العشر الأخيرة  نتاجا روائيا دافقا ربما أكثر مما شهده تاريخ الرواية العربية عبر تاريخها؛ ففي بلد  مثل المغرب لم يصدر إلى حدود سنة 2010 إلا حوالي 671 رواية أكثر من نصفها (339 رواية) صدر في سنوات العشرة الأخيرة، ولم يكن للنساء فيها إلا 53 رواية صدر منها 34 رواية في عشر سنوات الأولى من الألفية الثالثة  .

وقد يكون الوضع متقاربا في باقي البلدان العربية الأخرى، بل من المرجح أن تكون نسبة كتابة الرواية بداية في الألفية الثالثة في بعض الدول  أكثر مما هي عليه في المغرب إذا ما علمنا أن معظم الدول العربية لم تعرف جنس الرواية إلا بعد المغرب مع ما أتيح لها من  إمكانيات لطبع،نشر وتوزيع الكتب: فإذا كان أول نص روائي في المغرب  (طه)  لآحمد السكوري  يعود إلى سنة 1941، وفي الجزائر (غادة أم القرى. لرضا حوحو) إلى سنة 1947، وكانت رواية (آلام صديق) لفرحان راشد الفرحان فاتحة  هذا الجنس بالكويت سنة 1948 .. فإن دولا أخرى انتظرت النصف الثاني من القرن لتشهد بواكير رواياتها فكانت سنة 1956 سنة ظهور أولى الروايات بتونس برواية (زمن الضحايا . لمحمد العروسي المطوي)  وبعدها بثلاث سنوات كان نص (ثمن التضحية) للأديب حامد بن حسين دمنهوري  بالسعودية، بل ومن الدول العربية من انتظرت نهاية القرن العشرين  لتجود قريحة كتابها، وتفتح عين قرائها على هذا الجنس الذي أصبح اليوم من أهم الأرقام في المعادلة الإبداعية الأدبية العربية ولتعرف أولى تجاربها الروائية. فكانت أول رواية بموريتانيا سنة 1981  (رواية الأسماء المتغيرة للروائي أحمد ولد عبد القادر )، وهي نفس السنة التي صدرت فيها أول رواية بسلطنة عمان (رواية الشراع الكبير) للأديب عبد الله الطائي كمحاولة جنينية، مع أن المحاولات الجادة بهذا البلد لم تر النور إلا سنة 1988 عندما أصدر سيف السعدي روايتين هما  رواية (خريف الزمن)  ورواية (جراح السنين). يبدو أن كل هذه الدول قد عرفت الرواية بعد تجربة محمد حسين هيكل... 

وقد  يبدو للبعض أن هذه الإشارات تؤكد ما كان سائدا حول حداثة الرواية عندنا، وأن ولوج المرأة غمار الكتابة الروائية جاء متأخرا  بدعوى الوضعية التي كانت عليها المرأة في العالم العربي آنئد، لكنهم أصحاب هذا الرأي قد  يفاجَؤون بوجود نساء سبقن حسين هيكل بسنوات لدرجة أن هناك من يعتبر  المرأة أول من فجر نبع الرواية عربيا بنصوص مثل (حسن العواقب)  لزينب فواز التي صدرت سنة 1898  وبعدها  بست سنوات كانت رواية (قلب رجل) للكاتبة لبيبة هاشم الصادرة سنة 1904 وإن كانت (قلب رجل) أهم ما اشتهر للبيبة هاشم فقد صدر لها روايتان أخريتان هما "حسناء الجسد"  سنة 1898 و"شيرين" سنة 1907.  وهي أعمال سبقت رواية محمد حسن هيكل ( زيب) التي لم تر النور إلا سنة 1914..

يبدو من خلال هذا العرض الأولي وجود أعمال روائية نسائية قبل رواية (زينب) لكن التعصب  لفكرة "المركزية المصرية" التي أرادت تكريس اعتبار مصر قاطرة الثقافة العربية، وأن كل جديد في ثقافة العرب مصدره مصر أبت إلا اعتبار "زينب" الباكورة الأولى،  فرددها المصريون وتداولها المفكرون العرب  بقصد أو بغير قصد،  ولقِّـنت للتلاميذ  والطلبة في المدارس والكليات،حتى أصبح اليوم من الصعب إقناع النشء بغير ذلك.. ومن المستبعد  يكون الرواد المصريون جاهلين ببواكير الرواية العربية وهي أعمال صدر أغلبها في بلدهم، بل كان لأصحابها دور ثقافي هام في مصر والشام: فزينب الفواز (اللبنانية) استقرت سنينا في مصر ونشرت عدت مقالات في صحف مصرية وصدر لها عدد من الكتب بمصر مثل "الدر المنثور في طبقات ربات الخدور"،  الذي أرخت فيه ل456 امرأة من نساء الشرق والغرب. وكتاب الرسائل الزينبية"، وفيها ناصرت قضايا المرأة وحقها في التعليم والعمل قبل أن تظهر دعوة قاسم أمين التي جعلها المصريون أول صيحة من أحل تحرير المرأة العربية،  وكتاب "مدراك الكمال في تراجم الرجال"،  وكتاب  "الجوهر النضيد في مآثر الملك الحميد"،، إضافة إلى ديوان شعري  جمعت فيه منظومات لها،، ومسرحية  " لهوى والوفاء". وكذلك كانت لبيبة هاشم (اللبنانية):  استقرت بمصر  وأسست مجلة "فتاة الشرق " وأصدرت إلى جانب رواية " قلب رجل " عددا من الأعمال منها (حسنات الحب) الصادر بالقاهرة   1898، وكتاب (الفوز بعد الموت) القاهرة 1899، ومجموعتها القصصية الأولى "جزاء الخيانة"  القاهرة 1903، وبعدها المجموعة الثانية  " جزاء الإحسان"  وهو ما يجعل من   من رواية " حسن العواقب "  1898 من بواكير الرواية العربية، أينعت وقطفت قبل رواية (زينب) للأديب محمد حسين هيكل  بأزيد من 15 عاما

صحيح أن المرأة لم تقتحم الرواية لج الرواية في عدد من البلدان العربية إلا في النصف الثاني من ق.20، إذ كانت  (الملكة خناثة قرينة المولى إسماعيل)  لآمنة اللوه أول  ظهور للرواية النسائية المكتوبة بالعربية في المغرب العربي  سنة 1954  وينتظر المغاربة حوالي 14 سنة أخرى ليجود مخيال لنساء برواية ثانية (النار والاختيار) لخناتة بنونة  سنة  1968  وتمر السبعينيات عجاف دون أي نص روائي نسائي .. فطيلة ثلاثين سنة في النصف الثاني من ق.20 ( الخمسينيات والستينيات السبعينيات) لم يعرف المغرب إلا نصين روائيين يتيمين من أنامل النساء بينما شهدت الثلاثين سنة الأخيرة 52 نصا روائيا منها 34 في العشرية الأخيرة، أما في الخليج فكانت رواية رواية نسائية (بريق عينيك) لآسية خاشقجي سنة 1959 أول نص يظهر  بالسعودية وبمنطقة الخليج  عامة، لينتظر الخليجيون إلى سنة 1971 ليظهر أول نص روائي نسوي بالكويت (وجوه في الزحام)  للكاتبة  فاطمة يوسف العلي، بل انتظرنا سنة 1976  لتشهد الأردن أول كتابة روائية نسائية  مع رواية (سلوى) للكاتبة جوليا صوالحة...  مع العلم أن من الدول العربية ما لم يعرف الرواية النسائية حتى تسعينيات القرن العشرين يعني إلا قبل حوالي الثلاثين سنة كما حدث في الإمارات بظهور "شجن بنت القدر الحزين"  لسارة الكروان الكعبي  عام 1992 وهي باكورة الرواية النسوية في دولة الإمارات. لكن كل ذلك لم يمنع من كون المرأة كانت سباقة على محمد حسين هيكل، كما كان الشام سباقا عاى مصر في ولوج عباب الرواية

وقد يجد المدافعون عن فكرة المركزية المصرية مخرجا ليقولوا أن رواية (زيب) أول رواية عربية من تأليف الرجال، إلى هؤلاء نقول أن العذر أكبر من الزلة إذ كيف يمكن غض الطرف وتجاهل دور بعض الرادة الأوائل في الشام  مثل خليل الخوري (1836/1907) صاحب جريدة «حديقة الأخبار» والتي نشر عبرها بعض الروايات المؤلفة والمعرّبة منذ بداية صدور جريدته عام 1858. وكانت أول رواية ُنشرت فيها هي رواية (البرّاق بن روحان) التي لم يذكر اسم مؤلفها. وقد بدأت في الظهور اعتباراً من العدد 40 في السنة الأولى لصدور الجريدة. وبعدها  نشر الروايات المعربة مثل (المركيز دي فونتاج) و (الجرجسين)، وهما من تعريب سليم نوفل.   لينشر خليل الخوري روايته: «وَيْ. إذن لستُ بإفرنجي» عام 1859 والتي قدمها للقارئ بقوله: (إذا كنت أيها القارئ مللت مطالعة القصص المترجمة، وكنت من ذوي الحذاقة، فبادر إلى مطالعة هذا التأليف الجديد المسمى: «وي اذن لست بإفرنجي) وبعد نشرها بجريدته صدرت الرواية كاملة في كتاب من 162 صفحة سنة 1860. بأزيد من نصف قرن على رواية زينب ..

وكان سليم البستاني المتوفي سنة 1884  قد خلّف تسع روايات نُشرت جميعها في «الجنان» بين الأعوام 1870 و1884 وهي (الهيام في جنان الشام)، (وزنوبيا)، و(بدور) (أسماء)، (الهيام في فتوح الشام)، (بنت العصر)، (فاتنة)  (سلمى) و(سامية)  نشر  سليم رواياته قي الوقت الذي  كان ينشر فيه دستويفسكي (1821/1881) رواياته...

قد يقول قائل إن هذه الأسماء اللبنانية غير متداولة بقوة وقد تكون غير معروفة للمصريين في مطلع القرن العشرين  لذلك اعتبروا رواية (زينب) أول تدشين للرواية العربية، ولنسلم جدلا بذلك، لكن ما ردهم على تجاهل الروائي اللبناني جرجي زيدان الذي يعتبر مؤسس الرواية التاريخية بدون منازع وخلف عشرات المؤلفات منها أزيد من 20 رواية تاريخية وتوفي سنة 1914 أي سنة صدور (زينب)  ...

يستنتج إذن أن ترويج اعتبار رواية زينب باكورة  الرواية العربية، تتحكم فيها خلفيات أيديولوجية لا تختلف كثيرا عن نظرية المركزية الأوروبية التي تروج أن مصدر كل الفنون والعلوم هو أوربا القديمة (اليونان/ الإغريق) ضاربة عرض الحائط كل الحضارات القديمة شرقية كانت  (هندية، صينية، مصرية، وبابلية ..) أوغربية (حضارة المايا..) وغيرها من الحضارات...

لقد كانت فكرة المركزية المصرية إذن متحكمة في الرادة المصريون الأوائل الذي حملوا على عاتقهم تنوير الرأي العام العربي وغدوا يربطون ظهور كل جديد ب(أم الدنيا)، فكان في نظرهم مولد القصة، والرواية، والأغنية العصرية .. ومختلف الفنون المحدثة في ثقافتنا بمصر دون غيرها، هكذا ربطوا المسرح بجيل يعقوب صنوع وبعده توفيق الحكيم رغم مجهودات الشاميين، كما ربطوا تعريب الرواية بالمنفلوطي، وترجمتها بطه حسين، وربطوا الأغنية العصرية بسيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبده.... جاعلين من باقي الدول العربية هامشا يدور حول المركز المصري يمتح وينهل من ينابيعه، وإن حدث واعترف مصري بدور غير المصري  فيجعل للتأثير المصري أوالاستقرار في مصر كبير الأثر على حياته وإبداعه. فلم يكن أي مستقبل لمارون النقاش في المسرح، ولا جرجي زيدان، ولا اسمهان وأخيها فريد ... لو لم يزوروا مصر

  قد يكون صحيحا أن مصر سبقت الدول العربية إلى الرواية إذا ما قورنت بدول الخليج، أو المغرب العربي، لكنه بالأكيد غير صحيح بالمرة مقارنة مع الشام.. دون أن يكون في هذه المقارنة أي تبخيس أو تقليل من قيمة أولئك الرواد المصريين. وكل ما نأمله من هكذا حكم هو تجنب النظرة القطرية الضيقة، في التعامل مع الأدب العربي، و النظرة إليه في شموليته واعتبار الكل مساهما في ذلك الموروث الذي يجب علينا الحفاظ عليه وتطويره دون عصبية قطرية ..

 

ذ. الكبير الداديسي

....................  

 1  - الإحصائيات صادرة في دراسة بمجلة آفاق لاتحاد كتاب المغرب  العدد 79-80 دجنبر 2010

أسئلة الرواية الاماراتية.. دراسة لخمس روايات اماراتية (3)

1- أميرة حي الجبل .. لعلي احمد الحميري

2- إمرأة استثنائية .. لعلي ابو الريش

3- لعله انت ..     لباسمة يونس

4- بين حين واخر .. للميس فارس المرزوقي

5- ريحانة .. ميسون صقر القاسمي

 

3/12 امرأة إستثنائية .....لعلي أبو الريش

التعريف بالروائي علي أبو الريش

الروائي من مواليد عام 1956 في امارة رأس الخيمة، انهى دراسته الجامعية في القاهرة حيث تخرج في جامعة عين شمس متخصصا في علم النفس، عمل في الصحافة ليصبح في عام 2007 مديرا للتحرير في صحيفة الاتحاد

وله غير اعماله الروائية مجموعة نثرية ومسرحيتين، وتمتاز اعماله الروائية عموما بوحدة عضوية وتخضع أعماله في السرد الروائي، بحكم دراسته لعلم النفس لجوعام أقرب للتحليل السايكولوجي

ورواية (الاعتراف) الصادرة عام 1982 جاءت ضمن قائمة افضل مائة رواية عربية التي وضعاها اتحاد الكتاب العرب

والروائي موضع جدل، في كل اصداراته الابداعية في الشعر او الرواية، ويمكن ان نشير الى جملة وردت في لقاء معه، اجرته فاطمة عطفه ونشرته صحيفة القدس العربي في 05- 08- 2013 (نتعامل مع الحرية والديمقراطية كالمراهقات بالحمل الكاذب) كرد على من يتهمه بالخروج على القيم الاجتماعية والإغراق في الجنس

كما في ثلاثيته (الحب والماء والطين)، ففي مقال للكاتب ياسر محمد غريب، بعنوان: (الاأدب)

أفتى بفشل الرواية ، ويمكن الحكم على هذا المقال النقدي، أنه يمثل رأي جماعات الاسلام السياسي التي يندد بها المؤلف علي أبو الريش، ولعل المقطع التالي، والذي يمثل أهدء ماورد في المقال يكشف عن العدوانية المباشرة للكاتب:

(وقد كانت صدمتي كبيرة؛ وأنا أقرأ لشيخ الرواية الإماراتية - كما أسماه بعضهم-، وإذا كان هذا اللون من الأدب هو الذي يجعل من الإنسان شيخا للرواية؛ فأين دجّالوها؟!

ولا أجد معنى لطول هذه الرواية إلا أن المؤلف يريد أن يكون صاحب عمل ضخم، يجاري في صفحاته (فقط) أعمالا روائية مطولة من روايات الأدب العالمي والروسي على وجه الخصوص؛ وما أدراك ما الروسي– أعني الأدب بالطبع- ، وقد غفل أبو الريش في هذه الرواية عن قيم الفن؛ فظن أن الأدب يقاس بالمتر! ويوزن بالقنطار!

ولو أنصف لوضع أفكاره (المتواضعة جدا) في أقل من ربع حجم هذه الرواية! ولو أنصف أكثر لحرقها بعد أن اختصرها؛ لأن أفكاره لم تأت بجديد أولاً، ولا تستحق التدوين ثانية!)

 وهذا يدفعنا الى القول ان الموقف من النص هو موقف سياسي يقف بعيدا عن النقد الادبي واشتراطاته الجمالية .

علما بان (الثلاثية ) كانت الفائزة بجائزة أفضل كاتب محلي، عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة في إطار فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته السادسة »

تمثل رواية امرأة استثنائية، الرواية السابعةعشر للروائي علي أبو الريش وهواحد اغزر الروائيين الاماراتيين انتاجا، ويمثل انتاجه الروائي بين 17 الى 20 % من مجمل انتاج الرواية لروائي الامارات حتى عام 2014

 

ملخص رواية (امرأة إستثنائية)

 جوعان بن ناصر، يعيش مع امه شيخة فقد توفي ابوه وتركمها للفقر في قرية الرمس، بين البحر والجبل، جوعان يحب عفراء وهي فتاة من قريتهم، ويدرك انه مع الفقر والبطالة لن يستطيع الوصول الى حياة مستقرة معها

جوعان بسبب ضغط الظروف يقرر ان يعمل في البحر مع الصيادين العاملين على قارب سلطان المجرن، الرجل القاسي والبخيل على صياديه

في اول رحلة صيد يتعرض القارب لعاصفة تؤدي الى غرق الصيادين، ويبقى جوعان وحده يصارع الامواج فيما يداخله شعور بالرغبة بالاستلاء على جالقارب والادعاه انه تحطم بعد غرق الجميع

يخفي القارب في منطقة صخرية، ولكن العاصفة تمتد الى الشاطئ على نحو لم تألفه قرية الرمس، يتحطم القارب ويتحطم معه حلم جوعان بالاستيلاء عليه وبيعه.

يبدأ جوعان بالخوف من بطش سلطان المجرن، يقرر الهرب، وعلى الطريق بانتظار سيارة تقله الى ابعد من مجال نفود المجرن، يصادف ان الصديقين خليفة وسلطان الذاهبان بسيارتهما الى ابو ظبي يلمحان جوعان وثم يوافقان على اخذه معهما، في الطريق يقرران ان يبقى معهما في الشقة التي يسكناها في ابوظبي

يتوسط خليفة لتشغيل جوعان في مجلة على معرفة برئيس تحريرها (قيس عبد الباقي )، يظهر جوعان مهارة غير متوقعة في العمل الصحفي، وهناك يتعرف على سعاد المحررة في المجلة، ومن ثم تنشأ بينهما قصة حب،

يتعرض جوعان لفشل كلوي ولكنه لايوافق على اجراء عملية لزرع كلية له، رغم ان سعاد شجعته على العملية ووافقت ان تمنحه كليتها .ولكنه يرفض بشدة (أني أشك في قدرات اطباء الكون جميعهم ... لااريد أن أسلم نفسدي للأطباء وأغيب عن الوعي، ليفعلوا ما يريدون بي، إنني اشعر بالنذالة أن يسلم إنسان جسده لغيره وهو غائب عن الوعي .)الصفحة 374

 

كيف نفسر هذا الموقف؟

يبدو من الناحية المنطقية غير مبرر، فجوعان ما يزال في مقتبل العمر وهو على اول طريق الاستقرار في عمله، وزميلته سعاد تعلن له حبها واستعدادها للتضحية من اجله، من جهة اخري لا علم لدى المتلقي بتعرضه لمصاعب طبية عانى من فشل الطب في معالجتها .

والمؤلف، الروائي والدارس لعلم النفس لايمكن ان يدفع ببطله الى الموت المجاني،  ولكنه حدد مسار البطل على نحو رمزي، بإعتباره شخصية مأزو مة مارست حل وجودها بالاستسلام للموت، تحت ضغط الظروف التي عاشها في قرية الرمس، وشعوره بانه معزول ووحيد بعد موت ابيه وتركه لأمه وحيدة لحياة الفقر والجهل، والمؤلف لم يقدم لنا ما يشير الى محاولة جوعان ان يقدم لها المساعدة بعد ان وجد عملا.

يصف السارد الخارجي في الرواية حالة جوعان فيقول في الصفحة 96 :

 (أحس جوعان بانه يرتكب جريمة نكراء ...او انه يجازف في السقوط في مستنقع رهيب ...شعر أن امامه حفرة عميقة، داكنة، تفرّس في المكان، نظر الى العراء.. الفضاء من حوله مشوب بالفزع، عفراء ليست كائنا سهلا ...عفراء هي التي تجري مجرى الدم، ثم يفكر وما فائدة الدم ..طالما لايجري مجرى الجسد ... اشعر بأنني اغتصب امرأة فيما لو أعدت تاريخ أجدادي، وأنجبت أطفالا فقراء و امرأة عارية من الدفء ...لن أكون صادقا مع عفراء لو تزوجتها ..........انا هنا كائن منبوذ، ومطارد ..سلطان ابن مجرن لن يكتفي بمطاردتي، بل سيهيم في ذبحي).

 جوعان يشعر أنه محاصر وأن وجوده هو أمر عرضي، فهومحكوم عليه بالموت ولهذا رفض العلاج ، وكأنه ينتحر للهروب من وجود عبثي لايرغب الاستمرار في تقبله والتعايش معه.وفي الحقيقة فان هذا احساس داخلي خلقته الظروف التي عاشها في قرية الرمس، وأجد انه من الغريب ان يظل جوعان متشبثا بهذه الروح المتشظية والمحبطة وهو يعيش في ظل أوضاع جديدة تحمل الكثير من الامل، ولو ان المؤلف اعطى دلالات موحية عن احساس جوعان بالعدمية و بأن ما يعيشه هو مجرد استراحة قصيرة وانه يتوقع أن تتغير ظروفه ليعود ثانية للفاقة والحرمان والاحباط، فلربما يكون الموضوع اكثر اقناعا.

وقد ظهرت العدمية في الرواية وعلى شكل بيّن في روايات الواقعية النقدية التي كان اشهر كتابها الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير (1821- 1880)

يموت جوعان متأثرا بمرضه، وتعود سعاد الى مدينتها بيروت بعد إن فقدت الرجل الذي جعلها تعود للحياة وللمجتمع ثانية.

ورواية امرأة استثنائية، الصادرة عن اتحاد كتاب وأدباء الامارات في عام 2014، تقع في 429 صفحة من القطع المتوسط .

نقف اولا عندالعنوان الذي التقطه الروائي، من وصف جوعان ناصربطل الرواية في الصفحة 260 (لا أعتقد أنها تحبني ، هي قالت في السابق انها لا تؤمن بالحب الطبيعي ....ويبدو أن لديها عواطف من نوع آخر، لا أفهمها، سعاد امرأة استثنائية) ولكن ماهو معيار الاستثناء عند جوعان وبالتالي عند الكاتب، لم تكن سعاد تمتلك مواصفات غير عادية ولكن جرأتها في اعلان حبها لجوعان ورغبتها بمساعدته هي الاستثناء عند جوعان الذي لايملك خبرة واسعة بعلاقاته النسائية المحدودة، في الصفحتين 229- 230 حوار بين سعاد وجوعان....ترفع سعاد حاجبيها قائلة :ألم تكن لك علاقات سابقة؟

يهمهم جوعان ن يخفض بصره، ثم يردف ..اجل لدي علاقة .

سعاد هنا في المدينة؟

جوعان :هنا لا....فقط علاقة عابرة ومن بعيد

سعاد مستفسرة: ماذا تقصد؟

جوعان ببراءة : مجرد رؤية امرأة من بعيد

سعاد تضحك بجلجلة :رؤية امرأة من بعيد ....كيف؟ النساء كثيرات في الشارع وهذه لاتعتبر علاقة

جوعان في حيرة مقطبا:لدي معرفة بامراة جارة

سعاد :هل التقيتما في مكان ما ... هل جاءت إليك الشقة ....

جوعان منتفضا :لا ..كيف ألتقي بها ... ويستطرد كنت أراها في الشقة المقابلة، وإذ نكتفي بهذه الجزئية من الحوار فبسبب انها كافية للدلالة على شخصية جوعان، كرجل من القرية ما زال يحمل قيم مجتمعه السابق، كما انه يفسر اصرار سعاد على (الاستحواذ)عليه بما تملك من خبرة في العلاقات الاجتماعية.

من هنا فالعنوان (امرأة استثنائية) يكشف عن افتقار جوعان للتجربة الكافية في الحياة، ومقارناته كانت على مدار النص السردي بين عفراء، بنت القرية، وسعاد المرأة التي تملك الخبرة في الحياة المفتوحة

 لهذا نتفق مع، جرار جِنيت، أن العنوان خطابا اساسيا ومساعدا مسخرا لخدمة شيء آخر يثبت وجوده الحقيقي، وهو(النص) الذي هو توطئة، و عتبة من عتباته، و لكن و كما هو معروف، عتبة البيت، لا تعني البيت بتفاصيله و محتوياته، فالمراد به، أن يكون إطاراّ، و وعاء في غير كشف أو ُمكاشفة، أو مباشرة أو تقرير.

شخصيات الرواية اربع نساء، امه، عفراء، امرأة في الجوارالمقابل وسعاد، وثمانية رجال، جوعان ناصر، بطل الرواية، ، سلطان المجرن، عبود، سلطان، خليفة، ذياب، كوماروقيس عبدالباقي

 يتوزع مكان الرواية بين مدينة (الرمس)، وهي مدينة تحمل بعدا تاريخيا وتقع شمال إمارة رأس الخيمة بدولة الإمارات العربية المتحدة، (مدينة الروائي) وهي مدينة مشهورة في التاريخ، بسبب الأحداث الهامة التي شهدتها، وما لعبته في تاريخ المنطقة من مقاومة للاحتلال البرتغالي والبريطاني، بحيث أصبحت في فترة ما إحدى المعاقل والقواعد الهامة للمقاومة الباسلة، والمدينة الثانية هي العاصمة أبوظبي، حيث شارك جوعان السكن، مع  كل من خليفة وسلطان، وحيث عمل في احدى المجلات وتعرف على الشخصية  المحورية الثانية سعاد

اما زمن الرواية فهو من ناحية،  بنائه زمنا خطيا ولكنه يبتعد عن الزمن في الرواية الكلاسيكية ليمثل اكثرمن دلالة في بنية النص السردي بظهور شخصيات في مواقيت محددة تبدو وكأنها صدفة غير مقصودة دون أن تؤثر على وحدة البنية الروائية التي كان المؤلف حريصا عليها .

 

ذياب فهد الطائي

......................

http://www.odabasham.net/show.php?sid=13891

رابطة أدباء الشام http://www.odabasham.net/show.php?sid=13891

جيرار جينت، عتبات، ترجمة محمد مسلم الخضري، مطبة الجديد ,بغداد 2003 ص 34 - 

قراءة في رواية د. عبد المالك المومني: خضرا والمجذوب

855-hateefiالعين والجوابي: إذا كانت عبارة "مع سبق الإصرار والترصد" تفيد بأن الفاعل قد أتى فعله عامدا، فإن أخذها بالمعنى الإيجابي مع تحوير بسيط، يجعلها تنطبق على المنجز الروائي الأخير " خضرا والمجذوب" للدكتور عبد المالك المومني، فالرواية كُتبت عن سابق تفكير وتخطيط وتدبر، ولم تخرج إلى النور عفو الخاطر، وهو تفكير وتخطيط وتدبر ليس ابن السنة أو السنتين أو العشر سنوات، بل واكب كل أطوار وتقلبات حياة الكاتب، إنها روايةٌ حلمٌ، روايةُ عمرٍ وروايةُ حياةٍ. روايةٌ نشأت مع طفولة البطل بذرةً وحلما ثم نمت مع شبابه واستوت ناضجة، لتصير واقعا حيا مع عودته إلى مسقط رأسه، بعد أن طوف بأرجاء البلاد وخبر معادن العباد.

855-hateefiولن أجازف إذا أعلنت بأن بذرة " ما سيصير" قد وقعت في قلب البطل وهو بعد طفل، يوم التبس على الوالدة الوقت، فاستعجلته الخروج إلى المدرسة فجرا، ليجد نفسه وحيدا عند عتبة باب القسم؛ هناك بين اليقظة والنوم، أو بين الحقيقة والحلم، ستأخذه مولاة الركادة "لالة خضرا" من يده وتعمده بماء العين، هي وهو، وحدهما فجرا يستحمان في ماء العين27، ومن يومها ستصبح خضرا مولاته وأمته، عاشقته ومعشوقته، من يومها ستكبر فيه البذرة وستكبر معه شجرة الحكاية ثم تزهر وتثمر ليأتي الكاتب ويقطف الثمرة.

إن رواية " خضرا والمجذوب " هي ثمرة لهذه التجربة التي يتماهى فيها الروائي ببطله والحكاية بالعين، والكتابة بسيدة الماء " لالة خضرا".

هي رواية في عشق المكان وترابه ومائه، وفي الوفاء لتاريخه وقيمه وناسه.

ما يؤكد أنها رواية استغرقت عمر بطلها وعمر كاتبها، أنها هي ذاتها تكاد تشبه في بنائها عين الماء وجوابيها.

فإذا كانت العين تغور عميقا في طبقات الأرض لتنصت لنبض الباطن، ثم تفور لتروي الحي بمائها، فإن الكاتب أيضا يغور عميقا في طبقات الأزمنة وفي باطن حياته وحياة بلدته وتاريخها، في الثقافة الشعبية للمكان، وفي الأحاجي والأقوال والقصص والخرافات والأزجال، يصغي للنبض العميق والبعيد ثم يفور ليملأ الجوابي بماء الحكايات والوقائع والأحداث، يملأ الجوابي بالذكريات، بمعاناة الطفولة وقساوة الحياة، يملؤها بالأحزان والمسرات ويملؤها بالتجارب والخبرات. "خضرا والمجذوب" رحيق عمر، وحلم طفل صار كاتبا فأوفى بالعهد.

ـ عين وجوابي ماء، هذه هي خضرا الركادة.

ـ كاتب وفصول رواية، هذا هو مجذوب خضرا.

وتلك جوابيها، " ماء وحكايات" في انتظار من يطلب الحياة ويروم الارتواء من عين الكتابة.

ـ جابية الأرض والخرافة والتاريخ والواقع.

ـ جابية الأسرة والأهل والأصدقاء والأحبة.

ـ جابية اللقلاق والخطاطيف والفراخ والدلالة والكوال.

ـ جابية الطفولة والفتوة والدراسة والفرح والدهشة والاكتشاف.

ـ جابية الأغوار العميقة للاشعور وللنفس وللروح العامة للثقافة الشعبية.

ـ جابية الهجرة والتيه والضياع وتقاطع الأقدار والمصائر.

ـ جابية التدافع والصراع بين الأصيل والدخيل، وبين الخراف والذئاب، والحمائم والثعالب، والطلح والزيتون.

جابية اللسان الفصيح، واللسان العامي الدارج، والزجل، واللغة الثالثة للصحافة، واللغة الحديثة للأنترنيت.

جوابي ملأى زاخرة وعامرة، لا تشبه أي جابية جارتها، كما لا تشبه كل قطرة ماء في كل جابية أختها.

 جوابي تلقي إليها العين بماء حملها مثلما يلقي إليها الكاتب بدفق عقله ووجدانه.

 وبعد: هذا ما كان بشأن التنويه بعمل الكاتب وتبصرة القراء بأجوائه.

فلننتقل الآن، من خلال المحاور التالية، إلى التفاصيل، آملين أن نغترف من كل جابية ما يطفئ بعض العطش إلى الأدب المغاير والمختلف .

 

1) فاتحة الرهان:

يستفيد السي أحمد ـ أستاذ الجغرافيا الثقافية بإحدى المؤسسات الجامعية بالعاصمة ـ من تعويضات المغادرة الطوعية، فيقرر العودة إلى مسقط رأسه الركادة، المشهورة بالرقصة التي تحمل الإسم نفسه148، وبعين الماء المسماة لالة خضرا، وذلك من أجل ترميم الدار الكبيرة، بيت الوالدين، حفظا لذاكرة العائلة. ومن أجل الدفاع رفقة أصدقاء الطفولة عن مشروع تهيئة العين ومحيطها حفظا لذاكرة المكان ووفاء لموطن الصبا و أحلام الطفولة69.

 لقد تعذر على السي أحمد استرجاع الدار الكبيرة169، فهل سيحالفه النجاح في إعادة الاعتبار للالة خضرا؟ وهل سيجد آذانا صاغية لأحلامه وأيدي ممدودة لتحقيق مشروعه؟

ذلك هو الرهان الصعب لهذه الرواية، رهان الماضي والمستقبل، رهان السي أحمد الإنسان وعين الركادة المكان.

وهو في الآن نفسه، درس بليغ في ارتباط المثقف بمحيطه، ومساهمته في تنمية منطقته.

 

2) الركادة المكان:

يعرف السي أحمد أستاذ الجغرافيا الثقافية بأن المكان لا يغادر مكانه، فعين الركادة كانت هنا قبل أن يوجد أو يولد، عين ماء وجوابي، استراحت حولها قوافل السيارين ثم واصلت رحلاتها بين شرق وغرب. وفوق المكان عاش ناس وماتوا، ومنه مر آخرون في أسفارهم التي لا تنتهي، وبه حط غيرهم الرحال، وبنوا أعشاشهم، وفرخوا البنين والبنات، واللقالق والخطاطيف والخرافات، والعين في مكانها تفور و تغور على إيقاع فريد ينظمه الجدب و الخصب الذي قدر للفصول.

يعرف أستاذ الجغرافيا الثقافية من خلال الدراسات والأبحاث التي قاده اهتمامه بتاريخ الركادة إلى تقليب أوراقها بأن العين المسماة "لالة خضرا" تعد عند كثيرين أثرا من الآثار الرومانية، الدليل على ذلك عندهم أن أحجارها وضعت على شكل الكتل الصخرية التي كان يستعملها الرومان في حصر الماء114، هذا ما يقوله ِكتاب "مغرب الرومان" 115.

كما يعرف من خلال ما خلفه الرحالة والمدونون بأن شعائر المسيحية أقيمت هناك، الدليل على ذلك أن الراهب " غراسلي" قس بركان، وَجَدَ بالركادة قطعة رخام مزخرفة بصليب منقوش يبدو أنه كان لمعبد مسيحي يعود إلى القرن الرابع أو الخامس عشر.

أما اليقين الذي لا يحتاج عنده إلى إخباريين ومدونين ورحالة، فهو أن العين كانت هنا قبل الرومان، في المكان نفسه الذي هي فيه الآن، بين مدينتي أحفير وأبركان، وعلى بعد عشرة كلومترات فقط من هذه الأخيرة114.

(عين ماء وجوابي وبضع صفصافات على حاشية الطريق المتجهة إلى وجدة).

وقد كان عهد بين ذاك وهذا الماثل الآن للعيان، شهد السي أحمد نهايته أو سمع بأحداثها وأخبارها من معاصريه ومجايليه، حيث عمد المستعمر الغاشم إلى قصبة مولاي اسماعيل فهدمها وحط محلها ثكنته وضيعة معمريه12، ولم تكن له من حسنة في ما عمل بالبلاد والعباد غير إعادة بناء بئر العين وساقيتها وبناء نواة للتعليم الابتدائي، منها تخرج الصبي أحمد وأقرانه الذين سيتقاسم معهم الهم والحلم50. أما الضيعة فستؤول إلى " المهندس بنعيسى " كما آلت شبيهاتها إلى أشباهه من سماسرة الوقت و العَرَق12. وأما العين وجوابيها، فستكون على مرمى مخلب وناب، من مخالب وأنياب الكواسر والضواري التي لا تعترف بتاريخ ولا بأحلام 66.

و بين الرومان والاستعمار أنشأت الذاكرة الشعبية للعين تاريخا موازيا واسما رمزيا وحكاية تتناقلها الأجيال، مثلما أنشأت لغير هذا المكان على طول البلاد وعرضها أسماء وتواريخ وحكايات.

فكما نشأت هنا وهناك، قصة لالة ميمونة وسيدي عبد الجليل الطيار( نواحي القنيطرة) أو لالة عيشة البحرية و مولاي بوشعيب الرداد ( نواحي الجديدة)، فقد نشأت حول العين قصة لالة خضرا والقايد دحمان. ولعل الخيال الشعبي قد نسج هذه القصص حول بعض من الحقيقة ثم أَسْطَرَها في الفترة نفسها من الزمان، فحظيت الكثير من الأمكنة المرهوبة أو المرغوبة بنصيبها من الخرافة، وكان للعين نصيب منها، ونصيب آخر وافر من خيال مؤلف الرواية.

تقول الخرافة إذن إن المكان ذاك المسمى الآن بالركادة، كان يخضع لنفوذ قائد همام هو القايد دحمان، وبأن الفارس الرصين الحكيم كانت له زوجة تفوقه صلاحا وعفة وتقوى. فلما لم يرزق منها بالولد ولم تشأ هي حرمانه من العقب، دفعته دفعا إلى الزواج بغيرها على أن يخصص لها في منطقة نفوذه وسلطانه ربعا تأوي إليه لعبادة ربها، ويخصها بمن يخدمها، وكذلك كان.

اشتهرت المرأة في خلوتها تلك بالزهد وفراغ القلب من هم الدنيا، وكانت غوثا للملهوفين من فقراء ومساكين وأبناء سبيل، ومرسى لشكاوى المظلومين والمحرومين، حتى حصل أن تاه ثور عن القطيع الذي كان يحرسه رابح ابن خادمها العبد ميمون، فتعقب العبد وابنه أثر الثور فقادهما إلى أروع وأعجب خبر زفه ميمون على عجل إلى مولاته خضرا، لقد قادهما الأثر إلى اكتشاف " عين ماء"105.

هكذا ظهرت العين واشتهرت باسم صاحبة الربع المرأة الصالحة لالة خضرا، وصار الربع رباطا تحلق حوله الأتباع يتبركون بكرامات الولية ويلهجون في الآفاق بفضلها. غير أن الحساد والوشاة لا يتركون بهجة إلا نغصوها، ولا ربعا إلا دكوه وردموه، وذلك ما حصل لرباط المرأة الصالحة ، فقد أغري بها سلطان الوقت، فهدم صرحها وخرب ربعها وشتت شمل أتباعها وأتباع القايد دحمان. واختلفت حول مصيرهما الأقاويل، مضيفة المزيد من الغرابة والإبهام على الحكاية، هل أقبرت المرأة، أم جلدت ورجمت حتى زهقت روحها أم ألقي بها في كهف، أم طمرت في حفرة؟ وكيف بات الفارس دحمان ولم يصبح، هل طلعت بروحه السيوف التي تناوشته حين اقتحم الصفوف في معركته ضد جند الطاغية؟ أم ألقي به في كهف، أم داسته حوافر العسف أم ابتلعته مغارة الحتف؟ لكن الذي لا يختلف حوله راويان هو أن لالة خضرا الرقادة والفارس دحمان حيان يرزقان حياة الشهداء والأبرار.

 أما لالة خضرا، فيقول القوَّال إنها عادت إلى رحم الماء لتنشأ فيها النشأة الأخرى، ويقول أن روحها تحولت إلى كل نبتة وإلى كل زهرة وإلى كل طائر يحلق في السماء أو شجرة تظل الأحياء. لقد حلت من وقتها في العين وصارت روحانيتها ومولاتها. وأما الفارس دحمان، فيقول القوَّال بأنه صار لقلاقا ، وبنى عشه فوق الصنوبرة القريبة من العين لكي تكون المحبوبة على الدوام على مرمى القلب والنظر. إنهما، يقول الرواة، حَيَّان. الروحانيةُ تتخلق حورية من أبهى وأجمل الحوريات، ترقد فيغور الماء، و تفيق فيفور، ويعم الخير والنعيم، وتبتسم شقائق النعمان لرقص البنات وأزجال الفتيان. وكثيرا ما كانت ترقد،، فسميت لذلك الرقادة، الرقادة لالة خضرا148. الركادة المكان.

وهو، " الفارس دحمان"، يحط على الصنوبرة الوحيدة القريبة من مائها ويرقب إطلالتها حين تفيق، أو يحرس إغفاءتها وهي تنام، في انتظار أن يأتي الفتى المختار ويكتب ملحمة العاشقين. فتلك العين " عين بلارج "التي كان يرقب بها الفارس إطلالة معشوقته، هي، وفي الآن نفسه، عين السي أحمد بطل الرواية 70 وعين الفارس دحمان بطل الخرافة؛ وهل من شك في أن السي أحمد هو نفسه "دحمان "؟، ما أقرب الاسمين إلى بعضهما وما أشبه البطلين الواحد منهما بالآخرفي التتيم والهيام، فكلاهما عاشق موله بالمحبوبة نفسها. وهل من شك أيضا في أن رواية اليوم هي نفسها خرافة العين؟.( انظر التنويه على الهامش).

لقد بذل الكاتب مجهودا معتبرا في البحث والتقصي والتنقيب، واستطاع باقتدار كبير أن يموضع المكان، "عين الركادة" في التاريخ، من خلال الآثار والوثائق وأخبار الرحالة والمدونين. وفي الذاكرة الشعبية، من خلال الحكاية والأهازيج والأزجال. وفي الواقع الراهن، من خلال ما آلت إليه جراء تكالب أطماع السماسرة على مائها وتفريط المعنيين بشأنها في قيمتها، حتى صارت مجرد صفصافات وجوابي وكومة أحجارعلى قارعة طريق41، لا يلقي عليها منه المارون غير نظرات الإشفاق.

تاريخ موثق، وخرافة محكية، وراهن شاخص للعيان، هكذا يستعيد الروائي مسقط الرأس باقتدار كبير. وكذلك سيفعل، وباقتدار أكبر، حين سيموضع المكان الحبيب في الوجدان.

 

 3) أحمد الإنسان:

بالركادة إذن ولد الفتى، وبها عاش طفولة كماء النبع الشفيف، زاخرة بالمعنى، مثله في ذلك مثل أقرانه من الصبية والصبايا، بين الأخوال والأعمام والجيران الذين محضوهم المحبة وأحاطوهم بالرعاية والعناية على قدر ما يستطيعه من كانوا في مستواهم الاجتماعي ذاك.

سبح الفتى في ماء العين كبقية الصبيان، وتسقط أخبار "حنا الدلالة"، وتعقب حلقات الكوال48 وساجله في خاطره وردد أزجاله. لم تختلف طفولته عن طفولتهم في شيء، فقد أكلوا الطعام نفسه، وآووا إلى البيوت نفسها، وارتادوا القسم نفسه من المدرسة تلك التي بنى نواتها الاستعمار. غير أن الفتى الصغير فاز من بينهم بلقب سيسكن قلبه ويرافقه العمر كله، " بلارج "، هكذا سماه معلم العربية29، "بلارج خضرا"، هكذا سيصير، قبل أن يجمع بين صفتين، " بلارج خضرا " و" مجذوب خضرا، " بلارج ومجذوب17، جناح هيمان بالنبع، يحط على الصنوبرة، ويترقب من هناك إطلالة المحبوبة روحانية الماء.

كان الفتى أيضا متميزا في دراسته، متميزا في إتقانه للفرنسية ومتميزا في محبته لأقرانه ودفاعه عن الحق، لذلك سينتصر للكوال حين تعرض الأخير للاعتداء131، مثلما سينتصر لحنا الدلالة حين تعرضت للقيل والقال86.

ستكون الطفولة هي اللوح الذي سيُرسم عليه مستقبل الصبي و تُكتب عليه مقادير الرجل.

في تلك الطفولة ستستحوذ عليه الروحانية وتعمده بالماء ليكون الفتى المختار الذي ينطق باسمها ويتكلم بلسانها بين الناس.

ولكن قبل ذلك، سيعيش الفتى منعطفات قاسية تترك هي أيضا أثرها في النفس، وتحفر تجاعيدها على الجبين.

فبعد وفاة الأب، ومن أجل أن يتابع دراسته الإعدادية سيغادر دفء الرحم للمرة الثانية، ستصحبه الوالدة إلى وجدة ليعيشا في كنف الأخ الأكبر170، ومن هناك، سيكد الفتى ويجد، ويعض على الصخر بأضراسه ليصنع له طريقا في الحياة، واسما بين الأسماء، سيجوب " بلارج " الآفاق ويحط رحله بالرباط؛ سيجمع حكايته قشة قشة ليبني عشين، واحدا للزوجية والثاني للرواية، وليفرخ حروفا وبنين تقر بهم العين42.

لقد صار الرجل إلى ما صار إليه، أستاذا جامعيا للجغرافيا الثقافية بالعاصمة الرباط، هو الآتي إليها من الركادة. لكن حنينه للعين لم ينقطع، وذكرى الروحانية لم يطلها البلى ولا النسيان، فقد ظل الحنين وظلت الذكرى جمرة تلهب القلب كلما خفق، وتكوي اليد كلما فتحت كتابا أو رفعت قلما.

سيتسقط الرجل الأخبار، ويشبع نظرته من المحبوبة كلما واتته الفرصة لزيارة مسقط الرأس56، وإن كانت الأخبار و النظرات لا تشفي الغليل. فقد اكتفى الرجل لمدة ليست بالقليلة بالقليل. حتى جاءت فاتحة الخير بماء وغيم وموج قَرَّب البعيد، ويسر المعرفة، وسهل التواصل، وفتح العين على ما لم يكن يُرى، و أصبح الإبحار في عالم الأنترنيت طوع البنان49، فاتصل ما انفصل، وأطل الأحباب على الأحباب بالصورة والصوت والكتابة، فنال الرجل حقه من هذا الخير، وصارت أخبار المحبوبة في متناول نقراته على اللوح، فقرأ المدونات، وتتبع الصفحات وتبادل الرسائل مع أصدقاء الطفولة31، وهب لتدارك ما فاته من وفاء بالدين للبلدة وعينها ومائها ولقالقها وصفصافاتها وأهلها وتارخهم وثقافتهم وذاكرتهم؛ ووجد أن ذلك لن يتحقق إلا بمشروع ثقافي وتنموي شامل ومتكامل، فانكب مستفيدا من دراسته الأكاديمية على البحث والتنقيب في تاريخ البلدة والعين، واستعان بابنته خريجة المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية لكي يضعا معا مشروعا لتهيئة العين ومحيطها44؛ كما اتفق مع ثلة من أصدقاء طفولته على تأسيس جمعية لخدمة هذا الغرض. وكان حصوله على المغادرة الطوعية مناسبة ليحزم متاعه، ويضع حاسوبه في حقيبته ويشد الرحال لتجديد العهد مع الروحانية التي سلبت لبه والمكان الذي سحر عقله. إلى هنا تنتهي حكاية السي أحمد أستاذ الجغرافيا الثقافية، ومن هنا تبدأ رواية "خضرا والمجذوب".

 

4) رواية خضرا والمجذوب/ البناء والتأويل:

ذلك هو السي أحمد الإنسان، وتلك هي عين الركادة المكان، والرواية في الأخير تحكي عن ذلك العشق العجيب، والتوله الغريب، والهيام التام الذي قام بين روح امرأة صالحة ظلت بعد موتها تحرس العين والبلدة وأهلها، وتصطفي في كل فترة من الزمان من يكلم الناس باسمها، وبَشَرِيٍّ كان من حظه أن تصطفيه لهذه الفترة مختارا وخليلا فتجذبه إلى عين مائها.

أقول روحانية تتخلق كيف تشاء، فمرة تكون ماء، ومرة لقلاقا ومرة أنثى حسناء فائرة بالرمز والمعنى، ومرة غيمة أو حفنة تراب أو نسمة هواء. وبَشَرِيٍّ يتخلق هو أيضا كيف شيء له، فمرة ريحا لذكرى، ومرة جناحا هيمان بالوسنى، ومرة كوالا، وأخرى زجالا؛ وفي كل الأحوال هو مجذوب ولقلاق يحط بجوار لالة خضرا على أقرب صفصافة من الصفية البهية عين الركادة.

 فما هي التقنيات السردية التي اعتمدها الكاتب في عرض حكاية الروحانية مولاة الركادة26 والبشري المجذوب سيدي أحمد الكوال وبناء عوالمها ورسم مسارات شخوصها؟

في هذه الرواية، تتواتر الأحداث و تتوالى الوقائع وتتطور مسارات الشخوص داخل ثلاث حلقات/ لحظات متمايزة ومتصلة في الآن نفسه.

 (بداية وذروة ونهاية مفتوحة).

4 ـ 1ـ اللحظة الأولى: " حلم التعميد" وتؤرخ لاستحواذ الروحانية على كيان الطفل وعقله ووجدانه19.

4 ـ 2 ـ اللحظة الثانية: " المواجهة والتهديد" وتؤرخ لمواجهة البطل أحمد للغريم الذي جاء ليستولي على ماء العين من أجل تسليعه وبيعه192.

4 ـ 3 ـ اللحظة الثالثة: " الأمل الجديد" وتؤرخ لتعرض السي أحمد لمؤامرة اعتداء حاكها خصوم العين ضده، ونجاته بفضل روحانية الماء وبفضل أحد أصدقائه الذين ترك لهم مهمة حمل مشعل الدفاع عن العين من بعده إن لم تكتب له النجاة204.

وقد كان الكاتب موفقا كل التوفيق حين استعاض في روايته عن الزمن الكرونولوجي ( بداية ـ ذروة ـ نهاية ) بزمن سردي يسمح له باسترجاع الأحداث، واستحضار الحالات، والانعراج بمسارات الشخوص دائما نحو واحدة من الحلقات الثلاث التي تنتظم نسيج الرواية؛ فكانت بدايته من لحظة الذروة ليعود بعدها إلى لحظة البداية، ويختم بالنهاية المفتوحة على الأمل، وهي اللحظات نفسها التي سأحاول استرجاعها معه مؤكدا على أن الرواية مبنية على تصور مسبق وتخطيط محكم لمساراتها، وأن كاتبها صاحب رؤية فنية وجمالية راقية ومتكاملة للعمل الإبداعي.

 

4 ـ 1 ـ 1. اللحظة الأولى: المواجهة والتهديد:

هي لحظة المواجهة مع الغريم الصلف المُعْتَد بماله وسلطته ووجاهة حلفائه، والذي أغراه ماء العين " السائب في ظنه" فقرر أن يحولها إلى عين تذرف الدرهم في جيوبه وحسابات أحبابه.

هي لحظة الذروة.

وسيكون على البطل العاشق أن ينقذ المحبوبة، وأن يفي لها بعهد وميثاق أخذته عليه وهو بعد صبي في غبش الفجر بلا رفيق ولا حبيب ولا حضن دافئ يسكن إليه.

هكذا تبدأ الرواية، ويصور الكاتب مشهدها الأول ببراعة أخاذة.

السي أحمد يقف عند العين أصيلا يبثها لواعجه،، يأسى لحالها ويشكوها حاله ويسترجع معها بعضا مما كان ذات زمان، فجأة يسمع صوتا صاعدا من الأعماق يتصادى مع خواطره، فيحتار، هل رأى طيف صاحبه أم هو صوت الماضي يحوم بجناحه على المكان؟ لكنه في كل الأحوال صوت الكوال يشاركه أشجان اللحظة8. غير أن اللحظة لن تدوم، إذ تقف سيارة بالجوار ينزل منها ( بنحيدة المقاول) ليشرع بعد تقديم نفسه في السخرية من الكوال ومن حال العين10 وفي الإيحاء بالمشروع الذي أعده لإنقاذها.

مشروع ؟ يا للمفارقة. نعم مشروع، هذا ما سيتأكد للسي أحمد بعد هذا اللقاء.

مشروعان إذن يقفان وجها لوجه، مشروعان متضادان، واحد أصيل والثاني دخيل.

مشروع للنهوض بالعين وآخر للاستحواذ على مائها.

مشروع ابن الحال، ومشروع صاحب المال، وغريمان يلتقيان في اللحظة نفسها وفي المكان نفسه، الراعي والذئب.

وليست هذه هي المرة الوحيدة التي سيلتقيان فيها، سيلتقي الغريمان مرة ثانية في مناظرة فكرية واجتماعية بأعلى الجبل196، عندما صعد أحمد لزيارة أخته، واستذكار بعض من أغاني الطفولة وأزجال الخلان حول العين وصبايا العين، بينما صعد (بنحيدة رفقة حليفه وشريكه بنعيسى) لاصطياد الخنزير، فهو مجرد صياد198، لا وقت لديه للثقافة وللشعر والهذر14.

ثم سيلتقيان وقد فرقت بينهما مقادير الأحداث، بنحيدة ليبحث عن طريدة أخرى يغرس فيها أنيابه، ويمتص دمها أو ماءها أو رحيق زهرة عمرها206، وأحمد ليسلم المشعل لخلانه، أهل وعشيرة "خضرا"، معلنا عن وفائه بالعهد الذي نذر له نفسه، وعلى إصراره واستمراره207 في رعاية المحبوبة وحمايتها من خفافيش المال.

أليس هذا هو الرهان الثقافي والفكري والروحي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي الفعلي لهذه الرواية؟؟

رهان الكوال ضد أرباب المال.

رهان المدافعين عن الحضارة والماء والخضرة والنضارة ضد " أصحاب المنشار والشكارة ".

رهان الوفاء ضد الغدر والصدق ضد التزوير والإصلاح ضد الفساد والمفسدين.

ولمن ستؤول الكلمة في الأخير؟

أللحق والصدق والوفاء، أم للجشع والتسلط والتغول والأنانية؟

استراتيجيتان متناقضتان.

استراتيجية الحب ضد استراتيجية النهب.

لذلك كانت لحظة المواجهة تمثل ذروة الأحداث في الرواية، ولذلك ولا شك اختارها المؤلف بداية لسرده.

 

 4 ـ 2 ـ 1. اللحظة الثانية: حلم التعميد:

يمكن القول بدون أدنى مجازفة بأنه لولا هذه اللحظة/ التجربة في حياة أحمد ما كانت لتوجد رواية خضرا والمجذوب ولا بطلها، بل ربما ما كانت لتوجد قبلهما رواية "الجناح الهيمان..."، ولا أزجال "ريحة لبلاد خضرا" ــ علما بأنه حتى ولو كان في البطل شيء من الكاتب، وكان في حياة هذا الأخير شيء من حياة الأول، فليس المؤلف بأي حال من الأحوال هو السي أحمد، وإنما الأخير حامل لبعض من أحلام الأول وأمانيه وأفكاره وتطلعاته واختياراته. إن البطل في النهاية مجرد " صنيعة" للمؤلف، وقد يختار في الآتي من الروايات أبطالا آخرين ــ

أما اللحظة تلك، فهي النواة التي تأسست حولها ذات البطل ورسمت مساره و اهتماماته ودائرة أصدقائه؛ إنها "الواقعة الأم" التي شكلت عقله وعاطفته ووجدانه.

هي إذن، وبكل المقاييس لحظة وواقعة مؤسسة للتجربة الشخصية للبطل. بل أكثر من ذلك هي واقعة/ مرجع، لا يمكنه تجاوزها على وجه الإطلاق. إذ بها سيفسر ويواجه ويرفض أو يتقبل كل ما يعترضه في الحياة من أتراح أو مسرات.

تقول الواقعة ـ التي جئنا على ذكرها سابقا ـ بأنه ذات يوم أخطأت الوالدة موعدها مع التوقيت المدرسي فأيقظت الطفل على غير العادة وأعدته للخروج فجرا، وذاك ما حصل، خرج الطفل ولم يجد في طريقه رفاق الطريق ولا من اعتاد رؤيتهم في مثل ذلك الوقت على الطريق، ولأنه ظن بأنه مسبوق إلى المدرسة، هرول يطلب اللحاق بأصدقائه، فما وجد غير ساحة فارغة وقسم مغلق، ولا سمع غير نقيق الضفادع، وصوت مرور شاحنة أو سيارة19.

طفل وحيد، أمام باب القسم، يعتصره الخوف، جلس عند العتبة، واضعا رأسه بين ركبتيه وليس تمر بذهنه غير صور الغيلان والأشباح التي تجوب الأودية وتملأ العيون، هكذا كانت تقول الخالة حدوهم، طفل وحيد وخائف يستعرض صور الأم والأخت والجارات ورفيقات الدراسة فينام، ينام فيراها، يرى روحانية العين تتقدم نحوه، تهدئ من روعه، تأخذه إلى العين، تغسل وجهه بمائها، تجعله يغطس، ويسبح، ثم تعود به إلى مكانه عند عتبة القسم27، يستيقظ الطفل لاهثا، فإذا بأمه عند رأسه تحنو عليه، وتلوم نفسها على خطئها، وإذا بوالده أيضا يفعل مثل فعلها23.

من يومها يقول أحمد: " ... لم يغادرني قط ليلي ونهاري في صغري وفي كبري ذاك الطيف المحبوب المحفوف بهالته البدرية الموارية بغلالته الكدرية وأفقه الحي الريان بالعين النعسانة وبئرها ومائها الدافق دوما، واقعا وفي عيني... وفي وهمي والخيال23."

من يومها سيصبح الطفل عند نفسه وعند أهله مسكونا بالروحانية30، كما سيصير السي أحمد في ما بعد، مجذوب لالة خضرا17، لا يتحدث إلا عنها ولا يتكلم إلا بها؛ وكلما غارت أو فارت كانت تلك صورة من صور جذبها.

ليس الجذب غير شطح الروحانية ورقصها.

وحين ترقص روح الماء غائرة أو فائرة، يشطح المجذوب ويرقص على إيقاعها.

يرقص زجلا أو قصة أو رواية أو حكاية أو قصة أو وقفة أو سفرا أو راحة أو رحلة. فليست حركة السي أحمد غير استجابة للإيقاع الذي يحدثه جذب الروحانية وشطحها.

* سيقول المحلل النفسي بأن الحلم ذاك لم يكن إلا آلية دفاعية استدعاها العقل الباطن للصبي، لكي تهدئ من مخاوفه وتحميه من محيط عدائي، وتساعده على مواجهة الرعب الصارخ لذلك الفجر.

طفل وحيد، ذاكرته الصغيرة مشحونة بقصص الغيلان وجنيات الأودية وأشباح العيون، هل يستطيع حقا أن ينام ويحلم؟

* سيقول المحلل النفسي بأن النوم لم يطرق أجفان الصبي، وبأن حلمه كان واقعا توهمه، فقد أخذ الفتى يستصرخ أمه وأخته الكبرى لكي تنجداه في ذلك الموقف العسير، فإذا بكل النساء الحانيات الرحيمات يأتينه في صورة لالة خضرا التي ستأخذه من يده إلى العين، وتجعله يستحم في رحمها الآمن22، ثم تعود به بعد التعميد، كما لو أنه ولد من جديد، إلى مقعده الأول من باب القسم. يفتح الطفل عينيه لاهثا فيجد أمه عند رأسه. لقد أصبحت له أُمَّان، أمه البيولوجية الواقعية الفانية التي تسري عليها عوادي الزمن فتشيخ وتموت. وأمه المثال، الروحانية التي لا تشيخ ولا تموت.

* سنتذكر جميعا بأن أمهاتنا حين كنا ونحن صغار نشعر بالخوف من بعض الأشياء في محيطنا " حيوانات أو دمى غريبة" كن يأخذن أيدينا الصغيرة ويضعنها على ظهر تلك الأشياء، ويشرعن في تمريرها بهدوء حتى تطمئن نفوسنا، وتسكن خواطرنا وتزول مخاوفنا. وذلك ما حصل للفتى؛ لقد استحضر عَقْلُه الباطن ذلك الفعل، واستحْضَر أُمَّه الحقيقية في تلك الأم المثال التي أخذته من يده وذهبت به إلى الماء وجعلته يضع يديه عليه ثم يسبح فيه، فاطمأن بعد خوف وهو يحتمي بالرحم الآمن، ويحظى برعاية الأم / الروحانية.

فما أغرب وما أعجب حيل اللاوعي،، لكن كيف نستطيع فهم لغته المشفرة والمكثفة والرامزة؟

ستصبح هذه اللحظة /الواقعة، علامة فارقة في حياة السي أحمد بطل " خضرا والمجذوب " منها المبتدأ وإليها المنتهى. وتلك الأم المثال، تلك الروحانية ستمثل له دائما الملجأ والملاذ، الأم الثانية التي يبثها مواجده وشكواه، ويعود إليها ليستمد العون والطاقة والقوة، سيصبح من العسير عليه، بل ومن المستحيل أن يتخطى أو يتجاوز تلك الواقعة المؤسسة لذاته وكيانه؛ لقد انطبعت في الباطن بحبر لا يمحى ولا يزول، ولن يتمكن الطفل من الخروج من طفولته إلا ليكتبها بلغة الحلم الذي لا يمحى ولا يزول. سيشعر دائما بدين ثقيل نحو الروحانية التي آمنته بعد خوف، وآوته إلى حضنها في لحظة كان فيها وحيدا ومعزولا وضعيفا وعاجزا عن مواجهة رعب الليل.

 ما يشبه هذا التأويل " المختزل" قد يلاقي هوى في الكثير من النفوس وقد يشبع بعض الفضول الخفي ويرضي بعض العقول، ولكنه في كل الأحوال، لا يرى من الرواية غير رأس جبل الجليد الذي يعلو ناتئا فوق السطح، بينما الجبل الفعلي يغوص هناك بعيدا وعميقا في أغوار بحر الحلم الحقيقي والكبير للروائي، أقصد الحلم الروحي الذي يحتاج إلى أدوات أخرى لتفسيره والنفاذ إلى معانيه وفك رموزه.

وأنا أميل شخصيا إلى تفسير آخر مختلف لواقعة الحلم، ولغيرها من وقائع هذه الرواية المتعددة الأبعاد الواسعة الأفق. ولعلني أوفق إلى الصواب حين عرضه بعد الانتهاء من هذا المحور. ولعل شهيتي تنفتح على تأويلات مغايرة لما قدمته في هذه الورقة نفسها، فوحدها الأعمال المركبة تسمح بهذا النوع من القراءات المتعددة للواقعة الواحدة.

 

4 ـ 3 ـ 1. اللحظة الثالثة: الأمل الجديد:

والآن ستكمل الحياة دورتها ويغلق السرد حلقاته الثلاث.

إن عمرا كاملا من الزمان كنهار واحد من اليوم، لكل منهما فجر يبدأ به، وأصيل إليه ينتهي حين يشرف على المغيب.

هكذا تشرف الحكاية على أصيلها قبل أن تنتهي، وكذلك حياة البطل.

لقد بذل السي أحمد كل ما في وسعه وطاقته وثقافته ليرد بعض الدين المستحق لروحانية الركادة التي عمدته بماء العين ذلك الفجر ووهبته حلم حياة أخرى، مختلفة ومغايرة.

لقد استعان بعلمه ومعرفته لإعادة كتابة تاريخ العين.

واستعان بدراسة ابنته البتول لوضع تصاميم لتهيئة مجالها وتأهيلها لتواكب ركب التطور والتقدم.

واستعان بخبرة وعشق خلانه للعين لتأسيس جمعية تلتف حول المشروع وتدافع عنه.

ودَوَّنَ كل الوقائع والأحداث على حاسوبه وحملها في مفتاح لا يبارح جيبه كتعويذة تحرسه من المخاطر.

فهل يمكن أن يساور الروحانية الآن شك في مدى وفائه وإخلاصه؟

هل يمكن أن يساورها شك في استجابته هو بالذات لنداء الفجر الذي كان حُلْمُه عهداً بينهما على الوفاء والإخلاص؟

أليست هي التي همست في أذنه ذلك الفجر: " حبيبي اطمئن، حبيبي، أنا معك وإن غبت، كن رجلا، كن فارسا أكن حورية أحلامك22.."؟

ألم يحاول طوال حياته أن يكون رجلا، وشهما ونبيلا، وفارسا؟ فهل ستفي له بوعدها،هل ستبقى دائما حورية أحلامه؟

أم تراها تعبت من الإهمال والجحود، ومن أحياء لا يسمعون النداء؟؟

أما هو، فلن تتعب منه، لن تتعب منه ولن يتعب منها إلا كما يتعب التراب من الماء، كلما ارتوى ربا و أنبت من كل قول بهيج، وكلما عطش جف طينه وتيبس زهر الكلام في حلقه، وبح صوته وضاع النداء.

وها هو في هذا الأصيل الأخير من الحكاية يقف عند رأسها ـ في انتظار صديق ضرب له عندها موعدا ـ كما وقف مرات ومرات يشكوها همه ويبثها شكواه، غافلا عما يتربص به من أخطار. فما كان السي بنعيسى ليغفر له فشل مشروع صديقه بنحيدة في استغلال ماء العين، خاصة وأنه محاط بنساء ورجال دواوير "ميكا" التي أنشأها حول ضيعته وعاء للأصوات الانتخابية التي تقلده كرسي الوجاهة ويدا ضاربة ونابا ومخلبا ينتقم بهما ممن يعاكس طموحاته ولا يأتمر بأمره14.

 ها هو يقف عند رأس العين يناجي لالة خضرا الروحانية، وهاهي امرأة غريبة تتقدم نحوه مسلحة بظهر سلحفاة، فتكيل له من الشتائم ما طالته وقاحتها ورطانة لسانها الأعجم عن أبناء المنطقة204، وتأمره بالرحيل عن مائها وبلدتها وعينها، هي التي لا تتقن حتى الكلام بلهجة أهلها. وقبل أن يستفيق السي أحمد من تساؤلاته ومن دهشته تصيبه في الصدغ بسلاحها فيسقط مغشيا عليه عند حافة العين205،، يرى نفسه يغرق، وبين الغيبوبة والصحو يدرك بأن الروحانية مولاة العين تعلو به فوق غيبوبة الماء ليتنفس الهواء المنعش للحواس،ويشم رائحة المحبوبة التي كانت في الموعد لإنقاذه، في الآن نفسه الذي يتداركه فيه الصديق الذي جاء هو أيضا في الموعد، فيسنده، ويهمس في أذنه أن يتمالك نفسه ويبشره بأن طلبهم إلى وزارة الثقافة من أجل العناية بالعين قد قبل، وأن بنحيدة المقاول لاشك راحل، وحليفه المحلي بنعيسى المهندس لم يعد له من الأمر شيء206.

حينها يعرف السي أحمد بأن حلقة سره قد انكسرت، وأن الرسالة لا بد أن تنقل إلى الخلف ليطلعوا بدورهم بواجب الوفاء بالعهد للمكان، فيطلب من صاحبه أن يسحب من جيبه المفتاح الذي حَمَّله كل ما كان من وقائع وأحداث من فجر الحلم الذي عمد فيه بالماء إلى هذا الأصيل الذي اكتملت فيه حلقات السرد207.

 

5) الروحانيون: ألسنة المكان وخدامه:

سأباشر هنا تقديم بعض من تفسيري الوجيز لحلم الفجر، ذلك الحلم الذي شكل شخصية البطل ومسار حياته وجملة الوقائع والأحداث التي أخرجها المؤلف للناس تحت مسمى" خضرا والمجذوب " .

لقد استطاع المؤلف فعلا أن يغوص بنا في عالم مغاير ومختلف، قلما تتيح الكثير من الأعمال الأدبية فرصة الالتفات إليه، عالم تتجسد فيه روح العين في صورة أنثى وينطق فيه المكان بلسان الكوال.

إنه لغريب حقا أن يكون المكان أكثر حفظا للعهد وللذاكرة من الإنسان. وإنه لغريب أكثر من ذلك أن يعيش الناس في أمكنة دون أن ينصتوا لنبض قلوبها أو يسمعوا نداءاتها في الغدو والرواح، كأنهم أحياء بلا أرواح. والأغرب من هذا وذاك أن يكلم المكان الإنسان فلا يفهم الأخير لغته،لأن الإنسان لا يمتلك معرفة بتاريخ ولا بثقافة المكان، فبالأحرى أن يفهم لغته.

أزعم إذن بأن العمل الإبداعي الأخير للدكتور عبد المالك المومني " خضرا والمجذوب " ليس تقليديا بالمرة، بل وهو فريد في بابه، لأن الكاتب يضعنا مباشرة في صلب العالم الروحاني الذي قلما نجد من يفك أسراره ويتوغل في تضاريسه بدون احتراس كبير.

عالم لا يجدر بأحد أن يستخف به أو يحمله على محمل التوهمات.

فبعض الأمكنة تمتلك أرواحا قادرة على اختراق الأزمنة كما تمتلك قدرة رهيبة على الجذب وعلى الاستحواذ على النفوس والتأثير فيها، مثلما هو الشأن في بعض العيون والآبار والمغارات والقنن والخلجان، ولولا ذلك ما حج إليها الزهاد ولا النساك ولا حط بها المرابطون رحلهم، أو بنى بها المجاهدون الرباطات والزوايا.

والأماكن الشريفة من بين هذه الأماكن كلها، لا يقع انتقاؤها ولا اصطفاؤها إلا للأبرار والروحانيين من ذوي الهمة الشريفة والقلوب الطاهرة. أولئك الذين غلب صفاؤهم الروحي صفاتهم وطباعهم البشرية فصارت أنفسهم لطيفة وحواسهم رهيفة حتى تكشفت لبصائرهم الدقائق والحقائق المتخفية وراء الحجب الكثيفة للماديات. إنهم خيار الناس وأفاضلهم. ولعل الفتى المختار في الحلم أن يكون واحدا منهم. ولعل العين المعروفة بلالة خضرا أن تكون واحدا من تلك الأمكنة التي اتخذت لها من الناس ألسنة وخداما ينطقون بحالها، فكان لها الحداة والرعاة والمجاذيب والسياحون والحكاؤون. وقد اصطفت لها بعدهم الكوال فتكلم بلسان النظم، ثم اصطفت لها من بين الأخيار السي أحمد، وهو بعد غلام، فأوقف عمره وأهله وأصحابه وثقافته ومعرفته ودراسة ابنته وعلمها على خدمتها أحسن ما تكون الخدمة، كما أوقف لسانه وقلمه وكتابته على الكلام باسمها. وقد تصطفي في القادم من الأزمان أصفياء آخرين يجيدون الإصغاء ويلبون النداء ويقومون بالخدمة أحسن قيام، وقد يكون من بينهم ابن السي أحمد أو حفيده أو ابن واحد من خلانه أو حفيده، في حلقات متواصلة لا تنتهي مادامت العين تغور وتفور بحسب ما قدر لها في هذه الحياة41.

إن ذاكرة المكان أقوى من ذاكرة الإنسان، ولسانه أفصح من ألسنة الناس، وهو يحمل على ظهره من آثار التاريخ أكثر مما تستطيع ذاكرة الإنسان أن تحمله أو تحفظه أو تستوعبه. وثقافة المكان أوسع وأشمل من ثقافة الإنسان، هذا هو الدرس الذي أتاحت لنا رواية الدكتور عبد المالك المومني استخلاصه من حكاية المجذوب سيدي أحمد الكوال، وما جرى له مع روحانية الماء، لالة خضرا مولاة الركادة.

 

6) خاتمة البيان:

وبعد، فقد ساد بين الناس أن المثقفين، والأدباء منهم خاصة، كالروائيين والقصاصين والشعراء، قوم يقتاتون على الأحلام، ويبيضون الأوهام، ويفرخون السراب، وهي فكرة ولاشك دفع بها إلى التداول بعض الساسة الذين يعملون على تتفيه الثقافة14، وتبخيس دورها بهدف إقصائها من المشاركة بالرأي والتصور والاقتراح في تدبير شأننا وفضائنا العام. ورواية الدكتور عبد المالك المومني " خضرا والمجذوب " من تلك الأعمال التي تفند هذه الدعوى المُزَيِّفَة للوعي، وتؤكد على أن المثقف منخرط في قضايا مجتمعه41، ووفي لأهله بقدر ما هو منفتح على عصره، وقادر على المساهمة بالفكرة الصائبة في التنمية المستقبلية لبلدته ومنطقته وجهته ووطنه، وذلك ما لا يستطيعه الكثير من الساسة الذين أوكلَ إليهم اقتراعُ الناس تمثيلهم وتدبير شأنهم ومجالهم العام ... فالتصور الجمالي للوجود وللحياة وللمكان الذي يحيا فيه الإنسان لا يمكن أن يأتي إلا من الثقافة.

والكاتب المبدع، والمثقف الأصيل الدكتور عبد المالك المومني روائي بعيد الرؤيا وعميق الغور، يستشرف الآتي ببصيرة الحكماء،و يعتبر الكتابة رافعة للتنمية الاجتماعية ووسيلة لحفظ ذاكرة المكان وكرامة الإنسان؛ وتلك هي الغاية التي من أجلها كتبت " خضرا والمجذوب" والله الموفق للصواب.

 

 

الهوامش

 أ) ـ الأرقام في متن القراءة تحيل على صفحات الرواية.

ب) ـ تنويه خاص:

سيدرك القارئ الفطن، والملم بتفاصيل هذا العمل الشيق، بأن بطل الرواية السي أحمد المسمى بلارج خضرا ومجذوب خضرا، ليس في النهاية إلا الفارس دحمان. الذي تقول الخرافة بأنه تحول بعد "حَرْكَة" سلطان الوقت، وردمه للرباط وقتله للالة خضرا، إلى لقلاق مرابط في المكان الذي ضم محبوبته، فبنى عشه على الصنوبرة الوحيدة القريبة من العين لكي تبقى قرة العين على مرمى القلب والنظر.

ذلك اللقلاق هو الذي تلبس الفتى.

وتلك الروحانية هي التي سكنت كتابته.

وكانت تلك فرصتهما الوحيدة للقاء بعد أن حال الزمان دونهما ودون امتلاك جسدين بشريين. هما اللذان لم يرزقا بابن، سيكون هذا الفتى المختار ابنهما بالتبني.

لقلاق وروحانية، زوجان فرقت بينهما الخرافة وجمعت بينهما الرواية، ورزقتهما بعد الموت أعز ما يطلب، حين ساقت إليهما ذاك الفجر، طفلا وحيدا، وكانا وحيدين، هي في الماء، وهو فوق الصنوبرة، ألا يكفي هذا لإغرائهما بتبنيه.

لقد سلبا لبه وأخذا روحه.

ولعل نصيب الفارس دحمان من روح الصبي أن يكون أكبر من نصيب الروحانية، لأن الفتى كان دائما يرى بعين بلارج؛ هذا ما أفضى به إلى خلانه ذات سمر. كانت رغبته أن يطل على الأحداث بعين بلارج ويكتبها بعين بلارج، وهل تلك العين غير عين الفارس دحمان.

ألا تكون الرواية في الأخير، إشارة قوية وواضحة، تبادلها ـ من وراء الحواجز المادية للزمان ـ بعد موتهما بزمان، زوجان متيمان، وقد اشتد بهما الحنين لربعهما الأول، مثلما اشتد الحنين بالبطل السي أحمد إلى مسقط رأسه؟ بل ربما أنهما قد وجدا فيه لسان حالهما، مثلما وجد فيهما لسان حاله، في تبادل عجيب للأدوار بين بطل الرواية وأبطال الخرافة. وحين همست الروحانية قائلة للصبي: " حبيبي اطمئن، حبيبي، أنا معك وإن غبت، كن رجلا، كن فارسا أكن حورية أحلامك.."؟ أكانت تُطمئِن الصبي الخائف أم كانت تخاطب الرجل الذي سيصيره أحمد؟ أم تراها كانت تناجي دحمان فارسها الذي هام بها عشقا في الزمن الأول؟ حقا، فالأرواح في النهاية جنود مجندة، كل روح تتعرف على أختها مهما اختلفت الحقب، وكل روح تحن إلى إلفها كما يحن اللقلاق إلى عشه فوق الصنوبرة. " فَعُشْ فْ خَربَة،أصاحبي، ولا عيشة الغربة" هكذا قال السي أحمد وهو يناجي اللقلاق، ولعله أضاف، " ما أقسى غربة الروح يا صاحبي"، ووحدها الأرواح قد فهمت نجواه.

ج) ـ قائمة بشخوص الرواية مرتبة زمنيا وفقا لأطوار حياة السي أحمد:

  1) الأسرة و الأقارب:

(شركاء الرحم والدم والنسب)

ـ أبو زهرة وأم زهرة: على التوالي أب وأم السي أحمد

ـ زهرة: أخته، ستتزوج بالسي محمد المراقب الغابوي وتسكن جبل آلمو.

ـ حورية ، البتول، يونس، منى: زوجة وأبناء السي أحمد.

ـ حدوهم: عمة أحمد ومرضعته، وأم زينب و الشريف.

 2) شخوص تركوا بصمتهم على صفحة الوجدان:

ـ لالة خضرامولاة الركادة: روحانية العين.

ـ عبد الرحمان الكوال: درويش عابر للزمن يقيم حلقات للتغنى بلالة خضرا.

ـ حنا الدلالة: قابلة وعطارة وحكاءة جوالة بين الدور والدواوير.

ـ السي عمر: معلم العربية، حارس اللغة والوطنية.

ـ السي يوسف: معلم الفرنسية راعي التميز عند الطفل وحارس التاريخ.

ـ جندي فرنسي: دعم وَلَعَ أحمد بالقراءة والكتاب.

 3) الأقران:

( شركاء أحمد في حليب الصبا و مقاعد الدراسة الأولى)

 ـ الشريف، زينب، خيرة، قويدر، بوخريص.

 4) الخلان:

( شركاء أحمد في مشروع تهيئة العين)

ـ جمال، عبد الكريم، عبد الله، عبد المجيد، قويدر، زينب: وهم موظفون أو أساتذة أومهاجرون.

 5) العاطفون:

ـ العمة الغالية: صديقة والدة أحمد وأم عبد المجيد( تحسب لها مساهمتها بقطعة أرض من أجل تهيئة العين).

ـ البتول بنت أحمد: يحسب لها وضع تصاميم التهيئة.

 6) الغرماء:

(خصوم الركادة وأبنائها)

 ـ بنعيسى: مهندس آلت إليه ضيعة المعمر مورلو، وعضو دائم في المجلس البلدي للركادة.

ـ حمو بنحيدة: مقاول ، صديق بنعيسى، وصاحب مشروع تصنيع ماء العين وتسويقه بالداخل والخارج.

د) تراجم:

ـ الراهب غراسلي: ورد ذكره في الصفحة 115 من الرواية، رجل دين فرنسي مزداد في الثالث شتنبر م1899، عين لمصلحة الإدارة الاستعمارية قسا لكنيسة أبركان حيث سيقضي 22 سنة ، اشتهر بكونه شاعرا وفنانا، وله تصانيف ومؤلفات، توفي سنة 2000م

ـ الزجال اليعقوبي: ورد ذكره في الصفحة 189 من الرواية، المقصود، أحمد اليعقوبي فارس النظم وسليل مشيخة الزجل بمدينة أبركان، من مؤلفاته: "القصبة والطير" و "رياح النور" .

:louis chatlainـ كتاب مغرب الرومان لمؤلفه

ورد ذكره في الصفحة 114 من الرواية، هو كتاب في تاريخ المغرب في عهد الاحتلال الروماني، وأهم المواقع الرومانية التي مر بها المؤلف، ومن بينها عين الركادة.

ه) فائدة:

للمزيد من المعلومات عن تاريخ الركادة، يرجى الرجوع إلى الكتاب الذي نشره مؤخرا الأستاذ عبد الله الزغلي عن هذه البلدة، تحت عنوان " عين الركادة القصبة والتأسيس" . والأستاذ عبد الله الزغلي واحد من الخلان المذكورين في هذه الرواية والمعنيين بوقائعها وأحداثها.ولعل في مساهمته هذه ما يضيء عناصر كثيرة في " خضرا والمجذوب"، ويضيف إلى "خزانة" المكان لبنة جديدة تصون ذاكرته.

 

و) الكاتب صاحب الرواية: عبد المالك المومني، من مواليد الركادة.

ـ أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل ـ كلية الآداب ـ شعبة اللغة العربية وآدابها ـ القنيطرة ، المغرب.

ـ ديبلوم الدراسات العليا في موضوع شعر السجن في المشرق العربي من البعثة إلى القرن الثالث الهجري.

* دكتوراة دولة في موضوع روميات أبي فراس الحمداني والتجربة الإنسانية. نشرت تحت عنوان "التجربة الإنسانية في روميات أبي فراس الحمداني"، عن دار الكتب العلمية، بيروت 2010م

* رواية الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان، دار عكاظ للنشر1996م

* ريحة البلاد خضرا: ديوان زجل، الرباط نت، 2011م

* خضرا والمجذوب: رواية ، دار النشر كلمات،2015م

 

جمال الدين حريفي

كاتب من المغرب، صدر له:

ـ حقول الظلام/ رواية.1997

ـ وقائع الليل والنهار/ رواية 1998

ـ فرخة الجنة / رواية 2000

ـ باب الطالب / زجل 2005

ـ بيت الأوهام / قصص 2015

ـ وردة الخادمة، العائد، الجذار السحري/ مسرحيات تربوية (بالاشتراك) 2015

ـ فاكهة الحكي / قراءات أدبية 2015

 

 

 

تبقى الشاعرة ذكرى لعيبي في الآن ولا تنسى الآوان

wejdan abdulazizتوا غادرت حديقة هادئة شاكسني فيها رذاذ نافورة ما انفكت حبيبتها المائية تتبعثر على وجهي، حتى انتعشت أوصالي، فابتعدت قليلا عنها، عندها تذكرت (مساء الأماني) والـ(ياسمين)وانفعلت قليلا، وسمعت صوتي الهامس (أريد حبا)، غير أني تذكرت (في قمة الخوف) أن (اترك قلبي) ، وكانت هذه الكلمات ألحانا انسابت كرذاذ النافورة في ذاكرتي فكانت للشاعرة ذكرى لعيبي، جعلتني في تلك الليلة أتجول في حدائق شعرها وغيوم همومها، وبرغم هذه الغيوم الحزينة كانت فلسفتها تقوم على الرؤية المستقبلية، لأنها مؤمنة يقينا بالغد الذي، قد يكشف عورة الزمن وهي تردد:

            (مسكونة بالغد

                 ساكنة فيه

            أتضور حبا إليه)

هكذا هي مسكونة بوجع التطلع إلى وطن يسكنها، لتسكن في الغد، وكأنها الحبيبة المتلهفة لدفء اللقاء وهي بأجمل حلة هامسة :

              (وعند مساء ألاماني

                 أوزع ضوئي على كرب النخل)

           (حتى إذا كان خبز الشهيد عشائي)

           احطب عمري وأشعله في براري الدموع)

          (وفي قمة الخوف اترك قلبي)

كي     (أنت تحطبني كالندى

              وتشعل بي قدرك المرتجى

          وتنسى بان الفراغ وان الحصى هما زادك اليوم

                              وزاد غدي)

وهكذا تعلق الشاعرة نصوصها الشعرية في الأذهان وتغيب، ليكون الحضور للمتلقي أو القاريء الذي يبقى يبحث في مظانها عن الحقيقة يقول شتراوس : (إن الحقيقة الخالصة ليست أبدا هي الأكثر ظهورا، وطبيعة الحقيقة مبرهنة فيما توليه من عناية لإخفاء نفسها) 1 أي يبقى النص حضور معلق مع غياب معانيه التي تبدأ بالتحرك والظهور اعتمادا على عدة المتلقي في التحليل والبحث في سبل استرداد المعنى تقول الشاعرة :

              (عند أسوار سومر

                    ندعو النوارس

                  ونرجس أهل الشمال

                  وبرحي الجنوب

                    وفي عنق الحب

                     طوقا نعلق من ياسمين)

وهنا يبرز تمسكها بالغد لأنها من سومر السلالة الأولى في مسيرة البشرية والتي علمت كل الحضارات العالمية على استعمال نغم الحياة ومسيرة الكفاح، فمن (انطلاق النوارس / حمائم صدري / الجمان / الخواطر / خبز النذور، نوزعه / نحلق غب المغيب / ونفتح بوابة العشق لعشتار)، إذن هي انفعالات بين إرهاصات النفس الذاتية إلى الإرهاصات الموضوعية، فمن تفاصيل الجمالات الأنثوية، تلك الجمالات العصية، حتى تصل إلى بوابة العشق رامزة للخصوبة بعشتار وتموز اله الخير ومثلما رسمت خارطة الجسد قابلتها خارطة الوطن من نرجس أهل الشمال إلى برحي أهل الجنوب .. حيث ظل المعنى معلق في شموخ النخلة واستقرارها متربعة على الغرض، وإذا ما بحثنا في المعاني الاخر وجدنا الشاعرة تكرر (اربد حبا .. / أريد حبا / يفقه معنى الصمت)، فالغد المسكونة الساكنة فيه حصيلته النهائية دالة الحب واكتمال النرجس بالبرحي، ثم المكوث في محراب الشعر وهي تتلو :

         (أريد حبا

               كتلاوة خوف القديس

            إذ حط فوق جدار الصفح مرتجفا)

وهي حالة تمسك بكلا الجانبين المكان والزمان والأشياء السابحة في فضائهما وبلغة الروح والقرب تقول :

                   (أريد حبا

                     متفرع كالزيزفون

                    في أنين الوقت

                         يتسلق أوردتي

                          نبضا تختزله

                   سنوات الألف تيه)

وبين الحب في المعبد والحب الذي تختزله سنوات الألف تيه، تحققت وحدة الزمكانية في هموم الشاعرة التي تعيش غربة داخلية حقيقية، كلما ظمأت، فهي تريد حبا يتقصى دواخلها برشفة ضوء، هذا الحب الذي تتمثله، حتى تخر مغشية عليها، لذا تردد : (حين يرتمي سره بي)، تقابله بترديد (أريد حبا)، لتؤكد بحثها عن نقاء هذا الحب، وتضع نفسها في دائرته المغلقة تقول :

              (أريد حبا ..

                   يأخذني مني الي

                   ومنه إلي

                 ومني إليه

                           أنا)

وهي        (توميء للعاشقين

                   أن افترشوا الجرح

                   مروا على مركب الدهر

                  ثمة عصفورة تتهجى النهار)

فهي مسكونة بالحب المترسخ في المكان وعبر مركب الدهر .. تنتظر المنقذ وهي تتهجى النهار وتتصاعد حالة التصوف في دواخلها العاشقة للحياة والبقاء وهي تستعير شموخ النخلة ونقاء الروح من ادرأن النفس وتكون قلبا وقالبا باتجاه القرب من الملاذات الملائكية صعودا نحو التألق، وهكذا يكون الشعر سفينة تتنقل فيها الشاعرة بين حدائق المعاني .. وهي تتكتم على أسرارها لتقول :

          (هذه لغتي

              عسل مالح يلمس القلب

               ضوء

                    عتب وندب !

                           ساعة)

وتظل تعزف لحنا حزينا على مركب الزمن المتصاعد كـ(جراح تئن بصمت) أو (كذاكرة للفرات الأمين)، ولكن الشاعرة ذكرى لعيبي تلجمها في لحظات الالق، لتظل عاشقة، يتمزقها عشقها بين المقدس الخانق وبين الماء العذب الزلال الذي هو كناية عن ذكريات الطفولة والشباب في أحضان الوطن فهي تردد :

            (في لحظة الالق الصافي

                 جنان

                   وماء زلال عذب

                    تمرها طيب وزيتونها تين

                       عصافيرها خمرة

                       إن سقتها البلابل لحظة شوق

                       بماء الرضاب تداعي الغياب)

ثم تزداد توترا بين ارض الوطن ووطن الإقامة الأمارات الحبيبة وهي تحاول خلق حاضنة إنسانية للكون بدل حواضن الحرمان والطمع والغدر وأنانية الاحتواء بتساؤلها المتصاعد :

                ( هل ..

                  نتقاسم خبز إقامتنا

                       في هذا الكون)

لكنها تهدأ في مملكة الكتابة ويغمرها نور مملكة الزهد، وهكذا حملت الشاعرة ذكرى لعيبي وجع امرأة سومرية، وجع القيود التي أدمت معصمها (مذ بزغت كأميرة سومر فوق النجم) حتى صارت (سيدة ألحكي)، لأنها(عرابة هذي الأجيال/ كشفت عورة جلاد الليل)، لتؤكد بقولها: (وأنا الوراقة بنت الوراق) كي تبقى في الآن ولا تنسى الآوان ..

/ كتاب(الخطيئة والتكفير) عبد الله الغذامي / المركز الثقافي العربي ط6 لسنة 2006 ص 16

/ قصائد(ياسمين، أريد حبا، غواصون) للشاعرة ذكرى لعيبي السدخان

 

وجدان عبدالعزيز

 

"الق الحكاية".. استشراف القصة القصيرة جدا للكاتب عباس داخل حسن

849-hashimإضاءة أولى: اعتراف أول .. "هذه الورقة ستثير حفيظة البعض مثلما ستشبع فضول البعض الأخر، أو تثير بعض التحفظات .تبقى تحت طائلة "صوابيحتمل خطا أو خطا يحتمل صوابا" ستدفع بقوة لمزيد من المقاربات والاضاءات والبحث لإشباع نهمنا المعرفي والوجداني الذي يسعى الى الجمال والكمال والنزوع نحو الخلود من خلال النص وسيلتنا الوحيدة ضد التحلل والاختفاء قبل أن نصبح لأمرئيين كما يقول "ماركيز" ويغيبنا الموت، عزاؤنا الوحيد بالكتابة والنصوص تبقى حاضرة بقوة طالما هناك إنسان على وجه الخليقة.."

 

"اعتراف ثان":

849-hashimهذه الورقة الاستشرافية المبسطة تستهدف القراء الشغوفين بالق القصة القصيرة جدا كجنس أدبي ظهر نتيجة تحولات العصر عصر سمته السرعة الفائقة، ومن غير المعقول أن نبدأ من البداية بل سنبدأمن حيث ماوصل إليه الآخرون لان الزمن لايسعفنا للحاق بكل التفاصيل في عالم تمدد ابعد من الثقوب السوداء وانطوى في شريحة لاتراها العين المجردة .إننا بحاجة إلى حكاية وقصة أخرىتتلائم وهذه التحولات التي فاقت سرعة الضوء .إن الكائن البشري يبقى محكوما بسلطة ألحكي والقص للتعبير عن ذاته وعن الأشياء الأخرى من حوله وصبها في نصوص سردية بأدوات المعرفة وصنوف الإبداع المتنوعة ولاتقل أهمية عنده عن رغيف الخبز اليومي (كل الخبز ياانكيدو .. بهجة الحياة)هذا ماقاله "كلكامش"لصديقه"انكيدو"

 

"اضاءات":

"إضاءة أولى":

يتصدى كتاب "الق الحكاية" للكاتب (عباس داخل حسن) إصدار دار سطور للنشر 2015 لرسم الإطار العام للنثر القصصي (القصة القصيرة) وما آل إليه التطور السردي من تعدد أشكال النثر القصصي ونضوجها واستواء الكتابة فيها، وتلا ذلك توصيف للمشهد القصصي تمثيلاً لتباين الممارسة وأساليبها السردية، بالإضافة الى كشف بسيط الى التحليل الموجز للكتابة القصصية الجديدة التي استحوذت على الإبداع القصصي خلال نصف القرن الأخير.‏

فما تزال القصة القصيرة هي الأكثر إنتاجاً وتنوعاً وغنى، بل إن نظرة عجلى إلى ثبت المنشور منها في مجموعات أو دوريات يشير إلى ذلك الكم الهائل بالنسبة إلى الأجناس الأدبية الأخرى،هذا الانحياز الى القصة قابله أيضا من غادروا بدرجات متفاوتة إلى أجناس أخرى، ولا سيما الرواية، فإن القصة القصيرة الجديدة تستأثر باهتمام الكتاب الجدد، وتثير حماستهم في الإبداع، ولا تنقل في هذا المجال إلا هوى كتابة القصة القصيرة، نظراً لطبيعتها اللاهثة المتوترة ..تجربة(بثينة الناصري مجموعتها "حدوة حصان"1974.القاص خالد حبيب الراوي خمس قصص قصيرة جدا في مجموعته القصصية 1975، ونشر القاص والروائي "عبد الرحمن مجيد الربيعي"القطار الليلي وهناك تجارب أخرى "احمد خلف وإبراهيم احمد"وكذلك تجربة "هيثم بهنام بردى"وكذلك القاص والتشكيلي "حمدي مخلف"وكذلك نصوص "إبراهيم سبتي"...الخ من الأسماء المهمة والتي غابت عن ذاكرة المؤلف ربما لبعده عن المشهد العراقي فترة خروجه من العراق الى الغربة وهذا يعتبر قصور في هذه القراءة لما تحمله تجارب هؤلاء من خلخلة في البناء الشكلي والموضوعاتي الجديد ..أيضا ذكر الكاتب أسماء عربية وأجنبية كان لها اليد الطولى للتعريف بأسماء من الأعلام في القص واختار عدداً من الأسماء الذين تميزوا بإبداعهم لهذا الفن على سبيل المثال"ليديا ديفيس" ومن أمريكا اللاتينية " مودليانو" أو العرب "زكريا تامر"من سوريا و"حسن برطال"من المغرب ..الخ أيضا كان للمؤلف أن يجعل مسح شامل للقصاصين العرب من الأسماء المهمة والتي ساهمت في الانعطافة من التقليد إلى الحداثة وما بعدها مثل النظر في السخرية مظهراً من مظاهر الحداثة عند عدد من القصاصين وتحليل السرد الاستعاري مثالاً لتقانات القصة الجديدة والإنسانية والمباشرة وغير المباشرة المتعددة.‏

 خيرا فعل المؤلف بنشر نماذج من نصوص التحديث القصصي ونزوعاته لعدد من القصاصين المتميزين مثل سرد الحداثة وما بعدها والاعتمال بشعرية السرد والتجديد القصصي واستطاعته الرؤيوية والسرد السوريالي في إهاب الأسطرة ومحاولات تحديث القصّ الواقعي والسرد الواقعي ورحابته في نقد المجتمع والصدق الواقعي وفن الإيماء ومجاوزة التبشير العقائدي والتحديث من خلال التزام تقاليد القص الواقعي وأسلوبية النصوص السردية وتمثل السرد السيري والابتعاد عن غواية الإنشاء اللغوي. وتظهر هذه النزوعات الكثير من مظاهر الانعطافة من التقليد إلى التحديث.‏

وكذلك تأثيرات هذا الجنس السردي على الرواية منها (مدرسة امريكا اللانينية والفرنسية الجديدة) كتيار الوعي وتغير الضمائر وتناوب الرواة وتبديل الزمن وتعدد زوايا النظر، والتصرف بمسافة النظرفي تجديد السرد الروائي إلى التعالق النصي والإبداعي الجديدة ضمن صياغة متميزة في صنعات روائية مبتكرة في الموقف من الواقع أو المجتمع الروائي أو الزمن أو التاريخ..

إن نجاح القصاصين في تخليص القصة القصيرة من معضلات الممارسة الفنية التي تكمن في الإرث الطويل من تكريس الأوهام حول القصة القصيرة في النظرية والتطبيق. وقد تخففت القصة القصيرة من مظاهر التضييق المختلفة كالتداخل بين وظيفة القصة وموضوعها، والتداخل بين وظيفتها واتجاه كاتبها والتداخل بين فعالية القصة وفعالية المتلقي والتداخل بين الممارسة الاجتماعية والممارسة الفنية والتداخل بين الفن ومجرد الوثيقة أو المرحلية..فلقد وصلت القصة القصيرة إلى بلاغة مشهودة في تقنياتها وتعبيرها عن الجماعات الإنسانية والأوضاع الاجتماعية التي تصدت لها وتنوع الاتجاهات الفنية ولا سيما الواقعية بتقسيماتها المتعددة كالتعبيرية والانتقادية والانطباعية والاشتراكية والجديدة والطبيعية تحت وطأة تأثير الحداثة..

 

إضاءة ثانية:

"التقليد والتاصيل":

 انطلقت تجارب القصاصين الجدد تتوسل إلى الحداثة بوسائل تعبير منسجمة حيناً، وغامضة أو مبهمة حيناً آخر ..على أن ساحة القصة القصيرة ما تزال تعتمل بالصراعات الخفية بين الاتجاهات المختلفة، حيث الرومانتية والإتباعية والتسجيلية والواقعية الانتقادية ـ وما تزال ـ من أقوى الاتجاهات أيضاً، مثل هذه الحساسية المستمرة في حياتنا الأدبية، كما أظهر هذا الكتاب من أصوات جريئة مبدعة تخوض غمار التجريب، وتفلح في الإفصاح عن أساليبها وأفكارها لدى غالبيتهم، بل أن بعض الأصوات متميزة في المشهد القصصي الراهن..

إِنّ هذه الوقائع وغيرها تؤكد صدارة القصة القصيرة للكتابة الأدبية ربما أكثر من الشعر أيضاً، استخدامها في أكثر التجارب حفيظة دعاة التقيد بالأجناس الأدبية. مما يتيح أوسع الفرص لمعالجة قضية الاتصال والفنون بين الأجناس الأدبية سواء في الالتفات عن تقاليد النثر الفني العربي أو التراث القصصي العربي أو في اللحاق اللاهث الواضح بأشكال التجديد عن أصالة أو مجرد شهوة التعبير المختلف، فثمة إشارات واضحة إلى ممارسة غالبة على الكتابة القصصية والتطلع إلى التجديد بخاصة، ولا سيما تطويع الحكائية والسرد لحاجات خطاب مباشر غالباً، وتعبير إنساني خافت أحياناً، وتحفل النماذج المنشورة غالباً بطوابع استحوذت على أساليب متوترة ومندفعة في استخدامات جريئة ومتأنية في بعض القصص مثل التقطيع و الترقيم وتنوع الحوار وتعدد الأصوات وشاعرية السرد. واللافت للنظر في بعض المجموعات القصصية هو تنوع التجارب القصصية والسعي الواضح لتطويع أساليبهم باتجاه حداثية منشودة.‏ وتشير هذه الكتابة القصصية إلى أن استخدام المنجزات الحداثية غير ناجز أو شاحب في بعض قصصهم، لأن كتابها تعمدوا التحديث الذي يصل إلى حدّ الاستغلاق على الدلالة ونقي الموضوع، إذ يحاول بعض الكتاب الجدد الترميز و«أسطرة» الواقع وتعدد الرواة أو المنظورات السردية، إذ أن استخدام المنجزات الحداثية لا يتعلق بالنيات فقط أو وضع تقنيات قد لا تتناسب مع التجربة القصصية، والمهم في هذا المجال هو نجاح القاص في تحويل الواقع إلى أدب عبر ضبط القص وتنظيم السرد ووضوح التحفيز في تضافر البناء القصصي.‏ و جديرة بالاهتمام هي انابتعاد البعض من القصاصين عن هموم البحث في السرد في تجاربهم القصصية. إذ لا نجد قصصاً تعتني باستيحاء التراث القصصي أو ثراء السرد العربي الموروث، وإذا وجدت بعض المقاربات فلا تشير إلى وعي الهوية فثمة قصص كثيرة تعلن خيارات فنية غير حاسمة، وتقارب سردها الحداثي من منظورات شاعرية وحكائية ممعنة في تحديد علاقتها بالموروث القصصي، وهي أقرب إلى القطيعة منها إلى التواصل فتعتمد على الدلالة الثقافية، وتثير الإشارات في بنية القصة، وتوغل في اللغة والتغريب اللغوي وهو التماهي المصنوع، أو تصوغ تحويلها الأدبي للوقائع الحياتية من ذكاء مشروط هو بعض حصيلة الخبرة الفنية. إن السرد في مثل هذه القصص واثق متمكن من حكايته وكأنه يستند إلى الموروث، ويستوعبه.‏

 

إضاءة ثالثة :

جدل الريادة: مقاربات في النشاة:

مقاربة د.جميل حمداوي، نزار بريك هنيدي، غسان كنفاني، د.مجدي معروف ..كلها فيوضات مهمة تعكس هذه العلائق بين الموروث والتجديد وذكر تجارب كتابها، ولعل ميزة التجديد القصصي الذي كان علامة من علامات الفن القصصي هو الولع بالتجريب الشكلي اللغوي على أنه تركيب سردي مفتوح على تجربة تاريخية أعم، وإن كانت نمت في ظل هذه الوضعية واقعية جديدة أو واقعيات ذات ميل رومانسي أو طبيعي أو تعبيري أو انطباعي أو سوريالي أو نقدي مفسحة المجال واسعاً لتطوير ملحوظ للسرد في رحاب الأسطورة أو الرمز أو الوثيقة أو اللغة أو التاريخ أو الخطاب المباشر أو النفس أو الدراما، وهي ميادين طبعت التجديد القصصي من خلال تراكم طويل لتجربة القصّ المفتوح، وقد أثمر ذلك كلّه تيارات متداخلة كثيراً في أنماط رؤية العالم وفي تجسيد اللحظة القصصية وفي أشكال السرد وفي تقنيات الخطاب القصصي على وجه العموم.‏

يعسر عليّ أن نحصي القصص والقصاصين من انتاج القصة، ليس بوصفها مخصوصة بجيل أو عمر أو مرحلة تاريخية بل بكونها حساسيات أدبية جديدة تعبر عن روح جديدة في رؤية الأدب وعن أشكال مغايرة أو مختلفة تصل في بعض التجارب إلى تطوير الأجناس الأدبية المعروفة، وهذا ما حدث في فنون النثر القصصي، فقد صار لهذا التجديد ظواهر لا شك في أهميتها خلال ربع القرن الأخير، وهذا الاتجاه أدى إلى التركيز على الحياة اليومية مؤثر مقتطع من سيرورة السرد ليشبع بإيحاء إنساني مفعم بالدلالات، الاتجاه إلى تحويل القصة إلى نص سردي مفتوح على التجربة الإنسانية بمقدرة حكائية تمازح السوريالية على أنها سرد المخيلة في قيعان الشعور واللاشعور معاً، أو تمازح الأخيولة (الفانتازيا) على أنها صوغ سردي آخر لجموح المخيلة دون لوازم السوريالية كلّها، الاتجاه إلى انبثاق السرد من الأساطير والرموز أو إشباع السرد بالأساطير والرموز باجتهادات مختلفة إلى حّد التباين بين قاص وآخر، وأخيرا أقول إن السرد القصصي الحداثوي من خلال تقنان جديدة من" تشظية السرد وتشظية اللغة "والتداخل النصوصي والأجناس والتماهي الوثائقي والسيري مع اللعبة السردية، وكسر الإيهام والخطاب الحواري في تعدد الضمائر السارد وتمازجها مع المشهدية والتداعيات الذاتية على الأنساق السردية هي ما وسمت بها المرحلة الجديدة ..

 

 قراءة الاديب والناقد : عقيل هاشم

 

قراءة في قصة: الليلة الاولى بعد الالف للقاصة ايناس البدران

ahmad alkhozaiالليلة الأولى بعد الإلف قصة قصيرة، جاءت ضمن مجموعة قصصية حملت نفس الاسم للقاصة إيناس البدران، تناولت فيها موضوعا حيويا في عالمنا المعاصر المتمثل بحقوق المرأة، ومكانتها في المجتمعات الإنسانية، كونها جزء مهم وحيوي في بناء الهرم الاجتماعي لأي تجمع أنساني على وجه البسيطة، فاختارت ثيمة غرائبية استمدتها من التراث الشرقي، الذي تعاني المرأة فيه من الإقصاء وانعدام المساواة، الناتجة من اختلاط المفاهيم البداوة مع الدين، وشيوع مفاهيم المجتمع الذكوري وتصدره للمشهد الحياتي، في ظل انزواء حقيقي للمرأة، فكانت قصص ألف ليلة وليلة محطتها في التعبير عن شعورها الأنثوي الواعي الرافض لهذه القيم والمفاهيم السوداوية، السائدة في عالمنا المشرقي، في ثلاث قصص قصيرة، استخدمت فيها أسلوب الراوي داخل النص السردي في مقاربة واضحة مع مفهوم الميتا سرد، الذي يعد أسلوبا جديدا في كتابة النص الأدبي في ما يطلق عليه (ما بعد الحداثة)، فهيمنت بأسلوبها السردي المتقن الذي استخدمت فيه لغة الشعر، فحولت القصة إلى قصيدة نثرية، تحمل في ثناياها كل أركان القصة القصيرة، تداخلت فيها لغة التراث مع الحداثة، تنتقل بالقارئ بين عدة مشارب أدبية، نثرا وشعرا، فكانت هي حاضرة بوعيها الإنساني والثقافي والمعرفي وبرؤية ناضجة فاقت حدود الأحداث التي تمحورت حولها القصص الثلاثة، التي روتها على لسان الجارية شهرزاد لسيدها شهريار، والتي استطاعت من خلال حواريات في غاية الروعة، حملت بصمة حداثوية لغة وتعبيرا واسلوبا، بين هاتين الشخصيتين التي تفاوت بينهما عناصر القوة، والهيمنة، وخضوع بطلة قصتها الرئيسية شهرزاد لمعادلة الصراع من اجل البقاء، غير إن القاصة لم تشأ أن تنهي هذا الصراع نهاية مأساوية، بهزيمة احد طرفي الصراع، بل لجأت إلى أسلوب ظهر في خمسينيات القرن الماضي، أطلق عليه (بالمدرسة التوافقية أو التعادلية) التي ابتدعها الروائي والمسرحي المصري توفيق الحكيم، والذي حاول من خلالها إدارة مفهوم الصراع من خلال النص الأدبي، وتغيير قواعد اللعبة التي كانت سائدة في الأدبين العربي والعالمي، والتي كانت ميالة إلى النهايات الحتمية وفق رؤية مثيولوجية يكون الحق منتصرا فيها دائما، وقد عبر عن نظريته هذه في مسرحيته (الصفقة) .. فاختارت القاصة أن تكون نهاية قصتها سعيدة، بزواج شهرزاد من الامير شهريار، وتخلي الاخير عن فكرة القتل، والعيش معه بحب وسلام الى ان وافتها المنية، لأن القاصة وكما نوهت هي في نهاية القصة تحب النهايات السعيدة.

الليلة الأولى بعد الألف للقاصة إيناس البدران تجربة قصصية حديثة في عالم كتابة القصة القصيرة، استطاعت من خلالها القاصة إيصال رسالتها الإنسانية النبيلة، باستخدامها تقنيات سردية تخلق حالة من الانبهار لدى القارئ تجعله في حالة تواصل ذهني وحسي مع حركة أبطالها داخل النص القصصي، وهي بذلك وضعت بصمة في عالم السرد، لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها، تستحق عليها الإشادة والثناء.

 

احمد عواد الخزاعي

 

تجربتي والتباس الوعي القصصي عند البعض

nabe  odaفي إطار تجربتي القصصية التي لا تتوقف والتي تجاوز عددها في السنوات الأخيرة  عشرات كثيرة من القصص والنصوص المختلفة شملت بعضهما القليل بثلاثة كتب رقمية (انترنيتية) هي "نبيل عودة يروي قصص الديوك" ومجموعة قصصية بعنوان "انتفاضة" وكتاب فلسفة مبسطة وقصص تعبيرية فلسفية عنوانه "ماركس يتبرأ من الماركسيين"، وما زالت بعض النصوص تحت العمليات التجميلية والتقويم ولم ينشر الكثير من إنتاجي بشكل واسع ... وقد تعرضت بسبب ما نشرت للكثير من الملاحظات النقدية، معظمها تثلج الصدر، ولكن بعضها لا استطع العبور عنه دون إبداء بعض الملاحظات والانطباعات الثقافية العامة.

اعتمدت في قصصي الجديدة، أسلوب  فني وصياغي غير تقليدي في الصياغة القصصية، مثلا إسقاط ما يعرف ب "الوصف القصصي" وإيجاد نهايات "تفجيرية" مفاجئة للقارئ، كذلك اعتماد مفاهيم فلسفية متعددة في جوهر النص القصصي، كانت بالنسبة لي سابقا نبراسا سياسيا بالأساس، أثرت فكريا على كتاباتي الثقافية والسياسية العامة ، لكني رأيت فجأة اني قادر على تحويل أصعب المقولات الفلسفية إلى موضوع قصصي شيق وسهل الفهم، وان القيمة الثقافية الإبداعية في الفكر الفلسفي الذي أسرني منذ بداية وعيي،لا يقل أهمية عن الفهم السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي، وهكذا وجدت نفسي غارقا في سلسلة كتابات قصصية بدأت منذ أواسط العام 2010، ويبدو أني لم استنفذ كل تجربتي، إذ تنوعت الأفكار والصياغات والأساليب، بدءا من قصص فلسفية إلى قصص أنحو فيها نحو أساليب جديدة، مثلا بجعل مبنى الخبر في جوهر السرد القصصي (كما لاحظ ذلك الناقد والمفكر د. أفنان القاسم)، والدمج بين الكتابة التسجيلية (مذكرات) - التأريخية والقصصية (حلقات "يوميات نصراوي") والكتابة الساخرة ضمن رؤيتي الفلسفية (ما أطلقت عليه اسم "الفلسفة المبسطة" و"قصص ونصوص ساخرة") وعدا موقع "الحوار المتمدن".. لم انشر بتوسع أكثرية أعمالي الجديدة. 

ما ساءني ان مثقفين وراء صفات طويلة تسبق أسمائهم وثقيلة القيمة، سماعيا على الأقل، لم يفهموا المقروء الفلسفي أو حتى الأدبي البسيط ... وراحوا نحو تفسيرات هرطقية ومواعظ دينية لا علاقة لها بالنص القصصي، مما يعني ان بينهم وبين الثقافة والرؤية القصصية، كشكل من أشكال الوعي الثقافي والاجتماعي، المحيط الأطلسي بكل اتساعه.

حتى في القصص "البسيطة" وارى انها من أصعب أنواع السرد رغم ما تثيره من وهم البساطة، مثلا قصة :"حتى يهديهما الله" (يمكن إيجادها عبر البحث في غوغل)  هناك فكرة فلسفية بسيطة عن "فشل التفكير المنطقي" لدى بعض الناس (استمرار بطل القصة في شرب الخمر بحجة انه يشرب عن صديقيه)... وليس مجرد لسعة فكاهية. أو غمز ضد الدين، كما تفلسف بعض الجهلة !!

مثلا في قصة لي تحمل اسم "أرملة على الشاطئ" (يمكن إيجادها عبر البحث في غوغل) انتقدتني إحدى "المثقفات" لأن الأرملة، بطلة القصة، تخرج للبحث عن علاقة جديدة قبل مضي أربعين على وفاة زوجها وان الدين يقول "كيت وكيت". رغم ان القصة تعالج ما يسمى "المنفعية" ، أي فيها نقد للفكرة القائلة ان "الهدف يعطي للوسائل المتبعة مصداقيتها". وان "المصداقية الأخلاقية لتصرف ما، يتقرر بناء على النتائج". بالطبع أنا لا اطرح رأيي إنما أقدم حالة إنسانية عبر سرد قصصي ساخر، ولو كنت "المثقفة"، أمدها الله ببعض العقل، تفهم المقروء لما التجأت إلى نصوص دينية لتصويبي ، حتى "أُصوب" الأرملة في تصرفاتها. أي ان القصة حسب هذا الفهم الضيق ، هي دين وعبادة وشريعة ومواعظ وقيود متزمتة وانغلاق فكري وإنساني..

ليس من المتبع ان يفسر الكاتب أفكاره .. أي ان يقدم اللقمة كاملة الهضم للقارئ، أو لنقاد لا يفهمون فلسفة المقروء.. أنا لا أكتب للتسلية كما اتهمني ناقد حصيف. ويبدو ان الكثيرين من حملة ألقاب كبار المفكرين وكبار النقاد وكبار الكتاب، لا يختلفون في "فشل تفكيرهم المنطقي" عن القارئ البسيط . على الأقل القارئ العادي يجد ما يشده للنص ويضحكه (وهذا بحد ذاته ضمن شروط اللعبة القصصية وفن القص).. أما بعض "الكبار" فيدعون ان قلمهم "شرفني" حين كتبوا عن قصص لي وانهم عادة لا يكتبون إلا عن "كبار الأعمال" - فما الذي حرككم لتتناولي أعمالي؟- لم أقرأ ما كتبه البعض لأنه حول كتابته إلى خطبة دينية مكررة مملة مستعرضا عضلاته في حفظ النصوص الدينية وسرد الممنوعات حسب تفكيره المشتق من القرون الوسطى.. وجميعهم بالتلخيص الأخير يثبتون جهلهم الثقافي واللوجي ( العقلي المنطقي ) لمفهوم الأدب وفلسفة الثقافة والقدرة على التفكير بمنطق ثقافي، وليس بآلية مبرمجة بعقلية قتل "الميكي ماوس" لأنه يلهي الأطفال عن "دينهم!!"، كما أفتي شيخ وهابي من السعودية.

عندما لا أعرف شيئا عن الكاتب وآفاقه المترامية الأطراف ، وتجربته الحياتية والثقافية، لا أستطيع ان أضعه في خانة وأبدأ بإطلاق الأحكام (الرصاص) عليه!!

فقط في ثقافتنا العربية هذا الأمر جائز لأننا بصراحة نعاني من أمية مثقفين وانتشار طبقة متثاقفين "يعرضون محاسنهم" مثل بعض نجمات الفضائيات، لكن ما يعرضونه شديد البشاعة ... عقليا على الأقل!!.

ان مفهومنا للقصة يعاني من قصور فكري. القصة قادرة ان تحل مكان مقال سياسي أو فكري، مكان تحليل اجتماعي أو أخلاقي، مكان رؤية مستقبلية ، مكان كتابة نقدية في مجالات متعددة  وليس في مجال الإبداع الروحي فقط.

المشكلة تتعلق كما أراها ليس فقط بتطوير قدراتنا القرائية، بل بتطوير وعينا ومعارفنا حول عالمنا وحضاراته وخروجنا من حالة الشلل الحضاري والإبداعي بمفهوميه: إنتاج الخيرات المادية  وإنتاج الإبداع الثقافي - الروحي.

القصة كما أرى، تجاوزت مرحلة التسلية إلى مرحلة الوعي والفكر، هذا لا ينفي متعة القراءة، بل يضاعفها بمفهوم أن مخاطبة الوعي في القصة، تضاعف متعة القراءة بسبب الإضافة الكبيرة لمضامين النص ومخاطبة الوعي إلى جانب الحس الإنساني للقارئ.

الرسائل التي تصلني تحمل الكثير من الملاحظات الممتعة والجادة وبعضها أفادني إلى ابعد الحدود، وبالطبع هناك كبار المفكرين " الذين شرفوني بالكتابة عني" أثبتوا ان فكرهم وفهمهم يعاني من التباس وعقد تحتاج إلى عيادة طبيب نفساني وليس إلى عيادة كاتب مثلي لا يملك إلا تعميق ضياعهم الفكري وشططهم العقلي !!

 

من القصص الفلسفية الأولى

الدرس الأول في الفلسفة / نبيل عودة

 

الدكتور منصور، أو الفيلسوف منصور، كما تعرفه الأوساط الأكاديمية، محاضر جامعي رئيسي في موضوع الفلسفة، كعادته دائما يستقبل طلاب السنة الأولى بكلمة توضيحية تجعلهم محتارين اذا كانوا قد اختاروا الموضوع المناسب لهم، أو انهم تورطوا بدراسة موضوع لا يستطيعون الاستمرار فيه. من الجدير بالذكر انه بعد السنة الأولى والثانية لا يستمر في دراسة مادة الفلسفة إلا أقل من ربع الطلاب.

دخل قاعة المحاضرات، رتّب أوراقه على المنضدة، وجال بنظره يتفحّص وجوه طلاب السنة الأولى.. فارضاً صمتاً متوتراً.

بدأ حديثه مباشرة دون كلمات تعرفه  كما تجري العادة لدى محاضرين آخرين  وكأنه يواصل حديثاً انقطع:

- عندما اخترت دراسة الفلسفة  توهّمت أن أحظى بفهم واع لمعنى الأشياء. كان من نصيبنا أستاذ شاب حصل على درجة بروفسور حين كان في السابعة والعشرين، شعره لا يعرف التمشيط، ملابسه غير متناسقة الألوان ولا تعطيه مظهر بروفسور كبير في مؤسسة أكاديمية.. وقف أمامنا لفترة شعرناها دهراً، حتى بدأنا نتهامس ونثرثر ونتساءل ان كان قد أصابه شيء.  فجأة انطلق صوته فارضاً الصمت على الطلاب في القاعة. قال: "إذا أردتم ان تدرسوا الفلسفة  ضعوا جانبا كل ما تحملوه بعقولكم من لحظة دخولكم الى هذه القاعة،  إبدأوا من الآن في تكوين إدراككم الجديد، ومعارفكم الجديدة، ووعيكم الجديد والأهم، ابدأوا التفكير بطريقة مختلفة.. ابنوا ذاكرة جديدة.. ربما كلماتي عصية على فهمكم الآن ولكنها ستكون ممتعة اذا نجحتم في هذه المهمة الأخطر في السيطرة على تنمية تفكيركم الفلسفي وعقلكم الفلسفي بدءاً من هذه اللحظة".

قال أيضا: "السؤال في الفلسفة لا يقاس بالحجم، كبيرا او صغيرا، انما يقاس بالمضمون.. في الفلسفة لا يوجد سؤال مستقل ونهائي، في الفلسفة كل سؤال يثير مجموعة أسئلة أخرى، الأسئلة الأخرى تثير أسئلة أخرى عديدة، الأسئلة تمتد بلا توقف الى أدنى والى أدنى أكثر، الى أعلى والى أعلى أعلى.. بلا حدود، بلا حواجز، بلا عجز عن الولوج الى ما يعتبر مناطق محظورة، لا مناطق محظورة في الفلسفة، كل شيء يخضع للعقل.. للإدراك.. للتفكير.. للتساؤل اللانهائي.

اذا انتهت ألأسئلة تنتهي الفلسفة. اذا انتهت الفلسفة تفقد الحياة معناها وقيمتها، لأننا نفتقد الوعي، والوعي هو ما يميز الإنسان عن عالم سائر المخلوقات، أما إذا اقتنع الشخص أنه وصل لحقيقة ما، يراها ثابتة غير قابلة للنقد او للنقض، أنصحه ان يصبح رجل دين... هناك الكثير من الحقائق التي تريح عقله وتوقف إدراكه.

 جال بنظره متأملا انعكاس كلماته على وجوهنا وسألنا:

-  "ماذا يعني كل هذا؟ وكيف تدركون الأشياء بمنظار فلسفي  وليس بمنظار التلقين الذي كنتم ضحاياه؟  الآن علينا أولاً ان نخلصكم من آثار التلقين المدمرة، علاجكم لن يكون سهلاً، كما ان علاجنا ونحن في جيلكم لم يكن سهلا  ولا يبدو ان مسئولي جهاز التعليم قد استوعبوا الدرس".

توقف الدكتور منصور، أجال نظره بالطلاب مرة أخرى وسأل:

- هل يريد أحدكم ان يقول شيئا؟

ساد صمت ثقيل.. وتجرأتْ بعد برهة غير قصيرة  طالبةٌ رفعت إصبعها بتردد:

   - تفضلي

   - ما الفرق بين الإدراك والفلسفة؟

- سؤال جيد، باختصار، الإدراك هو تكوين صورة متكاملة لكل مواصفات الشيء، مثلا طاولة، لها مواصفاتها.. أي اختلاف في الشكل لا يلغي المواصفات.. هذا يعتبر إدراكاً لشيء، أي ان الإدراك يتّسم بالثبات والاستقرار النسبي  وهو غير ممكن بدون وعي الإنسان.. أما الفلسفة فهي الوعي.. وتمثل الأساس النظري لرؤية ومكانة الإنسان في العالم. والفلسفة هي الإشارة الأولى لانفصال عالم العمل الذهني عن العمل الجسدي، بمعنى آخر... بالتفكير الفلسفي يمكننا من إدراك حقائق عن الكون والحياة عبر إدراك ماهية الأشياء، أي لا يمكن ان ندرك شيئا يفتقد للمنطق. لا يمكن ان نصدق ان الإنسان قادر على الطيران بدون آلة. لا يمكن ان نصدق ان البقرة تلد حماراً. لا يمكن ان نصدق ان هناك إنسان يعيش على ثاني أكسيد الكربون. بالطبع أريدكم ان تجتهدوا بطرح ملايين الأسئلة التي لا منطق فيها.. تصديق الخوارق هي الطريق لشلّ العقل. لا تخافوا من دخول المناطق المقدسة.. في الفلسفة لا شيء مقدس.. ومرة أخرى من لا يستطيع ان يخرج من سجن المقدس إلى فضاء التفكير والأسئلة والبحث عن المنطق، ليخرج الآن من دروسي.

هكذا افتتح الدكتور منصور السنة الدراسية  مع طلاب سنة أولى فلسفة. كان يعرف ان الكثيرين سيصابون بالإحباط والخوف من كلماته، والتردد سيجعلهم يعيدون التفكير بخيارهم، او يتجاوزون حواجز فكرية عميقة في تربيتهم.. بدونها لن تفيدهم دراسة الفلسفة الا بتضييع سنوات من عمرهم الضائع. قال بعد برهة:

- لكل إنسان منا مبادئ.. رؤية للحياة. قد لا تعجب البعض.. الفيلسوف لا يقول أبداً لمن يرفض رأيه ومبادئه: "هذا ما لدي، اقتنع بما تشاء.." إنما يقول له: "إذا لم تعجبك مبادئي التي طرحتها، عندي مبادئ أخرى، في النهاية سأصل الى تسويق رؤيتي". لذلك أقول لكم ان الفلسفة لا تنهزم.

بدأ يلحظ ان البعض يتحرك بما يوحي بعدم راحة  وهذا ليس شيئاً غريباً او جديداً.. هذا يتكرر كل سنة. واصل:

- مع ذلك طلابي الأعزاء، الفلسفة هي أقرب شيء للإنسان  وكلما كان الإنسان أكثر وعياً، ومستقلاً بفكرة، كلما كانت فلسفته أرقى وأقوى وتتسع لإدراك العالم وتشكيل وعيه عن محيطه عن مجتمعه عن عالمه... في الفلسفة اليونانية القديمة طرح أحد الفلاسفة سؤالاً على زميل له: "ما الذي يجعل كرتنا الأرضية ثابتة في الفضاء؟" أجابه: "يحملها أحد الآلهة" سأله: "ومن يحمل الإله؟": أجابه: "إله آخر". سأله:" والإله الآخر من يحمله؟". أجابه: " أيضاً اله آخر إلى ما لا نهاية إله تحت إله تحت إله الى ما لا نهاية". اذن جوهر عالمنا انه لا شيء من لا شيء، كل شيء يعتمد على شيء آخر، سلسلة بلا نهاية.

اسمعوا هذه القصة: عاد جميل الى بيته ووجد زوجته وأفضل صديق له عراة في السرير. قبل ان يتمالك نفسه من الصدمة قفز صديقه من السرير وقال له: قبل ان تفتح فمك وتقول شيئاً، من تصدّق؟، هل تصدّق أفضل أصدقائك أم تصدّق عينيك؟"

من سيصدّق حسب رأيكم؟

أحسن صديق لديه، أم يصدق عينيه؟!

هذا سؤال فلسفي للتفكير.. وليس مجرد نكتة. السؤال الفلسفي هنا: أي  مجموعة من المعطيات يجب ان يثق بها الإنسان، معطيات الرؤية المدركة الواعية؟ ام معطيات الكذب التي ستصدر عن صديقه؟

الجواب هنا سهل.. انقلوه لمواضيع مركبة أكثر.. وفكروا.. اليكم قصة أخرى: رجل عجوز في التسعين دخل عيادة طبيب نسائي: "زوجتي ايها الطبيب ابنة العشرين سنة حامل". نظر الطبيب اليه وقال له: انت الزوج؟. أجاب:" أجل". قال له: "سأروي لك حكاية، خرج صياد الى رحلة صيد وبدل ان يأخذ بندقيته معه  أخذ بالخطأ شمسيته. أثناء الصيد هاجمه دبٌّ ضخم، فصوّب شمسيته وأطلق عليه النار وأرداه قتيلا". صمت الطبيب منتظراً رد فعل العجوز التسعيني الذي ينتظر طفلاً من زوجته العشرينية. قال العجوز بعد تفكير: "مستحيل ان يكون هو الذي أطلق النار وقتل الدب، لا بد من صياد آخر كان متواجداً أطلق النار من بندقيته وقتل الدب". قال الطبيب: "بالضبط هذا ما أحاول ان أشرحه لك.. صياد آخر مع بندقية تطلق النار، وليس شمسية... أين زوجتك الآن؟"

اذن ما هي الحقيقة.. هل الزوجة حامل من إطلاق النار من الشمسية؟ أم من شخص يحمل بندقية؟

هل فهمتم الآن أهمية الفلسفة في تشكيل الوعي  ودور الوعي في الإدراك والوصول الى الحقيقة؟

أهلاً وسهلاً بكم في دروس الفلسفة...

 

       

الـجـفـاف الـمسـرحي (3)

najib talalالــبـــلاغ: نشير بالقول هاهنا؛ بأن المسرح المغربي؛ يعيش جفافا حتى على مستوى الكتابة في المنابر والصحف وحتى الصحف الالكترونية؛ طبعا سيتساءل المرء: كيف تتحقق السيولة القلمية والتعبير عبر الكتابة والمكتوب تحليليا أو انطباعيا أو وصفيا للمشهد الثقافي والمسرحي؛ وهو أساسا يعيش انتكاسة و جفافا في العطاء والممارسة الإبداعية الخلاقة ؟ إنه لمبرر مغلوط وتغليطي؛ لأن هناك عوامل مساهمة في هــذا التردي[ !] أبرزها جفاف الفكر ويبوسة الحبر؛ ولم تعد هنالك مواكبة لكل ما يتحرك في المشهد الفني سلبا/ إيجابا/ تصريحات / بيانات / بلاغات/ ..../ لتوثق وتؤرخ في سياق الإعلام الابداعي والثقافي كتابة وتجسيدا. وبالتالي فهذا الوضع أفرز زعيقا وكلاما على عواهنه ؛ وأنشطة مسفة للذوق الفني والمواكبة التحولية والتطورية؛ فأمسى كل يغني على لياله؛ وينتـظر ظهور شهرزاد خارج ستائر شهريار؛ لتعم التصريحات والأقوال والبلاغات الطنانة والنارية بدون متابعة نقدية ؛ كاشفة عن زعيـق وأصحابه ساهموا في الجفاف المسرحي؛ منذ ما يقارب العقدين؛ مثل البلاغ الذي توقفنا عنده سابقا ومفاده : نعم باسم المسرح والمسرحيين، أعتبر عدم تنفيذ ما جاء في الرسالتين الملكيتين الساميتين مؤامرة على المسـرح والمسرحيين والثقافة المسرحية بشكل عام عبر منابرها. وإني أدعو بهذه المناسبة إلى محاسبة الذين كانوا السبب الخفي في السكوت عن تطبيقهما، مثل هؤلاء وغيرهم من المندسيـن، الذين ساهموا في إقصاء دور المسرح في توعية وتنمية وتطوير الإنسان المغربي والاعتزاز بفنه وفنانيه وثقافته .. نعم ، ترى من يستطيع إضافة شيء يلغي ما سبق ...؟(1) فالبلاغ - نقابي - هـكذا يبدو؛ ولكن حينما أشار إلى [الرسالتين الملكيتين الساميتين] هـنا نستشف ؛ بأن الوضع النقابي في أدبيته وتصوراته مهزوز إلى حد الارتجاج الفكري/ الخطابي:

كــيف ذلـــك؟؟؟

مبدئيا كيف انقلب السحر على الساحر والساحر على السحر؟ بمعنى كل المسرحيين أعلنوا [ الاحتراف] وانخرطوا في مكاتب الفروع ؛ والفروع في الجذوع ؛ وبعضهم في المجلس الوطني، وبعضهم منسقا عاما للفروع دون الجذوع ؛ بحيث تمظهرت لخطبة قانونية ومفاهيمية وتنظيمية ؛ أفرزت سوقا بدون رقيب؛ وفي جوانيته - أوهام السوق- "وكلها أوهام ينبغي التخلي عنها وشجبها، وتطهير العقل وتحريره منها، حتى لا يبقى ثمة إلا مدخل واحد إلى مملكة الإنسان، المدخل القائم على العلوم؛ مثلما أنه لا مدخل إلى مملكة السماء إلا عبر طهارة الطفولة (2) لا يمكن أن يتم تطهير العقل وتحريره ؛ كطهارة الطفولة؛ لأن العديد مستفيد من الوضع القائم؛ ليبني مجده التاريخي؛ وثانيا يستفيد من الريع الثقافي ومن الهبات المقدمة مقابل خدمات تساهم في تجفيف منابع الفعل الإبداعي الحقيقي؛ وبناء عليه؛ فنقابة المسرحيين المغاربة؛ خرجت من عباءة (النقابة المغربية لمحترفي المسرح) هنا فقانون الحريات العامة يبيح إنشاء وتأسيس جمعيات ونقابات؛ ولكن على أساس مقتضيات تفرض التأسيس للحفاظ على شرف المهنة والارتقاء بمستواها ؛ كتنظيم قانوني، يتكون من أشخاص يعملون أو يمتهنون مهنة واحدة أو مهن متقاربة أو صناعة أو حرفة مرتبطة بعضها ببعض،لكن المثير فالمشرع المغربي لم يعرف النقابة المهنية( إطلاقا) و إنما اكتفى بتحديد وظائفها في محاولة لتميزها عن باقي المؤسسات الجمعوية، وكذا ليتمكن من رسم حدود لممارسة نشاطها. و هكذا كلما حاولنا الحديث عن تحديد لمفهوم النقابة المهنية نجد أنفسنا أمام تحديد لوظائفها؛ ليس إلا و على هذا المستوى نلاحظ تغييرا كثيرا بين ظهير 16 يوليوز1957 و مقتضيات مدونة الشغل. حيث ينص في فصله الأول على: " أن القصد الوحيد من النقابات المهنية هو الدرس و الدفاع عن المصالح الاقتصادية و الصناعية و التجارية والفلاحية الخاصة بالمنخرطين فيها". في حين أن المادة 396 من مدونة الشغل تقول:" تهدف النقابات المهنية بالإضافة إلى ما تنص عليه مقتضيات الفصل الثالث من الدستور إلى الدفاع عن المصالح الاقتصادية و الاجتماعية و المعنوية و المهنية الفردية منها و الجماعية للفئات التي تؤطرها و إلى دراسة و تنمية هذه المصالح و تطوير المستوى الثقافي للمنخرطين بها. كما تساهم في التحضير للسياسة الوطنية في الميدانين الاقتصادي و الاجتماعي و تستشار في جميع الخلافات و القضايا التي لها ارتباط بمجال تخصصها. إذن ففي غياب قانون مهنة التمثيل؛ فما دور النقابات مسرح[ المحترفين] علما أنه : يصعب وضع ملامح واضحة لمفهوم الاحتراف في غياب ترسانة من القوانين والتشريعات والبنيات المادية وكذا في غياب توحيد الأجهزة المفاهيمية.... نحن نعتبر الخطة الوطنية لتأهيل القطاع المسرحي الاحترافي ببلادنا مدخلا أساسيا وأرضية صالحة وملائمة لتحديد حدود التوافق والاختلاف معا(3) فنلاحظ بأن ما يسمى بالمسرح( الاحترافي) لا زال يتخبط في المفاهيم فبالأحرى المقتضيات القانونية؛ وبالتالي فالبلاغ المذكور أعـلاه؛ يثير مسألة الرسالتين؛ بحيث لا زالت عقلية ( الهواية ) ومنظور( الهواة) حاضرا في الخطاب؛ ولو أنه كان راقيا وفي مستوى التفاعل الاجتماعي والسياسي؛ ولكن حينما انتقل للضفة ( الانتهازية والمصلحية) أمسى خطاب - أضحوكة- وتهكما؛ لأن من انخرط في نقابة المحترفين؛ ساهم بشكل مباشر في إقصاء دور المسرح ؛ وفي توعية وتنمية وتطوير الإنسان المغربي؛ وبالتالي فالهواة هم - المندسين - في شق الاحتراف؟؟؟

 

مـكـــاشــــفــة:

نتمنى أن يفند أحدهم ما نخطه؛ ونصرح به ؛ لأنه من العيب أن يتكلم المرء على الحق المسرحي؛ وملفه شاهد وشهيد على ممارسته في الحقل الإبداعي؛ من مؤامرات ودسائس ونرجسية مفرطة؛ أدت بشكل مباشر إلى تمظهر جفاف وجفاف قاتل للفن والإبداع المغربي؛ بحيث قاعات دور الشباب في أغلب المدن شبه فـارغة وأمسـت شبه مقـرات للخطابات الحـزبية والتأسيسية، والتجـمعات الـكروية؛ وغيرها كتنظيم الأعراس( قاعة الحفلات ) يعني. وبالتالي فحتى التنويع المسرحي الذي يحقق اختلاف؛ من أجل الخصوبة ؛ لم يعد هنالك تنويع وعطاء كالمسرح - الجامعي - بمعناه العملي وبعطائه الأكاديمي وعروضه المستنيرة والمنبثقة من رحاب الجامعة وليس من خارجها؛ كاختيار جمعية من فضاء شبابي أو هاوي وتـقحم علانية وبتواطؤ العديد من الممارسين؛ في بعض المهرجانات الجامعية المتبقية لحد الآن ؛ وهاته الممارسة الجانحة عن الإطار الحقيقي للفعل الأكاديمي؛ فجرت سلوكي ومسلكيات خطيرة جدا؛ بحيث أمسى المهرجان مـزارا للـتسييح وبطاقة فـلكلورية للعباد وسوقا للانتهازية وتبادل المصالح خارج المنظومة التعليمية؟ مما انفضح الجو والوضع الأكاديمي من داخله ؛ وانمحت خصوصيته وهويته ؛ التي تـختلف جذريا عن طبيعة ـ المسرح الهاوي والاحترافي والشبابي - لكن في سياق الرداءة وتمييع المشهد وتجفيف عطائه؛ فالخصوصية والهوية والنوعية اختلط أمرها؛ باختلاط عملية الارتزاق وجمع فتات الموائد؛ إذ كيف يمكن تفسير - أستاذ جامعي- يكشف عن هويته الارتزاقية والاستغلالية والانبطاحية من أجل دريهمات أو سفر/ رحلة لبعض الدول؟ مقابل هـذا أين المسرح المدرسي بأسلاكه ثلاثة ؟ رغم أن هنالك محاولة لإحيائه في السلك الأساسي؛ لكن لا أحـد من النيابات التعليمية يقبل احتضانه واستقباله ؛ فلولا مبادرة نيابة فاس في 2014 ونيابة الداخلة في 2015 لما كان ؛ ورغم هـذا الإحياء المبتور؛ فلم يكن من صميم خصوصية المسرح المدرسي ؛ بل انطلاقا من استـدعاء مؤطـرين وفاعلين في المسرح خارج المؤسسات التعليمية [ ! ] ففي ظل هــذا التلاعب وإقحام ما لا يمكن أن يقحم؛ في جميع مستويات العملية المسرحية، خاصة أن هذا المسرح ينظم من طرف المؤسسة التعليمية؛ والمسرح الجامعي يؤطر من داخل هذه المؤسسة نفسها . فكيف لا ينهار تعليمنا وثقافتنا وإبداعنا ؟ والأخطر من كل هـذا اندحار المهرجانات والأيـام والملتقـيات الـمسرحية والـكل طواه النسيان؛ حتى أغلب الصحف الوطنية والجهوية صفحاتها شبه فارغة من شيء {اسمه} المسرح؛ بحيث : لقد وصلت العلاقة بين الثقافة والصحافة إلى الطلاق . انتهى الأمر وهذه هي الحقيقة التي جعلت الصحافة تتراجع في مبيعاتها لأن ثمانين في المائة من قراء الصحافة في ذلك الوقت كانوا يشترون الجريدة؛ من أجل الثقافة وليس من أجل السياسة(4)هاته هي الحقيقة التي يمكن أن يتمركز عليها أي حوار فكري ثقافي؛ لماذا هـذا الجـفاف في شتى المجالات ذات الارتباط بروح الثقافة والإبداع ؟ إذ السؤال الأسمى؛ لماذا تخلى الأغلب الأعم عن مهامه التاريخية؛ وظل متشبثا بوهم الاحتراف؛ والانغماس في عوالم النقابات؛ وليست هنالك نقابات مهنية؛ فلو كانت فعلا فلما أضحى الزعق والزعيق وإصدار البلاغات والبيانات . فنلاحظ في الفصل 404 من المدونة يعطي للنقابات المهنية حقوقا من بينها :تتمتع النقابات المهنية بالأهلية المدنية و بالحق في التقاضي و يمكن لها أن تمارس ضمن الشروط و الإجراءات المنصوص عليها قانونا جميع الحقوق التي يتمتع بها المطالب بالحق المدني لدى المحاكم في كل ما له علاقة بالأعمال التي تلحق ضررا مباشرا أو غير مباشر بالمصالح الفردية أو الجماعية للأشخاص الذين تعمل على تأطيرهم، أو بالمصلحة الجماعية للمهنة أو الحرفة التي تتولى تمثيلها. ولكن حينما نجد ويجد المسؤولين تصريحات تعطي واقعا مخالفا عما هـو كائن في الممارسة اليومية؛ وهو أحد الفاعلين والمؤسسين للنقابتين( الأولى) في زمن التهافت و( الثانية) في زمن الإقصاء ورد الاعتبار يقول بقوله: المسرح المغربي بكل تأكيد قطع أشواطا متعددة،،،، راهنا نعيش فترة جديدة تتسم بتوسع فضاءات العرض، شيد مؤخرا مسرح كبير بوجدة، وهناك مسارح في طور التشييد بكل من الدار البيضاء والرباط ومجموعة أخرى من المدن المغربية، هناك معهد عالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، هناك خريجون جدد كل سنة، وهناك مجال لدعم الإنتاج والتكوين والمسرحي وغير ذلك من المبادرات الداعمة للمسرح، بذلك يمكن القول إن المسرح المغربي بعد مائة سنة استطاع أن يقف على قدميه وأن يعيش كما ينبغي(5) فبقوله؛ هنالك عالم حالم ووردي؛ وليس هناك أزمة تنظيم ولا أزمة هيكلة ولا أزمة إبداع ؛ ومن حق مثل هؤلاء يقولون لتلميع سبل مواقع القرار؛ ولكن ليس ببعيد؛ أن مثل هؤلاء مؤمنين بأن المسرحيين لا يقرؤون؛ ومن خلال ما أوتينا من هالة وقداسة تقول ما ينبغي أن يقال في مجمع الحكماء؛ وما يمكن أن يقال في مجمع الأغبياء؛ فقبل هـذا التصريح نجد بيانا ناريا تحت غطاء( كلمة) يصدر باسم نقابة المسرحيين المغاربة يقول القائل فيه : أن الكائن المسرحي، في هذا الوطن، هو اليوم ـ وحتى إشعار آخر ـ معتقل ومعطل، أما أبواب المسارح فهي مقفلة، وأغلب تلك البنايات التي كانت مسارح، في زمن من الأزمان، فقد هدمت، وما بقي منها هو اليوم مجرد خراب وأطلال،،،، إن هذا المسرح اليوم غائب أو مغيب، والحاضر فيه لا يمارس وظيفته الحقيقية، وهو لا يفسر ولا يغير، ولا يشرح ولا يعالج، ولا يعلم ولا يربي، ولا ينذر ولا يحذر، ولا يحلل ولا يركب، وهو لا يضحك على حمق الواقع والوقائع، ولا يرصد المفارقات الغريبة والعجيبة في حياتنا اليومية، والتي هي اليوم حياة بلا معنى، وهي وجود خارج المعنى الحقيقي للوجود، وهو لا يكشف عن الأمراض الاجتماعية، ولا يضع يده على الأعطاب السياسية الهيكلية، ولا يقدم أي تصور لواقع اجتماعي وسياسي آخر؛ واقع يكون أكثر إنسانية وحيوية(6) إذن فهل المكاتب النقابية وأعضائها وفروعها يناقشون بجدية ؛ عما يصدر من تصريحات وبيانات وبلاغات؛ بعضها يتناقض مع البعض ؛ ويعضها ينسخ ما قيل بعد سنوات؛ فمن باب المكاشفة؛ ربما لا يطلعون عما يصدر؛ لأننا نحن أمام وضع سوريالي؛ يتحكم فيه الوضع الانتهازي والمصلحي أم الغبائي أم الطلاسيمي؟ لآن دافع هــذاالسؤال؛ ليس ما قيل بعد الكلمة بل من خلال ماسجلته نقابة المسرحيين المغاربة؛ بأن وزارة الثقافة تعمل بنهجها تقسيم المسرحيين المغاربة إلى معسكرين متناقضين، بل الأصح إلى معسكرات وثكنات؛ وبالتالي فالنقابة ترفض الدعم البئيس جملة وتفصيلا. وتشير في رسالتها..... في سابقة تعد الأخطر من نوعها في تاريخ الحركة المسرحية في المغرب ،أعلنت وزارة الثقافة من خلال نتائج دعمها المخصص للجمعيات والهيئات الثقافية والذي بموجبه تم تفويت المال العام لفرق وجمعيات وهيئات على حساب أخرى ، ليس من باب الشفافية والديموقراطية ، وليس من باب الفاعلية والتشاركية ، وليس من باب الحضور الرمزي والفعلي ، ولكن فوت هذا المال العام من باب الزبونية والحزبية الضيقة ، مما خلف لدى الكثير من الفاعلين الثقافيين والفنيين فرقا وجمعيات ، أطرا ونقابات ، كثيرا من التساؤلات التي عادت بنا إلى أزمنة غابرة من التخلف ، وخلقت صراعا بين كثلة ضد أخرى ، وأدخلت المغرب الثقافي والفني في زحمة من المناوشات والمضايقات(7)

 

نــجــيــــب طــلال

......................

إحـــــــالات

1) كلمة نقابة المسرحيين المغاربة بمناسبة اليوم العالمي للمسرح: بقلم الكاتب المسرحي المسكيني

الصغير :جريدة الصحراء المغربية بتاريخ 24/ مارس/ 2011

2) الأورجانون الجديد :لفرنسيس بيكون: ترجمة عادل مصطفى ص23 منشورات رؤية 2013

3) حوار اكسبريس مع حسن هموش - رئيس الفدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة- جريدة بيان   اليوم في 22 - 07 - 2012

4) محمد أديب السلاوي ل”جديد بريس” : لقد وصلت العلاقة بين الثقافة والصحافة إلى الطلاق - أجرت    الحوار شهرزاد عجرودي بتاريخ 29/01/2016

5) حوار اكسبريس مع رئيس لجنة التحكيم عبد الكريم برشيد : جريدة بيان اليوم في1/12/2015

6) كلمة نقابة المسرحيين المغاربة بمناسبة اليوم العالمي للمسرح بتاريخ28/03/2013

7) الرسالة منشورة في بعض الصحف الوطنية بتاريخ 08/09/2014

 

الشاعرة نعيمة زايد مشروع شعري ممتد عبر فسح الحياة

wejdan abdulazizفي سديم سفوح صفحات الشعر، ارتجى الانتظار ان يمهلني قليلا، ليكون حضورك وحضور الجمال المتخفي في اعماقك هناك .. يقول الشاعر الفرنسي بول ايلوار:

(ليس لليأس اجنحة

ولا للحب ايضا

ليس ثمة من وجه

لا احد يتكلم

أنا لا اتحرك

أنا لا اراهم

أنا لا أكلمهم

لكنني حي أيضا مثل حبي مثل يأسي)

وهذا بمثابة تغريدة في سماء جميلة يستحضرها الشاعر بول، ليراهن ان الحياة، هي الحب ..ثم اني انصت بأمعان للشاعرة نعيمة زايد هامسة في صفحات الشعر:

(قد تكون بابي الحصين

تلج صمتي المترف

ودون رياء الأخطاء

تباهيني أناي فيوض منتصف الروح

سطوتك

لم تكن سليل الهباء

وحين تراقص الريح حلقاتك

تؤشر لروحي مرايا خارج السديم

تطرزني أحلاما زئبقية تعتق المعاني

لتمطر جنانا كأس القصيد

تعال

عرش وبالأرق الأخضر

كما الخروج مني اليك)

فانا كوني متلقيا، عشت عوالم الجمال بين بول ايلوار وبين نعيمة زايد، لاكتشف الخلجات الانسانية تمتزج بالبحث عن الجمال وعن الاخر في كوننا الكبير المضطرب كبحر تفور احشاءه، ليصدق حدسي بان الشعر هو صاحب السطوة في عولمة المشاعر الانسانية الباحثة في مساحات الحب والجمال .. وهذا ما اكده اكثر من مرة الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد من ان: (لغة قصيدة النثر الحديثة لغة حرة وانسيابية وجريئة وخالية من العقد، تستوعب الفضاء اللساني الانساني كاملا، من دون أي اعتبار للثنائية العنصرية المتمثلة في التفريق الطبقي بين المتن اللغوي والهامش اللغوي، تؤسس أنموذج فصاحتها بالمعنى الحيوي الاجرائي والعملي والواقعي للمفهوم الثقافي للفصاحة، اذ يستجيب هنا لصالح قوة التعبير ونقاء التشكيل وثقافية الرؤية ودينامية التداول)2، اضافة الى قدرة التعبير الشعري الحديث على الحوار وادامته في سدى الخلجات الانسانية النازعة، نحو افق التألق والسمو الروحي .. لـ(ان النص الشعري الحديث حوار دائم ودينامي مع الأشياء، حوار ثر مبني على ديالتيك خاص، مشحون بقيم أصيلة تتسم بالتشابك والعمق والتعقيد، يقوم بمهمة تشكيل النسيج الداخلي عن طريق ربط الأجزاء المتوازية والمتقاطعة والمتضادة في النص الشعري، وينعدم في هذا الحوار ذلك التواطؤ التقليدي القائم بين عالم القصيدة، ومساحة الفاعلية الذهنية المستقلة عند المتلقي، والمعتمدة على خاصية الإشباع المحايد لمراكز الانتظار والتوقع فيه لذلك فهي تصدم ذوق المتلقي التقليدي بما ينتظر، بمعنى ان المتلقي سيفقد فيها لذة تعود عليها، وتأسس نمط ذوقه على أساسها . لذلك فانه سوف يحتاج على هذا الأساس نوعا من تطبيع العلاقات مع عوالم النص الشعري الحديث، الذي ينهض بذوق المتلقي ويرتفع به إلى مناطق جمالية طرية وطريفة ومباغتة، تضج بسحر غير قابل للنفاد، فيكبر وعيه نحو استثمار قدرات العقل على نحو اكبر وأفضل وأكثر جذبا ومتعة.)، وبما ان محل دراستي، هي الشاعرة نعيمة زايد، لا اجد بد من التمتع في قراءة اشعارها اولا، ثم اخضاع هذه الاشعار لمحاولات جادة، عساي ان اشاركها في مستردات المعنى .. وانا (امام هذه الشراكة الحداثوية يتوزع المؤلف والمتلقي الى مدرجين: الاول قدرة المؤلف على الابتكار والثاني قابلية القاريء على خلق المعنى او ما نسميه الاسترداد)، ويقول اميل زولا : (نحن ببساطة نرسم الانسانية كما نجدها في الطبيعة، ونحن نقول ليكن كل شيء معروفا من اجل ان يشفى الجميع)، وتساؤلي هل استطاعت شاعرتنا نعيمة زايد في شفاء غليل عملية الاسترداد للمعنى، وهي تلتقي بخلجاتها مع الشاعر الفرنسي الكبير دون وعي منها اكيد، سوى تلك الخلجات المنفعلة التي اطلقتها عبر كلماتها الشعرية، لتكون احدى الشاعرات التي تقول وتصمت، تقول وتضمر في دواخلها المعاني، كي تتجسم رؤاها عبر هدوء الانفعال الانساني المتزايد في اشعارها المنبثة هنا وهناك .. ناقلة صراعها المستديم مع اشياء الكون، ومع الاخر .. اذ تقول:

(ياسيد الغابات

وقد انتبتني قصيدا

ترحلني دوال المحال . !!!!!!!!!!!!!!!!!)

 

وكأن الصراع يحمل سمات الاستمرار في اللاممكن، مادام الشعر هو المشروع الغير مكتمل دوما، باعتباره تيه، لولا فسحة البحث عن مداخل الملاذات الانسانية، كونه المعبر الوحيد الذي يعطي دفق الحلم الممزوج بخيال يحلق حول الكون ..وهكذا تبقى زايد تردد: (وأنا/ تتلبسني الأحلام)، وهنا قد احيل الى قول لامرتين : (ان افكاري تفكر لي)"، أي ان الافكار يوحى بها وتهبط اكثر مما تصنع . وهذه تحيلنا الى محاولة افلاطون في صياغة التفرد وجعل نشاط الشعراء، هو نشاط موحى به من الالهة ونحن اذ نستعرض هذه المقولات والاراء القديمة والحديثة، لندل بما لايدعو الى الشك ان الشعراء ليسوا بالاناس العاديين، بل يمتلكون فرادة خاصة، تعطيهم الميزة في افتراض الحلول .. (وعجيب ذلك الانسان، انه مخلوق لاتقف رغباته عند حد وهو لاينفك يسعى الى التسامي ويهفو الى الافضل والاحسن .. فهو لايقنع بادراك الاشياء ومعرفة الموجودات والاحداث المحيطة به، بل يستشعر في الادراك ذاته لذة ويتذوق المعرفة خالصة عن كل ما يتعلق بها من اهداف عملية، وهو لايكتفي بتذوق احساساته وانطباعاته عن الاشياء، بل يضفي عليها من خباله ما يكسبها كمالا وجمالا تستجيب له نفسه بالرضا والسرور، وعندما تمتلأ نفسه بشعور البهجة يصف كل ما يرضى احساسه وخياله بالجمال) فلسفة الجمال، ويبقى مشروع نعيمة زايد الشعري ممتد، وكثير العطاء أنموذجا قصيدتي (هدير الطوفان) و(وعلى البياض)

 ... قائلة بانفعال:

(آه

لو تعتري جمري

قوافلي

لو يموت الصمت

أوشح جنوني نشيد البدء

أجنحة فيوضك

بين الكلام والكلام )

 

وجدان عبدالعزيز

.......................

مصادر البحث:

كتاب (فلسفة الجمال) د.اميرة حلمي ـ مشروع النشر المشترك ـ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد العراق ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ص 26

كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الأردن الطبعة الأولى 2013 م ص9

قصيدتي (هدير الطوفان) و(وعلى البياض)

 

التقنيات السردية في العزف على وتر الفجيعة

ahmad alkhozaiصدر عن دار ومكتبة عدنان المجموعة القصصية (العزف على وتر الفجيعة) للقاص عادل المعموري، والتي حوت على عشرين قصة قصيرة، تنوعت ثيماتها لتشمل حيز إنسانيا واسعا، مثلت جزء مهم من الواقعية الاجتماعية، وطرحت الكثير من المشاكل والهموم النفسية والاجتماعية والسياسية، عبر سلسلة من الأحداث والصور تباينت فيها دلالات الزمان والمكان، وتنوعت فيها أساليب السرد، سلط فيها القاص الضوء على جزئيات صغيرة حملت مضامين إنسانية كبيرة، قد لا يلتفت إليها الكثيرين، بأسلوب قصصي مشوق استطاع من خلاله الولوج إلى أدق التفاصيل في حركات وسكنات أبطاله،فالتقط القاص عدة نماذج إنسانية وادخلها ضمن ثيمة قصصية ذات بنية متماسكة، مما سهل على القارئ تتبع أحداث قصصه دون أي  عناء، عبر لغة سردية استخدم فيها القاص معظم تقنيات السرد الحديثة، التي مكنته من الحضور ككاتب داخل ثنايا قصصه، أحدثت هذه التقنيات تنوعا وانتقالات جيدة في السياقات البنيوية لمجوعته القصصية، لتنتشل القارئ من مستنقع الرتابة  الذي قد يصيبه عند غوصه في السرديات المباشرة، التي طغت على الوجه العام للمجموعة القصصية .

فاستخدم القاص تقنية (المنلوج الداخلي) او تيار الوعي الباطني، بجعل بطل القصة او احد شخوصها في حوار مع نفسه ،مستعرضا ما يدور في خلجاتها، وهو في حالة ارتباط مشيمي مع الواقع المحيط به، كما في قصة (رائحة الرماد)،  تحدثت فيها بطلة القصة مع نفسها عن همومها اليومية مع زوجها، والتي دعتها إلى إلى أن تقرر الانتحار حرقا للهروب من واقعها المزري، غير ان تقنية الارتداد الاسترجاع والاستذكار او ما يطلق عليها بمصطلح (اللواحق)، كانت حاضرة بقوة في قصة (من يطرق الباب) الذي كان بطلها يعاني عزلة قسرية فرضتها عليه العوامل الفسلجية والاعتبارات الاجتماعية، كونه مصابا بعجز جنسي ساهم في إحداث خلل اجتماعيا كبيرا في حياته، كانت نتيجته طلاقه من زوجته، فاختار العزلة في بستان مع كلبه، يقضي معظم اوقاته فيه في حالة من لارتداد الاستذكار والاسترجاع لماضيه الحزين، واستخدام مثل هذه التقنية ساعد القاص على اختصار الزمن وطي المسافات، وشغل حيز كبير من النص الأدبي وسد  فراغات في داخله، مما يولد الشد والإثارة لدى القارئ .

وفي قصص (العزف على وتر الفجيعة، ذئب الليل، رصاصة مشتهاة، نزيف البنفسج، دماء ساخنة، وابتدأ المشوار، للزقاق طقوس أخرى،عودة الرجل الميت، طوفان الدم)، استخدم فيها القاص أهم تقنية  في السرد القصصي  والتي اسماها جيرار جينيت (الثنائيات الداخلية للقصة)  .. وهي حالة الارتباط بين زمن القصة وزمن السرد، وزمن القارئ وزمن الكاتب، فقد تناول الكاتب في هذه القصص مجموعة من المشاكل والنكبات المعاصرة التي مر بها مجتمعنا العراقي خلال الحروب والحصار الاقتصادي والإرهاب، بحيث جاء السرد القصصي متوافقا مع الواقع الاجتماعي الذي عاشه ويعيشه الانسان العراقي المعاصر،مما جعل القارئ في حالة من التعايش الصادق مع الأحداث، كونه عاش جزء منها وتفاعل معها سابقا وحاليا، وهذا يخلق نوعا  من الإثارة والحميمية بين القارئ والحدث .

وقد تحاشى القاص الاسترسال في السرد، وتجنب إثقال النص الأدبي بالمفردات والتعابير اللغوية وغيرها من الآفات التي قد توقعه في مطبات لغوية .. لكنه قد يؤخذ عليه،  لجوئه إلى الحوارات  الطويلة بين أبطال قصصه، على الرغم من ان المشهد الحواري جزء من تقنيات السرد، غير ان حالة الإسهاب في الحوار التي شابت بعض القصص، والتي تجاوزت حدود ومفاهيم القصة القصيرة،قد ساهم في إحداث نوع من الإرباك في البناء الداخلي لها  ..واعتقد إن لجوء القاص لمثل هكذا أسلوب هو لتسهيل المهمة على القارئ في تتبع أحداث قصصه ومساعدته على فك بعض الشفر داخل نصه الأدبي .

العزف على وتر الفجيعة للقاص المثابر عادل المعموري، تجربة رصينة حملت مضامين اجتماعية مختلفة ، بلغة سردية معبرة، كانت في تماس مباشر مع واقعنا الإنساني.

 

 

التورية والنمطيّة المحسوسة.. الشاعرة الكندية إيزابيلا كرفورد في قصيدة: روز

adnan aboandolisبتسمية مجردة من إضافة،عنونة الشاعرة قصيدتها بـ – روز – قد يتبادر إلى ذهن القارئ حالاً، أن هذا العنوان يحمل إسم أُنثوي، ربما تكون الشاعرة قد كتبت قصيدتها هذه وأهدتها إلى صديق – بتورية الإسم فقط، فـ روز – كلمة منغمة بحروفها الثلاث المنفصلة،تحمل إيقاعاً منساباً بموسيقاه حين التلفظ بهِ، حرف الواو هو الفاصل بين تعاشق حرفي – ر \ ز، فهو أي حرف الواو المنغم بينهما . لو عدنا إلى جذر الإسم ومعناهُ – يقال أنهُ اِسم يوناني ومعناهُ- وردة،لكنهُ يلفظ بلكنة متداولة عالمياً بلغات أخرى ومشتقاتهِ – روزة – روزا – للتحبب بجمالية اللفظ المتطابق  مع المفردة رّوز –  العربية والتي تعني – الّرزن – المقدار في جناس كامل،لكن المعنى متفاوت وليس المراد منهُ المعرفة كـ معنى، بل مقارنة للتشابه بينهما شكلاً . فهذا يبعد الجذر اللغوي لمعنى الاِسم تقول :

أعطيت T سعادة روز للاِنسان تلك

هو، يرى فجأةً

في السنوات اللاحقة

يجب أن نتذكر سريعاً

العالقة، أول قبلة الحب

ومشاركة الدموع العالقة في الحزن

ترتكز معظم نصوصها على مفردة تناور بها وتبقى متأرجحة،تختفي حالما يوغل المتلقي في النص،ثم تظهر فجأة لختم القصيدة قبل كشف المراد منهُ،هذا القصد تعتبره غموضاً محبباً لديها، أو هو ربما تورية مفتعلة تراها قد غطت المتن المكشوف بغمازة للتجمل تموه خيالاتها ببعضٍ من الأساطير كي تضيع  على الدارس الكشف الجزئي لروح القصيدة،وهذا شأنها في أكثر كتاباتها النثرية،حيث في قصيدة – روز – يلاحظ – أعطيت وليس أهديت – للتأرجح والمناورة فـ حرف-  -T ربما تعني top- - هي قمة – عليا من السعادة الحقيقة لذلك الاِنسان كهدية – وردة في عيد الحب – فالتذكر العالق هو – القُبلة – كنمط متعارف عليهِ بين الأحبة – والدموع العالقة هي قاسم مشترك بينهما :

أو،كونهُ أعمى، ينبغي أن يشعر روح الحنين لها

متماسكة بكل العطور

ثقب جولة بلدهِ

حتى أنهُ يجب أن ترى على التمرير

وافرة في الذاكرة

كل الورد أنه معروفاً

افتراضية بـ أو – للتخير بين حالتين – شخصين – كون الوردة مهداة للمبصرلوناً و للأعمى رائحة،فالشعور الكامن في الأعمى – يلتمس منه الحنين – دون الرؤية،فشعور الأعمى بالعطر الكامن والنافث عمقاً – هو يتحسسهُ دون الرؤية، التماسك مرتكز على حالة الإستذواق – الحسّي – الشّم – فالعطر محسوس دون مشاهدة،ربما يرى هنا بـ تراسل الحواس العاملة في هذا المقطع المميز بنقد الشاعر – لويس دوديك يقول: أن الشاعرة ركيكة الإسلوب – جوفاء – رتيبة النظم سطحية لا عمق فيها، نصوصها ركيكة – نمطية، فمشاعرها تجاه الآخر مزيفة مبنية على تشكيل الأساطير، وبتوظيفها تتبع نمطاً في تصوير العالم على أنهُ ساحة معركة بين الأضداد مثل – النور والظلام \ الخير والشر \ البقاء والفناء – هكذا تبنت النمطية كخصوصية تتوسم بها رؤاها أبداً. 

 

عدنان أبو أندلس

 

نص: "تاريخ الماء والنساء" بين التجربة والتمرد

wejdan abdulazizمن النصوص التي تدفع المتلقي أن يعيش إشكالية التجربة النقدية التي عايشت نصوصا مجنسة تماوجت بين ما هو سردي والآخر شعري، وأحيانا عبور الأول إلى الثاني أو بالعكس، ورغم هذا نتلمس انساقا واضحة المعالم، ممكن التعامل معها حسب الرؤية التقليدية السياقية، إلا أن انفتاح النص الحديث على الرؤى الحياتية بوعي جمالي، تطلب منا الوقوف بحذر وبأكثر من قراءة، وقد لا نصل إلى المبتغى المطلوب، (فالنص ـ الآن ـ كائن يحيا ويعيش متأثرا بظروف الزمان والمكان أسوة بالشاعر /منشئ النص، الأمر الذي افرز فكرة شعرية جديدة تصل حد التطابق مع ما نعرفه عن التجربة الصوفية، فالمعرفة عند المتصوفة معاناة معاشة، بمعنى إن الصوفي يحيا ويمارس أفكاره إلى الدرجة التي فيها "الذات" محورا للمعرفة ..) 1، مما نجد هناك في نص (تاريخ الماء والنساء) حياة متحولة اختلطت فيها تجربة الشاعر أمير ناصر التي تبلورت عبر عقود من السنين وخلجات الشاعر الشاب عمار كشيش الذي حمل روحا متمردة على ما هو مألوف وسياقي، لهذا تفاعلت الرؤى فكريا، مع صراعي ذاتي منفرد احيانا وثنائي اخرى، مما أعطى للنص انفتاحا موضوعيا يتطابق نوعا ما مع تسميته بالنص المفتوح، حيث شخص الناقد عبد الله الغذامي ثلاث حالات بقوله (تعودنا ـ نظريا ـ على تقسيم حالات تلقي النص إلى حالتين، هما: حالة الإقناع، وحالة الانفعال، ولكن يبدو ـ اليوم ـ وكأننا في مواجهة مع معادلات تلزم منا إعادة تصنيف حالات التلقي لدينا وهي حالات أراها أصبحت ثلاثا .)2، وشخص الأولى بحالة الإقناع ذي التوصيل العقلي، والثانية بحالة الانفعال وتعتمد على التعبير الذاتي المرتكز على الحس الوجداني المباشر الذي ينشأ عنه انفعال تلقائي، وكان ميلنا اعتماد الحالة الثالثة، وهي "الانفعال العقلي" وكما أسلف الناقد الغذامي : انها تضمن للنص الشرط الجمالي وتعني الخلط بين الوظائف العضوية للإنسان، أي الحسية والعقلية بمعنى ترويض العقل ليكون إنسانيا، بمقابل ترقية العاطفة لتكون انتظامية ومهذبة، وحينما نمعن في قراءة نص الشاعرين نلاحظ اختلاط آخر، تمثل باختلاط السردية مع شاعرية النص بنكهة المحاولة الواعية والجادة منهما في إثراء النص بالكامل بالمعرفية والتناصات المتتالية مع المدينة وتاريخها ومع المرأة ككيان حي يتنفس الحياة في أجواء عطاءات النهر والماء، (وبذا فان الشعر هنا ليس فعلا تدوينيا كما ان كتابة قصيدة لاتعني إضافة مؤلف إلى رف من رفوف المكتبة، بل هو نوع من المكابدة اليومية التي يواجهها الشاعر عبر معراجه الذي نسميه النص، ان هذه الانعطافة التي شهدتها المرحلة الشعرية الجديدة في العراق، والتي أجملناها بالتحول من شعرية المعرفة إلى شعرية التجربة، لم تكن لتحدث لولا توافر عدد من المبررات المشروعة لمثل هذا الانحراف)3،.. إذن ملاحظتنا عن انحراف النص أعلاه موضع دراستنا، هي باجترار التاريخ بطعم الواقع، جعلنا ندل على تحولات النص الشعري المشترك بين أمير ناصر وعمار كشيش، برسم لوحة بعدة زوايا مختلفة، قرأتْ أوجه الوجع والألم والحزن و والأمل والفرح معا سواء في وجه المدينة أو المرأة، و(هذه واحدة من أهم وظائف الشعر حققها لنا الشاعران وهما يشيران إلى طبقات الجمر والرماد التي في الروح مثلما هي تحت آدمة المدينة التي كررت تاريخا قديما من التراجيديا السومرية دون ان تدري، لكن الشاعرين التقطا عناصر هذه التراجيديا وجسداها في نص شعري جديد وجاذب يكاد ينزلق نحو السرد لكنه يأبى ذلك لكي يحتفظ بنبضة الشعر الحارة إلى نهايته) "خزعل الماجدي" وهذه الوظيفة أظهرت نزوع الشعر الجمالي نحو تأسيس عالم من الحلم والتنبؤ بافاق من السمو، وهو بحث يمزج بين الممكن واللاممكن، رغم ان الشعر ضمن منطقة اللاممكن، كما هو ديدنه .. جاء في النص ما يلي : (أصغيت طويلا إلى الماضي عبر اختفاء مدن المياه وتآكل فضائها... رأيت لحظة مخبوءة في الزمان، تأتي وتمضي وتأتي كما لو كانت رؤيا تبحث عن ذاكرة فما كنت احسب ان الأشجار في مدينتي تموت غير إنها ماتت وبعضها أشطأت في جذع منخور، عرفت إن أحزاننا الجميلة وحدها التي لا تزول، وأوراق المخطط التي تهرأت في دار البلدية لا معنى لها فالمدينة تمحو الخطوط وتمحو خطى الحاكم الانكليزي فيها وتمحو في التراب بذور أشجار جوز الهند الوافدة، وتبدأ من نقطة هناك، من المياه القديمة التي تنهمر من احد أكتاف دجلة الوسطى فتغمرها بالخراب او النماء... من كوثي الموصولة في دلمون... وليست المياه القديمة وحدها وانما مشيئة الالهة وبؤس الطائفين في ممالك الماء.... كلما شرعت بتسجيل الارقام والتواريخ والامكنة اجد نفسي مؤرخا خارج الوقائع ففي مدينتي اشجار اشطأت ومعبد يسمونه القصر ونهر اعمى، ونهر آخر بعد ان حفر مجراه الجديد بوسائل حديثة، ومسرح مدرسي ونحات فطري وشاعر مثل جمع من المجانين وخريطة مهملة لمهندس أجنبي...)، من هنا وجدنا ما قاله أدونيس عن القصيدة، من ان : (القصيدة المنفتحة ذات الشكل المنفتح تتضمن مبادهات ومقاربات تغير باستمرار مقاييسنا الشعرية والجمالية : من هنا يعارض الشاعر الجديد الثبات بالتحول، والمحدود باللامحدود، والشكل المنغلق الواحد المنتهي، بالشكل المنفتح الكثير اللانهائي، ويعلن أن الشعر تجاوز حدوده النوعية القديمة، وصار عالما فسيحا من الأوضاع والحالات الروحية والتعبيرية، فيما وراء الحد والنوع، وفيما وراء كل قاعدة وكل تقليد.)4، فـ(الموجود الحقيقي هو الشاعر، وهو القصيدة : وفي تعاقب القصائد وإكمال بعضها بعضا، ما يغير فهم الشعر أو النظر إليه . فالشعر أفق مفتوح . وكل شاعر مبدع يزيد في سعة هذا الأفق . اذ يضيف إليه مسافة جديدة . وكل إبداع هو، في آن، ينبوع وإعادة نظر : إعادة نظر في الماضي وينبوع تقويم جديد. وإذا كنا نعني بالشعر، الشعراء وقصائدهم، فان إدراك معنى القصيدة أساس أول في إدراك معنى الشعر . والقصيدة شكل إيقاعي، واحد أو كثير، ضمن بناء واحد، لكن الشكل الإيقاعي وحده لايجعل بالضرورة من القصيدة أثرا شعريا فلابد من توفر شيء آخر اسميه البعد، أي الرؤيا التي تنقل الينا عبر جسد القصيدة او مادتها او شكلها الإيقاعي . القصائد كشكل إيقاعي لاغير، ليست شعرا، بل مصنوعات شعرية اذ ليس الشعر علما ينميه ويطوره شيئا فشيئا بحاثون وعلماء)4، وهذا الانفتاح احتوى معرفية تشعبت بين التاريخ الموغل في القدم، وبين تاريخ الواقعة العيانية المعاشة التي عايشاها الشاعران، ولربما تلاقحت ذاكرة امير ناصر وذاكرة عمار كشيش بزق الأولى معلوماتية للثانية، وتتلقى الثانية هذا بوعي شحنها باتجاه اثبات موقف بان (الحاجة الى الجوع أسمى من الحاجة إلى الشبع)، فالشاعر أمير ناصر يقول : (علمني سعد الصفار أن أحسن قراءة المدن، وعلمني أن انتقي جملي، وعلمني أن أكون وحيدا، قلت في فراقه الأول :

تذكرتك ليلة البارحة

وأسرجت ذاكرتي للقاء

وهيأت صحبي وهيأت صحبك

وكأسا لي وكأسا لك

وأخرى للذين رفعنا لهم صورا

ع الجدار الأمين

وصوت المغني الشجي الأنين

(كرام الحي متى عيني تراكم)

وخامسة لي ...

وتتوحد الرؤى بين الشاعرين بدلالة النص : (لست أمير أو عمار، بدافع الشهامة اكتب نيابة عنهما)، ثم يتصاعد الصراع والقلق في هذه الرؤى الممتزجة في النص، وكأني بهما يصارحا بعضيهما بعبارة : (النص كون مجنح لماذا تقيده بهذه العبارة)، (النص نهر أو شجرة في الأرض، على حائط المعرض فواحة) ...

لتكون المعادلة أمير + عمار = النص، لكن النص بدى ممتلئا بالشعر والسرد، مثلا عبارة: (الماء يضحك في النهر مثل السماء، كلما نرميه بحجر يبصق في وجوهنا / الشجرة أرملة مهملة يتساقط ثمار بكاؤها)، وفي قمة نشوة القراءة أتذكر ما قاله الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد : (فاذا كان تعدد المناهج النقدية دليلا حيا على خصوبة العقل الإنساني وفاعليته ورفضه السكونية والثبات والكسل والقناعات النهائية، فانه في الوقت ذاته دليل تمدد وانفتاح وخصب الحقل الأدبي الذي تشتغل فيه تلك المناهج، وما تطلع في أرضه من ثمرات جديدة ومغرية ومثيرة وما يجري على الأنواع من تجدد وتحديث)5، وهذا مانراه حاصلا في نص (تاريخ الماء والنساء) للشاعرين أمير ناصر وعمار كشيش تاركين الباب مفتوحا لقراءات أخرى، قد تجد ما لا وجدناه هنا ..

 

وجدان عبدالعزيز

.......................

مصادر البحث

1 ـ كتاب (تحولات النص الجديد) جمال جاسم أمين /دار الشؤون الثقافية العامة /الموسوعة الثقافية رقم 95 الطبعة الأولى ـ بغداد ـ2010م ص57

2 ـ كتاب (تشريح النص) عبدالله الغذامي / المركز الثقافي العربي الطبعة الثانية 2006م ص51

3 ـ تحولات النص ص59

4 ـ كتاب (مقدمة للشعر العربي) ادونيس / دار الساقي / بيروت ـ لبنان / طبعة منقحة 2009 م ص96 وص98

5 ـ كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الاردن الطبعة الاولى 2013 م ص

6 ـ نص (تاريخ الماء والنساء) للشاعرين امير ناصر وعمار كشيش /دار ميزوبوتوميا / بغداد شارع المتنبي / الطبعة الاولى 2013م

 

بين لغة الجسد وإيحاءات النص الحالم

ahmad alshekhawiتجب الإشادة ابتداء بكون الصيغة الجمالية ليس دائما تفيد الأغراض الرومانسية كما طواعية الانسلاخ الذاتي عن واقع مقيد بالمكشوف الذي قد يغني عن المقال .

وهو كلام ينطبق على التوجه العام الذي تنتهجه بعض الجوائز الرامية إلى ترسيخ ذائقة هشة من إفرازات تغليب تقديم الخدمة المأجورة للغة الضاد على حساب إنسانية المبدع.

تلكم لعمري ممارسات جبانة وموغلة في طمس معالم ثقافة النهوض بقيمة الفرد في مجتمع يرفض تسييس القصيدة ليبرر انتسابه إلى ماضوية تعيق فكر تدارك قافلة الطليعة ضمن عولمة صارخة وأكثر استحواذا وإذعانا للهاجس المستقبلي في حمى حنينه إلى الجذور والذاكرة.

ولعلّ الشاعرة البحرينية فوزية السندي من أبرز الأسماء المنشغلة بتقنيات حلمية الواقع وبرزخيته في المعالجات الإبداعية المأخوذة بتعرية المسكوت عنه وملامسة العوالم الخفية وتوصيفها بحس تجريدي مرهف وأنأى ما يكون عن المذاهب التنكّرية ولعبة الأقنعة.

تطالعنا بتجليات ذلك حتى في لحظة توليد المواقف ذات الحساسية الخاصة تجاه مفهوم الهوية والانتماء، ومنذ المنعطف المجسد لحسم ظاهرة الصراع البنيوي لصالح قصيدة النثر والمذيل لتجربة باكورة أعمالها " استفاقات" المغرقة في البنية التفعيلية آنذاك.

" حبيبي،

يا هذا الزهر الشوكي النابت في قلبي

في ليل يحترف الحزن

وطن يحترف العزف على أجساد الموتى

غبار الهمّ النازف من جسدي

يا وشما

محفورا كإله الخصب على الدم

يا وطني،

هذي الأرض الحبلى العطشى

المحمولة ختما في ذيل مماليك الوقت

تكاد تسمى وطني

أتحترق الدهشة في هذا الموال المأخوذ بسحر

الكلمات

دفء الجلسات

أتحترق الدهشة؟

وجه حبيبي حلم لاهث

عشق يجتاز ممرات الوهم المفزع

يبحث عن وقت يثمر نهم الدم،

رب يعطي الشجر الظامئ دفء الغيم،

دفء يمتد ليحتضن العشاق

في وطن جلاد

يغتال حنين الشعراء لصوت الماء،

حبيبي

صوتي آت من خلف ركام الكون

من وطن يتدحرج في ذاكرة الشمس

في عيني طفل

آت

ليعيد لهذا البحر قداسته

للحب طهارته

ويحلل ملحمة العشاق المنسية تحت عباءة

الكهان

يا وطني،

يا هذا الجرح الممتد في قلبي إلى تيه الحرف

يا جسرا رسمته الأيدي

بقيود هرمت

مازلت قيدا لعيون الوطن الضوء.

وطني،

أحمل حزني قنديلا في صمت ليالي الغربة

حرفي إزميلا للرغبة

مازال دمي ينساب ليرم في عينيك وجه حبيبي

والشمس

ينساب ليزهو في قلبي

حبيبي،

أيجيء الضوء المنفي إليك  غدا

في ليل بلد الجرم

وطن يحتفل بأعراس النوم

أيجيء الضوء؟"

...............

" ربما هو الحب أن لا ترى أحدا

أصابعك تمور برعدة الوحدة في دغل الفضة

وأنت تلاطف هديل الرغبة

أن لا ترى غير مقعد فارغ في منتزه بعيد

كان ذات مساء لك."

...............

"وقفنا قليلاً..

أدرنا الهواءَ فيما بيننا

ثم ابتعدنا،

لنداري ما استحل وأردانا

كنعشين يعتصمان ببردِ الوحشة

ضد بدء خنق استوى لهذا التراب:

مشيئةُ الدربِ الأعزل ، جريرةُ الأزلِ الأعمى،

غاوٍ تفانينَ العذاب

لماذا كلما رآنا نستهل لروع ٍ يجابهُ أرواحَنا،

راح يسترد هلعةَ الشغاف"

..............

"عدت الى البيت

لأرى الحرف الناهض يستبكي الطاولة

الورقة الأخيرة تهفهف بمشقة ثكلى

حجرتي تناوش الجدران بحثاً عني

حتى الهواء القليل راح يستنهض صدود النوافذ

عدت الى البيت

لأرى لا شيء يشبهني."

..............

تنهض من جحيم الأرض

من كل بيت أضاء القصف شرفة دمه

 من كل جسد داهم القتل بزناد الغدر وردة قلبه

 من كل جنين أفاق ليرى النوارس تتعمد بالزيت

 عاليا تحرث الهواء

 وتسال حصاد الفضيحة:

 كم طفلا سنغمد بين الصخور وفتوى القذائف؟

 كم جثة ستشتعل في عراء العذاب؟

 كم حربا ستنفجر كل نهار؟

ليمرح الطغاة حول نار القبائل

و ليعلن هواة الدمار خاتمة الكوارث.

 كل موت..

 نراهم حفاة يرجون الحدود بما تبقى من خطى

 بحرا من جراح يفاجئ تعب الصحراء

 وطنا يتوضأ بالأنقاض

 وعراة يفترشون خرائب تتلو وصايا الفاجعة..

 كأن بغداد في احتضار مديد

مديد كوقت الذبيحة

بركان يكسر مخلب الخلافة

 ومن قسوة حصار يقتحم المدن

نرى مطرا

 مطرا ينقض على رعشة العرش

لتخرج الشعوب من أشلائها

 من صدوع شجها العسكر رمحا رمحا

 حتى فاضت الأرض بقناديل الدماء

 تنهمر الشعوب من سرادق القمع نهرا..

 نهرا.. وترفع الرغيف عاليا في احتدام الهتاف.

 البلاد بكاء

 والمدى منفى

 نلوح لك أيها الدخان

 كن رؤوفا بنا

 لا تقسو كحزن الأرامل

 لم يعد الموت كافيا لننسى

 ولا الدم الذي يحتضن الضحايا أخرس لنسأل

 ولا اللاجئون في حنان الجبال ساهمون لنسهو

قل لنا:

 كم قتيلا لم يمت؟

كم أسيرا لم يعد؟

 كم صرخة لم تصل من رئة العاصفة؟

 قل لنا:

 أي أفق لنا؟

 غير خيط من حشرجة الريح

 غير همس دخان يحتضن دوار الخليج

قل لنا:

 والثلج طريق

 والجوع خيمة

 أي عقل يقبل فصاحة التواطؤات؟

 أي قلب يرى العراق حديقة موت ويخفق صامتا عما يراه؟

 أي عزاء يقوى نزف النواح؟

 والأهل يغادرون عظام الأسلاف وجنة الذخائر

 كأسراب يمام منذور لحصاد الطعنات

لتهيم الجنازة وحدها

خلف صبية يجرجرون عريهم وصرخة موتاهم

 خلف نسوة يرفعن سهاد المهود وهياكل الرضع

كقرابين لقسوة القمم..

 يا لصباح الموت الصعب

 لك يا وقت تاريخ مطعون  بنسل مغدور

 لا يسال هاوية الملك

 هل ملهاة تدير الحفل

 قيامة تؤجج حكمة الهتك

  أم  ظلام شطرنج يلهو ببياض الأرض؟

  أما من مفر؟

كم رمادا تبقى لك يا مقبرة الريح؟

  كم جمرة لك أيها البيت البارد

لتمنح الساهرين مساءا أخيرا

قبل أن تجن الصاعقة ؟

 كم ألما تبقى أيها المستقبل؟؟

  بانتظارك نذبح

  كأننا الضحية والوطن سيد العقاب!!

   يا ماء البصرة

   يا دم كربلاء

تهيأ للصلاة على جثة الولاء

 فلا مفر..

  ثمة غبار أصفر يحنو

   يحرس جذوة الرفات

  وجماجم تؤسس المتاريس

  تصد ببياضها دخان المعارك

  ولا أحد  خلف الزناد

 غير غبار أصفر يعلن خديعة الهدنة.

   هل حنين يشبه اليأس

  تاريخ هو الخجل

كل ما تبقى لنا ؟

كل شيء يحترق الآن

   بطيئا

           بطيئا

               ب ط ي ئ ا

في سهرة هذا الليل الطويل

   السماء تغادر

و الارض لغم في غمد الرماد

  وهذا النهار خاتم عرس

لكل مليك يجز رعاياه على صوان البيعة

  والبلاد خوذة

مرهونة لجند مدججين بالفزع

و لاشيء

 لا شيء سواك

 سوى

صرخة

 تنهض من رميم الخنادق

 وبأس الملاجىء

 صرخة تقود الحشد النازف لمدار الذبيحة

 صرخة تمتحن ذاكرة الناس..

  صرخة لتاريخ الهزائم.

هكذا تتأتى شعرية العزف على وثر الومضة المبطنة بالمفارقة منقوعة في الخطاب الرّسالي الساخر . طاقة كاملة للجسد وجموح منقطع النظير للغة الإتكاء على معجم خصب تنساب أحرفه نازفة ومتخبّطة في دمها من هول الصرخة وجراء إملاءات المعاناة الصادقة في انجذابها إلى طقوس مخاتلة ورؤى نعسانة تتشرب حدّ الثمالة تاريخ الهزائم.

 

أحمد الشيخاوي

 

أسئلة الرواية الاماراتية.. دراسة لخمس روايات اماراتية

1- أميرة حي الجبل.... لعلي احمد الحميري

2- إمرأة استثنائية لعلي ابو الريش

3- لعله انت...... لباسمة يونس

4- بين حين واخر..... للميس فارس المرزوقي

5- ريحانة..... ميسون صقر القاسمي

 

تعريف بالمؤلف

صدر للمؤلف ثمان مجموعات قصصية ابتداء من عام 1999 وحتى عام 2010 (قزم وعملاق”،1999 و”الداسيات”،2000 و”ذرة فوق شفة”،2001 و”شيء من هذا القبيل”،2001 و”عيون السمك الباردة”،2002 و”شفافية الثلج”،2003 و”خربشات على أديم الكثبان،عام 2008 ) الجدران” و”تيجان البونسيانا” 2010

 ويعمل الان على إصدار رواية جديدة بعنوان “كوكب الخوف” يتناول فيها "الربيع العربي”   بطريقة تحليلية،  ويقول الحميري  إنه   لايسعى في روايته لتقديم وجهة نظر معينة أو الاصطفاف في طرف، لكنه يحاول فقط أن يفهم الظاهرة،  ويغوص في أعماقها، بتحليل المقدمات والإرهاصات التي سببتها، وذلك في   إسلوب يحاول  أن يكون إضافة جديدة لما قدمه في قصصه السابقة.

هذه الرواية هي الجزء الأول من ثنائية،كما يقول المؤلف علي أحمد الحميري،وأنه أعاد كتابتها ربما أكثر من سبع مرات، واستغرقت كتابتها حوالي الاربعين سنة، وهي من منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات  في دولة الامارات العربية المتحدة.

ورواية (اميرة حي الجبل) تقع ب380 صفحة من القطع المتوسط وقد صدرت في عام 2014

يقول ماركيز انه ينصح الكتاب الروائيين أن يكتبوا ما وقع لهم، ويمكن أن نظيف إن الروائي لابد أن يجنح للخيال في صناعة شخصيات روايته، وفي الرواية الحديثة لامناص من رؤية ثقافية لتلك الشخصيات بحيث تتحرك بعقلانية لتمثل الواقع بحيادية،وهكذا قام المؤلف بتطويع مافي ذاكرته من خزين عن عالم الخمسينيات من القرن الماضي،ليضفي عليها ما يتمتع به من مخيال روائي، ليقدم لنا هذه الرواية التي حرص ان تكون شاملة للواقع الموضوعي دونما مبالغة تبعدها عن ان تكون رؤية صادقة عن ذلك الواقع هذا مع العلم ان بعض الروائيين يعطي الواقع صورا رمزية او يلبسه استعارات تغيّر من معالمه الظاهرة ،وقد يلتبس الامر على المتلقي

ففي رواية (الجحيم) لدان براون (مؤلف رواية شفرة دافنشي)، والتي صدرت في عام 2013 بعشر لغات مرة واحدة، صّور براون مدينة مانيلا عاصمة الفلبين، على إنها بوابة الجحيم .

حيث تقوم إحدى شخصيات الرواية بالسفر إلى العاصمة الفلبينية ضمن بعثة إنسانية، وتصعق بما تراه من الفقر وتجارة الجنس والتلوث. كذلك تتعرض للاغتصاب من أفراد عصابات محلية. وقال فرانسيس تولنتينو رئيس هيئة تنمية مانيلا، إن تصوير المدينة لم يكن دقيقاً، ويمثل إساءة للكاثوليكية، وجاء في بيان له: «ندرك أن روايتك عمل خيالي ولكننا نشعر بخيبة أمل جراء تصويرك غير الدقيق لمدينتنا الحبيبة». وأضاف: «مانيلا مركز الروح والدين والأمل في الفلبين. نأمل أن ينير هذا الخطاب الطريق أمامك ويرشدك في المرة المقبلة التي تستشهد بها بمانيلا في أي من أعمالك». وأشار تولنتينو إلى أنه تحقق في سجلات الهجرة، وتبين له أن براون لم يزر المدينة أبداً!!!!.

أما المؤلف علي الحميري فيقول : لابد أن ينحاز الأدب إلى واقع الإنسان الحقيقي. فأنا أتابع تداعيات الواقع على البشر، وأرصد مشاعرهم تجاه الحياة وما فيها من عناء وفي نفسي حنين دائم إلى “الحارة” القديمة التي عشنا فيها، والتي تلاشت اليوم في ظل التطور المتلاحق، وتلاشى معها كثير من قيم ذلك الزمان، ورغم أن الحياة كانت شحيحة سعادة واحساسا  وكان إنسان ذلك الزمان فقيراً بمقاييس الحاضر، فإنه كان أكثر بقيمة وجمال الحياة، وذلك لقوة الروابط الاجتماعية، ومتانة التواصل بين أفراد الحي الواحد.

 واليوم يكاد المرء لا يعرف جاره، ولا تربطه به أية صلة، وأصبحت

الحياة في مجتمعاتنا تتجه إلى الفردانية، والانغلاق على الذات، ولذلك فالكاتب عندما يستعيد حياة ذلك الزمان ونماذجه البشرية فإنما يستعيد تلك القيم الإنسانية النبيلة، ويثير انتباه الأجيال الحاضرة إليها، لعلهم يستلهمونها

 

ملخص  رواية أميرة الجبل

أبوعزيز من الأثرياء الجدد ومسؤول البلدية، يقوم ببناء قصر في حي فقير بعد ازاحة مبانيهم البدائية بحجة انها بنيت تجاوزا، تعمل في القصر مجموعة من الخدم الذين يستبدلون بشكل متكرربسبب سوء معاملة أبو عزيز لهم .

يسكن مع أبو عزيز، زوجته وهي امرأة من العشائر التي تسكن في الجوار، وهي طيبة ودمثة الخلق،وابنه عزيز وابنته، وأخت زوجته وتدعى صفية وهي طالبة في الثانوية، وصالحة  وهي من العائلة، فضلا عن السائق سعيد

يتوسط محسن وهو من المنطقة لدى أبو عزيز بالحاق محمد للعمل في القصر،

محمد،طالب ثانوي ومناضل في منظمة سرية تعمل ضد الوجود البريطاني وقد استشهد أبوه(الشيخ سالم العمر) في أحدى المعارك، وحين بدأت السلطات البحث عن محمد، اضطر للتخفي والعمل كخادم في القصر،

تبدأ قصة حب بين محمد وصفية،وتراوح العلاقة بينهما بين مد وجزر بسبب رد الجميل، من  محمد لأم عزيز التي كانت تعطف علية، وحين تعرض عليه صفية الهرب سوية والزواج يرفض لأن هذ السلوك لاينسجم وتربيته الاخلاقية

تجتمع العشيرة التي ينتمي اليها محمد والعشائر المتحالفة معها لاختيار أمير جديد بدلا من الشيخ سالم العمر والد محمد، ويتفق الجميع عل تولية محمد أمارة التحالف العشائري.

حين تقف أم عزيز على القرار وتعلم إن خادمهم أمير التحالف الذي تنتمي اليه عشيرتها، ترحب بالعلاقة بينه وبين صفية

ويتنتهي الأمر بزواج محمد وعودته الى الدراسة والى عشيرته،وهنا لابد من التنويه إن الحميري،لم يكشف لنا،عما إذا كان بطل روايته قد عاد الى نشاطه السياسي المعادي للاحتلال البريطاني أم لا،وهذه النهاية تدفع بالمتلقي الى الاعتقاد،أن الرواية تعرضت لبتر غير مبرر،وقد يبرر المؤلف ذلك بما يعدّه من سرد في الجزء الثاني من روايته .

وفي الحقيقة فإن الروائي علي أحمد الحميري قد كتب( حكاية) بنيتها السرد من حيث تتابع الاحداث وكينونتها، حدث واقعي،نقله التخيل الى فضاء السرد الروائي، بما استخدم الروائي من استعارات وتشبيهات تحمل الدلالة والاستعارة، فالاستعارة والتشبيهات يمثلان أساس الخطاب في الرواية.

ورواية الحميري ، أقرب الى روايات الستينيات الرومانسية وتلتزم  بالزمن  الخطي،  وتتضمن 55جزءا، تبدأ بالإطلالة الاولى وتنتهي(اختراق آفاق الغموض) و  تتراوح مساحة الاجزاء بين الصفحتين والثمانية صفحات،وعلى الرغم من انها في المجموع تمثل فضاء الرواية الا أنه يلاحظ

1- إن العناوين الفرعية، يمكن ان يشكل كلا منها قصة قصيرة منفصلة،وإن تعددها قد يدفع بالمتلقي الى الشعور  بان المؤلف عمد الى محاولة تشتيت فكره،ولكن من الواضح ان المؤلف هنا عمد الى الاخذ بظاهرة الحداثة الروائية،وان هذا التفتت هو مظهر خارجي لم يؤثر على تماسك بنية الرواية ووحدتها .

2- إن معظم العناوين الفرعية، يمكن أن تكون دلالات وعلامات موحية،فهي تتراوح بين العناوين المجازية والرمزية،اكتشاف برعم،فصول الحب الاربعة، وعام أقرب الى القرية .

كما إن هناك  عناوين فرعية، تحمل تعبيرا مباشرا يكشف ويفسر ما سيأتي من سرد،كالزقاق الكبير، لعبة حواء الخالدة،وغيرة الاميرة.

وتوظيف التاريخ في الرواية، لم يكن الغرض منه التعريف بالحراك التاريخي وانما كمقطع تجري عملية السرد في فضائه، من هنا، ابتعد المؤلف عن الحديث عن وقائع تاريخية تفصيلية واكتفى بالحديث عن مزاج فضاء الرواية في تلك الحقبة التاريخية

والرواية بشكل عام هي رواية شخصيات،فقد زاد عددها على الخمسين شخصية، لم تكن كلها فاعلة في عملية السرد، فقد عبر بعضهم، فضاء الرواية على عجالة حتى دون ان نتبين ملامحه،ويمكن بناء عليه الاستغناء عنها دون المساس بمسارات السرد،

ولم تتضمن الرواية  أحداثا تذكر، وكرست جلّ مسارات السرد للمنلوج الداخلي، وهي رواية يحكيها راو هو (علي محسن) الذي يدخل في الفصل الأخير من الرواية، في صلب عملية السرد بعد أن دفع به المؤلف الى الواجهة ليسافر بصحبة اخته وابن عمهما الى انكلترا، ويبدو ان المؤلف يمهد بهذه الانتقالة الى الجزء الثاني من الرواية.، فالسارد(علي)، بانطلاقه في سرد حكايته يكون بذلك مفتاحاً لإطار جديد تبتدئ فيه الأحداث ضمن زمان ومكان جديدين،ومعهما يُستكمل رصد الفضاء الروائي،الذي تتمدد جغرافيته ويتمدد زمانه.

 وفي هذا الفصل (الأخير) ينتقل السرد من النص المغلق الى النص المفتوح،لأنه يترك للقارئ مساحة من تخيل ما قد يقع للمسافرين، وكيفية تعاملهم مع المجتمع الجديد في اوربا وتفاعلهم مع قيم وعادات لم يألفوها .

ونحن نتابع القراءة نجد إن المؤلف مهيمن على النص ولا يترك لشخصيات الرواية أية مساحة من الحرية، وبهذا فالنص ينتمي الى ما يعرف بالنص المغلق الذي لايترك للمتلقي أن يساهم في مجريات الحدث، ليبحث عن حلول للتساؤلات التي قد تطرحها الرواية .

المؤلف وضع خطا مستقيما تجري على مساره الاحداث، عدا ما جاء بالفصل الأخير من الرواية، الذي بدا وكأنه خارج سياقات النص، و القارئ، هنا مجبر على السلبية في عملية التلقي، بسبب طبيعة النص الذي لايسمح له بدور في  عملية البحث بمصائر ابطاله،كما ان المؤلف، وفقا لإمربتو ريكو

( لم يستدعي مجموعة أدوات تعبيرية، وتقنيات بنائية تحقق له هذا النقل، كأن يعمد إلى طرح الأسئلة الملغزة: كيف حدث ذلك؟ ولماذا حدث؟ وبم نواجهه؟، أو يعمد إلى زرع بنية التوجع والتحسر لإثارة الانفعال)

والرواية بواقيعتها تدخل في تفاصيل لاحصر لها، ولولا براعة المؤلف التي استعان بها، وصبره الطويل على ترويض الشخصيات (الذي امتد لأربعين سنة) فضلا عن لمسات شعرية في جوانب من الحوارات ،لكانت الرواية مجرد حكاية شعبية.

قلت إن شخصيات الرواية حوالي الخمسين شخصية ولكن الرئيسة منها اثنتان هما محمد وصفية اما بقية الشخصيات فهي تؤثث للفضاء الروائي

يبدأ الحدث بقيام مسؤول في البلدية بازالة بيوت عشوائية ليبني عليها القصر الذي سيسكنه وعائلته، ولكن المؤلف لم يفصح لنا عن المكان كما انه لم يبين متى تم ذلك،لقد تركنا نكتشف الزمن من بعض الجمل التي وردت عرضا، وهي (لعبة) روائية ذكية،ففي الصفحة 294 يذكر المؤلف:

(ذلك المذياع القديم، ماركة فيلبس، اصبحت له قيمة عظمى ودور كبير، وأخذت الخالة عايده تخبطه بدلا من  ابن اخيها، لتسمع النساء المتحلقات حوله في بيتها، صوت العرب والمقاومة الباسلة التي يبديها شعب مصر العملاق لصد عدوان غاشم قامت به ثلاث دول لتقهره .....)

إاذا، فزمن الرواية هو منتصف الخمسينات من القرن الماضي وهو زمن مهم أتيح فيه للجمهور العربي أن يشارك بصنع الاحداث، كما شهد تحولات اجتماعية في عمق بنية المجتمعات العربية فضلا عن اكتشاف البترول وتدفق الثروة الى المنطقة

كانت اول كاسحة قد دخلت الزقاق بعد شهر من انتقال اهل العشاش لتسوية الارض ً(ص21 ) وهنا يرمز المؤلف الى قوة السلطة التي دعمها المال لتعمل على تغيير الواقع الطوبوغراي لصالح الاثرياء الجدد

وما أن يحضر محمد الى القصر الجديد حتى تبدأ معالم الرواية بالتشكل عبر قصة حب بين محمد (الخادم الجديد ) وشقيقة زوجة سيد القصر، ويمكن بالطبع أن نتوقف عند هذه الدلالة

الطبقة الفقيرة المتشبثة باصولها وقيمها وموقعها تتفوق على الطبقة الثرية الميسورة .....بالطبع لم يصل التوصيف بالحدث الى المستوى الذي عرضه د.هاء.لورنس، ولكن قد يكون السبب في الفارق بين مستويين من الثقافة والتراكم المعرفي .

كما إن تفوق أبو عزيز وشقيق زوجته،على السكان الفقراء وطردهم من مساكنهم لبناء قصر لايسكنه إلا ستة اشخاص، يكشف كما عرض الروائي، عن فساد الطبقة الجديدة وعدم تحليها باية مشاعر انسانية ...وكإنما اراد المؤلف هنا أن يكتب عن عصر ما قبل نشوء الدولة المدنية، المبنية على قوة القانون ونشر الرخاء وتربية الانسان،ولكنه لم يعر الموضوع ما يستحقه من اهتمام، وكان بمقدوره ان يتابع دراسة  التمايز الطبقي في مجتمع ماقبل اعلان الدولة الاتحادية،ولكنه اكتفى بعرض مبتسر لشكل التسلط الذي يمارسه (الأثرياء الجدد)، كما انه يشير تلميحا الى تغيرالسلطة في المجتمع من سلطة العشائر الى سلطة  الطبقة الجديدة،

ففي الصفحة 149 حوار يعرض شكل التسلط الذي يمثله ابو عزيز في البيت

يفتح محمد الباب لأبي عزيز قرابة نصف الليل

يصرخ ابو عزيز- اغرب عن وجهي ....ايها الجبان ....المنافق

كان ذلك ردا على تحية المساء التي القاها محمد .............فلما رآه عائدا بهدوء الى المكتب دون ان يقول شيئا تجنبا لمواجهته صرخ به

- انتظر قف مكانك ....حين اكلمك ...يا

التفت محمد فوجد أن الصرخة التي اطلقها الرجل قد سببت له سعالا شديدا جعله يترنح ويركن الى الجدار كي لايقع

- اية خدمة للسيد؟

-  ما الذي تفعله في المكتب يالص ؟

ويعرض المؤلف الى الشعور بالمسؤولية لدى محمد الذي تذكر موقف زوجة السيد منه،الذي يتسم بالتعاطف والاحترام

يتابع السيد شتائمه

- كلكم لصوص ....جبناء ...ان رأيتك تدخل هذا المكتب بترت ساقيك...أسمعت ؟

هز محمد رأسه موافقا ونكص عائدا الى الرواق الطويل ليصعد الى غرفته

لكن الاخر لم يعجبه ذلك الانسحاب ايضا واعتبره تمردا صامتا فهجم عليه بصورة مباغتة

- قف يا جبان

فالتفت محمد سريعا اليه، ثم تلقى بكفه ذراعا غليظة وجهها الرجل نحوه فثبتها بصلابة فوجئ بها السيد

شرع يقذفه بالفاظ نابية بذيئة، حين وجد نفسه عاجزا عن تحريك ذراعه

- اترك ....اترك يدي، يا...

فلم يجبه محمد بشيء بل ظل صامتا ينظر اليه بابتسامة هادئة

هذا المشهد الذي نسجه المؤلف بعناية وبقصدية ليبين التناقض بين موقفين يعبران عن شريحتين متناقضتين وليعلن ادانته لشريحة (السيد )، على اساس انها لاتنتمي الى تلك الارض وهي نبات شيطاني بذرته السلطات الاجنبية ومكنته من الثروة لتستقيم لها السيطرة،والروائي هنا يقدم بطل روايته (محمد ) معّرفا بمزاجه وقيمه الاجتماعية ،ولكنه حين حاول التعريف بمستواه الفكري والثقافي،حمّله بأكثر مما يسمح به تعليمه الدراسي والخاص 

انها رؤية السارد الفكرية،تتكرر في ثنايا عملية السرد

ومحمد هذه الشخصية التي بدت غامضة منذ دخوله بيت ابو عزيز، فهو الخادم الجديد الذي توسط له محسن(والد السارد) في الحصول على العمل، يتصرف بترفع وبهدوء دون ان يؤدي ذلك الى الانعكاس على عمله في القصر

ويعمد السارد مرة اخرى الى اسقاطات ايدلوجية غير مبررة، كما في الصفحة 85 حينما يدفع بمحمد الى القول بانه اعجبه كتاب راس المال، ويذهب ابعد من ذلك ليعلن انه أعجبه من الناحية النظرية وإن اعتبره صعب التطبيق

فإذا علمنا ان محمد لم يكمل المرحلة الثانوية وانه مازال في العشرينيات من عمره فإنه يصعب التصديق انه قرأ راس المال لكارل ماركس وانه استوعبه ليعطي رأيا اجماليا فيه، والكتاب كما نعلم،متخصص وصياغته عالية ويشتمل على رؤى فلسفية وتنظير اقتصادي وبحث اجتماعي

محمد، إبن الشيخ الشهيد سالم العمر امير المنطقة، ومحمد عضو في منظمة سياسية سرية في ريف ما بين الصحراء والبحر، قد يكون تعلم الكثير في مجالس الشيوخ ومضافاتهم، والتي يقال عنها انها مدارس، وهي فعلا مدارس في الاخلاق والسلوك والاصالة، ولكن لاعلاقة لها بالفلسفة وبالنظرية الماركسية وبمعدلات فائض القيمة

وموقف محمد برفضه  طلب صفية منه،الهروب من القصر والزواج ووضع الجميع امام الامر الواقع، أمر ينسجم وتلك التربية والجانب الاخلاقي منها

حين اشرفت قصة الحب بين محمد وصفية على نهايتها السعيدة قال لها

- حسنا اعترف .....إهدئي فقط ..إهدئي ...ياسيدة حلمي الجميلة ...لكن أتظنين لو أنني وافقتك،أننا سنهنأ بسعادة ...لا....لا....لاأنت ولا أنا، من يفعل ذلك

في الصفحة 342 يقدم الروائي علي الحميري دلالة موحية، تتعلق ببناء (ثري آخر) قصرا جديدا،وقد كان ثمن البناء الجديد سحق عشرات الحيوانات التي كانت تعيش على القمامة و في العراء

والدلالة هنا تتعلق بزيادة عدد الاثرياء وبالطبيعة المدمرة التي يمتلكها الساكنون الجدد

ومن جهة ثانية يعرض المؤلف، طبيعة الصراع الجديد الذي نشأ بين اهل القصرين،  رغم انهما يتنميان الى ذات الطبقة الاجتماعية، وتحسن العلاقة بين سكان القصر الاول واهل الزقاق الفقير،الذي يعود الى تأثير بطل الرواية محمد من جهة،وكون ام عزيز واختها من عشائر المنطقة من جهة ثانية

في الصفحة 354 يقول السارد (كان يوم جمعة ...بعد ان عاد ابي من صلاة العصر وشرع في قراءة سورة الكهف ...........)

بدا هذا العرض غير متسق وسياقات السرد المارة، وكأنه غير مبرر اذ لم تكن المقدمات تفضي الى هذه السورة الكريمة، ولكن الحدث الذي جاء والاب يقرأ السورة، يكشف ان ذكر السورة دلالة رمزية، قصدها الروائي،فكأن الواقعة (قراءة سورة الكهف ) تحولت الى توقع،كتتابع في لا وعي الأب

يقول السارد عن أبيه، انه لم ينتبه للجلبة الخفيفة الاتية من الفوهة العلوية لزقاقنا العرضي المنحدر جنوبا، من الزقاق الطويل، فلما قرع الباب، أوقف القراءة وأطل مستطلعا،فرأى غريبا بنظارة شمسية، فظنه المهندس الأجنبي بشركة الكهرباء، فهتف بي

- انظر ياولد الى هذا الشاب وماذا يريد

فازاح عبد الله النظارة السوداء عن عينيه وخاطب أبي

- هذا أنا ياعم ... انا عبد الله ... اما عرفتني؟

رأيت دموع الفرح تلمع في عيني أبي ولما قابل أمي لدى الباب،هتف بها

- عبد الله ...جاء عبد الله، زغردي يا أم علي ...إفعلي شيئا يا امرأة  ...زغردي

كانت الاشارة الى سورة الكهف دلالة رمزية عن تحول غير واع و تعبِّر عن سيرورات نفسية موازية لها موجودة في خافية اللاوعي، بمعنى ان الدلالة تتمثل في الايحاء بوقوع حدث، وهذا الربط في التحليل بين التوقع كحالة مادية وخطوط القوى الروحية يخلق محركا للخيال تحركه الأحداث المحسوسة للحياة اليومية .

لقد نجح الروائي هنا بالرجوع الى السرد الذي يولد أشكالا من الدلالة والمعني .كما نجح في دفعنا الى البحث عن تلك الأشكال الدلالية منتقلا في الفصل الاخير(اوروبي يقرع بابنا )،في الصفحة 354، الى شكل النص المفتوح

ومن الاشارات الدلالية التي عرضها الروائي علي الحميري ما جاء في الصفحة  294 بإشارته الى ان هدف العدوان الثلاثي على مصر، في عام 1956، كان قهر مصر وسائر العرب والمسلمين، وهو هنا يكشف عن المزاج السياسي العام في (مكان الرواية ) باعتباره مزاجا عربيا واسلاميا مما دفع بالنخب المثقفة الى تبني الفكر الناصري ونجاح تلك النخب بتكوين رأي عام مؤيد للفكر القومي العربي، وتمثل هذا النجاح في توجه المواطنين  بما فيهم اهل العشاش،الى مكاتب  تسجيل المتطوعين،بهدف الدفاع عن ارض مصر.

 

ذياب فهد الطائي

.............................

http://forum.alrams.net/showthread.php?t=360478

صحيفة الجريدة في 30- 05- 2013

http://forum.alrams.net/showthread.php?t=360478

امبرتو ريكو،العمل المفتوح، ترجمة كمال ناجي احمد، مطبعة الزمان، بغداد 1954 ص 69

بدأ تصدير النفط من إمارة أبوظسي تجاريا عام 1962

الشخصيّة الواقعيّة بين التّأثير والتّأثير المضاد

madona askarفي رواية "حارس المخيّم"، للكاتب الفلسطيني سعيد الشّيخ يعسر على المرء المحافظة على الاتّزان الفكريّ والنّفسيّ رغم انغماسه في أحداث التّاريخ القاسية، وتقهقره في دياميسه المظلمة. ومن الصّعب أن يلازم روحه السّلام والطّمأنينة رغم الانسلاخ عن الوطن، والتغريب القسريّ. فالإقصاء عن الوطن أشبه بالتّحوّل عن الذّات والتّغرّب عنها، فيحصل تبدّل جذريّ في كلّ حركة حياتيّة، وتمسي الحياة قشرة ظاهريّة تخفي في طيّاتها موتاً بطيئاً.

اقتباساً عن الواقع، ومعتمداً على أحداث تاريخيّة في بعض مفاصل الرّواية، يروي الكاتب سعيد الشّيخ على لسان شخصيّة حارس المخيّم يوسف سعد الدّين، قصّة عائلة لوّعتها نار الغربة، وقست عليها أحداث التّاريخ، وأنهكت كيانها شتّى المشاكل النّاتجة عن شتات شعب ارتبط واقع وطنه بالحلم.

ولئن اتّسمت شخصيّة الحارس بالاتّزان رغم كلّ الظّروف، وحافظ على ثباته في مواجهة عواصف شتّى هبّت على حياته من النّواحي الأربعة، تراءى لنا مقاوم من نوع آخر، يجابه أعداء كثيرين، بدءاً من المحتلّ مغتصب الوطن، إلى العدوّ في الشّتات، وصولاً إلى ذلك المتربّص في مشاكل الانخراط في المجتمع الغريب، والتّأقلم مع بيئته الاجتماعيّة، وتداعيات هذا التّأقلم على الحياة العائليّة.

 

- أبعاد الشّخصيّة:

تبرز جماليّات الشّخصيّة من خلال كونها شخصيّة واقعيّة اختبرت أقسى الظّروف، وعايشت شتّى المراحل المؤلمة، وواجهت الحياة بصلابة وحكمة ومحبّة. بيد أنّ الكاتب لا ينفي عنها جرحها العميق، ولا يتوانى عن إظهار الوجع الإنسانيّ الكامن فيها، لكنّه أراد أن يغلّب الشّخصيّة الفلسطينيّة الأصيلة والحرّة بالرّغم من كلّ العنف الموجّه إليها، إن على المستوى الجسديّ، أو المعنويّ. " وكيفما يمّمْنا وجوهنا قالوا: ها هو اللّاجيء الفلسطيني. برأفة وشفقة مرّة، ومرّة أخرى بقرف وعنجهية."

تحمل هذه الجملة في تركيبتها الدّلاليّة ما يؤدّي إلى اضطراب نفسي يؤسّس لعقدة نقص في الشّخصيّة الإنسانيّة، أو شعور بالعدائيّة ينتج عنه سلوك عدائيّ. إلّا أنّ يوسف سعد الدّين ترفّع عن الألم وحمله صليباً، وسار به بصمت ورصانة حتّى تراءت له القيامة في نهاية المطاف. "وكأنه كتب على الفلسطيني أن لا يغادر موته وحصاره إلّا عميقاً في الشتات والتيه حاملاً وطنه على ظهره." تحمل على ظهرك وطنك  وتجوب الكوكب".

 

- البعد الإنسانيّ للشّخصيّة:

إذا أردت أن تسيطر على شعب جرّده من إنسانيّته، أي من إحساسه بقيمته الوجوديّة فيتحوّل إلى مستسلمٍ للواقع متكيّفاً معه أيّاً كان، مرغماً على الحلم بمنفىً والسّعي إليه بإرادته. إلّا أنّ انخراط يوسف سعد الدّين بالمجتمع السّويديّ لم يفقده تعلّقه بالوطن والنّضال من أجله. كما أنّه  لم يستأصل  المبادئ الاجتماعيّة والفكريّة والرّوحيّة الّتي تربّى عليها وتأصّلت فيه، فاستحال حارس المخيّم حارساً للوطن.

قاوم يوسف سعد الدّين الفضاء السّويديّ المختلف عن الفضاء الفلسطينيّ، رغم حصوله على الجنسيّة السّويديّة، ورغم الشّعور بالغبن نتيجة المصالح السّياسيّة الّتي تصدّرت المصلحة الفلسطينيّة. فالتّحديّات الاجتماعيّة باتت تشكّل جزءاً يسيراً من التّحدّي الأكبر، ألا وهو فقدان الهويّة والكينونة. ما يعبّر عنه الكاتب على لسان الشّخصيّة: "هل يصير سياج الوطن أعلى من سياج الاحتلال؟ وهل تصير هذه السّلطة النّاشئة مقبرة تضمّ رفات أحلام الفلسطيني بالحرّيّة وتقرير المصير؟".

حمل هذا الفضاء قسوة الأبناء الّذين انسلخوا عن أصالتهم وفلسطينيّتهم، ما ضاعف الإحساس بالغربة عند بطل الرّواية، بل غالباً الإحساس بالعجز أمام ابنة تفوّقت في دراستها وأثبتت نفسها في المجتمع السّويديّ وانطبعت فيه. وسترسل أباها لاحقاً إلى السّجن لأنّه أساء معاملتها. بالمقابل، يقع الابن الأصغر بشباك المتطرّفين ويذهب للقتال في سوريا ملتحقاً بمجموعات جهاديّة.

يكفي أن نتأمّل هذين الحدثين المهمّين، وتأثيرهما النّفسيّ على البطل، حتّى نتبيّن قيمة أصالته، وعمقه الإنسانيّ، وقوّة نضاله في الحفاظ على حريّته وهو في المنفى المكانيّ والمعنويّ. فالألم الّذي زُرع عنوة في جسده وروحه أزهر إنسانيّة سمت فوق ردّات الفعل العدائيّة، وحافظت على اتّزانها وحكمتها. ويظهر ذلك في مخاطبة مع الذّات تظهر الثّبات النّفسيّ للبطل، والإيمان بوطن قائم بالحقيقة: " يا ولدي هذه نصرة باطلة. النّصرة الحقيقيّة لا تكون إلّا للقدس المغتصبة، وفلسطين هي أول الحرّيّة. هي يقين الكرامة العربيّة، فلا كرامة ولا حرّيّة لعربي من دون تحرير فلسطين...  يا ولدي، هي فوضى، وتحرير فلسطين يحتاج للتّنظيم. وهي جاهلية، وفلسطين تحتاج إلى العقل التّنويري. هي خرافة، ونحن نكافح لتخليص بلادنا من براثن خرافة أعداءنا..."

هذه المناجاة مع الذّات تؤكّد ثبات البطل، وقوّة عزيمته رغم  ثقل الأحداث وقسوة السّنين. وواقعيّة الشّخصيّة تمنحها جمالاً إنسانيّاً أراده الكاتب مؤثّراً في نفس القارئ من حيث الاعتزاز بالشّخصيّة لا التّعاطف معها وحسب. وكأنّي به يرسم فلسطين في شخصيّة البطل، فتزهو بجمالها وتنتصر بقوّة وحقّ على أعدائها.

"تغريبة حارس المخيّم" رواية مفتوحة على الحلم المرجو تحقيقه. فحيث يتألّق الحلم يكون الوطن، وحيث يحيا القلب نابضاً بالإيمان والمحبّة تتجلّى مقوّمات هذا الوطن. وهي مشرّعة على الرّجاء بالقيامة لإيمان الكاتب بأنّ الحقّ غالب، والألم صانع الإنسان مسيرة نحو الحرّيّة الكاملة حتّى بلوغ مجد الحقيقة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

بحور الشعر في اللغة العربية

مقدمة: قالوا قديما أن الشعر ديوان العرب.

محاور البحث:

1- عن تسمية بحور الشعر.

2- بحور الشعر تعريفا

3- بحور الشعر تاريخيا

4- متن البحث

5- ملخص البحث

 

1- عن تسمية بحور الشعر:

درج في اللغة العربية مصطلحات عديدة، وجب معرفة أصول تسميتها، مادامت من صلب علوم اللغة، ومنها عَروض بفتح العين:

في معجم المعاني:

عَروض: (اسم)

الجمع: أَعاريض

العَرُوضُ: عِلْم موازين الشِّعر

العَرُوضُ من البيت: آخر شَطْرِه الأول

العَرُوضُ: الناحيةُ

العَرُوضُ: الطريقُ في عُرْض الجبل في مضيق

العَرُوضُ: المكانُ الذى يعارضُك إِذا سِرْتَ

العَرُوضُ من الكلام: فحْواهُ ومعناهُ

هذه المسأَلة عَرُوضُ هذه: نظيرَتُها

العَرُوضُ: الحاجَة

عِلْمُ العَرُوضِ: عِلْمُ مِيزَانِ الشِّعْرِ

زَارَ العَرُوضَ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَمَا حَوْلَهُمَا

 

بحور الشعر: في معجم المعاني:

بُحُور: (اسم)

بُحُور: جمع بَحْرُ

بَحر: (اسم)

الجمع: أَبْحُر و بِحار و بُحور

البَحْر من الرجال: الواسعُ المعروفِ

البَحْر الواسعُ العِلْمِ

 

شَعَرَ: (فعل)

شعَرَ / شعَرَ لـ يَشعُر، شِعْرًا شَعْرٌ شُعورًا، فهو شاعر، والمفعول مشعور - للمتعدِّي

شَعَرَ الرَّجُلُ: قَالَ الشِّعْرَ

شَعَرَ لَهُ: قَالَ لَهُ شِعْراً

شَعَرَ شُعَرَاءَ عَصْرِهِ: غَلَبَهُمْ فِي الشِّعْرِ

شعَرَ به شُعورًا: أحَسَّ به وعَلِمَ

شَعَرَ لِلأَمْرِ: فَطِنَ لَهُ

 

شِعر: (اسم)

الجمع: أشْعار

الشِّعرُ: كلام موزون مُقفَّى قصدًا

الشِّعرُ (في اصَطلاح المنطقيين): قول مؤلَّف من أمور تخييلية، يقصد به الترغيب أو التنفير، كقولهم: الخمر ياقُوتة سيالة، والعَسَل قئُ النحْل

والشِّعرُ المنثور: كلام بليغ مَسْجوع يجرى علنهج الشعر في التخييل والتأثير دون الوَزْن

ليت شِعرى ما صنع فلان: ليتني أعلم ما صنع والجمع: أشعار.

وعليه فإن بحور الشعر العروضية تعني: وزن المشاعر الواسعة غير المحدودة على منهج وإيقاع محدد مستساغ.

 

2- بحور الشعر تعريفا:

يعرفه العروضي الكبير: غالب الغول:

العروض علم يبحث في ضبط الوزن وتصنيفه ووضع المقاييس له، التي تمثلها التفاعيل ــ الوحدات الموسيقية الشعرية، التي بها نغم الكلام ثم تحليله وتصنيفه، ولم يكن هذا العلم معروفاً في الجاهلية أو صدر الإسلام، بل كانت السليقة أو الذائقة الشعرية هي الأفضل والأحسن لصناعة الشعر، لكنهم توصلوا إلى نغم الكلام بعلم يسمى (التنعيم أو التنغيم) نسبة إلى الوحدات الإيقاعية (نعم لا نعم لالا) وهي تماثل أوزان تفاعيل الخليل (فعولن مفاعيلن)

وجاء الخليل فجدد هذا العلم وأتقن التفاعيل وزحافاتها، بعلم أطلق عليه علم العروض[1]

 

3- بحور الشعر تاريخيا:

لم تخرج البحور من العدم وإنما جمعها أبو الفراهيدي لأن الشعر كان مطبوعا (على السليقة)، وليس مصنوعا كما غدا في حقب لاحقةز

ويعرف لنا الدكتور حسن البحور ويصنفها لنا:

البحور هى عبارة عن تفعيلات اكتشفها الخليل بن احمد، وزاد عليها الاخفش وبعد ذلك اتت الموشحات الاندلسيه،ثم الشعر المنثور،والاخير له تفعيلات ومنه متحرر من ذلك . والبحور عددها 16 بحرا وهى:

1 _ البحر الطويل وقد نظم عليه الكثير من الشعر الجاهلى:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن –وهو قليل الجوازات –مفاعلن- فعول- مفاع

//0 /0 - //0 /0/0 - //0 /0 - // 0 /0 /0

وقصيدة امرىء القيس خير دليل –طويل له بين البحور فضائل - 48 حرف

2 – بحر الرمل اى بفتح الراء والميم والجوازات مقبوله ومعتدله ومكروهه

وهو –فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن –نظمت عليه الموشحات واجمل القصائد –وهوتام ومجزوء –والجوازات فاعلات –فاعلن

3 _ المديد –فاعلاتن –فاعلن فاعلاتن –لمديد الشعر عندى صفات –جوازاته فاعلا –فاعلات –فعلن مفعلاتن –انما الدنيابلاء وكد واكتئاب قد يسود اكتئابا

4 –البسيط –مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن –جوازاته مفاعلن –متفعلن –مستعلن - ان البسيط لديه يبسط الامل

5 - الكامل –متفاعلن متفاعلن متفاعلن –جوازاته مستفعل –كمل الجمال من البحور الكامل –وفيه قسط كبير من الشعر الجاهلى والمعلقات وعصرى الاموى والعباسى

6 –الوافر –مفاعلتن مفاعلتن فعولن –جوازاته مفاعلتن متفعلن فاعلن فعلن

7 –الهزج –على الاهزاج تسهيل –وهو من البحور الغنائيه –

مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن –اما جوازاته فعولن فعول مفاعل

8 –الرجز او حمار الشعر لان اى محاولات شعريه بالبدايه يستطيع المرء ان ينظم عليه- مستفعلن مستفعلن مستفعلن ويجوز مستفعلن مرتين اما جوازاته مستعلن متفعلن متفعل

9 –البحر السريع –مستفعلن مستفعلن فاعلن –اما جوازاته فهى صعبة –مفعولات مفعلا –متفعلن –متعلن

10 –الخفيف –فاعلاتن متفعلن فاعلاتن –ياخفيفا خفت به الحركات اما جوازاته- فعولن فعول –مفاعيلن –مفاعلن متفعلن

11 –المنسرح –متفعلن فعولات مستفعلن مفعولاتن –منسرح فيه يضرب المثل –اما جوازاته فهى مفتعلن مستفعلن متعلن –فاعلات –معولات

12 –المضارع –اقله استعمالا لدى جميع الشعراء –مفاعيلن فاعلاتن مفاعيلن –حتى الخليل بن احمد رفض تقطيعه بالبدايه

13 –المقتضب مفعولات مستفعلن متفعلن – اما جوازاته مفعلات –ونفس جوازات المنسرح

14 –المجتث اجتث من البحر الخفيف بحذف التفعيلة الاولى

15 –المتقارب فعولن فعولن فعولن فعول

16 –المتدارك –فعلن فعلن فعلن فعلن والجوازات فاعلن

وقد زاد الاخفش بحرا واسماه الخبب وهو عبارة عن صوت حوافر الخيل وهو فعلن فعلن فعلن فعلن اى بفتح الفاء وتسكين العين وفتح اللام وتسكين النون اما الجوازات فهى مستفعلاتن –ضرب النواقيس ام ضرب النوى قيسى.[2]

 

4- متن البحث:

كنا اجرينا حوارا مع العروضي الكبير غالب الغول عن العروض وبحور الشعر فكان حوارا مثمرا نعرضه هنا للفائدة:

ريمه الخاني تسأل:

ما هو المقصود بالموسوعة العروضية " شكراً

ج 1: غالب الغول يجيب: أقصد بالموسوعة، هو البحث التام لعلم العروض يتناول جميع تفاصيل هذا العلم من جميع النواحي، فلم يترك شاردة ولا واردة إلا وذكرتها هذه الموسوعة من عدة مصادر بقدر الإمكان والاستطاعة .

س 2: ريمه الخاني تسأل:

هل يوجد عروض تقليدي وعروض غير تقليدي ؟ أريد التوضيح لو سمحتم .

ج 2 ــ:يجيب غالب الغول بقوله:

الحقيقة لا ينبغي أن يكون لهذا العلم أكثر من تسمية واحدة، وهو علم العروض والقوافي، ولكن كثرة العابثين في العروض، وكثرة من حاولوا تطويره، جعلتنا نقول ــ عروض تقليدي ــ أي العروض على أصله كما جاءنا من واضعه ومؤسسه الشيخ الجليل الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله .

س 3: ريمه الخاني تسأل:

لو سمحتم نريد تعريفاً مقتضباً لعلم العروض.

ج3: يجيب غالب الغول بقوله:

كلمة عروض مؤنثة، ولها معان مختلفة، وأقوى هذه المعاني اللغوية، هو (العمود الذي يتوسط الخيمة، فيكون ركيزتها) وهذا العلم هو ركيزة لنقد الشعر ليعرف الشعر من غيره .

وتعريف علم العروض: هو العلم الذي يبحث في الأوزان الشعرية فيضبطها ويصنفها ويضع المقاييس لها ويبحث في نغم الكلام فيحسبه ويحلله، بلغة عربية فصيحة ضمن قواعد تحكمه)

س 4: ريمه الخاني تسأل:

ما هو المقصود بأساس التقطيع، وهل يوجد أنواع كثيرة للتقطيع ؟

ج 4: التقطيع مهما اختلفت أشكاله سيبقى له هدف واحد لا يحيد عنه، وهذا الهدف هو: معرفة الحرف المتحرك من الحرف الساكن . ومن قال غير ذلك فهو يتجه بالعروض إلى غير مساره السليم، ومثال ذلك:

نأخذ كلمة (أنا) المقطع الأول هو (أ) هو حرف متحرك، بحركة الفتحة، أو يمك متحرك بحركة الكسرة أو الضمة، وهذه كلها حروف متحركة، وأمثالها (بَ/ جَ كّ .... وغيرها، ويرمز لها برموز كثيرة لا تخرج عن كونها (حرف متحرك) ومن هذه الرموز (/) أو (ب) بدون نقطة أو حرف من حروف العربية المتحركة إذا شئت، أو أي رقم من الأرقام إذا شئت، بشرط أن لا يخرج عن مفهومه كونه أنه يدل على حركة لها مقدار زمني محدد يحدده المنشد ويحافظ على مدته الزمنية، وللحركة رموز موسيقية خاصة تسمى (ذات السن)، ولها مقدار زمني يحدده الموسيقي عند الإنشاد الشعري .

أما المقطع الثاني من كلمة (أنا) فهو (نا) وهذا مقطع مزدوج فيه الحرف الأول ساكن والحرف الثاني متحرك، ويلفظان معاً مكونان (مقطعاً عروضياً) ثنائياً ورمزه هكذا (/ ه) أو يرمز له هكذا (ـــ) ومقداره الزمني يعادل ضعف الحركة (ب) . وله رمز موسيقي يشبه هذا الحرف بالإنجليزية ((P

وقد نعبر عن المقطع المتحرك والمقكع الثنائي بالرمزين هكذا (دُ) (دُنْ) (ونلفظهما معاً هكذا (دُ دُنْ) وتعادل كلمة (أنا) موسيقياً وزمنياً وعروضياً .

ومنه نعرف بأن الموسيقي والنغم الشعري ما هو إلا (دندنة، وتمتمه لها أزمنة موسيقية محددة لتخدم الإنشاد الشعري .

س 5: ريمة الخاني، تسأل

ما هو القصد من قولكم (نرفض أي فكرة استحداث عروضية مالم توفق علم عروض الخليل) .

ج 5: غالب الغول، يجيب .

كثر المجددون في أوائل هذا القرن، فمنهم من أصاب، ومنهم من ضل عن مسيرة العروض، ولذلك لا نأخذ هنا إلا ما يوافق علم عروض الخليل بحوراً وأوزاناً .

س 6 ــ ريمه الخاني تسأل:

ما هو المقصود بالبحور الشعرية، وكم عددها وهل يمكنتطويرها ؟

ج 6 ــ غالب الغول يجيب:

لقد اختار الخليل كلمة بحر للدلالة على الاتجاه الإيقاعيللقصيدة، الواحدة، وبما أن هذا الإيقاع متعدد الأشكال والألوان الإيقاعية فيقافية القصيدة الواحدة، لذل فإنه شبهها بالبحر في عمقه واتساعه.

وعدد بحر القصائد الشعرية التي استقراها الخليل (15)بحراً ثم واد عليها الأخفش بحر المتدارك، فصارت (16) بحراً،

ولكن لا يتحدد الإيقاع بهذه البحور أو هذه الأوزان، بلإن الإيقاعات لا حدود لها، ومنها نستطيع القول بأن إيقاع القصائد لا حدود لهاولكن المعرف والمألوف منها كما ذكرنا قبل قليل .

س7 ــ ريمه الخاني تسأل:

ما هو المقصود بالتفاعيل ؟ وهل يمكن الاستغناء عنها ؟ وكم عددها؟، وهل يمكن أن نضيف عليها شيئاً؟

ج 7: غالب الغول يجيب .

التفاعيل: هي كلمات لها مقدار معين من الحركات والسواكن والأوتاد[3]، ولها مقدار من الزمن عند النطق بها إنشادياً، وعندما تتكرر هذهالكلمات يتولد منها الإيقاع . والإيقاع ماهو إلا تكرار لكلمات متماثلة ومتساوقة في ترتيبها، لآنها تمثل وحدات موسيقية شعرية لا يمكنالاستغناء عنها، ولا يمكن زيادة عددها، وعددها ثماني تفاعيل وهي:

متفاعلن . مفاعلتن . مستفعلن . مفاعيلن . فاعلاتن، مفعولاتُ . فعولن . فاعلن، وإن وجد تفاعيل أخرى، فهي متولدة من هذه التفاعيل، مثل (فعلن)، ولكل تفعيلةمن التفاعيل السابقة، فروع سندرسها عند دراسة كل بحر

س 8 ــ ريما الخاني تسأل:

لماذا ألقاب التفاعيل ؟ أليست شاقةعلى الدارس ؟ وما فائدتها ؟

ج 8: غالب الغول يجيب .

ألقاب التفاعيل كثيرة، وكل لقب له شرح يدل على ضعف أو على قوة التفعيلة، عند إنشاد الشاعر لقصيدته، ولم تأت هذه الألقاب عبثاً، لأنها تدل على التفعيلةالتي تتبع لها، ولا ضرورة لأي شاعر أن يحفظها، بل هي من أدوات الناقد، مثال ذلك.

نأخذ كلمة (مستفعلن) لقبها (سالم) أي سالمة من الزحاف، ولها فروع كثيرة نأخذ منها الفرع (متعلن) مثلاً، ولقبها (مخبول) أي ما سقط من أصلهاالثاني والرابع، والمخبول هو المضطرب في عقله، وهذه التفعيلة مضطربة في ثقلهاعلى اللسان، فهي مكروهة الاستعمال، وإنشادها يحتاج إلى معالجة موسيقية لزيادةمدتها الزمنية لتلحق بزمن التفعيلةالأصلية .

وليس من الضروري حفظ هذه الألقاب، بل علينا أن نتعرف إليها لنعرف أصلا لتفعيلة التابعة لها .

س9: ريمه الخاني تسأل: تقول في مقدمتك أستاذ غالب عبارة (ضبط الوزن وتصنيفهووضع المقاييس له) هل لك أن نفهم منك ما معنى الضبط والتصنيف والمقاييس ؟ شكراً

ج 9: غالب الغول يجيب: لو أخذنا بيت شعري مثل:

يا ليتني فيها جزع ........ الكافيصفحة 79

نقول أن وزن هذا البيت يتبع بحر الرجز

وبما أنه فقد تفعيلتين، فيصنف بأنه من (منهوك الرجز)

ومقياسه الموسيقي (رباعي الوزن) للتفاعيل سباعية الأحرف .

س 10: ريمه الخاني تسأل:

تقول (نغم الكلام ثمتحليله) هل يمكن تحليل نغم الكلام؟ وما تفسير ذلك ؟

ج 10: نغم الكلام وهو مخارج الحروف بعذوبة موسيقاها، ولكل شاعر مقدرتهالخاصة لاختيار الكلمات المناغمة، أي التي لها جرس موسيقي تتقبله الأذن بارتياح،وأما عملية التحليل، هي تقطيع هذه النغمات بحركاتها وسكناتها، لنضع حدود الوحداتالموسيقية (التفاعيل) لأجل أن ينشدها المنشد بموجب هذا التحليل العروضي الذييتشابه بالتحليل الموسيقي لمعرفة اتجاه إيقاع البحر الذي سينشده المنشد .

س11 ــ الشاعرة فاتن على حلاق تسأل .

هل من الضروريللشاعر أن يفكر بالعروض قبل أن يكتب القصيدة،مع أن هذا الشيء يجعله مقيدا فيما يكتبوتتقيد مشاعره من خلال تفكيره بالوزن والتفاعيل

ج 11 ــ غالب الغول يجيب: الشاعر الشاعر لا يحتاج إلى العروض بشيء، لأن سليقتهالشعرية وذائقته الوزنية تنتج له أجمل القصائد الموزونة، ولا يحتاج بالتفكير إلىالتفاعيل مطلقاً، ولكن حين يعرض قصيدته إلى ناقد عروضي، فالناقد هنا قد يكتشفشيئاً من العيوب أو لا يكتشف، لأن الناقد يزود نفسه بأدوات تؤهله لنقد الشعروزناً وقافية وإيقاعاً .

12 ــ: فاتن على حلاق تسأل: هل تعتبر البحورالمستحدثة والمستنبطة من بحور الخليل،من البحور التي يجب دراستها مستقبل

ج 12: غالب الغول يجيب: أطلقت مصطلحات البحور على بحورالخليل بن أحمد، فهي أوزان وبحور وعددها 16 بحراً، وما عداها فهي أوزان شعريةومن أمثلتها وزن(الدوبيت) ووزن الخبب .

هل تعتمد القصيدة العمودية على تفعيلة واحدة من نفس البحر؟

ج 17: للقصيدة العمودية 16 بحراً ولكل بحر إيقاعه المكون إما من وحدة إيقاعية واحدة (تفعيلة) وإما من تفعيلتين، القصائد التي تعتمد على تفعيلة واحدة هي:

1 ــ الوافر: مفاعلتن متكررة 3 مرات أو مرتين في الشطر الواح

2 ــ الكامل: متفاعلن متكررة 3 مرات أو مرتين في الشطر الواحد

3 ــ الهزج: مفاعيلن متكررة 3 مرات أو مرتين في الشطر الواحد .

4 ــ الرجز: مستفعلن متكررة 3 مرات أو مرتين في الشطر الواحد

5 ــ الرمل: فاعلاتن متكررة 3 مرات أو مرتين في الشطر الواحد.

6 ــ المتقارب: فعولن متكررة 4 مرات أو 3 مرات في الشطر الواحد.

7 ــ المحدث: فاعلن متكررة 3 مرات في الشطر الواحد وهو قليل الاستعمال .

وباقي البحور الشعرية تتكرر فيها تفاعيل سباعية وخماسية، حسب البحر وحسب وحداته الإيقاعية .

وهناك ما يسمى منهوك البحر، ويجوز فيه استعمال تفعيلتين فقط، وهو قليل الاستعمال .

 

4- ملخص البحث:

يتميز شعرنا العربي عبر جميع الحقب التي مر بها بإيقاعه الجميل الذي يخلب الألباب وموسيقاه العذبة التي تطرب الآذان والتي تجعل القارئ يعيش جوَّ القصيدة ويبحر في أعماقها ويخترق جدارها الخيالي.

مردُّ هذا الإيقاع بلا شك يعود لتناسق الأبيات ونظمها على رتم معيّن،هذا الرتم الشعري المتزّن والإيقاع المنتظم يدعى بالوزن الشعري أو ما يطلق عليه بحور الشعر.

واضع علم العَروض وصاحب الفضل الأول في تأسيسه بلا شك هو العلّامة (الخليل بن أحمد الفراهيدي) الذي ولد وعاش في العصر العباسي، وكرّس حياته في جمع شعر من قبله ودراسته ومقارنته حتى توصل إلى تحديد خمسة عشر وزناً استعمله من قبله من الشعراء فسماهم ببحور الشعر العربي، ثم جاء من بعده الطلبة والدارسون فأرسوا قواعد هذا العلم المحدث ووسعوا نطاق استعماله وأضافوا إليه بحراً جديداً ليصبح عدد البحور في الشعر العربي ستة عشر بحراً، وقد سّمي هذا العلم بعلم العروض لأن الشعر يُعرض عليه فيظهر المتّزن من المنكسر.

 

• مصطلحات في علم العروض لابد من معرفتها:

- البحر: وهو الإيقاع والوزن الذي تسير عليه القصيدة من أولها لآخرها.

- البيت الشعري: ويتألف من شطرين صدر وعجز، الجزء الأخير من الصدر يسمى عروضاً، والجزء الأخير من العجز يسمى ضرباً، وباقي البيت الشعري ما عدا العروض والضرب يدعى حشواً.

- تفعيلات البحور: ومفردها تفعيلة البحر، وهي الميزان الذي يتميز به كل بحر على حده، فمثلاً البحر الوافر تفعيلاته (أي ميزانه): مفاعلتن مفاعلتن فعولن،وبالتالي فجميع القصائد المنظومة على هذا البحر يجب بالضرورة أن تنسجم شطور أبياتها مع ميزان هذا البحر.

- التام والمجزوء: إذا استوفى البيت الشعري أجزاء البحر كلها (تفعيلاته كلّها) يقال أنه البحر تام، أما إذا حذف جزء من تفعيلاته في كل شطر فيقال أنه مجزوء. وعلى سبيل المثال البحر البسيط يستعمل تاماً فتكون تفعيلته (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن) أما عندما يستعمل مجزوءاً فتصبح تفعيلته (مستفعلن فاعلن مستفعلن) حيث حذفت التفعلية الأخيرة (فعلن)، وقد تحذف نصف تفعيلات البحر فيصبح مشطوراً، وقد يحذف ثلثاه فيسمى منهوكاً.

- ضابط البحر: وهو عبارة عن شطر شعري يتماشى وزنه مع وزن البحر المذكور ضمنه، والغرض منه تسهيل حفظ القارئ لأوزان البحور، ويعتبر صفي الدين الحلي هو من ابتدع هذه الطريقة فأوجد ضابطاً لكل بحر من البحور الستة عشر.

 

• التقطيع العروضي:

بشكل عام يعتمد التقطيع العروضي والذي هو أساس معرفة البحور على السمع لا على الكتابة، فإذا أردنا معرفة وزن قصيدة ما عمدنا إلى شطرٍ منها وقطعناه ثم عرضناه على تفعيلات البحور. وعملية التقطيع هذه تعتمد على الوقف (وضع إشارة سكون 0) تحت كل حرف ساكن، وإشارة (/) تحت كل حرف متحرك، وأعود لأذكر بالمبدأ الأساسي في عملية التقطيع والذي علينا ألا ننساه أبداً وهو أن الأساس في عملية التقطيع هو نطق الأحرف لا كتابتها.

عُلُوٌ في الحياةِ وفي المَمَاتِ:

عُلُوْ- وُنْ – فِلْ – حَيَاْ – تِوَفِلْ – مَمَاْ – تِيْ

//0 /0 /0 //0 ///0 //0 /0

 

خاتمة:

نقول ختاما، هل انتهت مبارزات أهل النثر والوزن، في تسمية القصيدة النثرية بالقصيدة؟، أم نقول إنها نثر فني فقط؟.

وهل يجوز أن نطلق على أصحاب النثر الفني شعراء؟ أم الشاعر الحقيقي هو من يتقن الوزن وينطلق لعوالم محلقة متقنة وأخيلة وصور جديدة يبدع ويبدع؟

وهل الشاعر الشاعر هو الذي يقدم تميزا وبصمة شعرية خاصة؟

اسئلة كثيرة رائعة تجعلنا في رغبة جامحة لبحث جديد.

تمت.

 

د. ريمه الخاني

......................

[1](الموسوعة العروضية)، راجع بحوثه في موقع فرسان الثقافة، قسم دراسات عروضية

[2]د حسن سلمان فاخورى

[3]السواكن أي الحرف الذي عليه حركة السكون، والاوتاد هي عبارة عن ثلاثة حرف الأولان متحركان والثالث ساكن.

صرخة عبر بؤرة العين.. قراءة في ديوان: المروءات غادرت محطات بلادي للشاعر جبار الوائلي

tawfiq shakhusanفي داخله صدق ُ نبض خافق، وفي أعماقه أحزان تفوق حدها الحد ّ، تلوكها رحى الزمان من جرارات الدموع .. يحمل الصرخة بين ثنايا الروح حين تزفها حكاية الموت المفجع ويحتمي باحرفه الخرساء بين رؤى أحلامه الخضراء لتتعرى أشجاره من أوراقها الما ً، ويصبح الموت رفيقا ً حين تتوجه أشواك مرايا الظلمات في شق عتمة الليل وأجتثاث براعم الضياء ..

أيه ذكرى ..

حدثيني عن صهيل الليل،

والوجه المغلف والمرايا ..

وانعكاسات البريق الأشهب .

وسلال الحروف ..

كم كانت تجول ؟

لم لا تغفو عليها

همسات المتعب ؟!

 

عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق صدر للشاعر " جبار الوائلي " ديوان الشعر " المروءات غادرت محطات بلادي " ويتضمن " 26 " قصيدة شعرية تعبر عن صرخة مريرة تحمل عمق دلالاتها لكل مفردات حياتنا الراهنة وكما عبر الكاتب " جاسم العايف " بوصف دقيق ومعبر ّ عن الغلاف الذي صممته الفنانة " أمينه صلاح الدين " فنجد فيه عينا ً بشرية أنثوية مذهولة، متسعة، حزينة، يطغى عليها لون حزين يحف ّ به السواد مع أحمرار في بؤرة العين، عين منكسرة مذهولة تبدو كما لو انها تودّع راحلا ً عزيزا ً بدمعة تسقط في فراغ موحش في تمثيل مرئي بسيط للقنوط والاحساس بالفقدان الذي يكتمل بمفردة اخرى تعزز الشعور به بمشهد طائر أقرب الى أن يكون غرابا ً تسمر ّ على غصن شجرة أحترقت تماما ً ..

 

لازمني الألم ..

منذ زمن عتيد .

مشرنقا ً ..

فتوقات صومعتي،

بأكف مخبولة،

أعتلتها ..

أخيلة الوهم المستعار .

مدونا ً ..

احصاء هزيمتي،

برجوم هوس العجاج !!

 

أنياب تنهش حنايا الروح، تاركا ً قلبه فوق معابر الحنين، فوق طراوة الحلم، تاركا ً الشوارع تصرخ في أعماق الليل، تائها ً بين دهاليز الحرف والأقبية الغارقة في موجات الحزن، بظلام وصايا الغرباء تتسربل بين غابات الضياع .. يهدّها جراحات العمر في عيون غادرها الصمت في شغاف القلب ..

 

لا غرابة ..

أن تنهش دمي

أنياب الضواري،

سحر أحلام الحياة .

وتوؤد نسل الحروف،

بنهارات الليل العزوف .

أذ أسرج سيل الضغائن،

طيش النبال !

بوابل ..

 

شمس ترتدي رداء الحزن في صمت، أحساس ٌ يغسل آلم النفس حين يناجي مرآة الروح التي تكتظ بغمامات السراب، ويحتمي باحرفه الخرساء عبر حوارات تترجم الأعماق وما تخبأه مرارة الأيام من خرائط العمر .. ما زال صوته قابعا ً في ثنايا الحدقات ..

 

أي نور قد تدلى ..

من ثريات السماء ؟

أي غيث ..

يغزل أحزان صمتي،

من هجير رعونة اللفحات ؟!

أن همي ..

سجل العرف هذا مكارم !

فستنطق الخرس مداها،

ونسيت أني ..

ولكن ..

لن أنسى صداها !!

 

بين خلجان الصحارى وأكف المنون يحملُ صرخة ً بين ثنايا الروح تضمّخ وجهه الحنين الذي يهدّ جراحات العمر بعمق الأرث الاعمى المخبؤ فتحمله مخالب الخفايا في دروب ومتاهات الفراغ، يرتشف صروح أوهنها صمت الغريب ويلوذ باطياف العشق حين يبحر مغامرا ً عبر خرائط القلب وحوارات تترجم الأعماق وما خبأته مرارة الأيام ..

 

بقلم: توفيق الشيخ حسين

نادية السيد وكينونة الحضور الجمالي

wejdan abdulazizاه لازلت اسكب قارورة روحي، كعاشق غريب لذلك الحرف الذي يتطلع ان ينير لي فكرة ما، وهو يلتقي الحرف الاخر، ولن اصدق ابدا، انه بعد هذا البحث ان يلتقي قبلات صباح، تشبه الى حد ما قبلات حبيبتي، سألت طائر المكوث، كم سنة ساعيش؟، فاني احب الحدائق، حدائق الشعر بكل تأكيد .. وانتظرت على قارعة الاشجار الباسقة، وهي في عناق دائم مع الانهار والشموس .. حقيقة لم اشبع من حدائق الشعر، ابحث عن وجه حبيبتي، فتبتسم لي كل الاوراد ويفوح عطرها بحب المكوث كل هذا وانا اتجول بين كلمات الشاعرة نادية السيد، فاشم ضوع الورد الباحث عن ندى الصباحات "عبر الغيم" والتقي معاناة امرأة تبحث هي الاخرى عن رائحة الجمال لعله يسكن وريدها، لكنها تحسه بطعم الجرح، حينما ينطوي الغياب، غياب الاخر .. وما يخصني هنا هي الظاهرة الشعرية (فإننا نلاحظ أن الشعر يقوم على كل منها وبقدر ما تكون جدلية الحضور والغياب قوية بقدر ما يكون النص الشعري قوياً ومعبراً. وإذا أردنا أن نُنَزّل المصطلحين مدار الشعر فإننا نلاحظ أن الحضور يمثّل التشكيل والغياب يمثل الدّلالة. وعلى مدار هذه الثنائية يدور الكلام الشعري باعتباره احتراماً للقاعدة وخرقاً لها في نفس الوقت. فالتشكيل الشعري هو خرق لقاعدة اللغة، والقاعدة هي ذلك النمط المرجعي الذي يحترمه كل متداول للغة معينة حتى يضمن لكلامه سهولة التواصل وممارسة تأثير معين. وبقدر ما يكون التشكيل حاضراً بقوة فإن القاعدة تمثل غياباً." وعندما تصاغ هذه القضية اللغوية في إطار جمالي نقدي فإنه يترتب عليها التمييز بين نوعيين من العلاقات التي يمكن ملاحظتها في العمل الأدبي، علاقات تقوم بها العناصر الحاضرة وأخرى تقوم بينها وبين العناصر الغائبة". وقد نبّه سوسير Saussure في أكثر من مرة إلى هذه القضية واعتبر أن الدّال يمثل حضوراً (حضور مادي) وأن المدلول يمثل غياباً (غياب مادي ولكنه حضور معنوي).وإلى هذه الفكرة أيضاً يذهب ميشال فوكو في كتابه الشهير "أركبولوجيا المعرفة"، عندما يقول: " أريد أن أبيّن أن الخطابات كَمَا نَفْهَمُهَا في حياتنا الفكرية المعاصرة كما يمكن أن نقرأها في شكل نصوص ليس من السهولة بمكان اعتبارها مجرد تقاطع بين الأشياء والكلمات" وهنا ينحو بالقضية منحى فلسفياً، ويحيل إلى إتمامه للمشروع الفلسفي الذي ابتدأه في كتابه "الكلمات والأشياء". وفي هذا المنطق يحاول ميشال فوكو تأسيس فلسفة للعلوم الإنسانية.وإلى هذه الفكرة تقريباً يذهب تدوروف مع تغيّرٍ في الحساسية الثقافية فعندما يقول: "هناك عناصر غائبة من النص، لكنها إلى حدٍّ كبير حاضرة في الذاكرة الجماعية لقرّاء فترة معينة، وهذا ما يمثل بطبيعة الحال علاقات الحضور   وفي مقابل ذلك نجد بعض المقاطع من كتاب –بما فيه الكفاية من الطول- تكون على مسافة معتبرة من البعد عن بعضها البعض وتكون علاقتها غير مخالفة لعلاقة الغياب)، وبعد تبلور معنى الحضور والغياب، تقول الشاعرة السيد :

 

(يا هذا عندما تغيب ..

لن أعاتبك فقلمي أقوى من أن يُكتب أو يُعاتب به

فقط سأفتح نافذتي لعلك تدخل مع نسائم شمس غابت

وكأنها عادت من سفر طويل

 

يا هذا ..

لقد كنتُ نور مصباحك الفقير

وأنثى الغيم التي نامت في رحم المطر

وكنتَ أنت تبحث عن طعام وعن سرير ..

لتنعم بقليل من الدفىء لجسدك البارد العليل

وأنا أبحث عن حلم أغفو بين ضلوعه كي أرتاح فيه ..

أفضفض له عن قسوة الحياة وجرح الأيام ...

 

يا هذا ...

من الآن لن أهرب بحلمي خلفك

بعد أن أصبحنا مدمنين بالهروب خلف الأحلام المهجورة

ونرقص في جداول امتلأتها عطر الذكريات ... )

 

هكذا عاشت السيد محنة الغياب، وكعادة الرومانسيين، هربت لاشياء الطبيعة، كـ(أنثى الغيم التي نامت في رحم المطر)، وبانفعال تخاطبه: (يا هذا عندما تغيب ..)، فـ(لن أعاتبك فقلمي أقوى من أن يُكتب أو يُعاتب به/ فقط سأفتح نافذتي لعلك تدخل مع نسائم شمس غابت)، وهكذا تتصارع الرومانسية وتتلاقى ومشاهدة الشمس الدافئه فى الافق وهى تظهر جلية ساطعة والشعور بالسعادة و عندما نتابع النجوم وهى تلمع وتتألق بالسماء الصافية ويمر فى ذهنك حينها شريط من الذكريات السعيدة وخاصة ابتسامة الحبيبة ... لاقول اذا استطعت ان ترى كل مايحيط بك جميلا ونظرت لايجابيات الامور وتجنبت السلبيات المحيطه بك حتما انت رومانسى، فكن جميلا ترى الوجود اجمل فالرومانسيه انصهار فى الطبيعه وامتزاج مع الحياه ببساطه وعفويه، ورغم حزن شاعرتنا في مقطوعتها هذه، الا انها تخلق فرحا من نوع خاص، وتلتقي اشياء الطبيعة بجمالية الحضور وافتراض حضور الحبيب الغائب لذا تردد الشاعرة نادية السيد :

 

(يا هذا ...

من الآن لن أهرب بحلمي خلفك

بعد أن أصبحنا مدمنين بالهروب خلف الأحلام المهجورة

ونرقص في جداول امتلأتها عطر الذكريات ... )

 

لتبقى في كينونة الحضور الجمالي الذي سكن الذاكرة ..

 

وجدان عبدالعزيز

 

شعر اللانداي.. الاحتجاج الدفين بالخلاص

adnan aboandolisقصيدة: حبٌ لو يكتمل للشاعرة الأفغانية الراحلة ناديا إنجمان

إن المعاناة التي تمظهرت بالحسرة من خلال حرف التمني – لو – في عنونة القصيدة، فكأنها تقول – لو إكتمل هذا الحب،لتغيرت أشياءً كثيرة،ربما هو – حب لم يكتمل - بطريقة العنف الذي أزاحهُ وهو في الدفقة الأولى من القلب، هكذا بدأت الشاعرة بأحاسيسها الجوانية نتيجة العنف الذي طالها في ظل حكم قبلي، ناتج عن انغلاق منافذ التحرر من سيطرتهِ، فكان له من التهميش والاستغلال من قبل الذكر لاحتباسها قهرياً، هذا الشعور تنامى إلى حدّ الإختناق بذاكرتها أينما وجدت،لذا تكالبت عليها أنظمة الأسرة والقبيلة والحكم في المجتمع ألذكوري المتسلط، هذا الذي يلغي وجودها كلياً وكأنها لم تخلق إلا للجسد فقط . هذه الإرهاصات ولدت فيها قوة إنفجارية هائلة رغم عواطفها الفوارة برفق – اللينة – المرهفة – فإستبدلت ذلك التشنج الغائر بأعماقها بوسيلة للتسلي كي تنسى مالحق بها من حيف ألا وهو شعراللانداي – ذلك التعبير الجمالي النسائي والتي تعلن عنه بوحاً لتعبر عما يخالج شعورها الدفين – أي أن المرأة الأفغانية المخنوقة قبل بنات جنسها من دول الجوار . ولكثر مضايقتها حتى عبرت بتذوق صادق عن تناقضات رسخت بذاكرتها كل يوم إلى أن أطلقت صرختها بوجه الطغاة – ا لرجل – زوجها التي تنفر منه وفق دفقات الشعور المتلازم أبداً بصيغة قصيرة تسمى – اللانداي –أي المختصر – القصير في لغة البشتو وكما هو معروف أنه شعر شعبي نسائي خالص يشبه إلى حد ما بمعناه وضرباتهِ الموحية وما يشابههُ عندنا شعبياً- الشعر الدرامي :

بأعلى صوتها الصّافي

بأعلى صوتها "ناهد "

نهوضاً، يا أخياتي تراب ُ الأرض يطلبنا

فهل يبقى قاعد؟ !

أخواتي، تحزمنَ بالأوشحة وتقدمنَ للمذبحة

ولشّدة ماتقاسي لحظتها هذه المرأة وعلى لسان الشاعرة،كانت حالة الإختناق تلازمها الحين في مجتمع قاسي وقهري جعلها وبتكرار متواصل – بأعلى صوتها – فالصوت عند المرأة نوع من الاستغاثة لخطر يداهمهارسوخاً بفضيحة – هي الفتاة الشاعرة "ناهد " تلك الصيحة كانت بوجه محارب أفغاني أعتنق أيدلوجية مخالفة للعرف هناك، مما حدا بالأخير،إلا أن يطلق الرصاص عليها وأرداها قتيلة في الحال، كونها قد وبختهُ وطعنت برجولتهِ قائلة له : دعنا نحمل السلاح – فنحن النساء نجيد فن الدفاع عن الوطن – خذ خماري وأعطني سلاحك،لذا أرثتها الشاعرة المعنفه فيما بعد الشاعرة "ناديا " بهذه القصيدة – حب لو يكتمل – عن شعر اللانداي المنوه عنهُ،هي الأخرى ذهبت ضحية شعرها من قبل زوجها –ذلك العنف الذي دوى ضد معمورة الكبح الانثوي الصادق – شعر اللانداي إنهُ شعر غزل بحقيقته الأولى لكنهُ لتغيير الحال إتجه نحو منحنى آخر عبر مشاعر إحتجاجية ضد التسلط والقسوة التي تطال المرأة، ولم يكن مختصراً على الغزل والتمني والإنتشاء بالجسد المخملي – نعم الأُنثى كونها هي الوحيدة الخائضة في أتون الصراع المحتدم قهرياً، نعم هي الوحيدة المستهدفة من شريعة وفتاوى وأقوال في بلدٍ يسودهُ الفقر والجهل والتخلف والتهميش – فمستهل المقطع المنساب يشحذ الهمم – بأعلى صوتها – فمفردة – أخياتي مثلاً للمناداة الحميمة الصادقة بنخوة كبح الضيم – تراب الأرض – أعز مانملكهُ – تحزمن بالأوشحة – جلد عريض مرصع بالجواهر تشد المرأة وسطها للزينة – لكن المبتغى بعيداً- إن جد الجد – فيصبح ناتج القوة بالتحضير الأولي – عزيمة المرأة للقتال،بعيداً عن البوح والخلوة بسريتها التامة:

في أرض بلادي المسبية

قطرات دم الشّهداء زنابق حمر لربيع الحرية

وماذا بوسعكَ غير القتال لهذا البلد؟

أو تكون إذا شئتَ عبداً لعبد

حقاً إنها بلاد مسبية لإجتياحها من قبل محتل، أو أنها منسية لكثر ما تبرقعت بالسواد وتوشحت بغبار الزمن الرديء، فدمرت حضارتها وبنيت على أنقاض وأسلاب الماضي، فأضحت تلائم عقول أرادت هكذا رؤيا لها، فما يزيح هذه اللثامات، إلا دماء الشهداء التي تنير مناخاً خانقاً معتماً سوداوياً،فالحرية المنشودة – المشهودة بيضاء لإنارة ناصعة بالدماء الحُرة، هكذا كان إعلان الحرب والتمرد على القهر والإستسلاب الجمعي، فماذا بوسع الإنسان القادر على التغيير بأية وسيلة أو واسطة للتعبير،فكان شعر اللانداي خير معبر لهذا الحدث، ناهيك عن صفتهِ الاُنثوية الملتصقة به كـ شعر نسائي بإمتياز.

 

عدنان أبو أندلس

 

قراءة في قصيدة رائحةُ النارنجَ تملأُ جيوبي

khayra mobarkiموسمُ القطفِ

يخضرُّ في الفساتينِ الماطرة ..

البلابلُ

عشعشتْ

في حنجرتكِ ..

كلّما فتحتُ أزرارَ الليلِ

تنهمرُ اقماركِ ..

تُرصّعُ

اخاديدَ وجهي

بياقوتٍ أحمر .........

مُذْ كنتِ .....

ورائحةُ النارنجَ تملأُ جيوبي ..

ينابيعكِ

تعمّدُ الكلماتَ

إذا إنتابها الشلل ..

يااااااااااااااالكِ ........

تحتلينَ العيونَ

فيشعُّ الأفق ............

كيفَ

تهشّمينَ

زجاجَ

تقاويمٍ نازفةٍ ..

ترممينَ

قحطَ أحلامٍ ثملةٍ

تمطرُ بالأشتياق ..

وتنشرينَ

على حبالِ الوصلِ

مباهجَ الأزهار ... ؟!

 

بين النارنج ورحيقها قصة وصل معتقة بنسائم الليل ..هو ما أوحت به هذه المقطوعة للشاعر Kareem Abdullah ..في الخطاب أنثى ثاوية في أعماق عاشقها يرتل عشقه لجمالها ويسبح بآيات السحر ومباهج الأزهار وينشد الوصل على أنغام أحلام ثملة ..هو غزل وصدح بالعشق الأبدي ..ولكنه ليس كالعشق ..والمعشوق ليس كمثله ...المعشوق وطن يتهادى في أحلام شاعرنا يرنو إلى الوصل ويقف على أطلال زمن اندثر وولى ..أطلال معتقة بالذكريات المنسية ..ولكن شاعرنا يحييها في ذاته نغما يعيد إليه روحه المفارقة بالنزيف ..بهذه الرحلة التي أعلنها جوازا إلى الفردوس المفقود ..وهذا الحضور لعناصر الطبيعة والانسجام التام بين عالمها وعالم المرأة في إطار تخضر فيه الفساتين الماطرة وتعشش فيه البلابل ..ويتضوع فيه عبق النارنج ويشع الأفق ..هو الحلول بين المرأة والطبيعة ..وهو منبع الطرافة حين يخاتلنا شاعرنا ويقنعنا بغير ما يعرض .. فيتوه في عالم أنثاه ويشكو نأيه وبعده ..ويرنو إلى حبال الوصل يقاوم الحاضر ويشيده على أنقاض الماضي حين يهشم الزجاج ..إنها صورة الوطن النازح في الشعاب ..على السكين يرقص ..لم تشفع له ترانيم البلابل ولا زخات المطر في أن يرتقي عن أسن الواقع ويغتسل بالدمع الشارد في المقل ..وطن ينزف بأمال منسية يصورها الشاعر على أنها قصة وصل مندثر بين عاشق ومعشوقه فتغدو بذلك القصيدة بمثابة الصورة الاستعارية الكبرى ..تقول وكأنها تستعد للقول ..بلغة مراوغة ..موحية ..وتشكيل بصري ناب إيقاعه عن إيقاع النغم والأبجدية ...فينفلت الخيال ويعلن عصيانه لنحضى بالابداع ولذة القراءة ..دمت مبدعا شاعرنا .. كريم عبدالله – بغداد - العراق

 

بقلم: خيرة مباركي (ناقدة وتشكيلية) .. تونس

 

لغة الجسد بين الأسطرة والتصوف في شعر جوزف حرب

esam shartahإنَّ أهميَّة بعض التجارب الشعريَّة تنطوي على ما فيها من رموز، ودلالات، وإيحاءات، ورؤى، ومداليل غنية؛ تفرزها في مضمار تجربتها؛ لتميِّزها عن غيرها من التجارب؛ والرموز هي التي تغني التجارب الشعريَّة؛ وتفجر إيحاءات الصور الشعريّة؛ وتنمي دلالتها؛ ذلك أنَّ "الرمز يثير الصورة الشعريَّة، ويحقق لها الانفتاح الدلاليّ على دلالات متعددة لا متناهيَّة، كما يكسبها حيويَّة الصيرورة والتحول، لتخرج من الماضويَّة إلى الحاضر؛وبهذا تتحقق الدراميَّة من الاصطراع والتنافر بين الرموز والصور بدل الغنائيَّة، كما يحقق الاقتصاد السردي، وعندما يتعامل الشاعر مع الرمز يخرجه من الدلالة الأحاديَّة إلى دلالة مفتوحة، تؤمن له الإيحاء في إشعاع معرفي؛ فالقارئ قد يجد صعوبة حين يحاول استخراج الرمز وإرجاعه إلى طفولته الفكريَّة؛ لأنَّ قدرة الشاعر على التوظيف تحتاج لقراءة محترفة، تعي الرؤى الفكريَّة والفنية لإقامة علاقة بين الرمز والمرموز. ونشير إلى أنَّ الرمز يتجاوز أن يكون وسيلة تواصل، فهو يستحضر الذاكرة لوعي المرجعيَّة الجماليَّة لفهم الذوق الفني ولاستجماع القرائن المرتبطة بالرمز"(1)، ولهذا نلحظ أنَّ بعض التجارب الشعريَّة تمركز رؤيتها على بعض الرموز أو الدلالات المعينة، التي تترك بصمتها وإشعاعاتها الدلاليَّة على تجربته كلها؛ وقد سعت معظم التجارب الشعريَّة إلى خلق الإثارة الشعريَّة عبر دوال لغويَّة محدّدة ميَّزت منحى كل تجربة من التجارب الشعريّة الحداثية على حدة؛ وإنَّنا من خلال مطالعتنا لتجربة جوزف حرب، لاحظنا أنَّ لغة الجسد سيطرت على عالمه الشعريّ؛ إلى درجة لافتة حتَّى أنه عنون الكثير من قصائده بمؤولة "الجسد"؛ ومن خلال تدقيقنا في منعرج هذه المؤولة، وأسلوبها التداولي النصّيّ لاحظنا حيازتها على رؤى ومداليل عديدة؛ توضِّح سيرها في مسار قصائده كلها، وفق الآتي:

 

أولاَ- لغة الجسد الحسيَّة (النحت الجمالي للصورة الجسديَّة):

إنَّ اعتماد جوزف حرب على التصوير الحسّيّ لصورة الجسد قد رسمته بملامح جماليَّة غاية في الحسّ، والشعور، والإدراك لخفاياه الجماليَّة؛ إذْ حملت صورة الجسد فنية وإحساساً وشعوراً تصويريًّا في منح الجسد جماليَّة توصيفيَّة؛ تصف دقائقه وجزئياته، بوصفه مركز التفتح الجماليّ؛ إذْ يرى الجسد منارة الروح؛ وترسيمه النحتي الجماليّ؛ ولولا الجسد لما تفتقت روحانية الروح، وإحساسها الوجودي؛ يقول جوزف حرب في قصيدته الموسومة بـ "الجسد" ما يلي:

"ذَرِيْرُ صُبْحٍ بَطْنُهَا.

فَتُّهُ عَاجٌ.

أذوقُ الرقصَ مِنْ خَصْرِهِ.

يا صَحْنَ مسكِ الصبحِ، يا بَطْنَهَا.

وفَوْقَهُ سُرَّةُ طِيبٍ كأَنْ قد خَطَّهَا النرجسُ من زَهْرِهِ.

وليلُ عُشْبٍ تَحْتَهُ مائجٌ مِنْ جُلَّنَارٍ فُتْحَتَا فَجْرِهِ.

مُدَوَّرٌ كأُقحوانٍ. ندٍ كمرمرٍ. صافٍ كماءِ القُرَى.

وكُلَّما طافتْ به قُبْلَةٌ، تمتصُّ آهاً مِنْهُ أو أنَّةً.

وبعد فخديه مَسَاً، بينهما قد كُتِبَتْ جُمْلَةٌ أدْخَلَهَا الياقوتُ في حِبْرِهِ"(2).

هنا، يعتمد الشاعر الصور التوصيفية الجماليَّة في نحت الصورة التجسيديَّة الحسيَّة للأنثى؛ بوصف بطنها وتشبيهه بالصبح، وخصرها الأملس الرقيق بالعاج، وسرتها بالنرجس، ونهديها بالأقحوان، صفاءً و جماليَّة، وشهوة، ونشوةً. وفخذيها بالمسا الياقوتي الأملس ذي اللون البرونزي الفضي الذي يشبه إطلالة المساء؛ رقة، ونعومة، وسحراً، وجمالاً. وهكذا، نحت الشاعر الصور الجماليَّة للجسد الأنثوي نحتاً جماليًّا؛ وكأنه يرسم الصورة الأنثوية رسماً دقيقاً بتجسيد الجسد بأبعاده الجماليَّة، المشتقة من جزئيات الطبيعة الساحرة.

وقد ينحت الشاعر جوزف حرب الصورة نحتاً تجسيديًّا بارعاً؛ بترسيم الصورة، وتعميق رؤاها التوصيفيَّة؛ لتأتي غاية في التنسيق، والترسيم الجمالي البارع، لتستقطب القارئ بصيرورتها الجماليَّة، وبعدها التشكيلي النحتي الخالص، كما في قوله من قصيدة "الجسد" ما يلي:

"فيها قناديلُ لذَّاتٍ، إذا انتشرتْ

حمراً ليالي الهوى فينا، أُضوِّئُهَا

أصبُّ في راحتِيْ ناياً وأشْرَبُهُ

حتَّى إذا فَرَغَتْ، بالآهِ أملأُها

نُصُوصُ وردٍ على تَخْتِي مُغَمَّضَةٌ

أُفَتِّحُ الزِّرَّ فيها، حين أقْرَأُهَا

وأَفْرُكَ الحِلْمَةَ الخمريَّةَ اتَّقَدَتْ

وفي فمي مثل ياقوتٍ أُخَبِّئُهَا

فيها قناديلُ، ما قَبَّلَتْ لَيْلَتَها

إلاَّ وفي قُبَلِي قد ذابَ لؤُلؤُهَا

أظلُّ أمتصُّ منها النارَ لاهبةً،

حتَّى إذا ماجَ فيها النومُ أُطْفِئُهَا"(3).

إنَّ التصوير الحسيّ للجسد، ومغامرة التلاعب بالصور الغريزيَّة التي تصف دقائق الأشياء؛ المتعلقة بالجسد الأنثوي؛ قد جعل الصور شبقية جنسيَّة، تصف مشهداً لمضاجعة جنسية، يتم فيه المداعبة، باللمس، والفرك، والقبل...؛ بادئاً قصيدته بنحت الصور الجماليَّة ذات الحسّ الشعوريّ المصطهج، والمدّ التأمليّ في وصف المشهد، والترسيم الحسيّ الغريزيّ له، لإثارة الشهوة،و الغريزة، ومكمن اللذة الجنسيَّة في الجسد الأنثوي؛ كما في قوله:"وأَفْرُكَ الحِلْمَةَ الخمريَّةَ اتَّقَدَتْ وفي فمي مثل ياقوتٍ أُخَبِّئُهَا"؛ والملاحظ للقارئ تلكم القدرة التجسيديَّة النحتية للصور الغزليَّة التي تتضمنها نصوصه الشعريَّة بالانحراف صوب التجسيد الحسيّ الشهواني للجسد الأنثوي؛ ليكون مكمن اللذة والنشوة والجمال. كما في قوله:

"فيها قناديلُ لذَّاتٍ، إذا انتشرتْ حمراً ليالي الهوى فينا، أُضوِّئُهَا"

؛ إنَّ هذا التجسيد الجماليّ للصور الغزليَّة الإباحية يعكس حالة من الخروج عن الإطار التوصيفي العرفي؛ ليجسد في الأنثى الأوصاف الجنسية المسكوت عنها أو المكبوت في العرف الاجتماعي عن ذكرها، ليرسم صورة جماليَّة تجسيديَّة للجسد الأنثوي، كاسراً كل القيود الاجتماعيَّة أو العرفية؛ ليصنع قصيدة الدهشة، أو قصيدة النحت الجمالي أو قصيدة المتعة المحرمة؛ ولو نظرنا في قصيدته التالية الموسومة بـ "الجسد"؛ لوجدنا رقياً وسمواً جماليًّا في نحتها التشكيلي الجمالي، كما في قوله:

"عندمَا لاحَقْتُهَا، ذابتْ بِصُبْح.

رَكَضَتْ، واختبأتْ في نَصْلِ رُمْحْ.

اختفتْ في شجرِ الغابةِ، صارتْ أخضراً.

خفَّتْ إلى عصفورةٍ، طارتْ بَهَا

فصارتْ أزرقَهْ.

دَخَلَتْ في نايِ راعٍ، خرجتْ من زَنْبَقَهْ

هَرَبَتْ منّي، ولَكِنْ، عندما هبَّ على شهوتِهَا

جسدي، عادتْ إلى قامتها"(4).

إنَّ هذا النحت الجمالي للصور الغزليّ ذات الطابع الحسيّ، يرتقي بشعريّة الجسد من حيّز الشهوة، والحس، والغريزة إلى حيّز المتعة في توصيفه، واللذة الجماليَّة في تشعيره؛ ونحت الصور الجماليّة التي ترصد حركاته بدمجها بجزئيات الطبيعة وسحرها، وجمالها؛ وصفائها المطلق، ممّا جعل الطابع التوصيفي طابعاً جماليًّا؛ يجري مجرى الرسم التشكيلي في تزويق الصور، وبث الصور بألق تجسيدي مشتق من الطبيعة الخضراء، بزهورها، وورودها، وزنابقها، وطيورها، وفضاءاتها الجماليَّة وإفرازاتها الخصبة، كما في قوله""دَخَلَتْ في ناي راعٍ، خرجتْ من زَنْبَقَهْ"؛ إنَّ ولع جوزف حرب بشعرنة الجسد، بوصفه مبعث الحركة الجماليَّة في الطبيعة يدفع المرء للتساؤل...ما مدى إدراك الشاعر جوزف حرب لكينونة الجسد الأنثوي؟! هل ثقافة الجسد عنده ثقافة إمتاع ومؤانسة أم ثقافة حرص على التجاوز وكشف المستور والمحرَّم؟!... ما مدى إدراكه لكينونة الجسد الماديَّة في ظلّ العشق والتمتع بالجسد؟! وما علاقته بالروح...؟!

إنَّ نظرة جوزف حرب للجسد هي نظرة فلسفيةَّ تؤمن بأنَّ الروّح لا كينونة لها بمعزل عن الجسد؛ فالجسد هو المحرِّك للروح؛ وليست الروح هي المُحَرِّكة للجسد؛ بمعنى: أنَّ الجسد كينونة وجوديَّة ماديَّة تجذب المتعة، وتثير الانتباه، وتطفئ نيران الغريزة، وتشعلها متأججة بالشهوة والمتعة في آن؛ في حين أنَّ الروح عالم روحاني نوراني مجهول لا يعرف كنهه إلاّ الله خالق الكون والأرواح والماديَّات؛ لهذا؛ عدَّ الجسد القطب الجمالي الأول في خلق المتعة واللذة الجماليَّة؛ وما ديوانه [السيدة البيضاء في شهواتها الكحليّة] إلاّ محطة مهمة من محطات شعريَّة الجسد...يقول جوزف حرب:

"مرَّتْ فوقَ أكتافيْ أصَابِعُهَا كألسنةِ المياهِ،

وباركتْ مَجْرَايَ من عُنِقي، إلى ما بينَ خاصرتيَّ.

والتفَّتْ على خِصْبِيْ لتحملَ قطرةً مِنْهُ، وتَمْسَحَ نَهْدَ مَنْ كُنَّ افْتَتَحْنَ سِيَامَتِيْ بنشيدِ رقصٍ. فاسْتَحَلْنَ غمامةً بملائكٍ بيضٍ.

وَرُحْنَ يَذُبْنَ فوقي حيث يَشْرَبُهُنَّ جِلْدِي مصغياً لمياهِهنَّ

تسيلُ في جسدي.

فأنهضُ أخضراً من غيرِ أفْعَى، مُثْقَلاً ثمراً لتفاحٍ بغيرِ خَطِيْئةٍ.

فتنامُ عاريةً، وأهبطُ فَوْقَها صلواتِ أجنحةٍ لِتَغْفِرَ لي اتّهامي أنَّها لِصُّ الخليقةِ في دمي؛ بدءُ الخَطَايا؛ الَّلعْنَةُ الأولى.

فَتَفْتَحُ نومَ قامتِهَا وتَنْهَضُ في ذراعَيْ فِضَّةٍ، وأعودُ من شجرٍ، إلى جسدٍ، فَتُقْبِلُ نسوةٌ يُكْمِلْنَ طقسَ سِيَامَتِيْ،

حتَّى إذا ألْبَسْنَني بين الشموعِ عَبَاءَتِي،

رَفَعَتْ إليَّ ذراعَهَا بالياسمين وباركتْ لي قامَتِي.

عَرِيَتْ جَسَدْ"(5).

تستوقفنا هذه الصور التشكيليَّة ذا المنحى الترسيمي الجمالي للجسد الأنثوي؛ لتكون الأنثى منبع تدفق الأشياء وخصوبتها؛ فالجسد الأنثوي يفتح العالم على الجمال، والخصوبة، واللذة ،والنشوة الروحية، لهذا؛ تحيي الأنثى عروقه وتحفّزه على الخصوبة، والاخضرار؛ فيغدو شجراً يزدان خضرة وزهواً، وألقاً، وصفاءً روحانيًّا عظيماً؛ كما في قوله: "فَتَفْتَحُ نومَ قامتِهَا وتَنْهَضُ في ذراعَيْ فِضَّةٍ، وأعودُ من شجرٍ، إلى جسدٍ، فَتُقْبِلُ....رَفَعَتْ إليَّ ذراعَهَا بالياسمين وباركتْ لي قامَتِي./ عَرِيَتْ جَسَدْ"؛ إنَّ هذا الأسلوب التأسيسي الجماليّ للصور الأنثويَّة ذات الطابع الجنسي يثير القارئ، ويحفّز الصور؛ ويبعث في الدفقة الشعريَّة مثيرات تحفيزيَّة مشوبة بجو أسطوريّ تأسيسي لأسطورة الجسد، بجعله مركز الاستقطاب الجمالي، والكينونة الوجوديَّة المحركة لماهية الأشياء؛ لخلق كينونتها، وحركتها الدائبة المستمرة على الدوام؛ فما أجمل هذه التوصيفات الجماليَّة التي يخترق فيها حيِّز الجماد، محركاً الأشياء، تبعاً لتموجات الجسد الأنثوي، وحركاته المُوَقَّعة لحناً روحيًّا يؤجِّج الجمال والإحساس به؛ إذْ يقول:

"ولي جَسَدٌ من رسائِلَ مطوِّيَّةٍ في صناديقَ لامرأةٍ كلَّلتْهَا مناديلُهَا في غيابي،

وقد أنْزَلَتْهَا أخيراً إلى السوقِ دارُ المرايا، عليها اسمُ وجهي، وعنوانُها: جَسَدِي.

نَقَّحَ أخطاءَهَا الوردُ، رَتَّبَهَا الليلُ، حَقَّقَهَا الشَّمْعُ،

قَدَّم غيمُ الغروبِ لها، وهي مُرْسَلَةٌ مِنْ نُحُولِيْ إلى امرأةٍ، صارَ لي مَعَها جسدٌ كالكنائسِ، يَدْخُلُهُ البحرُ، والبجعُ المريميُّ، وخوخُ الحدائقِ، يُلْقُونَ بيضَ النذورِ على بابهِ،

يركعون أمَام تماثيلها، يُشْعِلُونَ الشموعَ، ويَبْكُونَ، حتَّى لأَسْمَعَ في داخلي البجعَ المائِلَ العنقِ كيفَ يُصَلِّي،

وأشعرُ بالخوخِ كيفَ يُبَلِّل بالصبحِ قلبي، وبالبحرِ كيفَ يفتُّ بمجمرةِ الشمسِ تحتَ يَدَيْها بخورَ الغمامِ... إلى امرأةٍ، مقلتاها لدى الله أجْمَلُ لونينِ: لونِ الدواةِ، ولونِ الندى.

كلُّ دورةِ نَحْلٍ لرشفِ البنفسجِ شَكْلٌ لِمِعْصَمِهَا.

كُلُّ رِجْلٍ، أصَابِعُهَا الخمسُ خمسةُ أبياتِ شِعْرٍ، رويُّ القوافي بها الوردُ. ليسَ لناعمِ خاصرتَيْها شبيهٌ بسوقِ النسيمِ.... وما عَلَّقَ اللهُ في صالةِ الصيفِ نجماً كنهدينِ في صَدْرِهَا، عُلِّقَتَا قمرينِ بليلِ فمي، كالنبيذِ القديمِ"(6).

هنا، يعتمد الشاعر التوصيفات التصويريَّة المحفِّزة للقارئ؛ بنسقها التجسيدي للجسد الأنثويّ؛ مصوِّراً حركتها النسقيَّة بتأمّل الصور، وحيّزها الغريزي الذي يبلور الرؤى الحسيَّة الشهوانيَّة للجسد، لشعرنته برؤى تحفيزيَّة مثيرة للقارئ، كما لو أنَّ حركات الجسد ترسم الصورة؛ بفنية بصرية حسيَّة شهوانيَّة، غاية في الإثارة، والتحفيز الجمالي، كما في قوله: "ليسَ لناعمِ خاصرتَيْها شبيهٌ بسوقِ النسيمِ.... وما عَلَّقَ اللهُ في صالةِ الصيفِ نجماً كنهدينِ في صَدْرِهَا، عُلِّقَتَا قمرينِ بليلِ فمي، كالنبيذِ القديمِ"؛ إنَّ هذا التصوير التحفيزي ينمّ على مهارة تصويريَّة في شعرنة الجسد؛ وإكسابه هالة جماليَّة تجسيديَّة في رسم حركاته، وأبعاده، وأنساقه؛ بحيازة نسقية توصيفيَّة للمشاهد الحسيَّة المرسومة لمؤوِّلة "الجسد"؛ وكأنَّ الجسد الأنثوي يمثل له قمَّة الفنية، والنحت الجمالي والإذعان المطلق لقدرة الخالق وجمال خلقه الفني، ونحته المثير لهذا الجسد؛ كما في قوله: "إلى امرأةٍ، مقلتاها لدى الله أجْمَلُ لونينِ: لونِ الدواةِ، ولونِ الندى./ كلُّ دورةِ نَحْلٍ لرشفِ البنفسجِ شَكْلٌ لِمِعْصَمِهَا./ كُلُّ رِجْلٍ، أصَابِعُهَا الخمسُ خمسةُ أبياتِ شِعْرٍ، رويُّ القوافي بها الوردُ"؛

وهكذا؛ تمتاز صوره التجسيديَّة الحسيَّة لصورة الجسد بماهية نسقيَّة، تحرِّك مثيراته الغريزيَّة؛ ليبدو الجسد الأنثوي كينونة وجوديَّة فائقة الحيويَّة والجمال بالحركات الجسديَّة الموحية، التي تحرِّك النسق الشعريّ صوب الصور المجسَّدة التي تعتمد شمولية الرؤية الجسديَّة، وأبعادها الجماليَّة.

 

ثانياً- لغة الجسد الأسطوريَّة [أسطرة الجسدة]:

إنَّ جوزف حرب أعطى الجسد قيمة أسطوريَّة خارقة؛ بوصفه مبعثاً للتغير والانبثاق؛ والتجديد، فهو المحرِّض على تفاعل الخلق، وتنامي حركة الوجود؛ وهو الكينونة الوجوديَّة العليا التي تحرِّك الأشياء؛ فهو ليس إطاراً خارجياً أو لباساً زائفاً للروح؛ وإنما هو المحرِّك لكينونة الذات؛ وهو الانبثاقة الجماليَّة للتجسد الروحيّ ملامسةً وإحساساً؛ لذا؛ أولى جوزف حرب الجسد قيمة عظمى تثير التساؤل؟! لماذا الجسد - عند جوزف- يمثل أسطورة الوجود؟ وما علاقة ذلك بمنظوره التصوفي للإحساس بروحانيَّة الجسد؟ وهل ديوانه الموسوم بـ [السيِّدة البيضاء في شهوتها الكحلية] يمثل أسطرة الجسد أم أسطرة الروح (التصوُّف)؟ وهل ارتقى في مضمار الجسد إلى طبيعة تفكيره الأيديولوجي في مسألة الوجود وطبيعة الخلق والحياة وحركة الكون؟!

إنَّ الإجابة على هذه الأسئلة يضعنا في لبّ الرؤية المعاصرة للجسد، والرؤية المنحرفة لهذا المفهوم المعاصر لدى الشعراء لشعريَّة الجسد، فجوزف حرب يؤسطر الجسد؛ بوصفه مركز الإنارة، والبياض، والنحت الجمالي، والبداعة الربانية في تكوينه؛ لهذا، رأى في الجسد القدرة على الاختراق والتجدد والارتقاء الروحي؛ فالجسد هو المنارة المضيئة الدالَّة على جمال الروح؛ وهو مكمن النشوة، واللّذة الروحيّة بمعنى أدقّ: يمثل الجسد قبَّة للروح، وليست الروح قبَّة للجسد؛ إذْ يقول:

"مَالِحٌ مِثْلَ فاكهةِ البحرِ.

حُرٌّ كعصفورِ حِبْرٍ.

قَوِيٌّ كَصَوَّانِ خَصْرِ الخُيُولْ.

وَذِرَاعاكَ قوسانِ مِنْ جدلِ أليافِ بَرْقٍ.

وفي جِسْمِكَ المنحني مثل حكمةِ لقمانَ رائحةٌ من خُزَامى الحُقُولْ.

أيُّهَا الفارعُ العُمْرِ، لا سنديانُ الجبالِ أشدُّ.

ولا النبعُ أعمقُ.

حُرٌّ. رَضِيٌّ. وفي راحتيكَ مفاتيحُ أبوابِ كُلِّ الجهاتِ.

وحُرَّاسُكَ النِّيرانِ.

وعُمَّالُكَ الأوفياءُ الفُصُولْ.

كُلُّ ما فيكَ ليسَ يَزُولْ.

كُلَّما مسَّهَا الجوعُ للقمحِ، والعطشُ المرُّ للنهرِ، مدَّتْ إليكَ الأكُفَّ السهولْ.

لا تَكُنْ لغةً.

أجْمَلُ الصمتُ فيكَ. وبين يديكَ الوجودُ قد افترشَ الوقتَ يصغي لما تَقُولْ"(7).

هنا؛ يرسم لنا الشاعر رؤاه التجسيديَّة للجسد؛ مشعرناً صداه بالأسطرة؛ وتحميل الجسد طاقات خارقة، وحكماً بالغة؛ كما في قوله: "وَذِرَاعاكَ قوسانِ مِنْ جدلِ أليافِ بَرْقٍ./ وفي جِسْمِكَ المنحني مثل حكمةِ لقمانَ رائحةٌ من خُزَامى الحُقُولْ"؛ ويأتي الجسد إلهاً للخصوبة؛ لتستقطبه الفصول، وتمدّ له أكفُّ البحار والسهول يدها لاستقباله؛ كما في قوله: "كُلُّ ما فيكَ ليسَ يَزُولْ./ كُلَّما مسَّهَا الجوعُ للقمحِ، والعطشُ المرُّ للنهرِ، مدَّتْ إليكَ الأكُفَّ السهولْ"؛ وهذه القدرة الأسطورية الخارقة التي يملكها الجسد بقدرته على تحويل الأشياء، وإكسابها الخصوبة؛ هي قمّة الاستغراق في أسطرته وتحميله من القدرات ما لا يستطيع امتلاكه وتحقيقه لدى شاعر آخر.

وقد يمزج الشاعر رؤاه التجسيديَّة الجماليَّة للجسد برؤاه الأسطوريَّة مزجاً فنيًّا تتداخل فيه الرموز والدلالات بين دلالات أسطوريَّة ودلالات صوفيَّة؛ إذْ يجعل الجسد ميداناً للخصوبة، والولادة، والعطاء الجديد؛ تارة، ويجعله رمزاً للجمال والتقديس الإلهي تارة أخرى؛ كما في قوله:

"وَلامَسَتْ صفصاف وجهيَ كالغمامِ.

وَرُحْتُ أحلُمُ أنَّ بي قمراً يضيءُ،

وأنَّ ليلاً صافياً يمتدُّ إلى صُبْحٍ مُذابٍ في أصَابِعَها التي نُحِتَتْ بقايا من نُعَاسٍ،

حيث يبدأ بالصعودِ نهارُ قامتِها إلى وهجِ الظهيرةِ فوقَ فَخْذَيْهَا،

وارْتَدَتْ شفتايَ منديلينِ من قُبَلٍ،/ وَرَوَّحَتا إلى فَمِها الذي في بيتِهِ بين النخيلِ بحيِّ قامَتِها القريبِ؛ وعندما دَنَتا من البابِ، اخْتَفَى فَمُهَا، / فَرَوَّحَتَا إلى كُلِّ البيوتِ الحُمْرِ بين نخيلِ قَامَتِها، فَلَمْ تَفْتَحْ يدٌ لَهُمَا./ وكُنْتُ مُخَبَّأً بهما./ أُشاهِدُ جِسْمَهَا العاري فأَنْسَى وَرْدَتَيْ فَمِهَا إذا هَبَّتْ رياحُ البردِ من خُصُلاتِها الملأَى بعتمِ الليلِ فوقَ مياهِ كفيّها، وأنْسَى شعرَهَا لما تَرَى شفتايَ نَهْدَيْهَا قد اشتعلا بنارِ البدوِ./ أنْسَى جَمْرَهَا العاجيَّ؛ إنْ شاهدتُ عينيهَا، وأَنْسَى النسوةَ السودَ اللواتي قد وَقَفْنَ يَبْعْنَ وردَ الشمعِ في أسواقِ عينيها إذا أصغيتُ للأشعارِ تَرْفَعُ خَصْرَهَا قصراً بناهُ النايُ من حجرِ المسا لمحمدَ بنِ الأحمرِ المرسومِ فوقَ فمي"(8).

يدمج الشاعر - في هذه القصيدة- الرؤى التجسيديَّة الغزلية ذات الترسيم الجمالي بالرؤى الصوفية ذات الامتداد والتدفق الروحي، بالرؤى الحسيَّة ذات الطابع الغريزي الشهواني، محاولاً المزاوجة بين الصور الحسيَّة والصوفيَّة بالرؤى الأسطوريَّة، بجعل الجسد ينبوع الخصوبة والتدفق، والانفتاح والتجلي الجمالي؛ محاولاً خلق حركة بانورامية مفتوحة لرؤاه الشعريَّة صوب ماهية الجسد والأنثى عامة؛ فالجسد تارة يبدو منحوتاً بشبق غريزي، وحسّ جمالي؛ وتارة يبدو منحوتاً نحتاً حسيًّا شهوانيًّا غريزيًّا بصريًّا مثيراً، وتارةً يبدو نبع التأمل والجمال الروحاني، وتارة يبدو مكمن التحول والصيرورة الوجوديّة بأسطرة الجسد وتحميله رؤى ومداليل أسطوريَّة، وقدرة تحويليَّة خارقة؛ وهكذا تختلط الرؤى - في هذه القصيدة- خلطاً جماليًّا يرمي إلى تشعير الجسد، عبر مزج الحسّ الجمالي بالحسّ الغريزي التي يتغنى بالجسد وتوصيفاته الغريزيّة التي تشي بتوقٍ إلى الأنثى و ترسيمها جماليًّا؛ كما في قوله: "أُشاهِدُ جِسْمَهَا العاري فأَنْسَى وَرْدَتَيْ فَمِهَا إذا هَبَّتْ رياحُ البردِ من خُصُلاتِها الملأَى بعتمِ الليلِ فوقَ مياهِ كفيّها، وأنْسَى شعرَهَا لما تَرَى شفتايَ نَهْدَيْهَا قد اشتعلا بنارِ البدوِ"؛ وهكذا؛ يؤسِّس جوزف حرب حركة نصوصه على أسطرة الرؤى التجسيديَّة الحسيَّة للجسد الأنثوي؛ معمِّقاً هذه الرؤى الأسطوريَّة بأساليب توصيفيَّة شهوانيّة حسيَّة حيناً، وأسطرة نصّيّة بتحميله مداليل أسطوريَّة حيناً آخر؛ تباعد بين الرؤى المجسدة لكينونة الجسد الأنثوي، وماهيته المتغيرة؛ باختلاف المنظور الذي يبثه جوزف في قصائده.

والَّلافت أنَّ مثيرات التحفيز الأسطوري لمداليل الجسد تمتلك خصوصيَّة نادرة في تشعير الصور الغزلية المثيرة، واكتنازها بالعمق، والإيحاء، والامتداد الشعوري المكثف، كما في قوله:

"أُحبُّكِ من بدءِ خيطِ الغمامِ إلى آخرِ القطراتِ لموجٍ تَسَلَّقَ هذا الهواءَ، وصارَ سحاباً،

وصارَ السحابُ شتاءً،

وصار الشتاءُ على الأرضِ نهراً، وعادَ إلى البحرِ.

كُلُّ التماعاتِ برقي كانتْ لألمَحَ بابكِ.

كُلُّ طريقيَ في الريحِ كانتْ عذاباً جميلاً.

وكُلُّ صعودي إلى الشمس كانَ لأجلِ الوصولِ إليكِ. وما أنْبَتَتْهُ مياهي من الزَّرعِ والزهرِ كانَ قرابينَ نهرٍ لِيُلْقَى على قدميكِ.

ولكنَّهم سرقوا الغيمَ مني، ووردَ الحدائقِ، والشجرَ القِرْمِزيَّ،

فأخفيتُ كفيَّ كي لا تريني بغيرِ هدايا، ورحتُ أَمُدُّهُمَا.

يا لَعَارِيْ لَمَنْ سرقوني، لأشربَ منْهُمْ فتاتَ مِيَاهِي، وآكُلُ سقطَ ثمَاري وأصبحَ مثل ملوكِ الخريفِ، تُتَوِّجُني النائحاتُ بزهرِ الحدائقِ بَعْدَ الذبولِ.

وكنتُ مع الوقتِ أبعدُ عنكِ لأني مصابٌ بفقريْ، وأنسى طريقَ الوصولِ إليكِ، لأنَّ اغتساليْ بماءِ الكنائسِ، والخوفَ من عتمةِ الحبسِ، والجَلْدَ عند جدارِ المحاكِمِ، حَوَّلْنَ روحيْ إلى خادمٍ في بيوتِ اللصوصِ... ...

هذا دمي...عَلِّمِيْنِي قراءةَ الأرضِ، غُطِّيْ قَلَمَ الغَيْمِ في دواةِ البحارِ.

وانْحَتِي الريحَ لي يداً، واجعليني كاتبَ الشمسِ في بلاطِ النهارِ.

وهذا دمي فاشْتَهِيْني كأَنَّ نساءً من الجمرِ فيكِ، وَقَفْنَ وراءَ شبابيكِ صيفٍ وَرُحْنَ يُشَاهِدْنَ فرسانَ ماءٍ يمروُّن فوقَ خيولٍ من الغيمِ بِيضٍ، فَلَوَّحْنَ ثم شَرِبْنَ على العشقِ حتَّى انْطَفَأْنَ.

وهذا دَمِي فاغْمُريْني. لديرِ فمي عَتَّقَ اللهُ نَهْدَيْكِ، وانتشرَ الليلُ في شَعْرِكِ المَطَرِيِّ لأسهَرَ فيه، ولا شيءَ إلاَّ أباريقُ خمرٍ، وَتَرْجَاعُ آهٍ على شفتيكِ، يُرَافِقُ إيقاعَ خِصْرِكٍ حتَّى الصباحِ المُذَوَّبِ في قدميكِ.. وهذا دمي"(9).

تأتي القصيدة لتفرض على القارئ رؤاه الغزليَّة الترسيميَّة الوصفيّة للأنثى، وجسدها اللوحاتي الجميل الذي يبثُّ فيه كل مظاهر الجمال والإشراق والنور؛ فالشاعر لم يعبِّر عن الجسد بلفظة صريحة؛ لكنه شحنها بدلالات أسطوريّة ممثلة بالقرابين والنذور؛ فالجسد الأنثويّ يتحوَّل إلى هيكل للعبادة، أو هيكل إلهي يُقَدَّم له النذور والقرابين؛ كما في قوله: "وما أنْبَتَتْهُ مياهي من الزَّرعِ والزهرِ كانَ قرابينَ نهرٍ لِيُلْقَى على قدميكِ./ ولكنَّهم سرقوا الغيمَ مني، ووردَ الحدائقِ، والشجرَ القِرْمِزيَّ"؛

وهكذا مزج جوزف حرب الرؤى الأسطوريَّة بالصوفيَّة، مسهماً في تشعير رؤاه الغزليَّة بإيقاعات تصويريَّة مهندسة دلاليًّا، بالتصوف والأسطرة، والترسيم الغزلي الشفيف، كما في قوله: "وهذا دَمِي فاغْمُريْني. لديرِ فمي عَتَّقَ اللهُ نَهْدَيْكِ، وانتشرَ الليلُ في شَعْرِكِ المَطَرِيِّ لأسهَرَ فيه، ولا شيءَ إلاَّ أباريقُ خمرٍ، وَتَرْجَاعُ آهٍ على شفتيكِ"؛ وعلى هذا النحو؛ يؤسّس جوزف حرب إيقاع رؤاه للجسد الأنثوي على الأسطرة والنزوع الأسطوري، والترسيم الشعوري الغزليّ الرهيف، والرؤى الصوفية الممزوجة بالتوق والعشق والتأمل الروحيّ العميق لما يخفيه الجسد من بواطن جماليَّة وإشراقيَّة دالَّة على الكمال والجمال المطلق.

 

ثالثاً- لغة الجسد التصوفّ [تقديس الجسد/ وتقديس الأنثى]:

إنَّ رؤية جوزف حرب للجسد رؤيةً صوفيَّة تقديسيَّة؛ فالجسد هو مكمن الوجود؛ وهو مكمن تلقي الأزمات والصدمات وتحمل الآلام، وهو الأوّل في المكابدة والتضحيّة، وهو الانبثاقة الأولى للروح؛ ولهذا؛ نظر جوزف إلى الجسد نظرة فلسفية عميقة؛ فهو مكمن الوفاء؛ والأمل بالانبثاقة الوجوديّة الجديدة؛ إذْ يقول:

"جَسَدِي، أوَّلُ من ظلَّ وفيًّا.

جَسَدِيْ، آخِرُ من ظلَّ وفيًّا.

كُلُّكُمْ قد خانني في الأرضِ إلاّ جسدي.

لَمْ يَحْتَمِلْ في مرضي القاسي معي إلاَّ جسديْ. ما جاعَ لمَّا جُعْتُ إلاَّ جسدي. أنكرتموني كُلُّكُمْ في الصلبِ إلاَّ جسديْ. لم يَعْطِنِي شمسَ دمٍ للوطنِ المُظْلِمِ إلاَّ جسدي.

لمَّا محاني العِشْقُ في البعدِ خيالاً ناحلاً لم يَمْحُ إلاَّ جسديْ.

 

ماذا سأُعْطِي جسدي كي أستحقَّ الشمسَ؟ كَمْ أهملْتُهُ من أجلِ هذا العشقِ؟ كَمْ حَمَّلْتُهْ موتي وأضرحتي؟

وكَمْ أغْمَضَ جفنيهِ ولم أتْرُكْهُ يَغْفُو؟ لم تَخُنِّي امرأةٌ أكثرَ مما خُنْتُهُ.

كان غَنِيًّا، فسرقت النومَ، والقوَّةَ، واللذاتِ، حتَّى صارَ كالشَحَّاذِ يستعصي العَصَا، واللونَ، والوقتَ، الذي كانَ بخيلاً، ونعاسَ الليلِ. هذا جسدٌ كالأمِّ.

مَنْ يُبْعِدُ عن وجهيْ المرايا؟ كُلَّما تَنْظُرُ عينايَ إليها لا أرى إلاَّ الخطايا.

أيُّها المشدودُ كالقوسِ، وكالماءِ الذي قَدْ موَّجَتْهُ الريحُ تغدو ليِّناً عند غيابي"(10).

هنا، يرى الشاعر في الجسد المعاناة، والمكابدة؛ والوفاء، فهو الصديقُ الوفي الدائم الذي لا يخون؛ وهو الذي يتحمله في حالة الإعياء والمرض الشديد؛ وهو الذي يجوع بجوعه؛ ويعي لمرضه؛ وينحل وتخور قواه لمكابدة العشق وجراح العشَّاق؛ ولهذا، قدَّسه الشاعر إلى درجة التصوف بحبه، كما في قوله: "ماذا سأُعْطِي جسدي كي أستحقَّ الشمسَ؟ كَمْ أهملْتُهُ من أجلِ هذا العشقِ؟ كَمْ حَمَّلْتُهْ موتي وأضرحتي؟"؛ وعلى هذا النحو؛ تبدو رؤيته للجسد رؤية متمردة، ثائرة؛ فهو يسعى لمنحه التشكل الوجودي الأسمى، للدلالة على العظمة حيناً، والوفاء والحب والتصوُّف الروحيّ والأُنس الوجودي حيناً آخر.

وقد يستغرق جوزف حرب في تقديس الجسد؛ ليصل إلى مرتبة الإحساس، والسمو المطلق به، فهو مركز الشعور، وعمق الإحساس، وهو الطيب، والزورق العاشق الذي يبحر به إلى المطلق؛ إذْ يقول:

"وكَمَا تمسحُ امرأةٌ نَهْدَهَا بالخُزَامَى، وتَلْمَسُهُ في المرايا، لكي تطمئنَّ إلى قسوةِ العاجِ فيهِ، وتدويرةِ الشمسِ لمَّا تغوصُ بنصفٍ لها في مياهِ الغروبِ

لمستُ أنا جسدي.

كانَ شيئاً من المَوَجَانِ، وخَفْقِ جناحِ الزَّوارقِ، والرقصِ في قاعةٍ من مياهٍ. فأدركتُ أنِّي بحريَّةُ الشَهَواتِ.

وكانَ الرجالُ يَجِيْئُونَنِيْ قِطَعاً من صُخُورٍ، وَمَشْقَ رِمَاحٍ، وعُمْدَانَ أرزٍ، فلا تتحرَّكُ فِيَّ تواشيحُ عُرْيِيْ، ولا تَتَبَلَّلُ فِيَّ خُصورٌ بتنقيطِ نايٍ.

ولمَّا رأيتُكَ هَبَّتْ عليَّ رَوَائِحُ مِلْحٍ

وشاهدتُ أزْرَقَ أزرقَ تَصْعَدُ منهُ نوارسُ موجٍ،

وتَغْسِلُ بالزَّبدِ الهَفِّ قلبي. فناديتُ: هذا هُوَ البحرُ.

يا جَسَدِي اذهبْ عميقاً، بعيداً.

وكُنْ صندلاً فوَّحَتْ كُلُّ أطيابِهِ مِنْهُ حينَ احترقْ.

وكُنِ الزورَقَ العاشِقَ البحرَ. لا عَصْفَ يمنعُ إبْحارَهُ أو غَسَقْ

أيُّها البحرُ مُدَّ ذِرَاعَيْكَ لي.

وَلْيَكُنْ أوّلَ العشقِ فيكَ الغَرَقْ"(11).

هنا، يرسم الشاعر لوحته الجسديَّة؛ رسماً فنياً موحياً، يعتمد دفق الصور الجماليَّة في منحاها التشكيلي التوصيفي للجسد، لتبدو اللوحة فنية ترسيمية مدهشة لتلاوين الجسد/ هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية يقدِّس الشاعر الجسد، ليعبِّر عن تصوفه الروحي/ وحيازته المطلقة لما يكتنزه الجسد من جماليات؛ فهو زورق العاشق الذي يصله إلى الحبيب، ليتواصل معه جسديًّا وروحيًّا/ كينونةً/ وذاتاً وجوديَّة تعي ماديتها من جهة/ وترتقي روحيًّا من جهة ثانية؛ لتبحر في عالم العشق/ والسمو الروحي المطلق؛ كما في قوله: "وكُنِ الزورَقَ العاشِقَ البحرَ. لا عَصْفَ يمنعُ إبْحارَهُ أو غَسَقْ/ أيُّها البحرُ مُدَّ ذِرَاعَيْكَ لي./ وَلْيَكُنْ أوّلَ العشقِ فيكَ الغَرَقْ"

وقد يرتد جوزف حرب في حركة فلسفية معكوسة في رؤيته للجسد، فبدلاً من تقديسه المعهود للجسد إلى درجة التصوف؛ نراه في مواضع أخرى؛ يقزِّمه ويتمنى الخلاص منه لوهلة؛ للاندماج بالآخر روحيًّا؛ وينصهر إلى درجته حتى الالتصاق التام؛ كما في قوله:

"كُنتُ أُصْغِيْ للتراتيلِ التي أشتمُّ رائحةَ الوصولِ إليكِ فيها./ كُنْتُ أتْبَعُهَا لأعْرِفَ أينَ دَيْرُكِ في مرامي الأرضِ؟/ أَتْعَبَنِي نُحُولِيْ/ ليْتَهُ يزدادُ حتَّى أَمَّحِيْ كالريحِ./ حاولتُ التَخَلُّصَ فيكِ من جَسَدِيْ./ لأنَّ بهاءَ أنِّي عاشِقٌ، ألاَّ يُرَى في الأرضِ لي جسدٌ/ لماذا أنتِ يا جَسَدِي معي؟!/ ما أَحْقَرَ الأَجسادَ. لم تَنْقُلْ حبيباً لحبيبِهِ إلاَّ تقاسمتِ الحبيبَ كأنَّها لصٌّ مَعَهُ/ لو كُنْتُ بَحَّاراً وجسمي أشْرِعَهْ لتركْتُهَا عندَ الخليجِ، وزرتُ بيتَكِ، ليسَ لي جَسَدٌ/ فأجْمَلُ ما بمحبوبٍ له جَسَدٌ، إذا ما ودَّعَهُ،/ ومَضَى إليكِ. وحينَ عادَ إليه بَعْدَكِ ضيَّعَهْ"(12).

إنّ لغة الجسد تحولت - في هذه القصيدة- لتحلّ بديلاً عنها لغة الروح؛ فالشاعر رأى في الجسد القيد الروحي/ أو اللصّ الذي يأخذ ساعات الوصال الروحي بالحبيبة؛ فأجمل التجليات الروحية الصوفية هي التي تتحرر فيها الروح من قيد الجسد، ويحلق العاشقان معاً في صفاء الروحانية/ والسمو المطلق؛ لهذا؛ نظر إلى الجسد نظرة دونية بأنَّه القيد الذي يقيد أرواح العشاق؛ أو اللّص الذي يتقاسم العشاق صفوتهم؛ وروحانيتهم؛ الساحرة؛ لهذا فأجمل اللقاءات تلكم التي تحمي فيها الأجساد/ وتحلِّق الأرواح في سماء المطلق؛ وهذا ما أكّده في قوله: "ما أَحْقَرَ الأَجسادَ. لم تَنْقُلْ حبيباً لحبيبِهِ إلاَّ تقاسمتِ الحبيبَ كأنَّها لصٌّ مَعَهُ/ فأجْمَلُ ما بمحبوبٍ له جَسَدٌ، إذا ما ودَّعَهُ،/ ومَضَى إليكِ. وحينَ عادَ إليه بَعْدَكِ ضيَّعَهْ"؛ إنَّ هذا الشعور الجسديّ يؤكِّد تنافر الرؤية لديه صوب ماهية الجسد، فهو يراه المنارة الوجوديَّة/ والقطب الوجودي المثير لحركة الأشياء حيناً، ويراه القيد الوجوديّ الذي يقيّد الأرواح العاشقة للحدّ من فيضانها الروحي.

وقد يكثف جوزف حرب الرؤى الصوفيَّة بالمدلولات الأسطوريَّة في رؤيته للجسد؛ محاولاً خلق حركة تكامليَّة بين الأنساق الوصفية الترسيمية للجسد/ والأنساق الغزليَّة ذات التوقد الروحي/ والاصطهاج العاطفي؛ مكثفاً مثيرات الصور الغزليَّة التي هي أشبه ما تكون بالصور اللوحة/ ذات التجسيدات البصريَّة المشتقة من جزئيات الطبيعة؛ ولمعانها البصريّ الممزوج بالألوان/ والأنغام، كما في قوله:

"لِيْ رُكْبَتَانِ إذا شَمَمْتَهُمَا شَمَمْتَ بَلاَطَ مَعْبَدِهَا./ أنا حورُ الصلاةِ، يَلُفُّنِي عندَ الغروبِ، أمامَ مَذْبَحِها، ضبابٌ من بَخُورٍ./ لا يرانِيْ الشمعُ./ لا يُصْغِي إلى همْسي ملاكْ./ والنهارُ إذا وقفتُ بشَمْسِهِ، لا ظِلَّ لِيْ./ والنومُ لمَّا الليلُ قامَ لكي يوزِّعَهُ عَلَيْكُمْ، لمَ يجِدَنِي./ قَدْ بَرَاني الوَجْدُ حتَّى لَمْ يَعُدْ أحدٌ يَرَى جسدي سِوَاهَا./ لا خَطيئةَ بي./ ولا إنْ متُّ في قبري ترابٌ./ آهِ لو تَنْسَى الأماكنُ أنَّني حجمٌ./ ونهرُ الوقتِ لو يَنْسَى مِيَاهِيَ/ وهو يَجْرِيْ. زاهدٌ في كُلِّ شيءٍ/ كُلُّ شيءٍ لَيْتَهُ في الكونِ يَزْهَدُ بيْ، فأحْيَا، ليسَ يَعْرِفُ أنَّني قَدْ جِئْتُ إلاَّ أنتِ./ لو ممحاةُ لوحِ الوَقْتِ تَمْحُو منِّي الأيَّامَ./ لا أسرارَ أجْمَلُ مِنْ بقائِي غيرَ موجودٍ برأيِ الأرضِ./ ماذا تَفْعَلُ الأشياءُ كي تَبْقَى على قيدِ الحياةِ، وليس حتَّى الوقتُ يَدْرِي أنَّها مَوْجودةٌ؟!/ إنِّي أمامَكِ غَيْمَةٌ مُلِئَتْ ببرقٍ./ فافْتَحي جَسَدَ الرياحِ بأُفْقِهَا./ لا غيمةٌ إلاَّ وقَدْ غَرِقتْ بِلَيْلَةِ برْقِهَا، في عِشْقِها./ أخْرَجْتِنِي منّي./ أَعِيْدِيْنِي إليَّ لأشتهيكِ./ كُلُّ ما أبقيتِ بِيْ، طيفٌ يُصَلِّيْ/ ليسَ بي جَسَدٌ يُحِبُّكِ./ بي خيالٌ راكعٌ بين المَجامِرِ والتواشيحِ الكئيبةِ./ أرجعي لي قَامَتِي كي أشْتَهِي هذا التَفَتُّحَ فيكِ، واللَّهبَ المُرَصَّعَ بالتَلوِّي والندى./ آهِ أطلَعِيْ صُبْحاً ترقرقَ في قوامْ./ رُدِّي إلى وجهي مَنَاسِكَهُ./ بهيٌّ أن يكونَ لعاشقٍ قُبَّرَتَا مَسَاً./ وَفَمٌ يُحَرِّكُ وهو في فَمِكِ النَّدى ما تحتَ خاصرتيكِ./ نامَتْ شهوتي في ظلِّ صَفْصَافِ الصلاةِ فأيْقِظِيْهَا./ شَهْوَتي ريحٌ./ أعيدي ما تَفَتَّحَ فيكِ من شجرٍ لأعْصِفَ كُلَّما اهْتَزَّتْ جذورُكِ، صرتِ أكثرَ خُضْرَةً./ آهِ اجْعَلِيْنِيْ صخرةَ الأيَّام./ فَحَلَ البرقِ./ إعصارَ الخَوَابِيْ./ الساحِرَ القاسِيْ./ لسانَ النارِ./ وامْتَصِّي عناصرَ قوَّتِيْ حتَّى أصيرَ وكُلُّنِي نومٌ خريفيٌّ./ فأَجْمَلُ ما بشيءٍ عندما تمتصُّ خُضْرَتَهُ العواصفُ أنْ يَنَامْ./ أخْشَى على جَسَدِي من التمثالِ./ ضُمِّيْنِي قليلاً، قبل أنْ يأتي الرُّخَامْ"(13).

هنا، يُجسِّد الشاعر الرؤى التجسيديَّة للجسد/ برؤى تصويريَّة مكثفة الأنساق؛ مما يجعل النسق الغزلي مكَّثف الرؤى/ والمداليل/ والإيحاءت الشعريَّة؛ والصور الغزليَّة التي تسبح في خضم التصوف/ والتوق الروحي، رغم التصوير الجسدي الجنسي أو الغريزي الذي يبدو للقارئ للوهلة الأولى، كما في قوله: أرجعي لي قَامَتِي كي أشْتَهِي هذا التَفَتُّحَ فيكِ، واللَّهبَ المُرَصَّعَ بالتَلوِّي والندى./؛ وهكذا؛ يتطلَّع جوزف حرب إلى تكثيف الرؤى الروحيَّة صوب الأنثى، ليبث من خلالها مناجاته الروحية/ وقلقه النفسي إزاء الموت/ وهاجس الزمن الذي يسيطر على عالمه، ويسدل بشبحه المرعب على ذاته؛ فيرى في المرأة هذا الأنس الروحي الذي ينقذه من سوداوية الرؤية وإيقاعها الحزين؛ كما في قوله: "أخْشَى على جَسَدِي من التمثالِ./ ضُمِّيْنِي قليلاً، قبل أنْ يأتي الرُّخَامْ"؛ فالشاعر يخاف التحجر والجمود؛ ويرى في المرأة هذه الثورة القادرة على الوقوف ضد سطوة الزمن/ ومثيراته المؤلمة؛ ونوائبه المتتاليَّة؛ وعلى هذا النحو؛ يسعى هذا النصّ إلى إنجاز رؤيته بطريقة غزليَّة جماليَّة تضجُّ بالحيويَّة والإيقاع الروحي المثير.

وقد تُتَعَمَّق دلالات الجسد الصوفية – عند جوزف حرب- من خلال تكثيف الرؤى الجماليَّة المعمقة لإيحاءات الجسد؛ بتطعيمها بالصور الغزليَّة المثيرة، كما في قوله:

"فبيتي كالمزهريَّةِ، أَرمِي اللَّواتي ذَبُلْنَ، لأَغْمِسَ في العشقِ مَنْ لم يُفََتِّحْنَ بَعْدُ./ إذا الليلُ جاءَ ابْتَهَلْنَ إليَّ: لأَجْلِكَ نحنُ نُدَوِّرُ في صَدْرِنَا النَّهْدَ، نَنْحُلُ عندَ الخصورِ، ونُعْطِي لأفخاذِنَا بُعْدَ طَعْمِ خُمُورِكْ./ وإنَّا قيانُكَ، حُوْرُكَ./ سِرْبُ جَوَاريْكَ./ جئْنَا إليكَ وأذرُعُنَا الهِيُفُ مِنْ زنبقاتِكَ، أثداؤُنَا من حقاقِ بَخُوْرِكْ./ عَذَارى تَزَيَّنَّ بالعشقِ جئناكَ، فاسْكُبْ نبيذَ طهارتنا في كؤوسِ شرورِكْ./ ألا افْتَحْ لنا حِبْرَكَ الملكيَّ لندخُلَ في ملكوتِ الدواةِ كلاماً يُطَوِّفُ حَوْلَ سطورِكْ./ وما أنْتَ؟ خَمَّارُ هذي البروقِ بقامتِكَ الكَرْمِ، فاقْطِفْ لنا، واسْقِنَا من عصيرِكْ./ نَؤُوهُ وأنتَ تُنَقِّلُ جَمْرَكَ فينَا، أسِلْ ماءَكَ الحارَّ في مَغْمَضِ الخِصْبِ، واملأْ مجامِرَ أحواضِنَا بنذورِكْ/ ألاَّ أيُّها الفائقُ المستبدُّ ألا فاعْطِنَا...ليلةَ في سريرِكْ"(14).

هنا؛ يعتمد الشاعر الصور الغزليَّة المثيرة التي تضفي على الجسد حركة روحيّة/ تتأسس على مثيرات الشعور الصوفي/ الذي يتمثل في تنامي الإيحاء/ وتكثيف الشعور الصوفي الروحي الذي يتنامى شيئاً فشيئاً؛ ليستحوذ على عالمه الغزلي؛ وفضائه الإيحائي الذي يمتد بشعور تأمليّ مفتوح بالصور الغزليَّة المتراكمة؛ كما في قوله: "نَؤُوهُ وأنتَ تُنَقِّلُ جَمْرَكَ فينَا، أسِلْ ماءَكَ الحارَّ في مَغْمَضِ الخِصْبِ، واملأْ مجامِرَ أحواضِنَا بنذورِكْ"؛ وهكذا، يحاول جوزف حرب تشعير فضاء قصيدته على الغزل الصوفي الذي يعتمد الحس الشعوري الإباحي؛ منطلقاً في تكثيف الصور الصوفيَّة؛ ذات الشفافية الروحيَّة/ والتأمّل الباطني العميق.

وقد يرتقي جوزف حرب حيِّز الحس الترسيمي الدقيق إلى التحليق الروحي بمداليل الجسد، ليأتي الجسد - عنده- علامة على انفتاح تأملي وإدراك عميق بالغزل/ والتوق الروحي، كما في قوله:

"لا تَتْرُكيِنيْ هاهُنَا وَحْدِي./ أنا عارٍ على جَبَلٍ، تُفَكِّكُنِي العواصفُ، والبروقُ تَشُكُّ في جسدي الرِّماحَ؛ وزاحِفٌ نحوي المَدَى بقبيلتيْ رَعْدٍ، وأسوَدَ مُمْطِرِ. قَلِقٌ، شجٍ، لا أستقرُّ كَزِئْبَقٍ./ لكأنَّما ذا البَحْرُ أوراقِيْ، وذا الزَبَدُ الكلامُ؛ وتَحْتَهُ الماءُ المموَّجُ أسطُرِي./.....لمَّا رأيْتُكِ زِدْتُ حُزْنًا أنَّ لي عمراً مَضَى./ يا ليتَ هذا العمرَ لَمْ يَرَ وَجْهَكِ القدسِيَّ أو لم يَكْبُرِ./ خَجِلٌ لأنّي حامِلٌ تَعبَ الطريقِ هَدِيَّتيْ، وجراحَ أمْسيَ أُزْهُرِيْ، إنِّي أتيتُ إليكِ فانسي واغْفِرِيْ"(15).

يلجأ الشاعر - هنا- إلى تكثيف الرؤى التأمليَّة التجسيديَّة للجسد؛ ليبدو منارة الإحساس الوجودي/ والعمق الصوفي؛ ليحس بوجوده؛ متجاوزاً الصور الإباحيَّة الصريحة إلى التلقائيَّة العالية/ والقصديَّة الشفيفة؛ التي تثير الصور الغزليَّة ذات التموج العاطفي الروحي المستغرق في التأمل الصوفي، كما في قوله: "يا ليتَ هذا العمرَ لَمْ يَرَ وَجْهَكِ القدسِيَّ أو لم يَكْبَرِ./ خَجِلٌ لأنّي حامِلٌ تَعبَ الطريقِ هَدِيَّتيْ، وجراحَ أمْسيَ أُزْهُرِيْ، إنِّي أتيتُ إليكِ فانسي واغْفِرِيْ"؛ وربما كان الشاعر جوزف حرب مدركاً لتوجهاته التصويريَّة الصوفيَّة العميقة، حتى استطاعت قصائده أن تسمو جماليًّا وروحيًّا فوق حيِّز الصور الترسيمية البسيطة [الغريزيَّة الإباحيَّة]، لترتقي إلى فضاء الصوفية/ والأسطرة/ والنحت الجماليّ التشكيليّ؛ وهكذا، حلّق جوزف حرب برؤيته للجسد من الحس الترسيمي التجسيدي الغريزي إلى فضاء الأسطرة/ والتصوف والصفاء الروحي.

 

* نتائج واستدلالات:

1- إنَّ نزوع جوزف حرب إلى ترسيم الجسد بتفاصيله الجزئيَّة، ومظاهره الجماليَّة؛ يؤكِّد إيمانه المطلق بكينونة الجسد، وسموِّه وارتقائه فوق حيِّز الإحساس الروحي؛ فالروح والجسد صنوان مهمان في تحقيق الكينونة البشريَّة، والحسّ الجماليّ؛ مما يعني أنَّ ثمَّة رغبة جارفة- لدى جوزف حرب- بترسيم الجسد وتصويره، وكشف ستره وأوصافه الجزئية المسكوت عنها؛ ليؤكِّد خروجه عن العادة في توصيف ماهية الجسد الجماليَّة؛ من خلال تركيزه المطلق على الأوصاف الغريزيَّة التي تعرِّي الجسد الأنثوي، وترسم معالمه بريشة فنان تشكيلي بارع في رسم أبعاده الجماليَّة بأوصاف مشتقة من جزئيات الطبيعة وخضرتها ورهافتها الساحرة.

2- إنَّ ارتقاء جوزف حرب حيِّز الصور الحسِّيَّة الترسيميَّة الشبقية للجسد؛ إلى الصفاء الروحيّ، واللذة، أو النشوة الروحيَّة؛ يؤكّد نزوعه إلى تشعير لغة الجسد بأوصاف تجسيديَّة مرسومة بحياكة فنية مثيرة؛ ليغدو الجسد الأنثويّ إفرازاً طبيعيًّا من إفرازات الطبيعة بسحرها وجمالها ورونقها المثير.

3- تكتمل اللوحة التصويريَّة الترسيميَّة للجسد – في قصائد جوزف حرب- اكتمالاً شبه تام من خلال مزج الرؤى الصوفيَّة بالأوصاف الترسيميَّة ذات النحت الجماليّ؛ لتصل حدَّ الأسطرة؛ ليخلق حالة من المواءمة، والانسجام بين التصوير الحسّيّ، والسموّ الروحي؛ لتبدو الصور - لديه- ذات حيازة روحيَّة، وحسيَّة في آن.

4- إنَّ مغامرة الاستغراق في التوصيفات الجسديَّة لمداليل الأنثى تؤكِّد قدرة الشاعر جوزف حرب على ترسيم اللوحات الجماليَّة التي تَتَتَبع دقائق الأمور المتعلقة بأوصاف المرأة جسديًّا؛ لتغدو الأنثى بحركتها الجسديَّة ميزان الجمال، والتأمل الروحي بالخلق، والكون، والحياة؛ فالمرأة بجسدها الجماليّ هي بؤرة اصطهاج دائم في إفراز الصور الجماليَّة، وتعميق الإحساس الجمالي بها.

5- إنّ الجسد الأنثوي يمثل - لديه- مرتكز الشعور والإحساس الوجودي؛ لهذا، عمد جوزف حرب إلى أسطرته، بأن جعله مركز الانفتاح، على الأشياء والإحساس بها؛ فلولا الجسد ما سمت الروح وارتقت، وحلَّقت في فضاء التأمل، والإدراك، والإحساس بالجمال.

 

عصام شرتح

..........................

(1) يحياوي، راوية، 2008- شعر أُدونيس (البنية والدلالة)، اتحاد الكتاب العرب، دمشق؛ ط 1، ص 212.

(2) حرب، جوزف، 2009- أجْمَلُ ما في الأرض أنْ أبقى عليها، دار الريس، بيروت، ط 1، ص 248- 249.

(3) حرب، جوزف، 2007- رخام الماء، دار الريس، بيروت، ط 1، ص 82- 83.

(4) حرب، جوزف، 2000- السيِّدة البيضاء في شهوتِها الكحليَّة؛ مطبعة دار الريس؛ بيروت، ط 1، ص 396- 397.

(5) المصدر نفسه، ص 327- 329.

(6) حرب، جوزف، 1991- مملكة الخبز والورد، دار الآداب، بيروت، ط 1، ص 325- 326.

(7) حرب، جوزف، 2000- السيِّدة البيضاء في شهوتِها الكحليَّة، ص 275- 277.

(8) حرب، جوزف، 1991- مملكة الخبز والورد، ص 147- 149.

(9) المصدر نفسه، ص 161- 165.

(10) المصدر نفسه، ص 464- 465.

(11) حرب، جوزف، 2000- السيِّدة البيضاء في شهوتِها الكحليَّة، ص 240- 241.

(12) المصدر نفسه، ص 287- 289.

(13) المصدر نفسه، ص 317- 320.

(14) المصدر نفسه، ص 42- 43.

(15) المصدر نفسه، ص 466- 469.

جولة نحوية بين ابن السكيت والمبرد وثعلب

karem merzaبيتٌ من الآدابِ أصبح نصفهُ***خرباً وباقي نصفه فسيخربُ

ماتَ المبردُ وانقضتْ أيامهُ**ومع المبردِ سوف يذهب ثعلبُ

وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظـــهُ*** إذ كانت الألفاظ فيمــا تكتبُ

في هذه الحلقة عن المدخل لـكتابنا " نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية - مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي " لا نريد الخوض في المسائل النحوية، والخلاف الدقيق بين المدرستين، وإبداء وجهة نظرنا الخاصة فيما دهبوا إليه أصحابهما، وفلسفة التوجهات الخلافية والتوافقية بينهما تركناها للكتاب مع وجهة نظرنا ورأينا والترجيح المأمول ما في عقلنا حول العقول، وإنما الآن كعادتنا في بقية مقالاتنا وبحوثنا نروم إلقاء نظرة على جهود عباقرة العرب وأفذاذهم وتفانيهم في سبيل إعلاء رفعة لغتنا الجميلة، لأن اللغة هي وجه الأمة المعبر عن حضارتها وثقافتها وشموخها! فالموضوع ثقافي بنفحات علمية نحوية لكي لا يتجشم العناء القارئ الكريم، وبتصرف غير قليل .

لما عاد المازني شيخ البصريين بعد أن سأله الخليفة الواثق عن سرِّ (رجلاً) في غناء جاريته، ظهر شيخ الكوفيين أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الملقب (ابن السكيت)، كان معلماً للصبيان في قرية (دورق) بخوزستان، ويرجح بروكلمان أنه آرامي الأصل، والرجل درس على الفرّاء، وأبي عمرو الشيباني، وابن الأعرابي من الكوفيين، كما أخذ عن الأصمعي وابن عبيد الأترم من البصريين، وألتقط اللغة من أفواه الأعراب (1). وكانت مصنفاته الكثيرة مضرب المثل في الجودة والإتقان والثقة، وقيل ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل (إصلاح المنطق)، وعرف عنه إمام بنحو الكوفيين، وعلم القرآن واللغة والشعر، راوية ثقة، وقد عدو علم الكوفيين منتهياً إليه، وإلى ثعلب (2)، وقال عنه ثعلب: "أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الإعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت " (3)، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز بالله، وبعد تأديب هذا غدر به المتوكل وقتله على سبب لا يعقله عاقل، وتناقله المؤرخون، إذ أمره " بشتم رجل من قريش، فلم يفعل، وأمر القرشي أن ينال منه، فنال منه، وأجابه يعقوب، فلما أجابه، قال له المتوكل: أمرتك أن تفعل، فلم تفعل، فلما شتمك فعلت، وأمر بضربه، فحمل من عنده صريعاً مقتولاً (244 هـ / 858 م)، ووجه المتوكل من الغد إلى بني يعقوب عشرة آلاف درهم ديته " (4)، هذا هو قضاء وقدر ابن السكيت أمام المتوكل...

لماذا يشتم رجلاً لم يشتمه؟! وما الحكمة في هذا الشتم المبتذل؟! لولا الأمر دّبر بليل - إن صحت رواية ابن الأنباري الكبير! - ولما نال هذا القرشي منه، من المروءة أن يرد عليه، بل يرد الصاع صاعين، لامتناع ابن السكيت عن سبه أولاً، ولرد الشتيمة بالمثل ثانياً، فما بال المتوكل يقتله صريعاً، وهو الذي أمره بتأديب (معتزه)، وأين: وما جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! وعلم ذلك وحسابه عند ربك ذي الجلال والإكرام، وهنالك رواية أخرى ينقلها (السيوطي) في (بغية وعاته) (5)، عكفنا عن نقلها لما تتضمن من دوافع طائفية، لا تصلح في هذا العصر المفترض أن نكون أكثر وعياً وإنسانية - إن صحت الرواية أيضاً - .

والحقيقة منذ عهد الواثق وقدوم المازني إلى بغداد كما ذكرنا، أحدث تحولاً هاماً في تاريخ المدرستين من حيث التنافس على بغداد وقصورها، وتحقيق الأمتيازات، فقد بدأت الكفة تميل الآن إلى جهة البصريين، وأصبحت ثقة بغداد تزداد بهم على حساب الكوفيين، وخصوصاً بعد وفاة ابن الأعرابي (231 هـ / 846م)، ومقتل ابن السكيت، إذ أخذ الخلفاء يستدعون البصريين للتحكيم في المسائل النحوية واللغوية، وممن استدعي (المبرد) البصري إلى (سر من رأى) سامراء حيث مقر الخلافة حين ذاك، ثم إلى بغداد من قبل صاحب شرطتها، ولكن اقتراب المازني في أرائه من الكوفيين، واقتربَ الكوفيون أيضاَ منه لكثرة مادار من مناظرات جعلت كل فريق يتمعن ويتبصر ويعيد النظر في آراء الفريق الآخر (6) .

والمبر د هوأبو العباس محمد بن يزيد ينتهي نسبه إلى الأزد من ثمالة (211 هـ - 285 هـ / 826 - 898م)، إمام البصريين في عصره، تلميذ أبي عثمان المازني، وأبي عمر 1الجرمي وأخذ عن أبي عثمان الجاحظ، وأبي حاتم السجستاني، وحضر مجالسه ونهل من علمه كبار علماء النحو واللغة والأدب أمثال الزجاج والصولي ونفطويه وابن السراج والأخفش الأصغر وأبي الطيب الوشاء، وابن المعتز العباسي وغيرهم.

تنافس هو وثعلب إمام الكوفيين الآتي ذكره في عصرهما، وقد سئل النحوي الشهير (أبو بكر بن السراج) ، صاحب كتاب (الأصول في النحو)،أيهما أعلم المبرد أم ثعلب؟ فأجاب " ما أقول في رجلين العالم بينهما " (7)، وللمبرد عدة مؤلفات أشهرها: (الكامل في اللغة والأدب)، وهو من أشهر كتب أدب العرب على مدى تاريخهم، عدد مجلداته وصلت ثمانية في بعض الطبعات، مدحه ابن الرومي بقصيدة طويلة (98 بيتاً):

أضحت الأزد وأضحى بينها *** جبلاً وهي رعانٌ وريود

ويميناً إنك المرء الذي *** *حبه عندي سواء والسجود

والبحتري الأشهر في عصره والمتنفذ - وهو طبعاً من معاصريهما - داعيا لأخذ العلم منه، فهوالكوكب المسعود:

نال ما نال الأميرُ محمد *** إلا بيُمن محمـد بـــــن يزيــدِ

وبنو ثمالةَ أنجمٌ مسعودة** فعليك ضوءُ الكوكب المسعودِ

واضح محمد بن يزيد وهو من ثمالة يعني به المبرد، ولابد أنه كان يدرّس الكثير من أبناء الملوك ، وأكرر مرة أخرى هذا المبرد الكبير هو الذي قبل يد دعبل، ونقل عنه رواية رائعة، باعتراف ابن المعتز العباسي وهو أيضاٍ ابن خليفة وشاعر وناقد كبير عاصرهما، وذلك في كتابه (طبقات الشعراء) .

وكان (ثعلب) الكوفي موازياً له في العلم والشهرة والمكانة، ثعلب أيضاً كنيته أبو العباس، وهو أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني إمام الكوفيين في النحو واللغة (200 هـ - 291هـ /815م - 903م)، ولد في بغداد ونشأ وتوفي فيها إبان خلافة المكتفي، ولكن مدرسته النحوية كوفية خالصة، والدكتور المخزومي يقول: "أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ثالث ثلاثة قامت على أعمالم مدرسة الكوفة النحوية، وهو بغدادي المولد والمنشأ، وكان شيبانياًً بالولاء " (8)، أما الآخران فهما الكسائي والفراء . وأخذ ثعلب عن محمد بن زياد الأعرابي ، وعلي بن المغيرة الأثرم، ومسلمة بن عاصم، ومحمد بن سلام الجمحي وغيرهم، وأخذ عنه أبو الحسن علي بن سليمان (الأخفش الأصغر)، وابن عرفة وابن الأنباري، وكان ثعلب ثقة ديناً مشهوراً بصدق اللهجة والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر القديم، قال عنه المبرد " أعلم الكوفيين ثعلب " (9)، مقدماً على الشيوخ وهو حدث، وعلى ما يبدو مما ذكر تستشف، إنه غير ميال للمناقشة والتحاور والمجادلة مع المبرد، ولكنه خطيب في المحاضرات بشكل عجيب، ربما بديهته، وكثرة معلوماته، لا تساعدانه على الرد السريع، ولكنه سريع الحفظ خطيب من الطراز الأول، فهو يصلح للمحاضرات، لا الأخذ والرد السريع - والله أعلم- .

ويحدثنا التاريخ: إنّ أبا جعفر أحمد ابن إسحاق البهلولي القاضي الأنباري و أخاه البهلول " دخلا مدينة السلام في سنة خمس وخمسين و مائتين، فدارا على الخلق يوم الجمعة، فوقفا على حلقة فيها رجل يتلهب ذكاءً، ويجيب على كلّ ما يسأل عنه من مسائل القرآن والنحو والغريب وابيات المعاني، فقلنا من هذا؟ فقالوا: أحمد بن يحيى ثعلب " (10) ، إذاً كان ثعلب يتلهب ذكاءً، ولما مات المبرد، وقد أوردنا سنة وفاته قبل ثعلب، وقف رجل في حلقة ثعلب وأنشد:

بيتٌ من الآدابِ أصبح نصفهُ***خرباً وباقي نصفه فسيخربُ

ماتَ المبردُ وانقضتْ أيامهُ**8ومع المبردِ سوف يذهب ثعلبُ

وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظهُ*** إذ كانت الألفاظ فيمــا تكتبُ (11)

يتبين مدى أهمية اللغة إبان تطور الحضارة العربية، وعندما تزدهر الأمة تزدهر في جميع اتجاهاتها، ثم ركز على عجز البيت الثاني والتمييز بين الكلام المكتوب ولفظ الكلام المنطوق حيث يتجسد غفى هيئة نبرات وموجات وترددات وتعبيرات وإشارات وانفعالات، فالحق مع الشاعر إذ يقول (إذ كانت الألفاظ فيما تكتب).

بالرغم من قوة حفظه المشهور - وأقصد ثعلباً- كان يأخذ الكلام على عدة وجوه، بارعاً في التعليل يذكر بلسانه:" كنت أصير إلى الرياشي لأسمع منه، فقال لي يوماً، وقد قـُرئ عليه:

ما تنقمُ الحربُ العوان مني***بازلُ عامين صغيرٌ سنـّي

كيف تقول: بازلُ أو بازلَ؟ فقلتُ: أتقول لي هذا قي العربية؟ إنما أقصدك لغير هذا، يروى بالرفع على الاستئناف، والنصب على الحال، والخفض على الأتباع فأستحيا وأمسك " (12) .

وهذه الحادثة التي وقعت بين ثعلب الكوفي مدرسة، والرياشي البصري سبقت سنة (259 هـ / 871م)، لأن أبا القضل عباس الرياشي، وكان أسود قتل في ثورة الزنج في السنة المذكورة سابقاً، وهو من جذام، له (كتاب الخيل) و (كتاب الأبل)، وهذا (ثعلب) كان مقتراً على نفسه، فجمع ثروة، وله عدة مؤلفات: المصون في النحو، معاني القرآن، اختلاف النحويين، معاني الشعر ....نكتفي بهذا القدر الذي يعفيك من الضجر، ويريحني من السهر، ولله من قبل ومن بعد الأمر !!

 

كريم مرزة الأسدي

.............................

التفاصيل عن المراجع والمصادر موجودة في كتابنا " نشأة النحو العربي ..." بطبعتيه الأولى والثانية .

(1) راجع (نزهة الألباء ..): ص 103، و (مراتب النحويين): ص 95، و (وفيات الأعيان): ج2 ص 408 (بولاق)، (الدراسات اللغوية...) د. محمد حسين آل ياسين (مكتبة الحياة - 1980م - بيروت)، كلها م . س .

(2) راجع (آل ياسين): المصدر السابق .

(3) (مراتب النحويين): المصدر السابق.

(4) (نزهة الألباء): ص 180 م . س .

(5) (بغية الوعاة):السيوطي عبد الرحمن ج2 ص 349 مطبعة عيسى الحلبي 1965م - القاهرة .

(6) (المدرسة البغدادية): ص 96 - 97 م . س.

(7) (إنباه الرواة)ج1 ص 176 م . م .

(8) (مدرسة الكوفة ..): د. مهدي المخزومي ط2 - 1958 - ط 2 - مصر.

(9) (نزهة الألباء): ص 228 - 232م م. س .

(10) (طبقات النحويين واللغويين): ص 138 م. س . ترجمة محمد بن قادم.

(11) (إنباه الرواة): ج 1 ص 167 م . س.

(12) (بغية الوعاة): ج 1 ص 396 م. س .

ثنائية الموت والحياة في اقصوصة الأديبة عبير يحيى: موت بحكم الحياة

مقدمة: لمَّا كان سرد الأحداث ونقلها باستعمال اللغة أو التصوير أو غيرها من وسائل التعبير محمولا بالوصف والحوار وغيرهما... فلا بدَّ أن يتوافر في النص السردي سلسلة من الأحداث المرتبة زمنيا تعاقبيا أو ترتيبا سببيا منطقيا، بحيث لاتكون الوقائع معزولة بعضها عن بعض. وحتى تكون تلك التغيرات أو التحولات فيما تقوم به الشخصيات من أحداث متناسقة لا بدَّ من استجلاء وحدة المبنى والمعنى . القصة القصيرة لا يمكنها أن تكون إلا ذاتها، أي نوعها النصي، وإلا تحولت إلى نمط تعبيري آخر مجاورٍ، يحتاج إلى تجنيس دقيق وإلى تسمية أخرى، ومن ثمة إلى معايير محددة لنوعه، لا يمكن الحديث عن تداخل الأنواع إلا في حال معرفة الحدود المميزة لكل نوع على حدة، وهذا منطلق الحديث عن مهارة القاص وثقافته القصصية والسردية وقصديته أولا وأخيرا.

 

أوَّلا البيئة:

يعتبر الواقع الملهم الأول للأدباء والفنّانين عموما فمنه ينطلقون واليه يعودون ومهما حاول الأديب أن يبتعد عن واقعه باستعمال الرمز أو التحليق في فضاء الخيال فانه لا يتمكَّن من الانفصال تماما عن ذاك الواقع الذي نراه ينبعث من ثنايا الأسطر وأرجاء النص .

والأقصوصة ـ باعتبارها جنسا أدبيا مخصوصا ـ قد جعلت من الواقع مسرحا لأحداثها ومن شخصياته نماذج اجتماعية فيها ..

و هكذا كانت مهمة الأدباء الواقعيين تبدو صعبة لأنهم مطالبون بالجمع بين الدقة والفن والحقيقة والأدب والمحاكاة والابتكار حتى يخرج الواقع المألوف في صورة فنية ابداعية متميزة ..

و هكذا كان الشأن عند رواد القصة القصيرة العربية أمثال محمود تيمور ويوسف ادريس ولنا في القصة القصيرة للكاتبة السورية عبير يحيى دليل على حضور الواقع في جانب منه حضورا واضحا صريحا بدافع تعريته ونقده ورغبة في التجاوز والاصلاح وسنحاول أن نجعل لقراءتنا هذه نبراسا سيكون منطلقا من ثنائية الموت / الحياة ..

و مرتكزا نحاول البحث عنه في قصة: {موت بحكم االحياة}

 

ثانيا عتبة النص:

سأنطلق من العنوان باعتباره عتبة النص وبوابته الأولى وقد حمل هذا العنوان في طياته طباقا بين كلمتي موت وحياة تفصل بينهما عبارة - بحكم - وتلك لفظة تجعلنا في أجواء القضايا والمحاكم والعدل والظلم وهي هنا تعني (بمثابة) فكيف يتحول الموت الى حياة؟

هل صار الموت رحلة بحث عن راحة أبدية وحياة بديلة ؟ هل بات الموت خلاصا من قسوة حياة ؟ وقد وردت كلمة موت نكرة هو موت في المطلق فهل هو الموت الحتمي الذي نعرفه والذي هو نهابه للحياة عادة؟ أم هو موت معنوي لمن فقد الاحساس بالحياة ومعنى الوجود ؟انها حيرة وجودية تكمن في العنوان من خلا ل جمع بين نقيضين الموت من جهة والحياة من جهة أخرى وقد وردت لفظة الحياة معرفة فهي اذن حياة الانسان في واقع نعرف تفاصيله واذا نحن منذ العنوان أمام التقاء الأضداد وتساوي المتناقضات ليغدو الموت حياة وتصبح الحياة موتا فماهي تجليات كل تلك المعاني في النص باعتبار أن العنوان يورد معنى مجملا يجعله ذات النصّ مفصلا؟

يقوم القص عموما على حضور لأنماط الكتابة الثلاث ونقصد بذلك السرد والوصف والحوار وسنحاول من خلال هذه القراءة لقصة الاديبة عبير يحيى- موت بحكم الحياة - ان ننظر في تلك المباني لنبلغ المعاني والمقاصد من هذا النص القصصي القصير...

 

1 ـ السرد / مقوماته لقد توفرت في هذه الاقصوصة باعتبارها نصا أدبيا بالأساس مقومات القص أو السرد ونعني بذلك الزمان والمكان والشخصيات والأحداث ...

 

أ- الزمان:

ان الزمان في هذه الاقصوصة ليس محدّدا بدقة فقد كان زمانا خاصا بالأساس يتعلق بسيرة الشخصية وحياتها الذاتية مثل زمن اللقاء - او زمن الدراسة - او زمن العرس الذي كان في (ربيع مزهر) انها جميعا أزمنة غير دقيقة وعدم الدقة يسير بنا نحو الاطلاق فالأحداث المسرودة يمكن أن تتكرر في كلّ الأزمنة وقد استعملت الكاتبة في تعاملها مع الزمن تقنية طيّ الأحداث او ما نسميه بالسرد المجمل وهي تقنية يفرضها حجم القصة القصيرة وقصر مدتها مثل القول " مضى على اضرابي وسجني عشرة أيام "

فالمجال في الاقصوصة لا يتسع لتفصيل ما ورد مجملا في العشرة أيام ..

 

ب- المكان:

تنقسم الأماكن عادة الى أماكن مغلقة وأخرى مفتوحة لكن المكان الذي وجدناه في هذه الاقصوصة كان مكانا مغلقا هو بمثابة سجن للبطلة والعمة وقد تكرر معجم السجن في القصة (سجن ـ سجين ـ سجّان ) وهو أيضا بمثابة كهف صرّحت بذلك الكاتبة هو كهف تعم فيه العتمة بشكليها المادي والمعنوي فهي عتمة عقلية تجسدت في شخصيتي الأم وابنتها وهي عتمة مادية تجسدت في وجود البطلة بعد زواجها في طابق علوي ينتمي الى بيت الأب فليس هناك استقلال في المكان ..

هكذا يجعلنا المكان في فضاء عربي شرقي قروي ضيق ..

والاستقرار في مكان واحد يجعل القصة كمسرحية لا تتغير أماكنها أو تتغير نادرا وقد وجدنا أماكن عرضية كمكان اللقاء او الدراسة او العمل ليصل بنا السرد سريعا الى المكان الأساسي الذي حملته الكاتبة قضايا اجتماعية اسرية فيصبح بيت الزوج مقبرة للعروس واذا بشبح الموت يلوح من عمق بيت لا روح فيه ولا حب ولا حياة وبمجرد ولوج البطلة ذاك المكان نسيت أحلامها وشهادتها الجامعية لقد سلبها المكان الحياة وجعلها تعيش تجربة الموت هكذا يتحد المكان - بيت الزوجية - مع الزمان - بعد الزواج - ليزجا المرأة في سجن - مؤبد - او في مقبرة بعيدا عن الأحياء.

 

ج - الشخصيات:

نجد في الاقصوصة نوعين من الشخصيات:

شخصية رئيسية: هي البطلة هنا

و شخصيات فرعية: منها المساعد وهي العمة والأخ - ومنها المعرقل وهي الزوج وامه واخته.

** الشخصية الرئيسية - هي امرأة جميلة متعلمة عاملة تنتمي الى مجتمع ريفي قروي وهي شخصية قصصية نامية فاعلة في الأحداث متحولة فهي لم تستسلم للسجن والموت وانما بحثت لنفسها عن طريقة للخلاص..و قد تميزت بالجرأة والشجاعة اذ تحدت بطش ام الزوج وأخته وضعف شخصية الزوج وما ارادتها مساعدة العمة الا شكل من اشكال التحدي الاجتماعي ورغبة في الخلاص الجماعي لا الفردي فقط ايمانا منها بضرورة التحرر والانعتاق وأهم ما يميزالشخصية في هذه الاقصوصة تأرجحها بين ضميري ال- هي والأنا فهي مرة(يحكمها) واخرى( لمحتُ ولمستني) هنا تكمن لعبة الضمائر لتفرض تداخلا بين الساردة والشخصية القصصية وهذا المزج يجعلنا نذهب الى امكانية اعتبارالسرد يحوي جنس السيرة ذاتية بما ان السيرة الذاتية هي بوح بكل ما كان مسكوتا عنه وما تأرجح الساردة بين الانا والهي الا اشارة منها الى ان ما تعيشه البطلة ويمكن ان ينسحب على الانا وعلى كل امرأة شرقية..

نحن اذن ازاء سارد عليم مشارك في الأحداث بعيد عن الحياد والموضوعية..

 

الشخصيات الفرعية:

ــ شخصية العمة هي نموذج للمرأة المستسلمة لكل أشكال الجور الاجتماعي فهي ترضى بعيش وضيع تجسد في إقامتها بزريبة حيوانات وتلك اشارة الى تغييب العقل عند كل امرأة ترضى الذل والمهانة ولا تسعى الى تغيير وضعها وكسر قيود كبلها بها واقع اجتماعي متخلف ـ شخصيتا الام وابنتها: هاتان الشخصيتان تمثلان النموذج التقلبدي للحماة الشريرة وأخت الزوج العانس اللتان تحيكان المكائد فتحولان حياة( الكنّة / زوجة الابن او الاخ )الى جحيم وكلتاهما تحركها الغيرة فالام تغار من الزوجة باعتبارها قد استحوذت على الابن والأخت تحركها غيرة عانس من فتاة جميلة ظفرت بزواج لم تتمكن هي من تحقيقه....... ـ أما شخصية الزوج التي من المفروض أن تكون حكيمة متعقّلة لتخمد نار حرب نسائية نراه يحكم بموت علاقته الزوجية خوفا من امه واقرار ضمنيا بضعف شخصية الرج الذي لا يخرج من ثوب أمه رغم الزواج ولا يستقل لا بالحياة ولا بالقرار..

انه يجسد التبعية الاجتماعية التي لا تؤدي الا الى تفكك الأسرة وتشرذمها...

 

د ـ الأحداث:

لقد تسلسلت الأحداث في القصة تسلسلا خطّيا جعلنا نسير شيئا فشيئا نحو العقدة والتأزم اذ تميز وضع البداية بالهدوء: (تعارف حب فخطبة فزواج) ..

لنصل الى وضع التحول الذي تميز بالتأزّم والبحث عن حل للخلاص..

و تنتهي القصة بالانفراج وحل العقدة من خلال السير في اجراءات الطلاق بعد هروب من السجن وقضبانه

 

هكذا يمكننا الحديث عن الإتّساق في الاقصوصة اذ توفرت فيها حبكة قصصية محكمة ولعلّ أهم ميزة في تلك الأحداث تمثلت في التشويق بدءا من الصوت الغريب وهو يترامى الى مسمعها (لم تتمكن من معرفة كنهه ان كان غناء ام نداء ) وكان التشويق متساوقا مع

السرد باستعمال جمل قصيرة متسارعة وهي في طريقها لاستجلاء الأمر (ارتدت رداء خارجيا ، تسللت ، نزلت الى فناء المنزل ، وصلت الى باب الحوش .......)

و قد ساهم الوصف ايضا في جعل القصة مشوقة

 

2- الوصف:

لا يخلو النص القصصي من مقاطع وصفية وقد ركزت الكاتبة في اقصوصتها على الوصف الخلقي الظاهري للشخصيات الذي يعكس وصفا داخليا عميقا فقد ركزت على شخصية البطلة وقد اختلف جمالها عن جمال بنات قريتها لتقول أن ذاك الاختلاف تجاوز الشكل الى المضمون فهي لم تسلّم بالموجود المتمثل في الظلم الاجتماعي وانما تطلعت الى منشود جعل منها مختلفة فعلا وخارجة عن السرب او عن القطيع النيتشوي أما الموصوف الثاني فهو الزوج وقد ركزت الكاتبة على وسامة شكله وجعلته يساوي قمامة في آخر القصة فجمال الشكل لم يعكس جمال الطبع والروح والدليل جريه في آخر النص وراء ربح مادي يمكن أن يكسبه بعد الطلاق .

و الشخصية الثالثة الموصوفة هي شخصية العمة او ذاك المخلوق الغريب كما نعتتها الساردة ب (امرأة السبعين) ...

لقد كان الوصف موظفا لكل الشخصيات دقيقا عكس ظاهرا مصرّحا به وباطنا ملمّحا اليه

 

3- الحوار:

ان الحوار نمط في الكتابة القصصية يمكّن النص من حركية وحياة وقد توفر الحوار في هذه الأقصوصة بشكليه الحوار الباطني والحوار الثنائي

بالنسبة الى الحوار الباطني فانه قد كشف تماهيا بين الساردة والبطلة عندما كانت تخاطب نفسها بضمير أنا قائلة مثلا (لكني أنا ويا ويلي من أنا وفضولي)

كما كشف الحوار عن حيرة الشخصية عند قولها (يا الهي كم يشبهه)..

أما عن الأسلوب المستعمل في الحوار فقد كان منسجما مع المضامين والمقاصد اذ نجد الساردة تستعمل في الحوار الذي دار بين البطلة والأم أسلوبا انشائيا قائما على الاستفهام الانكاري أولا...فالام تستنكر وجود العروس عند العمة ثم تلتجئ الى استعمال اسلوب انشائي ثان قائم على الأمر (تحركي/ اقبعي /اصعدي)

لقد أرادت بالأمر هنا.. مقصديةهي الاستعلاء من جهة والتهديد من جهة ثانية

فالعلاقة بين الزوجة وأم الزوج هي علاقة عمودية تقوم على الامر والنهي ..

أما لغة الحوار بين العمة والبطلة فقد قامت على ثنائية السؤال والجواب لتؤسس لنمط ونموذج من شخصية البطل المتواصل مع الكائن الغريب كما نعتتها وكي تؤسس لمعرفة قد تساعدها على الانعتاق فالتحرر يبدأ بالبحث في الأسباب والنظر في النتائج للوصول الى الحلول

 

4 ـ أهم القضايا المطروحة في القصة:

تطرح القصة جملة من القضايا الاجتماعية أهمها:

ــ قضية المرأة في المجتمعات العربية والنظرة الدونية اليها رغم تعلمها وخروجها الى سوق الشغل وما الام وابنتها الا نموذجا اجتماعيا مصغرا لنماذج كثيرة في المجتمع اجمالا

ــ القضية الثانية المشاكل العائلية بعد الزواج بين الزوجة وأسرة الزوج وعدم قدرة الزوج على التوفيق بين الطرفين

ــ الزواج بمثابة المقبرة للمرأة المتعلمة العاملةفي مجتمع متخلف

ــ عدم استسلام المرأة للموت الزوجي وبحثها عن طرق للخلاصوسبل للانعتاق

هكذا تبدو تلك القضايا التي طرحتها الكاتبة ظاهرة بيِّنة متعددة ولو أردنا أن نبحث عن قضايا أخرى غير معلنة لوجدنا الكثير ..

 

الخاتمة:

نظرا للغنى الدلالي والمعرفي لمثل هذه النصوص والذي لا تفي بحقه قراءة سريعة بأي شكل من الأشكال . إلا أن هذه الكلمة البسيطة تسلط الضوء على بعض الجوانب الجمالية للقصة القصيرة ، وهي بمثابة شهادة وتنويه بهذه التحفة الأدبية الثمينة ، ودعوة للنقاد ليمنحوها قدرا من الاهتمام

ولعل قراءة هذا القصة القصيرة تكشف لنا المستوى الراقي الذي وصلت إليه نصوص الكاتبة ، والنوعية التي تتوفر عليها من ناحية الأدوات والتصوير والتشكيل والموسيقى والخيال والرموز وغيرها من التقنيات الشعرية الحديثة التي جعلتْ هذا الجنس الأدبي يرتقي ويحتلَّ في ساحة الأدب المعاصر مكانا رفيعا كريما ..

 

الأستاذة انتصار كمون الرباعي

..............

 

موت بحكم الحياة / د.عبير خالد يحيي

صغيرة يحكمها الحمق ، والخافق بين جنباتها يرقص طرباً ، لمحت طيفه وكأن عصا سحرية لمستني فحوّلتني من مراهقة إلى عاشقة،

-" يا إلهي كم يشبهه! هل يُعقل أن يكون هو؟"

هذا ال (هو) نجمي المفضّل" ، تراه بقلب مراهقة ،" كلّ يوم كنت أراه بنفس المكان وبنفس التوقيت ، أنا.... فتاة ريفية تتمتع بجمال غريب غير معهود في قريتها الصغيرة ، مدلّلة والديها ، الوالد كان حريصاً جداً على أن تتم تعليمها الجامعي لتحمل بالنهاية شهادة ذكائها المتوقّد، وتخرّجت من كلية الآداب بتقدير ممتاز ، أهّلتها للعمل بمؤسسة حكومية بمركز جيد ،

تلتقيه في طريقه لعمله في مؤسسة تابعة لمديرية السياحة ، مليح الوجه مرّ الحسن على قسماته فوسمه، بعد تبادل النظرات ثم الابتسامات ، فالتحيات ، كان الحسم بلقاء، انتهى بأخذ موعد لزيارة أهله لطلب يدها ..... ....

حضر مع أمه وأبيه ، أوجست خيفة من أمه التي كان من الواضح أنها تتحكَّم وتمسك بكلّ زمام حياته ، لكنّها وطّنت نفسها واثقة بقدرتها على احتوائه والاستقلال به دون أن تبخس أمّه حقّها به، فترة خطوبة شفافة ، ثم عرس في ربيع مزهر ..كان عرساً صعيديّ الطراز، انتهى بانتقالها إلى عِش الزوجية في قريته في الطابق الذي يعلو دار أهله، حوالي منتصف الليل ، ترامى إلى مسمعها صوت غريب ، يفيض حناناً وألماً

لم تستطع أن تحدد هل هو شخص يغني ؟ أم ينادي ؟

إحساس غريب تلبّسها أنّ الصوت يناديها !

أيقظت عريسها، تسأله عن الصوت ، أجابها وهو نصف نائم:" هو عفريت نامي الآن ".

لم تستطع النوم ، ارتدت رداءً خارجياً وتسللت ، نزلت إلى فناء المنزل تتتبّع الصوت، وصلت إلى باب الحوش، أو ما يسمى بالزريبة حيث توجد بعض الحيوانات ، استجمعت قوتها ودفعت الباب، وتسمرت .....! ...."لكني أنا ، ويا ويلي من أنا وفضولي...."

هو مخلوق غريب.....! تماسكت ، اقتربت ، أحاول الحفاظ على رباطة جأشي ، قرّبت المصباح من وجه المخلوق وهالني منظره.... !

عجوز بعيون بيضاء، وكأن القزحية عندها قد تحلّلت وذابت فاحتلّها البياض، مرّ الزمن على وجهها ويديها مخلِّفاً أخاديد شديدة الغور، واختفى لون الحياة فارّاً من جنباتها ، مخلِّفاً شحوباً بانت منه العروق خرائطَ محبّرة ، نما شعرها عقدة صوف بيضاء شعثة، أسمالها تستر القليل من جسدها النحيل الذي فقد كلّ شيء إلا هيكلاً عظمياً يبرز مفاصله عنوة من وراء جلد متغضّن، استطالت أظافر اليدين حتى شاركت أهل الكهف، في السبعين من العمر، لم ترتكس لتسليط الضوء على وجهها، فهي عمياء، أحسّت بأنفاسي المتلاحقة ، توقفت عن الغناء الشجي سألتني باستغراب ووجل:

- " من أنت؟." أجبت بتلعثم:

- "أنا عروس أحمد يا خالة".

- "عروس أحمد ؟ لا يجب أن تبقي هنا يا ابنتي ، عليك مغادرة هذا البيت فوراً، سيفعلون بك ما فعلوه بي ".

رفعت وجهي إلى السقف فالتقت عيناي عيون القمر الوقحة ، وهو يرسل ضوءه من السقف متسللاً ليكشف كلّ الأسرار.....نعم هي عادة سيئة لديه عُرف بها خصوصاً بين العشاق، لم يمنع تجسسه السقفُ فهو سعف جريد، وسيقان ذرة .....!.

جال المصباح في أرجاء الزريبة ، بقرة هنا ، وحمار في الزاوية ، عنزة هناك ، وعشة فراخ ، رائحة روث الحيوانات خانقة ، سألتها بشفقة:

- "من أنت يا خالة ؟"

- " عمّة أحمد، أظن أنّ عمري قد تجاوز السبعين، أقيم هنا منذ أكثر من ثلاثين عاماً، كنت قبلها أعيش مع أختي وأولادها، توفيت وضاق أولادها ذرعاً بي ، لم أتزوج ، قدمت إلى أخي والد أحمد ، أعطيته قطعة الأرض خاصتي وما كنت أدّخره من نقود، مقابل أن أقيم عنده ويكون لي ستراً ، لكن زوجته لم يرق لها ذلك، أجبرته على إلقائي هنا، وأشاعت بين الناس أنني توفّيت بعد أن توفّيت أختي، لم يعلم أحد بوجودي هنا ، أذاقتني كل ألوان المهانة والحرمان، بكيت حتى ابيضّت عيناي، لم أغادر مكاني مُذ قدمت ، تتعاقب علي الفصول ، فأغرق شتاءً بالمطر المتسلل من هذا السقف المتهالك ، وأكتوي صيفاً بلهيب الشمس الحارقة ".

أصوات بالخارج ، وقع أقدام تقترب ، ويفتح الباب كاشفاً وراءه أخت أحمد وأمه ، والنار والشر والشرر تتطاير من عيونهم حتى لامس أواره أثوابي فتراجعت خائفة ،لكنني سرعان ما استعدت رباطة جأشي، تحفّزت لمواجهتهم حين أطلقت أم أحمد سؤالها كزئير الوحش:

- " ماذا تفعلين هنا ؟ المفروض أنك عروس، موقعك إلى جانب عريسك ".

حاولت بكل جهدي أن يكون صوتي قوياً وقلت:

-" سمعت أنيناً غريباً منعني من النوم ، فنزلت استكشف مصدره ، ووجدت العمّة هنا، لماذا هي هنا ؟ماذا فعلت حتى استحقت هذا الحكم بالسجن المؤبد ؟".

اتسعت عينا أم أحمد حتى كادتا أن تفرّا من محجريهما ، وأخت أحمد تشيرلي من خلفهما أن أسكت ،لم ألتفت التفت اليها ، وصبّبت كل تركيزي على أم أحمد متربّصة بها ، أمنعها من الانقضاض علي، لن تنال مني، حتى أطلقت استهلال غضبها بأول رصاصة نحوي:

- " من أنت أيتها الحمقاء حتى توجهي لي هذه الأسئلة الملفّحة بالاتهامات ؟ ليس هذا من شأنك ، كما أنه لا دخل لك بالعمّة لا من قريب ولا من بعيد، انسَي تماماً أنك رأيتها، وإلّا لن ترَي خيراً أبداً، تحركي إلى الأعلى واقبعي إلى جوار عريسك ، هذا الغبي كعادته ، نام نومه العميق ، ولم يشعر بك تتسلّلين ، تحرّكي "

نظرت إليها بازدراء مفتعل ، مررّت من أمامها وهي ترمقني بكل كبرياء وكأنها ترسل لي رسالة .. أن أحذر غضبها ...نظرت إلى العمّة ، اقتربت منها وهمست في أذنها:"

" ألقاك غداً ..!"

- تمتمت العمة بخوف وهمست:

-"لا تفعلي ...ارجوك.... لا تفعلي"

في الصباح ، كان الحديث أبعد ما يكون عن حديث بين زوجين توّجا حبهما بالزواج ..أنّبته بعنف بأسئلتي المحرجة:

- " كيف تقدمون على وأد بنت دمكم هكذا ؟ - أي قلوب تحملون بين جنباتكم ؟"

أشاح بوجهه عني وأشار لي بيده بملل أن أنهي الموضوع وقال بلهجة محذرة:

- " إياك أن تتدخلي بهذا الأمر ، وإلا ستفتحين عليك جبهة أمي التي لن ترحمك".

غضبت حتى صعد الدم إلى رأسي وقلت:

-:" يبدو أن الرحمة غادرت قلوبكم جميعاً، كيف تسكتون على هذه الجريمة ؟ماذا فعلت المسكينة حتى تسجن وتُدفن هكذا ؟ ألستم بشر ؟ ألا تخافون الله ...؟". صرخ بغضب شديد:

" - أمي من فعلت هذا ".

أجبته بصرخة أعلى من صرخته:

-" ومن أمك حتى تفعل هذا ؟ من سيّدها على عمتك ؟ كيف سكتم عنها ؟ لماذا سايرتموها ؟ "

رد بحزم وبصوت تملأه الشفقة والرفض لفعل امه اللانساني:

-" أمي سيّدة هذا البيت والكل يأتمر بأمرها، وعليك أنت أيضاً أن تنفذي كل ما تقوله ، وإلّا ستنغّص عليك عيشتك، لقد عزلت أبي عنها منذ حوالي ٢٠ سنة وهو لا حول له ولا قوة ، وأختي أمينة كما ترين جاهلة أمية ، تمشي وراء أمي كظلّها ، لا أظنها ستتزوّج يوماً ، ستبقى خادمة عند أمي ".

- قاطعته بانبرة استهزاء:

-" وأنت ؟"

رد بتساؤل وكانه أحسّ بنبرة استهزائي:

- " ماذا تقصدين ؟ اسمعي لن أفقد صفاء حياتي بسببك ، إن غضبت أمي عليّ أحالت حياتي جحيماً ، فحذاري ."

أعقبت بجفاء:

- " لكنك مشارك في جريمة ، كيف لي أن آمن على حياتي معك وقلبك راضٍ وصامت عن جريمة ارتكبت في حق رحمك ؟ سأحضر عمتك إلى هنا وأجهّز لها غرفة لائقة ، تقيم بيننا "

صاح بوجهي كالملسوع:

-" احذري حتى التفكير في ذلك، أبعدي هذا الخاطر عن مخك الصغير وتعالي إلي مدلّلتي ".

- "مدللتك ؟ لا أظنك تدللني أبداً ! من سكنت القسوة قلبه لا يتقن التدليل ." رد علي بزعل:

- " فإذن ستبقين سجينة هذا البيت ، لن تغادريه أبداً"

في نهار اليوم التالي ، بعد أن أتمّمت إعداد الغداء، نزلت إلى الحوش قاصدة العمة بطبق طعام ، ولكن سرعان ما فاجأتني الحماة، وأخذت من يدي الطعام ، أتت عليه خلال دقائق، وأنا ارمقها باحتقار وازدراء ، غادرت راكضة إلى الطابق العلوي لأشتكي لأحمد ما كان من أمر أمّه المتسلطة ، فما كان منه إلا أن انقضّ عليّ بالضرب الشديد، حتى ظهرت آثاره فيما بعد، كدمات تماهت ألوانها بين البنفسجي والأصفر ، وقفل الباب خلفه وغادر وتركني حبيسة ندمي ...!

فأعلنت إضراباً عن الطعام ليكتمل معنى السجن والسجان والسجين ......

استمرت العمة السجينة كلّ يوم ترسل صوتها بعبارة:

- " اهربي ، وإلّا ستكونين الضحية التالية ، اهربي ".

ومضى على إضرابي عن الطعام وسجني حوالي عشرة أيام ، وكان قراري الهروب ....

من نافذة صغيرة لكي أبدأ مشوار حريتي ... ألقيت بجسدي الناحل على كرسي أسقطته عمداً على سقف مجاور، ولكني أخطأت التقدير فكان السقوط عنيفاً ، أخذني نحو دهليز مظلم يقود الى مكان غريب كالقاعة إلى قاعه ويد حانية تمسح رأسي وتتبتّل إلى الله بدعوات بالشفاء العاجل ، أظن أني شمّمت رائحة الجنّة...لم أدرك كم بقيت فيه، أفقت مرة أخرى لأجد وجهاً محببّاً يناديني

-:" أيتها الشقية ، هيا استفيقي كفاك نوماً لقد نمت كأهل الكهف ".

وجه أخي المتوهّج كالبدر في الظلام ، رأيت فيه خلاصاً من ظلمة أحاطت بي طويلاً ...

وهي جلسة أخيرة مع غلطة عمري يفاوضني على الطلاق مقابل مصوغاتي الذهبية.... !

غادرت ، ونظري يتفحص قمامة بشرية وقدماي تنقلني دون أن أحس نحوها ، وسمعتها تقول:

-" اذهبي يا ابنتي، حياتك غالية ، واتركيني انتظرهم في قبري فحسابهم عسير".

 

د.عبير خالد يحيي