المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

جدلية السياسة والأدب في تناقض الشخصية العربية .. سلوى النعيمي نموذجا (1)

mohamad talatالجدلية العقيمة التي غالبا ما تصاحب أي عمل أدبي خارج عن المألوف على مستوى اللغة والمعالجة الإنسانية والطرح الفكري المتضمن في اللوحة السردية الروائية. أمر ينم على انحدار وتدني منظومة القيم والحرية في تناول النص سواء على مستوى الفكر أو الإبداع الفني من قبل أنصاف النقاد والمعترضين على النص وعلى المبدع نفسه، ويتوج هذا الهجوم بمصادرة العمل الفني ومحاصرته بـ"التابو المقدس"، ولعل أقوى نموذج للرواية المصادرة رواية" برهان العسل" لـ "سلوى النعيمي"، التي أزعجت الرب في سمائه والأخلاقيين في أخلاقياتهم وكأنها حرضت على المساس بالأمن الاجتماعي، لتناولها موضعين غاية في الخطورة من وجهة نظرهم " خرق تابو اللغة العربية" و" خرق تابو المجتمع الجنسي" حيث تناولت النعيمي في شخصيتها الرئيسية بنصها الروائي "برهان العسل" بعض المفردات الحيوية المهجورة من اللغة الرسمية تلك اللغة المتبرقعة بالحجاب والنقاب، وكأن هذه المفردات عورة لغوية لا يصح استخدامها في إطارها الفصيح المعترف به في القواميس والمعاجم العربية. فضلا عن إنطاق النعيمي ما لا ينطق في نصها على لسان البطلة التى تسرد بعض مشاعرها الجنسية كامرأة عربية مكبوتة بعالم له قيوده الظاهرية وحريته في الخفاء. فأزمة البطلة هنا تعكس أزمة اللغة، وبالتالي تعكس أزمة المفردات المحرمة التى تعكس أيضا أزمة بوح مشاعر الأنثى العربية.

إن الازدوجية المجتمعية التي فضحتها اللغة في "برهان العسل" والتى تؤكد عوار الحالتين التي يعيشها العربي في استخدامه للغة بين ما يقال في العلن وأمام حفل من الناس وما يقال في الخفاء، وبين زمرة من الندماء والخلان. بين ما يقال في أدب واستحياء وبين ما يقال في فجور. ولعل المفردات الجنسية التى وصمت بعار الشهوة وحصارها في قوالب وحالات معينة تقال فيها سواء بقصد الإثارة أو بقصد السب. هنا أعطت تقاليد عوار المجتمع مع لغته في تدرجها بين المستويات الفصحى والعامية واللهجات حالة من السلطة والتجبر التى تتسم بالازدوجية في استخدام نفس المفردة في العلن أو الخاص، فضلا عن الفعل وممارسته ما بين النور والعتمة. كل هذا جعل قيم وأخلاق الشخصية العربية متناقضة ومتفاوتة التفسيرات لممارسة الفعل وفقا للمقام سواء في العلن أو الخفاء واستغفال الأخرين، فتقول الساردة" ما كنت أمشي معه في الشارع العام، وما كان يمشي إلى جانبي، من دون أن يضع يده على مؤخرتي، يتحسسها من فوق الثياب أو على اللحم مباشرة. أصرخ مبتعدة عنه: مجنون، نحن في الشارع العام. قد يرانا الناس! كنت جبانة، وحريتي الجنسية العملية لا تعبر عن نفسها إلا بعيدا عن عيون الآخرين. كان يقول: تلفتين نظر الناس عندما تبتعدين عني. إنهم لا يَرَوْن شيئا. لا أحد ينظر إلينا لو تابعتِ السير بهدوء. يرد عليَّ وعلى استهجاني، وهو يعيد يده إليَّ، إلى مؤخرتي، وأنا أشهق رغما عني، والتصق به، وأنسى العيون الغريبة. صار يبحث عن باب أول عمارة نمر قربها كي يجذبني إلى داخلها، ويقبل شفتي، ويمص لساني، ويتحسس صدري. بداية كنت مضطربة، وبمرور الوقت تعودت، وصرت أمشي إلى جانبه، وعيناي تبحثان معه عن أي مكان يمكنني فيه أن أقبّله وأمص لسانه وأتحسس جسده" ص 34. هذا الفعل الذي استهجنته البطلة ( في البداية) ابنة مورثات تشويه الأخلاق والقيم وعدم ممارسته في جمالياته على أرض الواقع.

توتر ممارسة القيم والأخلاق واختلاف مفاهيمها حسب تعاطيها تحت الشمس أو في الغرف المغلقة أمر معقد في الشخصية العربية في فعلها ولغتها، وهذا يفضحه النص "برهان العسل" من رفض تام لهذا الختان الفكري واللغوي، فجاءت "برهان العسل" بمفرداتها بشكل عفوي وتلقائي، وكما هو معبر عنه بالحياة، وما يجري به على اللسان، فتقول الساردة موضحة المعنى الكامن وراء مسمى برهان العسل : " كنت أصل إليه مبلّلة، وأول ما يفعله هو أن يمد إصبعه بين ساقيَّ، يتفقد العسل كما كان يسميه، يذوقه ويقبّلني" ص 30، لتؤكد المعنى مرة أخرى من تحوله من السعار الجنسي إلى تذوق جمالي شهود للقلب مالك كل الجسد والروح "... ترمينى لاهثة مضرجة بالعسل والمنى ، أحتضن لذتى النابضة قلباً بين ساقيَّ "، ص 91، ليبقى العسل هو سر الجمال والكمال الناقل من عتبات الجسد إلى الروح من عتبات الروح إلى الملكوت السر الحافظ لمحبة يصعب على الكثير فهمها واحتوائها والحفاظ على توهجها وديمومتها مهما مرت الأيام والفراق سيبقى عسل البرهان، وهذا ماتؤكدة الساردة في :" كنت واثقة من أن المفكر سيطلع أمامي ذات يوم... ليسألني عن عسلي ... وأرد أن عليه أن يجد الجواب بنفسه ، أن عليه أن يمد يده بين ساقىّ ليتذوقه . برهان حلاوة العسل . هو العسل نفسه ، يقول ابن عربى "، ص 149 .

تهبط معارج برهان العسل إلى حضيض مستويات العفن المجتمعية بتوصيفه للفعل وللمفردة المصاحبة لها في اللغة من الاحتقار المتدني والمبتذل للمشتقات اللغوية ما بين الفصحى والعامية "شرموطة / سايبة/ فلتانة" ودلالتها الثقافية في الشارع العربي، فحين يتم توصيف الفعل وصاحبه بـ" عندنا يُسمونها شرموطة . بلعت الكلمة . اكتفيتُ : فلتانة . سايبة . نفس الشئ تقريبا " ص 76، فهذا يمثل ختان فج ونمط متسيد سلطوي استعلائي بجلد الذات مرة وجلد الأخر مرة بهدف احكام القبضة على المجتمع.

إن تنوع الساردة بوحها باستعمال المفردات المسكوت عنها لهو أمر كاشف عن عوار الختان اللغوي والفكري في تباين استعمال اللغة والفعل وتفاوت القبول والرفض لهمها، فتقول:" الشيخ المغربى الذى يعلم الطالبات نواقض الوضوء ، يعددها واحداً واحداً إلى أن يصل إلى مس الذكر، وستسأله واحدة من الصبايا ، يا شيخى ، بالسين أو بالصاد ؟ " ص 106، لتسأل بسذاجة المرأة الشبقة التعسة المصابة بخلل الرؤية التى هي نتاج لتناقضية المجتمع حول التصريح بـ " أنا أنيك إذن أنا موجود. لماذا لايمكنني أن أقولها أو أكتبها بالعربية؟" ص 116، وتضع النعيمي هنا الرد الصادم للثقافة العربية المزدوجة في مفرداتها التي تشكل طابعها اللغوي المحصور ما بين الحلال والحرام بمفاهيمه الخاطئة التي تتبعد تماما عن مفهوم الشرع نفسه لنوعية هذا العلاقة ، لذلك"بالعربية، النيك، لفظا وفعلا، ممنوع من العلنية في أيامنا هذه. النيك معصية حتى ولو كان شرعيا.."ص116.

كل هذا الختان الفكري واللغوي وقع تحت سطوة العيب، وليس الأخلاق، حيث تم النظر لهذا النص باعتباره نصا جنسيا فجا، وتم تصنيفه تحت الكتابات الإيروتيكية، بل والطعن في شرف المبدعة في أسفاف نقضي، والنظر إليه بنظرة الاستحياء القبيح لأنه يخوض حالة بوح لمرأة تسرد مغامراتها الجنسية ورغبتها مع ذاتها ومع الكتب ومع صديقها المفكر على اعتبار، هذا الفضح في المقام الأول ما هو إلا فضحا لغويا صادما، تعامل معه الجميع على أنه سعار جنسي يجب طمس الساردة وتلجيمها لتختزل لغتها في إطار المفردات المتعارف عليها(الاستحيائية) والمتبعة في مثل هذا البوح والسرد.

العمل الإبداعي في"برهان العسل" لم يكن صدمة روائية، ولم يكن صدمة إبداع منقطع النظير، وإنما صدمة الإتباع لمن أسميهم بـ"الأباء المنفتحين الخالقين/ الآباء الصادقين" والإبحار إلى زمنهم الجرئ الصادق مع النفس ومع اللغة، فـ"سلوى النعيمي" تعلن موقفها بوضوح فى استخدام ألفاظ معينة( الفاظ مرتبطة بالجنس وفعله وبالأعضاء الجنسية) سكتنا عنها دهرا ولم نكتبها، وإن كنا نهمس بها سرا، وكأن قاموس اللغة انقسم على نفسه ما بين كلمات العيب، والذى لا يصح أن يقال وما بين ما هو مباح فى الجهر به علنا، وعلى الرغم من خلق هذا التابو اللغوي المحدث فنجد الثروة التراثية العربية العريقة ثورة في قلب الموازين الاختراعية والابتكارية في التعبير وتشكيل صور واستعارات تصل لحد ألوهي بجمال اللغة الذي يحاكي جمال الطبيعة في وصف الجمال في ثوب الإثارة المفعم بنعيم الشهوة والرغبة بلا حرج. إذن مَن أعطى الحق في فرض الختان اللغوى، مَن مزق صفحات هذا التراث العريق الصادق مع النفس ومع اللغة متسقا مع بيئته ولغته وربطها ما بين الطبيعة والأشياء والتفنن في ربط كل هذا بالمرأة وجسدها، فيقولون في وصف عضوها التناسلي الذي فاز بالسبق دون غيره في عدد الكلمات العربية التى تسميه وتصفه "فغير الكلمات المعروفة مثل المهبل والفرج، نجد كلمات تصف ضيقه ووسعه وجفافه ورطوبته. فنجد مثلاً: الهن، بفتح الهاء، والحر، بكسر الحاء، وكلاهما يعني الفرج. أما الضلفع: فهي المرأة الواسعة الهن (القاموس المحيط ولسان العرب). وكذلك الخجام: المرأة الواسعة الهن. والمرأة الرهوى والرهو: هي المرأة الواسعة الهن.. وكانوا يشتمون بأسماء الفرج، فيقولون إذا أرادوا سب رجلٍ: يا ابن الخجام. والخجام هي المرأة الواسعة الهن"، وأيضا تفننوا في البوح المتفنن في وصف " الممارسة الجنسية التي أعطوها أسماء تختلف من حيوان لآخر. فقالوا مثلاً: نكح الإنسان، وكام الفرس، وباك الحمار، وقاع الجمل، ونزا التيس والسبع، وعاظل الكلب، وسفد الطائر، وقمط الديك (فقه اللغة للثعالبي). أما نكاح المرأة فقد تفننوا في تسميته. فقالوا: باضعها، وذخمها، وخجأها، ووطأها، وناكها، ونكحها، وقيل للتزوج نكاح لأنه سبب الوطء المباح (لسان العرب). ومن شدة غرامهم بالنكاح فقد وصفوا نزول المطر على الأرض به، فقالوا: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينيه. بل قالوا: ناك المطر الأرض وناك النعاس عينيه (لسان العرب). وهناك كلمات مثل (بؤأ الرجل) إذا نكح. والباءة هي النكاح. وقالوا: ضرب الفحل ضراباً إذا نكح. وضربت الناقة: شالت بذنبها فضربت فرجها فمشت، وهي ضارب /القاموس المحيط للفيروزآبادي".

ومن هذا المنطلق نجد النقاد القدامى أكدوا على أن لا عورة في اللغة ولا في فكرها حيث أن اللغة هى ابنه الحاضر ومشاعره المعبرة عنه بلا استحياء ولا عقد، لذلك كان مذهبهم " وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم وإنما المآثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب... فتفهم الأمرين وافرق بين الجنسين.عيون الأخبار / أبو محمد بن قتيبة الدينوري".

لذلك المبدعون القدامى أبدعوا الحكي عن الذات وما يثيرها وما يكدرها وما يسرها، فأبدع الغزل الصريح لحد المجون بل والتعبير عن رغبة المرأة المشتهية للجنس دون مواربة" المرأة عاشقة راغبة لا معشوقة مستجيبة"، كما ابتكر الأباء الصادقون طرق التعبير عن ولعهم بالجنس من خلال وعاء لغتهم المحتوية على (والتي اتسقت بين لفظها ومعناها واتسقت مع نفس ولسان المبدع) أسماء وأوصاف للمعشوقة الأنثى لدرجة وصف عضوها التناسلي، فضلا عن وصف وتدوين العلاقة الحميمة بين العاشق ومعشوقته وتضفير كل هذه الأوصاف مع الطبيعة ومع المرأة ومع اللغة ومع المشاعر، لذلك تكثر الإبداعات في الوصف حول الساحر الذي شغل بال الشخصية الرئيسية في "برهان العسل" في مداعبتها له (الهن) وفي اشتهائها لفعل"النيك" .

إذن من يصادر عملية الإبداع ومن هى العقلية التى تحلل وتحرم العمل الإبداعي بناء على لفته ومفرداته على أساس أنها عورة يجب ختان لغة النص الإبداعي حتى يستقيم ولا يسبب أي هيجان للقاريء؟ وتاريخنا العربي حافل بما هو أقوى وأصرح وأجرىء في تناول لغته ومعالجتها وفقا للحالة المزاجية التى تمر بها شخصية السارد ابن بيئته. ثمة انقسام هجين بلى لقيط لا يعرف له نسب ولا أب قام بهذا الانقسام في قاموس اللغة الذي حوله إلى مهجور ومتروك وغير مستخدم وبين صالح وغير صالح .. من جهض ووأد كلمات وأفعال ومشتقاتها بعينها دون الأخرى.. من الفاعل؟

تتساءل النعيمى نفس السؤال بشكل آخر، فمن منع كلمات وبدلها بالأخرى؟ "حتى كلمة النكاح فى عنوان أحد كتب شيخنا السيوطى هذبت وترجمت من العربية إلى العربية(الإيضاح فى علم النكاح)، صارت(الإيضاح فى علم الجماع) وطز فى السجع." ص 116.

وهنا تعلن النعيمى موقفها عبر نصها متخذة من رأى الجاحظ فى هذا المسألة حجة لها:" وبعض من يظهر النسك والتقشف، إذا ذكر الحر والأير والنيك تقزز وانقبض. وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من المعرفة والكرم والنبل والوقار إلا بقدر هذا التصنع.. وإنما وضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأى إلا يلفظ بها ما كان لأول كونها معنى، ولكان فى التحريم والصون للغة العرب أن ترفع هذه الأسماء والألفاظ منها " ص 115، فلا عجب إذن أن تسير الكاتبة على هذا النهج؛ حيث فتحت باب السطور والجمل على مصرعيه عبر صفحات روايتها لتسخدم فعل"ناك" وجميع مشتقاته ومفرداته لأكثر من مائة مرة حتى تكرر فى باب اللسانيات إلى ما يزيد من عشر مرات.

أما عن المنع والمصادرة والنقض، فثمة علاقة وطيدة شرعية وعلى يد مأذون معمم أو قس، وبشهود سنين وأجيال لا حصر لها. الكل يبارك في صمت أو عن رضا تلك العلاقة الآثمة المتوجة باسم الشرع على سرير الحُكم العربي الشهواني الدامي ببكارة الحرية والحق والعدل، ولأن الكلمة هي نور تكشف ظلام المنافقين وجشع المطبلين فدوما تخصص لها شرائع فقهاء السلطان المنع والترهيب والمصادرة، فكيف لكلمة تفج وتفك عتمة البلاد وتوقظها من رتق عبودية الحاكم بأمر الله؟ إذن يجب العمل بالحيلولة وبالبطش لمنع هذه الكلمة، لكن، كيف؟

الرؤية الدينية والصوفية في الشعر الأمازيغي بالريف .. شعر ملود اليبراقي نموذجا

jamil hamdaouiالمقدمـة: يعد ملود اليبراقي من أهم شعراء منطقة الريف الذين ينتمون إلى مدرسة الخارج التي تسمى أيضا بمدرسة الاغتراب أو مدرسة المهجر أو شعر المنفى، ويمثلها كل من: أمنوس (بلغد عبد الرحمن)، وكريم كنوف، وأحمد الصديقي، والحسن المساوي، وميمون الوليد، ومحمد شاشا، ونجيب الزوهري، ومحمد والشيخ، وأحمد الزياني، والطيب الطيبي، وصالح الحوري، وحميد بوسدرة...

بيد أن الشاعر ملود اليبراقي قد تجاوز هموم الذات والوطن والأمة إلى قضايا الدين والزهد والتصوف، ويشاركه، في هذا الطابع الروحاني، الشاعران: حسن المساوي والطيب الطيبي.

إذاً، ما أهم القضايا الدلالية والفنية والجمالية التي يزخر بها ديوان (ءارخـــــزراث زي راگـــــــاج/ نظرة من بعيد)1؟ هذا ما سوف نرصده في موضوعنا هذا.

 

الجوانـــب الدلاليـــــة:

تتميز قصائد ملود اليبراقي بروح النضال والصمود والتحدي، والحث على العمل والصبر والوحدة والمثابرة من أجل تحقيق النصر، وعدم الاستسلام للكسل والتعب والتواكل، بغية الظفر بالعيش الكريم، وتحقيق الاستقرار الأفضل. ومن هنا، لايمكن أن يتحقق ذلك إلا بالاحتكام – جميعا- إلى الحق والعدالة والقانون:

 

أَذْوَا ذَبْرِيذْانَّغْ اسْثَرْيَاسْثْ اقَ يَحْمَر

نَكُّوارْ انَمْسَكَارْ خَرْحَقْ انَسِّيوَرْ

أَرْحَقْ قَنَتْـوَرَاثْ يَتْوَفَّا سَرْبَطَـرْ

أَنُيُوَارْ غَرَزَّاثْ نَشِّيـنْ وَرَنْتِيحَـرْ

أَنَسْمُونْ ارَاغِي وَنْ يِكوْجَنْ اذِسَرْ

 

كما يدافع الشاعر عن الفقراء والبؤساء والمساكين، ويصور حالتهم المأساوية المزرية والمضنية؛ بسبب الفاقة وكثرة الحرمان وضيق الحال. وفي الوقت نفسه، يشيد بصبرهم وثباتهم وأملهم الكبير في الله والمستقبل:

 

أَرْمَسْكِينْ اصَبَّارْ اخْ ثُوذَاثَ ذَعَسَّاسْ

إِتَكّارْ يَتْوَطَّا ثِزَمَّارْ وَلُـو غَـاصْ

رَبْدَا يْتَرِي يَطَّارْ وَتْيُوفِي اثْوَدَّرَاسْ

إِتَمْسَيْسِي اكْذْ ازْمَانْ نَتَّا قَيَصْبَرَاسْ

يوُحَرْ يُورِي ثِسَوْنِينْ امْ ادجِّرَثْ اذْوَاسْ

يُوحَرْ يَفْسِي ايشَدَّانْ اسْوَشَّانْ اتَّغْمَـاسْ

 

كما تحضر تيمة الهجرة لدى الشاعر شأنه في ذلك شأن باقي شعراء الريف الذين تغنوا بالهجرة ومغادرة الأرض، وتصوير ما ينتج عن ذلك من فراق وشوق وحنين؛ وما تعانيه الأم بسبب ذلك، كأن تلتجئ إلى البكاء والعويل والحزن حينما تفتقد ابنها ، وتعلم أنه قد هاجر إلى الضفة الأخرى، فتنقطع أخباره جملة وتفصيلا، فتستسلم الأم لأنياب الحيرة والشك والتيه ، متأرجحة في ذلك بين اليأس والرجاء، والألم والأمل:

 

يَتَّفُّودْ وَيَدجِّي يَفَّغْ أوشَا يُويـوارْ

منْتَمَّواثْ ذِي يَدجَّا مَنِي إيرُوحْ إوَدَّارْ

اتْسَقْسِيغْ إمْسَبْرِيذَنْ مَوَاثْزْرِيمْ اعْمَارْ

إمَانِي غَايِيرِي مَنِي إيرُوحْ إيهَجَارْ

أمِّي نَرَزُّو خَاكْ رَبْدَ ا قَنَغْ ارِي ضَارْ

مَقَّاشْ ذِي اثْمُورَايَا نِيغْ غَوَانِي رَبْحَارْ

 

أضف إلى ذلك، فقد صور الشاعر آثار الغربة القاسية على المهاجر نفسيا وواقعيا واجتماعيا، سواء أكانت تلك الغربة مكانية أم ذاتية. ومن ثم، يتسلح الشاعر بلغة الشوق والحنين والتذكر، والتلذذ بالرغبة الملحة إلى العودة إلى الوطن عاجلا أو آجلا:

 

وَحْشَخْشَمْ ايَمَّا اسْوَطَّاسْ وَدجِّي سَذْرُوسْ

أَسْقْذْغَانْدْ إيجْ انْتَبْرَاتْ زِي اثْمُورَايَا غَاسُوسْ

اْورِيخْتْ سِمَطَّـاوَنْ وَطَّنَيِدْ خُفُــوسْ

أَشْحَارْ غَنَكْ نَشِّينْ انْتَتْلِيعْ اخْرَكْنُوسْ

نُسَـدْ غَـاثْمُورَايَــا ذِزَاعَنْ افَقُّــــوسْ

نُحَرْ نَيْسِي ارْهَمْ انْتْمُورَياَ زِينَسْحُوسْ

أَرْهَـمْ انْدجْغْرُبَيَّثْ يَكَّـا ذَا يَقَطُّـوسْ

مَنَبْرِيذْ غَشُقَغْ اذْزَرْمَضْ نِيغْ اذْيَفَّوسْ

إِرْسَوَنْ ذَا قَضْعَنْ أمْ وقَسِّي نَرْمُـوسْ

 

ومن ناحية أخرى، يدافع الشاعر عن لغته الأمازيغية قولا وكتابة، وينافح عن هويته الإنسية الأصيلة، فيتباهى بارتباطه المتين بجذوره العريقة الممتدة في تاريخ تامازغا وحضارتها التليدة والعتيدة:

 

سَثْمَزِيخْثْ انَسِّيوَرْ سَثْمَزِيخْثْ انَارِي

أنَارِي ثَقَسِّيسْثْ أنَارِي ايجْ انْيزْرِي

وَخَّا يَنْدَرْ اطْـرَامْ اثْفُوشْثْ وَخَّا ثَغْـرِي

أتْنَارِي ذِي ثَفْرَايْ غَارْ اطْيَا نَتْزِيرِي

أتْنَـارِي أتَنْغَـارْ وَذَانَـغْ اتْوَدِّيـرِي

إمَانِي مَّا نَدجَّا اثْمَزِيخْثْ كِينَغْ ثِيرِي

ازَّيَسْ اينَسَّوَارْ وَغَانَـغْ اتِّيـزِي

أكِيسْ ايغَا نَقِّيمْ اكِيسْ ايغَا نِيرِي

 

ولم ينس الشاعر أرضه التي ترعرع فيها إلى أن شب وكبر، فهي التي أرضعته بلبان ثديها ، وأسقته ماءها النمير، وغرست فيه قيم الرجولة والعز والكرامة والإباء. ومن ثم، فلن يجد أرضا مثلها، وإن اجتاز الأرض طولا و عرضا:

 

وَشَمْ تَتُّوغْ يَثَموُّاثْ خَرْقَغْ ذَيَمْ ايْمِيغ

أثْزَذْغَذَايْ ذِي رَعْقَرْقَوَزَّيَمْ اسْخِيغْ

رَهْنَا ذَيَمْ يَدجَّانْ   ذِهَا قَوَثَزْرِيغْ

أكِّيغْ قَاعْ ثِمُورَا رَهْنَ انَّمْ وَثُفِيغْ

وَتْغِيرَغْ رَبْحَارَا أثْشُوقَغْ اثَزْوِ يغْ

انْهَا رْ رَمِي يُيواغْ غِرَايْ وَتَنْدَمِّيغ

أخْيَجْذِي انَّمْ اقِّيمَغْ ذَكوَّزْرُو أذَرِيغْ

خَامْ ارِيغْ ثَقَسِّيسْتْ اسْرَحْرُوفْ أومَزِيغْ

 

ويتجاوز الشاعر همومه الذاتية والمحلية والوطنية نحو هموم قومية وإنسانية، إذ يتغنى بالقضية الفلسطينية، مدافعا عن الحق الإنساني للفلسطيني في امتلاك كل شبر من أرضه المباركة، مع التنديد بغطرسة الصهاينة الكفرة الفجرة:

 

أدُّونَشْثْ اتْوَرَا سْثِطَّوِينْ اثْخَزَّارْ

خَـزَّارَنْ َذكوُّذَايْ غَرِنَقْ يَتْكَـزَّارْ

اخْمِنْخَدْمَنْ وُذَايَنْ ارْحَقْ وَرَتَّقَّارْ

أدُّونَشْثْ اثْخَزَّارْوَثَنِّي شَا ثَسْقَـارْ

أكْذَمَّنْ ذِمَطَّاوَنْ يَحْمَرْ زَّيْسَنْ يَغْزَارْ

أنْتَمْغَرِينْ ذِسَيْمَانْ يُذَفْ ذَيْسَنْ سُضَارْ

إِتَزَّا إِهَدَّمْ ذَجْهَذْ اشْحَا يَمْغَـارْ

إِهَدَّمْ زَكوْجَنَّا زِثْمُواثْ رَا زِرَبْحَارْ

حُمَا ضِنَغْ ابْنَذَمْ وَيَتْغِيمِي يَدَّارْ

 

ومن ثم، فلابد أن يعود الحق إلى أصحابه الأصليين، مهما طال الزمن أو قصر، ومهما تمادى العدو وتجبر، فلابد لليل أن ينجلي، ولابد للقيد أن ينكسر، ولابد أن تنتصر مشيئة الله - حتما- بنصر المغلوبين المظلومين على الغالبين الظالمين:

 

فَلَسْطِينْ اتَّمُّواثْ انَّغْ نَشِّينْ ذَثْبَابْ انَّسْ

عَمَّاصْ وَرَنْقَبَّرْ اشْبَارْ ازَّيَسْ يَنْقَسْ

ذَرَبِّي اتْغَيَحْضَانْ نَتَّا أَقَّثْ اكِذَسْ

أَرَبِّي إِيخَـزَّارْ وَيِـكوِّيـجْ قَيُــذَسْ

ألدُّنَشْتْ قَثَسْقَارْ وَرَثْفِيقْ زَكِّيضَسْ

أخْمِنْخَدْمَنْ وُذَيَنْ اتْوَشَافْ زَكِّرَسْ

وَرَنِّيـنْ مَنَوْيَا الدُّنَشْتْ اثْخَـزَّا ذَيَـسْ

أثْخَزَّا ذِي رَعْذُوايْتَكْ ذَيْنَغْ مَمَشْ يَخْسْ

إِقَدجَّع اسَّجُّوارْ زِي ثِيَّاثْ ايتَكَّسْ

 

بيد أن اليبراقي يتميز ، عن باقي شعراء منطقة الريف، بقصائد الزهد والتصوف شأنه في ذلك شأن الحسن المساوي والطيب الطيبي، إذ نظم مجموعة من القصائد الشعرية في الوعظ والإرشاد والنصح، داعيا الآخرين إلى التحلي بالأخلاق الحميدة، والتمسك بالشرع الرباني، والاقتداء بالنبي (صلعم)، والاستعداد لملاقاة الله بإعداد الزاد الحقيقي الذي سينفعهم يوم الحساب:

 

يُمَرِشَـكْ ارَبِّـي ثِـذَتْ ايغَــا ثِنِيـــذْ

خَرَّصْ ذِي ثِوَشَّا اذْ مَانِي غَثِرِيـذْ

أَدُو شَارْ اذْوَزْرُو ذِنِّي غَتْوَسَقْسِيذْ

أَشْ يَسَّقْسَا رَبِّـي إِمِنْدَاسْ غَثِنِيـذْ

وَشِنَفَّعْ وَكْـرَا تَّرَّاوْثْ إيذَا ثَجِّيـذْ

إِلَّا مَرَا ثَرْقِيتْ اسْوُورْ انَّشْ يِرِيذْ

 

علاوة على ذلك، فقد ثار الشاعر على إنسان هذا الزمان الذي تغيرت قيمه الأخلاقية الأصيلة، فانحطت ملامحها في مجتمع منحط، إذ أصبح هذا الإنسان ثعلبا لأخيه الإنسان، لا يمكن الثقة فيه مهما كانت صفته وهيئته وحاله، ولا يمكن التعايش معه بسلام؛ بسبب أطماعه ونفاقه وشجعه وغدره الماكر، على الرغم من أن الموت هو مصير كل ابن آدم:

 

أزْمَانَا ذِي نَدجَّا ارْعِيشْ ذَيَسْ يَوْعَـارْ

أزْمَانْ انْوَمْرُوشِّي اذْوَسْرَاخْ ذٌو قَزَّارْ

أزْمَانْ ايمَطَّاوَنَ زِغاَ يَحْمَرْ يَغْزَارْ

ابْنَذَمْ يَسَّوَارْ غَاصْ ايرْسْ ذَزِرَارْ

يَقَّـارْ مِينْ وَيَدجِّينْ ارْحَقْ اثِـزَوَّارْ

 

هذا، ويكثر الشاعر من التبتل والورع والتقوى، مع تذكير الآخرين بيوم الحشر والهول الخطير، يوم يسأل الله عباده عما اقترفوه من الذنوب والمعاصي والسيئات.لذا، ينصح الشاعر الناس باتباع طريق الله، وتنفيذ أوامره، وتجنب نواهيه. فالموت مصير كل امرئ، ولن تدوم الحياة بترفها وجشعها وطمعها، إذ تنشب المنية أظفارها في روح الإنسان في اللحظة المناسبة.ومن ثم، يحث الناس على التوبة والاستغفار والندم، والرجوع إلى الله عز وجل من أجل نيل رضاه ورحمته التي وسعت كل شيء:

 

أسَنْطَاعْ إيرَبِّي يَنْهَيَنَغْ يُمَـارْ

مَرَّا زَّيَسْ نَكوَّذْ نَتَّا أقَ يَمْغَارْ

أولاَبُودْ انَمَّثْ أشْحَارْ غَنَكْ نَدَّارْ

أرْمَوْثْ اقَ ثَكوُّادْ غَوْمَزْيَانْ ذُوَسَّارْ

نَشِّينْ اقَا نَتُّو مَشْ ذَانَغْ غَثَمْسَارْ

أنْدَمَثْ وَرَتْفَكِّي نَشِّينْ مَرَا نخْسَارْ

أنْخَرَّصْ ذَكوَّنْدَرْ أرْحَارْانَّسْ يَوْعَارْ

يَـارَبِّ اصَّرَنَغْ أنْهَـارْانِّـي يَنَكَّـارْ

أصَّارْ رَعْيُوبْ انَّغْ مَخْمِي غَنَمْسَكَارْ

 

ومن جهة أخرى، يدعو الشاعر إلى توحيد الله، وعدم الشرك به؛ لأن ذلك عمل فظيع غير مرغوب فيه.لذا، فعلى الإنسان أن يتقرب إلى الله، ويتوب إليه، ويستغفره عما ارتكبه من زلات وهفوات وكبائر، فالله يرى أفعال عباده ويترقبها، ويعلم سرائر نفوسهم، ويطلع على نوايا صدورهم. لذا، فالفوز بالجنة يكون بالمآل إلى الله، والإنابة إليه تبتلا وصبرا وتوبة وتذللا:

 

أعْبَذْ وِشْ إيخَرْقَنْ وِكِيسْ تَكْ بُو وَشْرِيشْ

أمَّـرَّا مِنَتَّكَّذْ ارَبِّـي قَيَزْرِيـشْ

أَرَبِّي قَيُذَسْ اقَّاثْ رَبْدَا أَكِيشْ

إِمَانِي مَّا ثَدجِّيذْ ارَبِّي يَرَوْسِيشْ

أَتَّارَسْ إيرَبِّي خَكْ إيوَسَّعْ ارْعِيشْ

أَرَبِّـي ذَمَقْرَانْ نَتَّـا قَيَرَزْقِيـشْ

 

ويتضمن ديوان الشاعر قصائد في المديح النبوي، حيث يشيد الشاعر بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر بصفاته الفضلى والمثلى، ويدعو الناس إلى فهم سيرته العاطرة، وتمثلها قولا وفعلا وسلوكا، مع العمل بمواعظ القرآن الكريم، والتحلي بصفات النبي الأكرم، والاهتداء بخلاله وشمائله النيرة ، مع خشية الله، والابتعاد عن السيئات والذنوب والمعاصي بغية نيل رضا الله عز وجل، والفوز بجنته الخالدة:

 

اسْيِسَمْ نَارَبِّي رَبْدَا قَاثْ يَرَحَّمْ                      

أنَزَّادْجْ خَالنَّبِي مَرَّا خَاسْ انْسَدجَّمْ                  

أَنَحْمَذْث ارَبِّي خَالدِّينْ انْغْ امَسْرَمْ                      

انْتَتَّا ذَنَغْ يَهْذَا غَوَبْرِيـذْ ايسَكَّـمْ                      

ذَكوَّبْرِيذَا نِيرِي مَرَّا خْيِيجْ انْوُوذَمْ                    

أَرَبِّي   يَنَّانَغْ   مَرَّامِنْغَا   ثَكَّمْ                          

ذَيَسْ ايغَـا ثُيُوامْ اتْشُوقَم اتَكَّـمْ    

 

وعليه، يتميز ملود اليبراقي - كذلك- بكونه شاعر التوحيد والهداية والدعوة إلى الدين الحنيف، فهو يحث الآخرين على نبذ الشرك، ويغريهم بالرجوع إلى الله، والإيمان بوحدانيته وتعاليه وجبروته؛ لأن الله خالق البشر أجمعين، وخالق هذا الكون بسماواته وأراضيه وجنه وإنسه:

 

أَنَــامَــنْ زِي رَبِّــي نَتَّــا قَذَمَقْــرَانْ

قَاوَاكِيسْ بُووَشْرِيشْ غَوَحْذَسْ اييَدجَّانْ

إِتَكْ غَا مَمَشْ يَخْسْ نَتَّا يَدَّبَّارَانْ

ذِي ادُّونَشْتْ اذْرَخَاثْ نَتَّا وِسِزَمَّانْ

نَتَّـا إيخَرْقَنْ ثُذَاثْ ذَدُّونَشْتْ غَيَفْنَـانْ

يَخْرَقْ ثِمُورَايَـا يَخْـرَقْ رَذِجَنْـوَانْ

 

كما يشكر الشاعر الله على نعمه الكثيرة التي لاتعد ولا تحصى، ويحمده على فضله الكبير الذي عم سائر عباده ، فليس هناك أفضل من نعمة المطر التي تدل على رحمة الله الواسعة، ومشيئته المطلقة الدالة على العظمة الربانية:

 

أنَّيَّثْ ذِي رَبِّي أتِيرِي ذِي بَـدُّو

مَـرَّا ازَّيَسْ نَكـوَّذْ ارْحَدْ وَثَـنْعَدُّو

أنِيرِي ذَكوَّبْرِيـذْ ارَبـيِّ خَانَغْ يَعْفُــو

أوَّثْ ايَنْزَارْ اوَّثْ انْتَتَّارِشْ نَـارَزُّو .

 

كما يدعو الشاعر إلى الأخوة والمحبة والصداقة والتعاون والإيثار والتضحية من أجل إسعاد الآخرين، مع نبذ التهميش والإقصاء واحتقار الآخرين:

 

أشْحَارْ غَنَكْ نَشِّينْ نَقَّارَصْ انَبْنَا

أشْحَارْ غَنَكْ انْتَرِي ثِسَوْنِينْ قَنَفْنَا

أشْحَارْ غَنَكْ نَرَزُّو مَنِي يَدجَّا رَهَنَا

أشْحَـارْ ذِشَثْشِثَـنْ اشْحَـارْ اتِّمَنَّـا

أشْحَـارْ ذَوَمْ انْرُو اشْحَـارْ ذَوَمْ نَنَّـا

أشْحَارْ ذِمَطَّاوَنْ اتِّغُويَّـا ذَكوْجَنَّـا

 

وفي الأخير، نصل إلى أن الشاعر ميلود اليبراقي قد تناول مواضيع الذات والواقع والأمة العربية الإسلامية، مع التركيز على قضايا الدين والزهد والتصوف.ومن ثم، فهو شاعر مناضل وملتزم وإصلاحي تنويري، يدعو إلى تغيير الواقع تغييرا شاملا على المستوى الديني والروحاني والإنساني.

      

الجوانب الفنيــــــة:

لقد وظف الشاعر مجموعة من الأغراض الشعرية، مثل: الشعر الواقعي الاجتماعي، وشعر الزهد والتصوف، وشعر المديح النبوي، وشعر الرثاء، وشعر الوصف، وشعر الشوق والحنين، والشعر الوطني، والشعر القومي...

ومن هنا، فقد كتب الشاعر قصائده الشعرية بأمازيغية الريف، ولاسيما أمازيغية قبيلة قلعية. ومن ثم، تمتاز لغته بالأصالة والرقة والفصاحة والسلاسة واللين من جهة، وبقوة السبك ورصانة اللفظ وبلاغة الأسلوب من جهة أخرى.ويعني هذا أن لغته الشعرية مهذبة ومنقحة ، ومستواها الشعري راق وسام ونبيل، ولم يتدن فنيا وجماليا ولغويا كما عند بعض الشعراء الأمازيغ الآخرين. ومن هنا، فحقوله الدلالية متنوعة، مثل: حقل الذات، وحقل الطبيعة، وحقل الدين، وحقل الواقع، وحقل الأمة...

وكذلك، تتميز قصائد الديوان بهرمونية الإيقاع الداخلي والخارجي؛ بسبب توازي الأنغام، وتواتر المقاطع الموسيقية، وميل الشاعر إلى وحدة الروي والقافية تارة (الميم، والشين، والضاد،والغين،الراء...)، وتنويعها تارة أخرى، كما يبدو ذلك جليا في قصيدة (يوماراناغ ءارابي/أمرنا الله)

علاوة على ذلك، تتكئ القصائد الشعرية على بلاغة الأمثال والحكم، وبلاغة الجناس، وبلاغات أخرى تتعلق بـ: الأمر، والنفي، والنهي، و السجع، والطباق، والمقابلة، والتكرار، والتضمين، والكناية، والتشبيه، والمجاز، والاستعارة...

لكن الشاعر يستعمل أساليب تقريرية مباشرة في معظم قصائد الديوان؛ والسبب في ذلك ميل الشاعر نحو الزهد والتصوف والوعظ، والارتكان إلى الوظيفة التعليمية.

 

الخاتمــــة:

وخلاصة القول، يتبين لنا ، مما سبق ذكره، بأن الشاعر الأمازيغي الريفي ملود اليبراقي من أهم شعراء الخارج أو شعراء مدرسة المهجر الذين تغنوا بالهوية، والأرض، والكينونة الأمازيغية، وأكثروا من الشوق والحنين والتطلع إلى الأرض، مع التغني بالغربة والوحدة والكآبة.

بيد أن الشاعر لم يقتصر ، في قصائده الشعرية، على ماهو ذاتي ومحلي ووطني وقومي، بل كان شاعر الدين والزهد والتصوف على غرار الشاعرين الأمازيغيين المتميزين: الحسن المساوي والطيب الطيبي.

 

.............

1- ملود اليبراقي: ءارخـــــزراث زي راگـــــــاج، مطبعة رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2014م.

تجرّأتْ غادة السّمّان وصمتت الأديبات العربيّات

sanaa alshalan(إطلالة على رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السّمّان)

لقد تجرّأت غادة السّمّان على البوح في حين صمتت جُلّ النّساء العربيّات لاسيما الأديبات منهنّ دون أن يلوّحن بكلمة أو اعتراف أو بوح، وهذا ليس عيباً في حقّ النّساء أوالأديبات؛فشؤونهنّ الخاصّة هي ملكهنّ، لا ملك أحد غيرهنّ، ولهنّ أن يصرّحن بتفاصيلها، أو أن يقرّرن دفنها في الظّل، ولكن ما فعلته غادة السّمّان كان –دون شكّ- شجاعة خالصة من أديبة كبيرة، وكان ضرباً بقوّة وإصرار لشقّ طريق جديد في جبل صمت المرأة العربيّة، كما هو منهج جديد في أدب البوح تقوده غادة السّمّان بكلّ إصرار وعزم وشجاعة، في حين تحجم غيرها من الأديبات العربيّات عنه، فقد قامتْ بخطوة جريئة في المشهد الأدبيّ العربيّ عندما أقدمتْ على نشر رسائل غسّان كنفاني إليها، وهي إحدى عشرة رسالة عشقيّة كتبها غسّان كنفاني لها بخطّ يده، وهي الباقية من كثير غيرها قد احترق في حريق منزلها في بيروت في مطلع عام 1976، وإنّما النّاجي منها قد نجا لأنّ غادة السّمّان قد احتفظتْ به صدفة في منزلها في لندن، وعلى الرّغم من الرّدود الكثير والمتباينة حول هذه الخطوة إلاّ أنّ غادة السّمّان ظلّت متمسّكة بصواب قرارها بنشر هذه الرّسائل مصمّمة على أنّ هذه الرّسائل هي جزء من مجمل إنتاج غسّان كنفاني، وبذلك لا يجوز قتلها أو دفنها في السّر، وبنشرها لهذه الرّسائل لا تسيء له، بل تخلص له إنسانيّاً وإبداعيّاً على الرّغم من عاصفة الانتقادات التي رافقت نشر هذه الرّسائل التي عدّها البعض خطوة تآمريّة تهدف إلى أن تشوّه صورة غسّان كنفاني المبدع والإنسان والمناضل الفلسطينيّ.

وخطوتها هذه لاقت من ناحية أخرى استحسان الكثير من القرّاء والنّقاد من منطلق أنّ هذه الرّسائل هي جزء من مجمل الإنتاج الإبداعيّ لغسّان كنفاني، وهي ملك لغادة السّمّان، ولها أن تفعل بها ما تشاء، في إزاء موقف الرّافضين لنشر هذه الرّسائل الذين يرون أنّ الرّسائل الشّخصيّة ليست جزءاً حقيقيّاً من الإنتاج الإبداعيّ لأيّ مبدع كان.

والحقيقة التي علينا أن نعترف بها جميعاً، سواء أعجبنا موقف نشر هذه الرّسائل أم لا، أن نشرها قد فتح باباً جديداً في موضوع أدب الرّسائل الشّخصيّة المعاصرة، كما أنّه شكّل ريادة في انتهاج اتّجاه نشر هذا النّوع من الأدب، إلى جانب أنّه قد قادنا إلى التّعرف عن قرب على غسّان كنفاني الرّجل بعيداً عن هالة الكفاح والقضية والاستشهاد التي تحرمنا من أن نسوح في دواخل هذا الرّجل العاشق، لاسيما أن لا أحد منصفاً يستطيع أن ينفي علاقة الإبداع والتّشكيل الجّماليّ بالحالة الوجدانيّة والخبرة العاطفيّة وطقوس القلب وأحوال العشق.فمن له أن يقرأ هذه الرّسالة ثم لا يشعر بأنّه قد غدا أقرب من غسّان كنفاني؟وأنّه بات يعرفه أكثر؟ هذه الرّسائل لم تقلّل من شأن غسّان كنفاني كما يزعم البعض، بل إنّ فتح الأبواب على دواخل الإنسان حيث الرّقة والمحبة والجمال لا يمكن أن تورّث إلاّ المحبة والإعجاب والتّقدير والتّعاطف، وبخلاف ذلك لنا أن نزعم جزافاً واعتباطاً أنّ عشّاق التّاريخ جميعهم محتقرون في عيون العوام، والحقيقة التي يدركها الجميع أنّ هؤلاء غدوا –بلا منازع- رموزاً إنسانيّة خالدة تحظى بالتّقدير والمحبّة، وتستدعي معاني الإعجاب والاحتذاء والتّعاطف، فإن كان حال هؤلاء جميعاً هو على ما ذكرنا من تقدير، فلماذا يزعم البعض ممّن نصّبوا أنفسهم قضاة على قلب غسّان كنفاني، وقرّروا في لحظة حمق أن يحجروا على أحاسيسه ومشاعره، أنّ نشر رسائل حبّه فيه تقليل من مكانته وانتقاص من اعتباره؟ لم الكيل بمكيالين؟! لا أستطيع أن أفهم ذلك إلاّ من منطلق الإساءة المقصودة إلى غادة السّمان، وتعمّد مهاجمتها والتّقليل من شأنها واتّهامها بأسوأ التّهم بأيّ ذريعة كانت.

وهذه الرّسائل على الرّغم من قلّة عددها، وعدم اطلاعنا على المزيد منها بسبب ظروف احتراق الكثير منها إلاّ أنّها قد عرّفتنا بغسّان كنفاني الرّجل والإنسان العاشق، وأجابت عن سؤال القلب والعشق وتجلّي ذلك في أدبه كما أجاب سائر أدبه عن أسئلة النّضال والفكر والمعاناة والحلم والدّرب عنده.وإن كان هذا الأدب قد أجاب على سؤال جدليّة النّضال والأدب، وبرهن على إمكانيّة تسخير الأدب لصالح النّضال، وانتصر لهذا البرهان بالاستشهاد على أيدي أعدائه الذين انهزموا أمام قلمه وأمام روحه الأبيّة، فإنّ رسائله إلى غادة السّمّان المنشورة في كتاب خاص هي من تجيب على أسئلة الرّجل والقلب والحبّ والمعاناة في حياة غسّان، وهي إجابات لا تنتقص من قيمته وبطولته وكفاحه وشرف استشهاده، بل تُعلي من قيمته الإنسانيّة والجماليّة التي انتصرت للحبّ حتى في أحلك الظّروف وأقساها وأبشعها.وهل هناك أعظم من قلب عاشق على الرّغم من القسوة والظّلم ومرارة النّضال؟!

البعض رأى أنّ نشر هذه الرّسائل هو انتقاص مقصود من هيبة غسّان كنفاني، وهذا اعتقاد شخصيّ لا فائدة من مناقشته لا سيما أنّه لا يملك البرهان والدّليل؛فلكلّ شخص حقّ في أن يتبنّى ما يريد من القناعات، ولكن المهمّ في هذا الأمر أنّ هذا النّشر هو دعوة جميلة وشخصيّة من غادة السّمّان لكي تبوح المرأة العربية لاسيما المبدعة بمكنونات إبداعها حتى ولو كان في ذلك بوح بتفاصيل شخصّية ما دام في ذلك مدٌّ للإبداع العربيّ بالمزيد من المنتجات الإبداعيّة الرّاقية الجميلة.

قد يقول قائل إنّ الدّفع في هذا الاتّجاه من النّشر والبوح هو دعوة جريئة، وقد تكون خطيرة لأجل نشر تفاصيل الحياة الشّخصيّة لكثير من المبدعين لأجل الشّهرة أو لفت النّظر أو تصدير أفكار خاصّة أو ترويج كتابات ذات اتّجاهات معيّنة، وهذا قول لا يستحقّ النّقاش؛لأنّ الخوض فيه يعدم إرثاً إبداعيّاً إنسانيّاً عملاقاً يشمل ما أنتجته البشريّة من إبداع وتنظير ونقد حول علاقة الحبّ بين الرّجل والمرأة بكلّ تعقيداتها وخصوصيتها وجماليتها وأهميّتها.ولو افترضنا جدلاً أنّ هذا الإعدام الجائر قد وقع فعلاً، لكنّا حُرمنا من أرث كبير من الأدب لاسيما الشّعريّ والقصصيّ منه على المستوى الكتابيّ أو على المستوى الشّفاهيّ، ولكنّا حُرمنا من أن نمتّع بكلّ ذاك الحبّ الذي يغمر البشريّة بأجمل التّجارب وأرقاها، وليس في ذلك انتقاص لكاتب أو مبدع أو راوٍ، ولو كان الأمر كذلك ما رأينا شاعراً يكتب قصيدة في حبيبته، ولا سمعنا راوياً ينقل لنا ملحمة حبّ، ولا خلّدت الأقلام والأفئدة والذّاكرات أسماء العاشقين وسير المحبّين الذي اجتمعوا على إدراك أنّ الحبّ ارتقاء بالبشريّة، لا هبوطاً بها.

الأقدمون عبر التّاريخ أقدموا على نشر تجاربهم ومشاعرهم في الحبّ دون خوف أو خجل أو قلق، فرأينا قصائد الحبّ وملاحمه وقصصه وسيره، وحفظنا أسماء أعلامه، وسمّينا أبناءنا وبناتنا على أسماء العشّاق والعاشقات، والغرب الذي نراه أنموذجاً محتذى دون تفكّر قد خطا خطوات حقيقيّة وكبيرة في أدب الاعتراف لاسيما من جانب النّساء، وفي بلادنا لا نزال ننصب المشانق لقلب إن خفق وليد إن كتبت، ونلمز بخبث أيّ كتابة نسائية تحاور قلباً أو جسداً، ونسجنها في سجن الاتّهام، متى سنكتب عن قلوبنا ومشاعرنا وتجاربنا دون خوف؟! كيف سنتقدّم ولا نزال نخشى أن نقول إنّ لنا قلوباً تخفق بحبّ ما؟ في حين نُعلّم أن نجاهر بالكره دون خجل أو استحياء!

إن طلبنا أن نعدم رسائل غسّان كنفاني إلى غادة لسبب أو آخر فعلينا من المنطلق نفسه أن نطالب بإعدام قلوبنا ومشاعرنا وتجاربنا وأحلامنا، بل علينا في الشّأن نفسه أن نطالب بإعدام إرث البشريّة كاملاً في الحبّ والعشق والجنس والجسد كي ننتصر لفكرة مزعومة بالدّفاع عن مبدع مناضل فلسطينيّ نريد أن ندفع عنه أجمل تهمة وأعظم فعل إنسانيّ، ألا وهو الحبّ الذي إن طرق قلب إنسان فقد ظرف ولطف ونظف كما قال فيلسوف ما.

من له أن يعدم قلباً قد عشق، أو أن يحرق أوراقاً تدلّ على أنّ رجلاً عاشقاً قد مرّ في هذه الحياة؟!من له أن يلعن غادة السّمّان وهي تهمس في آذاننا، وتحكي لقلوبنا اللاهثة خلف الحبّ:"نعم كان ثمّة رجل اسمه غسّان كنفاني، وكان له وجه طفل وجسد عجوز..حين اقرأ رسائله بعد عقدين من الزّمن أستعيده حيّاً، ويطلع من حروفه كما يطلع الجنّي من القمقم حارّاً ومرحاً صوته الرّيح"؟!

كم نحتاج إلى دروس في الحبّ تبدّد ما في قلوبنا من صقيع وكره وحقد، نحن في حاجة حقيقيّة إلى تعميم ثقافة الحبّ بكلّ أشكالها لعلنا ننجح في يوم ما في أن نهدم مجتمع الكراهيّة الذي نعيشه لنمارس إنسانيتنا ووجودنا ونحقّق مدنيتنا بعيداً عن الحقد والكره والكبت والإجحاف بحقّ قلوبنا وأرواحنا.

أنا شخصيّاً أسجّل شكري لغادة السّمّان التي سمحتْ لي وللقرّاء أجمعين بأن نشاركها في قلبها ومشاعرها وأسرارها وخصوصيتها انتصاراً للأدب والجمال والعشق، لقد سمحتْ لي أن أرتّل معها قولها:"نعم، كان ثمّة رجل اسمه غسّان كنفاني التصق بعيني زمناً كدمعة نقيّة، وانتصب فوق أفقي كقوس قزح"، بفضلها استطعتُ أن أعرف غسّان كنفاني الإنسان الذي كان يحاصره الحبّ ويهدّه، فيغدو به أقوى وأجمل وأعظم، كنتُ قد قرأتُ إنتاجه الإبداعيّ والنّقدي كاملاً في صغري، ثم أعدتُ قراءته في فترة دراستي في درجة الدّكتوراه، ولكنّني اكتشفتُه بحقّ عندما قرأتُ رسائله إلى غادة، لقد أصبح حينها بملامح واضحة وبقلب نابض وبأنفاس زكيّة، عندها أصبح –في نظري وإدراكي- بطلاً حقيقيّاً بقلب نابض يعرف العشق والحزن والألم، لا مجرّد بطل من ورق على ورق لأجل الورق، فالرّجل الحقيقيّ في نظري هو صاحب القلب الكبير العاشق الذي يتسع لحبّ امرأة ما كما يتّسع لأجلّ القضايا وأشرفها، وينشغل بها.

وقد أدركتْ غادة السّمّان هذه الحقيقة، ونشرتْ رسائل غسّان إليها، فخلّدته في سِفْر العشق كما خلّده قلمه وأدبه ودفاعه عن قضيته الفلسطينيّة واستشهاده في سبيلها في سِفْر البطولة والرّجولة والنّضال الموصول الذي لا يعرف فتوراً، ولذلك صمّمتْ على أنّ حبيبها غسّان كان بطلاً كامل الحضور لا مجرّد صورة نمطيّة تقليديّة هشّة، ولذلك قالتْ بكلّ صراحة ووضوح:"لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التّقليديّة:قامة فارعة، صوت جهوريّ زجاجيّ، لا مبالاة بالنّساء(إلى آخر عدّة النّضال)لأنّه كان ببساطة بطلاً حقيقيّاً، والأبطال الحقيقيون يشبهون الرّجال العاديين رقّة وحزناً لا نجوم السّينما الهوليووديّة الملحميّة، غير العادي في غسّان كان تلك الرّوح المتحدّية، النّار الدّاخليّة المشتعلة المصرّة على مقاومة كلّ شيء ، وانتزاع الحياة من بين منقار رخّ القدر، نار من شجاعة كلّ شيء حتى الموت".

والسّؤال الذي يطرح نفسه في ظلّ هذه المبادرة الشّجاعة من غادة السّمّان هل هي إرهاصة محتملة للمزيد من الخطوات المماثلة من الأديبات العربيّات؟ لعلّ الإجابة عن هذا السّؤال هي في يد الأديبات المبدعات العربيّات اللواتي حتى هذه اللّحظة يلذن –في الغالب- إلى الصّمت في إزاء أدبهن الذي يشكّل بوحاً أكان رسائل شخصيّة أم روايات أو قصصاً أم غيرها من أجناس الفنون الإبداعيّة؛فالمبدعة العربيّة لا تزال في الغالب أجبن وأضعف من أن تبوح بحبّها صراحة دون أن تحيله إلى التّرميز في أشكال إبداعيّة تزعم زوراً وكذباً أنّها من مخيّلتها الإبداعيّة بعيداً عن تجربتها الشّخصيّة الحقيقيّة.

ولنا أن نفترض بشيء من التّمنّي الحارّ أنّ المبدعات العربيّات لو اتّجهن اتّجاه غادة السّمّان، وقرّرن البوح بمشاعرهن وتجاربهنّ، ونشرن إبداعهن في هذا الصّدد، فهنّ دون شك سوف يمددن الأدب العربيّ بل والإنسانيّ بأجمل الرّشفات الإنسانيّة وأكثرها صدقاً.بل قد تعمّم هذه الحالة الإبداعيّة الجميلة، ويتّجه نحوها الرّجل المبدع العربيّ ليسهم في مدّ هذه الرّشفات بالمزيد من الإبداع الإنسانيّ الخالد، فلنا أن نقترح أنفسنا رموزاً للعشق والحبّ بدل الاستجداء من مخزون عشقيّ انحصر في الذّاكرة العربيّة في حالات محدّودة قليلة، فغدونا أوتاداً مسنّدة على ذكرى بعض القلوب التي خفقت في زمن ما، وجادت قريحتها بإبداع يخلّد هذا الحبّ، وبقيت البشريّة العربيّة تعيش على فتات قلوب الآخرين الرّاحلين!

لا نعرف من هي المبدعة العربيّة التي سوف تكون الثّانية بعد غادة السّمّان في هذا الدّرب، ولكنّني متأكّد أنّها لن تكون الأخيرة فيه، وهي تنشر ما كتبت، ولا تؤاخذ غادة لأنّها لم تنشر رسائلها إلى غسّان، واكتفت بنشر رسائله إليها بحجّة إنّ هذه الرّسائل ظلّت في حوزة غسّان، ولم تستردها منه، إذ تقول في هذا الشّأن :"الشّهيد غسّان كنفاني قُتل والعلاقات الدّبلوماسيّة بيننا على أفضل حال، ولم يحدث ما يستدعي قطع العلاقات وسحب الرّسائل والسّفراء، بعبارة أخرى:رسائله عندي ورسائلي عنده كما هي الحال لدى متبادلي الرّسائل كلّهم"، وهي بطبيعة الحال لا تملك نسخاً منها :" ليست لدي مسودّات عن تلك الرّسائل العابرة، ولا "فوتوكوبي"-استعمال النّاسخات لم يكن شائعاً يومذاك، الأمل الوحيد في نشر رسائلي هو أن يتكرّم من بحوزتهم الرّسائل بالإفراج عنها"، بل إنّها قد وجّهت نداء مكتوباً على هامش نشر هذه الرّسائل لكلّ من يملكها أو يملك بعضها أن يسلّمها لها كي تنشرها، ولكن يبدو أنّ نداءها ذهب أدراج الرّيح، ومن له أن يملك جرأة البوح كما تملكها غادة السّمّان؟! أظنّهم قليلاً من البشر.

إنّني أؤمن بأنّ غادة السّمّان عندما أفرجت عن هذه الرّسائل ونشرتها كانت أديبة كاملة الالتزام للأدب، كما كانت كاملة الوفاء لإبداع غسّان، وفي ذلك تقول:"ولعليّ كنتُ حنثتُ بعهدي لغسّان على نشر تلك الرّسائل، لو لم أجد فيها وثيقة أدبيّة وسيرة ذاتيّة نادرة الصّدق لمبدع عربيّ، مع الوطن المستحيل والحبّ المستحيل، وثيقة ثريّة بأدب الاعتراف الذي تفتقر إليه مكتبتنا العربيّة، والرّسائل بهذا المعنى تسدّ نقصاً سبقتنا الأمم الأخرى إلى العطاء في مجاله، وتؤسّس لنوعٍ جميل من الأدب ما زلنا نتهيب أمام بحاره، ومن أجدر من القلب العربيّ الثّريّ للخوض في لجّته".

كما أنّها كانت في الوقت نفسه مخلصة لذاكرة عشق رأت أنّ من الظّلم أن يموت بموت من مارسوه، وتبّنت فكرة أنّه إرثٌ إنسانيّ، وانطلقت من هذا التّبنّي في رحلة نشره وتحمّل أوزار ذلك، لتتيح لنا جميعاً أن نصافح إنسانيّة غسّان، وأن نشاركه تجربة قلبه، وأن نراه على حقيقته دون أصباغ وأقنعة تشوّهه، وتحول دون رؤية قسماته البشريّة الجميلة الرّائقة.

الآن أستطيعُ أن أكتبَ في دفتر قلبي كلمات غادة التي قالتْ ذات صدق وبوح:" نعم، كان ثمّة رجل اسمه غسّان كنفاني، جسده المهترئ بالنّقرس لا يرسمه جيّداً، ولا يعبّر عنه، ولكنّ حروفه تفعل ذلك بإتقان، وحين أقرأ رسائله بعد عقدين من الزّمن أستعيده حيّاً".

أعترفُ بأنّ غادة السّمّان كانت الأكثر جرأة والأجمل والأصدق والأذكى من سائر الأديبات العربيّات عندما نشرتْ هذه الرّسائل، كما كانت الرّائدة في هذا الدّرب، وأزعم أنّ في هذا الدّرب الكثير من الإنتاج الإبداعيّ الذي على المرأة العربيّة المبدعة أن تكشفه للشّمس والنّور والبهاء، وحتى ذلك الوقت ستكون الأمنية حاضرة بأن يتحوّل صمت المرأة المبدعة إلى إنتاج يعرف طريقه نحو النّشر كما عرف دربه نحو الورق والتّدوين، وأن نبوح جميعاً كما باحت غادة السّمّان ذات قرار.

 

الأديبة الأردنيّة د.سناء الشّعلان

 

المرأة في مشروع يوسف زيدان الروائي (2)

alkabir aldasisiنواصل سلسلتنا حول المرأة في مشروع يوسف زيدان الروائي، وبعد مقاربة لصورتها في رواية عزازيل نحاول في هذا الجزء الثاني عن كيفية مقاربة زيدان لموضوع المرأة في رواية النبطي، على أن نعود في الجزء القادم لباكورة أعماله رواية (ظل الأفعى)

تحكي رواية النبطي حياة ما قبل دخول الإسلام إلى مصر على يد عمر بن العاص ووقوع مصر بين تجاذبات الفرس والروم من خلال قصة فتاة بلغت من العمر الثامنة عشر عاما تعيش في حياة بسيطة مع أسرتها المكونة من الأم وأخيها بنيامين،في كفر يدين أهله المسيحية.. والرواية تنقسم إلى ثلاث أقسام كل قسم يشكل مرحلة خاصة من حياة البطلة:

- وتبدأ الحياة الأولى بتقدم أحد العرب الأنباط مصطحباً معه أقاربه وأخويه الهودى والنبطى لخطبة ماريه والتي ستوافق على الزواج به رغم كبر سنه وهي ابنة الثامنة عشر، واضطرارها إلى الرحيل معه إلى أرض قبيلته بعيداً عن أهلها، وفي هذه القسم نتعرف إلى حياة المصريين قبل دخول الإسلام ووضعية المرأة آنئذ...

- وتمتد تفاصيل الحياة الثانية عند تحرك القافلة نحو ديار النبطي مصطحبه معها ماريه في طريقها إلى أرض زوجها مروراً بصحراء سيناء، ليضعنا هذا القسم في تفاصيل حياة القوافل العابرة للصحراء، وكيف عاشت مارية (المرأة الغريبة ) هذه التجربة، وكيف كان ينظر العرب الرحل للمرأة

- تبتدئ الحياة الثالثة بوصول مارية إلى ارض قبيلة زوجها سلومة حيث قابلت أم زوجها (أم البنين) وهناك تعيش حياة مغذبة وسط أسرة كثيرة العدد منهم زوجها الذي اكتشفت أنه لا ينجب منشغل عنها بالتجارة، فتعلقت عاطفيا بأخيه النبطي، حتى إذا عزمت الأسرة على الرحيل نحو مصر لنشر الإسلام خامرتها فكرة مغافلة الأسرة و البقاء مع النبطي وحيدين...

يبدو من خلال مضامين هذه الرواية إذن أنها جعلت من المرأة تيميتها الأساسية من خلال إسناد السرد والبطولة ل (الخالة العابرة مارية وقيل صواب اسمها ماوية)[1] ومن خلالها تسعى الساردة لتقديم واقع المرأة في مصر وشبه الجزيرة العربية قبيل دخول الإسلام، حيت تعتبر المرأة عانسا وهي لما تبلغ الثامنة عشر من عمرها تقول (فقد تجاوزت الثامنة عشر من عمري بعدة أشهر ويكاد يأسي من الزواج يبلغ منتهاه... والنسوة الكادحات ينظرن نحوي بإشفاق يليق بعانس)[2]، لذلك كانت تغبط دميانة صديقتها التي تزوجت في سن الخامسة عشر، مقتنعة أن (الفتاة إذا تخطت الخامسة عشر بلا زواج، يدب الصدأ إلى بطنها فيخرب معدنها)[3]، لذلك كان الزواج حلم كل فتاة في بلدة يسمون الزواج فيها (السعد)[4]، وأن الفتاة لا تصير امرأة إلا به، تقول لدميانة (ساعة انتهى الراهب من الصلوات وصيرك امرأة)[5]...

حاول زيدان أبراز معاناة المرأة في مجتمع رجولي دون أن يحط من قيمتها أو يستصغر شأنها فبين كيف كانت مهمشة، لاحق لها في اختيار شريك حياتها، و أن الرجال هم من يختارون العروس (العرب جاؤا يخطبون ولا امرأة معهم... لا امرأة في الغرفة لأجلس بجوارها)[6] ... وعلى المرأة أن تظهر صغيرة،حتى لو اضطرت إلى الكذب في تحديد سنها فأم نونة كانت (تردد دوما أنها في عمر أمي،وسمعتها الشهر الماضي تقول إنها في العشرين مع أنها بلغت الأربعين)[7].. لذلك يتم الإصرار المجتمع على تزويج طفلات لازلن في سن اللعب خوفا عليهن من العنوسة المبكرة: (كانت نونا في أول زواجها تهرب نهارا من بيتهم لتلعب مع الأطفال في الدرب والساحة، فيخرج زوجها العامل بالمعصرة، ويحملها على كثفه كلعبة ويعود بها إلى البيت وهي تبكي، وترفسه بساقيها القصيرتين... كنا نسمع صراخها آناء الليل، وكانت أمها حين تسألها النسوة، تهز كتفها اليمنى كعادتها، وتقول غير عابئة: البت صغيرة، وكل ما فيها صغير.. نونا لازالت تنادي زوجها إلى اليوم ياعمي..بلغ عمرها قرابة العشرين عاما ولها من الأطفال خمسة )[8] هكذا تستمر الرواية في كشف عورة مجتمع مختل (الرجال (فيه) لا يكبرون مهما امتد بهم العمر، النساء يكبرن لأنهن يلدن ويرضعن فينهد الحول وتسقط العافية)[9]

مجتمع يقوم على الرياء يحتار العقل في تمييز أفعال أناس (يزينون العروس ليشجعوا الزواج، ينشرون على الملأ خرقة دم العذرية ويتركون الزوجين منفردين ليفعلا كل ما يشتهيان، وبعد ذلك يقولون إذا ما ذكرت أمامهم الأفعال إنها عيب)[10].. الكل يلهث وراء المرأة ولا أحد يفكر في عواطفها في مجتمع يعمل حلى تختين النساء حتى يكبح شهواتهن، لذلك ارتبط كل شيء قبح لدى مارية بذلك الشخص الذي ختنها وحرمها متعة اللذة الجنسية ( ذكر البط أسود وقبيح منظره يذكرني بالرجل الضخم الذي ختنني أناو دميانة)[11]، ينتقد زيدان إذن هذا الواقع الذي يحرم المرأة حتى من إظهار حزنها تقول مارية (صرت أبكي مثل أمي خفية بلا صوت البنت تصير كأمها لا محالة)[12]، والمفروض على البنت فيه أن تكون شفافة في كل شيء حتى في لباسها (جلباب الولد جيبه إلى الداخل وجيب جلابيب البنات يخاط من الخارج كي لا يحجبن عن الناس ما يخفين في جيوبهن)[13]، وحتى إذا ما إذا بدأت علامات النضج ترسم ملامحها على أجساد الفتات تسجن وتمنعن من الخروج: (حين حبستني أمي بقيت أياما أبكي بحجرة الحبوب.. وكلما هددتني بالضرب أو ضربتني ينقلب بكائي نشيجا لا أملك له دفعا.. أبونا باخوم زارنا أيامها وتوسط عند أمي لتطلقني في اليوم ساعة واحدة، لكنها اعتذرت منه لأنها تريد تزويجي، والبنات الطليقات لا يتزوجن..)[14].. في مقابل ذلك لا تفرض قيود على الرجال والذكور من الأولاد، فمظهر الرجل ليس مهما ولا هيئته،والمهم في الرجل أن يكون غنيا وطيبا ولا يضرب زوجته)[15]، للرجال حق التحرش بالفتيات مهما كن صغيرات، تحكي مارية كيف كان بستني الرجل السمين المترهل يطمع في اغتصابها وهي بعد غرة صغيرة، في هذا الوقع المأساوي للمرأة الذي يرفضه زيدان، كانت المرأة مجبرة على طاعة الرجل، والكاهن يقرأ في كل ليلة زواج ضرورة خضوع المرأة للزوج مثل خضوعها للرب (ليخضعن لرجالهم كما للرب،لأن الرجل هو رأس المرأة، كما هو المسيح رأس الكنيسة)[16] ...

أما كثرة القيود التي تكبل المرأة، وجدنا بطلة الرواية كثيرا ما تمنت الموت على العيش في الذل والهوان، وتكررت هذه الأمنية في مقاطع متعددة من الرواية تقول البطلة :(تمنيت لو مت أيام طفولتي أو يوم زواج دميانة) وفي مقطع آخر تناجي البطلة نفسها وتقول:

(ناديت هامسة أيها الموت اقترب

خذني إليك وطوح بروحي بنقطة ماء تنسرب

بين الشقوق فتشربها الرمال بلا تعب

لعلني ارتاح إذ أأوب في التراب وأغترب) [17]

لقد تمنت الموت بكل الطرق، بحثا عن الأمان، وعما يشعرها بإنسانيتها بعدما ضاعت بها الحياة درعا، تقول: (إنني أريد الأمان أو مجيئ ثعبان يندس في فرشي فينهشني ويشرب من دمي متمهلا، فأنزلق من نومي إلى موتي، من دون أن أنتبه، أو ألقي بنفسي من شاهق جبل فأرتاح مما لم أحتمل)[18]

وتمنت في مقطع آخر (لو كنت معزاة لانفردت عن القطيع وناديت باكية على ذئب، ليفترسني فأستريح)[19]

لقد كانت البطلة، ومن خلالها المرأة في نظر زيدان تعيش في مجتمع النسوة لا ينادون الرجال بأسمائهم، مجتمع يكبلها، يقيد حريتها، يزوجها صغيرة فخلال رحلتها رصدت رجلا له جاريتان صغراهما في العاشرة، إن المجتمع يمنعها حتى من إظهار وجهها تقول مارية : اقترب مني وهو يهمس: يحسن أن تسدلي ستر رأسك على وجهك، ابتداء من غد فلا يصح لغير إخوتي أن يروكِ[20]، ويفرض على المرأة أن تكون لزوجها وفية كالكلب مع صاحبه، على الزوجة رعاية زوجها، والسهر على خدمته ففي ديانة النبطي: (كل امرأة أم وكل رجل ابن)[21]، ورغم تضحية المرأة وسهرها على تنظيم حياة الرجال فإن المجتمع لا يعترف للمرأة بشيء تقوم به، ولا يُنسب إليها، فأم زوجها وإن كانت لها بنات، فإنها تعرف بأم البنين: (لزوجي ثلاث أخوات وستة إخوة، ولأن أمه أنجبت من الذكور سبعة،صاروا ينادونها أم البنين،هم لا يعدون البنات، ولا يعتدون بهن عند العد، أو لعلهم يتحرجون)[22] وذلك لقناعة المجتمع بأن المرأة مهما فعلت تظل خائنة متحالفة مع الشيطان، النبطي يقول: (المرأة، حواء، عصت الرب وخانت زوجها آدم بأن تحالفت مع الشيطان، ومن يومها والنساء تخون)[23]

وعلى الرغم من كون زوجها عقيما، فإن المجتمع مقتنع أن (الرجال كلهم ينجبون، وأن النساء هن اللواتي قد يعقمن) وحتى إذا علمت المرأة بعقم زوجها عليها كثمان الأمر والتظاهر بأنها العقيم، فعندما علمت ماوية بعقم سلومة، طلب منها عميرو (لا تقولي لأحد أن زوجك لا ينجب فهذا عندنا من المعايب الداعية لاحتقاره)[24]

وهو ما عبرت عنه الطفلة ببراءتها لما حدثها أمها عن المسيحية فاستغربت الفتاة قائلة ( لهم رئيس للدين اسمه البابا ولنا بابا غيره.. البابا هنا والبابا هنا اين هم الأمهات؟؟)

من خلال رواية النبطي يبدو أن يوسف زيدان وإن تحدث عن مرحلة قديمة، فإنه يتغيى تعرية واقع المرأة في العالم العربي حديثا، إذ لا زلات إلى اليوم حقوقها مهظومة، وأن المجتمع لا يعترف بقيمة المرأة إلا إذا تزوجت وأنجبت ذكورا وهذا ما يتضح من نصيحة الأم لابنتها العروس: (سوف يجبك زوجك إذا أعطيته أولاد، الولد سر عزتك وسبب بقائك .. قد تكركه حماتك .. فاحرصي على التقرب إليها وإرضائها اتقاء لشرها.. سوف تغيظك أخت زوجك .. فابتعدي عنها إلى حين .. حين تتمكني خبئي للزمان أموالا لأن ابنك سيحبك غنية ... ولا تتأخري عن دعوة زوجك للفراش فهو يحبك شهية .. لا تتكلمي هناك إلا قليلا)[25]

وبذلك تكون رواية النبطي قد سارت في نفس فلك رواية عزازيل، من حيث جعل المرأة بؤرة اساسية في الروايتين، و من حيث تقاربهما في المرحلة الزمنية (عزايزيل في القرن الخامس الميلادي، النبطي خلال القرن السادس الميلادي) لكن بين الروايتين بون شاسعة في نظر المسيحي (هيبا) لنساء عصره، وبين نظر العرب قبيل ظهور الإسلام لها ... ورغم تناوله لموضوع المرأة في الروايتين فأن أرقى ما قدمه زيدان عن المرأة يتجلى في روايته الأولى (ظل الأفعى) وهو ما سنتناوله في الجزء القادم

(يتبع)

 

...................

[1] النبطي ص 9

[2] النبطي – ص 14

[3]– النبطي ص 16

[4] – النبطي ص 16

[5] النبطي ص 16

[6] - النبطي ص 22

[7] - النبطي ص 28

[8]- النبطي ص 44

[9]- النبطي ص 53

[10] - النبطي ص 30

[11] - النبطي ص 42

[12] - النبطي ص 53

[13] - النبطي ص 58

[14] - النبطي ص 65

[15] - النبطي ص 81

[16] - النبطي ص 139

[17] - النبطي ص 331

[18] - النبطي ص 332

[19] - النبطي ص 335

[20]- النبطي ص 152

[21] - النبطي ص 231

[22] - النبطي ص 247

[23] - النبطي ص 301

[24] - النبطي ص 349

[25] - النبطي ص 141

قراءة في نص "إيقاع التّجلّي" للشاعرة مادونا عسكر

إيقاع الشّعر.. إيقاع الحبّ .. إيقاع الكون

اعتدنا أن نعرف الإيقاع باعتباره الخصيصة المتعلقة بظاهرة دورية منتظمة تكون مدركة كبنية ترديديّة، تتجلى في الظواهر الطبيعية وفي الإبداعات البشرية.. ومن هذه الإبداعات البشرية الشعر من حيث هو إيقاع يأتي على ضروب مختلفة متباينة ا لمعايير والمقاييس والموازين.. بعيد منفصل عن الكون حين يكون شكلا محضا وإن كان تجريدا لإيقاع في الطبيعة وفي الحياة وفي الذات.. قريب متصل بالكون من حيث هو وجود، حين يكون بحثا عن الانسجام والتناسب بين إيقاع الكلمات وإيقاع النفس والقلب والفكر والكون والأشياء، نورا وظلاما وليلا ونهارا وموجا خلف موج..

وبعيدا عن أي تصور شكليّ لمفهوم الإيقاع أو التزام ميكانيكي به، تضع الشاعرة هذا النص "الإيقاعي" فلا تستعير نظاما إيقاعيا، بل تنشئ نظام نصها الإيقاعي مجتهدة في سبيل غاية قصوى هي محاكاة إيقاع لإيقاع، وخروج إيقاع على إيقاع، واكتشاف إيقاع يقع خلف إيقاع هو السطح والمدرك والظاهر و" المعتاد" :

.."ويخرج الكون عن مساره المعتاد.."...

أرادته إيقاعا للتّجلّي، وهو من معانيها الأثيرة، ومما يعدّ من لوازم شعرها وعلامات نهجها، حتى أننا يجوزأن نعتبرها " شاعرة التّجلّي" تطلبه فتجده، وتحياه فتنبهر وتبتهج روحها به وتخشع، تحياه لحظات هي الأبد، ثم تقوله، ولا تقول منه إلا بعضه، لأنّها تحسّه وتعلم أنّ منزلته فوق القول، ولكنّها تتّكئ على القول القاصر..

والتّجلّي في أصل الوضع هو جماع معان منها الظهور والاتضاح والانكشاف والبيان والتّفتّح والتّزيّن والتّبرّج..وهو في مستوى آخر مطلب وسرّ لا يدرك إلا بعد طلب وكدّ..عاشه موسى فرأى ولم ير:

"وَلَمَّ اجَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَل جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ"(الأعراف/143)

وبروحها الموسويّة المفتتنة بالغيوب، تطلب الشاعرة في التّجلّي أعظمه وأقدسه وأقصاه، وما هو منه إلهيّ، لأنّه عندها "ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب.." (ابن عربي) وهذا الانكشاف هو إنصاتها وإدراكها لإيقاع التّجلّي تفاعلا بين إيقاع قلبها وإيقاع الكون، وجوها لحضور الحبيب..

هكذا يكون الإيقاع حركة وموسيقى ونبرا وحالا وفكرة ورؤية للعالم وللكون، وموقفا وحوارا بين كونين ينصهران ليكونا كونا واحدا متوحّد الإيقاع..فحكت الشاعرة هذا الانصهارالإيقاعيّ اللحظويّ الأبديّ في حركات أربع: ومضة فرعشة فدمعة فخطوة..كل منها تنشأ واحدة ثم تزداد، وتكثر فتحكي اللغة هذا الازدياد والتكاثر في إيقاع نشأته " ومضة" ومستقرّه " وميض" أي حال نورانيّة مطلقة غير منقطعة:

" سماء تومض بلا كللْ.."..وهذه الحال هي كمال الإيقاع القلبيّ وقد بلغ الحبيبان كمال العشق والاتصال..وكان لا بدّ أن تحكي اللغة بعض هذا التّشكّل الإيقاعي في نشأته وتناميه حتى بلوغ ذروته ومستقرّه:

 

2) إيقاع النور:

ومضة... ومضتين... ثلاث...

هو إيقاع الخلق والنّشأة وبثّ النور الأوّل ليكون الكون وتكون الحياة ويكون الوجود من العدم .. (وقال الله: ليكن نور، فكان نور/التكوين 3)..هكذا كان البدء، وهكذا يكون في العالم تجديدا للخلق الأوّل وتماهيا معه واستعادة له.. وهي استعادة شاقّة لأنّها انتظار لانبثاق النور المحرّر والمعلن للولادة الجديدة والانبعاث داخل عالم هو الموت من حيث هو زمانيّة وانحجاب لوجه الحقيقة والحبيب..ويتّخذ هذا الانبثاق النورانيّ صورة إعجازيّة عجيبة:

" ينشقّ حجاب الزّمان ويخرج الكون عن مساره المعتادْ.."

هذا النور النّازل الغامر شيئا فشيئا للقلب والكيان هو بداية الخلاص وتمزيق الحجب التي تلفّ الوجود الفرديّ والجماعيّ..وأبرز تلك الحجب الزمان والعادة، وكلاهما منظومة إيقاعيّة تكرّريّة تعاقبيّة، مندرجة ضمن ما يسمّى " نظام الكون" في صرامته وحكمته كما أبان عنهما العقل..ولكنه نظام كونيّ عقلانيّ لا يرضي الرّوح العاشقة لما وراء الحجب، غير الراضية بإيقاع الكون الموضوع " للعامّة" أو " العقلاء"..فكان لا بدّ من هتك هذا الإيقاع الكونيّ المعطى و"الخروج" في إيقاع آخر لا يكون كما تعبّر عنه صورة المحطة والقطار والمسافرين الحائرين بين الوصول والانتظار:

" يحلّ بمحطّة لا يمرّ بها قطارْ

ولا تشهد ركّاباً حائرين بين الوصول والانتظارْ..."

هكذا يكون الخروج من إيقاع اللاّمعنى إلى إيقاع المعنى في اللازمانيّة والاستقرار..وهذا من أطرف ما يكون، لأنّ الإيقاع حركة وزمن..إلاّ أنّ الشّاعرة تقدّم لنا أنموذجا إيقاعيّا لا زمانيّا ولا حركيّا أي لا حيويّا، مفارقا لمقولات الواقع، قائما على " الصورة" والحال من حيث هما مظهران لما نسمّيه " إيقاع الأبديّة" :

"يستقرّ فيها الحبيب،حاملاً بين يديه قلبا،ً

فيغمره الشّوق يسغبُ

ومن شدّة الحب ّيلهبُ...

وهو إيقاع " مستقر" مختلف عن إيقاع الكون " المعتاد"، لأنّه " إيقاع الشّوق" أو " إيقاع شدّة الحبّ" فيحلّ الحبيب بين يديه قلب محلّ إله الخمر ببن يديه آنية الشراب والنشوة، ويصبح الزّمان الفيزيائيّ مضمحلاّ، ويبرز زمان قلبيّ داخليّ، هو إيقاع الكون الحقيقيّ في امتداده وإطلاقيته: " حاملا...يسغب..يلهب.."

 

3) إيقاع القلب:

من الومضة إلى الرّعشة..وكلّما تعدّدت الومضات تعدّدت الرّعشات..وحين ينجلي وجه الحبيب يحلّ فجر محلّ فجر، وينسخ نور نورا، وتخرج الشّاعرة القدّيسة من نظام تعاقب الليل والنّهار وانتظار الأسحار والأفجار المنقضية إلى فجر هو الأبد :

" يرتشف الفجر آخر قطرات النّدى ويغيبْ،

فالحبيب فجر يتجلّى حين يبكي البزوغ اندثار الضّياءْ..."

ويقابل الغياب الظهور، فتنطفئ أنوار العالم وتضمحلّ أمام الأنوار السماويّة السّاطعة ليتجلّى الحبيب فجرا لا يندثر.. ويتّخذ هذا التّجلّي شكلا حلوليّا ليكون له القلب مستقرّا:

" يرتاح في قلبي، يترقّب الأفق البعيد.."

وتكون الرّعشة الأولى رعشة الحياة..الحياة الحبّ أو حياة الحبّ وقد سكن القلب، فنبض هذا القلب بعد سكوت وسكون وموات..فإذا هو ينبعث وقد استعاد نبضه الأزليّ وجبلّته الأولى وإيقاعه الأوّل:

.." ثمّ ينحني، يلملم نبضات القلب ويجبلني من جديد..."

فيكون التحوّل المعجز العظيم والتّحرّر من ربقة الزّمان والمكان وملامسة السماء، ليكون الكون كله فضاء للعشق الإلهيّ المطلق..وليست السماء في هذا السياق العشقيّ الخارق سوى القلب كونا وإلها حلّ فيه، وتماهى ومن نبضه منه وله، واختار أن يحيا الأبد عشقا والعشق أبدا :

"فأغدو طائرا يحلّق عالياً، حتّى إذا ما لامس أطراف السّماء

تعشّق قلبه الحبيب واختلى في ملكها الرّحيبْ..."

 

4) إيقاع التبتّل:

أمّا وقد بلغ التّجلّي هذا المبلغ العميق الموغل في جوهر الكيان، المتّصل بحقيقة الكون باعتباره التّجلّي البصريّ للحبيب، وبحقيقة القلب وهو يجد نبضه الحقّ وإيقاعه الاصل، ويكون الفضاء الأرحب للتّجلّي الكامل، يتّخذ العشق طابعا عباديّا تبتّليّا، وتكون الدموع " الصّامتة" لغة الصّبابة والخشوع والرّهبة والدّهشة والذّهول والارتباك أمام جلال الحبّ والحبيب:

.."تهوي بصمت، كما يهوي الياسمين عند نداء الغروبْ

كما تغفو الأوراق على أكتافا لغصونْ...

أصلّي وأندهشْ...

أخشع وأرتبكْ..."

وإذا الحبّ صلاة وتأمّل وتملّ، لبلوغ أقصى تجلّي السّرّ الذي يحتاج حيوات لبلوغه..

 

4) إيقاع النّعيم:

وعلى مذهب أهل العشق تجد الشاعرة القدّيسة الجّنة في قلبها، ولا تطلبها من الغيب جزاء، فتتنعّم في لهيب العشق، وتجد في وجه الحبيب المتجلّي أبدا في قلبها بدلا عن جنّة المؤمنين غير العاشقين والفاصلين الجنّة عن مانحها لمن أحسن عملا.. ويكفيها تميّزا هنا أنّها ماهت بين الجنّة والمعبد، وجعلت القلب وقد فاض نورا ونبض حبّا واحتوى الحبيب، خير معبد وأرقى جنّة:

.."نحو حقول زاخرة بشقائق النّعمانْ،

نحو مذبح مكلّل بزهور البيلسان

تفيض منه أنهار ماء زلالْ..."

ولعلّ سيرورة التّجلّي تجد منتهاها واكتمالها حين يكون الانصهار النّهائيّ، وتكون اللحظة الخاطفة أبدا :

" نحو قلب حبيبٍ لا ينعس لا ينامْ.."

هو ذا الحبيب المتجلّي الذي هامت به روحها، وعلى مذهب "السهروردي" حلا فيه غرامها، واتّخذت عشقه دينا، فانجلى عنها ظلام العالم، ووجد السلام إلى قلبها سبيلا :

" يا مَليحاً قَد تَجلّى فيهِ أَهلُ الحَيّ هاموا..."

 

 

إيقاع التّجلّي / مادونا عسكر

 

ومضة... ومضتان... ثلاث...

ينشقّ حجاب الزّمان ويخرج الكون عن مساره المعتادْ

يحلّ في محطّة لا يمرّ بها قطارْ

ولا تشهد ركّاباً حائرين بين الوصول والانتظارْ...

يستقرّ فيها الحبيب، حاملاً بين يديه قلبا،ً

في غمرة الشّوق يسغبُ

ومن شدّة الحبّ يلهبُ...

رعشة... رعشتان... ثلاث...

يرتشف الفجر آخر قطرات النّدى ويغيبْ،

فالحبيب فجر يتجلّى حين يبكي البزوغ اندثار الضّياءْ...

يرتاح في قلبي، يترقّب الأفق البعيدْ

ثمّ ينحني، يلملم نبضات القلب ويجبلني من جديدْ

فأغدو طائراً يحلّق عالياً، حتّى إذا ما لامس أطراف السّماءْ

تعشّق قلبه الحبيب واختلى في ملكه الرّحيبْ...

دمعة... دمعتان... ثلاث...

تهوي بصمت، كما يهوي الياسمين عند نداء الغروبْ

كما تغفو الأوراق على أكتاف الغصونْ...

أصلّي وأندهشْ...

أخشع وأرتبكْ...

تمتدّ يده، وتنساب دافئةً

ترفع انحناء الوجه المتبتّل وتتملّى من ورع مهيبْ...

خطوة... خطوتان... ثلاث...

نحو حقول زاخرة بشقائق النّعمانْ،

نحو مذبح مكلّل بزهور البيلسانْ،

تفيض منه أنهار ماء زلالْ...

نحو قلب حبيبٍ لا ينعس لا ينامْ

يسهر على روحي، في ظلّه أرتاحْ...

يكفكف دموعي، يعانق ارتعاشي

يأسر نفسي في سماء تومض بلا كللْ.

 

للهايكو شقائق أخر!!

latif shafiqالهايكو ويطلق البعض عليه الهاينكو وهو أسلوب من الشعر برز في اليابان قبل مدة طويلة وتصل جذوره إلى نحو ثلاثة قرون أو أكتر من ذلك. ويرتبط بمذهب (الزن zen) وهو أحد المذاهب البوذية ويعتمد التأمل العميق للوصول إلى المعرفة وبلوغ الإثارة وتتألف قصيدة الهايكو من 17 مقطع وكل مقطع من ثلاثة أبيات .

يقرب هذا الأسلوب والمعنى واحد من أشهر شعراء اليابان وهو موريناك بقوله: لنفترض أنك غاضب أكتب قصيدة حول هذا الغضب وسيتبين أليك فورا إنك تصف غضب الآخرين، لا يمكنك أن تكتب الهايكو في نفس هذا الوقت. وأحد شعراء الهايكو سطا لص على كوخه الصغير وأخذ ثيابه وقصعة الرز فكتب بالهايكو:

اللص أخذ كل شيء

ماعدا القمر

على النافذة

 

في كوخي

كل ما عندي لأقدمه إليك

عدا البعوض لأنه صغير

يعتبر اليابانيون ماتسيوباشو وشيكي ماساوكا من أهم من كتب في هذا اللون من الشعر وبكلمات بسيطة ولاسيما أسماء الأشياء والتي تعيش في الطبيعة وتكون ذات معنى عظيم ومن هذه الأشعار مقطعان غاية في الروعة والإحساس العالي:

زهرة سقطت

تصعد إلى غصنها

لا إنها فراشة

 

أسند الإنسان

الذي كان فيما مضى

يحملني بين ذراعيه

وبهذا الأسلوب تحقق ما يصبو له الهايكو وهو الإيجاز في وصف الأشياء والوقائع وهو ما يحقق نجاحا في التعبير الأدبي والتصويري واختصار الكثير من القول الزائد عن اللزوم.

لقد حاول الكثير من المثقفين والشعراء ومن أمصار عديدة تقليد شعراء الهايكو اليابانيين القدماء إلا أن محاولتهم باءت بالفشل ويرجع سبب ذلك إلى المعتقد البوذي والطبيعة الخلابة اليابانية التي تحيط بشعرائها .

ومن هؤلاء الشعراء الذين كانت لهم محاولات مباشرة وغير مباشرة متعمدة أو من دون قصد للكتابة بطريقة الهايكو عربا كانوا أو أجانب أورد القليل منهم على سبيل المثال ولا الحصر وأتمنى أن لا أكون مخطأ في تشخيصي وأثير حفيظتهم مع اعتذاري وتقديري لهم :

للشاعر المرحوم يوسف الصائغ

الليلة قبل طلوع الفجر

نزلت من نصب الحرية

خمس نساء في مقتبل العمر

يحملن شموعا موقدة للشهداء

وللأبطال أكاليل الزهر

لم يبق على النصب

سوى تلك السيدة الثكلى

تمسح بالزيت والطين

عيون القتلى

وله أيضا

نظرت نحوه وتبسمت

ونظر نحوها وتبسم

ذهبت ولم يعرف أنها خرساء

كما أنها لم تعرف أنه أخرس

 

لكولن ولسن

الرياح تجري في شوارع لندن بسرعة السيارات

 

السياب

أسمع النخيل يشرب المطر

 

البياتي

القمل والموتى يخصون الأقارب بالسلام

 

سعدي يوسف

توهمت أن نخل السماوة نخل السماوات

 

حسين مردان

أف لعمر أطول منه عمر مروحة سقفية

 

أراكون

السماء تتسع للكواكب والشموس ولكنها تضيق بعيون الزا

 

ناظم حكمت

قلبي مياه البحر تحمله تفاحة حمرا كتذكار

 

أحد الشعراء

زوجها ساعي البريد إعشوشبت ساقه الخشبية

والى آخر القائمة التي تطول وأنا أدلو بدلوي بهذا السهل الممتنع وأقول:

 

من نافذتي في شوزبري

رأيت الخريف على الرصيف

يدفع بأوراق الأشجار للكناسين

--

الخريف يعري الأشجار

وأشجار الصنوبر لا تخلع لباسها

لكنها ظلت ترتجف طول الليل

 

هنالك على الرصيف رجل وغليون

الرجل ذو الغليون تركته الحافلة

لأنه غادرها قبل قليل

 

الرجل ذو الغليون

فتح مظلته وعبر إلى الرصيف الآخر

تأبط ذراعها وسار تحت المطر

 

من نافذتي في شوزبري

على الرصيف سناجب وكلاب زينة

ونساء بشورتات

إذن وطني بعيد

 

دعينا لعشاء في المساء

في اليوم الثاني

كان بجهاز ضغط الدم أملاح

 

لم أحمل كندا في محفظتي

أتاوه الكندية والأرض الأمريكية

يوحدهما النهار ويفصلهما الدولار

 

في بلادي

خرج من داره صيفا بساقين

عاد إليها بساق واحدة

ترك الثانية على الرصيف من شدة الحر والانفجار

 

الناس الواقفون على رصيف المحطة

اختفوا فجأة

لأن القطار أخذهم إلى مكان الانفجار

 

          وكلمة أخيرة من عندي: إن من يتمكن أن يحول اللون الأبيض إلى ألوان قوس وقزح يمكنه أن يدرك معنى الهايكو!

 

                                               لطفي شفيق سعيد

                                             في 20 أيلول 2014

                                        مدينة شوزبيري الأمريكية

ماهر العواشري ومحمد عبد الجليل وولادة جديدة ل"هاملت"

fatima badriإن المتأمل في تاريخ المسرح بتونس يدرك أن هذا الفن قد خضع إلى تمفصلات الحضارات التي تعاقبت على البلاد. ولعل المسارح الأثرية القديمة على غرار مسرح قرطاج الواقع في "الشمال الشرقي" ومسرح دقة بجهة "الشمال الغربي" ومسرح الجم "بالوسط الشرقي" ومسرح سبيطلة "بالوسط الغربي" ما هي إلا شواهد على تأصل الفن الرابع في تونس. ولكن أدى تصادم الحضارة الإسلامية مع الرومانية والقرطاجية على المستوى الفكري إلى تجميد النشاط الفني لمدة قرون. وانتظر التونسيون طويلا حتى أعاد الاحتلال الفرنسي هذا النشاط ببناء المسرح البلدي بوسط العاصمة الذي استقطب الكثير من الفرق الفرنسية والايطالية. ومع ذلك لم تحدث المصالحة الحقيقية بين التونسي والمسرح إلا في مرحلة متأخرة ليسبقهم اللبنانيون والمصريون بأشواط كثيرة. ولكن المسرح التونسي ورغم تأخره إلا أنه نجح في التموقع على صدارة المسرح العربي على مستوى جودة الأعمال وميزاتها الجمالية، وإخراجها المبتكر. ويعود الفضل في ذلك إلى الجيل الثاني من عشاق المسرح في تونس والذين ارتووا من مشارب المسرح الفرنسي والبولوني والألماني ثم أسسوا مدارس مسرحية خاصة بهم أثناء عودتهم على تونس. ولعل أبرزهم توفيق الجبالي وفاضل الجعايبي وعز الدين قنون والمنصف السويسي ومحمد إدريس. وكان لهذا الجيل تأثيره المباشر على الجيل المسرحي الجديد والذي يحمل هو الآخر رؤى مسرحية ناضجة ومتميزة. وسنتوقف اليوم عند تجربة الثنائي ماهر العواشري ومحمد عبد الجليل الذين يحملان بوادر ولادة تجربة مسرحية سيكون لها وزنها الفني على المدى القريب.

477-fatima

هما ثنائي قادم من الأحياء الشعبية التونسية حيث البؤرة الأكبر لازدحام الأسئلة،وحيث الحياة بوجوه مختلفة مستفزة أحيانا،وهو ما دفعهم للرهان على المسرح كفضاء لفك طلاسم تلك الأسئلة التي تطرح يوميا وفق رؤية استشراقية تحاكي الواقع على تلك الخشبة التي يسمونها بالمسرح. البداية كانت بمسرحية "قانون الجاذبية" والتي كانت عبارة عن رسالة تخرج بالمعهد العالي للفنون المسرحية بتونس،ولكنها كانت عبارة عن انطلاقة تجربة فريدة جابت عدة دول في العالم. وطرحت جملة من الأسئلة الوجودية في اتصال عميق بالواقع التونسي الذي يحاكي في ذات الآن الإنسانية جميعا. ولعل تميز هذا العمل حمله للمشاركة في عدة فعاليات وطنية ودولية. حيث تم إدراجها ضمن فعاليات الدورة السابقة من أيام قرطاج المسرحية،لتحلق فيما بعد إلى امستردام فألمانيا التي توجت فيها بالجائزة الأولى لمهرجان "تبسيس الدولي للموندراما" وقدمت عروض أخرى في برلين،كما كانت أحد ابرز المسرحيات في مهرجان الفجيرة الدولي للموندراما. هذه التجربة كانت حافزا للشابين للانفتاح أكثر على فضاءات المسرح العالمي ومحاولة تكييفه مع الواقع التونسي خاصة والعربي والإنساني عموما. وكانت "هاملت" ل "شكسبير" الخيار الأمثل في إيمان منهم بأنها عمل يزخر بالأبعاد الإنسانية التي تتجاوز الحدود الثقافية والاختلافات التي تولد من رحم المجتمعات. وتم تقديمه لأول مرة كعمل في طور الإنجاز في تظاهرة العرض الأول بفضاء التياترو ثم عرض منفرد في نفس الفضاء. حيث نجحت هذه المسرحية في كسر النمط الكلاسيكي في طرح الأعمال العالمية،وخرجت من جلباب الاستقراء السلبي للنص المسرحي والاكتفاء بعرض الأحداث التي طرحها الكاتب. إذ كانت خشبة المسرح فضاءا احتضن ثلاثة شبان وفتاة في أزياء رياضية لا توحي أبدا بأن "هاملت" هو نص المسرحية التي تعرض للمتفرجين. لنتبين فيما بعد هاملت و حكايته ليست إلا المدخل الكبير الذي يفتح المجال للتمعن أكثر في الواقع بكل جزئياته من لعبة الزمان، إلى الرغبة والمبادئ، إلى الكفر والإيمان، إلى العلاقة بالآخر وأخيرا العلاقة مع النفس. إنها جدلية فنية ارتآها المخرج ماهر عواشري في محاولة منه لخلق حوار بين هاملت النص الشكسبيري و"هاملت" الواقع بكل تفرعاته. ونجح محمد عبد الجليل وزملائه في تجسيد نص شكسبير انطلاقا من خط الانتقام الذي سلكه هاملت،ووعيده بالانتقام إلى لحظة التنفيذ التي ذهب ضحيتها كل من المذنب والضحية والبريء. لتكون العبرة من اختيار هذا الخط هو الإقرار بأن التوجه العنيف الذي ارتآه هاملت وإن كانت له مبرراته،وإلا أنه يفقد قيمته وجدواه عندما تتحول الحقيقة إلى معطى يعصف بالجميع. هذا إلى جانب التساؤل عن مصير الشعوب التي ما تزال إلى اليوم تعيش رهن مشاكل العائلات الحاكمة ورهينة مساحاتهم الضيقة. ثم يعود الممثلين إلى الفضاء الأول الذي يتقاطع مع "هاملت" شكسبير حيث ديكور وملابس و إكسسوارات في قاعة تمارين بدار ثقافة في حي شعبي بتونس. وعلى خلاف المشهد الذي جسد حكاية "هاملت" والذي حضر فيها النص المنطوق أو بالأحرى صورة الراوي،فإن المشهد الآخر راهن على الجسد كعنصر ناطق على الركح. إن تجربة "هاملت" بعيون ماهر عواشري ومحمد عبد الجليل ورفاقهما طرحت تصورا جديدا ومختلفا لنص مسرحي بات مستهلكا من طرف العديد من المسرحيين. كما تمكنا من الإقناع بأن المسرح يحتاج إلى نظرة تذهب بعيدا على مستوى الاختيار والأداء وتكون قريبة على مستوى الالتزام بما يطرحه الواقع من أسئلة وقضايا. وعلى لسان الثنائي السالف ذكره فإن السؤال الأساس والمطلق بالنسبة لهما هو علاقتهما بالإرث المسرحي الإنساني وعن موضع المسرحيين التونسيين في سياق هذا الإرث تاريخيا وفنيا.

الرسائل بين شقي البرتقالة الفلسطينية

shaker faredhasanلا شك أن وفاة الشاعر الفلسطيني سميح القاسم ومن قبله صنوه ورفيق دربه المبدع محمود درويش يشكل فاجعة ثقافية بل انتكاسة كبرى وخسارة جسيمة بكل المقاييس لحركة الإبداع الفلسطيني المقاوم والملتزم، وللحركة الثقافية والوطنية الفلسطينية المعاصرة، لأنهما من أبرز مؤسسيها وروادها ومبدعيها وفرسانها وكواكبها الساطعة والمضيئة، وتركا بصماتهما الواضحة في فضاءاتها، وكان لهما الدور الإسهامي النضالي والمقاوم في صيانة وحماية وتعزيز الهوية الفلسطينية والدفاع عن حقوق شعبنا الوطنية، وكونهما قامتان ثقافيتان وسياسيتان وكفاحيتان متميزتان حلقتا في سماء المعرفة والثقافة الإنسانية الكونية .

وهما يعدان من مؤسسي أدب الرسائل الفلسطيني الحديث من خلال رسائلهما التي تبادلاها منذ فتوتهما الشعرية والزمنية، ونشرت على صفحات "اليوم السابع" في باريس، وفي الملحق الثقافي لصحيفة "الاتحاد" العريقة في حيفا، وصدرت في كتاب "الرسائل" عام 1989 عن دار "عربسك" الحيفاوية، وأعادت دار "العودة" في بيروت إصدارها عام 1990 . وكان الكاتب القصصي الفلسطيني محمد علي طه أطلق عليها رسائل بين شقي البرتقالة الفلسطينية، لأن صاحبهما فعلاً وحقاً يشكلان شطري البرتقالة الفلسطينية .

وقدم للرسائل الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي تحت عنوان "هيك مشق الزعرورة، يا يمّة هيك "، مؤكداً أن هذه الرسائل " لم تكن مجرد قطرات دمع من عيون بخيلة بالدمع بل مشي حجلان كبيرة تسير وراءها أفراخها قاطعة، بأمان، عرض شارع معبد بالزفت والقطران "، ويرى في ضجة العصافير شطراً في سمفونية مجانية كمبشر بقدوم الربيع في بلادنا .

جاءت هذه الرسائل في ثلاث حزم، الحزمة الأولى وتضم قصيدة "تغريبة إلى محمود درويش " لسميح القاسم، وقصيدة "أسميك نرجسة حول قلبي " لمحمود درويش، فيما تحتوي الحزمة الثانية على الرسائل النثرية المتبادلة بين هذين الشاعرين المبدعين الكبيرين .أما الحزمة الثالثة والأخيرة فتشمل الرسائل التي كتبت بعد تفجر الثورة الشعبية الديمقراطية الفلسطينية في المناطق المحتلة، ثورة الحجارة، ما عدا رسالة واحدة كتبها درويش بعد إنشاء أول اتحاد للكتاب العرب الفلسطينيين في الداخل، وهنأ فيها باسم الكتاب الفلسطينيين في المهاجر والمنافي القسرية بانتخاب القاسم أول رئيس للاتحاد بالإجماع، وانتقد الأصوات التي شككت بشرعية الاتحاد .

وفي هذه الرسائل نلمس المشاعر الحميمة الفياضة والأحاسيس الصادقة بين مبدعين تميزا بالخصوصية الفلسطينية، وجمعتهما العقيدة والفكر الواحد والإحساس الوطني المشترك والهم الواحد والمعاناة الواحدة والقضايا المشتركة والصداقة العميقة والشاعرية الفذة والخاصة، وحتى عشق فتاة واحدة – كما صرحا في احد الرسائل .

وتحمل هذه الرسائل في ثناياها وطياتها نبوءات للزمن الآتي، وأشواق وذكريات الطفولة والشباب والمراهقة، فضلاً عن أراء وأجندة سياسية وفكرية حول العديد من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية، وكذلك أناشيد للمقاتلين الفلسطينيين الذين يذودون وينافحون دفاعاً عن الوطن والمستقبل، ويعمرون بنيان الدولة الفلسطينية ويؤسسون المجتمع الإنساني الفلسطيني الديمقراطي الجديد . يقول سميح في رسالته "قبلة الحجر" : " وهكذا فأنت ترى اننا دائماً نعود . نقلع في جهات الأرض والجسد، نغيب في خبايا الروح، ونعود . دائماً نعود، إلى ملمس العينين، إلى بصر القلب وبصيرة الأصابع ـ إلى هنا، حيث يكمن الحجر النظيف بجوار شجيرة القندول المزدهرة شتاءً في اعقاب شتاء، نعود إلى الولادات المنتظرة وغير المنتظرة في فوضى هذا الزمن الجارح والمدهش في آن ".

تتسم رسائل سميح القاسم ومحمود درويش بأسلوبها الشائق والممتع وكلماتها الرقيقة ومعانيها الراقية ولغتها العذبة الصافية وصدق توجهها ووضوح رؤيتها . وهي تمثل ثروة لثقافتنا الفلسطينية ولأدب الرسائل بشكل خاص، وكنا نتلهف لقراءتها في ملحق الجمعة لصحيفة "الاتحاد" .

لقد مات سميح القاسم ومحمود درويش وبقيت رسائلهما للتاريخ والذكرى وللأجيال الفلسطينية الحاضرة والقادمة، ماتا وهما يمسحان دموعهم التي انهمرت من عينيهما بمناديل الكلمات الشاعرية التي رافقتهما منذ صباهما ومطالع شبابهما حتى اللحظات الأخيرة من عمرهما الطافح بالإبداع والعطاء والنضال والمقاومة والدفاع عن قضية شعبنا الوطنية، التي كانت محور كل ما كتباه وأبدعاه من نصوص شعرية ونثرية . فلهما البقاء والخلود، والعظماء مثلهما لا يموتون، بل يتجددون بعد مماتهم .

مُوحِيات "تَرمي يَواقيتَها" للشاعر جمال مصطفى

khalidjawad shbaylورغم أن الشاعر عمد على نثر "يواقيتها" بحروف منفصلة مستوحيا التشكيل من معنى الرمي الاعتباطي، آثرت أن أكتب أحرفها متصلة لتسهيل القراءة، فليعذرني إذا ما رأى في ذلك تجاوزاً! فعنوان القصيدة الذي دشّنه الشعراء لا سيما شعراء المهجر في العقد الثاني من القرن الماضي هو في حقيقته بدعة حميدة (تَمحَق الضّلال!) تأثراً بشعراء الغرب وانتشر بسرعة، حتى غدا منافسا لمطلع القصيدة الذي كانت القصيدة منذ نشأة الشعر تُسمّى وتُفهرَس في دوواين الشعر به، وأصبح يُعتنى به (أي العنوان) عناية فائقة فهو عامل جذب وتشويق، ناهيك عن أهميته في تكثيف محتوى القصيدة، وهذا ما فعله شاعرُنا المبدعُ جمال مصطفى الذي جعل العنوان مركز ثقل القصيدة بحق...

قبل نحو من عقدين ونيّف كنت في زيارة الى الدنمارك، وقد وقع بين يديّ عدد من مجلة لم أسمع بها من قبل، وكان مظهر المجلة مدهشاً في شكله وفي محتواه، فقد بدا لي لأول وهلة أنه مصنوع باليد، وكانت حروفه مرقونة بآلة طباعة

يديوية، وحين شرعت في قراءة محتوياته دهشت أكثر لتنوعه وغناه حتى بدا فسيفساء جذابة الألوان اكتنزت شعراً وقصصاً ونقدا بل وحتى نقداً سينمائيا لكُتّاب جلُّهم غير معروف إلا ما ندر، وقد قضيت هزيعاً من الليل وطرفاً من النهار في قراءة نهمة ولم أستطع اقتناء "الصوت"(1) لشّحٍ في المطبوع منها! وكان من شعرائها جمال مصطفى الذي أُخِذتُ بقصيدته أخذاً.

ولا شك أن شعرية جمال منذ ذالك الزمن البعيد قد تعمقت واغتنت حياتيا وشعرياً كما أن وجوده في الدنمارك واطلاعَه على محمول هذه اللغة الادبي والثقافي(2) كان له مردود في صقل موهبة الشاعر.. وآية ذلك أن جمالا ذا الثلاثة والعشرين ربيعاً (مولود عام 1958) يوم خرج من البصرة مع البازي عليه سوادُ (3) مشياً على الأقدام الى إيران ومنها الى سوريا ليُلقيَ بعصا تَرحاله في الدنمارك عام 1985. ودليلي على عمق تجربته هو عطاؤه متمثلاً بإنجازه المجاميع الشعرية: أمطار بلا سبب 1988؛ أطلس البارحة 1991؛ الصندوق الأسود1998 وهي مطبوعة أما مجموعته؛ هودجها على التنين2002 مرقونة بالحروف الضوئية. ومازال يواصل مسيرته بهمة وابداع.

ليس موضوعي هو تطور السيرورة الشعرية للشاعر جمال مصطفى فهذا موضوع طويل جدير بأن يُدرَس لا أن يستعرَض، إنما أجد ضرورة التنويه بالأفق الواسع للشاعر من ناحية المنظور الشعري والممارسة الشعرية؛ ومراجعة سريعة لقصائد الشاعر تدل على اطلاعه الواسع على ديوان العرب قديمه وحديثة وزادَها حُسن ُدراية بالشعر العالمي، وألمسُ تأثراته بالشعر الفرنسي والأنكليزي والياباني، وعن هذا الأخير له محاولات مُعجِبة في شعر الهايكو Haiku poem ومن يُرِدِ الاستزادة فليراجع مطولته: شقائق الهايكو..وحسن اطلاعه على الشعر العربي جعله من المتفردين في الطَّرَديّات، وهي تلك القصائد التي قالها الشعراء العرب في وصف الصيد، وهي فن قديم تعود جذوره لامرىء القيس وازدهر في العصرين الأموي والعباسي(4،5) ولم يعد له وجود تقريبا إلا في الشعر الشعبي وخاصة لدى شعراء الخليج في وصف الصيد بالصقور.. وتشهد مطولته -الأرجوزة- المعنونة " طرَدية" على طول باعه وثراء ملكته الشعرية، كما أن الشاعر لم يقتصر على قالب شعري، فله على كل وتر ضربات، من التقليدية الى التفعيلة الى شعر الحداثة...

وعودة الى قصيدة "ترمي ي و ا ق ي ت ه ا"(البسيط):

ترمي يواقيتها في اليَّم كان ضحىً *** ليلاً وما أن صحَتْ حتى مضى شبَحا

قرصان غافيةِ في مركبٍ ذهبٍ *** ربان قافيةٍ يا طالما جَنَحا

عن هَدْي بوصلةٍ فُصحى الى جُزُر *** عذراءَ تنينها ما مرةً مزحا

الواقفون على الاسوار ما نزلوا *** وكيف ينزل من أصغى أو التمحا

كما تطِل أباريقٌ على قدَر *** سكرانَ تحسَبه من تحته قدحا

فاض المجازُ مُريداً شيخهُ عدَمٌ *** ضادِدْ هوى الشيخ واطفح لا كما شطحا

أتوقف عند هذا النضد معترفا أن قطعي لهذا النضد ذي الابيات الستة قطعا متعسفا نظرا لحسن السبك وتداخل الفكرة، ولكن طالما يبرر المرؤ أنْ: لا بد مما ليس منه بُدُّ! هذا المستهل الجذاب في صفاء اللغة والموسيقى والمعنى الذي تُفصح عنه الكلماتُ وتُضبِبُه العبارةُ الشعرية، وفي هذا التضبيب متعة الانشغال الوجداني التي تقود الى البيت الذي يليه فيتكشف أن القرصان يضادد الربان والربان ليس كأي ربان هو ربان قافية، هو الشاعر ومركبه الذهبي قصيدته! وأشهد أن القصيدة مخملية موشاة بخيوط ذهبية، إذن يحمل بوصلته ليبحر الى جزر عذراء لم تطأها قدمٌ غير قدم الربان! وهكذا يجد القاري أن في تضاريس القصيدة ما يسمى بالكلمات المفاتيح لا تقود الى دقة المعنى ولكنها تجذب المتمعن الى أجواء القصيدة ومقاربة الفكرة؛ وفي البيت الرابع الذي يبدأ بجملة خبرية مبتدؤها "الواقفون" هذه الصيغة شائعة جدا عند الجواهري؛ يصل البعد الصوتي الموسيقي ذروته في البيت الخامس حيث وقْعُ القافات الصائته - من الحروف المنفجرة المقلقلة- مع الحاءات الهامسة منَح البيتَ جمالا آسراً نتيجة الكونتراست الصوتي،،، على أنني كنت أفضّل لو ابتدأ الشاعرُ مطلعَه بالماضي ليُصبح: رَمتْ يواقيتها في اليم كل ضحى؛ وذلك أن الماضي هنا أكثر تساوقا مع حركة الزمن الماضي في البيت وما يليه ويجعل البيت أكثر هارمونية من الناحية الصوتية، وكذالك الحال في عجز البيت السادس: ضادد هوى الشيخ واطفح لا كما طفحا أو واشطح لا كما شطحا؛ حيث يكون التوافق اللفظي أكثر موسقة ولا يُخِلُّ بالمعنى بل يعمق الجانب البلاغي في كنايته؛ وهذه مجرد اقتراحات لا تتطاول على روعة الأداء.. عندما قرأت هذه الابيات وتوغلت في القصيدة حضرتني أجواءُ رائعةِ القاضي الشهرزوري (الخفيف):

لمَعت نارُهم وقد عَسعَس اللي *** لُ وملّ الحادي وحارَ الدّليلُ

وأنا أجد الغموض الماتع في قصيدة الاستاذ الشاعر جمال مصطفى لا يخلو من مَسحة عرفانية أكثر منها صوفية(6)، رغم أن الشطح هو كلمة تطلق على المتصوفة من خارجهم يراد بها القَدْح مثلما لازمت كلمة هرطقة كل من اختلف مع الكنيسة الكاثوليكية الرسمية حتى ولو كان من أتباعها! لايسعني أن أتوقف مع كل أبيات القصيدة وكم يصعب أن يختار القاريءُ منها، فالحبكة الفنية والمعنوية متماسكة ومع ذلك سأجتهد في ما أختار.

همّت بقسطاسها الأعلى وهم بها *** ولا يزالان: ما كفّت ولا رجحا

شيءٌ يظل من اللاشيء فيه صدى *** يجري ودافعه يبدو كمن كبحا

ياحانة الشظف الأنكى واكؤسُها *** عطشى وعنقودها للآن ما ذُبِحا

إن لم يكن فلتكن في البدء فارزة ٌ*** بيضاءُ من زبَدٍ سرعان ما اكتلحا

ثم اضمحل كظلٍّ أو كلفظِ فمٍ *** ما إن تبدد حتى عاد فاتضحا

عرشٌ على الماء قال السّومريُّ هنا *** لا بيت كالفُلكِ إن النهر قد طفحا

جاء الأجاجيُّ(7) من مِلح المحال لكي *** يعذوذبَ الماءُ من كوز لها نضحا

يُفضي إلى.. بَغتةً أفضى إلى عدمٍ *** ما عاد من بَعده ضوءٌ ولا رشحا

إلا قناديلُ تُسقى من مخيلةٍ *** إلا تآويل في دلو الذي مَتحا

هذا النضد يغطي وسط القصيدة وآخرها دون الخاتمة لكي يعطي فكرة واضحة عن طول نفس الشاعر ومحافظته على الرقي الفني والمعنوي لقصيدة طويلة نسبياً قوامها ستة وثلاثون بيتاً مع بقاء المسحة الفلسفية ذات المنحى العرفاني بين طياتها وجزالة لفظية وثراء المفردات المستمدة من القرآن والثروة الشعرية المزدهرة في أبهى عصورها، وإن استخدم بعض المفردات القاموسية. ولئن كان ثراء المفردات وخزينها لكل شاعرأمر ضروري فإن القدرة على توظيف هذا الخزين ضمن البنية الشعرية أهم، لأنه سيكون رافدا لإغناء الشعرية بالعبارات والتراكيب البلاغية ناهيك عن أهميتها في اتساق الجانب الصوتي المستمد من وقع المفردات وأجراسها وايقاعاتها ومثال ذلك: قسطاس؛ تبادل مواقع الفعل همّت/همّ؛ يكن/تكن؛ جاء/الأجاجي؛ من/ملح/ محال؛ نضح/يفضي/أفضى/ضؤ؛ قناديل/تسقي...

كان لروي الحاء الممدود بالألف وقع رائع على المتلقي وجعل القصيدة لينة طيعة وكبح الموسيقى الداخلية العالية برفق ولين ومن ينصت للقصيدة سيجد أن صدور الابيات في الأعم أعلى نبرة من الأعجاز وذلك لحضور الحاء الهامسة الكابحة هذه.

ومثلما كان الجانب اللغوي واللفظي قد فعل فعله في القصيدة كذلك يُلاحَظ فيها الجانب البلاغي متمثلا بالتَكرار و الجناس، والمقابلة البلاغية..ورغم أن القصيدة تخلو من الهبوط فإن هناك أبيات تنفرد بجمال مبهر، مثل البيت الذي يصور الطوفان فيحسن التصوير: عرشٌ على الماء قال السومريُ هنا//لا بيتَ كالفُلك إن النهرَ قد طفحا،، وكذلك هذا البيت الذي لا يقل إبهاراً: ياحانةَ الشظفِ الأنكى، وأكؤسُها//عطشى وعنقودُها للآن ما ذُبحا... وذبح العنقود ورد أيضا لدى بشارة الخوري في سياق مختلف (الكامل):

يا ذابح العُنقود خضِّب كفَه*** بدمائه بوركتً من سفّاحِ(8)

قلنا لقد رافقت مسحة الغموض هذه القصيدة، ومسألة الغموض في الشعر العربي مسألة تاريخية رائدها أبو تمام صاحب مدرسة البيان والبديع وبموجبها انقسم النقاد بين مشايع له ومخالف، وفي الموازنة بين الطائيين يبدو انحياز الآمدي للبحتري بسبب هذا الغموض! وفي أيامنا هذه يشيع الغموض المفتعل الذي لا يفهمه حتى صاحبه! على خلاف غموض هذه القصيدة فهو محبب له إيماءاته الفلسفية ولغته وخياله مما يعتبر نقلة تسجل للشاعر جمال مصطفى تفرقه عن مجايليه.. فهل ينبغي فهم القصيدة فهما رياضيا؟ القصيدة كما اللوحة التشكيلية تتألف من عدة عناصر الألوان في تضادها وانسجامها والخطوط ودلالاتها وضربات الريشة وهمساتها، وموحيات اللوحة كلها تشكل عناصر جمالية لا ينبغي فهمها فهما ميكانيكياً منعزلا عن كليته، كذلك القصيدة فهي محصلة لعوامل عديدة لا يمكن فصلها عن بعضها بل تُدرك أبعادُ القصيدة بكل عناصرها المتفاعلة والممتزجة، والتي اتينا على ذكرها في سياق هذه القراءة، وأختتم هذه المادة بتعليقي على القصيدة في موقع نشرها لأنها تمثل موجزاً شاملا لما دونت (مع تغيير طفيف):

هذه القصيدة سحبتني سحباً لأن اقول كلمة أخشى ألا تفيها حقها ولا تبلغ مرامها،، الشاعر جمال مصطفى أطلّ علينا برائعته هذه التي سكبها عسجداً على بحر بسيط، ولكنه استوعب هذا الثراء وانصاع للشاعر..المفردات ثرّة والصور مركبة، تأتلف مع الصوت أيما ائتلاف، ومن يبحث عن الإيقاع الشعري والمقابلات البلاغية سيجدها كثيرة، ولكن المعنى ليس ببسيط بل مركباً، ويقود الى المفاهيم الشعرية المركبة التي تومىء ولا تُفصح عن مكنوناتها بسهولة.. الجانب العرفاني لم يفارق القصيدة من مستهلها الجميل حتى خاتمتها، القافية الحائية منحت القصيدة جو الالفة والحنان،، ومن يُرِد التمتع بالقصيدة فليتلُها بصوت عال.. للشاعر الجميل جمال مصطفى تحية وتهنئة على هذا الجمال الذي يشع من درر هذه الخريدة.

رام كم هنغ 17 أيلول/ سبتمبر 2014

 

....................

هوامش

1- صدرت هذه المجلة في عام 1987 على الأغلب وكان لها أن تلعب دورا ثقافيا مهماً لمثقفي المنفى مع "البديل" و" الاغتراب الأدبي" لكنها للاسف توقفت بعد صدور عددين أو ثلاثة.

2- اللغة الدنماركية يتكلمها أربع ملايين ونيف شأنها شأن النرويجية والفلندية فيها من الموسوعات المتخصصة والكتب الثقافية والعلمية أضافة مايترجم لها من كتب هامة، والحكومات تدعم التأليف والنشر قارنوا مع العربية التي يتكلمها حوالي ثلاثمائة مليون في العالم!!

3- كناية عن معنى الخروج سرّا،وإشارة الى قول الشاعر القديم : إذا أنكرتني بلدةٌ أو نكرتها//خرجتُ مع البازي علي سوادُ

4- راجع: د.جابر قميحة رابطة أدباء الشام

5- . www.odabasham.net/show.php?sid=31098

6- يَفرِقُ العرفانيُ عن الصوفيِّ هو جنوح الأول الى الفلسفة، التي ينكرها المتصوفة لفظاً، من رواد العرفان في الشعر فريد الدين عطار وجلال الدين الرومي...

7- الأُجاج –بضم الهمزة- تعني شدة الملوحة والمرارة، وهي مفردة قرآنية وردت "مِلحٌ أجاج" في سورة الفرقان53 وفاطر12، ولم ترد مطلقا بياء النسب لأنها تنطوي على معنى الصفة التامة، اضاف لها الشاعر الياء لاستقامة الوزن.

8- مطلع قصيدة بشارة الخوري: فِتَنُ الْجمال وثورة الاقداحِ//صبغت أساطير الهوى بجراحي

الشاعر فوزي السعد ومراثي (الريشة والطائر)

jasim alayffعرف الشاعر فوزي السعد بتمرده على القيم والأعراف الاجتماعية البالية، ويمكن استخلاص هذا في سيرته الشخصية، وأحاديثه الخاصة وفي الندوات العامة التي تقام له، ويؤكد (السعد) انه في شبابه، أنخطف بالشاعر (رامبو) وتمرداته كثيراً و حاول ترسم خطاه، بهوس لا شبيه له. صدر للشاعر فوزي السعد المجاميع الشعرية التالية: "الفراشات تقتحم الحدائق"1980، و" نخلة النخل سلاما "1987 و"توأم الفراشة"2002 و" الريشة والطائر"2009، و"ايقاض. البذور"2014. مجموعة السعد الرابعة "الريشة والطائر" - دار الينابيع - دمشق- الغلاف: جيهان خير- نلاحظ فيها ثمة امتداداً لشعره في مجامعيه السابقة، ووضوح ظلالها على هذه المجموعة من خلال أنسنة الطبيعة والاحتفاء بها، وان شفرة الشاعر تقتضي ممن يتناول "الريشة والطائر" العودة إلى مجاميعه السابقة فالأرضية التي تقف عليها هذه المجموعة، هي ذاتها، في الإصدارات السابقة، مع بعض تحولات الزمان وسيره غير المتوقع، والواقع المُعطى وخذلاناته وخساراته المتواصلة، وهو يحدق بهم كالمأخوذ. القسم الأول من" الريشة والطائر" المعنون(شاهدة على قبرها) يخيم عليه الخسران والقنوط والفقدان، وحزن الفرد وحيرة الأعزل بمواجهة عالم غير عادلٍ، ولكن لا مفر من العيش فيه . ثمة في بعض قصائد(الريشة والطائر) ما يشبه التدرب على الألم والتأقلم معه بقناعة أكيدة بزوال كل شيء حي، وهنا حكمة وقدر وسر الشعر، التي يتخطى بهم الشاعر ذلك الزوال. الشاعر السعد يؤشر في" الريشة والطائر" على مجموعة من زملائه الشباب الذين غيبهم النظام السابق لأسباب شتى، يندرج بعضها في سؤ النوايا تجاه الآخر، ونكران حقه الإنساني في حرية الاجتهاد و الاختلاف، وتم التعامل معهم ببطش ووحشية السلطة القامعة القاهرة. مجموعة السعد الثالثة " الريشة والطائر" قسمها على أربعة أقسام، الأول منها حمل عنوان "شاهدة على قبر فراشة" وهي قصائد مراثي، يوجهها إلى أعزائه، وفي مقدمتهم زوجته الشابة التي خَسرتْ كل شيء، بقناعتها وإصرارها، على أن تربحه، فراسلها بحنوٍ ولوعةٍ وأسى، بعد رحيلها المفجع والذي لم يكن في أوانه:

" كيف تقضين وقتكِ

في عالم اللحظة الجامدةْ ؟

لا أنيس..هناكَ

يُسليك من غربةٍ

لا نهار يشدّ خطاك

وليل يلمُّ

تشتتَ رقدتك

الهامدةْ !!.

هل تحوكين صوف الظلام

لك ارجوحةً

وتناغينَ في الصمتِ

أحلامك الشاردةْ ؟!.

***  

دفّأ الله جبهتَك الباردةْ

وعلى صدرك الغضّ

خفّ ثقل التراب

كمم الله أفواه ديدان قبرك

حين تدّب

عليكِ

وعجّلَ مثواكِ

في جنةٍ خالدةْ ".

وكذلك أمه:

" فصرختُ..إلا أيها

الراحلون بأمي ..

خذوني

كلانا مضى

هي للقبر أوسع ممّا عليه أنا

وأنا.. قد بقيت وحيداً

ألوك دخان أساي".

والبريكان في ليلة مقتله:

"كم حذرتك انكيدو محمود

عن سهمك لا تتخلَّ أمام وحوش الغاب

فالقاتل خلف الباب

وامرأة الحانة خلف القاتل

والموتُ

يسيرُ

إليك

على

قدمَيْ

سكين"!!.

والشاعر عبد الخالق محمود(ابن الشمس):

" أيها القبرُ

كن عاقلاً مرةً .. واتسعْ

لمقام وريث الضياء

شاعر أمهُ الشمس..ماتتْ

فَضَلَ وحيداً.. ومات "!! .

وبعض أصدقائه الذين ذابوا في المعتقلات دون معرفة مصائرهم، وبات بعضهم بسبب الحروب المتعاقبة أشلاء في الأرض الحرام، و لم تجمع حتى اللحظة،، وبعضهم تناهبتهم الأمراض الفتاكة زمن الحصار، متحولين إلى ذكرى دائمة و قصائد يتعايش معها يومياً، لمغالبة غيابهم الأبدي، وسعى" السعد"،عبر الشعر، إلى الثأر من ذلك (الغياب) القسري.في بعض قصائد (الريشة والطائر) استثمار للبلاغات المجازية مع لغة شعرية بعيدة عن الإطناب والتهويل، وتتسم بعمق المعنى وبساطته، ولا ثمة افتعال للغموض و يضيء(السعد) قصائده عبر تجاربه الحياتية،وتحاشي التجريب المصطنع ، و يهندس بعض أشكال قصائده بطابع معاصر يتميز بدقة المفردة الشعرية واللغوية. فوزي السعد من الشعراء الذين يستثمرون تجاربهم شعرياً، وثمة في قصائده تعالق عملي، فهو يحيا في شعره وشعره يحيا فيه، وحتى وان أشهره، فهو يعود له، مستذكرا بواعثه وأحلامه وتجاربه الخفية - الواقعية التي حولته إلى قول شعري. مذ شب فوزي وهو يواجه التابوات الاجتماعية والسلطوية، محاولا التغلب عليها بقواه الشعرية، والتي هي أسلحة الأعزل من كل شيء في هذا العالم، الفظ، الصلب، القاسي، اللاعادل، ويحاول" السعد" مواجهته بالشعر وديمومة الحياة، قولاً ودلالة . فوزي السعد: جهد وحاول أن يغير شعره بالحياة،وليس العكس. ترى هل أصاب في هذه المعادلة ؟. نرى أن هذه أمور متروكة لتقديراته وقناعته بدايةً، واستجابة القراء، والنقد الذي لا يشغله كثيراً، ما يهمه قناعته، وممارساته في إنتاج القصيدة بهذا المنحى، والسير فيها إلى مداها الأرحب والأبعد، وبحدود قدراته الثقافية وإمكانياته الشعرية، التي يفصح عنها في قصائده . الواقع وقسوته، بدد الكثير من أحلام شبابه، و الحياة روضته شيئاً فشيئاً بعد أكثر من أربعة عقود على ممارساته الشعرية،العلنية، إلا أنها- الحياة ذاتها- أصابته بالخذلان، والانكسار والفقدان. أستاذنا "محمود عبد الوهاب" ذكر مرةً، في احتفاء خاص، بـ"فوزي السعد": أن " الريشة والطائر"حملت عنواناً "تجنيسياً " من خلال مفردة "شعر" التي وردت على غلاف المجموعة، و هي "جنس" وكان من الممكن الاستعاضة عنها، بمفردة " قصائد " لأن الـ"قصائد" منجز لجنس الـ" شعر".                                                                  

  

المرأة في مشروع يوسف زيدان الروائي (1)

alkabir aldasisiلقد شكل موضوع المرأة تيمة أساسية في الروايةعبر تاريخها فجعل البعض منها سببا للحروب، وجعلها آخرون سبيلا للسعادة ومنبع الوحي والإلهام، وحطها كتاب محط القداسة والأولهية، وأنزلها آخرون منزلة الانحطاط والدناسة ومصدر كل رذيلة...

والرواية العربية المعاصرة لا تكاد تشذ عن هذه القاعدة، هكذا تنوعت مقاربة قضية المرأة بين من اعتبرها مغلوبة على أمرها مفعول بها مهما بلغت درجة علمها كما في رواية (حرمة) للمقري ومن جعلها غير معترف بها وبما تنجبه وإن كانت زوجة مخلصة يحبها زوجها وتحبه (ساق البامبو) ومن قدمها مستغلة من طرف الدولة والأجهزة الأمنية توظف في المخابرات واستدراج معارضي الأنظمة (لا سكاكين في مطابخ المدينة) ومن رأى فيها مكافحة صبورة (طائر أزرق نادر يحلق معي) ... لكن يبقى يوسف زيدان من تناول قضايا المرأة في الرواية العربية المعاصرة حتى ليكاد يعد روائي المرأة المعاصر على غرار شاعر المرأة (نزار قباني)...

لا يمكن دراسة الرواية المعاصرة في الوطن العربي دون الوقوف عند واحد من الروائيين الذين تميزوا بعمق الرؤية والمعالجة الروائية، مفكر نهل من مختلف ضروب المعرفة الطب ، الفلسفة ، التصوف،التحقيق، الإبداع ، فجمع بين الفكر المعاصر والقديم وأنتج عالمه الروائي الخاص ماتحا من كل تلك الضروب إنه يوسف زيدان الذي أثرى الرواية العربية لحد الساعة بخمس روايات هي (ظل الأفعى) (عزازيل)، (النبطي) (محال) (جُونتنامو) وهو ريبرتوار روائي – وإن بدا قليلا ضمن مؤلفات المفكر الكثيرة- فإنه حافل بالقضايا الفكرية، الدينية، السياسية، الاجتماعية والإنسانية التراثية والمعاصرة، ولسنا في حاجة لاجترار ما كتب حول رواياته وما أثارته من نقاشات أدلى رجال الدين والفكر بدلائهم فيها... لكننا في هذا المحور سنقتصر من خلال بعض الفلاشات على مقاربة زيدان لموضوع المرأة في بعض رواياته التي يبدو فيها موضوع المرأة حاضرا بقوة وخاصة في رواياته الثلاثة الأولى التي تطالعنا فيها المرأة منذ الصفحات الأولى ونخص بالذكر (ظل الأفعى) و(عزازيل) المهداتان لنساء فالأولى مهداة (لمي ابنتي.. وجدتي) وعزازيل مهداة (إلى آية) فيما جاءت رواية (النبطي) جاء بلسان امرأة ...

على الرغم من اختلاف الأزمة التي تدور فيها أحداث الروايات الثلاث : عزايزيل في القرن الخامس الميلادي ، النبطي خلال القرن السادس الميلادي ، وظل الأفعى في المستقبل القريب (30 يونيو 2020م)، فإن نظرة زيدان للمرأة تكاد تكون واحدة، هو في كل رواية منتصر لقضية المرأة متعاطف معها، حتى ليستحيل أن ينافسه في تبني قضايا النساء روائي معاصر فكيف حضرت المرأة في روايات (عزازيل)، (ظل الأفعى) و(النبطي)؟

المرأة في رواية (عزازيل):

تكاد تشكل المرأة قضية ثانوية مقارنة مع القضايا الكبرى التي تعالجها الرواية، لكن ذلك لا يمنع النبش في هذه القضية، من خلال ثلاث بطلات كان لهن دور في تطور أحداث الرواية هن أوكتافيا، هيباتيا ومرتا إضافة للسيدة العذراء التي كانت تحضر من حين لآخر في بعض الأدعية وكانت أول امرأة ذكرت، وآخر امرأة ورد اسمها في الرواية.. إذ جاء في (الرق الثلاثون = آخر صفحة في الرواية): دعاء وتعظيم للسيدة العذراء: (نعظمك يا أم النور، الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة..)[1]

هذا وقد ورد في الرواية أسماء لنساء أخريات لكن دورهن ظل ثانويا، وكلهن تشتركن في أن زيدان يقدمهن في صور إيجابية منذ الإشارة إلى أول امرأة في الصفحات الأولى التي تحضر رسامة (انتظار لرسامة كاهن آخر من الرهبان الرسامة تكون في كنيسة أنطاكيا التي يتبعها هذا الدير)[2] مرورا بوالدة البطل والاختتام بالدعاء للسيدة القديسة... ناهيك عن الحديث عن المرأة بصفة عامة كأيقونة، مع الإشارة إلى وظيفتها في الحياة فيختار لها أحسن الأوصاف، ويشبه ألأشياء الجميلة بالمرأة لنستمع لهيبا كيف يصور البحر في قوله: (أنا الذي لم أعرف امرأة في حياتي، ولم أكن أنوي أن أعرف.. جال ببالي البحر امرأة لعوب تمتع الرجال العائمين دون خطيئة تحسب عليهم أو يحاسبون عليها)[3]   وكلما حاول أحد الشخصيات الحط من قدر المرأة انبرى له هيبا (الذي يكاد يشكل صوت الكاتب) مدافعا عن المرأة كقوله لأحد الرهبان الذي يعتبر الأنوثة والنساء سبب كل بلاء والنساء كلهن خائنات فرد عليه (مهلا يا فريسي الأرض أنثى والرب جاء من العذراء)...

وحتى لا يبقى كلامنا عاما لنعد إلى موضوع حديثنا ونقف عند نماذج المرأة في عزازيل :

1 - هيباتيا : الصورة التي قدم بها يوسف زيدان هذه الشخصية تعكس عن موقف راق ومتحضر من المرأة فهي في نظر البطل ( أستاذة كل الأزمان)[4]   و (شقيقة يسوع) المرأة التي (وقف لها الجميع بمن فيهم الرجال)[5] وإلى جانب مكانتها الدينية والعلمية رسم السارد ملامحها في غاية الجمال فهي (امرأة وقور وجميلة أجمل امرأة في الكون، وقار يماثل ما يحف بالآلهة من بهاء) لذلك كان من الطبيعي أن يتعاطف معها السارد ويرى في نكبتها شهادة يقول (هيباتبا أستاذة الزمان.. النقية.. القديسة... الربة التي عانت بعذابها آلام الشهيد)[6] لائما في شهادتها كل من شهد موتها ولم يحرك ساكنا بمن فيه الله والشيطان (بلغ نحيبها من فرط الألم عنان السماء حيث كان الله والملائكة والشيطان يشاهدون ما يجري ولا يفعلان شيئا)[7] وذلك ما جعله يتنكر لديانته ولإخوانه في الدين (المرأة المغيثة لم تستغث يسوع لكنه أغاثها، من راجميها قساة القلوب ، وأنا لم أغث شقيقة يسوع من أيدي إخوتي في الديانة.. لكنهم ليسوا إخوتي أنا لست منهم)[8]

وليبرز موقفه أكثر من قضية المرأة اختار مشهدا بطوليا ، أمام عجز الرجال عن إنقاذ هيباتيا، وإعلان موقفهم نكبتها، رمى السارد بامرأة بدل كل الرجال من خلال استنكارها دون الرجال لمحنة هيباتيا وارتمائها عليها لتخليصها من بين أيدي الطغاة مقدمة روحها فداء لها (أقبلت المرأة تجري نحو الجميع حتى ارتمت فوق هيباتيا ظانة أن بذلك سوف تحميها (كانت أوكتافيا)[9]

أوكتافيا: مثل كل النساء في روايات يوسف زيدان، أخاذات راقيات حتى وإن كن خامات ، فأوكتفيا خادمة السيد الصقلي تاجر الحرير لم يقدمها كخادمة وإنما كما لو كانت خيوطا من نور أشبعت كل غرائزه بعد جوع... فبعد ألأكل الذي قدمت له يقول (شبعت حتى ظننت أن لن أجوع أبدا)[10]   كانت لها قوة أشعرته (كأن الكون الأعلى توقف عن دورناه والنيل البعيد سكن جريانه،ولم يعد على وجه الأرض بشر واختفت الملائكة من السماء[11]... لم تكن أوكتافيا خادمة كباقي الخادمات وإنما متعلمة منذ صغرها تقول أن سيدها الصقلي (هو الذي علمني القراءة حين كنت في العاشرة من عمري)تفهم في المنطق ومطلعة على فلسلفة أرسطو وأشعار هرقليطس تجيد الطبخ..غوته وغواها رغم علمه بمصيره لو افتضح أمره كراهب .. جعلته (آدم الذي يوشك أن يخرج من الجنة لأنه يوشك أن يدخل الجنة فيأكل من الشجرة ثانية)، في أوكتافيا يقول هيبا (لم أر المحبة الحقة إلا في امرأة وثنية لقيتني صدفة في الشاطئ أدخلتني جنتها ثلاث ليال سويا)[12]

مرتا: لا تختلف صورة مارتا عن صوتي كل من هيباتيا وأوكتافيا من حيث قيمة الجمال الروحي والجسدي وإن اختلفت عنهما في الوظيفة ، فإن كانت هيباتيا أستاذة فيلسوفة، وإذا كانت أوكتافيا خادمة مخلصة عالمة فإن السارد قدم مارتا بصورة المغنية التي يرتجف جسد، وتدمع عين كل من يسمع أغانيها وصوتها الملائكي بل إن (مرتا أجمل امرأة خلقها الرب)[13] وكلما غنت ازدادت بهاء، إنها ملاك نزل من السماء (وهل كانت مرتا إلا حمامة بيضاء هبطت إلى هذا العالم من فوق السحاب)[14]، مرتا لم تكن مثل كل النساء كانت أقرب إلى الطفولة والملائكية ، ومن أجل هذا الملاك الطفولي، كان على استعداد لركوب كل المخاطر، وهدم كل ما بنته النفس ، بعزمه على الزواج من مارتا وهو العالم أن ديانته تمنع زواج الرهبان، وتنظر إلى الزواج بالمطلقة على أنه زنى ففي (إنجيل متى الرسول مكتوب: من تزوج مطلقة فهو يزني) ، ومع ذلك فقد اعتبر مرتا حياته كلها وبغيابها يقول (انتهت حياتي كلها فليس أمامي إلا الموت)

ما يبدو إذن من خلال رواية عزازيل أن السارد ومن خلاله يوسف زيدان مؤلف الرواية يرقى يخرج بالمرأة عن تلك الصورة النمطية التي تقدمها مجالا للشهوة الساقطة المبتذلة، ويرتقي بها إلى عوالم الملائكة والمخلوقات النورانية القادرة على غمر ما حولها بالحب والعطاء ..

(يتبع انتظروا حلقاتنا القادمة)

 

..................

[1] - ص – 396

[2] - ص - 17

[3] - عزازيل ص 39

[4] - عزازيل ص 37

[5]- عزازيل ص 68

[6] - عزازيل ص 80

[7] - عزازيل ص 80

[8] - - عزازيل ص 81

[9] - عزازيل ص 79

[10] - عزازيل ص 41

[11] - عزازيل ص 42

[12] - - عزازيل ص 73

[13]- عزازيل ص 146

[14] - عزازيل ص 158

قراءة في نصّ "ما بيننا" لفاطمة نزال

"ما بيننا .." عنوان ملتبس، دالّ في إيماء وإشارة .. فيه معنى الظّرفيّة باعتبارها "الشيء" أو الحيّز الفاصل المانع، وربّما الواصل الجامع .. وفيه تكثيف لما سيخبر عنه النص ويتوسّع به وينتشر .. وفيه الجمع رغم "الدّاء والأعداء .. " (نحن) .. والفصل يقسم "النحن" (أنا) و(أنت)، هنا وهناك، بيننا الرّيح تذروه وتذروها، وتحجب صوتها وصوته .. وفيه "البين" غرابه ناعق باثّ صوت الرّعب ناشر رائحة الفراق .. بيننا البين:

" بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا .. " ..

فإذا هذه البينيّة ظرف وخبر يمكن أن يثبت أو ينفي، يجمع ويفصل .. ومعنى الفصل والوصل أبين وأجلى وأنسب لروح الشّاعرة كما تتجلّى في نصّها .. ذاتا تصف وتشكو وتبين عن بينونة بيّنة من حيث هي حال حاضرة في الشطر الأوّل من النّصّ، وحال مطلوبة مأمولة مرغوبة في الشطر الثّاني .. وبين الضّدّين معجما وسياقا ترتسم حركة القصيدة، فتبدو، على اختزالها وكثافتها، ملحميّة النّفس، دراميّة البناء، عمادها الصّورة المألوفة في سنن التّصوير، والولود أبدا حين يعاد صوغ عناصرها في ما يستجدّ من السّياقات والحاجات والأحوال التّعبيريّة والمقامات الشّعريّة .. وهذه الصّور تتناسل وتتنوّع وتتظافر دالّة على ما يأتلف وما يختلف من المعاني .. وهي، في هذا النص راجعة إلى أحد عوالم الطّبيعة الجليلة المهيبة، نعني البحر في أحوال هي ألوان القصيدة وأصواتها إن أردتها لوحة أو مغناة .. والبحر ههنا صورة للوجود بما يكتنف الإنسان فيه من غموض المأتى والمصير، واغتراب وتيه وخوف وألم ..

"لجّة بحر" .. هي الصورة الكبرى للوجود كما تتمثّله الشّاعرة وترسمه وتحدّد ملامحه، وملامح الإنسان فيه، بل ملامح الذّات .. لأنّ النّصّ شديد الاتّصال بالإحساس الذّاتيّ، غنائيّته عالية، وأدواته التّعبيريّة منتقاة لتوجيه القول الشّعريّ إلى بؤرة توتّر حادّة ناضحة ألما وضياعا ونشدانا للخلاص وابتهالا وضراعة إلى المخلّص ..

وهذه الصّورة الكبرى تقترن بأكبر شعور أبرزته الشّاعرة ونشرته وأبانت عنه، ونشدت الخلاص منه، وهو الخوف .. في أعلى درجاته هولا ورهبة ورعبا وهلعا وفزعا، تعبيرا عن ضعف الإنسان الوجل " .. كالطائرِ الخائفِ قد ضَيَّعَ وكرَهْ .. فوقَهُ البازِيُّ ، والأشْرَاكُ في نجدٍ وحُفْرَهْ .. " (أبو ماضي) .. وبذلك تكون قد نزّلت الشّعر في مهاده الأصليّ وتربته الأصيلة : أن يكون ملحمة الإنسان و ترجمانا لأعظم المشاعر وأكثرها اتّصالا بالتّاريخ والمصير، والحرّية والحبّ والقدر والخلاص والإيمان والسّلام والموت والحياة .. الحياة هنا والآن .. باعتبارها "لجّة رهيبة" ومغامرة في " ليل كموج البحر أرخى سدوله .. " .. ولعلّها الحياة كما كانت أبدا، وكما ستكون. إلاّ أنّ من وظائف الشّعر والشّاعر أن يكونا أبدا صوتا للأمل وانتظارا الخلاص .. خلاص الرّوح الأسيرة الكسيرة، العطشى اللّهفى، المتضوّرة المتضرّعة ..

لهذه الرّوح في القصيدة تاريخ ورحيل واغتراب واعتراك ومسار في سياق حركة القصيدة منشأ وانفتاحا وتناميا وانغلاقا :

1) البينيّة انفصال .. غربة الرّوح وانفصالها عن موضوع رغبتها ..

تنبني هذه الحركة الأولى على مقابلة صراعيّة جوهريّة بين فعلين ضديدين: فعل فصل، وقطع ومنع وقمع، وقهر وبتر، كنّت عنه الشّاعرة بفعل الطبيعة وقواها القاهرة الغالبة: (زمجرة الريح .. تقطع .. عاصفة تلفنا .. تبعثر .. عوائها .. ) وفعل وصل وربط وخلق وصوغ وحبك وحبّ وجمال ومقاومة وحياة: (صراخ، أصداء، صور، كلمات،، مخيّلة، عري .. ) ..

ولا يخفى ما في هذه الحركة من ضدّيّة صوتيّة وسمت اللإيقاع بتعدّد الأصوات وتردّدها بين القوّة والضّعف، والارتفاع والانخفاض، والتّجانس تعبيرا عن الفعل الأوّل (الإخافة) وعن الفعل الثّاني، وهو سياقيّا أثر وحال أوقعها الفعل الأوّل( الخوف) .. وإن جاز لنا أن ننظر إلى هذا الفعل لا في سياق ردّ الفعل والتّأثّر، بل في سياق الفعل والسّبق فيه ..

إلاّ أنّ مدار الصّراع يبقى ملتبسا، تومئ إليه الشّاعرة إيماء، ولا تقدّم لإجلائه إلا بعض الإشارات والشّذرات: (صور .. عري .. مخيّلة .. صاغته كلماتنا .. ) .. ونحتاج، إنتاجا للمعنى وتحسّسا للسّبيل إليه، إلى استثمار علاقات التّجاور والتّصادي والتّجاوب بين تلك " الكلمات" وما تكتنزه وتستبطنه من دلالات ينتجها السّياق ومقام القول الشّعريّ ..

ف"الصّورة والخيال والكلمة " تشكّل مثلّثا تتفاعل مكوّناته، فإذا هي ملكة أو آلة (خيال/مخيّلة .. ) وأدوات (كلمات) ومحتوى منتَج (صور .. ) .. وهو مثلّث إبداعيّ من حيث الآليّة والمراحل والأبعاد، إذ الفعل الإبداعيّ في سياق القصيدة فعل وردّ فعل .. فلولا البين (أو الما بين) ما لجأنا إلى "الصّور" لنتسلّى، وما اشتغلت المخيّلة إلاّ مغالبة للواقع، وصنعا للواقع الخفيّ السرّيّ الدّخليّ، الموازي، المحتال على قوّة القهر والبطش والجبروت في العالم .. وما كانت " الكلمات" إلا للتّسمية وخلق العالم والكشف والتّأسّي والشّكوى والضّراعة والسّرد والمناجاة ومغالبة المسافات والأمكنة واستحضار الأحبّة وإن نأوا أو نأت بهم القوى الظّالمة ..

هكذا هي اللّغة كما أوحت بها الشّاعرة : صراخ في وجه العاصفة، وتحدّ وكسر للطّوق ، ولوحات على جدران هذا السّجن الكونيّ شوقا إلى فضاء آخر وإلى حبيب تحجبه الأشياء، فتجلبه بل تصنع حضوره الكلمات .. " أصداء" لصراخ الرّوح هي الكلمات، تضيع في "الزّمجرة" الغالبة الفاتكة، ولكنّها معاندة مقاومة، ترنو إلى الفضاء الرّحب وترى الطّريق:

" كلماتي كلمات

للشّبابيك سماء ..

للعصافير فضاء ..

للخطى درب و للنهر مصبّ .. " (درويش)

صنو هذا فعل الشّاعرة وقد ارادت أن تكون صوتا له ولها، فاتّخذا الكلمات للتّناجي والتّنادي والتّواجد والتّواعد :

" نلتمس دفءا غائبا

فلا يسعفنا إلا القدر

وأمل كنور منارة

يومض في لجة بحرٍ ينبئنا

بأن بعض الريح يُسكته المطر .. "

 

وبناء لمعنى "الأمل" تنتقل الشّاعرة من فضاء رمزيّ واسع وحال رمزيّة كثيفة الإيحاء (زمجرة الريح، عاصفة، لجة بحرٍ .. ) وفضاء داخليّ (مقابل ) منكفئ مسكون بالخوف والألم، إلى فضاء الحلم والانفتاح على المقبل المأمول الذي لا وجود له إلا بما تتيحه الكلمات والصّور والأخيلة .. كذلك تظهر صورة " المنارة" علامة برّ قريب تأوي إليه الرّوح التّائهة المسكونة بالعدم في "اللّجة" القاتلة:

"وأمل كنور منارة .. " ..

كذا الرّوح تصنع نورها وتكتب صلاتها، وتجد سبيل خلاصها، وهْما عظيما وحلما من صور وكلمات، يتجلّى ويكون ملء البصيرة والبصر، حقّا ومثولا في العالم، معجزة إنسانيّة كبرى يتردّد فيها معنى الخلق الجديد والحياة الثّانية بعد أن يطلّ المرء على عالم العدم، ولكنّه ينجو من بين براثن "الحيوان" المزمجر المفترس ..

وفي سياق هذا الانتقال من رموز الظّلم والظّلام إلى رموز النّجاة والنّور، تقابل الشّاعرة مقابلة أساسيّة بناء لمعنى الأمل، بين "الرّيح" و"المطر" :

" بأن بعض الريح يُسكته المطر .. "

وتستثمر جانبا من الطاقة الإيحائيّة في هذين الرّمزين الأسطوريين والدّينيين والإنسانيين العظيميْ الحضور في الفنون والآداب .. وممّا تنفرد به أنّها جعلت المطر نفيا للرّيح، من حيث أنّه "يسكتها .. " فيبطل فعلها وأثرها، ويكون نفيا لنفيها .. إفناء وإهلاك وعتوّ ورعب ورهبة وعصف وتفرقة وتشتيت هي .. وهو إحياء وسقيا وغيث وبشرى وزهر وثمر .. وسحاب يساق " .. إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا .." .. وهذه الأرض هنا هي الرّوح الموات تصلها الرّوح النّازلة من السّماء، المؤذنة بالخلاص ..

كذا تنهل الشّاعرة من المعين القرآني العظيم ترميزا وإيحاء، فتسترفده، وتستقي وتستلهم منه بعض صورها .. وأجلى ما يكون ذلك في المرحلة الثّانية ..

 

2) البينيّة اتّصال .. الرّوح تستسقي نشدانا لحلول روح المناجى فيها:

يسم إيقاع هذه الحركة الثّانية الإنشاء الطّلبيّ المصدّر ب"هلاّ .. " وقد محّضته الشّاعرة سياقيّا للحثّ استصراخا واستغاثة وابتهالا وصلاة ودعاء .. وفي أقصى الألم وأقساه، يرتفع صوت الضّراعة .. وحين يقسو الشّوق تتضوّر الرّوح، وينفطر القلب ويتشقّق كما الأرض الموات تشتاق إلى الماء:

.. " أُنَاشِدُ الغَيْثَ كَيْ تَهْمي غَوَادِيهِ .. " (البحتري)

كذا صوت الشّاعرة وقد رأت دمار العالم وخرابه في كيانها، ورأت قلبها يجفّ ويجدب ويتشقّق، ورأت غربة روحها وتيهها في عالم ينضح قسوة وعنفا وعدما، فرأت الخلاص في الحبّ شخصا وروحا ينزلان من السّماء، فتكون النّجاة وتحلّ السّعادة بالكيان البائس ..

ومن المعين القرآني اشتقّت صورة "الصّيّب" ، ومن الدّفق الدّلاليّ لهذا اللّفظ سقت نصّها، وغذت تجربتها، ووصلت فيها الأرض بالسّماء، والإنسانيّ بالإلهيّ، والنّسبيّ بالمطلق:

" والصيّب المطر ..

وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيّب ..

.. من صاب يصوب، أي نزل من السّماء أي من السّحاب .. "

هكذا تقول المعاجم في " الصّيّب" وهو في الغالب الوابل النّافع الطّيّب .. وكان الحدس الإنسانيّ منذ عصور الأسطورة استشعارا للعلاقة بين الأرض والسّماء علاقة إخصاب وإحياء وتوحّد .. وكان "الصّيّب" أبدا حبّ السّماء للأرض، وغوث من في السّماء لمن في الأرض .. وأبدا كانت القلوب تدعو ، الأرواح وتهفو ، و الأكفّ ترتفع، و الألسنة تضرع، استرفادا واسترحاما واستسقاء .. فينزل "الصّيّب" وحيا على الأنبياء، ووابلا من ماء السّماء يبعث الحياة، وإلهاما يعمر أرواح الشّعراء، وحبّا يعيد النّبض إلى القلوب المنفطرة:

فهلاّ تساقط

صّيب حبك على قلب

تداعى وانفطر ؟!

وهلاَّ رويت

بوصال روحك روحي

التي ما فتئت تنتظر؟ ..

ولئن كانت المرحلة الأولى محكومة بمنطق الانقضاء والتّحقّق، فإنّ الثّانية، لما انبت عليه من "طلبيّة" منزّلة في المستقبل أملا وانتظارا .. انتظارا للصّيّب حبّا وقصيدة .. الصّيّب المشروط بالانتظار باعتباره إيمانا وفعلا مقدّسا .. لتنفتح أبواب السّماء ..

 

ما بيننا .. / فاطمة نزال

بيني وبينك زمجرة الريح

تقطع بالخوف كل الصور ..

في كل عاصفة تلفنا

تبعثر أصوات صراخنا بين عوائها

تتوه الأصداء بتأوهات الشجر

ونلملم عري مخيلة

صاغتها كلماتنا

نلتمس دفئا غائبا

فلا يسعفنا إلا القدر

وأمل كنور منارة

يومض في لجة بحرٍ ينبئنا

بأن بعض الريح يُسكته المطر

فهلاّ تساقط

صيّب حبّك على قلب

تداعى وانفطر ؟!

وهلاَّ روّيت

بوصال روحك روحي

التي ما فتئت تنتظر؟

قراءة في نصّ "تشكيل" للشاعر عدنان الصّائغ

تشكيل...

أرسمُ دبّابةً وأوجهها إلى شرفةِ الجنرال

أرسمُ غيمةً وأقولُ: تلك بلادي

أرسمُ لغماً وأضعهُ في خزانةِ اللغة

أرسمُ عنكبوتاً على بابِ الأحزان

أرسمُ أبي وأقولُ له: لماذا تركتني وحيداً أمام اللئام

أرسمُ مائدةً وأدعو إليها طفولتي

أرسمُ ناياً وأنسلُ من ثقوبهِ إلى القرى البعيدة

أرسمُ شارعاً وأتسكعُ فيه مع أحلامي

أرسمُ قلبي...

... واسأله: أين أنتِ!؟

عدنان الصّائغ

 

1) تقديم

رأينا الشّاعر عدنان الصّائغ منشغلا، كما ينبغي أن يفعل شاعر مبدع حريص على تجديد أدوات إنشائه الشّعريّ، بإشكاليّة "الشّكل" و"الأشكال" في أكثر من نصّ، وهو جامع في فعل الكتابة الشّعريّة بين الأنجاز الفنّي و"التّفكير" فيه من حيث هو أداء جماليّ، لعلّ من شروطه الجوهريّة أنّه " تشكيل" فتشكّل، أي ما به يتجلّى شكل ما، تجلّي صيرورة، لا تجلّي كمال أو "انتهاء"، ونعني أنّ التّشكيل، في أصل الوضع المعجميّ، هو فعل في طور إنجاز وحركة غير مكتملة، سعيا إلى بلوغ " صورة " أو شكل يستجيب لطموح المبدع وهو ينخرط في فعل التّشكيل.. فيرضى أو يخيب..:

" أكملَ لوحتَهُ الأولى

واسترخى – بضعَ دقائق –

فوق الكرسي،

يتأملها..

لمْ تقنعْهُ..!

خلطَ الألوانَ الزيتيةَ، ثانيةً

ومضى يرسمُ لوحتَهُ الثانيةَ..

الثالثةَ..

الرابعةَ..

العا…!

لمْ تقنعْهُ

مزّقَ كلَّ اللوحاتِ

وراحَ بركنِ المرسمِ…

يبكي!!.."

ويمكن أن نستحضر أكثر من نصّ لإثبات هذا الهاجس " التّشكيليّ" في وعي الصّائغ ووجدانه، وهو هاجس ضمنيّ غالبا، وصريح أحيانا، كما هو الشّأن في نصّ " رسّام" الآنف الذّكر، ونصّ " تشكيل" الذي نروم قراءته، استقصاء لمعنى التّشكيل وأبعاده في نصّ الًصّائغ، وفي كلّ نصوصه..

 

2) تشكيل...وتشكيل

ينحصر مفهوم التّشكيل عند بعض الدّارسين في بعد جماليّ "تقنيّ" شكليّ مستعار من "الفنون الجميلة" وكأن لا أصالة له في الإنشاء الشّعريّ:

"يشتغل مصطلح «التشكيل» بمضمونه الجمالي والتعبيري عادةً في حقل الفنون الجميلة، وفي فن «الرسم» خصوصاً، إلى الدرجة التي أصبح فيها مفهومه دالاً على فن الرسم أو يساويه في أكثر الأحيان، وإذ أخذت فعالية التداخل بين الفنون الآن بعداً واسعاً وعميقاً ودينامياً، فإن ترحيل الكثير من المصطلحات والمفاهيم والصيغ والأساليب التي تعمل في فن من الفنون إلى حقول فنون أخرى أصبح من الأمور الميسورة والضرورية والسريعة التحقق، وصارت عملية الأخذ والاستعارة والاكتساب والترحيل والتضافر والتلقي والاستيعاب والتمثّل والتشغيل والدمج من الأمور الماثلة والطبيعية في ظل هذا المناخ، وهو يحقق الصورة الأكثر حضوراً وصيرورة لجدوى هذا التداخل وقيمته ومعناه." (1)

إلاّ أنّ هذا الحصر أو الانحصار يحدّ من طاقة هذا المفهوم / المصطلح، ويحسر كون انتشاره، إذ يفصله عن " المعنى" وعن "براديغم" القراءة الشّعريّة، وكأنّه ممّا ألحق حديثا، واستعير من حقل آخر..

أمّا المعنى، فهو يتشكّل بتشكّل "الأشكال "، فلا سابقيّة له، ولا لاحقيّة ولا انفصال، لأنّه محض حركة "، حركة شكل":

"لعلّ المعنى حركة شكل يتنقّل ويستمرّ لولبيّا في فضاء الكون..هو مبثوث منتشر في أبنية وصور لا نهائيّة، تتلازم عناصرها وتتواصل في حلقات متوالية من الأسئلة والأجوبة يحققها المتكلّم من خلال ملكته، ويجرّدها النّحويّ والمؤوّل في مستويات هي أيضا متراسلة متشاكلة متواردة في أبعاد ذهنيّة نفسيّة، ولسانيّة نظاميّة واستعماليّة تداوليّة، لا فصل بينها ولا قطع بين مراحل حركتها.وهي حلقات من أدوار كلّيّة ومقولات عامّة وأسئلة متكرّرة، في سلسلة دالّة على علاقات يمكن إجمالها في:{ ما/من/متى/أين/لم/بم/كم/كيف/مع من..} "(2)

ومن ناحية أخرى، لا نرى حداثة في مفهوم "التّشكيل" إلاّ في العبارة، أمّا المضمون المفهوميّ فهو ثابت في التّرات البلاغيّ والنّقديّ العربيّ، جار ضمن الأجهزة المفهوميّة عند الجاحظ والجرجاني وحازم القرطاجنّي وغيرهم..فما التّشكيل سوى تخييل أو تصوير :

" فإنَّما الشّعر صناعة وضرب من النّسج وجنس من التّصوير" (3)

ولذلك نقبل على نصّ الصّائغ بوعي تشكيليّ نستثمر فيه المداخل البيانيّة (البلاغيّة) والرّمزيّة، فهي عدّة الشّاعر وهو يشكّل الكون باللّغة وفيها...

 

3) حركة تشكيل المعنى في النص:

هي في النّصّ ضروب:

أ‌) حركة تكرّر وترديد، تمثّلت في وحدة الفعل والفاعل:

جاءت( الأفعال) التي تتصدّر الجمل أو الأقوال الشعريّة ترديدا وتكرار لفعل واحد:

أرسم....

وهو تحقّق وإنجاز للعنوان " تشكيل".. وفي ذلك إبراز لوحدة الفعل وجوهريّته، إلى حدّ يصبح فيه حدّا للكتابة وماهية: " الشّعر تشكيل.."

وهو، أي الفعل التّشكيليّ الشّعريّ، ممارسة مفتوحة، تبدأ ولا تنتهي، فيظل الفعل يلاحق بعضة بعضا بواوات عطف لم يذكرها الشّاعر ولكنّها ثاوية في بعد من أبعاد المعنى:

أرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم .....

ومثلما اشتققنا حدّا للشّعر باعتباره تشكيلا، نشتقّ هويّة للشّاعر باعتباره "رسّاما" باحثا عن اللّوحة "المقنعة "، فيظلّ يرسم إلى ما لا نهاية له دون بلوغ ذروة الإبداع المنشودة تشكيلا جماليّا ودلاليّا...

ومثلما يمكن أن تكون هذه الحركة حركة جمع تراكميّ ترديديّ لفعل واحد نبحث فيه عن درجة من الرّقيّ، وعن ذروة جماليّة هي الحلم الإبداعيّ الأعظم، يمكن أن نعتبرها حركة جمع "تخييريّ " دالّ على التّجريب أو الحيرة أو البحث :

أرسم..أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...

 

ب‌) حركة تعالق بين الفعل المحوريّ الذي يتصدّر الأقوال الشعريّة والأفعال التي تعقبه في كل قول:

أرسم .. وأوجّه

وأقولُ

وأضعهُ

وأحنّطهُ

وأقولُ له

وأدعو إليها

وأنسلُ

وأتسكّع

وأسأله...

وهو تعالق وظيفيّ قائم على "الأجليّة" التي تفتح الممارسة الإبداعيّة الشّعريّة على جملة من الأعمال والآثار المتّصلة بالذّات المبدعة ومنزلتها في الكون..

وفي كلّ هذا تتراوح منزلة الشّاعر "الرّسّام" بين العجز والقدرة والمحاولة والنّجاح والخيبة والعبث والتألّه والصّعود إلى القمّة والسّقوط في هاوية العدم..واللاّشيء...

ج) حركة تنويع واستعراض: تتمثّل في تنويع المفاعيل

وهي مفاعيل "أشياء" وأشخاص(شخص واحد):

دبّابة /غيمة/لغم/عنكبوت/أب/مائدة/ناي/شارع/قلب...

وهذه المفاعيل هي بؤرة التّوتّر ومركز الثّقل التّشكيليّ فنّا ومعنى ومقصدا، ويتّخذ التّشكيل منحى ترميزيّا جليّا، فيقترن كلّ عنصر في هذه " القائمة" من المفاعيل بموضوع أو غرض أو "تيمة" ممّا يكتب ويتبارى فيه المبدعون:

• الثّورة/النّضال/المقاومة :دبّابة

• الحنين/الوطن/الوطنية :غيمة

• تفجير إمكانات اللغة : لغم

• الشكوى/الغنائيّة:عنكبوت

• الطّفولة :مائدة

• الحلم :ناي/شارع

• الحبّ :قلب

وهذه المفاعيل/المواضيع بينها علاقات ينزّلها منطق التّشكيل الشّعريّ منزلة الممكن والمحتمل:

أ‌) علاقة انضمام وتراكم وتجمّع، تجعلها تتآلف وتنسجم داخل كون شعريّ واحد مختلف العناصر متكامل..وهذا ما به تتشكّل داخل لوحة واحدة..

ب‌)   علاقة تنافر وإقصاء، فيلغي بعضها بعضا، ويحلّ محلّه بحثا عن "التّوازن" المنشود..ولا يخفى ما يتضمّنه هذا من موقف إبداعيّ للشّاعر يأبى الاكتفاء بصفة إبداعيّة أو تصنيف ضمن خانة من خانات الشّعر أو مدرسة أو اتّجاه..

ج) علاقة تضافر لتشكيل هويّة "شخصيّة" إبداعيّة تقدّم نفسها في وجوه متعدّدة جامعة بين النّضال والغربة والحنين واليتم والحلم والعشق..

د) علاقة تفكيك يتجلّى فيها الكون معاني متفرّقة منتشرة، ينظّمها الشّاعر ويشكّلها، ليكون الكون كما تشكّلت تلك المعاني، متشكّلا فيها وبها مخلوقا، لا وجود له خارج التّشكيل وإرادة الرّسّام...

ه)علاقة تقابل بين الخارج والدّاخل أو الظّاهر والباطن أو السّطح والعمق، والانتشار والاختزال.وهذا الاختزال يجد أكمل معناه في القول الآخر :

" أرسمُ قلبي...

وأسأله: أين أنتِ!؟.."

و)علاقة بين امتلاء وفراغ.. ووجود وعدم

تتراكم المعاني وتتشكّل، وتتجلّى خطوط اللّوحة وأشكالها وألوانها، ولكنّ القول الآخر مثّل "السّقطة" التي "تفجّر" فيها البنيان، وجاءت الصّرخة مدوّية كصرخة بطل تراجيديّ في "نهاية " مأساة :

" أين أنت؟"

وتتجلّى هذه المخاطبة الحاضرة بالغياب الفاجع، غيابا للمعنى في الوجود، وتكون المسيرة التّشكيليّة مسيرة البحث عنها..عن القصيدة المستحيلة، لتنكفئ الذّات غريبة وحيدة مشكّلة المعنى..والجمال، من جديد، في مسيرة تشكيليّة " سيزيفيّة " مضنية قدريّة لا يقوى عليها إلاّ المبدعون أنصاف الآلهة...العاشقين أبدا للقصيدة مستحيلة، يطلبونها، ويتوهّمون أنّهم يدركونها، ولكنّهم لا يجدونها أبدا "داخل اللّغة" ولا داخل الزّمان:

" كان يلزمني لاجتراحِ القصيدةِ:

طاولةٌ خارج اللغةِ – البيتِ (معنى يشكّلهُ الطفلُ،

قبل الفراشاتِ،

في رعشةِ البرعمِ الغضِّ)..."

 

..................

هوامش:

1... د. محمد صابر عبيد /«التشكيل» مصطلحاً أدبياً

2..المنصف عاشور/المعنى وتشكله..ج1(تقديم)

3...الحيوان، الجاحظ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون:3/131، 132

 

قراءة في قصيدة:لأنّي أحبّك.. لسعاد حسن العتابي

(كلّ قصيدة هي أسطورة عشق .. أسطورة خلق) .. الحبيب بالحاج سالم

 

لأني أحبـــــك / سعاد العتابي

أينعتْ الورود .. في بلــدي

ولم يهدأ رذاذ المطر .. فرحاً

لأني أحبك ..

تبقى الحمائم تُدلّك وجه السماء

والفراشُ يرقصُ على نغم ِالنسيم

لأني أحبك ..

تنصهرُ الفصول

ويظهُر فصلك أسطورة عشقٍ

تزهو فيه ألوان الهوى قزحاً

وتزهر براعم القصائد فواحة

لأني أحبك ..

صار لهمس السواقي نغماً

تتمايل له الاغصان ولـهاً

لأني أحبك ..

يبقى الفلك

يدور .. ويدور .. ويدور .......

 

 

القراءة:

كلّ قصيدة هي أسطورة عشق..يضعها شاعر أو تضعها شاعرة لخلق العالم من جديد.. وإن لم تكن كذلك فهي لا شيء.. والشاعر الفذ لا يستعيد أسطورة أو يستلهمها فقط، بل يكتب أسطورته، ليضع نفسه ويضعنا أبدا أمام ذواتنا في بداياتها.. بداياتها المتجدّدة التي لا تنتهي.. وأعظم تصوّر لهذه البدايات أن نكون ..أن يكون وجودنا أسطورة خلق.. أسطورة عشق، في ترابط عضوي بين الحبّ والخلق، علّة وغاية، فعلا وقصدا.. وكلّ أسطورة هي أسطورة حبّ وتكوين، وكلّ قصيدة هي قصيدة حبّ وتكوين..لإنسان خال ومخلوق أبدا، ولا ينتهي خلقه مادام وعيه بذاته يتنامى، ولا يتوقف ويتوارث وينتقل من جيل إلى جيل ومن شعب إلى شعوب ومن ثقافة إلى ثقافات ومن تجربة إلى تجارب، في إطار التنوّع والوحدة..

هكذا كان ويكون الشّعر الفذّ، وهكذا رأينا الشّاعرة سعاد حسن العتابي في نصّها هذا..ويتجلى هذا البعد الخلقي/التكويني في تكوين النص نفسه وهندسته الدّائرية..وأعمّ وجه تتجلّى فيه هذه الأسطوريّة التّكوينيّة فعلا أزليّا أبديّا مفتوحا، هو بنية العنوان، ومنزلته في النصّ من حيث هو مطلع ولازمة تحقّق للنص وحدته، وتدفعه للتّنامي، وتجعله مشدودا أبدا إلى المنشأ الأسطوريّ العميق الضّارب في الوجدان والتاريخ القديم للنّفس تعي جذورها وأصلها وبداياتها السّحيقة..

 

1) الأسطوريّة العلّيّة..في البدء كان الحبّ..فكان الكون..

لأني أحبّـك ..

هذا المركّب /العنوان في بنيته النّحويّة وموقعه لازمة للنّص، هو ما يمنح النّصّ هويّته ..تدويره أو دائريّته الحاملة للنّواة الدّلاليّة والجوهر الاسطوريّ الذي به يكون نصّا ويكون أسطورة ... فالتركيب العلّي /التعليليّ السببيّ (الأجليّة السببيّة) هو ما ينزّل الحبّ من حيث هو فعل كونيّ تكوينيّ منزلة العلّة الأولى أو العلّة الكبرى، وما عداها معلولات لها ونتائج، جملتها الكون والعالم والحياة والطّبيعة...وهو مركّب حرفيّ في محلّ المتمّم التّعليليّ الملحق بنواة الإسناد، ولكنّه يتقدّم ويتصدّر حتّى يصبح وكأنّه صدر الكلام وجوهره ونواته الأصليّة، وتتأخّر النّواة، لانّ ذاك هو الحاصل في تكوين العالم وانبثاقه عن فعل الحبّ..

وينبغي البحث في هذا المركّب في مستوى التّضمّن المنطقيّ لنصل إلى قضايا(منطقيّا) أساسيّة أولاها: "أنا أحبّك.." أي أنا أتحدّد أو أحدّد هويتي بفعل الحبّ أو حال الحبّ التي هي أنا..وحال الحبّ هي حال مفتوحة مطلقة (المضارع) لا نعلم لها بدءا ولا منتهى، لأنّها حال متجدّدة حاضرة، حضور الأسطورة في قاع الذّات وتجدّدها، تعبيرا عن النّزوع الأبديّ في الإنسان / الشّاعر إلى أصله الذي كان ويكون استعادة واكتشافا مستمرّا..وهذه الهويّة الرّاجعة بالإنسان إلى أصل عشقيّ خالق خلاّق أبدا، هي هويّة ألوهيّة ضرورة، تتمازج وتتفاعل في تشكيل تصوّرها في وجدان الشّاعرة وذاكرتها العقائديّة، روافد عدّة أهمّا الرّافد الأسطوريّ التّكوينيّ..ولئن طغت الآنية الزمانيّة في بنية هذا العنوان، فإنّها آنيّة إنّيّة تتكثّف فيها وبها الهويّة العشقيّة، وتنصهر في لحظة الحاضر لحظة المستقبل الاستعادي للحظة الماضي السّحيق الفاتن بسحر البدايات..

وبقدر ما تبرز في بنية هذه القضيّة (..أنّي أحبّك) الذّات المتكلّمة العاشقة الخالقة بفعل الحبّ، المنزّلة بذات الفعل منزلة الآلهة، تبرز الذّات المخاطبة (أحبّك...أنت..) متعلّقا للحبّ، ذا منزلة وحيدة، وهي أن ينزع إليه نزوع حبّ، وأن يقال له ذاك الحبّ كما تقال الدعوات والابتهالات...وبهذا التّركيب العجيب، يكون الخطاب خطاب خالقة /آلهة عاشقة لمخلوق، وخطاب مخلوق متعبّد عاشق لمعبود هوعلّة الكون والوجود حبّا وجمالا...

2) وتصل الشّاعرة هذا الوصل الأسطوريّ التّكوينيّ الجوهريّ (الحبّ والخلق) في كل مرّة مبرزة أثره وانتشاره في ظاهرة، هي حضور هذا الفعل في الطبيعة وفي الكون..فيتجلّى فعل الحبّ أوّلا في الطّبيعة ورودا يانعة نامية وماء يمنح الخصب والحياة:

" لأني أحبّك...

أينعتْ الورود .. في بلــدي

ولم يهدأ رذاذ المطر .. فرحاً.."

وهكذا تدخلنا الشّاعرة منذ البداية إلى صميم تجربة العشق الأسطوريّة التّكوينيّة، فكان كلّ ذلك رؤيا عشقيّة تعيد تشكيل العالم والطّبيعة لتكون جمالا وفرحا وطقسا مقدّسا واحتفالا كونيّا بالحبّ وللحبّ..ولسنا في حاجة للحفر عميقا لنعثر على " الماء" الأسطوريّ الرّاوي للشّاعرة ونصّها حتّى يخرج بهذا الوهج البدئيّ/البدائيّ السّاحر..ولم تكن هي في حاجة إلى رموز أسطوريّة صريحة لتبلغ قصدها، بل تشرّبت الرّموز الأسطوريّة وغذّت بها تجربتها، فجاءت بلا افتعال ولا إسقاط ولا ادّعاء واستعراضا لثقافة، كما يحصل في " أشعار " كثيرة...وبهذا نراها موفّقة بكلّ التمكّن والدّقّة في بناء الصّور، في نشر الفرح احتفالا نيسانيّا يحيي في الذّاكرة طقوس الحبّ والابتهال والابتهاج بالآلهة المانحة حبّا وماء وخصبا :

"لأني أحبك ..

تبقى الحمائم تُدلّك وجه السماء

والفراشُ يرقصُ على نغم النسيم.."

وكلّما تقدّمت بنا الشّاعرة داخل هذا الكون العشقيّ الجميل، ننتقل من الصّور البسيطة إلى الصّور المركّبة، ونكتشف وعي الشّاعرة أنّها تكتب " أسطورة عشق" وأنّ أسطورة العشق هي "أسطورة خلق"، وأنّ الخلق "كلمة" يقولها إله أو شاعر لتكون في الكون والعالم حياة..و"براعم الحياة" هي "براعم قصائد" و"براعم حبّ" أصلا وشرطا...وتبلغ الشّاعرة العاشقة درجة من الافتتان والتّقديس والتقدّس تمكّنها من رؤية الفصول فصلا واحدا، تجلّيا لوحدة الوجود وانصهار الأشياء والموجودات، تعبيرا عن وحدة الأصل والمنبثق..وتصبح الطّبيعة الغضّة المزهرة الفوّاحة والمزدهية بألوانها أبدا، معبدا واسعا للحبّ، ترتّل فيه القصائد أناشيد من الكتاب المقدّس للحبّ والخلق والخصب والجمال :

"لأني أحبّك ..

تنصهرُ الفصول

ويظهُر فصلك أسطورة عشقٍ

تزهو فيه ألوان الهوى قزحاً

وتزهر براعم القصائد فواحة... "

وكأنّ الشّاعرة قد استشعرت فعلها الشّعريّ والعشقيّ الأسطوريّ، ومدى انتشاره مفاهيم وقيما، فاختزلت ما نشرته في الصّور السّابقة، وجمعت فعل العشق في أثر رأته الأعمّ والأشمل، ألا وهو الأبد والبقاء متجلّيين في دورة الطّبيعة والكون، وانتظام تلك الدّورة حركة أبديّة كالسّكون، بل هي السّكون.. فما يدور ويدور ويدور هو صورة للامنتهى والأبد:

"لأني أحبك ..

يبقى الفلك

يدور .. ويدور .. ويدور ...|

وليس الأبد إلاّ " أسطورة عشق" تصل الأزل بالأبد، وتستعيد حقيقة البدايات السّاكنة الثّاوية في الأعماق...ولا سبيل إلى ذلك إلا بيقظة الإله النّائم في أعماق شاعر أو شاعرة.. وذاك ما كان من الشّاعرة...

 

قراءة في نص الشاعرة مادونا عسكر: زدني حبّا

في شرف الحبّ .. وأرقى العلم ..

الحبّ موهوبا ومطلوبا../الحبيب بالحاج سالم

زدني حبّاً / مادونا عسكر

أشرق السّرّ من راحة كفّيكْ

أرسى أمنية في حديقة العالمْ

شقائق نعمانٍ تلوّن أسارير الرّبيعْ

تمسك يد النّسيم، تدعوه للاحتفال بعودة اليمامْ…

ربيع يعلنه أزهر يديكَ

منذ البدء اصطبغ بروح الكلمة

أنشد على مسامع الأكوان شموساً وأقمارا تلفّ الأرض حبّاً وضياءْ…

أطياراً تغيب وأخرى تحضرْ،

تتلو صلاة البهجة في حضور النّيّرات العظمى

تبثّ بسمات بريق يعكس كنزك الخفيّْ…

كنزك، طيف على الجميع يمرُّ

 

ولا يستقرّ إلّا في طوباويّة النّفوس العطشى…

بنى السّنونو عشّاً في خضرة رحابكَ

حيث لا خريف يباغت الشّمسَ

ولا عواصف تقسو على أجنحة لطيفة…

بل نسيمات حنوّك الرّقراق، تنساب هادئةً

تدفئ القلب المنكسرْ،

من وحشة الأسى تنجّيه وإلى فرح الأبد تحملهُ…

فيذوب ويرقّ للمسة من سحر بيانكَ ويحلّق عالياً…

كذلك سنّة العاشقينَ…

من وداعتك تنهل الينابيع العذوبة

حتّى إذا ما ضمّت الأرض، تسرّبت إلى غورها

رُحاقٌ يثمّل جذورها… يحفظها لأبد الدّهرِ،

حتّى يقرّبها على مائدة قلبك في أوانٍ نورانيّة

تشترك معك في مأدبة العرس الأزلي...

خمرك بسمات الكروم في روعتها

قطاف الأعياد في أوج فرحها…

من حروف اسمك ترتشف سلام القلبْ

فاسمك لآلئ السّحاب يزور موطن الأنقياءْ…

اسمك واحد في هذا العالم وفي العالم الآتي…

حبيب واحد لا سواه وإن كثر الأحبّة،

سيّد واحد وإن تعدّد الأسيادْ،

حبّ واحد عرشه السّماء والأرض موطئ قدميه،

لا يعاينه إلّا الجياع إلى البرّ…

اجعل سيّدي نفسي توّاقة أبداً لعناق معصميكَ

حتّى تتلمّس وهج الأزهر وتتنقّى…

امنح سيّدي قلبي الصّغير حزناً بهيّاً

حتّى يتشّوق لعرس الكلمة ويتطهّرْ…

هبني قلبك حياةً أحيا بها خلوداً أردته لي في سفر مملكة الحبِّ…

زدني حبّاً، واختم اسمي بحروف اسمكّ…

يتّحد الاسمان في آية واحدة،

فإذا ما ناداني الصّوت ناداكَ

وإذا ما قرأ الهدب اسمكَ غفا على أسرار العشقِ…

 

القراءة

من العنوان، باعتباره عتبة رئيسية من عتبات هذا النّصّ، تتجلّى علاقة، تبدو في ظاهرها استبداليّة " زدني علما.." و"زدني حبّا"..ولكنّها في المنطق الدّاخليّ العميق للنّصّ علاقة تفسيريّة تماثليّة يتماهى فيها العلم والحبّ، أو يكون الحبّ نتيجة للعلم أو علّة أو درجة عليا ومقاما أرفع له..

وإذا كان العلم المستزاد والبالغ في ذروته ومنتهاه مرتبة الحبّ، امتدادا نصّيّا للعلم بالنّصّ المقدّس باعتباره حضورا لكلام الله الحبيب في العالم (طه 114) فإنّ الحبّ المستزاد في نصّ الشّاعرة /القدّيسة حال وجد صوفيّ مطلقة، وتصوير لهذه الحال العجيبة اللّطيفة، في أبعادها الفكريّة والإيمانيّة العشقيّة والجماليّة الرّوحيّة..

فمن الواضح أنّ الشّاعرة تطلب في الحبّ أقصاه وأعلاه وأقدسه وأكمله وأنقاه وأوّله وآخره، وتريد أن تبلغ منه سنامه وأرقى درجاته أو مقاماته..وهي مؤسّسة مذهبها هذا على أصل لاهوتيّ إيمانيّ متين (وتُحِبُّ الرّبّ إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك..." سفر التثنية")..وما هذه الاستزادة إلاّ انسجام مع المطلوب في هذه "الوصيّة الأولى" والعظمى، بل الأمّ لكلّ الوصايا، وعمل بمقتضاها قصد بلوغ هذه الكلّيّة في الحبّ من القلب والنّفس والفكر والقدرة..وهي أيضا شعور بأنّ هذا الحبّ هو الفعل الأرقى ضمن أعمال الإنسان في العالم، لأنّه لم يوجد إلاّ لذلك، وكلّ فعل ينبغي أن ينتشر عنه ويرتدّ إليه..وفي هذه الاستزادة أيضا يقين بالحبّ وبالقدرة عليه في كماله وتمامه وتناسبه والمحبوب، لأنّ هذا المحبوب هو الحبّ..وبلوغ كمال الحبّ تماه واتّحاد بين المحبّ (الإنسان) والحبيب/الحبّ(الله)..ولذلك تكون الاستزادة المفتوحة اللامتناهية شرطا لبلوغ هذا المقام..

وهذه الاستزادة من جهة أخرى هي طرف في مقولة طرفها الثّاني هو النّقص.. فلا يستزيد إلاّ المستشعر حاجة ونقصا ورغبة في سدّ ذاك النّقص..وليس هذا من قبيل النّقص حاجات مادّيّة ممّا يمكن إشباعه من العالم، وإنّما هو تجاوز للمرتبة المعطاة أو الكيان كما هو في العالم، وكما يعيه أو يراه صاحبه..والشّاعرة /القدّيسة هي من أولئك الذين تجاوزوا ماهية النّقص والكمال كما يحدّدها العالم، إلى ماهية أصيلة كونيّة إلهيّة الأصل والمرام، حتّى أضحت هذه الماهية القديمة /الجديدة معيارا تصنيفيّا لا يستوي به الذين يحبّون والّذين لا يحبّون..وهي ممّن يحبّون، ويطلبون في الحبّ "فرط الحبّ" :

" زدني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّراً.." (ابن الفارض)

ويجدون في هذا الإفراط والغلوّ تمام المعنى ومطلق حال كلّيّة، فيكونون أبدا راغبين في ازدياد رغبة واقعة خارج حدود المكان والزّمان :

يَا حُبَّها زِدْنِي جَوى كُلَّ لَيْلَة    وياسلوة الأيّام موعدك الحشر" ( قيس بن الملوّح)

وهذه الاستزادة، وإن بدت ذات محتوى وكمّ، وكانت طلبا ينضاف به المقدار إلى المقدار، ويكون ذاك المقدار في تعاظم لا حدّ ولا تقدير نهائيّان له، فإنّها في حقيقتها العشقيّة ممّا يقع خارج القيس والتّقدير، ويتنزّل في سياق الإيحاء بخصوصيّة في مفهوم الحبّ ومتعلّقه وفعله ومقاصده..ولعلّ من ألطف هذه الإيحاءات أنّ الاستزادة تولّد الاستزادة ، لأنّ كلّ استزادة علم أكمل وحبّ أعظم ودهشة أكبر وشوق أشدّ..وحاجة جديدة وفعل استزادة لا ينتهي ..وهذا ممّا يكشف عنه النّصّ ويكون ببنيته تجلّيا له...

ويمكن التّمييز بين مستويين من مستويات الاستزادة حبّا في هذا النّصّ، واتّخاذهما منطلقا ومنهجا في القراءة:

أ‌)       الاستزادة حركة نازلة.

ب‌)     الاستزادة حركة صاعدة.

 

أ‌) الاستزادة من حبّ الحبيب لنا .. وهذا أصل أوّل وعلّة وماهية علويّة..(حركة نازلة..)

للاستزادة هنا معنى لطيف دقيق، فليست هي طلبا من ممتنع أو بخيل أو ناقص، بل هي كشف عن فعل هذا الحبيب المتعالي الكامل القادر على كمال الحبّ..ذاك الذي أحبّ ويحبّ بكل قلبه.. ولكن لا يرى العالم هذا الحبّ رغم أنّ العالم هو صورة من صور فيضه، وكلّ "شيء" فيه هو وجه من وجوه حضوره وتجلّ من تجلّيات حبّه..وها هي الشّاعرة/القدّيسة تراه وتلمس حبّه، وعظمة هذا الحبّ، وتكتشف وتكشف بعض أسراره:

.."أشرق السّرّ من راحة كفّيكْ..."

هذا تخبر الشّاعرة " الإشراقيّة" عن السّرّ الخفيّ عمّن لا يحبّ،الجليّ لمن يحبّ..وما هذا السرّ سوى حضور للحبيب/الحبّ في العالم من حيث هو فيض أغزر من أن تحصيه العين..ولذلك يكون النّص، وهو فيض من الصّور واللّوحات، صورة لهذا الفيض العشقيّ الإلهيّ اللامتناهي لا تناهي الأشياء في العالم..فإذا العالم في عين الشّاعرة العاشقة القدّيسة تجلّ " لروح الكلمة.." ..الكلمة/الحبّ..التي كانت في قلب الحبيب، ثمّ صارت العالم جمالا وحضورا للحبّ فيه..ولهذا العالم صور عدّة في النّصّ، مشكّلة لحقل معجميّ نواته الجمال: حدائق وشقائق نعمان وربيع ويمام ونسائم وأزاهير وأطيار وأضواء وأنوار وألحان وصلوات وأناشيد..هكذا يكون الحبيب ألوانا وأشكالا وأصواتا وعطورا تُرى وتُفهم لتكون الحبّ حاضرا تدركه الأبصار والقلوب والعقول..يراه بعضهم حكمة، وتراه الشّاعرة جمالا وحبّا بل عشقا للعالم، هذا العالم "العروس" في أبهى الحلل والزّينة والفتنة.."الكنز الخفيّ.." الجليّ " لللنّفوس العطشى.." إلى " فرح الأبد.." فتعيش الأسى ب"قلوب منكسرة.." و"حزن بهيّ.." لأنّها " طوباويّة.." مثاليّة متعلّقة بمطلق الحبّ وأكمله وأصله وجوهره، فلا تكتفي :بنصف الحب ونصف الحبيب ونصف الشّوق.." ونصف الرّغبة.. فتنجو من الخريف واليبس والجفاف والخيبة والعواصف، لتحيا الرّبيع الأبديّ..و.."تحلّق عاليا.."...

هكذا تتنامى القصيدة توسّعا وانتشارا لمعنى حبّ المحبوب الإلهيّ للعالم حبّا لامتناهيا، فيضيّا مدهشا للحواسّ والعقول والقلوب أقلّها، لأنّ " الجميع" لا يحبّون، فلا يعلمون..وهذا الحبيب يُرى "بعين القلب"(الحلاّج) والشّاعرة حباها الحبّ عين القلب، فرأت بعين الحسّ ما أبهرها، فراحت تحكي ما ترى، لعلّنا نرى بعض ما ترى..

وحين تلتقط العين ما أُتيح لها من حضور للحبّ في العالم، تأخذها نشوة الافتتان والسّكر، فتثمل روحها..ولا أدلّ على ذلك من حضور الماء والخمر في القسم الثّاني من النّصّ، وهما من الرّموز الكبرى في المدوّنة العشقيّة اليسوعيّة الغزيرة الإيحاء..فنرتقي في النّصّ من فضاء ربيعيّ أرضيّ إلى فضاء فردوسيّ سماويّ كونيّ، يستحيل فيه الكون "عرسا أزليّا.." و" أوج فرح..":

من وداعتك تنهل الينابيع العذوبة

حتّى إذا ما ضمّت الأرض، تسرّبت إلى غورها

رُحاقٌ يثمّل جذورها... يحفظها لأبد الدّهرِ،

حتّى يقرّبها على مائدة قلبك في أوانٍ نورانيّة

تشترك معك في مأدبة العرس الأزلي...

خمرك بسمات الكروم في روعتها

قطاف الأعياد في أوج فرحها...

وهذا المقطع هو أغزر المقاطع وأقواها أثرا وتعبيرا عن حال "السّكر" حبّا وقد انتشر في الأشياء الموجودات والكائنات، فتعانقت وعانقت حبيبها الأوحد وهو فيها ومنها، لأنّها منه كانت وإليه تعود " قرابين" وعروسا تشتاق أبدا إلى الحبيب السّماويّ، في عيد كونيّ له أوج، وليس له نقصان..

وفي هذا الطّور من الانتشار تعدادا "للكثرة.." النّاطقة بالفيض المستزاد أبدا، لأنّه لا ينتهي، ترى الشّاعرة أن تعود بهذه الكثرة إلى الوحدة (أو الواحديّة أو الوحدانيّة..) فما كانت تعدّده راجع إلى الحبيب الواحد الأحد، الملغي للكثرة، لأنّها كثرة ناقصة راضية بالنّصف، الحقيق بالسّيادة، لأنّه المانح الحبّ حتّى الفناء، بلا كبرياء ولا غرور ولا بخل ولا حساب، فحُقّت له السّيادة..ومن ساد هذه السّيادة السّماويّة النّازلة من الأعالي إلى "غور الأرض.." جاعت إليه النّفوس النّقيّة، وهجرت أسياد العالم، لأنّهم عبيد...:

 

من حروف اسمك ترتشف سلام القلبْ

فاسمك لآلئ السّحاب يزور موطن الأنقياءْ...

اسمك واحد في هذا العالم وفي العالم الآتي...

حبيب واحد لا سواه وإن كثر الأحبّة،

سيّد واحد وإن تعدّد الأسيادْ،

حبّ واحد عرشه السّماء والأرض موطئ قدميه،

لا يعاينه إلّا الجياع إلى البرّ...

 

ب‌) الاستزادة من حبّنا للحبيب..

وهذا أصل ثان لأنّ منشأه الأرض وقد أدركت حضور الله فيها حبّا، فهفت إليه لما رأت من عظيم حبّه وكماله، ورأت قصورها وتقصيرها في حبّه الحبّ الذي يجدر به ويليق بمقامه الأسنى، فاتّجهت إليه بلسان الشّاعرة القدّيسة في خطاب ابتهاليّ، حتّى يمنحها أن تحبّه كما يحبّها، لا كما تعلّمت أن تحبّ في العالم..

وفي هذا المقطع الأخير من القصيدة نتبيّن المقام الذي إليه تهفو نفس الشّاعرة العاشقة وهي تستزيد من قدرتها على الحبّ بكلّ قلبها ونفسها وفكرها..وهو مقام تنتفي فيه الحدود بينها وبين الحبيب ليكونا الواحد:

يتّحد الاسمان في آية واحدة...

وهذا سرّ أسرار الاستزادة حبّا، أن تكون هو، ويكون هي:

"فقلتُ من أنت قال أنت...(الحلاّج)

وفي سبيل ذلك تطلب التّوق أبدا لترتقي وتتنقّى، وتطلب أن تكون فيضا من الشّوق لتتطهّر أكثر فأكثر..وهي عالمة واثقة أنّها بالغة "ملكوت الحبّ" ساكنة قلب الحبيب مادام الشّوق في ازدياد :

اجعل سيّدي نفسي توّاقة أبداً لعناق معصميكَ

حتّى تتلمّس وهج الأزهر وتتنقّى...

امنح سيّدي قلبي الصّغير حزناً بهيّاً

حتّى يتشّوق لعرس الكلمة ويتطهّرْ...

هبني قلبك حياةً أحيا بها خلوداً أردته لي في سفر مملكة الحبِّ...

ولا يهب الله قلبه حياة إلا لمن فنى وانتفى فيه عشقا، وسلك طريق المريدين مثلما تفعل الشّاعرة القدّيسة التي تحنّ إلى السّفر العظيم..إلى "مملكة الحبّ" وهذا ضرب من الحنين إلهيّ، ينبغي أن نعمل لبلوغه، بما أوصى به "غوته" إذ يقول:

مُتْ فكُنْ..

وهذا اختصار لمذهب الشّاعرة العاشقة حتّى الفناء..المستزيدة حبّا وفناء ليكون اللّقاء..فتكون..

 

رمز المرأة في روايات أمير تاج السر

saleh alrazukفي روايات أمير تاج السر لا توجد نساء بمطلق معنى الكلمة ولا بالسياق الجنوسي المعروف الذي اشتهر باسم الأنوثة.

إن نساءه رموز بكل ما تحتمل هذه الكلمة من معنى. هذا يفترض أن صورة المرأة - الأم وتحويلاتها الأوديبة هي احتمال مجرد.

إن الأم الأوديبية التي فتحت الباب لمشكلة زنا المحارم تشير لموضوعة أو قيمة موجودة في فجر تاريخ الجنس البشري. وقد لعب بهذه الورقة كل الروائيين الإشكاليين، ودائما أرى أن كلمة إشكالية عنوان عريض يحتمل عدة تفسيرات.

التفسير الحضاري وما يتضمنه من تحولات في طرق الحياة المعاشة وتنظيم الأسرة – القبيلة، وهذه حالة اهتم بها تاج السر في عدد قليل من الروايات، ولا سيما ذات المنحى التاريخ اجتماعي مثل (مهر الصياح). فهي تتحدث عن بناء القبيلة في مجتمعات مبكرة من أرض السودان. ولم يتستر هو تفسه على ذلك وقال منذ المقدمة: " إن روتيته مستوحاة من التاريخ القديم لسلطنات حكمت السودان ردحا من الزمن (ص 5).

وللأسف لا تستطيع أن تحدد دور المرأة في هذا الصراع. فهي تعيش على الهامش. وفي ظل عالم تحكمه سلطة الذكور. فهو عالم كونتونات (بالمصطلح الحديث)، وعالم ثكنات عسكرية. ومكان المرأة الأساسي مخدع الرجل أو المطبخ. إنها صورة الأم التقليدية التي أرسى أسسها الفكر الإسلامي، وليس الوثني، ولا حتى ديانات تعدد الآلهة والأرباب. مع قليل من الجواري والقيان بغرض الترفيه (انظر المغنية تمائم – ص 19 وما بعد).

ولذلك كنت أنظر لهذه الروايات على أنها أوراق من مدونة لها أكثر من محرر.

لقد ذكر تاج السر أن هذه الروايات تتعبه وتأخذ منه وقتا مطولا وتستوجب القراءة في بعض المراجع. ولعله بسبب اختلاف تلك المراجع كانت طبيعة الصفات تسبق الموصوفات. بمعنى أن الرواية تبدأ من نهاياتها قبل أن تلقي بشيء من النور على الافتتاحية.

ونستدل من ذلك أن العمل الذهني الشاق قد وقف حائلا بين التطور والحافز عليه. وبتعبير الناقد الدكتور حسين سرمك هناك فصل بين الموجودات وأسباب الوجود (مقالته المنشورة في إمضاء عن أدب المحارم في روايات قؤاد التكرلي)..

ولكن هذا لا يعني أنها روايات تخلو من التشويق والمتعة. بالعكس إن المرأة الأثرية أو امرأة الأحفورات (مثل العجائز والمشعوذات والعرافات) حملن قسطا لا يستهان به من الدراما. وعبرن في عدة مواقع عن دور اللاشعور في إنضاج المشهد الفني. وقد لعبن دورا أساسيا في تعليم الشخصيات الأخرى المسبقة الصنع (أو شخصيات المدونة) والحيلولة دون سقوط العظة والحكمة المرجوة من العمل الفني.

وهناك كذلك التفسير السياسي. ولشرحه أكتفي بالإشارة لنساء نابوكوف وكونديرا. إنهن جنسيات بشكل فاضح. والظاهرة الجنوسية هنا تعبر عن مبدأ له علاقة باستراتيحية الرفض، وليس موضوعة الفكرة الجنسية بحد ذاتها. فإطلاق العنان للغرائز غير المهذبة أو الخروج على قانون الأسرة المتمدنة يدل أيضا على الممانعة. وعلى رفض التعليمات التي يمليها القانون الأبوي. إنه بالتعالي على شروط التهذيب وبالهجوم على التابو تكون الأنا العليا قد بدأت بالعودة لحالتها الوجودية. إنها لا تعمل على تدمير نفسها ولكنها تعيد ترتيب المراحل.

وأرى أن هذا أبلغ وأقصر طريق للحيلولة دون الدخول في حضارة المجتمع الأبوي المسؤول عن تفشي أمراض سياسية منها الدكتاتوريات وفض النزاعات بالحروب والاستئثار بالمغانم بما فيها النساء.

وهذا التفسير يوضح لماذا كانت صورة المرأة في روايات تاج السر التاريخية كأنها تعيش في مناطق العزل (مستعمرات العقاب الداخلية - في مربعات مغلقة داخل معسكر الرجل وربما في قلعته المحصنة).

إنه في هذا النمط كان الروائي بعيدا عن بيئته الواقعية وقريبا من مشكلة تتفاقم في الذهن وتوازي بألمها ولوعتها متاعب رضة الفطام. فالراوي وهو ضمير فني ومستتر للكاتب ينظر لميدان الأحداث من الأعلى. والفاصل بين الذات وموضوعها لا يجاري أزمة المنفى ولكن يضاعف من الإحساس بها. فهو نوع من الاغتراب القسري الذي فرضته الظروف المجحفة لواقع التخلف والتبعية وضرورات الهجرة.

وهنا لا أرى مندوحة من التنويه بغياب كل علامات الأم - الإلهة ونسختها المعاصرة المعدلة التي تأخذ شكل سيدة مجتمع أو أرملة مسؤولة عن رعاية أسرتها بسبب غياب الرجل القوي. أو حتى شكل مديرة ووزيرة وما شابه. لقد اختص بهذه الصور روائيون ينتمون لفترة إصلاح الرواية وتوطينها. ومن هؤلاء فاضل السباعي (في سوريا) ونجيب محفوظ (في مصر) وربيع جابر (في لبنان).

إنهم جميعا وضعوا المرأة في الحظيرة. وأدخلوها بالضم والإلحاق في نطاق الأسرة الكلاسيكية المكافحة التي تبشر بصعود ما نسميه طبقة متوسطة.

لقد غابت، عند تاج السر، رموز هذه المرأة المستسلمة لأقدارها، والتي تخلت عن مكانتها التاريخية الأصلية كمصدر للإنجاب والتكاثر، وبالتالي كمنبع لكل السلطات. فهو لم يهتم من نسائه لا بالصدر والثديين. ولا بالمؤخرة. ولا السرة. ولم يتوقف عند مفاتنها الظاهرة للعيان ومستلزمات ذلك كالتبرج والملابس وإغراءات الحركة والنوم والعمل.

حتى أن صور نساء القبيلة (بالمعنى العربي الكلاسيكي) ليس له وجود. لقد كان يمر مرور الكرام على الهالة الرومنسية التي ترتبط بالنساء في حضور الرجال من غير تلك الإشارات الملموسة.

وإن أهم قصة حب كتبها تاج السر وهي روايته (366)، ثم أهم قصة حب ممنوع وخيالي وهي روايته (العطر الفرنسي) تخلوان تماما من صور مطلع النهدين والمؤخرة اللدنة والساقين المرمريتين، إلخ مما تراه عند كتاب رواية الزمرة الأوديبية من أمثال فؤاد التكرلي ورديفه علي بدر.

الدليل الآخر على المحور الإثني في روايات تاج السر تراه في هوية أو خلفيات نسائه المتخصصات بصناعة اللذة، من عاهرات وبنات هوى. فهو دائما يختار لهن أحياء بأسماء وضيعة (حي الصهاريج مثلا في 366). والصهريج هو حاوية أو ناقلة معدنية ضخمة وترتبط في أدبنا العربي برحلة الفلسطيني التائه الباحث عن الثروة. من منا لم يسمع بـ (رجال تحت الشمس) لغسان كنفاني؟. ولا داعي لمزيد من التفصيلات. أما الغانيات فهن دائما من إثيوبيا وكأن ذلك البلد منجم لتجارة العهر والاتجار باللذة المأجورة.

***

و لكن المعشوقات في رواياته، (ولدينا منهن نموذجان أساسيان: أسماء وكاتيا من العملين المذكورين سابقا: 366 والعطر الفرنسي)، ليس لهن حضور على مسرح الأحداث. وتشبهن في الوضعية الفنية ما لغودو في مسرحية بيكيت المشهورة. إننا نسمع عن أسماء وكاتيا ولا نراهما. ولكل واحدة خيال صورة في ذهنية الراوي وفي كينونته. وهذا يحرض على ترقية كل نموذج منهما لمستوى رمز أو كناية. فبحث شخصية المدعو (المرحوم) عن أسماء يقوده إلى مناطق الطبقات المترفة ويضعه وجها لوجه أمام حالة المواطن العضوي. إنه يشعر بالعذاب وبوحشية مجتمع يتألف من طبقات كما يشعر بسادية الحرمان. ومنه بسوء ولاعدالة توزيع الثروة. وهذا يفتح أعيننا على قضية طالما رغبنا بتناسيها وهي دراما المجتمعات المتحولة التي لا تتقن لعبة تدجين واحتضان المستبعدين من القانون الوضعي. أو ما يسميه روسو الميثاق الاجتماعي.

وبالمثل إن الوسواس القهري (أو ما أقول عنه حصر كاتيا في الرواية الأخرى) يرقى لتصعيد الحب الممنوع إلى رمز . وتبدو المسألة أبعد من أن تكون مرضا مهنيا. والمهنة هنا هي شخصية العاشق. علي جرجار الذي يمثل حالة اغتراب نموذجية. أو استلاب لا يخضع للمساءلة. لأن كل شيء يحصل بعيدا عن عناية الضمير والرقابة والنظام.

وبقليل من التحويل والإبدال الكنائي نشاهد أننا إزاء جاذبية الغرب. وتبدو لي هذه الرواية أنها رد غير مباشر على شخصية المنتقم الشرقي التي صنعها الطيب صالح في (موسم الهجرة إلى الشمال). فهي لا تكتفي بنقض الأطروحة ولكنها تطور نظرتنا إليها. وتقرأ صراع شرق - غرب بسياق ثقافة اللاشعور. أو ثقافة سواد وعامة الناس. لقد كان من المقدر على علي جرجار أن يخسر المعركة ولسببين.. لأنه جزء من اقتصاديات الاستهلاك، ولأنه أيضا لم يفك لغز الاستعمار الناعم. بل استسلم له استسلام النعاج للذبح.

***

ويبقى نموذج نسوي بغاية الإتقان. وهو نموذج المرأة - الرجل. فهناك في أعمال أمير تاج السر نساء أثريات تطورن عبر الأحقاب لصورة فضاء نسوي. وهذه الحالة عند بيير داكو تحتمل تغليب المضمون الذكوري. فهو لا يستطيع أن يصنف الأشخاص على أساس الحالة التشريحية ولكن حسب دورها ووظيفتها. وكل امرأة ذات مساحة أو كيان منبسط كمشهد طبيعي أو شجرة، وبتعبير آخر كل امرأة لها شكل نشاط خيطي متسلسل، تدل بمضمونها على معنى مذكر. ولا أستطيع أن أنكر أن هذا هو حال زينب في (قلم زينب). عدا أنها تتحرش بالطبيب، وهو الشخصية الأساسية في الرواية وتدعوه ليطارحها الغرام، طبعا في حدود الخفر والخجل الاجتماعي الذي ترعاه لدينا تقاليد تنسحب على كلا الجنسين، إنها ترتبط لغويا ونفسيا بالقلم، الرمز المعروف لعضو الذكورة. فإذا كانت زينب زهرة بريئة، في غابة على خط الاستواء، هذا يعني أنها تحتوي على القلم بين أوراقها الفاتنة.. عضو الإخصاب والإكثار المدفون بين مكياج الأنوثة.

وأرى أن شرفية في (أرض السودان) هي الرديف الموضوعي لزينب. فهي مثلها زهرة، ولكن في حارة من العشوائيات، حيث يسود الظلام على ضوء النهار. وتسود الفوضى محل العدالة والقانون. بالإضافة إلى أنها تحمل قضيبها بين جوانحها. فهي امرأة شيطانية عقدت ميثاقا مع بطل العالم السفلي، إبليس. وبتعبير الراوي:" إنها فتاة الجن" و: "ترعرعت في أحضان الخرائب والخرافات"، ولها " سيرة مرعبة". (ص 126)

لقد كانت رواية (أرض السودان) منعطفا هاما في تاريخ الرواية العربية. وأعادت كتابة مشكلة الصراع ببن الشرق والغرب بأسلوب معاكس. لقد نقلت أرض المعركة إلى الشرق. وأناطت مهمة الانتقام بامرأة. وأضاف الروائي من عندياته لمسات يمكن أن تدل على تأثيرات للواقعية السحرية. ولكن من غير تقليد أعمى. بل العكس تماما. إنه حوّل العنف الاستعماري إلى فوضى نفسية وإلى سقوط أخلاقي مريع وإلى انتهازية محكومة بالفشل سلفا.

لقد استعمل نفس الخدعة التي لعب بها الاستعمار طوال عقود، فحوّل شخصية جلبرت أوسمان إلى عثمان الإنكليزي. وشخصية شرفية إلى إيف أو إيفيتا أو حواء حسب مقاييس وأسرار الغرب. وكان من المبرر لنا أن نعتقد أنها ليليث التي ورد اسمها في التوراة، وأعاد الغرب تسويقها وتعليبها وإنتاجها، بحيث تكون رمزا للعائلة البورجوازبة الصغيرة، وهي تصالح ما بين الحقبة الأمومية والحضارة المعاصرة. ويا له من حل توفيقي يشبه الدعوة لاغتصاب عذرية المجتمعات الطبيعية بحجة التحديث والتصنيع والإعمار.

وأكاد أقول إن أمير تاج السر أمكنه في هذه الرواية ولأول مرة في تاريخنا الفني أن يرسم المرأة وهي تركب الرجل. فما بالك لو أنه مهاجر إنكليزي استوطن في السودان؟!!.

إن (أرض السودان) عمل ينطوي على الثأر وحب الانتقام (بالمعنى البدوي الأصيل - أو بدائله العرقية - ذهن القبائل)، ويستكمل ما بدأه أمير تاج السر في روايته (سيرة الوجع) التي يمكن أن تكون " تهديدا غير مباشر " للغرب وتذكيرا له " أن أبوته تنحسر وأن مهابته عرضة للانجراح"...

 

شباط 2014

 

الشعر وتحقق الأنوثة .. قراءة في قصيدة سامي الغباشي

manal albustaniالنص: امرأة متخيلة: تتحقق فجأة

يستديرُ العام تلوَ العام

وهي سيدة المقام..

بهجة اللقيا وزلزلة التفاصيل..

بقدمين زنبقتين تعزفان على الأرض

خطوتها مموسقة

فتانة لعينين عالقتين بالخبب الأنثوي

يدبُّ على الأرض فتهتز العناقيد..،

" شهوى" يشاكسني بين أنحائها

وهي خجلى..

وتاريخ من عطر النساء ينزّ

عسل حار/عنب حلال/ياسمين

جسدٌ يشف فيستعد

وجسد يخف فيتحد

ولا لغة بيننا

سوى رقصة الروح الفتية

ونمدُّ أيدينا للهفتنا

نمسح العرق الحميم

ونستعد لرقصة أخرى

(2)

تدور قصيدة سامي الغباشي "امرأة متخيلة ..تتحقق فجأة " في فضاءات من الحلم والأنغام والعطور والزمن الذي يتألق في في مخيلة الشاعر فيهيج الخيال، وهو زمن صوفي مضيئ، كأنّ المرأة تشكل بالنسبة للشاعر خِفة الزمن الفني بالنسبة لسكونية الزمن الأبدية، فالشاعر الذي يدور في دوامة الزمن يتخذ من الأنوثة وسيلة للحياة السرمدية.الشاعر هنا خارج الزمن ويتحداه ماضيا إلى عالم لازمن فيه يعيق، ولا يعكر ماهية الروح التي هي ماهية الشعر.

إنّ شعرية الأنوثة توحي بقوة استثنائية تساعد الشاعر على الهروب من هوة الزمن "يستدير العام تلو العام"، فهو إذ يتأمل هذا العالم الذي انقلبت فيه كل المعايير وانهارت، لا يجد ملاذا إلاّ في فراديس الأنوثة الشعرية، فالمرأة هي هنا"سيدة المقام" لأنها تشكل الثراء اللحني الذي يرمز إلى الشرق الأصيل، هي نقطة التحول الذي يقودنا إلى الوضع الطبيعي فنحن في زمن أسود أو ما فوق السواد."هي"ضمير الغائب يتنافى مع الحضور، غيابها هو غياب الجمال وحضورها هوحضور الجمال والبهجة التي تغذي الروح وتبعث الأمل.

إن الغباشي يرى الجمال بعين اخترقت الرؤيا الثاقبة حيث يندمج الفكر الحر وقوة الخيال، يريد أن يُضفي على الواقع جمالا ينبثق من صميم حياتنا، فالمرأة تثير فيه شعورا بالفرح والارتباك والنشوة لأنها العمل الفني الذي ينتصرعلى القبح والشر والظلم والفناء، إنه يربط المرأة بسائر الوظائف الحياتية التي تُحفِّز فيه النشاط المعرفي وتعطيه القدرة على تغيير النسيج الاجتماعي، وتحضير إنسان المستقبل، إنسان الحق، إنسان الجمال.

إنّ المرأة في هذه القصيدة ليست إلاّ تجليا من تجليات الحضور الإلهي الذي يستحضر البهجة والضياء، فحضور الأنوثة هو قيامة، وهو زلزال، لكنه ليس زلزالا تدميريا أو وباء، بل هو زلزال جمالي يعيد هندسة بناء الروح بكل ما فيها من تفاصيل حياتية، بناء القيم، بناء الأخلاق والفضيلة، بناءً جوهريا ينير مصابيح الضياء المنطفئة "زلزلة التفاصيل".وإذ يقول الغباشي:

" بقدمين زنبقتين تعزفان على الأرض..

خطوتها مموسقة

بهذه السطور يأخذنا الشاعر إلى العطور والألحان فتلتحم الصور الحسية والسمعية والبصرية في أجواء يتحول فيها العالم إلى أفكار عليا وقيم أخلاقية بيضاء ونقية.إنّ الغباشي يستحضر بدقة شعرية أفول الجمال، ومقبرة الفكر، يبكي الإنسان الذي قهرته القوة القمعية، فالمرأة مرتبطة عنده بالفكر النقي والتجليات، حضورها قيامة فكما تُخرج الأرض أثقالها يوم القيامة، تّخرج الذات الشعرية أثقال الروح الإنسانية المكبلة بالظلم والانتهاك.إنّ كلمة "مموسقة" لها شعرية ذات وقع سمعي قوي لأنها تعبر عن رشاقة أثيرية كأنّ المرأة رقصة باليه، هذا الرقص التعبيري الفائق في عذوبته، حضورها يمثل هذا الانسياب الروحي الشفاف .إنّ المرأة تّضفي على روح الشاعر وعلى الواقع جمالا فتانا يشبهه الشاعر ببحر من بحور الشعر العربي الأصيل وهو بحر الخبب.إنّ إيقاع الأنوثة إيقاع يجذب، إيقاع راقص، كأنه فرس يعدو، فكأنّ المرأة في رؤية الشاعر تشكل صورة كونية وروحية، وهي التعبير الكلي للكمال، وهي التجلي والإلهام، وهي المرشد، وهي الفعل الخلاق الإيجابي.هي الشعر..طيبة النية وطيبة الكلام والفعل، تتنافى بذلك عن سوء النية وسوء الكلام وسوء الفعل.إنّ الغباشي إذ يرى فيها رمزا جنسيا فلأنّه يربط هذا الرمز بوظيفة الفن الذي يتصدى لكل العقبات النفسية والروحية التي تحاصر الإنسان، إنّه يعبر عن رغبته في إخصاء السلطة وتعطيلها عن فعل الشر، الغباشي يشير برموز شفافة إلى لذة تخصيب الفعل على الصعيد الجمعي والفردي. إنّ الأنوثة تُضفي على عين الذات الشعرية هذا السحر الجوهري الذي ينغمس في اللاوعي، فبهذه الأنوثة الفتانة يقتحم الشاعر بجرأة وجسارة لغة الشعر المنيعة، يخترقها في صورة من صور الحب الذي يؤدي فعله حد التوحد بالذات الألهية.إنّ العناقيد في القصيدة تشكل الفعل الخصب وإن كانت تحمل في خفاياها رمزا جنسيا فهو رمز مثقل بدلالات عميقة من الحياء والقدسية بحضور مفردة "خجلى" . إن العناقيد هنا ليست إلا تشييدا لكل الأفعال الحيوية التي يبنى عليها العالم، ومنها العدالة التي هي قاعدة ارتكاز كونية، فغياب العدالة يؤدي إلى انهيار كوني ومجتمعي وفردي .

(3)

إن الغباشي يستهجن العهر المعنوي والسياسي اللا أخلاقي الذي أصبح سمة من سمات عصرنا الذي غابت فيع القيم السماوية ؛ ولهذا أضفى على فعل التخصيب صورة مجازية جاءت بصيغة مشاكسات لحنية وهي أبهى صورة من صور الحب والعدالة التي بغيابها تترهل القيم وتفقد الحياة قامتها الباذخة، ثم يأخذنا الغباشي إلى صورة من صور الأنوثة العذبة، فكأنها تاريخ من العطر موظفا الفعل " ينزُّ " فالأرض هي التي تنز ماء، أما الأنوثة فتنزُّ عسلا حارا وعنبا حلالا، وهي رمز للثراء والحلاوة الفردوسية تتنافى مع مرارة الحياة وتقدم له كل ما حرم منه الإنسان منذ هبوطه إلى الأرض وطرده من الجنة . إن الأنوثة هي جنات عدن فيها إثارات فاتنة، إنها عسل الخلود وأعياد الحب ونبيذ العسل لا يكاد الشاعر ينجو من شراكها ؛ لأنها صورة للثقافة المعرفية والنعم الروحية، وهي من أجمل الصور الاجتماعية التي تحقق السعادة المستقبلية للإنسان ؛ فهي السمو من حيث الوجود ومن حيث المعرفة، فمعها يطلق الشاعر الصورة الفكرية إلى ما بعد التجربة . إن الأنوثة وقاية من أمراض العصر، وأكثرها خطورة هي العمى ؛ لأن عالمنا المعاصر ينخدع بالمظاهر الكاذبة وقد أغمض عينيه عن ضياء القيم والفضيلة وعن ضياء الحقيقة .إن الشاعر يدعونا إلى النقاء الأبيض الذي يفوح بعطر الياسمين، ويدعونا إلى العودة إلى قامتنا الحقيقية، ثم تشتد النشوة حدَّ الوصول إلى هذا الفرح الجامح، الهذياتي المحموم، فالأنوثة والشعر يشكلان عنده رقصا باخوسيا يثيران فيه الشعور بالنشوة والانعتاق من الطاقة الانفعالية المفرطة . إن التوحد مع المرأة والشعر يشكل في رؤية الشاعر هذا الرقص الأعجوبي والرؤى الشعرية التي تنتج الجمال المتناسق، إن المرأة والشعر يمثلان فضاءً مفتوحاً يلمسه الشاعر، يشمه، يتذوقه، يسمعه ويعانقه، فهما فرحة بانتظار فرحة، إنهما لغة الاشراقات، لغة النوافذ المطلة على الشمس، ولغة الشرق التي يطمح الشاعر إلى أن يعود إلى رونقه الجوهري الأصيل .،

إن الغباشي إذ يبحث عن المثال والجمال فلأنه يرى فيهما حالة ذات طابع يتسم بالتأمل العميق الذي يفتح نوافذ الحلم لتجربة إبداعية جديدة، فهو يرى في المرأة والشعر هذه الدهشة الميتافيزيقية التي لا يمنحها إياه الواقع الشحيح، بل يمنحه إياه الشعر بهذا السخاء. إن كلمة امرأة هي ملكة الكلمات ؛ لأن فيها لذة الفرح الإبداعي، وهي فعل الحب الأكثر كمالا، والتي تثمر منها الفكرة فتولد القصيدة بعد مكابدات واحتقانات روحية وجسدية.

إن قصيدة الغباشي " امرأة متخيلة .. تتحقق فجأة" ذات طابع فلسفي أبيقوري وصوفي، فالشاعر هنا هو هذا الأبيقوري الشهواني في حبه للمرأة واللغة، حب تمتزج فيه لذة الصبا والفتوة للمتصوف الذي انتشى بلذة التوحد مع الله .

 

حميد ركاطة من هموم العصافير إلى هموم الوطن

nadia alazamiعرفتْ المجموعة القصصية الثانية للكاتب والناقد المغربي حميد ركاطة "ذكريات عصفورة" الصادرة في الرباط عام 2013، تنوعاً في المواضيع وتألقاً في طريقة الكتابة، على مدى تسع وتسعين قصة ضمتها؛ إذ إن الكتابة عن وعي مسبق في حالة الكاتب/الناقد حميد ركاطة، يجعل النصوص أكثر إغراءاً وهي تقدم نفسها: ابتداءً من العتبة/ عنوان المجموعة" ذكريات عصفورة" مرورا بباقي العناوين المنثورة بين صفحات المجموعة، التي تدرّجت من الكلمة إلى الجملة، واحتوت أحياناً عناوين فرعية؛ لتشحذ ذهن القارئ المتربص للنص من خلال عنوانه، وتحفّزه على القراءة، و تجعله في مواجهة مجموعة عرفت ثراءاً في الاقتناص، والتناص، والمفارقة، والسخرية والتضاد.

إن عصفورة هائمة على وجهها في أرجاء الكون، لابد أن تعرف تراكم مشاهد كثيرة يخلقها التحليق أبعد من مجرد فكرة عابرة ، إنّه تراكم يوحي به غلاف المجموعة ذلك العنوان الذي وسم الفضاء بالإخضرار بكل تموجاته، بوصف ذلك انعكاساً طبيعياً لتلك المشاهد/ الذكريات التي تعود، انطلاقاً من كل طارئ، أكثر إشراقا فيما تتوارى مع الانشغال اليومي الحياتي، توارياً يغذيه التذكّر، والمرموز له في الصورة بالجو الماطر الذي لا نراه، في حين يحفّز خيالنا؛ من خلال المظلة والأجواء الحالمة.

أجواء ليست دائما بذلك القبول النفسي الذي تتلقاه ذكرى ما، فبين الأصفر ومناوراته؛ يظل الأخضر سيد الموقف، وسيّد الألوان؛ حيث الذكريات هنا عصفورة لم تُقلم أجنحتها بقدر ما امتد طيرانها نحو الأبعد؛ ليقدم لنا ركاطة من خلال مجموعته "ذكريات عصفورة" خلاصة لا تتوقف هاهنا، بل تستمر باستمرار وجود قارئ جديد يخلد فعل دلالة الكتابة بقراءات متعددة.

إن ذكريات تحمل هذا الزخم هي حتما حكايات قائمة في الذاكرة والواقع، تتجدّد في الذات المبدعة، حيث نلاحظ أن ركاطة يحتفي في مجموعته بالحكاية أيما احتفاء: فالكاتب بعطي للحكابة فرصة اختيار نهاية تليق بها، وتدفع عنها الحزن والأسى الذي قد يخيم على الأمكنة، في محاولة مستمرة؛ لرمي الحزن بعيدا، من أجل انتصار الفن، على نحو ما نجد في قصة "إرهاب" ص 40، حيث رمز حمامة السلام، ممتد من العهد القديم إلى حاضر جديد..

" ..لكن حمامة ظلت تحلق فوق الساحة دون توقف،لم يهدأ لها بال حتى عاد سرب الحكايات..."

كما أن هناك استثماراً لحكايات متناهية في القدم من مثل حكايات ألف ليلة وليلة، حيث تضحى الصورة جزءاً من الحكاية، تؤرخ لها وتُسقط المرموز في بئر الخديعة، على نحو ما نقرأ في قصة" موت الديكة" ص 43، أو حين تتحول شهرزاد المنتقمة، حكايةً تنسف كل الحكايات القديمة؛ ليضحى شهريار رجل النفوذ الآيل للسقوط

"ذات فجر توقف قطاره تحت سكة جسد متعب، فهربت امرأة أشرطته الفاضحة خارج الحدود، ليعلنوا بداية العد العكسي لليال جديدة من ألف ليلة وليال .. "

ثم لا يلبث القطار، أقصد قطار الحكايات، في "حكاية قطار" ص 45 يطوي المسافات ويحمل المسافرين إلى صندوق قصص تضطرب به جعبته، فيلقي في كل محطة بنصيب منها، حتى يريح ذاته المتعبة.

هي إذن تلك الحكايات التي تريح السارد حين يحكيها، وتدهش المتلقي حين يتشعبها، ويتشرّبها، " من محطة لأخرى كان لا يتوقف إلا للإفراج عن حكايات أنهكتها رتابة المسافات، أو قصص قض مضجعها جحيم السفر".

على أن "بوابة الحارة" ص 67 أو المرأة الحكاءة ، تنعكس على واجهاتها نبوءات متخيّلة، في انتظار تحققها، فتبرم عقدا مع الوافد الجديد عبر سرد الحكايات الخاصة جدا " المرأة التي يلتف حولها عشرات النساء بأشهر ساحة بالحارة .. هي بوابة الغرباء نحو فضاءات الحارة الخاصة جدا".

هموم الوطن تحضر بقوة أيضاً في "ذكريات عصفورة"، تفتح العام على الخاص واليومي، وتوصل المتقطع بالمستمر، وتكشف كيف يسلب المواطن راحته، ويسترخص تعبه. ففي قصة "في حضرة الشباك الاتوماتيكي" ص 50 يظل المواطن يغالب طلباته، ويُمنِّي النفس ،ليفاجئ برسالة الشباك "نعتذر لزبوننا الكريم.. لا توجد نقود بالشباك في الوقت الراهن"، وتكبر الدائرة حين يعود الرأسمالي في قصة " سيد النمل " ص51 لِجمع تعب العمال " في المساء حمل عسلهم ورحل لإيداعه في مستودعاته معلنا عن بداية يومه الجديد".

يحتفي حميد ركاطة بالثورة أيضاً عبر نصوصه، ولعل "بين زهرة الياسمين وزهرة اللوتس" ص 64، والتي ذيلها بجسر للعبور من خريف الثورات إلى ربيع الحرية، كانت أكثرها تعبيراً عن المأساة من خلال عبورها محطات سبع، تؤكد المقولة التي سطرها نجيب محفوظ " الثورات يديرها الدهاة وينفذها الشجعان ثم يكسبها الجبناء".

المجموعة لم تخلُ من حسّ السخرية اللاذعة الهادفة التي عبرت بالحكاية من شاطئ الواقع الحاد إلى عالم ترسم حدوده بسمة تُصعدِّ الحكاية، كما لو كانت حلما لا يستفاق منه إلا على مرارة يصعب تقبلها: فـ"سيادة المتسول" ص73 رسم حدوده، واقتطع لنفسه مساحة أضحت ملكية خاصة حين "سحب لوحا خشبيا من كيس بلاسكيتي عتيق، كتب عليه محجوز ثبته على مسمار في الجدار،ثم غادر باتجاه مكان مجهول..." وفي قصة "نذر "ص 110 تصبح الحرية نوعاً من العبث " طلقت زوجها الخائن، أقامت حفلا باذخا على شرف زميلاتها، ونذرت جسدها قربانا لمواساة عزاب المدينة".

لعل مجموعة اختارت لنفسها شكل القصص القصيرة جدا ، تختار إلى جانب التكثيف خاصية الدقة، واستثمار الرمز، والابتعاد عن التفاصيل غير الضروية، وقد تحقق هذا في كثير من قصص المجموعة، إلا أنها انزلقت أحيانا بعيدا في التفاصيل كما في قصص " أوبريت الربيع العربي" ص 47 "محنة" ص106 و "رباعيات" ص 123 ..

ومع ذلك فإنّ هذه المجموعة تظل غنية بتنوع موضوعاتها، واستثمارها ما في الذهنية العربية من نصوص راسخة، كالقرآن الكريم، والتراث العربي والإنساني، عبر استحضار رموز إنسانية متعددة المشارب مثل كافكا وجلجاميش، وهوميروس ونرسيس، مما يمنح القصص إضافة إلى قوة حبكتها دلالات تنتفح على آفاق إنسانية واسعة، تمنح الحكايات شعرية اللغة وقوة السبك، وثراء الدلالة.

 

*كاتبة مغربية

يحيى السماوي في «أنقذتِني مني» يقاسمُ الحبيبة خيمتَه وينصبُ فستانَها على حبال عينيه

intwan alkazziكأنهُ يعانق الأشرعة المسافرة، يسرج للغمام أفواه الضوء، يوصد القصيدة على حلم يترجّل على دروب الناس، ينازلُ القرائح بأنامل الفارس اللمّاح.. يطلّ يحيى السماوي من نافذة الفجر وفي يديه ناقوس يرفل للحوريات فساتين من الورد. مرّة يتنسك في محراب الكلمة ليعود عاشقاً يمتهن الهديل، ومرّة يغافل صبح الحصاد الى بيادر لا تدركها السنابل. هو الشاعر الذي أفتى للحبّ اقاليم القبل، هو الفنان الذي شقّ صدر البراري بشبق الصحراء العطشى للمطر.

«انقذتني مني» ليس أبياتاً تبسط للقرائح ثغورَالمداد، ليسَ ديواناً طيّبَ المناديل بجروحِ الشفاه، وليس غزلاً مسكوناً بآه الصبابة.

«انقذتني مني».. هو يحيى السماوي ،عاشق المرايا، ربيبُ الينابيع ، ينهلُ من نميرها ملاحمَ الصفاء، يطوي وردة عذراءَ ويسير في بساتين عمره كهلاً زيّنتْ مفرقيه سامقاتُ النخيل. وعلى صدره يولمُ الشوقُ لأسفار العنادل، و في جعبته قمحٌ وحبّ وتراتيل للأسحار.

حصانُه القمر، وصمتُه رفيفُ المواسم، وخزانته ذاكرة تغفو على تيجانٍ رصّعتها قريحة ولهى وسهادٌ ألبسَ الهزيعَ بواكيرَ الصباح.

هو.. وإياها ،يشبك قبلاته في إناء الندى ويسابق الفرحَ الى عرسٍ سومري.

هو.. وإياها، طفلان لا الى فطام وعصفوران يرشفان ريقَ الرياحين.

«انقذتني مني» يزرع القناديل على اجنحة الظلام، يلبس سندباد رداء الجزُرِ البعيدة ويعلّقُ على الأعتاب أكمامَ الخزام.

وعلى شفةِ رغيف جائع يرقص التنّور بيتاً في قصيدة، وفي ريشة هزار ضائع، تسكنُ ساحرة تسرقُ من الموج زوارقَ من ورق.

يحيى السماوي في «انقذتني مني»، يمتطي الخيال ويهجعُ الى الجفون، يترك لثوبِ عشتارَ أن يقطفَ ثمار العشق، ويفلت قلقَه مع سرابِ الدفءِ البعيد.

في كوخهِ المهجور، قصورٌ من الكلام، وفي سريره الخشبي عُودٌ ينتظر لحنَ النعاس، وعلى صدرهِ ضفافٌ وموجٌ وأنهار، وفي قلبه محاريثُ تشقُّ الضلوعَ جسراً الى الحبيبة.. هي التي تصلّي من أجله، تنقذهُ من نفسه، تخبِّئهُ في غنجِ العناقيد وتهديهِ ياقوتة الخطيئة.

يحيى السماوي، تدقُّ الأبوابُ ذاكرتَه وتتدثّرُ الأوتارُ أرغنَه، فيقاسمُ الحبيبة خيمتَه وينصبُ فستانَها على حبالِ عينيه

 

صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري

mustafa alghorafiتكشف النماذج النسائية كما جسدها الصوغ الروائي في "زمن الأخطاء" عن صورة ثقافية يمكن أن نقرأ فيها وعبرها صورة المجتمع بكل ما يموج فيه من أعطاب نفسية واختلالات اجتماعية. لقد قدم شكري في هذه الرواية صورة للمرأة باعتبارها بنية ثقافية تخدم منطق السرد في تركيزه على عالم الغرائز الذي مثل في سياق الرواية طبقة سردية توخى المؤلف من خلال الحفر فيها بعمق الكشف عن وضع المرأة في ظل مجتمع ذكوري لا يسمح لها سوى بحضور شاحب وباهت. فالمرأة، كما تصورها الرواية، تابعة للرجل وخاضعة له. إنها موضوع لمغامراته الجنسية ومجال لتحقيق نزواته وإشباع غرائزه واستيهاماته. لقد مثلت المرأة أداة لرصد تحولات المجتمع المغربي وكتابة تاريخه السري في الفترة التي أعقبت مرحلة الاستقلال. الأمر الذي جعل من صورة المرأة في هذه الرواية مرآة حساسة وشفافة تنعكس عليها الأخطاء الكبرى التي ارتكبها المجتمع في حق أبنائه.

 

سردية الذات وشعرية الكتابة المضادة:

يتشيد الأفق الجمالي في "زمن الأخطاء" انطلاقا من متاح السيرة الذاتية، حيث تستند الرواية، في بناء معمارها النصي ومحتملها الجمالي، إلى كتابة حميمة تستدعي اللحظات المثيرة من حياة المؤلف. فشكري يمثل الشخصية المحورية في "زمن الأخطاء". وهو كذلك السارد الرئيس واسم المؤلف في ذات الوقت. يحكي في هذه الرواية سيرته الذاتية وواقعه الشخصي بصيغة سردية يتفاعل فيها ويتشابك الذاتي والموضوعي، والواقعي والمرجعي، والمحكي والمعيش.

وإذا كان ميل الكاتب إلى تشييد سرد ذاتي استنادا إلى بناء حكائي يقوم على سرد حياة الآخرين قد منح سيرته طابعها الروائي الموضوعي، فإن ذلك لم يؤد بها إلى الخروج عن ميثاقها الخاص باعتبارها رواية تتوخى تمثيل الأخطاء الكبرى المحببة إلى صاحبها متوسلة في ذلك بممكنات التخييل السردي التي تتيح استقصاء تجربة حياتية ذاتية مثيرة وقاسية.

يكشف التأمل الدقيق في رواية "زمن الأخطاء" أنها شيدت بناء مفتوحا على أفق جديد في مجال الكتابة الخاصة بالسيرة الذاتية عندما قدمت نموذجا مضادا لنسق الكتابة عن الذات كما شاع في نصوص الروائيين العرب المعاصرين؛ فإذا كانت الوظيفة الأساس لكتابة السيرة الذاتية تتمثل في التطهير عن طريق الاعتراف، فإن " زمن الأخطاء " صدرت عن وعي شقي يحتفي بالأخطاء الكبرى إلى درجة هجاء الذات والانتقاص منها، حيث تزخر الرواية بالأوضاع السردية والمشاهد الروائية التي تتناقض تماما مع مطلب الاعتداد بالنفس والفخر بإنجازاتها كما دأبت على ذلك معظم النصوص الروائية التي أنجزها كتاب السير الذاتية العربية. بل إن نقد الذات يرتفع أحيانا في "زمن الأخطاء" إلى درجة التجريح والسخرية المرة.

- "نشرت لي جريدة العلم قطعة نثرية "جداول حبي" مع صورة بالبابيون. دوخني الفرح وسكرت احتفالا بموهبتي الأدبية. اشتريت أعدادا كثيرة وزعتها على رفقائي لأشعرهم بأهميتي بينهم. فكرت: ابن الكوخ والمزبلة البشرية يكتب أدبا وينشر" .

-" أحلق وجهي مرة أو مرتين في اليوم إلى حد البرنزة. أتعطر حتى صرت أحمل في جيبي قارورة صغيرة من عطر الجيب. ابن البراكة وعشير الفئران يتأنق. يتحضر. يتطور. يخرج من جلد خشن ليدخل في جلد ناعم" (130).

غير أن الإمعان في هجاء الذات والاعتراف بوضاعتها يكسبان المؤلف داخل السياق الروائي نبلا من طبيعة خاصة يتلاءم مع شعرية الكتابة المضادة التي بدأها شكري في سيرته الشهيرة "الخبز الحافي" ثم واصل ترسيخها في نصوص سردية لاحقة أبرزها "زمن الأخطاء " و "وجوه".

يغدو نقد الذات في كثير من الأحيان نقدا للمجتمع وكشفا عن عيوبه وتناقضاته؛ فالبغاء والمثلية الجنسية والمخدرات والعنف الأبوي وزنا المحارم من المسائل التي دأب كتاب السير الذاتية العربية على تجنب الخوض فيها، لأنها تجرح الذوق بسبب تعارضها مع الثقافة السائدة، كما أن المجتمعات العربية تحكم في الغالب على الضحية وتبرئ الجلاد. ولذلك كان أهم ما أثار اهتمام النقاد والقراء في هذه الرواية وتسبب بالتالي في نجاحها هو خرقها للمألوف وخروجها عن السائد في كتابة السيرة الذاتية. وهو أمر يمكن إرجاعه بالدرجة الأولى إلى الأحداث الفريدة التي عاشها المؤلف إضافة إلى الصدق والجرأة في نقل الأحداث وسرد المواقف. لقد صاغ شكري سيرته الذاتية بلغة عارية لا تأنف من تصوير المشاهد العنيفة والصادمة محاكيا بذلك عوالم القاع والهامش بلغة تحتية جريئة تنقل الواقع بلغته وتحاكيه بأسلوبه متقصدة من ذلك إحداث صدمة جمالية لدى القارئ الذي تعود على السير المكتوبة بلغة أنيقة تمجد الذات وتسرد الإنجازات كما هي الحال في "الأيام" لطه حسين، و"أنا" للعقاد و"حياتي" لأحمد أمين و"في الطفولة" لعبد المجيد بن جلون، و"أوراق" لعبد الله العروي.

تنزع أغلب النصوص الروائية التي تكتب انطلاقا من ممكن السيرة الذاتية إلى الاحتفاء بـ "أنا" المؤلف وتجميل صورتها؛ فسيرة الذات لا تكتب في الغالب إلا بعد تحقيق انتصار أو عقب الانتهاء من إنجاز أو عند منعطف حاسم من مسار حافل. إنها النص الذي يتوج تجربة حياة ناجحة الغاية من سردها تقديم الدروس والعبر للقراء والناشئين. مما يجعل هذا الصنف من الإنتاج السردي يتسم بألوان ملحمية تخضع لإرادة التميز والاعتداد بمنجزات الذات. وهذا الأمر يتناقض تماما مع صورة الذات المسحوقة التي تعرضها "زمن الأخطاء": "ثيايي تتسخ وتبلى وتفوح منها روائح جسدي. القمل يعشش فيها. حذائي يتسرب إليه الماء. شعري يغزر ويتدبق وسخا. أحكه باستمرار حتى يسود ما بين أظافري. حين أمشطه إلى الأمام. لأنظفه من قشرة الرأس والغبار، يتماشط منه قمل أسود نشيط. في كل مشطة لا أقل من ثلاث أو أربع قملات سمينة تتحرك بحيوية" (47).

يظهر من هذه الصورة الروائية أن القصدية التي وجهت برنامج السرد الذاتي في "زمن الأخطاء" لم تضع لها هدفا الإعلاء من قيمة الذات وتلميع صورتها. فشخصية السارد في هذه الرواية لا تستمد قيمتها من القدرة على قهر الصعاب والتغلب على المحن، ولكن اكتمال البطولة يتحقق من خلال السقوط الفردي والانهيار الجماعي. ويتجسد ذلك روائيا عن طريق تصوير بؤس الإنسان ومحنة الوطن.

 

إدانة الواقع: السرد وكتابة الاحتجاج

تتميز الكتابة في "زمن الأخطاء" بأنها عنيفة متوحشة وانتهاكية. تقول الحقيقة الروائية عارية عن أصباغ التعابير الرومانسية المموهة والخادعة: "أنا لا أعرف كيف أكتب عن حليب العصافير، واللمس الحاضن للجمال الملائكي، وعناقيد الندى، وشلالات الأسود والعندلات. أنا لا أعرف كيف أكتب وفي ذهني مكنسة من بلور. المكنسة احتجاج وليست زينة" (ص 131).

إن الجرأة التي كتبت بها "زمن الأخطاء" مكنتها من الحفر عميقا في طبقات الزمن المغربي مسلطة بذلك أضواء كاشفة على المناطق المعتمة في مغرب ما بعد الاستقلال. إنها كتابة تنتقد الواقع وتفضح المسكوت عنه بما تصور من مشاهد البؤس الإنساني والتخلف الاجتماعي اللذين عانت منهما فئة عريضة من الفقراء والمهمشين: "ركبت حافلة الحي الجديد بحثا عن مدرسة المعتمد بن عباد . حي مليء بنبات الصبار والغبار والأزبال والأراضي البور … مساكنه أكواخ من طوب وقصدير وأهله بدويون . سحناتهم كالحة مثل أسمالهم. أطفالهم يتغوطون ويبولون قرب أكواخهم” (21).

وبهذا الاعتبار يمكن النظر إلى "زمن الأخطاء" بوصفها رواية ترصد مظاهر القهر النفسي والإحباط الاجتماعي. مما جعل الكتابة الروائية تتحول إلى وسيلة لإدانة الواقع والاحتجاج عليه. ذلك ما تعكسه هذه الصورة التمثيلية التي يلخص من خلالها السارد قصة التحولات التي عصفت بحياته في فضاءات طنجة ولياليها الرهيبة: "أحسني أحيانا مثل ثور المصارعة الذي يخرج من نفق الظلام إلى النور لينطح الهواء، ويشحذ أماميته وخطمه في الرمل مبددا صدمته قبل أن يبدأ صراعه مع قدره المحتوم"( 164).

تكشف هذه الصورة الروائية عن انقسام الذات وتوزعها بين الأضداد والمتناقضات؛ الظلمة التي نمت فيها مشاعر وأحاسيس السارد في الماضي، ودهشة النور الذي يقلق الوعي في الحاضر، وبينهما طاقة الحياة التي بددتها الذات في الاصطدام بصخرة الواقع الأليم الذي يحاصرها ويحد من انطلاقها وفرحها بالحياة. إنها صورة تختزل التجربة الحياتية للسارد المشحونة بالأخطاء الكبرى التي يحبها ويسعى إلى إعادة تمثيلها روائيا بغية تأبيدها وتخليدها عبر الممكنات التي يتيحها فعل الكتابة "أكتب هذه المذكرات في حانة جديدة ممسوخة" (209).

وإذ يعكف السارد على كتابة تاريخه الخاص، فإنه يؤرخ في نفس الآن للحياة السرية التي كانت تموج بها فضاءات طنجة ولياليها الساهرة، ليالي الحانات والمواخير الرخيصة التي يرتادها المهمشون والمنبوذون بحثا عن مغامرات عابرة تنسيهم هموم الواقع وقساوة الحياة. وهو ما جعل من الرواية "قراءة للتاريخ السري لطنجة بمواخيرها وحاناتها وبارات الأجانب فيها، والتاريخ الشفهي لثقافتها التحتية ولروادها من صعاليك المغرب والعالم معاً وسجل تحولاتها وأوجاع بنيها، ولا يمكن الفصل في هذا المجال بين تحولات المدينة وتحولات الراوي ، فقد ادغم كل منهما في الآخر" .

ومن هنا يمكن النظر إلى "زمن الأخطاء" بوصفها صيغة سردية ترصد سيرة الألم والفقدان، تحتج على الواقع وتدينه من خلال استحضار الذكريات وأخبار الزمن الماضي المشحون بمشاعر القهر والإحباط. إنها كتابة "أنا" متألمة تفتح الجرح وتطرح أسئلة الوجود والكينونة من خلال تدفق سردي يتجادل فيه محكي الذات ومحكي الشخصيات. مما يتيح لنا القول إن غاية المؤلف من كتابة هذه الرواية لا تنحصر في التعبير عن تجربة عاطفية انتهت وصارت إلى الفشل، ولكنه توخى الكشف عن المسارب الخلفية لعوالم القاع الاجتماعي المترعة بالقسوة والعنف "عشت مع برابرة الليل في الدروب الضيقة والحظائر المغثية والخمارات المريبة" (ص 166) .

لقد انطوت الرواية على تصوير لأزمة الوطن ورد في معرض حديث المهاجرين الإسبان عن فاشية فرانكو، حيث توخى الكاتب من نقل هذا الحديث، فيما يبدو لنا، التعبير عن وضع سياسي مماثل عاشه المغرب في الحقبة التي ترصدها الرواية (147-150)، لكنه عندما بدأ الحكي عن معاناة المهاجرين المغاربة انفجر الجرح في أعماقه، فجاء التعبير عن الواقع الأليم بجمل وعبارات مفعمة بالمرارة والفجيعة "لمن هذه الأنغام الحزينة التي أسمعها من بعيد؟ إنها للراحلين في الجمارك و هم يزحفون واقفين. بطء زحفهم يذلهم حتى نخاع العظام. إن مذلة الوطن أقسى عليهم من مذلة الغربة" (164).

من الواضح أن رواية "زمن الأخطاء" تميل إلى سبر أغوار الزمن المغربي من خلال صور سردية تتركز على فضاءات الهامش وشخصيات القاع، حيث تتحول أزمة الشخصيات الروائية إلى مرآة تعكس أزمة المجتمع وهشاشة الواقع، لأن أزمة الشخصيات وإحباطاتها مظهر من مظاهر اعتلال المجتمع و اختلاله، ويمكن اعتبار صورة المرآة كما جسدها التمثيل الروائي في "زمن الأخطاء" أبرز مظهر لأزمة الواقع الاجتماعي في مغرب ما بعد الاستقلال، حيث رصدت الرواية واقع البؤس الذي عانت منه شريحة عريضة من مجتمع الهامش المغربي وتحدثت عنه بلغة جريئة مستفزة ومتحررة من الحشمة الزائفة. تعبر عن القهر وتشخصه لكي ترفضه وتدينه.

 

المصحة العقلية: الصورة المقلوبة للواقع

لقد عاش المؤلف حياة مليئة بالتجارب القاسية والمؤلمة مما تسبب له في انهيار عصبي استدعى دخوله إلى مستشفى الأمراض العقلية التي قدم عنها محكيات مثيرة تضمنت مشاهد وصورا مأساوية لشخصيات انهارت بسبب الظروف الصعبة التي عاشتها في واقع ما قبل الجنون"المزميري يعتبر المستشفى مسكنه الحقيقي. لا يزوره أحد. له من الرفقاء هنا أكثر مما له في الخارج. هناك مريض حمال في محطة القطار لا يدخل المستشفى إلا في الشتاء لأنه يكون في شبه بطالة. هو أيضا لا يزوره أحد" (175).

وجد السارد في فضاء المصحة العقلية ملاذا من زيف الواقع وإحباطاته التي لم يعد قادرا على تحملها أو التعايش معها. فطالما حلم بمكان معزول ينعم فيه بهدوء النفس واطمئنان القلب بعيدا عن "العلاقات البشرية القذرة" التي سئم منها وسئمت منه: "أكثر أحلامي تذكرا هي طيراني، غالبا ما يكون طيراني فوق الأحراج وينتهي بالنزول أمام مدخل كهف أتخيلني الوحيد الذي يعرفه. أتلذذ فيه بعزلتي بعيدا عن الروائح البشرية التي سئمت منها وسئمت مني" (210).

شعر السارد بين المجانين بالتعاطف ودفء التواصل الإنساني اللذين افتقدهما في علاقته بـ "العقلاء" خارج المستشفى، فالتواجد بينهم ومحاورتهم منحاه راحة البال وجددا له الأمل في الحياة والمستقبل. ولذلك لم يكن يغادر المستشفى إلا لقضاء بعض الحاجات الضرورية: "إنها الخامسة صباحا. عندي امتياز للخروج من المستشفى. لا أخرج إلا لشراء حاجياتي. إن الوجوه في الخارج تبدو لي بليدة، مزعجة، أما هنا فهي وجوه أذكاها الشقاء والقلق الدائم. إن المجانين يفتحون لي أبواب الإلهام لأطل على العالم" (225).

ومن جهة أخرى يبدو عالم الجنون والانهيار كما تصوره الرواية أليفا بالنسبة إلينا، لأن فضاء المصحة العقلية يشبه الواقع خارجها؛ الانحرافات نفسها والمآسي ذاتها (جناح خاص للموظفين وذوي الامتياز الاجتماعي- الاستغلال الجنسي للمريضات من قبل المشرفين على توفير العلاج لهن- لا يخلو المستشفى من عاهرة محترفة أو أكثر- ممارسة الجنس على الحيوانات ....) وهو ما جعل من المصحة العقلية "صورة كنائية للحياة الخارجية فهي وجهها المقلوب، لكنه لا يختلف عن العالم الذي اعتاد تقديمه، الغرائز هي ذاتها ، أنماط السلوك تتكرر داخل الأسوار وخارجها بنفس الإيقاع" .

 

الذات والمرآة: صورة المرأة وسيرة القهر

لعل أبرز مظهر لاشتغال الصنعة الروائية في "زمن الأخطاء" أن كاتبها استطاع التحرر من قبضة الذات والانفلات من شرنقة أهوائها وتقلباتها. حيث تتأسس طبقات السرد في "زمن الأخطاء" وتتنامى عن طريق توالي "بورتريهات" لشخصيات نسائية (ورجالية) تشكل مرايا مصقولة تنعكس عليها صورة الذات في مختلف أبعادها وتجلياتها. فمن خلال تأمل الذات في مرايا الآخرين تكتب "سيرة الأنا" باعتبارها تجربة حياة تتوزع على فصول الرواية بشكل يبدو عشوائيا، حيث تبرز وجوه فطيمة وكنزة وربيعة وحبيبة وسارة وباتريسيا وروساريو وسالية بوصفها مرايا تنعكس عليها ملامح الذات الساردة ليأتي حدث موت الأم بمثابة انقطاع الحبل السري الذي يضع نقطة النهاية لسيرة حياة ومسار رواية.

تبدو النماذج النسائية التي اعتنى الكاتب بتصويرها في "زمن الأخطاء" متباعدة ومنفصلة عن بعضها. إذ لا تربطها أي علاقة يمكن أن تقود إلى تطور الأحداث وتناميها. ويكاد الجامع الوحيد بينها أن يكون صوت السارد الذي وحد بينها في سياق سرد روائي ذاتي. غير أن النظر الدقيق في طبقات النص الروائي الذي شيده المؤلف من شأنه أن يكشف أن الشخصيات النسائية تشكل جزءا من شخصية السارد. إنها مرآته التي تنعكس عليها أزماته وإحباطاته؛ فالسارد عندما يجسد مآسي شخوصه من خلال ما يقدمه من صور روائية، فإنه يقدم في نفس الآن صورة لأزمته الشخصية. وهذه الأزمة لا تعلن عن نفسها بشكل مباشر، ولكنها تنكشف تدريجيا من خلال صور الشخصيات التي تتوالى بطريقة تسهم في اكتمال صورة السارد وتكامل أبعادها. مما يجعل فهم الذات رهينا بالتأمل العميق في حيوات الآخرين، حيث تظهر النماذج النسائية بوصفها جزءا من هوية الذات وامتدادا لصورتها؛ فالشخصيات النسائية المتتالية تمثل شذرات تعبيرية تلتحم فيما بينها لتشكل في النهاية صورة ذات مبدعة حطمتها حياة الليل وإحباطات الواقع. لقد شكل التمثيل السردي لصورة المرأة في "زمن الأخطاء" مرآة تنعكس عليها صورة الذات الساردة بكل همومها وأوهامها.

إن صورة المؤلف لا تنكشف من خلال السارد الذي يروي الأحداث بضمير المتكلم ويكشف عن هويته الخاصة من خلال عبارات معينة فقط، ولكن صورته تتجسد كذلك من خلال انعكاسات الذات في مرايا الشخصيات التي تلتقي في كونها كائنات ليلية ترتاد الحانات والمواخير الرخيصة من أجل دفن همومها في الخمر والجنس "لم يبق إلا مجد الذكريات المهزومة والجنون الكئيب، ودفن الحبوط في السكر ولغو الحانات "(246) وهو ما يتيح لنا أن نستخلص أن الغاية من كتابة "زمن الأخطاء" ليست تسريد الحياة في كليتها ولكنها توخت البحث عن الكينونة الخاصة بالذات في محاولة لاستشفاف حقيقتها وتبيين هويتها من خلال حضورها في العالم وانعكاس صورتها في مرايا الشخصيات النسائية التي صورتها الرواية؛ فهناك تقارب جناسي بين المرآة والمرأة، المرآة تجمع أجزاء الجسم لتمنحها صورة كلية هي "الصورة الجسدية" والمرأة تجمع الأهواء والمشاعر المبعثرة في بنية متماسكة تشكل "الصورة النفسية". إن المرأة "مرآة نفسها" (160) كما يتصورها السارد لكنها تغدو في التخييل الروائي مرآة لنفسها ولغيرها. مرآة تنعكس عليها صورة الذات وصورة المجتمع.

 

المرأة /المثال: عشق ما لا يمكن أن يكون

يمكن اعتبار "زمن الأخطاء" تجسيدا روائيا لتجربة حب مستحيل ينفجر في قلب السارد بركانا وحريقا، لكن شيئا ما (قدريا ربما) يحول بينه وبين التحقق والاكتمال؛ فالحب يتحدد في هذه الرواية باعتباره عاطفة مستحيلة وصفها السارد نفسه بـ "عشق ما لا يمكن أن يكون" (284) وهي عبارة كثيفة تلخص العلاقة المتوترة التي جمعت السارد بالمرأة: "المرأة النور الخارق. المرأة الشفافة لم أجدها بعد" (160).

كان السارد غارقا في ملذات الجسد عندما جرت أمامه عبارة "الحب الحقيقي" بعدما اكتوى بحب كنزة التي أشعلت في قلبه حرائق العشق ثم تمنعت عليه ورفضت أن تمنحه ما كانت تمنحه لغيره. ولأنه لم يعرف هذا اللون من الحب ولا جربه من قبل، رغم علاقاته النسائية المتعددة، فقد اشترى بعض الكتب التي تتحدث عن "الحب الحقيقي" مثل كتابات المنفلوطي وجبران ومي. وقد استخلص من قراءتها أن الحب كما تصوره هذه الكتب "حب مشروط بالموت أو الحزن الأبدي أو الجنون" (63). وهذا اللون من الحب يتناقض تماما مع شخصية السارد وطبيعته تكوينه "كل عاطفة عاطفتي. إنني سليل العواطف القطيعية. سليل امبراطورية الحواس" (165) .

بعد محاولات عديدة في مجال الكتابة واجتياز عتبة النشر حاول السارد البحث عن "ملهمة" متأثرا بقراءته لقصص الأدب الرومانسي. التقى يوما فتاة سمراء فصار يتبعها بعد أن عرف أصلها ومحل سكناها. لكن انتماءها الاجتماعي جعل عواطفه تجاهها في دائرة "الحب المستحيل". إذ لا يمكن لفتاة تنحدر من طبقة اجتماعية راقية أن تلتفت إلى "ابن البراكة وعشير الفئران"(130). لقد كانت هذه العلاقة محكومة بالفشل بسبب التفاوت الطبقي. ولذلك بحث السارد عن بديل من طبقته. إنها حليمة فتاة أمية ولكنها سمراء وجميلة ويمكن أن توحي له بقصيدة غجرية. غير أن طبعها الهادئ لن يوحي له بشئ مهم لأنه تعود على الطبع العنيف. الملهمة ينبغي أن تكون مترفعة ومتعالية. من ألم الحب يتولد الإلهام. ومن مآسي العشق المستحيل تنفجر منابع الكتابة. قدر السارد إذا حب مستحيل وعشق ممتنع. "لم أسمح حتى الآن لأية عاطفة أن تخونني. لقد عشت دائما في حالة طوارئ . ما أحببت إلا ما كان هاربا. إن الحب مثلا لا يسحرني إلا إذا كان أسطوريا. أتحدث عنه دون أن ألمسه أو أعانقه" (204).

لقد مثلت المرأة في بعض صورها ضبابا مشعا أكثر منها منطقة محددة. فهي أفق واعد وفاتن يلهث السارد نحوه دون أن يتمكن من الوصول إليه والالتحام به. إنها المرأة النموذج التي يحلم بها الرجل فينسج لها من خياله أجمل الصور وأحلى الصفات. مما يجعل المرأة تستمد قيمتها من كونها نموذجا متعاليا لا يعرف طريقه إلى التحقق أبدا "إن المرأة التي أعيش معها دائما إذا لم تجعلني أعزف عن كل النساء فليست المرأة التي ينبغي لي أن أعيش معها. ينبغي لها أن تكون هي كل النساء . وكل النساء لسن هي. ينبغي أن أميزها في الظلام حتى وإن تكن بين جمهرة النساء. إذا انطفأت الشموع يضئ كلانا الآخر. إذا حجبونا بستار سميك أراها وتراني" (160).

في الوقت الذي كان السارد يدون فيه مثل هذه الخواطر عن المرأة المثالية كان يستعذب مضاجعة أحط النساء في مواخير طنجة الرخيصة. لقد شكل الجنس بالنسبة إليه ملاذا من آلام الحب ومآسي العشق "الاستمناء والجنس المنحط هما اللذان أنقداني من السقوط في فخ الحب الخائب" (160).

بخلاف المختار صديقه الأعمى الذي يقرأ "ليلى المريضة في العراق " لزكي مبارك ويحيي تقاليد الحب العذري، لم يكن السارد يجد غضاضة في ارتياد المواخير الرخيصة لمعاشرة العاهرات لكي يدفن في أحضانهن خيباته النفسية وإحباطاته العاطفية "أغرق نفسك في الجنس تنس هموم الحب. إن الحب هم كبير مثل خبز الفقراء "(62).

لقد مثلت المرأة بالنسبة إلى السارد جسدا أكثر منها شخصا متعينا. كل ما يهمه أن يزدهي فراشه كل ليلة بامرأة تمنحه المتعة وتنسيه الهموم. ولا يهم بعد ذلك من هي ولا من أين جاءت ولا كيف غادرت. "يحدث لي مرات في طنجة أن أستيقظ في فندق أو في بيت صديق ولا أعرف من هي التي تنام معي أو تغادرني نائما دون أن أراها "(122).

 

المرأة/المعشوقة: حرائق الرغبة وعناد الحب القاسي

يصف السارد لقاءه الأول بكنزة بعبارات سريعة مكثفة تشبه ضربات بفرشاة الرسم: "جالس في رحبة قهوة سنترال الحرارة تنعسني. آتية من طريق البحر مصبوبة في قميص وسروال أبيضين شفافين لصيقين بجسدها الرشيق. شعرها طويل أملس. شفتها العليا مقوسة. عيناها كبيرتان مسحوبتان. قطة أسيوية. قد تكون لها طباع قطة مشاكسة " (59).

إن فتاة بهذه المواصفات جديرة بأن تثير في نفس السارد رغبة جامحة في مطاردتها ومحاولة الإيقاع بها. لقد راحت نفسه تحدثه بأحاديث حلوة لذيذة فيما خياله يرسم لها أزهى الصور والأشكال. الأمر الذي جعله يقرر أن يتبع الفتاة ممنيا نفسه أن تكون واحدة منهن. وهو ما تأكد له فعلا بعد أن رآها تدخل دارا تعود التردد عليها. أثناء مساومته للمشرفة على الدار تراءت له كنزة في البهو "مختالة في خطواتها مثل نمرة شبعت من افتراسها. تباهت نظراتها ثم اختفت في كبرياء المعتصمات "(60).

لقد أشعل تمنع كنزة حرائق الرغبة في قلب السارد وزاد من إصراره على مطاردتها والظفر بها. ولذلك لم يتردد في الانتقال ليسكن في نفس الفندق الذي انتقلت إليه محبوبته المتعجرفة مدفوعا بالعناد والفضول والمغامرة. لقد كان يدرك جيدا أن تواجده مع كنزة في نفس المكان "فخ" ينصبه لنفسه كي يزيد من تورطه في حب قاس وعنيد وقد أتاح له تواجده في نفس الفندق مع كنزة فرصة طالما تمناها وحلم بها. لقد عادت ذات ليلة ثملة لا تكاد تقوى على الوقوف. الأمر الذي استدعى تدخله من أجل مساعدتها على الصعود إلى غرفتها. يصور السارد لحظة انفراده بكنزة التي طالما تمنعت عليه ورفضت الاستجابة لحبه: "خلعت حذاءها المذهب ومددتها على فراشها بكامل زينتها. تعيش لياليها بجلالها الكامل. جلست على حافة السرير عند قدميها وأشعلت سيجارة. أتأمل غيبوبتها وتنفسها الواهن. إن لها الآن جمال امرأة ميتة مشتهاة في زمن بابلي أو إغريقي. لم يعد فيها ما يغري. فقدت كل كبرياء صحوها وغزلها وتباهيها"(65).

تكشف هذه الصورة الروائية عن النهاية المأساوية التي صارت إليها قصة حب عاصف. لقد أغرت كنزة السارد بجمالها وعنادها معا. كان يتمنى أن تستجيب لحبه وهي في كامل صحوها وجلالها. لقد كان طبعها الشرس أهم ما أثاره فيها وجذبه إليها. أحب فيها "القطة المشاكسة" و"النمرة التي شبعت من افتراسها". أما وقد فقدت كبرياء عنادها وتباهيها فإنه لم يجد فيها ما يغريه. في غيبوبتها فقدت كل جلالها الساحر وبدا جمالها الفاتن باردا وباهتا مثل جثة في كامل زينتها تشتهيها النفس لكنه تعاف مضاجعتها. "الفاكهة الإنسانية إما أن تقطف في أوانها أو تتعفن" (232). في تلك الليلة حلم السارد بصف طويل من الرجال عراة يتناوبون على مضاجعة كنزة وهي تقول لهم "تعالوا إلي كلكم. زمني هو زمن النساء"(65).

يلخص هذا الحلم قصة حب مستحيل، حيث يكشف محنة السارد ومعاناته بسبب تمنع المحبوبة وتعاليها. لقد كانت كنزة دائما لغيره ولم تكن أبدا له. لم ينس السارد "صدمة كنزة" رغم انشغاله بحب ربيعة الحسي المرح الذي لا موت فيه ولا جنون، لكنه لم يستطع نسيان المرأة التي أشعلت في قلبه حرائق الحب التي لم تنطفئ أبدا فصورتها ظلت حاضرة في خياله في كل الأوقات مثل لعنة أبدية "بصقت على كنزة في خيالي وأنا ألاعب ربيعة في الماء...كل حب ينسى بحب آخر...لكني لم أستطع أن أستبدل حب كنزة بحب ربيعة. إن الحب لعنة. وكنزة لعنتي" (66).

لقد خلفت تجربة الحب القاسي والعنيد أثرا بليغا في نفسية السارد ووجدانه. لم يعد يؤمن بالحب فأصبح يرفض فتح قلبه لمن يطرق بابه حتى لا يعيد تجربة الحب الفاشل الذي ذاق مرارته واكتوى بناره "أهذه بطولة الحب؟ ليسقط هذا المستحيل. هكذا رفعت صوتي نحو السماء" (151). لقد انتهت خيبات الحب بالسارد إلى الاعتصام بالوحدة بعدما تيقن أن العزلة بالنسبة إلى أمثاله قدر لا مهرب منه "إني وحيد ليلي. لا أحد يغزو وحدتي"(209).

 

المرأة/ المومس: غنائية الجسد ومآسي الروح

تضمنت الرواية كثيرا من المشاهد التي تصور واقع المرأة الممتهنة للجنس، ولم تخرج هذه الصورة عن تقديم جسد المرأة بوصفه سلعة تخضع لقانون العرض والطلب:"في الطريق بغايا واقفات على عتبات بيوتهن أو يطللن ويختفين. كل حركاتهن فيها دعوة للدخول معهن. رجال وفتيان يغازلونهن. يسأل أحدهم عن ثمن الدخلة فيدخل أو يغادر إلى أخريات"(91).

معظم النماذج النسائية التي صورتها رواية "زمن الأخطاء " يحترفن الدعارة وينغمسن في الجنس الرخيص "أغلبهن راهن بأسفله على أعلاه الهش" (244) لكن حلم الزواج وتكوين أسرة ظل يراودهن عل الدوام.

" سألته عن عشيقته القديمة لطيفة:

- أوه. تزوجت ولها الآن ثلاثة أطفال. عاشرت كثيرات بعدها لكن كلهن يردن أن يتزوجن" (92)

غير أن الرجل الشرقي يرفض أن يتزوج من عاهرة "ابتعد عن حب العاهرات. إن كل واحدة تحاول أن تنتقم من كل الرجال من خلال رجل واحد. كل واحدة تعتقد أن الرجل هو الذي فشل حياتها. كلهن فاشلات في الحب "(61).

إن المرأة العاهرة كما تجسدها رواية "زمن الأخطاء" لا تصلح أن تكون زوجة ولا أما، لأن احترافها للدعارة وتعودها على حياة الليل جعلا الخيانة تسري في عروقها. وهو ما سيؤثر حتما على حياتها الزوجية مستقبلا ويشكل "عقدة" للزوج والأطفال :

"- ألم تفكر أن تتزوج بإحداهن؟

- أبدا .

- لماذا؟

-لا يمكن أن يتزوج قحبة. لايمكن أن يكون لك أطفال مع قحبة .

- ما هو العيب؟

- سيعيشون معقدين عندما يعرفون أن أمهم كانت قحبة" (92).

يكشف هذا المقطع الحواري عن ازدواجية النظرة إلى المرأة؛ فالعهر صفة تلصق بالمرأة وحدها دون أن تشمل الرجل. وهو ما يكشف عن اختلال المعايير في تقويم سلوك المرأة والحكم عليها. ذلك أن المجتمع يقسو على المرأة التي تضطرها الظروف إلى امتهان الجنس ولا يغفر لها مهما كانت الأسباب التي دفعتها إلى ذلك. فمثلا ظل قاسم يخجل ماضي أمه التي كافحت بجسدها الشاب من أجل مستقبله. وعلى الرغم من أنها هجرت مهنة الجنس بعدما أصبح ابنها معلما، فإنه لم يغفر لها ظروفها ولم يستطع أن ينسى ماضيها(218). وبالمقابل يحظى الرجل بنظرة متسامحة لا تحمله أدنى مسؤولية عن المصير المأساوي الذي يؤول إليه وضع المرأة الذي قد يكون مسؤولا عن تعهيرها. "إنه يحلم أن يتزوج امرأة لم تفسق حتى لا يكون أولادها معقدين وحتى لا تخونه. أما القحبة فأكيد أنها ستخونه"(92).

لقد كان بدهيا أن يمثل الزواج بالنسبة إلى المرأة في ظل هذه الأوضاع منقذا من الضياع؛ فالمرأة تفضل أن تتزوج من شخص لا تحبه على أن تظل وفية لعلاقة حب مفتوحة على جميع الاحتمالات.

"- النساء يفضلن الزواج على الحب

- ما فائدة زواج بلا حب

- إنها مشيئة النساء

- اللعنة إذن على الحب" (110).

ما ينفك السارد الذي ذاق الحرمان وجرب حياة التشرد والصعلكة يبدي تعاطفا واضحا مع المرأة التي اضطرتها الظروف لاحتراف الجنس. فقد صور واقعها المأساوي عندما تتقدم بها السنون ويخونها شباب الجسد: "انتهى في طنجة زمن الدعارة الجميل. المواخير الخاضعة للرقابة الطبية منعت منذ سنوات. دور سرية وفنادق حقيرة حلت محلها لتمارس فيها المحترفات والهرمات مهنتهن مع الوافدين من البادية بحثا عن عمل وفقراء المدينة بأبخس الأثمان. بعضهن تبن إنقاذا لكرامة شيخوختهن ودينهن فصرن يعملن في المطاعم والفنادق ومحدثي النعمة" (159).

تبدو المرأة التي تحترف الجنس في السياق الروائي ضحية واقع اجتماعي واقتصادي قاس لا يرحم "سألته في حانة دينز بار عن التي دخل معها: " إنها لطيفة، لكني لم أضاجعها لأن قصة احترافها أحزنتني. تعول أمها وطفلتها في عامها الأول" (186).

إن الكتابة عن واقع الدعارة والجنس الرخيص موظف في سياق الرواية توظيفا اجتماعيا الغاية منه رصد صور الاستغلال الجنسي الذي تخضع له المرأة في ظل مجتمع ما يفتأ يدعي الحشمة الزائفة ويقدم نفسه باعتباره الوصي على حماية الأخلاق العامة. وقد عبر شكري عن غايته من توظيف الجنس الداعر في حوار أجري معه بالقول: "ليس كل من يكتب عن المرأة الداعرة هو عدوها. الجنس الداعر أوظفه توظيفا اجتماعيا للكشف عن أسبابه الاستغلالية في أبشع صوره" (من جوار أجراه يحيى بن الوليد والزبير بن بوشتى مع محمد شكري القدس العربي 29- 01 – 2002).

 

المرأة/ الأجنبية: مكان الفتنة ومجال الاستيهام

تقترن صورة المرأة الأجنبية كما تجسدها رواية "زمن الأخطاء" بالفتنة والاستيهام، فالجسد الأنثوي عندما ينحدر من سياق اجتماعي وحضاري مختلف يثير الفضول ويغري بالاكتشاف ولو كانت صاحبته متقدمة في السن . فهو يتيح للمنتمين إلى مجتمع الهامش والقاع فرصة مضاجعة امرأة أجنبية يتوقعون أن يكون لجسدها مذاقا مختلفا عن بقية الأجساد المغربية التي جربوها من قبل في المواخير الرخيصة. تلك هي حالة سارة التى جاءت من العرائش إلى طنجة بعدما زهد فيها الجنود الإسبان. لقد كان "شبقها يستقدم شبابا من المدينة وغيرها بعضهم لفقره وكبته، وبعضهم افتنانا بالأجنبيات ولو كن هرمات"(186).

لم تخرج صورة المرأة الأجنبية في "زمن الأخطاء " عن كونها جسدا يستعرض مفاتنه من أجل إثارة الرغبة والاشتهاء في نفوس الزبناء واستدراجهم إلى مغامرة جنسية مقابل مبلغ مالي: "في قاعة الاستقبال فرنسيات وإسبانيات وإيطالية واحدة. تنانيرهن تكشف عن أفخاذهن الرشيقة. إذا جلست إحداهن على مقعد يظهر لون تبانها. كواعب أحذيتهن العالية تبرز مؤخراتهن بإغراء. عسل الجمال البشري ينتظر من يتلذذ بمذاقه "(104).

يغري التمثيل الروائي للمرأة الأجنبية الممتهنة للجنس في "زمن الأخطاء" بعقد مقارنة بينها وبين زميلتها المغربية في ما يتعلق بطقوس الممارسة الجنسية، حيث يكشف النظر في الرواية أن المغربية تقبل على مضاجعة زبنائها من دون أخذ الاحتياطات اللازمة مما يؤدي الى انتشار عدوى الأمراض الجنسية: "أبول باستمرار. قلمي يؤلمني كلما بلت أو التوى. قليل من الصديد يسيل منه. إنها عاهرة إذن في مسوح العمل " (100).

أما المرأة الأجنبية فقد ظهرت حريصة على الممارسة الجنسية الآمنة "وضعت حبة بنفسجية قاتمة في طست. حللتها بإصبعها في الماء الدافئ و اغتسلت. أعطتني صابونة معطرة لأفعل مثلها" (105).

يظهر من الرواية أن الفرنسيات كن يبدين كثيرا من التعالي في علاقتهم بالمغاربة، حيث كانت ممتهنات الجنس من الفرنسيات يتحاشين مضاجعة الشبان المغاربة خاصة إذا كانوا منحدرين من أوساط اجتماعية متواضعة. وعلى العكس من ذلك كانت الإسبانيات أقل ترفعا "قد لا تقبلني أية واحدة منهن [فتيات مدام سيمون] عند ماري كارمن أفضل. دخولي مع إحداهن شبه أكيد. فتياتها إسبانيات. إنهن أقل ترفعا مع المغاربة من فتيات مدام سيمون" (104).

 

خلاصة:

لا يمكن فصل صورة المرأة عن واقع المجتمع المغربي وما يعتوره من أعطاب نفسية واختلالات اجتماعية، فعلى الرغم من أن السارد يعيد في هذا النص تمثيل الواقع الذي عاشه بطريقة روائية تخييلية، فإن المتن السردي في نهاية المطاف، لا يعبر عن قصدية مؤلف فرد، ولكنه يجسد رؤية جماعية ويعبر عن تمثلاتها للواقع وصور الوجود كما استقرت في مخيالها ولاشعورها الجمعي. فصور القهر المادي والنفسي الذي تتعرض له المرأة كما جسدها التمثيل الروائي انعكاس للواقع المغربي الذي يحكمه القهر والتسلط والاستغلال. وبذلك تكون صورة المرأة كما جسدها الكاتب روائيا في "زمن الاخطاء" تمثيلا سرديا لواقع المهمشين والمنبوذين. والرواية بهذا المعنى محاولة أدبية وإنسانية تبتغي التأريخ للعالم السفلي ومجتمع الهامش في مغرب ما بعد الاستقلال. حيث يرصد الكاتب حالة البؤس والتهميش التي عاشتها شريحة عريضة من مغرب القاع الاجتماعي؛ مغرب الفقراء والمهمشين والمنبوذين الذين نقلهم المؤلف عبر ممكنات التخييل الروائي من كائنات بسيطة تعيش على "الهامش" إلى شخصيات رئيسة تحتل مركز السرد وتصنع "الحدث" الحكائي. وبذلك تكون "زمن الأخطاء" قد تمكنت من إعادة كتابة حقبة معينة من تاريخ المغرب غير الرسمي مركزة على المحظور والمسكوت عنه بعيدا عن الخطابات السياسية المكرورة والشعارات الإيديولوجية الزائفة.

 

د. مصطفى الغرافي

باحث وأكاديمي من المغرب

رواية "هالة النور" لمحمد العشري

heyam fershishرواية الظلال؟ أم رواية الصحراء الممتدة؟ أم رواية الشمس التي يدركها الخيال ويتمثلها كحلم؟ .. قد تكون رؤية محمد العشري هي تشخيص لذلك المتحرك المشخص، لذلك الظل الذي له علاقة بالشمس .. رؤية تتجاوز العلمي إلى المتخيل الذي تدركه الرؤية، ظل لن ينبري دون مصدر إضاءة هو الشمس في الصحراء الممتدة. ولم يعتمد الروائي الجيولوجي محمد العشري في رسم على الهندسة الوصفية بقدر ما رسم لنا صورة شعرية لها علاقة بالتشخيصي المرئي. وكأن رحلة الظلال هي رحلة استرجاع صور الماضي، الماضي الحاضر بشبيهه. للتوالد من الظل صور لأشخاص وكائنات.

صور تذكرنا بالأرضي لتصعد إلى النور، صور لها قسماتها الهادئة والمبتسمة وكأنها تتأمل المعنى في انثيال، إنها الرؤية التي تستأصل المجاز والوهم والانطباعات نحو المرئي في علاقته بالعين الثالثة، لها علاقة بظلال الماضي الذي ينمو دون هوادة ولا ينقطع في نقطة محددة، بل يعانق السماء في رحلة التشوف إلى الحقيقة، حقيقة الروح التي تسترجع الصور الغائبة، فالظل هو العتمة التي نرى من خلالها النور، وتنبثق في الطبيعة من جديد لتعريك تحريكها، لتتواصل الحركة عبر جدلية الصحراء والسماء، في تبادل بين طاقتي الهبوط والصعود.

نلاحظ من خلال اللوحة الوصفية التي انطلقت منها الرواية أنها لم تشذ عن روايات محمد العشري السابقة: والتي تعود بنا إلى اللوحة التي اعتمدها نجيب محفوظ في رواية الشحاذ المفرغة من المعنى والتي تعكس فلسفة اللاجدوى، بينما نرى محمد العشري الجيولوجي والروائي يرصد نور الحدس الذي يتمثله العلم والفن في آن وهو يتشوف حقائق الوجود. وهي خاصية تميز روايات محمد العشري التي يفتتحها بلوحات مفعمة بالمعنى.

"تأمل حسام الظلال الهادئة التي بللت الرمال بلونها الرمادي، رآها تُكوَّن أشباه وجوه يعرفها متناثرة في سطح الأرض، امتدت شعورها صاعدة إلى حقل الشمس، فغطت وهجها بوشاح رطب، أزاحت في حركاتها البطيئة، وابتساماتها الهادئة، السراب الراقص في المطبات الهوائية الباردة، أبطلت سحره، اجتمعت تلك الوجوه الغائبة التي تنتظره، شكلت نافورة ضخمة على شكل نبتة عيش غراب وحيدة، تنمو بلا توقف منذ أن خُلقت، فبدت هياكلها عالية، رؤوسها السحاب، تمر من بين سيقانها المرتفعة دوامات غبار خفيف، نتجت عن هبّة هوائية مخروطية الجسم، تحركها الموسيقى يمينـًا ويساراً، بدت من بعيد كأشجار عتيقة، متكئة على جذورها، الممتدة في الفراغات النائمة بين الحبيبات الأرضية المكونة للون الأصفر الصحراوي، رسمت الطبيعة لوحة حية، استحضرت الغائبين أمام عينيه، لوّنت ظلالهم بالروح المتوهجة التي تتغلغل في داخل مسام الجماد، الحيوان، الطير، الإنسان، بشكل طاغٍ لا تستطيع أن تغفله عين، أو تهرب منه للحظة، فالصحراء آسرة، ساحرة، تشرب الروح في رمالها العطشى، تبخرها في ليلها نسيمـًا أخاذاً، يلف الكون فية بعطره وموسيقاه".

يعاين الراوي الظل وهو يعود إلى خبايا الماضي البعيد وما يزخر به من رموز أسطورية، ترتد به إلى الذاكرة التي تسكنها كائنات أسطورية ما زالت تجنح في مملكة السماء، فإذا بالأساطير المنفتحة على عالم روحي بمثابة الثدي الذي يستمد منه الحياة، من الأصول الأرضية الخصبة التي تشبعه بالحلم والطمأنينة، فإذا به يواجه الصحراء بضجر بغية العودة إلى المرأة الحلم ويسلط طريق العودة في عربة متآكلة مع سائق ومساعده غير عابئ بمخاطر الرحلة، حيث الأصول الجنينية الأولى تتمثل في طريق طفل يرتوي من ثدي الآلهة هيرا "فتكون منه حدود الطريق اللبَنيّ الطويل، حيث يمكن رؤية أكثر من ألفي نجم بالعين المجردة، مجتمعين ومتناثرين في طرف ذلك الوشاح، الذي ترتديه السماء في ليلها المظلم".

ونحن ندرك كم تخبئ الأساطير المصرية الفرعونية رحلة الإنسان نحو الشمس الذي بدا في صورة الإلاه رع الذي عبد في مدينة "أون" أو "مدينة الشمس". وكيف شكل الظل تراثا فنيا لا يستهان به . هو أساس عدة فنون وهو المدرك عبر الرؤية يثير المتخيل في النفس، وكان الخيال عند الإنسان هو انعكاس للظلال، وبحث عن مصدر الظل ذاته ؟ فهو الذي يعبر الخط بين الخيال والحقيقة عبر قلب يتسع ليظلل الكون، ليخرج من متاهة الصحراء المضجرة وكأنه يحفر بإزميل ساخن في سيقان الأشجار العتيقة.

رحلة المهندس حسام إلى الجسد الأنثوي الذي عبق عطرها أنفاسه وجعله يستنشق اكسير الروح، توقه في معانقة صورة المرأة التي تغادر اللوحة ليحتضن من خلالها شوقه إلى هالة النور التي تكمل رغبة الجسد في لمس اللامرئي، متعة المشاهدة والاكتشاف من خلال رؤية ترصد مشهد عشق عبر إضاءة خافتة.

"حين تحرر حسام من جسده، استطاعت روحه المحلقة أن تلمس الأشياء البعيدة، أن تتوحد مع عناصر وذرات الكون المتناثرة في أجوائه، عاد إلى اللبنة الأولى المكونة للحياة، حيث لا حد فاصل بينها، لا أجواء تقف مانعة التواصل مع الآخرين، الكل ينبع من قلب واحد، يقطر حبـًّا، يصبح لديه القدرة على التشكل والامتزاج، لتكوين ذهب الحياة الثمين، الذي لا تلمسه غير الروح النقية".

رحلة حسام إلى المعرفة هي رحلة أسطورية يخوضها على ظهر "القنطور"، وهو حيوان أسطوري مكون من نصف علوي للإنسان، والنصف الأسفل لحصان. رحلة يكتشف من خلالها أشعة الضوء، رحلة هي بمثابة سياحة كونية بين الكواكب عبر سرعة الضوء. وهنا يجمع محمد العشري بين العلم والأسطورة عبر رحلة عجائبية، يكتشف ويرى من خلالها المجهول. وهي في الأن نفسه رحلة أرضية في قلب الصحراء ليلا، رحلة محفوفة المخاطر تتوقف فيها العربة التي غرقت في كثبان من الرمال، رحلة تسقط من خلالها هالة النور في الصحراء، لتبدو كشيء غامض بالنسبة للسائق ومساعده على خلاف حسام التي مثلت تلك الهالة انعكاسا إلى رحلته الأسطورية إلى الفضاء الرحب. ليستعرض بعضها حكايات عن قطاع الطرق الصحراوية وعصابات المخدرات، ولكنها رحلة نحو أساطير أهل الصحراء الذين يتحدثون عن موسيقى تهبط من السماء، وهي موسيقى أشبه بموسيقى عرائس البحرفي الالياذة والأوديسا التي كانت تغوي البحارة لتجرفهم نحو أعماق البحر، وتوجههم هنا إلى بقاع نائية وموحشة ليس بها ماء فيلقون بها حتفهم. وهي لدى البعض صيحات غضب الجن تصدر من عالمهم السفلي تحت الأرض وهم يتعاركون ويعذبون بعضهم البعض. فريق آخر يظنها صادرة من أجراس المعابد والأديرة التي ابتلعتها الصحراء منذ زمن، وغطتها الكثبان الرملية، ولايزال صداها يتردد.

رحلة في عمق الصحراء، سياحة كونية تربط بين التعمق في الكون عبر التعمق في تركيبة الارض بطل طبقاتها ومكوناتها ورمالها، فهي ترفعه الى عالم المعرفة، حيث ينبري الحدس المتلبس بالتجربة ينير حقائق علمية وأخرى روحية، لتتسع رؤية الإنسان نحو الكون، وتتسع مدارات يقينه، وهي رؤية تكشفها روايات محمد العشري مثل رواية "خيال ساخن"، ورواية "غادة الأساطير الحالمة" ورواية "هالة النور" حيث لا ينفصم حدس الخيال الفني عن حدس الخيال العلمي ليمتزجا في نقاط واحدة تلتحم فيها طاقات الصعود والهبوط.

"روحه التي أفلتت منه في لحظة رأت أن كل شيء متشابه، الغوص إلى الأعماق مثل الصعود في الفضاءتمامـًا، كل يؤدي إلى بعضه البعض، حلقات كثيرة مفرغة لا أول ولا نهاية لها، لا يقين ثابتًا يحتضن الأشياء في قلبه، ويوزعه على الأرواح المتعبة، نقطة واحدة إذا عبرها الإنسان يصبح لديه القدرة على المزيد من الرؤية، فقط إذا ما ترك جسده وراءه، وهام فيما لم يجربه ولم يره من قبل، فهل هذا أيضـًا يمنحه يقينـًا ما؟ "

واتخذ محمد العشري الإشارات الضوئة كمصدر للطاقة البديلة التي يبحث عنها الإنسان الباحث أبدا عن طاقات جديدة وهو يتوقع نفاذ طاقة البترول، وللحصول على مصادر أخرى للطاقة يطور بها وجوده . ولتطوير وجوده مستخلصا أن " الكون مقام على أساس تلك الذرة الضئيلة، التي تتوالد من بعضها، منتجة صوراً مختلفة للحياة، هنا وهناك .... انتبه إلى أن تفاعل النيتروجين مع السيليكا ينتج الطاقة، ويخلف النشادر التي ينتج عنها الهيدروجين، وذلك الغاز يمكن الاعتماد عليه في تكوين صور أخرى من أشكال الطاقة، إضافة إلى أن احتراقه ينتج عنه الماء".

"هالة النو" هي رواية الخيال الفني والخيال العلمي في آن. رواية الذات والموضوع، الأرضي والسماوي، الأسطورة والعلم، رواية ضمير الأنا وضمير الهو المحايد. هي رحلة محفوفة بالظلال والظلام والضياء. هي رواية الإنسان وهو لا يفصل إحساسه عن حواسه، وعقله عن قلبه. إنها رواية المعنى والحقيقة العلمية. رواية تهم الأدب والعلم في آن. جاءت في لغة بديعة، لا تخلو من المشاهد واللوحات الفنية..


 

الشاعرة خلود المطلبي وتجربة نفي التهميش

saleh altaeiقراءة في مجموعتها "حركة الشعر العراقي المعاصر، مستقبل الماضي"

تعرفت منذ عدة سنوات على واحدة من الشاعرات المبدعات الملتزمات، مخلصة لنفسها ولمنهجها ولعقيدتها ولوطنها هي السيدة "خلود المطلبي" الشاعرة العراقية المغتربة.

وكان يقيني بجديتها يتجدد مع كل عمل أقرأه لها، حتى أصبحت من المتابعين النهمين لأعمالها أترقبها وأتفحصها، فلا أزداد إلا يقينا بصدقها. وخلال كل تلك المدة توطدت علاقة الأخوة بيننا، ووصلت إلى أن تطلب من أخيها أن يكتب لها مقدمة لديوانها الموسوم "مزامير تحت سماء لندن" ثم تكرمت عليّ، فأرسلت لي نسخة من ذلك الديوان، لا زلت أعاود قراءتها كلما سنحت لي الفرصة، وأصبح موضوع إهدائها الأعمال الجديدة إليّ فضيلة مهنية ومنهجا لم تتخلى عنه أبدا، فهي ترسل لي نسخة من كل إصدار من إصداراتها، حيث تفاجئني بالوصول إلي من دون موعد.

وكنت أنا "الأنا الراصدة" المدققة المتفحصة لهذه الهدايا القيمة، لا لأكتب عنها نقدا أو دراسة بقدر ما فيّ من رغبة للتمتع بهذا الإنتاج المميز الجميل الذي كان يبعث فيَّ رغبة التجدد، ويسهم في محو الخيبات التي ولدها انكفاء النخبة الفاضح، وعجزهم عن بلورة مواقف جمعية داخل فضاءات الوطن بألوانه وأطيافه، ولو أبعد قليلا من حدودنا الضيقة، خارج أطر الخصوصية التي شغلت حياتنا وحددت حراكنا. كانت كتاباتها مقودا يأخذ مهمة تعديل المسارات في وعي الإنسان، فينقاد لها طوعا بدون ذرائع، فخلود هذه القامة السامقة وحدها كانت تجرؤ على النظر عبر المسافات لتعيد مشهدية التصوير برؤى مستقبلية يتداعى صداها في الآفاق ليوقف صدى الجمود والتحجر عند حده، وكأنها تسعى إلى التجديد من خلال عبق القديم، فتُواشِجُ بين ماض وحاضر أملا في بناء مستقبل. فالصورة التي تعتمده خلود المطلبي لا تقف، ولا تجمد، ولا تكف عن التوالد والتحول المستمرين، ولكن نحو هدف واحد، هو مستقبل أجمل، لا يوجد ما يبعث الأمل بجماله لكثرة الضوضاء والضجيج.

وقد تبدو هذه الصنعة معجزة طالما أن غيرها أعرض عنها وأهملها، ولكم من غير خلود يجيد مثل هذه الصنعة ويجيد رصد حركة الشعر العراقي المعاصر ليؤشر الأطر التي تنزاح تاركة مكانها القديم، لتتجدد في مكان جديد لا يكاد يشبه بيئتها الأولى! من غيرها تطوع ليقدم هذا الوجه الناصع للشعر العراقي إلى ذائقة غربية، بل من يرشح لينجح أكثر منها؛ في هذه المهمة الصعبة، وهي الشاعرة والناقدة والمترجمة والأديبة والإنسانة؛ التي ترجمت القصيدة والمقالة النقدية، والسيرة الأدبية؟! ولذا من حقها الوطني أن ترصد بعين النسر "حركة الشعر العراقي المعاصر، مستقبل الماضي" ليكون سعيها وآخر إصداراتها مهووسا بهذا المعنى.

وفعلا أصدرت تحت هذا العنوان مجموعتها الجديدة، مجموعة الجميع، مجموعة كل الأطياف، لتكون حصتها فيها أقل من حصة الجميع، فتكتفي بقصيدة يتيمة تربعت بين قصائد تحمل وجه الوطن.

"حركة الشعر العراقي المعاصر، مستقبل الماضي" طارت بعد أن خرجت من التنور على جنح حمامة من عالم بعيد مليء بالضباب لتحط عندي رغيفا شهيا وصلتني رغم بعد المسافات طازجا.

تنسب هذه المجموعة إلى خلود المطلبي ولكنها لم تكن موقوفة على شعرها، بل كانت روضا من رياض وحدائق الشعر العراقي المعاصر، تنوعت أزهارها من نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وصولا إليها، وثمة علامات واضحة شخصت في الدرب بين البداية والنهاية تتلألأ فيها أسماء ثلة من الشعراء العراقيين: فاروق سلوم، مالك المطلبي، أديب كمال الدين، سعدي يوسف، سركون بولص، عبد الزهرة زكي، عدنان الصائغ، خضير ميري، شاكر لعيبي، حسن بلاسم، خزعل الماجدي، كزار حنتوش، حسن مطلك، محمد شمسي، محسن الرملي، سهام جبار، فاضل سوداني، كريم النجار، اسعد الجبوري، منال الشيخ، عبد الخالق كيطان، حميد قاسم، وآخرون، حيث ضمت المجموعة أعمالا لقرابة الثلاثين شاعراً.

قد يرى البعض أن هنالك من يستسهل مهمة الجمع، أي جمع نتاج الآخرين وتقديمه ضمن مطبوع يحمل اسمه، لمجرد أن يُصدر عملا ما، يضاف إلى قائمة أعماله، لكن من يتابع هذه المجموعة يكتشف بدون عناء أن الجمع لم يكن عشوائيا بقدر كونه محاولة لفهم المشهد الشعري العراقي المعاصر، وهو ما يتضح من مقدمة المجموعة، التي كتبها الدكتور مالك المطلبي، أستاذ علم اللغة والنقد الأدبي في جامعة بغداد، في قوله: "من غير الممكن فهم مشهد الشعر العراقي المعاصر من غير تسليط الضوء على الخلفية التاريخية التي من خلالها تحول إلى ما هو عليه ابتداء من النصوص المكتشفة منذ ألفي عام حتى منتصف القرن العشرين".

إن في مسيرة الشاعرة الأدبية؛ إشارات كثيرة إلى هذا المنهج، فالشاعرة تطمح منذ زمن إلى إظهار الوجه الحضاري والجمالي والإبداعي للعراق، وتأمل في إعادة تشكيل ذاكرة الناطقين باللغة الانكليزية عن العراق. لأنها تعتقد أن هذه الذاكرة ضُللت بعد أن اختزلت برامج وأخبار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة العراق بأضيق الحدود، فأوقفته على همجية الدكتاتورية والحروب واللاجئين والإرهاب والطائفية، وأهملت ما سوى ذلك. ومن خلال تتبعي لجهود الشاعرة لا أعتقد أنها ستقف عند هذا الحد، بل أرى في الأفق مشاريع مستقبلية تصب في هذا الهدف النبيل، تحمل نفس الملامح ولكن تلبس ثوب التجديد.

صدرت هذه المجموعة عن دار "هرست وهوك" البريطانية، وعنوانها الأصلي

The Future of the Past) (The Contemporary Iraqi Poetry Movement

تزين غلافها لوحة جميلة للفنان العراقي الدكتور بلاسم محمد، الأستاذ في كلية الفنون الجميلة ـ قسم الفنون التشكيلية.

وأنا أعيد قراءة هذه المجموعة على مهل، لأنها مكتوبة بلغة لا أجيد منها سوى النزر اليسير، أجد من الواجب علي أن أقول: شكرا لك أيتها الشاعرة على هذا الجهد المائز.

مسرحية "دروب الضجيج"

qasim madiوهي "مونودراما" تتحدث عما يحدث الان في زمن الفتن، والقتل، والتدمير " وهي محاولة لكشف أسرار الموت، يلعبان اللعبة شخصيتان هما:

الرجل + المرأة " وكأنهما في حالة جنون مع صوت انفجارت

الرجل: وهو يبحث بين أكوام من العربات، لبائعي الخضار، والحلويات، واللبن، في سوق شعبي، وجثث هنا وهناك، واشياء كثيرة فيها من الدم البشري، ورائحة نتنة تملأ المكان مما يُحدث لديهما حالات إنبهار، والمرأة كذلك

الحب عطاء لا حدود لمواهبه "فيها من الحزن الكثير"

المراة: الحب عطاء لا حدود لمواهبه " فيها من الحزن الكثير

الأثنان " المرأة مع الرجل " الحب عطاء لا حدود له

الرجل، وهو يتمتم أي كأنه يتحدث مع نفسه، يقولها على خشبة المسرح أكثر من مرة،

رائحة الانفجار تزكم الأنوف " يكررها

وهو مستمر بهذا الحوار،

المرأة: وهي تبحث عن شخص من بين الموجودين وتتمتم " ترفع يدا ً أو رأسا ً وهي ترتجف، بعصبية وخوف وتتحدث

" انهزامات،

وعذابات

دنيا تجعل من الإنسان المعدم المعذب

غابة

وجودها الأول وأساس عمل المستحيل المتوجع

لرقصات المعد المملوءة بالفجعية

وخبز الشعير المتيبس الحواف

وهي تدور وكأنها مصابة بالشلل، وتنظر إليه بنظرة فاحصة، ويعلو جبينُها الغضبَ، وتكّرر " وخبز الشعير المتيبس الحواف،

الرجل: تحت رماد الخوف كل شيء يحدث " بصوت متكسر وخائف " وهو مذهول ومتعب،

اصوات انفجارات وسيارات أسعاف "

المرأة: نكرهُ حدَ الترف رؤية مشاهد الموت "

وهي متعبة وخائفة " وربما كأنها تقترف جريمة

الرجل: وهل ننسى عفونة الأجساد الملقاة على قارعة الطريق "

بهستريا فيها نوع من البكاء

المرأة: ومطر الشظايا البارق يتحسس معدنه، " بسخرية "

وتتفجر نفسه بلغو جد غريب " " بسخرية "

وكأنه حالم وهو يرنو الى السماء " حالمة "

الرجل: فضاقت صدورنا،

وها هم يحبسون عنا ضوءَ المصابيح،

وضجيج الدروب،

المهم سوف تدور الدنيا مثل دولاب "

هنا أشارات وتلميحات إلى " دول الجوار " التي ساهمت مساهمة فعالة في تخريب البلد

وهنا يتراكضان الاثنان في وسط المسرح وهما يرددان هذا الحوار " الرجل مع المرأة "

 

" كي نهرب من صدر المأساة "

لا تصدم قلب الفتنة برخاء التسبيحات "

يكررها الرجلُ عدة مرات،

المرأة: لا تحرق صمتَك والناسُ نيام

الرجل: وهو ينظر إلى الجمهور بطريقة مخيفة ويردد هذا الحوار "

" لا تملأ أيامَ الغيمة بسيول الزيت "

لا، لا

لا، لا "

يكرُرها عدةَ مرات وهو خائف " ظلام "

المشهد الثاني

بقعة ضوء وموسيقى فيها من الرومانسية يجلسان وكأنهما تحت خيمة يحلمان "

المرأة: دونما حراك تحركت أيام،

ولك وسادة من ريش وسرير من خشب الصندل

وفضاء مغسول ببصاق الفرح

الرجل: تنفق روحي على الطيران

وتتململ بلهاث يخنق انفاسي

المرأة: أُحسُ بتصلبِ جسدي وفورانه "

" أصوات إنفجارات في كل مكان "

تنهض المرأةُ وهو يصرخ بطريقة مرعبة وتقول

المرأة: الموت !!

لم هذا الموت ؟

ما شك وجودي معك هذا !

الرجل: أو تظنين في أمر ما جئت ؟

المرأة: بريبة " الشكوك حولك جد ثقيلة !

الاثنان مرعوبان "

تتغير الموسيقى إلى أصوات من الانفجارات

المرأة: الموت "

يسود الصمت للحظات

الرجل: الموت،

الموت، الموت

تلتفت المرأة متفحصة أرجاء المسرح متحسسة جسدها وأطرافه، وكأنها تناشد الوطن بلغة شعرية

المرأة: ما كان يظن أن خطوه المتصاعد النبرات يمكن أن يؤدي إلى به إلى فوهة هذا القبر "

موسيقى حزينة وهي تشّيع هذا الوطن "

الرجل: العيون مشعلة وجوده ببضع توسلات،"

وهنا يكون الرجل على نفس طريقة أداء المرأة "

تعود كتلُ السوادِ نداءاتها

الرجل + المرأة " بصوت قوي وكأنهما يرعبان الموت "

الموت، الموت، الموت

وهنا ينسلخ الرجل وكأنه محقق مع المرأة

الرجل: ما الذي يحدث يا أنت ؟ بطريقة بوليسية

المرأة " وهي تهزُ رأسَها " لا أدري

الرجل " كيف لا تدرين وأنتِ هنا

المرأة: أو لا تكف عن إطلاق شرورك

الرجل: ما ظننتُ الكلم شرورا

المرأة: بل هو شر ما بعده شر، والشكوك حولك جد ثقيلة

الرجل: وهو كأنه يتملص منها "

يجب أن تحملَ ذواتُنا جواهرَ الحاضر،

أزمان وإحساسنا بالانهزام مر

فما الذي حدث،

أو عجزت الكلمات عن بوح ِ آثامها،

أم عطّل الصولجانُ حضورَ مذابحه،

" وهنا يقصدُ الوطنَ وبمرارة " وكأنه يخاطب الجالسين "

الرجل: كان سيداً، هذا الوطن

علمه جده الأبهة َ

أن شرف الخالق بعرض اماله هو كلمة،

 

المرأة: أو ماتَ السيدُ هدرا ً

أم أشعلَت دمه مواقدُ الكلمات المالئة نوافير الأفئدة،

أو فهمت الفرق الان يا إنسان !

الرجل: قلتُ لك أسكتي !

وأجيبي على قدر ما أريد !

المرأة: ما ظننتك تريد غيَر شيء واحد، وياله من ثمن بخس !

الرجل: أن شهوة القتل تجاوزت حدود اي دين، أو اي طائفة،

المرأة: اسماءٌ نفسُها تبدو عاجزةَ عن فهم ما يجري

الرجل: وكذلك العقل فهو مجرد أضحوكة عندما يتدخل ببلادته لتغير الواقع

المرأة: أن الشرَ المطلق هو نحن جميعا

الرجل: أجناسُ الروح تقبلُ منطقَ الجواهر

المرأة: الجواهر يجب أن تحملَ ذواتنا جواهر وجودنا

الرجل " تقصدين الحاضر،

هه ازمان

وإحساسُنا بالانهزام مر يا سيدتي

المرأة: أزمان وضعوا فيها شرف الكم وسط طبق من ذهب

وداعبوه بعصا رأسها

الرجل: فما الذي حدث

المرأة: يبدو أن الكلمات عاجزةٌ عن بوح آثامها

وعطّل الصولجان حضور مذابحه

كان سيدا، هذا الوطن

الرجل: صولجانٌ منقوعٌ برذيلةِ الكذب

المرأة: قلت لك أسكت،

وأجبني على قدر ما أريد

" صراع بين الأثنين " اطفاء أنارة

المشهد الثالث

كل منهما يأخذ تكوين، وهما يتحدثان بطريقة مختلفة،وكأنهم يتهامسان ويتناقشان عن هذا الذي يحدث مع صوت موسيقى

الرجل: عريضة جدا مسافات خطوي وغامقة " بقعة ضوء صفراء "

المرأة: لا تناسب حجم رغوة آمالي الضالات في خزائن الأسئلة الصفر

الرجل: كنت أبللُ وجهي لحظة كل مواجهة

المرأة: تفحصت أثمان المواجهة، اثقلت نفسي ومن يحيط بي بحروق الإتصال

الرجل: المسافات الجرداء الأدمة الباركة فوق ظهر شوارعنا

المرأة: الواجةُ بحرائق اللغو والمناداة

الرجل: كان الدرسُ صعباَ وخطواتي تتبللها أنوارُ الاختناق

المرأة: باتجاه الصبايا المجدولات الضفائر

الغاطسات حد القسوة بالزعفران والمسك

" وكأنهما يدوران حول بعضهما " الأثنان في حالة فزع ممكن استخدام " سايك " وتعرض من خلاله تفجيرات وغيرها من مشاهد الدم "

الرجل: المسافات الجرداء الأدمة الباركة فوق ظهر شوارعنا الثقيلة مثل حديد المطارق

المرأة: المشتعلة بحرائق اللغو والمناداة

" يركضان في المسرح كل واحد على جهة "

الرجل والمرأة: كان الدرسُ صعبا ً

تنفردُ المرأةُ بخطوٍ ثقيل وهي تردد

المرأة: خطواتي تتبلها أنوار الأختناق

الرجل: وكراسيهم المتعفنة مثل روائح ارواحهم الميتة

المرأة: احتراقات تشبُ وسطَ المدينة

الرجل " وهو يدور حول المرأة، وبطريقة مخيفة "

ماالذي يريده هؤلاء ؟

المرأة: تضحك بهستيرها وكأنها ارادت أن تقول شيئا ً ولم تستطع "

أنها سكاكين البلاء " تكررها عدةَ مرات "

الرجل: وكأنه يخاطب المتفرجين ويقول

أنها سكاكين البلاء !

أنتهت

هذه المسرحية مستوحاة من فكرة لرواية " كهف البوم . ممر الياقوت " لشوقي كريم حسن

 

قاسم ماضي – ديترويت

 

ذاتَ حُلمين .. قراءة في كتاب ضحك كالبكاء لمؤلفته الدكتورة مريم لحلو

605-harذاتَ .. حُلمين: حلمٍ أدبي جميل، رأيت فيه سمكة المعنى تنساب برشاقة في ماء الكتابة، تصل إلى منتهى الأخذ بالأنفاس ثم تعود إلى قطرة البداية من جديد، وكأنها تقدم لوحات ساحرة لتفتن الأنظار. وسمعت مع كل ذهاب وإياب للجمل والعبارات موسيقى رقيقة تجلو الهم وترهف الإحساس .

رأيت وسمعت وأنا أتأمل اللوحات الساخرة للأديبة مريم لحلو ما يراه المستغرق في أحلام اليقظة.

رأيت المعنى ينساب كسمكة في ماء الكتابة، وسمعت إيقاعا للكلمات أشبه ما يكون بإيقاع معزوفة ألفها مبدع متمكن من أدوات الصنعة وفنونها.

ثم في حلمٍ ثان، رأيتني أضحك ملء حواسي كلها وملء مسام جلدي، أضحك ملء صدري وحرقة كبدي على نماذج من السلوك البشري ابتلي بها مجتمعنا، فصارت تنخر بنيانه وأسسه كالسوس وتهدد البناء بالسقوط في أي لحظة..(وليس يقوم بنيان عشش السوس في أركانه وحيطانه). وما أكاد أنتهي من الضحك على فصل من فصول مهازلنا الاجتماعية حتى تهزني موجة بكاء صامتة..فأستغرب لأمري، كيف أضحك بصخب وأبكي في صمت، ولا يفعل ذلك إلا من كان مصابه قويا شديد الوقع والأثر.

ذاتَ... حلمين إذن.

حلم أدبي وحلم اجتماعي، وجدتني ممسكا بين يدي كتاب " ضحك كالبكاء" لمؤلفته الدكتورة والأديبة المتألقة " مريم لحلو ".

فالحلمان كانا واقعيين.

كنت أحلم وأنا أقرأ اللوحات الساخرة التي نجحت الكاتبة في رسمها أيما نجاح، أن أقرأ أدبا جميلا وأن أتوغل بعيدا في شعاب الأعطاب الاجتماعية،وكذلك كان.

لقد استطاعت الكاتبة أن تجعل من نقد المجتمع موضوعا يستحق الكتابة، كما استطاعت أن تجعل من كتابتها عن المجتمع أدبا يستحق القراءة، فجمعت بين الأدب والمجتمع، وبين الكاتب ومسؤوليته الاجتماعية جمعا يستحق التنويه والإشادة.

وما كان لي ولن يكون لأي قارئ أن يستمتع بهذين الحلمين إلا لأنهما كانا في الأصل حلمين للكاتبة نفسها .

حلمت الكاتبة " حلم اليقين" بأن تبدع نصوصا مكتملة البناء تامة التناسق قوية التأثير، وقد كان لها ذلك.

وحلمت بأن تناضل بقلمها للكشف عن عيوب المجتمع وأمراضه،ولفضح الأنذال الذين حَوَّلوا كل إشراقة أمل إلى عتمة، وكل بقعة ضوء إلى ظلمة، وقد كان لها ذلك أيضا .

فأحسنت الصنعة الأدبية، وأتقنت النقد الاجتماعي، وجمعت بين الحسنيين، مؤكدة أن الأدب ليس ترفا نتسلى به أوقات الفراغ، وإنما هو وسيلة ناجعة وأداة فعالة للارتقاء بالوعي والذوق وبناء الوجدان وإصلاح الأعطاب دون أن يسقط في لغة البيانات السياسية أو الخطب المنبرية أو مواعظ النصيحة، وذلك هو الرهان الصعب الذي ربحته الكاتبة فحافظت على أدبية السرد وأوغلت في تضاريس النقد، وأمتعت واستمتعت، جازاها الله خيرا.

*ـ إحدى عشر لوحة / تسعة نماذج بشرية:

 

605-harتفتح الكاتبة باب معرضها العجيب في وجه الزوار لكي يتأملوا إحدى عشر لوحة من النقد الاجتماعي الساخر، " بل وبالتحديد تسع لوحات ساخرة ووصفتين، واحدة للنجاح المستحيل(1) وأخرى للشهرة الزائفة(2)." (وقد نعتمد تصنيفا غير هذا في حينه )

فالكاتبة ترسم بمهارة الفنان المتمكن على قماشة الورق وبحبر من الألوان الشفيفة الدقيقة الحادة، مسارات تسعة نماذج بشرية أصبحت اليوم ظواهر /مرضية اجتماعية مكتملة المعالم والخطوط، وصارت لها أعراض قابلة للتشخيص وتداعيات غير قابلة للحصر، بل صارت مستعصية على إي علاج " إلا البتر " بعد أن كانت ذات وقت "شريف" مجرد حالات طارئة على جسد المجتمع يشار إليها بإصبع الإدانة والاتهام، وتُدفع دفعا إلى حافة الطريق مفسحة المجال للشرفاء والطيبين من الناس.

نماذج كانت تتستر على بلاويها حتى لا تنكشف فضائحها ولا تفوح روائحها فتزكم الأنوف، فصارت اليوم تمشي بين الناس مزهوة بنفسها لا تنقصها غير الزغاريد ومواكب الزفة لكي تتربع على "عمارية" القذارة البشرية في عرس الأبالسة والشياطين.

هي تسعة نماذج بشرية

تسع ظواهر اجتماعية/ مرضية.

وهم تسعة رهط يفسدون في أرض الله ولا يصلحون، ثم وصفتان بديلتان لآخر وجبة في مأدبة الفساد المستشري في المجتمع،

تسعة في اثنين، لأنه ليس لهذه الظاهرة في الأخير غير اسمين:

     " النذالة " و   " الفساد"

الفساد في زمن انحسار الفضيلة وانهيار القيم والأخلاق .

و النذالة في الزمن الرديء الذي بلا كرامة ولا شرف

لأن النذالة في هذا الزمن الوغد تضاعف أرقام الفساد

تسعة رهط تقبض عليهم الكاتبة / المتحرية متلبسين بالجرم الاجتماعي المشهود، لتعرضهم على محكمة الدين والقانون والضمير والأخلاق والإنسانية ...وكل ما ..وكل من يمكنه أن يصدر حكما نزيها في حقهم، بعد أن أصبحت موالاة الباطل أولى عند البعض من موالاة الحق.

وجبةُ فساد كاملة، مع المقادير اللازمة لإعدادها وطريقة الاستعمال، والمقابل مجتمع بلا أمل ولا أحلام، مجتمع بارد الهمة، مشلول الإرادة.

تسعة رهط من المفسدين:

ـ البرلماني ـ المفتش ـ الإداري ـ المدرس ـ الطبيب ـ الشرطي ـ الفاكانسي ـ الكوايري ـ القاضي . ثم موظف لا يوجد إلا في المدن الفاضلة، وطريق سيار للشهرة الخادعة .

وهؤلاء التسعة لا تقصدهم الكاتبة لوظيفتهم أو مهنتهم أو مسؤولياتهم أو المؤسسات التي ينتمون إليها ..بل تقصدهم لذاتهم، وتحلل مضمرات سلوكهم وتجهر بنواياهم وخفاياهم وخبيئة أنفسهم حتى لا يخدعوا الطيبين من الناس والسذج الغافلين من موتى العصر.

هي لا تقصد مؤسسة التشريع ولا مؤسسة القضاء ولا الأمن ولا التربية ولا الإدارة، فلا بد لكل مجتمع حديث من مؤسسات، والدولة لا تكون حديثة ولا ديموقراطية إلا بمؤسساتها، فهي التي تنظم الحقوق والواجبات بين المواطنين والمسؤولين القائمين على خدمتهم " لأنه يفترض في المجتمعات الحديثة أن تكون المؤسسات في خدمة المواطنين"

الكاتبة لا تقصد إدانة المؤسسة بما هي مؤسسة، وإنما تقصد الكشف عن الوجه القبيح لأولئك الذين يلطخون وجهها بقذارتهم النفسية وأوساخهم الاجتماعية .

والكاتبة أيضا حين ترسم أحلام البرلماني و المفتش و المدرس و الشرطي و القاضي،فهي لا تقصد المفتشين والبرلمانيين والمدرسين إجمالا، وإنما تقصد برلمانيا بعينه وإداريا بعينه ومدرسا وقاضيا وشرطيا بعينه .

إنها تقصد أولئك الأنذال الذين جعلوا الأشراف في هذه المهن يخجلون من الانتساب إليها.

 

ـ   الإهداء النداء / الصرخة(3) :

وليس عبثا أن الإهداء في مقدمة الكتاب جاء كالتالي:

       (إلى شرفاء هذه الأمة)

فالكاتبة تخاطب الشرفاء وتدعوهم لكي يرفعوا رؤوسهم، فالذنب ليس ذنبهم في انهيار القيم والأخلاق، وإنما هو ذنب وجريمة الأنذال الذين لا قيم لهم ولا أخلاق ...وهؤلاء يجب أن لا نخجل من إدانتهم كلما كان ذلك ممكنا .

كأن الكاتبة تقول لمن لا يزال قادرا على الإنصات إليها منَ " الأولئك":

" أنتم أيها الأنذال، يا مرضى النفوس وذوي العاهات، أنتم من أفسد الحياة وأفسد المؤسسات وأفسد المجتمع . وإذا كنا الآن نضحك من تفاهتكم وسخفكم، فإننا نبكي في المقابل على ما صرنا إليه من أحوال ...فقد كنا مغفلين حقا حين صدقناكم، كنا نعتقد أن البرلماني يدافع على مصالح الأمة والشرطي على أمنها والمدرس على تربية أبنائها والقاضي على إقامة العدل بين أهلها والكوايري يمتعنا وقت الراحة بعد شوطين من العمل بفن المراوغة الرفيع، فإذا بكم تسعة رهط متحابين متآزرين في الفساد وعلى الإفساد، فكيف لا نبكي على حالنا مما فعلتم بنا وبمجتمعنا وبمؤسساتنا، وقد ردمتم مابناه الشرفاء طوبة طوبة بالعرق والدم والكلمة "؟

هذا ما يعنيه الإهداء /النداء/ الصرخة / الكلمة:

                         (إلى شرفاء هذه الأمة )

إهداء نداء /وإهداء استغاثة، لتدارك هذا الانهيار وهذا الانحدار الذي يستحق منَ البكاءِ أكثر مما يستحق من الضحك، إن كان فعلا ما يزال من بين أبناء هذه الأمة من هو قادر على الضحك على مهازلها التي أصبحت مآسي يشيب لها الولدان .

إنه ضحك كالبكاء

ضحك أَمَرُّ من البكاء على صور من صلب الواقع المغربي.

 

نقد شركة الفساد:

والكتاب " ضحك كالبكاء " ليس كتابا في النقد الاجتماعي الساخر فحسب، بل هو أيضا كتاب في النقد السياسي...إنه لوحات ساخرة في النقد الاجتماعي والسياسي القاسي واللاذع والساحر. فداخل قفازات من حرير و بلغة جزلة سلسة قوية التأثير . يرسمُ الوجه الاجتماعي لإفلاس القيم ويستغورُ البواطن والمضمرات ويحدد المسارات التي جعلت أصنافا ونماذج وفئات من الناس تهدد الأمن الشامل للأمة، أي الأمن التشريعي والإداري والصحي والتعليمي والقضائي، من أجل الجنس والمال والسلطة والشهرة .وأيا كانت الوسيلة، فلا شيء يمكنه أن يردع هذه الحثالة من الناس عن الوصول إلى أهدافها وإشباع جوعها المرضي للبروز والتفوق، ولا شيء أيضا يمكنه أن يفك خيوط أحابيلها وشباكها وكمائنها والخطط التي تحبكها وتحوكها من أجل إرضاء غرورها وأنانيتها، هي التي لا تقنع بغير إذلال الآخرين واستغلالهم .لأنها تعيش من أجل ذلك فقط .      

ولا شك بأن لشركة الفساد هاته والمُحَفَّظة باسم الأنذال فروعا وامتدادات وأصولا وشجرة أنساب في غير ما جاء ذكره من القطاعات والمؤسسات عامة كانت أو خاصة .

 

المفسدون في الأرض:

اختارت الكاتبة نماذجها بعناية فائقة "وإلا فالمجال كان عندها متسعا لتختار عينات أخرى ". وجعلت السارد يلبس جلدها ويتقمص أطماعها التي سمتها أحلاما " وهي أحلام مخيفة مرعبة " بالنسبة للأسوياء.

هي أحلام وأطماع المفسدين.

تسعة أحلام.

تسعة كوابيس لتسع حالات بل لتسع آلات للفتك والدمار .

1) برلماني(4) يصعد رويدا رويدا من جحر الفاقة والشظف، ويحفر كالجرذ طريقه في المجاري والميازيب وليس في ذهنه غير الكرسي الذي تحت تلك القبة ومكتب تتهادى فيه حوله الحسناوات ويحطنه بعناية اللحم البض والشعر الأشقر المنساب. برلماني في الحزب العتيد يستميت في النضال من أجل استغفال الحزب والشعب وكل همه دوام المقام تحت قبة البرلمان .

2) مفتش(5) مدلس ينظر إلى التلاميذ بريبة زائدة، ويتصيد أخطاء المدرسة ولا يتعفف ـ و هو المسن المتزوج ـ عن التحرش في سره بالطرف الكحيل والخد الأسيل والخصر النحيل .

3) إداري(6) يستغل سلطته الاعتبارية وإن كانت زهيدة القيمة في تشمم أخبار الأستاذات والاحتكاك بأكتاف وأرداف التلميذات أو استدراجهن إلى فخ كبته اللعين وتربيته المشكوك في نظافتها .

4) مدرس(7) يقترح وصفات للربح السريع ويفكر في وضع التصانيف والتآليف في البيداغوجيات الحديثة من أجل أن يعلم المريدين والأتباع كيف يصبح الواحد مليونيرا في أسبوع .

5) طبيب(8) يعرف الفرق الساطع بين القطاع العام والخاص فيوفي كلا حقه. فقد تعلم حكمة إفراغ جيوب المسنين وجلاليب المسنات من "الكماميس" و"الكموسات"، وأتقن وصف الدواء " الستندار " لكل الأمراض ومتابعة مستجدات تخصصه في لعبة الرامي .....طبيب قادر على أن يحول المتلاشيات البشرية التي غلبها الزمن وغدرت بها الأيام إلى سماد لتربة ضيعته وعلف لعجولها،،، حين ستصير له ضيعة وعجول يقضي بينها الوقت الفائض عن حاجة المرضى الذين لا يستحقون اهتمامه .

6) شرطي (9) يزهو بالبزة الرسمية ونجيماتها، ويحترف دمغ رؤوس الطلبة وتصيد هفوات الطرق ومخالفات السير، شرطي أخطبوط لا توقفه عن الشطط حقوق إنسان أو بلاغة لسان، و ليس معنيا بعهد جديد أو مصالحة مع العبيد..

7) فاكانسي(10) يعود بروميته ورخصة إقامته في المهجر ليحرق قلوب العذارى والفتيان وهو يبعثر المال ذات اليمين والشمال لينتقم من أيام الذل والمهانة وزيف التطلعات و كذب الأحلام .

8) قاض(11) يحسن أكل الأكتاف، ودق العظم، وقرع الكؤوس، وتكسير الرؤوس، والحكم بما شاء على من شاء بلا دفاع ولا مرافعة .

9) كوايري(12) لم يعد فقط حلم المراهقين ومالك قلوب العذارى، بل صار يدير رؤوس الحكومات والدول . كوايري ليس له من فن اللعب والمراوغة غير اللعب بالشعر والأساور والدمالج كعارضات الأزياء والحلي . فقد فقد المسكين القدرة على اللعب بالأقدام . وضل الطريق إلى مرمى الحلم.

10) موظف(13) لا مكان له إلا في المدينة الفاضلة .

11) طريق سيار(14) بالجنس والعري والهمز في الدين تلك وصفة الشهرة السهلة المنال والمحاطة بعناية أهل الضفاف الأخرى إذا ناداهم نداء الواجب حي على تحطيم أصنام القيم وعبادة إله الجنس والمال .

 

سرير التحليل النفسي:  

أعترف بأنني قد مررت على هذه النماذج البشرية مرور سريعا لكي أترك لكل قارئ حقه في الاستفادة والاستمتاع بهذه التحفة الأدبية التي أحسنت الكاتبة إعدادها وتقديمها برسمها الدقيق للخطوط والتفاصيل و بعزفها المتفرد على الأوتار الحساسة وسردها الشيق للأحلام والأوهام.

رسمٌ وعزفٌ وسردٌ، تلك هي اللوحات الساخرة من "ضحك كالبكاء" .حيث كل لوحة عبارة عن سرير يتمدد عليه معطوبو النفوس والأرواح ليبوحوا بما خفي عن الأعين والأذهان من نوايا وأسرار تصنع واقعنا السياسي والاجتماعي والثقافي وتؤثر فيه أكثر مما تؤثر فيه النظريات والخطابات الساذجة البلهاء.

تأخذ الكاتبة كرسيها كحكيمة جديرة بهذا الاسم، وتجلس عند رأس كل مريض الوقت الكافي لتدوين هواجسه وهلاوسه ووسوسات نفسه.

الأحلام ليست أحلام الكاتبة.

وليس السارد هو الذي يحلم.

الذين يحلمون هذه الأحلام المرعبة هم مرضى المجتمع ومعطوبو النفوس.

مرضى «منومون"، يتمددون على سرير التحليل بالدور ليفضوا بدون وعي منهم بما يلمونه ويكتمونه في تلك الغرف السوداء التي تسمى نفوسا، وليكشفوا للعالمين أسرار هذا الانهيار الشامل للقيم في مجتمع نُخرت أسسه وأُكلت أكتافه ودقت عظامه.

هل هي لوحات تتكرر باستمرار وبعنوان مختلف في كل مرة ؟

أم أن اللوحات عنوان لعدوى تستشري في كامل أعضاء الجسد ؟

هي هذا وذاك وأكثر من كل ذلك،هي لوحات ساخرة تكشف من خلالها الأديبة مريم لحلو عن اتساع الخرق على الراتق وعن استشراء جرثومة الفساد في كل المؤسسات والقطاعات، جرثومة تهدد الكيان الاجتماعي في جوهره، أقصد في القيم الموجهة للسلوك عند الإنسان، وقد اضطلعت الكاتبة بدورها كاملا في دق ناقوس الخطر وفي الكشف والفضح والتعرية لعل الضمائر الحية الشريفة تفيق قبل أن يجرف التيار الهادر للنذالة والفساد الأخضر واليابس .

 

مضمرات الكتاب:

يعمد الكُتاب غالبا قبل عرض إبداعهم على الناس إلى الحذف أو التثبيت أو الإضافة خاصة إذا تعلق الأمر بكُتب تشتمل على مجموعة من النصوص، فقد يرى الكاتب لغايات يصرح بها أو يضمرها أن يحذف أو يثبت أو يضيف نصوصا إلى كتابه، وهو وحده الذي يعرف لماذا وكيف اختار ترتيبا دون آخر لهذه النصوص. سأجازف إذن بالتسلل للمطبخ السري لهذا الكتاب لَعَلَّني أظفر بالوقوف على واحدة من مضمراته فأتقاسمها مع القراء، بعد أن أصبحنا نحن "القراء" وبفضل هذا الفعل الجليل الذي يسمى "القراءة" شركاء في ملكية هذا المنتوج الأدبي الجميل .

فأقترح للتأمل الجدول التالي:

نماذج ممكنات (البديل) نماذج قدوة ( المثال) نماذج قاعدية (الواقع)

ـ ذات... موظف

ـ طريق... الشهرة السيار

ـ ذات... فاكانسي

ـ ذات... كوايري

ـ ذات... برلماني

ـ ذات... مفتش

ـ ذات... إداري

ـ ذات... مدرس

ـ ذات... طبيب

ـ ذات... شرطي

ـ ذات... قاض

فالنماذج البشرية التي اقترحتها الكاتبة على قرائها تتكون من ثلاثة أصناف (ولا يحق لأحد أن يفرض عليها اختيارات أخرى أو يناقشها في اختياراتها، فهي حرة مطلق الحرية في العمل على النماذج التي تشاء)

1) نماذج قاعدية : هي الأركان الأساس التي يقوم عليها المجتمع والحياة المدنية ـ علما بأن لها أشباها ونظائر في كافة القطاعات والمؤسسات وعلى مختلف المستويات من أدناها إلى أعلاها في المهام والرتب، وهي نماذج استشرى فيها الفساد لدرجة أصبح يهدد المجتمع تهديدا واضحا صريحا،، فالتنذر بفتوحاتها اللا أخلاقية والضحك على تفاهاتها وسخفها هو في الواقع بكاء على أنفسنا أكثر منه ضحك عليها . وتشمل هذه النماذج         ( البرلماني والمفتش والإداري والمدرس والطبيب والشرطي والقاضي ) بتعبير آخر     ( التشريع والتربية والتعليم والأمن والصحة والإدارة والعدالة ) ولا يمكن لأي إصلاح أن تقوم له قائمة إذا كانت مثل تلك الجرذان الموصوفة آنفا تقرض وتقوض بالليل ما بنته و رفعته إرادة الإصلاح بالنهار.

2) نماذج قدوة : ولسنا نقصد القدوة الصالحة في هذه الحال، بل نقصد ما يقدم للشباب كنماذج ناجحة في الحياة، وما يقدم لهم كقدوة تمتلك قدرة هائلة على الجذب والتأثير والإغراء والغواية، إنها " الهجرة " و " الكرة " إلى جانب مثيلاتهما وصويحباتهما في السينما والغناء .

والكاتبة تفضح الوجه الحقيقي لهذه النماذج المبتذلة من خلال " الفاكانسي " و"الكوايري" النموذجين التافهين الفارغين الأجوفين مهما كانت غوايتهما قوية وإغراؤهما كبيرا للشباب، فأفقهما مسدود، لا يلبي رغبة ولا يقضي حاجة، إلا الرغبة في الشهرة والكسب السهل السريع .، هذا إن حققا ذلك فعلا، وقلما يفعلان.

3) نماذج ممكنات : وهي نوعان ـ موجب، ولكنه مستحيل التحقق في مجتمع قادر على غسل الأدمغة والضمائر ومحو الذاكرة ودوس الشرف.

ـ وسالب، وطريق هذا سيار لا عقبات فيه، وربحه مضمون ومحمي بألف دراع .

   إنهما البديلان المقترحان من طرف المجتمع على أبنائه لتحقيق ذواتهم:

أ) الموظف المنضبط القائم بالواجب الملتزم بلوائح العمل الحريص على إرضاء ربه وضميره وأهله ومجتمعه ..وهذا مكانه المدينة الفاضلة التي لم تعرف لها بعد طريق.

ب) الوصولي لانتهازي الذي يسعى إلى الشهرة بألف وسيلة،فيختار أيسرها وأسهلها " الجنس والسياسة و الهمز واللمز في قناة الدين، مع توابل من توافه الأغاني وسقط الكلام وسفاسف المعاني "

نماذج من الواقع فاسدة و قدوة تافهة واستقامة مستحيلة وطريق سيار إلى نهاية القيم والأخلاق النبيلة .

هذا ما عليه الحال.لا قاعدة ولا قدوة ولا بديل . وإن يكن، فالكاتبة رغم كل شيء ترنو بنظرها إلى نصف الكأس الممتلئة، وتستنهض بأدبها همة أشراف الأمة .

 

قوة الأدب:  

الجنس والمال والسلطة والشهرة، هذه هي القيم الوحيدة السائدة الرائدة والموجهة لسلوك هذه النماذج البشرية التي وصلت بالمجتمع إلى الحضيض، وإذا قيل سابقا بأن الأدب يكشف عن أعطاب المجتمع ويشرح جسمه ويشخص أمراضه أفضل مما قد يفعل ذلك البحث الاجتماعي أو الدراسة النفسية،فإن هذا يصدق أكثر على هذه المجموعة من اللوحات الساخرة التي عرضتها الأديبة مريم لحلو على أنظار زوار هذه القاعة الكبيرة التي نسميها مجتمعا .إنها لوحات أدبية تكشف أكثر مما قد يكشفه البحث الاجتماعي والدراسات النفسية من أعطاب وأمراض .

 

قوة الأسلوب:

واحدٌ من عناصر قوة هذا الكتاب وهي كثيرة، إنه أسلوبه الذي يؤكد علو كعب الكاتبة في فن السرد، والكاتبة بارعة في توظيف ثقافتيها "العالمة" و"الشعبية" معا " اقتباسا وتضمينا" (15) في نصوصها الإبداعية دون أن يخل ذلك بإيقاع سردها ولا بنبض كلماتها أو بصمات تعبيرها، وهي ميزة لا تتوفر إلا للأقلية القليلة من المتمرسين والمتمرسات بالكتابة، فنجد في كتابتها من الثقافة العالمة والشعبية الدرر المختارة من شعر أو حكمة أو مثل وقول سائر، كما نجد المقطع الغنائي(16) يجري في توافق تام مع النغم الخاص الذي توقع عليه جملها وعباراتها . وهو أسلوب يؤكد أيضا ثراء وغنى المخزون الأدبي الذي تصدر عنه الكاتبة بعد أن تمثلته واستوعبته ثم أجرته متدفقا منسابا سهلا ممتنعا وعصيا على التقليد كما هو الشأن في كل أدب جاد، وأصيل، وحقيقي .

 

عود على بدء:

أما بعد :

فذات... حلمين:

حلم أدبي جميل بأن تتاح لي فرصة قراءة نصوص إبداعية تؤثر في الوجدان والعقل وتمتع وتفيد في الآن نفسه .

وحلم اجتماعي بأن أقرأ أدبا ملتزما بقضايا الناس ومنحازا إلى شرف الكلمة والموقف.

وجدت بين يَدَيَّ كتابَ "ضحك كالبكاء " للدكتورة الأديبة مريم لحلو.

الآن فقط سأحقق الحلمين، وأشرع في قراءة لوحات ساحرة من الأدب الجميل والنقد الاجتماعي الساخر. .

 

..................

الهوامش:

*الكاتبة : مريم لحلو" أم بثينة"

أستاذة مادة اللغة العربية بالثانوي التأهيلي وأستاذة زائرة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة.

- شهادة الإجازة في الآداب، شعبة اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة، 1990

- شهادة استكمال الدروس، تخصص أدب عربي قديم، 1991، كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة.

- شهادة التخرج من المركز التربوي الجهوي سنة 1991 بوجدة.

- شهادة الدكتوراه في الآداب، تخصص أدب مغربي،2003 كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة،

الأعمال:

* كتب منشورة في مجال الدراسة والتحقيق:

- كتابا:" إسماع الصم في إثبات الشرف من قبل الأم للمراكشي الأكمه،ويليه إسماع الصم في إثبات الشرف للأم لمحمد بن مرزوق: دراسة وتحقيق" الطبعة1، 1426 هـ/2005م، مطبعة الهلال وجدة. الطبعة 2، 1427~ 2006 مطبعة الشرق وجدة.

-   كتاب "شرح ياقوتة البيان" لمحمد الصغير الإفراني :"دراسة وتحقيق" الطبعة1، 1427هـ/2006م.، مطبعة الشرق وجدة.

_   كتاب " "أراجيز مغربية في علم البلاغة" يضم خمس أرجوزات نادرة لناظمين مغاربة."جمع ودراسة وتحقيق" الطبعة1، 1427هـ/ 2006م، مطبعة الشرق وجدة.

• في السرديات:*

ـ كتاب "ضحك كالبكاء" لوحات ساخرة الطبعة،2013 مطبعة الجسور وجدة

ـ عدة مقالات منشورة في مجلات وجرائد وطنية وعربية كدعوة الحق ومجلة الذخائر البيروتية.

ـ   المشاركة في عدة حلقات دراسية و ندوات وطنية ودولية،مثل ندوة اللغة العربية والأصول الشرعية وندوة ربيع المخطوط الأندلسي الدولي تكريما للدكتور بنشريفة، وندوة الشعر العربي المعاصر في المغرب:مفاهيم وقضايا

 

* الكتاب :   " ضحك كالبكاء/ لوحات ساخرة.

           لوحة الغلاف : نور الدين بورحمة

           الطبعة الأولى: 2013    

           المطبعة : مطبعة جسور ش.م.م/ وجدة .

 

* تنويه خاص: تجدر الإشارة إلى أن هذا هو الكتاب الرابع الذي يحمل نفس العنوان المقتبس من البيت الشعري الشهير للشاعر الأشهر " أبو الطيب المتنبي "

ـ وكم ذا بمصر من المضحكات   **   ولكنه ضحك كالبكاء .

أما الكتب الأخرى فهي على التوالي :

ـ ضحك كالبكاء : للمغربي إدريس الناقوري ـ نقد الأدبي / دار النشر المغربية 1985

ـ ضحك كالبكاء: للعراقي ماجد الحيدر ـ مقالات ساخرة/بغداد 2010

ـ ضحك كالبكاء : للسوري نور الدين الهاشمي ـ قصص/ دار نينوى دمشق 2010

ويعتبر كتاب الأديبة مريم لحلو بدون شك إضافة نوعية في مجاله لهذه السلسلة.

1ـ ذات ...موظف : صفحة 74

2 ـ طريق الشهرة السيار صفحة 80

3 ـ الإهداء صفحة 5

4 ـ ذات... برلماني صفحة 17

5 ـ ذات ...مفتش صفحة 25

6 ـ ذات ...إداري صفحة 30

7 ـ ذات ...مدرس صفحة 35

8 ـ ذات ...طبيب / صفحة 44

9 ـ ذات ...شرطي / صفحة 52

10 ـ ذات ...فاكانسي / صفحة 57

11 ـ ذات ... قاض / صفحة 84

12 ـ ذات ...كوايري / صفحة 69

13 ـ ذات ... موظف / 74

14 ـ طريق الشهرة السيار/ صفحة 80

15 ـ انظر مايلي : صفحة 17 ـ 21 ـ 22 ـ 27 ـ 48 ـ 50 ـ 57 ـ 64 ـ 70 ـ 72 ـ 83 وغيرها .

16 ـ انظر بالخصوص : صفحة 70 ـ 52 .  

 

القنيطرة في 29/08/2014

ــ جمال الدين حريفي

 

الأديب عز الدين جلاوجي و"العشق المقدنس"

safaa alhindiرغم كوني لست أديبة ولا متخصّصة في النقد إلا أنني نظرا لأعجابي برواية "العشق المقدنَس" ولأهميّتها الثقافية وبناء على قراءتي وأطلاعي المستمر للرواية العربية والاجنبية لابد من كلمة ولو موجزة حول رواية العشق المقدنس ومؤلفها الاستاذ البارع الاديب عز الدين جلاوجي:

عندما تنكبْ لايسعك رفعُ رأسك ثانية عن الرواية، لااقول عن القراءة.. بل عن العودة من السفر برفقة "العاشق وهبة" فهُما يأخذانك دون ان تشعر لتعيش معهما كل فصول المغامرة، فصول الخوف تارة، ومشاعر العشق والسعادة الابدية تارة اخرى. ورحلة الاكتشاف القسرية وهما يخوضان بين جنان الله الواسعة في الدنيا، التي جمعت بين الجبل الشاهق والتل الأخضر والسفح المائس والهضبة الخاشعة والروض الأفيح والبستان الوارف وجداول الماء وخرير النهر، وروعة الطبيعة وبلاد غاية في الفتنة والسحر بحثا عن الطائر العجيب. عاشق وحبيبته لا يكادا يخرجان من مصيبة حتى يقعان في مصيبة اخرى فلا يجدان الفرصة في الزواج وتحقيق حلم حياتهما. من حصار الى حصار ومن فتنة الى أخرى غيرها. تارة متّهمان بالعمالة والخيانة لهذه الأمارة او تلك وتارة يكونان رسولَين لهذا الأمير او ذاك. وكل طائفة تدعي أنها على الحق وأنها هي الفرقة الناجية. يطوفان بك بين أمراء وملوك "تيهرت" المدينة الجميلة التي تزدهر بالثقافة والأدب والتجارة. المدينة التي تجمع كل الطوائف والمذاهب الاسلامية والصراع الفكري والمذهبي الأبدي القائم بينها والذي أودى بالأمة نحو التفرّق والتشرذم والانقسام والدماء، طوائف ومذاهب وتيارات تحكمها جاهلية وعصبية مقيتة. الصراع الابدي بين طوائف الاسلام وملله ونحله، حتى تنقبض نفسك من ذلك التأريخ مع انقباض روح العاشِقَين وأشمئزازهما كُلّما عصفت بهما مصيبة جديدة، تعيش معهما حِقب زمنية وتأريخية مرّة أستنطقتها قريحة الكاتب واستحظرتها ببراعة منقطعة النظير، الى ذهن القاريء اليوم حتى يعيش ويُشاهد كل تفاصيله التي تُحاكي مشاهد واحداث واقعية اكثر منها تصويرية روائية. لقد تجاوزت الرواية معنى "الحكاية" المألوفة في السرد القصصي او الروائي الى تصوير تأريخ وتقديمه كما هو حاظر دون رتوش. انها اشبه بدراسة او بحث تأريخي برؤية وحقيقة معاصرة.

حالة تأريخية من الخلاف الفقهي أحيلَت الى اختلاف وتكفير وأبادة طائفية ومذهبية دموية كانت ولازالت الأمة الاسلامية تعاني من هذه التبعات. حيث لايوجد للمصالحة والتسامح أي مكان رغم ما يجمع الجميع العديد من الثوابت الدينية والروابط الانسانية واللغوية والقيم الاجتماعية. وغيرها الكثير من الظواهر والسلوكيات الاخلاقية والعقيدية المنحرفة شخّصتها قريحة الاديب جلاوجي الفذّة من خلال ما يتمتّع به من قراءة تأريخية وفكرية تحليلية ثاقبة. فضلا عن تضمين الروائي جلاوجي الرواية برؤية وقراءة ثقافية تجسدت في "المعصومة" ثقافتها مكتبتها الشهيرة والاجواء السياسية لتلك الحقبة المشحونة بالفتن والتجاذبات الفكرية التي قضت بتلف المكتبة رغم دفاع وتضحية "العميد" و "عمار العاشق" دونها. لقد حاول الاديب عز الدين جلاوجي من خلال هذه الرواية تقديم قراءة تأريخية سياسية واسلامية واجتماعية كانت ولاتزال مشحونة بظواهر تنخر جسد الأمة وأن تأريخنا المعاصر ماهو إلا أنموذج أستمد كل حيثياته وتراكماته السياسية والطائفية والشرعية من ذلك التأريخ.

من خلال قراءتنا رواية "العشق المقدنَس" ومحاولة ملاحقة افكاره نجد من الصعوبة استكناه وسبر تجربة الأديب جلاوجي، فهي ثريَة بالأفكار الموضوعية والمواقف المتجدّدة التي تجعل القاريء دائما منشدا للقراءة، لأن قدرة الاستاذ جلاوجي وامكانيّته على السرد المتدفّق التي يتمتّع بها وتركيزه بنقل الأحداث وتصويرها بحركة وتكثيف ما يجعل القاريء منتبها وهو يحاول ألتهام الرواية، شخصيّا، أعتبر هذا أمرا خاصّا يتميّز به الأديب جلاوجي. كما ان له القدرة على صياغة مفردات لغوية جميلة ثرّة ومتطورة متناسبة ومنسجمة مع ما يتناوله من احداث ويعطيه من وصوفات. فضلا عن وجود مميز آخر أمتاز به الأديب وهو البساطة المستعملة في السرد واللغة دون اللجوء او استعارة الفاض ومفردات فلسفيّة قد تكون بعيدة عن فهم وأستيعاب بعض القرّاء. كذلك ابتعاده عن الاطالة والأسهاب في استعمال الشروحات الاخرى سواء اكانت في نقد الحدث او في وصفيّة المحيط، متعمّدا الاختصار بما يكفي وينسجم مع وصف الحالة. في الختام قد يلمس القاريء كما لمسنا نحن، ان هناك غضب وتشاؤم وثورة عنيفة وحزن وأسى كثيف تختلج في دواخل الاديب قد تكون متأتّية من واقعنا السياسي والاسلامي والاجتماعي اليوم، والذي نطقته روح الاديب جلاوجي وكشفته لنا عبر سطور الرواية. في المجمل: نبخس حق الأدب من جهة. والأديب عز الدين جلاوجي من جهة ثانية. ان لم نعتبر روايته "العُشق المُقدنَس" من روائع الادب العربي.

 

صفاء الهندي

رد على تعقيب: نجم والي و(تل اللحم) مجددا

saleh alrazukلم أتوقع أن تثير مقالتي عن الأسلوب في رواية (تل اللحم) لنجم والي اعتراضات هامة. فقد كانت مقالة تنظر للعمل وكاتبه فقط، بمعنى أنها تحليل لخطاب فني.

ومع ذلك جاءت الاعتراضات في سياقين. شخصي له علاقة بالكاتب. وفني له علاقة بفلسفته عن فن الرواية.

كان الاعتراض الأول يركز على انحياز الرواية لنموذج الدكتاتور كما رسمه أدباء أمريكا اللاتينية.

لقد تحدثت حول هذا الموضوع بشيء من التفصيل، وذكرت أن (تل اللحم) أقرب لعالم ماركيز وهي بعيدة عن العقل الجرماني، سواء كما مثله هاينريش بول أو توماس مان أو كما مثله الجيل اللاحق أمثال آنا زيغريس..

و هنا لا بد من توضيح أو إضافة.

إن الرواية الألمانية هي وليدة ذهن منظم وليست ابنة عقل مغامر. إنها رواية تفاصيل عسكرية ولكن من الداخل. من ضمن بنية الحياة. فالمقاتل الألماني يعيش بعقلية المحارب. وغالبا لديه هم التبشير باللغة والفلسفة. لذلك تحدوه إيديولوجيا لديها برنامج وتوجيهات.

بعكس حالة ماركيز وشركاه.. ألليندي وكاربانتييه ويوسا. هؤلاء جميعا يفكرون بتحرير الأرض وليس تحرير الإنسان. فالشخصيات في تلك الروايات من زمرة الصعاليك والمغامرين. ممن يركب الموجة ولو كانت توجد قناعات فهي غير إيمانية، إنما هي محرضات تعمل في خدمة الليبيدو والغرائز ومنها حب التملك وإطلاق العنان لللاشعور، لذلك يبدو الواقع سرياليا. فهو واقع نفسي بعيد عن المنطق والعقل وموجباته.

و خذ على سبيل المثال أرانديرا في رواية ماركيز أو الطفلة الشريرة في رواية يوسا. كلتاهما تخدمان شيطان الوحي الخاص ولا تفكران بالواجبات الاجتماعية. كلتاهما تعكس حالة ما قبل الوعي وما فوق الواقع ولا تؤمنان بالعالم المحسوس وضروراته.

و هذا ساعد الكاتبين على تجاوز المعنى القانوني لفن الرواية وعلى اكتشاف المناطق المعتمة من المخيلة.

وأعتقد أن هذه هي رؤية (تل اللحم)، مع شيء من التساهل كان نجم والي يلعب بالشخصيات على أنها ظل لنفسها، كل شخصية تعاني من عصاب في الذات، بمعنى أن الشخصيات متجاورة، وتتألف من نصفين: شعور ولا شعور، فالراوي وزوجته مترجمان وهذا يعني أنهما ينقلان بنات أفكار الأخرين فقط.

ومعالي التي تحاول كشف خبايا وجيهة (زوجة بطل الرواية) يتبين أنها ميتة وقد حلت محلها أختها التوأم مرايا. وهكذا دواليك.

ما نعتقد أنه حقيقة يتبين أنه من أثر تفكيك الواقع والعقل وتطوير الدائرة المنتجة لعالم اللاشعور.

و هذه رؤية خاصة فعلا بأدب العالم الثالث وقد ذكرت ذلك في المقالة. ورأيت أنها ظاهرة متحولة. وهي تناسبنا فما ينطبق على شرق المتوسط يصح أيضا على غرب الأطلنطي.

و لكن لم يخطر لي في حينه التنويه بالفرق الهام بين كتابات نجم والي وزملائه العراقيين أمثال برهان الخطيب وعلي بدر. أو حتى موسى السيد مؤلف الرواية اليتيمة (أيام من أعوام الإنتظار)،

لقد كان الواقع التصويري في تلك الأعمال يدور حول شخصيات مركزية . شخصيات متماسكة وإن كانت مريضة فهي تعكس أمراض الواقع بشموليته وبفحواه. ولا تصور انكسار الشخصيات أو تجزئتها. لا يوجد في تلك الأعمال توائم تتبادل الأدوار دون أن نعرف ذلك بالبداهة. ولا توجد مسافات تفصل بين الشخصية وقرينها أو ظلها. إنها عبارة عن صور تتكرر وتنشر نفس القيم ونفس المعايير، كما اعتاد فن الرواية في أوروبا أن يفعل.

و هذا بعيد تماما حتى عن الرواية الإسبانية سواء التي تعمل من خلف قانون المحاكاة (مثل دون كيشوتة) أو التي تعيد ترميم الواقع من خلال النشاط النفسي (كما هو حال فرناندو بيسوا في أعمال ساراماغو وتابوكي).

إن (تل اللحم) هي رواية تصنع نفسها بنفسها ولكنها تعيد إنتاج صورة الدكتاتور ومباذله والمآسي المترتبة على ذلك.

و لا علاقة لدراسة نجم والي في إسبانيا أو في ألمانيا بالمسألة إلا ضمن أضيق الحدود، وفعلا أرى مع الاعتراضات التي وصلتني أن ما ورد في (تل اللحم) هو من إنتاج الواقع السياسي لمخاض تطوير الذهن بصيغته القومية في العراق.

بالنسبة للملاحظة الثانية عن فلسفة (تل اللحم) . فهي تؤكد أن الرواية لا تبتعد عن ألف ليلة وليلة، وهي تتبنى أسلوب تفريع رواية من داخل الرواية. بمعنى أن الحكاية تتطور بالتفريع وليس بالتسلسل، وأن الأحداث تتقاسمها حواريات متعددة. أو وجهات نظر تحتكرها عدة شخوص.

و للتوضيح. إن الرواية تتألف من عدة مدونات تنقلها لنا شفاهيا شخصيات مختلفة تغطي ما حصل بين غياب الراوي وعودته.

و أعتقد أن جوهر ألف ليلة وليلة لا يحمل هذه المواصفات. إن شهرزاد تنقل حكايات بالإنابة وتترك للشخصيات الخيالية حرية التعبير عن عالمها الظاهراتي. أو فينومينولوجيا التطور من خارج الحكاية، ولكنها لا تعترف بقانون الواقع وترفض مبدأ السببية أو ترابط العلة بالمعلول. وغالبا تلجأ لتوظيف المعجزات والسحر والخرافة. إنها لا تبالغ بانحرافات الواقع ولا تستعمل الفرق الحضاري بين إدراك العقل لما حوله وحقيقة الموضوع. بل العكس. هي تعيد صياغة رؤيتنا النفسية للوقائع وكأنها فانتازيا تجادل بالممكن وليس بالمحسوس.

و هذا هو مبدأ الإسراء والمعراج، إنه يصعد بالواقع لتحسينه. ويقدم المغريات لغير المؤمنين ويحدوهم بالتخلي عن حالتهم الوجودية طمعا بحالة بديلة غير مشروطة.

إن عقدة ألف ليلة وليلة تحولت لمعيار نقيس به نجاح عمل روائي أو فشله. وأحيانا نحدد به مشروعيته. كما هو حال كتابات برهان الخطيب الأخيرة التي يسميها قصص رواية. فتفريع النص لحكايات وتحت حكايات، وتداول الأحداث لمجموعة أبطال لا يربطهم بالواقع رابط واحد يحيلنا مباشرة لعوالم ألف ليلة.

و أرى أن هذا لا يصمد طويلا أمام الواقع. وبالأخص اذا لم يكن النص من ضمن العوالم المسحورة التي يحرضها المكبوت والليبيدو والغرائز.

هناك في تاريخ الفن الروائي نماذج أخرى متفرعة ومنها الديكاميرون. وهي تعكس رؤيتنا لواقع المجتمع بعيون البلاط أو النخبة. وأعتقد أنها هي جوهر وخلاصة قصص الرواية. وهي الأقرب لتل اللحم . إنها قصص أخلاقية ومشحونة بالعواطف وتعبر عن تطور العقل اللاتيني وانطلاقه من الملموس للعاطفي والمتخيل. تماما كما هو حال الأدب في إيطاليا وإسبانيا. ثم أمريكا اللاتينية. ولا أرى أي سبب لربطه بالعقل الجرماني الإصلاحي الذي فرض منطقه على الرواية الإنكليزية ابتداء من ظهور فكتوريا وحتى اللحظة الراهنة.

الشاعر فلاح ألشابندر وكلٌ يكتبّ سطره .. قراءة في ديوانه (سطر الشارع)

qasim alsaidiليس ثمة ادنى ريب في ان الشاعر وفق كثيرا في اختيار عنوانا مثيرا لديوانه لما حمله من دلالات رمزية ورؤيا تجاوزت فوضى الواقع وتعقيداته وتشابكه والذي أدانه الشاعر الشابندر بقوة .. فافتتح بيانه الهام على الحرب الشرسة التي نالت من حياتنا الكثير (الحرب ملقاة على الطريق / ظلالها ثياب رثة) وهذه الصورة الشعرية هي لمحة موغلة في عمق جراحاتنا التي لاتندمل والتي يفوح منها هذا الرصيد الجمالي الأخاذ (غدا" في الفجر الأول نلبس بياض الله /ونحث الخطى غرب الارض /وعند اول مساء نركب البحر / ونغرق .. نغرق نغرق ) ًًص15

ودون ان يلجأ الشابندر إلى المفردات المركبة المعقدة كتب نصوص الديوان ببساطة المفردة ونلمس بوضوح أسلوبا" ذا نبرة سيكولوجية حملت موسيقى شاعرية في ذات الوقت .. فكانت هذه النصوص مكثفة ولا تضيع في حقل التفاصيل (ليل يستأذنني .. رفقه /الأحلام بوصفها ذخيرة الليل /مخبأة في صورة /تجرجرني الصورة /أقارع موهوم الجسد /أضارعه / أضارعه وحدي /واحترس السؤال) ص48

ولان البيئة مأزومة تأثرت نصوص الديوان فحملت صورا جمة من الاحتجاجات ضد التأثيرات الروحية والجسدية المرهقة لهذا الاحتراب السياسي والطائفي !!!

ليقارع الشاعر مصيره بسلاح القصيدة متعاملا بوعي مع المناخ المضطرب ولم يسقط في فخ التأويل والذي حملت قصيدة اللافتة رؤاه في ان العراق وحده الكل

(تبتل الروح / تبتل روح المدينة والعشب / عشب يفتته الشطط / ومن بعض القربى / يزحف الزبد / زبد .. لايضاهي شططا" / واني مثلك وحده / وحده الكل العراق

32-falaf

ورغم هذا الانتماء الصميم للعراق الا ان إحساسا ينمو ويكبر بفقدان إي معنى ليشعر باغتراب والبحث عن الذات في زحمة الفوضى ورعبها الذي لايتوقف (فأين إنا / لاادري / بسطال / خوذة /دم / جثة) ص58 تلك المفردات هي جزء نشط من الصراع والموت الذي يغلف الحياة العسيرة والمرة هنا

وإذ يؤسس صمتا كما يتمنى للقلق الصفري كما يوصفه فان قصيدة (خربشات اخر الليل )تلتقي مع مانطلق عليه (عقلية طفولتنا التي تنام تحت الطبقة الكثيفة من أفعالنا) لكن ماذا بوسع السكران الأخير ان يفعل وهو في أتون الصراع ربما سيطلب لجوء إنساني إلى كوكب أخر (مدونة الرقص والرفض / من ألان/ علي إن أؤسس صمتا" / للقلق الصفري / وساعة الحائط / والتنقيط)

واعتمد الشاعر فلاح الشابندر في بناء قصائد ديوانه على اللقطات السريعة والصور الشعرية المكثفة وايضا التلقائية المتحررة من المبالغة في الصنعة فتتدفق الصور موقظة مشاعر قرائه واستطاع ان يجعلهم طرفا في نصوصه في لغة شفافة وأنيقة ربطت ذواتنا بما يحيط بنا من معاناة ومكابدات يومية وهو مؤشر على انحيازه للإنسان الذي سحقته الحروب والصراعات ومعلنا موقفه الواضح حين يضع الحاكم شعبه في جرار (الحاكم يؤمن شعبه في جرار / الشعب يقفل على نفسه الجرار / جرار في جرار في جرار/ الحرية الخرساء ثتقب الجرار بمفتاحه السحري / حارس المعبد يبصق على الحرية الحمراء)

ان الوعي الصوري والمضمون العميق حاضر هنا فلا نص حمل تكرارا فجا معتمدا" على ذخيرتة الشعرية العالية فمنحت لتك النصوص الدهشة والإعجاب والتقدير ليكتب كل سطره.. وهو ما عناه الشابندر بوعي ومسؤولية فيما تبدو هشاشة العلائق الإنسانية واضحة

في وطن صار فريسة سهلة رزحت للأسف تحت الطعنات

ومن الجدير بالذكر إن الديوان صدر عن مؤسسة المثقف العربي وضم خمسة وعشرين قصيدة

http://almothaqaf.com/index.php/publications/80504.html

 

قاسم محمد مجيد الساعدي

 

ثمّة وجه في الحذاء .. الجمال يبدأ من الأسفل .. قراءة في نصّ "42" لعناق مواسي

basma alshawaliتقصّت الكاتبة الفلسطينية عناق مواسي في كتابها "ساعة رمليّة وثلاث أمنيات" (كتاب نصوص عن دار "راية للنشر حيفا" 2012) جغرافيّة الذات الكاتبة في علاقتها بـ "الأنا"/ المرأة و"الآخر"/ الرّجل في آن ضمن حيّز مجتمعيّ معيّن هو المجتمع العربي الفلسطينيّ وتحديدا مجتمع الأرض المحتلّة، عبر نصوص متنوّعة أجناسيّا، وموضوعاتيّا و"مؤنّثة" تمجّد الحبّ والوصال وترصد ذبذبات اللهفة والحنين لكن في كثير من الذّاتيّة المهيمنة حدّ "النّرجسيّة". بيد أنّها ليست من قبيل التي أودت بنرسيس عاشق وجهه إلى الموت غرقا في مرآته بل قد تجسّدت كنوع من الدّفاع عن الذّات بوساطة اللغة إزاء كلّ أشكال الميز الذّكوريّ ضدّ المرأة في مجتمعاتنا.

وإن كان نصّ "42" دون النّموذج الأمثل لدراسة الملامح الجماليّة والأسلوبيّة والمضمونيّة لهذا الكتاب إلاّ أنّه يكشف جانبا مهمّا في نظرنا من بنية هذه الشخصيّة/ السّاردة من زاوية ثمّ المرأة/ الكاتبة من زاوية ثانية عبر وسيط مكثّف المعنى وهو الحذاء، هذا الحقل الدّلاليّ الشاسع والثريّ بمحمولاته الرّمزيّة والميثيولوجيّة، وبخاصّة في علاقته هو، من حيث أنّه لباس يستر عضوا مؤنّثا هو القدم، بالجدل الدّائر بين الحجب والسّفور، ثمّ في علاقة القدم حاملتِه بالوجه كموضوعين للشّهوة ومقياسين فاصلين في جمال المرأة ومحلّهما معا وكلّ منهما على حدة من الصّراع القديم بين المقدّس والمدنّس.

1- في العتبة:كلّ ما يؤنّث فتنة.

   لا يمكن الدّخول إلي بيت النصّ دون المرور من العتبة حتى وإن كنّا ننوي أن نغضّ دونها عين القراءة. نحتاج ضرورة إلي قدمين للعبور ما دمنا نتحرّك في فضاء "فيزيائيّ" بمعنى ما. لكنّا هنا لن ندخل بيت النصّ كما إلى أيّ نصّ سواه قدما أولى تتبعها الثانية لتحقيق الخطوة الفاصلة بين الدّاخل والخارج. فلا مجال للعدد "1" في هذا النصّ عتبة ومتنا. فالعنوان "42" عدد زوجيّ ذو رقمين زوجيّين مجموعهما ستّة. علينا إذن أن نقوم بقفزة من الخارج إلى العتبة ثمّ منها إلى عمق الفضاء النصّيّ بضمّ القدمين معا.

الحدّ الأدنى في العنوان هو "2": زوج من أحذية يطلب صاحبُه قرينَه فيصيران زوجين و"4" فرادٍ من الأحذية، قد يرتفع عددها إذا حال عليهما حول الحياة الزوّجيّة إلى "6"، أي ثلاثة أزواج أحذية. لنتأمّل الجسد البشريّ، إنّه حديقة وارفة من الأزواج المتناغمة تخلق فيه حالة مدهشة من التّوازن الإيقاعي بصريّا وحركيّا وحسيّا. فالأطراف "4" وبالوجه "6" أزواج (العينان، الوجنتان، الشّفتان، الأذنان). وهي أزواج مؤنّثة كما نلحظ تصير بالضرورة "عورات" إذا سكنت جسد الأنثى فيُنظر إليها بصفتها بؤرا طبيعيّة نشطة للشّهوة تهدّد المجتمع في عفّته، فالـ "أنثويّ شيطانيّ" كما يجزم الرّاهب أوبارتينو في رواية "اسم الوردة " لأمبرتو إيكو. وهو الموقف نفسه في التراث الإسلاميّ الذي استند عليه المتشدّدون في موضعتهم للمرأة قلب الصّراع المحتدم بين الثنائيّ مقدّس/ مدنّس.

كلّ ما يؤنَّث من وجهة النّظر هذه يستوجب التّغطية اتقاء ما يثيره من الفزع لدى الآخر المذكّر، ويستدعي بالتالي "حذاء" ما هو في آن زينة وجُنّة وحجابا يعزل مصادر الفتنة عن العيون ويكبت شهوانيّتها المتفجّرة. ولئن كانت القدمان الأبعد تجذّرا تاريخيّا في الجدل المحتدم بين المقدس والمدنّس، حيث ظلّت أقدام تماثيل الآلهات في الأساطير اليونانية والرومانية مغطّاة دائما حفاظَا على طهارتهنّ (باسكال كينيار/ الجنس والفزع )، فإنّ الوجه اليوم هو بديل القدم قديما ومحلّ التجاذب الحادّ بين السّفور والتغطية ونسبة كلّ منهما إلى الآخر. ففي النّسخة المتشدّدة "ينتعل"الوجه نقابا أسود يغطّيه كلّه إلاّ فتحتين يمرّ منهما الضّوء عبر ستارة شفافة في الغالب لغاية البصر، تماما كما "تنتعل" اليدان قفازين ليأمن الذّكر على نفسه من لمسة عابرة تقع موقع النّظرة الحرام للوجه في المرجعيّة الدّينيّة والقدم في المرجعية الميثيولوجية، لمسة تحرّك ماء الشّهوة النّائمة على أطراف الأنامل فيتمطّى الشّيطان السّاكن باطن الكفّ اللّدن فينتقض الوضوء ويتعرّق الخيال الشّبق ويُستدعى الاستغفار توبةَ، والتّسبيح جُنّةً، والماء طهارةَ. وعلى هذا التبادل الوظَفيّ والدّلالي بين القدم والوجه من جهة وبينهما وباقي الأعضاء المثنّاة المؤنّثة بالجسد الأنثويّ سندخل بيت السّرد قصد البحث أكثر في دلالات الحذاء.

2-      في بيت السّرد:أريني قدمكِ أقل لك من أنتِ.

     يمسح النصّ من عمر السّاردة ثلاث مراحل أساسيّة في علاقتها بالحذاء: الطّفولة وهو المقدّمة، ثمّ سنّ البلوغ ونشأة العقدة، ثمّ مرحلة النّضج العمري والفكريّ حيث الانفراج. ولم تحظ هذه المراحل من المساحة النصّية بالقدر نفسه إذ امتدّت الأولى مدى صفحة ونصف من أصل خمسٍ، فيما نصيب مرحلة الانفراج فقرة من 4 جمل متبوعة بـ 6 نقاط تتابع فيما احتكرت منطقة العقدة (البحث عن حذاء ملائم) الباقي. والملاحظ أنّه لا يكاد يخلو سطر من لفظ الحذاء صراحة أو كناية بما يوجّه وعي القارئ إلى الأسفل حيث القدم، فهو يصادف "حذاء" في 26 مرّة في صيغتي المفرد والجمع و"كعبا عاليا" في 4 مناسبات فضلا عن لفظة "نعال" التي وردت في صيغتها هذه مرّة واحدة. لا وجود لغير الحذاء إذن. ولا حديث إلاّ عنه. هو الوسيلة والغاية والطّريق بينهما، هو الفرح والتّرح، الاستمراريّة في شؤون الحياة اليوميّة أو الاعتكاف في المنزل. بل السّاردة نفسها لا أحد هي دون حذاء، مجرّد "صوت" تتحدّث من خلاله القدم عن سيرتها الذّاتيّة في علاقتها العاطفيّة المتأزّمة مع النّعال. سوف لن نجد أيّ ملمح آخر لها في النص: لا قسمات للوجه، ولا مقاسات للقامة فلا بدانة ولا نحافة، لا طول ولا قصر، لا جمال ولا قبح ولا أيّ من تضاريسها الجسديّة الأخرى، لا أحد هنا غير قدم تبحث لها عن "حذاء يلائمها وتلائمه ". فمن كان به فضول ليعرف المرأة الساردة أكثر فلينظر نحو الأسفل، إلى قدميها فحذاؤها أكثر على ما يبدو من مجرّد حذاء عاديّ.

2-1- الحذاء الوجه أو حين تتحوّل القدم هويّة.

عندما فقد الأمير في قصّة "ساندريلا"، عروسه فجأة جاب البلاد يبحث عن وجهها الفاتن بين أقدام الحسناوات ودليله في البحث فردة من حذائها سقطت منها على درج الهبوط من ذروة الحلم الرّاقص بين ذراعي الأمير إلى حضيض الفقر والعيش الذّليل.

جمال الوجه يبدأ من الأسفل، تقول أسطورة صينيّة، وقد كانت الفتاة في إحدى القبائل القديمة إذا تأهّلت إلى الزّواج تقف خلف حجاب ولا يُرى منها غير قدمها فإذا كانت صغيرة وناعمة دلّت على نعومة صاحبتها وجمال وجهها وعفّتها، فضلا عن أهليّتها للطّاعة والخضوع في بيت الزّوجية. لذلك كانت الطّفلة تُلزم قدمها بحذاء صغير المقاس تثني داخله أصابعها إلى الخلف باستثناء الإبهام لتمنعها من حريّة التمدّد الطبيعية فتتأهلّ بعد سنين معذَّبة لشرط الزّواج الرّئيس: صغر القدم. بيد أنّ قياس"42" لحذاء أنثويّ وفق هذه القاعدة ما هو إلاّ لشابّة قبيحة أو على درجة غير مريحة من الجمال على أقلّ تقدير، وحتى إن اعتمدنا على نظرّية حديثة لـ"سونجا باطا" صاحب محلاّت "باطا" الشّهيرة عالميّا والتي تعتبر الحذاء مفتاحا لشخصيّة الفرد، سنجد أن صاحبة القدم الكبيرة هذه وفضلا عن ضعف حظّها المحتمل من الجمال هي امرأة من طبقة اجتماعيّة بسيطة إن لم نقل فقيرة عرفت في صغرها، وربما ما تزال تعرف إلى حاضر القصّ هذا، حياة الضّنك والبؤس والحفا وما يستتبع ذلك من جراحات الرّوح العميقة معزّزة بمشاعر النّقص والغبن والدوّنيّة.

الاحتمالات تتلاحق يسند بعضها البعض، ونكاد بهذا العرض المختصر نكوّن فكرة عامّة ربما نظنها الأقرب إلى شخصيّة السّاردة ونسبة جمالها الجسديّ، وكَمّ عقدها النّفسيّة، وتدنّي طبقتها الاجتماعيّة. لكنّا مع ذلك "مجبرون"، بحكم واجب القراءة للنهاية من أجل دعم هذه الاحتمالات أو تعديلها أو دحضها، على الدّخول، وبأيّ حذاء شئنا، إلى كلّ غرفة من بيت النصّ هذا.

2-2- الحذاء الحلم، أو لمّا يصير الحذاء ساعي بريد السعادة.

ليس في بدء الحكاية حدث مبتكر: طفلة ككلّ اللاّئي في سنّها تُمْتعها "لعبة الأحذية"، متّخذة من " الكعب العالي جواز سفر إلى عالم سيّدات راقيات" وفيما تتظاهر "بترتيب البيت"، تختلي ساندريلاّ الصّغيرة بنفسها أمام المرآة لتفترش أحذية الضّيفات "لقدميـ(ها) اليافعتين أراضين متعدّدة" محوّلة ذلك إلى "فرصة ذهبيّة لاكتشاف أنواع أخرى من أسرار تختبئ في الأحذية"، هامسة :" يااااااااااه... سعادة كانت تدغدغ أرجلي، إحساس آت من عالم رفيع ذاك الذي يبدأ بالكعب العالي ولا أعرف أين يمكن أن ينتهي".

حالمة: متى ستكبر قدماي لأملأ هذا الفراغ..؟"

هل يعني القول مع شكسبير "نحن منسوجون من السّليلة نفسها التي نسجت منها أحلامنا" أنّ أقدامنا تكبر على قدر أحلامنا؟

أجل، تجيب السّاردة: "كانت أحلامي تكبر، وسنيّ عمري تكبر وأقدامي تكبر.. "

كان المهاتما غاندي يعلم أنّ حذاء ملقى على عواهن الفقر في دروب الشّقاء هو منقذ القدم العارية من بؤس الحفا، و"كاتب" النهاية السعيدة على نحو ما لقصّتها القاسية مع البرد والحرّ ولسع الشّوك ووخز الحصى، فرمى بالفردة الثانية عندما سقطت منه الأولى وهو يصعد القطار. سيختفي غاندي مع الأيّام ويظلّ حذاؤه كمثل ما ظلّ "حذاء" فان غوغ موضوعا للتأمّل الفكريّ والسّجال الفلسفيّ حتى يومنا هذا.

الحذاء "شخص كريم" يمكن للدّهر أن يجود به متى شاء، و"روح" تهفّ على كلّ قدم عارية فتحلم بـ "غاندي ما" يترك لها على قارعة الطّريق نعله ليغيّر شيئا من قدره. الثيمة نفسها تناولها المخرج الإيراني "نيما رؤوفي" في فيلمه القصير جدّا "حذائي" (4دق)، حيث مثّل "الحذاء" جوهر السّعادة القصوى وغاية كلّ المنى المستحيلة بالنّسبة إلى كلّ من الطّفلين الفقير ذي النّعل الرّثّ والغنّي صاحب الحذاء الفاخر.

لكنّا هنا والآن، نحن بصدد حدث مزعج أفسد على الطّفلة زهوها بقدّها المختال على كعب عال. لقد كبرت القدم أكثر ممّا يجب و" تعقّد الأمر فجأة" عندما "رفض الحذاء" قدم السّاردة.

ليست "ساندريلاّ" هذه الطّفلة، كما كنّا ظننّا، إنّما إحدى اللّائي رفضت فردة الحذاء الكريستاليّ أقدامهنّ فانقطع بكلّ منهنّ الحلم بـ "عالم الرّاقيات" في قصر الأمير.

هل نحن بهذا نناقض أنفسنا بوصفنا الحذاء ساعي بريد السّعادة..؟

يبدو حتى اللّحظة هذا صحيحا، إذ على عتبة سنّ البلوغ لم تعد الشّابّة اليافعة تجد كعبا يلائم سنّها الصّغير بقدمين "طويلتين عريضتين". حلّت الخيبة محلّ الحلم. صار الحذاء همّا يوميّا ورحلة تفتيش مضنية "عن ملاذ آمن لأصابعـ(ها) السّائرة على هذه الأرض"، بين المحلاّت "هنا" في قريتها الصّغيرة بدءا ثمّ "هناك" في المدن البعيدة فتظفر مرّة بمرادها وتخيب كثيرا: " كنت أهمل الهمّ طويلا، وأحمله معي أينما أنا.. إلى الشارع، إلى العمل، إلى أيّ مكان.. أفكّر طوال الوقت ماذا سأنتعل؟" تحدّثنا مغتمّة، وتروي كذلك أنّها اضطرّت أن تحبس نفسها في المنزل خجلا من قدمها الكبيرة التي ما انفكّت تزداد كبرا مع تقدّم العمر "حتى أنّ الدّعسات التي كنتُ أتركها على الرّمال كانت واضحة كأسراب بطّ مختال بعد المستنقع"، تقول. لكنّها لا تني تبحث عن كعب عال "يفوق مقاسه مقاس كلّ اللّواتي بالمحلّ.."ولكن يكفي أن تطلب مقاس 41 حتى " تتصوّب نحو(ها) أنظارهنّ باندهاش و(هي) تطلب أحذية بمقاسات غير مألوفة لأقدام سنوات صغيرة في الجيل"، فما بالك وهذا القياس أصغر من قدمها..؟

تحضرنا وبقوّة قصّة "البطّة القبيحة" وهي تترنّح ثقلا بقدميها الكبيرتين آخر سرب فراخ البطّ الرّشيقة فنستذكر كيف كانت تلقى الهزء من إخوتها في الحضانة (نسبة إلى حضن البطّة الأمّ) وتكابد في الطّريق نحو النّهاية، كمثل ما تلقى هذه الصبيّة من "هنّ" في كلّ محلّ للأحذية..؟ كانت:" تتصوّب نحوي أنظارهنّ باندهاش"، تروي.

هل السّاردة فتاة قبيحة فعلا؟

لا نملك أن نجيب بيقين عن هذا السّؤال. والحذاء لم يعد الوجه الجميل لسندريلا ذات القدم المميّزة. لكن، قد نجزم بارتياح كبير إن شئنا، واستنادا إلى النصّ دائما ورغم قدمها الكبيرة هذه، أنّها ليست من طبقة اجتماعيّة متدنّية ولا هي بالفتاة الشّاقية حين طفولتها كما أثبت تقرير "دورة دراسية" عقدت في مؤتمر "قضايا سلوك الإنسان والمجتمع" في مدينة "يوجين الأمريكية" أنّى خلص الدّارسون إلى أنّ " من عاشت طفولة بائسة خالية من التغذية السليمة ومليئة بالتوتّر تصل إلى مرحلة المراهقة بسرعة كبيرة وتكون من علاماتها كبر الجسم واليد والأقدام". بيد أنّا لا نملك أن نحكم على وجهها بالقبح قياسا إلى حجم قدمها. فنحن مع الـ "البطة القبيحة" نعرج إلى ضفّة أخرى من الجمال. فقد كانت هذه البطّة كما نعلم من بيضة مختلفة عن بيض البطّ المعتاد وإن كانت الحاضنة واحدة. فقبحها إذا لم يكن مظهرا ينهض على نقيض الحسن بقدر ما كان ناتجا عن نسبيّة الجمال واختلاف معايير تقديره والحكم عليه لدى مجتمع ما وهو هنا مجتمع البطّ. وستنتظر هذه البطّة وكذا إخوتها في الحضانة المستقبل لكي يبوح بالسّرّ ويحلّ اللّغز. وذات يوم، سترفرف "البطّة القبيحة" بجَعة ورديّة ساحرة تحلّق في السّماء وتترك الأرض للبطّات العاديّات وأجنحتهنّ العاجزة عن حمل أبدانهنّ الثقيلة.

طيّب والسّاردة ذات القدم الكبيرة..؟ أيّ امرأة هي؟ وما السرّ الذي يكتنفه حذاؤها المنشود؟

ماذا لو نلقي نظرة أخرى على فلم "حذائي" لنيما رؤوفي؟

في هذا الفيلم يجلس الطفل الفقير على مقعد بحديقة عموميّة جنب طفل غنيّ. يمعن الأوّل النّظر إلى حذاء الثاني بحسد ظاهر ويتأمّل الثاني وجه جليسه بابتسامة حالمة. يغادر الفقير مقعده منفعلا. يجلس عند شجرة بالجوار متمنيّا وبشدّة أن يكون له حذاء رفيقه. فجأة يتحقّق الحلم ويتبادل الطفلان الأحذية فينطّ الغنيّ في النّعل الرّثيث يلهو بشغف جنونيّ ويجلس الفقير في حذاء الغنيّ مُقعدا على الكرسيّ. إنّها ثنائيّة الظّاهري والحقيقيّ في علاقتهما بوعي "الأنا" بالذّات وبالآخر من جهة وأشكال علائقها بكلّ من الحلم والواقع من جهة ثانية.

كان لابدّ لهذا الطّفل من "آخر" ما ليعرف نفسه، وكان لابدّ للسّاردة من امرأة ما تحثّها أن تجرّب حذاء آخر "يفوق مقاسه كلّ اللواتي في المحلّ" لتكتشف أنّ ما كانت تشعر به من إحراج تحت ضغط مجتمع النّساء الحاضرات بسبب قدمها الكبيرة (مقاس 42) إنّما هو "معيار" آخر لجمالها وبالتالي جمال المرأة عموما: إنّه اِتّساع مساحة "الأنا" التي طالما خنقها الضّيق: ضيق الأفق، والطّريق، والعادات والتّقاليد.. ضيق الأحذية التي تمنع القدم من حريّة السّير، ومن حقّ اختلافها عن السّائد وخروجها عن المقاسات المحدّدة سلفا لأقدام النّساء وإمكاناتهنّ الذّاتيّة وأحلامهنّ في مجتمعات عربية إسلامية ما تزال حتى اليوم تخاف حريّة النّساء فتحظر عليهنّ سماء الحلم المفتوحة وتكفّنهن في حجب المنع الكثيرة: "فهنّ ضيّقات في أحذية واسعة وأنا أخنق وسعي في أحذية ضيّقة"، تقول السّاردة. ولعلّها إذ وجدت لقدمها الكبيرة "الحذاء السّحري" الخاصّ بها ستغادر مقعدها الثّابت في الوجود وتنطلق في دروب الحلم بشغف جنونيّ كطفل "نيما رؤوفي" لتصير ما آلت إليه "البطّة القبيحة"، لتصير يوما ما تريد بعبارة درويش.

 

بسمة الشوالي

قراءة في "تهجيات" أحمد الحلي .. الشاعر يتهجّى العالم

ahmad alhiliهذه هي الطبعة الثانية من المجموعة الشعرية (تهجيات، شمس للنشر والإعلام، القاهرة،2014) أما الطبعة الأولى فقد صدرت في العام 1999 وأغلب الظن أنها صدرت عن طريق الاستنساخ، الطريقة الأثيرة للنشر عند الشعراء العراقيين في تلك الأيام.

وأحمد الحلي شاعر وكاتب من الحلة، آثر أن ينتسب لها وهو مقيم فيها خلا عدة سنوات انتقل فيها إلى عمان ثم عاد بعد 2003 ليعمل في الصحافة مصححاً لغوياً ومحرراً للصفحات الثقافية ومعداً للبرامج الثقافية والتراثية في الإذاعة. وهذا هو كتابه الشعري الوحيد المنشور كما يبدو من خلال سيرته المدونة في آخر المجموعة، أما كتبه الصادرة الأخرى فهي كتب نثرية (همنغواي في الحلة) و(كنز الحكايات) أما كتبه المخطوطة الأخرى فلم يشر إلى محتواها أو جنسها الكتابي.

تنتمي المجموعة إلى نسيج (قصيدة النثر) ومع الأعداد الغفيرة للكتب التي صدرت على وفق هذا النسيج أو النصوص الكثيرة التي نشرت في الصحف دون أن تتاح لها الفرصة للنشر في كتاب؛ فإن لأحمد الحلي ـ كما أرى ـ بصمته المتفردة وأسلوبه المتميز في هذا النسيج الذي تشابهت أسطره، والمتميز بغموضه الجاف، وقد تكررت تجارب الشعراء فيه حد الملل، ثم غدا أفضل وسيلة للحصول على لقب شاعر في العالم العربي السعيد!

يُعنى أحمد الحلي بالتقطير الإتلافي للغة، ويستطيع أيضاً أن يعثر على مقاربة أو ملاءمة بين النصوص الشعرية الناجحة وبين المعادلات الرياضية كما يقول في مقابلة خاصة، فتصير القصيدة عنده سطراً أو سطرين ولا تتجاوز كلمات بعض الأسطر الكلمتين، وكأنما هو يتخلص من كل الكلمات التالفة أو الرخيصة أو الشائعة أو المكررة، حتى يصل إلى لغة متوازنة، نقية، أو أعلى درجة ممكنة من النقاء فتكون القصيدة! وعلى الرغم من أن المفهوم العام للشعر هو الوصول باللغة العامة إلى اللغة الشعرية، إلا أن أحمد الحلي طبق ذلك عملياً من خلال القصيدة القصيرة أو القصيدة القصيرة جداً أو تجزئة القصيدة إلى مقاطع قصيرة مصورة تكتمل القصيدة بتجمعها.

وتحاول هذه الورقة فحص هذا المفهوم الشعري ومدى تطبيقه في المجموعة. تحتوي المجموعة على ثلاث عشرة قصيدة، غير موثقة تأريخياً، وآخر قصيدتين (تأويل) و(أسفار عبر الأزمنة والأمكنة) هما مجموعة من القصائد القصيرة والقصائد القصيرة جداً، أما القصائد الأخرى فكل واحدة مستقلة بعنوانها وموضوعها. ويستطيع الباحث أن يقسم المجموعة إلى قسمين غير متساويين استناداً إلى موضوع القصائد، فالقصائد الإحدى عشرة الأولى يكاد يضمها موضوع واحد هو الأنثى والتغزل فيها، أما آخر قصيدتين فيضمهما موضوع واحد هو الوجود، ويجمع بين القسمين أسلوب واحد هو التقطير الإتلافي للغة كما ورد في مفهوم الشعر عند أحمد الحلي، فضلاً عن اللعب على اللغة.

في أول قصيدتين (طلسم الحروف) و(كوثر) يعود أحمد الحلي إلى القصيدة الصوفية عند الحلاج ولعبته بالحروف، حتى عنوانات القصائد (طلسم ، كوثر) هي من المفردات الشعرية الأثيرة عند الحلاج، لنستمع إليه: الراء: رأيت في حلمي/ أن ثمة سيفاً يهوي على عنقي/ وأن ثمة رأساً أطوف به/ فوق رمح أحمله. ص7. ولعل الأجواء الحلاجية واضحة في هذا المقطع ، ولكن الشاعر يفاجئنا في السطر الأخير أنه هو من يحمل الرمح الذي عليه الرأس، معطياً بذلك زخماً جديداً للصورة الحلاجية. ويقول في قصيدة كوثر: الكاف: كنتُ محواً / فرسمتني/ حرفاً في أبجدية. ص9. والمحو واعادة الكتابة من جديد من الموضوعات الصوفية الشائعة، لكن الشاعر هنا يخاطب الأنثى كأنها آلهة لها القدرة على الرسم = الخلق فيصير الشاعر حرفاً في أبجدية، متجاوزاً محو الشاعر الصوفي السابق، واستخدام صيغة النكرة لكلمة أبجدية منحها أفقاً وزماناً أوسع كما أرى، وأن يكون الشاعر حرفاً في أبجدية، فهذا يعني أنه يستطيع عن طريق اللغة أن يغير العالم، لذلك يقول الشاعر أحمد الحلي: الهمزة: أهمسُ للريح العاتية! /"قلبي يهواها"/ يتضاءل جبروت الريح/ وتهب علي نسائم. ص8.

وفي قصيدة كوثر يقول الشاعر: الثاء: ثقبٌ في الأوزون،/ ذاك من وجدي بكِ !ص9. وهنا يمنح الحلي لعبة الحروف الصوفية بعداً معاصراً، ويمكننا هنا أن نبصر معادلة رياضية: ثقب الأوزون = الوجد بها. وفي القصيدة نفسها أيضاً تتحول الأنثى إلى آلهة تمنح الحياة للطبيعة، وتحول النباتات من جنس إلى آخر: تمرين بالقرب/ من مساحةٍ امتلأت/ بأدغال بريةٍ/ فتجد النباتات/ فرصتها/ كي تتحول إلى بنفسجٍ/ أو ريحانٍ أو جوريّ أو ليلك، ص10. وتتكرر صورة الأنثى الخالقة في قصيدة منحنيات بيانية وهي أطول قصائد المجموعة: أدنى إيماءة منكِ/ تُعلن في مقابر خلاياي/ النشورْ. ص15. أو في هذا المقطع: أنفاسُكِ.../ تكفي لكي يسكر/ بها حتى الثمالةِ/ هواءُ مدينة. ص18. واستنادا إلى هذه النصوص يستطيع الباحث أن يقول أن الشاعر استطاع أن يحول الغزل القديم أو المعاصر إلى غزل من نوع آخر، أضفى على الأنثى صورة آلهة معاصرة، يغازلها الشاعر كي تساعده في بناء عالم جديد خال من الأدغال (رمز الشر) ولها القدرة على ترتيب فوضى العالم: إزاء فوضى هذا العالم/ حبُّك/ الشيء الوحيد القادر/ على ترتيب الأشياء! ص19، وهو في كل ذلك يستخدم لغة معاصرة ومواقف صوفية تتناسب والعصر الذي يعيش الشاعر فيه، ففي المقطع السابق رسالة في أن السلام يمكن أن يأتي عن طريق الحب.

ومع ذلك فثمة مقاطع غزلية جميلة لا تحتمل إشارات أبعد من المرأة الحبيبة، كما في هذا المقطع: يا لهذا البحر الماكر/ يغرف بكلتا راحتيه/ من نبع عذوبتك/ فتصطخب الأمواج/ في جذل/ وترتفع/ لتقضم القمر. ص29. أو هذا المقطع: أجمل فصول السنة/ أنت. ص20.

ولكن هذه القصيدة لا تخلو من صور معادة ومكررة كثيراً في الشعر العربي وغير العربي كما في هذا المقطع: ثقة قلبي بوعودك/ ثقة جيبي/ بعملةٍ بائرة. ص23. وهو مقطع لا يحتاج إلى تعليق. أما إحساس الشاعر بالحرارة إثناء القبلة فهي صورة وردت إلى الشعر العربي عبر الشعر الأوربي المترجم، فمن حق الشاعر الأوربي أن يحس بالحرارة تجتاح كيانه وتهزه نشوةً لأنه في بيئة باردة، وهو يحتاج الحرارة لإحداث نوع من التوازن، أما الشاعر العربي وهو الذي يعيش في بيئة حارة فتمنحه القبلة احساساً جميلاً بالبرودة ونشوة تخلصه من لهيب الحر. ولنا أن نتذكر صورة الشاعر بشارة الخوري وهو يحرق نفسه ونفسها في جحيم من القبل!

يقول الشاعر أحمد الحلي: أقضم برفق/ أرنبة شفتك العليا/ لساني/ يلعب مثل سمكة/ في الرحيق/ ينزلق كلانا في الأتون/ يستحيل شعلتين! ص33. لم يكتف الشاعر بالإحساس بالحرارة بل حولها إلى أتون = الجحيم ثم استحال معها إلى شعلتين. أما المقطع فقد ابتدأ بكلمة أقضم ومن معانيها القطع، وكسر الشيء بأطراف الأسنان، وأكل طعام قوي، ولم يخفف عنها أنه يقضمها برفق. ولنا أن نلاحظ صورة رجل يقطع شفة حبيبته في جو حار ساخن كأنه الجحيم.

وهذا المقطع لا يتناسب تماماً مع الصور الطبيعية المرهفة التي رسمها الشاعر لشفتي أنثاه كما في هذه الصورة: تنهمر أبجدية الحروف/ عبر شفتيك/ تناغماً لموسيقى لبثت/ في قرارة لا وعي الآلات/ تنتظر الشروع! ص25. أو هذه الصورة الجميلة الأخرى: صوتك المرفرف حولي/هذا الذي ينساب لي/ أن تدفق العبير/ أم هي موسيقي السماء/على الأرض تسير. ص24.

وعبر اللعب على اللغة، واستخدام تقنيات الشعر الحديث مثل الهامش، استطاع أحمد الحلي أن يرسم هذه الصورة الجميلة: بمبضع جراح/ حاذق/ استأصلتك/ من قلبي/ أحرقت كل ما له صلة بك/ أوصدت باب القلب ونمت. ص43.

ولأحمد الحلي القدرة على الإشارة إلى قضايا الوجود الكبرى أو القضايا السياسية الشائكة عبر صور شعرية على غاية من الإيجاز والتكثيف وهو ما يتجلى في القصيدتين الأخيرتين، فكم من الدلالات تحمل قصيدة قط وهي عنوان فرعي في قصيدة تأويل: يغمض عينيه ويفتحها/ على خارطة/ مترامية الأطراف/ لها شكل/ فأر! ص65. فلقد مرت بنا كثيرا هذه اللعبة الجميلة، وحيكت حولها آلاف القصص، ولكن أحمد الحلي استطاع في رمشة عين من خلال الجملة الافتتاحية (يغمض عينيه ويفتحها) أن يرينا خارطة مترامية الأطراف مع أنها لشكل فأر، ويستطيع المتلقي عبر الحدس أن يتخيل ما الذي تعنيه الخريطة المترامية الأطراف!

ونقرأ في قصيدة "ثلج" من قصيدة تأويل أيضاً: جمر أزمنة/ لم تأتي بعد! فلقد عرف الثلج من خلال التضاد، وفي القصيدة رؤية فلسفية في تحولات الوجود وتبادل المواقع وهلاك أمم وتغير أنظمة. كل هذا في قصيدة من سطرين في خمس كلمات. أما قصيدة اسفار عبر الأزمنة والأمكنة فقد احتوت على عناوين فرعية لعدد من الشخصيات مثل سقراط، آرسطو، المتنبي المعري، ماركس، بدر شاكر السياب، الغزالي، أبو نواس، أبقور، مكيافلي، ديوجينوس، الجاحظ، كوبرنيكوس، أرخميدس. ويتجلى في هذه القصيدة ـ كما أرى ـ تفرد الشاعر أحمد الحلي بأسلوبه الشعري في الشعر العراقي المعاصر، فقد استطاع أن يقدم الرؤية الفلسفية أو الأثر الفكري الإنساني الذي تركه هؤلاء الأشخاص من خلال قصيدة قصيرة تحمل طاقة شعرية مركزة، وإذا تذكرنا أن الكثير من الشعراء وقعوا في فخ القصيدة التي تحمل مضامين فكرية، فاستحالت القصيدة عندهم إلى نظم موزون لقضية فلسفية أو دفاعات نثرية عن وجهة نظر فكرية ما أدركنا حجم المنجز الشعري الذي قدمه أحمد الحلي من خلال تناوله الموضوعات الفكرية المؤثرة في الساحة الإنسانية المعاصرة.

ولنستمع الآن إلى ما يؤيد ما ذهبت إليه من رأي، يقول الشاعر في قصيدة ماركس: شيء واحدٌ/ فات نباهتك أيها المبجلُ/ هو أن العالم/ ربما يكون أكثرَ بدانةً/ من الثوب الذي/ صنعتَ! ص91. لقد ابتدأت القصيدة بنكرة موصوفة جعلت القارئ يواصل القراءة لمعرفة تفاصيل أكثر، ثم أعقبها بجملة فات انتباهك أيها المبجل، جعلت المتلقي يواصل القراءة لمعرفة ما الشيء الذي فات ماركس؟ ويلحظ هنا أسلوب النداء الذي استعمله الشاعر وكأنه يخاطب ماركس مباشرة (أيها المبجلُ)! فليس هو الرفيق ماركس كما يخاطبه الشعراء الذين يروجون للفكر الماركسي، وليس هو ماركس فقط أو أي إشارة أو رمز له كما يخاطبه الشعراء الذين يروجون للفكر الغربي والقومي، وتظهر في جملة النداء هذه شخصية الشاعر واضحة بحياديتها وعدم تبعيتها، وأخيراً نصل إلى ذلك الشيء الواحد الذي فات نباهة ماركس، فالعالم ربما أكثر بدانة من الثوب الذي صنعه، ويلحظ هنا الاستخدام الموفق لكلمة ربما فقد تخلصت القصيدة فيه من التشنج، وجعلت المتلقي يفكر في جواب آخر للشيء الذي فات نباهة ماركس، فربما ليس هو بدانة العالم!

لقد قدمت هذه القصيدة نظرية ماركس على طاولة التشريح بلا هتافات، وبلا ضجيج، وهي مهمة الشاعر كما أرى لأنه يشبه الطبيب، يشخص حالة مرضاه ويقدم لهم العلاج بغض النظر عن اختلافه معهم أو انتمائه إليهم، ويلحظ أيضاً خلو القصيدة من المفردات السياسية التي تنادي بها الدولة الاشتراكية أو المصطلحات الفكرية التي تدعو لها النظرية الماركسية، وهو ما جعل القصيدة خالصة للشعر مع أنها تناولت موضوعاً سياسياً وفلسفياً.

ومع ذلك فهناك بعض الزيادات في بعض المقاطع، وأرى لو أنها حذقت فإن القصيدة ستكون أكثر تقطيراً، يقول الشاعر في قصيدة سقراط: قبلك،/ كانت الكلماتُ/ أفاعي في جلابيب الحواة/ فأحلتها ـ بأناة بصيرتك ـ قمحاً/ يأكل من رغيفه/ جياعُ الحقيقة! ص83. فمن المعروف للمتلقي أن سقراط كان حكيماً، وأنه ناقش السفسطائيين (الحواة) كثيراً وانتصر عليهم بلا شك من خلال إشاعة مصطلح الفلسفة (حب الحكمة) في الناس (جياع الحقيقة) بدل مصطلح السفسطائي (الحكيم) ولو إننا رفعنا الجملة المعترضة (أناة بصيرتك) لما اختلت القصيدة، لأن سقراط انتصر لأنه سقراط ككل، وليس بأناة بصيرته فقط. وقال في قصيدة أرخميدس: لك/ لا لغيرك/ في حمام الرجال/ اختالت بمفاتنها وتعرت./ تلك الفكرة. ص96. ولو أننا حذفنا الجملة الأخيرة تلك الفكرة لأصبحت القصيدة أكثر تقطيراُ لأن المتلقي ليس من السذاجة بحيث لا يعرف أن أرخميدس توصل إلى قانونه وهو في الحمام، لذلك ستكون القصيدة أجمل لو أن المتلقي هو الذي أكمل القصيدة بنفسه.

وسأكتفي بهذا التحليل لأخلص بعده إلى أهم السمات التي تميزت بها "تهجيات" أحمد الحلي:

* بعث التجربة الصوفية بالحروف، ولكن عبر لغة فنية معاصرة، والإشارة إلى مشكلات معاصرة أيضاً.

* الابتعاد عن الغموض والتهويمات، ومعالجة موضوعات فكرية وفلسفية بلغة شعرية.

* خصوصية التجربة الشعرية للشاعر، وعدم اتكائه على تجارب شعرية سابقة.

* تقديمه مفهوما شعرياً للشعر، وتطبيقه لهذا المفهوم في المجموعة.

* يترابط الشكل مع المضمون عبر معادلة رياضية دقيقة.

* تقديم تجربة غزلية خاصة به، فليس الغزل عنده من أجل الغزل، بل تصوير أنثى لها القدرة على التغيير.

أديب كمال الدين عالم من حروف

saleh altaeiأضعاف الأوزان الشعرية هي أغراض الشعر، لأن الشعر يرتبط بكافة أشكال الحراك الإنساني من فرح وحزن وسلم وحرب وفقر وجوع ورفاه وضيق وحب وكراهية، ومن يجيد من الشعراء فنا بعينه تخذله الموهبة أحيانا عن إجادة غيره بنفس درجة جودته، فشاعر الغزل ليس كشاعر الحماسة وشاعر الهجاء والمديح ليس كغيره من الشعراء، ولذا كانت لكل منهم إيقونة يوقف عليها شعره وكأنها ما إن يتعلق بها حتى تصادر موهبته وتوقفها لنفسها فتتنمرد عليه وتتمرد على إطاعته في الأغراض الأخرى. هكذا تعودنا أن نجد التباين في قراءاتنا الشعرية منذ وعينا الأول وإلى اليوم، ولذا ليس غريبا أن تجد شاعرا مجيدا نبيها يشتهر من خلال تركيزه على جمالية الحرف، لدرجة أن الحرف بالنسبة إليه يخرج من هيئته الرسمية التي منحتها له التواءاته الصورية النحتية؛ ليتحول إلى كينونة مغرقة بالرموز الصوفية المتنوعة المستويات، التي تمتد أطيافها في كل المستويات ابتداء من: الدلالي، مرورا بالترميزي، التشكيلي، التراثي، الأسطوري، الروحي، الخارقي، السحري، الطلسمي، القناعي، الإيقاعي، ولا تقف عند مستوى الطفولي.

هذه العلاقة مع الحرف التي تحولت مرة إلى تجربة متجردة من المعنى في نظر البعض وأخرى إلى حلقة من حلقات الذكر الصوفي في نظر غيرهم، بدأت في وقت مبكر من وعي وحياة الشاعر العراقي المغترب أديب كمال الدين، فهو مع بداية تخرجه من كلية الإدارة والاقتصاد - جامعة بغداد 1976 أصدر بالنجف مجموعته الشعرية الأولى "تفاصيل" وكأنه أراد التأسيس لهذا المنهج التفصيلي المتفرد الذي تحول إلى عقيدة بعد وقت قصير من خوض التجربة، كما في "جيم" سنة 1989، و"نون" سنة 1993، و"أخبار المعنى" سنة 1996، و"النقطة" سنة 1999، و"حاء" سنة 2002، و"ما قبل الحرف..ما بعد النقطة" سنة 2006، و"شجرة الحروف" سنة 2007، و"أربعون قصيدة عن الحرف" سنة 2009، و"أقول الحرف وأعني أصابعي" سنة 2011، و"مواقف الألف" سنة 2012، و"الحرف والغراب" سنة 2013، وأخيرا وليس آخرا "إشارات الألف" سنة 2014، لذا لا غرو أن يطلق عليه النقاد لقب "الحروفي" وهم يرونه غارقا في الحروف متيما بذكرها هائما بعشقها، كما في:

الحروفي. الكتاب الذي ضم مواضيع ودراسات لثلاثة وثلاثين ناقداً كتبوا عن تجربة أديب كمال الدين الشعرية، صدر عام 2007

الحرف والطيف: عالم أديب كمال الدّين الشِعريّ (مقاربة تأويليّة)"، للأستاذ الدكتور مصطفى الكيلاني، صدر عام 2010

الاجتماعي والمعرفي في شعر أديب كمال الدين للدكتور صالح الرزوق- منشورات ألف لحرية الكشف في الإنسان، صدر عام 2011

أضفْ نوناً: قراءة في "نون" أديب كمال الدين، الدكتورة حياة الخياري - الدار العربية للعلوم ناشرون – بيروت، صدر عام 2012

إشكاليّة الغياب في حروفيّة أديب كمال الدين، الناقد والأديب صباح الأنباري - منشورات ضفاف – بيروت، صدر عام 2014.

مع هذه الحروفية المسكونة بوجع التصوف؛ تحول أديب كمال الدين إلى نورس مهاجر مع الحروف وبواسطتها، يمتطيها ويستنطقها ويتعامل معها تعامل الند للند، يعيش في دنياها حالة من التناسخ الوجودي الغريب؛ حتى تشابكت عروقهما وبات من المستحيل التفرقة بينهما. ومن هذا التعلق بالرمزية تحول الحرف في حياة أديب إلى ارتباط وتقمص، إلى تبادل في الأدوار، إلى استعاضة مدهشة. لمست ذلك وأنا اقرأ كلمات الإهداء التي سطرها على الصفحة الأولى للمجموعة التي أهداها لي حيث كان الحرف شاخصا حتى فيها، وكأنه لا يريد أن يغادر عشق الحرف، أو كأنه مسكون بالحروف، حيث جاء في الإهداء إلى: "الإنسان النبيل صالح الطائي، تقبل تحية الحرف وسؤاله الأبدي"

هكذا هو الحرف في حيات أديب كمال الدين، تحول إلى دثار يمنحه الدفء، يثير فيه غريزة حب الاستطلاع، يأخذه بعيدا في دنيا أحلام وردية، لا يسمع فيها إلا همس النسمات وتغريد الأطيار، فإذا نوى فراقها لسعه فحيح النار في دنيا الواقع حيث الإفتراسية والتوحش والعدوانية والكراهية؛ التي طغت على كل المشاعر الأخرى في قلب الإنسان وعقله، ولذا صنع أديب كمال الدين لنفسه دنيا من حروف، وحولها إلى جنة يعيش فيها لوحده في صومعة لا تختلف كثيرا عن صوامع الصوفيين القدماء، بعيدا عن الضوضاء والضجيج، بعيدا عن النفاق والمراءاة والتلون.

تمتاز هذه مجموعة "إشارات الألف" بتفرد غريب، فهي مع كونها مجموعة شعرية؛ لكنها لا تقرأ كما يقرأ اشعر، إن طقوسية قراءتها تتماهى مع طريقة قراءة مزامير داود، أو طريقة قراءة تراتيل صوفية يبتهل بها المنقطعون عن عالم المادة لرب عالم الروح، أو تراتيل عاشق يقف بحضرة الإله وهو مملوء بالحيرة، الحيرة التي بانت بوادرها مع أول إشارة، "إشارة المحنة"؛ التي يقول فيها:

إلهي

أنا لا أشبه أحدا

أنا لا أشبه أحيانا، حتى نفسي

وهي مرحلة من التسامي المعرفي الذي يتجرد عن المصطلحات والمسميات وأشياء كثيرة أخرى يجعلها تتجاوز ما وصل إليه الشاعر "ت. أس. إليوت" الذي قال قبل هذا بزمن طويل:

كل شيء في هذا الكون غريب إلا أنت وأنا

وحتى أنت أشد مني غرابة

فإليوت كان محتارا باختلافه عن الآخرين؛ بما فيهم أقرب الناس إليه، ولكن في قوله تأكيد على معرفة الذات، أما أديب كما الدين فقد تجرد حتى عن الذات وذهب إلى أبعد من ذلك حينما جعلته الحيرة يشك أن نفسه لا تشبه نفسه.

ومن هنا، من هذا العالم المركب المعقد تبدأ الرحلة، في درب موحش، تحيطه الوحدة وزوادته بعض ما لدى الدراويش، وهو في مسيره ذاك كان يبحث عن سر هذا الاختلاف وينقب في الأرض لا بمسحاة وإزميل ورفش، وإنما بالحرف، نعم الحرف الذي يتحول في هذه الصورة إلى كسرة تشبه كسرة الخبز بيد فقير جوعان، ولكن إذا ما كان الخبز قوتا للجوعان، وأملا بالعيش والتجدد؛ فإن الحرف هنا يصبح أداه كتابة تبوح سرا، وتعينه على البحث عن ما يشعر به، وهو ما يتضح من الإشارة الأخرى، "إشارة لا ولا" التي يبدو اليأس من خلالها وقد تجمع في قوله:

إلهي

لا المارة

ولا الموتى

ولا حتى قصيدة

أنقذوني من خرابي العجيب

تشعر هنا وكأن أديب كمال الدين يريد أن يسير بك عبر محطات موحشة سببها القنوط واليأس، وهو ما يبدو في "إشارة نوح" التي تمثل وجع البحث عن شيء من عالم الخيال في دنيا الواقع ودنيا الخلود؛ التي تضطرب فيها الحياة وكأن الطوفان يتهددها:

وحين أتعب حد البكاء

أرسم رجلا يشبهني تماما

يجلس على الشاطئ

ليرسم نوحا وينوح

إن البحث عن المجهول هو السمة الطاغية على هذه المجموعة وعلى أغلب أعمال الشاعر، وتكاد تجد الإشارة إليه في كل منعطف وكل زاوية، وفي جميع فضاءه، ولكنك تشعر أن أديب يرى نفسه قد أدى ما عليه؛ ولكن بخيبة ومرارة، حينما يرى ويعتقد أن حربه التي لم تبدأ بعد قد انتهت، مع انه يشعر بها تقع يوميا، وهذا ما نجده في "إشارة الحرب":

إلهي

هل أشبه هذا الملك المجنون؟

أم أشبه هذا الجندي المقتول؟

أم أشبه هذه الحرب التي لم تحدث أبدا،

أعني هذه الحرب التي تحدث كل يوم؟

إن الحرف عند أديب كمال الدين يرحل بعيدا عن سكونه ليتحول إلى حركة، والحركة تتحول إلى فعل قد يرافقه الصخب، والفعل يتقمص روحه، فيتحد الحرف مع الروح ليشكل أحاديا هجينا من نوع آخر لم تعرفه البشرية، يجعل الحرف يشعر بالوجع ويشارك به، كما يشعر هو بالوجع ويشاركه مع نفسه، كما في "إشارة لما حدث"

فمثلوا بجثتي فرحين

وبحروفي مسرورين

 

ويعود الحرف يشعر بالمعنى حينما يأخذ معناه من أصل باسق ليقابل الكثير من القيم في الضفاف الأخرى البعيدة عنه والتي يتصورها بخياله الجامح دنيا من نعيم، كما في "إشارة الحفلة":

بحرف محمدي

وقلب عيسوي

وسؤال إبراهيمي

ودمع يعقوبي

وللحرف عند أديب كمال الدين مذاقا آخر، يأخذ شكل وطعم ورائحة الكلمة التي يكونها، وله رمز يمتاز به عن باقي الحروف، ولذا لا تستغرب إذا وجدت السين تفاحة، كما في "إشارة السين":

رأيت السين تفاحة حب

تبسمت لي وأشارت

وبل وتجد للحرف عند أديب قدرة عجيبة على إصابة الشاعر بالهذيان، كما في "إشارة الفجر":

لكني شبعت من الحرب والدم والهذيان

أإلى الهذيان إذا؟ اعني إلى الشعر؟

هذا التعلق بالحرف جعل أديب سجينا دنيا الحروف الوهمية التي دخلها برجله وبطوع إرادته دون أن يدفعه احد إلى دخولها،ثم رفض أن يخرج منها بالرغم من سطوة المغريات، وهناك فقط، في هذا العالم الموحش الغريب؛ شعرَ بالغربة، شعر انه سجين الوهم، وأدرك أن باب هذا السجن اكبر من أن يقدر أن يفتحه "إشارة من ثقب الباب"

كم أردت أن افتح الباب

لكني لم اقدر

كان الباب كبيرا جدا

وثقيلا جدا

إن الشعور باليأس يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، ولذا كانت الحيرة تلفه، فيخير النفس بين أن يبقى في هذا السجن الذي اختاره برضاه، وبين أن يفتح الأبواب وينطلق إلى الدنيا الواسعة التي كان ينظر إليها من ثقب الباب فيشعر بالرهبة والخوف من ذلك العالم الموحش في الخارج "إشارة من ثقب الباب"

رأيت الدنيا من ثقب الباب

كانت مدهشة حينا

مرعبة حينا آخر

قاسية كرصاص قناص

 

في هذه المرحلة من التغريب من حق الشاعر أن يشعر أنه انفق العمر كله وهو يصرخ، ولكن لا احد يسمع صراخه، وهنا في الضيق والعسر يشعر الإنسان بالمرارة، مرارة أن يسأل الله أن ينقذه من نفسه "إشارة الصراخ":

وأخيرا

حين وصلت أو كدت

إلى آخر أبواب عمري

صرخت:

الهي أنقذني من نفسي

قد ينتصر الحرف على السيف بيد العقلاء، وقد تهزم الكلمة جيشا عرمرما، ففي الدنيا غرائب كثيرة ربما لا تجلب انتباهنا إلا حينما نمارس معها الغضب، هذا ما أراد أديب كمال الدين قوله من خلال توالي الإشارات في مجموعته: حرمان عذاب حبال كلام طريق طائر مرآة وحوش عطش طفل جمر رياح شمعة شكوى مأوى ليل نار جمر أسرى سواد سلام هروب دمع دم.

وبين إشارة المحنة وإشارة الكاف والنون تقبع (100) إشارة أخرى على مدى (158) صفحة ترسم التجربة الفريدة لشاعر الصوفية المعاصرة الحروفي أديب كمال الدين بشطحاتها الممتعة التي تشبه شطحات الصوفيين.

 

صالح الطائي

باحث في الفكر الإسلامي

20 آب 2014