المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

رواية (دروب الفقدان) رواية العسف والاضطهاد

goma abdulahتعتبر رواية الروائي العراقي (عبدالله صخي) (دروب الفقدان - 286 صفحة) امتداد طبيعي مكمل لرواية (خلف السدة) وهي ترصد حياة شريحة كبيرة من المجتمع العراقي، وهم الفقراء الذين انتشلهم الزعيم (عبدالكريم قاسم) من الحياة التي لا تليق بحدها الادنى لحياة البشر، فكانوا كومة اكواخ وبيوت صفيح وطين وسط البرك الاسنة من الطين والغبار والحشرات، التي تتطعنهم بالامراض والموت والاهمال، واسس لهم (مدينة الثورة) مدينة الفقراء والكادحين والمناضلين، وتكشف الرواية بعمق حالة الاضطهاد السياسي والاجتماعي، وهي تتناول احداث فترة من الاضطراب السياسي في عموم العراق، في اوائل السبعينيات القرن العشرين، في اعتماد السلطة الجديدة - حزب البعث - على نهج ممارسة الاسلوب الامني، في الارهاب والبطش والتنكيل، في سبيل اشاعة الخوف والرعب في صفوف المواطنين، وخنق ابسط اشكال المعارضة السياسية، من اجل الانفراد بالسطلة بالحكم الشمولي لحزب واحد، الحزب القائد - حزب البعث - وهي تقدم يوتوبيا لاشكال وانواع هذا الاضطهاد السياسي، الذي يلاحق المواطن في كل مكان حتى عقر داره، ومحاصرته بالاساليب الامنية، لكي يخضع لارادة حزبها السياسي، وفق نهج (اذا لم تكن معنا، فأنت ضدنا وعدونا)، وكذلك ترصد الرواية حالة الاضطهاد الاجتماعي، المسلط على المرأة العراقية، في استلاب ارادتها وكرامتها وحقوقها وانسانيتها، وتدخل الرواية في اعماق حياة (مدينة الثورة) لتسجل الحياة الكامل بكل تفاصيلها وجزئياتها، وبالاسلوب الواقعي الذي دأب علية في السرد الروائي (غابريل غاريسيا ماركيز) واقترابها من احداث رواية (الام) مكسيم غوركي، في الرسم الابداعي في ضبط الاحداث والشخوص، بالرصد الدقيق في تفاصيله، في ميزة الاستنباط والاستنطاق الاحداث اليومية، واعطاء مسار البيان تصاعدي للاحداث التي تواجه الشخوص، في هواجسهم واحلامهم، وصراعهم اليومي في توفير عيشهم الكادح والمضني، من خلال المعايشة اليومية الصميمية من قلب الاحداث، حتى في حثيثاتها التفصيلية، وكشفها على السطح الواقع، بوشيجة متناسقة في الارهاب السياسي والبوليسي، الذي يعترض ويكون عقبة في توفير خبزهم اليومي، ويجهض احلامهم، في مسلسل الانتهاك الشرس، الذي ينهش سكان (مدينة الثورة) وعموم العراق، اضافة الى الجور والقهر الاجتماعي، المسلط على المرأة العراقية، دون رحمة وشفقة، في التراجيدية العاصفة، والجاثمة على خناق الناس في كل النواحي والاتجاهات . .    

تبدأ الرواية بتنفيذ اول عملية اعدام علنية في (مدينة الثورة) في ملعب لكرة القدم، لاعدام الخوشي (نايف الساعدي) . ومصلح الخوشي كما يفسره الروائي بأنه (انهم نبلاء ومتسولون، اوفياء وغدارون، صالحون وطالحون، يدافعون عن الشرف وينتهكونه، يمارسون قيم الفضيلة، وينتصرون للرذيلة) ص20 . وسبب الاعدام، بان الخوشي (نايف الساعدي) حاول انقاذ المرأة الشيوعية (كاظمية محمد) من مطاردة رجال الامن لاعتقالها، لانها تشكل خطر على السلطة الحاكمة، لانها من اعضاء التنظيم الشيوعي النسوي في (مدينة الثورة) وبالفعل انقذها من الوقوع في ايدي رجال الامن، لكنه دفع ضريبة حياته بالاعدام، لذلك شعر (علي سلمان) بالقرف والاشمئزاز من هذه الوحشية، والحالة المرعبة، ان تتم حالة الاعدام امام انظار الجموع البشرية الغفيرة، لتشاهد عملية الاعدام العلني، وهو يعيد شريط ذاكرته عندما كان صغيراً، شاهد جثث اربعة اربعة اشخاص، معلقة على اعمدة خشبية (خلف السدة) في بغداد، في اواخر تمموز عام 1963،ضربت هذه المشاهد المرعبة، حالته النفسية الى التأزم المحبط بالقهر، وخاصة ان في ذلك اليوم المشؤوم، اجهض حبه المفقود، الذي ظل يبحث عنه اكثر من عام من عناء ومشقة البحث، واخيراً وجد فتاة احلامه (بدرية) في خاتم الزواج . ورجع الى البيت في حالة يرثى لها، تصورت امه (مكية الحسن)، بان حالته النفسية التعيسة والسيئة، نتيجة عملية الاعدام التي اشمئز الناس من فعلها الشائن، كأن الهدف من هذا الاعدام العلني، ارسال رسالة واضحة لمعارضي السلطة الحاكمة، بان مصيرهم اسود وبشع . و(علي السلمان) كان يكافح من اجل توفير الخبز لعائلته (الام وثلاث شقيقات) بعد وفاة والده، وتركهم دون مورد ومعين، سوى ثوب الفقر، فانخرط في سوق العمال (المسطر) وعمره اربعة عشرة عاماً، يخرج مع بزوغ طلوع الفجر، الى مسطر عمال البناء بحثاً عن فرصة عمل، وفي المساء يواصل دراسته الثانوية، واستمرار على هذا المنوال حتى في دراسته في الكلية في المساء، لابعاد شبح الفقر عن عائلته، لذا وجد صعوبة في التوفيق بين عمل البناء والحياة الجامعية، لانها تشكل اعباء مرهقة ترسم حياته بالارهاق المتعب، ولم تكن الحياة الجامعية بالسهولة، كما كان يتصورها، فالمحاضرة الاولى تبدأ في الساعة الخامسة، بينما عمله في البناء ينتهي في الساعة الرابعة، لذا عليه ان يتخلص من (الجص) الذي يتجمد على اضافره، وكذلك الاسمنت الذي ينفذ الى فورة رأسه، واذا لامسه الماء يتحول الى طبقة خفيفة من الغبار الرمادي، وزادت المتاعب اكثر جحيماً، لم يتذوق انفاس الصعداء في دراسته الثانوية، في ممارسات الضغط عليه بكل الاشكال، من اجل اجباره على الانتماء الى المنظمة التابعة لحزب البعث الحاكم، والتي يطلق عليها اسم (الاتحاد الوطني لطلبة العراق) وكان يتهرب بشتى الطرق، لكن الضغوط اصبحت مضاعفة ومرهقة وهو في الكلية، بانه محاصر ومراقب في كل مكان، في اجباره على الانتماء الى حزب البعث، ورفض القبول بحججه بانه يريد ان يكون مستقل بعيداً عن السياسة والحزبية، يصرخ في وجهه المسؤول الطلابي غاضباً (لايوجد مستقل، ان لم تكن معنا، فأنت ضدنا) ثم يلوح بالتهديد المبطن من عواقب رفضه الانتماء،

(علي لماذا لاتنتمي الى الاتحاد الوطني)

فاجابه بانه مستقل ويفضل ان يبقى كذلك

فقال المسؤول الطلابي الحزبي :

(كل الشيوعييون يقولون انهم مستقلون)ص203 .

ويجد نفسه محاصر في كل مكان بزيادة عمليات الضغط عليه، في المقهى، في الشارع، مداهمات منظمة الحزب البعث في المنطقة، عبر الوسائل الارهابية، بمعنى رفضه سوف يقوده الى الامن وهناك سيجبر بالوسائل التعذيب والمهانة والذل، على التوقيع، وكان (علي سلمان) يملك موهبة غنائية رائعة منذ الصغر، فكان يغني في المناسبات الدينية وفي حفلات الاصدقاء والاعراس، وحاول ان يجد وسيط ان يقدمه الى ملحن او مطرب، يقدم له فرصته المناسبة، لكن هذه المحاولات تصتدم بالعقبات المجهضة والفاشلة وتسد الابواب في وجهه، رغم اعتراف الجميع بانه موهبة غائية ممتازة، ولكن من اين ان ياتي بالوسيط الذي يساعده .

وضمن الاجواء الارهابية التي عصفت في العراق، في الحملات الارهابية، التي تقوم بها الاجهزة الامنية في تصفية اعضاء الحزب الشيوعي، بالاعتقال والسجن والتصفية والتسقيط، وخنق كل اشكال المعارضة، وحتى طالت هذه الممارسات الارهابية . مستقلون والذين هم خارج تنظيم حزب البعث، ان هذا الرعب الارهابي مخيم على الجميع ويطال الجميع، في اكمال بناء دولة الاستبداد الدكتاتوري، ويقع (علي سلمان) في مصيدة الاعتقال من رجال الامن . لذلك توجست امه (مكية الحسن) بالخوف القلق من غياب ابنها المفاجئ عدم المجيء الى البيت، وراحت تلوك الظنون المفزعة والمخيفة، وبعد اسبوع، عرفت بان (علي سلمان) معتقل في الامن، وقع الخبر كالصاعقة على رأسها وقصم حياتها النفسية بالدموع والبكاء المر ليل نهار، وهي تتساءل بمرارة وقهر (اي تهديد يمكن ان يشكله طالب كلية مسائية، مقبل على التخرج، ويعمل في البناء ويتعلم الموسيقى . لسلطة يحرسها جيش وشرطة ودبابات وطائرات ومدافع وصواريخ ؟ هل لديهم ادنى احساس لعذابي ؟ بسنوات انتظاري ؟) ص270 . ولم تدوم الحالة المأساوية التي عصفت بالام وطرحتها في الفراش، واصابها بالمرض والجنون والتيه، والغم والهم، حتى انضوى جسدها ولم يعد يتحمل هذا الشقاء والظلم، حتى اسلمت روحها الطاهرة، وهي تلعن هذا الزمن المر .

اعدام بشار رشيد

اكتسب (بشار رشيد) مكانة شعبية متميزة بالحب والاحترام، في اخلاقه المتواضعه وحبه وعشقه الشديد للناس، بسلوكه المشهود في السمعة الطيبة، في الاوساط الشعبية وعشاق كرة القدم، وكان ذو موهبة كروية مرموقة احتلت موقع مهم في المنتخب العراقي الوطني، ومن اسماءه اللامعة والمتميزة في عالم الكرة، وكان شخصية محبوبة في سط الناس في تواضعه الجم، وضمن اجواء الحملة الارهابية بالبطش والتنكيل، اعتقل (بشار رشيد) بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي، ولم تسعفه السمعة العراقية والدولية، بانه لاعب مشهور ومعروف ذو موهبة كروية كبيرة ومرموقة، لكن الحملة الارهابية، لم تعترف بعطاء المواطن وخدمته للوطن مهما كان، في سبيل اقامة دولة الحزب القائد الواحد، فقد اعدم مع كوكبة كبيرة من مناضلي الحزب الشيوعي، كوجبة اولى اعدام 31 شهيد، ودشنت هذه الاعدامات الجماعية انهيار (الجبهة الوطنية) بين حزب البعث والحزب الشيوعي، التي اتخذت كحجة لتصفية الحزب الشيوعي، بالسجن والاعدام والتصفية والاسقاط السياسي . لقد كان اعدام (بشار رشيد) احراج وقلق كبير، من ان يحدث ضجة كبيرة عاصفة في (مدينة الثورة) وفي عموم العراق . وحين ذهبت ام (بشار رشيد) الى السجن لاستلام جثته، همس في اذانها احد الحراس في غفلة وقال لها (ان ابنها بطل، انه صاح - لا تربطون عيوني، اريد ان ارى قاتلي)ص213، انعشت هذه الشجاعة البطولية مشاعر امه بالجرأة، وردحت بالاهزوجة الشعبية بصوت مدوي في وجه رجال الامن البعثيين (يا هاوي الموت امشي ويانه) ص213 (يا من تهوى الموت امشي معنا) وشعرت امه بالنشوة بان هذه الاهزوجة كأنها تسمع ترديد صدى جميع نساء العراق، وتصدح معها (يا هاوي الموت، امشي ويانه) (يا من تهوى الموت امشي معنا)، لذلك اعترضوا رجال الامن تسليم جثة الشهيد، خوفاً من ان يستغلها شباب واهالي مدينة الثورة وتتحول الى مظاهرة شعبية احتجاجية، طلبوا من الام بان تستلم نعش ابنها خارج مدينة الثورة، في بداية (قناة الجيش) وبشكل سري دون اعلام اي شخص، ولكن خبر اعدام (بشار رشيد) انتقل من بيت الى بيت، من قطاع الى قطاع، فخرج الاهالي ومن عشاق كرة القدم بالاف لتوديع ابنهم البار، مما اثار الذعر في صفوف رجال الامن، من الاعداد الهائلة من المشيعين، ويصعب السيطرة على الموقف . مما ضطروا الى الهرب بالنعش الشهيد الى مدينة النجف الاشرف، وكانت الام وسط الحشود المشيعة تردح بالهوسات الشعبية .

(كل جابت خابت بس آنه) (كل من انجبت خاب ظنها، إلا أنا) ص215 . ورددت النسوة هوستها .

(كل جابت خابت بس آنه) (كل من انجبت خاب ظنها، إلا أنا)

(ودوه يبلعنه وغص بينه) (ارسلوه ليبتلعنا، فغص بنا)

هكذا خيمت غيوم الحزن والغضب على (مدينة الثورة) ودلفت في ثوب الانقلاب العسكري، حيث امتلئت المدينة برجال الامن والحزبين وغصت بهم الشوارع وقطاعات مدينة الثورة، تحسباً لاي طارئ يحدث بالضد من الحزب البعث الحاكم، وقد لبست المدينة ثوب السواد والحزن، وهي تودع ابنها البار، الذي احبته منذ ان كان صبياً يلعب في ملاعبها، واعتبر من الرموز المحبوبة والشعبية .

هكذا رسمت رواية (دروب الفقدان) شريط حياة مدينة الثورة بالسينما التسجيلية الراقية، وكذلك ترجمت اساليب الاضطراب السياسي في عهد ارهاب البعث .

 

جمعة عبدالله  

 

مصطلحات قلقة بين التأصيل والتوصيل (2-3)

abdulelah alsauq2النقد: تتوفر مادة (نقد) في المعجمات اللغوية على معانِ مؤتلفة مرة، مختلفة أخرى وللدارس أن يميز ميزانين لهذه المادة: الأول يعتمد نصب القاف في (نقد) والآخر يعتمد كسرها؛ ولكل ميزان إحالاته الدلالية..

أ نَقَد (فتح القاف): نقد العينة اختبرها وميز جيدها من رديئها، ونقد الطائر الفخ توجس خيفة منه فاختبره حذراً؛ ونقد الصيرفي الدرهم نقداً وتنقاداً نقرها؛ ووضعها بين السبابة والإبهام ليمتحن الأصيل والزائف والجيد والرديء؛ ونقدت الأفعى زيداً لدغته؛ ونقد عمرو زيداً اختلس النظر نحوه حتى لا يفطن إليه؛ ونقد فلان الدراهم نقداً وتنقاداً أعطاها للبائع معجلاً؛ فالنقد في البيع خلاف النسيئة وانتقد بابها نصر.

ب نَقِد: (كسر القاف): نقد الطعام نقداً وقع فيه الفساد؛ ونقد الضرس أو الحافر تآكل وتكسر؛ ونقد الجذع أكلته الأرضة فهو جذع نقد (كسر القاف) ونقد (فتحها)، ونقد الحافر تقشر، والمعاني (أ.ب) تكوّن فكرة عن دلالات هذه المادة؛ فإذا تناقد القوم تناقشوا والحصيلة هي حالتان: حالة المنقود أن يعرض على الناقد؛ وحالة الناقد أن يتفحص المنقود، ولابد والحال هذه أن يكون المنقود على صورتين: الأولى صحيحة والأخرى عليلة. وللمتفحّص أن يلاحظ أيّ الصورتين ميّزت المنقود؟ ولم ترد نقد في القرآن الكريم بأي من دلالاتها لكنها وردت في الشعر الجاهلي كثيراً وفق مستوياتها اللغوية، قال أعشى بكر:

دراهمنا كلُّها جيدٌ فلا تحبسنا بتنقادها

وقال عبد مناف بن ربع الهذلي:

ماذا يغير ابنتّيْ ربْع عويلهُما كلتاهما أبطنت أحشاءها قصباً

إذا تأوّبَ نوحٌ قامتا معه لا ترقدان ولا بؤس لمن رقدا

من بطن حلية لا رطباً ولا نقدا ضرباً أليماً بسبت يلعج الجلدا

*والنقد في الاصطلاح: يرمي إلى ملاحظة النص وامتحانه، بما يتهيأ للناقد من خبرة وذكاء لمعرفة قيمته؛ وما إذا كان مبتكراً أو متأثراً بنص آخر؛ وكان النقد الأدبي مطلع وهلته الأولى ميالاً إلى التعميم لأنه ثمرة حضارة الشعر وقتذاك، ولم يحصل النقد على مصطلحه (الواضح) إلا في وقت متأخر نسبياً وكان الناقد الجاهلي مثل زعيم القبيلة يوازن بين المعاني والألفاظ والصور بخبرته الخاصة وبوهمه أنه يمتلك المعرفة والحقيقة وحده، وربما احتكم إلى أصحاب الخبرة لينصحوه أو احتكم إلى ذوقه الخاص أو هواه أو ولائه،، فالناقد زعيم على نحو ما أو حاكم، وكان نابغة ذبيان ممسكاً بزمام الشعراء، يقول رأيه فيهم فيرضون وأطلق الجاهليون عليه (رأس حكومة الشعر) فكانت تضرب له خيمة من الجلد الأحمر على مسطبة رملية محددة بالحجارة المرصوصة بالقار تجعله في مشهد يراه فيه الجمهور الواسع دون عناء،،

ونقدنا الحديث قائم على أحد المنهجين: المعياري أوالوصفي..

 

*النقد المعياري

وهو النقد التقليدي الذي يخول الناقد محاكمة النص الأدبي وإصدار الحكم له أو عليه، والمبدع لا يمتلك إلا القبول بأبوّة الناقد، والقارئ لا يفكر ولا يجتهد لأن ثمة ناقداً يفكر نيابةً عنه ويجتهد بدلاً منه،، ولعلنا نتذكر المقولات النقدية القديمة من نحو أشعر بيت وأغزل بيت وأهجى بيت وأمدح بيت وأخنث بيت.. كما نتذكر: الشعر المصنوع والشعر المطبوع وشعر الفحول وشعر الطبقة،، وقد أثبتت الدراسات الأسلوبية الحديثة أن هذه الأحكام لم تكن قائمة على الاستقراء والموضوعية،،

 

*النقد الوصفي

يحاول هذا النقد التخفيف من سلطة الناقد الحاكم بأمره، حتى اقترح على عملية النقد اسم (قراءة النص) واعتد القارئ (غير الناقد) ناقداً لأنه يعيد إنتاج النص في متخيله. هذا النقد ظهر في الربع الأول من القرن العشرين وقد اهتم ومازال ببنية النص وجعلها اثنتين الأولى الشكل والأخرى المعنى وإن جعل المعنى تبعاً للشكل وكان هاجس هذا النقد ومازال هو نقل النقد من مرحلة الانطباع إلى مرحلة العلم.. ثمة آليات اعتمد عليها الناقد الوصفي مثل البنية والحقل والمستوى والانتظام والتآلف والتخالف..الخ فالناقد يشرّح النص ويصف تقنياته بطريقة حاذقة تترك للقارئ سانحة الاجتهاد في تلقي النص أو الحكم عليه.

 

*النقد المزدوج

يحاول هذا الكيف من النقد استثمار مزايا المنهجين المعياري والوصفي وإقصاء فكرة البعد الواحد عن النقد. وقد أثبتت التجارب النقدية الرائدة أن هذا النقد المزدوج قمين بملامسة شغاف النص وابتكارات المنتج أو إخفاقاته وتلبية حاجات المتلقي وصولاً إلى الارتقاء بعملية التوصيل مراقي الجمال وتطويرها باتجاه فكرة الفريق المتألف من الأديب وجمهوره وناقده.. وثمة الكثير من المنطلقات النقدية الواقعة في نقطة التقاطع بين الخطين المتصالبين..

 

مشجرة النَّــــــــــــــــــــقْد

النقد: 1 / معياري 2 / وصفي 3 / مزدوج

النقد: 1 / تفسيري 2 / صحفي 3 / اخلاقي 4 / مُقارَن 5 / مُوازَن 6 / نصِّي 7 / مطلق 8 / نسبي 9 / مدرسي

 

*الأسلوب

معاني الأسلوب وفيرة في اللغة بينها الطريق الذي تسير فيه والسطر من كل شيء والسلوك والفن وقد أورده أعشى بكر بمعنى الاعتياد:

إن بني قلابة القلـوب   أنوفهم مِ الفخر في أسلوب

أما في الاصطلاح فهو (طريقة التفكير والتصوير والتعبير) وقال أبو هلال العسكري: الأسلوب قطعة من عقل الرجل، وقال بيفون: الأسلوب هو الشخص نفسه. أي أن الأسلوب هو مجموعة المكونات التي تشكل الإنسان تفكيراً وتدبيراً ورغبات ورهبات وعادات وشهوات.. ولا يمكن إغفال دور هذه المكونات في صياغة العبارة عند الأديب مهما حرص على تغييبها على مستوى السطح.

والأسلوب أسلوبان.. الأول هو الأسلوب العلمي. الذي يصوغ العبارة بمقدار الفكرة متجنباً المجازات من كنايات واستعارات ملتصقاً بالموضوع والنقد الحديث منتم للأسلوب العلمي..

والآخر الأسلوب الأدبي وهو النحو الذي يتبعه الأديب في إثارة العاطفة الجمالية لدى المتلقي ويكون ذلك بآليات الصياغة الأدبية المعروفة من مجاز وتشبيه وإخفاء وتجل وطي ونشر…

 

*الحديث: الحديث مصطلح بثلاث دلالات، الدلالة الأولى زمانية والأخرى فنية والأخيرة تأسيسية، وإذا نقبنا في الغاطس من هذا المصطلح استناداً إلى المعجمات اللغوية (حدث) ألفينا الآتي: حدث الشيء حدوثاً وحداثة نقيض قدم وأحدث زيد الشيء ابتدعه وأوجده؛ جاء في الذكر الحكيم [لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً الطلاق1) وأحدث السيف ونحوه: جلاه؛ والحادث ما يجد ويحدث، والحداثة سن الشباب والحدث: صغير السن والمحدث (كسر الدال) المجدد في العلم والفن والمحدث (فتح الدال) مالم يكن معروفاً في كتاب ولا سنة ولا إجماع (المعجم الوسيط حدث) وقد شاعت كلمة محدث في القرن الثاني الهجري بعد ظهور أجيال من الأدباء الشباب التائقين إلى التجديد؛ بحيث قال زبان بن سيار ت154 (لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى هممت بأن آمر صبياننا بروايته) ثم اتسعت الهوة بين الأدباء الشباب والأدباء الشيوخ وبات خلاف الهوى عصبية مغلقة فتنبه إلى ذلك الناقد ابن قتيبة ت276هـ وكان قاضياً (فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله ويضعه في متخيره ويرذل الشعر الرصين ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه أو أنه رأى قائله، ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن) ويثار جدل مستمر حول دلالتي حديث / معاصر فمن قائل أن حديث قريبة إلى دلالة التجديد الفني إلى قائل أن معاصر أقرب من حديث إلى دلالة التجديد الفني واستلهام روح العصر،، فإذا عدنا إلى المصطلح ألفينا دلالة العصر متموضعة حول حقبة زمنية من تطور أدب ما تتميز بسمات خاصة وبتغليب مذهب من مذاهب الأدب على غيره من المذاهب، جاء في اللغة: أعصر دخل في وقت العصر وأعصرت الفتاة بلغت شبابها وأدركت والعصر زمن ينسب إلى زعيم أو دولة أو حدث.إ.هـ. ولا نرجّح نصرة مصطلح على آخر؛ فقد مر بنا أن للكلمة ثلاثة مستويات. لغوي واصطلاحي وتأسيسي؛ فإذا اقتربنا من التأسيسي وجدنا أن الباحث أوالمؤلف أوالمحاضر محق في انتقاء المصطلح الذي يناسب منهجه إذا سوغ الانتقاء على مستوى التأسيس، وقد وجدنا في إضافة (الحديث) إلى (النقد الأدبي) مناسبة لعنوان كتابنا وطبيعة شغلنا وتأسيسنا فالمراد بالحديث هو: الدلالة الزمنية والدلالة الفنية دون التورط في العصبيات البحثية، فالنقد الأدبي الحديث موضوع ميدانه تحليل النصوص وخاماته: النصوص الأدبية الحديثة، فالدلالة الزمنية تفصل بين زمنين للأدب: قديم وحديث، ولم يتفق الدارسون على الفترة الحاسمة التي بدأ منها الأدب الحديث، فمن قائل أنه (الأدب الحديث) ثمرة الوعي المضاد لحملة نابليون على مصر إلى قائل أن الأدب الحديث بدأ مع رياح النهضة والتغيير في مبادي القرن العشرين إلى مؤكد أن الأدب الحديث مقترن بالفترة الإحيائية التي نفثت الحياة في جسد الأدب الصافي،، بل أن عدداً من الدارسين رأى أن:

 

النقد الأدبي الحديث

رديف حركة التجديد التي بزغت أواخر الأربعينات ومطالع الخمسينات من القرن العشرين وتجلت في نصوص الشرقي والشبيبي والصافي ورافقتها حركة الشعر الحر التي تبلورت من خلال نصوص بلند الحيدري وجبرا ابراهيم جبرا وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة

وعبدالوهاب البياتي وشاذل طاقة وصلاح عبدالصبور ولميعة عباس عمارة… ومازال الجدل قائماً بين الفرق الأدبية وهو جدل صحي يسهم في حوار الآراء وتبادل الخبر وموضعة الأدلة.

 

*الانزياح

وهو مشاكسة المدلول المألوف للدال، ويبدو ذلك في حقول كثيرة أهمها المجاز والرمز والصورة. والنص الأدبي هو الأجدر بتقنية الانزياح بسبب اشتغاله في مخبر الجمال وسعيه إلى الشعرية التي تضمن تفوّق النص وتفرّده ثم تعاطف المتلقي معه وقد توصل عبدالقاهر الجرجاني

إلى حدود هذا المصطلح حين درس المعاني الثواني بيد أنه لم يسمّه، و آ.آ.ريتشاردز حين رصد معنى المعنى في النص.

 

*البيان

إيراد المعنى الواحد في أساليب متعددة لإيصال المعنى بصياغة جميلة وهو المجاز مع التشبيه، فأما المجاز فهو عقلي ومرسل وسبيله الاستعارة المكنية والاستعارة التصريحية والكناية وينبغي أن ينـزاح المعنى عن إرادة الشيء المباشر وتقوم قرينة مانعة من إرادة المعنى الظاهر.

 

*التشبيه

وأما التشبيه فهو غير المجاز على رأي عبدالقاهر الجرجاني أما ابن الأثير فالتشبيه عنده اثنان: تشبيه تام وهو التشبيه الذي استوفى أركانه الأربعة أو طرفي التشبيه وتشبيه ناقص أو محذوف وهو الاستعارة،، وهو أنواع أحصى د.أحمد مطلوب أهمها وعرّف بها وعززها بالأمثلة وعضدها بالإحالات منها:

1 حسي×حسي 2 ذهني × ذهني 3حسي×ذهني 4ذهني × حسي 5بسيط 6مركب

7مضمر 8بعيد 9قريب 10تسوية 11تفضيل 12تمثيلي 13توكيد 14جمع 15واقعي

16خيالي 17صورة×صورة 18قاصد 19كناية 20مطلق 21معكوس 22مفرط 23مفروق 24مفصل 25مقارب 26مقبول 27ملفوف 28عقيم 29مؤكد 30متجاوز 31متخيل

32متعدد 33مجمل 34مختصر 35مردود 36مرسل 37مستطرف 38مشروط 39مصيب 40مطرد، ومعلوم أثر الصفات والوظائف على هذه الأنواع التي شققت التشبيه وهذه الأنواع يمكن اختزالها بأربعة أنواع مثل التشبيه التام والبليغ والعقلي والمرسل .

 

*الاستعارة

تشبيه خسر أحد ركنيه إما المشبه وإما المشبه به فإن خسر المشبه به وأظهر المشبه فالاستعارة مكنية وإن خسر المشبه وأظهر المشبه به فالاستعارة تصريحية.

 

*التجسيم

تحويل الذهني المجرد إلى حسي فلا يمكن استقبال الصورة الذهنية المجردة مالم تتوسل إلى التلقي بقنوات الحواس قارن يمامة الفرق للشاعر السوري عبدالقادر الحصني:

يا صديقي يا عميق الجرح والعينين / يا مشتعل الحيرة عمرك / قدّس الله وندّى في الدياميس على الوحشة سرَّك / قمر الغربة أنت. / وشذا القرية أنت / ورحيل في حشاشات الينابيع إلى ينبوعها الأول أنت / ما عليك.. / ذاهباً في الكبد الكابد حتى منتهاه / كابد الليلُ عماه: كبدُ الليل الجمان / ..والمحارات اللآلي… والعناقيد الدنان.. / كابد الزيتونُ في آونة العصر؟ فمما كابد الزيتون بوح / شقّ قلب الليل أورى وردة مثل الدهان / كابد الوعرُ فكان السوسن البري والنحلُ وكل الأقحوان / ثم كابدنا، فكان الجدل الفاتنُ / أطعِمْ لقمةَ الزقوم في الجنة واشرب سلسبيلا / في الجحيم / واعطِ هذين النقيضين الجميلين الأمان .

في المقاربة الأولى نلاحظ أن الشاعر حول الحيرة وهي صورة ذهنية مجردة إلى صورة حسية فالحيرة مشتعلة، وإذا كانت الوحشة حالة ذهنية فإن الندى في الدياميس جعلها نادية، حين حسسها. والنص مكتنـز بحالات التجسيم؛ فللغربة قمر مثلاً..

 

التجسيد

يخطئ من يظن أن التجسيد Personification مصطلح أجنبي، ولنا أن نسأل ماذا يحدث لو أفرغنا (جدلا) الشعر العربي من التجسيد؟ والجواب: يحدث أننا لن نجد شعراً.. التجسيد هو أنسنة غير الإنسان وإضفاء صفات الإنسان ووظائفه عليه،، ويطلق عليه بعض النقاد مصطلح (التشخيص) وذلك خارج دلالة الانسنة فالتشخيص من الشخص او الشاخص ينصرف الى الانسان والحيوان والجماد بينا الجسد موقوف على الانسان فتقول جسد الانسان وجسم الحصان، قارن هذا النص للشاعر العراقي المغترب فاضل العزاوي: هو ذا الديناصور المقتول يعود ليروي / ذكرى أسفاره في نفسه: / ماكنة تصنع أحلاماً وتقدمها للقراء / يمكن أن نقرأ بالمقلوب أو تحذف منها أفعال القول / وإذا ما شئتم فأضيفوا عن ماضي الأيام إليها / ذكرى ديناصورات أخرى.. / كانت تقطن هذا الوادي / ذكرى أنفسكم حيث الميناتور يجوب الغابة / في آخر رحلاته قبل الموت .

لقد شكّل فاضل العزاوي في مخيلة نصه صورة لديناصور ما.. ويبدو أنه لم ينقرض بعد.. فهو ينتظر انقراضنا هذه المرة،، ولسنا معنيين في هذا المثال بالرموز والكنايات، لأن عينة شغلنا هو التجسيد.. كيف أنسن النص الديناصور فأكسبه طباع الإنسان؟

 

*التماهي

حالة اندغام بين صورتين أو معنيين لتشكيل صورة ثالثة هي مزاج الصورتين ومعنى ثالث هو نتاج المعنيين، وقد تكون الصورة الأولى مشفّة للصورة الثانية بحيث تموّه الصورتان التلقي فكأنه قبالة صورة واحدة. وقد يكون المعنى الأول متضمناً المعنى الثاني بحيث يتهيأ للمتلقي أنه يتعامل مع معنى واحد.. ولعل جذور التماهي اللغوية تحيل إلى معنى الظهور بعد الإخفاء، أو تخفية الظاهر، قارن مادة (موّه) في معجمات اللغة: ماهت البئر ظهر ماؤها، وماهت السفينة دخل فيها الماء، وماه زيدُ الشيء بالشيء: خلطه به، وماه عمرو في كلامه: خلط وأماهت الأرض: ظهر فيها النـز. موّه الموضع: صار فيه الماء وموهت السماء: نـزل منها مطر كثير، وموّه الصائغ الشيء أي طلاه بفضة أو ذهب وليس جوهره منهما وموّه الحديث أي زخرفه ومزجه وألبس الحق بالباطل . ويمكن اعتداد (التناص) حالة من التماهي لوجود حالة مزج في التخييل بين نصين: نص حاضر ونص غائب، مع الإقرار بصعوبة هذا الاعتداد لضعف مسوّغاته: أما التعادلية التي تعتمدها الصورة الفنية لحظة مزجها بين الواقع والمجاز فهي حالة تقارب التماهي حدوداً وتجانبه موضوعاً .

 

*التناص

يعني أن النص الذي بين أيدينا يخبئ نصاً غائباً عن وعي أو دون وعي وقد درسه ابن رشيق القيرواني ت456 ضمن باب السرق الشعري وقال في العمدة 2 / 280 (وهذا باب متسع جداً لايقدر أحد من الشعراء أن يدّعي السلامة منه) وقد درسته جوليانا كرستيفا في أوائل الستينات من القرن العشرين وميزت نمطين منه الأول: الواعي واعتدته سرقة أو شبيهاً بالسرقة والآخر غير الواعي وأجازته شريطة أن لا تكون الصورة نمامة أو فضاحة، فإذا أخذ الشاعر الصياغة أو المعنى عن سابق تصميم وأشار في الهامش إلى اقتباسه من شاعر آخر وذكر اسمه فإن صنيعه هذا لا يدخل في دائرة التناص وقد يكون التناص كلياً أو جزئياً أو في الصورة أوالمعنى أو الصياغة.. وهذا نموذج في التناص. قال الأعشى الكبير (جاهلي):

وكأسٍ شربتُ على لذة

          وأخرى تداويت منها بها

ثم قال أبو نواس:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء

          وداوني بالتي كانت هي الداءُ

(إن المقارنة بين الصورة والصورة لا تعني بالضرورة أن تكون الصورتان وجهين لمنظور واحد وإن كانتا من بحر واحد وقافية واحدة ومرمى واحد، فقد لا يجد النظر العجلان وجه شبه بين الصورتين مباشراً،، وذلك لا يمنع وجود وجه شبه أكيد إذا نهد له رصد نقدي متأن.. إذن نحن في مختبر التناص قبالة نصين: الأول غائب أنجزه الأعشى والآخر ماثل أنجزه أبو نواس وكل ما حاولناه الجمع بين النص الغائب والنص الحاضر لكشف الحبل السري بين النصين أو الصورتين)

 

*الخطاب

يمتلك الخطاب دلالتين تليدة وطارفة؛ فالخطاب هو الكلام، جاء في الذكر العزيز (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) وفصل الخطاب: ما ينفصل به الأمر من الخطاب، وفصل الخطاب أيضاً: الحكم بالبينة أو اليمين أو الفقه في القضاء أو النطق بـ أما بعد وأن يفصل بين الحق والباطل وأن لا يكون فيه اختصار مخل ولا إسهاب ممل، والخطاب الكلام، جاء في التنـزيل العزيز (فقال اكفلنيها وعزّني في الخطاب) أما الخطاب في مفهومه الجديد.. فهو النص ومحمولاته الفكرية أو الأيديولوجية أو الجمالية بحيث لا يمكن الفصل بين المركز (النص) والأطراف (المحمولات) والخطاب الأدبي صنفان. الخطاب الشعري وهو المتضمن فنون الشعر ومحمولاتها من نحو الشعر التقليدي والحديث وشعر الغزل والهجاء والمديح.. الخ والخطاب السردي ويتضمن نصوص النثر الفني ومحمولاتها من نحو الرواية والقصة والمقالة والسيرة..الخ.

 

*الحكاية الشعرية

تمثل القصيدة في حالات عديدة بناء قصصياً في أحسن حالاتها، لقدرة الحكي على التأثير في قدرات المتلقي على الاستقبال وفي حالات أخرى محاكاة تعكس انبهار الشاعر بالحكايات الخارقة ودلالاتها المثيرة وصورة أحداثها في عينيه ونفسه، وقد درسنا تشكيل الحكاية عند الأعشى في كتابنا (الصورة الفنية معياراً نقدياً) ص275 الذي صدر عام 1987 ولاحظنا كيف تعامل النص الأعشوي مع فن الحكاية فقد وفر لها عنصر الزمكان والشخوص والحوار والعقدة ولحظة التنوير.. وذكرنا عدداً من النصوص الشعرية، ولا يمكن تخيل قصيدة ذاتية أو موضوعية بمعزل عن مناخ الحكاية في مخيال الشاعر. أما الشعر القصصي فهو ضرب صريح باعتماده على فنون الحكي والسرد من حدث وعقدة ووقائع وحركة وحوار (بل يبلغ التطرف ببعضهم إلى حد استعادة قول فردريك شليغل: إن كل الشعر الحديث يستعيد تلويناته الأصلية من الحكاية) . وقد شاع فن الحكاية في شعرنا الحديث حتى بات واحداً من ملامح هذا الشعر.. ولعل الشعراء الرواد كانوا المبكرين في استثمار فن الحكاية الشعرية، فإذا قرأت نصوصهم وجدت حالات من فنون الحكاية، قارن بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري وجبرا ابراهيم جبرا ولميعة عباس عمارة وشاذل طاقة وصلاح عبدالصبور وأدونيس.

نموذج من (الحكاية الشعرية) قصيدة زيارة للشاعر عبدالرزاق عبدالواحد (عراقي):

من دون ميعاد / من دون أن تقلق أولادي / أطرق على الباب / أكون في مكتبتي في معظم الأحيان.. / أجلس كأي زائر وسوف لا اسأل لا ماذا ولا من أين / وحينما تبصرني مغرورق العينين / خذ من يدي الكتاب / أعده لو تسمح دون ضجة للرف حيث كان / وعندما تخرج لا توقظ ببيتي أحداً / لأن من أفجع ما تبصره العيون / وجوه أولادي حين يعلمون..إ. هـ

لقد اخترنا هذا النص، ليس بوصفه حكاية، وإنما بوصفه نصاً استثمر آليات الحكاية بحذق، فقد اصطنع اللازمان لزمان الحدث وانتقى المكان وفق رؤية فنية تسهم في توصيل هذه المرثية الجميلة التي رثى بها الشاعر نفسه فبكى على نفسه وكبريائه اللذين أضاعهما في رهانٍ خاسر، رهانٍ مهين، فلم يحسب لساعة الندم من قبلُ أي حساب، ثم أجرى حواراً مكثفاً بين ضمير المتكلم والزائر الذي غيّب ملامحه وحواره ورسم لنا فعله ودوره فضلاً عن الوصف الدقيق للمشاهد والمشاعر.. زد على ذلك هذا التطريب الشجي بين استهلال القصيدة وقفلها بما يؤثل نمواً يرتقي بالانفعال إلى أعلى مراقيه.. ثم يهبط به فجأة بصورة ترينا وجوه أطفال الشاعر (حين يعلمون) مصير أبيهم،، فكانت الخاتمة مفتوحة على صور اقترانية كثيرة..

نموذج ثانٍ من (الحكاية الشعرية) قصيدة فطور مغربي للشاعر محمد حسين الأعرجي:

(إلى أشباح المدن في المغرب العربي ساعة الإفطار في شهر رمضان)

ثمّ نادى الأذانُ: حيَّ على الأكْلِ، فَكُنَّتْ مدينةُ الأشباحِ

أفقٌ كالحٌ كأنّ نهاياتِ مداهُ مدائنٌ من نُباح

إرمٌ هذه ولا (عادَ) فيها

          أم سدومٌ وما لها مِن جُناح؟

شجرٌ خائفٌ قد التفّ بالصّمتِ على نسغِهِ مهيضَ الجناح

ودروبٌ يخفْنَ حتى مِن الضوءِ؛ فاضواؤها كقيح الجراح

وحشةٌ تفزَعُ المقابرٌ منها

أيُّ صمتٍ هذا؟ كأن طيوراً

ثم ذرّينَهُ فلم يبقَ نبضٌ

          فتظنُّ الأمواتَ أنضاءَ راحِ

من رمادٍ حملْنَهُ بجناح

لم تُلامِسْهُ مُترباتُ الرياحِ

يا لهذا الغروبِ، هل قرّبَ اللهُ معادَ النشورِ في الألواح

أم تُرى أن قُصعةً من حساءٍ

          بَعد جوعٍ، ونغبةً من قراح

تشربانِ المدينةَ الآنَ، والناسَ، وهمْسَ الغصونِ في الأدواحِ؟

يا لقُرْصِ الرغيفِ كمْ دارتِ الأرضُ، ولم تختلف معاني الصباح؟

الجزائر 2241988

فطور مغربي، قصيدة حاولت التماس الدلالي من خلال الجمالي، ويحيلنا حرص الشاعر المعروف د.محمد حسين الأعرجي المقيم حالياً في بولندا على نشر هذه القصيدة بعد اثنتي عشرة سنة من نظمها على فداحة الصورة التي استوعبتها الذاكرة الشعرية، فهذه القصيدة وهي سيرة مدينة جزائرية في شهر مقدّس تختزن الكثير من الصور الجارحة التي تتماهى مع الصورة الأم، فأنت قبالة مرثية للفرح، مرثية للمدينة العربية التي حذقت عن قصد أو جهل تحريف دلالات الأشياء، فالأرواح أشباح والإفطار قصعة تملأ المعدة وليس ميقاتاً روحانياً يميّز المقدّس من المدنّس، والطبيعة المؤنقة شجرٌ خائف ووحشة دونها وحشة القبور، ودرب خلفية احترفت العتمة،، لقد استدعت الصورة الكلية التي اقترنت بصوت المؤذن عدداً من صور الذاكرة المقتبسة من مدن العراق، فلو غيّرت (فطور مغربي) بفطور عراقي لم تجُرْ على بؤرة النص ولم تختطف المعنى وتحوّل سير اتجاهه، فالأعرجي الذي غادر جنّته (العراق) قبل ربع قرن بعد أن استحال إلى (جهنم) تزدرد الأبناء وتحرق الأحلام،، محلل النص لا يعنيه أن اراد الشاعر ذلك الاقتران بين الخرابين والضياعين أم لم يرده، ولكن الشاعر منح صورة المدينة لحظة الأذان ألواناً من الرماد المبقّع بالدماء. وأياً كانت الرؤية فإن قصيدة (فطور مغربي) تؤسس بحذق (يبدو تلقائياً) لفن الحكاية الشعرية من خلال التداعي والاسترجاع والاستدعاء، ويمكن القول أن بطل الحكاية في هذه القصيدة النفيسة هو الوصف المكثف المتوتر الذي أغنانا عن الحوار والحدث، والمدينة بفضاء زمكاني لمركزية الهمّين الجمالي والأيديولوجي.

 

عبد الاله الصائغ / موسوعته باب المصطلح

 

"ناطور الدجى" للشاعرة آمال عواد رضوان .. من كلاسيكية المصطلح إلى صدى الذات في احتواء التجربة

ahmad alshekhawiعلى غرار زخم باذخ من قصيد منجز ديدنه انتقاء مفردة المزج بين الإيديولوجي والجمالي، قد تُثمل جوارح المتلقي نكهة مضاعفة لمجرّد قراءة أولية،حدّ ولوج غيبوبة محرّضة على اقتحام المحال المتلبّدة به ذات متشبّعة بترف الوعي النرجسي وعاشقة للتمرّد على راهن مثقل بدياجيره وهائم في بهلوانية مبكية ، ناهيك عن مقاربة لبّ المعلومة و اصطياد معاني ما وراء ألوان نص أشدّ غواية كالذي يولد في لحظة كبرياء وعنفوان أنامل شاعرة متمرّسة من طراز آمال عواد رضوان.

إنها عصارة التجربة كما تقترحها تقنيات الإشتغال على المصطلح المهجور ونقله من ضوضاء لا طائل منها، إلى مستويات فوق كلاسيكية تمكينا له وتفجيرا لموسيقى روحية دفينة تشاكس لكي تنسج ملامح ارتدادات صوت الخصوصية والمواكبة والتميّز.

ظِلاَلُ ثُقُوبِكِ تَيَقَّظَتْ مِنْ مَكَامِنِهَا

تَتَجَنَّى عَلَيَّ

تَعَرَّجَتْ

فِي أَزِيزِ سَقِيفَةٍ مَتَأَهِّبَةٍ لِلْمَشَاكَسَةِ

لكِنَّهَا تَرَهَّلَتْ ذَائِبَةً

عَلَى مَرْمَى صَهِيلِكِ الْمَوْشُومِ بِالنَّدَى

وَمَا فَتِئَتْ تَدُكُّ

أَمْوَاهَ نَارٍ انْتَصَبَتْ أَطْيَافًا

عَلَى رِمَالِ الآهِ

وَمَا هَجَعَتْ!

خبء هذه الفسيفساء الآسرة يشفّ عن عوالم متعارضة ومتضاربة تحتويها النفس المجهولة و العاكفة على ظلمائها ، فيما الناطور هو ذلكم المخلوق الأسطوري بظلاله المثقوبة وبتجنّيه وبصهيله الندي أيضا.

ذلكم الناطور كمخاطب مغرق في فعله الرمزي وبطقوس الجلد التي يمارسها عند حدود المسكون بازدواجية البوح المتمنعة على السقوط في الحالة المرضية إذ تحاكي أنوية تضخيم المعاناة والتلطّخ بصديد تقرّحات الآه.

 

 

نَاطُورُ الدُّجَى

بَاغَتَنِي بِإِفْكِ طُقُوسِ تَسَكُّعِهِ الْمُتَطَفِّلِ

خَلْفًا دُرْررررر ... اسْتَدِرْ حَيْثُكْ

أَنْتَ وَغَدُكَ الْفَضْفَاضُ فِي غلاَلَتِهِ

بَدِيدَانِ.. رَمِيمَانِ!

تتسارع مؤشرات الإثارة والإدهاش كلّما توغلت شاعرتنا في سردية متكئة على الصنعة الضرورية بذات القوة الصوتية المتولدة عن حمولة نفسية تتقاذفها هواجس استشراف المستقبل مع الإخفاق في محاولات الفكاك من إملاءات العدمية التي تتوعد المصير البشري عموما/ ثيمة الفناء.

كضرب من تسييج مواصفات هذا الناطور وجعلها أكثر هلامية عبر ما يفضح المكنون ويعرّي الذات ويرسم اتجاهات التوحّد المخوّل لامتصاص الأزمة على نحو أدقّ و أشبه بمعجزة.

 

اُنْظُرْكَ .. لَبْلاَبًا مَنْسِيًّا

لَمَّا يَزَلْ يَكْتَظُّ بِالْقَيْظِ

فِي صَحَارَى مَاضٍ .. تَحَلْزَنَ بِالْحُزْنِ.

هكذا يتم استهلال هذه الوحدة العضوية البديعة، بأغرب فعل أمر دال على عرض الذات على مرايا الآخر بالتّماس مع موضوع ما و ضمن سياق مجازي كنتيجة له عدم بروز الذات كنسخة لهذا الآخر.

 

هَا ضَفَائِرُ نَخْلِكَ

الْتَهَبَ فَجْرُ تَمْرِهَا

فِي سَرَاوِيلِ دَهْرِ ضَارٍ

ونَشِيدُكَ الْخَاشِعُ

كَمْ شَعْشَعَ مُتَفَيْرِزًا

مُرَفْرِفًا

هَا قَدْ شَاطَ نَبْضُهُ

عَلَى جُسُورِ تَلَعْثُمٍ مُتْخَمٍ بِالتَّفَتُّتِ!

 

تكثيف رهيب للصور الشعرية وانزياحات بالجملة واختزالات بمنأى عن العشوائية للمعنى المشدود إلى مناخات العنونة أو الفكرة الأم،عبر الإسراف في توظيف المصطلحات ذات الإيقاع الهامس وصارخ الوقع في آن ،الشيء الذي يمنح عملية التلقي طاقة إرباكية وجمالية ترتقي بالذوق.

يَا أَيُّهَا الْبَحْرُ الْعَارِي

مِنْ مَوْجِكَ الْوَثَّابِ

أَلْقِ مَا بِرَحْمِ تَبَارِيحِكَ

مِنْ أَصْدَافِ مُحَالٍ

لَمْ تَكْتَمِلْ بِمَعْبُودَتِكِ!

صيغة مناداة معبّقة بأسلوب الإجلال والتهويم،لاستحضار البحر عاريا متجردا من ضبابيته وغموضه وهبته ،مشرع الأسرار باعتبارها القاسم المشترك بين الذات الشاعرة هنا والمكون الطبيعي، ومن ثم الإسقاط على الناطور تماهيا هلامية توصيفاته وإمعانا في رمزيته، إسقاط تلكم المنظومة الخفية مما يناوش القلب والعقل على حد سواء وسواس الإعتقاد بها مشوبا بالقلق والشك ، تقنّعا بشخصية تقدّس المحال والخارق.

 

أَيَا سَاهِيَ الْقَلْبِ

هَوًى.. هَوَسًا

كَمْ يَقْتَاتُكَ يَمُّ الإِسْهَابِ

وَتَتَدَلَّهُ وَاجِفَا!

 

مَرَايَا عَزَاءٍ .. تَوَعَّدَتْكَ مُقَهْقِهَةً

أَشْعَلَتْ أَدْغَالَ أَضْلُعِكَ بِالإِعْيَاءِ

وَاسْتَنْزَفَتْ أَغَارِيدَ قَلْبِكَ النَّحِيلٍ!

 

لِمَ حَبَّرَتْكَ زَمَنًا بَهْلَوَانِيًّا

شَفِيفَ وَحْدَةٍ

كَسِيفَ تَرَنُّحٍ

عَلَى حَافَّةِ مَعْقَلٍ مُعَلَّقٍ؟

 

بعد إسراف المخيال في تصوير كاريزما الناطور حدّ تخليق بواعث تمجيده، يتم شحن جسد النص بالدلالات المبددة لانطباعات انفصال هذا المخلوق الغرائبي عن الذات الشاعرة،وعزف اللحن الوجداني المحيل على تجليات القرين.

 

أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي

مصطلحات قلقة بين التأصيل والتوصيل (1-3)

abdulelah alsauqتوطئة: لم يكن ينقص الاعلام بعد ان آل الى علم وعلماء وأكاديميات وأكاديميين، فتعددت الاختصاصات والمناهج فازداد الطلب على الاعلاميين المختصين المحترفين حتى سمي النصف الثاني من القرن العشرين عصر الاعلام وحين بات الانترنت بمقدور كل الناس ودخل الآيفون والآيباد فبات الانسان مرتبطا بالتواصل مع الآخر وسادت في عصر الانترنت اميّة المصطلح النقدي وبخاصة في حقول الشعر والنثر الادبي والفن والموسيقا والمسرح، وقد حام ذباب غير المثقفين او ادعياء الثقافة حول عسل الثقافة، فعاد بمقدور الكثير ممن يجهل النقد ناقدا مثلا ، ومن يجهل المصطلح مُنَظِّراً ولم تكن المحنة في امية النقد حسب بل المحنة تفرخ محنات اخرى، فمدعي النقد لايميز بين النص الادبي المكتنز والنص التفيه الذي لايمت الى الادب بأدنى صلة، كانت الصحافة ايام زمان تعتمد خبيراً قبل نشر النص الادبي شعريا كان ام نثريا ولذلك تضع النصوص الضعيفة في بريد القراء او تحجبها، ان الصحافة الالكترونية غير الرصينة خَلَّقَت متلقين للنصوص العليلة والنقد الوبيل ، بل ان بعض النصوص الركيكة تجد من يترجمها الى الفرنسية او الانجليزية او الاسبانية او الالمانية .. وبعض ادعياء النقد عثر على دار النشر الربحية التي تنشر وتعلن ان المؤلف مسؤول عما يرد في كتابه، ففي كل يوم يصدر ديوان لاينتمي للشعر بأدنى وشيجة ويصدر كتاب نقدي لايمت الى النقد بصلة، ناهيك عن اللغة فثمة الذي يرفع وينصب ويجر دون شيء من معرفة النحو ولو يسيرة وهو يكبو في الاملاء بما لايقع فيه طالب المتوسطة، والبعض يعرف النحو والاملاء ولكن ذلك غير كاف مالم تكن تركيبة الجملة تركيبة عربية، واذا خرجنا عن النص كما يقال فلسوف نرى ان المراهقة عامل مضاف الى الجهل بالحرفة، فاذا نشرت فتاة قصيدة ونشرت الى جانبها صورتها المغرية وجدت من نعنيهم يهرعون لنقد القصيدة عسى ولعل الفتاة تلتفت اليه ويدشن معها الصداقة، والعكس صحيح، واحيانا تنشر مرسلة القصيدة وهي ابنة صورة لها قبل ثلاثين عاما،، بل قد ينشر رجل قصة وهو يضع قناع فتاة، والعكس صحيح ايضا، وحتى لانطيل ولا نقاضي والانسان حر في كتابة ما يظنه ابداعا، وبما ان منهجي وصفي لايقاضي وانما يؤشر فقد اجتهدت ان أُقَعِّدَ عددا من المصطلحات التي تفتح وعي الشاعر المبتديء او الناقد المستجد، فالمصطلح في يقيني علة العلل فيا طالما درس طالب الجامعة المصطلحات الادبية دراسة خائبة بسبب كتاب مقرر او ملزمة ملفقة او مدرس متخلف عن العصر والمعرفة، وكنا قد نشرنا مصطلحات في مقالات سابقة تحت عنوان موسوعة الصائغ الثقافية، وفي هذا المبحث محاولة جادة للتأصيل، وهو لاحق لمباحث سوابق انظر **وهذه هي مصطلحات هذا البحث:

 

فهرست مصطلحات غائمة محاولة للتأثيل

النقد / النقد الأدبي الحديث / بواكير النقد /   بواكير النقد اليوناني / بواكير النقد الأدبي العربي / دلالات المصطلح اللغوية والوضعية والتأسيسية / الأدب / الأدبية / الشعرية / نقد بين اللغة والوضع والتأسيس / النقد المعياري الذي يقاضي المبدع ويصادر المتلقي والنقد الوصفي ( البنيوي ) الذي يصف ويمهد / النقد المزدوج / مشجرة النقد / الأسلوب / الاسلوب العلمي والاسلوب الادبي / الحديث والتحديث / الانزياح / البيان / التشبيه / الاستعارة / التجسيد / التماهي / التناص / الخطاب التليد والخطاب الطارف / الخطاب كمفهوم جديد / الحكاية الشعرية/ حكاية زيارة لعبد الرزاق عبد الواحد / حكاية فطور مغربي لمحمد حسين الاعرجي / السرد العلمي والسرد الادبي / الصورة الفنية / القناع / المعادل الموضوعي / الادب المقارن / الادب الموازن / الاديب / الدربة / الايقاع / الموهبة / الثقافة العامة والثقافة الخاصة / التأويل / الدلالة / التجربة الخاصة / الاختصاص / الحيادية النقدية / اكاديمية الناقد / المروءة العلمية / المنهجية .

 

العرض

النقد الأدبي الحديث، موضوع ساخن، يجد جمهوراً كثيفاً من القراء الاعتياديين والمختصين في كل بلد بسبب الوعي النقدي الذي شاع في عقدي القرن العشرين الأخيرين، والأمر مفرح حقاً: أن تصنع كتاباً وأنت تدري حاجة القراء إليه، وأنه سيتداول بين الناس، فيقرأ ويقوَّم وأيّ كاتب لا يُبهجهُ احتفاء كم كبير بكتابه؟‍‍‍‍، بيد أن هذا الأمر المفرح يبدو مقلقاً قبل كل اعتبار‍‍،، فأن تتصدى لدراسة مساحة شاسعة من الأدب فذلك يعني أنك تمتحن مروءتك العلمية وقدرتك الذاتية في نار اختلاط الأوراق والتباس الوجوه والنوايا، هذه النار التي تلتهم العالم والمتعلم، وترقص حولها أشباح مختلفة القامات والنوايا..زد على تلك طموح هذا الكتاب غير المحدد في أن يتوفر على مساحة معرفية شاسعة ليرى فيه القارئ ضالته حين يعود إليه، واستناداً إلى هذه وتلك قَسَّمْتُ هذا الكتاب بابين، نهد الأول بموضوعات الخطاب الشعري بفروعه وفنونه كافة، وتوفر الباب الثاني على جل مفردات الخطاب السردي، فهو كما ترى كتاب موسوعي أفقاً ونقدي عمقاً. همه رأب الصدع الابستمولوجي والانطولوجي في جهة واستثمار تقنيات تحليل النص وتأويله وترميمه في الأخرى، وهكذا تكفل الفصل الأول والفصول اللاحقة بصناعة معجم نقدي أدبي وتأصيل المصطلحات وامتحانها من خلال النص والقاعدة وتحليلهما،، وأنت تعلم أن إشكالية المصطلح في أدبنا العربي الحديث إشكالية مزمنة فهي من أعقد الإشكاليات إن لم تكن أعقدها، فالناقد العربي لا يجد غضاضة في اختلاق المصطلحات الخاصة به لإطلاقها في وجه القارئ بغية إرهابه وإيهامه أن هذه المصطلحات (المخلّقة) معروفة متداولة وأن الجهل والسكونية وراء عدم القدرة على استيعابها، بله تمثلها،.. وزد أيضاً أن المصطلحات الأدبية النقدية في الوسط الثقافي العربي غير راكزة فثمة قراءات كثيرة للمصطلح تختلف باختلاف المناهج والمدارس والمرجعيات، فالناقد الأدبي العربي ذو مرجعيات مختلفة إلى حد القطيعة، ألم تر إلى أشقائنا النقاد في المغرب العربي كيف يتأثرون بقراءاتهم الفرنسية، وإلى النقّاد المشارقة، كيف تضغط عليهم قراءاتهم الإنجليزية، ولم تقف إشكالية المصطلح عند هذه المنحدرات الملساء، فأنت قبالة ناقد قداموي وآخر حداثوي ولكل منهما مرجعياته وقراءاته الخاصة للمصطلح، من أجل هذا لم تشغلني الخلافات والاجتهادات، وكان شغلي معتمداً أساساً على مدى قرب المصطلح من المنجز العلمي المستجد، أما المدارس والمناهج والنـزعات فقد جعلت وكدي في دراستها مركزاً على النصوص؛ فالقاعدة بالنسبة لمنهجي تبع للمثال ولن أرتكب خطيئة العكس ثم نهلت من الموسوعات الأدبية والفلسفية ومعاجم المصطلحات والكتب التي رزقها الله مؤلفين ذوي ثقافة ومروءة واسعتين.أما الشواهد والنصوص فهي جديدة كما يرى القارئ، حاولت انتقاءها بنفسي ضمن منهجي واجتهادي الخاصين فليس في رقبتي بيعة للأسماء الكبيرة أو أدباء السلطة أو الشلليين أو الذين رثَّت نصوصهم لكثرة الاستعمال والنقل والاستشهاد. وقد كاتبت كثيراً من المبدعين والنقاد وطلبت أعمالهم وأقلهم استجاب لمشروعي وأكثرهم لم يصله طلبي بسبب طول بال البريد العربي وحساباته السرية،، وهي دعوة إلى القارئ ليطل على الكشاف التفصيلي لهذا الكتاب، ففيه تفصيلات وإيضاحات مهمة، تدل القارئ على مفردات الكتاب وتبويباته وتفصيلاته حتى تكون الفكرة عن هذا الكتاب واضحة.أما المنهج الذي اعتمدته في تحليل النصوص وتأويلها فهو المنهج الفني المكتنـز بشحنات علم الدلالة، وهو الأحب إلى نفسي والأقرب إلى روح النص، فإذا درست المدارس وأعلامها والنـزعات وروادها والمناهج ومؤسسيها، وجدتني مضطراً للاستعانة بآليات المنهج التاريخي، فأنا في بحثي عن الجذور والأصول والفروع والمرجعيات مؤرخ شئت أم أبيت مع بغضي الشديد للتاريخ، إلا أن نهجي التاريخي محصن بالتعددية، تعددية القراءات والآراء والتوريخات إذ لا يمكن الاطمئنان إلى الخبر التاريخي من خلال مؤرخ واحد، يحب ويبغض فيظهر أو يعتم وفق هواه، والمشتغلون على التاريخ يعرفون مزالق الوثيقة الواحدة ومزايا الوثائق المتعددة، وكان شغلي منحصراً في قراءة الوثائق والمقولات والآراء وفحصها ومناقشتها ومفاتشتها ومن ثم تحليلها وتقويمها.. ونظرة متأنية على مفردات جهدي هذا قمينة بإيضاح منهجي وطبيعته والمعلومات التي استقاها ومرجعياتها؛ إذ أمعنت في تفصيل المفردات ليكون القارئ على بينة تامة من أمر شغلي وهمومه، ولم أتعصب فيما أقدمت عليه لقطر دون آخر، أو أستزيد من كتابات صديق وأستغني عن جهود غريم، فالعلم محايد لا يحب ولا يمقت ومعوّله مطابقة الشاهد للقاعدة ومناسبة الـمُنْـتَج لحاجات المستهلك ومرجعياته وقدراته، فأنت قبالة نصوص وتحليلات للمبدعين والنقاد العرب في البلاد العربية والمهاجر والمنافي دون استثناء أو تمييز، فالجميع عندي سيان واختياري غير مثقوب بالمحلية أو العرقية أو الطائفية، وإنما اخترت لهذا وتنكبت عن ذاك لأسباب منهجية تتصل بحلم شغلي وحاجاته وقدراته ومساحته أيضاً، فلنتوحد على المصطلحات فالمبدعون العرب صنعوا وحدتهم دون أن يأخذوا (فرماناً) من أحد.. صنعوها منذ اسواق عكاظ وذي المجاز ومجنة ومازالوا يصنعونها دون أن تستدرجهم إلى أوحالها أطروحات القطرية والعرقية والطائفية.. أطروحات الحدود الزرقاء بين أجزاء الحلم العربي الواحد، فالمبدع باحث عن الحقيقة ولن يكون مالكها وإن تهيأ له أنه وصل إليها،، فثمة (السدنة) الذين يدعون امتلاك الحقيقة، فيأسرهم وهم مدمر مؤداه أن الناس جميعاً يعمهون في الخطيئة وأنهم (السدنة) الوحيدون الذين يعرفون الأسرار فقولهم القول وفعلهم الفعل، والآخرون عيال عليهم.. تبع لهم، هذا الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ لا يمتلك الحقيقة ولا يدعي امتلاكها فمساحة شغله هي الواقع ومحور همه هو الحرية وتعددية الاجتهادات بعد أن تيبس الكثير من كتب النقد الحديث المؤلفة منذ ربع قرن وجف نسغها.

 

بواكير النقد

إن تاريخ النقد الأدبي هو تاريخ النص الأدبي ذاته، فمنتج النص الأدبي وفق أي مستوى كان في البواكير ناقد النص -على نحو ما- وآية ذلك سعيه إلى صناعة نص جميل، يؤثر في الناس من جهة ويعبّر عن تجربته الانفعالية من جهة أخرى؛ زد على ذلك نأيه الواعي أو اللاواعي عن أسباب ضعف النص؛ تلك الأسباب التي تُقصي النص عن مركز التأثير الجمالي وتبعده عن حدود اهتمام الآخرين به.. ذلك شأن النص الأدبي والنقد المجايل له منذ وهلات الإبداع الأولى عهد كانت الفطرة والغريزة سبيلاً للتعبير واستيعابه معاً… وحين دخل الإنسان عصر الكتابة وبات المرموز المرئي بديلاً من المرموز السمعي، صار تدوين النص الأدبي فعلاً مألوفاً ومرغوباً معاً، واستدعى ذلك استعمال السكين لحك العبارة أو الكلمة التي يريد المبدع الأدبي استبدالها بأخرى بسبب استعمال الجلد أو الطين المشوي أو العظام أو الخشب في التدوين، فوجدت نسخ من ملحمة الخليقة أوالتكوين (حينما في العلى) وجلجامش (هو الذي رأى) غير متطابقة،، فقد عانت نسخ الملحمتين من التحوير والتغيير بما يدخل في روعنا: أن منتج الملحمة كان يغير العبارات والكلمات والمعاني حذفاً وإضافة وتعديلاً رغبة في بلوغ الملحمة حالة من الرقي،، وربما صنع النساخ ذلك رغبة في وضع أفضل لتسويق الملحمة، وما يقال عن هاتين الملحمتين يمكن أن يقال عن ملحمتي الإلياذة والأوديسة اللتين كتبتا في القرن 9ق.م، وقد استأثر الإبداع الجمالي باهتمام الناس عبر كل العصور، ومع كل أشكال الوعي الإنساني، فأي مجتمع يتطلب دور المبدع الذي يزين الحياة ويؤجج الحلم لاجتراح موقف يقلل من قسوة الواقع؛ فإذا انهار المجتمع القبلي وبدأت قوى الإنتاج تتضح ونشأت الدولة؛ نشأت رؤية جديدة للإبداع بعد أن انهار مع النظام الأول كثير من مكونات الذائقة الغابرة وانقسم المجتمع إلى ارستقراطي وبرولتاري، وقد ضم القسم الأول الحكام والكهنة والفرسان والتجار بينا ضم القسم الآخر العبيد والملونين وشغيلة اليد، فلبى الزمن المتحول حاجات العبيد حين ظهرت أغانْ ورقصات عبّرت عن أحلامهم..،، وقد تختلف السيرة الذاتية للإبداع عن السيرة الذاتية للنقد، فالمجتمعات البدائية تشعر بأنها محتاجة إلى الفنون الإبداعية ولا تشعر الشيء نفسه مع النقد، وغالباً ما نظرت إليهم بعين الريبة أو وصفتهم بأنهم جوقة طفيلية من الحساد ومخربي المتعة .

 

بواكير النقد اليوناني

كان اليونانيون سبّاقين إلى تقبل فكرة النقد الأدبي بسبب من اهتمامهم بالفلسفة وبلوغهم شأواً بعيداً في الوعي الابستمولوجي، ولكن الثابت تاريخياً أن هناك مرحلة نقدية بسيطة سبقت عصر النقد اليوناني القار؛ وهذه المرحلة تجلو لنا النقد بهيئة تقنية يعرفها الشعراء الذين أخضعوا قصائدهم للحذف والتعديل ويمتحنون إيقاعاتها وفق المقامات الشفاهية المتوارثة لديهم، وإلا كيف نفسر نضج أعمال هوميروس الأدبية من نحو الإلياذة والأوديسة لو لم يكن هذان العملان مثلاً مسبوقين بتجارب نقدية مهمة تعتمد الخطأ والصواب وذائقة الجمهور،… وكان ظهور طبقة الرواة نقلة مهمة في اتضاح الأفكار النقدية البسيطة؛ فالراوي أساساً رجل موثوق به من جهة الشاعر أو الناثر الفني أو الجمهور، الراوي ذو ذائقة متميزة وذكاء حاد؛ فكان يعدّل النص ويعرضه على الشاعر فيرضى الشاعر ويثني عليه، ولسان حال الشاعر يقول ما قاله المتنبي في راويته وناقده ابن جني (أين صاحبي ابن جني فهو أعلم بشعري مني)،،.. ويجيء القرن السادس ق.م فيظهر الشعر التمثيلي، ضرباً يتطلب خبرة واسعة عميقة في صياغة النص ويستدعي التعامل مع مبادئ نقدية ترقى إلى تقاعيد وتقاليد يتبعها المبدع حين ينتج شعره التمثيلي ليرضى عنه الناقد وجمهوره، وصحب ذلك مسابقات بين الشعراء، وكل عمل مسرحي شعري أو قراءة شعرية كانت تقوّم مباشرة من قبل جمهور الحاضرين، فالجمهور حين يأنس للعمل الأدبي أو الفني يصفق طرباً ويرقص فرحاً وينثر الورد على الممثلين أو الشاعر، وحين يستاء يصفّر ويقذف الممثلين أو الشاعر بالبيض أو الطماطم، فضلاً عن وجود لجنة معترف بها تبدي رأيها بما شاهدت أو سمعت، فإذا قبلته الجماهير قدمت الهدايا للشاعر حالة الاستحسان أو حجبتها عن الشاعر حالة الاستياء،، فإذا رفض الشاعر آراء اللجنة وتعاطف الجمهور مع رفضه عرضت قرارات اللجنة للاقتراع .

وقد فعل هذا النقد فعله في صياغة النص وتعاطف الجمهور معه رغم بدائية هذا النقد وبدائية وسائله، ويكفي النقد أثراً أنه جعل الشعراء يلتفتون إلى الأرض والناس بعد أن تعلقت عيونهم بالسماء والآلهة، واهتموا بالطبقات الوسطى وهم الأكثرون بعد أن كانوا حريصين على الكتابة للصفوة والنخبة؛ ورصد منتجو الشعر التمثيلي حياة الناس فنقدوها ونقدوا الأساليب السياسية معها فكانت الملهاة عند أرسطو (448ق.م-380) الذي أثار مشكلة القدامة والحداثة في مسرحية (الضفادع) إذ وصف فيها الشاعر اسخيلوس بأنه رمز للقديم،، وشاعر المأساة يوربيدس بأنه رمز للحديث؛ والمسرحية تصف ببراعة رحلة ديونسيوس إله المسرح إلى الدار الآخرة وخلال عبوره نهر العالم الآخر كانت جوقة الضفادع تناغم نقيقها مع ضربات المجاذيف في الماء بما شكل أغنية الطبيعة بعدها تبدأ مناظرة في العالم السفلي بين يوربيدس واسخيلوس تنتهي بهزيمة يوربيدس ليقتنع ديونيوس بأن اسخيلوس أجدر منه بالنقد الاجتماعي فيصادقه ويصطحبه معه إلى العالم الأرضي ليرشد بمسرحياته الاثينيين حتى يتطهروا من الضلال . لقد كان ظهور السوفسطائيين عاملاً مهماً في شيوع فن المناظرة والنقد والبحث عن المسوّغات إذ جرّح هؤلاء معظم القناعات القارة لأنهم يعتمدون المغالطة والمكر الكلامي وفق مخطط يعدونه مسبقاً يوازن بين قدرات السوفسطائي وقدرات غريمه، إنهم يختطفون النص ويغيرون مساره ويحولون القواعد الخاصة بظاهرة ما إلى ظاهرة أخرى،، وكان أهل السفسطة أول عهدهم معلمين جوالين نشروا المعرفة والفنون البلاغية بين الناس لكن سقراط وتلميذه أفلاطون هاجما اطروحاتهم التي كرست فكرة الجدل والمكر الكلامي قبل فكرة البحث عن الحقيقة،، بيد أن السوفسطائيين أسهموا في الوعي النقدي بين اليونانيين قبل سطوع نجمي سقراط وأفلاطون، بل إن محاولاتهم في النقد والأدب واللغة كانت (معيناً خصباً لبحوث أفلاطون وأرسطو في النقد). وكانت آراء سقراط غير المدونة عوناً للنقاد اليونانيين فيما بعد وبخاصة لتلميذه الدؤوب أفلاطون، حتى قيل ان آراء الأستاذ والتلميذ قد اختلطت ولم يعد ممكناً الفصل بينهما،، وقد تميز أفلاطون (428ق.م-347ق.م) فأسس منهجاً علمياً للنقد ودعا إلى المثالية الموضوعية التي ترى أن الروح جوهر والمادة عرض، وهذه المثالية مختلفة عن المثالية الذاتية وبات كتابه (الجمهورية الفاضلة) مصدراً مهماً لآرائه في الشعر والنقد والمحاكاة ومحاكاة المحاكاة، فالحوار الذي اجترحه أفلاطون بين المنشد أيون وأستاذه سقراط يعطي انطباعاً واضحاً عن المشهد النقدي الذي ساد عهد ذاك وكان من بين ما أثاره الحوار: هل الشعر فن أم إلهام؟ وهل ثمة فرق بين مرجعيتي الشاعر والناقد وحرفتيهما وهدفيهما؟؟؟ فضلاً عن رؤية أفلاطون التي تؤسس دوراً محدوداً للمنشد، فهو (المنشد) حين ينشد شعر هوميروس مثلاً ويفسره إنما يعتمد على ذائقته وخبرته ولا يعتمد على القواعد النقدية أو المنطقية بسبب تماهيه مع النص إلى الحد الذي يغيب فيه عن شعوره لحظة الإنشاد أو الشرح، والشاعر أدرى بالحياة من الناقد، فالشاعر يأخذ خبرته من الحياة والناقد يضيع خبرته في النقد، ودليل ذلك هوميروس الذي تجلوه كتابة الإلياذة خبيراً بالطب والصيد وقيادة الجيش وعواطف العشاق ومشاعر القتلة بينا يكون المنشد والناقد مفتقداً لمثل هذه الخبرات المهمة. وكانت نظرة أفلاطون للمحاكاة عهداً نقدياً جديداً في حياة اليونان بعد أن مهد لهذا العهد سقراط الذي نظر إلى المحاكاة بشكل مختلف فأفلاطون يميز الحقيقة عن صورتها والجوهر عن العرض، إذ الوجود جوهر والمحاكاة عرض وانعكاس له، فهي (المحاكاة) لا تغني عنه ولا تحل محله، لأن عالم المثل عصي على عالم الحواس والمشاعر. والمحاكون إزاء المثل يشبهون أناساً يجلسون في سرداب وظهورهم باتجاه فتحة ضيقة منه وثمة نار مشبوبة، فهم يرون أشباحهم على الحائط وهي تتحرك بالانعكاس أي أنهم يرون أشباحهم المنعكسة عن المثال ولا يرون المثال،، وهكذا يكون الشاعر (أو الفنان) مسهماً في التضليل حين يبعد الجوهر عن العرض، فإذا وصف الشاعر امرأة جميلة واقفة أمامه فإن وصفه لها بمثابة مرحلة ثالثة من الوجود؛ ثمة أولاً فكرة شكل المرأة كما أرادها الله وثانياً المرأة المجسدة (كسر السين) لتلك الفكرة وثمة وصف الشاعر، فالوصف لا يحاكي الفكرة ولا تجسيدها وإنما يكون وصف الشاعر مثابة لمحاكاة المحاكاة، إذن الشاعر والفنان ليسا خالقين وإنما هما مقلدان،، وثمة مثال آخر موضح لفكرة أفلاطون عن المحاكاة.. الكرسي يمتلك صورة عند الله وصورة عند النجار والصورة الثالثة عند الشاعر، وهكذا يكون الشاعر عند أفلاطون أقل مرتبة من الصانع (النجار) وذلك ما يفسر استغناء جمهورية أفلاطون عن الشاعر والفنان .

 

بواكير النقد الأدبي العربي

مر بنا مطلع هذا المبحث عثور المنقبين في وادي الرافدين على نسخ مختلفة لملاحم (حينما في العلى) و (جلجامش) و(تموز) ولاحظ المنقبون الاختلاف الواضح لنسخ كل ملحمة من هذه الملاحم مما عزز الرأي القائل أن الشاعر أو الناسخ كان يجري التعديلات على النص الأصلي طمعاً في إرضاء ذائقة الجمهور وتسويق تلك النسخ، وهذه التعديلات لابد أن تكون قائمة على عدد من القواعد النقدية مهما قللنا من وعيها ونضجها والبابليون عرب هاجروا الجزيرة بعد الجفاف الذي داهم الجزيرة العربية وطابت لهم الإقامة في العراق حيث الماء والخضرة والاستقرار. وقد ضاعت النصوص الشعرية والنقدية التي تمتد من القرن 25ق.م حتى القرنين السابقين للهجرة النبوية الشريفة ومثل هذا الضياع العجيب خسارة فادحة للمشتغلين بالأدب العربي ونقده ومازال الأمل معقوداً على التنقيبات الهميمة في شمال شبه الجزيرة العربية وجنوبها. لكن العينات التي بين أيدينا وهي لن تتجاوز القرنين السابقين على الهجرة يمكن أن تكون لدى الباحث فكرة مناسبة عن طبائع النقد الجاهلي وأصوله،، فقد وجد مبدع النص الأدبي القبسلامي عدداً من خيارات كتابة النص مثل الطين المشوي ورقّ الغزال وخشب الرحل والعظام المصقولة والقماش وعسب النخل…الخ؛ وكانت السكين أداة المحو لديه في حالات التحكيك (تعديل النص)، ألم ينقل عن المزني زهير بن أبي سُلمى: خير الشعر الحولي المحكك؟، ألم يقسم الجاهليون أدبهم إلى شعر ونثر ثم ميزوا نمطين من الشعر: مطبوع ومصنوع كما ميزوا نمطين من النثر: فني وسوقي،، وكانت هذه التقسيمات إشارة نابهة إلى الوعي المستجد في تقويم الأدب وتقسيمه وترسيم حدوده وبما يعزز الاتجاه النقدي عهد ذاك.

وشهد النقد الأدبي مرحلة نقدية متطورة وهي المرحلة التي اتخذت من الصورة الفنية معياراً نقدياً، المعيار الذي اعتمده عدد من النقاد الجاهليين في أسواق يثرب ومكة وعكاظ وذي مجنة وعدن أبين والحيرة.. جاء في طليعتهم النابغة الذبياني وأم جندب .

 

* دلالات المصطلح

المصطلح: كلمة والكلمة حاصل جمع عدد من الحروف تؤدي معنى أولا تؤدي، وهي أيضاً طاقة لا تفنى ولا تستحدث ويتعين على المتصرف بها معرفة طبائعها وأصولها وفروعها. فقد تنسحب كلمة إلى العتمة وتنعم أخرى بالضوء وفق قانون الاستعمال والإهمال، لأن اللغة كائن حي ينمو ويتطور ويضمر بيد أنه لايموت وإنما يرقّن حين يدب الانحلال والتشرذم في جسده، إن للكلمة ثلاث دلالات يمكن استنباطها من جهة استقراء تاريخ مسيرتها أو مسيرة تاريخها، فالدلالة الأولى تعتمد مرجعية اللغة مظنة لها وتسمى الدلالة اللغوية، والدلالة الأخرى مظنتها مرجعية وضعية اتفق المشتغلون بها عليها،، وتظل الدلالة الثالثة الأخيرة مقترنة برؤية الباحث الخاصة وطبيعة شغله ومنهجه وهمومه وتسمى الدلالة التأسيسية، قارن الدلالات الثلاث:

1- دلالة لغوية (معجمية قاموسية). 2- دلالة اصطلاحية(تواضعية اجتماعية). 3- دلالة تأسيسية (ذاتية تتصل بقناعة الباحث ومنهجه).

إن الجدل بالعلة والمعلول قائم بين هذه الدلالات، إذ لا يمكن لقنوات التواصل بين هذه الدلالات أن تنقطع؛ ثمة تأويل دائم وتوجيه دائب يحيلان على المعاني المشتركة بين الدلالات وإن بدا الأمر للوهلة الأولى مختلفاً.. هاكم أمثال معززة تتمحور حول (أسلم-كفر-عقل).

1- أسلم: لغــة  = ذل وخضع.

اصطلاحاً       =   صار مسلماً.

تأسيسـاً= أمر بالمعروف ونهى عن المنكر.

2- كفر          : لغــة  =   ستر وغطّى وحرث

اصطلاحاً=   لم يؤمن بالوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو بثلاثتها.

تأسيساً= ضل السبيل القويم.

3- عقل         : لغــة  = شد الشيء بالحبل.

اصطلاحا = تجنب الهدر في التفكير والطاقة والزمن.

 

الأدب

يمثل الأدب في حاضنة اللغة آفاقاً شاسعة ويتوفّر على دلالات كثيرة العدد والوجوه، أهمها الرياضة والطعام والاعتياد والمعرفة العامة والمروءة والتعليم والأعراف والمجازاة .   وإذا كانت مفردة (أدب) متقلبة في حاضنة اللغة فهي كذلك في الاصطلاح،، ويبدو الاختلاف جلياً حتى الآن على دلالاتها ووظائفها، إذ تضمنت علوم الأدب عند أجدادنا اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والمعاني والبيان والبديع والعروض والقافية والخط والإنشاء، ولم يختلف الأمر كثيراً عند الخلف، فما زال الاشتباك متصلاً حتى الآن بين علوم اللغة والدين والآداب، وهذه أقسام اللغة العربية في كليات الآداب والتربية واللغات في الوطن العربي معنية بمفردات هذه العلوم، بل أضيف إليها تعلّم لغة غربية أو شرقية فضلاً عن درس الفلسفة، وأي غضاضة في الأمر؟ فالأديب معني أكثر من سواه بالجانب المعرفي وهو يخدم توجهه الأدبي والابستمولوجي ويعمّق تجربته ويصقل موهبته، وتظل هذه العلوم علوماً مساعدة وليست أدباً بأي تسويغ،، والأدب الخالص هو المعاني الجميلة المؤثرة في عواطف المتلقي وذائقته مصاغة بأسلوب متميز بجاذبيته ورقته؛ وقولنا المعاني الجميلة لا ينصرف إلى الفهم السائد للجمال، فقد يجد المتلقي جمالاً في النص الأدبي، وهو يتحدث عن الدمار في هيروشيما وناكازاكي أو مذبحة قانا،، والجمال متأت من رفض القبح والقتل بتصويرهما فنياً وتسليط الأضواء الكاشفة عليهما؛ متأت من تغنّي النص بقيم الإنسان العصي على الاتّساخ والاستسلام،، المعاني الجميلة ليست وفقاً على تصوير الفتاة الجذابة والبحر الغامض والفرح العابر، بل هو (الجمال) كامن في سويداء الأشياء والنفوس الجميلة تعرف كيف تتعامل مع الجمالين: الظاهر والباطن قارن مقولة عمرو بن معديكرب:

ليس الجمال بمئزرٍ     فاختر وإن أرديت بُرداً

إن الجمال معادنٌ       ومناقبٌ أورثن مجداً

ومقولة إيليا أبو ماضي:

والذي نفسه بغير جمال   لا يرى في الحياة شيئاً جميلا

         

الجمال الأدبي

قد يخرج من بؤرة الشيء إلى طريقة النظر إليه وأسلوب تناوله والتعامل معه،، جمال ‍الأسلوب ليس في موضوعه أو تنميقه حسب؛ وإنما هو متجلّ في الابتكار والجدة وصدق التجربة وعمق المكابدة بما يعزز حضور النص في الوجدان ويعمق حب الحياة ويعضد قيمها النبيلة المغيبة ويجذر الإيمان بالله، مبدع السماوات والأرض ويجنبنا العَمَه والتطرف والانغلاق.

 

*الأدبية

مصطلح جديد وفق حدوده التي وصلتنا، ويعني الصفة التي يكتسبها النص المتحول (كسر الواو المشددة) من حالة السكون واللا أدب إلى الأدب (لأن الأدبية إذا توافرت في نص ما اغتدى أدبياً) .

 

*الشعرية

هي بؤرة الجمال في النص أو المسمع أو الملمس فالشعرية هي (السحر الحلال) الذي يحيل الكلام الاعتيادي استثنائياً والهم المألوف جديداً، فهي توحد بيننا وبين النص حتى كأننا ونحن نقرأ النص منتجوه، ونحن نشهد المنظر صانعوه؛ وكل شعر محروم من الشعرية افتقد سيماء جنسه وحل في النثرية وإن قالت قشرته أو بنيته الخارجية غير ذلك، والمهم جداً في هذا الميدان هو أن الشعرية غير مقصورة على ظاهرة واحدة أو سمة واحدة؛ وإنما هي كل الظواهر ومزاج السمات. وعليه فالشعرية ليست قرينة الشعر حسب، فربما امتدت إلى اللوحة التشكيلية والقطعة الموسيقية وعروض الأزياء وهندسة العمارة ونبرة الصوت وملامح الوجه وحركة اليد وطيبة القلب،، إنها بؤرة الجمال في الموضوع.. رب شعر بلا شعرية مثل ألفية ابن مالك أو أي قصيدة حذقت النظم ولم تحذق الجمال،، قارن قول ابن جحدر:

حلفت بما أرقلت حوله شمرجلة خلقها سيظم

وما شبرقت من تنوفية بها من وحي الجن زيزيم،،

ورب شعرية بلا شعر.. مثل شمعة وسط ظلام دامس وموجة وسط بحر ساكن وقطرة طل على تويج زهرة…الخ .

 

عبد الاله الصائغ / موسوعته باب المصطلح

 

اشكال الشعر السردي في ديوان (بغداد في حلتها الجديدة) للشاعر كريم عبد الله

anwar ghaniكل متابع لنصوص الشاعر العراقي كريم عبد الله يدرك ويتلمس شخصية النص المثقف المبني على رؤية شعرية ونقدية، إذ لا يكتب كريم عبد الله نصا الا وجعل له عنوانا تصنيفيا ثانيا بيانيا من حيث الرؤية الشعرية والنقدية، وهنا في ديوان (بغداد في حلتها الجديدة) نجد النصوص التي كتبت باسلوب السرد التعبيري محققة لشعر سردي نموذجي، نجدها تقدم تحت تصنيفات تجديدية من حيث البوليفونية بتعدد الاصوات والفسيفسائية بلغة المرايا والترادف التعبيري . لقد بينا كثيرا من هذه المفاهيم في كتابات لنا سابقة وهنا سنتناول المظاهر الاسلوبية والنصية لهذه الاشكال الكتابية في هذا الديوان الذي يعدّ وبحق عتبة العبور نحو شكل جديد من الشعر المكتوب باللغة العربية وقصيدة النثر العربية المعاصرة .

 

1- النقد التعبيري وأبعاد القراءة

حينما تحدث عملية القراءة فانها تتطور من مستوى المفردة الى مستوى الاسناد او التجاور المفرداتي الى مستوى الجملة الى مستوى الفقرة ثم الى مستوى النص بكله. اثناء كل مستوى يحضر البعد اللغوي الدلالي والبعد الابداعي الاسلوبي، وبمجموع ما يتم من انظمة احتكاك وتقابل والتقاء وتقاطع وبفعل مستوى النقطة التعبيرية لكل بعد تحصل في الفكر والنفس مواضع تعبيرية لكل وحدة كتابية فيه يقابله بعد رابع خاص بالقارئ هو البعد الشعوري والاستجابة الجمالية، بعبارة اخرى بينما يكون النص ككيان مكتوب شكلا ثلاثي الابعاد ساكن لا حراك فيه، فانه ككيان مقروء يكون كيانا متحركا له اربعة ابعاد البعد الرابع هو البعد الشعوري ويمثل بعد الحركة الذي يخرج النص من السكون . فتكون القراءة هي العملية التي تعطي للنص روحا وتخرجه من الموت الى الحياة، وهذا ما نسميه (حركة النص) .

القراءة ما هي الا عملية مشاهدة وتلقي تبحر فيها النفس في عوالم النص والكتابة،و الفكر واللغة، والخيال والابداع، والشعور والمتعة . هذه العوالم الاربعة الحاضرة دوما في الكتابة الابداعية هي التي تضرب في عمق النفس وتجعل الكتابة الادبية مميزة، وبمقدار تجلي عناصر واشياء تلك العوالم وتلك الابعاد يتحدد وقع القراءة ومقدارها التعبيري . النقد التعبيري هو المجال الذي يبحث الانظمة المتحققة من تفاعل تلك الابعاد وما ينتج عنها من مواضع وقيم تعبيرية في فضاء الكتابة وعوالمها . ان التشخيص الدقيق وعالي الكفاءة للبعد الجمالي للكتابة بواسطة ادوات النقد التعبيري وتحديد المقادير الكمية والتشكلات الكيفية للبعد الجمالي للنص يمكن من تشخيص عالي المستوى لقيم النصوص جماليا مما يعد مدخلا علميا للظاهرة الجمالية والاستجابة الشعورية تجاه الجمال . وهنا سنتناول ديوان (بغداد في حلتها الجديدة) للشاعر العراقي كريم عبد الله وفق آليات وأدوات النقد التعبيري .

 

2 – الشعر السردي والسرد التعبيري

ان التقسيم المعهود للكتابة الشعرية الى ما يكتب بالوزن وما يكتب بغير الوزن ما عاد كافيا امام الزخم الهائل والكثيف للشاعرية المعاصرة، وتوسع الفهم للغة الابداعية وتغير المعارف العامة باللغة وطبيعة استعمالها . وبعد الفهم العميق لتقنيات قصيدة النثر والشكل الذي هي عليه في الاعمال الساعية نحو الشعر الكامل في النثر الكامل، صار لزاما الالتفات الى ان الايقاع والشعرية بالنثر اما ان تكون بصورة (شعر سردي) يعتمد تقنيات السرد التعبيري بشكل النثر اليومي، او ان يكون بشكل (الشعر الصوري) يعتمد تقنيات الصورة الشعرية والتوزيع اللفظي الايقاعي بالتشطير ونحوه. ولأجل هذه الحقيقة أي وجود شعر سردي وشعر صوري كان لزاما على النقد تقديم نظرية متكاملة تستطيع مجاراة هذا التطور وهذا الفهم والواقع الجديد للشعر

الشعر حينما يكتب بشكل نثر فانه بالنهاية سيكون شعرا، والمميز بين النثر والشعر ليس الوزن كما يعتقد، ولا الصورة الشعرية والمجاز العالي كما اثبته الشعر السردي، انما المميز بينهما ان الشعر السردي يشتمل على السردية التعبيرية، اي السرد لا يقصد الحكاية والتوصيل، السرد الممانع للسرد، بينما السرد النثري اما قصصي حكائي يقصد الحكاية او توصيلي بشكل خطاب ورسالة. بمعنى اخر ان الفرق بين الشعر والقص واللذين يشتملان على السرد، ان السرد في القصة حكائي قصصي يقصد الحكاية والوصف،بينما السرد في الشعر تعبيري هو سرد لا بقصد السرد هو السرد الذي يمانع ويقاوم السرد،انه السرد بقصد الايحاء والرمز لا بقصد الحكاية والوصف.

مظاهر السرد التعبيري جلية في ديوان (بغداد في حلتها الجديدة)، فان القصد منه ليس الحكاية والوصف وبناء الحدث، وانما القصد الايحاء ونقل الاحساس، وتعمد الابهار، فيكون تجل لعوالم الشعور الاحساس ان الميزة الأهم للشعر السردي الذي يميزه عن النثر وان كان شعريا هو التعبيرية في السرد، فبينما في النثر السردي يكون السرد لأجل السرد والحكاية، فانه في الشعر السردي يكون موظفا لأجل تعظيم طاقات اللغة التعبيرية. وجميع نصوص الديوان نماذج لذلك، يقول كريم عبد الله في نص (صور تحمي الساحات)

(مِنْ جديدٍ عادوا يحرسون الساحاتَ بـبنادقهم بينما الرمل يملأُ فوهاتها الصدئة .. الأجسادُ هربت خرساءَ شوّهتها شمسُ الظهيرةِ تاركةً جيوبهم العسكريّةِ تصفرُ فيها ريحٌ تهمسُ في ذاكرةِ الشوارع .... خضّبني هذا التكرار في مواويلِ الحبيباتِ وهنَّ يغزلنَ حكاياتِ العشّاقِ المغدورين في مدافنِ الأيام .. كلّمتهم كثيراً إشاراتُ المرورِ تحنو على أحلامهم المحنّطة)

يتجلى السرد التعبيري بعناصر كتابية نصية اساسية اهمها السرد الظاهري والرمزية والايحاء وممانعة للسرد ببوح شعري، وبالشعرية الناتجة من ذلك النظام . تقنيات السرد في النص كما في غيره واضحة، فكأن النص يريد الحكاية وسرد حادثة، وتبرز الشخصيات والحدث النصي، الا انها في النهاية تتجه نحو بوح شعري فلا قصد سردي وقصصي هنا وانما تعبير عميق وشاعرية هي غاية الكتابة برمزية وايحاءات وبوح شعري . وعلى هذا النسق وبهذه الاسلوبية تسير نصوص الديوان .

 

 

3- العوامل والمعادلات التعبيرية

أهم أدوات النقد التعبيري في تفسير الظاهرة الأدبية وجمالياتها وعناصر الأبداع في العمل هو نظام (المعادل التعبيري) والذي يتمثل بوحدات لغوية نصية بصور واشكال مختلفة تحاكي وتعكس الجوهر الأدبي والجمالي العميق الذي كشفه ولمسه المؤلف المتمثل (بالعامل التعبيري) والذي يكون بأشكال مختلفة جمالية ومعنوية وفكرية وغير ذلك، الا انه لا يتجلى ولا ينكشف الا بواسطة المعادل التعبيري .(د أنور الموسوي 2015)

ان عملية الابداع الجوهرية هي الاشراق الابداعي بالاطلاع واقتناص ورؤية وتمييز العامل التعبيري الفني . ومهمة المؤلف النصية الاهم هي الكشف عن العامل التعبيري العميق واظهاره وابرازه بمعادل تعبيري نصي . والعوامل يجمعها تأثيرها العميق واثارة الاستجابة الجمالية بتجليها النصي . ان هذا الفهم ضمن ادوات النقد التعبيري يتجاوز ثنائية الشكل والمضمون وينتج نظاما نصيا تعبيريا موحدا بوجهين، فكما ان الاستجابة الجمالية تثار بالمعادلات التعبيرية الشكلية الظاهرية فانها ايضا تثار بالعوامل التعبيرية المضمونية العميقة، وهذا يحقق تكامل الشكل والمضمون والتوافق بينهما بدل التضاد والتعارض بينهما الذي يعد معرفة شبه راسخة.

و أسلوبيات السرد التعبيري في الشعر السردي في هذا الديوان تحقق انظمة بلاغية نموذجية وجلية لوحدات العوامل والمعادلات التعبيرية، ومحققة انظمة نصية بلاغية جديدة سنتناولها في الفصول التالية، فان كل شكل لغوي واسلوب كتابي وعنصر نصي من تقنيات السرد التعبيري التي سنبحثها هنا هو وحدة ونظام متكامل من انظمة (العامل- المعادل) التعبيري .

و للشاعر كريم عبد الله عمق شعري في العوامل الجمالية والابداعية والتعبيرية، بالنفوذ عميقا الى مكامن النفس والتجربة الجمالية والهم الانساني والوطني، ثم يكشف عنه ويبرزه بمعادلات تعبيرية شعرية عالية المستوى وجميع نصوص الديوان شواهد على ذلك ومنها نص (ذات نهار موحش) يقول فيه الشاعر :

 

(انظروا كيفَ تستفزُّ ذاكرتي أطناناً مِنَ الشظايا تمطرها السماءَ ! يالهُ مِنْ نهارٍ موحشٍ ! خلفَ السواترِ تنامُ الأحلام , هلْ رأيتمْ كيفَ تنزوي صورُ العشيقاتِ في الجيوبِ المثقوبةِ ! أقدامُ المتمسّكينَ بــ الأرضِ يتملّكها الرعب في حقولِ الألغام , كانتْ هناكَ راجماتٌ كثيرةٌ تأتيكَ بــ الموتِ ما أقسى قذائفها َ تجهلُ سرّهُ حينَ تتساقطُ بــ وحشيّةٍ على الملاجىءِ الترابيّةِ , وتتساءلُ في نفسكَ علامَ كلَّ هذا الخراب .... ؟! . أكادُ أسمعُ أدعيةِ الأمهاتِ خلفَ تلكَ الأبوابِ الموصدة ...)

ان النص ينفذ الى الهمّ الانساني المتسائل عن دوافع الخراب، وكل هذا الدمار، انه السؤال العميق الذي يظهر عجز وقصور البشرية وحضارتها وعقلها الذي تتبجح به، هذا العامل التعبيري العميق يبرزه ويكشفه الشاعر بمعادلات تعبيرية بتشكلات تصويرية تتمثل بتلاشي الاحلام وخيبات العاشقات لفقدان المعشوقين الذي يسقطون في الحروب، ووطأة ذلك على الذاكرة والنفس، وسط تساؤلات الانسان ونحيب الامهات المنكوبات . باستعارات وسرد وبوح فني رفيع بشعر سردي عذب بتقنيات السرد التعبيري موسعا طاقات اللغة وقدرها التعبيرية .

 

4- البوليفونية وتعدد الأصوات

البوليفونية (polyphonic) مصطلح ابتكره باختين في الادب، اساسا لمعالجة العمل الروائي استقاه من فن الموسيقى، واساسها تعدد الاصوات المتجلية في النص . عند التعمّق نجد ان للبوليفونية بعدين في النص، بعد رؤيوي وبعد اسلوبي، البعد الرؤيوي يدعو الى تحرير النص من رؤية المؤلف وسلطته فتتعدد الرؤى والافكار والايدولوجيات وتطرح بشكل حر وحيادي، اما البعد الاسلوبي فيتمثل بتعدد اساليب التعبير والشخوص بل حتى الاجناس الادبية في النص الواحد .

رغم ان ميخائيل باختين أكد أن البوليفونية هي من خصائص الرواية وأن الشعر عمل فردي لا يقبل تعدد الاصوات والرؤى (باختين 1981)، فان هذا القول يكون صحيحا الى حد ما في الشعر (الصوري) التصويري المعتمد على الصورة الشعرية والمجاز في التعبير والمفتقر الى السرد والحدثية النصية، اما في السردية التعبيرية، المعتمدة على السرد وتعدد الاحداث والشخوص فان من الواضح امكانية تعدد الاصوات والرؤى فيه (الموسوي 2015) وربما تكون نظرة باختين عن الشعر قد نتجت عن اعلائه واعطائه امتيازا للرواية على حساب الشعر في فكرته البروسياكس (prosaics) فانها ادبيا تعنى ما يقابل الشعر من ادب واعلاء الرواية عليه (مرسن وامرسن 1990) .

من هنا يكون واضحا ان لتعدد الاصوات والرؤى مجال أوسع في السرد التعبيري الشعري منه في السرد القصي للرواية والقصة، اذ ان الاخير يعتمد على الشخوصية القريبة والحدثية الحكائية، وهو يتطلب الالتزام بالمعايير اللغوية النوعية في الشخوص والاحداث والاعتماد على الشخصية المادية والمعهودة نوعيا، بخلاف السردية التعبيرية الشعرية فان الانحراف والخروج عن المعايير اللغوية يمكّن من توسعة الشخصية النصية لتتعدى الشخصية الواقعية والمعهودة الى ما يمكن ان نسميه (بالشخصية النصية) .

من الواضح ان الفهم البوليفوني للنص يماشي عصر العولمة وما بعد الحداثة والدعوة الى الحريات الواسعة والديمقراطيات الشعبية، فيكون النص انعكاسا لهذا الجو والفكر السائد . وقد يعتقد ان الاسلوب البوليفوني يتعارض مع التعبيرية التي تعكس الفهم العميق للمؤلف للاشياء ورؤيته المتميزة تجاه العالم، وهذا لا يتناسب مع الحيادية الرؤيوية وتعددها، الا انه يمكن فهم الكتابة على مستويين مستوى بنائي ومستوى قصدي، فتكون البوليفونية وتعدد الاصوات والرؤى في مستوى البناء محققا شكلا ثلاثي الابعاد، بينما تكون رؤية المؤلف الخفية التعبيرية في مستوى القصد تتجسد بشكل عالم ايحائي ورمزي لكلمات النص وبناءاته ورؤاه واصواته المتعددة .

هذا ومن الظاهر ان البوليفونية تحتاج الى حد ما الى السرد، وهذا يعني انه في الشعر يكون من خصائص السردية التعبيرية لقصيدة ما بعد الحداثة، ولا تناسب كثيرا الشعر التصويري للقصيدة الحرة

 

في قصيدة (بيوت في زقاق بعيد) في هذا الديوان تتجلى البوليفونية بتعدد الرؤى والاصوات بشكل واضح تعكسه وتكشفه التعابير التالية:

1- أشجارها متجاورة الأغصان توحي بعضها لبعضٍ أنَّ أساريرَ الصباحِ تمضي بالتواريخِ صامتةً كالقراطيسِ القديمةِ وهي تشكو مِنْ الشيخوخةِ

2- صوتُ العصافير تحملهُ النسمات كلَّ صباحٍ تتركُ صغارها تتنزّهُ على الشناشيلِ

3- وظلّها يحكي للوسائدِ أنَّ الشمسَ لا تغيب ,

4- إذا دغدغَ الغبشُ أزهاره وهي تستفيقُ على نقيق الضفادع !

5- البيوتُ المتجاورةِ كانتْ تومىءُ للشمسِ أنْ بساتينَ الأزهارِ تناغي أقدامَ الفتيات فيشعرنَ بالأمان , (ملاحظة هذه العبارة مكثفة صوتيا جدا فيها ثلاثة اصوات احدها للبيوت والثاني البساتين والثالثة للفتيات)

6- مذ كانَتْ حلوى (يوحنا) تفضحُ رغباتهم الطفوليّةِ بما تحملُ مِنْ صلواتٍ تمجّدُ الربَّ

7- كانَ عنبُ (عليّ) مختوماً باسرارِ العرائشِ مستريحةً على الأسيجةِ تقبّلُ ضجيج النحلِ

8- وكانَ (عثمان) يسمعُ أصواتَ التلاميذَ ينشدونَ في ساحةِ المدرسةِ (وطنٌ واحدٌ)

9- تحملُ ليَ الريحَ أصواتاً قادمةً تجلجلُ منْ وراء الحدود :- (لا بدَّ مِنْ حكمٍ جديدٍ) ,

10-   وحدهُ السيف سينطقُ بالحقِ عالياً .

11-   ضجيجُ المارّةِ في الشوارع لماذا بدأ يخفتُ بالتدريج ويتلاشى خلفَ الأبواب الخشبيّةِ وأنا أسمعها كيفَ تنشجُ الحزنَ ,

12-   الأغصانُ تدعكُ ببعضها تأكلها نار تلتمعُ عليها السيوف حولَ الحاكمِ بأمرِ الله .

ان تعدد الاصوات في هذا النص المكثّف يحقق نسجا متفردا من التكثيف اذ لا تجد عبارة الا وهي صوت، وهذه براعة تكثيفية يقلّ نظيرها وهي فعلا مظهر جليّ ورفيع للسردية التعبيرية . ومن الواضح ان المؤلف مختف في كثير من فقرات النص بحيث لا تكاد تشعر بوجوده وهذا مهم للبوليفونية وتجسيد رؤى الشخوص . والرؤى واضحة جدا وتمظهرت بصور شتى حلمية ومستقبلية وماضوية وواقعية وعقائدية وفكرية وبتنوع بين ايضا . هذا النص ليس فقط يحقق البوليفونية بل يحقق صور عالية لها بسردية تعبيرية فذة .

 

5- الفسيفسائية ولغة المرايا

ان طرح الفكرة ذاتها بتراكيب لفظية مختلفة يمكن من القول اننا نظرنا للشيء الواحد من زوايا متعددة، ومن هذه الحيثية يمكن وصف النص بانه متعدد الزوايا، الا انه لو نظرنا الى التراكيب فيما بينها فانا سنراها تركيبة فسيفسائية يكون كل تركيب بشكل مرآة لذاك يمكن وصف هذه اللغة بلغة المرايا ووصف النص بالنص الفسيفسائي .

في نص (خلف أبوابك نحتمي دائما) نجد لغة المرايا حاضرة بأسلوب الترادف في التعابير . ان التراكب هنا تتجه دوما نحو غايات موحدة كأزهار الشمس تتجه في كل وقت نحو الشمس، محققة مرآتية ترادفية اذ تكون التعابير - رغم افادتها المختلفة - معبرة عن معنى عميق تلاحقه، بنسيج فسيفسائي مرآتي يعكس عمقا تعبيريا من المعاني والافكار الموحدة .

ان الشيء الجديد فعلا في النص الفسيفسائي اضافة الى الاستعمال المختلف وغير المعهود للغة هو تحقق انظمة جديدة لوحدة القصيدة العضوية، يتمثل بأنظمة متعددة اهمها التناسق والتناغم الذي تحققه المرآتية والفسيفسائية، والثاني العمق التعبيري الذي يوحد مكونات النص اللفظية ليس فقط في الموضوع وانما في الغايات الرؤيوية والفكرية والمعنوية، اضافة الى وحدة اسلوبية تفرضها الفسيفسائية على النص .

 

في النص ثلاثة عوامل تعبيرية عميقة تتجه نحوها التعابير، لها مسحة زمانية وتاريخية بين الماضي مع الاعتداد والاعتزاز والحاضر مع المأساة والمرار والمستقبل مع الانتظار والتطلع . ومع هذه الانظمة النصية العامة هناك محاكاة تعبيرية تفصيلية ايضا في كل نظام سنبينها لاحقا، مما يجعل النص يحقق لغة المرايا والفسيفسائية بشكل نموذجي .

الوحدات النصية للنظام الاول (الاستذكار والاعتداد والاعتزاز)

1- خلفَ أبوابكِ إكتظّتْ ذكرياتنا نحتمي بها ونطردُ وساوسَ الشكوك

2- حصونكِ العصيّةِ مِنْ هناكَ تغمرني بأريجِ حقولها وتمشّطُ سَعَفَ ضفافي الغافيةِ ,

3- بينما قصائدي الملتهبةِ حقولاً مِنَ الحنينِ تبذرينها دائماً في صدري أرتّلها إذا أصابكِ الخطر

4- ينابيعكِ المعطّرةِ بأنفاسِ كرنفالاتكِ الملوّنةِ تتقافزُ فيهِ تسابيحُ حَدَقاتٍ تتناهشها الأطياف

5- تماسكي جيداً فلا ترهبنّكَ أسلاكهم لو تحاصرُ دروبكِ المحلاّةِ بالحنينِ يتساقطُ عناقيداً تتشجّرُ في روحكِ .

لقد نجاح الشاعر بقاموس لفظي متقارب ينتمي الى مجالات الاعتداد والاعتزاز والعمق والانتماء والاحتماء في خلق مزاج موحد لتلك التراكيب باعث على خلق صورة براقة لوجود عميق واصيل ومتجذر . نلاحظ في المقاطع الاربعة وحدتين مركزيتين بارزتين الاولى (تعابير المنعة والسعة (خلف ابوابك، حصونك العصية، تبذرينها في صدري، ينابيعك، دروبك المحلاة) والثانية فاعلية المخاطب (نحتمي بها، تغمرني، تبذرينها، المعطرة، تتشجر في روحك).

 

الوحدات النصية للنظام الثاني (الحاضر المرّ والمأساة)

1- بزينةِ مدائنكِ تتمرّى سنوات القحطِ

2- أكشطُ مِنْ شغافِ الروحِ راياتُ الغزاةِ لئلا تشوّهُ زهوركِ المفعمةِ بالنبضِ هتافاتهم المسعورةِ

3- أحصّنكِ (بربِّ الفلق) مِنْ ويلاتِ الحروبِ الخاسرةِ وظمأَ فوّهاتها , سأدسُّ مدائنكِ العائمةِ فوقَ ركامِ الفجيعةِ بينَ الحنايا ,

4- ساجمعُ مِنْ على جسدكِ ما خلّفتهُ المحنة أصوغهُ قناديلاً تضيءُ وحشةَ الفجرِ وتمزّقُ هذا الليلَ الطويل ,

5- فكمْ ترنّحتُ على أرصفةِ الخناجرِ مطعوناً أبكيكِ معشوقة رائعة ,

ان هذا النظام له تجل واضح في النص، حتى انه يمكن عده القطب والمحور متمثلا بألم الحاضر ومأساته الذي فاض من جانبيه البوح الاول بالاعتداد بالماضي والبوح الثالث بالتطلع الى مستقبل افضل، كما ان الشاعر قد استخدم زخما تعبيريا قويا هنا مما اعطى هذا النظام محورية ظاهرة وتجل كبير، ولم يترك الشاعر شيئا من التوظيفات التعبيرية والقاموسية الا واستخدمه وهذا ما نسيمه (الحد الاقصى من البوح) .

 

الوحدات النصية للنظام الثالث (الانتظار والتطلع الى المستقبل الافضل والخلاص)

لقد استخدم الشاعر في تجلي وابراز هذا النظام اسلوبين الاول الاستفهام والسؤال والثاني الطلب والتشجيع، ومن المعلوم ان كلاهما من انظمة الطلب

أ‌- الصيغة الاولى (سؤالات الخلاص)

1- مَنْ يلمُّ شتاتنا وغربةَ الأحلامِ المشققة , ومَنْ يرفعُ صلواتنا تطرقُ أبوابَ السماءِ البعيدة وأنا أسمعُ هديلكِ يحكُّ اناشيدنا المكبوتةِ ؟!

2- مَنْ يعيدُ لتأريخكِ تدفّقَ البهجةِ ويمسحُ عنْ عيونكِ كلَّ هذا التشتتَ ؟ مَنْ يزرعُ السلامَ محبةً ينفتحُ على هذا الأفقِ الشاحبَ ؟

3- كمْ مِنَ الوقتِ نحتاجُ أنْ نمزّقَ شرنقة عنكبتْ في حقولكِ الشاسعةِ ؟ ومتى ستزهرُ شرفاتكِ المدثّرةِ بجروحٍ نازفةٍ تفيضُ بالقرابين ؟ .

ب – الصيغة الثانية (طلب التغيير)

1- فأستعيدُ توازنَ اللغةِ كلّما ينتابها الضمور

2- أنهكني هذا الآنتظارَ والمواعيدُ تنأى تلوذُ خلفها الأمنيات

3- فأمنحيني صحوة تعيدُ لي بعضَ أنفاسي .

4- أيّتها الساكنةُ في سواقيِ الشهقةِ تدفّقي ياقوتاً يرصّعُ أبوابنا المغلولةِ بالصمتِ ,

5- ما أحرَّ لهيب الروحِ وقدْ إستشرسَ هذا الطغيانَ وتهدّلَ حزني فأوقفي هذا التصحّرَ بنبيذٍ طالما إنتظرتهُ على مضضٍ ,

6- إحتشدي مِنْ جديدٍ وأنزعي مِنْ عيوني الذابلاتِ سنيناً ثيّباتٍ ,

7- لنْ يتكاثرَ الحزنُ مجدّداً في أرضي ولا تتعثرُ الخطوات وأنتِ الآنَ تمطرينَ حجارةً مِنْ سجّيلٍ على رؤوسِ الطغاة .

لقد حقق النص غاياته القصدية التعبيرية بتجلي طلب الخلاص والثورة على الواقع غير اللائق وغاياته الاسلوبية بتعابير ترادفية ولغة مرآتية متعاكسة ونص فسيفسائي، بسردية تعبيرية عذبة ورفيعة.

ان أية قراءة لنصوص هذا الديوان تكشف ومن الوهلة الأولى اننا أمام أدب ثري وعميق . مشتمل على نصوص مسبوكة بتقنيات شعرية عالية المستوى وبلغة عذب وقريبة، ان هذا الديوان المهم يعدّ فعلا عبورا وتجاوزا لمرحلة في الكتابة الشعرية العربية المعاصرة واتجاه حقيقيا نحو الشكل النموذجي لقصيدة النثر .

 

د. أنور غني الموسوي

سلوك العراقيين ما بين وهم (الجين) ونهج (التدجين) .. دراسة لرواية (ترجيديا مدينة) للروائي زيد الشهيد

hamid laftaقول في (ادبنة) التاريخ: حينما نقرأ التاريخ يجب ان نكون على وعي بما نقرء، فكاتب التاريخ لايمكن فصله عن منهجه الكتابي وعن توجهه الفكري وطريقته في تسطير الاحداث التاريخية .. فهناك من يروي الاحداث كما ظهرت له على السطح دون ان يغور في عمق الحدث، وهناك من ينسب الاحداث والظواهر التاريخية الى فعل الفرد الزعيم او البطل او المصلح .. وهناك من يدرس الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المنتج للظاهرة ومولدها ومن يقف وراءها ومن يعمل على تفعيلها وديمومتها، فهذه الظروف هي صانعة الابطال والزعماء ومن رحمها يولد الفاعل الاجتماعي بمختلف توصيفاته وعنوانيه تبعا للظرف التارخي من حيث الزمان والمكان، فلا امكانية للانبياء والرسل في زمن العولمة الراسمالية، .. لانريد ان نسهب في هذا المجال من الارخنة في الماضي والحاضر ولكننا نريد ان نلقي الضوء على ادبنة التاريخ، اي كتابة التاريخ من قبل الاديب وبالخصوص الروائي باعتبار ان الرواية هي الجنس الادبي الارحب والانسب ان لم نقل الاوحد لكتابة التاريخ ادبيا،فالروائي عليه ان يكتب تاريخ الرواية ليست كما ظهرت على السطح او كما وثقها المؤرخ بل بعث شخصيات غير ظاهرة، تخليق شخصيات مهمشة في التاريخ المكتوب واظهار دورها الفاعل في الاحداث، وعلى الروائي ان يظهر الاسباب الجذرية والحقيقية الكامنة وراء سلوكيات الناس وذكر دور كل فئة وطبقة اجتماعية في الحدث وهل هي مستفيدة او متضررة من الحدث,,,,

773-hamid(ان الرواية التاريخية ليست تاريخا، ولكنها تتعامل مع التاريخ وهذا التعامل يفرض عليها حدودا، هي قيود لها، لاتعرفها الرواية الفنية، اول هذه الحدود والقيود ان تبقى الرواية مخلصة لطبيعتها الفنية ولا تتحول الى كتاب من كتب التاريخ، وثاتيها ات تستعير من التاريخ دون ان تحور فيه، وثالثها ان تنتقي من التاريخ دون ان تتلاعب بسياقه وحقائقه ودلالاته) ص70 الرواية العربية – البناء والرؤيا د. سمر روحي الفيصل.منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003

عليه ان يمتلك رؤيا واضحةلطبيعة مجتمعه وبيئته بمختلف شرائحه وطبقاته ودورها في الاحداث هل هي دافعة او معرقلة للحدث المعين، بمعنى ان يمتلك قدرة في علم الاجتماع وعلم النفس وطبيعة الثقافة السائدة،وهنا سوف يكون المنتج السردي ليس منتجا وصفيا سطحيا، بل مصباحا تنوريا يضع النقاط على الحروف ويكشف المستور ويظهر المهمش في الحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي، ويجهر بالمسكوت عنه من قبل المؤرخ .......

(مايحدد نظرة الكاتب الى العالم ليس نوع الجانب الذي ينحاز اليه؟، بقدر ما هو نوع العيون التي ينظر بها الى العالم) ص399 أرنولد هاوزر - ج2 تاريخ الفن والمجتمع عبر التاريخ.

قدرة الكاتب على التوليف بين الواقعي الحقيقي والتخيلي المكثف والمظهر للواقعي المسكوت عنه، هذه القدرة ستنتج عملا روائيا يجمع بين الواقعية والخيال المساند، على شرط عدم تغليب احدهما على الاخر بشكل تعسفي فـ (تغليب الحقيقي سيضيق الخناق على المتخيل، فلا يترك له فرصة ابتداع الاحداث والازمنة والامكنة والشخصيات الرئيسية) ص71 الرواية العربية – البناء والرؤيا د. سمر روحي الفيصل.منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003

هذه المقدمة القصيرة ليست بالضرورة تخص رواية (ترجيديا مدينة) للرولئي زيد الشهيد، وانما هي ملاحظات عن الجانب الفكري والمنهجي للعديد من الروايات العراقية فيما يخص تاريخ المدن ؟، او ادبنة الاحداث والانتفاضات في العراق التي صدرت خصوصا مابعد 2003 حيث امتلك الاديب العراقي حرية الكتابة وتاشير الاحداث دون خوف وان بشكل نسبي وهذا مالم يكن متاحا للكاتب ماقبل التغيير ....فالرواية التاريخية كما عرفها ميخائيل باختين (ان الرواية التاريخية هو التحديث الايجابي، هو محو الحدود بين الازمنة، والتعرف على الحقيقي الخالد في الماضي) ص180 مختارات من اعمال ميخائيل باختين – ترجمة يوسف حلاق ط1 2008 المركز القومي للترجمة .

 

ازمة هيمنة طبقية مزمنة:

من يقرأ تاريخ العراق او بالاحرى قراءة قيام وولادة الدولة العراقية الوطنية لم يكن بارادة وطنية عراقية، بل هي تصنيع من قبل قوى استعمارية خارجية، ورغم الهياج الشعبي الكبير ضد الاستعمار الانكليزي منذ ثورة 1920 الوطنية ـ فلم تتوصل قيادات هذه الجموع الثائرة على الاتفاق حول زعيم لقيادة الدولة، فتم استيراد ملك تولى العرش من خارج العراق، هذا العجز ناجم عن عدم وجود طبقة برجوازية وطنية ناضجة مؤهلة للقيام بدورها التاريخي كما في دول العالم الاول في اقامة وقيادة الدولة القومية، وقد بدات حياتها كدولة ريعية مصدر ايرادها الرئيسي هو البترول، مما سهل فرش بساط الحكم تحت اقدام (الاقطوازية) وهي طبقة هجينة من الاقطاع والبرجوازية الطفيلية المرتبطة بنيويا باسيادها في خارج العراق من فرس واتراك وانكليز وامريكان، هذه الطبقة عجزها بنويوي من صلب بنيتها الفكرية موروثة مولدة عجزها ومديمة وجودها عبر تجدد الازمات في بنية المجتمع، جل ماتخشاه نهضة القوى المنتجة الفاعلة كالبرجوازية الوطنية والطبقة المتوسطة المستنيرة والطبقة العاملة ....وهذا هو سر الانقلابات العسكرية المتوالية في العراق حيث ان التغيير يتم بتغيير الوجوه فقط ولايمس جوهر الطبقة الحاكمة المازومة التي تعمل جاهدة لتوظيف كل مصادر الثروة من اجل صيانةحكمها وقمع كل صوت للمعارضة مهما كان ضعيفا وهذا ماحصل مع قوى اليسار العراقي في عهدالملكية وفي عهد الجمهورية الاولى زمن عبد الكريم قاسم وماحدث في شباط الاسود عام 1963 ومابعدها ولحين التاريخ .....اذن يجب الالتفات ان حالة الازدواجية والثعلبة والتسول الاخلاقي ليست جينة عراقية او عربية انما هي سلوك وقائي من اجل البقاء كما هي الحربنة .... فلا غرابة ان تحمل الجماهير سيارة الملك احتفاءا بزيارته للسماوة في 2-4-1953ثم تخرج جموعها تهزج للثورة في 14 تموز هاتفة (عمال السكك فدوه لبن قاسم)، ثم تسكن مذعورة امام رشاشات شراذم الحرس القومي في 1963، ثم تهتف لعبد السلام ولعودة البعث في 1968... ويتحول الشيطان الاكبر الى الاخ الاكبروالمحررالمنقذفي2003!!

 

(قيء) الريف، وحثالة المدن:

(شراد هديب) هذا القروي المشرد العاطل عن العمل والمترعرع في رحم البداوة مثالا ونموذجا لعشرات الالاف من الفلاحين او الرعاة اللذين ضاقت بهم قراهم وصحاريهم نتبجة تردي الواقع الزراعي وهيمنة قوى الاقطاع وظلمهم وقهرهم للفلاحين، مما اضطرهم للهجرة للمدينة، هذه المدينة الخاوية والتي تعيش كسادا مزمنا فلا معامل ولامصانع تحتوي وتجتذب هذه الجماهير الى عجلة العمل المنتج كما حصل لامثالهم في العالم الغربي ابان الثورة الصناعية، فتحولوا الى عمال منتجين واضحي الاصطفاف الطبقي والمهني مع رفاقهم في العمل تربطهم رابطة الكفاح المهني من اجل حياة افضل يفرضونه على الطبقة البرجوازية المنتجة الحاكمة التي من مصلحتها اعطاء حيز من الحرية لازدهار الانتاج والتجارة وبالتالي زيادة الربح ..... بمعنى ان المجتمعات الغربية اصبح الاصطفاف الطبقي فيها واضحا برجوازية مهيمنة –طبقة وسطى متنورة - طبقةعاملة ساعية للانعتاق من ربقة قهر راس المال ....في حين لازالت (مجتمعاتنا) عبارة عن كتل بشرية مائعة يتداخل بعضها ببعض لتكون غير واضحة الحدود والمعالم والصفات والسلوكيات فتغلب عليها الهجنة وضياع الاصطفاف الطبقي والضياع الفكري .

 

سلوك العراقيين مابين (الجين) و(التدجين)

في بلدان الريع كما في العراق شكل (شراد شتيوي)واشباهه جيشا من المهمشين لاتحتضن جموعهم سوى جبهات الموت والقتال او سراديب السجون والمعتقلات، بين خانع قانع ذليل يعيش على صدقات الاغنياء، او خادما بلا روح ولامشاعر للسلطة الظالمة كشرطي او عنصر امن، او ثعلبا ماكرا متلون غادر يستل خنجره حينا ويقبل الايدي حينا اخر لكسب المال والجاه وهذا ما يسميه الوردي وغيره بازدواجية وتلون وعدم ثبات الشخصية العراقية

ونظرا لتردي الموضوع في مدننا، والقطع القهري لتطور المجتمع ليكون مجتمعا مدنيا حداثويا عبر تطور العمل المنتج في الصناعة والزراعة، وكبت الفكر الحر منذ قتل ومحاربة الفكر الاعتزالي كارهاصة اولى للعقلانية المتنورة في المجتمعات العربية الاسلامية

(كانت افكار المعتزلة تمثل طموح المدنية بمختلف قئاتها، الى مراكز اجتماعية وسياسية كانت احتكارا لنبلاء الارض) ص437 لمحات اجتماعية حسين مروة مج2، وابقاء العراق كبلد ريعي، مما ادام حالة الركود العام واصبح عائقا كبيرا امام نمو وتطور القوى الحاملة للفكر التنويري العلمي التقدمي، ومحاولة قمعه من قبل السلطة تحت مختلف الذرائع والحجج كما حصل مع (يوسف) الشاب الطموح الذي حاول ان يضع يده على علة التخلف الاجتماعي في بلده ومحيطه

(صار حالما، صار خالق يبغيها يو توبيا، ابجديتها السعادة وعيش الناس بهناء، رفضا للحروب والتقاتل ودعوة للخير والسلام، يرفض التحزب في بلد كيلده لاتفقه نخبته الحزبية جوهر العمل المبني على التنافس الصادق....) تراجيدياص196، لذلك سعت السلطات تحطيم عقله وروحه وحذفه صوب الاحباط والسلبية والانكفاء على الذات، كما تم قتل مشروع الحب والالفة بينه وبين (شيمران) رمز التنوع الفكري والديني كنواة للمشروع الحداثوي، وقد سبق كل ذلك قتل سلطان شاهر (ابو يوسف) كمثال للعقل المتتنور لطبقة منتجة ناهضة وطبقة متوسطة متنورة واتهام ولده بقتله في محاولة لاستئصال هذه الفئة من الوجود الاجتماعي وكان السلطات تعيد قصة نبي الله يوسف ولكن بوحشية وخسة اكبر حيث لم يكتفي اخوة يوسف بتغييب يوسف بل اتهامه بقتل ابيه !!!!، وابنة المؤمن التي استنشقت عبير الحرية والعلم من والدها المتحدي لقيم المجتمع المتزمت المحافظ، وبدفع من الطبيبة الثورية الشيوعيه (تزيهة الدليمي) اول امراة تستوزر في تاريخ العراق، نتيجة الاحباطات الكثيرة والمضايقات الاكثر(استنتجت ان من المحال تحقيق "حرية المراة" في مجتمع ينزع الى اصوله البدوية...)ص259

وناصر الجبلاوي هذا العقل التوثيقي في بلد لايعرف ولايهتم يالتوثيق بالصور بل اعتاد النقل الشفافي للحدث ومعالم الشخصية هذا من ارهاصات الحداثة في المدن وفي المجتمع العراقي عموما.......

هذه الطموحات الانسانية والوطنية للتخبة المثقفة الواعية تقابلها حالة التبعية والخضوع والخسة واللامبالاة للبرجوازية الطفيلية ممثلة بموقف شتيوي الياور

(لايأبه شتيوي لما يجري في المدينة ومايحصل في الوطن، لايرى في الاحتجاجات والتظاهرات غير افعال عقيمة لاناس يستولي على ملكاتهم الحقد وتحركهم اصابع لاتريد للبلاد الاستقرار...)تراجيديا ص164

ومما له دلالة انشاء الجسر الحديدي الجديد ,وقبله جسر بربوتي، ليخدم انسيابية نقل البضائع، وتنشيط تجارة الشركات الراسمالية الانكليزية خصوصا، حيث تم انشاء خط سكك الحديد ومجطته في البصرة والناصرية والسماوة والديوانية والحلة وصولا الى بغداد ومنثم الى الموصل ....

(فمدوا شبكة من السكك الحديد وحركوا فوقها القطارات الحديدية التي نظر لها الناس على أنها من أعمال السحر . إذ كيف تسير كل هذه الكتل الحديدية على سكة رفيعة ولم تميل أو تسقط . وبمرور الأيام تآلفوا معها ونسوا هذا السؤال المحيّر حتى وإن لم يحصلوا على جوابٍ له)

.لمحاولة الربط بين عامة الناس في احد الضفتين والطبقة الحاكمة في الضفة الثانية (الصوب الصغير والصوب الكبير)، ولكن دون جدوى فقد بقيت الهوة قائمة بين الضفتين لان هذا الجسر لم ينجز بايدي وفكر عراقي بل لحاجة الشركات الراسمالية، حاله حال محطة السكك الحديدية، وقد عم الفساد في الجهاز التنفيذي للسلطة ممثلا بالمفوض (رشاش) بالتخادم مع البرجوازية الرثة الطفيلية (شتيوي الياور) وحثالة البرولتاريا ممثلة ب(شراد هديب) لتعمل بالتضامن والتكافل لقتل كل محاولة للبناء والتقدم، وقطع اليد التي تحاول ان تنزع عصائب التضليل عن عيون الجماهير المستغلة فكانت (ثورة) الرابع عشر من تموز محاولة لردم الهوة ودمج الضفتين كردة فعل لعدم قدرة الطبقة السياسية الملكية الحاكمة انجاز هذه المهمة، فلاغرابة ان يشهد العراق اقوى واشرس حملة قمع ضد القوى اليسارية العراقية وخصوصا في عام 1963 واغتيال طموحات الشعب العراقي المرجوة من (ثورة تموز 1958)، حيث تحالفت منابر دعاة التدين وحراس الاخلاق مع الشواذ والقتلة مع اموال وهرواة الاقطاعيين وبدعم من ذيول المخابرات الراسمالية الامريكية والبريطانية خادمة الاحتكارات البترولية، للفتك بالقوى اليسارية حملة لواء الثورة والتقدم والحرية والمساواة.....

 

العقل الجمعي بين الثورة والفورة

انعكاسات التطور العلمي والفني والاجتماعي في العالم الاول على بلدان العالم الثالث، هنا لدينا مدينة السماوة نموذجا ...حيث تم فتح سينما (عبد الاله) من قبل عبد الستار الامامي عام 1948 وقد كان هذا الحدث ذو اثر كبير على سكان المدينة وخصوصا الشباب منهم

(حضور السينما الى السماوة جسد الانتقال من ضفة رتابة تكدس جهلا كاتما، وعتمة تكاد لاتنتهي الى ضفة نور وهاج يضيء دربا يمنح البهجة بلا حدود، ويهب متعة بلا قيود ...) ص114

، فمثلا تاثر العديد من الشباب بموجة افلام الوسترن ومنهم الشاب (مجيد) حيث يتماهى هذا الشاب مع ابطال هذه الافلام

(في يوم عرض احد هذه الافلام بمقدور من يقترب من السينما قبل بدء بيع التذاكر بوقت مشاهدة مجيد بدشداشة مقلمة ونعال مطاطي مترب...) تراجيديا ص123

حيث ارتدى البنطلون وقبعة قديمة واحتزم بفكي خروف عى انهما مسدسات ابو البكره واخذ يقاتل خصوم وهميين يرديهم صرعى معلنا انتصاراته الوهمية .....مقلدا (جون اوين).

و(نجم) عاشق ستيف ريفرز بطل كمال الاجسام، ودور (هرقل الجبار)....

(كل شيء اقد ر عليه ساكون ستيف ريفرز السماوة،) تراجيديا ص133.

(حسان) (طرزان الخزاعل) حيث تماهى هذا الشاب الحالم ان يكون نسخة عراقية سماوية من طرزان هذا الرشيق خفيف الحركة فائق القدرات وهو يتسلق الاشجار ويتنقل من واحدة الى اخرى مع قردته .....

هذه النماذج وغيرها انما تدل على التقليد المستحيل العاجز عن تمثل العالم المتقدم الذي قطع شوطا كبير ا في التقدم وامتلاك الثروة والتقنية العالية وبناء الشخصية المميزة التي حاول تسويقها لبلدان التخلف لتكون محل ابهار واعجاب ومثال يقتدى ونموذج يحتذى .... فمحاولات هؤلاء الشباب الحالمين كمحاولة ابن فرناس الطيران بجناحين من شمع... فبذلك بدت محاولاتهم محاولات بهلوانية مضحكة ومثيرة للحزن والاحباط ناهيك عن اثارة الفكاهة والتندر، انها ارادة الوهم ...كما هي مودة القمصان الحمر والشوارب الستالينية، والمسبحة الحمراء، وحمل الميداليات والتظاهر بالسكر والكفر لبعض من فهم الشيوعية بهذه المظاهر البهلوانية المظهرية... وليس فكرا ومنهج حياة لذلك سرعان ما خلعه ببساطة خلعه لقميصه وربطة عنقه ليبدلها بلون أخر يناسب الوضع الجديد ...كما تحولت مقهى (غازي) الى مقهى(الشعب)، ثم الى مقهى(العروبة) ثم الى مقهى(بركات العباس) او مقهى (الخلفاء)؟؟؟!!!!!

وحفل سجل المواليد بتغير الاسماء من (فيصل) الى (كريم) الى (ناصر) الى (صدام) الى (باقر)....

نريد ان نخلص ان تمثل الحضارة والتحضر بحاجة الى زمن من بناء ملتزماتها وبحاجة الى ظروف موضوعية وذاتية لتحققها، ان العمل المنتج والتحول من الانتاج الزراعي الاقطاعي الى الانتاج الالي الصناعي على يد البرجوازية الناهضة هو من حفز العقول على الابتكار وازاحة كل ما يقف في طريق التقدم .. الى تخليق ذات متفردة، وشخصية متفكرة متدبرة، تنبذ السكون والتقليد والركود، محيث اصبح العمل هو المفتي وهو الموجه وهو المخلق للعادات والتقاليد والسلوكيات، فلاتستطيع المرأة مثلا من قيادة السيارة وهي تلبس البوشيه او الصعود الى قمر تهدده (الحوتة) بالابتلاع في كل حين !!11.

نريد ان نصل الى ان العديد من الممارسات والافعال والظواهر في مجتمعاتنا رغم مظاهرها الرصينة ومطاولتها ولكنها لازالت تعاني من الفشل والتراجع والاحباط لانها بصراحة كبيرة تشبه سلوكيات (طرزان الخزاعل) او تصرفات (مجيد) و(نجم)، ومنها مثلا ولادة الاحزاب اليسارية واللبرالية والقومية وهي نتاج وافراز مجتمعات حداثية مدنية في مجتمعات منتجة متحضرة قطعة شوطا مهما في التطور العلمي والثقافي متجاوزا تنظيمات المجتمع الاهلي ماقبل الحداثي كالعشيرة والطائفة، مما نتج عنه تحول اغلب هذه التنظيمات الى التماثل مع بيئتها الاهلية متناسية منابتها المدنية فتحولت الى اشباه قبائل وطوائف متصارعة متقاتلة لاتختلف عن الطائفة والعشيرة الا بالاسم، حيث العشق للزعامة والوجاهة، وسلوك الثأر، ونبذ ان لم نقل ابادة ومحو الاخر .... مما ادى المزيد من التدهور واالتحسر على الماضي الرجعي للخلاص من الحاضر (الحداثي) حيث اخذت المظاهرات الدموية الارهابية تخرج من الجوامع بدل التظاهرات الوطنية التواقة صوب الحرية والتقدم من صالات السينما !!!!

فهل معقول ان يولد حزب شيوعي هو وليد مجتمعات صناعية متقدمة في بلد زراعي متخلف اغلب سكانه من الأميين والعاطلين عن العمل والعشائرين والطائفيين المتعصبين، في بلد يحرث بمحراث تجره الثيران ... او في بلد يستورد كل شيء ولاينتج سوى العدوات واساليب القمع والقتل والجريمة، اساليب جديدة للغزو والحصول على الغنائم ؟؟؟

او قيام حزب قومي يدعو لوحدة عربية في مجتمعات قبلية مغلقة لايسمح لسكان بعضها زيارة البعض الا بجواز سفر وتحت رقابة امنية مشددة؟؟

والا بماذا نفسر اعدام قادة الحزب الشيوعي على يد السلطات الملكية (الديمقراطية)، وبماذا نفسر قتل وتقطيع رموز الملكية على ايدي الجماهير الشعبية الثورية في تموز 1958؟؟؟

وبماذا نفسر الاحداث المفزعة في الموصل وكركوك بين اليساريين والقوميين؟؟

وماذا نفسر اعدام العديد من رفاق السلاح في العهد الجمهوري الاول؟؟؟

وبماذا نفسر حمامات الدم للحرس القومي في 1963 ؟؟؟

وبماذا نفسر مجازر نظام البعث ضد رفاقه وابناء شعبه من مختلف التوجهات القومية واليسارية والدينية ؟؟؟؟ ووووو

كذلك اوضح الروائي من خلال السينما ا بان الشخصية للمواطن العراقي السماوي مغرقة في العاطفية الكبيرة التي تتفوق على السلوك العقلي العملي والعلمي، فرغم انه رافض للاستعمار والتبعية الا ان رفضه لايتحول الى فعل الا في اجواء التعبئة والحشد العاطفي للعقل الجمعي في قاعة السينما تحت تاثي فلم (يسقط الاستعمار)، فيظهر الجموع هاتفا بسقوط الاستعمار واذنابه ليجوب شوارع المدنية مناديا بالحرية للشعب والوطن ..... وكذا هو الحال في دعمه ومساندته لقضايا اشقائه العرب عبر فلم بورسعيد وبطولة الشعب المصري للرد على عدوان 1956، حيث جابت التظاهرات شوارع المدينة رافضة للعدوان الثلاثي ومتضامنة مع الشعب المصري الشقيق

كان الراوي متمكنا من توثيق الكثير من الاماكن في المدينة وابقائها حية في ذاكرة الاجيال، كالجسور والاسواق والمقاهي والنوادي والشوارع والفنادق، ناهيك عن الشخصيات الهامة والهامشية، وتسجيل رائع للاحداث الهامة عبر تاريخ المدينة لغاية نهاية العهد العارفي في 1968 على يد البعث، كزيارات الحكام، وقصة قطار الموت الماساوية، وقصة بناء وافتتاح الجسر الحديدي، وتظاهرات عيد العمال العالمي، وفعاليات عمال السكك الحديدية المعلم المهم في السماوة .... المدارس والمكتبة العامة ...الخ كل هذا بكاميرة ناصر الجبلاوي

(ناصر الجبلاوي يتالم للوجوه الشاحبة والمكفهرة والممصوصة، يتاسى للقامات الهزيلة التي تلتقطها كاميرته وتثبتها على الورق. شهادات صورية لخواء مجتمع منكفيء تمثله رموز متهرئة منصميم وجوده) ترجيديا ص161.

الروائي القدير زيد الشهيد يقدم لنا الادلة القاطعة المصورة والموثقة باسلوب ادبي رائع بتوصيف مسهبا في تفاصيله ـ منحازا للتفسير الخلدوني الوردي لطبيعة الشخصية العراقية، نقول رغم الاثر الكبير للذات في التحول والسلوك ولكن للبنية الاقتصادية والاجتماعية والموروث الثقافي اثر كبير في بناء الشخصية وتحولاتها ....كما انه اختار الاسماء من واقع البدواة الغالبة على (المدينة)، ك(شتيوي الياور) و(رشاش)، و(هديب) و(العساف) ... الخ

كما انه استطاع ان يتحرك برشاقة كبيرة بين شوارع ومحلات واسواق السماوة المحلية، عبر متابعة الاحداث من قبل ناصر الجبلاوي وشغفه بتسجيل وتوثيق احداث وشخصيات المدينة، كما انه تمكن من نقل القاريء للتجوال في العاصمة بغداد بمختلف شواهدها الهامة والجاذبة والمبهرة لابن السماوة، كما انه تمكن ان يربط ابن السماوة بالعالم العربي والعالم الاوربي عبر الافلام السينمائية المختلفة، وكانه يظهر الفروق والمفارقات بين مختلف الثقفات والسلوكيات المحلية والبغدادية والعربية والعالمية .

• ملاحظ وجود تكرار بعض الصور الوصفية، او الاحداث اثناء السرد مما يؤثر على رشاقة السرد وجماليته ....

• كان من الممكن تنشيط ذاكرة النهر ليحكي الكثير من الاحداث ويكشف عن العديد من الاسرار، فنهر مثل (الفرات) كنز من الاسرار والذكريات وشاهد عصر تمتد لالاف من السنين، خصوصا ونحن نعرف ان الانهار هي روح الحياة للمدينة وخصوصا في العراق، فالسماوة ملتقى ذاكرة النهر وذاكرة الصحراء وهي ميزة هامة جدا قلما تتمتع بها مدينة ... وكان النهر (يوميء لهم) في اكثر من مناسبة .....

*نرى ان الكاتب اسهب كثيرا في ذكر الافلام السينمائية وموجاتها المختلفة واسماء وادوار الممثلين المشهورين، رغم انها دلالة على ثقافته السينمائية الواسعة ولكنها اثقلت الرواية بالكثير من التفاصيل الذي ربما لم تكن محل اهتمام اغلب القراء ناهيك على كونها ليست ذات دلالة مؤثرة في طبيعة السرد وسير الاحداث .......

* نلاحظ غياب دور الاديب (الشاعر) الفصيح او الشعبي، او (القاص)، وكان الكاتب وزع الادوار على الجميع ونسى نفسه !!!

*قلما يجعل الروائي شخصياته تكشف عن دواخلها من خلال حوارها الداخلي، همومها، تطلعاتها، مكنوناتها المستترة .

*كما اننا ومن خلال اطلاعنا على رواية (اعوام الافراس) و(تراجيديا مدينة)، نستشعر وعدا مضمرا من قبل الكاتب زيد الشهيد باتحافنا باكثر من رواية جديدة اخرى تتناول احداثا هامة من تاريخ العراق كفترة حكم البعث وحروبه وحصاره، وانتفاضة اذار 1990، وانهزام الديكتاتورية القومانية، احداث الاحتلال وما بعده ولحين التاريخ، وهذه اعمال ضخمة جدا ومهمة جدا، نتمنى ان يتمكن اديبنا الكبير من اعطائها او بعضهامنها حقها من (الادبنة) لتاريخها المثقل بالاحداث التي لاتنسى في حياة الشعب العراقي....

لانريد ان نعيد حكم اهل الثقفة والادب على القدرة الابداعية والخيال الباذخ للروائي القدير (زيد الشهيد) لان الكاتب تجاوز هذا الوصف منذ باكورة نتاجاته لمختلف الاجناس الادبية ومنها القصة والرواية، ولكننا لازلنا نتطلع الى روائي منتظر قادر على (ادبنة) تاريخ المدن وتاريخ البلد وفق منهج جديد، يقترب من روح وجوهر الحدث التاريخي، غائصا في اعماقه ولايكتفي بالطفو على السطح .. ولنا الثقة بان زيد الشهيد سيزيدنا بالمزيد من نور القدرة على فهم جوهر الحراك الاجتماعي وقواه الحقيقة المحركة والمعرقلة ليتحفنا بروايات تاريخية تتوفر فيها صفات الرواية الناجحة باي طريقة يشاء تجمع بين الصدق والجمال حيث بقوول جيمس جويس:-

(هناك خمسةملايين طريقة تحكي حكاية واحدة حسب الاهداف التي تقصد اليها) ص97 الرواية العربية- البناء والرؤيا د. سمر روحي الفيصل .

ختاما نقدم للروائي القدير آيات الاعجاب والتقدير لابداعه المتميز، واصراره على التواصل المنتج المتجدد دوما .

 

يقلم : - حميد الحريـزي

العراق

 

نص دخلت عالمك السفلي للراحلة سحر سامي الجنابي .. شعرية المناجاة الداخلية بريشة النهل من المقدّس

ahmad alshekhawiللعالم السفلي تعريفاته وتوصيفاته وإيحاءاته ليس هذا مقال أو مقام جردها و لا الخوض في تفاصيلها . بقدر ما المسألة أعمق من ذلك بكثير ومتضمنة لما يحيل على التجربة الإبداعية الناضجة الموغلة في ارتباطاتها بمحطات وجدانية لتفريغ خبايا النفس المكلومة وبدافع تحاشي الإصطدام العبثي براهن التطرّف في شموليته تبعا لما ينتج المشاهد المنبوذة والمرئيات الضبابية المقززة المنعكسة سلبا على الذات السوية ــ نسبيا ـــ والمتسربلة باعتدالها و وسطيتها إن فطرة أو اكتسابا.

لهذه الظاهرة تأثيراتها وتبعاتها بكل تأكيد،وهي في أسمى تجلياتها أشبه بطيف تحريضي ــ إبداعيا ــ دافع باتجاه تخليق مناجاة رمزية داخلية بحجم الوجع الكامن استقواء على اللعبة التعبيرية بخيوط معجمية رصينة لا تتسم بالغموض قصد إضفاء طابع القداسة على الخطاب و الإسراف في تضخيم المعلومة وتغليظ اللهجة و استثمار المعطى أو الموروث الديني .

من هذا المنطلق يسهل تصنيف الشاعرة العراقية الراحلة سحر سامي الجنابي ضمن أبرز الأصوات الناعمة المشبوبة بالقوة والندرة والتفنّن في العزف على الوتر العقدي في فضح المكنون وتعرية الذات.

كونها تتمتع بطاقات دفينة لرسم النرجسية المقبولة والفعالة في مجابهة شتى صور الشذوذ و تراكمات المألوف المنفرّة في خلخلة المنظومة المفاهيمية المتقادمة والمتجاوزة تطلّعا إلى إعادة ترتيب العلائق بالذات فالآخر فالعالم وصولا إلى مستويات الترميم والتصافي والمصالحة انتهاء .

إنها البعض من درر مستشفة من كهذه مقاربة تفكيكية لنص دسم ومفخّخ ببؤر الأسرار المولّدة للدهشة منذ البدء والمناغية للذائقة على نحو يخول للمتلقي امتياز تقمّص أدوار شخصية الطرف المشارك كامتداد للفعل الإبداعي .

وما التوظيف المحكم والمقصود الذي يطال الفعل النافذ في الزمن الماضي/دخلت،شرعت،نفثت،حرّرت..، إلاّ صيحة مدوية لإيقاظ الذاكرة المترهلة، و محاولة جريئة رامية إلى إعادة تفجير وقفات تاريخية فينا،وفق ما يشحذ ويغذي الإرادة ويقوّيها في شخص هذا الأمير وقد خصّته شاعرتنا بخطابها المهيكل لمناجاة معاتبة و واشية بأبعاد آدمية تارة وترابية تارة أخرى، المعني الأول والأخير بها ماثل في الوطن على الأرجح .

 

دخلت عالمك السفلي

بدورها العنونة تنم عن إرادة فولاذية تتحلى بها صاحبة المادة المنقودة،وصوت قوي جدا وجاهزية تامة لخوض مغامرة ولوج عالم سفلي مجهول ومهول باعث على القشعريرة ومنطو على الأخطار، لا يقل عن الوطن المرئي دموية واضطرابا وهواجسا وفوضى ودمارا وأشباحا، ولعله المرآة الأصدق والأقدر على فك طلاسيم ما نكحّل به أعيننا كل حين .

شرعت أكسر زجاج الوحشة وأهبط السلّم

رجوتك أن تتسلّقه كشجرة اللبلاب .. أخذتك العزة بالإثم

ضربت الأشواك المفترسة حول قلعتك المسكونة .. بقلمي

وكلما التفّت حول رقبتي أغصان فكرك المتطرّف .. قطعتها بسيف إرادتي

من الملاحظ أن استدعاء مفردة " الوحشة " هنا حاصل بأسلوبية معزولة المشاعر الدالة على وجود أي ّ من مركّبات النقص . وفقا لقوالب استثنائية و عجائبية مشدودة إلى رؤية منطلقة من الذات ومتحرّشة بالطقوس الشيطانية المتسلّطة على طفولة وبراءة الوطن ، ومعارضة لكل النواميس المارقة والملطّخة للسيادة الترابية والكرامة الإنسانية تحديدا .

نفثت أنفاس موهبتي على الثعابين التي كبّلت قدميك ..

عجبا بقاؤك في هذا القيد المظلم

سمعتك تناديني من خلف ظلمات عشر: ــ من أنت ؟

ــ إني فارسة تغامر لإنقاذ أميرها المسحور

فحرّرت جوادك الذي ربطته إلى حافة الشلال

هلك يدي .. سأجرّك إلى عالمي .. إياك أن تسحبني

إلى عالمك فتبتلعنا المتاهة

فلا قاسم مشترك بين عالمينا

إلا أنا وأنت ..

هنا يكمن دور الإبداع وحويته عموما وذروة سحره . ففي عسل الموهبة الآخذة في التفشي ومعانقة آفاق الصقل وتطوير الإمكانات على تحويل المعاناة إلى كائنات ورقية مؤنسة ومروّحة عن الروح الدامية، في كل ذلك ملامح تشكيل البلسم والترياق المضاد للسموم المنبثقة ما الأوطان المشلولة والعاجزة عن سنّ مساطر قمع الزمرة الفاسدة المفسدة .

برغم فروسية شاعرتنا فهي تعترف بتورّطها الذي تسميه إدمانا في البعض من قصائدها،وانقيادها إلى دهاليز المغامرة الكلامية مبهمة الحدود والأدغال .

تقبل متحمّسة دونها مفاجآت جمة يلفها عمى الألوان حين يتعلق الأمر بالحس الوطني وهمّ الهوية الضاغط والمؤجج لقناعات تقصّي أسباب الخلاص للوطن وإغاثته من لحظة البرزخية و التمزق والتيه .

 

أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي


 

مؤشّرُ الرؤية في ديوان "ماءٌ لهذا القَلَق الرمليّ" للشاعر محمد الأمين سعيدي

774-khaiti"محمد الأمين سعيدي" مبدعٌ واعٍ بالكتابة كإبداع يحمل أسراره الكامنة، في رؤى تستشرق الآتي وتطمح إلى وجود جميل ومؤسس لكيانه كشاعر يخطو خطواتٍ فاعلة وجادّة، ستترك أثرها الأجمل بمشيئة الله، فقد استطاع أن يعتلي شرفة البهاء ومقام الشعر العطاء بجدّه ومثابرته ليسجّل اسمه ضمن قائمة احتوت كلَّ ما هو بهيّ مشرق معطاء، تخلّده حركةٌ إبداعيّةٌ مميّزةٌ تستحقُّ التنويه.

تحت مركّب اسمي (ماء لهذا القلق الرّمليّ) تنطوي قصائد الشاعر المبدع "محمد الأمين سعيدي " ، كعتبة نصيّة (عنوان) تختزلُ القولَ والمقامَ في الآن، في تجلٍ أو خفاءٍ لا يُدرك إلاّ بنسبةٍ تأويليّةٍ تُحدِّدُها السياقاتُ المختلفةُ، وفعل القراءة المتباينة التي تختلف من قارىء إلى آخر، حيث يُستهلُّ البوحُ بتاينٍ دلاليٍّ بين لفظتي : أرى/ لاأرى .

774-khaiti« أرى، لا أرى، أمشي على ظهر غيمة الأماني، وأخشى أن يعذّبني الغدُ، كأنّي سماء لا حدود لجرحها، أو أني جراحٌ كالسماوات تصعدُ..».1

كأنّه التيهُ أو الوجودُ الذي لا تستبين ملامحه، فتغدو الذاتُ الشاعرةُ موزّعةً بين حاسة (الرؤية) قد تُؤدّي وظيفتها أو تعطّلها، لأنَّ هذه الذات ما عادت تميّز بين المدرك و اللامدرك، وفي ذلك حال تتأرجحُ بين الحقيقة الثابتة المتجلّية (أرى)، وبين انزياح هذه الحقيقة نحو المقابــــــل/الضـــــــد (لا أرى) .

فبين الإثبات والنفيِّ ثمَّة تيهٌ وغربةٌ لا تدركه الذاتُ التي تبحث عن سرِّ وجودها .

* اتخذت القصائدُ لها توصيفًا خاصًا ، كعناوين فرعيّة أو عناوين تشرحها وتؤّكد على تفسيرها أكثر منها:

- مقامُ بكاء لغياب الراقصة: أو جنوب المتاهة.

- أولد فيها يا شهرزاد البلاغة: أو: واحة السرد.

- أول الموت عطشا أو: ما أضمرته عيون السندباد.

- احتمالات الفراشة: أوّل النار.

فهذه العناوين التي اختارها الشاعر "محمد الأمين سعيدي " هي تركيب من ملفوظين إلى خمسة ملفوظات، وكأنَّ القصيدةَ الواحدة لا تكتفي بعنوان خاص لها، بل تتجاوزه للدلالة وللوضوح أكثر، في خيارٍ بين عنوانين أيُّهما أبلغ اختزالاً للمتن ولقبض المعاني بصوّرها المتضاربة.

 

تواتر الفعل "أرى"

* من أفعال القلوب/اليقين ، استحوذ الفعلُ المتعد (أرى) معجمًا خاصًا تواتر في القصائدِ كلِّها، فالرؤيــــــةُ كحاسَّةٍ مدركةٍ والرؤيـــا كتجلٍ للامدرك الذي لا يصل إليه سوى متبصّر حــــــاد، « وظيفتها هي إبراز الاستبصار البعدي الذي يعيد استكشاف تأويلات الوجود »2 ، ومنح الفعل حركيّته بل قيمته الاستشراقيّة في التطلّع نحو آفــــاق متباينـــة تنفتح عليها الذاتُ الشاعـــــرةُ بحثًا عن قيم وجوديـة تناشدها، وعن حقائقَ تنير بصرها أو بصيرتها أكثر.

يقول الشاعر "محمد الأمين سعيدي":

...

« أقول له: ماذا ترى من مجاهلٍ؟

فتُشرق فيه دهشةٌ وسرورُ

يقول: أرى ما ليس للخلق باديا

وما حالُهم يوما إليه يصيرُ

أرى كلَّ سرّ كنتُ أجهل كُنهَهُ

يُهتِّكُ أستارَ الجوى ويطيرُ

أرى ألفَ ذكرى تحملُ الريحُ ذكرَها

وتذرو ثراها تارةً وتخورُ

أرى سفنَ الأشواق تُثقلُ سيرها

حماقةُ أمواج الهوى وبحورُ

أرى الحرفَ مصلوباً على لوح ثورتي

فتُكشَفُ لي بعدَ العذاب أمورُ

...»3.

فالرؤية / رؤيا ، استطلاعٌ لما هو غيرُ متجلٍّ ، واستشراقٌ للعالق بين المجاهل والخبايا التي تجعل الشاعر في مقام آخر أو" مقام الرؤيا " كما يسميه، متسائلا ومدركا لحقيقة تلوح في أفق البصيرة واليقين ،حيث « تتعدَّى الرؤية المدرك البصري إلى الحدسي والخيالي والنبوئي »4

* تنبني قصائد الشاعر " محمد الأمين سعيدي " على محوري التركيب والاستبدال، وقد شكَّل التقابل عبر الملفوظات حضورا لافتاً ( أرى/لا أرى - تنأى/تبعد- ليلى العمى/نهار البصيرة، الشمس تشرق من جهات مغاربي،...)، لتنقل حال اللاثبات واللاتوازي التي تجعل الذات بين خطَّين منفصلين: الحضور/الغياب، قد يلتقيان عند نقطة واحدة هي اللايقين والخيبة في الأشياء كلّها.

فتمتدُ نبرةُ الحزن واللاتفاؤل بين القصائد كاشفة لنفسية قلقة مدركة مسبقا ضربًا معيَّنا لا غير لما سيواجه الذات (الرائي) حيث تصبح الرؤية منغلقة على الاحتمالات كلّها، ومنفتحة إلاَّ على احتمال واحد هو التيه .

 

خيرة بغاديد

الجزائر

......................

هامش

01* محمد الأمين سعيدي، ماء لهذا القلق الرمليّ، دار فيسيرا،2011،ص11

02* عبد العزيز بومسهولي، الشعر والتأويل،أفريقيا الشرق، لبنان،1998

03* الديوان، ص41

04*رشيد يحياوي، الشعر العربي الحديث، دراسة في المنجز النصي، أفريقيا الشرق، لبنان،1998،ص130

 

وقفات في النقد الأدبي: المتنبي اِنساناً وحكيماً!!

karim alasadiكم كتب المتنبي في الفخر، كم كتب معتداً بنفسه، هاجياً أعداءه الذين حسدوه وغاروا منه وكرهوه قَدَرَ الغل الذي ملأ قلوبهم ناجماً عن هذا الحسد وهذه الغيرة،حسد العاجز عن الأبداع للمبدع وغيرة القاصر من المتمكن!!

لاشكَ انه كتب الكثير في هذا الصدد والبليغ أيضاً، ومن أقواله التي نستشهد بها في هذا الخصوص:

أنا صخرة الوادي اذا مازوحمتْ

واذا نطقتُ فأنني الجوزاءُ

 

واذا خفيتُ على الغبي فعاذرٌ

ان لاتراني مقلةٌ عمياءُ

ثم يردف ويرفد هذين البيتين الهائلين ببيت آخر عجيب غريب بمفارقاته وسعة الخيال فيه ولكن ايضا بحجم الفخر والأعتداد والاعتزاز بالذات فيه اِذْ يقول:

 

شيمُ الليالي ان تشككَ ناقتي

صدري بها أفضى أَم البيداءُ

 

أونأخذ على سبيل المثال ابياته التي يقول فيها:

 

أنا تربُ الندى وربُّ القوافي

وسمامُ العدى وغيظُ الحسودِ

 

وحيث يقول في نفس القصيدة:

 

مابقومي شرفتُ بلْ شرفوا بي

وبنفسي فخرتُ لابجدودي

 

ومع هذا لاينسى ان يفخر بجدوده في نفس هذه القصيدة ليعمل فخره بجدوده هنا عمل العدسة المكبرة التي تكبِّر الصورة الأولى صورة افتخاره بنفسه حين يقول عن جدوده:

 

وبِهم فخرُ كل مَن نَطَقَ الضادَ

وغوثُ الجاني ومأوى الطريدِ

 

المتنبي الذي يقول:

 

تغرَّبَ لامستعظماً غير نفسِهِ

ولاقابلاً الّا لخالقِهِ حكما

 

ولا سالكاً الّا فؤادَ عجاجةٍ

ولا واجداً الّا لمكرمةٍ طعما

 

والذي يقول في نفس القصيدة:

 

يقولون لي ماأنتَ في كلِ بَلْدَةٍ

وماتبتغي، ما ابتغي جلَّ ان يُسمى

 

المتنبي الذي يقول في حضرة سيف الدولة وأمام منافسيه وغرمائه ومناوئيه:

سيعلمُ الجمع ممن ضمَّ مجلسُنا

بأنني خير مَن تسعى به قَدَمُ

 

والذي يقول في نفس القصيدة وفي نفس الوقفة :

 

أنا الذي نظرَ الأعمى الى أدبي

وأسمعتْ كلماتي مَن به صممُ

 

المتنبي الذي امتلأت صفحات ديوانه بالفخر ومساجلة ألأعداء والحساد والحاقدين والساخطين والكارهين والمتربصين حتى كلفه الأمر راحته ومن ثم حياته، يرجع متأملاً، مفكراً، مُستشرفاً، مُستبصراً، مُتعمقاً، متبحراً، حكيماً ليقول :

 

ومرادُ النفوس أصغر من أن

نتعادى فيه وان نتفانى

 

غير ان الفتى يلاقي المنايا

كالحاتٍ ولايلاقي الهوانا

 

ماأكبر المتنبي انساناً في هذين البيتين، ماأحكمه حكيماً وما أشعره شاعراً.

رفعُ الهوان ورفضُ الذل والأنتفاضُ للكرامة الأنسانية المستلبة والمنتقصة هنا برأي الحكيم المتنبي هو السبب الوحيد الذي يبرر معاداة الآخر وماعدا هذا لاسبب يدعونا نحن بني البشر ان نتعادى، ومهما كبر مراد الفوس سيبقى أصغر من العداوة بين شخصين أو بين طرفين.

انه قول يُقارَن بتعاليم السيد المسيح وتوجهات بوذا وحِكم لاوتسه، وأقول يُقارَن ولا أقول يشبه !!!

كم رأى وكم خبرالمتنبي من الحياة وهو الذي لم يتجاوز الخمسين عاماً حتى يتوصل لمثل هذه الحكمة الشعرية الهائلة ويسبكها بمثل هذا البيان معطياً التقرير والتفسير والتبرير.

المجد لأبي الطيب أحمد المتنبي شاعر العربية والأنسانية الكبير الكبير.

 

كريم الأسدي

......................

* وقفات في النقد الأدبي مشروع نقدي سأقدم فيه بعض القراءات النقدية المختصرة لبعض الأبيات أو القصائد أو الأعمال الأدبية من الشعر العربي والشعر الشعبي العراقي والأدب العربي والعالمي .

 

قراءة نقدية في رواية الماء المتصحر لحازم كمال الدين

صدر عن دار فضاءات في عمان في 2015 رواية الكاتب والمسرحي والروائي حازم كمال الدين بعنوان (مياه متصحرة) والرواية تقع بحوالي 200 صفحة من القطع المتوسط

أن الدخول الى فضاء السرد الروائي لحازم كمال الدين يمثل اشكالية (في نظري ) لأي ناقد بسبب تكثيفه اللغة الى الحد الذي تصبح معه عملية السرد مقطوعات شعرية بالغة الرهافة والدقة من جهة ومستفزة في بعض جملها التي تحمل روح جيمس جويس،كما في الصفحة 8 مثلا

ولكني سأغامر بدخول هذا العالم المليء بالتناقضات والاشكاليات التي تجعل من النص (حمّال أوجه) يقرأه اثنان فيخلصان الى نتائج مغايرة

- سأتناول الرواية عبر محورين

1 – المواصفات العامة للرواية

2 – تفكيك الرواية نقديا

 

اولا – الملاحظات العامة

1-يمكن القول ان الرواية تمثل فنتازيا تتراوح بين السخرية المرة والكشف القاسي عن مجريات الحياة العراقية اليومية التي بدأت منذ سبعينات القرن الماضي وحتي اليوم بتصعيد مأزوم،وهي تجمع بين أكثر من اسلوب سردي يزدحم به المشهد الثقافي العراقي

2-أنها رواية دائرية،وهذه سمة السرد الروائي لحازم كمال الدين منذ روايته كباريهت، فالصفحة الاولى ومشهد قتل حازم كمال الدين يمكن ان تكون صفحتها الاخيرة وكانها استطراد يأتي مباشرة بعد عملية القتل

3- ان هناك صوتا واحدا في الرواية هو صوت القتيل عدا بعض الاستثنات كما في الصفحة 70 حيث يتدخل راو (عليم )

او تداخل في اصوات السرد، كما في الصفحة 184 حيث يقطع سرد الرواي (العليم ) تدخل القتيل حازم كمال الدين قاطعا الطريق على الراوي الخارجي

4-ان لغة الرواية تتراوح بين الشعر والمسرح والسرد النثري، وبعض الصفحات يمكن ببساطة الحاقها بقافلة قصيدة النثر، كما في مفتتح الرواية في الصفحة 5 حيث يقول:

أمر عصي على التصديق

كالسديم أتكثف في حيز مبهم

أطوّف أ وأطفو في الحيز الغامض

لا سبيل لتحديد طبيعة ما يحدث

وكما في الصفحات،74، 75، 106، 130،140،168، 174 176)

واللغة في الرواية لاتكتفي باعتبارها اداة توصيل وانما تنزع الى المعنى الدلالي الذي يكمن في السياق الذي تدخل به المفردة اللغوية، فالمفردة في السياق لها معنى خاصا غير معناها المعجمي،اذ هي تملك سماتا اخرى ومعان دلالية

5- يوظف حازم كمال الدين الايدلوجيا دون ان تكون الرواية بالضرورة ايدلوجية وفي هذه الرواية يقدم نفسه فوق الطوائف ويحاول أن يكون مراقبا محايدا !!!

6-يستخدم المؤلف الحكايا الشعبية، كما في الديك المشاغب والطنطل،كما يوظف الميثالوجية السومرية واليونانية وكذلك بعض الجوانب التاريخية، من التاريخ الاسلامي على وجه الخصوص

7-وضع المؤلف أحد عشر مرة   عناوين فرعية وكما يلي:

*النفق الحلزوني 12 مرة (الصفحات،22،32،49،54،74،82،89،98،115،140،159،166)

*استخدم عنوان تجاويف النفق الحلزوني 13 مرة

*في احد تجاويف النفق الحلزوني مرتين

* الصديق الابدي مرة واحدة،النفق باعتباره تجويفا مرة واحدة،في الحلزون مرة واحدة،التخوم مرة واحدة،القرين صديق الطفولة مرة واحدة،تجويف امام باب المقهى مرة واحدة وفي عراء الغابة مرة واحدة

إن التكرار هنا عملية مقصودة تشير الى الواقع العراقي الملتبس والمعقد،وقد يمتد التكرار الدلالي هنا الى الحلزون هو الحيوان الخائف والمختبئ يترقب بحذر شديد خوفا من القتل ...هنا هو العراقي الذي تتلقفه قوى الظلام والتدمير عند نقاط التفتيش او على الشوارع حين يوقفه حاجز (طيار)، وليس الى النفق بحد ذاته والذي يأخذ شكلا حلزونيا يشير الى المتاهة،ورأيي هنا مبني على ماجاء في نهاية الرواية حيث يخرج القتيل (حازم كمال الدين) الى لا شيء!!

8-ان احداث الرواية غير منتظمه بسياق زمني يمكن ان يخلق حدثا دراميا ينمو على نحو عقلاني بل هي تتراكم بتوال،خالقة صورها بمساحات ضيقة لا يفصل بينها إلا انتقال الكاتب الى فصل جديد، ولكن هذه ا لصور عبارة عن تنويعات لمشهد متكرر

 

ثانيا :تفكيك الرواية نقديا

هذا المحور عبارة عن قراءة خاصة تولدت لدي وانا اجوس في تفاصيل الاحداث ولهذا فهي ليست بالضرورة الصوره الوحيدة للرواية ذلك لأن كل متلق له رؤيته الخاصة

لنبدأ بالعنوان

الماء المتصحر ...بمعنى ان هناك ماء قد تصحر، هذا في المعنى المباشر واللفظي أما سيمائيا فإن العنوان يتكون من إشارتين دالتين، وفاعلتين بحيث لا نجد ما يمكن أن نسميه بالزيادة بالمصطلح النحوي، والتي يمكن أن نستغني عنها دلاليا مما يصعّب مهمة القاري، ويدفعه إلى إعادة ترتيب عناصر العنوان لتفادي بقاء الجملة ناقصة، فنضيف اليه (الذي)، لتكون (الماء الذي تصحر ) وهذا على مستوى البنية النحوية لايغير الجملة

والمفارقة في العنوان انه يضع القارئ امام سيمائية الجملة وليس امام الماء الذي نعرف جميعا انه سائل يحمل سر الحياة، (وجعلنا من الماء كل شيء حيا)، ويقول باشيلار في كتابه الماء والحلم ص 19 (الخيال المادي للماء،انما هو نموذج خاص للخيال) ... المفارقة اننا نجد ان الماء الذي يرمز للحياة يتحول الى صحراء وهي رمز للجدب والعزلة، والتصحر يسلب الماء مواصفاته في الحركة والحياة ويحيله الى ارض يباب،

ان الرواية تتحدث بلغة صريحة عن الموت واشكال التعذيب التي يتعرض لها الانسان العراقي بشكل صريح وواضح، ويصاحبنا الموت والالم والمعانات ونحن ندخل في تفاصيل عملية السرد الروائي التي لا تتوقف عند زمان او مكان معينين ويمكن القول ان الزمان والمكان هنا وهم لا يمكن ان تتحدد ابعادهما بسنين معينة او بحدود جغرافية واضحة وهما الحياة العراقية من اقاصي الجنوب الى اقاصي الشمال

منذ البدء يعترف حازم كمال الدين انه قد قتل ! ولكنه مصر ان يعود ينا الى الماضي الذي عاشه ليكشف لنا اشكاليات رتبها بعناية ليقودنا الى الهدف الذي يبتغيه وهو ان العراق الموزع الطوائف والاثنيات موزع في تداخل انسابه ويعيش الماضي والحاضر والمستقبل في وحدة زمنية متماثلة في حيثياتها ومواصفاته لم تتغير

حازم كمال الدين القتيل لا يستطيع الخلاص من التنازع الطائفي على جثمانه بين امه التكريتية وابيه النجفي،هذا رغم كونهما من التيار العلماني والام اقرب الى الحزب الشيوعي

ماذا يريد حازم كمال الدين ان يقول في السرد الروائي لا فيما عرضه باللغة الانكليزية مرفقا بالرواية ، وهو يحمّل العلمانيين مسؤلية هذا العبث الدموي الذي تمارسه شرائح المجتمع العراقي؟

الماء يتصحر بمعنى ان الخراب يمتد الى الحياة ....الى العراق حيث يمتد الى كل زاوية وركن ويقف الطنطل ليس حارسا ولكن قاتلا في نقاط التفتيش ....مورّثا الجنون الذي عرضه بمتابعة الديك الذي ابتلع قطعة من حبة تمر وتصوير عملية فصل رأسة بقسوة تتماثل مع ما يجري في الحياة العراقية

ولكن ما هي نهاية النفق الحلزوني التي تعرضها عملية السرد، لنستعير من عبد السلام المساري (عبر صور تقوم على رص المعطيات المتناقضة في تركيبة، واحدة فتذوب خلالها حدة المفارقة لان هذه المعطيات المتناقضة عندما تدخل إلى حيز المتخيل، تجد المناخ الفني الذي يجعلها تأنس إلى بعضها وتعمل على تشكيل صورة مرئية على أنقاض المعاني الممعنة في التجريد) "النيات الدلالية في شعر امل دنقل الصادر عن اتحاد الادباء العرب عام 1994 ص 114

ان التشكيل الدلالي عند حازم كمال الدين أعطى بعدا معمقا في رسم أبعاد الصورة التي أصبحت مترابطة تركيبا ودلالة، ولكن نهاية النفق في نهاية الرواية لا تقدم فسحة مضاءة يمكن ان تشكل نهاية لكل تلك العذابات، فهو يذهب الى لا شيء

لارحلة عودة او ذهاب

أنني في عدم عديم اللون والمكان والطعم والزمان

لا لون اسود ولا أبيض ولا ما بينهما ولا تنويع عليهما

لا أرى سوى ذاكرة اشلائي المبعثرة بعد القصف الامريكي على السوق

او بعد تقطيعها في قلعة السؤدد وهي تذوب رويدا رويدا فلا يبقى سوى

وجه العدم : وجه اللاشيء

هذا الذي تسميه وجه اللاشيء هو الجنة

يتناهى إلي صدى صوت صاحبة المقهى مرحبا متمنيا لي اقامة خالدة في ذلك اللاشيء ....ص196

نهاية النفق ستكون لا شيء وليس هناك من قوة كما يرى المؤلف قادرة على اعطاء العراق مستقبلا من (شيء)

ونلحط في القطعة السابقة ان صوتا من خارج الرواية يقول له (هذا الذي تسميه اللاشيء هو الجنة)

فاللا شيء هو السلام وتوقف عمليات القتل والمطاردة، وليس عودة الحضارة والبناء والمشاركة في حركة التاريخ الانساني هي التي في نهاية النفق الحلزوني للعراق القادم من مسارات التيه

وأخرا فان الرواية تحمل ملامح انسانية مشتركة لشعوب الربيع العربي، ورغم قسوتها الا أنها صادقة على نحو تعرفه شعوب هذا الربيع المتفجر بالعواصف

 

ذياب فهد الطائي

 

رحلة المصير .. قراءة نقدية في نص الاديبة السورية ميسون زيادة: على قبر هندي احمر

abdulrazaq alghalibiالمقدمة: المعلومة وقراءة الادب

نحن في زمن ليس فيه حديث لم يقال او حادث لم يحدث، فلم يعد السرد الاخباري كافيا لامتاع القاري العازف اصلا عن القراءة بسبب التطور التكنولوجي المرئي والمسموع والسرعة بالتحرك والهجوم الهائل في تكنولوجيا الاتصالات، حيث كبسة زر من حاسوب تنقل صاحبها الى اكبر المكتبات ودوائر المعارف في العالم ويتصفح ويقرأ وينسخ ما يريد دون ان يزعجه او يراه احدا او ربما وهو جالس في بيته او في مقهاه المعتادة او خلف مقود سيارته، فالحصول على المعلومة بات ضربا يسيرا وشيئا بسيطا في زمن التقدم المعرفي والتكنولوجي الهائل والمتواصل .. هو شي جدير بالنقاش والمماطلة فقد اضحت المعلومة يسرة جدا الى الحد الذي تدخل فيه البيوت بسهولة ودون استئذان بطرق التلفزة والانترنيت بأشكال متعددة حسب الطلب ووضعية الجلوس في المنزل ..

الادب الذي كنا نحفى للحصول عليه منذ نصف قرن مضى يأتينا الآن ملفوفا بقرطاس خيارات العرض المريء والمسموع حتى اصبح المكتوب منه ابعد كثيرا عن متناول ايدينا ورقيا ويعد من المحظورات الطبية التي تؤذي البصر، انتقل الكتاب والمجلة والصحيفة من الشكل الورقي واتجه نحو الشكل الرقمي الالكتروني الجميل وهو فرح بشكله الجديد ونقرأئه على شاشة الحاسوب والتلفون حتى وصل به الامر ان يقرأ نفسه لنا احيانا ونحن نستمع فقط عن طريق صوتا انثويا ناعما تختاره نحن بأنفسنا بكبسة زر من ازار الحاسوب او التليفون فليس من سبب ا ن نرهق ابصارنا بهموم القراءة .. ولا ندري ان بصيرتنا بدأت تضعف لدرجة انها مهددة بالانحسار الكلي بسبب العزوف عن استعمالها وربما ستهجرنا هي يوم ما ..

اما قراءة المعلومة بشكل عام والاستفادة منها وبشكل حصري، الادب فقد انحسر نهائيا الا ما نزر من قراء يغازل طائلة الاسباب المطروحة انفا .. ومن هنا بدا الادباء والكتاب والشعراء البحث عن سبل اخرى للوصول الى ذهنية المتلقي واصطياد ذائقته الادبية من جديد واعادتها الى حيز الواقع الملموس باتباع المدارس والمذاهب الادبية الحديثة كالمذهب الرمزي والمذهب السريالي الذي يعتمد احدهما على العمق الاسلوبي المرمز المنتصب امام القاريء بتحد سافر لذهنيته السجينة بين قضبان الفيض الرقمي والتنصيص الاخباري، انتشر هذا النوع من الادب انتشارا رهيبا في جميع اللغات على مستوا عال في جميع عوالم الكرة الارضية، حتى صار انتشاره السريع كالنار في الهشيم بعد عصر النهضة وتطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية، يتأتى من التحدي الرمزي الذي يضعه الاديب في مادته الادبية مما يجعل المتلقي مغرقا ومغرما بطرح الافتراضات تلو الافتراضات للوقوف على المنحى الاساسي للمادة الادبية الملقاة امامه، تلك المدارس الحديثة كانت سببا في ابعاد الادب برمته عن طائلة السرد الاخباري الاجوف الذي كان منتشرا على الساحات الادبية ويغزوها غزوا تاما كمادة تسلية متفردة تحت غياب عربة تكنولوجيا الاتصالات في ذاك الزمن العذري وقبل عصر النهضة والثورة الرومانسية حيث الالتزام بالوزن على حساب المعنى ..

 

المميزات واللمحات الفنية والادبية والبلاغية في النص

لم ولن اندهش اطلاقا كناقد حين اجد الاتزان الادبي يأخذ مجرى انثويا باهرا وماهرا يتجه بحرارة وجدية سيفا قاطعا تحمله اديبة متمكنة راقية وهي مهندسة ..الادب ليس حكرا على احد او اختصاص، الاديبة المهندسة ميسون زيادة هي اهلا ان تكتب نصا متكاملا من جميع النواحي الفنية والادبية، عند قراءتي النص مرات عديدة وعرضة لنقاش ادبي في ندوة ادبية تضمنت تحليلات عديدة لذلك النص من قبل ادباء اكفاء اثبت وبرهن قطعا انه نص رمزي بدرجة الريادة حين اختلف فيه اراء نقاد ومثقفين كثيرين من متذوقي الادب الرمزي وكانت جميع التحليلات ولو كانت مختلفة تصب في بودقة واحدة متقاربة المسافات والنتائج لكونها مبنية على قواعد واسس رمزية وعلمية رصينة، ومن خلال قراءتي المتكررة للنص ولاستنتاجات للمنتقدين من الادباء والمتلقين اتضح من ذلك مقدرة الكاتبة الادبية الفائقة في نسج اعمدة هذا النص بتفوق واتزان وقدرة متمكنة في هذا النوع من الادب ..

ينتمي النص الى المدرسة الرمزية مع انه كتب باسلوب واقعي مرمز عميق تحت نظرية الفن للمجتمع ويبدو ذلك من حبكته السردية التي جاءت باسلوب عميق منسوج بمصفوفة مخملية من وراء جدار القص .. اما بناء النص الداخلي جاء بأيقاع هاديء سلس ومتزن بحرفنة سردية ادبية وفنبة رصينة وظهر النص تماسكا بالاحداث بشكل متسلسل لاعطاء وحدة نص متكاملة بعقدة قص محبوكة مع انفراج للحداث بشكل رائع ونهاية غير متوقعة .. بدا النص وكأنه رواية وليس قصة قصيرة وتلك نقطة ايجابية تحسب لكاتبة النص وتمكنها الفني من ادواتها الادبية ..حبكة النص الاخبارية تأخذ المتلقي نحو مجموعة من الناس مع دليل يتقدمه دليل يسير به نحو قبة من الكرستال يرومون الدخول فيها والاستمتاع بما في داخلها بشرط ان يعملوا .. وهذا النوع من السرد في النصوص المرمزة يأخذ المتلقي البسيط بعيدا عن عبقرية الكاتبة ميسون زيادة لتلهيته بتلك الحبكة العادية عن الحبكة الاساسية الرمزية اختبارا لذائقته الادبية ..اما المتلقي صاحب الذائقة الادبية المتمكنة لا يأخذه الصبر بانتظار تلك الحبكة ويفكر بعقلية الاديبة ويبحر في رموز النص المخبوءة تحت جلباب السطور والكلمات وينزلق من قبضة الايهام نحو عملية الاستنتاج والتفكير بتلك الرموز وما يقابلها من اعمدة واقعية في النص .. وهذا هو دأب النصوص الرمزية المتبع والذي يفرضه كتابها مصيدة الخداع وللتأثير للتميز بين الذوائق الادبية لدى القراء واستفزازا لعقلية المتلقي وجرة الى طائلة التفكير والاستنتاج والحلول العقلية لرموز النص ..

وبعد الخوض في الرموز والتحليلات المطروحة من قبل الادباء بالندوة التي عرض فيها هذا النص للنقاش والتمحيص والنقد جاءت الاستنتاجات العقلية النقدية كما يلي: تشير الكاتبة الكبيرة ميسون زيادة باصبعها الكبير نحو العمود الرمزي الاساسي المخبوء حول العولمة واللهاث الامريكي لبلوغها على جماجم الهنود الحمر والشعوب المستضعفة الاخرى في عالم سمي بالعالم الثالث وبعد تفتيت المعسكر الاشتراكي الذي كان سدا منيعا يقف امام طموحات امريكا الدبقة عنده .. وبزوال هذا السد اصبح العالم بقطبين، صيدا سهلا لها بعد صراع عنيف دام قرون تمكنت اميركا من بلوغ هدفها الاسمى في فرض العولمة كنظام جديد محكوم بالقوة والهيمنة لهذا القطب على العالم باسره ..امسي العالم دولا صغيرة متناثرة ضعيفة ومستضعفة من قبل اللوبي الامريكي تلعب فيه ما تشاء وفعلا استمر صراعها بالاستيلاء على كل منابع الثروة في عالمنا واهم المصادر منابع الذهب الاسود في المنطقة العربية ..

دأبت اميركا بالاعتماد على الصراع المخابراتي بتفتيت العالم العربي الى قطع صغيرة لسهولة الاستيلاء وهو دأب استعماري قديم لنهب ثرواته بمساندة ذيوله من حكام العرب الذين نفذوا خطط الطمع الامبريالي بكل ما لديهم من قوة ونفوذ حين القوا انفسهم في الحضن الامريكي وتسليم مصائر الشعوب العربية بيديها القاسيتين فقامت ربيبتهم اميركا باجتذاب كل مجرمي العالم بمساعدة حكام العرب لقتل وتهجير الشعب العربي وارساء عجلة الموت التي لا تزال تفعل وسوف تبقى تدور حتى يصبح الوطن العربي دويلات صغيرة تضم الفقراء والجائعين فقط بعد نهب كل ثرواتها من قبل هذا الغول الذي لا يشبع ..

احس وصدر تلك الانسانة المغرقة الى انفها بحب الوطن وهي تحمل تلك الهموم الثقيلة في قلبها الانثوي الصغير وتعيش مع معاناة وطنها بشكل مستديم واعجب كيف لا ينفجر قلبها من ذلك الهم الكبير لكن الله رزقها بقلم راقي تستطيع من خلاله تفريغ كل شحنات الظلم والضيم والقهرعلى اوراقها المبعثرة لذلك يخرج حرفها رصاصا مشتعلا ..سؤال يطرح نفسه هل وصل العرب الى قبة الوعد الكرستالي وحققوا ما وعدتهم الامبريالية .. !؟ الجواب كلا فقد زرعت الامبريالية الامريكية الفرقة والطائفية وجرتهم الى الاقتتال فيما بينهم وحفر قبورهم بأيديهم وقتل اطفالهم بحصاد يومي من تفجيرات بايدي وتمويل عربي باسم الدين وذرائع وفتاوى غبية ولا يزال الهم ساريا كمرض خبيث ووباء مستعصي العلاج وسيبقى الى اخر نفس عربي مادامت الخيانة والعمالة وموت ضمائر الحكام العرب مصدا وحائطا صلدا يمنع الشعب العربي من تحقيق حريته في الخلاص من الطود الامبريالي ..نص راق بكل ما في الكلمة من معان ..

حملت الكاتبة الراقية ميسون زيادة النص وبتمكن من المحسنات البديعية والصور والكنايات والتشبيهات والمقارنات البلاغية التي تأخذ بالمتلقي من يده نحو ابعاد خيالية رائعة وتجعله يقرأ النص حتى اخر كلمة دون توقف ..كان التمكن الادبي الرمزي للكاتبة واضحا بوحدة النص المتماسكة واستخدام الكلمات القصيرة والجاذبة للقاريء العربي لتدفع النص نحو عربة السهل الممتنع العميق حيث كانت عجلة الكاتبة تدور ما بين السطور وخلفيتها اكثر من الكلمات الموجودة فوق سطورها فقد صنعت لكل كلمة اصابع تشير لاشياء مخبوئة خلفها او تحتها او بين جنباتها .. ومن هنا سوف نتجول في حدائق الاديبة الرائعة ميسون زيادة الوارفة بالمعاني والزهور لنفهم كيف استطاعت ان تسخر ذلك الكم الهائل من المعاني بخدمة نصها الراقي هذا ..

لحقنا وعوده، مشينا وراءه طويلاً على رمال الصحراء الساخنة احترقت أقدامنا، بعد أن اهترأت نعالنا من طول المسير، حالمين بأن نصل أخيراً إلى قصر المتعة الذي وعدنا به .

وهذ العمود الاول لسلسلة الرموز التي تخفي في جنباتها وتحت بلاطها الدرر والمعاني الانسانية والوطنية التي تركز فيها الكاتبة الرائعة ميسون زيادة عبارة (لحقنا وعودة) وكأنها تشير الى ان كل ما هو مطروح من علاقات سياسية ودبلوماسية بين العرب وامريكا ماهي الا زبد ووعود تافهة وكاذبة جعلت من واقع وحاضر ومستقبل من ينفذها من حكام البلدان العربية صحراء قاحلة تحرق اقدام السائرين على رمالها الحارة التي تحرق كل خير حتى اقدامهم الحافية من الخف الذي تقطع من السعي نحو السراب الموعود لا يجني من يسير فيها سوى اضغاث احلام باردة لصيف قائض ولشخص نام ليله دون غطاء حتى يحلم هذا الشعب المسكين المنقاد من ذقنه بأيدي حكامه الى الطغاة نحو قصر المتعة الموعود، نتائج الوعود الكاذبة، صفر اليدين ..

يحدِّثنا عن قصر الكريستال الذي نسعى إليه، يتحدث بكلام عذب منمّق عن كل ما فيه من مالٍ وذهب وأنهار وجميلات ..

 

نحن قومٌ ننام عندما يقترب الله منّا ليستجيب دعاءنا

تكمل الكاتبة بلفتة عمودها الرمزي الاول بترسيم هوية الكلام السحري ونوع الحديث الملقى والذي يفتح شهية الانسان العربي نحو الانقياد من انفه بصورة سهلة كانقياد الجمل في الصحراء بمعسول اللسان المغموس بعسل التوق العربي نحو(الذهب والانهار والجميلات) وهذا التوق الاساسي الفارغ الذي يذهب بالعقل العربي حتى يبيع اهله، ومعسول الكلام هذا مدروس حاسوبيا ومخابراتيا عن اهتمامات الانسان العربي الساذجة والتي جرت كل حكام العرب نحو اقذر الاعمال ضد شعوبهم العربية واخرها التهجير الجماعي نحو الدول الغربية ببعثرة انسانية لم يعهدها التاريخ من قبل .. اضافت الكاتبة عبارة تنم عن تجاهل الانسان العربي لحقوقه وفتورة المستديم بالمطالبة بحقوقه المسروقة فنحن العرب نحب النوم بكل اشكاله .. احيانا ننام بعين واحدة ونشاهد اللصوص وهي تسرق ثرواتنا وبيوتنا ولا نسطيع من ضعفنا المكتسب حتى ان نشير بأصبعنا نحو السارق فضاعت فلسطين وسيعقبها سوريا ثم العراق والخير آت من كنف حكامنا ونومهم بعين واحدة ..

بدأ كل واحد يدور حولها علّه يجد الباب، ولكن أحداً منّا لم يفلح، وقررنا أن نتفق على غير العادة، ونمسك بأيدي بعضنا لنشكِّل حلقة حول القبّة، وبذلك سنسبر كل زواياها، ولا بدَّ أن يرى أحدنا المنفذ الذي دخل منه الغريب، أمسكنا بأيدي بعضنا بقوة وفتحنا أقدامنا حتى تلاصقت كل قدم أخٍ بقدم أخيه، وكل يد أخٍ بيد أخيه، وأصبحنا إهليلجاً مباركاً يطوف حول القبة، وفجأة .. رأينا أنفسنا داخلها، كيف؟

تشير الكاتبة الرائعة ميسون زيادة هنا نحو شيء مهم جدا في القضية العربية هي ان العرب وبشكل عام وتاريخي اتفقوا على ان لا يتفقوا فبعد انقيادهم الاعمى خلف وعود الامبريالية الكاذبة وهم غرباء عن بعضهم البعض مشتتين بالفرقة المثبتة بمسامير الطائفية والصراعات المذهبية، واجهوا محنة فيها توق دبق يتفق مع ميولهم الشخصية فاتفقوا عليه فلم يستطيع احد دخول هذا التوق المنشود وحيدا .. وكأن الاديبة تتسائل مشيرة باصبعها نحو العرب قائلة: أيها العرب انتم امام مشكلة كبرى وتهديد كبير بضياع شعوبكم وخيراتكم وارضكم ..لماذا لا تتحدوا ولو لمرة واحدة وتواجهوا الامبريالية وتخلصوا وطنكم الكبير من الاخطار المحيطة به .. !؟ لذلك تستخدم الكاتبة بحرقة وبحزن كبير وكاني ارى حماسها ودموعها المتساقطة فوق اوراقها المبعثرة بعبارتها اليائسة (أمسكنا بأيدي بعضنا بقوة وفتحنا أقدامنا حتى تلاصقت كل قدم أخٍ بقدم أخيه، وكل يد أخٍ بيد أخيه، وأصبحنا إهليلجاً مباركاً يطوف حول القبة، وفجأة .. رأينا أنفسنا داخلها، كيف؟) لو اسقطنا تلك العبارة على اعمال الحكام العرب وفهموا مغزاها لدفنوا رؤوسهم العفنة كالنعامة تحت الرمال .. وبلغوا ما ارادوا من الحكام فقط وهم بعدد الاصابع وباعوا شعبهم وارضهم وثرواتهم من اجل بريق احمق متخلف كعقولهم المخشبة ..

حتى نبقى يجب أن نعمل، وخصّص لكل واحد منّا قطعة أرض عليه أن يحفرها، بدا العمل سهلاً وسخيفاً مقابل كل تلك المتع، وبدأنا نحفر حول صرحٍ أو ضريحٍ فوقه تاجٌ من ريش، لا نعرف الهدف من عملنا، ولكنّ أحداً لم يحتج فالبقاء هنا يستحق.

في اليوم التالي كان المطلوب منّا أن نردم ما حفرناه يوم أمس، احتجَّ البعض وتأفف البعض

بالطبع لم يكن الشعب العربي المقصود بل حكامه حين استلمتهم المخابرات الامريكية بدات بتوزيع المهام على كل واحد منهم لتنفيذ الاجندات المختلفة لتمزيق الوطن العربي والامة العربية بشكل منظم، بدأ زرع العملاء والخونة بجسد تلك الامة المحمدية ولا نريد ان نتأصل الموضوع ونذهب بعيدا ولتكن نقطة البداية خارطة الطريق التي اثمرت بتفتيت المعسكر الاشتراكي الى دويلات صغيرة بعدها غزو الكويت ثم العراق بعد الحرب العراقية الايرانية التي دامت ثمان سنوات وبعد ذك جاءت مرحلة الربيع العربي الذي بدأ بتونس ولم ينتهي لحد الان في سوريا والعراق رمزت له الكاتبة الذكية بالعبارة التالية(حتى نبقى يجب أن نعمل .. نردم ما حفرناه يوم أمس ) وهذا يعني انهم عملاء فقط بتنفيذ ما يأمرون به وليس لعملهم كياناتهم اية اهمية تذكر ..

في يوم نحفر وفي اليوم التالي نردم، كانت الحفرة يوماً تمتلئ بالدم ويوماً بالأشواك، واليوم الأسوأ عندما تمتلئ بمقل أطفالنا الحالمة الذين تجاهلناهم وراء ظهورنا، تنظر إلينا بأمل أن نعود، قرر بعضنا الخروج لم تعد المتعة متناسبة مع حجم العمل ونوعيته، ولكن المشكلة أن طريق خروجنا معروف فكما دخلنا نخرج، والمشكلة الأكبر هي في عادتنا ألا نتفق.

وتشير كاتبتنا العبقرية المهندسة ميسون زيادة نحو مأزقنا العربي الكبير، الفرقة وهي مأزق يصعب الخروج منه ابدا، وكأن العرب سكنوا حفرة تحت بركان او فوق صاعق قنبلة، افعالهم المشينة قادت نحو دمار شامل لم يحسو به حتى دخلت ارجلهم المصيدة الامريكية وبعدها انتبهوا بعد فوات الاوان لما يحدث لهم ولأوطانهم وأطفالهم وشعوبهم حين استحكمت الحلقات ونالت النار الهشيم بزمن لا يفيد فيه الندم .. ويبدا نشيج الكاتبة بالتصاعد حين يدب الياس في نفسها وجنبات قلبها المثقل بالهم والالم والانكسار وهي تكتب كلماتها المترعة باليأس عن استحالة توحد العرب ضد أي خطر واتخاذهم موقفا استسلاميا مقيتا كمن يتلقى الضربات بسيف بتار ويتقيها بيديه المجردتين .. قد حاول البعض النهوض ولكن ثقل الكارثة اقعدهم في محلهم دون حراك لكون طريق الخروج ليس سهلا ولا يشابه طريق الدخول المغري وتشير لذلك الكاتبة برمزية ذكية بالعبارة التالية (كانت الحفرة يوماً تمتلئ بالدم ويوماً بالأشواك ... . والمشكلة الأكبر هي في عادتنا ألا نتفق.)

أن نتذكر دوماً أننا نحفر قبورنا بأيدينا، التي ستكون جاهزةً عندما نتجاوز أو نخطئ، فحضارة قبة الكريستال اللامعة التي نشأت على قبر هندي أحمر لن يستمر زهوها إن لم تتربع على قبور كل حضارات العالم

وتؤكد الكاتبة استحالة الخروج من السيطرة الامريكية والامبريالية فقد فات الاوان على ذلك الخروج بسبب غياب الوحدة العربية التي عوضها الشتات المترسخ في القلوب من حقد طائفي وشتات مذهبي بين ابناء الامة الواحدة فجعل شرقهم غربا وغربهم شرقا الكل يتصيد البعض والبعض يترصد الكل حتى باتت الفرقة غزوا وذبحا وموتا يوميا على مدار عقارب الساعة وتريد الكاتبة هنا ان تذكر العرب ان الهنود الحمر اصحاب الارض الامريكية الحقيقين لم يستطيعوا الانفلات من القبضة الامريكية فعاشوا بارضهم المحتلة والمغتصبة اذلاء يحفرون قبورهم بايدهم وكما هم العرب سوف يرزأوا تحت الهيمنة الامريكية الى الابد ..وكانت تلك مقارنة جدلية رائعة وبرادوكس ذكي بين القوة والضعف والتوحد والفرقة .. وكأنها تقول للعرب بملء فمها انكم ايها العراب لم ولن تتمكنوا من الانفلات من القبضة الامريكية مالم تتحدوا واتحادكم مستحيل وانهمرت دموعها غزيرة فوق هضبة الجولان وصحراء الانبار ومنارة الحدباء صدقوني بكيت معها ..

نص كبير لكاتبة كبيرة اتعبني كثيرا لكني تمتعت بقراءته وربما استطعت ان اقترب ولو قليلا من مكامن القص الرائع لتك الكاتبة العربية الكبيرة .. سيدتي هذا ما اجادت به معرفتي .. ان اغفلت شيئا اعتذر لها الاغفال ..واقول لك ان الوطن العربي فخور بك وبأمثالك ..

 

من مجموعتها القصصية (هواجس انسان ووطن)

عبد الرزاق عوده الغالبي

... ..

 

على قبر هندي أحمر / ميسون زيادة

لحقنا وعوده، مشينا وراءه طويلاً على رمال الصحراء الساخنة احترقت أقدامنا، بعد أن اهترأت نعالنا من طول المسير، حالمين بأن نصل أخيراً إلى قصر المتعة الذي وعدنا به .

كان يتقدمنا، لا يتعب من المسير، ولا تلفحه أشعة الشمس المحرقة، وكأنّه صنع من نار .

يلتفت كل فينة إلى الوراء، نشعر وكأنّه يعدّنا نحن الذين لا نعرف عددنا، فيوماً نزداد انقساماً ويوماً ننقص موتاً، أمّا هو فيعرف كل شيء عن نزواتنا وشهواتنا، وعقولنا لأي قانون تتبع.

كل مساءٍ كان يجمعنا حول النار التي يوقدها، يحدِّثنا عن قصر الكريستال الذي نسعى إليه، يتحدث بكلام عذب منمّق عن كل ما فيه من مالٍ وذهب وأنهار وجميلات، كل ما لاعين رأت ولا أذن سمعت، نا نتحلّق حول النار جالسين كجلسة أبي الهول، ومن شدة البرد حولنا، وسخونة الأفكار التي تنقلنا إلى قصر المتعة كنا نلهث ونخرج بخاراً ساخناً من أفواهنا، وعند منتصف الليل ينتهي من كلامه، ويُنهي أحلامنا بقرار وجوب نومنا حتى نستيقظ بعزمٍ لنتابع المسير، نحن قومٌ ننام عندما يقترب الله منّا ليستجيب دعاءنا.-

وأخيراً بعد أن نفد ماؤنا وزادنا، وقفنا مشدوهين بقبة عظيمة من الكريستال، تلمع تحت أشعة الشمس تزيدها ألقاً، ورأينا كل ما وعدنا به داخل القبة، أنهاراً وشلالاتٍ وفاكهة، مالاً وذهباً، وأرائك يجلس عليها بعض الذين سبقونا، ربما أتى بهم الغريب قبلنا إلى هنا، أيقنا أنه لم يخدعنا للحظات، ولكنه اختفى: لم يعد بيننا رأيناه يستمتع معهم ونحن ما زالت الشمس تكوينا، واختلفنا كالعادة، فنحن لا نستطيع أن نقرر العودة إلى بلادنا، فهو قرار هلاكٍ أن نتجاوز تلك الصحراء مرة أخرى، ولا سبيل للدخول إلى حلمنا المزعوم فالقبة لا باب لها.

بدأ كل واحد يدور حولها علّه يجد الباب، ولكن أحداً منّا لم يفلح، وقررنا أن نتفق على غير العادة، ونمسك بأيدي بعضنا لنشكِّل حلقة حول القبّة، وبذلك سنسبر كل زواياها، ولا بدَّ أن يرى أحدنا المنفذ الذي دخل منه الغريب، أمسكنا بأيدي بعضنا بقوة وفتحنا أقدامنا حتى تلاصقت كل قدم أخٍ بقدم أخيه، وكل يد أخٍ بيد أخيه، وأصبحنا إهليلجاً مباركاً يطوف حول القبة، وفجأة .. رأينا أنفسنا داخلها، كيف؟ ولكنه لم يعد من المهم أن ندري، شربنا حتى ارتوينا، وتمتعنا بما لا عين رأت ولا أذن سمعت كما قال لنا تماماً.

وبعد أن مرّت أيام المتعة أتى الغريب إلينا ليخبرنا أننا حتى نبقى يجب أن نعمل، وخصّص لكل واحد منّا قطعة أرض عليه أن يحفرها، بدا العمل سهلاً وسخيفاً مقابل كل تلك المتع، وبدأنا نحفر حول صرحٍ أو ضريحٍ فوقه تاجٌ من ريش، لا نعرف الهدف من عملنا، ولكنّ أحداً لم يحتج فالبقاء هنا يستحق. في اليوم التالي كان المطلوب منّا أن نردم ما حفرناه يوم أمس، احتجَّ البعض وتأفف البعض

الآخر ولكننا ردمنا الحفرة، وهكذا أصبحنا في يوم نحفر وفي اليوم التالي نردم، كانت الحفرة يوماً تمتلئ بالدم ويوماً بالأشواك، واليوم الأسوأ عندما تمتلئ بمقل أطفالنا الحالمة الذين تجاهلناهم وراء ظهورنا، تنظر إلينا بأمل أن نعود، قرر بعضنا الخروج لم تعد المتعة متناسبة مع حجم العمل ونوعيته، ولكن المشكلة أن طريق خروجنا معروف فكما دخلنا نخرج، والمشكلة الأكبر هي في عادتنا ألا نتفق.

وهكذا بقينا نقضي نصف يومنا في المتعة ونصفه الآخر ونحن نحفر ونطمر بلا جدوى سوى أن نتذكر دوماً أننا نحفر قبورنا بأيدينا، التي ستكون جاهزةً عندما نتجاوز أو نخطئ، فحضارة قبة الكريستال اللامعة التي نشأت على قبر هندي أحمر لن يستمر زهوها إن لم تتربع على قبور كل حضارات العالم

 
 

البحث عن البعد الرمزي في قصة (العثور على بنجامين) لعبدالفتاح المطلبي

goma abdulahان اهمية توظيف الرمز، من اجل اضافة مساحات واسعة للقيمة الفكرية للنص القصصي، واعطاءه رؤية ديناميكية تفجر دواخل النص الى الظاهر العام، في لجة اثارة جملة من التساؤلات، واشغال الذهن في عملية تفكيك المغزى الرمز الايحائي، الذي نسج خيوط القصة، في لغة الرمز التعبيرية، المستلة من صلب الواقع، وفي عملية مشاركة القارئ في حل معطيات ومكونات الحدث او ومضمون او عقدة القصة، يعني الغاية المرسومة، هي ان يبادر في اشغال العقل في البحث، في محاولة فهم الجوهر الاساسي والحقيقي لمعطيات الرمز المرسوم داخل القصة، لاشك ان عملية استخدام الرمز ليس عملية سهلة الانسياق والتركيب والصياغة، فهي سيف ذو حدين، اما ان تصيب، واما ان تخطئ الهدف، ففي الحالة الثانية. تقع القصة في مطبات التعتيم والغموض والابهام، و تشتيت الهدف والغاية، وبعثرت الافكار التي كونت الرمز. وفي الحالة الاولى. فيكون الامر مختلفاً تماماً، بتصويب بشكل مصيب ومبدع نحو غايته المرسومة بدقة وامعان، ولتضيف الى روحية النص روح جديدة، في ناحية الجدل والاهتمام والسؤال، في محاولة استنباط واستنطاق الخفايا الكامنة والمكبوتة والمكلومة، في تشخيص علل الواقع ومعطياته وسلوكة ومساراته، كل هذه الخيوط يجمعها نسيج واحد، في تقنية فنية لنص القصصي، واسلوب الحبكة وداواتها المتفاعلة، التي تخلق روح التساؤل والسؤال،ومحاولة فهم المغزى والاشارات الدالة بالرمزية، وهي ترسم لوحة الواقع بكامل كاهله الثقيل، والداء والعلة التي اصابته ونحرته كالشاة المذبوحة، ان القيمة الجمالية للعمل الادبي، ان تشعل وتفجر نوازع التأمل لعمق مكامن العمل الابداعي ومغزاه وغايته . والاديب القدير (عبدالفتاح المطلبي) دأب على الاهتمام بهذه الجوانب الابداعية في اعماله المبدعة، سواء في لغة السرد، او لغة الشعر. وقصة (العثور على بنجامين) نص يتفجر من الداخل الى الظاهر في اشاراته الرمزية، والكاتب يستفيد من بعض الاشارات الرمزية لرواية (مزرعة الحيوان) للكاتب جورج اورويل، ولكن بروحية واطار جديد خلاق، يختلف عن بعض رموز الرواية الاصلية، اي اننا نلمس تطويع وتكييف الرواية عراقياً، من اجل استنطاق الواقع العراقي المزري، لكنه حافظ على صاحب المزرعة، بصاحبها المحتل الامريكي بعد عام 2003 ودخول بغداد . وكذلك حافظ على رمز الحمار (بنجامين - ابو صابر) للدلالة على الانسان العراقي المظلوم والمحروم والمنسي من خنازير المزرعة الجدد، ومعاناة المواطن العراقي (ابو صابر) في الامتهان والمساومة بالعهر السياسي، الذي اصبح سلوك ونهج تسير عليه الخنازير الجدد، وهم لايختلفون عن الخنازير السابقة، في ترويع المواطن العراقي في الذل والمهانة، من تشظي حرائق الحرمان والاهمال والنسيان على مدى اكثر من 12 عاما من سنوات العجاف والجفاف بعد الحريق الامريكي الذي اشعله في العراق، ليجد (ابو صابر) نفسه في حقل التجارب، في محاولة تركيب اطراف صناعية، اي محاولة التدجين، ليستمر مسلسل الخراب والقهر والحرمان، ليتكيف على الحياة الجديدة من الذل والمهانة وبحقنه بمورفين الحقن التخدير والتنويم والتهويم، حتى تخنقه وتسيطر عليه حالة الاستلاب واليأس، وان يصارع من اجل ديمومة الحياة، تحت حرائق الموت . بينما الخنازير الجدد، اصحاب مزرعة (الحيوان) يتنعمون بالرخاء والرفاه والجنة، بواسطة كلابهم المسعورة من المليشيات والبلطجية، حتى تستمر حالة قهر الانسان العراقي، وان ينقاد بخضوع وذل حسب مشيئتهم، في سيركهم السياسي، في مهرجانات المهزلة والمسخرة والعهر، في اعادة صياغة المواطن العراقي باطراف صناعية، ترميمه حسب الطلب والاهواء والاطماع الانانية الجشعة، هذه مهزلة الحقيقة لاصحاب السلطة الجديدة على مدى اكثر من 12 عاماً، من المتاجرة بالانسان العراقي في سوق المزايدات السياسية الرخيصة، هذه الاشارات العامة لقصة (العثور على بنجامين) واعتقد جازماً بانها تصلح لمقدمة لرواية متكاملة الجوانب والمقومات الكاملة، وخاصة ان الاديب (عبدالفتاح المطلبي) اثبت بجدارة عالية، بانه اديب يملك مقومات الابداع بجدارة، وبالامكانيات الفنية والتقنية لمقتضيات فن الرواية الحديثة، وهي دعوة مخلصة ليخرج عن الاطار المحلي الى مجال اوسع من التعريف بابداعاته على اوسع نطاق من القراء، وخاصة ان قلمه القدير يؤهله في الاشتراك في المسابقات العربية للرواية، الذات السمعة والمكانة والشهرة العربية والدولية، من اجل التنافس الادبي في ابداع تكوين الرواية العربية، ونتذكر رائعة رواية الروائي العراقي (احمد السعداوي) في روايته (فرانكشتاين في بغداد) حيث استلهم بشكل خلاق، وبصياغة جديدة، وبروحية جديدة ترسم معاناة المواطن العراقي، الذي اصبح صيد سهل لتفجيرات الدموية، لقد اعاد صياغة رواية (ماري شيلي) في رواية (فراكشتاين)، اعتقد هذه فرصة ثمينة، في استلهام رواية (مزرعة الحيوان) بحلة عراقية ترسم الواقع المرعب على المواطن العراقي من خنازير(مزرعة الحيوان) الجدد

 

جمعة عبدالله

وهذا رابط القصة

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2015/897982.html

 

العثور على بنجامين / عبد الفتاح المطلبي

 

عندما التقيت بالسيد أورويل مصادفةً في مقهى (حسن عجمي)* تَلبَّسني السرور والإنفعال فبدوت مرتجفا وأنا أصافحه، لم يكن معتاداً على كل هذه الحرارة في لندن مدينة الضباب الباردة خاصةً وإنه لا زال يعيش أجواءها التي تخيلها في روايته (1984) تأفف وقال:

 - ماهذه الحرارة؟ كيف تطيقون هذا الجحيم؟

 - تعودنا على ذلك فنحن أبناء (تموزي) لكننا أيضا نشعر بوطأتها هذه الأيام إذ بالغت الشمس في اقترابها!

 وبعد إن تناول استكان الشاي الحار قال:

 - الآن اكتشفت الحكمة في تناول الشاي الحار في هذا اللهيب التموزي

 -كيف؟ قلت فردّ قائلاً

 -الشعور بحرارة الشاي اللاذعة يجعل الجسم يتقبل ما دونها، أرى أنها طريقة ذكية في التعايش مع هذا اللهيب.

 قلت (الذي يرى الموت يرضى بالسخونة) قهقه طويلاً وطلب استكانَ شايٍ آخر....

 بعد ذلك شرح لي الظرف الذي أجبره على المجيء إلى بغداد في هذا الوقت ولفاقتي بتدبر اللغة الإنجليزية بالكاد فهمت منه مسألتين، فهمتُ أن بغداد صارت هذه الأيام أكثر قربا إلى الغرب وذلك واضح كما فهمت حيث أن الكثير من مواطنيه ومواطني دول أخرى يتجولون الآن في أزقة بغداد وحواريها بحرية تامة وكأنهم في بلدانهم والأمر الثاني أنه يبحث عن (بنجامين)* الذي فقده السيد(جونز)* بعد أحداث حقل الحيوان في (2003)الذي صادف دخول الأمريكيين إلى بغداد وهمس في أذني: الحقيقة أن الأمريكيين ضالعون في الأمر ولربما اصطحبوه معهم لشبهه الكبير بحمير المنطقة، ثم أشار إلى مصورٍ كان يجلسُ قبالته قائلاً:

 -أعرفك بالسيد (روبي) رفيقي في الرحلة، اصطحبته لتصوير وتوثيق الأمر منذ البداية ثم أردف إثنا عشر عام على فقد (بنجامين) المسكين ولا ندري ماذا حل به!؟

 تأثرتُ كثيرا بكلام السيد أورويل وإخلاصِه الشديد وبالخصوص حينما لمحتُ عينيه وقد اغرورقتا بالدموع وهو يذكر بنجامين ثم قال:

 هل لك أن تساعدنا في العثور عليه، قلت: كيف؟ هل له علامة مميزة؟

 - لا هو حمارٌ مألوفٌ جدا مثل كل الحمير ميزته الوحيدة أنه من مناضلي حقل السيد جونز، وأظنه يتكتم على ذلك خوفا من عقوبة محتملة من السيد جونز رغم أنه كان لا يؤيد مخططات (العجوزميجر)* ذلك الخنزيرقائد الإنقلاب إلا بما يخص الذيل والذباب.

 كانت خطتي بسيطة جدا تستند إلى حقيقة أنّ الحميرَ لا تكثر إلا في الضواحي وأحياء الفقراء فقلت لنذهب إلى هناك لعلنا نعثر له على أثر لكن كيف تميزه من كل هذه الحمير التي تكثر هناك،قال:

 أنا أعرفه فأنا الذي صنعتهُ ووضعته في حقل السيد جونز منذ البداية، على ذلك اتفقنا وذهبنا نتجول في ضواحي بغداد.

 اصطحبنا المصورالتلفزيوني (روبي) وعدة الشغل ورحنا نطوف بين الأزقة وفي الزوايا التي اعتزلت ضجيج بغداد المكتوم، كان الأمرُ في البدايةِ شاقا لكثرة الحمير في الضواحي وكدنا نيأس لولا تلك اللافتة الكبيرة(أهلا بالضيوف الكرام) والأسهم التي تشير إلى بوابة كلية الطب البيطري فرأينا أن ندلف بكامرتنا التي تلفت الإنتباه وادعى السيد أورويل أننا وكالة أنباء أجنبية، وكان ذلك مألوفاً هذه الأيام في بغداد، كانت في البداية مجرد ملاحظات عابرة إلا أننا لاحظنا شيئا استثنائيا من قبيل حبال مكللة بزينة الأعياد وخيوط أسلكت فيها أعداد غفيرة من علم الجمهورية بحجمٍ واحد وجميعها ترف كجناح طير مذبوح وهذا بالحق كان فشلا ذريعا من منظمي الإحتفال، إذ كان عليهم أن يختاروا أعلاما من قماشٍ أكثر ليونة وأطول قليلا لكي تُحسن تلك الأعلامُ رفيفَها عندما تمرُّ عليها ريح الغرب التي أدمنت

 هبوبها هذه الأيام ضاربةً عرض الحائط مواعيدَ المواسم ونواميسَ المناخ العالمي، وعندما حصلنا من السيدة (العميد) على رخصة تغطية الحفل دلفنا إلى الداخل عبر باب حصينٍ تُتَوّجُهُ صفوفٌ من الرماح العوالي التي تتجه بأسنتها إلى السماء دائما وكأنها تشير إلى عدو هناك، كانت حضرة العميد قد فشلت بإخفاء فرحها بالظهور المحتمل على شاشة قناة أجنبية وودت لو أنها قد حلت مكان الشخصية التي يُحتفى بها وراحت تتطاير كفراشة في داخل القاعة الفسيحة ذات النوافذ المطلة على الحديقة والخالية من الأثاث تقريبا رغم أنها كانت بدينةً بشكل ملفت، راح السيد أورويل يجمع تفاصيل ضرورية لكتابة التعليق المصاحب للتصوير وحين طلب معلومات عن الحفل والمحتفى به أشارت السيدة العميد إلى حمارٍ بثلاث قوائم في الحديقة وقد تحلّقَ حولَهُ فريقٌ من الطلبةِ يصورون معه الصور التذكارية، خفق قلب السيد أورويل وكاد يصرخ، الحمارُ كان لونُه شائعاً مثل كل حميرِ المنطقة العربية ليسَ مخططا كالزيبرا الأفريقي ولا أبيضَ مثل حمار (كييف) الأوكراني بل كان بلونٍ رمادي مائل إلى السواد قليلا تماما مثل (بنجامين) لكن الهيئة التنكرية التي غطت جسم الحمار جعلته يتريث قليلا، انشغل المصور بتصوير اللقطة عندما بالغت إحدى الطالبات الجميلات بطبع قبلة على خد الحمار الطويل الذي بدا وكأنه يتمنع رامشا بغنج واضح وراحت أخرى تعلق برَقَبتهِ الطويلة وسامَ الكلية من الدرجة الأولى وكان قبل ذلك قد أُلبسَ قميصاً أبيضَ وشُدّتْ على ياقته المُنشّاةِ ربطةُ عنق حمراء وأخرَ كان منشغلاً بتثبيت قبعة من النوع الفاخرتخللها ثقبان في موقع الأذنين الطويلتين فاستقرت على رأسه بشكل جميل، ثم استدعيت السيدة العميد ولفيف من الأساتذة والطلبة لألتقاط صورة تذكارية، كان السيد أورويل والمصور التلفزيوني (السيد روني) مشدوهين ومن عينيهما ينطلق السؤال بعد الآخر، ثم أشارت السيدة العميد إلى الحمار أنْ ستعرفون كل شيء حين يبدأ الحفل.

 نُصِبَتِ المنصّة في حديقة الكلية واعتلتها السيدة العميد،قالت:

 - تعلمون أيها السادة أننا اليوم نحتفل بتقاعد زميلنا (المارد) وهذا أسمٌ أطلقناه عليه لتحمله الفائق وصبره العجيب على جميع الحقن الأمريكية والبريطانية والأوروبية الأصلية التي تم تزويدنا بها منذ (2003) وتمت تجربتها بزرقها في لحمه وأشارت إلى الحمار، لقد أدى زميلنا منذ إثني عشرَ عاماً دوره وخدم كليتنا بكل تفان وإننا اليوم نرد الجميل بأن نتركه طليقا في حدائقِ كليتنا وله الحق أن يتجول فيها حرا ويأكل من العشب ما يشاء بكل حرية بعد أن تحمّل طيلة هذه المدة تلك الشروط التي فُرِضَتْ عليه أثناء تدريب طلبتنا الأعزاء، ولخدمته الطويلة في هذا المجال متحملا كل أخطاء المبتدئين ومغالاة المتقدمين لم يحصل منا إلا على ورمٍ في قائمتهِ اليمنى الأمامية مما اضطرنا إلى بترها ضارباً بذلك مثلاً لنكران الذات والبسالة وها هو قد تماثل إلى الشفاء وقد قرر مجلس الكلية أن يكافئه بتركيب ساقٍ صناعية صنعت خصيصا لهُ بمجهودات الطلاب الأوفياء.

 صفق الجميع بحماس ثم أشارت السيدة العميد إلى أحدهم وتم تركيب الساق الصناعية للحمار وعلت موجة أخرى من التصفيق.

 شعر (بنجامين) بساقه تستقرعلى الأرض بعد عذابٍ طويل قد تحمل فيه ثقل جسمه الضخم على ثلاث قوائم، رفع رأسه وغمغمَ بصوتٍ بين النهيق والرمرمة لم يُسمع مثله من قبل ولم يكن نهيقاً على أية حال لكنّ السيد أورويل قد فهمَ ما يقول فخنقته العبرة فقد كان (بنجامين) طوال حياته صبورا على عسف السيد (جونز)عندما كان في حقله وعلى الحقن التي كانت تخترق جلده ولحمه وأوردته في كلية الطب البيطري متأثرا بأراء (ميجرالعجوز)* التي مفادها (كل شيءٍ يهون مازال يملك ذيلاً يهش به الذباب فالحياة بلا ذيلٍ ولا ذباب بائسة)*، صرخ السيد أورويل بعد إن تأكد أن المُحتفى به لم يكن غير (بنجامين) العزيز، صرخَ وسط اندهاش الحضور: آه حبيبي بنجامين ثم احتضنه وراح يبكي وتتقاطر من عينيه دموع الفرح وهو يقول: آه يابنجامين أخيرا عثرتُ عليك.

 

عبدالفتاح المطلبي

 ........................

 *مقهى في شارع الرشيد ببغداد

 *جونز وميجر وبنجامين شخصيات من رواية جورج أرول حقل الحيوان

أغنيةُ (بنادم) وإشكاليّةُ إيقاعِها

abdulreda aliكما أنَّ الحكمةَ اليونانيّةَ القديمة تقول: (إنّكَ لا تنزل النهرَ مرّتينِ) لأنّ الماءَ نفسَهُ لن يتكرّرَ، فإنَّ موسيقى أُغنية (بنادم) لن تتكرّرَ ثانيةً كما نظنُّ، وسيتّضح ظنّنا، أو زعمُنا هذا في القادمِ من الكلام.

كاتبُ هذه الأغنية أبو سرحان/ ذياب كزار (1946 – 1982) كان شاعراً شعبيّاً غنائيّاً من نمطٍ خاص، فهو وإن كان يلتزمُ بالإيقاع الوزني للبحر الذي يختاره لقصيدته الغنائيّة، إلا أنه لا يلتزمُ بتشكيلٍ معيّنٍ منه، إنّما يبيح لنفسه حريّة الحركة في أكثر من تشكيل ما دام يشتغل في الإيقاع ذاتِهِ، لهذا لا يتقيّد بضربٍ واحدٍ في القصيدة الواحدة، إنّما ينتقل من ضربٍ إلى ما سواه بتلقائيّة تقودُه إليها ذائقته المرهفة، على أنّنا راغبون في الإشارةِ إلى أنَّ هذا الفتى الذكيَّ كان واحداً من أبناء البصرة ومناضليها الغيارى الذين سجنتهم جمهوريّةُ الخوفِ، ثمَّ لاحقتهم منظّمتها السريّة بالتقارير حين خرجوا من السجنِ، فلم يجدوا بدّاً من مغادرة العراق إلى المنافي، فهاجرَ أبو سرحان إلى لبنان ملتحقاً بصفوف المقاومة الفلسطينيّة، وظلّ هناك حتّى سنة 1982 حين حاصرت القوات الإسرائيلية بيروت، فحاول الهروب نزولاً إلى سوريا، لكنَّ ميليشيات حزب الكتائب التي كانت متحالفةً مع الإسرائيليين اختطفته (كما يذكر رفاقه) عند أحد الحواجز مع رفيقيه: المسرحي كاظم الخالدي، والفنّان صباح ستراك، وغيّبتهم جميعاً، ولا أحد يعرفُ (حتى هذه الساعة) أيَ خبر عنهم.

أمّا كوكب حمزة، فلعلّه الملحّن الوحيد الذي يختلف عن بقيّة جيل العمالقة من الملحنين العراقيين الذين ظهروا منتصف الستينيّات، وأواخرها في التكوين الموسيقي العام، لهذا لا تنطبق عليهِ مقولةِ الفرنسي بيفون من أنَّ: (الأسلوب هو الرجلُ نفسهُ)، ومن يستمعُ إلى أغنية (هُمَّه ثلاثة للمدارس يروحون) التي غنتها مائدة نزهة، وأغنية (يا طيور الطايرة) التي غناها سعدون جابر، وأغنية (بنادم) التي غنّاها حسين نعمة، وكلّها من ألحان كوكب حمزة (على سبيل المثال) سيتأكّد له ما ألمعنا إليه من أنّ أسلوبه عصيٌّ على التحديد، لأنَّ جمله لا تميلُ إلى تكرار النمط التراتبي، إنّما تُعنى بالتنوّعِ الذي يعمدُ إلى المغايرة، وتقديم المختلف المدهش، وهو يسعى بذائقته الموسيقيّة المرهفة إلى اختيار اللحن المناسب لأثر النصِّ عليهِ، وليس لأثرِهِ على شاعره، مع اهتمامه قدر الإمكان بما للنصوص من حالات نفسيّة مختلفة، فتجيءُ ألحانُ أغانيهِ مختلفةً بعضها عن بعضٍ على نحوٍ لافت، فضلاً عن أنّه يوظفُ بعضَ ما اختزنته الذاكرة من إيقاعات الفولكلور العراقي الديني، والأسطوري باقتدار في جملهِ الموسيقيّة حين يرى ضرورة التعبير عن تلك المضامين باستلهامها.

فأغنية (بنادم) وإن كانت قد اتخذت من الذات الشاعرة العطشى محوراً لها، فإنَّ ما فيها من ذاتيٍّ خاصٍّ قد عبّرَ عن إنسانيٍّ عام من حيثُ الشجن الحزين الحاد في تكرار مفردة (بنادم)، لهذا التفتَ كوكب حمزة ببصيرتهِ الذكيّة إلى أقسى ما يمكنُ توظيفهُ من التراث العراقيّ الحزين هنا، ونعني به إيقاعات الطبول المفزعة، وضربات الصنج المخيفة، وأصوات المزامير الكئيبة المنكسرة (التي استبدلت بالأبواق العالية) المصاحبة لمواكب عزاء المطبِّرينَ رؤوسَهم بالقاماتِ العريضةِ وهم يستعرضون بأكفانهم المدمّاة آلامهم أمام الناس في العاشر من محرّمٍ الحرام في كلِّ عام في كربلاء، وغيرها من المدن المقدّسة، وكأنّهم قد عادوا من الحرب توّاً ـ وهم مضرّجون بدمائهم ـ ويتضحُ هذا التوظيف في فاصلته الموسيقيّة التي تسبقُ مقطع (بجي الشموع الروح يبنادم) تحديداً، مع أنّ الملحّن قد هيّأ لهذه الإفادة تدريجيّاً خلال ما سبق من جمله الموسيقيّة بأداءٍ مملوءٍ بحزنٍ مطبق، وألمٍ مُمِضٍّ، لهذا كان هذا الحزن الشديد الذي تعكسه أغنية (بنادم) وراء منع إذاعتها من دار الإذاعةِ العراقيّة مدّةً ليست قصيرة من الزّمن، ولولا تدخّلُ بعضُ الأكاديميين الذين استمعوا إليها بصوتِ الملحّن كوكب في لقاءاتٍ خاصّة، لما سمح وزير الإعلام (آنذاك) شفيق الكمالي بمحدوديّةِ إذاعتها من دار الإذاعة العراقيّة، لذلك لم يُكتبْ لها الانتشار كما ينبغي، فضلاً عن أنّها لم تحظَ بموافقة تسجيلها بالفيديو كليب.

في خزين ذاكرة كوكب حمزة الكثير من المردّدات الشعبيّة النائمة، فما أن تحسَّ ذائقتُهُ الفنيّةُ بحاجةٍ إلى ملء بعضِ فراغات الجمل اللحنيّة بمفردات كلاميّة تُعينُ على استكمال اللحن حتى تسرعَ تلك المردّدات النائمة إلى الظهور، فيضيفُ بعضاً منها إلى النصِّ دون أن يحسَّ المتلقي بتلك الإضافات، ولمّا كان حديثنا عن أغنية (بنادم) فإنَّ كوكباً كان وراء استدعاء مفردات مثل: داده، و بنادم، وتكرارها حيثُ لزم ذلك.

*****

أمَّا الفنّان حسين نعمة فلن يختلف في صوتهِ الشجيِّ العذب اثنانِ، فصوتُهُ المتمرّسُ بأداءِ أغاني الأعماق الملأى حزناً يشدُّ سامعَهُ إلى تموّجاتِ آهات أهل الجنوبِ ـ الذين تئنُّ قلوبهم ولا تغنّي ـ شدّاً، ولعلَّ اختيار كوكب حمزة له ليؤدّيَ (بنادم) كانَ اختياراً مدروساً بعنايةِ العارفِ الملهمِ الخبير، علماً أنَّ كوكب حمزة لا يتورّعُ من تغيير المطرب إذا ما رأى أنَّ صوته عند الأداء التجريبي لا يخدمُ الأغنية كما ينبغي، مثلما فعلَ حين استبدل سعدون جابر برياض أحمد ليؤدّي أغنية(يا طيور الطايرة) بعدَ أن كانَ رياض يمنّي نفسه بها، وقد بكى في حينها رياض كثيراً.

*****

إيقاع بنادم:

ثمّةَ إشكاليّةٌ في إيقاع (بنادم) تتجلّى في كونها داخلت بين وزنينِ اثنين لايمكنُ تبرئة كوكب حمزة من هذا التداخل كما نظنُّ، كما لا يمكن اتّهام أبي سرحان به، أو تحميلُهُ هذه الإشكاليّة وحدَهُ ؛ ولعلَّ ما جعلَ هذا التداخل الوزنيَّ مستساغاً هو الميلُ الشديدُ إلى السواكنِ في اللهجةِ الشعبيّة العراقيّةِ على حسابِ المتحرّكات، ولتوضيح الأمر نقولُ:

ابتدأَ مطلعُ أغنية (بنادم) بإيقاع السريع المحوّر في العروض والضرب شعبيّاً، أي أنَّ الشاعر لم يلتزم بإيقاع السريع المستعمل:

مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ ××× مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ

إنَّما جعلَ العروضةَ والضرب مصابينِ بعلّةِ القطعِ (فَعْلُنْ) بسكون العين كما في مستهلِّها:

بهيدة عله بختك لا تعت بيـها....روحي انحلت والشـوكَ ما ذيها

/0/0//0 - /0/0//0- /0/0 .... /0/0//0 - /0/0//0 - /0/0

مُستَفْعِلُن   مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ.... مُستَفْعِلُن   مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ

 

ما جنها ذيـج الروح يبنادمْ.... لا جنها كلـها اجروح يبنادمْ

/0/0//0 - /0/0//0- /0/0 ... /0/0//0 - /0/0//0 - /0/0

مُستَفْعِلُن   مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ..... مُستَفْعِلُن   مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ

هذا إذا لم تكن مفردة (بنادم) من وضعِ كوكب حمزة، لأنّنا لو رفعناها من البيت الثاني والثالث، لكان الإيقاع قد جرى على البسيط المحوّر أيضاً، أي على وزن:

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............ مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ

أي أنَّ الشاعر لم يلتزمْ بإيقاع البسيط المستعمل ذي الوزنِ:

مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ     مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ

إنّما جعلَ العروضة والضرب مصابين بعلّة القطعِ ¹ مرّةً كما في:

والشوكَ ماذيها .......... شمالك تعت بيها؟

/0/0//0- /0/0...... /0/0//0- /0/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ...... مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ

وبعلّتي القطع والتذييل² في أخرى:

تسيورةْ عُمري اوياكْ........غفلةْ واخذني الطيفْ

/0/0//0- /00/0........... /0/0//0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............ مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ

 

لنها بحلاة النـــومْ...روحي اعله روحك طيفْ

/0/0//0- /00/0........... /0/0//0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............. مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ

وهذا الوزنُ المحوّر من البسيط في تشكيليه كان قد ابتدعه احمد شوقي (1869- 1932م) في مسرحيّةِ (مجنون ليلى) كما في قولِهِ:

هلا هلا هيّا.....اطوي الفلا طيّا

مَفَاعِلُنْ   فَعْلُنْ...... مَفَاعِلُنْ   فَعْلُنْ

وقرّبي الحيّا.......... للنازحِ الصـبِّ

//0//0   /0/0     /0/0//0   /0/0

مَفَاعِلُنْ فَعْلُنْ......مُسْتَفْعِلُنْ   فَعْلُنْ

 

جلاجِلٌ فـي البيدْ...... شَـجيَّةُ الترديدْ

//0//0   /00/0  //0//0   /00/0

مَفَاعِلُنْ   فَعْلان...... مَفَاعِلُنْ   فَعْلان

منوّهينَ إلى أنَّ التقطيع في الشعبي يقتضي ليَّ بعضِ الأصوات، أو إدغام صوتين في واحد، أو حذفَ بعضِ الحروف من بعضِ المفرداتِ عند التطبيق التحليلي، فمثلاً يجب ليّ حرف الباء في أوّل مفردة (بهيدة) وإدغامهِ بالهاء في التحليل، كما يجب حذف حرف الواو من (ولا جنها) ومن (ولنها)، ومن (وراكد) ومن (ورفّة)، وحذف حرف الشين من (شمالك)، فضلاً عن أنَّ تفعيلة (فاعلاتن = /0//0/0) تتداخل أحياناً بتفعيلة (مُستَفْعِلُن=/0/0//0) حين لايتمُّ الإدغام، أو الليّ.

 

وإليكم الأغنية والتطبيق:

بهيدة عله بختك لا تعت بيـها....روحي انحلت والشـوكَ ما ذيها

/0/0//0 - /0/0//0- /0/0 .... /0/0//0 - /0/0//0 - /0/0

مُستَفْعِلُن   مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ.... مُستَفْعِلُن   مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ

 

ما جنها ذيـج الروح يبنادمْ.... لا جنها كلـها اجروح يبنادمْ

/0/0//0 - /0/0//0- /0/0 ... /0/0//0 - /0/0//0 - /0/0

مُستَفْعِلُن   مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ..... مُستَفْعِلُن   مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ

والشوكَ ماذيها.......... شمالك تعت بيها ؟

/0/0//0- /0/0...... /0/0//0- /0/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ...... مُستَفْعِلُن   فَعْلُنْ

ــــــــــــــــــــــــ

تسيورة عمري وياك........غفلةْ واخذني الطيفْ

/0/0//0- /00/0........... /0/0//0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............ مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ

 

لنها بحلاة النـــومْ...روحي عله روحكْ ضيفْ

/0/0//0- /00/0........... /0/0//0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............. مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ

 

واغفه بهواك اسنينْ...........كيّفْ تراني بكيفْ

/0/0//0- /00/0........... /0/0//0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............. مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ

 

راكد بروحي الماي..........ثاريها غيمة صيفْ

/0/0//0- /00/0........... /0/0//0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............ مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ

ـــــــــــــــــــــــــ

بجي الشموع الروحْ......بسْ دمع مامشْ صوتْ

/0/0//0- /00/0........... /0//0/0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ............. فاعلاتن   فَعْلانْ

رفّة جنحْ مكسور..............كَلبي يرفْ بسكوتْ

/0/0//0- /00/0........... /0/0//0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............. مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ

 

لاهي سنة وسنتين...........لاهيَّه صحوة موتْ

/0/0//0- /00/0............. /0///0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............... مُفتَعِلُن   فَعْلانْ

 

حسبة عمر عطشانْ..........والماي حدره يفوتْ

/0/0//0- /00/0............ /0/0//0- /00/0

مُستَفْعِلُن   فَعْلان............. مُستَفْعِلُن   فَعْلانْ

 

وهذا رابط أغنية بنادم التي لن تتكرَّرَ موسيقاها كما نزعم:

https://www.youtube.com/watch?t=14&v=m19ndPIpCwA

 

أ.د. عبد الرضــا عليّ

.....................

إحالات

(1) القطعُ عِلّةٌ، وهي حذفُ ساكنِ الوتدِ المجموع ِ في (فاعلن) وإسكانُ ما قبله، فتصير التفعيلة (فاعِلْ = /0/0) بسكون اللام، وتنقل إلى (فَعْلُنْ) بسكون العين المساوية لها.

(2) التذييلُ علّةٌ، وهي أنْ تُضيفَ حرفاً ساكناً على ما آخرهُ وتد مجموع . ففي (فاعِلُنْ) تُصبحُ (فاعِلانْ)، وفي (فَعْـلُن) تُصبحُ (فعْـلانْ = /0/00).

            

 

 

 

دعبل يسخر من والي مصر العباسي .. المطلب الخزاعي!!

karem merzaالسخر في الشعر العربي (5):

من (البحر المتقارب)، دعبل يسخر من المطلب:

تعلقُ مصرُ بكَ المخزياتُ** وتبصقُ في وجهكَ الموصلُ

.......................

أمطلبٌ ! أنت مــتعذبُ *** حماتُ الأفاعي ومستقبلُ

فإنْ أشفِ منكَ تكن سبًةً***وإنْ أعفُ عنكَ فما تفعلُ    

سأتيك إمّا وردت ً العراق ***صحائفُ يأثرها دعبلُ !!

منمقـــة ٌبينُ أثنائـــــــها ***مخاز ٍ تحط ّ فلا ترحلُ !!

تعلقُ مصرُ بكَ المخزياتُ*وتبصقُ في وجهكَ الموصلُ

فأيـّهمُ الزينُ عند الفلا*** عطية ُ؟ أم صالحُ الأحولُ!!

شعاركَ في الحرب يوم الوغى*إذاانهزمواعجّلواعجّلوا

فأنتَ لأولهمْ آخـــــــرٌ**** وأنتَ لآخــــــــرهمْ أولُ (53)

 

نظرات تاريخية أدبية وشعرية ساخرة ببدايات عصر المأمون

ولغدر الأمين في خلع أخيه المأمون، وظلمه له، وفسقه، وضعف حيلته، وانكسار شوكته تسابق العمال، والقادة الدهاة للإنضمام إلى فريق المأمون، ومبايعته بالخلافة، وكان منهم المطلب بن عبد الله الخزاعي، وذلك سنة (196هـ)، ولما طال أمد الخلاف والشقاق، فاشتدت المعارك، وضاقت بغداد بأهلها، وخرج منها من كانت له القوة في الخطر العظيم سنة (197هـ)، وكان ممن خرج دعبل و أخوه رزين فذهبا للحج، وما أن دخلت (198 هـ)، حتى وصلت إليهما أخبار مقتل محمد الأمين في محرم الحرام، واندلاع ثورة أبي السرايا(السري بن منصور الشيباني)، وابن طباطبا(محمد بن إبراهيم العلوي) بالكوفة (46)، وكان المأمون قد وجه المطلب بن عبد الله الخزاعي والياً على مصر، فقرر الأخوان التوجه إليه مع كتب توصية بهما، والنزعة القبلية كان لها دور في عصرهما، وعندما وصل دعبل وأخوه إلى مصر تعرض هو للضرب بالسوط والحجز، فذهب رزين إلى المطلب وأخبره بالأمر، فأمر الوالي بفك حجزه، ولكنه لم يأمر بإقالة رئيس حرس الحدود، ولما وصل دعبل إلى المطلب الوالي , فضل الأخير شاعراً آخر عليه، مما حزَّ في نفسه، فرمى المطلب باللؤم الذي خفض ميزان خزاعة بين القبائل العربية، ولكن شاعرنا وازنه مع شخصية سالفة من خزاعة مشهورة بالكرم والجود يدعى (طلحة الطلحات ت 65 هـ)، (47) بقوله:

اضرب ندى طلحة الطلحات مبتدئاً*** بلؤم مطلبٍ فينا وكن حكما

تخرج خزاعة من لؤم ٍومن كرم ٍ*** فلا تعدُّ لها لؤماً ولا كرما(48)

وهذه ضربة قاسية للمطلب، وعلى ما يبدو، لم يسمع بهما الأخير إلا أخيرا، ولاسيما دعبل كتم شعره، ولم ينشره، لأن المطلب قريبه من خزاعة التي تبوّأت مع مواليها أرفع المناصب في عهد المأمون المدعي بمولاته للعلويين، بل غضّ الطرف، ووجد متسعاّ من الأمل، فأطلّ عليه ليمدحه بأجمل ما قالت العرب من مديح حسب مقاييس عصره،وعلى حد ما ذكر الرواة، وبعض كتب تاريخ الأدب (49)، (من المنسرح):

أبعد مصر ٍوبعد مطلبِ *** ترجو الغنى ؟ إنّ ذا من العجبِ

إنْ كاثرونا جئنا بأسرته*** أو واحدونا جئنـــــا بمطلبِ (50)

مهما يكن، حاول الخزاعي الشاعر أن يعدل موقفه من الخزاعي الوالي، بعد أن استبشر خيراً بالمأمون، فأجزل السيد الوالي العطاء للشاعر الملهم، وعينه والياً على إسوان فقبلها وتولى لفترة وجيزة .

الأستاذ الدجيلي محقق الديوان وجامعه الأول والمقدم له، يتحير من قبول دعبل تقلد الولاية ثم يتساءل: " لم نهتدِ إلى هدف دعبل من هذه الولاية التي تـُعد ثاني ولاية يتولاها، فما هو الدافع لولاية يخضع فيها للمطلب، وهو من عملاء تلك السلطة التي يحاربها دعبل، ويختلف وإياها في الرأي والعقيدة ؟ " (51)، الحقيقة أنّ الشاعر لم يتخذ الموقف الحاسم الصارم إلا بعد أنْ سمَّ المأمونُ الإمام الرضا، ونظم قصيدته الرائية الشهيرة (يا أمة السوء) فهي بداية الهجوم العنيف علئ بني العباس، إذ لم نعثر في ديوانه على أيّة قصيدة هجاء بحق الخلفاء العباسيين من قبل، ثم أنه كان يتوسم في الخليفة الجديد موقفاً جديداً - كما أسلفنا - وحالة العراق مضطربة جداً، والثورات والانتفاضات قائمة على قدم وساق، على كلّ حال، الحاقدون والحاسدون سربوا بيتي الهجاء لتطرق أسماع الأمير الكبير، فقرر عزله حالاً ! ولما عزله، لملم الشاعر ملتزماته،وشد الرحال مغادراً مصرإلى العراق هاجياً المطلب بقصيدة هجاء مقذعة شاركه ببعضها إبراهيم بن العباس الصولي ، فيروي صاحب (بدائع البدانة) القصيدة، عن إبراهيم وعن دعبل أيضاً، وكانا متفقين، (52) وإليك منها:

أمطلبٌ ! أنت مــتعذبُ *** حماتُ الأفاعي ومستقبلُ

فإنْ أشفِ منكَ تكن سبًةً***وإنْ أعفُ عنكَ فما تفعلُ    

سأتيك إمّا وردت ً العراق ***صحائفُ يأثرها دعبلُ !!

منمقـــة ٌبينُ أثنائـــــــها ***مخاز ٍ تحط ّ فلا ترحلُ !!

تعلقُ مصرُ بكَ المخزياتُ*وتبصقُ في وجهكَ الموصلُ

فأيـّهمُ الزينُ عند الفلا*** عطية ُ؟ أم صالحُ الأحولُ!!

شعاركَ في الحرب يوم الوغى*إذاانهزمواعجّلواعجّلوا

فأنتَ لأولهمْ آخـــــــرٌ**** وأنتَ لآخــــــــرهمْ أولُ (53)

ولم يكتفً الشاعر بهذه، وما سبق بداية، فلما انهزم (المطلب) في سنة (200 هـ) - وهي السنة التي توفي فيها بطريق مكة - أمام السري بن الحكم مولى بني ضبّة بعد عدة وقائع حتى طلب الآمان، وغادر مصر، هجاه بقصيدة قاسية:

أمطلبٌ دعْ دعاوى الكماة *** فتلك نجيزة لا رُتـْبـهْ

فكيف رأيت سيوفَ الحريش*ووقعة مولى بَني ضَبَّهْ؟

وما المالُ جاءكَ من مغنم ٍ** ولا من ذكاءٍ ولا كِسْـبهْ

ولكنه رزقُ مـــــنْ رزقهُ***يعمّ ُ بـــهِ الكلبَ والكلـْبهْ (54)  

ولكن لما توفي المطلب الخزاعي سنة (200 هـ) رثاه دعبل، إنَ المروءة والشهامة والرجولة تقتضي هذا، للموت حرمة، وإجلال لجلالته، وللحياة موقف، وإذا سألتني عن الموقف العقائدي والسياسي، قلت سابقاً إنّ الموقف لم يتخذه بالشكل الصارم حتى سماعه نبأ وفاة الإمام الرضا (ع)، وسمه على يد المأمون وذلك سنة (صفر سنة 203 هـ)، يقول الخزاعي في رثاء الخزاعي:

كانتْ خزاعة ملءَ الآرض ما اتـّسعتْ *** فقصَّ مر الليالي من حواشيها

ٍهذا أبو القاسم الثــاوي ببلقعة ***** تسقي الرياح عليه من سواقيها

أضحى قرًى للمنايا !ذ نزلن بهِ ***** وكان في سالف الأيّـــــام يقريها (55)

لم يشذ الرواة في أنّ دعبلاً قالها في المطلب، إلا أبا العباس المبرد الذي يذكر في (تعازيه ومراثيه) إنه قالها في أبي القاسم نصر بن حمزة (56)، ونحن نميل للمطلب الأمير، ولو أنّ المبرد كبير، وفوق كلّ قادر قدير !!

من هذا نستطيع أن نقول - مع أغلب الظن -، إنّ دعبلاً قد شرع بالسخر الجاد من رجالات الخلافة العباسية كأشخاص لخصوصيتهم، وليس لصفتهم العامة، أي بمعنى ليس سخراً من الدولة العباسية نفسها، وذلك منذ سخره من المطلب الخزاعي سنة 198 هـ، وكان عمره حينذاك قد تجاوز الخمسين، ما بين ( 148 - 198 هـ)، ومن بعدها ما بين (201 - 203 هـ) سخر من ابن شكلة (إبراهيم ابن المهدي) الخليفة غير الشرعي، أيضاً لأسباب خاصة وليست عامة ضد الخلافة العباسية، بل كان المأمون مرتاحاً وسعيداً بهذا السخر، ويباركه، وقد مرّ علينا ذلك في الحلقة السابقة، وذكرنا أن أول سخر عام بدأ من قصيدته الرائية الرائعة (يا أمة السوء)، بعد موت الإمام الرضا سنة (203 هـ)، ومن يرغب ليرجع لمعظم أبيات القصيدة، وقد سلفت من سوالفنا المصدقة بختم المراجع الرصينة!!

ولعلك تتذكر أيضاً ما دوّناه في الحلقة الثالثة من رواية ينقلها صاحب (الأغاني) عن رأي المأمون بدعبل وشعره، وهو الأذكى والأدرى والأقوى لقول كلمة الحق من حاشيته المتملقة المنافقة، والآن جاء وقت إكمال الروايه الأصفهانية في (الأغاني) عن المسيرة المأمونية الدعبلية، وإليك !! " أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا أحمد بن صدقة قال حدثني أبي قال حدثني عمرو بن مسعدة قال:

حضرت أبا دلف عند المأمون أي شيء تروي لأخي خزاعة يا قاسم فقال: وأي أخي خزاعة يا أمير المؤمنين قال ومن تعرف فيهم شاعرا فقال: أما من أنفسهم فأبو الشيص ودعبل وابن أبي الشيص وداود بن أبي رزين وأما من مواليهم فطاهر وابنه عبد الله فقال ومن عسى في هؤلاء أن يسأل عن شعره سوى دعبل هات أي شيء عندك فيه فقال وأي شيء أقول في رجل لم يسلم عليه أهل بيته حتى هجاهم فقرن إحسانهم بالإساءة وبذلهم بالمنع وجودهم بالبخل حتى جعل كل حسنة منهم بإزاء سيئة قال حين يقول ماذا قال حين يقول في المطلب بن عبد الله بن مالك وهو أصدق الناس له وأقربهم منه وقد وفد إليه إلى مصر فأعطاه العطايا الجزيلة وولاه ولم يمنعه ذلك من أن قال فيه:

اضرب ندى طلحة الطلحات متئدا *** بلوم مطلب فينا وكن حكما

تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم *** فلا تحس لها لؤما ولا كرما

قال فقال المأمون قاتله الله ما أغوصه وألطفه وأدهاه وجعل يضحك ثم دخل عبد الله بن طاهر فقال له أي شيء تحفظ يا عبد الله لدعبل فقال أحفظ أبياتا له في أهل بيت أمير المؤمنين قال هاتها ويحك فأنشده عبد الله قول دعبل:

سقيا ورعيا لأيام الصبابات ***** أيّـــــــام أرفل في أثواب لذاتي

أيام غصني رطيب من ليانته ***** أصبو إلى غير جـــارات وكنات

دع عنك ذكر زمان فات مطلبه ** واقذف برجلك عن متن الجهالات

واقصد بكل مديح أنـــــت قائله **** نحو الهداة بنى بيت الكرامات

فقال المأمون إنه قد وجد والله مقالا فقال ونال ببعيد ذكرهم مالا يناله في وصف غيرهم ثم قال المأمون: لقد أحسن في وصف سفر سافره فطال ذلك السفر عليه فقال فيه:

ألم يأن للسفر الذين تحملوا **** إلى وطن قبل الممات رجوع

فقلت ولم أملك سوابق عبرة *** نطقن بما ضمت عليه ضلوع

تبين فكم دار تفرق شملها **** وشمل شتيت عاد وهو جميع

كذاك الليالي صرفهن كما ترى *****   لكل أناس جدبة وربيع

ثم قال: ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني في سفري وهجيري ومسليتي حتى أعود " (57)

النص السابق الذي يرويه الأصفهاني عن عمرو بن مسعدة الصولي، وما أدراك من عمرو بن مسعدة ؟!! هو أحد خلصاء كتّاب المأمون، وقيل إنه استوزره، والرجل ابن عم إبراهيم ابن العباس الصولي الشاعر، أحد أصدقاء شاعرنا الدعبل الصدّوقين، وسافر معه إلى بلاد خراسان لملاقاة الإمام الرضا إبان تولّيه ولاية العهد، وإلقاء التائية الشهيرة أمامه، وللعلم - وربما سيفيدنا هذا الإعلام من بعد - يذكر المسعودي في (تنبيهه وإشرافه): قد استوزر المأمون الفضل بن سهل ثم أخاه الحسن بن سهل‏.‏فلما أظهر العجز عن الخدمة لعوارض من العلل ولزم منزله عدل المأمون إلى استكتاب كتاب لعلمه بكتابتهم وجزالتهم وأنه ليس في عصرهم من يوازيهم ولا يدانيهم فاستوزرهم واحداً بعد واحد أولهم أحمد بن أبي خالد الأحول‏.‏

وكان ينوب عن الحسن بن سهل لما تخلف في منزله فلما دعاه المأمون إلى أن يستوزره قال يا أمير المؤمنين اجعل بيني وبين الناس منزلة يرجوني لها صديقي ويخافني بها عدوي فما بعد الغايات إلا الآفات، ثم أحمد بن يوسف ثم أبا عباد ثابت بن يحيى، وعمرو ابن مسعدة بن وكان يجري مجراهم ولا يعده كثير من الناس في الوزراء ثم استوزر بعد هؤلاء . (58) ومهما كان فالرتبة التي بلغها عمرو بن مسعدة وزارة وزيادة، وكان إليه ديوان الرسائل، وديوان الخاتم، والتوقيع والأزمة، وسواء تقلد الوزارة أَمْ لم يتقلدها فإن العظائم التي كان يندب إليها تدل على درجة الثقة به، يقال توفي سنة سبع عشرة ومئتين وقيل سنة خمس عشرة .

أمّا أبو دُلف العجلي فاسمه القاسم بن عيسى بن إدريس بن مهعقل العجلي قائد عباسي في زمن المأمون والمعتصم، وأيضا هو شاعر وأديب. وكان أمير الكرخ، وسيد قومه، وأحد الأمراء الأجواد الشجعان الشعراء. قلده الرشيد العباسي أعمال "الجبل" ثم كان من قادة جيش المأمون. وكان من العلماء بصناعة الغناء، ويقول الشعر ويلحنه، وتوفي ببغداد سنة 226، توفي في بغداد سنة 225 هجرية .

نعم لا أكتمك سرّاً، دعبل سخر من، وهجا كل وزراء المأمون، ورجاله واحداً واحدا، وزادهم المعتصم بكل أركانه، أحمد بن أبي داود قاضي قضاته، والفضل بن مروان وزيره الأول، إذ نصحه ساخراً، هازئاً، ومن بعده وزيره الآخر الأخير، صاحب التنور الشهير، محمد بن عبد الملك الزيات، حتى جاء الواثق، فلحقه سخراً بالمعتصم، وختم أمره وموقفه الساخط المعارض بالمتوكل ووزيره، ومالك بن طوقه، الذي طوّق شاعرنا بالحيلة والدسيسه، فصرعه مسموماً، أقول كل ذلك بعد سنة 203 هـ حين اتخذ الموقف العقائدي والسياسي المعارض للخلافه العباسية وجورها، كما جرى في اعتقاده ورؤاه، وما يهمني أنا مما ذكرت من الرواية سوى موقف المأمون وشهادته القيمة القوية لصالح الدعبل، وروايته لشعره بحضور وزرائه وأركان قيادته، ولم يلتفت لخصومه وأعدائه من المتملقين المرائين الذين زوّروا تاريخ الأدب العربي، وجرفوه إلى ما نحن عليه من تقديس السلاطين والمتسلطين، و عدم احترام الرأي الآخر للمستضعفين والمناضلين، ولله حكم الأولين والآخرين !!

 

كريم مرزة الأسدي

.......................

(46) (تاريخ اليعقوبي): أحمد بن أبي يعقوب ج2 ص 441 - 445 منشورات الشريف الرضي-ط 1 - قم .

(47): راجع (دراسات في التراث العربي - دعبل بن علي الخزاعي): الدكتور عبد المجيد زراقط، أما طلحة الطلحات: فهو أبو محمد طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي من أجواد العرب في الإسلام كان والياً على سجستان، وقيل له طلحة الطلحات لأن أمه ابة الحارث بن طلحة بن أبي طلحة وقيل غير ذلك، وكان زريق بن ماهان جد عبد الله بن طاهر بن الحسين مولى لعبد الله بن خلف والد طلحة أو طلحة . راجع (ديوان دعبل): الدجيلي ص 278، م. س .

(48) (الديوان): الدجيلي ص 278 م. س.

(49)(دراسات في التراث العربي): م . ٍس.

(50) (الديوان): الدجيلي ص 119 م . س .

(51) (الديوان): الدجيلي ص 43 - 44 م. س .

(52) (بدائع البدانة):ابن ظافر الأزدي 1 / 47 الموسوعة الشاملة.

(53)(المصدر نفسه) , وراجع (الديوان): الدجيلي ص 254 - 255 م . س .

(54) (الديوان): الدجيلي ص 110 م . س .

(55) (الديوان): 310 - 311 م . ن.

(56) (التعازي والمراثي): أبو العباس المبرد 1 / 48 الموسوعة الشاملة .  

(57) الأغاني: أبو فرج الأصفهاني - دار الفكر - بيروت - ط 2 -ج 20 - ص 166 - 167 - تحقيق سمير جابر .

(58) كتاب التبيه والإشراف: المسعودي - ذكر خلافة المأمون - 13 من 14 - موقع نداء الإيمان  

"فكرة وفضاء الصمت" في ديوان: مكان ما في اللانهائي للشاعرة المغربية رجاء طالبي

771-rajaيحتل الصمت كدلالة شعرية تحيل الى الانشغالات المتنوعة؛ الجمالية والفكرية والحياتية، مكانة مهمة في قصائد ديوان الشاعرة المغربية رجاء طالبي "مكان ما في اللانهائي" الذي صدر عن دار فضاءات، عمان عام 2015. وهذا الديوان هو الرابع من مجموعة الدوواوين التي اصدرتها منذ عام 2009.

771-rajaان الاحساس الداخلي المتوقد في وجدانية الشاعرة، هذه الذاتية المبصرة للانسان والكون، لا تعبر عن نفسها برومانسية مندفعة في بوح علني هادر، بل تنساب في تأملية صامتة، مفترضة في هذا الصمت تلك المسافة الغير مطروقة بين المبدع والمتلقي. فغرض الشاعرة، كما سنلاحظ في القصائد، هو ابعاد النص قدر المستطاع عن الصخب والقراءة السهلة، العابرة، وحث المتلقي على الغوص في عالمها الشعري..و محاولة اغواء لاستدراج القاريء الى لعبة الوعي الشعرية لادراك الكون والاحاطة بقدر ما بحيثيات التجربة الذاتية جماليا. وهي مهمة تواجه صعوبات كثيرة، الا انها رغم هذه الصعوبة والاشكالية التي تقترن بها في استبطان المعنى، تمنح المتلقي متعة الفن والخوض في مجاهل النص الشعري . تستخدم الشاعرة لغة غير مباشرة كاداة لاضاءة هذا الصمت، ولأن ذخيرة الشعر ومادته الاساسية هي اللغة، شأنها في ذلك شأن اللون في الرسم والحجارة في النحت والصوت في الموسيقى"، كما يكتب يوري لوتمان ويضيف " اللغة هي مادة الشعر، أنها الجوهر المادي، النسيج الملموس"1.الا انها لغة غير مباشرة تحمل اسرارها الخاصة بها، توحي دون ان تغرق في التفاصيل، وتعبر عن معنى الاشياء متجنبة قدر الامكان الوقوع في شرك التجريد المفاهيمي الخالي من الحس والحياة ف" افضل وسيلة كي تكون اللغة غير مباشرة انما تتمثل في الاشارة، قدر المستطاع، الى اشياء في حد ذاتها، لا الى مفاهيمها، لان معنى الشيء يومض دوما بخلاف المفهوم" 2..والسؤال هو؛ ما هي الاحالات الشعرية التي تضمنتها "فكرة الصمت" لدى الشاعرة رجاء طالبي؟ والى اي حد تمكنت، شعريا، في القبض " على الصورة الجوهرية للاشياء" باعتبارها غاية الفن طبقا لارسطو؟ وهل اكتفت بالصمت كفكرة ام استخدمته كفضاء ووعاء للخلق الشعري ايضا؟

 

الصمت كفضاء للبوح

في الصمت تزدهر قصائد الشاعرة طالبي ـ تتحاور مع نفسها، تثرثر بكبرياء، واحيانا بغضب مكتوم، دون ان تلتفت الى علامات استفهام الاخرين، وتغتني بتأمل حياتها في اللغة وطيات المعنى..الصمت لديها ليس فعلا فيزولوجيا ..بل انه فعل وجودي حسيّ يعيش في الكلمات، حيث تتحول الكلمات الى لحظة، زمن، الى شيء، شكل، او الى حس، متمثلة جميعها في " خفق اجنحة لا مرئي"ص.27.. انه فضاء حر، خال من فضوليين وغرباء؛ هنا تنصت الذات الشاعرة وتبوح لنفسها اسرارها الخاصة بها، وتكشف لنا عن بعض افكارها وخبايا عالمها الحساس. وبهذا فهي تحاول عبر الصمت وبواسطته جعل الشعر وكما يكتب د. ابراهيم ريكان، "معرفة"3، وهي معرفة ذات اشكال متنوعة عقلية، نفسية وجمالية، فيها تفتش الشاعرة عن نفسها كأمراة، وانسان وذات مفكرة لها وعيها الخاص بالوجود والانسان. تلك المرأة التي تنشغل احيانا بما هو يومي وفي حيثيات حياتية تتكرر، وتتحايل عليها مثلما "فنانو الاحد يرسمون اطياف نشوة"، عبر ممارسات متنوعة، "لمراوغة التعب" ص.19، كنوع من العزاء الذاتي ردا على امتهان روتينية الحياة لاحساس امراة تعيش الفكرة والكلمة والموسيقى

"وانت تقطعين الخبز،

حين استحضرت في شرودك

أبياتا لريلكه، ( ....)

تنصتين لليليات شوبان" ص.95

وهي مقابل ذلك تفضل البقاء في وحدتها وعالمها وصمتها احتجاجا ورفضا للتشوّه الذي اصاب العالم :

" لا تشعل الضوء !

هنا العالم مكتظّ بأشباح ومسوخ

( ....)

لا خلاص سوى في هذا التوقف عن التنفس

أعين مفتوحة، صمت يطفو "ص.25

الحل أذن في هذا الصمت الذي يصل ذروته الى درجة الرغبة للتوقف عن التنفس. لكن هل يفهم من ذلك انها رغبة عدمية كارهة للحياة ومفضلة الموت، ام انها دعوة الى صمتٍ يتيح لها التطلع الى انسجام حركات الاشياء والانسان في اتساق احتفالي، يتجاذبها ما هو مقفر في الخارج وما هو ثري، مكتنز، عميق في الروح- الداخل..في تلك اللحظات حيث يصبح غناء الشجرة معادلا متخيلا للصمت، واطلالة ممكنة على الوجود النابض بالحياة ..الصمت البديل الذي لا يمكن لغير الشاعرة ان يدركه ..!

" ليس منفى داخليا

و لكنه ملاذ

السطح مقفر والداخل مأهول،

أطفأت النور

تأهبتُ للنوم

عندما أطلقت الاشجار

غناءها الليلي ؟   الديوان، ص. 64

هذا الشدّ الروحي بين اعماق الانسان الهائجة وبين محيطه، بين ذاته وعالمه، بين احاسيسه الشفافة والوجود الصلد المحيط به، كلّ هذا يتجسد في الكلمات عندما اطلقت الاشجار غناءها الليلي، فالغناء هو صوت الشاعرة الداخلي، انه فضاء الصمت الذي تعيش فيه وتطمئن اليه، وهو يكتسب راهنيته من هذه الكلمات عندما تنطلق ولا ضير من شجر او طير او انسان ص.64

 

الصمت والغور في الاشياء

ومن هنا فان الشاعرة حتى وهي ترفض ما حولها وترتضي بالصمت بديلا، فانها لا تطلّق الحياة تماما، بل تجد في الصمت فرصة للتأمل فيها. ثمة مسعى في هذا التأمل للموازنة بين ملامسة الاشياء، لكن عن مسافة لتجنب الضياع في أتون ما هو ملتبس فيها او مشوّه من جهة، ومن الجهة الاخرى الحذر من الوقوع في الفكرة المجردة والرؤى المتخيلة المهومة في اللغة، بحيث تضيّع متعة الاستكشاف واعادة الخلق لهذه الاشياء. فهي كما تقول تعيش في الكلمة، والكلمة هي الحياة، انها بيتها الحقيقي ومأواها الاخير:

" وعليّ الاعتراف: تحييني كلمة او تميتني" ص. 53، لانها كلماتها هي وليست لشخص آخر.. حيث تزورها احيانا في غرفة السطح المهجورة على شكل ارواح صامتة ص53.

وتشدد على اهمية الكلمة بالنسبة لها في قصيدة اخرى:

" لا شيء ليقتلعك من هذا البياض " ص.103، انه تشبث مخلص وانحياز واع الى الصمت باعتباره جزءا من كينونتها ووجودها. فالبياض ليس فقط دلالة على النصاعة وخلو التجربة او الذاكرة بل انه ايضا فضاء مغر للانصات المطلق والتوحد الكامل مع روح الاشياء، وهذا الانصات يتطلب سياقا وطقسا من الصمت يتحول في مجرى الوقت الى ظل ورفيق:

" الصمت الذي رافقني طويلا في عزلتي

اخذ مني ومنحني الكثير" ص 102. إذن الصمت والكتابة هما توأمان ترعاهم الشاعرة وتعيش بهما ايامها، وتحدق عبرهما في ارجاء الكون وخبايا الانسان والذات ص.103 .

الا ان الكلمات- اللغة تخذلها في بعض القصائد، وربما هذا ناشيء عن ضغط الموضوعات التي تلح على الشاعرة، فتقع احيانا، وهي تغامر بصبر وشفافية لسبر تلك الاماكن المنزوية في الوجود والعلاقات الانسانية، في تجريد لغوي يفقد القصيدة تلك الشفافية الشعرية.ًص.72، ص.75 او رصانتها ص. 108،. وهي لا تكتفي في هذه المغامرة بان تكون في الواقع مجرد مخلوق عادي يشبه اقرانه البشر، لانها كشاعرة، الى جانب انسانيتها كأمرأة، هي حسب تعبير جان كوكتو "خالق"، لان الشاعرة - الشاعر "هو في الواقع اكثر من انسان "، انه " قادر على فتح افاق جديدة على عالم مجهول"4 . وقد وجدت في الصمت قناعا وملاذا لكي تحمي روحها وتكشف كذلك عن انسانيتها المعذبة، وتختبر قدرتها على الغور في عمق الاشياء التي تبدو للاخرين سطحية او مألوفة. الصمت بهذه الصورة يفتح هذه "الافاق الجديدة" عبر تأملات فكرية وحسية تكشف عن ذات شاعرة غير معنية بتقديم البراهين لاحد بقدر ما هي مشغولة اساسا باكتشاف مكانتها في الوجود. انها تفتش عن نفسها الموجودة الماثلة امامها وعن تفاصيلها الخاصة المواربة، مكتفية باي اثر، ملمس، باب، بصمات، ومتشبثة بقلق ملهم ؛

"قلق يلتهم الاستعارات، لا تهدأ نظرته" ص.7

وهو قلق يتحقق باوسع مدى في الصمت، إذ ان الصمت يتخذ اشكالا متعددة. انه التوحد الانساني، الزمن الذي تتجلى فيه تجربة وتصورات الشاعرة عن الحياة والانسان

" نفس الانتظار الذي لا ينتهي،

لسانك من حجر

بينما يمضي نهر الصور

امام خفقك،

كما لو ان ليس هناك شيء ." ص. 14

فكل شيء يوحي هنا بالصمت .. الانتظار المعادل الزمنى للفراغ والعزلة، يقابله الصمت المطبق المتشكل على صورة "لسان من حجر" .بينما يتحول هذا الصمت في المكان الى "نهر صور" لتنتهي القصيدة ثانية بالفراغ والصمت .." ليس هناك شيء"

الصمت هو "حبسة اللغة"ص.15، واذا كان اللسان حجر فان " الفم بدون لسان" ص. 15، لان " الصمت سميك" ..انه انتقال اكبر واكثر الما وفزعا من حالة من حالات الصمت التي تسود فيه امكانية امل وتبصر واغنية لشجرة او يتجلى عبر كلمة، الى نوع اخر من الصمت المطبق، حيث يأخذ شكلا محددا ويحتل مسافة، انه الفم بلا لسان، فاللسان رمز اللغة يغيب تماما، ويحل محله الفراغ، فراغ هائل منفتح على هوّة بلا قرار..انها حالة الفزع اليومي التي تريد تسجيلها الشاعرة وتقاسي من اجلها، لانها كما تقول " لكن تأخر الوقت" ويمكن تأويل هذه العبارة بكونها تتضمن ترددا وحيرة اكثر مما توحي بالتخلي التام او الاستسلام الكلي.. فالفزع على رأي المفكر الدانماركي سورن كيرككورد قد يكون حافزا للاختيار ومصدرا الى الارادة الانسانية وحثا على الفعل القادم.

انه انفتاح على ممكن مستقبلي، ايحاء بكسر هذا الصمت وتوليد بديله عبر مكاشفة وكشف لواقعية الاحداث وفضاعتها، او اليوميات الصغيرة التي تحياها امرأة، وهي وتكشف عن ماهيتها وأناها ص.18

هنا تصوغ الرغبات المكبوتة لتدفع عنها تلك القيود والحدود التي رسمها لها الاخرون، حدود الجسد - الانثى والقوانين المستنبطة منها .الا انها تتخطى تلك الحدود، كما في احدى القصائد، عبر استهلال " كأن" يتكرر في القصيدة، الذي ينطوي على سخرية مريرة..كما لو انها تسعى لرسم حدودها وسماتها المغايرة، البديلة الخاصة بها.. انها تريد هذه الانثى التي تنتمي حقا اليها باعتبارها " اصغر من كلمة مقاومة مراوغة" وسط هذه التراكمات الزم-مكانية، ص. 18-19 . ويبدو هذا النزوع جليا في نهاية قصيدة اخرى، حيث تلجأ الى الكلمة، القصيدة لرهان نفسها من اجل كسب حرية من ذلك الجسد المسوّر بقوانين الممنوعات والروتين والعادة " احتاج ان اكون رهينة القصيدة لاتحرر من نفسي" ص.23 . والانصياع الى فضاء القصيدة، يعني الخضوع الكلي الى الصمت، او الحوار الذاتي الصامت، إذ لا يمكن ان تتحق الكتابة الا في الصمت والعزلة، في طقوسية تعيد عبرها ترتيب الاشياء بطريقة تلمس فيها حريتها. ولادة القصيدة هي سيرورة الصمت الكلي المطبق لصحوة الشعر. ص.23. لكنه صمتها الانيس البديل، حين يكون "العالم مكتظا باشباح ومسوخ" ص. 25 . ثمة رغبة قوية وغضب داخلي ونزوع عنيف نحو الخروج على المألوف.. وهو خروج في اطار الصمت ومنظومته عبر الكلمة. وتصف لنا وهي تعاين عالمها ونفسها وتدخل في حوارية معها، تلك الذات المقاومة الحيّة النابضة بالمعرفة الشعرية التي تمثل عونها الوجودي، وهي معرفة تراكمت خلال محاولات متنوعة وغزيرة وشاقة، معترفة في نفس الوقت بانه خروج محفوف بالمخاطر إذ تسير على حافة الاخدود :

" على حافة الاخدود تسيرين مائلة

يتمايس في جسدك ازرق باطاي،

ضوء هيلدرين،

منفى بلونشو" ص.7

وهي تصر على هذا الصمت الرافض، فالازدهار يكمن في الرأس، منبع الكلمة والصورة والخيال، حتى ولو شح العالم وتحول الى خواء وفراغ

" اذا داهمتك الحرائق

ان عزت الغابة

ان شح النبع

اركض في راسك حتى انبجاس شمس العتمات

انتظر ستاتيك الغابة يتفجر النبع صاحبها فقط عتماتك

انتظر ! ص 84

 

تكرر هذه الرغبة- التعزية المُرّة للذات للتعويض عن مرارة العالم والخسارات واللامعنى في قصائد اخرى ايضا،ص.93

ترادف الصمت والغياب:

يحيلنا الصمت في قصيدة اخرى الى الغياب، الى شيء مفقود، اذ تتواطأ الاشياء وتغلق على نفسها برعونة، وحيث الريح تبعث اسى غريب في النفس عن شيء ضائع، مفقود، أو غائب.

" تغيب في هذا الصمت

حيث تتواطأ الاشياء في انغلاقها

ما ننصتُ اليه يفتقر للكلمات

يحدق باعين مطفأة،

بينما متوغلين في الانصات،

تصفر ريح في البعيد". ص. 11

تذكرني هذه القصيدة بواحدة من قصائد الشاعر الالماني يوهانس بوبروسكي وهو يعيش عزلة في الاعتقال السبيري بعد ان وقع اسيرا في ايدي الجنود السوفييت في نهاية الحرب العالمية الثانية، ويصف عزلته عبر الصمت وانصاته "للريح القادمة من بعيد".

ففي صمت كهذا يكون الحنين والغياب مضمونه،وحيث يكاد يختفي كل ما هو انساني في فضائه، تصبح كل اشارة او حركة دلالة على الحياة، وممارسة لاقناع الذات المعزولة؛ بان ثمة حياة وثمة كوّة للنور القادم رغم كل شيء.

 

 

النسيج الشعري للقصائد:

يتكون الديوان من 88 مقطعا او قصيدة دون ان تحمل هذه المقاطع عنوانا خاصا بها، لكن يمكن القول ان كل مقطع يحمل سماته الخاصة به، رغم وجود تداخل في المعنى والصور والدلالات الشعرية. الا ان هذا التداخل لا يشكل تصاعدا متناوبا في ثيمات القصيدة، بل يشكل في احيان كثيرة انقطاعا وافتراقا سواء باسلوبية او تركيبة القصائد او محتواها. فنجد القصيدة ذات السطر الواحد ص.26،41، 76، واخرى تتسم بحكائية او سردية ص.20، 22،54-57،، 71، 90، وثالثة يطغي عليها طابع التأمل الحسي التجريدي ص.73،75، ورابعة تبرز في ثناياها الافكار العقلانية ص.65،66، او تأملا فلسفيا مقنعا بلغة شفافة ص.65، او عرفانية صوفية ص. 23-24، او واقعية رومانسية ص. 16، 31، تنزلق احيانا الى واقعية تنحو نحو فوتغرافية وان كانت اصيلة ص.32،81، باختصار تلوين لغوي ذاتي يباغت القاريء بعمقه ويأخذه بعيدا نحو التفكير والدهشة. وهو ما يمثل تنوعا في المعرفة الشعرية للقصيدة ويشكّل بنيتها الحيوية .. ويمنح متعة جمالية -فكرية لحظة القراءة وما بعدها. قصائد تتفرع على موضوعات غزيرة؛ كالفراغ، العدم، اللامعنى، الخواء، التيه، القلق، الرحيل، الغياب، الموت، المرأة وعالمها،المعرفة، الخ، وكلها تجليات لفكرة الصمت وفي فضائه.

ان انعدام تأرخة القصائد او المقاطع او لحظة كتابتها اضافة الى التفاوت في بنى القصائد ولغتها وتمكنها التعبيري والدلالي اعاق الى حد ما من امكانية تعقب التطور الشعري لقصائد الديوان ومعرفة اتجاهاته، وفيما اذا كانت هذه القصائد مكتوبة في فترة قريبة او متباعدة. قد لا يكون هذا الامر ذا اهمية اذا قرأنا القصائد كنصوص معزولة، لكننا ازاء تقييم تجربة خاصة ومهمة تتعلق بثيمة الصمت التي تحضر على امتداد القصائد، إذ ربما كان بالامكان توفر قراءة اخرى، وحتى مختلفة بوجود تأريخ للقصائد. وبالطبع لا يمكن مسائلة الشاعرة عن الطريقة التي تكتب بها لكنني وددت الاشارة الى ذلك للتنبيه على محدودية قراءتي النقدية للقصائد او قصورها.      

يمكن القول اجمالا ان التجربة الشعرية في هذا الديوان تشتغل على ما اطلقت عليه في مكان آخر "قصيدة المعنى"، فالى جانب التمسك بالارتقاء باللغة والصورة الشعرية وبنية القصيدة وكثافة النص، الا ان "المعنى" يحتل اولوية في هذا النوع من التجارب الشعرية. أي في السعي الى تحميل اللغة والمعنى والاشارات التي تتضمنها مستويات متعددة تفتح بابا لفرص تأويلية متنوعة، رغم ان الشاعرة بقيت محصورة في تكرار بعض الصور والصياغات الشعرية، ومعانيها، وهذا ربما يعود الى صعوبة تناول ثيمة حساسة كالصمت تتضمن معنى فلسفيا وجوديا مصاغا بجمالية شعرية، التي لم تلق الاهتمام الكافي من لدن الشعراء الحداثيين العرب، رغم ان فكرة "الصمت" صارت من صلب الموضوعات التي طرحت ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصا من قبل ماكس بيكارد " الصمت والتاريخ" عام 1948 وجورج ستاينر في كتابه " الصمت والشاعر "( 1966) . وقد عالج المؤلفان موضوعة الصمت كتعويض عن الخسارات وردا عليها في حياة الانسان وكقوة، كلمة، او سياق يصاحب هذه المواجهة الوجودية للانسان، وعلى هذا النحو فقد تحولت ثيمة الصمت في الفلسفة والادب الى معيار لادانة الذات او الدفاع عنها في زمن الانحطاط الكلي في ظل ظروف قاهرة يعيشها الانسان.

من هنا، يمكن القول،ان ديوان الشاعرة رجاء الطالبي" مكان ما في اللانهائي"، نجح في تناول فكرة الصمت وفضائه لاضاءة موضوعات اخرى تتعلق بالانسان وقضاياه الراهنة. ويُعتبر خطوة مهمة ويفتح بابا جديدا امام تناول موضوعة الصمت شعريا باعتبارها من القضايا الفكرية والانسانية الكبرى في عصرنا الحديث.  

 

قحطان جاسم

..............

الهوامش:

1) يوري لوتمان، اللغة بوصفها مادة اولية للادب، ترجمة د.جميل نصيف التكريتي، الاقلام، ع 1-2، 1993، ص. 123  

2) جوناثان كلر: اتفاقات السرد، ترجمة محمد درويش، الاقلام، ع 1-2، 1993، ص.159

3) د. ريكان ابراهيم، البنيوية والشعر في المنظور النفسي، الاقلام، ع 5، 1989، ص. 27

4) د.زينب عبدالعزيز، جان كوكتو، أكذوبة دائمة الصدق، بغداد، افاق عربية،1977، السنة 2، ع 6،ص. 68

في مسارات صناعة الاسم دون امتطاء القضية .. فقدت خيط الحكاية (أنموذجا)

ahmad alshekhawiتتوجّب مقاربة هذه الومضة الشعرية ضمن سياقات انتمائها إلى لحظة تذويب شخصنة الهمّ في وعاء إيحاءات القضية الأم، أو الخطابات الضمنية المقتبسة من عملية ابتلاع رمزي تمارسه هذه الأخيرة على الحسّ النّرجسي، تسري دونما محو ملامح المعاناة أو طمس مؤشرات الترميم اللحظي للذات الإبداعية عبر هروبها من اختناقات الواقع باتجاه عوالم وجع تختزنه الذاكرة.

هكذا وضدّا للتقنية البوليودية الناجعة في تحويل المزابل إلى فراديس ومشاهد القبح إلى دنيا من الجمال الآسر، ربما بنية ترسيخ ثقافة محاربة الأرضية المسكونة بتراجيديا المعتقد والصورة،ومجابهتها بسلاح النظرة المتفائلة والوسيلة المتسامية على الصيغة السوداوية الكالحة.

يسلك الشاعر الفلسطيني الواعد سعد أبو غنام ، درب القطيعة مع كل ما من شأنه أن يشكل حاجزا يعيق ملامسة جوهر وجذور وطن مطعون،أبشع مظاهر الخبث بحقه الفلسفة الماسونية في التعاطى مع أوجاعه، عبر عولمة وتدويل قضيته على شاكلة تعمّق الأزمة أكثر فأكثر و تغذي الغطرسة الصهيونية وترعى مصالح الدول العظمى المتكالبة على الحق العربي عموما.

هذه هي الحكاية في ثوب حنينها المتقد إلى خيوط محايدة تُعتمد في نسيج القضية وصنعها من الداخل دون ضغط أجنبي رخيص أو مراعاة لمصلحة بدافع الخيانة أو العمالة أو النعرة الإيديولوجية المشكوك في براءتها.

طبوغرافيا شاعرنا مطفأة لا تستعير شمّاعة أو قناعا أو أسلوبا متملّقا تتغيا من ورائه حصاد إطراءات ومديح قد يجود وربما يبخل به الآخر المستهدف بعد مكابدة وعناء.

هو لون من ألوان الصدق مع الذات والانقياد الأعمى لمراياها الفاضحة. فتشكيل هوية هذه الذات أو محاولات إعادة صياغتها ،منطقي ألا تواكلا واعتمادا على أياد دخيلة لحفنة انتهازية تستعبدها نزواتها و عرقيتها ونازيتها وساديتها وأحقادها.

هي مرايا لغة شعورية توقظ نظريات صناعة الاسم دون امتطاء ظهر القضية، وتقترح المكان طبقا لأصله وتبعا لصورته ارتقاء بالوجع الوطني وتبديد التخمينات وانطباعات العجز والقصور أو تسوّل محفّزات الطاقة الإيجابية كوقود لاستنطاقات القضية وتفادي موجبات الإخفاق وعدم التمكّن من وضح الإصبع على مكمن الخلل بغية استدعاء أسباب العلاج بعيدا عن الحلول الترقيعية الملوّثة بشتى أشكال المساومة والمزايدات .

الإضاءة سيئة

هنا

أين المصباح؟

آه...

ظهري

عثرت على الإبرة

اللعينة

فقدت خيط الحكاية

أفلت مني حذائي

واختبأ خلف الباب

أطلّت ذاكرتي

من ثقب الوقت

تلك الماكرة

عديمة التربية

تهدد بمغادرة منزل

العائلة .

ظاهريا قد تبدو الومضة غير مقنعة أو مغرية،نظرا إلى تقطيعات تطال المعنى بغير مناسبة ،وكذلك النهل الاعتباطي من معجم مفرداته متهمة بـالتلكّأ إن لم نقل الفشل ــ أحيانا ــ في إيصال ما تفيده الرؤيا الوطنية الجامحة.

قد تبدو الومضة أقرب إلى الفوضى التعبيرية منها إلى لوحة بوح في تناغمها الجمالي والدلالي.

كهذا نمط من التلقي ربما يختزل النص في حكاية على شفة منفصل عن قضيته، تزعجه الإنارة الخافتة ، كشخصية راحت تكتسحها أعراض الشيخوخة،في فعل البحث المرتبك عن إبرة وخيط لرتق حذاء لا حول له ولا قوة في تنقل أو اختباء خلف الباب بقدر ما توهمنا وتسقط عليه ذلك ذاكرة مشوشة ومضطربة .

لكن ... الماهية مستقرّة في ما يفتح بصيرة التلقي على ثغرات تدفع بنا إلى القفز فوق مثل هذه القراءات السطحية،وتجعلنا نلتفّ ونخوض دورة كاملة تمنحنا البعض من نكهة هذا النص الومضة من خلال مقاربته احتكاكا بمستويات انتسابه إلى قضية عالمية عريقة وعميقة عالقة بحجم قضيتنا الفلسطينية الكبرى .

 

أحمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي


 

الإبداع الفني الأدبي في ميزان التحليل النفسي

muvir almuqadamإن الحديث عن مسألة الإبداع الفني الأدبي في ميزان التحليل النفسي يحيلنا، أولا، إلى الحديث عن الإبداع باعتباره فعلا انسانيا، وثانيا عن التحليل النفسي باعتباره منهجا تناول بالدراسة التحليلية موضوع الإبداع وتداعياته.

فالإبداع الفني يتولد من منطلقات نفسية ومعاناة محضة يعيشها المبدع، تعكس الحالة النفسية المضطربة، وترصد أهم العناصر الإبداعية المساهمة في ذلك.

لقد عرف التحليل النفسي باعتباره نظرية سيكولوجية وتقنية شارحة وتطبيقا علاجيا مجموعة من المراحل والتطورات التاريخية، قبل أن يصبح منهجا دراسيا قائما بذاته، سواء على مستوى تطور علم النفس ككل، أم على مستوى الجهاز المفاهيمي، أم على مستوى المدارس والاتجاهات المؤسسة لمنهج التحليل النفسي.

إن البذرة الأولى لهذا المنهج لاحت مع العالم النفساني فرويد من خلال كتابه "تفسير الأحلام". وكانت نظريته القائمة على علم النفس الفردي تهتم بجانب اللاشعور/ اللاوعي الفردي مركزة على عقدة أوديب وتداعياتها، ومفهوم التسامي وتمظهره على أرض الواقع كوسيلة للتنفيس عن الحاجة النفسية. فالإبداع حسب فرويد مرتبط بضغط عقدة أوديب على الحياة النفسية الخاصة من جهة، وضغط الحياة المجتمعية والمحيط الخارجي من جهة ثانية، فيترتب عن ذلك صراع بين الهو (خزان الليبيدو)، وبين الأنا الأعلى الممثل للقيم والأخلاق العامة، فيعمل الأنا على خلق التوازن والاستقرار النفسيين والمتجليين في التسامي.

وفي الاتجاه نفسه، أي علم النفس الفردي، اعتبر ألفريد أدلير وهو أحد تلامذة فرويد النجباء، أن اللاشعور الفردي ليست له ملامح مشتركة، وإنما محكوم بالسيكولوجية الفردية التي تقوم على قوتين أساسيتين: قوة الشعور بالدونية التي تتولد عند الشخص منذ طفولته، فتنمو وتكبر معه عبر مختلف مراحل نموه. وقوة اثبات الذات بغية تعويض النقص المتراكم عند ذلك الشخص. وعلى هذا الأساس، يعتبر أدلير الإبداع الفني بمثابة إكمال للنقص الحاصل في شخصية الأديب/ الفنان، وضمان لتوازن واستقرار نفسيته المضطربة.

ولعل أبرز مثال يمكن أن نضربه في هذا الباب، هو حالة الإحساس بالنقص وبالدونية التي كان يتخبط فيها أحد الشعراء الأسياد، ويتعلق الأمر بعنترة بن شداد. فهذا الشاعر بفضل بطولاته وشجاعته وقوته تمكن من فرض مكانته بين قومه وأفراد عشيرته، بل والاعتراف به كسيد من أسياد عبس. ولكنه، مع ذلك، لم يتخلص من مجموعة من النزعات الفردية التي شكلت له محفزا ودافعا للإبداع. فخوفه من فقدان الحبيبة، وكراهيته للمعاملة السيئة التي لقيها من أقرب الناس إليه (والده)، بسبب لون بشرته وأنه من رحم أمة، وغضبه من أقرانه الذين نافسوه حب عبلة؛ كلها أمور ولدت عنده نزعة العدوانية التي جعلت منه فارسا فتاكا بالعدو. إن شعور عنترة بالنقص والدونية جراء الرق والعبودية شكل دافعا قويا للإبداع الشعري، وذلك من أجل الوصول والفوز بقلب محبوبته عبلة، ومن أجل إنشاد الحرية المفقودة والتخلص من قيود الرق والعبودية. كما أن هذا الشعور، أظهر عنده غريزة الإقدام التي كانت غايتها واضحة تتجلى في السعي إلى الحصول على مكانة مرموقة في قبيلته. وقد شغل هذا الهدف عنترة طيلة حياته، ورغم أنه حققه في نهاية الأمر، باعتراف والده به وجعله من أشراف وأسياد قبيلته، وفوزه بمحبوبته وابنة عمه عبلة، إلا أنه ظل ينشد الحرية والتخلص من قيود العبودية، من خلال أشعاره التي تغنى فيها بعشقه وهيامه، بقوته وشجاعته؛ مما يدل على أن حالته النفسية ألفت الاضطراب والتوتر وعدم الاتزان.

وبعودتنا إلى المناهج النفسية التي تناولت الإبداع الفني بالفحص والتحليل، نذكر تلميذا آخر من تلامذة فرويد ويتعلق الأمر ب كارل غوستاف يونغ الذي تبنى نظرية علم النفس الجماعي/ الجمعي على عكس أستاذه. فالإبداع عند يونغ مقترن باللاوعي الجمعي الذي هو موروث جماعي مشكل من ترسبات نفسية وخصائص بيولوجية ونماذج عليا، أساطير وخرافات، وصور بدائية. هذا الموروث ينتقل من جيل إلى جيل في شكل تمظهرات، حيث يعمل المبدع، حسب يونغ، بواسطة الإسقاط وهو كالتسامي الفرويدي، على تحويل تلك الترسبات والمشاهد الغريبة التي تتبادر إلى ذهنه من أعماقه اللاشعورية (اللاشعور الجمعي) وبلورتها على أرض الواقع في شكل موضوعات خارجية وعمل فني أدبي، قابل للتأمل من لدن الغير. فهو يعتبر تمظهرات الموروث الجمعي على أرض الواقع بمثابة أحلام يقظة، تتمثل في الإلهام والحدس المقترنين بالمبدعين. حيث الإلهام، حسب كلاي، يدل على لحظات الإبداع الفجائية التي تنتابنا مصحوبة بأزمات انفعالية، وتبدو بعيدة عن العمليات العادية للعقل والشعور، وعن حكم الإرادة وسيطرتها؛ فهاته اللحظات تكون غير متوقعة، ومجيئها غير مرهون بدعائنا، كالنوم والأحلام.

أما الحدس، فهو المعرفة الفجائية التي ليس لها مقدمات من تفكير وتروٍ. وينقسم إلى حدس بسيط خاص بالقضايا البديهية لعموم الناس، إذ أنه لا يقوم على أي نوع من الإعداد والتأهب. وحدس راقٍ خاص بالعباقرة، ناتج عن آثار التفكير الشعوري، ومشيد على التجربة، فهو يأتينا بعد عناء سابق في إيجاد الحل.

ويمكن تشبيه هذا الطرح بما جاء به برغسون الذي اعتبر الانفعال جوهر الإبداع، على أساس أن الانفعال هزة عاطفية تمس الحياة النفسية. وقد قسم هذا الانفعال إلى انفعال سطحي يوصف بأنه تحت عقلي أي أن العاطفة أو الأفكار المتولدة عنه تكون تحت تصرف العقل، فهو من ينظمها ويؤطرها. وانفعال عميق يوصف بأنه فوق عقلي لا طاقة للعقل في السيطرة عليه والتحكم فيه، وهذا هو جوهر الإبداع ولبه في العلم أو الفن أو في الحياة الاجتماعية.

وإذا كان الإبداع الفني هو نتاج التجربة والمعاناة التي يعيشها المبدع، إذ أنه ينطلق من حالة نفسية مضطربة ويسعى من خلال إبداعه إلى خلق التوازن وتحقيق الاستقرار النفسي، فإن الإبداع، بشكل عام، يأتي استجابة لعناصر أساسية؛ واعية وغير واعية. فالعناصر الواعية يُتحكم فيها ويُخطط لها تماشيا مع نوعية الجنس الأدبي ومقتضياته، حيث إن الشاعر مثلا، عندما يستهل قصيدته باللائمة أو مقدمة غزلية، فإنه يفعل ذلك احتراما وتبعا لنهج باقي الشعراء الذين دأبوا على ابتداء قصائدهم بهذه الطريقة. أما العناصر غير الواعية، فهي التي ترتبط بلاوعي الشخص وحالته النفسية، وهذا ما يؤكده فرويد بأن الإبداعات الفكرية ناتجة بالأساس عن اللاوعي/اللاشعور المتجلي في الإلهام الجارف.

 

منير المقدم

قراءة في قصيدة الشاعر لشاعر الوطن القدير

الوطن طائر العنقاء يولد من رماده ينهض من جديد على تراتيل شاعر الوطن

يقول أرشيبالد ماكلش في كتابه الشعر والتجربة ص 17:

"نحن الشعراء نصارع اللاوجود لنجبره على ان يمنحنا وجودا، ونقرع الصمت لتجيبنا الموسيقى، أننا نأسر المساحات في قدم مربع من الورق، ونسكب طوفانا من القلب الصغير بقدر بوصة . فتأمل ماذا يعني هذا "

والشاعر شلال عنوز حياته قصيدة والقصيدة هي حياته يصارع اللاوجود ليمنحنا وجودا، فهو يتماها مع كلماته وصوره يلغي الحدود بينه وبين كلماته وصوره فتراه عندما يكتب عن النهر هو النهر ويلغي الحدود بين الحواس فالألوان والأصوات تمتزج لديه اضافة الى الموسيقى الداخلية التي تضفي على المشهد جمالا أخاذ فهي تكون في اغلب الأحيان كرتم داخلي وأحيان تكون كخارطة تدلك على الطريق

يوظف القيم والأشكال البصرية على الصفحة حتى تتداخل سيمياء الفنون التشكيلية وسيمياء الفن الشعري فالبنية الخارجية للمضمون تمتزج مع البنية الداخلية وإيقاعات القصيدة من خلال المساحات البيضاء والتنقيط الذي يعتمد عليه الشاعر ليعطي للكلمة مداها وللمتلقي فسحة من التأمل

أذن النصّ والسياق يتحدان لدى الشاعر من خلال وحدة الموضوع

فالقصيدة عند الشاعر لها قيمة رسالية ووجدانية ومعرفية معاً

والشاعر لديه القيمة الموضوعية تتقدم على القيمة الذاتية يقول اندريه بروتون في كتابه بيانات السريالية ص51 "أنه أي الشاعر لا يهتم بالألفاظ ولا بالتراكيب كيف تأتي وكيف تتراكب وتحصل وهو يستطيع بهذا التعبير عن رأيه في عدد من المواضيع أي موضوع "

فمن خلال الصورة المفردة والصورة المركبة وطريقة بنائها في أساليب عدة منها: التوليد والتراكم والمفارقة التصويرية ليصل الى الصورة الكلية، مبينة دورها الدلالي والجمالي الخاص، معتمدا على المشهد (اللقطة السينمائية والتفاصيل والتشكيلية).

ان سعي الشاعر في البحث عن أشكال شعرية ذات مستوى فني عال تحت إطار قصيدة النثر بمفهومها المتجدد الذي قد يؤدي إلى شكل شعري أكثر تحرراً قد يوصلنا الى القصيدة المطلقة وهذا ما نسعى اليه

الصور لديه تتوالد وتتابع بنظام هرموني جميل معتمدة على وحدة الموضوع وانسيابية العبارات في إيقاعاتها الداخلية

ان ذات الشاعر تفصح عن علاقتها الجدلية مع محيطها الخارجي فالوطن هو هم الشاعر فالقصيدة لديه عبارة عن سيل من الدفقات الشعورية فترى الشاعر متوهجا يشعل كلماته قناديل لتنير قتامة الليل لعلى الآخرين يقتبسون النور من قناديله يغني للريح حيث المدى المزدحم بالصخب والضجيج لعل كلماته توقظ الآخرين وتدلهم على مصدر النقاء

هواء فاسد دخان اسود يمتزج مع الضجيج يبتلع المدى وطوفان الصراخ الذي ينبعث مع الآهات أنهم الفقراء قلب الوطن النابض وملح الأرض تغمرهم متاهة الأسى، انكسارات، ضياع، العتمة تبتلع أخر ضوء للأصيل، زمن مشوه لا يحتمل حتى أحلام النوارس التي هاجرة نحو الغياب، ما لذي يريده الشاعر وأي صرخة يطلقها في هذا الصمت الرهيب انه الوطن الذي ادخلوه في متاهة التشرذم والضياع والتمزق

يُشعلُ قناديله في أُفقٍ قَتام

يُغنّي للريح حيثُ المَدى المُزدحم

....بأصواتٍ مُشَوّشة

.....يشربُها ألضَّجيج

يتنفّسُ دُخاناً

.......امتطتهُ رائحةُ التّبغ

فتشظّى في رئتَيهِ

..........ألَماً

.......قَيحاً

......مَرارَةً

يبتلِعُ طُوفاناً مِن صراخٍ

...................توسّدَ أذرُعَ الغسَق

.......................مُتسربِلاً

..................................جَلابيبَ الضّياع

.................................انكِسارتِ الزمن المُشوَّه

...............................هجرة النّوارس

فهو كلما ذكر الوطن ينهض كل مجنون،مذهولا لما يجري فهو لا يملك سوى روحه وكلماته يشهرها كالسيف بوجه الأعداء الذين اعتلوا صهوة الوطن وهم عابثين لا يجيدون ركوب الخيل كفرسان فيستلهم الشاعر روح المتنبي ذلك الشاعر والفارس الذي رفع شعاره على طول الزمن الخيلُ والليلُ والبيداءُ لكن في زمن شاخ فيه الترقب وتناسل الانتظار ما عاد يجدي سيف أبي فراس الحمداني لوطن مكلوم يتلمس الشاعر جراحاته جرحا جرحا ماذا فعلوا بك أيها الوطن الفارس الأصيل

كُلّما ذُكر الوطن

ينهض مجنوناً

....كأُمٍّ ذُبح رضيعها أمام عينيها

..لاتجيدُ عيرَ

............النَّواح

..........الفَزع

.........التَّبتّل

بين الفَينة والفَينة

.....يقفزُ مذعوراً مثل حصان مسلوب...

.................اعتلى صهوته عابِث لا يُجيدُ

.........................ركوب الخيل فارساً

المُتنبّي يدقُّ أعماقه بمطرقة..

(...... الخيلُ والليلُ والبيداءُ........ )

هوَ صوتٌ لكل ألأزمنة

...................شاخَ فيه الترَقُّب

...............تناسلَ فيه ألانتظار

أسعِفيهِ أيتها القصيدة ؟

فما عادَ الشعرُ..

.........سحابةً مِن وَدق

......ولا سيفاً بيد (أبي فراس)

ينامُ مَكلوماً على جراحات الوطن

...يتلَمَّسُها جُرحاً جُرحا

يتلمس الشاعر الجراح فيفز مفجوعا فيرتسم الوطن في عينيه دمعة وفي قلبه تفيض الكلمات على وطن هو كالأسير المرتهن

فيكون الشاعر دمعة وقصيدة فينبثق الأمل من القصيدة وينهض الوطن من جديد كطائر العنقاء يولد من رماده، ينهض مدنا من عنفوان وافق من تجلي ورايات من شموخ تنهزم الظلمة امام بهاء نوره وكل جيوش الظلام تندحر، لا خنوع ولا ترقب ولا انتظار هاهي القصيدة تعج بالضوء فيورق الصباح بالندى فيرقص الأمل مَفتوناً على تراتيل شاعر الوطن

 

فيفزُّ مفجوعاً

يبكي الوطن ..

...دمعةً وقصيدة

بينَ القصيدة والوطن..

...مُدنٌ مِن عُنفوان

..أُفقٌ مِن تجلٍّ

..راياتٌ مِن شموخ

.............يبتلعُ كلّ

....................غبار الخنوع

.................سَخام الهزيمة

...............وجع ألانكسار

أسعفيهِ أيتها القصيدة..؟

...........لتزدهي الحروف

.........يضجّ الضّوء

.........يورق الصّباح

فيرقص الأمل مَفتوناً

على تراتيل شاعر الوطن

القصيدة تحمل من الحداثة والتمييز بلغتها التعبيرية الرائدة التي استخدمت النثر بكامل طاقاته الهائلة والتي اعتمد الشاعر فيها على مرجعيته الذاتية حيث كان هو مقابل العالم جسد فيها خلجات وهواجس الوطن

والشاعر اختزل الزمن في القصيدة في حواراته الداخلية واستلهامه لشخصيات معينه بذاتها لما هذه الشخصيات من قيمة أدبية وتاريخية ومعنوية

وأخير فالشاعر شلال عنوز من خلال موهبته الفذة وتجربته الشعرية جعل النص ساحة للتجاذب بين الفضاء الداخلي المتمثل بالمضمون والفضاء الخارجي المتمثل في الشكل المرتبط ببنية الواقع كما يذكر علوي الهاشمي في كتابه تشكيل فضاء النص الشعري بصرياً ص82

النص

الشاعر

يُشعلُ قناديله في أُفقٍ قَتام

يُغنّي للريح حيثُ المَدى المُزدحم

....بأصواتٍ مُشَوّشة

.....يشربُها ألضَّجيج

يتنفّسُ دُخاناً

.......امتطتهُ رائحةُ التّبغ

فتشظّى في رئتَيهِ

..........ألَماً

.......قَيحاً

......مَرارَةً

يبتلِعُ طُوفاناً مِن صراخٍ

...................توسّدَ أذرُعَ الغسَق

.......................مُتسربِلاً

..................................جَلابيبَ الضّياع

.................................انكِسارتِ الزمن المُشوَّه

...............................هجرة النّوارس

كُلّما ذُكر الوطن

ينهض مجنوناً

....كأُمٍّ ذُبح رضيعها أمام عينيها

..لاتجيدُ عيرَ

............النَّواح

..........الفَزع

.........التَّبتّل

بين الفَينة والفَينة

.....يقفزُ مذعوراً مثل حصان مسلوب...

.................اعتلى صهوته عابِث لا يُجيدُ

.........................ركوب الخيل فارساً

المُتنبّي يدقُّ أعماقه بمطرقة..

(...... الخيلُ والليلُ والبيداءُ........ )

هوَ صوتٌ لكل ألأزمنة

...................شاخَ فيه الترَقُّب

...............تناسلَ فيه ألانتظار

أسعِفيهِ أيتها القصيدة ؟

فما عادَ الشعرُ..

.........سحابةً مِن وَدق

......ولا سيفاً بيد(أبي فراس)

ينامُ مَكلوماً على جراحات الوطن

...يتلَمَّسُها جُرحاً جُرحا

فيفزُّ مفجوعاً

يبكي الوطن ..

...دمعةً وقصيدة

بينَ القصيدة والوطن..

...مُدنٌ مِن عُنفوان

..أُفقٌ مِن تجلٍّ

..راياتٌ مِن شموخ

.............يبتلعُ كلّ

....................غبار الخنوع

.................سَخام الهزيمة

...............وجع ألانكسار

أسعفيهِ أيتها القصيدة..؟

...........لتزدهي الحروف

.........يضجّ الضّوء

.........يورق الصّباح

فيرقص الأمل مَفتوناً

على تراتيل شاعر الوطن

...........................

 

شلال عنوز / النجف ...17/1/2015

 

الاسلوب والاسلوبية .. المنهجيات الاسلوبية للنص التحريري او الشفوي

haseeb elyasمقدمة: كان للبنيوية دور كبير في (الثورة) التي حصلت في مجال دراسات علم اللغة. ومنذ ذلك الحين يمكننا ان نلاحظ ازدهاراً واضحاً لايعبّر الاّ عن حيوية الجانب الجمالي. وتم التأكيد على مثل هذه الدايناميكية في جميع المجالات الكبرى في علوم الكلام بصورة عامة وفي الاسلوبية بصورة خاصة . ومن جانبه، وضع المحور البنيوي التأكيد على مفهوم الاسلوب الذي تستند اليه دراسته . اذ تختلف الحقيقة الفعلية والفردية من نص الى آخر . ومن هذا المنطلق نجد ان الاسلوبية (كما هي الحال في مجال النقد الادبي) جاءت نتيجة للعلاقة الوثيقة بين النتاج النصي ومؤلفه . وهكذا نلاحظ أن القارئ يستقبل النص الادبي من الداخل ويعبّر عن معلومات مادية . وعلى الرغم من ذلك يبدو من الصعب ادراك الاسلوبية اولاً وقبل كل شيء بسبب ان الاسلوبية تعد ملتقى طرق عديدة هي: القواعد وعلم اللغة والاحصاء الذي ينعكس على ظاهرة الاسلوب وعلى الضوء الذي يسلّط على منهجياته . اما السبب الثاني فنلاحظ ان الآراء المتعلقة بالموضوع غالباً ما تكون متناقضة فنجدها مرفوضة تارة ومسموحاً بها كفرع من فروع علم اللغة تارة اخرى . وبهذا الخصوص يمكننا ان نتساءل حول الاسلوبية وماهيتها آخذين بنظر الاعتبار ان النص الشفوي ليس بالضرورة نصاً مكتوباً . وللاجابة عن هذا السؤال نقترح القاء الضوء على الاسس الابستمولوجية للأسلوبية ومن ثم تقديم المنهجيات الاسلوبية للنصوص الشفوية والتحريرية.

 

الاسس الابستمولوجية /مفهوم الاسلوب

من المهم توضيح مفهوم الاسلوب بغية كشف النقاب عن منهج يعد ملتقى طرق للعلوم الانسانية التي وجّهنا نقدنا اليها بسبب غياب موضوع متخصّص وكذلك غياب منهجية خاصة وكما هو معروف ان كلمة الاسلوب مشتقة من كلمة لاتينية تعني في الاصل (قالباً او انموذجاً) يستخدم لغرض الكتابة على الشمع مثل الختم. وتطور هذا المفهوم الى ان اصبح مفهوماً يعني الاسلوب وطريقة للكتابة . وبمعناه الواسع لا يأخذ الاسلوب بنظر الاعتبار طرائق الحياة فقط وانما النتاجات الفنية . وفي علوم الكلام يعني الاسلوب اختيار طرائق التعبير الخاصة بمؤلف ما والصيغة المكتوبة او الشفوية التي يتّسم بها تفكيره. ولذلك اكد بوفون على ان (الاسلوب هو الانسان نفسه) ويعني ذلك الصفات الخاصة باللون على غرار الاسلوب الروائي والصفات الخاصة بتيار ادبي (الاسلوب الكلاسيكي). واجابة عن مفهوم معياري لوقائع اللغة يمكن تعريف الاسلوب بأنه انزياح مقابل المعيار . وحسب وجهة نظر ماروزو فأن الاسلوب هو (الموقف الذي يتخذه المستعمل كتابة او لفظاً مقابل مادة تقدمها اللغة) وبالنسبة لعالم اللغة الالماني ليو سبت زر فأن الاسلوب عبارة عن وضع منهجي لعناصر تقدمها اللغة، وبناءً على ذلك فأن الاسلوبية تمثل هذا العلم الذي يقدم موضوعاً لدراسة الاسلوب .

 

1-2 الاسلوبية

الدراسة العلمية للأسلوب والطرائق الادبية وطرائق الانشاء المستعملة من قبل أي مؤلف في مؤلفاته . وتدرّس الاسلوبية عادة مجموعة السمات التعبيرية الخاصة بلون ادبي معين وبفترة زمنية محددة. وتسمح ايضاً بإلقاء الضوء على خصوصيات كتابة مؤلف ما في كتاباته .ويمكن تعريف الاسلوبية ايضاً على انها علم وسيط بين علم اللغة والادب من جهة والقواعد والادب من جهة اخرى . اما التعريف الذي اقترحه بالي فانه يستند الى بنيوية دي ساسور ويجعلنا نلاحظ ان الاسلوبية تراعي المجال الكلي للغة ولكنها تحتفظ بنشاطها الخاص ولا تشكّل أي ارباك مع اية دراسة اخرى للغة . وتهدف الاسلوبية الى تشخيص التعابير المؤثرة ومن ثم تحليلها . ويتضمن هذا التحليل نظرية الكلام ونظرية الاسلوبية . وتهدف الاسلوبية ايضاً الى موضوع اساس في اللغة التلقائية ليس بصفتها الفردية . وشهدت الاسلوبية تطوراً كييراً منذ نشأتها مع البلاغة وحتى الوقت الحاضر .

 

1-3 لمحة تاريخية

تم استعمال الاسلوبية لأول مرة عام 1800 من قبل الالماني غراهام الذي جعل من المانيا مهداً للأسلوبية . ولكن من المهم ان نلاحظ بأن الاسلوبية تتأتى من التقليد البلاغي لبلاد الاغريق القديمة التي درست فن الاقناع . وكما هو معروف ان البلاغة تتضمن خمسة اقسام وهي الاختراع والكلام والحفظ والعمل والتصرف والفصاحة وتعد فن التعبير بصورة مناسبة إذ انها كانت تبحث عن الاسلوب المناسب للون الادبي المختار اذن تتضمن البحث عن محسّنات الاسلوب وان هذا الجزء من البلاغة هو الذي ادى الى ولادة الاسلوبية . ولكن يجب ان نذكر بأن الاسلوبية لم ترث البلاغة الا بصورة جزئية. فاذا كانت البلاغة فناً للتعبير فأنها لا تبدو مكرّسة للتعبير الفردي بطريقة جلية أي انها لاتضع ذلك في المقدمة حيث انها تضع فنون الكتابة بطريقة عامة ومعيارية وانه ابتداءً من عصر النهضة بدأ الاسلوب يعني طريقة الكينونة وطريقة اظهار الفرد الا ان مفهوم الاسلوب بدأ يتطور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أي منذ ان بدأ التمييز بين اللغة الادبية واللغة الدارجة . وجعلنا هذا التمييز نلاحظ الانزياح بين هذين المفهومين للغة وهذا بدوره يلقي مزيداً من الضوء على مفهوم الاسلوبية . والاكثر من ذلك وبفضل ما قدّمه فيكتور هيجو اصبح الاسلوب ( تعبيراً عن العبقرية الشخصية للمؤلف ) وفي تلك الفترة بدأت الاسلوبية بالابتعاد ليس فقط عن البلاغة وانما بدأت تتطور ايضاً وتعرف عن ذاتها بصورة تدريجية . وقد تم ادخال الاسلوبية الى فرنسا في بداية القرن العشرين من قبل شارل بالي 1865-1947 . ويعد بالي تلميذ عالم اللغة فيردناند دي ساسور الذي اتخذ موقفاً معارضاً للمفهوم المعياري لتفاسير فن الكتابة وقام بتأسيس الاسلوبية .

 

1-4 الاسلوبية والعلوم ذات العلاقة

اصبحت الاسلوبية التي تم تعريفها بأنها طريقة للكتابة لكاتب ما ولمجموعة من الكتّاب وللون معين او لفترة معينة موضوعاً لدراسات خاصة منذ زمن بعيد وتم تصنيفها ضمن اطار فن التعبير الادبي وكمعيار واداة لتقييم الاساليب الفردية للمؤلفين لذلك كان لها علاقات وثيقة مع البلاغة( التي كانت الاسلوبية تعد جزءً منها) والادب والقواعد وعلم اللغة.

 

1-4-1 الاسلوبية والبلاغة

ترتبط الاسلوبية بعلاقات وثيقة جداً مع البلاغة . وفي الحقيقة كانت الاسلوبية جزءً من البلاغة لأنها نشأت ضمن اطار النظام البلاغي ومن الاقسام الخمسة التي ذكرناها والتي تتضمنها البلاغة وهنالك البيان وطريقة صياغة العبارة التي كانت ايضاً تتعلق بالتعبير الجيد وبالتنميق الذي يتضمن اختيار الكلمات وتركيب الجمل ورفض الكلمات المستحدثة والكلمات البالية فضلاً عن استعمال محسّنات الاسلوب التي ادت بدورها الى نشأة الاسلوبية . فالاسلوبية كما ذكرنا ورثت شيئاً قليلاً من البلاغة وعلاقة الاسلوبية باللغة ، لذلك لا يمكننا التحدّث عن الاسلوب من دون اللغة والقواعد التي تنظّم استعمال هذه اللغة وهذا بدوره يؤدي بنا الى معرفة العلاقة بين الاسلوبية والقواعد.

 

1-4-2 الاسلوبية والقواعد

تم تعريف القواعد بانها فرع من علوم الكلام الذي يتضمن قواعد مختلفة تنظم صياغة اللغة وتأخذ بنظر الاعتبار الصوت والتراكيب والنحو وعلم الدلالة . وتحتل مكانة في القواعد وتعالج الدقة والخيال ولهذا السبب ينبغي امتلاك معرفة جيدة بالقواعد لأن ذلك يمثل اداة لايمكن الاستغناء عنها وهذا ماعبّر عنه ماروزو إذ اكّد على ان الاسلوبية تغطي كل مجال اللغة ويمكن ادراك الاسلوبية طبقاً للتقسيمات التقليدية للقواعد والصوت والنحو والمعجم وتركيب الجمل . وكعلم اخر للكلام لدينا ايضاً علم اللغة الذي تربطه علاقات وثيقة مع الاسلوبية .

 

1-4-3 الاسلوبية وعلم اللغة

كما هو معروف أن علم اللغة هو الدراسة العلمية للغة وكما هو معروف أن هذا التعريف يعد قديماً ونرتأي اعتباره هنا بمفهومه الواسع مع الاخذ بنظر الاعتبار جميع المجالات التي تفرعت منه . وتعد الاسلوبية نقطة تلاق بين المجالات اللغوية ( فقه اللغة وعلم اللغة الاجتماعي وعلم اللغة النفسي ..) وبناءً على ذلك يمكن ان يكون الاسلوب مرتبطاً بفترة زمنية وبلغة معينة ،ويمكننا التحدث عن الكلمات المستهلكة والقديمة والكلمات التي لم تعد تستعمل . وله علاقات ايضاً مع فقه اللغة الذي يعدّ فرعاً من علم اللغة الذي يدرس لغة ما في فترة محددة من تاريخها . ومن الممكن ان يرتبط الاسلوب بمجموعة اجتماعية حيث يمكننا التحدث على سبيل المثال عن اسلوب مجموعة من الناس من دولة معينة او اسلوب رجال الادب الذي لا يترجم فقط الانتماء الى مجتمع ما ولكن ايضاً الانتماء الى مستوى اجتماعي . وهذا ايضاً يؤدي بنا الى معرفة العلاقة الموجودة بين الاسلوبية وعلم اللغة الاجتماعي الذي يدرس اللغة ضمن سياقها الاجتماعي ومن الممكن ايضاً ان يتعلق بعلم النفس للفرد وهذا يحدّد العلاقة بين الاسلوبية وعلم اللغة النفسي الذي يدرس الاجراءات والعمليات التي يقوم بها العالم النفسي .

ومن ناحية اخرى وحسب رأي كريسو انه يمثل اظهاراً للتفكير الذي يتخذ صيغة الكلام او الكتابة (أي التواصل) والذي لا يعدّ في معظم الحالات على انه طريقة موضوعية او فكرية . ويضيف المتكلم الرغبة في ترك اثر لدى المتلقي وهذا يعني ان هنالك اختياراً لوسائل مختلفة يمتلكها في اللغة والتي تنجم عن المجال اللغوي (علم الصرف، النحو وترتيب الكلمات والمعاجم وغيرها) وكذلك المجال النفسي والاجتماعي . وتكمن مهمته في القيام بهذا الاختيار في كل مجالات اللغة لضمان تواصله واحداث اقصى درجة من التأثير وهذا بدوره يعمل على اقامة العلاقة بين علم اللغة والاسلوبية.

 

1-4-4 الاسلوبية والادب

يمكننا ان نعرّف الادب بأنه مجموعة المؤلفات المدونة او الشفوية التي تتسم بقيمة جمالية واستعمال وسائل تعبير اللغة التي تنتمي الى فترة معينة وثقافة معينة ولون معين ومؤلف معين . ومن هذا التعريف تتضح لنا العلاقة بين الاسلوبية والادب . وتشير الاسلوبية الى ادبية نص ما والتي تجعله نصاً ادبياً وهذا مايميزه عن أي نص مدون باللغة الاعتيادية (القانون والدستور) او نص علمي. اذن تشير الاسلوبية الى الاختلافات الموجودة باستعمال اللغة والمحسّنات اللغوية وكل مايحيط بالنص الادبي . وضمن المنظور الخاص بالتسلسل الزمني للأسلوبية يتفق علماء الاسلوبية حول نقطة تتعلق بالتمييز بين زمنين للتفكير : القدم الذي كان فيه الاسلوب يؤدي وظيفة كمفهوم بلاغي هذا من ناحية ومن ناحية اخرى بدأ في القرن التاسع عشر يمثّل مفهوماً ادبياً من نوع تأويلي يربط رؤية العالم واسلوب المؤلف . وبغية اثارة المداخل الخاصة بهذا المجال نقترح هنا معرفة الاتجاهات الاسلوبية الكبرى . وللقيام بذلك لابد من معرفة المدارس الاسلوبية الرئيسة من اجل فهم افضل للمنهج الاسلوبي للخطاب : الاسلوبية الوصفية او التعبير (شارل بالي) والاسلوبية الخاصة بالفرد (ليو سبيتزر) والاسلوبية التركيبية (ميكائيل ريفاتير) والاسلوبية الوظيفية (رومان جاكوبسون) والاسلوبية السيميائية (مولينييه) والاسلوبية التسلسلية (لاثورماس) والاسلوبية الاحصائية (بيير كيرو) واخيراً الاسلوبية الاثنية ( جيرفيس مندوزي)

مداخل الاسلوبية الكبرى – اسلوبية التعبير او الاسلوبية الوصفية .

ان الاسلوبية كما يراها شارل بالي يمكن تعريفها بأنها دراسة وقائع تعبير الكلام ابتداءً من المضمون التعبيري من حيث التعبير الاسلوبي للكلام او الاسلوبية التعبيرية . وتعمل هذه الاسلوبية على دراسة القيم التعبيرية المؤثرة خاصة بالوسائل المختلفة للتعبير الذي تمتلكه اللغة وترتبط هذه القيم بوجود صيغ مختلفة من اجل التعبير عن الفكرة ذاتها . وادى ذلك كله الى ان يؤكّد بالي على ان الاسلوبية تدرس وقائع تعبير الكلام من وجهة نظر مضمونها المؤثر أي التعبير عن وقائع لها اثار يتم التعبير عنها بالكلام .

 

لمحة تاريخية

عندما نتحدث عن اسلوبية التعبير نؤكد على اللغة والكلام وهذه الثنائية التركيبية التي تعد حجر الزاوية للمحاضرات في علم اللغة العام لساسور وحسب رأي ساسور فأنه يعدّ اللغة نظاماً منظماً للعلامات والكلام تحيين لهذا النظام . وان المرادف الاسلوبي لهذا التقسيم يتمثل بالمقارنة بين (الرمز /الرسالة) اذ ان الرسالة عبارة عن اختيار ضمن اطار الرمز من قبل مستعمل اللغة الذي يرتأي التعبير عن ذاته . اذن لا يهتم ساسور بمضمون الرسالة وخاصة القيم التعبيرية حيث تظهر فيها المشاعر واعاد بالي ادخال هذه القيم في نظام ساسور ولهذا السبب اصبح ذلك موضوعاً يتعلق بعلم اللغة الخاص بالتعبيرية. وهكذا نجد نظام العلامة التي اكدّ عليها ساسور والتي تعدّ ذات مدلول وظيفي ايضاً ترتبط بشبكات من العلاقات بأستثناء القيم التعبيرية. ولهذا السبب يجب اضافة العنصر التعبيري للكلام وهذا هو موضوع الاسلوبية الوصفية . ومن هذه الحقيقة تبدو الاسلوبية الوصفية كأول اتجاه يخرج من اسلوبية المفهوم المعياري لتحليل النتاج الفني ولذلك يجب اقامة اسلوبية وصفية اكثر من اقامة اسلوبية معيارية ابتداءً بأسلوبية التأثيرات التي بموجبها يمكن لأي تعبير ان ينتج عنه اثراً لدى المستمع او المتلقي . ويرتكز هدف بالي على تحديد قوانين عامة تنظم اختيار التعبير وعلاقة التعبير مع التفكير ولهذا السبب يمكننا القول بأن بالي كان لديه طموحاً لدراسة الوقائع التعبيرية او العاطفية.

 

المسعى المنهجي لأسلوبية التعبير

لا يعدّ المسعى المعرّف والمطبّق من قبل بالي الاّ نتيجة للمبادئ التي وردت في كتاب (موجز الاسلوبية) عام 1905 . وعندما نلاحظ ان هذه الاسلوبية هي دراسة اللغة الايحائية وضع بالي المبادئ الاتية :

- الاسلوبية موجودة في علم المعاجم ولكنها لا تشكّل ارباكاً معه .

- تستقبل الاسلوبية الكثير من الاضاءة من علم الدلالة ولكنها لاتعدّ تابعة له.

-ان الاسلوبية هي ليست دراسة الاسلوب .

 

تحديد الموضوع والتشخيص

وفقاً لتحليل الاسلوبية الفرنسية يكمن تحديد واقع التعبير في اقتفاء جمع الوقائع في الكلام الذي يشكّل جزءً من التحديدات الخاصة أي انه الذي يسمح بالتماثل مع وحدة التفكير . اما بالنسبة للتشخيص فهي عملية التوصل الى تماثل مرادفي للتعبير مع استبداله بمصطلح يدل على التشخيص .

 

امثلة على التحديد

1 - لايغير الكلب طريقة جلوسه

2 - مثلما اتيت الى السلطة تخرج منها

3 – لا يمكننا اخذ تذكرة لحديقة الحيوانات لغرض عبور غابة برية

4 - حقيقة اليوم خطأ غداً

 

التشخيص

1 - لايمكن تغيير الطبيعة

2 - الذي يموت بالسيف لايموت الا به

3 - يجب ايجاد حل مناسب لكل مشكلة

4 - لم يعد يفكّر بذلك .

تأخذ اسلوبية التعبير بنظر الاعتبار القيم المؤثرة التي ترتبط بالكلمات او بالتعابير في لغة تتبع مجال الاستعمال وبصورة خاصة الاثار التي تتضمنها وهذا لا يترجم الا الموقف او المشاعر الخاصة لمستمع مقابل المتكلم ولذلك يجب ان يكون لدينا تضمينات معينة في الجملة . وتتضمن طبيعة هذه التضمينات معنى مضاعفاً اذ يتحدث بالي عن الاثار الطبيعية والاثار بالاستفزاز . ففي الاولى يتم اعلامنا بالمشاعر التي عبّر عنها المستمع . ويقول بالي بأن هنالك اثراً طبيعياً عندما نصغي الى كلمة تولد لدينا انطباعاً مقبولاً او غير مقبول من دون ادخال تفكيرنا من اجل فهم المعنى التضميني . وبالمقابل نجد في الثانية انه تم اعلامنا بتفاصيل حول الوسط الاجتماعي . وان هذه الاثار لا تتأتى من الشكل وانما من استعماله وحتى من سياقه بحيث تبقى صورة الوسط مرتبطة بذلك .

 

جيرفيس مندوزي

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد

...........................

Gervais Mendoze:Approches stylistiques du texte écrit et oral,Université de Yaounde,Faculté des Lettres,mai 2010

المكان مناسبة زمانية .. وجه "داعش" يمسخ التاريخ

كتبت الشاعرة السورية سوزان إبراهيم، قصيدتها "لتدمر نذرت الكلام" العام 2013، عن "تدمر" أبرز المواقع الأثرية في الشام، وأعادت نشرها هذا العام 2015، على صفحتها في "الفيسبوك" متأثرة بما آل إليه حال الموقع، الذي مسخ تاريخه، بحلول "داعش" خرابا في المكان.

الرؤيا الأولى تماهت فيها الشاعرة إبراهيم، مع المكان: "لسفيرة البوح المقدس نذرت نارا.. خارج الزمن الكثيف.. أوقدها وحشية اللظى".

والنار وسيلة تطهر، تنفتح على ختام مشرق بالتفاؤل: "قومي إفتحي للصوت نافذة.. فأجمل اليوم فجر وأجمل التاريخ كان غدا".

وتلك بديهة؛ إذ ان الراهن سيستحيل تاريخا بحلول الغد؛ ما يعني أننا قدرون على التحكم به، طالما زمام المقبل، بيد الحاضر.

بلغت سوزان هذا التصور، بعد خوضها بحرا من المعالجات الجمالية، لمرأى "تدمر" وهي تأتي "... في كل وقت" والشاعرة تذهب اليها: "آتيك ملء كفي ما انقذت من حلم.. من سوسن الشعر المضمخ بإغترابي.. مبللة بندى السؤال.. إليك أمضي.. فأدنو إلي".

وهذا إنموذج من تماهٍ يتصوف بمعطيات المكان، على طريقة أبو منصور الحلاج، في علاقته مع الرب!

(2)

شكلت آثار "تدمر" محفزا جماليا، أدى الى إنثيال القصيدة، متجلية من أبيات منهمرة: "أمَة الخوف أنا" و"يا أم النساء" وتلك غمزة شعرية، تلمح... بل تصرح بقوة العمق الإسطوري، لشخصية زنوبيا ملكة تدمر، لملمته الشاعرة سوزان، في جملة مكثفة الايحاء، تختزل مجلدات في فلسفة التاريخ، تشاكس بها ذكورية السلطة؛ ما أباح لها الرجال مكشوفي الجانب، تحاسبهم إنجيليا: "من كان منهم بلا خوف، فليرجم بسجيل الكلام".

ما زلنا في القول المحكي، عائدة بنا الى المرأة: "لسفيرة البوح المقدس نذرت نارا" مواصلة: "نذرت أمشي اليها حاسرة القلب" في واحدة من إنثيالات المفارقة القائمة على المشي

بقلب مكشوف، وليس قدمين حاسرتين، إنتقالا الى غضاضة الحلم المتمثل بأطراف الطفل: "بالنزع الاخير من الرؤى.. على اربع الحلم الرضيع أحبو" متواصلة الى إختزال التاريخ بالقول: "وسوى الولاة خلف ظهرك ولاة" تناغما مرخما يحاكي فكرة الحث على الحرب: "سوى الروم خلف ظهرك روم؛ فقسوة الحرب عرض مؤد الى جوهر السياسات الهوجاء.. التوسعية، ماضيا وحاضرا.

قرنت المحظورات الشرقية، التي تقيد الانوثة بإغلال من محرمات مفترضة، قسرا متخلفا يشف طوية همجية، جعل غلاقة المرأة بالمجتمع، تضادا يقتتل خلاله عدوان، هما تناظر "حرية المرأة" ضد "إنفلان المجتمع" معبرة عنها بالقول: "عورة قصائدك..: وستجلدين جزاء ما إقترف الكلام" وتلك هي العقوبة المتبعة في الشرق، للمرأة؛ إذا سفحت حرمات المجتمع ولم تقمع ذاتها، دون التمتع بحقها الانساني الذي فطرها الرب عليه".

الشرق بنى قاموس مفاهيمه السلوكية، على ان "مازوشية" تعذيب الانثى لذاتها، شرف، وممارسة الحرمان من حقها الانساني، المشرعن فطريا من الله، عفة.

بينما قتل الابرياء، لا يخترق الشرف!؟ وسحق الجمال، لا يعني للولاة شيئا ما دامت العذارى تتلظى قمعل لإنوثتها، في "الحرملك.. تحت رقابة عبيد السلطان" جواري لشيطان مستتر... "بإسمك أفتح أبوابا غلّقت على جوارٍ وصعاليك"ز

الكلام بالنسبة لشاعرة، هو ولادة مسيح جديد: "هزي إليك بجذع الأبجدية.. تسّاقط فجرا نديا" بكل ما للفجر من إيحاءات الولادة.. قوية: "لا يضرن الشمس ان في عمق الماء إنكسر الشعاع".

صريح نداء الثورة الانثوية على التابو مشفوعا بقوة زنوبيا، التي قهرت الجيوش، مندغمة بجسد "تدمر" من دون ان يرد ذكر مباشر لزنوبيا.. ولو أن القصيدة حملت إسمها ما كان ذلك مستهجنا، فذكرها يمكن إستجماعه من معنى القصيدة وليس شكلها.. إنها ضمير شعري مستتر في مخيلة النص ترادفا مع خيال الشاعرة، التي تتلقى خطابا من سادنة معبد "التدمريات" يفيد: "قومي إفتحي للصوت نافذة.. فأجمل اليوم فجر.. وأجمل التاريخ غدا".

 

*قاص وصحفي عراقي

...........................

 

لتدمرَ نذرتُ الكلام

تأتينَ في كلِّ وقتٍ

وآتيكِ ملءَ كفيَّ ما أنقذتُ من حلمٍ

من سوسنِ الشعرِ المضمّخِ باغترابي

مبللةً بندى السؤالِ إليكِ أمضي.. فأدنو إليَّ

أتخففُ من بردةِ وجعٍ مكتومٍ أنا المنفيةُ داخلي

من ثلوجٍ بلا فمٍ نُحِتُّ

أمَةُ الخوفِ أنا

فهل تسألينَ بعدُ عن المصلوبِ فوقَ أسوارِ الغياب!

يا أمَّ النساءِ

أنا للخوفِ ما أعطيتُ عنواني ولا رقم الشريانِ الصاعدِ إلى شرفةِ العينِ

فلِمَ تعيبينَ عليَّ صمتي

من كانَ منهم بلا خوفٍ فليرجمْ بسجّيلِ الكلام!

لسفيرةِ البوحِ المقدسِ نذرتُ ناراً

خارجَ الزمنِ الكثيفِ أُوقدها وحشيةَ اللّظى

نذرتُ أمشي إليها حاسرةَ القلبِ

أدسُّ في خوافي يديها بضعَ قصائدَ لامرأةٍ أدّعيها

نذرتُ ألملمُ في حضرتها ياسمينَ الروحِ المبعثرَ

تحتَ ركضِ اللاهثينَ حتى نقطةِ القتلِ.

من سرّةِ الزمنِ المُحاصَرِ بالنّفيِّ.. خارجَ السربِ

على رؤوسِ أصابعي إليكِ أتيتُ

فمي حزامٌ من كلماتٍ موقوتةٍ

يا أمَّ الشروقِ عندَ اختمارِ الخوفِ بصديدِ الكبحِ يتّسعُ الحزنُ

بالنزعِ الأخيرِ من الرؤى على أربعِ الحلمِ الرضيعِ أحبو

"وسوى الولاةِ خلف ظهري ولاةٌ"

ذئابُ قصيدتي تعوي.. لم يبقَ في السقوطِ متّسعٌ

ما عادَ يُجدي تصوُّفُ الصمتِ

إماءُ الأرائكِ قُلنَ: اذهبي أنتِ وصوتُكِ فقاتلا

عورةٌ قصائدكِ وستُجلدينَ جزاءَ ما اقترفَ الكلامُ.

أتدمرُ.. ما كانَ صمتُكِ جُبناً

يقيناً على امتدادِ الشرقِ تترامينَ وطناً

باسمكِ أفتحُ أبواباً غُلِّقَتْ على جوارٍ وصعاليكَ

وعروشٍ زجاجيةٍ يُرهِبُها الصوتُ حين يغدو حجراً

فمُدّي يديكِ في خلجانِ ذاكرتي

أضرمي الحرائقَ في الزوايا.. زيديني اشتعالاً

ومثلَ خريفٍ ماجنٍ أهوجِ الريحِ

أسرفي في تعريةِ الكونِ والأشياءِ.

يُقبِّلُني صوتُها.. وما أبدعتِ الأقوامُ من ألقٍ:

عبثاً يا امرأةٍ من صمتٍ تدورينَ حول الكلامِ

أَمِثلُكِ تخشاهُ الحروفُ؟!

هزّي إليكِ بجذعِ الأبجديةِ تسّاقط فجراً ندياً

لا يضرنَّ الشمسَ أن في عمقِ الماءِ انكسرَ الشعاعُ

"في البدءِ كانَ الكلمُ" كأمرِ اللهِ في الشيءِ تجلّى

يقولُ لهُ: كنْ... فيكونُ.

قُومِي افتحي للصوتِ نافذةً فأجملُ اليومِ فجرٌ

"وأجملُ التاريخِ كانَ غداً".ِ

 

رواية (أنا عشيقة الوزير) للكاتب جاسم المطير يكشف يوتوبيا النظام الدكتاتوري

goma abdulahباتت اساليب النظام البعثي الدكتاتوري معروفة على اوسع نطاق في داخل وخارج العراق، المتمثلة في آليات الماكنة الامنية الارهابية، في سبيل ترسيخ قوام الدولة الامنية والنظام الشمولي، المعتمدة بالاساس على سوط الارهاب والقمع، في اطلاق اليد بالاساليب الوحشية، في البطش والتنكيل، ضمن فلسفة النظام، القائمة على نهج الارهاب والترهيب والترغيب .، في تأسيس دولة الاستبداد المطلق، يتزعمها القائد الاوحد، بان يكون اعلى مرتبة ومنزلة وفوق الجميع، في التأهيل والتعظيم والتبجيل المقدس، وعبر المؤسسة الامنية التي لا ترحم حتى اقرب المقربين ومن ضلع النظام، فان هذه الالة القمعية والارهابية تسحقهم سحقاً، وبدون شفاعة الى خدماتهم في توطيد دعائم النظام الشمولي، وترسيخ السلطة المطلقة في يد القائد الاوحد . هذا الجحيم الارهابي، مسلطاً على الجميع، في رعبه الشديد على الواقع العراقي آنذاك، في زمن الجحيم الدكتاتوري، والعديد من الاعمال الادبية والروائية، سلطت الضوء الكاشف، بالاعتماد على الحقائق والوقائع اليومية من انتاج الواقع، التي تفرزها الالة القمعية في الواقع العراقي، وتكون مادة لكشف زيف الايدلوجية السياسية والحزبية التي ينتهجها النظام في سلوك اليومي، لذا انها تعتمد على الواقع الحياتي، اكثر من اعتمادها على التخيل السياسي، في مناضرتها الادبية، وفي تعرية اساليب الزيف والخداع بالشعارات البراقة، التي يتبجح بها النظام وحزبه في (الحرية والاشتراكية) في صيد المغفلين لتجنيدهم في ماكنته الحزبية والامنية، لترسيخ قاعدة الارهاب للمؤسسة الامنية، لذا ان كاهل الارهاب البشع مسلطاً على الحزبين واللاحزبين، على السواء، ومن اجل ترسيخ السلطة المطلقة للقائد الفرد . الذي يجلس على النظام الشمولي، وقد تناول هذه الجوانب الجاثمة على كاهل العراق، الكثير ومن الكتاب في اعمالهم السياسية والادبية ومن الروائية، مستغلين حرية المنفى، وبعضهم يكتب باسماء مستعارة لمحاذير كثيرة، وبعضهم يكتبها باسماءهم الصريحة، ومنهم الكاتب الغزير في انتاجه السياسي والادبي، الكاتب القدير (جاسم المطير)، الذي تناول في عمله الروائي (أنا عشيقة الوزير) في فضح اليوتوبيا النظام، وديموغيته السياسية والايدلوجية، في اسلوب ساخر ممتع، في تناول شريحة هي من صلب النظام وحزبه القائد، واقرب المقربين والمتحمسين له من الماكنة الحزبية، ويدينون بالولاء المطلق لرأس النظام، في حبكة رائعة من السرد البسيط والرشيق، ان المجموعة القصصية (أنا عشيقة الوزير) تحمل سمات ومقومات الرواية بشكل كامل، اكثر من انها مجموعة قصصية،، لان قصصها السبعة مترابطة في نسق واحد من الاحداث، واحداثها مكملة في سلسلة من التواصل في الحدث ، وفي وشيجة واحدة من تسليط الضؤ على نفس شخوصها، الذين يتبادلون وقائع الاحداث ضمن عملهم السياسي والحزبي والوظيفي، ورغم هذه الشخوص تحتل مواقع متقدمة في الحزب والدولة، وتعتير من صلب النظام الدكتاتوري، واقرب اعوان لرأس النظام، لكن كل هذه المميزات والامتيازات، لا تحمل لها الطمأنينة والامان والاستقرار في حياتها، اذا تعيش بزوابع عواصف الخوف والقلق، ويشغل بالها ويضعها على مشرحة المجهول، ورغم انها تتقمص الازدواجية الشخصية ببراعة نادرة، لكن تظل يطحنها القلق من المؤسسة الامنية الرهيبة، وتعترف بقرارة نفسها بالذل والمهانة، وهي تدرك زيف وخواء الشعارات السياسية والحزبية، التي وضعت لخدمة رأس النظام لاحد غيره، ان هذه الرواية كشفت بدقة الفساد السياسي والاجتماعي والاخلاقي،في اقامة دولة المؤسسات الامنية والارهابية.

1 - قصة (الوزير وسائقه) تتحدث عن السائق (محمد) صندوق اسرار الوزير في كل شيء، حتى في مغامراته الجنسية وعشيقاته وقوادته للوزير، ويعرف ان الوزير يحاول ان يبدد الخوف والقلق من المؤسسة الامنية التي تخيم بثقلها الثقيل على الكل، ورغم مايبديه من انصياع ذليل ومذل من اجل ارضى رغبات ونوازع سيده العظيم رأس النظام، في كيل المدح والتعظيم لرأس النظام (لوفياثان) الرئيس المطلق (- انه لوفياثان . ألاتعرف ذلك يا محمد . انه القوي الجبار) وانه مقدس فوق الجميع، ويتقمص دوره ببراعة بان يكون عبد ذليل لرأس النظام، من اجل ان يبقى في كرسي الوزارة حتى اخر يوم من حياته بدعوة ان (رجل الثورات لا يتقاعدون)، لكنه في قرارة نفسه، يشعر بالحقارة والتفاهة والندم، لانه وقف الى جانب اجبار عزل رئيس البلاد بالقوة لصالح (لوفياثان) وهي اشارة صريحة الى عزل (البكر) عن الرئاسة، وتسلم (صدام) الامور على خناق الدولة . ويتحدث السائق (محمد) عن زوجة الوزير، من اصل عائلة فقيرة وابيها بائع الخضار، ولكنها تتبجح بكبرياء فارغ، بانها ابنة الاكابر والاغنياء، وحياتها محصورة بين الصائغ، لجمع الذهب والخواتم والاحجار الثمينة بهوس مجنون، وبين الصالون الذي يجمع زوجات الوزراء، لتبدأ عملية النفاق والنميمة بينهن

2 - قصة (اخيراً يأتي باخر التوضيحات) تكشف جانب اخر من حياة الوزير، حين تشرق الشمس على يوم جديد، والتهيؤ الى الاستعداد لذهاب الى وزارته، يلعن نفسه لان الوزارة تخلق متاعب مرهقة، وخاصة هناك الخنازير الذينر يتعاركون على الغنيمة، ويحفرون للاخرين للايقاع بهم حتى يحتلوا مكانهم ومواقعهم ومناصبهم، ومن جانب اخر يشعر بنشوة الفخر والانتصار، ويتصور نفسه انه (سعد بن ابي وقاص) ويتقمص دور الازدواجية الشخصية المتناقضة والمتنافرة مع ذاتها، وينسى وصية ابيه حينما انظم الى الحزب (كن مثل اخيك ياولد، اكسب حياتك بالمثابرة والعمل المجدي . ادرس ياولدي حتى تتوفق) لكنه يدوس على القيم والاخلاق، حتى يحافظ على كرسي الوزارة، لكنه يقع في هفوة يرتعب رعباً وقلقاً على مصيره، لانه اكتشف في التقرير الذي يود ان يقدمه الى سيده العظيم، يوجد فيه اخطاء املائية، ورئيسه ينفر ويشمئز من الاخطاء الاملائية بالتقارير المقدمة له،

3 - قصة (المتمردة) هي مواصلة لتكملة احداث القصة الثانية، في مسألة الاخطاء الاملائية، يحملون مسؤوليتها الى الموظفة الجديدة (نادية) التي توظفت بواسطة الحزب، وهي تدرك انها في غابة الذئاب الجائعة، في التهميش وفي الشبق الجنسي، وان كل مبادئ الحزب وايديولوجيته تداس بالاقدام وليس لها قيمة، على الاخلاق والقيم، وتعرف بان عليها تقديم ضريبة البقاء في وظيفتها، من خلال اشباع الرغبات الجنسية بالمضاجعة، دون تأفف ورفض، وانها مرشحة لعقوبة الطرد، اذا لم تضع مفاتن جسمها لرفاق الحزب، لذلك تقرر (اريد اضع الوزير خاتماً في اصبعي) في زمن لا يرحم (لا تستطيع امرأة مثلي، ان تحصل على نصيبها من الامان، في هذا العصر، من دون سلوك شائن، هذا عرفكم وهذه مبادئكم، انا اعرف ذلك حق المعرفة) لذلك تشعر بالامان، طالما الوزير يضاجعها وينام فوقها . لتحصل على الاعتذار والمميزات الوظيفية والامتيازات الكثيرة .

4 - قصة (قفا الزوجة الثانية)، تتحدث عن عريضة شكوى قدمتها الزوجة الاولى الى مندوب رئيس الجمهورية، تشكو فيها بان زوجها الوزير وقع في حبائل موظفة في وزارته، وبعد اغراء استطاعت ان تحصل على عقد الزواج في السر، وفي زيارة لزوجة الثانية يقوم بها، ابوها، ويعرض عليها مساومة حتى يعفو ويغفر ويسامحها لها زوجها بدون علمهم ودرايتهم، بان تنقذ شقيقها من تنفيذ حكم الاعدام الصادر بحقه، بسبب هروبه من جبهة القتال، وتحاول التوسط من اجل انقاذ شقيقها، وترفع التلفون وتتحدث في محاولة الانقاذه من تنفيذ حكم الاعدام، في مسعى في مكالمة تليفونية (نعم . ماذا . هل اخبره بان ابنه سيصل الى البيت قبله) ويفرح والدها بهذا الخبر السعيد بانقاذ ابنه من الموت المحقق، ويطير فرحاً وغبطة، بان مساعي ابنته تكللت بالنجاح الكبير، وحين يصل الى بيته، يجد جثة ابنه مرمية في غرفة الاستقبال، معدوم بسبع رصاصات، مع تبليغ رسمي، بعدم البكاء وممنوع اقامة مراسيم الفاتحة، مع دفع ثمن الرصاصات السبعة الى وزارة الدفاع.

5 - قصة (جسدان ليس بينهما إلا الخوف) . تتحدث عن رغبة الوزير، في اظهارة مودته الخالصة الى عائلة عشيقته (سالمة الناصر)، بان تصل اليهم سيارة الوزير اسبوعياً، وهي محملة بالحصة التموينية، التي تكفي لعشيرة وليس لعائلة واحدة، تحتوي على اللحوم والدجاج والاسماك والفواكه والخضار، وانواع السكائر والمشروبات الكحولية والغازية، يحمل سائق الوزير (محمد) ولكن قبل ايصال هذه المأونة الغذائية الكبيرة، ان ياخذ حصته الكاملة مثل وزيره بمضاجعة عشيقة الوزير، ثمن لاتعابه، وانه يقوم على احسن وجه بدور قواد وسائق الوزير، وتحدث المفاجأة غير المتوقعة للوزير، بان آلة التسجيل اصابها العطل، ولم تسجل خطاب الرئيس القائد، وهذه جريمة كبرى لاتغتفر، بالنسبة الى (لوفياثان) لذلك يطلب من الوزير المتقاعس (اكتب بناءاً على مقتضيات المصلحة العامة في بلادنا البطلة، قررنا احالتكم الى التقاعد)

(اشكرك سيدي) .

6 - قصة (ثأر المحروم من العشق) يصيب (محمد) سائق الوزير . الهلع والخوف، ولم ليلته من الارق والقلق المرعب يأكل رأسه وعقله، لان هناك امر استدعاء له من قبل المؤسسة الامنية، وهو يعرف تماماً بانهم (قساة مع المخطئ والمصيب، يقوون بدنهم وكلامهم على شدة البطش . ويفعلون ما يريدون، ولا يلبون نداء وزير ولا مستشار ولا احد، فلا رأي إلا رأيهم . ولا دهر إلا دهرهم) وكانت فحوى جريمته بانه شاهد عيان بأم عينيه، بان احدى عاهرات الحزب (نادية) ، تدس السم في شراب الى احد شيوخ العشائر المغضوب عليهم من النظام، بهدف طمس الجريمة ومسح آثارها .

7 - قصة (أنا عشيقة الوزير) ترسل عشيقة الوزير (نادية) من منفاها في السويد، رسالة الى عشيقها الوزير، تشرح فيه الدوافع التي اضطرت للهجرة، لانقاذ حياتها من براثن الموت المحقق، بانها اجبرت بالتهديد، ان تدس السم في شراب الى احد شيوخ العشائر، وبان حياتها اصبحت لا تطاق من الرذيلة والمسخ، بانها اصبحت امرأة بدون كرامة او شعور انسان حي، سوى تحقيق رغبات النظام والحزب، في اعمال لا اخلاقية بان تتصيد المواطنين الذين عليهم علامات الشبهة ضد النظام، ومن خلال المضاجعة الجنسية، تحاول ان تستنطق افكارهم الداخلية حول النظام ورأس النظام القائد المقدس، وتقول في رسالتها (فلا انت حبيبي، ولا حزبكم كان عزيزاً عليَ، ولا انت سيدي فعلاً . كنت بكلمات الحب والمودة كذباً ونفاقاً، فانا ما احببتك مطلقاً، هل يمكن ان احب من يثقلني باحمال ممضة، وهل احب من يلفح ظهري بسياطه من كل جانب) وتهدد الوزير من عاقبة المس بسوء لعائلتها، لانها باستطاعتها ارساله الى الجحيم والموت، بانها سجلت على آلة التسجيل كل تعليقاته البذئية على الوزراء، وحتى تطال تعليقاته بكلامه حول رأس النظام القائد الاوحد، وتذكره بكلامه حول رئيسه القائد، بانه مهووس بجنون مرض العظمة، في التشبث بالكرسي حتى لو تحالف مع الشيطان

 

جمعة عبدالله

 

مرايا الروح المتقابلة قراءة في ديوان أنتِ تشبهينني تماماً للشاعر سعد جاسم

770-saadغاية الشاعر أن يعبر عن الجمال وعن ذاته الشاعر وروحه الملهمة من خلال كلماته التي تولد من رحم الفكرة نافضه عنها غبار الوقت مضيئة مشعة ناصعة وصادقة كروح الطبيعة بهية تلامس القلب والمشاعر

هكذا هو الشاعر سعد جاسم يحاول أن يمسك اللحظة التي مرت والتي ستمر بإحساسه يترجمها الى الكلمات فيجعلها تومض كأنها تشع لأول مره مانحها معاني تتوهج وتشتعل وتنشر إيحاءاتها بين ضفتي القصيدة تتهادى كموجات

الآن كل شي على الورقة الكلمات والقصيدة الاحساس والمغامرة في اللغة الابتكار والخلق

ففي قصيدة محروسة بآياتِ دمي يحضر الشاعر من الغربة ينبثق من ذاكرة الغياب ليؤكد بهاء الحضور

770-saadأعرفُ أنَّ ليلكِ شائكٌ وطويلٌ

حتى صحارى الأرق

وأعرفُ أنَّ غاباتِ التوجسِ والسهادِ المالحِ

تسرقُ كحلكِ

فتندى عيونكِ

ويشتاقُ جسدُك لرائحتي

وصهيلِ جسدي

و نبيذِ انفاسي

أعرفُ هذا

ولذا ألجأُ معكِ للـ(كُنْ) وللصيرورةِ

وأُصبحُ حارسَكِ

وراعي وحشتكِ الآهلةِ بحشودِ الاصواتِ

هنا يواصل الشاعر سعد جاسم مغامرته في اللغة وسفره عبرها والذي بدأه من قبل في دواوينه السابق مواصلا الرحلة مع مشروعه الذي أمضى فيه سنوات طويلة وسيمضي سنوات أخرى لان سفره في اللغة لا ينتهي فهو يشتق من الكلمات

معاني غير مألوفة ويخلق الدهشة و الجمال في إلا متوقع من إبداعه فهو يزاوج بل محسوس بلا محسوس

لنأخذ مثلا (صحارى الأرق ) صحارى محسوس و الارق غير محسوس او (غاباتِ التوجسِ) غابات محسوس و التوجسِ شعور غير ملموس

وفي قصيدة أَنتِ تشبهينَ الحب يطلق نشيده الأزلي وترنيمته الأبدية فتكون الحبيبة وطن والوطن هي الحبيبة فيبتكر الكلمات لأجلها مخترقا حدود الدهشة فيخلق من الكلمات غيوما تهطل على أرضها البكر فتكون أشجار وعصافير دهشة محتشدة بكل هذا البهاء لوحة رسمها الشاعر وأضاف لها تكوينات كثيرة نضدها في كلمات وجعل منها إيقاعات في قصيدة فكان تشبه أحلامنا او ما كنا نتمنى أن نحلم به فلا نعرف بعد انتهاء القصيدة هل الشاعر هو الذي كتب الكلمات ام حبيبته التي هطلت منها غيوم الكلمات أم نحن فهو لا ينقل المتلقي الزمن القصيدة فحسبي بل يجعله يفكر ويشعر بما يشعر به الشاعر فيمنحه مرتبة الشاعر

 

هلْ أنا مَنْ صيّركِ غابةً

تحتشدينَ بكلِّ هذا البهاءِ والخضرةِ والجنون؟

هكذا أراكِ أنا

واقفةً بنداكِ وعطوركِ وصهيلك

تبتكرينَ ربيعاتٍ لأجلي

وتهطلينَ بغيمِ الكلمات

فتتعالى الارضُ شجراً مستحيلاً

وتتخلقُ عصافيرُ الدهشةِ

 

وفي كرنفالات جسدك وطقوسه رسم الأحلام على المرايا فجعلها مرآة للروح في زوايا متقابلة فكانت كريستالات تشع الألوان مختلفة لذات واحد فتشرق الشمس في قلبه فينسى ما خسره في المنافي والحروب هذا ما يدونه في صباح النسيان  

 

أبتدئُ معكِ نصَّ الصباحِ

وأغانيه ُوقبلاتهِ ونداهُ

فتشرقُ شمسٌ في قلبي

وأحبك أكثر من أكثر

وأنسى ما خسرتهُ

في المنافي والحروب

 

وفي تجليات السومري يخذنا الى حضارته البهية ها نحن نرى الفتيات بثيابهن السومرية يتباهن باسورهن قلوبهن بيضاء وبشرتهن السمراء التي تشع جمالا ودلال وتلك العيون السمراء الواسعة التي ترى بهاء الحضارة وعنفوانها من مثل سومر نشرب من النهر السومري فنرتوي من ماء زلال وعذوبة ننظر الى أول حرف على الطين فيشع نور وهذا أول رقيم حمله كلكامش في رحلته للبحث عن الخلود الرحلة التي لم تنتهي بعد وألواحها التي فقدت محفوظة في القلوب فكتب شاعرنا تجلياته على المتون بخط سومري كعاشق لبلاده

 

أنا السومريُّ الروح

وأضاف هذه البلاد ارض سومر هي

البلاد – أُمُنا الجليلةْ

البلاد – المستحيلةْ

فباركها و ألقى عليها السلام فهي منذ أن كانت و لا زالت بلاد النور

أنتِ آيةُ النورْ

سلاماً يا بلاد النورْ

 

فالديوان بمجمل قصائده يقترن بجمال الحياة شكلا ومعنى و الاهتمام بالتكوين والديمومة والبحث عن الانعتاق و الخلاص والذهاب نحو المطلق،فالنص لديه كيميائه الخاصة ، يكتب الشعر بطريقة جديدة و بغير أدواته المعهودة. كشف خلال تجلياته مدى علاقة الروح باللغة وتطويع هذه اللغة لتعبر عن الذات الشاعرة

ويبين هذا الأسلوب الجديد من الكتابة في قصيدة النثر العلاقة الروحية بين ذات الشاعر الملهمة وكلماته و اذا تأملنا ديوان سنجده تجسيدا لمشروعه الشعري الذي بدأته في الثمانينات فمنذ أن قرأت له أول نص نشره على صفحات الجرائد في ذلك الوقت عرفت إن الشاعر سعد جاسم باحث عن التجديد لمفهوم النص بلغة خاصة ارتآها

والميزة التي يمتاز بها الشاعر سعد جاسم هي محاولة اكتشاف ذاته من خلال القصيدة واكتشاف العالم مرة أخرى لذا ترى قصائده في هذا الديوان تتسم بالشمولية وهذا ما يسعى إليه جاهدا فيتسع أطار الرؤية لديه ليجعل القصيدة تشبهه وتشبه العالم الذي يحلم به من خلال حبيبته فنحن هنا أمام مرايا متقابلة ومتعاكسة الشاعر أمام روحه الشاعرة وأمام العالم وأمام حبيبته فتتقابل الصور وتمتزج أحيانا وتتمها حتى تغدوا لحن واحدا بإيقاعات متعددة و لهذا كان عنوان المجموعة (أنتِ تشبهينني تماما)

 

بقلمي : ناظم ناصر القريشي

(قاف القضبان) والنص الكريستالي المحتفي بثيمة الحرية

ahmad alshekhawiهي جملة مواصفات تصنّف في أيقونة المنجز ما بعد الحداثي ، تتّسم بها شعرية الحروفي المتألق أديب كمال الدين.ففضلا عن الوضوح والشفافية والتجرّد من لبوس الغموض و التعقيد اللغوي،ثمة الرؤية الموغلة في الهمّ والحساسية الإنسانية، وزخم الرؤى المغلّفة بكريستالية صناعة الدهشة وتخطّي حدودها الإرباكية إلى تأجيج عواطف وأفكار المتلقي على حد سواء.

من قبيل الإشتغال بشكل حرفي على الجملة الفعلية كلازمة،مع تغييرات طفيفة تطرأ على صفة الفاعل بغية إثراء الموضوع وتنويع مشاهده الحكائية وتكثيف صبغته السينمائية ضمن مقاربة فانتازية تطال كل المكونات تقريبا،مركّزة على الحالة الإنسانية وما ينجم عنها من تفاعلات مقيدة بطقوس زمكانية معينة وأشد التصاقا بكائنات وأشياء أخرى.

وتكمن نكهة التوظيف الذكي لهذه اللازمة ذات البعد الكريستالي في غناها وتغنّيها بالدلالات المتصلة ضمنيا بالعنونة ، واستثمارها كمستهل للمقاطع العضوية برمّتها، كاحتفاء بقيمة أخلاقية وإنسانية بمستوى الحرية وإن في رداء النسبية ،على غرار الحاصل هنا في كواليس هذا النص المفتوح الباذخ.

علما أنها عملية تحدث وتتولّد دون ترسيخ انطباعات تفيد النمطية والتكرار كمثلب منفّر يخدش أو يشوّش على الذائقة السليمة.

جلّ شخوص هذه السردية البليغة والجانحة عبر وسائط شعورية أو لا شعورية، إلى اقتناص ميكانيزمات خلق الدهشة وفق إملاءات يقتضيها خطاب الدعابة و إقحام الطرائف و تفجيرها في مفاصل جوهرية من جسد النص بين الفينة والأخرى،ما يضفي على الجو العام حبكة وتماسكا وتسلسلا منطقيا عبرة دورة كاملة من وإلى الفكرة الأم.

ويكون من غرائبية المشهد ألا ينحسر تقمص الدور ويقبع حكرا على الإنسان بحد ذاته ، كضرب من الترجمة والنقل الصريح لما يتلاطم في ماهية الذات الشاعرة من رسائل يانعة قابلة للتمرير.

حتى لتقفز الظاهرة الكلامية فوق ذلك كله باتجاه إشراك مجازي يشمل الكائنات والمكونات الأخرى كجزء قد يتّصل أو ينفصل عن تلكم الذات.

هي توصيفات رائقة ومتناغمة جدا استخدمت على نحو غاية في الإحكام، بغرض التوعية والتحسيس والتنبيه إلى هلامية الموضوع وما ينطوي عليه من خطورة في كليته.

وكأن لا مناص من انتقاء قاف هذا الرمز المعنى به ضديد ونقيض الحرية، المعرف/القضبان للتأكيد على خيرية وجوهرية الفكرة وعالمية الرسالة أيضا.

أقله،هكذا يجدر بنا التعامل مع قصيدة ترفل في تباهيها بشعبية لغتها و صفاء قاموسها وبسهلها الممتنع، طمعا في حيازة البعض من الأسرار المسكوت عنها ضمن مستويات الحمولات الوجدانية والفلسفية والكونية.

 

.1

جلسَ الشاعرُ خلفَ القضبان

فأخذَ يدمدمُ على الفور

بحروفِ قصيدته الموشومةِ بالأسى والأنين.

2.

جلسَ الطفلُ خلفَ القضبان

فأخذَ ينظرُ بعينين دامعتين

إلى الأطفالِ في ساحةِ الحلم

وهم يتقافزون

ضاحكين حولَ الكُرة.

.3

جلسَ الشحّاذُ خلفَ القضبان

وهو يحلمُ برغيفِ خُبز.

ظلَّ يحلمُ ويحلمُ

حتّى باغته النوم

فتكوّمَ على الأرض

هو وملابسه الرثّة.

.4

جلست العانسُ خلفَ القضبان

طويلاً

حتّى ملّتْ مِن القضبان

وملّت القضبانُ منها،

فكتبتْ حلمَها المخذول

أغنيةَ جناحٍ مكسور.

.5

جلسَ البريءُ خلفَ القضبان

فرأى القضاةَ والمحامين والجمهور

يتبادلون النكاتِ عِن الزحامِ وأحوالِ الطقس،

ويعلكون الكلماتِ الفضفاضةِ عن العدالة،

ويضحكون مِن حظّه الأسْوَد حدّ اللعنة.

.6

جلسَ الزمنُ خلفَ القضبان

وهو يرى الساعات

تفرُّ مِن بين يديه الضعيفتين

مثل طيورٍ فُتِحَ لها،

فجأةً،

باب القفص.

.7

جلست الجيمُ خلفَ القضبان

فرأت الحاء ترقصُ

وهي تشيرُ إلى الحُبّ،

وتضحكُ

وهي تشيرُ إلى الحرّيّة.

فيما كانت الجيمُ مُثقلةً

بنقطتِها التي صيّرتْها جُثّةً

تنزفُ ليلَ نهار

دماً وكوابيس.

8.

جلسَ السجّانُ خلفَ القضبان

فتلمّسَ فرحاً قسوتَها ووحشيّتها

ثمَّ ارتجفَ هلعاً

حين تذكّر أنّه الآن السجين

لا السجّان.'

9.

جلسَ البلبلُ خلفَ القضبان حزيناً.

فلأوّل مَرّة

نسي أغنيتَه التي أنشدَها

مِن قبل ألفَ مَرّة.

.10

جلست المرآةُ خلفَ القضبان

سوداءَ القلب

لأنّها كانتْ تنيرُ صورةَ القضبان.

.11

جلسَ الليلُ خلفَ القضبان

مُرتبكاً

لا يعرفُ ماذا يفعل،

لا يعرفُ كيفَ يخبرُ الفجرَ

بمأساته العجيبة.

.12

جلسَ الأسدُ خلفَ القضبان.

كانَ زئيره مُرعِباً

تتناثرُ منه جلودُ الحيوانات

والأفاعي وريشُ الطيور.

.13

جلسَ المنحوسُ خلفَ القضبان.

كانتْ ذاكرته تشبهُ سفينةً

تتقاذفُها الأمواج.

.14

جلست العاشقةُ خلفَ القضبان.

حاولتْ أنْ تتكلّم

فخذلَها قلبُها

وخذلَها لسانُها

وخذلتها الكلمات.

.15

جلست النونُ خلفَ القضبان.

بحثتْ عن نقطتِها،

لم تجدها

فارتبكتْ

مثل أمٍّ ضيّعتْ وحيدَها في السوق.

.16

جلسَ المنفيُّ خلفَ القضبان

فرأى صفوفاً من القضبان

لا تنتهي

أبداً.

.17

جلست التفّاحةُ خلفَ القضبان،

فَذُهِلتْ وهي ترى عشرات السكاكين

تحاولُ أنْ تنهشَ جسدَها.

.18

جلست الموسيقى خلفَ القضبان.

حاولتْ أنْ تتكلّم

فتحوّلَ كلامُها إلى أنين،

وحاولتْ أنْ تقوم

فرفسَها الشرطيّ

وأسقطَها على الأرض.

.19

جلسَ الصوفيُّ خلفَ القضبان،

جلسَ بقلبٍ مُطمئن

لأنَّ القضبان

لم تستطعْ منعَ قلبِه

مِن ترديدِ أسماءِ الله،

ولا البكاء

ما بين يديها المُقدّستين الطيّبتين.

 

تأسيسا على ما ذكر يتضح لنا جليا كيف أن الجلوس خلف القضبان،وبمعنى آخر حياة السجون، عبر النص ككل ،تمثل القاسم المشترك بين كل من الشاعر والطفل و الشحاذ والعانس وهلم جرا انتهاء بالصوفي.

سجن الشاعر جسدي لا أكثر ،وعبارة عن دهاليز للعدمية والعبثية والفراغ لا سلطة لها إطلاقا على الروح المتمردة عبر تأقلمها ومعايشتها لطقوس إكراهية،باعتبار الحلول المتاحة لها مختزلة في الممارسة الإبداعية لإفراغ ما يعتمل في النفس ويعسكر فيها من أسى موجب للتوجع والأنين.

كذلك سجن الصوفي كمحاكاة نوعية لحياة الشاعر خلف القضبان.في كلتا الحالتين يخول ما هو روحي كل أسباب التغلّب على الظرفية ومقارعة ما هو مادي صرف تكريسا للحس الإنساني النبيل.

خلافا لتمظهرات وألوان السجن العديدة لدى الحالات المتبقية،والملتقية في نقاط محددة كإيماءات مفاهيمية دالة على ما يشبه الإحتفاء بثيمة الحرية.

كلها تجليات تبعا لاختلاف الحالات الإنسانية،وحسب الإقحام القصدي لا العرضي لباقي المكونات إجمالا.

وهكذا فإن حقيقة سجن الطفل تتجسد في حرمانه من ساحة الحلم المزدانة بحراك الأقران حول الكرة ضاحكين.

وحقيقة سجن الشحاذ ماثلة في هيمنة هم الرغيف على العقل والروح معا،حدّ التشبع بهواجس كابوسية مهولة ترمز إلى سجن روحي قاتل.

وحقيقة سجن العانس كمينة في تبخر حلمها ببعل وبيت ونسل.

وحقيقة سجن البريء مجرد ملهاة وعمي معطل لفعل العدالة ،ومفوت على أجهزة السلطة العابثة، أي خيط نور ممكن أن يقود إلى رفع التهمة عن الشخص المسجون ظلما وعدونا.

خلاصة القول أن المستنبط من كهذا نص زئبقي مراوغ مستوف لأقصى شروط المتعة والإثارة. نص كريستالي محض توازي موسيقاه الداخلية كمّ التصورات العميقة والمنتفضة بعد تراكمات في الذهنية وإقامة في الوعي،لتأسر المتلقي بفلكلورية احتفالها بثيمة الحرية الفردية كضرورة للتوازن الذاتي والمجتمعي والكوني.

 

أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي

الشاعر جابر محمد جابر وحيدا في الأزقة يغني!

qasim alsaidiعندما تتناسل الحروب ولم يعد للعراقي أفاق تتسع سوى الخيبات والمرارة وظلام طويل أمده، يحلق بنا الشعر فوق البلاد التي اتجهت بسرعة نحو الفوضى .. ولأننا جميعا نثير الرثاء والشفقة خيمت تلك الأجواء المشحونة بالاضطراب الفاضح على المجموعة الشعرية.

«وحيدا في الأزقة أغني» للشاعر العراقي جابر محمد جابر، كتب التقديم د سمير خليل ووصفها ان (الوحدة الموحشة تتلبسه وهو يغني في الأزقة بلا أذن تسمع غناءه أليس ذلك إحباطا مأساويا لا حدود له؟).

وشأنه شأن أي من عراقيي (الداخل) وجد الشاعر نفسه وجها لوجه في مواجهة الحقيقة المروعة لشراسة الحرب وهمجيتها (بنادقنا / محشوة بالوحشة / القطارات العائدة / من بساتين الحرب / تنزلق عند مرايا الحرب / وتختفي عند وديان الرأس). ص 41

وجابر محمد جابر يعرف كيف يتعامل بحرفية شاعر ومهارة فنان، ففي خزين مملكته الشعرية ما يكفي لكي يسمح لعواطفه بالتسرب إلى نصوصه وهو الحنون الدافئ الذي يبحث عن فجر حقيقي وعن الحب وزبائنه (الحب /مقهى شعبي / زبائنه عصافير / من عسل) أو (كل قلب …. له مفتاح / إلا قلبي بلا باب / يدخله الضوء / فما حاجته للمصباح). ص 64

وفي ظل غياب أي منطق سليم قادر على تفسير الإحداث التي تهشم القناعات بالاستقرار والسلام وسطوة المشهد السريالي فقد كان قلقا وحزينا على (صديقي بحار جائع / جمع إحزانه وباعها / على أرصفة الموانئ /ابتاع بثمنها / شارعا / اسماه / الشارع الجائع). ص 65

ولم يغلق باب الألم بالشمع الأحمر أو محى الصور التي تسيطر على مخيلة قلقلة من ثقل ووطأة الظروف والحياة التي تحاكي الجحيم في لهيب دقائقها، ورغم عذرية الريح (لكنها … مزروعة بالذعر / الغابة ترقص من البرد / الصحراء باعت جدرانها / بمزاد الإلهة / والذئب / يقرأ لنا سورة يوسف).

وإذ نشعر بعذوبة النصوص ورقتها لذا كانت السلاسة ظاهرة في أسلوبه وهو يكشف للقارئ عن تجواله في الأماكن التي تمسك بها الذاكرة بقوة مستسلما لسكرة محترمة أي يقصد الوصول بها حد الثمالة في البار المشهور في مدينته.

( اصطحب نومه / إلى بار سعد / استسلم لسكرة محترمة / كانت يداه نافذتين / وعيناه …… ملطختين بالحروب / هو …… يحتفظ بأرشيف أحلامه / أهديته قدمي / يتجول بها / في حدائق القسوة ). ص30

والشاعر جابر واحد من أكثر الشعراء تميزا ومن أوائل من كتب قصيدة النثر منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي وظل وفيا لهذا الجنس الأدبي فاعتمدت مفرداته على الحياة اليومية بتفاصيلها المتشعبة … وينطلق من الإحساس بالفاجعة الكبرى لوطن أريد له إن يظل صوت الرصاص ملعلعا فيه دائما والرجاء فيه مفقود حين تعذر ان يكون الحلم صنو الحقيقة. وما دامت الحرب (امرأة عاهر / لا تستقر/ في سرير نظيف) هي أيضا أي الحرب القبيحة ومعترفا بالكره المتبادل ما بين الحرب والشعر (الحرب / لا تحب الشعر / لأنه يفضحها). ولان الحرب لا تخلف إلا رماد الأمنيات كان منشار الغياب والنزوح والهجرة القسرية والأحلام الممنوعة من التفكير حاضرة بقوة (الأحلام بلا رقاب / والأيام مرتوية بالحمى / تسافر نائمة / مجتازة حدود الشهوة).

ويذكر انه صدرت للشاعر خمس مجاميع شعرية «قصائد ملعونة» 1977و»دف الثلج» 2000 و» تعاويذ هرمة» 2003 و»أحلام مبللة» 2007 و»دوائر مربعة» 2013.

 

قاسم محمد مجيد الساعدي

دراسة نقدية عن تجربة الشاعر شلال عنوز: الافياء نخلة والاريج عنبر

وهذا الصباحُ

.................الخَريفيُّ

حيثُ رَذاذُ

.............المَطَرِ

يغسِلُ بقايا

..............روحِك

تَتَهَجّى وَجعَ

.............الوطن

حرفاً حرفاً

تَستَصرِخُ كُلَّ

...............هَذّيان الأُمّة

في تِيهِ..

.........الطّواحين

......دروبِ النِّكوص

......أزِقَّةِ البَلادة

مُلتاعٌ أنتَ..

..........والحزنُ دهرٌ يتناسل

ايـــــــهٍ.....

أيّ منعطفٍ ذاكَ الذي...

.......................يُستَباحُ فيهِ الخيالُ

......................تموتُ فيهِ الضمائرُ

....................تَعتاشُ في مَمَرّاتِهِ الخثرافةُ

شَيطانُ(أَميدوقليس)..

...................مازالَ حيّاً يُهَروِلُ

.....................................في عُقولٍ مِن عَفَن

يُشيطِنُ العُقولَ المَرضى

يَزِقُّ افيونَ خُبثِهِ...

...............في الأرواحِ التي

...............................تَبَرّأَ مِنها اللّهُ

لِيُنشِأَ ألفَ مَدينةٍ..

......مِن كراهيّةٍ

...ألفَ جيلٍ ..

............مِن غباء

أيُّها المُزدَهي بثَوبِ الوطن

...........................لا تَثريبَ عليك

امسِك ساريَةَ الذُّرى

انفُض حُزنَكَ

فَلِلآهاتِ مَوعِدٌ

للضَمائرِ صوتٌ

...............يخترِقُ سَطَنَةَ اليأس

بَينَ حُزنِكَ وخُشوعِ ابتِهالِ..

..........................الوطن

يَتَجَلّى صَوتُ الله

ولا صَوتٌ سِواه

 

اَللّـهُمَّ يا مَنْ دَلَعَ لِسانَ الصَّباحِ بِنُطْقِ تَبَلُّجِهِ، وَسَرَّحَ قِطَعَ الّلَيْلِ الْمُظْلِمِ بِغَياهِبِ تَلَجْلُجِهِ، وَاَتْقَنَ صُنْعَ الْفَلَكِ الدَّوّارِ في مَقاديرِ تَبَرُّجِهِ، وَشَعْشَعَ ضِياءَ الشَّمْسِ بِنُورِ تَاَجُّجِهِ،

اذا تنفس الصبح وتلوت دعاءالصباح الذي اعلاه مُفتتحه. تنفتح القصيدة عن عالم من الرؤيا تنثر علامات على درب نائي عن العتمة . فتشرب منها وكلما كانت شفيفية بان فيها السواد الضبابي المزدرع بالاشباح .وقد تجد الشيطان لم يفر بعد، هنا الشاعر يرسم بريشة الحرف تعاويذه ويلقي معوذاته والرقى. لتنقى حروفه من الظلام وتعود تشرق بالانوار النقية . وعندما يصدف ان الصبح في الخريف ينزف الحسرة من غيمات عابرة او طلل يندي ذؤاب مقاصيده ليذيب اليباس بالبلل. لن يرفع صفرة الوريقات الباقيات ولكنه يغسل القتار ويرفع الارجاس عن بدن اشجاره الباسقات في وجده المتقد ليلتمع .فالروح جمرها يتفاقم اذا دلق عليها الماء وترتوى لتروي ببوحها المتحشرج حكايات عما في النفس يجول .وما يجري وبعث الكرب، وهل اعظم من علة الوطن المهيض وانينه الذى يضرب اطناب السكينة ويقلق الطمأنينة في ارجاء تمتد من الافق البعيد للرؤية الى دواخله .تشع قبسات من بث للشكوى يصيبه بمقتل فيسيح من انبلاجات الفجر ذرا ت من الغباش لتستبان حيطان المكان ومعالمها وعوالمها فما ان تدخل الشمس حتى يكون كل شئ يفوح بالوضوح معبرا عن ماهية الحادث في مرور العتمة. . انها تسجيل لحياة الناس وتدوين لمسيرة الاحداث ما جرى ان كان الامر انقضى خلف الجروح ليس على السطوح وحسب بل في اعماق مبتنيات التكوين الوجودي للكائن الذي يمثله الشاعر الانسان المتحسس المجرد من العناد الصواني الذي يتلظى وهو يرى الاحلا م تتبخر في انطولوجيا مسيرة الكينونة وتبادلية الحضور والفقد بين الذات والموضوع نوبات من الكآبة وانحلال للمقومات والعوالم التي تسكنها الريبة والغربة .في محيط لا يعرف الرحمة، عن الاسفار عما يضمره القابل من الايام بعد ان بزغت الشمس. ومن يتحسس ويحس برهافة الغد اكثر من الشاعر الممتلا بالهواجس والنبوءات والحدس . انه وريث (ابولو) ومن عبره يستمد ما يقول: عما سيحدث قبل الاوان .الرهيب والمهيب يكتم البعض ويفيض منه ما يجوده كحروف تصوغها لوعاته صورا لتمعنها ففيها التصريف لما يعتمل فيه انه يحتوى عالمه الملكوتي المترع بحكمة الكشوف .منها شاهده في مخيلته العاملة لتخرج صفوف ماتركسية *حلولها علينا وقوانين الحل احيانا عالية بحاجة الى مدركين برياضيات اللغة العامة لتتهجس المعان التي تتوارى خلف المعاني والدلالات التي تنبأ عن المداليل .هذا هو مكون الشعر وللشاعر المجيد ان نتحراه ونقتفيه وبتانٍّ ومعنا حزم من المفاتيح للابوب التي حيالنا موصدة واقفالها ليس فتحها الا بما ينسبها. التفكيك والتحليل قد يرافقه تاويل يعتمد معطيات : تبين ما يحمل البوح من طلاسم . الدمامل على طول ا لمسلك تفتح ان لمستها وتتقيأ كل ما تحمل من ماء افرزه الجسد . لتنظيفها تستعين بالمطهرات، وتتحاشى الملوثات انها اجراءات دقيقة يسلكها المجبر لا المخير. والمؤلم الاذى الذي يخلفه الحزن في جيوب الوجد حتى بعد حين .ان مسالك الشقاء تبقى تختزن لحظات التوجع . نجدها مطبوعة على وجوه القرطاس في قصيدة النثر مكثفة ومركبة ومستجمعة كل اسرارك وكل ما تكون عليه ظنون الشاعر وتتحقق ما يتوقع وحصل بل في حالنا فاق ما همست به العرافات في آذانه. وهويعودها في الغلس :ليستمع عما يجول في خواطرها .كان الغد ادغم كميت والمشهد الجارح ملئ بغير المتوقع حتى في اسوء الاحتمالات يخرج من الناس كل هذ ا الدفق من الكراهية وينفّسوا عن كبت القرون في انفلات عناه المحتل وجاء ليفجره لغايات . الصبر عليه اهون من الصبر عنه هو الوطن يقول (هدبة العذري):

فاب بي الى خير فقد فاتني الصبا وصيح بريعان الشباب فنفرا

فان يك دهر نالني فاصابني   بريب فان تشوي الحوادث معشرا

فلست اذا الضراء نابت بجبأ ولا جزع ان كان دهر تغيرا

فاحكام العمر لا يجدي ما يبديه العطار من اصلاح فان الحادثات في خريف العمر الهلاك والاستهلاك لجهد الشاعر. يمنحه فسحة من سرد رؤياه فما يقول: ان كان الكابوس؟ لا يفر ولا يجزع ولكن يزخ القهر !!المرارة !!وان امامه تقوم قيامة الزوائل!!. ما بيده الا ان يمتثل لحكم الزما ن يقول اعرابي : ينقل صاحب الحيوان ابياته:

كم من كريم ضعضع الدهر حاله وكم لئيم اصبح اليوم صاعدا

وقد قال في الامثال واعظ            بتجربة اهدى النصيحة جاهدا

اذا دولة للقرد جاءت فكن له      وذلك من حسن المداراة ساجدا

بذلك تداريه ويوشك بعدها        تراه الى تبانه الرث عائدا

فمن اين تاتي السكينة؟ الشاعر في مصابه في الاشارات قال (ابن سينا) ان السكينة طبيعية ونفسية وعقلية الهية

لا عبارة عنها على التحديد، لانها كالحلم في الانتباه وكانت كالاشارة في الحلم وليست حلما ولا انتباها في الحقيقة .

يعني السكينة الالهية وتلك ما نشد الشاعر فذا ما سيفلح به .

يقول (ابن سينا) في اشاراته:

*لما لم يكن الانسان بحيث يستقل وحده بامر نفسه الا بمشاركة آخر من بني جنسه وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما، يفزع كل واحد منهما لصاحبه عن مهم، او تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير*

وكما يشرح نصير الدين الطوسي المعاوضة ان يعطي كل واحد صاحبه في عمله بازاء ما ياخذ منه.

اما المعارضة ان يعمل كل واحد مثل ما يعمله الاخر .

فانى للانسا ن ايام الطوفان ذلك ؟وكيف للشاعر ان ينا ل ما لا ينال سواه ؟فتراه يلوح بحروفه ليعبر عما يخامره .

( اليس امبروز وموريس لا زيروفتش) يقولان: كانت التفرقة بين الشكل والمضمون اوالصورة والمادة في اعمال الفنانين ... قبل ظهور المنطق الصوري الارسطى بمدة طويلة .. ولكن من الصعب او من المستحيل ان تكون التحفة صورة بلا مادة تتشكل منها تلك الصورة . ومن المستحيل ان تتخيل في مجالات الفنون والاشياء الطبيعية وجود الصورة والمادة مستقلتين احداهما عن الاخرى وان كانت الصورة لها الا ولوية والأهمية القصوى في الفن بالذات عن المحتوى المادي.

كذلك الحال في مجالات الفكر . فالفكر اذا عبرنا عنه بالقضية اوالبرهان كانت له مادته اوموضوعه كما تكو ن له بناء وصورة . وهذا معناه ان العبارة اللغوية صورة للمضمون المعنوي المؤدي الى الدلالات للفكرة المراد ادائها.

فكيف في الشعر وقصيدة النثر نمرر الدلالات عن الفكرة عبر موضوعها و مادتها ؛ الامتحان عسير ... الحزن خزان لا ينضب في هذا الوطن وفاض .وكم مرة عبر الحقب فاض ؟لكن هذه المرة بما ء النار الكاوية .ونحن تحتها معنا الشاعر تحرقنا اللذعات يا لها من قاسية احكام القدر: التي عانتها هذه الارض المحكومة :باللعنة والخير وتناسل ابناء المحنة وابناء النعمة

ايـــــــهٍ.....

أيّ منعطفٍ ذاكَ الذي...

.......................يُستَباحُ فيهِ الخيالُ

......................تموتُ فيهِ الضمائرُ

....................تَعتاشُ في مَمَرّاتِهِ الخرافةُ

شَيطانُ(أَميدوقليس)..

...................مازالَ حيّاً يُهَروِلُ

.....................................في عُقولٍ مِن عَفَن

يُشيطِنُ العُقولَ المَرضى

يَزِقُّ افيونَ خُبثِهِ..................في الأرواحِ التي

عندما اغتصب المحتل بكارة الكرامة والعزة والارض والمقدرات لم يكن كسواه ولا حتى المغول. انه بلا أصل ولا قيم ولا أعراف حمل معه (الديوشرمة) السماسرة وبضاعتهم مما نعرف والخشخشاش ومئات المواد ليجربها علي .الناس والحيوان والحجر. هكذا هم الامريكان عندما دخلت بريطانيا كان معها الضباط واستعانات من ايام ما كان قناصلها يجولون تحت انظار (آل عثمان) . وحتى من اتخذتهم خاصيتها انتقتهم والقليل القليل منهم من الامّعات . ودربتهم وعلمتهم واتاحت لهم المعرفة والثقافة ومعها العديد من البدائل. وعندما فشلت كل مخططات حكومة الهند البريطانية وكل مشاريع (كيرزن) .في مؤتمر القاهرة كان مرجعها (لورنس) و(مس بيل) وباشراف حينها من (ونستن تشرشل ). وهما ممن لهما دراية ميدانية عميقة بالواقع .واقروا ان البلاد واحد ةلا تقبل التجزئة عبرالتاريخ. وان ما اتخذه (آل عثمان) في القرن التاسع عشر بعد ثلاثة قرون من احتلال البلد الذي كان الموحّد، .القيام باجراء تنظيمي اداري اصلاحي شمل عموم السلطنة. تركيا ذاتها كانت ولايات وكل البلدان .اما الديرات والمتحكمون بها فهي ظاهرة شاعت من العهد العباسي الثاني ولم يفلح بوحدة الدولة حتى بتحكم (آل بويه) و(سلجوق) كان العراق بلدا واحدا. كما ايام اشور وبابل واور . عندما يكون الحاكم من المنعة تكون البلاد موحدة فان ضعف المركز عاث الهمج الهياج. الاّ ان المحتل بعناد (الكاوبوي) مصر على التقسيم .ورغم نصيحة حليفه اللدود بريطانيا الاّ ان (الديوشرمة) ومن انتفع ومن له اغراضه في الطليعة عدو هذا البلد من اكثر من الفين عام قبل ان يكون له كيان .ما يحدث الاحتلال الهمجي من دخول (الجرمان) لروما كانت الاطراف و من (البروليتاريا) الرثة ومن الطفيليين والهامشيين يهاجمون المراكز مُحمّلين بهم يهطل الحقد الطبقي والحرمان التاريخي والحسد .. والمترسب من تخلف فان منحتهم الخشخاش فانت تدفعهم لفعل ما لا يتوقع؟ فكيف ان وقفت على ابواب المعالم والشواهد ودعوتهم ليعيثوا خرابا. كما فعل المحتل مع المتاحف والمؤسسات . ومعها (الديوشرمة) ونخبتهم تحت قيادة اريبه من خلاصة الشذاذ تدربوا في كوام ومن يستوطن المواخير والارصفة وعمل بالتنظيف لكل شئ من .. الى .. فاستيقظ من سباته التاريخي (اميدوقليس) .*في الحقيقة توجد فكرتان رديئتان يتوجب اقتلاعهم من الجذر ! واذا فعلت هذا فانك ستحصل بالطبع على فضل تغيير . اقصد الكراهية والحقد فهما كانا النبتتان السامّتا ن تتولدان من الكثير من الافكا ر السيئة الاخرى. الكراهية هي الابنة الكبرى للخوف ويجمعهما واياه الكثير من اوجه الشبه، الحسد، والمقت، والحقد كلها افراد عائلة كبيرة . اقض على السلف فيدعك الخلف براحة *كما يقول( وليم فالكير اتكينسون). المخيلات هي القضايا التي لا تسمع لصدقها، بل لا نفعال وتاثير يعرض لنفس السامع منها. هذه اذن هي القضايا التي نقل عنها القول وتؤثّر في النفس التاثر العجب من قبض وبسط وربما زاد على تاثير التصديق، وربما لم يكن معه تصديق ..* كما يكتب (ابن سينا )في الاشارات

والقضايا الوهمية الصرفة قضايا كاذبة، الا ان الوهم الانساني بها قضاء شديد القوة لانه لا يقبل ضدها مقابله بسبب متابعة الوهم، فما لا يوف الحس لا يقبله الوهم .(ابن سينا).

(امبدوكليس) سبق (سقراط) وله في نظرية نشأة الكون ا ربعة عناصر وتنبه وكتب قصائده ليلخص مفاهيمه عن العشق والصراع .

وتاثر ب (فيثاغورس) في تفسير التناسخ وقد زعم انه مرّ بطور نباتي وحيواني وانساني . وكان التراب والماء والهواء والنار هي الاساس المادي كاصول كونية . ويؤمن بان الروح باقية وان العناصر الاربعة فيها الالوهية وان السالب والموجب كانا موحدين والانفصال أبقى التوق للاتحاد ومن الكينونة المتفردة لهما ظهر الحب والكره ولا ينتهي الاّ بالاتصال والسكون وهي كالبوذية والمنشوية واليانخ والين المذكر والمؤنث السالب والموجب الخير والشر النور والظلام وهما ما يحقق الموت والحياة . (اميدوقليس) وقد بلغ منه الهرم زعم الالوهية والخلود. واحيا امرأة ماتت وغادر ولم يظهر. ويقال انه القى بنفسه في فوهة بركان وان نعله وجد قرب الفوهة وكان ينوي ان يقنع الاتباع بالخلود الشخصي. مدارات الخيال تعيد الحياة للاموات يستغرب ما تفتح من عجائب الاقدار ان هي في هامش الالتفاف القدري تنبجس عيون تنبع بالغريب ؛ ان لا تظهر من الضمير الظاهر على السطوح، كلها مستترة مخالفة التقاليد والاعراف. اللغات والمتاح يوعزان ذلك للخرافة وخرافة من رجال (جهينة) اختطفه الجن. حمل في عودته القصص عما راى وكان من الغريب الذي لا يصدق .فاتهم بالكذب قيل حديث خرافة وكل ما ليس يصدق خرافة. التطيّر من البوم والتبرك بالرقم سبعة ومشاهدة للامور المعينة او عمل الاشياء الخاصة من تعليق حدوة الحصان لجلب الحظ وطرد الشر كلها من هذا الثقب في الادراك الميثولوجي . يريد ان يقول الشاعر ان ما قام من زومبيات التاريخ من مطموراته تحت الانقاض هي الخرافات وما لا يلائم العصر وهي من بدع اشاعها (الديوشرمه) ولكن هل في عقول (المدوشيرم) اساس للتصديق ؟. اترى ذاك الكهل الفيثاغورسي التناسخي المتألّه عاد من فوهة البركان ليبث ما بثه صاحب جهينة من مين وترهات؟ . الخشخشاش يؤثر على العقول فيجعل منها ارضا تصلح لانبات الخرافات . ويموت الضمير وتسود النهلستية وتتفجر دمامل الحقد وتخرج بواطن العفن اعطانها والبرك الاسنة تفيض وتجري في منخفضات العقول الناقصة . تشيع الروائح النتنة والطناطل تقطع الطرقات والسعلاة تترقب الصغار لتسرقهم هذه المرة بشر منا يسلبون ويخطفون ويقتلون الناس . المكبات والقمامة عليهما المئات من الابرياء ومنهم ممن خدم الوطن في مجاله نقيب الاطباء واختصاص الطب النووي والطيار وابطال كان لهم الدور في العلم في خدمة وطنهم وهم من المحترفين والممثل والمطرب والشاعر وعابر السبيل ومن اسمه علي ومن اسمه عمر .ما يسمى ذلك انها الهوجاء والهوس . وما وظفه البعض للانتقاص من رمزالوطن الذي لا تمثّله الثيران المجنحة والقيثا رة السومرية وحسب بل الشاعر والروائي والفنان ...... استشرى الحقد والكره ومن الامراض الخبيثة في عقول ونفوس تلوثت ايديهم بالمال والنفوس

...............................تَبَرّأَ مِنها اللّهُ

لِيُنشِأَ ألفَ مَدينةٍ..

......مِن كراهيّةٍ

...ألفَ جيلٍ ..

............مِن غباء

اأيُّها المُزدَهي بثَوبِ الوطن

...........................لا تَثريبَ عليك

امسِك ساريَةَ الذُّرى

انفُض حُزنَكَ

فَلِلآهاتِ مَوعِدٌ

للضَمائرِ صوتٌ

...............يخترِقُ سَطَنَةَ اليأس

بَينَ حُزنِكَ وخُشوعِ ابتِهالِ..

..........................الوطن

يَتَجَلّى صَوتُ الله

كان غوركي يجد الله في صوت الشعب وكل ما سواه يراه في الكلية المطلقة: الوجود الكوني. انه المطلق الاله المعبود الرحمان الرحيم لابديل له ليرحم من اضاعه الحقد والكراهية والخرافات التي عشعشت في عقول عفنة تفوح عفنا ممن خرجت من الزواريب ومجارير المياه الاسنة والسراديب انها (زومبي) الخرافة في الكينونة والتكوين يكره الحياة ومظاهر الصيرورة لايحب الورد لانه شوكي من العوسج والصبار قنفذ وصرصار جرذ يعتاش على لحم الحياة التاريخ او الموروث او الكائنات المنتجة او الرموز لا منجات منهم بغير صوت الله المدوّي .الذي انفاسه نشمها في كل ابلاج للفجر الجديد. لافي الافق الجديد ولكن بالامل بالشعب ان يعي الى اين يريد به من يناصبه العداء؟ .لا امل الا بالرب هو العارف العالم قد يجد البعض في ذلك يأس وقد فقدان الامل او السأم او حتى الاستسلام. نحن نجد في صو ت الله الحضور للحقيقة والخلود لكيان عمره التاريخ من اربعين احتلال قام عنقاء وفينكس واعاد الحياة لمفاصلة والزبد الى زوال متى؟ لا جواب!! هل في البعيد الافق ام السراب لا جواب ؟!!ولكن لا بديل عن التسليم للقيوم وصوته الذي يصدح كل نهاية ديجور يطلب الرجل. لا يعد لا نبو ءة ليبوح بها ولكن يطرق درب حدس الخرافات فما يجري عظيم ومزارع الخشخاش تتوسع في المدن والحواضر والريف والبادية والجبل حتى على الماء ينبت وفي الهواء يتطاير (تزكرته) الناس و(تشمرته) بدل الاحياء تمترسوا في المدن وشقوا عوضا عن ابار السن الشوارع المعبدة ويمتطون ليس الحمير بل العجلات الرباعية الدفع المدرعة . لايحملون المدي والجنتيانات بل الكواتم وفي الطرق العامة جهارا عيانا يقود (الديوشرمة) الفاقد الوعي بالافيون هذا خلف النزوة وذلك لاجل المنصب والاخر فزعة فقد عدنا قرونا لما توعدنا (جيمس بيكر) واليوم( بايدن) يتربصنا و(نغروبونتي) شق جادة بعمق لا يسعنا ردمها بيسر وجارنا يترقبنا ألَسنا الناقة التي ستعقر؟ الكل يحمل السكين .. يحاكي نفسه ويحادث الريح اتراه يسمع صداه؟ لا اظن؟؟!!!

الرجل بالحرف يزرع ورودا ويطفئ نيران ويردم فوهات براكين يعشق اهله هذا العربي الجزري فلا نقل الاّ كما فعل (احمد سوسة) و(طه باقر) بالسامية التي شاعت من اقل من قرنين هو قلبه على اهله في الشام ويتحسر لان جسرساحة ثورة العشرين كل يوم عليه حادث فمن صممه اصم في العلم انهم حتى عندما يقيمون اليسير يكون من المعوقين ولما كان للرجل ايمان الشاعر وتصميم النجفي ابن الفرات الاوسط حفيد (الحسجة) وجار منبع ثورة العشرين. ولكن اليوم غير الامس والبريطاني غير الامريكي .الوان العلم عليه يستقتل من يريده بل(ا صفي الدين الحلي) حيث لا مكان لقصيدته .فهناك من لايحب اليزيديين. ولا يريد للعراق ان يبقى بالموحد .هناك من يرغب ان يكون الامير كما كان (الشفلح) في البغيلة و عانة *(لابي ريشه) ولا يقول اين هم الان؟ يستظهر دروس من معلم يقرأ عليه طريق تلكم الميكروسكوبيات الخليجية المصنعة بالتعليب ...

لم يك الله من قال ان يجرب المجرب ونبعث خرافة (اميدوكليس) ونوقع بانفسنا بالتهلكة ونسير خلف من يريد بنا المصير المعلوم .تلك (داعش) ونعرف من صنعها الذي قال: ان خلف ابوابكم الذئب ولما شريكه تطاول ارسله بالقرب منه فليس (للعنوز) من حيلة الا ان يستحضر شيمة ونخوة العراقي بالراية والمروءة ولا نراها ذات نفع اليوم !!!ولكن الرجل قام بماعليه !!!.فهاهو يستعين بصوت الله الرب.وهل من الله هناك من هو اكبر؟؟؟!!!! ......

يتبع........

 

سعد محمد مهدي غلام

 

قضايا لغويّة: مسائل نحويّة .. ضرائر شعريّة لعلّكم تتذكرون!! (1)

karem merzaليست بمعلومات فقط، كما يتوهّم بعض القرّاء الكرام، وإنّما تبين مدى دقّة لغتنا الجميلة وعبقريتها، وتوسع إدراك عقولنا، وتزيد نباهة أذهاننا، والعلوم متداخلة المسارب، متكاملة في رقيها وتطورها !!

1 - الفصل بين المضاف والمضاف إليه.

2 - حذف حركة الإعراب وتسكين المتحرك .

3 - تحريك الساكن .

4 - تخفيف الحرف المشدًد.

5 - تشديد الحرف المخفف.

 

الْمُقَدَّمَةُ: مَا بَيْنَ زَيْغِ الإعْرَابِ وقُبْحِ الزّحَافِ والضَّرَائِرِ الشِّعْرِيّةِ:

يقول ابن جني (ت 392 هـ) في (خصائصه):" اعلم أن البيت إذا تجاذبه أمران: زَيْغ الإعراب وقُبْح الزحاف فإنّ الجفاةَ الفصحاءَ لا يَحْفلون بقُبح الزّحاف إذا أدى إلى صحّة الإعراب ... فإن أمنتَ كَسْر البيت اجتنبتَ ضَعْفَ الإعراب وإن أشفقتَ من كسره ألبتَّة دخلتَ تحت كسر الإعراب . " (1)

من هنا نستطيع أن نتفهم بموضوعية تامة أنّ الموازنة صعبة بين الزيغ والقبح، تحتاج إلى مهارة لغوية ونحوية وعروضية وفكرية وجمالية عالية، فالحكم على الشعر والشاعر ليس بهينٍ، وإن تهاون من لا يعرف أسرار وخفايا الإبداع، بل الإلهام الفني الشعري، وعليك أن تميّز بين من يتذوق الشعر العربي، وهم غالبية العرب، ومعظم ناسهم، وبين من يحكم على صحته لغوياً وعروضياً وفنياً، وأكرر ما قلت ذات يوم:

الشعر ليس بمفرداته ومضمونه ومعناه وصوره فقط، بل بموسيقاه وانسيابه وأشجانه وألحانه، تقرأه بنغماته الشجيه الصادرة من أعماق قلوبٍ متأججة شاعرة لتطرب إليه، وتتغنى به، فهو ليس مجموعة لحبات ٍمن العنب متكتلة متراكمة بترتيبٍ معين، وتنظيم دقيق لتمنحك صوراً جميلة، وتشكيلاتٍ بديعة لمعان ٍعميقة على أحسن الأحوال ... وإنما هو تحول نوعي تام من حالٍ الى حال، ليصبح في صيرورة جديدة ... كأس مُدامةٍ وكرعة راح ٍ " وإنَ في الخمر معنى ليس في العنب ِ" .

يقول أبو العباس الناشىء الأكبر عن شعره:

يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمعوا بهِ ***في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ

شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ ***ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ

وللشعر ركنان أساسيان لابدَّ منهما في كلّ شعر ٍ، وهما النظم الجيد ونعني به الشكل والوزن أولاً (ويخضع كما هو معلوم لعلوم النحو والصرف والبلاغة والعروض)، ثم المحتوى الجميل أو المضمون الذي ينفذ إلى أعماق وجدانك، وتنتشي به نفسك دون أن تعرف سره، وتفقه كنهه، فهو الشعاع الغامض المنبعث من النفس الشاعرة .

أمّا الضَّرَائِرُ الشِّعْرِيّةُ فهي مخالفات لغوية، قد يلجأ إليها الشاعر مراعاة للقواعد العروضية وأحكامها،لاستقامة الوزن ولا تُعدّ عيباً، ولا خطأً، إذا كانت وفق ما تعارف عليه عباقرة العرب من الشعراء والنقاد والعروضيين القدماء، وقبلوا به، سواء كان للشاعر فيه مندوحة أم لا،والحقيقة أول من شرع بأحكام الضرورة سيبويه (188 هـ) في كتابه (لكتاب) دون تعريف أو تنظيم، ووضعها في باب (ما يحتمل الشعر)، واستند على أستاذه الخليل في بعض أحكامه، ولما جاء ابن فارس (395 هـ) أجاز الضرورات الشعرية على أن لا تخل بالإعراب، وأول من ألف كتاب (ضرورة الشعر) أبو سعيد السيرافي (ت 369 هـ)، وتطرق إلى تسعة أوجه منها،ولكن أهم كتاب في هذا المجال هو(ضرائر الشعر) لابن عصفور (ت 669 )، حيث جمع فيه جهود كل من سبقه، مهما يكن تصنف على ثلاثة أسس، وهي: ضرورة الزيادة، وضرورة الحذف، وضرورة التغيير، وكلّ ما يصحّ أن يأتي بالنثر، لا يعدّ من الضرورات في الشعر، لأن الناثر لا يجوز أن يلجأ للضرورة، لعدم إلزامه بالإيقاع الوزني .

ونحن الآن أحوج للضرائر الشعرية، وربما أحياناً في النصوص النثرية، وخصوصاً قصيدة النثر، ولكن شرط عدم اللحن، وتوليد ألفاظ عديدة لمعنى واحد، وبالتالي تتشتت اللغة، ويصبح لكل مجموعة، أو قبيلة، أو قطر لغتهم الخاصة بهم، ومن المعروف والثابت أن العرب - إلى يومنا هذا - أمة تؤمن بالأصالة نسباً و حسباً، تتشبث بالقبيلة والعشيرة، والمنطقة، وتتعدى ذلك للحسب وجاهة وأعياناً وثراءً، وغير ذلك من صغائر الأمور، فمن باب أولى وأجدى وأبقى وأخلد التعلق بأصالة اللغة التي توحّدنا، وتشدّ أزرنا، وتقرّبنا من بعضنا، بعد الويلات والنكبات والنعرات !!، وإذا عجز قياس البصريين، فعلينا بالأصيل العريق من الشاذ من مدرسة الكوفيين، وفي لغتنا الجميلة الخالدة سعة في الأقوال والمعاني والفكر والعقل والخيال ...!! وإليك ما يقول أبو الفتح عثمان ابن جني (322 - 392 هـ / 933 - 1000م) في (خصائصه)، وكثيراً ما يلجأ إلى أقوال أستاذه أبي علي الفارسي ( 900-987م / 288-377 هـ)،: اقرأ ابن جني بخصائصه: " فإذا جاز هذا للعرب عن غير حصر ولا ضرورة قول، كان استعمال الضرورة في الشعر للمولدين أسهل وهم فيه أعذر، فأما ما يأتى عن العرب لحنا فلا نعذر في مثله مولدا... وقد نص أبو عثمان عليه فقال ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب ...

وكلما كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك اولى بأن تكون لغات لجماعات اجتمعت لإنسان واحد من هنا ومن هنا ورويت عن الأصمعي قال اختلف رجلان في الصقر فقال أحدهما الصقر بالصاد وقال الآخر السقر بالسين فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه فقال لا أقول كما قلتا إنما هو الزقر أفلا ترى إلى كل واحد من الثلاثة كيف أفاد في هذه الحال إلى لغته لغتين أخريين معها وهكذا تتداخل اللغات " (2)

تكفينا هذه المقدمة، وإليك ما يتيسر لنا من المسائل اللغوية والضرائر الشعرية

 

1 - الفصل بين المضاف والمضاف إليه:

أورد عبد القادر البغدادي في (خزانة أدبه) قول الشاعر عبيد الله بن زياد بن سميّة من (الرمل):

كم بجودٍ مقرفٍ نال العلا *** وكريمٍ بخله قد وضَعَهْ (3)

كما ترى قد فصل الشاعر بين المضاف (كم)، والمضاف إليه (مقرفٍ) بالجار والمجرور (بجودٍ)، وهذا لا يجوز بالنثر، وإن ورد بالقرآن الكريم على إحدى القراءات كما سنرى، فهنا يعتبر ضرورة شعرية نحوية لاستقامة الوزن، فلا يحقُّ لنا مثلا أن نقول له: لماذا لا تشكل صدر البيت كالآتي لتتخلص من الضرورة: (كم قبيحٍ جودهُ نال العلا) ؟!! ببساطة الشاعر لحظة الإبداع تأتي القصيدة حسب إلهامه، وذخيرته الثقافية في عقليه الباطن والظاهر .

ويذكر كاتب هذه السطور في كتابه (نشأة النحو...): ووافق الأخفش الأوسط البصري الكوفيين في إجازته الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وأورد كاتب السطور الشاهد التالي لابن يعيش في (مفصله) ليثبت موقفه:

فزججتها بمزجةٍ *** زجَّ القلوصَ أبي مزادهْ

المصدر (زجّ) مضاف، (أبي مزاده) مضاف إليه، والفاصل بينهما المفعول به (القلوصَ)، وذلك ضعيف جداً، إذ لا يجيز البصريون، ولا يصح عند إمامهم (سيبويه) إلا الفصل بظرف .(4).

والأخفش البصري، وأعني الأوسط،وهو سعيد بن مسعدة المتوفي 215 هـ - يقال جامل أستاذه شيخ الكوفيين الكسائي، لمنزلته في دار الخلافة، ولشخصيته !! - المهم لم يخرج هذا الأخفش على أستاذه سيبويه، ومدرسته البصرية بهذا فقط، بل بالعديد من المسائل حتى بلغت مواضع الخلاف مع أصحابه أكثر من أربعة وثلاثين، (5) وبعض الباحثين يعدونه هو المؤسس للمدرسة البغدادية في النحو، ولهذا أخذ الرجل الأخفش بقراءة ابن عامر(سورة الأنعام، آية 137) " وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ" فنصب (الأولادَ)، وخفض (شركاءِ)، وهذا فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول . (6)، والأصل: قَتْلَ شُرَكَائِهُمْ أَوْلَادَهُمْ . و (أولادَ) مفعول به للمصدر قُتْلَ .

و المتنبي سار على مذهب قومه الكوفيين، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به (الرياضَ) في بيته:

حملتُ إليه من لساني حديقةً *** سقاها الحجى سقيَ الرياضَ السحائبِ

ربما تجد الأمر غريباً، ولكن هذا المتنبي، ويعني (سقاها الحجى سقيَ السحائبِ الرياضَ)

والحق أشار من بعد ابن مالك في ألفيته إلى ما ذهبنا إليه قائلاً:

فصلَ مضافٍ شبهِ فعلٍ ما نصبْ *** مفعولاً أو ظرفاً أجِزْ، ولمْ يُعبْ

قصل يمينٍ ...

إذن أجاز ابن مالك أن يفصل اختيارا وليس ضرورة، بين المضاف الذي هو شبه الفعل، والمراد المصدر و اسم الفاعل، وبين المضاف إليه بما نصبه المضاف، من مفعول به، أو ظرف، أو شبهه. وتعدى ذلك قائلاً: " ولم يعبْ فصلَ يمين "، هذا أيضاً على مذهب الكوفيين، حكى الكسائي " هذا غلامٌ - واللهِ - زيدٍ " (7)

 

2 - حذف حركة الإعراب وتسكين المتحرك:

أنشدوا لامرئ القيس:

نعلوهم بالبيض مسنونةً***حتى يروا كالخشـــب الشائل

حلت لي الخمر وكنت امرأً ** من شربها في شغلٍ شـاغل

فاليوم أشربْ غير مستحقبٍ **** إثماً مـن الله ولا واغل

علينا من امرئ القيس بيته الأخير، ومثله للفرزدق:

رحت وفي رجليك ما فيهما *** وقد بداهنـْك من المئزر

أبيات امرئ القيس من البحر السريع، وعليه تفعيلات البحر (مستفعلن مستفعلن فاعلن)، وبهذا يجب عروضياً أن تكون الباء في (أشربْ) ساكنة ليستقيم الوزن، ولكن عندما يقول (فاليوم أشربُ)، فالباء من الناحية الإعرابية، تكون مضمومة، فيختل الوزن ويسقط البيت تماما، ومن هنا يكون الشاعرأمام خيارين أحلاهما مرّ، أمّا يضحي بعربيته، ويلجأ إلى اللحن، أو يسقط البيت إلى الهاوية، وبالتالي القصيدة كلّها، لأن القصيدة وحدة عضوية متكاملة مترابطة نحو وصرفاً ووزناً، شكلاً ومضمونا، والرجل قائد لواء الشعراء، فضجّ اللغويون والنحويون والعروضيون، وحاولوا إيجاد مخرجاً لهذا الخلل النحوي العروضي، وهو أقبح الضرورات على الإطلاق، فزعم قوم أن الرواية الصحيحة لبيت امرئ القيس الأخير: اليوم أسقى...، وبذلك كان المبرد يقول، وقال الآخرون: بل خاطب نفسه كما يخاطب غيره أمراً، فقال: فاليوم اشربْ، وقال سيبويه: وقد يسكن بعضهم في الشعر، ولجأ بعضهم إلى القراءة السبعية، ومن هذه القراءات، قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري، فقد سكّن راء (يأمرْكم) في الآيتين الكريمتين - وغيرهما -:

" وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً " - البقرة: 67

"إنما يأمرْكم بالسوء والفحشاء" - البقرة: 169 - (8)

وفي بيت الفرزدق من السريع (وقد بدا هنـْكَ ...)، لا يستقيم الوزن إلاً بتسكين النون ضرورة،، لذا وجدوا للسيد الفرزدق مخرجاً لطيفاً خلقاً ووزناً ونحواً، وقالوا الرجل قال: (وقد بدا ذاك من المئزر)، فعوضوا عن تسكين النون بألف المد، وهذه الـ (ذاك)، كناية عن الهن، حجارة بعصفوريَن !!

الشعراء الجاهليون حجّة على لغتنا بعد القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، فنستطرد مع امرئ القيس، إذ يقول قبل موته:

ربَّ خطبةٍ مسْحنْفِرة *** وطعنـةٍ مثْعنْجِـرة

وجعبــــةٍ متحبّـرة **** تُدفنْ غداً بأنقِــرة

وأمامك (تدفن) وقد سكّنها الشاعر، والفعل المضارع لم يتعرض لعوامل الجزم، وأدواتها، يذهب الشيخ الكوني إلى أنّ " هذا السكون ليس سكون اعراب، وإنما هو سكون للتخفيف من توالي الحركات، لأنه إذا توالت الحركات ربما فيه نوع من الثقل على اللسان ..." (9)، فتسكينها ضبط لحركات اللسان، وحركات الحروف، وورد في القرآن الكريم شاهد للتبرير " وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ " - يوسف: 90 -، من وجهة نظري أن الشاعر لم يفكر بالحركات الأربع المتتالية ما بين الساكنين الأصليين (تُدْفنُ غَدَاً /ه////ه)، فاللفظ المتكاوس في القافية معروف، ويتشكل من أربع حركات بين ساكنين، فالشاعر الملك الضليل سكّن نون (تدْفنْ) لاستقامة الوزن ضرورةً شعرية . وهنالك من يجد العذر للشاعر، فيجعل من تسكين الكلمة تجاوزاً للإعراب قد ورد في القرآن الكريم " فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ " - البقرة: 54-، بإسكان الهمزة على قراءة أبي عمرو بن العلاء،وهنالك من يعتبرها لغة بعض القبائل،أو أفخاذها، كما في الشاهد:

فَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ *** أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُوْ بِأُمٍّ وَلاَ أَبِ

كما ترى قد سكّن الشاعر كلمة (آسموْ)، وحقّها حركة الفتح، لأنها منصوبة بـ (أنْ)، وكذلك قول جرير، وقد سكّن فاء (تعرفْكم) في البيت الآتي:

سِيرُوا بَنِي العَمِّ فَالأَهْوَازُ مَوْعِدُكُمْ *** وَنَهْرُ تِبْرَى فَلاَ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ

وهذا قول الأعشى من المتقارب، وقد مدح قيس بن معدى كرب:

إلى المرء قيس أطيل السرى*** وآخذ من كل حى عصم

و(عصمْ) أصلها عصماً، ووقف الشاعرعلى الميم ساكناً، وهي لغة ربيعة، فإنهم يجيزون تسكين المنصوب المنون في الوقف . (10)

ومن الرمل:

يا أبا الاسود لمْ خليتني *** لهموم طارقات وذكر

على أنه سكن الميم من (لم) إجراء للوصل مجرى الوقف، و (لم) معناه لاجل أي شئ.. خليتني

ومن الوافر لحسان بن ثابت:

قالت سليمى اشترْ لنا سويقا

يعقب الأستربادي في (شرحه لشافية ابن الحاجب) على هذا الصدر: إن الشاعر سكن الراء، وهى عين الفعل (شرى)، وكان حقها الكسر، كأنه توهم أنها لام الفعل فسكن الامر رديا يا فتى، وهذه لغة رديئة، وإنما هو غلط . (11)

وهذا أبو العلاء المعري سكّن الحرف لغوياً لا نحوياً:

وقد يقالُ عثار الرجل ِ إن عثرت *** ولا يقالُ عثار الرَجْل ِ إن عثرا

فقد سكن معرينا الجيم في (الرَجُـل) مع انها في الأصل محرّكة، وما ذلك إلا ضرورة !

 

3 - تحريك الساكن:

وهبت الريح بمورٍ هبّا *** تترك ما أبقى الدبا سبسبّا

يورد الرضي في شرح شافيته " والاستشهاد بهذه الابيات في قوله (جدبا والقصبا والتهبا واخصبا وسبسبا) حيث ضعف اواخر ها للوقف ثم حركها ضرورة " (12)

ويقول زياد بن الأعجم محتجاً على رجل من بني عنزه قد سبّه، والشاعر المسكين لم يضربه، وراجزاً:

عَجِبْتُ وَالدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ *** مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ

البيت من شواهد سيبويه، والاستشهاد به في قوله (لم اضربه) حيث نقل حركة الهاء الى الباء ليكون ابين لها في الوقف، وذلك من قبيل ان الهاء الساكنة خفية، فإذا وقف عليها بالسكون وقبلها ساكن كان ذلك اخفى لها، قال أبو سعيد السيرافى: (انما اختاروا تحريك ما قبل الهاء في الوقف إذا كان ساكنا لانهم إذا وقفوا اسكنوا الهاء وما قبلها ساكن فيجتمع ساكنان والهاء خفية ولا تبين إذا كانت ساكنة وقبلها حرف ساكن فحركوا ما قبلها بالقاء حركتها على ما قبلها وبعضهم - وهم بنو عدى - لما اجتمع الساكنان في الوقف وارادوا ان يحركوا ما قبل الهاء لبيان الهاء حركه بالكسر كما يكسر الحرف الاول لاجتماع الساكنين في نحو قولنا: لم يقم الرجل (13)

نرجع، إذن (لمْ أضربُهْ)، من المفترض الباء ساكنة، لأن الفعل المضارع مجزوم بـ (لم)، ولكن أعطيت حركة الهاء، وهي الضمة، وسكنت الهاء،فالعرب تقف على ساكن، ولو سكنت الهاء، والباء قبلها ساكنة، لأُبتلِعَت الهاء، لأنها حرف خفي !!

وإليك هذا البيت من البسيط، وقد حرّك الشاعر لام (حلـْم)الساكنة، فصيّرها (حلـُم):

تباً لطالب دنياً لا بقاء َ لها *** كأنما هيَ في تصريفها حُـلُـمُ

وقد يُحرّك ساكن في الروي، إذ يتم بمجيء فعل مضارع مجزوم، فيحرّك بالكسرة ضرورة بدلاً من السكون، والكسرة أقرب الحركات إلى السكون، كما في صدر مطلع معلقة زهير بن أبي سلمى:

أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَـمْ (تَكَـلَّمِ) *** بِـحَوْمانَة الـدَّرَّاجِ فَالْـمُتَثَلَّـم

أو أن يكون الفعل أساساً ساكن كفعل الأمر، فيحول الشاعر السكون إلى الكسر وهذا أحمد شوقي في قصيدة نهج البردة يقول:

وقيل: كلُّ نبيٍّ عند رتبتهِ *** ويا محمدُ هذا العرشُ فاستلمِ

وإذا ألتقى الساكنان، أينما كان موقعهما، تتحول إحدى حركتي السكون،وغالباً الأولى إلى حركة الكسر، وهذا كثير في الشعر، وخاصة عندما تأتي تاء التأنيث الساكن، أو فعل مضارع مجزوم قبل اسم معرّف بالألف واللام، يقول الجواهري:

أريدُ أكفاً موجعاتٍ خفيفة ً*** عليها - متى ما (شاءتِ) - اللطماتُ

كما ترى حركة تاء (شاءتِ) الكسر، وحقها السكون، لأنها تاء التأنيث الساكنة، ولكن جاءت بعدها كلمة (اللطمات)، المعرفة بالألف واللام، ألف الوصل لا تنطق، اللام ساكنة، فيلتقي الساكنان، فتحولت حركة سكون التاء إلى الكسرة .

و قد تحرّك ميم الجماعة الساكنة (همْ) بالضم أو الكسر، حسب الحركة التي قبلها - ولا يجوز أن تأتي الفتحة - وتشبع الحركتان، كقول الفرزدق في مدح الإمام السجّاد، وقد ضمَّ ميم الجمع في (كلّهُمُ)، وأشبع الضم، لتشكيل تفعيلة (فعِلن)، فالبحر من البسيط:

هذا ابن خير عباد الله (كلّهُمُ)***هذا التقي النقي الطاهر العلمُ

والمتنبي في رثاء جدّته، يكسر ميم(لأنفهمِ)، ويشبع الكسرة، لتتشكل التفعيلة (مفاعيلن)، فالقصيدة من الطويل:

لئن لذ ّ يوم الشامتين بيومها *** فقد ولدت مني لأنفهـِم ِ رغما

 

4 - تخفيف الحرف المشدًد:

أمثلة على تخفيف الحرف المشدد، قول الشاعر من المتقارب:

فقالوا القصاصُ وكان (التقاصُ) *** حقـّاً وعدلاً على المسلمينا

فقالُل قصاصُ وكانتْ تقاصو ** حقـْقن وعدلن علَلْ مسْ لميْنا

فعولن فعولُ فعولن فعولن *** عولن فعولن فعولن فعولن

فقد خففت الصاد المشدّدة، وأصل الكلمة (التّقاصّ ُ)، فالصاد مشدّدة تعني حرفين، أولهما صاد ساكنة، وثانيهما صاد محرّكة، وإذا التفتت إلى الحرف الذي يسبق الصاد الساكنة، تجده ألف ال(فعولُ) و(عولن) من جوازات المتقارب،أين الشاهد، ولماذا قطّعت البيت ؟! الشاهد كلمة (التقاصُ)، مد الساكن، ولا يجوز في حشو الشعر وأعاريضه - عدا القوافي، إذ مرّت علينا القافية المقيدة المردفة - التقاء ساكنين مطلقاُ إلاّ في حالتين فقط، نهاية أعاريض البحر المتقارب، ومجزوء الكامل، ففي حالة البيت السابق الذي قطّعناه، يمكن لـ (تقاصو) أن تسكن الصاد، فتصبح (تقاصْ - فعولْ - //ه ه)، وإذا لم يخفف الحرف المشدد في نهاية العروض، يجب أن ينقل الحرف المحرك من الشدّة إلى عجز البيت .علل الجوهري قائلاً: " كأنه نوى الوقوف على الجزء وإلا فالجمع بين ساكنين لم يسمع به في حشو بيت ." (14)، ويعقب ابن رشيق صاحب (العمدة): "إلا أن سيبويه قد أنشد:

كأنه بعد كلال الزاجر *** و(مسْحه) مر عقاب كاسر

بإسكان الحاء وإدغامها في الهاء والسين قبلها ساكنة." (15) وقد خفّف المرقِش الأصغر شدّة حرف اللام في كلمة (ضالّة)، وأحال الكلمة إلى (ضالَة) في البيت الآتي:

رمتْكَ ابنةُ البكري عن فرْع ضالَةٍ *** وهنَّ بنا خوصٌ يخلْنَ نعائما

وكثيراً ما يستشهد المفسرون ببيت امرئ القيس (من المتقارب)، في موضوع القسم قائلاً:

فلا وأبيكِ ابْنَةَ العامريِّ *** لا يدَّعيْ القومُ أنِّي أَفِرْ

ونحن نستشهد به في موضوعنا، ولكن للتخفيف في القواقي، فكلمة (أفِرْ) أصلها (أَفِرّ) لكنه خفف الشاعر للضرورة.، ويكثر تخفيف الحرف المشدّد في روي القوافي، وهذا بيت آخر لامرئ القيس نفسه:

يُعل ّ به بردُ أنيابها *** إذا النجم وسط السماء استقلْ

فقد خفف شدّة روي الفعل (استقلَّ) إلى (استقلْ).

 

5 - تشديد الحرف المخفف:

يذكر رضي الدين الأستراباذي في (شرحه لشافية ابن الحاجب): " فإنه من المشهور أن من جملة المعدود في الضرورات تشديد المخفف، وأصله الوقف، ثم للشاعر أن يجرى الوصل محرى الوقف، بل غير سيبويه لا يجيز التشديد في المنصوب إلا في الشعر..." (16)، ويورد هذا الرضي هذه الأبيات التالية من الرجز لرؤبة بن العجاج - وينسبها ابن عصفور إلى ربيعة بن صبيح، والصحيح للرؤبة، موجودة في ملحقات ديوانه:

إني لأرجـــو أن أرى جدَبّا

في عامكم ذا بعد ما أخصبّا

إذا الدبا فـــوق المتون دبّـا

وهبّـــت الريح بمــــور هبّا

تترك مـــا أبقى الدبا سبسبّا

أو كالحريق وافق القصـــبّا

والتبن والحلفـــاء فالتهبّـــا

وجدبا أصله جدبا بإسكان الدال، وإنما حركها لالتقاء الساكنين حين شدد الباء، وإنما حركها بالفتح لأنها أقرب الحركات إليه وقال ابن عصفورفي كتاب(الضرائر): " ومنها تضعيف الاخر في الوصل إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبيح (من الرجز)

تترك ما أبقى الدبا سبسبّا * الأبيات فشدد آخر سبسبّا والقصبّا والتهبًا في الوصل ضرورة، وكأنه شدد وهو ينوى الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالألف فاجتمع له ساكنان فحرك الباء وأبقى التضعيف،لأنه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجري الوصل مجرى الوقف.(17) وكما مرَّ عليك أبيات رؤبة من مشطور الرجز،(مستفعلن مستفعلن مستفعلن)، وجوازات تفعيلة (مستفعلن الرجزية، وفي المشطور كما مرّ علينا الضرب هو العروض نفسها، وفي الأبيات المذكورة الضرب إما (فعولن) في معظم الأبيات، أو (مفعولن)، وفي كلتا الحالتين القافية فيها متواترة (ه/ه)، فالباء يجب أن تكون مشدّدة، ومن هنا يلجأ الشاعر لضرورة تشديد الحرف أو تثقيله . وإليك أمثلة أخرى:

و قائلةٍ والدمّ ُيصبغُ دمعها *** رويدكَ يابنَ الست عشرة كم تسري؟

 

فكلمة (الدَّمّ ُ) مشددة الميم لضرورة الشعر، والأصل(الدَّمُ)، ميمها غير مشدّدة. والبيت الآتي أيضاً (دمّه) مشدّدا:

أهان دمّك فرغا بعد عزته *** ياعمرو بغيك إصرار على الحسد

 

............................

(1) (الخصائص): أبو الفتح عثمان بن جني - تحقيق محمد علي النجار - ج 1 -() عالم الكتب - بيروت .

(2) م . ن . ()

(3) (خزانة الأدب): عبد القادر البغدادي --() الوراق - الموسوعة الشاملة .

وراجع (مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة): الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة -) الناشر: موقع الجامعة على الإنترنت .

http://www.iu.edu.sa/Magazine

(4) (نشأة النحو العربي ...): كريم مرزة الاسدي - () - دار الحصاد - 2003 م - دمشق .

(5) م . ن . ()

(6) ابن يعيش: (شرح المفصل)ج 3- () الطباعة المنبرية - مصر - مكتبة المتنبي - القاهرة . زججتها: طعنتها، القلوص: الناقة الشابة .

(7) راجع: شرح ابن عقيل ج2 ()، (نشأة النحو ...) ()، م. س .

(8) (النشر: ())، (الإتحاف: () )، موقع جمهرة العلوم .

تسكين المعرب من الأفعال والأسماء في الوصل في القراءات السبعية

http://www.jamharah.net/showthread.php?t=15575

(9) (باب الضرورات الشعرية): لقاء مع الشيخ اللغوي عبد الرحمن بن عوف كوني () - بشبكة الإمام الآجريّ . او منتديات كل السلفيين

(10) (شرح شافية ابن الحاجب): رضي الدين الاستربادي - () عن دار الكتب العلمية - بيروت .

(11) م . ن . ()

- م . ن . () (12)

(13) م. ن . ()

(14) (العمدة في محاسن الشعر وآدابه): ابن رشيق القيرواني -() - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(15) م. ن. ()

(16) (شرح شافية ابن الحاجب): رضي الدين الأستراباذي - ج 4 -()

- موقع الشيعة .

(17) راجع م. س . ()

 

نص حنجرة بطعم الشمس .. شعرية الحمولة النفسية عند تقاطعات بصرية ـــ سمعية

ahmad alshekhawiلا شك في أن التجربة الشعرية للمبدع الريادي شينوار إبراهيم ـــ عموما ــــ تكتسحها اتجاهات الحجاج الهادئ كـــوبر للتيارات النفسية الغاضبة في إدانتها للحاكم الفاشل المستبد والمحرك الأول لدمى راهن التناقضات والفوضى و الدموية و الزيف.

شعرية عالمية منفتحة و متفرّدة تقترح القصائد وتقدّمها للمتلقي على أنها مجموعة وحزمة عوالم لا متناهية تتداخل وتتكامل لتستنطق المكنون وتفضحه وترسم آفاقا على قدر الكامن في الذات من أصوات غاضبة متمردة على الظرفية بمنأى عن الأحقاد العرقية أو الإيديولوجية أو العقدية.

شعرية راقية تتخطى لغة اللوحة وشتى خطابات ألوان الحلّة القزحية الصامتة كوجبة جمالية للعين والروح على حدّ سواء، تجتاز كل ذلك لتلامس بل وتُغرق في فضاءات رمزية كما ينسجها ويؤثث لها الصوت الداخلي الصاعق والمنحاز إلى صفوف خدمة الهمّ الإنساني والتّرسيخ لمنظومة قيمية على رأسها الحرية وحق المواطنة والكرامة.

والمادة التي نحن بصدد مقاربة نسبية لها، تؤكد الطرح السابق وتدعمه وتتناغم مع نظريتنا المروجة لخصوصية شاعرنا وتميّزه بتعبيرية لا تكتفي بإشباع فني يطال الجوارح بل تتعداه إلى يثير مكامن الصمت في ذهنية المتلقي ليحرضها على محاكاة الصوت الوجداني الداخلي للذات الشاعرة والتجاوب معه انتصارا للحالة الإنسانية انتهاء.

حنجرة بطعم الشمس

هكذا نجد ثيمة ( بصري ــ سمعي ) تسطع كعنونة لتنثر درر الرؤى الإستشرافية عبر جسد النص كاملا وتتيح إمكانات تنوع إيقاعاته وفق ما يبرز بعض قناعات ذات إبداعية تضع الحرية سلم الأولويات المساهمة في تشخيص الظاهرة ومن ثم معالجتها.

حنجرة الحرية

تخترق جدران الصمت

أيها الحكام...

تسير نحو الشمس

تحطم دروب الليل...

وتصافح الريح الأقدام

لربيع استيقظ

من نوم ثقيل...

أنتم

تزحفون بعرباتكم

مجلجلة بالموت

لإطفاء الصوت القادم

صوت...

يدون للحياة اسمها...

من ذات تلبسها هواجس الحرية وباقة حقوقية يفتقدها المواطن العربي ويتوهج حنينه إلى استشعار نكهتها حتى في منامه .

ومن نقاط معينة لكنها خفية، كأنها فوهة بركان يغلي ما يلبث أن ينفجر .

و من أول نواة للحمولة النفسية وعن وعي تام بقوانين ودساتير لعبة قذرة لواقع سياسي يستعبد سدنته . من كهذه بؤر يتعالى الصوت المعارض الساخط ليُمسرح عملية شجب الممارسات النفعية والقمعية والفرعونية للحاكم تجاه رعيته.

لحظة كابوسية يعيشها المواطن المقهور المأزوم وهو يعاين موجات أشكال العبث بحقوقه وبأحلامه المشروعة و العصف بمصيره.

وإذن... ليس كالحرية صوتا يدخل في تشكيل خطاب ساخر لاذع قد تُرتجى جدواه من خصّ طينة حكام النكسة والهزيمة به، واستشراف ملامح ربيعية ممهّدة لولادة ثانية تحترم إنسانيتنا بعد كل هذا الدمار والخريفية والأنانية السياسية ومشاهد الدم والموت.

تجرجرون

وراءكم سحابا

أسود...

يرمي بالعدم سحنة الوجود

يمزّق قلبا

ينزف كالمطر

في أزقة الوطن

ألا تسمعون

نظرات طفل

تلتهب نارا...

وتستنجد سماء الفردوس الغاضبة

لتفتح آذانكم

بصرخة

أبت أن تنام

بين دوامات

خريفكم هذا...

يستأنف شاعرنا حجاجه للحاكم الجلف المتسبب بجنائزية الظرفية ورمادية ملابساتها واقتفاء أثر نرجسية مقيتة غير مقبولة بتاتا تمنح مؤسسات الدولة امتيازات ومكاسب ومناصب على حساب الهوية والانتماء وإنسانية المواطن.

ببوحه الأثيري يمطر هذه الطينة المماطلة في اغتصاب الطفولة و في التعتيم على نوافذ الوعي الرامي إلى تعرية الخور والعبث السياسي المستشري كالسرطان في عروق الوطن وإذلال أهله.

هذه الطينة المتكالبة و المتغوّلة ــ فقط ـــ على حياتية وإنسانية من تسوس.

بالتالي نحن إزاء حنجرة لا تقمع الصوت الداخلي الغاضب.حنجرة تتسامى على رسميات أدب الترف، لتعرب بكل مصداقية وفصاحة وحس وطني وإنساني، عن حمولة نفسية طاغية ملحّة على مغادرة مستويات الصمت ومستعصية على الكبت، بريشة المتمكن من لغته وأدواته، تبصم اللحظة بشعرية باذخة من إيحاءات تقاطع المكون البصري مع السمعي، والعكس بالعكس، تماما كأي ممارسة إبداعية ملتزمة ونزيهة في مراهنتها على جلد الآخر كطاغية، كالمستشفّ هنا من ماهية وظلال نص(حنجرة بطعم الشمس)

 

أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي

لورنس ورحلة الحاج لبونيان / بيتير بريستون

saleh alrazukلم يحب لورنس رواية "رحلة الحاج" لبونيان1. وفي ١٧ شباط من عام ١٩١٦، كتب رسالة مطولة إلى كاترين مانسفيلد وجون ميديلتون موري، ناقش فيها دستويفسكي، وكان موري خلالها يكتب دراسة نقدية. ووصل لورنس إلى النتيجة التالية:

هذه حكايات خرافية مدهشة، إنها روايات، ولكنها فن مزيف. إنها مجرد خرافات فقط. أنت تفهم منها أن كل الناس ملائكة وقعت بالخطأ- وهم نفايات قذرة. وهذا لا أستطيع أن أهضمه. الناس ليسوا ملائكة لوثوا أنفسهم بالأخطاء، إنهم مجرد أشخاص. ولكن دستويفسكي يوظفهم كوحدات ومعايير دينية وأخلاقية، إنهم مقياس للألوهيات، مثل " اليسوعـ [ـي] " زراع يتقدم ليزرع"، أما رحلة الحاج لبونيان فن رديء، وحقيقة مزيفة".

كان على لورنس، عند نقطة خلافية من النقاش حول دستويفسكي، أن ينعطف ليتكلم عن بونيان لأغراض المقارنة وهذا وحده موضوع يلفت الانتباه. برأيه بونيان بطل عظيم لديه اتجاه ديني إصلاحي ومستقل. ومع أنه من الصعب أن تصنفه في عداد طائفة بالمصطلحات الحديثة، فقد جاء من بين صفوف الحركة البيوريتانية واعتبر نفسه ممثلا للفقراء والمساكين ضد الأثرياء والأقوياء. وقد كتب أشهر كتبه في سجن بيدفورد.  

تتابع رحلة الحاج، كما أوضح سبورجيون، لتكون عملا يتمتع تقريبا بوضع قانوني وشرعي بين المسيحيين الإصلاحيين، كعمل تخييلي له صيغة ثقافة دينية تهيمن عليها شبهات إيديولوجيا الخيال الروائي. وعليك أن تتوقع من لورنس احترام بروتستانتية بونيان وعزمه على متابعة مشروعه الأدبي بالرغم من العوائق. ولكن الصعوبة التي واجهها في بونيان كان مصدرها "عقدة تثبيت الغيبوبة والاستغراق" التي تهيمن على رحلة الحاج، وفيها لكل شخصية وموقف دلالة أو معنى دقيق، أو رموزي، تدعمه مرجعيات هامشية لاستيعاب وهضم النصوص الإنجيلية.

إنه على الرغم من استغراق لورنس في الإنجيل كان غريزيا ضد تلك الممارسات، على مستوى الكتابة وبنية النص المادية، وبرأيه، إن تحميل الشخصيات والمشاهد والفقرات لرموز لها معنى إشارة للـ " معنى"، تنتهك الإمكانية التخييلية للكتاب المقدس ولحكايته وتخونها. ولا تترك مجالا أمام القراء لتحريك وتجريب قدراتهم التخيلية الخاصة، والنظر إلى نص الإنجيل كنقطة بداية وانطلاق وليس كهدف يجب الوصول إليه.

وبمصطلحات هارولد بلوم، يستسلم بونيان للكتاب المقدس باعتبار أنه تمهيد قوي يحرضه ذهنيا، بينما يواصل لورنس صراعه معه.

(وربما يجب على القارئ أن يتوقف هنا قليلا ليفكر بما يبدو أن لورنس لم يكتشفه في بونيان، والذي على الأرجح كان له دور مؤثر في أعماله - ولا سيما حالة "رحلة الحاج" كنموذج يدل على النص البنائي والنفسي الذي تميزت به معظم روايات القرن التاسع عشر. إن الموضوعة المستمرة في الرحلة، والتي تجد مصدرها جزئيا في روايات البيكاريسك، تميل لحالة دنيوية غايتها البحث والطلب وهدفها أورشليم الجديدة التي تجتذب الفرد الناضج الذي حقق نفسه، والذي يرتحل إليها بغاية إنجاز - ذاته بالرغم من سلسلة المخاطر على الطريق، إلى جانب المغويات والخيارات المفتوحة.

مثل هذا الأسلوب يميز أحداث وتفاصيل جين إير (١٨٤٧) لشارلوت برونتي والطاحونة على نهر فلوس (١٨٦١) لجورج إليوت وهما رواياتان بدأ لورنس بالإعجاب بهما ولكنه كان يشك بهما أيضا. إن رحلته تنطلق باتجاه مدينة مقدسة مختلفة وفي النهاية يصل إلى هدف مختلف فعلا. والأخوات برانغوين، وجيلبيرت نون، وألفينا هاوتون، وأهارون سيسون، في الرواية التي تحمل بوضوح شديد آثار وعلامات بنية مماثلة لرواية بونيان، كل هذه الشخصيات، مثل كريستيان، تنطلق برحلات تقوم بها الروح، وترتحل في مشاهد ومناظر هي تفسير حي وبليغ للعالم المعاصر - إن واقعية بونيان ذات مواصفات مختلفة يتصف بها عمله وبها لا يحوز لورنس على تقدير مناسب، وإنما على قدر يسير من الانتباه كما يبدو).

وفي النهاية، بالنسبة للورنس إن مشكلة بونيان هي المشكلة التي تعاني منها كل الأعمال الأدبية التي تستعمل المجاز: الحساسية التي تسبق الخلق والحساسية التي تلقي بشخصيات وظروف أو حالات بونيان في الوجود ومعها المعاني المسبقة والمحددة سلفا. كتب لورنس في القيامة يقول:"كرهت المجاز حتى وأنا في مرحلة الطفولة، كرهت أن يكون للناس أسماء لها صفات مجردة... الإنسان هو أعمق من أن يكون كريستيان.. وأن يكون الناس مجرد شخصنة لبعض الخصال يعني بنظري أن يتوقفوا عن أن يكونوا أناسا". ومثل خالقهم إن شخصيات بونيان، بمصطلحات سبورجيون، هم إنجيليون. وكنصيحة لرجل دين، يحذر سبورجيون من قراءة كتب كثيرة العدد، ويدافع عن قراءة الكتاب المقدس فقط، فالإنسان الذي " يكون الكتاب المقدس بمتناول يده ورأس أنملته على الورقة ليقلبها، وفي نفس الوقت يكون الإنجيل في داخل قلبه، هو بطل في إسرائيل"، هو " بطل مقلق ومخيف". وفي مقالة كتبها قبل عشرين عاما، يربط توم بولين قصيدة لورنس " أزهار البابونج والحناء" مع "أسلوب شاهد يعرفه كل من يصغي إلى واعظ في الشارع أو أنه يحضر الصلاة في كنيسة إفانجيلية".

إن تصوير القصيدة لفكرة الإكسودوس تبدو كما يراها لورنس شيئا " ينطلق بشكل طبيعي من إرثه البروتستانتي البيوريتاني " ويضمّن عدة أمثلة من رواية باميلا لريتشاردسون وصلاة جماعية من الدكتور إيان بيزلي.

في النهاية، يقول بولين، إن قصيدة لورنس هي دراسة في الإغواء والمخاطر والجاذبية.. عن استسلام الذاتية الشخصانية لحركة الجموع العريضة". وبذلك النشاط للذاتانية البيوريتانية القاسية كان بمقدور لورنس أن يقاوم الإغراء. وهذا لا يتضمن، على أية حال، أنه تم استيعابه كله في مصطلحات تلك التقاليد المتزمتة. فكلمات الاختلاف والإصلاح والاستقلال هي الكلمات التي يمكننا بسهولة أن نجد لها تطبيقات في أعمال لورنس.

ثم إن تلك الهيمنة، والغمر بالكتاب المقدس، والتشرب حتى يصل إلى الضمير ليصبح مصدرا للمفردات والصور والإيقاعات، قد رافقه تفسير عدائي نشيط يعمل على الوعاظ ومعلمي مدارس يوم الأحد، إنها أفعال ونشاطات يجب مقاومتها:"ليس الإنجيل وحده الذي دخل إلى الوعي، وكأنه بصمات أقدام لا تحصى تطرق على السطح بصلابة وعزم وتصميم، ولكن بصمات الأقدام كانت متشابهة ميكانيكيا، فالتفسير متكرر، ولا يوجد تشويق يدعو إلى الاهتمام".

ومع ذلك إن اهتمام ولهفة لورنس لم تذهب تماما. لقد ترعرع وعاش بين شعب أهل الكتاب، وذلك الكتاب شكل طبقة عميقة في وعيه. ومقاومته الدائمة والواعية للتأثير القمعي بالإمكانية وليس الفعل. والمعاني المتكررة قد أكدت أنها مثمرة على نحو واضح في نصوصه، كما بين لنا تيري رايت. والشريحة الإنجيلية، قد تعمقت فيه، ولكنها تركت فضاء لمفردات غيرها - لخطاب من نوع مختلف- فازدهر خياله وتغذى على غذاء آخر. ربما إن جزءا من دماء لورنس إنجيلية، ولكنها لم تكن تهدر في أعماقه بحرفية الإنجيل وبنصه.

1جون بونيان: كاتب بريطاني من القرن السابع عشر. وظهر الجزء الأول من أهم أعماله وهو (رحلة الحاج) عام 1678. وهي رواية ملحمية تقوم على تفاصيل حلم يبدأ برحلة من مدينة الخراب إلى السماء. ويواجه بطل الرواية الصعاب قبل أن يصل إلى بوابة السماء.

*معاون مدير مركز بحوث لورنس في جامعة نوتنغهام. والمقالة جزء من محاضرة حصل المترجم على نسخة منها من المؤلف قبل وفاته.

 

ترجمة: صالح الرزوق

يحيى السماوي وعزلة الأوفياء

akeel alabodلست مبالغا، صرت احمل دموع الوطن عبر بكاء القصيدة، ودموع القصيدة عبر بكاء الوطن.

قرأتها للوهلة الاولى عزلة السماوي، لكنني في الوهلة الثانية، أيقنت ان الشعراء همومهم، اي مساحتها، تكاد ان تكون بقدر هموم هذا الشعب، الذي ألم به الالم، وضج به الحزن، وطاف في أرجائه الموت، حيث مع الصبر طويلا، ارهقه العناء، ليبقى هكذا أنشودة تستجلي أيقونة الكبرياء.

هنا لأجل اهاتها واستغاثاتها؛ دموع دجلة والفرات خارطة في حضرتها يصلي الشعر، ومن انهارها وخصبها يغترف الشعراء، ينصتون عبر منابرهم الى بكاءات المعذبين فيها، وراياتهم، تلك التي ما زالت اكفهم تحملها، لاجل مستقبل الفقراء والمتعبين.

هنا شاعرنا الذي نحتفي وإياه، كلماته في كل زمان كما هو ثائرة، لا يهمها قوانين الطغاة وجورهم.

يحيى السماوي لست بشاعر فقط، انما هو كما غيره من الأحرار، منارة جارت عليها احداث الزمان واتعبها الحنين.

قصيدة تزهو بطقوس غربتها المعفرة بتراب الثائرين، تتطلع الى مستقبل تستضاء به ظلمة الارض وتتغنى بها قوافل الطيبين.

تواريخ تحمل بين طيات اغترابها حضارة الوركاء وأور وسومر، تلك التي خان امانتها المتآمرون، بينما على اعقابها وقف إنسان تحشرجت في صوته دموعه عذابات السنين، ليصرخ مستنكرا هكذا، على شاكلة آهات بقعة من الزمان أغار عليها السلاطين؛ تمزقت اوصالها بفعل دسائس ممن لا يهمهم مصير هذا الإرث الذي بقي متحديا، رغم مؤامراتهم، يحمل بين أوجاعه جميع تفاصيل الامم.

هنا حيث يفترش كبار الشعر وصغاره موائد الاحتفاء، أقف انا مع صغار القوم، إكبارا وإجلالا، لكبارهم، احمل باقات ورد معطرة برسائل المحبين، لاقلد شاعر العراق وسام دجلة، وحضارة الرافدين، مستنكرا ما قام به أنفار الخسة والمنافقين، أولئك الذين لم يقدموا للعراق الا آفات الموت، وأعاصير الخراب.

وبهذا سأبقى أتطلع الى عزلة يحيى، عبر اغتراب الوطن، بينما محفل الشعر والشعراء يجمع بصمات التكريم الثاني ليكللها بالورد، هي خارطة العراق هدية معطرة، وقلادة محبه، تلك التي يدنسها اليوم ساسة البلاء، اقدمها وساما لمن يستحقها، لاحتفي مع الأوفياء والمخلصين بمهرجان الغربة هذا، اتقدم بها مع محفل المجتمعين جميعا في ساحة المثقف، متمنيا لشاعرنا السماوي دوام القصيدة.

 

عقيل العبود/ساندياكو

 

الوطن في قلب شاعرة .. قراءة نقدية في نص: "وطني" للاديبة السورية ميسون زيادة

abdulrazaq alghalibiتمهيد: ويسكن الوطن فينا اكثر ما نحن نسكن فيه، نتوجع حين يئن، ننزف حين يجرح،   وخناجر الطغاة مزروعة في خاصرته، تمزق فيه وهو يترنح وحيدا في قلوبنا نحن فقط حتي صار جرحا مستديما في الروح والقلب .. وفي مكان اخر يستمر المزاد لبيع اطرافه واعضائه انتفاعا، وهكذا صار الدم تجارة والموت علاجا حين جنح الوعي وامست الخيانة مهنة والعمالة شموخ وفخر وكبرياء .. انحسرت مفاهيم الاجداد وترنح العقال العربي حين تجددت اسواق الحريم وازدهر الوئد وبيع الاطفال من جديد فرحت الجهات الاربعة بهذا الخراب وشرعت ابوابها ليفر من يفر فوق بوصلة الزمن وتبعثر التاريخ وخرزات مسابح الراشدين فكان لكل عاتية حصة ولكل مكان ضحية ...

اختلط الزمان بالمكان حتى تطور الانتحار فينا ان يباع شعبنا العربي قطعان ماشية لارضاء المحتل من اخوية عربية تدفع ثمن الذبح والتهجير مقدما وهذا ضرب متطور من ضروب الانتحار وعودة حميدة لقابيل وهابيل .. مات العجب بالموت ومات الموت في العجب حين صار في كل باب مـأتم وفوق كل عقرب ساعة صلاة، كبر خنجر بروتس وصار سيفا، تطور طعنه وخلف سيوفا و خناجرا كثر تعمل فوق الظهور والخواصر بنشاط واخلاص، تتلقف صيدا لطفل هنا او شيخا او امرأة بريئة هناك، ترقى هذا الفعل الكترونيا وتكنولوجيا حتى اصبح مفخخات وقذائف هاون .. مبروك لنا هذا التطور.....وكم اغبياء نحن حين نحطم اوطاننا ونقتل اطفالنا ونرسم علامة النصر بأصابعنا فوق الانقاض ....

ازداد عدد الانهار في وطننا العربي فصار في بلد الرافدين ثالث من دم يسقى الباسقات والارامل و في سوريا اخر يسقى الايتام والثكالى موتا و بؤسا وحرمانا وتشردا وذلا.....هذا وطني في زمن التطور والتكنولوجيا .. ولكنه يبقى وطني في قلبي مسقط رأس ووسادة نوم، حليب طفل و رغيف خبز و مثوى جسد ... رغم انف الظلالة والعتمة..........

 

العناصر الجمالية في النص

انا لا امدح نفسي ابدا لصفة طبيعة ان تسود وصف لكل قاريء متذوق، منذ الصباح افتح نافذتي و اسرح في حدائق الله الالكترونية اتلقف هنا وهناك ازهارا ادبية من ادب رصين و اخر طاف في نهر الانحسار الادبي الذي هجر بحار الادب العربي واستعاض عن عظيمه بكلمة ونصف وفي هذا الخضم المزدحم لاح لي بريق نص "وطني" ساحر جذبني اليه قسرا احبانا من ربطة عنقي واخرى من تلابيبي....قرات صاغرا وسمعت صراخا صامتا وليس كلاما فاستقر بي الموقف ان اجلس وافهم....ادركت من هذا الصراخ ان تلك الشاعرة،امرأة قد انتهك وطنها وبيتها وهجرت كل شيء....رأيت في نصها شوارعا تنتشر فيها اشلاء الاطفال وجثث الابرياء...سمعت اصوات دوي مرعب هنا وهناك، استوقفني وادهشني لون حروفها الحمراء فادركت ان الاديب العاشق لوطنه يضع وطنه في الطرف الاغلى من قلمه وقلبه في الطرف الاسف ليكت بدمه حبرا....تألمت كثيرا وبكيت مع الاديبة الرائعة ميسون زيادة على وطن جميل مزقه الكذب والرياء و اذله المتخلفين و التخلف...

يرافق النص مزمار راع اسطوري يعزف بألم يوقظ الوجع القديم ويضاعف الجديد ويثير الاشجان وكل المسميات الانسانية الا ضمائر من باعوا اوطانهم...كتبت الشاعرة المبدعة ميسون زيادة،نصها بخلطة رائعة بين نظرية الفن للفن من ناحية الاسلوب ...فقد اختارت كلماتها بدقة متناهية وعفوية انثوية فائقة وصاغت جملها الشعرية بحرفنة ملفوفة بقرطاس المحسنات البديعية لرسم صور وتشخيصات وتشبيهات من خلال كنايات بلاغية تشبيهية اعطت تلك الصور سمة فنية و جمالية عالية المستوى، من اخرى حاصرها غيث الهموم في وطنها الجريح، احتمت تحت مظلة نظرية الفن للمجتمع وهذا هو مسلكها الاساسي المنشود في الكتابة فهو مجتمعها الممزق حتى تخيلتها بخيال ناقد ان تلك الشاعرة المبدعة من فرط حبها لوطنها تروم التأسيس لنظرية جديدة ربما في الفن الادبي قد تسميها (الفن للوطن) ولو حصل هذا فعلا فانا اول المؤيدين وذلك لنشوء ظاهرة بيع الشعوب والاوطان وانتشارها السريع والفائز بمقبولية عالية من قبل حكام العرب....

اما البناء الفني للقصيدة ينحصر بين الواقعية المتجه نحو ريادة عالية في الترميز مع لمسة سريالية خفيفة تظهر وتختفي احيانا في بداية جملها الشعرية واحيانا في نهاية تلك الجمل،ولكن الصفة الغالبة للنص هو نص رمزية بدرجة الامتياز.....اما الاسلوب قفد استخدمت الشاعرة ميسون زيادة اسلوبا سهلا ممتنعا بكلمات قصيرة ورؤية جمالية تجذب المتلقي لقراءة النص واتمامه حتى آخر كلمة لما يحوي من عناصر المفاجئة والجمال والتزويق اللفظي...اما الشكل العام للنص يعطي ميلا للقصيدة النثرية اكثر منه الى الترنيم في التفعيلة وعوض عن ذلك اثرت الاهتمام بالموسيقى الداخلية للنص وهذه سمة مهمة تمنح الشاعر فسحة وحرية كافية باقتفاء اثر المعنى بشكل اكثر من التفعيل والوزن..

دعونا نأخذ رحلة رائعة في حدائق الشاعرة السورية المبدعة ميسون زيادة الغناء من الباب الامامي لنتعرف عليها عن كثب :

 

أراك بغيوم الربيع

قوقعةٌ تسير حزينة

إما الحياة بعيدة

أو هما بعيدتان

حقيبةُ سفر

تعذر قلق الغياب

سفينة هاربة..

سفينتان

 

صورة مخملية رائعة هنا ترسمها الشاعرة ميسون زيادة يحرفنة واتقان وصراخ صامت بريشة فنان مبدع وخبير بالالوان والفرق بسيط انها استخدمت الكلمات بعبقرية بديلا عن الألوان وهذا ما يظهرها شاعرة متمكنة من ادواتها باستخدامها للنظريات الادبية بذكاء حين فرشت نظرية الفن للفن بساطا وفراشا لاسلوبها المتمكن او ربما قاعدة للوحة التي ستنثر عليها صورها باحساس مرهف......اعطت ابعادا مرمزة للوحتها بكنايات وتشبيهات ومحسنات بديعية رائعة و في هذا المقطع تنطلق الشاعرة مستذكرة زمن الربيع والسعادة حتى قبل حلول البلاء على هذا الوطن الجريح ....ترى الشاعرة الوطن يتحرك ببطء وبحزن كالقوقعة الحزينة وتلك كناية عن صفة التباطئء في السير من شدة الالام والجروح التي تعرض لها هذ الوطن السليب...ويستمر بكاء الشاعرة فوق حروفها وهي تظهر بين شهقاتها الياس من الحياة... حين حل الموت بديلا لتك الحياة التي اصبحت بعيدة عنها حتى امست تشردا وتشرذما وتهجيرا وحقيبة سفر.... يبرز في هذا المقطع خياران و تقفل الدائرة، اما بالموت او ركوب الهروب في مطايا السفر والخلاص....تثني الشاعرة قضبان رموزها قليلا لتعطي امتدادا لغيرها من ابناء جنسيتها وهي صورة في التعرض لتأخذ الحالة الشعرية بالتعميم بديلا للتخصيص وكذلك اقران حياتها بحياة وطنها فهما فيها حياتان وان اضفنا لهما طفلا ستكون ئلاث حيوات بقصد التعميم ...او تثني صيغة التفرد اشارة للوطن مرة و لطفلها اخرى، ربما الذي لم يولد بعد فتقول (بعيدتان , سفينتان) وهذه صفة غالبة على القصيدة عموما ترافقها حتى النهاية...

لا زلتَ في حلمي

شاطئ بحر صيفي

هادئٌ.. هادئٌ

ثم يثورُ برياح غربية

لا أدري لم البركان

خريفٌ تتساقط أوراقهُ

أعده ورقةً ورقة

وسنيَّ عمري سنةً ..سنة

تهرب صفراء بلا استئذان

مطر الشتاء يحفّزني للانطلاق

ثمّ الهدوء ... السكينة

 

يحمر وجه الشاعرة غضبا من شدة ما حصل فتمد يد ذاكرتها عميقا بوميض بعيد من الذاكرة، استدعاء لذكريات جميلة مؤسرة كثيرا لتعطيها كمية كبيرة من الذكريات السعيدة لتكافئ كمية القهر المقيمة على الابواب ولكي توازن بين الكفتين، الحالة النفسية التي يحتاجها الانسان لازالة الاصباغ الداكنة التي تعلق في الذاكرة من خلال خلق غزو جميل لها بذكريات جميلة وهذا الحالة تعمل ايضا باخلاص في منطقة العقل حبن يمر الانسان بحالات حزينة ومؤلمة لم يراها من قبل، فيتم هذا الاستدعاء ليحضر من غياهب الزمن الجميل الذي عاشه الانسان سلفا، فيحضر عندها ( شاطيء البحر بالصيف وبحر هاديء ... ) صورة رومانسية مغالى فيها كثيرا لتردم حفرة الحزن العميقة التي حفرتها الحرب في واقع شاعرتنا المهموم وهذا رسم شكسبيري للصور الشعرية يذكرني بنظرية المكافيء الحسي للأديب الانكليزي T.S.Eliot) ( حول الصراع الداخلي مع المحسوسات من احداث وكوارث في شخصيات شكسبيرفي مسرحه الشعري وكيف تعامل معها هذا الشاعر بعبقرية المكافيء ....وبنفس الطريقة تعاملت شاعرتنا العبقرية ميسون زيادة حين استدعت مكافئات كافية لحوادث سعيدة استطاعت ان تغطي كمية المحسوسات من حوادث حاضرة مفجعة لتخفف وطأة الالم والضغط النفسي على عقلها.......

تشير الشاعرة هنا وتصور مرة اخرى بانتقاله ذكية من الربيع نحو الخريف و انحسار الجمال وصور البحر التي تستبدل بالبركان الذي سيبدا بالثورة حتما حتى يتساقط الابرياء كتساقط اوراق الخريف الذابلة ...صورة متمكنة ترسم بدقة لاهوال الحرب وهي كناية بلاغية دقيقة للمقارنة بين ثوران البركان وقيام الحرب فكل منهما يخلق استدعاء للموت والدمار وكأن الشاعرة تقول بايقاعها الحزين، ان تلك المقارنة اخذت من عمر الشعب السوري والعراقي الكثير ومن سنوات العمر للذين نجوا وهم لايزالون مشروعا في طابور الموت دفاعا عن هذا الوطن وتخليصه من الظلم واعادة الهدوء والسكينة الى ربوعه من جديد.....

أتحد مع الأرض

تعود الدماء الجديدة

ربيعٌ يزهر..

في عينيّ زهرتان

أنت وأنا

غيمةُ أرنبٍ تحمل طفلاً

ببراءتك..

يشبهك وطني

أخشى أن يقفز.. يهرب

صخبٌ حولي..

وحياةٌ تمضي

لا أدري متى أكون لك

ومتى تكون لي؟

متى نعود لحناً واحداً

أغنيةً..

لروحين تملأان كيان

 

اظن،هنا، ان الشاعرة الرائعة ميسون زيادة تحلم وهي تخاطب جنيننا في احشائها او طفلا يصحبها لكونها هنا تشير باصبعها نحو (الاتحاد مع الارض) وهو رمز للنماء والتوالد والحيوات الجديدة في مخلوقات الله عموما والاطفال خصوصا والمستقبل وتشبه ذلك اي المولود بالزهر وعموميها زهرات في التكاثر المعمم باتجاه المستقبل..... وتؤكد ذلك الحلم مرة اخرى (بعبارة زهرتان انا وانت) و تميل نحو طبيعة الوطن المحطمة من غابات وحيوان ونباتات واطفال قد سحقت الحرب قدسيتها وبكارتها و برائتها ... وتحلم الشاعرة الخادرة في بحار الالم، بصور الاطفال والطبيعة ان تعود للوطن بعد انحسار هذه الهم الثقيل حينما تشيه الوطن بطفلها الذي ولد بريئا كبراءة الوطن .... تخاف عليه ان ينتهك من جديد من المشاكل المحيطة به والتي تحدث للاوطان المجاورة وهذا ما شارة اليه الشاعرة بعبارة( صخب حولي)

و تحتل نبرة الخوف حروفها وشخصها من اثر الفوبيا التي خلفتها الحرب في نفسية الشاعرة كرمز جمالي للحذر من عودة الحرب مرة اخرى لان عودتها ضياع لكل شيء كما ضاع الوطن والانسان سابقا...وتختم الشاعرة المبدعة صراخها وعويلها وبكائها المر على هذا الوطن بتساؤلها(متى تكون لي) وهنا تشير الى خوفها المستديم من ضياع وطنها وحلمها الملهوف بعودته مرة اخرى لتكون هي وهو وذاك الطفل لحنا واغنية واحدة يعزفها الزمن على قيثارة السلام والامان في وطنها العزيز.......

.رحلة امتعتني لكنها احزنتني بنفس الوقت لان تلك الشاعرة الانسانة المرهفة بالحس الوطني والانساني النقي، انها تكتب بقلبها وليس بقلمها وهناك حسرة ترافقها في كل حرف تكتبه...لا اخفيكم سرا، كنت اتحسر وتألم بألمها وحشرجة تقطع نفسي حين عشت معها القصيدة حرفا حرفا، مرارا تمنيت ان لا اقرأ تلك القصيدة لقدرة الشاعرة الكبيرة في تحميل حروفها معاني لا طاقة للحروف بحملها من احزان وآلام......وتحملتها حبا بالوطن والابداع الكبير لتلك المبدعة......سيدتي الشاعرة الكبيرة ميسون زيادة ....اعتذر لك كثيرا لو اني لم اصل قرار حرفك العميق لذلك افضل الاختباء من قدرتك الشعرية الهائلة خلف اعمدة الترميز ...عذرا ان لم ادرك مكنوناتك الداخلية ولم ادرك غمار بحارك العميقة، فان نصك اكبر من قدراتي النقدية......سيدتي انت رائعة......

 

وطني / ميسون زيادة

 

أراك بغيوم الربيع

قوقعةٌ تسير حزينة

إما الحياة بعيدة

أو هما بعيدتان

حقيبةُ سفر

تعذر قلق الغياب

سفينة هاربة..

سفينتان

لا زلتَ في حلمي

شاطئ بحر صيفي

هادئٌ.. هادئٌ

ثم يثورُ برياح غربية

لا أدري لم البركان

خريفٌ تتساقط أوراقهُ

أعده ورقةً ورقة

وسنيَّ عمري سنةً ..سنة

تهرب صفراء بلا استئذان

مطر الشتاء يحفّزني للانطلاق

ثمّ الهدوء ... السكينة

أتحد مع الأرض

تعود الدماء الجديدة

ربيعٌ يزهر..

في عينيّ زهرتان

أنت وأنا

غيمةُ أرنبٍ تحمل طفلاً

ببراءتك..

يشبهك وطني

أخشى أن يقفز.. يهرب

صخبٌ حولي..

وحياةٌ تمضي

لا أدري متى أكون لك

ومتى تكون لي؟

متى نعود لحناً واحداً

أغنيةً..

لروحين تملأان كيان