قراءات نقدية (أدب، مسرح ، فن)

قراءة في مجموعة الشاعر احمد نصرة: توضأت بنبيذ

samar mahfod1في تلك المنطقة غير القابلة للوصف والتحديد والتي هي بين حدين، حد منطقي وآخر غير منطقي يمكنك أن تتابع مجموعة  الشاعر السوري أحمد نصرة (توضأت بنبيذ)، رؤى متشظيه، سرد مكهرب لا يملك الصبر بل ولا يملك الصلة بالآخر ليتخطى الرسالة الخاصة ويطبع الكلمات بنزيف مستمر يتوالد جوهرها بالجملة، وتتحفز بالوقت ذاته إلى كسر الازدواج داخلها كواقع منجز بلا تجميل أو إطراء: (عندما يتشارك اثنان العمادة بالدم، بماء النهر الخالد، كيف لنبع الحياة أن لا ينبجس؟!) . تحية لحلم أو لنوع من حياة حيث أنه لا مكان لتوهمات مجانية يقول لك إحلم ولا تجدف بالحلم ولا تقفل أبواب ذاكرتك على الحلم الذي يليه : (أشتاقك، هل من سبب آخر كي أغدو أجمل؟). يضعك على خط الزوال كتيه مدمر إلى أقصى رغبة هناك ثمة شيء لا يدرك حقاً، لكن هناك ثمة ما يتبدل ربما هي الأصوات تتفكك، وحدها الفكرة باقية كشمس أزلية :  (وفي فلسفة المكان والزمان، كنت الحاضر الوحيد وكان التوق ثالثك!).

واضح هنا أن الكتابة تفاعل سيمائي لتحويل وهم الزمن إلى معنى بل أحيانا بطولة اللغة الحقيقية هي بجعل الوهم ممكنا .. أحياناً يبدو الاتجاه العام لدى جيلنا نحو الإنتاج غير الموضوعي، لكن في المنجز الإبداعي لا مجال لأحكام أخلاقية. والفن ذاته لا يمكنه أن يغدو تصنيفا، هو قطعة من الحياة، والحياة لا تحتمل القولبة. لغة ونسيج مترع بالروح لأن الشعرية وحدها قادرة على الاحتفاء بالوجد والوجع معاً عند أحمد نصرة كشمس مباغتة صعقت روح البرد لا تنفصل عنه بل تتكامل وتتواشج حتى تصير واقعا يعاند ويهادن كحامل نبوءة وقلق وفتنة يملّح بها الوقت ويقيم منارات الكلام، ربما لأن الكتابة وحدها القادرة على الاحتفاء به ومواكبة أحلامه وآماله . وكلماته الممتلئة بوطن جميل يشبه الروح النازفة بفاتحة وجع يؤنسن الحروف: (هو الخواء يحتلك إذ تفيض الروح، فتصير بحقيقة ظلالك وهماً مرَّ ذات حزن .. وانطفأ).

الأدب عموما سفر إلى مدن الكتابة بكل أسمائها وعناوينها في لقاء الزمان والمكان الذي يكون حاضراً بقوة في تماهي الروح والجسد بجعله وعياً محققاً يحمل خصوصيته التعبيرية، بلغة خاصة تشي بتلك العلاقة الحميمية  مابين النسبي والمطلق وبذات الإبداع يكشف زيف الثنائيات حينما يشير إلى أنها في الأصل واحد كمحصلة لتراكمات ثقافية ليست بصدد البحث عن أي نماذج، بل مشغول بما يحتويه: (توق صوفي للرقص، توق ومضة الفجر الأول للقاء سر الخلق، آن ينتفض الجسد على إيقاع شهقة الروح).

مع أحمد نصرة ثمة غواية كبرى تلوح على حافة الكلمات وتنسرب كسر يمنح نفسه ويمتنع في مدى خاضع للإنجذاب والحوار والتبادل المنقوص والإجابة المعلقة بمعنى أنه لا ينتظر جواباً ولا يؤمل راحة يستهلك بها الموضوع كلغة تنطق بصخبها الخاص من رموز وعلاقات تسعى لتشكيل موقف ما يرفع درجة التوتر. بالطبع لن نجد ما يمكن الركون إليه من عتبات في نصوص المجموعة ومع ذلك يعاود السؤال تلو السؤال وبمقتضى ذلك هناك طور أخر ضمن النص يعمق ذاته تجاوباً وإلهابا لحس الفجيعة ضاحكا بدموع طعمها المرار ولونها الحريق: (لست للفرح، مثلما أنا لست للحزن. للريح أسلمت قيادي وغنيت). يستخدم لغة بسيطة أبداً تعني ولا تعني تقصد ولا تشير، صور تشبهنا في حقيقتنا وتسخر من ذاتها وما يحيط بها من ذوات إن كنا نحن المقصودين فهو لم يألُ جهداً في هتك ما نحسه خافيا فإذا بنا عراة تحت الانهماك الصامت لما يريده من قصد بعيداً عن أي حراسة لغوية.

 أحمد نصرة في مجموعته الأولى (توضأت بنبيذ) ُيعَد بعداً فاصلا ودمجا ايجابياً لمشهده الشعري بكل طاقاته الإيحائية لتولد المجموعة على شكل فعل حياة .. لا أنكر أني وفي كثير من مفاصل الكتابة عن المجموعة، وقفت عاجزة عن إدارة أدوات الكتابة لديه، ومفهوم الأسئلة والحوارات الداخلية الخفية والمعلنة المطلقة نحو الآخر والقادرة على خلق الكثير من التداعيات الإبداعية المحرضة على الرغبة في اقتراف الكتابة بكامل تصميمه: (عتيق كسنديانة، جموح كجواد، رقيق كوردة، سخي كسحاب، متورط، تائه، كما الحياة! هو ايضا، موحش، كصفصافة في صحراء.) كأن قهراً واحداً لا يكفي فيأتي الإيقاع ليصعِّد المشهد .. وكأن ما في اللهفة لا يكفي ولا يبدو أنه يخط معادلات الروح أو مقولاتها على امتداد كتلتين فراغيتين من عناصر مختلفة قاسمها تداعيات الخيبة بتوالٍ غير منتهٍ: ..(كتيس جبلي انفلت من القطيع، عابرا ضباب الوقت، جائعا. أتعمشق بالقمتين .. تلقفيني!) خشية التصريح بالفجيعة والفراغ الذي يجتاح حواسنا مقياساً لحجم الخراب التصاعدي المذهل قسراً عن الروح وتواطؤ مع العدم ..

451-samarيقول أحمد نصرة عبر نصوصه: كل الأشياء حولنا باردة محايدة صادمة إلا المرارة وحدها المتأججة تجتاحنا بثقلها الشهي المسترسل كلعنات مستترة فوق وفود الأحلام هو الغثيان ربما .. وهو انعدام الوزن بالجملة وانكسار فجائعي لفصل التجربة الفردية حيث الروح تخرج من جسدها لتلاقي الاختناق المترصد قاب شهقتها وتلاقي الموت الذي يلوح ولا يأتي .. ونحن نعيش في مسلخ حضاري مملوئين بالخوف والخراب هل باستطاعة النبض أن يتجاوز اليباس، ..؟ هي الكلمة بمتانتها المزيفة والمعذبة كجسر للتواصل فيما بيننا لأن التفاعل هنا فطري معرفي حر ضمن صياغة تخيلية تبدأ من الشاعر وتتصل بالمتلقي كمشارك أساسي للمادة الإبداعية،حيث يتبدى المشهد الإبداعي لدى أحمد نصرة حقائق تشبه الواقع لكنها ليست صورته الأمينة في شكل من التشظي الأكثر قدرة على تجسيد الحلم الذي يحصن الداخل ويقدم شكلاً مختلفا للواقع كما يراه: (سألبس الضباب ذاكرة غرفتي حتى إذا ماضل المعنى، يهتدي) مادّاً جسور التواصل لتحويل الدوافع المتشكلة من جملة معارفه وانطباعاته إلى منظومة من الصور الحركية تمثل الصورة المتخيلة، في انسجام للمتناقضات التي تحّمل التداعي بفكرتها دون مخاتلة الوعي بل تكثفه من أجل منتج أكثر حيوية بمحاكاة الحلم الشامل بحيث تتاح للمتابع فرصة الاستمتاع بالحرية الداخلية لأنه يشكل شخوصها دون البحث عن حلول نهائية لمدلولاتها. والتي قد لا تكون متعددة فقط، بل متناقضة أيضا.ً وسواء أخذنا التناقض نحو القلق أو الرفض فإن البحث يبقى حافزاً يدفع بنا للاندماج مع ذاتنا بحيث لا يمكن تجسيد إبداع دون هم مشترك يخلق استعدادا للدخول إلى مناطق وعرة يمزج أحمد داخلها التأثيرات المتنوعة في وعي جمعي يتضافر مع مسارات الإبداع وضمن إيقاعات بثها بشكل يمتلك تقانات تعبير مختلفة): (يصطاد الجنون الوعي، يغدو حالته المتقدمة!) .

 مع مجموعة ( توضأت بنبيذ) لا يتبع أحمد نصرة قاعدة ثابتة ضمن مفهوم التعاطي السائد بل يشكّل مسارات خاصة لتحقيق صيغ أكثر انتماء للاشتباك المأزقي الإبداعي والذي يراكم لفكرة التفاعل مع متلقٍ يستطيع أن يتواصل وأن يدافع عن حقه في كسر المفاهيم الآلية، وأن يّعد روحه بحالة إبداعية تمتلك المصداقية في الأسلوب والتعبير حيث الاختلاف خيار مطروح رغم إشكاليته- دون الانشغال بالتغريب- خارج السرب بالمعنى الإنساني فقط لأن المدجّن هو الأكثرية وبالتالي الأكثرية تفرض المعيار والقوانين والنظام فتبدو معتدلة وعاقلة والحقيقة هنا بلاغية تعمل على ربط المتخيل مع الواقعي دون إهمال المهارة في التعامل مع التفرد الذي لا يقل شغفاً وحنيناً. وعليه يجب أن تحمل الحالة الكثير من الصبر والتبصر لتصير التجربة خلاقة ومفهومة بعيداً عن العزلة .. مما يحسب للمجموعة أنها تجربة مشحونة بالشجن لا ترفض الآخر بل تؤسس لإعادة إنتاج ينسجم مع تطلعاتها دون أحكام قيمة تتبدل بتبدل المواقف والأهداف التذوقية فيخسر المبدع فرصته للتعريف بمادة قد تكون مهمة وضرورية لرفد الإبداع. لأنه يعيد صياغة المعطيات بالتداعي وليس بإملاءات التوافق وربما الاختلاف أيضاً. وهي بالتأكيد فسحة حرية شاسعة تربط الفكرة بحاملاتها من أدوات إبداع داخل مجالات مدركة وغير محددة لتكتشف ذاتها في تنويعات لا تنهي .. وحيث أن لا معيار ثابتاً للإبداع والمعايير هنا هي مجموعة مضطربة ومتغيرة يستحيل أن يقيم فيها أيما إله تقليدي ..بل هي أدوات تعبير خاصة تمثل نزوحا نحو رقعة من التناغم الذي لا يبحث في الصيغ.حيث أن من يعمل في مجالات تنتمي لخلق ما، ليس عليه أن ينشغل بنظام العمل الإبداعي بل بتقنياته وله أن يترك النظريات للنقاد ويختار لونه بوحي السليقة ثم المعرفة. - هذا النوع من التداعي هو المجال الذي لا يتبع قاعدة معينة ترسم خطاً بيانياً للتطور الإبداعي بل يقدمه في النهاية كشكل من تطور إبداعي ضمن مفاهيمه المتنوعة وتراكم معارفه المختلفة، وخاصة ما يتعلق بالشكل من حيث هو تركيب أو إعادة تركيب المفردات والأشكال وتسليط الإضاءة عليها لتشكل تناسباً ما مع داخلنا وهواجسنا وأحلامنا المختلفة. - في هذا النوع من التعبير لا يمكن التعامل مع الحالة بشكل تفصيلي بل كمجمل تكوين لخلق الإدهاش على ناصية الشغف. والذي بني على هاجس لهفة الاكتشاف عبر تقاطعات متعددة عنوانها البحث عبر المخيلة كحالة تحتمل التطوير من خلال كسر المتوقع، لا لنية الهدم لكن للخروج من إنتاج ذات الظروف. وهنا نحتاج لكثير من الدقة في التعريف. وليس علينا أن نكون انتقائيين في تناولنا الوجداني داخل العبثية الظاهرية للنص المتشظي بكل مستوياته عند احمد نصرة - بحيث يترك مساحة متاحة للخيال كي يرتجل الفضاء المعنوي دون أن تتشابه محصلات مضامينه: (حارس الضباب أنا- وأنا الضباب اليسافر في أزمنة الجبل- جبل اللحظة المهاجرة أنا- وأنا المهاجر الغريب، كنافذة بوجهين، لاحتمال الحياة، أو الحياة..) .. هذا الأرق الإبداعي المتمثل في الحصر والإيجاز وشدة التأثير ووحدة النص العضوية ينتج ذائقته بكثير من العلاجات مما تقتضيه آنيات اللحظة الشعرية. من المؤكد أن هاجس النص النثري هو البحث عن الحساسية التي تحتاج الكثير من الرهافة بعيدا عن تحكم الذائقة العامة التي لها دور خطير في التعاطي مع النص أو التيار بتقبل انحيازي أو رفضي مترهل وبالتالي إهمال ظاهرة ابداعية مهمة تتشكل على المستوى الشعري الجمعي، في مواجهة التعميم الذي يلغي التجريب والذاتية وحيث أن من أولى السمات الأساسية لمعنى الحداثة هو الإغراق في الفردية، في مستوى موازٍ للغة وطبيعة التعاطي معها كفعل إبداعي للغة في تمام انتصاب عيونها حيث الأخلاقية هنا هي في البحث عن حقيقة ذاتنا، والتي هي جميلة كلها. وعلينا قبولها دون نكران أي جزء ودون أحكام مسبقة تحت مسميات مختلفة...نحن أجزاء من نظام الكون وأدوات إبداعه الثابتة.

أحمد نصرة في كثير من نصوص المجموعة كان يعتمد ما يدعى بالإبداع اللحظي بمعنى ما أن الفكرة تتوارد إلى مخيلته لحظة الكتابة، إذ يدرك أن المخيلة تفتح مغاليق الروح في لحظة يقينية مترعة باستحضار الممكن، والاستحالة أيضاً. ليفرض التشكيل الذهني ذاته. ويضعنا في مداراته داخل إحداثيات الذاكرة المطلقة التي تستغرقنا دون أن نتمكن من التحكم بتجاذباتها ولا بتناقضاتها المحتدمة أو الخفيفة، تلك المتوزعة فينا، في استلهام مجسد لقيم الإبداع الناتج عن انهيار التوازن الهش بين الجاهزية، وإعادة ترتيب الرؤى، بما تحمل من الق وانكسار يحمل أحمد نصرة هواجسنا وأحلامه، وكثيراً من الدهشة لخلق حالة مبدعة، تمتلك الكثير من الاندماج والتماهي بالمجازفة لتجسيد فكرة ما بكل تفاصيلها وأبعادها، ليس من باب الترف، بل الحنين لهواجس في طور الحياة، بعيداً عن معادلة الرفض والقبول، في تواصل دائب مع ساحة وعينا ولاوعينا بكل مكاشفاته ليؤسس لحالة إبداعية، متوفرة كمادة تتدفق أو تقل حسب اللحظات والظواهر التي تحيط به مع الاحتفاظ بنكهته الذاتية في طواف يتجلى باستنباط مدجج بأكثر من أفق مقدماً بذلك خامات نصية عديدة تنتج إبداعات متخيلة تارة ومأخوذة من الواقع تارة أخرى. وهذه خصوصية ضرورية، للمزاوجة بين التجريب والتحديث، لتقديم شكل متوازن ذي نسيج يقود ذائقتنا للتأمل، ويّعدنا لنكون جزءا من تشكيله ضمن التسلسل اللا منطقي في تكوين موضوعي خاص يدل على نضج التجربة والتي هي عبارة عن ناتج لتطور أسلوب التعبير بمختلف تنوعاته وصولاً لولادة صيغ مكثفة لها طابعها الخاص. وهي ذات غنى تصوري أو تخيلي يشبه المسرح الذهني في حوارية إبداع الأشكال ضمن مسارات الصورة المتخيلة قادرة على تجاوز مألوف المتلقي لتعطي أشكالاً مختلفة الأبعاد والدلالات، تدعم الموقف الخلاق من خلال تجربة مميزة تستحق المتابعة متجاوزة التزيين والتجميل. ضمن تداعيات المبدع وهواجسه المنظّمة والعشوائية. حتى آخر قطرة حية نابضة بالحياة الجديرة بالإطلاع. - لا أحد منا يمكنه الجزم بأنه يملك حق تأطير المتخيل الحلمي المتشكل من خلال الجملة، في حدود تجارب لم تتحول إلى تقليد بحيث نحار كيف نفسر ذهولنا المتروك في وضع حركي يمتلك قدرة حقيقية على إيجاد طاقة تشغل الحيز أو الفراغ الموجود نظرياً دون أبعاد في المفهوم العام على الأقل.

مع مجموعة (توضأت بنبيذ) باتجاه النموذج أكثر تجريباً وتعويلاً على فاعلية النص من ناحية كونه الشكل الذي سيكون محل التجربة،سعى أحمد نصرة باتجاه تبني فلسفته الخاصة، بحيث يخلص النص في بنائه لمجموعة العلاقات التي تحكم علاقة العناصر بأداء وظيفتها اللغوية على اعتبار ان الشعر مشروع فردي..يعني الجميع فضاء مفتوحا ومتشابكا يعبر عن شمولية الرؤى..بالطبع العلاقة الإبداعية ضمن المجموعة (موضوع البحث) ليست جدلية إذ لا تقوم على تناقض، إنما هي علاقة إبداعية استثنائية، تقوم على الحلم والانطلاق الذي يؤكد صفة الدهشة، ويمنح الإيقاع هدوءه، وهو بذلك يزيل فعل الوقت والإحساس بثقله من حيث أن الشعر يعيد إلى الحياة توازنها بوجه القبح من أول ابتسامة حتى أخر غيمة . وجع مولِّد للخفقة أو للأحلام هي الغصة والضحكة معاً والحقيقة المعبرة عن كل منا كجسر للتواصل بين الذاتي والعام، بأحوال عفوية الشاعرية .تكثف العالم أو تصوغه من جديد، لعل هذه هي ميزة الكتابة كحالة شعور طاغٍ،لا ليكشف العالم بل ليصوغه بلغته .. هنا بين الذات والموضوع يعبّر أحمد عن رغبة داخلية عميقة بالانعتاق ضمن السياقات التقنية التي تعيّن بحسب صيروتها ومجرياتها الشعرية. عن قصد وبترقب هادئ يورطنا أحمد نصرة بانشغالاته النثرية وعلى امتداد (72 ص من القطع المتوسط) هي المجال الحيوي لفضاءاته الشاسعة كعمل يستحق المتابعة بجدية .

 

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس (6): العلاقة بين الشخصيات داخل المتن الروائي

alhasan alkyriفي الواقع إذا ما تجاوزنا عملية الوظائف كما ظهرت عند فلادمير بروب، وجدنا غريماس يهتم بدراسة العلاقة بين الشخصيات في السرد. حيث نلاحظ أنها تتسم بالصراع. وقد اختزل هذه العلاقة في خطاطته المشهورة التي حدد فيها أنواع العوامل في السرد. ويدعى نموذج غريماس في التحليل بالنموذج العاملي schéma actantiel، الذي نمثل له كالتالي:

 (الذات / الموضوع).

(المرسل / المرسل إليه).

 (المعيق / المساعد).

  يقول غريماس في كتابه "عن المعنى": "إن الكلام عن موقع الشخصية داخل القصة يعني، بكلمة، الكلام عن شخص يعمل عملا ما. وبالتالي يتم النظر إلى هذا الشخص أو ذاك كوظيفة نحوية. فالفاعل النحوي على مستوى الجملة هو الذي يقوم بالفعل وهو ذاته الفاعل الفني على مستوى القصة"(1). وبناء على هذا القول، فالعوامل هي التي تصف وتصنف الشخصيات وفقا لما تفعل وهؤلاء العوامل يشاركون في 3 محاور دلالية هي:

1- محور الإبلاغ: ويتم بين المرسل والمرسل إليه.

2- محور الرغبة: ويتم بين الذات والموضوع.

3- محور الصراع: ويتم بين المساعد والمعارض.

   إن هذه المحاور تعبر عن الرغبة في حالة العلاقة بين الذات وموضوعها؛ ففي غياب موضوع مرغوب فيه لا مجال للحديث عن ذات أو رغبة؛ وعن الصراع في حالة العلاقة الرابطة بين المعيق والمساعد، فالرحلة التي لا تصادف ما يعيق استمرارها ولا من يساعدها على الوصول إلى الهدف لا يمكن أن تسمى رحلة؛ وعن التواصل في حالة العلاقة القائمة بين المرسل والمرسل إليه. و عليه فالتواصل ممكن لأن الرحلة تنطلق من رغبة لتصل إلى أهداف، وما بين الرغبة والأهداف هناك الدافع وهناك المستفيد.

  إن هذا النموذج بعلاقاته الثلاث يضعنا أمام العلاقات المشكلة لأي نشاط إنساني، كيفما كانت طبيعته، وبعبارة أخرى فإن هذا النموذج، بشكل من الأشكال، طريقة في تعريف الحياة ومنحها معنى.

 

1- الفئة العاملية ذات/ موضوع:

   تشكل الفئة العاملية ذات/ موضوع العمود الفقري داخل النموذج العاملي. إنها مصدر للفعل ونهاية له. مصدر للفعل لأنها تشكل في واقع الأمر نقطة الإرسال الأولى لمحفل يتوق إلى إلغاء حالة ما أو إثباتها أو خلق حالة جديدة. وتعد من جهة ثانية نهايته. لأن الحد الثاني داخل هذه الفئة يعتبر الحالة التي ستنتهي إليها الحكاية ويستقر عليها الفعل الصادر عن نقطة التوتر الأولى.

 

2- الفئة العاملية مرسل/ مرسل إليه:

  إن الزوج الثاني داخل النموذج العاملي، المحدد من خلال محور الإبلاغ يتكون من مرسل ومرسل إليه أي من باعث على الفعل ومن مستفيد منه. والأمر يتعلق بمحفلين لا يتحددان إلا من خلال موقعهما من حالتي البدء والنهاية كجزأين سرديين مؤطرين بمجموع التحولات المسجلة داخل النص السردي. وإذا كان هذا الزوج يتحدد من خلال علاقته بالذات لأنه هو الدافع على الفعل، وباعتبار الذات منفذة له، فإن هذه العلاقة رغم طابعها المباشر تتوسطها حلقة أخرى هي الرهان الأساس في أي إبلاغ: الموضوع. أي الموضوع باعتباره رحلة للبحث ومستودعا للقيم وغاية إبلاغية. ويمكن صياغة هذه العلاقة الثلاثية الرابطة بين المرسل والموضوع والذات على الشكل الآتي: يقوم المرسل بإلقاء موضوع للتداول وتقوم الذات بتبني هذا الموضوع والاقتناع به لتبدأ رحلة البحث وبعبارة أخرى نحن أمام مسار يقودنا من الإقناع إلى القبول، فإلى الفعل.

 

3- الفئة العاملية مساعد/ معيق

   إن الفئة الثالثة المكونة للنموذج العاملي تتكون من معيق ومساعد وهي فئة متضمنة داخل علاقة يحددها غريماس في مقولة الصراع. فوفق السير العادي لحكاية شعبية ما، فإن البطل يقوم برحلة البحث عن موضوع قيمة، وأثناء تلك الرحلة يصادف كائنات (أشخاص أو حيوانات أو عفاريت) تقوم بمساعدته للوصول إلى هدفه النهائي. وليس من العسير أن نجد مرادفا لهذه الصورة البسيطة في الحياة العادية لكل يوم، فداخل المجتمع هناك صورة للمعيق وأخرى للمساعد بدءا من حالة الطقس وانتهاء بالقوى الاجتماعية وضروب الصراع بين مكوناتها. وإذا كانت هذه الصورة المبسطة عنصرا أساسا في تكون الحكايات الشعبية، فإنها تبدو وبمظهر أكثر تعقيدا، في النصوص المعاصرة، ولهذا المظهر أثر كبير على طبيعة هذين المحفلين. كما أن له تأثيرا على نمط اشتغال موقع كل محفل على حدة. فمن الواضح أن المعيق لم يعد صورة خارجية معطاة بشكل ضمني أو صريح في العلاقات الاجتماعية فحسب، بل أصبح أيضا صورة داخلية، فقد يكون البطل من خلال مجموع الصور المرافقة لتشكله معيقا لنفسه. فإلى أي حد يصدق كل ما قلناها نظريا حول الشخصية الرواية، على شخصيات رواية "الحي اللاتيني" للدكتور سهيل إدريس؟. على أية حال، هذا ما سنحاول استكشافه بمساءلة الرواية فيما سيأتي من محاور داخل الفصل التطبيقي.

 

*كاتب و باحث في الترجمة و التواصل / المغرب.

..............

[1] Greimas, Algirdas Julien : Du sens: Essais sémiotiques, ed. Seuil, coll. Poétique, paris, 1970

 

قصيدتان في رثاء الحيوان (1-2)

khalidjawad shbayl"الى ذلك الشاب الملتاع الذي طوّح الإرهابُ بحماره: لقد أبكيتَني وكنتُ أحسَبُني عصيَّ الدمع!"

طالما تتلاشى المشاهد الدموية وتـنصل صورُها لتتجدد بعد حين بمشاهدَ أخرى .. وهكذا تستمر لعبة الدخان والدم من  دون أن تتوقف، إلا ذلك المشهد الذي بقي ينبض في الوجدان والذاكرة معا: كان الشاب يبكي بحرقة، ويذرف دموعاً حرّى، تتخللها صرخاتٌ موجعة تنبعث من أعماق الجوارح، ويخطر على ذهن الرائي، أن يكون قد فقد عزيزاً أو مُعيلا .. ويصدق النبأ حين يلوح في المشهد حمارٌ دامٍ فَتَك به الإرهاب وطوّح به جثةً هامدة، فقد فقَدَ الشابُ معيلَه!ِّ ولو قُدِّر لهذا الشاب أن يرثيَ حمارَه لبَزّ أبا النور السجستاني(1)، ذلك الشيخ النحيل الذي وقف على  رسم حمارِه يذرف الدموع مدرارا وينقر الدف مُنشِدا(من الطويل):

عزيزٌ علينا أن يغيّـبَك القبرُ*** وليس لنا إلاّ البكاءُ أو الصبرُ

تموت وما كحّلّـتَ عينيكَ بالمنى***وما نلتَ حُبّاً من أتانٍ هي البدرُ

أقولُ وفي نفسي الكسيرةِ كربةٌ***"كذا فليجلِ الخَطبُ وليفدَحِ الأمرُ"(2)

ولو صحَّ أن تُفدى فديتُـك طائعاً***وقلت فداك المالُ والنِعمُ الحُمرُ(3)

لعب الحيوان دورا مهما في حياة العرب على مرّ العصور، ففي الصحراء يكون الحيوانُ سفينةً تارةً، وحارساً ، ووسيلة ركوب في السلم والحرب، وحامل أسفار وأنيسا بصوت فرح أو حزين ومصدر غذاء لذيذ، ومكمن جمال يضفي حسنا وحيوية في صحراء قاحلة تمتد على مرمى البصر تارات أُخَرَ، أياً كان هذا الحيوان ناقةً أو جواداً أو كلباً أو حماراً أو طائراً مغرداً أو ناعبا! فلا غرو ولا غرابة أن يحتل الحيوانُ مكانةً في حياة العرب، فكم من حرب نشبت بسبب الحيوان؟! ومن يتصفحْ أْشعارَ العرب وآدابهم بل قرآنهم الكريم، سيَجدْ له مكانةً هامة في النصوص الشعرية والنثرية، فقد خصَّ الدَّميري الحَيَوانَ بكتاب شهير وقبله الجاحظ بكتاب أشهر يحمل أيضا اسم "الحَيَوان". ولا أدلّ على ذلك من تلك الابيات النادرة للشريف أبي جعفر البياضي (4)، يُشير بها الى الرفق بالإبل عند السُّري، أسوق بعضا منها لروعتها وفَرادتِها (من الكامل):

رفقاً بهنَّ فما خُلِقنَ حَديدا***أوما تراها أعظُماً وَجُلُودا

يُفلينَ ناصيةَ الفلا بِمَناسِمٍ***وَسَمَ الوَجا بدمائهنَّ البيدا(5)

فكأنهنَّ نثرن دُرّاً بالخُطى***ونظمن مِنهُ بِسَيْرهنَّ عُقودا

***

أما القصيدة الأولى فهي في رثاء ديك والراثي هو علي بن الحسين بن محمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، الذي طبقت شهرته الآفاق والمعروف بأبي الفرج الأصبهاني (284-356هـ)، وتثبيت نسبه مقصود لدلالة مهمة تكشف عن شخصية هذا العلاّمة النسّابة "الأخباري الحُفَظَة الجامع بين سعة الرواية والحذق في الدراية، ولا أعلم لأحد أحسن من تصانيفه في فنها  وحسن استيعاب ما يتصدى لجمعه، وكان مع ذلك شاعرا مُجيدا"(6). وأبو الفرج الأصبهاني شخصية فريدة يكتنفها الكثير من المفارقات، فمسقط رأسه هو أصفهان ( نظرا لقرب الباء من الفاء يحدث الإقلاب فتسمى أيضا أصبهان) من بلاد فارس ولها انتسب في حين هو عربي الأرومة من بني أمية ينتهي نسبه الى مروان بن الحكم، وهو عالم بالعربية التي كتب بها روائعه، ولا يُعرَف عنه أنه كتب بالفارسية! ورغم أنه أموي المحتِد إلا أنه  من المتشيعين وفقا للتنوخي، وهو ظاهر التشيع كما أكد ذلك ابنُ شاكر الكتبي في عيون تواريخه، بينا وصفه ابن الجوزي الحنبلي المُتشدِّد في منتظمه: أنه كان متشيعاً ومثله لا يوثق بروايته! (7) وصفه ابن النديم في الفهرست: كان بحرا في نقل الآداب، "حدّث عنه الدارقطني، وإبراهيم بن أحمد الطبري، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وعلي بن أحمد بن داوود الرزّاز، وآخرون، كان بصيرا بالإنسان وأيام العرب، جيد الشعر" وعودة الى أبي علي التنوخي حيث يقول: "كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأخبار والاغاني والمسندات والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ اللغة والنحوَ والمغازي وله تصانيف عديدة"(8) أسوق هذا لأدلل على تطرف ابن الجوزي صاحب المنتظم، وتجنيه على الأصبهاني. ألف "الأغاني" (9) ولم يبلغ الثلاثين من عمره، فإذا ما بلغها وجاوزها بعام بادر الى إنجاز كتابه الخالد"مقاتل الطالبيين" (10) الذي جلب له وصمة التشيع!كان صديقا حميما للوزير المهلبي (291-352هـ)، الذي وقف له مسنادا وكان له خير عون في أيامه الحالكة وما أكثر أيام الأصفهاني الحالكة! حتى إذا ما أزيح الوزير لوشاية واش أو حسد حاسد ليشغل الوزارة "اين البُريدي" انبرى له أبو الفرج هاجيا (من الخفيف):

يا سماءُ اطبقي (11) ويا أرض ميدي***قد تولَّى الوزارة ابنُ البريدي

جلَّ خطبٌ وحلَّ أمرٌ عُضالٌ***وبلاءٌ أشاب رأسَ الولــــــيدِ(12)

فُجِع أبو الفرج الأصفباني بعزيز، رثاه بأصدق العواطف، وأنبلها وبكاه بكاءً حقيقيا، حتى ليدهش القارىء لناحيتين هما المونولوج الداخلي حين يواسي نفسه، والوصف الدقيق للمرثي وهو ديكه الذي حسبه فردا من العائلة، فلا يتركنّ شاردة وواردة من خصال الديك إلا وأتى عليها من عُرفه الى ألوان ريشه، الى خفقه لجناحه قبل الصياح الى فحولته وتسيده للدجاج، الى صفاء عينيه صفاءَ العقيق.. ومما يُدمي الشاعرَ المفجوعَ هو تذكره ديكه كلما صاح ديكٌ في بيت جاره ما يدلُّ على رقي إنساني ورقةِ قلب مكلوم، فلنسمع (من الكامل):

خطبٌ طرقت به أمرّ طروقِ***فظُّ الحلول عليَّ غيرُ شفيقِ

فكأنما نُوَبَ الزمان محيطةٌ*** بي راصداتٌ لي بكل طريقِ

ذهبت بكل مصاحبٍ ومناسبٍ***وموافقِ ومرافقٍ وصديقِ

حتى بديكٍ كنت آلفُ قربَهُ***حسَنٌ إليَّ من الذيوك رشيقِ

القى عليَّ الدهرُ منه كلاكلاً***يفني الورى ويشتثكلَّ فريقِ

الى أن يقول في مطولته هذه:

لهفي عليك أبا النذير لو انه***دفع المنايا عنك لهف شفيقِ

وعلى شمائلكَ اللواتي ما سمت***حتى ذوت من بعد حسن سموقِ

وتكاملت جمل الجمال بأسرها***متلألئا ذا رونق وبريقِ

من حمرة في صفرة في خضرة***تخيلها يُغني عن التحقيقِ

عرضٌ يجل عن القياس وجوهرٌ*** لطفت معانيه عن التدقيقِ

وخطرت ملتحفا ببرد حبرت***منه بديع الوشي كف أنيق

كالجُلّنارة أو صفاء عقيقه***أو لمع نار أو وميض بروقِ

أو قهوة تختال في بلورة***بتألــق الترويــق والتصفيــقِ

وكأن سالفتيك تبر سائل***وعلى المفارق منك تاج عقيقِ(13)

وكأن مجرى الصوت منك إذا نبت***وجفت عن الاسماع بحّ حلوق

نايٌ دقيق ناعمٌ قرنت به*** نغم مؤلفة من الموسيقي

يزقو ويصفق بالجناح كمنتشٍ***وصلت يداه النقر بالتصفيق(14)

ويميس ممتطياً لسبع دجائجٍ***مثل المهارى أحدقت بفنيق

فيميرنا منهن بَيْضاً دائماً***رزقا هنيئاً ليس بالمحووق

فبياضُها ورَقٌ وتِبرٌ مَحّها***في حقّ عاجٍ بُطنت بدبيقِ

يعدو علينا من طهاهُ بعجَةٍ***ويروح بالمشوي والمسلوقِ

أبكي إذا أبصرت رَبعَك موحِشاً***بِتَحنُنٍ وتأسفٍ وشهيقِ

ويزيدني جزعا لفقدك صادِحٌ****في منزل دانٍ إليَّ لصيقِ

قرع الفؤاد وقد زقا فكأنه***نادى ببين أو نعيّ شقيــق

فتأسفي أبدا عليك مواصل***بسواد ليل أو بياض شروق

وإذا أفاق ذوو المصائب سلوة***وتصيدوا أمسيت غيرمفيقِ

صبراً لفقدك لا قِلىً لك بل كما***صبر الأسيرُ لِشدةٍ ومضيقِ

لا تبعدنَّ وإن نأت بك نِيّةٌّ***في منزلٍ ناءِ المحلِ سحيقِ

لله درُّك أبا الفرج على هذه الخريدة التي تكفيك لوحدها أن تضعك بين الطبقة الأولى من فحول الشعر.

هوامش:

1- د. قميحة،جابر:رابطة أدباء الشام، مقالة مقتضبة عن رثاء الحيوان لا تخلو من أخطاء.

2- أبو تمام، حبيب بن أوس الطائي:راجع ديوانه لعدة طبعات مختلفة، من مطلع قصيدة في رثاء الفتى العلوي محمد (من الطويل):

كذا فليجلِ الخَطبُ وليَفدَحِ الأمرُ***فليس لعين لم يفِضْ ماؤها عُذرُ

3- فاندي، سعيد سالم،رثاء الحيوان في الشعر العربي،103 دار صنين 1969،بيروت.

4- ابن حَجَّة الحموي، خزانة الأدب، تحقيق د. صلاح الدين الهواري1/22 المكتبة العصرية بيروت.

5- يفلين:يثلمن، المناسم: جمع المنسم وهو للإبل بمثابة القدم للإنسان، الوجا: وجِيَ البعير وجا: رق خفُّه من كثرة المشي، راجع:ابن منظور في لسان العرب، جروس برس/طرابلس لبنان، و المعجم الوسيط،، عن مجمع اللغة العربية، القاهرة ط3 لسنة 1985.

6- ياقوت الحموي، معجم الأدباء، تحقيق الدكتور إحسان عباس4/746 دار الغرب، بيروت.

7- الأمين،محسن، أعيان الشيعة8/198 من مقالة للأستاذ حسين مروة: ابو الفرج الأصفهاني، طبعة طهران.

8- الذهبي، سير أعلام النبلاء،10/451 تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط1 دار الكتب العلمية2004، بيروت.

9- أبو الفرج الاصبهاني، الأغاني، تحقيق لجنة من الادباء، دار الثقافة، بيروت.

10- أبو الفرج الاصبهاني، مقاتل الطالبيين، تحقيق أحمد صقر، دار المعرفة بيروت. وراجع ايضا تحقيق كاظم المظفر 1965.

11- ورد في  معجم الأدباء (مصدر سابق) اسقطي، وصحيحها اطبقي، حيث يكون الإنسجام البلاغي القرآني أروع ، حيث تُطبق السماء على الأرض التي تميد..

12- ياقوت الحموي (مصدر سابق).

13- السالفتان: الزائدتان اللحميتان المتدليتان من أعلى الرأس على جانبيها (الرأس)، و تاج عقيق، هو تشبيه بلاغي للعرف.

14- زقا الطائرأو الديك زقواً أي صاح، المعجم الوسيط، ولسان العرب، مصدران سابقان.

 

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس(5): أنواع الشخصيات الروائية

alhasan alkyriلقد كانت مسألة إيجاد نمذجة لأصناف الشخصيات الروائية من بين الاهتمامات التي شغلت المنظرين مدة طويلة. وأولى هذه النمذجات الشكلية وأبسطها تلك التي تركز على أهمية الدور المسند لكل شخصية في النص؛ مما مكن المنظرين من استخلاص أول تصنيف يقوم على مقابلة الشخصيات الرئيسة بالثانوية. فحسب أهمية الدور الذي تقوم به في المحكي، يمكن للشخصيات أن تكون إما رئيسة "البطل وخصومه"، أو ثانوية، تكتفي بوظيفة ثانوية. وهما ليس سوى طرفي نقيض، وتوجد بينهما طبعا حالات وسطية عديدة. هذا وقد حاول البعض تجاوز المستوى الكمي السطحي لهذا التصنيف، فانتقل إلى ما هو أعمق، كالحديث  عن نوعية الوظائف الموكولة لكل واحد من هذين الصنفين. وهكذا أسندوا مثلا وظائف ذات طابع تزييني "décoratif "  محض للشخصيات الثانوية مشبهين إياها في ذلك بالإطار، أو المنظر الخلفي المؤطر للصورة الرئيسة، ويمثلها هنا البطل أو البطلة باعتبارهما شخصيتين محوريتين.

أما التصنيف الشكلي الثاني، فيقسم الشخصيات إلى ثابتة مسطحة وأخرى نامية ودينامية على سبيل المعيار للتفريق بين الشخصيات التي تبقى غير متغيرة على طول المحكي وتلك التي تتغير. وهو ما دفع إدوين موير للقول، مميزا بين هذين الصنفين من الشخصيات الروائية في كتابه "بناء الرواية": "الشخصية المسطحة تجسيد للعادة في المقام الأول... أما الشخصية الدرامية فنقيض الشخصية أسيرة العادة. إنها الاستثناء الدائم، إنها تحطم العادة، أو تتحطم من أجلها العادة، إنها تكشف حقيقة ذاتها، أو هي بعبارة أخرى تنمو. إنها تحيل طبيعتها الحقيقية إلى دراما بينما لا تفعل الشخصية المسطحة ذلك إلا بطبيعتها المفتعلة أو على أحسن وجه بشيء كان حقيقيا ثم لم يعد كذلك، ولهذا فإن كلام الشخصية الدرامية حقيقي فعلا، وكلام الشخصية المسطحة مظهري أو رمزي"(1).

  ويبدو أن أول من اصطنع مصطلح الشخصية المدورة والشخصية المسطحة هو الناقد الإنجليزي فورستر في كتابه "Aspects of the Novel". وقد ترجم هذا المصطلح ميشيل زرافا إلى الفرنسية تحت عبارة (personnages ronds  et personnages plats). بينما ترجمه تودوروف وديكرو تحت مصطلح (Epais وPlats) ويشرح هذان الأخيران نقلا عن فورستر، دلالة كل مصطلح. فيذهبان إلى أن المعيار الذي بواسطته نحكم بأن شخصية ما مدورة يكمن في موقف هذه الشخصية. فأما إن فاجأتنا مقنعة إيانا فهي مدورة، وأما إن لم تفاجئنا فهي مسطحة. وهو تمييز يبدو أنه غامض في واقع الأمر. ذلك أن فورستر لم يستطع أن يعطينا أية قاعدة صارمة بواسطتها نستطيع التمييز بين صنفين اثنين مختلفين من الشخصية. إن مسألة الإقناع تحتاج هي نفسها إلى إقناعنا. إنهما ذكرا المصطلحين الذين ذكرهما فورستر نفسه، منذ زمن طويل دون تحديد. إذ كل من الناس سيقتنع أو لا يقتنع بطريقته الخاصة، وبناء على اقتناعه، أو عدم اقتناعه، سيتحدد موقفه من تعيين صنف الشخصية التي يتعامل معها. ومثل هذا السلوك لا يحمل الصرامة العلمية التي يجب أن يحدد بها المصطلح. وقد لاحظ ذلك تودروف نفسه حين ذهب إلى أن هذا التعريف لا ينبغي أن يعني شيئا ذا بال. وهو تعريف يمكن أن يسري على القارئ العادي، وأما القارئ المحترف فإنه لا يسمح لمثل هذه الشخصية بأن تفاجئه بسهولة.

ويزعم ميشيل زرافا بأن فورستر يميز تمييزا لطيفا بين هذين النوعين من الشخصيات، إذ الشخصيات المدورة يشكل كل منها عالما كليا ومعقدا في المكان الذي تضطرب فيه الحكاية المتراكبة وتشيع بمظاهر، كثيرا ما تتسم بالتناقض. بينما الشخصيات المسطحة تشبه مساحة محدودة بخط فاصل. ومع ذلك فإن هذا الوضع لا يحظر عليها، في بعض الأطوار أن تنهض بدور حاسم في العالم السردي.

  ونعتقد أن تدوير الشخصية واضح الدلالة من المعنى الذي تمنحه اللغة. وعليه فالشخصية المدورة هي تلك الشخصية المركبة والمعقدة التي لا تستقر على حال ولا تصطلي لها نار، ولا يستطيع القارئ أن يعرف مسبقا ماذا سيؤول له أمرها، لأنها متغيرة الأحوال ومتبدلة الأطوار، فهي في كل موقف على شأن. فعنصر المفاجأة لا يكفي لتحديد نوع الشخصية، ولكن غنى الحركة التي تكون عليها داخل العمل السردي وقدرتها العالية على تقبل العلاقات مع الشخصيات الأخرى والتأثير فيها، فإذا هي تملأ الحياة بوجودها، وإذا هي لا تستبعد أي بعيد ولا تستصعب أي صعب، ولا تستمر أي مر.. إنها الشخصية المغامرة والشجاعة المعقدة، بكل الدلالات التي يوحي بها لفظ العقدة والتي تكره وتحب وتصعد وتهبط وتؤمن وتكفر، وتفعل الخير كما تفعل الشر وتؤثر في سواها تأثيرا واسعا.

وأما الشخصية المسطحة فهي تلك الشخصية البسيطة التي تمضي على حال لا تكاد تتغير ولا تتبدل في عواطفها ومواقفها وأطوار حياتها بعامة. ومثل هذا التعريف متفق عليه في النقد العالمي شرقه وغربه. ولكن مصطلح الروائي والناقد فورستر وارد تحت طائفة من المصطلحات الأخرى. فالشخصية المدورة مثلا هي معادل مفهوماتي للشخصية النامية. بينما الشخصية المسطحة هي مرادف للشخصية الثابتة، التي لا تكاد تختلف عن الشخصية المسطحة في اصطلاح فورستر. في حين أن الشخصية الإيجابية كما يفهم ذلك من بعض هذا المصطلح غير الأدبي، هي تلك التي تستطيع أن تكون واسطة أو محور اهتمام، لجملة من الشخصيات الأخرى عبر العمل الروائي، فتكون ذات قدرة على التأثير، كما تكون ذات قابلية للتأثر أيضا. في حين أن الشخصية السلبية يعرفها اسمها، ويحددها مصطلحها، فهي تلك التي لا تستطيع أن تؤثر، كما لا تستطيع أن تتأثر. بيد أن الشخصيات السلبية أو المسطحة أو الثابتة (وهذه المصطلحات الثلاثة تكاد تعني شيئا واحداً منها)، لا يمكن أن ترد في العمل الروائي من دون غناء بل كثيرا ما تتوهج الشخصية المدورة أو ما يعادلها في الاصطلاح (النامية/ الإيجابية) بفضل هذا الضرب من الشخصيات. كما لا يمكن أن تكون الشخصية المركزية في العمل الروائي إلا بفضل الشخصيات الثانوية التي ما كان لها لتكون هي أيضا لولا الشخصيات العديمة الاعتبار. فكما أن الفقراء هم الذين يصنعون مجد الأغنياء فكأن الأمر نفسه ها هنا.

 

ذ. لحسن الكيري

كاتب و باحث في الترجمة و التواصل/ المغرب.

 

................

 1-  موير: إيدوين: "بناء الرواية"، ترجمة إبراهيم الصيرفي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، طبعة يونيو 1965، ص 139

 

(خارجٌ عن القانون) قصة قصيرة جدا للأديبة العراقية: وفاء عبد الرزاق

wafaa abdulrazaghمستبعد عن القانون، البطل الخائف على الرحمة من انتهاك عذريتها. خارج عن القانون، المفتاح الصدئ بيد الأعور حين اعتقد الأبواب تصرخ خوفا منه. مستبعدون عن القانون .. المفاتيح والأبواب المنتظرة زائرا يزيح الصدأ. جمع المستبعَد كل ما لديه من ثياب في حقيبة صغيرة ورحل أسوة بالعشب الذي يبس وأكلت بقاياه الحيوانات. في صباح اليوم الثاني من رحيله سمع في نشرة الأخبار:

 - الشياطين تهرب دائما في الصفحة الأولى من الكتابة عن الغفران.

إنهم يغادرون بنصف الحلم ونصف المبدأ الذي جُز شعر رأسه .

..................

 

تعليق نقدي:

القصة القصيرة جدا من حيث الماهية والبناء فن نثري قوامه أو أساسه تكوين حكائي سردي هندسي جمالي معرفي، يفضي بالذات الإبداعية إلى مناخات وفضاءات غير محدودة، مؤطرة بنزعة غرائبية موغلة في الذاتية والنزوع التجريدي، لكنها مع ذلك قائمة على عنصري المفاجأة والومضة السريعة أو ما يُسمى الاقتضاب السردي، والانتقال عبر الصورة المركبة . ولهذه الأسباب يمكن القول بأن القصة القصيرة جدا جنس أدبي قائم بذاته ذو إمكانات تعبيرية خاصة، لكنه يحفل بالكثير من الصعوبات المتكئة على الاختزال والتكثيف، أو ما يُسميه بعض النقاد "الاقتصاد اللغوي". وقصة الأديبة وفاء عبدالرزاق (خارج عن القانون) تحققت فيها أغلب العناصر والمكوّنات التي ينبغي أن تتوفر في فن القصة القصيرة جدا، لاسيما المفاجأة، وغرائبية نزوع الذات الصانعة للحدث في قصتها، وكذلك الاقتصاد اللغوي، واستحالة تنبؤ القارئ بالخاتمة، التي يُعتقد أنها أغرب جزئية في البناء السردي لفن القصة القصيرة جدا . كما أن أحداث هذا الفن تقضي بأن يلمّح ولا يصرّح، ويُشعّ ومضةً لا تكفي للرؤية، لكنها تسمح بفتح آفاق التخييل والشروع في مهارة التفكيك وإعادة البناء. وهذه أيضا متحققة بصورة أو أخرى في قصة وفاء عبدالرزاق القصيرة جدا المذكورة .

وبالتالي فهي قمينة بالجائزة وبالترتيب المتقدّم .

 

د. إبراهيم النويري

 

قراءة في أرملة العنكبوت قصّة قصيرة للأديبة هيام الفرشيشي

ridah aziz"أرملة العنكبوت" قصّة قصيرة للأديبة هيام الفرشيشي رسمت خيوطها المتشعّبة أوتارا تعزف نغمة حائرة بين خيال ينطلق إلى غياهب الأسطورة وواقع يشدّ الإنسان لأرض ترتاح تحت ظلال المبهم..

العنكبوت أرملة بإرادتها فهي تبسط فراش العشق لذكر تقوده الشهوة نحو حتفه فيرتمي في أحظان مخلب ليشبع نزوة قاتلة ينتهي بعدها جثّة هامدة بلا ذكرولا تأبين.

هي أنثى آسرة تلفظ خيوطها من أعماق الروح المتمكّنة لتلتهم الأرواح التّائقة إلى الإنعتاق .. خيوطها تتراوح بين الحرير والأسلاك فهي {شباك لاتختلف عن ألياف الحرير التي تنتجها دودة القزّ .. ولكنها حيكت بروحها الآسرة} وهي فكرة تعملقت في أذهان القرويين فكبّلت خيالهم وحدّدت ممرّات النّور فيه إلى نهايات محدّدة وحرّرته في مسافات معدّة مسبقا بقوانين لا يجوز تجاوزها لأنّها الطّهارة وما عداها دنس{عنكبوت دنس تضخّم شكلها وهي تواصل أسر الأرواح المدنّسة{

والطّهارة العنكبوتية أراحت القرويين من عناء البحث عن آفاق أخرى قد توقعها في دنس محتمل

هم أدرى النّاس بعواقبه الوخيمة لعلمهم بأنّ ضحايا العنكبوت {مسخوا لأنّهم كفروا بالنعمة} والإستقرار نعمة ولو كان في المستنقعات والوحل والكفر إثم لا يجوز وفاعله تحلّ به النقمة فكل من قال {تبّا للعنكبوت} أضحى جثّة هامدة تسافر به أمواج مياه النهر المتواطئة...لذلك إختارت النسوة {جز صوف الغنم ألاّ تحلّ عليهم النقمة)

العنكبوت أنثى وو غازلة الصّوف أنثى وكأنّ رحم الإعمار إستحال رحما للموت.و سطوة العنكبوت تغزلها النسوة في خلوة الخرافة..{كلّ واحدة بيدها المغزل لفتل ألياف الصّوف مع بعضها لتشكّل خيطا من خيوط حكاية العنكبوت المسخ} وهن بارعات في نسج الصّوف الحكاية حتى لا ينسلخ خيط عن المسار الدقيق، الثّابت. واضح معالم فخيط الصّوف وخيط الحكاية متصلان ومرتبطان بحرفيّة توحّد المصير {تربط الخط لأول في السدية كما تربط العنكبوت الخطّ الأول من شبكتها بورقة توت أو زيتون...} والخرافة إستثمار تحميه السّنون وتؤجّحه مواطن العتمة و{وطن بلا ملامح} لذلك وجب توريط الأطفال في الحبكة بالإستماع والإتعاظ

{ليدركوا مصير هؤلاء الغرباء في حكايات النسوة}

و كل قرية في الخرافة تعيش من غربائها إما الضّحايا أو المجرمين فأرملة العنكبوت ابنة القرية التي فرّت منها إلى أعالي الهضبة لتتحوّل من فتاة تهواها العين وتريده القلوب إلى عنكبوت مسخ مرعب ومخيف {مسخت عنكبوتا في ذلك البيت المهجور} بعد أن تحوّلت قبل ذلك إلى قنّاصة للعابرين {إمرأة شبقة تعاشر الغرباء}

وحتّى رفيق دربها لقي حتفه على سرير اللذّة تماما كذكر العنكبوت يسير إلى حتفه بقلب عاشق .. ولمزيد العتمة وإيغالا في تعقيد الخرافة وعملقة الرعب يكون ضحايا الأرملة دائما من الغرباء ولقطع حبل الخيال عن الواقع واليأس من إعمال العقل لفكّ الرموز كان لابد من من إتلاف الشّواهد فكان أن تتفسّخ ملامح وجوه الضّحايا فتتحلّل في مياه النهر أو تحرق بنار الإتلاف والإعدام الضروري لخلود الخرافة .. والخرافة أسيرة لخيوط العنكبوت التي هي صناعة فريدة فهي {طبيعية، قويّة، صلبة} وهي{رقيقة، شفّافة، رهيفة، ليّنة} تكوّن {روحا ملتفّة يصعب تمزيقها)}

ظلا الرّعب والعتمة لم يمنع القاصّة من إجتثاث الأمل من رحم العدم فالبيت المهجور حوّلته هيام الفرشيشي إلى أولمب للأمل تحجّ إليه العصافير كل صباح

لتعود مثقلة {بألحان تنساب في الرّوح تحاكي لغتها المنغّمة)

تحكّمت هيام الفرشيشي في ألياف القصّة فتحوّلت {عنكبوتا} رائعا يتجوّل بانامل راقية بين ظلام الخرافة ونور العصافير المنشدة لألحان الأمل..

 

بقلم الفنان المسرحي  الاستاذ رضا عزيز

 

الترتيب في القرآن الكريم لرفاه عزيز العارضي

443-khrafahعن دار تموز في دمشق الصابرة صدر مؤخراً كتاب جديد عنوانه "الترتيب في القرآن الكريم" لرفاه عزيز العارضي التي تشير في مقدّمة كتابها إلى أنّ ما أثار لديها فكرة هذا البحث هو اشنغالها بقضية "الترتيب" التي طرق عليها "عبد القاهر الجرجاني" في كتابه "دلائل الإعجاز" والتي هي إحدى أهم ركائز "نظرية النظم" التي نضجت على يده وأتت أكلها، وأنها قد تعلقت طويلا بقوله: "وإن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتّب معانيها في النفس، وإنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد اصواتاً وأصداء حروف، لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر، أنّ يجبّ فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل، وأن يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك "، ولعل الجرجاني هو الذي هتف بآذان الكثير من البيانيين والمفسرين أن "أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط" .

ولهذا وقع اختيار الباحثة على هذا الموضوع الذي يُعنى – كما تقول – بترتيب الألفاظ والجمل القرآنية المتوالية أو المتتابعة على نحو خطّي (نسقي) معيّن، وليس لها رتبة نحوية محفوظة في التركيب – تقدمت أو تأخرت - . وقد ثبت للباحثة أن هذه الأشياء المرتّبة ترتيباً خطّياً لا يخرج ترتيبها عن أحد طريقين ليس لهما ثالث، هما عطف النسق، وتعدد الخبر والحال والنعت .

443-khrafahوترى الباحثة أن كثيرين من الباحثين السابقين غفلوا هذا الموضع أو تغافلوه، غير منتبهين لأسراره ومزاياه ... وضمّه آخرون – تذييلاً – إلى موضوع (التقديم والتأخير) أي مايقع تحت طائلة الرتبة النحوية، وليس الأمر على ما قدّروا لأن ذلك يقتضي أصلاً وفرعاً وليس ثمة أصل مطلقاً .

وقد جاء الكتاب (343 صفحة من القطع الكبير) في أربعة فصول ضم الأول منها ثلاثة مباحث تمهيدية (بحث في مفهوم الترتيب في اللغة والإصطلاح، وتحديد مجال الدراسة، وتحديد وسائل الترتيب: عطف النسق وتعدد الخبر والحال والنعت)، وتناول الثاني: أسس الترتيب وبواعته في القرآن، أما الثالث فقد خصصته الباحثة لموضوعة اختلاف ترتيب المسميات والصفات، وتناولت في الرابع اختلاف ترتيب (الأحداث والأفعال) و(الجزاءات والملكات) . ثم خاتمة لخصّت فيها الباحثة نتائج بحثها القيّم .    

 

 

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس (4): بناء الشخصية الروائية

alhasan alkyriفي الواقع، يختلف الروائيون في ما يتعلق بمسألة بناء أو رسم شخصياتهم/ Les personnages؛ فمنهم من يعبر عن عواطفها وجل أفكارها وميولاتها مع تحليل تصرفاتها. ومن ثمة فإنه يوظف نفسه مسؤولا عن عامليتها ووظائفها في كل حركة. في حين نجد بعض الروائيين يعطي الحرية المطلقة لشخصياته لكي تعبر عن نفسها من خلال وظائفها داخل المتن الحكائي. إن الروائي بهذا الوصف كالرسام يحتاج إلى المهارة الفائقة في تعامله مع الألوان واللوحة. وذلك لكي يشرك معه القارئ المتوهم ويقنعه من جهة أخرى بنقل الشخصية الروائية من الواقع الحقيقي الكائن إلى ما هو ممكن ومتوهم. ومن الفضاءات المحدودة بالزمان والمكان إلى فضاءات رحبة، شاعرية في مجملها. وهكذا فإن مسألة اختيار الشخصية ليست بالأمر الهين، لأنها تحتاج إلى كثير من التريث والدقة وليس بالأمر العجيب أن تكون الكيفية التي يختار بها الكاتب شخصياته هي القول الفصل والكلمة الحاسمة التي تجعل المتلقي يصفق لهذا الكاتب ويدير ظهره للآخر، لا لشيء إلا لأن الأول أصاب والثاني تعثر فاضطرب إزميله فاختلت معاييره.

وعموما فالكاتب ينتزع شخصياته من أرضية الواقع. إذ ينتزعها من بينها ربما، ويزرعها بكل مهارة وحذاقة في عالم أحداثه وأفكاره ثم يعمل على أقلمتها داخل تلك الطقوس. وهذه العملية يمكن عكسها، إذ يمكن أن يخرج لنا شخصياته من الكتاب ثم يجلسها بيننا. إذ كثيرا ما نقرأ عن شخصيات تكون طبق الأصل لبعض النماذج التي نعاشرها في حياتنا. وهذا ما جعل الشخصيات، حين يستحضرها الكاتب داخل الرواية، تصل مشحونة بروح التمرد لأنها تمتلك المتوازيات الكثيرة مع أناس مثلنا.

وعليه، فخلق/بناء الشخصيات الوهمية هو لب الكتابة الروائية، وإمكانات هذا الخلق لا تنضب؛ بحيث لا يمكن أن تكون حرية الكاتب مقيدة ولا مشروطة إلا بالفكرة الأساسية التي تحركه وتدفعه نحو الكتابة. أما فيما عدا هذا فهو حر وحريته شبه لا متناهية. حيث يمكن أن يجعل شخصياته في بداية الرواية إنسانا ثم تتحول إلى حيوان كما نجد عند كافكا في رواية "المسخ". فالبطل غريغوري يتحول من إنسان موظف ومتزن إلى خنفساء. وقد سئل الأستاذ عبد الكريم غلاب ذات يوم من قبل إحدى الصحف الفرنسية حول كيفية اختيار الشخصيات، فكان من جملة ما قاله ما يلي: ".. تطل علي من خلال الإنسان الذي أعايشه، وكأنه كلامهم يقتحم خلوتي ليفاجئني. كلمة تفاجئ عيني مفرغتين على الورقة البيضاء وأرفع رأسي لأراها تصدر عن شخص يلبس بذلة زرقاء، ملطخة بالسواد، أو جلباب فلاح تطل منه ركبتاه أو سروالا ممزقا وبين أصبعيه عقب دخينة واليد الأخرى ممدودة تطلب العطاء. أو سيدة ترفع قامتها فلا تستقيم، فقد ظل ظهرها منحنيا تمسح الأرض في مغنى عائلة مترفة. وليس من الضروري أن يكون البطل عاشقا، له فتاة أحلام، وأن تكون لحمة الرواية عقدة جنسية"(1).

وإذا كنا قد أسهبنا في الحديث عن الشخصية فلأنها أول شيء يطالعنا في الأعمال السردية على الإطلاق، ولا تتوارى، إلا إذا انشغل الكاتب بتوصيف الفضاء مثلا. ورغم انشغاله هذا فهو دائما يقدم الإطار الذي يلائم الشخصية ويساعد على القيام بأدوارها. لذا فإنها تمتد على طول النص الروائي ناشرة دلالتها. إذ لا وجود لشخصية بدون وظيفة أو عمل أو فعل؛ فهي لا تنتهي ولا تختفي إلا بانتهاء فعل القراءة. لذا قيل، إن نهاية الحكاية هي البؤرة الإستراتيجية لتطابق كينونة ومظاهر الشخصيات. لكن ورغم هذا، فقد ظهرت أعمال روائية لا حدث فيها ولا شخصيات كما نجد عند ناطالي صاروت في مؤلفها" فاكهة الذهب".

 

ذ. لحسن الكيري

كاتب و باحث في الترجمة و التواصل/ المغرب.

.................

1-  غلاب، عبد الكريم: في حوار له منشور بجريدة "العلم" المغربية، العدد 9024، بتاريخ 05/09/1975.

 

الموضوعات التقليدية في قصص المصيفي الركابي

qasim madiمنذ الأمس لم يستطع كتابة أي شيء، ولا التعليق على مانشر أصدقاؤه أيضاً، أمراته طلبت منه جمع الأوراق المبعثرة بجانبه، التي مزقها كانت تضم ُ رسماً لنجمة وهلالٍ معقوف، همَ بالخروج من بيته، وجد كرات الثلج المتساقطة فوق كل ما يحيط به، أدرك أن لكل الأشياء مواسم، غير أنه لم يجد موسمه الذي يدون فيه نثار أشيائه " من قصة قصيرة جدا، أوراق ممزقُة "

أعتدت منذ دخولي الى مدينة العرب "ديربورن" أن أتابع الصحف العربية ومن هذه الصحف " صدى الوطن " التي تهتم قليلاً بالثقافة،وهي جريدة تمول من الأعلان وتصدر اسبوعيا في هذه المدينة وغيرها من المدن المحيطة بها،وتولى القسم الثقافي العديد من الأسماء العربية وخاصة الذين يُجيدون اللغة العربية بقواعدها وآخر الأسماء الشاعر العراقي "كمال العبدلي" وهو المشرف اللغوي والثقافي في هذه الجريدة، والشيء الذي تبادر الى ذهني وفي كل عدد تقريباً أجد مجموعة من هذه القصص منشورة في هذه الجريدة ومن عادتي أتابع كل فعل ثقافي يخدم الجالية وخاصة نحن الذين نعيش التصحر في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها الجالية وخاصة في المجال الثقافي والقسم الأعظم من المثقفين العراقيين الذين ليس لهم مأوى أو مكان ثقافي يجمعهم، بعكس رجالات الدين والأحزاب المنتشرة الذين يسيطرون على هذه المدينة من حيث الأمكنة المتعددة وكل منهم لديه مفتاح، وهذه الأمكنة التي يشترونها بأسعار مرعبة، وهم يعيشون ظروفا أقتصادية صعبة، لأن الولايات المتحدة تعتمد على الضريبة وتفضل الذين يدفعون الضريبة " التاكس " فمهنة الثقافة لا تشبع ولا تغني إزاء متطلبات الحياة، وأنما جميع المهن الأخرى هي التي تقدم الى صاحبها الريع المادي، ولا داعي لذكر أسماء المثقفين والفنانين الذين يعيشون في حالة الكفاف والعوز وخاصة في ظل  هذه الأزمة  والتي يطلق عليها " الأزمة الأقتصادية ، ومن هنا أحببت أن أتطرق الى القاص العراقي الذي تجاوز عمره الستين أو أكثر وهو المساهم في كل محفل بحضوره وطلته البهية،ولدي مجموعة من التساؤلات المهمة ومنها هل القصة القصيرة جدا هي موعظة  ! ولا تتصل بالأحداث المتجددة !أو أنها تحافظ على وجود مقبول للبنى الرئيسية المشكلة للخطاب السردي، أي الشخصية والمكان والحدث السردي وكذلك الزمان،ودارسي القصة والمشتغلين عليها هم الآن من أدخل علينا هذا النمط القصصي أو ما يسمى بالقصة القصيرة جدا ً، أو كما يعرف بالقصة " الومضة  " وعند متابعتي لهذا القاص " المصيفي الركابي " وعن طريق موقع الحوار المتمدن " أجد أنه يميل إلى المعاني الواضحة التي لا تًكد الذهن للكشف عن المقصود، ولم تكن بالعمق الذي ينتظره القارئ كي يتفاعل مع هذه القصص القصيرة جداً،وأنا لا أريد التجني عليه بل هو هذا الواقع وذلك من خلال متابعتي لما ينشره لوجود في معظم قصصه أفكار بسيطة، وهو بالتالي يميل الى السلاسة في طريقة أسلوبه من حيث تناول العبارات والتراكيب وأستخدام الجُمل المستوية الخالية من التعقيد، القارئ المتابع لما ينشره يجد "المصيفي" أنه يتحاشى أستخدام الألفاظ الموغلة في الغموض وهذه غاية في نفس يعقوب، وكذلك  يلمس  انه لا يلجأ إلى الأقتباس والتضمين  كما يفعل الكثير من كتاب القصة القصيرة جدا،خذ مثلا ً هذه القصة " أبتسامة "

كان مرحا طيب القلب، خفيف الظل، دعا أصحابه الوليمة أسماها الأبتسامة، طلب من المدعوين، أن يبتسموا، ضجوا بالضحك، تنفسوا الصعداء، ضحكوا كثيرا، صاح الديك طلع الفجر، وهناك العديد من هذه القصص على شاكلة هكذا مواضيع ومنها "براعم" المرأة، هي وأخوها، دعاء، ولو رجعنا إلى الوراء نجد تقريب القصة من واقع الحياة ثم تطورت فكانت هي قصص القضايا الاجتماعية والسياسية التي تتماشى مع  واقعنا الحالي المزري وعلى " المصيفي " الذي يبتعد عن أحلامنا بقصصه القصيرة جدا أن يقترب من  واقعنا ولو قليلاً لكي يرخي العنان لقلمه في مداعبة أبناءنا الذين يتلظون بالقهر والضيم وموت الوطن وهو من الذين أكتوى بنيران هذا الوطن الذي حاصره واصبح مبعداً

في قصته "دعاء" دعا الرب في إعانته على إتمام دينه، أن يوفُقهُ لأختيار أحسنهن خلقاً وخلقة، تلا عليهم الشيخ مراسيم عقد القران، هرم ولم يستفيق ُ عبقها .

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

"وَردٌ وحَسَكٌ" للشاعر بدر العمراني في إحياء الشعر العمودي

mohamadsaed samadiيكاد يجمع النقاد والمهتمون، في زحمة العولمة والرقمنة، على نضوب ماء الشعر ـ إبداعا وتلقيا ونقدا ـ إلا ما ندر ممن سكنته مرارة التجربة والمعاناة، وحرقة الكلمة البيلغة والصور الشعرية الجميلة التي يُطل بها بعض الرواد والرائدات، من حين لآخر، استذكارا بالزمن الذهبي للشعر وإحياءً لجمال القول الشعري وطرب إيقاعه وموسقة بحوره. ويكاد أيضا يعيش الشعر العمودي غربة أخرى في غمرة فيوضات شعر التفعيلة/ الشعرالمتفلت بتعبير عدنان علي رضا النحوي، منذ أواسط القرن العشرين الميلادي، إلى حينه وعلى امتداد المشرق والمغرب. يقول عدنان النحوي: "والشعر العربي الأصيل الملتزم بالوزن والقافية يحتاج حقا إلى الموهبة الصادقة التي يضعها الله فيمن يشاء من عباده، وإلى إتقان اللغة العربية الفصحى، أسلوبا وبيانا وقواعد، وإلى زاد كريم من الثروة الغنية للغة العربية. ولقد أصبح هؤلاء قلة في واقعنا، ينقصون مع الأيام  ولا يزدادون، وأخذ التفلُّتُ من ضوابط اللغة العربية الفصحى يزداد في النثر والشعر..."(1)

وحينما يقع إلى يديك ديوان من الشعر العمودي يغمرك إحساس خاص وحميمية تجذبك جذبا إلى اقتحام عالمه بسرعة ورغبة نادرة قد تخفت عند حضور نصوص إبداعية أخرى. وخاصة إذا كان هذا الديوان باقةً من فرائد القول الجميل وُنتفا من القيم الأصيلة المندثرة والأغراض الشعرية المعتبرة في ميزان النقد وتذوق التجربة وفن القول...

وفي مساق هذا الظرف الإبداعي المؤرق يُطل الشاعر الشاب الدكتور بدر العمراني بباكورة أعماله الشعرية، ديوانٍ وسمه ب "ورد وحسك" ضمَّنه أزيد من ثلاثين قصيدة متوسطات الطول، ولعل " الوردَ" إيحاء لمعاني وقيم الجمال والسعادة، فيما اختار" الحَسَكَ" للمكون الثاني لعنوان الديوان، وهو نبات ذو ثمرة خشِنة تتعلَّق بأَصوافِ الغنَم وأَوبار الإِبل، إيحاءً منه لمعاني التهمم و المعاناة و قهر الزمان التي يمر بها كل إنسان وهو يشق طريقه في مراحل شبابه...   

يتميز الديوان بثلاثة نصوص مقدماتية مهدت القارئ للدخول في عتبة النص الشعري، التقديم الأول لأستاذنا الأديب البحاثة الشيخ حسن الوراكلي أمد الله في عمره، ومن خلاصاته وهو يقيم قراءته لمسودة الديوان قبل طبعه قوله:" ويكفي أن نشير هنا إلى ما ينتظم الموضوعات المذكورة من قيم مجردة، ذات أبعاد إيمانية واجتماعية وعلمية، تنم عن وعي بدر برسالة الشعر في توصيل القول الباني، المتضمن رسالة الاستواء والاستقامة، وغرس خلال مكارم الأخلاق ومحاسنها."(2)

أما التصدير الثاني فلرفيق الشاعر وخِله الأستاذ الأديب الشاعر قطب الريسوني، الذي أبى إلا أن يدبج هذه الباكورة بمقولة نقدية في حق تجربة صديقه بدر، لعله يكون بدرا ـ إن شاء الله ـ متألقا في النادي الأدبي بين رواد الشعر العربي المعاصر. ونجتزئ من تصديره الشاعري الندي قوله:"ولم يخفَ على صاحب(ورد وحسك) أن لكل بداية معاثرَ؛ بَيْدَ أنه آثَرَ التوثيق لتجربة إبداعية لاهثة تتلمس لنفسها في عالم النور متنفسا ومَفيضا، فوضع اللبنة الأولى في صرحه الشعري، وزفَّها إلى دنيا القراء غضة طرية، وليس هذا من عجلة التسَّوُّر ولجاجة الإقدام ؛ وإنما جرأةٌ محمودةٌ ينبغي أن يتحلى بها كل شاعر حريص على أن تصبح كلماته أغنيةً في فم الوتر، أو عبيرا  من ثغر الزهور"(3).

ويستهل بدر باقة ديوانه بمقدمة يؤنس فيها قارءَه بسياق النظم وهواجسه التي سكنته منذ يفاعة العمر، وهو يردِّدُ:

      " هو الأدبُ الغضُّ الجنيُّ أتَتْ به   //    قريحةُ فكرٍ واقدٍ غيرِ خامدِ "

وحينما تشرع في قراءة الديوان تنفُذ إلى سبر أغوار شخصية الشاعر المخبوءة وراء الصدر والعجُز، فتجد في ثنايا قصائده: الإخوانياتِ، ومدحَ الشيوخ وذوي الفضل، دون إغفال الخلان كقطب وعدنان، ومآسي أمته ومعاناتها، والإيمانيات، والنقديات، وبعض الخصوصيات التي عايشها في زمن الطلب والتلقي...

ونقتطف، في هذه الإلماحة، قبسا من شعره يبكي فيه راهن أمته والتشظي الذي تعيشه، والارتهان في حمى الولايات المتحدة الأمريكية التي صورها كأنثى حسناء ماكرة وهي  تراود هجنة فحولة العرب  :" .....

في مجلسِ جمع الأوزاعِ من عرب  لا شكْل يـأْلَفُهم، في شأنهم عَجَبُ

وقد سرى ظَرِبان بينهم سَـــَربا   يُلقي لِقاحاً براهُ الخُلفُ والشجَبُ

يا ويحهمْ كيف أمُّوا للهوى نسقا   في ظل أنثى بنهج ما له نسب

أمريكةٌ دُعيت في كل معضلة    كالربِّ يُقضى لديه الأمر والأربُ

أنثى تُراد وتُرجى في البلا رَغَبا   أمرٌ عُجاب يـُثار حوله الصَّخب

أوْ ما دروا أنها أفعى وإن سفرت  في حُسنها سَرَفٌ يخفى وما حَسِبوا

( إن الأفاعي وإن لانت ملامسها  عند التقَّلُّب في أنْيابها العَطَبُ)(4)

 وفي رياض فن النبويات أزهر الديوان قصيدة بعنوان"حب الرسول صلى الله عليه وسلم إيمان، قال في مطلعها:

  رســولَ الله يـــا رمزَ الســلام   ونور هدى لديجور الظلام

  لـكم فـي القلب حبٌّ سرمــدي   سرى بالروح سبحا في هيام

  يراسلكم عواطـف من شغــاف   ولاءً بــل وفـــاءً للـذمـــام

  فحبكـم من الرحــمن فـــرض    ولا إيمــان معْ بُغض زؤام (5)

وفي وصف غواية الصيف الفتان في مدينة عارية على  ضفاف مجمع البحرين/ طنجة الساحرة بكل مفاتنها، يطل عليها فصل الحر، فتستفز الشاعر فيخاطب الزمنَ البريء المُسخَّر للبرية،  ليردَّ عليه متجهما :

لستُ بالغاوي، أو بيمِّ الهوى أر  مي شباكي؛ بل عبد ربِّ  الجلال

اصطفاني واختار لي الدور غصبا   بين أدوار الدهر دون انتقال

لا تجادل واصمت وكن جد واع   ل :"أنا الدهر" دونما تَعْــدال

فإلاهي راض الأناسي طريقا   الخير والشر لاختيار المآل  (6)

وحينما استفزه معروف الرصافي بكتابه"الحقيقة المحمدية أو حل اللغز المقدس" ثارت ثائرة التجربة الشعرية في كيان الشاعر؛ وانفرط عقد الحروف مولولة صارخة:....

هاذي سُموم رصافي الأصْل نِقْمـَتُهُ  تُعدي الصحيحَ وتُضوي من يُحاديها

تــــبًّا لـــه من حــــقير بِتُّ ألــْـعـنه   لعنا به النفس تزكو فـــــي تماديــها

رباه ذي نفثةُ الإيمان قد زفـرت   من غـَـيْرة سُجِرَت تُذكي أعاديـــها

أرجو لها بـدلا يوم التناد ثـوا   بًا يَــنتهي برضًا يُنـــسِي تناديـها(7)

 وهكذا تتنوع قصائد "ورد وحسك" بين قصائد محبكة ومقطعات قصيرة أوحتها  لحظات  المعيشي واليومي أو مناسبات التكريم أو مجالس الفكر والأدب أو الترويح .. والأمل موصول أن يكون الديوان فاتحة الصفحة الأولى من ديوان القول الجميل لما يُستقبل من أعمال الشاعر .

 

تقديم وقراءة: د. محمد سعيد صمدي

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/طنجة

 .....................

الهوامش:

1. الشعر المُتَفَلِّت من التفعيلة إلى النثر:8/ مطبعة النجاح الجديدة/الدار البيضاء/ط2/2001.

2. ورد وحسك: 8 / مطبعة تطوان/تطوان/ط1/2013.

3. نفسه: 12.

4. بيت لعنترة بن شداد، والمقطع من قصيدة بعنوان ما بال قومي/ الديوان: 25

5. الديوان:69

6. الديوان:67

7. الديوان:74

  

"أرملة العنكبوت" للقاصة هيام الفرشيشي .. لعبة الكتابة والتلقي

mouayad elewiقد يتبادر أسم كافكا من خلال روايته "المسخ"، إلى ذهن المتلقي في الوهلة الأولى من قراءة عنوان القصة "أرملة العنكبوت"، وحالما يلج القصة لا يجد الاغتراب لشخصية قصصية في مخلوقات (أرملة العنكبوت) كما في رواية كافكا حيث يذكر إبراهيم محمود في كتابه "الاغتراب الكافكاوي": (إنّ المرء هو مغترب كيف كان اختياره. فالخضوع للقوانين غير الأخلاقية يعني طلاق كل ما هو أنساني فيه ...) ص 85، بل سنجد أنفسنا نحن المتلقيين مَن نعتقد بالعلم والعقل أنه طرف المعادلة المفقود في واقعنا المعاش يومياً، سنجد أننا المغتربون خارج الإطار القصصي، ومشاركون في إكمال العمل الإبداعي معرفياً من خلال وعينا، وقد ارتكنت القاصة هيام الفرشيشي بذلك على عمق البنية اللغوية الملتصقة بالمكان السردي في إيصال رسالتها إلى المتلقي، وهي ترمز إلى البنية الفوقية مصدر الخرافة - بيت أرملة العنكبوت - في أعلى مكان من القرية: (تفرعت أغصان شجرة الزيتون على شباك الغرفة الكبيرة المفتوح على خرافة يرددها القرويون عن عنكبوت تسكن البيت القديم الذي يتراءى على الهضبة) وفي تنصيص ثانٍ (لكنْ من يجرؤ على الذهاب إلى أعلى الهضبة، ودخول بيت العنكبوت والتفرس في الأجسام التي تحللت في الصخر؟) إذ المشكلة هنا في قضية الاغتراب هو مصدر الخرافة أصبح مصدرا للقوانين والمشكلة الأعمق أن البنية التحتية الاجتماعية من القرويين صاروا أكثر التصاقاً بالخرافة - العنكبوت وما تتخذه من أساليب في ابتزازهم نتيجة غياب عقولهم ، حتى لم نجد صوتاً واحد في القصة يناهض المرأة العنكبوت بوعي حقيقي ، مما يمثل واقعا استسلاميا من القرويين في الواقع القصصي المتجلي عن الواقع يومي معاش الذي ترفل به أرياف الميثولوجيا العربية في اغلب الدول العربية ، وهنا تتباين قصة (أرملة العنكبوت) من حيث قيم المكان القصصي واقصد القرية ، عن رواية كافكا وقيم المكان المتمدن ،كذلك خلو الأولى من الشخصية القصصية التي تعاني الاغتراب كما في الثانية ، إنما تشابهها من حيث الملابس الخارجية للسرد القصصي أي المظهر العام وهي عملية المسخ.

وعندما نلج أكثر إلى عمق القصة ويحدث احتكاك أكثر بمخلوقات السرد ، نجد أن كلمة عنكبوت تأخذ مسارب أكثر في أذهاننا إلى شبكة الانترنيت أو الشبكة العنكبوتية كما يحلو تسميتها عند البعض، من حيث توصيل المعلومة بين القرويين وانتشارها عن الخرافة – المرأة العنكبوت ،وتناقلهم لها بنهم مع انصياعهم أيضا لما تفرضه من إتاوةٍ للغرباء الذين تضاجعهم وتقتلهم بعد أفراغ رغباتها الجنسية السادية: (..هو بيتها الذي يحاكي بيت أرملة العنكبوت، تغري الغرباء بالاقتراب من البيت وهي تراودهم بابتسامتها العريضة، يحلمون بقضاء بعض الوقت على فراش من حرير مع شابة فاتنة..العنكبوت تحقن فريستها سما وتذيبها بلعابها، وهي تقدم لهم كؤوس النبيذ المسموم، ويتكفل قريبها بتجريد الغرباء من كل شيء بحوزتهم..)، كما نفيد من هذا التنصيص في أن المرأة العنكبوت استغلتْ خرافة قديمة يلوكها يومياً أهلُ القرية ،لتبني بيتاً محاذياً لها عند بيت الخرافة القديم أرملة العنكبوت في أعلى الهضبة، لتتحول هي إلى خرافة جديدة في تلميح واضح إلى امتداد غياب العقل والعلم عن مفردات القرية اليومية وخضوعهم لما خلقوه من وهم عن بيت الأرملة العنكبوت وكأنهم يبحثون عن وهم جديد دائماً مهما تغيرت الأيام ، ثم ترتكن القصة في بناء شخصياتها على الذاكرة أيضا بوصفها احد ميزات العقل القروي فالحكايا التي تنتقل على لسان رجال القرية عن العنكبوت، وتنتقل بعد ذلك إلى النساء والأطفال واستمرار هذه الحكايا على لسان أهل القرية في تقديس للمرأة العنكبوت التي صارت مسخاً بعد قتل قريبها الذي ساعدها في بناء بيتها أعلى الهضبة: (اشتدت الحرارة في القرية تلتها رياح الخريف وأمطار شتاء بارد نزلت فيه الثلوج وأرملة العنكبوت تلازم بيتها المفتوح على الخلاء، ولكن غاب قريبها عن الأنظار وقيل أنها سممته بعدما راودها فراودته، لم يكن يعلم أنها ليلته الأخيرة ، لم يغادر الفراش الحريري ولكنه لم ينهض منه...وانقطعت الخيوط التي تربط بين تلك الشابة وأهل القرية، إلى أن أصبح صوتها يتعالى في الخلاء، يربك الرعاة والغرباء...لقد أصابتها اللعنة فمسخت عنكبوتا في ذلك البيت المهجور أي لعنة تتحول إلى بركة) بسبب اعتقاد أهل القرية إنها تحميهم من الغرباء بينما تفرض على الرجال أن يقدموا لحم الأضاحي أو قرابينها إلى ضحاياه من الغرباء والفقراء؟!، (لا شيء يعني هؤلاء الغرباء عدا التخفي عن عيون تحرس الأوطان. في هذا المكان لن يمر أي قاطع طريق أو مروع وطن إلا ولقي حتفه كلما هطل المطر وانطلق صوت العنكبوت يحاكي صرخات فتاة حانقة...أجسام متحللة تجرفها السيول، ترفع بعيدا، وتردم دون أن تتعقبها حشود المشيعين إلى المقابر، ودون أن يقرأوا عليها القران أو تقام جنازات لتشييعهم..تتعقبهم لعنات الشيوخ والأيتام و الثكالى)، هذه الازدواجية عند أهل القرية لا تحدها حدود العقل بل تعمل الميثولوجيا على إبقائها راكدة بعيدا عن منطق الأمور لتتحول إلى خرافة محضة مع تقادم الايام، وعبودية لإنسان ثانٍ يجسد لهم ذلك الوهم الكبير الذي أنتجوه ، وهكذا تعمل القرية على مواصلة خرافتها مساء صباح: (أغلق شباك الغرفة المفتوح على خرافة العنكبوت الأرملة حين يتسلل الظلام، وتنام العصافير ومع إشراقة الصباح وحين تعانق السماء في زرقتها الناصعة المطلق .. ترتسم خرافة العنكبوت بنور الشمس المشعة في كل الاتجاهات وتلونه بانعكاس المطلق على صفحات النهر وبين السيول، يعكس صور جثث متآكلة لغرباء تفسخت ملامحهم) .

وكما تفرد بناء القص عن غيره، فقد أنمازت لغة القاصّة هيام الفرشيشي ببراعة الفن لتنقل كل ما يتعلق بمكان القصة- القرية- من رائحة الأغنام وجز الصوف المُبتل بالماء ،إلى حركة رجال القرية وعرق تعبهم وانشغالهم اليومي وحكاياتهم وشجاعتهم فيما بينهم، وتخاذلهم أمام الخرافة ، والتصاق اللغة بحياة النساء والأطفال ولعبهم في تقليد الكبار .. حقاً أنها لغةٌ تشي بخيال فني صاغ لعبة الكتابة والتلقي بأحكامٍ قبضة تلك اللغة على عالم اسمه (أرملة العنكبوت )، كما لم أنها تكن لغة فنية حسب بل وشت ببعد فلسفي اتجاه الحياة، مفاده: أن الخرافة والميثولوجيا وكل ما يتصل بهما من قريب أو بعيد سبب حقيقي لعبودية الإنسان ،على النقيض من العلم والعقل اللذينِ يكونان مصدر حرية الإنسان، وتأتي هذه الفلسفة مؤثرة وأكثر قيمة إنسانية حين تتكلم أنت عن فلسفة بهذا العمق، والسلطة بيد أحزاب الإسلام – السياسي، وهي تمارس كل سلطتها الكهنوتية ضد العلم والعقل من أجل استمرارها في السلطة أو البنية الفوقية للدولة والمجتمع، بمعنى أن لا تكون ممَن يُشترى على حساب القيم الصحيحة ، وأن تكون فلسفتك وبهذه الفنية الجمالية من خلال اللغة ، تلك هي المسألة

 

ناقد عراقي / عضو اتحاد أدباء وكتّاب العراق

 

تطاول على المقدس أم توظيف فني للتراث؟ .. سعدي يوسف في قصيدته الجديدة أنموذجاً

karim najiلا أنكر مكانة الشاعر سعدي يوسف في الأدب العربي الحديث، فهو شاعر جيد له بصمته الواضحة وله أسلوبه وطرائقه، وله محاولاته التجريبية الممتعة، وألاعيبه الفنية المدهشة ولاسيما في المراحل السابقة، وله محاولاته الجريئة التي يقتحم فيها مجاهل وزوايا وميادين قد يتردد الآخرون قبل التفكير بالتوغل فيها.

بعد هذه المقدمة التي أردناها مدخلاً هادئاً إلى موضوع ساخن، نعود إلى مسألتين مهمتين في الموضوع (التجريب، والمقدس) ومساحة الحرية وحدودها في التعامل معهما. فالتجريب من الأمور المحمودة في الأدب، وبخاصة عندما يؤدي إلى نتائج لا تخلو من جِدّة وإبداع وإدهاش .. والتجريب جميل عندما يقوم به أديب بارع يمتلك أدواته ويمتلك معرفة وافية بالأسس والأصول الرصينة المتعارف عليها في الفن الذي ينوي التجريب فيه .. ويكون أكثر جمالاً وأهميةً وفائدةً عندما يتجه المبدع نحو البنى والتقنيات والجوانب الفنية لأنها الحقل الذي تتجلى فيه مهارات الأديب المجدد المبدع، وهذا لا يعني أن التجريب غير موجود أو غير مرغوب فيه إذا اتجه صوب الجوانب الموضوعية، أو أنه سيكون عديم الجدوى والفائدة في الأفكار والمضامين.

أما المقدسات فهي متعددة نسبية تختلف وتتنوع من مجتمع إلى آخر، وتتفاوت درجات أهميتها بحسب سعة انتشارها بين الناس وبحسب تسلسها في سلم مقدساتهم، وتأتي الرموز الدينية والقيم الأخلاقية في مقدمة المقدسات عند الأمم. فالنبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- يتربع على قمة هرم المقدسات عند العرب والمسلمين جميعاً، على اختلاف بلدانهم وطوائفهم واتجاهاتهم... وهم يمثلون عدداً كبيراً من المجتمع الإنساني. وهو أيضاً رمز ديني وقومي وأخلاقي، فهو النبي المرسل، وهو أبو الأمة ومؤسس كيانها السياسي والحضاري بعد أن كانت قبائل متفرقة، وهذا يكفي للقول بأن الرسول الكريم خارج حدود المساحات الحرة التي يمارس فيها الأديب لعبته الفنية، وتوظيف التراث، والتناصّ، والمشاكسات الأسلوبية والمضمونية...

يتضح من هذا أنني مع وجهة النظر التي لا تقيد الأديب بالدين والأخلاق ولا تقيس جودة نتاجه على وفق ذلك، ولا نريده أن يكون ناسكاً أو واعظاً، ولكن لابد من حدود لكل شيء، ولابد من مستوى من الالتزام ومراعاة مشاعر الآخرين الذين تربطه بهم صلات أخرى غير هذا الرمز المقدس الذي لا يقدسه الشاعر. وأود أن أقول بوضوح أكثر بأن الأديب – وإنْ سلّمنا بحرياته الشخصية- إلا أنه مطالب بمراعاة الأمة والتاريخ والبلدان وهي أمور لا يستطيع نكران انتسابه إليها، ووجود صلات وروابط متعددة معها.

من الواضح أن الموضوع له جوانب متعددة، ومداخل مختلفة، تتفاوت بحسب الزاوية التي ينظر منها الكاتب إلى الشاعر وإلى قصيدته الأخيرة التي نشرها بتاريخ (16/ 11/ 2013)، وليس من المناسب الإحاطة به من جميع جوانبه في مقال واحد، لا بد أن أتوقع وجود آخرين يكتبون الآن في الموضوع نفسه، ولذلك جعلت اهتمامي ينصب على ما تقدم وما ذكرته وجهة نظر قابلة للقبول أو الرد، فالحرية لا تعني الانفلات التام، وعدم التزام شخص برمز يقدسه السواد الأعظم من قومه لا يبيح له التجاوز عليه. عدم تقديسك لهذا الرمز شيء والتطاول عليه شيء آخر، فالأول يخصك أما الآخر فهو مشترك بينك وبين الآخرين، وعليك أن تحترمهم، ولا تنسَ القسم الذي يحبك منهم في أقل تقدير، ولا تنسَ أيضاً بأن عدداً غير قليل من عمالقة الأدب العالمي يراعون القيم الأخلاقية. هذه وجهة نظري التي يشاركني فيها عدد غير قليل من محبي الأدب، لا أتعصب ولا أتهجم على أحد، ولكني لست معه، وأراه ليس مضطراً على ما أقدم عليه، وأنه لم يوفق في اتجاهه.

أما الدوافع والأسباب المحتملة فهي جانب مهم أتركه للقاريء الكريم. ولكن ثمة أسئلة تدور في ذهني وفي ذهن غيري عن تلك الدوافع. أَهي فنية أم فكرية؟ هل يبحث عن إثارة واهتمام؟ أيكون السبب الإفلاس والتراجع الفني، أي أنه لم يعد قادراً على إثارتنا فنياً بجديد يقدمه فلجأ إلى قضايا مثيرة بذاتها؟ فمن الواضح بأن الإثارة هنا ليست بسبب مهارات تجلت داخل النص  بل هو خارج النص، أي في الشخصية الموضوع. هل يبحث الشاعر عن معجبين في بقاع بعيدة؟ هل نلمح تقارباً في الثيمة التي تمحور حولها نصه مع القضايا التي يركز عليها الملحدون والكتابات الغربية المسيئة للرسول؟

وفي الختام نتساءل؛ هل كان لفقدان الهوية والسياسة المتعثرة والنظام العربي في هذا الزمن الرديء  أثر مباشر أو غير مباشر على الشاعر؟ أقول هذا وفي في ذهني صور بعض الزعماء العرب عندما حاولوا الحصول على نفوذ إقليمي أو دولي عبر التقرب إلى أعداء الأمة أو مجاملة الذين يوجهون الإساءات المتلاحقة إلى رموزنا وتراثنا. فهل أصبح أولئك الساسة قدوة سيئة انعكست آثارها على الأدب والفن.

 

قراءة اولية في لوحات الفنان التشكيلي سردار محمد سعيد

mayada aboshanab2حين يقع الفنّان تحت أسر صورة وجودية أو إحساس جامح، تتسارع دقّات قلبه .. يثور شاهراً فرشاته ليحرّر أنفاسه اللاهثة بنقل تأجّج انفعاله إلى الألوان والظلال .. تتآمر معه على حصار الصورة في إطار اللوحة .. فينجو منها ليقع في أسر صورة أخرى أشدّ سطواً...

بعبارة أخرى: كل لوحة تشكيليّة تجسّد تجربة حسيّة ذاتية، يترجمها المبدع إلى تجربة تعبيرية فنية تخضع لمقاييسه الجمالية والمعرفية الخاصة .. المستقاة من التراكم المعرفي ووعيه للبيئة والكون كله وتفاعله معهما.

عبر عمليّة التشكيل خاض الفنان سردار محمد سعيد تجربة استكشافية للّون، الشكل، الخط والاتجاه تبعاً لطبيعة الموضوع الفنّي ألتي حددّت لريشته همزة الوصل بينهم تبعاً للأسلوب الفنّي: واقعي، سريالي أو تجريدي،  الذي أتخذه كجسر عبور إلى أفضل نتيجة تعبيرية مكلّلة بعنصر الدهشة، تماماً كولادة نص أدبي شعراً كان أم نثراً.

تأمّل لوحات الفنان سردار محمد سعيد يُنتج قراءة قصص  لخلجات نفوس نساء واقعيات أو خياليات .. بسيطات يتنفسن في الظّل (ضوء خافت وألوان باردة وداكنة) .. أو نساء من مشاهير التاريخ والأساطير أسماؤهن تقترن بالجرأة والتحدّي (ضوء ساطع وألوان فاتحة وساخنة) ...

ففي منجزه الإبداعي يسعى جاهداً لاكتشاف عالم الأنثى .. الظاهر منه والباطن، إعلاء لقيمتها الإنسانية والإجتماعية. ويتعمّد عدم تحديد ملامح الوجه ليقول لنا: المرأة هي المرأة في كافة أرجاء الأرض .. بلواعجها وهواجسها.

عدم تحديد ملامح الوجه أو تصوير بعض الشخصيّات من الخلف، يثير الإدراك الحسّي للمشاهد ليشاركه عملية الإبداع .. دون مقاومة ينجرف المشاهد لإتمام الجهة الأخرى من الشخصية، ملامح الوجه التعبيرية، مستعيناً بوضعيّة الشخصيّة ولغة الجسد والزمان والمكان، وربما يقوده الفضول إلى التعمّق أكثر والإصغاء لثرثرة القلوب القابعة في تلك الاجساد.

كما أنّ التقاط الصور للشخصيات بعيداً عن صخب الحياة وضجيج الواقع .. في لحظات الوحدة .. لحظات الصمت والتفكّر والتأمل والإنتظار، يدعو المتلقي إلى خوض تجربة الصمت .. وفي لحظة الصمت تتزاحم الأفكار في الذهن.

منح الدلالات للمكان والزمان وحجم الشخصية والمساحة التي تشغلها في اللوحة يُفضي إلى التعريف بالشخصيّة، إلا أن بعض الشخصيات تحضن غموضاً يحرّك فضول المتلقي.

فرح الفنان بالانتصار على التجربة يتجلّى بالتوزيع المتوازن للضوء والظّل .. للألوان الفاتحة والغامقة .. الساخنة والباردة واختيار المكان والوضعيّة الصحيحة للشخصيات .. مما يبعث الراحة والسكينة للمشاهد ويشجّعه على التوغّل في قراءة لغة الجسد في كل لوحة ..

 

فيما يلي محاولة استنطاق بعض اللوحات:

غفوة: لوحة واقعيّة تصوّر امرأة غافية بوضعيّة أنثويّة بعد عناء يوم طويل. السكون والظلمة يخيّمان على المكان. الالوان الباردة والداكنة للجدار تشي بالبساطة الشديدة.

التوازن في اللوحة تحقّق بوجود الجسد متكوّراً في مركز اللوحة، وعلى الجدار إطاران يرجّحان الكفتين ... إطار تعتريه الرتوش .. حلم صعب المنال، وإطار (نافذة مشرّعة على الواقع) تطلّ منه الحقيقة الواضحة كون القمر يصرّ على الظهور رغم ظلمة الليل الحالكة.

 

شهرزاد: لوحة سرياليّة لملكة الحكايات .. رمز الجرأة والتحدّي .. عينان واسعتان لا يعرف الكرى طريقاً إليهما .. الشَعر المتناثر تماهياً مع عقل يقلّب صفحات الليل بحثاً عن حيلة للإنعتاق من موت يتربّص خلف وجه الفجر .. الموت الحاضر على شكل أفعى طويلة تدنو أكثر وأكثر من جيدها .. لكن الأمل بالخلاص يضوع من الزهرة الكبيرة.

نسيج متناغم من التقنيّات الفنيّة مثل استخدام الألوان المائيّة الشفافة، التنقيط والكتابة. فالكتابة باللغة العربيّة فنّ ينسجم مع الفنون التشكيليّة كونه يعتمد على نفس العناصر الجماليّة: الخط، النقطة والدائرة. إن كتابة أبيات من قصيدة "دع عنك لومي – أبو نواس" وغيرها من الأشعار، بخط الثلث والخط المغربي تُهدي المشاهد المزيد من المعلومات عن مضمون اللوحة .. المزيد من نشوة الفوز بالمعنى.  

 

تآلف: في مواجهة هذه اللوحة السرياليّة نصطدم أولاً بوجه أنثوي خال من الملامح (ليشمل عدة مفردات مؤنثة) ويحدّه شعر ينسدل كشلال يضجّ بالحياة ويختلط بريش الطائر الذي ينشد الأمان.

الأنوثة هي البشرية والإنسانية التي تتآلف مع الطبيعة والألوهيّة .. التآلف نقرأه بقرب الجسدين أو حتى التحامهما معاً.

فكان اختيار تقنيّة الخطوط القصيرة بقلم الحبر اختياراً موفقاً إذ عزّز رمزية التآلف. فجاءت الخطوط المتراصّة تعبيراً عن الظل .. والخطوط المتفرّقة تعبيراً عن الضوء.

 

تشتّت: لوحة تجريديّة تنسجم مع خطوط قلم الحبر المتلاطمة .. هي وليدة تجربة وقف بها الفنّان عند مفترق من الحيرة بين خيارات صعبة. وأثناء تجسيد المعاناة تحوّل الشعور من الخاص إلى العام .. من التشتت العابث بوجدان الفنّان إلى قلقه من تشتّت الشعوب، ضحايا الحروب والفتنة، ونطّلع على فداحة القلق كون القطع المتناثرة تحتّل الحيّز الأكبر من اللوحة.

لأول وهلة تبدو القطع المتناثرة ورقيّة لكنها تحمل بين طياتها ظلّاً ثقيلاً ينمّ عن ابتعادهاعن الأصل مُرْغمة .. وكأنّ الأصل، الذي يحتلّ الجزء الأعلى من اللوحة، لأنه الأهم، يملك جاذبيّة (الأنتماء والوطنيّة) لكنّ إعصار التشتّت أكثر جبروتاً، يقذف بها إلى المنفى المجهول (الجزء الأسفل من اللوحة والأكثر سوادا).

 

شموع شكر وامتنان نضيئها للفنان المبدع سردار محمد سعيد لإمتاعنا بهذه اللوحات التي تحمل بين طياتها عصارة تجربته التشكيليّة التي تحمّل وزرها وحده وشاركنا بلحظات النشوة.

ونتمنى له المزيد من التألق والإبداع

 

للاطلاع على معرض الفنان التشكيلي سردار محمد سعيد

http://almothaqaf.com/index.php/galleries/81175.html

 

جواد الحطّاب "بروفايل للريح .. رسم جانبي للمطر" .. صهر اللغة وإعادة منتجة الجملة الشعرية

435-jawadالحطّاب ومنذ بداياته الشعرية يختطّ لنفسه نهجاً شعريّاً خاصاً على حدّ تعبير الناقد الكبير الدكتور (حاتم الصكر) من هذه الدالة التعريفية بمنجز الحطّاب نستطيع الولوج إلى عالمه الشعري الخاص والذي يحمل بصمة الحطاب الإبداعية وفيه جيناته الخاصة التي ترتبط بعوالم من قبله ولكن بملامح جديدة من خلال الخط البياني لمسيرته المتفرّدة والمتنوعة والنامية فلجواد هذا الشاعر النحات المغامر الذي كان وما يزال يحمل روحية بجماليون وجسارة المتنبي المغامرة صولات عديدة في كسر جماح اللغة وترويضها من ديوانه {سلاماً أيّها الفقراء} وصولاً إلى منجزه الإبداعي الأخير(بروفايل للريح .. رسم جانبي للمطر) والذي وجدنا فيه روحية جواد المغامرة وقدرته الفائقة في (صهر اللغة الشعرية) وإيجاد صياغة ممنتجة للجملة الشعرية وتكثيفها وضغطها لدرجة عالية من حيث الحجم الشكلي ولكنّها تبقى تحمل كتلة دلالية هائلة متوهّجة وهذا ما نتلمّسه في منجز الحطاب الأخير فمن لوحته الأولى  يدهشنا باختزال حجم كتلة نحتيّة من خلال صهر تراكيب شعرية وتشذيبها وإزالة كلّ الزوائد اللفظية فما كان في قصيدة أو مشهد نحتيٍّ هائل يصهر في جملتين شعريتين متقابلتين ومترابطتين منطقيّاً لكنّهما متوهجتان دلالياً وتحملان وظيفة دلالية وبانتقاء الحطاب المبهر لمفرداته يصطاد لنا فعلاً من أفعال العطاء يلائم فاعله ملاءمةً تامّة :

تبرعت الأمهاتُ بصراخهنَّ إلى الحصان

فلا سلاسل تقيدُ الصهيل   ..

.. من همسة آلاف سنةٍ

يتوشّحُ بالحياة ..

................

(بأخاديد الدبابّات تضع القنصليات بيوضها)

نجدُ ومن اللوحة الأولى قدرة هائلة على إعادة صوغ معادلة شعرية متواشجة العلاقة وبناء منظومة لغوية لكلّ مفردة فيها دورٌ محوري تحفيزي يمتلك طاقة هائلة في نقل معانٍ عميقة تجعل القارئ الواعي يشكل نصّاً متخيلاً موازياً لهذا النص المكثف المختزل وتؤدي شحنات جواد الشعرية وجوداً إيحائياً يمنح القارئ إشاراتٍ دالّة للولوج إلى مدونات تتراءى خلف الإشارات الرمزية من خلال انصهار الأزمنة بهذا الترميز المكثف (من همسة ألاف سنه / بأخاديد الدبابات...) واللافت في هذه اللوحة أن مفرداتها تنتمي إلى الأسرة الصوتية فهي لوحة ضاجة بصراخ الأمهات وصهيل الحصان وهمس السنين وصوت الدبابات :

مباركٌ صهيلكن أيها الأمهات

 .. زعاف الأفعى

لا يرهب التنين. 

بعد اللوحة الأولى يصهر الحطاب تراكيب كثيرة ويختزلها بجملة شعرية ممنتجة بدقة عالية ومشحونة بهالاتٍ دلالية(كان لبغداد أربعة أبواب ) ثمّ بترميز مكثف لرمز جذري يكون الحافز الحرّ المتوهج ألا وهو  (الباب ) المتكرّر في لوحة تقابلية ثنائية عددية باعتماد أسلوب سردي شعري يقوم على الفعل الماضي (كان) وتنتهي بمقارنة متوازية  تؤسس لاستفهام مجازي:

كان لبغداد .. أربعة أبواب .. الآن لبغداد باب واحد

باب الـ آآآآآآآآآآآآآهـ

أو في هذه الموازنة المكثفة التي التقطتها الشاعر بوعيه العميق والتي كانت تختزل الكثير من المعاني الكبيرة :

يسير الأنبياء على الماء

ونسير على اللهب ..

فهل اختارنا الله لتبليغ رسالته الجديدة؟؟

لقد جعل الحطاب من الجملة الشعرية دالة ناقلة لكم هائل من المعاني ومتناصة ومتثاقفة مع الكتلة النحتية كما في لوحة الطفل نجد اللغة قريبة إلى مفردات ووعي الطفولة فالطفل لا يدرك دور الجيش ولكن تفكيره ينصب على اللعب والمرح:

أعد الخرفان بمسحال الكبش

وبمحض قرنفلة

أعكف على تأليف عصفور ..

– هل تستعرض المدينة أم جاء الجيش إلى اللعب معي ..

ونلمس أيضاً  قدرة الترجمة والفهم الواعي للمتناصات النحتية في وعي الحطاب  من حيث صهره للغة تناسب وهج اللحظة وكأنها ضربة إزميل وجعل المفردات ضمن تشكيل يعكس شبكة دلالية متداخلة:

- يا أمناء سرّ الجرح

أرفعوا الأفق .. لتراه

فلا غياب يزوّر دم ابنها

حبّة دمعٍ من عين أمّ ..

كافية لتعقيم الملائكة

 أو ما يقدّمه لنا من جمل شعرية تثير الدهشة وتشدنا إلى حالة استرجاع وتخيل وخوض حوار ذاتي تحفزه الجملة الشعرية :

هل أحد يصاب بالجغرافيا ؟!!

435-jawad.. ولدنا مصابين بالعراق

ويرسب أولادنا في الدرس

.. لا يعرفون إعراب المفخخات !!

وأيضا في هذا التركيب الشعري المدهش :

من يرقات بوكا

يطير قابيل إلى مصحّة الغربان

ويتحوّل الإنسان الاكسباير EXP

إلى .. بوق إسرافيل

فالحطّاب بمنجزه الإبداعي أعاد صوغ لغة تطابق كتل النحت المجسمة وكانت تراكيبه الشعرية مجسمات لغوية تضيء جوانب خفية في أعماق المنحوتات الساكنة وتعيد قراءة ما فيها من أسرار وما ترتبط به من حوداث ووقائع:

في (طوفانه الثاني)

صاح: يا من لا تراه المدينة خذ حذرك

تريد الـ (لاصقات) أن تدلق عذريتها عليك

(لو يكشف السونار أفكار الظلام

لاستعملنا الحياة مرّات عديدة) قالت له بغداد

 كذلك وظفّ جواد الحطّاب في منجزه تقنيات قصصية كالسرد المقتضب الناقل لفيض المعنى واستثمر طاقة الحوار الدرامية ووضعه في المكان المناسب تماماً ليعكس حالة الصراع ويشد اللوحة ويزيد من تكثيف المعنى , فالحوار الموجز يكون بمثابة ومضاتٍ تعبيرية موجزة يوظف فيها الشاعر طاقة المفردة لتكون لحظة تنوير تمنح القارئ بعداً موحياً من خلال توازي الحوار ويكون ضمن النسيج الشعري بؤرة مركزية حاثة :

─ .. من أنت؟

•.. قرينك !!

( أنّى يكون لي قرين ولم يمسسني نحّات)

─ .. والمسحاةُ؟

•حرزٌ المسحاةُ :علامة

 أو ما يستخدمه جواد من تقنية حوار  ظاهر يقابله حوار كامن يدركه القارئ من خلال الحوار الموجّه إليه :

─ .. (باب خراسان) أم (باب الشام)؟

.. باب الشام

أو : أندخلُ ؟؟؟

........... 

 

 فهذه المساحات الفارغة هي لحوار كامن يدرك من سياق الحوار  المقتضب الظاهر الذي استطاع الشاعر أن يوظّفه ليؤدي مهمة شدّ النسيج وإضفاء الحركية وتحفيز النص الشعري ، وكان من أدوات التقنية الدرامية استخدام الشاعر لتقنية (المنلوج الداخلي ) بلغة شعرية ممنتجة ومقتضبة وبعيدة عن الشرح والتقرير  والتي تضيء مساحات معتمة في أعماق الروح في شخصية المتكلم من خلال حواره مع ذاته ليمنحنا دفقا معرفي يضيء جوانب مبهمة :

فكّرْ ..

كم متعةٍ خسرتها

حين لم تصبح مطرقة؟

ليست الأغصان

الجذور من تبتكر الثمرة

وربٌّ لوحده لا يصنع الجنة

الإنسان .. يدُ الله الأخرى 

من ذهنية الشاعرة الخلاقة الواعية التي تمتلك القدرة بجعل هذا المنجز الإبداعي مترابطاً وظيفياً ومتماسكاً بوشائج خفية لا تلتقط هذا الترابط من القراءة الأولى وقد جعل الحطاب من اللغة مادة منصهرة يعيد تشكيلها وصوغها لتؤدي وظيفتها الإيصالية على أكمل وجه فلا تقف بوجهه قواعد أو قوانين بل هو من يضع قوانين جديدة ليجعل النسيج الشعري لوحة عاكسة ومتوازية مع معطيات ودالات العمل النحتي فنندهش لتراكيب قصيرة حادة تقابلها أو لتركيب مزجي يختزل الكثير من المعاني ويستغني الشاعر عن الكثير من الألفاظ الزائدة: (حبة دمع واحدة /لحظة حنطة /صاج النصب / المسرة الجائعة / نهار مبتسم الكفين / كسر من حنين جاف / الشموع العاقرة) من هذه التراكيب ينسج الشاعر صوراً شعرية متماسكة متوهجة الدلالة يجعل القارئ متفاعلاً  مع مجرى النص الإبداعي وتنفتح أمام مخيلته آفاقاً إيحائية تحملها هذه التراكيب التي يصهرها ويعيد تشكيلها جواد الحطاب :

لحظة حنطة

على صاج النصب

رماني البرق

ومن حلمة دجلة رضعت روحي

أو في اللوحة الشعرية التالية والتي أعاد منتجتها جواد بقدرة بجماليون وبروحه الشاعرة المغامرة التي  تعرف كيف تكسر جماح اللغة وتروضها :

بنهار مبتسم الكفين

عجنت رائحة الجوري

:حناء

لحيطان المتحف الوطني

.. وتقيم في رقم الطين

بروفات تنقيب عن الآتين

وممّا يضاف لهذا المنجز بما فيه من إمكانية الحطاب في منتجة الجملة الشعرية وجعلها مختزلة لمعانٍ كثيرة  هو  استخدام الحطاب  تقنية (علامات الترقيم) بقدرة فائقة لتكون دالات إرشادية لمعرفة ترتيب وتسلسل الفكرة وتقودنا للكامن من النص غير المرئي فالحطاب أنجز نصان متوازيان نصٌّ مرئيٌّ شاخص يوازيه نصّ كامن مستنبط من خلال إشارت الترقيم فلا فراغ لدى الحطاب فكل ظاهر يقابله كامن وعلى القارئ الواعي أن يستنبطه :

.. تهمزنا الشموع العاقرة

فنرحل ..

مصابين بتشمّع التذكارات نحو (باب الشام)

صحراء .. /صحراء .. / صح .. / لاااااااااااا ..

كسر من حنين جاف

أو من خلال هذه الصياغة الشعرية المختزلة للأزمنة  التي يكون للإشارات الترقيمية دلالة على المعنى الكامن  :

..أدفعاً لاشتباه العشب

صنع القدماء للثيران أجنحة ؟!

..................

.................

محراثٌ خفي

يمتدّ من ظهره لقرميد (ساحة التحرير)

إنّ لجواد الحطاب قدرة تحويلية متفردة في إعادة صياغة المفردة وشحنها ونسجها ضمن تراكيب شعرية مكثفة نقية من كل الزوائد اللفظية والترهل التعبيري ولديه طاقة جعل الكلمة مفاجئة ومستفزة للقارئ وكأنه يسمعها للمرة الأولى على الرغم من بساطتها ومألوفيتها القاموسية لكنها في منحوتات  جواد الشعرية  لها وقع آخر لأن الحطاب يصهر اللغة وكأنه نحّات يصهر المعدن ليعيد تشكيله في كتل تعبيرية مغايرة لمادته الخام حتى إن جواد في الغالب يستثمر بوعيه المعرفي المفردة والحرف لتؤدي وظيفة جمل وتراكيب فما يعني الحطاب هو إيصال معان متعددة بألفاظ موجزة وهي مقدرة لا تتأتى للكثير من الشعراء. لذا تناولنا هذا الجانب المهم ألا وهو تطويع اللغة وإعادة منتجة الجملة الشعرية  في رحلتنا الاستكشافية لمنجز الحطاب الإبداعي (بروفايل للريح .. رسم جانبي للمطر) والذي كان يحمل بصمة إبداعية بكر يمدّنا بدهشتها الشاعر في كل منجز شعري يقدمه لنا. صدر ديوان بروفايل للريح .. رسمٌ جانبي للمطر (تنويعات على نصب الحرية) عن دار شرق غرب للنشر بـ 111صفحة من الحجم المتوسط صدر في عام 2012للشاعر جواد الحطّاب.

 

بقلم الناقد: أياد خضير

   

 

ماجد الغرباوي و "مديات حلم"

abdulsattar nooraliتوغّلْ .. توغّلْ

فلذيذُ الطعنات

آلامُها


 

 

يتكرر هذا البوح بالألم، في قصيدة الباحث الأديب ماجد الغرباوي "مديات حلم". هذا التكرارُ خلاصةُ الجرح فيه، جسداً وروحاً. إنّه بيت القصيد، الذي يدور في دوامته النصّ. هو المخاضُ الذي وُلدَ من رحمه ما يحمل مضمونه من أحاسيس، وتفاصيل، وصور:

آهاتٌ تساقطتْ،

فراحتْ تـُلملم جـُرحَها،

ولمّا اقتحمت فناءكم،

كان عليَّ أن اعتذر لكم جميعا

 

هي الآهات إذن، الآهاتُ التي تساقطتْ، وهي تلملم جرحَها. جرحٌ أمطرَ في فنائنا هذا الشدو الشجيِّ، الموغلَ في عمق النفس المبدعة، لتمطرَنا بهذا البوح. إنّه القلب المضمّخ بالألم. الألم الذي يرفع الكلمة اضاءةً لما في داخل النفسِ من كلامٍ، يحمله الكاتبُ ليمرّ علينا بقنديلهِ، معتذراً لما قد يسيلُ من أنامله ما يقتحمُ قلوبنا جُرحاً فنتألم. مع أنّهُ ألم لذيذ نحتسيه. وهو الغرباوي المتوغل عميقاً. فيمَ يا تُرى؟:

 

في مدياتك القصية حلمٌ

شاسعان جناحاك

حلِّقْ ...

فلن تجدَ سوى الريح موطئا

 

هو الحلم. والتوغل ليس في عمق الأسفل، إنما هو في شاسعات الأعالي .. هناك حيث أقاصي الفضاء الرحب. والتحليقُ بجناحين، فارعين شاسعين. بامكانهما الطيران الى أعلى فأعلى .. هناك الحلم السابح في نور الشمس. هو حلم الخلاص من الجرح وآلامه، للتحليق ثانيةً الى أقصى فأقصى .. حيث المدياتُ الفسيحة. واللهفة تشدّه. وقودهُ دمُه المراقُ، الذي يحرقُ جوانحهُ ألماً ورغبةً في الخلاص، وتوقاً إلى معانقة النجوم، وإلى الطيران في الهواء والفضاء الشاسع:

 

تشدُّكَ ازرارُ اللهفة

وقودُ حناياك دمي

 

هذه اللهفة في الخلاص، مشدودةٌ الى التحدي، تحدي الجراح للتخلص منها بقوة وعزيمةٍ وعمق كأنامل الشمسِ وهي تغور عميقاً لتمزّقَ الشرنقة فينطلق الغرورُ مقتحماً المدى للوصول الى الحلم المُنتظَر. لا يعني الغرورُ هنا التكبّرَ، وإنّما الثقة العارمة بالنفس وقدرتها على تحمّل صخرة الألم الثقيلة الخانقة. الانتظارُ ليس بالاستسلام للقدر، وإنّما بالسعي الحثيث، والشجاعة الارادة الصلبة والاصرار على المواجهة، وجعل اليد سلّماً للوصول إلى النيازك لافتدائها. فاليد هنا علامة القوة والعزيمة في التصدي والمقارعة، والأمل في اقتناص الحلم:

 

عميقاً تهادت أناملُ الشمسِ

تمزّق شرنقةَ الغرورِ

 

سُلّـمٌ يدي

تفتدي

سنا النيازك

 

وهذا ما يُذكّرنا بما قاله حافظ ابراهيم :

 

مَنْ رامَ وصلَ الشمسِ حاكَ خيوطَها

سـبباـً إلى آمـالـهِ ..... وتعـلّقـا

 

روحُ التحدي للآلام وجراحها النازفةِ، ومواجهتها بالشجاعة والقوة النفسية والارادة الحديد، تعيدُنا الى الميثولوجيا الأغريقية وقصة الإله برومثيوس، التي وظّفها الكثير من الشعراء في مضامين قصائدهم لخدمة ما يرمون اليه. ومنهم أبو القاسم الشابي في قصيدته "هكذا غنّى برومثيوس"، قصيدة التحدي والمصارعة، ومقارعة الألم باشدِّ القوةِ والعزم والتحمّل، وبالاصرار على مواصلة الحياة ونشيدها، وبالانشداد الى حبِّ الانسان وحلمه في نشر النور والمعرفة والدفء، مثلما ترمز اليه قصة الإله برومثيوس، ومثلما كانت حياة الشابيّ انساناً وشاعراً:

سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ

كالنسرِ فوق القمّةِ الشمّاءِ

 

أرنو إلى الشمسِ المضيئةِ هازئاً

بالسُحْبِ ، والأمطارِ ، والأنـواءِ

 

لا أعرفُ الشكوى الذليلةَ والبكا

وضراعـةَ الأطفالِ ، والضعفـاءِ

 

كانَ برومثيوس سامقاً شامخاً، وهو يقارع آلامه متحمّلاً متحدياً قوياً، حتى خلّصهُ هرقل من عذاباته. وكذا كانَ أبو القاسم الشابيّ (برومثيوس). وهكذا هو الغرباويّ:

 

سامقا تعاقرُ آلهةَ الحبّ

مترعةٌ جداولُ الصباح

بذلك الضباب الرومانسي

 

فهل الحلم بالخلاص رومانسية ضبابية، أم هي القوة والشجاعة التي تعين على الصبر حتى مجيء الخلاص؟ وهل ننسى قصة النبي أيوب (ع) مع الصبر والتحمّل؟

 

إننا أمام برومثيوس صابراً هازئاً بالسحب والأمطارِ والأنواءِ. وعليه فهل يمكنُ لنا أنْ نسمّيَ النصَّ هذا (برومثيوس سامقاً)، وذلك لاحتوائه على اشارات السموق والترفّع عن الشكوى الذليلة. هو في أخدود نار الألم، يعاقر آلهة الحبّ خمور الحبِّ والنور والرومانسية الحالمة.

 

اعتماد أديبنا الغرباويّ على التكرار لنصٍّ داخل النصّ، هو للاشارة التأكيدية على معنىً. هذه الاشارة كما أسلفنا هي بيت القصيد. فما يدور حولها هو دخول في تفاصيلها، حسّاً، ومضموناً، وصوراً. إنّ الألم هو خالق النصِّ، بما أحدثه في النفس، لتتفجّر بما باحتْ لنا. إنه الألم الناشب أظفاره ، لكنّه مع طعناته لذيذ، لأنه يخطّ العمق والسموق واليد التي تطال النيازك، ويُفجّرُ جداول الصباح المنير مترعة بالرومانسية والقوة الذاتية. وهو الذي أبدع هذا النصَّ الزاخر بالحسّ الرومانسي الرهيف، واللغة الجميلة، والصور الشعرية الرقيقة.

 

للثقافة العميقة محيطاً شاسعاً، أثرُها في النفس وفي الفكر وفي البصر. في النفسِ فضاءً مشرقاً مفتوحاً على نوافذ عديدة. في الفكر تحليقاً بأجنحة، لا جناحين فحسب. في البصر منفتحاً على آفاقٍ بألوانٍ مختلفة. وعندما تكون الثقافة مستندة إلى جذع شجرة الموهبة والابداع، مدعومة بالقلم والكلمة، عندها نحضى بما يطيب، وبما ينفع، وبما يدهش. وهذا ما التقطناه في مبدعنا الكبير ماجد الغرباوي، المثقف المغرم بالكلمة مكتوبةً متفجّرةً، هو هذا المثقف المتعدد فنون الكلمة، ليبرزَ بحثاً وقصّاً... ثم شعراً.

 

عبد الستار نورعلي

فجر السبت 13/7/2013

 

رابط القصيدة:

http://almothaqaf.com/index.php/nesos/76400.html

  

قراءة نقدية في قصة (وانشقّ القمر) للأديب الباحث ماجد الغرباوي / هيام مصطفى قبلان

سأبدأ من عتبة العنوان:hyam qabalan

 (وانشقّ القمر):

يعتبر العنوان بوابة يدخل منها القارىء الى جسد النص القصصي وعلى الناقد تناول عتبة العنوان قبل الغوص والابحار في بحر الكلمات لكن عليه الحذر كي لا يسقط في فخ القاص ومضمراته من اطلاع وبحث، وقد يتيه أحيانا اذا لم " يضبط ايقاع العنوان فتنفلت من بين يديه فيكون ظالما للقاص وللعمل القصصي لأنه سيضطر الى تقويل النص أشياء لا يريد قولها " (1) ولا يفهم من كلامي أنّ العنوان يجب أن يكون مباشرا يعرّف بالنص ويكشف جوانبه من أول وهلة، لكن أهميته لتوضيح العلاقة التي تجمع العنوان بالنص بوظائف مشتركة بينهما، منها وظيفة العنوان السيكولوجية، حين نعتبره محفّزا يستنهض القارىء ويثير تساؤله وانتباهه وأحيانا يستميله اليه، ومن وجهة أخرى هناك الوظيفة السوسيولوجية حين تحدث المفارقة ويصدم العنوان القارىء حين لا يتوافق مع معتقداته وأيديولوجياته

" جيرار جينيت "يعتبر العنوان علامة تميّز الكتّاب وتبيّن مجال اختصاصه، وما دام العنوان كذلك فيمكن ربطه بمجال الاشهار والتسويق فالكاتب يختار عناوين براقة أو مؤثرة تسترعي اهتمام القارىء وتشدّ انتباهه وتحرك فيه المضمرات الكامنة في اللاوعي " (2) . والعنوان قد يثير في المتلقي رغبة  التأويل والبحث الجاد عن الخيط الذي يربطه بالنص وتختلف طبعا القراءات وتوجهات القراء ..!

انشق القمر: وانشقاق القمر من المعجزات التي أيّد الله بها نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم، معجزة انشقاق القمر الى شقّين، حين رأى بعض الصحابة جبل حراء بينهما، وقوع هذه المعجزة كان قبل الهجرة النبوية عندما طلب كفّار مكة آية تدلّ على صدق دعوته ففي الحديث " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما "وهو متفق عليه وعن " ابن مسعود " رضي الله عنه قال: "انشق القمر على عهد رسول الله فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله اشهدوا " متفق عليه وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " لقد رأيت جبل حراء من بين فلقيّ قمر" .

انشق القمر كعنوان للقصة: دال على منجز القصة ورمز لمعجزة انشقاق القمر وهي احدى علامات الساعة التي حدثت ففي الحديث الصحيح: " خمس قد مضين، الدخان، والقمر، والروم والبطشة واللزام " * اللزام: أي القحط، وقبل التصاق القتلى بعضهم ببعض يوم بدر، * والبطشة: القتل الذي وقع يوم بدر ...وقد ورد ذكر هذه الحادثة في القرآن الكريم مقرونا باقتراب الساعة قال تعالى: " اقتربت الساعة وانشق القمر": ( القمر1) ولما كان من عادة قريش التعنّت والتكذيب فقد أعرضوا عن هذا ووصفوا ما رأوه بأنّه سحر ساحر، وقد حكى القرآن لسان حالهم فقال تعالى: " وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر(القمر: 1-2) وقد نقل عن أبي اسحاق الزجاجي في معاني القرآن أنّه قال: " أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفين الملّة انشقاق القمر، ولا انكار للعقل فيه لأنّ القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء، كما يكوّره يوم البعث ويفنيه ".وكان احتجاجا للبعض: أنه لو وقع ذلك الانشقاق لجاء متواترا ولأشرك أهل الأرض في معرفته، ولما اختصّ به أهل مكة " والجواب أنه وقع ليلا وأكثر الناس نيام، والأبواب مغلقة وقد يقع أن يخسف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل، ولا يشاهدها الاّ الآحاد من الناس، فكذلك الانشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا وتعنّتوا، فلم يروا غيرهم ومن المحتمل أن يكون القمر ليلتئذ كان في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون غيرهم كما يظهر الكسوف لقوم دون قوم .نقل عن الخطابي قوله: " انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعد لها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع فليس مما يطمع في الوصول اليه بحيلة، فذلك صار لبرهان به أظهر ".

أما الدراسات الحديثة التي اعتنت بدراسة سطح القمر أنه يوجد به آثار لانشقاق وانقسام كان له الأثر في اسلام البعض لما علم أن القرآن تكلّم عن ذلك قبل قرون، فسبحان الذي أظهر الدلائل والآيات الدالة على ألوهيته وعظيم خلقه، قال تعالى:" سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيدا "، (فصلت: 53)، ودلائل هذه الحادثة: تدلّل على قدرة الباري عزّ وجل المطلقة في تغيير النظام الكوني وعلى صدق دعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلّم لنبوّته وأيضا تدل على اضطراب النظام الكوني في المستقبل، فانشقاق القمر هو نموذج مصغّر للحوادث العظيمة التي تستبق وقوع يوم القيامة في هذا العالم حيث اندثار الكواكب والنجوم والأرض، أي قيام عالم جديد آخر ومختلف تماما .

* النص الذي أمامنا للأديب الباحث ماجد الغرباوي، رحلة السواقي والأنهار والطبيعة الساحرة ورحلة النفس والغوص داخلها، ان أستاذنا الغرباوي وصف مراحل هذه الرحلة بعاصفتها الهوجاء، ومباغتة الموت واحتراق نصف جسده الأيسر و" التشبث بالنصف الثاني، الخروج من المكان، من واقع الى العالم الآخر،وما فوق الطبيعة من تخيّل وربما الوهم يلعب دورا هاما في نفس السارد  (كيف يعيش بنصف جسد لوقدّر له أن يعيش ونصفه الأيمن سليم) ونصفه الأيسر الذي يرمز الى القلب والنبض والحياة من جديد وهو الذي أقبل عليه الموت بعاصفة هوجاء.

** التقاء عالمين (العالم الثاني) والعالم الآخر الحياة ما بعد الموت، " الشمس أذّنت بالمغيب " وصف مدهش لانتقال الروح الى العالم الآخر" لا يسمع سوى اصطكاك أسنانه العارية وأنين الموتى القادم من أعماق الأرض، لا يرى سوى أحشائه المتدلية".حيرة وتساؤل " ماذا يحصل حين نموت هل نتحول رمادا؟"، هذا الانسان دائم البحث المتطلّع الى المجهول بين شك ويقين، هل حقا تموت أعضاء الجسد، وبعد موت الجسد ماذا عن القلب والرئة والأحشاء،، تساؤلات تدعو للبحث والتأمّل، يتخيّل فاجعة الانسان وما يحصل بعد موته " هل هناك حياة بعد الموت؟" الدخول الى عالم الغيب، المجهول الآتي الذي لا نفكر فيه .هكذا هي المسافة بينه وبين نصفه الثاني، كيف يتقرب بنصف جسد خائر القوى (هي المسافة بين الضوء والظل)  المسافة بين الحياة والموت، هو اللغز اذن (الحياة بعد الموت) وكبرياء الانسان وغروره .

مز القلب في النص بجهته الى اليسار له علاقة بالانشقاق (الشق واضح على شكل أفقي من اليسار لليمين، هذا اذا تمعّنا بصور الانشقاق التي أحدثتها التكنولوجية الحديثة للتأكيد من العلاقة بين انشقاق القمر واقتراب الساعة وهي علامات تعتبر ليوم الميعاد) كفار مكة قالوا للرسول: " ان كنت صادقا فشقّ لنا القمر فرقتين، ووعدوه بالايمان ان فعل، وكانت ليلة بدر فسأل الرسول ربّه أن يهبه ما طلبوا، فانشق القمر نصفين على (جبل الصفا) ونصف على (جبل قيقعان) المقابل له، حتى رأوا حرّاء بينهما وقالوا: " سحرنا محمد ثم قالوا: " ان كان سحرنا فانّه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فقال أبو جهل: " اصبروا حتى تأتينا أهل البوادي فان أخبروا بالانشقاق فهو صحيح والا فقد سحر محمد أعيننا، فجاءوا فأخبروا بانشقاق القمر فقال أبو جهل  والمشركون: "هذا سحر مستمر، أي دائم فأنزل الله: " اقتربت الساعة وانشق القمر وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا وتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر، ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النذر فتول عنهم " .

* الحديث عن جدلية الموت فلسفة قائمة بذاتها، الصراع بين الجسد والروح في لحظات الاحتضار الأخيرة وانفصال الروح عن الجسد، والسؤال الذي قد يخشى منه سائل: الجسد يفنى وماذا عن الروح، وقد آمن الهنود أن الروح تحل في شخص آخر ومن الممكن أن تكون انسانا أو حيوانا، وبهذا تتجدّد وتتناسل بينما هناك قبائل تحرق الجسد بعد الموت كي لا يبقى منها أيّ أثر وينثر رماده في أرجاء الأرض وفي البحار، وهذا ما يدّعونه بحياة أخرى متجددة وما يسمى بتناسخ الأرواح، أما قلق الكاتب في القصة فهو قلق ينمّ عن كون الشخصية الساردة في النص تتفاعل مع نموذج الشخصية الايجابية والتي بدورها تتأقلم مع مجريات الأحداث وترفض أن تقذف خارج دائرة الصراع وتحت أي مبرر، هذه الشخصية تراهن على تطوير الذات واقتناص فرص التحول الايجابية التي تخصب شخصية تمنحها وعيا دقيقا بخصوصية اللحظة التاريخية التي يجتازها وايجابية هذه الشخصية في النص تنهض أساسا على قوة ارادة ورغبة في المواكبة الحداثية .

بالنسبة للجسد ولو قدّر له أن يعيش هل يستطيع بنصف جسد؟ وماذا عن الحلم في النص؟ وكيف ننظر الى الجسد حين تنفصل عنه الروح؟

نحن للأسف ما زلنا" نحتفظ بذاكرتنا الجمعية للجسد بايحاءات سالبة لأنه مراوغ فهو في الغالب يدخل في علاقات ضدية مع الروح المقدسة، وهذا يرجع لطبيعته التي تسمى بالزوال والتلاشي فضلا عن انشداده الى اللذة الزائلة والمتع اللحظوية علما أن هذا التقسيم الثنائي للروح والجسد الطاهر والمدنس أنتج منظومة قيمية بقدر ما بخست من شأن الجسد أعلت من الروح وهذا قد يرجعه البعض لزمن البدايات الأولى للخلق منذ طرد آدم من جنة عدن بسبب ضعف مقاومته للغواية، هو مسار تاريخي طويل ترتبت عنه مفاضلة انتقصت من حظوة الجسد وهو ما لا ينسجم والثقافة الاسلامية التي تعد المؤمن بفردوس من اللذات في الدار الآخرة كجزاء على ايمانه " (193) ..هذا هو القلق في القصة اذ أنّ تراكم ثقافي جعل رؤية الجسد مشوشة ولماذا؟ هل لأن السعادة الحسية مخيفة فلا تتحقق بالحياة الواقعية فنبحث عن عالم آخر نرى فيه ضالتنا التي فقدناها فنلجأ الى الحلم والتأمّل والرغبة ونفصل أنفسنا عن عالمنا الواقعي .

ما المسافة بين الانسان وبين نصفه الثاني الا المسافة بين الموت والحياة، بين سكون الجسد عن حركته وبين الروح الثائرة المتوثبة التي تبحث لها عن جسد آخر تحلّ فيه، انها قضية فلسفية في ولادة الانسان وبعثه من جديد ومشاهدة نفسه في لحظاته الأخيرة لينظر الى نفسه يسألها هل هي التي ما تزال تحيا؟

في قصة الأديب ماجد الغرباوي نلحظ أسلوبه الذي يلجأ من خلاله الى القصص الغرائبية والتي تعتمد في مجملها على التاريخ والتناص الديني بآيات وسور من القرآن الكريم، والبحث عن حقيقة الكون واختراق العالم الكوني الى ما وراء الطبيعة، وهذا الانشقاق للقمر بقدر ما يبدو أنه ظاهرة طبيعية بقدر ما كاتبنا أثبت علاقة هذا الانشقاق بمعجزة ربانية أشير اليها في الآيات القرآنية وفي التاريخ الاسلامي وحين يأتي بقوله: " ضاقت به الأرض بما رحبت " (التوبة)،فأديبنا الذي شعر بضيق الأرض وهي علامة دالة على التهيّء للحدث قبل وقوعه،وهنا في النص يصوّر الذي يحدث وكأنه مشهد حقيقي يراه أمامه وربما لا يراه غيره، وقد استعان بتوظيفه للمفردات التي لها علاقة بالظاهر الطبيعية التي لا سلطة للانسان عليها: "دمدم الرعد/ سنا البرق / أضرمت غضبها / تلبّدت السماء/ زمجرت وأبرقت / أحرقت ... ... " وقد يدخل هذا الأسلوب في الوصف للجدث حالة من الفزع في نفس القارىء فيربكه هو أيضا .

في النص توجّه للصراع الداخلي للانسان والذي من المحتمل أن يأتيه بالصدمة حين لا يتوافق مع ايمانه أو الأيدولوجية التي يحملها فمن منطلق فلسفي فقد ترك لنا الكاتب النهاية مفتوحة للتأمّل في حيثيات ومراحل تطور القصة الملازمة للحدث حيث الايقاع السريع المتقن، والخروج عن رتابة اللغة من ناحية سردية قد تتوافق مع عمل تاريخي وبحثي جميل قد يحقق هدفا لكن الكاتب في هذه القضية بالذات وعنوانه وانشق القمر يمنح للمتلقي العبور من مكان الى آخر والوصول الى اللاشيء أو اللامحدود ..!

 

أحييك الكاتب والباحث المبدع ماجد الغرباوي وأتمنى أن أكون قد قرأتك جيدا.

 

هيام مصطفى قبلان /

الكرمل -  فلسطين

 

...................

ملاحظة: يمكنك العودة الى الاشارات في القراءة:

1 - مضمرات القصة القصيرة، للناقد محمد يوب سلسلة دفاتر الاختلاف ص 20 /22 .

2 - أسئلة القصة القصيرة بالمغرب، مقاربات موضوعاتية،للناقد محمد رمصيص ص193 .

- آيات معتمدة من القرآن الكريم.

..........................

 

وانشق القمر!! / ماجد الغرباوي

خرج على غير عادته .. تتبع حركة السواقي والأنهار .. بهرته الطبيعة بسحرها

.. استدرجته .. حتى غاص في أعماق الحقول المجاوره، وتغلغل في أحراشها العالية.

كان الجو صحوا، والشمس ترسل أشعتها ندية.. تنعكس على صفحة أحلامه، فيحلّق مع ميامي، وتأخذه نشوة الحديث معها.

فجأة تلبّدت السماء، وأضرمت غضبها، فهطل المطر، بعد أن زمجرت وأبرقت، لتعلن عن بداية عاصفة هوجاء.

بحث عن ملاذ .. ضاقت به الأرض بما رحبت. همّ بالفرار .. خذلته إرادته. هرول ليحتمي بظل شجرة عارية .. دمدم الرعد، وراح سنا البرق يملأ الحقول والبساتين. وهو يتلفت مرعوبا، ينظر الى دواب الأرض كيف تلجأ الى جحورها. نزلت صاعقة مدوية فأحرقت كل ما حوله .. بهت مذعورا، يا إلهي ....

لم تمهله السماء طويلا، فصعقت ثانية، إلا أنها أحرقت نصف جسده الأيسر.. فظل مشدوها، فاغرا فاه، متشبثا بنصفه الثاني، لا يدري ماذا يفعل. راح يلملم جراحه، ويشد من أزره بارتباك .. ملتحّفا بخوفه وترقبه.

ماذا يفعل..؟ .. تساءل وهو في الرمق الآخير من الحياة.

عجز عن الكلام، غير أن علامة استفهام ارتسمت على صفحة حيرته، واندهاشه.

كيف يعيش بنصف جسد لو قدر له أن يعيش؟

علامة استفهام أخرى، طفت .. لكن هذه المرة على مساحة واسعة من الأفق .. كاد ان يحدد نهايتها، فارتد بصره خاسئا.

عاد يتلفّت .. لم ير الا أعمدة دخان، بعد أن أتت النار على كل شي، سوى نصفه الأيمن.

انتصب بما تبقى من جسده .. نظر الى نصفه الآخر .. وانهمرت دموعه شلالا من الأسى،.. لم يجد شيئا من معالمه، الا عينا، وشبح أطراف، وصدرا عاريا، وبضع كلمات.

نظر الى السماء .. راحت الغيوم تجر أذيالها، بعد ان أنهت مهمتها، والشمس أذنت بالمغيب، الا خصلات ذهبية، أضفت لمسة سحرية على ذكريات ميامي الجميلة. لكنها سرعان ما توارت، خلف أمله التعيس، ليبقى فريسة سهلة للظلام الزاحف بلا روية ولا رحمة.

عاد تحت هول الصدمة، ينظر لنصفه الأيسر، يتأمله، يدقق فيه. كان أول ما لفت نظره تلك الكلمات .. حاول أن يقرأها، فاستفزه صوت جسده بعد أن هبط الليل بثقله.. كان مرعوبا، لا يسمع سوى اصطكاك أسنانه العارية، وأنين الموتى القادم من أعماق الأرض .. ولا يرى سوى احشائه المتدلية، فلاح له سؤال حيّره، هل نصفه الأيسر أحترق، أم اختطفه ضوء الصاعقه فصيّره رمادا؟

كانت حيرة فهمه للسؤال أصعب عليه من الاجابة .. ما الفرق في ذلك؟ .. جسده الان ملقى، بعد أن انتزعت النار كل معالمه. لكن يبدو هناك لغز يتوقف على فهمه لهذا السؤال اللعين. سؤال محيّر فعلا، أين يعثر على شفرته؟

وسرعان ما جرفه سيل الأسئلة .. أين احشاؤه .. قلبه .. رئته؟ هل ما زالت هناك، حيث يرقد نصف جثته المتفحم؟.

ثم راح يتأمل فاجعة الإنسان بعد موته، ماذا يتبقى منه؟ كيف خمد جانبه الأيسر بلا حراك، وماذا لو كان مات كله، من سيكون الشاهد على مأساته؟ .. مغرور هو الإنسان، هل كل ما تبقى من جانبي الأيسر بضع كلمات؟ آه يا لحسرتي .. ربما هي كل ما تبقى مني .. من يدري، يلفنا الغيب من كل جانب، ولا نبالي. تحاصرنا الدنيا من كل زاوية، ولا نفكر بما هو آت.

آه يا إلهي .. اراد ان يصرخ، يستغيث، يتشبث بصدى صوته، لكن حيرة الدهشة والسؤال عقدت لسانه الثاوي.

جانبه الأيسر، كان نابضا بالحياة، كان قلبه يعزف موسيقى الصباح .. يدندن كل يوم أغنية جديدة. كانت ميامي لا تأنس الا به .. بايقاعه .. بنبضه. هل ستعود ميامي الى أحلامه أم اختطفها سنا البرق الأهوج؟؟ .. سؤال آخر فاجأه بينما بدأ الليل يجهز عليه، ولم تبق سوى نقاط بعيده من الضوء، لا تبعث على التفاؤل اطلاقا.

هل يرحل ..؟ .. كيف يترك نصفه الأيسر؟

سمع صوتا خافتا ينبعث من النصف المحطّم .. حاول ان يصغي له جيدا، لكن دون جدوى. عليه الاقتراب ولو قليلا.

كيف يقترب بنصف جسد خائر القوى؟. كيف يقطع المسافه بينه وبين نصفه الثاني؟

انها بضع خطوات.

لا .. لا .. لا .. ليست بضع خطوات، هي المسافة بين الحياة والموت .. اللغز الذي حير الإنسان منذ الأزل.

ليس من حيلة .. ألقى نفسه على الأرض .. زحف تحت جنح الظلام، سمع أصواتا غريبة .. ارتعدت فرائصه .. استلقى بجانب نصفه الآخر يرتجف، نظر اليه مليا، استغرب وجود تلك الكلمات .. حاول ان يصغي ثانية .. ركّز بكل جوارحه .. لم يسمع سوى صداها المحيّر .. تارة تتقاطع وآخرى تنتظم، أو ترسم عمودا من النور.

في غمرة تأمله، وحيرته، عاد يتساءل: كيف يعيش بنصف جسد لو قدر له أنْ يعيش؟ وكيف يواصل حياته؟ وماذا عن احلامه مع ميامي؟

أفاق على أنين ميت قريب، أو كائن لم يفهم كنهه. تخيله يزحف اليه، اجتاحته قشعريره .. حاول أنْ يتجلد .. أنْ يتمالك نفسه، لكنه فشل.

استسلم للرقاد، او كاد .. أرعبته الاصوات ثانية.

التف بحيرته، ليس معه سوى نصف جسد متفحم .. انه جسده، وعينه اليسرى، وأربع كلمات، تتخذ أشكالا مختلفة.

ماذا يفعل؟؟

كان من الصعب ان يمسك بما تبقى من جسده، كان خائر القوى .. أصوات مخيفه. آه يا الهي .. تخيّل ان ذلك الأنين يصدر عن جثث أخرى. من يدري .. ربما هو لرجل عظيم، او امرأة صالحة..

لماذا يشكك الانسان بالموت، أليس هو الحقيقة الوحيدة الماثلة أمامنا .. لماذا لا يردعه الموت؟

الإنسان؟ يا له من مخلوق عجيب .. كم هو بائس .. مغرور ..؟!!!

هل يخشى الإنسان ما بعد الموت؟ ربما .. لكنه عنيد، مكابر، لا ينصاع، الا حينما تسحقه الطبيعة بجبروتها.

يا للهول، أليس من حقنا ان نهرب منه؟ ماذا تبقى من نصفي الأيسر، سوى بضع كلمات. ما قدرها. نصفي الأيسر ذلك الكائن الجميل، الذي أرهق حياتي ..

لم يمكث طويلا حتى رأى طيرا أسود، عرفه من حفيف جناحيه .. حالت حلكة الظلام دون معرفة فصيلته، أخذ يحوم حولها، وينظر اليَّ بعين حمراء متوقدة، كجمرة في يوم شتائي قارص. أقترب من الجثة الهامدة، كتمثال أهمله تمادي القرون الطويلة، ثم أرتفع، فدنا... فكان قاب قوسين او أدنى .. تمتم بأصوات غير مفهومة، ارتبكت جثتي، ثم تجهّمت وأشتد غضبها حين خطف الطير إحدى الكلمات وحلق عاليا.

رأيت عيني اليسرى، كيف أجهشت بالبكاء .. توسلت بقواي كلها، لأقترب أكثر، وأصون ما تبقى منها. كنت أرتجف .. أصرخ .. استغيث، لا أجد لصدى دموعي سوى جثة هامدة، ولما اقتربت منها، سمعت صوتا هامسا:

أنتبه ..

هذا ..

سر نجاتك!!

 

للاطلاع

وانشق القمر!!! / ماجد الغرباوي

 

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

 

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2130الخميس  24 / 05 / 2012)

 

إشكالية الموت والحياة في قصة (وانشقّ القمر) للأستاذ ماجد الغرباوي / جميل حسين الساعدي

jamil alsadiالإنسان بطبيعتهِ يخشى الموت، لأنه نهاية لما يسمى بالحياة، والتــي بالنسبة له ديمومة البقاء على هذه الأرض.

فبمجرد التفكير بالمــوت يجعل الإنسان فريسة للقلق ويعكّر صفو حياته. وأحيانا يولّد عنـــــده فكرة اللامعنى واللاجدوى في نظرته الى الحياة والوجود. وهـذا ما رآه أونامونو حين قال: " وأنا حين أجد نفسي مستغرقا فـي دوّامــة الحياة ــ مع ما يقترن بها من هموم ومشاغل ــ أو حينما أجـد نفسي منهمكا في حديث مشوّق أو في حفلة مسليـــّة، فإننــــي لا ألبــث أن أن أكتشف ــ على حين فجأة ــ أنّ الموت يحوم حولي، ويحلّق فوق رأسي! أستغفر الله، لا الموت نفسه، بل شئ اسوأ مــن الموت: ألا وهو الإحساس بالفناء، وهو ذلك القلق الأسمى الذي مابعده قلق" (1).

أمّا الفيلسوف الفرنسي الفرنسي باسكال   pascal  فهــو يتجاهــــل التفكير في الموت او يتناساه، كما يفعل غالبية الناس فيقول: " إنّه لما كان الناس لم يهتدوا إلى علاج للموت والشقاء والجهل، فقـــــد وجدوا انّ خير الطرق للتنعّم بالسعادة هي ألاّ يفكروا في هذه الأمـور على الإطلاق (2).

وقريب من هذا المعنى ما قاله لاروشفوكوla  Rochefoucauld  :" إنّ ثمّة شيئين لا يمكن أن يحدّق فيهما المرء: الشمس والموت " !في أ دبنا العربي يفسّرلنا الشاعر المتنبي ظاهرة الخوف من المـوت في البيتين التاليين:

إلفُ هــذا الهواءِ أوقع في الأنـ       فسِ أنَ الحمــام َ مرُّ المــذاقِ

والأسى قبلَ فرقة الروحِ عجزٌ       والأسى لا يكونُ بعـدَ الفراقِ

 

فحسب رأي المتنبي يعود خوفنا من الموت الى اعتيادنا على الحياة، أمّا الموت نفسه فهو ظاهـــــرة، شأنه شأن الحياة، سواء بسواء، لا تستدعي الخوف.

 

الشاعر الانكليزي المعروف جون ملتن يصف لنا في ملحمتـــــــهالشعرية (الفردوس المفقود) مشاعر الإنسان وانطباعاته تجــــاه ظاهرة الموت، عندما يتعرف عليها لأول مرّة، وذلك على لسان قابيل، الذي قتل أخاه هابيل في بيتي الشعر التاليين :

 

سكنتَ وأبطلَ فيك الحراك         وهل ماتَ حيٌ اذا ما سَكَـــــــنْ

ألا لمْ تمُــتْ رغم اني رأيتُ        بوجهك معنى يثيــــرُ الشجَـــنْ

 

نستنتج من البيتين السابقين أنه لا وجود للموت إلاّ في تصوراتنا، فبطلان حركة الجسم، لا تعني الموت إطلاقا،  وقد أدرك قابيــــل ذلك بفطرته. وقد أكّد هذه الحقيقة الأستاذ الغرباوي فــي معرض ردّه على تعليقي على نصّه، الذي نحن بصدده الآن حيث أفــــاد:

" كما تفضلت لا وجود للموت إلاّ في تصوّرنا، فهو كما يــــــرى بعض فلاسفة المسلمين انتقال من حالة الى حالة، وهذا الكلام وفقا للنظرية الاسلامية تام وصحيح. أمّا في الفلسفات غير الإسلاميـة، فالموت هو العدم المطلق. وهنا يظهر الفارق،ومدى تأثيره علـى سلوك الإنســان في الدنيا . فمن يعتقد (ويؤمن حقيقة) بوجود يوم آخر، يتوفر على وازع داخلي، يردعه عن ارتكــاب المعاصي، ويدفعه الى عمل الخير والإحسان.. ومهما كان رأينا حــــول هذه الظاهرة، لكنها تبقى هاجسا، تهز مشاعر الإنسان متى تذكرها "اذا ً يرى الغرباوي انّ الموت ما هو إلاّ عملية انتقال من حالـــــة الى أخرى . لكن ما طبيعة  هذا الانتقال والتحول؟ تضاربـــت الآراء وتنوعت الفلسفات بخصوص هذا الموضوع. ففلسفة الكارما الهندية تعتقد بتناسخ الأرواح، التي تعود الى الحياة من جديد وتحل في كائنات تحمل صفات مقاربة لصفاتها. امّا مسألة الثواب والعقاب بعد الموت فهي تؤكد على أنّ الإنسان يصنع مستقبله على ضــــوء طبيعة عمله . فالحياة مستمرة وهي لن تنتهي اذاما غادر الجسد هذا العالم إلى عالم آخر، وما الموت إلا جسر نعبر عليه الى الشاطئ الآخر. وقد  لمّح جبران خليل جبران بشكل رمزي الى معنــــــى الثواب والعقاب، المرتبطين بسلوكنا وأعمالنا فقال في بيت رائع:

 

والموتُ كالبحرِ من خفّت عناصره

يجتازهُ وأخو الأثقالِ ينحدرُ

 

الأديب الأستاذ الغرباوي حين يدلي برأيه في مسألتي الحيـــــــــــاة والموت من خلال حوار أو مناظرة فهو مباشر وواضح، لكنّه حين يعالج هاتين المسالتين أدبيا وفنيا، فهو يقودنا عبر غابات كثيفــــــة ويحثنّا أن نتسلّق قمما سامقة ثم يدعونا أن نهبط معه الى وديــــــان عميقة. إنّها رحلة الإثارة والإستغراب ! .. فهو يثير في نصّـــــــــه القصصي (وانشقّ القمر) مسألة الموت باسلوب، يّتّسم بالغرائبية وينحو منحى رمزيّا، لا يخلو أحيانا من بوح مكشوف عن المشـــاعر والأحاسيس، التي تنطلق من أعماق الإنسان، وهو يقف وجها لوجه أمام الموت.

في القصة يهاجم الموت الشخصيّة الرئيسية ويتسبب في مــــــوت النصف الأيسر منها، فيستمـــــرّ النصف الآخـــر يتفحــــص بيـن المحروقات أملا أن يعثر على النصف المفقود. وفي غمرة الذهـول والذعر، تتناهى الى سمعه كلمات مصدرها النصف الآخر. وهنــا ينقلنا الكاتب بخياله الى النقطة، التي يتداخل فيها الموت مع الحياة .فالمعروف انّ القلب يقع في الجانب الأيسر من جسم الإنسان، وهـو مصدر الحكمة والمعرفة، والكلمات، التي انبعثت من بين ركـــــام المحروقات، هي دليل على استمرار الحياة بعد الموت. إلاّ انّ الكاتب يتركنا فـــــــي دهشتنا و دون أن يعطينا جوابا مباشرا يقطــع الشكّ باليقين وهـــذا جزء مـــن الآليّة الفنيّة، التي اعتمدها في هندســــة نصوصه القصصية، والتي لمسناها في قصص سابقة.

الغرباوي كما ذكرت في مقالاتي النقديّة السابقة حول بعض قصصه، يمثّل منهجا جديدا في فنّ القصة الحديث، يتضمن عناصر مبتكرة من بنات أفكاره، وهي تحمل بصمات شخصيته الأدبيّة المتميّـــــزة في هذا المجال.

 

وانشق القمر ..!! / ماجد الغرباوي

  

...............................

(1)     Alain Guy “ Unammume „ ;Paris Seghers،

 P.U.F.1964،pp. 30- 31

 (2)  د. زكريا ابراهيم:"تأملات وجودية" دار الآداب، بيروت،1962

الطبعة الأولى . العبارات المحصورة بين أقواس من ترجمة د.زكريا

  

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2126الأحد  20 / 05 / 2012)

 

عنصر المكان في قصة "حافات قلقة" للكاتب ماجد الغرباوي / جلال جاف

jalal jafالكاتب ماجد الغرباوي من القلائل الذين قدموا خطاباً حكائياً متميزاً، يقصي تكرار النمطية التقليدية.

فقد رسم للسرد فضاء واسعاً غنياً بعطاء الحداثة و التجريب، ينفتح على مساحات ومطبات تخيلية أصيلة غير مألوفة. بالإضافة إلى إعتماده خطابا يعكس  أفعالا غرائبية متميزة، يمنح النص أبعاداً دلالية ورمزية وتأولية لا حصر لها.

وصف المكان في قصة "حافات قلقة" يحتل موقعاً هاماً في بناء السرد و توجيهه  وجهتها الخاصة، مساهماً وبشكل فعال في الربط بين المكان كواقع وكحالة عجائبية مانحاً النص أبعاداً واقعية سحرية فريدة وخاصة.

يتحول المكان في النص من حالة الثبات والسكون والحيادية، إلى حالة المشاركة الفاعلة والمؤثرة في تشكيل الصورة والقيمة اللتين يريد الكاتب بواسطتهما الوصول إلى تجسيم وإبراز فكرة القصة الاساسية، ويصبح ملتحماً بالسرد وبالفكرة الأساس التي ينهض عليها هذا العمل القصصي الفريد، إذ يصبح "المكان" هنا عنصراً فاعلاً وشخصية خفية لها التأثير القوي على مسار تشكيل القصة. هذه الفقرة تقوم برسم حدود المكان (الساحة):

"وقفت في ساحة العرض"

المكان الذي سيحوي كل الجهات والاقطاب مجتمعة ومسرح الصراع والمجابهات المختلفة النابعة من تطلعات وإرادات خاصة تحملها هذه الاقطاب.

"نظرت الى جميع الاتجاهات "

وبتقديم لوحة (مشهد) طوبوغرافية لأبعاد المكان وحيثياتها وتشكيلاتها الملحقة به:

" من أي جهة سيدخل ...  كي يعلن عن شيئ مهم؟

هناك جهتان متقابلتان محفوفتان بآلياتها الخاصة والدور المنوط بكل منهما؛ "الكوة"  والمكان المقابل أو المكان الضد"الساحة".

"اختارت نقطة الوسط تماما"

اختارت قلب المكان لأنها حاسمة في التلقي الدقيق للقرار المصيري الصادر من "المكان" المقابل "الكوة" وحاسمة كنقطة انطلاق لرد فعلها تبعا للقرار.

تشير تفصيلات المكان الى الخوف والتوجس وتوقع الخطر بل توقع ما يشبه الكارثة:

"لاحت لها كوة صغيرة، قالت: اذن هنا سيعلن عميد القرية عن اسماء المتفوقين .."

. فالوصف هنا يوحي بخلجلات الترقب واللهفة والقلق التي تشعر بها البطلة. ف"الكوة" أصبحت تمثل هنا وفي لحظة معينة من حياة البطلة مكانا وجودياً مصيرياً تاريخياً مكثفاً.

لذا:

"خطت خطوة الى الامام"

باتجاه الكوة لا شعوريا مستعجلة انهاء حالة الترقب.

ثمَّ:

"تراجعت"

مبتعدة عن "الكوة" نظراً لإضطرابها وقلقها وخوفها متفاعلة  بشدة مع المكان"البؤرة" أو مقرر المصير.

لم يقتصر الترقب على البطلة فقط , فقد شاركها الآخرون وجل تركيزهم على "الكوة" "المكان" المركزي الذي يحدد المصائر كلها والذي اصبح يقترب من الاسطورية:

".. الكل ينتظر، يترقب"

"اذن هنا سيعلن عميد القرية عن اسماء المتفوقين"

لقد شدد الكاتب على وصف المكان الذي منه يصدر القرار النهائي ليخلق أعلى درجة توتر وترقب ممكنين.

عندما ظهر عميد القرية في"المكان الكوة" ليعلن أسماء الفائزين بدا "المكان" هذا كأنه نقطة الإنعطاف التاريخية الكبرى:

"اتخذ مكانا مرتفعا .."

"المكان" المرتفع دليل على السلطة والهيمنة ومركز القرار و"المكان" المنخض"الساحة"

هو الضعيف المتلقي.

لقد اهتم الكاتب  بالتصوير الدقيق لحيثيات المكان لاهمتيها كدلالات لتفسير الحدث او ابرازه وتعميقه واثراء السرد ذاته.لقد شكل الارتباط الوثيق بين وصف المكان والحدث السر الخفي لقوة هذه القصة قرائياً من جهة وارتباطه الوثيق بمشاعر البطلة من جهة أخرى. فالوصف هنا يوحي بخلجلات الترقب واللهفة والقلق التي تشعر بها البطلة. لقد نجح الكاتب "ماجد الغرباوي" هنا وبامتياز في إشعار القارئ بحضور المكان كعنصر اساسي مهيمن ومحرك في القصة بحميمية وغرائبية.

.....................

 

حافات قلقة / ماجد الغرباوي

 

وقفت في ساحة العرض، اختارت نقطة الوسط تماما، نظرت الى جميع الاتجاهات، لاحت لها كوة صغيرة، قالت: اذن هنا سيعلن عميد القرية عن اسماء المتفوقين .. انتشت قليلا، خطت خطوة الى الامام، تصورت فرحتها وهي تستلم الجائزة، ثم تراجعت، جفلت واغمضت عينيها .. قالت: وماذا لو تقدّم عليّ فلان وفلان؟.. ماذا لو كنت الثالثة او الرابعة في قائمة الفائزين؟ ماذا سيقول عني ابناء القرية؟ .. آه .. يا الهي، لماذا تراودني الأوهام؟ لا .. لا .. عليّ ان أتريث، أعمالي أشاد بها الجميع وانا واثقة من نفسي، فلماذا ينتابني القلق؟

هكذا رددت الكلمات بارتباك .. وحيرة

ثم اردفت:

لكنه صارم، لا يجامل .. أعرفه جيدا، هذا ما اخشاه، حقا سيسحق غروري اذا تجاهلني.

*****

حينما اقتربت الساعة الرابعة عصرا، تجمع ابناء القرية .. الكل ينتظر، يترقب، سمعتهم يتهامسون .. فلان هو الفائز الاول، وآخر يقول فلان، وثالث يقول: كل توقعاتكم خاطئة. ولاحت من بعضهم  نظرات مريبة، فكاد ان يغشى عليها، لكنها تماسكت حينما طل من كوته، وبيده اوراقه العتيدة، ومعه بعض رجاله وحاشيته.

نظر الى الجميع، شاهد الرجال والنساء، كل يترقّب. اتخذ مكانا مرتفعا .. ثم بدأ نائبه يتلو الاسماء الفائزة واحدا بعد الآخر، وهي تصغي بلهفة، حتى اذا همّ باعلان الاسم التالي قالت: انا، انا (س ع ا د.(..

لكنه وهم .. وهم .. لست من الفائزين. فماذا انتظر ..  هذه هي الحقيقة ..

*****

عادت الى بيتها منكسرة، مذهولة .. تحاصرها نظرات الشامتين، وتطاردها كلمات المستهزئين، فودّت لو انها توارت، او ابتلعتها الارض. كان موقفا صعبا .. محرجا، لم يكن متوقعا مطلقا.

آفاقت من هول الصدمة، وقالت بغضب:

سانتقم ..

سانتقم ..

سيعرف من انا. ساحطّم كبرياءه. ساجعله يندم 

ثم راحت تقلب فنون المكر، وتفكر بحيل النساء، فصاحت بصوت مرتفع: وجدتها .. عليّ ان اكون اكثر حنكة، الامر ليس هينا، عميد القرية يتحصّن خلف رجال أشداء، أقوياء، فكيف أجد من ينافسهم ويتحداهم في مهنتهم. هذه هي الخطوة الاولى في معركتي معه. أن أعثر على رجل يجعل عميد القرية يغيّر قناعته .. لكن هل بمقدورنا ان نصنع انسانا كما نريد؟؟ ..

لنجرب ..

استبد بها صمت عميق، استغرقت في تفكيرها وهواجسها، ثم قامت فجأة، واخذت تتحرك بأناة ورويّة، فجمعت قطعا من حديد ونحاس.. أوقدت عليها نار غضبها، وصهرتها بجمر احشائها، واضافت لها رماد حقدها الدفين، حتى لانت لها، فصيّرت منها تمثالا جميلا، قصير القامة، دعج العينين، ينظر شزرا، ولحية طويلة. وشقت في داخله قناة، تعلوها ثقوب اربعة، يمكنها التحكّم بها.

ولما نفخت فيه من روحها الشريرة، بدى وجهه متجهما. ابتسمت حينما نظرت اليه، وقالت: ما علينا الا ان نصّدق اوهامنا، ونجد من يدافع عنها، حينئذٍ ستكون هي الحقيقة في أعين الناس .. أليس أصدق الحقائق أكذبها؟؟

وهذا ما سأفعله، ساجعلهم يغيّرون قناعاتهم، ويعترفون بابداعاته وإن كانت مزيفة. لذا ارتدت أفخر ثيابها، ووضعت أبهى زينتها، ثم اشارت لبعض صعاليك الرجال بكلمات منمقة، واغراءات ساحرة، فجاءوا يتهافتون، رجالا لبقين، يرتلوّن كلاما منافقا، أمرتهم ان يصطفوا واحدا تلو الاخر، ثم طلبت منهم ان ينفخوا في قناة التمثال ويصفّقون له، فصدر منه صفير، راحت تتحكم به عبر الثقوب الأربعة. فاضفت على اصواتهم موسيقى باهتة.. وكلما انتهى أحدهم من مهمته جلست تضحك، تتباهى، تعلوها ابتسامة صفراء، وهي تردد:

سترى .. سترى.

ثم أفاقت فجأة، وماذا لو انكشفت اللعبة؟؟

نظرت الى نقطة بعيدة، تطوي الافق في عينيها، وابتسمت:

وماذا عن جوقة المطبلين؟ .. هكذا اجابت بثقة عالية.

ولما حان وقت التحدي، ارادت ان تحمله، لكن ...

صعقها خواء حلمها.

 

خاص بالمثقف

 

..........................

العدد :2000 الجمعة 13 /01 / 2012

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&;view=article&id=59267:2012-01-13-00-34-30&catid=105:2011-06-01-07-08-46&Itemid=0

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2092الأثنين  16 / 04 / 2012)

 

خصائص الخطاب الخيالي في قصة "قرار ارتجالي" للأديب ماجد الغرباوي / أروى الشريف

mothaqaf-w1باللغتين العربية والفرنسية
1- توظيف الخطاب التصويري:

 إن "الارتجالية" كمعنى تعكس صيرورة متوترة تواجهها الشخصية:

 ''فاجأه المكان .. طرقات مكتظة، مصابيح تتلألأ، عربات مسرعة،''

 التشبيهات والاستعارات تقدم الخارق وتغذيه فنذكر بعضا من الاستعارات في

 '' كاد أن يختطفه قطار المسافات الطويلة، استفزته الحيرة.''

 يصبح ذلك القطار استعارة للمسافة التي تباعد بين حياة التمدن وحياة البداوة.

إن قصة ''قرار ارتجالي'' تقترح تساؤلا فلسلفيا'' العبور الضروري بين حياة التمدن وحياة البداوة، هل هو حتمية أو كما يسميه الكاتب "مصيري"؟.

 هل بإمكان الشخصية الوثوق بـ "ذلك القطار" الذي كاد أن يخطفها؟

  

2- المستوى اللفظي:

 يستخدم الكاتب ضمير الغائب ''هو'' لتصوير فضاء ومقام السرد الذي يسير بإيقاع خاص موسوم بإشارات نصية لـ ''نمط النص الخيالي'' وكذا بألفاظ قصيرة وأكثر إيجازا تقحم الراوي، مما يسمح بتحقق أفضل من ذات الشخصية في فضائها حيث تحرز تقدما. إذاً الكاتب يدخل الشك الملازم للخيالي: هل يقول الراوي الحقيقة؟ هل هو شاهد؟ في هذا المد من الألفاظ المقتضبة التي تسرد أفعال الشخصية الوحيدة في فضائها الضيق وتفتح القصة باتجاه الخيالي - الغريب والفلسفي عندما يرافع بأسئلة ماهية وجوده وهويته:

 '' ظل يتمتم، يقارن نفسه بمن حوله

 بماذا أختلف عن تلك المرأة،

 او ذلك الرجل الطويل.

 تفحص المارة، واحدا تلو الاخر، تسمّر في نهاية الطريق، كلهم متشابهون، مثلي تماما، لا أجد فرقا بيننا،

 اذن لماذا اراوح في مكاني.

 إن إشارات الخوارق تمت ملاحظتها بفضل راوٍ فيلسوف وجدير بالثقة، مشبع بحقائق البدو وأمنياتهم البسيطة.

 ''عاد ثانية الى داره، أسرف في زينتها، في تنوع غذائها،''

 

 3-التركيب:

 نلاحظ تدرجا في الخطاب الخيالي الذي يتميز بأهمية التأثير النهائي، فنُحمل على التفكير في قول الراوي:

 '' اتخذ قرارا مصيريا، استبدل بغلته بحصان، اختاره مطهما، ضمن لنفسه سرعة السير، سألحق بتلك العربة البيضاء''

 بدت البغلة حاملةً لأثر الرجعة إلى المنشأ، شيئا فشيئا بدا "ظاهريا" توسع أفق هذا الرجل ''البدوي'' لمدينة بمظهر الحياة

 ''ما كاد يرمقها ببصره، حتى مرت ثانية سوداء. . توالت بالوانها واحجامها المذهلة تلك العربات الخبيثة، ''

 '' كان مرتبكا حد اللعنة، يتلفت. . منظر لم يألفه، بعد ان قضى حياته داخل البيوت الرطبة، لا يتنقل الا في الظلام، او بين المقابر. ''

 بعدها يؤكد الراوي :

 ''تفحص المارة، واحدا تلو الاخر، تسمّر في نهاية الطريق، كلهم متشابهون، مثلي تماما، لا أجد فرقا بيننا،

 اذن لماذا اراوح في مكاني. ''

 هل نحن بصدد معايشة أزمة هوية أم أنها أزمة وعي في عالم متسارع لا يستطيع البعض فيه اللحاق بالمسيرة الحضارية؟

 وكما قال الشاعر الكبير والناقد جلال جاف يبقى نص الكاتب الكبير ماجد الغرباوي نصا جدليا بامتياز لما يحمله من المساس الحي بالتطور الفكري للإنسان وجدليته حضاريا. انه نص يتجلى فيه "الوجود والعدم" بامتياز كواقع إنساني وفلسفي.

 إذا صح أن نظرية التدرج تمتلك خاصيتها في عدد من قصص ''ادغار بو'' وكذا بالنسبة لـ ''مريميه''، فهي لا تمتد حتى ''موباسون'' مثلا حيث التجلي الأول هو في غالب الأحيان ذروة للقصة.

 

4-  موضوعات الخيالي:

 موضوعات الخيالي تعرف كادراك خاص لأحداث غريبة تنتج تأثيرا خاصا على القارئ: خوف، رعب، أو ببساطة فضول. هذا النوع يعني التشويق ووجود عناصر خارقة يرعى هذا التوتر.

''تودوروف'' يعيد طرح النقد ألموضوعاتي، ومن ابرز ممثليه '' ج-ب ريشارد''. فيواصل تودوروف تدليله لبعض المنظرين للأدب الخيالي، مثلا ''بينزولد'' أو ''روجير كايواس'' اللذان ينضدان الموضوعات دون إعطائها تماسكا داخليا. يذكر ''كايواس'' وتصنيفاته الموضوعاتية: الميثاق مع الشيطان (فوست)، الشبح المحكوم بركض غير منتظم (ميلموته )، ال''شيئ'' المتعذر تحديده والمتواري، لكن له وزن وموجود في (الهورلا)، مصاصي الدماء (أمثلة كثيرة)، التمثال، الدمية، درع، إذ فجأة تنتعش هذه الموضوعات لتحوز على حرية مرعبة (فينوس الجزيرة). . .

يعرض ''تودوروف'' عملا لم يقم به الآخرون قبله، سيصنف الموضوعات التي من الممكن أن تتجلى مجموعة، بفضل خاصية ''التعايش''.

 سنختار موضوعة ''الحبل'' التي تمكننا من ولوج فضاء نزاعي بين التنوع الحضاري والهوية.

  

 5-موضوعة ''الحبل'':

 في القصة، حكاية البدوي وبغلته تبين موضوعات عدة، أولها المتعلقة بأسطورة منشئة لأسطورة ''الحبل'' :''حيلة الحبل الهندوسي هي من أقدم الأساطير الهندية. الدلالات الأولى لممارسة هذا التأثير تأتي من الرحالة العربي في الصين 1355، ابن بطوطة. ساحر بلاط أمير''هانغزهو'' قذف باتجاه السماء كرةً من جلد معلقا فيها شرائط. الكرة اختفت وسط الغيوم. قام الساحر ببعث شاب من بين مساعديه وذلك للتسلق عبر تلك الشرائط من جلد ولكن الشاب رفض النزول، صعد الساحر مقتفيا أثره وبيده سلاح. قطع من الشاب تساقطت من السماء، الساحر رجع مخضبا بالدماء، قبّل الأرض أمام الأمير، جمع أعضاء الشاب، بعث الحياة في الغلام

 لنصل إلى التأثير النهائي للدابة التي تحولت إلى "فاعل" فبعثت البدوي إلى قدر محتوم وأرجعت الأمور إلى نظامها الأول، ربما ذلك الساحر الذي يتقن حيلة الحبل قد استنسخ ليُذّكرَ البدوي بان قدره هنا فوق ''أرضه الأصلية"؟

 الموضوعة الثانية تمتد إلى وجود كائنات وفضاءات خارقة ووهمية :

 ''بعد ان قضى حياته داخل البيوت الرطبة، لا يتنقل الا في الظلام، او بين المقابر.''

 سلطة على مصير الإنسان. هذه الأخيرة لديها دلالة، عموما في استبدال بسببية واهية إنها تقوم مقام ما نسميه عادة :الصدفة، الحظ. هذا النوع من السرد الحكائي يمنح امتيازا للحتمية فيما معناه أن كل شيء لا بد وأن يكتسب سببا فاللجوء إلى الخيالي عادة هو وسيلة جيدة لشرح كل شيء.

 نلاحظ تواجد توافق بين موضوعات الخيالي وتصنيفاته التي تُعرٍّف عالم الجاهل المقطوع من أي شرط محفز لحياة التمدن، لذلك موضوعة الحبل تم إرسائها كلعبة ساحر الذي قذف الشاب نحو السماء للحاق به وقطع الحبل بعدها حتى يبعث فيه الحياة من جديد.

 البدوي تقاسمته أمنيات ..  والرغبة أن'' حبل'' دابته ينقطع بغاية الانطلاق نحو سماء العجائب في حياة التمدن لكنه يرجع إلى الواقع في وقت ''الارتجالية'':

 اتخذ قرارا آخر

 قال: أول الطريق ان أتخلى عن دابتي كي ألحق بركب الشارع الجديد، ولما خطى مسرعا،

 الدابة التي تمثل عنصرا قديما فاعلا في حياة البدو وتتلبس بوجه الساحر الذي يمتلك قدرة عليا لنشور الأموات والخوارق، وعليه استطاعت الدابة من خلال منطق النص بعث البدوي وإرجاعه إلى عالمه الواقعي وبيته وأخيرا فهو لم يحز علما يقده في محاولة الهروب نحو سماء أخرى لولوج تلك الحياة المتحضرة التي أربكته وحيرته:

 ''اعاده رباطها الملفوف على رأسه الى حيث كان يعيش. . . . . . . . ؟؟؟؟؟؟!!!!!!''

للاطلاع

http://almothaqaf.com/index.php/majedalgharbawi/55280.html

..................

 

Les caractéristiques du discours fantastique :

Dans la nouvelle  "décision improvisée"  de Majed El-Gharabaoui »

Arwa  Charif

 

1-Emploi du discours figuré :

    Improvisation n'est autre que le développement au sens propre d'une expression figurée d’une tension à laquelle s’affronte le personnage :

" le lieu l’a surpris..des rues encombrées, des lanternes luisent, des charrettes  roulent vite .

 Les comparaisons et les métaphores introduisent le surnaturel et le nourrissent. On cite  certaines de ces  comparaisons, dans :

  «le train des longues distances faillit l’enlever , l’inquiétude l’énerve .’’

 Ainsi ce train est la métaphore de cette distance  qui dissocie  la vie citadine   et la vie nomade.

      Une décision improvisée suggère  une question philosophique ‘’ ce passage obligatoire'' entre la vie citadine et la vie nomade est-il fatal ou comme l’auteur le nomme « fatidique ».

 Le personnage peut-il se fier à « ce train » qui faillit l’enlever . !

 

 2-L'énonciation :

     L’auteur   utilise   la 3éme  personne pour imager l’espace et le ton de la narration qui suit un rythme particulier caractérisé par les indices textuels du « genre fantastique » et  par des énoncés plus courts qui impliquent le narrateur , cela permet une meilleure identification du personnage dans son espace où il progresse ainsi l’auteur   introduit le doute inhérent au fantastique: ce narrateur  dit-il la vérité? ? Est-il témoin ?. Dans  ce flux d’énoncés courts qui relatent les actions du personnage unique dans l’espace étroit  ouvre la nouvelle vers  un fantastique-étrange et philosophique du moment où il plaide des questionnements existentiels et identitaires :

 Il continuait à murmurer, se comparant à ceux qui l’entourent..

 En  quoi suis- je distinct  de cette femme,

  Ou cet homme élancé.

 Il fixa les passants, l’un après l’autre, il se fixa au bout du chemin, tous ,ils se ressemblent, comme moi exactement, je ne trouve aucune différence entre nous,

 Donc pourquoi je me pointe sur ma place.

   C'est précisément parce que les indices du surnaturel sont observés par un narrateur  philosophe  et digne de confiance, tout pénétré des certitudes de la  vie des nomades et de leur vœux modestes :

  « Il revient une autre fois à sa maison, il excelle dans sa décoration, dans la diversité de sa nutrition. »

 

3-La composition :

  On  observe une gradation dans le discours fantastique qui se caractérise par l'importance de l'effet final. Pensons à :

 " Il prit une décision  fatidique, il a changé sa mule par un cheval, il a choisi un étalon, il s’est  assuré la vitesse de la marche, je vais rattraper cette charrette  blanche "

     La mule qui semble avoir un effet de retour vers les origines est amenée peu à peu à élargir l’horizon de cet homme "nomade". La ville  a d'abord un air vivant :

 "Dès qu’il l’aperçue aussitôt une autre, noire, passa une deuxième fois ..elle outrepassa par ses couleurs et ses formes splendides ,ces charrettes hypocrites,

 Il était perturbé à en maudire, se retournait ..une vue à laquelle ne s’y était jamais habituée, après avoir vécu toute sa vie dans les maisons humides, il ne  se déplaçait que dans l’obscurité, ou entre les cimetières."

 Le narrateur  affirme ensuite :

"Il fixa les passants, l’un après l’autre, il se fixa au bout du chemin, tous ,ils se ressemblent, comme moi exactement, je ne trouve aucune différence entre nous,

Donc pourquoi je me pointe sur ma place."

     Sommes-nous en présence d'une crise identitaire ou crise de conscience dans un monde hallucinant ou le désir de poursuivre le chemin de la civilisation s'est réellement animé ?

 Dans cette optique le grand poète et critique « Jalal Jaf » voit que  le texte du grand écrivain « Maged El-Gharabaoui »  est un texte dialectique qui  porte ce  privilège des traces du rapprochement vif de l’évolution intellectuelle de l’homme et sa dialectique  de la civilisation . C’est un texte dont apparaissent l’existence et le néant en concession telle une occurrence humaine et philosophique.     

 Si cette théorie de la gradation fonctionne pour bon nombre de nouvelles de Poe et pour celle de Mérimée, elle n'est pas généralisable à Maupassant par exemple où la première apparition est souvent le point culminant de la nouvelle.

 

4-Les thèmes du fantastique :

 Les thèmes du fantastique se définissent comme une perception particulière d'événements étranges qui produisent un effet particulier sur le lecteur : peur, horreur ou simplement curiosité. Ce genre entretient le suspense, la présence d'éléments fantastiques favorise cette tension.

 Todorov remet en question la critique thématique, dont le meilleur représentant est J-P Richard. Il poursuit son argumentation en mettant en cause certains théoriciens de la littérature fantastique, tels que Penzoldt ou Roger Caillois qui superposent les thèmes sans leur donner une cohérence interne. Il cite Caillois et ses classes thématiques: le pacte avec le démon (Faust), le spectre condamné à une course désordonnée (Melmoth), la "chose" indéfinissable et invisible, mais qui pèse et qui est présente (Le Horla), les vampires (nombreux exemples), la statue, le mannequin, l'armure, l'automate qui soudain s'animent et acquièrent une redoutable indépendance (La Vénus d'Ille)...

 Todorov s'oppose à cette méthode qui vise à classer des thèmes indépendamment les uns des autres. Il explique qu'on ne peut isoler un thème de l'histoire. Les deux sont corrélativement liés. Pour lui, les critiques se sont contentés de dresser des listes d'éléments surnaturels sans réussir à en faire ressortir l'organisation.

 Todorov se propose donc de faire ce que les autres avant lui n'ont pas fait. Il va classer les thèmes qui peuvent apparaître ensemble, en fonction de leur co-présence.

 On va choisir le thème de" la corde" qui peut nous introduire dans un espace conflictuel entre diversité et identité

 

 Le thème de la "corde" :

 Dans la nouvelle , l'histoire du nomade et sa mule  fait ressortir plusieurs thèmes. Le premier est celui de la légende fondatrice de la corde.

 " Le tour de la corde hindoue est un des plus vieux mythes de l’Inde. Les premiers témoignages de la pratique de cet effet vienne d’un voyageur arabe en Chine en 1355, Ibn Batouta . Le magicien de la cour d’Amir à Hangzhou, lança vers le ciel, une balle en cuir à laquelle pendait des lanières. La balle disparut dans les nuages. Il fit grimper un de ses jeunes assistants sur la lanière de cuir et, comme celui-ci refusait de descendre, il monta à sa suite armé d’un couteau. Des morceaux du jeune garçon tombèrent du ciel. Le magicien revint, ses vêtements imprégnés de sang, il embrassa le sol devant Amir puis, réunissant les membres épars, redonna la vie au garçon. "

   Le nomade se transforme en philosophe en introduisant la voix de la raison :

 "Il commença à réviser ses idées, les examina"

 Tandis que ses premiers idées étaient confuses même de distinguer entre les les véhicules comme figure de la vie citadine et le trafic routier :

 "Dès qu’il l’aperçue aussitôt une autre, noire, passa une deuxième fois ..elle outrepassa par ses couleurs et ses formes splendides ,ces charrettes hypocrites"

 

 Arrivons à cet effet final dont la bête se  métamorphose en « actant » et ressuscite en  destin fatidique qui remet les choses en ordre .peut-elle être ce magicien et jongle avec la corde pour rappeler le nomade que son destin est là  sur « sa terre d’origine » ? 

 L'autre thème tient à l'existence même d'êtres surnaturels, tels que :

 "après avoir vécu toute sa vie dans les maisons humides, il ne  se déplaçait que dans l’obscurité, ou entre les cimetières."

 Pouvoir sur la destinée humaine. Ces derniers ont pour fonction, en général, de suppléer à une causalité déficiente. Ils remplacent ce que nous appelons communément: le hasard, la chance. Ce type de récit privilégie le pan-déterminisme, c'est-à-dire que tout doit avoir une cause; le recours au surnaturel est habituellement un bon moyen de pouvoir tout expliquer.

  On remarque qu'il existe une correspondance entre les thèmes fantastiques et les catégories qui servent à définir le monde  de l’ignorant coupé de toute condition favorable de la vie citadine, du psychotique ou du jeune enfant (théorie de Piaget), c'est pourquoi le titre "thème de la corde  a été retenu comme le jeu du magicien qui a lancé le jeune homme au ciel pour rattraper…..  et lui coupa la corde ensuite il le ressuscite.

Le nomade se départage entre vœux et désir  que  la corde de sa bête puisse se couper ainsi se lancer au ciel des merveilles de la vie citadine mais il revient à la réalité au moment d’improvisation :

 ‘’ Il prit une autre décision..

 Il se dit : au début de la route je dois délaisser ma bête pour que je rejoigne    le cortège de la nouvelle rue, et lorsqu’il se précipita en vitesse’’

 La bête qui représente un actant antique de la vie bédouine et s’habit par la figure mythique du magicien qui possède le pouvoir suprême de la résurrection  et du surnaturel a pu selon la logique du texte ressuscitera le nomade et le ramener au monde réel son monde et chez lui et que finalement s’il ne possède nullement un savoir qui le guide  dans sa fuite vers un autre ciel et la pénétration de cette vie citadine qui l’ a rendu perplexe et inquiet :

 ‘’ son enclave cabotée  sur sa tête l’a reconduit  jusqu’ où il vivait ……...???????

 
 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2040الجمعة 24 / 02 / 2012)

الدوائر اللامرئية في (قرار ارتجالي) للأديب ماجد الغرباوي/ جميـــل حسين الساعدي

jamil alsadiالعلاقات التي تربط الإنسان بالمكان، هي علاقات من نوع خاص، تتخطى بطبيعتها الحيّز المكاني الى ما هو أبعد، وتضرب بجذورها بعيدا في أصقــاع أخرى،

فتتداخل الأبعاد ويتعذر الفصل بين ما هو مكاني وما هو غيرمكاني. عندها تصبح أيّة محاولة لتتغيير المكان مشروطة بتغييرات في عناصر لا مكانية، وهنا يبرز الجانب السيكولوجي كعامل مهمّ في أيّة محاولة للخروج من الدائرة المكانية واستبدالها بأخرى. في هذه الحالة يتشكل المكان في دائرتين: واحدة شاخصة للبصر يمكن رؤيتها وتحسسها، واخرى خارج ادراك حواسنا الخمس.

في (قرار ارتجالي) للأديب ماجد الغرباوي تبدو محاولات الشخصية الرئيسية في النصّ في تخطّي المكان عديمة الجدوى وتنتهي في كل مرّة الى الفشل.

...خطى خطوته الاولى، فاجأه المكان.. طرقات مكتظة، مصابيح تتلألأ، عربات مسرعة، كاد أن يلحق بالاولى، عثرت بغلته، اوشكت أن تسقطه أرضا ...

هذه هي افتتاحية النص، فمنذ الوهلة الاولى بدا تخطّي الدائرة المكانية صعبا إن لم

يكن مستحيلا. فالشخصية المعنية في النص (صاحب البغلة) لا يمتلك الوسائل الضرورية ، الموصلة الى الدائرة المكانية الاخرى. فما يملكه هو وسائل تنتمي الى زمن سابق، وتيرة الحركة فيه بطيئة، وتشكيلة بنيته بسيطة، فهي لا تتماشى والزمن الجديد، الذي بلغت فيه وتيرة التسارع والتسابق حدّا لم يدع مجالا للوسائل المتوارثة عن زمن سابق أن تنافسه أو أن يكون لها دور يذكر في عملية التحوّل المستمرّة .

المكان لم يعد منفصلا عن الزمان.. تداخل المكان والزمان فأصبحا واحدا. هذه هي الفكرة المحورية في النص، فالمكان لا يفهم كوحدة منفصلة عمّا حوله، وهذا ما غاب عن ذهن (صاحب البغلة)، الذي تصورالعالم على مقاس تفكيره، واعتقد انه بما لديه من وسائل، وهي أقرب الى أن تكون بدائية أن يتخطى دائرة المكان.

حينها حدث ما لم يكن في حسبانه، حيث وجد نفسه وجها لوجه أمام واقع تجاوزه . وهنا شعر بالفزع فانسحب قبل أن تصاب وسيلة تنقله وحركته بالعطب التام. فكر أن يعاود الكرّة ثانية ، فلجأ الى ادخال تحسينات .. في الواقع هي تحسينات شكلية، فوسيلة تنقله بقيت كما هي وقد رمز اليها الكاتب ب (البغلة) و لم يحدث هناك أي تغير جوهري نوعي. بدأت المرحلة الثانية من مغامرته، التي انتهت به الى الحيرة مما دفعته أن يلجأ الى وسيلة تنقل اخرى، وهي ما رمز اليها الكاتب بالحصان هنا يلحظ القارئ ان تغييرا نوعيا قد حدث، حين استبدلت الوسيلة القديمة بوسيلة جديدة أكثر متانة وسرعة و لكنّ هذا التغير النوعي ما زال ضمن دائرة المكان الاولى خاضعا لشروطها ومنضبطا بروح تقاليدها المتوارثة . المرحلة الثالثة من مغامرة تخطي المكان، دفعت بصاحبها الى حالة من السخط، حيث انّ المستجدات في الحياة من حولة أشعرته بعدم جدوى وسائله، أثارت في داخله الشكوك ودفعته الى حالة هي أقرب الى الاغتراب الروحي، وهذا ما عبر عنه الكاتب في الجمل الآتية ...كان مرتبكا حدّ اللعنة، يتلفت .. منظر لم يألفه، بعد أن قضى حياته داخل البيوت الرطبة، لا يتنقل إلا في الظلام، أو بين المقابر...

لقد كانت صدمته كبيرة حين اكتشف انه لا يختلف عن الآخرين بشئ لكنه يشعر انه غريب عنهم .. هنالك جدار فاصل لا يمكن تخطيه، الآخرون وهم بشر مثله اندمجوا في مسيرة الحياة وراحوا يحثون الخطى بسرعة ناظرين الى الامام دون أن يعيروه اهتماما او يلتفتوا إليه . في هذه اللحظة شعر بعجز وسائله وحيله فقرر التوقف.

...كيف يواصل الطريق؟

ظلّ يتمتم، يقارن نفسه بمن حوله

بماذا أختلف عن تلك المرأة،

أو ذلك الرجل الطويل .....

هنا تتجسد حالة الاغتراب الروحي بكل وضوح، لااختلاف ما بيني وبين الآخرين، لكننا رغم ذلك مختلفون. هذا الاحساس يحدث عادة نتيجة صدمة يتعرض لها الفرد في حياته كما يقول علماء النفس.

في ختام النص القصصي يتعرض الكاتب الى نقطة مهمة وهي: انّ الانسان لا يستطيع أن يدخل تغييرا جذريا في حياته إلا اذا استطاع ان يغيّر تفكيره، وبدون

ذلك تبقى كل الوسائل عاجزة عن تحقيق ذلك التغيير، وقد رمز الى هذا المعنى بشكل جميل وذكيّ في العبارات التالية:

قال: أول الطريق أن أتخلى عن دابتي كي ألحق بركب الشارع الجديد، ولمّا خطى مسرعا، أعاده رباطها الملفوف على رأسه الى حيث كان يعيش...

فالرباط الملفوف على الرأس هو نمط التفكير، الذي لم يفارق رأس صاحبه، رغم ما مرّ به من أحداث في مغامرته لتخطي المكان .

 من خلال قراءتي لهذا النص القصصي استخلصت النتائج التالية: اولها انّ للمكان ملامح جعرافية واخرى لامرئية انطباعية تصورية، وثانيها انّ للمكان دلالة زمنية.. بمعنى ان سكان مكان معين يحملون في رؤوسهم قدرا من معارف فترة معينة ينعكس تأثيرها على المكان، الذي يتواجدون فيه، وثالثها انّ تغيير المكان والعيش في مكان آخر يستدعي تغييرا في نمط التفكير.

...................

 

قرار ارتجالي / ماجد الغرباوي

 

عندما قرر اجتياز المكان، أعدّ بغلته جيدا، سمح لها بتناول ما تبقى من طعام.

خطى خطوته الاولى، فاجأه المكان .. طرقات مكتظة، مصابيح تتلألأ، عربات مسرعة، كاد ان يلحق بالأولى، عثرت بغلته، أوشكت أن تسقطه ارضا.

عاد ثانية الى داره، أسرف في زينتها، في تنوع غذائها، غامر من جديد، كاد ان يختطفه قطار المسافات الطويلة، استفزته الحيرة.

فقد صوابه

اتخذ قرارا مصيريا، استبدل بغلته بحصان، اختاره مطهما، ضمن لنفسه سرعة السير، سألحق بتلك العربة البيضاء، ما كاد يرمقها ببصره، حتى مرت ثانية سوداء.. توالت بالوانها واحجامها المذهلة تلك العربات الخبيثة،

كان مرتبكا حد اللعنة، يتلفت .. منظر لم يألفه، بعد ان قضى حياته داخل البيوت الرطبة، لا يتنقل الا في الظلام، او بين المقابر.

كيف يواصل الطريق؟

ظل يتمتم، يقارن نفسه بمن حوله

بماذا أختلف عن تلك المرأة،

او ذلك الرجل الطويل.

تفحص المارة، واحدا تلو الاخر، تسمّر في نهاية الطريق، كلهم متشابهون، مثلي تماما، لا أجد فرقا بيننا،

اذن لماذا اراوح في مكاني.

بدأ يراجع أفكاره، يتفحصها

اتخذ قرارا آخر

قال: أول الطريق ان أتخلى عن دابتي كي ألحق بركب الشارع الجديد، ولما خطى مسرعا، اعاده رباطها الملفوف على رأسه الى حيث كان يعيش

........؟؟؟؟؟؟

!!!!!!

(العدد :1896 السبت 01/ 10 /2011)

 http://almothaqaf.com/index.php/majedalgharbawi/55280.html

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2016الثلاثاء 31 / 01 / 2012)

النقد الادبي: تحليل خطاب القصة الخيالية .. حافات قلقة لماجد الغرباوي مثالا / أروى الشريف

mothaqaf-w1استنساخ أوجه الشبه بين الضحية والجلاد

إنّ مصطلح القصة الذي ورد في "معجم الدراسات الأدبية": "القصة مركزة عموما حول حادثة واحدة

وتدرس انعكاساتها النفسانية وشخوصها محدودة ولكن على عكس الحكاية لا تمثل الشخوص رموزا أو كائنات غير حقيقية لكن تمتلك حقيقة نفسية،بينما باختلاف مع الرواية،نفسية الشخوص ليست مدروسة بالكامل لكن تؤخذ من جانب جزئي . القصة تبحث لإنتاج انطباع الحياة الحقيقة".

في قصة الأديب ماجد الغرباوي أتناول بالدراسة خصائص هذه القصة وتحديدا خصائص "القصة الخيالية " .

في قصة الكاتب "حافات قلقة" تظهر جليا عملية تنظيم تقنية القصة الخيالية فماهي خصائصها في النص؟

في القراءة الأولية يتبين لنا اختلاف في تقنية القصة العادية حين اتجه منحى القصة الخيالية إلى تصوير فضاء القصة على انه فارغ من تقنيات "الزمكنة" حين قررت الشخصية "سعاد" وهي "الشخصية الأساسية" فرض لعبة "الاتجاهات والأبعاد" منذ البداية:

وقفت في ساحة العرض، اختارت نقطة الوسط تماما، نظرت إلى جميع

الاتجاهات، لاحت لها كوة صغيرة،.. انتشت قليلا، خطت خطوة إلى الأمام، تصورت فرحتها وهي تستلم الجائزة،

ان تعميق منظور الفضاء" المجهول" اسهم في إبراز حركة ملامح "القرية" التي يمكن أن تتكرر في كل "المجتمعات" وفي هذا الصدد يعرض "غلودمان" في (من اجل علم الاجتماع في الرواية) أن: "كل تصرف إنساني هو تجربة لإعطاء إجابة ذات دلالة في وضعية خاصة" أما في القصة "حافات قلقة "فالوضعية الخاصة هي واقعية وعادية لا غرابة فيها إذ تبدو سعاد فاعلة في الأحداث حين تقول:

قالت: إذن هنا سيعلن عميد القرية عن أسماء المتفوقين..

 

و تصبو هذه التجربة التي س"تعيشها" سعاد إلى خلق توازن بين ذاتها الفاعلة وبيئتها فهل تتمكن سعاد من بلوغ أمنيتها بالفوز وأن تكون كما وصفها الراوي في لحظة نشوة ومغمورة بالسعادة؟:

انتشت قليلا، خطت خطوة إلى الأمام، تصورت فرحتها وهي تستلم الجائزة، "

 

ويمكن القول أن من أهم شروط تحقيق نمطية "القصة الخيالية " هي:" الكتابة التي تستوجب حسا حادا جدا في اقتصاد النص ولزومية ذلك "فنلاحظ ترتيب أحداث القصة على أساس ذهني منطقي حيث يتفاعل السرد مع لحظات قلقة متوترة تشهدها دواخل سعاد:

آه .. يا الهي، لماذا تراودني الأوهام؟ لا .. لا .. عليّ أن أتريث، أعمالي أشاد بها الجميع وأنا واثقة من نفسي، فلماذا ينتابني القلق؟

القصة الخيالية تتمتع بخصائص سردية تترك القارئ مشدود الذهن منتبه الإدراك في كل لحظات القصة بهدف أدبي يتماشى مع تقنية الكتابة والسرد لتطوير العناصر الأساسية لإبداع وإقحام القارئ في مساحة ضيقة تشغلها نفسية سعاد بتراكم سريع للأسئلة و الأوهام.

هكذا رددت الكلمات بارتباك .. وحيرة

ثم أردفت:

لكنه صارم، لا يجامل .. أعرفه جيدا، هذا ما أخشاه، حقا سيسحق غروري إذا تجاهلني.

وسرعة تحول الشخصية في حركة مشاعرها أدت إلى تراكم عناصر عالم خاص بـ "سعاد" يتواجه فيه غرورها ضد سلطة "عميد القرية" وسلطة العنصر ألذكوري..

فهل يتأكد الجميع أن سعاد ليست في مرتبة تنافس فيها:

... فلان هو الفائز الأول، وآخر يقول فلان،

صراع

وثالث يقول: كل توقعاتكم خاطئة. ولاحت من بعضهم نظرات مريبة، فكاد أن يغشى عليها، لكنها تماسكت حينما طل من كوته،

 

فهل تحقق سعاد التوازن بين بيئتها وذاتها الحائرة والتائهة؟ واستطاع الكاتب، بفضل تحكمه في تقنية الكتابة في "القصة الخيالية"، من خلق أحداث أقلقت ودفعت سعاد إلى الانهيار:

(وبيده أوراقه العتيدة، ومعه بعض رجاله وحاشيته).. الشخصية السلطة ... الحاشية .. صراع

(نظر إلى الجميع، شاهد الرجال والنساء، كل يترقّب. اتخذ مكانا مرتفعا .. ثم بدأ نائبه يتلو الأسماء الفائزة واحدا بعد الآخر، وهي تصغي بلهفة، حتى إذا همّ بإعلان الاسم التالي قالت: أنا، أنا (س ع ا د)..

لكنه وهم .. وهم .. لست من الفائزين. فماذا انتظر .. هذه هي الحقيقة ..)

*****

 

ومن خلال تركيب عناصر سرعة السرد ودقة التفاصيل التي تتعلق بإشارات نفسية ساهمت في بعث تداول الأفكار والخيالات في عقل سعاد:

عادت الى بيتها منكسرة، مذهولة .. تحاصرها نظرات الشامتين، وتطاردها كلمات المستهزئين، فودّت لو انها توارت، او ابتلعتها الارض. كان موقفا صعبا .. محرجا، لم يكن متوقعا مطلقا.

آفاقت من هول الصدمة، وقالت بغضب:

سانتقم ..

سانتقم ..

سيعرف من انا. ساحطّم كبرياءه. ساجعله يندم ..

الجمل الأخيرة لسعاد وجّهت القارئ إلى طرح أسئلة تسحبه إلى عالم الغرابة فهل النهاية تتحدد بين "غرابة أو واقعية "الغرور الذي يشحنه الانتقام " من ثم تتعرى شخصية "سعاد" من مجرد ذات تريد حيازة جائزة إلى ذات مهتزة وقلقة ومسكونة بتحطيم "عميد القرية" الذي يمثل السلطة المطلقة في التحكيم بين "أعمال المتنافسين والمتنافسة سعاد".

وماذا لو تقدّم عليّ فلان وفلان؟.. ماذا لو كنت الثالثة او الرابعة في قائمة الفائزين؟ ماذا سيقول عني ابناء القرية؟ .. آه .. يا الهي، لماذا تراودني الأوهام؟

طفت في هذه المرحلة المتقدمة على مستوى الكتابة أمور واقعية وغير واقعية واتجه الصراع بين الظاهري والمتواري في نفس مركبة هي تربة خصبة لادراكات خاطئة في شخصية "الأنثى "التي اختلط عليها الأمر بين سحر وشعوذة ووبين صورة ''المرأة التي تشحذ خيالها الشيطاني لتكسب الجائزة".

ثم راحت تقلب فنون المكر، وتفكر بحيل النساء، فصاحت بصوت مرتفع: وجدتها .. عليّ أن أكون أكثر حنكة، الأمر ليس هينا، عميد القرية يتحصّن خلف رجال أشداء، أقوياء، فكيف أجد من ينافسهم ويتحداهم في مهنتهم. هذه هي الخطوة الأولى في معركتي معه. أن أعثر على رجل يجعل عميد القرية يغيّر قناعته ....

لنجرب ..

 

تأكد القارئ أن افتعال تناقضات وأوجه الصراع بتركيب "نفسي وإدراكي"، مكنته من استكشاف وجه آخر لنمطية  تفكير"سعاد" بطرح سؤال فلسفي عويص وشائك وهو:

لكن هل بمقدورنا أن نصنع إنسانا كما نريد؟؟

التساؤل منطقي بالنسبة لـ "سعاد" وأي محاولة للتكهن ما إذا كانت سعاد تعاني من أعراض الجنون أو هي مسكونة بعبودية الشيطان الذي يصور خيالات الشر وتمكن الراوي من بث الشك بين القارئ وسعاد بفعل ترتكبه حين تقدم على تطبيق فكرة سحر "الدمى" إذ تسمى في السحر الأسود ب "قيري- قيري":

استبد بها صمت عميق، استغرقت في تفكيرها وهواجسها، ثم قامت فجأة، وأخذت تتحرك بأناة ورويّة، فجمعت قطعا من حديد ونحاس.. أوقدت عليها نار غضبها، وصهرتها بجمر أحشائها، وأضافت لها رماد حقدها الدفين، حتى لانت لها، فصيّرت منها تمثالا جميلا، قصير القامة، دعج العينين، ينظر شزرا، ولحية طويلة. وشقت في داخله قناة، تعلوها ثقوب أربعة، يمكنها التحكّم بها.

اثر السحر وإيهام القارئ بعدم وضوح أي رؤية أوعز للكاتب بضرورة اختفاء كل الدلالات في عمق "القصة الخيالية الوهمية "لسبب منطقي أن كاتب القصة لا يعطي أي شرح ولا أي تفسير.

ولما نفخت فيه من روحها الشريرة، بدى وجهه متجهما. ابتسمت حينما نظرت إليه،

عنصر الإثارة وعناصر اللغز قفزت دفعة واحدة وأحدثت ارتباكا مقلقل في "فعل القراءة "عند المتلقي فيطرح الأسئلة على نفسه:

كيف تنفخ فيه من روحها ..لكن يجيبه الراوي بسرعة:

وقالت: ما علينا إلا أن نصّدق أوهامنا، ونجد من يدافع عنها، حينئذٍ ستكون هي الحقيقة في أعين الناس .. أليس أصدق الحقائق أكذبها؟؟

يتحكم الكاتب بأهم شروط كتابة هذا النمط من القصة التي يتعايش فيها الواقع،الغرابة والخوارق بتقنية أخرى خاصة في القصة الخيالية وهي التنظيم،الوضوح في طرح الأفكار والأهداف مما اكسب القصة قوة ولذة.

وما تحديث المونولوج عند سعاد لأكثر من مرة إلا تأكيد على دراماتيكية المشهد حيث تكون سعاد الفاعلة الوحيدة فتكلم نفسها وتسكت ضميرها وشرحها لآلية الظلم الذي وقع عليها وعايشته . وتنفيذ طرق الانتقام تبدي للقارئ وجها شيطانيا حين يوظف الكاتب أسطورة النماذج النسائية التي تعاقبت على مر التاريخ لـ "وجه المرأة" الشيطان حين تقرر سلخ إنسانيتها فتتحول إلى "آلهة الشر" وترسخ مبدأ الخلق حين "نفخت من روحها الشريرة".

وصل الراوي بالقارئ إلى طريق مسدود ومجهول ومن الضروري ان يتوقع انفراج يجبر المتلقي على إعادة التأويلات أكثر من مرة ليفهم "ما الذي حدث؟".

أخيرا فان ترسيخ وجه أسطورة المرأة الشيطانية كشفت جدلية المرأة الضحية والجلاد في صورة "سعاد" هو نجاح القصة على مستوى السرد وعلى مستوى تركيب فكر الشخصية الأساسية بتعاطيها "الخاص" مع بيئتها فأعاد الكاتب التوازن إلى نفسية سعاد المهتزة الهسترية التي تحالفت مع الشيطان:

ثم أفاقت فجأة، وماذا لو انكشفت اللعبة؟؟

نظرت إلى نقطة بعيدة، تطوي الأفق في عينيها، وابتسمت:

وماذا عن جوقة المطبلين؟ .. هكذا أجابت بثقة عالية.

 

من ثم نشهد إعادة تنظيم فضاء القصة وإخراج القارئ من دوامة الحيرة والقلق التي رافقته طيلة رحلة القراءة:

ولما حان وقت التحدي، أرادت أن تحمله، لكن ...

باقتراب النهاية يفتح الكاتب القصة بخلق سلسة كبيرة من التأويلات المبنية على نظريات الطموح والحلم حين تتوهم النفس البشرية سبل النجاح فتكون طرق الحيلة والغوص في مستنقع الشر.

لكن أفاقت سعاد بحقيقة:

صعقها خواء حلمها.

فمهما بلغت طموحات الإنسان لا بد من عقل راجح وتفكير نير يعزز إرادته في بلوغ قمم النجاح والسعادة.

 

 للاطلاع

http://almothaqaf.com/index.php/majedalgharbawi/59267.html

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2013الخميس 26 / 01 /

النقد الادبي: حافات قلقة لماجد الغرباوي .. بين نقطة الواقع ونقطة الوهم / دينا نبيل

mothaqaf-w1مقدمة: كانت الرواية والقصة الكلاسيكية تأخذ المنحى الواقعي متكأ أساسيًا لها، حتى صار للقصة نموذج تقليدي تسير عليه

 ولا شك أن للكلاسيكيات موقعها من الأدب العربي والذي لا يختلف أحد على أصالته وإبداعه، إلا أنّ ظهور النظريات الحديثة والتي لم يفلت منها الأدب شأنه كشأن أي موضوع آخر، فقد تعرض الأدب لما يعرف بــ "العلمنة"، فخضع للاستقراءات والاستنباطات بشكل أشبه ما يكون بالبحث العلمي، فكان على القصة مواجهة هذه التيارات النقدية المحدثة بالتحديث في تقنياتها وأدبيتها، بحيث صار الاهتمام منصبًّا على العمل الأدبي نفسه مستبعدًا المؤلف، وركّز على دور القارئ كمنتج أكثر منه كمستهلك. ويعد الحدث من المنظور السردي من أكثر ما اشتغل عليه، فهو ليس منفصلاً عن بقية أجزاء العمل الأدبي (فإنه في القصة الجديدة، لم يعد مفصولاً عن البنية الفنية التي تسهم في الهرم الجمالي للخطاب القصصي بحيث غدا الحدث يتفاعل بشكل انزياحي مع بقية العناصر الفنية التي تشكل فضاء النص)[1]، فصار التركيز على تقنيات السرد والتقنيات الزمانية المختلفة والمكانية ودورها في الحد ث كجزء لا يتجزأ عنها وإنما تربطها به علاقات لا تفتأ تتحرك ديناميكياً مما يدخل القارئ في جدلية التأويل، (فقارئ هذه القصص لا يتمكن بسهولة من الوقوف على مضمونها إلا بعد جهد فكري وتأويلي)[2]، وهنا تكمن لذة القراءة، فالحدث في النهاية لا يفصح عن ذاته بل يدع القارئ أمام نهاية ذات فضاء جمالي مفتوح، قابلة لتأويلات عدة تنشد الاختزال .

و(حافات قلقة) للكاتب ماجد الغرباوي، رغم يسر اللغة وسهولة تناول الأسطر بشكل أشبه ما يكون بالالتهام في سرعة قراءتها، إلا أنّ النص موغلٌ في رمزيته وحداثته، فالحدث الرئيس يتراوح بين نقطتين رئيستين: الواقع والوهم، إلا أنّ المتلقي تجذبه كثرة وتلاحق الأحداث بالنص والتي يظن للوهلة الأولى أنها واقعية رغم مفارقاتها ليكتشف عند (القفلة) أنّ النصف الثاني من القصة كان واقعاً في نقطة الوهم والحلم، ليفتح التأويلات المختلفة على مصراعيها أمام المتلقي، وهذا ما سيتم تناوله في هذا المقال .

 

على حافة قلقة:

يعتمد الخطاب الروائي خاصة والخطاب الأدبي عامة على الواقع كمرجعية أساسية، إلا أنه يتفاوت من كاتب لآخر حسب رؤيته التي ينسج بها عمله الأدبي، فيتراوح الخطاب الروائي بين الواقع والمتخيل، إذ (يفترض في العمل الأدبي الذي يطرح رؤية أيديولوجية أن يظل متسقاً مع رؤيته بطرح متخيله الروائي ممكن الحدوث بمعنى أن يطرح متخيلاً واقعياً)[3]، فكما قال الفلاسفة قديما أنّ الفن ينبغي أن يصور ما هو ممكن الوقوع لا ما هو واقع، وذلك لأن جُل الأعمال الأدبية غالبا ما تحمل مرامي وظيفية متفاوتة، (ودائماً تغلب الصبغة الأيديولوجية وتسيطر على وظيفة الأدبي، ولكن دون إغفال الوظائف الأخرى التي تعتني بالنزوع نحو فنية الإبداع)[4]، والنزوع إلى تخليق واقع تخييلي إلى جانب الواقعي بل والبحث عن وسائل الخروج من مآزق العالم الواقعي .

وفي (حافات قلقة) يتناول الكاتب إحدى المشكلات الاجتماعية والتي قد تظهر للعيان منذ الوهلة الأولى على اعتبار كونها عدم التقدير اللائق لأصحاب المواهب المتمثلة في البطلة، فكان اضطرارها إلى سلوك الدروب الملتوية أوتكتل أصحاب المكائد ومجابهتهم للمؤسسات المنظمة، إلا أنني أرى أن أهم ما يناقشه النص هي تلك (الحافات القلقة) في النفس الإنسانية والتي تؤدي لقلقلة الإنسان وتخبطه بين الواقع والوهم في محاولة للتخلص من وطأة الكبت الذي تعرضت إليه البطلة والشعور بالنقص فلجأت لما يشبه التعويض في عالم خيالها، وهذا ما يشير إليه إدلر بما يسميه ("القوّة الخلاقة" Creative Power وهو يعني بذلك أنّ البشر قادرون على صنع مصائرهم وتحديد معالم شخصياتهم)[5]، وهذا يظهر جليّاً في قول البطلة: "هذه هي الخطوة الأولى في معركتي معه. أن أعثر على رجل يجعل عميد القرية يغيّر قناعته .. لكن هل بمقدورنا ان نصنع انسانا كما نريد؟؟ .. لنجرب .."

رغم عدم الرضا عن الحل الذي لجأت إليه البطلة، إلا أنّ أحداً لا ينكر أنّها قامت بإبداع شيء جديد والمتمثل في صنعها التمثال " فصيّرت منها تمثالا جميلا، قصير القامة، دعج العينين، ينظر شزرا، ولحية طويلة. وشقت في داخله قناة، تعلوها ثقوب اربعة، يمكنها التحكّم بها... ما علينا الا ان نصّدق اوهامنا .. أليس أصدق الحقائق أكذبها؟؟"

هناك حافة أشبه بحد السيف بين الخير والشر وانقلاب الإنسان من الضد إلى الضد الآخر، فالنفس الإنسانية تحمل الأضداد في دواخلها وقد عزز الكاتب هذه النقطة بالتحديد بحيث لا يدفع المتلقي إلى الحكم على البطلة حكمًا فاصلاً، وإنما يقع في جدلية هذه التناقضات ليجد نفسه في النهاية عاجزاً عن البت فيها بصورة نهائية وهذا يحسب للكاتب إذ ترك المجال منفتحاً للتأويلات، وكذلك الحد الفاصل بين الواقع والوهم أشبه ما يكون بالشعرة الدقيقة والذي أوضحه الكاتب من خلال اللعب على نقطتي الواقع والوهم المكاني في النص .

 

بين نقطتين وكوّة صغيرة:

يسير الحدث الرئيس بالنص بين نقطتين: إحداهما في أول النص "وقفت في ساحة العرض، اختارت نقطة الوسط تماما، نظرت الى جميع الاتجاهات"، والثانية في آخر النص: "ثم أفاقت فجأة، وماذا لو انكشفت اللعبة؟؟ .. نظرت الى نقطة بعيدة، تطوي الافق في عينيها"

ويلاحظ المتلقي من هذين المكانين البون الشاسع بينهما، فالنقطة الأولى تقف فيها البطلة، قد اختارت مركز الدائرة "ساحة العرض" مستشرفة حصدها المركز الأول ونوالها الجائزة الأولى . إنّ هذه النقطة، هي نقطة واقعية حقيقية الوجود تلمسها بقدميها تجعلها في بؤرة الاهتمام، حيث تنكشف لها جميع الأركان والخفايا، تشبه في دورانها حول نفسها، كالكاميرا السريعة التي تدور تلتقط صور الزوايا .. إلا أنّ هذا المكان على ما يمثل للبطلة من مكان أحلامها حيث الفوز والنجاح ومكان تحقيق الذات ونيل الإطراء بلا حدود بل وغيظ الحاقدين عليها وأعدائها إلا أنّه محدود مهما اتسع !، فتحدّه زوايا الساحة وجدرانها والتي يستدل عليها المتلقي بذكر الكاتب "الكوّة الصغيرة" التي على بعد نصف قطر من البطلة .

وقد لجأ الكاتب للانزياح بفنية عالية، فتلك الكوّة الصغيرة تكشف عن الفضاء الروائي للنص والذي (يشير إلى المسرح الرّوائي بأكمله، ويكون المكان داخله جزءاً منه)[6]، فالفضاء النصي هو القرية، تلك التي أشار إليها الكاتب عابرا في غير موضع "اذن هنا سيعلن عميد القرية عن اسماء المتفوقين .. ماذا لو كنت الثالثة او الرابعة في قائمة الفائزين؟ ماذا سيقول عني ابناء القرية؟"

رغم واقعية الأحداث في النصف الأول من النص إلا أنّ المتلقي يلاحظ بعض المفارقات، بدءاً من استغرابه لنوعية تلك المنافسة بين هذه البطلة الأنثى و(أبناء القرية)، كذلك يلاحظ تلك الشخصية العجيبة للبطلة والتي قد تحدت العادات والتقاليد الريفية وأرادت المنافسة في الإبداع أمام الرجال واثقة من نفسها، تلك البطلة المتمردة والتي لم تحدها فقط جدران الساحة وإنما كذلك الفضاء الروائي (القرية) الذي تراءى من (الكوّة الصغيرة) متحدياً طموحات تلك البطلة في صراعها مع مجتمعها الذكوري (البطريركي)، فقد تعرضت البطلة إلى ما يعرف بالأنوثة المصادرة، و(تقترن هذه المسألة دائماً بالمباح الذكوري، فكل ما يباح للذكر يُصادر وتُمنع الأنثى منه، وتصور الرواية الذكورة (فعلاً) والأنوثة (قولاً) وهنا تظهر قوة الواقع على بطلة الرواية) [7] " عادت .. منكسرة، مذهولة .. تحاصرها نظرات الشامتين، وتطاردها كلمات المستهزئين، فودّت لو انها توارت، او ابتلعتها الارض. كان موقفا صعبا .. محرجا، لم يكن متوقعا مطلقا."، فمثّل ذلك انكسار الحلم الواقعي (الطموح) لدى البطلة وانهيار أحلامها بالفوز رغم ظهور بوادر هذا الانهيار منذ الأسطر الأولى: "لكنه صارم، لا يجامل .. أعرفه جيدا، هذا ما اخشاه، حقا سيسحق غروري اذا تجاهلني."

الكوة الصغيرة ذلك الواقع بشخوصه في تصويره المختزل المتقازم ليقهر ساحات من حلم البطلة بل ويقهرها بناره، ففي النصف الأول يسود ذلك التراوح بين (طرفين .. الطرف الأول الحُلم والطرف الثاني الواقع الذي يعني الانكسار- الحلم - الانكسار (الواقع). إذ يتحول العالم الذي يصوغه الحلم من ارتباط وثيق وعلاقة شبق وشغف بالعالم إلى انفصال كلي عنه وتذوب جميع الصلات القديمة بين الذات والعالم)[8]، " تحاصرها نظرات الشامتين، وتطاردها كلمات المستهزئين، فودّت لو انها توارت، او ابتلعتها الارض. كان موقفا صعبا .. محرجا، لم يكن متوقعا مطلقا."، فكان لجوء الشخصية إلى التقوقع والانفصال عن العالم حولها واللجوء إلى بيتها بغية تحقيق الانتقام من أجل حلمها المفقود (عادت الى بيتها منكسرة، مذهولة .. تحاصرها نظرات الشامتين... آفاقت من هول الصدمة، وقالت بغضب: سانتقم .. سانتقم ..)

فدخلت البطلة في طور أشبه ما يكون بالاغتراب (إن المقولات السابقة هي مقدمات طبيعية للوصول إلى حالة الغربة، أولاً عن المجتمع بقيمه ورؤاه ومن ثم الوصول إلى الاغتراب الداخلي ونفي العالم كله وفصله والتعامل معه ومع مكوناته كحالة غير منتمية، وكمصدر للخوف والقتل والموت)[9] فكان العزم على الانتقام والتفكير بالحيل المختلفة لها كامرأة (لذا ارتدت أفخر ثيابها، ووضعت أبهى زينتها، ثم اشارت لبعض صعاليك الرجال بكلمات منمقة، واغراءات ساحرة، فجاءوا يتهافتون، رجالا لبقين)

وأيضا كمبدعة فنانة لا يمكن التهاون بموهبتها وقدراتها (فجمعت قطعا من حديد ونحاس.. أوقدت عليها نار غضبها، وصهرتها بجمر احشائها، واضافت لها رماد حقدها الدفين، حتى لانت لها، فصيّرت منها تمثالا جميلا، قصير القامة، دعج العينين، ينظر شزرا، ولحية طويلة. وشقت في داخله قناة، تعلوها ثقوب اربعة، يمكنها التحكّم بها.)

 وكان لابد من لجوء الكاتب لهذا المكان المنغلق (البيت)، حيث (يلعب البيت دوراً مهماً، وهو ظاهرة بارزة في تشكيل عالم الرواية، لذلك ركز الأدباء كثيراً على إنتاج هذا البيت، الذي يعد ركن الإنسان الأول في العالم، على حد تعبير باشلار)[10]، فالبيت رغم عدم التطرق لوصفه كمكان يعكس الكثير من شخصية صاحبته بدلالاته المحتملة، إلا أن صورة الانعزال والانفصال داخله وكأنه عالم البطلة الخاص حيث تبدع هي، مما يعطي للمتلقي ومضة غير مباشرة حول ماهية دور المرأة في مجتمعها، فكان العمل داخل البيت على هذا التمثال بشكله الغرائبي وطريقة صنعه ما يعكس حالة الحلم الذي لا يفتر عن مراودة صاحبته بل ودفعها إلى تجنيد كل وسيلة ممكنة لمساعدتها في مهمتها " ثم اشارت لبعض صعاليك الرجال بكلمات منمقة، واغراءات ساحرة، فجاءوا يتهافتون، رجالا لبقين، يرتلوّن كلاما منافقا، .. ثم طلبت منهم ان ينفخوا في قناة التمثال ويصفّقون له، فصدر منه صفير، راحت تتحكم به عبر الثقوب الأربعة. فاضفت على اصواتهم موسيقى باهتة.. "

إنه تمثال الخواء لا شيء داخله سوى الهواء، يوهم من يسمعه كأنه يتكلم ويغني، أشبه بعجل بني إسرائيل في صناعته وصوته وإغوائه، يتحرك الخواء في هذا الحلم والوهم ليلتقي عند آخر نقطة في النص (نقطة الوهم) "نظرت الى نقطة بعيدة، تطوي الافق في عينيها...ولما حان وقت التحدي، ارادت ان تحمله، لكن ... صعقها خواء حلمها."، تلك النقطة الأخيرة تختلف كثيرا عن النقطة الأولى والتي كانت هي مركزها وسط دائرة حلمها، أما هنا فالنظرة إلى اللاشيء، نظرة بعيدة تفقد مرماها وملامحها على عكس النظرة الأولى، إنه ذلك الوهم الذي تلهث وراءه روحها أشبه بالسراب .

ويتضح من النص دور (الواقع الاجتماعي بالسيطرة الكاملة ومدّ سلطته على آفاق المرأة جميعها، هذا في طرف أوّل، وفي طرف ثان قام الواقع بقدرة فائقة على تحويل هذه المرأة من الحلم إلى الانكسار.. من التمرد إلى اليأس والخضوع والخنوع)[11]، ربما كان حلماً بالشكل الحقيقي المعروف، وربما هو حلم يقظة يتراءى للبطلة، وإنما في كلتا الحالتين كان نصيب البطلة الانكسار والخسار وليس السعادة كمفارقة لاسمها (سعاد) تلك السعادة المتقطعة (قالت: انا، انا (س ع ا د).. لكنه وهم .. وهم)، فكانت سعادة لا تكتمل .

 

خاتمة:

رغم سهولة لغة النص وتلاحق الأحداث والتي يتتبعها المتلقي بلا مشقة إلا أنه مليء بالانزياحات والدلالات والتي تفتحه على تأويلات مختلفة، فتكون كل قراءة بمثابة إضافة قيّمة للنص، فكثرة القراءات دليل على غنى النص، وهذا قمة الإبداع ... تحياتي لصاحب اليراع .

 

 للاطلاع

حافات قلقة / ماجد الغرباوي

 

دينا نبيل

 24 - 1- 2012

..........................

المراجع:

1- مكونات السرد في النص القصصي الجزائري الجديد: عبد القادر بن سالم، اتحاد الكتاب العرب دمشق 2001 ص 66

2-المصدر ذاته ص 67

3- الطريق إلى النص مقالات في الرواية العربية: سليمان حسين، اتحاد الكتاب العرب، 1997 ص 98

4- المصدر ذاته ص 96

5- مناهج النقد الأدبي الحديث: أ.د. إبراهيم السعافين، د. خليل الشيخ، الشركة العربية المتحدة للتسويق والتوريدات، ط1 2010 ص 133

6- مكونات السرد في النص القصصي الجزائري الجديد ص 273

7- الطريق إلى النص ص 10

8- المصدر ذاته ص 11

9- المصدر ذاته ص 11

10- سيميائية البنية المكانية في رواية " كراف الخطايا ": د.صالح ولعة ـــ الجزائر – مجلة الموقف الأدبي عدد تموز-آب 447-448 اتحاد الكتاب العرب، دمشق

11- الطريق إلى النص ص 14

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2012الاربعاء 25 / 01 / 2012)

 

جدلية الزمان والمكان في قصة: "قرار إرتجالي" للكاتب ماجد الغرباوي/ جلال جاف

jalal_jafبطل القصة هو الإنسان المنخرط في المكان و المنغلق فيه وعليه وهو "محميته" التي خلقت عنده أوهام التوازن، إنه يتوجه إلى وعيه بالمركزية والعزلة المركزة،:

 
"بعد ان قضى حياته داخل البيوت الرطبة، لا يتنقل الا في الظلام، او بين المقابر"
 
بمجرد مغادرته منظومة المكان والزمان الخاصة به يصبحُ في مهب ريح مكان اخر وزمان اخر أو عالم آخر:
"كان مرتبكا حد اللعنة، يتلفت .. منظر لم يألفه،"
استفزته الحيرة"
" كيف يواصل الطريق؟"
 
حيثُ الحقائق تختلف تماما والمكان مكان آخر والزمن زمن آخر على الرغم من وهم التشابه الظاهري:
 
"بماذا أختلف عن تلك المرأة،
او ذلك الرجل الطويل"
.
وحيث يحاول استخدام نفس وسائل اتصاله وتفاعله مع واقعه الخاص جدا في المكان الجديد:
"عندما قرر اجتياز المكان، أعدّ بغلته جيدا، سمح لها بتناول ما تبقى من طعام."
 
 
وعلى الرغم من محاولته تجديد الوسيلة ولكن هيهات لان وسائله مهما تنوعت هي نفسها وتعود لنفس (الزمكانية) المتحكمة فيه والتي سوف لن تسعفه:
 
"اتخذ قرارا مصيريا، استبدل بغلته بحصان، اختاره مطهما، ضمن لنفسه سرعة السير، سألحق بتلك العربة البيضاء،"
 
هنا يحدث تصادم (الازمنة والامكنة) المختلفة والمتناقضة وتتجلى حالة الصدمة:
"ما كاد يرمقها ببصره، حتى مرت ثانية سوداء.. توالت بالوانها واحجامها المذهلة تلك العربات الخبيثة،"
"كان مرتبكا حد اللعنة، يتلفت .. منظر لم يألفه،"
"تسمّر في نهاية الطريق،"
 
أن التساؤل ينبعث من كل الأشياء عندما تتجمع التناقضات بما فيها ذهن بطل القصة الذي يخيل الى القارئ أول وهلة ان الصدمة المتولدة من التقاء (زمكانين) مختلفين ستولد حالة تطورية ارتقائية تبعا لنظرية "التحدي والاستجابة" التي هي اساس التطور الحضاري حسب" توينبي":
"كلهم متشابهون، مثلي تماما، لا أجد فرقا بيننا،
اذن لماذا اراوح في مكاني.
بدأ يراجع أفكاره، يتفحصها"
" قال: أول الطريق ان أتخلى عن دابتي كي ألحق بركب الشارع الجديد،"
 
لكن الصدمة هي العودة الى نقطة الصفر:
"ولما خطى مسرعا، اعاده رباطها الملفوف على رأسه الى حيث كان يعيش":
اذ لم يستطع البطل الاستجابة الملائمة للتحدي؛ فالمنظومة الفكرية التي ركبت رأسه المعتق في زمن سابق ومكان آخر غير قادرة على الاستجابة لزمن جديد ومكان جديد.
 
ويطبق المؤرخ البريطاني (توينبي) هذا القانون على قيام الحضارات؛ فظروف التحدي هي التي تدفع البشر للانخراط في مغامرة بناء الحضارة، ولكن فضائل المشقة يجب أن تؤدي دفعها ضمن الوسيلة المناسبة التي تجعل من بعض المبتلين ب"الجمود" ايا كان "نوعه" رموزاً لصدمة تاريخية تحجرية لا أمل في حلحلتها زمنيا طالما كانت المنظومة الفكرية والوسيلية مؤطرة بزمن ومكان خارجين عن المعاصرة .
يبقى نص الكاتب الكبير ماجد الغرباوي نصا جدليا بامتياز لما يحمله من المساس الحي بالتطور الفكري للانسان وجدليته حضاريا.انه نص يتجلى فيه "الوجود والعدم" بامتياز كواقع انساني وفلسفة .
 
 
قرار ارتجالي / ماجد الغرباوي
 
 
عندما قرر اجتياز المكان، أعدّ بغلته جيدا، سمح لها بتناول ما تبقى من طعام.
 
خطى خطوته الاولى، فاجأه المكان .. طرقات مكتظة، مصابيح تتلألأ، عربات مسرعة، كاد ان يلحق بالأولى، عثرت بغلته، أوشكت أن تسقطه ارضا.
 
عاد ثانية الى داره، أسرف في زينتها، في تنوع غذائها، غامر من جديد، كاد ان يختطفه قطار المسافات الطويلة، استفزته الحيرة.
فقد صوابه
 
اتخذ قرارا مصيريا، استبدل بغلته بحصان، اختاره مطهما، ضمن لنفسه سرعة السير، سألحق بتلك العربة البيضاء، ما كاد يرمقها ببصره، حتى مرت ثانية سوداء.. توالت بالوانها واحجامها المذهلة تلك العربات الخبيثة،
 
كان مرتبكا حد اللعنة، يتلفت .. منظر لم يألفه، بعد ان قضى حياته داخل البيوت الرطبة، لا يتنقل الا في الظلام، او بين المقابر.
 
كيف يواصل الطريق؟
ظل يتمتم، يقارن نفسه بمن حوله
بماذا أختلف عن تلك المرأة،
او ذلك الرجل الطويل.
تفحص المارة، واحدا تلو الاخر، تسمّر في نهاية الطريق، كلهم متشابهون، مثلي تماما، لا أجد فرقا بيننا،
اذن لماذا اراوح في مكاني.
بدأ يراجع أفكاره، يتفحصها
اتخذ قرارا آخر
قال: أول الطريق ان أتخلى عن دابتي كي ألحق بركب الشارع الجديد، ولما خطى مسرعا، اعاده رباطها الملفوف على رأسه الى حيث كان يعيش
........؟؟؟؟؟؟
!!!!!!
 
 
(العدد :1896 السبت 01/ 10 /2011)

 http://almothaqaf.com/index.php/majedalgharbawi/55280.html

 
............................
الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2010الأثنين 23 / 01 / 2012)
 

النقد الادبي: مغادرات إلى المخيلة .. قراءة في نص: حافات قلقة لماجد الغرباوي / سمر محفوض

samar_mahfodليس لديها متسع من وقت كزمن نصي أو قصصي فهي لا تريد أن تقف بالوسط - سعاد - بطلة النص والشخص الوحيد المؤكد والأكثر محورية و حضورا، في نص حافات قلقة للأستاذ ماجد الغرباوي..

في فن القص للسرد أولوية، ومكانة في العمل، لامجرد وجوده بل القصد إليه بحيث تبقى هناك حكاية، اي تطور حداثي وتشكيل للوقائع. ومن الواضح هنا ان الحدث مستخفي، يدور بذهن سعاد ويبرز مؤكدا ذاته. وان الوقائع المتخيلة يمكن ان تكون محورا للفعل ..

كثيرا ما تهمل القراءات النقدية المنطق الداخلي للقص، وتنشغل بجماليات بناء النص عن حيثيات حركته وولادته.. ولان أي إبداع لا يمكن أن ينفصل، عن منطقه الحيوي الداخلي .. فالمنطق الحيوي لحافات قلقة كان خارج عن القصد في تجربته، وفي فجيعته في تحقيق حلمه، باعتبار ان العمل الخاضع للقراءة النقدية يحمل مقاييسه النقدية بين طياته، وهو عمل ينظر إليه من الداخل. الكاتب هنا أيضا ينظر اليه من الداخل ويحاول ان يحلل عناصره .. يجرب أن يعيد ترتيب تلك المفككات. فالعمل السردي بالمحصلة هو معمار وتركيب هندسي لغوي، وهذا هو التحدي الأكثر صدمة في العمل الكتابي القصصي، حيث عليه أن يرصد البقعة القاتمة في ذات كل منا ...

في حافات قلقة نلاحظ حضور الواقعية النصية بكثافة (لكنه صارم، لا يجامل .. أعرفه جيدا، هذا ما أخشاه، حقا سيسحق غروري اذا تجاهلني.) هنا الزمن الخطي، الميتي التيولوجي يقتضي الإضاءة على الانا المسرودة بجدية، فهي تفتح التصدير / النص وهي ايضا الخواتيم التي تنغلق عليها نهاية النص من انا موغلة (ثم أفاقت فجأة، وماذا لو انكشفت اللعبة؟؟

نظرت الى نقطة بعيدة، تطوي الافق في عينيها، وابتسمت:

وماذا عن جوقة المطبلين؟ .. هكذا اجابت بثقة عالية.)

في تأكيد على ضرورة أن يقرأ العمل أي عمل إبداعي بعناية، وبكثير من الإكبار دون إقحام زائف، قد لا تتوفر السردية على الواقعية الهادئة بل تتدفق كما لو كانت شكلا من أشكال التداعي، أو تيار الوعي في الروايات النفسية..

(وكلما انتهى أحدهم من مهمته جلست تضحك، تتباهى، تعلوها ابتسامة صفراء، وهي تردد:

سترى .. سترى.)

تتميز حافات قلقة بالإضافة لعناصر السرد بوجود الحدث - (عادت الى بيتها منكسرة، مذهولة .. تحاصرها نظرات الشامتين، وتطاردها كلمات المستهزئين،) الذي يعني قليلا او كثيرا، القيام بمجموعة أفعال متتالية او مجموعة أحداث ووقائع تكون شبكة النص الأساسية، وتقوم بها مجموعة شخوص او فرد ذات سياقات محددة (وقالت: ما علينا الا ان نصّدق اوهامنا، ونجد من يدافع عنها، حينئذٍ ستكون هي الحقيقة في أعين الناس .. أليس أصدق الحقائق أكذبها؟؟). في مقتبل التعاطي لا بد من الإلمام والربط بين أواصرها، والتي يهضمها النص ببساطة لصالح التغيب، وذلك مدعاة إلى طرح سؤال التسمية حافات قلقة فان ما يلفت الانتباه انه تماما واقعية نصية ... في الوصف الواقعية النصية تحتاج الى وظيفة أو ذريعة هي بمثابة المنشط لدخولها النص – (.. لكن هل بمقدورنا ان نصنع انسانا كما نريد؟؟ ). هنا الحافات والقلق إشارة مضاعفة تضعك من أول النص بأجواء الترقب .. انه الطيف الباحث عن حريته او مأوى لروحه وجسده، وهو الوتر المشدود بين صراع الأضداد ليقيم التوازن راصدا مأساته الوجودية ومؤسسا ذاتا فاعلة عن طريق الوعي المكثف للمخيلة، أي الحلم او طابع الحلم الذي تفيق منه فيفاجئك تحول الكون من حولك (ولما حان وقت التحدي، ارادت ان تحمله، لكن ...

صعقها خواء حلمها.)

في حالة توهج بين الانا والعالم يتبدى ما يدعى أزمة النص .. (أمرتهم ان يصطفوا واحدا تلو الاخر، ثم طلبت منهم ان ينفخوا في قناة التمثال ويصفّقون له، فصدر منه صفير، راحت تتحكم به عبر الثقوب الأربعة. فاضفت على اصواتهم موسيقى باهتة..).

أما التحدي الأخر في حافات قلقة فهو ينتمي إلى بنية النص ذاته، من حيث تقشف الشخصيات المسرودة،، السارد هنا فرد وطيفه – سعاد - في شدة ودقة تفصيلاتها وبالاستناد الى الفهم الفردي وتأويل الشخصية الأساسية للنص أباحت للقارئ حرية استيلاد الأفكار وتنوع الصيغ أي ابتكار - أجمل - الموضوع بالأساس لم تضف جديدا فهو يندرج، ضمن عاديات السرد الكلاسيكي محادثة عبر الذات، لكن الرؤية ضمن الشخصية هي من يتجدد ليخلق أشكالا جديدة مختلفة وهذا برأيي مهم، لأنه تأكيد على مفهوم الكشف وقيمته. وثانيا كلما توغلت الشخصية بكشف دواخلها أمامنا عبر السارد البطل الذي هو استمرار في التأكيد على أهمية الجدل

(وماذا عن جوقة المطبلين؟ .. هكذا اجابت بثقة عالية)

يتفق القول السابق مع استخدام الخطاب السردي بمستوى تداول لغوي هو السياق الزمني الذي تنمو فيه الحكاية، والذي ينتمي بالطبع الى فضاء تاريخي محدد وهو هنا تعاقبي، تداخلي أحيانا ومتوازي ببعض مناطقه ودائري او متقطع يربط الأفعال والشخصيات بسلسلة من الأفعال الواقعية بمضمون السرد، أي ساحة الحكاية والحيز المكاني وتداخل سياقاته السردية محكومة أبدا بتاريخ وقوع الفعل هنا. وهواي الكاتب غير مدرك انها الحالة التي تصلح لهذا السياق ..

الطابع العام لكتابات الأستاذ الغرباوي على الرغم من أنها تحتوي على حيوية لا تخلو من كلاسيكية سردية لا يعيب النص بل هو نمط كتابي يتسم بمولدات كثيرة .. هذا طبيعي .. ومن التعسف أن نعتبره شكا بقيمة النص، بل هو يندرج ربما أكثر تحت بند الأدب التمثيلي الواقعي حتى الفهم والتشخيص.

وتأكيدا لثنائية الخير والشر، فلا بطولة مطلقة بل لحظة تجعل من الكائن بطلا، ولا شر مطلق بل جملة أسباب تخلق كائنا مشوها وشريرا - من حاجات الروح لا من حاجات المحيط، لكنها انعكاس له بالتأكيد مهما كانت أشكال حضورها أحلاما، رؤى، مسارات تأمل، او مساحات من الوصف السردي، بشكل ما يوائم بين مرور الفكرة وفكرة الكتابة عنها.

ولكن بطبيعة الحال يجب ان يقع كل ذلك في جوهر العمل ... لا على هامشه. بل ينصهر، في صميم نسيجه ولا يأتي من خارجه بالمعنى الخالص لو جاز التركيب اللغوي لصالح إنضاج الكائن الإبداعي المفترض.

هنا تتجلى حقيقة الكشف الذي يميط اللثام عن حقائق الوجود كخطوة في طريق طويل يحتاج إلى الشجاعة ويحتاج إلى قوة التحدي. عمل يقرأ بتأني وبشفافية مع الذكاء بالأسلوب .. يعري السراب الذي يتعب الساعين خلفه من حيث المقدرة على التعبير عن النفس.

في حافات قلقة مقولة النص تتلخص بان الانتقام ليس حقا من حقوق البشر، وهو طبق لا يفضل تناوله لا ساخنا ولا باردا بل لا يجب بالأصل أن يدخل في مفردات البشر، انما ينبغي استئصاله من قيمة البيئة الإنسانية، وجعله بلا ذاكرة مجتمعية او مكانية.. فلا كائن كامل، ولا خير مطلق، ولا شر منجز، بل هناك ظروف تؤهل لفعل الشر او فعل الخير والمحيط المجتمع بكل مكوناته هو المسؤول أولا وأخيرا عن جميع أفراده.

حافات قلقة نص ينفذ الى داخل القضية الإنسانية والنفس البشرية بكل مناقضاتها ليصور وجها من وجوهها المختلفة، قد يلغي احد الأوجه وجه أخر لكنهم في النهاية يمثلون الحياة كما هي وأحيانا كما يجب لها ان تكون نافذة بسعة الحلم.

 

للاطلاع

 حافات قلقة / ماجد الغرباوي

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2010الأثنين 23 / 01 / 2012)

 

 

النقد الادبي: النص القصصي الحديث بين التغريب والتقليد.. قراءة على هامش نص الأستاذ ماجد الغرباوي: حافات قلقة

salam_kadomfarajmajed_garbawiaمن السهل الادلاء بشهادة نقدية بسيطة كالقول .. ان هذا النص رائع .. وذاك النص عميق .. فهذا الحكم وصفي بحت وليس فيه اية رؤية للتقويم

النقد الادبي: الوجه الآخر للبطلة في (حافات قلقة) للأديب ماجد الغرباوي / جميل حسين الساعدي

jamil_alsadiقبل أن أخوض في إشكاليات النص القصصي (حافات قلقة) للأستاذ الأديــــب ماجد الغرباوي، رأيت أن أسلط الضوء أولا على ملامح أساسية في النــــص استوقفتني قبل كلّ شئ.

معلومات إضافية