قراءات نقدية (أدب، مسرح ، فن)

في باطن الجحيم .. رواية تسجيلية وثائقية عن حملة الأنفال 87- 1988

adnan aldhahirكتبها سلام عبد إبراهيم / كاتب وقاص وروائي عراقي معاصر.

هل كتب أحدٌ قبل سلام إبراهيم تفصيلاً عن حملة الأنفال من بين ضحاياها ومن عايشها من الأنصار العراقيين الشيوعيين وأبناء كردستان؟ ليس عندي جواب .

قسّم كتابه هذا إلى ثلاثة أقسام رتّبها كما يلي:

القسم الأول: مع مُحقق الدولة الدانمركي

ـ عندما أدخلني الدكتاتور في الجحيم ـ

القسم الثاني: مع قاضية المحكمة الهولندية في لاهاي

ـ عندما أدخل الدكتاتور رفاقي في الجنون ـ

القسم الثالث: التشرّد ـ ما لم يطلبه المحققون ـ

كتب سلام روايات أخرى غير قليلة سبقت روايته هذه " في باطن الجحيم " وكان فيها جميعاً الكاتب المتمكّن من فن السرد الروائي وكان فيها الرجل الشجاع الصادق غير الهيّاب ولا يخشى ذكر كلمة الحق. أراه بهذا الصدد يتفوّق على غالبية الروائيين العظمى الذين يكتبون شيئاً ويُخفون الكثير عجزاً أو تحفّظاً أو حياءً. ثم لصدقه فيما يقول أفضلية كبيرة على بعض الأدباء الذي يدارون ويلفون ويكذبون ويتخفون وراء سُتُر وحُجب كاذبة مُهلهلة ليخفوا حقائقَ ما هم فيه. من هؤلاء أديب قضى عقوداً من عمره قزماً خنيثاً ضئيلاً يتنعم بحماية حزب البعث في قطر عربي وتزكيات السفارة العراقية في ذلك القطر . وبعد سقوط البعث وصدام حسين صار يكتب عن ملاحقة مخابرات البعث وشرطة أمنه لمعارضيه واغتيال بعضهم في شوارع بعض عواصم العرب ! أراد بهذا الصنيع الخبيث المكشوف أن يستر عورته بذكره لبعض سوءات وجرائم نظام البعث ولكن هيهات هيهات فهذه العناصر معروفة وسُبل ووسائل تسلّقها السلالم هي الأخرى معروفة ومكشوفة. سلام إبراهيم عراقي أصيل نقي مقاتل واضح الإنتماء جمع بين مواهبه الروائية وقتاله لحكومة البعث نصيراً في جبال كردستان فشتّان ما بين روائي موهوب مقاتل مؤمن بمذهب وعقيدة فكرية ـ سياسية وأفندي خنيث مخصيّ وكاذب ومزوّر لا يهتمُّ إلاّ بصبغ بياض شعر رأسه والكتابة عن بعض سماسرة البعث من الرجال والنساء. الفروق كثيرة بين النظافة والقذارة ، بين البطل المقاتل والخنيث الخبيث الخفيف الميزان.

أعود لسلام وما كتب في كتابه المثير الجديد الذي سمّاهُ بالإسم الواضح الذي يستحق [رواية تسجيلية وثائقية عن حملة الأنفال ...].

أبدع سلام في القسمين الأول والثاني من روايته: مع محقق الدولة الدنماركي و مع قاضية المحكمة الهولندية في لاهاي حيث جمع بين موهبته الروائية وأدق تفاصيل إجراءات المحاكم واستجوابات المحققين وعرض مفاجآت لا يتوقعها أحدٌ من قرّاء هذه الرواية ـ الملحمة المكرّسة أصلاً لكشف جرائم وفضائح نظام حكم حزب البعث العراقي خاصة زمان تفرّد صدّام حسين بالسلطة. إنها وثيقة الوثائق القانونية المزوّدة بالشهادات الحيّة وبأفلام فيديو حصل عليها محققون ومحامون وقُضاة من الدنمارك وهولندا فضلاً عن أحد ضحايا إستخدام صدام حسين للأسلحة الكيميائية المحرّمة دولياً ضد معارضيه ممن كانوا يقاتلون في جبال كردستان في ثمانينيات القرن الماضي ... أعني السيّد الأستاذ سلام عبد إبراهيم نفسه. نعم ، كتب البعضُ ممن شاركوا أنصاراً في القتال في جبال ووديان وغابات كردستان، كتبوا ولكنَّ ما كتبوا لا يرقى أبداً إلى مستوى ما كتب وثبّتَ سلام إبراهيم أبداً أبداً. المقاتلون شيوعيون أعضاءٌ في نفس الحزب لكنَّ الفرق بينهم هو مجموع الفروق بين ما يملكون من مواهب أدبية وقدرات على التعبير والتصوير وفيما يتمتعون به من عمق في الشعور وإحساس بحجم المأساة التي تعرّضوا لها هم في الجبال وعموم العراقيين في باقي أنحاء العراق. ليس كلُّ من كتبَ أبدعَ وصدقَ فنجحَ، هنا يبرز العامل الذاتي كما قال المتنبي:

فإنَّ في الخمرِ معنىً ليس في العنبِ

 

ناهدة جابر جاسم

من هي هذه الشابة المقاتلة التي هجرت مدينتها وأهلها والتحقت بثوّار الجبال فأصيبت بالسلاح الكيميائي وعانت منه ما عانت وما زالت منه تعاني؟ إنها النصيرة " بهار " رفيقة وزوج سلام إبراهيم . ما كانت دوافعها للتضحية بحياة المدينة والأهل ونعومة العيش الرغيد للإلتحاق بالثوّار في ظروف غير عادية وغير مألوفة لا يتحملها إلاّ رجال الرجال؟ عاملان إثنان رئيسان عندها لا ينفصلان: زوجها سلام الشيوعي وإيمانها المبُكّر العميق بالشيوعية. فهمت أنَّ أنَّ ابناء عمومتها سجنهم البعثيون عشرين عاماً لأنهم كانوا من الشيوعيين المعروفين في مدينة الديوانية وسط العراق، ولا أستبعدُ أنْ يكونَ هذا عاملاً ثالثاً رفع فيها قوّة التحدي والمغامرة وقبول كافة ما قد تؤول إليه تجربة مشاركتها في حرب الأنصار (البيش مركة) في جبال كردستان العراق. فضلاً عن جريمة قتل الفنان الشاب كفاح إبراهيم شقيق سلام.

إقترنت السيّدة ناهدة بسلام حين كانت ما زالت صبيّة في السابعة عشرة وأنجبت منه طفلاً أسمياه " كفاح " لكنهما ضحّا فتركاه مع ذويهما وتسلقا الجبال الشديدة الوعورة والكثيرة المخاطر مقاتلين الطاغوت من أجل عراق أفضل وأجمل [وطنٌ حُرٌّ وشعبٌ سعيدٌ]. سلام النصير المقاتل الباسل أجاد في وصف رفقته لأم كفاح هناك في قمم الجبال ومنحدرات السفوح وخرير الماء والجداول في الوديان وتحت غارات وقصف طائرات وصواريخ الجيش العراقي كما أجاد في تفصيل حياة المقاتلين في حالات الإشتباك مع العدو وفي ساعات الراحة ولعب الكرة أو إعداد الطعام للمفارز والأفواج أو نقل البريد الحزبي. مزج سلام ببراعة نادرة بين حبّه لرفيقة عمره النصيرة " بهار " وواجباته القتالية اليومية كأنَّ القتال لديه وجه آخر للحب والإخلاص لشريكة العمر. لا معنى للقتال بدون حب ولا حبَّ بدون قتال مشروع لإحقاق الحق وإنقاذ العراق والشعب العراقي من ظلم حاكميه. حبّه لزوجه النصيرة المقاتلة لم يشغله عن شؤون ومعاناة بقية الرفيقات النصيرات المقاتلات العربيات والكرديات واليزيديات خاصة مّنْ فقدن أزواجهنَّ هناك في مواجهات قتالية أو جرّاء التعرض للأسلحة الكيميائية. أنقلُ نصّاً صوّر سلام فيه حدثاً بعينه يقرأه المرءُ فلا ينساه مدى عمره. شاركت " بهار " ناهدة ، فيه ولعبت دوراً مع أرملة يزيدية أُستشهد زوجها هناك في أعالي جبال كردستان. أقرأه فإخال نفسي أُشاهدُ فيلماً مُصوّراً بالألوان كل من وما فيه يلعب دوراً: الأنصار الشيوعيون المقاتلون من قوميات متعددة والمرأتان العراقيتان الجنوبية والشمالية والجبال وقبور الشهداء المتواضعة:

[في أواخر الشهر السادس 1988 كنّا نتناول وجبة الغداء حينما لمحنا من المسلك الهابط من قمّة العمادية ثلاثة مسلحين وامرأة بثوبها الكردي الفضفاض يهبطون مسرعين، تبينَ أنهم من الفوج الأول المُرابط في وادٍ من أودية جبل ـ كارا ـ. المرأة كانت زوجة الشهيد ـ أبو فؤاد ـ الذي قضى في القصف الأول للموقع 1987 ، جاءت تزورُ قبره بمناسبة مرور سنة على مقتله.

كيف أصف المشهد؟!

كيف؟!

سأحاولُ رغم المرارة رسم المشهد من جديد، لعلَّ من يشاهد المحاكمة (محاكمة صدام حسين ، دأب سلام على متابعتها على شاشة التلفزيون) يُدركُ معي مقدارَ لا إنسانية هذه الطُغمة التي تتمسكن أمام العدالة مُصوِّرةً نفسها وكأنها لا تُدركُ ما كان يجري وتعتقد أنها كانت تمارس واجباً وطنياً.

الموقع يُطلُّ على مجرى نهر الزاب الأعلى، على رابية متدرجة يبدو انها كانت في أوقات السلم مزارع عامرة تحولت وقت الثورة والهجرات إلى ساحات عشبية مُتدرّجة من الرابية وحتى ساحل المجرى في مسطحات تمتدُّ لأكثر من عشرة أمتار. على المسطح التالي لفسحة رابية موقع الإسناد دُفنتْ جثتا أبو فؤاد وأبو رزكار وعادةً ما يقومُ الرفاق بوضع الزهور على قبري الشهيدين بين الحين والحين. لم يُكتب شئ على الشاهدتين لكنَّ الكلَّ يعلم من يرقد على اليسار ومن يرقد على اليمين. كنتُ أُحسُّ أنَّ المرقدين مدفونان بقلبي حتى أني الآن لحظة الكتابة أراهما تحتي وكأني عُدتُ إلى تلك اللحظات المدمرة حينما كنتُ أضع باقتي زهور بريّة وأُكلّمهم عمّا جرى في غيابهم مُستذكراً كل الأحباب الذين غابوا في المعتقل أو قُتلوا في المعارك.

قدّمنا لهم الطعامّ، كنتُ أختلسُ النظر إلى وجه أم فؤاد التي رفضت بشدّة تناولَ الطعام مكتفية بجرعة ماء بلّت فيه ريقها الذي بدا ناشفاً. كنتُ أتتبعُ الماء الذي تحاولُ بلعه بعناء إذْ يتكسّر وجهها ألماً.

قلتُ مع نفسي:

سيكونُ هذا اليومُ عسيراً !!

في إلتحاقي الثاني بالثوّار شباط 1985 ومعي زوجتي حللنا ضيوفاً في بيتهم في قرية صغيرة أُقيمتْ على عَجَل تجاور الفوج الأول تجمّعتْ فيها عائلات البيشمركة اليزيديين التي هجرتها السلطة من قُراها، إذْ كُلّفَ ـ أبو فؤاد ـ بتوصيلنا إلى مقر القاطع، فرأيتُ مدى عمق علاقة الشهيد بها، كان لا يكفُّ عن المزاح معها مزاحاً لطيفاً يجعل وجهها يتهللُ سعادةً. كان لديهم جوقة من الأطفال، أحدهم أُرسلَ إلى ـ الإتحاد السوفيتي ـ للدراسة .. وهو وحده مَنْ نجا من العائلة إذْ ستضيعُ جميعها في مقبرة جماعية لم تُكشفْ لحد الآن. وهذا ما سأحاولُ إلقاء الضوءَ عليه لاحقاً.

ما أنْ فرغنا من الوجبة حتى سألتْ عن قبره. إرتبكت الوجوه، ورحنا نحملق الواحدُ في وجه الآخر منتظرين مبادرة أشجعنا . كررت السؤال مرةً ثانية وثالثة فهبطت قلوبنا إلى أسفل أقدامنا ممعنين بالصمت، هاربين بعيوننا إلى القمم والسفوح وذرى الأشجار الشاهقة ... إلى أنْ أنقذتنا ـ بهار ـ مُجيبةً:

ـ سآخذكِ إليه !

قادتها من ذراعيها وتوجّهت صوبَ المسلك الهابط جوار مجرى النبع. تبعها المقاتلون الثلاثة الذين قدموا معها. خطوتُ خلفهم متردداً. إنحرفتُ يميناً مبتعداً عن المسلك الهابط. تلفّتُ فوجدتُ رفاق الموقع جميعهم يتوجهون صوبَ الحافة المطلّة على فسحة القبرين. يتابعون بعيونهم المضطربة الموكب المكوّن من المسلحين الثلاثة السائرين خلفَ زوجة الشهيد يهبطون تتقدمهم بهار. إستداروا صوب الفسحة الصغيرة الممتدة على مسافة عشرة أمتار فقط. أبطأوا الخطو. سحبتها زوجتي برفق من معصمها الناحل إلى أنْ وقفتا امام القبرين ورأيتها تجثو نحو كومة التراب المرتفعة قليلاً.

كانت الشمسُ ساطعةً في ذلك اليوم تُضفي على المشهد وضوحاً يركزُ في الذاكرة.. تحجّر نظري على وقفة الأرملة التي كانت تنتظر عودة زوجها من العلاج بعدما تعرّضّ لمحاولة إغتيال قبل عامين إذْ دسَّ رفيقٌ تعاون سرّاً مع السلطات سُمَّ الثاليوم في كوب لبن. قاومَ ونجا بعد علاج لمدة عام في إيران. كان في طريق عودته للقاء العائلة فحلَّ في الموقع على أنْ يَبيتَ ليلته ليواصل في الصباح الباكر طريقه إلى الفوج الأول في وادي ـ مراني ـ بكارا. وفي ذلك الغروب قصفت الطائرات العراقية ـ زيوة ـ بالغازات السامة. ومن سوء حظه أنه كان يجلس على حافة موقع سقوط القذيفة التي أعمته على الفور وغيبته بعد ساعات ست إلى الأبد.

أرى الآن وأنا أُشرف من الربوة قامات الرجال الذين لم يجرأوا على الإقتراب فبقوا على مبعدة أمتار إلى يمين ويسار المرأتين الواقفتين أمام القبر. رجعت زوجتي خطوتين وتركتها وحيدة وتحتها يرقدُ حلمها المستحيل نائماً في التراب. طال الصمتُ وسكونُ قامتها المتماسكة المصلوبة جوارَ كومة التراب.

ـ هل كانت تخلقه من جديد في ذاكرتها؟!

هذا ما بتُ متأكّداً منه وما حدثَ معي حينما زرتُ العراق 2004 ووقفتُ أمام قبر أمّي وأبي اللذين قضيا وأنا في المنفى!

كنتُ غيرَ مُصدّق بأنهما يرقدان هنا خلف حائط من الجص والآجر في سرداب صغير ضائع بين بحر من القبور في مقبرة ـ السلام ـ في النجف.

تلفتُ حولي فوجدتُ رفاقي موزعين خلف شحيرات الحافة مثلَ مَنْ يخافُ من شئ يلوحُ تحتنا على لوحة الفسحة الصامتة. رجال بأسلحتهم المتدلية على الجنب، زوجتي المنتظرة، قامة الأرملة الجامدة بثوبها الفضفاض الطويل وكأنها تؤدي صلاةً ما سريّة ! وخلفها غابة صغيرة فالنهر الدافق ثم سفح قائم وكأنه جدار يرتفع عالياً أمامنا. وحده دويُّ مجرى الزاب الهادر يتردد صداهُ في الوادي.

هل كانت بصمتها الطويل الذي أربكنا ووتّرنا تمارس طقساً من طقوس الموت لدى الطائفة اليزيدية؟! لا أدري ! لكنَّ تلك اللحظات أشعرتني بفداحة الفقد المباغت لمحب حميم.

لا أدري كم من الوقت ظلت ساكنة كتمثال من حجر .. فزمن تلك اللحظات زمن مختلف لا يُقاس.

كنتُ أحبسُ صُراخي مستذكراً أحبابي الذين ضاعوا في المعتقلات !

كنتُ أحبسُ دمعي متخيلاً ألمَ كل عراقية فقد زوجها غيلةً !

كنتُ أحبسُ هاجسي متخيلاً زوجتي الواقفة خلفها بمسافة مترين تقف هي أمام كومة ترابي لو قضيتُ في القصف الذي قضى على أبي فؤاد!

كنتُ أركز نظراتي على قامتها الجامدة فلمحتُ أول تمتمة دون صوت بانت من حركة شفتيها. تمتمت بصمت فيه جلال وقليلاً قليلاً بدأ الصوتُ يظهرُ ضعيفاً مكسوراً أول الأمر، ثم شرع في إلتماسك شيئاً فشيئاً إلى أنْ بات واضحاً، خصوصاً بالنسبة لنا نحن الواقفين على حافة تطلُّ على المشهد. بدأتْ بسرد قصة حبهما وكأنه متجسد أمامها. تقصُّ وتعلّق وكأنها تسمع ما يقوله لها. القصة جديرة بالسرد في موقع غير هذا. ففيها يتجسدُ حجم معاناة زوجة العراقي المتورط بالسياسة، والذي يحبها وتحبه، فالأمرُ ليس بسيطاً كما يتخيلُ البعضُ. مَنْ يتورط في السياسة بصدق المبادئ ويعارض سلطة دكتاتورية ويُضحّي بكل شئ حتى بتشريد عائلته داخل وطنه ذلك يعني أنَّ مِثلَ هذا الشخص كرّسَ كلَ عمره لحلم مدينة فاضلة ما زالت الإنسانية تصبو إليها.

كنتُ أنصتُ لصوتها رائياً الوانَ القص، شامّاً روائح الحكاية، لامساً أجسادَ الشخوص.

قصّت كلَّ ما جرى لها وللعائلة أثناء غيابه الطويل الذي بات وقتها سنتين. سنة علاجه في إيران، ومرور سنة على مقتله. قصّتْ إلى أنْ أنهكها الكلامُ والحكاية فصرختْ صرخة واحدة طويلة حادّة أصابتنا بالكمد وارتمت على كومة التراب. غطّتها مولولة صارخةً باسمهِ. كنتُ أنشجُ بصمت وجواري ينشج رفاقي وتحتنا ينشج الرجال الثلاثة بصمت، وأم فؤاد تناديه كي يقومَ من جديد قابضةً على ذرّات ترابه في حركة تشتدُّ وتنبسط وكأنها تحاولُ خلقه من جديد. وحدها زوجتي بدت متماسكة منتظرة لحظة مناسبة كي تنشلها من وهم عودته / الصفحات 151 ـ 160 من الرواية].

هل قرأنا قبلاً أو شاهدنا فلماً ملوّناً كهذا الذي كتب سلام وصوّر بعدسة لا من زجاج ولكنْ بعدسة من طبيعة أخرى ... عدسة روح إنسان تتحرك وتُحسُّ وتنطقُ وتغيّرُ ألوانها وألوانَ ما تلتقط مِن حولها من مرئيات . تخاطب ذات المؤلف وتسألُ وتُجيب. تستنطق ما ترى من أشياء أفرزتها أو خلقتها الطبيعة الجامدة وتحركها في أي إتجاه تشاء ولإيّما غرض وهدف تشاء. إنها عدسة خالقة لا عدسة مخلوقة. إنها الروائي سلام إبراهيم. من يصل من بين الكتّاب والروائيين أو يدنو من هذا المستوى ومن هذه الظاهرة شبه الخارقة؟ قد ... نعم، قد يدنو رجلٌ مثل الروائي كابريل غارسيا ماركيز صاحب رواية " مائة عام من العزلة " الذي ذكره سلام في روايته هذه كما ذكر تولستوي وروايته الحرب والسلام:

[بقينا حتى المساء حائرين إلى أنْ قررَ أبو الجاسم الذي كان مسؤول الموقع الإنسحاب صوبَ الحدود التركية وحرق كل شئ. لا أنسى ذلك المشهد أبداً، وكأنه مشهد سبق لي رؤيته حيّاً ، مشهد روائي عشته لغةً حينما كنتُ ابنَ الخامسة عشر حينما قرأتُ رواية الحرب والسلام لتولستوي / الصفحة241].

سلام يستحق جائزة نوبل على روايته هذه التي جمعت معاً جرائم نظام حكم حزب البعث وزعيمه صدام حسين واستخدامه الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً والتي تغاضت أمريكا عنها لأسباب سياسية وعسكرية لترجيح كفة العراق في الحرب التي كانت دائرة بين العراق وإيران وإقامة حالة توازن أسماها الرئيس الأمريكي في حينه " ريكان " لا غالبَ ولا مغلوب ! ثم محاكمة صدام وزمرته من عتاة وكبار المجرمين في بغداد حيث كان سلام يتابع وقائع تلك المحكمة من بيته في الدنمارك. يرى الجلاّدَ الذي أراد قتله بالرصاص والصواريخ ثم السموم جالساً ذليلاً في قفص الإتهام بهيئة رثّة ولحية أكثر رثاثة وشخصية هزيلة مُهتزّة مكابرة تدّعي التماسك والقوة والبراءة مما نُسب لها. صوّر سلام في روايته كل محنة العراق والعراقيين وما أصابهم من بلاوي ومصائب وكوارث لذا فإنه إبن العراق كل العراق ومحاميه المدافع عنه والكاشف بالأدلة عن قاتليه ومغتصبيه ومن خرج عن الأعراف والمبادئ الإنسانية بما فيها الشرع والقوانين الدولية المعروفة. سلامٌ عليك يا سلام.

في هذا الكتاب لوحة أخرى تُضاهي لوحة السيدة اليزيدية الأرملة أم فؤاد، زوج البطل المقاتل الشهيد " أبو فؤاد " الذي ساهم سلام في دفنه سويةً مع رفيق آخر.

أعني ما قال سلام في محاولاته المُضنية بحثاً عن مصير رفيقيه أبو جواد وأبو وسن اللذين قضيا بالسلاح الكيميائي وكيف عثرعلى جثتيهما وكيف ساهم في دفن الجثتين. سطّر كل ذلك على الصفحات 213 وما يليها وهو كثير.

لا يفوت قارئ الرواية هذه ما كتب سلام في ملحمة الهروب الجماعي من جبال كردستان العراق إلى تركيا بعد وقف الحرب بين العراق وإيران في 8.8.1988

وما لاقى الهاربون والهاربات والشيوخ والأطفال من أهوال وجوع وبرد وموت.

كل جزء كتبه سلام في روايته هذه يستحق تحويله إلى فلم واقعي موثّق بشهادات شهود عيان ومقاتلين عراقيين من شتى القوميات والأديان.

ملاحظتان أحداهما تتعلق بالصور التي أرفقها الروائي الجدير السيد سلام إبراهيم لكتابه " في باطن الجحيم " ... إنها صور نادرة سيهتم بها تأريخ العراق السياسي والنضالي وستكون موضع احترام واعتزاز أهل وذوي الصور مّنْ أُستشهد منهم والذي ما زال حيّاً. لكنْ للأسف الشديد كانت الصور صغيرة وكانت غير تامة الوضوح عموماً.

الملاحظة الثانية تتعلق ببعض الأغلاط الإنشائية القليلة والبسيطة التي وردت في هذه الرواية. إنها أغلاط شائعة في أوساط الكثيرين من الأدباء والشعراء والقصّاصين والقاصّات وبعض أدعياء كتابة الرواية ممن يمارسة أغلاطاً لغوية شنيعة ترقى إلى مقام الكفر باللغة لكنهم ينفونها ويكابرون مكابرة [زعاطيط الكتبة] ويدّعون أنها ليست أخطاءً ! لعلَّ أسوأ الجميع واحد يُقال عنه إنه خبير باللغة العربية رغم أنه لا حظَّ له من هذه اللغة إلاّ ما تعلّم في المدارس العراقية شأن الملايين غيره. ليس لديه مؤّهلٌ دراسيٌّ منهجيٌّ باللغة العربية ولا شهادات عليا ولا جامعية أوليّة فمن الذي أطلق عليه صفة خبير باللغة العربية ولماذا وكيف أرتضى هذا لنفسه قبول هذا النعت وهذه الفرية التي ألصقها به مَنْ لا يعرف قدره وحقَّ قدره؟ تلك مأساة زمن شاع فيها تزوير وتزييف الشهادات والألقاب وادّعاء إتيان الخوارق والمعجزات .

سلام إبراهيم المقاتل الشجاع النقي النظيف لا يُكابر ولا يصعّر خدّه ويشمخ بأنفه فهو يعترف بما يقع في كتاباته من أغلاط وقد يبرر ذلك بأنه في الأساس أكمل دراسته في معهدٍ زراعيٍّ في بغداد وإنه لم يتفرّغْ لدراسة اللغة العربية منهجياً ولم يدّعِ أنه خبيرٌ باللغة أو ضليعٌ منها [منها وليس فيها / مصطفى جواد .. قلْ ولا تقلْ]. سلامٌ عليك إبراهيم أيها السيّد الشجاع والروائي الفذ والمقاتل من أجل خير العراق وسعادة البشر جميعاً عراقيين وغير عراقيين. وألف سلام على رفيقة بيتك ونضالك هناك في الجبال والوديان وبين المغاور والكهوف وماراثون العذاب في الطريق لنشدان الخلاص في الجارة تركيا ... السيّدة أم كفاح التي عانت معك ما عانيتَ أنتَ بعد تعرّضكما للقصف بالسلاح الكيميائي الذي نفّذته طائرات الجيش العراق في ثمانينيات القرن الماضي.

 

عدنان الظاهر

أكتوبر / نوفمبر 2013

.............

في باطن الجحيم، رواية لسلام إبراهيم . الناشر: وزارة الثقافة ـ العراق ـ بغداد ـ شارع حيفا، الطبعة الأولى ـ بغداد 2013 .

 

كائنات هبطت تواً من كوكب الرماد إلى كوكب المسرات!

qasim madiسيرة ذاتية من يوميات سجين عراقي !الروائي محمد سعدون السباهي 

عالم محّير أجوف، مشحون بالمصائب والمحن، ولا من مٌجير، عالم جديد من دون هدف ومن دون تاريخ، شاذ وغريب ومبهم، ص144

ماهي وظيفة الرواية، وما هو السر في زماننا هذا على اننا في عصر الرواية،  تلك الأسئلة التي تشغل البال، وأنا أتابع واقرأ العديد من الروايات التي صدرت بعد عام 2003، من الأخوة الروائيين في العراق، ومن البديهي فإن وظيفة الرواية التي نخوض عصرها الآن  تكمن في مقدرتها كما يقال على أن تجعلك تلتفت لوقائع عشتها وتأملتها ثم حولتها لنا عبر خطوط الصراع الذي أنهك قواك منذ دخولك هذا العالم الذي تصفه لنا " ذكريات مجرد ذكريات،مغموسة بالدموع والحسرات، والعض على القلب بدلاً من الأصابع،ص138،

كل هذا نجده في رواية " كوكب المسرات "  ذلك  الكوكب المبطن بالهم،والحزن، والموت الذي يسرده لنا الأديب العراقي " السباهي " وكأننا شخوص متهمة،  ومدانة عبر نسيج روائي أخاطه لنا فنان يتقن لعبته السردية التي مارسها عبر أكثر من ربع قرن، وهو بذلك يمنحك هذه الفرصة الذهبية مجدداً، ويدخلك في رواية  تحمل البنية الداخلية والقيمة الفنية،وفي إلقاء الضوء على مجتمع السجون، والقارئ لهذه الرواية يجد سحرية التعبير الروائي  للواقع المحلي  في عالم السجون المتهالك عبر شخوص رسمها لنا بتقنية عالية وبصيرة حادة،وبأن خيوط روايته المشتعلة بتفاصيل دقيقة عاشها في زنزانة لتؤرخ إنسانا في موقف " حادث دهس سير " أو لنقل تؤرخ موقفاً في إنسان، وهو يدخلك في الفشل الذي أصاب النزلاء من جراء هذا العالم المكتظ بأسرار الصيحات المدوية التي ترجمها " السباهي " كالدموع التي تنهمر من ضمائر هؤلاء الناس ومن أرواحهم التي شبعت حزناً وضيماً وخوفاً من المجهول الذي سرده لنا الكاتب عبر تجواله في عالم النزلاء، وهنا أجد غصة كبيرة في رواية مفعمة باللغة وفيها الكثير من المعاني والدلالات ومن خلالها نتعرف على جمالية المشاعر الإنسانية  التي يمتلكها " السباهي " ذلك المنطوي على نفسه منذُ عرفته في فترة الثمانينيات عندما كانت الحرب تدور رحاها في العراق " الحرب العراقية الإيرانية  " وهو يقاوم الشخوص ذات النزعات الشريرة  التي عاشرها مرغماً نتيجة قرار ذلك القاضي المرتشي والذي فاتت على " السباهي " أن يرشيه ويدفع عنه هذه التهمة الباطلة ولا يستحق عليها دخول السجن لأنها " قضاء وقدر " ومع هذا تجده في هذه الرواية ذات الطابع الإنساني أنه" محام قديراً " يدافع عنهم ويطالب المتسلطين على رقابنا وهم الذين أوصلوا ابناء هذا الشعب الى ما هم عليه الان بلغة فيها من الجماليات الكثيرة ويصوغ  جملها جملة إثر جملة، وهو الخائف والمتردد من عسس الحكومة التي تطارد كل من يرفع عجيزته  بوجهها  ، يقول " وفي السرٌ أهذي : العراقيون ضحايا تاريخ ينقصه الذكاء، يعميه التعصب، والتحيز والطمع، يكتبه السفلة وأبناء البغي وذوو الأصول الوضعية، والا هل يعقل أن يرموا بالآف  الناس في السجون الخربة،ومن دون طعام وماء ودواء! وهكذا رواية وفي  فصولها " السبعة عشر " والتي يتأفف فيها "  السباهي " على حياته التي قضاها في معاشرة المثقفين متشبثأ بمقولة " مارسيل بروست " أنا إنما أكتب لأستمتع أولاً بما أكتبه، أما القارئ فيجيء في المقام التالي، لأنه ظل يحمل قلمه بالرغم من المتاعب التي مر بها، وها هو يقول فأنا دائماً أقع في مخاصمة مع المحرر الثقافي الانتهازي، أو ذلك المنافق في هذه الصحيفة او تلك المجلة ص51، وهو بنفس الوقت يدين هؤلاء  المتحجرين  من وراء  إقترافهم المتكرر للجرائم، أذن نحن أمام عمل فيه الكثير من الإسقاطات الكثيرة على الواقع العراقي من تاريخ 1997 حتى  1999وبالتالي أرجع الى قول باسكال " الإنسان قصبة بل هو اضعف قصبة في الطبيعة، ولا يتطلب سحقه ان يتجند ضده الكون باسره. والجدير بالذكر أن الرواية المذكورة صدرت عن دار (أ راس) للطباعة والنشر في كردستان العراق وتقع في 227 وهي من القطع المتوسط .

 

 قاسم ماضي - ديترويت

  

تراجيديا الألم المتوارث في قصص (بائع الضحك)

zaydan hmod(بائع الضحك) مجموعة قصصية قصيرة جدا للقاص إبراهيم سبتي .. تستقي من الضحك ألاما في بعض الأحيان وألما في أحيان أخرى .

المجموعة تحتوي على خمسين قصة قصيرة جدا، ابتدأها القاص بدراستين توضيحيتين  عن مفهوم هذا اللون من ألوان القص الذي وصفه القاص في  مقالته الأولى الموسومة (محنة القصة القصيرة)  بأنه ابتدأ في عام 1932 عندما أصدرت ناتالي ساروت كتابها القصصي  (انفعالات) الذي انتبه إليه كتاب القصة في كونه فنا جديدا يشبه فن القصة القصيرة ولكنه يختلف عنه في بنائه وشكله، أطلق عليه فن (القصة القصيرة جدا) .

وبعد استعراض تاريخي لمجمل الكثير من هذا اللون من القصة في العراق والذي ازدهر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حسب الناقد باسم عبد الحميد حمودي الذي أشار إليه القاص في مقدمته، وعليه فأنه يؤكد أن هذا اللون من القص أصبح معبرا جدا عن واقع الحياة السريعة وانه ليس سهلا كما يتصور البعض .

أقول بعيدا عما ارتآه   القاص في مقدمته إن القصة القصيرة جدا هي ومضة شعرية قصصية خاطفة يختزل فيها القاص مشاعره وأحاسيسه ويكثف مقدرته الكتابية فيها حد الإعلان عن الومضة التي تختزل القصة القصيرة جدا  فيها تفاصيل إنشاء القصة القصيرة ليكون في القصة القصيرة جدا عنصرين مهمين لجعلها متكاملة وهما عنصري الصدمة ووحدة الموضوع  .

احتوت مجموعة إبراهيم سبتي (بائع الضحك) على خمسين قصة قصيرة جدا وهي على التوالي ( بائع الضحك، تيتو، الرفيع، فتاة القيثارة، سرير الأفعى، صوت قريب جدا، بدين،  بقايا، سيف، الطرائد، فأس، رمح، خنجر مسموم، أهل البلاد، الطائر، حجارة البلاد، بر وبئر، سيقان، الطيور، كلينت أيستورد، كارمن، زلزال، أرض منزوعة الظلال، مظلات، حذاء، اسماك، حفرة، راكض، سباحون، قاص، موبي ديك، شجر وتماثيل، ذئاب، الحياة بعد الحرب، المهذرف، بذخ التورد، كتاب، حاشي منسم، نزهت الضغيب، جعيتا ، جواد سليم، حصان هائج، ملجأ حصين، عطر، موت المؤلف، خضرة الحرب، سكين، مكتبة عامة، تيمورلنك) لقد تراوحت هذه القصص الخمسين بين الدهشة والصدمة والتساؤل؟

القاص يبحث في مجمل تفاصيل الحياة المعقدة الشائكة في أسئلة متلاحقة يصعب على المتلقي فك مغاليقها من الوهلة الأولى .. انه من جيل الأدباء الذين أوجعتهم الحروب والمآسي، فكان عليه عندما اختار هذا اللون من القص أن يحفز مشاعره وأحاسيسه ورؤاه الباحثة عن التفصيل والتفاصيل إلى جمل منتقاة متراصة في المعنى والتأثير في آن واحد، وقد تمكن القاص إبراهيم سبتي في أغلب قصص مجموعته هذه على الرغم من تفاوت المحتوى والرمز والأسلوب فيها أن يصل إلى الناحية التي تثير القارئ وتدفعه إلى التفكير في القصة وفك شفراتها بعد أكثر من قراءة واحدة لكل منها .

في قصته الأولى (بائع الضحك) التي حملت المجموعة اسمها، كان المكان فيها موقفا للباص في شارع مهم والشخص المقرفص في المكان توحي هيأته بأنه مهووس بالحركة وإطلاق الضحكات حتى دونما سبب .

في هذه القصة القصيرة جدا محورين أساسيين تناميا مع بعضهما كظلين إلى حد الذروة، وعندها افترقا كعدوين .. المحور الأول بائع الضحك الذي ينفخ أكياسه بالضحكات ليشتريها منه المحور الثاني وهم المارة وزبائن المقهى التي لم يشر القاص إلى وجودها الذي اعتبره مفترضا كلون من ألوان التغريب .

البائع يملأ الأكياس بالضحكات والمارة يشترونها .. انسجام في غاية الدقة والحب المتبادل  ولكن المطر ليوم واحد يمنع بائع الضحك عن الخروج وعليه فأن الزبائن لم يتمكنوا من الحصول على ضحكاتهم لذا فأن المعادلة تنقلب رأسا على عقب ويتحول الحب إلى كراهية  كما في وصية ميكافيلي في كتابه المعروف (الأمير) وهو ينصح الحاكم أو المتسلط أو الأمير (اذا أعطيت وأكرمت أحدا ما فأن عليك أن تعطيه دائما لتكسب مودته لأنه في اللحظة التي تنقطع فيها هباتك إليه سيتحول إلى ألد أعدائك لديك) ولا أقصد مطلقا أن يكون القاص قد تأثر بمقولة ميكافيلي تلك، وإنما القصة الجيدة هي  من تصل إلى مستوى التأويل والتحليل وهذا ما وصلت إليه قصة بائع الضحك حسبما أعتقد .

أما في قصته الأخرى (حفرة) فان القاص أشار بذات الطريقة المشفرة إلى الألم المحتبس في الصدور عند اطمار الحقيقة وعدم اقرارا الحق .

ربما سيكون هذا الطرح مباشرا في قصة رمزية يصعب على القارئ أن بفك رموزها من خلال القراءة الأولى، ولكنني استطعت أن أميز ما يرمي إليه القاص، وحتى لو كان ما التقطته يتقاطع مع ما يريده هو في قصته هذه، فأن القصة الرمزية تعطي مجالا أوسع للتأويل في فك شفراتها للوصول إلى مايريده القاص من تأويل لقصته .

إن السياط التي كانت تريد أن تجبر الحصان تجبر الحصان على الحركة  هي ذات السياط التي تدفع إلى الجور والقهر والتعسف، حيث السوط هو دالة مباشرة على الألم والحرمان علما أن الجسد المنتهك في القصة ليس بشريا وإنما حيوانا وهو الحصان الذي غالبا ما يرمز إلى الفحولة أو الرجولة ، ومن هنا كان اختيار القاص موفقا في كون الذي حرن هو الحصان وليس الحمار كون الحمار عنيدا وعندما يحرن يستحق الضرب لأنه لم يفكر لماذا

حرن؟

الذي رفض الانصياع إلى التحرك من مكانه هو الحصان وليس الحمار ومن هنا انقلبت موازين الفرح والإعجاب والانتصار لدى من فكروا أن يحفروا حفرة من تحته حتى إذا ما اكتملت سقط فيها ليهيلوا بالتراب عليه .. قصة موفقة لرمز إنساني رائع ..

في أغلب هذه القصص القصيرة جدا الرمز هو الطاغي وعليه عندما تكون الجمل قليلة والموضوع كبير وكبير جدا فعلى القاص أن يكون دقيقا في اختيار مفرداته لأن كل منها هي دالة لا يمكن الاستغناء عنها في الوصول إلى مدلولات القاص .. وهذا ما سنراه واضحا في قصة سيقان التي سأنقلها كاملة لقصرها ومن بعد أشير إلى المفردات التي لو استبدلت بمفردات أخرى لكانت القصة قد ارتقت إلى مقام التأويل ولكنها لم تصل إلى ذلك  المستوى حسبما أعتقد وهذا ما ستقوله قصة (سيقان) القصيرة جدا والتي هي كما يلي ...

 ( البذرة النابتة في جوف التراب .. تمددت واستطالت وانتفضت مندفعة نحو الأعلى .. الساق الهائجة اندفعت بصرامة فلامست السحب، سيقان المكان المجاورة تمايلت بعنف في أماكنها تحاول الصعود .. كما النبتة)

 الفكرة واضحة والدلالة تشير إلى من  يسهر ويتعب في الوصول إلى الطموح، ولكن الذين لا يتعبون يراوحون في أماكنهم في الوصول إلى ما وصل إليه ..  لو كانت نهاية القصة ليس (كما النبتة  وإنما كما ساق البذرة النابتة لأن الذي استطال ووصل إلى السحب هو الساق الذي له في الأرض بذرة نابتة، أما سيقان المكان الأخرى فليست لها بذور نابتة ..)

محاولات جميلة وممتعة في قصص رمزية لم تعط نفسها للقارئ منذ الوهلة الأولى ولكنها تدفع به إلى التركيز وإعادة القراءة ليصل فيها إلى فك شفراتها والاستمتاع بقراءتها في آن واحد .. وشكرا للقاص إبراهيم سبتي الذي أمتعنا وحرك دوافع المتابعة فينا في قصص وصلت إلى مستوى التأويل حسبما أعتقد .

  

قصة "قصف معلن" في الحرب العراقية ـ الإيرانية .. «قبل الحب... بعد الحب» للروائي محمود سعيد

407-saidيشكر الشاب وصفي، التلميذ في المدرسة الثانوية، الحرب، ويشكر القصف الإيراني على البصرة، لأنهما أتاحا له أن يحيا أولى مغامراته العاطفية. وهذه المفارقة الاجتماعية - النفسية عن الحب والحرب، ليست المفارقة الوحيدة التي يسجلها محمود سعيد في روايته «قبل الحب... بعد الحب» عن المجتمع العراقي إبان التمشيط المدفعي المنظم والمتبادل للأحياء السكنية من قبل طرفي الحرب العبثية المذكورة. وربما سيجد الباحثون الاجتماعيون في رواية محمود سعيد عونا في دراسة أحوال المجتمع العراقي في ثمانينات القرن العشرين، لأنه يشرح بمبضعه، من خلال متابعة مصائر شخصياته، مثل أي جراح بارع، الوضع الاجتماعي والنفسي القائم آنذاك، ويكشف لنا كيف يجتمع شمل عنصري الرعب والعبث ليتلاعبا بمصائر ملايين العراقيين.

وتبدو رواية «قبل الحب... بعد الحب»، لصاحب «زنقة بن بركة»، أقرب إلى قصة «قصف معلن»، تجري أحداثها في أحد أحياء البصرة السكنية في العام الأخير من حرب الثماني سنوات، إذ يبقى القارئ بانتظار سقوط القذائف والصواريخ الإيرانية على الحي الذي تسكنه عائلة «أبو وصفي». بيد أن الكاتب، وبحبكة تشويق رائعة، لا يخط أسماء ضحاياه عليها إلا في نهاية الرواية، ويبقينا أسرى «الخوف والحب» حتى اللحظة الأخيرة.

يشعر القارئ، ومن خلال السرد التفصيلي الدقيق للأحداث، بأن محمود سعيد يروي لنا معايشته الشخصية للحدث، سواء من خلال الجندي الهارب الذي يساعده «أبو وصفي»، مجازفا بحياته وحياة عائلته، في النجاة من مطارديه، أو من خلال شخصيات الرواية التي يكاد القارئ يشعر بأنه قابل أمثالها في القصف على البصرة، أو في القصف على بيروت، أـو قابلها في ملجأ ما تحت الأرض في كابل. وتنطبق هذه الحال على الابن وصفي، وعلى طفل الجيران الفقير أمير، الذي تسكن عائلته الكوخ (الصريفة)، وعلى الضابط السكير الذي بلغ يأسه، بل ورعبه أيضا، مبلغ شتم النظام في الشارع على الملأ. هي شخصيات يجمعها الرعب من القصف، من الإعدام على أيدي النظام الحاكم، والخشية من مستقبل بلا مستقبل. والقصف على الحي معلن، وهو حي مخصص لسكن الضباط، وهو ما يدفع معظم العائلات إلى الهروب من الحي باتجاه أحياء آمنة أخرى، أو إلى مدن أخرى، لكن بعض العوائل، ومنها عائلة أبو وصفي، تختار البقاء والاستسلام لمصيرها في حالة عبثية لا تنشأ إلا عندما يصادف الإنسان الموت في كل منعطف وتحت أي شجرة. تعجز عائلة أبو وصفي عن الرحيل بسب ديونها المتراكمة وانعدام القدرة على تمويل رحلة وبيت جديد، وتختار عائلة «أبو أمير» نقل الصريفة إلى غرب دار السيد جليل المهجورة بغية اتخاذها متراسا ضد القصف الإيراني القادم من الشرق. أما الضابط البعثي «أبو سحر»، الذي رسم سيناريو «القصف المعلن»، فيعلق حياة ابنته الشابة الجميلة سحر بمتانة الملجأ الكونكريتي الذي بناه بسمك متر تحت منزله.

في رواية «قصة موت معلن» لماركيز، يشحن الأخوان بابلو وبيدرو فيكاريو سكاكينهما على الملأ، استعدادا لذبح سنتياغو نصار، انتصارا لشرف العائلة، ولكن لا أحد من الشهود يحذر الضحية من سكين الجزار. وقصة القصف في رواية «قبل الحب... بعد الحب» معلنة، لكن ما يفرقها عن قصة ماركيز هو أن الضحايا مجهولون، ثم إن الكثيرين حذروا الضحايا من سكين الجزار. يزيت الإيرانيون مدافعهم بعيدة المدى، و«يشحذون» راجماتهم، انتقاما لقصف حي الضباط السكني الإيراني في الأهواز من قبل القوات العراقية. وهو القصف التحريضي الذي خطط له «أبو سحر» عربون «صموده» في الحي، رغم القصف المعلن، وهروب بقية الضباط، بهدف الحصول على وسام شرف وترقية عسكرية وحزبية. واختار «أبو سحر» يوم 6 يناير (كانون الثاني)، عيد تأسيس الجيش العراقي، لتحقيق هذه المنقبة، إذ كان «السيناريو» معروفا من قبل الجميع، في إيران والعراق، وحالما يقصف الطرف الأول حيا للمعلمين في الدولة المقابلة، يجيبه الطرف الثاني في اليوم التالي بقصف حي المعلمين المقابل. وهكذا دواليك، كان الطرفان يمشطان الأحياء السكنية في البلدين يوميا في حرب، تبث إذاعات الطرفين أهدافها مسبقا.

كان الضابط السكير «نايف»، بعينيه الحمراوين، أول من حذر أبو وصفي من القصف المقبل للحي الذي يسكنونه. تلاه بعد ذلك تحذير العميد أبو فراس، صديق أبو وصفي، ومن ثم جاء التحذير على لسان الطبيب العسكري الصديق «أبو ثامر» الذي تحدث عن «الدائرة الحمراء» التي رسمها أبو سحر حول موقع حي الضباط في الأهواز.

ونجد أن الشاب وصفي، وابن الجيران أمير، الطفل لامع الذكاء، تعايشا مع الحرب إلى حد أنهما صارا يتراهنان، من صوت صفير القذيفة، على تحديد نوعها وحجمها، ويتذاكيان بعضهما على بعض في القدرة على تحديد إحداثيات القصف وموقع سقوط القذيفة في البصرة. وإذا كان وصفي يحدد سقوط القنبلة قرب السوق في حي الجمهورية، فإن أمير يحدد مسار القذيفة مسبقا وهي تشق طريقها إلى أشلاء الناس في بهو البلدية بنفس الحي.

يلعب أمير دور «الوسيط» في قصة الحب التي تنشأ بين وصفي وسحر، وينقل، بكل طيبة خاطر، الرسائل المتبادلة بين الحبيبين مستغلا صغر سنه وعدم خشية «أبو سحر» منه على ابنته. وهي قصة حب تبدأ أساسا بسبب ولع وصفي بتحديد إحداثيات القذائف من فوق سطح بيتهم. إذ يترصد الشاب الفتاة يوميا، وهي «تسبح» في ضوء الشمس الشتوية، ويكتشف لاحقا أنها تعرف بذلك، بل وأنها رصدته أيضا رغم كل احتياطاته، وأنها تستجيب إلى مشاعره.

يتعمد محمود سعيد، وهو يشوقنا بقصة الحب الطفولية، والموعد الأول بين الحبيبين، الذي يرتبه أمير في دار السيد جليل الخالية، أن يجعلنا ننسى القصف الوشيك. ومع اقتراب لقاء الحبيبين، وارتفاع وتيرة الشوق واللهفة، ينسى أطراف قصة الحب الثلاثة القصف أيضا. بل تفاجئ القذيفة الأولى وصفي، العاشق الولهان، والخبير في إحداثيات القصف، فتسقط قربه دون أن يشعر بصفيرها أو يتمكن من تحديد هدفها. يصم الانفجار أذنيه، لكنه يخرج سليما منه، ولا يشغل باله لحظة ذاك غير مصير حبيبته سحر، وصديقه الصغير أمير، بعد أن استعاد توازنه، وقدر أن القذيفة الثانية تتجه إلى مكان اللقاء الأول الذي سبقه إليه أمير وسحر. وحسب وصفي، ثلاثون قذيفة سقطت في الحي شبه الفارغ من سكانه، لكنه عجز عن حساب عدد أشلاء أمير وأشلاء سحر التي جرفها الحب خارج ملجأ أبيها لحظة القصف.

407-saidوبين قصة القصف المعلن، والحب الخفي، يسرد لنا محمود سعيد جوانب أخرى من سيكولوجيا مجتمع الحرب من خلال قصة الشابة هناء، الحامل من حبيبها «جبوري» الذي وعدها بالزواج، ثم سقط شهيدا في الحرب. ثم يقص علينا ما لا يمكن للمرء تصور حدوثه في مجتمع بلا حرب، ولكن ما يمكن تصور حدوثه بالتأكيد في ظل القصف اليومي، والموت اليومي في مجتمع الحرب. يقرر وصفي وأصدقاؤه، وخلال أجواء الحرب والقصف اليومي، زيارة «حي الطرب» بالبصرة، وهو حي الغناء والفرفشة يقيمه الغجر في ضواحي مدينة البصرة. لكنهم يجدون الحي خاليا، لأن «القيادة السياسية» نقلت كل الراقصات إلى قصور أعضائها للتخفيف عنهم. هو الرعب من الموت حد العبث، يدفع الشبان إلى البحث عن المتعة بين أشلاء مجتمع الحرب، وهو نفس الرعب الذي يقض مضاجع القادة السياسيين، ويجمع شملهم داخل حالة رعب شمولية. ويصف الكاتب هنا منحى آخر اعتمده البصريون في أيام القصف اليومي، وهو قتل الرعب من الموت بالكحول. وربما يمثل العقيد السكير نايف، الذي بلغ مرحلة الاستخفاف بالموت، هذا المنحى في سيكولوجية المجتمع البصري خلال الحرب.

يجري إجهاض هناء في نفس ساعات القصف الذي قتل سحر وأمير، وسقطت القذائف في بيت السيد الجليل، الذي كان مسرحا لقصة الحب، والمخبأ المناسب للجندي الهارب الذي ساعده أبو وصفي على الاختفاء. وعندما التقيت محمود سعيد في كولون قبل فترة وجيزة قال إنه، في زيارته الأخيرة للبصرة، بحث عن الجندي المذكور، وعرف أين يعمل، لكن الجندي رفض استقباله والحديث إليه. علما بأن الانضباط العسكري، حسب الرواية، ألقى القبض على الجندي، وجرى تعذيبه بشكل بشع، لكنه لم يعترف باسم الشخص الذي ساعده على الاختفاء.

لم تختلف الحرب قبل الحب عنها بعد الحب، لكن أبرز ضحاياها كان الحب قبل كل شيء، ثم كان الطفولة والجيل الصاعد مجسدا بالعبقري الصغير أمير (12 سنة)، ومقتل الجميلة سحر أنظف ما في بيت الضابط اللئيم والحزبي البغيض «أبو سحر».

صدرت الرواية عن «دار المدى» بالقطع المتوسط وفي 211 صفحة. حمل الغلاف لوحة للفنان التشكيلي العراقي جبر علوان.

 

 

 

المرأة: الطريق إلى السماء .. قراءة يونغية لديوان الشاعر فاضل السلطاني: ألوان السيدة المتغيرة

مقدمة:على عكس دواوينه السابقة، يضع الشاعر العراقي فاضل السلطاني في ديوانه "ألوان السيدة المتغيرة"، الهم الخاص قبل الهم العام أو النبرة الشخصية  قبل نبرة الجماعة ، فبدلا من أن يكون صوته (حال الشعراء ما قبل الإسلام) متماهيا مع صوت القبيلة (الحزب أو الشعب) ومعبرا عنها، نجده في هذا الديوان ينشغل بثيمات وجودية تتعلق بالمصير الفردي أكثر منها بمصير الجماعة. مع ذلك فهو ينجح بكسب قراء اكثر لأنه استطاع أن يمس وعبر المجاز والبناء الدرامي للقصيدة والصور المكثفة والتناص مع شعراء آخرين مخزونا مشتركا يتمثل بتلك الصور أو المركبات البدئية القائمة في اللاشعور الجمعي.

يطرح مؤسس علم النفس التحليلي، كارل يونغ، مبدأ اللاشعور الجمعي باعتباره ذلك الجزء الموروث والمشترك بين الناس جميعا او هو العناصر الكامنة في لا شعور الفرد المستمدة من تجارب الأسلاف، فهو "مخزن الذكريات سواء من البشر أو من الحيوان... فمثلا طالما لجميع الناس امهات، فإن كل طفل يولد لديه استعداد لإدراك الام والاستجابة لها" (موسوعة علم النفس والتحليل النفسي الدكتور عبد المنعم الحفني ص146)

ولذلك يرى يونغ بأن اللاشعور الجمعي هو (الاساس العنصري الموروث للبناء الكلي للشخصية، وعليه يبنى الانا واللاشعور الشخصي وجميع المكتسبات الأخرى".(نفس المصدر والصفحة).

ولا ينشط  هذا الجانب من النفس البشرية إلا عبر صور بدئية (او أنماط) مثل الأم والأب والقرينة  لدى الرجل (انيما) والقرين لدى المرأة (أنيموس).

وفي "ألوان السيدة المتغيرة" يشكل مركب "القرينة" (كما يبدو لي) الاساس لأهم قصائد المجموعة .

يصف كارل يونغ القرينة كالتالي:

كل رجل يحمل في داخله صورة أزلية للمرأة، وهي ليست صورة لهذه المرأة أو تلك، بل هي صورة محددة للانثى. وهذه الصورة  هي لا شعورية اساسا، وهي عنصر متوارث ذات أصل بدائي محفورة في النظام العضوي الحي للرجل، فهي بصمة أو صورة بدئية لكل التجارب السالفة للانثى، ترسبٌ ما، لكل الانطباعات التي تركتها المرأة... ولأن هذه الصورة لا شعورية ، فإن اسقاطها يتم لا شعوريا على شخص المحبوب وهي واحدة من الأسباب الرئيسة للانجذاب أو النفور العاطفي" (On Jung by Anthony Stevens, page 46)

 

اتحاد صورتين بدئيتين

في قصيدة "أمي" نجد هاتين الصورتين البدئيتين (أوالنمطين البدئيين) يتكاتفان لتقديم حبل النجاة تحت وطأة سطوة الموت القائمة في أعماق كل انسان، والتي سعت الديانات إلى انسنته، فهنا تستولي الأم (او صورة الأم) على القرينة مما يسمح لها أن تظهر ارضا وماضيا، ودرعا حاميا من الفناء لكنها في الوقت نفسه تدفع نحو الحياة، ومن خلال العلاقة الجدلية بين الجانبين استطاعت ان تستفز المتلقي فتجعله في قلب القصة، وانّ هذه القصيدة تعنيه:

انتِ هنا في غرفتي الصغيرة

النقطةُ الاقربُ في الكون إلى السماء

أسمع طولَ الليل، يا أمي،

صلاتك الأخيرة

والمس الجبين، وهو ينحني، إلى الإلهْ

أنت هنا، ايتها الميتةُ،

في غرفتي الصغيرة،

النقطة الأقرب في الكون ...

إلى الحياة.

في قصيدة "سهام" يرثي فاضل السلطاني اخته المتوفاة التي كانت خلال سنوات طفولته وشبابه المبكر رفيقة له حتى مغادرته العراق إلى المنفى في أواخر السبعينات من القرن الماضي.  لكنها هنا تعود لتأخذ مكان  صورة "الأم" البدئية، او بصيغة أدق أن تكون امتدادا لها. وهي تبدو قصيدة حب بكل معنى الكلمة، ومن خلالها يؤنسن الشاعر الموت ويسعى إلى التفاوض معه عبر التحاور معه، وعبر مكنونات اللاشعور الشخصي الذي حدد ما بين الليل والنهار، وما بين عودة الأرواح عند حلول الفجر إلى السماء، لكنه هنا يقلب رجاءه ليقدم صوتا كوراليا هشا ورقيقا كالرماد:

ساقول لموتك ما لا يقالُ.

سأقول لموتكِ يكفيك ليلٌ

لتفعل ما قد تشاء،

ثم ولِّ مع الصبح حتى تقول القتيلةُ

ثم تطير إلى البيت (كان بيتا كبيرا)

لتسقي النباتَ،

وترعى الحديقةَ

ثم تعودَ إلى النوم بين يديكْ.

انها قسمة عادلة

أيها الموتُ..

ليلكَ لكْ

ونهار قصير لنا سيكفي

لاكتمال الحياة

 

مع ذلك فإن القرينة تتخذ هيئة أخرى لمد حبل النجاة للشاعر(والمتلقي)  في لحظات اليأس العميقة. إنها تحضر في الحلم على هيئة كائن انثوي آخر. إنها الانثى الحارسة في الأعماق : الإلهة عشتار: إنها تدعو للخروج من الداخل؛ الدعوة للدخول في مسار جديد؛ الدعوة إلى فتح آفاق جديدة، وهذه هي من أجمل قصائد الديوان بسبب تمحورها حول فكرة الدعوة لقبول اليد الداعية لمغامرة الإبحار ضد التيار:

هناك يد تدق على النافذة

لعله جاء أخيرا

متعبا من حِمل الصباح

وحمل المساء

يد تتنفسُ

تجمع راحتها

كأنها تمتص البيت

ثم تدقُّ

يد ترسم جسدا

يد تكتب شيئا

فوق النافذة

افتحي النافذة

هناك يد تدق

 

الحب من دون محبوب

هل هو اعتراف ضمني من قبل الشاعر عن رفض لا شعوري عميق بالسماح لامرأة محددة الملامح وحقيقية الاستيلاء على قرينته، حين قال في قصيدة "عابرة في شارع دمشقي": شهوة الحب لا الحبّ".  وهذه عبارة مقتطعة من أبو العباس العُريبي، استاذ (الشيخ الأكبر) محي الدين بن عربي في الاندلس ، حين كان يردد :"اللهم ارزقني شهوة الحب لا الحب".

فشهوة الحب لدى المتصوفة هو ذلك التوق الأزلي للتوحد بالله، وهذا عادة يتحقق عبر جملة مجاهدات منها الذكر والصلاة، والصوم عن الطعام والكلام والنوم، حتى تتحقق المعجزة حين يستطيع المتصوف تلمس الفعل الإلهي عبر المعجزة. ولعل الأمثلة الكثيرة عن الحلاج وابو زيد البسطامي بالقيام بأفعال خارقة هي بفضل هذا الحب الإلهي وتحقق الوحدة الصوفية أو كما يطلق عليها Union Mystique.

لذلك فإن المرأة بالنسبة لابن عربي هي منزلة من الحب نحو حب الله. وهي مصدر إلهام. اي بلغة يونغ هي صورة بدئية اخرى اطلق عليها تعبير "المرأة الملهمة". وقد استخدم التعبير الفرنسي لوصفها: La Femme Inspiratrice . انها المرأة التي تشكل جسرا للوصول إلى الله بالنسبة لابن عربي، وهي على الرغم من احتلالها قرينته فهي تظل خارج دائرة المعايشة. إنها بالنسبة له "النظام" ابنة استاذه في مكة ابي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا الأصبهاني، والتي ذكرها في مقدمة ديوانه "ترجمان الأشواق"، واصفا اياها بأنها "ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت، إن نطقت خرس قس بن ساعدة... شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حُقّة مختومة، واسطة عقد منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها.. أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه، فنمّت أعراف أزهار المعارف، بما تحمله من الرقائق واللطائف.."

وإذا قرئ "ترجمان الأشواق" قراءة مجردة فيسكتشف القارئ بين خطوطه ذلك الوجد المحرق الذي ظل متقدا  بين ضلوعه للفتاة "النظام" . وهذا هو الحال نفسه كما يقول المستشرق الفرنسي هنري كوربان في دراسته عن ابن عربي "وحيد مع الواحد" والذي يقارن بين "النظام" وبين "بياتريس" الفتاة التي استولت على قرينة دانتي خلال سنوات مراهقته على الرغم من أن اللقاءات التي جمعتهما قليلة جدا، وعلى الرغم من أنها ماتت في عمر مبكر، لكنها ظلت  المحرك الروحي والعاطفي وراء عمله الخالد "الكوميديا الإلهية".  ولعل المثال الثالث هو ليونارد دافنشي وموديله "ليزا ديل جيوكوندو"  فبعد اكمال جزء كبير منها عام 1506 اخذ اتللوحة  معه إلى فرنسا ولم يسلمها لزوجها التاجر الذي كلفه بالرسم. وهناك ظل يعمل عليها عشر سنوات أخرى. هل وجد دافنشي في تلك اللوحة صورة قرينته المدفونة في أعماق لا شعوره؟ وكم تختلف الصورة التي خلفها لنا والتي أصبحت تعرف باسمين: "الموناليزا" و"الجيوكوندا" عن صورة  زوجة التاجر الايطالي فرانسيسكو ديل جيوكوندو.

في قصائد الحب التي يشملها ديوان "ألوان السيدة المتغيرة" نجد أن المرأة حاضرة غائبة في آن في متن النص. إنها "كانت" هنا وهي "ما عادت" موجودة الآن. القصيدة محاولة استرجاع تلك اللحظة المخطوفة عبر طبقات الزمن. في قصيدة " صورة" وهي مثال عن قوة هذه المرأة الملهمة في الاستحواذ على القرينة لكن بعد أن تكون قد ابتعدت تماما عن الشاعر بسبب فاصلتي الزمان والمكان. إنها الصورة الفوتوغرافية التي تقع في اليد وراء هذا الاستحواذ اللحظي:

"كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى،

عن لحظة ثبتتك إلى الأبد

صورة في إطار"

"غير أني وأنا في غرفتي المعتمة،

اراك أحيانا

تنسلين من الصورة

مثلما ينسل اللحن من العازف،

والنغمة من الموسيقى،

والخطوة من الراقص،

ثم تدخلين إلى الضوءِ..

كي تحترقي."

مع ذلك يظل الفرق قائما بين ما يهدف إليه المتصوف وما يهدف إليه الشاعر السلطاني. لكن النتيجة في كلتا الحالتين هي القوة المطلقة. في قصيدة "سيدتي الجميلة"، ومثلما هو الحال مع المتصوف الذي يظل يمارس طقوسه لكي يصل إلى انتقال القدرة الإلهية إلى يديه فيصبح أداة لها للفعل وهو في موضع المراقب، نجد الحال مماثلا مع اختلاف في المنطلق والإطار: الشاعر يستحوذ على محبوبته. إنها بيده تتحرك وفق سلطة مطلقة:

ليّنة أنتِ بين يديَّ

كالطينة الأولى

أعلّم أصابعك التشكيل

أعلّم ساعديك القوة

أعلّم عنقكِ الاستدارة

أعلّم طولكِ الانحناء

ليعبرَ تحت يديّ

في هذه القصيدة يختفي القلق والشك والموت والحيرة ليحل محلها شعور بالتوحد الكامل مع امرأة تقترب إلى الحلم أكثر من الواقع، فكل صفاتها أثيرية وهي طوع بنان الشاعر. إنه أخيرا يحقق هذا التطابق المستحيل: قرينته تسقط صورة على المحبوب والمحبوب يسقط صورة على الشاعر فيتطابق الاثنان معا.

القرينة راضية إلى حين. لكن الطريق إلى السماء لا ينتهي بمحطة واحدة.

لقد انتهت "النظام" بمأوى مخصص للنساء العابدات اللواتي لا يرغبن بالزواج في إحد أحياء بغداد في القرن الثاني عشر ثم ماتت بصمت هناك، وفي زيارته الوحيدة إلى بغداد استحضر ابن عربي "النظام" دون أن يذكرها، كأنه يكتب باستخدام أسلوب النسيب الجاهلي ما أرادت قصيدة السلطاني أن تقوله في "صورة":

أحَبُّ بلاد اللهِ بعد طيبةٍ  

ومكةَ والأقصى مدينة بغدانِ

فقد سكنتها من بُنيَّات فارسٍ

لطيفة إيماءٍ مريضةُ أجفانِ

تُحيّي فتُحْيي من أماتت بلحظها

 فجاءت بحسنى بعد حسن وإحسانِ

 يضع كارل يونغ بعض الصفات لنمط "المرأة الملهمة" البدئي، فهي تجمع الغموض والالتباس والمراوغة المعقدة والتشوش والقدرة على الأسر. إنها كما يقول يونغ "مملوءة بالوعود مثل صمت موناليزا المتكلم ". " (On Jung by Anthony Stevens, page 161

ولعل هذه الأوصاف تنطبق على بطلة هذه القصيدة من ديوان السلطاني والتي تحمل عنوان "شكرا لكِ":

 

"شكرا لك

للعشاء الأخير في 2005

لمساء آخرَ قبل الموت،

لشحنة الشمس في كفيكِ،

للضوء سربته أصابعكْ"

"شكراً لذاكرة الحمامِ

وهي تستعيدكِ،

تمزج ضوءك بظلكِ،

تفرش كلَّكِ فوق كفّي

في المساء الأخير قبل الموتْ

فأرى الذي ما كنتُ..

قد رأيت."

 

"وشم على جبين نخلة" ديوان شعري للشاعر حسن البصام

404-hasan"لغة التشكل البصري في بنية السطر الشعري"

"إن أبرز ما أسفرت عنه "قصيدة النثر" جملة من المعايير مايسمى "بشعرية النص". فلقد أصبحت القصيدة في تطور ورؤيا للحياة تختزل تجربة الشاعر في شكل حسي شديد الدلالة. تلك انعطافة الشكلية ساعد على الانتقال إلى أفاق جديدة ومغايرة وهكذا تستمد القصيدة الحديثة حيويتها من الرؤية الشعرية التي تخص ذات الشاعر ويترشح عنها موقفه الجمالي والفكري، في بنية حسية تعبيرية ترتقي بذائقة المتلقي بتلقائية هذا الألق الشعري وهذه الروح الرومانتيكة بنقاء وبراءة الذي يستخرج مكنونات وجوده الانسانى بصوت متفرد من الهمس البليغ والدافئ ... "

 

عتبة النص: لغة التشكيل البصري

العنوان "وشم على جبين نخلة" فضاءا لغويا تخييليا تتنافذ فيه اختلاجات الشاعر الجوَّانية وتوسيعٍ لحدود التخييل والجمال أيضا ويجعل المعنى ذات قدرة على امتلاك وظيفة شعرية عالية ومكتنزه بالصور الموحية يتوقعها وعي المتلقي بشكل مؤثر وتفاعلي، فالعنوان يمتلك طاقة رومانتيكية برؤى فنية تشيع جوا من البراءة والشجن والحب، تتعانق فيه أروقة من المخيال الجمعي لمفهوم (النخلة) ويتمظهر كجسد امرأة بجمالها وسحرها يملاءها حزن شفيف بصور متتابعة متدفقة، بحجم الذاكرة وعبرها كي تمر نحو ألفة بالاستفادة من دال(النخلة) كرمز شامل للمرأة (الأم الزوجة والحبية ..الخ)..

قامتي التي لونتها أصابعك

ينحني عنفوانها أمام التماعة عينيك

وأنت تتهجدين سرا بالدعاء او تناجي الله:

ابني روح الله معك

يمد يده الله لأخرج من بين فكي حرب متوالدة

الحروب التي تودع أبناءها بنشيد الفجيعة...ص107

المتن :التعالق السرد/الشعر

لقد صار السرد عاملا مهمًّا في بنية السطر الشعري، ذلك أن الشعر السردي هو نص ممزوج لا يتأتى فصل عناصره. ومن ثمة أضحى مصطلح السرد حَدًّا معرفيا في بنية سياقية والتي تفتح النصوص بكافة أشكالها وأنماطها على سياقات معرفية وجمالية تعددية.لقد اعتمد الشاعر في نصوصه على بُنى وتقنيات تعبيرية تخرج بالمتلقي من عالم المحدود والمألوف إلى عالم اللامحدود، وذلك عن طريق اللغة التي يتماهى فعلها مع بنى سردية متباينة الدلالة والتشكيل البصري.

كنت غضة ..تخفضين راسك للريح

وتحدقين مع العيون المتعبة، وهي ترنو،

إلى نقطة ضوء في الأفق

لكن سيقانك التي امتدت على أكتافنا

تنهض كالحلم تلثم عيوننا

حاولي أن تحني راسك قليلا

نحو القاع الراعف انفه من سياط الخوف...ص5

النص عالم غاص بمفردات ذاتية تتماهى برهافة مشاعر صادقة ومؤثرة تخط عالمه الثري من خلال نسيج من العلامات نراها على هيئة إيقونة وإشارة، خروج من محارات التوجس في صورة بين مرسل ومستقبل صور شعرية متلاحقة ومتلازمة لرسم لوحات شعرية في ترتيبها وحركاتها وسكناتها داخل الجملة الشعرية وفى إجمال وجودها مع تماسك البنية الدلالية للسطر الشعري.

حين تسير ويداك تدفئهما

بطانيات جيوبك

404-hasanفأنت لاتريد أن تصالح نفسك مع الآخرين

وحين تكون اليمنى مختبئة

فانك تأخذ ولاتعطى

وان لاذت اليسرى..تعطي ولاتاخذ

ولكن انظر إلى الذي يمتطي

فرسا معدة للبيع في أية لحظة...ص19

لقد اشتغل الشاعر نصوصه برؤى فنية تشيع جوا من الحزن والشجن، تتعانق فيه الكلمات بجمال وسحر يملاءها ذالك الحزن الشفيف لصور متتابعة متدفقة، بحجم الذاكرة والألم المتكررة للحدث بالاستفادة من دال (المرأة) كرمز لمدلول أعمق واكبر .. (الإنسان).

يتطاول قلبي ويكتب لك قصيدة

ولكن أملي أن تغفر لي جرأتي

فأنت التي إلي بكى لان عدوه سيدخل النار بسببه

أرنو إلى شفق تعفر خده بدم الكواكب

بأتربة الخيول..وطأت حوافرها صدر

الرسالة ...ص69

في نصوص أخرى والتي استطاع الشاعر أن يؤثث نصا مغاير في استخدام اللقطة السينمائية في مشاهدة صورية (فضاء داخلي إلى فضاء خارجي)، ثم إلى مكان افتراضي في وقت واحد، وكأننا إزاء زمنية جمالية مفرطة في تعددية صورية واقعية الحدث خيالية المشاهدة، حيث تتداخلُ الأمكنة والأزمنةُ والسرود التي يتنامى بناؤها من النص والقارئ في سياق متنامي لا تكمن في مقصد الشاعر فقط، بل في بنية النص ذاته.

اللوحة أنثى

تشع منها ألوان الألم

وتغرد على أشجارها الأحلام

والإطار رجل

يجلس في زاوية الذات

ويدخن أكاذيبه

وينشر على الأغصان دخان خطاياه...ص84

ولكي نقرأ نصا ما من نصوص هذا الديوان ينبغي معرفة طبيعة الإجمالية للمفردة التي تعتمد على الحذف والحضور والتي نجدها تتوالد في النص الشعري لابل و تتحرك في منطقة إنتاج بنية سردية خاصة الأمر الذي يجعل المفردة آخذة مكانها، بشكل متحرك في بنية قابلة للتمظهر الشكلي التي تجعل النص متحركا دائما وبعيد عن السكونية؟

اعرض نفسك على الورد

فان غطى وجهه

فأنت قبيح...ص97

وفي جانب أخر من النصوص يجعل الشاعر مقاربة من تناص مع النصوص الرمزية والصوفية (الحسين ع) أنموذجا وبروز ذالك لا كوسيلة بل كمعطيات فاعلة تتماهى مع (الإنسان / الرمز)، فيعامل هذه الثيمة في وجودها المتحول الجديد نصوصا متنامية ومتحررة من جذره التاريخي ألسكوني إلى الحركي المؤثر ..

من قال قد مات الحسين

لم تمت العدالة .. تجذر في ضمائرنا هواك

دونا المحبة في صدر الوصية

ميراث القلوب ..جيل بعد جيل تحملها الى

يوم القيامة..

ولم تمحي ملامحك السيول

تروينا محبتك .. حين يكون حر الغدر اقسي

مايكون ... ص72

 

قراءة :عقيل هاشم

 

قراءة في ديوان: ضفاف ملونة للشاعرة سحر سامي (1)

(ضفاف ملونة) أسم ديوان الشاعرة سحر سامي الجنابي، وهو الأصدار الأول لها، أسم الديوان مأخوذ من أسم أحدى قصائد الديوان، وتسميته بهذا الأسم موفقة،  قصائد الديوان هي فعلا أشبه بالضفاف الملونة ذات الألوان الزاهية والجميلة .

من خلال قراءتي للديوان وجدته غنائيا وجدانيا بأمتياز، أستخدمت الشاعرة السرد الشعري ذو التفعيلة الواحدة المتكررة، او التفعيلات المتعددة، لتعبّرعن وجدانها حيال ذاتها، او حيال الاخرين، او للتعبير عن موقفها فيما تتناول من قضايا أجتماعية على الاغلب، وقد غاب عنها الشعر السياسي، احيانا تسيرالشاعرة بمركبها الشعري السردي في بحور الشعر العمودي، وهذه ميزة تميزت بها الشاعرة عن كثير من شعراء وشاعرات الحداثة، الذين لا شأن لهم بالبحور الشعرية التقليدية  ولجأوا الى شعر التفعيلة الواحدة  (الشعر الحر)، أوالشعر المنثور، أما الشاعرة سحرفقد جمعت بين الحداثة والاصالة .

هناك نظم شعري يعتمد على أيقاع اللفظ بعيدا عن الوزن، وهذا اللون من النظم  يسمى الشعر المنثوراو قصيدة النثر، بعض الأدباء لا يفرق بينهما، ومنهم  من  يميّز بين الشعر المنثور وقصيدة النثر، أعتمادا على أيقاع أللفظ في كل منهما، ومن النظم  ما يكون  ومضة، الغاية منه أيصال فكرة معينة، مع ترك الحرية للمتلقي حسب خلفيته الثقافية والفكرية وانتمائه الأجتماعي ليستوحي ما يريد من النص، الشاعرة سحر سامي أستخدمت الومضة أيضا وسيلة من وسائل التعبير الشعري بطريقة سردية أو وصفية،  وقصيدة الوصف الشعري لم تغب عن قصائد الديوان، فهي تختلف عن قصيدة السرد الشعري التي تعتمد الحركية، الشاعرة سحر سارت بطريقة السرد الشعري في أغلب قصائد الديوان، رغم وجود بعض القصائد الوصفية  في الديوان .

نبدأ قراءتنا للديوان بقصيدة (ضفاف ملونة) التي تتألف من سبع مقاطع يختلف الواحد عن الآخر في القافية، هذا من ناحية الشكل، اما من ناحية المعنى فالقصيدة غنائية وجدانية، ويمكن أعتبارها تدوين لسيرة حياة الشاعرة، أو على الأقل تعكس جانبا من سيرة حياتها خاصة فيما يتعلق برحلتها مع الشعر، لست بصدد قراءة مستقلة للقصيدة، أنما أردت الدخول الى فضاءات الديوان او الى ضفافه الملونة من الباب الرئيس للدخول (ضفاف ملونة)، في هذه القصيدة تتحدث الشاعرة عن رحلتها مع الشعر، وكيف أنها تركت بصمة في عالم الشعر، رغم العثرات والصعوبات التي تعترضها في مسيرة الحياة :

في ربا الموزون والمنثورأضحى لي رفيف

ليس  يثنيني  حرور  او  شتاء  او    خريف

للأغاريد الشوادي صار سمعي . كم رهيف!

بين  أصوات  الرعود  والبروق    للمخيف

ليس شوقي للمغاني من جنى الشعر طريف

أنما  حرفي  توارى  خلف  أسوار  العريف

رغم  هذا  لم  يكن  لفظي ولا رأيي ضعيف

لم  تمت  أزهار قلبي  من  عذاب  أو نزيف

الظاهر أن الشاعرة لم تلق التشجيع لركوب سفينة الشعر، لكن أصرارها وشجاعتها وتصميمها، عوامل ساعدتها على تجاوز الموانع والمعوقات، هذا ألاستنتاج نستشفه من خلال كلمات القصيدة،  عزيمتها وصبرها وموهبتها، أثمرت موهبة شعرية مميزة، رغم الأمواج العاتية التي أرادت أن تدفع بها خارج ميدان الشعر، الشاعرة هي بنت العراق، تتألم لألم أبناء شعبها، تتألم من السلبيات الكثيرة التي يعاني منها أبناء العراق، منها عدم الأهتمام بالكفاءات، مما سمح بتولي عناصر غير كفوءة او غير مهنية للمسؤوليات المهمة والخطيرة، وهذا مما سبب تخلفا في الأداء، هذه المشكلة شملت الأدباء وأهل الفن، أهمال لأبداعاتهم، الشاعرة سحر تتألم من أوجاع الواقع المر، الذي يخلق الصعوبات والمعوقات التي تقف بوجه طموحاتها وأمانيها المشروعة كأديبة او شاعرة، روح الاصرار عند الشاعرة أحيت الامل عندها، شبهت الشاعرة معاناة الكفوء او الموهوب الذي يريد أن يظهر كفاءته اوموهبته، فيلقى الصدود وعدم الأهتمام، بمن يريد أن يزرع في فلاة حيث لا ماء، او بمن يحمل الماء من مكان بعيد كي يسقي (زرع الفلاة)، هذا هو حال الشاعرة سحر، معاناتها هي جزء من معاناة أبناء شعبها من ذوي الكفاءات والمهارات  :

أنني  ياطير  أشكو  من   جراحات      الحياة

طرْ وفتش لي صديقي في البراري عن  أساة

بل فصول العام تمضي في عيوني مسرعات

والربيع  في  لحاظي  ينقضي  في    لحظات

في  رجائي عاث يأس بعدها  المسكين  مات

كم  شقي  صار  يسعى  بعد  موت     للحياة

قد  حملنا  من  بذور  نبتغي  زرع      الفلاة

يا  بذور  الحب  جئنا  فأنبتي  نحن     السقاة

الجراح تحتاج الى طبيب يداويها، يئست الشاعرة من أنسان يساعدها، أستعانت بطريقة فنتازية بالطير كي يبحث لها عن (أساة) ومفردها (آسي) وهو الطبيب،  (جراحات الحياة) كناية عن المشاكل التي تعترض طريق سحر، وتسبب لها الآلام وتدفعها الى الشكوى من الواقع المر، المفارقة في هذا المقطع أن الشاعرة تؤكد أن (..فصول العام تمضي في عيوني مسرعات)، (والربيع .. ينقضي في لحظات) نحن مع القائل: (هناك يوم يمرعلى الأنسان كأنه سنة، وآخر يمر عليه كأنه ساعة كلاهما يوم، ولكن بمشاعر مختلفة)، الأستمتاع والفرح له علاقة بهذه المشاعر، لذا نشعر بمرورها السريع، أما الأمور المزعجة والمؤلمة، نشعر بطول الوقت معها، كذلك حالة الأنتظار توحي لنا بطول الوقت، مرور الوقت بسرعة كناية عن الراحة والأستمتاع بهذا الوقت، بناء على هذه المعطيات نستوحي من شعر سحر، أن الوقت سريع المرور عندها، فهل هي تعيش حالة الاستمتاع بالوقت حتى أنها لا تشعر بمروره وتفاجأ بأنقضائه ونهايته؟

الأبيات التي تتحدث عن سرعة أنقضاء الوقت وتوحي أن الشاعرة في حالة أستمتاع وراحة، تتناقض مع أبيات سبقتها وأبيات تأتي بعدها، تؤكد فيها أن الشاعرة غير مرتاحة، لدرجة أنها أستعانت بالطير ليجد لها طبيبا يداوي جراحاتها، نشير أيضا أن الوقت يمضي بسرعة من غير أن نشعر به،  أذا كنا في حالة مرضية نفقد فيها الوعي والاحساس، على عكس لو كنا مرضى لكن نملك أحساسنا، حينئذ سيكون الوقت علينا ثقيلا رغم ما يحيط بنا من جمال،  ولا أدري في أي حالة تعيش الشاعرة، هذه مشاعر خاصة لا يدركها المتلقي بسهولة، أظن أن الشاعرة بعيدة عن حالة المرض الذي يثقل عليها الوقت، أبعد الله تعالى عنها كل مرض، وعن كل الطيبين والطيبات .

 هنا تحصل المفارقة التي أوصلتنا أليها الشاعرة، كيف تكون غير مرتاحة وتشعر في نفس الوقت بالمرور السريع للوقت وللاشياء الجميلة مثل الربيع ؟ هذا تناقض ربما الشاعرة تعني شيئا آخر غير الذي نحن نستوحيه من كلماتها !

الشاعرة التي تحمل نَفَساً وطنيا وتتألم لألم العراق، عندما تنظر الى مسرح الحياة، وترى عدم التفريق بين (بخس ونفيس)، وترى الفرص الضائعة أمام العناصر الكفوءة والموهوبة، التي تريد أظهار كفاءاتها ومواهبها كي تثمر، ليعود نفعها الى أهل العراق عموما، وليس الى جيوب أصحاب المصالح الشخصية والذاتية .

ليس فرقا في بلادي بين بخس أو نفيس

من يبالي شاعر أم خائب هل من  يقيس

أخضر أم يابس ..ذابا سويا في الوطيس

تصرح الشاعرة من خلال الكلمات، والكلمة هي سلاح الشاعر او الأديب، أختلاط الحابل بالنابل، وضياع المعايير الواقعية الموضوعية، وهي كشاعرة ضحية هذه الموجة من الضياع للكفاءات التي تجتاح العراق، لكنها كأمرأة شاعرة صابرة، تعلن ثقتها بنفسها رغم الصعوبات والمعوقات .

ان لي  دورا  مهما  في  صفوف  الأنتظار

مسرح  غنى  بصوتي   وأنا  خلف  الستار

صرتُ شهدا يا بن ماضٍ في مرارات كثار

في  ليال  مظلمات  نجمة  تهدي     المسار

في  مكان   يتناسى    أهله    نهج    الحوار

فاكتوى  مابين  نار الخوف  أو  نار  الفرار

 يا عراقا  فيك  طبع  دائما  تهوى    الفخار

وبعشق  الفخر هذا  سوف    يأتيك    النهار

هنا الشاعرة رغم الأحباطات الكثيرة والكبيرة التي تشكو منها، تعود لتؤكد ثقتها بنفسها، وثقتها بوطنها العراق، لأن العراق دائما يعشق التقدم الى أمام، وسيأتيك ياعراق النهار وهو كناية عن الخير الذي ينتظر قدومه العراق، سيأتيك النهار ياعراق لتشرق الشمس في سمائك من جديد، لأن الفخر والأصالة موطنها العراق، وهذه المشاعر من الشاعرة تعبير عن حبها الكبير للعراق .

(فيك لا تجف الصحف)، قصيدة الديوان الأولى، تعبّر الشاعرة فيها عن حبها لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، وتعبّر الشاعرة باسلوب غنائي عن وجدان جماهير المسلمين وهم يتغنون بحب نبيهم الامين .

أن عشقتُ .. أنما عشقي  مذيبي       من مخاض الشوق في ليلي نسيبي

ومحل  النور   في  عينيّ    نور       أصطفيه   من   بهاء       للحبيب

من فؤادي انت ادنى من وريدي       بل لروحي أنت  أدنى  من  قريب

كيف بي انْ كنت فرداً في كمال الروح  والأخلاق    والحسن   العجيب

خير خلق  الله من  أقصى لأدنى        في زمان أو  مكان  في  الحقوب

شمس هذا الكون من شرق لغرب       من شمال أشرقت حتى  الجنوب

                                   .        .       .

خذ  يميني  يارسول  الله   حتى         لا تزلّ الروح  في   قاع  الذنوب

خذ  يميني  يا رسول الله   حتى         أتسامى  عن   هناتي     وعيوبي

حيث تحلوعيشتي في ظل طيب        من ظلال القدس من بيت الطيوب

فوق هامي ترتقي أطيار سعدي        أنْ  شدت تشدو   لألهام     الأديب 

القصيدة غنائية وجدانية جميلة، تلتقي مع وجدان ومشاعر جماهير المسلمين الذين يحبون نبيهم ويقدسونه، انها قصيدة مدح للرسول محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، أرى أن قول الشاعرة (لا تزل الروح في قاع الذنوب)، الروح خلقها الله تعالى  نقية، وتبقى نقية رغم جور الانسان، واقترافه الذنوب والعصيان لخالقه، هكذا أراد الله تعالى، وكذا خلقها، قال تعالى :

 (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ألا قليلا) سورة الأسراء، 85،  أما النفس الامارة بالسوء فهي التي تتلوث وتنحرف، وهي التي تدنس بالذنوب، قال تعالى:

(وما أبرئ نفسي انّ النفس لأمارة بالسوء ألا ما رحم ربي أنّ ربي غفور رحيم) سورة يوسف، 53، فالنفس يمكن أن تكون نقية نظيفة من الذنوب، عندئذ سترتقي في عالم النور، أو تكون ملوثة بالذنوب فتهبط الى أدنى الدرجات، بمقدار نسبة تلوثها، هذه رؤيتي، واتمنى أن تكون صحيحة.

هذا ما يسعنا ان نتكلم فيه عن ديوان الشاعرة الرائع (ضفاف ملونة) في هذه الحلقة، ونطمح أكمال قراءتنا في حلقة أخرى بعونه تعالى، وندعو أخيرا للشاعرة المتألقة سحر سامي بمزيد من التألق والتوفيق.

 

علي جابر الفتلاوي

 

 

مستنقع (تاتو) الشعري

عنونة المقال مأخوذة من الملف الصغير الذي نشرته (تاتو) الملحق الأدبي الشهري لصحيفة المدى، عن تجربة شعرية شبابية مهزلة في كل المقاييس كما سيثبت معنا.العدد 52 السنة الخامسة، أيلول 2013، ملحق تاتو الأدبي الثقافي، دار المدى الصفحات 12،13،14،15. كتب د. محمد أبو خضير مقدمة تمهيدية بائسة لملف نصوص شعرية صغير، بلغة طلسمية ركيكة ضحلة ومسخرة، في تقديمه ستة أسماء شابة، نشرت نصوصهم إلى جانب التقديم، ممن وجدت أنهم ينهلون ويستقون كتابة نصوصهم من مستنقع الشعرية العراقية الحديثة كما تثبته لنا نصوصهم المنشورة في ملحق تاتو.

المقدمة السقيمة المحتفية بالنصوص لمحمد أبو خضير مليئة بهلوسة اللغة المقعرة، والتعبير اللغوي الطلسمي الذي لا يفهم منه ثلاث كلمات متجاورة مع بعضها لتعطيك معنى جزئيا في انسجام تلقي مفهوم معين. واجزم ان الكاتب لايتمكن من توضيح عباراته وكما هو خروج المقدمة والنصوص أيضا على أدنى حدود الالتزام بأي نوع من أخلاقية أدبية أو اجتماعية أو ذوقية فنية،جمالية تلقى قبول المتلقي وتريح هاجسه في الفائدة ومتعة القراءة.كما تخرق النصوص عن عمد مسبق جمالية لغتنا العربية ومحمولاتها الإنسانية والأخلاقية والعاطفية وسمو التداول القرائي. الذي طبعت عليه ذائقتنا للإبداع العراقي والعربي بأجناسه الأدبية، ولا نقصد إننا مع تعليب كل إبداع وتجربة شعرية بشروط وضوابط مسبقة عفا عليها الزمن التاريخي والفني. ولا نحن مع التسيب المسئ في عباراته المقذعة كما اتحفنا الملحق بها.

 إن ما نشره الملحق تاتو الأدبي لا يخرج عن توجه غير مسبوق في الأساءة للشعرية الشبابية العراقية، وفي تخريب مستقبلية المنجز الشعري الشبابي الطموح، وإذا كان هدف تاتو من نشر نصوص أمثال هؤلاء المتشاعرين الصغار بغية تشجيع التجارب الشبابية الشعرية فيكون معنا العذر أقبح من ذنب.فهذا الملف الصغير التافه العبثي لايمثل تجربة شبابية واعدة، بل هي قطع معرقل أمام انسيابية وتصاعد أي مشروع شبابي شعري طليعي متمكن من أدواته في الوصول إلى طموحه واستنبات نماذج شعرية تؤصل تجديدا حقيقيا عراقيا وعربيا.

وان الطلاء الزائف الفاقع في تقديم هكذا ملف على انه وكما ورد تلميحا وتصريحا في مقدمة محمد ابو خضير انه يمثل تجريب تجديدي شعري نوعي يتمثل عصر الانترنيت ومنظومة الاتصالات الالكترونية عالية التقانة. هو في الحقيقة ان هذه التجربة مسخ فوضوي وخروج على كل المعطيات الجمالية الفذة للغة العربية، وللأسلوبية البلاغية الناضجة في التعبير وكانت محتويات الملف برمتها مبعث استهجان القارئ واستخفافا بذائقته وثقافته لما يقرأ ويتلقى من عبارات مبتذلة ونصوص مرتذلة جاءت بركوب مطية لغتنا العربية، لغة التاريخ والأصالة والحضارة. والعربية كلغة قبل الشعرية كمنجز أدبي ثقافي تنأى بنفسها عن مثل هذه الهذاءات والهلوسات المكبسلة، أن تأخذ وتستأثر فرص النشر في هكذا تهريج فوضوي يتسمى الشعرية. لا يحده ضابط، ولا يمنعه رادع مشروعية على صعيدي تنموية المشروع الشعري الشبابي من جهة، وإرساء قيم الإبداع الحقيقي الذي يحفر جذوره عميقا من جهة أخرى، وليس في الاستحواذ الردئ على مساحة من ملئ الفراغ المتاحة صحفيا في تاتو لنشر وترويج مثل هذه النصوص المهلهلة. ومنحها الفرص المجانية في الظهور على صفحات ملحق أدبي شهري ارتضى لنفسه الهبوط التدريجي إلى مستوى الإسفاف، وعدم التزامه بالضوابط الادبية والفنية في حدودها الدنيا في قبول نشر مثل هذه المواد، وبهذا فان ملحق تاتو إساء ويسئ للمنجز الإبداعي الشعري الشبابي الجاد، المتمكن من أدواته التشكيلية الفنية الشعرية وامتلاكه خلفياته الثقافية في الاستيعاب والاستفادة من تجارب الذين سبقوه وهو يشق طريقه في تجارب متعددة على الطريق الطويل.

وهذا الاختلاط وخلط الغث بالسمين، يجعلنا نقرر وبدون تحفظ تأكيدنا حقيقة هبوط مستوى الصفحات الأدبية والمجلات الثقافية والملاحق والدوريات الأدبية، التي كنا نأمل منها الوقوف على عتبة مرفق ثقافي مميز ينظر له المثقف والقارئ بعين الرضا واحترام الذوق.ويواظب على أغنائه في القراءة والمساهمة الكتابية ان استطاع.

بعد قراءتي لمقدمة الملف والنصوص المنشورة التي أخذت أربع صفحات كاملة، كانت ملء فراغ في الملحق تاتو، تأكد لي حسب مقدمة ونصوص المساهمين انفسهم ما وصف المساهمون أنفسهم واعرضه لاحقا ان مفردة المراحيض التي استهوتهم كثيرا في تضمينها نصوصهم الشعرية لا تعدو أكثر من أربع مناشف ورقية، تؤكدها تلطيخات صفحات ملحق تاتو الأدبي بالشاذ والغريب والطارئ والمنفر والمقزز، كما اجد في حال استمرار وتبني تاتو لهذا النهج ان تكون وسيلة إجهاز على ما تبقى من شعرية عراقية شبابية متناثرة يتداولها قراءة وإسهاما إبداعيا العديد من الشباب الشعراء الذين يرومون إقامة تجاربهم الشعرية على مرتكزات ثابتة، وهم يجهدون انفسهم في إثبات وراثتهم لمنجزات سابقيهم في تقديم نصوص شعرية تشد الانتباه وتسترعي العناية والاهتمام بها.

في مقدمة الدكتور ابوخضير الاحتفائية بنصوص شعرائه المختارين كما سنرى نجد العبث والتخريب والفوضوية في اللغة التي تنم ركاكتها وعدم تماسكها عن ضحالة فكرية وتشويش لا يستطيع إيصال ما يريد ان كان حقا لديه ما يرغب إيصاله ويقبله منه المتلقي ويضيف لتجربة الشباب الشعرية شيئا.

كان الأجدر المطلوب من كاتب المقدمة المشرف على الملف البائس أن يوضح القليل في مقدمته عن المستقبلية الاحتمالية لتجربة الشباب الشعرية ورسم بعض معالم آفاقها وطموحاتها، وتشخيص مواضع القصور والخلل أمامها، وان يبتعد قدر الإمكان عن كيل المديح والاستحسان لشئ غير موجود، غير متوفر، وان يلتزم المسؤولية الثقافية ليس في إعلاه شان نصوص تفتقر لابسط المقومات الشعرية على حساب غمط تناول تجارب شبابية واعدة ناضجة تبشر بالكثير لا تأخذ فرصتها لابالنشر ولا بالاهتمام النقدي بها ولامتابعة منجزها الإبداعي.

اسأل القارئ قبل كاتب مقدمة الملف الشبابي الشعري، ماذا تضيف لتجارب الشباب الشعرية التقديمات والتهويمات الاستعراضية الضبابية بلا معنى كمثل: (ااتلفت خطابات الفنون في اشواطها المابعدية على صياغة ماهيتها الافتراضية البنائية الاتصالية على تذرية مكوناتها الافهامية ونظمها في شتات من الهجنة الانشائية والنصية، واتاحت الفعالية الشعرية بعدها اداءاً ممسوحا في فضائيه الورقي، وتعايره مع الواح فضائها الواقعي ما اسعفه باستدعاءات لتقانات الخطابات المجاورة لها.) ملحق تاتو صفحة 12.

ويضيف في مقدمته عن مدونة كاظم خنجر قائلا: فالنوية العائلية الأولى في ارتجاجات دائمة لتنتهي إلى كانتونات ذاتية مغلقة مقيدة بالضياع هوما يبرر افعال (ترذيل) الجسد مستشهدا على لسان شاعره خنجر (جديلتايا قيطانان، ورأسي حذاء طامس بالطين، فكاّي منقاش ولساني مبرد يشكم البوح فكيف اشيل شفتيك الشاسعتين؟).

 اطلق محمد ابو خضير في عنونته التمهيدية لنصوص شعرائه المختارين عنوانا : في مدونات الضد / شعرية الكروتيسك! في استعراضه نماذج ستة من شعرائه المهووسين بالهذيان اللغوي النابي الجارح لمشاعر ونفسية المتلقي . في امتطاء ظهر اللغة العربية وكتابة كل شاذ مقززومقرف من تعابير النثر المتشاعر الممجوج الفاضح الذي ينم عن افلاس لغوي وتعبير هابط ومقدرة ضحلة.

يقول كاظم خنجر في نصه (المدونة) بعنوان تسريحة الفايروس _ تاملوا الخريط من العنوان تسريحة الفايروس_ ( يتبكتر التبليط جرة خل جاثمة بين افخاد الروازين، كلما كشرت صافرة الانذار عن خصيتيها، يحبل الافق بالطائرات، وعلى لباس المخاض يتكون الدوران دائخا، هكذا قد حمحم السونار، ياأبي الى متى تبقى خصياتي مصباحا محروقا؟ ونطفتي شراب سعال يجمد في الثلاجة، ستظل تتأرجح النعجة قرطا في اذن السكين، الآن ع،ي، ر حفر شباكا جديدا بين ساقيها الرخاميتين، فكيف لااحفر جسدي نقرة وابول فيها؟).

ومن نص احمد ضياء تاج الدين بعنوان (مرحاض عمومي): متوهمة إن الله يسبح لنا، مراحيض قوم عند قوم مساكن، تجتر بذور ما يسقط في مزابلنا، تمتاز بما يظهر من بالوعتنا، عثة اجتاحت مكان المرحاض العمومي، طز، لا حاجة لي بالأكل ما دمت اصنع من أحذيتي غذاء، المراحيض، قد لا أكون أنا فيها أو قد لا أكون.

أما في نص علي تاج الدين بعنوان (مخلوعات داخلية) فنقرأ منها بعض هذه الخلاعيات: أتوسد مرحاض الحب اللازم قلب الريف بعقال الماضي الكاره نور الجنس، مرحاض يمسح دموع السماء بمناديل التراب المصنوعة بمعامل عدن الملفوفة بإبريق السمسرة والعبث بكل جمالات الأرض الممسوسة بكيد للأفعى التي لم يعلم الله بدخولها.

 

علي محمد اليوسف

الموصل

 

راية بلاد الأحمر والاسود .. الشعر بياضها الوحيد

husan sarmak(كنت فقط أكتبُ لروحي المتطلبة)

قد تكون جملة قاسم هذه هي الجملة المفتاحية – إبداعا وقراءة – لمن يدركون قيمة وحقيقة وسرّ العملية الشعرية. وكنت عندما أُسأل: لمن تكتب؟ أقول: لصديق روحي: القاريء المجهول. وذات مرّة، كانت هناك مباراة بكرة القدم بين المنتخب العراقي وفريق آخر في السعودية، كانت المدرجات فارغة تماما إلا من مشجع واحد جالس وسط هذا الفراغ الهائل، وهو يحمل "كرتونة" كتب عليها كلمة تشجيع للمنتخب العراقي. هذا المشجع هو شقيق روح كل لاعب في المنتخب العراقي، بل هو الشقيق الحقيقي والأصيل والمجهول لكل لاعب كرة قدم، بل لكل رياضي في العالم.

وكتابة الشاعر – كما يقول قاسم – لروحه المتطلبة حسب، هي تعبير رمزي عن الكتابة لشقيق روحه ؛ القاريء المجهول . هذا القاريء الذي يكمن في الفراغ المحزن أو المدوّي لملعب .. أو مدينة .. شارع . مكتبة .. رصيف .. خندق .. خيمة "ما" . ومجهوليته هي التي تلخّص الغاية من الإبداع، مثلما تلخّص فلسفة شعار الشعراء المكرر "نكتب للتاريخ"، واقعا، أو مدارة للخيبة الجارحة . لكن في كل الأحوال، فقد عُثر على أول، وأهم، وأعظم عمل شعري في تاريخ البشرية، وهو ملحمة جلجامش العراقية، كألواح طينية في أعماق تربة نينوى المباركة . ومن دون اسم مبدعها!! هذا هو شقيق روحنا الشاعر السومري المجهول الذي كتب الملحمة قريبا من مسكن قاسم والي في السماوة حاضرا . بعد ألف سنة، وعندما يعثر أحد اشقاء روحنا من القرّاء المجهولين على لوح "إلكتروني"، ومن دون إسم، وتحمل صفحته الأولى وصية من الشاعر تقول أنه (كتب – هذا اللوح الشعري – لروحه المتطلبة)، فإنه سوف يشعر برجفة، وارتعاشة وقور، تأخذه من أزمان "الخفّة" الإلكترونية إلى حيث الإحساس بقيمة الكلمة التي تحيي وتميت، وحيث نوع بشري منقرض، آنذاك، كان يسمّي نفسه "الشعراء" - ومنهم قاسم والي - حاولوا مستميتبن - في زمن الموت والدمار والخراب – أن يغنّوا ويرتّلوا آيات من كتاب مقدّس اسمه "الشعر"، وسيصله تعريف قاسم الصادق والملغز بعد الألف سنة المفترضة، فتنقبض روحه:

(القليلُ من الحروفِ

الكثيرُ من البهجة

قوسُ المنجل

دائرةُالعجلة

صليبُ المطرقة

التوهجُ للتغلب على الحلكةِ المعقدة بالبساطةِ الأليفة

الكأس الفطرية..

هبةُ الآلهة

صالحةٌ للمأدبة

لمواصلة التراتيل

لتحريكِ ألسنة الرسل

لتدوينِ الاعترافات

لإشهارِ الفضيحةِ المتوارية خلف الصمت

لذلك لا تطلبوا منه أن يرتدي غير قميصهِ المزركش بالعري

الذي لا يجيدُ اللعبة لا يدخلْ إلى فراديس القصيدة

ولا يقتربْ من أسوارِ جحيمها

المتهاونُ بالتناغمِ لصالحِ الضجّةِ وبالمعنى لصالحِ الهُراء

لا يحسدِ الشعراءَ ولينشغلْ بركمِ الهذيان

النصُّ بعدد العاثرين عليهم بين ثناياه

المبالغة بالإيجازِ إطنابُ البلاغة

ليسَ شعراً

انَّهُ تعريفٌ للشعر

اتفقوا أو اختلفوا...لا بأسْ

بلا شتائم رجاءً )

 

وقفة:

وفي كلمته التمهيدية هذه، التي أعلن فيها زهده الشعري بكل شيء، وأنه كتب نصوصه لروحه المتطلبة حسب، قال أيضا:

" لم اضع الكثير من الهوامش كما لم اضع أية تواريخ في ذيل تلك القراطيس امعاناً مني في تحرير النصوص وتحرير التلقي" .

وإذا كان في إعلانه الأول، الذي كتب فيه نصوصه لروحه المتطلبة، تحريرا للنص من الآنية والموقفية وتحبّبات الآخر متلقيا وناقدا، فإن الشق الثاني من إعلانه الآخر، والمتمثل في عدم وضع أي تواريخ لنصوصه، هو سقطة في أحضان لعبة حداثوية هي أخدوعة لم تصمد أمام اندفاعة النص التاريخية، ليس بمعاني كتابة النص في أحضان التاريخ، وله، ولكن بمعنى الحفاظ على هويته و"إنسانيته". سيقف القاريء المجهول أمام لوح قاسم الإلكتروني متسائلا عن أي زمان يتحدث هذا الشاعر، وعن أي فاجعة ومحنة . يمكن أن تتلبس هذه المرارات – حاشاها - أردية معاناة صهاينة الأرض المحتلة ببصمات تأويلية مخادعة .

 

 عودة:

هذه المقدمة: "الشعر آخر التعاريف"، التي كتبها قاسم، نقلتها كاملة، لأنها ستثير الكثير من الشتائم المحبّبة، بعد الألف سنة تلك، التي قد يكون البشر فيها قد نسوا الشعر حين ارتدوا إلى حيوانيتهم الموحشة، لأن إنسانية الإنسان بدأت مع أول بيت شعر، ومع التقاط التفاحة المحرّمة، التي هي أول قصيدة جسور كتبها الإنسان بأنامل غريزته الجنسية الشعرية المرهفة العزوم .

بعض سيل الشتائم المحببة سينصبّ على أصحاب هذه الـ "قراطيس بلون راية" ؛ اصحاب الألوان الأزلية في أرض الرافدين: الأحمر والأخضر والأسود والأبيض برغم أن اللونين المفضلين لهذه الأرض هما: الأحمر والأسود . ولعل أعظم مظاهر عبقريتها هي أن لونيها المفضلين، لوني الموت، هما اللذان ينتجان لوني الحياة المزدهيين والمتبجحين فيها: الأخضر والأبيض . لكن الخلطة العجيبة من ألوان الراية / القرطاس هي التي تتفاعل "كيمياويا" في لاشعور التراب لتنتج الشعر الذي قذف جذوةً منه – بعناصرها الأربعة – في روح قاسم، في لاشعوره الممزق تحديدا، فأنتج لنا خلطة "قراطيس بلون راية" المدهشة ؛ راية هؤلاء البشر الذين خلقهم الله وهو يبكي .. فهو يعرف – سبحانه - إلى أين سيرمي بهم ؛ سيلقي بهم إلى العراق حيث حياة مادتها الأحمر والأسود .. والرؤوس المقطوعة:

(بعضُ العراقِ

على كلِّ العراقِ أنا

الماءُ والطينُ

روحٌ ترتدي بَدَنا

غزلتُ من وَهَجِ الأزهار

أخيلتي

مؤثثاً بالجمالِ البِكرِ لي

وطنا

(...)

حسبتـُني

حينَ أرجو فيهِ

أمنيةً

يجيئـُني

راكضاً

كلتا يديهِ مُنى

لكنني

كلَّ ما بعثرتُ من زمني

لأجلهِ حالماً

لمْ يجمعِ الزمنا

أعطيتُه

جسدي

المكتظَّ أسلحةً

أعطى لي الألمَ المكتظَّ

والوَهَنا

ألبستُه

بُردةَ الأشعارِ

تنسجُها

روحي

فينسجُ لي من ملحِهِ كَفنا

يُحبُّنا

لا نماري فيهِ

نحنُ لهُ

نُحبُّهُ

منذُ كافِ اللهِ

فهوَ لنا

لكنني الآنَ

ملتاعٌ

يعذبني

أني أراهُ

أضاعَ العينَ

والأذُنا – قصيدة "ما تعسّر من الفرح" )

ومن قصيدة الديوان الأولى التي سيستفز القاريء المجهول فيها تعبير "أضاع العين والاذنا" الفجّة، لأنه لا يعرف أن من معضلات العمود الشعري هذا القسر الإيقاعي/ اللغوي الذي يختم كل بيت شعر، ويسمّونه "حرف الروي" . وسيتكرر هذا الإستفزاز في قصائد قاسم العمودية، مثل:

# واكتبْ على الوجع المــــمــــتـــدِّ قافية

  واستقبل الفـــرحَ المســفـــوحَ والشُعَرا

# متى سيفهمُ من جـاءوا هنا زمرا

  بأننا زمرٌ قـــــد أنـجبتْ زمـرا!

# وأدركـتُ الجــمالَ ولمْ أصلْهُ   

  فشــــاتمتُ الجمالَ الافتراضي

# يـــا أنـتِ يــا ألــــــقاً حــــارتْ به لغتي

  وصفاً مع القربِ، أرجو منكِ أنْ تصفي

# ومـن مُجــــــوني ومِمّا لا يقـالُ أرى

  أنــــــــي انتهيتُ بجرفٍ غيرِ منجرفِ

# هنا شـــــــعورٌ بأنّي عاشقٌ دَنِـــــفٌ

  يُكــــــــــابدُ الوجدَ في معشوقهِ الدَنِفِ

# ألمٌ ألمَّ بـــــخافقي وبراســـــــــــــــي

  ففقدتُ إدراكـــــــي بـفـقدِ حواســـي

  وحسوتُ كأسَ مــــــرارتين كأنـــني

  عذبَ الشرابِ حــســـوتُهُ منْ كـــاسي

مثلما سوف تستفزه هذه الروح المتضادة المعذّبة – ambivalent، حيث تمزقات روح الشاعر في علاقته بوطنه بين اليأس والرجاء، والإقبال والإدبار، والولاء والنقمة .. موقف صراعي مهلك ومدوّخ بين الأحمر والأسود:

( هوَ العراقُ

وبعضٌ من فرادتهِ

بأنَّ أقدسَ مقتولٍ

بهِ دُفِنا

وأنّهُ منذُ فجرِ الموتِ

طيفَ بهِ

رأسٌ

لأشرفِ محمولٍ

برأس قنا

عُدْ نحوكَ الآن

وانظرْ

كي ترى مُدُناً

جدباءَ

موحشةً لا تشبهُ

المُدُنا

وكيْ ترى دميَ المسفوحَ

ضاعَ سُدىً

وما جنيتُ أنا

أو ما سواي

جنى

أباً حسبتكَ

حتى الآن

أنتَ أبي

مهما ابتعدتَ إلى غيري

أقولُ: دَنا ..) (القصيدة السابقة نفسها)

وسيصدم حس القاريء المجهول، هذا التضاد والتناقض المفزع، الذي يشوّش صورة "موضوع حب" الشاعر، وموضوع شعره المركزي في هذه المجموعة ومجموعته السابقة "تراتيل أوروك" .. فالشاعر يبشّر، وبقوّة، بتمّوزه الفتيّ العائد مقطّعا منبعثا من ظلمات العالم العلوي لا الأسفل:

(حملَ النهارَ لليلهِ وأنارَ فيهِ الأنجُما

سيُعيدُ للكلماتِ معناها ومن أشلائهِ الفوضى سيصنعُ سُلّما) (قصيدة: عودة تموز من العالم العلوي – وهي القصيدة الثانية )

هذا ما يبشرنا به الشاعر في القصيدة الثانية . لكنّه، وفورا، وفي القصيدة الثالثة، يعلن الحداد عليه حيّاً – نعم، حيّاً، وهذا هو لب مصيبة العراقيين الممتحنين بوطنهم لا يموت ولا "يعدل" – ويختنق بعبرات مرثيّته:

(يا كلَّ شعرِ العراقيين

هلْ ألَمٌ

أمَضّ من عَبرةٍ بالصدرِ

تخنُقُهُ

ما عادَ يبتكرُ الأفراحَ

أغنيةً

وسارَ في غيهبِ المجهولِ

زورقُهُ

شراعُهُ مِزَقٌ

والريحُ عاتيةٌ

وموجُ بحرِ المنايا الحُمرِ

يُغرقهُ

كأنّهُ وجعٌ

ينسلُّ من وَجع

سلالةُ الَوَجَعِ الممتدِّ تخلقهُ) (قصيدة: لا باب أفتحه، لا باب أغلقه، وهي القصيدة الثالثة).

وبعد هذه الخلطة الفاجعة الرائعة، أنصح القاريء المجهول، بأن يقفز القصيدة الرابعة: صوت، لأنها ليست صوت الشاعر الأصيل .. قد يكون غيره الذي كتب فيها:

(لِمَــــنْ قلقٌ يُعربــــدُ في كــــيــــانـــي

                                      وصبرٌ ليــــس يكــــــبحُ عنفوانــــــي

          أللعشــقِ القديـــمِ وقد تــــولّــــــــــى

                                      وهلْ بعدَ المشيبِ هـــــوىً أتانــــــي

          فبِيْ عَقَـدتْ أواصــــرَها الدواهـــــي

                                      فلستُ أخافُ من أمــــرٍ دَهَــــــانـــي)

وإلى آخره من هذه الأبيات – ومثل ذلك عن "جسدان"، وغيرها - التي أخشى على القاريء المجهول أن تصيبه بالنعاس فيفوته الرائع والمدهش من النصوص المقبلة . على شقيق روح الشاعر ؛ القاريء المجهول، أن يجهد نفسه للعثور على لآليء الشعر وسط ترابه .. تراب منظّم وجميل التسلسل مثل: يا عراقاً، ونهارُ لليل السكوت، جسدان، افتراض، غادرت من جسدي، وغيرها .

ولآليء مثل: إلى من لا يهمهم الأمر، هواجس، فيس بوك، تواطؤ، سرير الماضي، قيامة الحسين، على شاطئي كفّيك، تأثيث، بيان، اجتياح، يا صاحبي، وإليه .. وإن كان لا يسمع .

وإذا كان الشعر إبن الخسارات والحزن والخيبة وأباها، وإذا كانت واحدة من أهم مسؤوليات الشاعر هو تقطيع القلوب جدّياً في مواجهة المعضلات الوجودية بما يصوّر، حقيقةً ونوعيّاً، حجم سطوة المثكل، كما يصف جدّنا - جلجامش - الموت بحق، فإن من واجبه أيضاً – والغريب عبر نفس ممر الخسارات والتهديدات الجسيمة – أن يثبت أن الحياة، بالرغم من كونها عبء ثقيل نشعر أحيانا - في اللحظات السود الخانقة من أعمارنا - بضرورة إزاحته عن أكتافنا، فهي تستحق أن تُعاش . وهذه هي حدود المسؤولية التي رسمها الشاعر في قراطيسه الخضر، ومفتاح هذا الإستحقاق – ومنذ فجر الشعر والتاريخ – هي الأنثى العظيمة:

(متشبثةً بالوردِ

تسقطينَ على قلبي

متشبثةً بقلبي

تصعدينَ إلى الوردِ

لا جدالَ بكِ

لا جدالَ فيكِ) (مقطوعة: لها )

والأنوثة في قراطيس قاسم الخضر، أنوثة "عمليّة"، حسّية، يومية، واقعية، بلا استطالات أسطورية، وصفات خرافية .

ولكن سرعان ما يحصر الشاعر – وكما هو حال الواقع والتاريخ – القرطاس الأخضر بين الأحمر والأسود، فيجهضه، ويزيده ألقا وتلهّفا في الوقت نفسه، فكل شيء يتألق بين يدي المثكل، كل شيء يرتعش بهيّاً على حافة الضياع الوشيك . وكالعادة، يخز ضمير الشاعر ذاك الجرح الرهيب الغائر في روحه: جرح الحسين الذي ألمح إليه في القراطيس الحمر:

(هوَ العراقُ

وبعضٌ من فرادتهِ

بأنَّ أقدسَ مقتولٍ

بهِ دُفِنا

وأنّهُ منذُ فجرِ الموتِ

طيفَ بهِ

رأسٌ

لأشرفِ محمولٍ

برأس قنا) (قصيدة: ما تعسّر من الفرح)

ليعود إلى نكئه في قصيدة كاملة يعلن فيها "قيامة الحسين":

(أنا جئتُ أطوي ألفَ موتٍ طويــــتُــهُ    

على جانبي قلبي فموتيَ خــــــــــائفُ

أرى ما أرى لـلآن تنســــابُ من يدي      

أصابعُها ورداً فَهُنَّ قطـــــائــــــــــفُ

ومن كتفي ينســــــــابُ رأسي مهيـمناً  

على ألف رأسٍ فـوقَ ألفٍ تراصفــوا

ومن مَرْجِ أضلاعـي اشرأبت حدائقٌ 

بها الأحمرُ القاني عـليهنَّ راعـــــفُ

لعلّـــــــــــــي إلى يـوم القيامةِ واقفٌ         

وسهمٌ بلا قلــــــــــــــبٍ بقلبيَ واقفُ)

ومع ذكرى الحسين، حيّة، مشخصّة، في جسد العراق المقطّع، ورأسه المرفوع على رمح التاريخ منذ فجر الخليقة، تأتي، بارتباط شرطي مفزع، ذكرى الأخ الشهيد الوفي الأسطورة:

(هنـا جودُكَ المثقوبُ جــــــفَّ جفافُهُ

هنـا مـاؤكَ المسكوبُ فاضتْ ضفافُهُ

هنـا عينُكَ اليُمنى وسهمٌ ونـــظـــرةٌ

إلـى كوكبٍ ينأى ويدنوانعطــــــافُهُ

فــأيُّ أَخٍ إلاكَ كـــــــــــــانَ لهُ أخاً

كمـا كُنـتَ والآلافُ كانتْ تـــــعافُهُ

وقدْ كانَ جفنُ الموتِ يحويكما معاً

ولكـــــــنَّ قلـبَ الـموتِ كانَ يخافُهُ

هنا نبعُ كفّــــــيكَ القطيعينِ مغدقٌ

على الماءِ، ماءُ الكونِ منه اغترافُهُ

لأنكَ لا صوتٌ سـواكَ ولا صدى

فأنتَ اختلافٌ حــارَ فيـه اختلافـهُ) (قصيدة: على شاطئي كفّيك)

ثلاثة عشر بيتا مرصوصة مسبوكة هي من عيون الشعر. هذا رأيي، ويحيلني النص، عبر ارتباطاته بافكاري السابقة، إلى موضوعتين مهمتين: الأولى هي موضوعة الهامش التي ستفك حيرة شقيق روحنا القاريء المجهول، وهو يتساءل عن هذا الأخ قطيع الكفّين . والثانية: بكم ابتسامة لا مبالية سيقابل بها القاريء الغربي صورة هذا الوفاء الخرافي التي، بادت، وماتت، في ظل الفلسفة المادية الغربية التي بدأت بموت الله، وانتهت بموت الإنسان . ثلاثة عشر بيتا هي خلاصة محنة العراق من خلال محنة الحسين وأخيه قطيع الكفين . فن الشعر هو فن الحذف كما يقول محمود درويش . وقارن قصيدة الثلاثة عشر بيتا هذه، بقصيدة الأربعة وعشرين بيتا التي قبلها، "سماوات قانية" التي لن تعلق بذاكرة روحك الموجوعة ! قصيدة يجهض فعلها مجيئها بروي وبحر استهلك في مسامعنا ويذكّرك بقصيدة مشهورة أمللنا منها التكرير . ومثل هذه الإحالة تبزع في ذهن القاريء عموما، وفي ذهني خصوصا، وفوراً، في قصيدة "يا سيّد الفقراء":

(إذْ كنتَ محضَ قداسةٍ مازلتَ حتى الآن محـــضَكْ

أسديتَ للفقراءِ قرضَك منْ يعيدُ الآن قـــــــرضَكْ؟

أعطيتَ بعضَك،ثم بعضَك؛ ثم بعضَك، ثم بعضكْ

باهلتَ بالرأسِ الخضيبِ سيوفَـَهم وشهرتَ رفضكْ

للآن يسمعهُ العراقُ مُدوّياً.. أخَــــــــرَقْتَ أرضكْ؟

وإذ ارتفعتَ إلى علاكَ فَمَــــنْ يُجيزُ الآن خفضكْ؟)

وأشدّد على "في ذهني خصوصا"، فقد لحنتُ وغنّيتُ قصيدة الشاعر "حسين القاصد" "سادن الماء" في رثاء الإمام العبّاس:

(بدأتْ وكان الموتُ إلفك

 ومضتْ وظلّ الموت خلفك

ونزفت ..

ثم نزفت

ثم نزفت

ثم

... فكنت نزفك)

لكن شبه "الإعتراض" هذا لا يقلّل من تقييمنا لقصيدة قاسم الرائعة هذه، التي ألحقها بقصيدة معارضة رائعة أخرى، لقصيدة القاصد الحارقة في رثاء أخيه الشهيد "حسن" الذي قتله الأمريكان الخنازير الغزاة، ولتكشف جانبا من خسارات قاسم نفسه الفاجعات ممثلة بخسارة أخيه الحبيب:

(وأعودُ للمرآةِ ..

مازالتْ على المرآة بعضُ معانِ

مازالَ في وادي السلام مدىً يكفي ليضطجعَ العراقُ..

ليموتَ في الذكرى صدى النسيانِ

وأخي أخوكَ كلاهما غابا وقد حضرا بلا استئذانِ) (قصيدة: عيناي).

ولأن تاريخ العراق، مجسّدا في شعر شعرائه، هو عبارة عن قصيدة رثاء بطول آلاف السنين والضحايا، فقد استدعت ذكرى الشهيد ذكريات الراحلين الأحبة الذين رثاهم الشاعر في قصائد: "انسكاب" و"الذات البيضاء" و"على قلق تسير".

ولأن دوي امتزاج الأحمر والأسود على أرض الرافدين، قادرٌ على إرباك انتباهة أي شاعر، ولأن الخراب هو حاصل جمع جميع الألوان، فالأبيض في قراطيس راية العراق أسود .. أو أحمر .. لا فرق . في القراطيس البيض، لا تغيّر تفاؤلية اللون شيئا من الواقع الدموي الماحق .. بل تُهزم وتندحر بتشفٍّ، فلا يجد الشاعر ما يسطّره على حقل بياض الشعر سوى الرثاء، مبتدئا بالمتنبي، الذي لا يُرثى إلا برهبة التحيّة:

(هنا لهيبتكَ الكبرى علـــــى قلمي

يكادُ فوقَ البياضِ الهشِّ ينقـصفُ

أبا مُحسَّدَ هبني أيما لــــــــــــــغةٍ

أخرى بما ليسَ بالمحكيِّ تتصـفُ

فليسَ بعدكَ من فاضت نبوتــــــهُ

على المعاني معيناً منهُ تغـــترفُ

وليسَ بعدكَ إلاّنا وأسئــــــــــــلةٌ

حيرى وأجوبةٌ تنأى وتنــــحرفُ) (قصيدة: رهبة دير العاقول)

وقد اختلطت أوراق القراطيس على قاسم، فجاء قرطاسه الأبيض فائضا مثل اللون الأبيض في راية العراق التي لا يُعبّر تاريخها، أدنى تعبير، وبإطلاق، عن أيّ شيء "أبيض" في تاريخه .

ولأن "أبيضَ" شيءٍ في تاريخ العراق، التاريخ العصيّ على التوصيف والضبط والتحديد، بل الشيء الأكثر بياضاً ونصاعة ساحقة، هو إبداعه الشعري، فلا بدّ أن يتوقّف ناقد وقاريء مجموعة قاسم والي هذه، أمام قصيدة "سرير الماضي" برهبة وردّ فعل ألق خاص، لأنها تثبت بياض الحقيقة المغشي الذي لا يضارعه شيء، لأنه بياض أعظم لونين في الكون: الأحمر والأسود (أين أصبح الأخضر؟)، بياض حقيقة تؤكد أن هذا العراق يمكن أن يتحطم .. لكنه – وهذا ما يثبته إبداع شعرائه - لا يُهزم:

(لمغادرة الموضوع، موضوعَ النومِ في سريرِ الماضي

سأضعُ ما يلي من الهوامش:

المتنُ ليس مقدساً تماماً

كذلك هوامشي على الحاشية ليستْ مقدسةً أيضاَ

سوفَ أتغافلُ عن الماضي البعيدِ رغم الأهمية!

لأعبرَ مباشرةً نحو آخرِ مواضينا

المستعمِرونَ بكسر الميم أدّوا واجبَهم واستثمروا فائضَ القوة

المستعمَرونَ بفتح الميم أي نحنُ

أدينا واجبنا

قاتلناهم وقاتلنا معهم واستقبلناهم وودعناهم

الجلّادونَ أَدّوا واجبَهم

كانوا حرفيينَ ومتفانينَ ومنطقيينَ كأرسطو

المجلودون أَيْ نحنُ أدينا واجبنا

كما يجبْ وكما ينبغي!!

استقبلتْ ظهورُنا سياطَهم وأرواحُنا عزرائيلاتِهم

ولأنَّ (قيمةَ المرءِ ما يحسنُه)

ولأنَّ الأمرَ نسبيٌ حسبَ أنشتاين

فقيمةُ الجلّادِ عاليةٌ عند مستخدميه

وعند من يجلدُهم

المثاليونَ وحدهم يعتبرونَه ُبلا قيمة

المقاتلونَ من أجلِ الحرية والشعراءُ والفنانون...

هؤلاءِأكثرُ الخليط البشري غرابةً

عصيونَ على التفكيك

كقصيدة ملفقة من عِدَّة دواوين أو من عِدَّة ترجمات!!)

تحية لقاسم والي .. 

 

        حسين سرمك حسن

         بغداد المحروسة

            2013

 

مروءات الوائلي: صدمة العنوان .. وضوح المتن

jasim alayffعن "لا جدوى من البكاء أبداً"، الكتاب الشعري الأول للشاعر جبّار الوائلي ذكر الناقد التشكيلي خالد خضير في كتابه "قيم تشكيلية في الشعر العراقي" ما يلي: "الفعالية الشعرية لدى الوائلي تنشطر في بؤرتين مولدتين تتشكلان ضمن (مجرتين) نصيتين تهيمنان على فاعلية التأويل النصي:مجرة الحكمة ذات البساطة التي تعنى بالانزياح الدلالي، من جانب، ومجرة الشعر التي تعنى بالانزياح اللغوي،من جانب مقابل، والوائلي، في كلتا المجرتين، يحاول أن يقف موقفاً (وسطاً) بشكل لا يطمس فاعلية واحدة من هاتين المجرتين وطغيانها على الأخرى(ص 59). ثم صدر للشاعر الوائلي كتابه الشعري الثاني "الريح.. وما تشتهي"دار الينابيع - دمشق . وألحقه بكتابه الثالث الصادر حديثاً، بعنوان" المروءات.. غادرت محطات بلادي"* ونرى أن تشخيص الناقد خالد خضير ينطبق على كتابي الوائلي الأول و الثاني فقط . فهو لم يستفد من تجربته في الإصدارين السابقين ويعمقها في كتابه هذا. أثار عنوان المجموعة الشعرية الثالثة (للوائلي) تحفظات كثيرة في الوسط الثقافي البصري، وتعددت أسباب وتوجهات تلك التحفظات، ولسنا هنا في وارد التطرق إليها، كونها وجهات نظر تخص مَنْ ذكرها،ولعل بعضها يمتلك حق ما رأه وشخصه في العنوان، لأسباب لسنا في وارد التطرق إليها . إذا ذهبنا إلى الغلاف الذي صممته: "الفنانة أمينة صلاح الدين" نجد عيناً بشرية أنثوية مذهولة، متسعة، حزينة، يطغى عليها لون حزين يحفّ به السواد مع احمرار في بؤرة العين. عين منكسرة مذهولة تبدو كما لو أنها تودّع راحلاً عزيزاً بدمعة تسقط في فراغ موحش في تمثيل مرئي بسيط للقنوط والإحساس بالفقدان الذي يكتمل بمفردة مرئيّة أخرى تعزز الشعور به بمشهد طائر أقرب إلى أن يكون غراباً تسمّر على غصن شجرة احترقت تماماً. الفنانة"صلاح الدين"، كما يبدو، قامت بترجمة العنوان بَصَريّاً وكثفت دلالته بمفردات جاهزة بسيطة، وكانت بمثابة مترجمة للعنوان فقط أقرب منها إلى فنانة خلاقة لها رؤى خاصة،كونها قد قامت بتصميم عدداً كثيراً من أغلفة الكتب، وكان يمكن لها بشيء من الجهد البسيط و الضروري والذي لابد منه، الاطلاع على متن الكتاب كي تتمكن من تصميم غلافه، لا أن تكتفيَ بعنوانه فقط. بعد تلك التحفظات برر الوائلي هذا العنوان:" بأنه بمثابة صرخة مريرة، تحمل عمق دلالاتها لكل مفردات حياتنا الراهنة وهو تجسيد للواقع المرير الضاج بتكالب الصراعات على العراقيين". إذن العنوان لدى الوائلي بمثابة (المفتاح) للولوج إلى نصوصه. عنونة النص ومرموزاته تشكلان منفذاً لقراءته، كما جاء في كتاب "ثريا النص- مدخل لدراسة العنوان القصصي/ وزارة الثقافة والإعلام- بغداد- دار الشؤون الثقافية العامة- الموسوعة الصغيرة- 1995/ لأستاذنا "محمود عبد الوهاب" الذي أشار في حواشي كتابه، بأنه استعار عنوان " "ثريا النص" عن مقالة للناقد د. حاتم الصكر، والذي بدوره ينسبه إلى" جاك دريدا"، وقد تنبه لمسألة العنوان وأهميته، الشاعر الفرنسي "ملارمه" الذي تطرق إلى" الثريا" الواقعة في سقف النص عند قراءته لقصائد الشاعر "موريس جيلمو". لكن أستاذنا "محمود عبد الوهاب" نقله من حقل الشعر إلى حقلي القصة والرواية، وله هنا الريادة في بحث هذا الموضوع. وقد بحث (ياكوبسن) العنوان بصفته مُكَوناً من بنية النص وذكر أن له أكثر من وظيفة بعضها المرجعية المركزة على الموضوع ووظائف أخر منها التحريضية والأيديولوجية وغيرها. تألفت مجموعة الشاعر الوائلي من (26 ) قصيدة و بـ(110) صفحة من القطع المتوسط. ثمة فيها أسئلة متواصلة عن فجائع للمصائر الإنسانية المجهولة والمغيبة، وما يبعثه ذلك من أسى لتحقيق توصيفات لها عبر بؤر تتجسد في شخصيات تقبض عليها الذاكرة لمغالبة الحاضر والتداخل بين ما هو مجرد وملموس. يفتتح الوائلي مجموعته هذه بقصيدة يهديها إلى، المستشار في وزارة الثقافة العراقية، الشهيد" كامل شياع.. حصراً":

 

تكابير

في صلاة الروح،

تعالت في ضمائرنا.

بكاء الهمس ترانيم يصافحنا،

شهيد في عيون الليل،

مصباح يودعنا "

" فهذي الدنيا عاتية

وصار الموت تسيرا

وصار الشوك في حيتانه غارا!!"

" هضيمات ليالينا،

تستبكي بحد فاقه الحد.

وفي الأعماق تنهد.

عصافير زغيبات بقت تحدو

وحتى الريح بثوب الحزن،

صاغرة..

بدت تشدو!!".

" يمر النعش "مزفوفاً" على الاكتف

حناجرنا..

تشق عتمة الليل به تهتف.

زوابع دق الطبل

في ترحاله أمس.

علا صوت..

رفيق الدرب توسد تربة الرمس".

" الوائلي" يتابع تلك الشخصيات الخارجة من فجائعها لتقترب من حواف الغياب، بفعل قوى قاهرة متعددة وبأفعالها الوحشية المتواصلة، هناك وطن بأسره يترنح أو قد يتصدع ومعه شعبه يُذبح يومياً. لكنه مع عنوان كتابه الصادم هذا والذي نرى انه يجنح للإطلاق، فإنه في المتن، يفتح فسحة لأملٍ ما:

" فابشري

يا ارض جدي

أنت ثورة في عروقي،

قد تسامت كبرياء فتلاشى..

صوت ذاك البوم،

من قلب المدينة.

واتى الخصب يغني بالمزامير الحنينة".

تنوعت قصائد المجموعة بين شعر التفعيلة الذي اعتمده الوائلي في مجموعتيه السابقتين، بحكم ممارساته السابقة في الكتابة فيه، وبعض قصائد النثر القصيرة:

"عزمت..

أن اشطب مرارة

خرائط العمر المداف "

" لملمتني..

باكتظاظ غمامات السراب

وبغرابة سألتني:

إلى أي وطن تنتمي!؟

فخيم صمت الوجوم."

"أي نور قد تدلى

أي غيث يغسل أحزان صمتي"

" لا غرابة..

أن تنهش دمي

أنياب الضواري،

سحر أحلام الحياة."

"نحن أدرى..

عجاجهم تحركه سرابل حمق!

مأمورة..

بظلام وصايا الغرباء!؟"

"كنت بالأمس..

أدندن أنشودة..

تترجم خفايا الجراح.

برفيف أجنحة بيضاء.

فأصطادها القناص،

بحماقة..

ونعتوها بهلوسة الفسوق!!"

"ملتحفاً عباءة النسيان،

و بجفلة ذعر،

احتمي بأحرفي الخرساء"

"تحت خيمة الخوف،

أسدل طاقية الإخفاء

مضاضة..

وأسدل الستار!!"

jasim alayffبدأ "الوائلي" المشاركة في المهرجانات الشعرية والثقافية الجامعية عندما كان طالباً في كلية الآداب/ جامعة البصرة / أوائل السبعينات، وبعد ذلك في كلية التربية/ الدراسات العليا / للحصول على الدبلوم العالي/ قسم اللغة العربية - جامعة بغداد. قصائد الوائلي يكتبها بعفوية وتنطق بأفكارها ضمن مسار وحضور آني وتلقائي وانفعالي، مما ينعكس على لغته الشعرية التي تقدم نفسها، ضمن صيغ كلاسيكية، مع أنه يسعى لاعتماد الحداثة الشعرية، وبعضها، تفتقد الغنائية والتي لابد منها شعرياً لكن دون إسراف. نرى إن كتابة الشعر لا تولد من الرغبات والتمنيات أو حتى تلك الطموحات، فجوهر الشعر يتولد من التجربة العميقة ومن حرارة الروح وحدسها ويأسها ومن ثقافة متجددة غنية، فـالشعر لا يصح أن يكون مجرد جهد لغوي، أو طبقات صورية متراكمة فوق طبقات فحسب، ما يجعله مجرد تجريد ولعب باللغة وبالكلمات، فلابد من طراوة، دون ميوعة، تشع في القصيدة والكتابة عموماً، لتؤثر في المتلقي وتخلق الهوى والافتتان والإدهاش، ويعتمدها الشاعر أو الكاتب و الباحث وحتى المؤرخ بينه و القارئ على حد قول "روجيه غارودي" والذي بدوره يعيد هذا الأمر إلى "كارل ماركس" في " ماركسية القرن العشرين" ترجمة نزيه الحكيم / دار الآداب- بيروت. قصائد (جبار الوائلي) في "المروءات.." مواد أولية بعضها يعاني من التباسات عدة في التصور والمنحى والقدرة على التوصيل، لكن القليل منها تنهل من الواقع العراقي المعيش ومصادفاته الغريبة والقاسية، و تشكل انعكاساً لجحيم وفجيعة الحياة العراقية الراهنة، وتجهد لأن تجسد أشكال المعاناة فيها، و تسعى في أن تسجل شهادتها،على وفق تصوراته، عن قحط هذا الزمن العراقي بعنفه ومراراته والتباساته.

 

* اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين/ البصرة- 2013.

 

مفهوم الصورة و اهميتها في الثقافة المعاصرة

لم تكف الصورة يوما ما عن تأويل معناها سواء أكانت صامتة أو ناطقة، فهي كانت دائما تنطوي على هذا القدر من التعبير عن موضوعها. إلا أن ما نشاهده الآن مع الثورة الرقمية أعطى معطيات الصورة، فدلالات الصورة هنا لا ترتهن إلى قياساتها التقنية وأبعادها الضوئية فحسب بل تنبع أساسا من المشاهد الدرامية التي تعبر عن حدث ما أو تلك التي تستند إلى عناصر ومؤثرات من تدبير المصور أو المخرج هذا على مستوى الصور الرقمية المتحركة وهناك صور أخرى يمكننا تقسيمها إلى عدة أقسام منها الصورة الرقمية وتعرف أيضا بالصورة المقطعية (الصور السينمائية والصور التلفزيونية وصور الفيديو) وهناك الصور الثابتة (الصور الجمالية) كاللوحات والصور الفنية وغيرها وهناك الصور الوثائقية والصور النفعية والصور الإشهارية والصور الإخبارية هذا إضافة إلى الصور ثلاثية الأبعاد وكل هذه الصور تختلف عن بعضها البعض في كيفية بث المعنى وإيصاله إلى المشاهد. فثمة وسائل وطرق عديدة لفهم الصورة وثمة طاقة رهيبة لا نستفيد منها كما يجب وهي الطاقة البصرية ونحن مسؤولون عن ذلك هذا بالإضافة إلى تواجد أساليب مختلفة وأكثر نفعا والصورة في قلب كل هذا هي المحور والمركز. من هنا يمكننا الرجوع والتعمق وفهم معاني الصورة الفنية فالصورة مثلا عن الفنان تنقسم إلى وجهتين أساسيتين وهي الصورة التي تبصرها العين والثانية التي تراها الروح بالتحديد التي ينقلها الفنان من خلال العين ويدمجها في الصورة الخيالية لكي يجسدها على مساحة أو على ورقة لتصبح ذات معنى أو تحمل قضية ما.

أما الصورة الذهنية فهي جزء لا يتجزأ من خيال الشاعر أو الرسام أي أن الخيال له القدرة على تكوين صورة ذهنية لأشياء أو أحداث قد غابت عن متناول الحس إذ عندما تتعدد المعاني للصورة الواحدة يأتي دور الروح المترجمة للشكل من خلال أحاسيسها وفي المقابل تتطور اللغة أكثر بصورتها من ما يبتذله من جهد في اختصار معاني كلماتها إذن فالصورة الأدبية أو الشعرية تصوغ مفرداتها في حركة محورية تحاكي عمل الخيال.

إن النظر إلى عملية التخيل الشعري نفسها على أنها عملية تقديم صور بصرية أساسا ويترتب عن ذلك خلط بين الصورة واللوحة من هنا يمكننا التعمق أكثر في معاني الصورة وذلك من خلال تحديد أصل الصورة أو كيفية وجودها فإن كل شيء مصنوع له صورة أي توجد علاقة بين المادة والشكل. فلقد ذهب أرسطو إلى أن كل شيء مصنوع لابد له من صورة أي شكل ومادة يتركب منها فلا الصورة تستغني في وجودها عن المادة أو الشكل ولا المادة يمكن أن توجد بالفعل وإن كان من الممكن أن توجد بالقوة دون صورة.

إن الصورة الفنية هي طريقة خاصة من طرق التعبير فتنحصر أهميتها فيما تحدثه من معنى من المعاني ولكن تبقى الصورة لا يمكنها تغيير طبيعة المعنى بل تغيره عن طريق عرضه وكيفية تقديمه.

يمكننا القول بأن تبلور معنى الصورة قد بدأ في مجال الدين. فكانت الصور في المسيحية داخل الكنائس وداخل المعابد تأخذ معنى الآلهة تتجه إلى معنى القدسية مثل صورة الآلهة المصرية في الفترة الفرعونية الدالة على عظمة الآلهة وكبرها فتعتبر مقدسة بالنسبة للفراعنة كما أخذت الصورة دور آخر في المسيحية أصبحت تبرز معنى الرمزية مثال صورة الصليب أما عند المسلمون فقد تبلور بشكل خاص من خلال الجدل الذي أثارته بعض الآيات التي تشبه العناصر الحسية بأخرى معنوية مثال توقف البعض إزاء صورة شجرة الزقوم المذكورة في سورة "الصافات" (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنها رؤوس شياطين) لقد فسروا تشبيه طلعها برؤوس الشياطين على أنه لون من ألوان التعبير يراد به إيقاع الخوف والرعب في نفوس الكافرين.

أما الصور التشكيلية أو صور اللوحات تذهب إلى معنى تشكيلي يمكن فهمه بقراءات مختلفة حسب اختلاف المتقبل صور المجموعة النحتية العريفة الموسومة "لا ووكون" (في القرن الأول قبل ميلاد المسيح) المعروضة في الفاتكان التي تروي فصلا من تاريخ لاووكاون الذي قضى مختنقا مع أولاده بواسطة أفعيين وعلى قولة ليسنغ "تصوروا لاووكون فاغر الفم وأحكموا عليه. دعوه يصرخ وسترون حاصل عملكم" أما المعنى الذي يقصده ليسنغ (إن فما فاغرا، في النحت، فجوة ليس إلا وتحدث أثرا منفرا ومقززا للنفس)

كما هو الحال بالنسبة للصورة الرقمية التي ينتقل فيها المعنى فهي ترتكز على سرعة وصولها إلى المتقبل وسرعة انتشارها فهي تأخذ المتقبل إلى معرفة ما تحمله من معنى مثال الصور السينمائية والصور التلفزية والصور الوثائقية والصور الإخبارية والصور الإشهارية كل منها تبث معنى مختلف عن الآخر مثال الصورة الإخبارية تبث معنى إخباري لحدث متزامن في الواقع ومنها الصورة السينمائية التي تبث معنى إيهامي لتجسيد الواقع أو بث قضايا بطريقة غير مباشرة عن طريق التقنية مثال المونتاج والتصوير، التمثيل...

من هنا يمكننا الانتقال في هذه القضية إلى حد الصورة فيقصد بها كل تجسيم أو تمثيل لموضوع أو شيء ما عن الصورة في أصلها اللاتيني مشتقة من كلمة: طريق التشابه ألمنظوري أي أن الأصل الاشتقاقي يحيل على فكرة النسخ والمشابهة والتمثيل والصورة تكون إما ثنائية الأبعاد كالرسم والتصوير أو ثلاثية الأبعاد كالنقوش البارزة والناتئة والتمثيل فتترادف الصورة في الأصول الإغريقية كلمة أيقونة والتي يراد بها المشابهة والمماثلة. أما حدود الصورة المعاصرة (الصورة الرقمية) فهي تفوق الواقع وتصل إلى حدّ فشلها في إيصال المعنى الصحيح لأنه لا يتطابق مع الحقيقة فتبق الصورة في حدود الخيال فقط مثال كصور الأفلام الخرافية أو أفلام الرعب.

أو تبقى في حدود نقد الواقع المعاصر (أفلام الخيال العلمي) على أن عالم الصور الذي يتقاطع مع الواقع ينزع مع تكرار الاستعراض عبر مختلف تقنيات الميديا إلى أن يكون بديلا افتراضيا لذلك الواقع فقد أصبحت الصورة في كمها الهائل مع سرعة انتشارها اتجهت إلى تقمص قناع لذلك الواقع المحجوب وبحيث يتحول ذلك القناع إلى قناعة مشهدية ترتهن المخيلة بطبيعة الاقتران الشرطي في لا وعي المشاهد.

فوصلت الصورة إلى درجة الخداع فخداع الصورة قائم على ان موضوعها الذي تعبر عنه مشهديا في شاشة بحجم محدود يبدو كما أنه حجم يختزن العالم الذي تملأه الصور في تلك الشاشة.

إذ يساهم هذا الاختزال في حجب الأنواع الأخرى من الصور فكأن الصورة التلفزية أو الإشهارية أو السينمائية تصل إلى حدود اعتقال فعل المشاهدة والقراءة وتظلله وتعطله فتوهم المتقبل بأنها تمنحه ذاتها بسهولة. فهي تجبر المشاهد على الاستسلام لهذه الصور.

يمكننا القول بأن الصورة تراهن على تقديم المعنى كما تفضي على المتلقي نوع من الانتباه واليقظة كما تراهن أيضا على إيصال المتعة الذهنية والمتعة البصرية سواء من خلال الصور التشكيلية أو الشعرية أو غيرها كما تهدف إلى تمرير الخطاب اللغوي والخطاب البصري كما تراهن على أهمية القراءة الصورية. فتبرز قدرة الصورة على انتزاع التأثير نابعة من انفكاكها عن كل ما هو خارجها وإعادتها لتجديد اللحظة الزمنية وترسيخها في التاريخ كما أن مواضع الخطاب الجسدي والعقلي والوجداني للصورة تتعرض لما يشبه القطيعة مع ما تختزنه تلك المواضع حيث تتعرض لتأثير الصور بفعل ضغط اللحظة التصويرية.

 

ابراهيم بن نبهان باحث في الفنون التشكيلية تونس

 

كيف تصنع القصة القصيرة جدا حياة طويلة؟

husan sarmakتمهيد: الآن أكملت قراءة مجموعة قصص قصيرة جدا للقاص عامر هشام الصفار عنوانها "قارع الطبول"، قراءة تأتي بعد سلسلة قراءات طويلة ومتعددة في هذا اللون من القص، فأجد أن من الضروري أن أحدد المفهوم الأساسي لهذه الدراسة قبل أن أتناول بالتحليل النتاج الذي يقوم على أساسه . ما هي القصة القصيرة جداً (ق ق ج)؟ وما هي شروطها؟

ويبدو لي أن هذا التحديد ضروري حيث صرنا نلاحظ اختلاط مقاييسها بمقاييس قصيدة النثر من جانب، واختلال مقاييس هذا الجنس الحكائي نفسه عند الكثير ممن يكتبونه من جانب آخر . وصرنا نقرأ نصوصا كثيرة جدّاً توصف بأنها قصص قصيرة جدا في حين أنها تقع في حقل الومضات الشعريّة التي تخصصت بها قصيدة النثر أو الأخبار المصوغة بتعبيرات شعريّة أو الخواطر أو حتى الإعلان الحديث الذي يستغل فيه الشعر والصورة . 

القصة القصيرة جدا لها تسميات عديدة مثل القصّة القصيرة القصيرة والقصة السريعة والوامضة والمفاجئة والمجهرية والبرقية وقصّة كارت البريد . والصينيون لديهم تسمية طريفة هي قصة السيجارة أي القصة التي تستغرق قراءتها بقدر تدخين سيجارة .

أما من ناحية طولها فهناك اختلاف كبير بين النقاد والكتّاب في تحديده، ولكن بصورة عامة ينبغي أن لا تقل القصة الفصيرة جدا عن 300 كلمة ولا تزيد على الألف . ولكن هناك من يرى إمكانية أن تقل عن 75 كلمة، وهناك قصص كتبها همنغواي في مجموعته القصصية "في زمننا" تقل عن 300 كلمة، وهناك أيضاً قصة له تقل عن ست كلمات مثل هذه :

 "For Sale, Baby Shoes, Never Worn"

"للبيع، أحذية أطفال، لم تلبس أبداً"

هذا ما اعتبره النقاد ومؤرخو الأدب الغربيون ق ق ج، ولكني لا أوافق على هذا الرأي أبداً لأسباب ستبدو قريباً .

وقد بدأ استخدام هذا المصطلح في  الولايات المتحدة في بداية التسعينات ثم شاع استعماله في بقاع كثيرة من العالم . في بريطانيا هناك يوم وطني للقصة القصيرة جدا هو 22 حزيران من كل عام . وفي هذا اليوم يتواصل هواة ق ق ج من جميع أنحاء العالم ليكتبوا ويقرؤا ويحتفوا بهذا الجنس الأدبي.

وبالرغم من أنها قصيرة جداً فإنها طويلة في عمقها، ويجب أن تلدغ مثل الشعر الجيّد . وتلعب اللغة فيها دوراً اساسياً، صادمة مدهشة مقتضبة تجعل قلب القاريء يدق بقوّة . يجب أن تكون بدايتها مثل نهايتها مكثّفة ومباغتة. ومثل القصيدة يجب أن تكون كل كلمة فيها تستحق مكانها، إنها تكشف موسيقى النثر، ولا يوجد فيها مكان للزخارف اللغوية ولا للوصف المعتاد في القصة والرواية مهما كان وجيزا . لا مجال للإرتجاعات ولا للزمن الماضي، فكل شيء يجب أن يكون هنا، والآن . إنها محطة للتلميح والغموض والإيحاءات البارقة، وهي تستوعب اللمحات السريالية والإنعطافات الحادة المذهلة .

إنها فن البدايات الصادمة والنهايات الخانقة التي تحبس الأنفاس، وهي مثل شقيقها الشعر تتحمل إعادة القراءة بصورة جيدة جدا .

وعلى الرغم من أن هذا الشكل - بالتعريف - يعني أنه قصير جدا، فإنه لا يعني التسامح مع قصة مفككة ومتناثرة أبداً . إنه يحمل التحدّي للكاتب كي يكتب قصة كاملة بكلمات قليلة تكون فيه كل كلمة ضرورية للغاية، بعيدة عن الرتوش والتزويقات اللغوية، إنها فن الحذف فعلاً .. أن تكشط كل الطبقات الخارجية لكي لا تبقى أخيرا مع أي شيء غير جوهر الحكاية  الصلب النظيف اللامع .

إن على من يريد كتابة ق ق ج أن لا يقع في وهم أنها ومضة شعرية سريعة أو حبكة إخبارية مكثفة أو وقفة سردية موجزة . إن ق ق ج تحمل كل مواصفات البنية الدرامية للقصة القصيرة من بداية أو عرض وشخصيات وحبكة وذروة وحل. لكن – وهنا تظهر صعوبة هذا الجنس وإرباكاته – على الكاتب أن يدغم ويلحم ويضحي أحيانا ببعض أجزاء هذه البنية ويكثفها لتوفير العمق على حساب الطول.   

نحن نحتاج القصص لأنها تخرجنا مؤقتا من حيواتنا المشوشة والمؤلمة . وحتى لو اعتقدنا أن حياتنا لطيفة وغير مملوءة بالقلق فنحن بحاجة إلى محطات استراحة فيها . وإذا لم نحصل على ذلك فإننا سوف نستهلك أرواحنا ونضيع داخل أنفسنا . القصص هي التي تمنحنا محطات الإستراحة هذه . وهي مؤثرة جدا ليس لأنها تعلّق حيواتنا وقتيا، ولكن لأنها تمنحنا حيوات جديدة ننغمس فيها بدون الجهد الفعلي المطلوب لخلقها وعيشها، وحيث يمكننا تصميم كل جانب من جوانب هذه الحيوات الجديدة من خلال خيار ما قرأناه .

رواية من 80000 كلمة و قصة من 5000 كلمة بالنسبة للكثيرين منّا أطول من أن يتحملها نظام حياتنا اليومي المزدحم بالمشاغل . نعم نحن نستطيع قراءتها خلال أيام أو أسابيع ولكننا نحتاج في بعض الأحيان إلى "تناولها" في جلسة واحدة . ونظفر بأكثر من عيش تلك الحيوات المتخيلة الجديدة بدون انقطاعات . الصراع يجب أن يُحل بسرعة . وبخلافه سنحمله معنا وقد ينهكنا .

لدينا اليوم ق ق ج تحتوي على كل العناصر الضرورية للقصة "الطويلة" كالحبكة والشخصيات والذروة والحل والحوار والسرد، والفارق هو أننا نقرؤها خلال دقائق . والجمال يكمن في أننا لا نخسر شيئا في القصر والإختصار والإيجاز. نحن يمكن أن نرفع من حياتنا ونعيش في واحدة جديدة من صنعنا نعيشها ونحن نركب الحافلة أو نراقب طفلنا وهو يلعب في الحديقة أو ننتظر موعدنا مع الطبيب . وإمكانية الإكمال، وعيش حياة من البداية إلى النهاية تكون بدرجة أكبر في الـ ق ق ج.

عندما سئل بعض الكتاب عن تعريفهم للـ ق ق ج قال أحدهم إنها نوع فريد من القص يشذّب فيه الكاتب الحكاية إلى أن يصل جوهرها، ومع ذك تبقى قصة كاملة بحبكة وسرد وشخصية أو شخصيات وصراع وحلول.

ووفق ما قدمناه، هل من الممكن أن نعتبر القصة التي كتبها همنغواي، وعدّها النقّاد الغربيون ق ق ج من هذا الجنس بشروطه الفنية التي ذكرناها؟

من وجهة نظري كلا، هي صيغة إعلانية توضع على واجهة محل تجاري لبيع السلع القديمة المستعملة، وليست قصة، برغم أن الكثير من النقاد يقولون أنها تتضمن – بمعنى ما – بداية ووسط ونهاية . 

 

تحليل:

الآن دعونا نمضي مع نصوص مجموعة القاص عامر هشام الصفار "قارع الطبول" (2)، لنتأملها ونحللها ونستبر أعماقها ونحاكم شروطها وفق الرؤية والآليات التي طرحناها سابقاً.

في النص الأول "حلبة صراع" :

(اشتركتْ قبل ثلاثة أسابيع في نادي الرياضة القريب على بيتها. موظفة هي في دائرة الصحة. مديرها المزعج يتعدى حدوده أحيانا، وهي تضرب كيس الملاكمة في نادي الرياضة بلكمات قاسيات.. قاسيات جدا!)

هنا، يقع القاص في مصيدة "التفسير" التي يقع فيها الكثيرون من الكتّاب حين يحفزهم الشعور بالقدرة الكلية – omnipotence على كشف أعماق السلوكيات البشرية كحالة معرفية أو كأوالية دفاع ذاتي لاشعوري، أو عكسها ما دمنا نؤمن بكثرة المحدّدات في السلوك الإنساني عموما والإبداعي خصوصاً ممثلاً في ما أسمّيه رهاب الإكتمال والقلق من انكشاف فقر الأدوات المُتخيّل، فقد اشتركتْ هذه الموظّفة في نادٍ للرياضة لتمارس الملاكمة، وصار على القاص أن "يفسّر" لنا سبب اختيارها لهذا النوع من الرياضة لتحقيق الثأر من المدير المتجبّر من خلال "إزاحة" العدوان من الهدف الأصلي إلى "كبش فداء" . وبهذا أضعف سمة المفاجأة التي هي من شروط ق ق ج . لكن اللغة انتفضت لتعويض هذا الخلل من خلال التكرار والتأكيد للتشديد على الطبيعة القاسية لللكمات (قاسيات .. قاسيات جداً). ويشمل الميل للتفسير أيضاً إعادة التأكيد على أن الموظفة كانت تضرب كيس الملاكمة في "نادي الرياضة" الذي عرفنا في السطر الأول أنها اشتركت فيه. من ناحية أخرى لم تضف المعلومة المتعلقة بطبيعة عمل الشخصية "موظّفة في دائرة الصحة" شيئاً إلى بناء القصة أو إلى حبكتها، فما الذي سيختل لو كانت موظّفة في دائرة أخرى ؟ ومن الناحية اللغوية فنحن لا نقول "قريب على بيتها" بل "قريب من بيتها". قال تعالى (إنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف – الآية 56).

أمّا النص الثاني "المعتوه" :

(يتجمع الناس قرب حوض السمك الكبير في مول دبي. الحسناء وحدها واقفة تضحك، ترشرش العطور على أكف العابرين. يشير طفلي الى غوّاص راح يداعب سمكة مشوهة كأنها ولدت من بيوض فاسدة. فجأة توقفت الحسناء عن الضحك في حين راح شخص معتوه يدعو الناس للسباحة معه داخل حوض صغير لأسماك القرش!).

.. فهو نصّ يتمتّع بالرشاقة اللغويّة من خلال الجمل القصيرة والمتوسّطة التي هي أكثر مناسبة للـ ق ق ج، والمكان المحدّد، والتنامي الدرامي الذي أُجهض في اللحظة الأخيرة التي لو اختيرت ذروة مغايرة ترتبط بإشارة الطفل إلى السمكة المشوّهة أو حركة الحسناء التي ترشّ العطور على أكفّ العابرين لأصبح لها تأثير بارز في نفس المتلقي . أنا شخصيّاً لم استطع تخيّل رابطٍ يجمع الحركات الأساسية الثلاث في النص : حركة الحسناء، وإشارة الطفل إلى السمكة المشوّهة، ودعوة المعتوه الناسَ للسباحة في حوض أسماك القرش . لحظة الختام في ق ق ج يجب أن تكون جماع كل الأفكار والإنفعالات والحركات السابقة في النص لتأتي ذروة صادمة بارقة . ومن الناحية اللغوية تقول العرب رشّ (رشش) الشيء، أما رشرش فهو لازم بمعنى سال، ورشرش البعير برك ثم فحص بصدره في الأرض ليتمكن .

في النصّ الثالث "المفتاح" :

(ظنّت أنها قد أقفلت على قلبها منذ زمن. وحده الذي مسح دموعها ووقف معها وقت الضيق قد أمتلك المفتاح الى قلبها الذي بدأ يرقص من جديد) .

نتعامل مع "ذكرى" وانفعال أكثر مما نتعامل مع حدث يتنامى ويتصاعد. والمواقف هنا تتسلسل محكومة بعلاقة العلة والمعلول التي ينبغي تكسير أواصرها في ق ق ج المحكمة، فمن الطبيعي أن قلب هذه المرأة يرقص لهذا الشخص الذي كان أكثر وفاء وتعاطفاً معها في محنتها . وكان من الممكن أن تكون القصة أكثر تركيزا ورشاقة لو قلنا :

(ظنّت أنها أقفلت قلبها منذ زمن. وحده الذي مسح دموعها وقت الضيق امتلك مفتاح قلبها الذي بدأ يرقص من جديد)

أمّا النص الرابع "سيناريو للفرح وآخر للحزن" :

(هم تسعة من دورة تخرّج واحدة في جامعة. يتواجدون في خيمة ذات طراز حديث نصبت في مبنى فندق يطل على حديقة غنّاء. التسعة يطربون لصوت فنان مغمور في حين راح أحدهم –يبدو عليه الجدية والحكمة- يحضّر شرائح وضعت على جهاز يستعرض فيها أسماء زملاء لهم أستشهدوا قبل ثلاثة عقود من الزمن في حرب ضروس. موّال بغدادي في خلفية المشهد يتقاطع مع نشيج لسيدة تبدو وحيدة في المكان) .

.. فتجتمع فيه شروط ق ق ج النموذجية، بلا زخارف ولا استطالات وصفية ولا ترهّلات استعاديّة من الناحية اللغوية، الحدث راهن محتدم متنامٍ يجري أمام أعيننا مفعماً بالحركة والإنفعالات الصاخبة المكتومة . ولاحظ ما الذي يفعله حضور الموت حين يلوب في أحشاء الحياة . فوسط الجو الرخي وصوت المطرب المغمور وأجواء الفندق المطل على الحديقة الغنّاء هناك حركة رهيبة صموت للموت تبعث الرهبة في النفس .. بل تمزّقها . كل النصوص الثلاثة السابقة جاءت ومضت دون أن تعلق بالذاكرة بقوّة وترتطم بصندوقها الأسود بعنف كالنصّ الثالث الذي يتحدث عن موضوعة أحسّت بها "فاتن حمامة" مئات المرّات . أستطيع القول أنني أقيس عظمة اي نص بقدرته على تقطيع قلب المتلقي العراقي المتصخّر والمتفحّم . ما الذي فعلته بنا يا عامر هشام ؟!

هذه هي الحيوات الجديدة التي تحدّثنا عنها في التمهيد، والتي شعر بها القاص أيضاً فعبر عنها في نص آخر هو "روتين" حين عانى من رتابة إيقاع حياته الخانق :

(سيبدأ صباحي بشكل روتيني. فستجلب الممرضة قهوة بلا طعم تضعها على منضدتي، وسأقرأ رسائل مدير المستشفى، وسيدخل الطبيب الشاب طالبا نصيحة..فجأة تمردت نفسي على روتينها اليومي وراحت تكتب قصة قصيرة جدا!) .

هذه هي الحيوات البديلة التي يخلقها الإبداع للإنسان المقهور المُحاصر بالخيبات والخسارات والحروب التي ابتلعت غولتها زملاء الشخص الذي يشتغل على شرائح أسماء زملائه الشهداء بصمت دوّى في أعماقنا، في حين تحيط به مظاهر الحياة البليدة التي لولا هذه الحركة لصارت حياة مبتذلة باهتة يحياها زملاؤه الثمانية الآخرون. الموت هو الذي يفرك الصدأ عن وجه الحياة، ويزيح عن جسدها أتربة العادة، ويعيد إليها ألقها البهيّ . وموضوع الموت والخراب والإنثكال ليس موضوعاً محلّياً مكروراً مستنفداً، إنّه موضوع كل إبداع مقتدر، ومحنة النفس البشرية السرمدية في كل مكان وزمان . لهذا حين يُترجم هذا النص إلى لغة أخرى لن يفقد بريقه، وسيشعل التعاطف الآسي المنكسر في روح أي متلقٍ في أي ركن من أركان المعمورة المهدّدة المهانة .

ثم لاحظ هذه المتضادات التي تأتي كتضاد الحياة والموت، والنماء والخراب، والأمل واليأس، حيث طراز الخيمة الحديث والحديقة الغنّاء يتضاد – بصورة مستترة – مع "خيمة" النسيان التي تظلّل حضور المطرب "المغمور"، وحيث التسعة الحاضرين الطربين لصوت المطرب صورة للحضور الكلّي المؤكّد، والغائبين الذين حملهم قطار النسيان السريع بلا رحمة وبصورة مؤكّدة، غائبون مازالوا "زملاء" حاضرين لكن في صندوق الذاكرة الأسود الذي تخصص بفتحه الزميل التاسع . صخب وانفعال تفرضه الحياة المراهقة اللعوب على الثمانية، وحكمة وجدّية يفرضها الموت المهيب الوقور على التاسع الوحيد . والتسعة تخرّجوا معاً من جامعة ما، ولكن زملاءهم الشهداء "أُخرجوا" من الحياة نهائياً وإلى الأبد .

ثم تأتي الذروة التي بلا حلّ كما يحصل في البناء التقليدي للقصّة، ذروة ماحقة تتوّج انفعال الموت والخراب، وتسحق وجدان المتلقي حيث يلتقطها القاص بعين "سينمائية" تقدّم لقطة قاطعة يمور خلفها صوت الذكريات الغائرة البعيدة والرحم الأمومي الذي حُرم من فردوسه الجميع راحلون وحاضرون، تأتي لحظة الختام كنقطة في نهاية النص، لكنها نقطة على شكل طلقة كما قال مايكوفسكي ليلة انتحاره : (موّال بغدادي في خلفية المشهد يتقاطع مع نشيج لسيدة تبدو وحيدة في المكان) . ثم يتركك القاص الماكر معلّقاً في فضاء خيمة اليأس والرعب .

هكذا تُكتب القصة القصيرة جدا، وهكذا تُشذّب بسكين الرؤيا، وتُكشط طبقاتها حتى نصل جوهرها الصلب حيث الموت، الحي الذي لا يموت .

ومثل هذا المستوى في أحيان قليلة جدا، وقريباً منه في أحيان كثيرة تطالعه في بعض النصوص التي أنصحك سيّدي القارىء – حسب ذائقتي الشخصية – أن تقرأها وهي إحدى وعشرون من اثنتين وثلاثين ومائة ق ق ج : بتر، هيروين، التمساح، الفارس، الوردة الحمراء، الإسكندر، زورق البندقية، صالح العراقي، اللعبة، زجاجيات، النصب، السلّم، قارع الطبول، تراتيل عراقية، روتين، ورقة، كاتب، لحية تولستوي، جبرا، كيف ترسم أفعى ؟، عطرها .

وبعد أن أوضحنا مفهوم وشروط القصة القصيرة جداً، وقدّمنا جوانب مهمة من الدليل التطبيقي التفصيلي الذي نرى أن من الضروري أن نسير على اسسه في تحليل نصوص القصص القصيرة جدا، نرى بأن بإمكان السيّد القارىء المضيّ في قراءة وتأمّل وتقييم النصوص الباقية في هذه المجموعة.

 

.....................

هوامش:

 (1) قارع الطبول – مجموعة قصص قصيرة جدا – عامر هشام الصفار - دار أقلام للنشر - كارديف - ويلز- المملكة المتحدة – الطبعة الأولى – 2013.

(2) اعتمد الكاتب في هذا التمهيد على المواقع والمصادر التالية :

Flash fiction - Wikipedia, the free encyclopedia#

Flash What? A Quick Look at Flash Fiction #

by Jason Gurley  

Flash Fiction: What's It All About?#

By Becky Tuch

#What is Flash Fiction; Learn about the essence of the short, short story.

Oxford Dictionaries Definition of flash fiction in English-#

Stories in your pocket: how to write flash fiction - The Guardian

 

الأسلام ليس الحل ولا الديانات الاخرى

abdulghani aliyahiaأنار توماس أديسون العالم بفضل اكتشافه للكهرباء، ومن قبله وبعده، ساهم العلماء الأفذاذ جيمس واط واسحق نيوتن واينشتاين ولويس باستور وبافلوف.. والقائمة تطول في نقل البشرية من الظلمات إلى النور،واخترع اخرون الطائرات والسيارات والمطابع والراديوات والبواخر..الخ ومعظم هؤلاء العلماء وغيرهم اما مسيحيون أو يهود، ولعلماء الشرق من بوذيين وغيرهم في اليابان والصين وكوريا الجنوبية دورهم في الأختراعات والابتكارات من اجل خدمة شعوبهم والأنسانية جمعاء، وفي نهاية كل عام حين يجرى استعراض المنجزات العلمية، اكتشافاً أو اختراعاً أو ابتكاراً في العالم، فأن المرء لا يعثر من بين اسماء المبدعين والعباقرة في مجال العلوم الطبيعية عربياً واحداً أو مسلماً واحداً وفي كل عام عندما تمنح جائزة نوبل للعلماء في مجال الطب أو الفيزياء أو الكيمياء أو..أو..فأنك لا تجد بينهم عالماً عربياً أو مسلماً. وكل العلماء العباقرة في اكتشافاتهم واختراعاتهم وابتكاراتهم لا يردون عظيم ماقاموا به إلى أي دين، ولا أغالي اذا قلت ان معظمهم كانوا ومازالوا غير متدينين.

لقد بعث الاتحاد السوفيتي السابق بكاكارين إلى الفضاء الخارجي وتمكن من الدوران حول العالم في (90) دقيقة، وما زالت روسيا الاتحادية خليفة الاتحاد السوفيتي السابق دولة عظمى وعلمية جبارة، وبعثت الولايات المتحدة بأرمسترونج إلى القمر..الخ من الانتصارات العلمية الباهرة، من غير ان يشير أحد في الدولتين العظميين إلى الاستفادة من دين ما، والقول نفسه ينسحب على دول متقدمة اخرى كالصين واليابان واستراليا وبريطانيا والقائمة تطول. واصبحت الدول: الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية وبريطانيا وفرنسا والصين قوى ودولاً عظمى وقوية دون أن تصرح بان المسيحية أو اليهوية أو الاسلام أو البوذية كانت وراء بلوغها العظمة والاقتدار، وصارت دول تسمى بالدول السبع الصناعية الكبرى: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، كندا، استراليا، اليابان، المانيا، من غير ان تقول انها صارت دولاً صناعية كبرى بفضل العمل بدين ما، ثم توسعت دائرة الدول الصناعية الكبرى لتشمل الصين وروسيا والهند، واخرى في الطريق مثل: كوريا الجنوبية واندنوسيا وسنغافورة..الخ كل ذلك من دون ان يكون للدين، أي دين دخل في ذلك، بل ولقد تقدمت دول جد صغيرة على العالمين العربي والأسلامي مثل: تايوان وسنغافورة ونيوزيلندا وغيرها ومن دون ذكر للدين أو أن يكون الدين، أي دين سبباً في تقدمها.

ان هذه الدول المتقدمة وغيرها من الدول التي لم نشر إلى اسمائها صارت وكأنها جنة على الأرض نتيجة اهتمامها بالعلم والحرية والديمقراطية والمدنية وحقوق الأنسان، ولم تقل أو تقول ان الدين، أي دين وراء ما حققته من تقدم وإزدهار، ولو لم تكن متقدمة ومتكاملة في معظم النواحي، لما رأيت ملايين المسلمين يفرون من بلدانهم هرباً من الظلم والجوع واللا عدالة  الى الدول الغربية والمسيحية الاخرى مثل استراليا وغيرها وغيرها، مقابل ذلك لم يسجل لجوء غربيين أو استراليين ويابانيين وصينيين إلى العالمين العربي والاسلامي طلباً للجوء والأمان والعدالة ولقمة العيش..

فهل الاسلام هو الحل؟

أعود الى عنوان المقال وأقول: أن حل الازمات  التي تطحن العالم العربي بالأخص والى حد ما بقية الدول الاسلامية  ولكن بدرجات متفاوتة، لا يكمن في الاسلام بناتاً مثلما لم يكمن تقدم الغرب والشرق الاقصى في اي دين، لا في المسيحية ولا اليهودية ولا البوذية.. الخ من الديانات. واذا أراد أي بلد الرقي والازدهار والتطور فما عليه الا ان يأخذ بالعلوم الطبيعية واشاعة التعليم بين سكانه، ان كل الدراسات تشير الى ان بلدانا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا، بلغت مرتبة عالية من  التقدم، جراء تخصيصها للجزء الاكبر من ميزيانياتها للتعليم والعلم، ولهذا السبب فأنها تقدمت، والاعمال بالنيات كما يقال، ففي وقت سابق قرر حكام وشعب ماليزيا ان يكون بلدهم ماليزيا بلداً صناعياً، واصبحت ماليزيا صناعية ليس بنفس اسلامي بل أسيوي.

وتقول المعلومات والمراجع كافة، ان الغرب المسيحي تقدم وتطور وصار قبلة للعالم حين تم فصل الدين المسيحي عن الدولة، وبالفصل بينهما، راحت الدول المسيحية الاوروبية تتقدم وتزدهر، واخذت المسيحية بدورها تنتشر وتزدهر وصارت الديانة الاولى في العالم، بعد ان فصلت عن الدولة. لقد خطت الحكومة المصرية خطوة هامة الى الامام حين اسقطت جماعة الاخوان المسلمين ثم اقدمت على حلها ووضع اليد على ممتلكاتها، لكن هذا غير كاف ابداً، واذا أرادت مصر أن تلحق بالحضارة الغربية ما عليها وكخطوة اولى وجريئة الا أن تقوم بفصل الدين عن الدولة، وبذلك فانها سوف تقطع اشواطاً الى الامام وتعيد للدين الاسلامي الحنيف هيبته ومكانته بعد أن اساء الاسلام السياسي اليه كثيراً وكذلك المنظمات الاسلامية الارهابية المتطرفة. ان الخطوات المصرية الجريئة والشجاعة ستبقى ناقصة مالم يفصل بين الدين والدولة في مصر.

نعم، ليس (الاسلام هو الحل) كما يزعم الجهلة من الذين يخدعون العرب والمسلمين وبذرون الرماد في عيونهم ويعملون على تضليلهم باستمرار عبر رفع شعارات ونداءات وافكار ليس من سند علمي لها تنادي بان الاسلام هو الحل، ولا يخفى على احد، ان هذه النداءات والافكار قادت تلقائياً الى نشوء منظمات أرهابية خطيرة مثل القاعدة وفروعها في أرجاء العالم العربي والعالم الاسلامي، اقدمت وما تزال، على ذبح البشر من الوريد الى الوريد وتفجير السيارات المففخخة والعبوات والاحزمة الناسفة وضرب المساجد والحسينيات وقتل المصلين وتفجير الملاعب والمطاعم والمأتم وحفلات الاعراس. .الخ واتركوا الدين لله، وهلم الى الاخذ بتجارب الغرب والشرق الديمقراطية، الى الاخذ بالعلمانية والعيلم والتعليم لخرض اللحاق بالعلم المتمدن، ولن بكون المسلمون دولة عظمى ولا من الدول الصناعية الكبرى ولن يتمكنوا من تحقيق الحد الادنى من الحرية والعدالة والديمقراطية ما لم يفصلوا الدين عن الدولة، مالم يتبعوا العلمانية والتجارب العلمية.

 

تجلّيات الوطن في ديوان "هؤلاء نحن" للشاعر صادق العلي

198-sadiqالعنوان لأيّ عمل إبداعي له وظائف متعدّدة منها:

"الوظيفة التعيينية / التسموية - الوظيفة الإغرائية أو التحريضية (والتي جمعها "هويك" في الوظيفة التداولية)- الوظيفة الإيديولوجية" 1، فالتسمية تختزل المتن وتحيل إليه ليكون واجهة تظهر سماته بوجه معين ومختصر جدا وحامل لمعناه، أمّا الإغرائية فتبقى وظيفةً يحاول الناص من خلالها استدراج القارئ وشدّه إلى النص بعلامة معيّنة تختزن مدلولا ما في مظهر معين يحمله العنوان، إلى جانب آخر يحمله هذا الناص متمثلا في الإيديولوجي والقناعات الخاصة أو الخلفيات التي تنتجُ النَّصَ لتورطَ القارىءَ فيها بطريقة ما اختارها المرسلُ للترويج وللولوج إلى عمله الإبداعي .

العنوانُ أيضا كعتبة نصيّة تكشف خفاياها وتمظهر مكنوناتها أو المتجلي منها، حتّى تبلغ الوظائفُ غايتها.

وعند "جيرار جنيت" هناك عنوانان:

" العناوين الذاتية والتي تعيّنُ موضوعَ النص...

 198-sadiq

والعناوين الموضوعية  والتي ترجع إلى النص نفسه، أي بجعلها النص نفسه مرجعا لها،أي بجعلها النص نفسه مرجعا لها، وتعيّن النص إلى حدّ جعله موضوعا " 2، لتبقى بين العنوانين علاقةٌ دلاليةٌ تُدركُ جيدًا بعد القراءة والتأويل.

ومن هنا أسجلُ وقفةً على ديوان"هؤلاء نحن"3  للشاعر " صادق العلي" الصادر عن" دار الغاوون".

فبعنوان ينفتح على الإشارة والتعيين، ويختزل المتنَ الشعريَّ في لفظتين "هؤلاء نحن" ، أو في ضميرين منفصلين قد يستقلُّ كلاهما عن الآخر ، لكنهما اقتربا من بعضهما وتجاورا، لتكتملَ الدلالةُ بهما أكثر، يُطلعُنا الشاعرُ على تجربته الجديرة بالقراءة ، والتي تَفتحُ لنا ضروبَ الرؤى لاختراق نبضَ القصائد التي جمعها هذا الديوانُ .

لنتساءل : من  هؤلاء الذين  يتماهى توصيفُهم بــــ "نحن" ضمير المتكلّم الجمعي الذي يأخذ أبعادًا عدَّة يجمعها المتنُ، وتدرك عند كلّ قصيدة، كبنية منفصلة ومستقلّة بدلالتها؟ .

"نحن من وطن غريب بين الأوطان

نحن غرباء في الوطن

غرباء في الغربة

غرباء في الحياة

وغرباء في الموت.

قبورنا أيضا غريبةٌ بين القبور

إذ ليس هناك

من يُنيرُ قبرَ الغريب".04

حيث نجد الضمير "نحن " يتوزّع بين تعريفات متباينة تجتمع كلُّها في تيمة واحدة هي –الغربة-

نحـــــن الغرباء في:

 

الوطن، الحياة ، الغربة، الموت.

 

إذ الغربة في الأشياء كلّها، وفي الحالات كلّها، خاصة في:

الوطن/الغربة ذاتها/الحياة/الموت.

هذه الغربة التي تولّدُ الندمَ في نفسية الشاعر "صادق العلي"، وتتركه مصلوبا شوقًا وحنينًا لوطن خالد يكبر داخله ، وطن يأبى أن يتركه، ويأبى أن يحتويه في الوقت ذاته.

في قصيدة "جسر بين غربتين " يقول:

"وجدّت : أني

في الغربة أبتعد

عن الوطن

وفي الوطن يبتعد

الوطن عني". 05

جسرٌ يمتدُّ بين الوطن/العرق ووطن الاغتراب، يجعلُ الشاعرَ مشتَّتا وضائعًا بينهما، إحساسًا وحرقةً تعصفُ به إلى منتهى الحيرة والتساؤل .

وفي قصيدة "أبي العراق" ينبجسُ ألمُ الذات الشاعرة التي تتوسَّدُ غربتَها، فيحترقُ شوقُها وحنينُها إلى نبعها الخالص، حيث يرتفعُ الوطنُ/العراقُ إلى أعلى المنازل ، إلى منزلة الأب وإلى منزلة القداسة والعبادة حدَّ التيه في إدراك اليقين حين يقول:

"يا عراق بينك وبيني

عشقٌ حتّى العبادة

فأيّنا العابد وأيُّنا المعبود؟".06

يقول محمد بنيس" الشعر خطاب الذات المفردة، لا يثبت إمضاؤها الشخصي إلاّ باختلافه عن غيره "07، فالقصيدة تبحث عن الاختلاف والتفرّد، وتطرح سؤال الذات والكينونة في مفاهيم متعددّة ومتباينة من قصيدة إلى أخرى، حسب ما ينشره كلّ باث من خلال خطابه الذي يحمل توقيعه المختزل للمرجعيات وللسياقات المختلفة والرؤى الحاملة لايديولوجيا الذات ولقناعاتها وأغراضها، وتوجّهاتها، ومن هنا نستشفُّ من قصائد "صادق العلي" الذات التي لا ترى وجودها وتواجدها إلاَّ من خلال الوطن/العراق مهما تغرّبت وامتدّت غربتُها وبلغت منتهاها ، فلا حياة بلا هذا الساكن شوقًا ولوعةً والمنصهر في هذه الذات حدّ الخلود والفناء.

...

"حينما أستلقي مساءً

أجاهد لأنام علي

أدرك حلمًا يوصلني بالوطن

أو أغتسل به

حتى أطهر عمري المدمّى شوقاً".08

 

اختار الشاعر "صادق العلي " في قصائده معجمًا خاصًا،حيث تتواتر العلامات: "الوطن، الغربة، الحياة، الموت، العراق، الحلم، الفراق، الوحدة، التراب، في ديوانه " هؤلاء نحن " بشكل لافت،أو في قصائده التي لم يجمعها الديوان والتي نشرت عبر مواقع إلكترونية ،حتّى تكاد تميّز قصائده، بصمة خاصة له ،مشكّلة ضربًا خاصًا أيضا، والتي تتعدّدُ لتنفردَ في مضارب متباينة بقيم دلاليّة  أكثر تأويلاً، ولتحملَ مؤشّرَ الانفتاح على أوجه القصيد بالولوج إلى سراديبه، وفهم السياقات المتعددة المتداخلة في إنتاجه،  لتبقى  تلك العلاماتُ عند الشاعر محمّلةً على الذات وغربتها ، وعلى الذات ووطنها الخالد فيها كروح لا تأبى الانفصال عن حقيقتها ونبعها الأوحد، أو مستقرها ومزارها الذي يشكل حرقةً ولوعةً عليه.

هذا المعجم اللغوي يحيلنا إلى عالم هذه الذات الشاعرة الذي تنفردُ فيه وبه حيث المنتهى والانصهار، عالم تمتزج فيه كلُّ التناقضات دفعةً واحدةً، فتختلطُ الأوراقُ والمسمياتُ رغم توصيفاتها، لتضيعَ هذه المسمياتُ في حرقة التساؤل وفي حرقة الأنا المصلوبة على وتر الغربة ، الأنا الطامحة إلى إدراك الحقيقة التي توصل إلى الأشياء ، بل إلى الحقيقة ذاتها التي تظل هاجسًا يقلقُها علَّها تقبض بعضَ السر الكامن من ورائها.

إن ديوانَ "هؤلاء نحن" تجربةٌ تنفردُ في البوح المناشد لعالم الحقيقة واليقين الذي يجعل الشاعر متسائلا يسكنه الريب والشك في نبع الأشياء وفي أصلها، كأنّه يحاول أن يقبض السر الذي ضيّع ملامحه بين خطين متقاطعين لا يتّصلان.

فبين غربة الذات الطامحة إلى اعتناق عالمها الأوحد الخالص، وبين اللحظة الأمل المنشود في إدراك الكامن وراء الحقيقة  يتجلى وطنٌ خالدٌ يعزف ألحانه عبر مسافة تمتدّ حنينا وشوقا ، وتيهاً في ضروب التساؤل والمناجاة .

 

......................

مراجع

01-  عبد الحق بلعايد. عتبات. الدار العربية للعلوم ناشرون. ط.2008 .1.ص 74

02- المرجع نفسه ص76

03-صادق العلي.هؤلاء نحن.دار الغاوون.2012

04-الديوان.ص17/18

05- الديوان. ص10

06-الديوان. ص15

07- عبد الواحد المرابط .السيمياء العامة وسيمياء الأدب.  الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف.

08-الديوان.ص

 

 

الاحتراق عِشْقاً .. في مجموعة السماوي (أطفئيني بنارك)

sabah alanbariقلما ينجح المؤلفون في اختيار اللّوحة التي تتمثل فيها رموز ومثابات متون مؤلفاتهم الشعرية أو القصصية الروائية وحتى بعض الدراسات النقدية. وقد وفّرت الشّبكة العنكبوتية لهم من الخيارات الكثيرة والدقيقة ما كان عسيراً عليهم الظفر به من قبل. في هذه المجموعة وبغض النظر عمن اختار اللّوحة فأنها تضمنت على أغلب إن لم أقل كامل الرموز الرئيسة والمهمة في قصائد المجموعة كلّها فالنخلة بشموخها العراقيّ تطلّ من سماء الزاوية العليا على مؤثثات اللّوحة وتكويناتها المتناسقة. وفي زاوية اللوحة السفلى ثمّة نخلة رسمت على الطريقة الآشورية لتكون جذراً أساسياً من جذور التواصل والرقي الحضاري لبلاد ما بين النهرين. أما السدرة التي امتدت جذورها في أرض اللّوحة فأنها شهقت ارتفاعاً وشموخاً ممثلة أُسّ الحضارة الإسلامية. في منتصف اللّوحة الى الأعلى ثمّة حمامة بيضاء هي في جوهرها رمز لبغداد السلام بمآذنها، وشناشيلها، وأقواسها العربية. وتحت تلك الشناشيل تنام العاشقة السومرية الماضي، والبغدادية الحاضر بهدوء يشي بتهويمها في عالم الجمال والرومانسية الحالمة. أسفل اللّوحة يضع الشاعر أو المصمم عنونة المجموعة الصادمة (أطفئيني بنارك) فأي إنطفاء هذا الذي أراده الشاعر في النار؟ أهو نوع من التطهّر والعماد؟ أم هو الإحتراق اللذيذ بنار المحبة الخالصة؟

 فعل العنونة (أطفئيني) يشي باحتراق الشاعر في نار لا نعرف سرّ لذّتها بعد. أهي نار العشق ومكابداته؟ أم هي نار الفراق ومعاناته؟ وخلافاً للمألوف، وكسراً للتقليد، واستمراراً للذة الاحتراق يطلب الشاعر منها (من المخاطَبَةِ) أن تطفئه بنارها كي يستمر احتراقه الأزلي الى ما لا نهاية له في زمن العشق السرمديّ.

*

 ومن العنونة ندخل الى ذلك العشق النقي فنجد النوافذ ساهرة وعين الشاعر نائمة عند بوابته الأولى التي قفل عليها بقواف كان وقعها على الأذن خفيفاً، وإيقاعها تطريباً، وتفاعيلها تنغيماً، ومرورها انسياباً في رحلة القصيدة شبه الغنائية الى حيث الاكتواء بنار العشق الأزلية. في القصيدة ضميران: الأول (أنا) الناطِقُ والفاعلُ والمهيمنُ على مؤثثاتها، وأجوائها، والراوي لأحداثها. والثاني (أنتِ) المخاطَبة والمتلقية والغائبة الحاضرة التي سنجد ونحن نستقرئ حروف القصيدة، ونستبطن جوانيتها أنها تتماهى في ذهن الشاعر مع أثيرته الحاضرة دوماً (بغداد).

  يفتتح السماوي قصيدته (عيناي نائمتان.. لكن النوافذ ساهرة) بالافصاح عن هجرته الإنفرادية قائلاً: "هاجرتُ وحدي حاملاً بعضي معي" وهو مفتتح فعليّ تشي وحدانيته أن الشاعر ترك وراءه  بعض المتعلقات التي لا نعرف حجم أهميتها وكلّ ما نعرفه أنه حمل بعضه وهاجر لأسباب لم نعرفها بعد أيضاً. المفتتح فسّر نفسه بنفسه فلقد تقصّد الشاعر حمل بعضه معه ليبقى بعضه الآخر مرتبطاً عبر حبله السري بمشيمة المكان وهو العارف بمخاطر الرحلة ومكابداتها:

فالطريقُ معبّدٌ بالجمرِ

ترقبهُ الضباعُ

وما تبقّى من سلالةِ"أخوةِ الصّدّيقِ يوسفَ"

والذئابُ الغادرةْ

السماوي هنا يمتطي صهوة المغامرة في رحلة غير محسوبة نتائجها. يسلّم سفينته للرياح الغاضبة، والعواصف الهوجاء، متحدياً كل شيء، وآملا في الوصول الى ما افتقده طوال زمن احتمائه بالرحم الذي لم يعد ملاذاً بعد انقلاب الحال وضراوة الأهوال، وتراكم الفواجع وطفح المواجع التي على الرغم منها يظل عاشقاً أبدياً مشدوداً الى المعشوقة، ومعتصماً بحبل وصالها الأبدي. وبعد هجرة مضنية، ورحيل قاسٍ، وحروب مدمرة يعلن لها أن: "كلّ المعاركِ خاسرةْ" ولعل (كل المعارك) هذه تشير الى معاركه الذاتية التي هي بمعنى من المعاني معاركها التي جنت عليهما بالفراق وعذاباته، وبالنوى ومعاناته. وككل عاشق نقيّ فانه يحسب انتصاره الوحيد في تغلبه على الغربة، والرجوع الى ضفافها الفراتية الدافئة. ولهذا نجده يستثني من الخسارات انتصاره الوحيد: "إلا انتصاري حين يقتلني هواكِ فالتقيكِ" في هذا البيت تتجسد مواجع الهجرة التي بدأ فعلها وأثرها يسري في جسد القصيدة منذ جملتها الأولى، بل منذ فعلها الأول (هاجرتُ) الذي ترك أثره الكبير كمحصل حاصل لعذابات  طويلة سبقت زمن القصيدة. وربما لم تستطع القصيدة منحنا الكثير من تفاصيل تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر والمهالك، أو البوح الكامل عن كل ما فيها من المعاناة بسبب ما ألزمت نفسها به من التقفية وقيودها على الرغم من قدرة الشاعر على التحرر منها بالقدر الذي تفرضه موضوعتها وتطورات الواقع الحتمية. وقد خفف منها كونه شاعراً مطبوعاً تسير القوافي عنده كما يسير النهر في مجراه. والسماوي الهائم حباً وعشقاً يدرك وهو على أرصفة الغربة أنّ حربه ضد من أجبروه عليها خاسرة هي الأخرى إن لم يكن ملاكه الحارس، وحبيبته التي لم تزل تنبض فيه، الى جانبه. يقول في قصيدة (هيام): "وأن حربي ضد أمسي دون يومك خاسرة" الأمس هنا يشير الى تقلبات الماضي والى استشراء الظلم فيه والى معاناة الشاعر في الخارج، ومكابدات المعشوقة في الداخل. ويشير اليوم الى الحاضر الذي يأمل فيه العاشق الخلاص ممن ألحق بحبّهما الأذى.

 وإذا نحيّنا خسارات العاشق جانباً وعاينّا ملذاته حسب، وجدنا أنّ تلك الملذّات كامنة في المسرّات والجمال وأنه وجد ألذّ ما فيها احتراقه في مياهها. يصرح عن ذلك قائلاً:

أن ألذّها كان

احتراقي في مياهكِ

وانطفاؤكِ في لهيبي..

وهذا يدعونا للعودة الى عنونة المجموعة (أطفئيني بنارك) فالشاعر هنا يكسر قيد المألوف من الملفوظ، والمتعارف عليه من المسرود باستخدام التضاد أو الاستبدال المقصود بين النقيض ونقيضه. فالمياه هنا تستبدل أداءها بالاحتراق، والنار تستبدل أداءها بالأنطفاء ويقصد من وراء هذا المبالغة بالاحتراق في نار العشق التي لا يخفت جمرها، ولا يبرد سعيرها. يقول قي قصيدته (رغيف من الشبق على مائدة االعفاف) المعنى نفسه:

وتَبَرّدي بحرائقي..

وببردِ كأسِكِ

دَفّئيني

في هذه القصيدة يبرر استبداله لموضع الكلمات واستخلاصه للمعنى الجديد بزعمه أن إضافة الساخن للساخن يحوله الى حالة من البرودة: {بعض "السخين" يصيرُ" برداً" حين يمزج بـ"السخين"!}. وفي قصيدة (قديسة الشفتين) تأكيد للمعنى نفسه إذ يصف الشاعر نفسه قائلاً:

وأنا اللهيبُ الباردُ النيرانِ..

والماءُ الذي أمواجهُ

تُغوي بساتينَ اللذائذِ بالحريقْ

لقد جمع السماوي بين الحر والبرد، وبين الماء والنار جمعاً قائماً على تزاوج لا أساس له إلا في مشاعره المحكومة بالتقلب على الجمر والماء في آن واحد.

 

في عِشْقيّات السماويّ ورومانسيته الثورية تتجلى صور حبيبته المريمية، ومعشوقته البتول، وأثيرته العامرية التي أحاطتها قذارات المارقين، والراسخين في التهتّك، والمضاربين بأسواق الدعارة تحت يافطة العبادة. يقول عن هولاء جميعاً مجاهراً وفاضحاً:

 أنّ جميعَ آلهةِ المدينةِ

والدّعاةَ الى الصّلاةِ

سماسرةْ

وفي هذا إشارة قطعيّة وجليّة عما يقومون به من تخريب للعقول، وتدمير للأصول، وتسخير للمعتقد، ومتاجرة بالدين والطائفية وما أهلّ به لغير الله، باسم الله خدمة لمآربهم النفعية وأرباحم الجهنّميّة ولا فرق عنده بينهم وبين غيرهم من القائمين بأمر الجياع:

والقائمين بأمرِ أرغفةِ الجياعِ

بدار دجلةَ والفراتِ

أباطرةْ

ولم يكن هؤلاء الأباطرة من قبل إلا جياعاً تنكروا للفقر والجوعى بعد أن رَقِيَ شأنهم واستحوذوا على رتب لم تكن من مستحقاتهم يوماً. يقول السماوي عنهم في قصيدة (كذبتُ عليكِ.. كذبتُ عليّ!):

جياعُ الأمسِ قد باتوا أباطرةً

وصار مؤذّناً

من كان في عهد "ابن صَبْحَةَ"

ينقرُ الطّبلا

وفي هذا إشارة لنوعين من الأشرار أو زمنين عاشهما الشاعر في مرحلتين: الأولى مرحلة النقر على الطبول وما أكثر طبالي هذه المرحلة ومهرجيها. والثانية أزاحت الأولى لتحل محلها في السلب والنهب والتطبيل والجريمة وهي لا تقل شرّاً عن شر حرامية بغداد. يقول في قصيدة (الوصول الى اليابسة):

فليسَ شرّ المارقين من الطغاةِ

على الجياعِ

أقلّ من شرّ الدهاقنةِ اللصوصِ

بدارةِ النخلِ المهيّأ للّتشرذمِ

في مزادات الدهاليز

الهجينةْ!

 المعشوقة التي ألمح إليها السماوي إذن، منذ مفتتح القصيدة، أماط اللثام عن وجهها المشرق الآن بعد أن راح نسغها النقي يرتقي (دارة النخل) في (دار دجلة والفرات). إنها بغداده الثّكلى  وسماوته الحزينة أو أية بقعة في خارطة عِشْقه السماويّ الذي رأى ضيم البلاد، وظلم العباد، وضياعه من ألف عشق. ومع أنّ السماوي رأى ما رأى فأنه يترفق بالماضي طاوياً صفحته الحمراء أو السوداء ليستجير بمشوقته الكلية الحكمة، والكلية الفتنة، والكلية السحر والجمال.

 ومع أننا نقر بقصر رحلتنا في واحاته الظليلة، وفي براري عِشْقيّاته الخضر، وبمرورنا السريع أمام مثاباته الإبداعية الخلاقة إلا أننا نأمل أن نكون قد قدّمنا ما يمكن أن يسدّ ولو القليل من استحقاقه كإنسان مبدع، وشاعر خلّاق.

 

مسرحية "الربيع العربي" لمجدي بو مطر .. بانوراما معمارية جسدية في كندا

qasim madiيخصص المخرج المجتهد والمثابر "مجدي بو مطر" وهو من الفنانين العرب المقيمين في كندا، معظم وقته مع مجموعة كبيرة من الفنانين سواء كانوا عرباً أو من بقية الدول الأخرى الذين وصلوا الى كندا،لتأسيس مسرح متعدد الثقافات في عالمهم الإغترابي الذي أتاح لهم فرصا ً كبيرة للولوج في هذا الفضاء الكبير الذي إسمه المسرح، وبتوفير معلومات كافية لإغناء تصوراتهم المسرحية،وذلك من خلال ورش تعتمد في معظمها على ثقافة الجسد المتأثر بالأمكنة،والتي يطلق عليها بالانكليزية " أم تي سي سبايس " وهذه الورش التي أسسها الفنان الكندي وهو من أصل لبناني تمتد من أربعة إلى ستة  شهور وبتمارين يومية على ثمانية ساعات في قاعات المسرح  الموجودة في كندا،وهذا يذكرني بتجربة  الفنان العراقي " أنس عبد الصمد " الذي  أوجد حسب علمي هو وزملاءه هذه الورش في بغداد وخارجها ليقدم العديد من الأعمال المهمة ويحصد الجوائز،والفنان " ابو مطر " الذي يترأس مهرجان " تأثير 13 " المقام في كندا للفترة من  24 - 29 أيلول الجاري 2013، وهو من المهرجانات  المسرحية المهمة التي تابعت معظم عروضها وبدعوة من الزميل الفنان العراقي المغترب " داخل البحراني " والفنان " بو مطر " ولجهود " البحراني " في تقديم العديد من  الأعمال  المسرحية ذات الطابع العراقي المميز والتي تركت الأثر الكبير عند الجمهور الكندي والعربي الذي يقيم على أراضيها أصبح عضواً مؤسساً في هذا المهرجان،ومن الأعمال المهمة التي قدمها المخرج " بو مطر " مسرحية بعنوان "  آخر خمس عشرة ثانية " على مسرح " دوار الشمس " في بيروت، ثم  عرضت في   كندا، ودمشق، وعمان، وهذه المسرحية تتمحور فكرتها  حول إشكالية القاتل والقتيل، ومن منهما على حق أو من يستحق الحياة،اللافت في العمل الذي تجول فيه " ابو مطر " الذي قدم باللغة الانكليزية لمواجهة الافتراضية بين العقاد ورواد، كل منهما يستعرض حياته، وبالتالي تتعرض المسرحية  للأجواء العائلية الحميمة في عائلة القاتل والمقتول، ومن هذا العمل وغيره شكل حضوراً متميزأ مما أصبح مديراً لهذا المهرجان وهو يحاول  إظهار قابليته الفنية العربية وهو الباحث دوماً عن قيم الجمال عبر دراسة واعية لمعظم مسرحياته، وليٌضيف إلى رصيده الجمالي مسرحية " الربيع العربي " التي نالت  إستحسان الجمهور الكندي والعربي عبر خطاب التعامل مع عروضه من منظور الرؤية الجمعية بما فرضته مخيلته العاجة بالمساحات الفكرية المشتركة من خلال  اللاجئين المتواجدين معه والذين يتعامل معهم على أساس الإبداع وومضات الخيوط المتواصلة بدرجات مختلفة هنا، وربما هناك، هذه الثورات التي جسدها مجموعة من المبدعين من هذا العالم المترامي الأطراف سواء كان هندياً أو أفريقياً أو هنديأ أحمر أو سوريأ أو لبنانياً،ليخلق بناء ً على الطبقات الصراع الدرامي السيكولوجي الذاتي المطروح من خلال الشخصيات التي  إعتلت خشبة المسرح وعلى قاعة مسرح " ريجستر" في مدينة " كتشنر " مع  إلتماساتهم بشذراتهم الكلامية المتداخلة من أصول إبداعية متفرقة " أو لنقل المنلوجات الداخلية باللغة الانكليزية التي ساعدت على وضوح الرؤية أكثر عندما بدأت العديد من التفاصيل التي أراد المخرج توصليها عبر " هذا الحائط " المزجج بالعبارات العربية والإنكليزية والذي أستخدمه في مقدمة العرض ليبين لنا حجم المأساة على  الإنسان اينما كان عبر ترددات مشتركة بيننا، ولكنها تسيطر عليها قسوة العبثية وروح الكآبة المستشرية في كل ما يحيطنا، وكان للجسد في هذا العرض دوراً مهماً وأساسياً في نقل الصراع والذي يشتبك في جدليات متعددة المستويات مع الفضاء الزماني والمكاني المحيط،وبالتالي أن فكرة الحائط " السلايد " الذي أستخدمه في مواجهة الجمهور والتي أوحت إلينا بأنها بانوراما معمارية حشد لها المخرج مع تقنيات التكنولوجيا من دم، وأبنية مدمرة، وكنائس، وجوامع،لتكون حائطا ً يحمل إيقونات من  حياتنا وصفقة لتوثيق هذا العالم العاج بالموت والقتل والتفخيخ  وخاصة العالم العربي الذي تلف مشهده فوضى عارمة . .

 

 قاسم ماضي - ديترويت

لذة واحدة وثلاث شهوات

hamed-fadilأهي مجموعة قصص قصار تجمع بين الحب والجمال والأمل، أم هي بكائية لثوب بغداد الملطخ بالدم والمصبوخ بالدخان والمشتعل بالحرائق، أم هي القلق والخوف الكامن في القلوب من شبح الموت المتربص في ثنايا الدروب .. أم مسبحة يسر فيها القداسة والتسبيح والسلوى. أم هي بوح امرأة عراقية ألقت بها السماء في غابة الرجال، فتمترست بدرقة الشوق والحنان والألفة، وراحت تنث من كنانة أنوثتها عطر بنات حواء في رياض ابناء آدم. قصص تدغدغ خاصرة الذائقة، وتلثم شغاف القلوب لثم الندى لشفايف الورد في صباح الربيع .. هكذا لضمت بلقيس الملحم خرزات مسبحتها القصصية، أو قل قصائدها السردية، فإن كان قلبك يهفو الى السرد فانك واجده، وإن كان يهفو الى الشعر فانك وارده، ما عليك إلا أن تكون في حضرة هذه القصص لترى يد بلقيس وهي تمتد لتمسح جراح المحبين والمغدورين وتقودك الى حيث اللذة الواحدة والشهوات الثلاث

 

حامد فاضل

قاص عراقي  

 

  

قراءة في رواية "فيرونيكا تقرر أن تموت" لباولو كويليو

mariam altije"فيرونيكا تقرر أن تموت" واحدة من روائع باولو كويليو، لا يمكن أن تقرأها بعمق دون أن تشعر أنك ترغب في أن تعيد النظر في الحياة، وفي قيم العامة، وتشعر بنوع من الاحترام تجاه الجنون، وتجاه الانسان الفرد بعيدا عن آلة التنميط الجماعية.

فيرونيكا كانت تعيش حياة سعيدة حسب المعايير الجماعية السائدة، لكنها ولسبب مجهول قررت أن تضع حدا لحياتها المملة والروتينية، عبر تناول جرعات زائدة من الحبوب المهدئة، لكن محاولة انتحارها تبوء بالفشل، وينقدها أحدهم لتستيقظ في مصح عقلي شهير في سلوفينيا وهناك تبدأ الحكاية التي تقودك الى عالم المجانين، لتكتشف أنهم يملكون حكمة لا يمتلكها الناس "الطبيعيين"

وتقودنا الرواية الى مواقف انسانية أبطالها "مجانين" كانوا شخصيات مرموقة ومن نخبة المجتمع قبل أن ينتهوا في "فيليت" وهذا هو اسم المصح العقلي الذي سبق للكاتب أن كان أحد نزلائه.

في أحد المواقف، تتصرف فيرونيكا كما يتصرف أغلبنا، وتقوم بصفع شخص يفترض أنه مجنون عندما تشعر أنه أهانها، لكنه تصرف بحكمة ولم يرد عليها لا بصفعة ولا بشتيمة وتركها تمضي لحال سبيلها، وعندما تسألها فيما بعد احدى النزيلات عن سبب ما قامت به متسائلة " لماذا لم تحافظي على رباطة جأشك؟,,,,

تبرر فيرونيكا ذلك ب" كرامتي...

فيأتيها الجواب الذي يعنينا جميعا نحن "العقلاء" "عن أي كرامة تتكلمين؟ أهي رغبتك في أن يخالك الجميع طيبة القلب، حسنة السلوك، مفعمة بالحب تجاه صديقك؟احترمي الطبيعة قليلا، شاهدي بعض الافلام عن الحيوانات وراقبي نضالها للحصول على مكان لها وحدها...."

بعد إقامتها لبضعة أيام، اكتشفت البطلة التي أوهمها الطبيب أنها ستموت خلال خمسة أو ستة أيام بسبب تلف أصاب قلبها إثر محاولة الانتحار، تكتشف سر اقدامها على التخلص من حياتها الرتيبة، وتعرف أنها "أغفلت نصف حياتها" كما نفعل جميعا، حين نقوم بما يتوقعه الآخرون منا لا بما نرغب فعلا في القيام به، وتقول إحدى نزيلات المصح وهي تتأمل حال فيرونيكا " حبذا لو يقدر كل امرئ أن يدرك جنونه الباطني وتحقيقه فعليا. فهل يكون العالم مكانا سيئا له؟ لا، لأن الناس سيكونون أكثر انصافا و سعادة، اذ ذاك"

وتضيف ماري المحامية المرموقة، التي انتهت رغم كل النجاح الذي حققته سواء على المستوى الشخصي أو المهني في مصح للأمراض العقلية" فلو أن كل فرد داخل فيليت أو خارجها، يعيش حياته هو، و يدع الآخرين يحيون أيضا، لوجد الله معنا في كل لحظة، في كل ذرة خردل، في كل قطعة من سحابة تخيم علينا في احدى اللحظات، وتتبدد في اللحظة الثانية.

وتكتشف تأملات "المجانين" أن الله وجد دوما، وظن الناس، رغم ذلك، أن عليهم الاستمرار في البحث، لأن تقبل الحياة على أنها فعل ايماني، بدا لهم مهمة سهلة جدا"

وتقرر ماري بعد أن تعافت أن تغادر فيليت دون أن تعود لممارسة المحاماة، بل تسافر الى البوسنة التي كانت غارقة في الحرب الأهلية لتقدم المساعدة لأشخاص يختلفون معها في الدين والمدهب ويشاركونها الانسانية.

وتتمنى فيرونيكا التي كانت تتوقع الموت لو كان باستطاعتها أن تكسب اصدقاء جدد، وتعلمهم الجنون، ليكونوا حكماء، وتقول" سأقول لهم ألا يتبعوا تعليمات حسن السلوك، بل يكتشفوا ما هية حياتهم الخاصة ورغباتهم ومغامراتهم، سأقول لهم أن يعيشوا......"

ويوجه الكاتب دعوته لنا جميعا على لسان احدى نزيلات المصح العقلي "احييوا، فإن حييتم، فالله سيحيا معكم، وإن أبيتم المجازفة، فسيرتد الله الى تلك السماء البعيدة، ويتحول الى مجرد موضوع لشكوك الفلاسفة..."

و يقول الدكتور ايغور بأن الجنون يحدث عندما "يخالف البشر قوانين الطبيعة لأنهم يفتقرون الى الشجاعة للتميز عن بعضهم..."

وذلك لأن "الرغبة في محاكاة الاخرين سبب العصاب و الاضطراب العقلي وجنون الاضطهاد انه تشويه لقوانين االطبيعة، و هو يخالف قوانين الله، ففي كل احراج العالم وغاباته لم يخلق الله ورقة مماثلة للأخرى..."

وفي الصفحات الأخيرة للرواية يقابلنا بيت شعري باذخ، يكاد يختصر رسالة الكاتب:

كن ينبوعا يتدفق فيضا...لا وعاء ماء شحيح

ربما تجدون قراءات اخرى للرواية تركز على القصة والمبتدأ والمنتهى، وعلى شخوص الرواية وعوالمهم العميقة، الا أن أقرأها من الزاوية التي شعرت أنها لامست أعماقي أكثر، تلك الزاوية التي تركز اكثر على ما الفكرة العميقة التي تغلفها كل تلك الأحداث: النمطية والروتين وتكرار الاحداث والتشابه والرغبة في ارضاء الآخرين كل ذلك يقودنا في النهاية الى الجنون الذي لا يمكن الشفاء منه دون ادراك أن الانسان الفرد هو مركز الحياة، وأن الحقيقة تكمن في اعماقه لا في تقييم الاخرين له

 

السيد أصغر أكبر .. رواية مرتضى كزار ومزيجها الواقعي ألغرائبي في ثنائية الموت والبقاء

zaydan hmodمقدمة الرواية هي خارطة ورقية لمدينة النجف القديمة بشوارعها الضيقة ووسطها الذي يشغله الضريح مع محيطها العجيب الممتد من المقبرة إلى البحر .

هذه الخارطة هي شكل مفترض لبناء أفقي في مدينة مليئة بالتناقضات والحكايات التي يختلط فيها امتزاج الحياة المعاشة على الأرض مع ما تحمله دواخلها من أكداس لا متناهية لجثث الموتى وهي تعبر عن سر الدهشة في البقاء المثيولوجي لتلك الأجساد التي ستبعث من جديد في عالم الفردوس الآلهي والتي لا تدخله إلا بمباركة الشفيع الذي يتوسط ضريحه المدينة بقبابه المذهبة وأيقونات الكريستال التي تبهر العيون وتجعلها وعاءا للدموع والتشفع لأرواح الموتى الذين تمتد جثثهم المتناسلة عبر القرون والقادمة من شتى أصقاع الأرض في محيط دائري يلتف حول الضريح في متوالية عددية من الموت الأزلي الذي لانهاية له ولا بقاء أو خلود بعده منذ كلكامش الذي بحث عنه طويلا حتى عثر على عشبته التي سرقتها منه الأفعى في لحظة شرود عابرة على ساقية ماء ليتحول إلى فان من الفانين .. ولكن كلكامش أدرك سر الحقيقة في محتواها وهي إن الخلود لا يكمن في بقاء الجسد على مر الزمن وإنما ما يتركه الفرد للأجيال القادمة من حضارة لا تنسى، فبني أسوار أوروك التي ما تزال بقاياها شاخصة إلى الآن ولم تقم القيامة بعد .

ما تذكره (معينة ونظمه وواحدية) بنات السيد خنصر علي وحفيدات السيد أصغر أكبر عن بزوغ الفجر مع صوت أول (جلجلي) و(الجللجي) هو من ينادي أمام الجنازة (جل الله .. لا أله إلا الله .. جل الله) هذه السيمفونية الثابتة النغمات هي الخارق الأول لسعادة النوم التي تستمتع بها العوانس الثلاث حفيدات السيد أصغر أكبر وهو صوت الجللجي ونداء جل الله لا اله إلا الله .. وما أن يسمعن صوت الله وجل الله حتى يبادرن إلى شتم الجللجي إلى سابع جد (وبعد أن أفزعنا بجلجلته العظيمة كسرت أختنا واحدية عظام أجداده السبعة بشتائم ثقيلة ثم تأففت وأضافت أجدادنا السبعة إلى أجداد ذلك الجللجي) (الرواية ص14) .

الذين يسكنون النجف يعرفون سر اللعبة ولكنهم لا يبيحون بها .. مرة قلت لأحد الدفانة ..

- كيف يمكن لهذه الأرض الصغيرة أن تستوعب هذا الكم الهائل من الجثث وعلى مر الزمن؟

   قال لي وبالحرف الواحد .

- الجثة في الأرض لا تمكث أكثر من سنتين حتى تتحول إلى كومة من العظام .

- ماذا تقصد؟

- كل قبر أمامك هو ملاذ لأكثر من خمسين جثة .

- معقول؟

- لا تحدثني بالمعقول وغيره .. أنا كسبت هذه المهنة عن عاشر جد عمل دقانا في هذه الأرض .

فلا غرابة أذن أن تلعن واحديه ابنة السيد خنصر علي وحفيدة السيد أصغر أكبر الجللجي والدفان وكل من يتاجر بعبث الأجساد الميتة في أرض كتب لأهلها النجاح في كونهم قريبون من الولي ويجيدون لغة التجليل والبسملة وذكر قائمة الأولياء الذين تذكر أسماءهم عند رأس الميت عندما يوضع في لحده .. ثنائية غريبة في البقاء والموت .. الميت خسران في كل الأشياء والذي يدفن جثته مستفيد في كل الأشياء ابتداءا من أول جلجلة في الغبش وحتى النداء الذي يهمسه عند رأسه من يهيل عليه آخر ذرات من التراب وهو يقول .

- يا ابن آدم إذا جاءك الملكان لا تنسى أن تقول لهما .. الله ربي ومحمد نبيي وعلي أمامي والحسن إمامي والحسين إمامي وعلي ابن الحسين إمامي ..

وحتى آخر لفظة في الأنتظاراللامحدود حيث الغائب المنتظر شفيع الكل وإمام الكل .

السيد أصغر أكبر المدفون في قاع السرداب الذي تسكن في بيته العلوي العوانس الثلاث (معينة ونظمه وواحدية) واللائي لم تنقش أسماءهن بخيوط الإبريز على القماشة الخضراء التي تغطي قير السيد أصغر أكبر والتي نقش على وجهها أنساب شجرة العائلة من الفحول فقط .. أما شمخة زوجة خنصر علي ووالدة العوانس الثلاث فقد حرصت أن تطرز أسماءهن في قفا القماشة الخضراء بخيوط من الوبر خوفا أن يلاحظ الرجال التلاعب بشجرة العائلة في أصافة النسواين إليها .

(كي لا يلاحظ أبونا ذلك فيعنفها ويقرص أذنها كعادته، وتظل تموء من الألم طوال الطريق من النجف إلى بغلة عباس في مواسم الزيارات .. خمسين ألف مرة قلت لك .. ألف مرة قرصتك يا شمخة لا تلعبي بشجرتنا، لا تصيفي لها أسماء النساوين) ولكنها تقول له (أنا أتبرك بقماشة السيد ورجائي أن يتزوجن قبل أن أموت) لكن أبانا يستمر في تعنيفها (أفهمي يا مرة الزواج قسمة ونصيب نحن لا نزوج بناتنا العلويات إلى عوام الناس، بنات السيد خنيصر لا يركبهن العوام) (الرواية ص14)

ولكن لما تموت شمخة ويموت السيد خنصر علي يموت،لا تنفع خيوط الوبر التي طرزت بها شمخة قفا القماشة الخضراء بأسماء بناته اللائي أصبحن ينتظرن الآن المحامي حسين تموزي ليحصي لهن ما تبقى من أرث السيد أصغر أكبر كونهن الوريثات الشرعيات له

(بعد أسابيع من مراجعتها المضنية في دوائر الطابو والمحاكم والتسجيل العقاري استطاعت واحديه أن تستل محاميا شابا من بين جوقة من المحامين، كانوا يذرعون سلالم المبنى درجتين درجتين، قالت بأنه مهذب وحباب وفي رأسه كيس دهن بحجم الإبهام، يمكن حسب رأيها أن تعتبره خصية ظلت مكانها واستقرت في رأسه .. لكنه أفضل من سيخدمنا ، لا يبدو متطلبا ولا بصاصا يطرد العين ولا يجلب الأثر حينما يتردد على دارنا .

في دائرة التسجيل العقاري تعرف عليها مقدما نفسه (حسين ظافر محمود تموزي) وكما سيتضح انه مد لها أسمه حتى يبلغ اسم جده الذي نفي إلى الهند مع الثوار في الأحداث التي أعقبت حصار النجف واجتياح البريطانيون لها عام 1918

- انتم أذن من؟

- بغلة عباس

- بغلة عباد؟

- بغلة عباس بالسين ألم تسمع بها؟

- لقد عاشت عائلتي هنا منذ قرون .. لم أسمع ببغلة عباس أبدا

- إنها قرية صغيرة على كتف البحر

- على كتف البحر؟) (الرواية ص22)

إذن بغلة عباس قرية صغيرة على كتف البحر لا وجود فعلي لها على مر القرون وهي قرية افتراضية أنشأها مرتضى كزار على غرار المدن المفترضة في الروايات العالمية (يوكنا باتوبا) مدينة فوكنر في روايته الصخب والعنف والتي تقع بالقرب من بوسطن الحقيقية ومدينة (موكاندو) التي أنشأها ماركيز في روايته مائة عام من العزلة .. ومرتضى أراد سببا وجيها لتأسيس هذه المدينة المفترضة .. عندما رست سفينة الكابتن عباس المحملة بالجثث المراد دفنها في النجف والقادمة من الهند والأهواز.

وسفينة الكابتن عباس التي يأتي وصفها في ص27 من الرواية كما يلي (في أخر شهر من سنة 1871 الميلادية رست سفينة الكابتن عباس على شاطئ بحر النجف ..... هذه السفينة التي لا يعدو طولها ثمانين قدما وعرضها ثلاثين قدما والتي يسمى نوعها بغلة في قواميس البحر ومسافن الخليج)

ومن ذلك التوقيت جاءت تسمية المنطقة التي رست عندها السفينة باسم بغلة عباس وهي قرية أو مدينة مفترضة كما اشرنا سابقا .

السفينة أو البغلة كانت تقل إضافة إلى جثث الهنود المراد دفنهم في النجف، نسابة الخيول الشهير السيد أصغر اكبر الذي كان يلف جسده بأنواع أدوات الخيول من ألجمه وكراكيش وسروج وحدوات يعلقها على رقبته ويربطها حول بطنه .. الأرض التي سيتجه نحوها السيد أصغر أكبر هي أرض النجف التي يعرف عنها الكثير وهو يوضح معالمها وتضاريس أرضها إلى الكابتن عباس الذي يبدو انه يقدم إليها لأول مرة .. النجف التي أصبحت المستقر والمكان الآمن للسيد أصغر أكبر الذي يؤسس للأجيال القادمة في أشجار أنسابه المستوحاة من نظرية خاصة به يؤسس على ضوئها تلك الأشجار التي يطلبها منه الآخرون .. هذه النظرية التي تدونها فيما بعد العوانس الثلاث في بيت الشرايك وهو البيت الذي أورثه السيد أصغر أكبر إلى حفيداته ليصبح محورا لأحداث الرواية في نسيجها السردي المتميز الذي يخلط الواقعي مع ألغرائبي في ذكر أشياء معقولة وعير معقولة كما في المشهد السردي في ص177 من الرواية ( السؤال الأبعد كان هذا : كيف استطاعت شمخة أن تخفي عشفها لمخرج مسرحيات ورئيس جماعة مخبولين وتحبسه بين قلبها ومطبخها؟

السؤال الذي يخطر في بال واحديه الآن كيف صعد انكيدو النخلة؟

بعد أن كبرنا عرفنا لماذا لم يكن مطبخها معقدا مثل مطبخ الجدة رومية، أما لماذا كانت يد ياس السرابي مشعرة، فهذا كنا نعرفه منذ البداية، فالكثير من الناس أياديهم مشعرة، والفرق إن نهاب أمنا كانت يده الأخرى جرداء، لأنها صليت في أحدى محاولات إزالة الشعر بعد أن فشل في العثور على ممثل مناسب يؤدي دور سمخا , فقرر وقتها أن يحتفظ بالدور لنفسه .. هل يكفي هذا يا واحدية؟)

هكذا مشاهد سردية وغيرها تمتد على طول النسيج الروائي جعل من هذه الرواية التي تأثر كاتبها كثيرا بالأعمال الغرائبية والسحرية لكتاب أمريكا اللاتينية ابتداءا من خوان رولفو وماركيز وبورخس وحتى أخر رؤيا يكتبها مرتضى كزار في ختام روايته (السيد أصغر أكبر) حيث يذكر في تلك الرسالة المفترضة التي أرسلها الجندي وهو يقاتل في مقبرة النجف ضد المقاومين العراقيين في حربهم الأخيرة مع قوات الاحتلال الأمريكي أبان غزوه للعراق عام 2003 والتي بدايتها في الصفحة 183 من الرواية والتي تبدأ بعنوان (القاعدة الأندلسية) وفيها (من ادغار باشيرو إلى تيبانتوس أراغونيس .. أكتب إليك من القاعدة الأندلسية في النجف)

وفي هذا الفصل الختامي يرتقي مرتضى كزار إلى قمة الغرائبية والسحر والدهشة حيث يلخص لنا من خلال هذه الرسالة موجز كامل للرواية على لسان مقاتل اسباني يقاتل في مقبرة النجف تلقى معلوماته من مترجم عراقي شاب أهدى له كتاب ألفه مدير بلدية النجف أو بالأحرى مسؤول حكومي كبير ليوجز لنا من خلال هذا الكتاب وهو في أوج محنة يواجهها في معركة قاسية حيث نعرف من خلال رسالته إلى صديقه في اسبانيا من هو السيد أصغر أكبر وكيف وصل إلى النجف مع بحار مخمور وكيف عمل نسابا للأشخاص بدلا عن الخيول وهو يرسم أشجار عوائل الآخرين ومنه عرفنا أيضا قصة شمخة مع مخرج مسرحيات الشوارع ومصير الشقيقات الثلاث مع الاعتذار لتشيخوف اللائي متن جميعا ودفنت أجسادهن في أحد سراديب المقبرة ليستمني جندي اسباني على شاهدتهن التي نقشت عليها أسماءهن جميعا بعد أن عملن فترة طويلة في رسم شجرة عائلة الرئيس .. هذه الأحداث وغيرها وتداخل أزمنة الرواية عبر القرون ولملمتها للأحداث الجارية عبر نصف قرن من تاريخ العراق الحديث إضافة إلى الماضي البعيد جعل الروائي مرتضى كزار يتقن فن اللعبة ويغور في أعماق غرائبية سحرية جميلة لاتخلو من الدهشة والانبهار . وهي رواية ترتقي إلى مطاف الأدب العالمي دون شك .

 

من أدب السجون العراقي .. "سلوى" سجين البريكان الشعرية

husan sarmakاختار الشاعر الكبير الراحل "محمود البريكان" مدخلا متفردا لتناول موضوعة أدب السجون شعريا، وذلك في قصيدته "أغنية حب من معقل المنسيين" التي يكشف عنوانها طبيعة هذا المقترب الذي يطلق فيه الشاعر- والقصيدة مثل أغلب قصائد البريكان نظمت بصوت أنا المتكلم- نداء عاطفيا شفيفا من الزنزانة، نداء يطلقه السجين إلى موضوع حب لم يره ولم يلتق به هي الفتاة "سلوى" التي شاهد "شبحها" يخطف سريعا أمام ناظريه من خلال حديث أخيها، شريكه في الزنزانة، عنها؛ عن نبلها وروحها المرحة:

"يا سلوى لم نلتق قبلُ ولم أرَ منك سوى شبحك وحكايا تروى عن نبلك.. عن مرحك لم نلتق قط ولكني.. أصغي لأخيك، صديقي وأخي في سجني... وقسيمي ليل الزنزانة.."

صورة سلوى الأنثوية الباهرة تنرسم على صفحة خيالات الشاعر من خلال "كلمات" شقيقها السجين رفيقه في الزنزانة. وعملية التخيّل هذه هي من دفاعات السجين المؤصلة التي تعينه على البقاء، فعدو السجين الأول هو النسيان، ضعف الذاكرة وشحوب موضوعات الحب فيها، خصوصا الأم- الأخت بديلة الأم- والزوجة- أو الحبيبة- يجعل السجين عرضة للتحول إلى الذاكرة الطفلية الآلية التي "تعرض" عليها الصور والحوادث في بيئة الزنزانة الرتيبة الخانقة والتي تتسم بالحرمان الحسي- sensory deprivation، تعرض ولا تسجل، فالإنسان حيوان ذو ذاكرة، والفأرة تصاد كل مرة بقطعة الجبن نفسها لأنها لا "تتذكر" أنها قطعة الجبن الفخ!! وعليه فإن "التذكّر" هو من فنون القاء في السجن. وفي العادة يكون محور الذكريات تلك التي تمثل الحضن الأمومي وعطاياه الطفلية من جانب، والتي تحمل الرمزيات الحبية والجنسية التي يستتر بها من جاني آخر. لقد كان رفيق الزنزانة "يؤمثل" أخته، يرتفع بها أنموذجا مثاليا مبتدءا بعاداتها اليومية البسيطة وهواياتها وسمات شخصيتها الآسرة:

"يحكي لي عنك كألطف ألطف إنسانة.. وكأجمل روح مبتسمة.. عن ضحتك وهي ترن صباح مساء.. حبك للرسم وللتفصيل وللأزياء.. ومقصك والصحف البيضاء... وثيابك ذات الألوان المنسجمة.. "

ويبدو أن حديث الشقيق عن شقيقته كان تفصيليا، ومكررا، وذلك بفعل ضغوط السجن التي تجعل سلوك المعتقل وفعل ذاكرته نمطيا ومقولبا- stereotypy، والغوص في التفاصيل الدقيقة وتكرارها شائع في حياة السجناء الذين يبرعون في المنمنمات والحلي والنقش وغيرها. وفي بيئة مغلقة تكون الاستعادة دقيقة وكأن من يتذكر يخشى أن تهرب من أصابع ذاكرته تفصيلات صورة موضوع الحب فتنثلم تلك الصورة. صار الشاعر يعرف حتى محتويات درج سلوى وما تفضله من أغان وكتب وقصائد.. وحتى المفردات التي تستخدمها حين تكون غاضبة:

"أعرف حتى ما في درجك من أشياء... أعرف حتى ما كنت قرأت من الكتبِ.. حتى كلماتك عند اللوم وعند الغضبِ.. حتى بعض أغان أعجبت بها جدا... وقصائد مفعمة وردا.. ".

لقد تحولت "مفردات" الأخ السجين وهو يصف "ذكرى" شخص أخته سلوى إلى "صورة" ذكرى في ذهن السجين الشاعر بدوره.. أي أنه لم يستطع "رسم" المظاهر الشخصية العضوية الملموسة.. وهي صعبة جدا على السجين حين تشحب الصور في ذاكرته وتضمر.. لذلك نجد إحتفاء الشاعر يتركز على الصفات المعنوية لهذه المرأة.. وهي مفاهيم يمكن أن تحتويها اللغة.. ويستطيع حتى الأعمى "وصفها".. فهي حلم في ليل الصمت الكئيب.. وسرّ يعتلج في الصدر المختنق.. وخيال نوري .. وحبا لا يُعقل.. وشعرا لا يُتسى!! وكلها مفاهيم، وليست محسوسات مؤسسة يجب تصويرها:

"يا سلوى.. يا حلما في الصمت المكتئب.. يا سرا في صدري، وخيالا نوريا.. يتوهج في أقصى التعب.. يا حبا لا يُعقل.. يا شعرا لا يُنسى..".

وحتى حين يصف أنثاه/ أنموذجه بأنها "زنبقة" فهو يستدعي خصائص تلك الزهرة وصفاتها ولا يستعيد "الحضور" الحي لها. إن عطرها يضوع في فضاء "خياله" في الواقع.. خياله الذي يحاول عبثا توسيع فضاء الزنزانة. ورغم أن الشاعر، وعبر لعبه المقتدر بالكلمات، يحاول أن يوهمنا بأنه بات "يرى" سلوى إلا أنه محض حفزة شعرية، تصوير شعري، يعود بعده سريعا ليصطدم بحاجز الخيبة، وجدران الإحباط، فيقر أنها مجرد شبح يصعب تصويره:

"يا زنبقة تتفتح في الليل الأقسى.. وتضوع وتنمو في صمتي.. يا مرقصة في الحزن رؤاي كاسطورة.. يا شبحا تنقصه الصورة.. ".

لقد قام السجين الشاعر، المستمع لسرد الأخ المعتقل عن صفات أخته الرائعة، بخطوة أجرأ وأبعد ولكنها متوقعة- قد تكون أفلتت من انتباهة القارىء الذي طفت بحاسته النقدية موجة التعاطف- وهي أنه جعل سلوى "حبا" له بقرار من جانبه وحده، وعلى مسؤولية حاسة السمع فقط التي وفرّت له مادة لإشادة "صورة" موضوع حبه المنتظر:

"أقسم لو لاقيتك يوما في أي مكان... لعرفتك، لو صافحتك بعد مضي زمان.. لبكت أعماقي من فرحِ.. أتصورها خصلاتك تطفر في مرحِ.. أتصور وجهك، صوتك، لون العينين... وكمون البسمة في الشفتين... ".

مستميت هو الشاعر في مقاومة "عمى" الذاكرة وهو في ظلمة الزنزانة.. يحاول تلمس الملامح بأصابع موهبته الشعرية. لقد أوهمنا من جديد بأنه يعرف ملامحها التفصيلية، وجهها وصوتها ولون عينيها.. لكنها، من جديد أيضا، فورة شاعر معتقل يرتد ليسلّم بعجزه عن "رسم" اللوحة العملية لشبح أنثاه المحبوبة "أتصور.. لا يمكنني تصوير الشبحِ"، وفي الغالب يكون الحضور الأنثوي ذو طبيعة أمومية حتى لو كان متمظهرا في هيئة أنثى معشوقة مثل شبح سلوى. فالأم – في لاشعور الإبن- هي الإله المنقذ وليس الآلهة الذكور بدءا من دوموزي. ولهذا فلا مناص من أن يكون الإطار النهائي الذي يحدده السجين لسلوى هو الدور الأمومي المنقذ الباذخ. فهو في رحم إلتهامي الآن، ولا هناءة مخلّصة إلا في فردوس الرحم العظيم المفقود:

"أتصور.. لا يمكنني تجسيد الشبح.. أتصور إخوتك الأطفال، وأي حنان.. تضفين على البيت العاري... وأفكر.. ما أروعها في غدها أمّا!!".

وحين ندقق في الإيحاءات الدلالية للمقطع السابق فسنجدها تعشّق بذكاء استشراف إقتدار سلوى في دورها المستقبلي كأم مع تمنيات السجين العاشق أن ينعم بهذا الدور في بيته "العاري".. هذا "العري" الذي يجد تجسيده العملي في "صمت" الزنزانة المميت والحزن الثقيل الذي خيم على روح الشاعر اللائبة بعد أن نام الجميع، وخصوصا شقيق سلوى الذي كان يغذي خيالاته بأحاديثه التفصيلية المتحمسة عنها. هذا العري يعكس أيضا عري الإرادة، وعري الذاكرة في الوقت نفسه، عري مركب يحاصر السجين الشاعر و"ينزله" من غيمة التحليق الشعري الرخية التي حاولت عبثا حمله على أجنحتها الحلمية إلى أرضية الزنزانة الصلبة القاسية. هنا ستكون تصوراته وحساباته المستقبلية "عملية" مسننة وصادمة، لا شعرية ناهمة ومخدرة. راحت سكرة القصيدة وجاءت فكرة محنة غيابة الجب المظلم. فلا شيء يستطيع السجين أن يتحكم به حتى لو كان شاعرا.. وكل مقدراته مفتوحة على الحيرة والتساؤلات الفاجعة.. بإمكانه أن "يُحب عن بعد" ويحلق مع موضوع حبه المتخيّل لكنه لن يستطيع أبداً أن "يتحكم عن بعد" بمصائر ما يحب ولا بسلوكها وتغيراتها المستقبلية مادام هو نفسه غير قادر على ان يرسم خطوط مصيره الشخصي:

"في أقبية المنسيين.. لا صوت هناك، وما في الليل سوى الحزن.. نام السجناء ونام أخوك، ولكني.. أرق أتأمل أغلالي.. وأصارع أبسط آمالي.. وأفكر فيك، وبما أصنع بعد سنين.. إذ أخلع اثواب السجنِ.. أأحبك جدّاً أم لهوا؟.. ثم أتبقين كما أهوى.. وكما أتصور يا سلوى؟!".

يبدو أن كل سجين بحاجة إلى "سلوى" معينة يشغل بها آمال روحه المطحونة.. و"سلوى" البريكان السجين لا تخرج عن هذا الإطار.. 

 

شفاه الخمرة .. قراءة في قصيدة (مائدة الخمر) لبشرى البستاني

bushra albustaniمدخل: يضع (جاك أندريه) في بحثه الموسوم بـ (من القراءة إلى تحليل النصوص) خمسة مبادئ، يرى أننا نستطيع دراسة النصوص الأدبية من خلالها وهي كالآتي:

1.التراكيب التصويرية أو الوصفية (الأسماء - الصفات).

2.التراكيب السردية (الأفعال).

3.التراكيب التعليمية didactique (الروابط - حروف الجر - الظروف).

4.التراكيب الوجدانية  أو العاطفية pathétique (الصور - العناصر الرمزية الموسيقية والعناصر الصوتية).

5.التراكيب الدرامية (عناصر الصراع الناشئ من التقاء الشخصية مع نفسها، أو مع خصمها، أو مع الأحداث).

فضلاً عن هذه التراكيب يشير إلى التراكيب المختلفة التي تنتظم داخل البنية اللغوية والنحوية.([1])

 

وتعتمد معظم الدراسات التي تتبنى هذا النمط من التحليل على إحصاء الأفعال والأسماء والحروف واستنباط وظائفها الدلالية داخل النص. غير أن هذه الطريقة لا تخلو من المآخذ والأخطاء، إذ يتركز التحليل على البنية اللغوية والنحوية ناسياً الجوانب الأدبية والدلالية، كما أنه يجعل من علم النحو والمعجم اللغوي مرجعاً محايداً للنص، فيتقيد النص بمرجع موضوعي خارجي ثابت، وبدلاً من أن يصبح الواقع مرجعاً موضوعياً للنص تصبح القاعدة النحوية والمعاني المعجمية نمطاً مرجعياً يحدد دلالة التركيب والبناء. وبهذا يخرج التحليل بنتائج عامة توضّح خصائص الأفعال والأسماء والحروف ولكنها لا توضح خصائص النص الذي تدور حوله الدائرة؛ يقول ميشيل ريفاتير: "لا يعطينا التحليل النحوي لأي قصيدة أكثر من نحو تلك القصيدة"([2]). وعلى الرغم من ذلك فإن المسار النحوي لأي نص يقدِّم لنا جوانب دلالية متعددة، إذ يفتح آفاق العلاقات بين الجمل والألفاظ، ولكن النتيجة تبقى متوقفة على قدرة محلل النص في توثيق علاقات جديدة بين الألفاظ والتراكيب، فالمؤلف لا يقف ضد تأويلاتنا لنصه، بل على العكس من ذلك فكلما كان النص قابلاً للتأويل زادت فرصه في خلق جماليات جديدة. ومن أجل الاستفادة من معطيات النحو على المستوى الدلالي سنعتمد على مفهوم (المرجعية: référence) كما يحددها ريفاتير بوصفها مفهوماً محايثاً، يقوم على النظر في بنية النص الداخلية من حيث اللغة وعلاقاتها الدلالية والتركيبية، إذ يوسّع هذا المفهومُ للمرجعية أفقَ التأويل وإعادة الربط الدلالي بين الألفاظ داخل النص. فالمرجعية عند ريفاتير مستخلصة من نحوية جاكوبسون حول نحو الشعر، وكذلك من مفهوم المحاكاة بحسب تحديث جيرار جينيت له، فالنص لا يحاكي شيئاً خارجياً يستجلبه من الواقع، بل إنه يخلق مرجعياته بنفسه، فهو يحاكي داخليَّته ومرجعيته التي يؤسِّسها من تراكيب الألفاظ، يقول:"إن المرجعية الفعلية ليست ملائمة للدلالة الشعرية أبداً...لكن الوهم المرجعي، بما هو وهم، هو نمط إدراك هذه الدلالة؛ فنحو المقولبات اللفظية الخاص بالأشياء يخلُق الأساس الذي عليه تُكشَف اللانحوية التي تشير إلى الانتقال من المحاكاة إلى التدلال. إن اشتغالات الحتم المضاعَف توحي بوضوح بأن النص الشعري مكتفٍ بذاته؛ فإذا كان هناك إرجاع خارجي، فإنه لا يكون إلى الواقع، بل هو أبعد من هذا. ليس هناك إرجاع خارجي إلا إلى نصوص أخرى"([3]). وعلى هذا الفهم تكون بنية النص هي بنية متكاملة لا تحتاج إلى مرجعيات ثانوية خارجية لتوضيحها وشرحها وذلك لأن ليس هناك مرجع واقعي بل ما هو موجود هو وهم مرجعي يؤسّسه القارئ، ولكن ما هذه النصوص الأخرى التي يكون عليها الإرجاع؟، وما العلاقة المرجعية التي تتأسس بين النص المحلَّل والنص المرجع؟.

إننا نلاحظ، في كل قراءة لنص جديد، تَغيُّر المرجعية ومفهومها ووظيفتها، فأحياناً تكون المرجعية أداة إجرائية لفهم النص، وأحياناً يكون النص نفسه شارحاً ومفسِّراً للمرجعية وهو يُقرأ من خلال وضعه بوصفه مرجعاً سانداً للمرجع الأول. حيث تتشكل دلالات النص عبر التداخلات التي يبنيها القارئ بوصفه مؤسِّساً للنص المقروء، لذلك لا بد أن يعتمد القارئ على رؤية لغوية تتآلف بين النص والمرجع لكي يحوِّل البناء اللغوي إلى بناء دلالي يحقق فيه مسارين متكافئين؛ الأول: يُعنى بجماليات النص التركيبية، والثاني: يُعنى بتحويل هذه الجماليات إلى دلالات مفسِّرة لرؤية القارئ وعصره. هكذا تبدو لنا عملية تحليل النص مجموعة مترابطة من العمليات التي تحرّك دلائل النص عن طريق تحليل المستوى اللغوي والدلالي والموضوعي.

ومهما تحدثنا عن غياب الواقع الاجتماعي والنفسي والفكري في تشكيل بنية النص بوصفه مرجعاً للمؤلف والنص والقارئ، فإن تمظهراته اللغوية تبقى جاهزة للتأويل ولتفسير الظواهر الواقعية التي نشأ النص في بيئتها، وسنرى عند قراءتنا للقصيدة قيد الدراسة أن هناك مرجعيات داخلية تبدو لأول وهلة ذاتية خالصة إلا أنها عند ربطها مع بعضها تظهر فيها الجوانب النفسية والاجتماعية الواقعية بشكل واضح.

إلى جانب ما ذكرنا نشير إلى أن ثقافة المؤلف لها دور كبير في بناء النص، ونحن هنا نتعامل مع شاعرة لها خبرة طويلة وعميقة وتجربة استثنائية في كتابة الشعر وقراءته ودراسته، فلا يمكن أن تكون الألفاظ جزءاً من وحي الخواطر، أو الأفكار بعض الأخيلة والإشراقات، وإنما هي بالتأكيد صناعة ومعرفة وخبرة؛ فقد لا نحس بمتعة القراءة إلا بعد عناء وجهد وقراءات متعددة، فالإشارات الخارجية للنص لا تعطي سوى القليل من وهج التخييل الذي يتضمنه النص، فمرجعية النص تتعدد وتتنوع بسبب تعدد وتنوع ثقافات المؤلف.

أما القصيدة التي ندرسها فهي بعنوان (مائدة الخمر تدور)، وهي إحدى قصائد ديوان (أندلسيات لجروح العراق) للشاعرة الدكتورة بشرى البستاني الصادر عام 2010، وهو ديوان يقوم على حبكة واحدة متداخلة جداً وكأنه قصيدة واحدة تأتي بعتبات متعددة، إذ تتناول الشاعرة فيه واقع العراق الراهن بعد الاحتلال الأمريكي، وتصوّر الأبعاد الدرامية والمأساوية للإنسان العراقي وللمرأة العراقية التي غرّبتها صواريخ الاحتلال عن أُلفتها وخصب مواسمها. وقد اخترنا هذه القصيدة لأنها، كما نعتقد، واحدة من القصائد المركزية في الديوان.

 

القراءة:

يقوم نص الشاعرة (مائدة الخمر تدور) على مجموعة من العتبات التي تقف على شكل فقرات تُقسّم النص إلى مجموعات دلالية متكافئة، إذ توظف الشاعرة معجماً لفظياً يتكرر عبر متجاورات وثنائيات متنوعة. وتشير القراءة الأولى إلى تكرار اللازمة (مائدة .... تدور)([4]) مرات عديدة داخل النص الشعري، وهي تشكّل عتبات نصية متكررة تتقبّل إضافة (مضاف إليه) إلى (مائدة) لكي يمنحها دلالة متخصصة، ويبقى التركيب الإسنادي قائماً بين الفعل (تدور) والاسم (مائدة)، سواء على الفاعلية أو الابتداء. ولا يُغيّر المضاف إليه (المتعدد) نوع العلاقة الإسنادية بين المتساندين (مائدة ... تدور)، على أنه يغيّر المستوى الدلالي دون المستوى التركيبي. ويتكون المضاف إليه من الكلمات: (الخمر، الوجد، الحرب، الحب، المسك، الصبر، الموت)، وهي كلمات ذات بنى ثلاثية تعطي معاني وجدانية معنوية أكثر من معانيها المادية الحسية وسنطلق عليها اسم (الروابط). وهذه البنية الثلاثية توحي بوجود ثلاثة عناصر متصارعة داخل النص الشعري تتكون من الضمائر (الفواعل) الآتية: (هي/ هو/ هما). وكل واحدة من هذه الثلاثة تقدّم حالة منفردة بذاتها وتعطي رؤية منفصلة عن الحالات الأخرى.

وأما المفردات (الروابط) فقد تكرَّر بعضها في عتبات النص حسب الرؤية الشعرية التي أرادت الشاعرة تقديمها والتي سنأتي على توضيحها فيما بعد. كما أنها اعتمدت على ألفاظ محددة مع تغيير سياقاتها داخل النص، وربما يظن القارئ للوهلة الأولى أن هذه العتبات هي مفاتيح القراءة، غير أننا وجدناها مفاتيح مراوغة لا تصرّح إلا بالمعنى الذي تتخفى وراءه معانٍ عميقة متعددة؛ ففي الظاهر يتأرجح النص بين الأجواء الصوفية والوطنية والإنسانية، فأحيانا نشعر بموسيقى صوفية تقترب من التراتيل الوجدانية وتسابيح الذات في خلوتها ووحدتها، وأحياناً ينزلق الشعور الوطني ليظهر من خلال الرفض والطاعة، أو اليـأس والرجاء، وبين هذا الإحساس وذاك يتناوب الموقف الإنساني الذي يظهر في توسّلات الـ (هي) أو في ضياع الـ (هو) داخل نسيج النص. إذ وظّفت الشاعرة مجموعة من الألفاظ التي تشير إلى دلالات متنوعة يستغلها النص للتخفي؛ مثال ذلك قولها:

خذيني،

ورشّي دموع النساء

قلائدَ فوق البوادي..

وقبعةً للدماءْ

خذيني، الصواريخُ مفتونةٌ بالليالي

ترشُّ رذاذَ الخرابِ على الشُّرَفِ الواجفةْ

مقلةٌ خائفةْ

تراودُ أسرارَها

وتلمُّ أصابعَ عشاقها من مخابئِ

تفاحةٍ عبرتْ نحو كهف السماءْ..

قمراً للبراري

وأروقةً للدماءْ([5])

 

ففي هذا المقطع يتآلف الصوفي والوطني والإنساني داخل تعبير مشترك يتوحد بشخصية الشاعرة الأنثى التي تعيش جدل الإرادة بين الذات والواقع الخارجي، فاستعمال الفعل (رشّي، ترشُّ) بين الأمر والمضارع يأتي بصيغتين متناقضتين لدلالات متكافئة؛ فالأول يدل على حالة الثُّكل الذي تعيشه المرأة في وطن كثير الحروب، والثاني يدل على الخراب والفجيعة، فصيغة الأمر (رشّي) موجّه إلى ضمير الفاعل (أنتِ) من أجل إنجاز شراكة مع باقي النساء في الدموع؛ ثم تأتي صيغة المضارع (ترشُّ) مع ضمير الغائب (هي = الصواريخ) لتوحيد مفعولين به متناقضين هما (دموع النساء) و(رذاذ الخراب)، إذ يبدأ المقطع من فعل مشترك لينتهي إلى فاعلية ومفعولية متناقضة. وهذه البنية تأتي من أجل تحديد نوع المشاركة بين المتناقضات التي يقوم عليها الواقع في النص وخارجه.

وإذا ما راجعنا حركة المتساندين (مائدة .... تدور) سنجد فضاءً دلالياً يعمل على إعادة توحيد المعاني والمواقف داخل النص أو بالأحرى إعادة التآلف بين الضدين المتناقضين: (هي/هو). فالمقطع السابق ورد تحت عتبة (مائدة الحرب تدور) لذلك يتأرجح المعنى بين فاعلين متناقضين الأول يعطي دلالة الحرب (الصواريخ) والثاني يعطي دلالة السلام (ياء المخاطبة).

وقبل الدخول في تفاصيل القصيدة نشير إلى اتجاهين سنعتمدهما في قراءة النص هما:

1.الاعتماد على مطلع القصيدة وجعله محوراً مركزياً في عملية التحليل وذلك لأن المطلع يمثل لحظة الارتباك العاطفي للمؤلف، خاصةً الشاعر، قبل الكشف والتحول، فهو صورة الإحساس الأولي للنص.

2.الاعتماد على المجازات الداخلية، أي المجازات التي لا تحيل إلى معانٍ خارج النص وإنما تؤسس علاقات مرجعية داخل النص.

إن العتبة الأولى للنص تتكون من (مائدة ... تدور) وهي تشير إلى (ذات) الشاعرة في تحولاتها أمام الواقع، فالمائدة هي نفسها ذات الشاعرة، وهي الشخصية الفاعلة في النص، لأنها الفضاء الذي يُحرّك جميع العناصر ويبقى هو محافظاً على توازنه ودورانه في نقطة ثابتة هي نقطة تحولات مستمرة. فالمائدة فضاء تتغير فوقها أشكال الواقع، وتكوّن فضاءَ الأحداث؛ وتبقى هي المائدة الثابتة على نظام من القيم والعواطف والأحلام، غير أن تحولاتها تتجسد عبر الألفاظ المتغيرة (الخمر، الوجد، الحرب، الحب، المسك، الصبر، الموت)، التي ستشكل حقلاً دلالياً واحداً لكونها جميعاً تعبّر عن حالات الذات في مواجهة الواقع المضطرب، وقد صوّرت الشاعرة الواقع (الراهن) على صورة رجل، يغيب ويحضر، يتودد ويهجر، وبذلك يتحقق البعد العاطفي في النص على مستويات عدة يبتدئ من الشخصي لينتهي إلى الاجتماعي والوطني.

إن النص الذي نقرأه يمتاز بالتداخل العميق، فهو يقدم لنا الأشكال من خلال المضامين، وعلينا أن نفهم الباطن من أجل فهم الظاهر،  فهو نص يقلب الرؤية حتى تصبح مرجعيته فيما هو غائب أكثر منها فيما هو حاضر أمامنا، وهو بهذا يعطي بعده الصوفي. غير أن النص يتجاوز محور المعيار اللغوي ويركّب استعاراته ومجازاته على محور نصي مغلق من المجازات؛ فليس هناك إشارات داخل الجمل المجازية إلى الثنائية التركيبية للجملة، أي لا يمكننا تحديد طرفي التشبيه أو الاستعارة أو المجاز بربطها بمفاهيم أو تصورات خارجية، فحينما نقرأ مثلاً مطلع القصيدة وهو تحت عتبة (مائدة الخمر تدور) تقول:

يمحو اللؤلؤ ما سطَّرهُ الياقوتُ على الأغصانْ.

لا أستثني وجعَ السمكِ القابعِ

في كهف البرقِ الأخضرِ.

مات السمكُ الأخضرُ مقتولاً في ثقبِ الإبرةِ،

قال الليلكُ:

ثقبُ الإبرةِ أوسعُ من بحرٍ

تبتلعُ الحُمّى مرساهُ

وتأخذهُ نحوَ ذراع الزبَدِ الطاعنِ بالصدْ

ينفرطُ العقدُ،

وأهوي نحو القاعْ . .([6])

 

نلاحظ هنا أن الإسنادات التي تركّبت منها الجمل المجازية لا تخضع لمعيار معجمي أو دلالي أو عرفي خارج النص، لذلك يدخل القارئ إلى عالم النص وهو غير قادر على استحضار دلالات سابقة، أي يحضر بدون حضور مرجعه المسبق، وعليه أن يتعامل مع واقع النص ويؤسس ذاكرة جديدة لكي يستطيع أن يتواصل مع النص. وتتكون آليات التأسيس الجديد هذا، من الألفاظ التي تتكرر وتشكل المعجم الشعري، إذ يتم البحث عن مجموع السياقات التي استُخدِمَتْ فيها، فألفاظ: (اللؤلؤ، الياقوت، الأغصان، السمك الأخضر) التي وردت في المطلع ستتكرر في المقاطع الأخرى وتأتي بسياقات مقاربة لسياق المطلع، من ذلك: (تدنو الأغصان)، (أشدُّ بأغصان الرمان عنقي ثم أموت)، (يتثاءب خمر النافورات على الأغصان)، (مشكلتي أن الرمان يظل عصياً في الأغصان)، (تقتنص الطلقات الرمان)، (كفّي تمسح بالنور الأغصان)،.. فهنا تبدو الأغصان ذات دلالة إيجابية وقد اشترك في معناها (الرمان) وهو يتضمن معنى جسد المرأة، وكذلك يشكل (الرمان) سياقاً آخر في النص، لكنه سياق ملحق يعزز المعاني المركزية التي بنيت عليها القصيدة. وهو بهذا يؤسس تشجيراً نصياً يتناص بعضه مع بعض، ويصبح اللفظ مرجعاً للّفظ الآخر. فالأغصان والرمان تشكل مع الألفاظ الأخرى التي وردت معها مجموعة دلالية واحدة تشير إلى الرغبة والشهوة والتحرر، وهي جميعها تنبثق من جسد المرأة التي ستواجه الطلقات والصواريخ والحرب والموت...إلخ التي يسقط تحتها الفاعل الغائب. فالجسد يحضر في القصيدة من خلال أشكال متعددة، ففيه يُنتَهك الإنسان وفيه يُكرَّم ويُعزَّز ويَتحرَّر، والقصيدة تحكي عن سيرة جسد يتمظهر في أشكال مختلفة هي: الرجل والأنثى والوطن، تقول:

الحوت سيهوي نحو سهولٍ ظمأى

ويظل يدور

في قرن غزال مكسورْ

مشكلتي..

أن الرمان يظل عصياً في الأغصان

وأن اللون الأحمر لا يعطي شارته في الليل

وأن الحلم الأخضر يقطينٌ

والظلمة حوت

رجل وامرأةٌ في التابوت

والبحر يجرِّحهُ السمك الوحشيُّ

البحر يلمُّ حقائبه،

ويموتْ([7])

 

فهنا تبدو الإشارات التاريخية العقائدية واضحة في قصة يونس عليه السلام حينما ابتلعه الحوت ثم اتّخذ من شجرة اليقطين دواءً له بعد خروجه من بطن الحوت، ولكن النص يتلاعب بالحدث ليوظفه في تركيب سيرة ذاتية للأنا والهو، فرجل وامرأة في تابوت وهما على قيد الحياة ولكن البحر (الوطن) يموت. وهذه الصورة الجنائزية القائمة على التناقضات تحكي خلاصة الموقف الذي تحيا به الشاعرة على مستويات عديدة منها الشخصي ومنها الاجتماعي، فأما المستوى الشخصي فيتمثل في تصوير مكبوت الثقافة المتعالية داخل مجتمع أغلقته العادات والتقاليد والسياسات المضطربة؛ وأما المستوى الاجتماعي فيتجسد بالنظرة الإصلاحية العاطفية التي تعيشها الشاعرة في سبيل التآلف مع المجتمع. وكل ذلك يكون عن طريق تكوين رؤية للجسد، فمحنة يونس عليه السلام كانت في جسده وعند الشاعرة كانت في جسدها كذلك، ولكن الجسد هنا يظهر على شكل تحولات فهو جسد الأنا والآخر والوطن والفِكر والثقافة والتاريخ، كله جسد تنتهكه محنة الواقع. 

هكذا يبدو لنا أن معنى النص لا يكتمل برصد سياق واحد بل يتطلب قراءة جميع السياقات بنفس المستوى، وهو يتفق مع تعريف (هارالد وينريتش) للنص بأنه: "كلٌّ يشتمل على عدد من العناصر التي ترتبط فيما بينها بعلاقة تبعية متبادلة. وتأتي هذه العناصر أو مجموعات العناصر متتابعة في نظام منسجم وحصيف تسهم كل قطعة نصية فيه في توضيح القطعة التي تليها، وتسهم هذه الأخيرة بدورها في توضيح سابقتها"([8]). وهو نفسه ما ذهب إليه كل من (مايكل هالداي ورقية حسن) حينما وضعا أسساً لدراسة العلاقات القبلية والعلاقات البَعدية داخل النص ووجدا أن كل متتالية من الجمل تشكّل نصاً على أن تكون بين هذه الجمل علاقات، إذ تتم هذه العلاقات بين عنصر وآخر وارد في جملة سابقة أو جملة لاحقة، أو بين عنصر وبين متتالية برمتها سابقة أو لاحقة([9])؛ وقد كان لهما الفضل في صوغ ما سمّياه بـ (التماسك(أو (وسائل التماسك: cohesive devices)، إذ نظرا إلى التماسك على أنه سمة دلالية وعرّفاه بأنه: "علاقات المعنى الموجودة في النص، تلك التي تعرِّفه بأنه نص"، أي إن النصية تستمد من علاقة التماسك، ويحدث التماسك – طبقاً لهما – عندما يتوقف تفسير عنصر ما في الخطاب على آخر، أي إن تماسك النص هو أن تتعلق أجزاؤه بعضها ببعض لتكوين كتلة واحدة لا يستقل بعضها عن الآخر، وباختصار فالتماسك هو حُسن ارتباط النص. ويتحقق التماسك في اللغة بخمس وسائل هي:

 

1.الإحالة [= المرجعية]: reference.

2.الإبدال: substitution.

3.الحذف: ellipsis.

4.الربط: conjunction.

5.التماسك المعجمي: lexical cohesion.([10])

وهذا ما نجده واضحاً في نص الشاعرة، إذ تتداخل الألفاظ والتراكيب معاً وتفسّر بعضها بعضاً، فمن خلال متابعة المفردات وجدنا أنها تنتهي إلى دائرة نصية مغلقة، وكأنها تعبّر عن فكرة مركزية واحدة تدور حولها الأحداث؛ فمثال ذلك نتابع لفظتي: (السمك/الأخضر)، وهما يتردَّدان في النص إما مركّبان من صفة وموصوف أو يأتيان متفرِّقين حيث يدخل السمك في سياق والأخضر في سياق آخر، من ذلك: (السمك الأخضر يعدو في الفلوات)، (وأن الحلم الأخضر يقطين)، (والبحر يجرّحه السمك الوحشي)، (بحرٌ تشربه الأسماك)، (وحُمّى المطر الأخضر، مأدبة هذي الأرض)، (أخجل من نظرته الخضراء وأذوي)، فالسمك والحلم والمطر وكذلك (كهف البرق الأخضر)، الذي ورد في المطلع كلها تشكل حقلاً دلالياً واحداً على الرغم من اختلافها المعجمي، وهذا الحقل الدلالي هو صورة اللاوعي الذي يمثل الجانب الإيجابي للسيرة الذاتية والذي سيصطدم مع الوعي وهو الجانب السلبي لتجربة الآخر (الرجل)، لذلك تتشكل الفوضى من تضاد دلالات الوعي واللاوعي في مغزى واحد يعبّر عن الإنساني المشترك والذاتي الشخصي في دفعة واحدة. 

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فعلينا أن نعرف لماذا اعتمدت الشاعرة على هذا التغييب والتغريب للألفاظ وجعلت النص مغلقاً على مجازاته وصوره؟، وما علاقة كل ذلك ببناء الموضوع العاطفي؟. إننا أحسسنا عند قراءتنا للنص أنه نص يقوم على الصراع بين أحلام الأنثى وواقعية الرجل، وهو صراع يمثّل الهدم الذكوري والبناء الأنثوي، الأنثى تمارس حلمها وهي حاضرة، والرجل يمارس هدمه في الغياب. يقول بارت:" الغياب هو كل حدث كلامي يلقي الضوء على غياب المحبوب - مهما يكن الباعث والأمد - ويطمح إلى تحويل هذا الغياب إلى تجربة في الهجران"([11]). فالغياب الذي تتعامل معه الشاعرة ليس غياباً عن المكان والزمان، بل إنه غياب الذات عن حلمها وانفعالها، فربما نحس ونحن نقرأ القصيدة باختناق الأحلام واحتضار الرؤية تحت وطأة الواقع الذي يلح على دخوله بوصفه مرجعاً مناقضاً لما يريده النص. من ذلك ما نجده مثلاً في قلب صورة الليل والنهار، فليل الشاعرة هو مخْبَأ الأمل والأحلام والنور، أما الفجر فهو فجر الموت والحرب والخوف والخراب، فغالباً ما يأتي حديث الحرب مع الفجر، تقول تحت عتبة (مائدة الحرب تدور):

 

يبعثرني النوم على أشلاء الفجرِ

أُكسِّرُ عصفَ الصاروخِ القادم من طائرة الكابوجي،

أشربُ ذعرَ الأطفال وأمنحهم عطري

يسترخي الطفلُ المذعورُ

بفوحِ العطر الفادح بين ذراعيّ

ويطبق عينيهِ

فيوقظه الدمعُ المتفصّدُ من قلبي

فوق الدغل الخائفِ

أخجلُ من نظرته الخضراء...

وأذوي.....([12])

 

فعلى الرغم من حديث الحرب إلا أنه حديث مليء بالطفولة والعطر والأمل، فهو صراع بين الحياة والطفولة التي تولد مع الفجر، والذعر والموت الذي يولد كذلك في لحظة واحدة. فما يؤديه النص هو عملية استبدال الإيجابي بالسلبي. أما الليل فهو يأتي تحت عتبة (مائدة الحب تدور) تقول:

 

أنقاض الليل تفوح بنبض البرق

بتوقِ النرجس يجفل في دغل الروحِ

مخاض الليل يبوحُ

عباءةُ غيمته ترقب نوراً

يطلع من كفينا

من وجنة نبع النار الطافح بالتفاحِ([13])

 

فالليل هو فضاء الأمل على الرغم مما كان في الفجر من خيبة وانكسار. إلى جانب ذلك نلاحظ في هذين المقطعين وقوع مقابلة بين المعاني، تتأسس كذلك على ألفاظ مشتركة تعمل عمل النواة بين المعنى والمعنى المضاد، فألفاظ: (فوح/ تفوح، الدغل الخائف/ دغل الروح) وردت في المقطعين لتدل على تناقضات الغياب بين الليل والفجر.

هكذا تمتلئ القصيدة بالتداخلات والانتقالات بين المعاني والرموز والإيحاءات، فهي ذات بنية دائرية تكرارية، تتحقق فيها عتبة العنوان (تدور) على مستويات عديدة ابتداءً من المستوى الإيقاعي وانتهاءً بالمستوى الدلالي، ولسنا نريد أن نحدد المعاني والدلالات لنختتم التحليل بنتائج ثابتة بل نريد أن نبيّن قدرة التراكيب التي تأسست عليها القصيدة على خلق مرجعيات محتملة ومتنوعة بحسب المسارات التي تمنحها القصيدة لكل قراءة.

 

 بقلم: د. محمد جاسم جبارة

كلية التربية / جامعة الموصل

 ..........................

هوامش

([1])Le ciel est par-dessus le toit, élément pour une analyse textuelle, Sully FAIK, cahiers de littérature et de linguistique appliquée; Numéros: 3-4; Juin- decembre, 1971: 51.

([2]) مفاهيم نقدية، رينيه ويليك، ترجمة: د. محمد عصفور، عالم المعرفة – الكويت، 1987: 443.

([3])الأدب والواقع، رولان بارط وآخرون، ترجمة: عبد الجليل الأزدي، ومحمد معتصم، مراكش: ج.ج تنسيفت، ط1، 1992، مقال (الوهم المرجعي) لميكائيل ريفاتير: 67.

([4]) تأتي هذه اللازمة أيضاً في بعض قصائد الديوان الأخرى كما في قصيدة (أندلسيات لجروح العراق) إذ تضيف عليها كلمات مغايرة هي: (دبابات الغزو تدور), (دبابات السلب تدور)، و(دبابات الحقد تدور)، و(عربات الحقد تدور)، و(دبابات الموت تدور). ينظر: أندلسيات لجروح العراق، بشرى البستاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت، دار الفارس للنشر والتوزيع – الأردن، ط1، 2010.

([5]) أندلسيات لجروح العراق: 59 - 60.

([6]) أندلسيات لجروح العراق: 56.

([7]) أندلسيات لجروح العراق: 63 – 64.

([8]) مدخل إلى علم النص ومجالات تطبيقه، د. محمد الأخضر الصبيحي، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون - الجزائر، ط1، 2008: 70.

([9]) ينظر: لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي، المركز الثقافي العربي – بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1991: 13.

([10]) ينظر: الإحالة والتماسك، محمد محمد يونس علي عن الموقع الإلكتروني:

http://www.ta5atub.com/t92-topic

([11]) شذرات من خطاب في العشق، رولان بارت، ترجمة: د. إلهام سليم حطيط، وحبيب حطيط، إبداعات عالمية – الكويت، ط1، 2001: 25.

([12])أندلسيات لجروح العراق: 67 – 68.

([13])أندلسيات لجروح العراق: 68.

 

المصادر والمراجع

أ. الكتب العربية والمترجمة:

1.الأدب والواقع، رولان بارط وآخرون، ترجمة: عبد الجليل الأزدي، ومحمد معتصم، مراكش: ج.ج تنسيفت، ط 1، 1992.

2.أندلسيات لجروح العراق، بشرى البستاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت، دار الفارس للنشر والتوزيع – الأردن، ط1، 2010.

3.شذرات من خطاب في العشق، رولان بارت، ترجمة: د. إلهام سليم حطيط، وحبيب حطيط، إبداعات عالمية – الكويت، ط1، 2001.

4.لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي، المركز الثقافي العربي – بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1991.

5.مدخل إلى علم النص ومجالات تطبيقه، د. محمد الأخضر الصبيحي، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر، ط1، 2008.

6.مفاهيم نقدية، رينيه ويليك، ترجمة: د. محمد عصفور، عالم المعرفة – الكويت، 1987.

 

ب. المصادر الأجنبية والإنترنت:

1.الإحالة والتماسك، محمد محمد يونس علي عن الموقع الإلكتروني:

http://www.ta5atub.com/t92-topic

2.Le ciel est par-dessus le toit, élément pour une analyse textuelle, Sully FAIK, cahiers de littérature et de linguistique appliquée; Numéros: 3-4; Juin- decembre, 1971

 

التضاد في (أطفئيني بنارك) ليحيى السماوي

abdulsattar nooraliالتضاد في البلاغة العربية هو الجمع في الجملة بين ثنائيةٍ اللفظ وضده، وهو ما يُسُمّى اصطلاحاً (الطباق)، و(المطابقة) كما أسماه ابن المعتز في كتابه (البديع).

قال تعالى:

"وما يستوي الأعمى والبصيرُ. ولا الظلماتُ ولا النورُ. ولا الظلُّ ولا الحرور." فاطر 19-21

وقال الشاعر دعبل الخزاعي:

لا تضحكي ياسلمُ منْ رجلٍ ... ضحِكَ المشيبُ برأسِهِ فبكى

 

والتضادُّ في الشائع لجوءٌ من القائل لبيان حُسْنِ الضدّ بذكر ضدّه، أو للمقارنة والمطابقة بينهما.  فذكرُه تعالى المتضادات: الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظلّ والحرور، ونفيه التساوي بين كلِّ متضادين، جاء نصّاً على بيان نِعمة البصر والنور والظلّ، وهي من فيض نِعمه على البشر.

أما الشاعر دعبل الخزاعي فقد أشار في مضمون ما صوّره في بيته الى ما يفعله المشيب بالانسان في الكِبر، من خلال تصوير طباقي تضادي في الجمع بين اللفظ وضده، إذ لجأ الى الاستعارة (ضحك المشيبُ) مع الجمع بين الضدين: ضحك وبكى. ونحنُ نستشعرُ معه الأثر النفسي الحسيّ للضحك علامةً للفرح والراحة، وأثر البكاء نتيجةً للحزن والألم. فهما صورتان متضادتان لحالتين على طرفي نقيض. وقد أتى بهما الشاعر جنساً بلاغياً للمقارنة والمطابقة بين الحالين، حال الضحك (الفرح) وحال البكاء (الحزن).

يحمل التضادُّ إذن، في دلالته وإيحائه، معنى التناقض والاختلاف بين حالتين على طرفي نقيض، لا تلتقيان. فالتضادُّ بمضمونه واستخدامه بلاغياً  مقارنةٌ بين متناقضين، لابراز حسن ونعمة واحد منهما دون الثاني كما قال الشاعر :

والضدُّ يُظهرُ حسنَهُ الضدُّ

عند النظر والتأمل في ديوان الكبير يحيى السماوي الصادر حديثاً (أطفئيني بنارك)، عن دار تموز في دمشق 2013، نلتقي بمطابقات تأخذ بقراءتنا إلى مضمون آخر للتضادّ: التضادّ الذي يحسنُ أحدهما بالآخر، مع اختلافهما وتناقضهما في المعنى والايحاء والحالة. ومن القراءة الأولى لعنوان الديوان نُدرك المعنى الجديد المُضاف سُماويّاً (يحيى السماويّ) للمتضادات، لنكتشف ما يقدمه الينا  الشاعرُ، وهو ينسجُ بلاغته الخاصة على مِنوَل مخياله الفسيح الفضاء، وبخيوط ماكنته الشعرية الفذة، المصنوعة بدقة أدواته اللغوية والبلاغية والمعرفية، ومُحسِّناته البديعية الخاصة بقاموسه الشعري المكتنز بأطايب الكلام والتراكيب والصور. وهذا القاموسُ كتابٌ منْ لذيذِ ينبوع طبعهِ العجيب. فقد قال الجاحظ: "الشعرُ طبعٌ عجيبٌ."

والعجيب هو الغريب غير التقليدي المألوف، وهو الذي يثير الدهشة والهزّةَ في النفس. والعجيب في الشعر يقتضي من الشاعر الموهبة الأصيلة المجبولة في خَلْقه، والدراية الفائقة بفنّ الشعر، والصنعة المتقنة في الابداع، والنسيج المبهر في النظم، والتصوير الخلّاق الجميل بعينٍ نافذةٍ، والصياغة الحاذقة الفريدة في عِقدٍ منظوم بدقةٍ ومكنةٍ حِرَفية. فقد قال الجاحظ ايضاً:

"إنّما الشعرُ صناعة، وضربٌ من النسيج، وجنسٌ من التصوير."

ونضيفُ: إنْ اجتمعتْ الى جانب الطبع العجيب فزنا بفريد في الفنّ، ووحيد في الزمان، وباسقٍ في وادي عبقر. وهذا ما نقتنصه في شاعرنا الكبير يحيى السماوي.

الإطفاء هو مضاد الإحراق (نارك)، فالنار تُطفَأ بالماء. فكيف يتسنى، علمياً مادياً، وعقلياً مجازياً، وبلاغياً تصويرياً، للمرء أنْ يُطفئ نارَه بالنار: " أطفئيني بنارك"؟!

هنا نتذكر بيت الشاعر كاملاً:

ضدانِ لما أستُجمعا حسُنا .... والضدُّ يُظهرُ حسنَهُ الضدُّ

وفي إطفاء النارِ بالنار، يمنحنا السماويُّ حُسنَ الضدين معاً، لا حسنَ واحدٍ دون آخر. فنارُهُ المُحرِقة لا تُطفَأ إلا بنارها (الحبيبة) المحرقة. يعني: حُسنُ الإطفاءِ وحسنُ الإحراق. فنارُها المحرقة ستكونُ سببَ انطفاء ناره المحرقة، والحريقان في الحالتين من لذائذ العشق، والاطفاء من محاسن الحريق. يقول في قصيدة (رغيف من الشبق على مائدة من العفاف)، ولْنلاحظْ جمعه بين ضدّين: السخين والبارد:

بعضُ "السخينِ" يصيرُ "برداً"

حينَ يُمزَجُ بـ"السخينِ"!

 وهذا المزجُ التوحيدي بين متضادين قمةُ الاندماج الحسيّ للقارئ والمستمع تلقياً، والتذوق جمالياً، واثارةٌ للدهشة والاهتزاز. ألم يقلْ الشاعر جميل صدقي الزهاوي:

إذا الشعرُ لمْ يهززْكَ عندَ سماعهِ

فليسَ خليقاً أنْ يُقالَ له : شعرُ

وهذا في شعر السماويّ حاصلُ البوح الروحي والحسيِّ، تحت ظلِّ التعبير البلاغي بالتضاد (الطباق) شعرياً. وبذا فهو غريب من طبع عجيب. فالحسنُ، في الانطفاء والاحتراق معاً، هو في عمق جذور شجرة العشق في روح العاشق والمعشوقة. هنا العشق صوفيٌّ روحيٌّ، يسمو فوق اللذائذ والشهواتِ الغريزية الدنيوية. نقرأ في قصيدة (كذبْتُ عليكِ كذبتُ عليَّ):

بلى

أدريكِ طاهرةً

وأؤمنُ أنَّ بعضَ العشقِ

يُمكنُ أنْ يكونَ تقرُّباً للهِ

أو يغدو لجرحٍ قاتلٍ نصلا

 

ويقولُ في قصيدة (كذّبتُ صدقي كي أصدّقَ كذبَها):

متماهيانِ

ترى سرابي كوثراً

وأنا أراها في بساتين الأنوثةِ والمنى

تفاحةَ الفردوسِ في حُلُمي القديمِ

ونخلةَ اللهِ الظليلةَ

والمبشرةَ البتولْ

فالمرأةُ عنده هي السماءُ الأرضُ، وهي ظلُّ اللهِ الظليلة، خلقَها لنستظلَّ بظلِّها كباراً وصغاراً، وقال لها: كوني! فكانت:

أهي السماءُ تأرَّضَتْ

أنْ قالَ فيها اللهُ

كوني؟

لبّتْ

فكانتْ ما أرادَ

ديارَ فردوسٍ أمينِ!

 لتتحولَ المرأةُ الأمُ والإبنةُ والرفيقة والصديقة، وهي المقدسةُ البتولُ الفردوسُ الأمينةُ المأمونةُ الظلُّ الظليل، لتتحوّلّ بشيرةً وهدايةً ومحراباً للرجلِ، وللشاعر العاشق، يصلّي في فردوسها ورحابها في تبتُّلٍ. يقول في (قديسة الشفتين):

في ليلِ اسراءِ المقدَّسةِ/البتولِ/

الابنةِ/الأمِّ/الصديقةِ/والرفيقةِ

أشرقتْ شمسانِ

شمسٌ خضَّبتْ بالضحكةِ العذراءِ

أوتار الربابةِ

فاصطفاها القائمون الى صلاةِ العشقِ

مئذنةً

وشمسٌ نورُها الصوفيُّ

 أكثرُ خضرةً من بُردةِ الفردوسِ

أسرى بيْ شذاها نحو مملكةِ الرحيقْ

 

وفي قصيدة (انجديني):

وأسمِّيني المصلّي بين محرابينِ

يستنشقُ

نعناعاً وطيبْ

 

وفي قصيدة (البشيرة):

فاشهدي يا حُجةَ اللهِ

على توبةِ قلبٍ

لم يكنْ يقربُ منْ قبلكِ

محرابَ صلاةِ

 

وفي (شمس عمري) :

وأقِلْ عثرةَ قلبي

وخطيئاتي.. وآثامي.. ورجسي

يا حبيبي

 

وفي (محاولات فاشلة):

فعرفتُ أنّي

حين اجنحُ عن صراطِ هواكِ

ابدأُ بالرزيئة والخطيئة والزوالْ

 

في استقراء واستكشاف شعر يحيى السماويّ في النسيب والغزل نحضى بلذاذةِ معنى الحبّ الحقيقي، في سموه الروحي الصوفيّ، وارتقائه الى فضاءاتٍ غير التي ترد في ذائقة المتلقي أول تناوله لكؤوس شعره الغزلي واغترافه منه، هو القائل:

أكملي دورَكِ ياصوفيّةَ اللذاتِ

في رسمِ حياتي

قد يدلو قارئ بدلوهِ فيقول بأنّ الطباق يكون بين لفظين: فعلين، أو اسمين، أو حرفين. فكيف تجوز مطابقة بين فعل "اطفئيني" واسم "نارك". فأقول المطابقة تكتسب عند السماويّ بلاغةً مستحدثةً لتكون بين لفظين لمعنيين متضادين : فعل (اطفئيني)، واسم (بنارك). والنار هنا احراق في مقابل انطفاء. وكأنّ الشاعر يقول: أطفئيني بأنْ تُحرقيني بنارك. فحذف (أنْ تحرقيني) مطابِق (اطفئيني) واكتفى بـ(بنارك) اشارة الى الاحراق. فالنار هنا مجاز الإحراق وعلاقته السببية.

*  *  * *  *  *  *  *

استخدم السماويُّ التضادَّ في أسماء قصائد عدة:

"عينايَ نائمتانِ لكنَّ القصائد ساهرةْ" نائمتان ¬+ ساهرة

"كذّبْتُ صدقي كي أصدّقَ كِذْبَها" كذّبتُ + أصدّق، صدقها + كذبها

"رغيف من الشبق على مائدة من العفاف" الشبق + العفاف

 

يُلبِسُ الشاعر التضادَّ رداءَ الحُسنِ. فالضدُّ وضدُّه متلازمان في وحدة روحية حسيّة، متمازجة إلى حدِّ الذوبان كليهما معاً. النومُ والسهرُ متوحدانِ، لا ضدانِ متواجهانِ على خيط نقيضٍ، ينقطع بأحدهما ليهويَ، ويرفعُ الآخرَ ليرتقيَ مشاعرَ الفوز، ويقيمَ مقامَ  الساكن المتربِّعِ في نعمة بستانِ الحسنِ والجمالِ. يقول في قصيدة (عيناي نائمتان لكنَّ النوافذَ ساهرة):

لملمْتُ أطرافَ اللذائذِ

والمسراتِ

الجمالِ

بعيدَها وقريبَها

وطريفَها وتليدَها

ودنيئَها والطاهرةْ

فوجدْتُ

أنَّ ألذَّها كانَ

احتراقي في مياهكِ

وانطفاؤكِ في لهيبي..

واكتشفْتُ خطيئتي

كانتْ صلاتي

قبلَ ادماني التهجُّدَ في رحابكِ

كافرةْ

 

انظرْ المتضادات (المطابقات):

بعيدَها + قريبها، طريفها (جديدها) + تليدَها (قديمها)، دنيئها + الطاهرة، احتراق + انطفاء، مياهك + لهيبي، خطيئتي + صلاتي.

ثمّ هذا التضادّ المثير للتبصُّر في المعنى المَسكوبِ في قدح ذائقة القارئ ليحتسيه دهشةً وتأملاً متأنياً، ونظراً فيما وراء الظاهر من الكلام، ليثملَ فيجهدَ بحثاً متبصِّراً من أجل استكشاف باطن المضمون بالاندماج في التجليّ المكنون في روح النصّ:

كانتْ صلاتي

قبلَ ادماني التهجُّدَ في رحابكِ

كافرةْ

 

فالتهجُّدُ صلاة في رحاب الايمان ومحراب المؤمن ليلاً. وصلاته هو عشقُه، إذ كانت مستورةً (كافرة) داخل نفسه وقلبه قبل أنْ يصلّي في محراب عشقها المعبود، ليضحى عاشقاً هائماً، متوشّحاً بنور العشق السامي وروحه المُعتلية فضاء النجوم، فيؤمن به ينبوعاً من الفيض الالهي النوراني في كهف روحه وديجورها، وذلك في تجلٍّ صوفي. وهو ما ألهمه في خلق معادل يخاطبه شعراً فكان: "صوفائيل". وهذا من عجيب ما يأتي به السماويُّ في شعره:

أطلقْتُ قلبي ..

وانتظرتُ ..

فلم يعُدْ!!

خارتْ قوايَ

وكدْتُ أرميني إلى حيثُ القرارُ..

فصاحَ "صوفائيلُ" بيْ

إنهضْ وغُذِّ النبضَ

نحو

ظلالِ نخلتكَ الأمينةْ

(الوصول إلى اليابسة)

 

لِنستبطنْ استخدامه للتهجُّد في تبيان عشقه: فالتهجُّد يكون ليلاً، وفي الليلِ بهدوئه وصمته وسكونه ودجاه تتأجّجُ مشاعر العاشق الولهان المكتوي بالنار المُطفئةِ للنار الملتهبة فيه. وهذا ما يمنح الصورةَ والحالةَ الحسيةَ عمقاً ودلالةً في المعنى المقصود المنقول حسياً وبلاغياً على اوتار موسيقى الشعر الهادئ والايقاع الجميل الموحي بأجواء المضمون، وبحرارته وهيجانه، وبألمِه ووخزِ سنانِ الاحاسيس والمشاعر، وبالشوق والتوق والرغبة، وباللذة المُستثارة. يقول في قصيدة (قدّيسة الشفتين):

فأنا بها

المُتهَجِّدُ ..

الضّليلُ ..

والحُرُّ المُكبّلُ بالهوى القِدّيسِ ..

والعبدُ الطليقْ

المتضادات عند شاعرنا الكبير اشتقاقات لمعنى واحد، واستثارات لحالة عشق روحية متلاطمة متخالطة متواشجة عمقاً في الروح والفؤاد. تلتقي في لحمة داخل مشاعره التي تتفجّر في طبعه العجيب، لتنقلنا معه على زورقٍ منسابٍ في بحرهِ الهادئ الهائج في آنٍ واحد. انسيابُ الزورق بهدوء مثلُه في انطلاقهِ باضطرابٍ وبهيجانٍ. وذلك ببلاغةٍ رقيقةِ الحاشيةِ، مترفةِ اللفظ، جزيلةِ السبك، متينة الصنعة، مبدعة الصور. تنتظمُ في صياغةٍ مدهشة، مؤطَّرةٍ بماء الذهبِ والياقوت، حتى يذوبَ الفرقُ والتناقض والصراع بين الأضداد لتكون وحدةً حسيةً وروحيةً، ولوحةً متكاملة التلوين، تمتلك من الجمال والروعة ما يجعلنا نفغرُ أفواهَ ذائقتنا دهشةً واعجاباً، لحلاوة وطلاوة ما نغترفُ من صورٍ مبهرة ومعنى عجيب. يقول في (كذّبْتُ صدقي كي أصدّقَ كِذْبَها) :

كذَّبْتُ نفسي

كي اصدِّقَ ما تقولُ..

وكنْتُ أعرفُ أنّها كذَبتْ عليَّ

فلسْتُ أنضرَ منْ سوايَ

وليسَ في حقلي قطوفٌ

ليس تعرفها

الحقولْ

..........

صدّقْتُ كِذبي

كي أكذِّبَ صِدقَها

فأنا صديقي مرةً

وأنا عدوي والعذولْ

....

هنا يصوغ السماويّ مقابلة أي طباق (تضادّ) معنىً في استخدام جملتين متضادتي المعنى فيهما أكثر من تضادّ: "صدّقتُ كذبي" + "أكذّبُ صدقَها". الفعل "صدّقتُ" + الفعل "أكذّبُ". والاسم "كذبي" + الاسم "صِدقها".

وكذا في قوله في قصيدة (كذبتُ عليكِ، كذبتُ عليّ):

كذبتُ عليَّ..

ها أنذا أقولُ الصدقَ

أنتِ حبيبتي الأحلى

وأنتِ

بدايتي طفلاً

وأنتِ

نهايتي كهلا

 

المقابلة في : "بدايتي طفلاً" + "نهايتي كهلا".  والمطابقات في: بدايتي + نهايتي. 

و طفلاً + كهلا.

 

التضادّ عند السماويّ هو حالة من البحث عن الاشراق الروحي. يقول في (شمس عمري):

 وأذِبْ ثلجَ خريفي

بربيعٍ ناعمِ النيرانِ

وحشيِّ الدبيبِ

فعسى تُشرقُ شمسُ العمرِ

من بعدِ غروب

 

فارتكازه على التضادّ كان في استكشافه للاشراق الروحي وبحثه عنه تحت مظلة المتضادات المفضية احداها الى الأخرى: خريف + ربيع، تشرقُ + غروب.

ومنها أيضاً ما جاء في (قدّيسة الشفتين):

وأنا اللهيبُ الباردُ النيران..

والماءُ الذي أمواجُهُ

تُغوي بساتينَ اللذائذِ بالحريقِ

............

الماءُ أعطشني

فهل ليْ منْ سرابكِ رشفةً

تُحيي رمادَ غدي؟

الشواطئُ أوصدتْ أنهارَها

والنبعُ فرَّ

وليسَ من حبلٍ لأدلوَ

منْ سلافةِ بئرِ واديكِ العميقِ

 

تضاد المقابلات في : اللهيب البارد + الماء .... الحريق، الماءُ أعطشني + فهل لي من سرابكِ ...

بهذه المتضادات يسري شاعرنا من أجل نوال الاشراق، لتُشرَعَ نوافذُ الروح أمام بصره وبصيرته على بهاء نور العشق السامي يقيناً يُزيلُ الظنون.يقول في (رغيف من الشبق على مائدة من العفاف):

قسماً بجاعلِ مُقلتيكِ

أعزَّ عندي منْ

جفوني ..

وأتاكِ لي فجرَ اليقينِ

يُزيلُ بي

ليلَ الظنونِ

 

للتضادّ عند السماويّ شفاءٌ روحي وانطفاءٌ للهيبٍ يتأجّجُ في نفسه التائقة الى الخلاص بارتشاف البرد ونور اليقين وكؤوس الطلى منْ دنان العشق. يقول في (شمس عمري):

سرُّ دائي

أنّني من دونِ داءٍ

فابتكرْ داءً جديداً ليْ

وكنْ أنتَ طبيبي

 

فهو الباحثُ عن داءٍ هو دواءٌ شافٍ له في الآنِ نفسه، وهو (العشق النوراني) داءٌ ودواء. ويقول في قصيدة (محاولات فاشلة):

هيّأتُ في سردابِ ذاكرتي

سريراً باردَ النيرانِ مسعورَ الندى

 

فالسريرُ رغم نيرانه فهو بارد، ورغم نداه الرطب فهو مسعور اللهب. أي أنه الداءُ المضني، ودواؤه نقيضه (ضدّه). فالضدّان عند شاعرنا الكبير يحسنان باجتماعهما معاً. فهما متلازما أحاسيسهِ ومشاعره وتأمُّله في عرش العشق المائيّ الممزوج بالبريق والإشراق.

وهذا من غريب وعجيب السماويّ، وممّا يلذُّ للقارئ أنْ يتناوله بجشعٍ، لما فيه منْ أطايب ما يقدّمه على مائدته المثقلة بالبلاغة المنهمرة من سحائبه مطراً مُحمّلاً بماءِ الذهب والحرير والياقوت والزبرجد والجمان المنضّد، ومُعطّر برائحة الفلِّ والريحانِ والياسمين والآس:

في الدربِ

نحو النخلةِ المعصومةِ الأعذاقِ

صادفني من الشجرِ الكثيرْ

بعضٌ لهُ شكلُ الرماحِ

وبعضُهُ طبعُ الرياحِ

وبعضُهُ ألقُ الزبرجدِ والحريرْ

(إسراء نحو فردوسها)

 

ويقول في (انجديني):

وأسميكِ الفضاءاتِ المرايا

وأسميني المغيبْ

وأسمّي مهبطَ الياقوتِ في عقدكِ

سفحا

لهضابِ الفُلِّ والريحانِ

والآسِ الرطيبْ

 

الخاتمة

يقول اليوت:

"إنّ قسماً من الشعر يبتدعه الشاعر وإنّ قسماً آخر يدرُّ له التراث . وإنّ الجزء الحيّ من التراث يبقى مستمراً عبر الأزمنة وعبر الشعراء، لأنه يمثل الانجازات الناجحة والثابتة مما ألفه الشعراء."

والتضادّ (الطباق) منْ ضمن ألوان وأجناس وعناصر الشعر الفنية البلاغية الأساس، ارتكز عليه شاعرنا الكبير في نقل احاسيسه وتجليات روحه وابتداع صوره الشعرية المذهلة. وهو ما درَّ له التراثُ من اجناس البلاغة الكثيرة، وهو من المنجزات التراثية العربية الناجحة والثابتة المستمرة، فاعتمدها ليبتدع جديداً مضافاً: وهو أنْ يُخرج من التضادّ صورة جديدة في اطار واحد يجمع نقيضين (ضدين) في لوحةٍ فيها من التجانس ما يجعل المتضادين واحداً في روح القصيدة، أي روح خالقها، وهي من ابتداعه الفني الجميل المدهش. وكذلك في ذائقة القارئ، بحيث لا يشعر بالفرق والنقيض والمقارنة بين المتضادين، بل يجدهما وحدةً في روح الصورة المُبتدَعة. فيقودنا هذا الى النظر بإجلال وإعجاب لمنجزات التراث الحيّ الناجحة المستمرة في ضمير الشعر الحقيقي الأصيل، النابض بالحياة، على مدى العصور، دون أنْ يفقد بريقه ومكنوزه الحسي والفني وأثره في النفس. والشعر الجديد الحامل لثروة القديم بألوانه الفنية المبدعة الحية وبسعة واحاطة ماهرة، هو الشعر النابض بالحيوية، والحاذق في ابتداعٍ مُضافٍ يُولَد من رحم التراث. هذا الشعر، المولود من رحمِ طبع شعريٍّ بموهبة فائقة وحرفية صياغية حاذقة، وذكاء في نسجِ ما هو غريب ومثير للاندهاش والاهتزاز في نفس المتلقي، هو الخليقُ بأنْ نقولَ عنه: هذا هو الشعر، وناظمُهُ هو الشاعر:

فضحَ الجَهْرُ عذاباتي ..

وزادَ السرُّ والتأويلُ فضحا

فأنا المفضوحُ في الحالينِ

إنْ صمتاً وبـَوحا

(أنجديني)

فـ"الجهرُ" وضدّه "السرُّ " واحدٌ في حال الشاعر فهو مكشوف العذاب في الحالين، وكذا مفضوح في صمته وبوحه.

لا يتأتى ذلك لكلِّ ناظم إلا منْ امتلك ناصية الشعر، مع ناصية الخلق والابتداع والإضافة، وناصية الثقافة الواسعة سعة المحيط، وناصية اللغة وبلاغتها وفنها التعبيري، ثم ناصية ابتداع الصور المُستَحدَثة بنقاء وصفاء، وبريق، ويسر وانسياب رقراق، من غير إفاضةٍ أوحشوٍ أو شوكٍ أو عقبةٍ أو صخرةٍ في طريق الذائقة.

وكلُّ هذا نقرأه في شاعرنا الكبير يحيى السماويّ.

 

عبد الستار نورعلي

الأحد 29 /9/2013

 

الصورة التكعيبية في المنحوتات السومرية والفن الحديث

zouher sahebحين اعلن (اندريه مالرو) عن متحفه الخيالي، فانه قدم للانسانية والذائقية المعاصرة، فهماً للفن من خلال الفن ذاته. وفي سياقات تفكيره الابداعي هذا، يمكن ان نقيم تقابلاً في العلاقات الشكلية، بين بنية الزقورة السومرية، بخطوطها الافقية والعمودية المتقاطعة. ونظام الصورة التجريدي الهندسي الذي يميز اعمال (موندريان). وبذات الفاعلية،يمكن رصد مجموعة من نظم العلاقات الشكلانية بين الهرم المصري، (وتمثال) طائر في الفضاء للنحات (بزنكوزي)، في السعي نحو اللا محدود والمطلق، وهذه الامثلة وغيرها  الكثير، تستقدم  الابداعات التشكيلية السومرية، الى عالم الفهم المعاصر، شريطة ان تُحرر من آنية احساساتنا، وآنية العالم الشخوصي والمادي معاً.

وحين تُؤسّس منظومة الاشكال السومرية، انظمتها الشكلية، بعيداً عن حكائية المرجعية ومحدودية التاريخية. فانها تقول مقولتها، وتؤكد نوعاً من الرؤية، نُسقط فيها الفهم المعاصر على ما هو قديم وليس العكس. بحيث اننا يمكن ان نؤسس (مقتربات) شكلية، بين نظام الصورة السومرية والفن الحديث داخل بنية الفن.. وهي افاق تبدا بتاكيد الوجود الانساني، بوساطة الانسان نفسه، ويتاكيد حقه في ايجاد حقيقة اخرى، خارج حدود الطبيعة. بل وتجاوزها اعتماداً على قوانين خلق اخرى، وعلى مقاييس جمالية ومعايير حكم جديدة. فالاشكال السومرية تفكر في عقولنا بدلاً من تفكيرنا بها، انه الطابع الانساني الذي جعل من الفن السومري، انشودة يرددها التاريخ . 

فالفنون التشكيلية السومرية (الرليفات) هي صور عظيمة في تاريخ الفن، ذلك انها ترينا شيئاً نبصره بالعين مع شيء ندركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة.وان العبقرية السومرية تنسج الحياة والفن، والتمثيل والتصميم في نسيج واحد. وبهذا الكيف، قدمت العقلية السومرية (الموقرة)، لاشكالات الفكر الانساني، حلولاً ابداعية مهمة في مجالات التشكيل، (فالفوتوغرافيا) لم تكن تعني للسومريين شيئاً ذلك ان محدوديتها التشبيهية، كانت تتعارض مع (ايدلوجيا) الفكر السومري اللازماني واللامكاني. بحيث اصبح (موضوع) الشكل في الرليفات السومرية مَحض وسيلة لابداع علاقات شكلية تجريدية . فالمثير في الموضوع، لا اهمية له، والاشتغال هنا يكمن في القصيدة نفسها، أي بتوافق الكلمات والصور وتناغمها الدائم والثابت. ومن هنا جاء قول (غوته): "ان الهندسة موسيقى الحجر".

وان الفن (العظيم) يتضمن بالذات تخلصاً من التشخيصية ومن حالة البشرية، ليتمتع بصفة الابدية،وحين (تُبلّور) الاشكال في الرليفات السومرية، الميتافيزيقي المتضمن فيها، بالبحث عن الجوهري المُتخفي تحت (زوائد) البشري. فانها (لَخصّت) الشكل الى قوانين هندسية (شكل مثلث يقوم على شكل مخروط). فالفن في سومر، حجاب اكثر منه مرآة . وهي بذلك تعقد نظاماً من الاقتراب مع افكار (سيزان) في العملية الابداعية في التحليل والتركيب والتشكيل، والذي يرى بوجوب تكثيف الاشكال الطبيعية الى انظمة هندسية ترتبط ببنائية الكرة والمخروط والاسطوانة. 

فقد أدخَلت  العقلية السومرية المُبدعة، مفاهيم الطبيعة ضمن قواعد الضبط والدقة، وينوع من (الثيوصوفية الموندريانية) والتي انتزعت من الشجرة كل شيء، عدا الصورة التي يُفترض ان توقظها في الوعي، ليس بكونها شجرة، وانما على انها شكل شجرة. وكان المشهد اشبه بالتمرد على الظواهر الخارجية، واختراقها وتحطيمها من جديد، عوداً الى اللب، حيث اللون وحده، والحرية لوحدها. فحين (اراد) الانسان تقليد فكرة (المشي) اخترع العجلة التي لا تشبه الساق في شيء.

ان الكون متشابه في نظرنا كلنا، ومتباين في نظر كل منا على حدة. فهو ليس كوناً واحداً، بل ملايين . على عدد ما فيه من (خوخ) وعقول بشرية تستيقظ كل صباح. هذا (الاختلاف) في الرؤية، والتّولد، الجديد في اليات التفكير، هو نوع من الازاحة في دراسة الفن، تُزيح والى الابد، تلك القطيعة (الابستملوجية) بين بنية الفنون  السومرية  باعتبارها انظمة شكلانية، ومقارباتها في الفن الحديث. شريطة اقصاء المدلول الميتافيزيقي من بنائية الصور السومرية . فَجُلّ الاهتمام هنا، ينصب على تحليل بنية الصور (كدوال) تركيبية، وتَمظهرها المتشابه مع بنية الاشكال في الفن الحديث. وهذه (الرؤية) تَدعونا، الى (تاطير) سلسلة الاشكال (السومرية – والفن الحديث) في مفاهيم النظام او النسق. نوعاً من سلسلة تعقد تراصف (الدوال) الى بعضها كوحدة كلية، بدلاً من تفكيك مفهومياتها التي طالما تُقررها حكائية المدلولات.

ان حفراً عميقاً في بنية النصوص السومرية (الرليفات)، يُظهر  ان نظام الصورة السومرية، يمكن ان يؤسس له مقترباً  مع شكلانية الاشكال التكعيبية. فنظام الصور السومرية باعتبارها انظمة شكلية، ليس لها مماثلات في الوجود الشيئي المتعين. انها نماذج معدلة، ترتقي على المحاكاتية، باعتبارها كشوفاً (حدسية) متحررة من محدودية القيود الحسية. فالشكل لا يجد تحققه بالفعل ذاته، بل عليه ان يُعلن ويوسع شكلاً (شعرياً) من اشكال الحقيقة.

فعلينا هنا  ان (نغيبّ) عمل المراقبة البصرية، نحو تَفعيل دور التاويل والكشف عن البنية الهندسية الخالصة في تركيب الاشكال. وان انتصار الشكل في التشكيلات السومرية (الرليفات)، كونه الوسيط بين فيزيائية الظواهر وجواهرها . فهي قبل ان تكون اشكالاً طبيعية، فانها صور رمزية مستخلصة من الطبيعة، انه نوع من اعادة (صياغة) الطبيعة في جوهرها وماهيتها، كونها تعود الى نسق التشكيل وليس الى الواقع المادي.

وقد لا نضيف شيئاً جديداً في تحري تاريخ التكعيبية وخصوصياتها كاسلوب اساسي من اساليب الفن الحديث. الا ان اهتمامنا يقع في كشف الجوهري في نظام الشكل التكعيبي، مع (رجاء) الى التاريخية في ان تُرخي قيودها، كي تتخذ الاشكال سلسلتها المترابطة، وتقدم مقولتها على انها انظمة شكلية، وليست مدلولات (اخلاقية).

وهنا تبرز صورة جديدة للعيان، تؤسس مقترباً لها، بين نظام الصورة السومرية في الالواح النذرية، ومماثلها في لوحة بيكاسو (فتاة امام المراة). فكلاهما يشتركان في الية عمل الصورة الذهنية، والتي تسعى الى تمثيل ما تعرفه وتدركه عن الشيء، وما ينبغي ان يكون عليه، بدلاً من محاكاة ما تراه. واضعة بذلك التجربة الحسية، تحت سيطرة ومراقبة  العقل . 

585-salimفالفنان في سومر والتكعيبية، يسعى الى بناء حقيقة صورية، ومن هنا كان التوجه نحو المظاهر التجريدية، والتوقف عند الصور الذهنية غير المادية، والقائمة على التنظيم البنيوي (المتناغم) في الأشكال الهندسية . ذلك ان الفنانين في سومر والتكعيبية، لم يروا باعينهم ما في الطبيعة بل بافكارهم، وهم لم ينسخوا الموضوع كما في الواقع، بل يؤولونه نحو الجوهر، وهذا ما تؤكده مقولة (ماليرانش): "ان الحقيقة  ليست في حواسنا بل في فكرنا".

ان الموضوع (الشيء) في (عندية) الفنان السومري والتكعيبي، لا شكل له في المطلق، بل له عدة اشكال، على عدد ما في مقاطع التاويل من زوايا النظر، وعلى عدد نظر العيون التي يمكنها النظر الى الشيء. وبتمثيلهم الشكل الواحد من مختلف وجوهه في ان واحد، فانهم حاولوا التعبير عن الحقيقة المطلقة، مُدعين تقديم صورة للشيء، اكثر موضوعية من مجرد التوقف عند مظاهره الخارجية.

فقد واجهت المُبدع السومري، ومن بعده بيكاسو وبراك، ذات المشكلة، وهي (الكيفية) في تمثيل الاشكال الابعاد الثلاثة، على سطح ذي بُعدين، فكانت الحلول في بنيتها الشكلانية متشابهة . وتقضي بتمثيل الشكل باكثر من زاوية نظر في لحظة زمنية واحدة، بحيث تكون رؤية الشكل اشبه بمسرح الحلية الذي يلتف حوله الجمهور في فحص الاشكال. فالصور تصبح هنا، مجرد انعكاس للتساؤلات التي تطرح حول الوجود، وذلك بالانتقال بالشكل الطبيعي، من صورته العرضية، الى بنائيته الشكلانية الخالدة.

وبدراسة تحليلية  تَتحّرى  احالة (الموضوع) الى انظمة شكلية، في (الرليفات) السومرية والصورة التكعيبية. تُظهر  ان آليات  الاداء (العقل واليد) تُفعّل نوعاً من الكشف التجريدي في تركيب الهيئة، وذلك (بتقشير) اغلفة الشكل المتتالية وصولاً للبنية الشكلية المحَضة  مدركة ان قيمة الشكل في هيكله العظمي، وان وجوده في ذاته، لا في تماثله مع الواقع.

فالهندسية في الاشكال السومرية والتكعيبية، مثل القواعد في الكتابة نتيجة ارقام او (نسب) تُشكل توازناً بالتوازنات . فاوجدتا قراءة رياضية للنص، يهيمن فيها انفتاح (الدال) على محدودية حكائية المدلول. فاسست الاشكال انزياحها في سلسلتها التاريخية، متحولة من صور مماثلة لفيزيقية الاشياء، الى بنايات شكلية مُعبرة عنها، فاسست الاشكال وجودها، بدلاً من صناعة التاريخية لها.

ابدعت العقلية الانسانية، في سومر والتكعيبية، نظاماً للاشكال، مُثلت بموجبه معزولة عن العوالم المرئية. فالتشكيلات لا تستند الى الزمان والمكان، الا بمقدار العلاقة التي يقيمها (الاخيران) مع المُتخيل او مع اللاواقع. فالكهنوت السومري  وبفعل الوعي والقصد والارادة، مثل بيكاسو وبراك، لا يريدون ان يعرفوا سوى افكارهم وحدوسهم عن البناء الشكلي للمثل الاعلى في التعبير، ويزعمون تطبيقه حتى درجة المطلق. ومن هنا كانت تجزئة الشكل، الى مساحات هندسية مُسطحة ومتداخلة، وتمثيله من مُختلف وجوهه في زمن واحد، لتقديم صورة عن (الشيء) اكثر موضوعية من مُجرد التوقف عند مظاهره الخارجية.

وبنفس نظام صورة (البورتريت) في الفنون السومرية عمد التكعيبيون الى رسم انف كما يرى من الجانب على وجه منظور من امام، اوعينا  بوضع امامي على وجه جانبي المنظر. وقد اوضح (بيكاسو) فكرة هذه التركيبات: " بان الراس عبارة  عن عينين وانف وفم، وهي اشكال يمكن ان توزع باي طريقة، ويبقى الراس راساً، وهذا الاسلوب في التفكير يماثل منهج التاليف في الموسيقى". انه التنقيب في منطقة النص، وصولاً الى الشكل الجوهري الكامن، وراء المظهر الخارجي، وتحليله واعادة تنظيمه، بتركيب وانشاء نظام جديد. انهم جعلوا من الشيء الحقيقي شيئاً فنياً.

وهذه الوظيفة الجمالية للصور التشكيلية، وهي تعقد سلسلتها عبر التاريخ. كانت كشفاً للامرئيات بقوالب المرئيات. وهي بذات القراءة، نظاماً منضبطاً او وسيلة لتبسيط الاشكال وتقوية التكوينات. لا لتاكيد الخط فحسب، بل الحجم ايضا. فكان كل شيء فيها، جسماً صلداً مختزلاً الى تشييدات هندسية. لم يعد فيها التركيز على الشيء ذاته بل على الترتيب  الشكلي المستقل لهذا الشيء. انه التعبير عن القوة الشاملة في الانسانية، المعبرة عن (دلالة) النقاء الروحي والكوني للمطلق .

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

الأنساق المضمرة في بنية النص الشعري .. دراسة في نصوص الشاعر الدكتور عمار المسعودي

amar ibrahimalyasiriمنذ عام 2000 وهو تاريخ صدور كتاب النقد الثقافي للدكتور عبد الله الغذامي والذي جاء بعد ثماني سنوات من صدور كتاب بنفس العنوان للمنظر والناقد الأمريكي فنسان . ب . ليتش ، بدأ التنظير و التطبيق العملي في بلاد العالم العربي لهذا الوافد الجديد من اجل قراءة مغايرة للنص عما هو مألوف سابقا .

تشتغل المنظومة النقدية الثقافية في كل تنظيراتها على نظرية الأنساق المضمرة ، وهي أنساق ثقافية وتاريخية تتكون عبر البيئة الثقافية والحضارية، وتتقن الاختفاء تحت عباءة النصوص على مختلف أجناسها ، ثم تشتغل بصورة مذهلة في توجيه الجهاز ألمفاهيمي للثقافة وسيرتها الذهنية والجمالية المترسخة من خلال التلاحم الديالكتيكي مابين النص واليات التلقي المختلفة .

وقد تأثر المنهج الثقافي بإستراتيجية جاك دريدا التفكيكية القائمة على التقويضية والتشتيتية والتشريحية، ولكن ليس من أجل إبراز التضاد والمتناقض، و تبيان المختلف أثراً وتأجيلا، بل من أجل استخراج الأنساق الثقافية عبر النصوص سواء أكانت تلك الأنساق الثقافية مهيمنة أو مهمشة، وتمركزها في سياقها المرجعي الخارجي، متأثرة في ذلك أيضا بعدة اتجاهات مثل الماركسية الجديدة، و التاريخانية الجديدة، والمادية الثقافية، والنقد النسوي الذي يدافع ثقافيا عن كينونة التأنيث في مواجهة الفحولة المطلقة ، ونلاحظ في حفريات المعرفة لميشيل فوكو ميلا واضحا لهكذا نقود فضلا عن بورديو صاحب نظرية المادية الثقافية وآخرين غيرهم ، أما من العرب فتعد كتابات ادوارد سعيد وعبد الله الغذامي خير مثال في هذا المجال .

وعليه فالنقد الثقافي هو مشروع في نقد الأنساق ، والنسق مرتبط بكل ما هو مضمر من جهة وما هو غير مضمر من جهة أخرى وكذلك يعرف الدكتور طه الهاشمي النسق بأنه " عبارة عن عناصر مترابطة متفاعلة متمايزة لها دينامية تشتغل على منظومات خارجية وداخلية " وتبعا لهذا فإن كل ظاهرة أو شيء ما يعتبر نسقا ديناميا، والنسق الدينامي له دينامية خارجية تحصل بتفاعله مع محيطه ، وهنا نلمس تحولا جذريا ونوعيا يفترق فيه النقد الثقافي عن النقد الأدبي، فالنقد الأدبي وعلى مختلف مدارسه الكلاسيكية أو مناهجه الحديثة معني بالنص مكتفيا على ذاته من حيث اللغة أو الدلالة أو المجاز وما إلى ذلك أما الثقافي فهو يشتغل على الأنساق المضمرة .

يستند النقد الثقافي إلى ثلاث دلالات: الدلالة المباشرة الحرفية، والدلالة الإيحائية المجازية الرمزية، والدلالة النسقية الثقافية ،والدلالة النسقية هي قيمة نحوية ونصوصية مخبوءة في المضمر النصي في الخطاب اللغوي او غيره ، فمع التسليم بوجود الدلالتين الصريحة والضمنية، وكونهما ضمن حدود الوعي المباشر كما في الصريحة، أو الوعي النقدي كما في الضمنية، أما الدلالة النسقية فهي في المضمر وليست في الوعي، وتحتاج إلى أدوات نقدية عالية التركيز تأخذ بمبدأ النقد الثقافي لكي تكتشفها ومن ثم أكمال منظومتها التطبيقية .

ولقد بينت العديد من النقود الثقافية على العديد من النصوص الأنساق المضمرة فيها ، فقد كانت تطبيقات الدكتور الغذامي النقدية على العديد من نصوص الشعر الجاهلي مستكشفة لثيمات مضمرة عديدة ومنها الفحولة والتي ناقش فيها تحولات الفحولة الشعرية إلى الفحولة الثقافية التي شعرنت الذات ثم شعرنت كل القيم معها ويستند فيها لنصوص عمرو بن كلثوم وجرير وغيرهم الذين أحلو للانا مقاما أساسيا متجذرا يعتمد خطابها على الأنا اعتمادا مصيريا الى درجة يصبح فيها النص هو الجملة الثقافية ليس للشاعر فحسب إنما للثقافة ككل ، وكذلك بين الغذامي انساقا مضمرة أخرى تشتغل على صنع الطاغية والشاعر النرجسي وهي مركزيات نسقية لابد من تعرية مضمراتها بصور مغايرة ، ثم اتسع الفضاء ليد نقود ثقافية للعديد من الشعراء المحدثين .

ومن الشعراء الذين تضمن العديد من خطاباتهم الشعرية انساقا مضمرة الدكتور عمار المسعودي الذي يشتغل خطابه الشعري على إرساء مفاهيم كونية وصوفية منفلتة عن المهيمن اللاهوتي في تشكلاته لمدينته الفاضلة التي يرسمها لذاته فنراه يقول في نص " سمني على مشاويرك " من مجموعة " ما يتعطل من  الأسئلة " :

" أقود السحابة من ثوبها

صوب حقول بعيدة

من نورك

من دخانك

يسمع النهر صلصلة عروقي "

ثم يقول في مكان أخر من نفس النص:

" من نورك

من دخانك

ابدأ بعرش السعادة "

إن هذا الخطاب المعلن يخفي في داخله نسقية مضمرة تشتغل على هيمنة لاهوتية يفترضها الشاعر على المتلقي من اجل خلق أكوان جديدة متشكلة على الأجواء الأيدلوجية و التاريخانية للذات الباثة للنص محاولة جعلها مركزا تنويريا في الوعي الجمعي للذاكرة الثقافية ، وهذا ما نجده في مجموعة الأولى " ساعة يلمع الماس " وفي نص " ألم أكثر من هذا " حيث يقول:

 " بحجارة لا يصلى عليها اصلي

بحجارة لا يصلى عليها ارمي ذنوبي

بحجارة مرة أجد متسعا حلوا منك "

ويقول في مكان خر من نفس النص :

" سأنصب رأسي ملكا

وجسدي مملكة

وأسير ......... وأسير"

ثم نرى انقلابه المفاجئ و عودته غير المتوقعة إلى فضاء الثقافة الدينية بعد أن أنسلخ عنها حيث يقول :

 " أتراجع ؟

أنت تتقدمين أكثر أيتها الروح

حين تنزعين رداءات الملكة "

ويبقى الشاعر عمار المسعودي يعيش هذه الجدلية من الصراع الوجودي واللاهوتي وهي سمة لازمت العديد من شعراء السبعينيات من القرن المنصرم مثل رشدي العامل و عقيل علي و آخرين .

ثم نرى انفتاح منجزه الشعري على آفاق شعرية جديدة تطرح قطيعتها النهائية مع خطاب النهايات  أو موت التاريخ ولكنه يختلف عن المعنى الذي يتجسد في " نهاية التاريخ والإنسان الأخير لفوكوياما) أو " صدام الحضارات لهنتغتون " حيث يتم تسييد الرقم على الاسم وفناء التاريخ على التاريخ وما بعد الإنسان على الإنسان، وهذا الأنساق المضمرة تتجسد في نصه " كرات العالم " من مجموعة  " يختفي في القرى" حيث يقول :

" صامت هامش الزمن

وساكن لساني

فكرة تبعدني عن التداول

ومثل تفاحة تأنف أن تمسها

الجاذبية بنزواتها "

ويقول في مكان أخر في نفس المجموعة وفي نص " جغرافية " :

 " نفسي محارات مقلوبة

ارسم

بها

خرائط

للنفاذ "

وهذا ما يطرحه الناقد أحمد دلباني في كتابه المعنون "ديوجين يكسر مصباحه - من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي" قائلاً " ماذا سيفعل الثوري هل يجابه السديم بخطاطاته الجاهزة ويلقن التاريخ درسا في لا جدوى المكر والسخرية بمصائر البشرية "

ونلاحظ أيضا أن الشاعر المسعودي تجاوز التبشير باليوتوبيا التي بناها لمدينته المفترضة إلى تفكيك بنية الهيمنة ونقد المركزيات بل وكشف ألاعيب اللوغوس ومركزية الشاعر المطبوع " وهو الشاعر الذي لا زال يرى في القوالب الجاهزة المعطاة قبليا منتهى الإبداعية " ، وهذا المضمر يتضح لنا من خلال نصه " رماد الحلاج " من مجموعة " يختفي في القرى" حيث يقول :

" متى أذن

نطوف لا كصنمين في ساحة النبوة

بل نهرين يتقاذفهما العالم

ببراءته "

فهو هنا ومن خلال مأساة الحلاج يتماهى معه ضد كل الشعر ألصنمي المؤسساتي معلنا أيضا رفضه لكل التقاليد الشعرية البالية ، والحقيقة أن الأنساق المضمرة وبكل تمفصلاتها تبقى متنوعة في فضاءات النصوص وتبقى مرجعيات الناقد الثقافي هي الميكانزم المهيمن أيضا في اجتلاب ما يراه مناسبا من بنية المضمر إلى بنية المرئي .

 

اليوتوبيا الرعوية للنص في مجموعة هكذا اعلق جنائني للشاعر صلاح حسن السيلاوي

amar ibrahimalyasiriشهد المنجز الشعري العالمي وعلى مديات تشكل الوعي لديه، ظهور نصوص شعرية حاكت الطبيعة وعلى مختلف تشكلاتها، وكانت النصوص المهمة فيها شهدت نوعا من التماهي الروحي والفكري وأحيانا البوهيمي من قبل صاحب المنجز والطبيعة، إن العودة إلى الطبيعة أو الهروب إليها أو حتى الالتصاق بها هي محاولة لبناء عالم مثالي مع هذا المكان البعيد عن صخب الحياة في المدن الكبرى وازدحام طرقاتها وأزقتها، وقد اعتمد هؤلاء الشعراء على قاموس لغوي مشتق من تلك البيئة الطبيعية التي أحبوها، وعاشوا أو تمنوا أن يعيشوا فيها، وأُطلق عليهم الشعراء الرعاة، أو الشعراء الرعويين، وأطلق على شعرهم شعر الرعاة، أو القصائد الرعوية.

ويعد الشاعر القديم ثيوكريتوس المولود حوالي عام 310 ق.م في جنوب إيطاليا من أهم شعراء الرعاة في زمانه، فقد كان شعره "تعبيرا عن رغبات ملحة أحس بها أبناء عصره الذين ضاقوا ذرعا بالحياة في المدن الكبرى و صخبها، فأحبوا الريف وتاقوا للحياة البسيطة وحسدوا الرعاة على حريتهم، يقول الشاعر ثيوكريتوس في أحد نصوصه الرعوية ("والآن يا نبات العليق المتسلق ليتك تزهر بنفسجا، ويا ليتك أنت أيضا أيها العوسج تحمل أزهار البنفسج! ليت زهور النرجس الخلابة تنبت فوق شجر العرعر)، ومن هنا نتحسس المفردات الرعوية وهي تتحول إلى دلالات منتجة للمعنى في فضاءات النص .

وقد جاء بعد ثيوكريتوس العديد من الشعراء الرعويين الذين تغنوا بالطبيعة، وأسهموا في تأسيس المدرسة الرعوية في الشعر العالمي، ومن أهم هؤلاء الشعراء: فرجيل (صاحب الإنيادة) ووليم بليك، وجون ملتون (صاحب الفردوس المفقود) ووردزورث،

ويرى بعض الدارسين للشعر العربي، أن الشعراء القدماء الذين عاشوا في البادية العربية وتغنوا بالصحراء والجِمال والليل والنجوم من أمثال: امرؤ ألقيس، وذو الرمة، وعنترة بن شداد، يعدون من الشعراء الرعويين، بل بعضهم يذهب إلى أن الكثير من قصائد البحتري وأبي تمام تنتمي إلى القصائد الرعوية.

وإذا انتقلنا للعصر الحديث، سنجد شعراء من أمثال: جبران خليل جبران (وخاصة قصيدته المواكب)، وإيليا أبو ماضي، وميخائيل نعيمة، ورشيد سليم ألخوري، (الملقب بالشاعر القروي). ومحمود حسن إسماعيل (وخاصة في ديوانه أغاني الكوخ)، وحسب الشيخ جعفر، وعيسى حسن الياسري، وغيرهم.

وبطبيعة الحال تطورت للقصيدة الرعوية من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى أخرى، وخاصة في مجال التكنيك أو في مجال معمارية البناء الشعري.

وفي مجموعة "هكذا اعلق جنائني" للشاعر صلاح السيلاوي، يحاول الشاعر اقتفاء أثر الشعراء الرعويين، أو الانتساب إلى مدرسة الشعر الرعوي، ولكن من خلال منظورها الشعري الخاص، ومعالجتها الشعرية المختلفة، ضمن قصيدة النثر.

يقول الشاعر في قصيدة " هكذا اعلق جنائني والتي اتخذت المجموعة منها عنواناً لها :

طفولتي ...

يا تماثيل الطين المعجونة بدموعي

يا قرى النمل

وهي تسرق النوم

والعنب من أحضاننا .

لن نحتاج إلى تحليل اللغة في هذه القصيدة، لنكتشف أنها تنتمي للشعر الرعوي، أم لا؟ فكل مفردات القصيدة توحي بذلك، ولكن علينا أن نحلل الاشتغال ألعلامي في الصورة المرسومة في السطر الثالث (ياقرى النمل) الشاعر هنا لم يتغنَ بالطبيعة فقط بل اشتغل على الانزياح عن المعيار الشعري فقد اتخذ لقرى النمل معنى أخر غير المعنى الظاهر، معنى يشتغل على عدة تأويلات تتكيف مع بنية التأويل لدى المتلقي، ونرى في مكان اخر في نفس القصيدة:

يا عنبة التل

أوصي جذورك

إلا تخترق قلب أمي

يا أبي يا زمزم زمزميتي

ماذا حصدت من عنبر العمر غيري .

الشاعر هنا لم يجعل من مفرداته عناصر للتغني بالطبيعة فقط بل اشتغل على البناء الدرامي المتخم بالدلالة التي يفجرها الصراع بين عناصر الطبيعة وبين عالمه الذاتي، فهو يخاطب الطبيعة والتي هي الأم الأكبر أن تكون رحومة بأمه المباشرة، وكذلك حينما يذكر أباه نجده يتخذ من مفردات الحرب كالزمزمية بناءا دلاليا يشتغل على رفض الحرب التي أكلت من عمره الكثير والتي هي على الضد من الطبيعة التي تشير إلى الخصب والنماء .

وعلى الرغم من أن الشاعر خارج من جلباب الشعر الرعوي، إلا أنه يثور على كل السلف من الشعراء الرعويين السابقين فينقض ما حاولوا بناءه من قبل، ولعل عنوان المجموعة "هكذا اعلق جنائني"،  يشي بالروح العامة المسيطرة على قصائد الديوان كلها، تلك الروح المنبثقة من إحساس الشاعر والتي تقف عند مفترق الطرق الشعرية، ما بين القديم الرعوي الذي جسده الإباء والأجداد في قصائدهم والجديد الرعوي الذي يتطلع إلى إنجازه، ويحمل بصمته الشعرية فهو ابتعد عن التوصف الظاهر للطبيعة أو التغني بها أو التصويرات السابقة لمشاكل الرعاة وتطلعاتهم بل اشتغل على المنظومة العلامية للنص الرعوية محاولا خلق يوتوبيا جديدة للإنسان المتأزم بكل خيباته ورغباته المؤجلة فراه يقول في قصيدته رحيل ضمير:

هناك

على بعد شاة عن الذئب

كانت كلماتك تتسلق اعلى شجرة

وكان البئر عثرتك الدائمة

تعرف قمصان أخوتك الملطخة بأسمائهم .

وكذلك نلاحظ توظيف الموروث القرآني المتماهي مع مفردات الطبيعة من اجل خلق بنية درامية تشتغل على طرح أسئلة وجودية قلقة حول الذات المغتربة والاستلاب الروحي من خلال تشكيل عناصر البناء الدرامي ومنها خلق الصراع مابين الشاة والذئب، والبئر والأخر الذي يخاطبه الشاعر .

لقد استطاع الشاعر صلاح السيلاوي أن تُخضع عالم المفردات الرعوية لرؤيته الخاصة، وأن يتخلصَ من السلطة الرعوية للشعراء السابقين عليه، وتأسيس سلطته الخاصة، وقد استفاد الشاعر من التحولات المعرفية والتراكمات الجمالية للأمكنة التي عاقرها وخرج منها بأسئلة قلقة والتي تمت الاشارة سابقا.

إن قصائد الشاعر لم تعد ساحة صراع بين مفارقات الانتماء وتناقضات الاغتراب، في مستوى اللغة والشكل والمعنى عن المكان فحسب ؛ بل هي تظاهرة هائلة لاجتماع أنساق ذلك الصراع كافة، ولامتزاجها في حاضنة جمالية وفنّية تعمل دون كلل ودون رتابة، ورغم ذلك ظلّ وفياً لأطوار ذلك البدوي الجريح الحزين المتمرد الثائر، وإنّ الأصوات العديدة المتغايرة التي تكاثرت في قصائده وتبادلت الأدوار بقيت بدورها كفيلة بصيانة حيوية الإيقاع وضمان كسر الرتابة فنراه يقول في قصيدته يرعى ما يراه :

لست وحدي

أتصنت إلى عروق هذه الوردة

ثمة فلاح غاطس في النهر إلى إذنيه

وآفاق تضع

أذانها على أطراف السعف .

 ومن هذا كله نرى أن نصوص صلاح السيلاوي ترتقي وتشتغل ضمن معادلة مهمة هي، أنه كان حامل مخيلة رعوية مديدة ثاقبة الرؤيا والحساسية، وبصيرة تصويرية وتشكيلية خارقة، وظفهما في البناء الطوباوي لمدينته الجميلة؛ وأن هذا الخزين الشعري المتفرد لم ينهض امتيازه على أوهام حداثة نخبوية جوفاء، أو ألعاب تجريب مجانية انعزالية من جهة ثانية، بل على معادلة صنعت قسماته الشعرية الخاصة المعتمدة على الحداثة والتجريب الشعري بوعي متقدم والتي أفردت له مكانة عالية في المشهد الشعري العراقي منذ نهايات القرن المنصرم وبدايات الألفية الثالثة، كما ضمنت له صوتاً متميزاً راسخ السمات في حركات التجديد الشعري العربية والتي تشكلت منذ أواسط الستينيات ومطالع السبعينيات من القرن المنصرم.

 

الشكل والمضمون في "مقامة العيد" لابن مرابع الأزدي

alhasan alkyriإهداء: هذه الدراسة المتواضعة مهداة إلى روح المستعرب والعلامة الإسباني فرناندو دي لاغرانخا سانطاماريا (1928 - 1999) نظرا لمجهوداته القيمة في مجال دراسة وتحقيق التراث العربي من فن الطبخ إلى فن المقامة التي ظلت من اهتماماته الكبرى، إلى أن لبى نداء ربه راضيا.

 

تمهيد

سنحاول في هذه الدراسة أن نعالج جنسا أدبيا نثريا حكائيا عربيا قديما، يكشف عن فرادة وتميز الأدب العربي، ألا وهو فن المقامة. وهو جنس/ نص أدبي له مقوماته البنيوية والجمالية ووظائفه المتنوعة؛ وهكذا، فبعد تقديم نظرة موجزة عن ماهية هذا الفن وتاريخ ولادته في الثقافة العربية والتمثيل له بأهم الأسماء التي برزت فيه، سننتقل إلى تحليل مفصل لنص مقامي (نسبة إلى المقامة)، نقف فيه وقفة واعية عند شكله ومضمونه. هذا النص المقامي الذي سنشتغل عليه ينتمي إلى الأندلس وصاحبه هو ابن مرابع الأزدي، أما عنوانه فهو: "مقامة العيد". وهو مأخوذ من كتاب "الإحاطة في أخبار غرناطة"  لذي الوزارتين ودفين الباب المحروق لسان الدين بن الخطيب. كل ذلك نقدمه وفق الشاكلة الآتية:

 

1 - نظرة تاريخية موجزة عن فن المقامة

أ -  ماهية المقامة

هي أحدوثة من الكلام تشبه قصة قصيرة بطلها وهمي والراوي وهمي أيضا. ويشترط في البطل الوهمي أن يكون موصوفا بالحيلة والخداع والتمويه. وتظهر القصة مآزق الحياة وكيفية التخلص منها. وتستخدم أيضا لإظهار البراعة اللغوية والأدبية.(انظر "تاريخ الأدب العربي" للأب حنا الفاخوري، الصادر سنة 1951).

 

ب - ميلاد فن المقامة

يبدو أن بديع الزمان الهمذاني ( توفي سنة 398 ه) هو واضع هذا الفن في شكله الفني النهائي والخاص والفريد. وقد قيل إن هذا الفن قد نشأ  انطلاقا من ذيوع وشيوع وانتشار القصص والأخبار وظهور أشكال التزويق والتنميق في علمي البيان والبديع (انظر عمل كبير المستشرقين الألمان كارل بروكلمان الموسوم بعنوان "تاريخ الأدب العربي" الصادر مجلده الأول سنة 1898).

 

ج - أهمية المقامة

يبدو أن المقامات تختزل لنا، ولو بصورة جزئية، الحياة السائدة في عصرما من العصور. وتتميز المقامات بوظيفتها التعليمية وقيمتها البيانية اللغوية.

 

د -  أشهر كتاب المقامات

من أبرز من كتب في فن المقامة فأبدع وأمتع وأقنع نجد المذكور اسمه أعلاه بديع الزمان الهمذاني (ت 389 ه) وأبو القاسم الحريري (توفي سنة 516 هـ) وذلك أيام الدولة العباسية في عصورها الأخيرة. أما في عصر ما يصطلح عليه ب"النهضة العربية" فنقف على أسماء من قبيل الشيخ ناصيف اليازجي (ت 1871م) كرأس من رؤوس هذا النوع الأدبي العربي القح الذي سيمحي لتخلفه القصة والرواية في الزمن الحديث كما نعلم. وقد عرفت المقامات انتشارا واسعا أيضا في الأندلس والمغرب وتونس وغيرها من البلاد العربية لكن بدرجات متفاوتة.

 

ج -  تأطير مقامة العيد

بالنظر إلى المعطى البيوغرافي، يبدو أن هذه المقامة لابن مرابع الأزدي قد كتبت في النصف الأول من القرن الرابع عشر  الميلادي (14 م)، ذلكم أن صاحب "الإحاطة في أخبار غرناطة"  وابن مرابع  قد عاشا في نفس العصر تقريبا: الأول توفي سنة ( 1374 م)  في حين توفي الثاني سنة ( 1372م). هذا من حيث الفضاء الزماني  أما من حيث الفضاء المكاني فإن أحداث هذه المقامة تدور في بقعة جغرافية أندلسية، وبالضبط في جنوب الأندلس ألا وهي مدينة غرناطة (Granada).  ومجرد استنطاق الزمان والمكان هنا يؤدي بنا إلى استنتاج فكرة رئيسة عن السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي كتبت فيه هذه المقامة. ونعني من بين أهم ما نعنيه تضعضع سدة الحكم  بالأندلس والخطر المتزايد يوما بعد يوم على مملكة غرناطة كآخر معقل للمسلمين هناك، والهزائم الكبرى التي حصدها المرينيون (Los merínidas) في هذه البلاد على يد الجيوش المسيحية وخاصة جيوش الملكين ألفونسو الحادي عشر وصهره ألفونسو الرابع ملك البرتغال. وتمثل معركة "الواد المالح" سنة 1340 م  النموذج الحي والواضح والفاضح حول ما نحن قائلوه ها هنا.

 

مصدر مقامة العيد

لقد سبق وأشرنا إلى كون هذه المقامة مقتطفة من مصنف: "الإحاطة في أخبار غرناطة" وهو أحد أهم الكتب التاريخية . ومؤلفه هو الأديب الأندلسي الأريب لسان الدين ابن الخطيب. وينصب موضوع الكتاب حول الحديث عن تاريخ غرناطة آخر معقل إسلامي سقط في الأندلس. وهو عبارة عن موسوعة تؤرخ لكل ما يتعلق بهذه المدينة من أخبار وأوصاف ومعالم تاريخية لعل في مقدمتها قصر الحمراء.هذا وقد عني الكاتب بتغطية جميع الجوانب الجغرافية من مواقع وتضاريس، والجوانب الفكرية والاجتماعية (تاريخ من نزل بها منذ عهد العرب الأوائل - من مر بها من الكتاب والشعراء والأدباء والوزراء والمتغلبين - ترجمة لأكثر من 500 شخصية مهمة في تاريخ المدينة -...)؛ غير أن الملاحظ على ابن الخطيب في كتابه عدم التقيد بالترتيب التاريخي للعصور والحوادث والأشخاص، وإنما هو يلتزم بالترتيب الأبجدي للتراجم. وقد طبع الكتاب لأول مرة سنة 1901 في القاهرة، ثم أعيد طبعه سنة 1956. (هذه المعلومات مستقاة من موسوعة: ويكيبيديا).

 

هـ - وقفة مع شكل مقامة العيد

بادئ ذي بدء، نقصد بالشكل (La forma) هنا ما يلي:

-التمظهر الخارجي السطحي  لهذا النص الإبداعي.

-التشكل والتشكلن والانجلاء والتجلي الخارجي للمضمون.

-الطرائق والأساليب والإواليات  والميكانزمات والتقنيات والأدوات والأسس التي يرتكز عليها مبدع ما لكي يوصل أو يبلغ معنى أو رسالة ما إلى مرسل إليه ما في سياق ما.

و عليه، سيكون همنا الأكبر  وشغلنا الشاغل في هذا المستوى هو عملية الإنصات الحذر للنص  وتقصي عباراته  وتتبع وجرد إوالياته لكي نقبض (هل نستطيع يا ترى؟) على أهم ممتلكاته التقنية التي ينكشف بها المعنى. أي أننا سنجيب في هذا المقام على سؤال مهم جدا هو: كيف يقال ما يقال؟ وليس: ما الذي يقال؟

تجدر الإشارة إلى أننا لا ندعي تقديم تحليل جاهز ناجز وجامع مانع، لأننا مهما ادعينا ذلك سننهزم حتما أمام جمالية وقوة النص الإبداعي وقدرة اللغة كذلك على الانفلات والتمرد والتأزبق والروغان والدوران.

أولا، من الناحية المورفولوجية (La morfología) يبدو أن هذه المقامة "العيدية"، قيد التحليل،  لا تخرج عما ألفناه عند رواد هذا الفن القصصي، ذلكم أنها تجاري أغلب المقامات  في الطول مثلا: وهكذا نجدها تتكون من 130 سطرا وفي كل سطر تقريبا 10 كلمات أي بمعدل 1300 كلمة في المجموع. أيضا يمكن أن نلاحظ ورودها نثرا، حصريا، عكس بعض المقامات الأخرى التي دأب أصحابها على إدراج أبيات شعرية فيها ( انظر مثلا  "المقامة العلمية" للهمذاني و"المقامة الصنعائية" للحريري نموذجا).

و تتمفصل هذه المقامة إلى 5 تمفصلات كبرى نوردها حسب وجهة نظرنا الشخصية كما يلي:

1 - شد الراوي لفضول المتلقي.

2 - عتاب الزوجة لزوجها منذ دخوله المنزل وتحفيزه على الخروج للبحث عن أضحية للعيد اقتداء بالجار.

3 - خروج الزوج للبحث، والذي بعد تعب ونصب يستطيع أن يظفر بتيس من جزار.

4 - هروب التيس ومحاكمة الزوج وإرجاع التيس له بعد كفالة وحمله إلى الدار مباشرة.

5 - فرح الأولاد واهتمام الجيران مقابل عتاب وعقاب وقلق الزوجة التي لم ترض بهذه الأضحية، لتنتهي المقامة نهاية مفتوحة نستشف من خلالها أن البطل سيتوجه بإيعاز من الزوجة إلى المولى أبى سعيد بن نصر الرئيس.

و المتأمل في هذه المقامة، كذلك، يرى أنها لا تخرج عن المألوف ولا تخرق أية قواعد خاصة فيما يتعلق بالقيمة البيانية البلاغية للمقامة، باستثناء، طبعا، بعض الخصيصات القليلة جدا والتي سنشير إليها عندما يحين الحين.

و لما كانت مقامة العيد تنتمي إلى كاتب ينتمي بدوره إلى عصر تدهور وانحطاط وانقسام وتضعضع وانهيار وتقهقر للأوضاع الثقافية إجمالا، فإن شكل هذه المقامة غلبت عليه الزخرفة والتنميق  وضروب من التزويق والتوشية والتطريز والموسقة، كما حدث بالفعل مع الحريري ( ت 516 ه) بصفة خاصة. وسنمثل الآن لتلك الميكانيزمات التي يرتكز عليها كاتب هذه المقامة من أجل أداء معانيه. كل ذلك سيتم وفق الشاكلة التالية:

أ - الجناس: (La homonimia)

و يعني عند البلاغيين اتفاق الكلمتين في كل الحروف أو أكثرها مع اختلاف في المعنى. ونمثل له ها هنا ب: أيادي / نادي، أسماع / استماع، الألبا / الأحبا..

ب  - السجع:(La asonancia)

و هو أيضا ظاهرة بلاغية بديعية تنتج عن الفواصل الكلامية المقفاة غير الموزونة، وتتخذ هذه الفواصل مثلا الشكل التالي:

بنية أ  + بنية ب // بنية أ + بنية ب.

و هو يحضر بكثرة في هذه المقامة ونمثل له بما يلي على سبيل الاستئناس لا الحصر: العاكف البادي // الرائح الغادي.

ج - الطباق: La antonimia))

و هو بدوره ظاهرة بديعية خالصة ويفيد التضاد. وقد يكون طباق سلب أو طباق إيجاب، ومثاله هنا: الرائح ≠ الغادي.

د - التشبيه: ( La comparación)

و هو ظاهرة بيانية هذه المرة تقوم على علاقتي المشابهة والحضور. إنه يسود في هذه المقامة كثيرا. ومثاله: يرغو كالبعير، ويزأر كالأسد.

ه - الكناية: (La perífrasis)

و هي في أبسط تعريف لها تعني معنى المعنى أي الإحالة على معنى ثان وليس الأول بتركيب ما لغاية ما في مقام ما. ومنها على سبيل المثال ها هنا: "...عودت أكل خبزك في غير منديل، وإيقاد الفتيل دون قنديل، وسكنى الخان وعدم ارتفاع الدخان..". وهاته كنايات عن الفقر والعوز والفاقة والارتحال الدائم والوحدة والجوع وعدم الاستقرار.

و - التشخيص: (La prosopopeya)

و هي صورة بلاغية يتم  فيها تنزيل الأفكار والمعاني منزلة الأشخاص. كما تنسب إلى الجماد والحيوان والنبات أوصاف بشرية. ومثال ذلك هنا دائما: صرخ التيس.

هذا وقد لجأ الكاتب أيضا إلى تقنيات أخرى منها:

أ -  ضرب المثل: (Los proverbios)

لأن الأمثال موجزة وموصلة للمعنى والموعظة والعبر. ومثالها: ليس الجد من الهزل.

ب - المبالغة: (La hipérbole)

و نقصد بها الإفراط في وصف شيء ما لأمر ما ومثلها من المقامة:"... غير أني رأيت صورة دون البغل وفوق الحمار وهيكلا يخبرك عن صورة العمار...".

ج -  التناص: (La intertextualidad)

و نقصد به ذلك التصادي الذي يحدث بين النصوص إن بطريقة صريحة أو غير صريحة. ونجده هنا غير واضح وليس تاما بل يترسم خطى الأصل ومثاله:"... لعله فر لأمه وبنيه وصاحبته وبنيه..."؛ ويبدو الاحتكاك  مع النص القرآني واضحا في هذا السياق الدلالي.

د - حضور الأبنية الغريبة: (Las raras construcciones)

و هي ظاهرة شائقة رائقة في فن المقامة وتكشف بشكل واضح عن تمكن وقدرة البطل من استعمال اللغة استعمالا جيدا. وتكتسب أهمية خاصة هنا في هذه المقامة وهذه هي الخصيصة الكبرى التي ألمحنا إليها سابقا. ومثالها هاهنا: فايدة / عايدة / الألبا / الدنير.

و - تحليل مضمون مقامة العيد

سنتعرض في هذا المستوى لما يقال أي المعنى أو  تلكم المادة الحكائية أو المحتوى الذي يتم التعبير عنه بالإجراءات  والإواليات الآنفة الذكر. ويتعلق الأمر هاهنا بتيمة ( موضوعة) شائعة في الحياة الثقافية العربية والإسلامية، ومطروقة ومستهلكة في معظم أبواب المنثور والمنظوم. إنها سنة استنها للمسلمين جدنا إبراهيم عليه السلام، وهي تيمة أو موضوعة "عيد الأضحى" أو عيد الكبش كما يسميه الإسبان عندما يتحدثون عنا (La fiesta del cordero). وتناول هذه التيمة في هذه المقامة  يجعلها تتسم وتطفح بأبعاد نفسية واجتماعية وفكاهية منفردة جدا. إن هذا الأمر يجعلنا، وقبل كل شيء، ندرج هذه المقامة في صنف " المقامة الاجتماعية الفكاهية" وفاء لبنية وخلفية الأدب الشطاري أو أدب الكدية (La literatura picaresca). ( انظر في هذا السياق بحث الدكتور إسماعيل العثماني: "الأدب الشطاري: تعريف جديد لأدب قديم". وهو بحث لنيل شهادة دكتوراه الدولة من جامعة أمستردام بهولندا سنة 1995. وهم بحث مكتوب باللغة الإسبانية). وهكذا يتضح منذ التمتمات الأولى  للراوي أن البطل المكدي يكشف لنا عن وضع اجتماعي مترد جدا. فهو مستجد أي ساع ( شاكر الأيادي) وماهر بالكلام، ومسكين يؤمن بحماقة الإنسان الرائعة ( انظر شكسبير من خلال مسرحية "عطيل")، أقصد العقيدة الجبرية. وهكذا نستشف أن هذا البطل المسكين يريد أن يحمل السماوات والأرض خيبته وعجزه ولا جدواه حين يقول: " وأنا والله لا أعرف في التقليب والتخمين ولا أفرق بين العجف والسمين ...أروم الإطاعة من غير مطيع". هذا الأخير، ينحدر أيضا من خارج المدار الحضاري، آنذاك، وقد يبدو أنه بدوي بدليل وجود السوق/ البريح/ الباعة/المحتسب/ الأمين. وهو أيضا ضعيف الشخصية وله بنية نفسية سيكولوجية هشة بدليل أنه يخاف من زوجته كما " تخاف صغار النعاج الذئاب". هذا دون أن ننسى، في نفس السياق، دائما أن هذا المكدي معيل أي له عيال، وهو وهم والزوجة، مغلوب على أمرهم لقلة ذات اليد: " ضمت بنتها وولدها وولولت .. ونضيف أن هذه الأسرة يغيب عنها التفاهم والتناغم والانسجام.ناهيك عن بنية هذه المقامة المفتوحة (La estructura abierta) والخطية (lineal) والتي يمكن أن نقسمها إلى حكايات صغرى ضمن حكاية كبرى أي إطار. والدليل على انفتاحها عدم وجود نهاية واضحة المعالم  لها مثلا؛ بحيث يمكن أن نتفنن في وضع ما لا نهاية من النهايات لها حسب أفهامنا وأوعائنا. هذا علاوة على النقد الذي يوجهه البطل المكدي، ولو بصورة غير مباشرة، إلى ذوي السلطة ( انظر صورة الشرطي الذي يطلب منه أتعابه)، ثم (الإشارة إلى شحم كبش الخطيب كرجل دين مثلا).

و الواضح أن البطل هنا وهو إذ يسرد حكاياته المتقطعة والمستطرفة والمثيرة للضحك والدعابة والهزل في نفس الوقت، قد ابتغى منها قنطرة فنية لكي يحقق مأربه الأمجد وهدفه الأوحد ألا وهو الظفر بأضحية من الرئيس أبي سعيد بن نصر. وهو ما تم التلميح إليه في بداية ونهاية هذه المقامة "العيدية" أي نسبة إلى العيد كما نعلم.

و تبدو المرأة العربية المسلمة الغرناطية (La mujer Granadina) كركيزة رئيسة  في الأسرة العربية عموما والأندلسية خصوصا، إذ هي محافظة على القيم ومتشبثة بالأصول وغيورة ومحفزة وقوة دافعة للزوج من أجل فعل الواجب واللازم بالإضافة إلى طموحاتها الكبيرة.

 

خلاصات عامة

نستنتج مما سلف أن "مقامة العيد" لابن مرابع الأزدي يمكن اعتبارها، فعلا، صورة جزئية ومصغرة عن الحياة الثقافية عموما التي كانت سائدة في فترة حرجة من فترات التواجد الإسلامي بالأندلس  خلال القرن الرابع عشر الميلادي.و قد اعتمد الكاتب ابن مرابع الأزدي في كتابتها على عدة إواليات تقنية، كما أسلفنا، والتي لا تحيد في منظورنا عن إواليات كتابة فن المقامة كما عهدناها من ذي قبل . هذا من حيث مبناها، أما من حيث معناها فهو مطروق  ومستهلك في أغلب أبواب الأدب شرقا وغربا (أقصد الغرب الإسلامي). ونقصد بالمعنى أو المضمون ما يقوله هذا النص المقامي حول التيمة المعالجة ألا وهي تيمة أو موضوعة "العيد".على ألا يعني هذا أن الطقوس المصاحبة  لهذه المناسبة الكريمة وما يتخللها  من (أجواء احتفالية وصراعات ومشاكل عائلية أحيانا) قد انتهت وتوقفت بانتهاء التواجد الإسلامي بالأندلس؛ بل على العكس من ذلك، بقي ويبقى وسيبقى عيد الأضحى مناسبة كبرى  تطبع الهوية وتسم الكيان العربيين الإسلاميين في الزمان والمكان أبى من أبى وشاء من شاء. غير أنه يبدو أن مفهوم العيد (عيد الأضحى) بدأ في أيامنا هاته يصطبغ بصبغة خاصة وبدأت توازيه الخيبات والاندحارات الثقافية والسياسية والاقتصادية والتأخر الاجتماعي والترهل العسكري والكساد الاقتصادي لدى الأمة العربية الإسلامية. ونموذج ذلك نهش الذئاب للعراق، وتذبيح السوريين والمصريين والتونسيين من طرف من كانوا مؤتمنين على حمايتهم، ثم طغيان ثقافة التسويق والبهرجة وغلاء المعيشة ومن ذلك عذاب الحصول على الأضحية ونحن في أيام الأضحية، ومن يدري ما ستأتي به السنون. واستنطاقا للسر المكنون نتساءل هاهنا مع أحمد بن السقاء أبي المحسد، أبي الطيب المتنبي العملاق والحكيم المجنون في داليته التي أطبقت شهرتها الآفاق، يقول:

عيد بأية حال عدت يا عيد  ***  بما مضى أم بأمر فيك تجديد

 

باحث في الترجمة والتواصل – الدار البيضاء – المغرب.

 

مراثي الزمن الموبوء .. قراءة في المجموعة القصصية (أحفاد العروس) للقاص كريم عباس زامل

abdulzahra lazemبدءاً بمقدمته التي تعد فصلاً تاريخيا يطفو عليه نعش الوطن في أيام كانت تشتد  ضراوة ورعباً، التاريخ الذي أبتدئه القاص المبدع (كريم عباس زامل) في مقدمته لكتابه القصصي (أحفاد العروس) المطبوع في سوريا، دار تموز للطباعة والنشر وعلى نفقة مجلس محافظة البصرة، يعد أسطورة للدال والمدلول لرجال وقفوا أمام التيار الهادر والنزيف الدموي وهراوات المتخاذلين والقابعين وفي أقبية النظام الوحشي الدكتاتوري !

هذا الحلم والملكوت الذي كان يتملكه القاص ويؤمن به إيماناً كبيراً جعله يتذكر ويخط مقدمته التاريخية لأبناء جيله الذين سجل معهم أروع موقف ما يزال يدق أبواب التأريخ الذي يتذكر أمثالهم ممن وقف بوجه التيار وأشهروا سيوفهم واقلامهم بوجه الظلم أنذاك إيماناً منهم بأن الظلم دائماً ما يكون نهايته الخسران والفناء وتظل راية الحق خفاقة على ربوع وميادين العظماء وتأريخهم الشاهد والمصور لحالات الوطن الجريح في كل زمان ومكان !!

إرهاصات القاص كريم التي تسير حافية الأقدام على مسامير الأعداء وأشواك الحاقدين مصممة الوصول إلى جرف الأمان والسلام، استطاعت بصمودها الذي ارعب الدخلاء على التفنن بمحاولات التعذيب والقتل والفناء، منحته إيماناً راسخاً ودلالة واضحة في استعارة عقله الشارد وراء الأحداث والحضور الكوني والتفتح على نشر أقاح الزهور المتفتحة في أيام الخوف والهروب من عيون الرقيب الأمني يوم ذاك !!

تثير قصص مجموعة القاص كريم هذه مجموعة من الدلائل والشواهد النقدية التي تفنن بها أبداعياً وأنسن مفرداتها بعفويته الجنوبية الراسخة وأسلوبه المبدع على ذكر وتسطير هذه الدلائل وصورها وحسب تسلسلاتها ومداخلاتها التاريخية  ومواقفها البطولية أمام شراسة السلطات الفاشية آنذاك .

هذه الدلائل تتوزع في فكره الشارد بين الإحساس  بالحب والحنان لتلك الأرواح البريئة التي ذابت في أحواض تيزاب النظام الفاشي ومقاصل إعداماتهم، وبين العزلة المفروضة عليه وجماعته التي ما زالت تلبس أردية الدروب الظليلة القابعة بالخوف والإرهاب وملاحقات العيون التي تسربلت بالعيش الرخيص والذلة بين أحضانهم .

عبر هذه الرموز السحرية وفك مدلولاتها ندخل هذا الميدان في ظلال أروقة مملكته القصصية للبحث معاً عن مداخل لحل تلك الإرهاصات والخوض فيها للوصول السليم إلى الحلول الناجعة لتلك الاستعارات الرمزية في قصص المجموعة ! 

في قصته الأولى (وجوه ضائعة) وعبر رموزها الدالة على الضياع والرحيل في صحراء صامتة الحصى والتلال ومطاردة الخوف والعزلة والعنف الجماعي الذي يلتصق بأجسادهم الدبقة أثناء طوافها في مداخل نهارات من الأسى والملاحقات والخوف من العيون الشرهة، عبر هذه المدلولات الصامتة كصحرائها والشاحبة ببعد الحياة عنها يسعى القاص المبدع أن يطوف مع كل ذرة رمل من رمالها ليكتب سمفونية الحياة ويعزفها للقارئ المتلمس ويشدو بكينونته الأبدية التي ترتسم أمام مخيلته التي أتعبتها السنون والحياة القاسية ضمن خصوصيات التعسف الذي لا يعي للحياة من معنى !

في فكره الرابض في مداخل الأحداث وما يريد أن يتوصل إليه في مغالق قصته الجميلة وهو يتسلسل عبر متاهاتها وشجوها وبؤسها وإرهاصات فؤاده الظامئ لما بداخله من الخوف والعزلة لمجتمعه وشعبه الذي يأن ألماً في أتساع شروده الدامي عبر صحراءه القاحلة، والتي يختمها بوجه أمه التي تكتسح الأرض كما يقول :

(أرى عبر المسافات وجه أمي تكتسح الأرض وتنشر بين طياتها بذوراً سوداء ناعمة تخرجها لنا بعد سنوات ..) ص 21

وهو يتحسس قراءة التقاسيم الحادة في تجواله الداكن بين رموز قصته و وجوهها الضائعة يتميز القاص كريم بعبوره الشجي الذي يألفه في خضم هذا التجوال بين الدهاليز المظلمة التي تبتلع كل شيء لديه !

فمن حيدر إلى مرثية أبي رحلة شاقة يبديها لنا القاص عبر متاهات سفنه وهي تمخر عباب البحار المظلمة حيث ينتهي إلى أرض لا يعرف عن مدلولها ولا عن أهلها ولا ماهيتها التي تبدو له خالية من كل شيء !!

ويحدو القاص حداءه الأخير عندما ترك دفاتره فوق سياج المدرسة واتجه إلى جهة غير معلومة، إنه يبحث عن شيء مفقود بنظره، يبحث عن صورته التي اباح للزمن أن يبحث عنها، بينما أخذته الرياح بعيداً في أصقاع لا يعرف شماله من جنوبه، إنه يبحث عن ماذا؟ لا يدري !

لقد خسر كل شيء كما يقول :

(.. خسرت كل شيء، الجثة ومذكرات البحر الأخيرة، والدليل الوحيد لربان السفينة  ..) ص 32

وفي أوراقه المتناثرة حوله في مكان تعلوه الرطوبة ولزوجة البلاط  والهواء المتعفن يعصف بروحه الموزعة حول فعاليات الأحداث والروائح المنبعثة من بين السطوح تسري في أسلاك دمه نحو فراديس من أحبهم وهم يعبؤون أرواحهم نحو الأبدية فيقول :

(وهذا هو حواري الأخير، لم يتملكني الخوف، كان على يميني مهدي حسن نائماً هادئاً مطمئناً مذبوحاً بصمته)

ثم يبتهل ابتهاله الأخير حول نوافذ مراياه الصقيلة ويقول:

(إنها آخر أمنياته التي مات بها، ماتت سوزان، ومات مهدي حسن، ومات مهدي طه، ولم يحظر الفاتحة غير آخر العدميين) ص36

بهذه الترددات والصور المبدعة المكللة في مكنوناتها التعبيرية التي تنطلق بمستواها الخطابي والإنساني لما يكنه القاص من حبه المتوازن الذي يوزعه على رقعة وطنه المذبوح وهو يبحث عن إمكانات الخروج من سم الخياط الذي بات وليد هذا العمر الذي أوكله إلى عيون الأفاعي السامة التي تنطوي حول أعناق شعبه وأمته، فهو يبحث عن إشكالية تمكنه من حيازة الخطاب الواقعي الثوري الذي يبحث عنه لحل أزمات وطنه الجريح !!

من هذا الهيجان المرير والمخاض العسير يستجدي القاص المبدع إرهاصات عمره المكدود بين مطاردة لئام العصر الذين يريدون به وبشعبه الدمار والموت، وبين آلام أهله ومحبيه تحت هراوات الجلادين .

فالتحديد هنا لم يأت اعتباطا، بل جاء وليد حياة شاقة عاشها يوم بيوم وساعة بساعة، عليه انحدرت نصوصه وعبارات قصصه الجميلة  التي هي وليدة مداخلات عصيبة وساعات رهيبة مرًت عليه وهو يتحسس خيوطها وخلجاتها !

هذه الإرهاصات والشبق الذي ألفه القاص ومنحه السحر الذي يرسمه في خيوط وأوراق قصصه الجميلة ربما زاده قوة غامضة تمحورت في هذا السجال العنيف بينه وبين مداخلاته في الذكرى والحياة المريرة الشاقة، وهذا ما يشبه الاعتراف الحقيقي  بتلك الحقبة الزمنية القاسية التي عاشها وزملاءه بين جلادين عصره !

أنظر كيف يرسم لنا كريم هذا الألم واللوعة التي يغص بها قلب القارئ وهو يلج عودة الزعفران من منفاه إلى وطنه الذي تغرب عنه، ذلك الألم الذي يهيم به عبدالوهاب محمود وذكراه في محلته البجاري، تلك البويتات التي تحتشد في ذلك الزقاق الذي عاش وترعرع في أيام نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي آنذاك ! 

وهو يسلسل حالات الرعب والموت والتعذيب التي عاشها متنقلاً وزملاءه بين خفراء السجون بوجوه مصفرة وعيون غائرة، حيث تحتشد تلك الأجساد الخاوية في قطارات الشحن تطويها الفراسخ عبر المجاهيل ، يأخذك وأنت تقرأ هذه الحالات التي يدونها في مفكرته ذات الجلد الأنيق كما يقول، إلى عالم مصيري أخطبوطي أحاط بيديه ورجليه حول أعناق المثقفين من أبناء وطنه الجريح، وفرض التشرد القسري والإهمال والجوع والمرض للرابضين في دهاليز الخوف والعتمة !

بهذه الهوامش والسياق الذي يشكل به القاص هذه المداخلات وأسرار هذه الثلة من المناضلين الذي عاش معهم وألف نواياهم وشاركهم حتوفهم بتلك التصورات والخطوط التي يقدمها للقارئ على طبقه الذهبي لكي لا تنسى تلك الأيام العصيبة واللوعة الدامية التي عاشها أبناء شعبه وأمته !

في جل قصص هذه المجموعة الجميلة (أحفاد العروس):

(سور سليمان، فوبيا الأيمو، النوخذة، الشاهدة 10، صورة أدهم، مستشفى المجانين) وغيرها من القصص الأخرى في المجموعة يأخذك القاص كريم في سفرته الشاقة هذه، إلى عوالم تحس بها عوالم بعيدة تضج بمآسي الزمن الموبوء بالعزلة والتشرد وسلطنة وجبروت أناس لا تعي للحياة ولا لإنسانية من معنى، ويرسم لك صخب الاحتجاج والتذمر ووجع ا لأنكسار، هذه الرغبة في البحث عن كشف تلك الحالات المؤلمة والحياة البائسة التي عاشها وشعبه ضمن حقبة كبيرة من عمره، أراد بها القاص أن يضعها أمام القراء لكي لا تنسى هذه الأيام الوخيمة بأوجاعها ومساحاتها المحملة بالمرض والجوع والإرهاب !

بهذه المداعبات القصصية الجميلة أراد مبدعها أن يمارس قسوة مفرطة لمواجهة هذا السيل من الظلم والاستهتار، ويضع خطوط بينة لمواجهة تلك الحالات السامة ، أرى بتقديري المتواضع أن هذه المجموعة التي زاوج فيها القاص غنائية التشكيل والتركيب السحري الذي ينقلك به إلى عوالم من الدهشة والاستبصار للبحث عن حلول لتلك المأساة  التي عاشها شعبه في العقود الثلاثة المنطوية تحت حكم الجلادين وأن يضع لنا خيوط الاستدلال لمواجهة أي ظلم يعتري شعبنا !

لا أريد أن أستمر في تشريح جسد هذه المجموعة الجميلة بقدر ما أريد أن أوجه أنظار القراء إليها والتنزه في حدائقا الفواحة بعطر الزهور، والله أسأل أن يوفق الجميع لحمل راية الوطن عالياً خفاقة على ربوع الخير والمساواة ونبذ التفرقة العنصرية التي هي سلاح أعدائنا هذه الأيام !!

 

في البصـــ25/6/2013ـــــــــرة

 

مسرى الناي .. سِفْر الوجع المزمن

rahman khodairabasفي مجموعته مسرى الناي،يحاول الشاعر المغربي حسن المددي، ان يطل من كوة الشعر الى عوالم مسكونة بالقهر والقسوة والتمزق. وهي - اي المجموعة - تمثل توهجا لشاعر ينزف اغترابا. وهو يدري اكثر من غيره بمكامن الصدع، والوجع. لذا جاءت قصائده وهي تؤسس لذات مقهورة، في تمّاس مع الالم ولكنها لاتستكين لهذا الألم او تستسلم له، بل تحاول ان تقتحم معاقله، ربما تهزم مرات ولكنها تحلم بترويضه والأنتصار عليه :

" أنا مازلت هنا، لكنني بعد كل هذا البكاء

أشهد أنني قد حطمت كل أزلامي

واحرقت مملكة القصب " .

ثمة امر يلازم الشاعر وهو اعادة اكتشاف العوالم المحيطة به، سواء منها ما يلتصق به بشكل مباشر، او ما ينفصل عنه، مما يكوّن لحظته الشعرية الصميمة، ومن خلالها يستطيع ان يبني هيكله الشعري . بواسطة اكتشاف الأشياء والتقرب منها،مما يجعلها اكثر إلفة وطواعية  .  والشاعر المددي يمتلك تجربة حياتية متميزة . فقد عاش ايام طفولته وشبابه ظروفا مؤلمة، لقد رمته الحياة على رصيف الفاقة، حاولت ان تكسره وتجعله رقما في قائمة التشرد . لكنه امسكها من خاصرتها واجبرها على الأنحناء امام اصراره على المواجهة. ووكأنه يعلن عن معركة الوجود او العدم . أو كما صرخ هاملت في مسرحية شكسبير الشهيرة " ان اكون اولا اكون . تلك هي المسألة  " ولكن المددي اختار ان يكون، وأنْ يقبض على شرفات الحلم بكفه، ويصر على المواجهة: (قالت لي الشمس، حين حملت لها بروق دمي

   لاتبرح هذا الغصن ففي أرومته

تتوغل كينونة السؤال وصبوة الإصرار)

.دخل المدرسة في سن متأخرة،وكان يلتهم الحروف التهاما، يتهجى المعارف الصغيرة لتصبح عوالم كبيرة، عشق الشعر والأدب منذ سنوات المدرسة الأولى، كان يكتب بصمت ويقرأ بصمت، يعشق الكلمة ويذوب فيها . استطاع ان يحصّن نفسه ضد عوالم الأحباط والضياع . واقفا امام تيارات الخيبة، في سلوك من الزهد والعفة  . كنت اندهش من قابليته على فهم وادراك المعاني، وكنت استغرب قدرته على تذوق الشعر، فقد كان مولعا بالسياب ومغرما بالجواهري، ومتابعا لحركة الشعر في بلده المغرب. ادركت ذالك حينما كنتُ ارى بريق عينيه وهو يستمع بصمت الى قراءة الشعرفي الأقسام الدراسية. انذاك كانت نهاية سبعينات القرن الماضي حينما كان المددي احد تلامذتي المتميزين .ومنذ تلك اللحظة الزمنية الى الآن . جرت مياه كثيرة في النهر، واخذتنا السنوات تطوي بنا في ظل ظروف زمنية موغلة بالمخاوف والأحتمالات .وكان للعمر محطاته وطرقه واشجانه . فجأة يبزغ لي من خلال الفيس بك  وكأنه ينفض جزءا من غبار زمن لم يتوقف ، فاذا به استاذ ومربي لأجيال عديدة يزرع فيهم حب المعاني والقيم الأنسانية، كما وجدته شاعرا  وكاتبا وروائيا  . وها أنا احاول ان أتلمس بعض اشراقاته وهو يبحر في عوالم شعرية افاضها من كأسه المترعة بالهمّ، ومن ذاته الباحثة عن الأمل .

سأحاول أنْ أتقرب الى النص من أجل استنطاقه . بغض النظر عن صاحبه . واتوقف عند العنوان الذي يمتلك دلالة الأنتماء الى رقة الرومانسية التي انتهجها كثير من الشعراء في بداية القرن الماضي، لكنني وجدت الشاعرالمددي مولعا بالهمّ الموسيقي - ان صحت التسمية- فاضافة الى انه عنْوَن مجموعته الشعرية الجديدة ب (مسرى الناي)، فقد كتب قصيدة عن زرياب وقصيدة اخرى عن القيثارة، وهذا يفسر ولعه بفن الموسيقى ودلالاته، ويؤكد وعيه بان الموسيقى ليست منفصلة عن الشعر، بل هي لباس له كما يرى إبن رشيق حينما يقول " الموسيقى حلة الشعر، فان لم يلبسها طويت". وهناك الكثير مما يؤكد على توأمة الموسيقى للشعر، والخليل بن أحمد بنى بحوره الشعرية ضمن إيقاعها الموسيقي، ولاغرابة في ذالك وهو الذي ألّف كتابا في الموسيقى، لم يُكتب للأجيال ان تطلع عليه لضياعه . ومن حيث الصخب الصوتي فقصائد المجموعة صامتة، كأنها نوع من التبتل الهامس . وهذه سمة عامة في قصيدة النثر التي تؤكد على النغمة الخافتة الخالية من الأيقاع الصوتي . 

وفي قصيدته (القيثارة المحطمة) ثمة رثاء مزدوج تتداخل فيه القيثارة والأنسان . والقيثارة في النص هي اللغة القادرة على البوح والأحتجاج حينما يكون (وهج الحرف معتقل..)  فهي تنفلت عن اعين الرقباء، وتتحول من مجرد دلالة صوتية الى رؤية فكرية متكاملة . تلك الرؤية التي يتبناها الشاعر. والقيثارة على المستوى التأريخي وجدت في اطلال اور، حيث السومريون الذين صنعوها 3500 عام قبل الميلاد، حيث عُثر عليها بين قبورالملوك وكانت تتكون من صندوق خشبي ينتهي براس ثور من الذهب . وتعتبر اهم اكتشاف موسيقي في تأريخ البشرية . كان السومريون يغسلون ايديهم قبل العزف لكي يتطهروا، وهذا يدل على عمق الدلالة الرمزية لقدسية الموسيقى وآلاتها . ولااعلم ان كان الشاعر المددي كان يقترب من هذا المفهوم ، ولكنني وجدت ان للقيثارة في قصيدته معان سامية، وتحطمها كان انهيارا لتلك المعاني . كما أنّ تحطمها جعله ينوء باعباء هزيمة كبيرة واصبح  الرثاء سودايا، وكأن ليس ثمة من أمل او رجاء: 

 (ابكيك ام أبكي على قدري

             طفلا محروق الوجه كسيحا)

 واعتقد ان الشاعر قد غالى كثيرا في اليأس . وكان مندفعا في حزنه واحباطه، وكأنه يعارض أحزان الرومانسيين العرب الذين جعلوا من الحزن والألم اشارة مرور الى وجدان القارىء في حين أنّ المسار الشعري الراهن يميل الى الواقعية، من خلال كبح جماح العواطف لتبدو منسجمة مع ايقاع الحياة . ذالك الأيقاع الذي يؤكد على عدم وجود حزن مطلق او فرح دائم، لأن للحياة معاييرها الخاصة القائمة على فكرة التوازن.

في قصيدته (جداريات على قبر زرياب) اختار علما من اعلام الموسيقى العربية زرياب . هذا الفنان المتفرد في ابداعاته الموسيقية والحانه وطريقة غناءه، زرياب الطريد من بغداد والذي قدم الى الأندلس ليؤسس بناءا معماريا من الموسيقى ينسجم مع ترف الحياة في الأندلس في عصورها الذهبية . زرياب الذي دخل الى البلاط الأموي ليؤسس مدرسة غنائية هي الأولى من نوعها في العالم . هذا الزرياب تناوله الشاعر حسن المددي بصيغة اخرى . فقد رثى قبره من خلال الجداريات، والجدارية في لغة اهل الفن التشكيلي هي اللوحة الفنية، ولذالك فقد رسم شاعرنا لوحات فنية احاطها بقبر زرياب، لتشكل رثاء لصفاء الفن الموروث وعبقريته .

  (مثخن الوجد ..ممزق الأوتار..

  تتوالد على كفك احصنة الرماد

 تشيب على وجهك ذوائب الظنون ..)

يرافق زرياب في رحلته من الشرق الى تخوم المغرب حتى واحات العشق الأزلي، ولكنه -اي الشاعر- يتشرب بهذه الشخصية الفريدة، يحتمي بعباءة بهائها  ومن خلال ذالك يرفع جدارية اخرى لسمو الفن والقيم والأخلاق عبر العصور والتي تبقى معلقة على مقصلة الرذيلة .. زرياب هو القيمة الناصعة التي تنتصر في النهاية رغم عوامل الأحباط . ولكنه في قصيدته يسفح رحلة الألم الإبداعي لزرياب، ويطرح روح التأزم الذي تعرض له هذا الفنان المبدع والمطارد، وكأنّ الشاعر ينتصر له، فهو يمثل للشاعر روح الأنتصار لفن عابر للأزمنة والمساحات (من بغداد الى الأندلس)

(أتدلى مني إليك، نغمة لاتبوح..

أعبر فيك خيبتي الوثقى)

وهكذا يتحول زرياب في ذهن الشاعر الى ماض يمكن ان يصنع حاضرا .

في قصيدة كينونة يحلّق الشاعر في آفاق فلسفية، حيث الأتحاد بين الأنا والآخر . إتحاد انساني يتمرد على عوامل الفرقة بين البشر على الأسس التعسفية المتبعة في عصرنا الراهن . الشاعر احيانا يتمرد حتى على الوعي لينطلق في رحاب صوفية، حيث الدمج بين قيم متناغمة او متنافرة . ورغم أنّ القصيدة تبدأ بأسئلة الحياة المتداولة، لكنها تنتهي بالدهشة التي تجعل الكلمات معلقة وشائكة وموغلة في القدم، ولكنها في النهاية تجعل من الأتحاد شرطا للكينونة :

  (ما كانت يدك ..لتشكل دورتها

  في صلوات المزن ..

لو لم تكن انت ..أنا)

هناك مقابلة دائمة بين الضمائر ..الأنا والهو اوانتِ . نجدها مبثوثة في اغلب قصائده، وكأنه لايستطيع ان يتحمل العيش منفردا، حتى يتحول الآخر الى وجه آلمعاكس الذي لابد منه .. هل هو التناقض الذي نشأت من خلاله الحياة؟ ومن زاوية اخرى يبدو الرمح في القصيدة غير حاد .إنه رمح مسالم لايريد اقتحام الأسوار . هل هو رمح معلب غي فترينات العرض التأريخي؟، ام هو رمح الأستقواء في الماضي؟

  (رمح بدوي، يقف على اسوار الليل

   في كفه حديقة وعلى جبينه بسمة شمس ..)

 ولكن هذا الرمح لاينتمي الى هذين الأحتمالين، بل يتحول الى راية للشمس المشرقة  أو امطارمسافرة، يتوج هامات النخيل، (يتوغل في في ثنايا الإنهمار) . ومع ان الشاعر يستخدم آلات قاتلة، يستوحيها من التأريخ - كالرمح مثلا - ولكنه ينفخ فيها روحا انسانية، يحولها الى اداة طيعة لحلمه المتوهج دائما    انطلاقا من كون الشعرينطلق من الحلم . ألمْ يقل الشاعر الألماني جوتة " إنه كان يشعر بنفسه مدفوعا الى كتابة الشعر بالغريزة وكأنه في حلم " .

  في قصيدة اخرى يذوب في المرأة ويتجلى في الجرح . أما المرأة فتأتيه كالخيال، مضمخة ببعض  المباهج، ورغم ان ذوبانه فيها جارف كالنزف او كالجرح، لكنه يحول اللقاء الى ومضة خيالية :

  (تأتيني محمولة على رقصة الأمواج) لكنه يضع نسقا متساويا ما بين المرأة والجرح والوطن . هذه المعادلة الثلاثية الأبعاد يعيشها بشاعرية لاحد لها  . فالمراة كيان رحيم يأوي اليه ويستمد منه إنسانيته وبعضا من كيانه، امراة بحجم الوطن وبلون الجرح . فمرة يقول عنها :

  (ايتها الساكنة ثمالات ايامي

  ياوطنا، ينثرني برَدَاً ..) ثم يقول عنها 

  ( يامرأة لاتخرج من احتملات الواني

جرحا ساحقا) ..

لقد كانت اغلب مقاطع قصائده بهذه الوتيرة . جعل من المرأة رفيقة دربه الحياتي الشائك . امرأة بلون الحلم ورقعة الجرح وطعم الأمل . لقد اسكن الشاعر المرأة في جنان قصائده، يترنم فيها عشقا وحبا وحنينا، ويجعلها موازية للوطن .

  الزمن في نصوص المجموعة هلامي، غير محدد . يبدا احيانا من الحاضر وينتهي في الماضي . او يبدا في الماضي ويذوب فيه .  او يتوقف في اللازمن . المفكر العراقي على الشوك قال في مقابلة له في برنامج روافد " انا اخشى الزمن .. انا احب أنْ اعيش في اللازمن .. "  و يبدو ان الشاعر حسن المددي يدرك اشجان الزمن، ويدرك ان هيمنته الشاملة لاتترك مجالا كاملا للمناورة . الزمن كاسح ومميت ورحيم وقاس . لذالك ترك كل قصائده دون ان يدوّن لحظة كتابتها، وكأنه يجعلها قادرة على موائمة اللازمن  . وحتى في قصائده فهو يستل العبر من الماضي السحيق، بنفس الحدة والحماس الذي يتناول فيه اللحظة الراهنة . لذالك لم يضع تأريخا لكتابة قصائده . وقد وصف الزمن في احدى مقاطعه فقال :

  ( الزمن عجوز اعمى

 يطل من كوة مهترئة ..) أو يقول في قصيدة أخرى عن الزمن:

(ضاع زماني ..ضاع لوني .. ضاع حرفي، وضاع وشاح القمر) .

 اما من حيث اللغة الشعرية، فقد كانت المجموعة برمتها تميل الى قصيدة النثر اكثر من ميلها الى الشعر الحر الذي ينأى عن القافية الموحدة ولكنه يلتزم بوحدة الوزن وبالهمس الشعري . وهذا يدل على انبهار حسن المددي بالتجديد .، مع علمي بانه كتب الشعر العمودي، وانه من ناحية اخرى قادر على كتابة القصيدة بلونها الحديث او الكلاسيكي، وبموسيقاها التي تأسر الأذن، لكنه آثر -ولأسباب يدركها قبل غيره - ان يعتمد على النثر المركز، وان يترك سبيل القصائد الحرة او العمودية . ومن ناحية اخرى فقد اغرق قصائده بمفردات قاموسية،لم يكن مضطرا لها ، لعدم وجود الضرورة الشعرية . ولأنها غريبة على اذن السامع غير المتخصص في اللغة .انه اختيار غير موفق وذالك لأنّ المفردة المفهومة هي اكثر فصاحة من المفردة غير المستخدمة . ان حيوية اللغات الأوربية تكمن في كونها استقلت عن اللغة اللاتينية، واستخدمت اللهجات اليومية الدارجة، والتي اصبحت بمرور الزمن لغة فصيحة . وبما انّ النص الشعري هو بمثابة تنقية اللغة من الفوضى، كما يُقال . فانني تمنيت على شاعرنا الرائع حسن المددي ان يتخلص من اللغة القاموسية، وان يعيش رحاب المفردات اليومية الأكثر تأثيرا  او كما يقول الشاعر التشيكي ميرسلاف هولوب " الشعر ليس الذي يُقال، بل طريقة قوله " وطريقة القول هي سهولة المفردة وفصاحتها في آن واحد . وسأورد بعضا من المفردات المعجمية التي لالزوم لها والتي تزخر بها المجموعة (أمشاج الروح . نفرة الموج . تناجز رجة عيونه . المزن الوامق .سدم الصفو، زنابر،سوانج الأنصاب، لابة التوثب، الأشياء النسحبة، سوانح الفتن، خلب دمنا، وجه الزرد،يدبجك غنج النوارس،وهيج وعدك، مسغبة الرند، كبة الرند، يكممها الغداف، لغته اللعساء  ألأشياء النسحبة) وغيرها من المفردات الأخرى التي تسيء الى النص اكثر من أنْ تخدمه. واعتقد بان الأتيان بمثل هذه المفردات يمثل من ناحية اخرى ثقافة الشاعر وتمكنه من اللغة، وقدرته على استنباط الدلالات اللغوية . ولكن للشعر والنثر زمانه ومفرداته، وينبغي ان نختار ماهو حي، ونتجنب ما نشعر انه بحكم الميت من اللفظ .

   اما الوصف فقد كان الشاعر اشبه بالفنان الذي يرسم بالوان تبهر القاريء

 (خيول الفجر ترقص في دمي،.. جفن الليل،.. نامي على ضفائر الصبح ..،رذاذ الطفولة تدغدغ ترهل الأماسي ..، حشرجة الحرف..،شجون الموج..، استطالة الرذاذ، ..غنج الطفولة..، شراشف الضوء ..ألخ ) كما استخدم الشاعر كثيرا موضوع الأضافة في مقاطعه . ونحن نعلم اغراض الأضافة من الناحية النحوية، والشاعر استخدمها - تحديدا -  لأبراز الموصوف . وقصائد المجموعة حافلة بذالك .

وفي النهاية استطيع القول انّ الشاعر  حسن المددي في مجموعته (مسرى الناي) استطاع ان يوظف الحرف من اجل الحياة . وهو انسان يعي مهماته، يقترب من الجرح من اجل شفائه، يتغنى بالمحبة ويطمح الى الأخاء بين البشر، يذوب في الوطن، ويمجد الحياة . من يقرأ حروفه يدرك ذالك .

 

هدية حسين تتحدث مع الصخر في رواية صخرة هيلدا

neeran alobaydiرواية صخرة هيلدا الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتي سبق وان اصدرت للكاتبة هدية حسين عدد من الروايات والمجاميع القصصية منها قاب قوسين مني_ بنت الخان _ ومابعد الحب _ ومطر الله _ وفي الطريق اليهم_ وان تخاف_ اضافة الى االمجموعة القصصية _ وتلك قضية اخرى_ وكل شيء على ما يرام_ وحبيبي كوديا_ وكتاب نقدي عن خمس روايات للكاتبة . صخرة هيلدا الصادرة حديثا رواية من القطع المتوسط تحتوي على182 صفحة تتطرق فيها الكاتبة لموضوع جديد وغريب على الرواية العراقية بشكل خاص والعربية بشكل عام تحاول فيه توثيقه باسلوب ادبي وسردي جميل وربما تكون الكاتبة العراقية الاولى التي تتعرض لمعاناة مريضة مصابة بحالة الطنين او الرنين التي تصيب الاذن متاْثرة بالدائرة الكهربائية للجسم مما يولد اصواتا تشبه الرنين او الطنين يسمعه المريض بشكل مستمر ، تصيب الكثير من البشر لكنها حالة مسكوت عنها خوفا من اتهام اصحابها بالجنون . حالة تعيشها البطلة محاولة التعايش معها في روايتنا صخرة هيلدا بعيدا عن الاطباء بعد ان تفاجاْ البطلة ان الطبيب المعالج مصاب بذات الحالة التي تعاني منها ، تلجاْ الى نزع اردان خزائن العقل من اسمال الماضي كما تقول البطلة ورمي هذا الماضي خارج صندوق العقل للتحقق من وضع الرنين ان كان نفسيا ام لا و الذي يخبو ويرتفع دون مقدمات محدثا ازعاجا ووهنا للبطلة التي تحاول التخلص من مكنونات الصندوق بالتحدث الى صخرة كتب عليها اسم لفتاة متوفاة من اجل الذكرى الطيبة ، فتاة لم تتجاوز العشرين حسب معلومات الصخرة من قبل حبيبها مورياك وجدت قرب ساحل بحيرة انتاريو في كندا التي تلتقيها البطلة اثناء تجوالها في المنفى بعيدا عن الوطن، لكن الوطن يكون حاضراً امامها على شكل شبح صديقتها سارة المنتحرة او المزمع انتحارها يحدثها ويذكرها بذكريات تريد نسيانها والانتهاء منها مع رمي كل قطعة من اسمال ذكرياتها للصخرة

تبداْ الرواية بدوي انفجارات

دويِ دوي دوي

دوي في السماء

دوي على الارض

دوي في راسي والناس في هياج يركضون ولا يعرفون اين يولون الوجوه … ص 5

الكاتبة هنا تمشي بمستوين من السرد الابداعي الاول خارجي هو دوي الانقجار الذي تنتقل به الى الماضي في الوطن والاخر داخلي هو ارتقاع حالة الطنين محدثا دويا في الراس وهو زمن الحاضر زمن المنفى او السرد الذي تتحدث به مع الصخرة ربط موفق لمسك خيوط الحكاية منذ البداية لتنتهي بنا احاديثها وهي في المستشفى للعلاج وكعادة هدية حسين والغاز رواياتها وقصصها لا تتحدث عن اسرار تواجدها في المستشفى وانما تترك كل الاحتمالات مفتوحة للقارىء ليضع اسباب تواجدها وعلاجها ان كان نفسيا نتيجة الهلوسات التي تتعرض لها ام عضويا بسب حالة الرنين .

المستويات المتداخلة بالزمان والمكان بين بغداد وكندا ترافق الرواية منذ البداية الى النهاية كذلك مداخلات اطياف الاموات من زمن الماضي التي تجلس امامها اشبه بمحاكمة تدافع فيها البطلة عن ارائها وصواب تفكيرها امام محاججات الاشباح التي تذكرها بمواقف نسيتها او تريد نسيانها وهي جالسة على مصطبة خشبية تسرد حكاياتها ورواياتها للصخرة. تقول الكاتبة في ص 68 على لسان البطلة نورهان

قلت لشاهين: ذات مرة : لو اكتشفت انني لست عذراء ماذا ستفعل ؟ حملق بوجهي صارت ، عيناه السوداوان بلون احمر بينما هرب الدم من وجهه وقال : عندها سوف اقتلك هذا ما قاله شاعر تعاطى لغة الجمال فتخيلي يا هيلدا كيف يفكر رجال بلداننا الاخرون ؟

هدية حسين كاتبة جريئة لاتخجل من ان تقول كلمة حق من اجل بنات جنسها فهي في صخرة هيلدا واغلب رواياتها مثل نساء العتبات وزجاج الوقت تتحدث عن العالم السري للمراْة العراقية وتكتب عن معاناتها ببساطة شديدة وعفوية رائعة بعيدا عن الشعارات الكاذبة ، مناضلة من طراز فريد تكتب بلغة ساحرة واسلوب فني جميل وتلتقط صوراً فريدة من نوعها لتجعلنا نتعاطف مع شخوصها وشخصياتها التي تخلقها بيد مطاوعة للكتابة .

في رواية صخرة هيلدا تتعرض الكاتبة لقضايا التحرش الجنسي للاطفال المسكوت عنها في بلد يزخر بالمتناقضات الذي يشحذ سكينه ليقتل البنت والاخت والزوجة لكنه لا يتوانى من ان يدنس الطفولة وميرغ براءتها بالتراب . تروي لنا البطلة عن مقتل صديقتها سارة التي قتلها شقيقها خوفا من الخروج عن الطريق لمجرد كونها مطلقة والمطلقة فكرة منبوذة في بلد ذكوري مثل العراق وكاْنها تريد ان تضع تبريرات للهجرة او اللجوء بعد ان فقد الحبيب شاعريته وامتهن الحرب والحرب الواحدة تناسلت الى حروب اخرى لا اول لها ولا اخر وتؤكد لنا الكاتبة على لسان البطلة رفضها لفكرة الحرب كونها فكرة لا انسانية مهما كانت دوافعها وتظهر لنا تعطش المراْة العراقية لعودة الغائب المحارب ليتكلم معها عن الحب الذي افتقدته ايام الحروب فتقول في ص 99 “ الرجل الثاني هو الطارىء عليك وقد يعود جوهرك الذي اعرفه ذات يوم على الاقل لتدرك ان الحياة ليست تحت ظلال السيوف بل في قلب الزهرة وفي رقة الفراشة وعلى جناح يشدو للجمال " لكنها لا تنساق الى هذا الحبيب الذي اختار الحرب عليها فتقرر رمي كل الاسمال خارج راسها لتعيش جديدة متجددة في المنفى فتقول في العبارة الاخيرة للرواية " اختفى الرجل الاول فيه ، ذلك الذي احببته في زمن القداح وبقي الرجل الثاني الذي اعادت انتاجه الحرب في زمن العوسج .. بملامح مشوهة،” ثم تكمل تبريراتها _ هنا ياسارة لا احد يشهر علي سلاحا ً او سكيناً ولا سيفاً ولا بلوكة من تلك البلوكات التي يهشمون بها الراس " . حين ينكشف سر موت صديقتها من قبل صديقة اخرى مشتركة اسمها سمر التي تلتقيها في الواقع بكندا يكمل الواقع سرد الخيال لتنتقل بنا الكاتبة بين الواقع والخيال لاحكام سرد قصصها التي تخرجها الواحدة تلو الاخرى من صندوف عقلها موهمة البعض منا باْنه سرد عبثي عبارة عن هلوسات البطلة لكن حين تكتمل الرواية نكتشف اننا امام واقع يعجز الخيال عن وصفه .. في صخرة هيلدا تفوقت الكاتبة على نفسها في وصفها للطبيعة الكندية الخلابة فهي تتبع تغير المواسم وتكتب عن المطر وتساقط الثلج وزرقة البحر وتلون الوان الخريف على اوراق الاشجار قبل تساقطها ، يوقظها زعيق سرب بط طائر مهاجر ولا تنسى طائر الروبن الحناء عندنا وهو رمز قدوم الربيع في كندا ، هذا الوصف الخارجي للمكان هو مستوى اخر كان موازياً للسرد الداخلي ففي كل يوم وطبيعة حكاية تبثها هدية حسين بكاميرا طبيعية بالالوان لتنقلنا الى اجواء المنفى الساحر رغم المعاناة والذكريات

 

نيران العبيدي

ايلول 2013 كندا

 

المتكلّمُ الدّالُّ في آتٍ على ناصيةِ هوًى- للشاعرة آمال عوّاد رضوان

alwan slmanالعمليّةُ الشعريّةُ انفعالٌ مُغامِرٌ، لخلقِ نصٍّ يَسعى إلى الفهمِ والتكوينِ النفسيّ، مِن خلالِ القدرةِ على التعبيرِ، لخلقِ أنساقٍ مِنَ الانفعالِ، كامنةً في ذاتِ المُنتجِ المُبدع..

 شعريّةُ النصّ وفضاءاتُهُ التخييليّةُ تقومُ على أساسٍ جَماليٍّ، قوامُهُ اللمحةُ الفكريّةُ التأمّليّةُ، التي تُشغلُ سطورَها صورٌ شعريّةٌ، تتّخذُ مِنَ المُتضادّاتِ وتشكيللاتِها عوالمَ في بنائِها الشعريّ، مِن أجلِ بناءٍ جَماليٍّ يتّكئُ على مَرجعيّاتٍ، تتمثّلُ في المعارفِ الفكريّةِ والتاريخيّةِ والأسطوريّة..

فضلًا عن الفنونِ الحِسّيّةِ والبَصريّةِ، والّتي تتّخذُ منها مخيّلةُ الشاعر مَنهَلًا، لخلقِ عوالِمِهِ الشّعريّة..

في نصِّ الشاعرة آمال عوّاد رضوان (آتٍ على ناصيةِ هوًى)، التعبيرُ الشعريُّ فيهِ يَبدأ بصيغةِ الضميرِ المُتكلّم، فضلًا عن استنادِهِ على مَرجعيّاتٍ تاريخيّةٍ وتأمّليّةٍ ورمزيّةٍ، باعتبارِها طاقةً تصويريّةً شعريّة، تُسهمُ في تشكيلِ الدلالةِ، وبناءِ المُتخيّلِ الشعريّ، ابتداءً مِنَ العنوان؛ النصّ المُوازي الّذي يُوحي بمخزونِ النصّ، ومِن الدلالةِ الشعريّةِ المُوجَزةِ المُكتنزة، والمَشحونةِ بالديناميّةِ الحركيّة، مِن خلالِ سيطرةِ الجُملةِ الفعليّةِ الممتدّةِ عبْرَ مَقاطع النصّ الشعريّةِ، والّتي تجمَعُها وحدةٌ موضوعيّة..

 

ما أَضْيقَ حُلمَكِ أُحادِيَّ الغَيْمةِ

يَضوعُ مُطفَأً..

في سَماواتِ فَرَحٍ مُؤَجَّلٍ!

 

ها قَد تفتّقْتِ نورًا..

ضَلَّ طريقَ خلاصِهِ

 

الشاعرةُ تُركّزُ في بُنيَتِها النصّيّةِ، على التفاعلِ بينَ النصّ الشعريِّ والرؤيةِ للوجود، عبْرَ مَقطعيّةٍ شعريّةٍ، تَنزعُ فيها الصياغاتُ، تبعًا للحالةِ النفسيّة، لخلْقِ قيمةٍ فنّيّةٍ، مِن خلالِ مُتوالياتٍ خطابيّةٍ، تُشكّلُ لازمَتُها نبرةَ التحوُّلِ والتجاوُز، إذ اشتملَ النصُّ بمَقاطعِهِ على الرؤيا، وعلى المزجِ في البناءِ الفِعليِّ للصورةِ، وعلى صياغةِ الجُملِ ودلالاتِها في مَبنى عضويٍّ، يَحتضنُ صيغةَ المعنى..   

 

أمِنْ كُوَّةِ تَحَدٍّ.. نُجومُ سَرابِكِ

تَ قَ ا فَ زَ تْ

لتأْفُلَني غَرقًا..

في بُحيْرةِ حَيْرَةٍ؟

 

الشاعرةُ تقومُ بتوظيفِ المَجازِ، في تشكيلِ بعضِ الصورِ الجزئيّة، والتي تلتحِمُ في وحدةٍ نصّيّةٍ قوامُها السرديّةُ الشعريّة، عبْرَ لغةٍ تَجمَعُ بينَ عوالمِ الواقع، والتخييل، والرؤيا والرؤية..

فضلًا، عن أنّها تمزجُ الذاتَ بالذاتِ الجَمْعِيّ، عبْرَ الضميرِ الّذي هو تكثيفٌ للفاعلِ المُتعدّد، الّذي يَعني تعدُّدَ صوَرِ الفِعل..

أمّا التقطيعُ الكلَميُّ فيَكشفُ عن الحالةِ النفسيّةِ المأزومةِ..

فضلًا، عن أنّهُ يُذكِّرُ بالحركةِ الأدبيّةِ الحِرفيّةِ- lettrisme- الّتي أسّسَها (إيزودور إبسو) بعدَ الحرب العالميّةِ الثانية، والّتي كانتْ تهدفُ إلى تعطيلِ الوظيفةِ التواصليّةِ للّغة..

 

يا طامَةَ مُروجِ قَلبي الأَخضرَ

ها "مَرْدوك"..

آتٍ على ناصيةِ هوًى..

لِيُطفِئَ عيْنيْكِ المُغمضتيْنِ!

 

آمال رضوان تستفزُّ الذاكرةَ، للبحثِ عن شيفراتِها المعرفيّةِ الّتي تستودعُها في نصِّها الشعريِّ، مِن خلالِ توظيفِها للرّمزِ بصُوَرِهِ المَجازيّةِ والإيحائيّة، لتعميقِ المَعنى الشعريّ، وخلْقِ مَصدرٍ إدهاشيٍّ وتأثيريّ.

فضلًا عن تجسيدِ جَماليّاتِ التشكيلِ الشعريّ، كوْن الرمزِ سمةً أسلوبيّةً، وعنصرًا مِن عناصرِ النصّ الجوهريّة، مِن أجل الارتقاءِ بشعريّتِهِ، وتعميقِ دلالاتِهِ، وشدّةِ تأثيرِهِ في مُتلقّيه..

لذا؛ كان الرمزُ فاعلًا في بناءِ النصّ تركيبيًّا وصُوريًّا وبنائيًّا..

آمال رضوان توظّفُ الرمزَ التاريخيَّ (مردوك)، الّذي هو (كبيرُ آلهةِ قدماء البابليّين وأهَمُّهم.. وقد سمّاهُ أصحابُ السيادةِ (المولى الأعظم)؛ موْلى السماءِ والأرض، وزعموا أنّ قوّتَهُ كانت تكمنُ في حكمتِهِ الّتي كانَ يَستخدمُها)، مِن أجل خلقِ صُورٍ دالّةٍ تُسهمُ في إغناءِ النصّ، وتعميقِهِ فِكريًّا وجَماليًّا، بأسلوبٍ حِواريٍّ مونولوجيٍّ عميقِ الدلالة..

 

في مَهبِّ بارقةِ صبابةٍ..

أَسرَجَ قناديلَ عماكِ

عاصفةً عمياءَ جائعةً.. لقّمَكِ

شَ قْ قَ لَدُنَكِ المَنفوخَ

عَجَنني بدَمِكِ.. بطَمْيِكِ..

فكانَ تكويني..

نواةَ حياةٍ.. أرْضًا وسماء!

وبقيتِ وحدكِ..

نقطةً في سِجِلِّ الغُرباءِ

تتكَحَّلين بلَهيبِ الفَقدِ المُرّ!

 

النصُّ يَنزعُ إلى التكثيفِ والاختزالِ عبرَ اللمحةِ الإشاريّة، بسرديّةٍ تُشكّلُ صوَرَهُ الفنيّة، وتُسهمُ في إيصالِ دلالتِهِ، وتوظيفِها شعريًّا..

آمال رضوان تُوظّفُ عوالمَ متباينةً في تشكيلِ مُتخيَلِها الشعريّ، الّذي يَنطلقُ مِنَ الواقعِ المُتّكئِ على الرمزِ والأسطورةِ، ببُعدٍ يُغلّفُ التوليفةَ النصّيّةَ، معَ انسيابِ وتصَنُّعِ انزياحاتِها عبْرَ التداعي، وتقَصّي الجزئيّات، وتنويعِ المَشاهد..

 أمّا سيميائيّةُ تنقيطِ النصّ الصامتِ الّذي تتعطّلُ فيهِ دلالةُ القوْل، بعدَ أن أضفى بُعدًا تشكيليًّا، وفتحَ بابَ التأويل، يَجُرُّ المُستهلِكَ لفكِّ مَغاليقِهِ، كوْنُهُ يَعني بناءَ النصّ على الجدلِ بينَ الصوتِ والصمت، فيُحقّقُ (سمكًا للكتابةِ بينَ اللسانيّ والتشكيليّ)، على حدّ تعبيرِ (دوفران).

وبذا؛ قدّمَت الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان نصًّا شِعريًّا، واعيًا بالتزامِهِ قضايا الإنسانِ والغربةِ الذاتيّة، معَ انتماءٍ إلى الحدَثِ المأزومِ، والفارشِ لوَجْدِهِ على خياليّةٍ مُكتنزةٍ بالرمزِ والإشارةِ والإيماءِ والاستعارة، ومدى الدلالةِ وأصالةِ الفكرة..

فضلًا عن استنادِهِ إلى مَرجعيّاتٍ تاريخيّةٍ وفِكريّة، باعتبارِها طاقةً تصويريّةً شعريّة، تُسهمُ في تشكيلِ الدلالةِ، وبناءِ تخييلٍ شعريٍّ ممزوجٍ بالواقع..

 

آتٍ على ناصِيةِ هوًى

مال عواد رضوان

 

مَا أَرْحَبَ أَمَلي

في ضَبابٍ.. أَطْفَأتْ قناديلَهُ أَوْهامُكِ!

خَيالُكِ المُجَنَّحُ..

كَم غَافلَ زَماني بِمكرِهِ الشَّفيفِ

غلَّفني بِأَقاليمِ تيهِهِ الكَفيفِ

وَقَلَّمَ بِفَكَّيْ مِقراضِهِ.. آتيًا شاغِرًا منّي!

 

نَبْضُ دَهائِكِ.. لاكَهُ سِحْرُ فُجورِكِ

تَرَبّصَ بِخُطَى ريحي السَّافرَةِ..

يَجُزُّ ضَوْئي مِنْ أَعماقي!

 

لِمَ أَحْداقُ جنانِكِ الواهِيَةُ..

شَخُصَتْ بأَذيالِ مَطافٍ مُؤَلَّهٍ

وَفي مَرافِئِ نَميمَةٍ..

احْتَضَرَ ضَوْؤُكِ الكافِرُ بي!

 

"تَ يَا مَات"

أمِنْ كُوَّةِ تَحَدٍّ.. نُجومُ سَرابِكِ

تَ قَ ا فَ زَ تْ

لتأْفُلَني غَرقًا..

في بُحيْرةِ حَيْرَةٍ؟

آآآآآآهٍ ..

ما أَضْيقَ حُلمَكِ أُحادِيَّ الغَيْمةِ

يَضوعُ مُطفَأً..

في سَماواتِ فَرَحٍ مُؤَجَّلٍ!

 

ها قَد تفتّقْتِ نورًا..

ضَلَّ طريقَ خلاصِهِ

حينما دَغْدَغْتِ رَغوةَ غمامةٍ..

تلاشَتْ في السُّيولِ

وما أَجْداكِ تضميدُ انْكساراتِكِ المُتّكِئةِ على غيمةٍ

بل.. وَتسلّلْتِ..

تشُدُّكِ سُدودُ الطّوفانِ جِهةَ الغيمِ

طَمَسَتِ السُّيولُ السُّدودَ

وانْدَلَقْتِ وَهْمًا مُتعجرِفًا!

 

يا طامَةَ مُروجِ قَلبي الأَخضرَ

ها "مَرْدوك"..

آتٍ على ناصيةِ هوًى..

لِيُطفِئَ عيْنيْكِ المُغمضتيْنِ!

 

في مَهبِّ بارقةِ صبابةٍ..

أَسرَجَ قناديلَ عماكِ

عاصفةً عمياءَ جائعةً.. لقّمَكِ

شَ قْ قَ لَدُنَكِ المَنفوخَ

عَجَنني بدَمِكِ.. بطَمْيِكِ..

فكانَ تكويني..

نواةَ حياةٍ.. أرْضًا وسماء!

وبقيتِ وحدكِ..

نقطةً في سِجِلِّ الغُرباءِ

تتكَحَّلين بلَهيبِ الفَقدِ المُرّ!

 

معلومات إضافية