المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

الشاعر احمد محمد رمضان بين التغريب والترميز مضمونا والومضة والمقطعية شكلا

wejdan abdulazizلا شك حينما نجد انفسنا امام النصوص الشعرية الا ان نتسلح بالقراءة، فهي العمود الفقري في بناء الرؤية النقدية، سواء في النقد القديم او الحديث، وكلنا يتذكر مقولة أبي تمام عندما سئل: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: لما لا تفهمون ما أقول! وهذه صلب قضية القراءة والتذوق، (وقد ازدادت هذه الإشكالية مع الشعر الحديث، وغدت أكثر تعقيدا فلم يعد النص الشعري مجرد بستان وارف الظلال يقصده المرء طلبا للراحة والاستجمام، وإنما أصبح هماً مؤرقا، وأصبحت عملية قراءة النص عملية شاقة تحتاج إلى قارئ حاذق مزود "بأسلحة الفن" كما قال الناقد الجزائري المرحوم (محمد مصايف) قارئ لا يكتفي باستهلاك النص وإنما يساهم في عملية انتاجه)، واني اميل الى كفة التحليل كثيرا وآلياته مثل : التأمل والوصف والتحليل، والمنهج العلمي القائم على أسس معرفية وأدوات إجرائية خاصة. وان من سمات اللغة الشعرية التي تتبدى من خلال النص الشعري، هي الكثافة والايجاز والتركيز ناهيك عن مغايرة سياقات اللغة في قواميسها المتعارف عليها .. تقول الدكتورة بشرى موسى صالح: (لايفوتني ان الى منطقة الضوء حقيقة مهمة شديدة الصلة بموضوعة التحليل وعلاقتها بالنقد الادبي يمكن تلخيصها بالقول ان التحليل مرحلة موطئة او مزامنة له، ولكنها ليست هو، لان فاعلية النقد ووظائفيته تكمن في القدرة على تأويل الاوراق الموضوعية التي صففها التحليل ومايمكن للناقد استخلاصه منها من محمول جمالي او ابداعي خاص ومميز)، وهذا يتفق مع اتجاهاتي في قضية التحليل، فلابد ان تترافق مع استخلاص الدوال عبر منهجية معينة، لهذا حينما قرأت اشعار الكاتب احمد محمد رمضان وجدت في شعره حالات التغريب والترميز مضمونا والومضة والمقطعية شكلا في ديوانه (اغنية الشتاء) .. يقول الشاعر في قصيدة (ثمالة التفاح):

 

(السَّماءُ تَنفتحُ،

أُنظُروا... يَاه الفِيلةُ تَطيرُ؟!

 

سَأبدأُ بِنحتِ البُخارِ،

حتَّى...

تَزهوَ لآلئُ البَحرِ مِن جَديدٍ،

 

إِرتَفعتْ إِنتِصارَاتُ الحدِّ الأَدنَى،

جِسمٌ مُثقَّبٌ و غَريبٌ،!

مُقامرةُ نَدى مَفرُوشٍ،!

 

جَوِّيٌ لُطِّخَ بِالإمْتعَاضِ،!

بِشمسِ أَمانِ المَنطَقةِ المُتوسِّطةِ،

تُضيءُ فِي اللَّيلِ اسْتعمَالهُ،

تُزبِّدُ غُيومهَا الخَاصَّةَ،

 

أَجبَرتُ سَماءَ القَطنِ،

لَكنَّ المَوجةَ الكَاملةَ

و الجُروحَ المُحترِقةَ قَبلَ الرِّياحِ

هُناكَ تَمضِي حِجابَا حَريرِيَّا،!)

 

وهنا نلاحظ حالة التغريب والترميز، للتعبير عن حالات قد نجد كلها افرازات الواقع المر اي واقع الماحول الشاعر .. يقول جاك لاكان: (ربط البناء الفني بالبناء النفسي للأديب، ثم بالبناء الاجتماعي)، قد يوضح الاهداف والرؤى التي يقصدها الكاتب من حالة التغريب .. ونبه بهذا الصدد (شكلوفسكي بوضوح الى ان الموضوع هو خارج دائرة الفن، وهو لا يدخلها إلا عبر تغريبه، وجعله شكلا لانظير له في الواقع وبدا واضحا ان عملية الإدراك الفني، هي عملية غير عقلية تماما، ولابد من الإحساس بمتعتها، وجعلها تنطوي على غاية جمالية، وان ذلك يتم بطرائق وتقنيات لابد من تعريتها والتعبير بها، فالتغريب يغير من استجابتنا للعالم، ولكن عن طريق تعريض مدركاتنا التي تعودنا عليها الى إجراءات الشكل الأدبي كما يرى رامان سلدن)، فكان الشاعر رمضان بدأ في قوله : (أُنظُروا... يَاه الفِيلةُ تَطيرُ؟!/سَأبدأُ بِنحتِ البُخارِ،)، وهذه احالة للمتلقي ان يبحث الامر في قراءات متعددة وممتدة مع الدوال .. وعمد الى لغة سهلة الا انه حملها حمولات خارج سياقاتها القاموسية المتعارف عليها، فهو يردد : (أَجبَرتُ سَماءَ القَطنِ،/لَكنَّ المَوجةَ الكَاملةَ/ والجُروحَ المُحترِقةَ قَبلَ الرِّياحِ/هُناكَ تَمضِي حِجابَا حَريرِيَّا،!)، ثم يقول:

 

(أُذكِّرُكُم، البَحرُ رِوايةٌ عَن الغَرقِ...

 

لِلعَصافِيرِ ذُنوبٌ،

و لَم نَسمعْ لَها لَحنَا،

يَا نَهرَ مِمحَاتِي...،

 

زَوارقُ الوَرقِ الأَبيضِ

تُراوِدنِي،

لِلأَقلَامِ شَهوَاتِي،

 

آمَالنَا بَاذِخةُ الحُلمِ،

تُرى هَل مِن أَملٍ لِأحْلامنَا...،؟!

تَقولُ عَجوزٌ حَمقَاءُ،!

 

فِي لَيلةٍ لَازوَردِيّةٍ بَارِدةٍ،

هَا هِي أَناملُ اللَّيلِ،

تَقرعُ أَبوابَ شَيبَتي...،!)

 

وهنا استعمل قضية الترميز على منوال التغريب ومحاولة ادهاش المتلقي الذي سيبقى يبحث ما بين السطور لمحاولة مشاركته المعنى، لكن انّى هذا ؟ كانت محاولاتي هنا لتحليل النص ومدلولاته الا اني انجر لوضع الكاتب قبالتي ومحاورته .. لاجد النص يساوي الشاعر رمضان واحيانا يفارقه، يقول الشاعر فالح الحجية : (فالرمز– إذن– يلازم اللغة الشعرية الخيالية القائمة على المجاز والمفارقة للغة العقل والمنطق والسهولة، فهو من افضل و أنسب المسالك للتعبير عن الذاتية النفسية وسبر اغوارها لأن جوهر الشعر الذي يعبر عن عمق التجربة قد لا يبدو واضحا او محدد المعالم . فالغموض بصورة عامة صفة مشروعة من صفات الحداثة حين يصدر من أعماق تجربة ذاتية تحافظ على عمق الرؤية الفنية والخيالية الشعرية عندها تكون بعيدة عن النثرية او الحالة التي تحول بالفعل الخطاب الشعري إلى كلام عادي اقرب الى النثر منه الى الشعر على ان يكون قوامه العقل والمنطق والوضوح.)، اي ان الشاعر رمضان حضر ذاتيا في نصوصه وحاول ترميزها وتعميتها، وكما اسلفنا ترك للمتلقي محاولة المشاركة في استرداد معانيه، على عكس قضية الوضوح في المقاصد .. وفي قصيدة (حورية شرقية) يستغرق في الحلم بدالة الانتظار ومحاولة استجداء الحالات الجمالية .. يقول:

 

(الطَّمأْنيِنةُ : سِحرُ مَا لَم تَرهُ الرُّؤى...

 

مِن رَوضةِ السِّحرِ

المَفرُوشِ عَلى شُموسِ الشِّتاءِ الدَّافئِ،

يَكتبُ البَردَ رِمشِي،

 

الأُمنِياتُ المُطرَّزةُ بِحنِينِ الرَّبابِ،

تَنثرُ الهَديلَ...

 

هُدى يَحملُ ظِلِّي،

 

بِعزفِ النَّغمِ السَّاقطِ

مِن عُنقُودِ

اللَّحنِ

الهَاربِ،

 

مَوجَاتُ

خَمرٍ

يَحملُها السَّنَى،

 

المُترَاقصُ

كِنايةً بَنفْسجِيّةً

تَهطلُ

عِطرَا

يُغنِّي،!

يَحملُ الدَّمَ إِلى أَبوابِ النَّهرِ المُلتَحفِ

بِاليَاسَمينِ،

 

يَا نَبعَ القَصيدةِ المُلظَّاةِ

بِصفْصافةِ المَساءِ الغَجرِيّ،!)

 

ليوغل الشاعر رمضان في حالات الرمزية وايحاءاتها المغرقة والمحملة بالمعاني التي من الصعوبة بمكان استردادها والوقوف عندها، فمن وسائل الرمزيين ما يسمونه " الالفاظ المشعة الموحية" التي تعبر في قرائنها عن أجواء نفسية رحيبة. إذا كانت الكلاسيكية تنقل المعاني عن طريق العقل، والرومانسية عن طريق الانفعال "العاطفة"، فإن الرمزيين قد اهتموا بنوع آخر من هذه المشاركة الوجدانية ما بين الكاتب والقارئ تقوم على نقل حالات نفسية من الكاتب إلى القارئ وهو الإيحاء ومن هذه الكلمات الموحية مثلا : "الضوء الخافت، الشمس المرة المذاق، الضوء الباكي، السكون المقمر، القمر الشرس، الألوان الهاربة، كما اهتموا بالألوان. من ذلك أن "رامبو" قد جعل لكل لون معنى: اللون الأحمر يرمز إلى الحركة والحياة الصاخبة والقتال والثورة والغضب والأعاصير .والأخضر يرمز إلى السكون والطبيعة والانطلاق وفكرة المستحيل والخلاص من عالم المادة. والأزرق يرمز إلى العالم الذي لا يعرف الحدود وفيه انطلاق إلى ما وراء المادة الكونية . والأصفر لون المرض والشعور بالحزن والضيق والتبرم بالحياة. والأبيض يمثل الطهر المثالي وهدوء السكينة ويرمز إلى الفراغ والجمود. واللون البنفسجي لون الرؤى الصوفية. لقد انبثقت الرمزية عن نظرية "المثل" لدى أفلاطون، وهي نظرية تقوم على إنكار الحقائق الملموسة، وتعبر النظرية عن حقائق مثالية، وتقول: إن عقل الإنسان الظاهر الواعي عقل محدود، وأن الإنسان يملك عقلاً غير واعٍ أرحب من ذلك العقل. ومن هنا نلاحظ كلمات عند الشاعر رمضان تشابه في منحاها منحى الرمزيين .. يقول في قصيدة (مَلحَمةٌ):

 

(فِي الحَربِ

حَامِلَا السَّيفَ

يَتبعُ الجُنديُّ ظِلّهُ...،؟!

 

سُخريةٌ

فِي دَبدَبةِ مَأتَمِ الرَّمزيَّةِ...،؟!

هَكذَا تَقولُ الحِكايةُ،

 

كَانَ يَقصُّني...

شَبحٌ،

بَينَ الشَّابِ و العَجوزِ،

 

يَحمِلُ فَراشَاتٍ و وَردةً،

عِندَ جَبينِهِ،

يُلاحقُ الصَّبيَّاتِ،

عَلى دَرَّاجتِهِ الهَوائيَّةَ،

مِن حُلمٍ إلى آخرَ،

 

حتَّى يَستَيقِظنَ...

و الخَجلُ يَجرِي...

مِن بَكارةِ عُيونِهنَّ،

 

يَسقِينَ بِالنَّهدِ

أَرضَ النُّعاسِ،

لِيعُدنَ...

كَزورَقٍ بَينَ المِياهِ،

و يَروينَ...

 

ثَمَّة...

شلَّالٌ يُهدرُ بقَسوةِ

فِراقٍ

و عَازفٍ،)

 

وهكذا يستمر في مجمل ديوانه بهكذا اسلوب .. رغم ان الديوان يحمل الكثير بين ثناياه من معاني تحتاج لاكثر من قراءة واكثر تأمل وتحليل

 

وجدان عبدالعزيز

 

 

مروان عبد العال في مشروعه الرّوائي .. بين اصطيادِ الحُلُم وصناعة النّبوءة هاو بلا منازع! (3)

rajaa baktia"كأنّ ما يحدث لشخوصهِ يرتكز على نبوءة متحقِقة، لا محاله، أهو أوديب الّذي يمشي إلى قدره وهو على يقين بأنّه سيحتال على نبوءات العرّافة؟ أم بطلُ الأسطورة الخارق الّذي لا يكلّ من رسم انتصارات، ولو على أنقاض ركام، ركام نكبات قتلت أصحابها حبّا وحقدا؟.. نشم رائحة الحدث أكثر ممّا نراه، هو سبب كاف ليسحب لهفتنا إليه"

............

استراجاعا لهويّة الحلمُ المتقدّم جيلا وتجربة يحضر "شيرديل الثّاني" كواقع ملحمة حداثيّة للتاريخ الفلسطيني المُقاوِم. والكاتب يتسقطّ الحدث ليحكي ما شاء له الحكي، معبّأ بالأسطورة كذريعة لتخليد شخصاني، لوجوهٍ وأحداث. وكأنّها حضرت تحقيقا لنبوءة ثُوّار العالم، مختَصرين بثورة واحدة، ثورة شعبهِ هو. أولئك، الّذين   وَفدوا مُحَصّنين بنبوءات حكاية لا اخر لتجلياتها، تقولُ "سنصلُ آخر الدّنيا لنعود مدجّجين بالإصرار على الأمل"

شيرديل الثّاني

برؤيتنا المتواضعة لتجربة عبد العال نرى إلى شيرديل الثّاني كإنجاز يستحقّ أن يُقالَ فيهِ ملحمة بالمعنى الحداثي للتّسمية، لذلك يحدثُ أن تتجاوز مفاهيم الملحمة الإغريقيّة الّتي تسحرنا كلّما قرأناها، لتعيدنا هذه المرّة إلى الواقع. شخصيّا أعتبر هذا العمل تحقيقا فكريّا-حسيّا لمشروع الطّفل، الّذي أنجز ما يشبه الجيرنيكا في قصّته، آنفة الذّكر "صبي يكتب على الهواء". بفارق زمنيٍّ يكاد يكون مستحيلا، لكنّه المستحيل الممكن في معجم روائي لا يتعب من النّبش والبحث في خبايا الذّاكرة. هو تيّار اللاوعي من حقّق هذه المعادلة:

(جداريّة لرجال يتعانقون بقبضات الأيدي في لوحة = عمل بُطولي جماعي لشخوص خرجت من تاريخها لتوثّق مواقفها). ليس بفعل سحر لكن بفعلٍ وعي. وهذا ما يعجبني تحديدا في تداعيات هذه الرّواية، فعل الوعي الّذي يصطدم بواجهات زجاجيّة عدّة يكسرها ويدخل منها إلى مرايا كثيرة، حتّى لوح الزّجاج الأخير الّذي يريده ممثّلا بصوت امرأة تعيده إلى المرآة الأولى، كأنّ ما يحدث لشخوصهِ يرتكز على نبوءة متحقّقة، لا محاله، أهو أوديب الّذي يمشي إلى قدره وهو يعرف أنّه سيحتال على نبوءات العرّافة؟ أم بطلُ الأسطورة الخارق الّذي لا يكلّ من رسم انتصارات، ولو على أنقاض ركام، ركام نكبات قتلت أصحابها حبّا وحقدا؟

لا يبدو للقارىء بأنّه رسمُ بيكار بقدر ما هو صدفة محضة تؤدّي دورها لتخلط ورق المرحلة بمنطق حسيّ يتجاوز المنطق الفكري الوجودي الّذي نعرفه. أصدّق هذا النّوع من الثّورات، لأنّها تخلق بعدا جديدا لواقع لم نتأكّد من حدوثه. والحقيقة أنّ أمر التّداخل بين الصّدفة والتّخطيط لا يعني ورقتنا هذه كثيرا، لكنّ الّذي يعنينا قطعا قدرة هذا الرّاوي على امتهان النّبوءة، وكلّنا يدرك مشقّة أن تحيل نبوءة إلى حقيقة تلامسها بحواسّك السّت.

في روايته،"شيرديل الثّاني" يصل مروان عبد العال إلى نضج حسّي في تداول أدوات المقاومة التّسجيليّة عبر تحديد مرجعيّات المفردة، لونها، شكلها، رائحتها، ومذاقها. وسوف تخطئون إذا اعتقدتم أنّه جلس يفرز، بل يخلط اللّون بالحرف، ويكتب بأنامل طفل مجابهات عوالم خسرها، ويحرص على استرجاعها، ولو بثمن السّباحة في بحار ليست له، ذلك لأنّه يعتبر المغامرة بحره الوحيد الممكن، والتّاريخ بمرجعيّات شخوصه مَلِكُها.

يحضر الجسد هنا، شأن الأمكنة والأزمنة بأزمات منعطفاتها، نشمّ رائحة الحدث أكثر ممّا نراه، هو سبب كاف ليسحب لهفتنا إليه. ويبدو لي أنّه ليس الموروث الفنّي وحده سببا في شدّ خيطان روح وهميّة تخصّنا جميعا في الحدث، بل التّجربة الشّخصيّة مع أبعاد هذا الموروث، كون الرّاوي بعض تجربة الحدث جسديا وفكريّا. ولعلّ هوايته الّتي اعتدناها في التّحليق المفاجىء شكّلت سببا مباشرا في تجنّب السّقوط في ابتذال محتمل. والجميل أنّه رغم حماس الكاتب، المدِمّر أحيانا، استطاع أن يتجاوز السّقطة حين أبقى على مساحة المتخيّل معلّقة في هواء النّص شأن كلمات ذلك الصبيّ البعيد، فأنشأ مسافة عالقة بين الحدث وزمكانيّته، ليضمن أمميّتهُ كتحصيل حاصل لتداعيات الظّرف التّاريخي _ حسّي، فكرا ومضمونا. زد إلى ذلك أنّ المركّبات البنيويّة لمضامين العمل محشودة بمعرفة واسعة تزخم التّفاصيل باللّون والحركة، هو لا يتحرّك بمعزل عن أحدهما، لأنّهما بعض مرجعيّات الضّروريّة في تحقيق الفكرة الملحميّة في الحكاية، وروايتنا هذه أرضُ حكايا تأخذك لكلّ بقعة لا تتوقّعها، وطريق لم تجرّبها قدماك. والدّهشة السيّدة تصير دليلك في معركة الجبل شأنها في معركة الطّائرة. وأنت كمتلقّ تتجهزّ شأن البطل لمفاجآت من عيار جديد، فكلّ دعسة لقدمك على أرض المطار، تماثل دعس قدمك فوق الجبال القريبة من حدود الفلسطين، مفخّخة بقنبلة فرح تحييكَ بقدر ما تقتلك. فخطّ المواجهة مفتوح بين الفدائيّين والإحتلال، وعلى جميع الجبهات. برا بحرا، فضاء وقلبا. حقدا وقهرا. وأنت المتلقّي المحتجز بين قنبلتين، واحدة تسيّر أمور قلبك، والأخرى توزُّ في ذاكرتك.

هذا التّجاذب بين عوالم تفترق بقدر ما تلتحم، تفرض مشاحنات فكريّة تُزامِنُ المُشاحنات الجسديّة المرصوفة شعرا، خيالا، مواجهة على طول ملحمة تزخر حكايا، عن الثّورة والوطن. تعزلُ الأسطورة عن تداعيات القلبِ حينَ يرهف، ويصيرُ هو الآخرُ غيما لامرأة تشاكسُ ملامحها المسافة. لكنّ حضورها جسدا ومعنى لم يغنِ الرّواية تماما، ففي هذه الملحمة وجدتُ مساحة الحُلُم أنسب لامرأة بنصف حضور، ونصف غياب، لتبقي مسافة نسج لقارىء لا يمتلىء. فالزخم الفكري-حسّي الّذي أغنته الأسطورة، ونبوءات العرّافة على غناهما كان يكفي.

لم يعان العمل من غياب المرأة كأصل، أو مرجع، أو حتّى تابع، ذلك لأنّها جاهرت بحضورها عبر العرّافة الّتي لم تترك مكانا فارغا، إلّا واستولت عليه، ونثرت فيه من عطرها شأن حكمتها. وإذ كنتُ أسجّل مأخذا على السياق الحدثي لهذه الملحمة الفكريّة، فسأخرِجُ الكلام، الّذي جاء على لسان المرأة في الجزء الأخير من اعتبارات النّص. فاعتقادي أنّ هذا الهبوط المُفاجىء عبر تعميم اللّغة في مستوى السّرد لم يضف لمضمون أو جماليّة النّص، ولم يغن الحدث بتفاصيل يفتقدها، بل ربّما أثقل قليلا على رشاقة السّرد وانسيابيّته، والتّداخل الفنّي بمستوياته الكثيرة. وأعني الإنتقال السّلس ما بين تداعيات الذّاكرة والحوار وخيالات الأسطورة. كلّها معا التفّت على التّاريخ الشّفوي والمكتوب لتصنع حالة فريدة من فكرة التّوثيق الملحمي – فنّي لأحداث مدوّية الحضور في حلق التّاريخ الحلم لفلسطين. فجميعها روافد زخمة تثري مصادر الرّواية على نحوٍ يتجاوز المُسجّل إلى مُبتكر. فنحنُ حين نحكي نبحث عن مصادر نوعيّة لإدهاش الحِكاية بما لا تعرفهُ عن تجلّياتها. وهذا تماما، ما حصل في "شيرديل الثّاني" برأيي.

وإذا كُنّا نلخّص هذه المسيرة النّادرة في الأدب الفلسطيني الملتزم، فإنّنا نرجّح تسجيل هدف نوعي في فنيّة أدب المُقاومة، الّذي يخاف الكثيرون الخوض فيه، ويهربون من مفرقعاته. إذ بقيتُ على اعتقاد أنّ الأدب الجيّد هو الّذي يخوض غمار عشق جارف بذاتِ الشّراسة الّتي يخوضُ فيها غمارَ اختراقً نوعي لصفوف العدوّ، كلّ عدو بغضّ النّظر عن أسمائه ومرجعيّاته، لؤمهِ ودمويّةِ رأفتِهِ. أليس فعل العشقِ أيضا استثناء في الإخلال بشروط الغزو؟

أعتبرُ هذه آلرّواية واحدة من أمّهات آلرّواية الفلسطينيّة، ملحمة حقيقيّة تنهض على أبعاد شخصيّة متخيّلها من واقع أحداثها آلنّاجزة. فواقعها من عمق متخيّلهَا، ومتخيّلها يتخطّى آلحالة آلدارجة لبطل إغريقي يسجّل موتَهُ خلودا على مذبح آلتّضحيّة. إنّه شيرديل، البطل النّموذج لتداخلات الحالة الفلسطينيّة الكثيرة، بنار ارتطامها ونورِ اشتعَالِها. لكنّ الإشتثنائي في بطلها أنّه كرة وهج لا تنطفىءُ لأنّها تؤمنُ أنّ الثوريين وَفدوا إلى هذا العالم محصّنين بنبوءات حكاية لا اخر لتجلياتها. هم يجعلون أجسادهم فعلَ مقاومة حتّى اخر رمق. ولعلّ سحر الإلتفاف الّذي ينجزه التّاريخ على مصادر الحكاية يُقنعنا، بلا منازع، أنّ المداد الحقيقي لثوابت الرّواية هو دِمَاءُ صانِعيِها، وَما عدا ذلكَ كذب وهراء.

أعترف أنّها رحلة، تابعتُ تحوّلاتها لحظة بلحظة لأجزم أنّ الأدب الّذي يخوضُ معارك ضارية في صناعة الحضور فكرا، عاطفة، وحدثا يجب أن يُناور الخلود.

 

رؤية نقديّة: رجاء بكريّة

روائيّة وتشكيليّة فلسطينيّة ناقدة في مجال الفنّ المرئي  

حيفا

 

الصور الرومانسية في شعر الشاعر جميل حسين الساعدي

goma abdulahيستخدم الشاعر اسلوب ولون خاص متميز به، في عالمه الرومانسي، وثراء مضامينه الحية والنابضة بالرغبات الروح والوجدان الذاتي، ويصوغها في شفافية رقيقة كخيوط الحريرية، بكل انفاسها وهواجسها الطافحة في الرؤية الجمالية والانسانية، الحالمة بعالم الحب، خال من الواعج والاهات والمحن والعذاب، بل يغمرها في اناشيد رومانسية جميلة، من خصب الخيال الشعري، في الصور الفنية الحية والمتحركة بتفاعل وثيق، بانه يعطيها احساس وقيمة وشأن، رغم ان الواقع الفعلي، مملوء بالمطبات والعثرات والانكسارات وحتى الهزائم . تتجسد في مرارة العواطف الجياشة، لكنها لم تنزل الى الاستلاب والمسخ والتشوية بالقيمة الانسانية، بل يضعها في هالة من الجمال الرومانتيكي في اطار شعري حديث وباسلوب المتجدد والمعاصر، اي انه يحاول ان ينزع من لونه الرومانسي القديم، بغطاءه التقليدي والكلاسيكي، حتى لا يكون مجرد ناسخ للاخرين، او مقلد للاطر الرومانسية المألوفة في تقاليدها القديمة، اذ انه يحاول ان يشق او يرسم طريق خاص به في عالمه الرومانسي، بكل صفاته ومقوماته، وبخصوصية خاصة في تجربته الشعرية، التي تميز بها، كصوت رومانسي كالطائر الكروان، يغرد في كل محطاته الرومانتيكية، في رحاب التأمل بافكاره وتصوراته وخياله الشعري الخصب، بأن يضع اللبنة الاولية في الانتماء الى الواقع الفعلي والملموس، في تجاربه الاستكشافية، في عالم الحب والهيام والغرام والوجد . لذا نتلمس بوضوح بأنه يعطي قيمة للمرأة العاشقة والمحبوبة، ويضعها في مكانها المناسب والصحيح، بالثراء الشعري الغض، الذي يمزق التصنيف الشائع في الشعر الرومانسي، الذي يصنف المرأة العاشقة او المعبودة، بالتقسيم السائد : اما ملاك أو شيطان . وانما يكون موقف ودور المرأة العاشقة او المحبوبة يكون بصورة مختلفة ومتنوعة، من قصيدة الى اخرى، ومن حالة الى حالة اخرى مختلفة، مما يعطيه صفة التخيل الشعري المتولد بسعة الخلق والديمومة والنماء والخصب والتجدد، ضمن الواقعية الفعلية والموجودة، دون تكلف وتصنع، او دون اسفاف وتشهير مغرض . بل ان حلمه الرومانسي يجعله يغرد في الفضاءات العالية، قد يخرج عن الواقع الموجود، لكنه حلم وجداني اخضر، في عالم الحب المنثور بالازهار والمروج الخضراء، وهذا الحلم يتقاطع مع الواقع الملموس ومساراته، التي تجعل الحبيب او العاشق، يتجرع كأس العلقم والسهام الطاعنة والجحود والتبرم والشكوك، قد نجده في الكثير من الاحيان الضحية الذي يحترق بهشيم ملتهب بحمم النار، والصفة التي يتميز بها الشاعر، بأنه يحاول بمثابرة دؤوبة، كسر الاغلال التي تكبل رابطة الحب بالقيود، بجعل الحب حراً منطلقاً من قفصه نحو الرحاب الواسع دون قيود وشروط، لكن هذا الانطلاق يأخذ صفة الموضوعية والواقعية بوجهها الابيض الناصع، دون الطعن بقيمة الحب والغرام، كما وأنه يبتعد عن التزلف والتملق والنفاق، بل يعطي قلبه بالبياض كالزلال الصافي والنقي، بأن يقدم قلبه المغرم على طبق جاهز في راحة المعبودة او الحبيبة . هذا الجمال الرومانسي الذي يتسلق على اغصانه لعله يقطف ثمرة من ثماره اليانعة ، هذا الخيال النابض بالتصور والمعبر بحيوية عن جدلية الواقع، في اللغة الرشيقة في بلاغتها، والبناء الشعري الواضح في مرامه والرنة الموسيقية الصادحة في انغامها، التي تشعل النار في المشاعر المرهفة في عواطفها الوجدانية، ليجعلها تدخل القلب مباشرة، بهذا التجلي المتفاعل يشعر بالانعتاق والتنفس الصعداء، في اطلاق هواجس عواطفه الجياشة، بكل ما تحمل من آمال وآلآم وجدانية وانسانية، ويحاول ان تكون المرآة الذاتية بما تعكس باشعتها من انعكاسات ضوئية، التي تغلف روافده الرومانسية المتنوعة والمتعددة، وهي لا تبتعد عن مسار الزمن والمكان والموضوعية، وتتجنب كثيراً من الانجرار الى الفنتازيا الرومانسية، بل يحاول ان يكون واقعي ومتواضع في طلبات القلب وهمومه، بأن يجمع قلبين على طريق واحد، ليغرد بترانيم وانغام الطائر الكروان، لذا من المفيد استقراء الظواهر الرومانسية وصورها الفنية المعبرة في :

1 - وهج الحب : تتنور العواطف الجياشة بانوارها المتوهجة في فضاءات الروح، تجعلها تبحر بكل لهفة واشتياق وبكل عنفوان في بحر الحب، ليرتل القلب اناشيده المضيئة، كأنه في حنينة الازهار والعشب الاخضر المزينة بانوار الغرام والهيام، ليسكب فواحة رياحينه في هذا اللهيب الوجداني، الذي يفيض في جمالية انعتاق الروح، هذا هو عالم الحب الحقيقي راضياً ومرضياً لا يعرف التبدل والفصول، فكل فصوله ربيع

أنا قد وهبْتُ هواكِ كُلَّ مشاعري

             قدراً رضيتُ بـهِ وحُكْمـــاً مُنزلا

أنا مَنْ جعلْتُ القلْبَ محراباً لهُ

             ومنحتــهُ بيــْنَ الأضالعِ مَنْــــزلا

الحـبُّ عندي مثْلُ جذرٍ راسخٍ

             لا كالفصــــولِ تقلّبـــــــاً وتبدّلا

فتخيّلي ما شئْتِ انْ تتخيّلــي

             إني أحبــكِ فوقَ أَنْ أتخيّــــــلا . من قصيدة

(الحب الدائم)

2 - هواجس الشك والحيرة والتبرم: ان الحب الحقيقي يسمو على المظاهر الحياتية المزيفة، التي تتشبث بقيم المال والثراء والجاه، وان قيم العشق الصادقة لا تباع ولا تشترى . لذا فان بواعث الشكوك والتبرم، تجعل القلب يحترق كالرماد، لذا فمن حق العاشق ان يطالب بالحساب الموضوعي، فأي اتجاه يسير بندول الحب نحو المواصلة، ام المقاطعة وقطع الجسور

 

لو قلتِ لـي يومــا كرهتُكَ ربّمـــــا

               أنسى هواك ِ وأستردُّ صفـــــــائي

هيَ كلمة ٌ لو قلتِــها ليَ مــــــــرة ً

               لأرحتِنــــي من حيْرتــي وعنائـي

إن كنْت ِ بالمالِ الوفيــرِ ثريّـــــة ً

               فأنــــــــا الثريُّ بفنّيَ المعطــــاءِ

الحبُّ عندي غايـــــةٌ فــي ذاتــه ِ

               لا سلّـــمٌ للمجــدِ والإثـــــــــــراءِ .

من قصيدة (الى المرأة الثرية)

3 - الحنين والاشتياق : العطش الروحي يزيد ضرباته الموجعة، كلما شعر القلب بوحشة الحنين، فأنها تبحث عن الارتواى الروحي بهذا الاشتياق، الذي يرطب شغاف القلب، لذا تظل الاحاسيس متيقظة الى هذا الارتوى، حتى يكسر جدار معاناته التي تضيق بها الحروف، وتترك القلب لعبة في يد طفل، يتمرغ بها دون رأفة وعطف، ان الحنين يكسر بواعث المساء الموحش

مســـــــائي موحشٌ لمّـــــا جفــــاهُ

                 ضيــا قمـــرٍ توارى في الخســوفِ

حنيـــــنٌ في ازديـــادٍ واشتيــــــاقٌ

                 أحالانــــــــي الــى عودٍ نحيــــــفِ

فرفقــــــا ً بالمشــــــاعرِ لا تكوني

                 كمنْ يرمي الورودَ علـى الرصيفِ .

من قصيدة (حنين واشتياق)

5 - هواجس الرغبة والامتلاك: في دوامة الغزل الصوفي، الذي يدخل في لهيب الاحتراق، يكفي في محراب الحب والمعبود، الرضاء ليفوز بالخلود الهوى والهيام، انه كنز الامتلاك الروحي

أنـــا فـي لهيبِ الوجْــــدِ مُحتــرقٌ

               أوّاهُ ممّـــــــــا يفعــــلُ الوجْــــــدُ

صـوتٌ مــن الأعمـاقِ يهمسُ لي

               مــــــــا مِنْ هـــواكَ ونـــارهِ بــدّ ُ

أنـــتَ الأمـــــــاني كلّهــــا وأنـــا

               لهـَــــفٌ كمــــوجِ البحْــرِ يمتــــدُّ

لا أبتغــي في الخُلـــــــدِ لي سكنا ً

               يكفـــــي رضــــــاكَ فإنّـهُ الخُــلدُ .

من قصيدة (ابتهالات في محراب الورد)

 

6- الهروب الى احضان الحب: هذا الاندفاع الرومانسي، بان يجعل الحب هو المأوى الامن، والدفئ الضامن في قناديله المضيئة في بيتها المتوهج بحرارة العشق والدفئ، بأن يكون بمثابة مقام الوطن الضامن في الحياة المسعورة بالتنافر والتناقض، المعبد الوحيد الذي يحقق امنية الروح الوجدانية لديمومة البقاء الابدي، ليظل محافظاً على تراتيل العشق

قالت صحبت َ العشْــق َقُلْــ   ــتُ وفيهِ يوما ً مُنتهــايْ

فصــــلاةُ عشقي لنْ يكـــو نَ وضوؤها إلاّ دمـــايْ

أُمْنيّتــــــي يــا نجمتــــــــي   أنْ تسمعي يوما ً نِـــدايْ

أنْ تتركي الفلك َ البعيــــــــ   ــد َ وتنزلـي حتّى سمايْ

ما عادَ لي وطـــن ٌ أحـــثُّ إليـــــه ِــ مُشتــــاقا ًــ خُطــــايْ

مــا عاد َ لِيْ وطــن ٌ ســوى   عينيـــك ِ أُنبئه ُ أســــايْ .

من قصيدة (تراتيل في العشق)

7 - الوحدة والعزلة والقلق: وهي تدق في اوتارها الحزينة، بالهموم والقلق الموحش، من جراح الوطن الجريح وفراق الاحبة والاهل، بهذا القلق الذي يدق بطرقات عنيفة ومؤلمة بالالم الموجع وهو يفيض بهذا الفيضان المتصابية بالشجون والقهر

 

هذهِ الليلـــة وحــــــــــدي

مبحـــرٌ عبـــــر جراحاتي القديمــة

مبحرٌ عبْــــــرَ جراحاتي الجديـــدة

أذكرُ الأحبـــــابَ والأهلَ وأصحابي القدامـــى

منْ تُرى يمســــحُ عــن عيني الغَمــــــــــامــا ؟

لأرى تلكَ التــي خلّفتِ القلبَ حُطــــــــــــامـا

مَن تُرى يُطفئُ فـــي النفسِ ضــــــــــرامــــا ؟

8 - الغربة والاغتراب : التشتت والفراق بسيف ظالم، يجعل الروح منفية تناجي جذرها واصلها . حيث الاهل والاحباب، فتظل الوحشة تناجي بعتابها المرير، لان الوفاء من شيم النفس الكريمة، وتكشف المعدن الانساني الحقيقي، بهذه النغمات الحزينة ينشد الم الفراق

كمْ قــــــدْ قلقتُ لبين ٍ قـــــدْ يفرّقنـــــــــا

                   واليوم فقدهــــــــمُ قدْ زادَ إقلاقــــــــي

ينتابنــــــــي ذكْرهم في كلّ آونــــــــــة ٍ

                   فيحرقُ الذكْرُ قلبــــــي أيّ إحـــــراق ِ

أشتـــــــاقُ حتّى ولو في القبْرِ رفقتـــهم

                   فمَنْ سيُذهــــبُ عنّـــــــي نارَ أشواقـي

إنَّ الجـــراحَ وإنْ جلّتْ تهــــــونُ سوى

                   جراحِ قـــــوم ٍ بهذي الأرضِ عُشّـــاقِ .

من قصيدة (ايها الساقي)

9 - الحزن: فاجعة الموت المصير النهائي للحياة، لكن تبقى وحشته بالحزن الذي يعصر القلوب عصراً بالالم والاسى، وتبقى ذكرى الاحبة والاصدقاء مضيئة، راقدة في خزين الذاكرة حية تنبض بالحياة، كأن العزيز الذي اختطفه الموت غدراً وظلماً وعدواناً، حي يرزق بعد مماته، لكن في الذاكرة الحزينة، متفاعل في حضوره الدائم، هذه الحالة الشعورية هي من صلب الواقع . كما ذكرها الشاعر.

الموتُ كذبٌ ها هي الأحــلامُ تولدُ فـــي النهارْ

ويجــئُ صوتك يطرقُ الأسماعَ حيّا ً كالهــديرْ

ويهـــزّني صوتُ البشيرْ

قُمْ مزّق الأكفانَ... موكبنـــا يسيـــرْ

والصبحُ موعدنا

وهذا الليلُ في الثُلثِ الأخيــرْ

10 - التوحد في الوهم: هي حالة واقعية عصفت بالشاعر وهو يعبر عنها بقوله:

(كان الظلام الدامس قد خيم على البحـر، في تلك الأثناء تناهى إلى سمعي صوت منبعث من بعيد من بين الأمواج، ينادي عليَ باسمي، تصرفت لا شعوريا فخلعت ملابسي بسرعة وألقيت بنفسي في مياه الكاريبي، وبدأت أسبح باتجاه مصدر الصوت وابتعدت كثيرا عن الساحل وفجأة اختفى الصوت فعدت أدراجي

إنّــــــهُ البحْـــــرُ يُنادينـــــي فهـــلْ

قدْ سحـــــرتِ البحْـرَ قبلـي فالتقـــــاكِ

لســـــتُ أدري ما الذي يضمــــرهُ

أســـــــرورٌ فيــهِ أمْ فيـــــهِ هلاكــــي

أنـــــا آت ٍ لســتُ أخشـــى ليلــــهُ

فعلـــــــى الموجِ شعــــاعٌ مِنْ سَنــاكِ

أنتِ مِنّــــــي وأنــــا منــكِ فمـــنْ

ذا الذي حوريّـــــــةَّ البحــــرِ دعــاكِ

 

ملاحظة: مصدر هذه القصائد من ارشيف الشاعر في صحيفة المثقف الغراء

http://almothaqaf.com/index.php?option=com_users&Itemid=585&id=2460&lang=ar&view=articles

 

جمعة عبدالله

 

الشاعرة امل جمال وقلق البحث .. "المواجيد" من ديوان (فضاء لجناح) أنموذجا

wejdan abdulazizالقراءة ممارسة جمالية، كما هي جولة على شاطيء نهر وارف الخضرة تحيط به الوان من الاضواء المختلفة، فما عليك الا التركيز على لون محدد يعطيك الاذن في منح الخضرة لذلك النبات الذي يصنع عالمه وشاطيء النهر .. وهكذا المسارات النقدية التي تمارس على النصوص الادبية، فهي تعطيك القدرة في ممارسة سلطة محددة، كان ميلادها مربوطا بوجود تلك النصوص .. اذن الممارسة النقدية ترتبط بممارسة القراءة الجمالية الاولى، ثم الثانية وهكذا حتى الوصول الى مقصدية مبدع النص واستقصاء ظواهره الفنية وبالتالي فان العملية النقدية، جاءت من ثنايا النص مستقصية تجلياته، وهذا يجرني ان ابحث في نصوص الشاعرة امل جمال، كي اجترح طرق نقدية تكاملية، (وقد وجدنا أنّ "النقد التكاملي" كان من بين مجموع الاتجاهات النقدية التي تعرضت للنقد الشديد رغم محاولة العديد من الباحثين حاليا الدفع به إلى الساحة النقدية رغبة منهم في الخلاص من ظاهرة "أحاديةالرؤية النقدية" التي اتسم بها نقدنا العربي طيلة فترة زمنية طويلة من جهة،وعدم التمرس الجاد في تحديد الآليات الإجرائية للممارسة النقدية الجادة لهذا النقد الجديد من جهة أخرى، كما ينبغي لنا أن نشير هنا صراحة في هذا المجال أنّ النقد التكاملي يستفيد باستمرار من جلّ المدارس النقدية أثناء الدّراسات التحليلية، ومع ذلك تبقى هذه المحاولات عقيمة،وغير جادة إذا كان الناقد غير ملم بأدوات وأساليب التحليل النقدي خاصة المعايير والضوابط الخاصة بتلك المناهج والتي تصب في دائرة بحث النقد التكاملي.)، فامامي مجموعة من القصائد الشعرية بعنوان (فضاء لجناح)، والتي ارهقتني في قراءتها عدة مرات، فكلما قرأتها ظهرت امامي مقصديات اخرى، حتى استويت الى طريق متعرج في استرادادات المعاني، بمعنى ان هناك معاني توليدية في نصوصها أي الشاعرة امل جمال ... من خلال تناصها مع اقوال مقتبسة بعناية، تشد القاريء لاكتشاف المبررات في اختيارها .. ثم الى حالات القلق والترقب في زوايا النصوص، والتي بدورها تعطي فضاءات اوسع في البحث والتقصي، ففي نص (بوح) من قسم فضاءات المواجيد، جاء قولها :

 

(كل ليلة

أرسم وردة، وقمرا، و عصفورا

كمراهقة أتعبتها زوايا الخجل

و أخجل من بوحي لروحي

روحي التي ناطحتها طويلا

حسنا

يا قروني المتكسرة

أنا أرنبة، في سهول الحنين

تقف على قدميها الخلفيتين

ترقب خطوهُ من بعيد

أرنبة، لن تهرع للاختباء

عندما يقترب.)

وهنا بدت الشاعر في تيه من امرها، مفارقة الواقع منزوية بانهماك لرسم جماليات الطبيعة، كي تحملها البوح الذي تريد بعيدا عن الاضواء، راسمة حدا لذلك الخجل الذي يعتريها كونها تعيش واقعا لايعطيها الا مسوغا لافتراض زوايا، قد تكون اكثر آمانا، وبالتالي جعلت من نفسها ارنبة خائفة، تتطلع الى افق الحقيقة بوقوفها على قدميها الخلفيتين، بيد انها سرعان ما تختبيء عندما يقترب منها، والتساؤل من؟؟ القرائن هي (المراهقة، الواقع المخيف، وكلمة البوح) .. اذن هي تبحث عن جمالية مباحة كالحب في بيئة لاتسوغ قبول هذا الجمال .. خالقة بذلك وهن روحي امام مد قوي لرغبات الجسد المحروم، ثم تقول:

 

(كم أتمنى أن أنام الآن،

لتوقظني قبلة فوق جبيني

و يد تتبع مفرق شعري

و إصبع يمر خفيفا على أنفي

فأفتح عينيّ.

لأختبئ سريعا في صدرك

و أغمضهما و أنام.)

لكنها تقول:

أرفض محض وجودك

و أتابع حلمي

حلمي الذي أيقظتني منه.

في غيم اللحظة،

بين الرفض و التوق

و التوق و حلم حضورك

أتأرجح.)

فكان الرجوع الى الحلم، تلك الحقيقة التي ترافقها وتنام معها، فالعيش في ثنايا الحلم، ثم الاستيقاظ على اعتاب الحقيقة، وهنا تتولد حالة التأرجح التي تدفعها، وهي تتقمص ذاتها وسط توهان الحرمان والكبت الذي تعوض بعضا منه في ذلك الحلم الزائر في الغياب وخواء السرير الفارغ ..وتستمر معلقة في مساحات البحث، تائهة في مسارات الروح التي تهفو لذلك الجميل الذي تبحث عنه، بدليل خطابها لروحها (ياروحي التي هناك/ أنا كرة جوفاء/ هشة كحلوى غزل البنات)، فما الذي يجعلها هشة، هو ذلك الحرمان الذي تعيش وسط امواجه المتلاطمة، ثم تحاول جاهدة لامتلاك جسدها الحسي الذي هو مُصادر من قبل الاخرين، حتى بانّ الحاجز بين روحها وجسدها، وسبب لها هذا القلق الكبير، لذا تقول: (أنا خفيفة يا روحي/ لن أثقل أجنحتك/ فقط، أريد أن أغفو قليلا في جسدي.)، وكأني بها تحاول استرداد روحها لجسدها المسلوب اصلا .. فحالة الاستلاب التي تعيش اجواءها الشاعرة امل جمال هو الغياب اي حالة الفقدان التي جعلتها تقول : (فأصعد ثانية/لا قمة تصل إليها/الروح لترتاح/لا سفح فقط، غابة تورق ولا زهور.)، اي عقم تام هناك اوراق، ولكن دون زهور .. فالافتراض السري الذي تعيشه الشاعرة وسط طوافان الغياب والحرمان، ان تكون زهرة صباحية تنام في حنين ليلي .. وتجيب عنه معادلة المعنى المقصدي، وهو وجه الحبيب .. بقولها :

 

(زهرة تتفتح في الصباح

و تنام في حضن حنيني ليلا

ثم تعود، و تتفتح في الصباح

و تنام في حضن حنيني ليلا

وجه حبيبي.)

 

وتذهب في مسار البحث وحالة القلق والتوهان الصوفي في اجواء ضياع الروح وضياع الجسد، فهي منهمكة للجمع بينهما من خلال الحب .. تقول: (على حافة الدمع/ أقطر روحي، لؤلؤة لؤلؤة / أطرز بها شغفي/على منديل غيابك.)، وهذا تصريح واضح المعالم وغياب ذلك المرتجى الذي تبحث عن حضوره، ليكون معادلا للمعنى، وهنا من خلال القراءة احتاج لشيء من علم النفس وشيء من علم الاجتماع وصراع قيود المجتمع واثارها، وشيء من دراسة سيمياء الكلمات المحصورة بيت التصريح والتلميح .. بيد انها بعد ذلك تعيش اجواء الطيف اي المقصود الحلم بجانب ذلك السرير الخالي برجاء حضور الطيف ليحضن روحها بقولها: (وأنا طفلة، ذات خمسة أعوام/تتدحرج فيه، بقلق.)، كونه كسهل منبسط خالي، كما هي منذ طفولتها صار هاجسا يرافق حضورها في مساحات الغياب المستمر .. ثم سرعان ما تكشف النقاب عن حسية منفعلة بقولها :

(قبلة على شفتيك

ليست كأية قبلة لأي أحد

قبلة على شفتيك يا صديقي

الذي يعرف شكل الجرح

مكان الدمع

و ظل اللفتات.

قبلة على شفتيك.

تعرفُ كيف تفاجئوني

بشمس ابتسامة

و سرب فراشات

و ذراعين مفتوحتين

على مرج قلبك.)

ثم تعلن : ان الامكنة وأشياءها هي، هي .. لان الحقيقة الواقعة هو الغياب، فـ(الخراب الذي يلف الشوارع/و يغلفها بالصرخات يلفني/و أنا أبتسم لسكين الوقت/ أصدقها، و أنا أعرف أن الشارع القادم لن أرى وجهك فيه )، ويبقى الغياب يشكل قلق الشاعرة على مدار هذه القصائد النابضة بالحب والعاطفة الجياشة، لهذا تركب (الانتظار) مطية لها عبر (اشواكها الطويلة الطرية)، وهي تردد: (شكرا على هذا الرجل البعيد البعيد

الذي يظلل روحي

و أختبئ في صدره

كعصفور صغير لا يحلق

- ولا يريد أن يحلق أبدا –)

وهكذا هي متمسكة بذلك الحبيب الغائب، وكما يقول ابن عربي:               (الحب موت صغير.)، في رؤية الشاعرة امل جمال، ثم تقول:

(جسدي طاولة من الأكاذيب

نمت و استطالت

و أزهرت.

أنظر

كلها زرقاء)

وهنا تعاملت مع اشكالية الجسد، كما تعاملت سلفا مع اشكالية الروح فـ(ان الدراسات العلمية توصلت الى ان حصة الكلام (اللغة اللفظية) في احاديثنا التقليدية بحدود 45%، فيما تكون حصة لغة الجسد من التواصل بحدود 55% ! اي ان اقل من نصف المعنى يأتي عبر لغة الكلام،فيما يأتي اكثر من النصف من لغة الجسد . وانه يوجد بالدماغ جهاز او مركز خاص لفك الشفرات التي تبعث بها لغة الجسد، فأن فسّرها بشكل صح،حصل تفاهم وتودد ..وصداقة..وربما الوقوع في الحب!،)، رغم انها كل تعاملاتها افتراضية، الا انها احيانا تعمد لتحريك ودغدغة القاريء، بدليل قولها:

 

(أتعثر في ظلي

و أنا ألهث خلف ظلك

يالا مخاتلة الضوء.

 

لماذا صار الهواء

صعب جدا

و أنت بعيد؟)

 

هكذا تتعامل افتراضا مع الحبيب الغائب .. وهذه رؤية شعرية في ظاهرة الغياب والحضور وغالبا ما تظهر كثيرا في الشعر الحديث خاصة .. وترجع امل جمال دواليك على مسار رؤيتها في الروح بقولها :

(أقنعة الوحدة تسّاقط

أشرقت شمسك يا حبيبي

ذاب جليد الروح.

 

فلتستريحي أيتها الموسيقى

حبيبي قادم

سأهديك موسيقاه.)

وهنا تستعين بقول ابن عربي: "كل مشهد لا يريك الكثرة في العين الواحدة لا تعول عليه" وتكتفي شاعرتنا بالموسيقى، واي موسيقى تلك التي هي في عالم الافتراض" .. الحصيلة النهائية من قسم "المواجيد" من ديوان (فضاء لجناح) هي البحث في ظاهرتي الغياب والحضور، ويلي هذا دراسات اخرى لبقية الاقسام ...

 

وجدان عبدالعزيز

 

الشاعر حبيب السامر يصنع الجمال في لحظاته الشعرية

wejdan abdulazizحين قراءة قصيدة (هذا العام نريده مختلفاً) للشاعر حبيب السامر، احالتني الى تعريفات علم الجمال، فالجمال هو" العلم الذي يبحث في الجمال والذوق والفنون الجميلة، ويختص بتوضيح فكرة الجمال كسمة مميزة للأعمال الفنية كما يضع المبادئ السليمة التي تكمن وراء الأحكام الجمالية.ومجال البحث فيه ينصب على الجمال والذوق لا على الجمال وحده إذ لا قيمة للجمال إن لم نتذوقه. ويتجه نحو الفنون الجميلة التي تزخر بالجمال وليس نحو جمال الطبيعة إلا إذا تمثلها الفنان بأعماله والبسها زخارف إبداعاته وبثها اشراقاته. وكذا فالجمال لا يختص بتوضيح فكرة الجمال فحسب، بل باعتبارها سمة مميزة للأعمال الفنية التي بدونها يعد العمل الفني غير ذي قيمة. وكذلك لا يضع مبادئ فحسب، بل يشترط فيها أن تكون سليمة حتى يصدر عنها أحكام صحيحة ونؤكد ثانية أن هذا التعريف هو اشمل تعريف للجمال وعلمه ومنهجه. وهكذا جعلتنا هذه القصيدة نبحث في مجالات علم الجمال، كون الشاعر تعامل مع لحظاته الشعرية بما يكتنف عوالمه المحيطة بالجمال، فاقترح بادي ذي بدء على حبيبته الشجر والضوء والعطر ومزج هذا ببياض القلب الذي لايعرف سوى الحب .. فهو عاش مفردات الجمال الافتراضية خروجا من دائرة الوجع بقوله: (أحاول أن أرمم التأريخ الميلادي بيننا، بقليل من الموسيقى/أعدك ان قيثارتي ستسكب الحان موزارت هادئة هذه المرة، تراقص النوارس/ لن ادخر حبا لقدومك)، وارتكز على هذا الاستدعاء الجمال على ما حمله من رؤية ثقافية لعلاقة وحياة جديدتين تتخلقان في مختبره الشعري .. يقول أ.د عبدالله الفيفي: (وإذ نتحدَّث هنا عن الجَمال، فنحن عن جَمال الفنّ نتحدّث، لا عن جَمال الطبيعة. وجَمال الفنّ أسمَى من جَمال الطبيعة؛ لأنه نتاج الرُّوح، والرُّوح أرقَى من الطبيعة؛ فالرُّوح الإنسانيّة، حتى وَفق المنطق الدِّيني، هي من رُوح الله: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي، فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين». إضافة إلى ما يُضفيه الفنّ على الجَمال الشكليّ من مُثُلٍ عُليا، لا وجود لها في جَمال الطبيعة. ثم ما يمنحه إيَّاه من خلودٍ إنسانيٍّ، لا يفنَى كفناء الجَمال في الطبيعة. لتلك الفوارق بين جَمال الفنّ وجَمال الطبيعة، قلَّما يختلف الناسُ حول جَمال الطبيعة اختلافهم حول جَمال الفنّ. إنّ جَمال الفنّ جَمال تحوُّليّ، مَوَّار في ذاته، مباغِت لخارجه، وباستمرار. ومن ثَمَّ تُولَد هُويَّته، التي لا تَنْفَد دهشتها. وبما أنه كذلك، لا يُمكن تعريفُه تعريفًا جامعًا مانعًا، أو عَلْمَنَتُه، بحالٍ من الأحوال. وفي هذا السياق يجب التفريق بين ثلاثة مصطلحات، متداخلة في فهم أكثر الناس لمعنى الجَمال الفنِّي، هي: الجَمال، الحُسن، اللَّذة. إن الجميل بمفهوم الفَنّ، ليس الحَسَن، وليس اللذيذ، بالضرورة. فقد يُعَدّ القبيح جميلًا فنّيًّا؛ للمهارة الجماليّة في التعبير عنه، وللمعنى الروحي المتوخَّى في ذلك التعبير. وقد يكون غير اللذيذ، أو حتى المقزِّز، جميلًا فنّيًّا؛ للمهارة الجماليَّة في التعبير عنه، وللمعنى الروحي المتوخَّى في ذلك. من حيث إن المادة التي يشتغل فيها الفنّ، كما يذهب (هيجل)، وهنا نجد ان الشاعر السامر وبمهارة شعرية صنع جمالا واستدعى الذائقة المتلقية له، لهذا حاول ترميم التاريخ الذي نعرفه سلفا بموسيقى هادئة اولا وتراقص اللون الابيض من خلال النوارس وحتى الابتسامة غير مألوفة، لرسم لوحة من الحب مثالية لقدوم حبيبته .. أي ان الشاعر انفلت من عالمه الضيق الى عالم افتراضي كوني عولمي بدليل قوله الاخر في المقطع الثاني : (لا أريد ليومنا أن يتكرر/دعينا نبتكر تقويم لحظاتنا/ ونكتبه برحيق الكلمات)، .. اذن لايروم التكرار ويستهدف الابتكار، لتكون الكلمات حاملة لرحيق ونكهة خاصة ..و الحقيقة الشاعر الحديث في ظني يمتلك طاقة تخيلية كبيرة على خلاف شاعر الاسطورة قديما، نتيجة ما حققه الإنسان من تقدم مذهل في الميادين كافة. وكلنا يعلم أن الخيال وظيفة من وظائف العقل.. وأن العقل يوظف التراكم المعرفي والفني والتقني... ويوظف الذاكرة المفعمة بالإنجازات، في قيامه بوظائفه.‏ ومن ارسطو فصاعدا بدأ الفكر يفترق عن الشعر لانصراف الانسان عن عالمه الداخلي "ذاته" الى العالم الخارجي بغية معرفة المزيد عنه والتحكم فيه .. بدءاً من هذا الفهم بدأ يفترق الشعر عن الفكر، وبدأ يتميز النص الشعري من النص الفكري، الذي اصطلح على تسميته بالنص العلمي، مع أن مضمونهما واحد في كثير من الحالات.. فكلاهما منشغل بالقضايا ذاتها، وكلاهما يبحث عن الحقيقة... لكن أصبح لكل منهما طريقته واستراتيجيته في التعبير، وفي تناول الأمور... ففي حين نجد أن النص الشعري منذ القدم، قد احتفظ باستراتيجية التعبير الأسطوري، المتمثلة بالغنى الدلالي، وبالنداوة الروحية، وبالدفء العاطفي، وبالحضور الإنساني (الذاتي والعام)، وقبل ذلك كله احتفظ بالتعبير بواسطة الصور.... نجد النص العلمي قد نحا منحى آخر هدفه الانضباط الدلالي، والتحديد المعرفي الدقيق، والموضوعية، والحياد، والاستقلال عن ذاتية منتجه قدر الامكان .. ونركز على اللغة في الشعر، فاللغة أداة توصيل، تحمل المفاهيم بأمانة وحياد... ومنتج النص يحرص أشد الحرص على التحديد والدقة والوضوح، وتكافؤ الدال والمدلول، وفق ما تواطأت عليه المعاجم واستقر في الذاكرة، نتيجة التداول المستمر والمتواتر للكلمات وللأساليب النمطية.‏ أما في النص الشعري، فاللغة طرف أساس، وهي المادة الخام التي تصنع منها النصوص الشعرية، وهي لا تقل... أهمية عن المضمون الذي تتصدى لحمله. بل إن الشاعر يهتم بالتشكيل اللغوي بالدرجة الأولى، فالشعر يكتب بالكلمات لا بالأفكار .. وفي التشكيل اللغوي، أي في البنية الفنية التي اختارها، أو صنعها، الشاعر، أي في القصيدة، لا عبرة للألفاظ فرادى، العبرة للألفاظ، وقد انتظمت في سياق فني معين، لتعطي معاني وإيقاعات، حرص الشاعر عليها، لذلك نجد كيف أن تبديل الكلمات بمرادفها الدلالي كفيل بالقضاء على شعرية النص قضاء مبرماً. والمأساة التي يعاني منها الشاعر، والتي تغيب عن أذهان كثيرين، أن هذه المادة الخام التي يصنع منها الشعر، أعني اللغة، مادة مقاومة، بل شديدة المقاومة... فالرخام، مثلاً، الذي يتعامل معه النحات، لم يكن انسانا... أو حيوانا... قبل أن يحولـه النحات إلى ذلك، لقد كان حجراً غشيماً فحسب.‏ أما الكلمة، التي يتعامل معها الشاعر، فقد حملت معنى ما لقرون طويلة، بحيث لا يستطيع الشاعر أن يفلت من ذلك المعنى المتداول، الذي تلوّث اللفظ به إلا بمهارة الشغل الشعري.‏ والشاعر لا يستطيع أن ينتج نصاً أصلياً وأصيلاً إلا حين يتمكن من استخدام الألفاظ استخداماً شخصياً، فيسمح لبعض معاني تلك الألفاظ بالدخول إلى حدائق آلهة الشعر، ويحرم المعاني الأخرى من ذلك النعيم. أي حين يعلّم تلك الألفاظ أن تقول ما لم تتعود أن تقوله، أو أكثر مما تعودت أن تقوله (حسب أدونيس).. وحين يجبرها على الانزياح الدلالي، بحيث يكون أي معنى معجمي لها إما عرضي، أو زائد، أو الأمرين معاً.‏ والنص العلمي، بحرصه على معادلة تكافؤ الدال والمدلول، يهدف إلى إنتاج نص واضح ووحيد المعنى، وهذا هو النص العلمي الجيد، الذي ينطبق عليه حد النص الذي لا اجتهاد معه.‏ أي المعنى في النص الفكري يمتلك معنى واحد ممكن الفوز بامساكه من خلال التفسير والشرح، اما المعنى في النص الشعري يبقى مفتوحاً باستمرار، ولا يمكن أن يمنح نفسه للمتلقي أبداً، لأن النص يعلن عن موته في اللحظة ذاتها التي يتم فيها امتلاكه.. وهذا ما يحدث مع النص العلمي (الفكري)، إذ يختفي في اللحظة التي يتم فيها استيعابه وفهمه، ويبقى المعنى، الذي من حق المتلقي أن يعبر عنه كيف شاء، بأسلوبه الشخصي... بل إن هذا التعبير الشخصي الخاص هو الدليل على امتلاك النص، وامتلاك المفاهيم التي يعبر عنها.... وهذا مالا يسمح به النص الشعري أبداً، الذي يحصّن ذاته بالشغل الفني وبالصفة التي تنتج بنية تستعصي على القارئ الكسول، لأنها تمانع، وتماطل بالمعنى، ولا تهب، إن هي وهبت، إلا طيفاً من أطياف المعنى، للقارئ المستحق، فتملأ نفسه غبطة ومتعة، بعد أن امتلك مهارة التعامل مع النصوص الشعرية، أي مهارة القراءة والتلقي، التي لا تكتفي بقراءة كلمات النص وفق مسطرة المعجم، وإنما يتجاوز ذلك إلى ما يمنحه من صور، وما يفيض به من علاقات مدهشة بين هذه الصور الحسية التي ينبني منها النص، لأن تزاوج الصور هو الذي ينتج المعنى، فالمعنى ليس في هذه الصورة أو تلك، إنما في العلاقة بين هذه الصور.... علماً بأن المعنى المقصود هنا هو معنى شخصي خاص بالمتلقي، يتناسب مع تكوينه الثقافي والمعرفي والاجتماعي والسياسي والأيديولوجي... وهذا ما لا يحدث، وما يجب ألا يحدث، مع النص (العلمي/ الفكري)، الذي يبقى المتلقي إزاءه مجرد زبون يستهلك ما يقدم له بسلبية شبه تامة.‏ ونلاحظ انفصال الشاعر عن لحظاته السابقة ومحاولة الالتصاق بلحظاته الحالية التي صنعتها اللحظة الشعرية الان وبقصدية واضحة من خلال قوله :

 

(لا علاقة لنا بما يحصل الآن

خارج هذي الغرفة

هنا تتقافز الفراشات

وهناك

تتطاير الشظايا

ما حدث

أن اختلطت ألوان الفراشات بشفرات الشظايا

وحزت الموسيقى

لكن اللحن ظل ينساب حزينا

حتى آخر الحاضرين

وهو يكرر : أحبك !)

 

فبعيدا عن الحروب المختلفة وشظاياها اللعينة الحسية والاخرى المعنوية برز اللون الذي غطى على هذه الالوان القاتمة .. وكان الحب هو ذلك اللون الفاتح الذي يصنع تلك الحظات ويحلق باجواء الميلاد الافتراضي الجديد

 

ملاحظة:

القصيدة نشر ت الاربعاء 21 كانون الثاني 2015 في ملحق ادب وثقافة جريدة الصباح

 

وجدان عبدالعزيز

 

أدب الشروح عند المغاربة من أشكال التلقي النقدي للأعمال الأدبية

mohamad shadadalharakإن الإقبال على تصنيف الشروح الأدبية لم يكن دائما ظاهرة صحية في الأوساط الثقافية، لأنه يشير في بعض جوانبه إلى حالة فتور حاد في نبضات النشاط الإبداعي وإلى توقف طويل في مسيرة الخلق الفني. وخلال ذلك يتم اللجوء إلى مغازلة النصوص الجاهزة وإلى الاكتفاء بقراءتها وفك شفراتها وكشف مكوناتها اللغوية والمضمونية لمقاصد تعليمية وتربوية في الدرجة الأولى. فإذا كان عمل الشرح، من ناحية، يدل على أسلوب معين في تلقي الأثر الأدبي وقراءة متنه ومعالجة إشكالاته ومواجهة قضاياه وظواهره، بتوظيف مناهج محددة وتقنيات إجرائية ووظيفية، تترجم رؤية نقدية خاصة وذوقا أدبيا معينا. فإنه، من ناحية أخرى، يعكس سمات مرحلة ثقافية عامة، عقيمة على مستوى الإبداع، تجمدت فيها دماء الابتكار والخلق، وتحنطت المشاركة العلمية في قوالب جاهزة وساكنة وثابتة، وبدأت تدور حول نفسها، وتعيد إنتاج خطابها بصور مكرورة ومتصنعة.

وعلى الرغم مما يمكن أن تطرحه مصنفات الشروح من نقاش حول قيمتها العلمية والمنهجية، فإنه مما لا شك فيه أن عمل الشرح ليس بالإنجاز الهين الذي يفتقد صفة الإبداع، أو يكتفي فيه صاحبه بحل ما استشكل من القول، وإيضاح الغامض منه، وتبسيط ما صعب إدراكه أو ما تعذر فهمه، ولكنه عمل متكامل نابع من رؤية ناضجة وواضحة، ومعبر عن تجربة خاصة في القراءة وعن موقع معين يزاول من خلاله الشارح عملية التحليل والشرح. إنه بصفة مجملة أسلوب خاص في معالجة المتن وتناول مادته. ولذلك تحظى الشروح الأدبية باهتمام خاص في باب الدراسات الأدبية باعتبارها مادة أساسية تزود الباحث بصورة عامة عن مناهج القراءة النقدية عند الأسلاف، وتبرز التقنيات الوظيفية التي استعملوها في مقارباتهم النقدية التطبيقية. ولهذا لا ينبغي الانجراف مع الأحكام الجاهزة التي تحاكم بعض الأصناف الأدبية بدون قراءتها وبدون إعمال النظر فيها، أو التي تحاكم أدب الشروح بمقاييس غريبة مستمدة من ثقافة نقدية مستوردة، أو تحاكم الأدب القديم بمعايير نقدية جديدة ومستحدثة. وعليه فإن العقلانية العلمية تقتضي دراسة الظواهر الفنية والإنتاجات الأدبية بمعايير عصرها وبالمقاييس النقدية التي تواضع عليها العلماء والنقاد في ذلك العصر.فلكل زمن أدبي أذواقه واختياراته ومعاييره التي تناسبه وتستجيب له.

لقد ساهم أدباء المغرب وعلماؤه، منذ وقت مبكر، في حركة تصنيف الشروح الأدبية والعلمية، وكانت مساهمتهم في غاية النضج والأهمية. وهي تمثل إحدى أخصب التجارب التصنيفية العلمية التي أثرت التراث التأليفي العربي. ويمكن أن نرجع تاريخ بداية تصنيف الشروح عند المغاربة إلى العصر المرابطي، وذلك بتجربتي كل من القاضي عياض، من خلال كتابه (بغية الرائد)1 وابن هشام اللخمي السبتي من خلال كتابه (الفوائد المحصورة)2.

وقد أظهر المغاربة اهتماما كبيرا بمقاربة المتون الأدبية والعلمية، فعكفوا على قراءتها وشرحها وتفسيرها بمختلف الأساليب والأدوات والتقنيات، وكانت استفادتهم كبيرة من انفتاح المغرب على الثقافات الوافدة من المشرق والأندلس، كما كان تأثرهم واضحا بمناهج الشارحين الأوائل وبأساليبهم القرائية وطرائقهم التحليلية. فجاءت أعمالهم تحمل نفس السمات والخصائص التي تميزت بها شروح المشارقة، مما يدل على طابع النمطية في التجربة المغربية في بدايتها الأولى.

وإذا استقرأنا الخزانة المغربية نجدها تحفل بمصنفات وافرة من الشروح الأدبية والعلمية، وكثير منها ما يعود إلى عصور متقدمة. وقد حظي جزء من هذا التراث بالتحقيق والدراسة، في حين ما يزال الجزء الآخر نسيا منسيا، أو غائبا عن الأنظار يئن تحت ركام الإهمال وغبار النسيان في الخزانات العامة والخاصة، ينتظر التفاتة رحيمة، لتخرجه من محشره السحيق إلى دنيا التداول والدرس.

والمتأمل المتمعن في تراث الشروح المغربية، يقتنع اقتناعا راسخا بأن مساهمتهم في هذا الميدان لا تقل أهمية عن تجربة المشارقة، سواء من حيث محتواها العلمي والمعرفي، أو من حيث بناؤها الفني وتصميمها المنهجي. فلقد أقبل المغاربة على مقاربة المتون الأدبية الشهيرة التي نالت حظا واسعا من اهتمام المثقفين في سائر البيئات الإسلامية، فأرادوا أن يسجلوا حضورهم وان يجربوا حظهم ويخطوا أسماءهم إلى جانب الشراح الآخرين. ومن أبرز النصوص التي اعتنوا بشرح متنها ومقاربة مادتها: قصيدة البردة للإمام البوصيري، ومقامات الحريري وغيرهما.

لقد حظي نص البردة، منذ العصر المريني، بعناية كبيرة من طرف الأدباء، ولم يكن قد مر على وفاة البوصيري آنذاك زمن طويل. فانتشرت في الأوساط الثقافية والشعبية انتشارا واسعا، وأصبحت وردا للعاشقين للجناب النبوي الشريف والمتعلقين بأهدابه والمتيمين بحبه، خصوصا وأن التصوف في ذلك التاريخ قد وجد سبيله إلى البيئة المغربية ومرتعه الخصب بين صفوف العامة والخاصة. وهذا ما تترجمه جملة من الشروح الأدبية التي تناولت هذا النص بالتفسير والدراسة3.

وكذلك بالنسبة لمقامات الحريري4، فقد كانت من أهم النصوص الأدبية التي اعتنى الشارحون بمقاربتها وتفسيرها. وأصبحت، بهذا الاهتمام، نافذة حقيقية أطل المغاربة، من خلالها، على عالم الأدب الرحب الزاخر بالجمال والمفعم بالمتعة. وقد ظلت مادة رئيسية لدرس الأدب زمنا طويلا إلى أن تم إقصاؤها من حلقات الدرس، وإصدار قانون الحظر وفتوى التحريم في حقها، مما يدل على هيمنة الرقابة الفقهية على الحياة العلمية ومحاصرتها للأدب ولرجاله. ولم يكن درس الأدب في المغرب يقتصر على هذين النصين الأدبيين فقط، وإنما كانت نصوص المديح النبوي كلها تقريبا مدار الدرس ومادة للأدب وفنونه، وهذا ما يفسره اهتمام الشارحين بنصوص أخرى، كالهمزية للبوصيري، وبانت سعاد لكعب بن زهير، ونبويات مغربية أخرى خاصة مقصورة المكودي5.

إلا أن أنظار الأدباء والمثقفين بدأت تتجه نحو نصوص مغايرة تماما للنماذج السابقة، قصد شرحها وتفسير متونها وتقريب مادتها للقراء والمتعلمين، وهو ما يدل على نضج العقلية العلمية، وعلى تنوع الاهتمامات الأدبية وتطور برامج التكوين والتعليم. وكانت العناية في بادئ الأمر تنصب على بعض المتون المشرقية والأندلسية، ثم ما فتئ أن اتجهت أنظار الأدباء إلى المتون المغربية، فخصوها بدورها بالشرح والدراسة.

فمن أهم المتون المشرقية التي حظيت بشرح أدباء المغرب حماسة أبي تمام6 ولامية العرب7 ولامية العجم8 وبديعية الحلي9 وغيرها. وأما أبرز المتون الأندلسية التي تناولها الشراح المغاربة، فنجد، قلائد العقيان لابن خاقان10 وموشح ابن سهل الإسرائيلي11 وغيرهما. أما النصوص المغربية التي أخذت حظها من الشرح والدراسة، فأهمها دالية اليوسي التي مدح بها شيخه محمد بن ناصر12 ورائيته التي رثى بها الزاوية الدلائية13 ثم هناك قصيدة النسيم العاطر للأديب أحمد بن موسى الناصري التي مدح بها الشيخ أحمد الخليفة14 وغير ذلك من النصوص والمتون الأدبية.

ونلاحظ أن عمل الشرح عند المغاربة كان أهم مظهر للدراسة الأدبية، وأبرز مجال يوظف فيه الأديب ملكاته القرائية ومناهجه الفنية لمقاربة النصوص الأدبية التي تستأثر باهتمامه، بصفة خاصة، أو باهتمام الشريحة المثقفة على وجه العموم. وكانت مقصديتهم في ذلك هي تربية الذوق الأدبي لدى المتعلم المغربي، وتنمية قدراته اللغوية والتحليلية.

وإذا تأملنا التراث المغربي المتعلق بالشروح الأدبية، نجد تنوعا كبيرا في اتجاهات الشارحين وفي مناهجهم القرائية، مما يمكن أن يعد ثروة فنية ومنهجية قيمة تحفل بها الخزانة المغربية. ولا شك في أن هذه الذخيرة، هي ثمرة جهود علمية ونتاج أذواق فنية ونظرات نقدية وحساسيات جمالية، يمكنها أن تكون واجهة عملية لحركية التأليف النقدي التطبيقي في المغرب، وقد تكون عاملا مساعدا على تأصيل النظرية النقدية عند المغاربة. فإذا كنا نلاحظ قلة التراث النقدي المغربي في جانبه النظري، فإن هذا يدل على أن اهتمام المغاربة انصرف إلى تذوق الأدب عمليا، واستخلاص القيم الفنية والجمالية من النصوص المدروسة، وارتكاز أعمالهم النقدية على الممارسة التطبيقية والقراءة التحليلية للآثار الأدبية. ولعل الشروح الأدبية الكثيرة هي أهم مظهر من مظاهر هذا التوجه النقدي التطبيقي في التراث المغربي.

وهذه الظاهرة يشترك فيها المغاربة والأندلسيون على حد سواء، نظرا لتكامل التجربتين المغربية والأندلسية وتناظرهما. وفي هذا الشأن يقول الأستاذ رضوان الداية: "وباستطلاع كتب التراجم الأندلسية، نلاحظ كثرة واضحة في كتب الشروح، من أوائل عهد التأليف المعروف لدينا إلى أواخر أيامهم في غرناطة ؛ فإذا لاحظنا قلة تراث الأندلسيين في الدراسات البلاغية والنقدية، وبخاصة من الوجهة النظرية، أمكننا تفسير هذه الكثرة ؛ فكأنهم انصرفوا إلى الشروح مكتفين بتذوقهم هذا واستخلاص القيم الجمالية من النصوص نفسها، وكأنهم أيضا مالوا إلى سوق الذوق والتذوق .. ونحن لا نعدم ملاحظات بلاغية ونقدية أغلبها تطبيقي..."15.

 

د. محمد شداد الحراق - أستاذ باحث في التراث

المغرب

................

هوامش ومراجع

1ـ بغية الرائد فيما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد: تحقيق مشترك، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1975.

2 ـ الفوائد المحصورة في شرح المقصورة: كان تحقيقه محور رسالة جامعية من إنجاز محمد حامد الحاج بكلية الآداب الرباط 1985 ـ 1986، ويوجد مطبوعا ط 1، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار مكتبة الحياة ،بيروت 1980.

3ـ من شروح البردة في العصر المريني:

ـ شرح إبراهيم التسولي التازي، منسوب لابن أبي يحيى، ذكره محمد المنوني في ورقات عن الحضارة المغربية في عهد بني مرين، منشورات كلية الآداب الرباط 1399 ـ 1979. ص: 285،

ـ شرح عبد الرحمان بن محمد المديوني: ذكره ابن القاضي في جذوة الاقتباس دار المنصور 1973 ـ 1974. ج 2 / 404،

ـ شرح أحمد بن محمد القصار، ذكره ابن القاضي في الجذوة، ج 2 / 411.

ـ شرح سعيد بن سليمان الكرامي مخطوط رقم: 1372 / د،المكتبة الوطنية ضمن مجموع

4ـ من شروح المقامات الحريرية في العصر المريني:

ـ شرح موسى الزناتي الزموري (ت: 708): ذكره عبد الله كنون في النبوغ المغربي ج 1 / 230 وذكره ابن المؤقت في السعادة الأبدية في التعريف بالحضرة المراكشية طبعة حجرية 1336. ج 2 / 128

ـ شرح يوسف بن يحيى التادلي (ت: 628): ذكره أحمد بابا التنبكتي في نيل الابتهاج بتطريز الديباج ط 1 مصر 1351. ص: 352، وذكره حاجي خليفة في: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون طبعة وكالة المعارف 1362 ـ 1943 ،ج 2 / 1790،وذكره ابن المؤقت في السعادة الأبدية ج 1 / 147 ـ 148.

ـ شرح محمد بن منصور بن جماعة (حمامة) المغراوي مخطوط رقم: 1090 / ق.المكتبة الوطنية

5ـ من شروح مقصورة المكودي:

ـ شرح المكودي نفسه، وهو في عداد المفقود.

ـ شرح عبد العزيز الفشتالي، وشرح عبد الواحد الفيلالي: ذكرهما عباس الجراري في الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، مكتبة المعارف،الرباط،1979، ج 1 / ص: 151.

6ـ من شروحها: شرح محمد بن زاكور (ت: 1120) بعنوان (عنوان النفاسة في شرح ديوان الحماسة) حققه: ذ. مخلوف محمد عيسى في إطار رسالة جامعية بكلية الآداب ـ الرباط.

7 ـ شرحها محمد بن زاكور بعنوان (تفريج الكرب في معرفة لامية العرب) مخطوط 157 / د.المكتبة الوطنية

وشرحها سعيد الماغوسي (ت قبل: 1016) بعنوان (إتحاف ذوي الأرب بقاصد لامية العرب) حققه: ذ. محمد الأمين المؤدب في إطار رسالة جامعية بكلية الآداب ـ الرباط.

8ـ شرحها الماغوسي بعنوان (إيضاح المبهم من لامية العجم) حققه: ذ. محمد مسعود جبران في إطار رسالة جامعية بكلية الآداب ـ الرباط.

9ـ من شروحها شرح ابن زاكور بعنوان (الصنيع البديع في شرح الحلية ذات البديع) ميكرو فيلم: 169.المكتبة الوطنية

10 ـ شرح ابن زاكور بعنوان (تزيين قلائد العقيان بفرائد التبيان) حققه: ذ. بوشتى السكيوي في إطار رسالة جامعية بكلية الآداب ـ فاس 1985 ـ 1986.

11ـ شرحه الإفراني بعنوان (المسلك السهل في شرح توشيح ابن سهل) حققه: ذ. محمد العمري، في إطار رسالة جامعية بكلية الآداب ـ فاس 1981.

12 ـ شرحها اليوسي نفسه، بعنوان (نيل الأماني في شرح التهاني). طبعة مصر، مطبعة التقدم 1329

13 ـ شرحها محمد البكري الدلائي، مخطوط رقم: 248 / ك.المكتبة الوطنية

14ـ وهي القصيدة التي شرحها المكي الناصري بعنوان (البرق العاطر في شرح النسيم العاطر) مخطوط رقم 1864/د المكتبة الوطنية،

15- تاريخ النقد الأدبي في الأندلس، ص: 72.

 

إلى عدنان طعمة المفجوع بابنه سجاد .. قراءة في قصيدة الشاعر امير ناصر

wejdan abdulazizبدأ الحزن بين اثنين وتصاعدت الفجيعة حتى شملت الجميع .. فجيعة سجاد امير ناصر بالغرق في نهر المدينة والتحاقه بحشد الغرقى، وان الغريق حسب النصوص المقدسة شهيد بالتأكيد، وفجيعة سجاد عدنان طعمة والتحاقه بحشد شهداء الحشد الشعبي .. يلتقي القلبان المتورمان من لهفة الفقدان، وتلتقي العيون المنهمرة بالدموع التي تحاول غسل ادران الحزن الماضي واجلاء الحزن الحاضر، وتتوازى الفجيعتان في السير الى مرابع الخلود في عوالم الشعر، فالشعر يتضمخ بالذاتية المفعمة بالعاطفة، والشعر يرى الأشياء وكأنها تمتلك بعداً إنسانياً، ومحاطة بجو عاطفي يفيض بالفرح.. أو الحزن.. أو العذاب.. أو الأمل.. أو اليأس .. وهذه الأشياء إما خيّرة أو شريرة .. صديقة أو عدوة... مألوفة أو غريبة... جذابة أو منفرة. أي إن الشعر يدرك الأشياء إدراكاً درامياً، ويبدأ يمزج بين الحزن ولحظات وقوعه وبين الفرح ولحظات وقوعه، وكبشر نحتاج لأن نكون قريبين من أنفسنا، ونحتاج إلى الشعر، وإلى الحقيقة الذاتية الخاصة بنا، لما تجلبه لنا من الاشياء التي تغمرنا في طوافان مشاعرها .... بل إن هذه الحاجة تزداد كلما أوغل الإنسان في مجاهل الحياة مبتعداً عن عوالمه الذاتية، حين ذاك سيصاب بالتصحر الروحي، وبالخواء العاطفي، والإدراك الدرامي للأشياء، يساعد الإنسان في استرداد الذات.. وبعث النداوة في أعماقه.‏ فالشاعر امير ناصر امتلك زمنيا عبر عقودا من الشعر طريقته الخاصة في الايصال، وظل يدفن مشاعره في انفعالات الشعر، حتى تستقي الظهور من خلال المد المنفعل لكلماته وتكون الكلمة، لتبدأ عوالم التخفي لمقاصد المعنى، بين كلام السهل الممتنع وبين تجربة الشاعر امير ناصر الذاتية، ليكون حبه لمدينته الشطرة يشوبه البكاء والفجيعة، فهو لصيق بها، يتحسس نبضها، يتحسس احزانها، وحينما فُجع زميلنا الاعلامي والشاعر عدنان بولده الغض سجاد، بكى امير ناصر بصمت، ثم اعلن كلماته، مشفوعة بفجعيتين، سجاد ولده الذي ابتلعه نهر المدينة وامتص رحيق الحياة منه، وبين سجاد ولد عدنان الذي ابتلعت المعركة روحه وشعت في موته معاني الحياة، صرّها امير ناصر وديعة في عالم الخلود الانساني .. ليخاطب زميله الشاعر عدنان طعمة بقوله :

 

(يا لتشابه الصدف ... يا عدنان

يا لتشابه الصدف .

كأنك أنا،

وأنا اقف هكذا مثل دمعة

مفجوع بابني

لم أكن أتذكر ساعتها، وظيفة عيناي أبدا

ولا ذلك الورم الذي يسمونه القلب .

كنت مثلك تماما،

أبحث بين الوجوه والأسماء عنه

(..................

......................

................... ) *

 

اذن يواسيه اولا بالبكاء وحشرجات اللوعة وتمتمات الشفاه الصامتة والمستقبلة لدموع جفت من انشداه مفاجأة الفقدان الابدي، وقد يصرخ هنا، ولكنه يبحث بين الجموع، هو لايدري ماذا وكيف سيكون مآل الحال (فالبكاء شعور إنساني ووجداني يقع في نفس الشاعر فيعتلج لسانه بالقول وينطلق بمكنون صدره، فيعبّر عن ذلك بما اصطلح عليه فن الرثاء . فالرثاء ليس صورة أدبية لعصر ما فحسب بل هو وثيقة تاريخية و اجتماعية وفكرية فوق ما هو نابع من الروح والذات . لهذا لم يكن الرثاء منغلقا ً في دائرة البكاء والأحزان والتهويل والوعيد أو في دائرة تعدد الصفات على اشتهار الجاهليين بهذا ؛ وإنما كان تجربة حية كاملة الأبعاد للحياة و الموت و البحث عن المصير.)، وعاش الشاعر امير فجيعة عدنان بفجيعته تماما، فصور هذا بتجربة حية ماثلة في ذهنه، ثم ينبري بوصايا من وحي تجربته .. بسجاد الاول، ليسقطها في وعاء زمن حاضر عدنان المؤلم لحظة سماعه بالخبر، يقول الشاعر امير :

 

( أوصيك:

ما أن ينفضوا من حولك

انهمر بالبكاء حتى ترى الصور تتساقط أمامك

صور ابنك

صوره، يا عدنان

وأنت تحصي قامته كل نهار

وتدور حوله مثل زهرة عباد .

تدور حول شمسك)

 

ففي لحظة الخلوة، كانت وصايا الشاعر امير لزميله الشاعر عدنان، وكأنه يشاركه الحال، فيخاطبه : اغتسل بالبكاء وانت ترى صور ابنك وتدور حوله، كما هي نبتة عباد الشمس .. (أقلب اليوم في رثائك لأبني، أقلب دمعتك

وأراه صالحا تماما لرثاء ولدك

ذات الغصن، وذات الوجه، وذات الأسم، وذات الحب، وذات الغرس، وذات .... الـــ

لا تكن صورتي

ولا أكن صورتك

حتى لا يمتد حزنك للماضي

وحتى لا يتقادم حزني معك

دعنا نبكي بمقدار، يكفي لسجاد واحد

دعنا نتناصف الحزن من الآن

لوعة لك، وأخرى لي

دمعة لك، وأخرى لي

وسأكون كريم تماما معك

أنا المفجوع قبلك .

وما أن يغيب وجهك الحزين عني

سأكمل رثائي لولدك

( .............................

...............................

...... . ) *)

 

واقرن هذا بجزء من رثاء ابن الرومي لابنه:

(بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي  فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي

بُنَيَّ الذي أهْدَتْهُ كَفَّايَ للثَّرَى فَيَا    عِزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرة المُهدِي

ألا قاتَل اللَّهُ المنايا ورَمْيَها  من القَوْمِ حَبَّات القُلوب على عَمْدِ

تَوَخَّى حِمَامُ الموتِ أوْسَطَ صبْيَتي فلله كيفَ اخْتار وَاسطَةَ العِقْدِ

على حينََ شمْتُ الخيْرَ من لَمَحَاتِهِ وآنَسْتُ من أفْعاله آيةَ الرُّشدِ

طَوَاهُ الرَّدَى عنِّي فأضحَى مَزَارُهُ بعيداً على قُرْب قريباً على بُعْدِ

لقد أنْجَزَتْ فيه المنايا وعيدَها وأخْلَفَتِ الآمالُ ما كان من وعْدِ

لقَد قلَّ بين المهْد واللَّحْد لُبْثُهُ فلم ينْسَ عهْدَ المهْد إذ ضُمَّ في اللَّحْدِ

تَنَغَّصَ قَبْلَ الرِّيِّ ماءُ حَياتِهِ وفُجِّعَ منْه بالعُذُوبة والبَرْدِ

ألَحَّ عليه النَّزْفُ حتَّى أحالَهُ إلى صُفْرَة الجاديِّ عن حُمْرَةِ الوَرْدِ

وظلَّ على الأيْدي تَساقط نَفْس ويذوِي كما يذوي القَضِيبُ من الرَّنْدِ

فَيَالكِ من نَفْس تَسَاقَط أنْفُساً تساقط درٍّ من نِظَام بلا عقدِ

عجبتُ لقلبي كيف لم ينفَطِرْ لهُ ولوْ أنَّهُ أقْسى من الحجر الصَّلدِ

بودِّي أني كنتُ قُدِّمْتُ قبْلَهُ وأن المنايا دُونَهُ صَمَدَتْ صَمْدِي

ولكنَّ ربِّي شاءَ غيرَ مشيئتي وللرَّبِّ إمْضَاءُ المشيئةِ لا العَبْدِ

وما سرني أن بعْتُهُ بثَوابِه ولو أنه التَّخْليدُ في جنَّةِ الخُلْدِ

وَلا بِعْتُهُ طَوْعاً ولكنْ غُصِبْته وليس على ظُلْمِ الحوادِث من مُعْدِي

وإنِّي وإن مُتِّعْتُ بابْنيَّ بَعْده لَذاكرُه ما حنَّتِ النِّيبُ في نَجْدِ

وأولادُنا مثْلُ الجَوارح أيُّها فقدْناه كان الفاجِعَ البَيِّنَ الفقدِ)

وهو رثاء في صور بلاغية، مقابل صور الشاعر امير ناصر الحسية النابضة بواقعية الفجيعة، ليبقى الشعر عند امير ناصر مغامرة جريئة، وفعالية عقلية راقية ومن نوع خاص، تحاول أن تفسر العالم، أو بالأحرى، أن تعطيه معنى، وأن تجبره على البوح بشيء من حقيقته ..

 

قصيدة للشاعر امير ناصر بدون عنوان، عنوانها كان الاهداء:

(إلى عدنان طعمة، المفجوع بابنه سجاد)

 

وجدان عبدالعزيز

 

نهر جاسم رواية للكاتب المهجري قصي الشيخ عسكر

adnan almshamshصدرت رواية نهر جاسم في بيروت عام ١٤٢٥للهجرة ٢٠٠٤ للميلاد اما التأليف فيها فقد بدا كما دونه المؤلف في الفترة التي امتدت من ١٩٩١ الى ١٩٩٣، والرواية تتكون من ٣٧٧ صفحة من الحجم الكبير، وأربعة أسفار:

السفرالاول،،بكسر السين،، الداهية من ص٧-١١٠ فيه يتحدث الكاتب عن بطلة الرواية ابنة الولي السيد جاسم صاحب الضريح المعروف، ان الكاتب يمزج الواقع بالخيال فهو ليس مؤرخا لكنه يستلهم التاريخ ويستوحيه لصياغة عمل سردي.

السفر الثاني من ص ١١١-٢٠٠عنوانه الطريق. ان قصة طريق نهر جاسم اي التنومة نهر جاسم الى الحدود الإيرانية حيث الدعيجي وقرية السليمانية قصة معروفة لنا نحن أهل التنومة وفيها تأويلات يتم شق الطريق وافتتاحه زمن عبد السلام عارف في اذهان الناس ان حكومة العهد الملكي وحكومة الزعيم عبد الكريم قاسم لم تفكرا بشق الطريق لانه شؤم وبعضهم يرى انه من مصلحة ايران اذا قامت الحرب، لذلك تجاهلته الحكومات السابقة وهكذا حتى يتم شق الطريق لياتي عبد السلام العرف في زيارة للبصرة كي يفتتحه لكن طائرته تسقط في النشوه قبل وصولها،ان الكاتب يرسم مشاهد حية تجعلنا نعيش الماضي مثل مشهد طلاب مدرسة شط العرب الذين يقفون على جانبي طريق التنومة،فيمر بايع النفط بعربته المكشوفة التي يجرها حمار عندئذ يصفق اول الصف فيظن الذين يقفون على جانبي الطريق في الأخير ان المشير وصل فيبدؤون بالتصفيق في حين يمسك بايع النفط اللجام بيد ويرفع يدا محييا الجمهور وهو يشق الطريق، وهناك ايضا البعير الذي أتى به احد الوجهاء لينحره عند وصول المشير،الجدير ذكره ان السلطات بعد انقلاب عام ١٩٦٨ تعتقل كما في الرواية ذلك الوجيه لانه قومي الانتماء.

السفر الثالث من ص ٢٠١--٢٩٥ عنوانه الشبكة ويدلنا على حال قرية نهر جاسم بعد الانقلاب على العهد العارفي، عبد بطل الرواية هو ابن الداهية، ينتقل الى مدرسة شط العرب في كردلان بعد ان أتم المرحلة الابتدائية في مدرسة الدعيجي، لقد تغير كل شيء، شط العرب صار قضاء، والدعيجي أصبحت ناحية من نواحيه، وحدثت تغييرات حتى ان الداهية خشيت ان يغير النظام اسم القرية التي سميت باسم والدها. ان الفصل نفسه جاء ليحمل اسم الشبكة اي شبكة التجسس التي تم تلفيقها لإعدام أشخاص بداية مجيء البعث ينتمون للديانات الثلاث: الاسلام والمسيحية واليهودية، كانما السلطة الجديدة تنذر الجميع وحين يعلق الضحايا على أعواد المشانق في ساحة ام البروم وتصحب إدارة المدرسة الطلاب الى هناك ليشاهدوا المشنوقين الضحايا ويكون معهم عبد نفسه بطل الرواية الى درجة انه يقرف من المشهد فيعاف طعام الغداء وفي ذلك إشارة من الكاتب كيف تربي الدولة الطلاب والتلاميذ على العنف.

السفر الرابع عنوانه الحرب من ص ٢٩٧-٣٧٧ وهو فصل خاص بالحرب العراقية الإيرانية يخص نهاية نهر جاسم تلك القرية التي وجدت نفسها ذات يوم بحجم بغداد وموسكو وواشنطن، ليس من باب الغرور لكن اَهلها طيبون يحبون كل الناس ويحتفظون بخصوصيتهم، اما البطل فقد ضاع منا خلال تلك الحرب وضاعت البطلة، ولا شك في ذلك لان نهر جاسم ليست قطعة ارض بل هي مشاعر في هذه الرواية يكون الانسان أرضا والأرض كائنا حيّا يتفاعل مع العالم كل العالم.

نقتطف من بداية الرواية الأسطر التالية:

قالت راوية نهر جاسم:

ام عبد بنت الشيخ الولي صاحب القبر المعروف تلك هي كنيتها وهو اسمها الذي عرفت به منذ الطفولة وبه ناداها ابوها. كان عمر الطفلة وفق التخمينات ثلاث سنوات حين قدم الثلاثة الى قرية " بيت جوك" اما لقب الداهية فقد أطلقه عليها ذات يوم مستر " دوسن" باني القرية ومهندس بساتينها وأنهارها

ومن سفر الطريق نقتطف هذا المشهد:

الحاج سينالكو، وتاجر العهر، والفساد وهو"7up" الذي انقلب بقدرة قادر الى ان يصلي الجمعة من كثرة إيمانه يوم الخميس ليستبق الثواب ص ٢٠٤

لكن حين يأتي حزب البعث الى السلطة يقول بعض الناس:

رحم الله عبد السلام كنّا نسميه مشن و سفن أب اما هؤلاء فعصير صعب الهضم، الباء بعوض، والعين عث، والثاء،،

ومن نهاية الرواية نقتطف الأسطر التالية عن الحرب:

يقال: السيل قدم من الشرق، والدماء سالت فوصلت الركب، النخل احترق، وانمحقت الخضرة، اما الداهية وابنها عبد فيقال أنهما استقرا في قرية بعيدة عن الحدود وانقطعت أخبارهما عن كل مخلوق، اللهم الا اذا التقينا راوية اخرى جديدة عاشت معهما في مكانهما الجديد، وراقبت أخبارهما عن كثب مثلما حدث في المرة السابقة ولعلها تكون ملكة الليل.

الجدير ذكره ان رواية نهر جاسم تم تدريسها في جامعة البصرة في كليتي التربية والآداب ووردت ضمن دراسة رسالة للماجستير عنوان الرسالة،، الأدب الروائي لقصي الشيخ عسكر- دراسة سردية من إعداد ايناس جاسم محمد عام ١٤٣٣ للهجرة - ٢٠١٢ للميلاد عن نهر جاسم وأعمال قصي عسكر تقول الباحثة:

،، روايات الروائي قصي الشيخ عسكر غنية بالتقنيات و بطرائق بناء الشخصيات وبناء الزمان وزوايا النظر اذ اشتغل الراوي على تقنية السرد في شتى اشكالها وتقنيات الاسترجاع والاستشراف والخلاصة والحذف والمشهد والوقفة ووصف الامكنة ووظائفها وأنواعها ليجسد قضايا مجتمعة وتحويل السرد تاريخا موازيا للتاريخ العراقي في حقبة الأربعينات والخمسينات وما يليها وصولا الى الحرب العراقية الإيرانية وقد نهج اسلوبا في الكتابة موظفا التقنيات السردية ببراعة فائقة لما يمتلكه من خيال خلاق وقراءة متميزة فأنتج نصوصا لها عمقها التاريخي والفني وتقنياتها المتميزة ص ٣٣-٣٤"

 

عدنان المشيمش

 

 

نص (ليليات حديقة الخواص) وتحليق الشاعر بعوالم الكون المثالي

wejdan abdulazizحينما يكون الحديث عن نتاج ما فقد تتبلور رؤية معينة تتبدى من خلال قراءة ذلك الانتاج الابداعي، لكن عندما يقترن النتاج باسم له حضور وتاريخ ابداعي متأصل فلابد من استحضار وعي نقدي تحليلي متأنٍ يفهم النص في سياقاته الشعرية، وبالتالي صلته بالتجربة الابداعية لمبدع مثل الشاعر والكاتب عبدالزهرة زكي الذي لايبتعد كثيرا عن المقصدية.

ومن هنا جاءت قراءتي لنص (ليليات حديقة الخواص) الذي نشره الشاعر مؤخراً، وهي قراءة انطلقت من الخاصية العامة الى الخاصية الخاصة لتلتحم من طرف خفي مع معنى يحاول الشاعر الوصول اليه من خلال التخفي وراء الكلمات. إنه معنى لخلق فلسفة جمالية ممتعة في التعبير عن الذات الشعرية القلقة عبر الزمان ..

في هذا النص يكون الجميع في حديقة الخواص لمتعة عابرة سرعان ما ينفضوا من حولها بانتهاء الفترة الزمنية المحددة، غير ان الشاعر يؤصل لمتعة خاصة تكون فواحة تغطي مجموعة اكبر من مجموعة حديقة الخواص التي اشار لها الشاعر.

ان نص (ليليات حديقة الخواص) اتصل بالجماعة وافترق عنها .. الافتراق عن جماعة حديقة الخواص واللقاء مع جماعة الشاعر في حديقة خواصه هو (وهي جماعة تضم الشحاذ الاخرس وامرأة رواية فرنسية، والمعلم، وارملة عاقر، وجندي، وفتى عاشق، وملك منفي، وموسيقي اعمى، وشاعرة ماتت، وحكيم) . وهذه اسماء تعني اشخاصاً لاغرابة فيهم، لكن يبدأ الشاعر في النص يقرنهم بأشياء تضفي عليهم ما يجعلهم متميزين، يختلفون في تعاملهم مع الحياة وما يوحي تعاملهم في ذهنية الشاعر عن الذين يرتادون حديقة الخواص تماما .. فعن سؤال وجه للاستاذ الدكتور عبدالله الفيفي ..

- يُوصف التحيز بأنه سلبية وجب التحرر منها، هل يمكن للذات أن تعيش حيادية قاتلة لتتحرر من تحيزاتها؟ ألا يمكن اعتبار هذا الحياد تعبيرًا عن أزمة قيمية ومن ثمة معرفية؟

الجواب كان : لا صحّة لوجود حيادٍ في الحياة أصلًا. والمثقّف قبل أن يكون مثقّفًا هو إنسان، وهو مواطن، وهو منشغل بهموم العالَم من حوله. هموم الحياة ليست تخصُّصًا. لقد كان الشاعر العربي في ثقافتنا العربيّة- على سبيل الشاهد- رائدًا، وسيِّدًا في قومه، بما هو مثقف وشاعر. لأنه يحمل الرأي والرؤية والراية، من خلال الكلمة. على أن مفهوم السياسة الحديث قد تلوَّثَ حتى أوشك ان يصبح سُبَّة. والمحكّ في حَلّ المعادلة (المثقف-السياسي) هو في فهم ما نعنيه بهذين المصطلحَين. فإذا كان معناهما يتمحوران حول الحقّ والخير والجمال، فليس ثمّة مِن تَعارُض، ولا تَنافُر. والتجارب في هذا كثيرة. أمّا حين يطغى أحد المكوِّنين في هذه المعادلة على الآخَر، ولا سيما مكوِّني (الصدق، والمكر المتنافي مع الصدق) فهنالك يقع الفصام، فلا المثقف يبقى مثقفًا، ولا السياسي يبقى سياسيًّا. لكنها أزمة لا تقع في كلّ الأحوال. لأجل ذلك، فإن المثقف الذي يسعى ليبيض في بُرجه العاجي، باسم الحياد، مصيره أن يصبح كعنقاء مُغرب، اسمًا بلا مسمَّى.)، هذه الجدلية عاش اجواءها الكاتب والشاعر عبدالزهرة زكي، وظل يتقلب بين اطباقها، والدليل نص (ليليات حديقة الخواص) :

 

(يأتون فرادى في الليل.

في كلِّ ليلة،)

 

(حين يكونُ الشاعرُ وحيداً في حديقةِ خواصِّه.

 

يأتي شحّاذٌ أخرسُ مسكين،

وتأتي امرأة يعرفها

من روايةٍ فرنسيةٍ من القرنِ التاسع عشر،

يأتي معلمٌ له بوجهٍ واحدٍ وبعشراتِ الأسماء..

تأتي أرملةٌ عاقر

كانت قد ماتت وفي نفسِها شيءٌ من ولدٍ لم يولد،

ويأتي جنديٌّ

كان قد قُتل آلافَ المرات في آلافِ المعارك،

يأتي فتىً عاشقٌ

قضى ولم يكن له من عشقِهِ

غيرُ جُرح يداريه بالشجن،

ويأتي ملكٌ منفيٌّ

لم يبقَ له من مُلكِه غير الروح،

ويأتي موسيقيّ أعمى،

وتأتي شاعرةٌ ماتت كمداً بالشعر،

ويأتي حكيمٌ

اعتزلَ الناسَ فماتت معه حكمتُه،

وقبل أن يكتمل الجمعُ

ترفّ روحٌ فريدةٌ في الفضاء

فيأتي طفلٌ

كان قد طارَ أخضرَ في عاصفةِ حربٍ منسية.)

 

هذا الصراع القلق الذي ظل يتصاعد في كل مراحل حياته، ليكون الشاعر في داخله ذاموقف وهدف على خلاف الذين (كلّ ليلِ/يأتون كثيرين يعرفُهم / وكثيرون سواهم يأتون، يعرفونه فلا يعرفهم)، اذن الذين يعرفهم هم اصحاب استحقاق حياتي وعند الشاعر في النص اعلاه يلتئمونَ جميعاً مثل ملائكةٍ على مائدته، وهم علة انهمار قريحته حالما يودعهم، يعود ليلتقط َ من المائدةِ، ما بقي عليها من كلامٍ، كلام مقترن بالضوء والخبز .. اذن (الشعر مغامرة جريئة، وفعالية عقلية راقية ومن نوع خاص، تحاول أن تفسر العالم، أو بالأحرى، أن تعطيه معنى، وأن تجبره على البوح بشيء من حقيقته. قد يبدو الأمر غريباً، لأن الناس اعتادوا أن يتركوا هذه المهمة إما للفلسفة أو للعلم، ولم يعتادوا أن يفسحوا المجال أمام الشعر ليحدثهم عن رؤيته ورؤياه كتفسير للكون وللوجود، مع أنه قادر على الذهاب أبعد من الفلسفة وأبعد من العلم... يقول الشاعر الصيني (لوتشي):‏ "نحن الشعراء، نصارع اللاوجود لنجبره على أن يمنح وجوداً، ونقرع الصمت لتجيبنا الموسيقى. إننا نأسر المساحات التي لا حد لها في قدم مربع من الورق، ونسكب طوفاناً من القلب الصغير في مساحة بوصة..."* نقلاً عن ماكليتش في الشعر والتجربة.* الشعر يعطي للحياة معنى مختلفاً، وهو طريقة من طرائق تفسير الحياة.. بل إنه كثيراً ما كان أعمق الطرائق حتى في الحالات التي يبدو فيها مشاغباً ومضاداً للحياة نفسها. وأزعم بأنه كان في الحالة الأخيرة أعمق منه في الحالات الأخرى، وأصدق، وأكثر فعلاً وتأثيراً.‏)، فكانت محاولات الشاعر عبدالزهرة زكي تمتلك وعيا وقصدية في رسم الموقف ومحاولة ترسيخه في ان الشاعر داخله يمتلك حلما احتماليا في التحليق بعوالم الكون المثالي ..

 

ـ نص (ليليّاتُ حديقةِ الخواص) للشاعر عبد الزهرة زكي

 

وجدان عبدالعزيز

 

صورة الأنثى في "انكسار السراب" للقاصة زكية الحداد

mohamad shadadalharakتقتحم الشاعرة والقاصة المغربية زكية الحداد بكثير من الشجاعة الأدبية والعناد الفني كل الحواجز المنتصبة في طريق الإبداع، وتخترق بصبر أيوبي وتحدٍّ صارخ الحدود والسدود المنيعة التي توضع عادة في وجه المبدعين الشباب. يحركها في هذا المسار الإبداعي إيمانها العميق بحرية الإبداع وبقدرة القلم المشاكس على تكسير كل قيود الرتابة البائسة، وهتك عرض تمثال النمط وتجريده من قداسته المصطنعة. استسلمت لماردها الجمالي الزئبقي، وانساقت مع روحها الثائرة المتمردة، فتسلحت بعتادها الشاعري، وسكنت أغوار الكلمات، وتسلقت سفوح المعاني والصور والإشارات، وتمسكت بحبل خيالها المتدفق الذي يحلق بانسياب بين الأرض والسماء، والذي يتجاوز ضفاف الأزمنة وحدود الأمكنة، ويأبى الترويض والتوجيه والوصاية.

اختارت زكية الحداد الانحياز إلى طائفة المبدعين المتمردين المشاكسين الذين يعاكسون تيار المألوف ويرفضون الاكتفاء بالنمطي، ويأبون الانتظار طويلا في ردهات الفكر الأدبي التقليدي. أرادت أن تلتحق بالأقلام النسائية المتموقعة في الواجهة الأدبية الراهنة، لتسندها وتقوي شوكتها وتزيد من وهجها وتدفقها. وقد امتلكت ما يكفيها من تجربة في مضمار الكتابة الأدبية، وخبرت خفايا الممارسة الشعرية وقضاياها وإشكالاتها، بما نسجته أناملها الرشيقة من أعمال إبداعية راقية وأشعار أنيقة جميلة.استطاعت باقتدار تام تخطي الألغام المزروعة في ساحة الكتابة القصصية، وآثرت المنطقة الأكثر وعورة والأشد خطورة وترصدا ومراقبة، وهي منطقة مهيبة يقيم بها كائن فني جديد يسمى" القصة القصيرة جدا"؛ والذي تحول- مع تعدد التجارب- إلى جنس أدبي قائم الذات مكتمل الصفات، عنيد مقاوم لكل المواقف الرافضة في ميدان النقد القصصي2، ولكل التوجهات المعادية لتواجده في الحظيرة السردية. فقد عملت هذه التوجهات النقدية المعاصرة على تلقي جنس "القصة القصيرة جدا" بنوع من الاستهجان والرفض، وحرّضت القراء على ازدرائه واستبعاده ومحاصرته والتقليل من شأنه، وروّجت في أكثر من مناسبة لمسألة التشكيك في قدرته على الوجود والامتداد والاستمرار3. وكأن الكاتبة زكية الحداد أرادت أن تكون تجربتها الأولى في مجال التأليف والنشر صيحة مدوية صادمة للرتابة، ورسالة قوية ثائرة على الصورة النمطية المتداولة في سوق الإبداع السردي. ظلت متمترسة في خندق التجريب والتأصيل لهذا الجنس الأدبي، ومصرحة بانتمائها الحداثي في الكتابة القصصية، وهو انتماء لصيق بتجربتها الأدبية العامة، دلت عليه كتاباتها الشعرية الممتعة المتسلحة ببلاغة الغموض والغارقة في بحار الإيحاء والرمزية. وفي هذا الإصرار على ركوب هذا المركب دليل على التزام الكاتبة بقضية هذا الجنس الأدبي الناشئ وعلى رغبتها الكبيرة في لفت انتباه النقاد إلى ضرورة الاعتراف بهذا الوافد الجديد، وإلى الاقتناع بأن مواقف الرفض والإنكار والاستبعاد لن تزيد هذا الفن إلا مزيدا من الرسوخ ومزيدا من الأنصار.

جاءت أضمومة "انكسار السراب" كديوان قصصي متميز جديد، لينضاف إلى رصيد الكتابة القصصية النسائية المغربية، وليضع اسم مبدعته المتألقة زكية الحداد في موقعه المناسب ضمن سجل القاصات المغربيات الثائرات اللواتي استطعن مزاحمة التجربة الذكورية في إبداع هذا الجنس الأدبي، وناضلن كثيرا من أجل فرض وجوده كمكون إبداعي جديد يرسم طريقه نحو المستقبل، ويثبت ذاته كإضافة فنية نوعية تؤثث المشهد الثقافي المعاصر.

لقد جعلت الكاتبة من هذه التجربة الإبداعية القصصية ترجمة لصوتها النسوي الهادر الذي ينحت الصخر الصلد بانسيابه المتكرر، وصورة عاكسة لرؤيتها للعالم ولطبقات وعيها العميق بقضية الأنثى وما تفرضه عليها مناورات الواقع وإكراهاته، ومنصة فنية يطل من خلالها المتلقي على انتظاراتها ومواقفها، ويتحسس بها تصورها للمستقبل ونظرتها إلى الآتي. ولذلك تحضر الأنثى بشكل مكثف وملموس في ثنايا هذه المجموعة. وكأن الكاتبة تعمدت إعلان الجنس الأنثوي لهذا المولود منذ الصفحة/ الصيحة الأولى. ولذلك تستأثر قضية الأنثى بالقسط الأوفر من النصوص السردية والشذرات الشعرية، وتزداد أنوثة هذا المولود في البروز والانكشاف مع طغيان ضمير "الأنا المتكلمة" و"الهي الغائبة"،،، الضمير الذي يختزل الحضور الوجودي للأنثى في صراعها اليومي مع القدر القاسي الذي يطاردها في الحلم، ويتحرش بها في اليقظة، ويغتصب جمالها وسلامها وفطرتها. هو صراع دائم لا ينتهي مع الآخر، ذلك الآخر الذي يتشكل في أكثر من شكل ويتلون في أكثر من صورة.. تارة نجده رجلا نهما يعشق طقوس الرعي على الأجساد الناعمة، وتارة نجده يحمل هوية الداء الفتاك الذي يستلذ بتدمير تمثال الفرح في القلوب، ويعشق مشهد الموت وصور الألم والأحزان. وأحيانا نجد القدر مصيرا بائسا مترصدا للمرأة في تفاصيل حياتها، يلبس لبوس الفقر والحرمان والإحباط والوحدة القاتلة...وهكذا وضعت زكية الحداد أصابعها كلها على الجراح والكدمات التي تتلقاها المرأة في محيطها الاجتماعي. وكشفت همومها اليومية وكفاحها من أجل استرداد ما سلبتها الأيام. كما عبرت بكثير من المرارة عن أنماط العلاقات الإنسانية السائدة في مجتمع يُشيِّءُ المرأة ويعتبرها أرضا خصبة معدة للحرث والإخصاب ليس إلا.

   إلا أن الخطاب في هذه المجموعة لا يخلو من توجيه نقدٍ قاسٍ للذات/ للأنثى حينما يضعف عندها جهاز المناعة الذاتية، وتصير لديها القابلية للانسحاق تحت أقدام القدر المستبدة العنيفة. فهنا نجد الكاتبة لا تكف عن توجيه أصابع اللوم إلى كل أنثى اختزلت وجودها في جسد ناعم وقدّ بهيّ رشيق، وجعلت نفسها بساطا أحمر معدا للوطء مهيئا للابتزاز.

 

"ألقى عود كبريت على خشبها الجاف، تصاعد خيط دخان، برقت عيناه فرحا بوجبة شواء..

لملمت فحمها في كيس وعادت لتحتفل بانتصار أنوثتها المقبورة"4

......

"اختارت أجمل فستان لتلبسه في الموعد الأول.

عادت إلى بيتها بحفنة نقود لا تكفي لستر عورتها"5

..........

لكن الأنثى في هذه المجموعة القصصية ترفض أن تحمل هوية واحدة، أو أن تصنف في خانة المتعة العابرة والجسد الرخيص والحياة العبثية الصاخبة، وإنما تتشكل في صور أخرى تحمل سمات المرأة/الفاعلة وليست المنفعلة أو المفعول بها. فهذه الأنوثة على الرغم من قسوة اليد التي تعبث ببراءتها وتبتز جمالها، فإنها كثيرا ما ترفض الاستسلام وتتمنع عن مغناطيس الإغواء الذكوري. فهي لا تؤمن بخطاب التشكي ولا تكتفي بطقوس البكاء والنواح وعتاب الحظ، وإنما تنتفض أحيانا لتخترق سكون السواد بصوتها الرافض، ولتعلن ميلاد فجر جميل من رحم كل مأساة. وهي صور تعبر عنها مواقف تظهر فيها الأنثى وقد خبرت الحياة وجربت مرارتها، فتحركت بمكرها ودهائها الفطري لتعاكس التيار ولتكتب قصيدة التحدي على أشلاء زمن قاس قضى وطره منها ولكنه لم يرحم ضعفها.

 

د.محمد شداد الحراق

.....................

هوامش:

1- زكية الحداد، انكسار السراب، قصص قصيرة جدا، منشورات الراصد الوطني للنشر والقراءة ط1 نونبر 2015

2- تعددت المواقف النقدية من جنس القصة القصيرة جدا، وقد حددها أحد النقاد في خمسة مواقف:

- الصنف الأول: رفض وظل على رفضه إلى النهاية.

- الصنف الثاني: رفض بشدة، وأعلن عن رفضه، ثم قبل بها بعد أن استقرت وانتشرت.

- الصنف الثالث: تريث ولم يتخذ أي موقف، ولم يعلن أي شيء، حتى إذا ما استقرت أخذ بها وقبلها.

- الصنف الرابع: درس وتعرف إليها ثم أخذ بها وتقبلها.

- الصنف الخامس: تحمس لها وقبل بها فور ظهورها من غير دراسة.

- أنظر: نبهان حسون السعدون: شعرية المكان في القصة القصيرة جدا، قراءة تحليلية في المجموعات القصصية (1989-2008م)، ص:22 . وراجع مقال الدكتور جميل حمداوي: نبهان حسون السعدون وشعرية المكان.. مجلة الرافد الإلكترونية

3- منهم: الناقد السعودي د.معجب العدواني، الذي ذكر في ورقته النقدية بعنوان: القصة التويترية أن التقنيات الحديثة تشكل خطورة على أدب القصة، وأن عدد الحروف المحدود تسبب في غموض الرؤية عند المتلقي، مؤكدا أن الرواية سوف تبقي الأقوي في حقل الأجناس الأدبية، وأن انتشار القصة القصيرة جدا لا يعني أنها سوف تسود، لأنها عاجزة عن طرح فكرة أو استيعاب قضي.

ضمن المؤتمر الأول للسرديات دورة القصة القصيرة جدا بالإسكندريةمن‏3‏ إلي‏5‏ ديسمبر‏2013

- أنظر:جريدة الأهرام المصرية: الثلاثاء 7 صفر 1435 هـ 10 ديسمبر 2013 السنة 138 العدد 46390

4- انكسار السراب، ص:5

5- نفسه،ص:31

 

خزعل الماجدي كينونة شعرية مشرعة النوافذ!!

wejdan abdulazizدوما الكاتب والشاعر المبدع خزعل الماجدي يثيرني في كل كتاباته التي تحمل نكهة التجربة والمقصدية، لكني اتهيب من الكتابة في محراب هذا الكاتب الكبير، ورغم هذا ما اثارتني قصيدته (أيها الشعر..هل تراني؟)، جعلتني اتأمل في مساحات الشعر عامة والشعر العربي خاصة، علّني اجد تعريف يريح قلقي، ولم اجد الا ان الشعر من الفنون الاولى عربيا، فقد برز هذا الفن عند العرب في تاريخهم الأدبي منذ أقدم العصور إلى ان أصبح وثيقة يمكن من خلالها التعرف على أوضاع العرب وثقافتهم وأحوالهم وتاريخهم وحاول العرب تمييز الشعر عن غيره من أجناس القول المختلفة، وميزوه بخاصية الوزن والقافية إلى أن أصبح تعريف الشعر عندهم بأنه: كلام موزون ومقفى، وقد اهتمت العديد من الكتب بجمع الشعر وتدوينه، وقد قام المهتمون بتصنيفه في مجموعات معتمدين في ذلك على أغراضه وموضوعاته، وكانت المعلقات وهي المجموعات المهتمة بالقصائد المطولة والمشهورة والتي تمتاز بطول نفسها وجزالة ألفاظها وتنوع فنونها وثراء معانيها وشخصية من ينظمها، والمختارات وهي المجموعات التي تختار الأبيات الجيدة والمشهورة، ثم تدور عجلة الزمن وتكون للشعر العربي اشكالا جديدة والتي عرفها العصر الحديث، مثل الشعر المطلق أو المرسل وهو الشعر الذي يحتفظ بالايقاع ولا يهتم بالوزن، ثم الشعر الحر وهو الشعرالذي يلتزم بالتفعيلة الواحدة دون البحر أي أنه يركز على وحدة الإيقاع ويسمى أيضاً بشعر التفعيلة، وكذلك الشعر المنثور , وهو لون من ألوان الشعر لا يلتزم بلون أو قافية، وكانت للشعر العربي اجناسا عديدة هي: الشعر الغنائي / الشعر التمثيلي / الشعر القصصي أو الملحمي / الشعر التعليمي، هذا عربيا، (ولكن الدعوة إلى الأدب العالمي تمركزت في أوروبا أولًا ثم في أمريكا ثانيًا، وأصبح المقصود بالأدب العالمي ما كتب بالإنكليزية أولًا ثم بالفرنسية ثانيًا، وهو ما يسمى بالمركزية الأوروبية، ورأى الدارسون الأوربيون أن الآداب التي تحقق العالمية هي الأدب اليوناني والروماني ثم الآداب الأوروبية، وربما اتجه هؤلاء الدارسون إلى الشرق قليلًا ليذكروا «طاغور» الشاعر الهندي، ولكن لم يحظ الأدب العربي إلا بالنزر القليل جدًا من الاهتمام من خلال ظروف ومناسبات تخضع للمصادفة، على نحو ما حظيت به «رسالة الغفران» للمعري أو بعض الأدباء المعاصرين الذين عاشوا في المهجر الأمريكي أمثال «جبران خليل جبران»، وربما لأن جبران كتب بالإنكليزية، فقد أقيم له تمثال في واشنطن، وهناك جمعيات أدبية في أمريكا باسمه، وما يزال كتابه «النبي»، وقد وضعه بالإنكليزية، مقروءًا إلى اليوم، وطبعاته تتجدد، وهو دعوة إلى البراءة والسماحة والحب كتبها جبران بأسلوب بسيط عفوي. وإذا كان حظ الأدب العربي من العالمية قليلًا فإن ذلك لا يرجع إلى أسباب خاصة به، ففي الأدب العربي من المؤهلات ما يرشحه إلى العالمية، ولكن هناك أسبابًا خارجية جعلت حظه من العالمية قليلًا، منها ضعف العرب وقوة الغرب، والقوي لا يهتم بالضعيف إلا من خلال مصلحته الخاصة، ولعل هذا السبب هو أهم الأسباب، وعنه تتفرع أسباب أخرى منها غياب الترجمة وتقصير العرب أنفسهم في التعريف بأدبهم، ويمكن القول إن الشاعرين «أدونيس» و«محمود درويش» والروائي «نجيب محفوظ» والمفكر والناقد «إدوارد سعيد» قد حققوا جميعًا قدرًا غير قليل من العالمية.)، فهل ان الشاعر والباحث خزعل الماجدي يعبر الحدود .. ويقول ها انذا شاعر عربي من العراق، ينفرد بصوت انساني تضمخ بألم الانسانية وتعمق بقصدية البحث عن العمق الادمي لكل البشرية بعيدا عن الهويات القومية والدينية .. ليكون الشعر هو الرائي لانسانية الماجدي المحترقة بالاحزان ويكون الماجدي هو المرئي في اتون الشعر بانسانيته السامقة عبر عصور الكون الممتدة من عصور ما قبل التاريخ حتى الالفية الثالثة .. لتبقى جذوره الكونية ضاربة في العمق تتخطى في طريق الخلود على سجية كلكامش الخالد .. ويثبت الشعر انه الهاجس الانساني الاول عبر مراحل الاحتمالية العربية، التي تستند ولا تتخطى ارضية الانسانية وبحار سفنها الماخرة عباب البحث عن حقيقة الوجود، وهنا يتبادر لذهني التساؤلات التي تركها هيدغر، ومن خلالها قد اجد مسوغا لتبريراتي في خضم العالم المهتز في احزانه والمتضارب حتى اسقاط الادمية الانسانية في اتون مصالحه الضيقة وجعل كينونته مهجور، كخربة تعبث فيها الاشياء التائهة، فهل نرجع لوظيفة تعيين الاشياء للغة ونترك الوظيفة الاشارية، كي نستحضر الكينونة في حقيقتها الناصعة، لكن الشاعر الماجدي بقي اسيرا لبرق اللغة الخاطف، الذي ينير عتمات اناه الانسانية، وينفتح على علائق جديدة، يراها هو صافية نتيجة تجربته الشعرية الطويلة، لكن (اللغة في معناها الذي يؤسّس له هيدغر، هي الجوهر الشعري للكينونة. وهي بهذا المظهر، تمثّل الحقل الذي يتساوى فيه كلّ ما هو شعريّ مع كلّ ما هو فلسفيّ، فلا يعود الفكر مجرّد نشاط عقليّ ولا يُنظر إلى الشعر على كونه نشاطًا تخييليًّا واهِمًا.)، يقول هيدغر (الإنسان ليس كائنا حيّا يمتلك، بالإضافة إلى قدراته الأخرى، قدرة اللغة. بل إنّ اللغة هي بيته الذي يسكن فيه ويحقّق داخله كينونته"، لا بل إنّ "اللغة هي بيت الكينونة، في حِماها يسكن الإنسان. والمفكرون والشعراء هم مَنْ يتكفّلون بالسهر على هذا الملاذ، سعيًا منهم إلى استحضار الكينونة وتكشُّفها في منجزات القول.)، من نقطة شروع كينونة الماجدي الساكنة منطقة الشعر، سواء كانت جغرافيا في العراق العربي ام خارجه، ليقول في قصيدته (أيها الشعر..هل تراني؟):

(في حنايا القلبِ وضعتُكَ أيها الشعر

ولم أفرِّط بكَ

لم أضعكَ في الطريقِ لتدوسكَ الأرجل

ولم أضعكَ في الصالات لكي تكون بعيداً

وضعتكَ هنا في دمي

وبينما كان (الشعراء) يدحرجونك في المباغي

وفي قصور الزعماء

وفي ساحات الحرب

وضعتك في دمي

وأقفلتُ عليك جسدي.

أنت من علّمني الحريةَ

أنت من سما بي الى الأعالي

لم أدعك تسقط في التراب

ولم أدع أحداً يقتربُ منكَ ليلوّثكَ

كنت حبيبي الوحيد في هذا العالم

كنت امرأتي الوحيدة

وكنت أبي الوحيد

وكنت أخي الوحيد.

لن ألومكَ أيها الشعر

أنك فعلت بي ما فعلت

لن ألوم أحداً أنه لم يكشف أسرارك الى الآن

أنت مواربٌ وخفيّ

لن ألوم أحداً لأنه لم يمسك بكَ

رغم أنك كنت صيدي الوحيد في هذا العالم)

(وبما أن الشعرية هي نداء التجدد، فإنها من جهة أخرى تمارس فعل سلب الواقع، وتتجاوز مماثلته، بتفعيلها لحركية الانزياح، وهو انزياح لا يتجلى في خرق الشعر لقانون اللغة فحسب، فهو يتعدى المحور الاستبدالي - حيث تتموضع علامات لغوية في مواقع علامات أخرى منحرفة بذلك عن أمكنتها الرئيسية، كما هو الشأن في استعارة المماثلة أو المشابهة - ليصل إلى مرحلة أخرى لا يكتفي فيها بتكسير عمود الشعر القائم على المشابهة / المماثلة، بل يقوم بإنتاج أبنية خطابية تؤسس لشعرية الاختلاف واللامشابهة، لشعرية التعدد الجوهري، حيث الاستعارة لا تغدو علامة نموذجية مثلية لحذلقات الخطاب، بل مشروعا تثويريا تشابكيا مولدا لرمزية عميقة تستمد كثافتها التعبيرية في القطيعة، أي في تلك الهوة الفاصلة بين الدال المستعار له، والدال المجاور له (المستعار منه)، وهو ما يعني إنتاج التوتر الصيروري في الشعر، توتر قائم على لعبة صراع الدوال المشكلة للصورة الشعرية. وهي لعبة تكشف جوهر الصدام بين الرؤية - الوثبة التي تهدف إلى التخطي، وبين الواقع الأرضي واقع الانحجاب،) وقد تخطى الشاعر الماجدي في تركيز رمزية التوتر في علاقة الذات بكائن الشعر، لتتشابك ذاتية الماجدي بذاتية الشاعر، ككائن له حدوده سرعان ما تنفتح لاستقبال الذات الماجدية، لتنتفي واحدة وتتخلق واحدة، تكون معمل منتج لتوتر قائم على لعبة صراع الدوال المشكلة للصورة الشعرية الدالة على طريق التخطي بدليل قوله: (لن ألوم نصوصي لأنها لا تستطيع أن تفيضَ بكَ كما يجب / فأنت مياه سرّية هاربة / لن ألوم أحداً حين لايقبل بالمصير الذي تمنحه له / لأنك حولتني إلى مجنون

وسط أحوالي العاقلة / فتذوقت على يديك كلَّ الفاكهة المقدّسة والمدنّسة منها / وكلّ اللذات الغريبة / أنت وفيّ لي أيها الشعر / وأنا الذي أخونك دائماً بالعطل / أنتَ شاردٌ وأنا مقيدٌ / أنت ملولٌ وأنا قنوع / فمن أين أجيء إذن برجلٍ يشبهك / لا رجل يشبهك

ولاامرأةٌ / إني أراكَ في كل شيئٍ / أيها الشعر هل تراني؟) .. اذن الشاعر الماجدي كم هو مثقل بهذا القلق الانساني والاحزان المرمرية التي تحيط لياليه، ورغم هذا يواصل انهماكه في البحث الجاد عن حقيقة الكون في اتون الصراع العالمي ..

هذه ملاحظة من الشاعر نفسه:

ولأن 21 آذار هو عيد الشعر أيضا مثلما هو عيد سومر وعيد الربيع، قصيدتي (أيها الشعر ..هل تراني؟) اضعها هنا وفاءً للشعر (القصيدة منشورة في مجموعتي: أحزان السنة العراقية).

أيها الشعر..هل تراني؟

خزعل الماجدي*

 

وجدان عبدالعزيز

 

الشاعرة اسماء القاسمي وميلاد يقظة اليقين

wejdan abdulazizبعدما حاولت التمعن في اسطر قصيدة (حجر الذاكرة) للشاعرة اسماء القاسمي، وجدت هناك محاولة تقريب بين المرئي "الحجر" وبين اللامرئي "الذاكرة" امتد ليعطي حالة من حالات العدمية بدليل قول الشاعرة: (أنا الغارقة في اللا شيء/عدمية الفكرة) فالعدمية : موقف فلسفي يقول إن العالم كله بما في ذلك وجود الإنسان، عديم القيمة وخال من اي مضمون أو معنى حقيقي.وحسب هذا المذهب ينحصر الأديب العدمي في تذكير الإنسان بحدوده حتى يستغل حياته استغلالاً عدمياً، وبذلك ينضج فكر الإنسان نضجاً يرفعه من مرتبة الحيوان الذي لا يدرك معنى العدم إلى مرتبة الأديب المدرك له، والذي يلغي الفواصل المصطنعة بين العلم والفن، فالأديب العدمي هو الذي ينفذ من خلال الموت والبشاعة والعنف والقبح إلى معنى الحياة العدمية، فالعدم هو الوجه الآخر للوجود. والكون ما هو الا محاولة من العدم لأن يعي ذاته.. فاستخدم النقيض.. فنقيض العدم هو الوجود وأفضل الطرق لمعرفة الشيء هي معرفة نقيضه... فكان العدم اراد ادراك ذاته باداركه لنقيضه.. وما وعينا الا جزء من الوعي الكلي الشامل الذي يصب في النهاية في العدم محاولا اداركه لذاته.. وحتى لا اقع كمتلقي في تناقضات الادراك، فاقول الوجود مدرك ولكن هناك شكوك حول يقينية الادراك، هذه الشكوك كفيلة باثبات الوجود وعدم اهتزاز اليقين .. فإن الإنسان خلق وله إمكانات محدودة وعليه لكي يثبت وجوده، أن يتصرف في حدود هذه الإمكانات، بحيث لا يتحول إلى يائس متقاعس أو حالم مجنون. وإن البشر يتصارعون، وهم يدركون جيداً أن العدم في انتظارهم وهذا الصراع فوق طاقتهم البشرية، لذلك يتحول صراعهم إلى عبث لا معنى له.. اذن العمل الأدبي يثبت أن لكل شيء نهاية، ومعناه يتركز في نهايته التي تمنح الدلالة للوجود،ولا يوجد عمل أدبي عظيم بدون نهاية وإلا فقد معناه، وكذلك الحياة تفقد معناها إذا لم تكن لها نهاية. وبهذا اصبحت الرومانسية المثالية في نظر الأديب العدمي مجرد هروب مؤقت، لا يلبث أن يصدم الإنسان بقسوة الواقع وبالعدم الذي ينتظره، وقد يكون في هذا الاصطدام انهياره أو انحرافه، وبالتالي يلجأ الاديب الى الالتزام الادبي للعدمية، الذي يؤدي إلى النضوج الفكري للإنسان ورفعه من مرتبة الحيوان الذي لا يدرك معنى العدم. وهنا تهدف العدمية إلى إلغاء الفواصل المصطنعة بين العلم والفن؛ لأن المعرفة الإنسانية لا تتجزأ في مواجهة قدر الإنسان، وإذا اختلف طريق العلم عن طريق الفن، فإن الهدف يبقى واحداً وهو : المزيد من المعرفة عن الإنسان وعلاقته بالعالم. وعليه فان الشعور بالعدم، هو شعور بالوجود مضافا له الشعور بالتطور والغلبة، وميلاد ما يسمى بيقظة اليقين ... تقول الشاعرة اسماء القاسمي :

(مذ كانت أرواح الموتى داكنة

كنت الونها بالنسيان

واصيح بوجه العالم من نحن بهذا الان؟

ارسم حجرا

أخدش به ذاكرتي)

فقابلت الموت والنسيان، كسكون بحركة الرسم، وقولها اصيح بوجه العالم، وحين تقرر الشاعرة بقولها: (انا قلعة تمشط جدرانها رياح مكلومة/ تهرب طيور الحلم من اعشاشها اليها / طمعا في حرب اخرى/ ودوي رصاص في السلالم) تؤكد ما ذهبنا اليه، من اثبات ميلاد يقظة اليقين، وهو بلا ادنى شك يجسم صورة مناقضة لصورة العدم وفوضى الوصول .. ثم في التفاتة شعرية راقية من لدن الشاعرة القاسمي قولها: (في هذا المدى المسجى/ أحاول الركض خلفي)، بمعنى الالتفات وحركة استطلاع لما يحدث امامها، وقد تغفل عنه، وبمجرد الحركة لاحتواء كل الافاق تنتهي العدمية بيقظة اليقين ....

 

وجدان عبدالعزيز

.......................

قصيدة (حجر الذاكرة) للشاعرة أسماء_صقر _القاسمي

7-8-2015

قراءة في قصة "بائع الدمى" للأديب رافع يحيى

suohayel  isawiبائع الدمى، قصة للأطفال، تأليف الدكتور رافع يحيى، رسوم لؤي دوخي، إصدار مكتبة كل شيء-حيفا،سنة الإصدار 2010، تقع القصة في 30 صفحة من الحجم المتوسط (بدون ترقيم للصفحات)، يهدي الكاتب قصته إلى ابنه الصغير محمد، اخر العنقود .

القصة: تتحدث عن دمية مبتورة القدم، مهملة في مخرن مظلم، حائرة لماذا هي في هذا المخزن على سرير زهري، قررت الدمية روان الخروج من الظلمة ومن المخزن إلى النور والشمس والأزهار، للبحث عن قدمها،وجدت عصا في المخزن فاتكأت عليها، في طريقها وجدت سنجوم وسلحفاة ضخمة، سنجوب دلها على بائع الدمى، في المدينة والسلحفاة نقلتها على ظهرها اليه هناك وجدت لها بائع الدمى الطيب القلب دما جميلة تلائمها، فقرروا مها مساعدة الأطفال في مدينة السكر، الذين فقدوا أقدامهم خلال الحرب اللعينة،فرح الأطفال الذين كانوا يتكئون على عصي خشبية،بدأ بائع الدمى يركب لهم أقداما خشبية، تنتهي القصة بمبادرة روان الذهاب إلى البحر مع الأطفال الفرحين .

 

أبعاد القصة:

- قام الكاتب الدكتور رافع يحيى، بمعالجة ظاهرة اجتماعية بأسلوب ذكي وبارع، ظاهرة إهمال أصحاب الإعاقات في العالم العربي والعالم بشكل عام، الدمية روان، تمثل أصحاب الإعاقات الجسدية، هي متروكة في مخزن مهجور، لا تعرف ماذا يدور خارجه، لا تعرف عن الحياة وعن الشمس والأزهار، تتساءل هل هنالك من يشببها وله قدم واحدة؟؟ ومن وضعها في المخزن، المخزن يرمز إلى هامش الهامش، إلى سجن الحياة الكبير، وتنكر المجتمع لأصحاب الإعاقات، من خلال الإقصاء والتجهيل والإبعاد عن الأضواء وضوضاء الحياة، لكن روان في النهاية قررت الخروج إلى النور، لتبحث عن قدم تناسبها، طبعا فرحت عندما شاهدت ضوء الشمس، والأطفال يعدون مع القطط والكلاب،عندها صاحت " ما اجمل الدنيا " وليس كما حاول البعض تصويرها لها،وفي طريها تجد السنجوب الذي يدلها على بائع الدمى، لكن روان تعبت من كثرة السير، عندها تظهر لها سلحفاة ضخمة، تحب الأطفال توافق على نقلها ومرافقتها إلى المدينة حيث دكان بائع الدمى، الرجل العجوز صاحب القلب الطيب، كل هؤلاء أشخاص يحملون خصال الخيال، يتجندون لمساعدة روان وسائر الأطفال الذين يعانون من الإعاقة الجسدية، نهاية القصة فرحة لروان وأطفال مدينة السكر .

 

الرموز في القصة:

الدمية روان: ترمز إلى الأطفال الذين يعانون من إعاقة جسدية بالغة، لكن المجتمع يتنكر لهم ولحقوقهم الأساسية .

النهر: يرمز إلى قوة الحياة التي تتدفق، لا تتوقف، الاستمرارية، وتحدي المصاعب، في طرح فلسفي قالت روان " ما اجمل النهر !! انه سعيد مع انه يسير دون أقدام ! "، يرمز أيضا إلى النقاء، والرغبة الجامحة في الوصول إلى المصب أي الهدف، هذا الأمر شحن معنويات روان وإصرارها على إيجاد قدمها الأخرى كي تسير مثل الأطفال .

السلحفاة: شخصية تحب الخير والمساعدة وتتحمل الأعباء في نقل الصغار على قوقعتها وتنقلهم من مكان إلى اخر، بعكس الفكرة النمطية عن السلحفاة (أنها شديدة البطء) يستعين بها الأطفال للتنقل .

السنجاب: يرمز إلى الشخص لذي يعرف المعلومات ويجب تقديمها للناس من أجل مساعدتهم .

بائع الدمى: يرمز إلى صاحب القلب الطيب، المحب للمساعدة، والمهني، الذي لا يبحث عن الشهرة أو المال، بل إسعاد البشر والتخفيف عن ألمهم .

مدينة السكر: سميت بهذا الاسم كما ورد في القصة، لان أطفالها يحبون الشاي حلوا، ويضعون فيه الكثير من السكر، ربما لتغيير طعم الحياة المر، لكنهم فقدوا أقدامهم بسبب الحرب اللعينة، ترمز المدينة إلى الكثير من المدن المنكوبة بسبب الحرب الشرسة التي تقتل الإنسان والنبات والحيوان، وتهدم البيوت، عندما وصلوا إلى المدينة، كانت معظم البيوت مهدمة والحارات خاوية من الأطفال، لان الأطفال رمز الحياة والاستقرار، أيضا ترمز إلى الإهمال لأنها المدينة بعيدة عن المركز فقد استغرق وقت طويل للوصول إلى المدينة المنكوبة، أطفالهما وسكانها عانوا الويلات بسبب الحروب، ولم يتم ترميم ما هدمته الحرب أو تقديم مساعدات طبية للأطفال.

الشمس: ترمز إلى النور والحرية والرغبة في التغيير، عندما رأت روان الشمس دب النشاط في جسمها،وشعرت بجمال الدنيا .

المخزن: يرمز إلى سجن الحياة والى العقاب الاجتماعي والانزواء فيكون الأنسان حبيس إعاقته وحبيس البيت .

المنطاد: وسيلة قديمة للطيران والتنقل، استخدم لنقل الألعاب والهدايا والأقدام الاصطناعية للأطفال، فهو ملون وجميل، يحمل الحان موسيقية جميلة، يحلق في السماء الزرقاء، فوق الجبال والتلال والبيوت، بعكس الطائرات التي تحمل القنابل والصواريخ لتهدم وتدمر القرى والمدن والأحياء والحياة .

البحر: يرمز إلى الحرية والراحة النفسية، التغيير، منطقة أمنة، الرزق، الخير، المستقبل الزاهر، الأطفال اتجهوا اليه بعد ركب لهم بائع الدمى أقداما اصطناعية، فرحين يبنون بيوتا صغيرة على الشاطئ الكبير، ربما تكون هذه البيوت عوضا عن بيوتهم التي هدمتها الحرب .

 

رسالة الكاتب:

- ضرورة تقديم العون لأصحاب الإعاقات الجسدية من قبل أفراد المجتمع والحكومات والمنظمات الإنسانية

- الخير موجود بين الناس

- على صاحب الإعاقة أن يركل الواقع المر ويبحث عن فرص الحياة، وان لا يوافق عل الانزواء والتقهقر . في بداية القصة روان كانت لعبة ملقاة على سريرها الزهري، وفي نهاية القصة أصبحت روان الإنسانة لها اسم ومعنى ووجود، وتبادر لمساعدة أترابها وتدخل الفرحة إلى قلوبهم .

- الحرب لعينة تدمر وتحطم أحلام الأطفال، وتحرم من ابسط حقوقهم اللعب والجري على الشاطئ.

ملاحظة: عنوان القصة: " بائع الدمى"، من ناحية الاسم فهو اسم موفق للقصة، لكنه لا يعكس الأحداث، لأن الأضواء على الدمية روان، يمكن أن يكون مثلا " روان وبائع الدمى " أو " الدمية روان".

خلاصة: قصة بائع الدمى للأديب الدكتور رافع يحيى، قصة جميلة، لغتها سهلة، تعالج قضايا إنسانية من الدرجة الأولى، بأسلوب ذكي، تتناغم فيها اللغة والرسالة، أيضا كعادته الأديب رافع يحيى يطرح قضايا فلسفية، تتطلب منا التفكير العميق، وإعادة النظر في قضايا اجتماعية وسياسية وفكرية .

 

أسئلة مقترحة حول القصة:

- من وضع روان داخل المخزن؟

- لماذا فقدت روان قدمها حسب رايك؟

- لماذا قررت روان الخروج للبحث عن قدمها؟

- كيف وصلت روان إلى بائع الدمى؟

- كيف أقنعت روان بائع الدمى بضرورة مساعدة أطفال مدينة السكر؟

- لماذا وصل أبطال القصة إلى مدينة السكر عبر المنطاد؟

- لماذا كانت شوارع مدينة السكر خاوية من الأولاد والبيوت مهدمة؟

- ماذا تعلمت الدمية روان من النهر؟

- ما المغزى من القصة؟

- أكتب عنوانا مغايرا للقصة .

- أكتب نهاية أخرى للقصة .

- لماذا اختار الكاتب نهاية سعيدة للقصة حسب رايك؟

- لماذا تمقت روان الحروب؟

- لماذا سميت مدينة السكر بهذا لاسم؟

- أكتب رسالة للكاتب تناقشه في أحداث لقصة

- لماذا سار الأطفال إلى البحر في نهاية القصة وماذا بنوا هناك؟

 

بقلم سهيل إبراهيم عيساوي

 

مروان عبد العال في مشروعه الرّوائي بين اصطيادِ الحُلُم وصناعة النّبوءة هاو بلا منازع! .. رؤية نقديّة (2)

rajaa baktia"..وكما سجّل الصبيّ هواجسه على الهواءُ حينذاك، يسجّلها كهلا عبر التّجربة المُرّة راويا، وعلى هواء نزوحٍ قسري من مخيّمه، نهر البارد، عام 06. بحَفرٍ أعمق في مناحي الرّوح، ليجمع الصّوت والصّورة عبر دفق عميقٍ، لكن سريع للكلمة، ذلكَ لأنّ الطّفولة أقدر على كسب المعارك الوجوديّة"

 

شكل البداية، ومسارات البحث    

قلّة ممّن يمتهنون الكتابة، والرّوائيّة تحديدا يتواضعون حين يجري الحديث حول نفوذ أعمالهم. ومن ندرة هذه القلّة يخرجُ عبد العال. يكشف سرّها قبل أن تنضج، لكنّه لا يقاتل، كما يفعل كثر، على موقعه فيها. يصادقها كما يجوز للكاتب أن يفعل، ويوسع لها مكانا في قلبه، يكتب كما يأكل ويشرب ويمشي، كفرض يومي مُلزم. ولأنّها لديه لا تعتمد على مرجعيّات أكاديميّة ، فهو يحضنها أكثر ممّا تحضُنُهُ، ويُلاحِقُ سرابها شأنَ واقعها برغبة الإصرارِ على الإستزادة من مذاق التّجربة، تجربته النّوعيّة في شكل البحث. فهو يعتمد كليّا على إيقاعِهِ النّفسي، كما أسلفت، ويضيفُ إليهِ نشوة التّحليق، الّتي للفنّان اللّوني حين يَطبَعُ عن روحِهِ حالة بالفرشاة، ثمّ يسحبُ ضجيجها إلى الورق. هناك يبدأ فعل الطّنين، والقلق. ولو أنّي حاولتُ، الآن، استحضار المرأة في أعمالهِ لجزمتُ أنّهُ وجه بجهات سبع لامرأة واحدة تشبه جفرا، تبهت أو تتألّقُ مع ارتدادِ دوائرِ النّداء. فحين يحتدّ الصّوت نعثر عليها بكامل تجربتها، تاريخها، وأناقة عطرها، وسط تماهيها الكامل مع وجوه شخوصه الممسوحة في معظم لوحاته.

وبرأينا المتواضع، لم يكتمل وجه المرأة في أعماله إلا في عمله الأخير، كما يجوز أن نتحسّسها من مادّة بشريّة، وأعني، روايته قبل الأخيرة، "شيريديل الثّاني"، حيثُ حضرت الرّائحة والعذوبة والجسد، ربّما، لأوّل مرّة، واضحة منذ قرأتُهُ، لكنّها لا تستمرّ طويلا، فغالبا يتنبّهُ السّياسي، مذعورا، لوقوعِهِ في شرك العشق، ويجدُ فيهِ إدانة لمسيرةِ نضاله، فيمسح أثرها بهرب سريع لبقعة لون يضربها تحتَ سكّرة باب المرأة في الغابسيّة، مثلا، كأنّ أبطاله امتدادا علنيّا لحياته الشّخصيّة. وأريدُ أنّ الأمور تكادُ تختلط عليهِ، أحيانا، فيضيعُ بين هويّات، الرّاوي، والكاتب والبطل. يلجُم فكرة تجييش المشاعر لصالح الإرتفاع بوتيرة العاطفة، وينشعل بتكثيف السّرد كي يخلُصَ من مأزق قلبه. ورغم عدم قناعتي بجدوي هذه التقنيّة الأسلوبيّة ولو بذريعة التنصّر لنكبات تاريخه، إلا أنّي أحتفي باختراعاته الغريبة لمساحات حلُم يأتي بها من قنبلة تبعثره تلك، والتّبعثر لديه تقنيّة أسلوبيّة، أو ميزة مُلفتة تعُوفُها بقدر ما تُلاحِقُها. تضيقُ بها بقدر ما تُوسعُ لها من مساحات أفقك.

لكنّي أرى، وعطفا على تضييق عُنُقِ العاطِفة، أنّ الإلتزام للقضيّة الأم، فلسطين، لا يعني أن تناور الهرب كلّما وقع أبطالك في شركِ العشق، فتؤسطرهم ليظلّوا أحياء بعد الغرق! وأعني، قد يأخذك الرّاوي إلى البحر، ويفرض عليك أن تغلق عينيك لمجرّد أنّهُ لم يعد بحرا فلسطينيّ الهوى والهويّة، وأنّ عدوّا سارقا يتحكّم الآن بسمكِهِ وموجه، فتكادُ الغابسيّة لا تحضرُ إلا كنبض في الذّاكرة الجمعيّة للمكان، تحسّها ولا تراها، تحلمُ بها ولا تتذكُرها، مثلا.

وكما يترك الحدث مفتوحاً على أفقِ المتلقّي، يصنع الشّيء ذاته في الوجه النّسائي الّذي يحضر في أعماله، فهو لا يحدّد صورته النّهائيّة شأن لوحتِهِ، بل يتركه لخيالات المتلقّي ذاته، كي يستكمل رسمه في مخيّلته. فهل يمكن اعتبار هذه التقنيّة الأسٍلوبيّة قوّة أم ضعفا في مناحيها البنيويّة؟ شخصيّا لا أميل لملامح النّسوة الباهتة، رغم أنّها تمنحُ فضاء أشدّ اتّساعا من النّقد في النّبشِ والتّأويل. ففي "زهرة الطّين" مثلا، يكادُ المُتلقّي لا يتذكّر من المرأة إلاّ صوتها، بينما تحضرُ في جفرا بنصفين، أحدهما أنثوي ممثّلا بسرّ الخاتم، والآخر حلمي عبر تداعيات الذّاكرة الّتي تسترسل لصور أزمنتها وأمكنتها. وكلّما تقدّمنا في كتاباته تأنسن حضورها، وأصبحت بلون وعطر وجسد.

في "إيفان الفلسطيني" تشمّ بدنها، ولون أنوثتها في شخص البطل، كأنّها تدبّقُ بهِ كما يفعلُ النّمل الأسود في رجعِ الذّاكرة. فالمرأة لديهِ نقيضُ البؤسِ والظّلمة، واحتياطي القلب من العشقِ والشّهوة، واستراحة المحارب من بؤسِ تبعاتِ النّكبة، والنّزوح، وبحث اللّاجىء الدّائم عن موطىء كرامة ليشيد بيت أمل. وسط المعارك النّفسيّة، والجسديّة الحامية يتجلّى المخيّم بكامل وجَعِه، وغبارِ فَرَحه. هو منجى برغم أنّهُ البقعة السّوداء في تاريخ اللّجوء، يسجّلهُ الفلسطيني بإبرِ منافيهِ في باطنِ كفّهِ، وقدمه. مسيرة، لا تزال، طريّة، نازفة، كأنّها بعضُ تردّداتِ إجلاءٍ حدَثَ أمس. و "ذات أمس" تُصبحُ في مُعجم الرّواية سببا مُباشراً لفعلِ مُقاومة في المشروع الرّوائي لعبد العال. فهو بمثلِ ما يصرّ على بقاءِ المُخيّم يصرّ على العودةِ إلى قريتهِ المهجّرة.

وصحيح أنّ "حاسّة هاربة" لا تمتلك ما لسلَفِها من أناةٍ وفنيّةٍ، إذما قورِنت ب "زهرة الطّين"، "جفرا"، وإيفان الفلسطيني، لكنّ أهميّتها تأتي من فكرة توثيقها لشواهد حيّة من واقع حال التّهجير الثّاني لمخيّم البارد، وغبنِ التّاريخ في استرجاعِ سيناريو النّزوح الأوّل، لكن بزجاجة ملوّنة، أما قلتُ أنّ مشروعهُ الإنتصار دائما عبر حقول أمل؟ فبحقّ هذا العمل يجوز أن يقالَ عملٌ توثيقيٌّ سريع يختلط فيه كلّ شيء، والكتابة السّريعة إحدى مآخِذي على مشروعه إجمالا. هو يستعجل في خوضِ غمارِ العملِ، وتكاد تضيّعُ اللّهفة عليهِ مُتعةَ الخوضِ في التّفاصيل الصّغيرة الّتي تصنع فنيّة الحدث. فتسريعُ النّهاية، ليس لصالحهِ غالبا. تقنيّة القفز المشهدي الّتي تداهم مخيّلتنا وسط انثيال حاد ساخن للذّاكرة، تعتبر سياسة شخصانيّة لعبد العال في تسريع وتيرة الحدث بهدف تحديد نهاياته، لقد بقيتُ على اعتقادٍ راسخ أنّ التأنّي في تسجيلِ وقائع الحدث سيضمنُ تسييسا مضمونيّا لأبعادِهِ الفنيّة.

"حاسّة هاربة" أنفاسُ "صبيٍّ يكتبُ على الهواء"!

لسبب ما، لا أحدّدهُ تماما رأيتُ الصبيّ الّذي يكتب على الهواء حاضرا أمامي بكامل براءتهِ وخجله الفطري في مدرسة الأنوروا، خلال قراءتي ل "حاسّة هاربة." قصّة مروان عبد العال الأولى الّتي صوّرت فتيلِ سراج الكاز، والدّخان الأسود، وخوف الطّفل من هربِ سقف البيتِ مع ريحِ الشّتاء واحتراق الورق بمخيّلة يقصف الرّوح وجعها. فقصّة "صبيٌ يكتبُ في الهواء" بنظري، تسجيلٌ متقدّم لسرّ الصبيّ الّذي شبّ وتكهّل، وظلّ مُطاردا بصورة ذلك المعلّم القامع، الّذي صفعهُ بسبب لوحة أبدعها على قاعِ كرسيّ متهالك، وصمت. الصبيّ الكهل يسجّل على ذات الهواء، وعبر "حاسّة هاربة" المعلّم الجديد ممثَّلا بخلايا الإرهاب الّتي تقتلعهُ مجدّدا، ويتصدّى لها عبر المقاومة الجسديّة والكلاميّة. ففيهِ يسجّل "الطّفل الكبير" انتصارهُ على كلّ أشكال القمع الّتي وقفت ولا زالت، أمام أحلامِ لاجىء، لكن بثورةٍ عارمة. وكما سجّل الصبيّ هواجسه على الهواءُ حينذاك، يسجّلها كهلا عبر التّجربة المُرّة راويا، وعلى هواء نزوحٍ قسري من مخيّمه، نهر البارد، عام 07 بحَفرٍ أعمق في مناحي الرّوح، ليجمع الصّوت والصّورة عبر دفق عميقٍ، لكن سريع للكلمة، ذلكَ لأنّ الطّفولة أقدر على كسب المعارك الوجوديّة بقدر أقلّ من الجهدِ لمجرّدِ أنّها شاهدٌ على كسرِ خزفِ واقع تستطيعُ أن تصمت على ضيمِهِ وتحزن، ما لا تقبلهُ الكُهولة مُجرِّبةً. وأنت تخرجُ من عملهِ هذا تحمل لوحة لجيرنيكا مُتخيّلة بريشة لاجىء يصرّ أن يراها العالم بصفعة وبدون صفعة محمولة على أكتاف الملايين الّتي نزحت تماما، وانقلبت نسورا تجرح. فصوتُ المعلّم موبّخا، يتردّد لا يزال:( "هل هذا المقعدُ ملك أبيك كي تعبثُ به كما تشاء؟" يصمتُ الطّفل، وتدوّي الصّفعة كاوية على وجهه).

تخيّلوا أنتم كم سيمرّ من وقت ليبدأ ذلك الصبيّ، الّذي تحشُدُهُ ذاكرة زَخِمة بتفاصيل الوجعِ والهزيمة، بالتّحدّي ليحيل مشروع لوحتهِ البعيدة، "الجيرنكا" إلى عمل روائي ملحمي مفصّلا على عملهِ الرّوائي قبل الأخير، "شيرديل الثّاني".

 

رجاء بكريّة

روائيّة وتشكيليّة فلسطينيّة، ناقدة في مجال الفنّ المرئي

حيفا

الظاهرة التناصية وإلغاء الأبوة النصية

mohamad shadadalharakإن عملية إبداع النص الأدبي مخاض فكري وذهني ونفسي، تسبقه تفاعلات كثيرة، تمر عبر مراحل مختلفة من الإخصاب والتمازج الجيني للنصوص السابقة، فتتلاقح وتتفاعل فيما بينها لتنتج مولودا فنيا جديدا يطلق عليه اسم (النص الأدبي). فذاكرة المبدع أو فكره عبارة عن مستودع تتراكم فيه الصور والأفكار وتتزاحم فيه التعابير والمعاني. والمبدع كلما حاول تشغيل طاقته الإبداعية، يجد نفسه مضطرا للاستجابة للتداعيات التي تتداعى إلى ذهنه، فتنساب بتلقائية وعفوية لتساهم في البناء أو التشكيل الفني للنص الجديد. ولكن بصمات وآثار تلك النصوص تبقى حاضرة بصورة صريحة أو ضمنية في المولود الجديد، لأن المبدع، بصفة عامة، لا يستطيع التنكر لمخزونه الثقافي، أو إحداث قطيعة فنية مع ذاكرته. فهو في حوار متواصل مع ثقافته، يلبسها ويتمثلها ويخضع لها، ينصت إليها، ويصغي لنداءاتها وتوجيهاتها، ويعمل بإرشاداتها وتعليماتها. إنه يظل في أغلب الأحيان مخلصا لتراثه الخاص الذي تشكل مع دوام المطالعة وكثرة الاحتكاك وحجم المحفوظ الذي حصل عليه خلال مسيرته التحصيلية ومساره الثقافي. كل ذلك ساهم في طبع ذائقة الأديب بطوابع مختلفة، تظهر ملامحها في المستويات الفنية لنصوصه.

ولقد عالج النقد الأدبي- قديمه وحديثه- هذه الظاهرة، وجعل لها مباحث في المصنفات والدراسات النقدية، واختلفت مواقف النقاد وآراؤهم ومصطلحاتهم حول هذا المعطى الفني. فقد نظر النقاد العرب القدامى إلى هذا الموضوع باهتمام كبير، ووضعوا له مفاهيم ومصطلحات، وصنفوا فيه كتبا ومصنفات. وكان مصطلح (التضمين) أهم ما وضعوه في هذا السياق، وذلك للدلالة على عملية تسرب المعاني والأساليب وانتقالها من نص إلى آخر، ومما جاء في تحديدهم لهذا المفهوم، قول ابن الأثير في شرح عملية التضمين، وهي "أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاما آخر لغيره قصدا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود"1. ولكن النقاد العرب ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حينما تتبعوا الأشعار واقتفوا آثار النصوص فلاحظوا ظاهرة الأخذ والاستفادة من بعض الأعمال الإبداعية السابقة. ونظروا إلى هذه الظاهرة نظرة الريبة والرفض، ويدل على ذلك مصطلح (السرقات)2 بما يحمله من دلالة قدحية. كتعبير عن موقف الإدانة لكل ممارسة إبداعية بالتبعية. ولذلك تعددت المفاهيم الحاملة لهذا المعنى ك(الأخذ الإغارة) على سبيل المثال. وقد ميز النقاد العرب بين هذه الظاهرة وخاصية (الاقتباس)، وحددوا هذا الإجراء في الاستعانة بالنصوص الدينية في عملية الإنشاء الشعري والنثري.

ومما لاشك فيه أن ظاهرة تفاعل النصوص وتلاقحها وتحاورها وانفتاحها على بعضها البعض قد فرضت نفسها على الساحة النقدية، ووجهت اهتمام النقاد إليها، وهذا ما تدل عليه أعمال النقاد القدامى الذين تتبعوا ظواهر الأخذ والسرقات في أشعار المتنبي وأبي تمام وغيرهما.

وقد فرضت هذه الظاهرة نفسها أيضا على النقاد المعاصرين، وحظيت باهتمام خاص في الدراسات النقدية الحديثة. وقد أوجد لها النقد المعاصر مصطلحا واسع الدلالة يندرج فيه كل ما يتعلق باستدعاء النصوص وتحاورها، وهو مصطلح (التناص). وقد كانت بداية استعمال هذا المصطلح النقدي مع أعمال الناقد الروسي (ميخائيل باختين)3 وتلميذته (جوليا كريستيفا)4 . ثم ما لبث هذا المصطلح أن فرض نفسه في الساحة النقدية على يد نقاد آخرين من أمثال (جيرار جينت)5 و(رولان بارت)6 وغيرهما. وكانت أغلب التعريفات تلتقي في مركز أساسي يجعل من التناص مصطلحا يدل على اندماج النصوص وتقاطعها وتحاورها، وذلك باعتبار أن أي نص ما هو إلا نتاج لنصوص كثيرة سابقة عليه، وكل نص هو تشرب واستيعاب وتحويل لنصوص أخرى7 أو بعبارة جنيت، هو الحضور الفعلي لنص داخل نص آخر.

ومن هذا التداخل وهذا التقاطع تنشأ فيزيولوجية النص الجديد، وتتشكل لوحته الفيسفسائية حسب تعبير كرستيفا . فتظهر التفاعلات النصية المتعددة داخل بنية النص الواحد، ويتم إلغاء الحدود بين تلك النصوص جميعها، مما يعطي للنص قدرة على الانفتاح على آفاق جديدة، تجعله غنيا وحافلا بالدلالات والمعاني. وحينما تلغى الحدود بين النصوص، فهذا يعني إلغاء الأبوة النصية أو الملكية الخاصة للنص. لأن النص لم يأت من عدم، ولم ينشأ من فراغ. وإنما جاء إفرازا لتلاقحات نصية وتفاعلات كثيرة ومؤثرات متعددة. وهذا ما اصطلح عليه بالعولمة النصية التي تعمل على تذويب الحدود وإلغاء الخصوصية والملكية في النصوص الأدبية. فالنصوص الحاضرة هي مستودع لنصوص كثيرة غائبة، ورحم تتجمع فيه فعاليات نصية متعددة قد تكون متجذرة في التاريخ والتراث أو مواكبة ومعاصرة. إذ "ثمة عناصر غائبة من النص، وهي على قدر كبير من الحضور في الذاكرة الجماعية لقراء عصر معين"8.

على أن هذه النصوص الغائبة ليست كلها سهلة الإدراك والضبط فغالبا ما تكون في حالة زئبقية لزجة تمتنع عن التصيد والبوح، وبعضها يتحول إلى شفرات منسية لا يمكن إدراكها وتحديد أصولها القديمة9.

فالظاهرة التناصية تستهدف استثارة ذاكرة القارئ واستدعاء مخزونه القرائي ودفعه إلى الاستغراق في مخاطبة النصوص واستنطاقها والاستماع إلى الأصوات المنبعثة من أعماقها. فتتحول القراءة النقدية للنصوص الأدبية إلى رحلة فنية في الذاكرة الثقافية، وإلى تشخيص لجينات النص وعناصره البنيوية وشفراته الوراثية. فالقراءة التناصية تتحول إلى تحليلات مخبرية دقيقة للكشف عن الترسبات الكامنة في طبقات النص والتي أصبحت، مع عملية الاندماج، جزءا من كيانه الفني. كما أن فهم النص متوقف على قدرة القارئ وفطنته لإدراك العلاقات التناصية والاطلاع الواسع للتمييز بين النصوص المزاحة ووجهة النص الذي حل محلها10. فحضور العناصر المتحاورة داخل جسد النص الواحد يحتاج إلى فراسة القارئ المنفتح في قراءاته على نصوص متعددة.

وإذا كان النص الأدبي ملتقى لنصوص كثيرة متحاورة ومتقاطعة مقروءة ومسموعة، فهذا يعني أن النص ليس ذاتا مستقلة، بل إنه سلسلة من العلاقات التي يقيمها مع نصوص أخرى سابقة أو معاصرة، كما يعني أن "النص المعين المقروء لا يمكن فهمه دون الرجوع إلى عشرات النصوص التي سبقته وأسهمت في خلقه وتكوينه"11. وبذلك تكون عملية التناص عملية استيعاب وتحويل لعدد من النصوص، ويصبح كل نص نوعا من إعادة إنتاج لنصوص سابقة أو متزامنة12. وهذا يفرض عدم الاكتفاء بأسلوب الاجترار السكوني للنصوص الأخرى، ويدعو إلى تحقيق التمثل والتفاعل والامتصاص والتحويل. وذلك لأن "الكتابة مستويات مختلفة، فإما أن تكون سطحية اجترارية، وإما أن تكون إبداعا جديدا. والإبداع الجديد لا يسمح بظهور آثار نصوص سابقة في لحمته، وإن جعل من هذه النصوص منطلقا له. وبعبارة أخرى، فإن أي نص أدبي لا يستطيع إخفاء آثار السابقين وآرائهم يظل نصا بعيدا عن مجال الإبداع"13.

 

 

د. محمد شداد الحراق

........................

مراجع وهوامش:

1 المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر،تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد البابي الحلبي، ص: 203، القاهرة،1939.

2 انظر: ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر و آدابه ونقده، ت. محمد قرقزان. ج2/ص1037-1059–وانظر:مصطفى هدارة:مشكلة السرقات في النقد العربي،مطبعة لجنة البيان العربي القاهرة ط1 /1964

3 فيلسوف ولغوي وناقد روسي، صاحب أعمال نقدية عديدة منها.ـ مشكلات في شعرية دستوفيسكي 1973.ـ أسئلة الأدب وعلم الجمال 1975.ـ الماركسية وفلسفة اللغة 1979.انظر مخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة، ترجمة محمد البكري ويمنى العيد، دار توبقال المغرب 1986.

4 من أبرز نقاد البنيوية، ومن أعلام السيميولوجيا الحديثة، ركزت أبحاثها على مفهوم التداخل النصي، من أعمالها: أبحاث في تحليل المعاني 1969، اللغة المتعددة 1977.

ـ انظر كرستيفا: علم النص، ترجمة: فريد زاهي ـ مراجعة عبد الجليل ناظم، ط. 2، دار توبقال، المغرب 1997.

5 ناقد وباحث فرنسي من نقاد نظرية الأجناس الأدبية من أعماله: مدخل إلى معمارية النص 1979، بدايات 1987. انظر عبد الحق بلعابد: عتبات – جيرار جنيت-من النص إلى المناص. تقديم سعيد يقطين. الدار العربية للعلوم 2007

6 ناقد فرنسي وهو من أعمدة النقد المعاصر من أعماله: درجة الصفر في الكتابة 1953-أساطير1957-راسين1963- نقد وحقيقة 1966

7 عبد الله الغذامي.الخطيئة والتكفير. من البنيوية إلى التشريحية ص: 131، النادي الأدبي الثقافي. جدة ط1 .1985.

8 تودوروف: الشعرية، ترجمة شكري المبخوت، رجاء بن سلامة،. ص: 30، دار توبقال، البيضاء ط.(1) د ت

9 أحمد مجاهد: أشكال التناص الشعري، ص: 387،الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط (1) د ت

10 أحمد الطريسي أعراب: الشعرية بين المشابهة والرمزية، دراسة في مستويات الخطاب الشعري. ص:64،شركة بابل للطباعة و النشر- الرباط1991

11 فاضل تامر: من سلطة النص إلى سلطة القراءة، ص: 92، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 48 ـ 49، السنة 1988.

12 أحمد الطريسي أعراب، الشعرية بين المشابهة والرمزية، ص: 60 ـ 61.

13 م نفسه ص: 65

الحداثة المعكوسة في تراجيديا مدينة

saleh alrazukلا تنتمي رواية (تراجيديا مدينة) لزيد الشهيد إلى فن الرواية ولا إلى فن السيرة. وهي تتحرك بين النوعين بحرية ودون ضوابط.

بمعنى أنها تتذكر بمقدار ما تتخيل. ويتداخل السرد مع الوقائع الحقيقية في نسيج واحد. وهذه واحدة من الخصال الأساسية في مشروع الشهيد.

و إذا كان هو شخصيا يرى أن هذا البناء هو جزء من فلسفة الحداثة في الأدب بوجه عام كما ذكر في عدة مناسبات وفي أكثر من لقاء أدبي فإن هذا يبقى في إطار وجهات النظر.

لأن الحداثة بحد ذاتها رؤية متكاملة.

لقد كانت حداثتنا العربية وما تزال نشاطا يميل لتعظيم الذات وتهويل الانطباعات الشخصية ولم تكن في أي يوم إنتاجا مباشرا لعقل الفكر الصناعي وتوسيع المدينة.

و لو ألقيت نظرة على بدايات ما نسميه حداثة ستلاحظ أنه يدين للواقعية الاشتراكية بمقدار ما هو متأثر بالوجودية.

وهذا ينطبق على هذه الرواية.

إنها برأيي محاولة ضمن خط مشروع طليعي، يعتمد على التجديد بمطلق المعنى وليس التحديث على وجه الخصوص.

وبعيدا عن هذه المماحكات واللعب بالألفاظ والأسماء أرى أنها تستند لفلسفة جيل دولوز فيما يتعلق بمعنى الصورة.

هل هي منظور أم أنها تصور ومشاهدة.

بمعنى هل هي جماد أم فعل وتخيل.

تدور الرواية حول محورين:

1- حياة ناصر الجبلاوي وهو مصور ضوئي يحتفظ بالعديد من الصور التي تتكلم عن مرحلة من حياة المجتمع والمدينة. وهذا يعني العديد من الأشخاص والعلامات المعمارية التي ارتبطت بأحداث ووقائع. وكما ورد في الرواية: إن عدسة كاميرته تلتقط الصور وتثبتها على الورق. وصوره شهادات عن خواء مجتمع منكفئ تمثله رموز بالية من صميم وجوده. ص 88. وأجمل الصور هي التي تجيء بعيدة عن التكلف قريبة من العفوية. ص 88.

لكن هذا لا يعني أنه يخلو من النزعات والميول أو أنه محايد. بل يمكنه أن يتلاعب بالانطباعات لتمرير معنى من فوق السياق.

فهو يختار الصورة ولا يسجل بانوراما المشهد. وصوره تعكس ذائقته ص 12 ، بمعنى أنها ليست محايدة تماما ولا عشوائية أو بريئة. ولكنها نتيجة اختيار. أو أنها انتقائية.

لقد كان هيامه بالصور خلاقا. ومع أنها وجوه شخصيات تاريخية أو عامة فقد كان يتخيل الأمكنة. ص 14.

2- سينما السماوة والتي تعرض أفلاما من هوليوود مع أفلام تذكي الروح الوطنية.

و كما ترى الرواية لقد شكلت السينما مفترقا هائلا ودخلت حياة البشرية لتحقق حلما هو سيل من الأمنيات. ص 59. وأعتقد أن هذه المقولة هي خلاصة ذهن الروائي نفسه.

لقد وجد في هذه الأداة التي تضيف إلى الصورة حاسة الاستماع ( الصوت) والأداء ( الحركة) فنا ينمو وينهض ليؤثر في مملكة أحاسيس إبداع يتوهج ويحلق ويكتشف ويتفاعل ويتماهى . ص 60. وكان مثاله هو صالة سينما عبد الإله التي قربت المسافة بين الخيال والشعب.ص 60. ووفرت للإنسان العادي وسيلة للترفيه والتعلم ص 60. وهذه هي وظيفة الفنون كلها منذ فجر الخليقة برأي الدكتورة وين جين أويان التي لا تستثني فنا من أداء وظيفتين أساسيتين: التهذيب والتسلية (كما ورد في تحليلها لدور السير الشعبية والحكواتي).

فالدخول إلى السينما كما ورد في الرواية: يعني الدخول إلى جنة الأحلام ( وهي وظيفة للاستجمام)، أو دعوة إلى قاموس حياة يزودك بما تتمنى وما تحتاج من مفردات التعرف على تفاصيل الدنيا ( وهذه وظيفة تعريف وتعليم). ص 62.

و لكن في الحالتين: الرؤية، في الصور والسينما،تكون من خلف حاجز شفاف وهو الذي تنظر اليه الوجودية بكثير من الاهتمام وتسميه العازل لأنه المسؤول عن حالة الاغتراب أو وعي المشاركة.

فالصور الضوئية تراها في إطار وخلف لوح من الزجاج.

و الأفلام نراها على الشاشة الفضية ونعيش معها في ظلام دامس.

و قد اغتنم الكاتب هذه الفرصة ليستعرض معلوماته التاريخية والفنية حتى تحولت الرواية إلى صندوق دنيا.

من خلالها تطلع على الماضي وإسقاطاته فوق الحاضر. وهي إسقاطات إشكالية لأنها تتكلم عن جو الرعب والقتل والدمار.

وبهذه الطريقة تحولت الرواية إلى مجموعة من المربعات. مستقلة ومتداخلة.

و الرابط بينها المكان وليس التاريخ.

و هذه أول مشكلة، أنه يبني روايته عن مرحلة بمنطق استعادة الأحداث، كل على حدة، وليس بالتسلسل.

و أيضا دون استعمال تقنية تيار الشعور المعروف.

إنه يصور لوحات هي صفحات من ذاكرته.

و إعادة ترتيبها يكون حسب أولويات هذه الأحداث من وجهة نظره وليس حسب الفرض الموضوعي.

يعني إنه يبني تاريخ المكان نفسيا ووجدانيا وليس برؤية مجردة وموضوعية.

و لو تابعنا مع جيل دولوز يمكننا القول إن هذه الرواية تهتم بمجال الحركة وليس بالحركة نفسها.

فالصور لا تزيد من فهمنا للأحداث ولكن من انطباعاتنا عنها.

و لذلك إنها رواية انطباعية قبل أن تكون تعبيرية.

والكاتب لا يعبر فيها عن فكرة ملحة ولكن ينقل انطباع شخصياته.

لقد استعمل عبد الرحمن منيف هذا الأسلوب في شرق المتوسط ولكن استعمل عكسه في هنا والآن. فبطل شرق المتوسط ينقل إلينا معاناة معتقل سياسي في بلد عربي مجهول لتوسيع وتجريد الانطباعات العامة. وفي هنا والآن ينقل بالتبادل المعاناة وأثرها على الآخر ويصنع نوعا من الديالكتيك بين المكان التاريخي ومعناه.

و إذا كانت هذه الرواية تعاني من الإسهاب وتبدو مثقلة بمضمونها السياسي، فإن تراجيديا مدينة تبدو موزعة بين عدة تصورات.

و هذا يجعل منها ما يسميه دريدا بنموذج الدي لوغو سينترزم ( بمعنى ضد بنية عقل الحداثة المركزي).. فهي متعددة المراكز. ولها بنية منشطرة وأميبية. كما هو الحال في كل أدبيات ما بعد الحداثة.

و للتوضيح إنها تجميع لحكايات مستقلة بينها علاقة بسيطة. كما فعل برهان الخطيب في كتابه أخبار آخر الهجرات. وهنا تتحول القصص بالتراكم والتجاور إلى عمل مشروع روائي.

و ربما النموذج الأقرب إلى الذهن كتابات ميلان كونديرا والتي لا تقدم حكاية مركزية إنما رؤية للأحداث.

أو كوابيس تتخللها لحظات من الغبطة وبتراكمها تشكل قوام العمل وكتلته.

و بتعبير الناقد حمزة عليوي إن زيد الشهيد يبرع بالوصف ولكنه لا يعنى ببناء الحكاية. ووحدات السرد لديه تعتمد على مشاهداته وليس على تيار الأحداث المستقلة عنه.

إنها لا تتوالى وتتجاور.

و هو ما يعتمد عليه كونديرا بالضبط. فهو يهتم بتوسيع مجال الرؤية أكثر مما يهتم بمادة الرؤيا نفسها. ولذلك تلاحظ أن رواياته تنمو من داخله وليس من ضمن الواقع، وكوابيسه تعبر عن اضطراب في بنية ومنطق الفكرة أكثر مما تعبر عن ضرورات العلاقة بين الثلاثي المعروف: بطل الرواية ومكانه وزمانه.

و إذا لم يكن هذا عيبا وهو محض اختيار فني فإن الأعمال التي تركز على إسناد البطولة لصور متفرقة ضمن جو نفسي واحد قليلة. وربما تعد على رؤوس الأصابع. ومنها كتاب الضحك والنسيان لكونديرا وتراجيديا مدينة لزيد الشهيد.

كلا العملين إسناد وإسقاط. وهما أقرب لمفهوم فصول من كتاب له موضوع واحد ولكن ليس بالضرورة حكاية واحدة.

 

صالح الرزوق

كانون الأول 2015

من وحي "المنظور والحواس في تفسير النص" لصلاح نيازي

أهداني صديقي الشاعر والمترجم والأديب الكبير الدكتور صلاح نيازي ثالث مساهماته في النقد التطبيقي كتاب (المنظورية والحواس في تفسير النص)، المتابع لما يخطه قلم نيازي يعرف أن هذه ليست سوى بعض فيض يراعه الثر.

والكتاب مجموعة مقالات منشورة يربطها خيط لا تجد أية صعوبة في تتبعه، حيث تشدك الفكرة كما الإسلوب، حتى لكأنك لا تقرأ عن الشعر وإنما تقرأ الشعر ذاته .

في البدء يجب معرفة أن نيازي لا يطرح مدرسة جديدة في الأدب تنافس ماعرف من المدارس أو المذاهب الأدبية، وإنما وكما هو واضح حتى من العنوان، يطرح أداة أو معيار لسبر غور النص وتلمس محتواه، وكما يقول في المقدمة (معياران نقديان قد ينضافان إلى نظريات نقدية معتمدة، لفك رموزات نصوص شعرية ذات طابع غريزي على وجه الخصوص كأشعار المتنبي وشكسبير..)، علماً أن (هذان المعياران النقديان) لا يختصان بالشعر فقط، وإنما بالأدب والفن عموماً، وبالأخص الفن التشكيلي والسينمائي .

هذان المعياران يساهمان بفهم أعمق وأكثر تطابقاً مع حقيقة وجوهر المنجز الأدبي والفني، وكتحصيل حاصل فإنهما يبعدان الشطط عن ناقلي النص من لغة إلى أخرى، وهذا ما وضحه أستاذنا نيازي في أكثر من موقع، حيث بين إبتعاد بعض النصوص المترجمة لمترجمين كبار كجبرا إبراهيم جبرا وغيره عن روح النص بلغته الأصلية .

وللتدليل على أهمية ما أسماه الكاتب (المنضورية والحواس) ينتقل بنا من الأدب السومري، وبالأخص ملحمة كلكامش، مروراً بالملك الضليل (أمرؤ القيس)، ثم (المتنبي) فشكسبير، وعمالقة الأدب العالمي وصولاً إلى يوسف إدريس، مستنبطاً اللآليء الإبداعية الكامنة في المنجز الإبداعي الإنساني، والتي سيكون فهمنا لها ناقصا من دون هذين المعيارين .

المنظورية كما يعكسها نيازي تتحدد بأين يقف المبدع من الظاهرة أو الحدث أو المروي، أو المُعبر عنه، فوق أم تحت، شمال أم جنوب شرق أم غرب، وكل هذا يعني (المكان منظور له من زاوية مختلفة)، وهو ما أسماه الجماليون بزاوية النظر، وزاوية النظر مهمة في فهم النص ولنأخذ مثلاً .

منظر لنخلة أمامها نهر، جنوبها حديقة أوراد، شمالها مقهى، خلفها شارع . فإذا أردنا تصويرها كتابة أو رسماً، أو بواسطة آلة أكانت كاميرا فوتغرافية أم سينمائية، فإننا سنصورها من أحد الجهات الأربع، فإذا صورناها من الشمال فإننا سنصور نخلة خلفها أوراد حيث تزدحم الألوان، وربما ثمة فراشات وأمور أخرى متعلقة بحديقة الأوراد، وإذا صورناها من جنوبها فإننا سنصور نخلة خلفها مقهى، فيها رواد قد يلعبون الدومينو أو يشربون الأركيلة أو يشاهدون التلفاز، وإذا صورناها من الأمام، فسنصور نخلة خلفها شارع، تمرق فيه سيارة أو دراجة، وربما امرأة تحمل طفلاً، وكل ما يتوقع أن يكون في شارع، أما إذا صورناها من الخلف فإننا سنصور نخلة خلفها نهر، قد يكون مترعاً، وليس من المستبعد أن نرى صياداً ينشر شباكه، ونوارس طافيه، وطيور محلقة، وربما صبيان يسبحون، وإذا صورناها من الإسفل بإعتبار أنها على مرتفع ونحن في جرف النهر فإننا سنصور نخلة تنغرس في سرة السماء التي قد تكون هادئة ساكنه أو عاصفة هوجاء، وإن صورناها من الأعلى، من أعلى بناية مثلاً، فإننا سنصور نخلة لا نرى جذعها غالباً أمامها نهر، خلفها شارع، شمالها مقهى، جنوبها حديقة أوراد ..

وفي مطلق الأحوال فإننا نكون قد صورنا نخله، ولكن بخلفيات مختلفة، فإذا وضعنا بالإعتبار الزمن، صيفاً أم شتاءاً أم ربيعاً، أم خريفاً، صباحاً، أم ظهراً أم عصراً، أم ليلاً، (النخلة في الأزمان المختلفة) فإننا سنصور نخلة ولكن بمعطيات مختلفة تماماً، فقد لا يكون ثمة أوراد ولا ألوان، ولا صبيان في الشط يسبحون .

إلى هنا ونحن في الشكل (الشكلانية)، والمنظر هنا سيتنوع بكل تأكيد، ولكن من دونما فرادة .. من يعطي للفن فرادته هو (وجهة النظر)، كما يقول علماء الجمال، و(الحواس) كما يقول أستاذنا المبدع (صلاح نيازي) .

النخلة هي النخلة، جذور وسباح، وجذع وكرب، وسعف وعثوق دانية، من يجعلها سيدة الشجر؟، من يجعلها عمتنا ؟، هي بذاتها ليست عمه لأحد منا، ولا سيدة الشجر، نحن من نجعلها كذلك، لماذا؟ لأننا نألفها ونحبها، ليس فقط لأنها تعطينا رطباً جنياً، أو نستظل بفيئها، فهي عندما تكون منفردة لا يستظل بظلها أحد، فقط عندما تتجاور يكون لها ظل ثخين، والنخلة مختلفة، شكلاً ولونا، فمن العجفاء المصفرة السعف، وهي النخلة المغروسة في بطن الصحراء، إلى النخلة المتنعمة المربربة المخضرة السعف وهي المجاورة لضفاف الإنهار.. هل كلنا نحب النخلة؟ وإذا أحببناها ما هي درجة حبنا لها؟

أنا شخصياً أعرف قريباً لي لا يحب النخلة، يتمنى أن يحتطب كل نخلة في بستان أبيه، وله عذره وسببه، فذات يوم، وكان صغيراً، جيء بأبيه محمولاً على الأذرع، كان أبيه مشهوراً بلون عينيه الزرقاوين زرقة الشذر المصفى، وكان يجني الرطب، إلا أن "سلاية" إنغرزت في عينه الزرقاء فأدمتها، ثم أطفأتها، أصبحت العين الزرقاء بيضاء .

ترى لو أن قريبي أراد أن يعبر عن نخلتنا هل سيصورها عمته، أم فاقئة عين أبيه؟

النخلة هي النخلة، ما حولها هو ما حولها، مهما إختلف الوقت، لكننا لا نكتفي بصورة واحدة لها، ولا نقتنع بتعبير واحد، مهما كان شاملاً، والسبب بسيط أننا ننشد الفرادة والتنوع، والفرادة والتنوع في " زاوية النظر" و"وجهة النظر" فيما أسماه أديبنا المتفرد "صلاح نيازي" المنضورية والحواس " .

مروان عبد العال في مشروعه الرّوائي (1)

rajaa baktiaبين اصطيادِ الحُلُم، وصناعة النّبوءة، هاوٍ بلا منازع!

".. لكنّ الفارق الواضح أنّ عشق السّياسي يَروحُ باتّجاه طموح المتصوّفين الّذين أفنوا حياتهم وجدا في دفع ضريبة التوحّد مع الله، بينما عبد العال لا يزالُ يناورُ فكرة التوحّد مع ألوهيّةِ قلبِهِ في مسعى الوصول لوطن مسبي."

منذ متى؟ لا أذكر تماما، وأنا أنتظرُ فُرصة تليقُ بوقفة جماليّة عند ما كتبه؟ لا أسأل لأنّي لا أملك إجابة شافية على سنوات تابعتهُ خلالها سياسيّا وأدبيّا بصمت بالغ. وكنتُ أحتاجُ وقتاً لأنسِجَ ثوبا بلا رتوق يليقُ بصمتٍ طال حول جماليّات ما أنتجهُ مروان عبد العال منذ "سفر أيّوب" عام 02 حتّى "60 مليون زهرة" 015.

ليست رغبة الإكتشاف وحدها قادتني لتسجيلِ ملاحظاتي حول إنتاجهِ الأدبي، ولكن عمق الغبن الّذي لحق به على صعيد الحوارات النّقديّة، والفكريّة عُموما. وقياسا بندرة ما يحملُهُ خطابه من هواجس حول الحلم الفلسطيني في الأدب عموما والفلسطيني خصوصا لم يسجّل نقد بمساحة الإبداع الفكري- حسّي الّذي صدّرهُ تحتَ تسميّة ما اصطلحنا على تسميته بالأدب الملتزم. الأدب الّذي لم يلتزم تجاهه الكثيرون في زمن المُزق الإلكترونيّة، والسّرقات الأدبيّة. زمن احتراف التّجارة بثقافة الجسد. زمن القلّة الوفيّة، لا تزال، لجماليّات النّص فكرا، لحنا، حسّاً، لونا، وضميرا.

لست ممّن يدعمون محافلَ النّدب على تفكّكِ معايير الكتابة الرّوائيّة، ولكنّي ممّن يحفلون بالإنزياحات المدهشة لمفهوم تجلياتها الحداثيّة ضمن أشكال جديدة، في أحايين، مربكة. وبغضّ النّظر عمّا يُعزى من أسباب لغياب المعايير التّقليديّة في الكتابة الرّوائيّة، إلا أنّي بقيتُ على اعتقاد بضرورة اختراق المبنى التّقليدي، وابتكار خطاب جديد يناسب الموضوعة، ولو أدّى لتماهٍ مع نمط شكلاني جديد يطيحُ بسلَفِه.

ولعلّ المفترق الّذي عندهُ توقّفتُ وتساءلتُ حولَ ما يكتبه عبد العال يخصّ تحديدا الموقف| الشّخص| المكان, الّذي يستطيعُ منهُ أن يبدأ تسجيل رواية. فاللّافت حقا أنّه يستطيعُ أن يفعل في كلّ بقعة يقف عليها، والمدهش أنّه لا يحسب حسابا لجماليّات النّص قبل أن يعلن استراحة من ملاحقة الفكرة الّتي يعنيها، أو تعنيه، لا فرق بين الدّلالتين. فهو ملاحق بلا آخر من فكرة تستولي عليه بكامل جوارحه، لا يلوي معها على ما عداها، حتّى يقرّر القلم وقف سباق تسلّحهِ مع السّطر. من يلاحق الآخر؟ ليس السّؤال الّذي يتناسب مع إجابة حين يجري الحديث عن هذا الكاتب بالذّات، لأنّهمّا، المُلاحِق والمُلاحَقِ معا، يسيران إلى تحقيّق غاية واحدة   ممثّلة بتحقُّق الحدث.

بقيتُ على اعتقاد، أنّ همّهُ السّياسي كمسؤول كبير في تنظيم سياسي مُقاوِم رافد رئيسي من روافد الفكر الّذي يغذّي إنتاجه الأدبي. ومقتنعة أكثر من ذي قبل أنّ همّيه السياسي والأدبي لصيقان، ومكمّلان الواحد لغريمه. نعم غريمِهِ، وليسَ صديقِهِ لأنّهما كليهما يتنافسان بلا نهاية، في لاوعيهِ، كما واقِعِهِ، على حقّ أحدهما في تصدّر الآخر ضمن مشروعهِ الفكري العام. تنافسٌ يسحبُ المتلقّي لرحى صِراعِهِ، فيختلطُ الأمرُ عليه، ويتركُهُ منقسما بين عالمين، وصوتين، التّقريري والآخر االعاطفي لتوفّرهما على ذات النّبرة المؤثّرة في روح وفكر المتلقّي.

والمثيرُ في استنتاجي هذا أنّ الكاتب ذاتهُ لا ينشغلُ بنوعيّة الصّراع، الّذي يجري في نصّه بينَ مُتنافسيه، لأنّ فكرة الحدث غاية عليا يضمرها النّص، فيكاد ينسى ما عداها. قد ينشغلُ بتهذيب اللّغة، وصياغة الجُمل، لكنّه لا يلتزم بخلافِ ذلك، كأنّه يطربُ للّغطِ المُتصاعِد من حوله. فالتّصاعد البنيوي لديه يعتمدُ أساسا على إيقاعٍ نفسيٍّ مُتفاوِت. يعلو ويهبط وفق درجة استِئناسِهِ بِمُستوى التّصاعُد الدرامي بين الشّخصيّة والحدث. وشخصيّاتِهِ يَحكمُها، غالبا، معلّق كلّي على الحدث، وتمتلك هامش حريّة يُمكّنها من الخروجِ بسلاسة عن سُلطة راويها، وبتلقائيّة تُحسد عليها، فتتوزّع بكلّ اتّجاه، كما يحدث مع جفرا مثلا. يتركها الرّاوي المعلّق تهجس، وتحلم. تنفصل وتضيع، لكنّها تعودُ طَوعاً حينَ يلوّح لها، فتصيرُ جزءا من الأغنية، والدّبكة والعتابا.

إذن كيف يمكن لمسيرة طويلة مع القضيّة الحُلم في حياة روائي، هي فلسطين، أن تمخرَ عباب زمن يكادُ يخلو من النّقد والتّوجيه، والتّشجيعِ خارج محيطه السياسي الّذي يجيدُ السّباحة في أقاليمهِ بفنيّة عالية؟ وأن يتابعَ هذا الغوص الجميل في حلم طويل معبّىءٍ بالذّاكرة والتّداعيات دون كلل؟ كيف أمكن له أن ينتصرَ على موج يتقلّبُ في رأسه، ويفوّر في نصّه، دون أن يثير شهيّة المتمهّنين في فهمه؟ أهي ضريبة يدفعها من يُقاوِمُ واقعه؟ أم أنّهُ ثمن الخروج عن طوق الإجماع السّياسي الرّسمي؟ وهل النّبش في خبايا التّاريخ المدفون تحت أغلال القهر والنّفي والأسر يضع ما نكتبه دون ذرائع مُنتظرة في خانة الحياد والعَزل؟ كلّها أسئلة زاحمت فكري، وأنا أراجع مواقفهُ ونصوصه السّريعة. أكانت سببا في تراجُعِ الرّوائي لصالح السّياسي، أم أنها سيناريوهات مفترضة لحيثيّات مُتخيّلة وحسب؟

أشياء كثيرة تُقالُ حول ذوبان الحدودِ بين هويّتي الرّوائيّ والسّياسي عند مروان عبد العال. شخصيّا، وجدتُ الخاص في مزيج هذه التّركيبة النّوعيّة، الّتي تدمج المرجعيّات السّياسيّة بالكتابة الرّوائيّة، فهما يتبادلان الهموم بمثل ما يتبادلان الفرح، والشّوق. لكنّ الفارق الواضح أنّ عشق السّياسي يَروحُ باتّجاه طموح المتصوّفين الّذين أفنوا حياتهم وجدا في دفع ضريبة التوحّد مع الله، بينما عبد العال لا يزالُ يناورُ فكرة التوحّد مع ألوهيّةِ قلبِهِ في مسعى الوصول لوطن مسبي. فصورة اللّاجىء الّذي لا يشبعُ من التّحديقِ في بئرِ لُجوئِه نسمع رجعَ أنفاسِها في أشكال الحُلُم الّتي يوزّعها على ورِقهِ شأنَ أيّامِه. والحُلُمُ الّذي أعنيهِ يُتابعُ مع كلّ عملٍ جديد بقعة جديدة من جهات الوطن. وبقدر ما يضيق يتّسعُ خطوات رُجوعٍ لبداياتهِ. فهل الحُلُمُ فِعلُ هزيمة، أم فعلُ انتصار؟

هو المُدهِشُ في الحالة الّتي يعيشُها أبطاله. تمتدُّ أو تُختَصَرُ فيها أحداثُ رواياته. فالكاتبُ شأن رُواتهِ وأبطاله، لا يعرفُ معنى الهزيمة عند أحلك المفترقات التّاريخيّة ضراوة. هي ملحوظة تتجاوز المضموني إلى البنيوي أسجّلها بحقّ نِتاجِه. أعترف أنّي لم أصادف للآن روائيّا يصرّ أن ينتصرَ على قلمه، وبؤس واقعه كعبد العال، فمن لُجَّةِ الضّياع، وتيهِ النّزوح يخرجُ بحكاية الخاتم، شبيه أسطورة خاتم علاء الدّين، ليملك على القارىء حنينهُ. ففي "جفرا" يحدثُ سباق مدجّجٌ بالشّوق لدى كلّ من يقرأها، تنتقل بعدوى الحنين ذاته بهدف العثور على خاتمٍ متخيّل يهديهِ لامرأة تشاطره حلُم ينشطر إلى أحلام. فمهنة الرّاوي مطاردة الأحلام حتّى رمق التحقّق بأيّ شكل، ولو عبر حُلُم يتأجّل. وبرغم أنّ العشيقة صيغت في جُزئها الحُلُمي من ورق، غير أنّ أبعاد المكان ومطر الذّاكرة يحقّقان الشّرط الآدمي في حضور شخصيّة من لحم ودم بغاياتها الكثيرة. ويظلّ الحلُمُ شبقاً مفتوحا على سيناريوهات المتخيّل لدى المُتَلقّي، فلا هوَ يكلُّ، ولا واضعَ هندستِهِ العشوائيّة يخبو وهجَ إصرارهِ على الظّفر بالغنيمة. غنيمة لا تُسجّل، لا توثّق، إنّما تُعاشُ بمساحةِ الأملِ المُعلّقِ بين واقعين، أحدهُما حاضرٌ، والآخر مُفترض.

                   

 رجاء بكريّة - حيفا

أديبة، وتشكيليّة، ناقدة في مجال الفنّ المرئي

 

دعبل الخزاعي: مدارس آياتٍ بين الموقفين الموالي والمعارض 200 هـ - 205 هـ

karem merza(من سنة 200 هـ / 815 م - 203 هـ / 818 م ...)

دعبل الخزاعي لم يهجُ إلاّ بعد الخمسين عمراً ...!! دفاعا عن الرأي الآخر في التاريخ العربي وضرورة احترام وجهة نظره:

تناولنا في الحلقة الماضية عن توجه دعبل للموقف بعد عبوره الأربعين، وازداد تصلباً عند بلوغ الخمسين من عمره المديد، والحقيقة لموقفه المتصلب في كهولته وجهان، الوجه الموالي الملتزم الحاسم لنهج آل البيت (ع)، والوجه الثاني المعارض الجريء حتى حَمْل خشبة صلبه على كتفه   توّلد بعد أن سم المأمون الإمام الرضا (ع) (203 هـ / 818 م)،حسب اعتقاد الشيعة .

 

أولاً - في الطريق إلى الموقف الموالي:

بعد أنْ خلـّف دعبل مصر وولاية أسوانها، وقريبه المطلب الخزاعي بمدحه وهجائه ورثائه وراءه، وقدم إلى بغداد، وكانت قد " هاجت الفتن في الأمصار..." (117) - كما يقول الطبري -، والمأمون في خرسان، فقد خرج في أواخرسنة (198 هـ) الحسن الهرش يدعو إلى الرضى من آل محمد أتى النيل (العراق)، فجبى الأموال، وأغار على التجار وقتل في محرم (199 هـ)، وخرج هذه السنة بالكوفة محمد بن إبراهيم (ابن طباطبا) يدعو إلى الرضى من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وكان القائم بأمره وتدبير الحرب بين يديه أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، وقُتل مائتا ألف رجل، وأخيراً قـُتل الرجل الأخير في ربيع سنة (200 هـ)، بأمر الحسن بن سهل والي المأمون على العراق، وأبان ثورة ابن طباطبا " وثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بني العباس، ودور مواليهم وأتباعهم في الكوفة، فانتهبوها وخربوها وأخرجوهم من الكوفة "(118)، وكان قد أرسل أبو السرايا إلى المدينة ومكة (حسين بن حسن الأفطس) كأمير للحج .

 

دعبل بين إسماعيل العباسي وزيد النار:

وخرج في البصرة زيد بن الإمام موسى الكاظم الذي أطلق عليه المؤرخون (زيد النار) بدعوى حرق الدور وخصومه السياسيين، المهم هرب منها واليها اسماعيل بن جعفر العباسي، وسخر دعبل من الأخير الهارب من قذائف زيد النار وسيوفه ولم يقاوم، وكان قد توّعد الدعبل بالقتل، فإذا به يخاطبه مفرداً، ويذكر خصمه (أطراداً) ...!!:

لقد خلـّف الأهواز من خلف ظهره***وزيدٌ وراء الزاب من أرض كسكر ِ

يهوّل إسماعيل بالبيض والقنا *** *وقد فر من زيد بن موسى بن جعفر ِ

وعاينتهُ في يوم خلـّى حريمـهُ ***** فيا قبحها منـهُ، ويا حسن منظر(119) ِ

وفي هذه السنة أعني (200 هـ)، خرج إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم باليمن، وأطلق المؤرخون هذه المرة وصف (الجزّار) لكثرة ما يدّعون مَن قتل باليمن، ولما رجعت الكوفة لبني العباس، اجتمع العلويون " إلى محمد بن جعفر (الصادق) بن محمد وكان شيخاً وادعاً محبباً في الناس...وكان يروي العلم عن أبيه جعفر بن محمد، وكان الناس يكتبون عنه، وكان يظهر سمتاً وزهداً - فقالوا له: قد تعلم حالك في الناس، فأبرز شخصك نبايع لك بالخلافة، فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك رجلان، فأبى ذلك عليهم، فلم يزل به ابنه علي بن محمد بن جعفر و حسين بن حسن الأفطس حتى غلبا الشيخ على رأيه؛ فأجابهم. فأقاموه يوم صلاة الجمعة بعد الصلاة لست خلون من ربيع الآخر، فبايعوه بالخلافة، وحشروا إليه الناس من أهل مكة والمجاورين، فبايعوه طوعاً وكرهاً، وسموه بإمرة المؤمنين، فأقام بذلك أشهراً " (120) - هذا ما رواه الطبري - هذه الأمور مجتمعة، ولقرابة المعارضين العلويين الأشداء من الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، ولانشقاق العباسيين بعد خلع الأمين ومقتله، ولبعد المأمون عن عاصمة الخلافة، ولحكمة المأمون وحنكته السياسية، رأى لابدّ من إسناد ولاية العهد للعلويين ليحيّدهم، فأرسل رجاء بن أبي الضحاك مبعوثاً إليه - وهو في المدينة - للشخوص إلى خراسان، فاعتل عليه الإمام بعلل كثيرة، فما زال يكاتبه حتى علم الإمام لا مفـّر حتى القبول، فقبل وتوّجه من المدينة إلى خراسان، ولولده محمد الجواد من العمر سبع سنوات (121)، فبويع له بولاية العهد في (رمضان 201 هـ)، وضربت الدراهم باسمه، وغيّر المأمون شعار العباسيين من الأسود إلى الأخضر، وهو شعار العلويين.

 

شريطة بشار بين دعبل وصديقه إبراهيم بن العباس الصولي:

هذه الأحداث بمجملها ومن بداياتها شجّعت الشاعر الأول في تلك الأيام أواخر سنة (200 هـ) - على أغلب الظن - أن يقول لصديقه الحميم " إبراهيم بن العباس: أريد أن أصحبك إلى خراسان، فقال له إبراهيم: حبذا أنت صاحبا مصحوبا إن كنا على شريطة بشار قال: وما شريطة بشار قال قوله:

أخ خير من آخيت أحمل ثقله****ويحمل عني حين يفدحني ثقلي

أخ إن نبا دهر به كنت دونه *** وإن كان كون كان لي ثقة مثلي

أخ ماله لي لست أرهب بخله** ومالي له لا يرهب الدهر من بخلي

قال: ذلك لك ومزية فاصطحبا "(122)، ولا نذهب إلى ما ذهب إليه صاحب (الغدير) الشيخ الأميني بأنها تمّت سنة (198 هـ) برفقة أخيه أبي الحسن علي (123)، لأن الشاعر في تلك السنة ذهب مع أخيه رزين للحج، ومن هناك عرّج على مصر، وأصبح والياً، والمطلب نفسه الذي ولاّه، كان والياً على مصر بين 198 هـ - 200 هـ حين وفاته، كما ذكرنا في الحلقة السابقة، فكيف يجتمع الأقليمان في مكان واحد ؟!!

 

دعبل ومسلم بن الوليد والوزير الفضل بن سهل ...عتاب وهجاء فجاء ردّ ٌمضاد !!:

وأبان رحلة دعبل ووجوده في خرسان - على أغلب الظن قبل إلقاء التائية الخالدة - بلغه حظوة أستاذه، وربيب طفولته، مسلم بن الوليد عند وزير المأمون الفضل بن سهل، فذهب لزيارته متمنياً له الرفعة، متوسماً فيه الخير والبركة، ولكن أستاذه جفاه، وخيّب ظنه " قال أبو تمام: ما زال دعبل مائلا إلى مسلم بن وليد مقرا بأستاذيته حتى ورد عليه جرجان فجفاه مسلم وكان فيه بخل فهجره دعبل وكتب إليه:

أبا مخلد كنا عقيدي مودة ****** هوانا وقلبانا جميعــا معـا معـا

أحوطك بالغيب الذي أنت حائطي***** وأنجع أشـفاقا لأن تتوجعا

فصيرتني بعد انتحائك متهما**** لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا

عششت الهوى حتى تداعت أصوله**بنا وابتذلت الوصل حتى تقطعا

وأنزلت من بين الجوانح والحشى ***** ذخيرة ودٍ طالمــا قد تمنعا

فلا تعذلني ليس لي فيك مطمع ***** تخرقت حتى لم أجد لك مرقعا

فهبك يميني استأكلت فقطعتها ***** وجشمت قلبي صبره فتشجعا "(124)

بعد هذه القطيعة، دس دعبل هذين البيتين إلى الفضل بن سهل حين وصوله إلى مرو:

لا تعبأن بابن الوليد فإنه **** يرميك بعد ثلاثة بملال

إن الملول وإن تقادم عهده ** كانت مودته كفيء ظلال

فدفع الفضل الرقعة إلى مسلم وقال: انظر يا ابن الوليد رقعة دعبل فيك،فلما قرأها قال له: هل عرفت لقب دعبل وهو غلام ؟ قال: لا، قال: كان يلقب بمياس، ثم كتب إليه يقول:

مياس قل لي أين أنت من الورى *** لا أنت معلوم ولا مجهول

أما الهجاء فدق عرضك دونه ** والمدح عنك كما علمت جليل (125)

من عجز البيت الأول لمسلم (الصريع غوانيه): " لا أنت معلومٌ ولا مجهولُ"، نستطيع أنْ نستنج أنّ الأبيات قالها المسلم قبل الموقفين الموالي والمعارض، لأن الدعبل بعدهما، أي بعد التائية الشهيرة، وقصائد الهجاء والسخرية من الخلفاء وأركان الدولة الرفيعة، طارت شهرته في كلّ آفاق الدولة الإسلامية حتى الهند شرقاً والأندلس غرباً، وخفت أسم مسلم بن الوليد واعتزل حتى وفاته (208 هـ)، ومن قبله جمّد نفسه أبو العتاهية المتوفي (210 هـ)، وكلاهما من مواليد (130هـ)، أمأ دعبل، فهو من مواليد (148 هـ) .

 

التائية الخالدة في حضرة الإمام (ع):

وعند مكوث دعبل في خراسان نظم قصيدته التائية الخالدة، ونظم صاحبه العباس قصيدة دالية، ورتـّبا أمرهما للوقوف أمام حضرة الإمام ليلقيا ما أبدعا . قدّم الرجل أوراق اعتماده بـ " أحسن الشعر وفاخر المدائح المقولة في أهل البيت عليهم السلام " (126)، كما نعت الأصفهاني في (الأغاني) قصيدة الولاء، واعتمد الأدباء و النقاد هذه الكلمات لأوراق الأعتماد، ولكن عندما دخل الشاعر الموقف على حضرة الإمام الرضا، بادر الأول: يا ابن رسول الله أني قلت فيكم قصيدة، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، فقال هاتها ياخزاعي، ولهيبة المقام، وقدسية الإمام، لجم الشاعر إلهام نفسه من أن يبدأ بمطلع التشبيب (127)، فشرع بالمناقب - كما ذكرنا ودوّنا في الحلقات السابقة -

قال دعبل: " دخلت على علي بن موسى الرضا عليه السلام فقال لي: أنشدني شيئا مما أحدثت. فأنشدته (الطويل):

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات

حتى انتهيت إلى قولي:

إذا وتروا مدوا إلي واتريهم *** أكفا عن الأوتار منقبضات

قال: فبكى حتى أغمي عليه وأومأ إلى الخادم كان على رأسه: أن اسكت. فسكت فمكث ساعة ثم قال لي: أعد. فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضا فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى وأومأ الخادم إلي: أن اسكت. فسكت فمكث ساعة أخرى ثم قال لي: أعد. فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها. فقال لي: أحسنت - ثلاث مرات . -

ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه ولم تكن دفعت إلى أحد بعد وأمر لي من في منزله بحلي كثير أخرجه إلى الخادم، فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة دراهم إشتراها مني الشيعة فحصل لي مائة ألف درهم فكان أول مال اعتقدته، قال ابن مهرويه: وحدثني حذيفة بن محمد: أن دعبلا قال له: إنه استوهب من الرضا عليه السلام ثوبا قد لبسه ليجعله في أكفانه فخلع جبة كانت عليه فأعطاه إياها وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم فلم يفعل فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها منه غصبا وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل وإلا فأنت أعلم .

فقال لهم: إني والله لا أعطيكم إياها طوعا ولا تنفعكم غصبا وأشكوكم إلى الرضا عليه السلام فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين ألف الدرهم وفرد كم من بطانتها، فرضي بذلك فأعطوه فردكم فكان في أكفاته . " (128)

من مضمون النص نستدل على أن الإنشاد قد تمَّ، والإمام كان ولياً للعهد، وقد تلاقف مؤرخو الأدب القصيدة بالاستحسان والثناء، فذكر القيرواني الحصري في (زهر آدابه) عن دعبل وشهرة القصيدة، وإنها من جيد شعره " وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه: ثم إن المأمون لما ثبتت قدمه في الخلافة وضرب الدنانير باسمه أقبل بجمع الآثار في فضايل آل الرسول فتناهى إليه فيما تناهى من فضائلهم قول دعبل: (مدارس آيات ...)، فما زالت تردد في صدر المأمون حتى قدم عليه دعبل)، فقال له: أنشدني قصيدتك التائية ولا بأس عليك ولك الأمان من كل شيئ فيها فإني أعرفها وقد رويتها إلا أني أحب أن أسمعها من فيك . قال: فأنشده حتى صار إلى هذا الموضع:

ألم تر أني مذ ثلاثين حجة ***أروح وأغدو دائم الحسرات

أرى فيئهم في غيرهم متقسما **وأيديهم من فيئهم صفرات

فبكى المأمون حتى اخضلت لحيته وجرت دموعه على نحره، وكان دعبل أول داخل عليه وآخر خارج من عنده . (129) وقال ياقوت الحموي في (معجم الأدباء): قصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر، وأسنى المدايح . وذكر الثعالبي في (ثمار القلوب) بيتين من القصيدة أحدهما: مدارس آيات. والثاني البيت الذي يتضمن (ذو الثفنات)، إذ كان يقال لكل من علي بن الحسين بن علي (ع) وعلي بن عبد الله بن عباس: ذو الثفنات. وذكر صلاح الدين الصفدي في (الوافي بالوفيات) طريق رواية القصيدة، وفي (الإتحاف) نقل الطبري في كتابه عن أبي الصلت الهروي قال: دخل الخزاعي على علي بن موسى الرضا بمرو فقال: يا بن رسول الله؟ إني قلت فيكم . (130) .

أبيات من القصيدة التي تبلغ 123 بيتاً على بعض الرويات:

تجاوبن بالارنان والزفراتِ******* نوائح عجم اللفظ والنطقاتِ

يخبرن الانفاس عن سر أنفس***** اسارى هوى ماض وآخرآتِ

فأسعدن أو أسعفن حتى تقوضت * صفوف الدجى بالفجر منهزماتِ

على العرصات الخاليات من المها** سلام شج صب على العرصاتِ

فعهدي بها خضر المعاهد مألفا**** من العطرات البيض والخفراتِ

ليالي يعدين الوصال على القلى ***** ويعدي تدانينا على العزباتِ

وإذ هن يلحظن العيون سوافرا**** ويسترن بالايدي على الوجناتِ

وإذ كل يوم لي بلحظي نشوة******** يبيت بها قلبي على نشواتِ

فكم حسرات هاجها بمحسر ********وقوفي يوم الجمع من عرفاتِ

ألم تر للايام ما جر جورها ***** على الناس من نقض وطول شتاتِ

ومن دول المستهزئين ومن غدا****** بهم طالبا للنور في الظلماتِ

فكيف ومن أنى بطالب زلفة ******** إلى الله بعد الصوم والصلواتِ

سوى حب أبناء النبي ورهطه ******* وبغض بني الزرقاء والعبلاتِ

وهند وما أدت سمية وابنها ******* اولو الكفر في الاسلام والفجراتِ

هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه *********ومحكمه بالزور والشبهاتِ

ولم تك إلا محنة كشفتهمُ ******** بدعوى ضلال من هن وهنات تراثِ

رزايا أرتنا خضرة الافق حمــــــرة ******* وردت اجاجا شعم كل فراتِ

بكيت لرسم الدار من عرفــــــات********* وأذريت دمع العين بالعبراتِ

وبان عرى صبري وهاجت صبابتي******** رسوم ديار قد عفت وعراتِ

مدارس آيات خلت مـــــــن تلاوة ********* ومنزل وحي مقفر العرصاتِ

لآل رسول الله بالخيف مـــــــن منى ******* وبالبيت والتعريف والجمراتِ

ديار لعبد الله بالخيف مـــــــن منى *********وللسيد الداعي إلى الصلواتِ

ديار علي والحسين وجعــــــــفرٍ ********** وحمزة والسجاد ذي الثفناتِ

ديار لعبد الله والفضل صــــــــــــنوه ********* نجي رسول الله في الخلواتِ

وسبطي رسول الله وابني وصيــــــــــهِ ******* ووارث عـــــلم الله والحسناتِ

منازل وحي الله ينزل بينهـــــــــا *******على أحمد المذكور فــــــــي السوراتِ

منازل قوم يهتدى بهداهـــــــــــــم *********فيؤمـــــــــــــن منهم زلة العثراتِ

أفاطم لو خلت الحسين مجـــــــــــــــــدلاً**** وقــــــــــد مات عطشانا بشط فراتِ

إذا للطمت الخد فاطم عنــــــــــــدهُ****** وأجريت دمـــــــــع العين في الوجناتِ

أفاطم قومي يا ابنة الخير وانــــــــــــدبي********* نجوم سماوات بأرض فلاتِ

فيا رب زدني في هواي بصيـــــــــــــــرة****** وزد حبـــــهم يا رب في حسناتي

 

دعبل الموقف والهجاء بعد الخمسين:

رجاء تابع معي، تاريخ الرجل مشوّه، ومعظم من كتب عنه مادحاً، وبحث في أمره ساخطاً، لم يعطِهِ حقـّه من الإنصاف والدّقة، إنهم خلطوا الحابل بالنابل، دعبل إلى حدّ نهاية هذه الفترة الزمنية، وقد زاد على الخمسين عمراً، (148 هـ -201 هـ)، لم يهجُ أيً خليفة أو وزير أو سياسي أو قائد عسكري، لقد مرّت عهود المنصور والمهدي والهادي والرشيد والآمين برداً وسلاماً عليه وعلى رجال عصره الكبار سوى هجاء قريبه المطلب الخزاعي (ت 200 هـ) من بعد قبل سنتين من نهاية التاريخ المذكور، أي في بدايات عهد المأمون، وهجاء إسماعيل بن جعفر العباسي المتوفي (216 هـ) الذي توّعده، فناصر زيد النار بن الإمام موسى الكاظم، وفي كلا الأمرين، قد اجتاز الخمسين، هكذا يخبرنا ديوانه المتبقي، نعم ذكر الرشيد هجاءً بعد موته بأكثر من عشر سنوات نكاية بالمأمون الذي سمّ الرضا، فالتزم الشاعرالموقف، إذن القضية تكتسي الحق العام، وليس المصلحة الشخصية، فأين يمكننا وضع بيت المعري (لو أنصف الدهر هجا نفسه ***كأنه الرومي أو دعبلُ)، وأقواله الأخرى باتهامه بالارتزاق، وغير ذلك حتى استند عليها الدكتور شوقي ضيف معتمداً على النهج الإنتقائي التطويعي، فيأخذ ما يلائم فكرته، وهذا من ردّ الدكتور عبد المجيد زراقط على (ضيفه) (131)، وهكذا ثبّت أيضاًعلى الشاعر المتمرد الأستاذ الكبير العقاد ظالماً له - ربّما دون مبالاة وتحقيق معمق منه -، وسار على نهجه الأديب حنا الفاخروي مقلـّداً ...!! وهذا ما ذكرناه سالفاً، ونحن نقول: السيء الطبع، والسليط اللسان، المفترض أن يتبيّن لنا من صغره لا عند كهولته ونضجه، إذن هذا دليل على موقف فكري حازم يصبّ في مصلحة الأمة العليا حسب ما كان يرتأيه هو وجناحه .

دعبل يسخر من إبراهيم بن المهدي (ابن شكلة) بعد مبايعته بالخلافة المزورة:

إضافة إلى ما ذكرناه، و في هذه الفترة، وبعد عودة دعبل إلى العراق أواخر سنة (201 هـ)، شهد خروج إبراهيم بن المهدي - عم المأمون، وأخي الرشيد - على خلافة مأمونه بتحريض من العباسيين في بغداد الذين قلـّدوه الخلافة غير الشرعية، أي بدون توصية من الرشيد، وأصبح خليفة غير رسمي ما بين (25 ذي الحجة 201 حتى 15 ذي الحجة 203 هـ)، وذلك عقبى خلع الأمين ومقتله، وترسيم الإمام الرضا جبراً ولياً للعهد، واستبدال شعار العباسيين الأسود بشعار العلويين الأخضر، فالشاعر إلى تلك الأيام الغابرة، لم يمس مقام الخلافة الشرعية بكل رموزها السابقين، ومأمونها الحكيم، وإنما كما استدركنا، صبّ سخريته على الخارج الإبراهيم، الذي لقبه معاصروه بابن شكلة، وهذا اسم أمه الأمَة السوداء، استصغاراً لشأنه، ولا سيما كان يجيد الغناء، بالرغم من أنه توّلى ولاية دمشق في عهد أخيه الرشيد لمدة ست سنوات على دفعتين، ونعت بالعدل والصرامة، وأبان خلافته المزعومة، حاربه الوزير الحسن بن سهل والي العراق المأموني، لم يقدر عليه، فردّه خائباً، مما جعل المأمون أن يرسل لقتاله قائده العسكري المقتدر حميد الطوسي، فانتصر عليه انتصاراً باهراً، فانهزم ابن شكلة، واختفى في بغداد حين وصلها المأمون سنة (204هـ)، وبقي مختفياً حتى سنة (210 هـ)، إذ عفا عنه المأمون وأكرمه، توفي في سامراء (224 هـ)، وصلـّى عليه ابن أخيه المعتصم، نعته الخطيب البغدادي بأوصاف رائعة: وافر الفضل، غزير الأدب، واسع النفس،سخي الكف، وكان معروف بصناعة الغناء حاذقاً فيها، وقد قلّ المال عليه أيام خلافته ببغداد (132)، وكان قد لجأ إليه أعراب من أعراب السواد وغيرهم من أوباش الناس وأوغادهم، فاحتبس عليهم العطاء، فجعل إبراهيم يسوفهم وهم لا يرون لوعده حقيقة، إلى أن خرج رسوله إليهم يوما وقد اجتمعوا وضجوا فصرح إليهم بأنه لا مال عنده، فقال قوم من غوغاء أهل بغداد: أخرجوا إلينا خليفتنا ليغني أهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتكون عطاءهم ولأهل هذا الجانب مثلها، قال إسحاق بن لإبراهيم الموصلي: فأنشدني دعبل بعد أيام من (السريع):

يا معشر الأجناد لا تقنطوا *** وارضوا بما كان ولا تسخطوا

فسوف تعطون حنينـــة ً ***** يلتــذها الأمـــــــرد والأشمط ُ

والمعبديات لقــــوادكم ******* لا تدخل الكيــس ولا تربط ُ

وهكذا يرزق قـــــــوادهُ ****** خليفة ٌ مصــــــحفهُ البربطُ (133)

سخرية صارخة من مغن ٍيتطلع لعرش الخلافة الإسلامية، وإن كان ابن خليفة، وأخاً لهارون الرشيد، ولك أنْ تعرف - إنْ كنت لا تعرف -الأشمط هو الشايب، والحنينة بمعنى طور غنائي كان ينسب إلى حنين الحيري، ومثلها المعبديات التي تنسب إلى معبد المغني الأموي، والبربط نوع من الملاهي كعود الطرب، واستعار الشاعر (مصحفه البربط) للسخرية من مطرب يتطلع للخلافة الإسلامية،، وينقل الأصفهاني رواية في (أغانيه): "قال إبراهيم بن المهدي للمأمون قولا في دعبل يحرضه عليه فضحك المأمون وقال إنما تحرضني عليه لقوله فيك:(يا معشر الأجناد...)

فقال له إبراهيم: فقد والله هجاك أنت يا أمير المؤمنين فقال: دع هذا عنك فقد عفوت عنه في هجائه إياي لقوله هذا وضحك ثم دخل أبو عباد فلما رآه المأمون من بعد قال لإبراهيم: دعبل يجسر على أبي عباد بالهجاء ويحجم عن أحد، فقال له: وكأن أبا عباد أبسط يدا منك يا أمير المؤمنين، قال لا ولكنه حديد جاهل لا يؤمن وأنا أحلم وأصفح، والله ما رأيت أبا عباد مقبلا إلا أضحكني قول دعبل فيه: (أولى الأمور بضيعة...) " (134)، طبعاً هذا الكلام بعد أن عفا المأمون عن عمه إبراهيم، وسنأتي على سخرية دعبل من الوزير أبي عباد في الحلقة القادمة عند الكلام عن موقف دعبل المعارض .

وقبل إفلاس خزينة خلافته بعدة أشهر رماه دعبل بسخرية لاذعة من (كامله)، يقول فيها:

علمٌ وتحكيمٌ وشيبُ مفارق ٍ ***طلـّسنَ ريعانَ الشبابِ الرائق ِ

وإمارة ٌ في دولةٍ ميمونةٍ ** *كانتْ على اللذات اشغب عائق ِ

فالآنَ لا اغدو ولستُ برائح ٍ***في كبر معشوق ٍ وذلـّة عاشق

نعرَ ابن شكلة بالعراق واهلهِ *** فهفــا إليــه كلّ اطلس مائق ِ

إن كانَ إبراهيم مضطلعاً بها**** فلتصلحنْ منْ بعدهِ لمخارق ِ

ولتصلحنْ من بعد ذاك لزلزل ٍ*** ولتصلحنْ منْ بعدهِ للمـارق ِ

أنـّى يكونُ وليس ذاك بكائن ٍ***يرث الخلافة فاسقٌ عن فاسق ِ(135)

إذن (ابن شكلة) قام بالفتنة في العراق وبين أهل العراق، وألتفَّ حوله كل ذئب أمرد أحمق، وهنيئاً للخلافة بهذا المغني، ولتصلح من بعده للمغنيين المطربين أمثال مخارق وزلزل والمارق كما يذكرهم خليل مردم في (جمهرة مغنيه) (136)، وأخيراً يختم شعره بالحقيقة المرة متسائلاً، ويجيب جازماً، لايمكن للخلافة أن يرثها الفاسقون، وعن هذه القصيدة الثانية يروي الأصفهاني عن عبد الله بن طاهر بن الحسين كيف دسّها دعبل إلى مأمونه قائلاً: " وأما الثانية فإن المأمون لم يزل يطلبه وهو طائر على وجهه حتى دس إليه قوله: (علم وتحكيم وشيب مفارق ...)، فلما قرأها المأمون ضحك وقال: قد صفحت عن كل ما هجانا به، إذ قرن إبراهيم بمخارق في الخلافة وولاه عهده، وكتب إلى (أبي) أن يكاتبه بالأمان ويحمل إليه مالاً، وإن شاء أن يقيم عنده أو يصير إلى حيث شاء فليفعل، فكتب إلي (أبي) بذلك وكان واثقا به فصار إليه فحمله، وخلع عليه وأجازه وأعطاه المال وأشار عليه بقصد المأمون ففعل فلما دخل وسلم عليه تبسم في وجهه ثم قال أنشدني:

مدارس آيات خلت من تلاوة *** ومنزل وحي مقفر العرصات

فجزع فقال له: لك الأمان فلا تخف وقد رويتها، ولكني أحب سماعها من فيك فأنشده إياها إلى آخرها والمأمون يبكي حتى أخضل لحيته بدمعه فوالله ما شعرنا به إلا وقد شاعت له أبيات يهجو بها المأمون بعد إحسانه إليه وأنسه به حتى كان أول داخل وآخر خارج من عنده ..." . (137)

نعم هجا المأمون وقد أحسن إليه، بل هجا أباه الرشيد أيضاً، وهو أول من كرمه نكاية بابنه أواخر سنة (203 هـ)، بعد أن تأكد من أنّ المأمون سمّ الإمام الرضا (ع)، عندما بلغ الشاعر من العمر خمس وخمسين سنة، فأتخذ الموقف المعارض، وشرع بأول قصيدة هجاء لرأس الخلافة، وهذا دليل ساطع على أن الأمر ليس بشخصي ومصلحي، وإنما عام، ومصلحة الأمة قبل مصلحة الأفراد، وعلى الآخرين احترام عقائد الناس ومبادئهم اتجاه الشخصيات العامة، وهذا نهج الأمم المتحضرة في زماننا المعاصر، وإلى الحلقة القادمة لنشرع بمسيرة القصائد المعارضة، وليس بالضرورة أن يكون رأيي رأيه في كلّ الأمور، ولكنني أدافع بكل ما أستطيع لتفهم وجهة نظره في أحداث التاريخ البائد، وخصوصاً بعد أن وصلنا إلى هذا الضياع السائد ...!!

 

دعبل الموقف بين السخرية والهجاء (203 هـ - 205 هـ):

دعبل يشرع بحملة هجاء ساخر وساخط على رموز الخلافة العباسية بعد سمّ الإمام الرضا:

دعبل - على ما يبدو - انبهر كثيراًبشخصية الإمام الرضا (ع)، وذاب فيها حتى العشق الصوفي، ومن خلاله توّجه إلى الله بكل جوارحه وأحاسيسه، وأصبح حقّ آل البيت شغله الشاغل، ولمّا وردت إليه أخبار موت الإمام، وتيقـّن متأكداً، صُدم صدمة قوية كادت تهدّ أركانه، وذلك سنة (203 هـ)، إذ وافته المنية بأرض طوس في قرية يقال لها (سنا أباد)، ودفن في دار حميد بن قحطبة، في المكان الذي دفن فيه (هارون الرشيد)، وإلى جانبه مما يلي القبلة، كما جاء في (عيون أخبار الرضا) للصدوق (138)، في بادئ الأمر سكب أشجانه وبيّن لوعته في مقطوعة رثاء منها (الطويل):

ألا ما لعيني بالدموع استهلـّتِ *** ولو فقدتْ ماء الشؤون لقرّتِ

فنحن عليهِ اليومَ أجدرَ بالبكـا *** لمرزئةٍ عـزّتْ علينا وجلـّـــتِ

تجلـّت مصيبات الزمان ولا أرى *** مصيبتنا بالمصطفين تجلـّتِ (139)

وثم شاعت الشائعات، وكثر القيل والقال أنّ المأمون سمّه، بالرغم من استباق الأخيرالأمور فكان " يمشي في جنازة الرضي حاسراً في مبطنة بيضاء، وهو بين قائمتي النعش يقول: إلى من أروح بعدك يا أبا الحسن ! وأقام عند قبره ثلاثة أيّام، يؤتى في كل يوم برغيف وملح فيأكله، ثم انصرف في اليوم الرابع ..."، هذا ما رواه اليعقوبي في (تاريخه)، وكان قد ذكر من قبل هذه الفقرة قوله: " فقيل: إنّ علي بن هشام أطعمه رمانا فيه سم " (140)، أمّا الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين)، ينقل بعد سرد روايات تسميم الإمام، وجزْع المأمون على وفاته، كما ترآى للناس، قول الأخير: " و أغلظ عليّ من ذلك وأشدّ أنّ الناس يقولون: إنـّي سقيتك سمّاً،وأنا إلى الله من ذلك بريء ..." (141)، والحقيقة المأمون أراد أن يبرأ نفسه أمام الجمهور وانتفاضاتهم، وتهديداتهم لعرشه المرتبك بعد مقتل الأمين، وثورات العلويين وفي مقدمتها ثورة ابن طباطبا وأبي السرايا، ومن ثم انتفاضة العباسيين، وتنصيب عمّه ابن شكلة المختفي عن الأنظار، الزمن لايتحمل المزيد، وخصوصاً كان الإمام الرضا سيد العلويين، بل الطالبيين في عصر خليفةٍ بأمسّ الحاجة لرأب الصدع، وكان يومها دعبل لسان الشارع المعبر عن وجه الرأي فيه، قبلياً يماني النزعة، وهم المتنفذون، ومعارضاً علوي الهوى، وهم المنازعون،و أدبياً من أدباء وشعراء الطبقة الأولى، وهم الذين يرفعون، وشعبياً يتلاقف شعره الرفيع الممنوع عموم الناس، وهم الذين ينشرون ...!!

 

1 - واستنقذوك من الحضيض الأوهدِ:

لذلك ارتأى المأمون شراء ذمّته على ما يبدو، لاسيما دعبل أخذ عنه الحديث، والخليفة نفسه يميل إلى شعره، ويفضله على الآخرين، وخزاعة هي التي انتزعتْ الخلافة له من الأمين نزعاً، وقتلا ً على حدّ سيف طاهر بن الحسين، وإذا لم يكن بالإمكان شراء اللسان، فليكفـّه عنه وعن الخلافة في الزمن الصعب، فما كان من الشاعر إلا أن يفاجئه بقوله الشهير (الكامل):

أيسومني المأمون خطة َجاهل ٍ***أو ما رأى بالأمس رأسَ محمدِ

توفي على هام الخلائفِ مثلما***توفي الجبال على رؤوس القرددِ

إنَّ التراتِ مســـــهَّدٌ طلاّبُـــها **** فاكفف لعابك عـن لعاب الأسودِ

لا تحسبنْ جهلي كحلم أبي فما *** *حلـمُ المشايخ مثل جهل الأمردِ

إنـّي من القوم الذين سيوفهمْ ***** قتلتْ أخــــــــاك وشرًفتك بمقعدِ

شادوا بذكركَ بعد طول خمولهِ *** وتنقذوك من الحضيض الأوهدِ (142)

يستهزأ متوعّداً المأمون - وما أدراك مَن المأمون ؟ سيأتيك بالأخبارمن لم تزوّدِ ! - ويذكّره مهدّداً بقطع رأس أخيه محمد الأمين المخلوع، وستنزل السيوف على الهامات، كما تنهال الجبال على الأرض المرتفعة الغلظة (القردد)، فطلاب الثارات (الترات) طريقهم ممهد، فكفف لعابك المسموم كلعاب (الأسود) الحية العظيمة، كأنّما يلفت نظره لسم الرضا، أمّا بقية الأبيات بما فيها من سخرية وفخر وتوعّد بالتهديد والاستعلاء فواضحة، ولكن على مَن صبَّ رهبتها ؟!، على المأمون، وهو من أعظم الخلفاء العباسيين، إن لم يكن أعظمهم إطلاقاً، بل أعظم الخلفاء الإسلاميين بعد صدر الرسالة، وملوك الإنسانية قاطبة، ولو أن شهرة أبيه الهارون سبقته، يقول السيوطي عنه في (تاريخ الخلفاء): " كان أفضل رجال بني العباس حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأياً ودهاءً وهيبة وشجاعة وسؤودداً وسماحة، وله محاسن وسيرة طويلة ..." (143)، وربّما تتساءل، إذن لماذا الهجاء المقذع الساخر ؟ أقول: إنّه الموقف الجريء الصادق مع النفس ومبادئها العقائدية، فلو ركـّزنا على كلمة (الحضيض الأوهد) التي تـُكثـّف الصراع المرير بين الأخوين والعقد النفسية المكبوتة في لا وعي (الأمين) والمجتمع، ومن المجتمع دعبل، أمّا المأمون فلم يكن كما تخيّل شاعرنا، وربّما (الأمين) توهّم أو أوُهِم أن أخاه المأمون الأكبر منه بستة أشهر - من أم ولد (مراجل) التي توفيت في نفاسها - دونه عند أبيه والدولة، لأنه ابن (زبيدة) الهاشمية الحرّة، وإنما كان المأمون الرجل الحاد الذكاء، السياسي المحنك، الحليم، الشجاع، معزّزاً مكرماً محبوباً أثيراً عند أبيه الرشيد، وإلاّ لما كان المأمون مأمونا !!، ومع ذلك كلـّه، وإن تجاوز الخليفة الأخير المتعقل الرشيد ابن (الرشيد) أمر تمايز العقل الجمعي لمصلحة أخيه المقتول المخلوع، وتفهمه، بقى يمسح آثاره دون إثارة، ومن هذا المنطلق ردّعلى دعبل بلسان المتواضع الرفيع: " قبّح الله دعبلاً ما أوقحه، كيف يقول عليّ هذا، وقد ولدت في الخلافة، ورضعت ثديها، وربيت في مهدها ..." (144)، ولم يكتفِ الرجل الكبير بهذا الرد، ففي عام 204 هـ " لمّا دخل المأمون بغداد أحضر دعبلاً بعد أن أعطاه الأمان، وكان قد هجاه وهجا أباه، فقال يا دعبل: من الحضيض الأوهد، فقال: يا أمير المؤمنين، قد عفوت عمن هو أشدّ جرماً مني " (145)، هذا ما رواه الحصري القيرواني في (زهر آدابه)، ولكن متى هجا دعبل أباه الرشيد، والرشيد قد أحسن لدعبل في مطلع حياته، وكرّمه وقرّبه وقدّمه ؟! هجاه بعد الموقفين الموالي للعلويين، والمعارض للعباسيين نكاية بالمأمون الذي سمّ الإمام من قبل (أمّة السوء)، ويعني مجموعة الحاكمين السيئة حسب اجتهاده .

 

2 - قصيدة (ياأمّة السوء):

والحقيقة قد هجاه في قصيدة من روائع نظمه، نظمها قبل قصيدته الدالية السابقة بعدة أشهر - على أغلب الظن - أي قبل مجيء المأمون إلى العراق (204 هـ)، وبعد أنْ تيقـّن من سم الإمام، ولتبرير الظن الأغلب، ننقل رواية عن أحد رجالات مذهبه، وهم الأدرى بمساربه إذ: " روى الشيخ الصدوق في أماليه بإسناده عن دعبل الخزاعي أنه قال: جاءني خبر موت الرضا وأنا مقيم بـ (قم)، فقلت القصيدة الرائية التي طلب المأمون الاستماع إليها ..." (146)، ويروي الشاعر نفسه: إنـّه بعد أنْ أنشدها أمام الخليفة " ضرب المأمون عمامته الأرض، وقال صدقت والله يا دعبل " (147)، وسنأتي على إعجاب الخليفة (المأمون) بقصائد الشاعر المأمون ..!!

المهم دُفن الإمام إلى جنب الرشيد في طوس، وقد جاء ذكره بشكل قاس ٍنكاية بالمأمون، كما أسلفنا من قبل، وأوسم خريدة سخطه (يا أمّة السوء) " التي لا يمكن تصنيفها في غرض واحد من أغراض الشعر المتداولة رثاء، مدح، هجاء، لأنها شعر مختلف يمثل تجربة مختلفة قوامها الولاء لآل البيت بوصفهم مثالة المرء المؤمن إلى الطمأنينه في هذه الحياة ..." (148) . وإليك المطلع بنسيبه العجائزي (البسيط)!:

تـأسفتْ جارتي لما رات زوري **** وعـدَّتِ الـحلمَ ذنـباً غير مغتفر ِ!

تـرجو الصبا بعدما شابتْ ذوائبها ***وقـد جـرت طلقا في حلبة الكبر ِ

أجـارتي ! أنَّ شيبَ الرأس نفـّلني** ذكـرَ الغواني وارضاني من القدر ِ

لـو كـنتُ اركـنُ للدنيا وزينتها *** إذن بكيت على الماضين من نفري

أخنى الزمانُ على أهلي فصدّعهمْ***تصدعَ الشعبِ لاقى صدمة َ الحجر ِ

بـعضٌ اقـامَ وبعضٌ قد أهابَ بهِ **** داعـي المنيةِ والباقي علــى الأثر ِ

أمّـا الـمقيمُ فـأخشى أنْ يـفارقني **** ولـستُ أوبـة مـــــن ولـّى بمنتظر ِ

أصبحتُ أخبرُعنْ أهلي وعنْ ولدي **** كـحالم ٍ قـصَّ رؤيـا بـــعدَ مـدّكر ِ

دعبل قد مهّد لقصيدته بنسيبٍ عجائزي،ثم تنصل منه ليتذكر ويذكـّر بالنفر الماضين من أهله الذين أخنى الزمان عليهم، وصدّعهم، ويدور شاعرنا الكبير بمقوده من بعد تململه من أهله الأقربين لآل بيته العقائديين كربان ماهر عليم بالشعر العربي وأسراره، ومن العجيب يعذر الدعبل بني أمية من أفعالهم وجرائمهم في واقعة الطف، لا حبّاً بهم وتقرّباً إليهم في زمن لا قريب لهم، ولا ذكر، وإنّما كراهية وبغضاً لما فعل بنو العباس، وأخيراً يفجّر شاعرنا مفارقة ذكية بارعة، ربما أجبرته المقاربة عليها، وألهمه الشعر بها للمقارنة بين لحدين لخير الناس كلـّهم، ولحد شرّهم هذا من العبر ِ !! وهذه وجهة نظره العقائدية، وما علينا إلاّ احترامها:

لـولا تـشاغل نفسي بالأ ُلى سلفوا **** مـن اهـل بـيت رسول الله لم أقر ِ

وفـي مـواليك لـلمحزون مـشغلة ٌ***** مـن أنْ تـبيتَ لـمفقودٍ عـلــى أثر ِ

يـا أمة السوءِ ما جازيتِ أحمد عنْ *** حـسن ِالـبلاءعلى التنزيل والسور ِ

خـلفتموهُ عـلى الأبناء حينَ مضى ***** خـلافــة الـذئب فـي ابقار ذي بقر

ولـيس حـيّ ٌ مـن الأحـياءِ نعلمــهُ ***** مـن ذي يمان ٍومن بكر ٍومن مضر ِ

إلاّ وهــمْ شـركاءٌ فــــــي دمـائهمُ ****** كـما تـشـــــاركَ ايســـارٌ على جزر ِ

أرى امـيـة َمـعذورين إنْ قـتـــلوا ****** ولا ارى لـبني الـعبـاس مــــنْ عذر ِ

قـبرانَ في طوس: خيرُ الخلق ِكلهمُ ****** وقـبرُ شـرّهمُ هـــــــذا مـن الـعبر ِ

ما ينفعُ الرجسَ من قرب الزكيِّ ولا***** على الزكيِّ بقرب الرجس ِمن ضرر ِ

هـيهاتُ كلّ ُ امرىءٍ رهنٌ بما كسبتْ ****** لـــهُ يـداهُ فـخذ مــــــا شئتْ او فذر ِ(149)

المأمون ودعبل وإعجاب الأول بشعر الثاني:

المأمون أخذ يردّد شعر دعبل في خلواته ومجالسه معجباً به، مشيداً بقائله، تنقل لنا كتب (الأغاني) و (تاريخ دمشق) و(معاهد التنصيص) .. روايات متقاربة قائلة: دخل عبد الله بن طاهر على المأمون فقال له المأمون: أيّ شيء تحفظ يا عبد الله لدعبل ؟! فقال: أحفظ أبياتا له في أهل بيت أمير المؤمنين، قال: هاتها ويحك، فأنشده عبد الله قول دعبل (البسيط):

سـقياً ورعيـاً لأيّام الصباباتِ *** أيـّــــامَ أرفـلُ فـي أثـوابُ لذاتي

ايام غصـني رطيبٌ من لدونتهِ*** أصبو إلى خـير جاراتِ وكنـّات

دعْ عنكَ ذكرَ زمان ٍفاتَ مطلبهُ**واقذفْ برجلكَ عن متن ِالجهالاتِ

واقصدْ بـكلِّ مـديح ٍانتَ قائلهُ *** نحو الهداة ِبني بـيــتِ الـكراماتِ

وهي قصيدة أورد منها ابن عساكر في (تاريخ دمشق) هذه الأبيات الأربعة وترك الباقي ثم قال: " ولما تليت هذه القصيدة عند المأمون قال: لله دره ما أغوصه وأنصفه وأوصفه "، وفي (الأغاني) " فقال المأمون: انه قد وجد والله مقالاً ونال ببعيد ذكرهم ما لا يناله في وصف غيرهم، ثم قال المأمون: لقد احسن في وصف سفر سافره فطال ذلك السفر عليه فقال فيه:

وقائلةٍ لمّا استمرتْ بها النوى **** ومحجرُها فيهِ دمٌ ودموعُ

ألمْ يأنْ للسفر ِالذين تحمّلوا *****إلى وطن ٍقبلَ المماتِ رجوعُ

فقلتُ - ولمْ إملكْ سوابقً عبرةٍ** نطقنَ بما ضمتْ عليهِ ضلوعُ

تبيَّنْ فكمْ دار ٍتفـرَقَ شملـُها **** وشمل ٍشتيتٍ عادَ وهو جميعُ

كذاكَ الليالي صرفهنَّ كما ترى**** لكـــــلِّ أناس ٍ جدبة ٌوربيعُ (150)

وفي (معاهد التنصيص): " ثم قال المأمون: ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني وهجيرى ومسليتي حتى أعود " (151)

وكان المأمون ينشد التائية، ويروي الرائية، ويسأل عن دعبل، وشعره الرائع ...لذلك رفض طلب أبي سعد المخزومي أن يأتيه برأس دعبل، مما يدلّ على أنّ المأمون كان يتسع حلمه للرأي الآخر، بل المعادي الساخر، وتأبى حنكته السياسية أنْ تثير اليمانيين والعلويين والمعارضين، إقرأ ما يروي صاحب (الأغاني) بسند عن خصم دعبل اللدود أبي سعد المخزومي:" حدثني أبو سعد المخزومي واسمه عيسى بن خالد بن الوليد قال: أنشدت المأمون قصيدتي الدالية التي رددت فيها على دعبل قوله:

ويسومني المأمون خطةَ عاجز *** أوَ ما رأى بالأمس رأس محمد

وأول قصيدتي:

أخذ المشيبُ من الشباب الأغيد *** والنائبات من الأنام بمرصَد

ثم قلت له: يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أجيئك برأسه قال لا هذا رجل فخر علينا فافخر عليه كما فخر علينا فأما قتله بلا حجة فلا " (152)

تكلمنا عن مقابلة دعبل للمأمون سابقاً، إذ أنشده القصيدة الرائية، وها قد انهينا من رأي الخليفة بشعره وبشخصيته، ولا نكتفي والموضوع متسلسل، والآن قبل أن ننتقل الى فترة أخرى من حياته، من الجدير أن ننوه أنَّ دعبلاً أخذ يتماهى كثيراً بالتائية، ويفتخر بها حتى كاد أن ينسب نفسه إليها، بل وإلى رموزها، يرويابن العديم في (بغية طلبه...)، و الخطيب في (تاريخ بغداد) بسند عن " إسحاق بن محمد بن ابان قال: كنت قاعدا مع دعبل بن علي بالبصرة، وعلى رأسه غلام يقال له نفنف، فمر به أعرابي يرفل في ثياب خز، فقال لغلامه: ادع هذا الأعرابي إلينا، فأومأ الغلام إليه فجاء، فقال له دعبل: ممن الرجل؟ قال: رجل من بني كلاب، قال: من أي بني كلاب؟ قال: من ولد أبي بكر، قال: أتعرف الذي يقول:

ونبئت كلباً من كلابٍ تسبني *** ومحض كلابٍ يقطع الصلواتِ

فإن أنا لم أعلم كلاباً بأنـّـها *** كلابٌ وأنـّي باسلُ النقمــــــاتِ

فكان إذا من قيس عيلان والدي** وكانت إذا أمي من الحبطاتِ

يعني بني تميم هم أعدى الناس لليمن، قال أبو يعقوب: وهذا الشعر لدعبل في بني عمرو بن عاصم الكلابي، فقال له الأعرابي: ممن أنت؟ فكره أن يقول له من خزاعة فيهجوه، فقال: أنا   أنتمي إلى القوم الذين يقول فيهم الشاعر::

أناس عليّ الخير منهم وجعفر *** وحمزة والسجاد ذو الثفنات

إذا افتخروا يوماً أتــوا بمحمدٍ *** وجبريل والقرآن والسـوراتِ

وهذا الشعر أيضا له قال: فوثب الأعرابي وهو يقول: محمد وجبريل والقرآن والسورات ما إلى هؤلاء مرتقى، ما الى هؤلاء مرتقى " (153)

هذا هو دعبل بين مديحه الراقي للأولياء، وهجائه القاسي للخلفاء، ونحن لا نريد أن نمسّ بعظمة هؤلاء الخلفاء تاريخياً، ولكن يجب احترام الوجه الآخر للأراء، ومواقف الشعراء ...وللفكر الخلود والبقاء، فلو تعوّدنا سابقاً، لِما ضعنا لاحقاً .

 

كريم مرزة الأسدي

.........................

(117) (تاريخ الطبري): ج8 ص 528 م . س . وراجع (تاريخ اليعقوبي): ج 2 ص 444 - 450 م . س .،

(118) ج 8 ص 531 م . ن .

(119) الديوان: الأعلمي ص 112 - 113 م . س .

(120) الطبري: ج8 ص 537 م. ص .

(121) (مسيرة الأئمة الاثني عشر): هاشم الحسني ج2 ص 375 م . س .

(122) (الجليس الصالح والأنيس الناصح): المعافى بن زكريا - 1 / 231 - الوراق - موقع الموسوعة الشاملة .

(123) (الغدير في الكتاب والسنة والأدب): الشيخ عبد الحسين الأميني ج2 ص 366 - 367 - الشاعر دعبل الخزاعي.

(124) (الأغاني): ج 20 ص 173 - م. س .

(125) (معاهد التنصيص على شواهد التخليص): العباسي - ص 265 - الوراق - موقع الموسوعة الشاملة،

(126) (الأغاني): الأصفهاني ج 20 ص 132 م . س .

(127) (الغدير): م 2: ص 358 م . س .

(128) (معاهد التنصيص على شواهد التلخيص): العباسي - 1 / 198 - الوراق - موقع الموسوعة الشاملة . (الغدير): ج 2 ص 351 وما بعدها م . س .

(129) راجع (الغدير): م 2 ص 351 - 367 م . س . نقلاً عن أبي إسحاق القيرواني الحصري المتوفى سنة 413 في (زهر الآداب) 1 ص 86، الحافظ ابن عساكر في تاريخه 5 ص 234،     وكذلك راجع الأغاني 18 ص 58، وزهر الآداب 1 ص 86، ومعاهد التنصيص 1 ص 205، والإتحاف 165 .

(130): (الغدير): م . ن. نقلاً عن (معجم الأدباء): ج 4 ص 6 19، و (ثمار القلوب): الثعالبي: ص 233 بيتين، و (الوافي ىبالوفيات): صلاح الدين الصفدي المتوفى 764 هـ، ج1

ص 156، (الإتحاف): ص 161: نقل الطبري في كتابه عن أبي الصلت الهروي.

(131) (دراسات في التراث الأدبي): د . عبد المجيد زراقط - مادة دعبل - - دار الغدير - 1998 م - بيروت، وراجع العنوان نفسه موقع:

www.Islamicfeqh.com

(132) (البداية والنهاية): ابن كثير - الجزء العاشر - مادة دعبل .

www.al-eman.com /Islamlih

. العباسي - 1 / 198 - الوراق - موقع الموسوعة الشاملة:((133) (معاهد التنصيص على

(134) (الأغاني): ج20 ص 133 م . س .

(135) (ديوان دعبل): الدجيلي ص 244 - 245- م . س .

(136) (الديوان): نقلاً عن (جمهرة المغنين): خليل مردم - ص 140 - 144 م . س .

(137) (الأغاني): ج 20 ص 194 - 195 م . س .

(138) (سيرة الإمام الأثني عشر): هاشم الحسني القسم 2 ج 423 - منشورات الشريف الرضي -ط 3 - قم .، يذكر اليعقوبي في (تاريخه) أنّ القرية يقال لها (الوقان)، أول سنة 203 - ج 2 ص 453 - م م. س .

(139) (الديوان): الدجيلي ص 149 م . س .

(140)(تاريخ اليعقوبي):ج 2 ص 453 - منشورات الشريف الرضي - ط1 - 1414هـ - قم .

(141): (مقاتل الطالبيين): الأصفهاني ص 460 - ط 3 - 1980م - الأعلمي - بيروت .

(142) (الديوان): الدجيلي ص 175 - 176 - م . س .

(143) (تاريخ الخلفاء): عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - ج 1 ص 268 - ط 1 - 1952 م - مطبعة السعادة - مصر .

(144) (مرآة الجنان وعبرة اليقظان ): عبد الله بن أسعد اليافعي 1 / 270 - الوراق - موقع الموسوعة الشاملة .

(145) (زهر الآداب وثمر الألباب): الحصري القيرواني - 1 / 138 - الوراق - موقع الموسوعة الشاملة .

(146) (مجلة النبأ - العدد - 62): مقال: من أعلام الشيعة: دعبل الخزاعي - بقلم فائق محمد حسين، (الغدير): الأميني - م 2 - ص 375- 376 م . س .

(147) المصدران نفسهما .

(148) (دراسات في التراث العربي): الدكتور عبد المجيد زراقط - دعبل الخزاعي -

(149) (الديوان): الدجيلي ص 195 - 198 - م . س .

(150) راجع: (الديوان): الدجيلي - 266 - 267 م . س .، (الغدير): الأميني - م 2 - 37(ادب الطف): السيد جواد الشبر- الجزء الاول - 301 ـ 315، (أعيان الشيعة): السيد محسن الأمين - ج 6 - الصفحة 419 - مكتبة الشيعة - نقلا عن (الأغاني) و (تاريخ دمشق).

(151) (معاهد التنصيص على شواهد التلخيص): العباسي 1 / 198 - 199 - الوراق - موقع الموسوعة الشاملة .

(152) (الأغاني): الأصفهاني م 38 - موقع الكتاب الإسلامي . وراجع: (معاهد التنصيص): العباسي - 1 / 200 - الوراق - موقع الموسوعة الشاملة .

(153) (بغية الطلب في تاريخ حلب): عمر بن أحمد العقيلي، كمال الدين ابن العديم - ت د. سهيل زكار - ج 7 ص 3499 - 3500 - دار الفكر . وراجع (تاريخ بغداد): الخطيب البغدادي - 4 / 40 - الوراق - موقع الموسوعة الشاملة

 

 

ابن زيدون بين ابن عبدوس والولّادة .. الخاطفُ والمخطوف!! (5)

karem merzaمهما يكن من أمر القطيعة الولّادية الموجعة لابن زيدون العاشق المولع المستهام، سيّان بسبب استماعه لغناء الجارية عتبة الولّادة، وتلذّذ واستمتع به وبها، فهدهدت إليه ولّادته ما ذكرنا من أبيات، ونعيدها للإمتاع ولمؤانسة:

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا *** لم تهو جاريتي ولم تتخيّر

وتركت غصناً مثمراً بجمالـــــه *** وجنحتَ للغصن الذي لم يثمر

ولقد علمت بأنّني بدر السمـــا **** لكن دهيت لشقوتي بالمشتري

أم بسبب الدسائس والمؤامرات والأحقاد والتنافس غير الشريف من قبل أبي عبد الله بن القلاس الذي انسحب من المنافسة أخيراً بعد عدّة قصائد من الهجاء الموجع والسخر المقذع، وأبي عامر بن عبدوس الذي واصل المسيرة مع أعوانه وشلته حتى الإيقاع بصاحبنا، ورفيق مسيرتنا، وستأتيك الأخبار ما لم تزوّد، فحاول هذا العاشق الولهان أن يصحح ما وقع فيه لحظة غرور ونشوةٍ، أو كبوة جواد بعثرةٍ، ولكن لم يفلح، لا بتوسلاته إليها، ولا باعتذراته منها، إذ لم تستمع لأنّاته، ولم تستجب لنداءاته، والله غالب على أمره وأمرها !!!

ونجح هذا العبدوس وشلّته من الحفر الغادر لابن زيدون العاثر حتى أبعدوه عن البلاط وولّادته، بل قدّموه للمحاكمة فالسجن. والسجن وما أدراك ما السجن؟!!، وحبيب القلب مخطوف وملعوبُ، سكب الرجل كل وجدانه وأحلامه، وأحزانه وأشجانه في قصائد خالدة، وولّادته خامدة جامدة، لا تهش ولا تنش، تركته لحاله وباله، بل زادته الصاع صاعين !! اقرأ معي وتأمل في هذه القصيدة الخالدة التي نظمها في مغاني مدينة (الزهراء) الأندلسية، كيف مزج الرجل بين الطبيعة الخلّابه، وحبيته الجذّابة، الجمال هو الجمال، وحدة عضوية واحدة، غير قابل للتجزئة في إحساس الشاعر العبقري لحبيبته بوجدانه، وتخيّله لوجودها بجنانه، ما أروع ابن الرومي عبقرينا الخالد، وأحسبه أول من وحّد بين جمال الطبيعة وجمال المرأة، كما تراه يصف رياض بغداد:

تبرّجتْ بعد حياء وخفرْ *** تبرّج الأنثى تصدتْ للذكرْ

وقد كررت هذا المعنى من قبل، وأنا أتمتع بظاهرة التعويض أو التكرار، للرؤى التي أحسبها رائعة خافية، ومن الضرورة بمكان إبرازها، نعم ربما يتخيل الفنان العبقري الملهم وجه الطبيعة، وسحر حلالها، وجه حبيبته، ودلع دلالها، فتتجسد أمامه وتتجسم، فيتلاقفها بسمعه ونظره ولمسه وشمّه، بل حتى بذوقه، وزد وجدان نفسه، فيتمازج الخيال بالواقع بلوحةٍ ولا أروع، وجمالٍ ولا أبدع!! بعدنا نتجول مع الفنان الملهم ابن الرومي:

تلاعبها أيد الرياح إذا جـــرت *** تســـمو وتحنو تارة فتنكس

إذا ما أعارتها الصبا حركاتها ** أفادت بها أنس الحياة فتونسُ

ويكرر المعنى معوضاً - وقد علّمني كما علّمه الله !! - كأنّه يجرّنا من أذرعنا، ويقول اقرأوا بربّكم ما قرضت عقداً:

ورياض تخايل الأرض فيها ... خيلاء الفتاة في الأبراد

ويزيدنا بيتين من قصيدة رثاء خالدة، قالها في حق عمر بن يحيى الطالبي (استشهد 250هـ)، وكان عمر شاهدنا ابن الرومي 29 سنة هجرية::

بنفسي وإن فات الفداءُ بك الردى *** محاسنك اللائي تمجُّ فتُنهجُ

لمن تستجد ُّ الأرضُ بعدك زينةً ***فتصبحُ في أثــــــوابها تتبرجُ

نتوسم مما قال أن الطالبي الشهيد، كان حسناً وسيماً، فجعل الأرض المتبرجة له عروساً

لماذا إذن لا أتعاطف مع ابن زيدون العاشق الخالد ؟!! وهو يصف الطبيعة الزهراوية، ويتخيل إلى جنبه ولّادته الملائكية، في لحظات اشتياقٍ بكائية، ما أقسى الزمان على شاعرً ملهمٍ، مرهف الحسِّ والإحساس يسيح جوالاً بين مغانٍ غنّاء زهراء، وقد خطفت حبيبته الحسناء !!:

إنّي ذكرْتُكِ، بالزّهراء، مشتاقا،*** والأفقُ طلقٌ ومرْأى الأرض قد راقَا

وَللنّسيمِ اعْتِلالٌ، في أصائِلِـــــهِ ***** كأنهُ رَقّ لي، فاعْتَلّ إشْـــــــــفَاقَا

والرّوضُ، عن مائِه الفضّيّ، مبتسمٌ، ***كما شقَقتَ، عنِ اللَّبّاتِ، أطواقَا

يَوْمٌ، كأيّامِ لَذّاتٍ لَنَا انصرَمــــــتْ،***** بتْنَا لها، حينَ نامَ الدّهرُ، سرّاقَا

نلهُو بما يستميلُ العينَ من زهــــــرٍ*** جالَ النّدَى فيهِ، حتى مالَ أعناقَا

كَأنّ أعْيُنَهُ، إذْ عايَنَـــــــتْ أرَقى،***** بَكَتْ لِما بي، فجالَ الدّمعُ رَقَرَاقَا

وردٌ تألّقَ، في ضاحي منابتِهِ،** فازْدادَ منهُ الضّحى، في العينِ، إشراقَا

سرى ينافحُــهُ نيلوفرٌ عبـــــقٌ، ****** وَسْنَــانُ نَبّهَ مِنْهُ الصّبْحُ أحْدَاقَا

كلٌّ يهيجُ لنَا ذكرَى تشوّقِنَــــــــا *****إليكِ، لم يعدُ عنها الصّدرُ أن ضاقَا

لا سكّنَ اللهُ قلباً عقّ ذكرَكُـــــــــمُ ***** فلم يطرْ، بجنـاحِ الشّـوقِ، خفّاقَا

لوْ شاء حَملي نَسيمُ الصّبحِ حينَ سرَى **** وافاكُمُ بفتى ً أضناهُ ما لاقَى

لوْ كَانَ وَفّى المُنى، في جَمعِنَا بكــــــمُ،***** لكانَ منْ أكرمِ الأيّامِ أخلاقَا

يا علقيَ الأخطرَ،الأسنى،الحبيبَ إلى** نَفسي،إذا ما اقتنَى الأحبابُ أعلاقَا

كان التَّجاري بمَحض الوُدّ، مذ زمَن،***** ميدانَ أنسٍ، جريْنَا فيهِ أطلاقَا

فالآنَ، أحمـــــدَ ما كنّا لعهدِكُــــــمُ، ******* سلوْتُمُ، وبقينَـا نحـــنُ عشّاقَا‍

الألم النفسي أعمق وأحزّ على القلب والمشاعر والوجدان من الألم الجسدي والمادي، نعم:

كَأنّ أعْيُنَهُ، إذْ عايَنَـــــــتْ أرَقى،***** بَكَتْ لِما بي، فجالَ الدّمعُ رَقَرَاقَا

لم يكتفِ الحاسدون له، والحاقدون عليه، والمتضايقون منه بهذا الفراق الأليم، والطلاق الأثيم، بل سعوا بسعايات للسلطان كي يقبعه بين الجدران، وقبع مسجوناً،واستطاع الشاعر الفذ المكلوم أن يهرب من سجنه المشؤوم، وعفا عنه الخليفة المعلوم، فحاول أن يعيد الماضي وأيامه،وحبيبته وأحلامه،ولكن أنّى له ذلك، وما لا يكون، لا يكون،يقول المعري:

أمس الذي مرّ على قربهِ *** يعجز أهل الأرض عن ردّهِ

كل إنسان يحنّ العودة إلى الماضي، أو يتمنى رجوعه، كي يحقق ما فاتته من فرص لذيذة، والدنيا عسيرة، وما هي بيسيرة، حقيقتها ألم دائم، ولذاتها خداع خاطف زائل للترضية والتمويه !!!!

مهما يكن من أمر، حاول ابن زيدون جاهداً أن يستعيد حبّه الفائت، وعشيقه الخافت، ويُرجع بعض من يقول: إن سبب الخلاف القاتل،هو نقد قاله ابن زيدوننا الفاشل في بيت قالته ولّادته، وهو:

سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً **** بكل سكوب هاطل الوبل مغدق كلّ ما قاله شاعرنا لشاعرته: إن البيت أشبه بالدعاء على المحبوب من الدعاء له. بمعنى أنها رمت محبوبها بالبخل والشح والقحط، لذا طلبت من الله أن يسقي أرضه بكل سكوب هاطل، وما هي جزما أرادت ذلك، وإنما قالت: إن وجهك وجه الخير والعطاء والكرم، لذلك يرزقك الله على عملك الخير، فأنت سابق الخيرات .

لا أرى هذا النقد يحتاج لهذه القطيعة المؤلمة المريرة، وإن كانت الولادة تضخم شاعريتها، وتجلّ شخصيتها إجلالاً بتواضعٍ تام، وتعظّم نفسها دون تعالٍ أي إعظام، على أغلب ظني - وربما لم يسبقني أحد إلى هذا الظن - قد مسكته بالجرم المشهود مع عتبتها المعبود !!وإلا لما وصل المآل إلى هذا الحال،، ولم تجد قريناً لها من بعد، ولا ابن الحلال، والله الأعلم بالخفايا والسرائر والأحوال !!

نعم تطورت الأمور بينهما بشكل ملفت،ما كان لابن زيدون أن يلعبها مع لاعبة ماهرة، والحق لعبتهما أثرت الأدب العربي بتراث خالد، يا ليت كل اللاعبين كذاكا، طبعاً هذا شطر بيت ارتجلته الآن، وإلا لا يحق لي أن أقول (كذاكا)، بإشباع حركة الفتحة !!

مهما يكن - يا قارئي الكريم - قلت لك ستأتيك الأخبار، ومن الأخبار لمّا استطاع الوزير ابن عبدوس أن ينال من غريمه الزيدون، ويسرق قلب حبيبته الغالية وولّادته، ولم تستمع الأخيرة لأي نداء من حبيبها الأول، ولم تقبل أي اعتذار منه - كما ذكرنا -، فأرسل العاشق الثاني - ابن عبدوس - إليها رسالة، يذكّرها فيها بعلو شأنه، وسمو مقامه، وذائع ذكره، مما حزّ في قلب ابن زيدون، فبعث إليها بـ (رسالة هزلية) جداً، يهزل فيها من العبدوس غريمه، وكتبها بلسان ولّادة نفسها، والولادة ما كانت تدري بما حاكه عشيقها السابق زيدون الظريف، فصبّت غضبها عليه، وسمحتْ به، فلا شفاعة له عندها، وإن وقع بالمصائب حتى أخمصيه، فوجدها العشيق اللاحق العبدوس الخيف فرصة، فألّب الأمير الحاكم عليه، ليزجّه بالسجن،اشتهرت هذه القصة برسالتها الهزلية فيما بعد،وبقت خالدة في التاريخ الأدبي،لأنها تبين بجلاء واضح مدى ثقافة ابن زيدون، ولما فيها من سخر لاذع، وشعر ذائع، ومشاعر متباينة من الحب العنيف الجارف لولّدته، والحقد والبغض لغريمه العبدوس، وقد شرحها ( جمال الدين بن نباتة المصري) في كتابه: (سرح العيون )، كما شرحها (محمد بن البنا المصري) في كتابه: (العيون)، يمكنك الرجوع إليها، ونحن نشير إلى مقاطع موجزة منها:

" أما بعد،أيها المصاب بعقله، المورط بجهله،البيّن سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الاعمى عن شمس نهاره،الساقط سقوط الذباب على الشراب،المتهافت تهافت الفراش في الشهاب،فان العجب اكبر،ومعرفة المرء نفسه اصوب، وانك راسلتني مستهديا، من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك، متصديا من خلّتي ما قُرعت دونه أنوف أشكالك، مرسلاً خليلتك مرتادة، مستعملاً عشيقتك قوادة، كاذبا نفسك أنك ستنزل عنها إلي، وتخلف بعدها علي، ولست باول ذي همة دعته لما ليس بالنائل ولا شك انها قلتك اذ لم تضن بك، وملتك اذ لم تغر عليك، فانها اعذرت في السفارة لك، وما قصرت في النيابة عنك،زاعمة ان المروءة لفظ انت معناه والنسانية اسم انت جسمه وهيولاه، قاطعة انك انفردت بالجمال، واستاثرت بالكمال، واستعليت في مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال،حتى خلت ان يوسف -عليه السلام - حاسنك فغضضت منه، وان امراة العزيز رأتك فسلت عنه، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنّطِفَ عثر على فضل ما ركزت، وكسرى حمل غاشيتك، وقيصر رعى ماشيتك،والسكندر قتل داراً في طاعتك، وأردشير جاهد ملوك الطوائف لخروجهم عن جماعتك، والضحاك استدعى مسالمتك، وجذيمة الابرش تمنى منادمتك، وشيرين قد نافست بوران فيك، وبلقيس غايرت الزباء عليك، وان مالك بن نويرة انما ردف لك،وعروة ابن جعفر انما رحل اليك، وكليب بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزتك، وجساساً إنما قتله بأنفتك، ومهلهلاً إنما طلب ثأره بهمتك، والسموءل إنما وفى عن عهدك، والأحنف إنما احتبى في بردك، وحاتماً إنما جاد بوفرك، ولقى الاضياف ببشرك "

يواصل الزيدون رسالته الهزلية بسرد موجز مدهش لأحداث تاريخ العرب، والإشارة إلى رجالاتهم ورموزهم بمهارة فائقة، وسخرية لاذعة من عبدوسه الوزير المتماهي بولّادته العشيقة الجديدة، نواصل فقرة ثانية .

" وأن هرمس أعطي بلينوس ما أخذ منك، وأفلاطون أورد على ارسطاطاليس ما نقل عنك، وبطليموس سوّى الأسطرلاب بتدبيرك، وصور الكرة على تقديرك، وبقراط علم العلل والمراض بلط حسك، وجالينوس (....) وأنك نهجت لأبي معشر طريق القضاء، وأظهرت جابربن حيان على سر الكيمياء، وأعطيت النظّام أصلا أدرك به الحقائق، وجعلت للكندي رسماً استخرج به الدقائق، وأن صناعة الألحان اختراعك، وتاليف الاوتار والانقار توليدك وابتداعك، وان عبدالحميد بن يحيى بارى اقلامك، وسهل بن هارون مدون كلامك، وعمرو بن بحر مستمليك، ومالك بن أنس مستفتيك، وأنك الّذي أقام البراهين، ووضع القوانين، وحد الماهية، وبين الكيفية والكمية، وناظر في الجوهر والعَرَض، وميز الصحة من المرض، وفك المعمّى، وفصل بين الأسم والمسمى، وصرف وقسم، وعدل وقوّم

وصف الاسماء والافعال، وبوب الظرف والحال، وبنى وأعرب، ونفى وتعجب،ووصل وقطع، وثنى وجمع وأظهر وأضمر، واستفهم وأخبر، وأهمل وقيد، وأرسل وأسند، وبحث ونظر، وتصفح الأديان "

لا أريد أن أكمل الرسالة الهزلية) كاملة، ولكن أوضح النقاط التالية:

1- نقلت المقاطع من موقع لم يهتم لوضع الهمزات فيمواقعها، صححت بعضها، وكتب الفاصلة بشكلها اللاتيني، وصححتها أيضاً بالفواصل العربية .

2 - الرسالة على عظمتها وبلاغتها، وجماليتها، فيها من التكلف والتصنع تقلل من قيمتها، لأن ليست عفوية، وإنما وضعت لرد اعتبار على انكساراته، واتكاساته أمام عشيقته الولّادة، وأمير دولته الجهورية، أبو الحزم بن جهور الذي أقاله من الوزارة، ونصّب ابن عبدوس المسخور منه بدلاً من الزيدون الساخر . ليرجع إليها من يشاء، وقدمت من شرحها ودوّنها سالفاً.

3 - وكتب ابن زيدون صاحب الوزارتين السابق القابع في سجنه بأمر من أمير دولته أبي الحزم بن جهور، وبتحريض من غريمه وخصمه اللدود ابن عبدوس الرِسالة الجِدية،وأرسلها مُستعطفاً أبا الوليد بن جَهور ولي العهد لعله يستشفع له عند والده أبي الحزم بن جَهور ليُطلق سراحة، وسُميت هذه الرسالة بالجِدية لتفريقها عن سابقتها، وجزما صاحبنا قد أفرط كثيراً بمدى تعلق أبي الحزم بثقافته العالية، السياسة والسلطة غير الثقافة والفن والأدب والمتعة !!، على كل حال ازدهر هذا الفن الرفيع من كتابة الرسائل في القرن الرابع الهجري، ولا ريب أنّ الرسالتين من أجود وأرفع وأرقى ما كتب بهذا الفن، وإليك مقدمتها:

" يامولايَ وسيّدي، الّذي ودادي له، ومَنْ أبقاه الله تعالى ماضِيَ حدّ العزم، واري زَند الأملِ، ثابتَ عهدِ النّعمه، أظمأتني إلى برودِ إسعافكَ، ونفضتَ بي كفَّ ِحياطَتك، وغضضتَ عني طرفَ حمايتك، بعدَ أن نظر الأعمى إلى تأميلي لكَ، وسَمِعَ الأصمُّ ثنائي عليك، وأحسّ الجماد بإستنادي إليكَ، فلا غرو: قد يغصُّ بالماءِ شاربهُ، ويقتلُ الدواء المستشفيَ به، وُيؤتى الحذرُ من مأمنه، وتكونَ منيّةُ المُتمني في أمنيتهِ والحين قد يسبقُ جَهدَ الحريصِ:

كل المصائبِ قد تمرُّ على الفتى **وتهونُ غير شماتـةِ الحُسّـاد ِ

وإنّي لأتجلدُ، وأُرِي الشامتينَ أنّي لريبِ الدَّهرِ لا أتضعضعُ، فأقول:

هل أنا إلا يد أدماها سُوارُها، وجبينٌ عضَّ به إكليلهُ، ومشرفيٌٌ ألصقهُ بالأرضِ صاقِلهُ، وسمهريٌّ عَرَضَه على النُار مثقفُه، وعبد ٌ ذهب به سيده مذهب الذي يقول:

فَقَسَا ليزدجروا ومن يك حازماً** ًفليقسُ أحيانا ً على من يرحـم ُ

هذا العتبٌ محمود ٌعواقبه، وهذهِ النّبوةُ غمرةٌ ثم تنجلي، وهذه النكبةُ سحابةُ صيف ٍ عن قريبٍ تُقشّع، ولن يريبني من سيّدي أن أبطأ سَحَابُه، أو تأخر ـ غير ضنين ـ غَناؤه، فأبطأُ الدلاءِ فيضا ً أملؤُها، وأثقل السحائبِ مشيا ً أحفلُها، وأنفع الحيا ماصادف جدبا، وألذُّ الشَّرابِ ما أصابَ غليلا، ومع اليوم غد ٌ، ولكل أجل ٍ كتاب، له الحمد على اغتِنَامِهِ ولا عتب عليه في إغفاله .

فإن يكنِ الفعلُ الذي ساءَ واحدا ** ًفأفعالهُ اللاتي سَرَرنَ ألـوف ُ "

تجد الرسالة الجدية في كتاب:" إظهار المكنون من الرسالة الجدية لابن زيدون" - تأليف مصطفى عناني، المطبعة الرحمانية بمصر - الطبعة الثالثة المنقحة - 1345 هـ / 1927 م.

يكيفنا هذا من هذا، وهذا قلمي يستميحكم العذر، لما بعد هذا من هذا ...!!!

 

كريم مرزة الأسدي

 

قصة (ظنون) لعبدالفتاح المطلبي: حقائق أم ظنون؟

goma abdulahيكتسب التعبير السردي اهمية ومكانة مرموقة، اذا اقترن بحقائق الواقع العام، ويفرز علاقته الوثيقة كلما توغل في اعماق هذا الواقع، او بالاحرى، ان يكون من حصيلة مكوناته ومخلفاته، التي تطفح على السطح المرئي والمكشوف، وتبرز واقعه الفعلي والملموس، في ادوات التعبير السردي، وبخصال الحبكة الفنية التي تحرك هذه المتفاعلات الداخلية، وتفجرها على الواقع المكشوف، في محاولة عملية التشريح العميقة لتفرز عناصره الساخنة، لا شك انها عملية شائكة ومعقدة، من ان تقع في مطبات منها الخطابية المباشرة، التي تحجب عملية الابداع والجمالية الفنية، وتفقد صفة آلية التشويق والجذب، لذا فان امكانيات الاديب القدير تتجاوز هذه المطبات، وبمهارة وجهد ابداعي يستحق الثناء، بأنه يشارك القارئ ويشد انتباهه بكل قيمة ابداعية وفنية، ليشارك في عملية تحليل النص السردي، وتفكيك الصور الرمزية، اي انها عملية الغوص في اعماق جوهر القصة، التي تحمل في اعماقها مرارة الواقع المزري والمجحف، وترجمته بأدوات فعالة، منها توظيف عناصر الرمز، لتجد مساحات واسعة من حرية التعبير، في وصف الاحداث الساخنة والملتهبة التي تقود الواقع الى الغرابة واللامعقول . ان هذا التوظيف الابداعي يشكل جوهر مهمة الاديب في عالمه السردي، في اظهار حقيقة دفة الواقع الفعلي، التي تجعل المواطن البسيط الضحية، يتلقى هذا الركام الهائل من الاثقال عليه، وهي تدل بان الواقع يسير بخطى ثابتة نحو الخراب والهاوية، بأن يخرج من دائرة المنطق والمعقول، نحو حالة الاستلاب والمسخ والرعب، انها حالات حقيقية من الواقع بمعيار الابداع الفني، وهو يرسم بدقة وبعين فاحصة   المشاهد المصورة بالسريالية . ان الاديب يمتلك قدرة محترفة في ناصية ادوات التعبير والايحاء والمغزى، في ممارسة اسلوب السردي برؤية الواقعية السحرية، التي تمزج محصلات الواقع ومكوناته بمحصلات ومكونات الخيال الفني، ويصهرهما في بوتقة واحدة من التفاعل والانسجام والتوافق، بحيث يعطي القيمة المميزة للتعبير السردي، في جذب وشد انتباه القارئ برؤية تفاعلية مشتركة، في المشاركة في تحليل احداثيات القصة، بوضوح ويسر في البلاغة اللغوية المبسطة، كما عبر عنها الكاتب الكبير (نجيب محفوظ) قائلاً (اتوخى السهولة واليسر لانه لا معنى اطلاقاً لان نحمل القارئ مسؤولية اضافية في فهم غرائب اللغة) بمعنى ان تكون العملية متبادلة، في ايصال النص القصصي الى مبغاه الاخير، او الى غايته المنشودة، وعلى هذه القاعدة، لا بد من الاشارة السريعة الى تجربة الاديب (عبدالفتاح المطلبي) الى عالمه السردي الفني ومكوناته المرسومة بتمحيص وعناية، بانه يستخدم الواقع بعناصر الرمز، في علاقة جدلية متفاعلة، بأن يكون البعد الرمزي عنصر فعال، لا يمكن الاستغناء عنه، لانه يقوم بدور البندول، او البارومتر الذي يقود الاحداث الساخنة والملتهبة، التي تأخذ بخناق الواقع، ان استخدام الرموز يعطي قيمة مضافة في اثراء مضمون القصة، وهي تتحرك على كرات ملتهبة من الواقع السياسي والاجتماعي في ظواهر البارزة على السطح، حتى يصل بهه الى ذروة الدراما بصراع الساخن، والميزة التي ينفرد بها الاديب في شخوصه الى جانب الرمز، بان يجعل الحيونات شخوصه الرئيسية، ويوزعها على قطبين متصارعين، في صراع ناشب وبشحنات متجاذبة ومتنافرة، وهي من سمات الواقع الفعلي، الفئة الاولى : تكون مسيطرة وبيدها زمام الامور والمبادرة، وقيادة التحكم وتملك ادوات التنفيذ . بينما الفئة الثانية : تكون مهظومة ومظلومة يقع عليها الحرمان والعسف والاضطهاد، وتتحمل كاهل شرور الواقع واثقاله الثقيلة . وقصة (ظنون) خير مثال على ذلك، من هذه الحقائق التي يفجرها الواقع الملموس .

 

تفكيك عناصر الرمز في القصة:

من اجل معرفة تركيب وصياغة القصة وجوهرها الكامن وتفاعلها مع الواقع، يستدعي تفكيك عناصر الرمز ووضعها على المشرحة، في البداية يصدمنا الاديب بالصبغة الحزبية والانتماء قديماً وحديثاً، بأنها تكون المعيار الحقيقي للمواطن المطلوب والمقبول، من الفئة الحاكمة (لم يكن مقبولاً من سكان القفص في حديقة المنزل، كان منبوذاً بسبب صبغة الارجوان التي غير شكله، ففي السوق يضعون امثاله بالوان زاهية، غير لونه الاصفر الباهت) ونعرف بأن الالوان الزاهية هي وحدها دون غيرها، مقبولة وتحمل صك الغفران والبراءة، وتحمل صفة القبول والرضا . اما غيرها من الالوان والصبغ، فتدخل باب اللعنة والعقاب والويل والثبور، هذه شجون ومرارة الواقع قديماً وحديثاً، من يحمل صبغة اخرى، غير الصبغة الحزبية والفئوية بألوانها الزاهية، فانه لا يستحق الحياة ومحكوم عليه بالعقاب الدائم بالتشرد والاضطهاد ويسحق سحقاً، ويكون منبوذاً لا شفاعة له، لانه خالف صبغة الفئة الحاكمة، وعليه ان يتحمل العواقب القاهرة (- ماهذا الديك يعرج؟

- هاجمه الديك ذو الريشات الزاهية وكسر اصبعه في قدمه اليمنى، فصار يعرج)

اي انه خارج البيت الحزبي، وعليه ان يتلقى الطعنات، سواء كسر القدم، او كسر جناحيه، فأنه يظل محاصر ومطارد من الديكة المنفوشة بالالوان الزاهية، التي تحظى برعاية خاصة من سكان القفص . اي يصبح مواطن مجهول الهوية من المغضوبين عليهم . وهناك اشارة رمزية رائعة وهي (الديك والدجاجات الثلاثة) وهي اشارة صريحة الى الرئاسات الثلاثة ونظرتها الى المواطن المنبوذ (الديك ذو الدجاجات الثلاثة، كرهه لهذا الفرخ المنبوذ، الذي صار ديكاً فيما بعد) اي انها بصريح العبارة شطبوا المواطن من حساباتهم واصبح مجهول الهوية والمصير من القائمين على شؤون الدولة، ثم تعرج القصة وتشير بوضوح، الى الفيضانات التي اجتاحت بغداد والمدن العراقية الاخرى بالمياه الغارقة، وهي تحدد اليوم والشهر بالضبط (سقطت اولى قطرات المطر في الرابع من نوفمبر فتحركت فوبيا الماء عند القطتين المنزليتين وراحتا تبحثان في ركن البيت المحمي بالشرفة المستطيلة) وتتكر هذه الحالة ولكن من سريالية الواقع تغرق وتطفح بغداد بالغرق، ماعدا المنطقة الخضراء، هذا التمييز العنصري والشوفيني، بأن بغداد ومواطنيها المنبوذين عليهم اللعنة والجحيم والغرق، بينما الجنة والنعيم لسكنة المنطقة الخضراء، هذا يعطينا السبب بان الديك المنبوذ اعرج، لا يمكن ان يقف منتصب القامة بوجه هؤلاء القادة، الذين اعطوه الجحيم والغرق والحرمان، ليعيشوا في جنة المال الحرام، لو كان المواطن سليماً ومعافى من امراضهم، لوضعهم في حاويات القمامة والازبال، فهم الذين يخلقون الازمات، وهم الذين يفتعلوا الفتن، وهم اصلاء البلاء والمصيبة، بأن يجعلوا ابناء الشعب يتقاتلون ويأكل احدهم لحم الاخر من بني جنسيته، وهم الذين جعلوا المواطنين ينهشون لحوم بني جنسهم بالحراب والعنف والموت، ليتربع هؤلاء الابالسة في جنة النعيم (المشكلة في الديك .. الديك المنبوذ يظن انه قط فيشارك القطط أكل امعاء وارجل بني جنسه، مخلوق يأكل بني جنسه، أترين ان ذلك مقبول؟) ثم تعرج احداث القصة الدراميا، الى وحشية الوحوش الادمية، اكلة لحوم البشر، انها ليست ظنون، وانما حقائق دامغة، نقلتها وسائل الاعلام والقنوات الفضائية والفيديوهات، وهي تدل على بشاعة وحوش داعش المجرم (تعال وانظر آه يا الهي ما ابشع ذلك .... رجل يشق صدر عدوه ويستخرج قلبه ويأكله ...... امام الكامرة . بقي العجوز مبحلقاً في شاشة التلفاز) هكذا اسودت الحياة وانقلبت المعاير، حتى صرنا في فوضى دموية، حتى الواقع الذي تعود في الفجر على صياح الديك للصلاة، فألان صياح الديك لينذر في مجزرة ومذبحة جديدة (- يقولون ان صياح الديكة لصلاة، ايمكن ان يكون هذا الصياح القبيح صلاة ؟ لايشبه صلاة بأية حال)، وحين يطالب المواطن بحقوقة في الدفئ، تنشب المعارضة والتعجب والغرابة، كأن المواطن طلب الذهب والياقوت والاخضر، وليس الدفئ من البرد (سمع الرجل العجوز صرخة أمرأته مردوفة بصوت متقطع كالضحك، واحتمل نفسه على عكازه وهرع اليها، لكنه دهش حين رأها تضحك بصوت عالٍ، والديك المنبوذ يحاول ركوب شبشبها ذي الريش المنفوش) هذه سريالية الواقع تكتسب حقيقتها من المعايشة الفعلية

 

جمعة عبدالله

وهذا رابط قصة (ظنون)

 

ظُنونٌ / عبد الفتاح المطلبي

لم يكنْ مقبولاً من سكّان القفصِ في حديقةِ المنزلِ، كانَ منبوذاً بسببِ صبغة الإرجوان التي غيرت شكله ففي السوقِ يصبغون أمثالَه بألوانٍ زاهيةٍ غير لونه الأصفر الباهت، يحبّ ذلك المتسوقون من أجل أطفالهم الذين يعشقون تلك المخلوقات و يرون فيها شيئا مما هم فيه، قالت الجارةُ لجارتها

- ما لهذا الديك يعرج؟

- هاجمَهُ الديك ذو الريشات الزاهيات وكسر إصبَعَهُ الطويل في قدمهِ اليمنى فصارَ يعرجُ قبل أن ينجرد صبغهُ وينمو ريشُهُ وشبّ على ذلك العَرَجِ.

ولأنهُ عاشَ في العَراءِ مطروداً من القفص دفعهُ الخوفُ من الجرذانِ والدجاجِ الأخرقِ إلى الركون إلى قدراته وحظوظه ولأنه كذلك، بدا محاطا بغرابةٍ وغموضٍ تفَهّمَتهُ الجرذانُ والقططُ وحصل على رأفة الرجل العجوز وانحيازِه له موفراً له شيئاً من الرعايةِ لكنّ سكان القفص لم يأبهوا بكل هذه الظروف وواصل الديكُ ذوالدجاجات الثلاث كرهه لهذا الفرخ المنبوذ الذي صار ديكاً فيما بعد، يوما بعدَ يوم ظنّ هذا المنبوذ أنه لا ينتمي إلى أولئك القابعين في القفص وإن راودته الشكوك دائما حولَ ذلك، سقطت أولى قطرات المطر في الرابع من نوفمبر فتحركت فوبيا الماء عند القطتين المنزليتين وراحتا تبحثان في ركن البيت المحميّ بالشرفة المستطيلة عن دفيء يقيهما ذلك البرد فافترشتا خرقةً كانت هناك وكذلك فعل الفرخ المنبوذ الذي صار ديكا كما ينبغي، وعندما هبطَ الليل كانت السماء تذرف دموعَها بسخاء، لاحظ الرجل العجوز أن امرأته تنظرُ من خلال نافذة المطبخ وهي تبسُمُ على غير عادتها، ظنّ أنها تعنيه بابتسامتها المحمّلةِ بمغزىً غيرِ واضحٍ، رَكَبَ عُكّازَه واتّجه إليها وقد وطّنَ نفسَه على أن يستجليَ أمرَ ابتسامتها، قالت:

- إنظرْ ولا يذهب بك الظن بعيداً، لست المعني فقد توقفتُ عن ذلك منذ زمن بعيد، لم تعد الحصان الذي كنتُ أسمع صهيلَهُ، إنظر إلى هذا المنبوذ كيف يحتضن القطتين في الزاوية، إنظر إليه وهو يرخي جناحَه عليهما ويغطيهما، القطتان مستسلمتان إلى نعاسٍ جميل.

نظر العجوزُ وهو يشدّ قبضتهَ على رأس العُكّاز وفي داخله شَعَرَ بالخيبةِ من كلامِها الذي صارَ مُحبِطاً منذُ ذلك اليوم الذي أخبرَها فيه أنّ الطبيبَ قد حذّرَهُ من أمورٍ عديدةٍ ومنعهُ من أن يفعلَ أموراً أخرى، استدارت امرأته وقالت:

- تُرى هل يظنّ نفسَه قِطاً؟

في اليوم التالي شكا الرجل العجوز بصوت عالٍ:

- يا امرأة لاترتكبي هذا الخطأ الفادح، سيحاسبنا الله على ذلك

- ماذا؟ ماذا فعلت؟ ليحاسب الذين...والذين.. ثم سكتت مدفوعةً بظنون شتى ولأنها لا تريد أن تكون سببا في تحقيق مخاوف الطبيب.!!

- ترمين بمخلفات الدجاج المذبوح وأرجله ومصارينه إلى القطط!

- وماذا في ذلك ألم توصني مرارا بأن أقدم تلك المخلفات إلى القطط؟

- المشكلة في الديك... الديك المنبوذ يظن أنه قطٌ فيشارك القطط أكل أمعاء وأرجل بني جنسه؟ مخلوقٌ يأكلُ بني جنسه أترين أن ذلك مقبول؟

- وماذا أفعل؟ المنبوذ يظن أنه قط فيأكل ما يأكلون

- الكلاب لا تأكل الكلاب والقطط تعاف جثث أخواتها والبقر لا تأكل البقر والحمير لا تفعل ذلك، إن في ذلك خروجا على النواميس يا امرأة.

لاحظَ الرجلُ العجوزُ أن الأمرَ أكثر تعقيداً مما يظن فأحجم عن مواصلة موعظتهِ، ورجّحَ أنّ الله لا يُحَمّله وزرَ ما يفعله ديكٌ أخرق شبّ منبوذا وممقوتا من بني جنسه،

خفّفَ العجوزُ من غُلواء انحيازِه الأخلاقي إلى الديك المنبوذ وقال يحدث نفسه:

- الأمر كذلك في ما يخص رفقته للقطط، لا أرى في ذلك سلوكاً طبيعياً ودلف إلى غرفته وهو يدمدم بلغةٍ غير مفهومة...

صاحت امرأة العجوز من الداخل متسمّرةً أمام التلفاز:

- تعال وانظر آه يا إلهي ما أبشع ذلك.. رجلٌ يشق صدر عدوه، يستخرج قلبه ويأكلهُ....أمام عدسة الكامرة. بقي العجوزُ مُبحلقاً في شاشة التلفاز..

قال: أظن أن الديك لايعلم شيئا عندما يشارك القطط تلك البقايا من بني جنسه، هل تظنين أنه يعلم؟ بعد ذلك لم يعد العجوز معترضا على ما يفعل الديك المنبوذ

كبر المنبوذ وتدلت لحْيَتهُ الحمراء وطالت مخالبُهُ فظُنَّ على الأغلب أنه قد نجا وصار ديكا حينما سمع الرجل العجوز صياحَه الأجش صباحا إذ أنه يعرف صوت ديك القفص الجميل معرفته بصوته، قالت امرأتهُ:

- يقولون أن صياحَ الديكةِ صلاةٌ أيمكن أن يكون هذا الصياح القبيح صلاةً؟ ذلك لا يشبه صلاةً بأيةِ حال.

عندما أكل نوفمبر النصفَ من أيامه هبطَ كثيرٌ من البردِ، أخرجتِ المرأة العجوز شبشبها المنزلي المبطن بالفرو الذي تغطي مقدمته نفشةٌ من فرو مثل الريش وانتعلته، وهي تقول في سرها هذا يومك في هذا البرد وما أن خطت خطوتين إلى الحديقة حتى سمع الرجل العجوز صرخةَ امرأتهِ مردوفةٍ بصوتٍ متقطعٍ كالضحك، احتمل نفسه على عكازه وهرعَ إليها لكنه دُهِشَ حين رآها تضحَك بصوت عالٍ والديكُ المنبوذُ يحاول ركوب شبشبها ذي الريش المنفوش، قالت له وهي تضحك:

- تُرى أيظنُّ هذا المنبوذُ أنّ شِبشبي دجاجتَهُ،

شعر العجوز برجفة تسري في يده التي تقبض على العُكّاز وقد ظن أن الديك المنبوذ قد جاوز حدوده، رفع عكازه وضرب الديك وطرده بعيدا عن شبشب امرأته بعد ذلك دلفت العجوز إلى مطبخها تنظرُ إلى رجلها العجوز وهي تشعر بطاقةٍ إضافية تسري في أوصالها، وقررت أن تطبخ شيئا آخر غير الذي كان يفور في القدر.

 

قصة قصيرة

عبد الفتاح المطلبي

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2015/900107.html

 

الملحمة الشعريّة: (جبت كلّ العراق وجيت) لـ د. خير الله سعيد

abdulreda aliتوطئة: قسَّمَ قدامى العرب الشعر العربيّ إمّا إلى أبوابٍ، وإمّا إلى موضوعاتٍ، كالحماسة والرثاء، والوصف، والرحلة، وغيرها. وكانوا يُسمّونَ الكلّ باسمِ جزءٍ منها، كما في (حماسة أبي تمّام) وحماسات من تابعوه تصنيفاً، مع أنَّها تضمُّ موضوعاتٍ وأغراضاً عديدةً، لهذا فإنَّ الأغراض والموضوعات المتعدّدةَ على وفقِ تصنيفهم ذاك تشترط ضمَّ المتجانسات معاً ليس غير.

أمّا الأوربيّون فقد قسَّموه نوعيَّاً فقالوا: الشعر الغنائي، والشعر الملحميّ، والشعرَ التمثيليّ، والشعر التعليميّ.

ومع أنّهم اختلفوا في تحديدِ أسبقيّةِ ظهورِ أيِّ نوعٍ منه قبلَ غيرهِ، فإنَّ بعضهم يرى أنَّ الملحميَّ أسبقُ من بقيّةِ الأنواع ظهوراً، وحجّتهم أنَّ الإنسانَ فطن إلى وجودِ الآخرينَ قبلَ أن يفطنَ إلى وجودِهِ، وهو تعليلٌ يصطدم بمن يرى أنَّ الشعرَ الغنائيَّ كانَ أسبقَ من الملحميِّ ظهوراً لأنه تعبيرٌ عن الذاتِ البسيطةِ وما في وجدانِها من عواطفَ مختلفةٍ، في حين يقومُ الشعرُ الملحميُّ على الإطالةِ والإحاطةِ بحركةِ الناسِ، وما يقعُ لها من حروبٍ مع أممٍ أخرى .

سقنا ما مرَّ لنبيّنَ أنَّ تسميةَ بعضِهم للقصائدِ العربيّةِ بالملاحمِ كان تجوّزاً وليسَ حقيقةً، معتمدينَ على خواصٍ معيّنةٍ من خواص الملاحم، لعلَّ أوضحها عندهم الطول، فضلاً عن خصيصةِ الخيالِ الجامح، أمّا بقيّة الخصائص فهي خلوٌ منها، أو لا تتطابق معها كليّاً ؛ وأهم خصائص الملحمة تتمثّل في الآتي:

1. الحروبُ، والأهوالُ، والمصاعبُ، وخوارق البطل القومي الذي تتحدّثُ عنه القصّة الشعريّة.

2. الموضوعيّة المبتعدة عن الذاتيّة.

3. فخامةُ أسلوبِها، وبلاغةُ لغتها.

4. الطول فقد تتكوّنُ الملحمةُ من آلافِ الأبيات.

5. خيالُ الملاحم خيالٌ جامحٌ يتمثّلُ في الخوارقِ، واختلاطِ الحقائقِ التاريخيّة بالأساطيرِ، والقوى، والكائناتِ الغيبيّة في أحايينَ كثيرةٍ ¹.

******

إنَّ ما أوردناه من حيثُ إطلاقُ تسميةِ الملاحم تجوّزاً على الشعرِ الرسميِّ ينطبقُ تماماً على الشعرِ العاميِّ ² فضلاً عن أنَّ هذا (التجوّز) يزدادُ توكيداً فيهِ، لكونهِ لا يُعنى بجزالةِ اللغة ونسيجها العريقِ في الفصاحةِِ بقدرِ عنايتِهِ باللغةِ المحكيّةِ التي درجَ عليها العامّةُ من الناسِ في تعاملهِم اليوميّ، وحياتِهم المعيشةِ، وعلى وفقِ ما مرَّ فإنَّ قصيدةَ الشاعرِ الدكتور خير الله سعيد الشعبيّةَ الموسومةَ بـ (جبت كلّ العراق وجيتْ) يمكن تسميتُها تجوّزاً (كذلك) بالملحمة الشعريّةِ، لما فيها من بعضِ ما ألمحنا إليهِ من خصائصَ، لاسيَّما طولها الذي دلَّ على اقتدارِ شاعِرها المتمرِّسِ في تدفّقِ المعاني، والعواطفِ والإيقاعِ المحكمِ، إلى جانبِ امتلاكهِ خيالاً سحريّاً تتداعى فيهِ الصورُ على نحوٍ توليديٍّ غريب.

إنَّ قصيدةَ (جبت كلّ العراق وجيت) قصيدةٌ ليستْ تقليديَّةً ينتهي منها القارئ كما في بقيّةِ قراءاتهِ لقصائدَ شعبيّةٍ أخرى، لأنّها لا تسلّمُ له نفسَها على عُجالةٍ، إنّما تضطرُّهُ ليعيدَ قراءتها ثانيةً، أو أكثرَ، وفي كلِّ قراءةٍ جديدةٍ تتفتّحُ له مغاليقُ لم يكن قد توقّفَ عندها، فزوايا قراءتنا قد تختلفُ عن زوايا قراءةِ الآخرينَ، وهذا هو الذي يسعى إليهِ الفنُّ فيما يسعى إليهِ فالشعرُ حمّالُ أوجهٍ عديدة، وليسَ حمّالَ وجهٍ واحدٍ، وقد ارتأينا أنْ نناقشَ الزوايا الآتيةَ تاركينَ للقرّاء الأكارمِ مناقشةَ بقيّةِ الزوايا إسهاماً منهم في قراءةِ القصيدةِ قراءةً واعيةً على أفضلِ الوجوهِ .

*****

موضوعُ المطوّلةِ وفكرتُها:

تقدّمُ هذه القصيدةُ موضوعاً واقعيّاً مقروناً بأحداثٍ كبيرةٍ، وتحوّلاتٍ مجتمعيّةٍ كان لها شأنُها على المستويينِ: الوطني، والشعبي، وإن تلمّسنا فيها الكثيرَ ممّا له علاقة بالفردي أيضاً وقد استمدَّ الشاعرُ موضوعَهُ هذا من حياتِنا المعاصرةِ بداءةً من قيامِ جمهوريّةِ الخوفِ في العراقِ، وانتهاءً بالزمنِ الراهنِ بعد التغييرِ وحصولِ التحوّلِ السياسيِّ الجديد.

ومعَ أنَّ الأحداثَ التي يصوِّرُها الشاعرُ واقعيّةٌ، فإنّها لم تكن تسجيليّةً، لأنَّ واقعيّتها كانت تهتمُّ بتصويرِ أثرِ الأحداثِ الجسامِ في أناسٍ معيَّنينَ من المجتمع العراقيِّ نذروا أنفُسَهم للدفاعِ عن حريّةِ إنسانِهم في الفكرِ، والقولِ، والعملِ، ومقارعةِ الدكتاتوريّةِ، والطُغيان،وصولاً إلى حياةٍ كريمةٍ ينعَمُ فيها الجميعُ بحقوقِهِم على وفقِ مبدأ تكافؤ الفرصِ دونَ تمييزٍ .

لقد جهِدَ الشاعرُ في أنْ ينقلَ نصَّـهُ من فرديّتِهِ اليائسةِ المتمثِّلةِ بواقعيّتهِ الانتقاديّةِ إلى فرديّةٍ إيجابيّةٍ تصبُّ في واقعيَّةٍ بنّاءة ٍ قريبةٍ من الواقعيّةِ الاشتراكيَّةِ لكنَّ أدواتِهِ لم تسعفْهُ، لأنَّ تبريراتِ اختلافهِ مع رفاقِ الأمسِ الآخرينَ لم تكنْ مقنعةً بما يكفي، فظلّت في حقلِها الانتقادي، وهو حقلٌ لا يُسبِّبُ قدحاً في أسلوبِ النصِّ، ولا في حركيّةِ اشتغالِ صانعِهِ .  

 

تقنيةُ النصِّ:

أفادَ هذا النصُّ من تقنياتٍ الفنِّ السرديِّ كثيراً، لكنَّه خصَّ تقنيةَ الراوي العليمِ بالحصّةِ الكبرى، فجعلَ الأحداثَ طوعَ أمرهِ فهو الذي يختارُ زواياها، فضلاً عن الرموزِ التي يريدُ تحريكها في تلك الزوايا، إلى جانبِ السماحِ له بالإطنابِ في بعضِ استرسالهِ، والإيجازِ في بعضهِ الآخر ـ وإن كانَ قليلاً ـ ويبدو أنّ تقنيةَ الراوي العليمِ هذه تبيحُ له ذلك، لكونهِ ليسَ راوياً موضوعيّاً، ومن هنا نتبيّنُ أنَّ العليمَ يسمحُ لنفسِهِ أن يُدخلَ في النصِّ آراءهُ، ومواقفَهُ الفكريَّةَ دون اعتبارٍ لمواقفِ الآخرين، ممّا يسمحُ لذاتِهِ في توكيدِ ما تراهُ لامعاً، وتزكيتِهِ وتحقيرِ ما تراهُ معتماً وازدرائهِ .

من هنا يتَّضحُ التزام الراوي الموضوعيّ بمسؤوليَّتهِ الموضوعيّة لكونهِ لا يتدخَّلُ في مجرياتِ الأحداثِ، في حين يتمتّعُ الراوي العليمُ بحريّةٍ واسعةٍ قد لا تكترثُ بالأمانةِ المطلوبةِ في قضايا الصراع، ما دام هو الذي يخلقُ دراميّةَ النصِّ، ويصنعُ مواقـفَـهُ ويوجّهُ مجسَّاتـهِ.

 

إيقاعُ القصيدة:

اختار الشاعرُ موسيقى الهزجِ إيقاعاً لمطوّلتهِ، وهذا الإيقاعُ هو لونٌ من الوافرِ المجزوءِ، وهو وزنٌ قصيرٌ يميلُ إلى تعدادِ الصفاتِ وتكرارِ الأجزاءِ، ومواصلةِ الحوارِ. لذلك قلَّ عند المتقدِّمينَ، وكثرَ عند المعاصرينَ لاسيّما في القصائدِ الحواريّةِ، أو التعليميّة، ولعلَّ ما فيهِ من ميزةٍ على سردٍ الحكايةِ، وتدفّقِ الحوارِ هو الذي جعلَ شوقيّاً يكثرُ من استخدامهِ في مسرحيّاتهِ: (مجنون ليلى) و(مصرع كليوباترا) وغيرهما ³. لكنّ الشاعرَ لم يقفْ عند ضربٍ واحدٍ منه، إنّما استخدمَ أكثرَ من ضربٍ، لاسيّما ممدود مفاعيلن، أي بزيادةِ ساكنٍ على آخرِ التفعيلة ِ، فكانتْ بعض الضروبِ على (مفاعيلان).

ثمّةَ أمرٌ على القارئ الكريمِ أن يتنبّهَ إليه، هوَ أنَّ تقطيعَ الشعرِ الشعبيِّ يقتضي في بعضِ الأحايين ليَّ بعضِ الأصواتِ، أو إدغامَ صوتينِ معاً في صوتٍ واحدٍ، أو حذفَ بعضِ الحروفِ من مفرداتٍ معيّنة عند التحليل التطبيقي ليستقيمَ الوزن، فمثلاً يجبُ حذفُ حرفِ الواو من كلمة (وعيوني) ومن كلمة (وتعرف) في الجملتينِ الآتيتينِ:

(وعيوني توجّد الموكَاف) و(وتعرف ساعة الملكَى) كي نتجنَّبَ خللَ الإيقاع ويستقيمَ التقطيعُ، وينبغي كذلك الانتباه إلى أنَّ معظمَ الشعراءِ الشعبيينَ يلجؤون إلى حذفِ ميم (مفاعيلُن) من تفعيلةِ الهزجِ فتصبحُ (فاعِيلُنْ) وهي مساوية بالحركاتِ والسكناتِ لـ (مفْعُولُنْ) ويطلق عليه عندئذٍ بـ (الأعضب) أو (الأخرم)، وهي علَّة تجري مجرى الزحاف في هذا الإيقاع، وقد استخدمها خير الله سعيد في أكثر من موضعٍ، ولعلّها إفادةٌ جميلةٌ ممّا فعلهُ شعراءُ التحديثِ في الشعرِ الرسمي.

وفيما يأتي بعضُ الأبياتِ(على غيرِ توالٍ) لتوضيحِ ما ألمعنا إليهِ:

نكَلت اجدام فوكَ اجدا م والصرّة على امتوني

مفاعيلن مفاعيلُن       مفاعيلن   مفاعيلُن

جايب صوغةِ امحبّينْ ومـﭽوّرعلى ظنوني

مفاعيلن   مفاعيلُن   مفاعيلن   مفاعيلُن

عيوني اتوجّدِ الموكَا ف تعرف ساعةِ الملكَى

مفاعيلُن   مفاعيلُن       مفاعيلُن   مفاعيلُن

*****

جبتلك هم بثيث وياي، وصم زعتر والمربّى

مفاعيلُن   مفاعيلان     مفاعيلُن   مفاعيلُن

جبتلك صو غةْ ﭽفْ حِنَّةْ

مفـاعيلُن     مفـاعيلُن

وهم ياس أو ورد والسمن والمنَّةْ

مفاعيلُن   مفاعيلُن     مفاعيلُن

جبتلك (دارمي) وموزون

مفـاعيلُن     مفـاعيلان

من عندك حفظته بيوم

فاعيلن     مفاعيلان

لكنَّ الشاعرَ لم يشأْ أنْ تكونَ هذهِ الملحمةُ على إيقاعٍ واحدٍ وإنْ حرصَ على جعلِ الهزجِ قابضاً على موسيقاها، فادخلَ بينَ الحينِ والآخرِ إيقاعاتٍ أُخرى لتخفيفِ الرتابةِ، فعمدَ أحياناً إلى الاستشهادِ بأبياتٍ من إيقاعِ الدارميِّ الذي هو في حقيقتِهِ من تشكيلاتِ الرجزِ المهملِ، كما في الدارمي الآتي الذي بدون عزو:

أتسـلّى بين الناسْ من يـوم إلى يومْ

مســتفعِلُنْ فعْـلان مســتفعِلاتان

واعظم مصاب يصير بسْ يجبِلِ النومْ

مســتفعِلُنْ فعْـلان مســتفعِلاتان

 

وعمدَ في أحيان أُخرى إلى إدخال الموّال ِالموقّعِ على موسيقى البسيطِ، كما في الموّالِ الآتي:

يا صـاحِ دفّ الهـوى بعد الهنا كِسـره

مُســتَفْعِلُن فـاعِلُنْ مُســتَفْعِلُنْ فَـعْلنْ

واترك الدنيا الدعـتـنا بهالوكـت كسره

فاعِلاتن فـاعِلُنْ مُســتَفْعِلُنْ فَـعْلنْ

بالك تطيـع النذل ..لو هو ملك كسـرى

مُســتَفْعِلُن فـاعِلُنْ مُســتَفْعِلُنْ فَـعْلنْ

من حيث ما ظل على عهدِ الودادِ أيـتيمْ

مُســتَفْعِلُن فـاعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ فَـعْلانْ

ما ﭽان مجنون مـن ﮜبلك دعـاه أيـتيم

مُســتَفْعِلُن فـاعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ فَـعْلانْ

إشـﭽمِّ كِسره البـﭽت وتريد إلها أيـتيم

مُســتَفْعِلُن فـاعِلُنْ مُسـتَفْعِلُنْ فَـعْلانْ

وشـﭽم يتيم البـﭽـه ويريد اله كِسره

مُســتَفْعِلُن فـاعِلُنْ مُســتَفْعِلُنْ فَـعْلنْ

.....................إلخ

ومن يتمعَّن في مطوّلةِ الدكتورِ خير الله سعيد هذه يُدركُ تماماً أنَّ هذا الشاعرَ يمتلكُ أذناً مرهفةً ـ كمثلائهِ المرهفين الكبارـ قادرةً على اختيارِ المناسبِ من الاستشهاداتِ الشعريّةِ التي لا تُحدِثُ نشازاً، أو خللاً إيقاعيّاً كبيراً عند الانتقالِ من وزنٍ إلى ما سواه، وهي ملكةٌ جعلتْ نصَّهُ ينسابُ متدفِّقاً مسترسلاً من غيرِ أنْ يشعُرَ المتلقّي بأيِّ ِ ثقَـلٍ يقطعُ عليهِ سحرَ الموسيقى، وما فيها من تأثيرٍ نفسيٍّ يلامسُ شغافَ القلوب.

 

إحالاتُ المتن:

إحالاتُ (جبت كلّ العراق وجيت) وهوامشها تشكّلُ معجماً شعبيّاً مهمّاً إن لم نقلْ كبيراً للمئاتِ من المفرداتِ، والرموزِ، والأدواتِ، والآلاتِ والمردّدات الشعبيّة، ممّا يهمُّ دارسي الأدبِ الشعبي، وفولكلورهِ، ولعلّنا لا نُسرفُ على دارسي اللهجةِ الشعبيّةِ في وسطِ العراقِ وجنوبهِ إن قلنا: إنَّ ما جاءوا بهِ مجتمعين ممّا تمَّ نشرهُ في مجلّة (التراثِ الشعبيِّ) البغداديّة من شرحِ مفرداتِ تلك اللهجة لا يُعادلُ، أو يُوازي ما قدّمهُ خيرُ الله سعيد من جهدٍ سدَّ بهِ فراغَ مكتبتنا الشعبيّة، ونقصها في هذا المضمارِ، فقد تولّتْ هوامشهُ شرحَ ألعابِ الأطفالِ التي انقرضت، أو في طريقها إلى الانقراض، مفصِّلاً في إيرادِ أدواتها، ومفرداتِها على نحوٍ من إحاطةٍ تامّةٍ، فقد ذكر منها الكثير مثل: (لعبة سبع احجار) و(لعبة جير ابحاس) و(ختّيلة) و(ديروا خيلكم) و(والكاشي) و(كَطيري) و(الحيدة) و(لعبة المرصع) وغيرها، وبعدَ أن يوضّح طريقة لعبها يعمد إلى شرحِ أدواتها، كشرحهِ لـ (الصول المرصوص) و(الأشحم) و(عظم الضاع) و(الدعابل) وغيرها، فضلاً عن توسّعهِ في ذكرِ أنواع الأسماك التي يكثرُ وجودُها في أهوارِ العراق، وفراتيه: كالشبّوط، والبنّي، وابو دبيلة، والحمري، والخشيني، والصبور، والزوري، وابو الزمّير.... إلخ . ولا ينسى أنواع التمور العراقيّة، فيذكرُ منها: الجسب، والزهدي، والخلال، والبريم، وغيرها.

أمّا انواعُ الخبز، وحلوى أهل الجنوب فيذكرُ منها: رصاع(خبز الرز) وسياح، وحنيني والكليجة، وهيس، والخريط.

وحين يُعرّجُ على حليّ النساء، وأدوات زينتهنَّ يشرحُ: الخزّام، والجلّاب، والسفيفة، وغيرها، كما يشرح الكثير من المفردات التي يصعبُ على الكثيرين فهمها اليوم، لكونها ارتبطتْ بلهجةِ الجنوبيين تحديداً، كما في: بثيث، والصكَلكَة، وصمّ، والقرصاغ، وشناطة بعيجي، وجولة، وهيبة الكَمكَم، والدُقو، وزعينب، والخرش.

إنَّ هذهِ الهوامشَ وحدها لو تمَّ فصلُها عن المطوّلة، لشكّلت معجماً أوّليّاً مهمّاً لأدبِنا الشعبيّ، وفولكلوره الجميل، ولقدّمت لدارسي اللهجات الشعبيّةِ ما يحتاجونهُ في بحوثِهم العلميّةِ من معرفة جذور هذه المفردات التي تعودُ الكثير منها إلى لغة سكان وادي الرافدين القدامى من السومريين، والبابليين صنّاعِ الحضارةِ، ومشيّدي العمران.

ختاماً أشدُّ على يديّ أخي الدكتور خير الله سعيد، وأهنّئهُ على إنجازهِ هذا الأثر الإبداعيِّ الشعبيِّ الذي سجّلَ فيه نضالاتِ أناسٍ حملوا أرواحهم على أكفّهم، وقارعوا الطغيان، وأخلصوا في مواقفهم، ومُثلِهم النضاليّةِ العليا.

 

ا. د. عبد الرضا علي

.....................

إحـــالات

(1) ومن أقدمِ تلك الملاحمِ:

• ملحمة كَلكَامش (هو الذي رأى) العراقيّة.

• ملحمتا اليونانِ: (ألإلياذة والأوديسّة) المنسوبتان إلى (هوميروس) الذي عاش في القرنِ التاسعِ ق. م.

• الملحمة الرومانيّة (الإنيادة) للشاعر الروماني (فرجيل).

• ملحمتا الهند: (المهابهاراتا) و(الرومنايا)

• ملحمة الفرس (الشاهنامة) للفردوسي.

• وقد عرفت أوربا فيما بعد أعمالاً شعريّةً طويلةً سُمِّيت ـ تجوّزاً ـ ملاحم، وإنْ لم تكن في واقعها كذلك، لافتقارها للخصائص الرئيسة للملحمة ... وأهم تلك الأعمال (الفرنسياد) للفرنسي (رونسار) و(الكوميديا الإلهيّة) للإيطالي (دانتي) و(الفردوس المفقود) للإنكَليزي (ملتون) و(أساطير القرون) للفرنسي (فكتور هيجو) .. يُنظر: (في النقد الأدبي الحديث منطلقات   وتطبيقات) د. فائق مصطفى، ود. عبد الرضا عليّ 105- 117، ط1، جامعة الموصل/ العراق 1989م.

(2) للشعرِ العامّي في كلِّ بلدٍ عربيٍّ تسميةٌ تقليديّةٌ يُعرفُ بها، ففي العراق يُطلق عليهِ بـ (الشعر الشعبي) وفي مصرَ، ولبنان يُطلق عليهِ بـ (الزجل) في حين يُطلق عليه في المغرب بـ (الشعرالملحون) و(الزَّجل)، بينما يُطلق عليه في اليمن بـ (الحُميني).

(3) قال الدكتور عبد الله الطيّب المجذوب: (إنَّ الهزجَ ضربٌ من الوافرِ المجزوء، وليسَ ببحرٍ قائمٍ بذاتهِ) المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتِها،111 ـ 115، مط مصطفى البابي الحلبي، 1955م، وينظر كذلك كتابنا: (موسيقى الشعر العربيّ قديمِهِ وحديثِهِ) 109 ـ 115، ط2، دار الشروق / عمّان 2007م.

 

عبد الرضا عليّ

كاردِف/ طاردة الثقافة العربيّة الفاعلة بامتيازِ .

 

الممارسة الشعرية في مجتمع الفقهاء

mohamad shadadalharakلم يكن الشعر يمتلك استقلاله الذاتي داخل المنظومة الثقافية التقليدية المغربية، ولم تكن النظرة إليه أو المواقف منه مشجعة على العطاء والإبداع. بل كان صاحبه كائنا منبوذا يحس بالغربة و الإقصاء في مجتمع يحرسه الفقهاء. ظل في الهامش وفي المواقع الخلفية، لم يتصدر المجالس ولم يحتل المواقع الأمامية عند ذوي الجاه والسلطان، لأن الفقهاء والعلماء عرفوا كيف يحتكرون المناصب والريادة في وسط اجتماعي جعل منهم عدولا وسادة، ونصبهم في مراكز القرار، ونفخ فيهم روح التميز والقيادة.

فقد صنف العمل الشعري في خانة هامشية، وتعامل معه المجتمع الثقافي تعاملا انتهازيا منفعيا، فجعله أداة ووسيلة لخدمة العلوم والمعارف الدينية واللغوية بعد تجريده من بعده الفني والجمالي. تحول الشعر إلى آلية خادمة لغيره من المعارف، وكان هذا هو الشرط الصعب الذي وضعه الفقهاء لكل من سولت له نفسه قرض الشعر أو الركض في حلبته.

ظل الشعر المغربي يبحث لنفسه عن حضور مهما كانت درجته، ويريد إثبات وجوده في حظيرة الثقافة المغربية، ولو كان ذلك على حساب جماليته. فقدم الشعر الكثير من التنازلات حتى يحافظ على هذا الوجود في مجتمع لا يعترف بالشعر، بل يعتبره مدعاة لفساد النفوس، وينظر إليه "بعين الاستخفاف والازدراء والشك"1. وكان مبرر هذه النظرة الدونية إلى الشعر أنه "يشغل عن القرآن ويصرف عن الاهتمام بأمور الدين، ومن ثم يكون الابتعاد عنه صوابا، والتوقف عن قرضه فضيلة".

هذه المواقف الصارمة المعادية للممارسة الشعرية والساعية إلى إقصاء القول الشعري من الواقع الثقافي شكلت تيارا قويا يقوده كبار العلماء والفقهاء. فلم يكن أمام صاحب الكلمة الشعرية سوى الانسياق مع الشروط التقليدية التي وضعت للقول الشعري، وأهمها الخضوع المطلق للرؤية الدينية وخدمة المعارف والعلوم الشرعية واللغوية، وجعل الكلمة الشعرية "مجرد أداة للعلوم الفقهية واللغوية، ووسيلة لحفظ الشاهد في معرض علم النحو وعلم البلاغة وأيضا في رواية المثل السائر"3. وهذا التوظيف النفعي البراغماتي جعل الشعر "يخرج عن حقله الإبداعي إلى حقل آخر يكتسب فيه نوعا من البراعة... فالشعر يتحول إلى معرض لاختبار القدرة النظمية، ولا أقول الملكة الشعرية، والتفوق بها على الأنداد والأقران"4.

فلم يعد الشعر- عند بعض النقاد- محددا لملامح التميز الثقافي أو عنصرا أساسيا في بناء الشخصية العلمية والثقافية وإنما أصبح "عنصرا مكملا لثقافة العالم، ووسيلة لإظهار القدرة التعبيرية، وباعتبار دوره لا يتعدى الترويح عن النفس، وتبادل العواطف مع الآخرين"5

ونتيجة لهذه التوجيهات الصارمة والقيود القاسية التي وضعت على يد الشاعر، ظلت المحاولات الشعرية تدور في فلك الرؤية الدينية، وتلبس رداء الفقهاء، وتحتضن أصواتهم ورؤاهم. بل أصبحت القيم الخلقية شرطا أساسيا في عملية الإبداع، بحيث لا يجوز للشاعر إطلاق العنان لخياله أو لسانه، ولا يسمح له بالمناورة في محيط المسكوت عنه. وقد التزم أغلب الأدباء بهذا الإطار القيمي، واعتمدوه كمرجعية فكرية للقول الشعري. إذ لم يكن نضالهم الطويل من أجل ترسيخ الممارسة الشعرية في البيئة الثقافية تمردا على قيم المجتمع ومنطلقاته المرجعية، بقدر ما كان كفاحا من أجل تحرير الشعر من حالة الاحتجاز والحصار التي فرضها الفكر الفقهي المتزمت.. وهكذا وضع أبو علي اليوسي، وهو أحد رموز هذه الفترة، ضوابط أخلاقية وقيمية للقول الشعري وحدد الإطار العام للممارسة الشعرية معتمدا على مرجعيته الدينية وثقافته الصوفية قائلا: "... فقد بان بهذا فضل الشعر، وأن لا بأس به أصلا. غير أنه ليس على إطلاقه وأن الشعر كله محمود ومرضي، فإن هذا خطأ وغلط، بل هو على تفصيل. فما كان متضمنا للثناء على الله تعالى، أو لمدح النبي (ص) وأصحابه، أو الأنبياء والملائكة وكل من يجب تعظيمه وتوقيره والثناء عليه فهو مندوب إليه مرغب فيه. وما كان متضمنا للتنبيه والوعظ والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة ونحو هذا فكذلك أيضا. وما كان متضمنا للهجو وإيذاء كل من عرضه معصوم فهو حرام. ويتفاوت في القبح والشدة بحسب الموذى، حتى ينتهي إلى الكفر كما في حق الأنبياء. وما كان خاليا عن هذين الأمرين فهو من المباح في الجملة. إلا أنه إن اشتمل على وصف القد والخد والمجون التي تحرك دواعي الشهوة والغواية، فهو قد يحرم وقد يكره وقد يباح بحسب حال القائل والمخاطب"6.

وقد استند اليوسي في هذه الضوابط إلى المنطق الفقهي الخالص، واعتمد في الأساس على موقف النبي (ص) من القول الشعري فأورد بعض الأحاديث النبوية مثل قوله (ص) {إنما الشعر كلام مؤلف، فما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق فلا خير فيه} وقوله (ص) {إنما الشعر كلام، فمن الكلام خبيث وطيب}7

لقد كان لهذه الرؤية النقدية المعتمدة على الخلفية الدينية تأثير واضح على التجارب الشعرية المغربية، ودور كبير في توجيه الممارسة الإبداعية وتأطيرها في حدود دينية وأخلاقية، وهذا ما ساهم في ظهور "صنف خاص من الشعر أطلق عليه لقب (شعر الفقهاء) وأصبح هذا اللقب صفة تميز أغلب الإنتاج الشعري المغربي... وإن عبارة (شعر الفقهاء) لتعكس بحق أبعاد هذا الواقع الثقافي. فالفقهاء الذين تعاطوا للنظم الشعري، لم يكن يعنيهم صوره أو عوالمه التخييلية بقدر ما كانت مقصديتهم من النظم توسيع مجالات إدراكهم وتنويع وسائل تعبيرهم. ولهذا قل أن تجد عالما أو فقيها لم يجرب حظه في مسألة النظم الشعري. وبالرغم من أن الشعر لم يكن يشكل بؤرة نشاط المثقفين في البيئة المغربية إلا أنه احتل مكانا مميزا في النسيج الثقافي"8. وقد رفض هذا الطرح بعض النقاد المغاربة، وفي مقدمتهم الدكتور مصطفى الشليح، بحيث يذهب إلى أن هذه المقولة أساءت إلى الشعر المغربي فنزعت عنه أدبية القول، وصنفته في خانة النظم المستهلك والمتهالك، ويرى "أن هذه المقولة، منطوقا ومفهوما، غير ثابتة في تاريخ الأدب المغربي، وغير ملزمة له حتى في أدب المرابطين"9.

إن التلقي الساذج لمقولة (شعر الفقهاء) يجعل القارئ يجنح بفكره عن مجال الإبداع الحق، ويدفعه إلى امتلاك تصور قاصر أو خاطئ عن هذا النوع من الشعر. وهذا ما ساهم في تدفق الاتهامات القاسية المبنية على تصورات ظنية وأحكام متسرعة مجانية. فمن تواصل مع الشعر المغربي تواصلا نصيا، واحتك بنماذجه ودرر نصوصه احتكاكا تذوقيا، وتجرد من كل خلفية سابقة،لا يمكن أن يقتنع بالحمولة القدحية لمقولة (شعر الفقهاء)، وسيتعرف عن قرب على تجارب شعرية لا تقل فنية عن نماذج الشعر العربي المشرقي والأندلسي. وإذا كنا نقول بأن شخصية الشاعر قد ظلت متوارية خلف شخصية الفقيه، فهذا لا يعني ذوبان البعد الفني وانسحاب الشعري من دائرة المنافسة على احتلال الواجهة والمواقع الأمامية، لأن شخصية الفقيه لم تستطع أن تلغي شخصية الشاعر أو أن تمنعه من ممارسة طقوسه الفنية معاناة وخيالا وإبداعا. فقد ظل الشاعر يمارس حضوره الفني من تحت عباءة الفقيه، وظل يغازل تمثال الجمال ويركب صهوة الخيال في إطار من الوقار، وفي جو من الالتزام بالمعايير الأخلاقية التي ارتضاها العقل والقلب والذوق، وأقرها الدين وقيم المجتمع.

وقد كان للزوايا الصوفية دور كبير في تكريس هذا التصور الأخلاقي وتوجيه الممارسة الشعرية نحو المسار القيمي / الديني. بل إن هذه الزوايا قد احتضنت أغلب التجارب وطبعتها بطابعها الصوفي الروحي، وجعلت من الشعر قناة فنية لخدمة التجارب الصوفية. ففي رحاب الزوايا التقت الحساسية الفنية بالحساسية الدينية واندمجتا في لحمة تمخضت عنها القصيدة الشعرية الصوفية ذات الخصوصية الفنية والمعرفية، والتي أكسبت الممارسة الشعرية بعضا من التميز، وجعلت منها إضافة نوعية في تراثنا الأدبي المنظوم.

فالاتجاه الديني الذي أطر الممارسة الأدبية المغربية "هو الذي حفظ للمغرب تميز أدبه عن المشرق الذي أثر فيه غزو التتر والمغول واحتلال الترك... وسلامة المغرب من ذلك أتاح للعربية أن تنمو في بيئة عرفت بكثرة مراعيها العلمية، فكان هذا الاتجاه الديني مبلورا للرؤية الإبداعية"10.

لقد أنشأت الزوايا للشعر فضاء روحيا واجتماعيا يتحرك فيه تلقيا ورواية وإبداعا وتذوقا وتنظيرا، اعتمادا على المرجعية الصوفية. وظلت القصيدة الشعرية تدور في المدار الذي رسمته هذه المرجعية، تعزز القيم الروحية في النفوس، وتكرس التدين في المجتمع.

وليس غريبا أن يتأسس القول الشعري على الدعامة الدينية والخلقية. وليس ذلك منقصة ولا مدعاة للنيل من هذا النوع من الشعر، لأن في تراثنا النقدي مواقف نقدية ربطت الإبداع بالقيم، وجعلت من العنصر الأخلاقي مطلبا أساسيا في القول الشعري. فكثير من نقادنا القدامى أكدوا على البعد الأخلاقي للشعر، وجعلوه مما يعطي للنص قيمته. فمنهم من وجد الجمال والمتعة في قصائد بسيطة من حيث التقنيات الفنية والآليات التعبيرية، ولكنها كانت حاملة لمشروع إصلاحي أو مكرسة لقيم الخير، من ذلك موقف أبي عمرو ابن العلاء من قصيدة المثقب العبدي التي يقول فيها:

فإما أن تكون أخي بحق

فأعرف منك غثي من سميني

وإلا فاطرحني واتخذني

عدوا أتقيك وتتقيني

فما أدري إذا مت أرضا

أريد الخير أيهما يليني

أ الخير الذي أنا أبتغيه

أم الشر الذي هو يبتغيني

فكان موقف أبي عمرو منطلقا من مرجعية خلقية خالصة، حينما علق على النص بقوله "لو كان الشعر مثلها لوجب على الناس أن يتعلموه"11.

وعلى هذا الأساس، فإن جمالية الشعر ليست دائما مقرونة بحصول اللذة الفنية، بل قد تتغلب جمالية المعنى فتكسب الشعر فرادته وتميزه. وقد شكل هذا المنطلق النقدي أساس التصنيف للمختارات الشعرية، فقد كان العامل الخلقي يراعى فيها قبل أن يراعى العامل الفني. وذلك باعتبار الشعر ذا وظيفة تربوية وحاملا لقيم يتربى عليها الراغبون في صناعة الأدب.

وعلى الرغم مما يمكن أن يحمله الشعر من معان سامية وقيم وتوجيهات أخلاقية وسلوكية، فإن المجتمع الثقافي قد انقسم في موقفه من الشعر ومن أصحابه ومتعاطيه.فظهر اتجاهان مختلفان12؛ اتجاه متطرف يرفض الشعر ويحارب أصحابه وينعتهم بالبعد عن الفطرة باعتبار أن" الشعر يشغل عن القرآن"13. واتجاه معتدل، حاول تكييف فن الشعر مع النزعة الدينية، وبحث عن المبررات والأصول الشرعية التي تجيزه وتتقبله. وهذا الاتجاه الأخير هو الذي تبنته الزوايا، وخاصة الدلائية والناصرية. فكان المكون الأخلاقي جزءا من بنية الشعر، وعلامة بارزة في معظم التجارب الشعرية.

ومن هنا نستطيع أن نعدل نظرتنا إلى شعر الزوايا الذي يندرج ضمن هذا الإطار الأخلاقي، ونركز على خصوصيته ووظائفه المتعددة دون أن نسقط الالتفات إلى جماليته الفنية. فهذا النوع من الشعر يتقاطع فيه البعدان الرسالي والفني، ويتصل فيه الهاجس الإبداعي بالهاجس الفكري والديني. ولذلك كانت القصيدة الشعرية التي أنجبتها الزوايا المغربية قصيدة مركبة ،تنصهر فيها عناصر شتى، ولها أبعاد مختلفة ومتنوعة مرجعية ووظيفية وجمالية.

والغالب على شعر الزوايا أن ولادته - في أكثر نماذجه- لم تنزح عن الأجواء الدينية والطقوس الصوفية التي خلقتها الزوايا وساهمت في تكرسيها في المجتمع. كما أن هذا الشعر ظل مرتبطا بالخطاب الديني الصوفي وبرموزه. فلم يكن الشعر صناعة أدبية مقصودة لذاتها14، وإنما كان إنتاجا فنيا وظيفيا استجابة لما يفرضه منطق الانتماء والالتزام، ولما تتطلبه الحياة الصوفية من أذكار وأوراد وابتهالات، ولما يقتضيه الولاء الطرقي من مدح للشيوخ والأولياء وتشوق إلى المقدس بكل عناصره وما يصاحب ذلك من بكائيات واعترافات وزهديات وتوسلات. فلم تكن الخلفية الفنية أساس هذا الشعر أو منطلقه الأول، وهذا ما يجعل كثيرا من نماذجه لا ترقى إلى مستوى الإحسان الفني.

ومع ذلك يبقى الشعر المرتبط بالزوايا من أكثر النصوص التباسا، وأكثرها تعبيرا عن الخصوصية الفكرية وعن نوع خاص من الفهم للقول الشعري ولوظائفه. فلم يكن الخطاب الديني سمة لصيقة به بشكل عام، ولم يكن هاجس الانتماء الإيديولوجي / الطرقي المحرك الوحيد للقول الشعري. بل إننا نجد، في تراثنا الشعري الذي أبدعه رجال الزوايا وأدباؤها، تجارب شعرية دارت مع الحياة الوجدانية والاجتماعية والسياسية، وعبرت عن هموم الإنسان وعن إحباطاته ونزواته وتطلعاته، بعيدا عن الخطاب الديني. وكأن الشاعر- من حين لآخر- كان ينفلت من مغناطيس التصوف، ويتحرر من جاذبية التوجيه الديني الصارم ليمنح لنفسه الحق في أن يفكر خارج الإطار الفكري و القيمي الذي ينتمي إليه، وأن يستمع إلى صوت النفس وثرثرة القلوب وهدير المجتمع.

 

 

د. محمد شداد الحراق

.........................

المصادر والمراجع:

1 أحمد الطريسي: الإبداع الشعري والتحولات الاجتماعية، ص: 15.منشورات كلية الآداب بحوث: 4، جامعة محمد الخامس الرباط.

2 جواد السقاط: بناء القصيدة المغربية، ص: 51.

3 أحمد الطريسي: الإبداع الشعري...، ص: 15.

4 م. نفسه، ص: 17.

5 عباس الجراري: الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه ج1 / ص: 200. مكتبة المعارف،الرباط 1970، -

6 الحسن بن مسعود اليوسي(أبو علي): زهر الأكم في الأمثال والحكم، تحقيق محمد حجي محمد الأخضر، ج1 /ص: 48. دار الثقافة البيضاء ط1-1401-1981

7 م. نفسه، ص: 48.

8 محمد شداد الحراق: محمد المكي بن ناصر الدرعي: تراثه العلمي والأدبي: تصنيف و دراسة، ج 2 / 410 ـ 411، رسالة جامعية مرقونة بكلية الآداب، تطوان. 1998.

9 في بلاغة القصيدة المغربية،ص:52 مطبعة المعارف الجديدة – الرباط، الطبعة الأولى، 1999

10 عبد الله بنصر العلوي: أبو سالم العياشي المتصوف الأديب،ص: 151 ـ 152، منشورات وزارة الأوقاف المغربية 1419-1998 .

11عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: الشعر والشعراء، حققه وضبطه مفيد قميحة، مراجعة نعيم زرزور، ص: 250،دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان،ط 2- 1405 / 1985

12انظر: السقاط، بناء القصيدة المغربية...ص:51-52

13م نفسه،ص:51 نقلا عن "ابتهاج القلوب" لعبد القادر الفاسي.

14انظر: مبحث:الشعر علم وصناعة،في:عبد الجواد السقاط: بناء القصيدة المغربية...،ص:42-46

 

فيلم فلسطيني بعنوان "أبرياء ولكن" للمخرجة حنين كلاب

ezaldeen shalahبعيداً عن السياسة المباشرة في تناول الأفلام الفلسطينية لقضايا سياسية، وعلى الرغم من أن فيلم "أبرياء ولكن" يتناول قضية اجتماعية إلا أنها قضية نتجت عن ضع سياسي بدأ منذ بداية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بمحاولة الإسرائيليين تجنيد جواسيس فلسطينيين، ومجابهة ذلك من قبل التنظيمات الفلسطينية بمحاولة الكشف عن الجاسوس وقتله مما أدى إلى خلق قضية اجتماعية خطيرة، تسببت في انعزال تلك الأسر عن المجتمع وعدم اقتراب المجتمع من هذه الأسر بسبب أن رب الأسرة أو أحد أفرادها خائن للوطن، وربما أيضاً للابتعاد عن الشبهات، خاصة في ظل تواصل الصراع.

قضية اجتماعية مهمة جداً، تحتاج جرأة لطرحها، تتناولها المخرجة المبدعة حنين كلاب عن قصة للكاتب محمود عفانة في فيلمها الروائي القصير، لتجسد بشكل قوي وجميل أحداث فيلمها على مدار 20 دقيقة، بدأ من قوة السيناريو وتسلسل مَشاهدة والموسيقى المختارة للمَشاهد والتركيز على أداء الممثلين خاصة بطلة الفيلم التي لعبت دور قوي أقنعتنا خلاله بأنها تعيش ظلم المجتمع، وكذلك بطل الفيلم أحمد مسلم، وكاتب القصة الذي قام بدور والد أحمد والذي نلمس أيضاً بأدائه أنه يعيش الحكاية.  

 

مع بداية الفيلم نشاهد غزة وجامعة الأزهر وبطلة الفيلم جنان قويدر والتي تقوم بدور الطالبة شريفه عبدالله، تجلس مع صديقتها سناء في الجامعة، يتبادلن أطراف الحديث، مما يثير استغرب زميلاتها اللواتي تعودن على رؤيتها وحيدة، منطوية ومنغلقة على نفسها، تدعوها سناء على عيد ميلادها، لكنها ترفض، نلمس خوف وانطواء بطلة الفيلم ليظهر منذ البدايات الأولى للفيلم بان هناك مشكلة ما.

تنتقل الكاميرا لمنزل سناء لنشاهد والدها ووالدتها التي تطلب من زوجها أنها ترغب في زواج أبنها بطل الفيلم أحمد مسلم والذي يقوم بدور أحمد ويبدي الأب موافقته في البدء بالبحث عن عروس لأبنهما.  

نشاهد أحمد يحضر بسيارته للجامعة لنقل أخته سناء التي تطلب من شريفه أن تأخذها معهم في طريقهم لمنزلها، توافق شريف بعد إصرار سناء وتصعد معها في سيارة أحمد، ومنذ بداية الطريق وحتى نهايته نلمس أعجاب أحمد بشريفة والالتقاء بينهما من خلال موسيقى سيرة الحب، والتي امتدت على طول الطريق.

تصل شريفه إلى منزلها، تخبر والدتها بأنها عادت للبيت مع صديقتها سناء بسيارة أخوها أحمد، تفاجـأت والدتها، لكن شريفه أكدت لها بأن لا تخاف لأنها نزلت قبل البيت ولم يعرفوا من هي وأين سكنها، تطلب الوالدة من شريفه بأن لا تكرر ذلك رغبة منها بأن يكونوا بعيدين عن المجتمع وبان لا يعرف عنهم أحد أية شيئ، وهنا يتضح أنهم يخفون ويختفون من حدث ما تعرضوا له.

يصل أحمد وسناء منزلهم، تخبره والدته بأنها تود أن تفرح به وأنها ستبحث له عن عروسه، لكنه يصارحها برغبته في الزواج من صديقة أخته ويبلغها اسمها شريفة عبدالله.

يذهب أحمد للجامعة ويلتقي بشريفه ويطلب منها بأنه بحاجة للحديث معها لمدة خمسة دقائق، ترفض شريفه ويقنعها بأنه يحتاجها في موضوع مهم، توافق شريفه على مضض، يبلغها أنه أختارها لتكون زوجة له، وأنه أرسل أهله لخطبتها، نلمس ارتباك شريفه والصراع الداخلي الذي تعيشه ما بين حقها في الزواج وبين ماضيها الذي سينكشف، ترد عليه بأن ما قام به مصيبه وتنسحب من المكان.

تبدأ كالعادة عملية البحث والتحري عن العروس وأهلها ليكتشفوا بأن شريفة تتمتع بأخلاق عالية لكن والدها قتل بسبب اتهامه بالتجسس لصالح الإسرائيليين.

تنتقل الكاميرا لبيت والد أحمد الذي يصرخ في زوجته وأبنته: " جاسوس والله يا فرحتنا، بدي أناسب جواسيس أخر العمر، بعدين أبنك مبعرفش الكلام هذا من أول؟ وأنت صحبيتها مبتعرفيش؟ الزواج هذا ما راح يتم"، تأكد له ابنته سناء بأنها لم تكن تعرف، تطالبه الأم بأن يهدأ وتبلغه أن أبنه يحبها، يعود أحمد للبيت بعد أن التقى شريفه، يسمع صراخ والده، يتساءل عن ما حدث، يبلغه والده بأن هذا الزواج لن يتم.

ينتقل المشهد داخل بيت شريفه التي ينتابها القلق، تتنقل في غرفتها ما بين الأمل وفقدانه، ما بين فرحتها بشاب يود التقدم لها لخطبتها وبين أن ينكشف سرها، تدخل والدتها إلى غرفتها لتطمئن عليها وتسألها عن حالها، تصارحها شريفه: " يامه أنا بعرف شاب اسمه أحمد بيكون أخوها لسناء صحبيتي، هو يامه بده اياتي وبده يخطبني وبده يبعت أهله كمان ييجوا يخطبوني بس أنا يامه أنا خايفه يعرف قصة أبوي وأنه أبوي أنقتل لأنه عميل"، ترد والدتها: " أبوك كان مظلوم يا بنتي والله كان مظلوم وبريئ"، تجهش شريفه بالبكاء: " يامه شو الفايده الناس ما بتعرف هيك، أبوي بالنسبة للناس هو خاين وأنا بنت عميل، أبرياء وبندفع الثمن"، تحضن والدتها وتبكي على صوت موال حزين: " جرايم يا زمن، بريئ وبيدفع الثمن، والظالم يزيد في ظلمه وفرحة صبية تندفن".

لا زال الجدل بين الوالد وأحمد الذي يتنكر لنظرة المجتمع ويعتبرها نظرة متخلفة ظالمة: " شو ذنب البنت، الوالد: " وإحنا شو ذنبنا أول ما راح يعايرنا غير قرايبنا، والناس شو بكره يقولوا لأولادك، جدكوا كان خاين عميل، أنت هيك راح تظلم أولادك وراح تظلم نفسك".

يطلب أحمد من والده الجلوس والهدوء ويقول له " بأن الله يقول في كتابه ولا تزر وازرة وزر أخرى، ما في حدا بيتحمل ذنب الثاني".

يرد عليه والده: " يا بني أفهم الناس ظلمه مبيرحموش، وبعدين أنت بس شاور لي على أية بنت، هو اللي خلقها مخلقش غيرها"، يرفض أحمد وجهة نظر والده ويعتبر بأن هذا المجتمع ظالم ومتخلف ولا يجب أن تحاسب البنت على ذنب لم تقترفه، وبأن ذلك حرام لأننا مسلمين، وأنه لا يجب أن يظلم كما يفعل الآخرين، وينسحب برفضه الزواج نهائيا ويخرج من البيت.

تتحول أجواء البيت من فرح بالزواج إلى حزن يطفئ تلك الفرحة ويخلق صراع ما بين رغبة أبنهما في حلمه بفتاة أحلامه وبين ماضيها الذي يلاحقها وسيلاحقهم في حال تم الزواج، لكن أم أحمد خرجت عن صمتها: " والله يا حج أنه معاه حق شو ذنبها هالمسكينة"، ينظر لها ويصارحها ويصارح نفسه:" والله أنا عارف أنها مظلومة هالبنت ولكن أحنا كمان شو ذنبنا نقعد في لسانات الناس"، تذكره أم أحمد بحادثة أبو صلاح الذي قتل بتهمة التجسس وبعد عشر سنوات ظهرت براءته.

يتجهان للبحر ليعيشان ذكرياتهما معاً وربما ليبتعدا عن مجتمع لا يعرف إلا لغة الظلم، يستعيد كل منهما ذكرياته مع الآخر، يلتقي أحمد وشريفة لتصبح الشمس بينهما في وقت الغروب، يتأمل كلاهما الآخر، تبكي شريفة ويصاحب بكائها موسيقى حزينة، تروي له الحكاية: " من أول لحظه كنت بدي احكي لك، بس خفت، والله العظيم خفت، خفت أخسر الإنسان الوحيد اللي بيحبني وبيخاف علي، طبيعي أني أخاف، أمي قالت لي أنه مظلوم وأنقتل ظلم وأنا بصدق أمي، بس الناس والمجتمع مبيرحموش، وهذا كان السبب أنه عشنا بعيد عن أهلنا، حتى قرايبنا ما حدا تعرف علينا، كنت وحيده لغاية أنت ما دخلت حياتي، وغيرتها، بس خفت وطبيعي أني أخاف، وليش ما أخاف، وأيش بدي أحكي لك أنه أبوي... أنه أبوي، مع أنه مظلوم وأنقتل ظلم، بس حتى لو كان أبوي عميل، أيش ذنبي أنا، كل الناس اللي زينا هيك، ليش بيكونوا بقفص الاتهام، وفي ناس كثير زينا حاسه أنه هم أبرياء، بس دايما في لكن.. بس دايما في لكن..

تقنعنا شريفه بآدائها وبقوة كلماتها وبالظلم الذي وقع عليها وعلى الكثير ممن عاشوا حالتها، وتقصد في صراخها بإعادتها لجملة دائما في لكن، أن المجتمع يمجد بأخلاقها وبأخلاق مثيلاتها ولكن يتم محاسبتهن على ماضيهن الذي لا ذنب لهما به، يرد أحمد عليها بالآسف، وبأنه فرد من المجتمع، ويفاجئها: " لهيك لا يمكن أني أستغني عنك.. أنا بحبك يا شريفه"... يبتسم كلاهما للأخر ويذهبان معا أيضاً باتجاه البحر، وينتهي الفيلم.

ربما كان الأجدر بأن لا يذهبا باتجاه البحر، وكأنهما يحاولان الابتعاد عن المجتمع، بل بالسير على الشاطئ والخروج عكس البحر لمواجهة المجتمع، لتكتمل الرسالة الهامة للفيلم بدق الجرس بأن هناك نموذجاً لحالة كسرت الحاجز، وبأن هناك مشكلة اجتماعية تستحق لفت النظر إليها، وعلى الجميع المشاركة في دمج تلك العائلات والتعامل معها بشكل طبيعي، لخلق حالة من النسيج الاجتماعي السليم.

طوبا لكل طاقم العمل الذي أدى دوره بتقديم رسالة مهمة وخاصة المخرجة حنين كلاب التي استطاعت أن تحصل على أداء قوي لبعض الممثلين على الرغم من أنهم يقفون أمام الشاشة للمرة الأولى وكاتب القصة محمود عفانه ومنتج الفيلم والمشرف العام فتحي عمر.

 

بقلم: د. عزالدين شلح

البوصلة صوب كربلاء .. رؤية في رواية: حريق الممالك المشتهاة لبلقيس الملحم - الباب الأول

karimm althowriقرأت عشرات الكُتب المختلفة والتي تتحدث عن العراق قبل إقحام نفسي بعمل ملحمي يتطرق لأكثر البلدان تعقيدا من جهة علاقة الحاكم بالمحكوم على مر التاريخ / بلقيس الملحم

 

استهلال لاستدراك:

الروائي السعودي الجنسية العراقي الهوى عبد الرحمن منيف (ليس مصادفة فبلقيس كذلك)، يقول منيف: إنّ الفرق بين القاص والروائي كمن يحدق إلى شجرة ويصفها ومن يتوغل في بحر غابة متلاطمة الأشجار والأدغال فيغوص في متلاطماتها " المعنى "

رابط استهلانا نابع من بديهية سؤال يطرحه المتلقي حول مدى جديّة "بنت السعودية" أن تتوغل لدرجة الوله في بلد غير بلدها، خاصة إذا كان هذا الارسترسال على شكل أثر أدبي مميز يتطلب جهدا مضاعفا كما هو الحال في روايتها حريق الممالك المشتهاة، بلد متعب لدرجة لعنة التاريخ عليه أبد الآبدين، بلد لا يكاد يصلح سوى للبُكاء والندب واللطم من كُثر ما تكاثف فعل السواء وتمدد لدرجة، يقال لأرضه التي أفرطت في العطاء، أرض السواد . عطاؤها الذي تحول لشكل علاقة غيرمتكافئة بين خازوق الحكام ومخارج الرعية حتى اختلط الأحمر بالأسود .

 

مُدركة لعنة الصائغ عدنان:

تقول الملحم في الاستدراك " فُقِد من الرواية نحو مئة صفحة، حدث ذلك حين وضعتها جانب وسادتي، ولما استيقظت وجدتها ذاوية، نحيلة، قد جحظت عيناها !، مدركة لعنة الصائغ عدنان وقائمة الذبح والأنين تطول، نعم فإن أجمل شباب الوطن ساحوا من جانب الدفة اليمني . كما أنّ أطيب شيوخ الوطن انتعلوا أحذية أبنائهم الشهداء ولم يبق سوى هذه السطور التي قرّرت نشرها...) .

لا غرابة إذن أن يخرج نشيج بطلة السرد "عفراء " على لسان بلقيس الملحم مُحاذيا لنشيد "عبود " للصائغ أوروك * مشترك العزف المنفرد شكل هلوسة كائن نهلستي لا هو إلى الأرض ولا هو إلى السماء، ما جعل لغز حشد الألفاظ النافرة والجمل النثرية سيل مسلمة متوقعة تبحث عن معناها وسط تقافز الجثث واختلال الموازين، أن يتشكل السرد " المُعفّر " بالجنون على طريقة دوامة رعب، شكل جمجمة يغلفها رأس محمول على جسد لم يبان منه غير معالم نكهة يصر مع الريح فيرددهُ الصدى " فإن أجمل شباب الوطن ساحوا من جانب الدفة اليمنى . كما أنّ أطيب شيوخ الوطن انتعلوا أحذية أبنائهم الشهداء " . عفراء في ذاكرة أي مواطن عراقي الأم والأخت والحبية وقبل ذلك الوطن المستباح، تجلس هكذا قبالة قبرٍ جوال تفتح ثقبا في ذاكرتها وتُحدث الفراغ كما لو انّها تُحدِّث أرواحا تستجوبها. والشيء بالشيء يُذكر ونحن نتكلم عن الملاحم والمطولات أنّ والد الروائية هو الشاعر محمد الملحم صاحب أطول ملحمة شعرية، فقد كتب ملحمة " الدر المكنون في شتى الفنون من ١٣ ألف بيتا "، إذن هوسها في فضاء الكتابة الملحمية صهيل ما انفك يطرق أبواب سمعها على وقع لهاث لهاث خيولها .

ختام هذا الاستهلال لابد لنا من التنويه بأن للروائية بلقيس الملحم كتابا شعريا بعنوان " ما قاله الماء للقصب " قصائده تدور في أعمّها عن العراق أيضا، أي أن " الشاعرة والقاصة والروائية " تكاد أن تكون شبه مختصة بجغرافيا العراق وتناولات بغدادها التي حفظتها عن ظهر قلب، بشوارعها وأزقتها، بناسها وتقلبات أمزجتهم عبر تناولات ألسنتهم، حتى انها تخطت حدود تباهي كاظم الساهر يوم غنى" يتبغدد علينا واحنا من بغداد" في معجم التبغدد، إلى ما هو أبعد، وكأن إلهام الأغنية موجها لها تحديدا، إستفزازا وتحرشا " . سنفرد " لتبغددها " بحثا يتناول الألفاظ البغدادية وسياق مرادفات توظيفها في باب من أبواب البحث .

 

لماذا صوب كربلاء؟

يمكننا القول "غير مجازفين" إننا رصدنا عدة عناوين قادتنا صوب القناعة التي نحن عليها من جهة تناول العمل السردي لبلقيس من بوابة " الطريق إلى كربلاء "، البحث هنا اتخذ بوابة من عدة بوابات سنتناولها بالدرس تباعا ثم نحاول ربطها جميعا قدر المستطاع تاركين للقارئ لذة مزاولة التخبط !.

 

العوامل الذاتية والموضوعية

أولا: المنبت والمعايشة

كون عفراء الرواية كربلائية النسب فهذا يعني أنّ عدة مقومات وراثية وحياتية لعبت دورا أساسيا في تشكيلات تعاطيها مع الواقع، ومن هذه العوامل لعبة مقتل أخيها عادل صاحب الإهداء الأول واختفاء ثائر صديقه صاحب الإهداء الثاني: (سألته إن كان يوجد لديه عنوان آخر لثائر صديق أخي عادل ... لم ألق منه جوابا سوى أنه رفع من حاجبيه دون آن ينبس بكلمة:

عفراء....عودي أدراجك إلى كربلاء

وهل سأجد ثائر هناك ؟) .

ثانياً: إنقباضة العشق الأولى

أيام كربلاء احبت عفراء الملحم إبن عمها حسين وكان الوعد أن يتزوجها لكن مشيئة القدر بأخرى، من جملة عوامل اصرارها الذهاب إلى كربلاء معاودة ذكريات أيام حنينها ومقاربة ذلك قدر ذاكرتها:

(لكلماتك ياحسين طعم الزلابية، حلاوة راشي، حلاوة شكرية، حلاوة دبس، بقلاوة، كَليجة، حلاوة جزر، شكرلمة ابو العسل، أصابع العروس، سمسمية، خرِّيط، منّ السما، حلقوم، كعب غزال... لو حلاوة السيٍّد شلون حلاوة تخبل وريحة الراشي تفوح منها .)

ثالثاً: أمي

(كانت أمي تذهب بنا إلى بيت جدتي في العباسية، تطلب مني عدَّ النجوم ونحن نفترش السطوح وهي تحكي قصة السلطان وعشيقها حسن " حمّال الجرار" حتى يأخذنا الخدر وغمامة وجه أمي الصافي تنام أختي ولا أنام....

عيوني حنان قريبا سأعود إلى كربلاء...) .

(إحساسي بصفاء الذهن تحطم . إحساسي بلذة كربلاء تلاشى... تذكرت بيتنا القديم فإذا بفناء فسيح تملؤه الشجيرات وصوت أمي التي كان يتسرب بين شقوق الجدران . كانت تصلي وتدعو بدعاء الندبة * في يوم الجمعة التي كانت تحفظه كاملاً عن ظهو قلب . حين جمعت كل خسارتي . شعرت بأني في حضرة الندبة... حتى تعيدني إليها بصوتها المبحوح من البكاء وهي تنادي عليّ بأن أنهض للمطبخ ...:

{لَيتَ شعري أين استقرت بكَ النّوى . بل أيُّ أرضٍ تُقِلُّك أو ثرى، أبرضوَى أم غيرِها أم ذي طُوَّى، عزيزٌ عليَّ أن أرى الخَلقَ ولا تُرى...}

رابعاً: الذاكرة المُرعبة

(والعراقي مازال يُسأل عن المجزرة . أنت مسلم ؟ شيعي؟ سني؟ كردي؟ عربي؟ مسيحي؟ كلداني؟ آشوري؟ صابئي وجودي ؟ شيوعي؟ ملحد؟ صعلوك ؟ غجري ؟ شروكي ؟ معيدي ؟ لك هو إنسان مخبَّل بس ! أما أنا فقد كررت السؤال على كربلاء: لويش عفتيني بعد هلمره يُمّه !)

خامساٌ: الحياة بالموت

لننظر " لعفراء الكربلائية " كيف تُقلب لُعبتها وهي تقارب بين ملذات الجلاد ومتاهات المجلود قلب أمها المُغيّب عادل:

(في الوقت الذي كانت فيه حاشية الرئيس صدام حسين تشوي له غزالا في إحدى نزهاته البرية.... هي اللحظة ذاتها التي انتزعت فيها الأقاويل بتصفية عادل قلب أمي النحيلة)، هذا المشهد كربلائيا بإمتياز فهناك يزيد يلعب مع القرود ويكرع الخمر وهنا شبيه الحسين ينتظر تصفيته .

سادسا ً: إنّ عفراء ومنذ الصفحات الأولى كانت موعودة بزيارة كربلاء منبتها الأم لسبب لم تعلمنا به حتى انّها شدتنا لترقب زيارتها لأسباب نكتشفها في فصل " أحاديث المهد "، وهو الفصل ما قبل الأخير يقع ما بين الصفحة ١٨٧ ـ ٢٥٠، وقد نفضت في ال ٦٣ صفحة جل شحنتها، كيف لا وهي كربلائية المنبت والهوى، تقول: " انتهينا إلى مشارف كربلاء ...ليس لدي أضفار طويلة لأفتح النافذة . أطل برأسي نحوها . شرعت في فك أزرار روحي . أكاد أختنق من كمية الأوكسجين الذي حبسته في رئتي " . ياإلهي كيف لنا أن نتخيل اختناق الفرد من كمية الأوكسجين المحبوس في رئتيه في بلد عكس موازين كل البلدان!، يبدو أنه أوكسجين فاسد، أوكسجين بغداد التفجيرات، القتل، الإختفاء، الموت والدمار، أكيد أنّ أوكسجين مابين العتبتين الحسينية والعباسية معبأ بعطر ذكريات يفلتر الهواء، أقل انحباسا في الرئتين.

سابعاً: قبر ثائر في كربلاء

تريد أن تعرف ما حلّ بثائر صاحب الإهداء الثاني في ملحمتها هذه، لتكتشفه منتحرا فيما بعد، هو صاحب القبر المساند لقبر عادل، وقد نقش أعلى شاهدة القبر " أكتبو فوق قبري مات منتحرا"

ثامنا ً: جنينها

الذي في بطنها والذي كان مدار حوارات متعددة بينها وبينه، كانت تكلمه كلما ألمّ بها مصاب، رمزية لم تلده بعد وقد اختطف الموت كل من احبتهم وتعلقت بهم، ولكن ما اسمه ؟ وما علاقة ذلك ب " صوب كربلاء " ؟؟، لنصغي لحوارها وبين زوجها حول ذلك:

{وحدي ارتمي على صدرك وأقول لك إسمع إنه يتحرك... علي يتحرك وقريبا سيخرج للدنيا، علي سأسميه علي، كما اتفقنا مو}؟

كما اتفقنا مو تعني كما اقنعتك يازوجي العزيز الطيب و الذي لا يرد لي طلب ...

هذه الشواهد وغيرها في رواية تمتد ل 300 صفحة دلتنا على أن عفراء بطلة السرد على لسان بلقيس الملحم يوم اجتثت من أرض كربلاء وزُرعت في أرض بغداد لأسباب قهرية كانت مسكونة برجعٍ بعيد سرعان ما استدعاها فلبّت النداء.

 

تاريخ العراق كربلاء وكل أيامه عاشوراء:

(إيه أبنا "نانا" إن تلك المدينة التي حولت إلى رميم وملأ شعبها، و كسر الفخار كل محلاتها، وتصدعت جدرانها والناس يئنون في أبوابها العالية، التي كانوا فيها يتنزهون، رميت جثث الموتى وفي شوارعها المشجرة، حيث كانت تنصب الولائم استلقوا متناثرين، وفي كل طرقاتها التي كانو فيها يتنزهون سحبت جثث الموتى، وفي ميادينها حيث كانت تقام الاحتفالات استلقى البشر بالأكوام....أوآه يا "نانا " لقد دمرت أور وشرد أهلها .)

هذه القصيدة ترثى أور المدينة العراقية العظيمة التي احرقها العيلاميون... وهكذا يمتد ومنذ فجر التاريخ نشيج دام متواصل، وحبل أسى ودموع ورثاء غليظ يصل قلوب ووجدان الأبناء الممزقة عام ٢٠٠٨ بأرواح الأجداد المثكولة التي كتبت بمداد انسحاقها هذه القصيدة قبل " ٤٠٠٠سنة " في لونيها المفضلين الأحمر والأسود .

والآن يأتي دورعفراء الملحم، ونربط ما ذكرنا في قصيدة أور مع منلوجها الداخلي، أبتداء منذ الصفحة ٢٤ " يشتغل تصاعد النشيج إذ تفتح " ثقبا " في ذاكرتها وبين أخيها المغيب، لتنفث ما تكدس في منفضة رئتيها حتى تعبأ لهيب دخانها، وقفَ أخيلة َمَن غادرونا بغتة وتركونا محظ سردٍ مُبعثر:

(سامحني عادل، سيشتغل الحديث...

افتح لي ثقبا من بابك وسأحكي لك الحكاية...

نحن الآن في ٢٠٠٨)

قلنا في محضر قصيدة أور (وهكذا يمتد ومنذ فجر التاريخ نشيج دام متواصل، وحبل أسى ودموع ورثاء غليظ يصل قلوب ووجدان الأبناء الممزقة عام ٢٠٠٨ بأرواح الأجداد المثكولة التي كتبت بمداد انسحاقها هذه القصيدة قبل " ٤٠٠٠سنة " في لونيها المفضلين الأحمر والأسود) .، نعم هي محاولة ذكية من قبل الكاتبة لتوظيف حقبة زمنية معينة جمعت خلالها ما استطاعت من ارشيف المعلومات وقد افلحت الملحم في تحريك عفراء بالطريقة والكيفية التي رسمتها. لكن هذا لا ينفي أنّ للتاريخ حزمة واحدة خاصة فيما يتعلق بكوارث الحروب، وهذا ما سنلاحظة في خلط تواريخ ذاكرة الموت عند بطلة الرواية، تراها تتوقف عند ٢٠٠٨ مثلا، ثم تنتقل لحقبة الثمانينيات تحديدا في زمن الرئيس " المشنوق " صدام حسين، تناولنا سيأخد عينات من حقبتي ما قبل وبعد التغيير عام ٢٠٠٣:

(نعم فقد كنا حوالي عشر جثث وعشرات الجرحى، ثمة مخلوقات جميلة لا يمكن للقدر أن يخطفها، فالشابان الوسيمان اللذان عبرا شارع الجامعة التكنلوجية، اختطفتهما سكرة الموت)

هذا السرد يعود للفترة ٢٠٠٨، فترة التفجيرات التي طالت الجامعة التكنلوجية .

وفي سرد آخر تقول:

(أو تواجه لافتة خط عليها بلون أحمر: أكتبو فوق قبري مات منتحراً)

بحقك أيتها السماء، هل يعربد فينا الموت لهذه الدرجة:ـ أسأل نفسي

امام المنتحر وقفت وقرأت الفاتحة....

لافتة أخرى تعود لحقبة الثمانينيات كتب عليها (يادود يادود أكل لحمي وعظمي وخلي عيوني السود

تبا كيف للعراقيين أن يخترعوا مثل هذه العبارات؟

لم أتصور أن للقبور لسانا طازجا

وخلي عيوني السود!)

ثم يعيدها الكرسي الهزاز للموت ذهابا وإيابا صوب ذاكرة مازالت طرية، يعيدها لزمن التصفيات في حقبة النظام السابق، نراها تحدث صاحب القبر:

(أكنت من أولئك الذين أعدموا بنكتة أطلقتها على السيد الرئيس؟

أم كنت من الفارين من الخدمة العسكرية ؟

حتى لم يدفع أهلك قيمة التابوت الذي حملوه إليهم ولا عدد الطلقات التي افرغوها في جسدك لذا رموك في كيس قمامة قبالة داركم)

السؤال:

هل استطاعت بلقيس الملحم على لسان عفراء وهي تحدث عادل بقولها " نحن الآن في ٢٠٠٨ " أن تلتزم بهذا التوقيت كونه نقطة محورية وما يتبع يؤسس تباعا ؟، بالتأكيد لا، نحن جميعا نتشابه في ذلك فذاكرة التاريخ لا يمكن تجزأتها.

نعم بلقيس الملحم، كلنا كذلك، نشتغل بأحاديث مع أحبتنا الذين غادرونا بغتة، نفتح ثقب ذاكرة، نحدد وقتا هو أقرب لمُخيلة مازالت طريقة، ثم يتشعب بنا الحديث ويمتد إلى ما هو أبعد، فيختلط الحابل بالنابل على وقع أحمر هنا لأسود هناك .

الحداد يالوني المفضل ....

للحديث صلة في أبوابٍ أخرى...

شكراً بلقيس الملحم...

 

كريم الثوري

.....................

نشيد أوروك: أطول قصيدة كُتبت في تاريخ الشعر العربي للشاعر عدنان الصائغ

دعاء الندبة: هو أحد الادعية المنسوبة للامام الثاني عشر عند الشيعة

 

 

الشاعرة الجزائرية نسيمة بوصلاح أنوثة تتجاوز زخرف البوح إلى مساءلة المعطـّل

ahmad alshekhawiلعل فضول الإحاطة ـ جمالياــ بالكينونة الذاتية ومعرفيا حتى ،أو بالأحرى التقيد بخوض مغامرات اقتناص بعض الحظ مما قد يقود إلى مستويات النبش في أسرار وجودية تبرّر نسبية انفتاحنا على ما يعمّق فهمنا للعوالم التحتية والدفينة في ارتباطاتها وتداخلاتها مع منظومة أسئلة لحظية مستعصية تتيح مقاربات منطقية لتخوم أنوية النزوع نحو الهامشي والمعطل مرورا بغيبوبة تمنحها الميتافيزيقيا الدالة على بؤر التصالح مع الذات والانخراط في حيثيات الراهن .

لعلّ ذلك و ما يوازيه يعدّ من أبرز ما يحفّز على الكتابة،و فضّ بكارة البياض وتقليص حيّز العشوائية والارتجال،ضمن نطاق تصول فيه الذهنية وتجول فوق ما تفعل أدوات الفعل الإبداعي.إنه ثقل المعلومة و وطئتها وحجمها الخرافي وتمنّعها على الاختزال في المعنى الواحد واليتيم .

أخال الشاعرة الجزائرية نسيمة بوصلاح لا تزيغ في مجمل منجزها عن السرب المترنم بكهذا طرح . إنها نموذج صوتي لا يضحي بفنية العنصر التعبيري إلا اضطرارا،وإن ثمّ لها ذلك ففي حلّة تصعق محاولات النفاد والتسلل إلى كنوزها الإيديولوجية التي تنتصر للوازع الإنساني وتفجّر مكامن النضارة في تجعّدات المنجز.

لذا سنقتصر في احتضاننا لهذه التجربة المكتظة بمواويل الأنوثة الصارخة والمتحصنة بهودج الرؤى المقارعة لفحولة الأصوات الرجالية. نكتفي بالقصيدة الموسومة بــ " هامش على شره البحر الوهراني " ما دام يفي بالأغراض المفذلك لها سالفا.

الرُّؤَى..،

سَعَفٌ تَدَاوَلَهُ الرُّوَاةْ...

والكَتَاتِيبُ اخْتِصَارٌ..،

للأَقَاوِيلِ الَّتِي..،

قَدْ عَطَّلَتْ لُغْمَ اللُّغَاتْ...

حضاري وإنساني أن نلج مرحة الاستغناء الواعي عن اللغم أو أي سلاح مهما صغرت أو كبرت حدّة الخطورة المترتبة عليه، كانسلاخ سلوكي إلى تعمير عالمي يفيض تآخ ومحبة واستقرارا وأمنا و تعايشا وسلاما. بيد أن لغم اللغة يأخذ مفاهيم مغايرة تماما، وقد ذيّل المقطع أعلاه بسطر شعري صريح الوشاية بتلك المفاهيم.

إنها رؤى استباقية تنزع عن الصحراء رداء البراءة وتزكّي الطرح الممسوس باستذئابها وتعطشها المرضي للدم في زماننا الحالي .وكأنها تعيش دورة كاملة يتأرجح منحنى جاهليتها أفقيا وعموديا ليبلغ ذروته زمكانيا أكثر من يدفع ثمنه جيل الشاعرة.

ذنب هذه الصحراء أنها سنحت لكتاتيب الأقاويل المغذية للتّطرف، و رخّصت لها سبل التعشيش والتفريخ، فكان من البديهي أن يغرق العالم وتصطبغ صحراؤه بالدماء.

وَالفَضَا..،

مَاءٌ تَكَلَّسَ فِي جَبِينِ حِكَايَةٍ،

تُفْشِي العَرَائِسَ ..،

للَّذِينَ تَنَاقَلُوا خَبَرَ الوَفَاةْ...

هِيَ ذِي البَلَاغَةُ تَقْتَفِي شَبَقَ الخُيُولْ..،

تَذْرُو الرِّمَالَ عَلَى مَتَاهَاتِ الكِنَايَةِ،

واهْتِرَاءَاتِ النُّحَاةْ،

لا أخسّ وأقذر من أن يتلطّخ الفضاء بدوره بما جنت يد البشر وأملت شيطنة الإتجار في الدين. أن يتحول الفضاء إلى جوقة تمتهن وظيفة النعي وتغلّب خيول السبق إلى الأنانيات والتقوقع على المآرب الشخصية، مقابل قشور تفضحها الكتابة الحقيقية المحتفية بالمتبقي فينا من آدمية وكرامة وعنفوان.

فُكَّنِي..،

يَا أَيُّهَا الـمُفْضِي إِلَى شَرَهِ البِحَارْ..،

فُكَّنِي..،

كَيْ أَسْتَقِيلَ مِنَ الكِتَابَةِ،

والمجازاتِ الَّتِي مَا أَمْطَرَتْ،

غَيْرَ التلكؤ فِي مَطَارِ الأُمْنِيَاتْ...

هي كينونة مقترنة التجليات بثيمة كتابة الهامش المفضي إلى البحر، بكل تأكيد. هي كينونة دافعة باتجاه اعتزال كتابة الإجترار والتكرار والمجازات الفكهية المكفّرة والمحرّفة للأبعاد الدينية الرسالية، وتنصل من عنق مجازاة الأثرة والتعسف الفكري والعقدي . هي كينونة لا يزادن تجوالها إلا بالإنغماس فيما هو حداثي لا ينم عن تبعية أو انزلاق متهور من نسج غواية دخيل.

هَا ظِلُّكَ العَرَبِيُّ يَعْبَثُ بِالتَّفَاصِيلِ الَّتِي..،

قَدْ قَلَّبَتْ قَلْبَ الحَدَاثَةِ،

واسْتَطَالَ بِهَا الشَّتَاتْ...

البَحْرُ حِبْرٌ زَاخِرٌ..،

والـمَجَادِيفُ اسْتَعَدَّتْ،

كَيْ تَقُولَ لِكُلِّ هَاتِيكَ الـمَرَاثِي:

عَرَّشَ التَّانْغُو عَلَى سَفْحِ الحِكَايَةِ،

موسما"للنَّازِلَاتِ الـمَاحِقَاتْ،

فاشْهَدُوا"..،

أَنَّ الجِهَاتِ تَبَدَّلَتْ أَسْمَاؤُهَا،

لِتَقُولَ إِنَّكَ..،

صِرْتَ وَحْدَكَ..،

كُلَّ هَاتِيكَ الجِهَاتْ...

أَعِدِ الشَّرِيطَ..،

الأرجح أن حثالة العربدة والفتك والبطش القائم ، فوق نعتها بالظلال العربية العابثة بالتفاصيل، والمبدّلة لأسماء الجهات والمتسببة بكل هذه المرثي،والمزينة للروح انزوائها واعتكافها على المشهد البحري الهامس إذ يضمد جراحات ذاكرة مترهّلة مثقلة بمسارح الدم المسفوك حمية وجهالة، حدّ تصور البحر مدادا تهب أسراره وطقوس تمليه طاقة موجبة تخول الكتابة المضاهية للوثنية والهمجية والشذوذ.

لذا تلزم إعادة عرض الشريط ، ومحاسبة النفس، و محاولة ترتيب الأوراق من جديد.

رُبَّمَا.. تَمْشِي الجَرَائِدُ فِي جَنَازَتِكَ الَّتِي..،

لَمْ يَبْكِهَا إِلَّا الصَّعَالِيكُ العُصَاةْ...

رُبَّمَا.. فَتَّقْتَ جُدْرَانَ القَصَائِدِ بِالبُكَاءْ..،

وانْتَقَمْتَ مِنَ الفَرَاغَاتِ الَّتِي..،

رَصَّعْتَهَا بِدَمِ الحَيَاةْ...

أَعِدِ الشَّرِيطَ لِكَيْ أُلَوِّنَ غُصَّتِي..،

وَأَقُولَ إِنَّ غُثَاءَكَ الفِضِّيَ أَبْرَقَ..،

ثُمَّ أَرْعَدَ..،

ثُمَّ أَرَّقَنِي وَمَاتْ...

لا جرم أن جريمة الإعلام عموما ماثلة في الانحياز السافر إلى الخطابات المسوّقة للأصولية في معناها القدحي المرفوض ، أو المنابر المقامرة بالعنصر البشري عبر التعتيم الممنهج والمقصود المواري لخلايا الإرهاب النائمة.

وإذن... بالغثاء الفضي للصعاليك العصاة ، في استعارات ملهمها البحر ، الوهراني هنا، كما في حالة شاعرتنا ، البحر كمتنفسّ ومعلّم حقيقي، و فضاء سيريالي ينطوي غموضه ورمزيته على ما يجعل زوايا النظر إلى الراهن وعالميته مختلفة تماما ومتزنة غير مندفعة و لا هوجاء .

بهذيانهم تتمّ عملية الانتقام المشروع من فراغات يحصل استغلالها لصالح صناع الموت وعشاق الفوضى وآلهة الخراب.

فدم الحياة يجب أن يطغى ويسود. وألوان الحياة التي تعقب غصة مرثاة المشهد، لن تجود بها غير أرحام القصائد الصافية المتمردة على القيود البالية والهاجس العقدي المهجن والمدنّس .

قصائد صادمة من حيث معادلها الإنساني الكامن في مدى اكتساب المقدرة والجرأة كذلك على نبذ السائد وخلخلة الموازين وتبني الهامشي ومساءلة المعطّل .

 

أحمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي

جمالية الصورة الفنية تضاهي جمالية اللغة في ديوان (فلورا) للشاعرة اللبنانية فلورا قازان

802-flouraان ما يميز ديوان فلورا هو الاشتغال الجدي على اللغة باعبتارها الوسيلة الافضل للتعبير بمصداقية عن الافكار والهواجس والرؤى بشتى تمفصلاتها وذلك عبر الايحاءات التي تخلقها في جسد القصيدة، فالشعر في هيكلته خلق لغوي جمالي ماتع، يحاكي عن طريق الجواني – البراني، فيعتمد على الالفاظ المرصوفة ذات الوحدة العضوية المتماسكة وذات الابعاد التشكيلية الصورية الناطقة والتي بدورها تلامس عميقاً الذات الشاعرة وتجربتها وجديتها في تحويل التجربة الى صور انفعالية تترك في مساراتها وتموسقها اثراً رائعاً.. وهذا ما يتجلى بشكل واضح ومؤثر في قصائد فلورا التي تمنطق رؤاها وهواجسها وافكارها بجدلية ماتعة تمنحها مساحات واسعة سواء من حيث التخيلات او التأويلات المتعددة والتي بدورها تماهي الاسلوبية المنوعة المعتمدة من قبل الشاعرة نفسها في طرح رؤاها وافكارها وهواجسها،. مما يشكل اجمالا صورية تلازمية نابعة من الحراك الشعري الذاتي داخل المنظومة الشعرية العامة.. ففي قصائد " عبث،، نبوءة مطر،، رقصة ظلال،، بعدَ مُنتَصفِ الهوى........" وبعض القصائد الاخرى نلامس هذا الحراك المتوهج ذاتياً من حيث الحضور الذاتي المصور لافاقها وتجلياتها ورغباتها لتخلق من هواجسها صور شعرية ماتعة ذات ايحاء رائع ومؤثر على نفسية المتلقي، والتي تنم عن مدى التفاعل والجهد الابداعي الذي بذلته الشاعرة 802-flouraللاشتغال على الصورية باعتبارها الجزء الاكثر فنية والاكثر حداثية في بنية النص الشعري باغلب اجناسه..فحين نقرأ لها في "قصيدة عبث: نتقاسم سطــورهــا على دفتركّ / وتُهدهد المكبوت في دفتري.. وفي قصيدة نبوءة مطر : مساء الأناجيل أهديكم،،، فإني النبوءة لا لا بل أجملُ... وفي قصيدة رقص الظلال: أنا مهرجانُ اشتياقِ الطُيورِ..." وفي قصيدة خطيئة " أمارس طقوس الصحراء بعيدة عن الخطيئة.." نلاحظ مدى التفاعل الذاتي والسعي الحثيث لخلق الصورة الشعرية الامثل التي تمكن الذات من خلالها ايصال الرؤية بكل حراكاتها وانفعالاتها وتفاعلاتها الى المتلقي .. وهذا بلاشك لايتم الا من خلال البناء اللغوي المتين المستوحاة من الاحساس الداخلي لصور البيان.. وهذا ما يتكرر بوضوح واتقان في العديد من نصوص هذه المجموعة الشعرية " أنْثى فِي جذوةِ الحبِ / قلبي متيم/ في لون عينيك/ قداسة الرغبة /اعتراف فلورا......." ، وفي خضم هذا التفاعل الذاتي مع الحراك النصي نلامس تنوعاً بلاغياً اسلوبياً صورياً يتيح للمتلقي مساحات تخييل واسعة مما يمكنه ان يندمج بصورة كلية مع دلالات ومعاني النصوص.. مما يعني بالتالي الكشف عن القدرة التصويرية للشاعرة والاشتغال الحسن عليها باعتبارها عنصراً رئيساً في بنية الشعر الحداثي بما يكمن في عناصرها من دهشة ومفارقة وانزياح وخيال فسيح، لاسيما ان الشاعرة تستطيع من خلال توظيفاتها ان تنقل المتلقي من الذاتية المتفاعلة الى حراك متبادل بحيث يعيش المتلقي نفسه التجربة ويكون ضمن مداراتها ومحركاتها وهذا ما يتجلى بصورة واضحة في بعض نصوص الديوان كقصيدة، انفاس الشوق " أيُّها المُزركشُ بشراهَةَ دَميْ،،،، مُدّ لي كفيْكَ من عرْشِ الجمالِ" وفي قصيدة الزمن الجميل " وأثْمَلْنا مَحابِرَ النَّبيذِ مَطَرا،،،،،،ارْتَدَيْنا أجْنِحَةَ الأحْلامِ..." و في قصيدة " حين يرقص جنوني" يا من تحترفُ امتلاكَ أنوثتي.." وعلى نفس النسق في قصائد اخرى ك" عودة،، حررني حبيبي،، لأنَّك أنت ،، على أديم وجهك،، ...."، حيث نجد بان الصورة الشعرية فيها تفتح الافاق لدى المتلقي لقراءات متعددة ومفتوحة.   فيتحول المتلقي من صفة التلقي الى صفة التشارك مع حيثيات الرؤية النصية وحراكاتها، فالصورة الشعرية لدى شاعرتنا تنمو داخل ذاتها مع النص الشعري، وليست شكلا منفصلا انما تلتحم بها التحاما ممشوقاً فتأتي الصور اكثر تجاوزاً للظواهر ومواجهةً للحقيقة الباطنية خالقة في مسارها علائقية واضحة بين المفردات بوسائل بيانية تؤدي الى الصورة الفنية التي تستمد طاقتها الايحائية وحقيقتها من تسامهيا ومتانة وجاذبية تراكيبها.

لاتبقي الشاعرة على نمط متكرر من الاشتغالات الصورية بل نجدها تسعى وبكل قوة ان تخلق من خلال اسلوبها الخاص قيم بلاغية صورية تنقل المتلقي من متلقي الى مشارك ومن ثم الى دائرة اكثر شمولية حيث الوطن، وشاعرتنا تعيش وطنها بكل قلقلها وانفعالاتها حتى يعلو ذلك في خطابها الشعري كما في قصيدة بر الافول " أيا وطني هل كنتُ أرسمُ صحوتي أم غفوتي،،،،، نحو حدودِ وطنٍ مأهولٍ بالأشجانِ ..."، وفي قصيدة ذبيحة قائمة " أنك بألف خير كالوطن !،،،، تجرد الوطن من الوطنية..." وفي قصيدة دموع الوطن "لا وقتَ للنَّحيبِ والدموعِ يا وطني ..."، وفي قصيدة لاشيء مثلي " يرمّمون خراب الوطن.."، وتتعدى حدود دائرة الوطن الام لتعيش موجبات انتمائية بدائرة اكثر شمولية كما في قصيدة أردن أنشودة الأزمان" يا بلسماً للروحِ والاحزانِ..."، وفي قصيدة مكتظة بحضارة النيروز ..، وهذه الصور الشعرية القلقة والانفعالية تتكرر في نصوص اخرى ضمن قصائد الديوان، وكلها تعطي انطباعاً واضحاً على القيمة التفاعلية للذات الشاعرة مع الحراك النصي الحداثي بحيث تظهر الذات وكأنها احدى اهم الركائز الشعرية .. لتشكل بذلك اجمالا معالم اخرى تضاف الى رصيدها الشعري المتنوع، وما يؤكد مقولة التنوع الصوري والاسلوبي في الديوان كونها اشتغلت على النمط الحواري الشعري ايضاً ففي قصيدة حوار السحاب تضيف انموذجاً حوارياً متوهجاً " قال :في رماد الحنين شباب // قالت : كم عمر سيكفيني الثواب ..."، وفي قصائد" غدق هطول،، قال لي،، قالت حدثني.." حيث ظهر هذا التوهج البلاغي التشكيلي مما شكل معلماً اخراً لاشتغالات الشاعرة على المستويين الصوري واللغوي..ولشاعرة مثل فلورا تعرف كيف تستخدم ادواتها الشعرية لايسعنا الا ان نتمنى لها المزيد من الالق والمزيد من الابداع الشعري العذب.

 

جوتيار تمر/ كوردستان تقديم:

 

قراءة في "وطن العصافير" لوهيب نديم وهبة: حكاية كنائية عن السلام

804-wahibأسعدني الأديب والشاعر الأستاذ "وهيب نديم وهبة" بإهدائهِ إيّاي كتابه الجميل أنيق الإصدار الذي يحمل عنوان "وطن العصافير" حيث تتمحور في مضمون هذا الكتاب فكرة السلام من خلال قصة كتبها أديبنا العزيز تتّسم بالطابع الأليجوري أو ما يُعرف بالأمثولة أو القصة الكنائية (allegory) وفيها يصوّر الكاتب الغابة وقد سيطرت عليها الحيوانات المفترسة الأخرى والكبيرة كالفيلة والتماسيح وغيرها وطغت وتجبّرت فيها ممّا أدّى إلى هجرة العصافير التي كانت تعيش آمنة هناك، وبالتالي فقد حلّ الفوضى والدّمار في الغابة ممّا جعل الحطّاب يشعر بحرمانهِ من أهازيج العصافير العذبة في الصباح نتيجة ما حلّ في الغابة، من خراب، الأمر الذي جلب الصعوبات والمشاق له في نقل أكياس الفحم بعربته إلى المدينة التي حين جاء حاكمها لاستطلاع ما جرى في الغابة، خرجت بعض الأفاعي التي اختبأت في أكياس الفحم وقرصت الحاكم فمات جراء ذلك، واتّهم الحطّاب بمقتله، ولكن بعد تحقيق طويل ومضنٍ، ظهرت حقيقة براءة الحطّاب الذي توصّل إلى اتفاق مع المحقق أن يسعى لإحلال السّلام في الغابة عن طريق تقسيم الغابة إلى نصفين بحيث يكون نصف الغابة للحيوانات والنصف الآخر للعصافير، وبفضل جهود الحطاب والخيّرين الذين تعاونوا معه فقد أصلحوا ما ساد الغابة من دمار وخراب وعادت المياه لمجاريها وحلّ السلام في الغابة وفقًا للحل الذي تمّ التوصّل إليه بقيادة الحطاب فعادت العصافير مع الحيوانات إلى مرتعها السّابق لتحيا جميعها بوئام واتفاق وسلام.

804-wahibيتَّضح من موجز هذه القصة أنّ الكاتب قد لجأ إلى أسلوب القصة الأليجورية أو الكنائية التي رمى من خلالها إبراز أهمية المصالحة بين طرفين أو فريقين متنازعين سياسيًا حول وطن مشترك يسكنه أفراد الطرفين وذلك من خلال حياة سلامية مشتركة وتسوية يتقاسم فيها الفريقان هذا الوطن المشترك ليعيش الفريق القوي مع الفريق الآخر الأقل قوةً، وبذلك يكون هذا الحل بمثابة الخروج والخلاص من حالة الخراب والدّمار التي تأتي بها الصراعات والنزاعات بين الشعوب المتخاصمة واختلال ميزان القوى بين الطرفين المتنازعين برجحان كفة الطرف الأقوى على الطرف الآخر الذي يتطلّع إلى السلام والعيش بطمأنينة وسكينة وهدوء والمتمثل في هذه القصة رمزيًا بعصافير الغابة.

وممّا تقدّم يمكن القول بأنّ الأستاذ "وهيب نديم وهبة" قد تناول فكرة أو تيمة السلام بمهارة وحنكة أدبية متميزة مستخدمًا الأليجوريا في فن القصة من خلال الإيحاء رمزيًا بما يقصده ويريد أن يوصله إلى القارئ الحصيف الذي يمكنه بسهولة أن يفهم المعاني الرمزية التي يتوخّى الكاتب أن تصل إلى أذهان القرّاء حيث إنه بهذا الأسلوب يكون قد أرضى فكريًا القارئ البالغ الواعي للرمزية الكامنة في القصة من جهة، في حين أنه من الجهة الأخرى يكون قد زوّد القارئ الصغير من الأولاد والناشئة ووفّر لهم قصة تتناسب وتتلاءم مع أعمارهم بمفهومها المباشر دون أن يلجأوا إلى التحليل الرمزي أو المعنى الكنائي للقصة بكونها قصة أليجورية للكبار.

وهكذا يكون الكاتب بفنّيتهِ الأدبية وحكمته الفكرية قد نجح نجاحًا باهرًا في طرح مبدئه السلامي الذي يمكننا وصفه بالمصطلح الأجنبي بأل (pacifism) وعليه يكون الأستاذ "وهيب نديم وهبة" داعية للسلام (pacifist) لأنّه يمتلك النزعة الإنسانية وينحو منحى الوئام والتفاهم بين الشعوب بتعدد شرائحها وأطيافها وانتماءاتها.

ولا يفوتنا في كتاب "وطن العصافير" الذي نحن بصدده هنا والذي حاز على إعجابنا بشكله ومضمونه وحسن إخراجه وأناقة إصداره، أن نشير إلى الرسومات التي تخلّلت صفحات الكتاب والتي أبدعتها بريشتها الفنانة الموهوبة والأصيلة صبحية حسن؛ تلك الرسومات التي أضفت جمالية ورمزية خاصة على أحداث القصة أخص بالذكر منها لوحتين استرعتا انتباهي هما: الأولى لوحة ايدي شخصين مقيدتين بالأغلال (صفحة 18 من الكتاب) والثانية لوحة اليدين المتصافحتين التي تحلق فوقهما حمامة بيضاء (صفحة 68) ممّا يوحي برمزية معينة ومقصودة لمعاني أحداث الكتاب، فاللوحة الأولى المشار إليها هنا تمثّل في رأينا ومنظورنا القيود التي يفرضها العداء المستحكم بين طرفين متنازعين بفعل الحواجز والأغلال النفسية والعرقية والتي تستلزم التخلّص والتّحرّر من هذه المعوّقات التي تحول دون التوصل إلى السلام والوئام المنشود بإحلال التفاهم والتصالح بغية التعايش السلمي. ومن زاوية أخرى، فإنّ هذا القيد الذي يكبّل ويربط ايدي شخصين إنّما ترمز إلى قيود الفوضى والصراع التي تمنع حرية التصرف السليم والحركة الرشيقة في وسط أي مجتمع ما. ومن هنا فإنّ اللوحة الثانية ذات اليدين المتصافحتين ترمز إلى حالة التحوّل والتغيّر والتبديل من حالة الفوضى والصراع في رمزية اللوحة الأولى إلى حالة التصالح والنظام والقانون الإنساني بينما ترمز الحمامة البيضاء المحلّقة فوقهما إلى طول مدة السلام الذي سيسود بفضل الإخلاص في روح النور والسلام وانتقال من حالة حياتية في العالم إلى حالة أخرى، بالإضافة إلى البراءة وطول العمر والسلام الذي سيسود بفعل الإخلاص والانتصار على الموت النابع من النزاعات والصراعات. كما أنّ الحمامة في العهد القديم من الكتاب المقدّس ترمز وتمثّل البساطة، الوداعة، وعدم الضرر والأذى.

وهكذا، لا يسعنا أخيرًا إلّا أن نُشيد بالأديب والشاعر "وهيب نديم وهبة" على ما قدّمه من أفكار نيّرة تتمركز حول تيمة أو فكرة السلام من خلال أسلوب الحكاية الكنائية أو ما يعرف بفن الأليجوريا حيث أجاد وأحسن في عرض فكرته بكل سهولةٍ وبساطة وانسيابية لغوية من شأنها أن تستحوذ على ذائقة الكبار برمزيتها، وتشوّق الصغار لبعدها عن الوعورة والتعقيد، علاوةً على مصاحبة النص للرسومات واللوحات الجميلة الأنيقة الأخّاذة بفنيتها التي أبدعتها الفنانة صبحية حسن لتشكّل بذلك جزءًا هامًّا لمحتويات الكتاب والمعاني التي يتضمنها.

فللأستاذ "وهيب نديم وهبة" والفنانة "صبحية حسن" خالص الثناء والإطراء، وأطيب التمنيات بدوام التوفيق والعطاء المقرونة بالتقدير والاحترام، وكذلك لما قامت به الأديبة "بروريا هورفيتس" من ترجمة مرافقة للنص العربي في الكتاب، وما قدمه الدكتور "صفا فرحات" من تدقيق ومراجعة لغوية للنص العربي.

 

إشارات:

• وطن العصافير: قصة للشبيبة- ضمن مشروع "أدب الشباب" للشاعر الأديب – وهيب نديم وهبة.

• الرسومات: للرسامة المبدعة "صبحية حسن".

• صدرت الطبعة الأولى عام 2014 - عن دار الهدى- كريم.

• الترجمة إلى لغة أجنبية عام- 2014.

• وطن العصافير - ضمن مشروع مسيرة الكتاب في المدارس.

• تم مسرحه " وطن العصافير " على خشبة المسرح عام- 2015.

 

الناقد والشاعر الدكتور: منير توما

البياتي إلماماً بين باب الشيخ والحلاج وابن عربي فمقبرته

karem merzaفي 21 ربيع الثاني 1420 هـ الموافق 3 آب 1999م توفي الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي، وكان قد أوصى قبل وفاته أن يدفن قرب ضريح المتصوف الشهير محيي الدين ابن عربي (1) على سفح جبل قاسيون، إذ أقيم للشيخ الأكبر مسجد كبيرا حول ضريحه، يزوره المسلمون من محبيه ومريديه وعاشقي طريقته التصوفية (وحدة الوجود) التي تعتبر الله هو الوجود الحق، متأثرين بالفكر الحلولي و التي استقر عليها البياتي أواخر حياته، بعد أن تخطى فلسفة القناع الحلاجية، كما جاء في دعوته للثورة في (بستان عائشة) 1989م، وما عائشة إلاّ محبوبته الأبدية، يستخدمها رمزا للحرية والثورة، وأحياناً يستعير عشتار بدلا منها، وذلك بمدلولات عميقة، و بإيجاز شديد، ينعت الشهيد:

يتوهج في نور المشكاة

متحداً في ذات الله

لا يفنى

مثل شعوب الأرضْ

يتحدى في ثورته الموتْ

ولا تفوت القارئ الكريم إشارته في " متحداً في ذات الله " إلى الفكر الحلولي وبيتي الحسين بن منصور الحلاج (قتل 309 هـ / 922م):

أنا من أهوى ومن أهوى أنا *** نحن روحان حللنا بدنا

أدنيتني منك حتى *** ظننتُ أنّكً أنّي

تأثر البياتي بالمتصوفين والزاهدين الإسلاميين، كما يذكر هو في كتابه (تجربتي الشعرية)، ومما أورده في دواوينه ممن تأثر يهم، أمثال الجامي، وجلال الدين الرومي، والسهروردي، والخيام، والشافعي، وأبي العلاء المعري، إضافة إلى الحلاج وابن عربي وغيرهم، وسنمرُّ على قصيدة البياتي الموسومة " عين الشمس أو تحولات محيي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق "، وذلك في ديوانه " قصائد حبٍّ على بوابات العالم السبع " الصادر عام (1971م)، لنبين مدى تأثره بابن عربي اقرأ معي:

فكلُّ اسمٍ شاردٍ وواردٍ أذكرهُ، عنها أكني واسمها أعني

وكلُّ دار ٍفي الضحى أندبهُ، فدارها أعني

توحد الواحدَ في الكلِّ

والظلُّ في الظلِّ

وولد العالمَ من بعدي ومن قبلي

يتكلم الشاعر بلسان ابن عربي، بل يوظف عبارة له على سبيل التناص:" فكلّ اسمٍ أذكره، في هذا الجزء فعنها أكني، وكلُّ دار ٍأندبها، فدارها أعني " (2)، فكرة الحلول، ورؤية وحدة الوجود السرمدي يتجلى في النص تماماً، وشاعرنا مرة يحقق التناص لأقوال متصوفيه، وتارة يلمح بإشارات موجزة، أو بإشعاعات موحية، ولكن بإسلوب متجدد معاصر.

مهما يكن من أمر، نُفذت وصيته، سيان من قبل عائلة الفقيد - ولا أعتقد أنها كانت - أو السلطات السورية التي كانت تحيطه برعاية تامة واهتمام خاص، ولكن بدرجة أقل مما حظاه الجواهري عندهم، وهذا قد غاض النظام العراقي الأسبق وسيده المطلق، أما السوريون فكانوا يعرفون من أين تؤكل الكتف ! ومن الإنصاف والعدل أنْ نذكر أنّ البياتي قد مدح الجواهري إبان مكوثه في دمشق بقصيدة سينية عمودية رائعة، لا تتجاوز أبياتها اثنتين وعشرين - إن لم تخني الذاكرة - و قد حضرت تشييعه، ومراسم دفنه في أراض وعرة خلف مسجد المتصوف العربي، إذ توجد مقبرة صغيرة، وإلى جوارها مقبرة (زين العابدين)، ودعتني بعد ذلك وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية رسمياً لتقديم بحث أو قصيدة عن الشاعر الرمز في حفل تأبين عالمي للبياتي الكبير، وكنت قد كتبت عنه وعن شاعريته من قبلُ - (1994م) - عدة مقالات، ونشرت في الصحف، ولكن في هذه المرة حدد الموعد بعد التاريخ الذي حددته هيئة الأمم المتحدة لهجرتي، وظروفي وظروف عائلتي لم تكن تسمح لتجاوزه، ولا أعرف من الأمر شيئاً بعد ذلك .

وعلى ما يبدو لي أن البياتي قد لبى الدعوة السورية للإقامة في دمشق في سنة (1997م)، إمّا لضغوط مورست عليه لمدح رئيس النظام الأسبق في ظروف لا يحسد عليها العراق، وإن كان قد جعل رئيسه اسطورة التاريخ في قول عابر له أيام الوجد " هو الذي رأى كلّ شيء "، لكن سرعان ما قلب السحر على الساحر في (قصيدة العراء)، لمّا عرّى الشعراء المخصيين، وهتف " يموت الديكتاتور، ويبقى ا الشعراء" ! ومَنْ نعته بـ (الدمية)، كان الأجدر أن يعرف نفسه، وينعت بها غيره وغيره، فهذا ظلم لأن دواوينه لا تتسم بهذا الوصف، وإنما بالواقعية والواقعية الاشتراكية والإسطورة والصوفية والعولمة الإنسانيه، ووظف العشرات من قصائده لنصرة المظلومين والفقراء والمعدمين والكادحين، هذا الغالب الأعم، أقول قولي هذا وأنا غير ملزم بقبول كل ما يراه ويرتأيه متفلسفاً أو متصوفاً أو مفكراً، المهم وجد نفسه في وضع حرج، وهو رجل كثير التوجس، شديد الإحساس، قلق الشعور، شأنه شأن معظم الشعراء الكبار، أو وجّه وجهه شطرالشام لينهي حياته فيها جنب إمام متصوفيه، بعد أن قدم إليها من بغداد قاضياً فيها ثلاثة أشهر، إثر عودته من عمان الأردن، على عكس الجواهري الذي تشبث بالعودة إلى العراق أواخر حياته ليدفن في وطنه، ولكن لظروف غامضة لم تتحقق رغبته، وأهله أدرى بالأمر مني، وبياتينا قد ألمح منذ 1971م بدون وعي منه إلى قبره في دمشق و قاسيونها، وابن عربيّه ورحلته الأبديّة قي قصيدته السابقة (عين الشمس)، وصدق حدسه في قوله:

عدتُ إلى دمشق بعد الموت

أحملُ قاسيون

أعيدهُ إليها

مقبلاً يديها

فهذه الأرضُ التي تحدها السماءُ والصحراء

والبحر والسماء

طاردني أمواتها وأغلقوا علي باب القبر

وحاصروا دمش

وليست غريبة على شاعرنا عبد الوهاب أحمد البياتي هذه الأجواء، فلقد كانت ولادته سنة (1926م / 1345هـ) في محلة باب الشيخ قرب ضريح الشيخ المتصوف الشهير (عبد القادر الكيلاني) (3)، وهي من محلات بغداد الشعبية، ويقول البياتي نفسه عن حيّه " كان الحي يعجُُّ بالفقراء والمجذوبين والباعة والعمال والمهاجرين من الريف والبرجوازيين الصغار، كانت هذه المعرفة هي مصدر ألمي الكبير الأول "، والحقيقة أن الرجل كان يشعر بالأضطراب والخوف المرضي وتفاهة الحياة والكآبة والحزن، ولكن الحزن لا يسكبه على شكل آهات ودموع كما تصبه نازك الملائكة، وإنما يجعل من نفسه شهيداً حلاجياً، كما أسلفنا، أو يتخذ من سيزيف رمزاً للجهود الإنسانية الضائعة:

الصخرة الصماء للوادي يدحرجها العبيد

" سيزيف "يبعث من جديد من جديد

في صورة المنفي الشريد

التراكمات اللاشعورية الطفولية التي خزنت في عقله الباطن أخذت تتجلى أفعالاً وأقوالاً، نلمسها في سلوكه وكتاباته، بالرغم من أنّ عائلته كانت متوسطة الحال اقتصادياً، إذ كان أبوه يبيع المواد المنزلية في دكان له في سوق (الصدرية)، كما سمع زميله في الدراسة الأستاذ فؤاد التكرلي، وذكر ذلك في صحيفة (الشرق الأوسط) (4)، ومما يؤكد خبر التكرلي ما ذكرته الدكتورة ميسون البياتي، وهي ابنة أخيه السيد عبد الرزاق - في مقال لها في (الحوار المتمدن) بأنّ والدها (تولد 1928م) وعميها الآخرين عدنان (الأصغر) وعبد الستار (الأكبر)، كانوا تجار مواد غذائية، بل تزيد أنّ عمها الأخير عميد أسرتهم كان نائباً لرئيس غرفة تجارة بغداد، وله أختان وهما السيدتان مريم وخديجة، وزوجته السيدة هند نوري، وابنه علي، وابنته نادية التي توفيت في امريكا عام 1991 م والأخرى اسمها أسماء والبقية لم تذكرهم، ولم تخف أن عائلتهم كانت ذات ميول شيوعية، والدليل إسقاط الجنسية العراقية عن الشاعر عام 1963م عقبى رفضه العودة من موسكو(5)، ربما الميول تغيرت من بعد، لأن الشاعر وبعض أقربائه المخصوصين تسنموا عدّة مناصب تعتبر للمحظوظين في الدولة والمجتمع ... على العموم أنا لا يهمني هذا كثيرا، ولا تهمني العلاقات والميول والأتجاهات والمشاحنات والقيل والقال والسلوك الشخصي للمبدع، إلا إذا أثرت هذه الأمور على مسيرته الإبداعية، وحق المجتمع، أو الضرر بالشعب، وهذا ما سرت عليه في كل بحوثي عن العباقرة والشعراء الملهمين قديماً وحديثاً، فالمصالح الشخصية من طبيعة البشر، (وأين عن طينتنا نـُعدي ؟)! كما يقول ابن الرومي، وقد ذكرت في مقال سابق أنّ العبقرية حالة غير مستديمة في الفرد، إذ سرعان ما يعود المتميز إلى حالته الطبيعية وسلوكه المعتاد، والناس الذين لا يدركون هذه الحقيقة يندهشون ويختلفون حولهم، وما أنا بمندهش، ولا أتعب نفسي بنبش خصوصيتهم لعلمي أنهم بعض الأنام، لهم محاسنهم، وعليهم مثالبهم .

ولم أرَ أنّ البياتي قد وظف شعره ضد مجتمعه لمصالح شخصية، في مجتمع اختلطت فيه الثقافة بالسياسة جبراً، فالرجل عاش معظم حياته مغترباً متنقلاً حاملاً راية الثقافة بدليل شهرته - مع علمي بالمناصب الوظيفية التي شغلها - واستطاع بذلك أن ينقل الشعر العربي إلى آفاق عالمية، ووثق علاقاته مع شعراء عالميين كبار، وتذكر الدكتورة ميسون، قد أطلق اسمه على شارع ومكتبة في مدريد .

نعود والعود أحمد، والحديث شجون البيئة الطفولية بشموليتها وبمراحلها الثلاث، هي التي تعكس بعض ملامح شعر الشاعر، لذلك ترى مثلاً اختلافا بيّناً بين شعري السياب والبياتي، بل بين سلوكيهما أيضاً، وهذا أمر بديهي، لقروية الأول ببساطتها الطيبة، وطبيعتها الخلابة، وجداولها الجارية، وبساتينها الثرة، وتبغدد الثاني بجوها الصاخب وتعقد علاقاتها، ومجد تراثها، ونيران حرّها، يقول وهابها فيها:

ولدت من زبد البحر

ومن نار الشموس الخالده

كلما ماتت بعصر بعثت

قامت من الموت وعادت للظهور

أنت عنقاء الحضارات

وأنثى سارق النيران

في كل العصور !

وإذا أردت المقارنة بين شعري الشاعرين الخصمين في فرض الوجود على الموجود، إليك ما يقول السياب وتأمل ولا تفضل، فالعراق هو الأفضل !

بويب

بويب

اجراس برج ضاع في قرارة البحر

الماء في الجرار، والغروب في الشجر

وتنضح الجرار اجراسا من المطر

بلورها يذوب في انين

بويب يا بويب

فيدلهم في دمي الحنين

اليك يا بويب

يا نهري الحزين كالمطر

2 - في تعليق على تعليق لما كتبته سابقا، ذكرت أنني لست بدارس لشعر البياتي الكبير، ولا بباحث في تعلقه بمتصوفيه، وفلسفته، وتوجهاته، ولكن مرّت ببالي خاطرة من خلال قراءتي لـ (مذكرات رجل مجهول)، ولتجديد دعوة للشعراء العراقيين سبقني إليها من سبق، سنأتي عليها في الحلقة الثالثة - بإذن الله - وكنت قد كتبت عن القصيدة وشاعرها من قبل، ولا بد للتجديد من تمهيد، و بياتينا يستحق المزيد، فشرعتُ بحضوري تشييعه ومدفنه يوم وفاته - رحمه الله - ووصيته، وحدسه في أنْ يقبر بدمشق، ولا ريب من الضرورة بمكان أن أستشهد لماماً بأشعاره الصوفية، وشعره في حدسه، ومما يحزّ في القلب أن يدوس ممن يحسب نفسه من كبار الشعراء - واستلم أوسمة الإستحقاق الممتازة من دول - على هامة عملاق من عمالقة الشعر العربي المتجدد، بل العالمي بعد وفاته، كلمات ثعوزها المروءة والأخلاق، و للعلم أنا لا أعرف البياتي شخصيا ولا واحداً من مخصوصيه وكأنما الرجل يستصغر عقول القراء الكرام ومتعدياً على مروءتهم، ومعرفتهم بخفايا الأمور، فيريد أن يفهمنا قول المتنبي العظيم دون أن يتفهمه:

ويدفنُ بعضنا بعضاً وتمشي *** أواخرنا على هام الأوالي !!

ولو جاء هذا الأمر من عامة الناس لما أوليته هذا الاهتمام، وكاتب هذه السطور قد ألف محاولة بسيطة عن العبقرية وأسرارها مستشهداً بعباقرة الدنيا ببعديها الزمكاني، وضمن كتابه عن ضرورة تمجيد أفذاذنا قول العقاد العظيم " فماذا يساوي إنسانٌ لا يساوي الإنسان العظيم شيئاً لديه، وأي معرفة بحقٍّ من الحقوق يناط بها الرجاء إذا كان حقّ العظمة بين الناس غير معروفة " (6)، ومرادي من التكرار تذكير المأمول في العقول، ولأنّ دنيانا تسير بالمقلوب، وكلّ جهدنا مسلوب، وتقع المسؤولية التاريخية لتصحيح المسار المطلوب على عاتق المثقف الموهوب، والسياسي المرغوب !، وليس على كاتب هذه السطور المغلوب ....!! ولأن - مرة ثانية - الإشارة لا تفعل فعل الحجارة ! والنيل من عبافرة العراق ورجالاته الأفذاذ في جميع المجالات، لا يجوز السكوت عنه مطلقاً، بل تعتبر جريمة أخلاقية وتاريخية ووطنية لمن يفقه سبب تخلفنا الرهيب واقتتال أبنائنا، و يعرف الوطنية الحقة المقلوبة، وتعب الأيام، وسهر الليالي، والإصرار والتفاني والتضححية والأخلاق، فناهيك عن قدمائه . خذ من معروفه وسيابه وشبيبه ويعقوبه وعبد جباره وسليم جواده ومقتل بدريه وذبح السيد صدره حتى بياتينا وجواهرينا... نعم نتذكرهم بعد مماتهم - والحمد لله - بمقالات عاجزة، وبحوث غير نافذة !! وفي يومنا الحاضر هنالك العشرات من الفنانين والاكاديميين والتقنيين والعلماء والشعراء يجوبون هذا العالم ...وهذه الدنيا... في داخل العراق وخارجه، لا يسأل عنهم سائل، ولا يبالي بهم عارف، وهم ممن لا يحتاج إلى تعريف... والأمم، بل الإنسانية جمعاء، لا تنهض شامخة عامرة إلا بعظمائها الكبار، يقول رالف والدو إمرسن (1803- 1882، وهو من أكابر أساتذة الحكمة والفلسفة وأعلام الأدب في التاريخ الحاضر (امريكي) في كتابه الشهير (ممثلو الإنسانية) " ربطتْ الإنسانية مصيرها في جميع العصور بأشخاص قلائل، كانوا جديرين بأن يكونوا قادة أو صانعي قوانين وشرائع، ومع كل عقل جديد يتجلى سرّ جديد من أسرار الطبيعة ... ويكفي وجود رجل عاقل حكيم بين جماعة من الناس ليصبحوا جميعاً عقلاء حكماء، فأن العدوى حين ذاك سريعة، والرجال العظماء قطرة تزيل من عيوننا عواشى الأنانية ... " ولا تتخيل الذي مات منهم قد فات، فيواصل إمرسن - وهذه المعلومات لم أدرجها في كتابي عن العبقرية لتكثيف مواضيعه - قوله " والعبقرية الإنسانية هي وجهة النظر الصحيحة في التاريخ، فالصفات تبقى مرتسمة على جبين آخر، وإن رحل أصحابها، وقد وجد الرجال العظماء ليكونوا مدرجة لظهور رجال أعظم منهم ..." وببساطة البقاء للنوع لا للفرد، والنوع بعظمائه القلائل، فلا تبخسوا رجالكم حقوقهم يارجال، ويقول جلّ شأنه " ولا تبخسوا الناس أشياءهم ..." (الأعراف 10)، بمعنى أخر لا تثبطوا العزائم، وتضعوا العراقيل أمام عقول الوطن . وأفكارإننسانه، وإلا سنبقى آخر الأمم ... قليلاّ من الوفاء والحياء يا مسؤولي العراق في حميع عهوده..!! ولو أن الله منح العبقرية عزيمة لا يزعزها مزعزع، والرياح لا تجابه الجبال، ولكن وقفوا لها بالصيد والمرصاد ! ربما تقول كلّ هذا عن البياتي ..نعم بكل تأكيد عن البياتي كرمز للعبقرية، ومثله مثلهم، وللتوعية والتذكرة !

نعود لبياتينا الكبير، دخل الصبي مدرسة (باب الشيخ الأبتدائية) في في منطقة (شيخ رفيع)، وفي سنة 1939 م، كان في السادس الأبتدائي ()، يذكر هذه المعلومة الأستاذ فؤاد التكرلي الذي يذكر أنّ مدفنه في مقبرة السيدة زينب بدمشق، وهذا المعلومة غير صحيحة، بالرغم من أنها حديثة العهد وشهيرة، وعلى أغلب الظن وردت سهواً، ولكنها تجعلني غير مطمئن تماما لتواريخه، ويستطرد التكرلي أنه في سنة 1943 م كانا في الثالث المتوسط في (متوسطة الرصافة للبنين) بمحلة السنك، ويلمح أنه كان انعزاليا منطويا على نفسه قليل الأصدقاء(8)، وهنا يجب التأمل قليلاً، فالمرحلة حساسة في كبت العقد النفسية في العقل الباطن، هل هذا الانطواء والانعزال جاء عقبى اشمئزازه من أصحابه كردّة فعل لتصرفاتهم السيئة ضده، أم لزهوه واستعلائه عليهم، لأن هنالك كلمات هجائية قاسية وردت بشعره على صيغة شتيمة وسخرية (خصي ...كلب ...ضفدع ...بوم ...إلخ)، بل كان مشاكساً مع زملائه من الشعراء الكبار، ويرى يجب فرض قصائده بالقوة، ويدافع عنها بشدة - مهلا سنأتي على السبب -

وعلى ما يبدو لي مما ذكره التكرلي، إنَّ البياتي، أمّا دخل المدرسة متأخراَ بسنة لظروف مرحلة بديات ثلاثينات القرن الماضي، أو لحالته المادية التي لم تساعده، وإما تأخر سنتين في مرحلتي الأبتدائية احتمالاً والمتوسطة حتماً، تخرج من (الإعدادية المركزية)، الفرع الأدبي سنة 1945 م، ودخل الكلية العسكرية، ولم يمض ِفيها سوى ثلاثة أشهر، وخسر سنة ثالثة، لإنشغاله بالشعر همه الأول والأخير، والشاعر بطبعه لا يميل إلى الالتزام، لأنه يحدد من حريته، والحرية أساس الإبداع والإلهام، وتخرج من دار المعلمين العالية (1950 م) فرع اللغة العربية مع زميلته الشاعرة لميعة عباس عمارة، وكان هو والسياب ونازك وبلند الحيدري من الرواد الأوائل للشعر الحر (شعر التفعيلة ثم انشقت منه قصيدة النثر حتى وصلت للومضة) (9)، وفي سنة تخرجه أصدر ديوانه الأول (ملائكة وشياطين)، واشتغل مدرساً بعد تخرجه لثلاث سنوات، ثم اشتغل بالصحافة والإعلام، ونقف عند هذا، لأنّ لنا موقفاً بعد هذا !

وأرغب أن أعرج على العنوان الذي صدّر الأستاذ التكرلي به مقاله " شاعر لم يكن يهمه شيء سوى بناء اسطورته الشخصية " (10) ومن وجهة نظري كان الأجدر أن تبدل كلمة (الشخصية) بـ (الشعرية)، لأن الأولى ربما مثلبة، والثانية حقـّاً منقبة، وهنالك خيط رفيغ للفصل بين تمازجهما، وعلينا أن نميز بين العباقرة، ومن العباقرة الشعراء الملهمين، وبين الأبطال، ومن الأبطال الديكتاتوريين، فالفرق أحياناً كبير في السبل التي يسلكونها لتحقيق غاياتهم، يرى العقاد في (تعريفه بشكسبير): " وكلا البطل والعبقري معذور في عنفه وإصراره وانطلاقه إلى الغاية التي لا محيد عنها، لأنهما يطلبان ما ينفع الحياة والأحياء، ولا ينفعهما إلا بمقدار ما يحققان من تلك المنفعة الباقية، غير أن البطل والعبقري قد يتفاوتان في هذه الخميلة، فإن البطل قد ينحرف عن الجادة الكبرى مرضاةً لكبريائه وسلطانه، ولا يكترث العبقري لجاهٍ أو سلطان إذا حادا عن غايته، وهي خلق الأمثلة الجديدة والقيم البديعة في أحلام الناس، ثم في واقع الحياة " (11)، وهذا ما يعبر عنه البياتي في قصيدته (الموت و القنديل):

صيحاتي وأنا أتسلق أسوار المدن الأرضية

أرحل تحت الثلج أواصل موتي (...) حيث

الموسيقى والثورة والحب وحيث الله .

وكل شاعر وعبقري يصارع من أجل أسطورته الأدبية وأكثر، وأتينا الآن على ما فات من أسباب، والموضوع يتجلى في تاريخنا، وتاريخ الأمم الأخرى، بالقخر وهجاء الأنداد، والمساجلات والمعارك الأدبية، والأدب يتسع للجميع، وينادي هل من مزيد، وسناتي بالأمثلة، لتلطيف الأجواء، وزيادة الإثراء، ثم نعلق هل نسيتم تناقضات الفرزدق وجرير، يقول أولهما للثاني:

يا ابن المراغة كيف تطلبُ دارماً *** وأبوكَ بينَ حمارةٍ وحمارِ ِ

فيجيبه الثاني على سبيل الفوز والغلبة، والدافع الصراع:

هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروا *** مداخل رجس ٍبالخبيثات عالم ِ

ومات الفرزدق 110هـ على رواية، فرثاه جرير أشجى رثاء، والسبب انتهى شعره المتجدد، والصراع - وبكلمة أرقى التنافس - تفرضه الحياة على البشر، وهذا البشرالطامح للخلود السرمدي، ينظر إلى الأبعد والأبعد، ويتوجس بغريزته من الندّ ليس على مستوى الحياة فقط، بل وعلى طول الممات، البحتري وصل إلى قصور الخلفاء، وأصبح شاعر القصر الجعفري في سامراء (والأصح لغوياً سرّ من رأى)، وكان يجالس الخليفة المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان، ومن جاء بعدهما، وكان معاصره ابن الرومي موسوساً فقيراً مسكينا متطيراً، هجا البحتري بقصيدة، لأنّ الأخير كان يحط من منزلته وشأنه وضعفه، قال ابن الرومي من قصيدته:

الحظ ُّ أعمى ولولا ذاك لم نرهُ *** للبحتري ّ بلا عقل ٍ ولا حســب ِ

وغدٌ يعافُ مديح الناس كلهمُ *** ويطلب الشتم منهم جاهدَ الطلب ِ

البحتري على سمو رفعته الرسمية والإجتماعية وشهرته - ابن الرومي اشتهر بعد موته - لم يغفر لهذا المسكين البائس، أرسل إليه تختاً يحتوي مواد غذائية وملابس وكيس دراهم، وفي داخل التخت بيتان من الشعر تنمان عن اللؤم والحقد:

شاعرٌ لا أهابهُ *** نبحتي كلابهُ

إنًّ مَن لا أعزّهُ *** لعزيز ٌ جوابه ُ

والبحتري على أغلب الظن كان يهابه شعرياً، وهذه فلتة لسان لا تعبر على اللبيب .

دعونا عن طغيان المتنبي لبناء اسطورته بالليل والخيل، وأيّ محل ارتقي، والدهر من رواة قصائدي، وأبي العلاء المعري، وإني وإن كنت الأخير زمانه، والا في سبيل المجد ما أنا فاعلُ، لنصل إلى حافظ إبراهيم وصراعه مع أحمد شوقي، فلم تـُعطَ الإمارة إلى شوقي حتى نال حافظ شهادة شاعر النيل، ولو أنّ الأخير أول من بايع الأول !!، ومن الطريف أنّ حافظ هجا شوقي بتورية:

يقولون: إنَّ الشوقَ نارٌ ولوعة ٌ ***فما بال (شوقي) اليوم أصبح بارداً؟ !

وما أراد الشاعر شوقه، وإنّما أراد (شوقيه)، فرد شوقي الصاع بصاعين بتورية أقسى:

حمّلنا الإنسان والكلب أمانة ً***فخانها الإنسانُ... والكلبُ (حافظ ُ)

أما المعارك الأدبية والشخصية بين الزهاوي والرصافي، و التي أشعل فتيلها أحمد حامد الصراف ببعيدة عن الأذهان، قد استمرت حتى وفاة الزهاوي 1936م .

والبياتي من هؤلاء بالطبع يريد أن يبني اسطورته الشعرية والأدبية من أجل الخلود، وما عساه أن يفعل ؟! هل يدور خائباً يلاحق الشمس أنـّى تدور، بلا دور سوى التقصير والقصور ؟ ويكون كما يقول المثل الجاهلي الذي استشهد به الجواهري مرتين (كحامل التمر من جهل إلى هجر ِ)، أم أنّه يسابق الريح، ليأتي بجديد مريح، فليسرق النار من الألهة كسارق نبيل، ويقدم الحكمة والعلم والرؤية الصائبة للأجيال والأنام، وليلعنه من يلعن من الأباء في الظلام !! كما فعل الإله الجبار (بروميثيوس) الأغريقي المحب للبشر، فغضبت عليه الألهة في أسطورته ! هذا التنافس والصراع بين العملاقة لسرقة النار - وإن كان فيها نرجسية - يخدم الأدب والإنسانية، وإلا فالسكون جمود خمول، والجهد الضائع نتاجه تراب مبذول، وقالها البياتي في قصيدته (سارق النار):

داروا مع الشمس فانهارت عزائمهم

وعاد أولهم ينعي على الثاني

وسارق النارِ لم يبرح كعادته

يسابق الريح من حان إلى حان

ولم تزل لعنةُ الآباء تتبعه

وتحجب الأرض عن مصباحه القاني

وحدي احترقت ! أنا وحدي ! وكم عبرت

بي الشموس ولم تحفل بأحزاني

إني غفرت لهم إني رثيت لهم

إني تركت لهم يا رب أكفاني

وما علي إذا عادوا بخيبتهم

وعاد أولهم ينعى على الثاني

ولعلك تسألني، ألم تقل أن الأدب والشعر والفن يتسع للجميع، فلماذا التنافس والصراع لسرقة النار، وبناء الأسطورة ؟!

عزيزي - القارئء الكريم - هنالك خصائص للعبقرية والشعراء الملهمين و الفنانين الكبار، ذكرتها في كتابي (للعبقرية أسرارها ...)، وهي تنطبق على معظمهم، أنا لا أحتاج ألى معرفة الجواهري وذويه، ولست ملزماً بصداقة البياتي والتقرب إلى متعلقيه، لأكتب عنهما، وأحلل نفسيتهما، واتفهم سلوكهما، وإلا لحتاج الناقد أن يخترق كلّ الأزمنة، ويجوب جميع الأمكنة للكتابة عن أفذاذ العالم، العقاد والمازني كتبا عن ابن الرومي، وقد جاءا بعده بأكثر من ألف ومائتي عام، والدكتور طه حسين كتب عن المتنبي بعد ألف عام، وذلك لأن الشعر هو الشاعر نفسه، والكلام صفة المتكلم . إضافة لما تزودنا به علوم النفس والاجتماع والتاريخ، نعم قد نحتاج المتعلقين بالقصائد الضائعة، والمعلومات الخصوصية عن البيئة والسلوك الشاذ عن شذوذ العباقرة لاستنباط أشياء جديدة، ومعلومات مفيدة، يفهمها من يفهمهم بعد تطابقها أو مقاربتها لسلوك عباقرة آخرين .

التسابق للسعي وراء بنا الأسطورة، تقف وراءه (الأنانية) التي تبدأ مع ولادة الوليد بشكل غريزي لاستمرار الوجود، ثم عندما يتطور الأحساس غير المدرك إلى الذاتية المدركة، تتمركز الأنانية حول ذاته، وأخيراً تخفت تدريجيا كلما ازداد تصادمه مع إرادات الأخرين حتى يندمج مع المجتمع ويصبح جزءًا من كيانه، أما الشاعر الملهم والعبقري الفنان تبقى غريزة الأنانية قوية لديه، فلا تستغرب عندما يبالع في نتاجه، ويزهو بنفسه، ويشتد عناده، ويتمسك بأصراره ويبحث عن مراده لبلوغ أسطورته، لا يلتفت إلى يمين أو شمال سيان على المستوى الفردي أوالمستوى السلطوي بأتجاهاته المختلفة ! ولكن متى وقع تحت وطأة الآخرين، وقسوة الأقدار تنحرف عبقريته عن مجالها الإنساني الشمولي (12)، لذلك يقول دافيد ديتشير " التعبير عن الذات في الفن لا قيمة له إلا إذا أضاء الفنان في التعبير عن نفسه بعض التجارب الإنسانية، أي يجسد تجربة ما مرتبطة بالتجربة العامة للناس وبالتالي ذات قيمة موضوعية " (13) وت . س . إليوت يذهب أبعد من ذلك، فهو يرى " الشعر ليس إطلاقاً لعنان الانفعال، بل هروب، وليس تعبيراًعن الشخصية، بل هروب منها " ثم يزيد قائلاً " إنّ تقدم الفنان ما هو إلا دأبه على التضحية الذاتية، أي دأبه على محو شخصيته "، وهذه المقولة قد تتبناها بعض المدارس الشعرية الغربية، ومال إليها عدة شعراء عرب كبار، المهم متى ما استطاع الشاعر الملهم أن يوازن تماماً بين الحقائق الخارجية والوجدان، وهذا ما يطلق عليه بالمعادل الموضوعي (14)، استطاع أن ينبثق ويشق طريقه نحو الخلود، وهذا ما تأثر به شاعرنا الكبير البياتي الذي جاب الدنيا مشرداً ومنفياً ومتنقلاً ومتأثراً بشعراء عالميين كناظم حكمت وروفائيل ألبرتي وبابلو نيرودا وغيرهم، ومعجبا بنضال وإصرار وتضحية الشاعر الأسباني الكبير عارسيا لوركا حتى القتل على يد قوات الديكتاتور فرانكو، لذلك يعتبره الناقد المصري المعروف رجاء النقاش شاعراً عالمياً يكتب باللغة العربية، ورشحه لجائزة نوبل، وهو محق في رأيه، وفيما أحسب أنـّه أكثر الشعراء العراقيين، وربما العرب، ترجمت أشعاره للـّغات الأجنبية، ولكن أرى السياب وقباني والجواهري ونازك أقرب للأذن العربية، بسبب ضعف الإيقاع الموسيقي عند البياتي إلا عند الحداثويين، والناس أجناس، يقول شاعرنا في قصيدته (الموت في البسفور، التي نظمها في اسطنبول بتاريخ 4 / 11 / 1973، إلى ذكرى صديقه ناظم حكمت:

بعدك كان الموت والفراق في استامبول

يمارسان لعبة المنتظر المخدوع

(منورٌ) تزوجت ورحلت

والآخرون أحرقوا الجسور (15)

توفي ناظم حكمت في 3 حزيران 1963 في موسكو، ومنور زوجته الأولى، تزوجت بعد وفاته ورحلت .

ومن أسرار العبقرية الملهمة للفنان والشاعر، بقدر ما تكون الأنانية عنده قوية لأبراز الذات في سبيل الخلود، وتراه يفخر بعمله، ويزهو بنفسه، ولا يكترث لغيره كما أسلفنا، تدفعه للإصرار والتفاني لتكملة المشوار، أناء الليل والنهار، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، إذا اقتضى الأمر في سبيل الحق العام، والعدل التام، ربما لا تحدّه حدود، ولا تصده سدود إلا الحنان على الأبناء، فلا يستطيع تجاوزه، فهو خط أحمر، لايستطيع تجاوزه لتعلقه بحياة الأقربين، والبياتي ناضل نضالاً مريراً في سبيل الشعر، وهذا أكسبه شهرة كبيرة عربياَ ولعله فاق الشعراء العرب عالمياً. ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ!!

3 - الدكتورصلاح خالص ودعوته أواخر 1953م ... والدعوة الجديدة لمدرسة واقعية أخرى حسب الظروف الموضوعية الحالية !!:

أسرار الحياة عجيبة غريبة، واللبيب من يكتشفها، ويشير إليها ليسجل نقطة لصالح الإنسانية، وهذا شأن العباقرة التي بنيت الحضارة على عاتقهم في جميع المجالات المهم أنّ الأمور عابرة عليك وتعرفها، فمن منا لا يعرف " على قدر أهل العزم تأتي العزائم " ومن منا لا يعرف " لكلّ جديد لذة " ومن منا لا يعرف " لكلّ امرئ من دهره ما تعوّدا " ومن منا لا يفقه، وهم قلائل في التاريخ البشري، ولا أريد أن أضرب الأمثلة والمشوار قصير، ولكن كم من مليارات أفراد النوع الإنساني مثل أرخميدس وحمامه، والخوارزمي وجبره، وابن خلدون ومجتمعه ونيوتن وتفاحته، والمتنبي وحكمته، هنا أرغب أنْ أنوّه عن الشعر و أود أنْ أشير ليس " أمس الذي مرّ على قربه ....يعجز أهل الأرض عن رده " ولكن العبقرية تكمن في الإشارة إليها، وتسجيلها، والمضحك أننا ننبهر بها ونصفق لها، ونقول: إننا نعرفها ونتوهم بساطتها، نعود لشكسبير ولغته، وابن رشد وديكارت ...و شكهما المنهجي وآدم سمث واقتصاده الذي بناه على التنافس والأنانية، والأنانية إحدى ألعوامل الرئيسية لنجاح رجال الأعمال الكبار، ولفرض هيمنة دول على دول أخرى، وفي الوقت الذي نادى في عصر التنوير توماس هوبنز بدكتاتورية السلطة لتحقيق العدل والمساواة على أساس الإنسان شرير بطبعه، ولولا السلطة الصارمة لسادت شريعة الغاب، و ذهب جون لوك وجان جاك روسو إلى أن الإنسان خير بطبعه، وكانت الأخلاق سائدة في عصر المشاعية الأولئ في القدم، وطالبوا بالحرية الشخصية للفرد، و يجب وضع عقد اجتماعي بين الفرد والدولة لتطبيق القوانين، وتحديد الحرية الشخصية بحيث لا تؤثر على حرية الآخرين، وعلى فلسفة جون لوك ومريديه سارت آمريكا، وعلى آراء وفلسفة جان جاك روسو وأشياعه خطت فرنسا خطواتها، أما الإسلام سبقهما مذهباً وسطاً، وإن قدم الفجور على التقوى، ولكن أعطى الإنسان عقلاً ليتحكم في سلوكه، ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس 7 - 8)، والعقل نادى به العرب والمسلمون قبل غيرهم من المعتزلة حتى أبي العلاء المعري، والشيعة رفعوا علم الأجتهاد لا القياس، لعلمهم أن الزمان يتطور وما هذه المقدمة البسيطة إلا لكي نصل إلى أن العبقرية أنانية تحتاج إلى الحرية والعقل للإبداع، إذ أن العقل يتدخل ا للتوازن المقبول اجتماعياً حين الأنحراف أو التمادي، ومن دراسة الغرائز الأساسية في علم النفس على الكائنات الحيوانية ومنها الإنسان، وجد(بافلوف) ترتيب االغرائز من الأقوى للأضعف تأتي كما يلي: 1 - الأمومة 2 - العطش 3 - الجوع 4 - الجنس، (ومنهم من يضع الجوع قبل العطش)، وهذا لايهمني، تهمني الغريزة الأولى: الإمومة وتقابلها الأبوة عند الذكر، وتتولد عقبى إفراز هرمون البرولاكتين من الفص الأمامي للغدة النخامية، ودافعها تلبية حاجات الأبناء والحفاظ عليهم ورعايتهم ومن هنا يتشكل الحنان المفرط، ويزداد طردياً بازدياد إفراز الهرمون المذكور، أما غريزة الجنس الأخيرة دافعها التملك، وحاجتها تلبية اللذة ومن ثم الإنجاب، والدليل على أن غريزة الأمومة (الأبوة) أقوى، إذا تعرض الأبناء إلى المخاطر ينسى الوالدان غريزة الجنس، وتضعف لديهما غريزتا العطش والجوع، ومن الجدير ذكره أن الطاقة الجنسية عند الشعراء الملهمين والعباقرة قوية، كأنما تريد الطبيعة أن تعمم صفاتهم الفذة بين البشرية من باب الصراع، والبقاء للأقوى، ولكن (فرويد) يذكر يمكن تحويل الطاقة المتحررة الفائضة للقيام بأعمال أخرى واستغلالها لصالح الفرد كالرياضة وسرعة العمل ...أو إلى جهد فكري أو فني، ومن الفنون الشعر .

وخلاصة القول:إنّ العباقرة والشعراء الموهوبين - ومنهم البياتي - يتمتعون بصفات منها البساطة والطفولية، وإياك أن تعتبرهما سذاجة أو سهولة، بل هم أشد الناس صلابة وإصراراً وتحدياً وتفانياً وزهواً، والأنانية والشرود الذهني أحياناً أمام الأفراد، ولكن تراهم أكثر الناس تضحية في سبيل الحق العام (النوع)، إضافة إلى أمتيازهم بقضية الفوات، أي لا يحملون الحقد وينسون الإساءة إليهم، كأنها مسحت بيد ماح ٍ، وهذا لا يعتبر ازدواجية في الموقف كما يتوهم البعض، بل هو تسامح الكبار، وربما يكونون سريعي الغضب في لحظات معينة، والمعادل الموضوعي للإصرار والتحدي والتفاني في الظروف الأجتماعية أو السياسية الصعبة هو الحنان والعلاقات العائلية، يستطيع الشاعر التضحية بنفسه، ولكن لا يستطيع تجاوز حدوده ليصل إلى التضحية بأفراد أسرته، واستغلت الأنظمة هذه النقطة لصالحها، مظفر النواب انتبه لهذا الموضوغ من باب الترحال والتنقل وسرعة الهروب خفيفاً، ولكن لم يذق طعم الأبوة، ومثلما بررنا للجواهري سكوته في زمن صعب وأتينا بأمثلة تدعم موقفه، وبيّنا مدى تعلقه بأهله: ســـــــــلامٌ كلـّه قبلُ ***كانّ صميمها شعلُ

سلاماً أيّها الأحباب *** إنَّ محبــــــة ً أملُ

وصدر كتابه (ذكرياتي) الجزء الأول:" أُهديه إلى من هم أعز علي من صفو الحياة ...".

تأمل في الكلمة ملياً فأهله أعزّ عليه من صفو الحياة، وبثّ ما يختلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس ليريح ويستريح، والشاعر رغم التشكي والتبرم والتشاؤم في شعره حيث يصعب التوازن بين الحق العام ومتطلبات الطموحات العائلية، فنراه يشير إلى ذلك في قصيدته المرسلة للسيد جلال الطالباني الذي حثـّه على النضال بعد الحرب العراقية بثلاثة أشهر قائلاً:

يا صاحبي - ويموت المؤمنون غداً - *** وخالدٌ صدقُ قــــــولٍ ناصفٍ زَمِنِ ِ

حتـّى كأنّي - وأشبـــالي - بعيدهـــــمُ *** عُفـْرُ الأضاحي من المنحورةٍ البُدُن ِ

وكنتُ منهم كمصلوبٍ على وثــــــن *** **ضحى على ربّــــــــهِ يوماً ولم يدن ِ

فلـــنْ أغني بأعـــــراس ٍ مهلهلــــــةٍ *** ** ولنْ أنوحَ علــــــى موتى بلا ثمن ِ

والبيت الأخير واضح ومبين، فلا تضحية بلا ثمن ثمين، يعود مردوده للشعب والملايين، هذا رأيه، والسياب في قصيدته (مرحى غيلان) تطغي عليه غريزة الأبوة:

بابا بابا

ينساب صوتك في الظلام إليّ كالمطر الغضير

ينساب من خلل النعاس و أنت ترقد في السرير

من أي رؤيا جاء ؟ أي سماوة ؟ أي انطلاق

و أظل أسبح في رشاش منه أسبح في عبير

فكأن أودية العراق ..."

فلماذا إذن نتساءل عن سكوت البياتي وصمته، بل يرميه البعض - كما رُمي الجواهري والسياب - بالوصولية والانتهازية ؟!!، أنا لست بحاجة للاستفسار من أهله والمتعلقين به عن صمته، وجبره على السكوت أو المغازلة البسيطة، ومدى صعوبة التوازن بين حنانه وتعلقه المفعم بالحب لعائلته، وقوة غريزته الأبوية الفطرية وبين التعبير عن آمال المجتمع وتطلعاته ومآسيه وأمانيه، وربما هذا السر لا يبوح به إلى أقرب مقربيه، فللعواطف المباحة حدود غير متاحة، أنقل إليك من قصيدته (أغنية إلى ولدي علي)، وتخيل مدى عمق الحنان الأبوي المخزون في حنايا القلب المفعم بالغربة والشوق لفراق ابنه ووداع زوجته إبان منفاه في لبنان 1955م:

وَلدي الحبيب

ناديتُ باسمك، والجليد

كالليلِ يهبطُ فوقَ رأسي، كالضباب

كَعُيونِ أمكَ في وَداعي، كالمغيب

ناديتَ باسمك

في مهبِّ الريحِ

في المنفى

فجاوَبَني الصَّدى: ولدي الحبيب

نداء موجع من قلب أب حنون، وحزن رجل لفراق زوج وعيون، جمدت الحياة بوجهه كالجليد، ومستقبل مجهول بين ضباب وسراب، والريح القاسية العاتية لا ترحمه، تعمق غربته، ولم يرد عليه ابنه الحبيب سوى الصدى يجيب ليعصر قلبه ويدمع عينه، ولا تغيب عليك التشبيهات المتتالية المرسلة بوجود أدوات التشبيه (الكاف) . والأستعارات المكنية كالليل الهابط والصدى المجاوب، ونواصل ونعقب:

والقاتلون

يُحْصون أنفاسي، وفي وطني المعذَّب يَسجنون

آباء أخوتك الصغار

ويبشرون بالعالم الحر، العبيد

في هذا المقطع ومنذ سنة 1955م، وكانت الأمور أخف كثيراً مما جاء بعدها من عهود اتسمت بالذبح والقتل وهتك الحرمات واغتصاب المحصنات والتهجير القسري والأغتيالات والحروب والأخذ على الشبهة، بل لمجرد تخويف الآخرين، أقول ومن تلك الأيام نعت البياتي الحكام بالقاتلين، ويحصون الأنفاس كالنقود، ولا تخفى الأستعارة المكنية هنا، ويستخدم الأفعال كلها بالمضارع دلالة على استمرارية النهج والإصرار عليه، ويختم المقطع بخداع المسؤولين بهذا الطباق بين الحر والعبيد، هذه الصراحة برسم واقع الحال، والتبشير بحرية المآل لتحقيق الطموح والآمال، وعدم الخوف على الأهل والابن والمال، مقدمة لما تسمى بالمدرسة الواقعية .

وكان الشاعر قد مهد لهذا المنهج عبر تراكمات التجارب الوجدانية الجماعية لرفع المستوى التطوري للمجتمع من الناحية الثقافية والاقتصادية والطبقية، وشرع للوقوف مع الفقراء والكادحين والمستضعفين بأسلوب قصصي، وبعبارات تفهمها العامة، وترضى بها الخاصة معتمداً على دقة الملاحظة والمتابعة لجزئيات المشاهد المتتالية كمصور يرسم الأحداث بريشته الناطقة، والدافع الحرب العالمية الثانية، والحروب الذرية، زالوعي القومي بعد 1948م، والفروق الطبقية، وحدوث ثورة مصر1952م والأحتكاك بالتجارب العالمية ...إلخ، حفزت البياتي لنظم قصيدته الجميلة " مذكرات رجل مجهول ":

8 نيسان

أنا عامل، أدعى سعيد

من الجنوب

أبواي ماتا في طريقهما إلى قبر الحسين

و كان عمري آنذاك

سنتين - ما أقسى الحياة

و أبشع الليل الطويل

و الموت في الريف العراقي الحزين -

و كان جدي لا يزال

كالكوكب الخاوي، على قيد الحياة

13

مارس

أعرف معنى أن تكون ؟

متسولاً، عريان، في أرجاء عالمنا الكبير!

و ذقت طعم اليتم مثلى و ضياع ؟

أعرف معنى أن تكون ؟

لصاً تطارده الظلام

و الخوف عبر مقابر الريف الحزين !

16 حزيران

إني لأخجل أن أعري، هكذا بؤسي، أمام الآخرين

و أن أرى متسولاً، عريان، في أرجاء عالمنا الكبير

و أن أمرغ ذكرياتي في التراب

فنحن، يا مولاي، قوم طيبون

بسطاء، يمنعنا الحياء من الوقوف

أبداً على أبواب قصرك، جائعين

13 تموز

و مات جدي، كالغراب، مع الخريف

كالجرذ، كالصرصور، مات مع الخريف

فدفنته في ظل نخلتنا و باركت الحياة

فنحن، يا مولاي، نحن الكادحين

ننسى، كما تنسى، بأنك دودة في حقل عالمنا الكبير

25 آب

و هجرت قريتنا، و أمي الأرض تحلم بالربيع

و مدافع الحرب الأخير، لم تزل تعوى، هناك

ككلاب صيدك لم تزل مولاي تعوي في الصقيع

و كان عمري آنذاك

عشرين عام

و مدافع الحرب الأخير لم تزل .. عشرين عام

مولاي ... ! تعوى في الصقيع

29 أيلول

ما زلت خادمك المطيع

لكنه علم الكتاب

و ما يثير برأس أمثالي من الهوس الغريب

و يقظة العملاق في جسدي الكئيب

و شعوري الطاغي، بأني في يديك ذبابة تدمى

و أنك عنكبوت

و عصرنا الذهبي، عصر الكادحين

عصر المصانع و الحقول

ما زال يغريني، بقتلك أيها القرد الخليع

30 تشرين 1

مولاي ! أمثالي من البسطاء لا يتمردون

لأنهم لا يعلمون

بأن أمثالي لهم حق الحياة

و حق تقرير المصير

و أن في أطراف كوكبنا الحزين

تسيل أنهار الدماء

من أجل انسان، الغد الآتي، السعيد

من أجلنا، مولاي أنهار الدماء

تسيل من أطراف كوكبنا الحزين

19 تشرين 2

الليل في بغداد، و الدم و الظلال

أبداً، تطاردني كأني لا أزال

ظمآن عبر مقابر الريف البعيد و كان إنسان الغد الآتي السعيد

إنسان عالمنا الجديد

مولاي ! يولد في المصانع و الحقول

هذه الأمور دعت الدكتور صلاح خالص بتحريض من جماعته أن يشرف على تحرير مجلة (الثقافة الجديدة) مع الدكتور صفاء الحافظ وقد صدر العدد الأول منها في تشرين الثاني سنة 1953م ربما ما زالت تصدر حتى اليوم، وكان البياتي يشرف على الجانب الأدبي منها بعد فصله من وظيفته كمدرس، وهي مجلة اهتمت بالثقافة القومية للعرب والأكراد، وبالهموم والمعاناة الشعبية، وكانت تحسب على اليسار التقدمي، لذلك غلقت عدة مرات ولكن لم تهيمن عليها جهة سياسية معينة، ولو أنها حسبت على الشيوعيين وإنما تقدمية وطنية قومية إنسانية شعبية كتب فيها الشيخ الشبيبي والدكتور المخزومي والدكتور صلاح خالص والدكتور إبراهيم السامرائي، والدكتورة نزيهة الدليمي والدكتور فيصل السامر والدكتور محمدمهدي البصير والدكتور حسين قاسم العزيز، ومن الشعراء السياب والبياتي وكوران إضافة الى القصاصين فؤاد التكرلي والدكتور شاكر خصباك وعبد الملك نوري، وفي المسرح يوسف العاني ...(16) بحوث رزينة، ومقالات رفيعة، وأشعار رائدة وقصص هادفة لشخصيات كبيرة وشهيرة ومعروفة، ثم أصبح د خالص رئيسا لتحريرها (1954- 1969 م) إضافة لتأسيسه مجلة (الثقافة)، ورئاسة تحريرها بين السنوات (1971 - 1987 م) بعد وفاته، والرجل من مواليد البصرة (1925م)، ولا يهمني في بحثي عن البياتي إلا مقال الدكتور خالص الذي نشر في العدد الأول المذكور تاريخه آنفاً تحت عنوان (المدرسة الواقعية في الفن والأدب)، كما عرض الدكتور صلاح خالص كتاب الدكتور صالح أحمد العلي الموسوم: " التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة "،

وعلى إثره تصارع البياتي والسياب على أيّهما أكثر فناً لتفهم المدرسة الواقعية، والتقرب منها حتى تطور الأمر إلى كتلتين متصارعتين حولهما من القوميين والشيوعيين، أما نازك الملائكة فقد وقفت ضد تسييس الشعر، وكتبت مقالاً تحت عنوان (الشعر والمجتمع (17)، ونظم السياب (أطفالنا، ونظم البياتي (السجين المجهول)، أما كوران فقدم قصيدة (مصير العشاق) ونشروها في المجلة الجديدة، من قصيدة البياتي:

عبر السجن عبر الظلمات

كوخنا يلمع في السهل

و موتي و النجوم

و قبور القرية البيضاء و السور القديم

.......

عبر السجن غنوا يا رفاقي

يا رفاقي و النجوم

يا رفاقي في الطريق

و مسرات ليالينا العميقة و الطواحين العتيقة

من المفرادت يتبين لنا توجهاته السياسية حينذاك، وفي العدد الثاني قدم البياتي الشاعر بابلو نيرودا كشخصية العدد، والسياب نشر قصيدته (البغايا في الليل)، وسار الشاعران في بداية حياتهما الشعرية على طريق المدرسة الرومانسية التي تعتمد على الوجدان والإسلوب الفني والذاتية، ومن روادها خليل مطران وإيليا أبو ماضي، وخصوصاً في مرحلتهما الجامعية، ولا ننسى الجواهري في بداياته، وجاءت المدرسة الرومانسية - التي خفتت 1945م - على أعتاب المدرسة الإتباعية (البعث والإحياء الكلاسيكية) الني أحياها البارودي ومن بعده شوقي.

ولكن السياب انشق عن الخط الماركسي واتجه نحو التيار القومي وبالرغم من مدحه عبد الكريم قاسم الذي لم ينصفه، ثم هلهل لحركة 8 شباط بقصيدة فنال الصاع صاعين !! وحدثت مشاحنات ومقالات قاسية بينه وبين رفاقه السابقين، وكانت نازك محقة إلى حد ما في توجهاتها الفنية وأبعد نظرا، نظراً لإنتكاسات الشعراء من بعد ووقوع الشعراء تحت وطأة الطغاة إلا من هرب ونجا بجلده، وبقى خائفاً أن يعلن عن رأيه الصريح بالنظام وبررنا الأسباب إلا السيد مصطفى جمال الدين من المشهورين خصّ النظام بالهجاء المرير بعد أن سحب كل عائلته والمتعلقين به من مخيم رفحاء، ولا أعتقد أن مظفرالنواب نظم عن النظام الفاشي بشكل خاص، وإنما عممَّ هجاءه على جميع الحكام باستثناء القذافي، وهذه من وجهة نظره ليس منقصة له بل كان ذكاء منه لديمومة نضاله، ولكن شمولية الهجاء تخفف الضغط عن مخصوص بعينه (يا ستة سويت الستين !)، وربما عنده هجاء قاس ٍ مخصوص بالنظام الفاشي ولم أسمع به، والحقيقة أنا أخترت النواب من بين عباقرة الدنيا الأولين والآخرين على أمتداد الزمان والمكان لدراسة خصائصهم وكيفية تشكل العبقرية بدراسة مقارنة (مجرد محاولة)، لأنه أكتسب شهرة عظيمة في الوطن العربي، وفرض الشهرة مكملة للعبقرية .

المهم أخذ الكتاب والشعراء يتهافتون على توعية المجتمع العراقي في عصر متخلف تسوده الإقطاعية المنهارة والفقر المقذع، والجهل المتفشي، والأمراض الأجتماعية السائدة، فلا تستغرب حين ينظم الجواهري مستبقاً تنويمة الجياع (نامي جياع الشعب نامي)، والمصير المحتوم (أيا ابن سعيدٍ يلهب الناس سوطه)، وبعد المقال نظم قصيدة الراعي (لفّ العباءة واستقلا)، والسياب سبق بالمومس العمياء وحفار القبور والأسلحة والأطفال وأنشودة المطر ومزج مابين الواقعية والرومانسية - كالبياتي - ووظف الأسطورة والرمز للوصول الى غايته، والحقيقة هذه من سمات الواقعية التي تعتبر الأنسان هو المحور وتعرية الزيف الأجتماعي، أما أن تنتهج منهجاً سريالياً غامضاً صعب الفهم والأدراك من العامة بإستخدام أساطير ورموز عربية أو غير عربية مفتوحة أو مغلقة ! ما أشبه الليلة بالبارحة، ولكن هذا لا يصلح للمرحلة الحالية، فلكلّ زمن خصوصيته، فبعد احروب وغسل الأدمغة بثقافة موجهة، هنالك أسلوب واضح بسيط عفوي بدون إسفاف أو تساهل في استخدام اللغة وقواعدها، يقول الشاعر السوري ممدوح عدوان " البساطة لا تتناقض مع العمق إذ يمكن للقصيدة أن تكون بسيطة وعميقة بآن واحد، ولكن هناك التباساً بين البساطة والسطحية والغموض المقصود بين المباشرة السياسية وبين التعامل الواضح مع الموضوع " (18) أما الشاعربلند الحيدري في صحيفة بغداد فيقول: " حين يكون المتلقي ابن الشارع العراقي فأنا أتحدث بلغته وبسطاته، أما في قصيدة (حوار عبر الأبعاد ...الثلاثة) فهناك متلق آخر يدرك أبعادها من خلال الإنسان في المطلق كما يقول (هيغل) وهي قصيدة ذات أبعاد فلسفية بحاجة إلى قارئ من طراز أخر يدرك لمعرفة جوهرها الفعلي، في الأعوام الأخيرة يحس القارئ أن بلند الحيدري يتعامل مع القصيدة ببسهولة وبساطة ملفتين، ويرى بعض هؤلاء، بأني قد تخلفت عن تجاربي السابقة، وهذا حق لا أنكره وهو الحق الذي وجهه بعض النقاد إلى (بابلو نيرودا) حينما سألوه لماذا تكتب شعرا بهذا المستوى ؟ فأجاب " تعالوا وأنظروا الدم في الشوارع ثم أسألوني لماذا أكتب هذا الشعر ليكفي أني أكتب شعراً، أرخت به حياتي وما أثير به أبناء شعبي ..." (19) وما أحوجنا إلى هذه النهضة لتوعية المجتمع للوحدة الوطنية ومحاربة الجهل والمرض والفقر بعد عقود من الحروب والصراعات والتكتلات، بشرط عدم تسييس الشعر والإنحياز إلى جهة معينة، والحث على الكراهية والفرقة والبغضاء في زمن حرج وصعب وحساس بمعنى ما يشبه التزواج بين أراء نازك وتخوفها من الإنجرار إلى ما لا تحمد عقباه وبين أراء وتوجهات المدرسة الواقعية المنفتحة البليغة المستقلة والتي تصب في مصلحة العراق كله، هل نحن مدركون أم غافلون، الوطن في خطر شديد بإعاقاته الداخلية، وتكتلاته في جميع الأتجاهات، ومخاطره الخارجية، والشعب العراقي حيوي لا تعوزه العبقرية ولا الرجال الوطنيون المخلصون، هل أنتم تتذكرون وعاملون ؟ !كان الله في عون شعبنا وعونكم وعون الجميع، وعون البساطة العميقة الهادفة المجهولة ! وهذه تحتاج لدراسة موسعة مركزة، فعذراً للإشارة الخاطفة العابرة . شكراً لكم .

 

 

كريم مرزة الاسدي

..............................

(1) هو محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي، وإن كان أندلسياً، إذ جاء أجداده إليها منذ زمن الفتوحات الإسلامية، فهو من سلالة عربية عريقة، يطلق عليه الشيخ الأكبر ولد العربي في مرسيه الأندلس عام (558 هـ /1164م)، وتوفي في دمشق (638 هـ /1240 م) .

(2) ترجمان الأشواق: محيي الدين ابن عربي ط 3 صنة 2003 م المقدمة دار الحصاد

(3) هو عبد القادر الجيلاني (الكيلاني) ابن أبي صالح موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد، بعضهم يرجع نسبه إلى الإمام الحسن (ع)، فقيه حنبلي متصوف، تنسب إليه كرامات، ويلقبه مريدوه بتاج العارفين، وشيخ الشيوخ، ولد في كيلان (470 هـ / 1077م)، وتوفي بعد ميلاد محيي الدين ابن عربي بسنتين، وذلك في (561 هـ / 1166م) .

(4) صحيفة الشرق الأوسط: عدد 24/ 9/ 2003م مقال بقلم الأستاذ فؤاد التكرلي تحت عنوان: شاعر لم يكن يهمه شيء سوى بناء أسطورته الشخصية .

(5) الحوار المتمدن: العدد 2069 بتاريخ 15 / 10 /2007 مقال بقلم د . ميسون البياتي

(6) العبقرية الإسلامية: عباس محمود العقاد - المجلد الأول - ص 15 دار الكتاب اللبناني .

(7) الشرق الأوسط: العدد9066 بتاريخ 24 سمبتمبر 2003 الأربعاء

(8) المصدر نفسه .

(9) ولدت عمارة 1929م ترزق الحياة في (أمريكا)، و تخرج السياب 1948 م من فرع اللغة الإنكليزية، وتأخر سنة دراسية في الجامعة، لدخوله بادئاً فرع اللغة العربية، والسياب أيضاًًً من مواليد سنة 1926م، توفي قي (الكويت) أواخر 1964م، وبلند الحيدري ولد في السنة نفسها 1926م، حياته كانت مضطربة بادئ الأمر، لم ينهِ دراسته الثانوية، ثقف نفسه بنفسه في المكتبة العامة، نوفي في (نيويورك)1996 م، بينما نازك الملائكة ولدت 1923م، وتخرجت من دار المعلمين فرع اللغة العربية 1944م، وتخرجت من معهد الفنون الجميلة، فرع الموسيقا 1949م من بغداد، توفيت في (القاهرة) 2007م، أما الجواهري (ت 1997م)، والسيد مصطفى جمال الدين (1996 م)، والبياتي (1999م) مكانت وفياتهم في (دمشق الشام)، تأملوا رجاء دقيقة بصمت، رحمهم الله في الآخرة، ورحم الله العراق في هذه الحياة و ألم أقل لكم الحياة في العراق مفلوبة على أعقابها، وهذا سبب رئيسي لتخلفنا ؟!!

(10) التكرلي: المصدر السابق.

(11)التعريف بشكسبير: عباس محمود العقاد ص9 عصر شكسبير - 1976م - مؤسسة المعارف للطباعة والنشر.

(12) للتوسع راجع كتابي (للعبقرية أسرارها تشكلها ...خصائصها...دراسة نقدية مقارنة): كريم مرزة الاسدي ص 87 - 97 - دار فجر الغروبه 1996م دمشق .

(13)الأدب والمجتمع: دافيد ديتشر ص 185 ترجمة عارف حديفة .

(14) راجع حول إليوت: إليوت: الدكتور فائق متي طبعة 1966م (ص 2 - 29)

(15) سيرة ذاتية .. سارق النار: عبد الوهاب البياتي ص 64، ط 2، 1985م، دار الشروق

(16) موقع النور: مجلة الثقافة الجديدة: فصل من تاريخ العراق المعاصر - أ. د .خليل إبراهيم العلاف

: ديوان " أباريق مهشمة " والطريق إلى الأدب الحديث: سامي مهد gehat.com (17)

(18) صحيفة السفير: 29 / 9 / 1994م ص 29 عدد يوم الخميس .

(19) صحيفة بغداد:العدد (197) ص 8 الشاعر بلند الحيدري في حوار

 

 

الشاعر يبحث عن المسؤولية في قصيدة: الفراق يقظة الحواس للشاعر اللبناني المغترب كامل محمود بزي

qasim madiبين همومهِ الشخصية الوقتية الضاغطة، وبين ما يحطيه من العلاقات الوجدانية القديمة والحديثة من الذين أحبهم عبر رحلة طويلة، توجهاً بالبحث عن الذات والشعور بالصداقة وحقوقها على الإنسان، ونحن نعيش حالة التمزق في العلاقات الإنسانية واشتغال كل فرد بنفسه في هذا العصر المضطرب والمشوش والذي يفتقد الوجه الإنساني .

" أبوح ُ بوجعي، فيبتلعني بئرُ حزني " بيننا والصداقة، عشرةُ عمر، خمرها الزمن "

لغتهُ الشعرية متهيئة لأداء مهمتها التي اتخذها في تشكيل صوره بكل مشخصاتها للصورة الشعرية المرسومة للمكان والزمان، روحه الشعرية المشتعلة بمحيطه الإغترابي وذاكرة المدينة التي لا يستطيع نسيانها، وهو يساعدنا " بزي " على تنسيق مشاعرنا من خلال الاثارات المتنوعة التي تثير فينا صوره، ويبدو الشاعر الذي تعلم ودرس في مغتربه الامريكي سار على نظرية الفيلسوف " كرتشمير " والذي عرف خصائص أنماط أربعة للناس تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا، وهذا الاختلاف الجوهري في الطبائع، لابد أن ينتج عنه اختلاف الناس في استجابتهم للصورة الحسية ومدى تأثرهم بها،ولهذا أصبحت ذاكرته الإغترابية حقيبة تحمل في داخلها الهم الإنساني والمعرفي

"مفتاح مسَرة للقلوب، الفراق ُ يقظة ُ الحواس، واستنفارها، والشوق ٌ إليك َ يحرقني"

وهو يعمل على إستعادة صوره الشعرية بمفردات ودلالات شعرية فيها من درجات الخيال الكثير، ولعلنا في أيامنا هذه ندرك بيسر هذا التوالج بين وحدانية الحقيقة وتعدد الأنظمة الراصدة لمضمونها،

"وعند بداية كل صباح، وها أنا اليومَ أعود ُ إلى الديار، وأقرأ أقداراً مخطوطة في دفتر الفراق"

ذلك أن ما تشتمل عليه أي لغة من الصيغ الأدائية يمثل نظاما آخر مكتملا من الإحالات، فلنهوم معاً في الذاكرة المستعادة، وهذا شيء طبيعي بإن مجموعة من الصور تكون قد نبتت في عقل شاعرنا " بزي " الامر الذي جعله يستجيب للصور الحسية ويتأثر بها، ولو دققنا في قصائده القديمة والجديدة نجدها تعبر عن طموحه الشخصي لابداع الجديد في مجال الصورة الشعرية التي إنطلق منها،

" المنزلُ الذي جفاهُ النوم، ولفهُ عشبُ الحنين، يفيضُ من الحب الذي تركتَه "

وهكذا أراد شاعرنا أن يقول لنا، وهو يؤكد في هذه القصيدة التراتب الزمني للإستذكار، عبر شريط حياتي بصري، فيه حياة وقوة، وكأنك في عالم ذي سياق سينمائي فيه الكثير من الصور المحزنة والتي تُفتت القلوب .

" فعزفت سيمفونية الوداع، وتوارى القمرُ، بين غيوم الفقد، وغاب َ النجمُ سريعاُ "

وهو يرصد تاريخا ً منذ أن ُصدم جلجامش بموت أنكيدو، فانبعثت أسئلته عن الرحيل الأبدي، والشاعر " بزي " المعبأ بالكثير من الإرهاصات المشخصة التي يحتويها عقله وقلبه الكبير العاج بالحب والتسامح .

"في دياركَ الأبدية، سلاُم لذكراك َ الطيبة، أنا فيك َ المعُزَى "

وهو يختزل الفواصل الزمنية في مواءمة معرفية، لا تلغي خصوصيات المراحل التاريخية، ناشراً على الأمكنة السواد،

" ملأت َ كأسي بخمر الفجيعة " وتعميقاً للفجيعة فأنها جعلت من شاعرنا " بزي " يخاطب نفسه ومن حوله وخاصة أبناء " مدينة بنت جبيل " وهو يمدح عبر خطابه الشعري، صوره المرئية واللامرئية التي تلامس واقع الشاعر النفسي، مؤكداً بذلك قول لكل ماله بداية فله نهاية

كم من مرةٍ

تقاسمنا الحلم َ بالعودة ِ

الى المرابع الاليفة

الى ربوع (بنت جبيل)

 

قاسم ماضي – ديترويت