المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

حسن عبد راضي يطلق القصيدة بطقوس موت الأشياء .. شعرية التسمية وقرائن أغوار الدلالة

haidar abdullradaان ما يحدث حين قراءة قصائد مجموعة (طقوس موت الأشياء) للشاعر المبدع حسن عبد راضي، هو لحظة التغلب على خاصية تكريس ما هو منفلت آنيا عن أفق وعي كلية تجربة بوح الأشياء، أي بمعنى ان القصيدة لدى هذا الشاعر، وبحدود مكوناتها الشعرية، تبقى كشفا معادلا ضمن حدود أفق مخالفات وملاحظات، لا يمكن تجاوزها في النظر الى مسببات وجود الأشياء وظواهرها الأسلوبية والشكلية . وهكذا فأن متابعة قيم النصوص وأصواتها الدالة في منجز هذه المجموعة الشعرية، يبدو أمرا شاقا ومعذبا ولذيذا، لاسيما وان تجربة النص وخطابه وشكله، تبقى نموذجا تعريفيا مقترحا، نحو خصوصية حالات تحققية مشتركة في أضفاء طابعية التعديل والتحول والانسياق خلف قرائنية أغوار الدلالة ومنظومة صورية التسمية النصية .

لا تسكبي سفرا على اصقاع خارطتي

و لا تدعي السنونو

و ضعي على جرحي بياض يمامتين

ضعي دمى

بأكف أطفالي

و قولي للتوابيت اهدئي

سيمر هذا العام كالعطش الصريح

يمر موتانا واعينهم بلا حدق .. ص13

ليس مهما ان نعرف هوية خارطة قول الشاعر في مقاطع وعنوانات وفواتح دلالات هذه القصيدة، بل ان من المهم جدا ان نعرف، هوية أبعاد سفر واسفار مقصديات مقاطع النص . فمثلا تقول جملة الافتتاح في القصيدة: (لا تسكبي سفرا على اصقاع خارطتي) . ان مثل هذا القول، لربما حل لتدوين تماثلات اظهارية من زمن دال: (سفر / أصقاع) ومن حدود صلات تشفيرية ذات مدارات دلالية، نابعة من

(السنونو / جرحي / بياض / يمامتين) . ولكن بلاغية الدوال في مقاطع النص، قد راحت تؤسس لذاتها مساحة مؤولات ممكنة، من قابلية تجاذب نسقية الافعال والمسميات، ومن حدود اشراقات راسخة في فعل المحكي الخطابي ذاته، كقول الشاعر في هذه المقاطع اللاحقة (ولا تدعي السنونو) . أي بمعنى هنا ان موجهات الجزء قد أضحت شروعا كامنا في دليل (السنونو + خارطتي) . وتبعا لهذا الأمر أصبحت مركزية القول في هذه المقاطع، تشكل دليلا في موجه دال (السنونو) وضمن أفق مؤشر دال

(خارطتي) ليكون الاسترسال الفعلي في المقاطع، تابعا لمؤول اظهاري رابط، كقول الشاعر (ضعي دمى / بأكف أطفالي) . ان المقاطع وبحدود هذه الاظهاريات المؤولة، باتت شكلا احتوائيا لدال القول المركزي في القصيدة، وعلى محورية الهيمنة الاكتفائية في جملة دال (لا تسكبي سفرا) مما جعل الاساس الدلائلي في المكون الدلالي، يتضح بروح محقق استعمالي، يحمل ذهنية فعلية الدليل الجديد، والذي يتمثل بجملة (وقولي للتوابيت اهدئي) وقد يعني هذا نوعا ما من روح الانكشاف نحو رؤية هذه الترسيمة السيميائية

(خارطتي = السنونو = جرحي = أطفالي = اهدئي) . وفي هذه الحالة من الاظهار الدلائلي، تبدو حركة ومساحة الدلالة، أشبه ما تكون عليه وضعية المؤول الصيغي، والذي هو بدوره يشكل مؤشرا ضمنيا نحو حاجة مدلولية في بنيات النص، وعلى هذا الأمر لاحظنا ورود مثل هذا الشكل من الأفعال والدوال في محققات بنية طابعية الافصاح التتابعي في خطاب النص : (سيمر هذا العام كالعطش الصريح) قد تكون اضافات ودلالات هذه المقطعية، مؤولا ضمنيا لحالة تفعيل المركزي (خارطتي / جرحي = عطش) . لتكون حالة الخطاب بهذا الأمر، بمثابة التوارد المتوازي مع حدود اضمامات هذه الترسيمة (سيمر + العام + سفرا + السنونو + أطفالي + التوابيت + اهدئي = دليل = محور) . ان حالة وقوع الدوال الى هذه النتيجة من الحركية الدلالية، قد راحت ترسم لنا حلقات من براهين ومداليل، تؤكد لنا على ان أبعاد القولية الكلامية في النص، قد جاءت حلولية في مواقع نتائج أفعال تمفصلات أدلة تتابعية الصورة والموجه والادراكية القائمة على حدود مراكز الزمن الصوري الأول من قول الدوال الشفروية في النص، أي بمعنى ان كافة علامات الكلام في الخطاب، ما هي ألا توابع وفواتح سائرة نحو متراصفات كلية مترابطة، من قيمة تشاكلات محاور النص ذاته .

 

(المؤولات الحملية وقصيدة المحمول)

و نحن نطالع مقامات وتوجهات مراحل الدلائل والمداليل والحمولات المقصدية في علامات دليل قصائد مجموعة

(طقوس موت الأشياء) لاحظنا بأن مؤولات انتاجات شعرية الاداة الخطابية في القصيدة، قد راحت تتحكم بملفوظاتها الفعلية في الكلام، بموجب حالات حملية ممثلة بمبادرات متحركة وفق روابط محمولية في الدلالة والاداة نحو خلق نوعيات من الاجابات الاستدراكية المتكونة من (دليل / مصدر / طاقة نهائية / طاقة تحقق / شكل مقومات) . وهذه المصادر الحملية والمحمولات الدلالية في دوال وأفعال النص، تقود التلقي نحو معالجات اظهارية من قيمة زمن المتصل الانتاجي القابع في تمفصلات تصورية المحور القصدي في الباث، وهذا بدوره ما سوف نعرفه من خلال هذه الامثلة التطبيقية :

يموت المغنون مذ يولدون

يموتون في ردهات الجنون فرادى

يموتون من فرط أغنية

يسبح الضوء في ضوئها

و القناديل تحرس

ما تركوا للكمنجات

من وجع وديون

يموت المغنون في القادمين بلا قدم

و يموتون في النادمين بلا ندم .. ص53

ان قابلية الوعي الاظهاري في توزيعية دوال هذه الحملية المؤولة، من زمن الدلالة المحمولة،   هو ما سيقودنا نحو الكمون في تصورات ومشفرات قواعد الاعتدال والتنسيق بموضوع القصيدة ذاتها، أي بمعنى، ان قيمة ما وراء صياغات حملية وحمولات علاقات الدليل الفعلي في خطابية النص، قد أرست لها مواضعات حدية من جملة هذا القول الأول : (يموت المغنون مذ يولدون) . أيقصد الشاعر هنا بأن مستوى الدليل الاظهاري (يموت) هو مزعم تعريفيا على مستوى سياق دليل الصدور الأول في هذه الترسيمة   (ولادة + كينونة + زمن + توقف = يموتون) . ولكننا في حال هذه المقطعية، نعاين بأن موجهات حملية هذه الجملة الأولى، تقودنا نحو دلالات متصلة بدليل محمول

(يولدون) وليس (يموتون) وتبعا لهذا فأن سياقات المحمول الرابط هي بهذا الشكل (الجنون / ردهات / أغنية) في حين ان أولية مؤولات المصدر، تبقى من كل هذا الربط، بمثابة الدينامية السائرة نحو المباشر الأولي والمباشر الأخير، أي على هذا النحو من التتابعية الخطاطية (يموت المغنون +برهان + صورة + مصدر + محفوظ + دليل خارجي + تبئير = يولدون من فرط أغنية) . نلاحظ أذن وفق هذه الخطاطة، بأن الشاعر قد راح يركز في حمولاته الملفوظية على مواطن حيازات حملية صوت الأشياء، وليس انفتاحاتها الاظهارية المحمولة، وتبعا لهذا صرنا نتلقى الملفوظات في مقاطع القصيدة، على اساس مرادفات عكسية من الاتصال في الدلالة والصوت والمدلول البرهاني، في حين أننا رأينا في أكثر من مكان وموضع من قصيدة الشاعر، بأن هناك أمكنة وأشياء وأدراكات حسية وحالات صورية، تبدو مخالفة لتوجهات المحمول التلفظي الظاهر من العبارة في الخطاب، كقول الشاعر مثلا في هذه الجملة (يسبح الضوء في ضوئها) أو في مثل هذه الجملة (يموت المغنون) . ان حالات تركيبة الأشياء هنا، قد جاءت حملية وبفعل عنصر مزامنة ديكورات لفظوية مخالفة لأفق المسبب والسبب والنتيجة، وعلى نحو تبدو الاقوال الشعرية الوصفية، كما لو أنها غير دقيقة وغير شعورية . ولكن العكس هنا، هو ما سوف يكنه الصواب والموضوعية، لأن المساحات الملفوظية في هذه التركيبة الشعرية قد جاءت حملية، أي بمعنى انها اختارت الدليل قبل شروعها بمضاعفة الاظهار الحمولاتي في أرسالية دلالة الملفوظ القصدي في القصيدة .

 

(مكانية المتعدد من حيز المفتوح الصوري)

لم يتوقف الشاعر حسن عبد راضي في مشروعية قصائد (طقوس موت الأشياء) عند حدود الأنظمة العلامية والملفوظية من دليل (صورة / خطاب / شكل / فضاء / نهاية) بل أننا رأينا القصيدة عنده، كأنها نصية مفتوحة الإجرائية المنظومية، وبلا نظام قائم على التدرج والافتعال . وهذا بدوره ما سوف نراه عند هذه المواضع التطبيقية .

في ظلامي الأكيد

يعرج الشك مني على غفلة

حين شباك قلبي

يحطمه اليأس

و العقل يبسط أغلاله بالوصيد

فأرى الأرض فاسدة

و السماء كطي السجل

أرى الكائنات التي لا تراني .. ص43ص44

 

ان سلطة التسمية في محورية فواتح هذه الدوال، تأتي معتمدة زمنا تجاوزيا، لغرض الوصول الى مواطن تشكل مكانية وحسية مفتوحة على صعيد مساحة ملفوظية الافعال والحالات القولية، فعلى سبيل المثال، نعاين فاتحة هذه الجملة

(في ظلامي الأكيد) ان انبعاثية ومصدرية مفاعيل هذه الصورية الأحتوائية، ما يجعلنا نراجع موضعية هذا التأطير الدلالي : أي ما قصدية (ظلامي الأكيد) أهي مصدرية تشكيلية خطاب دلالي توكيدي يكون محكوم بواقع حال ظرفي مشبه به مثلا ؟ أم هو اعترافا مسندا الى دلالة مقصدية البياض في صياغة الدال؟ . لعل في وظائف هذه الجملة المقطعية، ما يجعلها أدراكا تصوريا مسبقا، إذ جاورناها مع حدود جملة اللاحق من هذه المقطعية: (يعرج الشك مني على غفلة) . وبهذا الأمر تتضح لنا مصدرية عبارة (في ظلامي الأكيد) لاسيما وان التحرك لدينا هو ما يتضح في هذه الترسيمة :

(ظلامي + يعرج + الشك = على غفلة) . غير أننا نلاحظ في الوقت نفسه بأن حدود تمفصلات المضاعفة القولية في تفعيل هذا الدال (ظلامي) راحت تمتد نحو أنحاء متعددة من حيز المفتوح الصوري التابع لدليل مقصدية لفظة (الأكيد) ولاسيما ان الأمر يبدو أكثر وضوحا بحدود هذه الجملة

(شباك قلبي = اليأس = يعرج = ظلامي = الشك = السماء كطي السجل) . وبعد استيفاء حدود امكانية المتعدد الدال في مقولات الدلالة، نعاين بأن سلم أعماق الصورة الشعرية في القصيدة، تبقى على حدود متجاوزة ومتوغلة في مكاشفات اللحظة الإحالية المسندة، الى دليل خصوصية خطوط التأويل المضاعف في فضاء استرجاعات القصيدة : (أرى الكائنات التي لا تراني) . ان حجم الإحالات في هذه الجملة الاخيرة، تقودنا نحو مؤولات صيغية مصدرها : (تعرفية / تصادم / معلوم / مفروض / فضاء / أيقونة غياب ظرفي) . وتبعا لهذا يمكننا قراءة هذه الجملة الأخيرة بحدود هذه الترسيمة

(أرى + لا تراني = في ظلامي = الأكيد = الكائنات = الشك = اليأس = على غفلة = العقل يبسط أغلاله = طقوس موت الأشياء) . وفي الأخير لا أملك سوى كلمة الشكر والتقدير للصديق المبدع حسن عبد راضي، لأنه فعلا بمجموعته الشعرية هذه، قد قدم لنا بناءات تصورية وصورية وايقاعية وايحائية، ليس لها سوى كيفيات دالة، من زمن علاقة ذاتية الشاعر مع العالم والله والحقيقة والقصيدة، وبمنظور تصاعدي خاص من صياغات شعرية التسمية وقرائنية أغوار دلالات القصيدة .

 

حيدر عبد الرضا

البصرة

 

تجليات النص والشجن الادبي .. قصيدة الشاعرة ميمي قدري (طوق الجنار)

تجليات العنوان: ان عنوان قصيدة نثر يتجاوز وصف ما طرحه امبرتو ايكو، من ان العنوان هو ايقونة نص، لكن يحاقظ عليها كفكرة اولية، ويتقدم عنوان قصيدة الشاعر ميمي قدري لاى ما يصفه جان جانيت بأنه يملك طاقة ايحاء قد تبلغ تعبير حس ادبي عن مجمل كيان النص، وان عنوان القصيدة (طوق الجلنار) ذو شجن يوغل بنا نحو اعماق الفكرة المتشضية داخل كيان القصيدة، ويتجلى في العنوان بعد اخر يقترب من قمة انفعال الوجدان وروح التعارض فيه حساسة، حيث (الجلنار) يتعارض ببهائه وسحره وعبقه المتحرر من معنى يمثله مفردة (طوق)، وتجلي العنوان يمثل مستوى جمالي كصورة شعرية اولية تمثل المعنى العام للقصيدة .

المدخل النثري والاستهلال الشعري – يبدا المدخل الشعر يفي قصيدة ميمي قدري (طوق الجلنار) او كما يسمى قديما الاستهلال، بتأكيد اتصاله مع كيان العنوان عبر النحو والشعر على السواء، فالجملة الاولى( لملمت نبضي) وهي صورة شعرية بليغة، ترتبط فنيا بالجملة اللاحقة (ووشمتَ في جرحي) ولا تنفصل عنها لترابط المعنى الشعري وتراتبه، وعلى المستوى النحوي هما فعليتان، وكما ان حرف ( الواو) صارلازما للترابط شعرا ونحوا، والمفيد هنا ان مفردة (مدخل) ذات دلالة معاصرة تتقابل مضمونا مع النص النثري،وهذا ما يتوفر في الاستهلال الشعري وعلى الاخص العمودي منه،وان اول جملة من الاستهلال كانت خلابة وساحرة الصورة وعميقة المعنى وفيها دفق شعري كبير .

الصورة والحدس النثري – ان قصيدة ميمي قدري (طوق الجلنار) هي قد حدست احساس الفرد- ذات الشاعر وعلى الأخص النوعي وسمت به إلى اعلى مستويات اصالة الحس الادبي، وقد تفردت هي كقصيدة نثر ذاتية بحدسها للجوهر البشري للمخاطب في القصيدة، وبمساحة المحسوس في الذاكرة الجمعية للذات الشعرية التي تتمثل في كيان الشاعر، وكذلك من اتصال مخيالها الاجتماعي بخيالها الادبي او تقابلهما بدلالة مشتركة، وقد اغنت الشاعرة كيان القصيدة بشجن وجدانها وموسيقى ايقاع روحها الشاردة وسؤالها الشعري والوجودي.

بين نبضاتٍ لقلبِـك.

• ..بين همسات شرودي

• تُحيرني ملامحك

• يأتيني همسك السحري من قربي ومن

• كل بعيدِ

• ماتريدُ؟

ان كان الغرض الاساس في الشعر كما يراه اليوت هو تسلية سامية، وطبعا تلك التسلية لاتقف عند حدود المتعة وتتعداه إلى معطى حسي تقريبا تكاد تكون قصيدة النثر اكثر انسيابية في تحقيق ذلك المعطى وهي بفاعلية متنوعة الافاق تبلغ حدس الوجود الحي، وقصيدة ميمي قدري هي مثال نوعي يتجاوز حدود اخرى، ويقرب المعنى الشعري الذاتي، ويطرح امثولته الشعرية للاحاسيس العميقة والشعور بالاسى وانفعال الوجدان، وترتكز تلك التعابير في الصورة الشعرية كالوان طيف شفيف ولكنه بايقاع شجي وشجن .

أفهم معنى حدودي

• ووجودي

• من دون خيمات الضجر

• هكذا قالها بعد أن صيــرني

• أغنية أفلتت بين وتـــرْ

• كغيوم عانقتْ قوس قزح ْ

• بين حبــَّـاتِ المطـــرْ

هناك منطق شعري قوي يؤطر المحكي النثري دون تحقيق صفة قصية حكائية، والشاعرة ميمي قدري من خلال ذلك المنطق إن قصيدتها اتاحت للصورة الشعرية ملامسة احساسها الشعري / الذاتي، فكان النص الشعري من جهة ذات شعرية يمثل الوجود الحي رمزيا، ومن جهة اخرى مثل احساس شعري، وحسيا النص كان يحاور ذلك االمستوى الرمزي، والأهم ان يكون التعبير الجمالي للصورة الشعرية برمزية محسوسة، وكانت مفردات الشاعرة منتقاة وفق ذلك البعد، فجملتها لاتخلو من مفردة تملك قوة تعبير وايحاء ورسم ملمح رمزي وجمالي، واكدت قيمتها الفنية .

ضمني بين حقول الجلنــَار ْ

• أروـ عطش الأرض ربيعاً وسنابلَ

• وانتهِ بين حضوري

• واستقِ مني الجدائل

تشر المفردات الشعرية من جهة الى الحس الدافق في كيان الشاعرة، ومن اخرى تمثل وحدة اساس في كيان الجملة الشعرية، وقد توافقت المفردات توافق دلالي واشاري، وكأن كل مفردة هي وردة (جلنار) في كيان القصيدة ونسيجها الشعري، وقد برعت الشاعرة ميمي قدري في اغناء صورتها الشعرية بتلك المفردات ذات العبق والسحر والملمح الاستاطيقي، واستغلت قدرتها في الاشتغال على اللغة وتماهي الحس الادبي لديها بذاكرتها المتقدة، وكما انها امكنها ان تستعار الملفوظ كترنيمة حكي شعرية الاطار، وتجاوزت الشاعرة ميمي قدري في قصيدتها ان تكون بوصفها ساردا شعريا، بل قدمت انموذجها الشعري عبر تجليات روحية وانفعال وجداني وحس ادبي دافق الشجن .

 

محمد يونس

ناقد من العراق

محمود سعيد بين سلطة الوصفي وأحراش التنصيص .. قراءة في قصة الجندي والخنازير

haidar abdullradaلا يشكل الوصف السردي الوعاء القصصي فحسب بل يؤدي دوره في النص كأي ركن من أركان عاملية أدوات القصة القصيرة، وقد يخطىء من يفترض من ان الوصف القصصي تكوينا جامدا أو محايدا.. هناك من يرى في الشكل الوصفي النصي ثمة هوية افصاحية تابعة لماهية مفتاح العمل الشكلاني في إجرائية مقومات النص الأخبارية.. وهناك من يظن من أن الاداة الوصفية في تشكيل الخطاب السردي ما هي ألا مجموعة أقطاب إيصالية راسخة في أساليب حيثيات صوت السارد العليم.. ونحن نقرأ قصة (الجندي والخنازير) للقاص العراقي المغترب محمود سعيد، نتلمس ثمة أهمية عظيمة للوصف في أجواء مسارية أحداث هذا النص، إذ لاحظنا بأن القاص راح يعمد في تشكيل أدوات النص، على أساس مؤشرات وصفية تناصر وقوفات أصوات الشخوص والأمكنة والأشياء، من هنا قد يصح لنا تسمية قصة الكاتب سعيد بأنها من نصوص تقنيات رؤى الوصف التي ساعدت القاص نفسه على أنشاء عالمه المخيالي السردي ودفعت به خارج دائرة الكتابة الحدثية المؤثر عليها ضمن فضاء ترادف المحكي في جل مراكمات السارد التفعيلية بلغة الأشياء المسرودة، أو تقديم الحدث القصصي وفق أخفاء مساحة زمن القص أو زمن الحكي التفصيلي الدقيق لصراع الواقع الشخوصي في حالة استراحة الخيط الرابط.

في نص (الجندي والخنازير) يبدأ صوت السارد الشخصية بالذهاب لطرح حالة وصف الأشياء من حوله والابتعاد عن حيثيات وخطوط (البطل النموذجي)، وسرد حالاته الوقائعية: ولكن هل يعني هذا التخلي عن كشف قص الأحداث داخل الخطاب النصي ؟ دون شك لم يحدث هذا النمط في مؤثثات وصفية السارد للأشياء من حوله، بل أن القاص راح يبرز من خلال بطله عينات الوقائع الأنجازية في فضاء المسرود، عبر موضوعة الفعل الانتقائي المنحبس في تحولات مسرح الموصوف المفاجئ والموصوف الثابت في مبادرات صوت الخروج بالواقعة السردية من حالة الجمود الذي قد يصيبها من جراء الموجات الوصفية الجامدة التي تعتمد في أسلوبها على ذاتية أحاديث السارد الوضعية المنجلية في محكيات الأخضاع الوصفي: ولكن هل هناك خلخلة مضاعفة تشمل بناء الخطاب والحكاية والقصة في آن واحد، من جراء أن يسود فضاء القص سوى أخضاع القص أو المحكي الى (بناء الوصف) لذا نقول مؤكدين بأن عوالم الوصف في قصة (الجندي والخنازير) لربما تختلف عن قصص رؤى الإيغال الوصفي في أشكال النصوص السردية القصصية، ذلك لكون أنها تعتمد صوت السارد في النص واصفا وبطلا ومحورا في أنتقالات مسرح تحولات فضاء القص، وعلى هذا الأساس من ملاءمات لحظات الانطلاق البنائية للأحداث في موضوعة القص، أخذت تتشكل تعاقدية السارد بموجب مواقف الأفعال الواصفة من جهة منتجات الأنعكاس الشخوصي لدى أستخراجات الواقعة الحدثية في زمن تحولات السارد نفسه في خطاب القص.

 

(سيميائية القص وتفكيك التفاعل السردي)

في موضوعة قصة (الجندي والخنازير) نعاين أبعاد أثراء الفضاء النصي بأرتباطات تقانة متغيرات مظاهر التخطيطية الحبكوية الكائنة في حالة الموصوف التلفظي الكامن في مسميات الأشياء، بحيث لا تتجلى هذه الكشوفية دون حدوث حالة أنصات القارىء لآليات علامات الوصف المتحرك في زمن غياهب التطابق المقامي والمرجعي في مشخصات حالات الموصوف نفسه: (عندما فتح سامر عينيه كاد الرعب يقتله بدأ قلبه يدق بعنف: ما هذه ؟ ركز النظر نحوها لم يرى مثل هذا الحيوان من قبل قط فكر قليلا رأى صورة شبيهة أهي خنزيرة برية لماذا كبيرة هكذا تبدو عملاقة قرب على ظهرها تشخر قوائمها القصيرات مفتوحة الى الخارج بطنها يندلق عظيما كقربة ماء تنز عرقا وقبحا شهباء متربة موصلة عيناها مغمضتان كمنفاخ عملاق بينما لمعت حلمة أثدائها البيض في جانبي البطن منتظمات على صفين بارزات تلمع في ضوء الشمس هو أيضا كان متمددا على ظهره بينهما أقل من مترين). سنحاول بتركيز شديد قلب شكلية هذه العتبة ونوعية تحقيق هذه الأستهلالية الوصفية في زمن أفتتاحية النص. وعند الامعان منا في مقاربات دلالة الائتلاف والاختلاف الوصفي في متن المقدمة، نعاين بأن هناك جملة مؤشرات تجاورية ما بين شخصية المحور وبين ضدية شيئية (الخنزيرة) لذا فأن مركب هذان الضدان في مجال التداول المقدماتي في النص، جاء عبر حدود قصدية النص المؤطر وحدود غاية الشيء ومنتهاه، وعبر يافطة بلوغ الغاية واكتمال الصنيع. وبرجوعنا الى فاتحة الاستهلال الجامعة في النص القصصي، نتلمس شاهدية محيط بلوغ ذروة الحدث السردي ومسار نموه الوصفي في خاصية لغة الموصوف:

(ظن أنه مات لكنه حي ثم تذكر أنه أفاق بضع أمتار على أصوات الخنانيص الصغيرة لم يدرك أول الأمر ما هي أصوات وحركات حسب قرب أذنيه ووجهه كل جسمه.. رطوبة تلعق وجهه.. شيء لين يمص أبهام يده اليمنى المفروشة على صدره.. مداعبة رضيع أكثر من حيوات صغيرات تتبارى تنتفض تملاء الفضاء حياة وحيوية لكن نقيق الضفادع كان غالبا على كل الأصوات.. لا بل الملايين تردد دفعات لازمات ذبذبات.. أيعقل أن تكون لهذه المخلوقات الصغيرة تلك القدرة الجبارة على أمتلاك هذا الكون الشاسع.. هدير دبابات.. مكائن طحين.. شاحنات ديزل.. قطار سريع.. لا لا لا يمكن لشيء أن يشبه هذه الضجة أبدا..) لعلنا رأينا كيفية استهلال افتتاح المروي لمحكيات أمكانية القص الوصفي لتجربة جعل الأشياء المتشيئة في محاكات النص البدئية الى حالة تجربة مستجيبة لنمط عالم أختلافي في بنية الأوضاع والمواقف والتوزيع، بل أن القارىء لها، صار يحيى لبضع من الوقت , داخل فاجعة وصفية مريبة من حالات رمز الأعتراف واللامباشرة في طرح شريط الموضوعة الحكائية.

 

(الدليل الأظهاري وأفق المؤول)

يجسد الدليل المرتبط بالسارد مؤولا مخالفا بذات موضوع سننية الأشياء المحيطة بدلالات التعليق السردي. ومعنى هذا أن حقيقة صوت السارد لربما هي، تحديدا عشوائيا في خارطة توضيح دلائل الأجواء المحيطة من جهة دليل الشخصية المعرفة من قبل مرجعية الأظهار العام في النص، وعلى هذا الاساس وجدنا الشخصية في أحداث النص تواجه دليل الأشياء الحدثية، من باب أمكانية الاستعلام المزاوج ما بين تعليق السارد وبين المعنى المقصود في جهة المعنى المؤشر العام وفي مفعولية آلية الظهور. وبمرور انكشاف الاظهارات الوصفية في مراحل النص، يتضح لنا أساس المدار الحدثي كي تتلائم من خلاله مؤولات علاقة النموذج الوارد في مقدمة عتبة النص الأولى: (غرق في رائحة البردي.. رطوبته.. عفنه.. راح تقتحم الخياشيم رطوبة من دون برد تغرق ظهره.. شعر قذاله حتى منتصف رأسه تحت الأذنين.. حدق بالسماء مرة أخرى.. فراشات سمر تميل الى السواد صغيرات بحجم الذباب تتبارى فوقه تحط على كل بوصة من وجهه جسمه.. تحط لحظة ثم ترتفع تترك المجال لغيرها تتحلق في دائرة لا تنتهي.. ملايين الفراشات تحتل الجو تظل قصيبات البردي تهوم خالقة جوا سحريا هلاميا: ماذا لو استيقظت الخنزيرة وداهمته أرتعب دق قلبه بعنف في ثانية.. حرك رأسه الى الأعلى.. ألم ثقيل في جبهته.. نعم في جبهته.. لا بد من أنه مجروح.. قفز ضفدع أضخم من كف يده فوق وجهه.. ترك على ملامحه رطوبة مقززة خضراء.. مكث ثانية ثم نزل تبعه خنوص.. لكن الضفدع هرب أختفى بين طيات البردي: ماذا يفعل كيف ينجو ؟ أعتلى خنوص آخر صدره توجه نحو الأبهام أندفع يمصه دغدغه وضحكه على الرغم من تقززه.. أبتسم سحب أبهامه لحقه الخنوص الصغير طفق يلعب مع الأصابع ينطحها يعضها بلثة خالية من الأسنان يتنفس بصوت كأنه أنين ورقة تتمزق.. ظن حركة الأصابع لعبة تبعها بإلحاح.. قبل أربعة أشهر وخلال نفس اليوم الذي تسلم فيه شهادة الهندسة قصفت البصرة بشكل استثنائي ولمدة زادة على أربعة ساعات متواصلات.. نكت صديق يالكثرة احتفالاتهم يشاركوننا حتى في أحتفال التخرج.. كانوا يتوقعون هجوما جديدا على المدينة.. بدأ كل شيء محتملا في الحرب كل شيء متوقع.. لكنه لم يتوقع مهما أشتط به الخيال أن سيأتي يوم يحتفل به مع خنازير وهو جائع وحيد وبعيد وجريح والأفظع من كل شيء أنه لا يستطيع أن يتخلص من هذا المأزق البسيط حيوان خطر لكنه نائم).

الخطاب الوصفي في وحدات القصة مازال يلوح الى جملة سمات محفزة للمزيد من الإدغام الموصوف بموجب خاصيات تشكيل الدلالة في أقصى تواردات متواليات مقصدية الكامن من الإضمار النصي. إذ أننا نعاين أن تراتيبية الأوصاف تعد عملية انتقاء وتمهيد وكشف، حيث حتما سوف يواجه القاص المسافة الثانية، وهي المسافة التي تفصل العنصر المنتقى عن أحدى الصفات الملازمة له، وذلك وفق ما تتطلبه الدلالة المزمع خلقها. أن هذه العملية التي أعتمدها القاص سعيد في قصته، قد تبدو في الظاهر مجريات أعتباطية في وصف الأشياء أول الأمر، ولكننا كلما أوغلنا في عملية التلقي واجهنا ثمة كشفا جديدا يخص حقيقة موضوعة وقصدية السارد الموجودة في واقع السرد وفي بنى الموصوف المحكي، الذي غالبا ما أستخدمه القاص لتشكيل نسق آخر في بناء مطبات الدلالة النصية، حيث تفضي بنا الى تشكيل مظهرية أقتراحات منطقة الدال الوصفي. أن فعل قراءتنا لقصة (الجندي والخنازير) كان المغزى منها هو أثبات كيفية تحول دلالة العناصر الطبيعية في مهيمن صورة الأشياء، الى قابلية تكوينية خاصة تدعم الوصف بالسياق الذي ورد منه، كما أن الوظيفة الوصفية في عوالم قصة (الجندي والخنازير) أخذت تتجاوز مستوى أفق التمثيل المحايد للمرئيات، ولذلك يصعب على القارىء تمييز علاقة الدلالات في مراحل ذلك السياق الوصفي بالقضايا التي تطرحها عملية التشكل، التي بفضلها راح يطلع الوصف بوظيفة هامة في خلق الدلالة الكلية للنص القصصي:

(أسمعت شيئا لم يسمعه ؟ لابد شخرت بقوة..فجأة أستوت على قوامها أسرع من البرق غاصت القوائم في ركام البردي المنتشر على الأرض اللينة.. نظرت بإتجاهه لكن فوقه بقليل صوتت بعنف.. توقفت الخنانيص عن اللعب استدارت جعلت ظهرها نحو كاد ذيلها الذي تفردت شعراته الشبهاء ان يلامس صدره.. سارت بهدوء تحيطها خنانيصها.. لم يصدق سامر ما يحدث: شبح خيال وهمي جني لا أنه بشر حقيقي من أين جاء ؟ كيف قفز ؟ حدق به أطول منه بنحو خمسة عشر سنتمترا يبتسم بأنتصار المقتدر.. بزة القتال تختلف.. الشارات كذلك.. غطاء الرأس أيضا.. طاقية صوفية من الكاكي متنافرة الوبر.. قمصلة عميقة اللون خضراء مفتوحة الصدر تقاطيع سمر جذابة.. حذاء جندي ثقيل أسود.. عينان بنيتان تحدقان.. هتف بالأيرانية مع أشارة أمر بألانبطاح.. صرخ الايراني من جديد.. أنبطح على وجهه هذه المرة.. وضع الايراني حذائه الثقيل على أعلى كتفيه.. الغدارة قرب رأسه.. مد يده لربط يدي سامر من الخلف..) من هذه الحدود الأحراشية تتضح خيوط النص على عدد من المقومات البنائية بعضها يعد حافزا قويا يمد السرد بالتدفق وبعضها الآخر يضمن للحكاية قوة الإيحاء والانسجام والتواتر. لربما هذه الانطباعات منا قد تبدو في غاية السطحية والقشرية والبداهة، غير أنها في صدد قصة محمود سعيد، تبدو مفصلا في غاية الأهمية، لاسيما أن طبيعة قصته قد لعبت دورا مغايرا وهوية توضيحات السارد الاستهلالية، فالقاص في بداية قصته راح يجيد اتقان حكاية البحث في وصفية بيئة الأهوار والمسطحات المائية وحركة الخنزيرة وصغارها من حوله، دون ولوج أدنى مكاشفة بما سيحصل لبطل القصة من مطبات وتحولات خارجية، ولهذا جاءتنا حكاية الجندي الايراني للشخصية المحورية، كأنها حلول أقحامي لباطن محتوى تلك الأجواء المستنقعاتية الساكنة ألا بحركات الخنازير وأحراش قصب البردي. وأنطلاقا من كل هذا نشهد بأن طبيعة الرؤية في قصة محمود سعيد، قد جاءتنا تصورا عن أحداث مغايرة من الشخصية والزمان والمكان واللغة والوصف، فالرؤية في تركيبة هذا النص، تتبدى عبر مكونات المنظوري المخالف شكلا ومضمونا. وتبعا لهذا تبقى رؤية سردية وصفية تصدر عن نمط العلاقة ما بين الكاتب وبين الأجواء المكانية الوصفية، لتنقسم بحسب (جون بويون) على ثلاثة أقسام: هي الرؤية التي تكون فيها معرفة الراوي أوسع من معرفة الشخصيات وتسمى (الرؤيا من الخلف أو الوراء) فالراوي في مثل هكذا نصوص، يوظف الشخصيات للكشف عن رؤاه والتعبير عن مقاصده البعيدة على نحو ذاتي حينا أو موضوعي حينا، وهذا النمط شاع في النصوص الواقعية السحرية، وهناك الرؤية التي تتسلوى فيها معرفة الراوي مع معرفة الشخصيات وتسمى (الرؤية المصاحبة / الرؤية مع) وفيها نمط من الأداء يضمر الراوي فيه وعي الشخصيات أو يستنبطه، فهي تنطق عنه أو ينطق بها، وهناك الرؤية من الخارج التي تكون فيها معرفة الراوي أقل من معرفة الشخصيات القصصية وتسمى (الرؤية من الخارج) وهي أقرب من الرؤية المتخيلة. أما الحال في قصة (الجندي والخنازير) فهذا النوع من القص يغلب عليه طابع المحكيات الوصفية المنشطرة، لذلك فأن أول وظيفة تقوم بها مثل هذه النصوص، هو عرض فضاء وصفي غارق في ملامح أسطرة الأجواء الشيئية وعلامات الإيحاء في شريط مقصديات مضمونية مخالفة المحكي والوقائع الحدوسية والقرائية. وفي الأخير لا نملك سوى هذا القول: أن قصة محمود سعيد (الجندي والخنازير) ما هي ألا مادة محكية تسلك طرائق وصفية كبيرة، حيث نلاحظ من خلال قراءتها بأنها خطاطة حبكة الوصفي في زمن دال القص، غير أنها وفي الوقت نفسه تشكل بنية محكية فرعية ومفرعة تربط بالمحكي المركزي في أطار علاقات قرابة وتناسل خفي، كذلك فأن النص بهذه الصورة العضوية راح يستقطب مجموعة أخرى من المحكيات عن أصل المحكي الجوهري، لكنها في الوقت نفسه تربط به عضويا في علاقات تجاور واستشراف وإضاءة متبادلة.

 

حيدر عبد الرضا

البصرة

 

في ألقاب الشعراء والأدباء ..استطراد ودلالات (4)

khalidjawad shbaylاستحثني عديدٌ من الأصدقاء والقرّاء أن أواصل ما بدأت من ألقاب الشعراء؛ وحيث أن الموضوع طويل سأختصر الطريق عابرا العصور الى عصرنا الراهن هذا، ممنيا النفس أن تصبح سلسة المواضيع كاملة بين دفتي كتاب..

مع القرن المنصرم ومنذ عقده الثاتي بدأت الألقاب تأخذ منحىً جديدا لا قبل به في العصور السابقة من تاريخ الأدب ورجالاته، فلم تعد لها علاقة بالشعر مثلما كانت من قبيل صناجة الشعر أو لصفة لازمت صاحبها كتأبط شرّا أو لدمامة فيه كالحطيئة أو لطبع فيه كالأخطل، ولا لصفة حميدة فيه كالشاب الظريف ولا لأصل فيه كابن الرومي ولا لشغفه بالنساء كصريع الغواني ولا لغرابة فيه كديك الجن ولا ولا..

إنما المنحى أصبح خطيرا وإذا أضفتُ جدّاً لا أكون مغالياً البتة؛ وهو إطلاق صفات المطلق التام Absolute لتلغيَ شيئاً من عباقرة الشعر والأدب الذين كانت لهم الريادة أو الذين أضافوا من عصارات أرواحهم وأفكارهم ليمهدوا الطريق لأخلافهم؛ وأجد في ذلك تجنيا ما بعده تجنٍّ وغبنا ما بعده غبن وأجدني مضطرا الى ترديد ما قاله شيخ المعرة وكأني به يعلم أنه سيضام من أحفاده ليقول:

وقبيحٌ بنا وإن قدُم العهد***هوانُ الآباء والأجدادِ

وهكذا أصبحنا نردد ملء الفم ألقاباً هي " ألقاب مملكة في غير موضعها- كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد"!!

ولئن كان للعرب ولع بالألقاب وبالتلقيب عبر العصور فلم أرَ في عصرنا الراهن أمة تفوق المصريين في حبهم للتلقيب، والتحبيب والتدليل، فلهم "الفضل" بما انفرد به العرب دون سائر الأمم في وضع لقب الدكتور أو د. قبل الأسماء، وهم الذين ينادون من لا يعرفونه بالباشا او البك، أو الباش مهندس أو ريس أو كابتن,,

أما في العراق فكان التلقيب متفشيا في الصحافة الرياضية؛ فهذا الصخرة، وذاك السد، و هكذا تعرفنا أيضا على الرأس الذهبي والقدم الذهبي ..

والملفت أن هذه الألقاب لم تمنحها هيئات علمية أو أدبية أو رياضيه، إنما يطلقها صحفي او كاتب فتشيع وتنتشر انتشار النار في الهشيم! ولا شك أن أصحاب الألقاب يطربون لها أيما طرب فمن ذا الذي لا يقبل أن يكون أمير البيان، أو عميد الأدب العربي؟! وأي شاعر هذا الذي لا يقبل أن يكون أمير الشعراء أو شاعر العرب الأكبر أو شاعر القطرين أو شاعر النيل وهذا أضعف الإيمان!ولو عددنا الألقاب في عصرنا لتعبنا وأتعبنا ولكن هل سأل أحدُنا يوما نفسه عن أحقية هذه الألقاب وجدارة أصحابها بها، وما تنطوي عليه من مبالغة وما تحمل من إساءة لفحول الشعراء وعمالقة الآداب عبر التاريخ الذين جعلوا من شعرنا وأدبنا مفخرة للأجيال، وموطن اعتزاز نباهي به الأمم الأخرى!! والسؤال الأهم الذي أوجهه لأساتذة الأدب ومؤرخيه والمشرفين على مناهجنا الدراسية والتربوية هل أدركوا المخاطر الأدبية والعلمية لهذه الألقاب التي تمجد شاعرا على حساب شاعر أهم منه وعلى حساب مواكب من الشعراء والأدباء الذين لهم الفضل الكبير في أن ينبغ شعراؤنا وأدباؤنا أصحاب الألقاب؟!

فإذا قلنا أن أحمد شوقي هو أمير الشعراء؛ فماذا أبقينا لامرىء القيس والأعشى و الفرزدق وجرير ودعبل وابن الرومي وأبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري وصفي الذين الحلي ووو؟ أليس هذا كذب وخداع وإفساد للذائقة؟ وحين يراجع طالب الأدب شعر شوقي سيجد فيه روائع في الغزل والمديح ووصف الطبيعة.. وسيجد بعضاً من الشعر الركيك وخاصة في مسرحياته الشعرية..والسؤال نفسه يطرح في الجواهري وشاعريته، فكيف يكون شاعر العرب الأكبر وفي قصائده روائع وفي بعضها قصائد ركيكة هابطة وروائعه لا تخلو من الهابط، فإذا أبدع في الوطنيات والرثاء ووصف الطبيعة فإن غزله ضعيف المخيلة يخلو من الرقة وصدق العاطفة ولا يصل لغزل عمر أبي ريشة ولا بَشارة الخوري! بينما اتسم شعر بدوي الجبل بالابداع وبالمخيلة والرقة والجزالة وقلما تجد له بيتا هابطا! بل أجد أن الرقة لا زمت الجيل الذي سبقه من مجددي المدرسة النجفية لتُخرجها من الخَطابة والمباشرة الى خصب المخيلة وجمال اللفظ والجزالة بمواهب محمد سعيد الحبوبي وموسى الطالقاني وجعفر الحلي ومحمد رضا الشبيبي وعلي الشرقي.

ما أحببت قوله هو أن لكل شاعر نقاط قوته ونقاط ضعفه وهذا ما أدركه النقاد الأقدمون حين وازنوا بين الشعراء وما زالت أراؤهم حية نابضة تنطبق على شعراء عصرنا فلا إطلاق إذن بعبقرية المواهب فلكل موهبة ميزاتها وامتيازاتها؛ وخير ما أستشهدُ به هو ابن قتيبة في " الشعر والشعراء" ص14 حيث يقول" فالشعراء أيضا مختلفون، منهم من يسهل عليه المديح ويعسر عليه الهجاء، ومنهم من يتيسر له المراثي ويتعذر عليه الغزل".

ولو أتينا الى طه حسين "عميد الأدب العربي" والأدب يشمل الشعر والنثر بيد أن المقصود به النثر باعتبار أن "العميد" ليس بشاعر وإن كانت له في شبابه محاولات بالشعر ليست ذات شأن بل هو يخجل كلما يتذكرها! إنما حقله كان في دراساته المهمة "في الشعر الجاهلي" الذي اثار لغطاً كبيرا أكبر من حجمه حين طبق مبدأ الشك الديكارتي الذي اخذه من مرغيليوث، ثم في كتابه المهم في النقد "حديث الأربعاء" وكتابه "فصول في الأدب والنقد" وكذلك في سيرته "الأيام" التي كتبت باسلوبه الذي يجمع بين السهولة والسلاسة والتكرار والنبرة الموسيقية المميزة؛ فهو نموذج للسهل الممتنع بحق.

وفي مِلّتي واعتقادي أن كتابه عن المعري الذي هو رسالة الدكتوراه من الجامعة المصرية، فهو كتاب فقير لو قورن برسالة الدكتوراه التي نالتها بنت الشاطىء عائشة عبد الرحمن في الموضوع نفسه ومن الجامعة نفسها بعد نحو من ثلاثة عقود.

ورغم أن الدكتور طه حسين كان لصيقا بفرنسا والحياة الفرنسية إلا أنه لم يكتب عن الحياة الثقافية الفرنسية إلا القليل مثل الذي كتبه عن الفنانة سارة برنار، وعن بعض أعلام فرنسا كراسين وكورني..في الوقت الذي انشغلت الحياة الأدبية يومذاك باتجاهات أدبية وفلسفية كالوجودية وما أضافته للفلسفة والأدب من مؤلفات سارتر وألبير كامو .. وحيث كانت الماركسية في أوج عطاءها الفكري والأدبي في باريس لم يذكر عنها شيئا. ولكنني من ناحية أخرى أرى كتابه "من أدب التمثيل اليوناني" فتحا مبينا بالتعريف بالميثولوجيا الإغريقية، وهو الذي شجّع تلميذه دريني خشبة على ترجمة الإلياذة وأساطير الحب عند الإغريقيين..

ولكن من ذا الذي يُنكر جهوده الأدبية ومن ذا الذي ينكر طه حسين الوزير وكفاحه من أجل جعل التعليم مجاناً لضرورته ضرورة الهواء والماء والغذاء حتى لقب من باب التندر بوزير الهواء والماء والغذاء! ومن ذا الذي ينكر كتابه الهام " مستقبل الثقافة في مصر"؟؟

ومهما يكن طه حسين في حجمه وفضله فهو لايكون "عميد الأدب العربي" وإلا ماذا نبقي للجاحط وابن المقفع وابن العميد وعبد الحميد الكاتب ووو.. وماذا نبقي للنقاد العظام من عيار الآمدي وابن سلاّم وابن قتيبة وابن منقذ وابن قدامة والقاضي الجرجاني وابن هلال العسكري..؟!

متى نهجر الألقاب ونعافها وننظف مناهجنا الدراسية وصحافتنا منها ومن تداولها؟؟!!

بينانغ في الفاتح من تشرين الثاني/نوفمبر 2014

 

 

السمفونية المغربية .. حلم جميل في خضم بؤس كبير

suad ankarافـتـتـاح: الحديث عن اجتماع فنين جميلين من قبيل الموسيقى والسينما من شأنه أن يستثير في الذهن عبارات تقنية جامعة بدورها، من مثل "الموسيقى التصويرية"، و"الأفلام الغنائية". كما من شأنه أن يستدعي عناوين أفلام خصصت لتصوير حياة موسيقيين أمثال بيتهوفن Beethoven في فيلم "Copying Beethoven"، وموزارMozart في فيلم "Amadeus"، وفيفالدي Vivaldi في فيلم "Vivaldi un príncipe en Venecia"، وسيد درويش في فيلم "سيد درويش". الإشكال باختصار هو محاولة رصد علاقة الموسيقى بالسينما، أو انصهار ثنائية الصورة والصوت فيما بينهما؛ هذان المكونان اللذان يتشكلان في مجال السينما في قوالب خصبة يذوبان فيها بكل أشكالهما وعناصرهما التعبيرية والفنية. قد يكون الانصهار أقوى وأجلى عندما يكون موضوع الفيلم موسيقياً محضاً. عند ذلك لا يظل التعبير الصوتي في الفيلم مقتصرا على تلك المقاطع النغمية المصاحبة والمتجسدة في الموسيقى التصويرية لـ "موسيقى الخلفية" أو "موسيقى الحدث" أو "موسيقى النهاية"، وإنما يمتد الأمر إلى الاهتمام بالموسيقى بشكل قوي وإلى استلهام موضوعاتها بعمق، والغوض في قضاياها الفنية بدرجة قصوى.

ومن بين الأشرطة المغربية التي وظفت بصورة كثيفة الموسيقى من بدايتها إلى نهايتها فيلم "السمفونية المغربية La symphonie Marocaine" إنتاج سنة 2005. هذا العمل لا يتميز بموسيقاه التصويرية وأفكاره الموسيقية فحسب، وإنما بطاقمه الفني المعتمد أيضا. مخرج الفيلم هو كمال كمال ذو التكوين الموسيقي. وبطل الفيلم يونس ميكري موسيقي ذو تاريخ طويل وصاحب أغاني معروفة مثل "ليلي طويل" و"لن يسمح قلبي"، ينتمي أيضاً إلى عائلة موسيقية ذائعة الصيت.

يحكي فيلم "السمفونية المغربية" قصة "حميد" الذي سعى جاهداً إلى أن تُسمع على أرض الواقع سيمفونية صديقه "الأستاذ كافي". أبطال الفيلم أغلبهم من فئة معوزة وفقيرة، يعيشون في عربات قطار قديمة، تكفلوا بالتدريب على السمفونية وعزفها رغم غياب الآلات الموسيقية والعازفين الضروريين كي يصاحبوهم في مهمتهم الفنية. في أجواء تلك الظروف الاجتماعية الصعبة والمريرة جرت مختلف الأحداث، لتنتهي القصة في خاتمة المطاف بتحقق الحلم وعزف السمفونية. وبما أن النمط الفني الذي اختاره المخرج ينتمي إلى عالم الموسيقى الكلاسية فقد جاء بناء العمل السينمائي كلاسياً معتمدا بدوره على بداية وعقدة ونهاية. وقد انسجمت تلك البنية الكلاسية مع مختلف توجهات الفيلم. البنية الثلاثية هي ذاتها حركات السوناتة الثلاث؛ ذلك النوع الموسيقي الذي كان قد حلم "حميد" بتأليفه لكن حلمه لم يتحقق بعد أن جرته الحياة إلى تعقيدات أخرى. وهي أيضاً الضربات الثلاث لإيقاع الفالس الذي عُزف في الفيلم في مشاهد متنوعة. كما أن هذا الإيقاع ذاته شكل مقاطع مهمة في العمل السيمفوني الذي سعى أبطال الفيلم جاهدين إلى عزفه وعرضه أمام الجمهور.

 

أسئلة وإشكالات موسيقية

عَكَسَ موضوعُ الفيلم بصفة عامة حلم طائفة من الموسيقيين المغاربة. هؤلاء الذين طمحوا إلى ممارسة نمط موسيقي صعب للغاية هو الموسيقى الكلاسية. إنها فئة واجهت صعوبات على مستويات شتى: إعلامياً، وتكويناً، وآلياً، وجماهيرياً. ولعل أول سؤال قد يتبادر إلى ذهن مشاهد فيلم "السمفونية المغربية" هو: هل سيدرك المشاهد المغربي العادي دلالات المعجم الموظف في الفيلم الذي يتطلب درجة معينة من الثقافة الفنية؟ هل سيفهم مصطلحات من قبيل: السوناطة La Sonate، ورويال ألبرت هول Royal Albert Hall، والنوطات Les Notes، والأوركسترا الفيلارمونية L'orchestre Philharmonique، والمدرج La Portée، والعزف المنفرد .Solo إلى غيرها من المصطلحات الموسيقية المتخصصة؟.

ويمكن أن نضيف سؤالاً ثانياً فنقول: هل يوجد في المغرب بكثرة عازفون متخصصون إلى درجة إتقانهم عزف نوع بوليفوني ضخم من قبيل السمفونية؟ لعل مشاهد الفيلم أوحت أن عزف آلة موسيقية بإتقان هو أمر في متناول أغلب الناس. لكن الحقيقة في الواقع الفني عكس ذلك حيث يكشف للعيان مشاكل عديدة ذات صلة بممارسة الموسيقى الكلاسية في المغرب. أضف إلى كل ذلك وجود بعض المؤلفين الموسيقيين الكلاسيين الذين يفتقرون إلى من سيعزف أعمالهم. لعل مؤلفاتهم تعزف في الخارج أكثر مما تعزف في المغرب.

وأخيراً نتساءل: هل من السهل عزف سيمفونية في بلدنا وبنفس الطريقة التي عرضها الفيلم؟ الأكيد أن الجواب سيكون لا. إنها مهمة فنية عسيرة هي الأخرى. ذلك أن وسطنا الفني لا يكاد يعرف حفلات أو حتى أمسيات للعزف المنفرد فما بالكم بعزف سيمفونية! لذلك يظل عزف هذا النوع الموسيقي الكلاسي المعقد في تقنياته، وتعابيره النغمية، وتداخل أصواته، وتشعب معانيه، حلماً يراود باستمرار عدداً من المؤلفين الموسيقيين المغاربة.

 

السمفونية .. لغة الحياة والموت

في ظل أجواء تلك الإشكالات الموسيقية الكثيرة التي يواجهها عدد من الموسيقيين المغاربة من خلال واقعهم الفني، برزت في الفيلم وبشكل ملح ومتكرر لازمة "الموت" بوصفه عنصراً يعبر عن معاناة التهميش والفقر، وعن عدم قدرة وصول أصوات بعض من الموسيقيين إلى الجمهور رغم كفاءتهم وجديتهم وعمق رؤيتهم الفنية. فمنذ بداية الفيلم إلي نهايته ذُكر "الموت" أكثر من مرة؛ فقد توفي أحد الموسيقيين "بالحْسن" في بداية الفيلم وكانت نهاية حياته مأساوية في صحبة الفقر والفئران وآلته الموسيقية. ثم كانت هناك لقطات فكرتْ خلالها عازفة الفلوت "حبيبة" في الانتحار فوق سكة القطار وقد سئمت من محاولات عزف السمفونية فذهبت تبحث عن ملاذ فني آخر ليكون الفشل في انتظارها. ثم تأتي مشاهد معاينة "حميد" لأشلاء الجنود الأموات المحترقة في حرب لبنان. ومشاهد تحكي عن موت أم "أحلام" عازفة الأكورديون التي أتى بها الأستاذ كافي إلى عربة "حميد" بعد أن توفيت أمها جراء سكتة قلبية كان "حميد" سبباً فيها. وأخيرا يختتم الفيلم بمشاهد الموت أيضاً حيث انتهت حياة البطل "حميد" وحلم عزف السمفونية قد تحقق في نهاية المطاف. ونشير أيضاً إلى أن ثلاثاً من شخصيات الفيلم كانوا أصحاب عاهات؛ ف"حميد" فقد يده في الحرب، والمايسترو "كافي" شخصية عرجاء، ثم "حسن" الأبكم، وهو عازف على آلة ساكسوفون.

وعلى الرغم من تلك العاهات الجسدية، وبالرغم أيضاً من طغيان فكرة "الموت" على كثير من مشاهد الفيلم بوصفه مصيراً نهائياً وطبيعياً في هذه الحياة، لا نعدم في هذا العمل تصويراً لمشاعر وأجواء الحب، والحلم، والأمل والطموح. عديد من مشاهد الفيلم صورت ذلك، من بينها ذاك المشهد الجميل الذي اجتمعت شخصياته في ليلة هادئة وقد ركزت عليهم عدسة الكاميرا فصورت حركاتهم البطيئة الموحية بمظاهر الحب والسلام. أما ظلمة الليلة فقد أضاءتها مدرجات الموسيقى وعلاماتها ومفاتيحها. إنها صورة جسدت نور الأمل بغد أفضل يتخطى التهميش والفقر والمعاناة. "البشر هم نوطات السمفونية" كما فال "حميد"، وفيهم تتوافر قيم المحبة والجمال. وفي تلك المرحلة نصل إلى معنى السمفونية في الفيلم الذي يقابل معنى الحياة بمختلف تشعباتها وتناقضاتها. فالسمفونية نمط موسيقي مركب متعدد الأصوات والتآلفات والتناقضات أيضاً، يولد من فكر فنان عميق الأفكار والإحساس. إنها أصوات إنسانية وكونية تصور تفاصيل حياتية غاية في الدقة.

وعموماً تبقى الموسيقى في نهاية المطاف بالنسبة إلى مؤلفيها إذا سُمعت وتم الاهتمام بها، عملاً جميلاً يدركون من خلاله أنهم أنجزوا أشياء في حياتهم ستخلدهم بعد مماتهم، وأن حياتهم لم تذهب سدى، ولن تنتهي كما انتهت حياة "بالحسن" نهايتها المأساوية في أولى لقطات الفيلم. إن السمفونية كما يقول "حميد" "تبقى ذكرى جميلة في قلوب الناس، وتجعلهم يحسون أن في البشر أملاً كبيراً".

 

بين الصوت والصورة

لاشك في أن مشاهد الفيلم المفعمة بالتهميش، والفقر، والموت، قد رُسمت في أحايين عديدة بريشة اختارت ألواناً قاتمة. فكثير من مشاهد الفيلم تميل إلى السواد وما ينيرها إلا أضواء خافتة للشموع، أو فتيل نار متقدة ليلاً. لكن انبعاث الموسيقى بين الحين والآخر مسح تلك الصور الحزينة الموجهة إلى العين مباشرة؛ سواء تلك النغمات التي تسيطر على المشهد، أم تلك التي تظل خافتة وراء حديث شخصيات الفيلم، أو حتى تلك المقاطع الموسيقية التي عزفها أبطال الفيلم مباشرة. وبما أن الموسيقى أنطقت الصورة في أحايين كثيرة فقد كانت خير لغة لشخصية "حسن" الأبكم التي تواصلت مع الناس عبر الحركات. وربما كانت اللغة الموسيقية هي اللغة المحببة إليها، فهي لا تفتأ عن العزف بين الحين والآخر، متكلفة بتعليم عازف آخر بعض قواعد الموسيقى التي كان يجهلها.

سافرت "السمفونية المغربية" بين أنماط موسيقية عديدة عارضة ألواناً من الموسيقى الشعبية، والغرناطية، والعصرية، والكلاسية. إنه التعدد النغمي الذي يعيشه المغرب فيمنحه ثراءاً وتراثاً فنياً زاخراً ومتجذراً. وهو أيضاً الصورة الجامعة لعنوان الشريط الذي يشمل مصطلحاً غربياً هو "السمفونية". ثم تأتي بعده كلمة أخرى تحاول أن تُضفي عليه طابعاً مغربياً وتربطه بموضع جغرافي محدد هو المغرب.

لكن الأكيد أن الموسيقى الغالبة على مختلف مشاهد الفيلم تمتح معينها من نمط "الموسيقى الكلاسية" بآلاتها الغربية المختلفة، وطريقة غنائها، وطقوسها النغمية. هي موسيقى تتراوح بين المقاطع الهادئة والحالمة، وبين تلك التي تصول وتجول لتعبر عن دلالات الغضب والشجار وغيرهما. ومن بين المشاهد التي تلتحم فيها الموسيقى مع الصورة ذاك الذي تُعزف فيه السمفونية، وحينما يأتي دور "أحلام" لأداء مقطعها المنفرد على آلة الأوكرديون تفاجأ بأنه معطوب فتجد نفسها في مأزق حرج أمام الجمهور. وتقابل هذه اللحظة الموسيقية الحرجة لحظة احتضار "حميد" وموته. ويمكن القول إن توقف الأوكرديون عن العمل هو إيحاء بموت "حميد" خاصة أنه كان عازفاً على الآلة ذاتها، وكانت تربطه مع "أحلام" علاقة حب. إضافة إلى أنه مؤلف المقطع الذي كانت تعزفه أحلام. غير أن التحام الصوت والصورة لم يتوقف عند هذا الحد. فرؤية الفيلم التي تنحو إلى "الأمل" كما سبقت الإشارة تحضر حيث تنقذ "أحلام" الموقف وتؤدي المقطع بصوتها وبتقنيات كلاسية محض، دلالة على امتداد الحياة، واستمرارها في إنجاح السمفونية وتحقيق الطموح والأمل الصعب الذي سعى إليه الجميع.

مشهد آخر تمتزج فيه الموسيقى والصورة إلى حد بعيد وتنضاف إليهما الكلمة لتعطي امتدادات أخرى للموسيقى الأوركسترالية الحالمة. أما الصورة فيه فتنحو إلى الحلم أيضاً وتطغى عليها إضاءة زرقاء. نقصد به ذلك المشهد الذي يركز على شخصيات الفيلم وهي تسبح في أعماق البحر كأنها تبتعد عن ضجيج الأرض وتبحث عن أماكن هادئة يسودها الاطمئنان والحب. ويسترسل حميد بصوته في هذا المشهد متحدثا عن غنى جمال الإنسان والمحبة التي تسكن قلبه.

 

مسك الختام

فيلم "السمفونية المغربية" عمل متميز في تاريخ السينما المغربية. يرجع ذلك أساساً إلى تطرقه لموضوع غير مألوف في الأفلام المغربية التي سبق أن شاهدناها، كما أنه يركز على شريحة من الموسيقيين تستحق فعلاً أن تسلط على قضاياها ومشاكلها الأضواء الكاشفة. ومن الواضح جداً أن الدلالات الموسيقية البئيسة للشريط يمكن أن تعمم حتى على سائر الفنون والآداب كما تمارس عندنا بأساليب متعثرة. ونستطيع أن نقول في نهاية المطاف إن موضوعات الموسيقى والموسيقيين في السينما المغربية بدأت تبحث لنفسها عن مكان جنب الموضوعات الأخرى، وما فيلم "خربوشة..مايدوم حال" لمخرجه حميد الزوغي إلا واحد من تلك الأفلام الموسيقية المعاصرة المختلفة في قصتها وفضاءاتها عن فيلم "السمفونية المغربية".

التحولات في رواية (الحكاية من الداخل) لبرهان الخطيب

saleh alrazukمنذ فترة وبرهان الخطيب يراهن على الشكل الفني وليس على المضمون. ولا أريد أن يفهم أحد أنني أضعه في زمرة الدعاة للفن من أجل الفن أو البرناسية. بالعكس فهو مسكون بتقاليد ما أسميه روايات سايكس بيكو ٢، التي تتحدث عن حروب مفتعلة، وهدفها الوحيد جباية الغنائم وتوزيعها.

وفيما أرى يقف وراء هذا الأسلوب الصعب والغريب رغبة بالتفرد. وأن يكون شيخ طريقة يلعب في الميدان وحيدا.

لقد اختار برهان الخطيب لنفسه غرفة لا ينازعه عليها أحد، كي لا يضيع في زحام سوق الرواية، الذي يشهد فائضا في الكم والنوع، ولا سيما في مجال موضوعات حروب الخليج ومداخلاتها. لقد ألهمت هذه المشكلة الأدباء على جانبي المحيط. غير كيفن بيري وجون أبدايك من أمريكا تنافست في منطقتنا أسماء هي أشهر من نار على علم، وعلى رأسها في لبنان فاتن المر، في الكويت إسماعيل فهد إسماعيل، وفي العراق نجم والي وسنان أنطون وعلي بدر، إلى آخر هذه القائمة..

***

إن من يتابع مجمل أعمال برهان الخطيب سيفاجئه حتما التركيز على بناء الرواية وتركيب الجمل وتتابع الفقرات.

ولا يوجد جديد في هذا المجال، لقد كان منذ بواكيره يميل لطرف واحد من المعادلة.

إنه يزدري المضمون الفاسد لهذه المرحلة ويدعو للامبالاة وللانطواء على الذات والاهتمام بعالم خيالي تصنعه بيديك. وعن ذلك يقول الراوي لزنيله في نهاية الرواية: دعنا بلا أدب بلا دين بلا ثقافة. ويضيف مباشرة لتبرير أسبابه: عموما آدميتنا ناقصة (ص٢٤٧).

و لمزيد من التوضيح أرى أن برهان الخطيب، في كل رواياته، يلعب بالشكل والأسلوب.

- إما أنه يحول الخيال لمونولوج داخلي بلا فواصل ولا نقاط، بمعنى من غير محطات استراحة كما في (ضباب في الظهيرة). حيث المونولوجات تتفرع وتلتقي دون تقسيمها لمناظر ولا مشاهد على الطريقة المعروفة في بناء الرواية.

- أو أنه يرسم لوحات منفصلة ضمن إطار واحد وهو ما يسميه باسم قصص رواية. وهنا تجتمع الأضداد في تصنيف غريب وعجيب، فالتكثيف يتجاور مع التفصيل والإسهاب. وضغط وتقليص الحجم يترادف مع تكبير المساحة. ويتآكل جنس فني بأدوات جنس معاكس، ليتركنا في النهاية أمام نوع باسم مركب. وهذا هو حال (أخبار آخر الهجرات).

و لئن رأى بعض النقاد أن لهذا الأسلوب خلفيات من أيام (ألف ليلة وليلة) لا أرى سببا واحدا لذلك. فالخيال الشعبي في ألف ليلة للترفيه وليس لتقديم العظات. إنه أسلوب غير تربوي وغير هادف. بينما آخر الهجرات تتعامل مع مثقفين ونماذج من النخبة. أو مع خبرات بحاجة لوعي وانتباه.

إن صلة القرابة بين أعمال برهان الخطيب والحكائيات، برأيي، لا تزيد عن الصفر.

فقارئه يحتاج لشحذ كامل عدته وعتاده ليفهم المغزى. بعكس السير والملاحم التي يفهمها حتى المنوم مغناطيسيا.

و بالمقارنة إنه في الرواية الجديدة (التي نسميها anti novel ومنها أعمال كلود سيمون وميشيل بوتور) تتطور الأشكال مع مستوى نضوج الشخصيات.

و كذلك يلتزم عنصرا المباغتة وتغريب الذوق (الحساسية الفنية وليس عصر أو عصف الذهن) بحدود الضرورة. فهو تغريب شكلاني ويتوقف عند عتبات الديكور. ولا يلمس معنى الرواية من الداخل. إنه (اكسسوارات) كما ورد على لسان الشخصية رقم ١(ص١٣٩).

لقد كانت الرواية الجديدة تحذف أحد الأدوات ولكن لا تلغي كل القواعد جملة وتفصيلا. فهي أحيانا تضحي بالحوار وتعتمد على المتابعة والنظر. وأحيانا تلغي وحدة المشهد الروائي وتقسمه لعدة مناظر متداخلة.

أما برهان الخطيب فإنه يبدل بذرة الفكرة. ويطالب المعاني بأن تستجيب لقاموسه اللغوي. كما لو أنه شاعر ويجوز له ما لا يجوز لغيره. فقد كان كما ورد على لسان رافد، واحد من ثلاثة أشخاص أساسيين في الرواية، (يموسق أفكاره، ص 68).

و لكن إذا كانت الضرورة في القصائد تبرر للشاعر عدم الالتزام بحركات الإعراب (بنية اللغة بتعبير شومسكي) فهي تفرض عليه بالمقابل قيود وقوانين البحور ونظام ترتيب الأصوات.

و هذه مشكلة لا حل لها. أن تبسط من طرف وتتعهد ببناء العراقيل والحواجز من طرف آخر.

وإن الامتثال لضرورة وإهمال غيرها هو المدخل لعالم برهان الخطيب ولا سيما في روايته الأخيرة (الحكاية من الداخل)*.

إنه يغض الطرف كليا عن التسلسل أو حتى التبادل في (الحبكة وبناء الشخصيات والحوار) ويستعيض عنه بتمكين الجو العام ولا سيما الحالة النفسية.

(الحكاية من الداخل) إعادة كتابة سيرية - واستنجاد بالذاكرة وبماضي الكاتب نفسه – وإحياء لعمله السابق(ضباب في الظهيرة). فنفس الشخصيات تعود للظهور على مسرح الأحداث، ولكن بتوقيت مختلف، ونفس المونولوج المتداخل يتكرر ليتابع مع أبطال تلك الرواية إنما من زاوية مختلفة.

لقد كانت الحركة عمودية في العمل السابق وتعكس الجو النفسي المدلهم للشخصيات التي تعيش في أتون الداخل وصراعاته وجحيمه. بينما هي في هذا العمل أفقية تصف عذاب المهاجرين في غربتهم. وانعكاس ذلك على الطبيعة والمناظر الخارجية التي تبدو مكفهرة ويغلب عليها الشقاء والشك.

و باعتبار أن مزاج الشخصيات الأساسية متشابه، وهم رافد وأنيس وخلدون، بالإضافة للراوي الذي حمل اسم برهان الخطيب نفسه، أو لقب أبو حسن، نستطيع القول: هناك نوع من المونولوجية في الموضوع وليس في الحوار فقط. وأعتقد أنه يفعل ذلك عمدا. تقول نسرين (المرأة الوحيدة التي ندخل في الرواية لمخدعها): إنه في كل أعماله يختفى وراء أبطال الحكاية ويفرض عليهم رأيه (بالحرف الواحد: يلبسهم آراءه - ص١٤٢)، وفعلا لا تختلف كلمات الحوار بين شخص وآخر، وكذلك هو حال الخصال النفسية. إن هذه الشخصيات ترسم دائرة واحدة حول نفسها. ليكتمل الحصار من الداخل والخارج. حتى أنه لا يمكن أن تعلم ما هو الفرق بالضبط بين رافد وبرهان الخطيب. إنهما يتحركان على محيط هذه الدائرة التي تحمل شيئا من ماضي الكاتب ومن مسيرته وتجربته الشخصية دون أن يكون هو بالذات.

وهو حال هذه الرواية على وجه الإجمال. إنها تحمل شيئا من مضمون (ضباب في الظهيرة) على مستوى الشخصيات والأفكار. ولكن مع تفاصيل لا تجدها إلا في (الجنائن المغلقة)، التي تتكلم عن أزمة الكاتب مع دار التقدم في موسكو ثم انتقاله إلى دار رادوغا وأخيرا هجرته إلى دمشق وضياعه وبؤسه في أحيائها الشعبية الفقيرة.

و هكذا تتحول الحبكة لمونولوج متشائم ومقبض للنفس، وتصبح الشخصيات أشبه بأطياف أو خيال ظل. أصلا هي لا تقدم عنها أية تفاصيل نوعية. حتى أننا لا نعرف شيئا عن مكان سكناها. ولا الزي الذي ترتديه. وكذلك لو لا النذر اليسير من المعلومات عن وسط موسكو لما كان هناك تفسير ولا تحليل للمكان.

و تزيد هذه المعضلة لو علمنا أن مكان الصوت الداخلي الذي يجلجل في أسماعنا هو ثلاث عواصم كوزموبوليتانية، هي ميتروبول بغداد، واستوكهولم وموسكو.

إنه باستثناء إشارات سريعة لتقلب الفصول في استوكهولم لا توجد إشارة واحدة تدل على اهتمام الكاتب بها. وباستثناء ذكر عابر لنهر دجلة وشارع وسط المدينة لم تترك لنا الرواية علامة واحدة تميز بغداد، عاصمة الرشيد. بالرغم من تنوع ووفرة الأحفورات.

و مثل هذا القفز من فوق التضاريس، إن دل على شيء، يدل على هموم ذاتية. أقله على تفسير ذاتي لمجريات الأحداث.

تتألف الرواية، إذا، من تأملات ووجهات نظر. وذلك بلغة كونية لا تنتمي لخط تفكير أو إيديولوجيا. حتى أنها في النهاية يمكن اعتبارها تبشيرا بموت الإيديولوجيا وتحويلها لفراغ. أو لسأم وغثيان بلغة سارتر وعبث وفوضى وتمرد بلغة كامو.

لقد كانت المثل والقيم، بنظر أبطال الرواية، لعنة تصب نقمتها عليهم. أو أنها كابوس يفكك الإنسان من الداخل ويحرمه من حرية شرطه الوجودي.. أن يعيش في العالم وكأنه هو جوهر الحياة وليس إحدى ثمارها.

إن عدم تكامل هذه الرواية مع العمل التمهيدي (ضباب في الظهيرة) يدل على موقف فلسفي للكاتب من الماضي.. فهو لا ينظر له كنوع من التعاقب ولكن كظاهرة مضمونها الأفول. لقد تحولت الخبرات السابقة إلى ما يشبه الحفرة أو القبر. ولذلك كان محكوما عليها بمصير واحد، وهو الفناء. أقله الغياب.

و على ما أرى إن الشخصيات نفسها عادت من الماضي الميت والمجدب، ولكن بمضمون مختلف. لقد حملت على ظهرها أثر التجربة مع الوجود المنهك. وبالتالي هي لم تتقدم بالعمر فقط ولكن لحق بها القنوط ودخلت بسن اليأس. لقد كانت تبدو مثل أفراد من جمعية المحاربين القدماء. تقتات على مجد وبطولات الأيام السالفة. وبالأخص في الغرام العنيف وقصص الحب والتجارب الجنسية.

لقد كانت شخصيات مشحونة بالليبيدو، ورغباتها أشبه بسيوف مسلولة من أغمادها. إنها من سلالة الغلام القتيل طرفة بن العبد، تبادر الحياة بما تمتلكه يمناها.

و لكن هنا لها صورة رجل من غير شوارب. فحل مريض وخجول. دون جوان في إجازة. يكاد لا يعرف شيئا عن مكامن الحياء والعيب في المرأة. ناهيك عن المخادع. فنادرا ما يرد في هذه الرواية اسم غرفة نوم، أو فراش، أو عضو من أعضاء التابو. وكأنها تبدأ من النهاية المرعبة والآسنة لبطل رواية (نهم)، أولى أعمال المرحوم شكيب الجابري ابن حلب ومؤسس الرواية الفنية في سوريا.

و قد اقترن ذلك مع مراجعة شاملة لكل لحظة من لحظات الماضي المندثر.

لقد اختارت الرواية الصعود بالمركب الصعب الذي يسميه جلال صادق العظم النقد الذاتي. وهذا لا يتضمن نقد التجربة الشخصية فقط، ولكن كل الجو المنتج للذات.. الخطاب السياسي وبنيته.

و لقد أدى ذلك لتقويض البنية السابقة، وليس لترميمها (كما اختار بهاء الطاهر أن يفعل في روايته نقطة النور).

فلغة المونولوج انتقلت من اليأس واللاجدوى والتمرد والغضب إلى لهجة مختزلة، بين تراكيبها فراغات، ويخيم عليها يأس مطبق مع سخرية مريرة. أصلا يختصر برهان الخطيب جدوى روايته بهدف واحد وهو: هجاء القدر الساخر (كما يقول ص- 55) والاقتصاص منه.

أما التراكيب والجمل فقد كانت تتعاون ضد الوضع الوجودي الغامض بشيء من الجهاد الألسني. وأنا أقصد ما أقول بالحرف الواحد. لقد وضع برهان الخطيب كل قدراته الفنية ليس لبناء الشخصيات، ولكن لتطويع أفكارها ومنطقها بإيقاع صوتي.

و تطلب منه ذلك التخلي عن كثير من الوسائل المساعدة والمفصلية كحروف العطف وأسماء الوصل والنقاط والفواصل. وكانت النتيجة تراكيب من أسماء وأفعال أساسية فقط.

و كأنه أراد الانتقال من مجال سريالية الصور والمشاهد لسريالية اللغة والتعابير.

إن الفن السريالي كما نعلم يبدل من موضع الأشياء وتسلسلها، ليعيد تشكيل العالم لا كما نراه ولكن كما نشعر به أو نعقله.

أما (الحكاية من الداخل) فتبدل من مواقع المفردات في الجملة حسب الترادف الصوتي. وذلك لنعقل العالم الذي نستمع لهديره وضوضائه في أذهاننا.

إنها سيرورة صوت نفسية، تحول الصورة إلى إيقاع.

و أنا مدين لكم هنا بأمثلة:

يقول الراوي: شيء يتحرك تحت سطح حتى عند قمة ص 42.

و يقول: ساحة عرضات فسيحة ص 42.

يقول أيضا: حياة طلبة تنتهي تبدأ المهنة ص 46.

و يرد على لسان رافد قوله: باطنه ظاهره يناوش حقيقة في غياب (ص 68).

و تقول تامي (شخصية ثانوية في الرواية): صحيح لا مفر من نسيان وسيلة في الأقل لنهزم القدر الساخر (ص55).

و يمكنني قراءة الجملة الأخيرة بلغتي العربية كما يلي: صحيح لا مفر من النسيان. فهو وسيلة نهزم بها القدر الساخر.

و غني عن القول أن الندرة هي الظاهرة الأساسية في هذه الجمل. أين حرف العطف وأداة التعريف. ولماذا هذا التأخير للفعل وتقديم الفاعل؟ ولماذا يصر الكاتب على تجاهل الجمل الفعلية والتركيز على الجمل الإسمية. ثم ما سر استعمال حتى كحرف عطف مع أننا لا نفعل ذلك من عهود. وما لغز جمع عرض بصيغة عرضات. هذا كله غيض من فيض.

ناهيك عن عدم التزام الصفة بحالة الاسم الموصوف في الجمع والإفراد.

إنها مشاكلة لغوية تضع النص على خط النار. وتفتح الباب أمام مساءلات تدل على الأزمة الذاتية لحكاية الكاتب مع فنه وماضيه.

إن مثل هذا الأسلوب ينقل الرواية من المشافهة المفترضة (افتراض أننا نستمع لحكواتي) إلى التدوين (تسجيل الأفكار على الورق وبعزلة عن جمهور المستمعين).

و حتى التدوين يبدو وكأنه حالة سباحة حرة في فضاء اللغة. فالمفردات تلتقي بترتيب مختلف وكأنها تعمل من فوق شرط التمكين (الوعي والاستيقاظ).

لقد كان كسر القانون هو مطلب من مطالب الحركة السريالية. وفي بيانات أندريه بروتون كلام مسهب عن الكتابة وأنت تحت تأثير المهدئات للتعبير عن الدمار النفسي والخراب الموحش الذي لحق بالبشرية.

و الكتابة في حالة غشاوة تؤدي لإزاحة المعاني. ولكن عند برهان الخطيب المعاني مستقرة وواضحة. ولا تعاني من لبس، إنما الإزاحة هي في الأصوات والألفاظ. ولا أستطيع أن أفكر باسم كاتب آخر يصر على هذا الأسلوب، اللهم إلا جمال الغيطاني وروايته (شطح المدينة) ..

ماذا يريد برهان الخطيب بالضبط من وراء ذلك؟!!..

ربما يعتقد أن الأساليب المعروفة هي نتيجة تفكير ميكانيكي (تقليد وجمود) كما قال بالحرف الواحد على لسان الراوي (ص 47)، ولذلك يفترض بنا كما أضاف لاحقا: أن نستلهم أفكارنا وأساليبنا من الانفجار الكوني وضياع المادة في الفراغ.

وإن هذا يلقي علينا عبء التعامل مع النظام (قانون الأب الأوديبي الذي يشبه بدوره دور الوحي) على أنه مجرد تحولات (ص 47).

أو كما يقول لرفيق عمره خلدون: إنها صورتنا بالمرآة، وهي صورة نختارها بإرادتنا (ص١١٤). بمعنى أنها قد لا تكون حقيقية. بل إنها تدحض الواقع وتكمل اللامعقول والغرابة، سمة تحولاتنا في هذا العصر (ص١١٤)..

 

تشرين الأول ٢٠١٤

....................

* الحكاية من الداخل. رواية من المتوقع صدورها في العام القادم. وارقام الصفحات تشير للمخطوط وليس للنسخة المطبوعة.

الماضي وسطوة الحاضر في:"عندما خرجتُ من الحلم"

jasim alayffرواية القاص علي عباس خفيف "عندما خرجتُ من الحلم"، لم يتم الاهتمام المناسب بها مع أهميتها، وان حصل ذلك، فثمة تباين في الرؤى والأحكام حولها. إن قلة الاهتمام النقدي بالرواية العراقية، عربياً، يكشف عن مشكلتها التسويقية أساساً. يمكن استثناء روايات "غائب طعمة فرمان" في هذا الشأن، وبعض الروايات العراقية التي كتبت ونشرت بعد سقوط النظام، واغلبها صدر خارج العراق . لعل فوز" أحمد سعداوي" بجائزة (البوكر) قد يفسح للرواية العراقية آفاقاً نقدية عربياً مستقبلاً. "عندما خرجتُ من الحلم" تجاوزت فخ السقوط في الأيديولوجية وتجريدياتها وتوجهاتها (الدوكوماتية) و هو ما أعطاها بعداً فنياً وبذا كانت بعيدة بمنهجية، روائية، عن سلطة الأيديولوجية الملفقة وتحكم سلطة الوعي المنحاز، وإسقاطاته، ويمكن قراءتها اجتماعياً فـ"عندما خرجتُ من الحلم" أمسكت بالتحولات التاريخية للمجتمع العراقي في فترة ملتبسة من تاريخه، وهي مرحلة الستينات، واستطاع بناءها الفني والبنية الاستذكارية فيها أن يرتقيا بها بعيداً عن النظرة التاريخية الواحدة وقوالبها الجامدة كاشفة النامي والمتحرك في الحياة الإنسانية العراقية وتاريخها المأساوي من خلال مأزق الإنسان الفرد المرتبط بالجماعة ومصائرها العامة. إن تحولات البنية الروائية في"عندما خرجتُ من الحلم" وتخطي " خفيف" ما هو شائع و مكرور من خلال "الزمن الروائي" الذي احتال على تاريخية الحدث كماضٍ، وأجملَ مسيرة فترة مهمة من التطور الاجتماعي في العراق منذ الحرب العالمية الأولى حتى لحظة كتابتها، في أسبوع واحد، نلاحظ في الميثولوجيا والمرويات الدينية إن العالم قد اكتمل (خلقه) في سبعة أيام فقط، ولم نشعر في "أسبوع - عندما خرجتُ من الحلم" أننا غادرنا هذا الأسبوع العاصف، وبقينا حاضرين فيما نحن نسافر في حلم الماضي إلى الحاضر.كما يمكن النظر للرواية نظرة انطباعية من خلال بنية الاسترجاع فيها وقد أعتمد المؤلف تكنيكاً مغايراً لما هو سائد في البناء الروائي الذي يعتمد التاريخ مرجعية له، من خلال تداخل السرد، وعبر هيمنة الماضي كذكرى، وسطوة الحاضر كفعل، إلى الحد الذي لا يمكن الفصل بينهما دون تعسف أو افتعال، وفي جدلية العنوان - المتن، تداخل اشتقاقي يتشابه و الاستشعار وذلك لورود العنوان مكرراً وحاداً في ثنايا المتن، و الرواية تميزت بالتنوع الذي نأى بها عن الاجترار الذي عهدته بعض الروايات التي تضع التاريخ مشجباً، أو متكأً تعتمده دون أن تغادره فيما كان مسرح "عندما خرجتُ من الحلم" الفرد- المجتمع- التاريخ، دون الخروج عن فنية الرواية التي تمنحنا متعة لا نهاية لها لأنها مليئة بالحياة، كونها تناولت المكان المقصي- المهمل اجتماعياً. إن " محاولة تتبع واستقصاء حضور البعد الواقعي في المتن الروائي من أجل الاستدلال على هيمنة الرؤية الواقعية التي تحضر في النصوص السردية بصورة لافتة، حيث يكشف النظر إليها منذ فترات التشكل إلى مرحلة التبلور، قد مثلت نمطاً مهيمناً إلى درجة تدفع إلى التساؤل عن نصيب التخيل داخل المنجز السردي؟. ويصبح هذا الإشكال أكثر إلحاحاً عندما نستحضر خصوصية التشكيل النوعي في العمل السردي الذي يتحدد من الناحية الإجناسية باعتباره نوعاً أدبياً منضوياً ضمن (التخيل) مهما تجذر في الواقع ومهما أعلن انتسابه إليه" - د. مصطفى الغرافي، مجلة المثقف الالكترونية19 / تشرين الأول/2014، بتصرف. ولقد وضع الروائي- علي خفيف- روايته عند نقطة (تقاطع الحواف) التي يجد فيها الإنسان نفسه أنه سيتحول أو سيحصل له شيء ما مجهول، ونلاحظ أن لغة الرواية تعد أهم الأبطال الفاعلين في بنية السرد الروائي.كما إن انسياب الزمن فيها، لا يمكن قطعه بفاصلة، حيث تميزت الرواية في ذلك. أن بنية الاسترجاع في الرواية قد لازمتها منذ البدء وكأنها "مطهر" للخلاص من آثام الماضي وأزماته الاجتماعية- الروحية وانعكس ذلك على شخوص الرواية التي حفلت بالوقائع كما حدثت، و المؤلف احتفظ بكل شيء يعرفه عن ذلك الماضي وأحداثه وزمنه بطريقة "تسجيلية" ومنها الأسماء الفعلية لأشخاص الرواية، و بعضهم يجلس أحياناً في المقهى معنا، أو نلمحه في أماكن عامة أخرى، أو قذفه الوجع العراقي، مرغماً نحو المنافي النائية، وثمة امتداد لأسلافهم والأماكن التي انحدروا منها مستثمراً، علي عباس خفيف، "بنية الاستذكار" و وثائقيته مبتعداً عن التغريب وتجلياته في البناء الروائي، لكن نلاحظ ثمة نزوع للمثاقفة في البناء السردي الروائي. نرى إن أي مؤلف، غير ملزم بتفصيل عما كتب ويكفيه أنه يخاطب إنساناً ما، وأنه يتمكن على قدر ما يعرف ويرى وخبر وجرب، و على الكاتب أن يمنح كلماته معنى أكثر نقاوة، لكي يؤكد حضور القراء وحريتهم اللامحدودة تجاه النص وقراءاتهم وتأويلاتهم فيه، ويمكن حسب الناقد "فيتش" للقارئ أن يواجه إشارات على الصفحات ويّولد المعاني عن طريق الاستجابة الواعية لتلك الإشارات، وعليه فأن القارئ لا يخلق نصاً فحسب وإنما يخلق مؤلفاً فلاشيء يطمئن مؤلف الرواية وغيرها من الأعمال الفنية، أكثر من أن يكتشف القراءات التي لم يفكر بها، والتي يوحي له بها القراء. " عندما خرجتُ من الحلم" تضمنت عوالم كان يمكن الاستفادة منها في أغناء مشهدية الرواية وتطوير جوانب مهمة فيها، خاصة مذكرات بطلها(محمد علي فردريك) التي لم تُستثمر، بحدودها القصوى، كما لم تكتشف عوالمه الداخلية. "عندما خرجتُ من الحلم" تسد فراغاً في بعض رواياتنا، فلم تعد الأحداث الكبرى والمصائر البشرية الساخنة فقط الساحة الوحيدة للرواية آلآن، بل المناطق المهملة و المنسية، والمصائر الهامشية، يمكن أن تغدو مجالاً روائياً خصباً وهذا ما تميزت به "عندما خرجتُ من الحلم" حيث أعادت مكاناً و زمناً تسربا منا، ولا يمكن استعادتهما ثانية وشخصيات لا يمكن أن توجد آلآن في فوضى حاضر حياتنا، العراقية، الراهنة، وان ذلك المكان والزمن وتلك المصائر وذلك التاريخ، لا يمكن أن يبقى إلا في الحلم الذي خرجت منه الرواية بميزتها في الانتماء لزمنها الذي كانت شاهدة عليه، وموثقة له مع التباساته و قسوته، لذا فمفتتح الرواية يؤكد على قول: (ب.ب.شيلي)، في (برومثيوس طليقا):" لا... تجزعوا، فما هو إلا انقباض سيزول..". رواية "عندما خرجتُ من الحلم" خضعت لرحلة غريبة حيث كتبها القاص "علي عباس خفيف" خلسة في احد معسكرات الأسرى خلال الحرب العراقية -الإيرانية. والكيفية التي كتب علي عباس خفيف "عندما خرجت من الحلم" يمكن أن تكون رواية بحد ذاتها، فلسنوات تكلمت حوادث الرواية معه بإصرار، وحينما بدأ الكتابة كانت أوراق سلوفين السكائر هي الأوراق الوحيدة التي يمكن أن تقع تحت يده في كتابة ما نوى تدوينه وكانت علب السكائر التي يجري توزيعها بالمفرد تزوده بهذه الوريقات الغالية، بدأ" خفيف" بكتابة الرواية عام 1996، بأقلام متنوعة، أقلام الرصاص وأقلام الحبر الجاف المختلفة الأزرق والأحمر والبنفسجي والأسود . بعد أن انتهى منها عام 1998صار سمكها حوالي 15 سم . في إثناء الكتابة كانت معاناته تتزايد مع كل صفحة جديدة، لأنه لم يكن قادراً على ضمان الحفاظ على أوراقه تلك من الضياع أو الفقدان . ففي إحدى حملات التفتيش التي يشنها حرس الأسر، ثم (ألقوا القبض) على تلك الوريقات العزيزة، الثمينة. بعد ذاك أصر على كتابتها مرة أخرى وباشر الكتابة و جاء التفتيش اللامفاجيء الثاني، وتم تمزيقها كذلك.مرة استعان بأحد أطباء المعسكر وهو احد معارفه وتحدث معه بخصوص أمر الرواية وتمزيقها مرتين، والطبيب كان قد طلب اللجوء قبل أكثر من أربع سنوات، وعاش في طهران و كان طبيباً للأسرى . و للمرة الثالثة كُتبت الرواية، على ورق دفاتر كان يحضرها لـ(علي) صديقه الرسام العراقي اللاجئ الذي يعمل في (متحف للأسرى) في ذات المعسكر . عام 2000 اتفق العراق وإيران على تبادل للأسرى، عبر منظمة الصليب الأحمر، وكان اسمه ضمن الأسماء في عملية التبادل . واتفق(علي) مع (الطبيب) على الاحتفاظ بها لحين يتيسر استردادها وحالما وصل للعراق بدأ محاولاته باسترداد الرواية . الراحل (قاسم علوان) كان يعمل مدرساً في ليبيا، وفي إحدى زياراته إلى البصرة اتفق معه (علي) على مراسلة (الطبيب) عبر صديق عراقي يقيم في المانيا. فقام بذلك ونجحت المحاولة. فأرسلت الرواية إلى المانيا بالبريد الرسمي على ثلاث دفعات، ثم منها بالبريد - أيضاً- إلى ليبيا، وتمكن (علوان) أن يعبر بها الحدود العراقية، كاملة، وتصدر بعد سقوط النظام في الأردن- عن دار- أزمنة.

 

(العاشقة والسكير) كشف حالة الاستلاب التي تعاني منها المرأة العربية؟

ali almasudعندما يريد القارئ المتتبع للمجاميع القصصية قراءة مجموعة قصصية قراءة نقدية، يقف حائرا حول المنهج الذي يلائم هذه المجموعة أو تلك، لأن طبيعة السرد القصصي ومدى تأثيره على المتلقي هو الذي يفرض نفسه عليه ويحثه على الوقوف مليا أمام الكلمات المفاتيح التي تغلب على هذه المجموعة والطابع العام الذي يغلب على هذه القصص والشئ الذي يدفعه للاهتداء إلى الأدوات والآليات النقدية الممكنة التي تساعد على فك ألغاز وخفايا هذا النص القصصي أو ذاك. وعندما قرأت " العاشقة والسكير" وهي مجموعة قصصية للكاتبة العراقية والمغتربة في الدانمارك (ناهدة جابر جاسم) أثار انتباهي طريقة السرد التي تناولت بها المرأة وهي التيمة السائدة لأغلب مواضيع قصصها، حيث إنها في أغلبها القصص تدخل في إطار ما يسمى بالسرد القائم على اقتناص الصورة وبلغة بسيطة دون تكلف او تصنْع، هذا النوع من الكتابة الأدبية التي تعتبر بحق من الصعوبة بمكان، نظرا لما تحتاج إليه هذه الكتابة الذكية من تقنيات عالية وأدوات لغوية وبلاغية، التي تساعد على نقل الواقع المبكي بأسلوب يخفف من الوجع بشفافيته العاليه،كما ان الحديث عن الكتابة النسائية التي تجسد رؤيا وافقأ أنطلاقأ من

خصوصيات الذات المبدعة وانصهارها مع التجربة الحياتية. لكن شخصية المراة تمنح ابداعها خاصيات عدة- على مستوى الشخصيات كما على مستوى الاحدات الاخري، والقصة القصيرة نص للبوح ومنصة للسرد من اجل توثيق زمن الذات.

ربما هذا يكون مدخلا لقراءة المجموعة القصصية للكاتبة (ناهدة جابر جاسم والتي حملت عنوان (ألعاشقة والسكير) والتي تتألف من (87) صفحه متوسطه القطع واصدرتها (دار الادهم للنشر) في القاهرة .المجموعة القصصية (العاشقة والسكير) لملمت بين تلافيف

دفتيها ثمانية نصوص قصصية بتيمات تتراوح بين الإحباط والوجع وهموم الليل والخيانة والخذلان وهذا يعني بشكل آخر أن المجموعة القصصية تتأطر ضمن أنطولوجيا القص الموشوم بزمن الانكسارات والخسارات الذي قد يمتد فيها زمن الحكي على مدى أكثر من ثلاث عقود من المغامرة الكتابية التي تحتفي باليومي وتوثق تقلبات الذات المغتربة في صقيع الوطن وصقيع المنفى الجغرافي والسيكولوجي. ولعل أهم ما يهيمن على بنية المتن ككل هو تيمة اغتراب الروح وهو الاقسى من اغتراب الجسد وانتظار الذي يأتي ولا يأتي.. انتظارقاتل.. فالكل ينتظر حيث تتوقف عقارب الزمن.. ويجف نهر الوقت ويصير الوطن أيضا جغرافيا كبيرة تنتظر، إنتظار أقسى من انتظار غودو !! وهكذا تتسع دائرة الانتظار لتبتلع شخوصا منغلقة كما لو أنها داخل كهف أسطوري في انتظار أن تنبلج صخرة الباب عن بصيص أمل لحبيب ضاع في المنفى أو كلمة تسقي شجرة الروح الذابلة أو بقعة ضوء تنير وحشة الروح.

من خلال نصوص المجموعة (العاشقة والسكير) تمكنت الكاتبة (ناهدة جابر جاسم) من تعرية واقع مرير في العلاقات الانسانية وكشفت لنا حالة الاستلاب والاضطهاد التي تعاني

منها المرأة العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص، واقع مؤطر بالتهميش وويهيمن عليه الخيانة والانكسار ونلمس ذالك من خلال شخصية الزوج الذي يعيش مراهقة متاخرة وبالاضافة لكونه مدمنأعلى الخمرة !!

وفي تلك المجموعة القصصية أستطاعت الكاتبة أن تحدد ملامح مشروعها السردي الذي لا يهادن القارئ والذي لايأتمر بأوامر المكونات الجاهزة وقنوات الصرف السردي المألوفة بل إنها كتابة مختبرية، كتابة مهووسة بالتجريب بما يؤثث بنياتها من أشكال سردية متعددة.

ومن الملفت للقراءة هنا ان تحتفي المجموعة القصصية بتيمة الجسد على إختلاف دلالاته وإيحاءاته وأبعاده الرمزية المتراوحة بين المتعة والألم والفضاءات التي تحتضنه ضمن سياقات نصية، من جسد الارملة الحالمة في قصة (حياة بلا الم) والمؤمنة ب فلسفتها الخاصة بأن الحياة تعاش مرة واحدة وكذبة الحياة الاخرى ثم تنتقل إلى الجسد المتعب الذي نخرته سنوات الخيبة وسنوات المنفى وثالثة تغوص في الروح التواقة للحب والحياة في قصة (العاشقة والسكير) حين يحاور الجسد الروح (أنصت الى روحي وعذابها وخسارتها وفقدانهاوخيبتها من حبيب الصبا والشباب) .ص25 ..حتى تصل الى حالة الجسد الخائب الذي يفقد التواصل مع رفيق رحلتها في التشرد والنضال السري والكفاح المشترك في قصة (ذات صباح غائم) حين افصحت عن مشاعرها (وحيدة، خائبة . باكية، ودائخة بعمري الذي ضاع في وعود وأحلام كاذبة .. من حلم مدينة ماركس الفاضلة الذي تشردت من أجله الى لحظة هذه مهجورة وجسدي ينوء بعلل وأمراض) ص 42-43 . وقد سبق لي ان قدمت قراءة لهذه القصة

نشرت في (الحوار المتمدن-العدد: 4340 - 2014 / 1 / 20) والملاحظ ان القاصة في هذه النص جربت الكثير من اللعب السردية، من النوع الكلاسيكي الى الهذيان، الى اللغة الكثيفة، ولو ان تيمة " الخيانة " هي السمة الواضحة في القصة .

إنها لعبة الجسد الصامد والذي جسدته الكاتبة في في قصة (رجال كالسم ) والمتمثل في جسد نجاة رفيقة الشاهد او الراوية للحكاية وهي زوجة الخال عادل رفيق الطفولة والصبا جسد نجاة الذي ظل يذوي ويذوي على السرير حتى ضمرت وهي تقاوم بضراوة سم الثاليوم الذي سقوه لها مع اللبن في مديرية الامن العامة في بغداد بعدما يأسوا من جعلها تعترف على رفاقها بعد القبض عليها في مطار بغداد وهي تحاول الهروب الى جارج العراق اثناء الحملة على اليساروالقوى الديمقراطية ) ص53 .

ولكننا نستشعر الجسد الحنون والطيب الذي الذي نحل وضعف في قصة (وداعأ يا أبنتي) فبالرغم من انه لم يكن لديه نشاط سياسي سوى حبه للشيوعين لكنهم اعتقلوه بمقر الحرس القومي عام 1963 وعذبوه لايام ثم اطلقوا سراحة فبات مرعوبا لايفتح الباب ابدا في الليل لطارقِ) ص59 .وتستمر حالات الجسد في تلونها والتي تنعكس على الروح في حركتها

لتنقلنا الكاتبة الى الجسد المسكون بالحلم في قصة (صدفة أحن أليها) وهو الحلم في (ان أصادف حببيا أحس بقربه ونبض قلبه فتذوب روحي بروحه وأتجلى بعشقه حد الثمالة كأني أمرأة خلقت لكي تًعشق وتُعشق !) ص68 . جمالية هذا النص في حواره الداخلي والذي عكس خواء الروح التي تبحث عن الحنين والدفء وفي ذات الوقت الشعور بالتيه بين الحب والسفر الروحي وبين التردد في اطلاق قيود وحدة الجسد ووحشة ايامه !! ويستمر الجسد في تحولاته حتى نصل الى النص الاخير في المجموعة (سرقة عنوان) والذي تكشف الكاتبة من خلاله الجسد الممزق الذي ينثر ما بذاته من خواء ومن فراغ والحاجة الى الحبيب وتسترجع فجيعتها التي كانت بحبيب العمر واتي عاشت موهومة بأن لم تولد بعد حواء غيرها في بحر عيني حبيبها وقد واكتشفت انه كان وهمأ عشت معه سنين عمرها الذي ضاع بين المنافي ) ص77، وفي خط تصاعدي بديع وبناء متقتن حى تفاجئ بخيانة الزوج الحبيب بعد ان تكتشف رسالة له يبث فيها حبه الى أمراة بعد فتح الايميل الخاص به وتكون صدمتها بىشكل صرخة وهي نداء للروح (اسكري ياروحي، فارتفعت روحي بأجنحة الخمر محلقة في نهار خسارتي، فافضت بي الى مكان غريب سمعت فيه نواح طفل يتيم مهجورٍ وفي يده قطعة خبز يابس وسؤال !.) ص82

على الرغم من أن الحدث في هذه القصص القصيرة، يبدو بسيطا، فإن هذه الأحداث البسيطة تنحرف عن مرجعيتها الواقعية والحكائية الأصل. وتدخله في مرجعيات الذات (الذوات) الإنسانية التي تكون شاهدا على هذا الحدث أو ما يرتبط به.إن الحدث في قصة (سرقة عنوان) مثلا، عبارة عن حدث بسيط ومألوف عند الجميع، وهو عبارة عن سرق عنوان البريد الالكتروني (ألايميل) لكن هذا الحدث الذي يبدو بسيطأ، يحمل في اعماقة بعدأ أنسانيأ. يتجلى في تعرية وكشف الخواء الروحي والعاطفي والحاجة الانسانية للرجل بما يمثله مسحة من الحنان والحب والاهتمام المفقود والمحرومة منه بطله تلك الحكاية .

الجسد في صوره المتعددة والتي رسمت فيه الكاتبة (ناهدة جابر جاسم) جدارية الجسد إنطلاقا من حقيقة ان الجسد مرأه للروح والتي انعكست عليه الحالة السياسية واضطراباتها في العراق وعلى المرأة وبالذات التي تحمل فكرأ يساريا، من خوف ومن قهر في زمن الديكتاتورية والتي خلفت شروخ في الروح من الصعب نسيانها ..!!

يمكن القول أن أي نص سردي يهفو مبدئيا إلى الإختلاف كما أن التجربة أي تجربة وفي رحمها كل الروافد النفسية والاجتماعية والإيديولوجية والثقافية تروم الخروج عن الثابت في العادة السردية السائدة، ورامت الكثير من الدراسات والمقاربات النقدية والفكرية أن ترسم  

الحدود الوجودية بين معسكري الكتابة وبالتحديد بين الكتابة النسائية والكتابة الذكورية بحيث أن التقسيم الاجتماعي وكما كرسته المجتمعات وثقافاتها الأنتربولوجية كان وما يزال هو ما يحدد جنس الكتابة وخصوصية تجربتها... لماذا لا نجرؤ اليوم إذن على قلب اتجاه السؤال بصوت الأنثى. ما الذي يميز الكتابة الذكورية عن الكتابة النسائية؟؟ رمزية السلطة.. القوة الفيزيقية التي تؤهل الكاتب/الرجل لتحويرالكائن والمكان.. القوة الإنتاجية /الإقتصادية، أما ما يميزالأدب النسائي فهو كونه أدبا قبل كل شيء منتميا للمرأة، المرأة الكاتبة، إذ (أن الكتابة فضاء لامتداد الجسد وتحريره من مختلف أشكال التربص والمصادرة والملاحقة) .

نصوص (العاشقة والسكير) مستفزة تبحث عن قارئها المفترض ولغته خارجة عن مألوف الكتابة القصصية التي ضبطتها أعراف وقوانين التقسيم الإجتماعي،إنه نص منفلت من حدود الحقيقة والمنطق الحكائي السائد، نص ولد لكي يقف ويوجد في مقابل النص الآخر للكتابة.. للغة.. للكلمات والإبداع الأدبي، نص يغير تصورنا للكتابة النسائية باعتبارها كتابة نسائية.. إنه نص قد دشن على الأقل في الأدب العراقي اسلوب جديد لتحول زاوية النظرالنسائية التقليدية للساردة / الكاتبة وهو بالتالي قد ألغى العادة السردية وذلك السؤال التقليدي حول هوية النص وخصوصيتها الذكورية فكل شيء يمرعبر وعي مركزي يشتغل كمصفاة ثقافية تتحكم في كل المعطيات التي ستوصف في النص وتحدد آفاقها مثل الحالة السياسية ووحشية النظام الصدامي الديكتاتوري البغيض والذي انعكس بدوره على المرأة وخصوصأ المرأة التي تحمل فكرأ يساريا والتي سببت جروح في الروح تحتاج الى زمن كي تشفى منها ! لكنه يظل هذا الماضي يطاردها وفي هذا الجانب نجحت الكاتبة في رسم تلك الشواهد من خلال الزوج المهزوم الذي استسلم للخمرة او لنزواته المتأخرة وربما الاب وعذابه ومعانته وماسببته له أبنته الشيوعية المطاردة من قبل الاجهزة الامنية والتي تحس بالذنب لكل الم وحزن سببته له وحرمانها من رؤيته ورؤية ولدها الصغير الذي تركته في رعاية والديها بعد هروبها الى جبال كردستان ووالتحاقها بالثوار وحملها للسلاح بوجة الطاغية .

إن تشكيل فضاء هذا النصوص القصيرة تم بانفعالية واحساس مرهف ودقيق، فاسحاً المجال في كسب القارئ الى صفها، فالصور كانت بليغة ومرتبة وتمنح القارئ فسحة للخيال ورسم صورة للعلاقات الزوجية في المهجر وتصور أشياء أخرى موازية لها. كما أن جمل النص القصيرة وهي جمل أغلبها فعلية وادخال صوت المطرب الراحل (رياض احمد) جاء لتكثيف حالة الحزن والشجن للشخصية المحورية هو توظيف ذكي وجميل واعطى للنص شحنة اضافية .لكن قلق الكتابة في المجموعة القصصية (العاشقة والسكير) يبتدئ من خلال تلك

الكيمياء السردية التي تجعل من كل نص بلورة بأوجه متعددة مفتوحة على آفاق محتملة وليس أفقا واحدا، ومن ثمة يصعب على أية مقاربة نقدية وهي تتدجج بأدواتها والياتها أن تفتح أقفال المجموعة لانها ممزوجة من مشاهد تاريخ النضال السري في مناهضة الديكتاتورية والاستبداد مع مشاهد من مشاعر امرأة مهزومة ومأزومة مع رجل هو ألآ خر مهزوم !!

إنها كتابة بعتاد السرد البسيط والصورة الواضحة المعالم ففي خارطتها تتعامل مع النص السردي المفتوح مع القصة بالطريقة التقليدية، وبالتالي فإن أفق الانتظار يخيب لدى القارئ وهو يستند بلاوعي إلى علامة العتبة الأولى على ظهر الغلاف "مجموعة قصصية" ومع سيرورة فعل القراءة والسفر النابه في جسد المتن يتبدى بأن المجموعة القصصية تتزيىن بتلاوين سردية، فالنصوص تارة تنضح بماء الشعر وانسياباته وتتلفع بطراوة أفنانه وتارة تطرز بنسيج السرد القصصي المتحلل من كل المنمنمات الشعرية وبخاصة اذا علمنا ان

علمنا ان للكاتبة تجارب في كتابة القصيدة .

وقليلا ما نجد مجموعة قصصية تنبني على فكرة المجموعة، بخضوعها إلى فكرة ناظمة تؤطر قصصها، وإلى تصور جمالي تتحقق عبره، مشاكلة بين المعنى والمبنى. فغالبا ما يقدم كثير من الكتاب على جمع قصص تباينت مناسبات وتصورات تأليفها، وأيضا تباعدت الرؤى الجمالية وراءها .لكن في تلك المجموعة القصصية (العاشقة والسكير) تختار (ناهدة جابر جاسم)

المسعى الأول، وهو الأصعب، متخذة من ثنائية الخطيئة أو الخيانة وألاغتراب، فتنشأ القصص انطلاقا من نواة دلالية تأسيسية واحدة يتولد عنها نسيج من الصور أو الأحداث أو الأفكار الفرعية المتعانقة فيما بينها تتباين من قصة لأخرى على مستوى المسارات والأحداث، لكنها تدور في فللك الخيانة والخيبة والمكاشفة واليأس .

كما لمسنا بناءً وتأثيثاً جمالياً متميزاً وشذرات، نصوص جذابة تخترق القارئ، وتقحمه في فضاءات القصص الرحبة بعفوية دون تكلف، ممزوجة بقدرة رهيبة على الإقناع مع تناسل لأحداث جانبية داخل كل النص بالإضافة إلى عمق الوصف ولذته .

مجموعة '' العاشقة والسكير فاتحة كتب كتب الكاتبة (ناهدة جابر جاسم)، جديرة بالقراءة المتعددة، ففي كل قراءة يمكن ان نكتشف جديدا، بل ونشعر من خلالها ان فن القصة القصيرة يمكن ان يؤصل في ثقافتنا المحلية، دون ان يفقد اصالته الاولى، ودون ان يبتذل، بل تشعر بأنه لم يتشبع بعد، فكلما كان حيز الابداع ضيقا، كانت المغامرة اكثر متعة.

إن هذا النوع من الكتابة القصصية يذكرنا بالآسلوب الواقعي على شاكلة جيل الستيني او السبعيني للقصة العراقية والعربية على حدٍ سواء والتي تأخذ مادتها من المشاهد الواقعية، التي عاشها القاص أو عايشها، ثم يقوم بنقلها من شكلها الواقعي الآلي إلى الشكل الأدبي، الذي يرقى بمشاعر القراء ويدفعهم إلى البحث عن الحلول والبدائل الواقعية الممكنة.

في النهاية تبقى العاشقة والسكير من حيث الشكل، مجموعة قصصية تحترم خصائص كتابة القصة القصيرة جدا مع انزياح في اللغة القصصية، من لغة السرد القصصي، إلى لغة السيناريو واللقطة، نظرا لاهتمام القاصة (ناهدة جابر جاسم) بالمكان والزمان والتفاصيل.

ومن حيث الدلالة نكتشف من خلال قراءتنا المتمعنة لهذه المجموعة القصصية، أننا أمام قاصة تحمل هما كبيرا، قاصة لها رؤية إلى الواقع، رؤية تنشد التغيير، تغيير مجموعة من المظاهر السلبية التي تكبل المجتمع من التحليق عاليا. امام مثقفة ومناضلة تحترق مثلما تحترق الفراشة

حينما تبحث عن الحقيقة الغابرة في عتمة الظلام، وغيوم الضباب، مثقفة وكاتبة مبدعة عايشت مرحلة من مراحل القهر وسنوات الرصاص، فكانت البطلة التي شاركت في التصدي لوحشية النطام الدكتاتوري جنب الى جنب زوجها المناضل والروائي (سلام ابراهيم)، وعاشت لتنقل هذا الواقع وتسجله أدبا ليبقى شاهد عيان، ومجموعتها القصصية شهادة شاهدة على العصر .

 

الكاتب \ علي المسعود

كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

 

ناهدة جابر جاسم في سطور

ولدت الكاتبة العراقية في مدينة الديوانية إلى جنوب بغداد وتبعد عنها 193 كلم. التحقت ناهدة جاسم بصفوف الثوار الأكراد في عام 1985 وأصيبت جراء الهجوم بالسلاح الكيميائي في 5 يونيو/حزيران 1987، ثم نزحت في ما يعرف بحملة الأنفال في أغسطس/آب 1988 إلى الحدود التركية ضمن جموع الأكراد .

تقيم جابر في الدنمارك منذ عام 1991 وعملت في منظمة "مساعدة اللاجئين" كما تعاون معها "الصليب الأحمر" كمترجمة .

 

قراءة في نصّ "مشوار" لسعيد عقل

مشوار الوجود والحبّ

بين الصّدق والكذب .. .

 

•النّصّ

مين قال حاكيتو و حاكاني عا درب مدرستي

كانت عم تشتي و لولا وقفت رنخت فستاني

 

و شو هم كنا صغار

و مشوار رافقتو أنا

مشوار

 

و قالوا شلحلي ورد عا تختي

و شباكنا بيعلا

 

و شو عرفو أيا تختي أنا

و أيا تخت أختي؟

 

بيلفقوا أخبار

و مشوار يا عيوني مرق

مشوار

 

و قالوا غمرني مرتين و شد

شوف الكذب لوين

 

مرا منيح اتنين؟

و لا ردتو إيدي و لا هو أرتد

 

شو بيفضحو ا أسرار

و مشوار شفتو و ما رجع

مشوار

 

كذبوا مين بيقول كذبوا مين

كذبوا مين بيقول كذبوا مين

 

امبارح بنومي بصرت

اني عازندو طرت

و الأرض مفروشة كلا ياسمين

 

إن صح الحلم شو صار؟

و مشوار جينا عالدني

مشوار

 

• القراءة:

رافقتني هذه القصيدة / الأغنية، رضيعا هادئا وصبيّا صامتا وفتى عاشقا وكهلا متأمّلا .. وكانت ولا تزال واقعة في نفسي موقع السّحر، فأسمعها كما لو أنّها تُنشد الآن وهنا .. فهي من ذاك الشعر الذي لا يقدُم، فلا يكون من أثر للزمن فيه إلا من حيث هو لحظة ظهور (1960) ينفصل بعدها ليكون نصّا فوق التّاريخ والزّمان، فيرحل ويسافر، ويدخل ثقافات ويجوب آفاقا، وتتوارثه أجيال، وهو كما هو، شعر حيّ نابض بلحظة الميلاد الأولى .. ولم أكن أعلم، ولعلي لن أعلم، أيكون مأتى السحر القول الشعري أم الصوت الذي ينشده أم كليهما؟

فقد "شكّلت "مشوار" بداية لسلسلة أغان باللغة المحكية" .. (عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار البيروتية) وبداية التعاون الإبداعي بين الأخوين وعقل، وهو يعقل منزلتهما ومنزلة صوتها وما فيهما وفيه من تفرّد وقدرة على قول الشعر على وجه آخر، غير كونه مقروء، حبرا على ورق .. والغناء وجه من وجوه إعادة الكتابة والتأويل (لأنّ الأداء الصّوتي إنتاج للمعنى ..) غير المتحقّق في نصّ يكون ترجمانا لما وَجد المؤوِّل في النص المؤوَّل ..

ولئن كان السّحر الفيروزي حاصلا حتى لو غنّت محيّية "مسا الخير .. " فإنّ ذاك السّحر يجرى مجرى آخر في المسامع والأفئدة حين يكون إنشادا لنص كتبه شاعر فذّ مثل سعيد عقل ..

وبالنّظر في هذا النّصّ العجيب تجده يغريك بمداخل ومكامن مختلفة ومتساوية في القيمة الفنّيّة والدّلاليّة .. إلاّ أنّ ما رأيناه جوهرا شعريّا جامعا هو هذه "اللّحظويّة" في تصوّر الوجود يجد معناه في الحبّ، وتكون فيه وبه قصّته .. فلا معنى لمشوار الوجود إلا في كونه مشوار حبّ .. عابر، باق، لحظويّ، أبديّ .. كالصّبا .. كيوم ماطر ..

 

1) المشوار : اللّحظة الباقية في الذّاكرة ..

المشوار في معناه العامّ هو " المسافة يقطعها الإنسان .. الحركة القصيرة المحدودة في المكان والزّمان .. وهو (في النّصّ) اختزال سرديّ /وجوديّ لحركة لها إطاران :إطار للقول تنهض من خلاله "أنثى" تسترجع مستذكرة قصّة هي قصّة حبّ قديمة ماضية عابرة ماثلة حاضرة بالسّرد وفي الذّاكرة .. فيكون الحاضر زمنا للحكي الشّعريّ استعادة ومحاكاة للمشوار المنقضي والمتحوّل صورا محفوظة في ، ترسم بريشة الشاعر/القاصّ .. وإذ تتجلّى اللّحظويّة في الدّلالة المعجميّة لكلمة مشوار، فهي منتشرة لحظات ولمحات ملتبسة بالزّمان والمكان وحركة "الشخصيات" فيهما.

 

ويمكن اختصار هذا في مشيرات أساسيّة في هذا النص هي:

• الضّمائر:وهي ثلاثة : أنا / هو / هم .. وتمثّل المثلث التقليديّ في قصة الحبّ : العاشق والمعشوق والعاذل(الجمع) ..

• المكان:درب مدرستي .. وهو طريق

• الزّمان: الماضي(كنّا صغار .. كانت عم تشتّي ..)

فتنحصر اللّحظويّة عمريّا (كنّا صغار ..) ومكانيّا (درب مدرستي ..) وفعليّا (حاكاني وحاكيتو ..) ليتأكّد اختزال الوجود في رؤية الشّاعر لحظة حبّ خاطفة عابرة حلما أو كحلم .. واقعة أو غير مواقعة .. واقعة في فجوة ما بين الواقع والحلم، وبين الصّدق والكذب .. وبين ما يجوز وما لا يجوز .. وما يقال وما لا يقال .. وما يخجل وما لا يخجل .. بين الفضيحة والحقّ .. ولنقل بين الفضيلة والرّذيلة ..

هكذا يوسّع عقل مدى لحظويّته فيصهر فيها الوجود والمجتمع والآخر والأنا والتّاريخ والمطلق والحب والأخلاق والشباب والتّمرّد .. وما هذا التّعدّد الدّلاليّ والانفتاح النّصّي على عوالم وأبعاد مختلفة متفاعلة إلاّ مظهر من مظاهر عبقريّة هذا الشّاعر وقدرته على قول "الكلّ" في لحظة، وصهر الكون في لفظة .. في مشوار .. .

 

2) مشوار كان .. ولم يكن .. .

هو مشوار خاصّ، لا يحكى أو لا يُعلن ولا يُروى، كما كانت قصص العشّاق وأسماء المعشوقات لا تُعلن بل تُحفظ وتُصان، ومن أعلن وروى وأنشد، شذّ وكشف وفضح وافتضح .. لذلك يتصدّر النّص الاستفهام :

 

مين قال حاكيتو وحاكاني .. .؟

وهو استفهام محوريّ يختصر الصّحبة في "الحكي" لا غير، وينفي أن يكون قد اقتصر على ذلك، في وعي الآخرين .. أولئك الذين لا يصدّقون أنّ اللّقاء كان حديثا وهمسا لا غير .. فلا بدّ أنّ " أشياء" أخرى قد وقعت، وإن لم تقع فإنّ الخيال يوقعها، والرّواية تختلقها، والمجالس والمسارّات تحتاجها، لتكون "الحكاية" مدهشة غريبة فاضحة .. ومجرّد الحكي لا ينشئ حكاية جديرة بالمتابعة ..

 

3) قولهم .. وقولي ...

يتنامى النّصّ في "حجاج شعريّ" تقابليّ تورد فيه المتكلّمة "روايتهم" ثمّ تفنّدها كاشفة الخلل في بنائها:

 

و قالوا شلحلي ورد عا تختي .. .

فيبدو الآخرون ممتلكين لقدرة عجيبة على "تلفيق" القصص الجميلة بتفاصيل رقيقة لطيفة .. يبتدعها خيالهم الجماعيّ المولع بقصص الغرام، تؤلّف وتروى وتستلذّ .. ويُراد بها شرّا، وتقع في نفوسهم موقعا حسنا، وإن لم تكن، ولم يكن من الممكن أن تكون، لأنّ معطيات الواقع والحسّ تمنعها:

 

و شباكنا بيعلا

و شو عرفو أيا تختي أنا؟

و أيا تخت أختي؟

ويوسّع عقل دلالة " تلفيق الأخبار" فيتجاوز الفعل مجرّد الاختلاق والادّعاء قصد "تشويه السّمعة" إلى الخلق والإبداع والإبانة عن حسّ شعريّ سرديّ منتج لأجمل الحكايات .. وأجمل الحكايات تلفيق أخبار:

بيلفقوا أخبار .. .

ويرتدّ الخبر إلى محتواه "الحقيقيّ" أو ما تريد المتكلّمة أن تقنعنا بأنّه ما كان حقّا وقصرا:

و مشوار يا عيوني

مرق مشوار ..

 

4) أقصى الكذب .. .أجمله ..

ويمضي النّصّ في تناميه رواية عن رواية عن رواية .. الشاعر عن المتكلّمة أو بصوتها عن "الآخرين" أو العذّل والوشاة المهرة في تتبّع العشّاق وتسقّط أخبارهم :

 

و قالوا غمرني مرتين و شد

وليس من العسير تبيّن النّسق "الاختلاقيّ" المتصاعد من الكلام ،كما تزعم المتكلّمة ، إلى رمي الورود على سرير الحبيبة، فإلى الضمّ الشّديد!! وفي هذا ما فيه من نزوع إلى الذّهاب بالقصّة إلى أقاصيها والكشف عن دقائقها وتفاصيلها " المثيرة" ..

ولكنّ محاجاجة المتكلّمة للعواذّل في هذا الطّور من النّصّ تأتي على وجه مختلف، فنراها تنكر في البداية مستنكرة مكذّبة مستغربة:

شوف الكذب لوين ..

ثمّ "تفاجئنا" باعتراف صريح طريف، فتقرّ بالفعل وتنكر تواتره :

مرا منيح .. اتنين؟

وتمضي في "شجاعة" حاكية ما وجدته في ذلك من لذّة لأنّها لم تصدّ ولم تمنع أو تمتنع :

و لا ردّتو إيدي و لا هو ارتد

فتكذّب وتصدّق، وتحاجج في صدق ولطف وطرافة وجرأة، وتتجاوز منطق الإنكار إلى منطق الإقرار، ويدسّ عقل في صوت " شخصيته" موقفا من الحبّ لا ينزّله منزلة الجرم أو الذّنب بل منزلة الفعل الجميل اللّذيذ الذي ينبغي أن يؤتى بلا خشية أو رقابة أو حساب .. وهو قبل هذا وبعده، ممّا ليس لأحد أن يكشفه أو يتدخّل فيه لأنّه من صميم الحياة الخاصّة:

شو بيفضحو ا أسرار ..

 

وتعود بعد التّفصيل والرّدّ إلى الاختزال والتّجريد، فلم يكن الأمر سوى "مسافة لقاء" لم يتجدّد، لكنّه يسكن الذّاكرة أبدا:

و مشوار شفتو

و ما رجع

مشوار .. .

فينضح القول حنينا وبكاء، للزّمن المنقضي أبدا حاملا "الصّغر" والحبّ بلا رجعة ولا تجدّد، لتكون السّلوى في الذّكرى واستعادة الصّور ..

 

5) من الواقع إلى الحلم .. من الكذب إلى الصّدق .. .

تحصل النّقلة البنيويّة النّوعيّة في هذا النّصّ في هذا المقطع الأخير، وهي نقلة متعدّدة المستويات، ممّا يمكن اختزاله في ما يأتي:

• نقلة من التّكذيب المطلق إلى التّصديق المطلق، وتتوسّط ذلك منزلة بين التّكذيب والتّصديق :

 

 

أ) بيلفقوا أخبار .. .

ب) شوف الكذب لوين ..

ج) كذبوا مين بيقول كذبوا؟

مين؟

• نقلة من الواقع إلى الحلم .. ومن الواقعيّ إلى العجيب :

وفيها نجد ما "يفسّر" الحركة السّابقة، أي لعبة التّكذيب والتّصديق، وتتحدّد ملامح "الهندسة" الشّعريّة في هذا النّصّ الذي لا يمكن أن يكون تواردا عفويّا بسيطا للصّور، ففيه كلّ مقوّمات البناء والصّنعة و"استراتيجيا" الكتابة ..

ففي منطق "الحقيقة" لم يحصل شيء ممّا يشيعه العذّل، وحصل كلّ شيء ممّا يقولونه ، بل حصل أكثر منه وأبعد وأغرب وأجمل .. ففي ردّ فعل يتفاعل فيه الواقع والحلم وتتداخل قوانينهما، تنكر المتكلّمة وتستلذّ ما تنكر، وتقرّ ما لم يحصل كأنّه قد حصل، فيلتبس الواقع بالحلم، ويتحرّك الخيال الفرديّ والجماعيّ ليبني على معطى بسيط (مشوار رافقتو أنا مشوار ..) قصّة تروى وتنتشر، ويلتقي الطّرفان (المتكلمة وعواذلها) في لعبة الواقع والخيال أو الواقع والحلم .. فها هي "تصالحهم" وتقرّ إقرارا قاطعا أنّهم لم يكذبوا، بعد أن كذّبتهم واستنكرت وشنّعت وجرّمت من قال وتحدّث، فلفّق وكذب واختلق .. .ونلمس في هذا "التّركيب" وجها بارزا من وجوه العبقريّة الشّعريّة لسعيد عقل وهو يتجاوز التّعبير عن العواطف البسيطة أو "المواقف الطّلليّة" السّاذجة، فيكتب الذّات الإنسانيّة في كلّيتها وتركيبها الباطنيّ العميق، في بناء شعريّ أنيق صارم دقيق باهر شامل غامر .. فإذا الكون في لحظة .. في مشوار .. في حلم :

امبارح بنومي بصرت

اني عازندو طرت .. .

فيتيح الحلم بناء علم متعال جميل مفارق للواقع البشع النّافي للحبّ وإن أحبّه قصص سمر وأسرار .. فتنتفي الأرض ويختفي العواذل، فتصبح كونا ياسمينيّا عطرا، يعبق حبّا ونقاء وعشقا وجمالا :

و الأرض مفروشة كلاّ ياسمين ..

ويتمّ ذلك بكلّ الوعي بأنّ الحلم هو الملاذ والمهرب من عالم يمنع الحبّ، فيرتفع الصّوت سائلا متسائلا مستغربا ساخطا :

إن صح الحلم شو صار؟

وينغلق النّصّ بانفتاح وجوديّ، هو أعجب ما في هذا النّصّ، وأعظم أمارات امتلاك عقل لأدوات صناعته، وأكثر ما يدلّ على عمق نظرته للحبّ وللحياة ومنزلة الإنسان في الكون .. فنراه يختصر الوجود في لحظة .. في مشوار محدود، فيتساءل : لماذا لا نجعل مشوار الوجود مشوار حبّ؟؟ أليس في ذلك ما يكسبه بعض المعنى؟؟ ..

 

ومشوار جينا عالدني .. .

ويرتفع صوتها بالكلمة (مشوار ...) في آخر الاغنية ويمتد،ّ ويظلّ صداه متردّدا متباعدا متلاشيا .. كما يتلاشى مشوار الحبّ .. ومشوار الوجود .. .

مشوار

مشوار

مشوار .. .

 

جمالية الخطاب المناوئ في رواية نهاية سري الخطير للكاتبة زكية خيرهم

zakia kherhomيرى البعض في الرواية أنها المثل أنها المثل الأعلى لكل العلاقات الدقيقة المتداخلة التي اكتشفها الانسان. انها التاريخ الإبداعي المتخيل، داخل التاريخ الموضوعي المعاصر.أصبحت على لاختلاف مستوياتها، توجهاتها، ورؤاها، وأبنيتها الزمانية الجمالية والدلالية، الوعي الإبداعي الكائق عن جوهر مفاراقات هذا التاريخ وتناقضاته وصراعاته، أزماته، فواجعه والتباساته، سواء في تضاريسه الحديثة الخارجية أو في أعماقه الباطنية. كما أنها كتاب الحياة المفتوح، وفنّ البوح والتفصيلات الواضحة والمحددة. عالم يبلو الواقع الذاتي والموضوعي، الاجتماعي التاريخي. حيث تلاحم الروائي المتخيل بالتجربة الحيالتية المعيشة، والتي رفدت بعامالين اثنين.

- الأول: هو أن الرواية لم تكن أبدا مزدهرة في غير الوقت الحاضر في الكمية على الأقل.

- الثانية: هي أنها لازالت بالنسبة للكاتب الوسيلة المفضلة في التعبير الأدبي.

وهكذا يمكننا أن نعتبرها الآلة التي تقيس درجة حرارة المجتمع لأنها تتطرق إلى كافة تيارات الفكر، وتتكيّف في كلّ الأحوال والمواقف، وتتبع جميع المغريات التي تثيرها الظروف. بناء على ذلك تبرز أهمية وضرورة الربط بين اشكال التعبير الأدبي، وطبيعة الواقع الاجتماعي. وهو ما تقترحه علينا رواية "نهاية سري الخطير" للكاتبة المتميزة " زكية خيرهم" والصادرة طبعتها الثانية عن دار "زاوية" للفن والثقافة - الرباط، 2008م. والتي تؤكّد أنها ليست ابتداعا لمعنى العمل، لكنها رؤيته التي تتحرّش به، وبالمتلقي بقوة. أثراها كون الرواية، قائمة على الاستطراد الحظي للنص، الذي يعتبره منظموا الرواية لا نهائيا. منذ البداية تبدو الرواية حافلة بالكثير من الاسئلة المباغثة التي تفرض نفسها بقوة الواقع، ومرارة الحياة الصعبة التي تعيشها المرأة العربية – والممتدة على مساحة أرضية واسعة، تتفاعل مع ترابها، وشخوصها، في مناطق مختلفة، ومتداخلة- المنطقة العربية – أمريكا- النرويج – كمحاولة احتجاج، وتحدّ لواقع مؤلم. يمتدّ على طول جسد الرواية، وعبر ستة عشر فصلا. تبدأ بفجيعة الإعتقاد، بفقد العذرية، وحتى لهفة التأكد من عدم ضياعها – معالجة بجرأة واقتدار قضية شائكة لم تزل تشكل هاجسا مرعبا للفتاة العربية والمسلمة من المحيط إلى الخليج حيث الابراز الجليّ للصورة الفجائعية، لطقس الزفاف المجنون.

في مشهد خرافي ذي طابع غرائبي لطقس الزفاف، والعرابات يترقبن اللحظة المصيرية .... للختم الذكوري في طقس اختبار شرف العروس، وعبر قطرات دم، للعلام الخط الفاصل ما بين العفة والدّنس، وخيط رفيع يفصل بين الموت والحياة.

هكذا يتضح لنا من هذه الجزئية صورة بائنة للثقافة الواقعية عبر بعدها المكاني، ديستويفكي" الواقعية تصوير أغوار النفس اللبشرية" وهذا يؤكد أن الكاتب حين يختار الزاوية التي ينظر منها للواقع، يعبر عن وجهة نظره، متأثرا بوصفه الذاتي داخل المجتمع، والطبقة التي ينتمي إليها، باعتبار أن الواقع الاجتماعي هو الذي يحدّد حياة الكاتب واحساساته. هذا الواقع نستطيع أن نتصرف ملامحه على طول جسد الرواية، وامتداد قامتها دون أن يعترينا التعب.

الليلة ليلة زفاف أختي، وغدا ستكون ليلتي. فمن اين سآتي بالدّم؟ كيف سأتدبّر أمري؟ عندما غسلت أختي من أبي تلك البقعة الصغيرة من الدّم التي كانت بلباسي الداخلي، هدّدتني ألا أخبر أحدا بذلك السّر الخطير، فدفنت في سري في قبر منسي بقرار عقلي، وأقسمت ألاّ أبوح به لأحد كي لا ينتهي بي المطاف إلى عالم الأموات" ص 6.

بناء على هذه اللوحة النصية التي تشير بالكثير، نرى أنّ الكتابة عن (الأنا – الذات) أو ما يسمّى "الأنتوبيوغرافيا" عمل بسيط يعبر عن (صبو) الرّائي في عالم الكتابة. يتناول ذلك حياته، تاريخه الشخصي، وعلاقته بالأنوات، أو الذوات الآخر، لكل ذلك تمنت "غالية" أن تكون ذكرا ...

" كم تمنيت أن أكون ذكرا، لأن الذكور لهم امتيازات في المجتمع من الاناث، إخوتي يمكنهم أن يتأخروا خارج البيت حتى نصف الليل، ولا أحد من والدي يلومهم على تأخرهم " ص 6.

" همّ عائلتي أن توفّق أختي بعريس، وبحياة عائلية سعيدة، اللعب خارج البيت، وركوب الدّراجة، والقفز على الحبل ممنوع، لانّ ذلك يُفقدها عذريتها." ص 43

هنا شكل سير ذاتي، وهو كما حدّده فيليب لوغون نص حكائي يستعيد المادي نزفا ويرويه، أو يلقيه شخص حقيقي عن حياته الخاصة، "الاهداء ص 3 ". فهذا الشخص بناء على تحديد "لوغون" ذو عناصر تركيبية ثلاثة. عناصر محورية "الكاتب – الراوي" الشخصية المركزية" والتي هي في هذا النص الروائي عبر عالمها المتكامل واحدة. تتولد عنها عناصر جزئية. سهّلت تشكيل هذا العالم – النص. هكذا تبرز علاقة الذات بالموضوع التفاعلية غير المترابطة رغم أنها متواصلة. لقد كتب " لنين" عن ذلك قائلا:

(يواجه الانسان العالم الموضوعي أثناء نشاطه العملي، يعتمد عليه يعتمد عليه ويتقرر نشاطه بعالمه هذا/ مع ذلك، وفي نفس الوقت، وكما قال فإن الممارسة بالذات هي التي تشكل الواقع المباشر للإنسان" كما أنها تتصادم مع الذوات الأخرى. في تداخل صراعي يفرضه الوعي المغاير للتقليدي والطقوسي المتعارف عليه.

" المرأة ناقصة عقل ودين، ضعيفة أمام الشهوات، كيدها عظيم، رجس من الشيطان، لابد للرجل أن يضع حدّا لذلك الكيد وأن يمنعها من السقوط في هاوية الشيطان وهاوية الجنس ببتر عضو من جسمها الذي وهبه الله لها مثل ما وهبها سائر الأعضاء. لا يجب أن تحسّ بمتعة الجنس." ص 97.

ولكي تبرز الكاتبة إضاءاتها في هذا المجال اعتمدت في لغتها: الأمثلة واللهجات الشعبية، الأغاني والأشعار، الثراث الطقوسي ثمّ الوعي المعرفي – شريط جو داسان – محاضرات مارلين بوث والاستاذ جون دوغون، ثم نورا ابسن – هذا التوليف الذي يتقدّم من الحسي الى الفلسفي، من العقلي والخيالي، المرئي والخاص إلى اللانهائي في النهائي، تشكّلت رؤية كاتبتنا صورة موطنها. وكأن هذه الرؤية من العوامل التي ساعدت على الطرد – الغياب - الخروج – لهذا بات الجمال الفني غريبا، رغم واقعيته مادام المبدع – المبدعة هو – هي – المراقب والفيلسوف في آن ... لهذا انطلق وعيها في ردّه فعل عنيفة، ناقدة وبشكل لاذع. يدعو بشكل مبطن للمساواة حتى في العقاب إن كان لابدّ من ذلك.

" من يفقدها الشيء الأعز في نظركم، أليس الرجل ؟! فلماذا لا يخصونه حتى لا يمارس الجنس بطريقة غير شرعية؟" ص 223.

هكذا تبدى المسار الفني في الرواية في التزام كاتبتنا الثابت بينها وبين المجتمع عبر النص، بواقع عايشته، قبات يتشكل في سياقات جدلية مهولة. فضاءات وأمكنة غائمة، في زوايا الدهن، عبر رحابة لا نهائية للمكان والاحتمالات.

الشكل والمضمون:

لا يرى علم الجمال – ومنه المادي – المضمون فقط انعكاسا للحياة بل وفي الشكل أيضا، فليس الشكل ببساطة البنية المادية التي تدعم المضمون وتحتويه. إنه شأن المضمون انعكاس للحياة، يتم ابداعه بمعرفة وسائل مادية، وتقنية – لغة – خاصة بفن من الفنون، وهو دوما معماري تركيبي. غير أن هذه الوسائل المادية أو التقنية تمتلك إمكانات تعبيرية، ومجازية، تمدّ عروقها في سياق العمل الفني بأكمله، وتكرر الشكل، وهي لا تأتي جزافا أو تصادفا فوضويا، بل وفق ما يقرره المضمون ذاته، ولذا (يغدو الشكل بنية للمضومن، وليس بنية لهيكل خارجي فقط) هذه الرؤية تنفعنا إلى معالجة الوعاء الشكلي الذي وضعت فيه الكاتبة موضوعاتها الروائية، وبمعنى آخر التطرّق إلى الأسلوب الكتابي الابتدائي الذي تمنطقت به كاتبتنا المتميّزة. هذا وإذا كان الأسلوب الكتابي، والذي تبينه جمله المتزاحمة، ويضجّ بالتأزم والمشاعر المضطربة، وكذلك جدل الأسئلة، والذي هو مجموع الطاقات الايحائية في الخطاب الأدبي. ميزة كثافة الايحاء، وتقلّص التصريح والتصالح، مع الخطاب العادي. رغم بعده عن نفعية الظاهرة اللغوية فيه، حاملا فعله الدفاعي الشرس عن استقلالية الفرد – وهنا المرأة – ما جعل من هذا النص مشروع تشكل صدامي دون فرار، أو انصواء تحت سادية التقليدية تحت سارية تقليدية القصة، في السلوك الاجتماعي، كوعي توعوي، يجوس إيحاء النّص، ويمتدّ على طول مساحته. هكذا تتبدى هنا قوّة علاقة الاشياء بأشيائها، حيث يمكننا الادعاء، بتشابك جملة من الرؤى، تمثّلت في:

 

الرؤية المعرفية:

يعتبر الفرق في استعمال الكلمات عامل أساس في مركزية النص الأدبي. يضاف الى ذلك عناصر الايقاع، واكتشاف دلالات، والنصّ لا يتوحد في التحليل الأخير إلا من خارجه. وخارجه ليس مؤثراته الواقعية فقط. انه اكتشاف عناصر الجدل، ونقلها الى النص الذي يتفجّر بها، ثم ينتقل إليها، وهي في الخارج، في لهب الصراعات الاجتماعية، ليسميها داخل دلالتها الجديدة، ما يجعل مهمة الروائي هي – تأريخ الحياة الخاصة – على أساس الصدق، في تصوير السمات الأساسية في المجتمع. وتجاوز رواءة، ووضاعة، وبؤس الحياة اليومية، وتسليط الأضواء، على المواقف التي تعبر عن التناقضات الفردية، والاجتماعية، لتوتر وعنفوان، وبنيات متعارضة. لو وضعت الكاتبة وجهة نظرها تجاه العقل الدوغماتي للرجل العربي الذي يأبى تحرير عقله من مفهومه التقليدي المتخلّف تجاه المرأة حيث انه يرى فيها:

" مجرّد آلة لتفريخ عدد من الأولاد والبنات، ينشأون ضمن نفس الثقافة، الولد يكبر ليمارس جاهلية والده، مع انثى كبرت لتعيش معاناة والدتها." ص 369

الرؤية المعرفية في نص "زكية خيرهم" ارتبطت فلسفتها الجمالية بالدلالة الاجتماعية والتربوية لابداعها. انها بالمفهوم الروحي محاولة للنقاء – التطهير، والتطهير ليس احترافا ذاتيا فقط، وانما هو حالة روحية ثابتة ومعقدة، يصطدم فيها الاحتباس والفقد، مع الاحساس بالعثور على قيمة عظمى (الوعي به من أجله) (وعدم تعليب الوعي)، ورفع الحالة الصدامية ال منتهاها على أساس:

الأول: وعي العلاقة مع الآخر:

ويرتبط بخلاصة موقفية تؤكد أن الآخر لا يمكن أن يكون نسويا لأن وعيه قائم على اسس لاهوتية ظلامية، تنفي حقوق الغير عبر تابو لا يمكن تخطيه. هكذا ظلت فاطمة تستمرئ، وتبرر موقف زوجها "ابن الايمان" منها بقولها:

" سأطيعه كما أوصاني والدي، قال لي: الزوج في مقام الأب أو اكثر. لأن المرأة لها ثلاث خرجات للدنيا ولبيت بعلها ثم للقبر." صف 60.

الثاني: وعي العلاقة مع الآخر الضديد:

زهي علاقة في جلّ معانيها صدامية نسكن في عمق الذات الجمعية، في حبها، كرهها وبرؤيتها لما يجب أن يكون.

" أنا لا أعتبر أمريكا المجتمع المثالي، كما لا أعتبرها بلد الخبث والفساد. فالخبث في كل مكان في العالم." ص 251.

 

2 الرؤية النفسية:

تتمثّل رؤية الكاتبة هنا في حالة سوداوية ترى العالم عار دون دلالات، ودون غايات. كل جزء منه مقلوب حسب وعيه عبر ثقافة مكانية صارخة من الصعب التحلل منها، التقليدية الصارمة في مجتمع الكاتبة- والاباحية الفوضوية في المجتمع الغربي). تحاول الكاتبة تجاوز كليهما. عبر ربطها بين الأشياء محللة لانعكاساتها على الذات والمجتمع. وتتقدم في ذلك أحيانا لجعلها تتحدّث عن نفسها. وهي حالة من الانعكاس القيمي في وعي الانسان يبلوره شكل نوعي للنشاط النظري الثقافي، يقوم بوظيفة خاصة ضمن عملية الممارسة الاجتماعية المؤثرة على قيمتها بالنسبة للانسان، رغم التضاد النسبي بين الموقف والموقف المغاير- الايجابي - السلبي – من هنا انطلق هدير الغضب والتشظي اللفظي العائد الى التغيير الجدري في المواقف التي تنتقدها الكاتبة رافضة كل التبريرات (الدينية، التربوية، الاجتماعية) مرة. رغم حضور الواقع الموضوعي مرات عديدة.

" أمسكوني وأنا اصرخ بكلّ ما لديّ من قوة، وقطعوا جزءا من جسمي بشفرة غير معقمة، أصبت بعدها بالتهاب عدة اسابيع حتى كدت أن أموت وأغم علي. إنهم يريدون أن يعدّلوا ما خلق الله. ص 223

 

3 – الرؤية الحلمية التوعوية:

ترتبط هذه الرؤية برصد مظاهر الجهل فينا، وتعويض الواقع غير المرضي عنه بالحلم القافر المطلوب. وهنا محاولة الخروج عن التقليدي والخجل المصطنع، البعيد عن تلمس انسانية الانسان كروح وجسد خاصة بالنسبة للآخر المكمل – الزوج – حيث الحرية مخبأه مكمون عبر لاهوت طقوسي لا يمكن تجاوزه ... وإلا بعيدا عن كلّ العقائد والانشاءات، بحيث نستطيع أن نقول أن فرحها تمثّل في حزنها وتأزمها.

" لم يخطر بباله مجرد التفكير، هل هذه السلعة حصلت على غايتها، ووصلت إلى متعتها أم لا، ولماذا يفكر!! هل هو فكّر اساسا أن لها حاجة للذة والرغبة، والاثارة والمتعة مثله؟ هي بالنسبة له جهاز الاستقبال، سوائله، وحيواناته المنوية، وكافة انواع زبالته، وعليها احتضانها وتفريخها أطفالا لا حصر لهم" ص .370.

هذا النص المقتضب أعطانا أكثر مما أرادته الكاتبة له. فجدل الصراع وتسابق الأحداث فرضا نفسيهما على بساط الرواية، ولو على حساب الشخصية – الشخصيات في الكثير من الأحيان. كما أن لسطوة الزمان والمكان دورهما في التفاعل بين " السيكولوجي – المعرفي – التوعوي) حيث كل ذلك المجموع الكلي للرواية التي أبانت رؤيتها الشاملة ضرورة التأمل والحسم. ولفظ زبالة التقاليد المقولبة باسم الدين والعادات وقانون العيب، ومفهوم الشرف على أساس التجزيئية والدونية بين الرجل والمرأة، القائمة على الممارسة الكابوسية والتعسفية المقيتة.

 

القبح الجميل والجمال القبيح

لقد وقفت هذه الرواية على جسر ثابت يربط بين القبح الجميل والجمال القبيح. فمثلت حالة جريئة ومفاجئة، ترصد لحظتها تحت احتلال التقاليد. تفككها عبر سردية ليست معقدة تتطلبها ضرورة ايصال الفكرة ناضجة. تحاول انتشال الحياة من تاريخ البلاء التقليدي – والبلاء الثابت منه والمفترض ومحو مذاقات الماضي التي تقبع في تلافيف المنح. هنا شرط وجودي، لكنه غير هام، يعطي العمل، مزيدا من الأهمية. هنا شرط وجودي لكنه غير هام، يعطي العمل مزيدا من الأهية. إنه يقرأ الحزن ويشخصه، ثم يقدم عملا غير اسقاطي، لكنه ليس منفصلا عن حركة الحاضر، واحداثياتها بكل ما يحمله من تناقضات وتنافر. فعن الحرية تقول الكاتبة .

" الحرية سلوك ومعاملة، وتصرف وإنسانية، فما رأيت في هذه النيويورك حرية المرأة، وحرية الدعارة، وحرية الإجرام، وحرية العنصرية." ص 339

" ... والبعض الآخر يمشي شبه عار، وأجسامهم موشومة بإشارات وشعارات وصور مائعة، شاب يعانق شابا وويقبله في الطريق، فتاة تعانق فتاة وتقبلها في فمها." ص 338

" حتى الخبز أغلب دولنا تعتمد على القمح الأمريكي والكندي، والاسترالي، لماذا أصبحنا مجرّد أفواه تأكل، وآذان تخاف كلمة الحق" ص 367.

هكذا بات النص بقدر ما يحمل مذاق الرحيل، بقدر ما يتقدم نحو ضفاف اللاوقت، حالة الاختلاف هنا هي البداية في العقل، تتجلى بصورة مكتملة تكون محركا أو دافعا لبلوغ الغاية النهائية، بمضي تحقيقها، إما بتجسيدها، وإما ببلوغ معناها. إنها تصفع بقوة زمن اليأس الأنثوي – والقحط الذي لم يزل يقضم أناسه بلا هواده، هنا حالة من الخلاص، وان اتخذ شكل التأرجح، خلاص، يخص، ينفي ذاته، كونه قائم على الفرار في الغربة، بعيدا عن الوطن. وهي غربة مرادفة للأنين، والألم، والوحشة، بين استياء العالم. ذلك الأنين الذي كرسته الطقوس التقليدية باسم العادات والتقاليد، والدين.

" آه يا أبي كم تظلمون آية الله، وكم تستشهدون بها لإرضاء أهوائكم ظنا منكم أنكم تتقيدون بما تحتوي هذه الآيات العظيمة من معان." ص 248

لقد رفدتنا الرواية بحالات متداخلة – متنافرة من الفزع العاري الذي يضرب دون أن يتكلّم. هاذفه إلى سلخ فكرة التسليم عن الإنسان – المرأة – الذي خضع – خضعت لعمليات صعبة، من الصدمات والعذابات، ممثلة في العادات التقليدية، كنموذج ذاتي مندعم بالمثال الجمعي، " من يا ترى ينفض الغبار عن تلك الطقوس المتجمدة، والمتعفنة في ذاكرتنا الخربة." ص 293.

" لقد جعل المجتمع المعادلة كالتالي: غشاء موجود، فأنا موجودة، غشاء بكارتي مقصوص فأنا مقتولة، إذا لابد من أسلو وإن طال السفر." ص 283.

هذه الرؤى محاولة أبدتها الكاتبة للربط بين المعرفة والأطر الاجتماعية، تذكر بما حاول "غيرفيتش" للتدليل عليه في مستوى المجتمعية، أو مستوى الميكروسوسيولوجي في مستوى الجماعة المحلية، والعمل، وحتى الدولة، وفي مستوى الطبقات والسلوكيات الاجتماعية بما يعتورها من تناقضات. وهو أمر من الأهمية بمكان. لأنه بفضي إلى علاقات إنسانية بين انظمة المعرفة بصفة عامة والبنى الاجتماعية في كليتها.

 

خاتمة

هذا وإذا كانت الرواية ترمومتر المجتمع، ومانفستو المؤرخ والفيلسوف، وايضا الباحث الاجتماعي بهدف الوصول لخلق الدهشة وتحريك الزلزال، أي مقارعة السلوك الخانق، والارتواء المعرفي الايجابي بدل الظمأ، تؤكد لنا رواية نهاية سري الخطير، توسلها خطاب الدهشة بأسلوب كاريكاتوري غاية في السخرية تصفع هضم حقوق المرأة يعثورها من إهانات بالجملة مفعمة بالرؤى الاجتماعية والمسلكية الصادمة. ما يجعلك تشعر كلما توغلت في قراءاتها أن الطفولة التي وضعتها الرواية، هي طفولة من حولك من الأخوات وبنات الجيران. كما أنها تفصح من جانب آخر بأن الحب هو الحب رغم ألسنة الحزن الرتيبة والقاسية، هنا تبرز حقيقة وجدانية رائعة، امتزجت فيها الرقة الخشونة وعدم الطواعية، لقد رصد هذا العمل شخصيات مختلفة محلية وأجنبية، ومجايلات عمرية مختلفة، والغوص في تلك الاصوات هنا زكية خيرهم التي تحاول بعنادها النسوي، وحساسيتها الإنسانية مقاومة المحيط الواسع، والخروج من الأصفاد والحصار الكائن والمرتقب الأبوي- الاجتماعي – والمؤسسي. مبحرة من خلال ذاتها الأنثوية، ومجموع النقاط البشرية الأخرى عبر توحّد جمعي بهدف تسجيل رؤية نقدية اجتماعية من الحياة بصورة شجاعة حيال الظواهر السلبية السائدة والتي تبدو داخل النص الابداعي فردية ومحددة، وان كانت غير ذلك كونها تعالج هموم اجتماعية نسائية متراكمة.

وأخيرا لا يسعنا القول سوى أن هذه الرواية التي بين أيدينا، تنم عن نشاط متحيز يتضح في افتراض قدرتها على الكشف، وفي محاولتها للتشيؤ. الأمر الذي جعل منها سيمفونية بديعة لا تقاوم، تعلو إلى السماء، وتهبط إلى الأرض دون خلل أو اهتزاز، غذا ما استثنينا النقلات السريعة التي عالجتها الذاكرة، ولربما يعود ذلك لشدة الانفعال والتأزم التي اعتورت وعي الكاتبة منذ البداية، والتي ظلت هاجسا مرعبا على طول جسد الرؤية " لا يمكنني ان أدع قلبي يحب أحدا، لأن ذلك مستحيل، الحب معناه الزواج، والزواج معناه الدخلة، والدحلة معناها اكتشاف سري، واكتشاف سري معناه هلاكي." ص 286

هكذا ارتفع تمردها الشكسبيري (ان انكرتم علي حقي فليصعق الدمار،) فظهر نص الكاتبة تجربة فريدة لها خصوصيتها، نقلتها كاتبتنا عن المعيش اليومي، إلى المحكي، إلى الحلم، وعبر سردية تجعل الماضي حاضرا والحاضر حلما مستقبليا. لهذا توحدت الصورة والرؤية في انصهارها عبر تلافيف عقل الراوي – الكاتبة، بين الصنديد والصنديد، ولتؤكد أن الحياة تسير بكلّ (دقائقها) أو لابد لها أن تكون، لذا صرخت.

- يا .... كم عشت كذبة هدمت حياتي، وجعلتني أجوب الأرض شرقا وعربا، والآن يقول لي الطبيب أنت عذراء. ص 387. لهذا عصفت عبر تمردها الموضوعي بكل شيء تقليدي، وطقوسي مقولب، فانطلقت إلى اسلو بعد أن عانقت بحميمية بالغة "نورا هنريك ابسن" ... لتشعرك أثناء قراءتها أنك أمام كاتبة لم تغمس ريشتها حبرا لتكتب، بل كانت تغمسها من وجع الانثى العربية الحالمة للحرية والانطلاق وذلك بفرك الصدأ الاجتماعي عن العقول، لكسر الدوغماتية البغيضة كون المرأة تشكل الإسقاط الفجري القادم.

 

بقلم الدكتور خليل ابراهيم حسونة

 

حملة لإنقاذ "أبو نواس" من "أبو نؤاس"!

khalidjawad shbaylإن هي إلاً ذكريات من ذلك الزمن البعيد!

سيستغرب القارىء من غرابة هذا العنوان وسأكون سعيداً بهذا الاستغراب لعله يدفع به للتوغل في هذا المقال حتى آخره، وسندي ما قاله الشاعر الإنسان شيخ المعرة (الخفيف):

وقبيحٌ بنا وإن َقدُم العه - دُ هوان الآباء والأجدادِ

كنت دون سن الحلم، حين عثرت على كتاب أنيق في مكتبتنا الصغيرة، والكتاب من كتب دار الهلال يحمل عنوان " أبو نواس حياته وشعره" والمؤلف هو عبد الرحمن صدقي، وعلى وجه الغلاف بورترية مرسومة لرجل وسيم خفيف اللحية اعتم بعمة "عصفورية" أنيقة، مبتسمٍ بعينيه أكثر من شفتيه، وكان هذا الكتاب يُشبه كتابا آخر لشاعر مغاير هو لطاغور يحمل صورة مشابهة..وقد قرأت في الكتاب الأول ورأيت عجبا من الشعر والفكاهة والمرح البريء وغير البريء وتعرفت على كلمات جديدة ومنها كلمة "مجون" ، "خود" و"شادن" و "جارية" حيث سُحِرت بعالم الجواري المُلغز لما تضمنه من جمال في الوجوه والأصوات، ترفده حسن حافظة للشعر والنوادر وسرعة بديهة؛ واشتقت للجواري وكم تمنيت لو يُبعثن من جديد، بل كم حلمت بواحدة صَبوحِ الوجه حُلوةِ الحديث تحفظ أشعاراً وتدق أوتاراً وتميد كغصن نقا مكللاً بالذهب لا أكثر لا أكثر !

وإذ كنت مزهوّا بما وجدت وأردت أن أشرك زملائي في الصف الأول المتوسط بهذا الزهو، لأريهم كيف عبث أبونواس بحكاية: لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع عِقدٌ على خالصة! وحيث يغضب الخليفة لأجل محظيته خالصة تلك الجارية الحسناء التي تحفظ الشعر وتضرب على العود وتغني شعراً بصوت ساحر فتهتز القلوب وتطرب؛ ألا تستأهل عِقداً نفيساً يُضيء عليها ليكون الجمال نوراً على نور؟!..ثم يندم النواسي على ما كتب فراح يسترضي الخليفة ليغير بلباقة العينَ الى همزة من قوله ليُصبحَ: لقد ضاء شعري على بابكم كما ضاء عقدٌ على خالصة... وقبل أن يدرك الزملاء نهاية الحكاية دخل أستاذ اللغة العربية وأحسّ أننا مجتمعون على شيء ذي بال فصادر الكتاب بعد أن تفحصه مبتسماً قائلا: هذا كتاب للكبار وليس لطلاب في مثل سنكم؛ فحزنت أيما حزن..ولم تمض سوى أيام قليلات حتى عثرت على الكتاب في مكانه بين الكتب؛ فقد قرأ المربي الودود الأستاذ عبد الهادي صالح الكتاب وسلّمه لصديقه وزميله الوالد..

وكانت مدينتي يوم ذاك مدينة خضراء يانعة يحتضنها دجلة ويطوقها تطويقا حانيا عليها حتى إذا ما تذكر أن أراضيا عطشى بانتظاره سارع وغيّر مجراه بعد أن روى أرضا أزهرت وأثمرت جنيّا من البرتقال والتين والعنب والتمر؛ وروى حقول القمح والقطن..

عندما زارها ابنُها البار عبدُ الكريم قاسم المعروف بحسن الاستشهاد قال عنها: بلدة طيبة وربٌ غفور (15 سبأ)، وتقع الصويرة على بعد خمس وخمسين كيلومترا عن بغداد باتجاه الجنوب.. ورغم هذا القرب، كان السفر الى بغداد رحلة يُخَطَط لها ونبقى نحن الصغار مؤرقين أسبوعا حتي يأزف الموعد. كانت بغداد لنا يومذاك هي حديقة الأمة، وغير بعيد عنها شارع أبي نواس، وكنت أسمع اللفظ بصور شتى من أهل بغداد وبخاصة من الجيل الأقدم " أبو النوّاص".. وكان هذا الشارع يبهجنا باضوائه الملونة ومقاهيه وأراجيحه و ومزحلقاته وحدائقه ودجلة ورائحة الشواء فنلهو بحراسة الكبار من الأهل ونعود وقد شبعنا لعِباً وأكلاً الى مدينتا الصغيرة التي تخلو تقريبا من مُبهجات بغداد!

كان ذالك العام نحساً جافياً جلب لنا الشؤم نحن بني اليسار، كنت جالسا في أبي نواس وفي مشرب القيثارة حيث الحديقة واسعة والأضواء خافتة والتخفي تقيةٌ واجبة ولا تدري باي وقت تؤب الى الدار خائفا وجلا والهجمة شرسة، فلا مِناص أن تجلس وتقتل وقتا، وتراجع النفس وتستشرف مستقبلا غامضاً وتفكر بالهجرة وستكون الثانية الأبدية ولا تدري أين؟ وكنت أسرح بهواجسي تارة ومع أم كلثوم أخرى وهي تغني (من الرمل):

ياحبيبي كلً شيء بقضاء- ما بأيدينا خُلِقنا تُعساء

نادى بائع "حامض نبع يا خيار"، وانتظرت أن يقترب حتى وصل الى جلاّس خلفي، والتفت فتلاشى البائع، وإذ سرحت مرة أخرى مع هواجس النفس المرتابة حتى جاءني النادل بطبق مترع من الخيار المخلل صًفّ تصفيفاً بإناقة قائلاً : هدية من البائع؛ ومن هو البائع؟ قال هو أحد تلاميذكم في ثانوية بورسعيد !! ما اسمه ؟ قال: لا أعرف؛ نادِ عليه لطفا؛ قال: غادر بسرعة!! شعرت بدعة واطمئنان وقوة بفعل كرم هذا التلميذ المجهول النبيل النجيب..

مامن شاعر جار عليه المؤرخون كالشاعر الحسن ابن هانىء بن عبد الأول بن الصباح الحكمي،(145ه /762م-199ه/813م) فهو عربي من طيء ومن بني سعد تحديدا، وكنيته أبو نواس، والطعن كان بنسبه وكنيته وأخلاقه والطعن من العيار الثقيل بإمه جُلبان ( وتعني البازلاء) وهي فارسية الاصل..وقد ركّز المؤرخون على حياته من خلال شعره الماجن ومن خلال علاقته بمعاصره الأسنِّ منه الشاعر والبة بن الحُباب(ت170ه/786م)، أستاذه بالشعر والمجون؛ ونسي المؤرخون أن أبا نواس تتلمذ قبل ذاك على الراوية اللغوي خلف الاحمر بالبصرة ونهل منه علوم اللغة والتفسير، وعرف المتشابه والمحكم؛ والناسخ والمنسوخ من الآيات،، والرواية والدراية بشعر العرب حتى أصبح أبو نواس يشار اليه بالبنان؛ ولم يكن أول ضحية للمؤرخين بل سيُظلمُ بعد قرن شاعرٌ عبقري آخر هو ابن الرومي!

لم تشتهر زهديات أبي نواس كخمرياته فالناس محبون للدنيا ومُتَعها، وكانت زهدياته موضوع رسالة دكتوراه للدكتور علي الزبيدي، من إحدى جامعات اسبانيا إن لم تخنّي الذاكرة وطبعت نهاية الخمسينات، وحصل عليها نقاش ودار جدل في مجلة المعلم الجديد بالنظر للأخطاء النحوية الكثيرة والعروضية التي اكتنفت شعر أبي نواس فافسدت شعره، كانت المعركة الادبية بين ناقد لم يفصح عن اسمه والمؤلف نفسه، وقد فتن صاحب هذه السطور بهذه المعركة رغم صغر سنه.. ولا أحب الاستغراق في الخمريات ولا الزهديات أكثر فكل منهما معروف ومبحوث كما في الجوانب الأخرى..

إنما أريد التوقف هنيهة مع كنيته "أبونواس" التي ذهب بها المؤرخون مذاهب شتى واشتهر منها أن له وهو صغير ذؤابتين (قذلتين) تنوسان على كتفيه فكني بهذه الكناية! وهو أمر مشكوك به لأن ذؤابتيه رافقتاه وهو صغير، وهو أمر شائع بل أنني اذكر في طفولتي طفلا في حيّنا له ما لأبي نواس ولم يُحلق له شعرُه إلا حين دخل المدرسة! والحكاية الاكثر قبولا هو أن أستاذه خلف الأحمر(ت 180ه) العالم بالأنساب قد توصل وتوسم أن نسب تلميذه يرجع الى أمراء اليمن المعروفين بكناهم كذي المنة وذي الحكمة فلقّبه بذي النواس، وحيث أن الكناية عند أهل العراق كانت ومازالت يعبر عنها ب" أبو" فذاعت كنايته حتى غدت شهرته وعنوانه؛ لذا فإنّ ما يكتبه البعض ب "أبو نؤاس" فهو خطأ واضح أتمنى أن يزول لنحفظ للشاعر كنايته الصحيحة وسندنا ما قاله شيخ المعرة في صدر هذا المقال. والغريب أن الخطأ فاشٍ عندنا في العراق!

ولو كان الخطأ من العامة لهان الأمر بل من الكتاب والصحفيين والأدباء والباحثين وإلا فالظلم من أحفاده مضاعف كقول ابن العبد (من الطويل):

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة - على المرء من وقع الحسام المهندِ

رقة شعر النواسي وسهولة انسياب المعاني وخفة ظلها كصاحبها، وموسيقاها على البحور القصيرة خاصة، جعلته ملك الشعر العباسي غير المتوج، فهو شاعر العصور كلها وملهم الشعراء، وقد حفظ اشعاره الظرفاء والمتندرون وغنى روائعه المطربون كفيروز" (من المقتضب):

حامل الهوى تعِبُ – يستخفه الطرب

كما غنى له المطرب العظيم يوسف عمر من النهاوند (البسيط):

والله ما شرقت شمسٌ ولا غربت- إلا وذكرك مقرون بأنفاسي

وسأفصّل ذلك في موضوع "الشعر والغناء".

 

ملاحظة: هذه مقالة مستلة من سلسلة : في ألقاب الشعراء والأدباء؛ مع بعض التغيير والأضافة خاصة في موضوع الذكريات.

 

رام كم هنغ 24/10 /2014


 

 

قراءة في نصّ : الورد وعبراتك لمادونا عسكر

خطيئة الوردة وقداسة الدّمعة .. وهم اللحظة وسحر الأبد ..

الورد وعبراتك ..

للورود بسمات تائهة، تتأرجح على وجنات الكون الرّحيب. تتدلّل على أعمدة الهياكل صباحاً وتنتقل راضية فرحة بين أيادي العاشقين، وما إن تهمس أول نجمة بحضورها، حتّى تسبل أهدابها على ذراع الليل ثم تغفو هانئة حالمة .. ما همّ إن ضحك الورد وعبراتك تمنحني الأبد.

جوري يعانق وريقاته هنا ويلهو، وياسمين هناك، على أثوابه يرقّ وينحني، وهنالك سوسن من جذور طيبه يتغذى ويكبر. بهيّة بسمات الورد تتبعثر في الأنحاء، وتهب السّحر والجمال للأنام. رقيقة ضحكاتها في عيون البشر، تبلسم حنينهم، تبدّد أحزانهم، وترفق بمشاعرهم. زاهية وهي تودّع أرضها لتجمع القلوب وتلطّف احتفالاتها.

قد يجاهر الورد بضحكاته ويتفاخر بسحره ورقّته. قد يتظاهر بالسّعادة والأيادي تلامس أعناقه وتسلبه حياته، وقد يغترّ إن سار امرؤ أيّاماً ليصل إلى قمّة عالياً ليقطفه، لكنّه يبتسم ويضحك حتّى لحظات الذّبول الأخير. وأمّا أنت، الهانئ في هيكلي، والممسك بأنفاس نبضي، اللّطيف الرّقيق، الحليم الشّفيق، تغدق عليّ بسمات قلبك ومن شدّة الفيض تدمع عيناك فيتراقص نداها على خيوط روحي.

للورد بسمات يوزّعها على الثّغور، وقلبه حائر قلق من غموض مصيره. ولي حبيب يزرع بسماته في نفسي، يقطر العبرات، فيسقيها ويرعاها. تنمو في قلبي غماماً أقحوانيّاً، أقطف منه فرحي، وأغرف سعادتي، ولا الفرح ينتهي ولا سعادتي تذوي.

الورد يبسم للبشر ثمّ يهوي ويغيب، وحبيبي من عمق فرحه يسكب الدّمع ليحييني.

الورد يزهو ليرحل ويهلك، وحبيبي يسعد ليحيا فيّ وأحيا فيه .. وأنا ماذا يهمّني إن ضحك الورد وبكت عينا حبيبي ..

 

القراءة

هذا نصّ "نثريّ" في شعريّة كثيفة ودراميّة حادّة .. بنته صاحبته على فكرة أساسيّة، تقابل من خلالها بين حبّين أو تصوّرين للحبّ:أحدهما حسّيّ لحظويّ، والآخر روحيّ مفتوح على الأبد .. ولذلك اختارت رمزين كبيرين انتشرا في كامل النص، ومنحا الشّاعرة النّاثرة أن تصوغ رؤيتها الكونيّة العميقة في الإنسان بين وهم اللّحظة وحقيقة الأبد .. فجاء النّصّ مسكونا بالتّوتّر الدرامي التّقابليّ من جهة وبالانسجام والهدوء واليقين من جهة ثانية .. والتّقابل بين الوردة والدّمعة هو البؤرة الدّلاليّة الجوهريّة الواصلة بين صورة الوردة /الجسد ومصيرها التراجيدي، ومسيرتها إلى الهاوية، وصورة الدمعة (الماء ..) تعبيرا عن الشوق والطّهر والقداسة والحبّ المجرّد من الحسّ، المتحرّر من وهم اللحظة العابرة مهما تكن آسرة غامرة ..

انطلاقا من هذا المعنى العامّ يبدو النص رمزيّا من حيث مقابلته بين عالمين: عالم الحسّ والفناء والعدم، وترمز له الوردة ، وعالم الرّوح والحبّ والأبد، وترمز له الدّمعة اختزالا لرؤية كونيّة شاملة بديلا عمّا يتأسس عليه الوجود الرّاهن .. ويمكن النّظر في الجانب الأوّل من النص، أي ذاك الذي ينبني على صورة الوردة، في ثلاث لحظات:

 

1) لحظة التّيه:

تتوسّع فيها الشّاعرة من خلال الحقلين المعجميّين للجمال والحسّ (تائهة .. يعانق .. يلهو .. يرقّ .. بهيّ .. رقيقة .. سحر .. جمال .. لطف ..) ..

وترسم الشّاعرة، بلطف تعبيريّ ظاهريّ وقسوة إيحائيّة صامتة، مشهدا يبحث فيه الإنسان عن المعنى في الحسّ، فيذهب في أقصى المتعة، مأخوذا بخيلاء الصّبا والجمال (للورود بسمات تائهة ..) عاقدا كرنفالات للحسّ ومحافل للجسد (وتنتقل راضية فرحة بين أيادي العاشقين ..) راضيا أن يؤسس وجوده على هذا المذهب، سعيدا بأن يقتات من الجسد ويبني " جنّته الأرضيّة .. " على أساس أبيقوريّ واثق من كونيّة الحسّ والإحساس وأبديّتهما، واصل بين النّهار واللّيل استغراقا في مباهج الطّبيعة وإشباعا لرغائب الحواسّ (.. وما إن تهمس أول نجمة بحضورها، حتّى تسبل أهدابها على ذراع الليل ثم تغفو هانئة حالمة ..) ..

وبتكثيف شعريّ إيحائيّ، يأخذ المشهد بعده الكونيّ، فيستحيل الوجود مهرجانا مفتوحا واحتفالا للمتعة وبها، يذكّرنا بالطقوس الوثنيّة الواصلة بين الجسد والعقيدة (بهيّة بسمات الورد تتبعثر في الأنحاء، وتهب السّحر والجمال للأنام. رقيقة ضحكاتها في عيون البشر، تبلسم حنينهم، تبدّد أحزانهم، وترفق بمشاعرهم. زاهية وهي تودّع أرضها لتجمع القلوب وتلطّف احتفالاتها ..) ..

تلك هي الوردة المرأة أو المرأة الوردة الجميلة المتجمّلة الفاتنة المفتتنة بذاتها، الحاضرة في الكون عبيرا وسحرا للحواسّ، المطيعة الرقيقة الرفيقة المواسية المستجيبة السّخيّة المنفتحة المتفتّحة الفاتحة حديقتها لكلّ زائر:

" أنا واللَه أصلح للمعالي .. وأَمشي مشيتي وأتيهُ تيها

أمكّنُ عاشقي من صحن خدّي .. وأعطي قُبلتي مَن يشتهيها .." (ولاّدة)

وهي من جهة أخرى لاهية لعوب عابثة بالقلوب متمنّعة سعيدة بالعذاب في سبيل الفوز برضاها .. ("وقد يغترّ إن سار امرؤ أيّاماً ليصل إلى قمّة عالياً ليقطفه ..") ..

تلك هي صورة الورد كما رسمتها الشّاعرة وحمّلتها شتّى الدّلالات المتظافرة حول فلسفة " اغتنام اللّحظة" وتكريسا لنظرة أفروديتيّة تحتفي بالجسد والشّباب والجمال، تبحث عن السعادة في الحسّ، تنشد الحبّ في انتهاز اللّحظة الحاضرة هروبا من الوحدة المتربّصة .. وتتناسى الوردة أنّها لعبة تلهو بها الأيادي، وتذبلها ثم ترمي بها، وما عمر الوردة، أو وردة العمر، أو الوردة المرأة إلاّ لحظة بين إصباح وإمساء ..

 

2) لحظة القلق:

ليس القلق حالة لاحقة تعقب ما بدا في طور سابق من سعادة وانسجام مع " نظام الوجود "، وإنما هو شعور كامن في النّفس، تحجبه الزّينة، ويغمره العطر (قد يجاهر الورد بضحكاته ويتفاخر بسحره ورقّته. قد يتظاهر بالسّعادة ..) وهذا من لطيف ما تعبّر به الشّاعرة عن إشفاقها على الإنسان، خصوصا في العصر الرّاهن الذي استحال فيه " وردة اصطناعيّة" بلاستيكيّة بلا روح، ليس لها من دور سوى حجب الحقيقة والظهور بمظهر الجمال الزّائف والسّعادة المفتعلة .. لذلك تتوغّل الشّاعرة في عمق هذا الكائن العجيب في كذبه وزيفه وتبنّيه الأجوف لقيم الحبّ والجمال، وضحكه التراجيديّ المغالب للموت والمنذر بالنهاية الفاجعة .. وذاك هو الوجه الذي تكشفه في إشفاق وقسوة، رافضة المغالطة الكونيّة الكبرى، مشهّرة بامتهان الإنسان للإنسان ولذاته، متعفّفة عن المشاركة في قتل الإنسان باسم الحبّ والجمال، واصلة بين القلق والمصير الفاجع (وقلبه حائر قلق من غموض مصيره ..) ..

 

3) لحظة الموت:

هي لحظة الفاجعة التي كانت مقوّماتها كامنة في سلوك "الورد المغرور" المزهوّ بنزوع اللّحظة ، غير المقدّر لهشاشة الأساس الذي ابنى عليه السّلوك، واللاّمبالي بضعف المفاهيم التي اتّخذت قواعد لنظام الوجود الإنسانيّ، خصوصا ما تعلّق منها بالحبّ باعتباره قيمة مركزيّة ..

هكذا تكون "لحظات الذّبول الأخير .. "لحظات الوعي الفاجع بالمأساة والموت المتربّص، وتتجلّى صورة "الوردة الذّاوية" إعلانا عن موت الإنسان وقد ضلّ السّبيل، وتوهّم أنّه يملك مفاتيح الحبّ والسّعادة، ففتح أبواب العدم ..

وهكذا تكون الشّاعرة قد اختزلت الإنسان (الابن الضّالّ) في الخطايا الثّلاث الكبرى (التّيه غرورا وصلفا وبناء للوجود على أساس ضعيف هشّ، والقلق دودا ينخر الكيان، والموت إفناء حكم به الإنسان على نفسه وهو يعلم سبيل الخلود والسعادة الحقّ والحبّ الكامل، لكنّه يضعف ويجحد ويكابر ويعاند ..

لكلّ ذلك تحلّ "الدّمعة " محلّ " الوردة" في رهان الشّاعرة في سبيل السّعادة والحبّ .. وليس رفضها لمذهب "الورد" إلا رفضا لكلّ ما هو محكوم بقوانين الزّمانيّة والنّسبيّة والصّيرورة والفناء والموت

(ما همّ إن ضحك الورد ..) فليست هي ممّن تحرّكهنّ المباهج الصّغيرة النّاقصة الآيلة إلى الفراغ وتجّدد الرّغبة بلا طائل، ولئن كانت في تواصل مع العالم، فهي ترى حدوده ووجوه القصور والوهن في أسسه وقيمه السّائدة ..

لذلك تنصرف بكلّيتها إلى ما ترى العالم عنه لاهيا منصرفا، إلى من يمنحها الأبد، وينجو بها ومعها من أتون الخيبة والعدم، فينشأ "نصّ الحبّ والحياة والأبد " بديلا عن "نصّ الزّيف والفناء والعدم" وينساب خطاب مناجاة واحتفال وابتهال وفرح يبدّد ما ران من رثاء وحزن (وأمّا أنت، الهانئ في هيكلي، والممسك بأنفاس نبضي، اللّطيف الرّقيق، الحليم الشّفيق، تغدق عليّ بسمات قلبك ومن شدّة الفيض تدمع عينيك فيتراقص نداها على خيوط روحي ..) وليس الدّمع بهذا المعنى سوى اللغة البديل تعبيرا عن فيض الحبّ وعظمة الشّوق وسخاء القلب يقول حبّه بأوّل الوسائل قبل أن يكون الصّوت ويتقطّع كلمات ورموزا ..

وهكذا يكون الضحك عنوانا للشّقاء والغباء والفراغ، ويكون البكاء عنوانا للامتلاء والشوق والطّهر ، وتكون الدّموع في منطق النّصّ الماء الحيّ المحيي الواهب مطلق السّعادة وكمال الحبّ :

(ولي حبيب يزرع بسماته في نفسي، يقطر العبرات، فيسقيها ويرعاها. تنمو في قلبي غماماً أقحوانيّاً، أقطف منه فرحي، وأغرف سعادتي، ..) ..

وبين ورد يضحك إغواء وتيها وضلالا وحجبا للهوّة الرّهيبة وتأسيسا للكيان على الفراغ والعدم، والدّمع يهمي غيثا محييا ما هو أصيل في ذات إنسانيّة رفيعة العنصر جديرة بأرقى المقامات وأرقى الدّرجات، وبالفرح الكامل والسّعادة المطلقة (ولا الفرح ينتهي ولا سعادتي تذوي ..) بنت الشّاعرة رؤيتها للعالم معاينة لموطن الهشاشة والوهن فيه، وتبيانا لسبيل النّجاة ..

"أوفيليا" رأت الموت في الزّهر وكانت قد ظنّت فيه البقاء وتمام الحبّ والجمال، فاختارت الموت والرّحيل رفضا للمصير المأسويّ .. إلاّ أنّ سبيل الشّاعرة كانت غير هذه السّبيل، لأنّها كانت محلّ عناية الحبّ الذي منحها الاهتداء إلى سبيل الخلاص والنّجاة واجتناب الهاوية (الورد يزهو ليرحل ويهلك، وحبيبي يسعد ليحيا فيّ وأحيا فيه ..) ..

والشّاعرة رأت في البكاء الطريق إلى الأبد .. لأنّها من طينة العارفين، مثل " أنسي " إذ يقول :

" تقولين البُكاء يَغمر كالضمّة.

تعالي .. سأكون أنا البكاءَ إلى الأبد .. "

أنا نبية هذا العصر الألكتروني المقيت فهل من مؤمنين؟

hamid lafta(أعشقني) من اجل حياة (البعد الخامس)

(اعشقني) رواية الاديبة الاردنية الدكتورة سناء الشعلان الصادرة عن مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع ط1 2012.

(تستطيع ان تركلني بقدر ما تشاء ان كنت حانقا علي ولكن ذلك لن يغيير شيئا من حقيقة انني أ...عْ...شَ...قُ...ن...ي).

 

وقفة عند (أَعشقنــــي).

للعنوان أهمية كبيرة قال فيه النقاد الكثير، من حيث دلالته الخاصة بالمنتج الادبي او الثقافي او الفكري عموما، يجب ان يعطيه الكاتب اهمية مميزة، بحيث يكون:-

ممتليء بدلالته من حيث المعنى ومضمون متن المنتج،عبر مايمكن ان يثيره في وعي ولا وعي القاريء ناهيك عن الدارس والناقد، اعتمادا على خزينه الثقافي والفكري، ومقدار رصيد العنوان من هذا الخزين للمتلقي ...

فلو اننا جردنا عنوان رواية (أَعْشُقُني) من حركاتها .. لدخلنا في حيز تعدد المعنى الموحى به للمتلقي، ومنها ان يكون امرا بالعشق لو كسرنا حرف الاليف، وهو بعيد عن مضمون عنوان الرواية، هو اعلان صريح واضح عن عشق وحب الذات المبني على التفكر والتدبر والقناعة الذاتية بعيدا عن كل كوابح الارتهانات الحياتية .. وهنا تؤشر لناالرواية اهمية تكامل العلم والروح، العلم المتجسد برأس (باسل المهري)، والروح الممثلة بجسد (شمس) الثائرة المتمردة (نبية) العصر رمز الحرية والسلام ونواميس الروح، حلم الانسانية الذي يجمع بين التقدم العلمي ليكون في خدمة الانسان امنه رفاهه، غناه الروحي، متعته وليس عبوديته للالة وسلعة تباع وتشترى في سوق السلع الراسمالية المجرد من الروح والاحساس والمشاعر كأي الة اخرى في مصانع البضائع ......

لذلك نرى ان الكاتبة الشعلان كانت موفقة وفطنة في اختيار عنوان روايتها الرائعة ....

 

التقدم التكنلوجي سيف ذو حدين:

رواية ( اعشقني) هي احدى روايات الخيال العلمي المرتابة من تقدمه المذهل دون ضوابط، تعالج افرازات التقدم العلمي والتقني الذي فاق التصور في عصرنا واثره على الحياة الفكرية والثقافية والروحية للانسان ومن سيخدم من؟؟ هل سيكون الانسان برغي ضمن هذه الالات الذكية ؟؟ او ستكون هذه الآلة الفائقة الذكاء في خدمة خالقها الانسان، وهو القادر الوحيد على خلق وسائل تقدمه واستمراره وانتاج قوته؟؟

الرواية تستشرف المستقبل البشري حتى عام 3010 أي بعد مايقارب الالف عام من يومنا هذا ........

كتب الكثير من الادباء قصصا وروايات تهتم بمعالجة هذه الاشكالية كل من وجهة نظره وفلسفته، ورؤاه للتقدم المستقبلي للعلوم والمعرفة، ومنها مثلا رواية (فرنكنشتاين) لميلر ومحاولة مناظرتها من قبل الكاتب العراقي المبدع احمد سعداوي في ( فرنكنشتاين في بغداد)....

رواية (اعشقني) تعيد الى ذاكرتي رواية الاديب العراقي الدكتور عبد الهادي الفرطوسي(الزمن الحديدي) حيث تخشبت مشاعر الانسان وماتت احاسيسه الفنية والروحية ..

منذ الثورة الصناعية في اوربا اخذت التكنولوجيا تتطور بقفزات كبيرة كانت مجرد احلام الانسان الطامح في حياة افضل واسهل واكمل .....

هذا التطور الهائل اصبح معصرة عملاقة تعتصر زمن وحياة وروح الانسان ليصب مزيدا من الثروة في جيوب سلاطين الراسمال من الطبقة الراسمالية صاحبة مبدء الربح ثم الربح دون رحمة او شفقة (358 ملياردير في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه 40 مليار من سكان المعمورة أي ما يزيد قليلا على نصف سكان العالم).... وبغض النظر عن النتائج المترتبة عن الاستغلال المتوحش للثروات الطبعية وخراب الطاقة البشرية، وخراب وتلوث البيئة، واستعباد الانسان فكريا وجسديا ليكون خادما مطيعا في منظومة الانتاج الراسمالي العملاقة، وهذا ما يعيشه الانسان في واقع العولمة الراسمالية المتوحشة في العصر الراهن كما يقول انجلز:-

(ان العمل المأجور لا يمكن ان يفسر الا على اعتباره شكلا مخففا من التهام اللحم البشري) دور العنف في التاريخ –انجلز ص 48

فما هو حاله ان استمر الوضع على ما هو عليه بعد الف عام مثلا ....؟؟؟؟؟؟؟؟

هل هذا الوصف هو القدر المحتوم والوجه البشع الحتمي للتقدم العلمي بالنسبة للانسان؟؟

ام ان هناك طريق تطور اخر مناقض تماما لهذا الوجه البشع، يبشر بالسعادة والرفاه وغنى الروح وازدهار الجسد يوفرها التقدم العلمي الهادف لخدمة الانسان باعتباره (اثمن رأس مال في العالم)، فيكون العمل متعة روحية وتفتح للعقل وقوة ورياضة للبدن، يكون كما اللعب بالنسبة للانسان، حيث يمارسه بشغف وحب وابداع ضمن منافسة حرة بعيدة عن الكسب المادي، يعيش الانسان غناه الفكري والروحي عبر وفرة انتاجية هائلة تقضي على احكام الضرورة لتؤمن حيز الحرية الحقيقية للانسان، عبر توفر وسائل الراحة والمتعة كالسكن والتعليم ووسائل الترفيه وممارسة الهوايات المفضلة، اضافة لاوقات التامل الفكري متصاعدة طرديا مع التطور التقني، لتتفتح وتزدهر قواه الروحية والنفسية ..... هذا الحلم الانساني الذي تبشر فيه القوى والافكار والفلسفات الداعية الى المساواة بين البشر عبر شكل من اشكال النظام الاشتراكي العالمي باعتباره الحيز الاجمل والاضمن للحرية الانسانية، مما يشكل ردا قويا على وحشية واستلاب واغتراب الانسان في ظل النظم الراسمالية، ليكون امل الانسان في عالم العدل والسلام والتقدم العلمي بعيدا عن النظرة الرجعية التشاؤومية والمناهضة للتطور باعتباره وحش متجبر متعطش للمزيد من العرق والدم والكدح والعذاب والجوع للانسان في سباق التنافس الوحشي الهمجي المسعور لاقطاب الشركات الرأسمالية احتكارية عابرة القارات والمحيطات،

للاسف الشديد غاب هذا الخيار الانساني للتقدم البشري عن الكثير من الكتابات الادبية والروائية في نقدها لواقع الراسمالية ومسخها للانسان وخرابها للبيئة وتهديها بالدمار الشامل للكرة الارضية .....

( ليس الإنسان بذلك الشخص العقلاني وحسب...، بل العاطفي أيضا أن مجتمعا غنيا، بالمعنى الصحيح للكلمة لابد وان يأخذ في يد مواطنيه لتطوير مواهبهم العاطفية،والفنية،بحيث يعبرون عن ذواتهم، وما يجول في خواطرهم، بالشعر،بالفكر،....،بالفن.. فالثروة توزن بميزان الوقت الحر، وليس الوقت المشغول بالعمل. فكما قال ماركس ....) ج.فولكوف الانسان والتحدي التكنولوجي(ص144) –ترجمة سامي كعكي دار الطليعة.

ففي رواية (الزمن الحديدي ) يرى الكاتب الخلاص في الفن والموسيقى الكفيلة بعودة روح الانسان .. اما ماري شيلي فاثبتت تهور الانسان الذي حاول تحدي خالقه عبر التطور العلمي حيث اصبح اسيرا ل(مسخه) مخلوقه الخارق، مما ادى الى فاجعة بموت الخالق وانتحار المخلوق بعد ان ازهق المسخ ارواح العديد من الابرياء .......

اما د. الشعلان فكانت محاولتها اكثر عقلانية وذلك بمحاولة خلق حالة من التوافق والانسجام بين العلم والروح وان كانت ولادة الجنين ستكون على سطح القمر، مؤكدة الايمان بقوة الحب (البعد الخامس) وكانها تؤكد مقولة الحكماء (أحب لاخيك ما تحب لنفسك )... والتبشير بولادة جنين يمتلك روح وقيم الانسان ماقبل هيمنة قيم الالة والاتمتة وتسليع الانسان ومسخه وعقل العلم مما نتج عنه مخلوقا عالما بروح انسان الحب والرقة والجمال ...

جلسة حوار مع (زعيمة حزب الحياة الممنوع ):_

(أنا نبية العصر الحب معجزتي فهل من مؤمنين؟؟)

هذا ما نسمعه من ( شمس):-

(تلك العنيدة القادمة من غياهب الزنزانات الانفرادية في معتقلاتها السياسية في اقاص كوكب المجرة تترجل عن صهوة كبريائها ورفضها وصمودها بعد طول عناد، وتلفظ انفاسها الاخيرة على ايدي جلاديها دون ان تتراجع عن أي موقف سياسي او عن رأي لها معارض لسياسة حكومة درب التبانة ) ص14.

اعلاه مواصفات بطلة رواية (اعشقني) المدعوة (شمس)، انه أسم على مسمى حيث الاحالة على معنى الحرية، الحياة، العدالة، الدفيء... فلولا الشمس لما كانت الحياة فلا حياة بلا شمس، لاحياة بدون الانثى معنى الخصب والنماء والمشاعر الانسانية والرقة، وعاء استمرار وتواصل الحياة في هذا الكون .. كما انها (نبية) بعد ان غاب وانتهى عصر النبوة .. نعم انها نبية وداعية لقيم الحياة للانسانية لعودة الروح ولكنها بالتأكيد ليس تجديدا ولا تقليدا ل(سجاح) رفيقة مسيلمة.......

هذه (الشمس) زعيمة حزب الحياة الممنوعة من قبل سلطة الالكترون، الالة الصماء المجردة من كل المشاعر والاحاسيس الانسانية في عالم الكتروني

( فراغ متسع من الخواء، كله برود واضطهاد وظلم، ويعج بالاسمنت والزجاج والمعدن، وخنقه المسافات الشاسعة التي قربتها وسائل الاتصال، وعلت الانسان فيه عبدا للتحكم الالكتروني المبرمج حيث لامكان للهرب والفردية او الابداع الشخصي او المشاعر او الانعتاق او الاستقلالية ......) ص92 .

هذه (الشمس) التي اختارت الحبيب (خالد الاشهل) وليس (مسيلمة) ليكون الاب الحقيقي لـ (ورد) ابنتها عبر تواصل جسدي يسبح في بحر من القبلات وممارسات الغرام الحقيقي، رغم ان لها زوج عبر علاقة زواج تقليدية بدت غير لائقة ولا مناسبة ل (الشمس) معنى الحرية والتجاوز، هنا تطرح الكاتبة موضوعا هاما غاية في الجرأة والتجاوز حول مفهوم العلاقات الغرامية بين الرجل والمرأة وهي دعوة لتكون نتاج تفاهم وحب وانسجام وفق مدار ومسار (البعد الخامس)

(انا زوجة لبيرق نوفل الاشقر، ولكني لست زوجته، بل انا صفقة من صفقاته الناجحة التي يبرمها بكل ذكاء وحنكة مشهودة له) ص132.، مؤشرة الى كون اغلب العلاقات الزوجية فيه عبارة عن عملية بيع وشراء مصادق عليه بورقة رسمية وشرعية في ظل نظام اقتصادي اجتماعي سياسي محدد، رغم انها لاتعدو ان تكون شاهد قهر مجتمعي لبغاء مشرعن غالبا ما تكون المرأة ضحيته .... ومن هنا اتت تسمية (خالد) فالخالد هو الحبيب المختار بمحض الارادة الحرة والحب الصادق ....

وكذا هو النظر الى الابناء في المجتمع الرأسمالي وفق مقياس الربح والخسارة يذكر الكاتب صائب خليل:-

(يثير الكتاب الرأسمالي القيم "مستقبل الرأسمالية" مشكلة الأطفال في الرأسمالية، فيناقش الطفل كمشروع اقتصادي فاشل وكثير الكلفة) صائب خليل موقع الناس في 2\6\2009.

اما (ورد) هذا الجنين الموعود صلة الوصل بين ماض انساني يراد له ان ينقرض وعالم الالكترون المبني على معادلات رياضية وخيارات تقنية ضمن وصفات لا تعرف الجنس ولا الحب ولا التواصل بين البشر

(استحدث مراكز التنمية الاخلاقية الالكترونية، وسائل تواصل جسدية الكترونية وادوات تناكح مخبرية لاتعرف التواصل الجسدي المحض، وتكفل توفير الاجنة عبر بنوك الاجنة المخلقة وفق قوائم محددة محددة ومتنوعة الاسعار والمواصفات....) ص34.

فكان اختيار اسم (ورد) اختيارا موفقا من حيث دلالته كونه صلة الوصل لانسان المشاعر والاحساس وتذكيرا باسم (الورد) الذي انقرض في عالم الالكترون بعد ان اقفرت الارض من كل انواع النباتات !!!!

(انقرض الغطاء النباتي منذ مئات السنين من كوكب الارض، ولولا عمليات الاستنساخ الطويلة لما عادت كلمة شجرة الى قاموس البشرية المعاصرة) ص71.

وبذلك تصحرت الطبيعة وتصحرت الروح فدخل الكوكب في عالم الخواء،فان لم يكن العلم في خدمة الانسان ستذهب البشرية الى الى الهاوية ....

تتجول سناء الشعلان بحرية وجرأة في مذكرات (شمس) عبر حزمتها الالكترونية الضوئية ..لتجمع من خلال روايتها بين غرضين:-

الاول :- كشف استلاب واغتراب وقتل روح الانسان في عالم تطغى عليه التكنولوجيا وعالم الالكترون كما ترى ذلك في حاضر ومستقبل الراسمالية....وتدعو الى عودة القيم الروحية للانسان وتحرره من هيمنة الالة .

الثاني:- استطاعت من خلال رسائل خالد وحواريتها معه ان تستعرض مفاهيمها، ونظرتها الفلسفية في مختلف مناحي الحياة الانسانية .... وسنرافقها في تجاولها هذا لنلقي الضوء على اغلب هذه اراء ووجهات النظر وان بشكل موجز لضيق حيز المقال:-

قول في الشَـــــــــــــعْر:-

(... لكنها هي دون النساء من تملك شعرا غابة، طوله يتجاوز طولهما، فيسعى وراءها على الارض، عندما نام في حضنها التف شعرها على جسديهما ووهبهما شرنقة عشق دافئة حريرية، ليلتها ادرك ان صاحبة الشعر الطويل هي اقوى امرأة في مملكته، فتزوها من ساعتها ونعم بفردوس شعرها ) ص133.

هنا ترى الكاتبة ان شعر المرأة هو تاجها الاجمل، صاحبة الشعر الاطول هي الافضل، وهي المختارة المحبوبة من قبل الرجل، الشعر فاق السحر والقوة والثروة، انه العلامة المميزة للمرأة الاكمل والاجمل ....وكم تغنى الشعراء والعشاق بشعر المرأة الحبيبة والمعشوقة.....

قول في الجنـــــــــــــس :-

(لاقيمة للحياة دون الجنس، ولا جدوى للذكورة والانوثة دون فعل التواصل الجنسي الكامل ) ص95.

(الجنس صلاة في ملكوت العراء، خشوع في سماوية الشهيق المندى بالقبل المضمخة بارج النشوة .. عبادة بدائية شهية .. وانما الجنس قبلة والقبلة قبلة قبلة، فضاؤها شفتان ورديتان برياتان ..)191.

بجرأة غير معهودة للمرأة العربية والشرقية والتابو المفروض اجتماعيا على المرأة وحراجة الحديث في الجنس حتى في مجالسهن الخاصة، انها جرأة مطلوبة من المرأة العربية المثقفة وحق من حقوقها في الاعراب عن مشاعرها في امور تخص اخص خصوصياتها الحياتية، وصف دال على رفعة الذوق واختمار التجربة ... رغم ان الكاتبة تتحدث بلسان (شمس) ان يكون لهما جنين دون ممارسة الجنس(اخاف الجنس، واراه سكينا مرعبة قد تقسم المرأة قسمين) في حين يرى خالد( ان الجنس وحده يلملم المراة) ص206

قول في الله والايمــــــــان :-

(الله، انه تلك القوة التي تملأ عليك الظلمات نورا، وتشعرك بان هناك قوة خفية ترعاك، وتدعمك...) ص105.

الكاتبة هنا تميط اللثام عن ايمانها بالله وبالمافوق وتراه امرا لايتناقض مع التطور العلمي للانسان، فمهما بلغ الانسان من التطور العلمي والتقني وكشف مغاليق العالم يظل رغم ذلك بحاجة الى قوة روحية يسكن اليها في حالات ضنكه ووحدته خصوصا في عالم يفتقد للامن والامان والتضامن والتكاتف بين بني البشر، ولازال الغموض والعجز يكتنف الكثير من الظواهر والاحداث في الطبيعة والمجتمع ....الافلات من التشيوء في عالم بلا روح فان المتحكم في نظام الرأسمالية هو الأشياء كما يقول اريك فروم

:-

 

(القوة اليوم للأشياء... الأشياء التي تحكم الإنسان وتسوده) اريك فروم –فن الاصغاء- ص193.

 

قول في البــــــــــــــكاء :-

(ابكي يا ورد.. لانني عاشقة، فوحده العشق هو مايستحق نشوة البكاء، وشهقاته، ودواره، وطعمه المالح الرخو، العشق هو من يردنا اطفالا عاجزين لا نتقن غير حياة البكاء التي تمللك بامتياز ان تمسح الغبار عن انسانيتنا المتخفية خلف اقنعة الوجود) ص139.

يبدو تعريفا غريبا للبكاء دلالة الالم ودلالالة منتهى الفرح، وهنا تعرفه الكاتبة دلالة العشق، حيث يكون البكاء العشقي نشوة وشهقة، تمسح عنا غبار انسانياتنا المقنعة المستترة خلف اقنعة واقع حياتي مزيف .

 

قول في القبـــــــلة:-

القبلة هذه الممارسة الانسانية التي اتقنها الانسان ان لم نقل تفرد بها دون المخلوقات الاخرى، للدلالة على حميمية العلاقة بين حبيبين او صديقين، كم هي مؤثرة مشاهد مثل هذه اللقاءات، بين عشيقين، او اب وولده بعد غياب او فراق طويل .......

(القبلة قبلة العالم وصوت ملاك يزغرد في الغابات، اقبلك كي ارسم بشفتي حكاية بلون الشبق والمستقبل، ان تتعانق الشفاه هي لحظة ينتهي فيها الحكي... القبلة فضاء لارتكاب فضيحة اسمها اللحظة المقدسة....القبلة فضيحة تعري فراغ الكلمات)ص190 .

تحلق الكاتبة باجنحة الجمال لتسبح في فضاء القبلة، بلغة شعرية باذخة الجمال والدلالة .......

 

قول في الخيانــــــــــــــــــة:-

(الخيانة قضية كبرى ياشمس، هي من القضايا التي تؤثر على ضغطي الدموي:-هل من حقي ان احب امراة رجل آخر حبا روحانيا؟؟؟

هل الحب خيانة؟؟) 196

هنا تثار اسئلة ربما يغفل عنها اغلبنا رجالا ا و نساء وهو يحب (ملك) الغير ويتعدى على خصوصياته ولو كان ذلك ضمن المشتهى وليس المفعول به او الفاعل.....

يرد هنا الكثير من الحوار والتفكر في اسباب ذلك وما هي ظروف دفع الانسان لسد فراغ روحي وعاطفي خارج (المشروع) و (المشرعن).....لندخل في تفكر طبيعة المجتمع الثقافية والفكرية والاقتصادية وطبيعة (الكونفورميا الاجتماعية ) السائدة .

 

الترويض والاندماج وفك اقفال الازدواجية :-

(ان هذا اليوم جمع اشتات كل كل المتناقضات، ففيه امنت بالله ربا وحقيقة، وبالنبية هادية وسيدة كلمة، وفيه طويت آخر صفحة مما كتبت النبية، ومنه دلفت الى انوثتي المذكرة او الى ذكورتي المؤتثة او الى نفسي الخنثى التي تجمع كل اعضاء الخلق وادوات الوجود) ص165

( اليوم رضيت بجسدنا مآلا، وصالحته بعد طول خصام وجفاء، وقبلت وجنتيه في المرآة)ص166.

بعد طول معاناة ورفض واشمئزار وقرف وحيرة والشعور بالدونية من قبل (باسل المهري) الذي تم تركيب راسه على جسد (شمس) المرأة المقتولة تعذيباً، حيث اكتشف فقدان عضوه الذكري الذي كان يستمتع بتمسيده تمريغه واذا به يصدم بأختفائه

( لقد اختفى العضو، تحسس مكانه برعب وتوتر، فتاكد من فقدانه مخلفا وراءه تجويفا ناعما غريبا له اطراف واشفار تذكره بالشكل المنفر للجزء السفلي من جسد زوجته .....)ص35

هنا يثار سؤال حول وصف قبح الجزء السفلي للمرأة رغم انه محل الرغبة ومنبع الحياة والتواصل واكثر اعضاء المرأة اثارة، فهل ترى الكاتبة ان الرجل ينفر من هذا الجزء من جسد المرأة؟؟؟

كاشفة مدى تعلق الرجل بعضوه التناسلي باعتباره من اهم اعضاءه:-

(كل المشاعر الجميلة والانتصارات الماجدة عاجزة عن ان تعوضه في هذه اللحظة عن عضوه الجميل..) ص36.

ثم اكتشافه انتفاخ بطنه علامة الحمل ب (ورد)وكأنه يتفاجيء بهذا الانتفاخ رغم انه كان موجودا بعمر 14 يوما منذ ان اجريت له عملية وصل الراس بالجسد واخذ ينمو حتى بلغ شهره الحادي عشر..!!!! في فترة حمل غير مسبوقة في الحمل البشري.. قبل ولادته على سطح القمر

تعرف (باسل المهري) على شمس من خلال قرائته ليومياتها وتعرفه على افكارها وفلسفتها في الحياة، واكتشافه عظمة وقوة وجمال جسدها، فاخذ يقترب منها شيئا فشيئا الى درجة التماهي معها فكريا وجسديا،ومن ثم التمسك بالاحتفاظ بواقعه الجسدي الجديد، راس رجل بجسد امراة رافضا اجهاض الجنين او تبديل جسده بجسد رجل ........

انه دلالة انتصار التوافق والانسجام والتكامل بين الجنسين في جنس غير مسبوق في تاريخ البشرية، استطاع ان يوائم ويواشج بين العلم والروح، الواعد بولادة جنين التواصل الانساني في عصر الالكترون وطغيان الالة ...

تتحدث الكاتبة عبر استعراض يومياتها ورسائل خالد حول الكثير من الظواهر والاشكاليات المعاشة في الواقع الحاضر والمستقبل، مفسرة، او مستنكرة، مؤيدة او رافضة للعديد من السلوكيات او الممارسات في عالم خال من الروح .....

ورد التباس في اسم العالم (باسل المهري)ص32 وبين (باسم المهري)ص42. نظنه خطأ مطبعي والتشابه بين الاسمين ....

وظفت الكاتبة لغة شعرية جميلة عبر رسائل الحب الغرام المختومة ب(اشتهيك) علامة اشتهاء الجسد للجسد، كما انها احكمت الحبكة السردية ووحدة الموضوع، وكانت حاذقة في دمج راس الرجل العالم بجسد وروح المرأة المتمردة . بمعنى تكامل العلم والروح من خلال تكامل فكر وعمل الذكر والانثى .....

استطاعت الاديبة المبدعة ان تشرك اكثر من راوي ( شمس) عبر حزمتها الضوئية، (باسل المهري) وحواره مع ذاته ومع الجنين (ورد)،( خالد الاشهل) الحبيب والعشيق الاب البايلوجي للجنين ..... تخلص الاديبة المبدعة الى حتمية انتصار ارادة الانسان على ارادة الآلة، رغم انها تبدو لاتمتلك البديل العلمي والعملي لفجاجة هيمنة ثقافة الانسان الالي وقد تحدثنا عن هذا الامر انفا .....

رغم ان فكرة الرواية لم تكن جديدة، ولكن ربما طريقة العرض وعملية الدمج تحمل الكثير من الاصالة، ومعالجة لا تقل أهمية من الاستلاب العلمي ألا وهو حالة التمييز على اساس الجنس بين الرجل والمرأة، والقاء الضوء على ردة الفعل والجانب النفسي والبيايلوجي لتبادل الادوار.

 

في الختام لايسعنا الا ان نقول ل(شمس):-

أشهد أنك (نبية) العصر، أشهد أنك حاضنة روح العالم، فاقبلينا ضمن انصارك المكافحين من اجل عالم الحب والجمال والأمل ............

تحياتي وتقديري للمبدعة الأديبة القديرة الدكتورة سناء الشعلان، وشكرنا الجزيل لاهدائنا هذه الجوهرة الرائعة من سلسلة جواهرها الادبية والفكرية وهي تثري المكتبة العربية بنتاجها الثر .....

شخصيات رواية "الفضيلة تنتصر" للشهيّدة بنت الهدى .. دراسة في البنية السّرديّة

ali husanalhasaniتعد الشخصية ركناً مهماً من أركان العمل السرديّ، وواحداً من عناصره الأساسيّة، تتجلى عبر أفعالها الأحداث وتتضح الأفكار وتتخلق من خلال شبكة علاقاتها حياة خاصة تكون مادة هذا العمل، فهي تمثل (العنصر الوحيد الذي تتقاطع عنده كافة العناصر الشكليّة الأخرى بما فيها الإحداثيات الزمانيّة والمكانيّة الضروريّة) (1). التي لا يستطيع العمل التعبير عن مفهوماته عن مصير الإنسان وتحولات تجاربه إلا من خلالها، وهي تضطلع بادوار مؤثرة مؤدية (مختلف الأفعال التي تترابط وتتكامل في مجرى الحكي) (2). إن تشكل نسيج السرد واتصال حلقاته معقود إلى درجة كبيرة بما يميز شخصياته من نشاط وما ينم عنها من أفعال وحوارات تتباين بتباين محمولاتها واختلاف مواقعها ومستوياتها، معبرة بذلك عن تباين عالم العمل السرديّ وتعدد مستوياته وعدم خضوعه لمقولات أو حقائق تعجز معها الشخصية أن تنمي حدثاً أو تدير صراعاً أو تنشئ حواراً وهي تقيم جدل علاقاتها مع سواها من الشخصيات، ومع عناصر العمل السرديّ الأخرى.

وبالنظر لأهمية الشخصية وخصوصية دورها فقد استقطبت الكثير من العناية النقديّة على اختلاف مراحل واتجاهات العمل السرديّ، والروائيّ منه بخاصة، إلى الدرجة التي يمكن معها تعيين سمات كلّ مرحلة تبعاً لما تقيمه من صلة مع الشخصية وما تعبر عنه من فهم لها وهي تشكل علاقاتها مع الواقع، التي بقيت – هذه العلاقة – مركز الوعي النقديّ في استيعاب فاعلية الشخصية وتحديد ما تتميز به من ملامح وسمات في استجابتها بـ (ازدواجيّة السياق) وهي (تقدم عالماً متخيلاً في شئ من العلاقة المكتسبة مع عالمنا التجريبيّ) (3) ثابتاً لعلاقتها مع الواقع أو تستجيب بصورة محددة منه، إذ إنّنا نكون بمواجهة نوعين من التصورات النقديّة تشكلها حساسية هذه العلاقة وفاعلية حركتها داخل النص الأدبيّ وخارجه، ويقتضيها نوعان من الوعي يتوجه الأول داخل النص الأدبيّ وخارجه، ويقتضيها نوعان من الوعي يتوجه الأول منها لفحص النص الأدبيّ في ضوء ما هو خارجي، تاريخياً كان، أو نفسياً أو اجتماعياً، فيما يتوجه الثاني لفحص النص بوصفه كلاً متكاملاً يستمد حياته ويشكله حضوره مما تمنحه اللغة من فاعلية، إنهما التصور (ما قبل البنيويّ) و (البنيويّ) (4)، يخلط الأول بين مفهومي (الشخص)، و (الشخصية) ويحدد الثاني فهماً خاصاً لـ (الشخصية)، فقد سعى الأول طويلاً لتجسيد الإنسان كما هو موجود في الواقع، وبالطريقة التي يكون بها نتاج ظاهرة اجتماعية تسهم بتشكيلها مكونات متعددة وتتأسس على تصور ثقافي وأيدلوجيّ فيما عمل الثاني على النظر إلى الشخصية بوصفها معطى من معطيات العمل الأدبيّ وواحداً من أهم عناصره وأكثرها تمييزاً (مما جعل مفهومها تخيلياً لسانيّاً، فهو تخيلي لان الشخصية تخلق بواسطة الخيال الإبداعيّ الروائيّ وهو لسانيّ لان اللغة هي تجسد الشخصية المبدعة) (5)، وقد حافظ المجتمع على أهمية دوره في إنتاج (الشخص/الشخصية) وهي تستمد مقومات وجودها وسماتها من واقع خارجي يُعد العمل السردي معه تأريخاً لتحولاتها أو توثيقاً لصراعها مع قوى مختلفة، فيما مثلت اللغة المادة الأساس لتكون (الشخصية) وهي تدير صراعاً ضمن واقع نصي تتجلى فيه سماتها وتنتظم مقوماتها التي تميزها عن سواها من الشخصيات.

فشخصيات القصة أو أبطالها هم الذين تدور حولهم الأحداث، أو هم الذين يفعلون الأحداث ويؤدونها، وشخصية كل إنسان مشتقة من عناصر أساسيّة هي مولده وبيئته وسلوكه . والظروف التي تعترض طريقه. ولكل إنسان بصفة عامة صورتان لشخصيته صورة عامة وهي الظاهرة والمعروفة لدى الناس جميعاً، وصورة لا تظهر إلا للأخصاء أو فيما بينه وبين نفسه ولأقرب القريبين إليه. ويهتم الروائي بإبراز الجانب الخاص في الشخصيات. ولذلك يعمد بعض الروائيين إلى التحوير في هذا الجانب من الشخصيات التأريخيّة والأبطال المعروفين. وان كان يلتزم عدم المساس بصورتها من الجانب العام المعروف من سجلات التاريخ وكتبه .

وكذلك الإنسان العادي في الحياة العامة لا يمكن فهمه من كل جوانبه كما يبدو في الحياة متنقلاً بين الناس ومختلطاً، ومعاشراً لهم. فيعمد الروائيّ إلى التعمق في أغوار نفسه ليستطيع التعرف إلى الصورة الأخرى لشخصيته ويعرضها بكلّ جوانبها الظاهرة والباطنة .

ومثال هذا العرض للشخصيات ما نجده عند نجيب محفوظ مثل شخصية (احمد عبد الجواد) في قصة (بين القصرين)، فالشخصية الظاهرة المعروفة لأحمد عبد الجواد هي التاجر الكبير الثري الجاد الصارم الذي يغلب عليه الوقار والذي يفرض احترامه على الناس في البيت والمتجر، وبين عامة الناس الذين يتصلون به، أما الشخصية الأخرى، أو الجانب الآخر من الشخصية الذي لا يعرفه إلا هو نفسه وخاصة خاصته فهو شخصية الرجل الماجن اللاهي حين يخلو إلى نفسه من عمله وبيته، فيهرع إلى عشيقته إحدى بنات الهوى (6).

 

الشخصية: تحديد المفهوم

يشتق لفظ الشخصية في اللغة العربيّة من شخص يشخص شخوصاً أي ارتفع وخرج من موضع إلى غيره (7) والشخص سواء الإنسان تراه من البعد (8) ويسمى شخصاً كلّ جسم له ارتفاع وظهور والمراد إثبات الذات (9).

إنّ مفهوم الشخصية متعدد الأبعاد منه في علم النفس وآخر في علم الاجتماع، وثالث في اللغة (10) فالشخصية تدرس في اللغة لأنّها أداتها في التعبير عن نفسها وأفكارها وآرائها، وتدرس في علم النفس لأنّها إنسان بكل تكويناته النفسية، وتدرس في علم الاجتماع لأنّها تعيش في مجتمع تبرز من خلاله سلوكها وتصرفاتها .

فالشخصية في علم النفس تعني: (الخصائص الجسميّة والعقليّة والعاطفيّة التي تميز إنساناً معيناً من سواه) (11).

أما الشخصية المسرحية فتعني: (الوجه المستعار الذي يضعه الممثل على وجهه والغرض من استعمال هذا الوجه المستعار تشخيص خلق الشخص الذي يقوم بدور من ادوار المسرحية فهو بمثابة العنوان عن طباع الشخص ومزاجه الخلقيّ) (12).

أما إصطلاحاً وضمن مجال النقد القصصيّ فتعني: (احد الأفراد الخياليين أو الواقعيّين الذين تدور حولهم أحداث القصة أو المسرحية) (13). أوهي (الفكرة الرئيسية (كذا) التي تنسج حولها الحوادث) (14).

وقد أطلقت (د. سامية احمد) هذا المصطلح على (الشخصية الخياليّة رجلاً كان أم امرأة التي تؤدي دوراً في عمل درامي) (15) . وقال عنها بارت بأنها (كائنات من ورق) (16).

وليس بالضرورة أن تكون تلك الشخصية (إنسانيّة أو نموذجاً بشرياً بل قد تدل على فكرة أو رمز أو أي اسم في الحياة الاجتماعية أو الفكريّة) (17). ومما يجب ذكره أنّ الشكلانيين والبنيويين هم الذين ورثوا (مقولة الشخصية من المنظرين الذين سبقوهم، وقد تعاملوا، معها مثل سابقيهم، بوصفها عنصراً مستقراً في السرد) (18).

وترتبط الشخصية بعلاقات وثيقة مع مكونات السرد الأخرى بحيث (لا يمكن فصلها عن العالم الخيالي الذي تنتمي إليه: البشر والأشياء. فهي لا يمكن أن توجد في ذهننا بكل أبعادها ككوكب منعزل بل هي مرتبطة بمجرى من الكواكب، وهي تعيش فينا بكل أبعادها بوساطة هذه المجموعة وحدها) (19) .

فالشخصية ترتبط بالحدث ارتباطاً وثيقاً ويستحيل الفصل بينهما (2) لأنّها (العنصر الذي يقوم بالحدث يؤثر فيه ويتأثر به فالشخصية الإنسانيّة تنهض بالحدث وتطوره بالشكل المطلوب) (27) بل إنّها (تحدد الحدث والحدث بدوره يغير الشخصيات مطوراً إياها) (22).

كما إنّها ترتبط بالشخصيات الأخرى فـ (يؤثر بعضها في البعض الآخر ويكتشف بعضها بالبعض الآخر، كما يحدث للفرد المنغمس في (ديناميّة الجماعة) عندما يجد من خلال الصورة التي يثيرها ردود الفعل المختلف التي يحدثها، إنّ كل فرد في الجماعة يراه بصورة مختلفة عن الآخرين كذلك الشخصية الروائية فإنّها بدفع الآخرين إلى الكشف عن جزء من أنفسهم كان مجهولاً حتى الآن، تكشف أيضاً لكل واحد منهم عن جانب من وجودها لم يكن يستطيع إظهاره إلا الاتصال المنبعث في موقف معين) (23).

وترتبط الشخصية كذلك بعلاقة وثيقة بالمكان فـ (العلاقات التي يحملها تدل على الشخصية سماتها ومهنتها وانتمائها الاجتماعي وسلوكها).

وللزمان أيضاً علاقة وثيقة بالشخصية ويعد (عاملاً أساسياً في بناء الشخصية، فهو يكشف عن تطورها الفكريّ) (24).

ومعروف لدينا أنّ المروي، هو كل ما يصدر عن الراوي وينتظم لتشكيل مجموعة من الأحداث تقترن بأشخاص، ويؤطرها فضاء من الزمان والمكان وينظم هذه العناصر، عنصر آخر هو الحبكة وتعني (النظام الذي تتابع فيه مجموعة الأحداث) ولكي تحبك تلك الأحداث يجب أن يكون لها بداية ووسط ونهاية.

ويجب أن يكون لها حجم، بمعنى الكبر والاتساع ليسهل على الذهن الإحاطة بها، ولا تقتصر وظيفة الحبكة على تنظيم الأحداث وتتابعها بشكل منطقي، بل إنّها تحقق الانسجام بين الشخصية والزمان والحدث والمكان.

وبما أنّ الخطاب هو التعبير الفني عن ذلك بالمستوى أو الطريقة المعبرة عن مجمل الأحداث التي تؤلف النسيج بالقصة ويقدم بهذا الخطاب المؤلف الضمني ثم الراوي سواء كان الخطاب ذاتياً أو موضوعيّاً.

 

أما العناصر التي يتكوَّن منها المروي، فهي:

1- الحدث، والذي هو مجموعة من وقائع منتظمة ومتأثرة في الزمان وتكتسب تلك الوقائع خصوصيتها وتميزها من خلال تواليها في الزمان على نحو معين .

2- الشخصية، وهي العنصر الذي يقوم بالحدث، يؤثر فيه ويتأثر به، وهي محور الحركة داخل القصة وحولها تدور الأحداث، أو هي العنصر الإنسانيّ الخيالي أو الواقعي الذي تدور حوله أحداث القصة.

3- البيئة، تعيش الشخصية في عالم يتصف بخاصتين، الأولى: أنّ هناك أشياء توجد في المكان، والثانية: أنّ هناك أحداثاً تتابع الواحد تلو الآخر، وتستمر لفترات تطول أو تقصر في الزمان والمكان.

ولا يمكن الفصل بين الزمان والمكان في العمل القصصيّ أو الروائيّ فالمكان: هو الخلفية التي تقع فيها أحداث القصة، والزمان: هو تطور الأحداث نفسها في القصة.

4- الحبكة، وهي العنصر التنظيمي للقصة من حيث ربط السبب بالمسبب وتعني الحبكة كذلك بناء الهيكل السرديّ، من خلال التعاقب الزمانيّ والسببيّ، بمعنى أنّ الحبكة عنصر زماني وسببي في الوقت نفسه، وانعدام الحبكة يعني بالضرورة نسف وجود القصة (25).

إتضح لنا من خلال استعراض العناصر التي يتكون منها المروي، وهي: الحدث، والشخصية، والبيئة، والحبكة. نلاحظ أنّ الشخصية القصصيّة، والتي هي احد الأفراد الخياليين أو الواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القصة، حيث لا يجوز الفصل بين الشخصية والحدث، لان الشخصية هي التي تقوم بهذا الحدث.

وقد أكد كثيرون على هذه الصلة، يقول الدكتور رشاد رشدي: من الخطأ الفصل أو التفرقة بين الشخصية، وبين الحدث، لان الحدث هو الشخصية وهي تعمل، أو هو الفاعل وهو يفعل) (26).

وعندما نسمح للفكر أن يتبحر في الرواية – موضوعة الدرس – وجد البحث أمثلته زاخرة توضح تلك العلاقات. حيث نلاحظ أنّ شخصية (محمود) قد ارتبطت بالحدث ارتباطاً وثيقاً، فهي الشخصية الرئيسة التي صنعت الحدث وتفاعلت معه، واستطاعت أن تغيره وتنتقل له من مرحلة إلى أخرى.

وقد جعلها المؤلف الضمني (27) من الشخصيات النامية التي (تتكشف لنا تدريجياً، خلال القصة، وتتطور بتطور حوادثها ويكون تطورها عادة نتيجة لتفاعلها المستمر مع هذه الحوادث).

وهي من الشخصيات المهمة التي بذلت الكاتبة جهداً (لتصويرها وسبر خفاياها وبيان صفاتها المتغيرة وسماتها المتعددة) (28).

الشخصية وعلاقتها بمكونات السرد الأخرى

لقد ركزت الشهيدة في روايتها هذه على أربع شخصيات رئيسة، وأولتها الاهتمام الكامل، منسجمة بذلك مع غاية القص والأهداف المتوخاة منه، وهي شخصيات (إبراهيم ونقاء ومحمود وسعاد).

إبراهيم: رجل مثقف ذو عقل ثاقب وفكر نير، مستقيم ملتزم، ثابت في عقيدته، لم يتزحزح عند تعاليم دينه على الرغم من إغراءات سعاد وبهرج أوربا وفسادها.

نقاء: شابة جميلة فاضلة ملتزمة، مقتنعة بدورها الذي رتبته الشريعة لها، ساعية في الخير فاعلة له، وفي الآن نفسه ليست منقطعة عن الحياة أو ناسكة.

محمود: رجل فاشل في دراسته، ورث ثروة، وهو عبد لذته، ليس له في الحياة سوى الركض وراء غرائزه الحيوانية ولذاته الجسدية من شرب الخمر والتمتع بالنساء، ولكن داخله يتقبل الإصلاح فصلح وتاب على يد نقاء.

سعاد: إمرأة لعوب جميلة، تعبد المال، ذات نزعه انتقامية تدميريّة، تعيش حياة العبث واللهو والمجون بلا رادع من دين أو ضمير، فهي تذهب إلى الحفلات الغنائية الليلية والى دور السينما بأفلامها المنحلة، وحفلات الصيد والمسابح وحدها، وتقيم علاقات محرمة مع الرجال (29).

هذه هي الشخصيات في رواية (الفضيلة تنتصر)، فعندما نأتي إلى شخصية

(محمود) نجد أنّها من الشخصيات النامية – وهذا ما سنوضحه لاحقاً إن شاء الله – حيث تطورت من موقف إلى موقف – بحسب تطور الأحداث. ولم يكتمل تكوينها حتى اكتملت الرواية، بحيث تكشفت ملامحها شيئاً فشيئاً خلال الرواية، وتطورت تدريجياً خلال تطور الحدث، وتأثرت بالأحداث والظروف التي أحاطت بها.

حيث نلاحظ أنّ شخصية (محمود) ظهرت في الفصل الثاني من الرواية، (وهنا شعرت سعاد أنّ باب غرفتها يفتح ببطء، فتطلعت نحوه لترى زوجها محموداً وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة تخابث ثم قال:

(لقد ظننتك مريضة يا سعاد وأنتِ تتجهين إلى غرفتكِ دون أن تعرجي عَليّ، والآن هل لي أن ادخل؟...) (30).

فضلا ًعن ذلك فإن الحوار بين (سعاد ومحمود) هو الذي صور لنا شخصية (محمود) الوضيعة، وذلك عندما أثارها بكلماته الخبيثة، وذكرها بأنها لا تحبه، بل المال الذي لديه منه الشئ الكثير، وعندها ما يشد (محمود) إليها، فهو عبده للذة والجمال وعند (سعاد) منه الشئ الكثير. وكذلك الحرية التي يزعمها والتي يريد أن يعيشها، ولا بد لزوجته أن تعيشها حسب تعبيره، فكلاهما مشدود إلى الآخر.

تحرك (محمود) في الرواية كان بدوافعه الغريزيّة وبحثه عند ملذاته . حيث نلاحظ زواجه من (سعاد)، ولو أنّ هذا الحدث لم يذكر في الرواية، لكن الحوار هو الذي كشف لنا هذا الجانب، بأن زواجه من (سعاد) كان بدافع مبحثه عن الجمال واللذة.

(ـ المهم أن تعرف أني لو لم أكن زوجه ممتازة لما تحملتك يوماً واحداً فليس لديك ما يحببك إلى المرأة). (31)

(… وعندك أيضاً ما يشدني إليك، فان اعبد اللذة والجمال وعندك منهما الشئ الكثير، …) (32)

(- ليتكِ لم تكوني جميلة، أو ليتني لم أكن عبداً للذاتي، …) (33)

وتتضح لنا انتقاله جديدة في حياة (محمود) الذي كان مهتماً بعض الشئ بـ (سنية) الخادمة التي تعمل عندهم في البيت، والتي كانت على علم بما تفعله سيدتها (سعاد) من أعمال خيانة لزوجها .

وبما أنّ سيدها (محمود) كان يهتم بها بعض الشئ، فقد كان ذلك الاهتمام، يغيض (سعاد) لما تحمله في داخلها تجاه الآخرين . حيث أحست بمرارة مامن دونها مرارة حيث وجدت نفسها قد أصبحت أخيراً وهي غريمة لـ (سنية) الخادمة (وردت سنية بجرأة قائلة:

- إذن فالي أين أنت ذاهبة؟

ولم تلتفت نحوها سعاد، وقالت وهي تفتح باب الغرفة:

- أنا ذاهبة إلى محمود …

ثم أغلقت خلفها الباب، وخلفت سنية وحدها في الغرفة، وهي تكاد تنفجر غيرة وحنقاً … (34).

الإنتقالة الجديدة في حياة (محمود) هي الحادثة التي طرقت مسامعه، حيث أثارت أمامه (سعاد) الحديث عند صراع مفتعل هو من نسجها بين حاجبيها (سعيد) والممثل (سليم) حول امرأة تعشق المال، فتفاعل (محمود) الذي يغريه ذكر المال وانشد للحدث، وكانت النتيجة أن يهتم للموضوع بالصورة التي أرادتها (سعاد)، حيث بدأ يستفهم من (سعاد) عن المرأة وهي تصفها:

(- حول امرأة ! وأي امرأة هي هذه يا سعاد؟

- إنّها آية في الجمال يا محمود! وكأن خالقها قد أبدع في تكوينها . لتكون نموذجاً للجمال في العالم، وهي فتاة لم تتجاوز العشرين بعد …) (35).

وهنا ارتبطت شخصية (محمود) – كذلك – بالشخصيات الأخرى . فشخصية (نقاء) كان لها الأثر الكبير بتغيير شخصية (محمود)، وكذلك بشخصية (إبراهيم) زوج (نقاء) والتي كانت (نقاء) تكتب له عن جميع ما يحدث، فوق شخصية (محمود) من خلال حديث (نقاء) عنه. ناهيك عن ارتباط شخصية (سعاد) بشخصية (إبراهيم) مجدداً بعد زواجه.

يتضح لنا أنّ ظهور شخصية (محمود) في السرد إلى جانب الشخصية الرئيسيّة قد حقق الهدف الذي يصبو إليه المؤلف الضمنيّ، وهو إظهار الصفات البطوليّة للشخصية، لذلك وجه الأحداث بالشكل الذي يحقق له هذا الهدف، فحول الشخصية من قلقة غير مستقرة لا هدف لها، إلى شخصية مستقرة تسعى لتحقيق هدفها في الحياة، وهو انتصار الفضيلة، وترك الحياة العابثة وحالة اللامبالاة. وعدم الاكتراث لما يجري حولها، وبدأت تتغير المفاهيم لديه، نحو الشئ الصحيح:

(- الحرية لا تعني الخيانة، ولا تعني الانحراف …) (36).

وقد وضحت لنا الرواية هذا التحول، فقالت:

(رجع محمود إلى البيت وهو يحسّ بالصراع قائماً بين عاملين في روحه، فقد كان يشعر أنّ عليه أن يتحرر من سعاد، وانه لن ينجح في حياته الجديدة إلا إذا تخلص من سلطانها عليه، وكان يقف فكرة عند كل مرة يتحدث فيها نفسه عن حياته الجديدة، ويتساءل في سره: هل حقاً انه بدأ حياة جديدة لا زيف فيها ولا خداع … لا فسق فيها ولا مجون؟ …) (37).

وفضلاً عن ارتباط شخصية (نقاء) بشخصية (محمود) و (سعاد) و (إبراهيم) فقد ارتبطت بشخصية (المرأة المسكينة)- والتي هي من الشخصيات النمطية التي تدور حول (فكرة واحدة أو صفة واحدة لا تتغير) (38).

والتي من صفاتها:

1- (تخلو من الأعماق والأبعاد الفكريّة) (39).

2- لا تمتلك أكثر من (سجية منفردة، ترى على أنّها السجية السائدة او الأكثر وضوحاً من الناحية الاجتماعيّة) (40).

وقد لاحظ البحث أنّ المؤلف الضمني اختار تلك الشخصيات اختياراً موفقاً استطاع من خلاله أن يسلط الضوء على فضائل الشخصية، مهما كان دورها رئيساً او ثانوياً، واستطاع كذلك إظهار ثقة الزوج بزوجته، وهو ما حدث بين (نقاء) و (إبراهيم)، وكذلك إظهار النتائج السلبية للحياة المنحلة التي تعيشها بعض العوائل. وكذلك النتائج السلبية للعلاقات الزوجية التي تشوبها الخيانة مكن كلا الزوجين كمثال لذلك ما وجدناه في شخصيتي (سعاد) و (محمود)، فكل هذه الشخصيات حققت الهدف المطلوب الذي سعى إليه المؤلف الضمنيّ. فعندما يطرح السؤال التالي أتنتصر الفضيلة؟! يكون الجواب:

(الفضيلة تنتصر)، وهذا هو عنوان الرواية – موضوعة الدرس – (فقد انتبهت الكاتبة إلى جمالية العنوان في روايتها، فلم تستخدم الكاتبة عنواناً مجانياً، آذ حاولت أن تختار عنواناً يسعفها في تأكيد أفكارها ورسالتها، لذلك تركز على الصفات التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، فعنوان (الفضيلة تنتصر) يبين لنا أنّ الفضيلة هي الأساس الذي علينا أن نؤسس عليها حياتنا . عندئذ لن يستطيع الشر مهما تسلح بأسلحة أن يؤثر علينا) (41).

أما البيئة – الزمانيّة والمكانيّة – فقد ارتبطت بالشخصية ارتباطاً وثيقاً، وحددت سماتها وسلوكها، فالفترة التي قضاها (محمود) في أوربا لعبت دوراً مهماً في حياته وفي تبلور أفكاره وصياغة مفاهيمه وكذلك (سعاد) زوجته، فهو لم يحصل على شهادة يعود بها إلى بلده على الرغم من الثروة الطائلة التي كان يمتلكها.

وقد صورت لنا الكاتبة تأثير البيئة على (سعاد) و (محمود) من خلال السرد على لسان بطلتها (نقاء): (… ثم إنّها كانت تشعر أيضاً بخطأ سعاد وانحرافها بأفكارها عن الصواب … فكرت بالكسب الذي جنته سعاد من حياتها هذه وهي لم تحصل أخيراً إلا على زوج عاطل، لم يتمكن حتى من نيل شهادة جامعية أوليّة …).

ثم تغير سلوك الشخصية بتغير الزمان والمكان، واتضح هذا التغير في النص الآتي:

- يمكنك أن تلاقيني في المتنزه.

- أحقاً تمنين علي بذلك؟!.

- نعم، لأنّك أصبحت رجلاً شريفاً.

- ولكن متى؟

- اليوم الساعة الخامسة) (42).

فالخطاب في الزمن الحاضر، وهو الزمن الذي انتقلت فيه الشخصية إلى مكان آخر. وقد تغير سلوكها بتغير الزمان والمكان . وللمؤلفة هدف مقصود باختيار تلك البيئة، فقد أرادت أن تبين للقارئ التأثير السلبي للمكان الذي في الشخصية العربية، فقد أوشكت على الانغماس الكامل لرجل الذنوب، والانتقال إلى المكان الجديد – وهو البلد – فهو انتقال مقصود خدم الهدف المركزي للرواية، كذلك الانتقال إلى المتنزه، وهو مكان عام. لا تشوبه الريبة، كباقي الأمكنة الأخرى، كدور السينما، أو الحفلات الليلية، او المسابح المختلطة، ففي المكان والحدث المرتبط به والدور الذي لعبته شخصيات الرواية، مكن الكاتبة من طرح فكرها عن المرأة وعن ماهية الاختلاط بين الجنسين، حيث نلاحظ أنّ بطلتها (نقاء) قد فرضت جو الاحترام والتقدير، من خلال اختيارها المكان المناسب، وكذلك أسلوبها الذي تعتمده في الكلام. حيث نلاحظ أنّ الهدف المركزيّ للرواية هو إظهار أصالة الشخصية ـ نقاء ـ وقوتها وارتباطها بالجذور المتينة التي ولدت عليها ووفائها لعائلتها التي تربت في كنفها، وحفظها لكرامة زوجها المسافر رغم كل الظروف . فقد طرحت هنا الكاتبة فكرها الذي أرادته للمرأة المهذبة المثقفة، حيث كان هناك تياران:

التيار المناديّ: بجلوس المرأة في البيت وتخلقها وعدم الاقتراب من المراكز العلميّة، لخشية الناس من عواقب الإختلاط.

والتيار الثاني: هو ذلك التيار المنادي بخروج المرأة، والاختلاط المباح الذي يسلب المرأة عنوانها وكرامتها، ويجعل منها المروجة لبضائعه والمتمثل بالتيار الغربيّ.

فكانت الكاتبة (رحمها الله) تريد للمرأة أن تخرج كإنسانة للمجتمع وكأنثى تكون لزوجها. أي أنّها أرادت للمرأة أن تعيش أنوثتها في إطار إنسانيتها. فقد اعتمدت في إبراز وجهتي النظر المتناقضتين على شخصيات متعددة الاتجاهات بين الإيمان والإلحاد والشك، فتبدو لنا الشخصية المؤمنة إيجابيّة معطاءة.

وقد ارتبطت الشخصية بشكل الراوي والمروي له، وبموقعها ووظيفتهما، فضلاً عن ارتباطها بالمكونات السالفة الذكر. فقد غيرت الكاتبة شكل الراوي والمروي له بين الحين والآخر، لكي تغني الحدث وتسلط الضوء على كل جوانب الشخصية وخفاياها الداخليّة، فقد يتحدث الراوي بلسانها عبر مونولوج داخليّ ليكشف ما خفي في أعماقها، او من خلال حوارها مع الشخصيات الأخرى، او يصفها راو موضوعي يعلم عنها أكثر مما تعلم هي عن نفسها . وهنا تتوسع وجهة النظر حول الشخصية، ليكتشف القارئ كل شئ عنها. او تتمسرح في السرد وتستقبل الإرسال السرديّ من الراوي مباشرة، وهنا ترتبط بالمروي له ارتباطاً وثيقاً يصعب الفصل بينهما.

وترتبط أيضاً بموقعها في آن واحد فعندما يرسل الراوي سرداً ذاتيّاً، ويستقبله المروي له الممسرح، عندئذ تحتل الشخصية موقع التماهي بهما. ولا ترتبط الشخصية بوظيفتها إلا في حالة تمسرحها في السرد، فعندما تتمسرح وتتماهى بالرواي فإنّها ستقوم بوظيفة سرد الأحداث، إذا تمسرحت وتماهت بالمروي له فإنّها ستقوم بوظيفة تلقي الإرسال السرديّ.

إذن فالشخصية الروائيّة لا يمكن أن تظهر أو تتحرك وحدها في السرد بل لا بد من أن ترتبط بعلاقات وثيقة بمكونات السرد الأخرى، ومن خلال تلك العلاقات ينمو الحدث ويتطور في الروية (43).

أنواع الشخصيات الفنيّة

في الرواية – موضوعة الدرس – عدة أنواع من الشخصيات تختلف أدوارها بحسب ما أرادته الكاتبة لها، واهم هذه الشخصيات هي:

1- الشخصية الرئيسيّة: هي الشخصية الفنيّة التي يصطفيها الراوي لتمثل ما أراد تصويره أو ما أراد التعبير عنه من أفكار أو أحاسيس.

وتتمتع الشخصية الفنية الممكن بناؤها باستقلالية في الرأي، وحرية في الفكر داخل مجال النص الروائيّ.

وتكون هذه الشخصية قوية ذات فاعلية كلما منحها الراوي حرية، وجعلها تتحرك وتنمو وفق قدراتها وإرادتها، بينما يختفي هو بعيداً يراقب صراعها، وانتصارها أو إخفاقها وسط المحيط الاجتماعيّ أو السياسيّ الذي رماها فيه.

وابرز وظيفة تقوم بها هذه الشخصية هي تجسيد معنى الحدث القصصي أو الروائيّ، لذلك فهي صعبة البناء وطريقها محفوف بالمخاطر (44).

وعند تأمل الرواية – موضوعة الدراسة – أو تطبيق المستوى الدرامي على شخوصها، سنجدُ أنّ شخصيتي (إبراهيم – ونقاء) تنتميان إلى المستوى البطولي الذي تمتاز به الشخصية بمستوى نفسي يفوق مستوى البشر العاديين وبما تمتلك من مثل وقيم ورؤية واضحة وبما تحقق من مآثر وبقدرتها على التأثير بالآخرين ... الشخصية هنا قوية متماسكة واثقة ثابتة في قيمها، تعرف هدفها (45).

* (- أنا واثقة من ذلك يا إبراهيم، وقد اطمأننت من اليوم الأول لخطوبتنا وعرفت انك رجل مثالي، وانك اقدر ما تكون على إسعاد زوجتك .

- أنا واثق أيضاً أنّ روحك الطاهرة بصفائها ونقائها تتسع لكل المثل الخيرة والمفاهيم العليا .

- شكراً لك يا إبراهيم، أنت تمكنني أن أثق بنفسي، وتهبني القوة في الاعتماد على سلوكي وتصرفاتي في الحياة) (46).

2- الشخصية المساعدة: على الشخصية المساعدة أن تشارك في الحدث الروائي، وبلورة معناه والإسهام في تصوير الحدث .

ويلاحظ إن وظيفتها اقل قيمة من وظيفة الشخصية الرئيسية، رغم أنّها تقوم بادوار مصيرية أحيانا في حياة الشخصية الرئيسية (47).

وفي الرواية – موضوعة الدرس – نجد أنّ شخصية (سنية) قد لعبت هذا الدور، حيث كان دورها في الحدث الروائي يصور خيانة (سعاد) لـ (محمود) ويكشف كثيراً من جوانب حياتها الخفية، وكذلك لها دور مهم في توضيح العلاقة بين (نقاء) و (محمود) وان كانت تظن بأنّها غريمتها لكن متابعتها لـ (محمود) هو الذي كشف تطور الحال بين (نقاء) و (محمود) وذكرها للذي شاهدته من جلوسهما في المتنزه أمام (سعاد) جعل الغيرة والحقد تتنامى لديها تجاه (نقاء) فبمجرد رؤيتها لـ (محمود) دار الكلام بينها حول (نقاء) وعرف (محمود) اسم المرأة التي كان يكلمها .

وكذلك نستطيع اعتبار شخصية (إبراهيم) بأنه شخصية مساعدة في بعض أحداث الرواية . حيث تعتبر ثقته بـ (نقاء) فيها تصوير لقوة ثبات أخلاق (نقاء) وحسن تربية أهلها (47).

وتتضح هذه الثقة من خلال الجواب الذي بعثه (إبراهيم)، حيث كان يمتدح فيه موقف (نقاء) الشريف الواضح، وأدائها لواجبها الدينيّ والأدبيّ تجاه (محمود)، وقد كتب لها قائلاً:

" الم اقل لكِ انكِ تتمكنين أن تجاهدي يا نقاء ! الم اقل لكِ أنّ الجهاد ليس وقفاً على الحروب فقط؟ ما مضي في جهادك يا عزيزتي . مكللة بالغار، مجللة بأبراد العفة والفضيلة ... " (48).

وكان لظهور شخصية (والد نقاء) أثر في الحدث الروائيّ، والذي بدوره جعل (محموداً) يصدق ما قالته (سعاد) عن (نقاء) ظنناً منه انه احد أصدقائها وأنّها امرأ ة لعوب (49).

• وقد صورت الكاتبة هذا الحدث قائلة:

(شعرت نقاء وهي ترى إبراهيم يصعد سلم الطائرة...أنها سوف تضعف أمام ضغط انفعالاتها، وكادت أن تسقط لولا أنّ يداً رحيمة قد أسندتها من الخلف، ولم تحاول أن تلتفت لترى من يكون هذا الذي أسندها إلى صدره، فقد عرفت أنّه أبوها لا احد غيره ...، وكانت تستند على ساعد أبيها،...ساعدها أبوها على ركوب السيارة وتوجه معها نحو الدار، وفي الطريق شعر أبوها أنها تعاني الكثير من سفر إبراهيم فحاول أن يتكلم في أي شئ، لكي يخرج بها عن بعض أفكارها وانفعالاتها، فقال:

- كان هناك في خارج المطار رجل فضولي وكان همه منحصراً في إلقاء النظرات على الرائحين والغادين، وقد لاحظت أنّه كان يطيل النظر إلى السيدات.

كما أنّ لظهور شخصية المرأة المسكينة وان كان بسيطاً، كان له الأثر البالغ في إظهار طيبة (نقاء) والجانب الإنسانيّ في شخصيتها (50).

فقد كانت هذه المرأة تدور على الجالسين تستدر عطفهم ليجودوا عليها ببعض النقود...وعندما لاحظت (نقاء) أنّها تتقدّم نحها سارعت إلى فتح حقيبتها لتخرج منها ما تعطيه لهذه المرأة المسكينة قبل أن تسأل منها ذلك، فأخرجت من حقيبتها بضع دراهم وهي على خجل وارتباك، فقد أثّر عليها منظر تلك المنكودة، ومدّت إليها يدها بالمال، وأشاعت هذه البادرة من (نقاء) الغبطة على وجه المرأة المسكينة ورفعت رأسها إلى السماء وكأنّها تدعو لـ (نقاء).

• أما الموقف الذي اثر في (محمود)، وهو انه غير مجلسه بعد خروج (نقاء) حيث جلس في الطرف الآخر من الحديقة، ولكنه لاحظ أنّ المرأة المنكودة التي كانت تستعطي قد توقفت قليلاً أمام الكرسي الذي كانت تجلس عليه (نقاء)، ثمّ انحنت والتقطت شيئاً من الأرض وأخفته في قبضة يدها، فرأى (محمود) أنّ الفرصة قد واتته للاحتكاك بـ (نقاء) مرة أخرى.

• حيث نهض من مجلسه نحو المرأة المسكينة وهو يصرخ فيها قائلاً:

• (- دعي ما أخذتيه يا سارقة) (51).

وعند استدعاء (نقاء) تقدمت نحو المرأة، وكانت لا تزال متمسكة بالقرط في قبضة يدها، فأمسكت بيدها في لطف وقالت بنغمة عذبة رقيقة:

(- أريني القرط يا أختاه) (52) .

وعندما ألقت نظرة على القرط رفعت رأسها وقالت:

(انه كان قرطي ولكني أعطيته لها، فهي ليست سارقة أبداً) (53).

ثم عادت (نقاء) وأطبقت يدها على القرط وقالت:

(- إنّه ملكك يا أختاه فتعالي واخرجي من الحديقة) (54).

3- الشخصية المعارضة: وهي شخصية تمثل القوى المعارضة في النص الروائيّ، وتقف في طريق الشخصية الرئيسة أو الشخصية المساعدة، وتحاول عرقلة مساعيها قدر جهدها.

وتعد أيضاً شخصية قوية، ذات فعاليّة في الرواية، وفي بنية صوتها، الذي يعظم شأنه كلما اشتد الصراع فيه بين الشخصية الرئيسيّة، والقوى المعارضة، وتظهر هنا قدرة الكاتبة الفنية في الوصف وتصوير المشاهد التي تمثل هذا الصراع (55).

وتظهر في الرواية – موضوعة الدراسة – شخصية (سعاد) بأنها شخصية معارضة . حيث نلاحظ من خلال حوارها مع (نقاء) وهي تمثل الشخصية الرئيسة في الرواية، بأنّها كانت تعارض آرائها وأفكارها التي تحملها، ومعارضتها لـ (نقاء) كان له الأثر الفعال في الرواية، وفي بنيه حدثها، حيث إنّ احتدام النقاش بينهما، ألقى بضوئه على شخصية (إبراهيم). بدأت معارضتها لـ (إبراهيم) من خلال معارضة (نقاء) فقد كانت (نقاء) تطرح أسئلتها على (إبراهيم) لمواجهة إشكالات (سعاد). فنلاحظ أنّها قد عارضت الشخصية الرئيسة والشخصية المساعدة .

• ومن أمثلة ذلك في الرواية: ما ورد في الفصل الثالث منها، وهو حديث نقاء مع إبراهيم عندما جاء لزيارتها، حيث تسرد الكاتبة قائلة:

(أصبح الصباح ونقاء تتلهف لقدوم إبراهيم، لكي تستوضحه عما تعرضت إليه سعاد في حديثها عن حق المرأة في الإسلام، ...)

وأما معارضة شخصية (سعاد) للشخصية الرئيسة (نقاء) وما نتج من هذه المعارضة وكيف ألقت بضلالها لتوضح رأي الإسلام ونظرته للمرأة .

(إبراهيم: ما الفرق بين الرجل والمرأة في دين الإسلام؟

- لا شئ، فهما متساويان، للمرأة ما للرجل، وعليها ما عليه، وقد خلق الله المرأة والرجل من طينة واحدة .

- فلماذا إذن؟! .

- ماذا يا نقاء؟! .

- اقصد لماذا فرض الإسلام على المرأة المسلمة قيوداً لم يفرضها على الرجل؟

- إنّه لم يفرض عليها أي قيد، سوى ما تفرضه عليها طبيعتها ويتطلبه تكوينها، وليست المرأة واقعة تحت أي ضغط أو تشديد من قبل الإسلام.

- أو ليس الحجاب قيداً للمرأة المسلمة، وحائلاً دون تمتعها بالحياة كما تريد؟ أو ليس الحجاب هو المانع الرئيسي عن سفري معك إلى أوربا مثلاً؟

- أبداً ... ليس الحجاب هو المانع في هذه المسألة بالذات، وليس الحجاب بما هو حجاب يحول دون المرأة وأي شئ ...) (56).

وتظهر هنا قدرة الكاتبة الفنية في الوصف وتصوير المشاهد التي تمثل الصراع . فقد اعتمدت الكاتبة على التناص الدينيّ (تناص الأحاديث) لتسعف وجهة نظرها فتزداد الشخصية قوة وإيماناً، لذلك نسمع (إبراهيم) يقول لـ (نقاء) الحديث الشريف:" من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله اجر مائة شهيد) (57). لذلك يزداد المؤمن تمسكاً بدينه، ومقاومة للأفكار التي تسلب الإنسان إيمانه وشخصيته (58).

*وقد ميز د. نسيب نشاوي في كتابه (محاضرات في الأدب العربيّ) بين فئتين من الشخصيات في الأدب القصصيّ نوردها (59).

1- الشخصية البسيطة: وهي الشخصية التي تبقى على حالها من بداية القصة إلى نهايتها فلا تتطور (حيث تولد مكتملة على الورق لا تغير الأحداث طبائعها، أو ملامحها، ولا تزيد ولا تنقص من مكوناتها الشخصية، وهي تقام عادة حول فكرة، أو صفة كالجشع وحب المال التي تبلغ حد البخل أو الأنانيّة المفرطة) (60).

ومثال ذلك شخصية (سنية) وكذلك الشخصيتان النموذجان (إبراهيم ونقاء) وشخصية والد نقاء وشخصية والدتها. وكذلك شخصية المرأة المسكينة . ومنهم كذلك شخصية (سعاد) التي لم ترتدع عن مخالفة الشريعة، وعندما أبصر زوجها النور، كانت النتيجة أن طُلِقت منه. حيث نلاحظ أنّ شخصية (سعاد) تصور لنا المرأة التي فهمت الحرية بمعنى الابتذال والسعي وراء الملذات، فكانت نتيجتها أن فقدت زوجها بسبب ارتكابها لما يشوه صورتها لديه.

2- الشخصية النامية: وهي الشخصية التي تتطور من موقف إلى موقف بحسب تطور الأحداث، ولا يكتمل تكوينها حتى تكتمل القصة (61). بحيث تتكشف ملامحها شيئاً فشيئاً خلال الرواية أو السرد، وتتطور تدريجياً خلال تطور القصة وتأثير الأحداث فيها أو الظروف الاجتماعية (62).

ومثال ذلك شخصية (محمود) حيث تنقلت خلال تطور الأحداث واكتملت باكتمال الرواية.

ذكرنا أنّ الشخصية القصصية هي احد الأفراد الخياليين، والواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القصة، حيث لا يجوز الفصل بين الشخصية والحدث، لان الشخصية هي التي تقوم بهذه الأحداث .

وينتقي القاص – في معظم الأحيان – من الشخصيات التي يوظفها للتعبير عن أفكاره وآرائه الشخصية والمحورية حيث تتجه نحوها أنظار بقية الشخصيات، كما أنّها مجرى القصة العام. وهذا ما حدث نتيجة تأثر (محمود) بـ (نقاء) ولاحظنا كيف سارت الأحداث.

وآلف النقاد أن يطلقوا على هذه الشخصية مصطلح (البطل) ويعنون به الشخصية الفنية التي يسند القاص إليها الدور في عمله القصصيّ ويعني أحمد منور بشخصية البطل، الشخصية الفنيّة التي (تستحوذ على اهتمام القاص، وتمثل المكانة الرئيسية في القصة وقد تكون سلبية كما تكون ايجابية، وقد تكون متذبذبة بين هذه القصة أو تلك ... المهم أنّها تمثل المحور الرئيسي في القصة الذي يجذبه إليه كل العناصر الأخرى ويؤثر فيها) (63).

ويحبذ في الشخصية القصصيّة أن تكون معبرة عن صورة من صور الحياة البشرية وان تبتعد قدر المستطاع عن النماذج الأسطورية التي تقوم بأعمال خارقة، لان عنصر الإقناع يضفي على الشخصية القصصيّة هيبة، ودوراً متقدماً. وفي هذا الشأن يقول الطاهر وطار: (أبطالي الرئيسيون اختارهم من الحياة، من معارفي أو أصدقائيّ، أو من حققت في شأنهم في إطار عمليّ – كمراقب وطني للحزب – ولكن مهما كانت قيمة البطل الدرامية، فأنني مضطر إلى أن أضفي على الأقل 70 أو 80 % من أبعاد ومعطيات من عندي، وأحياناً أقوم بتركيب عدة شخوص في واحد) (64). وهذا ما وجدناه أيضاً في الرواية موضوعة الدرس – أيضاً حيث لاحظنا أنّ الشخصيات هي من الواقع وليست مثاليّة.

 

طرائق عرض الشخصية (تصوير الشخصية):

هناك طريقتان لتقديم الشخصية في الأعمال القصصيّة، هي:

1-طريقة الإخبار (التحليليّة):

وفيها يقوم الراوي بوصف الشخصية (فيشرح عواطفها وبواعثها وأفكارها وأحاسيسها ويعقب على بعض تصرفاتها ويفسر البعض الآخر) (65)، وقد تتولى ذلك شخصية أخرى في الرواية فتخبرنا عنها أما (إخباراً صرفاً أو وصفاً) (66) دقيقاً لها.

وتقدم الشخصية هنا تقديماً وتفرض على القارئ فرضاً بحيث يحرم من متعة الاكتشاف المتدرج لها (67). (ويتم الإخبار بوساطة السرد والوصف) (68).

وتسمى بالطريقة التحليليّة، التفسيريّة، المباشرة، وغالباً ما ترتبط هذه الطريقة بالراوي غير الممسرح، فهو يعرف خفايا الشخصية، ويغور في أعماقها، ويفسر كلّ تصرفاتها، ولا يترك فرحته للقارئ لكي يعلق على تصرفاتها .

 

2- طريقة الكشف (التمثيليّة):

وهذه الطريقة تتيح للشخصية (الحرية في تحركاتها أي في سياق وصف ذاتي تقوم به الشخصية) (69)، فتكشف عن جوهرها للقارئ تدريجياً بأحاديثها وتصرفاتها الخاصة (70).

ويتم الكشف من خلال الحوار والمناجاة الداخلية (71) والأفعال وتسمى بطريقة العرض، الإظهار، غير المباشرة، التصوير، الدراميّة، التمثيليّة، وغالباً ما ترتبط هذه الطريقة بالراوي الممسرح، فهو يتماهى بالشخصية ويتحدث بلسانها، ومن خلال الكلام والحركة (أي كلام الشخصية وحركتها) يستطيع القارئ أن يتعرف على طبيعتها وسلوكها).

وقد تقدم الشخصيات بطريقة الإخبار أو بطريقة الكشف أو بكليتهما، فلكل مؤلف أسلوبه الخاص في تقديم الشخصيات.

وكاتبة الرواية – موضوعة الدرس – قدمت شخصياتها بالطريقتين معاً: فقد استعملت الشهيدة (قدس سرها) الطريقتين معاً في تصوير الشخصيات.

فقد استعملت طريقة الأخبار من خلال التصوير بالاعتماد على المظاهر الخارجيّة، وهذه المظاهر تتخذ دليلاً على نفسية الشخوص.

حيث (يميل بعض القصصيين إلى الاعتماد على وصف المظاهر الخارجيّة للشخصية القصصيّة (من شكل وملبس) واتخاذ ذلك الوصف دليلاً على نفسية الشخوص. ولهذا السبب يتعين على القارئ أن يأخذ على محمل الجد الوصف الخارجيّ للشخوص الذي يقدمه لنا القاص. والوصف يشمل الملابس والهيكل الخارجيّ أو البنية الجسمانيّة التي قد تدل على البيئة الاجتماعيّة أو العمل أو الوضع الاجتماعيّ والبنية الجسمانيّة التي تدل على العمر وبعض المعطيات الأخرى من قوة بدنية أو رشاقة أو لياقة وتستخدم للدلالة على درجة تماسك الشخصية من الناحية الفكريّة أو الانفعاليّة أو أنّ ضعف البنية قد يستخدم للدلالة على تفكك الكيان النفسيّ للشخصية) (72).

تبدأ الصفحة الأولى من الفصل الأول من الرواية بالقول: (في شرفة احد المنازل جلست فتاتان تكبر إحداهما الأخرى ببضع سنين، وان كانت كبراهما تبدو اكبر من واقعها، نظراُ لتراكم الأصباغ على وجهها، وتعقيد تسريحتها ومكياجها الصارخ ... لكن الثانية كانت على العكس منها، فهي تبدو وكأنها في السادسة عشر مع أنّها تناهز العشرين، وكان شعرها الذهبي مرسلاً على كتفيها ببساطة محببة) (73).

كما استعملت هذه الطريقة في رسم الشخصية من الداخل، كما في قولها:

(رجع محمود إلى البيت، وهو يحس بالصراع قائماً بين عاملين في روحه، فقد كان يشعر أنّ عليه أن يتحرر من سعاد) (74).

وقولها: (مضت الأيام على محمود وهو يعاني صراعاً عنيفاً بين قوى الخير والشر) (75).

وقولها: (وأحس أنّ الدماء تغلي في عروقه وان قبضة الغيرة تضغط على عنقه بيدٍ من حديد) (76)..

وقد استعملت الكاتبة (قدس سرها) كذلك طريقة الكشف، حيث (هناك طريقتان أساسيتان للكشف عن الشخصية على نحو غير مباشر وهي الكشف بالحوار والثانية هي الكشف بتصوير وعرض أفعال الشخصية القصصيّة) (77).

وقد جاءت الطريقتان معاً:

الأولى: التشخيص باستخدام الحوار، يستخدم الإنسان اللغة وسيلة للتخاطب والتواصل مع الآخرين، ووسيلة اللغة اليومية هي الحوار (78).

فالحوار الأدبيّ له وظيفة، وهي انه ينمي الحدث بطريقة أو بأخرى. فقد يلجأ المؤلف أحياناً إلى حوار عادي مسطح لينقل إلينا النمط الفكري للشخوص ليعطي القارئ فكرة عند سطحيتها أو طريقة تفكيرها أو بأسلوب تعاملها مع الأشياء أو الأفكار أو القيم. وهذا لا يعني أنّ العمل القصصيّ الذي يستند على الحوار سهل وبسيط وعميق المعنى، فالعكس هو الصحيح في معظم الأحوال، لأن القاص في محاولته لرسم شخوصه بطريقة مؤثرة يحاول أن يصور لنا الشخصية على أنّها كيان هي من حيث محاكاتها للناس، ومعظم الناس يتخذون الحوار ستاراً يخفون فيه شخصياتهم بدلاً من كشفها. فكم منا، في حياته اليوميّة، من يأخذ كلام الآخرين على علاته ويصدق كلّ حرف فيه.

فالقاص الناجح هو الذي يجعلها نتعامل مع شخوصه القصصيّة بحذر وروية وذكاء ولكي نصدر حكماً حصيفاً على شخصية من الشخوص، يتعين علينا أن نضع حوار وكلام الشخصية ضمن الإطار العام للحدث القصصيّ لا أن نأخذه مجرداً وبمعزل عن السياق العام للعمل القصصيّ.

فبعض الشخوص صريحة وواضحة وأخرى غامضة ومبهمة وثالثة تتعمد الإيهام والخداع ورابعة تقول ما يناقض ما نعرفه عنها في العمل القصصي نفسه (79).

وفي الرواية – موضوعة الدرس – نجد أنّ الحوار الذي دار بين شخصيات الرواية، قد كشف عن النمط الفكريّ لشخصياتها. وطريقة تفكيرها وأسلوب تعاملها مع الأشياء .

فالحوار الذي دار بين (نقاء وسعاد) كشف لنا تمسك (نقاء) بقيمها وبتعاليم الإسلام احترامها للثقة التي منحت لها من قبل أهلها وزوجها ومدى تأثرها ببيئتها الصغيرة، أي بيت عائلتها، وكشفت لنا أيضاً عن مدى تأثر (سعاد) بأوربا والأجواء التي كانت تعيشها، وكذلك عدم احترامها لحياتها الزوجيّة.

أما بالنسبة للحوار الذي دار بين (إبراهيم ونقاء) فقد كشف لنا عن دور الزوج – إبراهيم – في إسعاف وجهة نظر زوجته، ومدى ثقته في حركتها داخل المجتمع، وكيف انه كان فخوراً بأخلاقها وحسن تربيتها ودورها الرائع في نشر الفضيلة...

أما الحوار الذي دار بين (محمود وسعاد) فقد كشف لنا عن تفاهة الحياة الزوجية التي كانا يعيشانها. والتي كانت تخلو من الحب والحنان والاستقرار العاطفيّ، وكذلك كيف كان يفكر كلاهما تجاه الآخر، وكيف أرادت (سعاد) استغلال وتوظيف الميل الذي عند (محمود) تجاه النساء للانتقام من (إبراهيم) عن طريق (نقاء).

وكشف لنا الحوار الذي دار بين (سعاد وسنية) عن الخيانة الزوجية التي كانت تعيشها (سعاد) مع زوجها (محمود)، وكيف كانت (سعاد) تخشى من أن تبوح (سنية) بما لديها من معلومات لـ (محمود) فتنتهي حياتها معه.

أما بالنسبة للحوار الذي دار بين (نقاء ومحمود) فقد ألقى بظلاله على شخصية (نقاء) فعرفنا أنّها تلك الإنسانة المهذبة ذات الأخلاق الفاضلة التي لم تأبه لما تعرضت له من كلام (محمود)، بل على العكس فقد كانت تشعر بالأسى على تصرفاته الغير لائقة، كما أنّها استطاعت أن تغير مجرى حياته عندما دار حديث بينهما، وكيف تحولت حياته من الحياة العبث واللهو والمجون، إلى الحياة التي كانت تحمل الجدية بين طياتها. كيف أنّها وجهته لقراءة ما ينفعه من الكتب المفيدة. وكيف وجهته أيضاً لقراءة رواية (البؤساء) لفيكتور هيجو، وقالت له بأنّها مدرسة إنسانيّة رائعة، وهي كفيلة بإرواء ظمأك إلى العلم والمعرفة .

 

الثانية: التشخيص بتصوير الأفعال:

تعد هذه الطريقة واحدة من أفضل وانجح الطرق لكشف الشخصية القصصيّة ودخيلتها. فما تفعله الشخصية القصصيّة أو تخفق في عمله أو ما تختار أن تفعله، له دلالات واضحة على نفسيتها وتركيبها العقليّ والعاطفيّ. ويعني هذا أنّ الأحداث الخارجيّة والاستجابات الظاهرة يمكن استخدامها وقياسها ومساواتها بالواقع الداخليّ لنفسية الشخصية القصصيّة. فالأحداث الخارجيّة تكشف البنية الداخليّة للشخصية (80).

وفي الرواية ــ موضوعة الدرس ــ نجدُ أنّ الكاتبة قد استخدمت طريقة التشخيص بتصوير الأفعال، كيما تظهر الدلالات الواضحة لشخصيات الرواية من خلال حركتها وأفعالها ومدى استجابتها للمؤثرات الخارجيّة.

فالأخلاق النبيلة، ورقة القلب، ووداعة الأسلوب التي امتلكتها (نقاء) صورتها الكاتبة من خلال عدة مواقف، كانت محطات يقف عندها القارئ ليكتشف الواقع الداخليّ لنفسية هذه الشخصية.

وكذلك حادثة (قرط الماس)، وكيف أصبح لفعل (نقاء) تجاه المرأة المسكينة من هزةٍ أيقضت في (محمود) ضمير الإنسان، بعد أن كان غارقاً في توهمات زائفة.

 

.....................

الهوامش:

1- بنية الشكل الروائي، حسن بحراوي، ص 20.

2- البنيويّة في الأدب، روبرت شولتز . ترجمة حنا عبود: ص 41.

3- سعيد يقطين، قال الراوي: ص 87 .

4- للتمييز بين التصورين ينظر:

أ‌. سعيد يقطين، قال الراوي: ص 90 .

ب‌. نظرية الرواية، عبد الملك مرتاض،: ص 85 .

ت‌. النقد البنيويّ والنص الروائي، محمد يويرتي: ج2 /ص70 .

5- في مفهوم الشخصية الروائية، د. إبراهيم جنداري، مجلة الأقلام، عدد 2 / لسنة 2001: ص 11 .

6- دراسات في القصة العربية الحديثة د. محمد زغلول سلام،: ص 14-15 .

7- الصحاح، الجوهري، تحقيق: احمد عبد الغفور عطار، مادة (شخص) ج3/ ص1042.

8- معجم مقاييس اللغة، ابن فارس تحقيق عبد السلام هارون، مادة (شخص) ج3/ص254 .

9- لسان العرب، ابن منظور مادة (شخص): ج7 / ص 45 .

10- جوانب من شعرية الرواية، احمد صبرة، مجلة فصول، العدد 4 لسنة 1997: ص 47 .

11- الرائد، مادة (شخص).

12- الصحاح في اللغة والعلوم، مادة (شخص).

13- معجم المصطلحات العربيّة في اللغة والأدب، مجدي وهبة، كامل المهندس: ص 208.

14- معجم المصطلحات الأدبيّة المعاصرة: ص 126.

15- الشخصية المسرحية، عالم الفكر، مجلد 8 العدد 4، لسنة 1988: ص 115.

16- ضحك كالبكاء، إدريس الناقوري، دار الشؤون الثقافية (العامة) بغداد: ص 197 .

17- ضحك كالبكاء، إدريس الناقوري: ص 194 .

18- نظريات السرد الحديثة، والاس مارتن ت .د . حياة جاسم محمد، ص 157 .

19- عالم الرواية: ص 136 .

20- قصص الحرب للاطفال في العراق 1980-1988، هاتو حميد حسن الازيرجاوي، رسالة ماجستير على الآلة الكاتبة، كلية التربية – جامعة البصرة، 1996: ص 85 .

21- الاتجاه الواقعي في الرواية العراقيّة، عمر الطالب: ص 20.

22- عالم الرواية: ص 136 .

23- القصة القصيرة وقضية المكان، د. سامية احمد، فصول مجلد الثاني لسنة 1982: ص182 .

24- البناء الفني لرواية الحرب: ص 85 .

25- مصطلحات ومفاهيم في علم السرد، د. حسين عبود، بحث لم ينشر .

26- فن القصة القصيرة بالمغرب، احمد المديني: ص 37 .

27- المؤلف الضمنيّ: هو تجل مثالي للمؤلف الحقيقيّ، بمعنى أنّ المؤلف الحقيقي لا يظهر في كتاباته إلا بصورة مثاليّة يقوم بتخيلها ذهنياً في أثناء الكتابة والمؤلف الضمني مكون نصب بمعنى انه موجود داخل النص الأدبيّ السرد غالباً).

28- النقد التطبيقي التحليليّ: ص 68.

29- (دور الشخصية في رواية الفضيلة تنتصر)، د. حسين عبود، بحث مقدم في ندوة قسم اللغة العربية   كلية التربية عن المرجع الشهيد السيّد محمد باقر الصدر لسنة 004 .

30- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 18، دار الكتاب الإسلاميّ،ط 2004 .

31- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 20، دار الكتاب الإسلاميّ،ط 2004 .

32- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 20، دار الكتاب الإسلاميّ،ط 2004 .

33- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 21، دار الكتاب الإسلاميّ،ط 2004 .

34- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 82، دار الكتاب الإسلاميّ،ط 2004 .

35- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 84، دار الكتاب الإسلاميّ،ط 2004 .

36- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص:166، دار الكتاب الإسلاميّ،ط 2004 .

37- فن القصة، محمد يوسف نجم، ص: 100 .

38- فن القصة، محمد يوسف نجم، ص: 103.

39- القصة وتطورها في الأدب العربي: مصطفى علي محمد ص:27.

40- نظرية الأدب، ص: 285 .

41- بنت الهدى وجماليات القصة، د. ماجدة محمود، مجلة رسالة التقريب، (العدد 31) السنة الثامنة.

42- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص:175، دار الكتاب الإسلاميّ،ط 2004 .

43- أدب يعرب السعيديّ القصصيّ ـ دراسة في البنية السردية ـ، نجوى البياتيّ،

رسالة ماجستير على الآلة الكاتبة مقدمة لمجلس كلية التربية ص 56 .

44- تطور البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة 1948 -1985 ص 32 . شريبط احمد شريبط، منشورات اتحاد الكتاب العرب لسنة 1988 .

45- دور الشخصية في رواية الفضيلة تنتصر د. حسين عبود، بتصرف.

46- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 27 .

47- تطور البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة 1948 – 1985، ص:32 .

48- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 137 .

49- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص:95 .

50- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 119-120 .

51- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 122 .

52- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 123 .

53- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 123 .

54- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 123 .

55- تطور البنية الفنية في القصة الجزائريّة المعاصرة 1948- 1985، ص:32

56- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص:25 .

57- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص: 89 .

58- بنت الهدى وجماليات القصة، د. ماجدة محمود، مجلة رسالة التقريب، (العدد 31) السنة الثامنة.

59- محاضرات في الأدب العربي المعاصر – 1983 – 1984، د. نسيب نشاوي- جامعة عناية – الجزائر .

60- يوسف إدريس – كاتب القصة القصيرة، محسن بن ضياف، ص:89 دار بو سلامة للطباعة والنشر – تونس 1985 .

61- فن القصة، احمد أبو السعود (ط1) – 1959 – ص:10.

62- نفس المصدر السابق.

63- تنظر، رسالة منه مؤرخة بالجزائر في 20/3/1983 م.

64- تنظر، رسالة منه مؤرخة بالجزائر في 30/3/1980 م.

65- فن القصة، محمّد يوسف نجم، ص:98.

66- دليل الدراسات الأسلوبيّة، د.جوزيف ميشال، ص:7.

67- البناء الفنيّ في الرواية التأريخيّة العربيّة، دراسة مقارنة، خالد الساعديّ، رسالة ماجستير على الآلة الكاتبة.

68- في مفهوم الشخصية الروائيّة، د.إبراهيم جنداري.

69- الشخصية في القصة القصيرة، ص: 118.

70- النقد التطبيقيّ التحليليّ، ص: 68.

71- في مفهوم الشخصية الروائيّة، د.إبراهيم جنداري، ص:14.

72- النقد التطبيقيّ التحليليّ، ص: 69.

73- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص:7.

74- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص:152.

75- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص:154.

76- الفضيلة تنتصر، بنت الهدى، ص:163.

77- النقد التطبيقيّ التحليليّ، ص: 69.

78- النقد التطبيقيّ التحليليّ، ص: 70.

79- النقد التطبيقيّ التحليليّ، ص: 71-72.

80- النقد التطبيقيّ التحليليّ، ص: 73.

 

الكتابة السردية في الأدب المغربي الحديث

mustafa alghorafiتندرج دراسة الباحث أحمد المديني الموسومة بـ ''الكتابة السردية في الأدب المغربي الحديث- التكوين والرؤية'' (مكتبة المعارف، الرباط - 2000) ضمن أفق تحليلي يروم بناء معرفة دقيقة ومتعمقة بالمنجز الذي راكمه المبدعون المغاربة في مجال الإنتاج السردي في الفترة الزمنية الممتدة بين 1956-1980.

تكشف ملابسات السياق التاريخي والثقافي الذي اشتبكت معه أسئلة الكتاب وانبثقت عنه ظروف التأليف أن الباحث رمى من تخصيص أطروحته الجامعية لفحص خصائص ومميزات الظاهرة السردية في المغرب إلى دراسة الإنتاج القصصي والروائي المغربي بوصفه حقلا نصيا ذا امتياز بغية حصر إشكالاته الأساس واختبار الإوليات المتحكمة فيه (ص5).

يمكن إجمال إشكال البحث في محاولة تتبع واستقصاء حضور البعد الواقعي في المتن المدروس من أجل الاستدلال على هيمنة الرؤية الواقعية التي تحضر في نصوص السرد المغربي بصورة لافتة حيث يكشف النظر إلى نصوص السرد المغربي منذ فترات التشكل إلى مرحلة التبلور أن الواقعية مثلث نمطا مهيمنا إلى درجة تدفع إلى التساؤل عن نصيب التخييل داخل المنجز السردي المغربي. ويصبح هذا الإشكال أكثر إلحاحا عندما نستحضر خصوصية التشكيل النوعي في العمل السردي الذي يتحدد من الناحية الإجناسية باعتباره نوعا أدبيا منضويا ضمن ''التخييل'' مهما تجذر في الواقع ومهما أعلن انتسابه إليه.

يمكن تلمس العوامل المفسرة للهيمنة التي فرضتها الرؤية الواقعية على المتن السردي المغربي في ملابسات السياق الثقافي والاجتماعي الذي أحاط بتشكيل الظاهرة السردية في المغرب. لقد ارتبط جانب كبير من الإنتاج السردي في فترة الاستعمار بالإيديولوجيا النضالية التي تشبعت بها الحركة الوطنية. ولذلك وجد كثير من الكتاب في النمط الواقعي أداة نافعة مكنتهم من توصيل رسالة الخطاب الوطني. ومع بداية الاستقلال ستظهر الحاجة ماسة إلى التعبير عن الحقيقة الاجتماعية عبر التمثيل السردي باعتباره الوسيلة المثلى لوصف أحوال وأوضاع مجتمع تعتمل داخله جملة من التصورات السياسية والتوجهات الإيديولوجية المتعارضة.

لقد كان مفهوم الأدب، كما تبلور عند كتاب هذه الفترة، يقوم على تصور أساسه التزام الكاتب كليا بقضايا مجتمعه ووطنه " لقد عاش الكاتب المغربي وخرج نتاجه من أعطاف حركة اجتماعية وسياسية أرادت، باسم إيديولوجية وطنية ذات مكونات عقيدية وثقافية وسياسية، أن تخضع كتابته لتصور معين عن التغيير. وما كان المحيط السوسيوثقافي ليعترف للكاتب بوضع مستقل، وبالتالي بعالم ومتخيل خاصين به'' (ص64). وقد اقتضى هذا الوضع تسخير الكتابة السردية، التي شكلت القسم الأوفى من الإنتاج الأدبي في هذه الفترة، لخدمة قضايا سياسية وثقافية واجتماعية هدفت بالأساس إلى إقرار الديمقراطية ومناهضة الظلم الاجتماعي الذي عانت منه شريحة واسعة من المجتمع.

لقد شكلت هذه المعطيات إطارا ملائما لمناقشة النمط الواقعي الذي فرض هيمنته على الإنتاج السردي المغربي بسبب ارتباطه الوثيق والمباشر في كثير من المناحي، بالالتزام الاجتماعي، حيث توخى الكاتب من هذه المناقشة لوضع الخطاب النقدي وعلاقته بالإنتاج السردي المغربي أن يبرهن على فكرة مركزية مثلث عصب البحث وركنه الأساس. يتعلق الأمر بمحاولة رصد وتشخيص صعود تيار تجديدي ثقافي وأدبي في فترة الأربعينات موازيا لحركة يقظة وطنية عامة (ص5) مثل سياقا مناسبا لانتماء المنجز الأدبي والنقدي في تلك المرحلة إلى تصور يندرج ضمن إطار عام عرف بالأدب الواقعي الملتزم. وقد نجم عن هذا الوضع أن غدت مختلف أشكال الكتابة الأدبية وسيلة ملائمة لإنتاج قيم اجتماعية لا تنفصل عن الوعي الذي تستلزمه القضية الوطني. ولذلك طغى على الأنواع الأدبية في هذه الفترة البعد الوظيفي الذي فرض هيمنة واضحة للرؤية الواقعية التي مثلث أداة نافعة مكنت كتاب السرد في هذه المرحلة من توصيل المضمون الاجتماعي والسياسي وبث الوعي بخصوصية اللحظة التاريخية ومعالم الهوية الوطنية.

وبذلك يغدو الإنتاج الأدبي وما يوازيه من تنظير نقدي سبيلا للتفكير في القضايا التي يثيرها التأمل في نشأة الأنواع الأدبية ومحاولة تفسير الحاجة التي استدعت صعود أشكال بعينها حظيت باهتمام جماعة التلقي التي تعمل من خلال الاستجابة لما يقترحه النوع من جماليات على تكريسه وترسيخه لكونه يستجيب للذوق الأدبي السائد. فقد أشار جورج لوكاتش إلى أن نشأة الأنواع لا تنفصل عن السياقات الثقافية والتاريخية التي تتفاعل معها وتنبثق عنها، حيث فسر ظهور الرواية بأنها استجابة لحاجة البورجوازية الأوربية الصاعدة. إنها ملحمة البورجوازية مثلما ظهرت الملحمة في العصور القديمة استجابة لاهتمامات وحاجات قراء تلك الفترة. ومن هنا يمكن تفسير احتلال الكتابة السردية لمركز الإنتاج الأدبي المغربي في هذه الفترة بملاءمة هذا الشكل التعبيري لتوصيل المضمون الاجتماعي الموجه من قبل الرؤية الواقعية؛ فالسرد كما هو معروف يمثل الإطار المناسب لأدب الالتزام في حين يظل الشعر بسبب خصائصه النوعية وطبيعته التكوينية بعيدا عن النهوض بالفعل التحريضي على نحو مباشر.  

لقد اختار الباحث من أجل تمحيص فرضيات البحث متنا سرديا تمثيليا يتكون من نصوص تنتسب إلى جنسين أدبيين هما القصة القصيرة والرواية متوخيا من ذلك استخلاص أهم المبادئ التي ميزت الكتابة السردية في المغرب وتحكمت في إنتاجها، حيث تكشف المعاينة الدقيقة لمتن الدراسة أن الباحث معني بمحاولة استخلاص خصائص الكتابة السردية في المغرب من خلال تتبع واستقصاء عنصرين مترابطين ومتلازمين أولهما مفهوم "التكوين" الذي يعتني ببحث شروط نشأة الأنواع الأدبية وظروف تشكلها. أما الثاني فيتعلق بمفهوم "الرؤية" الذي ينشغل بفحص العلاقة الصريحة أو الضمنية التي يمكن تصل بين المتون السردية من جهة وبين الواقع الاجتماعي والثقافي الذي تحاوره وتتجادل معه من جهة ثانية. ولذلك مثلت الدراسة مراوحة منهجية بين هذين المفهومين (التكوين والرؤية) من أجل الاستدلال على الفرض المنهجي الذي انطلق منه البحث ممثلا في هيمنة الرؤية الواقعية على الكتابة السردية المغربية قياسا إلى باقي التيارات والصيغ الأدبية الأخرى. إذ صرح الباحث أنه اعتمد في دراسة الظاهرة السردية منهجا يقوم على ''المقاربة المباشرة للنص السردي بتحليل ودرس نشأته وتركيبه الفني، والعناصر الدالة المعبرة عن المبتغى الواقعي فيه'' (ص83). ولا يعني التركيز على الجوانب الواقعية إهمال الأبعاد الجمالية في النصوص السردية المدروسة. فقد ذكر الباحث أن ''إبراز القيم الجمالية لهو في قلب مسالة الواقعية ونحن على وعي كامل بما يشكله طرح مماثل في تكون الرؤية الواقعية في مضمار الكتابة السردية'' (ص59) ولذلك اعتنى بإبراز المكونات التحديثية في السرد المغربي انطلاقا من وعي نقدي يؤمن بأن التركيز على الجانبين المضموني والدلالي ليس كافيا لوحده، لأن الظاهرة الأدبية تتوفر على عناصر أخرى تمنحها فرادتها التعبيرية وتعين لها هويتها الإبداعية. الأمر الذي يستوجب إخضاع الكتابة السردية في المغرب لتأمل نقدي يمكن من ''تشخيص هويته الحقيقية المتجاوزة لمجرد معاينة وجوده، في هذا الاتجاه يصبح الكلام عن الأدب المغربي الحديث بمثابة النظر إليه ككيان نصي ينتمي إلى فلك التحديث؛ أي إلى أفق جديد للكتابة مع كل ما ينطوي عليه هذا الوضع ويستلزم من قطائع وتخطيات بالقياس إلى قواعد ومفاهيم جاهزة مسبقا'' (ص55).

لقد تمكن الإنتاج السردي مع توالي التجارب والأجيال من بلورة وعي إبداعي أتاح له تجاوز الكتابة الأدبية المشروطة بالالتزام الاجتماعي إلى كتابة تطمح إلى استشراف آفاق الحداثة الأدبية. وبذلك بات الأفق الإبداعي لا ينحصر في الرؤية الواقعية أو الإطار المرجعي الذي يمثل ''خارج النص'' ولكنه أصبح يتجسد نصيا عبر جملة من العناصر والصيغ الأدبية مثل التقنية السردية والطرائق الأسلوبية والرؤية الإبداعية للكاتب.

   تتبع الباحث تجليات الرؤية الواقعية في عدد من الأعمال السردية المغربية. وقد تجسد ذلك بشكل واضح في النصوص التي تلوذ بالوقائع التاريخية من أجل تشييد محتملها الإبداعي، حيث لجأ كثير من كتاب القصة في هذه الفترة إلى استدعاء المادة التاريخية وإعادة تكييفها بما يتلاءم مع شروط ومتطلبات الزمن الحاضر. وإذا كان هذا النمط من السرد حافلا بالإشارات التاريخية المؤطرة للمحكى، فالنظر الدقيق يكشف أن المتن التاريخي مسخر في هذه النصوص من أجل خدمة غايات محددة تمثلت في تمجيد قيم الماضي كما هي الحال في "وزير غرناطة" لعبد الهادي بوطالب، والتعبير عن قصص غرامية مشوقة ومن نماذجها ''الجاسوسة المقنعة'' و''غادة أصيلة'' لعبد العزيز بن عبد الله. وفي مجال الرواية تجسدت الرواية الواقعية في جملة من الأعمال المنضوية ضمن الميثاق السيرذاتي الذي اعتبره الباحث تيارا غالبا على الكتابة السردية المغربية لدرجة أمكن معها القول إن قسما كبيرا من الإنتاج الروائي المغربي لا يعدو أن يكون عند التحقيق تنويعا على الإيقاع الأوتوبيوغرافي. ومن النماذج التي توقف عندها الباحث من أجل الاستدلال على هذه الفكرة نصوص عبد المجيد بنجلون وعبد الكريم غلاب ومحمد الحبابي.      

 

لقد أثارت دراسة المديني طائفة من الأسئلة النقدية التي يستدعيها الفحص المتأني للأفق الإبداعي الذي اجترحته الكتابة السردية في المغرب خاصة ما تعلق منها باستقصاء ظروف النشأة والتطور ومحاولة تفسير العوامل التي فرضت هيمنة الرؤية الواقعية على نصوص الفترة المدروسة.

 

الدكتور مصطفى الغرافي

   باحث من المغرب

 

رواية (الملهمات) والصراع الخفي بين المغربيات والخليجيات (2)

alkabir aldasisiبعد تتبع المضامين والقضايا التي عالجتها رواية الملهمات للروائية المغربية فاتحة مورشيد ومناقشة قضاياها، نواصل في هذا الجزء الثاني كما وعدنا قراءنا بمعالجة قضية تبدو ثانوية في الرواية، لكن ثانويتها لا تعني عدم وجودها، من حيث قصدت الكاتبة أم لم تقصد يتعلق الأمر بصراع خفي بين المرأة المغربية والمرأة الخليجية.

فإذا كانت المرأة المغربية كثيرا ما تعرضت لانتقادات من طرف الخليجيات ووصلت الاتهامات حدود التجريح والقذف في الشرف والعرض، فهل يمكن اعتبار رواية الملهمات رد أدبي على تلك الاتهامات؟ إذ من حق القارئ طرح السؤال التالي :لماذا اختارت كاتبة مغربية أن تقتل قلمي إدريس على يد امرأة سعودية مطلقة بأربعة أبناء وهو الذي عاشر نساء من عدة جنسيات كلهن ألهمنه عدا رجاء؟؟

ولعل ما يشرعن هذا السؤال هو تلك الطريقة التي قدمت بها الروائية المرأة السعودية فجعلتها غير ملهمة ولا ذات مواهب بل إنها المرأة الوحيدة المطلقة في الرواية، كما ربطت الرواية طلاقها بمسائل جنسية، وفي ذلك رسائل مشفرة وواضحة إذا ما قورنت رجاء بأمينة المرأة المغربية التي كانت تعلم بخيانات زوجها ومع ذلك حافظت على أسرتها ووحدة بيتها ، بل وقفت إلى جانب زوجها وتسترت على عشيقته الميتة في الحادثة التي أدخلت الزوج في غيبوبة.

ولعل من مظاهر هذا الصراع الخفي في الرواية طريقة الوصف وسرد الأحداث، والتجربة التي اختارتها الكاتبة لإدريس في الخليج: فالكاتبة تصف إدريس في الخليج كأنه وجد في بلد " حقا الأدب (فيه) لا ثمن له " بمعنى أنه منعدم القيمة)[1] ففي الخليج حسب الرواية ( كل شيء تشتهيه نفسك ، من أكل وشرب لك بالمجان باستثناء المشروبات الكحولية وفي الوقت نفسه تجد في متناول يدك بالغرفة الباذخة "مني بار" مملوء عن آخره لكنك لا تستطيع أن تطاله يدك لأنك الزبون الخطأ الذي سقط سهوا في أعلى درجات العز) [2] لذلك شبهت الرواية إدريس في الخليج أمام توفر كل شيء وحرمانه (كمن وضعوه في الجنة وفقؤوا عينيه)[3] متسائلا ( أنحتاج النقود في الجنة؟؟)

وتتضح ملامح هذا الصراع الخفي عند تقديم رجاء للقارئ تقول على لسان إدريس ( كعب عالي أحمر ...ساقين مفتولتين، ثم خصرا رقيقا .. صدر نصف عار... ظننتها في البداية لبنانية الجنسية نظرا لأناقتها الكاشفة لكنها كانت سعودية تعيش وفق قوانينها الخاصة خارج بلدها)[4] وهو كلام لا يحتاج ذكاء كبيرا لكشف هذا الصراع وكأننا بالكاتبة تريد القول إن السعوديات تنقصهن الأناقة والرشاقة ، وأنه لا يخطر ببال أحد سعودية بهذه الأوصاف.

وفي وصف رجاء بكونها (مطلقة ولها أربعة أطفال يعيشون مع والدهم بجدة) [5] إشارة إلى تفضيل المرأة الخليجية لحياتها الخاصة على حساب أبنائها وأسرتها وهو عكس ما قدمته الرواية من خلال شخصية أمينة التي استطاعت إنجاح أبنائها والصبر مع وزجها الخائن حفاظا على مستقبل أبنائها الذين يتابعون دراساتهم العليا بالخارج ، في وقت تركت رجاء أبناءها مع أبيهم بجدة ( والحضانة في الأصل للأم) وذهبت وراء مصالحها الخاصة والاستمتاع بما حرمها منه المجتمع السعودي هاربة من (الوسط يحد من حريتها)[6]

 

وتتجلى الصورة أكثر في تقديم الرواية لكل النساء كملهمات سعى خلفهن إدريس واحتاج لتناميق الكلام للظفر بعلاقة جنسية معهن ، بينما رجاء هي من قدمت إليه في الفندق، وكانت كقناص يتربص بطريدته تقول الكاتبة (كانت تعي وقع جمالها على الآخرين وتعرف كيف تتعامل مع طريدتها)[7]

كل ملهمات إدريس كن أصيلات قدمن فنا راقيا وأصيلا، هناء ألهمته كاتبة القصة القصيرة، ياسمين كاتبةُ قصة وكانت السبب في أول مجموعة قصصية يصدرها ، شروق مغنية وألهمته أول رواية وإن جاء تأثيرها متأخرا لكنه اعتبرها ملهمة ودواء ف(الإلهام كالدواء قد يأتي مفعوله متأخرا) ، وثريا زوجة شاعر ومنظمة حفلات ثقافية ، ريجينا فنانة تشكيلية ، جون اليابانبة مغنية سوبرانو ومغنية أوبرا وحتى زينة الخادمة قدمتها الرواية طباخة ماهرة قدمت لإدريس ما لم يحلم به يوما وجعلته يقول فيها (لأول مرة عرفت متعة أن تهتم امرأة بحاسة ذوقي، معها أحسني بدائيا أقرب ما أكون من الطبيعة .. كان مجرد حضورها بالشقة يجعل قلمي ينطلق وتطيعني الكتابة ... كانت تخلق حولي عالما قريبا من رغباتي الحقيقية) [8]

في مقابل كل ذلك قدمت الرواية رجاء المرأة السعودية كامرأة لا تملك شيئا سوى جسدها ، وحتى عندما حاولت إثارة الأستاذ الناجح يقول ( طلبت مني أن أجلس وأستمتع بالنظر إليها، وهي ترقص على إيقاع موسيقى غربية تنزع ثيابها بطريقة فنية كمحترفة "ستريبتيز")[9] شرقية ترقص على موسيقى غربية مثل محترفة ستريبتيز صورة هجينة لا أصالة فيها ولا ولا دفء عاطفي مادمت المرأة محترفة استعراض ..

ويظهر بعض ذلك الصراع الخفي في وصف الملابس، والنساء في هذا الوصف يدركن المغزى ، فرجاء ( وعندما نزعت ثبانها أو ما يشبه ذلك ظهر وشم في أسفل البطن) الرواية وصفت اللباس - الذي يفترض فيه أن يكون مثيرا- بنوع من السخرية (ثبان أو ما يشبه ذلك) وكأن الكاتبة تعمدت عدم التلميح لأية أشارة أو إثارة جنسية..

وفي الوقت الذي تعاملت كل نساء الرواية مع اللقطات الحميمية بعفوية وعشن اللحظة مفتخرات بأنوثتهن، كانت المرأة الخليجية تكثر من الحديث عن أعضائها التناسلية دون سؤال بل ظلت تعتبر فرجها سبب كل تعاستها تقول الكاتبة في أحد المقاطع (منطقة من جسدها كانت سبب كل مصائبها)....

إن رجاء لم تكن مثيرة للإلهام يقول فيها إدريس (لأول ومرة أمكث في أحضان امرأة .. ولا أحس بأدنى رغبة في الكتابة)[10] بل ورغم تعدد علاقاته الجنسية فلأول مرة يصف السارد فعل الجنس –عندما عاشر رجاء- ب(لذة الضياع) .. رجاء التي انقطع معها رجاء الكاتب في الكتابة والإبداع هي من استدرجته للجنس وهي حائض فاختارت الكاتبة على لسانها أحسن الأوصاف لوصف دم الحيض ( أصبحت الإفرازات رحيقا، ودم الحيض نبيذا أحمر يسيل من جداولي مرة في الشهر ليذكرني بأنوثتي التي اخترت أن أكونها)[11] انظر كيف اختارت الكاتبة ( النبيذ والرحيق) وتجاهلت كل المؤشرات الأنثوية في جسد المرأة ولم تجد إلا دم الحيض ليذكرها بأنوثتها وكأنها تتغيى توريط رجاء بل أكثر من ذلك جعلتها تصرح أن ( أن كل حيض يحررني من أمومة استعبدتني)[12]

يبدو إذن من خلال رواية الملهمات أنها تتضمن صراعا خفيا ورسائل مشفرة تارة وأخرى واضحة من كاتبة مغربية إلى المرأة الخليجية، بإبراز رجاء مختلفة عن كل نساء العالم من المغرب أوربا وآسيا في هيأتها ، وضعها الاجتماعي والأسري، في علاقتها بالرجل، وكونها سببا في قتل الإبداع ، وتعطيل الفن وقطع النسل فبعدما كان إدريس فحلا فارسا جعلته رجاء بدون أمل في الكتابة، ولا رجاء له في النسل و في الحياة .

 

..................

[1] - ص 160

[2] - ص – 160

[3] - ص- 161

[4] - ص - 161

[5] - ص - 161

[6] - ص- 161-162

[7] - ص - 162

[8] - ص – 86 - 87

[9] - ص - 162

[10] - ص - 162

[11] - ص - 163

[12]

(انتِ تشبهينني تماماً) لسعد جاسم .. طقسٌ انثوي يُشبهُ قصيدة واحدة

saleh alrazukصدرت للشاعر سعد جاسم المقيم في كندا مجموعة من الأعمال الشعرية التي تعد على رؤوس الأصابع.

حيث إن هذه الندرة برأيي مسؤولة عن حالة التشابه في الصور والترادف بالمعاني.

فهو لم يغادر دائرة الغزل المادي والوطنيات التي تملأ قلبه بالشوق والحنين مع ميل جارف للحزن ووالبكاء.

إنها تجربة كل من يعيش في المنفى ويجد الأواصر تبتعد والينابيع تجف وتتحول لمجرد أشباح وأطياف.

و لكنه في ديوانه الشعري الأخير (أنت تشبهينني تماما)، الصادر عن دار الحضارة بالقاهرة (١١٠ ص، غلاف ستار كاووش)، يفاجئنا بتطور نوعي.

فقد أبدى شيئا من الاهتمام بتكوينات القصيدة المستمرة. بمعنى أن القصائد المستقلة لا تتراكم ولكنها تتسلسل لتصنع في النهاية طقساً عضوياً يشبه قصيدة واحدة.

و هذا إن ذكرنا بشيء يذكرنا بالجو الملحمي لمشهد الشعرية في الثمانينات، حين اختار الشعراء ثلاث نقاط استناد:

الأولى هي الصور المادية، وبالأخص كل ما له علاقة بالطقوس ومبدأ إشباع اللذة الفرويدي. ولكن التي ألبسوها لبوسا رمزيا.

فقد اعتمد في مجموعته على الاستعارة من ما يقبله المنطق والعقل للحديث عن سيرة غرائز لا شعورية. مع التنويه أن العلاقة ليست علاقة جزء بكل، حسب قانون الحداثة المعروف، ولكنها علاقة تصعيد ومجازفة. لقد كان يقرأ الأفعال وكأنها نعوت، أو أنه يفسر الوظائف في البنية وكأنها دلائل في نفس البنية.

و في هذا السياق أصبح الحب الليلي (مجريات وأحداث غرف النوم) نوعا من العبادة. كما في قوله:

تحيلين الليل مملكة للطقوس (١).

و تعرية المرأة أصبحت ترادف تقشير الثمار والتهامها كقوله:

تعالي

لتنطق أشجاري

لغة ثمارك المشتهاة (٢).

و قوله أيضا:

سأشم وردتكِ الساطعة

وأقضمُ تفاحتَكِ الشهيّة

أرتشفُ عسلَكِ الأشقر

إنه حب لذي وفموي. وغالبا يماهي بين العواطف والوجدان وبين الغرائز والحواس. وعليه لا تخلو صورة أو صفحة من كلمات لها علاقة بالثنائي المعروف : المرأة والطعام. أو ما يمكن أن نسميه باستراتيجية الحدود والثغور. وكل ارتباطاتها كالإيلاج والكمون والسكن، إلخ.

فهو قارب نافر وهي نهر دافئ وحنون (٣)، وهو المنفى وهي بريق المرايا (٤).

وهي الوطن وهو الذي يسكن فيه (٥).

النقطة الثانية : هي أخلاق التصوف والتنسك. فالشاعر يلح في كل لحظة على عزلته واغترابه، ثم على عفته عن الدنايا والترفع عن الآثام والأخطاء.

و لتبرير اهتمامه بمحاسن معشوقته يصورها كتوأم لروحه المتألمة والضائعة (و هذا يفسر عنوان المجموعة: أنت تشبهينني تماما).

ناهيك عن التفسير الإلهي للحب. فهو يؤكد أنه جزء من إرادة الله. ألم يذكر في قصيدة (ملائكة الثلج والنبيذ): إن الله تجلى له ، وخلق هذه المرأة من أجله؟..

و هنا أضع خطا أحمر تحت هذه المفردات.

فالاتكاء على مفردات التبتل والورع في سياق العشق والوجد يضع المعاني في مواجهة ذاتها. ولا شك ترتب على ذلك تصعيد مفاتن المرأة وأماكن العيب. وهذا بواسطة التماهي مع الطبيعة بمطلق المعنى، ومنها الطبيعة الإلهية، التي يرى المتصوف أنها في الأشياء وفي الذات.

و هنا أنوه أن سعد جاسم استعمل في هذه المجموعة العبارات والصيغ الوجودية ذات المضمون التنسكي. وبنفس الطريقة التي ابتكرها في الثمانينات السوري نزيه أبو عفش في درة أعماله (الله قريب من قلبي).

و أعتقد أن تحميل سلوك المحب لأخلاقيات العبادة فتح الباب على وسعه لتوظيف مفردات طقوسية مثل قوله: تبارك بك الحب (٦)، وقوله: كركراتك التي نحبها أنا والله (٧).

أو قوله:

مباركة بصلواتي

و آيات دمي (٨) .

و ليس في ذلك غضاضة. فلطالما كانت المرأة الولود والمرأة الفاتنة الحسناء رمزا من رموز المقدس. أو جزءا لا يتجزأ من عرش العبادات والطاعات.

و هكذا أصبح ما فوق الطبيعة جزءا من تفسيرنا الموضوعي لأنفسنا. وأصبحت أزمة الندرة، وما يترافق معها من شقاء، أزمة وجود ونفس. ولها علاقة بالاضطرابات العامة التي تسببت للجيل كله بالعطب وليس لشريحة منه فقط. وكما أرى أعاد سعد جاسم في هذه المجموعة تصميم معادلة نزيه أبو عفش عن الزمان الضيق والأرض الواسعة. وألقى باللوم على مفهومنا للتاريخ وليس على التاريخ ذاته.

النقطة الثالثة والأخيرة هي تجسيد العواطف وتبرئتها.

لقد حاول الشاعر في قصائده أن يبتعد عن لغة السياسة ولكن هذا لم يمنعه من التغزل بالوطن وتقريع السلطات التي تهاونت في الدفاع عن " الحياض"(٩).

و لقد دخل إلى هذا الموضوع من باب إسقاط حبه للمرأة على حبه للوطن. وهكذا تحول الغزل الإيروتيكي بطابعه وضرورته إلى أناشيد وطنية يغلفها الحنين للماضي وللأرض والعناصر.

من ذلك قوله مثلا:

أرتقي معارجك

جبلا.. جبلا

وكوكبا.. كوكبا

و فردوسا وآآآه

أكتشف قارتك

مسامة مسامة

وحقلا حقلا

ونهرا نهرا...(١٠).

و لكن لا بد من التنويه أن هذه المعاني كانت مكشوفة في مجموعاته السابقة مثل (موسيقا الكائن)(١). هناك تجد كلاما مسهبا وإشارات واضحة عن الحرب والعسكرتاريا والهزائم والدم والدخان. ولكن في هذه المجموعة كل شيء يتحرك على السرير. فالوصال يعني الرخاء والرفاهية والحب الممنوع يعني الظلم والطغيان.

و إذا كانت الفكرة بحد ذاتها معروفة في الشعر العالمي والعربي (في الذهن إلزا وأراغون، وماتيلدا ونيرودا، ثم بلقيس ونزار قباني، ويمكن أن أضيف يونس بن ماجن وإدريسية التي رحلت وتركت في قلب الشاعر فراغا غامضا لا يمكن التفاهم معه لأن فكرة الغياب بحد ذاتها حفرة مبهمة ليس لها مغزى مقبول)، فإن سعد جاسم أضاف لما سلف أسلوب المناجاة الدرامية. فهو يفترض معشوقته بقوة الضرورة، ولا يشخصنها. وهذا يضع تصوراتنا عن امرأته في نطاق المعاني وليس الحدود. إنها اختصار لمعنى المرأة بشكل عام. بينما كل الإشارات عن البلاد والوطن والأرض واضحة ومحددة. ولها صفات نوعية ترتبط بذكريات وتواريخ وأحداث.

لم يناور سعد جاسم في قصائده. واقترب من الموضوع فورا. وكتب للمرأة وبأسلوب مكشوف يكاد يترادف مع رواية جانيت وينترسون (المكتوب على الجسد)(١٢). غير أن هذه الرؤية اللذية الشديدة الضراوة بماديتها، لم تكن إلا مقدمة لمضمون سرعان ما يفرض نفسه.. في حالة (ونترسون) الكشف عن ضعف الإتسان أمام العلل والأمراض وبالتالي أمام شرور البشرية. وفي حالة سعد جاسم الانتماء لجسم أو فضاء أو حيز في الظاهر هو امرأة مجهولة ولكن في الحقيقة هو وطنه الغائب، مصدر عذابه ومكابداته.

 

...............

هوامش:

١- قصيدة محروسة بأيات دمي.

٢- قصيدة كرنفالات جسدك وطقوسه.

٣- قصيدة : أنهر فيك بقارب مجنون.

٤- قصيدة: كرنفالات جسدك وطقوسه.

٥- قصيدة: نصوص الحب والخلاص.

٦- قصيدة: أنت تشبهين الحب.

٧- قصيدة: محروسة بآيات دمي.

٨- قصيدة: محروسة بآيات دمي.

٩- لا يستعمل سعد جاسم مفردات البلاغة العربية. ولكن المعنى هو الذي يحيل للسياق. فحداثته لا تدخل في باب لغة عربية وذهن لاتيني كما هو شأن سعيد عقل ويوسف الخال، ولكنها حداثة ذات قريبة جدا من حالة جورج أورويل المنتمي الذي تشرد في أرجاء العالم.

١٠- قصيدة: أنهر فيك بقارب مجنون.

١١- صدر بطبعة إلكترونية عن منتديات الابتسامة عام ٢٠١٣، ثم بطبعة ثانية عن دار الحضارة بالقاهرة، ٢٠١٤.

١٢- written on the body. Jeanette Winterson. Vintage. 2001.

 

ليس الشاعر نحويا

faysalsalem altalawyليس الشاعر نحويا ولا ينبغي له أن يكون كذلك، وإلا فارقه إلهام الشعر الذي لا يرتضي (ضرة)، ولا يقبل المنافسة مع سائر الفنون الأدبية. وعندها يستبدل دفقاته الغزيرة الصافية الصادقة بنتاج صانع محترف، كأنما ينحت كلماته بإزميل نحات ماهر، فتأتي بديعة الشكل والقوام، لكنها جسد خالٍ من الروح، ومن النفس المتوهجة الوثابة.

وقد اختلف الشعراء منذ القدم في طريقة معاودتهم النظر في قصائدهم بعد فراغهم منها، وذلك منذ البدايات الأولى للشعر، فقد وجدت فئة قليلة من شعراء العصر الجاهلي تعاود النظر مدققة فاحصة لقصائدها، مطيلة التأمل والمراجعة حتى سُمّوا (عبيد الشعر)، ومنهم من كان يمضي حولا كاملا في مراجعة قصيدته، حتى سميت قصائدهم بالحوليات، ومن أبرز هؤلاء زهير بن أبي سلمى.

ومن الشعراء من يعاود النظر بعد الفراغ من البيت الواحد أو من القصيدة كلها، مدققا في سلامة كلماتها، وفي مطابقتها للقواعد النحوية خاصة رويّها، ويكتفي بهذه المراجعة السريعة. ومنهم من لا يلقي بالا لذلك، ويترك الأمر على عواهنه، وعلى الصورة التي تفتقت عنها قريحته، وتدفقت على لسانه للوهلة الأولى.

وتبعا لذلك ولأن الغيث لا يخلو من العيث، فإن المتتبع المدقق لا بد وأنه ملتقط لدى كبار الشعراء قبل صغارهم هفوات نحوية ولغوية أحيانا، مَرَدُّ بعضها للغفلة والتسرع وعدم الانتباه، وذلك وارد حتى عند شعراء المعلقات في العصر الجاهلي. فقد روي في كتب تاريخ الأدب أن النابغة الذبياني لما أنشد قصيدته (المتجردة)، التي وصف فيها زوجة الملك النعمان بن المنذر، والتي مطلعها:

من آل ميةَ رائحٌ أو مغتدي         عجلان ذا زادٍ وغير مُزوَّدِ

مضى فيها إلى قوله:

زعم البوارحُ أن موعدنا غدا       وبذاك خبرنا الغرابُ الأسودُ

ولم ينتبه إلى ما في ذلك من إقواءٍ برفع الدال في كلمة الأسودُ على عكس سائر القصيدة، التي رويها دال مكسورة (مُزودِ)، ولاحظ سامعوه ذلك وتهيبوا أن يُخَطِئوه مباشرة، فأوعزوا إلى جارية أن تتغنى بالقصيدة على مسامعه، وتطيل المد في كلمة (الأسودُ) حتى انتبه لخطئه، واستدرك هفوته فقال:

زعم البوارح أن موعدنا غدا          وبذاك تنعابُ الغرابِ الأسودِ

و مثله في ذلك مثل بشر بن أبي خازم الذي نبهه أخوه سوادة: إنك تقوي. قال: وما الإقواء؟ قال: قولك:

ألم ترَ أن طول الدهر يُسلي       ويُنسي مثلما نسيت جذامُ

ثم قلت:

و كانوا قومنا فبغوا علينا         فسقناهم إلى البلد الشآمِ

فلم يعد بعد للإقواء.

وذكر أن بعض شعراء العصر الأموي كان يلحن، ومنهم الفرزدق الذي هجا عبد الله بن يزيد الحضرمي البصري، الذي كان ينتقده ويتعقب لحنه، فقال:

فلو كان عبد الله مولى هجوته     ولكن عبد الله مولى مواليا

فقال له الحضرمي: لحنت. ينبغي أن تقول مولى موالٍ. وذلك بحذف ياء الاسم المنقوص عند تنوينه رفعا أو جرا.

وبعض قمم الشعراء يخطئون في استخدام بعض المفردات، لا تدري أكان الباعث على ذلك سهوا وزلة، أم أن قيد القافية يرغمهم على اختيار الكلمة ولو كانت غير مناسبة، فتأمل قول المتنبي في مطلع إحدى مدائحه لسيف الدولة وهو مطلع ذائع الصيت، حيث يقول:

لكل امرئٍ من دهره ما تعودا

و في ذلك حكمة جرت مجرى الأمثال، لأنها مطابقة لطبائع البشر، حيث أن كل إنسان يسير على ما اعتاد عليه، ومن الصعب تغيير عادات المرء التي ألفها وتعايش معها، لكنه في شطره الثاني الذي أراد فيه أن يخص سيف الدولة بعادة مُشرِّفة، تتسم بدوام الشجاعة والبطولة، ومواصلة مقارعة الأعداء، اختار أن يكمل قائلا:

و عادة سيف الدولة الطعن في العدا

فإذا عدنا إلى معنى طعن في (معجم المعاني الجامع) فإننا نجد:

طعن بالرمح ونحوه: وخز به بغرض القتل

طعنه بلسانه: عابه، شتمه، أساء إليه بالكلام

و في التنزيل الحكيم (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) - الآية 12 من سورة التوبة -. وطعنوا في دينكم: أي عابوه وانتقصوه.

طعن فيه أو في حكمه أو نسبه: عابه وذمه، ويقال : طعن في الانتخابات بالتزوير. طعن في الشاهد: اعترض على شهادته

طعن في الأمر: اعترض عليه، وأثار حوله الشبهات. طعن في السن: هرم وشاخ.

فهل كان سيف الدولة يطعن في الروم بمثل هذه المعاني التي تقدمت لكلمة طعن في؟

الصواب أن يقال طعن سيف الدولة العدا دون حرف الجر في، أما قولنا طعن في، فلا تستخدم إلا للسان، بمعنى ذمه وذكره بسوء، ونحو ذلك طعن في عرضه، وطعن في شرفه، وطعن في صدق حديثه.

فهل هذا ما أراده المتنبي؟ وهل كان سيف الدولة يطعن في أعراض الروم وأحاديثهم بلسانه، أم كان يطعنهم برمحه وسيفه؟

كيف كان صدر البيت يمثل افتتاحية مدوية، وكيف انتهى عجزه ركيكا هزيلا حتى عند شاعر كل العصور، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس؟ إنها الزلات التي لا يفلت منها حتى الكبار.

فإذا انتقلنا إلى أمير شعراء العصر الحديث، وهو المبدع الفرد في تدفق قوافيه، وجمال صوره وسلاسة أسلوبه، وكلماته المنتقاة جزالة أو رقة تبعا للمقام، وانسياب موسيقاه, مع كل ذلك لا نستبعد أن نجد هفوة، كالتي وردت في بيته الذي يحث فيه الشباب على صحبة الكتاب، وتفضيله على غيره من الصحاب في قوله:

أنا من بدَّل بالكتب الصحابا         لم أجد لي وافيًا إلا الكتابا

و قد أراد أن يقول: إنني اخترت الكتب أصدقاء، وتخليت عن صحابي وأنني لم أجد صاحبا وفيا إلا الكتاب.

لكن المعروف أن حرف الجر الباء يدخل على الشيء المتروك، وليس على المأخوذ، وإن أجاز بعض أهل اللغة دخول الباء على المأخوذ، لكن الأبلغ دخول الباء على المتروك لأنه أسلوب القرآن الكريم. ومثال ذلك قوله تعالى: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) - الآية 61 سورة البقرة- وقوله تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار) - الآية 175 سورة البقرة -. فهو يوبخهم في الأية الأولى لتركهم الذي هو خير، واستبداله بما هو أدنى منه، وفي الآية الثانية يتوعد الذين تركوا الهدى وأخذوا الضلالة، وتركوا المغفرة وأخذوا العذاب، يتوعدهم بالنار.

وبالعودة إلى صدر بيت شوقي فإن معناه يصبح تبعا لذلك،(أنا من تخلى عن الكتب، واتخذ الصحاب بدلا عنها) وهو عكس المراد. وكان الأنسب أن يقول لو أنه تروى وأعاد النظر في قصيدته:

أنا من بدَّل بالصحب الكتابا           لم أجد لي وافيا إلا الكتابا

ما سقناه من أمثلة ليس سوى غيض من فيض، وإذا كانت هذه الهنات قد صدرت عن عمالقة الشعراء في مختلف العصور، فما بالك بغيرهم من سائر الشعراء؟

ومن يتتبع شعراء المهجر مثلا، يجد عندهم ما لا يحصى عده من الأخطاء النحوية والعروضية. وشفيعهم أنهم شعراء فقط وليسوا نحويين، وأنهم قدموا لنا شعرا يتدفق عاطفة بفعل التشوق والحنين إلى الوطن، الذي أكسبتهم إياه غربتهم الطويلة في الأمريكتين، وتلك الروح الإنسانية والنظرات المتفائلة التي تحملها قصائدهم، بفضل اطلاعهم على الآداب الأجنبية وتأثرهم بها، وشفيعهم أنهم لم يحرزوا قسطا وافرا من الدرس والتحصيل، بل اغتربوا مكافحين وراء لقمة العيش، فرققت الغربة والمهاجر أحاسيسهم، فأنطقتهم بالشعر العذب، وقد عبر عن ذلك أحدهم، وهو الشاعر إلياس فرحات، في قصيدته التي سنثبت معظم أبياتها لجمالها وصدقها :

يقولون عمن أخذت القريضَ       وممن تعلمت نظم الدُرر

و أين درست العروض وكيف     تلقفت هذا البيان الأغر

و ما كنت يوما بطالب علمٍ           فإنا عرفناك منذ الصغر

فقلت أخذت القريض صبيا         عن الطير وهي تغني السحر

و عن خطرات عليل النسيم         يمر فيشفي عليل البشر

و عن ضحكات مياه الجداو         لِ فوق الجلامد تحت الشجر

و عن زفرات المحب الأديب       يزاحمه الموسر المقتدر

و عن نظرات الحسان التي         يكدن يغلغلنها في الحجر

و عن عبرات الحزانى الضعاف   ففي عبرات الحزانى عِبَر

كذاك تعلمت نظم اللآلي         لفرط الغرام وطول السهر

لئن كنت لم أدخل المدرسات   صغيرا ولا بعدها في الكبر

فذا الكون جامعة الجامعات     وذا الدهر أستاذها المعتبر

فمن يحي يوما ولا يستفيدُ     فأعمى البصيرة أعمى البصر

فما انتقص شيئا من جمال قصيدته أنه لم يتقن النحو، فلم يجزم الفعل المعطوف على فعل الشرط في صدر البيت الأخير (ولا يستفيدُ) فيجعله (ولا يستفدْ) مع أن الوزن يبقى سليما على البحر المتقارب (فعولن فعولن فعولن فعو) بدلا من (فعولُ) في التفعيلة الأخيرة.

لكننا نختم حديثنا بمثل ما ابتدأنا به، فليس من لوازم الشاعر أن يكون نحويا، وإلا قدم لنا تماثيل صماء بكماء باردة لا حياة فيها، وإن كانت بديعة الصنعة.

 

يحيى السماوي وسيدة الخلق طرا

wasim bunyanفي مجموعته الجديدة "أنقذتني مني" يعاود يحيى، كدت ان أقول يوحنا!، لعبته الاثيرة: ترميز الانوثة بما يجعلها تتبختر بعري طاهر. ما ان نستنطق العنوان المستحيل / بدونها، حتى يتجلى مفرطا بمبالغته ان لم نع من هي تلك التي انقذته. هل يمكن الإنقاذ من "الانا"؟ وكيف لاحد ان ينقذ اخر؟ الا ان كان هذا المنقذ يملك المعجزات ومتمرس في فن الإنقاذ. انها، المنقذة، تبدو كشيخ لانظير له في انتشال الغارق من مكائد النفس وطرحه على ضفة الكشف. والا " من سلك بلا شيخ فشيخه الشيطان!" بتعبير مأثور صوفي. حسنا اذن نفكر في مريم العذراء، لهذا اللقب دلالته بالنسبة لعنوان المجموعة سيتضح قريبا، وللتفكير في ذلك عدا مغزاه الذي سيساعدنا في كشفنا عن انثى السماوي، التي هي وبلا غرابة انثانا جميعا ف " هي هي ولكنها غيرها"، مستند من رحم النص ذاته، وفي هامش النص الأول تحديدا إشارة صريحة للكلمة / لعيسى المشتبه في قتله حسب النظرة القرآنية.

/ ما اذكره ان حريقا بارد النيران

شق البحر...

صار الموج عشبا

طلعت من بينه حورية

تلبس فستانا من الورد

عليها هالة ضوئية ...

او ربما شبه لي *

 

سحبتني

من سرير الساحل الرملي

نحو الموج

فالقاع

فخدر حوله نهران

من خمر بتولي حلال كالندى ..

والعسل / ص 6 و7

السطر الأول يتناص مع قصة موسى كما في التوراة / القرآن وهو تناص يشعرن معطيات الأسطورة في الكتابين والنقاط الثلاث في محلها تماما فهي تغطي التاريخ التالي لحادثة شق البحر ومن ثم وبعد ان يصير البحر عشبا تطلع من بينه حورية، لقب اخر سنعود له قريبا وكذلك وصف الخمر بكونه " بتولي "، اذن فالتفكير بمريم يهمس به الشاعر بعمق وهو ينثر مفاتيح اللغز، لغز انثاه التي انقذته منه . م المراد اذن من هذا الهمس ؟ وما علاقة مريم العذراء البتول الحورية بأنثى يحيى ؟ سنؤجل ذلك الآن ولنتابع إشارة أخرى بذات القصيدة / النص .

/ صرخت بي: " هيت لك "**

فاخلع قميصا

إنك الان بخدري! / ص7

عودة للوراء لأنثى ثانية، تتناقض صفاتها والصفات المريمية بالكامل، وما يجمعهما سوى شيء واحدا هو مغزى الانوثة التي يرمزها السماوي ببراعة محترف. وقع الشاعر نصه البارع والمذهل هذا بعنوان اكاد اشطح وادعي انه أوحي به ليحيى! ولا عجب الم يوح الله للنحل؟ حمل النص الملهم عنوان لا يصلح غيره مهما ضربنا راسنا بجدار العناد انه " رغيف حلم في صحن اليقظة!" وعلامة التعجب رسمها الشاعر نفسه لعنوانه وليست مني . فرغيف الحلم هو يوسف بعين زليخا، ولعلها قرأته رغيف لحم ! وصحن اليقظة هي رحم العذراء الحاوية لعيسى!! فماذا بعد كل هذا الترميز المكثف والمبثوث بشعرية صافية لا تشوبها نئمه من غموض او ركاكة؟ ولنكشف الترميز السماوي الحاذق الذي اختزل تاريخا معقدا ومثقلا بالغموض والرؤى والاحلام والهواجس، بهذه الاناقة الشعرية الشفيفه : ابتدأ النص المذهل الذ نقلناه بالحريق البارد النيران ويتوجب علينا هنا ان لا ننس الحريق البارد الاقدم من هذا وهو حرق ابرام / إبراهيم الذي استحال لبرد وسلام ب "الكلمة " وبهذه الكلمة ذاتها شق البحر لموسى . ومن قبله أنقذ يوسف من نار السجن بإتيانه حكمة تفسير الكلم، وفاز بعشق زليخاه التي رأت في الصديق رغيف لحم خارج لتوه من فرن الاحلام . والمسيح / الكلمة صحن اليقظة التي لا تخمد، كما اننا نعرف ان الحواريون سألوا المسيح ان ينزل عليهم مائدة من السماء، دون ان يدركوا كما أدرك الشاعر هنا بان المسيح هو المائدة فعلا وراس المائدة خبزها!! هو من منح الحورية البتول " هالة ضوئية " وبلسانه أنقذ امه من تهمة باطلة. وان لقب العذراء والبتول والحورية تنطبق رمزيا على اللغة سواء بسواء لذلك أكدنا على هذه الصفات في ما سبق . مريم وزليخا رغم ما بينهما من تضاد الا ان كلتيهما احبت الكلمة حد التفاني مريم انتبذت الاهل والأحبة لتختلي بالكلمة التي ستنير حروف السلام، وزليخا هامت بيوسف المشرق بالتفسير . والاثنتان انقذتهما الكلمة في النهاية، لا ننس ان زليخا فازت بعشق يوسف الصديق في النهاية كما تقص علينا الاخبار ذلك . وفي النهاية لا يصعب علينا معرفة التي انقذت يحيى من يحيى . انها اللغة وما تحويه من كلمات سحرية لا يمكن لاي شيء اخر ان ينقذ الكائن مثلها . سأتوقف اذن عند ذلك المقطع الصغير الذي أوردته سابقا ولن اتخطاه لباقي القصائد . ففي كل نصوص السماوي الانثوية السابقة كان هذا السر المقدس يتنقل دون ان يستطع أحدا، حسب مطالعتي لقراءات عدة نشرت عن شعر السماوي، الكشف عنه وكنت قد التقطت مغزاه منذ مدة لكن صعب علي اثبات كشفي بما يتخطى الانطباع او الاستنتاج، حتى جاءت تحفة يحيى الجديدة هذه فأنارت لي السر دفعة واحدة وانقذت يقيني من ظني! هذه كلمة مختصرة عن مجموعة السماوي الجديدة " انقذتني مني " والتي تفضل الشاعر الكبير بإهدائي نسخة منها طارت من سماء استراليا لتهبط في الأرض المنخفضة " هولندا " وقد دبجها بإهداء ينم عن النبل والتواضع وهذا هو ديدن الكبار . المجموعة من منشورات تموز و مؤسسة المثقف العربي، جاءت طباعتها انيقة وزينت بلوحات للفنان حيدر الياسري . وهذه الكلمة مع اخريات غيرها عن قصائد السماوي سيضمها كتابي الذي سيكمل قريبا والذي عنونته " تحولات عشتار" وقد ضم دراسات شعرية عن الانثى في الشعر خاصة . ارجو ان اوفق في انجازه. وفي الختام ان في المجموعة هذه إشارات كثيرة وكلام أكثر الا أني سأتوقف عند هذا الحد.

 

................

* أورد الشاعر في هامش رقم 1 من ص 6 :" إشارة الى قوله تعالى في سورة ال عمران " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم "

** أورد الشاعر أيضا هامشا برقه 1 كذلك في ص7 : إشارة لقوله تعالى في سورة يوسف " وغلقت الأبواب وقالت هيت لك "

 

سوانح في غائية النقد الشامل

khalidjawad shbaylيقدّم عالم الميثولوجيا الأغريقية شخصية بروكروست Prokrustes وهو حدّاد وقاطع طريق، اشتُهِر بسريره الحديد، يدعو ضحيته الى ضيافته ثم يعرض عليه النوم على ذلك السرير، فإن كان ضيفه طويلاً قطع طرفيه ليتلاءم مع السرير؛ وإن كان قصيراً مده مدّاً بقبضتيه القاسيتين حتى يتلاءم مع السرير! ولو كنت أحد ضحاياه لفضلت المدّ على القطع برغمٍ من أنهما خياران أحلاهما مر!

ولا شك أن دلالة الأسطورة هو الحكم التعسفي الذي يخضع لمشيئة من هو على شكل بروكروست .. على أن للقضية وجها آخر؛ حين يدعوك داعٍ كريم لتتذوق زاده وتقول رأيك فيه، وهنا تنقلب المسأله الى ما هو مضاد لحكم بروكروست، فالمسألة بها نبل وضيافة ونزاهة ولباقة ومسؤولية أخلاقية وأدبية وتربوية وإنسانية..وحينها تتمنى أن يكون مضيفك كالحطيئة الذي قدّمتْه مناهجنا المدرسية على سرير بروكروست وقطعت منه أطرافاً؛ وهو الذي يصف كرمه بضيفه لا بالزاد وحدِه بل بالمفاكهة بالحديث حتى يدعه يغفو على سرير لا قطع فيه ولا مد، كل هذا ببيت آسر في نُبله وإنسانيته حين يقول (من الطويل):

أُحدِّثُهُ إن الحديث مِن القِرى – وتعلمُ نفسي أنه سوف يهجعُ

ويسألني صاحبي القارىءُ هلاّ وجدتَ مثل هذا السرير المرعب في الواقع؟ بلى ياصاح بل أسرّة؛ والتأجيل الى آخر المقالة أمر مستحب!

أرى أن النقلة الكبرى في تار يخ النقد العربي؛ هي في التحول من الشفاهة الى التدوين، وهي نقلة استغرقت مائة عامِ ونيّفاً، هي نقلة تكمن أهميتها بتحول كبير في التعاطي مع الشعر وانتقاله من الإلقاء والإصغاء الى القراءة والتمحيص، وانتقل حكم النقد من جذوره الأولية في المرجعية الفردية التي تنبني على الذائقة الفردية المنصقلة الى مرجعية معيارية هي في صميمها المحصل الجمعي للذائقة ووضعها ضمن قوانين مستمدة من علوم مستحدثة كالعروض والنحو والبلاغة واللغة وفقهها وووو.. ما أفرز رجالا نقدة ذوي أصوات متعددة أقرت الاجتهاد وأفادت من المنطق، وجعلت النص متحركا لا جامدا، حق الاختلاف فيه مضمون وحق الخصام فيه مشروع بل مثاب عليه.. وبهذه الثورة توّلد النقد ونقد النقد والموازنة بين الشعراء؛ وظهر باب واسع يخوض في الشعر ومحاسنه ومساوئه وظهر المكرر والمسروق وظهرت النقائض والخصومة بين الشعراء وتنافسهم وتهاجيهم حتى إذا رحل أحدهم رثوه بمشاعر صادقة!

ولماذا التركز على القديم شعراً ونقداً؟ أليست هذه سلفية؟ لا خشية من السلفية في الأدب والفن مطلقاً، بل هي تحمل ضرورتها بحجم ضرورة الشعر والفن والإبداع عموماً، ليس بوسع أي شاعر - أيأ كانت أداته الشعرية عمودية، تفعيلية أو حداثية- أن يكون شاعراّ بحق مالم ينهل من الشعر القديم ونقده، ليزيد من أفقه الشعري ويغني ذخيرته من المفردات، ويثبت في خاطره الشعري موسيقى الشعر وإيقاعه بما يعمق ملكته الشعرية ويسمها بميسم الأصالة، بل وأزيد على ذلك حتى لو أصبح شاعرا ينشر ويكتب ويتلقى إطراء - ومن ذا الذي لا يحب الإطراء؟ - فإنه لا بد من الاستمرار في علاقة ودودة متطامنة وناقدة في الوقت ذاته كي لا ينقطع حبل الوصل وبذلك سيهن منه العظم ويفقد ماء شعره!

ولا يختلف الأمر في الموسيقى والغناء كانت نهضة الأغنية العراقية في الستينات والسبعينات شكلت نقله مشرفة على يد ملحنين موهوبين، لماذا لأن هؤلاء تخرجوا من المدرسة المقامية وجمعوا بين الحداثة والأصالة؛ وعند الأبتعاد عن الأصالة والقفز الى الحداثة انتكست الاغنية العراقية وتقهقرت على عقبيها للاسف وأصبحت لا هوية لها !! ولايختلف التشكيل فلا يمكن للرسام والمثاَّل أن يكون أصيلاً مالم يتعمق بدراسة فنون ما قبل الكاميرا ثم الى المدارس المختلفة ليشق طريقه الخاص...

هناك اندفاع بسِمة الهوس نحو الحداثة وما بعد الحداثة في الشعر والفن والنقد، ونتيجته "إبداع" منقطع الجذور، يصحبه تعمية مفتعلة، مع موجات للبنيوية وما بعدها.. ولا ينكر ناكر أو جاحد أهمية هذه الإتجاهات، التي يمكن الإفادة منها لقد هفتت هذه الموجات في مواطنها فلِمَ الغرق في لجتها؟

من يبحث عن هذه الإتجاهات في تراثنا النقدي سيجد لها لمعات عند كبار نقدة الشعر العربي..سأعطي "التناص" مثلا على ذلك وقد فهم الكثير من أنه ينطوي على معنى السرقة، وهو مفهوم قاصر مبتسر، المفهوم الاشمل للتناص هو التأثرات بمختلف ضروبها ودرجاتها تحدث بتلقائية وبتوارد طبيعي لأن الأفكار لا أسيجة لها؛ وترجع جذور التناص الى الشكلانيين الروس الذين أعطوا البعد التاريخي للتأثرات في دراسة أعلامهم..ومن يرجع الى النقد العربي سيجد أن النقاد عبروا عنه بالمفهوم الحديث نفسه تقريبا، في موضوع السرقات الشعرية وهي سرقات ذات معنى مجازي لا تُشبه سرقات عصرنا وثورته ثورة الاتصالات حين تكون السرقة بلحم النص ودمه!! ومن يُرد دليلا على كلامي فليذهبْ الى "الأشباه والنظائر" للأخويْن الخالديين وغيره كثير ك" المساوىء والمحاسن" و "السرقات الأدبية" وو...

أرى أن التحديث في شعرنا وفي النقد قد مثّل ثورة إذا ما قورن بمستوى تطور الحياة وبلغ شأواً كبيراً، فقد كان التركيز على عمود الشعر المتمثل بالجزالة اللفظية وقوة العبارة الشعرية وانقسام القصيدة الواحدة الى عدة أفكار بل الى فكرة في كل بيت مما جعل المعنى في منزلة أدنى..حتى إذا خرج العرب عن جزيرتهم ليختلطوا مع الشعوب وتغيرت البيئة فلم تعد المعاني التقليدية تلبي المعنى الحياتي الجديد ولم تعد البحور الثقيلة تفي بالمحمول الجديد من الصور والمعاني فحدث التجديد في شكل القصيدة وبدأت تتبلور وحدة الأفكار في القصيدة بدلا من وحدة البيت وتنازع النقاد الى مذاهب وأصبح تأثير النقد في الشعر لا يقل عن تأثير الشعر في النقد، ولا نريد أن نكرر مقولة أن أبا تمام والمتنبي والمعري حكماء والشاعر هو البحتري..هذه المقولة التي خفت بريقها بمرور الزمن!

هذه الثورة في الشعر والنقد كان يمكن لها أن تتطور، مع تطور الحياة الشامل لتكون نظرية النقد الشامل شمول تطور الحياة في الأدب وفي التاريخ وفي الفلسفة والعلوم..لولا الانتكاسات المتلاحقة في الجزء الثاني من العصر العباسي وفي الأندلس، حين فقدنا المعتزلة وابن رشد ليأخذه الغرب ونبقى مع الغزالي ومن بعده أفكار ابن تيمية ...ثم دخول العرب في قرون من الظلام أعقبت سقوط بغداد وانهيار الأندلس..

لقد كان عصر التنوير شاملا في الغرب ومهد لتراجع الكنيسة وبدأت أوربا تنهض في جميع المجالات في الفلسفة والأداب والموسيقى والفنون والعلوم، ما أعطى أكله في نظريات جديدة أنعشت النقد وبلورت نظريات جديدة متصارعة وظهرت الماركسية كتتويج لتطور المعرفة في ميادين الاقتصاد والاشتراكية والعلوم الأجتماعية كالأنثروبولوجيا وعلم النفس الفرويدي ..ما ساهم في خلق نظرية معرفية ومنهج علمي جدلي شكل ومازال يشكل سيلا جارفا ضد الميتافيزيقيا والفلسفة المثالية والقوانين الوضعية المعطلة وأزالة الثقافة الاستهلاكية الرأسمالية، وجعلت الإنسان هدفا لتحريرة وأدركت أن الإنسان العامل هو القادر ان ينتقل الى عالم لا استغلال فيه.

وكانت "نظرية النقد" الشاملة المتمثلة بمدرسة فرانكفورت* Frankfurt schoolهي المرشحة لخلق رؤية ثورية جديدة لا للآداب والفنون بل في الفلسفة والتاريخ والاقتصاد.. لقد نقلت هذه المدرسة النقد من كونه نقداً أدبيا critics الى مجال النقد الأرحب أعني النقد الشامل criticism وحررت النقد من سلطة الحزب والدولة أي من الأيديولوجيا وجمودها الى الفكر وديناميكيته... فلا غرابة أن تحارب من قبل عبدة الفرد ودعاياتهم السياسية ولا غرابة أن يفِرّ مفكروها من ألمانية بعد صعود النازية في الثلاثينات واضطهاد أتباعها وأعلامها الى نيويورك ثم تعاود الى مقرها في فرانكفورت ثانية في الخمسينات ..

منذ نشوئها في عام 1923 ولحد الآن استطاعت أن تكون البديل المقتدر للحداثة وما بعد الحداثة بفضل أعلامها الماركسيين الجدد من أمثال الفلاسفة هوركرايمر ومؤلَفه "النظرية التقليدية والنظرية النقدية"1937م؛ وكذلك هربرت ماركوز"العقل والثورة" 1941، وهو نفسه صاحب "إنسان البعد الواحد" الذي عوّل على الطلاب كحركة تكمل مسيرة العمال (الذين شاخت ثوريتهم) ودلل على ذلك في أحداث الشباب في فرنسا عام 1968 التي اشعلها التروتسكيون؛ وأرنو في "نظرية الجمال"؛ وإيريك فروم الذي استفاد من فرويد ويونغ في مؤلفه"نظرية الجمال" وهو نفسه الذي عرفه القاريء العربي في أوائل السبعينات في كتابه " فن الحب" وغيرهم كثير.

والسؤال ما هي الغاية من النظرية النقدية؟ في عراق يعرف هجمة شاملة تستهدف كينونته من نواح شاملة تثبت عقم السياسيين ومحدودية آفاقهم وخياناتهم، تأتي المقالات السياسية ذات البعد والمكررة، وفي نقد يكاد ينحصر في النقد الأدبي ومحدوديته ..تنبثق الضرورة الى نظرية نقدية ثورية تتناول بالنقد الشامل للتراث الديني الظلامي والتراث الثقافي والأدبي والشعري وتخليصه من الخرافات والأضاليل، وكذلك التاريخي لنحفر في الميتا تاريخ بدلا من التاريخ الذي كتبه الخلفاء والسلاطين المنتصرون على شعوبهم؛؛ من أجل فصل الدين عن الدول ومن أجل نظرية شاملة تستفيد من نظرية النقد التي أتينا على ذكرها والتي تحتاج الى عقول نيرة وشجاعة ومثقفة ومتحررة من سيطرة الأيديولوجيا لكي تباشر في أيجاد ثقافة بديلة للثقافة الاستهلاكية والرجعية الظلامية تهذف لتحرير الإنسان وبلا شك الطريق طويل.

ولا شك ان القاريء ينتظر أن اقول رأيا بالنقد الحالي، الذي كثيرا ما يكون قراءات تطبيقية لقصائد في الأغلب، وفي أحيان لقصص أو روايات..وبالتأكيد أن النص الجيد يخلق نقداً جيدا والأمر صحيح أن النقد الموضوعي العميق يخلق أدبا فالعلاقة جدلية مزدوجة التأثير، ورغم المجاملة ورغم أن النقد في الأعم يأتي بلغة مغرية منمقة تنحى منحى الحداثة إلا أنها قليلة الدسم ،، ولكن هناك نقدا لا يخلو من تعسف وينأى عن الموضوعية كل نأي: وقبل مدة وجيزة قرأت لروائي مرموق متابعة لنقد على رواية هي باكورة عمل أديب عرف شاعراً، وقد ذكرني هذا الناقد بسرير بروكروست فلم يُبق سيئة ومثلبة إلا وأتى عليها وبلغة حادة..ما دفع صاحب الرواية المنقودة أن يتناول الروائي بشخصه ولم يبق له حسنة تذكر؛ فلئن تجنى الأول في نقد قاس فلم يفند الثاني النقد بالنقد بل شخّص الموضوع وجعل رده شخصيا لا نقديا،، وبالتأكيد هي حالة غير صحية لوضع في عمومه غير صحي! نحن بحاجة الى الإختلاف بل وبحاجة الى معارك أدبية تحرك الراكد في ساحتنا وتمدنا بسل التفكير وحسن التعبير فمن غاية النقد هو الجانب التنويري ألتربوي الذي سيخلق أدبا ونقدا يتسمان بالديناميكية لا بالجمود والتكرار..

 

رام كم هنغ 15/10 2014

.............

• للاستزادة عن الظرية النقدية يمكن الرجوع الى

en.wikipedia.org/wiki/Frankfortschool

• النظرية النقدية؛ د, جميل حمداوي على الالوكة

• مدرسة فرانكفورت؛لبوتومور، ترجمة سعد هجرس،طرابلس ليبيا2004

• دليل الناقد الادبي؛ سعد البازعي،وميحان الرويلي/المركز الثقافي العربي ،بيروت2000

 

لا مسـرح في الإسـلام

khairalah saiedالمطّلعـون على التراث العربي الإسـلامي، يقطعون بلا شك بعـدم وجود (مسرح إسـلامي) يخضع بمحمولاته ومفاهيمه الى الفكر الإسلامي، بمعناه الفقهي – العقائدي، فكتب التأريخ والأدب في الحضارة العربية – الإسـلامية، وكذلك الصحاح السـتّة لم تذكر لنا ذلك، لكنّـها بالمقابل أوضحت وجود الغناء والموسيقا والشعر وفنون الخط والزخرفـة بشكل ساطع، في كل مراحل تطورات التاريخ العربي الإسلامي، ومن هـنا نفهم أن الدعـوات الى (مسرح اسلامي) ما هـي إلاّ أدلجة مقصودة لخنق المسرح العربي، ومن ثم ستلغيه عن فعله ومهامه التي انوجـد من أجلها .

فقـد تعالت بعض الدعـوات في هـذا البلد أو ذاك لإيجاد (مسرح اسلامي) يستجيب الى نظرة قاصرة عن آداب ومضمون المسرح، ويُجيّـر الى فكرٍ ظـلامي، وفق معايير (وهابية أو داعشية) تقتل والى الأبـد أي نشاط عقلي مبـدع في الثقافة العربية المعاصرة . *1

يستند المسرح إلى الفعل الدرامي والصراع والحوار ووجود الممثل والمتفرج بالإضافة إلى فنون الغناء والإنشاد والرقص. وفي الثقافة الغربية، أضيف إليه المخرج والبناية والخشبة أو ما يسمى بالعلبة الإيطالية والديكور والسينوغرافيا والفنون البصرية والإيقاعية الأخرى. وأصبح المسرح اليوم أب الفنون ومسرحا شاملا يضم كل اللغات والخطابات التواصلية. *2 بينما تتقاطع هذه الفعاليات مع نظرة الإسلام .

هذا وقد ظهر المسرح في اليونان مع سوفوكليس الذي كتب أول تراجيدية عالمية هي:

الضارعات، ويوربيديس وأسخيلوس وأريستوفان. وكان المسرح مرتبطا بإله الخمر ديونيسوس والابتهالات والقرابين الدينية. ويرى الفيلسوف الألماني نيتشه أن ولادة المسرح اليوناني ارتكزت على المزج بين الغريزة والعقل من خلال إله ديونيسوس رمز اللذة والخمر وإله أبولون إله العقل والحضارة. ويعد أرسطو أول منظر لفن المسرح ولاسيما في كتابه" فن الشعر" الذي حدد فيه عناصر التراجيديا الإغريقية وحصرها في ستة مقومات وهي: الخرافة، والأخلاق، والمقولة، والفكر، والمنظر المسرحي، والنشيد. وتشكل كل من الخرافة والفكر والأخلاق موضوع التراجيديا، بينما منظر المسرحي يبرز الطريقة الفنية، أما الوسائل الدرامية فهي: اللغة والنشيد. ويذهب الدكتور محمد الكغاط إلى أن المسرح الإنساني مر بثلاث مراحل أساسية: *3

1- مرحلة التمثيل الفردي عن طريق اللعب والرقص والغناء والإنشاد، إذ ولد المسرح مع الإنسان كغريزة فطرية وشعور داخلي وانجذاب سحري إلى اللعب والتمثيل، وهذا ما تؤكده الدراسات الأنتروبولوجية والإثنولوجية والاجتماعية؛

2- مرحلة الظواهر الاجتماعية، ويعني هذا أن الفعل المسرحي انتقل من ظاهرة فردية إلى ظاهرة جماعية تتكون من شخصين فأكثر، كما تتشكل هذه الظاهرة الاجتماعية من الممثلين واللّاعبين لأداء مجموعة من الطقوس الدينية والفنية. ويسمى هذا النوع من التشكيل الدرامي الاجتماعي بالظواهر المسرحية أو الأشكال ما قبل المسرحية أو الطقوس الاحتفالية؛

3- مرحلة المسرح التي ظهرت مع المسرح الإغريقي والبناية المفتوحة في أثينا ووجود النصوص الدرامية سواء أكانت تراجيديات (سوفكلوس- أسخيلوس- يوربيديس) أو كوميديات (أريستوفان).

وتطور المسرح الغربي بعد عصر النهضة، وانتقل إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وأصبح الحديث عن أعلام كبار في مجال المسرح كشكسبير في انجلترا وموليير وراسين و كورناي في فرنسا و كولدوني في إيطاليا ولوبي دي فيكا في إسبانيا. وقد ظهرت كذلك مجموعة من المدارس المسرحية الغربية كالمدرسة الكلاسيكية والمدرسة الرومانسية والمدرسة الواقعية، والرمزية، والبرناسية، والدادائية، والسريالية، والوجودية، ومسرح اللامعقول، ومسرح القسوة، ومسرح الشارع، ومسرح العمال، والمسرح النفسي مع مورينو . *4، فهل سنرى في الدعوات الإسلامية للمسرح، المسرح الشيعي والمسرح السني والمسرح الوهابي والمسرح الداعشي وغيرها ؟

هذا، وقد أفرز تطور المسرح الغربي وتشكل مدارسه ظهور فن الإخراج المسرحي في أواخر القرن التاسع عشر، فأصبحنا نتحدث عن مخرجين كبار من أمثال: الدوق ساكس مينينج MeiningenSaxe وبريخت Brecht وستانسلافسكي Stanislavski وجروتوفسكيGrotowski و كولدون كريـج ;G.Craig وماكس رينهاردتM.Reinhardt وأندريه أنطوانA.Antoine وجان فيلارJ.Vilar وأدولف أبياA.Appia. *5

وإذا انتقلنا إلى المسرح العربي، فإنه يثير عدة تساؤلات وإشكاليات يمكن صياغتها على الشكل التالي: متى عرف العرب المسرح؟ هل يمكن التأرخـة له بسنة 1848م مع صدمة الحداثة وفترة الاستنبات الماروني أم بالرجوع إلى التراث العربي لاستقراء ظواهره الفنية الاجتماعية للبحث عن الأشكال الدرامية والطقوس الاحتفالية واللعبية؟ وبتعبير آخر ماهي أسباب غياب المسرح العربي أو أسباب حضوره؟ وماهي المراحل التي مر بها المسرح العربي؟ وماهي تجلياته التجريبية والتأصيلية؟ حتى نصل بدعوانا الى (المسرح الإسلامي *6) ؟

يذهب كثير من الدارسين إلى أن العرب عرفوا المسرح في الشام منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وبالضبط في سنة 1848م عندما عاد مارون النقاش من أوربا (إيطاليا- فرنسا) إلى بيروت فأسس مسرحا في منزله فعرض أول نص درامي في تاريخ المسرح العربي الحديث هو" البخيل" لموليير، وبذلك كان أول من استنبت فنا غربيا جديدا في التربة العربية. ومن ثم، بدأ المسرح العربي يعتمد على عدة طرائق في استنبات المسرح الغربي كالترجمة والاقتباس والتعريب والتمصير والتأليف والتجريب وشرح نظريات المسرح الغربي ولاسيما نظريات الإخراج المسرحي وعرض المدارس المسرحية الأوربية. وكان هذا الظهور المسرحي في البلاد العربية نتيجة للاحتكاك الثقافي مع الغرب عبر حملة نابليون بونابرت إلى مصر والشام وعن طريق الاطلاع والتعلم والرحلات العلمية والسياحية والسفارية .*7

يرى كثير من الباحثين أن العرب لم يعرفوا المسرح بشكله الغربي وذلك لعدة عوائق: دينية وحضارية وتاريخية وعرقية ولغوية. وللتوضيح أكثر فالعرب لم يتعرفوا المسرح للأسباب التالية، وفق رؤيـة الأستاذ جميل حمداوي عمرو : *8

1- (تخلف العقلية العربية المرتبطة بالبداوة والجزئيات والفكر البسيط والفكر المحسوس وانعدام الإبداع والتخييل المجرد ؛

2- لا تصلح اللغة العربية الكلاسيكية بجزالتها وفخامتها للحوار الدرامي ولا تنسجم مع مستويات التواصل في الخطاب المسرحي (جاك بيرك)؛

3- لم ير العرب في المآسي اليونانية إلا نصوصا بسيطة موزونة وأشعارا حوارية غريبة. (محمد عزيزة)؛

4- عدم فهم المصطلحات الدرامية اليونانية من قبل شراح أرسطو مما وقعوا في الترجمة الخاطئة لألفاظ" فن الشعر" من قبل المترجمين والفلاسفة العرب (بشر بن متى بن يونس، و ابن رشد...)، حيث ترجموا التراجيديا بالمديح والرثاء والكوميديا بالهجاء والدراما بالشعر (شكري عياد وعبد الرحمن بدوي...)؛

5- بداوة الحياة قبل الإسلام وارتحال الإنسان من مكان إلى آخر وعدم استقراره منعه ذلك من معرفة المسرح الذي يتطلب الاستقرار والاستيطان والتمدن الحضاري (زكي طليمات)؛

6- يمنع الدين الإسلامي التصوير والتشخيص والتمثيل، ويعد النص الديني الإسلامي كل من قام بذلك بالعقاب الشديد (أحمد أمين)؛

7- انعدام الصراع في المسرح العربي على غرار المسرح اليوناني الذي كان يعرف أنماطا من الصراعات الدرامية كالصراع العمودي" البشر في صراع مع الآلهة"، والصراع الأفقي" صراع الأفراد والجماعات فيما بينها"، والصراع الديناميكي" انهزام القدر" كما في مسرحية الفرس عند أسخيلوس، والصراع الداخلي كما في مسرحية أوديب (محمد عزيزة)؛

8- صعوبة تنظيم العروض المسرحية في مجتمع يحارب فيه رجال الأخلاق والمحافظين تمثيل الأدوار النسوية ويعود أكثر من ذلك إلى المعنى الأليم للقدر الإنساني (لويس غارديه)؛

9- يمنع الإسلام وقوع أي صراع درامي (فون جرونبوم)؛

10- إن الحضارة العربية لم تكن في حاجة إلى التعبير المسرحي(أحمد شمس الدين حجازي)؛

11- إن العرب لم يترجموا أدب اليونان وشعرهم، في الوقت الذي نقلت فلسفتهم، لإحساسهم بأن إبداعهم في الشعر والأدب يفوق كل إبداع؛

12- انعدام الحرية والديمقراطية في الدولة العربية القديمة القائمة على الاستبداد والقهر وإسكات الأصوات المنتقدة لسياسة الدولة، وهذا لا ينسجم مع الإبداع المسرحي القائم على النقد والتوجيه؛

13- انعدام الفكر الموضوعي وذلك بافتقاد الشاعر العربي لعنصر الإدراك المأساوي للحياة. فالشاعر وإن عبر عن عواطفه وأحاسيسه، فإنه لم يتطور من الموقف الفردي الذاتي إلى الموقف الجماعي العام الذي ينشأ عنه المسرح (عز الدين إسماعيل)؛

14- غياب الفكر الأسطوري لدى العرب هو الذي يمنع من إبداع مسرحيات تراجيدية على غرار المسرح اليوناني.)

* وقـد شكّل (التراث الإسلامي الشيعي) في مأساة الحسين بن علي في كربلاء (بعض مظاهر المسرح) بحكم (التمثيل للواقعـة الكربلائية، والتي نطلق عليها في العراق بـ (التشابيـه) أي إعادة تمثيل الواقعة وتكون عادة في العاشر من شهر المحرّم من كل عام هجري .

إن التراث – حسب الدكتور محمد عابد الجابري- هو" الموروث الثقافي والفكري والديني والأدبي والفني" لذلك لا يمكن تجزئة هذا التراث واستخراج (الديني) منه وجعله في (مطبّـات المسرح) الأمر الذي يتعارض فنيّـاً وأخلاقياً وروحيّـاً مع مقومات المسرح الأساسية التي ذكرناها في بداية المقال، وعليه، إذا كان ولا بـُد من إيجاد مسرح ينطلق من عناصر الثقافة الإسلامية فلا بـد من العـودة الى كتـاب (ألف ليلة وليلة) ومسرحة الأساطير والقصص التي وردت فيه، أو العـودة الى (مسرحة مقامات بـديع الزمان الهـمداني والحريري) فهما قـد خلقا فيها (أجواء المسرح كاملة) من حيث الحوار والشخصيات والنص والرؤية، مع محمولات التأثير الآيديولوجي الديني، أو مسرحة (حكاية ابي القاسم البغـدادي) لأبي المطهـر الأزدي *9

* وكان من نصيب ابن دانيال حكيم العيون المصري أن ينقل المقامة خطوة نحو المسرح فاستبدل بالراوي الفرد ظِل الشخصيات المسجدة علي ستارة مضيئة وأصبح الراوي رئيس فرقة مسرحية والجمهور المتخيل حقيقيا لابد من الدخول معه في علاقة مباشرة فعلي إقباله يتوقف نجاح الفرقة وحظها من الكسب، وهو ما يعرف بـ (خيال الظل) .

وتعـد دراسة الأستاذ د. علي عقلة عرسان (المظاهر المسرحية عند العرب) *10 واحدة من الدراسات المهمّة التي حاولت ان تجـد تاريخاً للمسرح العربي لا المسرح الإسلامي، والدعوة إلى تأصيل المسرح العربي واستلهام التراث في المسرح المعاصر، ينطوي على خصوصية عربية، ليس في المضمون والمعالجة وتناول الحوادث والشخوص وتصوير البيئة في المسرح فقط، بل وفي البنية والتقنيات المسرحية، والكتاب تتبع جاد وعرض واف لهذه (الأشكال) والظواهر المسرحية عند العرب، منذ العصر الجاهلي، وحتى مطلع العصر الحديث.‏ لكنه رفض ان يربط فيه كل تلك الظواهر بمحمولها الديني الإسلامي، ولذلك قال (المظاهر المسرحية عند العرب) .

وقـد شكّلت (اللّـيالي الرمضانية) في الكثير من البلدان العربية، بحكم تجلياتها الإسلامية، شكلت عاملاً لوجود (نوع من الفرجة المباشرة) في المقاهي بظاهرة فنيّة إسمها (الحكواتي) كتجلٍ مسرحي ساذج من الناحية الفنيّة، لكنه مقبول اجتماعياً، في تلك الليـالي، وقـد عرفت (مقهى النوفرة) بدمشق، و(مقهى الفيشاوي) بمصر و(گهـوة عـزّاوي) ببغـداد، هذه المجالس الحكواتية في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي .

وفي القرن التاسع عشر كان أول عمل مسرحي عربي حديث قد أفتتح في بيروت هو مسرح (مارون نقاش) عام 1847 , وعرضت فيه مسرحية " البخيل" المستوحاة من قصة موليير ؛ لتبدأ أولى خطوات المسرح الحديث الذي كان في بداياته يعتمد على الأعمال المترجمة .

وبما ان (المسرح، هـو فن تمثيل الحياة) كما يقول أرسطو في كتابه (فن الشعر) فان هيغـل يرى أن (الجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي، لأنه من نتاج الروح (كتابه مدخل الى علم الجمال) . وبهذا المعنى الفلسفي فإن وظيفة المسرح تدخل في ثنايا الروح المبدعة لما تراه في حياتها اليومية، وليس للآخرة فيها نصيب، وهـنا يكمن معنى التعارض والتضاد بين (الإسلام والمسرح) فالإسلام آخروي والمسرح دنيوي، فعـلام تريدون خنق هذا الإبـداع الحياتي في دياجير فكرٍ لم يستطع مجاراة من أوجد للمسرح وظيفة في الحياة! وعلام هذا الخلط في المفاهيمّ، فنرجوكم أن تـدعوا الإسلام في مكانه وقـدسيته، واتركوا رجال الفقه مشغولين بـهِ، واذا كنتم فعلاً من دعاة المسرح فلا تكبلوه بقيودٍ هـو كسرها منذ الولادة . وله عالمه الخاص، يكفينا ما عانيناه من خلط السياسة بالدين، حتى أنتج لنا الحركات الإسلامية المتطرفة مثل داعش واخواتها، التي أساءت للدين وللسياسة وللأدب وللحياة وللخلق والخالق .

 

.......................

الهوامش:

1- تتعالى الآن في الشارقة أصوات عالية لتجسيد هذا المفهوم (المسرح الإسلامي) فقد قامت دائرة الثقافة والفنون في حكومة الشارقة بتنظيم ندوة بعنوان (رؤىً إسلامية في المسرح العربي) بتأريخ 28-9-2014م، كما اهتمت الدوائر الإعلامية والمسرحية بهذه الفعاليات كون الشارقة اختيرت عاصمة للثقافة العربية – الإسلامية لعام 2014م،

2- جميل حمداوي عمرو- المسرح العربي بين الاستنبات والتأصيل، على الرابط التالي:

http://www.arabworldbooks.com/ArabicLiterature/arabtheatre.htm

3- المرجع السابق .

4- نفس المرجـع .

5- نفس المرجع .

6- يحاول الإخـوان المسلمون- في مصر وغيرها – من البلدان العربية إيهـام أتباعهـم ومريديهم، بأن لهــم (مسرحاً إسلامياً) فقد ذكر الكاتب عبد الحليم الكناني بمقالة له منشورة على موقع (وكيبيديا الإخوان المسلمون) بتاريخ 3- اكتوبر- 2014م ما يلي :

(بدأ عبد الرحمن البنا – شقيق مؤسس الإخوان المسلمون - يسعى نحو تأسيس فرقةٍ خاصة للإخوان المسلمين، وبدأت الفرقة بدايةً متواضعةً وبذل أفرادها جهدًا كبيرًا، ويقول عن ذلك: "لقد رحلنا بفريقنا عدة رحلات في عواصم الجمهورية، وكنا أحيانًا نبيت بالمساجد" ثم تطورت الفرقة، وعُرضت مسرحياتُها التي بلغت ثماني مسرحيات على أكبر المسارح المصرية كـ"دار الأوبرا" و "مسرح الأزبكية"، ونقلتها الإذاعة على الهواء مباشرةً، ومن أمثلة العروض التي قدمها الفريق:

## مسرحية عامان في شعب: عن اضطهاد المسلمين الأوائل في شعب مكة.

## مسرحية المعز لدين الله الفاطمى: وهي مسرحية تاريخية من فصل واحد تُصوِّر دخول المعز لمصر بعد أن فتحها جوهر الصقلي (مُثِّلت على مسرح حديقة الأزبكية يوم الخميس 6 نوفمبر 1952).

## مسرحية بنت الإخشيد: التي أُلِّفت عام 1939م، ودعا فيها إلى التقريب بين طوائف المسلمين، وحذَّر من استغلال الخلافات المذهبية في إضعاف شوكة الأمة وتفريق كلمتها"، وعنها يقول البنا: "وفي رحلة من رحلات الأستاذ سعد أردش إلى الجزائر تفضَّل باصطحاب بعض مسرحياتي معه، وأخرَج منها للجزائر مسرحية (بنت الإخشيد) في 15 حلقةً مذاعةً واستُقبلت بحماس شديد وأحدثت أثرًا مدويًا".

## المسرحية النثرية (أبطال المنصورية).

## مسرحية غزوة بدر: وقد مثلت على مسرح حديقة الأزبكية يوم الجمعة 19 رمضان سنة 1365 الموافق 16 أغسطس سنة 1946، وكان يمثل فيها عبد المنعم مدبولي، ويقوم بدور كوميدي هو دور "ضمضم الغفاري".

## مسرحية الهجرة: ويقول البنا عنها في ذكرياته "وأذكر أن مسرحية (الهجرة) التي عُرضت على مسرح الأزبكية يوم الأربعاء 26 نوفمبر 1947 وأذاعتها محطة الإذاعة المصرية قد توافد علينا كثيرٌ من رجال السينما للتفاوض في إخراجها سينمائيًّا".

##مسرحية صلاح الدين الأيوبي) راجع الرابط التالي حول هذه المقالة:

http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A

ومن هنا ندرك سعي (الإخوان المسلمون) جعل تاريخ المسرح المصري تحت عبائتم، بشكل أو بآخر.

7- جميل حمداوي عمرو- المسرح العربي بين الاستنبات والتأصيل .

8- المرجع السابق .

9- لقد نسب المستشرق آدم ميتز هذه الحكاية الى أبي المطهر الأزدي، ونشرها عام 1902م- طبعة هايدلبرغ، إلاّ أن المحقّـق العراقي الأسـتاذ عبود الشالݘي أشــار الى ان (هـذه الحكاية) ما هـي إلاّ (الرسالة البغـدادية) المفقودة من كتب أبي حيّـان التوحيدي، وأعاد نشرها باسم (الرسالة البغدادية لأبي حيان التوحيدي، وصدرت عام   1997م   منشورات دار الجمل في ألمانيا .

10- د. علي عقلة عرسان – الظواهر المسرحية عند العرب – منشورات اتحاد الكتّـاب العرب بدمشق 1981م، وطبع عـدّة طبعات.

النص المسرحي من المبدع إلى المبدع

يقول رولان بارت: "إن الأثر الأدبي الذي نفهم طبيعته الرمزية المطلقة وندركها ونتلقاها، نص"1. والنص بالنسبة إلى رولان بارت ليس تواجدا لمعاني وإنما هو مجاز وانتقال، لذلك لا بد أن يخضع لتفجير وتشتيت للكشف عن دلالاته المتعددة. فالنص عمل وإنتاج وممارسة. ولا يخرج النص المسرحي على ما سبق ذكره، رغم ما له من خاصيات يتفرد بها وتجعل بعض الباحثين يعتبرونه جنسا مستقلا بذاته.

ولن أتناول النص المسرحي من حيث بنائه وكيفيّات إنشائه أو ثوابته التي يقوم عليها، وإنما سأنظر في منزلة هذا النص في العمل المسرحي المتكامل.

كان النص المسرحي ومازال علامة حضارية يختزل رؤية فترة زمنية معينة وشريحة اجتماعية معينة. وبين كل فترة وأخرى وبين كل نمط اجتماعي وآخر من الوشائج والتواصل والتشابه والاختلاف والانفصال، ما بينها، ذلك أن كل اتجاه في الكتابة المسرحية له خصائص ليست إلا تطويرا وتعديلا وإضافة لما سبقها. فقد عاد مسرح عصر النهضة إلى المسرح اليوناني ليأخذ منه عناصره الأساسية وخاصة مفهوم الوحدات الثلاث ويطوعها لمتطلبات العصر. وعاد مسرح شكسبير في أنقلترا إلى المسرح اليوناني ليأخذ منه مفهوم البطل التراجيدي. وعدلت المدرسة الواقعية في القرن التاسع عشر ما توصلت إليه المدرستان السابقتان. وبما أن النص المسرحي يعتبر الموجه الرئيس للعملية المسرحية بمختلف جوانبها، فقد كان عليه أن يتحمل كل المسؤولية في وصف المناظر والشخصيات والأجواء إلخ .. ولذلك فمسرحة النص تعني تجسيده بأمانة.

وخلال هذا التطور الذي شهده المسرح ظل النص المسرحي مدار الحركة وبؤرة التجديد. إذ لا يخفى على أحد دور النص في العملية الإبداعية المسرحية المتكاملة.

يخضع النص المسرحي لعدة اعتبارات وقيود يفرضها عليه المجتمع بكل أبعاده وتفرضها عليه اللغة. لذلك يستغل كاتب النص كل ما توفره له اللغة لإيصال فكرته ولإنجاح عملية التواصل. فمؤلف النص مسكون بثلاثة هواجس: الهاجس الفكري والهاجس الجمالي والهاجس اللغوي، ومن خلالها جميعا يستطيع صياغة نص مسرحي قابل للتناغم مع سنفونية العرض المسرحي بل ويمثل اللحن الناظم لهذه السنفونية، قصد الحصول على أفضل حالات الاستجابة من المتلقي.

ويتأثر كاتب النص بإيقاعات الحياة من حوله وينعكس هذا الإيقاع على نصه فيضج النص بصخب الحياة اليومية ويهدأ بهدوئها. وينتقل هذا الإيقاع إلى عمق المكتوب ويصبح إيقاع النص ذاته. وبما أن العرض متصل بالفكرة وبالأحداث فإنه يأخذ إيقاعه من إيقاع النص. وقد اهتم بعض الباحثين العرب بالإيقاع في المسرح ومنهم "أبو الحسن سلام" 2.

ويتميز النص المسرحي بإيقاعه التصاعدي وبحرارته في طرح القضايا، وتضفي عليه الحوارية حيوية ونشاطا خاصة وأن هدفه الغوص في هموم الإنسان واستكشاف تطلعاته وطموحاته. إن النص المسرحي جنس متفرد لا لأنه سيمثل على خشبة المسرح فقط وإنما لأنه صالح للقراءة أيضا. هذا النص هو فن قائم بذاته، يسكن كاتبه أولا فيستنهض ملكاته ويستفز مدركاته العقلية والحسية ويخرج من بين أنامله لغة محملة بالدلالات مشحونة بالرموز والإيحاءات، ثم يسيطر على من يتقمصونه فتنفجر به ألسنتهم وحركاتهم وأحاسيسهم، فيطبعهم وينطبع بقدراتهم على التبليغ. وفي رأينا فالنص المسرحي كالقطعة الموسيقية التي تشحن بأحاسيس مؤلفها وتتأثر بمتصوراته الجمالية وقدراته الذهنية، ولكنها تخضع كذلك لروح مؤديها.

إن لغة النص المسرحي قريبة من لغة الحياة اليومية ولكنها تحتوي أحيانا على مواصفات لا نجدها في الخطاب اليومي لأن الكاتب يضع في اعتباره دائما الناحية الجمالية التي لا نفكر فيها كثيرا في الخطاب العادي. والنص المسرحي هو إبداع من نوع خاص لذلك لا بد من احترام قواعد هذا الإبداع ولا يكون ذلك بالتزام قواعد الكتابة الأدبية وإنما بالبحث في سبل الاقتراب من التلقائية والعفوية وحيوية الخطاب. فالحوار المبالغ في صناعته لا يستسيغه المتلقي ولا تقبله ذائقة الجمهور، ويرزح العرض تحت وطأة ثقل الخطاب وتتسع مسافة التبليغ عوض أن تتقلص. ويتطلب ذلك من الكاتب السيطرة على الشخصيات جميعا والتي تتحول بدورها إلى أبواق لأفكار مؤلفها، أو تتحول هي نفسها إلى أفكار تتحرك. يجب على الكاتب أن يراعي خاصية كل شخصية والظروف المحيطة بها. فتكون الجملة المنطوقة، جملة الشخصية وليست جملة الكاتب. وهذه المسافة بين الذات الكاتبة والشخصية يحاول كل مؤلف نص أن يحترمها. ولكن لا يستطيع كاتب النص أن ينفي ذاته عن نصه تماما. لذلك يتدخل بعض المخرجين بالحذف أو بالزيادة عند تطبيق النص على خشبة المسرح. إلا أن ذلك لا يروق أحيانا الكاتب الذي يرى أنه حمّل النص صورا بيانية تعب في تنسيقها، أو جعل الحوار بسيطا ليتماشى مع الوضعية المقترحة. وقد فعل ذلك بوعي منه وتفكير.

ولكن لا يجب في كل الأحوال أن يغيب على منشئ النص أنه يكتب نصا للعرض قبل أن يكون للقراءة. فالمخرج موكول إليه العمل على نص (أنتجه مؤلفه) فيدرسه ويخرج بتفسيرات له تتعلق بالجانب النظري وبالجانب التطبيقي أيضا، لأنه المنفذ لهذا النص وعليه أن يحوله من نص مكتوب على الورق إلى نص متحرك مفعم بالحياة، ويكتسب الحوار حيوية تنطلق بالكلمة إلى عالم جديد، هو عالم العرض الذي يستند إلى خبرة المخرج وموهبة الممثل وحسن تدريبه. خاصة إذا كان صاحب النص غير موجود أو كان النص من الموروث الإنساني. فصاحب النص يمكن أن يساعد المخرج على إنارة جوانب مما كتبه وذلك في جلسات تعقد لدراسة النص دراسة ثنائية تجمع رؤية مؤلفه ورؤية منفذه. وبذلك يكشف المخرج عن بواطن الشخصيات من خلال علاقته المباشرة مع المؤلف. ومن خلال تأثر أحدهما بالآخر يُنفّذ النص بعد أن أضيفت إليه نقاطا لم تكن موجودة أصلا.

وكانت البداية مع مدرسة ستانسلافسكي التي اعتمدت على تحليل الجوانب النفسية لكل شخصية. وقد تواصل هذا التحليل مع مخرجي المدارس الحديثة، لما له من انعكاس إيجابي على العمل المسرحي، لان المخرج سينقل ما توصل إليه من تحاليل وما فككه من رموز إلى الممثل الذي يبدأ اكتشافه للشخصية منذ أول ملامسة للنص. وكأن المخرج قد عثر على مفتاح الشخصية وهو يسلمه إلى الممثل الذي سيفتح عالم الشخصية ويسبر أغوارها.

على أن الإفراط في صناعة النص جعل النص " مرهقا بمضمونه " ومثال ذلك التجربة المسرحية التونسية في النصف الأول من القرن الماضي فقد أصبح النص المسرحي في ذلك الوقت مثقلا بالشعارات الإيديولوجية يرزح تحت وطأة البلاغة ويرجع الدكتور محمد عبازة ذلك إلى تأثير المسرح حيث قدس الغربيون النص في القرن التاسع عشر وجعلوه أساس كل عرض مسرحي3 . وفي النصف الثاني من نفس القرن أعرض الجمهور عن هذا النوع من المسرح ومل الخطابة والإيجيولوجيا. وتفطن بعض المسرحيين التونسيين إلى هذا الخلل وكان رائدهم علي بن عياد الذي عرف أن النص المسرحي هو ركيزة مهمة من ركائز الفعل المسرحي وليس عنصرا ثانويا من العناصر التي تكمل العرض. فالنص بالنسبة إليه هو خالق الإشكالية وباعث الشخصيات التي تدور حولها كل العملية المسرحية. لذلك حاول علي بن عياد إيجاد كاتب مسرحي يمكنه من نصوص تستجيب لتطلعاته ويحقق من خلالها رؤيته للمسرح. وكان لقاؤه بالكاتب الحبيب بولعراس الذي كتب له نصا بعنوان " مراد الثالث ". وقد رأى الدارسون في هذا النص ثورة في الكتابة المسرحية في ذلك الوقت. واستطاع بولعراس أن ينحت في هذا النص شخصيات قوية تتجاذبها التناقضات. في قوة بعضها ضعف وفي ضعف بعضها الآخر قوة (مثل شخصية مراد الثالث وشخصية قريبته وحبيبته فاطمة). لقد اتسم نص الحبيب بولعراس بشعرية فائقة. كما ان استلهامه للنص القرآني واضح وجلي في كثير من المواقع. وانطلق علي بن عياد من هذا النص ليصنع الحدث في المسرح في ذلك الوقت. وهنا نستنتج أن دور المؤلف يبقى أساسيا في العملية المسرحية، ولا يجب أن يقودنا ذلك إلى تقديس النص والنظر إليه بوصفه المؤثر الوحيد والمحدد للعملية المسرحية.

ومع تطور المسرح وتنوع مدارسه وتقدم تقنيات الصوت والإنارة والديكور والموسيقى والرقص والفضاء المسرحي بصفة عامة، أصبح النص المسرحي يترك بعض مسؤولياته ويتراجع لفائدة هذه العناصر الجديدة. وتخفف النص المسرحي من الثقل الذي يعاني منه، وأصبح عنصرا من عناصر العملية المسرحية له أهميته الأكيدة ولكنه ليس العنصر المهيمن كما كان سابقا.

لم يعد المخرج يطرح رؤية الكاتب بل يطرح رؤيته الخاصة ويقدم نصه الجديد الذي يتعارض أحيانا مع النص الأصلي. وبذلك نشاهد مثلا "هاملت" مختلفة عن " هاملت" شكسبير. ويستطيع المخرج المتميز بمساعدة الممثلين بلوغ النجاح بمسرحية نصها رديء، ولكن ذلك استثناء لأن النص الجيد يفتح أمام المخرج والممثلين آفاقا كبيرة للإبداع.

وهناك اتجاه على الطرف النقيض تماما يدعو إلى رفض النص المكتوب ويرى أن أفضل شكل للتواصل في المسرح هو السكوت والصمت4. وأصبحت الكلمة بالنسبة إليه صورة. وكذلك فعل بعض القائمين على المسرح في أواخر القرن العشرين أعلنوا أنهم ليسوا في حاجة إلى نص لإقامة عروضهم وذلك باستعمال تقنيات حديثة للإضاءة والديكور والموسيقى والمؤثرات الصوتية والحركات الجسمانية، التي يُمكن من خلالها الإحساس بتنامي الفعل المسرحي ويمكنها كذلك أن تحدث الأثر المرغوب في المتلقي.

هذا المتلقي يمثل آخر المبدعين في العملية المسرحية ولكنه هدف العملية الإبداعية بكاملها، رغم أن التواصل بينه وبين العمل المسرحي لا يقتصر على النص فقط. ولكن النص يحتل مساحة كبيرة من اهتمام المتلقي، ويمثل رابطا بين مبدعه ومتلقيه إذا كان النص مكتوبا وكان المتلقي قارئا، أو إذا كان النص منطوقا ومتلقيه سامعا/مشاهدا. وفي كلتا الحالتين فإن الغاية هي التواصل. ولا يتوقف هذا التواصل على ما للغة من قواعد صرفية وتركيبية وصوتية ودلالية ولا على إضافة الناطق به للإشارات وملامح الوجه وكيفيات القول، بل إن هذا التواصل هو رهين كذلك بالمتلقي فالمؤلف يصوغ خطابا يرغب في إيصاله إلى الجمهور ويمر هذا الخطاب بالمخرج ثم بالممثلين والمتلقي يعلم انه المقصود بذلك الخطاب. فيعمل على تأويله وفهم دلالاته لتحويل العلامات اللغوية إلى علامات سمعية بصرية، يتلقاها الجمهور ويتفاعل معها ويحاول فك شيفرة العرض الذي يشاهده في جميع أبعاده.

أمام الجمهور يصبح النص مشهدا متكاملا، هو ثمرة عمل فريق كامل ابتداء من الكاتب إلى المخرج إلى الممثل. وتعتبر نظرية التلقي « recepting theory »   -التي طورها " هاتز روبرت جوس "- الجمهورَ مفسرا ثانيا للنص، ويلعب دورا كبيرا في إنجاح العرض المسرحي من خلال مواقفه وردود أفعاله إزاء ما يشاهده وما يسمعه. وتعتبر ملاحظاته من بين مقاييس الحكم على العملية المسرحية بكاملها. إذ يمكن أن يقابل الجمهور مسرحية بالتصفيق وعبارات التشجيع والإعجاب أو يقابلها بالرفض والخروج من القاعة قبل انتهاء العرض.

إن مدى نجاح الكاتب المسرحي في استدراج المتلقي للانفعال بما يحمله نصه من دلالات مرتبط بمدى قدرة هذا النص على سهولة الولوج إلى عالم المبدع الثاني (المتلقي) الذي تتهيأ طبيعته وتتحفز انتظاراته لتقبل الكلمة في إطار عرض متكامل. ويحاول الكاتب تقليص المسافة التي تفصله عن المتلقي. ولكن هذه المسافة تظل نسبيا قائمة لأنها من طبيعة العمل المسرحي.

في النهاية يمكننا القول إن العمل المسرحي لا يمكنه أن يستغني عن النص حتى في حالات التمثيل الصامت فإنه يرتكز أساسا على مقول اطلع عليه الممثل وهو يحاول أن يبلغه إلى الجمهور بالإشارات أو بوسائل أخرى وذلك بمساعدة المخرج. وهذا ما يجعلنا نؤمن بأهمية هذا النص ودوره الفاعل في إيصال فكرة العمل المسرحي وسط هذا الكم الهائل من التقنيات والمؤثرات المسرحية. ولا نتصور عرضا إلا وهو قائم على فكرة ولا يمكن إيصال هذه الفكرة من مبدعها إلى الممثل أولا ثم إلى الجمهور ثانيا إلا من خلال النص.

 

د. منية عبيدي

تونس

..................

هوامش

1- رولان بارط، درس السيميولوجيا، ص 62، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب

2- أبو الحسن سلام، الحوار المتمدن، العدد 2568

3- محمد عبازة، تطور الفعل المسرحي بتونس من النشأة إلى التأسيس، ص 217

4- جوزيف شايكن مدير المسرح المفتوح بأمريكا، مجلة الأقلام، مارس 1987، بغداد

 

الواقعية النقدية في خطاب "البحث عن اللون" للقاص حسن البصام

khalilmezher alghalibiكان لعنونة مجموعة" البحث عن اللون" القصصية للاديب حسن البصام – امتثال واضح لرؤية جيرار جنيت- كون العنونة هي النص الموازي للخطاب الادبي وكما في دالة كلمة البحث، وهي المطاليب المتعددة اللون والموزعة على نصوص المجموعة، ومنه حضرت العنونة في خاصية ومواصفات كل قصة بإستقلال المتن الحكائي لها والغير مستقل عن محور الثيمة العامة للمجموعة، وقد اعتمد القاص في تعبيره لغة شديد البأس، كما في موائمة ملائمة ملفوظات السرد الموازية والملبية لقوة الخطاب وجرءة انتقاء وتصوير المتن الحكائي في النصوص وماهية الهم الفكري لها، وفق مؤججات الفكر في أتون هواجس دوافع العمل والتأليف القصصي هذا، اضافة لمحددات بناءه الفني وفق إعتبارات سردية ملائمة لنسبية خاصية طقوس كل نص، ومنها زمكانية واطباع ومواصفات الشخوص والاحداث المحكية المنسجمة مع الاطار الفكري العام، وقد كان للأسطرة النسقية الكاتبة للمجموعة فعل جمالي في معتمد لغتها الشعرية الإيحائية البعيدة عن المباشرة والأطناب من جهة اُخرى، بمثلية الشرح والتسطح الإيضاحي المهلك لفن القص الادبي وخاصيته التعبيرية في ايصال خطابها، ومن خلال معتمد الإيجاز في المجازية اللغوية وإنتقائية الاحداث المرمزة بدلالتها، وكان لبعض التوضيح المختصرتعميق منضج لخطابها الفكري، وكما فاض مائز السرد مقدماً في القصة المعنونة لذات المجموعة" البحث عن اللون" واللاحق في بقية القصص، وما لها من سبك واضح في تكوين و رسم واحضار متعلقات المكمل الفني الجمالي العامل للتلقي القرائي الذي تؤكده ضرورات و ميزات الكتابة والتأليف الادبي ولكل اجناسة، .

34-hasanbasam2

لم تشتغل المجموعة وفق الحوار المخفي، بل كان حوار مكشوف أزل الكثير من الغطاءات الساترة للظواهر السلبية وكشفها والداعي لإلغاءها او تعديلها كسلبيات مهلكة لطموح الانسان، ومن شجاعة المحكي وسرده الواضح، وكان احضار واقعي للاحداث والوقائع الدالة ذات العلاقة في تناولة الشديد الخطاب، وهو يشاكس ويعارض السكوت المهلك لحياة الانسان اليومية كحقوق و واجبات، ومنه يحرك ويحذر من ذلك اللامرئي والخطر لهم واللاصق المجانب فيهم، ليشعروا ويشاهدوا الردائات حد السلوكيات الاخلاقية المفروزة والخطرة وهي تعيش وتعتاش بهم ويتنفسوها كممارسات يومية للمواطن، وهي من لزومات الحمولة الفكرية المضمنة والمؤنسنة للخطاب والمجانبة لمشروط جمالية الايصال الفني لفحوى الخطاب العام لمجموعة النصوص المتمحورة والحافظة له كحضور متواصل يبصم جسد جميع النصوص، إضافة لتلبي الإدهاش الملبي للتلقي ومن خلال عوامل الدلالة القابلة للتأويل، ولما ذهبت اليه الحداثة الجمالية لإشراك القاريء في كتابة النص ثانية وان خالف المؤلف وفق معتمد قرائته اللامرئي في إيحائية الكتابة الادبية ومنها المجاز والتشبيه والانزياح اللغوي، وهو المعتمد الاكثر حضور في السردية، لنجد في مكونات المجموعة الى جديد المنبة وبقوة لإيصال منبهاته للوجودات الحياتية لملاصقة لنا، ولابد من تبيان ذلك الخطر المحذر منها، ليكون المحكي تنبه مؤثر وفق جمالية صانعة للتلقي القني وما بخلفه كمؤنسنات للخطاب الادبي الفاعل والنافع

كانت موضوعة اللون موضوعة واحدة امتدت وتعددت وتنوعت وفق التعدد القصصي للمجموعة، لتنضيج ماهية اللون كموضوعة في محكيات السرد و من تعدد حالات الاحداث والوقائع المسرودة وشخوصها .

ومنه كان المكون السردي تاكيد لمنهجية الخطاب العام للمجموعة في نهجها للغرض"اللوكانشي" الواقعي النقدي المطالب للتغير وبناء الانسان.

وقد اتسمت قصة "المعلم" مثلما النصوص الاخرى بشجاعة التصريح والمتمثل في رفض المعلم القديم والعتيد"عدنان كعكة"لاسلوب التعليم وسلوكية المعلم وكما في الحوارية هذه "استاذ عدنان...لماذا لاتعود الى الوظيفة، مثل اقرانك الذين سبو العنب اجاب بسؤال، مالذي اختلف، السلة ام العنب؟اجبته:السلة والعنب، قال:إذن اسب السلة والعنب"ص14كدليل على رداءة وجهي مفصلي التعليم، وكان عدنان ذلك المعلم الذي فصل من وظيفته في السابق، بسبب تعليقة على ربطة عنق الرئيس أنذاك.وهو المدير لمدرستين في ان واحد ويمتنع وبشدة ان يبيع قلم او دفتر من اعدادها الكثيرة ليسد حاجة عائلته في زمن الحصار الصعب.

وكما مرور سردية"خارطة الذئاب" وهي معمول لمتخيل القاص لتوصيف الزمن الصعب للحياة العراقية وبحثهم عن التدبير المخلص، وهو بحث عن لون ذلك الحل المنقذ لعبورهم متأزم ايامهم وصعبها المتعب لها، وكما في محكي الشكوى للوضع الصعب في بدء القصة"من الممكن أن يكون البيت بلا ابواب...ذلك ان اكف الحروب اطبقت على اعناق المعوزين...فباعوا حليهم التي توارثها الكثير منهم، حلي موشاة بملامح امهاتهم ..." والمشابه المعمق كمنودراما لمشهد الحالة الحياتية للانسان العراقي الحاكية عن الجوع الثقيل الوطأ في قصة"ثقب طري" ماحدث ياإمرأة استغفر الله مالذي دعاك لتقبيل يدي-اتوسل إليك ان تجي لتأخذ الباب معي، لم استطيع حمله بنفسي-أي باب؟سالتها مستغرباً –ارغب في بيع الباب الثالث لك ولكنه استعصى علي -..كانت مطرقة والتوسل يغسل وجهها"ص70

ويمكن للمتلقي ان يقرأ هذه القصة كاستقراء مقارن بين الزمن الماقبل التغير السياسي في البلد و مابعده من المرجو المنتظر في التغير العراقي الكبير.

واخذ بنا النص الاخر"سقوط نخلة" امام التساؤل المفتوح في وصفيته "كان الجدل عقيماً، لم نتوصل إلى أتفاق في الرأي ونحن نقف إزاء النخلة التي هوت ساقطة على الباب الرئيس لبيت الحاج عبد الله، وسط عاصفة مشبعة بالأتربة ..."هذه النخلة بدلالتها العراقية كشموخ يهوي الى الاسفل وقد شابك مخيال القاص وقع قتل الشاب سعد كهاوية اخرى وهو يلوح بحنانه العاشق.

ومن الوقع الغرائبي السلوك في حدث قصة "الرجل الملثم" والذي يشير فيه النص الى ظاهرة ترك الفرض الوظيفي في الدائرة لقضاء الفرض الخاص الديني خارج الدائرة، ومنه ترك المراجعين المزدحمين امام مكتب الموظف المتدين الذي ترك العمل لغرض فرضه الديني، ومنه ذلك المدير المحاط بهالة المقدسين المتقربين المتزلفين وتركهم للدائرة والذهاب الى ذلك الجامع غير عابئين بالاخرين المنتظرين لقضاء شغلهم، وما ادى طفح الكيل الى تلك السلوكية المعنفة للمدير المبجل بالضرب من احد المراجعين .

وفي قصة "إعتراف رجل خارج المستطيل" نرى ذلك الشخص المتمرد في تساؤلاته المحتجة بشدة ومن خلال تهشيمه لذلك المستطيل المقرر لحبسه فيه، وهو مستطيل لدلالة ارادها مخيال القاص هنا وفق المرفوضات المحيطة العامة في حياته، كما هي بناءات وتكوينات سردية"قصة الصيف" لماهية رجل جامع القمامة وما يريده القاص في فراغه مما ارادته المرأة والتي اندفعت بقوة الى الخارج وهي مزعورة في هروبها الى الشارع كدلالة عن خواء الأتي وعدم تحقيقة للحلم الطبيعي المنتظر.

وهي انطلقت لتحقيق رغبتها الطبيعية المخفية والممنوعة،

وترسم لنا قصة -الهاتف-ذلك الرجل المجنون الذي يبحث عن شخص ليكلمه عبر هاتف دائرة البريد والهاتف، ليضع القاص مأمورة البدالة ومن خلال تدبير تضامني لها كصوت نسائي يفرح المجنون بمؤنثه المشتهى، ليخرج بعدها مسرعاً بسعادته بعد بحثه وسماعه الصوت المؤنس واللذيذ له.

وتمر قصة -قصة لم تكتمل- لتتناول حالة معينة نمذجها القاص عن البحث عن المال ومن خلال ترك ابناء لوالدتهم وهي تصاع الموت في احد المستشفيات الخاصة ويعودا بعد ايام للسؤال عنها لغرض الحصول عن الورث المالي، والتي تضعنا ازء سايكولوجية طمعية خالية من العرف الطبيعي والاجتماعي.

ويمكن القول هنا لقد وفق القاص في مخياله المنمذج للشخوص الباحثة والمتسائلة والمتجرءة بإحتجاجها كسلوكيات وفق مفهوم رد الغعل-الفيد باك – لتراكمات الجوع بمعناه الانساني العام وانسياقه مع الخطاب المسرود ومنها المسكوت عنه كمعانات طويلة تتسربل من قامة الناس المتعبين..‏ وامتثل القاص في مجموعته هذه لوجوبية فن القصة عند الكاتب الإنجليزي "هـ. تشارلتون"إن لم تصور الواقع فإنه لا يمكن أن تعَد من الفن" و امتثل القاص هنا للزومية الجمالية في فن القصة حيث اللغة الشعرية بمثلية تداخل شعري مع النسق الكتابي للسردا، وبمثلية رغبة تماهي أجناس الادب المؤدي للتلاقح اللغوي بينها، وبما يوفر قيم الجمال التعبيري للسرود النثرية.

عصرنةُ الخطابِ الحسينيّ .. لماذا وكيفْ؟

nazar haidarان محاولات تحجيم النهضة الحسينيّة، او سجن الأهداف السامية لكربلاء وعاشوراء في أُطرٍ طائفيّة او فئوية ضيّقة، تُعٓدُّ جريمة بحق الانسانية، وظلم للبشريّة التي تبحث اليوم عن الجوانب المعنوية السامية، بعد ان أشبعت الجانب المادي في حياتها حدّ التُّخٓمٓة.

والمحاولات هذه على نوعين: الاول؛ هي التي تحصر النهضة في (العٓبرة) فقط، فلا تعير (العِبرة) ايّٓ اهتمام، وكأنّ الحسين السبط (ع) استُشهد في كربلاء من اجل ان نبكي عليه فقط او ان نقيم عليه المآتم لإحياء ذكراه الخالدة.

انها تُقدّم الحسين (ع) العاطفة فقط، ولذلك فهي تحجِّمُه بإِبعادِه عن الحقائق الاخرى التي نهض من اجلها الامام (ع).

الثاني؛ هي التي تتعامل مع كربلاء على انها حدثٌ تاريخيٌّ فحسب، وأنها تراجيديا تخصّ فئة من الناس، او مجموعة من المسلمين.

انّهم يتعاملون بطائفيّة مقيتة وفئويّة ظالمة تتعدّى على حقوق الانسانيّة وتتجاوز على العقل البشري الذي يعشق الحق بغض النظر عن دينه ومذهبه وعنوانه وجغرافيّته، فما بالك اذا كان هذا الحق يتجلى على يد سبط رسول الله (ص)؟.

ان الحسين (ع) هو القرآن الناطق، وهو الامتداد الطبيعي لسيرة جدّه رسول الله (ص) وأبيه أمير المؤمنين (ع) كما يحدثنا عن ذلك هو عليه السلام بقوله {لأسير بسيرة جدي رسول الله وأبي علي بن ابي طالب} فهو لمّا كان كذلك، ينبغي ان نتعامل معه ومع قضيته ومنطلقاته وأهدافه وأدواته كما نتعامل مع القران الكريم والرسالة والولاية، فهو للناس كافة، لا يجوز حصره بفئة او بمجموعة أبداً، فانّ ذلك يضرّ بنا قبل ان يعتدي على الحدث السامي.

فكيف يمكن ان ننطلق بكربلاء من فضاء الحدث الآني الذي مضى في إطار (الدين) و(المذهب) الى الحدث الإنساني الخالد الذي يشعُّ قِيَماً نبيلة وأهدافاً عظيمة للإنسانية جمعاء؟.

برأيي، فإنّنا بحاجة اولا وقبل اي شيء اخر، الى ان نعيد النظر في نوعية الخطاب الذي لازلنا نستخدمه في عرض وتقديم النّهضة الحسينيّة، وهذا يحتاج الى ان ننتبه الى نقطة في غاية الأهمية تخص (اللّسان) الذي نتحدث به للآخر، فلكل جماعة او أمة لسانها الخاص كما هو معلوم، وان هذا الاختلاف في الألسن يعتبره القران الكريم من آيات الله تعالى التي تدلّ على وحدانيته وعظمته ورحمته كما في قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} وليس المقصود بالألسنة هنا هذا العضو الصغير الذي يأخذ حَيِّزاً ما في الفم، أبداً، فهو لا يختلف من إنسان لإنسان بالشكل والحجم والوظائف، كما انه لا يعني اللغة فحسب، والا فان القران الكريم نزل باللغة العربية فلماذا لا يفهمه بعض العرب وقتٓ نزوله؟ او شكّكوا وكفروا به؟ إنما المقصود باللسان هنا، حسب فهمي القاصر، هو الثقافة وطريقة التفكير، فما يفهمه الإنجليز مثلا ويتبنّونه من ثقافات وطريقة تفكير تختلف عما يتبنّاه الأميركان، على الرغم من ان لغة كلا الشعبين واحدة هي الانجليزيّة، صحيح ان لهذه اللغة قواسم مشتركة في المفاهيم والمتبنّيات الفكرية والثقافية والأدبية، ولكن، يبقى انّ لكلّ شعبٍ ثقافته وطريقة تفكيره واستيعابه للأمور.

وهكذا بالنسبة لبقيّة الشعوب والأمم، فلكلٍ لسانٓه، اي ثقافته وطريقة تفكيره وفهمه للأشياء على الرغم من تشابه الكثير منهم في اللغة.

ولهذا السبب نرى ان القران الكريم اهتم كثيراً بفكرة تطابق بعثة الرسل والأنبياء مع لغة الامم المُرسَلة لها الرسالة، وهي هنا المستقبِل او المتلقّي، فهو ينبّه في اكثر من آية الى فكرة تطابق لغة (الرسول والرسالة والمستقبِل) بما يحقق مبدأ الفهم الحقيقي للرسالة ليس باللسان الذي يعني اللغة فحسب، أبداً، وإنما بالثقافة وبطريقة تفكير المتلقّي، وما يفهمه من الآيات والبراهين، فقال تعالى مثلا {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وفي آية اخرى {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} وان موسى عليه السلام طلب من ربه عندما بعثه الى فرعون ان يبعث معه اخاه هارون خشية ان لا يتمكّن من إيصال الفكرة بشكل سليم على الرّغم من انّ لغته ولغة أخيه ولغة فرعون واحدة لا تختلف، فقال عليه السلام كما ورد في القران الكريم {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} لماذا؟ {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}.

تأسيساً على كل ذلك، ينبغي لنا ونحن نبلّغ لعاشوراء ونسعى لنقلها الى الاخر في هذا العالم، ان ننتبه الى ثقافة الاخر وطريقة تفكيره وفهمه للأمور، فلا نترجم القضية الى اللغات الاخرى أبداً فان ذلك لا ينفع في شيء، وإنّما يجب ان نترجمها كثقافة وطريقة تفكير وفهم للقضايا والأمور، فلا يكفي ان تترجم كراساً يتحدث عن كربلاء وعاشوراء والحسين (ع) الى اللغة الانجليزية مثلا او الفرنسية لتنشره في وسط المجتمعات التي تتحدّث هتين اللغتين، أبداً، فلكل مجتمع ثقافته وطريقة تفكيره وفهمه للأمور على الرغم من وحدة اللغة.

يجب علينا ان نفهم (اللّسان) هنا بالثقافة وطريقة التفكير واستيعاب الامور، وليس اللغة فحسب، لنضمن تفاعلا اكبر وأعمق مع الحسين (ع) ومبادئه وأهدافه وقيمه، وكل ما يتعلق بنهضته المباركة وحركته الخالدة.

انّ علينا ان نُترجم الدم الطاهر الذي سال على ارض كربلاء في يوم عاشوراء من نحور الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه، الى ثقافة الآخر والى طريقة فهمه للأمور واستيعابه للمفاهيم، فلا يكفي ان نترجم هذا الدم الى اللغات العالمية اذا لم نأخذ الثقافة بعين الاعتبار، فقد يكون المردود سلبياً فينقلب التأثير الإيجابي الذي نبغيه من عملية التبليغ الى اثر سلبي لا سمح الله، وصدق الله الذي قال في محكم كتابه الكريم {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ومن الحكمة والموعظة الحسنة معرفة ثقافة الاخر وطريقة تفكيره واستيعابه للأمور.

انّ اللّغة لا تتغيّر على مرِّ العصور والأزمنة، وإنما الذي يتغيّر هو الثقافة وطريقة التفكير وفهم الامور، ولذلك نرى ان بعثة الرسل والأنبياء تختلف من عصر الى عصر في إطار اللغة الواحدة، صحيح ان الهدف واحد والذي يحصره القران الكريم بقوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} او قوله تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الا ان المادة والمحتوى والطريقة والأدوات كلها تختلف بعضها عن البعض الاخر، من اجل ان تستوعب الرسالة متغيّرات الزمان والمكان في إطار تغيّر وتطوّر الثقافة وطريقة التفكير والفهم، على الرغم من وحدة اللغة وثباتها، ما يعني تغيّر (اللّسان) وتبدّله وتطوّره بمفهوم الثقافة والإدراك وفهم الأشياء، وليس بمفهوم اللغة.

لقد ظلّت البعثات الإلهية تترى على اهل اللّسان الواحد كلغة لتستوعب كل المتغيّرات الثقافية وطريقة التفكير والاستيعاب، حتى ختمها الله تعالى ببعثة الرسول الأكرم (ص) الذي جاءت معجزته هذه المرة القرآن الكريم الذي يتميّز بقدرته الخارقة على استيعاب متغيرات الثقافة وطريقة التفكير والاستيعاب ليس للسانٍ واحدٍ فقط (الثقافة العربية) وإنما ليستوعب كل الثقافات وطرق التفكير والفهم والوعي والإدراك لمختلف الألسنة وعلى مر العصور والأزمان، ما يدلّ دلالة واضحة على ان اللّسان المقصود ليس العضو الذي يحويه الفم ولا اللغة التي يتفاهم بها الناس، وإنما الثقافة وطريقة التفكير والفهم والاستيعاب، وتأسيساً على هذه الحقيقة في وعي القران الكريم يمكننا ان نفهم سرّ خلوده، وكيف انّ السّماء ختمت البعثات والرسالات بالإسلام.

ليس من المعقول ان تبقى طريقة التبليغ وأدواته ومفاهيمه على حالها من دون تغيير وتطوير في زمن العولمة ونظام القرية الصغيرة، فلقد تغيّرت كثيرا الثقافات وطريقة التفكير وفهم الامور عند الشعب الواحد فما بالك بالشعوب المختلفة والمتعددة؟ على الرغم من ان مفهوم (اللّسان) كلغة لم يتغيّر في المجتمع الواحد، وصدق الله الذي قال في محكم كتابه الكريم {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.

*هذا المقال كُتب خصّيصاً ونُشر في مجلة (القربان) الثقافيّة التي تصدر في المنطقة الشرقية بالجزيرة العربية، لمناسبة حلول شهر محرم الحرام عام ١٤٣٦ للهجرة.

١٤ تشرين الاول ٢٠١٤

الكتابة النسائية في الرواية العربية المعاصرة .. رواية الملهمات لفاتحة مورشيد (1)

alkabir aldasisiلعلمن بين ما يميز الروايةالعربية المعاصرة اقتحام عدد كبير من الكاتبات غمار الإبداع السردي، فبعدماخلا تراثنا من كاتبات في السرد بخلاف الشعر الذي سطعت فيه بعض الأصوات النسائية على نذرتها، وبعدما ظل عددهن محسوبا على رؤوس الأصابع في العصر الحديث، فإنه غدا من الصعب في الفترة الراهنة مواكبة كل الأعمال السردية التي تفيض عن مخيال النساء، بل منهن من أضحى رقما صعبا في الإبداع الروائي يستحيل دراسة أي محور في الرواية العربية المعاصرة دون الإشارة إلى أعمالهن، ومنهن من تفوق على الروائيين الرجال كما و نوعا، وأمست أسماء مثل سحر خليفة ،حنان الشيخ ، أحلام مستغانمي، قمر كيلاني، فوزية رشيد ، لطيفة الزيات، غادة السمان ،هدى بركات واللائحة طويلة... تفرض إسمها في صدارة لائحة كتاب الرواية المعاصرة... ومنهن من تشق طريقها بثبات وتبشر إصداراتها الأولى بمشروع روائية من العيار الثقيل إن هي استمرت في العطاء...

نفتتح سلسلة الروائيات العرب (في انتظار العودة إلى كاتبات أخريات في أعداد لاحقة) بشاعرة وروائية من المغرب، وإن لم تصل بعد إلى مصاف الرائدات، فإنها تسير بخطى حثيثة نحو إيجاد مكان لها ضمن الروائيات العربيات، إنها الصحافية وطبيبة الأطفال فاتحة مورشيد، فبعد ستة دواوين شعرية وحصولها على جائزة المغرب للكتاب عن ديوانها "ما لم يقل بيننا"مناصفة مع ديوان الشاعر المغربي محمد عزيز الحصيني "أثر الصباح على الرخام".. وبعد روايتي (لحظات لا غير) و(مخالب المتعة)، صدرت لها عن المركز الثقافي العربي ببيروت رواية (الملهمات) سنة 2011في 205 صفحة من الحجم المتوسط وهي موضوع حديثنا اليوم ...

تحكي رواية (الملهمات) تجربة شخصيتين من حلال قصتين متوازيتين تسيران في مسارين مختلفين، يحكي كلَّ واحدة ساردٌ مختلف عن سارد الحكاية الأخرى:

- الحكاية الأولى تحكي فيها شخصية أمينة تجربتها الشخصية وهي تعيش تحت ضغط الموت: أم ماتت قبل الأوان، حماة ماتت مجازا وتنتظر حتفها (بعد إصابتها بالزهايمر) و زوج ميت مع وقف التنفيذ (بعد حادثة سير ماتت فيها خليلته المضيفة)، وبقيت وهي تراكم الجثث على نعش الانتظار[1] . استغلت غيبوبة زوجها الذي كانت تعلم بخياناته لها مع عشيقاته، فاكتشفت كيف حول شقة في مقر عمله إلى وكر لخياناته يستغله هو صديقه الأستاذ إدريس الكاتب الناجح جعلاه فضاء لمغامراتهما مع عشيقاتهما، لذلك قررت الانتقام لسنوات صمتها بالبوح ببعض أسرارها، بعدما نهشتها الوحدة (بين زوج في غيبوبة وحماة غائبة عن الواقع وأطفال غائبين عن البيت)[2] ، هكذا أطلقت عنان لسانها تسرد حيثيات علاقتها برسام فلسطيني تعرفت إليه، وعاشت معه علاقة حميمية بعدما سافر زوجها إلى ألمانيا مع سكرتيرته ؛ علاقة تجسدت بلقاءاتهما على أرض الواقع واستمرت في العالم الافتراضي يغازلان بعضهما عبر الشبكة العنكبوتية ... كانت أمينة تحكي ذلك لزوجها الممدود أمامها، وهي غير متأكدة ما إذا كان يسمعها أم لا، تخاطبه قائلة: (لا أعلم إن كنت تسمعني أم لا.. على وجهك سكينة مَن تعدى مرحلة القلق، واستسلم لقدره.. مخلفا ترف القلق لي. لا يعلم الأطباء، ولا الشيطان نفسه يعلم، إن كنت ستستفيق من غيبوبتك لتستأنف حياة تشبث بها بكل كيانك.) وما أن أنهت حكايتها حتى فتح زوجها عينيه ليغلقهما إلى الأبد ..

- الحكاية الثانية يسرد تفاصيلها الأستاذ إدريس (الكاتب الناجح) كاشفا منابع الإلهام لديه، مستعرضا لقطات من علاقاته مع نساء متعددات في محاولة للربط بين ممارسة الجنس والإبداع ، وإبراز مدى إجادة (الكتابة بقلمين)، من خلال سرد تجارب جنسية مع نساء أذكين نار الكتابة لديه، سواء في شقة صديقه عمر أو في أماكن أخرى داخل المغرب أو خارجه (ألمانيا والصينوالخليج...) معتبرا النسوة اللواتي عاشرهن ملهماته، جاعلا من المرأة سبب أفراحه وأحزانه رابطا كل كتاب كتبه بامرأة معينة: (كل كتاب عندي مقرون بامرأة... كل فرحة عندي مقرونة بامرأة وكل انكسار كذلك)[3] ، لا يعتبر حياته إلا صنيع النساء: (أنا صنيع كل النساء اللواتي عبرن حياتي، بدءاً من التي منحتني الحياة، إلى التي أيقظت الرجل بداخلي، والتي فتحت لي باب الإبداع على مصراعيه، والتي جعلت قلمي يتألق، والتي كانت ورقة مبسوطة تحت يدي.) ، بعد استعراض مغامراته مع النساء، وفي نهاية روايته يميط الأستاذ إدريس ، في كتابه الأخير، اللثام عن سبب احتقاره للمرأة إذ يرتد السرد القهقرى ليلقي الضوء عن مرحلة حاسمة في حياته ، فمباشرة بعد وفاة والده وهو لا يزال طفلا يقول: (اتجهت وسط الظلام إلى غرفة والدتي استجدي بعض الحنان ، لأجدها بين أحضان دادة الغالية في وضعية تفوق الحنان، كانت الواحدة تقبل الأخرى بشغف وقد تحررتا من ملابسهما)[4] ليعلق على الحدث قائلا: ( كان هذا الحدث أول زلزال في علاقتي بالنساء)[5]

على الرغم من الجرأة التي قلما عهدناها لدى الكاتبات العربيات، وأخذ القارئ إلى تجارب غريبة يتلاحم فيها الإبداع بالجنس، فإن التفكير الذكوري ظل متحكما في كتابة مورشيد، فسمحت للرجل (الأستاذ إدريس) بالبوح بكل تفاصيل تجاربه مهما كانت غرابتها وحماقاتها ، في وقت حتمت على أمينة الاقتصاد في حكي تجربتها الوحيدة خارج إطار الزوجية ، ومنعتها – عكس ما فعلت مع إدريس- من سرد خصوصية العلاقة، مكتفية بتلميحات عامة، بل دفعتها في مرات كثيرة إلى قبول خيانات زوجها ، و إلى تزوير الحقائق حفاظا لسمعتها وسمعة أبنائها تقول مخاطبة زوجها الممتد أمامها في غيبوبته: (مجبرة على لعب دور البطلة العاقلة.. على حفظ ماء الوجه ونعي عشيقة ماتت في حادثة سير لتحررك منها وتهديك إياي لا حياً ولا ميتاً وأصرح أمام الجميع "المسكينة كانت صديقة حميمة وأنا السبب في وجودها بسيارة زوجي" . مجبرة على حفظ ماء وجه أبنائك واسمك، مجبرة على جعل الإهانة إكليل شهامة على رأسي).. إن الكاتبة جعلت البطلة تتحمل خيانات زوجها، وتحافظ على تماسك أسرتها وتربية أبنائها، بل الاعتناء بوالدة زوجها حتى بعد وفاته، فقد افتتح آخر فصل في الرواية ب (وضعت أمينة قبلة على جبين حماتها التي لم تعد تبرح غرفتها .. وزعت المهام على العاملين ببيتها وركبت سيارتها لتصل مقر (منشورات مرايا باكرا كربة أعمال تحترم شغلها)[6] وكأننا بالكاتبة تسعى إلى تكريس خصوصية المرأة المغربية التي تضع الأسرة فوق أي اعتبار، وقد تقبل في سبيل ذلك المهانة وإلا فلم ترعى أمينة أم زوجها الذي كان يخونها، ومات في فضيحة مع عشيقته ، وتدعي الزوجة أن المضيفة من معارف الأسرة، وأنها هي من طلبت منه إحضارها من المطار ..

يبدو من خلال حكاية إدريس التي أخذت القسط الأوفر من الرواية سعي المؤلفة إلى الربط بين الحب والإبداع ، إذ ربطت بين الكتابة عند إدريس وممارسته للحب يقول (قصتي مع الكتابة ممزوجة بقصتي مع الحب ، حيث يصعب علي معرفة من منها سبق الآخر .. كل ما أذكره هو جلوسي إلى المكتب بعد أول ممارسة للحب عن حب لأمسك بالقلم .. كانت متعة مضاعفة .. كان تفريغ قلم يستوجب تفريغ آخر)[7] بهذه العلاقة بين الحب والكتابة انطلقت الكاتبة على لسان السارد تستعرض اللقطات الحميمية التي جمعت الكاتب الناجح بملهماته دون أدنى إشارة إلى العلاقات التي سماها إدريس (مع مومسات أو عابرات لعواطفي)[8] مبينة كيف تفاعلت كل واحدة مع هذا الكاتب الناجح الذي كان كما يقول (دائم الجوع للنساء... يحبهن لدرجة السادية)[9] ونذكر من هؤلاء الملهمات :

- هناء: كانت أول ملهماته ، على الرغم من شعورها بالاحتقار في أول لقاء لما تركها واتجه للكتابة ، فإنها (سرعان ما اعتادت على طقس الكتابة الذي يكمل طقس المعاشرة الجنسية .. مما جعلها تجتهد في إنجاح العملية الجنسية حتى أستمتع أكثر وأكتب أغزر)[10] كان للملهم الأولى أثر خاص فانتهت علاقتهما بالزواج، لكنها توفيت بعد ذلك بسبب سرطان الرحم ، كانت في علاقتها به متضايقة من تفاقم عدد المعجبات مدركة أنه إذا كان (وراء كل رجل عظيم امرأة فأن أمامه نساء كثيرات مستعدات للقيام بالتضحيات نفسها حتى يستقيم لهن القلم.. وتستقيم له الكتابة)[11] ، هناك هي التي ألهمته كتابة القصة..

- ياسمين : كانت أول من دشن الشقة التي جهزها عمر(لأغراض إبداعية سامية ) الشقة التي سماها مختبر التجريب و(التجريب يستوجب تجريدا)[12] كانت طالبة تدرس عن الأستاذ الناجح ومن القارئات النهمات لقصصه، يقول بعد تجربته الأولى معها أن (مهاراتها الجنسية فاقت مهارات كل اللواتي عرفتـُهن من قبلها كما تفوقت في دور الملهمة بامتياز)[13] يضيف (فمع كل لقاء بها أخط قصة بكاملها .. وهكذا أصدرت أول مجموعة قصصية كانت فتحا في التجريب بالمغرب)[14] وانتهت علاقتهما بعدما شعر بأنها تتفوق عليه في الكتابة (فقد دفعها جموحها لكتابة قصص تشبه قصصي ... وحتى عمر طلبت منه أن ينشر لها ولولا أنه وفي لصداقاته ولي بالأساس ، لكانت سحبت البساط من تحت قدمي)[15] فكان ذلك سببا كافيا لاتخاذ قراره (من يومها اتخذت قرارا بعدم مصاحبة من لها مثل طموحي، ولا هي في نفس مجالي[16])

- لم تسلم من مغامراته حتى صباح صديقة أمينة التي حكت لها قصتها مع الكاتب الناجح متهمة إياه أنه (ربما يعرف استعمال قلم الحبر لكنه يجهل ما تنتظره امرأة من قلمه الخاص) منتقدة هرولته للكتابة بعد الجنس تقول لأمينة ( تخيلي أنه بعد ممارسة الجنس مباشرة نهض مهرولا .. وبدأ يكتب من دون أن يلتفت إلي أو يكلمني.. وعندما انتهى ... أراد أن يقبلني كأنه فتح قوسا.. أبعدته بحركة وقلت له: البس ثيابك وارحل ولا تعد إلى هنا أبدا)[17]

- زينة : ملهمة من طينة خاصة لم تكن متعلمة ولا من معجبات الأستاذ الناجح وإنما هي مجرد خادمة أسند إليها عمر تنظيف شقته السرية ثلاث مرات في الأسبوع ، أثاره يوما منظر مؤخرتها وهي تمسح البلاط ، كانت تجربته معها فريدة يقول (لأول مرة عرفت متعة أن تهتم امرأة بحاسة ذوقي، معها أحسني بدائيا أقرب ما أكون من الطبيعة .. كان مجرد حضورها بالشقة يجعل قلمي ينطلق وتطيعني الكتابة ... كانت تخلق حولي عالما قريبا من رغباتي الحقيقية) [18] (كل النساء أتعبنني بطريقة أو بأخرى إلا هي ، كانت عطاء مطلقا في صمت ... استمرت علاقتنا لسنة أو أكثر كتبت خلالها أنجح أعمالي)[19] ولم ينفصل عنها إلا بعد دخول شروق لحياته

- شروق :نجمة الغناء التي عاملت زينة بترفع واحتقار فانسحبت زينة من حياته (في هدوء مسلمة بأن المنافسة في مثل حالتها غير واردة)[20] تعرف عليها في إحدى السهرات ، أغواها بالكتابة بعدما سألته :ماذا تكب الآن؟ أجابها رواية بطلتها نجمة من نجوم الأغنية العربية. يقول (طلبت مني أن أكتب كلمات لألبومها الأول ... هكذا شرفت في عش الحب)[21] لكنهما سرعان ما افترقا لاختلاف طباعهما (هي تحتاج أن تنام على صدري (وأنا) أكتب بعد ممارسة الحب .. هي تنتظر مني كلمات لأغانيها وأجعل منها بطلة روايتي .. وأنا لي قلمان ينتظران أن أتفرغ لهما)[22] وكاد أن يتحول قرار فراقهما إلى مأساة عندما قطعت عروق معصمها محاولة الانتحار ، لم ينقده منها سوى عمر الذي حمل شروق لطبيب صديق أقنعها أن الفضيحة ستقضي على مستقبلها الغنائي ، على الرغم من كون شروق لم تكن ملهمة ولم يكتب إدريس أي شيء أثناء علاقته بها فقد صرح أن الإلهام كالدواء قد يأتي مفعوله متأخرا إذ كتب رواية (حكاية نجمة) بطلته نجمة للأغنية العربية عقب علمه بانتحار شروق في القاهرة.

- ثريا : زوجة شاعر كانت تحكي له عن غرور زوجها ، كانت (تظن أن بإمكانها ترويض شاعر .. وعندما يئست انتقلت إلى ترويض أصدقائه بلطفها وبراعتها في تنظيم الحفلات . يرجع لها الفضل في جعل اسمه يبرق في سماء الشعر نتيجة إتقانها للماركتينغ الثقافي) [23] يقول إدريس (بدأت أتردد على صالونها في حضور زوجها .. ثم في غيابه .. كانت تسعد كلما كتبت شيئا بعد مضاجعتها، ربما تجد في هذا شيئا من رد الاعتبار لأنها لم تنجح في أن تلهم زوجها ولو قصيدة واحدة) أثمر إلهامها أول رواية لإدريس يقول (كتبت خلال السنتين اللتين قضيتهما بصحبتها روايتي الأولى فقبلها كنت أحترف القصة القصيرة .. أحس بالامتنان لثريا بصفتها فاتحة الرواية كما كانت هناء فاتحة القصة )[24]

- ريجينا :الفنانة التشكيلية الألمانية أحس أمامها بأن الكلام الذي يتقن لا ينفع شيئا ، لذلك قامت تجربته معها على لغة الجسد والحواس (وما عرف قلمي فحولة شاهقة بهذه القوة) وفي آخر لقاء جمعهما (جهزت لوحة كبيرة بحجم سرير مريح ناصع البياض وضعتها على الأرض وأحاطتها بشموع صغيرة ... خلعت عني ملابسي، وخلعت عنها ملابسها ، ثم أمسكت بفرشاة وأخذت تصبغ كل قطعة من جسدي بلون مختلف وطلبت مني أن أفعل الشيء نفسه مع جسدها ... وما أن أصبحنا كفراشات الربيع حتى دعتني لأتمدد فوق سرير اللوحة .. ومارسنا الحب بكل ألوان الطيف ) بعد إشباع غريزتهما تأملتِ اللوحة التي أطلقتْ عليها اسم (نفس الصحراء) وعلقت: (ليس من اللائق إضافة شيء للجمال)[25] ليكتشف في نهاية العلاقة في غرفة مجاورة عددا من اللوحات بنفس الحجم ، واستعدادها لتنظيم معرض للوحات العشاق الذين ساهموا في إضافة شيء لفنها ويستنج وهو الذي يراكم الملهمات ويعتبر ذلك جنونا (بوجود من هي أجن منه تراكم بصمات الملهمين ورائحة أجسامهم أثناء فعل الحب في لوحات لتعرضها في معرض خاص)

- الملهمة الوحيدة التي أوحت له بكتابة قصة بقلم واحد ولم يعاشرها إدريس هي مغنية السوبرانو التي سمع صوتها لمّا كان بفندق بمدينة هانغشان الصينية ، أثر فيه صوتها الشجي وتخيل معاناتها في قصة اكتشف في ما بعد من خلال الكاتب الصيني الوحيد الذي يتقن اللغة العربية أن قصته لا تختلف في الجوهر عن قصة تلك المغنية وكانت جون كما يقول إدريس(أول امرأة تلهمني ولا أعرف منها سوى صوتها)[26]

- رجاء: - وهي صحفية سعودية - كانت آخر ملهمة تعرف إليها إدريس قبل إصابته بسرطان البروستات، عندما كان يقيم بفندق بالخليج ، مطلقة لها أربعة أطفال ، زارته لإجراء حوار وتطورت علاقتهما، وبعد مضاجعتها سألها عن سر وشم على شكل فراشة يمتد من صرتها على منبت شعرها ، لتحكي له رغبتها في المصالحة مع منطقة من جسدها كانت سبب كل مصائبها وفي آخر لقاء بينهما وكانت حائضا ، أخبرته أنها منذ وشمها لم تعد تخجل من جسدها ولم تعد تخاف من دم الحيض وإنما تراه( نبيذا أحمر يسيل من جداولي مرة في الشهر ليذكرني بالأنثى التي اخترت أن أكونها) شجعه كلامها على مضاجعتها وهو الذي قضى عمره يقنع النساء بأن ممارسة الجنس أثناء الدورة الشهرية مسألة طبيعية، يقول ( بعد ليلة حمراء على جميع المستويات تبولت دما ظننته في البداية من مخلفات دم حيضها ، لكنه تكرر بعد عودتي للمغرب وجعلني أستشير الطبيب الذي شخص لي سرطان البروستات لدي)[27] كانت رجاء آخر امرأة في حياة إدريس الجنسية وكانت المرأة الوحيدة التي مكث بين أحضانها ولم يحس بأدنى رغبة في الكتابة ، بل كانت المرأة التي أوقفت تدفق قلميه .

هكذا يعلن إدريس توقفه عن الكتابة وهو يعتقد أنه لا زال قادرا على الخلق وافتضاض بياض الورقة لكنه وهو الذي اعتاد الكتابة بقلمين يقول ( لا تستقيم لي الكتابة إلا إذا استقام لدي القلمان فالعلاقة بين القلمين وطيدة جدا حيث يعجز النسغ الأسود عن إخصاب الورقة إذا عجز النسغ الأبيض) ويكون ذلك سببا لاعتزاله الكتابة، لينتهي إدريس بعد هذا الكتاب متفرغا للقراءة مؤمنا أن ( فعل القراءة لا يحتاج إلى ملهمات)[28]

وبهذا تكون رواية الملهمات قد تغيّـت الربط بين الجنس والإبداع ، من خلال حكاية كل من إدريس ، في رواية حسب رأي ناشر العمل- (محكمة الحبكة وبالغة التشويق، متوغلة ببراعة في المناطق المعتمة من نفسية شخوصها) أما حكاية أمينة فلم تكن فيها أية إشارة لعلاقة الإبداع بالجنس عند المرأة. وكان حري بمورشيد الانتباه لذلك خاصة الكاتبة امرأة.. وكأنها لذلك تبيح الخيانة الزوجية ما دامت الخيانة مصدر إلهام ، إلا أن النهاية الدرامية التي وجهت إدريس إليها (سرطان البروستات) ووفاة هناء بسرطان الرحم الذي قد يكون انتقل إليها من تعدد شريكات زوجها .. يشفعان لها في الفكرة المطروحة من قصور.. من خلال إبراز مصير من لا يلتزم في علاقاته الجنسية.

إن رواية (الملهمات) تعكس بحق امتلاك الكاتبة للآليات والأدوات الفنية اللازمة لسبر أغوار الذات الإنسانية ومعالجة مواضيع شائكة ومعقدة تكون فيها مقنعة وممتعة. متجنبة توجيه النصائح وإصدار الأحكام في معالجتها للعلاقة الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج مفضلة وصف العملية ب (فعل الحب) بدل أي كلمة مشحونة بالدلالات والمواقف والأحكام الدينية والاجتماعية كالزنا والخيانة الزوجية ... في انفتاح على مرجعيات علمية فلسفية كونية ، بعيدا عن النظرة المحلية أو الدينية، مستشهدة بآراء العديد من المفكرين العالميين .

الرواية تضع الأصبع على نقطة جد حساسة في علاقة المرأة بالرجل، تتمثل في سؤال لما يبحث الرجل عن امرأة أخرى ؟؟ ولمَ يخون عمر زوجته أمينة في الرواية وهي مستعدة لأن تفعل معه أكثر ما يفعل مع عشيقاته؟ (كم وددتُ أن أكون شفافة أمامك.. عارية الروح.. وكان العري أشد ما تخشاه. أمضينا ثلاثين عاماً بثيابنا، بأقنعتنا، واحداً جنب الآخر. زوجين مثاليين، لا جدال ولا مشاجرة.. تمثالين نزيّن بهما وكرنا ونحرس السلالة). أوضاعهما المادية جد ميسرة : (من حسن حظنا، أو من سوئه، لم تكن لدينا مشاكل مادية تعيد العلاقات إلى أبجديتها وتجعل من الكفاح في سبيل لقمة العيش تواطؤاً) لكن قد يكون للغنى وتوفر المال دوره في بحث الرجل عن عشيقة لذلك وجدنا أمينة تتمنى لو كانت أسرتها فقيرة : (تمنيت لو يصهرنا الجوع أو العوز، أو تحتاجني فأظهر شهامتي وارتباطي.. تمنيت لو تدخل علي ككادح عرقه يفسح له الطريق، لو أحكي لك عن مشاجراتي مع الجارات حول تنظيف السلم، عن أولادنا وتفوقهم في الدراسة، عن ثمن الطماطم الذي تضاعف رغم شتاء وافر المطر...تمنيت لو أطبخ لك رغيفاً بسيطاً ولذيذاً كلمسة يد.. وأنت تلاحظ بشهوة فائض وزني الذي جعل فساتيني تضيق وتلتصق بي.تمنيت لو تسكب ضيق نفسك على رحابة جسدي، لو تصبّ علي شكواك، وأحسني أجمل ما لديك في هذه الدنيا.) وكأننا بالكاتبة تحاول أن تربط الخيانة بالوضع العائلي ، ذلك أن عمر وأمينة ينتميان لعائلة ميسورة الحال: ( بيننا خدم وحرس وسائق وطباخ ومربيات للأطفال. بيننا سيارات عددها أكثر من عدد أفراد الأسرة.. بيننا مسافات أوسع من قصرنا، وسكرتيرات خاضعات لنظام التجديد. بيننا أصدقاء بل معارف وسهرات وهدايا.. بيننا مسافات أبعد من رحلاتك. وصمت.. صمت.. صمت). هذا الصمت الذي ساد طيلة فترة زواجهما ولم تجد أمينة الفرصة للبوح لزوجها بما يعتصر في صدرها إلا عندما كان ممددا أمامها في غيبوبته : (أكان لابد أن تدخل في غيبوبة حتى انفرد بك؟)

إن قارئ رواية الملهمات يصادف تردد أسماء عدد من المشاهير من الكتاب العالميين أمثال: "بول إلوار"، "ونستون تشرشل"، "روني شار"، "أوسكار ويلد"، "لورد بايرون"، "موريس شبلان"، جبران خليل جبران، "بليز سندرارس". والإحالة على أعمال أدبية وفكرية عربية وعالمية معروفة أوردتها الكاتبة قسرا وفرضتها أحيانا كثيرة على السياق على الرغم من كون السارد ( الأستاذ إدريس ) كاتبا ناجحا وكان ورغم تعدد أسماء المفكرين يلاحظ غياب أسماء من اهتموا بعلاقة الإبداع بالجنس خاصة سيغموند فرود وعلماء النفس والتحليل النفسي ..

يستنتج من خلال حكايتَيْ رواية الملهمات إذن أنها تتقاطع في حكاية الأستاذ إدريس مع عدد من الروايات العالمية التي تربط بين الجنس والإبداع...وتتقاطع في حكاية أمينة مع روايات كثيرة يكلم فيها بطل الرواية شخصية مغمى عليها : روايات عربية كما في رواية "باب الشمس" للأديب اللبناني إلياس خوري، وفيها يحاور طبيبا والده المغمى عليه في المستشفى. أو روايات عالمية مثل الرواية الحائز على جائزة "الغونكور" الفرنسية، ونقصد رواية "حجرة الصبر" للأديب الأفغاني عتيق رحيمي، وفيها يروي معاناة امرأة أفغانية تحاور زوجها المغمى عليه بعد إصابته برصاصة في رأسه...

هذا وقد استطاعت رواية الملهمات لفاتحة رشيد ملامسة بعض القضايا الاجتماعية والأخلاقية على هامش الحكايتين ولعل من أهم تلك القضايا : مناقشة قضية الخيانة الزوجية ، وهي و إن كانت ظاهرة منتشرة في مختلف الأوساط فإن لها في الطبقات الراقية وضعا اعتباريا ودوافع أخرى غير الحاجة للجنس، ذلك أن الرواية تكرس كون الأسر التي تكون حاجياتها البسيطة متوفرة تبحث لنفسها عن تجارب أخرى خارج إطار عش الزوجية ، ما دامت الكاتبة اختارت أبطال القصة من أسر راقية: فأمينة وزوجها من وسط راق ، يسمح لهما ضغط الحياة اليومية بالانفراد ببعضهما إلا بعد دخول الزوج في غيبوبة، فوجدناالزوجة تتساءل ( أكان لابد أن تدخل في غيبوبة حتى أنفرد بك ؟ أكان لابد أن تهينني ليعترف الجميع بأنني زوجتك؟ فتختفي العشيقات كما بعصا سحرية كأن لهن منك الصحة والفرح ولي منك المرض والحزن )[29] ؟؟

كما حاولت الرواية بطريقتها معالجة قضية نظرة المجتمع لتلك الخيانة و قبول المجتمع لخيانة الزوج لزوجته ، دون قبوله العكس، واستعداد الزوجة للتضحية وتجاوزها عن خيانات زوجها ، هكذا وجدنا رغم معرفتها لخيانات زوجها تقتنع بنصيحة أم الزوج (لا تكوني غبية فتهدمي كل ما بنيته لا تدعيه يحس بأنك على علم بما يفعل .. دعيه جاهلا بمعرفتك لخيانته ليستمر في اتخاذ الاحتياطات اللازمة) واقتناعها بفكرة أن ( الرجل في هذا الزمن إذا خرج من بيته صباحا وعاد ليلا فهذا من فضل الله على زوجته) بعد أن تساءلت الأم: (من يستطيع مقاومة البنات في الشوارع؟ إنهن كالحوريات جميلات صغيرات متحررات ...) [30]

وإلى جانب الكثير من القضايا المتعلقة بالقيم والأخلاق طرحت الكاتبة قضية هامشية قد لا ينتبه العديد من القراء، تتعلق بصراع خفي بين المرأة المغربية والمرأة الخليجية، فضلنا تخصيصها بمقال خاص انتظرونا في مقال الصراع الخفي بين المغربيات والخليجيات في رواية الملهمات لفاتحة مورشيد قريبا

 

ذ.الكبير الداديسي

.................

[1] - ص - 22

[2] - ص- 184

[3] - ص 14

[4] - ص 179

[5] ص 180

[6] - ص - 197

[7] - ص - 25

[8] - ص - 27

[9] - ص - 91

[10] - ص - 28

[11] - ص - 29

[12] - ص - 68

[13] - ص - 69

[14] - ص - 69

[15] - ص – 70

[16] - ص - 70

[17] - ص - 78

[18] - ص – 86 - 87

[19] - ص - 88

[20] - ص - 90

[21] - ص - 100

[22] - ص – 100- 101

[23] - ص - 103

[24] - ص - 114

[25] - ص - 138

[26] - ص - 154

[27] - ص - 164

[28] - ص- 204

[29] - ص - 9

[30] - ص – 62

دهشة الروح .. قراءة في قصة "عاشقة من وراء ستار" للكاتبة المصرية ميمي قدري

mimi ahmad(توسدت رأسها صدره ..طلبت منه بصوتِ خافت أن يضمها بشدة،أحاطها بذراعيه كاد أن يجعلها تلجُ داخل قلبه التحم الجسدان كما التحمت روحيهما منذ فترة من الزمن، استيقظت من سكرات النشوة مُحدقة بصورة العذراء الأم وهي تحمل الابن المسيح عليهما السلام، حينها وبدون أن تشعر تحسست المصحف المرافق لها ولجيدها منذ الصغر) .. (عاشقة من وراء ستار / بقلم ميمي قدري)

 

الكتابة المختبئة وراء ستار الرمز، نادرا ما يتسرب منها العمق الدلالي. و حين يتعلق الأمر بالرمز الروحي في علاقته مع المدلول الجسدي، تصير الكتابة تجاوزا لواقع و تبشيرا بآخر.

محكوم على المتلقي، وهو يلج رحاب قصة " عاشقة من وراء ستار " للمبدعة المصرية ميمي قدري أن يلملم دهشته أمام النص ليفكك رموزه الخبيئة، و يقبض على بؤرة الحكي فيه، ضوءا و ظلا .

ما يقوله النص أكبر مما يكشفه المعنى. لسببين:

الأول: النص لولبيٌّ يُلَمِّحُ ولا يُصَرٍّحُ. يُجَمِّلُ و لا يُفَصِّلُ . و يذهب عميقا في صيرورة ثلاثية : الدين – الحب – الجنس.

الثاني: غايات النص تمزج بين التعدد و التوحد. تعدد المعنى الروحي المنفلت من كل كوابح. و توحد الروح في معنى الحب و الجسد.

"عاشقة من وراء ستار" قصة تعكس الحلقة المفقودة (الحب) في دائرة الثنائي (الصليب و الهلال). إنه ذكاء سردي يمتطي حلم الالتحام العاطفي في ارتباط مع توابث ألمقدس، ليؤول إلى ترسيخ دلالة مواربة : الحب فوق الأديان. لأنه من أسس الأديان.

المبدعة ميمي قدري انتقت من اللغة أقربها إلى المعنى الصادم. واختارت من المعاني أعمقها على صعيد الكشف المثير . من الدال (المسيحية) إلى المدلول (الإسلام)، أسست الكاتبة لعلاقة حميمة (معيشة أو متخيلة، ليس مهما تحديدها رمزيا) بين نداء روحي – جسدي مسموع الإلحاح. و استجابة دينية - عرفية – مقننة لتتويج إحساسين و قلبين .

يصعب الاستيقاظ من دهشة هذا النص . لأن مبدعته اختارت الأصعب لبنيات سردها : الرمز الديني المقدس المحتفي بالواقع الاجتماعي المعاش .

 

بهيجة البقالي القاسمي

قراءة في ديوان "ما أراه الآن" للشاعر خليل الوافي .. بحث في جدلية الرؤيا والزمن

1said assil – في البدء كان العنوان: يشكل العنوان عتبة أساسية لقراءة النصوص، بل هو مدخل حيوي لإضاءة العديد من الجوانب المظلمة أو الغامضة داخل نص/ نصوص أو كتاب معين.

من هنا ننطلق في قراءة ديوان "ما أراه الآن" للشاعر المغربي خليل الوافي.. من هذا العنوان الذي يؤشر على ثنائية "الرؤيا" الآنية/ الزمن. وتندرج ضمن الجزء الأول من هذه الثنائية كلمات وألفاظ كثيرة: (حلم – رأى – رؤيا – المرآة/ المرايا – أحلم – العرافة – السفر – بصير – الضوء/ الأضواء...)، وتندرج ضمن المكون الثاني لهذه الثنائية الألفاظ التالية: (الآن – المجهول – اكتشف – توقظني – مسالك – السؤال – مسافة – التيه – الصبح...).

تنطلق هذه الثنائية لتفترض وجود صراع بين عالم الرؤيا/ الحلم؛ الذي غالبا ما يرتبط بما نريد، أي باللامتحقَّق، في علاقته بالماضي، من جهة، وبالحاضر، من جهة أخرى، ليتشابك مع هذا المكون (الآن) الذي يرتبط بدوره بالحاضر، ولكنه في الوقت نفسه يتطلع إلى المستقبل:

ماضي     ←        حاضر         ←        مستقـبَل

ولعل السطر الشعري التالي يكاد يختزل العنوان، بل وقصائد الديوان كاملة:

تراني أقرأ فاتحة الطريق (ص:37)

إنه إذن محور الديوان.. فالشاعر يقف في وسط الطريق ليرى ما يعيشه وما هو موجود في الحاضر فيعيد القراءة، باحثا عن فاتحة جديدة/ طريق جديد غير ذلك الطريق الآني ولا الماضي.. إنها فرصته للرحيل إلى الآتي/ المستقبل الذي يفترض أن يكون خلاف هذا الموجود المتحقق اليوم.. وهو ما يجعل الأمر الرؤيوي حاضراً بقوة في قصائد الديوان كلها ... وهو أيضاً ما يؤكده آخر مقطع في الديوان:

أنا العربي الغاضب

أسخر منك يا مولاتي

حين لا أجد في جيبي

وطناً يقرضني ساعة

للحلم. (ص:82)

 

2 – الرؤيا في ديوان "ما أراه الآن"

الشاعر خليل الوافي مهووس برسم صورة للعربي اليوم، لكنها، في الغالب، صورة قاتمة.. صورة لذلك العربي الذي يحمل معه صورته القديمة في حاضره ويرسم لنفسه مستقبلاً غامضاً؛ فلا هو محافظ على بعض الملامح الإيجابية للعربي القديم ولا هو استطاع رسم صورة لعربي اليوم/ الحاضر الذي وجد مكانته في عالمه .. إنه دوماً ضائع.

تتشكل الصورة الأولى من خلال استحضار مجموعة من الرموز العربية القديمة، سواء كانت أسماء أشخاص أو أماكن أو مدن:

بالأمس ...

كان ابن ذي يزن

يحمي الماء من الهرب

كان عنترة يركض خلف الخيل

أسفل الموت

وأنا – وحيداً –

أجمع حطب الغابات المحترقة

في سؤال الأرض

تركب العير وحشة الأرض

أقرأ صرخة طارق،

تاريخ الحروف ألملم

نحو بوصلة زياد

...

(من قصيدة: "لا أحلم كما أشاء"- ص: 10 - 11)

تغدو هذه الأسماء التراثية العربية ملجأ للشاعر الذي يظل عالقاً في "حطب الغابات المحترقة" ليجتر الأسئلة التي أجاب عنها عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن وطارق بن زياد ... كلهم كانوا يملكون البوصلة التي تنير لهم طريق المغامرة وتوضح لهم الاتجاهات الأربع، ما داموا لم يعرفوا الاتجاه الخامس الذي لا يعرف العربي اليوم غيره...

لقد عاش العربي القديم في الصحراء وألف رملها وعِيرَها، وتدثر بسمائها في كامل الربع الخالي حتى ألفته ... كان هذا الربع خاليا إلا من الشعر والسيف وكثير من النخوة ... كل هذا الزاد كان بالنسبة له ثريداً يستشعر من خلاله قُوَّتَه وعنفوانه، على عكس العربي المقتول/ المذبوح بضعفه ومهانته ومهادنته ومذلته:

(...) قولي شيئا يمسح عني

دمع الصبا

والتربة العربية

العالقة في حلقي...

 

أعرف سيدتي

ما كان لي أن أكون

لحظة مخاض

أراقب هبوط ليل

هارب للتو من عين المقصلة...

( ما كان لي أن أكون- ص: 43)

ما الذي ينتظر هذا الإنسان، إذن، وهو لا يقوى على الانفلات من حاضره، ولا يقدم له الدمع أي عزاء، ومع ذلك يحاول التخلص من التربة العربية التي تأبى الانفكاك عنه، في الوقت الذي تلاحقه المقصلة في كل مكان وفي اللامكان، دون أن يظفر بالمكان/ الوطن الذي يصبو إليه، فيصرخ:

أنا العربي الغاضب

أضع تاريخ أمتي جانباً

وأبحث عن وطن

يحمل اسمي

بعيدا عن جغرافيا الأمكنة...

(أنا العربي – ص: 80)

هذا هو الخلاص الذي يلهث العربي وراءه في محاولة منه للهروب من واقعه .. ولا فكاك له، فيصرخ مرة أخرى:

أنا العربي الغاضب

أحمل نعلي هارباً نحو الحدود،

والقوم خلفي،

وصورة الجنود لا تفارق حلمي،

ويمتد القتل فينا

حتى ذاك الطفل الوليد ...

(أنا العربي – ص: 81)

فأي مصير ينتظر هذا الهارب نحو المجهول، والكل يلاحق خطوه، والكل يطلبه كبيراً أو صغيراً، أو حتى وليداً ... ما هو الخيار إذن؟:

أختار بيتي وقبري الجديد

أداوم الاعتراف أمام موتي

أمام سيل الأسئلة التي تأتي

وأخرى تغرق في وادي الصمت

يخضر وجعي...

( شيء من التيه في زمن الحرب- ص: 65)

كيف يتحول القبر إلى بيت للاستقرار في هذا الزمن العربي؟... وأي بيت هذا الساكن في المقبرة الجديدة، أو البيت الجديد الذي تسكنه مقبرة... لا فرق، إذن، ما دامت المقبرة والبيت قد تحولا إلى شيء واحد .. إلى فضاء بصيغة المفرد المثنى، وهما يمتزجان معا ويتوحدان ... ذاك هو البيت الذي غدا يقطنه العربي اليوم وغداً، حالماً بالانتقال من زمنه القديم والفرار من عقاله المقيِّد له، وجلبابه الذي ما فتئ يرتديه رغما عنه.. وهو رمز آخر للضعف وعدم القدرة على الانفلات من رقبة الماضي المعشعش بكامل أغبرته، والحاضر الأليم بكل صوره وإحباطاته وهزائمه وانتكاساته:

" تخرج يدي من فرط التلويح

على حافة البحر

منارة تطل بضوئها الخجول

يرقد الحلم بعيدا في سباته القديم...

(شيء من التيه في زمن الحرب- ص: 64)

وهنا يصبح الحلم ملجأ للفرار من الحاضر، مما يؤشر على مجهولية المستقبل وضبابيته، بل سوداويته، أحياناً، فينتصب البعد التشاؤمي مهيمناً عبر معطيات قصائد الديوان:

إقتربْ أيها الليل الغريب

في يدي

لعلي أمسك نجمك العالي ...

فتبدو عصبية تلك العروبة

البعيدة عن وطني

(امرأة الليل – ص: 72)

إن محاولة القبض على الحلم/ النجم العالي محاولة يائسة يصعب معها اختزال الوطن في العروبة أو العروبة في الوطن حيث يشتد سواد الليل ليعم فضاء هذا الحلم الجميل ويرتد الشاعر حسيراً يبحث لنفسه، ولغيره، عن قبس نور يضيء عتمة هذا الليل الغريب، فماذا يفعل الشاعر سوى أن يصرخ، ولكن في وجه نفسه:

أصرخ في وجه نفسي

ماذا عساي فاعل؟

ويداي تخونهما الإشارات

في ملح الجرح

أي شيء يغسل وجه عَرَبِسْتان

من وجع الأرض...

(أنا العربي- ص: 79)

هل حقا كان الشاعر خليل الوافي يبحث عن رؤيا جديدة أم أنه ظل يتلمس رؤيا غيره ليرى بواسطتها؟.

ولنقل إنه يرى، لكن بعين يوسف، ما لا يراه غيره، ويتمثل دوره في حمل هذا الهم كله، كما حمل يوسف هموم قومه:

أرى يوسف

يحمل هم أحد عشر كوكبا

والطير تأكل من رأسي

ويعقوب قد ارتد بصيرا

(ما أراه الآن- ص:50)

فهل نعتبر هذا المقطع الأخير مؤشرا على التفاؤل الذي يغيب عن الديوان، في محاولة لاستشراف أفق يبعث عن الأمل، رغم كل السواد والتشاؤم المهيمن على عالم قصائد الديوان كلها؟!...

لعله كذلك، خاصة إذا علمنا أن الديوان ينتهي بهذه الصرخة المتحدية:

أنا العربي الغاضب

أسخر منك يا موتي

حين لا أجد في جيبي

وطنا يقرضني ساعة

للحلم...

(أنا العربي – ص: 82)

 

3 – " ما أراه الآن" بين الحوارية و "الحكائية"

ظاهرة أخرى تلفت النظر في ديوان "ما أراه الآن" وهي هذه القصيدة- الحكاية، حيث النفَس الدرامي، حين تتقدم المقاطع الحكائية في النص، تتوسد السرد والحوار معاً في إطار مقطع طويل أو دفقة شعورية ممتدة تأبى التوقف حتى الزفرة الأخيرة... ولعل خير ما يمثل ذلك قصيدتان هما: " في قرع الباب" و "شيء من التيه في زمن الحرب".

في قصيدة "في قرع الباب" يبدأ النص من لحظة البداية التي تعكس إطلالة الشاعر/ الصوت على فضاء ضيق:

أقرع الباب..

يطل وجهي من الطابق العلوي

من شرفة البيت

لونه تداعى للسقوط

يترنح ظلي خلفي

أبحث عن نفسي .. عن لغتي

في رطوبة الجدار

في رائحة الشاي

يدق قلبي زمن الانتظار. (ص: 15)

ثم ينمو المشهد في تداخل مونولوجي يرتد إلى الماضي/ التذكر:

أقرع الباب..

كل شيء يوحي أنني أعرف هذا المكان...

هل كنت هنا بالأمس؟

توغلت في دمي

في الذات الشاردة

في الصراخ الطويل

في العويل المباح

كي أرى نفسي في السراب..

غريبة أنت سيدتي.

( ص: 15 – 16)

ثم تتطور اللحظة إلى تأمل الذات، التي تدخل في هذيان تساؤلي يشك في الأشياء بحثا عن مخرج، لتستسلم الذات في لحظة تالية (المقطع الرابع)، تنقل نفسها إلى عالم الحلم. وفي المقطع الخامس تستمر "الحكاية" بين لحظة الآن/ التأمل ولحظة اليقظة التي تصطدم بما هو واقع ... وفي المقطع السادس تعيد الذات قراءة ما هو كائن في لحظة إنصات لبعض الصور، لتختتم القصيدة بمقطع سابع يحاول إعادة ترميم الذات المنكسرة من خلال استحضار صورة "صبي"/ ولادة جديد(ة):

أقرع الباب..

أَفْرُكُ حلمي

تتجدد صورة الإطار

على ثلة العودة:

صبي يتعلم السير ببطء

كي لا يخطئ طريق المقدس

...

...

...

(ص: 19)

وهو المقطع الذي يضفي جوا تفاؤليا يستشرف الولادة القادمة، لعلها تعيد إحياء ما مات وإيقاظ مامُوتِ الذات المهزومة....

وفي قصيدة " شيء من التيه في زمن الحرب" ينمو الصراع الدرامي في سيرورة الحكاية التي يخترقها الحوار، حيث يستحضر الشاعر صوتا آخر يتحاور معه، فتتداخل الأصوات والرؤى لتعطي للقصيدة فرصة التطور...

تبدأ القصيدة هادئة، ثم تتذكر الذات حوارها الذي يتداخل بدوره مع أصوات أخرى، وهكذا حتى آخر القصيدة التي تنتهي بمحاولة إيقاظ الأمل، مرة أخرى، وبنفَس تفاؤلي:

أجمع فتات الكتب المحترقة

أعود لمقتبل العمر

ألعب في الزقاق الخلفي

كي ينتصر الحلم ثانية

كي ما تصبح شقائق النعمان

فراشات بيتي....

(ص: 67)

مما يؤشر على ضرورة انبعاث جديدة تعيد الحلم مرة أخرى، وهو ما يرتبط بنهاية قصيدة "في قرع الباب" السابقة.

 

على سبيل الختم:

ديوان خليل الوافي: "ما أراه الآن" قصيدة واحدة تحمل رؤياها لتعمل على إشراك القارئ في تفاصيلها، حتى يغدو بدوره مشاركاً منخرطاً في إعادة بناء القصائد/ القصيدة من خلال رؤيا "جمعية" تتجاوز الشاعر – كعرَّاف – لتتماهى الذوات العربية في لحظة واحدة يتوزعها الكلام واللغة والصورة، في محاولة لاكتشاف رؤيا تلك الذات...

الديوان/ القصيدة صرخة في وجه الألم الذي يحياه الإنسان العربي في تخوم واقع مهزوم شر هزيمة ، كلما حلم بفرصة جديدة ولاح له أمل ما كلما ذُبِح العربي والأمل معا من جديد.. إنها صخة البحث الدائم والدؤوب عن الذات وعن الأنا/ النحن الضائعة، ولكن يظل الأمل موجوداً وقائما ولو وسط الركام...

 

د. سعيد أصيل-المغرب

 

قراءة في (أبناء الشيطان) للشاعر عبد الجبار الفياض

raeda jarjeesإن الأدب كأسلوب من أساليب التعابير الإنسانية التي يٌترجم بها الفرد أحاسيسهُ وخواطرهُ وعواطفهُ تاريخه ُ أو تاريخ مراحل من حياته و سطور من عمر وطنه وآلامه وأفراحه ومآثره

عن طريق رسم الصور بالحروف

لذا فانه يرتبط ارتباطا وثيقا باللغة والتراث والتاريخ

إن أشكال الأدب متنوعة من شعر ونثر ، قصة وقصة قصيرة وطويلة ، مقال ......... وما إلى ذلك

الأدب الذي دونه الشاعر عبد الجبار الفياض شعراً هو أدب متكامل من حيث اللغة ، فسلاستها وقوتها وخلوها من الأخطاء النحوية والإملائية ومن حيث الصورة من الخيال والتركيب ،الانزياحات اللغوية وعدم الاستهلاكية وقوتها وارتباطها الوثيق بالإيحاء المعبر عن الفكرة وانسجامها بموضوع النص .

الشعر عند شاعرنا المتألق هو مائدة دسمة للحرف والتاريخ والعاطفة . . .

وليس غريبا على ابن خزانة العرب البصرة الفيحاء أن يترجم أحزان مرحلة من التاريخ ويرسم عواطفه هنا شطا من الإبداع يعكس ثقافته الأصيلة وسعة مداركه لغويا ، تاريخيا وسياسيا . . .

بدءاً من العنوان

أبناء الشيطان

فهم القتلة التعساء هم المنافقون الذين راهنوا على الوطن بالدولارات وبقوا رهناء الذل والعار، وهم من زرعوا الحقد وبثوا الموت في الوطن :

تحملون الشيطان في عيونكم

ليرى مالا ترون

وترون ما يراه..

تسبقه أيديكم لملأ فمه

وقبله لا تشربون....!

تتلخص شخصية الشاعر من أول كلمات الإهداء(إلى من علموني إلى كل صرخة منخنقة

(من علموني) هم من علموه فن أول حرف ينطق ، وأول حرف يكتب هم أهله ، هم معلموه ،مدرسته الأولى ثم إلى كل صرخة منخنقة . . .

هذا عنوان الوفاء عنوان المحبة وترسخ الذات في حب الوطن وأهله فمن غيرهم اختنقت صرخاتهم .

يجمع الفياض بطيات (أبناء الشيطان) الرموز السياسية ، الدينية التاريخية والأسطورية في تسلسل جميل ينم عن معرفة تاريخية عميقة ودراسة تراثية لحضارات متعددة مما يفرض على القارئ أن يكون ملّماً بتاريخ هذه الشخصيات كي يتسنى له فهم معاني ما جاء به الفياض

وتوقف قلب غاندي برصاصة خائفة

لكنه عاد يخفق من جديد

أكوان تولد في كون . . .

الوطن عند الفياض قداسة ونقاء وعز حيث يصوره بالنبي فيقول :

وطني أيها النبيّ

أن حاربوك فأنت نبيّ

إن شتموك فأنت نبي

 

إن قلبوا لك ظهر مجن

فأنت نبي وأنت أنت

حيث تعصب راسك الثريا

وتحت قدميك

يركع كافرون بجلال تألقك...

والوطن عنده محبة وإكبار وولادة :

أرادوا اغتيالك فشطروني ..

فكنت نصفا يحبك إلى حد الموت

ونصفا يلعنهم حد الرجم . . .

.....

مسحوا ظلي في لحظة

وفي لحظة

أورقت حياة من رحم آخر. . .

والوطن عنده لوحة جمال أولها الشمس . .

بيان رقم 1001

أريد بيتا

لا تشرب نوره ظلمة

يفتح نافذة الشمس

يجلس القمر على عتبته

أريد وطنا جمعا

يصلي

لا يشنق هلاله بحبال عاد وثمود

أريد سماء لا يحجبها دخان

من أودية الجان

أريد وطنا

لا يستقطنه طرواديون

رغاليون

ومن جاءوا بدم كذب

وطنا

تلغى فيه خطوط الطول

وخطوط العرض

مساحة تخلع عند دخولها النعلان

وطنا

بألف ليلة

لا بألف بيان

. . . . .

وينهي شاعرنا المتألق مجموعته أبناء الشيطان بالنص

وصية حيث فيه يختزل آيات الكلام من لغة ووصف وبلاغة وقوة تعبير :

أيها السائر نحو اللآنسيان

لا مغيب

لا توصي بشيء

فأنت وصية

حفظها في القلب

بين جفنيه

وطن..........

...........

هكذا كانت رؤيتي لــــــ (أبناء الشيطان) للمبدع الشاعر عبد الجبار الفياض وهو يصوغ المتعة للقارئ بلوحات تعكس الألم والفرح معا، لوحات تحاكي زمن مضى بدموع من دم بألوان إبداعية تفرض نفسها على الساحة الأدبية وجها وضاء من الأدب العراقي الذي نفخر به ويكون مصدرا للغة والفن الجميل . . .

قراءة في رواية حصار العنكبوت لكريم كطافة

الى المغيب د. عبدالستار القيسي**، الذي لو التقيته يوما لقبلت التراب الذي يمشي عليه.

ينتمي كريم كطافة الى جيل نادر من الثوريين العراقيين، هو جيل تفتحت افاقه في بداية السبعينيات، مفعم بالجهد المثابر للقراءة والاحلام الثورية الرومانسية. هو سلسل حركة ثورية مفعمة بالتحدي واحلام التغيير. وجد هذا الجيل طريقه الى الكفاح المسلح بعد ان قلب النظام الساقط ظهر المجن لليسار وفي مسيرة نظام كان همه تحويل الشعب العراقي الى شعب على مقاسات صدام. اهم انجازات هذا الجيل قدرته على التحدي. هو جيل شاغب السلطة وكسر هيبتها وأذلها في احيان غير قليلة وتحدى ارهابها المجنون. جيل مشبع بالوطنية ومبادئ العدالة الانسانية والاممية ، مأثرته الكبرى كانت في اعادة الهيبة لنضال للحزب الشيوعي العراقي بعد هجمة النظام عليه في 1978 . تكمن مأساة هذا الجيل في ما افرزته الحياة وبالذات بعد 2003 والتعمد في دفن مأثرته من خلال التنكر والاهمال له، بل إن نهجهم هذا وتضحياتهم تلك، التي لا تتعارض مع قيم اي انسانية أو وطنية، لم تجد لها صدى في حياة العراقيين في السنوات اللاحقة. يطرق كريم كطافة على الذاكرة العراقية المخربة اصلا، والتي يجري العمل الان على تشكيلها بصيغ دينية، طائفية، شوفينية او ذات افق قومي ضيق وبصيغ لا وطنية. تشكل هذه الرواية جزءاً من الانصاف لهذا الجيل وبطولاته، والمساهمة في تشكيل الذاكرة العراقية على اسس وطنية وانسانية. جزء هام من بيان هذا الجيل نجده في مقدمة القصة التي كتبها الكاتب.

يسعى كريم كطافة في روايته إلى توثيق حدثاً هاماً من حياة هذا الجيل الثوري الذي سعى بزهرات شبابه وطاقته ان يجسر المسافة بين الحلم والواقع، هي فترة الحصار وبطريقة الشبكة العنكبوتية لمجموعة من قوات الانصار والبشمركة ولمجموعة من عوائلهم وعوائل اخرى في جبل كارة الاجرد والجاف، في الفترة التي اعقبت انتهاء الحرب العراقية الايرانية وتَفرغ النظام لضرب الحركة الكردية المسلحة. قام النظام بشن حملة ابادة شاملة للريف الكردستاني و ( لأول مرة يقدم الفلاحون على رحيل جماعي بهذا الذعر الذي يجبرهم على ترك بيوتهم كما هي، وأن يفروا بجلودهم، وحتى دون قتال، ودون أن يدروا شيئاً عن وجهة رحيلهم القادم ص 141)، وهُجر النظام العديد من عوائل الانصار في الفترة السابقة لحملته باتجاه قواعد الانصار وضمن مخطط مدروس مسبقاً. شكل هذا الحصار جزء من عملية ابادة عنصرية وشوفينية للشعب الكردي وهي عملية الانفال الذي ذهب ضحيتها 180 الف مواطن عراقي كردي. عوائل الانصار (يقدرعدد الضحايا ب 196 شخص في اقل تقدير) من الاطفال و النساء والشيوخ معظمها من اليزيدية، التي اضطرت ان تسليم نفسها للسلطة، تم ابادتها ولم يُعثر لحد الان على اي اثراً لها، ولم يحفظ النظام الساقط وعوده التي سبق وان اطلقها. هذه الفترة تتطرق لفترة بضعة اشهر من حياة الانصار والتي تمتد الى مايقارب إحدى عشر سنة.

عتبة الرواية تبدء ب (فواد يلدا .. مازلت الجرح الناتئ في روحي)، هذا الاستهلال سيضع القارئ وبالذات العراقي المبتلى بالفقدان ومن خاض معارك النضال من اجل الشعب العراقي، ان يتساءل كم من الجروح الناتئة في روحه، من هو الاكثر شعورا بالامان؟ من جلجل بصوته هاتفا بحب شعبه ووطنه وسقط شهيدا ام من يستعيد تلك الصور مقاوما النسيان. يصعد الكاتب بهذا الاستهلال شيئاً فشيئاً من المستوى ذي الطابع الشخصي والذي له مرارته الخاصة في حياة الكاتب ليتحول الى سؤال عام لامس حياة شعب وحركة ثورية. من هذا الاستهلال ترتسم صور اولئك الذين اختطفوا منا بصور ابتساماتهم وجلجلة ضحكاتهم وصخب تواجدهم او هدوءه. كل منهم كان له صورته. لم يبق لنا الزمن شيئا كثيرا فقد جاوز معظمنا من العمر ثلثيه، لكن تبقى صورهم كما هي شابة، مفعمة بالحياة، وبابتسامته تتحدى الايام.

تتميز رواية حصار العكنبوت بروح الالفة التي تخلقها مع القارئ. تكتسب هذه الالفة مظهرها في القراءة المتواصلة لرواية كبيرة الحجم والتماثل مع عوالمها واجوائها وشخصياتها وتوثيق احداثها، تتسع هذه الالفة وتضفر وشائجها مع القارئ الذي سيبقى يبحث عن الحدود الفاصلة بينه وبين الرواية. لا تنشا هذه العلاقة بسب دراما الاحداث فقط وحجم المأساة والمجزرة وانما بالصياغة والاساليب المتنوعة المستخدمة في اقامة عمارة الرواية المتكاملة.

تبدأ الرواية بناء أحداثها بعين سينمائية، هادئة، رقيقة، مسالمة الى حد ما على جبهة الحرب بين ألانصار والسلطة، وهى تشمل توصف حياة الانصار وطرق التحاقهم ومواقع ألانصار وروح النكتة والسخرية والتحدي وغيرها من اليوميات المألوفة في حياتهم، بحيث تُبنى هذه الالفة وتهيأ القارئ للاحداث والمرارات القادمة. لم يهتم الكاتب في توصيف الشخصيات فقط وهو عامل هام في رسم لوحة متكاملة للشخصيات واجوائها وانما اهتمامه الاكبر كان بفعلها وقوة هذا الفعل، فقد قدم شخصيات مشتركة في خيارها باقتحام المجهول ولكن في اللحظات التي تكون مع الموت جيران وحين يفقد الموت طقوسه، تتفرق مصائرها، خاصة عندما تتحول مفردة واضحة كمفردة ( فاشل بو) الى كودة السر لدخول الجحيم ص 145. هي شخصيات حقيقية استلها كريم من احضان تلك الحياة. رسمها بصورة صادقة وأمينة ولم يتلاعب فيها كثيرا، ولم يسعى اصلا لإخفائها الا بمساحيق خفيفة بما يتطلب بناء الرواية، بل بالعكس سعى من اجل توثيقها وتوثيق تلك الاحداث.

فؤاد يلدا وهي شخصية حقيقة، شاب شيوعي بصراوي في اواسط العشرينيات من عمره، مدهون بلون الشمس وبعيون ملونة، ترك ايطاليا بعد ان انهى دراسة النحت فيها والتحق بقوات الانصار، وعلى لسانه في الصفحات الاولى، ينطلق رنين الانذار القادم بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية (حمار الملك لم يتعلم القراءة والكتابة، الجنود جنود، انتهت المهلة يارفاق ص 14). هذا الرنين سيتحول الى سؤال كبير وبالأحرى الى اسئلة كبرى، اهمها ماذا اعددنا بعد الحرب؟. يغيب فؤاد بين فصول الرواية مع شخصياتها ويظهر هنا وهناك، وليظهر لنا في نهايتها بخياره الواعي والمأساوي بالانتحار على تسليم نفسة لجيش السلطة. سهراب القابض بيده على الجمر وحمل كتفيه بمسؤولية وحياة رفاقه الانصار من جهة وحمل حياة زوجته واطفاله المهجرين باتجاه قاعدة الانصار من جهة اخرى، والتي تؤنفل لاحقا، هذا الحمل يتحول الى بوصلة في تحديد خياره بتحدي الموت ومواصلة القتال بعد انسحاب الانصار باتجاه الحدود التركية.

سعى الكاتب لتناول شخصياته بحيادية. يمكن تلمس ذلك في طريقة تناول شخصية ابو منيب مسؤول الفوج الذي موه الكاتب إسمه فقط، رغم عدم قناعة الانصار بقيادته لهم والتي نجده مثلا في صيحة رزوقي المستفز على الدوام (باكيت الزبد شوكت يطلع من الثلاجة !! ص 98)، لكن الموقف يتجسد لاحقا، حين يبحث القائد عن خيار فردي لنجاته بهربه الى سوريا مستغلاً خطوط التنظيم المدني، تاركا انصار فوجه بين فكي الموت. هذا الامر في حقيقته، هو سؤال يثير الكثير من المواجع.

شخصيتان تشكلان ضفتا الرواية والتي تبقى ظلالهما مرافقة لكل احداث الرواية. الاولى هي شخصية نظام مجرم يقتات على ارهاب وتجويع واذلال وابادة شعبه، لم ينجو من شره لا البشر ولا الحجر. نظام كان يريد ان يفصل شعب على مقاسه ولم يتهاون يوما مع من يكون خارج هذا المقاس، لم يترك كريم كطافة فرصة في سرده الا واظهر اجرام هذا النظام. مرة يصفعه واخرى يبصق عليه وثالثا يظهر خواءه وعداءه الاهوج لشعبه ولم تغب في تفاصيل الاحداث وبؤر الصراع مسؤولية النظام الساقط عن هذه الجريمة. والثانية هي شعب يأكل الحجر كي يبقى يقاوم. مجد الكاتب بصدق وامانة بطولة الشعب الكردي وصموده وتحديه ومجد حركة الانصار واصرارهم المقدس الا أن يكونوا في موقع المدافع الامين عن ارادة وطموح شعبهم.

لم يسقط الكاتب رؤيته المسبقة على الأحداث والشخصيات ولكن عرضها امامنا بشيء من الانسيابية والعفوية كما هي في واقع حياتها. ما يجمع معظم هذه الشخصيات هو النزعة الانسانية فيها وطابع التحدي والمقاومة في مجمل حركتها، حتى موضوع عشق النصير خديدا في خريف العمر لعاهرة تلعب دورا مزدوج بين السلطة والانصار يتحول موضوع للتندر والمشاكة بين الانصار (ليش خديدة... ليش!! ص43) بدل ان يكون محطة لانفجار المواقف، حتى البغال والتي هي شريك حياة الانصار والحيوانات الاخرى تكتسب هذه النزعة وتكتسب موقفا حين تكون جزءا من حياة الانصار وتلهث مع البشر في طريق خلاصها، كما هي في شهامة بغل السرية الوحيد (مارادونا) الذي يفتدي بنفسه ثلاثة من الانصار والذي يبقى مصيره مجهولا ما بين القتل او الجرح او الاسر وربما تضحك في سرك حين تتسأل عن كيفية تعامل السلطة لاحقاً مع بغل الانصار الاسير. كذلك مأساة البغل النورس، بقرة عابد والتي يصوم عابد عن تناول لحمها حين تذبح لإنقاذ الجياع. دببة تترك مكانها لعاشقين وزوجين يلعبا في ساحة المراهقة وغيرها من الصور.

   يؤثث كريم كطافة المشهد من جوانبه المختلفة وبمهارة واناقة متميزة (الزمان، المكان، الحوار، الذاكرة، ردود الافعال، الحلم، الملابس، الامراض، السخرية ...الخ)، مما يجعل المشهد نابضاً بالحياة، ويجعل من الحدث ذي بهرجة جميلة غير مفتعلة حتى يخيل للقارئ انه يرى بعيون الشخصية نفسها. ففي ص 242 تشعر وكأنك ترى اللون الحنائي لبسطال الضابط الواقف على أحراش نهر صغير إختفى فيه ثلاثة من الانصار ويتداخلك الخوف الناهش فيهم ( رؤوس الثلاثة مفرغة من التصميم لا شيء فيها غير صوت دوران الدماء في العروق، ولعله ذلك السائل الذي يدعونه بسائل الخوف، كان خوفهم ناهشاً ماسكاً بتلابيبهم معطلا أجسادهم عن المبادرة ص 24).

صور ومشاهد الكاتب موصوفة بعين سينمائية،راصدة وبمشاعر واحاسيس عالية وبلغة متينة متناسبة مع الحدث بلا اقتضاب او اسهاب مما يساعد على اختصار المسافة بينك وبين الحدث. من هذه الصور والمشاهد يرتفع الكاتب بعمارة الرواية حجراً فحجراً، وصفاً بعد اخر بخبرة ومهارة الاسطوات وبطريقة البناء الهرمي. فقد استطاع كريم كطافة ان يظهر نضوج تجربته وخبرته في الكتابة، وقدرته على تنمية الحدث الروائي بما يحث القارئ على مواصلة القراءة بمتعة وتأني، وروح وعين فاحصة. هي صور تعكس جوانب المختلفة لحياة هؤلاء المقتحمين للمجهول والمنتصبة بين خط الموت والحياة.

شباب انصار حلوين*** جاءوا من مختلف البقاع والمشارب للالتحاق بالحركة. أنصار تعاهدوا في السنة الاولى لاحتفالهم بعيد رأس السنة الميلادية في 1980 في جبال كردستان الشماء، على ان يلتقتوا باحيائهم وشهدائهم تحت نصب الحرية في بغداد في اول عيد لرأس السنة الميلادية بعد اسقاط النظام الديكتاتوري، زوجات شهداء وعوائلهم، عزرائيل المهموم بقائمة الاعمال المطلوب انجازها . صورة النشيد الاممي وهو يغنى بطريقة الخشابة البصراوية ( هبوا .. هبوا، يله خالي) والتي لو سمعها ماركس لترك غليونه جانبا وبزخ معهم. صورة المرأة العراقية العصية على الاذلال والتي مثلت أحد أوتاد الراوية وهي صورة صادقة ولكنها غير تقليدية في مجتمع تقليدي، نساء رواية حصار العنكبوت هن احد وجوه الرواية المشرقة والتي عرضت وجوه اخرى لجوانب متنوعة من الحياة عموما ولحصار الجحيم وملحقاته . شكلت صور نساء الرواية بانورما حقيقة، فهي اشد انواع الصور تنوعاً ولم تكن ذو نمطية موحدة او مكررة، بل عكست طاقات وهئيات ومواقف ًمختلفة ومتناقضة احيانا وغطت بمساحاتها معظم مشاهد الرواية. عالمهن الخاص رغم تنوعه الا انه كان على رباط وثيق مع الاحدث وجزء اساسي منه، عزز بناء الرواية واكسبها متانة سواء على مستوى المحتوى او الشكل. تعددت صورهن ( النصيرة وضحة، دايكة عائشة، روزا بنت الشهيد جاويش، زوجة الشهيد جاويش، شيرين، زوجة سهراب، حبيبة حمدان، زوجة الضابط الطيار ). جنود لم تكن لهم مصالحة فيما كان يدور ولكن وجدوا انفسهم ككماشة النار في يد لنظام. صور ومشاهد الرواية تعبر عن ذاكرة عصية ومعاندة للزمن تتحدث عن اولئك الذين كانوا يسرقون من الزمن اعمارهم وأيامهم وشبابهم المنسي.

صورة واحدة لم يقترب منها الكتاب هي استخدام الجنس والاروتيكة في نصه، رغم ان هذاالامر مغري للكثير من الكتاب في ظل اوضاع يرتفع فيها حائط الممنوعات، اضافة لكونه الجانب المغري في الكتابة لحياة منعزلة ومقطوعة ويشكل جزء من حقيقة ذاك الواقع. وهنا يُطرح تساؤل هل ان الامر يتعلق بالعفة، بالتوثيق، بالأسلوب. سؤال يبقى مفتوحاً، رغم ان الكاتب اظهر تمكنه من هذا اللون من الكاتبة والوصف كما في وصف الطيار القاصف للموقع وزوجته، واثارة سؤال عميق حول الاجرام والاستمتاع بالجنس.

عناوين الفصول او المشاهد مثيرةً ومختارةً بخبرة تعكس مهارة في التعامل مع مقدمة النص ومع القارئ، فقد اتبع كريم كطافة استخدام عناوين الكثير من الفصول، تحمل التناقض والتخالف داخل النص نفسه. هذه الطريقة او التقنية تفتح شهية القارئ للبحث في الفصل المعني عن طريقة التخالف هذه والغرائبية في عنوان الفصل. انها قراءة تبدأ بسؤال بين مفارقة النص والواقع. مثلا كاكا انور يشتغل كردي،   انا زيباري!!، سجناء خطرون، محنة البغل النورس، محنة سجان وسجناء، حين تكون الحلول متشايهة... يعني ماكو حل، حب يأتي مثل اشياء اخرى منهكا، كل شئ يحترق ارض الكرد بلا ريف، الموت لحماً، إعادة إبادة إنسان النياندرتال وغيرها

ما يعزز من الالفة بين الرواية وقارئها هذا التناسب بين السرد والحوار، الذي ساعد على تركيب هذه الصور والمشاهد ويسهل لعيني القارئ في التهام صفحات الرواية. لعب الحوار بالدارجة دوراً بتسخين الاجواء واعطاء الشخصيات حرارة وحيوية، خاصة في مواضع السخرية والنكتة التي تشكل في الكثير من المواقع محطة لجر الانفاس، حيث لا تكتسب النكتة او القفشة طعمها الا من لغتها المحلية. واستطاع كريم ان يستخدم لغة دارجة سهلة ومفهومة عموما من القارئ الغير عراقي. استخدام الكاتب الدارجة في حدودها المعقولة بحيث خدمت السرد ولم يصبغ النص بروح محلية ضيقة.

اما السخرية والنكتة في الرواية والتي هي بحاجة الى وقفة خاصة ومفصلة، والتي تمتد الى الكثير من مفاصل الرواية ولعبت ادواراً مختلفة وهامة. هذه السخرية لم تكن مفتعلة. هي جزء من ذاك الواقع ومن تلك الحياة، ولحد الان ما ان يلتقي بعض الانصار حتى يكون هذا الامر مادتهم الاكثر حيوية في احاديثهم وذكرياتهم. تكمن مهارة الكاتب في طريقة استخدامها وتوظيفها باعتبارها جزء من الحدث، تسهم في تعزيز الحوار وبنائه وتفتح افاق لتطوير السرد والحوار وبناء اسئلة مركبة وتشكل السخرية قاعدة قوية لتشكيل الاسئلة المختلفة. تأخذ السخرية مكانها من بداية الرواية حتى اخر صفحة فيها. السخرية كانت على مستويات متعددة منها اليومي المألوف والذي يضفي نكهة وترطيب للحياة والاجواء وتعكس روح التحدي لمرارة الواقع المحاط بالموت وعزرائيل القافز بين وديان وقمم جبل كارة كما في استخدام عبارة معروفة بين الانصار للملتحقين الجدد من الخارج (يعني الرفيق بعده بدهنة ص 12) او كما يتحدث النصير ابو حمدة عن ابو طاروق (هي جمع لاسمي قياديين في الحزب الشيوعي وهو ابو فاروق عمر الشيخ وابو طارق ارا خاجدور). ابو حمدة (الذي يدمج ما لا يدمج من صفات واسماء في لجة لهفته لقول اخبار، يعتقد انها لم تزل طازجة ص 16). ومنها كما يسمى بالسخرية السوداء التي تمتد مفارقات التاريخ حين تدعو حركة لإيقاف الحرب العراقية الايرانية باعتباره موقفاً سياسيا واخلاقياً من الحرب واملا منها ان يفتح هذا الامر ابواباً لاشتداد تناقضات نظام صدام مما يقرب سقوطه، فاذا بهذا الموقف يتحول الى مقصلة للمعارضة العراقية وبالذات الحركة الكردية وابادة للشعب الكردي. مسخرة شعب يخلق جلاده كما في ص 12 حين يصور مشهد بين الجموع حين يخطب صدام ويسمع صراخ رجل بين الجموع يشق دشداشته ويلطم على راسه، ويبدو ان هذا المشهد سيبقى لصيقا في حياتنا كعراقيين حتى بعد زوال النظام الساقط. السخرية من الواقع نفسة حين يكون الشيوعيون اكثر القوى مساهمة وعنفواناً في النضال ضد الديكتاتوريات المتعاقبة ومن اجل سعادة العراقيين وليأتي في النهاية اخرون يجمعون حصادهم، هي سخرية وسؤال يختزن في باطنه المرارات اللامحدودة. سخرية التناقض بين الروح الثورية المستعدة لاقتحام السماء وشكل تأطيرها، وبالتالي هل يكفي للثوري ان يحمل صليبه على ظهره أو أن يمتطي ظهر الموت وهي قدرة عجيبة، يحسد عليها، كي يكون طريقه اقل تعرجاً. سخرية كريم كطافة تُحي وتصعد بالعديد من الاسئلة الى السطح. انها رواية تُبقي الجرح مفتوحاً.

سيكتشف الانصار وكل من ساند واحترم نضالهم ان متعتهم ليس فقط في قراءة الرواية وانما ستتجسد حين يقدمها احدهم لاحد ابناءه او بناته، لاهله، لاصدقائه، لشبابنا العراقي ليقول له كانا هكذا نحفر في جدار القمع والصمت من اجل شعاع امل للعراق وشعبه. رواية حصار العنكبوت لها سحرها وهيبتها والتي كما اعتقد سستترك اثراً واضحاً عند قرائها.

شئ اخير اودع به قراءتي هذه تتعلق بالغلاف الذي بتقديري كان يمكن عليه العمل بشكل اخر.

رواية ( حصار العنكبوت ) للكاتب كريم كطافة 367 من الحجم المتوسط، اصدار دار نون، الطبعة الاولى 2014

 

........................................

. القيت المداخلة في احتفالية توقيع الرواية التي نظمها التيار الديقراطي وملتقى الانصار- هولندا 10-10-2041 * قارئ.

** كانت عيادة الاسنان للمغيب د. عبدالستار القيسي في شارع الكفاح مقابل ابو سفين في بغداد، ملجاً لاختفاء العديد من الشيوعين، واصبحت لاحقاً مركزاً للمراسلة. كان عبدالستار القيسي شيوعياً سابقا وسجن في شبابة مع فهد الذي لم يذكر أسمه قط في اي مكان كان الا وارفقه بعبارة الرفيق الخالد، حباً واعجاباً وامانة. إنتهت علاقتة بالحزب الشيوعي بعد 1963. في فترة الحملة ضد الشيوعين اواخر سبعينات القرن الماضي، كرس عبدالستارالقيسي نفسه وعائلته لحماية الشيوعين والدفاع عنهم. بقيت عنده اكثر المختفين مدةً وتعرفت عليه عن قرب. كان رجل مفعم بالجراءة والشجاعة والحب والحنان. هو اخو المحامي المعروف عبدالوهاب القيسي. الذي غيبته السلطة، وابو الشهيد قيس الذي استشهد في احداث بشتاشان والذي سبق ان قضى حفنة من سنوات عمره في سجين ابو غريب، بعد اكماله رسالة الماجستر في مصر وعودته للعراق.

***مطلع لاجمل إغنية مجدت بطولات الانصار، من تاليف الشاعر إسماعيل محمد إسماعيل وتلحين المبدع كوكب حمزة وكان الاثنان ضمن الانصار.

 

زوايا مضيئة في "صورة ملونة لشاعر"

thamer ameenغالباً ما تأتي بواكير التجارب الإبداعية وهي مشوبة بالضعف وعدم الوضوح في الرؤية، وهذا أمر طبيعي، فالبدايات لاتأتي واضحة المعالم ولا تبلغ النضج الا بعد شوط من الجهد والمثابرة ، ولكن ما قرأته لعلي عبد الزهرة في ديوانه (صورة ملونة لشاعر) وضعني امام استثناء لما تقدمت به، فقد وجدته خطوة شعرية شابة، واثقة، تدرك مهمة الشعر وتمتلك مقومات الانفراد بصوتها الخاص، وذلك من خلال ماطرحته مجموعته البكر من قصائد اتسمت بصفاء اللغة وتنوع الموضوع، وقدرتها على الأخذ بالقارئ الى فضاء التأمل في باطن النص وليس الأخذ بظاهره، فهي تستفز فيك الأسئلة منذ اول قصائدها (اجتياح) التي تقف أزائها حائراً ومدققاً في هوية الطارق الذي يمر على ابواب البيوت وبالتالي يقتحم الباب الذي يريد :

         رأيته يطرق ابواب البيوت ـ كلها ـ

          واحدا بعد الآخر

         وحين لم يفتح له أحد

         عاد الى بيتي من جديد

           كسر الباب

           ودخل

فهذا الطارق لايمتلك ملامح واضحة ومحددة، فهو قد يمثل القدر الذي لافرار منه او الوقوف بوجهه، يقتحم عالم الجميع ويختار طريدته دون إذن من أحد، واالاستفزاز هذا نلمسه ايضا في قصائد (الدمية المسحورة )، (طريق النمل )، (الأحلام المضيئة ) التي تؤكد انها قصائد غير مباشرة فهي لاتتخذ من الوصف هوية لها ولاركيزة لبناءها، بل انها تعتمد على عنصر الدهشة واثارة الاسئلة وسيلة للمرور الى قلب ومخيلة القارئ، هي عالم يبدو صغيراً لكنه مكتنز بالدلالات :

         الأشجار المسنة تتهامس

         الظلام حل

         لكن فأس الحطاب

           مازالت بين ذراعي

         شجرة التفاح الصغيرة

كما يكشف الشاعر في قصيدة (ايقاعات خفيفة ) وقصائد أخرى انه يقف على ضفة شعرية غير رخوة، بل فيها من الصلابة ماتجعله مطمئنا للبوح دون قلق، ففي ومضاته الشعرية تجده يمنح الكثير بالقليل من الكلمات :

           لكي تسن القوانين يجب ان تملأ

           الدواة بالدم وتشحذ الاقلام بالسيوف

               ....

           لكي نضمن الآخرة

           نحتاج الى اكثر من حياة

             .....

           في السياسة والطبخ دائما

           نحتاج الى الوقت الكافي

للوهلة الأولى تبدو هذه الصور بكلماتها القليلة صوراً بسيطة، لكنك حينما تغور في عمق النص تكتشف انك تحلق في فضاء من الحكمة ونضج البصيرة، فدلالات الزمن وأهميته جلية في هذه النصوص القصيرة .

و يتكرر رهان الشاعر "علي عبد الزهرة "على حضور القارئ اللبيب الذي يأخذ بباطن النص حيث يعود في قصيدة (الشك واليقين) الى ذات الايقاع، فلا يمكن ان تندرج هذه القصيدة تحت باب الوصايا كما تبدو في ظاهرها :

           قبل ان تقرأ الرسالة

           تأكد بأن جميع الأبواب مفتوحة

           .... .....................

           ..........................

           بعد ان قرأت الرسالة

           تأكد بأن جميع الأبواب مغلقة

           ..........................

           ..........................

ومن الطبيعي ان تلقي بظلالها تجربة كبيرة مثل تجربة الشاعر محمد الماغوط على شعرية شابة فنجد قصيدة (شراكة) تقترب من منطقة الماغوط عند خوضها موضوعة غياب العدالة في توزيع الأرزاق :

       هو ينسى الفرض وأنا أتلقى الصفعات

         هو يقطف الأزهار وأنا اقطع الحطب

         هو يرتدي القفاز وأنا أجمع الصقيع

كما يبث الشاعر بعض رؤاه من خلال انسنة الكائنات والظواهر وتوظيفها في سياقات شعرية جميلة فهو يستنطق الطير والنهر والغيوم والنجوم والزهور في محاولة للكشف عن تقاطع الرؤى في شأن بعض القيم الراسخة مثل التضحية والايثار والجدوى من استمرار البذل والعطاء التي نجدها واضحة في قصيدة (حديث الزهور ):

       قالت زهرة الجوري

       لجارتها زهرة الياسمين

       ان حياتنا بائسة نحن معشر الزهور

       لقد مللت عطري ولوني

       وانتهاك حياتي بإنوف الغرباء

كما تظهر الأنسنة ايضا في قصائد (غيوم متفرقة)، (النهر)، (بعوضة) و(ومضة) التي يجعل فيها من حياة النجوم حياة آدمية تنتهي بالانطفاء مثلما هي حياة البشر بعد سنوات من الكدح والتعب والعناء :

         وهي تسبح بين المجرات

         أحست فجأة

         بالتعب والارهاق

         لذا قررت ان تتوقف

         وان ترتاح قليلا

         ذرة الضوء

ان (صورة ملونة لشاعر) مجموعة شعرية شابة تجدد الثقة بقدرة الشعرية العراقية على مواصلة العطاء وتقديم الجديد الضامن لديمومتها وألقها .